عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - نبيل دمان

صفحات: [1]
1
ذكريات قديمة عن سنجار

نبيل يونس دمان
من عمق جراحي لما المّ بقضاء سنجار من مآسي لا حصر لها عبر التاريخ، وآخرها ما تعرضت له على يد( داعش) ومن لف لفهم من اعراب ومرتزقة وأنجاس من مختلف بقاع الارض وقد تربوا في ازقة وساحات: رعاعاً، صياعاً، صعاليكا، لم يألفوا العمل والمدرسة والنظام بل العيش على قارعات الطرق متمرسين على الجريمة وانواع السلوك المنحرف فسهل على تنظيم داعش والقاعدة وكل فكر سلفي، ظلامي، تكفيري، تجنيدهم ثم تدريبهم وغسل ما تبقى من ادمغتهم، فاصبحوا لا يأبهون من ارتكاب الموبقات، والضرب بعنف، والقتل والذبح، فقد خلت قلوبهم من الرحمة والانسانية، يندفعون عندما يجندوهم الى العراق او سوريا ليقاتلوا بشراسة بل يفجرون انفسهم للالتحاق المبكر بالسماء والوصول الى حصتهم من حوريات الجنة، واذا صادفتهم حوريات الارض فانهم لا يقصرون في الاعتداء عليهم وهتك اعراضهم، واصابتهم بجراح عميقة لا يشفون منها ابداً.
هؤلاء الجحوش او الدعوش تركوا في صدري جرحا عميقا فسنجار( ܫܢܓܪ شنگار) التي انبثق اسمها من امارة قامت بعد سقوط الدولة الاشورية كما حصل في الرها والحضر وحدياب، تلك البلدة التي عرفتها وعشت فيها للفترة من 1977- 1978 مهندسا في الطرق والجسور، لذلك يطيب لي ان اروي ذكرياتي فيها بشيء من التفصيل اذ ربما اوفي بعض الدين في رقبتي نحو اهلها المعذبين:
في شهر اب من عام 1977 نسبني مدير طرق نينوى فاروق عبد القادر الى مشاريع سنجار فاخذني في اليوم التالي مساعده المهندس خالد ذنون الى مشروع ام الشبابيط- سنوني- بارا- ام الذيبان. وصلت الى قرية تابعة الى ناحية الشمال واسمها( خانصور) فتذكرت احد اقربائي الذي كان معلما فيها في اوائل الستينات، وعندما سألته عنها فقال لي صديق فيها اسمه( پير خلف) لم يكن بوسعي السؤال عنه لاننا عشنا في مخيم العمل خارج القرى نبيت فيه خمسة ايام وننزل الى اهلنا كل يوم خميس، ولكني التقيت بمعلمين من منطقتي منهم ناظم حنينا وعيدو من قرية بوزان. كنا نعمل على خط الطريق الجديد وفي احدى محطاته ورشة التصليح، ونسكن في الكمب( مجموعة خيام) وكرفان خاص بهيئة المشروع حيث كان المهندس المشرف عارف علاوي ولنا طباخ جيد من قرية( الشرفية) اسمه خوشابا رئيس عوديشو، هناك استرعى انتباهي امرين اولهم توزيع مناشير في خط العمل موقعة من قبل حزب البعث قيادة قطر العراق وكانت تهاجم سلطة البعث في العراق وتدعي القيام بعمليات عسكرية ضدها عبر الحدود، والامر الآخر صادف تسليم نفسه الى السلطات احد رجال الحزب الديمقراطي الكردستاني واسمه قاسم ششو ، ففي احد الايام جاء الى مخيمنا وجلس يتحدث معنا حول الطريق الذي تشقه آلياتنا، وربما كانت له بعض المطالب فلبيناها، وقد حظي باحترامنا ولم يغادر قبل تناول الطعام معنا، هذه الايام يشار له بالبنان كونه يقود مقاومة الأيزيديين ضد داعش ومن يساندها، اذن كان لي شرف التعرف عليه في تلك الفترة البعيدة زمنياً.
كان عمال المشروع من كل الاقوام والاديان من أيزيديين واكراد وعرب ومسيحيين وتركمان حيث لا زلت اتذكر مسؤول المشتريات عباس من اهالي تلعفر. عمل والدي في المشروع بصفة فورمن نجارين، وكان موجودا قبلنا المرحوم اسحق حنا سابيوس، حيث كان سائقا لقلاب نوع مارسيدس، في الفترة الاولى كان ينقلنا انا ووالدي من والى القوش في نهاية كل اسبوع، في احد الايام ونحن في الطريق فاجأنا قطيع أغنام يجتاز الشارع عرضاً، فلم يستطع العم اسحق السيطرة على السيارة فصدم عدداً منها، تناثرت اشلائها، ولم يتوقف ابدا بل مضى في طريقه. في المشروع كان لدينا معمل بولوني الصنع متنقل للتصليح الميكانيكي، باستمرار كان يتوقف بسبب سخونة مضخة حقن الوقود، والوقت شهر آب اللهاب حيث درجات الحرارة مرتفعة، فكان عارف علاوي يضحك على الصناعة الاشتراكية ويقول لي: بعض السواق يضطرون لوضع بطيخة فوق الفيت بمب المذكور حتى يبرد!!.
لم تكن تتوفر سيارة جدية لتنقلي فأجِرَت سيارة بيك اب تيوتا لصاحبها حسين عقراوي، كان حسين طيباً وكان لا يجيد العربية فكنت اتفاهم معه ببعض الكردية التي تعلمتها في سوق القوش، في احد الايام روى لي ما يلي: سيدا( بمعنى استاذ) كان هناك زوجين يغطون في نوم عميق داخل بيتهم، واذا بوقع اقدام على سطح الدار، فزّت المرأة من نومها فهزت زوجها قائلة " دنگي لسَر باني" اي هناك اصوات على السطح، فقال لها" ݘو نِنا، أن صيا، أن جتيا، أن شرطيا" اي ماكو شيء اما يكون كلبا او جحشا او شرطيا، وقد اعجبتني وطلبت منه مرارا تكرارها.
تسنى لي رؤية قرية بارا الايزيدية المهجرة فكانت مزارعها تبهرنا وكذلك عيون الماء في كل مكان تروي تلك السفوح من اشجار الفواكه المختلفة ويختص جبل سنجار بالتين المعروف في كل العراق، ولكثرة كمياته في موسمه كان يجفف ويغرز في خيوط متينة ويصبح كما القلائد التي تعلق في الرقبة من الاحجار او المعادن النفيسة، عندما اتواجد في القوش اصف لهم بارا الجميلة فيقول اهلي بان مضمدا القوشياً اسمه شابا گولا عمل فيها فترة الخمسينات واشتهر في عمله بمعالجة الفلاحين المرضى، واكتسب خبرة جيدة اهلته ان يطلق اهالي القوش عليه اسم شابا دكتور.
بعد حوالي خمسة اشهر نقلت الى الجهة الثانية من جبل سنار حيث تسنى لي رؤية قضاء تلعفر لاول مرة، ثم سنجار البلدة التاريخية القديمة والجميلة بجبلها وسهلها الواسع الذي كان في ربيع 1978 يعج بالأيزيديات بملابسهن الفضفاضة الزاهية وهم يعملون في الحقول الزراعية وفي تلك الفترة رأيتهم يجمعون الكعوب( ܠܓܢܐ لگني) للاستهلاك المحلي وما يفيض منه كان يشحن الى الاسواق.
سنجار متعددة الاعراق والغلبة للأيزيدية وفيها مزاراتهم ومقامات شيوخهم وابرزها مرقد شرف الدين، اضافة الى ثلاثة مساجد وكنيستين، شاهدت فيها عيون الماء الحار شتاء الى درجة يتصاعد منه البخار واثار ذلك اعجابي، وكذلك رافقت المهندس بهزاد رمضان عبد الكريم الى قمة الجبل حيث كان يجري فتح طريق من سنجار الى سنوني، كان الهدف واضحا لاغراض عسكرية، لكن الجبل كان يضم العديد من القرى( والتي رحلتها السلطة في فترة سابقة اثر مقتل قائمقام سنجار عام 1972)  ومع ذلك بقيت تجمعات للرعاة شاهدتها بام عيني، حتى صورت احد الرعاة وقد حمل نعجة صغيرة فوق رقبته( للاسف لم اتمكن من الحفاظ على تلك الصورة).
الغزال ولد الظبية الرشيق الجميل يكثر في براري الجزيرة شبهت الجميلات به فاطلقوا اسمه على العديد منهن، ومن التين صنعوا تماثيل الغزال ليس لبيعه بل لاهدائه الى كبار ضيوفهم، كما دخل اسم الغزال في اغانيهم الجميلة حيث نمط الغناء الشنگاري متميز، اتذكر مهاجراً من سنجار في القوش عام 1963 اسمه فقير، يرتدي الخرقة السوداء، ويطلق لحيته وشاربيه، كان يسكن مع عائلته في بناية( المسلخ) جنوب القوش ولا تفارقه آلة البُزُق( الطنبور) وقد تفنن في ربط خيوط بيديه التي يمررها على الالة ومن الجهة الاخرى تحت طاولة خشبية ترتبط بدمية غزالة( تحببا سمّاها غزالوك) صنعت من الاقمشة وجرى حشوها فيعزف ويحرك الخيوط لترقص الغزالة على انغامه، وعندما يسحب خيطا معينا ترخي الغزال قوائمها فتجلس ليتوقف ويقول الغزالة تطلب( شاباش) فتنهال الهبات النقدية عليه، فيعاود العزف والغناء بصوت مبحوح، فتنهض الغزالة لترقص ثانية على انغام اشجى واعذب.
بترحيل القرى فقدت سنجار ظهيرها القوي وكذلك عمادها الاقتصادي من الفواكه وانواع التبوغ حيث تتخلل ذلك الجبل الاشم كهاريز الماء والعيون والينابيع كل تلك المعالم عبثت بها السلطة الدكتاتورية، لا ادري ان كان السكان في العقود الاخيرة قد تمكنوا من اعمار قراهم والسكن فيها لانني شاهدت مجمعات قسرية ضخمة للايزيدية في سهل سنجار واسمائها لا تزال ترن في ذاكرتي القحطانية والعدنانية والجزيرة وتل البنات وتل القصب، يتوسطها معسكر ضخم لجيش السلطة.
اصبحت اعمل في مشروع سنجار- ام جريص والاخيرة قرية عربية صغيرة تبعد بضعة مئات من الامتار عن الحدود السورية وحوالي 50 كيلومتر عن سنجار التي يبعد مركزها حوالي 130 كيلومتر شمال غرب الموصل، كان زميلي المهندس مؤيد زبير مشرفاً على المشروع، ورئيس العمال أيزيدياً اسمه اسماعيل من سكنة المجمعات، جلب انتباهي قامة الايزيديين الطويلة، هيئتهم، وهندامهم الذي يستوقفك طويلاً وكأنك امام انسان قديم من بلاد ما بين النهرين، اتذكر مرة زار احدهم القوش برفقة ميخا جلبي تولا فاصطحبه الى الكنيسة، فرأيته كث الشاربين مسترسل الشعر على شكل ضفائر طويلة، وبعد استقراري في سنجار احتجنا الى عامل يساعد طباخنا شليمون من قرية( باختمي) فجاء شليمون يوما ومعه نفس الرجل الذي رأيته في الكنيسة فقلت: ما اسم هذا الرجل الأيزيدي؟ فقال: اسمه ابراهيم حنا فرجعت الى الخلف، ماذا تقول يا شليمون، فقال، يا استاذ هناك عوائل مسيحية لا تختلف عن الايزيدية فهم لا يجيدون من لغة سوى الكردية، تعرفت على اسرته التي كانت تسكن سنجار، وفيما بعد في فترة الانصار التقيت بابنته ليلى وقد تزوجت شاب من اهالي دهوك اسمه نبيل التقيت بهم في قرية( كاني بلاف) على قمة جبل متينا عام 1983.
في كمب المشروع قرب سنجار فاجأني احد الحراس كبار السن بقوله: دير بالك علينا استاذ فانت خال الاولاد، لم افهم قصده، وعندما رويت ذلك في القوش، قالوا: انه من تركمان تلعفر المتخذ من ارمنية زوجة له، وعلمت ايضا بان المئات مثله كانوا متزوجين من ارمنيات وقعن اسيرات او انقطعت بهن السبل في سني الحرب العالمية الاولى.
سائق المهندس مؤيد زبير واسمه شيت(على اسم النبي شيت المشيد له مسجدا كبيرا فجره داعش بعد غزوه الصحراوي لموصل الحضارة في الصيف الماضي) نقلني فجر احد الايام من الموصل الى سنجار، وبعد قرابة ساعتين خرجت سيارته من الطريق وعبرت الرصيف( الكتف) وانا بجانبه ارقب الوضع بقلق مرددا" الله يستر" وانتقلت السيارة الى الاراضي التي تتخللها صخور بمختلف الاحجام، واصبحت على وشك الانقلاب او الاصطدام باحدى تلك الصخور، عندها فقط انتبه شيت وركز لما يجري وبسرعة ضغط على دعاسة الفرامل فتباطئت السيارة حتى توقفت، فيما ثارت عاصفة قوية من التراب حولنا، نزلنا من السيارة وكل واحد جلس صامتا لبرهة، ثم بادرته بالقول" خير شيت ماذا حصل؟" ، فقال" يا استاذ كنت نائما"، وقد نجونا من حادث عرضي لم يكن في البال.
بحوزتي كتاب اسماعيل جول بك الذي يروي عن معالم سنجار وجبلها وقراها ونمط حياتها في بداية القرن العشرين ويروي كذلك جولاته في مستوطنات قومه في سوريا وحتى حلب ثم تركيا وحتى روسيا والجمهوريات الآسيوية، وتناول الكثير من الباحثين مآسيهم وما عانوه من  اضطهادات تعرضوا لها وحملات ابادة( فرمانات) ولكنهم تشبثوا بدينهم القديم وبأرضهم.
 

في الوسط مساعد مدير الطرق المهندس خالد ذنون، الى يمينه كاتب السطور، والى يساره المهندس مؤيد زبير، والباقي بعض منتسبي مشروع سنجار- ام جريص، ربيع 1978.

ايزيديون من سنجار وقد غطى التراب وجوههم النضرة وهم يهربون من( داعش)
nabeeldamman@hotmail.com
U.S.A. January 25, 2015




2
تخرج دورة جديدة لتعلم اللغة الارامية من كلية كويامكا في سان دييغو


نبيل يونس دمان
     شهد الاسبوع الماضي احتفالنا نحن طلاب المرحلة الاخيرة لدراسة اللغة الارامية القديمة، وقد علمنا باقتدار وحضور دائم وصبر طويل القس المعلم ميخائيل بزي الغني عن التعريف، ومنحت لكل تلميذ شهادة تخرج ومن الطبيعي ان تتدرج مستويات الطلبة من الوسط الى الامتياز، فقسم منهم درس سابقا في السيمنير وقسم اخر دخل مراحل اعداد الشمامسة وقسم ثالث درسها في صغره في الوطن الام، كانت بخاصة بلداتنا وقرانا في حدياب وسهل نينوى ونوهدرا تشجع تعلم اللغة خصوصاً في اروقة الكنائس.
     لقد كان يوما مشهودا حيث ودعنا رحلات الدرس والسبورة ووجه معلمنا، ولكن اكتسبنا الحرف الجميل الذي نحته انسان بين النهرين قبل الاف السنين، فعندما نرسمه على الورق او نقرا كلماته في الاسفار القديمة ينتابنا الزهو فيصبح ما كان مجهولا امامنا حقيقة حررتنا من جهلنا ومن رحمة المترجمين بمختلف امكاناتهم ومدارسهم وحتى اهوائهم. اصبح الاعتماد على انفسنا في ان نشق طريقنا الى المزيد من الدراسة سواء بمجهود فردي او جماعي، ومن الطبيعي ان يكون صقل الانسان بلغة جديدة يعتمد على متابعتها ورصد وقت مناسب لذلك حتى يتمكن منها فتبرز مواهبه ويواظب تعليمها ما امكنه ذلك او الدعوة الى تعلمها للاجيال الجديدة كي لا تمحو من الوجود بعد ان بقيت حية تقاوم قرونا طويلة من التهميش والإلغاء والاضطهاد.
يطيب لي انا الذي درست المرحلة الثالثة منها ان ارفق موضوعاً كتبته قبل مدة ان( لماذا درس اللغة الارامية؟) :-
     بإعتباري من ابناء بلاد النهرين، التي ارست معالم حضارة أولى في صرح البشرية، ثم إخترع ابن الرافدين الكتابة وطورها، وانبثقت اللغة التي ابتدأت صورية، ثم مسمارية، ثم تحولت الى احرف ونقاط وحركات عبر قرون طويلة. غدت لغة شاملة، رشيقة، ورصينة، سادت بلدان الشرق القديم، ولكن بعد انهيار امبراطورياتها العظمى ودخول الفاتحين من اجناس مختلفة من: فرس، عرب، اتراك، اكراد، وغيرهم اليها مما ادى الى اضمحلالها وضعف تداولها، ولكنها قاومت الزوال محروسة كبؤبؤ العين من الغيارى خصوصاً رجال الدين المسيحيين الذين واكبوها في طقوسهم، صلواتهم، ودراساتهم دون انقطاع رغم الانقسامات التي نخرت في جسد الكنيسة.
     يؤلمني هذا المصير للغة قومي العريق، وانا في كهولة عمري حيث لم يسعفني الحظ في تعلمها صغيراً، وانطلاقاً من الحكمة الدارجة ان ليس متاخراً ابداً ان تبدأ، ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة، على الانسان الطموح مواصلة الحياة بجدية كما شرع بها وحتى نهايتها، حين يجرع كأس المنية ويلتحق بقافلة الراحلين والراقدين على رجاء القيامة.
     تشدني رغبة قوية في تعلمها لانني منذ عقود امارس الكتابة خصوصاً في حقل التراث والماضي الجميل الذي عشناه قبل حلول عهود الدكتاتورية والتطرف الديني، والكتابة كما تعلمون تستند على مادة اولية وهي المطالعة المتواصلة كماً ونوعاً، هنا واجهتني كلمات واشعار وحكايات باللغة الارامية، لا استطيع قرائتها، والان منّ الله علي بنعمته في تعلمها على يد معلم قدير وهو القسيس ميخائيل بزي المحترم، وبمشاركة نوعية من تلامذة نجباء ، بعضهم يكبرني سناً، وبعضهم في اعمار الزهور، واحدهم دخلنا الابتدائية في العام الدراسي 1958- 1959، وآخرٌ في المتوسطة للعام 1964- 1965، دار الزمان بنا وبعد اكثر من نصف قرن على افتراقنا التقينا هنا على طاولات الدرس، هذا المكان المتطور الذي يعج بالحياة وينبض بروح الشباب وبطالبي العلم من مختلف الجنسيات.
      انها نقطة تحول كبرى في حياتي وانا اتعلم لغة آبائي واجدادي، معاهداً نفسي ان اواصل التعمق بها والغور في اعماقها ما امكنني ذلك، واظل اتذكر وجه استاذي المرح وهذه الوجوه الطيبة التي زاملتني هنا، في قابل الايام، في الحياة العامة ب سان دييغو، وفي كنائسها التي هي مفخرة إنسان بيث نهرين في طراز بنائها، وقباب هياكل عبادتها، وهي من ابداعات الشرق الذي للأسف تسوده حالة الفوضى وعدم الاستقرار في هذه السنين العجاف، ومن خلل الظلام ارى شقوقاً يشع منها الضياء، ويتراءى لي المستقبل السعيد الذي اعقد عليه الآمال، بان يتحول حوض البحر الابيض المتوسط الى بحيرة سلام ونموذج للعالم اجمع، في ابعادها الدينية والتاريخية والحضارية.
والان الى اسماء الطلبة الذين درسوا معي:
1- سمير منصور خوشو
2- نوال انطون
3- سالم بتو
4- فرج بطرس
5- نوئيل يونس دمان
6- روي كيسفورد
7- فرج يونس حلبي
8- نوئيل حنوش
9- انثوني هيراس
10- ريتا جعدان
11- انثوني منصور
12- لمياء موسى
13- نادر نوح
14- صباح اوراها
15- صباح جيجو رئيس
16- نضال سلمان رمو
17- لويس سيبو
18- نجيب شمعون
19- ثامر يعقوب
20- كاميلا حسقيال شدا
21- يونان يوسف
22- فرنسيس ميخائيل صنا
واخيرا ادعوكم لمشاهدة الصور التذكارية:

3
رثاء الى صديقي الراحل جاسم حنا قس يونان
نبيل يونس دمان
     عرفته منذ الطفولة فتىً شجاعاً، سريع الحركة، خفيف الظل، وفي فترة انطلاق الحركة الكردية عام 1961 تجمعت بعض عوائل من قرى المزورية خلف جبل القوش في محلة سينا بسبب القصف الجوي لها فاصبح جاسم يتعلم منهم الكردية بسرعة اضافة الى تواجده في دكان والده في السوق، اتقن الكردية تكلما وولعا برجالها وملاحمها وفولكلورها. اتذكر كيف كان معتزاً بالشهيد هرمز ملك جكو وفي تلك الفترة انتشرت اغنية بالسريانية او السورث الدارجة تمجد به فكان جاسم ومن معه من اصدقائه في محيط" رش كوزا، او كركيزرتا" يغنون تلك الاغنية في تحدي للسلطة وكان بعضهم يقلد هرمز في مشيته ولباسه والطاقية الشهيرة التي تغطي رأسه وحتى في تقليد لهجته الاشورية الجبلية.
     تلك الامور جلبت انتباهي في الستينات، في صيف عام 1971 احاطت قوة سيارة كبيرة متقدمة من الموصل ومعها شرطة الناحية وجهاز الامن بالبلدة من جهة محلة سينا بهدف القبض على الثائر الخالد توما توماس، استطاع المذكور ان يفك الحصار ويخترق صفوف الاعداء بجانب اشجع رجاله، وعند وصوله سفح الجبل عند وادي" خووشا" التفت احد رجاله الى الخلف ليرى منيرتوما توماس مع جاسم القس يونان وهم مطاردين بشدة وتحت مرمى النيران، فصرخ الرجل بما رآه واستدار الوالد ليرد بكثافة على نيران العدو وكذا فعل الاخرون، فانقذ جاسم ومنير من خطر داهم ووصلوا الى بقية المجموعة بسلام، علما بان احد رجال الامن وهو العريف" سراج" كان اكثر اندفاعا للحاق بأبطال القوش فرُد على اعقابه.
     في حدود عام 1979 سيق جاسم الى خدمة الاحتياط وصار قريبا من موقع عملي كمهندس طرق في منطقة بالندة- بارزان اضافة الى مجموعة اخرى من شباب البلدة من مواليد 1953 فقمت بالواجب تجاههم بسبب معرفتي لضباط ذلك القاطع وامرائه.
     بعد عام 1990 في اميركا اصبحنا كلما نلتقي نعاود سرد ما تبقى عالقاً من تلك الذكريات، وفي عام 2002 كنت في زيارة الى ارض الوطن فالتقيت بأغا المزورية ابراهيم علي الحاج ملو في اربيل فابلغني بأيصال رسالة شفهية للفقيد جاسم يدعوه لزيارة كردستان وفاء للقيم النبيلة التي تحلى بها واهتمامه بالاخوة الاكراد المهجرين والمهاجرين هنا وحضوره مناسباتهم ونشاطاتهم وعلى رأسهم الطيب الذكر غازي الحاج ملو.
     قبل حوالي خمسة سنوات انتقل جاسم لعدة اشهر الى كاليفورنيا وهو يعرف مدى اهتمامي بجمع الاحاديث والوقائع التراثية، فأهداني نسخة من كتاب هرمز ملك جكو( 1930- 1963) الصادر في دهوك عام 2008 – تأليف وصفي حسن رديني، الذي احتفظ به بإعتزاز في خزانة كتبي، كم كانت لقائاتنا الى ساعات متأخرة في نادي" كرستال بول" جذابة وممتعة فنجلس مجموعة حوله اذكر منهم الفقيد سعيد سيبو ونجيب الياس حنو وجورج شوشاني وادور ابونا  ومتعهد النادي بهجت حنا قودا وغيرهم وكلنا آذان صاغية الى حكايات جاسم المشوقة واغلبها ذات طابع كردي مثل: ميم وزين، خجي وسيامند، عمي كوزل، فليتي قتّو، وغيرها كثير، وعندما يصعد عنده الحماس يشرع بالغناء محركاً يديه في الهواء وكأن بيده الرباب، لم تشبع نهمنا من تلك الجلسات وافتقدناها من يومها حيث عاد الى ديترويت وعكفنا على الاتصال به تلفونياً بين فترة واخرى، لنسترجع بعض تلك الحكايات المنعشة للقلب الذي لا زال ينبض بحب الوطن وتراثه الغني الشامل لجميع الملل والمذاهب.
     كنت يا جاسم طيب المعشر، بهي المنظر، غني المصدر، وضحكاتك تملأ المكان بنكهتها الخاصة، سنفتقدك وقد غادرتنا الى الابد من فوق ارض مشيكان اثر مرض عضال لم يمهلك طويلا، الف رحمة على روحك والسلام والبقاء لأولادك واحفادك وباقي اسرة رابي يونان المعروفة ولجميعهم الصبر والسلوان.
كاليفورنيا في 21- 9- 2014

4
هكذا غادرت القافلة الاخيرة من المسيحيين الموصل
نبيل يونس دمان
     ان اضطهاد المسيحيين في العراق موجود على مر الزمان، والتفرقة والتمييز ازائهم عايشناها كلنا، ويطول الحديث عن كل ما لا قيناه من المستوطن الذي غزا بلادنا قبل 14 قرن، واشتد بخاصة بعد فراغ العراق من سلطة قوية، ومجيئ ديمقراطية هزيلة لا تقوى على الصمود امام الظلاميين والتكفيريين واعوان النظام السابق.
     السلطة في بغداد هي الملامة في الاول لكل ما حصل بسبب طائفيتها وقلة تجربتها في ادارة بلاد انهكتها الحروب وتتعدد فيها الأثنيات والقوميات، لم تحسن التعامل مع خصومها سوى بصب المزيد من الزيت على النار الطائفية التي اشتعلت بعد غزو العراق، كان الوضع المربك وغير المستقر قد تفاعل في الثلاث سنوات الاخيرة ما عرف بالربيع العربي، فاقيمت منصات خطابة على طريقة ما حدث في مصر وتونس والبحرين وغيرها من بلدان المنطقة، لقد اقترفت حكومة المالكي خطيئة مميتة في ضرب تلك المنصات والخيام في الرمادي وطوزخورماتو وسامراء والموصل، فأججت النار المشتعلة اصلاً، ثم تزاوج الوضعان السوري والعراقي زواجا غير مقدساً بزحف ما يسمى( داعش) مع بقايا البعث والناقمين على الاوضاع الى بعض محافظات العراق وخصوصا الموصل التي تعادل بغداد في اهميتها.
     للان لم نفهم لغز سقوط الموصل السريع بيد داعش ومن لف لفها، ولا نفهم ايضا ما هي مقبلة عليه المنطقة، حيث تتخندق ثلاثة اقاليم( سني- شيعي- كردي) لا اريد بل يصعب علي طرحها بالاسماء هكذا لان ذلك يتنافى مع تربيتي الوطنية وايماني بوحدة العراق، لكن ذلك للاسف موجود على الارض، من منكم لم يشاهد الخرائط التي تقسم البلاد في امهات الصحف العالمية ووسائل الاعلام المختلفة.
     تشبث المالكي بالسلطة وما سمي بالولاية الثالثة، دون ان يلقى الترحيب لا من شعبنا في الاقاليم المنوه عنها جدلاً، ولا من المنطقة، ولا العالم، وعلى نفس الاساليب التي اتبعها في دورته الثانية والتي دفعنا نحن العراقيون ثمنها حتى اليوم، ازاء استياءنا من المالكي ومن يؤيده ويدفعه في استقطابه الطائفي وتحوله الى دكتاتور يصعب انزاله من منصة الدكتاتورية، جاءت مفاجأة الموصل وسرعان ما رفع القادمون الجدد كل العوارض الكونكريتية والسيطرات من الشوارع وصارت منطقة الغابات تستقبل العوائل المتعطشة للنزهة، فاستبشرنا خيراً وقلنا ربما تشكل هذه الورقة الجديدة عامل ضغط على المالكي وحكومته.
     تمادى القادمون الجدد في تعاملهم مع شعب نينوى العريق وتراثة الانساني والحضاري، وصاروا يستهدفون المعالم التاريخية من انصاب ومزارات ومراقد وكنائس، حتى وصلوا الى اخلاء مدينة الموصل من مسيحييها تحت بنود الجزية المقيتة او تغيير الدين او حد السيف، كل هذه الاوضاع المتسارعة الاليمة وحكومة المحاصصة في بغداد لم تعمل شيء، بل عاجزة وضعيفة لا تقوى على الدفاع حتى عن حصنها الاخير في بغداد، وفي ذات الوقت لا تستقيل  وتنسحب لفشلها وتعتذر للشعب العراقي لتحل محلها بسرعة حكومة انقاذ وطني تضع حلولا لازمات العراق الخطيرة على المنطقة وعلى العالم.
     في عصرنا الراهن يقوم ابو بكر البغدادي بنصب نفسه خليفة للمسلمين، ليس في مكة او بغداد او دمشق بل في الموصل، ويعلنها دولة الخلافة تمتد من حلب- الرقة- دير الزور الى الموصل والرمادي وتكريت، انها مساحات شاسعة لا يستهان بها، ولكن ما مدى نجاح هذا المشروع الذي لا يلقى من يؤيده على الساحة العالمية والاقليمية، واين معايير العدالة فيه، واين حقوق الانسان ولوائحها التي تعلمها جيلنا والاجيال التي سبقته وحفظها، فكيف لهذا الفكر الظلامي ان يسود وسط صمت العالم المطبق من الناحية الفعلية، اما الاقوال والتصريحات فما اسهلها وانها  تذهب بسرعة ادراج الرياح.
     اود هنا توجيه التحية الى آخر المسيحيين المنسحبين من الموصل، وان انحني طويلا امامهم، حيث لم يرضخوا لتغيير دينهم ولا لدفع الخاوة( الجزية) وضحوا بكل شيئ  وخرجوا بملابسهم كما قال المسيح( اترك كل شيء، احمل صليبك واتبعني) القافلة الاخيرة لم تحمل شيئاً الا ايمانهم العميق بربهم ومخلصهم المسيح الذي الهمهم في صعوده الى الجلجثة وهو يتعمذ بدمه. لقد صعب على ذلك القوم الاصيل قليل العدد( من 100 الى 200 فقط) وهو ما تبقى من مئة الف كانوا في الموصل قبل 2003، صعب عليهم قبول معتقد بالإكراه، تحملوا اقسى درجات التحمل منذ سنين وهم يرون كل يوم دماء الابرياء تسفك في شوارع الموصل، على ايدي تتعدد الجهات التي توجهها وتقف خلفها في العشرة سنوات الاخيرة.
     تبقى القافلة الاخيرة التي خرجت من الموصل مرفوعة الرأس بايمانها، وثباتها، بتحملها ليس فقط الاسابيع الاخيرة المرعبة من جانب المسلحين، ومن جانب طائرات الحكومة وازيزها فوق الرؤوس، ومن عصابات القتل والسرقة، ومصادرة الاملاك، واحتلال بيوت الله، واديرة الرهبان المحرومين من ملاذ الدنيا، والمنقطعين للصلاة والتعبد لإرضاء الخالق. ينبغي ان يستقبل هؤلاء من قبل من يأويهم في ضواحي نينوى وفي الاماكن الاخرى استقبالا يليق بهم، يجب ان توليهم الاهتمام كل المنظمات الانسانية، والكنيسة بخاصة تضعهم تيجانا وامثلة امام العالم اجمع، هؤلاء هم المؤمنون الحقيقيون، قد وضعوا ارواحهم على اكفهم ولم يرضوا بالذل فتمسكوا بدينهم وعقيدتهم، انهم لم يدفعوا الجزية ولم يشهروا اسلامهم بل عرضوا انفسهم للموت وللسيف الظالم، انه نفس السيف على مدار القرون الذي حصد الآلاف من آبائهم واجدادهم في ظروف مماثلة، على يد شابور الثاني 341م، على يد المغول والتتار 1258م، على يد نادر شاه( طهماسب) 1743م، على يد ميري كور 1832م، على يد بدر خان 1846م، على يد السلطان العثماني 1914م عندما اصدر فرمانا بقطع رقاب المسيحيين، على يد بكر صدقي 1933م. يا لها من مفارقة ان يعيد التاريخ نفسه كل مرة على شكل مآسي ومهازل.
     الدين براء مما يرتكب اليوم باسمه من موبقات وجرائم، الله خلقنا جميعا وكلنا صنعة يده فكيف ندافع عنه ونجيش خلقه لمحاربة بعضنا بعضاً، اليس قادراً على كل شيء؟ هراء هذه الادعاءات ومغزاها واساسها معروف ولا ينطلي على عاقل، و كل ما يحدث باسم الدين هي مصالح دنيوية زائلة في الاستحواذ على جهود الاخرين واملاكهم، في السيطرة على الاموال والنساء، وشغل مراكز سيطرة وقوة غاشمة. الدين وجد لعبادة الله، الدين مسامحة، الدين فرائض الصلاة والزكاة وعمل الخير، وهداية الناس بالاقناع وبطرق تقديم الخدمة الأفضل، والتباري بين كل الفرق الدينية في ما تقدمه من مكاسب مادية وسعادة للناس، لا الخوف والرعب والحزن المخيم، ولا العنتريات، وامتشاق السلاح، وتغطية الوجوه، وحمل رايات الموت السوداء، وفرض احكام وشرائع لا تنسجم الا مع سكنة الكهوف، لقد بلغت الحضارة قرنها الحادي والعشرين، لا يمكنها التراجع عما انجزته خبرات وتجارب الشعوب من لوائح انسان الى مواثيق امم عبر القرون، هؤلاء الظلاميون والرجعيون والسلفيون ليسوا سوى مرضى الألفية الثالثة والآفة الخطيرة ووباء ينبغي استئصاله بايجاد العلاجات اللازمة على المدى الطويل، حتى لا يستفحل هذا المرض ويستشري في العالم اجمع، ومن اجل ان تتعافى الاجيال القادمة.
     نحن مسيحيوا العراق نلوذ بانفسنا ونهرب تاركين كل شيء ورائنا من ممتلكات وارث اباء وقبور اجداد، ماذا بامكاننا ان نفعل وقد خذلنا الجار وخذلنا عالم المصالح، صدقوني لو كانت لنا امكانيات ودعم لتصدينا لكل من يمسنا بضرر دون ذنب ارتكبناه، الجبن هو الاستقواء على الضعيف والفقير، اننا مجموعة قليلة وقليلة جدا لا تصمد امام الواقع، وتنتهي بسرعة كما ورد الصباح وزهر الأقاح، لو فرضنا ان الكنيسة لم تحرق بعد واننا لا نصدق القيل والقال ولا نتكلم شيئا، هل نستعيد حريتنا واماننا ووجودنا؟ ثم ما فائدة الكنائس في الموصل وهي موصدة تخلوا من المؤمنين، وكيف سيعودون اليها؟ اخواننا المسلمون كلما تحتدم حروبكم الطائفية او الدينية تصبون جام غضبكم علينا، هل هذه رجولة، هل هذه عدالة، هل هذا مفهوم العين بالعين والسن بالسن، هل هذه انسانية وهل هناك ضمير حي يقبل بكل ذلك. نحن عزل وقليلي العدد وحتى عندما كان عددنا كبيرا لم نعتدي على احد، بل تحملنا الاعتداءات المتكررة منذ فتح العراق موطننا الاصلي امام غزواتكم القادمة من الصحراء، واليوم ندفع ثمن ذلك بالانتهاء والجلاء من ارضنا واسدال الستار على تاريخنا.
     المسيحية انبثقت من الشرق الاوسط قبل الفي عام، وافراغ المسيحيين منها بمثابة موتها في العالم اجمع، وتسليمه الى قوة السيف والمظالم الكبرى والمسالخ الرهيبة التي تنتظر البشرية، اترك كلامي مفتوحا للسامعين في ارجاء المعمورة.
23/ تموز/ 2014

5
سعدي المالح في ذمة الخلود
نبيل يونس دمان
     هكذا الحياة تفاجئنا، صحيح ان الموت ضريبة مفروضة على كل وليد، ولكنه زائر ثقيل يأتي على غير ميعاد، ودون ان يلقى الترحاب من احد. جسد سعدي يوارى الثرى، فيعود الى التراب الذي جبل منه، وروحه تسموا في الأعالي تذكرنا بالجهد الانساني والتألق وجليل الأعمال.
     صرح ثقافي ينهار في موت الدكتور الصديق سعدي المالح، عرفناه في لقاءات شخصية عابرة منذ السبعينات مراسلاً لجريدة طريق الشعب وعرفناه حتى آخر يوم عاشه وعشنا معه في رواياته وعطائه الثر وحتى خيالاته واحلامه، عاش متمرداً على الواقع، متنقلاً لا يرتاح له قرار حتى اتخذ أخراً في داينميكية وحركة دائبة، يبحث عن الأفضل ويختار الأمثل بما ينسجم مع العصر والممتد في تفكيره الى اعماق التاريخ حيث مملكة الرها وحدياب ونوهدرا وبابل ونينوى مفاخر التاريخ، من تلك الربى والقلاع استمد سعدي افكاره التي امتزجت بالعصر في تشعباته ومتغيراته، فلكل عصر راياته، كلماته، رجاله، وشعاراته، هكذا امضى سعدي عمره الذي اختتمه في عنكاوا البلدة المتلألأة في خارطة الوطن الحبيب.
     في موت سعدي تحسر وتاسف الكثير من العراقيين والناس في كل مكان ممن سمع به او عرفه، وبالاخص عنكاوا واهلها الطيبن فوق ارضها او من يعيش في الشتات، فقد طرق الحزن ابوابهم في تناقل الخبر الاليم، لقد تغنى بهم سعدي وكتب في مآثرهم وآثارهم وعاداتهم وفولكلورهم فرفع سقوف تلك البيوت. راويها الذي عاش طفولته في شوارعها الصغيرة، قرب كنائسها ومراقد قديسيها، وامام بيوتاتها الطينية، اثارته تلك البيئة فاطلقت يديه ليمسك الزمام والناصية، ويتمكن من لغات عدة ومعارف شتى اكتسبها وصقل نفسه بها في الشرق والغرب، وقد اعطى الفائدة في تجربته الادبية ليس فقط لبلدته ووطنه بين النهرين، ايضاً رفد الأدب العالمي مما جاد به قلمه وما نضح به فكره وقد استمد ذلك من عبق تراب عنكاوا، تلك الارض المثمرة التي انجبت سعدي هي قادرة ان تنجب مثله في المستقبل، وحاليا يحتل ابناؤها مساحة مرموقة في فضاء الادب والعلم والفن، لن يكون موته الا حافزا للمزيد من ابداع اهالي عنكاوا تلك المدينة الجميلة الغافية تحت سماء الاقليم الذي ينعم بالامن والاستقرار.
سيبقى سعدي في البال
رواياته تخصب الخيال
وفكره تقتدي به الاجيال
2014-05-31 



6
إسحق في ضيافة الغجر

 نبيل يونس دمان
     اعتاد اسحق الذهاب الى القرية المجاورة ( بهندوايا ) لطحن الحبوب لاسرته او للجيران . وهو المعروف في البلدة بخفة دمه ، حيث يجذب الناس الى الاستماع اليه ، كما ويمتاز بالرقص المنفرد ، خصوصا ً عندما عندما يتناول كمية من المسكر( العرق المصنوع محليا ً ) ، وعلى انغام مزمارعليكو ( علي حسن من قرية سريچكا ) ، كأن تكون : عسكري ، ملاني ، او غيرها . قلة من الراقصين يبلغون منزلته في الرقص ، وما يقدمه من حركات رشيقة ولوحات جميلة ، تارة بالدوران السريع ، او التوقف فجأة ، فيحني رجل واحدة ويرتكز على الاخرى ، هازاً اكتافه باستمرارية وتواصل ، حتى تتوقف الزورنة على نغمة واحدة ، تخترق موجتها طبقات الجو المحيط ، وتتواصل دون انقطاع حتى ينهض اسحق ، ويدور ثانية في الحلبة التي خصصت له على سطح بيت او فناء منزل ، او ساحة في الاطراف ،  وهي كبُركة وسط حضور كثيف من المشجعين له .
     في الثلاثينات كان يقام عرساً في محلة التحتاني ( ختيثا ) ، عندما اشرف حفل زواج احدهم على الانتهاء ، وقد لعبت الخمرة بالرؤوس ، نزل الى ساحة الرقص الأخوان ( متي و هرمز) ، بعد ان هزت طبقات الهواء تلك الانغام الشجية ، المنبعثة هذه المرة من مزمار والد عليكو ( حسن رشمالو ) ، ضرب الاخوان ارجلهما في الارض صعوداً ونزولا ، ودارا رافعين ايديهم تحية للجمهور الذي اكتظ بهم المكان ، ثم جلس كل منهم على رجل واحدة وشرعا على صوت المزمار يتبادلان ضرب اكفهم ، كف اليمين يقرع كف اليسار وبالعكس ، حتى  تعبت اكفهم ، فتناولا غليونيهما ( قلوني ) من خلف رقبتيهما وتبادلا ملامستها برشاقة وايقاع ، وفجاة طرحا الغليونين جانبا ، نهضا واستلا خنجريهما  ذوات المقابض الخشبية السوداء المرصعة بالفضة ، وهم يلوحان بها في الهواء ، داروا عدة دورات متأنية ، يقتربان من بعضهما ويبتعدان ، حتى اشتبكا في نزال رائع ( شِك .... شِك ) يضربان خنجريهما  الارض تارة ، او يلامسان نصليهما تارة اخرى ، وبحركات متناسقة منسجمة مع فيض الموسيقى التي ينفخ بها العازف مزماره ، وانهالت القروش على رشمالو ( شاباش .. شاباش ) هكذا والجمهور من الجنسين يصفق حتى كلـّت ايديهم واحمرّت ، وقضوا ليلة رائعة كانت مثيلاتها تتكرر في السابق . يا زماناً كان فيما مضى جميلا ً، ولياليه يخال المرء انها تمطر الفرح ، واللذات ، اما اليوم فيبعث في نفوسنا الكظمة والحسرة .
      عندما عاد اسحق من بهندواية وعلى مقربة من بلدته شاهد خيم الغجر، وتقرب من مجلس طربهم وقد خيم المساء ، تقول الحكمة : ان العروق التي تسري فيها دماء الطرب تكاد تغلي عندما تقترب من مضارب الغجر. هكذا انسجم معهم بسرعة ، علما بان شكله وملابسه لا تدل بالضرورة  انه من البلدة ، التي سألهم ببلادة عن إسمها ، ودار الحوار التالي باللغة الكردية :
- چي كندي أفا ( ما هذه القرية ) ؟.
- افا ألكيش ( هي القوش ) .
- چي مْلـّتن ، چي مذهبن ( ما اصلهم ، وما ديانتهم ) ؟ .
- فلايينا ( مسيحيون ) .
عبـّر بحركة من رأسه عن عدم رضاه وقبوله.
- بيجا هڤال ، تا كيڤا چي ( قل لي ايها الصديق ، الى اين انت ذاهب) ؟.
- ناڤ شيخي ( عند الشيخ ويقصد باعذرا مركز الامارة الأيزيدية ).
- ريكاتا دورا ، بنڤا ناڤ ما قربان ( طريقك بعيد ، نام ليلتك هنا ) .
  بعد تردد ربط حمارة في احدى ركائز الخيم ، وابتدا بالسلام عليهم ، فاستقبل بالطرب المعهود . وبعد قليل اصبح اسحق المتمكن من لعبته جيداً ، جزءا ًمن مجلسهم فطرَب وأطرِب . أمضى معهم ساعات وكأنه واحدا منهم ، على انغام الطبلة والعود نافسهم في الرقص الجميل ، ففرحوا به ، وقدموا له افخر العشاء ، وعند انتصاف الليل ، نهض يودعهم ، فحاولوا تغيير ما اعتزم عليه ، وذكـّروه بمخاطر الطريق الى باعذرا ، والليل لا يؤمن من اللصوص وقطاع الطرق ، لكنه اصر على الرحيل ، مدعياً ضرورة وجوده هناك مع تباشير الصباح .
     غادر اسحق مضارب الغجر، وبعد دقائق كان ينزل حمله من الطحين في البيت ، استقبله افراد اسرته ، وعبروا عن قلقهم العميق لتأخره ، حيث راودتهم شكوك بانه قتل في الطريق ، على اية حال اسبشروا خيراً بمقدمه ، واسرعت زوجته لجلب العشاء الذي جهزته قبل ساعات مضت ، قال لها اسحق بغنج :
- لا تتعبي نفسك يا إمرأتي ، فقد تعشيت عند اصدقائي الغجر.
     اعتاد الغجر ان ياتوا الى البلدة في مواسم غير محددة ، ينصبون خيامهم في الاطراف ، فتدب الحركة في تلك البقعة لعدة ايام او اسابيع يمضونها في تلك الاماكن ، فان كان الوقت شتاءً ، فان اعمدة الدخان تتصاعد عاليا ً من خيامهم ، وتتبخر في اجواء البلدة ، المغطاة بالغيوم والضباب .
     الغجر في ايران يقال لهم الغرشمارية ، او غريب زاده ( ابن الغريب ) ، او غربال بند ( صانع الغربال ) ، اما في مصر فالغجر عندهم تصحيف لكلمة القاجاري نسبة الى قبيلة تركية الاصل ، يقال ان اصل كلمة الكاوولي من كابلي اي نسبة الى عاصمة افغانستان – الكابل ، ويقال ايضا ان احد ملوك ايران واسمه ( بهرام جور) دعا من الهند نحو اثني عشر الف للهو والطرب ، والكاولية هم بقايا اولئك النازحين .
       الغجر قوم غريبوا الاطوار ، يتكلمون عدة لغات منها : العربية ، الكردية ، الفارسية ، والتركية . لا مكان ثابت يقيمون فيه ، بل ينتقلون من بلد الى آخر ، يعبرون الحدود ، ليست لهم دفاتر نفوس ، او جنسية معينة ، ازياءهم مختلفة عن باقي ازياء الناس القاطنين في تلك الاصقاع ، لا يمارسون الزراعة ، او يشغلون الوظائف ، ولا يذهبون الى المدارس . انهم يجيدون بعض الحرف اليدوية ، التي يتقنوها ، منها صنع اللعب ، الاراجيح ، ومهود للاطفال . تغني الام في بلدتنا بجانب رضيعها في المهد اغنية مطلعها ( دشاي لاي ، دركشتخ د قرجايي ) ومعناها : نام يا رضيعي نام ، في المهد الذي صنعه الغجر. ويقومون ايضا بتلبيس الاسنان بالمعادن الثمينة كالذهب ، او يصنعون الآلات الموسيقية مثل الربابة . او يصنعون الغرابيل ( أربالت ) والمسارد ( سرادِه ) . نظرا لانتقالهم الدائم وعدم ثباتهم في مكان ما ، ولضحالة ايمانهم ومعارفهم ، فانهم يمارسون كل انواع السرقة والدجل والكذب ، فلا ذات توبخهم ولا وازع يردعهم ، يسرقون حتى الاطفال ، واذا تغافل عنهم  اصحاب الدار ، فلهم المهارة والسرعة في سرقة الدجاج او اي شيء يقع في ايديهم . كانت جدتي تروي لنا طرفة عنهم فتغمرنا في الضحك حيث تقول : ان والدتها جمعت كل المواد لعمل غربال من ( طاري ، ووطري ، والاخشاب الرقيقة المدورة ) وجهزتها لتسلمها للغجر، فهم يتقنون تأطيرها وصنعها ، فاعطتها لاحدهم ، عند قدومه للاستجداء ، واوعدها ان ياتي بالغربال في الايام التالية ، وسيصنعه على احسن ما يكون ، فصدقته . وعند مجيء ابنتها التي هي جدتي ، بشرتها بالخبر السار في تسليم الحاجات الى الغجري ، فقالت ابنتها :
- امي ، واذا تاخر او لم يعد ، ما هو الضمان لعودته .
اجابت امها والابتسامة ترتسم على محياها :
-  يا ابنتي انا اعرفه جيدا وانتبهت الى احدى اذنيه ، فكانت مثقوبة .
 ضحكت ابنتها ، وبالتالي كانت تضحكنا ونحن صغار، كلما كررنا عليها باعادة سرد الحادثة ، فقالت لامها :
-  انتظري يا اماه عودة ذلك الغجري المثقوب الاذن ، وهو محمل  بالغربال المحكم الصنع .
هباء كان انتظارها ......  فلم يعد ابدا ً.
     رجالهم يكحلون عيونهم بشكل عجيب ، ربما بعض كبار السن من الاقوام الاخرى يفعلون الشيء نفسه ، لمعالجة مرض في العين ، ولكن رجال الغجر يفعلون ذلك للتبرج وجلب الأنظار. هناك مثل محلي يطلق على الشاطر بالقول ( كشاقل كخله مأينه د قرجيثه ) ومعناه ( ياخذ الكحل من عيون الغجرية ). نساؤهم يحبلن ويلدن وهن متنقلات من جهة الى اخرى ، اطفال الغجر ينبضون بالحياة بأعجوبة ، يحملون خلف الظهور في علايج مخروطية الشكل . يكسبون المناعة من حياتهم التي يكون الترحال جزءا ً اساسيا ً منها ، وبالتالي نادراً ما يتعرض الغجر للامراض ، وان اصابت احدهم وعكة فلهم علاجاتهم الخاصة . عندما تغفل إمراة ما طفلها ويسمع الجيران صراخه ، ينادون عليها " هل هو ابن الغجر ، حتى تتركيه طوال الوقت يغلرق في البكاء " .
    في الليالي يقيمون الحفلات الحمراء بالاستعانة بآلات الطرب التي ترافقهم في ترحالهم ، وبموسيقاهم الخاصة الراقصة ، واغانيهم الفلكلورية ، يقع الرقص والطرب ويشترك الشباب وتتمايل الصبايـا الى ساعات متاخرة من الليل ، انها رقصة الغجر المعروفة ، اعتقد ان هواة الافلام اللطيفة يتذكرون فلم ( الغجرية العاشقة ) الذي كان يعرض في صالات العرض ( السينما )  ببغداد فيما مضى ، عندما كانت الدنيا بخير، قبل ان يصيبها زلزال الدكتاتورية ، فحول كل شيء تقريبا الى فقر، قفر، ويباب ، وحتى هؤلاء المتنقلون ولقرون في مناطقنا ، لم يسلموا من سطوة الدكتاتورية ، فطاردتهم وقلصت حركتهم ، ان لم تبيدهم او تحولهم الى غير تلك التسمية المعروفة بالغجر.
 2008


7
مغزى زيارتي الى العراق
نبيل يونس دمان
    كالطائر المحلق أعود الى ارض الوطن كلما سنحت لي الظروف، إنها تعوض الفراغ الذي تركه بعدي البالغ أكثر من ثلاثة عقود. لم أهجر وطني حباً بالغرب او بدافع اقتصادي، بل مرغماً تركته في سني ظالمة كانت ماكنة الحرب تطحن شبابه وتيتّم أطفاله، وترمّل نسائه، هكذا تركت الخضوع ورائي عام 1982، وكانت سنوات عودتي اليه على التوالي: 2002، 2010، 2011، 2012، وما سيدور الحديث عن رحلتي المشوقة التي غمرتني بفيض من السرور، سيما وانني اصطحبت بكري وذخري المهندس رافد دمان، الذي ولد فوق أرض اليمن، ولم يتسن له رؤية الوطن بل كان يسمع به، وعلى الدوام يطالبني أن يرى تلك الارض التي لولاها لما كان أحدنا ينطق بحرف او يدون شيئاً.
     كالعادة إستقبلني الأحبة والاصدقاء بالترحاب وبادلوني المشاعر والأمنيات الطيبة، وكان هاجسي أن لا تطب لولدي الأمور في العراق، فيخيب ظني، لكنه برر ثقتي به وثبت ان التربية التي تلقاها منذ صغره لم تذهب هباءً، فأجاد التكلم مع الناس بلغتنا الام وللاسف لم يكن ينطق إلا القليل باللغتين الشقيقتين: الكردية والعربية، لكنه أصاخ السمع الى تلاوة القرآن الكريم من على مأذنة في مدينة الموصل وهو يصر أن يدخلها رغم المحاذير الأمنية، اما الكردية فقد حمل معه أغاني مسجلة على جهاز محمول وخصوصاً أغاني الخالد محمد عارف جزراوي، كم كانت دهشة الجميع وخصوصاً الاكراد بان الاغاني الكردية ترافقه ولا تفارقه إضافة الى الأغاني السريانية والعربية.
     يشهد الوطن تحسناً أمنياً خصوصاً في الأماكن المتوترة، لقد تعب الناس وهم بحاجة الى الراحة وقطع الصلة مع الرصاص وهدر الدماء الذي إجتاحنا طوال عقود بل منذ انتكاسة ثورة 14 تموز الخالدة في عام 1963. كفى يا موطن الأجداد إقتتالاً وصراعاً عبثياً، كفى ولتتوحد الجهود وليكن الإخاء والبناء شعار الجميع، ظني ان الثروات التي يختزنها الوطن تفيض الجميع بالثروة والنِعمة والسعادة، نحن أفضل بكثير من دول الخليج المجاورة فإضافة لاحتياطينا من النفط هناك الموارد المائية والزراعية والصناعية وقبل كل شيء الانسان الذي هو إستمرار لحضارات أولى في صرح البشرية من السومرية الى الأكدية فالبابلية والأشورية.
     تسنى لي حضور إحتفالات الذكرى الثمانين لربيع الحركة الوطنيةالعراقية في القوش لأول مرة أحضر حفلاً رائعاً، رأيت بأم عيني الأعلام الحمراء تخفق في الهواء يحملها فتية وشبيبة في اعمار الزهور وهم يلوحون بها مؤكدين استمرار النضال رغم ليل الفاشية الطويل الذي أفل قبل 11 عام، وجاءت الديمقراطية على أقساط ومراحل صعبة للغاية، ستنفرج الامور وتلوح في الأفق دعائم مجتمع عادل يرتكز على القوانين والذي يحتاج لبعض الوقت. أعقب إحتفال الحزب في قاعة وردة بعد أيام سفرة عائلية الى مصيف بهندوايا، ضمت السفرة موزاييك شعبنا من إسلام ومسيحيين وأيزيدية، وكذلك من مناطق الموصل والقرى العربية والكردية والتركمانية والايزيدية، فكان طابعاً شمولياً ينأى عن القومية الضيقة والطائفية المقيتة ويتبارى ويعبر عن التضامن والتآخي والمحبة والطور الاجتماعي الحضاري الذي يتحدى الظلام والسلفية ونحو عراق حر ديمقراطي وسعيد.
     وشهدت أيضا ولاول مرة مسيرة رأس السنة الآشورية البابلية( أكيتو) حيث حضرت منذ صباح الاول من نيسان الأغر ساحة تجمع الآلاف من حملة الأعلام البنفسجية والازياء الشعبية التراثية، وهم يلوحون باعلام شعبنا ويحملون شعارات النضال القومي المتواصل منذ أوائل القرن العشرين، مسيرة راجلة كبرى شارك فيها أبناء شعبنا من مناطق البلاد المختلفة، وقف أصحاب المحلات والدوائر امام محالهم يحيون المسيرة فيما وقف الناس من مختلف الاجناس والاعمار فوق أسطح منازلها مبتهجين وهم يصورون المسيرة الزاهية حتى وصولها أجمل منطقة في دهوك الا وهي كلي دهوك وعلى مقربة من السد السياحي  وامام جبل مرتفع، توالت الكلمات فالاغاني والدبكات والموسيقى الصادحة فيما صعد شباب أقوياء الى القمم العالية ليركزوا ويثبتوا الاعلام البنفسجية على الصخور العظيمة، فتخفق في منظر أخاذ جلب انتباه الجميع وخصوصا المصورين وقد لا يخلو مشارك من آلة التصور او التلفون النقال.
     آليت على نفسي ان ازور مثوى اجدادي كلما سنحت الفرصة والظروف، واخطط ان يكون قضاء فترة ما بعد التقاعد عن العمل في ربوعه، حيث يطيب لي ان يركن جسدي ترابه في آخر المطاف.
والآن الى بعض الصور التي التقطت للفترة من 22- 3- 2014 الى 5- 4- 2014


جسر الدلال في زاخو


  دير الربان هرمزد


القوش من على الجبل
 

حوض حجري مزخرف في دير الربان هرمزد


منظر من احدى قلايات دير الربان هرمزد


 بوابة بيت المرحوم الياس بتو بولا في القوش


بقايا قصر المرحوم عزيز ياقو في فيشخابور


 المسيرة البنفسجية في اكيتو بدهوك

 
تحت أقدام شيرو ملكثا في بهندوايا

8
وفي اللّيلةِ الظَّـلْماءِ يُفْـتَقَدُ البَدْر
نبيل يونس دمان
     حقيقةً شَهِدناها للأسفِ في رحيلِ صديقٍ عزيزْ، عَرِفناهُ مِنذُ الصِبا ومراحِلَ الشبابِ وفي بلادِ الغُربةِ، كان من معدنٍ نادرٍ وثمينْ، عَميقٌ في إدراكِه، متعددٌ في مواهبِه، منها نُظمُ الشعرِ وإتقان لغةَ آبائه وأجداده، عمل بدأبٍ ونشاطٍ في شؤون الجالية، والوطن الحبيب، وأولى إهتماماً أكبرَ في قضية قومِه الذي أصبح صغيراً في العدد، نظراً لقساوةِ الزمن، ظل سعيد لصيقاً بتلك القضية وبمصيرِها، وقد شبَّ على ذلك الإهتمام منذ ان كان طالباً في الجامعة التكنلوجية التي تخرج منها مهندساً كهربائياً عام 1976.
     كنتُ في السبعينات اُصيخُ السَمعَ اليه وهو يُغني" يونه دشلاما فيرا، تناشِه دماثا ميرَه، لا قطلوتن يوناثا، ولا جنقي وخماثا. خرسي كل طوبواثه، ومبرتخي كل رمحاثا، دخاهي جنقه وخماثه" انطلقت حمامة السلام، اوصت اهالي القرى:لا تقتلوا الحمام ولا الشباب. لتخرسَ المدافع وتتكسّر الرِماح حتى يعيش الشباب" عندما دار القتال في القوش عام 1973 حيث تعرضت لهجوم كبير فأستبسل ابنائها في الدفاع عنها ولم يَدَعوا المعتدين ينالوا مِنها، شأنُها في كُلّ عادياتِ الزمن، كان سعيد آنذاك في بغداد وقلبَه يرنوا إليها، فأنشد يقول" [bluered]مْپوخه د ألقوش ميثي يا يونه سامي[/color]" ايتها الحمامة هاتِ من هواء القوش حِصتي، ثم يواصل الشاعر" مباقيري گو كيفِد أني گبّارِة وبِشْ كبيرا پكيفِد طفلَح خَضارِه، مپلانِه فِشّگي مِن گارِه لگارِه" بلّغي تحياتي للابطال واخص سلامي الى ذلك الطفل الذي يُوَصّلُ الذخيرةَ من سَطحٍ لسَطح".
     كان يزورُني في جامعة الموصل بإستمرار وعَرّفته على اصدقائي ومنهم الفنان شاهين علي الذي أخذنا الى بيتِه في وادي حجر، وكان سعيد يسوق سيارةً جميلة من نوع رينو الفرنسية، في غمرةِ فرحِنا واهتمامِنا بتلك المنطقة الشعبية التي كانت تعُجّ بالاطفال والناس والحيوانات الداجنة، وفجأةً دهس سعيد بطةً من بَطّ تلك البيوت، فخرج اصحابه يطالبون بالثأر!! هنا تدخل الصديق شاهين وحُلَّ الإشكال بدفعِ ثمنٍ مضاعفٍ لهم، وسعيد مُنذهلٌ من ردّة فِعل هؤلاء البسطاء.
     بعد التخرج في عام 1976 التقينا مُجنّدينِ في الفرقة المدرعة العاشرة بمعسكر الرشيد، وافترقنا بعدها، وفي عقد الثمانينات اصبحنا نتواصل بالمراسلة وانا في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وحتى وصولي الى اميركا فصار اللقاء بيننا دائمياً.
     كان سعيد اجتماعياً الى اقصى الحدود، ونتيجة لذلك اصبح له عشرات الاصدقاء، اخلصَ لهم حتى النهاية ونال احترامهم جميعا وحاليا يتوزع هؤلاء في اقاصي المعمورة، من ارض الوطن، الى اوربا، استراليا، وهنا في الولايات المختلفة. في كاليفورنيا حيث قضى اكثر من نصف عمره، كان في مقدمة الناشطين في الحقلين القومي والوطني، بغض النظر عن تسميةٍ بعينها، يتحرك باتجاه الوحدة، ويمقت صراع التسميات الضار بقضية هذا الشعب المظلوم، وانا معه وغيرنا من المعتدلين كنا نتحاشى ان نسمي قوميتَنا بإسم معين، لئلّا تُثيرُ حَفيظةَ البعض من قُصارى النَظر، هكذا كُنّا نَنظرُ بِأخوةٍ ومحبةٍ الى الجميع، لا نَنفرِدُ ولا ننغلِقُ ولكن للاسف الذي نُقابله يوصِدُ ابوابَه أمامنا او لا يُريد ان يَفهمنا، تلك الامور كانت تؤثرُ على سعيد وحتى وهو في دوّامة مرضِه الخَبيث الذي داهمَهُ قبل ستةِ سنوات، ظلّ هو ذلك المدافعُ الامين عن قومِه ووطنِه.
     اتذكر في عام 2002 تمرض في مشيكان فزرته في مستشفى( وليم بومانت) الذي رقد فيها، كانت معنوياته كالعادة عالية، وابدى تأسفه وخوفه من ان يُداهمه الموت قبل سقوط حاكم بغداد، ولكن القدر امدّه بالعمر الذي رأى وفرح بسقوط أعتى دكتاتورية عرفتها البشرية، ذهب الى بغداد بعد السقوط وشارك في المؤتمر القومي الذي انعقد في بغداد، كما وزار بلدته في نفس تلك الرحلة، وتبقى زيارته الاخيرة ربيع عام 2012 والتي كنت معه الأكثر تأثيراً ووقعاً طيباً في نفسه، في تلك السفرة زرنا دهوك، اربيل، عنكاوا، دوكان والسليمانية، كانت سفرة رائعة في كل المقاييس، استمتعنا في احاديث الناس الذين التقيناهم في الوطن، وأعْجِبنا بكل شيء فيه وكما تركناه منذ عقود من السنين وكان طوالها نُصبَ أعيننا وفي أحلامِنا، كانت تلك بحق بهجَةُ ايامِّنا.
     للاسف اختطفَ الموتُ هذا الصديق من بيننا وسيبقى في بالنا لن ننساه مدى الايام، لقد ترك في رحيله إسما متألقاً، ومكتبة زاخرة بالكتبِ، واشعاراً دخلتْ العديد من نصوصِها في اغاني المطربين، وترك ايضا عائلةً محترمة: من زوجة، بنت، حفيدتين، وولدين احسن في تربيتهم، وانا اشبههم بشبلي أسَدْ او جناحي نِسرْ، لا اطيلُ فيهم الكلام، لانَّ امامَهُم الكثيرُ ليختطوا طريقهم في الحياة نحو ذُرى المستقبلِ السعيد، واثقٌ كل الثقة انهم سيبلغون ما يصبونَ اليه، يُطورّوا ما بدأهُ والدُهم، ويُحققوا ما لم يسعِفَه الزمنُ في تحقيقِه.
 اختتمُ كلمتي ببيتِ شعرٍ لأبي فراس الحمداني هو لسانُ حال الفقيد الغالي:
سَـيَذْكُرُني قومي إذا جَدَّ جِدُّهُمْ .......... وفي اللّيلةِ الظَّلْماءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ

                        پوش بشلامه خوره دزونه
مِن زْونِه وشِنِّه بْنيلَن خوروثَــــه         آنا وأث مْسَقْلَه بْهونَه ورَبوثَـــــــه     
گو كَشّيروثَه وْرخَشْتَه بنيخوثَــه          مْطيلِه لْمَدْ بئيلِه ولا پسانيوثَــــــــه
پْرقْلِه أَثْ طاوَه پْريشَه پْصِبيوثَه          كْليلِه لْتَنيثِحْ وِلْ خَرَيوثَـــــــــــــــه
لَزِلَّهْ مْبالِحْ أُمْثَنايوثَــــــــــــــــــه          وأثْرَدْبيثْ نَهرِن دْماطِه لْحيروثَــه
أثْ مَرَه ثيلِه مْقُرصْفَه ويلِــــــــه          شُعباذَه مِنِّحْ ما قَدَّه غْزيلِــــــــــــه
مْنَهْواثَه دِيِّحْ وِلْ كْيپَه پْخيلِـــــــه         گو كْيوِحْ ومَرِحْ ليثْ خا دْلَ شْميله   
زلِّه بشلاما خورَه دناشوثــــــــه          دوكِح بِتهويَه پَلْگه دمَلكوثَــــــــــه
وإن پَغْرِحْ لوِشلَه أُپرِدْ گالوثَــــه          گيانِحْ بِدْ فيرَه لْدوكَه دْزوروثَـــــه

كلمات ألقيت في سان دييغو بكاليفورنيا، يوم الاربعاء المصادف 9 تشرين اول 2013، على قبر الصديق الراحل والمهندس الشاعر سعيد يوسف سيبو.
nabeeldamman@hotmail.com
U.S.A Nov. 14, 2013

9


نبيل يونس دمان
 كاليفورنيا
24- 11- 2013

10
نصف قرن على استشهاد البطل الآشوري هرمز ملك جكو
نبيل يونس دمان
    بعد أيام قليلة وتحديداً في الأول من كانون الاول 1963 تمرّ خمسون سنة على استشهاد احد ابطال كردستان وهو هرمز ملك جكو، ولد هرمز في قرية كوري كافانا- ناحية زاويته- دهوك عام 1930 لابوين ناجيين من مجازر واهوال الحرب العالمية الاولى( سفر برلك) من آشوريي اقليم حكاري في تركيا حالياً، كان والده من تياري العليا ومتزوج من اخت ملك ياقو ابن ملك اسماعيل، عرف ملك جكو بشجاعته في المعارك التي خاضها في تلك الفترة، كان والده وكذلك ولده يفتلان شاربيهما بشكل ملفت، يضاف الى جسمهم النحيف غطاء الرأس المخروطي المصنوع من الصوف المكبوت( كُسيثا) الذي يعطي هيئتهم شكلا مهيباً يعيدنا آلاف السنين الى الوراء ايام ملوك نينوى العظمى من الاشوريين الذين بسطوا سيطرتهم وسطوتهم في جهات الدنيا الاربع.
     لم يكن هرمز عسكرياً لكنه كان جبلياً وسليل جبال حكاري العاصية والمنيعة حيث اجداده قاوموا تلك الظروق الجغرافية الصعبة لمئات السنين وهم محاطون بالأعداء من كل جانب، لقد ورث هرمز قوة تحمل آبائه وجرأتهم في إجتراح المآثر، كانوا يتفننون بالبطولة ويمجدون الابطال لا ترجف اجسامهم خوفاً ولا ترف اجفانهم هلعاً، بل كانت قلوبهم وكأنها قدّت من صخور تلك الجبال، لقد عاشوا قروناً قرب تلك الطبيعة القاسية وإنساقوا الى سننها وكبحوا جماحها، كانت لهم طرقهم في صيد الحيوانات البرية من نصب الكمائن( نوچي) ومعرفتم مسالكها وأوان تكاثرها، لقد قتلوا مختلف انواع الحيوانات البرية ونسجوا من صوفها ملابسهم واغطية رؤوسهم، ووضعوا ريش الطيور الجميلة وخاصة الكورتا فوق اغطية رؤوسهم( كُسيثا) بالوانها الجميلة فانتصبت علامة افراحهم واعتدادهم بأنفسهم، هرمز ملك جكو من تلك الطينة، صلب المراس لم ينحني ابدا امام الاعداء وامام اهوال الطبيعة، كان دائما يقول ان الرصاص لن يخترق هذه (مؤشرا بأصبعه على طاقية رأسه-  كسيثا) وهذا دليل على استهانته بالموت. هرمز سليل ذلك الماضي المجيد، من لم يسمع بقصة ملك خوشابا عندما صارع الدب وانتصر عليه *.
 

مصدر الصورة كتاب الاخ وصفي حسن رديني عن الشهيد هرمز ملك جكو
    الاشوريون في العراق معروفون بحبهم للعمل في الشركات ولهم قابلية في اجادة التكلم باللغات الاجنبية وخصوصا الانكليزية، كان هرمز في مطلع شبابه يعمل في الشركات الاجنبية خصوصا في كركوك حيث كان يعمل فيها اخيه الاكبر كوركيس، وعمل في مشروع سد دربندخان اواخر الخمسينات، يحدثني والدي يونس ياقو دمان عن معرفته لهرمز في طيب معشره وقوة ارادته، وكيف كان يتفوق على الجميع في لعبة البليارد بتسديده الممتاز للكرات.
     كانت علاقة بيت ملك جكو وطيدة مع بيت البارزاني ففي عام 1907 تعرضت بارزان الى هجوم تركي بقيادة محمد فاضل الداغستاني، فاستبسل البارزانيون في التصدي لهم بقيادة الشيخ عبد السلام الشقيق الاكبر لمصطفى البارزاني، ولكن الشيخ في النهاية اضطر الى ترك المنطقة والتوجه الى تياري في ضيافة المار شمعون في قوجانس واهتم به خصوصا بيت ملك جكو، بقي الشيخ هناك حتى عام 1908، لازال بيت البارزاني( خداني بارزان) يتذكر بامتنان ذلك الموقف الذي وطد العلاقة بينهما. في عام 1958 عند عودة الملا مصطفى البارزاني من الاتحاد السوفيتي قصد هرمز بغداد للسلام عليه، وعندما اندلعت الحركة التحررية الكردية في جبال كردستان ايلول 1961 كان اول شهيد للثورة اشورياً اسمه أثنيئيل شليمون من قرية دوري في برواري بالا استهدفته طائرة حكومية عندما كان يقاوم من على مأذنة العمادية، وكان هرمز جكو من اوائل الملتحقين في جبهة القوش، إسطحبه المرحوم شعيا ديشا الملقب( شعوكي) الى قرية بهندوايا التي تقع غرب القوش فالتحق بفصائل الحزب الديمقراطي الكردستاني، في البداية كان ضمن قوة غازي الحاج ملو ثم بعد فترة اصبح مسؤول قوة المسيحيين وبالترابط الوثيق مع الانصار الشيوعيين بقيادة المرحوم توما توماس.
     سرعان ما برز هرمز في المعارك مقاتلاً شجاعاً ذاع صيته بين الثوار واهالي المنطقة فيما ادخل الخوف والذعر في صفوف القوات الحكومية ومرتزقتها فخصصت مبالغ ضخمة من الاموال لمن يقتله او يأسره، وحظي بحب ورعاية زعيم الثورة الخالد مصطفى البارزاني وكذلك آمر هيز الشيخان حسو ميرخان. خاض هرمز جكو المعارك العديدة والكمائن والسيطرات على الطرق ومجموعته التي كانت تضم رجالا اشداء من كوري كافانا ونيروي وصپنا ودشت نهلة والقوش وغيرها، شملت تلك العمليات مناطق: قرى وبلدات سهل نينوى، فايدة، شوش- وشرمن، منارة وتل عدس، نمركي، دوميز، الموصل، وغيرها بعد خروج هرمز من احدى تلك المعارك ظافراً كتب له البارزاني الخالد رسالة  جاء فيها " لو كان لجيشنا خمسة مقاتلين من امثالك لحررنا كردستان".  
     في تلك الفترة كان يدير ناحية القوش المدعو سيروان الجاف، الذي تزايدت شكاوي المواطنين من رعونته وتصرفاته، لذلك نصب هرمز كمينا بتاريخ 2- 10- 1962 في وادي الكنود( لندي) وعند مرور سيارة مركب الاسنان المرحوم يونس رحيمه والتي ظن هرمز بان سيروان الجاف فيها، حاولت مجموعته ايقافها، ولكنها لم تتوقف فامطروها بوابل من الرصاص ليستشهد المواطن الألقوشي اسحق شبلا مع ولده الطفل فلاح، بعد ايام جاء هرمز الى القوش في الليل لمواساة اهل القتيل والاعتذار لهم،  وكان منزله في مرتفع مار يوسف في محلة سينا، وعندما همّ بالمغادرة، تحدث الى شقيق القتيل نعيم شبلا وذهب بصحبته في سيارة جيب كانت تركن هناك وتوجها عبر طريق القوش- الموصل حتى وصلوا على مقربة من سيطرة المجموعة، يقال ان سيارة اخرى يسوقها بحو پولا اقلّ مجموعة من المقاتلين كقوة اسناد، هجم هرمز بمفرده عليها تحت جنح الظلام وبمفاجأة قل مثيلها اقتحم خيمة السيطرة واجبر مجموعة من الشرطة على الاستسلام، طلب  هرمز من نعيم ان يحصدهم جميعا ثأراً لأخيه ولكنه رفض القيام بذلك العمل، فاطلق هرمز سراح الاسرى بعد ان جردهم من اسلحتهم.
     في معارك منطقة عقرة  برز هرمز فيها وسمعنا في حينها بانه اسقط طائرة بسلاحه الالي، ومرة صعد فوق الدبابة واستطاع اسر طاقمها، ولا أستطيع الان الدخول في تفاصيل تلك العمليات ولكنها انطبعت في ذهني منذ تلك الفترة. معركة قرية بلان( في الاصل قريتين مسيحيتين متجاورتين تلا وبلا) في تشرين ثاني 1963 بمنطقة شمكان كتب توما توماس في الجزء 5 من اوراقه " .. في تلك الاثناء لمحت ستة مقاتلين يشتبكون في قتال عنيف مع الدبابات وهي تتقدم نحوهم، وتبين انه هرمز مع خمسة من المقاتلين فقط وصلوا الى موقع قريب" هكذا وصفه رفيقه في المعركة بذلك الوصف الدقيق، يضاف الى ذلك ان توما توماس وهرمز جكو ورجالهم الابطال انتصروا معا في تلك المعركة التي واجهت فوج الجيش المدعوم من الدبابات التي اُحرق العديد منها.
      اما عن محاولة احتلال مركز القوش ليلة 23- تشرين ثاني 1963 فقد توجهت قوتان مشتركتان: قوة هرمز المندفع لاحتلال المركز ومعاقبة مدير الناحية سيروان الجاف لكثرة شكاوي المواطنين عليه، وقوة توما توماس التي لم تكن ترغب باحتلال المركز لعواقب ذلك في الايام التالية على اهالي البلدة من قبل السلطات الجائرة، من مواجهة الحصار الاقتصادي الى قصف الطائرات. كان المركز قلعة حصينة ليس من السهل احتلاله، ولكن محاولات ضرب المركز بمدافع عقدة 2 لم تصب الضربة الاولى إلا اطراف المركز من ناحية الجبل فيما تعطل عمل المدفع في المحاولات التالية. لقد انذر مدير الناحية بالاستسلام وعلى ذمة الثورة وامهلوه بعض الوقت، ولكن سيروان الجاف لم يرضخ للانذار بل تحصن مع الشرطة في مواقعهم فوق بناية المركز، صار الرمي من كل الجهات على المركز باسلحة خفيفة لم تأثر بشيء على المبنى وكان الباب الرئيسي هو المدخل الوحيد وقد احكم غلقه منذ العصر باكياس رمل من الداخل. لا نطيل التفاصيل لاننا تطرقنا اليها في مجالات اخرى ولكن نقول ان الهجوم فشل في احتلال المركز واستشهد حجي خدر خورمة من قرية( ملي جبرا) واصيب بطرس شمعون ديشا( من القوش) بجروح في جسمه، فيما وجد رئيس عرفاء شرطة مقتولا داخل سيارة مسلحة امام المركز. يذكر رفاق هرمز عند اقتراب الفجر وفي ضواحي البلدة جلس هرمز متاثرا، وشرع يبكي لعدم تحقيق هدفه، واقسم امامهم بانه سيعود في وقت آخر لاتمام المهمة، ولكن المنية سبقته.
      بعد اسبوع وفي ليلة 30- 1/ 12/ 1963 قرر نصب كمين على طريق الموصل- دهوك قرب جسر آلوكا، وكردة فعل وتاثير نفسي كبير نظرا لفشل عملية احتلال مركز القوش، فنزل مع مجموعة من الابطال من مقرهم في قرية سيتكي( سيدايه) خلف جبل القوش ونزلوا الى الشارع وقطعوه فوقعت في الكمين سيارات الجيش فاعطى اشارة الهجوم من مسدسه فاوقع فيها الخسائر واسر العديد من العسكريين، في تلك الفترة الفاصلة من حياة هذا البطل حدثت ملابسات عديدة ومنها انشغال رجاله بالاسرى وكذلك بسيارة حانوت استولوا عليها، وأمر خطير آخر هو سماحهم لاحدى سيارات الاجرة بالمرور، ويقال ان تلك السيارة ابلغت السيطرة في مفرق سميل بما يحدث، فتحركت قوة لواء اليرموك السوري المتمركز عند جسر آلوكا، وصلت تلك القوة التي قوامها عدد من المدرعات بقيادة فهد الشاعر وضمت العديد من الاشوريين المجندين من منطقة الخابور بسوريا الى موقع المعركة في ظرف زمني قصير فاشتبك هرمز ورجاله القليلين في معركة غير متكافئة، وقد اصيب هرمز باحدى رجليه وبدل اسره من قبل القوة سحب مسدسه وانهى حياته بجانب استشهاد افضل رجاله منهم : بنيامين شابو، هرمز شابو( الاخوين من قرية ارادن) ، دنخا ياقو، كوركيس ايشو، حنا عوديشو عقراوي، اسر احد البيشمركة الذي شنق على الشارع العام واسمه حسن من اكراد تركيا. تفرقت المجموعة الباقية واطلق سراح الاسرى، وتوجه احد المقاتلين بسرعة الى مقر توما توماس ليخبره بمصير هرمز فوقع عليه الخبر كالصاعقة، وتحرك فورا مع رجاله الى ساحة المعركة فشاهدوا الجثث ما زالت في مكانها فقاموا بسحبها الى قرية سينا- شيخ خدر. هناك ووري هرمز الثرى، ودفنت مع هرمز قنينة زجاجية محكمة السداد في داخلها ورقة كتبت قصة حياته واستشهاده البطولي، اطلق المقاتلون زخات الرصاص في الهواء حزناً، فيما نقل بقية الشهداء الى دير الربان هرمزد قرب القوش هناك لا تزال مراقدهم تحت الشمس في رابية مرتفعة ومكان محترم، ففي كل الازمان من الازمنة الصعبة كان ابناء البلدة والزوار يقفون بصمت وحزن امام قبورهم التي تضم رفاتهم اضافة الى شهداء اخرين استشهدوا في مواقع اخرى، لفترة طويلة كنت ارى قطعة مرمرية في داخل الكهف (گپيثا) تحت مكان القبور وقد حفر عليه اسم الشهيد حنا عقراوي، علما بان عددا من رجال توما توماس اشتركوا في تلك العملية منهم: عبد شمعون كردي، سعيد موقا قلو، جميل بولص اوسطايا، عزيز ياقو صنا، كامل شمعون بولاذ.

 

شباب القوش يقفون صامتين على ارواح الشهداء في متن دير الربان هرمزد اواسط السبعينات
    لم تنطوي صفحة هرمز ابداً بموته فقد قاد مجموعته مقاتل اخر اسمه ابرم مرقس ياقو لبضعة سنوات، حتى وصول احد اقرباء هرمز واسمه طليا شينو ليقود المجموعة التي اصبحت تسمى (قوة هرمز) . رأيت طليا مرارا وكانوا ينادونه( مامي طليا) وقد اتخذ مقره فترة في مبنى مار قرداغ جنوب القوش بعد الهدنة التي اذاعها رئيس وزراء العراق الاسبق عبد الرحمن البزاز بتاريخ 29 حزيران 1966، كان رجلا: ممتلئ الجسم، متوسط الطول، اسمراللون، ذو شوارب كثة، قد علا الشيب مفرقه، لا يعرف المهادنة، يتسم بالهدوء، شديد البأس، وكان زينة رجاله يوخنا درياوش من قرية دهي بجسمه الرشيق وشجاعته الفائقة، للاسف لقي الاثنين مع مجموعة من الرجال حتفهم في شهر آب- 1969 قرب نهلة في منطقة عقرة.
     بعد 11- اذار 1970 سميت منظمة الحزب الديمقراطي الكردستاني في الشيخان باسم منظمة الشهيد هرمز جكو، واصبح شقيق الشهيد هرمز مسؤولا للقوة واسمه كوركيس ملك جكو الملقب( گيو) حيث واصل المهمة خصوصا بعد اندلاع القتال بشدة بعد 11 اذار 1974 بين الحركة الكردية والحكومة المركزية وحتى اتفاقية الجزائر بين شاه ايران والطاغية صدام حسين، حيث انهارت الحركة فاستقر المقام بكوركيس في شيكاغو التي رحل منها الى رحمة الله.
 

الواقف الثاني من اليسار: الشهيد البطل هرمز ملك جكو
    في حزيران عام 1998 نقلت رفات هرمز المدفون في سينا- شيخ خدر القرية الأيزيدية الوفية له وبمراسم رسمية مهيبة وحضور السيد نيجرفان ادريس بارزاني نقل الى قريته التي ولد فيها كوري كافانا وقد حضر من افراد اسرته ابن اخيه بيتو كوركيس ملك جكو قادما من شيكاغو. وبعد السقوط وتحديدا في عام 2007 اقيم له تمثال فخم في تقاطع كورا مقابل مضيق زاويته. وقد تسنى لي مشاهدته في زيارتي الاخيرة للمنطقة في ربيع عام 2012.
     اليوم يحل ابنه ايشايا ملك هرمز في دهوك، الذي ولد عام 1961 ولم يتسنى لهرمز رؤيته نظرا لانشغاله بالمعارك ولبعده عن المنطقة فترة من الزمن، ولكن والدته البطلة حملته يوما على كتفها الى وادي قريب في غرب القوش اسمه( نيره گپي) حيث التقت بوالده وكانت تلك آخر نظرة عليه قبل استشهاده، ان ايشايا رجل من صلب الرجال يتولى ويواصل المهام التي في عاتقه في خدمة قضية الشعب والوطن بهمة الشجعان والغيارى، فتحية له ولوالدته ارملة هرمز التي شهدت الكثير من الصعاب والاهوال التي لا حصر لها.
     غنى الكثير من المغنين اغاني تمجد الشهيد هرمز منهم حسن علي خنجر، سليمان خرشني ديروكي، وامرأة من القوش هي المرحومة منّه زورا عوصجي، غنت لهرمز بالكردية فكان شباب البلدة يرددون تلك الاغاني بمآثر هرمز ورجالة متحدين السلطة ** ، والبعض منهم كان يطيب له تقليد هرمز في ملبسه الجميل، لقد رأيت بنفسي احد الشباب يقف امام بوابة دير السيدة واسمه يوسف هرمز كادو( تفا) يلبس الشاله وشبوك المصنوع من الصوف الاصلي المغزول، وعلى رأسه وضع الطاقية الاثورية( كسيثا) وبيده العكاز( گوپال) تماما كما هرمز. وقد تسنى لي رؤيته مرتين في الاولى عند زيارته لجارنا بيت شمعون كردي( ديشا) لمواساتهم باستشهاد ابنهم الشاب فؤاد في ظروف قاهرة، اتذكر كنت على وشك النوم عندما اجلستني والدتي لتقول هل تريد رؤية هرمز فنهضت على الفور لارافقها الى بيت جارنا فوقعت عيني عليه لاول مرة، وفي المرة الثانية انتظرناه وهو يعقد لقاء مع المطران الراحل مارأبلحد صنا في مبنى المطرانية( قونغ) مقابل كنيسة مار كوركيس، فخرج وكان الى جانبه المرحوم موسى خمو من قرية بدرية( توفي عام 2007 في تلكيف) وسرنا معهم الى بداية طريق الدير فناشدنا احد رجاله بان نعود الى بيوتنا، فعدنا.....  
 في صيف عام 1962 قصفت طائرات الحكومة قرى خلف الجبل ومنها قرية خوركي( خُرّك)، فهجرها اهلها واستقر قسم منهم في القوش، وقد استقبل بيت جدي المرحوم كوريال اسطيفو اودو عدد من تلك العوائل، فتوطدت علاقتي باولادهم، اتذكر منهم طفل اسمه سعيد خوركي وقد اعتاد ان يغني( لي يادي) *** فحفظتها ثم اصبحت دارجة وشعبية تغنى في المناسبات والاعراس واوقات التحدي.
الى قصيدتي بالسريانية الدارجة( سورث) بعنوان" ساذه ورمز جكو" :
كُدْ ثيلْ خَبرَه مِن تامَـه         گو آلوكه نوحامَــــــه
شَرّي وولَه دِمْ دِمَّــــه         وَرمِز بِرد جكو بْشِمَّه
خَأرْزَه بَرقُل إمـَّــــــــه        تَأثرِحْ شپِخلِ دِمَّـــــــه
دِقو زْمورِه يا يِمَّـــــه        وْزَمارِه مْگبْيِه مْعَمَّـــه
ما كْشَكْلالِه كُسْيثَـــــه        گُپـّالِحْ وْكَرِّكْثـَــــــــــه
رِشْ صَدْرِح رَخْتَواثَه        وشْيروخ بْگو أقلاثه
أرِدْ بيث نَهرين قْريثَه        من شَريثَه دْ تَشعيثَه
بدوبارِه وحَكّيموثَــــه        وكُدْ كْنَپْلَ گو گوروثَه
ورمِز كوفِيّه دْ طـورَه       أيذيئه مْرابـَــه وزورَه
لَكْمَتقِل پصرَه دگـورَه        كيذيلي دِجمِن وخورَه
ساذن وَرمز گــــبّارَه        وولْ فِتلِه پَلگِـــه دارَه
موثَه خْتنورَه شــآرَه         مِخْ أثرَه دْلَتّي مــــارَه
مْشِنّه لْشِنّه مپِلطِــــخْ          تخرونُخ بِدْ مَپِشْطِــخْ
وَرمز هَلَّنْ مَشَرْتُخْخْ          تَكُل زونِه دَبَرتـُـــــــخ
هَلْ بُركاثَه تَبرونُــــخْ         إريَه شوپُخ وتخرونُخ
مْپيرِه دْكوروثُخ پقَطِخْ         وِل كوِخوِه بِد مَمْطِخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر الموضوع:
1- البارزاني والحركة التحررية الكردية- مسعود البارزاني- مطبعة خه بات 1986.
2- هرمز ملك جكو- وصفي حسن رديني- دهوك 2008.
3- اوراق توما توماس رقم 5.
4- القوش حصن نينوى المنيع- نبيل يونس دمان( كتاب غير مطبوع).
5- صور ومقالات مختلفة من الانترنيت.
6- معايشة ولقاءات مع الاصدقاء.
الهوامش:
* بناء على طلبي ارسل الاخ  بولص يوسف ملك خوشابا ما يلي:
بعد ان هرب ملك خوشابا الى تركيا متسللا دون علم الحكومة التركية لجا الى قرية كماني وهي قرية كردية مسلمة تقع في وادي ليزان وكان اهلها ابا عن جد يعملون كفلاحين لعائلة ملك بتو جد ملك خوشابا وكانوا يتكلمون الاثورية باللهجة القصرانية ويعتبرون انفسهم جزء من العائلة وكان يراس هذه العائلة (بير موسو) آنذاك حيث سكن ملك خوشابا في داره وفي احد الايام خرج ملك خوشابا ليصطاد الآيل وكان يسير خلفه احد الخدم من قرية كماني وجد دبا ذكرا ضخما متمددا في وسط الطريق النيسمي وقال ملك خوشابا لنفسه اذا انسحبت وتركت هذا الطريق فان الدب بطبيعته لا يهاجم من لا يؤذيه ولكن المشكلة هي ان هذا الكيماني سوف ينشر خبرا بان ملك خوشابا خاف وانسحب امام الدب واذا اطلقت رصاصة على الدب ولم اصبه في راسه فانه سيهاجمني حتى لو كنت قد اصبته في مكان آخر غير راسه ولذا فضلت المجازفة بحياتي على سمعة الخوف من الدب فاطلقت الرصاصة عليه ولكن الدب معروف بذكائه فبالرغم من اصابته الغير مميتة هاجمني وبدانا تندحرج انا وهو وانا اطعنه بخنجري وهو ينهش بخاصرتي حتى اسفل الجبل حيث سفط هو ميتا وانا شبه ميت حيث جاء اهل القرية واخذوني الى بيت (بير موسو) وبقوا يعالجونني بالطب البلدي حتى وصل بعد ايام احد عشر من رجالي الشجعان من العراق ليعبروا بي الى العراق حيث صدرت ارادة ملكية بالعفو عنه ولقد كان هذا الحدث مصدر اعجاب من قبل الملك فيصل الاول.

** مطلع الاغنية :
دسلينا دسلينا
هرمز ملك جكو
 سركلي وركلينا
دستيوي الرشاشي بشدينا
عسكري حُكمت بقلينا
*** نص الاغنية:
لي يادي لي يــادي  
 لي يادي بارتِنــــا
شاله وشبوك بستِنا
دو جمدان صورِنا
كالكي تيارِنـــــــــا
لي يادي لي يــادي

ومعناها: البيشمركة يتميزون بالشاله وشبوك( سترة وشروال) ، يشاميغ حمراء ، واحذية من صنع الاثوريين.

nabeeldamman@hotmail.com
كاليفورنيا في 24- 11- 2013

11
حفل تأبيني للمرحوم سعيد سيبو
يقيم مجلس سورايا القومي في كاليفورنيا حفلاً تأبينياً بمناسبة اربعينية الفقيد المهندس سعيد يوسف سيبو رئيس المجلس وذلك في تمام الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الخميس الموافق 14- نوفمبر- 2013 في قاعة كرستال بول( النادي الكلداني- الامريكي) الواقعة على شارع ماغنوليا.
والدعوة عامة للجميع
Time 6:30 P.M
Thursday Nov. 14 th, 2013-10-30 Chaldean American Association of Southern California
414 S. Magnolia Ave.
El Cajon CA 92021

12
رثاء الى الفقيد حنا حسقيال زلفا
نبيل يونس دمان




     ببالغ الحزن والأسى تلقينا خبر وفاة العم حنا زلفا المعروف على نطاق واسع، وبأنه احد رافضي انقلاب 8 شباط الدموي عام 1963، التحق في جبال كردستان مقارعاً النظام ولعدة سنوات وبمناطق مختلفة من جبل القوش الى منطقة برواري وزاخو، احبه واحترمه الانصار والبيشمركة لاخلاصه وتفانيه في عمله خصوصا في المجال الطبي، الذي كان امتداداً لوالده المرحوم حسقيال زلفا وهو في زمانه بمثابة طبيب شعبي بارع لبلدته والقرى المحيطة بها.
     اتذكره جيداً في مقر الأنصار بدير الربان هرمزد عام 1963 بقامته المديدة والسلاح الخفيف الذي كان يتمنطق به، فالعاملين في الاعلام والطبابة عادةً يشدّون مسدساً بارزاً في جانبهم الأيسر، هكذا رأيته امامي ولم تفارق مخيلتي هيبته وهو في قمة عطائه وشبابه، لقد افتتح شبه غرفة عمليات للمرضى والجرحى من قوات الانصار، فتحت مراقي الاربعين( درواثه دأربي) هناك صومعتين للرهبان( قلياثه) متجاورتين اتخذهما كمستشفى صغير وكان الى جانبه شقيقه عبد الجليل الذي كان هو الاخر ثائراً في تلك الايام المجيدة من حياة المناضلين. كان يمتلك الخبرة الجيدة في اجراء عمليات جراحية ناجحة، أتقنها في عمله ببغداد على ايدي أطباء ماهرين، هكذا تمت معالجة العديد من حالات الاصابة في صفوف الانصار، اذكر منهم المرحوم بطرس سليمان گولا الذي عالج جراحه العديدة جراء اصابته البليغة جراء قصف طائرات الحكومة منطقة( برگاره) في أعلى الدير، وكذلك عالج اصابات الجرحى في كمين تعرضوا له في مدخل وادي الدير وهم كل من : هرمز داود، سعيد سليمان بطّه، وأيشعيا أيشو( ابو نبيل) من سرسنك.
     هناك حادثة وقعت في وادي الدير آنذاك اي قبل حوالي النصف قرن، النصير عابد دنحا من عنكاوا( عنكوايا) وهو كهرائي في مهنته قبل الالتحاق بالثوار، حاول صنع مدفع وهكذا وصل الى مرحلة تجربته، فوضع القنبلة وأطلق فانفجرت قبل خروجها من السبطانة واصابت العديد من الانصار بجروح، ومنهم الرفيق الخالد توما توماس حيث اصيب في احدى رجليه، وتمت معالجتهم بنجاح على يد( دكتور) حنا والذي ذاع صيته وليس مصادفة بأسم الدكتور حنا زلفا، من الملفت في ذلك الحادث ان أبا جوزيف لم يبلغ أسرته بما حصل، ولكنهم عرفوا باصابته عندما ارسل ملابسه للغسل في البيت، فكانت آثار الدماء ظاهرة في سرواله الانصاري( پشمه) فهرع اولاده حالاً الى الدير الأعلى للأطئنان عليه، فوجدوه يتعالج على يد خالهم حنا زلفا.
      في فترة لاحقة عمل قريبا من القائد الكردي المعروف أسعد خليل خوشفي في مقره بوادي( قمرية) شمال قرية( تشيش) في منطقة برواري بالا وكذلك عمل قرب آمر هيز زاخو عيسى سوار البارزاني في گلي زاخو، وصار معروفا بإمكاناته الطبية والمستشفى الجبلي! الذي اقامه هناك وقد عالج فيه عشرات البيشمركة، وكان معه من بلدته كل من المرحوم اوگر ابونا وعابد هرمز كادو، اصبحت له علاقات واسعة مع اهالي تلك المنطقة، ولذلك لم يكن عفويا حضور كادر الحزب الديمقراطي الكردستاني هيرش عيسى سوار البارزاني مراسم التعازي التي اقيمت في القوش، وكذلك الحضور الواسع لمراسم التعازي التي اقيمت له في اماكن متفرقة وبالخصوص ديترويت التي اصبحت مثواه الاخير، يلزم بنا ان نشارك اهله احزانهم وفي المقدمة عائلته واولاده وبناته واحفاده، ثم شقيقه العزيز عبد الجليل في الوطن الحبيب، واولاد اخته الاصدقاء: جوزيف توما توماس، سمير، صلاح، سردار، منى ، ماريا، وكل من أحبَّه وارتبط معه بالصداقة او القرابة، لقد ترك اسماً طيباً في قلوب الناس وسمعة حسنة يشهد لها القريب والبعيد وكل من عرفه او سمع به، فالرحمة والمغفرة له على الدوام والصبر الجميل والعزاء الخالص والسلوان لأهله وذويه.
nabeeldamman@hotmail.com
كاليفورنيا في 23- 10- 2013

13
             پوش بشلامه خوره دزونه

                            نبيل يونس دمان

مِن زْونِه وشِنِّه بْنيلَن خوروثَــــه         آنا وأث مْسَقْلَه بْهونَه ورَبوثَــــــه   

گو كَشّيروثَه وْرخَشْتَه بنيخوثَــه          مْطيلِه لْمَدْ بئيلِه ولا پسانيوثَــــــه

پْرقْلِه أَثْ طاوَه پْريشَه پْصِبيوثَه          كْليلِه لْتَنيثِحْ وِلْ خَرَيوثَـــــــــــــــه

لَزِلَّهْ مْبالِحْ أُمْثَنايوثَـــــــــــــــــــه          وأثْرَدْبيثْ نَهرِن دْماطِه لْحيروثَــه

أثْ مَرَه ثيلِه مْقُرصْفَه ويلِـــــــــه          شُعباذَه مِنِّحْ ما قَدَّه غْزيلِــــــــــــه

مْنَهْواثَه دِيِّحْ وِلْ كْيپَه پْخيلِــــــــه         گو كْيوِحْ ومَرِحْ ليثْ خا دْلَ شْميله   

زلِّه بشلاما خورَه دناشوثـــــــــه          دوكِح بِتهويَه پَلْگه دمَلكوثَــــــــــه

وإن پَغْرِحْ لوِشلَه أُپرِدْ گالوثَـــــه          گيانِحْ بِدْ فيرَه لْدوكَه دْزوروثَـــــه

كلمات ألقيت في سان دييغو بكاليفورنيا، يوم الاربعاء المصادف 9 تشرين اول 2013، على قبر الصديق الراحل والمهندس الشاعر سعيد يوسف سيبو.

   

14
كلمات في رحيل يوسف ناظر
نبيل يونس دمان
     رحل عنا قبل ايام الاديب، الكاتب، والشاعر المعروف يوسف ناظر، عن عمر تجاوز التسعين عاما قضاها مواكبا المطالعة والتطلع نحو حياة ادبية ثرة في مساهماته وكتاباته التي كانت تزين صحافة المهجر لعقود من الزمن، في الاساس كان منذ ايام الوطن اديبا وقد نال هوية نقابة الصحفيين العراقيين منذ الخمسينات، ففي حفل تأبين الجواهري الكبير في مشيكان عام 1997 وبينما هو يلقي قصيدته العصماء، ابرز هويته الموقعة من رئيس النقابة انذاك محمد مهدي الجواهري.
     وصلت اميركا عام 1990 ولم يطل بي المقام كثيرا حتى اصبحت اطلع على ما كان قلمه يسطره في صحافة المهجر، وكنت اسمع انه كان يصدر مجلة الرواد طوال ثمانينات القرن الماضي، وطالما شاهدته امامي وسمعته متحدثا من على منابر الجالية ولن انسى ما كان يرويه بتفاصيل مشوقة عن معرفته وعلاقته بالقومي التلكيفي الكبير المرحوم يوسف مالك، ماثلة امامي كلمته في مهرجان ذكرى الملفان نعوم فائق، وقد قدم شابين الى الجمهور بانهم احفاد يوسف مالك مؤلف كتاب( فواجع الانتداب البريطاني).
     عندما وضعت مسودات كتابي( الرئاسة في بلدة القوش) في عام 2001 بدا لي ان تقديمه يكون مشرفاً لو تفضل بكتابته هذا الاديب، فاخذت المسودات معي الى نادي ساوث فيلد مانر، وهناك ولاول مرة اتكلم معه، فقدمت نفسي بتواضع وقلت: هذه اوراقي لو تفضلت بمطالعتها وتنقيحها وبيان صلاحيتها للطبع في كتاب، فلو سار كل شيء على ما يرام ارجو ان تكتب تقديمه للجمهور. لم يتكلم كثيراً بل اخذها معه الى البيت. وانتظرت قلقا وكأنني اديت امتحانا عسيراً امام استاذ صارم، ثم جاءت مخابرته بعد حوالي اسبوع بان كل شيء جاهز بما في ذلك المقدمة، ففرحت كثيرا والى تلك المقدمة التي سطرها اديبنا الراحل يوسف ناظر:
الكتاب بحد ذاته سجل مد وجزر حافل لمعاناة القرى والبلدات المسيحية في شمال الوطن، في لغة سلسة سليمة وسرد مسلسل متواتر الاحداث في حقبات متواصلة من تاريخ البلدة القوش ومن شانه ان يكون موضع درس وتمحيص لجيل المستقبل .. يمكن تقسيم الكتاب على وجه العموم الى اربعة فصول متلازمة:-
1- فصل الرؤساء اي رؤساء البلدة وهو الأهم:
لقد كان هؤلاء الرؤساء بمثابة حكومة محلية تتصف في الغالب بالعدل والحكمة والحزم والشجاعة ودرء الاخطار عن البلدة في الخارج وتمثيلها على الوجه الاكمل لدى السلطات العليا. وبالاختصار كانوا وجها مشرقا يمثل السكان ويعكس مشاربهم وقيمهم واخلاقيتهم ومثلهم الادبية والاجتماعية.
2- فصل رجال الدين:
لا يقل هذا الفصل اهمية وخطورة عن فصل الرؤساء، فلقد كان الشعور الديني والايمان بالقيم المسيحية الروحية العطرة جزءً لا يتجزأ من صميم وجدان القروي المسيحي عبر الاجيال منذ فجر المسيحية في ربوع بيث نهرين اي منذ عهد المبشرين العظام مار توما ومار ماري ورفاقهم الميامين، هذا رغم الانشقاقات الطائفية التي لا تزال آثارها ماثلة للعيان حتى اليوم مع الأسف الشديد. وكان دور الكاهن على مختلف درجاته الكهنوتية، دورا رئيسا في حياة الشعب المسيحي في المنطقة خاصة فيما يتعلق بالرباط العائلي المقدس كما كان كاهن البلدة مرجعا روحيا واجتماعيا لحسم الكثير من المنازعات العائلية والشخصية التي يستعصى حلها على الرؤساء.
3- الفصل الفولكلوري:
وهو الفصل الخاص بالبطولات والمجازفات الشخصية لافراد او مجموعات البلدة ايجابا وفي بعض الاحيان سلبا كمحاولة البعض اعتناق الاسلام مثلا. وهو فصل  شيق استوقفتني فيه اسماء لامعة في ذهني مثل ميخا زراكا، الياس شلي، اسرائيل يعقو تومكا، يونس تيزي، ممو( الحكيم) وغيرهم من الشجعان الميامين الذين كانوا يدا يمنى لوالدي ججو دادا بطل ادنة الذي انتخبوه قائدا لحملتهم الانتقامية من الاتراك الذين كانوا قد قتلوا ابن عمه الشاب زيا ناظر وابن حميه حنا عربو والذي طبقت شهرته الآفاق في كل من تلكيف والقوش وقد اصبحت دارنا بعد عودته من ادنة في مطلع العشرينات من القرن الماضي محجا لقوافل زملائه الألقوشيين هؤلاء، الحاملة للتبوغ والعرق( المحظور رسميا) لتصريفها من دارنا لاهالي تلكيف بما في ذلك من مخاطر.
4- فصل نكبة الاثوريين:
ان القلم يقطر دما عندما يحاول المرء حتى تذكر تلك الحقبة المأساوية الدامية من كفاح هذا الشعب المشرد من صميم ارض اجداده. وموقف القوش البطولي المشرف في حماية من التجأ اليها ايام النكبة موقف تاريخي يعرفه القاصي والداني وهو مغامرة جريئة كاد يذهب ضحيتها اهالي بلدة القوش بأسرهم لولا العناية الربانية، وإذ انك فتحت بابا في مقدمة الكتاب للمعلقين فيحضرني الحادث التالي اسرده للتاريخ والعبرة.
روى ابن عمتي رزوق شمامي المتوفي هنا في العام الماضي والذي كان مأمورا للبريد في دهوك ابان النكبة" تلقى موظفوا الدولة امرا من القائمقام باغلاق دوائرهم والخروج الى مشارف دهوك لمشاهدة مسرحية هامة، وكان الرعب يسود حميع المسيحيين في شمال الوطن، وعند خروجنا شاهدنا، ويا لهول ما شاهدنا، زرافات من الاثوريين ومسيحيي المنطقة بينهم رجال الدين مرصوفين في صفوف متناسقة بمواجهة جنود مسلحين بالبنادق والرشاشات. وما ان التأم جميع( المتفرجين) حتى صدر الامر للجنود باطلاق النار عليهم وسط تصفيق وزغاريد الشامتين فامتلات الساحة في لحظات بالأشلاء البشرية البريئة تشكو الى ربها وحشية الانسان تجاه اخيه الانسان" ( يوسف ناظر8/8/ 2001).

     بحوزتي تسجيل صوتي لقصيدة شعر انشدها يوسف ناظر في سان دييغو عام 1987، وكان في ضيافة المحامي الراحل نجيب سيسي، يقول في مقدمة التسجيل: قبل عام ونصف تقرر اقامة امسية كلدانية( عاصرته كلذيثه) فطلب مني المعلم القس( مطران فيما بعد) مار سرهد يوسف جمو ان اكتب شعرا للامسية بالسريانية، فاجبته باني اجيد كتابة الشعر بالعربية، فرد مار سرهد قائلا: الذي يكتب الشعر بامكانه كتابتة حتى بالصينية، وبما اني لا اعرف اللغة الصينية بل اجيد لغة ابائي واجدادي، فكانت لي هذه القصيدة بعنوان: ذلك الكلداني الاول الذي وصل اميركا( أو كلذايه قمايه) وهي قصيدة جميلة وطويلة اقتطف منها بعض الابيات:
كِمْ سَهذيلَن شُلطانِـه         مْمَدِنحا وِل مَعِـــروه
وعَسكراثَنْ بْدولاثـه         بْيرَقَي قْرمْتَه خْأيــوَه
&&&&&&&&&&
إتّي إسَّر صوباثــــه         مِليِه مْكُلا صَناثــــه
مشولَهْ لكْ تورَه أيْنِ         كْسهذيلِ ناشِه دْماثه
&&&&&&&&&&
مَكِرْ يانَه أصلايَـــــه        زوئَه تْكوذنِه وخمارَه
كجيقِنِّه طورَه جْياقـه        وآنَه ركيوَهْ لخَبـــارَه
&&&&&&&&&&
كُد كْطأنِن ﭙَطيحــــــا        كمْفَرجي يِمَّه وبْراتَه
خَمشاسَر وزنِه تْقيلِه        كمَسْقنّه بّي دَرواثَـــه
&&&&&&&&&&

في خاتمة المطاف رحل عن دنيانا الى دار البقاء، وعليه ينطبق قول الشاعر:
حكم المنية في البرية جارِ       ما هذه الدنيا بدار قرارِ
اوجّه التعازي والمواساة الى عائلة الاستاذ يوسف ناظر( ابو سعد) والى كل اصدقائه ومحبيه في ارض الوطن والشتات، بالغ الصبر والسلوان لهم جميعاً.
كاليفورنيا في 21- 9- 2013

15
الهجرة والتغيير الديمغرافي
نبيل يونس دمان
     موضوعتان متداخلتان، للهجرة علاقة كبيرة بالتغيير الديمغرافي فلا سامح الله اذا استمر نزيف الهجرة كما في السنوات العشرة الاخيرة فسيفرض العامل الثاني نفسه. اذا فرغت القرى والبلدات من سكانها فيشغل مكانهم عاجلا ام آجلا الاقوام الاخرى التي هي الاكثرية المطلقة من عرب واكراد. لذلك سنقتصر على كلمات قليلة بحق التغيير الديمغرافي وفي هذه الحالة يتطلب الإلمام بالقوانين والنظم السائدة كي لا تفرض علينا أمور نحن نجهل مسوغاتها القانونية.
     اهم نقطة في وقف التغيير الديمغرافي هي تحريم بيع الاملاك للاخرين كالبيوت والاراضي الزراعية وغيرها، وهذا يتطلب ايضاً مقاومة ورفض بناء المساجد في قرانا وبلداتنا مهما تعددت الحجج والذرائع.
     الهجرة اخطر بكثير من التغيير الديمغرافي التي هي وليدة عوامل منها: عدم الاستقرار وفقدان الامان، وعدم وجود فرص العمل، والتمييز الديني والعنصري الموروث وخاصة في السنوات الاخيرة، لقد تفاقم التمييز بسبب الدين وكاننا طابور خامس او جسور لمطامح الغرب في اوطاننا متناسين اننا الاساس في بناء حضارة بلادنا منذ اقدم العصور. ان التداخل بين عاملي السياسة والدين اوجد كل هذه الارضية لاضطهادنا، بل السبب الاساس هو الاستحواذ على ما تبقى من املاكنا من اراضي وبيوت ومصادر الثروة باية طريقة.
     هناك دراسات وتقارير تشير الى وجود حملة لافراغ الشرق الاوسط من مسيحييه هناك من يقدر نسبة المسيحيين 20% قبل قرن والان النسبة 10% وفي العراق كان المسيحيون قبل السقوط 1.5 مليون اما اليوم ففي حدود 200.000 فقط، اتسائل : اية مسيحية تبقى في العالم اذا فرغ الشرق الاوسط منهم وهم الاساس الذي انطلقت المسيحية منه وكذلك بقية الديانات، اذا فرغ العراق من المسيحيين وغيره من بلدان الشرق الاويط فسينتهي الدين المسيحي الحقيقي في العالم ويصبح فقط دين مصالح واموال فقط.
في هذه الظروف يتطلب ما يلي:
1- وقف الهجرة بشكل عام وخاصة من القرى والبلدات الآمنة منها.
2- وقف بيع البيوت والعقارات والاملاك الاخرى الى الغرباء.
3- مناشدة الحكومة والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتساعدنا في ازالة اسباب الهجرة ووقف كل عمليات التغيير الديمغرافي.
4- ان نعاضد ونساند بعضنا البعض والتوقف عن تهميش والغاء ادوار الاخرين.
5- التمسك بعاداتنا وتقاليدنا الموروثة وتشجيع التعلم بلغتنا في المدارس واقامة الدورات الخاصة بذلك.
6- ينبغي حسن قراءة الواقع وان هناك هبوب لرياح عنصرية في كل المنطقة، فمقاومتها يتطلب الحكمة وادارة الصراع وافضل طريقة هي لجم التطرف والمتطرفين واقامة افضل العلاقة مع الجيران من المسلمين والايزيديين وتبادل الزيارات في المناسبات الدينية بخاصة.
7- تحميل رجال ديننا المسيحي مسؤولية البقاء مع ابناء شعبهم، وحث الناس في خطبهم على البقاء في ارض الاباء والاجداد، وتحريكهم للقاء مع رجال الدين المسلمين او الايزيديين حيث كانوا عبر التاريخ يحظون باحترام خاص.
نِخريوثَه
غْدو شِتلَه بْأثرَه زْريئَه        قوتّحْ مْأﭙرَهْ خميئـَـــهْ
مِن مايِحْ شِتيَه وسويئَه       لبَرايِه داثِه شليئـَـــــهْ
كْيامِنوا بگو حَقّوثـَـــــه       قْطِلطيلَه نِخرَيوثــَــــهْ
دْيخْ كاوْ أثْ جْغيشوثَـهْ        رحِقلَن مْأرَه دزوروثَهْ
كُل أن شِنّه ويُماثــــــهْ       عَلمه زريئَه ﭙنياثـَـــــهْ
مْبُربزَه بأثرواثـَـــــــــهْ       خْأربَه دْلَه شِفَنواثـَـــهْ
بأثرَه شْوقلَن يِمّاثـَــــــهْ       وخوارْ دقنِه دبَبَواثـَـهْ
شِدْ يامِخْ بكُل موماثـَــهْ       ليذَن بْأمري مَثواثـَــهْ
شِديلِه قِشيَه زونــَــــــهْ       كْمَعِقلي لِبَّه وهونـَـــهْ
شاتيله كْورَه وكْشـورَهْ       وخاثَه تْخزيَه أخونَــهْ
آذار 1995

الهجرة: (موضوع كتب عام 1996)

     ليس هناك أمَرْ من الهجرة في حياة الشعوب، فعند تصفحنا كتب التاريخ نقرا زحف المجاميع البشرية المتجانسة لغويا او قوميا او دينيا الى اتجاهات عديدة، والى مواقع جديدة، او تتشرذم تلك المجاميع في شتات الارض وتحاول التجمع ثانية، وربما لا يمنحها الزمن تلك الفرصة، واذا منحها فتكون قد فقدت الكثير من الاعزاء والاموال التي كدستها بالكدح المضني ولأجيال متعاقبة.
     للهجرة الجماعية اسباب منها المجاعة، الاضطهاد، الحروب، والنزاعات بين اقوام اكبر واشد، فتكون ضحيتها في الغالب التشكيلات الضعيفة او القوميات الصغيرة. سنذكر في مقالنا هذا بعض اللمحات السريعة لتلك الهجرات في ظروف زمنية مختلفة وصولا الى تحليل واستنتاج هجرتنا الحالية عن ارض الاباء والاجداد بين النهرين.
     في عمق التاريخ نطالع هجرة شعب اسرائيل الى مصر، ونطالع ايضا سلسلة الهجرات المتعاقبة من شبه الجزيرة العربية شمالا الى منطقة الهلال الخصيب، عندما ضاقت بهم الحالة الاقتصادية، وعندما سقطت مملكتي بابل وآشور وغمرت ارض العراق موجات من شعوب وأجناس شتى منها الفرس، المغول، والتتار، وبذلك وقعت هجرات عديدة ومآسي لا تحصى.
     ان الهجرات وزحف الكتل البشرية تكون نتيجة للحروب والنزاعات التي يشكل العامل الاقتصادي سببها الاساسي، فظهور النزاع وجعل مجموعة تترك المكان وتغادر هو التزاحم والمنافسة على الارض ومصادر المياه. كانت تلك القاعدة، وحيث ان موارد الارض قد لا تكفي للجميع، الى جانب نزعة القوى المسيطرة للاستحواذ على اكبر كمية بفعل انانية الانسان وطموحاته للتملك والتوسع منذ اقدم العصور، فكانت القوى الضعيفة تندحر وتترك مواقعها وارضها للاقوى وتذهب الى ارض غريبة.
     عندما ساد الحكم التركي في منطقتنا في القرن السادس عشر الميلادي وتوسع وازدهر لاكثر من خمسمائة عام، شهدت المنطقة عموما النزاعات والحروب وضنك العيش فكلما كانت الولايات التركية تشهد مقاومة السكان وتضعف سلطتها، كانت السلطة المركزية في استنبول تجهز جيوش جرارة لتعيد النصاب، فتلحق ضررا بالغا في الشعوب الصغيرة والمجامع التي تقع في طريقها.
وعلى اساس القاعدة المتبعة( فرق تسد) كانت دولة تركيا تضع الدسائس وتحيك المؤامرات لادخال الاقوام في نزاعات عنصرية او دينية وتكون النتيجة عودة المركز لسحق من يسود من تلك الاقوام وهكذا، ووفق هذا المنطق بلغت الاضطهادات القومية مبلغا وبالتالي وقعت الهجرات العديدة وخصوصا في سني الحرب العالمية الاولى( سفر برلك) . وقع ذلك عندما اشرفت دولة الرجل المريض على نهايتها امام القوى الاوربية، ذلك الحصان الجامح الذي نهض من سبات العصور الوسطى المظلمة واحتل موقع الصدارة في العالم وحتى يومنا هذا.
     في السفر برلك كانت مجزرة الارمن الشنيعة وتشتت من نجا منهم في اتجاهات الدنيا الاربع ومنهم من وصل الى العراق وحتى البصرة. وكانت هجرة الاشوريين من منطقة حكاري في ممالك تياري، بازي، جلوا، تخوما وغيرها بسبب الاعيب الدول الكبرى وتعقيدات الاوضاع والظروف آنذاك، وقد تركوا قراهم، مزارعهم، وممتلكاتهم امام زحف الجيوش التركية، فكانت الماساة الكبرى للشعب الاشوري، حيث سقط في الطريق نصف عددهم وهم يشقون طريقهم عبر ايران الى العراق، حيث اعيد استيطانهم في ارض اجدادهم.
     اما الاكراد فرغم ما شملهم من تشريد وترك القرى او المدن واحراق المزارع في ازمنة مختلفة وحتى هذا اليوم، فلا يزال الاضطهاد ضدهم مستمرا بسبب نزعة الهيمنة والسيطرة للقوميات الكبرى التي لا تستجيب لنداء العقل والعصر، فتمنح الاكراد وغيرهم حقوقهم التاريخية، ان الفرق بين هجرات الاكراد وغيرهم من الاقوام الصغيرة تكمن في انهم يعودون الى اراضيهم بعد زوال الضغط العسكري لكون تعدادهم بالملايين، اما الاخرين فتذهب اراضيهم وقراهم لضعف عددهم. ان الصراع القوي لم يبلغ المستوى الحضاري ليكون سلميا، بل يتخذ في منطقتنا طريقه على الغالب وفق شريعة الغاب والسيادة للاقوى.
الهجرة الحالية:
في العهد الملكي في العراق نزح الكثير من الناس من قراهم وبلداتهم في الشمال باتجاه المدن الكبرى بسبب العامل الاقتصادي على الاكثر. في القرى كان الاعتماد على الطبيعة وما تجود به من غلال ومراعي، فعتدما تجدب الارض يأسر الناس القلق الجدي في انتظار الشتاء القادم حيث البرد وشبح الجوع، هنا يضطر المهاجر الى المدن الكبرى الى بيع قوة عمله لكسب قوت اطفاله. وبالتدريج يبدأ الاستقرار والدخول في معترك حياة المدينة، وقسم من هؤلاء وبفعل عوامل اخرى منها الشعور بالتمييز على اساس الدين او القومية، فقد نزح الى مدن اخرى كبيروت وحلب والى الامريكتين ايضا، ولكن هؤلاء كانوا من القلة بحيث يمكن تعدادهم بالعشرات فقط. في ذلك الوقت وضع المهاجرون الاوائل الاساس لهم في اميركا بخاصة.
     بعد ثورة 14 تموز1958 ودخول العراق في دوامة الصراعات السياسية والانقلابات العسكرية ثم الحروب الداخلية والخارجية، مما فاقم موضوع الهجرة، واخذ خطها البياني في تصاعد سريع، وبلغ اثناء الحرب العراقية- الايرانية مديات واسعة حيث اجتاز الحدود البرية عشرات الالاف من المهاجرين اضافة الى طرق اخرى رغم منع السفر والعراقيل العديدة التي وضعت في طريق المهاجر. كل ذلك جرى عندما بدأ امام انظار الناس بان مستقبلها غير آمن ومضمون، فوجهت انظارها نحو المهجر، ومن بلاد المهجر كانت تاتي وعلى الدوام والى الان شتى الاوصاف والمبالغات بان الحياة فيها هي الجنة بعينها!! .
     في هذا المسلسل الدرامي جاءت الحلقة الاسوء والاشد مرارة في حرب الخليج الثانية وما اعقبها من حصار اقتصادي شديد وطويل الامد شمل العراق من اقصاه الى اقصاه، بدأت الناس تعيش كارثة اكبر في مواجهة الحاجة والفاقة والمرض. فاخذت تجازف بكل شيء وتترك كل شيء، اموالها، ممتلكاتها، بيوتها، اراضيها، او تبيعها بثمن بخس لتنجوا بنفسها من قساوة تلك الاجواء الغير الطبيعية.
     مهما تواصلت في الكتابة واوغلت في تحليل تلك المآسي، فلن تسعها صفحات الاوراق بل اكتفي بهذا القدر وأربط موضوع هجرتنا الحالية بنموذج مصغر لهجرة اخرى قد تصلح للمقارنة واتخاذ العبرة منها كي اصل الى خاتمة اود فيها طرح الاستنتاج المناسب لموضوع الهجرة.
هجرة عام 1912:
     يروي المرحوم شكري گوِكّي في مقابلة اجريت له عام 1960 عن تلك الهجرة فيقول:
" في تلك السنة حدثت مجاعة في القوش وتلكيف وغيرها من القرى والبلدات، ونظرا لاعتماد الناس على الزراعة في الدرجة الاساسية وان الجراد وغيره من الافات الزراعية قد إلتهم كل شيء، فقد لاح شبح الموت امام الانظار فاتفق العشرات على الرحيل شمالاً وفي دفعات وبشكل قوافل( كروان) . سارت قافلتنا باتجاه ولاية أدنة التركية الواقعة على نهر سيمن. طالت تلك الرحلة أشهر عديدة، فكلما قطعت القافلة مسافة معينة وتحت ضغط الجوع، كنا ندخل قرية او بلدة نستجدي الطعام لاشباع البطون ومواصلة السير عبر الوهاد والجبال، هكذا مرت القافلة في زاوا- فيشخابور- كزيرا- نصيبين- تل ارمن- اورفة( اورهاي) – بير كوك- عنتابة- ( فيها شاهدنا لاول مرة محراث ارض تجره الجمال) – في جبل كوزاكه التقينا ببعثة المانية كانت تحفر نفق لمرور الشمندفير( القطار) وهناك ذقنا لاول مرة الخبز الابيض، ثم مررنا بمدينة اوسمانية- الحميدية- أدنة، كان وصولنا أدنة مع مغيب الشمس، فقصدنا الكنيسة الكلدانية الصغيرة وفي باحتها جلسنا نلتقط الانفاس من اتعاب السفرة الطويلة. هنا خرج كاهن الكنيسة المدعو اسطيفان مكسابو( من القوش) وهو يجهش بالبكاء، وعلى وجهه مسحة من الالم والحزن ليقول: " لماذا جئتم يا اولادي؟ وماذا جرى ان تتركوا بلدتكم وتاتوا الى هنا؟ " انبرى بعضنا للاجابة وبمرارة: " لماذا تضايقت من مجيئنا يا ابونا؟ فقط اقبلنا لليلة واحدة في باحة الكنيسة، ومع الصباح سنخرج باحثين عن العمل.." ابتسم الاب مكسابو قليلا وهو يهز راسه قائلا: " يا اعزائي جئتم على العين والراس وهذا بيتكم وسنتقاسم الخبز معاً، ولكن يبدو انكم لم تسمعوا بالامر السلطاني( فرمان) بضرب كل المسيحيين في هذه الولاية بالسيف صباح الغد!! " .
     جلسنا نبكي بكاء الاطفال نادبين حظنا السيء، في هروبنا من الجوع ومجيئنا لعرض رقابنا للسيف. قضينا ليلتنا في الصلاة والعويل وفي الصباح شوهدت عربة تجرها الخيل تقف امام القشلة( مقر الوالي) ، ليترجل منها ثلاثة اوربيين وبعد قليل ابلغ الجميع بان امر الضرب بالسيف قد رفع من قبل السلطان في استنبول.
     في ذلك اليوم ساد الفرح العظيم تلك المدينة وخرج الكلدان والارمن الى الشوارع بالاغاني والرقص والدبكات حتى انتهاء النهار وبذا انقشعت تلك الغيمة السوداء.
     وبعد ذلك التقينا بعدة عوائل ألقوشية اقدمها كانت قد وصلت الى ادنة عام 1875 وبفعل جهاديتها وعملها وشجاعتها فقد اصبحت في مصاف الاغنياء، وعلية القوم، واكبرهم جبو گوِكّي كان يسمى اغا وله اراضي واملاك تعجز عن الوصف مع اخويه اسرائيل وغريبو.
     اهتمت العوائل القديمة بالمهاجرين الجدد من بلدتهم ثم توزعوا للعمل في الحقول والمزارع كأجراء. ومضت الايام والاشهر بسلام ولم يكن يظهر اي مصدر للقلق حتى قيام السفر برلك( 1914) في تلك الايام السوداء صدر الامر السلطاني بقطع الرؤوس، فسلط السيف على الرقاب وشردت الناس في شتى الاصقاع، فقسم منهم اقتيدوا الى العسكرة الاجبارية ولم يعودوا ثانية الى بيوتهم والقسم الاخر ذبح في المدينة والباقي هرب الى حلب وبيروت والعراق، اما بيت جبو أغا واخوانه الواسع النفوذ، فقد هربوا الى أزمير وهناك قتلوا جميعاً باستثناء اثنين من اولاد اخيه الذين صفا بهم الدهر في بيروت ولا زالت سلسلتهم متواصلة هناك. اما القلة المتبقية فقد عادت الى القوش ومنهم الراوي الذي عين اول فراش في مدرسة مار ميخا عام 1924 " .
     وذكر العم شكري گوكي اسماء حوالي سبعين من المهاجرين الى ادنة من القوش ومنهم القس اسطيفان مكسابو- جبو اغا واخوانه- بتي عكيل- جونا كريش- ممو حكيم- ميخا سيدو( صاحب دمان في ادنة) – متيكا سرسروكه- ياقو بلو- الياس بتوزا( جلب معه عند عودته محراث متطور في حينه واستخدمه في دشت القوش) – غريبو حيدو- اسرائيل تومكا .. وغيرهم.
     وفي ختام المقابلة قال الراوي بان ادنة قد احتضنت ايضا العشرات من مهاجري البلدة تلكيف وكان لهم فيها كاهن اسمه الاب متي كلشو. ويضيف القول بان والد القس ابلحد النجار المدعو شمعون واخوانه كانوا قد عاشوا فترة في ادنة وفي عام 1912 رحلوا الى اميركا وعادوا الى تلكيف عام 1919 وثانية اغتربوا الى الولايات المتحدة بشكل نهائي.
الخاتمة:
     نستنتج ان الهجرة سببها الجوع والحروب وعدم الاستقرار وهي صعبة ومؤلمة في حياة من يعيشها، وعند دراستنا للهجرة الحالية من العراق والتي سببتها الكوارث والحروب في المنطقة، يتوجب علينا عدم تشجيع الهجرة إذ لا يعقل ان نحذف اسمنا من ارضنا وقرانا ومدننا وتاريخنا.
      ولذلك نرى لزاما دعم الباقين في الوطن ومد يد العون لهم ليتمكنوا من مواصلة حياتهم القاسية، ريثما تفرج وتنتهي هذه الغمامة الحالكة، ولابد انها منتهية.
     يظل الصامدون ذخراً وأساسا للعائين، وتلوح امامي صورة الوطن المقبل وهو يخلع سلاسله ويودع سود ايامه فيبتهج مع الحياة ويتجه نحو الاستقرار والرفاه وامامي نموذج لبنان، فبعد عشرات السنين من الدمار ها انه ينهض من جديد ويعود للرفاه، وبدأت الهجرة المعاكسة والعوائل المشردة تعود الى موطنها الاصلي وقبلة انظارها.
     يحدوني الامل باننا ايضا سنعود الى ارض ابائنا واجدادنا، محتضنين ترابه لنجبل منه حياة جديدة تمضي قدما لتزدهر وتعطي ثمارها للوطن والبشرية.
     ان مسيرة العائدين وهم في تأهيلهم وتعلمهم في بلدان الشتات المختلفة ومنها اميركا سيسرعون في نهظة الوطن، وسيكونون عاملا مهما في رقي الوطن كما فعل اليابانيون بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية والى ذلك اليوم ننظر بترقب ولهفة.
nabeeldamman@hotmail.com
August, 31, 2013
USA 

16
مع كتاب" أساطيرنا وحكاياتنا الشعبية"
نبيل يونس دمان

     امامي كتاب تراثي يحكي القصص والروايات التي كان يتلوها على مسامعنا كبار السن في جلسات مسائية تستمر حتى منتصف الليل، يستجذب هذا النمط من الحكايات خصوصا الاطفال، ولقد قرأنا في الابتدائية عن حكايات جدتي وغيرها، وسمعنا قصص الجان والغول وما فعله او قاله الدب او الثعلب وكلها كانت تقع على مسامعنا وتحيط عالمنا الصغير بالرعب والمفاجآت واحيانا يجمد الدم في عروقنا ويقف شعر جسمنا من هول بعضها وغالباً ما كانت نهاياتها مفرحة وسعيدة. يبدأ الراوي بالقول في لغتنا السريانية الدارجة" مُرو شوحا لْشِمِّه دآلَها" اي باركوا اسم الرب، وبعد الجواب" شوحَه إلِّحْ وليِمِّحْ" مبارك هو وأمه، يشرع بلازمة" أثْوا ولَثوا" اي يوجد ولا يوجد! يعقب ذلك صمت عميق فيأخذنا الوقت ساعات من الدهشة والترقب وفي النهاية تكون الحكاية قد ترسخت في اذهاننا.
     كانت اجهزة البث الحديثة من إذاعة وتلفزيون غير متوفرة في ذلك الوقت، فتعوض بهذا النمط من الحكايات والقصص، او يكون الاستماع الى الغناء ايضاً لقضاء الاوقات التي تتسع وتمتد اكثر في الشتاء بخاصة، حيث التحلق حول مواقد الفحم في موسم البرد القارص والليالي الطويلة التي تجذب الكثيرين الى تلك الجلسات الجميلة، اما في الصيف فينشغل الجميع باعمال الزراعة والرعي من حصاد وبيدر ومرعى، وتخزين المؤونة والمحروقات النباتية او الحيوانية للشتاء القادم.
     استمتعنا ونحن نقرأ تلك الاساطير والحكايات الشعبية المختارة بجهد كبير وأناة في اصطياد الرواة من مختلف الاعمار والاجناس ومن مختلف قرى ومناطق شعبنا في سهلي نينوى وحدياب بخاصة. حتى تعم الفائدة من مداخلتنا هذه ومن منطلق معرفتي بالكاتب وصداقتي معه الممتدة لسنين طويلة واعتمادي في الكثير من مشاريعي الكتابية على كتبه التي نشرها خصوصاً كتاب( مدراء الناحية ) وكتاب( المرشد الامين) وغيرها، لذلك سادرج ملاحظات على الكتاب ارجو ان تستقطب اهتمامه والقراء الاعزاء:
 1- ص 16 وردت جملة( بلهجة اهل تلكيف السوارثة) انا باستمرار لا اتفق مع الرأي الذي يصرف الكلمات بهذا الشكل: السوارثة، التلاكفة، الألاقشة، البوازنة، وان كان الاديب المعروف كوركيس عواد قد استخدم كلمة( الألاقشة) في الماضي، فان قلنا تلاكفة وألاققشة وعلى نفس المنوال نقول أرابلة (من اربيل) وسلامنة( من سليمانية) فهل يستقيم المعنى لغوياً وجماليا؟
2- ص 35 حكاية أحيقار سمعتها مراراً من والدتي، كانت رحمة الله عليها تسمعني حكاية اخرى كالآتي: عرف بهلول بمس في عقله فعندما يتكلم لا يكترث به احد، في احد الايام نزل الى السوق وامام دكاكين القصابين رآى الشياه معلقة ومتدلية، فضحك بإسترسال مما اثار تساؤل الناس عن سر ضحكة بهلول فقال لهم " كل شاة تعلق برجلها" فذهب قوله حكمة بان كل واحد مسؤول عن اخطائه واعماله.
3- ص 45 حكاية الفتى( كسنا) وردت جملة( تحول الفرسان الى احجار صامتة) لقد سمعنا مرادفات لها منها الحكاية المتداولة في القوش عن إمرأة ورجل سرقا طاسة الكنيسة فحولهما الرب الى احجار في رأس جبل القوش، وبفعل عوامل الطبيعة سقط الرجل وبقيت الامراة منتصبة حتى اسقطتها ايضا ايد جاهلة في العقدين الاخيرين. وهناك ايضا قرب دير مار دانيال( مَرْ دَنِيّي) القريب من ناحية فايدة، راع يحمل عصاه وقطيع الاغنام وقد تحولوا الى احجار خرساء، تقول الاسطورة المتداولة ان ذلك الرجل سرق اغنام الدير وعند وصوله سفح الجبل انزل الرب به العقاب الصارم.
4- ص 52 حكاية ( جعب) جميلة وقد سمعتها صيف عام 1962 من احد مهاجري قرية شيزي الى القوش واسمه داود كوكا، وكانت كلمة( كُزمته) التي كانت ترتديها الحمامات الثلاث تثيرني، لقد سرق الرجل( كزمته) الاخت الصغرى وظلت تبكي وتصرخ( اين كزمتي) وانا صغير استمع مع شقيقاتي، فبكينا لحالها. واسمعنا ايضا قصة( بلبل هزار) فيما كانت اخته المرحومة سُرما تغني اغنية( ليلو ليلو) التي لا زلت احفظها واليكم مقاطع منها:
أيسِقثا مْأيذَح مْپِلا، كُدْ خازيلا وياوِلا، خِزيالي ولا ويلالي، بشِتّه دْجيبي مْحُلقالي .... اي المحبس سقط من يدها، الذي يجده يسلمه، وجدته ولن اسلمه، في جيبي العميق اودعته ... وهكذا، ثم كانت تغني اغاني مطلعها بالكردية منها:
كِتّولي كتولي كتولي باقاقا..... ليلي كِنّي ليلي..... سارَ حَمي جْواني. من الصعوبة ترجمة هذا البيت.
5- ص 68 حكاية خندي توازيها بالعربية حكاية( بائعة اللبن) التي اختُتمت بقولها: اشتري بها خلخال وارقص هكذا! فسقطت اواني اللبن من رأسها كلها.
6- ص 72 حكاية نسيمو كنت اسمعها وانا صغير فأبكي بمرارة على حال نسيمو الطفلة الصغيرة التي خطفها الاعراب من قرية( سريشكا) الايزيدية واتذكر معها الاغنية:
نسيمو او نسيمو، مأرقتا لعارابايي، منخثتا لاثري ختايي... اي نسيمو التي خطفها الاعراب  الى ديارهم في الجنوب.
7- ص 80 الحكاية جميلة، كانت الام تجلس وترويها لاطفالها وقد سمعتها وانا صغير مرارا وفي كل مرة تعجبني اكثر واطلب تكرارها خصوصا الاغنية التي غناها العصفور راقصاً وكانت امي تنشدها هكذا:
طنبل طنبل طنبُلتا، كتوي ولّي بتخرتا، تخرتا گو بَرانَه، بَرانه بخثنا وكالو، خثنا وكالو طنبلتا، طنبل طنبل طنبلتا. اي طَبِّلْ طبل يا زمّار، الشوكة بادلتها بقرصة خبز، والخبز بالكبش، والكبش بالعريس والعروس، طبل للعريس والعروس، طبل طبل يا زمار.
8- ص87 حكاية جميلة عن حنين الغجرية الى اصلها، وتوازيها عشيرة ينسب اصلها الى الغجر، ففي حفلة احد ابنائها رأيتهم يرقصون طرباً بالغرابيل.
9- ص 88 كم تأسرني قصة السنونو التي تاتي بلادنا في فصل الصيف فتتناسل وتلد ومع حلول الخريف يكبر صغارها فتطير بهم هربا من البرد القادم، ويقول ابائنا واجدادنا انها تاتي من بلاد الهند والسند وهي سوداء ضعيفة البنية ولكن سريعة، لا يأكل لحمها ولا يتعرض لها الصبية حملة مصائد الصيد( ݘَطالِه) انها تملأ البيت الذي تقيم فيه( الغرف المفتوحة، عالية السقف) حركة متواصلة تجذب نظر الجميع لاعادة ترميم عشها وتجميع الاعشاب( زِلِكّي) وحتى تضع بيضها في عش آمنٍ، آسرٍ، جميل.
10- ص 93 حكاية جميلة سمعت مثلها من الراوي المرحوم منصور دلا حنونا في عام 1965 في بغداد هكذا:
في قرية نائية حبس رجل طفلاً منذ ولادته، علمه اللغة واعطاه الطعام دون ان يختلط باحد حتى غدا صبيا فاخذه الى المدينة، تجولوا في سوقها العامر واقتنوا بعض اللوازم، وفي طريق عودتهم الى قريتهم مروا امام كنيسة الرب فادخله ليسمعوا القداس الالهي، بعد مضي بعض الوقت وفي تلك الاجواء المتعبدة المهيبة ظل الصبي يلح على صاحبه للخروج ولكنه ابقاه الى النهاية كما هي متطلبات الصلاة، في النهاية خرجوا الى اطراف المدينة فسمعوا صوت المزمار والطبل فقال الصبي لوالده لنقترب من تلك الاصوات، فاخذه الى مكان اقامة حفل عرس حيث اصوات الموسيقى والطبل تشق عنان السماء وجوقة الراقصين من الجنسين يهزون الارض من وقع اقدامهم، ومضوا فترة على ذلك وفي كل مرة يطلب الرجل من الصبي ان يمضوا الى البيت والصبي يلح في البقاء اكثر حتى سحبه من دون رغبته وغادروا المدينة، وفي الطريق ساله الرجل اي مكان استطابه اكثر الكنيسة ام العرس؟ فقال: احببت الثانية اكثر من الاولى، اختتم الراوي قصته بالقول: ان الانسان قد جبل على الكيف والطرب اكثر من العبادة والصلاة.
11- ص 97 حول تسمية طفل ب( كيفي) او( كوفي) ، اي( البري) لانه عاش مع غزالة برية، اعتقد ان معنى كيفي من الكردية بمعنى الغزال وحتى في لهجة القوش تدخل الكلمات الكردية احيانا فبدلا من تسمية الغزال ب( طويثا) يسمون ذكرها ذو القرون ب( كوفيَّه، والجمع كوفِيّي). والبيت الشعري يوضح ما ذهبنا اليه:
گليَث كْوفِيّه طّورَهْ .......... بْگديشَة طْﭙيله نورَه( كليث غزال الجبل.... بالعشب نار شعل)
12- ص 134 جوابا على التساؤل الاخير اقول: لا يحق للرجل قتل صاحبه، فكلاهما ضحايا السحر الملعون. القصة في بدايتها اشبهها بقصة مماثة سمعتها عام 1969 من المرحوم بطرس نكارا( ابو صبري الفيتر) هكذا:
كان احد الرعاة يعزف الناي كعادته فيما ترعى اغنامه في الجبل، في احد الايام خرجت حية من مكمنها واخذت ترقص على عزفه الرقيق وفي الختام اخرجت له من فمها ليرة ذهبية، وهكذا كل يوم يأتي بالليرة الى بيته، تمرض الاخ الكبير فبعث اخيه الصغير وعلمه ما يحصل معه مع الحية، هكذا مضى الاخ يعزف كل اليوم لترقص الحية وتعطيه ليرة ذهب، بعد مدة قصيرة قرر ان يقتلها ويستولي على كنز الليرات كله مرة واحدة، وفيما الحية ترقص وتدور جذلة على صوت نايه ذو النغمات العذبة، استل خنجره وضربها فقطع جزء من ذيلها، هجمت عليه وقتلته فأكلت لحمه وتركت عظامه، عبثا انتظر الاهل عودة ابنهم، صعد الاخ الكبير الى الجبل فرأى عظام اخيه وذيل الحية، تأثر كثيرا لما حدث وبعد مدة صار يذهب الى المكان فيعزف الناي عند بيت الحية دون ان تخرج، وبعد مواظبته كل يوم وانغامه تهز الجبل في عذوبتها، خرجت الحية بدون ذنب مهمومة فقالت له : كم كنت احبك واحب موسيقاك كنت اطرب لها فاعطيك الليرة الذهبية لكن الان صداقتنا وعلاقتنا انتهت الى الابد فاذهب بسلام فكلما رأيتَ عظام اخيك تتذكرني وكلما رأيتُ ذنبي المقطوع اتذكر اخيك فلن يصفى قلبانا على بعض.
13- من الحكايات الجميلة التي أعجبتني هي كالتالي: اسطورة الربان هرمزد، اسطورة جسر دلالي، اسطورة عبد السطيح، حكاية سليمو، حكاية الحطاب، حكاية الفتى كسنا، حكاية جعب، حكاية الثعلب التقي، حكاية سيمرخي الخطافة، حكاية العجوز والثعلب، حكاية السيد زرزر، حكاية الحبيس، حكاية كيفي، حكاية الحاكم الداهية، حكاية الفقير، حكاية ضفادع كيما دشابو، حكاية مدعي الفن، حكاية الجد والحفيد.
     ختاما: الكتاب ب( 146) صفحة من القطع المتوسط، صادر في نينوى عام 2013 من مطبعة نصيبين في قرية الشرفية. ان تلك الحكايا التي يستطيب لها المرء في العصور والمواسم ومراحل العمر المختلفة قد حفزتني الى الايغال في اعماق ذاكرتي لاستنبط منها حكايات لا يبارحن مخيلتي سأجهد لكتابتها ونشرها يوماً. ايضا لقد صاحبت الاساطير والحكايات العديد من الاخطاء المطبعية وغيرها، التي هي قليلة قياسا بمهمة ترجمة الحكايات من لغة الرواة الى اللغة العربية التي هي مهمة غير يسيرة وشاقة ولو كنت في مكان الصديق ادمون لاسو لوقعت اكثر منه في مطبات الترجمة الصعبة، ولذلك يعتبر الجهد الذي بذله ادمون مضاعفاً، فكم كانت المسألة هينة لو كان يجيد الكتابة بلغتنا السريانية الرشيقة فكانت ستنساب تلك الحكايا بسلاسة اكبر وحبك لغوي اقوى وفي التأثير المباشر على القارئ، ولكن ما العمل فلم يتسنى لنا دراسة لغتنا في صبانا واقتصر تعلمنا على العربية والتي تشترك مع لغتنا والعبرية في الاصل السامي. اتمنى للكاتب ادمون لاسو موفور الصحة، وان يتواصل في مهمة اخذها على عاتقه منذ اكثر من ربع قرن، لنشر ما هو مفيد ونافع وجميل نحن بحاجة اليه.
nabeeldamman@hotmail.com
August, 17, 2013
USA 


17
ألقوش.. في ذاكرة قومية
نبيل يونس دمان
    بزغت شمس آشور في بلاد ما بين النهرين، عشرات القرون قبل الميلاد، فظهرت مملكة جبارة، بل امبراطورية عظيمة في التاريخ، توجتها مقترنتين، الحكمة والقوة، فازدهرت وايما ازدهار، وانتشرت وايما انتشار. حتى سقوطها الاول عام 612 ق.م. بسقوط نينوى، والاخير عام 539ق.م بسقوط بابل.
     لكنها لم تسقط في وجدان شعبها، واصراره على البقاء منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، وهو يتعرض الى الاضطهادات والمجازر والسبل الهادفة الى ازالة هذا الشعب من على وجه ارضه التاريخية.
     في عصرنا الحديث، كانت مجزرة سميل في 7/آب/1933 والتي راح ضحيتها الآلاف من الآشوريين،بعد ان جردوا من اسلحتهم خدعة، على يد المجرم الموصلي النقيب اسماعيل عباوي. لو تتبعنا اسبابها لوصلنا الى استنتاج، بان الروح العنصرية المتعصبة هي التي تدفع غلاة القومية السائدة من الشوفينيين الى قمع القوميات الاخرى، والتي اضحت بفعل قساوة الظروف اقليات.
     هكذا ظهر الآشوريون في فترة الحرب الكونية الاولى، كقوة صغيرة مقاتلة تبغي الانعتاق ونيل حقوقها المهضومة من الاقوام المحيطة السائدة، مهما تكن الاسباب والدوافع فقد وجدت القوة الآشورية المتمركزة في حكاري بجنوب شرق تركيا نفسها في دوامة الحرب العالمية، ومع الحلفاء ضد المحور والدولة العثمانية الآيلة الى السقوط.
كان ثمن ذلك الموقف هو النزوح الجماعي من مناطقها التي تواجدت فيها لعدة قرون، باتجاه ايران ثم العراق ارض الاجداد. كما وشرد آشوريو طورعابدين الى سوريا ولبنان، لقد فقدوا الكثير جداً في تلك المسيرة التي تخللتها حروب ضارية، استبسل فيها القائد الآشوري آغا بطرس، ولكن الحلفاء وفي مقدمتهم الانكليز، بطبيعتهم الانانية الاستغلالية وعبوديتهم لمصالحهم المادية، جعلهم يتحولون عنهم. لسنا بصدد هذا الموضوع الطويل بل نختصره بوصول مئات الآلاف من المهاجرين الآشوريين من اعالي ميسوبوتاميا الى اواسطها ، فجرى توطينهم بدءاً من بعقوبة ثم جرى توزيعهم واسكانهم في الاراضي الاميرية الخالية من السكان في اقضية: زاخو، العمادية، سميل، دهوك، والموصل.
     لم يهدأ لهم بال فانصب توجههم نحو استعادة املاكهم في حكاري، متبعين كل الوسائل بما فيها التجنيد ضمن تشكيلات الليفي، كما انهم اصبحوا اكثر من اي وقت مضى يطالبون بحقوقهم التاريخية. كلنا نعلم عن مشكلة الموصل واستفتاء عصبة الامم، ثم ظهور ميل واضح للآشوريين، وحتى اليزيدية في قبول الانتداب الفرنسي ورفض ما عداه، والذي خبروه بتجاربهم المريرة بأنه طوع مصالحه كما اسلفنا.
     عجز الانكليز عن حكم العراق مباشرة، فاقاموا فيه مملكة وملكاً. هكذا تتوجت النوايا السيئة في اصدار الملك غازي فرماناً (امراً) بإبادة الآشوريين في العراق، مستغلاً فرصة مرض والده في مشافي سويسرا، وأوكل تنفيذها الى المجرم بكر صدقي.
     رفعت الحكومة شعاراتها المتطرفة وحرضت الناس مثيرة مشاعرها الدينية. فاصبحت  مجموعات كبيرة من ابناء شعبنا اهدافاً للجيش والاهالي الموتورين، فاحرقت القرى وهجرت المجاميع البائسة.. بيوتاتها البسيطة، واضحوا طعماً للبنادق والوحوش وكل وسائل الحقد المتوفرة آنذاك.
     يروي شاكر كرمو (من تلكيف) كيف رأى بأم عينيه وهو فتى في العاشرة من عمره آنذاك، سيارة تجوب شوارع زاخو وعليها مجموعة من الآشوريين، تنادي الناس بان هؤلاء مجرمون، وبعد قليل يطلق عليهم النار وتتكرر العملية...وهام الكثيرون، منهم من عبر الحدود السورية واصبح تحت حماية الفرنسيين ومنهم من توجه الى بعض البلدات للاحتماء فيها، اما ألقوش البلدة الصامدة وحصن آشور المنيع منذ سقوط نينوى فقد فتحت ذراعيها لآلاف المهاجرين.
وقفة ألقوش من احداث 1933:
     زحف سيل المهاجرين وجلهم من النساء والاطفال والشيوخ إليها، من مختلف الاطراف وخصوصاً من تلخش، طفطيان، كابارا، داشقوتان، نصرية، جراحية، بدرية، دير السوق، أكان الصغيرة، شرفية وجهة سميل وجسر باقاقا، حيث وصل هؤلاء ليرووا ما حدث لهم ولرجالهم في وقائع تتفتت لها الاكباد. اجتمع وجهاء البلدة لبحث الامر، وقرروا حماية هؤلاء بل افتدائهم بارواحهم، وصل عدد العوائل قرابة الالف، جرى توزيعهم من قبل مختاري المحلات الاربع سينا، قاشا، اودو،خيبرتا (التحتاني). حين بلغت اسماع الحكومة تلك الاخبار، ولسخرية الاقدار كان سادن هيكل ناحوم موشي من المخبرين. كان اشد المحرضين ضد ألقوش قائمقام عين سفني، اما مدير ناحية ألقوش فكان قلباً وقالباً مع الاهالي.
     حشدت الحكومة قوة كبيرة، اتخذت مواقعها جنوب البلدة وطوقتها من جهاتها الاربع بالمدفعية، كثيرون رووا لي كيف شاهدوا بأم اعينهم فوهات المدافع موجهة الى البلدة ومنهم والدي يونس البالغ من العمر ست سنوات آنذاك.
     توالت اجتماعات وجهاء القوم وعلى رأسهم الرئيس يوسف بولا  (1884 ـ 1953) والحكيم ججو تمو، شيشا كولا، ألياس بولا، حنا اسطيفان، ياقو حكيم، يوسف دمانه، وغيرهم، وقرروا مواجهة الموقف بالسلاح المتوفر، والذي جرى توزيعه على اشد الرجال حنكة في القتال، ومن قبل مختاري المحلات: هرمز رئيس، اسحق جنو، اسرائيل عوصجي.
فضل الاهالي الموت على تسليم النازحين من ابناء جلدتهم، موقنين بذكاء بان مصيرهم واحــد وان الحكومــة لن تفـرق بينهم، وقد كانوا سيواجهون مصيرهم الفوري على ايدي القوات الحكومية والمرتزقة من ابناء العشائر المحيطة وخصوصاً الشمر بقيادة الشيخ عجيل، ومن جهــة الجبــل احتشــدت عشائــر المزوري والدوسكي والزيدكي، وتذكــر مواقف مشرفــة لعشائــر كردية في مساندتها وحمايتها للآشوريين.
     في تلك الاجواء المشحونة وصل مدير الشرطة الى البلدة وامهلهم ان يسلموا المهاجرين إليه خلال 24 ساعة. كان الجواب المعد مسبقاً انهم لن يسلموا احداً !، "اذن انتم تودون مقاومة الحكومة" فقالوا له "ان كان ذلك لمصلحة هؤلاء العزل من المدنيين فنحن لفاعلون".
     في تلك الليلة من ليالي البلدة الحرجة، تقرر الجمع ان يبعثوا بخبر سريع وان كان بمجازفة الى الموصل، فانبرى السائق يوسف متيكا صارو ومع حنا كجو والقس فرنسيس حداد وامرأة شرطي في حالة الولادة، وانطلقت سيارتهم موديل 1932، متعرضة لزخات من الرصاص في جنوب البلدة، ولكنها مرقت للتوقف في الكنود امام المسلحين فقيل لهم انهم يأخذون امرأة الشرطي المسلمة الى الموصل لعدم توفر قابلة في البلدة. انطلت الحيلة ووصلت السيارة الى الموصل. دخل يوسف السائق الى باحة كنيسة مسكينته جاثياً على ركبتيه، مستصرخاً غبطة البطريرك عمانوئيل الثاني تومكا (1852 ـ 1947) قائلاً "مولاي ! بلدتك فانية ان لم تفعل شيئاً الآن"، اجابه البطريرك قائلاً" تمهل يا بني فألقوش محمية من القديسين ومريم العذراء" فأجابه يوسف على الفور" سيدي! انا شاهدت مريم العذراء تحمل حذاءها وازارها هاربة خارج ألقوش!! " ضحك مار عمانوئيل من ذلك الكلام، لكنه اخذه على محمل الجد، وهب حالاً للاتصال بالجهات المختصة والراهبين الدومنيكيين يوسف وياقو، حالا ابرق الى باريس عن مآل الاحوال، وجرت اتصالات سريعة بقيادة القوات الفرنسية (الجنرال غورو) والتي رابطت على الحدود العراقية السورية، وكذلك تم الاتصال بحكومة بغداد، ونفسه البطريرك اتصل بالملك غازي قائلاً له "هل هذا جزاء فضلنا على والدك تعرض مدينتي الى الفناء" ويذكر ان البطريرك عمانوئيل تعرض مراراً للنفي الى اخس المستعمرات الانكليزية من قبل الانكليز بسبب مواقفه الوطنية، وفي كل مرة كانت الموصل تخرج عن بكرة ابيها لاستقباله اسلاماً ونصارى. بعد عدة ساعات القت الطائرات بالمناشير في كل مكان معلنة ان الفرمان قد انتهى، ووصل الخبر الى ألقوش فانطلقـت الصيحات" فاي دوس" أي انفرجـت، ومعه توقف قتــل الآشوريين في كل مكان، وصحب ذلك اطلاق رصاصات التنوير الخضراء علامة الفرح، بعد ذلك توجه الملك غازي بنفسه الى ألقوش.
الملك غازي في ألقوش:
     يوم 30 آب 1933 وصل الملك بنفسه ومعه تحسين قدري ومتصرف لواء الموصل ومدير شرطتها، وزينت الطريق باقواس اغصان الاشجار على شكل بوابات خضراء على بعد مسافة كل 100متر وحتى مركز الشرطة (القشلة المبني عام 1916)، خرج تلامذة مدرسة مار ميخا النوهدري وبيدهم الرماح واصطفوا على جانبي الطريق، منشدين الاغاني الجميلة، وبعد استراحة قصيرة في ضيافة مدير الناحية بهجت عبد الاحد قليان (المتوفي في الموصل عام 1951) توجه الجميع الى دير السيدة.
     في دير السيدة كان في استقبالهم نائب البطريرك المطران اسطيفان كجو (ألقوش 1884 ـ 1953) ورئيس البلدة يوسف بولا، والوجهاء ورجال الدين، واقيمت هناك وليمة كبيرة، ثم القيت الكلمات والاشعار، فكان شعر يوسف شمينا وكلمة القس ابلحد عوديش، ومما جاء في كلمة يوسف بولا "إننا ندين بالولاء للحكومة، ولكن ليس لهؤلاء القادمين للسلب والنهب والقتل مشيراً الى العناصر المنتمية الى بعض العشائر"وابلغ الجمع بحضور الملك بان دشت ألقوش ما زالت تعج بالمسلمين الضامرين سوءاً، ونحن على استعداد لمقاتلتهم. اجاب الملك غازي مخاطباً العشائر "بان الحكومة ليست مسؤولة عن سلامتهم بعد ساعة من هذا الوقت", وخلال برهة وجيزة ولت الادبار فلولهم لتنظف الدشت منهم، ولتبقى ألقوش على الدوام صرحاً آشورياً يصعب قهره، غادر بسلام المهجرون المتجمعون في ألقوش، فقسم منهم توجه الى سوريا والقسم الآخر باتجاه المدن العراقية، وقسم قليل اثر البقاء في ألقوش ومنهم شبيرا "جد الكاتب ابرم داود"، والذي تزوج من ألقوشية اسمها ملي دمان بعد وفاة أم داود، والعم زيا والد اسحق الاعرج، وخاميس هوليطي وغيرهم.
حكاية البطل گليث:
     في عام 1967 حدثني عمي داود بأنهم كانوا يملكون ارضاً زراعية على مشرف نهير بيكلبا القريب من قرية حتارة اليزيدية، وكانوا باستمرار معرضين لتهديدات القبائل المجاورة، ومن اسوء من جابههم كان الشيخ ركت ذو اللحية الحمراء. وفي ايام الفرمان (صيف 1933)، جاء الشيخ ركت مدججاً بالسلاح وهو يبحث عن داود، وعند الاحساس بمجيئه، اختفى في بئر مهجورة، وغطى نفسه بالاشواك والاعشاب اليابسة. حام الشيخ الممتطي فرساً حول المكان باحثاً عن داود، ومردداً انه قادم لاستباحة دمه، وعندما سرح ابعد من ذلك المكان، توفرت الفرصة لداود فاطلق ساقيه للريح باتجاه بلدته. ويواصل داود حديثه بالقول، عند هجوم القبائل على قرية ماكنان العائدة الى بيت سرسم في الموصل والمسكونة من بعض العوائل الآشورية، وقد كان فيها قصراً مبنياً من الحجر، وعلى سطحــه تحصــن الشــاب كليت ابن الشماس كنو، وبعد ساعات من الهجوم الفاشل كان الشيخ ركت قد فشل، هنا يشرع العم داود بالضحك ملء شدقيه وتنفتح اساريره. شمل هجوم العشائر كل من قرية بدرية، ديرالون (ترباسبي)، والشرفية. ولكن اشد المعارك دارت في ماكنان، وقد كان يعاون كليت في قتاله اخوانه داود، يوئيل، شموئيل (في شيكاغو حالياً). وباقي اهالي القرية، بيت ملك يونان، خمو، مبارك، هارون، وبتو جاسم وغيرهم. عندما اشرفت ذخيرة كليت على النفاذ، انسل ليلاً ممتطياً حصانه باتجاه ألقوش ليتزود بكمية منها، استطاع ان يقاوم بها اياماً اخرى وعندما شعر بان لا فائدة في الاستمرار وقد كثر الاعداء، نجح بخطة جريئة في الانسحاب مع العوائل والطالان (الاغنام والابقار) ووصلوا بسلام الى بلدة ألقوش.
     عند انتهاء الفرمان شق الشاب كليت طريقه الى سوريا ولا علم لي باخباره هناك، واهيب بمن لديه المزيد موافاة حاضنة هذه الاسطر مشكوراً. ظلت حكاية كليت على كل لسان، وقد تأثر به الصبي اليافع آنذاك توما توماس (1925 ـ 1996) والذي برز اسمه لاحقاً، قائداً ومقاتلاً طيلة ثلاثين عاماً في الجبال. تغنى بكليت احد شعراء ألقوش وهو متي ابونا (1904 ـ طال عمره)، نذكر بعض المقتطفات من الابيات التي كتبها :
شاتـَه دِطلاثي وطلاثــَـــه               مْپقلي خا أمِر خاثــَــه
قطلي يال زوري وبناثــَه               شميلي كُلـّي دولاثــَـه
                          
لَثْ ﮔليَث محَصره پقصرَه              قطِلوالي أمّه وأصــرَه
ﮔليث كوفيّه طـــــــــــورَه              بگديشه طبيله نــــورَه
                      
خلصواله جَبلخانـــــــــَـــه              ركولي لسوسِح شَمانه
لألقوش مطيلي بعدّانــــــه              تـَشقاله جَبلخانــــَـــــه
                          
ﮔليَث مْپقله مِنداخــــــَـــــه             خيري بدَشتـَه برثاخـَه
ﮔاوَحْ مپلّه خْملاخـــــــَـــه              وداويذ إلِّحْ بِصْراخـَــه
                        
زفيره يومَه لعاصِرتـــَــــه             ثيلي مدير ِ شرطــــَــه
أمِّح عَسكر كـَبرتــــــَـــــه              دآريوالِه أو قـُرتــــَـــه

قصيدة اخرى رددتها افواه الالقوشيين عن محنة اخوتهم الآشوريين أدرجها بلغة السورث الدارجة وبالكرشوني:
من بيبيدي ولْ سميلــــي              خيلَه دقُردَث تامَه بريله
شْقِلّي جكّي أوذلي فيلــي              قْطِلّي جَنقي وهَم جهيلي
من آلوكه وُل باقاقَـــــــه              گورِه وبختاثه بأراقَـــــه
                  قَمْ ݘرݘري دويقي دواقه
             
خاتمة:
     تبقى احــداث 1933 عالقــة في الاذهــان، وذكــرى الدماء البريئة التي سفكــت فيها طرية، وقد تلتها احــداث اخرى اقـــل شــدة، مستهدفــة جميعهــا شعبنا، لذا وجب انتباه طلائعـــه من النخبة الواعيـــة ومثقفيه ورجال كنيسته اولاً والمجتمـع الدولي والامم المتحدة ثانية. تظل احداث 1933 وصمة عار في جبين الحكومة العراقيـــة آنذاك وكل الحكومات اللاحقـــة، وحتى اصدارها يوماً على لســان مجلسها الوطني المنتخب في ظـل وضع ديمقراطي ودستــوري عفواً واعتــذاراً لكل ما ارتكب جوراً ضد الآشوريين سكان العراق الاصليين.
ملاحظة مهمة:
     هذا الموضوع ضمنته في كتابي "الرئاسة في بلدة القوش" الصادر عام 2001 وتحت عنوان " محنة الاشوريين ودور القوش 1933" ، قبل ذلك كانت الحركة الديمقراطية الاشورية قد نشرته في موقعها تحت العنوان اعلاه اي (القوش .. في ذاكرة قومية) ، الان بمناسبة مرور 80 عاما على مجزرة سميل في 7 آب 1933 أعيد نشره.
nabeeldamman@hotmail.com
August, 04, 2013
USA  


من كتابي " الرئاسة في بلدة القوش " الصادر في اميركا عام 2001


18

 
     وصلني الكتاب أعلاه من بلدتي القوش لمؤلفته الحقوقية سهى بطرس قوجا، وقد سَجّلتْ في أعلى صفحته الاولى إهدائها وإمضائها، فرحت كثيراً بهذا الكنز، ورحت اكشف مكنوناته، وعلى متنه خضت في بحار الحياة التي ليس لها ضفاف، فما ان يولد الانسان حتى يرى نفسه في خضمها المتلاطم، يقضي سنواته المعدودة بضيقها وانفتاحها، بحزنها وفرحها، بعسرها ويسرها. المؤلفة القديرة سلطت ال "أضواء على واقع الحياة والانسان " بقلم سيّال واقتدار عالٍ، منطلقة من دراستها المنهجية وعلى تماس مع الواقع المعاش، والبيئة التي ذاع صيتها في الدنيا بأسرها، وعمق حضارات وادي الرافدين: السومرية، الاكدية، البابلية والاشورية التي يقتبس وينهل منها العالم على مدرج التاريخ ليصل اليوم في رقيّه وعظمته تخوم الإعجاز.
     اتمنى ان لا تتوقف الكاتبة عند هذا الحد بعد كتابها القيّم، وانما تتواصل في رفدنا بين ردح وآخر بمقالات ومواضيع ينتظرها القراء، على ذات النهج والعمق والرقي الذي تلامسه أناملها الممسكة بالقلم وفيض مشاعرها وعاطفتها الجياشّة. اتمنى ان تواصل دراستها في مجال نيل شهادات اعلى والتي تتطلب جهود سنوات اخرى تضاف الى آخر ما حصلت عليه، حتى يتكامل مشروعها الاجتماعي ويكون مرجعاً لمن يريد فهم الحياة، لمن ينشد السعادة، ومن ينطلق بعزمٍ وإصرار في رحاب كوننا الساطع، بجماله، سحره، ومطاوعته السرمدية لتحقيق طموحات الفائزين من امثال الاستاذة سهى بطرس قوجا.
     ليس لدي ملاحظات نقدية على الكتاب، لكونه متماسك، متكامل، وسهل الفهم والادراك، استقت مؤلفته الكثير من افكاره من أسفار الإنجيل المقدس، ومن اقوال المشاهير، معززاً بصور لها ارتباط بالمواضيع المطروحة. ولا اخفي انني أشرت في بعض الصفحات مداخلات مقتضبة، واحياناً تساؤلات لغوية، ولكنها في محصلتها النهائية، كانت ضعيفة قياساً بقوة الكتاب وفلسفته ولغة كتابته، وقدّرت انها لا تساوي الوقت المبذول لتدوينها والتوسع فيها فضربت عنها صفحاً.
     الكتاب من القطع المتوسط، عدد صفحاته تقريباً 200 صفحة، معزز بالصور، والطبع لابأس به، تم في مطبعة نصيبين في قرية الشرفية المجاورة لألقوش، وكانت سنة اصداره في خريف 2012، الآن اقتبس من الغلاف الاخير بعض الاسطر لأعطي فكرة عن الكتاب " وريقات العمر التي تسقط في خريف كل عام من عمرك، لا تعود، بل تتجدد اخرى عوضا عنها بك انت، لا غيرك! لكننا كأناس نعتاد على جعل امر من امور الحياة جزء منا، ونحن جزء منه، فاقدين القدرة على الانفكاك منه، وفاقدين السيطرة عليه! والحياة فنّ وفيها من الفنون الكثير ومن الالوان اكثر، تبهج العين وتستانس الخاطر وتنعش النفوس، كزرقة السماء الصافي مع بعض غيومها الناصعة البياض، وكجمال الزهور الممزوج من نسمات الهواء النقي" .
     وبهذا النص الجميل اختتم ما وددت ايصاله الى الكاتبة المحترمة سهى بطرس قوجا، والى الاعزاء القراء في كل مكان، وأوجه تحية خاصة لكل من يغذي طريق الثقافة والفكر النيّر بوقته، بعلمه، بقلمه، فهو قد وضع علامة فارقة في حياته تبرز وتتلألأ عبر الزمن وتعاقب الأجيال.
كالفورنيا في 1- آب- 2013
nabeeldamman@hotmail.com


 


19
ذِكريات سامي مَدالو حَفّزتْ ذاكِرتَنا
نبيل يونس دمان
    شيء جميل ان يدرج مغترب لأكثر من نصف قرن ذكرياته عن فترة الطفولة والإغتراب الطويل عن أرض الاجداد، جلبت انتباهي تلك المذكرات لكون صاحبها من اقربائي وقد عرفته في صباي المبكر. كانت آخر مرة رأيته فيها، في مناسبة زواج خالي بولص كوريال اسطيفو اودو عام 1959، كان سامي آنذاك شاباً في مقتبل العمر، إذ ربما لوجاهة العائلة، او لتفوقه في الدراسة، كان موضع جذب الجميع، فكان الكثيرون من الاقرباء وحتى القريبات يسلطون الضوء عليه وبالمقابل رأيته خجلاً، كان الإلحاح عليه شديدا للمشاركة في الدبكات التي استمرت ثلاثة ايام بلياليها، على صوت الطبل والمزمار الذي كان لا ينافسه احد في جودة أدائه "عليكو" من قرية "سريݘك" المجاورة.
     في اواخر الخمسينات اصطحبتني والدتي الى بيت الياس افندي لنُسلّم على عمِّها داود اسطيفو اودو (والد مطران حلب الحالي) القادم من سوريا، اتذكر دخلنا غرفة كبيرة نسبياً على الجانب الايمن لأيوان واسع يشرف على القوش كلها، نظرا لصغري النسبي انطبع في مخيّلتي ارتفاع القنفات عن الأرض والتي جلس فوقها الضيف، فحملتني والدتي وقربتني منه ليطبع قبلة على وَجْنتيَّ، وهو يكرّر أمانيه الطيبة لمستقبلي، ثم قدمتني الى الياس افندي ايضاً (1909- 1998) ، وتوالت زياراتي الى البيت خصوصاً عندما أصبح مركزاً للناحية والشرطة في اوائل السبعينات، كان في داخله سرداب محفور بالصخر يسموه (كُبّا- اي الكهف) تحول في تلك الايام الى سجنٍ لمن تعتقلهم السلطات، اتذكر احد مدراء الناحية استدعاني مع زملائي سلام تومكا، فرج خوركا، وسعيد قودا للتحقيق في سرقة عُدَد حاصدات (درّاسات) الاصلاح الزراعي فهددنا بالزج في ذلك السجن اذا لم نعترف، ولكن الاشكال تم حله بتشكيك زميلنا سلام في شاب بمقتبل العمر (إسمه جميل وكنا نطلق عليه كنية زَلام) كان يحوم حول الدرّاسات، فأستدعي واعترف بسرقتها مع اخوانه الأكبر سناً، ومن ثم أرجعوها كاملة الى اماكنها.
     في محلة اودو عاشت العمّة كوزي اسطيفو مدالو، كانت إمرأة شهمة، ربّة بيت، وتملك بقرة تنتج أفضل الألبان، جهزت يوم أحدٍ سطلها الصغير باللبن الطازج وحملته الى بيت اخيها الياس مدالو وعند عودتها في العصر وما ان وصلت الى وسط ديوان محلة اودو الذي يفترش الارض تحت القنطرة المعروفة، صارت تحدث نفسها هكذا: قلت لوارينة (زوجة اخيها) ان لا تكلف نفسها في ملأ السطل (ستلوكي) بأكلة "الپاݘة" لكنها اصرت فاضطررت الى جلب الباجة معي الى البيت، هكذا بدأت كلمتها بالسورث (ديخْ كاوْ گلّيكي، ميري لَگبِخلي لگبخلي أن كْيبايي.... ) فصار كل من في الديوان يتأفف ويتذمر حيث في ذلك الزمان كان الحرمان والفاقه وكان تذوق الباجه يحصل بالسنة مرة او لا يحصل، فجعلت كوزي الرجال بتصرفها المثير جعلتهم يمسحون شفاههم بألسنتهم رواد ديوان محلة اودو الذي ذاع صيته في اطلاق النعوت على العابرين مهما بلغت منزلتهم.
     بعد ان سرَحتْ الخالة كوزي مدالو عجل بقرتها (شرخا) عند سفح الجبل في منطقة تسمى (قَصيله) جلب انتباهها شرطيٌ قد خرج من مركز الشرطة (قشله) وصعد الى صخرة مرتفعة قليلاً، فوضع كفيه على وجهه مناديا للصلاة (الله وأكبر..... ) لم يعجبها ذلك، وعند رجوعها وقرب قمطار محلة اودو، شاهدت بعض الشباب يسرحون ويمرحون في المكان ففتحت كفها وحركته مرة واحدة وبقوة الى الاسفل وهي تزم شفتيها (قُطْمَه....) انتم تدعون انكم شباب محلة اودو، اين نخوتكم؟ ان ما يفعله الشرطي يندرج نحو بناء مسجد وسط بلدتكم وانتم تتفرجون! كان بينهم شاب أكبر سناً وهو المرحوم ميخا اسحق زرا من سكنة محلة قاشا، لكنه كان يفضل التواجد في محلة اودو، في تلك الاثناء سمع جيداً ما قالته المرأة، وهي تواصل طريقها الى بيتها في حوش خوشو (درته دبي خوشو) ، فطلب ميخا من المجموعة ان تستعد، وقد ضمت (بندق، ﭙݘو، جمال، حكمت، كامل وغيرهم) بعد تأثرهم بكلام الخالة كوزي، وضعوا خطة سريعة نفذوها في اليوم التالي، حيث تزودوا بمصائد العصافير (جطالي) وكمنوا بين الصخور القريبة وحان موعد خروج الشرطي، وما ان صعد كالمعتاد فوق الصخرة، حتى انهالت عليه احجار المصائد في آن واحد وقد اضطلع بالضربة الاولى ميخا زرا، فأصيب الشرطي بجروح عدة ودخل يشكي حاله الى مأمور المركز وكان في حينها المرحوم شاكر كرمو (من تلكيف) ، عندما فهم الموضوع قال له: لماذا توجه أذانك في محيط كله مسيحي وكذلك الجبل أصم لا يسمع، من الافضل ان تؤذن من داخل المركز، فأسقطت حججه تباعاً، ثم كان نقله في الفترة اللاحقة الى منطقة أخرى.
     تكلم صاحب الذكريات عن التصاق عنكاوا بأربيل وعن إمكانية دمج الإسمين على غرار شقي بودابست الجميلة على ضفتي نهر الدانوب، حضرتني النكتة التالية: في السبعينات سُأل فرّاش المدير عن مقدار راتبه الشهري فأجاب، انا والمدير نقبض 220 ديناراً، وتبين ان راتبه 20 والمدير 200، هكذا تبدو لي النسبة بين اربيل وعنكاوا تقريبا، امنياتي ان يبقى اسم اربيل التأريخي الذي يعني الآلهة الأربعة (أربا ئيلو) فالأسماء التاريخية لا تقبل التجزئة او الدمج او الإلغاء، لقد درج الاخوة الاكراد في السنين الاخيرة على تغيير اسم اربيل في الاستخدام اللغوي الكردي بإسم "هولير" فكثر استخدام هذا الاسم الحديث. في عام 1971- 1972 زرت عنكاوا وكان والدي يعمل نجاراً عند المهندس القدير سمير الياس مدالو في مشروع الدواجن، كانت تفصل عنكاوا عن اربيل مسافة يغطيها معسكر كبير للجيش ( كان رمزا للظلم والطغيان ) على جانبي الطريق، اما اليوم فقد زال المعسكر والتصقت مجاميع البيوت والشوارع والعمارات بين الجانبين الأربيلي والعنكاوي. وشهدت المدينة في العقدين الماضيين تطوراً سريعاً جعلتها من مدن العراق المهمة في الوقت الحاضر.
     عزيزي سامي مدالو: لقد غادرت العراق وبلدتك في الماضي البعيد وتركت جيرانك في عز شبابهم او مهابة شيخوختهم، ولكنك حين عدت لم ترهم فقد رقدوا الى الابد على رجاء القيامة، لنذكر اسماء بعضهم الذين على الأكثر عرفتهم في محيط بيتكم الجديد في (قرزي) والقديم في محلة اودو، لجميعهم الرحمة ولأحفادهم استمرار النسل والبقاء، ومنهم: بولص قاشا، لاسو مرادو، أيسف مرادو،حنا عازو، حنا حقّا، حنا ناطور، دودي كادو، جبو كادو، هرمز كادو، ياقو قيا، سعدو قيا، كوما بهاري، خوارا بهاري، رشو شاجا، نونو شاجا، اورو حميكا، عيسى حميكا، ݘاكا حنونا، عيسى دمان، ايليا دمان، شمعون طعان، كوريال اودو، مامينو اودو، ياقو شابيو، أيسف مدالو، .... وغيرهم.
     لقد ذكرتَ أسماء أولية لزملاء لك في المدرسة وانا احاول ان اكملها قدر استطاعتي، فقد ذكرت اسم بهجت واعتقد هو بهجت فرج القس يونان، وذكرت اسم برهان فاعتقد هو برهان سنحاريب الياس بولا، وذكرت اسم قيصر واعتقد هو قيصر بيبو حنا رمو، اما المعلم من اهالي عنكاوه فهو عبد المسيح عبدوكا (ابو زهير)، والشخص الذي التقيت به في منتزه الفقيد توما توماس فكان ماجد ابن خالتي جميلة.
    كنت اتمنى ان تذكر نبذة عن حياتك في المانيا حتى تستكمل الحلقات من قبيل كيف قضيت الخمسين سنة؟ وكيف حافظت على لغة الكتابة العربية بهذه الامكانية التي نحسدك عليها؟ وهل حافظت على لسان "السورث" المحكي لغة قومك العريق؟. وهل كان لديكم تجمعات عراقية او لقاءات عبر البلدان الأوربية؟ هل كانت تغزوك احلام العراق والقوش؟ وماذا كتبت من اشعار ونتاجات ثقافية حتى تطفئ الظمأ لبلادك الحبيبة؟ يقول ابو تمام:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى     ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتـى     وحنينه أبدا لأول منــــزل
     عندما زرتَ بلدتك هل عرفك أحد؟ وهل تبقّى لك اصدقاء؟ وكيف كان استقبالهم لك؟ كيف رأيت القوش بعد هذا الفراق الطويل، هل هي متطورة من ناحية البناء والشوارع والمؤسسات وكيف كانت مشاعرك عندما رأيت بيتكم وقد أزيل من الوجود، وللعلم اصبح بعد نزوحكم الى بغداد مدرسة، ثم نادي الموظفين (في عهدة المرحوم متيكا عوصجي) ثم ادارة الناحية، فدير الراهبات، ثم الهدم ليصبح ديرا ذو ألوان غير جذابة!.
nabeeldamman@hotmail.com
May 23, 2013
USA  




20
رثاء الشاب الوسيم عادل اودو
نبيل يونس دمان
     كانت وطأة خبر وفاة الشاب عادل شديدة وهو من اقربائي الذين عرفتهم عن قرب في الماضي والحاضر، لقد كانت خسائر هذه العائلة متسلسلة من جدهم يوسف اسطيفو اودو الملقب (عمّه تومي) الذي قتل وهو في ريعان الشباب يوم 9-9- 1924 في بيادر محلة قاشا تاركاً زوجته ملّيكي كادو مع اطفالها الصغار ابراهيم وبطرس ووارينه وحدهم يواجهون الحياة.
     في عام 1963 ترك العراق ابراهيم الى البلدان المجاورة نتيجة مطاردة النظام الانقلابي له وفي تلك الفترة كان اخيه بطرس الموظف المرموق في وزارة النفط يدير امور الاسرة ويجعل اولاد ابراهيم لا يشعرون باغتراب الوالد، تاخر زواج بطرس لتلك الظروف الى ان اقترن بأمراة اصيلة هي المعلمة شكرية اسحق قلو،فولد عادل في عام 1969 والذي تزامن مع عودة العم ابراهيم من الكويت الى بغداد، لم يدم الحال طويلا فبعد عدة سنوت فقط توقف قلب ابراهيم وهو في سيارة اجرة قرب البتاوين وذلك في مطلع السبعينات.
     بعد اشتداد الحصار على العراق في التسعينات تشردت العائلة تباعاً فانتشر الاولاد في بلدان الجوار وصولا الى اوربا واميركا، في تلك الظروف انتقلت الزوجة شكرية (ام عادل) الى جنان الخلد، فانكسر احد اجنحة العائلة التي وصلت بعدئذ الى اميركا، هناك صارعوا الحياة الجديدة كغيرهم من المغتربين قسرا من بلدهم، فتزوج عادل من فتاة اصيلة هي رنا طالب اودو والتي رزق منها الاولاد جوزيف وليان، قبل عدة سنوات وبفعل الشيخوخة رحل بطرس ماسوفا عليه من على ارض ديترويت.
    في هذه السنة السيئة الطالع على حياة العائلة، دخل عادل في صراع مع مرض العصر الخبيث حيث عاجل في حلول منيته التي لا مرد منها، مفروضة على كل الانام، فذرف الاهل كل الاهل الدموع الغزيرة على مفارقته، وقد عرف بطيبته وطبعه الهادئ، انا لا اكاد اصدق الخبر فمنذ دخوله في فترة حرجة من حياته وقلبي يخفق بالقلق بانتظار تحسن اوضاعه الصحية، لكنها تمخضت في توقف قلبه عن الخفقان الى الابد، تاركا اطفاله الصغار بدون ظله، بعزم والدتهم وصبرها سينشأ الاولاد كما حدث للاعمام في العشرينات حيث تشهد لهم القوش وبغداد افضالهم وعلومهم وتهذيبهم.
     مكان عادل الجميل الجنة، الى جانب والديه وعمه واجداده، الصبر والسلوان لعائلته وكل بيت اودو العريق، مواساتي العميقة الى الجميع وفي المقدمة زوجته، اخيه عامر، اولاد عمه باسل وبشار، خاله المحامي المعروف عبد الرحيم اسحق، خاله الاخر يوسف اسحق قلو، وكل من يمت بصلة الى الفقيد الذي ستظل ذكراه معنا حية مدى الايام.
لو كانت والدتي كرجية كوريال اودو على قيد الحياة لبكت ابن عمها عادل بحرقة، فلنبك على كرجية وعادل معاً!
كاليفورنيا في 8- نيسان- 2013


21
اوقفوا لعبة جر الحبل في المسألة القومية!
نبيل يونس دمان
    عندما اقرأ لمن غزا البياض شعر رأسه، أدرك ان بعض الخلايا الفكرية كانت ذات فائدة للاجيال، قد تكلست ولم يعد بالامكان احيائها او ارجاع نشاطها الى سابق عهده، يقول الشاعر:
 عجوز ترجى ان تكون فتية .......... وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر
تدس الى العطار ميرة اهلها .......... وهل يصلح العطار ما افسد الدهــر
     لماذا إلحاحُ البعض في كتابة المقالات والتعليقات المتكررة، الانتقائية، والجارحة في احيان كثيرة، خصوصا على طريقة جر الحبل في المسألة القومية، نصيحتي ان تطلقوا الحبل من ايديكم، وان تتركوا نشر هذا النمط لفترة طويلة نسبياً، وسترون كيف ستعود المياه الى مجاريها فيتعايش الذي يسمي نفسه اشورياً مع الذي يسمي نفسه كلدانياً وهكذا الحال مع السرياني او اية تسميات اخرى مبتكرة، او توفيقية، او من بطون التاريخ الذي يزخر بالعديد منها، فيمضي هؤلاء جميعا كأخوة في تآلف، صداقة، وتعاضد، الى آخر الكلمات الطيبة في هذا المجال.
     بعضكم يكتب وكأن الناس عميان، اذا كانت قناة عشتار او كان موقع عشتار لا ينشر لكم فهل معنى ذلك ان افكاركم ورسائلكم لم تصل الى الجمهور؟ اقسم انكم توصلوها في عشرات القنوات الى اهدافكم بفضل التطور المعاصر بواسطة اجهزة الكومبيوتر. في الماضي كانت الصحافة وكان الاعلام مقتضباً، مقيّداً، ومكلِّفاً لا يتسع لكل من سوّد صفحة او صفحات لنشرها، فتبقى تلك التي لم تنشر في دائرة صاحبها فقط اي لا ترى النور، فكان عليه ان لم تحبطه المحاولة فيتوقف، ان يجهد اكثر وينقح بشكل ادق ويطور افكاره، ويقلل من هفواته، حتى يصل موضوعه النشر، وفي احيان كثيرة كانت تحذف منه اجزاء كان صاحبنا يعتز ويعول عليها. ما بالكم اليوم تتذمرون من عشتار لأنها لا تنشر لكم او ان موقع كلدايا- نت مثلا حكرا على مجموعة معينة، هناك ابواب وابواب تطرقونها فتفتح لكم بسهولة، هناك مواقع كثيرة تستقبل نتاجاتكم رغم قصور بعضها وسوقية اخرى وتلاعب عن جهل بقواعد الكلمات وتصريفها، لكن في النهاية ماذا جلب كل ذلك الى قضية شعبنا بمختلف التسميات وماذا حققت كنائسنا المنشطرة منذ قرون طويلة، الجواب: لا شيء، ما زالت المياه كما عهدناها من سنين طويلة راكدة وما اشبهها بمياه (الدون الهادئ). المقالات وحدها والمانشيتات والعبارات الرنانة وقس على هذا المنوال، لا تغير عقول الناس وقناعاتهم، فالاكثرية تنقاد الى مصالحها، الى مريديها، الى من تتخذه مثالا مؤثراً، الى وجهة العائلة او العشيرة.
     نرجع مرة اخرى الى من كلكل الشيب رأسه، تراه يكابر ويعتبر المسألة تحدي اوعناد او إعتداد او كرامة، وان وقتا قد هدر بالسنين او ان جهدا قد بذل على طريق ينظر اليه وكأنه عسير وشائك، ناسيا او متناسيا ما تحمله غيره في ساحات النضال في العقود الماضية من فصل وسجون وملاحقة واصابات وحتى فقدان الحياة، في حين صاحبنا ينفخ، يزبد، يضرب الطاولة التي امامه بكلتا يديه وهو جالس امام جهاز الكومبيوتر بانتظار ان تتحقق مصالحه او يصعد نجمه او يصل الى اهدافه التي غالبيتها غير واقعية ووهمية، لا تغني ولا تسمن، ولا تأتي بشيء ملموس الى يده، في هذه الحالات السقيمة يظل صاحبنا متشبثا بآرائه ولا يضع امامه مجالاً للتراجع او التصحيح او التغيير.
     انصح جميع المتسابقين في هذا الماراثون الفاشل ان يوقفوا السجال غير المفيد، ان يتركوا الكتابة لفترة كأن ياخذوا اجازة لمدة سنة وتحديدا لمن ركب رأسه في موضوع القومية المثير للجدل وهدر الوقت والطاقات، تلك الطاقات لو استغلت في امور الثقافة والادب والبحوث في مجالات اللغة لكانت اتت بالكثير من النتائج المبهرة، للاسف لم يتم ذلك وصار الهدم بديلا للبناء. في حالة دراسة مقترحي والموافقة عليه، يراودني امل قوي بان الكثيرين سيغيرون افكارهم الخاطئة فتستقيم المسيرة وتتواصل بنجاح، ويعود كل ذلك الى مصلحة ومنفعة ما تبقى من شعبنا في الوطن الذي كنا يوماً سكانه الاصليين.
اميركا في الاول من نيسان عام 2013

22
بالحزن والدموع ودَّعنا والدتي
نبيل يونس دمان
يوم الجمعة المصادف 15- 3- 2013 لم يكن يوما عاديا لنا، فقد اغمضت والدتي عينيها لآخر مرة، واسدل الستار على حياتها التي عاشتها فوق الارض ثمانية عقود.
 

1955
ولدت كرجية كوريال اسطيفو اودو عام 1933 في القوش واقترنت بوالدي يونس ياقو ميخا دمان عام 1950، انجبت ولدين وست بنات ثم توالى الاحفاد، شاءت الظروف ان تنتشر سلالتها في اماكن متفرقة من المعمورة.
 

1980
غادرت وطنها بشكل نهائي عام 2007 ودخلت في العد التنازلي، فتدهورت صحتها يوما بعد يوم حتى اعتزلت العالم ولم يعد بامكانها التعبير عن ما يراودها، في السنين الاخيرة عاشت في دار العجزة تبتسم للوجوه المألوفة التي تتشوق للحديث معها، لكنها لا تستطيع الكلام كما عهدتها القوش وبيتنا: متحدثة، اجتماعية، قلبها يخفق بالمحبة والانسانية.
امي لم تدخل المدرسة ولم تتعلم ولم تجيد لغة غير لغة ابائها العريقة، امي ابنة عائلة دينية- طبية شعبية معروفة، ومن اقدم محلة في القوش هي (محلة اودو) وهي اخت لخمسة ابناء واربع اخوات، ابنة عم مطران حلب الحالي مار انطوان اودو، وسليلة اسرة البطريرك المعروف مار يوسف اودو.
 


1986

ربتنا على حب المدرسة والتعلم والايمان ومساعدة الناس ما امكننا ذلك، وربتنا على الصمود بوجه الصعاب، فعندما كانت حلقات الدهر تضيق بنا، شان العراقيين عبر الازمان كانت تقوي معنوياتنا بالقول ان المصائب تاتي على الرجال، عليهم تحملها وعدم الانهيار مهما بلغت وطأتها، لن ننسى تشجيعها بمثل تلك الاقوال.
 


1998
منذ الطفولة وانا استمع اليها وهي تحدثني عن الحوادث والنوائب والقصص التي مرت بها او سمعتها، واستمرت عندي تلك الحكايات وكأنني عشتها فحفظتها لقوتها ومصداقيتها، تكاد معظم معلوماتي عن بلدتي وتراثها الشعبي مستقاة في الاساس من امي كرجية التي كانت تفخر وتتباهى عندما يناديها احد ب (ام نبيل) ، يا لها من محبة كانت تغمرني بها كل ايام حياتي التي عشتها قريبا منها او بعيدا عنها.
 

2000
كما يعلم الجميع ان سيناريو حياتي لم يكن سهلا فانتابته ظروف صعبة فوقفت الى جانبي، لم يمض اسبوع على التحاقي بالانصار في كردستان عام 1982 حتى تفاجأت بها وهي تقف على رأسي في قرية كاني بلاف على قمة جبل (متين) ، وعندما اصطحبت عائلتي الصغيرة الى اليمن الديمقراطية الشعبية، سنحت لها الفرصة فزارتنا مع الوالد هناك في اقصى جنوب الجزيرة العربية عام 1990. وبعد استقراري في اميركا توالت لقائاتنا في نهاية التسعينات وطوال العقد الماضي.
 

2004
والدتي ليست استثناء وكباقي الامهات تحملت الاعباء، سهرت على الاطفال، فرحت في مواقف، وحزنت في اخرى، وفي آخر المطاف غادرت مودعة بنحيبنا وآهاتنا حيث رافقناها الى مثواها الاخير في ولاية مشيكان، وقد خصنا بتضامنه وأسفه جمع غفير من الاقرباء الاصدقاء وانهالت علينا المكالمات الهاتفية من جهات الدنيا الاربع، اضافة الى مراسم العزاء التي اقيمت على روحها في بلدتها القوش فحضر ايضا كثير من الناس، حيث عبرت عن اسفها وتمنياتها بان نكون هناك في استقبالهم، ولكن ما العمل وقد خرجت حياتنا من نسقها المألوف الى المهاجر ومرارة الاغتراب.
اذهبي يا امي الى رحمة الله والى مستقرك الابدي، لن يكن باستطاعتنا ان نوفي حقك علينا ابدا، ولكننا لن ننساك وحتى آخر يوم من حياتنا سنتذكرك ونحدث احفادنا والناس عنك، الى ان تحين ساعة لقائنا معك في الاجل المحدد الذي ينتظرنا جميعاً.



23
ملاحظات الى اساقفة الكنيسة الكلدانية
نبيل يونس دمان
     منذ عهد البطريرك مار يوسف السادس اودو ترسخت وتجذرت كنيسة بابل على الكلدان الى يومنا هذا، وفي العقود الاخيرة تلاعبت بها الرياح فأضحت في مهبّها، في هذه الظروف يأتي انتخاب البطريرك الجديد الذي يتطلب ان يحسن دفة القيادة في ظل هذه الامواج العاتية التي تريد ان تأتي على ما تبقى من السفينة لإغراقها.
     من قال ان الابتعاد عن السياسة بمفهوها الاداري هوالافضل، السياسة هنا ليست دخول معترك حزبي ضيق وانما هي قراءة الواقع ومتابعة الاحداث، فمن يكون على رأس كنيستنا يجب ان يتعامل الى حد ما في السياسية، وهي في كل الاحوال بالغة الاهمية في حياة شعبنا المشتت، المفرق، والمنتشر في انحاء المعمورة كما لم يشهده من قبل، هناك مسائل يتطلب حسمها بالسياسة والموقف المسؤول امام الحكومة والمعارضة وامام المرجعيات الدينية والقومية والطائفية لكي نسير مع هذه الفئات وهذه المجاميع في طريق سوي يفضي الى ارجاع الاستقرار والامان لحياة شعبنا العراقي عامة والمسيحي بمختلف كنائسه خاصة.
     كما يجب على من يترأس كنيستنا ان يكون منظما جيدا وقائدا لجماعته في توحيد مواقفهم لكي يزداد قوة وتبرز شخصيته امام الاخرين، عليه ان يكسب ود واحترام اساقفة وكهنة وشمامسة ورهبان الاقاليم وبلدان الشتات، حتى يكون بيته منيعاً يواجه أعاصير الزمان، ويقوى في خضم الصراع على مستوى الوطن، ولا يتردد ابدا في افتداء رعيته بحياته، التي هي غالية جدا لكن يجب ان يكون جريئاً، مقداماً، يوازي ارتدائه الاسكيم الاحمر الذي يعني الاغتسال بدم المسيح، الم يقل المسيح (انا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف يوحنا 10:11) ويقتدي بمن سبقه من بطاركة كنيسة المشرق وعموم اكليروسها، الذين افتدوا كنيسة المسيح بدمائهم التي سفكت على مذبح الايمان، وعلى رأسهم الجاثليق مار شمعون بر صباعي (328– 341م ) الذي قال لأصحابه وهو على مشارف الموت على ايدي شابور ملك المجوس "يا احباي واولادي دوسوا حمة الموت فقد كسرها ايشوع المسيح بموته وقيامته يا احباي شدوا عزايمكم شد الرجال وبادروا الى قبول ملكوت السماء على كيد الراعي الى الضلالة والعماء" *.
     نأمل ان يكون هذا الانتخاب بعيداً عن المؤثرات الخارجية سواء الدينية او السياسية، ويكون بمحض ارادة حرة لكل اساقفة الكلدان في داخل العراق وخارجه. نتوسم في البطريرك المنتخب ان يكون من العناصر التي تمتلك قدرة وطاقة ومواصلة لقادم الايام في خضم الاوضاع المتقلبة في ارض بلادنا، وان يكون وحدوياً جامعاً بعيداً عن التعصب والانقسام محبوباً من الاكليروس وعامة المؤمنين، نتوخى من اساقفتنا الناخبين تصفية نياتهم والدخول في رياضة روحية تأملية تبتعد عن الموقف المسبق، وتحكم العقل والضمير والقلب في اختيار البطريرك، ولن يكون الاختيار الا موفقا ومباركاً من الجموع وعلى بركة الله.
     ليكن الشعب وقادته الروحانيين والعلمانيين على استعداد لمواكبة ومتابعة واغناء عملية انتخاب البطريرك الجديد ليكون الاختيار مناسباً في هذا الزمن الصعب، وفي مقدمة مهام من يفوز بالموقع الحساس والخطير: ان يثبت كرسيه في ارض الوطن ولا يحركه الى خارج بلادنا مهما كلف الامر، وان يكون دائم التنقل والحركة لكسب ود وصداقة الجميع، ليصبح كرسيه ومن يحيط به كخلية نحل في توزيع المهام والواجبات وتشكيل اللجان التي بمجملها تحفظ حياة منتسبيها في الاساس، ثم المحافظة على الطقس الكنسي الذي ورثناه من ابائنا واجدادنا على مدار القرون، وكذلك احياء مشروع اللغة السريانية بالتعاون مع المؤسسات التي تشكلت في العقد الاخير سواء في المركز او المحافظات او اقليم كردستان، لتكن النتيجة تطور اللغة وثباتها وهي العامل الاكثر اهمية في حياة شعبنا، فعن طريقها نلج طرق التطور وتغتني حياتنا الروحية والثقافية والفنية على مديات اوسع ومواقع ارقى تساير الامم وتعكس جذورنا التاريخية الى ماضي الحضارات في بلاد ما بين النهرين.
     خير ما اختتم موضوعي، هذا الاقتطاف من العصر العباسي:
ووقع بين فتى من النصارى وبين ابن فهريز كلام، فقال له الفتى: ما ينبغي أن يكون في الأرض رجلٌ واحدٌ اجهل منك؟ وكان ابن فهريز في نفسه أكثر الناس علماً وادباً، وكان حريصاً على الجثلقة، فقال للفتى: وكيف حللت عندك هذا المحل؟ قال لانك تعلم أنا لا نتخذ الجاثليق الا مديدَ القامة، وأنت قصيرُ القامة، ولا نتخذه الا جهيرَ الصوت، جيدَ الخلق، وأنت دقيقُ الصوت ردئُ الخلق، ولا نتخذه الا وهو وافرُ اللحية عظيمُها وانت خفيفُ اللحية صغيرُها، وأنت تعلم أنا لا نختار للجثلقة الا رجلاً زاهداً في الرياسة، وأنت أشدُّ الناس عليها كَلَبَاً، وأظهرهم لها طلباً، فكيف لا تكون أجهل الناس وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة؟ وأنت قد شَغَلْتَ في طلبها بالك، وأسهرت فيها ليلك؟ **.
 * من كتاب أخبار فطاركة كرسي المشرق ص 17- تاليف عَمرو بن متّي- طبع في رومية الكبرى سنة 1896 المسيحية.
 ** من كتاب البيان والتبيين للجاحظ الجزء الاول ص 96 طبع مصر سنة 1926.
nabeeldamman@hotmail.com
Dec. 30, 2012



24
الى الموقرين يوناذم كنا وخوشابا سولاقا
تحية طيبة
منذ مدة وانا اتابع باهتمام وقلق الجدل الذي ثار بينكم واستغله بعض ضعاف النفوس من المتصيدين في المياه العكرة، لا زلتم في منتصف الطريق ولا زال  هناك متسع من الوقت لتراجعوا انفسكم وتتوقفوا عن مواصلة هذا المنحى الذي لا يخدم شعبنا في هذه الظروف. ارجو صادقا ان تعودوا الى مواقعكم بما فيها اسقاط الدعوى في المحاكم وان تتركوا كل الخلافات جانبا الى الزمن والتاريخ الذي سيصدر احكامه الصارمة في اوانه.
 املي فيكم لا يحتاج الى استنهاضه بانتقاء المزيد من الكلمات ولا الى المزايدة وتكرار المناشدات، لمصلحة شعب آيل الى الانقراض، بإلحاح ومودة اخاطبكم وانتظر جوابكم على ندائي في القريب العاجل ان شاء الله.
نبيل يونس دمان
كالفورنيا

25
الشيوعي البصراوي .....
تعقيب على مقالة الصديق شوكت توسا
نبيل يونس دمان
     عبد الزهرة الطالب في كلية الاداب- جامعة الموصل في بداية سبعينات القرن الماضي كان يجلب الانتباه اليه بثقافته الواسعة ومبدئيته الصارمة ثم حقده المقدس على البعث، لذلك استحق احترام الطلبة التقدميين من مختلف المشارب والملل والاحزاب، فيما حصد كرها وملاحقة متواصلة من اجهزة البعث- فاشي.
     من سياق المقدمة اعلاه تعرفت عليه فتوطدت علاقتي به وبزميل اخر من بلدة دجيل التي ازالها عن الوجود صدام حسين لاحقا، اسم ذلك الزميل عبد الهادي، هذان الطالبان انجذبت نحوهم اكثر بسبب كرههم للبعث وعدم ايمانهم بالتحالف معه، كان عبد الهادي الدجيلي اكثر قربا مني كونه في نفس كليتي الهندسة.
     كما تعلم عزيزي القارئ ان الجبهة الوطنية والقومية التقدمية قد تم التوقيع عليها في تموز 1973 وفي خريف ذلك العام ابتدأ الدوام الرسمي لنا كطلبة في جامعة الموصل، في تلك الفترة افتتح مقر للحزب في بداية شارع النبي جرجيس مقابل الشارع النجفي، ونفس المبنى كان مقرا للحزب في الفترة التي سبقت انقلاب 8 شباط الدموي، عرفت ذلك من خلال استئجار زميلي الراحل منذر حميد حكيم غرفة في نفس المبنى عام 1972 وقد شاهدنا معا قطعة خشبية مقلوبة وفوق الكتابة طلاء بسيط وقد دون فوقها اسم احد مقار الحزب في السابق. لتلك الاسباب كان المقر معروف موقعه وغرفه وسطحه والصعود اليه بدرجات كثيرة، في تلك الايام تشكل وفد طلابي من المجموعة الثقافي لتهنئة الرفاق بمناسبة افتتاح المقر الجديد وسط الموصل التي شهدت في اوائل الستينات اشرس موجة عنف طالت المئات من العناصر التقدمية فيما تركها اضعاف ذلك العدد الى المدن العراقية وخاصة بغداد، لذلك كان الحذر واجبا في التعاطي مع تلك الاجواء، على اية حال تحركنا من الجامعة مجموعة من الطلبة لا اذكر منهم الان الا ابن مدينتي كوريال صادق تومكا والطالب عبد الزهرة البصري ذلك العنصر الرائع المشخص مع الزميل عبد الهادي الدجيلي في الانتماء الى القيادة المركزية التي لا تؤمن بالتحالف مع البعث بل تتخذ اسلوب الكفاح المسلح سبيلاً للوصول الى السلطة.
     استقبلنا في المقر من قبل رفاق الحزب وفي مقدمتهم المناضل الراحل توما توماس (ابو جوزيف) وقيادي اخر اسمه الرفيق امين زنكنة، فجلسنا معهم نتحدث وكان المتحدث الاكثر تمكنا والالمع بيننا عبد الزهرة وهو يعبر عن مخاوفه من التحالف والعلاقة الجديدة مع البعث، بالنسبة لي لم اتذمر بل خضعت للامر الواقع ولكنني كنت دائم التصادم مع البعث ومنظمته الارهابية (الاتحاد الوطني) الى درجة كلما تلتقي اللجنة الجبهوية المصغرة في الجامعة يرد اسمي واسم عبد الهادي واخرين باننا عناصر (فوضوية) وضد التحالف الجبهوي، كنت ارتاح كثيرا عندما اسمع ذلك، لشيء كان يضطرم في داخلي كالنار المستعرة للوصول الى الاهداف التي امنت بها.
     لم يمر اسبوع من ذلك اللقاء في مقر الحزب ومن ذلك التاريخ البعيد، في ذلك الوقت طبعا كان الزميل شوكت يوسف توسا قد تخرج وانهى فترة السنة في الخدمة العسكرية الالزامية وعاد الى القوش في خريف 1973 ليشارك في احدى المعارك انذاك، ان شوكت لم يسمع او ربما نسي مصير الطالب الرائع عبد الزهرة الذي خطف ذات يوم من تلك الايام من قبل اجهزة الامن في الجامعة وضيع اي اثر له من ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا. كنت دائم التجوال مع عبدالهادي الدجيلي في اروقة الجامعة ويوما صادفنا عنصر من عناصر الامن الغريبة عن الجامعة كما وصفهم بحق شوكت توسا في مقالته، رمقنا ذلك العنصر كالعادة بنظراته المريبة، وكان شكله متوسطا في الطول يتمايل جسمه مع كرشه عند السير وهو يرتدي البدلة المدنية وبربطة عنق، هنا قال لي عبد الهادي هل انتبهت الى (كلب) الامن الذي كان يلاحقنا بنظراته الحاقدة، قلت نعم، فقال لي بانه الشخص عينه الذي اعتقل عبد الزهرة، وبمرور الايام كنا كلما نراه في شوارع الجامعة انا وكوريال تومكا نقول هذا هو الذي اعتقل عبد الزهرة، وعند تعييني مهندسا في الفترة بين عامي 77- 78 كنت ارى نفس الشخص القذر امامي في سوق قضاء سنجار فاتجنبه واحيانا اغير مساري خوف ان يشخصني فتبتدأ دورة الاستدعاء والاستفزاز.
     تلك هي قصة عبد الزهرة البصري الذي غيّب شأنه شان الالاف من خيرة ابناء شعبنا وكما يقول الشاعر سعدي يوسف (الوجوه التي غيبت بين قصر النهاية والماء والعجلات السريعة) على يد اجهزة البعث المرعبة والمدعية زورا وبهتانا بالقومية والوحدة والاشتراكية شعارات كاذبة ديماغوجية، انهم تشربوا من مبادئ الفاشية فاصبحوا اسوء منهم متعطشين للدماء، قتلة، وارهابيين حقيقيين هؤلاء الذين ابتلى العراق بهم قرابة اربعة عقود.
     اما وقد ورد اسم عذاب الركابي في مقالة شوكت والركابي شاعر مجيد من الديوانية كان طالبا في كلية الاداب في السبعينات، توطدت علاقتي به كثيرا لشعره الحماسي وعن طريقه احببت الشعر الشعبي الجنوبي. مرة كنا عائدين من احتفال في منطقة دير ماركوركيس شمال الموصل، انذاك كانت المنطقة المحيطة غير مسكونة كما اليوم، انشد عذاب الركابي مقطعا شعريا يقول (باكو جلماتي مني وكَالوا اخرس وما يحجي) ويقصد بسارقي كلماته البعثيين، بعد ذلك اهدى بعض قصائده المكتوبة بخط يده الي، احتفظت بها سنينا حتى جاءت ضربة البعث لنا في اواخر السبعينات فلم استطع الاحتفاظ بها، لكني اتذكر مقطع يخاطب الشهيد فهد قائلاً: اصفك شما ينباك الجف العندي بجفك اصفك، واحجي بحجيك "قوو تنظيم حزبكم، قووا تنظيم الحركة الوطنية". ثم يواصل منشدا: لنّه صوت من الصرايف من بيوت الطين " وطن حر وشعب سعيد". في فترات سابقة سألت عن عذاب الركابي فقيل انه في ليبيا وحاولت الاتصال به بالانترنيت ولكني لم اوفق، والان اسمع من شوكت توسا بانه في مصر وحبذا لو اعطاني وسيلة للاتصال به او على الاقل تحيته بعد مشوار طويل من افتراقنا.


من اليسار الشاعر عذاب الركابي- نوئيل يونس ياقو- هدى الفيلية- كوريال تومكا جامعة الموصل 1974

 

من اليسار عبد الهادي الدجيلي- مرتضى ابراهيم الموسوي- نوئيل يونس ياقو
جامعة الموصل 1974
nabeeldamman@hotmail.com
12- 12- 2012
USA 
   
 

26
كلمة في الصحفي الراحل صباح صادق كبوتا
نبيل يونس دمان
نشجت طيور الصباح، عن نَجْمٍ أفَلَ وَراح
مِنْ طْيبِ ثَمَر التُفّاحْ، مِنْ شَذى وَرْد القَدّاحْ
لكن رُويدَك يا صاحْ
فنحنُ في نُواحْ، نُوَدِّعُ الاخ صَباحْ
ايها الحفل الكريم

أسْعِدتُم مساءً
من على هذا المنبر اعبّرُ لعائلةِ الفقيد واصدقائِه، عن كُبرِ خسارتِنا في رحيلِ هذا الانسانُ الوفي، أسيفٌ أقفُ في ذكرى صديقٍ عرفتُه لسبعِ سنواتٍ فقط، فانطبعَت في مُخَيِّلتي صفاتُه، من هدوئه، طيبته، حبِّه للثقافة، ومواظبتِه جلساتنا الاسبوعية. عرفناهُ صديقاً للكتاب وصُحفياً مُخضرَماً عاصرَ كلَّ الانظمة بقلمِه وامكاناتِه، لم يتوغلَ عميقاً في كَنَهِ هذه النُظُم ولم يتحزبَّ الى جهة معينة، بل مَسَّ شِغافَ الجميع ووضعَ نفسَه على مسافةٍ متساوية من الاحزاب والقوميات والطوائف، من الصعوبة أن تميزَّهُ بانَّه من دينٍ بعينِه او طائفةٍ بعينها، بل كان ينظرُ نظرةً واحدةً للجميع، لذلك نالَ احترامَ ابناءَ هذه الطوائف سواءً في العراق او في المهجر، الذي وجدَ نفسَه فيه قبل اكثرَ من ثلاثين عاماً.
كان صباح هاوياً لجمعِ الكتبِ ومطالعاً جيداً وراوياً في الجلسات التي جمعتنا لسنين في إلفةٍ وانسجام، يَحِبُّ النقاشَ والحوارَ الموضوعي، يتأنّى في طرحِ آرائِه، لا تأخُذه الحٍمِيَّةُ او المزايدة في طرحِ ما يراه مناسباً وما هو مُقتنعٌ بهِ. فخرٌ لقريةٍ صغيرةٍ في شمال نينوى إسمها (باقوفا) والتي شبَّهها احد ابنائها ب (حبة خردل) ان تنجب صباح صادق، احد روادُ مجلسِنا الأسبوعي الذي شهدَ تناقصاً ورحيلاً ابدياً لزملاءٍ لنا واخوةٌ،  كنا ولا زلنا نجتمعُ على تبادلِ الافكار واحياءِ جوانبَ الثقافة، وتذكُر وطنَنا هناك بينَ النهرينِ، اشبّهُ مجلسَنا بالمزهريةِ فمِن كلِ حقلٍ زهرةٌ فوّاحَةٌ، وعلى طاولتِه تزولُ الحدودَ والقيودَ الدينيةِ والطبقية والقومية.
ختاماً أوجِّهُ التعازي الى أنفُسِنا والى عائلتِه ومُحبّيه، فَكلُّ نفسٍ ذاهبةٌ الى المصيرِالمحتومِ في موعِدِها، الذكرُ الطيب لصباح والصبرُ والسلوان للجميع.
سان دييغو في 31- 10- 2012


27
رِجْالٌ تَرَكوا بَصَماتهم في سِجِلِّ الزَمَن
نبيل يونس دمان
1- في حدود عام 1935 كانت مجموعة من تلامذة المعهد الكهنوتي البطريركي في الموصل ( السيمنير) تتمشى من مدرستهم الى كنيسة مسكنتا كل اثنين في صف على شكل رتل وبجانبه احد الرهبان، كان التلامذة يسيرون صامتين مطأطأي الرؤوس، على الاغلب كانوا يتعرضون الى بعض اولاد المسلمين هناك فيسمعونهم كلمات بذيئة او يلقون عليهم البصل والبيض الفاسد، لكن التلامذة كانوا يواصلون مسيرتهم متوكلين على الرب. في احد الايام كان يسير معهم مدير المعهد القس ( البطريرك فيما بعد ) بولص شيخو في منطقة اسمها باب البيض، وكالعادة بدأ التحرش والتعرض من مجموعة الصبية، ولكنه تصاعد الى رمي الاحجار، اصاب احدها المدير فجرح رأسه وصار الدم يسيل منه، احد التلامذة واسمه موسيس (1) لم يتحمل الموقف فجرى بكل ما اوتي من قوة خلف الصبية الذين لاذوا بالفرار فلحق بهم واشبعهم ضرباً، وعاد الى الرتل وواصلوا طريقهم. عند المساء ومع حضور سفرة الطعام إلتم الشمل كلٌ في مقعده بإنتظار إيعاز القس بولص شيخو بالشروع بالأكل، هنا طلب القس من التلميذ موسيس ان ينهض من مكانه ويركع على الارض نادما، ونام تلك الليلة بدون عشاء .
2- في الخمسينات وفي منطقة ( عقد النصارى ) المطلة على شارع الرشيد ببغداد، اوقف القس موسيس عربة نقل تجرها الخيول، فاتفق مع السائس لايصاله الى الكرادة بمبلغ 250 فلسا ً، عند الكرادة نزل القس من العربة الى الارض فنقد السائس المبلغ، هنا رمى ذلك الانسان المبلغ في وجه القس مدعياً انه قليل، وبعد نقاش غير مجدي تفوه السائس بكلمات غير لائقة بحق الكاهن، فما كان منه الا ورفع السائس من مقعده في العربة وانزله ارضاً ثم انهال عليه ضرباً وركلاً، تجمهر الناس حولهم ونطقوا قائلين " يا ابونا كاد المسلم يموت بين يديك " والسائس يقول: انظروا يا امة الاسلام، فاثارهم ولكنهم تمالكوا انفسهم ليسمعوا حجة القس،  وعند سماعهم القصة انقلب الموقف، وقالوا يا ابونا حسنا فعلت ولم تقصر معه. (2)
3- كان خالي الراحل يونس اودو طالباً في مدرسة السيمنير في الخمسينات من القرن الماضي، في احدى اجازاته الى بغداد اصطحبه عمي كامل الى محطة قطار الموصل مشياً على الاقدام من منطقة كنيسة مسكنته، في الطريق وقبل الوصول الى محطة القطار هجمت عليهم مجموعة من اولاد المسلمين فخطفوا قلنسوة طالب المدرسة الدينية وعند محاولته ارجاعها صار الواحد يناولها للثاني، فكلما اقترب يونس من الذي بيده الطاقية رماها بدقة الى اصحابه، وهكذا بعد ان عجز التلميذ والذي معه قررا المضي الى المحطة بدونها، هنا شرعت المجموعة تهزج هذه الكلمات المسيئة ( هذا القَسْ ما ينمَسْ، يَزرَع فجِلْ يطلَع خَسْ ). (3)
4- زار يوماً القس بولس بيدارو القوش وهو معروف ومشهودٌ له بتمكنه من اللغة والشعر السرياني، تجمع الاهالي لسماع قصيدته، فكانت متقنة تحدث فيها عن الادباء واللغويين السريان وعند انتهائه طلب من الحاضرين إبداء ملاحظاتهم فلم يجب احداً. كان القس يوسف عبيا جالساً يستمع هو الاخر، فالتفت اليه بيدارو قائلاً: ها رابي عبيا ما رأيك؟ فقال له قصيدة جيدة ولكن ناقصة، فقال بيدارو وقد صعق: وما النقص الذي فيها، فقال: انك لم تتطرق الى ادباء ولغويين من هذه البلدة، فقال بيدارو: انت على صواب، وانا اعتذر، ولكن انت اكمل ما تراه مناسباً ، فهم الجميع ان بيدارو القى الكرة في مرمى عبيا حتى يحرجه، لكن عبيا فهم اللعبة وتعهد بان يكمل القصيدة في نفس الوقت من اليوم التالي. رجع عبيا وانكب على القرطاس رابطا الليل بالنهار ليجاري قصيدة بيدارو في رونقها ووزنها المتميز وهكذا اضاف ابياتا تذكر وتمجد خطاطين ومؤلفين وشعراء من البلدة القوش، وفي الموعد المحدد حيث إلتم الجمع، صعد عبيا المنبر والقى ابياته بصوته الجهوري وحركات يديه المعتادة فكانت بحق جزءً مكملاً لقصيدة بيدارو في قوتها وبالغ تاثيرها فاعجب الجميع بما يسمعه فيما بيدارو يصفق بشدة وهو يردد ان احسنت يا عبيا، تكاد لا تتميز ابياتي عن ابياتك فتكاملت وتناغمت القصيدة، ثم طالب الحاضرين  بان يهتموا بالقس عبيا فهو موهوب ونادر من يضاهيه في التمكن من لغة ابائه واجداده السريانية المتجذرة في اعماق التاريخ.(4)
5- عندما كان القس يوسف ( ايسف ) عبيا قسيسا في قرية تلّا يخدم الجماعة للفترة من 1920- 1923  توطدت علاقته بالجميع من مسيحيين ومسلمين  لمواهبه وقابلياته وثقافته الواسعة، في احد الايام اشتكى حسين أغا المنطقة من احد الملالي الذ لا يفقه من الدين شيئا سوى امور ساذجة تثير الشكوك،  الاغا يسكن قرية بلا القريبة جدا من تلا ولذلك تطلق تسمية القريتين معا ( تلّا و بلّا ) على غرار ( حرير وبيطاس، بعشيقة وبحزاني وهكذا ) فدعا حسين أغا يوماً عبيا الى وليمة، وفي موعدها المحدد حضر اعوان المنطقة هنا طلب عبيا من الأغا ان يعطيه الضمان والامان في ما يراه مناسباً، هكذا تحرك عبيا بذلك الاتجاه وفيما التحضيرات جارية على قدم وساق، انسل عبيا الى مطبخ الأغا، واوصى ان يضعوا لحم فوق الرز في صحن كل من في الديوان بمن فيهم القس نفسه، اما صحن الملا فاوصى ان يضعوا قطعة لحم تحت الرز، اعتاد الملا كلما يدخل الديوان ان يصيح بالجميع: انهضوا لقد نهض الله فينهض الجميع، ثم يقول: اجلسو لقد جلس الله، فيجلس الجميع، من هنا بدا تذمر الاغا وساورته الشكوك، والان وبحضور القس عبيا اختلف الموقف فعندما دخل الملا الديوان صاح بالجمع ان ينهضوا فقد قام الرب، اوقفهم عبيا بصوته الخارق ان يبقوا جالسين في محلهم، لم يقل الاغا شيئا فيما تصاعد غضب الملا تجاه القس، حان موعد تقديم الطعام في صحون وكل صحن فوقه قطعة لحم ما عدا صحن الملا ، شرع الجميع بالاكل والملا ساكت لا يتكلم ولا ياكل، فقال الاغا: تَفضّل ملا شاركنا بالاكل، انفجر غضب الملا وهو يقول: اهذا هو احترامك لي يا أغا تُفضّل عليّ القس النصراني وتضع امامه اللحم وامامي لا شيء، هنا تحرك عبيا نحو صحن الملا، فحرك الرز قليلا فاذا قطعة كبيرة من اللحم في صحنه، سكت الملا على مضض، هنا قال عبيا: كيف يا ملا لم تر قطعة اللحم المخفية بين الرز فيما ترى الله عندما يقوم وعندما يجلس، اصفر وجه الملا واصبح مسخرة امام الجميع، فطرده الاغا حسين شر طردة، وقال له لقد انكشفت ألاعيبك.(5)
 (1) المطران قرياقوس موسيس: ولد في الموصل سنة 1921. توفيت والدته وهو صغير فاقترن والده بفتاة من تلكيف وسكنوا هناك حيث عمل والده صائغا فيها، دخل المعهد الكهنوتي  البطريركي بالموصل سنة 1933. رسم كاهناً سنة 1943 بالموصل ( اطلق عليه لقب قس عنتر لشجاعته ) أرسل إلى روما سنة 1946، عاد الى بغداد عام 1950 وخدم في كنيسة أم الأحزان، رسم مطراناً على أبرشية العمادية سنة 1968، توفي سنة 1973.
(2) سمعت هذه القصة  وسابقتها من القس المرحوم عبد الاحد النجار (1922- 2002) .
(3) سمعت القصة من الاستاذ كامل ياقو دمان ( 1939 ) .
(4) من اوراق الاديب الراحل نوئيل قيا بلو ( 1934- 2012 ) .
(5) يتداول الكثيرون من اهالي القوش هذه القصة ويتناقلونها من جيل لجيل .



 

28
المنبر الحر / بيت أودو الألقوشي
« في: 14:53 23/09/2012  »
بيت أودو الألقوشي
نبيل يونس دمان
     من البيوت المعروفة في بلدة القوش الاشورية العريقة، بيت اودو الذين تقع بيوتهم في مركز البلدة القديمة وتسمى تلك البقعة ( محلة اودو ) في مركزها تقع قنطرة هذا البيت الذي ذاع صيتها في مجلسها الشعبي ( ديوان ) الذي كان جمعه يفترش ارضيتها اكثر ايام السنة، ويكون غنياً بطروحاته واحاديثه وفكاهاته.
     نزح جد تلك العائلة من منطقة تخوما ( دياردين- تركيا ) ، في بداية القرن الثامن عشر، وكان ضليعاً في الطب والعقاقير والمراهم، فامتهن واولاده واحفاده تلك المهنة المحترمة واجادوا فيها، لذلك اطلق عليهم لقب حكيم ( الطبيب ) ككلمة مرادفة لاودو. كما ويطلق اسم مرخو على فرع منهم، يتسلسل من الشماس ميخائيل ( مرخاي- مرخو ) ، شقيق البطريرك مار يوسف اودو.
     تذكر المصادر ان ماروثا الحكيم، المنحدر من القس دانيال بن أدم اودو، وهو العالم في التاريخ والابحاث الآثارية، قد توصل الى معنى اسم القوش، بانه مشتق من كلمتين ايل- قاش فالاولى تعني إله والثانية تعني الكبير لتصبح ( الاله الكبير ) وانها كانت عامرة منذ العصور الوثنية.
     توارث الابناء مهنة الطب الشعبي من آبائهم في تلك الاسرة، وقد اشتهر منهم: حنا حكيم ابن القس دانيال المار ذكره في أمد ( ديار بكر ) ، حيث اصبح طبيباً خاصاً للوالي العثماني. وكذلك اشتهر منهم يونس اسحق هرمز، يوسف اسطيفو منصور، هرمز اسطيفو منصور، شعيا مرخو ، صادق شعيا مرخو، ياقو حنا مرخو، وكان آخرهم حميد ياقو مرخو ( 1912- 1997 ) ، ومن الفرع الاخر كان جدي لامي كوريال اسطيفو منصور المتوفي عام 1960، والذي عرفته القرى الجبلية طبيبا بارعاً، حاملاً حقيبته الطبية ( جنته ) على كتفه، متجولاً في شعابها ووهادها.
     من ابرز الرجال الكنسيين الذين انجبتهم عائلة اودو هو البطريرك مار يوسف السادس اودو ( 1792- 1878 ) هناك قصة يتداولها اهل القوش تقول ان البطريرك مار يوسف عندما كان في مفتبل العمر عندما اخذه والده هرمز الى دير الربان هرمزد، الذي جدد حياته الرهبانية للتو الانبا الشهيد جبرائيل دنبو عام 1808 ، اعجب الرهبان ورئيسهم به لمواهبه ودماثة خلقه، وارادوا ابقائه بينهم، فرفض والده، وحين انحدارهم في الوادي باتجاه القوش، سقط مصادفة حجرا فجرح رأسه، مما حدى بهم العودة الى الدير لعدة ايام للعلاج، كانت تلك الحجرة بمثابة دعوة إلاهية! .
     لقد كان البطريرك ورعاً تقيا ومحبا لشعبه، لتلك الاسباب تعرض لالوان التعذيب الجسدي والسجن على ايدى الباشوات: باشا راوندوز وباشا العمادية وباشا الموصل. ظل في علاقة متوترة مع روما بسبب ملبار في الهند حتى اواخر عمره، في عهده بني دير مار كوركيس في بعويرا قرب الموصل ، وكذلك دير السيدة حافظة الزروع قرب القوش عام 1858، في هيكل ذلك الدير ينتصب مرقده الذي تعلوه رخامة مكتوب عليها ( كونوا كالحيات في حكمتكم، وكالحمام في وداعتكم ) .
     نابغة آخر من بيت اودو كان المطران مار توما هرمز اودو ( 1855- 1918 ) ذلك الحائز على شهادات عليا من روما، ومؤلف العديد من الكتب ، ابرزها قاموس ( كنز اللغة الارامية ) وهو مرجع علمي يهتدي به كل باحث في اللغة التي تكلم بها السيد المسيح . في اواخر عام 1917 تراس الوفد الاشوري للمباحثات مع الحلفاء في تبريز وتفليس، والذي ضم في عضويته مار ايليا ابونا ( القوش ) والقس اسحق ملك يونان . نال اكليل الشهادة على يد الفرس عندما هب لمساعدة شعبه المتعرض للفناء في اورميا، حيث كان ينقذ الالاف ليرسلهم في الطريق المؤدي الى بعقوبة في العراق. روى قصة مصرعه البطولية القس يوسف ( جكا ) نيسان الذي فرّ من هناك بصعوبة بالغة ليصل الى بلدته القوش.
     المطران اسرائيل هرمز اودو ( 1858- 1941 ) هو شقيق مار توما ، خدم في ابرشية البصرة وبنى كنيسة مار توما التي ما تزال قائمة حتى يومنا هذا. ثم خدم في ابرشية ماردين لثلاثين عاماً وحتى وفاته فيها. له قصائد في رثاء شعبه الذي تعرض للمجازر في ادنة والجزيرة وسعرد ووان وغيرها اعوام السفر برلك العجاف.
     في عام 1880 جاء الى القوش شيخ قبائل الطيان المدعو كولان مع مجموعة من المسلحين، عاثوا في البلدة فساداً، شتموا واهانوا اهلها، ثم سلبوا السوق، ومضوا الى ديارهم باتجاه غروب الشمس. هنا حدث هياج شعبي اضرم شرارته القس هرمز والد المطرانين المذكورين اعلاه، واضعا جلبابه الكهنوتي جانباً، ومرتدياً عدة القتال، فنادى بالغيارى وشق طريقه خلف كولان وازلامه. لحقت به مجموعة من الشبان المتحمسين، واستطاعوا ان يلحقوا اعدائهم خلف قرية داكان الايزيدية، فحدثت معركة حامية بينهم. اثنائها صاح احد الشبان ويدعى حنا بهاري بالقسيس قائلاً: ان الشيخ كولان كاد يصيبني وانه الان تحت مرمى نيراني، فماذا افعل به؟ فقال له القس هرمز ارسم علامة الصليب ( صور شوحا ) يا بني وتوكل .....فعل حنا بهاري ذلك .... وبعد لمح البصر هوى الشيخ المعتدي على الارض صريعاً، فتشرذم اصحابه لا يلوون على شيء، تاركين ما سلبوه في مكانه، وعاد القسيس الى بلدته ظافراً.
     لعائلة اودو حالياً مطران اسمه مار انطوان المولود في حلب سنة 1946، لابوين القوشيين فوالده داود ( اودو الصغير ) غادر بلدته عام 1924، غداة مقتل شقيقه الاكبر يوسف ( عمّه تومي ) على يد اثنين من بيت توحلة الموصلي، والذين لاقوا جزائهم العادل قتلاً . اذن توجه داود قاصدا حلب حيث عمه الخوري ( المونسنيور ) حنا اسحق هرمز، وعمره آنذاك 14 سنة. تزوج بعد مدة من الفتاة زهرة ابنة سليمان ككه ميا اودو المولودة في ديار بكر بتركيا، عاشت تلك العائلة في حلب وحتى الان. برز من ابنائهم انطوان الذي نذر نفسه لخدمة الشعب والكنيسة، فرسم كاهناً عام 1979، ومطراناً عام 1992 على يد البطريرك الراحل روفائيل بيداويذ. المطران انطوان حائز على عدة شهادات عليا منها: دكتوراه في الآداب الشرقية من جامعة السوربون- باريس 1979، واجازة في علوم الكتاب المقدس، واجازة في علوم الفلسفة اللاهوتية.
     كاهن آخر من بيت تودو وهو الاركذياقون قرداغ ( اركان ) حنا حكيم الذي يخدم الان في شيكاغو ضمن كنيسة المشرق الاشورية بهمة ونشاط .
مدخل متواضع او محاولة في رسم شجرة عائلة اودو الألقوشية المعروفة:
اودو ولد:
اسحق، ادم.
 ادم ولد دانيال ودانيال ولد القس ماروثا و حنا.
حنا ولد سليمان، يوسف.
اما سليمان فولد زهرة التي اقترنت ب داود اودو في حلب في الثلاثينات من القرن الماضي.
يوسف حنا دانيال ادم اودو فولد سعيد الذي عاش في حلب ولد يوسف، ميشيل، وسلام.
اسحق اودو ولد هرمز وهرمز ولد:
البطريرك مار يوسف عام 1792، اسحق، ميخائيل ( مرخو ).
اسحق هرمز اسحق اودو ولد :
خوري بولص، منصور، يونس، المونسنيور حنا.
منصور اسحق هرمز اسحق اودو ولد:
كوريال، موسى، هرمز ( مامينو ) ، يوسف ( عمه تومي ) ، عيسى،  داود.
كوريال اسطيفو ولد:
بولص، جلال، جمال، يونس، عزيز، كرجية ( والدتي ) .
داود والد المطران انطوان في حلب.
ميخائيل ( مرخو) هرمز اسحق اودو ولد:
شعيا، ججو، خوري هرمز:
خوري هرمز ولد المطرانين المعروفين مار توما ومار اسرائيل.
ومن شعيا ولد صادق ومن صادق ولد سليمان والد زوجتي كفاح.
ججو ولد حنا، بطرس، داود.
حنا ولد:
ياقو، ممو، جعفو، ججو، ساكا، اوراها.
ياقو ولد حميد، سعيد، حنا.
حنا ولد:
الاركذياقون قرداغ ( اركان ) .
ملاحظة 1
لدي تفاصيل اكثر عن العائلة لمن يطلبها.
ملاحظة 2
هناك عائلتان ترجع اصولها الى بيت اودو وهي:
تعينو و كك حنو- بونا، لا استطيع ربطهما بمدخل الشجرة المقترحة الا بالاستعانة بمنتسبي العائلتين والسجلات الكنسية معاً.

29
المنبر الحر / فلم براءة المسلمين
« في: 22:58 15/09/2012  »
فلم براءة المسلمين
نبيل يونس دمان
    فلم براءة المسلمين رغم الضجة الاعلامية التي تتصاعد ضده ورغم المبالغ الكبيرة التي انفقت لانتاجه فهو ضحل لا يرقى الى مصاف الافلام الراقية التي تخلد اصحابها لزمن طويل. كان الكرملي الخالد على صواب عندما علق لافتة تمنع الجدالات الدينية في مجلس الجمعة ببغداد في النصف الاول من القرن الماضي والذي كان يكتظ بالعشرات من المفكرين من مختلف الديانات. ان الاديان تأخذ وتقاس متكاملة اما اذا جزأها الانسان حسب اهوائه فقد يصاب المؤمنون بالحيرة وتصبح مادة سهلة للتحريف واثارة الفتن او ربما تدرك في غير معناها فيساء فهمها وتاتي بافعال تلحق اشد الاذى بالمنجزات التي حققتها الانسانية، ان الاديان دعوات اصلاح وليست معتقدات وافكار تدعو للعبثية والعنف.
     اقولها بملئ الفم ان الفلم مسيء وينبغي سحبه ووضح حد لهذه التخرصات بين فترة واخرى لجس نبض الشارع المكهرب اصلا ، يتطلب رفع الفلم عن المداولة والنشر ومحاسبة اصحابه ليكونوا عبرة لمن يعتبر، فحل مشاكل العالم الاقتصادية والاجتماعية وصولا الى ما نشهده من صراع الحضارات او تصادم المعتقدات وان بصورة مخفية، لا تحلها دعوات التشهير بالجانب الاخر وجرح مشاعره التي تراكم بناءها عبر مئات السنين وربما تحتاج المسالة الى مئات اخرى حتى يهتز هذا البنيان المترسخ وقد لا يهتز ابداً، بالامكان هدمه بسهولة باستخدام وسائل الابادة الجماعية وقد سبق تطبيقها بهولها وبشاعتها لكنها لم تحل المعضلات التي على الارض، ودفعت الشعوب اثمانها باهضة.
     ختاما انا ضد العنف والعنف المضاد وانا مع الحوار بين الاديان وضد اية حرية تتجاوز حدها في جرح مشاعر الناس وزعزعة ايمانهم المنتقل اليهم عبر القرون، انا مع حرية الفكر والايمان في حدود القوانين التي وضعها الانسان وتطورت الى ما هي عليه اليوم،  وانا مع استتباب الاوضاع في الشرق الاوسط والعالم وان يسود السلام الارض كما قال المسيح " وعلى الارض السلام وبالناس المسرة ".

30
ناحوم الالقوشي
الشماس حنا شيشا گولا
من هو ناحوم واين ولد:-
بموجب المصادر التاريخية والكتب المقدسة يوجد ستة عشر نبياً منهم اربعة كبار وهم:- اشعيا- ارميا- دانيال- حسقيال، واثنا عشر صغار وهم:- هوشع، يوئيل، عاموس، عوبذيا، يونان، ميخا، ناحوم، حوفق ( حبقوق ) ، حكي ، زكريا ، ملاخي .
ان النبي ناحوم هو احد الانبياء الصغار، وهو مولود في بلدة القوش الاشورية التي هي من المدن الشمالية لوادي الرافدين ( العراق حالياً ) حين كانت الامبراطورية الاشورية تحكم هذا الوطن الذي نبعت منه الحضارة.
كيف كانت ولادته:-
ان ملوك الامبراطورية الاشورية والكلدانية قاموا بحروب كثيرة مع الدول المجاورة بغية توسيع امبراطوريتهم وفرض سلطتهم على الشعوب المجاورة، وكان شلمانصر الثالث اول ملك اشوري قام بهذا التوسع، وقد حارب مملكة يهودا الفلسطينية وانتصر عليها، ثم قام بسبي عدد منهم وجاء بهم الى العراق الحالي، كان ذلك سنة 859 ق. م. وكان المسبيون الذين جلبوا الى وادي الرافدين شباب وشابات بغرض تشغيلهم بامور الزراعة. وجلب عدد من هؤلاء الى القوش وعددهم يربوا على اربعين عائلة حسب قول الشيوخ المسنين فيها، وان جد النبي ناحوم كان احد المسبيين الذين اقدموا الى القوش.
حسب الاحاديث والقصص التاريخية اكد بان جد النبي ناحوم كان يعيش في القوش، ورزق بولد سماه القون نسبة الى القوش، والقون بعد ان كبر وتزوج رزق ببنت سماها سارة ( ومعناها سرور ) وكانت بكر ابيها وامها، وان هذه البنت لم تتزوج اطلاقاً وبقيت بتول باكر حتى وفاتها، وقد دفنت في صحن حوش المعبد ( او الكنيسة ) ولا زال قبرها موجودا ً حتى اليوم، ولقد بني كوخ صغير فوق قبرها بمساحة اربعة امتار مربعة ولا زال الكوخ باقيا ايضا، ولا ننسى ان زوار قبر النبي ناحوم كانوا يزورون قبرها ايضا للتبرك اما النبي ناحوم وهو المولود الثاني لالقون فقد سماه والده ناحوم ( ومعناها المسلي ) وهي كلمة عبرانية .
امتدت سيطرة الاشوريون من النيل الى الهند والصين وحتى شواطئ اليمن والاناضول وارمينيا وقد كانت المملكة الواسعة القوية قاسية على الشعب اليهودي. وان النبي ناحوم تنبأ في خراب مدينة نوأمون العاصمة المصرية في ذلك الوقت ( مدينة طيبة ) وكذلك تنبأ على خراب مدينة نينوى عاصمة المبراطورية الاشورية في نفس تلك الفترة ايضا، وكان ذلك في سنة 660 ق. م. وبسبب الظلم والفساد والفسق السائد في تلك المدن. وقد تحققت نبوته على مدينة نوامون سنة 613 ق. م. وعلى مدينة نينوى سنة 612 ق. م.
اما تاريخ ولادة النبي ناحوم ووفاته غير معروفتان ولكن يذكر بانه عاش اكثر من مئة سنة، ولم يتزوج ايضا شانه شان شقيقته.
مات النبي ناحوم في مدينة القوش الاشورية التي تبعد 48 كم شمال نينوى ولا زال قبره موجودا الى يومنا هذا، وكان اليهود ياتون لزيارة قبره كل عام ويقيموا احتفال رسمي حتى عام 1950 حيث هجروا العراق الى الارض الفلسطينية.
بعد هجرة اليهود من العراق تركت الكنيسة والمعبد والبناء بدون ساعور الى هذا اليوم. ونظرا لمرور سنين على البناء وبقائه دون ترميم فقد تهدمت قسم من الحيطان والسقف.
ان الكثير من اهالي القوش يزورون مرقده وكذلك بعض المسيحيين من خارج القوش ويضرموا الشموع لاعتقادهم بقداسته ويطلبون شفاعته من المسيح.
كان اليهود يقيموا عيد رسمي لهذا النبي كما ذكرنا اعلاه في القوش وحسب التقويم القمري كان يقع عيده بين شهر حزيران وتموز، وتستمر الاحتفالات ثمانية ايام حيث تبتدأ من السبت وتنتهي في السبت ايضاً، وكان اليهود يقدموا الى القوش لحضور هذا الاحتفال من اكثر بلدان العالم وبخاصة من بلدان الشرق الاوسط  وبعد انتهاء الاحتفال يعودوا الى ديارهم.
سرقة رفات النبي ناحوم:-
دخلت المسيحية الى مدينة القوش سنة 60 للميلاد. وقد اعتنق جميع اهاليها من الوثنيين ( عباد الاصنام ) واليهود الديانة المسيحية.
وبذلك فرض اهاليها المسيحيون سيطرتهم على معبد النبي واخذوا يستخدمونه للصلاة واقامة المراسيم الدينية كبقية الكنائس المسيحية في ذلك الزمان. بقي المعبد تحت انظار اهالي البلدة الى ان جاء الحكم العثماني وحكم وادي الرافدين وذلك في سنة 1630 م ، وبذلك تهيأت فرصة لليهود لاقامة دعوى في المحاكم ضد اهالي القوش مطالبين بالمعبد، طالت الدعوى والمحكمة مدة تقارب الثلاث سنوات حيث خسرها اهالي القوش وربحها يهود العراق.
بلغع الخبر اهالي القوش ، فقام عدد من شبان القوش الغيورين بتسلق حيطان المعبد ليلاً ثم دخلوا الهيكل ونبشوا القبر، واخذوا رفات النبي ناحوم الى كنيسة القديس مار ميخا كما خطط لها، ثم وضعت الرفات في اناء خزفي ، وحفروا في الهيكل في الجهة المقابلة لقبر مار ميخا ووضعوها هناك ثم كتبوا عبارة مختصرة وهي " هنا قبر النبي ناحوم " ثم ذكر تاريخ وضعها.
في يوم الثلاثاء المصادف 30- 9- 1987 قام كهنة القوش وهم الخوري هرمز صنا، والقس يوحنان جولاغ، والمطران ابلحد صنا مطران ابرشية القوش قاموا جميعا بفتح قبري النبي ناحوم ومار ميخا النوهدري، واطلعوا على عظام هذين القديسين، وظلت المقبرتين مفتوحتين عدة ايام ليؤمها اهالي القوش للتبرك.
كان الناس في زيارتهم للقبرين يدعون الله وشفاعتهم ان يحفظ مدينتهم الصغيرة القوش من كل قدر وعدوان مكروه، وبعد ذلك وضعت الرفات في محلها وطمرت كما كانت من قبل.
كانت تلك نبذة مختصرة عن حياة القديس النبي ناحوم الالقوشي.
لقد زرت قبره ومعبده قبل سفري الى الولايات المتحدة مع عائلتي يوم الاحد بعد عيد الصليب المقدس المصادف 16- 9- 1990.
اميركا في 1993


31
الشهادات الاكاديمية
نبيل يونس دمان
     كثر الحديث والسجال هذه الايام حول موضوع شهادات الدكتوراه التي تمنح هنا وهناك، وبغض النظر ان كانت حقيقية ام مزيفة، علينا ان نتجاوز هذا الموضوع العقيم ايضا، والذي حرك المهتمون به الى التخندق والتمترس كلٌ حول ما يراه هو الاصدق، لكن الحقيقة ستظهر جلية للجميع يوما ما، آنذاك لا يمكن الالتفاف عليها او حجبها، لماذا كل هذه الضجة حول الالقاب العلمية والاكاديمية، كل انسان حر في ما يراه وما يسلكه ومسؤول عن تصرفاته امام ضميره واهل بيته والمجتمع، ان تَمنح او تُمنح لنفسك مراتباً ودرجات وصفات مشكوك في توفرها، مسألة تخصك وبمقدار مصداقيتها عن وهمها، يتقرر تعامل واحترام الناس لك في ميزان الحياة.
     تتذكرون ايها الاخوة كيف منح صدام حسين لنفسه او منحت له رتبة مهيب ركن وشهادات عليا اخرى في العلوم العسكرية وفي الحقوق والاداب، وهو دكتاتور أجوف أرعن أذاق شعبه الويلات، وانه لم يخدم المدة الالزامية في الجيش العراقي. وهناك اليوم عشرات اذا لم نقل مئات ممن يحملون الشهادات المزورة، ويشغلون مناصباً رفيعة وخطيرة، وهناك الكثير ممن يكذب ويفبرك ويحرف التاريخ وينسج البطولات حول نفسه او مريديه كل يوم على مرآى ومسمع العالم، لكن في كل الاحوال حبل الكذب قصير، والتمويه مهما كان وقعه وقسوته أوان وقوعه، سيفتضح صاحبه ولن يصمد امام عاديات الزمن، ولن يبقى السر مكتوما الى الابد.
     في اواسط السبعينات من القرن الماضي طاردنا وضايقنا البعث في منطقة المجموعة المحيطة بمكان دراستنا الجامعية بالموصل، فاضطررنا انا وزميلي لؤي ان نترك المجموعة ونؤجر غرفة في بيت بمنطقة الميدان الشعبية، تشاء الصدف ان يجاورنا طالب من بلدة بغديدا اسمه فرج ( للاسف نسيت اسم والده ) بعد مدة حصل تعارف بيننا وصرنا نزوره في غرفته التي يشاركه السكن والده العامل مستخدما في احد بنوك المدينة، فرج المذكور كان يدرس في كلية الادارة والاقتصاد، افتهمنا منه انه بعثي الانتماء والمسألة عادية في ذلك الزمان وهو حر في اختياره، لكن نقطة الخلاف معه كانت تتركز في قوله " نحن عرب " فكنا نجادله برويّة ونبذل جهودنا في اثبات اننا لسنا عرب وبالقول ان لنا لغتنا المتميزة، ولنا حضارتنا منذ الاف السنين، للامانة كان والده ذلك الانسان البسيط يقف الى جانبنا ويقول " يا إبني انصت لهؤلاء فهم على حق "  فكان جوابه قاطعاً ومغلفاً بالتهديد " انا لا اريد النقاش في هذا الموضوع، انا عربي واصِلٌ الى قناعة تامة بذلك، ومنتهي من هذا الموضوع ". ماذا كان بوسعنا ان نقول او نتصرف سوى ان نتركه للزمن، هؤلاء ايضا اتركوهم لامتحان الزمن، فماذا بامكانهم ان يغيروا ومن يعترف بهم واية مناصب تنتظرهم، فما يدغدغ احاسيسهم محض احلام عصافير.
     في القوش يتذكر الكثيرون من جيلي وحتى من الاجيال اللاحقة شخصية غريبة الاطوار من قرية الشرفية جنوب البلدة اسمه ( لعازر ) كان يلبس سترة اشبه بسترة المارشالات ويضع على رأسه قبعة مهيبة، ويمسك عصا وكأنه قائد ميداني، واحيانا يتأبط كتابا مطبوعا عنوانه ( قانون العقوبات البغدادي ) في الستينات وبعد كل قهر وحيف يقع على القوش من قبيل حملات الجيش والجحوش والشرطة عليها، ياتي لعازر ويقول " انا الذي حرك كل هذه القوات على القوش حتى يرعوي اهلها " ، وعندما يبادر احدهم بسؤاله " ديخيلا أمثا " فيأتي جوابه السريع " أُمثا لَقاميلا بيزالا " .
     دعوا الذين تعجبهم بل تغزوهم احلام اليقظة، وامراض العظمة، دعوهم يلقبوا انفسهم ما شاؤوا من القاب وتسميات، دعوهم يحلموا فهل الاحلام حرام، دعوهم يثقلوا بالقابهم العلمية والاكاديمية، دعوهم يصفقون ويهللون طربا مع اتباعهم البسطاء الذين لا يريدون ان يروا او يسمعوا او يتعمقوا في المشهد الذي امامهم، او دراسة الحالة بعيدا عن العاطفة والتعصب.
     معذرة ان كانت كلماتي قاسية بعض الشيء، فانا لم اقصد شخصاً بعينه، وانا احترم الناس على طبائعهم، درجات ثقافتهم، سجاياهم، واترك كل واحد على درجة وعيه وفهمه وبناء شخصيته في مراحل عمره المختلفة، لا يمكننا ان ندخل الناس في بودقة واحدة، كلٌ حر وقد ولدتهم امهاتهم أحراراً.



32
رثاء الى الفقيدة سمرية بحو شهارا

إمراة القوشية المولد، عاشت على هذه الارض التي هي في اخر المطاف فانية، يذوق من على متنها الامرّين معاً، من فرح الصِبا وعنفوان الشباب، الى الزواج والاولاد، وبالنسبة لها وصولا للاحفاد واولاد الاحفاد، الى الموت كزائر غير منتظر، وغير مرحب به، وقد خطفها من بيننا وهي في أوج حكمتها وهيبتها، ونحن بامس الحاجة اليها، رحلت الى لا لقاء تاركة اهلها ومن عرفها ومن احبها، في دهشة وإرباك.
كانت سمرية ( ام صباح ) موهبة نادرة في البلدة تفكر بعمق، تصمت بعمق، وتتصرف برويّة، في اصابعها سرٌّ جُبلت عليه منذ نعومة اظفارها، كل شيء تمسكه، تحوله وتجيد في تحويله حد الابداع، منذ صغرها تتفنن وتصنع اشياء جاذبة وملفتة، فن تشكيلي بالفطرة دون دراسة، كانت تنقش الشراشف ووجوه الوسائد، بزخارف قلّ مثيلها في الجمال والالوان، وكانت تصنع من المواد البلاستيكية الملونة، انواعاً من الطيور والبلابل وجذوع الاشجار والاغصان والورود، وكذلك كانت تجيد تركيب كشيدة الراس النسائية ( بوشية ) فتتقنها وتجعل حاملتها جذلة تمشي الهوينا براحة واطمئنان، فهناك إلفة بين الفتاة وغطاء راسها الجميل، فتجذب الانظار اليها والى كل فاتنة صنعت لها سمرية شهارا، بوشية الرأس المتوارثة منذ زمن تألق حضارة بيث نهرين في غابر الازمان والعصور.
سهرت سمرية الليالي في تنشئة اولادها من البنين والبنات، فاحسنت تربيتهم الى جانب زوجها جكو جولاغ، الذي رحل مبكراً وكان هو الاخر عاملاً قويا ً، كسار احجار يُضرب به المثل، وحارساً ليلياً سهر الليالي لحفظ ارواح واملاك الناس.
نادرا ما تجود الحياة بامثال سمرية شهارا، تلك الانسانة المهذبة الرقيقة، حيث تعامل الناس بطيبة وذهنية منفتحة، في رحيلها تركت اعمق الاثر واجمل الذكريات، سيظل من عرفها يتذكرها ولا ينساها.
كوكبة الاولاد والاحفاد سيحملوا اسمها ويجلّوا قدرها، ويحاولوا المستحيل شغل الفراغ الذي تركته في رحيلها، وسيبكيها طويلاً ابن بنتها جليلة: داني اسمرو التي احسنت في اعطائه دروساً مهمة في الحياة، ليواجهها بنفس طيبة ومرح متواصل وقلب رقيق دافق بمحبة الناس.
لتكن ذكرى سمرية شهارا باقية الى الابد، وليخلد جسدها الى مثواه الاخير في تربة ابائها واجدادها، ولتسموا روحها الى الاعالي فتعانق الانجما، وتدور في فلك الايام على مدى الدهور.
داني اسمرو

33
مرقد النبي ناحوم يستغيث
نبيل يونس دمان
    سبق وان كتبنا عن النبي ناحوم ومرقده في بلدتنا القوش، التي قامت قبل ميلاد سيدنا يسوع المسيح، أي من زمن ظهور الانبياء في العصور الوثنية. هذه المرة يأتي موضوعنا على شكل نداء استغاثة، لبناء ما آل اليه المكان من قِدَمٍ وتآكلٍ وإندثار، ولندعوا كل من تعزّ عليه آثارنا ليمدّوا يدَ العون والمساعدة، لاعادته الى سابقِ عهده وافضل مما كان، بترميمه على الطرق العصرية وما يليق بمكانته التاريخية. معلوم ان الطائفة اليهودية استوطنت العراق منذ عشرات القرون ومن صُلبِها وُلِدَ ل( ألقون) أحد أسرى السبي المعروف، وَلَدٌ سمّاه ناحوم بمعنى المُعَزي، والذي تنبأ بخراب نينوى ونو أمون المصرية. اقيمت العديد من الأضرحة عبر التاريخ حول قبره، وكان اخرها الضريح الحالي المبني في عام 1796 حسب مؤرخ القوش مار يوسف بابانا، وملحق به غرف الزوار ومزار اخته سارة. نبيٌ من الاثني عشر نبياً الصغار، ينعم الله على بلدتنا ان تكون عِظامه مدفونة في تربتها، التي تتقدس دوما به، وبشفيعها الاخر مار ميخا النوهدري.
     مرقد النبي تعود ملكيته الى اليهود الذين غادروا البلاد مرغمين، وقد استوطنوها آبائهم وأجدادِهم فامتزجوا بتربتها، وسرت في أجسامهم مياهُ نهريهِ الخالدين: دجلة والفرات، سوف نختصر الكتابة الى ادنى ما يمكن لنعطي مجالاً للصور التي إلتقطناها في زيارتنا الاخيرة، وهي تنطقُ بحالتِه المُزرية، ونُعلقُ ما أمكننا عليها من وجهة نظرنا ومن باب الاجتهاد ليس إلّا.
     بعدسَتي إلتقطت الصور وعشت عدة اسابيع بجواره، وبصورة ادق عشت في البيت الذي بني قبل اكثر من ثمانين عاما، والذي اقام فيه السادِن ( موشي ) مع عائلته والذي خدمَ المكان في العقود التي سبقت رحيل اليهود الجماعي عن ارضِ العراق. عشتُ في ذلك البيت وانا ممتلئٌ سروراً بجوارِه، فكنت أنعمُ صَباحا قبالَة بوّابته الجنوبية، التي مرت بفترة ربيع قصيرة وهي تعشبُ بالأخضرِالسُندُسي وأوراد شقائقُ النعمان، التي نبتت في كل أطرافِه وفي حوشِهِ وعند ضريح اخت النبي سارَة، الذي موقِعهُ في الجهة الغربية للمجمع، وسط جُنَينة كثيفة الأعشابِ مُتعدِدَة الازهار ومورِقة الاشجار.
     كل شيء بحاجة الى اعادة بناء وترميم واصلاح على الطرق العصرية الحديثة، في صيانة الاثار دون ان تفقد مَعالمها، ولتعبّر عن الماضي في صورة الحاضر. انا اعلن عن ذلك المكان الذي عشت بجواره، وانا ارى الحالة المؤلمة التي فيها، لأطلُب من حكومة العراق المُنتخبة، التي اتصور انها تتفق معي على اهمية المكان عالمياً، وكونه قبلة للسياح من كل حَدبٍ وصَوبٍ، من اليهود والمسيحيين والمسلمين، كما كان في مختلفِ العُصورِ الغابرة. اغلب السنوات الماضية وفي غياب اليهود، قام اهالي القوش وخصوصا الذين يعيشون قريباً منه باصلاح ما امكن وعلى حسابهم الخاص، وأنا بنفسي رأيت قطعة مع الاسف اصبحت قطع متناثرة على سطح الهيكل، وعندها جمعت بعض الاجزاء لاقرأ أسماء اناس من سكنة محلة اودو، الذين صانوا قبته العليا من تسرب مياه الامطار. ثم اصبح الاندثار في كل مكان بتاثير المياه المنحدرة بشدة شرقه ودخولها المبنى، مما ادى قبل عقدين من السنين تقريبا الى سقوط اجزاء من الحائط الغربي وكذلك الشرقي، واحداث اضرار بالغة في كل مكان تنظر اليه، وانت لا تستطيع عمل شيئٍ، سوى ذرف الدموع التي تسيحُ من عينيك.
     رأيت غطاءً معدنياً يغطيه ويُقيه من تأثيرات الطبيعة، وكذلك استُحدثت ساقية كونكريتية بمواصفاتٍ فنية، توجّه المياه الفائضة في فصل الشتاء المنحدرة من الجبل الملاصق، وكلنا نعلم شدة المياه وما تجرفه من صخور واطيان في الزقاق الضيق بين بيت شيخو وبيت رزوقي، وحتى مدخل قنطرة القوناغ من جهتها الغربية. أمَلنا ان تتظافرَ الجهودُ من الحكومة العراقية ومحافظة نينوى وسلطة الاقليم واهالي القوش وكلُّ المهتمين بالآثار والتأريخ، كي يعجّلوا في ترميمِه قبل ان ينهارَ كُليّاً حينها لا ينفع الندمُ، الجميع مدعوون للإسهام في اعادة الحياة، الى مرقد النبي ناحوم كي يرضى عنا فنتجنب سخطه كما سخط في نبوته، بحق نينوى الغارقة انذاك في إثمِها وَجَبروتِها.
     اهيب بالقراء الاعزاء ان ينشروا هذه الدعوة المخلصة على اوسع نطاق، في الاعلام المقروء والمسموع والانترنيت، في طرق كل الابواب، وكسر جدار الصمت، من اجل إظهار مرقد النبي ناحوم معلماً دينياً واثرياً وسياحياً في بلدة القوش، الرابضة من الاف السنين، مقاوِمَة شتّى الظروف والتضاريس السياسية المتقلبة، وهي تفتقر الى الموارد، وتعيش تقريبا حالة الاكتفاء الذاتي، في زمنٍ يصعبُ اللحاق بسُلّم الحضارة، دون أرضية مادية واقتصادية مَتينة.

(1)
البيت الذي سكنه سادن المرقد ( موشي ) قبل رحيله الى اسرائيل قبل حوالي الستين عاما

(2)
الغطاء المعدني المستحدث ( جملون )

(3)
 
(4)
على سطح المرقد ويظهر الكوخ الذي رممه اهالي محلة اودو

(5)
الانهيار في الجدار الشرقي وتلاحظ الساقية الكونكريتية المستحدثة
 
(6)
الجانب الغربي والشارع المبلط من بداية الستينات ولم تجرى عليه اية صيانة

(7)
الباب الرئيسي للمجمع من جهة الغرب، قبل 1948 كان يدخله المئات من الزوار اليهود

(8)
المبنى ملاصق لجبل القوش

(9)

(10)
البوابة الجنوبية

(11)
بيت البطريرك الراحل مار بولص شيخو الذي يقع في زقاق النبي ناحوم

(12)
ضريح النبي ناحوم من الداخل

(13)

(14)
 
(15)
قماش اخضر يغطي الناؤس

(16)

(17)
 
(18)
كتابات باللغة العبرية
 
(19)

(20)
 
(21)
 
(22)
 
(23)
هذه اللوحة المكتوبة بالعبرية قد رفعت من مكانها واعيدت ثانية
 
(24)
صندوق خاص باليهود وقد سقط من مكانه الى الارض
 
(25)
المراقي تؤدي الى البوابة الشمالية
 
(26)
المدخل الرئيسي للضريح ويقع في الجهة الشمالية
 
(27)

(28)
قبر سارة اخت النبي

(29)
 
(30)
ربيع عام 2012 داخل المبنى

(31)
 
(32)
غالبا ما تملأ  هذه  المنقورات الحجرية بالماء لتشرب منها الطيور
 
(33)
باب جانبي

(34)
شرق المبنى

(35)
غرف الزوار التي سكنتها عائلة الشماس هرمز كادو بعد رحيل اليهود وحتى اوائل السبعينات

(36)
باب غربي

( 37)
احد الازقة التي تؤدي الى الضريح

(38)
صورة الزقاق السابق نفسه عام 1950
 
(39)
هذا البيت يقع شرق الضريح، عاش فيه الخوري المعروف يوسف كادو

(40)
من اليمين ابن عمتي صباح جهوري، وكاتب السطور
nabeeldamman@hotmail.com
July, 30, 2012
USA  





34
نقد كتاب- القوش عبر التاريخ- الطبعة الثانية
نبيل يونس دمان

ما اسهل النقد، وما اصعب التأليف، بهذه العبارة افتتح ملاحظاتي بالارقام والصفحات والاسطر:
1- ص 31 فقرة الرأي الثاني، ربما خطأ مطبعي في عبارة( عال قوش) والصحيح آل قوش.
2- ص 71 سطر قبل الاخير كلمة( قسط) خطأ مطبعي والصحيح قسم.
3- ص 72 الفقرة الثالثة( 2000) عائلة في بغداد، خطأ مطبعي والصحيح 200 اذا لم يكن اقل بكثير.
4- ص 88 جدول اصول عوائل القوش حدثت فيه الكثير من التغييرات التي لا ارى ضرورة لها، باسثناء اضافة عوائل جديدة، ونظرا لكون التغييرات كثيرة لا تستوعبها هذه الملاحظات، اذ ربما سنفرد لها موضوعا مستقلا اذا تطلب الامر.
5- ص 104 السطر الاخير من الفقرة الرابعة( ليبشطو) خطأ مطبعي والصحيح ليبطشوا.
6- ص 107 هامش في اسفل الصفحة( كلدو اثور) ربما خطأ مطبعي والصحيح كلدو و آثور.
7-  ص 123 ماهو مصدر الاسطر الاربعة في الفقرة قبل الاخيرة، انها غير موجودة في الطبعة الاولى وتذكرون فيها العثور على عظام النبي ناحوم في هيكل مار ميخا في عهد يابالاها( 1578- 1580) في حين نرى ما يلي(اليهود في العصور المتاخرة وأثناء حكم الدولة العثمانية لبلادنا الذي استمر أكثر من خمسمائة عام ، رفعوا دعوة في اسطنبول عن أحقيتهم في المكان وفي النهاية اي بعد ثلاث سنوات من المرافعات خسر أهالي القوش الدعوة ، كان ذلك في حدود عام 1650، وعندما تناهى الخبر الى أسماعهم ، تسلق عدد من الشباب جدار المعبد ونبشوا قبر النبي فأخرجوا عظامه ووضعوها في إناء خزفي وحفروا لها مكانا ً في الجهة الجنوبية من هيكل مار ميخا النوهدري، ودفنوها هناك) من كتابنا الموسوم- حكايات من بلدتي العريقة- الصادر عام 2008.
8- ص 127 الفقرة الاخيرة ( وقد اقيم تمثال رمزي لمار ميخا سنة 1988) خطأ مطبعي والصحيح 1998.
9- ص 136 السطر قبل الاخير كلدو اثور، ربما خطأ مطبعي والصحيح كلدو و آثور.
10- ص 138 تحت الصورة الفوتوغرافية عبارة خاطئة بنظري( الكهف الاحمر) والصحيح القطع او الصخر الاحمر( كافا سموقا).
11- ص 139 الفقرة الثانية عن قبور الشهداء في جانب الدير، نسيتم اضافة قبر الشهيد بطرس هرمز جركو الالقوشي.
12- ص 141 الفقرة (ج) كنيسة مار هرمزد، والصحيح كنيسة الربان هرمزد.
13- ص 188 الفقرة الثالثة( وقد استعمل كمقبرة لبعض الاشخاص) اقترح اضافة ما يلي: منهم ميخا جونا دمان الذي كانت شاهدة قبره في ذلك الموقع موجودة الى عهد قريب.
14- ص 195 السطر الثاني( وابنه يوسف رئيس المشهور توفي سنة 1881 ) والصحيح 1879.
15- ص 204 الفقرة الثالثة ورد فيها( ثم قال لها عن سبب بناء المزار باسمه ان قبره قد اصبح الان في وادٍ) كان يجب القول مقامه او استراحته لان قبر مار قرداغ في قلعة اربيل وليس ارض القوش.
16- ص 269 في السطر 14 وردت كلمة بديهية( لهم بديهية وسرعة خاطر) والصحيح بداهة. كنت اتمنى من ورثة المؤلف ارفاق نسخة مصورة لهذه الوثيقة التي اغفلت في الطبعة الاولى.
17- 280 في الفقرة الرابعة سطر 2 ورد اسم الجدة ميه فعونا، وارجح انها منّه حماة عيسى رشو شاجا.
18- ص 353 الفقرة الاخيرة ماخوذة من كتابي- الرئاسة في بلدة القوش- ص 139 تلك مسألة عادية، لكن شوه النقل في( شبيرا) جد الكاتب ابرام وردة، وخاميس وغيرهم. وما دونته كان التالي: ومنهم شبيرا( جد الكاتب ابرم داود) .. والعم زيا والد اسحق الاعرج وخاميس وهوليطي وغيرهم.
19- ص 367 الفقرة قبل الاخيرة 13- 4- 1978 وزير الداخلية الاسبق عزت ابراهيم الدوري... برأيي لا يشرف القوش زيارة هذا الطاغي، ولم يكن داعيا لادراجها، علما بان جداول القتلى والشهداء من القوش في هذه الطبعة من القوش عبر التاريخ، بالمئات على ايدي هؤلاء المجرمين.
20- ص 374 رقم 6( الملازم جمال الياس بولا، توفي في السجن نتيجة التعذيب 1963) غير صحيحة وانه توفي طبيعيا بعد عام 1970.
21- ص 375 رقم 15 جبرائيل يونس رمو لم يقتل في مصادمة مع الجيش، بل غرق في احد الانهر السريعة جنوب شرق تركيا.
22- ص 441 الفقرة الاولى الخاصة بالقس كوركيس يوحانا جرى الحديث عن مطران الموصل( يوحنان هرمز) وانه سلم مفاتيح الدير الى جبرائيل دنبو. ذلك غير دقيق فقد اراد المطران يوحنان هرمزد تسليمه مفاتيح واحد من ديرين( مار كوركيس او ومار اوراها) لكن الانبا الشهيد دنبو رفض، فلجأ الى مطران العمادية حنانيشوع من بيت ابونا، والاخير قام بتسليم المفاتيح اليه في عام 1808.
23- ص 476 السطر الثالث ورد ما يلي( هو يوسف بن حنا كوزل بن هرمز رئيس..) غير دقيق والصحيح هو يوسف كوزل بن حنا كوزي بن هرمز رئيس...
24- ص 486 توما صادق توماس 1924- 1996 . تاريخ الميلاد غير دقيق والصحيح 1925.
25- ص 487 السطر الثاني شركة كركوك لم يكن اسمها شركة نفط كركوك بل كانت شركة نفط العراق واختصارا آي. بي. سي.
في الفقرة التالية: في 1958 انتمى الى احدى فصائل الحركة الوطنية..... غير صحيح والدليل مقطع من اوراقه الجزء الاول:
كان اول لقاء لي مع الشيوعيين ، هو مع المرحوم ابرم شماشا سنة 1949 - 1950 حيث بدأ بتزويدي ببيانات الحزب.
26- ص 503 سطر 11 يرد: هذا الصنم الاله( سين) هي منطقة ( روما زليلا) وتدعى اليوم( رومتا دمشلمان) قبل ان يستقر... ، هذا غير صحيح والتسميتان مختلفتان الاولى روما زليلا يقع غرب القوش والثانية( روما دمشلمان) يقع في شرقها.
27- ص 505 الفقرة الثالثة( واهمل البستان بعد وفاة المدعو شمعون طعان ككميخا ...) الحقيقة لم يهمل فبعد وفاة شمعون عام 1955 استلمه اخيه دنو ججو طعان وحتى اوائل الستينات واضطراب الاوضاع، فتركه.
28- ص 513 السطر الاول مرج الشمامسة: هي ثلاثة اماكن عرفت بهذا الاسم. الاول الى الجهة الغربية من القوش لمحلة سينا( انا لم اسمع به) ....... الثاني في شرق القوش خلف قرزي( هذا الوحيد معروف ب جره دشماشي) والثالث بجانب دركشياثا( اسم هذا المرج هو جرا ديرا علايا).
29- ص 518 الفقرة الاخيرة تحت الرقم 2 خان ال سعيد بك: كانت تعود ملكيته الى سعيد بك من امراء اليزيدية. هذا غير صحيح لان سعيد بك من الموصل، وعندما توفي اهدى ورثته الخان الى كنيسة القوش فبني فوقه، مدرسة ابتدائية للبنات في اوائل الستينات.
30- ص 520 الفقرة الرابعة السطر الرابع باسم بيت( يوحانا) وبيت( دمان) واضيف بيت شابا تيلا( خزمي) وبيت ( مدالو).
كانت تلك مجمل ملاحظاتي الاخوية النقدية، ارجو ان ياخذها في الاعتبار ورثة  مؤرخ القوش المعروف مار يوسف بابانا، وهما: الاستاذ حنا والاستاذ جورج اولاد حسقيال بابانا، عند التفكير بطبعة ثالثة والتي لا تبدو سهلة المنال، تحياتي وتهنئتي لاهلي في القوش والمهجر هذا الحب الذي يندر مثيله لبلدتهم التاريخية، واستعدادهم لافتدائها والتضحية من اجلها، والتي بقيت وتبقى شامخة مدى الدهور.
nabeeldamman@hotmail.com
July 14, 2012
USA  

35
14 تموز 1958 في الذاكرة
بقلم نبيل يونس دمان




كنت طفلاً اتهيأ لدخول المدرسة ، عندما عاد عمّي كامل مسرعاً الى البيت والدهشة تعقد لسانه ، والفرحة ترتسم على محياه ، ليقول " لقد انقلبت الدنيا ! " . في حينها سرى خوف في اوصالي وانا احلل كلامه في مخيلتي الصغيرة التي صورت المسألة كأنها انقلاب في كل شيء ، ولكن سرعان ما هدأ روعي ، عندما شاهدت عمي يحتضن والدي ويتعانقان ، ثم يحثان جدّتي لتحرير بعض الفليسات المخبأة لايام الشدة ، اخذ عمي مبلغاً قدره 600 فلساً ليعود بعد قليل وبيده بطارية جافة كبيرة نسبياً . كان المذياع ( الراديو ) قد صمت في بيتنا اشهراً بسبب الافتفار الى المال اللازم لشراء بطارية جديدة ، والذي يمدّنا بالاخبار والاغاني ووقتذاك لم يكن الكهرباء قد دخل البلدة بعد . عبر ذلك الجهاز العجيب ، اخترق موجات الاثير صوت ليس كباقي الاصوات ، مجلجل ، مهيب ، مبشرٌ بثورة 14 تموز المجيدة .
افاق العراقيون على نبا الثورة ، فأشاع البهجة في مدنهم ، قراهم ، شوارعهم ، وبيوتهم ........ في تلك السنة المباركة دخلت مدرسة العزة الابتدائية في القوش ، ولم تمض فترة حتى شرعت ادارة المدرسة بتطبيق نظام التغذية لجميع الطلاب وتوزيع اللوازم المدرسية بالمجان وكذلك بدلات خاصة موحدة . علمني استاذي الاول رحيم عيسى كتو الابجدية الاولى وكتب على السبورة ووجهه يشع نوراً " 14 تموز " ، ونحن الصبية لا نعرف كنه ما كتب ، ولكنها انسابت حروفاً جميلة خطها بعناية المدرس ، ليقول ونحن نردد معه " عاشت ثورة 14 تموز " . ارتفع العلم العراقي ليرفرف فوق مدرستنا ، وغطت صور الزعيم عبد الكريم صور الملك في كل صف من صفوف المدرسة .
لقد شهدت فرح الثورة ، ومع الايام اغتبط الناس بها وبمسيرتها التي تبشر خيراً ، فأقيمت الاحتفالات وازدانت الشوارع الرئيسية والسوق والدوائر الرسمية كالمدارس والمستوصف الجمهوري ومحكمة بداءة القوش ومركز الناحية ( قشلــة) . على طول الشارع الممتد حتى الموصل عبر القرى : شرفية ، تلسقف ، باقوفا ، باطنايا والبلدة تلكيف ، اقامت جميعها الاعراس خصوصاً على جانبي الطريق الرئيسي .
في القوش ، نصبت هياكل حديدية على شكل اقواس على جانبي الطريق ، وزينت باغصان الاشجار التي غطت الهيكل واعطته شكل بوابة خضراء يتوسطها شعار الجمهورية وصورة الزعيم . اقيمت اول بوابة في مدخل البلدة ثم توالت البوابات الاخرى على مسافة حوالي 200 متراً ، وكانت الاخيرة امام مركز الناحية . ارتفعت الشعارات واللافتات الملونة على جانبي الشارع ، ثم بدأت المسيرة الجماهيرية والتي سبقها رتل من سيارات الاجرة بالوانها المختلفة وهي تطلق العنان لمنبهاتها ، ويباشر ساعور الكنيسة موسى قوجا بسحب حبال ناقوس الكنيسة ، وظل مدة يهتز بتلك الضربات الرنانة المتتالية ، وتصل اسماعها الى كافة اطراف البلدة والى اعلى جبلها الوديع الذي يشرف على سهل خصيب كالسندس الخلاب.
انضمت الى الاحتفال وفود الفلاحين من القرى المجاورة والكل يزهو بملابسه ورقصاته الخاصة ، فتقاطرالآشوريين اولاً بازيائهم الشعبية وصدورهم المطرزة بالاوراد شبانا وشابات في اعمار الازهار وعلى رؤوسهم تعتمر القبعة المخروطية المائلة منتصبا على جانبها الريش الزاهي بألوانه ، ووصل بعده الوفد الايزيدي بملابسه الناصعة البياض ويشاميغهم الحمراء ، واخيرا وصل وفد الاكراد المعتني جيدا بهندامه ، وليعقدوا جميعا حلقات رقص رائعة على انغام الزورنة والطبل ، ويطلقوا ايضا اغانيهم واناشيدهم في الهواء الطلق .
كان على راس المسيرة التموزية الرائعة شباب الثانوية المتقد حماسا ، والمعلمون رواد العلم والثقافة ، وكان معلمي جرجيس اسحق زرا في مقدمة المسيرة ، ومعلمي الاخر سعيد ياقو شامايا قد رسم صورة كبيرة لزعيم الثورة ، وفي احدى مراحل المسيرة عزمت على الهتاف وجدتي تقاوم رغبتي ، وانا بذلك الالحاح الطفولي سَمِعَنا استاذي الجليل جرجيس زرا فقال " ليس فيها شيء يا اُمي " ، وناولني يده ليسحبني الى صخرة عالية نسبيا فتصمت المسيرة واطلق هتافي بحياة الثورة ويحدث تصفيق ، فيما يحمر وجهي لما اقدمت عليه ويغمرني فرح طفولي لن انساه ابداً .
انجزت الثورة العديد من المشاريع في بلدتي منها تبليط ازقة البلدة ، واعادة تبليط الشارع الرئيسي المؤدس الى الموصل والذي بلط لاول مرة عام 1950 في عهد مدير الناحية عبدالله صديق الملاح ، مد شبكة المياه الى كل بيت مع نصب خزان في اعلى البلدة لتوزيع المياه . وانشأت بعض المشاريع الخاصة مثل معمل الدواجن لصاحبه منصور كجوجا ، معمل طحن الحبوب لصاحبه الياس الصفار ، ورشة تصليح السيارات لصاحبها صبري نكَارا ، معمل الثلج لصاحبه توما توماس ، كما وبنت الحكومة بناية المسلخ ولكنها اهملت وكانت في حينها اجمل بناية والان باق ٍ منها اطلالها فقط . تشكيل نقابة السواق وفتح مقر لها وانتخاب أول رئيس وهو يوسف عربو الملقب كُتي ، تشكيل رابطة المرأة وانتخاب أول رئيسة وهي صلحة حميكا( ام الشهيد فؤاد شمعون كردي) ، وتشكيل منظمة الشبيبة الديمقراطية وأتحاد الطلبة العام .
لقد خضنا نحن الطلبة اول ممارسة ديمقراطية وكان الاضراب عن الدوام احتجاجا على اعتبار يوم الاحد دوام رسمي في القرى والبلدات المسيحية ، ففي ذلك الجو السلمي الذي اوجدته الثورة ، وقف الطالب حافظ نعيم كَولا ليهتف في ساحة المدرسة ( لا دوام يوم الاحد من الآن الى الابد ) ، فردد الطلبة هتافه وخرجوا باتجاه مدرسة مار ميخا ، وسار الجميع في شوارع البلدة مرددين الاناشيد الوطنية ، وبعد ساعات جاء الجواب من بغداد ، يعتبر يوم الاحد عطلة في المناطق التي فيها الاكثرية مسيحية .
في آذار 1959 قامت مؤامرة الشواف في الموصل ، فوجهت حكومة الثورة نداءا ً عبر المذياع الى كل الغيارى والشرفاء للاسهام في اعادة اوضاع الموصل الى طبيعتها ، فهب رجال القوش الشجعان حاملين اسلحتهم الى الموصل وادوا واجبهم في قمع تلك الحركة التي اريد منها غرق العراق بالدماء ، ويقال ان بسلاء القوش اندفعوا لعبور الجسر القديم ليصلوا الى البلدية قبل غيرهم وليربطوا الجانب الايسر بالصوب الابعد ويسهم ذلك في سرعة انتهاء التمرد . وفي صيف ذلك العام عرضت مسرحية فشل مؤامرة الشواف في ساحة مدرسة العزة وبمناسبة الذكرى الثانية للثورة ، فيما غنت فتاة جميلة اغنية هندية ( هامايا هاجان ) نالت الاعجاب .
في اجواء الثورة تلك ونظرا للمكانة التي تحتلها القوش في المنطقة ، فقد تشكل وفد شعبي ليتوجه على الفور الى عشيرتي الشيخ نوري والحاج ملو المتنازعتين لقرابة العقدين من السنين من اجل المصالحة بينهم . ولكن للاسف لم تكتمل تلك المهمة الشريفة ، فقد سقط بين ايديهم الشاب هرمز اسرائيل بجوري متوفيا بالسكتة القلبية وهم في طريقهم الى قرية ( بيدا ) لمقابلة عبد العزيز الحاج ملو ، فتحملوا صعاب حمله في المسالك الجبلية الوعرة حتى مكان توقف السيارات . شارك لاحقا بمراسيم دفنه في القوش عبدالعزيز الحاج ملو ( وقد قتل في نفس العام على يد سعيد ربتكي ) ومعه مجموعة من المسلحين ، واسلتحهم منكسة وهم يشاركون في مراسم التشييع للراحل هرمز بجوري .
آخر احتفال بعيد الثورة كان في صيف 1962 ، حيث تواصلت الاغاني والاناشيد والدبكات امام المركز ( قشلة ) ، وكان ابرز متظمي الاحتفال طلبة ثانوية القوش ، وفي المقدمة سعيد يوسف اسطيفانا . بعد غياب الشمس انتشرت اشاعة مفادها ، ان مسلحين اكراد يتقدمون من الجبل لاحتلال البلدة ، فحدثت بلبلة بين الناس وانسب الحشد الكبير بشكل مضطرب الى بيوتهم ، وكذلك ارتفعت بعض الاصوات تدعوا الرجال الى حمل اسلحتهم . اتذكر جيدا كيف اسرع والدي الى البيت ونحن لازلنا في ساحة الاحتفال ليجد ابواب بيتنا موصدة ولم يصبر حتى رجوعنا مع المفاتيح ، فكسر باب الغرفة وانتشل بندقيته الانكَليزية ليصعد الجبل مع باقي المسلحين ، ويتم احتلال الجبل دون العثور على شيء . يبدوا ان ظلال الشجيرات في القمة اوحت للناس وكأنها مجاميع متجهة صوب البلدة ، وسبب ذلك الارباك ، ولكن قادة الاحتفال صمدوا في مكتنهم وواصلو الحفل حتى وقت متأخر من الليل .
بقيت ايام تموز محفورة في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين ، وقد ارتسمت معالم الفرح الحقيقي على وجوه العراقيين الطيبة ، ومنذ ان غيّب تموز( دمّوزي ) ، لم يشهد العراق نعيما ولا استقرارا بل عاش ليلا طويلا من الاحزان والمآسي والكوارث ، ولكن الامل لم ينته ، ولازال يحدو الجميع بان ينهض وطننا ويقلب الدنيـــا رأساً على عقب ! ليطلق العنان لحصان ثورة 14 تموز الجامح نحو الافق البعيد .

محبوب الشعب الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم


36
المنبر الحر / بغداد بين زيارتين
« في: 13:54 09/07/2012  »
بغداد بين زيارتين
نبيل يونس دمان
     لاول مرة في حياتي ارى بغداد عاصمة بلادي وذلك في صيف 1963، انذاك كان النزول الى بغداد يحتاج الى ورقة عدم التعرض من مدير الناحية، كان الغرض من سفرتنا هو الهروب من الظروف الصعبة التي مرت بها المنطقة، من حملات الجيش والجحوش والحرس القومي، وقد كانت البلدة محاطة بالربايا اضافة لدوريات الشرطة، خرجنا بعد انتصاف الليل، عائلتنا وعائلة عمي حبيب وكانت القافلة تضم رجلين كبيرين في السن وهم كل من ايليا ساكا دمان وعيسى توما قاقا اضافة الى والدي ووالدتي واخواني وزوجة عمي وبناتها الصغيرات، حملنا الاغراض وبعض الاطفال الصغار على حمارين وتركنا القوش عابرين بيادر محلة التحتاني ونحن على اشد ما نكون خوفاً من هجمات متوقعة، ولكن الله كان في عوننا فاجتزنا محيط القوش الخطر وسلكنا طريق الوادي( خو رؤوله) قاصدين قرية حتارة كبير الايزيدية. وصلنا الى حتارة وقصدنا بيت المضمد شابا سعدو قيا فاستضافتنا زوجته( حسينة طعان) الى فطور فاخر، ثم ساعدونا في ايجار سيارة شوفرليت برتقالية بيك اب لصاحبها درويش( اذا لم تخونني الذاكرة)، ودعنا والدي يونس والعم عيسى ليعودا الى القوش، فيما نحن اخذنا السائق عبر الكنود ، في طريق ترابي وعر الى الشارع الرئيسي الذي اوصلنا في اخر المطاف الى محطة قطار الموصل، فحجزنا في قطار النهار وما كان المساء الا ونحن في بيت عمي ايليا دمان في البتاوين( الأورفلية) نمنا ليلتنا فوق السطوح العالية، وفي الصباح خرجت امام الدار الكبيرة من ثلاث طوابق، وكل غرفها مؤجرة للعوائل من مختلف بلدات وقرى شمالنا الحبيب، لفتت انظاري قطعة معدنية امام باب دارنا الجديدة( القابلة نجيبة حنا)، بعد قليل وقف اعرابي بدراجته النارية امام البيت وهو يروم بيع الحليب الطازج.
     عشنا ظروف صعبة من لغة لا نألفها الى غرفة ليس فيها اسرّة ولا مقاعد فافترشنا ارضيتها، قضينا نهارات غير مألوفة من حر بغداد، الى ان ترحم في حالنا خالي بولص عندما كان يسكن منطقة السنك بجلب مروحة متهرئة، تخرج ضوضاء في حركتها، اكل عليها الدهر وشرب، لكننا عشقناها فاقتربنا منها جميعا للتمتع بالهواء الذي تحركه، قبل ذلك لم ارى مروحة كهربائية في حياتي لان القوش ببساطة لم تكن وصلتها الكهرباء حتى  سنة 1968، وكم من مرة مديت اصابعي الى مروحتها فكانت تحدث جلبة فتأتي امي لتعاقبني ضربا. اما مشكلة الماء البارد فكان بيت داود سليمان بلو وزوجته الراحلة نعمي يزوداننا بالثلج من قوالب مربعة في ثلاجتهم المهيبة. وفي العصر صرنا نتابع التلفزيون الذي وضعه اقربائنا في حوش البيت لتسليتنا، لاول مرة في حياتي رأيت الشاشة الصغيرة، ولا زلت اتذكر افتتاح المحطة والبرنامج المسائي وافلام كارتون ثم نشرة الاخبار التي رايت فيها لاول مرة رئيس العراق عبد السلام عارف.
     كنت فوق سطح البيت الذي انا نازل فيه اتمعن في نجوم السماء الجميلة في رصفها، في توهجها، في نظامها الدقيق، اضافة الى المناظر والاعلانات الضوئية في كل اتجاه وعلى الاسطح والعمارات العالية كم كانت الالوان المختلفة للاضوية والنيونات تبهرني انا القادم من بلدة الفوانيس والسُرُج والشموع، واعجبت ايضا بالباص( الامانة) خصوصا رقم( 4) الذي كان ينطلق من ساحة الاندلس الى ساحة الميدان، عبر شارع النضال وتونس والسعدون والرشيد، في شارع الرشيد كانت المخازن الراقية على طول الخط، وعلى الارصفة باعة المفرد من السكائر، والعلك، والحلويات، وحاجات رخيصة، وكتب قديمة، واغاني، وصور، ومغامرات بوليسية، وكنا نصادف ماء سبيل بارد، فنطفأ عطشنا من التجوال الطويل.
     في الايام التالية صرت اكتشف تدريجيا العالم المحيط، فامشي مسافة ثم اعود واوسعها، لتشمل حديقة الاطفال التي تتجمع فيها عوائل المهاجرين من الشمال، كان بائعي المرطبات والباقلاء في مقدمة من نتقرب منهم، في تلك الحديقة المحاطة، بالياس والمياه الدائرة حولها بانتظام، وساحة النصر التي جلبت انتباهي فيها صيدلية الكندي وصيدلية قندلا، وكنيسة الارمن البيضاء الجميلة وامامها الممر ومن جانبيه الازهار والاشجار، حديقة الامة التي فيها بحيرة صغيرة يعوم فيها البط، وجسر صغير يعبره بخاصة الاطفال، ويرمون الشامية ليلتقطها البط، شارع السعدون والعبور الى الجانب الاخر حيث سينما السندباد، ومطعم نزار، واكسبريس فلسطين، ومحل عبد الكريم قنبر أغا للساعات، ومكتبة. في ساحة التحرير رايت تمثال السعدون، والمنصة التي كان الزعيم عبدالكريم قاسم يخطب من فوقها، في شارع الرشيد شاهدت معرض شركة فتاح باشا، وسينما الشعب، وروكسي، وسينما الخيام، كم كانت السينما تستهويني وقد اخذني خالي الى سينما الشعب يوما في المربعة، حيث شاهدت فلم عنترة بن شداد الذي بقيت سنوات اروي لاقراني مغامراته، وفي عام 1966 اقتنيت نسخة من كتاب عنترة الذي لازالت بلاغته واشعاره ترن في اذني. مرة تمشينا انا وصديقين ولاول مرة من البتاوين عبر جسر الجمهورية الى الصالحية، حيث شاهدت مبنى اذاعة الجمهورية العراقية، ثم وصلنا حتى مستشفى السكك. مرة اخرى بل قل مرات قطعنا شارع السعدون، عبر فندق بغداد، وسينما النصر، الى ساحة الجندي المجهول، فرايت النار المتوهجة والجندي الذي يقطع مسافة قصيرة تحت النصب، وهو يحمل بندقية او رشاش مركب عليها الحربة. لم تنته جولاتي الا بعد رجوعي من بغداد مع بدء العام الدراسي في القوش.
     انطلقنا فجر يوم 19/ 4/ 2012 انا واخي فريد بسيارة شقت طريقها عبر الموصل، فتناولنا فطورنا الشهي في قضاء بيجي، ثم عند وصولنا مشارف بغداد صار تشدد غير مألوف سيما وقد عبرنا عشرات نقاط التفتيش بسهولة وقد كانت المنطقة من الغزلاني، حمام العليل، الشرقاط، والقيارة فيها حماية خاصة ملحوظة فكل مسافة قصيرة، ترى عسكريا يذرع او يقف بكامل اعداده التسليحي، في منطقة الطارمية تأخرنا اكثر نسبيا ولاول مرة سأل ضابط عن هويتي فرحب اجمل ترحيب، بعد قطعنا مسافة قصيرة استلمت سيدة القوشية شاركتنا السفرة، مكالمة من بغداد بان انفجارت تحصل الان في الطارمية وفي مناطق اخرى من بغداد، وكنا لم نسمع بها ولم تؤثر قيد شعرة على مزاجنا الرائق في سفرتنا تلك. اوصل السائق السيدة الالقوشية اولا ثم شق طريقه ونحن في شوق الى مرآى بغداد التي هي أم مدن الشرق قديما وحديثا ثم دخلت السيارة شارع يسمى( ابو الطيارة) في الدورة في وقت الظهيرة، فاستقبلنا الاهل بالاحضان ثم كانت المائدة بانتظارنا، وهي عامرة بمنوعات الاكلات البغدادية الطيبة. تكلمنا عن الاوضاع، فقالوا عنها جيدة، فقلت هل بالامكان التجوال لارى بغداد مرة اخرى بعد انقطاع طويل، وهكذا مع العصر خرجنا بسيارة الخال فعبرنا جسر ابو الطابقين الى الرصافة وعبر اماكن لا زالت ترن اجراسا في اذهاننا، عند تذكر ايامها الماضية، حتى وصلنا ساحة التحرير التي كان همّي الوصول اليها، فعهد خالي السيارة الى شرطي في محيط الساحة ليراقبها( خوفا من السرقة) استرخصنا مفرزة الشرطة هناك للقيام بالتصوير، وكان لنا ما اردنا ولكن للاسف كانت عاصفة هوجاء تمر في تلك الاثناء، فتحول لون الصور الى بعض الاصفرار الذي ترونه:
   
     قبل عودتنا الى البيت زرنا مقرات الاحزاب الوطنية في ساحة الاندلس، وفي المساء جلسنا في الحديقة الامامية التي كانت تزداد اخضرارا كلما عمقنا النظر فيها، وقد لا تتصورون انهم يبقون الباب الخارجي مشرعا الى منتصف الليل، رغم طلبي المتكرر ايصاده. في اليوم الثاني المصادف الجمعة 19- 4 خرجنا صباحا انا وفريد اخي وخوالي د. عزيز وجمال في نزهة ومررنا حول ساحة الفردوس التي شاهدنا فيها قاعدة تمثال الدكتاتور المقبور، واسترعى انتباهنا كثافة الشرطة وهم يحملون العصي بايديهم، وعند وصولنا ساحة التحرير كانت حشود اخرى للشرطة عند نصب الفنان الخالد جواد سليم، ولم يذعنوا لسيارتنا حتى بالتوقف، ولذلك اضطررنا ان نتجه في شارع النضال المزدحم جدا بالمارة والسيارات، فاستدرنا عائدين الى ساحة الطيران حيث شاهدنا جدارية فائق حسن التي ما زالت تتحدى الفضاء، ومررنا امام كنيسة الارمن التي هي الاخرى محافظة على جمالها ورونقها وتصميمها الهندسي البديع منذ قرابة ستين عام.
 
     تجولنا في شوارع البتاوين ووقفنا عند السوق حيث الوضع هنا مختلف، فالمنطقة متضررة وخالية تقريبا من سكانها المسيحيين، سواء في المحلات او المرور في العصاري في تلك الشوارع، التي كانوا يتميزون بملابسهم العصرية المتحررة التي تضاهي الدول المتقدمة، والسؤال هل ستعود ايام الستينات والسبعينات اليها؟ فاخبرها بما فعلته الدكتاتورية واكمله الارهاب الاعمى. في المكان الذي فيه الكهرمانة والاربعين حرامي، سمح لنا الشرطة الطيبين بالتصوير، فعبرنا محترزين من سيل السيارات الى النصب واخذنا راحتنا في التصوير، وكذا فعلنا على مشارف دجلة الخير، حيث وقفنا في منطقة جميلة جدا وامام نصب يقابل مبنى جريدة( طريق الشعب) هناك كانت تقابلنا من الجهة الاخرى لدجلتنا، المنطقة الخضراء وقبة القصر الجمهوري، الذي عاث فيه فسادا جزاري شعبنا قرابة اربعة عقود من الضيم.
     نسيت ان اذكر اننا في الصباح وفي شارع ابو الطيارة، وقفنا امام محل للمزكوف، فاشترينا عدد من السمك النهري الفاخر، وحددنا موعد رجوعنا اليه في الظهر، وهكذا استلمنا وجبتنا الشهية. مررنا امام محل يحمل اسم بلدتي العريقة( القوش ) فنزلنا وسلمنا على صاحبه وقال هذا الاسم فقط بقي من كل بغداد، فصورنا معه وجلسنا قليلا نستمتع باحاديثه وبحبه لالقوش وفرحه بلقائنا، كان اسمه لؤي ايليا قلو المحترم، واود ان اذكر زيارتنا الخاطفة الى نادي بابل الكلداني الذي كان في السبعينات والثمانينات يعج بالناس من كل حدب بغداد وصوبها.
     في المساء عبرنا عن اسفنا لعدم المرور امام حي المنصور فاصر الخال ان يصحبنا في سيارته اليه، وما ان دخلناه ليلاً حتى رأينا ما هو غير متوقع، من رقي الحي نفسه، فانا في حياتي لم ادخله، وتخيلت نفسي وكانني في عاصمة راقية من عواصم الدنيا، بمحلاته باضوائه بمطاعمه، ولاول مرة ارى اكثر من مطعم للبتزا، ورايت محلات الذهب التي تشع وتتوهج بكمية وتنوع وتصميم ما معروض فيها، ورأيت جمهوراً لا يعد ولا يحصى من الجنسين وبملابسهم حديثة الطراز، هل انا في حلم؟ أرْكنّا السيارة على الرصيف ورحنا نتجول بفرح غامر جهتي الشارع، وقد شرعت شركات تركية بتوسيع وتبليط جديد وارصفة رائعة لذلك المعلم البغدادي المعاصر، متى يا رب تصبح كل احياء بغداد مثل المنصور.
     في اليوم الاخير لسفرتنا ذهبنا في الصباح الى دير الدورة، وتجولنا فيه وتكلمنا مع ساعوره وبعض المواطنين لكننا للاسف لم نلتق الكاهن المسؤول لانه كان يقوم بتعميذ عدد من اطفال الولادات الجديدة في بغداد الحبيبة. في النهار جهزنا انفسنا لحفل زواج ابن الخال خالد جمال اودو، وبعد الظهر تهيأ موكبنا للتحرك الى بيت العروس، هنا تطوع احد الجيران، وهو مسلم الديانة بسيارته، لنقل مجموعة منا كبادرة طيبة ومجانية نظرا لعلاقة الجيرة التي تربطهم، في مدينة الامين ونحن نزمع اخذ العروس الى الكنيسة إلتمَّ علينا الجيران من كلا الجنسين ومن الاطفال وهم مبهورون بأزيائنا العصرية، ربما كان منظرا لم يألفوه لفترة طويلة، ايضا كان وقع الدبكة في حوش البيت والاغاني التي رافقتها والهلاهل التي شقت ذلك الفضاء، ابلغ الاثر في المنطقة، ثم توجه موكب السيارات الطويل، وهو يطلق العنان لابواقه الرنانة.
     في مراسم البوراخ في كنيسة مار يوسف بخربنده، التقيت الكثير من المعارف والاصدقاء، لم ارهم منذ ثلاثين سنة، وقد ابدع جوق الشمامسة من الشبان في اعطاء المناسبة رونقها وبهائها وقدسيتها. مع نهاية المراسم الرائعة تعالت الهلاهل والزغاريد فردت صداها ارجاء هيكل الرب، وغادرنا الى سياراتنا التي صارت تطلق صفاراتها بشكل متواصل. وصفى بنا المقام في نادي العرسات الذي ابتسم وابتهج بقدومنا، فدخلنا قاعته على انغام الزورنه والطبل، ثم توالت مراسم الحفل الرائعة واكتظ الاقارب والمدعوين الى القاعة وقد ميزنا عدد كبير منهم بعد الفراق المفروض، وانشدت شعرا برّد قلبي المتعطش لجمهور اكن له كل الاحترام والمحبة، وقد اجاد عريف الحفل الدكتور عزيز اودو القادم من بلد النرويج في تقديم فقرات الحفل، وكانا نجمي الحفل العروسان خالد اودو وريتا الريس في عرشهما الملوكي حيث مرّ من امامهم الجميع مهنئا ومتمنيا.
 

     رجعنا في المساء واستعدنا لموعد مغادرتنا فجرا الى القوش عرين الاسود، وسهر اكثرنا حتى حلول موعد قدوم السيارة التي تقلنا، اودعنا اهل الدار الطيبين المضيفين، ومرقت سيارتنا بين نقاط التفتيش وشوارع بغداد التي كانت لا تزال تغفوا في نومها حتى وصولنا قضاء بيجي، وكالعادة استرحنا وتناولنا فطورنا الشهي. وبعد مغادرتنا بقليل خابرت ابن عمتي صباح شعيا عكيل في مصفى التاجي الذي يعمل فيه منذ اكثر من ثلاثين سنة، فلم تسنح الفرصة برؤيته لكننا حظينا بزيارة بيته الجميل في البلدة، فاستقبلتنا زوجته الطيبة نبيل عيسى ﭙولا وشرحت لنا اوضاعهم المستقرة ثم اودعناهم، وعدنا الى القوش بعد مرورنا في الموصل ومشاهدتنا عن كثب مدخلها الجنوبي التي عبثت به سنوات الارهاب فاحالته الى منظر ضاقت نفوسنا منه، نتمنى ان يتعافى ويعيد بهائه وامجاد وجمال ام الربيعين، موصل الحدباء، نينوى العظيمة، امّنا على مدى الدهور. قبل الوصول الى القوش بمسافة حتى قرية الشرفية كان الشارع مزدحماً بالسيارات التي تروم الوصول الى احتفال( شيرا) دير الربان هرمزد الذي اهتز واديه بمئات العوائل التي وصلت من ارجاء محافظتي دهوك ونينوى، كان ذلك في الثاني والعشرين من شهر الربيع نيسان الاغر في ربوع وطن ابائنا واجدادنا.
nabeeldamman@hotmail.com
July 08, 2012
USA





37
غرق ميا وشعيا في الكنود*
اعداد: نبيل يونس دمان
بيشوع مشيحا مَحيانا يا آلاها مرحمانا
بآيا شاتا مشيحيثا دالبا وتمانيئما
كو شوئي وتتي بمنيانا
 باو يوما د شبثا ومطرا وتلكا وبوخا زربانا
 بطريركا مبقلي بكدانا تد آريلا بئوثا اشتا يومي بمنيانا
او ميّا رَيس بيثا د حنا رابي بطرس كهنا
اورها ثيلي حميصا ختنانا
 ميري تا ميا حمصلي شفانا
بي ساعة ليطتا شعيا شوشاني مخيلي بغيرتا
قرولي هرميزا مسركانا سوستا
سوستا مسركنا وسرخلي لابكاري
قومون تاد زالن بثرح الا بد اوذن فطنا
حميصا ختنانا دركولي لسوستا طلب شفانا
طلب شفانا دني بطيبا نبقلي لقيموثح
خوشابا وسيبا، ميا دور لبيثا ودوني بطيبا
خاثح قبلاله كبخيه ولكشوقه
دمليله حمثا دكرشلي سيبا
 وزلي مطيلي لجمِّد تسقوبا
لجمد تسقوبه واني شخينه مطيلي لتللتا وبشوالي كبينه
كد دأيري بارخه قيذي وحقينه وككلي مقراثه
مخيلي بكو لندي دمبلي خرسا كبينه وشلخايا
وميا دنخثلي وبشلي بيايه ومركولي لسوسته كلبا دبدوايا
كلبا دبدوايا كو جمه كليله كمعايط وقاره وكشائش بتيه
هاور دك داره بكو شرفية
اوراها د كباخه موثولي ميا بدياون ليره بكو ديوا محليه
ان شرفنايه اني كابوره دكيتوي كيفي وكجيلي بألوله
شويقي كو لنده ميا وهم خورح شويقي كو لنده ودني بطيبه
وميا بأي لنده بقرتح سيبا كبلي لكمح ومبلي قم كيبه
كبلي لكمح ومبلي لبثواثح غمطلي كو طينه اقلح وايداثح
لاوذلي بخبره د أن اخنواثح
بشله قدمته ودني ديخيلا وان شرفنايه مَر لبّه طميرَه
خورو هاور بالقش طرمي دمسقيلا
طرمي دمسقيلا وتد مطمريلا
ومشمشيلا كهنه لبغري نظيفا دأخلي شكوانه
حيف لجنقه طاوه زالي خو أُبره
خو أُبره نخثلي ميانه ومزبني اروه وكلي قنيانه
ما اوذلي بكاوي كلبد شيفانا ولثيلي بهاور يالد زنانه
يالد زنانه بشمائه بعمي مث اره خلصلي بد مساكر شمي
تاذي بزالي كد هويلي ميمي
كد هولي ميمي كثوتيله بطقسه
خناشه ديوانه دك بانه قصره
دني ما ايبه كُلَّح بد خلصه
دني بد خلصه وبد بيشه ماره
وانا تكيليون بايشوع نصرايه
اخ وايه الي مبلي بلايه
مبلي بلايه وبد موصن لبروني
مُكّي لا غبنت خدمله اخوني
خدوم اخنواثي وكوريه زوره
شد آخل وشاته تد بايش كوره
حيف لجنقوثي دريَه كو قوره
* وضع القصيدة :الشماس اسحق مقدسي في القوش سنة 1872 ايام البطريرك مار يوسف اودو.

38
الياس ياقو قودا
الجزء الثامن والاخير

نبيل يونس دمان
دار حديث بين جماعة الثائر الاشوري المعروف هرمز ملك جكو( 1930- 1963) عن بطولات الياس شلي، فقال هرمز على مسمع رجاله: يجب ان التقي به، فارسل خبرا ينبأ بوصولهم مساء، فما كان المساء الا ودخل هرمز ومعه العشرات من المسلحين( قرابة الستين) وبعد الترحاب الحار والتحية والسلام: سأل الياس: هل انت ابن مالك جكو، قال هرمز: نعم، قال الياس: من الاسد تولد الاسود، ثم سأل هرمز مضيفه الياس قائلا: انت رجل مشهود لك بالشجاعة ما الذي كنت تخشاه؟ قال الياس: لم اكن اخشى شيئا، كنت اخترق الجبال والوديان في الظلام، لم يدخل الخوف الى قلبي، بل كنت مطمئنا بان الجبل والوادي يخافاني! عندما نطق الياس بتلك الكلمات ترقرق الدمع في عينيه، فقام هرمز من مكانه وقبله في جبينه.
 ثم ساله كيف ترى يا عمي قوتنا: هل انت مقتنع بنا واننا سنحقق شيئا، فقال الياس: انكم في عرس، انتم مجموعة وكلكم مسلحين، اما انا فكنت اغلب الاوقات وحدي، اتصدى لعوامل الطبيعة من برد وثلج وحر، اضافة الى من يتربص للنيل مني، ثم طلب هرمز من الياس الانضمام الى القوة واضاف: ستكون على رأسها، فان قبلت ذلك فلن تصمد حتى الموصل امامنا، اعتذر الياس بسبب اعتلال صحته، وشكر هرمز زيارته التاريخية تلك.
في بيته عدة اشجار من بينها شجرة تين رشيقة كانت تصعد الى الاعلى، جاء عصفور وحط في اعلى التينة ووالدي جالس عند الياس يرجع بندقيته بعد سياحة في وادي دير الربان هرمزد، قال لالياس اعطني بندقيتك اضرب الطير في راسه فقال له: هذه التينة عزيزة علي ربما تصيب الغصن الفارع، يقول جمعة داود: بان والدك دقيق الرماية ولكن مع ذلك لم يوافق عمي على المحاولة، ويضيف جمعة قائلا: كان والدك دائم الزيارة لنا. توطدت علاقة والدي به في نهاية الاربعينات عندما تزوج ابن خاله سنحاريب گولا ابنة اخيه حليمة داود، في احدى زيارات والدي له في البيت لاحظ ان اخمس بندقيته برنو متوسطة لم يكن جذابا، وقتها كان الوالد يعمل نجارا في سوق القوش فاقترح عليه تصليحه، فوافق، اخذ الوالد البندقية معه، فكك اخمسها، وصقله جيدا ثم صبغه باصباغ خاصة من نفس اللون فاعطت في النهاية البريق الذي افرح ابو جميل.
كانت بندقيته التي حملها على كتفه في اخر زمانه البرنو متوسطة الطول وقبلها امتلك بندقية المانية تسمى محليا هدية باش، كان شديد الاعتداد بسلاحه من خنجر الى ناظور الى مسدس فالبندقية. يوما طرق بابه، فخرج ابن اخيه ليفتح الباب فيما هب الياس وحمل بندقيته، فتح جمعة الباب واذا الطارق زبير( زبو) المعروف من قرية بيبوزي وهو بكامل سلاحه واستعداده، قال له جمعة: من انت؟ قال: انا زبو، وماذا تريد؟ هل عمك هنا؟ نعم، اريد مقابلته، فقال جمعة: اصبر حتى ابلغه، رجع جمعة يبلغ عمه بهوية الطارق فقال له: هل هو مسلح، قال: نعم، ومن معه، قال: لوحده، قال: قل له ان يدخل، فدخل باحترام وسلم على الياس وجلس ثم ساله: عن قصد الزيارة، فقال زبو: جئت لاشتري بندقيتك، قال: هذا هو الغرض، قال: بلى، اجابه اجابة فيها نبرة حزم، كرر اسمه مرتين تأكيدا واستصغارا: هل رايت احدً يبيع زوجته، وبالكردية( زبو زبو تديت ايك جناوي فروشي). فتلعثم زبو ولم يدري كيف يغادر بيت الياس شلي.
عانى في اواخر عمره من مرض في اطرافه السفلى كان يعيقه من السير الطبيعي، فاستعمل العصا( الكوﭘال) لتعينه في المشي، قضى معظم وقته في البيت الملاصق للجبل او في الحقول الزراعية فلاحا، واصبح يجلس في ديوان محلة سينا، وتقرب من الكنيسة وغدا عضوا في اخويتها، صار يستقبل الزوار لمن سمع به وتاثر بمغامراته وبطولاته، كانوا يقصدونه من الموصل وبغداد وتلكيف، وشخصيات القوشية معروفة في ذلك الزمان منهم: جورج جبوري خوشو مدير مدرسة اللاتين، عبد الرحيم اسحق قلو، سليمان يوسف بوكا، منصوري دنحا( تلكيف) وغيرهم. كان مهندما ودائم الحذر والترقب، حتى باب بيته كان من الصفيح فاي احتكاك بالباب او طرق طارق فياخذ على الفور حذره. مات في اوائل 1964 في القوش، اقبلن بناته من دهوك يبكين عليه، وشاركن في مراسم الدفن المهيبة على تل مقبرات البلدة التاريخي، وهن ينشجن الاغاني الحزينة باللغة الكردية.
كان توما توماس دائم الزيارة له، حيث لا يبعد بيته سوى بضعة مئات من الامتار، تحدث توما يوماً قائلاً: انه كان مهاجم من قوات عسكرية وكان الياس جالسا امام بيته معاق من الحركة بسبب عجز في اطرافه السفلى، دعا توما اليه، فاقبل رغم ضيق الوقت بسبب هجوم القوات الحكومية، قال له يمكن لن تراني مرة اخرى، اترك القوش في ذمتك فلا تغترب عنها ولا تعطها ظهرك بل تذكر انها بحاجة اليك، اودعك، فاحتضنا بعضنا واذا وجه الياس تغمره الدموع، يعقب توما بانه عندما اختط طريقه عبر الجبل لم يفكر ابدا بكمين امامه او قوة تتعقبه بقدر ما شغلت فكره كلمات الياس الاخيرة، بعدها لم يلتقيا ابدا.
توما توماس بْگو عِراق وُلْ سْوريـَّـة
شمَّه أيذيئَه بْأﭘرِدْ عَجَمْ وُل تركيـــَّــــة
كُدْ كْماخيلَه أرْخِحْ ﭘْطورا يَن بْگلِيـَّـــة
دَمْرَتْ وولِه الياس شِلّي يَن بِرْد سِيَّة
ملاحظات:
1- المصدر الرئيسي للمعلومات هو جمعة داود قودا.
2- المصادر الاخرى: المحامي المعروف عبد الرحيم اسحق قلو تولد عام 1919، الشماس صادق ياقو برنو 1918، يونس ياقو دمان 1928، تيفو خيرو بلو 1937، نجيب الياس حنو 1946، حكمت جميل قودا 1964.
3- كتاب القوش عبر التاريخ- تاليف مار يوسف بابانا- بغداد 1979.
4- فواجع الانتداب في حكومة العراق- يوسف ملك 1932.
   
•   الشهيد هرمز ملك ݘكو، من كتاب باسمه للمؤلف وصفي حسن رديني- دهوك 2008



القائد الانصاري الراحل توما توماس بين رجاله الابطال
من صور عماد شمعون جلوا
nabeeldamman@hotmail.com
June 15, 2012
USA 










39
الياس ياقو قودا
الجزء السابع

نبيل يونس دمان
     كان بيت الياس يملك حصان وبغل وزوج من الكلاب الشرسة التي دربها بعناية فكان اهالي البلدة وغيرهم يهابونها، لذلك كان اهل بيته يربطوها في النهار ويطلقوها في الليل. في احد الايام كانت مجموعة من اللصوص( گناوي) خلف بيت شلي عند الارض التي كان بيت بتي تولا قد وضع الاساسات لبنائه، هناك جلس اللصوص، عندما اشرف النهار على الانتهاء والمطر يزخ برذاذه، اخبر ابن اخيه ان يطلق الكلاب كالعادة كل يوم، وبسرعة خرجت الكلاب تعدوا عبر السطح الى السفح الصخري واصبحت تنبح بشدة، ويزداد نباحها كلما حاول اللصوص التحرك، وعندما يلتزمون اماكنهم تسكت الكلاب، وهكذا حتى عيل صبرهم، واستمر ذلك لعدة ساعات، اراد الياس ان يهاجمهم ولكنه كان محموما في ذلك النهر وقدر ان لا ضرر منهم لحد تلك اللحظات، بعدها غادر الرجال وسط نباح الكلاب ودخلوا وسط البلدة، بعد مدة قصيرة طرق الباب(من الصفيح او التنك يحدث الكثير من الضوضاء عند الطرق عليه) واذا الطارق شعيا( شعوكي) فتح الولد الباب، فخاطبه شعيا قائلاً: قل لعمك بان دواب عيسى سرقت، حاول الياس عند سماعه الخبر ان يلبس ملابسه ولكنه لم يستطع بسبب ارتفاع حرارته فقال له: اذهبوا الى وادي اسمه( گلي وشته) و( يقع في الجبل غرب القوش) هناك تقطعون طريقهم، اجابه شعيا بان اللصوص اتخذو وجهتهم جنوبا، فقال الياس تذكر ما قلته. لم يقتنع الرجل بل تذمر قائلاً" لا زال ابن شلي في افكاره القديمة" فاجاب: انتم احرار. عندما سرقت الدواب اطلقت زوجة صاحب الدار نداء الاستغاثة( الهاور) فخرج اخوه ليمسك ذيل البغلة المسروقة وصار يمشي في الركب، بعد ان عبر اللصوص موقع يسمى( رش كوزا) قال كريم يقوندا فيما بعد وكان يحرس غنمه قرب ذلك الموقع" سمعت صوت الدواب، لكن أنّى لي ان اعرف انهم لصوص، ويقول ايضا في الفجر اسمع ضجيج الفلاحين( حراث الارض) فانهض من نومي واسرج دوابي لاذهب الى المرعى" ،عند عين محلة سينا شهر اللص سلاحه مخاطبا اسحق( اذا لم تترك البغلة ساطلق النار عليك) فتركها وعاد الى البيت.
     اذن سرقت دواب( قنيانه) احد بيوتات القوش، شدّ اللصوص رحالهم باتجاه الجنوب حتى بلغوا التل الكبير( كرا) هناك جلسوا لبعض الوقت للراحة ثم قفلوا راجعين باتجاه( كلي وشته) الذي حددها بدقة العارف الياس شلي، ومنها ارتقوا الى قرية السيدا( سيدايه- سكانها من الاكراد الرحل- كوݘر) تتبع الاقوشيون آثار الدواب بواسطة قدم( صمّه) بغلة كانت احدى رجليها لا تستقر طبيعيا على الارض بل تظل شبه عمودية( ضريرة) ان وقع ذلك الحافر كشف وجهة اللصوص وبانهم من تلك القرية، فقد دخلت اثار الحافر الضرير ولم تخرج منها الى اي مكان اخر، فتاكد لهم بشكل قاطع ان الحرامية من سيدايه، فشكوا عند الحكومة بالموصل، فانكر اهل سيداي فعلتهم، فقالت الحكومة اخرجوا اثار الدواب المسروقة من قريتكم، فعجزوا ولكنهم دفعوا مبالغ من المال ليحصل التراضي بين الطرفين، لقد كانت توقعات الياس شلي في مكانها ، ففي الصباح الباكر خرجت ابقار( بُقرا) سيداي وفي طريقها الى المرعى ازالت كل اثار الدواب المسروقة من القوش.
     خرج الياس يوما وكالعادة لوحده من القوش مساء، ودخل وادي الدير العلوي هناك شرع المطر ينهمر فاسرع الخطى باتجاه الدير وحتى لا يطول الحديث، عند وصوله الى بوابة الدير كان المطر قد بلل ثيابه تماما، وصار الماء يجري سواقيا في جسمه، طرق الباب، فسال البواب( دركفان) عن الطارق، اجاب: افتح انا الياس شلي، قال اصبر لاسال ابونا الرئيس، كان ذلك قانونا صارما، فلا يفتح الباب في الليل الا بامر رئيس الدير، نظرا للنوائب التي وقعت على  الدير في تاريخه، وفي ذلك الموقع الجبلي النائي والخطير. عندما سمع الرئيس بان القادم هو الياس امر الراهب المناوب بفتح باب الدير الضخم ليدخل الياس، سلم على الرهبان ثم اجلس على مقربة النار التي تضرم في الاماسي الشتوية في الدير الذي كان انذاك يعج بالصوامع وبالاخوة من مختلف قرى الشمال بخاصة، تناول العشاء عندهم وتناولوا ايضا الاحاديث المتشعبة التي كانت تشغل بالهم آنذاك، وقبل مغادرته مودعا باحترام، اعطي ثلاثة قناني من خمر الدير المعتق، فشربها في الطريق الذي يتجه شرقا الى قمتي( برگاره) و( نيره د ايوه) نزل الى البرج الطيني الذي اقامه الرهبان لحراسة بستان العنب( كرمه ديره علايه) كان السقف قد انهار من شدة الامطار الساقطة وبصعوبة دفع الباب البسيط الذي ضغطت عليه كمية من اغصان اشجار البلوط ( طرﭘه- او ݘلو) تجاوز الليل منتصفه فاراد ان ينام والماء يحيط به من كل جانب، فجمع الاغصان الغنية بالاوراق ونام فوقها واصبح ماء المطر يجري تحتها. عندما خلد الى النوم قليلا صار يسمع اصوات اشبه بحرف الشين( شش... شش) فز من نومه معتقدا انه كمين اعداء في طريقه، وخرج فورا من البرج( برجا) وصار يتعقب الاصوات حتى اقترب منها وهو حذر ويده على زناد بندقيته، واذا به يرى عددا من الاغنام يقودها اثنان من الامام والخلف، راقبهم جيدا ليعرف وجهتهم وعددهم فكانو يسرحون جنوبا في كرم عنب الدير ومعهم الاغنام وعددهم فقط اثنين من المسلحين. تيقن انهم لصوص قد سرقوا تلك الاغنام من احدى قرى السهل امام جبل القوش، تسلل حتى دخل وسط الاغنام، ثم استقام واطلق رصاصة في الهواء واعقبها باخرى فلاذ الرجلين بالفرار فيما التفّت حوله الاغنام مذعورة من صوت الرصاص، وبعد فترة من التنصت ساد الهدوء فتاكد من هروب الرجال، فساق الاغنام واحصى عددها فكانت 14 غنمة، ساقها عبر المرتفعات والوديان الى كهف قرب محلة سينا فوق مغارة تسمى( حلاوي) هناك ذبح الاغنام كلها وارسل خبرا الى اقربائه، فاقبلوا في دواب وحملوا ما تمكنوا من حمله من اللحوم الى بيوتهم، والباقي عبأ بالازيار( الدنان) ودفن في الارض وللان لم يعرف مكان دفنها .
ملاحظة: الحلقة القادمة هي الثامنة والاخيرة.
 


ياقو ووالده جميل الياس قودا
nabeeldamman@hotmail.com
June 08, 2012
USA 








40
حبيب عوديش معلمٌ مخلدُ
نبيل يونس دمان
     كم من المرات نطقت شفتاي بكلمة استاذ مكررة كما نطقها غيري، رافعين ايديهم الصغيرة للاجابة على اسئلة المعلم الراحل حبيب ابلحد عوديش الهادفة والواضحة كل الوضوح في درسي اللغة العربية والحساب للعام الدراسي 1961- 1962 في الصف الرابع من مدرسة العزة الابتدائية للبنين في القوش. اتذكر جيدا قناعته بامكانيتي في القراءة ففي كل درس جديد وبعد ان ينتهي من قراءة الدرس يوعز الي فورا بقراءته، اركز حتى ياتي النطق سليماً وتدريجيا يعلو صوتي ويحمر وجهي من اداء مهمة صعبة حيث ابذل جهدا استثنائيا لاظل عند حسن ظن استاذي، وعند الانتهاء من قراءتي يحول الدور الى غيري. ان انسى فلن انسى تلك الايام الحمقاء التي اعقبت انقلاب 8 شباط الدموي في حياة مدرستي، فقد طوقت مسلحات الشرطة المدرسة واعتقلت غالبية المعلمين ومنهم الراحل ابا سالم ليمضي اشهرا في سجون الموصل الوخمة.
     برحيل حبيب يكون رجلا اخرا من قلة المتبقين من معلمي الجيل القديم ومن مواليد الثلاثينات، هؤلاء النجباء الذين ربّو الاجيال باندفاع ورغبة وطنية صادقة امتازوا بها في كل نواحي واقضية ومدن البلاد، طوبى لهم ولدورهم الرائد في انحاء العراق وقد حملوا رسالة المعلم الى كل زاوية في ارض الوطن المفدى، بهم يكبر الوطن ويزداد شموخا ويتالق، فهم وحدهم من ارسوا لبناة العلوم والفنون والاداب.
     كان النظام المقبور يدرك ريادة هؤلاء وتضحياتهم والفلسفة التي حملوها الى الارياف في اقاصي بلاد النهرين، ولذلك رأى خطورة دورهم فغلق المجال امام التقدميين منهم واصبح كادر التعليم حكرا على البعثيين من الحاقدين والعنصريين واعداء الانسانية او ممن اجبر على تاييدهم خوفا من الويلات، وبذلك دفع العراق ثمنا باهضا ولحد هذا اليوم في ازالة اثار التعليم والمناهج العنصرية والمنحرفة على مدى عقود من الزمن الرديء الذي مر به العراق.
     كانت مناسبة حزن وانا اخرج من موضوع الاستاذ الراحل ولكن ارى ذلك مرتبطا برسالة الاستاذ حبيب وغيره من الغيارى وكيف حرفها دعاة القومية الزائفة، لقد كان ذلك يشغلني على الدوام فرايت في هذه المناسبة الحزينة ان اكتب بعض الافكار التي تراودني، لم يكن حبيب معلمي فقط بل اعتبر اسرتهم عزيزة علي وتربطني بها اواصر صداقة منذ مرحلة الصبا، كان بيتهم بمثابة بيتي الثاني ولذلك البيت افضال علي ومنها على سبيل المثال اطلاعي على غالبية الكتب في خزانتهم التي كانوا يعتنون بها كثيرا، ان القلم الذي استله اليوم يرجف حزنا على مفارقة معلم بسيط وطيب كان له الفضل علينا نحن طلبته في المراحل الاولى لتعلمنا.
     كان طيب القلب والسريرة ففي احدى المرات تاخرت عن الدوام ظهرا بسبب سفري ضمن الاسرة الى قرية شيزي، نتيجة وعورة الطريق والامطار التي سقطت غزيرة في ربيع ذلك العام، اخذتني جدتي الى الفراش الجار المرحوم جبو كادو وفبركت قصة مرضي، مسكني الفراش بيدي الى الطابق الثاني حيث صفي وانا خجل لتخلفي عن الدرس فقال الفراش: تاخر بسبب وعكة صحية، فاستقام احد التلامذة وكان جاري ويعلم حقيقة سفري خارج البلدة فقال: يا استاذ حبيب لا تصدق هذه القصة، انه كان يقضي اوقاتا ممتعة في شيزي، لم يقل المعلم شيئا بل ابتسم من تلك الكذبة البيضاء وادخلني الصف.
     تعازي الحارة الى اسرة الفقيد، زوجته اولاده وبناته واحفاده، اخوته وفي المقدمة صديقي العزيز عادل وكذلك الاستاذ نوئيل والصديق ميخائيل وكل من يعود اصله الى بيت بقالا وفروعه في القوش الحبيبة.
nabeeldamman@hotmail.com
June 12, 2012
USA 


41
الياس ياقو قودا
الجزء السادس

نبيل يونس دمان
ظل الياس يرفض الكثير من دعوات التوسط لنيل العفو عل قضايا سابقة معلقة، وحتى فترة الخمسينات، عندما كانت احدى قريباته تعمل في بيت الوزير عمر نظمي في بغداد، فعرضت الموضوع عليه، وعندما راجع لم يعثر على اية قضية ضده وافهمها بان اوراقه لم تصل الى بغداد وانها بين الموصل والشيخان، وسيعفى عنه حسب القانون الذي ينص على اعفاء من ارتكب جناية وامضى اكثر من 15 سنة خارج بلاده، فاخبرت الياس بذلك. اضافة الى وجود المعلم المعروف سليمان يوسف بوكا في القوش، هنا اقتنع الياس باستحصال العفو الرسمي فارسل ابن اخيه( جمعة داود) صبيحة احد الايام الى عين سفني وهو يحمل رسالة من سليمان افندي، ويروي جمعة قصة ذهابه الى قضاء الشيخان كما يلي:
كان الوقت شتاء، اخذت معي عصا صغيرة، قصدت بلدة عين سفني مارا بطريق يبتدأ من القوش عند آبار الماء، وما ان قطعت مسافة قصيرة حتى نزعت الحذاء( كالك شيروخ) وعلقته في كتفي لان الطين كان كثيرا، بعدها لحقني راكب مسلح( ايزيدي) قال لي: الا تخاف وحدك ، قلت: لماذا اخاف، قال: قبل قليل تجاوزت ذئاب كانت على طرفي الطريق، في الحقيقة اني رايت واحدا على المرتفع فظننت انه راعي مغطى باللباد( كبنك) ثم افترقت عن المسلح في قرية بيبان الايزيدية، غادرتها شرقا فاذا الطريق ينقسم الى اثنين فاخترت واحدا ثم تفرق الى اربعة طرق فتوقفت حائرا، رايت رجلا فسالته فاشار الى احدها وبعد مسافة تشعب الطريق ايضا، فاتخذت طريق الوادي حتى وصلت قرية الجراحية، خرجت منها، واذا مئات الكلاب ملتمة فانتابني الهلع، وفكرت لماذا كل هذا العدد متجمع، ثم اهتديت الى وجود جثة بغل، فاي كلب يحاول الوصول الى الغنيمة تضج الكلاب وتتقاتل بينها فيتراجع، فجاة رايت صبيا يركض وراء حمار، صحت عليه بالكردية ان يعبرني، ولكنه اجاب بلغتي( السورث) بانه لا يريد مساعدتي، ثم لمحت امراة تخاطب الصبي بالسورث، فقلت لها انا منكم( سورايا) رجاء عبروني من الكلاب فصاحت المراة باللهجة الاثورية( يا بروند ݘلبه، اوه سورايه ديّنيلي رخش مهاييره) اصر ان لا يساعدني فجاءت المراة وعبرتني، بعد وقت عبرت مجرى ماء باتجاه قرية النصيرية التي كان يعيش فيها انذاك بيت هرمز ممو نيسان، هناك شاهدت رجلا داخل في( لوذا) سلمت عليه قائلا: هيفاراته بخير، خرج من التبن واجاب: خير وسلامت، قلت كيف اذهب الى قرية( ألمامان) قال مشيرا بيده من هناك. انا خرجت من القوش وكانت الدنيا ضبابا يحجب الرؤيا تماما وغيوما كثيفة تلبد الاجواء، كنت لا ارى شيئا، اتذكر عند خروجي وكانت الدنيا فجرا بين الظلام والضياء الاول( خشكا وبيرا) قال العم عيسى قودا لعمي الياس: نحن نريد ان ننقذ واحدا وانت ترسل اخرا، قال: دعه يذهب سوف يتبدد الضباب( خيبوثا) .
على اية حال خرجت من النصيرية وهناك طرق كثيرة، ثم لمحت قرية امامي فقصدتها وعندما جلست لارتاح فوق صخرة، خرح رجل ومعه حيوان ضخم( قنيانا) تاملته فاذا هو منصور( مشو) كجوجا من قرية( الحسينية) جاء يسالني: ماذا تعمل هنا، قلت، انا ذاهب الى المامان، تصور اني متمرد على البيت( زعلان) فقال: هيا نذهب الى بيتنا في الحسينية، قلت: لا انا ذاهب في مهمة، قال تلك قريتنا اطلب اولادي وهم يدلونك على الطريق. انت ترى القرية قريبة ولكنك عند السير اليها تطول المسافة اضافة الى الماء والاطيان التي تغوص فيها، كان الوقت عصرا والغيوم لا زالت تنذر بهطول اشد الامطار، صحت في قرية الحسينية فخرج رجل عرفته( بحو عبد الله خرات) ها ماذا تفعل هنا، قلت دلني على المامان فدلني باشارة من يده، قصدت القرية فرايت ساقية يجري فيها الماء هناك امراة تغسل الملابس على الضفة، ملابسها القوشية تكلمت معها السورث وانا اسال عن موقع بيت( الياس جونا كريش) كانت لا تجاوب، الححت عليها ودون جواب، عرفت بعدئذ انها لا تتكلم مع بيت الياس، هكذا كانت حياة القرى اضافة لضراوتها فان مشاكلها الاجتماعية كثيرة ايضا، واخيرا قالت: انهم في الطرف الجنوبي.
على مقربة من بيتهم لم ارى احدا، فصحت يا الياس( وو الـّو) فاذا عشرات الكلاب تخرج باتجاهي، ليس في يدي ما اجابه سوى العصا فاحركها واهرب منهم، الى ان خرج الياس واخيه كليانا الذي كان ينتشل عصا تستخدم في الحقل لاجتثاث الفئران، واخيرا وصلت اليهم، فقال الياس: خيرا ما الذي جاء بك في هذا اليوم الشتائي ولوحدك، قلت: يا الـّو انا اريدك توصلني الى عين سفني اليوم، قال: هل تستطيع، الست تعبانا، قلت: بامكاني، معلوم خطورة تلك السنة واصحابنا حذرين من الاعداء المتربصين بهم بعد حادثة القتل المعروفة، قال الياس لاهله ساذهب معه في هذه الوقت المتاخر واذا لم نعد حتى ساعة كذا فلا تقلقوا، واذا سمعتم صوت نباح الكلاب فانتبهوا بحذر، كان المساء يخيم في تلك الاجواء الريفية وانا والياس نسير على الاقدام باتجاه عين سفني.هناك نهر ونحن نعبره ضربنا ضفافه فتبللت ملابسنا تماما خرجنا الى ارض صلبة( قراجا) وغسلنا واعدنا تنظيف احذيتنا( الكالك) ثم وصلنا عين سفني وناولت الامانة الى الياس فاخذها ودخل الى بيت المسؤول الحكومي، فدعاني وقال لنا: ساكون غدا في القوش. سالني الياس: ان كنت مستعدا للرجوع الى المامان في هذا الوقت، قلت: نعم، رجعنا واذا الجو صحوا وقد اختفت الغيوم ليحل محلها القمر والنجوم، في تلك الاجواء قال الياس: لدينا قطعة مزروعة بالعدس سمعنا ان الرعاة ادخلو فيها اغنامهم ولنرى ما حصل، شاهدنا في ذلك الليل بعض اطرافها قد التهمت من قبل اغنام الرعاة. وصلنا النهير الذي قبل المامان، رايت الماء الجاري بقوة وانا لا اجيد السباحة فرميت نفسي الى الطرف الاخر وسالني الياس: هل انت بخير، قلت: نعم، تردد الياس قليلا ثم عبر ايضا، هنا اطلقت الكلاب نباحها واذا صوت يطالب بهويتنا، فاجبناه: اننا الياس وجمعة فرحبوا بقدومنا. نمت تلك الليلة في المامان وصبّحنا في اليوم التالي على الثلوج وهي تغطي المنطقة، ثم عرفت ان قافلة صغيرة متوجهة الى القوش، فساني الياس كريش: ان كنت مستعد للذهاب معها، قلت: نعم، هناك شخص اسمه( سليمان رشو) كلفني بايصال حمار له الى القوش فقبلت المهمة على مضض، لان الحمار سبب لي الكثير من المشاكل في المرور بتضاريس طينية، ولو كان احدا مكاني لتركه في الطريق، ولكنني صارعت من اجل ايصاله واوصلته.
قضية العفو عن الياس حركها من بغداد عمر نظمي ومن القوش حركها المعلم المعروف سليمان يوسف اسطيفان بوكا وكان معلما في مدرسة القوش الاولى للفترة من 1946- 1952، وكان على علاقة وثيقة بالمسؤول الحكومي في الشيخان. هكذا صدر العفو النهائي عن الياس قودا من قبل الحكومة العراقية، ولكنه لم يترك سلاحه وحذره الشديد في السنوات اللاحقة.
 


جمعة داود قودا يقف بجانب صور عمه ووالده  باعتزاز
nabeeldamman@hotmail.com
June 02, 2012
USA 







42
الياس ياقو قودا
الجزء الخامس

نبيل يونس دمان
      في اوائل الاربعينات رجع الياس الى القوش في ليلة حالكة الظلام حيث خرج من احدى فتحات جبلنا الى احد الكروم التي كانت تحيط القوش في تلك الفترة، تفاجأ صاحب الكرم برجل مسلح، كامل العدة، رشيق القامة، سريع الحركة، لم يعرفه للوهلة الاولى لانه كان قد اطلق العنان للحيته، ولغيابه الطويل في الجبال جوالا في سوريا وتركيا والعراق، فقد طوى الزمن ذكرياته القديمة. ما ان شخصه صاحب البستان( خيرو قيا بلو) حتى تعانق الاثنان وجلسا يتحدثان، عندما سمع من الياس بانه ملّ حياة التجوال بين الصخور والاقامة في الجبال والكهوف حتى انها اي تلك الاماكن ملت منه، لذلك قرر الرجوع الى البلدة للعيش فيها ما تبقى من عمره، فارسل صاحب البستان من يجلب ماكنة حلاقة، فازال لحيته الكثه ليظهر طبيعيا في بلدته. يقال بان جماعة القوش من عقلاء( معقوله د ماثه) ورجال دين رحبوا به عائدا الى بلدته ولكنهم اشترطوا عليه ان يعطهم اليد والامان( ايذا وهيمَنتا) كي يوفق في اقامته الجديدة فلا يجدد الثار او ما شابه ذلك، فوافق ولكنه عاش حذرا مسلحا على الدوام، ومطلوبا قانونيا للحكومة.
   في القوش لا يعطى حق الرجل الشجاع دائما، الياس لم يكن استثناء فلجأ الى بيت الشيخ البيرفكاني. لم يقتل احداً من بيت حاج ملو، بل انقذ الكثيرين من بيت الشيخ بوجوده بينهم، فهم لا يطلقون الرصاص عند حضوره دليل معزتهم لاهالي القوش، كان بيت حجي ملو يبعثون في طلبه لكنه لم يذهب اليهم، عندما صدر عفو حكومي عن رجال الحاج ملو دعوه ان ياتي معهم كاحد رجالهم لنيل العفو فرفض، ويذكر ان البطريركية الكلدانية في شخص مار عمانوئيل تومكا( 1852- 1947) لعبت دورا في العفو عنهم، وقد قيم بيت الحاج هذه المسالة فكانوا كل عام يبعثون بمنتجات زراعية خاصة الى مقر البطريركية في الموصل. في الفترات الاخيرة من حياته بعث في طلبه الشيخ صديق البيرفكاني وقد قرر ان يقيمه وكيلا على املاكه في قرية تلخش خلف جبل القوش فلم يوافق على ذلك.
     حدثني الاستاذ الراحل جورج جبوري خوشو( 1920- 2003) انه عندما قرر السفر الى القوش لعرض مسرحية يوسف الصديق التي اخرجها عام 1943، كلفته ممرضة القوشية من بيت قودا في بغداد، بارسال بعض الادوية الى ابن عمها الياس، وهكذا حملها معه، وقد زاره في بيته في محلة سينا وصوّر له هذه الصورة:


     في اواسط الاربعينات كان الياس معزوما عند جماعة قادمين من الموصل، ومتخذين من الغرف المحيطة بمار قرداغ مقرا لاقامتهم، كان الوقت غروباً عندما جهز نفسه ومر من امام رجال جالسين في احد بيادر محلة سينا، سلم عليهم، فردوا السلام، وطلبوا منه الجلوس ولكنه اعتذر لانه على موعد، ثم الحّوا عليه ليجلس قليلا. امتثل لطلبهم، وبعد الترحيب به( بشينا ثيلوخ) ناوله احدهم كيس التبغ فلف سيكارة ثم ارجعه الى صاحبه قائلا تعيش( خاه مارح) وما ان اشعل سيكارته حتى سمعت اطلاقة بندقية، فقال الياس على الفور انها اصابت جسدا اما ان يكون بشرا او حيوانا( يذكر والدي يونس وكان حارسا لغلته في تلك الليلة، انه بعد سماع صوت الرصاصة، صاح البصير إيّا حنّونا: ها هم الرعاة قد جندلوا ذئباً) ، وبعد قليل وصلت النداءات( الهاور) تنبأ بمقتل حنا حنينا مأسوفا عليه، فقال الياس انها مصادفة ان اجلس معكم قليلا والا كنت مارا في تلك المنطقة القريبة من الحادث( بيادر محلة التحتاني) قاصدا بناية مار قرداغ لتلبية الدعوة، ربما كانت تنتظرني مشكلة جديدة.


ياقو جميل الياس ياقو قودا
 

حكمت جميل الياس ياقو قودا

     كان ججو تمو يسكن في البيت الذي شغله جردو القس يونان واولاده، وهو احد حكماء البلدة، ويتواجد باستمرار في الموصل، يقول ججو تمو بان المواصلة الذين كان لالياس فضل في انقاذهم عبر الحدود مع سوريا، اخبروه بان يبذلو كل ما في وسعهم لاخراج عفو عام عن الياس، لكنه رفض العرض وهو يقول: لا اريد عفو الحكومة، وفي احدى المرات جاء المدعو ايو بتو وكان يعتمر العقال والكوفية الى بيت الياس وهو قادم من الموصل من طرف العشائر والاغوات فيها( ايو بتو رجل من القوش يعيش في الموصل ومقرب الى اقوى عشائرها: عشيرة عجيل الياور) وهم بمثابة السلطة الحقيقية فيها، وطلب منه الامتثال الى طلب العفو وسيقدم على مساعدته رؤساء عشائر الموصل، وبانهم لم ينسوا فضله عليهم، فرفض تلك الدعوة ايضا.
nabeeldamman@hotmail.com
May 28, 2012
USA 





43
الياس ياقو قودا
الجزء الرابع

نبيل يونس دمان
    الياس ترك زوجته شمي في القوش ولم يكن لهم اولاد، هناك خارج حدود العراق في قرية شڤ صور( بالكردية ومعناها الليل الاحمر)  تزوج ارملة من تلك القرية كان لها طفلين من زواجها الاول، اما البنت فتوفيت فيما بقى ابنها خليل مع امه وزوجها الجديد الذي انجبت له ولد سمي فيما بعد جميل الذي تزوج في حدود عام 1950 من ابنة عمه حياة داود قودا، وثلاث بنات اسمائهن: هدية، زكية، وحمدية. اما خليل فقد كبر مع اخواته وامهم واستقروا في دهوك بعد ان انفصل عنهم الياس شلّي عند عودته الى القوش ورجع الى زوجته التي انجبت بنتا اسمها( سعيدة ) . تشاء الصدف ان يصبح خليل من افراد قوة البيشمركة في الجبال المحيطة، وفي احد الايام جاء برفقة المرحوم الياس حنو الى بيتهم المعروف موقعه، يقول الصديق نجيب الياس حنو بانه راى خليل يركز نظراته باتجاه الجبل، فقلت ما الذي يشغلك؟ فقال لي: هل ترى ذلك الضوء البعيد الخافت عند الجبل، قلت نعم ذلك بيت الياس شلي، فقال: انه بيت ابي، ولم اقتنع كيف يكون هذا الفتى المسلم ابن الياس المسيحي، في اليوم الثاني سال نجيب والده فاجابه: انه ابن زوجته الذي تربى في كنفه، وروى له كامل القصة. في اواخر الثلاثينات وصلت والدته وبعض اولاد اخيه داود الذي قتل في اواسط الثلاثينات، فاصبحت عائلته تتكون من والدته واولاد اخيه جمعة و حليمة، قضوا عدة سنوات في تلك الاصقاع من ريف ولاية الجزيرة( تركيا حاليا) وفي النهاية عادوا الى العراق.
     كم كانت تمتعنا جدة والدي المدعوة نني ساكو( دادا ننيكي 1864- 1961) عندما تنقل عن شلّي والدة الياس عبورهم نهر دجلة في رحلة العودة الى العراق، وكيف استقلوا وسيلة نقل اسمها القايغ( بالتركية بمعنى الصحن الكبير او ما يشبه القفة) التي كانت مطلية من الداخل بالقير، استقلوها وسط نهر هائج في ذلك الوقت، وقد حبسوا انفاسهم والاطفال معهم، لكن في النهاية وصلوا الى شاطئ الامان فصدر عنهم هتافا لا زال صداه الموسيقي يتردد( خير الله، وعبرنا الشط) ، فيما بعد وكلما تسمع دادا ننيكي خبرا سارا حتى تنهض مبتهجة، راقصة، ومرددة ذلك النداء الجميل الوقع( خير الله وعبرنا الشط). عادت شلي واولاد داود الى القوش فيما بقي الياس مدة اخرى في الجبال القريبة من البلدة.
     في تلك الفترة كان الياس شلي عند بيت الشيخ نوري( 1870- 1944) كان الديوان يعج بالرجال، خاطب الشيخ القوم بالقول: انتم لا تستطيعون جلب طالان( المواشي والابقار والدواب) العشيرة المجاورة، اذ كلما حاولتم طاردكم رعاتها فترجعون خائبين، وكرر كلامه، هنا انبرى الياس شلي بالقول: انا اذهب لجلب الطالان،  فقال الشيخ: اختار ما تشاء من الرجال، اجابه بانه سيختار برغبته، فاجاب الشيخ: لا مانع لدينا، فاخذ رجلين غير مسلحين احدهما اعرج والاخر مشلول( گجّا) فقال الشيخ: ما هذا يا فلان! اجابه قائلا:  الم اقل انا اختار، فوافق الشيخ على اختياره. يروي الياس القصة كما يلي: بكّرنا فجرا وتوجهنا الى قرية تلك العشيرة، انتظرنا حتى خرج الطالان وبرفقته اربعة رجال مسلحين ابتعدوا مسافة من القرية فصحت بهم ان يسلموا الطالان، فهبوا للدفاع وجميعهم بدأوا باطلاق النار باتجاهنا، واخذت اطلق عليهم مغيرا مكاني الى مواقع مختلفة فردوا علي بالمثل، هنا صحت بهم ان يتركوا الطالان وان بامكانه قتلهم جميعا، فانسحب الاربعة تباعا واستلمت الطالان وجعلت الرجل الافلج( كجا) يقوده والاخر في المؤخرة وانا سرت بجانب الطالان لحراسته، حتى وصلنا بيرفكان. فرح الشيخ كثيرا وتعجب كيف برجل واحد يفعل ما عجز عنه الرجال؟ قد يسأل احد لماذا اختار معوقين من رجال الشيخ؟ لانه بالتاكيد سمع بمغامرة اخرى شبيهة وتروى كما يلي:
 عندما طرح موضوع الطالان كان رجل اخر شجاع من القوش اسمه شمعون طعان المتوفي عام 1954 جالسا في مناقشة الموضوع في ديوان الشيخ البيرفكاني فعبر عن رايه بالقول لماذا نسلب طالان العشائر المجاورة اليس الافضل ان نذهب بعيدا الى حدود السوران مثلا، فوافق المجلس على الاقتراح، وكلف شمعون بالمهمة وطلب منه اختيار الرجال، فاختار شمعون طعان ثمانية من رجال الشيخ لجلب طالان بعيد في منطقة السوران، قاتل شمعون لوحده الحراس وقتل واحدا منهم، فيما تولى الاخرون سوق الطالان، وعند عودتهم كان الثمانية يسيروا مع الطالان وشمعون في الخلف، شاءت الصدف ان يحمل اتجاه الريح صوتهم وهم يتآمرون لقتله، فلحق بهم وجعلهم يسيرون امامه حتى وصلوا بيرفكان، جلس شمعون لا يتكلم شيئا، فيما تحدث الرجال عن شجاعتهم في العملية وانهم قاتلوا بشدة ونسبوا كل شيء لانفسهم دون ان يعطوا دورا لشمعون، لم يصدق الشيخ كلامهم فدعى شمعون ليروي ما عنده فروى له ما حصل، عندها اخذ الشيخ يذم ويشتم رجاله، ثم اصدر امرا بالقاء سلاحهم والذهاب الى بيوتهم.
     في احد الايام كانت نوبة الياس شلي في حراسة القرية بيرفكان، هكذا كانت القرية تضع حراسات من الصباح وحتى المساء لمراقبة المنطقة تحسبا من الاعداء، كانت اليقظة سمة تلك الايام. انهى نوبته وعاد الى القرية وفيما هو قرب ديوان الشيخ فاذا بثلاثة من اهل تلكيف معتقلين هناك، عرفهم، فقال لهم بلغة السورث الدارجة: لا تخافوا شيئا انا هنا، ثم دخل الديوان الذي كان يعج بالرجال كالعادة فلم يقم الياس باداء السلام الواجب واتخذ له مكانا في الديوان، هنا قال له الشيخ: ما هذا يا الياس انك لم تؤدي السلام، فاجابه: وهل هناك رجال حتى اسلم عليهم، غضب الشيخ من هذا الكلام، فيما جلس الياس على ركبة واحدة لمواجهة الموقف، قال له الشيخ: اخبرني بالمسالة، فقال الياس انا عائد للتو من حراسة من؟ فاجابه الشيخ من حراستنا، اذن كيف تاسرون اقربائي واحدهم متزوج من ابنة اخي وترموهم امام الديوان، فقال لجماعته ان يسكنوهم ويوفروا له متطلباتهم من الاكل وغير ذلك، قال الياس انا بامكاني استضافتهم.
nabeeldamman@hotmail.com
May 18, 2012
USA 




44
المنبر الحر / ومن الفرح ما يبكي
« في: 12:47 22/05/2012  »
ومن الفرح ما يبكي
نبيل يونس دمان و كفاح سليمان اودو
     لم يكن يوم امس الاحد المصادف 20- 5- 2012 كباقي الايام عاديا وعابرا، بل سجل نقطة تحول نوعية في حياة اسرتنا الصغيرة، في هذا اليوم منح ولدنا الشاب رافد دمان شهادة بكالوريوس في الهندسة الكهربائية بتفوق، اذن اصبح المهندس الثالث في عائلتنا. سيكون له دوراً بعون الله في حياته العملية والاجتماعية، لقد كان طوال سني دراسته مواظبا بهدوء ومنكبا على التحصيل، حتى جلب انتباه اساتذته واقرانه من الطلبة فنال احترامهم وتقديرهم. ان ملكات شبابنا العلمية وقدرتهم على الانجاز الناجح، هو نتيجة طبيعية لما ورثوه من ابائهم واجدادهم في سلّم الحضارة الانسانية.
     يساورنا امل ان يتواصل في تعليمه، لينل مراتب اعلى في مضمار الهندسة الكهربائية، كل شيء يتوقف على عاملين اساسيين: الاول هو الوقت، والثاني التوفيق من رب العباد، فيشمله برعايته وحفظه لتحقيق آماله، وآمال والديه، وبني قومه الذي تشتت في نواحي الدنا، بسبب قسوة الزمان، فقد ضاقت بوجههم السبل جراء هجرهم الاضطراري لوطنهم بين النهرين الذي سقاه واثمره الاجداد حتى بلغ العلى، ان شعوب العالم تشهد في عظمة انسان بين النهرين، وما يثبته العلم يوما بعد يوم لا يترك مجالا للشك بان العوامل الوراثية هي الاساس في تحديد نوع وجودة السلالات البشرية، فالانتقال الوراثي بتقديرنا يتواصل من جيل لجيل عبر الاف السنين.
     يوم امس كان لقاء الاهل والاحفاد على مدرج سان دييغو ستيت ينفرستي، كانت الابصار تحدق في ارضية القاعة التي كانت عبارة عن مخروط ناقص ومقلوب، هناك وقف الاساتذة و كبار مسؤولي الجامعة يحيون خريجي كلية الهندسة بفروعها المتعددة، وكل مرة كانت القاعة تصدح بالموسيقى، وبفيض الاضوية المنسابة بذوق وفن عاليين، وكانت مدرجاتها تهتز بالتصفيق لجيل جديد من مهندسي اليوم، وهم مسلحون بآخر الابتكارات والاكتشافات الهندسية التي تجعل العالم افضلا، اكثر امانا، واجملا. هكذا تلي اسم ولدنا رافد دمان فارتفع صوتنا عاليا تحية له، وفي لقائنا به في اروقة الجامعة كان الفرح يصل حد ذرف دموعه، ولندع الصور تعبر عن سعادتنا وابتهاجنا، متمنين لقراء هذه الاسطر ان يحل الفرح والنجاح حياة اسرهم جميعاً.
 
 
 

 
 
 
 

 
 
 
 

 
مع عميد كلية الهندسة في جامعة ساندييغو بكالفورنيا


 

مع اختي كفاح القادمة من هولندا وخلفنا رافد ومجموعته بالقمصان الحمراء

 
 
امام مشروع رافد دمان ومجموعته لنيل شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية
nabeeldamman@hotmail.com
May 21, 2012
USA


45
الياس ياقو قودا
الجزء الثالث

نبيل يونس دمان
    كان الياس مطلوبا من قبل الحكومة، لا عمل له يعين اسرته، فاضطر عدة مرات لقطع طرق القوافل التجارية، في احد الايام نزل بسلاحه مسافة في دشت القوش مستصحباً معه احد شباب البلدة، بعد مدة قصيرة رجع ومعه بغال محملة بالاجبان، كان ذلك الزمان يناسب تلك الاعمال وتعتبر شجاعة وحاجة في آن، اشتكوا اصحابها في مركز شرطة القوش فتوجه المامور مع الشرطة الى بيت الياس الذي صادف ذهاب والدته لجلب الماء من الابار المجاورة فدخل مامور المركز يفتش البيت، وعند رجوع ام الياس الى البيت رأته منقلبا بمحتوياته فخرجت تستفسر من جارتها فقالت انها الحكومة. فانزعجت وانذرت، شقت طريقها الى المركز، دخلت دون استئذان غرفة المامور، واخذت تهاجمه بالقول: انت رجل وتدخل بيتي، والله لولا خجلي كأمراة لكنت امسكت بك واعطيتك جزاء لرعونتك، وجعلتك مثلاً( مثله ومرّه) امام اصحابك، ثم غادرت المركز وسط خرس ورعب شرطة المأمور.
بتاريخ 17- 5- 1930 ليلاً تواجد الياس قودا، ميخا زراكا، وسليمان كتو في احد احياء القوش، امام بيت ممو قلو القديم، اما ميخا فدخل ضيفا عند اسطيفو بجي بلو، في تلك الاثناء عبرت دورية من الشرطة امامهم وتفرسوا بوجوه بعضهم وعند وصولهم الى منعطف بيت وزي اطلقت الشرطة رصاصة باتجاه الرجال فحدثت معركة بين الطرفين انتهت بمقتل سليمان كتو واحد افراد الشرطة، فتركا البلدة كل من ميخا والياس الى الجبل واصبحا مطلوبين من قبل الحكومة، في تلك المعركة كل واحد من الثلاثة قاتل في جهة، وبعد وصولهم دير الربان هرمز عرف الياس باستشهاد رفيقهم سليمان مما تصاعد غضبه وطالب رفيقه ميخا بالرجوع والانتقام من مركز الشرطة، وكان يسمع حديثهم احد رهبان الدير فنصحهم بل ترجى منهم في العدول عن اصرارهم والتسبب في مشاكل اضافية  للبلدة وفوق طاقتها، بقيا مدة في الجبال المحيطة، ثم قال ميخا لالياس: لم يعد لنا حياة في العراق... فذهبا الى سوريا ومن هناك بعثوا خبرا الى رجل من بلدتهم اسمه نعيم متيكا صارو كان يعمل مترجما لدى القنصل الفرنسي وطلبو منه ان يتوسط لهم في الاقامة واستحصال رخصة حمل السلاح في البلدة( سي ملكا) ، بعد فترة قصيرة ادخلهم نعيم الى المسؤول الفرنسي وهم بعدتهم وقيافتهم الجميلة وكانهم بطلي افلام، فقام من مكانه ورحب بهم مصافحا وجلس يتحدث معهم ثم قال( اريدكم باسلحتكم ان تنزلوا الى المدينة التي ستخضع لكم) هكذا ظهروا في المدينة وفي وسط سوقها التي صارت العامة تحييهم وتحترمهم وبعد فترة اصبح ميخا زراكه رئيسا لتلك البلدة واشتهر هناك باسم( سفر اغا)حيث عاش مع عائلته واولاده، وهناك ولد له صبري وصبرية، ولم يعودوا الى العراق الا في حدود عام 1947. بعد مدة اختلف الاثنان فانفصل الياس وذهب الى منطقة الجزيرة عابرا الحدود السورية وهناك استقر في قرية كردية اسمها( شف صور).
     في الثلاثينات، كان الياس يملك مهرة كحيلة رباها ودربها من ايام زمان، اينما يكون يصيح عليها فتاتي في الحال، يقال انه كان يمتطيها ليلة قي برية قفراء، فجاة توقفت، ضغط عليها فمشت مسافة قصيرة وتوقفت، عندها علم ان هناك شيئ غير طبيعي، فنزل من ظهرها واخذ يفحص امامه فراى اكواما متتالية لم يعرف كنهها، مشى مسافة اخرى وامامه تلك الاكوام الغريبة، اخذ يمشي على الاربعة ظنا انها مواقع تستهدفه، وظل يتقدم نحوها الى مسافة امتار فصاح عليهم بالسريانية والكردية والعربية فلم يجاوبه احد، قال ساكرر كلامي ثانية ان لم تجاوبوا ساقتلكم، جاوب احدهم فقال: نحن( بالعربية) فقال له: انهض، قال: لا استطيع لاني مكتوف، فقال: انت تكذب، قم على رجليك، قال: انا مربوط، فقال: اقلب، فقلب، عندها عرف ان عصابة قد سلبتهم بضاعتهم واسلحتهم بعد ان كبلتهم بالحبال، قالوا له: نحن اثنا عشر رجلا مع اثنا عشر بغلا محملا بالبضاعة( عبصي) وكل منا سلب منه سلاحه من بندقية ومسدس. تركهم هناك مشدودين بعد ان سالهم عن زمن الحادث، فقالوا في حدود نصف ساعة من الان، ركب الكحيل وتوجه في طريق ومن خبرته بالمنطقة والعصابات المتوقعة استطاع ان يصل الى القافلة، فظل خلفهم يتابعهم حتى وصلوا الى وادي فسبقهم وجلس ينتظر مرورهم في وسط الوادي، معلوم ان القافلة باسرها تسير وراء البغل الاول، واية كلمة( هوش) تتوقف الكروان، راهم يتقدمون وانتبه الى واحد منهم كان يسير بعيدا عن القافلة فعرف انه رئيسها ودائما في مثل تلك الحالات يكون اقوى الرجال واكثرهم بأساً، صاح عليهم بالاستسلام ثم صوب بندقيته باتجاه رئيس الكروان واطلق، ثم اعقبها باخرى فثالثة وهو لا يبغي قتله، ترك الرجال القاقلة وانهزموا هنا تقدمت البغال نحوه فاوقفها، ادار البغل الاول وضربه على مؤخرته فدار الجميع لا يعلم ما حدث للرجال هنا احتار هل يركب مهراه اذ ربما الرجال كامنين امامه، لذلك ربط المهرة باخر بغل وسار بجانب القافلة باتجاه اصحابها الموثقين من قبل العصابة، في الطريق لم يسمع صوت او حركة امامه فتيقن ان تلك العصابة قد ولت هاربة، حتى وصل الموثقين، حل وثاق احدهم وقال له: اذهب الى بغلك وسلاحك ففعل وهكذا جميعهم، وسالهم ان كان كل شيء قد استعيد فقالوا كل شيئ كامل وليس هناك نقص، فقال لهم تستطيعون المواصلة فقالوا قسما لن نذهب قبل ان نهبك بضاعتنا فقال لا اريد شيئا ثم اصروا ان يعرفوا من يكون فقال لهم لا تتكلموا في هذا الموضوع، ساستمر معكم حتى تتجاوزوا اماكن الخطر، هكذا كان، وقبل ان يفترقوا طلبوا اسمه بالحاح، فقال ادعى الياس شلي من القوش، فشكروه كثيرا ومضوا،( تبين فيما بعد انهم كانوا من العشائر المؤثرة في مدينة الموصل).
nabeeldamman@hotmail.com
May 05, 2012
USA  



46
المنبر الحر / بواكير النضال (3)
« في: 09:10 15/05/2012  »
بواكير النضال
(3)

نبيل يونس دمان
     كان صيف 1971 حارا ومع ازدياد وتيرة الحر كانت ضغوطات السلطة في القوش المتمثلة اساسا من جهاز الامن السيء الصيت الذي كان يقوده مفوضا اسمه سعد منصور الذي عاش طفولته منفلتا في ازقة الكرادة ببغداد فالتقطه البعث ودربه ليبعث الى القوش بجانب شخص اخر اسمه جوزيف يكون مسؤولا للبعث.
     عصر احد ايام شهر حزيران كانت مجموعة من طلبة الثانوية والجامعة( بغداد والموصل) تقطع الطريق الى دير السيدة للتنزه، وعند عودتها قبل حلول الظلام، وفي موقع قرب مركز الشرطة الحالي، خرج مسلحوا الامن من مخابئهم، ليواجهوا تلك الجمهرة الطيبة، بالقول : انكم مجموعة يسارية غير معترف بها عائدة من اجتماع في الدير، وطلبوا تسليمهم الهويات، تقدم اليهم احد طلبة جامعة بغداد بالقول: لماذا تطلبون هوياتنا وكلنا في الاتحاد الوطني لطلبة العراق( كانت نيته طيبة ومنطلقا من شعار كان يغطي جدران الجامعات- ان كل طالب مخلص هو عضو في الاتحاد وان لم ينتمِ) على الفور نهروه بشدة فتراجع، ثم جمعت الهويات، على ان يحضر اصحابها في اليوم التالي الى دائرة الامن لاستلامها. في تلك الفترة كان احد كوادر النضال متواجدا في البلدة سرا( الفقيد سالم اسطيفانا) جرى في الليل ابلاغه بما حدث، فاتصل بمسؤول مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني( خديدا، من الاخوة الايزيدية) واتفقوا ان يتولى المسؤول الدفاع عن الطلبة.
     صباح اليوم التالي حضر اصحاب الهويات ومعهم الاخ خديدا مسؤول( حدك) ادخلوا جميعا الى غرفة الامن ليواجهوا المقبور سعد منصور وقبل ان يشرع بمسائلتهم حول قصة الاجتماع الموهوم، دخل الاخ خديدا وقال للمفوض بما معناه: ان الطلبة الذين يبغي استجوابهم اعضاء في اتحاد طلبة كردستان، وكما هو معلوم كان لمقر( حدك) انذاك قوة تضاهي قوة البعث بفعل بيا ن 11 اذار 1970، كاد سعد منصور ان يتراجع ويطلق سراح الطلبة لولا تقدم احدهم الى طاولة المفوض بالقول: عفوا ايها المفوض: نحن لسنا اعضاء في اتحاد طلبة كردستان بل نحن نؤيد كل اتحاد يخدم مصالح الطلبة. على الفور اوقف الاخ خديدا دفاعه وانسحب الى الخارج متخليا عن المواصلة. هنا استأسد سعد منصور وادخل الطلبة اليه انفرادا ليهددهم ويهينهم ويتدخل في امورهم الشخصية كالقول لاحدهم وقد كان كث الشاربين( اذا ما تحلق شواربك...كذا) وفي تلك الاجواء الهستيرية ابلغوا ان يكفوا عن التجمع وان اية مجموعة مكونة من ثلاثة فما فوق وان تجولت في الشوارع، يعتبر اجتماعا معارضا للبعث وستعتقل، ثم ارجعت الهويات الى اصحابها.
     بعد ايام حدث صدام في مقهى الشباب في السوق بين الامن وعدد من رجال الفقيد توما توماس، كنت اتمشى مع صديقي عادل عوديش عنما سمعنا جلبة وعبر احد ازلام البعث انذاك وبعفوية اندفعنا بالضحك جهرا على العابر، وبعد عدة ساعات جاء الينا قائلا: لماذا ضحكتم علي، اجبت وقد تضايقت من شدة  ضغوطات البعث فقلت( انكم تمنعوا علينا حتى الضحك العادي) فقال من انتم ومن نحن، هذا اعتراف منك انك مع المعارضة، بعد ايام اشاع جهاز السلطة بوصول قائمة بالاعتقالات تشمل من اشترك في صدام بندوايا( حدث صدام بين الشباب التقدمي وبعض مرتزقة البعث) وتشمل القائمة اسمي ايضا. اخذني احد اقرب اصدقائي انذاك على انفراد ليحدثني عن ورود اسمي في قائمة الاعتقالات حسب ما تشيعه السلطة فعليك الصمود والمقاومة، وهكذا فعل صديق اخر، ثم اصطحبني الى بيت الفقيد سالم اسطيفانا ليقول لي عليك بمواجهتهم والوقوف بوجههم، رجعت الى البيت وصعدت السطح ولكني لم استطع النوم، فقد كنت شديد الحرص ان اواصل تعليمي وان اتجنب امور الاعتقال، وان اعمل ما بوسعي لاساعد عائلتي الضعيفة الحال شان غالبية عوائل القوش، وضعت احتمالين اما الهرب في الصباح الى بغداد او مواجهة الموقف، بعد وقت توصلت الى ضرورة البقاء، فبكرت في الصباح لاجد لي مقعدا ظاهرا في مقهى الدير( انذاك كان يسمى مقهى كردستان). حان موعد نزول الامن الى السوق واسرعوا بالصعود الى المقهى التي اجلس فيها ولكن لا احد تقدم الي، ومرت الازمة التي افتعلها مرتزقة السلطة بغرض كسر عزيمتي في المضي قدما على طريق النضال.
nabeeldamman@hotmail.com
May 12, 2012
USA 


47
الياس ياقو قودا
الجزء الثاني

نبيل يونس دمان
    منذ ان كنت صغيرا وانا اسمع بتلك العملية التي ذاع صيتها، لقد حدثت في عام 1930 وتروى هكذا: وصلت اخبار بوجود الياس في كهف بمحلة اودو ويقال ان الشرطة انتشروا في الازقة واسطح المنازل ويقال ايضا بان اثنين من الانكليز كانوا معهم لمساعدتهم في القبض عليه، اعتقل شقيقه داود في المركز وعندما سمع الياس بانهم سيستخدموا اخيه داود درعا للدخول الى الكهف، اقلقه ذلك كثيرا اذ اي اطلاق على الشرطة سيصيب اولا شقيقه، لذلك اخذ يذرع المكان ذهابا وايابا وهو مطوق باحكام، وينقل عنه ما يلي: كان العطش قد اظماه فراى قلة ماء قرب باب الكهف فاندفع اليها يروي ظمئه، دخل الى عمق الكهف واخذ يفكر ان يقاتل بالمسدس حتى لا يقتل اخيه ويحاول بكل امكاناته سحبه دون اصابة الى عمق الكهف.

داود ياقو قودا
     بعد ذلك غير خطته بسرعة فوضع خمسة طلقات في مخزن البندقية واطلقها تباعا باتجاه باب الكهف، احنى المهاجمون رؤوسهم فاستغل تلك الفرصة فخرج مثل السهم الى فضاء الحرية عبر الازقة الضيقة، وعندما وصل الى بيوت آل وزّي صاح بالمهاجمين ان يلقوه خارج البلدة وسينتظرهم في تل المقبرات ليكون الحسم، لكنهم بدلا من اللحاق به، اخذوا يطلقون الرصاص في الهواء دون ان يتمكنوا منه.
     فجر يوم من ايام القوش الجميلة، غادر سليمان كتو بيته وهو بكامل قيافته القتالية، ليحتمي بالجبل من مطاردة الشرطة له، واتجه شرقا ً فدخل وادي دير الربان هرمزد، وبعد قليل انحرف يسارا ً ليدخل وادي( برسملي) الرهيب بسكونه وسعته ووعورته. انه يعرف طريقه الذي اعتاد ان يسلكه في كل مرة، ليصل الى اماكن اكثر أمنا ً، وليمضي شطرا ً من حياته فيها مع عدد من اصدقائه المطلوبين ايضا.
     يبدو ان الحكومة قد جندت بعض القرويين للايقاع به، و كانت تلك المجموعة بقيادة حسن مصطو المعروف في المنطقة. بعد استطلاع ومراقبة جيدتين اتخذت تلك المجموعة مواقعها خلف الصخور، تنتظر مرور سليمان كتو، وحين اصبح في الوسط، تفاجأ بصوت واضح يأمره بإلقاء سلاحه وبرفع يديه، عزّ عليه الاستسلام فقال لهم( كيف القي سلاحي وانا رجل معروف لديكم، هناك متسع من الوقت للتفاهم ومعرفة اسباب كل ذلك) وجاء الجواب باستحالة التفاهم قبل التجرد من السلاح.
     في تلك الاثناء كان هناك رجلا ثالثا يراقب الموقف من مكان حصين، وقد سمع كل الحديث الذي دار فصرخ قائلا ً( كيف تجرأتم وبلغت بكم الصفاقة حدا تهددون حياة سليمان، انكم تحت مرمى نيراني، عليكم برمي سلاحكم جميعا ً امام صاحبي) . عرف حسن مصطو صوت ميخا زراكه فقال( يا سيدي( بالكردية أسْ بَني) ايها المحترم، ما كنا نود أيذاء سليمان، وهو صديق لنا، بل مازحناه لنختبر يقظته واستعداده) ، فاجابهم إجابة قاطعة( عليكم نزع اسلحتكم فورا ً أمام سليمان) ، وهكذا تم له ما اراد.

 


مقتطع من كتاب القوش عبر التاريخ- لمؤلفه المطران يوسف بابانا

     ظل سليمان مسمرا ً في مكانه لا ينبس ببنت شفة، وهو مذهول لما يحدث امامه، عندها خرج ميخا من مكمنه فعانق سليمان بحرارة، وتصالحا بعد قطيعة وجفاء أحاطت علاقتهما في تلك الفترة، ووسط فرح الصديقين ببعضهما، اعادا اسلحة الجماعة، فأثنوا على موقفهما وهم خجلى من الحالة التي هم فيها، وكرروا شكرهم  لرجلي القوش في تلك الفترة سليمان كتو و ميخا زراكه.
     كان ميخا زراكه عائدا من القوش الى معقله في الجبل، فوقع في كمين محكم لرجل اثوري اسمه ننّو، وهو نفسه مطلوب للحكومة ويعتد بنفسه وشجاعته، في تلك الايام دعته الحكومة وطلبت منه مقابل الاعفاء عنه ان يمسك الرجال الثلاثة( سليمان، ميخا، والياس) ، فاخذ يتحين الفرص ويتصيد ليوقع بهم، تحدث ميخا زراكه قائلا:
كنت يوما عائدا من القوش الى الجبل فدخلت وادي برسملي وانا احمل بندقيتي وباقي تجهيزاتي، وانا كالعادة ماضي بحذر، ولكن في غفلة نادرة، واذا( نَنّو) الاثوري الذي اعرفه يشهر سلاحه قائلا ارم سلاحك فوراً( راپي توپخ) قلت: غيّر بدّل! قال: قلت لك ارم سلاحك! فقلت له: ننو انا اعرفك رجل شجاع ومقتدر ولكن ماذا ستقول الناس وانت صاحب غيرة أليس عيباً ان يقال بان فلان جرد ميخا زراكه من سلاحه، هذا شيء غير مقبول منك وانت ذلك الشهم، وهكذا وبنفس الاسلوب السابق، ارتخت آذان ننو كما يقال، فعلق بندقيته ليواجهني كصديق، وبلمح البصر انزلت بندقيتي آمراً: ارم سلاحك الان( راپي توپخ!! ) ومهما حاول بل وترجى ان اتركه، قلت حازما: ارم السلاح بسرعة؟ فرماه، ارمي كل معداتك؟ ففعل، ثم قلت: انزع ملابسك؟ .... حتى ابقيته على الداخلية فقط، تركته وعدت الى مجموعتي، وعندما رآني الياس مقبلا قال: ما هذا؟ قلت: مقتنيات ننو الاثوري، فقال هل قتلته؟ قلت: لا لم اقتله، فابدى رفيقي امتعاضه، وقال لو كنت في مكانك ما ترددت لحظة في قتله، فقلت له: تركته ليكن امثولة لغيره وليرجع الى بيته خائبا ولتسمع الحكومة ما جرى لمجندها.
nabeeldamman@hotmail.com
May 05, 2012
USA  



48
المنبر الحر / بواكير النضال (2)
« في: 17:49 06/05/2012  »
بواكير النضال
(2)

نبيل يونس دمان
ذكرى الفقيد حنا عيسى يلدكو
     في الاسبوع الاخير من شهر نيسان عام 2000، وصلنا الخبر الأليم، قاطعاً آلاف الاميال، يعلن عن وفاة صديقي حنا عيسى يلدكو. كانت وطأة الخبر شديدة، ولا زلت غير مصدقٍ انني لن التقي بزميل المدرسة ابي ثائر، الذي فارقته والوطن مكرهاً، قبل عشرين عاماً تقريباً.
     عُرفَ حنا بمواهب متعددةٍ، منها كتابةُ الشعرِ في وقتٍ مبكرٍ، وعُرفَ بذكائه وتفوقِه الدراسيِّ، خصوصاً في الدروسِ العلميةِ التي تتطلب ذهناً رياضِياً، وعُرفَ بشجاعته في المواقف الصعبةِ، فقد سُجنَ مراراً وهو لم يزل شاباً طريَّ العود، ففي احدى مرات سجنه، عاد الى قاعة الامتحانات النهائية في الخامس العلمي( ايار 1969) واجتازها بنجاح.
     كتب في صيف 1969 قصيدة رثاء في نعي الشهيد صبري الياس دكالي( جندو) عثرت الشرطة على القصيدة في جيب احد الاصدقاء في سوق القوش وهي مذيلة باسمه، فكانت سببا في اعتقاله عدة اشهر، فخسر تلك السنة لتذهب ضريبة للنضال! . في السنين اللاحقة اكمل دراسته في هندسة البناء في الجامعة التكنلوجية ببغداد عام 1976، وتدرج في الخدمة المدنية الى ان وصل الى مدير مشاريع.
     في ربيع عام 1969 اندلعت نيران صراع مسلح بين بلدته والقرى الايزيدية المجاورة، لم تكن تلك الحوادث بمعزل عن دسائس السلطة الحاكمة، فكان للفقيد دور فيها، وخصوصاً في الصدام الذي احتدم، داخل مبنى الثانوية.
     في شهر تشرين 1973 كانت بلدته محاطة بآلاف المسلحين من جهة الجبل، تخوض معركة الدفاع عن اهلها، وصل الفقيد وهو الطالب الجامعي، ليشارك في ذلك القتال، وتعد تلك مأثرة اخرى له، اضافة الى مشاركته النشيطة في التظاهرات التي اعقبت بيان 11- اذار 1970، اتذكر انه حمل على الاكتاف ليهتف بشعارات تقدمية امام مركز السلطة في القوش، على مرآى ومسمع ازلام السلطة، ووسط تصفيق الجماهير المكتظة في ذلك المكان.
     كانت انطلاقة الفقيد حنا يلدكو عظيمة، وكان ينتظره مستقبلٌ رائع، ولكن الظروف التعيسة التي عاشها آنذاك بلياليها الكئيبة التي خيمت على البلاد، جعلته معزولاً، يصارع ويكبت معاناته، ويختزن في داخله الغضب المكتوم...... ثم فجأة نسمع برحيله وهو في متوسط العمر( مواليد القوش 1951) مأسوفاً عليه، تاركاً عائلته في خضم الحياة، واهله واصدقائه في مرارة واسىً بالغين. هكذا افتقد اصدقائي تباعا ولي فيمن تبقى الصبر والسلوان.
nabeeldamman@hotmail.com
May 06, 2012
USA 


49
المنبر الحر / بواكير النضال (1)
« في: 13:22 03/05/2012  »
بواكير النضال
(1)

نبيل يونس دمان
     في الذكرى السوداء لتاسيس الاتحاد( الوطني) لطلبة العراق تشرين 1970 * حشد البعثيون طلبة المجموعة الثقافية لترتقي باصات خاصة تقلهم الى كلية الطب عند المستشفى الجمهوري، لم يعجبنا التوزيع على الباصات الخاصة بالكلية او المرحلة الدراسية، بل استطعنا ان نتجمع اكبر عدد من القوشيي الجامعة من كليات العلوم، الهندسة، والاداب، في باص واحد.
     حال تحرك الباصات ببطئ، شرعنا نغني اغاني تراثية، وبعد قطعنا مسافة قصيرة، اوقفنا عن الغناء اثنان ادعيا انهما من الاتحاد( الوطني) ومسؤولان عن الباص، لنردد معهم شعارات وهتافات بعثية اعدت سلفا في منشور مطبوع، امتنعنا عن ذلك وصار صدى صوتهما يسمع فقط فيما اطبق السكوت بقية الباص.
 




الباص الذي اقلنا بشموخ عام 1970 **
     امتعض البعثيان واحدهما من بلدة برطلة اسمه جميل***( سمعنا لاحقا انه كان حرسا قوميا في عام 63) والاخر من قرية تلسقف واسمه رحيم( ابن اخ الراهب الراحل شعيا) وقعت مشادة كلامية بيننا وبين البعثيين حتى تصاعدت حدتها ليهددهم احد طلبتنا وهو جميل موسى ساكو بسحقهم ان لم يتوقفوا عن دعوتهم للتغني بالبعث، ومعقبا باننا مستقلون لا نهتم بالسياسة، حدث حماس وتضامن لا مثيل له بيننا فاوعزنا الى سائق الباص بالتوقف فورا، واجبرنا الشخصين بقوة على النزول ودفعهما الى ارضية الرصيف، اغلقنا باب الباص بوجههم ونفذ السائق طلبنا بالسير الى الامام، هكذا اصبحا نقود الباص بمن فيه واخذنا نغني ونهتف بهتافات لها طابع التمجيد بالبلدة وتاريخها الى درجة كان الناس خارج الباص يلوحون لنا معقبين( ليش بس القوش) فنجاوبهم بحزم : نعم القوش، اننا ابطال واسوْد القوش نحيي كل الطلبة.
     في المساء عدنا الى غرفنا المستاجرة في منطقة الميدان الفقيرة، غرب نهر دجلة من مدينة الموصل بنينوى العظمى ونحن فخورون بما اقدمنا عليه، كان يسكن مع عزيز اودو طالب من تلسقف اسمه قرياقوس حنا( د. حاليا) اخبرنا مساء ومن باب الحرص بان رحيم البعثي اعد تقريرا بما قمنا به، وبالتالي سنواجه امورا لا يحمد عقباها.
     فاجأ احدنا قرياقوس بالسؤال عن موقع بيت رحيم في تلسقف، اطرق قرياقوس راسه متاملا ودون ان يجيب على السؤال خرج من حيث اتى، وعرفنا لاحقا انه ابلغ رحيم سعينا البحث عن موقع بيته كي نتصل ب توما توماس في الجبل ليرسل من يخطف والده، هنا ارتعدت فرائص رحيم خوفا، وانه طوع ما نريد، فابلغه قرياقوس ان يمزق التقرير الذي اعده الى قيادته، وكان لقرياقوس الطيب ما اراد، هنا وحسب ما رواه قرياقوس في حينها بان رحيم طلب ان يفاتحنا باستمرار علاقة الصداقة والود بيننا. في اليوم التالي كان رحيم في باب الجامعة ينتظر قدومنا بالتحية والترحاب... دون ان نكترث به.
ــــــــــــــــــــ
* فشل الكثير من الطلبة  في الاجابة عن تاريخ تاسيس الاتحاد عند التقدم الى الاقسام الداخلية، فيما حفظنا ولحد اليوم تاريخ تاسيس اتحادنا العام في 14- نيسان- 1948.
** بعض الوجوه التي تطل من الباص: نادر يوسف هومو، كاتب السطور، صباح منصور، بتول توماس، كاترين ميخائيل الصفار، نمرود رؤوف القس عبيا، شكرية رزقو ككو، وردة حسقيال كولا، بتول شعيا عكيل، عوني حنا الصفار، حميد ميخا.
*** اوصى ارنستو تشي جيفارا اتباعه بعدم ذكر اسماء الخونة كي لا يصبح اسمهم مهما في التاريخ.
nabeeldamman@hotmail.com
May 1st, 2012
USA 

 

50
الياس ياقو قودا
الجزء الاول

نبيل يونس دمان




     الياس قودا( الملقب ابن شلّي) احد رجال القوش البارزين في مغامراتهم اذا لم نقل بطولاتهم، لقد رفع اسم  بلدته عاليا بين العشائر في النصف الاول من القرن العشرين. كانت ولادته عام 1897، ثم نزلت العائلة الى بغداد طلباً للعيش، كان معهم عمهم الذي تركهم ونزل الى البصرة، وبعد مدة توفي والدهم هناك، فما كان من والدته( تريزا) وهي من بيت بوكا الا ان تصحبه واخيه الاصغر الى القوش. اصيبت والدتهم في صغرها بعاهة في رجلها، لذلك اطلق على اولادها الياس وداود( 1903- 1935) عند رجوعهم الى البلدة باولاد شلّي. في فترة السفر برلك شبّ الصبيان ليصبحا من رجال القوش الشجعان في فترة العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، نشأ الياس ورضع وتشبع من قيم الرجولة والمغامرة التي كانت سمة ذلك الزمان، حيث لم تكن المثل والمبادئ وحتى القوانين التي نعرفها سائدة، كانت الرجولة تقاس قبل كل شيء بالجرأة والتحدي، في العشرينات شكل الانكليز( الليفي) وهي ميليشيات محلية لحماية مصالحهم، انخرط الياس في تلك الوحدات في مدينة الموصل، هناك تدرب على الاسلحة وفنون القتال والدفاع وغيرها من الاعراف العسكرية، وعند خروجه منها اقتنى سلاح جيد هو البرنو بجانبه المسدس والناظور، واصبحت وجهته المغامرة والولع بالسلاح، وفي احيان كثيرة العصيان في الجبال، وعلى ذلك الطريق اشتدت علاقته باثنين آخرين هم: ميخا زراكا( 1897- 1965) وسليمان كتو( 1904- 1930) فارتبطوا باوثق الصلات واصبحوا باسلتحم وهندامهم وقيافتهم يجوبون الوديان والجبال، لا يقف عند طموحهم حد، ونتيجة تلك الاعمال وغيرها صاروا مطلوبين بشدة للحكومة.
     يذكر المطران يوسف بابانا ما يلي( في سنة 1924 قدم الى القوش حاكم الموصل الانكليزي الجنسية " نولدن" وطلب من يوسف ﭙولا ان يكلف شخصا لايصال رسالة الى حاكم دهوك " جالدين" فوقع الاختيار على الياس ياقو قودا المعروف بابن شلي وبينما هو في طريقه الى دهوك فوق جبل سينن وشيخ خدر اذ بطائرة تمر بتلك الاجواء، فصوب الياس بندقيته نحوها واخذ يطلق الرصاص دون ان يصيبها فاخذت الطائرة تحوم حول المنطقة تفتش عن مصدر النار غير ان الياس اختبأ في بعض الشقوق ورجع الى القوش دون ان يكمل مهمته التي كلف بها ومنذ ذلك الوقت اصبح مطلوبا للعدالة) * ص 165 هذا هو احد اسباب التحاق الياس بالجبل، وهناك من يقول انه قتل احد الغرباء حول القوش فاصبح مطلوبا، وقسم اخر يقول بان الياس قام بسلب احد البدو في اطراف القوش فاعتقل بسبب ذلك وعندما خرج، سمع بهروب اثنين من اصدقائه الى الجبل وهم ميخا زراكا و سليمان كتو، ربما ارادها حجة قوية ان يلتحق بهم فطعن زوجته" شمي بوكا" عدة طعنات بالخنجر ولكنها لم تمت، عندما حضر القس ابلحد عوديش لاعطائها مسحة الزيت شاهد الدم الغزير ينزف منها فتركها وخرج ثم عالجها اطباء البلدة الشعبيون فشفيت، اما الياس فقد هرب نحو الجهة الشرقية من القوش وعندما وصل الى الغدير كانت الشرطة تتعقبه فانتشرت في الارض التي بني فيها بيت المعلم يوسف رئيس، صاح الياس بالاولاد المتجمعين ان يبتعدوا حتى يصوب على الشرطة هنا يقول احدهم وهو صادق ياقو برنو ان مامور المركز اوقفنا قائلاً " لا تبتعدوا، ابقو معنا !!.
     تعهد امام سلطات الموصل احد مفوضي الشرطة بانه قادر على اعتقال الثلاثة المطلوبين الى الحكومة، فنقل الى القوش وسكن في بيت وردكي شيخو المجاور لقنطرة القوناغ( مقابل بيت رزوقي السعرتي) فلما سمع الثلاثة بعنتريات المفوض امام الاهالي، نزلوا من الجبل في جنح الظلام وتسللوا الى باحة المنزل الذي يسكنه،  ثم طرق احدهم باب غرفة نومه، فاستغرب من ذلك الطارق الذي تجاوز الباب الرئيسي، ثم فتح الباب فرأى امامه الثلاثة بكامل اسلحتهم واستعدادهم، ارتجف من الخوف، قالوا له" نحن امامك الان فقم باعتقالنا " هنا بدأت زوجته بالبكاء، فقالوا لها "لا علاقة لنا بك، فقط جئنا نسلم انفسنا الى زوجك" ، اخذ المفوض يعتذر منهم بشدة، ويقول" انا لم اقل ذلك والناس تبالغ وتنقل اخبار غير صحيحة "، فقالو له" اطلب فورا نقلك من هنا ومن اجل مصلحتك" ، ويقال انه في اليوم التالي استدعى احد سواق البلدة ليعود به وعائلته الى الموصل.
القوش في 12- اذار- 2012
nabeeldamman@hotmail.com


51
أدب / القوش
« في: 21:47 16/04/2012  »


القوش


نبيل يونس دمان




حُيِّيْتِ يا بَلدَتي في العَزْمِ والشِـــــدَّةِ
حَتّى إنقِضاءِ الدَّهْرِ بِالعِزّ والرِفعَــةِ
سُقْياً وَرَعْياً لَها مِن بَلدَةٍ قُـــــــــدْوَةٍ
في غَربِها دِجْلَةٌ ببْلادِيَ الخَضْـــرَةِ
طِيْبٌ شَمائِلُها كُثْرٌ مَحاسِنُهـــــــــــــا
عِطْرٌ بَسْاتينُها أشْدوها أغْنِيَتِــــــــي
فَخرٌ شَواهِدُها قُدْسٌ مَعابِدُهـــــــــــا
مُذْ أشرَقَت نينوى فَجرَ الأشوريـةِ
لو مَرَّ بي طَيفَها تَنْتابُنِي فَرْحَــــــةٌ    
زَهْواً وَفَخْراً بِها في كُلِّ واقِعـَــــــةِ
أشْكُوا هُمومِي لَها مازِلْتُ في دُنْيَتي
مُغْرَمْ بِها دائِماً والشاهِدُ قِصَّتـــــــي
إنْ لَمْ أرَى رَسْمَهَا في هالَةِ القَمَـــــرِ
فالنُومُ يَهْجُرُني والشَوكُ وِسادَتـــــي
إن لَم أرى نَصْرَها في وِجْهَةِ الزَمَنِ
فالحُزنُ يَلُفُّني والدَمْعُ في مُقْلَتـــــــي
مُقْبِلْ أنا عَن بُعُدٍ كأَنَّها جَنّتـــــــــــي
أهلاً وَسَهلاً بِها عِنوانُها بَهجَتـــــــي
أحْمُلْ سَلاماً لَها مِن شَقْوَةِ الغُربَــــةِ
الدُنيا في كفَّةٍ، ألقوشُ في كفَّتـــــــــي
مَثْوى نَحُومَ النَبي في سَفْحِها يَربـُطُ
أكواخُ عِبادَةٍ والدَيرُ في القِمَّــــــــــةِ
شَوقي الى رَمْزِها في ساحةِ الوَطَـنِ
أمْشي الى نَصْبِهِ مُنْحَنِيَ الهْامَــــــةِ


القوش9- 3- 2012
nabeeldamman@hotmail.com


52
رسالة قصيرة الى د. توفيق صبري
نبيل يونس دمان
اذا كنت تعتقد بان المجموعة التي قصدتها ستترك توجهاتها التي اشرت اليها بالتفصيل فانت متوهم، فقد كتب الكثيرون وتنحى الكثيرون عن هذا الطريق لما يفرزه من كلمات جارحة، نتنة، ومقرفة، هي ليست من شيم ابائنا واجدادنا، لو فرضنا جدلا انهم التزموا وتركوا هذا النهج المخدش لكل حاسة من حواس البشر، فماذا يعملون؟ هل يجلسوا بدون كتابة؟ هل سمعت بعجوزة بلغت من العمر عتيا ودخلت مرحلة الخرف تترك خرافاتها ودعاواها وشتائمها لكل من يمر امامها .. وحتى حافة القبر.
هؤلاء لهم مشاريع وهمية وهذه المشاريع لن ترى النور ابدا لان سبيلها غير مهذب، لا تتبع اسلوب الحجة بالحجة ولا احترام للراي الاخر، بل اصلا لا تسمع الراي الاخر، ولا تفكر به اطلاقا بقدر انتقائها لما يعجبها، وان الحرية الممنوحة لها منفلتة، فلو كان هناك نظام وحساب لما تخطى احد هؤلاء عتبة اقل صحيفة او مجلة في العراق.
ان مشاريعها تنصب على الكعكة والحصول على امتيازات وحقوق بدون نضال ولا تعب ولا صبر ولا تاريخ، وهل يعلم او يعلموا ان معظم( اؤكد على كلمة معظم) من يحصل على المناصب والامتيازات في داخل الوطن له ماضي في العمل النظيف والتحمل والتضحية، ومتى يعلم هؤلاء بان( زوعا) قد ناضل بالسلاح من على قمم كردستان الى جانب الاحزاب القومية الكردية واليسارية وشكلوا جبهة اسمها الجبهة الكردستانية لها ميثاق وبموجب تلك المواثيق كانت له حصة عمل وليست كعكة من المناصب التي شغلها ويشغلها، واهِمٌ من يعتقد بان الحاكم الامريكي بول بريمر قد منحهم هذه الامتيازات من عضوية مجلس الحكم الى آخره او انه اخطأ في منح هؤلاء مالا يستحقونه. انا على يقين بان هؤلاء سيواصلوا رفع عقيرتهم على هذا وذلك، ولكن في اخر المطاف يفقدون حتى احترام عوائلهم واولادهم لهم.


53
أجمل ما قيل في الحب والغزل
نبيل يونس دمان

     لناخذ استراحة من الكتابة في التراث او في السياسة، فنوغل قليلا في موضوع الحب الذي هو الاخر يعكس جانبا جمالياً واجتماعياً في حياة الناس، ولنعد ما قيل في الحب من نشيد الانشاد في التوراة الى العصور الوثنية وما بعد الميلاد، مركزين على الحِكم والعِبر والاشعار الجميلة في هذا المجال، عَلّنا نُرفه القارئ في هذه الاستراحة التي سرقناها من مسارنا الطويل ولربع قرن من السنين، في تخطي المألوف الى فضاء الابداع الذي انجزه الآخرون من مختلف الازمان.
والى النماذج التي اخترناها من الكتب التي وقعت بين ايدينا، اذا احسنا الاختيار:
ϴ حبيبي ابيض واشقر علم بين ربوة، رأسه نضارة إبريز وغدائره كسعف النخل حالكة كالغراب، عيناه كحمامتين على انهار المياه تغتسلان باللبن وهما جاثمتان في وقيهما، يداه حلقتان من ذهب مرصعتان بالزبرجد وجسمه عاج يغشيه اللازورد. (1)
ϴ وتقوم الإلهة إنانا بالاستعداد والتحضير لاستقبال دموزي:
استحمت ومسحت جسدها بزيت الطيب
غطت جسدها بالرداء الملكي الابيض
احضرت بائنتها
نسقت خرز قلادتها الفيروزية حول عنقها
حملت ختمها بيدها
دموزي كان ينتظرها بفارغ الصبر
إنانا فتحت له الباب
من داخل المنزل كانت تشع امامهُ
مثل ضوء القمر
دموزي تطلع اليها والبهجة تَغمر قلبه
ثم اطبق عنقه على عنقها وقبّلها (2)
ϴ ايها العريس، الغالي الى قلبي،
عظيمة هي مسرتك، حلوة كالعسل
ايها الليث الغالي على قلبي
عظيمة هي مسرتك، حلوة كالعسل
لقد اسرتني، اقف مرتجفة امامك
ايها العريس لو تحملني الى الخدر
( 3)
ϴ قال الشاعر امرئ القيس:
ويومَ دخلتُ الخِدرَ خدرَ عُنيـزةٍ     فقالت لك الويلات انكَ مُرجِلــــــي
تقول وقد مال الغبيطُ بنا معـــاً     عَقَرت بعيري يا امرأ القيس فانزِلِ
فقلت لها سيري وارخي زِمامَهُ     ولا تبعديني من جَناكِ المُعَلّــــــــلِ
(4)
ϴ قصة شاب عاشق:
لما اناخوا قبيل الصبح عيسهـــــمُ     وحمّلوها، فسارت بالهوى الابـلُ
وابرزت من خلال السجف ناظرها     ترنوا الي ودمع العين مُنهَمِـــــرُ
يا راحل العيس عجل كي نودعهـا     يا راحل العيس في ترحالك الاجل
اني على العهد لم انقض مودتهـم     فليت شعري لطول العهد ما فعلوا
( 5)
ϴ لبغض البنات هجر ابو حمزة الضبي خيمة امراته، وكان يقيل ويبيت عند جيران له حين ولدت امراته بنتا، فمر يوما بخبائها واذا هي ترقصها وتقول:
ما لابي حمزة لا ياتينـــا     يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ان لا نلد البنينا     تا الله ما ذلك في ايدينـــا
وانما ناخذو ما اعطينــا     ونحن كالارض لزارعينا
                ننبت ما قد زرعوه فينا

فغدا الشيخ حتى ولج البيت وقبل رأس إمرأته وابنتها. (6)
ϴ قالت الكبرى: اتعرفن الفتى     قالت الوسطى نعم، هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتهــــــــا     قد عرفناه وهل يخفى القمــر
(7)
ϴ يقول جميل بن بثينة:
يقولون جاهد يا جميل بغزوة     واي جهاد غيرهن اريدُ
لكل حديث بينهن بشاشــــــة     وكل قتيل بينهن شهيــدُ
(8)
ϴ قال عبد الله بن العباس الربعي في فتاة:
كم لثمتُ الصليب في الجيد منها     كهلالٍ مُككلٍ بشموسِ (9)
ϴ عن هند ابنة النعمان:
وقد زارها المغيرة فسالته: ما جاء بك؟ فقال: جئتك خاطباً. فقالت: والصليبِ لو علمتُ ان فيّ خصلة من جمال او شباب رغبتكَ فيّ لأجَبتك، لكنك اردت ان تقول في المواسم: ملكت مملكة النعمان بن المنذر، ونكحت ابنته، فبحق معبودك اهذا اردتَ؟ فقال: اي واللهِ. فقالت: فلا سبيل اليه. فانصرف المغيرة. (10)
ϴ علي بن جهم، الشاعر البدوي الذي جاء للخليفة المتوكل مادحا له فقال:
انت كالكلب في وفائك للعهد، وكالتيس في صراع الخطوب، انت كالدلو- لا عدمناك- دلوا من كبار الدلى كثير الذنوب.
ضحك المتوكل وعرف ان نيته سليمة وقد اراد مدحه لذا انطلق بما عرفه من واقعه الصحراوي الذي علمه هذه الكلمات دون سواها...
بعد مدة كتب قصيدة مطلعها:
عيون المها بين الرصافة والجسر     جذبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
حتى قال الخليفة كدت اذوب من رقة هذا الشعر حين سمعته. (11)
ϴ قال الشاعر:
شكوت اليها ما لقيت من الهوى     فقالت الى صخرٍ شكوت ولم تدرِ
فقلت لها ان كان قلبك صخــــرةً     فقد انبت الله الزلال من الصخـــرِ
(12)

ϴ قال الشاعر:
فقلت لهم إنما أرْضَعتهُ     بدُرَّتِها والفتى مُؤتَمَـنْ
فلما تمكّنَ من نَفسـِــــهِ     تَجَرّى فَردّ عَليها اللّبَنْ
(13)
ϴ انشد ابو العباس:
عَذبني الشيخُ بالوانِ السّهَــــــرْ     بالشَمّ والتقبيلِ مِنهُ والنَظــــــــرْ
حتى اذا ما كان في وقتِ السَحرْ     وَصَوّبَ المِفتاحَ في القُفلِ إنكَسَرْ
(14)
ϴ كتبت ولادة ابنة الخليفة المستكفي الى ابن زيدان:
لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا     لم تهو جاريتي ولم تتخيـــــر
وتركت غصنا مثمرا بجمالـــــــــه     وجنحت للغصن الذي لم يثمـر
ولقد علمتَ بانني بدرُ السَّمـــــــــا     لكن دُهيت لشقوتي بالمشتري
(15)
ϴ ان العروس الدرزية تهدي الرجل الذي تتزوجه خنجراً حاكت له يداها غلافا من صوف احمر يحتويه تماما مثل جزدان مخيط. وهذا الخنجر هو رمز عقوبة الموت التي ستنزل بها اذا كانت غير مخلصة. والغلاف الاحمر المخيط هو رمز القانون الذي يجب على الزوج ان لا يستل الخنجر واقرباء زوجته الذكور احياء بل عليه ان يعيد الخنجر والمراة الى والدها واخوتها الذين يعلنون الحكم وينفذونه. (16)
ϴ حداء الإبل:
نورْ يا غزالْ الصيفْ
لفيني بحضينك عن سمومْ وهيفْ
قليبي مع رحيل اليومْ
حالوا بيني وبينه قومْ
يا ويلي حالوا بيني وبينه قومْ
(17)
ϴ قال الشاعر:
لا تقف قدام لـذّا     تك مَكتوف اليدين
انت لا تأتي الى     دُنياك هذه مرّتيـن
(18)
ϴ سورة الصلاة :
احيانا حين أصلّي
تعتصرني الشكوك
هل الله بحاجة الى هذه المراسيم..؟!
وحين تغويني امراة
بسحر جمالها المثقل بثمار الفرح الممنوع
يهز روحي برق عظمة الله..!
ايتها الكائنة المقدسة
سأسجد دوما لجمالك
(19)
ϴ شعر مترجم من الالمانية:
حبيبتي
حين نذوب
اخلع جلد الشتاء
عن جسدك البارد
احتضنك ، واظل
اعانقك بعنف،
خالين البال
ندفع الساق بالساق
ننتشي ويخيم من حولنا سكون
الى ان تشقه بتغريدها
طيور الفجر،
على اسلاك اعمدة الهاتف.
(20)
الهوامش:
(1) سفر نشيد الانشاد 5/10- 11- 12- 14.
(2) متون سومر- خزعل الماجدي- الاهلية 1998 ص 209.
 (3) المصدر نفسه ص 236.
(4) شرح المعلقات السبع- تاليف الزوزني- الطبعة الثانية 1972.
(5)  الحب عند العرب- د. عادل الالوسي- الدار العربية للموسوعات 1999 ص 368.
(6) البيان والتبيين- الجاحظ ج1 ص 138.
(7) عمر بن ابي ربيعة شاعر قريش.
(8) الحب عند العرب- د. عادل الالوسي- الدار العربية للموسوعات 1999 ص 189.
(9) النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية- الاب لويس شيخو ص 467.
(10) اروع ما حكي من قصص العرب في الزواج- الدكتور محمد التونجي- دار المعرفة- بيروت 2005 ص 133.
(11) علم خاص بالنسخ والاستنساخ- بلقيس حسن- كتابات 18- 9- 2003.
(12) الف ليلة وليلة/ 4- المطبعة الكاثوليكية- بيروت 1957.
(13) الجنس وابعاده- علي عبد الحليم حمزة- بيروت 2003 ص 80.
(14) المصدر السابق ص 81.
(15) من ديوان ابن زيدون المخزومي الاندلسي.
(16) مغامرات في بلاد العرب- ويليام سيبروك- ترجمة عادل حديفة و نبيل حاتم ص 178.
(17) من جريدة الوطن- الكويت.
(18) جميل صدقي الزهاوي- جمع واعداد عبد الحميد الرشودي- بيروت 1966.
(19)  ريكاي كردستان عدد/ 157 في اب 1997- لطيف هلمت.
(20) نوربرت فايس- نقل بتاريخ 7- 9- 1987في اليمن الديمقراطية.
nabeeldamman@hotmail.com
January 24, 2012
USA  


54
محطات في حياة الاسقف الراحل د. يوسف توماس
نبيل يونس دمان





     عشية اعياد الميلاد المجيدة، وراس السنة الالفية اليوبيلية، رحل عنا بصمت، مطران لبنان لكنيستنا المشرقية، المغفور له يوسف توماس، تاركاً الاسى والحزن العميقين في نفوسنا.
     حين نستعرض محطات حياته منذ الولادة في القوش عام 1934، فانها كانت مفعمة بالحيوية والنشاط، في خدمة قومه وكنيسته. عندما غادر الشاب حميد مسقط رأسه الى روما، للدراسة الكهنوتية عام 1953، كنت طفلا صغيرا لا اتذكره، وبيتنا لا يبعد سوى خطوات عن بيته، في محلة اودو. لكني خرجت مع الجموع في موكب سيارات مهيب عام 1966 لاستقباله وهو يعود باسم الاب الدكتور يوسف توماس، مؤهلا ومشمرا عن ساعديه للعمل.
     على مبعدة من قرية تلسقف، والتي خرج منها جمع آخر بضمنه اعمامه، كان اللقاء معه، حينها سدت والدته الطريق ساجدة تطلب بركاته، فكان ان ترجل من سيارته ليشملها بالصلوات، وليتعانقا في مشهد مؤثر، تعالت فيه الزغاريد والتهاليل، ثم حياه الجميع، بحفاوة تليق بمقامه الرفيع.
     في ربيع عام 1969، عندما كان فاروق احد امراء الايزيدية، قابعا في مركز البلدة( قشلة) ، محاطا بالجيش والشرطة، ومئات المسلحين من رجاله، تسرب خبر بقائه اياما اخرى، لتنفيذ مآربه الخبيثة، هنا هب القس يوسف، وزميل آخر له، ليجوبا ازقة البلدة، مناشدين الناس بالتجمهر، ورفض قبول الامر. ادت تلك الحركة الجريئة الى عرقلة تنفيذ العقوبات بحق الطلبة، ثم وصل ابن آخر لالقوش، وهو الفقيد توما توماس، لينذر الامير وقوة العسكر بالمغادرة الفورية، ويحسم الموقف في طرد من اضمر السوء للبلدة شر طردة.
     افترقنا قهرا منذ بداية الثمانينات، وكنت اسمع باسمه اسقفا على ابرشية البصرة، وهو يخدم الناس بحمية واندفاع، خصوصا الجند المساقين قسرا الى جبهات الموت. واخيرا تابعت اهتمامه بالمهاجرين جورا الى لبنان، من وطنهم المثخن بالجراح، جراء النزوات الفردية والعقوبات الدولية.
     كان الفقيد انسانا بكل ما تعنيه الكلمة من معاني عميقة، يكتنف جسمه ذهنا رصينا، وقلبا كبيرا، عامرا بالمحبة والسلام، ومسكونا بالارادة والاقدام. كان نحيلا لا تقوى ارجله على حمله، عندما جاء يودعنا الوداع الاخير، قبل بضعة اشهر، بفعل ما الحقه به مرضه اللعين، لكنه كان في عنفوان وقوة، عندما اوصل لنا ارائه السديدة وافكاره الرشيدة، في ندوتيه المقامتين هنا في مشيكان.
    كتب في وصيته ان يدفن في القوش، فكانت محطته الاخيرة، والابدية، حيث عاد جسمه المجبول من ترابها، كتلة هامدة، لا نطق فيها ولا حياة.
ستنبت تلك الارض المقدسة، الورود حول قبره!
مَرْ يوسِب مِنّن رحقلِه
كلزمه الّن علمايــــِـه
دشقلخ دوكه دقمايـِه
اني گوره جندايـــــِه
دويوه مثله ورايـــِـه
ما مَحكِن لَث كَشّيرَه
مَر عاقل وهونَه بهيرَه
كد گنيل أث زاريـــرَه
غبنّي وحشّي مَريــرَه
ما طاوَه شمِّـــــــح لارَه
مخشڤله ﭙرشله مْـــزرَه
حيران القش ما أمـــرَه
كد مطيل إلّح او خبــرَه
يومَه بّيروت زرقلـــــِـه
قاله دتشبحته سِقلـــــــِه
نقّوشَه تحشَّه دقلـــــــِه
مر يوسب مخايه ﭙرقلِه
مر يوسب منّن رحقلـِه
17- 1- 2000


55
العشيرة في المجتمع العراقي
نبيل يونس دمان
صدق الشاعر العربي القائل:
لا تقل اصلي وفصلي ابداً     انما اصل الفتى ما قد حصل
للوهلة الاولى تعني العشيرة قيم المروءة، العدل، الكرم، الضيافة، والشجاعة في الدفاع عن مظلوم، وهي عادات وتقاليد متوارثة عزيزة على قلوب الناس، فتراهم يتمسكون بها ويحرصون على الاستشهاد بها باعتبارها مُثلا رفيعة في حياتهم الاجتماعية ماضيا وحاضرا.
وهناك المفهوم الاخر للعشيرة، الذي يعني العدد، القوة، النفوذ، التسلط، والهيمنة الذي يستمد تاريخه من الاعتداءات، الغزوات، تسلط القوي، وغيرها من القيم البالية والمتخلفة التي تتقاطع مع متطلبات العصر في ارساء قاعدة اقتصادية قوية واشاعة نهضة علمية ثقافية اجتماعية شاملة.
في المجتمع العراقي هناك العشائر الكبيرة ولها فروع وانساب وافخاذ، وهناك العشائر الصغيرة التي تتحد مع بعضها طلبا للقوة ولمجابهة العشائر الاكبر او ربما تتحد بشكل او باخر بعشيرة اكب، وتنتسب العشائر الى اسماء اجدادها او انسابها ومراتبها الدينية او الى قرى او مدن او اماكن تتواجد فوقها.
كانت النظم العشائرية، التي تتحكم في الارض والمياه والممتلكات وبعلاقات الناس وبالنظرة المتخلفة للمرأة، قائمة منذ الدولة العثمانية حيث كانت تعين مسؤول القرية او الناحية من العشيرة القوية او الى انسابه الدينية المؤثرة في دائرة الناس المحيطة.
عند نشوء الدولة العراقية الحديثة عام 1921 كرست العشائرية اكثر، فقرب رؤساء العشائر والشيوخ والسادة الى كراسي السلطة واروقة البرلمان ومناصب الجيش، وكان رئيس العشيرة او الشيخ او الاغا هو نفسه الاقطاعي، وابنه او اخيه او نسيبه قائدا في الجيش او وزيرا او متصرفا او ذو منصب رفيع، ويتمتع بالمدارس العليا والبعثات العلمية لنيل الشهادات، هؤلاء الذين اطلق عليهم الشعب نعت ابناء الذوات، وقد سن قانون غريب في عرف القوانين الدولية سمي بقانون العشائر.
جاءت ثورة 14 تموز لتعلن مبادئ الحرية والديمقراطية التي اثرت بعمق اقتصادي واجتماعي وحضاري في المجتمع وابعد الى حد ما اصحاب الذوات من السلطة ليحل محلهم المغمورون وممثلوا الطبقات الشعبية، اصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة الوطنية الديمقراطية، وخصوصا في سنواتها الاولى، فتراجعت العشائر مرغمة وشرعت تنظم نفسها لارجاع مصالحها ونفوذها، وتتحد مع القوى الظلامية في القومية العربية لتغرق البلاد بالدماء عام 1963 وتنهي قيم العدالة والتقدم في ثورة 14 تموز.
وعند مجيء العفالقة ثانية للسلطة عام 1968 حاولوا ارتداء ثوب التغيير وتحقيق بعض مكاسب لتثبيت سلطتهم الضعيفة وللتغطية على جرائمهم السابقة، فنفذ الانقلابيون بعض الاجراءات التي صاغتها الحركة الوطنية وقدمت التضحيات في سبيلها ومنها الغاء اسم العشيرة من لقب المواطن العراقي، والاكتفاء بالاسم الثلاثي.
عندما افلس النظام في كل خطواته واغرق المجتمع العراقي في ازمات واوضاع شاذة وغريبة لم يألفها في تاريخه جراء استهانة الدكتاتورية بارواح الناس وقيم المجتمع، حاولت الاستعانة بل الرجوع الى القاموس العشائري القديم المتهرئ لبعث الحياة فيه( وهل يصلح العطار ما افسده الدهر) فقد اعاد النظام للعشيرة تسميتها والغاية معروفة في حشد الولاء للطاغية باية صورة بعد اخراجه مرغما من الكويت وتعرضه لاكبر هزة في تاريخه جراء النهوض الباسل للشعب في انتفاضته عام 1991.
في كل يوم تتوجه الى قصر الطاغية وفود مؤلفة من مئات الاشخاص!! لهم تسميات العشائر وممثلي القبائل في المحافظات المختلفة وقسم من هؤلاء يعرفهم المواطنون، صياعاً وذوي تاريخ اجتماعي سافل، وبعضهم من محترفي جرائم القتل والسطو وغيرها، ان هذا التمثيل يعده ويخرجه جهاز مخابرات النظام فيعد لهم كل شيء من بطاقات خاصة وزي خاص وفي سيارات خاصة ويلقنهم ماذا يرددون وماذا يفعلون دون ان ينسوا رفع صور الطاغية عاليا ثم يقرأ بإسمهم برقية الى الطاغية اعدتها المخابرات واليكم نموذج منها مقدمة من عشائر بابل في 1– 8- 1993( ..... لقد اتفقنا نحن الموقعين ادناه على رفض كل عنصر مخرب أو خائن لتراب الوطن او هارب من الخدمة العسكرية دون ان نأوي  بيننا كل خائن او عميل او مرتد وسيكون دمه مهدورا من قبلنا ومن قبل اهلنا جميعا ولا حق لاحد بالمطالبة بالفصل او اقامة الدعوى...).
تلاحظ عزيزي القارئ دعوات صريحة بالقتل واهدار الدماء حتى للهارب من الخدمة العسكرية( وقد يكون سبب هروبه شخصي او نفسي وليس سياسي) وبذلك تؤلب العشيرة على ابنائها وعلى مناضلي الشعب كما حدث ان اصدر النظام برقية بتوقيع عشيرة الجبور باهدار دم حامد علوان الجبوري الذي ترك موقعه في خدمة النظام الى صف المعارضة. وتذكرنا هذه الدعوة بالدعوة سيئة الصيت بهدر دم الكاتب سلمان رشدي من قبل السلطات الايرانية.
ان هذه السيناريوهات التي يخرجها النظام بين فترة واخرة هي التهيئة والتحسب للمستقبل حيث يخشى الطاغية قيام انتفاضة جديدة شاملة في العراق على غرار انتفاضة 1991 عنما سحق الشعب الثائر معاقل العبودية في المحافضات المحررة ولم يُجد شعار( كل العراقيين مع القائد) نفعا.
وحينما تدق الساعة سوف لن يبق قسم، بل سينطلق المحرومون والمضطهدون يتسابقون للقضاء على اوكار الدكتاتورية ويبنون على انقاضها وطناً حرا ديمقراطيا.
كانون اول 1993


56
احداث زاخو وتوابعها المرعبة
نبيل يونس دمان
قال المعري في لزومياته:
عنب وخمر في الاناء وشارب     فمن الملوم اعاصرٌ أم حاسٍ
     تلك كل الحكاية في موضوع الخمر، محلات الخمر، ونوادي الخمر، لو سمينا الظاهرة جدلاً بانها مشكلة فاللوم يقع على شاري الخمر وعلى مرتادي النوادي، وكذلك من يدخل صالونا للحلاقة العصرية، او محل مساج، ان جمهور تلك الاماكن هم من المسلمين بغالبيتهم العظمى من زاخو في اقصى العراق الى الفاو في اقصى جنوب العراق، ان الانسان يتصرف بدافع حريته الشخصية ويتحمل عواقب تصرفاته، المحال واماكن المساج والموتيلات يرتادها عامة الناس ومن مختلف الاديان، حتى اماكن الدعارة ان وجدت فقد كانت موجودة في كل زمان ومن قبل نشوء الاديان التوحيدية، لا تنفع الشدة والقوة والحرق في ازالتها، تتذكرون كيف اقدم صدام حسين على تعليق رؤوس الغواني على الابواب ولكن دون جدوى، فالابتعاد عن تلك الدور يكون بالتوعية المدرسية والصحة ووسائل الاعلام، اما القضاء عليها فلا يتم بالعنف ولا بالشدة ابدا، في كل بلدان العالم موجودة لكن يحذر منها في التوعية.
     من قال ان ادخال الانسان في بودقة واحدة وارغامهم على الضد من ارادتهم ستحل مشكلات المجتمع، ويتحول ذلك المجتمع الى مواطنين ملائكة يرحلون بعد مماتهم مباشرة الى الجنة والنعيم، من قال ان بالامكان فعل ذلك، وحتى السعادة لا تفرض بالقوة! كم من قرون مرت ومحاولات القضاء على الاجرام والرذيلة جارية، ولكنها محاولات فاشلة بل ومستحيلة في ظل طبيعة الانسان المبنية على الانانية وحب الذات والاقدام على التجربة اي تجربة الخير والشر معاً، لو كان بالامكان القضاء على الموبقات وعلى الاجرام لانتفت الحاجة الى العسكر والسجون وحتى الى المرشدين الدينيين.
     من قال ان ادخال النساء في الحجاب سيطهرهن من اعمالهن الخاطئة؟ ولماذا خلق الانسان على صورة الله، هل يحق له اخفاء ذلك الوجه؟ الانسان السوي يتباهى بمنظره وليشبع الناس النظر اليه وما فيه من الخلق والحسن. كانت عائشة بن طلحة بن عبدالله لا تستر وجهها بشيء فلما دخل بها مُصعب ابن الزبير كلمها في ذلك فقالت: ان الله عز وجل قد وسمني بوسمِ جمال فاحببت ان يراه الناس والله ما فيَّ وصمةُ استتر لها.
وقال عمر بن ربيعة:
ولما تواقفنا وسلّمت أقبلتْ     وجوهٌ زهاها الحسنُ ان تتقنّعا
     مطلوب من حكومة اقليم كردستان ومن الرئيس مسعود البارزاني ان يهب بسرعة لايقاف انتهاك حرية وكرامة الناس  وممتلكاتها في زاخو او اي مكان اخر من الاقليم، لا زال هناك متسع من الوقت لايقاف هذا الرعاع المنفلت خارج نطاق النظام والقانون، هذا الرعاع الذي يذعن لمرشدي المساجد الذين يفترض ان يزرعوا الخير ومحبة الناس في خطبهم لا التحريض لخروج الرعاع لتحطيم وحرق ما يقع امامهم، وبالتزامن مع خروج اميركا من العراق، ان شاء الله لن يكون ذلك اول الغيث، بل يجب ان تحافظ المنطقة على بر امانها وعلى مرسى سفينتها التي تمخر العباب.
     ليكن رئيس اقليم كردستان الاخ مسعود البارزاني كما وصف اجداده ويكرام في مؤلفه القيم( مهد البشرية والحياة في شرق كردستان) عندما كتب يقول: شيخ بارزان الذي عرف بلقب( شيخ النصارى) لانه يعامل النصارى واتباعه المسلمين على قدم المساواة.
nabeeldamman@hotmail.com
December, 2, 2011
USA  

57
المنبر الحر / تلميذ يرثي الاستاذ
« في: 20:12 04/11/2011  »
تلميذ يرثي الاستاذ
نبيل يونس دمان
     نخر مرض عضال جذع شجرة باسقة، فاحالها حطاما، الا بئس من داء عصر يداهم هذا وذاك فيدخل بيوتهم دون استئذان، بات ينتقيهم فكثرت اسبابه والموت واحد، هذا اللعين خطف هالة نوري حبيب سورو ماسوفا على شبابها قبل ايام، ثم عاد بوجه اسود لياخذ والدها الذي كان يقضي شيخوخته في ديترويت بعد رحلة عطاء وعناء طويلة في الوطن الام.
     كان الراحل بارعا في اختصاصه كمدرسا للرياضيات، اذكر عام 1969- 1970 استحدثت مادة رياضية اسمها( التفاضل والتكامل) ولاول مرة تدرس في المدارس الثانوية، فكان متمكنا منها وقادرا على تبسيطها للطلبة، والدليل نتائج البكالوريا لذلك العام.
     في عام 1963 ترك المرحوم دراسته الجامعية والتحق بفصائل الانصار، لازلت اتذكره في وادي الربان هرمزد بملابس الثورة وبندقية الثوار، وقد اطلق العنان للحيته الذهبية فبدى اينع واصغر الثوار عمرا. وفي تلك الفترة ايضا دخل المعتقل في الموصل وتعرض للتعذيب كما هي العادة لمن يدخل سجون الفاشيين.
     في معارك القوش ربيع عام 1969 وفي احد الصباحات الباكرة من تلك الايام المجيدة، كنت متوجها الى بيادر محلة قاشا، فصادفت استاذي نوري مسلحا ويلف يشماغا حول رقبته، عند معرفته وجهتي قال بحزم: ارجع الى البيت والتزم دروسك فقط.
    مشاهدتي الاخيرة له في بلدة الاباء والاجداد، كانت عام 1970، غداة بيان 11- اذار التاريخي  في بيادر غرب القوش هذه المرة، كانت مشاركته الاحتفاء بمقدم الانصار من مقرهم في  قرية بيرموس، وذلك باطلاق رصاصات فرح من بندقية الثائر الراحل سالم اسطيفانا، كانت تلك المشاركة بنظر السلطة كافية لنقله الى منطقة نائية كاجراء لكسر شوكته.
     ادرجت لمحات من حياة نوري حبيب في البلدة، وبعدها انتقل الى بغداد وانا كغيري فرقتنا صروف الزمان ولم نلتق الا في اميركا. ايضا واصل حضوره لنشاطات الجالية المختلفة، وكان ابرزها اشرافه على انتخابات الجمعية الوطنية العراقية في 30 يناير 2005 في مشيكان، ذلك النشاط ان دل على شيء فانما دل على اصالته وارتباطه الصميمي بموطن اجداده.


    اخر لقاء كان لي معه في تموز الماضي وقد اضناه وانهكه مرضه الخبيث، ولكن وللحقيقة كان عزيز النفس صامدا مواجها مصيره الذي كان يستصغر به، قال لي بالحرف" واذا الموت مقبل... ثم ماذا " .
     استاذي العزيز: كنت حاذقا في نظرتك، بهيا في طلعتك، صارما في شخصيتك، يشق علي ان اودعك، واذ اطوي صفحة الرثاء، اتحدى الزمن ان كان بوسعه اطوائها، فانت حي في وجداننا، وسنذكرك بما جبلت عليه من طيبة وشجاعة ما حيينا، ولا يسعنا في هذا المقام الحزين الا طلب الصبر والسلوان لعائلتك واصدقائك، والسلام عليك حتى انقضاء الدهر.


58
رد على( آل حيدو الكلدانيون في القوش)
نبيل يونس دمان

     اتحفنا قلم جديد لصديق قديم بموضوع يتناول في جانبه الاساسي موضوعي المنشور بعنوان( نماذج من التحول الى الديانة الاسلامية) ان صديقي وزميل الدراسة الثانوية فرج حيدو لم يرد عليه بالكامل بل بتر جزء من ذلك الجسد يشرّحه لغاية في نفسه.
     سيدي: الكثلكة دخلت القوش بعد تحول اخر بطريرك من بيت ابونا، مار يوحنان هرمز الى الكاثوليكية في الموصل عام 1830، ربما بدأها رئيس دير الربان هرمزد القس الشهيد جبرائيل دمبو( 1775- 1832)، عند تجديده للرهبنة الهرمزدية بعد عام 1808 ولكن لم تنتشر الا في زمان البطريرك مار يوسف اودو( 1847- 1879) فكيف جاء جدك الاول بها من جبال حكاري في الفترة من 1700- 1725 دون ان يذكره احد من كتاب او مؤرخي القوش؟!. انتبه لهذا التاريخ 1882 وهو السند الذي  بحوزتك عن وصية بابا سمو ويوقع فيه الشهود وغالبيتهم من القساوسة المتزوجين منهم: القس منصور سورو، القس يونان، القس متي الرئيس، ففي ظل الكثلكة كيف تزوج هؤلاء؟ وانجبوا اولادا واحفادا كلنا نعرفهم. هناك حقيقة واحدة بان القوش دخلتها الكثلكة متاخرة، لازلنا مندهشين من قصة حيدو المتحول الى الكثلكة والمنفصل من بيت حيدو الاصلي في اشيثا والقادم الى القوش النسطورية( واقصد الكنيسة الشرقية الممتدة الى مار ادي و مار ماري الرسولين الى بلاد ما بين النهرين) .  
     اما موضوع كل شيء مأخوذ من السجلات، يا صديق الزمان اني سالت المطران عبد الاحد صنا عن اقدم سجل متوفر في الكنيسة للمواليد والعماذ فاجابني 1860، فعن اية سجلات تتحدث يا زميلي العزيز؟ القس هرمز صنا كان يمسك سجلات لا تتجاوز ابدا التاريخ اعلاه، فكيف يطاوعك قلمك القول: ونقلا منه ان ال حيدو وصل جدهم الاولي حيدو الى القوش والمنحدر من عشيرة حيدو( هيدو) في أشيثا بين عام( ١٧٠٠ - ١٧٢٥) بعد اعتناقه الكثلكة وعاش في القوش وخلف ابنه كوريال وأحفاده وأفخاذ العائلة( انتهى الاقتباس) مرة اخرى كيف؟ وللعلم في زيارتي الاولى للوطن عام 2002 سلمني الطيب حنا صليوو صنا مذكرات او اوراق اخيه القس الراحل لاطلع عليها. رب سائل يسأل عن سجلات الكنسية قبل عام 1860 فالجواب بتقديري، هو زوالها بفعل العوامل التالية: حملة نادر شاه( طهماسب) على القوش عام 1743، حملة ميركور امير راوندوز عام 1832، حملة اسماعيل باشا عام 1842 على دير الربان هرمزد. حرق المبشرين لمكتبة القوش في اوائل القرن العشرين، اضافة لعوامل الطبيعة.
     كان استنتاجي بوصول جدي الاول الى القوش 1750- 1775 على اساس حساب الاعمار، كما يعرف عمر الاشجار من الحلقات السنوية، فاذا طبقنا هذا المقياس على بيت حيدو الذي ظن فرج انهم قدمو بين 1700- 1725 لوجدنا اجيال مفقودة، ان متوسط عدد الاجيال هو 4 لكل قرن، واشك ان كان بامكان فرج حيدو احصاء 12جيل تغطي ثلاثة قرون.
     لقد تتبع الاستاذ جميل يلدا حيدو في كتابه( بيت حيدو)* اصل كلمة حيدو من اراء مختلفة، وهي نفس الطريقة التي اتبعها المطران بابانا في اصل كلمة القوش، وبرايي ان الطريقتين هي المثلى في تتبع مجريات التاريخ، ويعتبر كتاب بابانا عمود فقرات البلدة لا يمكن لاحد الاستغناء عنه.
     عندما ينسب المطران بابانا عائلة دمان الى مزوري– تركيا المجاورة لاشيثا التي اعتقد اننا نزحنا منها، ما الذي منعه من القول ان دمان انبثق من حيدو، وننتظر حتى يأت قلم ينزل الميدان لاول مرة ليقول اننا كلنا حيدو ولذلك نطلق على بعضنا عبارة اولاد العم، صدقني ايها القلم المنطلق من استراليا، والله لا تفرق عندي، فنحن من محتد واحد، تسري في عروقنا نفس الدماء التي تسري في عائلة خوشابا وحيدو وقشورا المنتشرة في اماكن متفرقة.
     قلت في مقالي السابق اني استقيت معلوماتي عام 1967 والى الدليل:

لاحظ في الاسفل مكتوب، فروع عائلة دمان، القوش ( 1967)
    في التسعينات عندما اعاد الى اسماعي قصة القسس النساطرة الثلاثة: خوشابا- شمسو – هورو ابن العم وديع اورو دمان( 1929- 2004)، في الحال تذكرت احاديث العم عبد المسيح بهذا الخصوص، ان ابائنا واجدادنا لا نحتاج الى مجيئهم الان ليخبرونا ما حدث في زمانهم، فقد اودعوه لاولادهم واحفادهم ونحن اليوم حملة ميراثهم، كذلك وعلى العموم لا ينتظر منا ان نرجع الى مُسن لنصل الى نتيجة في المسائل التي يدور حولها الجدل، ان الراحلين لم يضموا اسرارهم تحت وساداتهم الحجرية، بل اودعوها لبنيهم وبني بلدتهم ليتخذوا منها العبر ان اعتبروا!
     انا لم اختلق الاسماء بل نقلت ما سمعته من الاجيال الماضية واذا انت لم تتبع هذا في شبابك فالتقصير منك، انا كنت ارقبك زميلا في الصف وابن عم فقد كانت تستهويك في الدنيا انذاك ثلاثة امور: الدرس، الفلاحة، والزورخانة. اما السياسة والكنيسة والمناسبات ومراقبة الاحداث والنزول الى السوق او الصعود الى مقهى، فلم تكن تلك وجهتك.
        عندما سقطت الدولة الاشورية عام 612 ق.م لم ينته شعبها كما يدعي البعض، هنا اود ان ااستشهد بنبوة  ناحوم الالقوشي: نعست رعاتك يا ملك اشور اضطجعت عظمائك تشتت شعبك على الجبال ولا من يجمع( ناحوم 3- 18).هؤلاء المشتتون في الجبال هم اهالي حكاري وغيرها من المستوطنات والممالك وحتى البلدة الحبيبة القوش وبرواري ومانكيش وغيرها من الحواضر المعروفة هي موطن هؤلاء، لقد تحقق كل ما تنبأ به النبي ناحوم من الاسباط الصغار والمولود في القوش التي كانت قبل عدة قرون قرية صغيرة بيوتها عند الجبل ومحيطة بالكنائس والاضرحة في محلة قاشا والمحلة العليا، اتخيل ان المهاجرين الجدد المنتقلين من اماكن بعيدة اقامو في بيادر القرية وبنوا فيها وهكذا انتشرت جنوبا لاحظ بيوت آل حيدو هي جنوب بيوت دمان لان بيت حيدو كما اسلفنا في مقالنا السابق تاخروا لبعض الوقت في كاني ماصي اي( ايند نوني). نستطيع حتى متابعة قدم العوائل من مواقع مقابرها في روما( بمعنى المرتفع) وتذكر يا زميلي فرج بان مقابر بيت حيدو الحالية ليست في مكانها الاصلي بل ابعدت الى خارج اسوار المقبرة لاسباب معروفة.
     في القوش استمرت النسطورية الى عام 1919 على اقل تقدير، بدليل الطلب الذي قدمه مطران النساطرة الى وكيل ناظر المعارف الانكليزي بفتح مدرسة في القوش لاولاد النساطرة ** اسوة بمدرسة( القوش للكلدان الكاثوليك) فرفض الطلب، هذا هو السيرجنت برايور من منبع المبشر ويكرام، الذي يملأ بعض الطائفيين شاشات الكومبيوتر صخبا بانه اخترع التسمية الاشورية وانه ثعلب ماكر و داهية، ارجو من القراء ان وجد امامهم كتاب ويكرام( مهد البشرية) الاطلاع على روائع ما كتبه.
 

 
موضوع في مجلة( قالا سوريايا) عام 1978 كتبه نوئيل قيا بلو- ايليا عيسى سكماني
    اما تحدثك عن الكلدانية فذلك لم يكن موضوعنا، وقد حملته قسرا واعدو السبب الى الغلو في تناول الموضوع، ان ساحة التسميات لا زالت تعج بكثيرين وهي تتسع لواحد اخر يريد ان يجرب حظه، لقد قال موسوليني وهو  في قمة صعوده في ايطاليا( عندنا اربعون درجة من الحمى. يجب ان نمتد او ننفجر) ***. نحن السورايه شعب بيث نهريني اصيل لا فرق بين اشوري او كلداني او سرياني، ورغم تلك الحقيقة الساطعة، مكتوب علينا متابعة المسلسل التقسيمي حتى نهايته.
عن علاقتنا بيت دمان وحيدو اسمع هذه الحادثة:
     بتاريخ 11- 10- 1962 تعرضت سيارة خالك يونس رحيما الى وابل من الرصاص في وادي الكنود فاستشهد ماسوفا عليهما اسو شبلا وولده فلاح فيما اصيب المرحوم هادي يلدا حيدو في رقبته وصدره، في تلك الايام كانت تتواجد في القوش مجاميع فرسان( جتا) الشيخ صديق البيرفكاني، اعتاد اثنان من رجاله وهم في الاساس اصدقاء( دوست) بيت جدي لامي كوريال اسطيفو اودو، ان يضعا لوازمهما في بيتنا وهم كل من عبدالله بابلان واخيه مصطفى بابلان. تصورَ اهالي القوش ان الفرسان في اطراف قرية الشرفية هم الذين استهدفوا السيارة، فجاء والدي في اليوم الثاني من السوق وهو في غاية الانفعال، وطردهم من بيتنا قائلا: انتم اطلقتم الرصاص على ابن عمي هادي حيدو، فخرجوا متاسفين وهم ينفون بشدة قيامهم بذلك العمل، وثبتت الايام بان الشهيد البطل هرمز ملك جكو قد استهدف السيارة عن طريق الخطأ، وجاء بعد ايام ليقدم شديد اسفه الى بيت الشهيد اسو شبلا وولده فلاح.
     بالطبع كان سمعان( بابا سمو) من ابطال القوش في قوته الخارقة، وقصة تغلبه على مصارع الوالي العثماني بحضور رئيس القوش ايسفي كوزل( عزيزا) تبعث على الافتخار، وهو مثل الجبل الذي وصفه ابن خفاجة، وقد حفظنا معا قصيدته التي مطلعها:
وأرعن طماح الذؤابة بـــــاذخ     يطاول اعنان السماء بغارب
يسد مهب الريح من كل وجهة     ويزحم ليلا شهبه بالمناكــب
هامش:
* بيت حيدو- اعداد جميل يلدا حيدو- القوش 2010.
** اولاد النساطرة بمعنى  الاثوريين او الاشوريين فالشرفية قرية هؤلاء دون شك، كانت قبل استحداث الشارع الجديد عام 1973 تقريبا بقسمين: الايمن نسطرنايه( النساطرة) والايسر ﭙاﭙايه( نسبة الى ﭙاﭙا روما) او الكاثوليك.
*** حميات في الغرب- تاليف سليم خياطة- مركز الابحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1985.
nabeeldamman@hotmail.com
October 09, 2011
USA


59
رسائل تبادلناها حول العلامة انستاس الكرملي
اعداد/ نبيل يونس دمان
ألأخ الفاضل ألأستاذ نبيل حفظك الله
ألسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قرأت مقالتكم في الإنترنت عن المرحوم العلامة الأب أنستاس الكرملي وأحببت أن أرسل لكم كلمة النعي التي أرسلها والدي، ألأستاذ محمد فاتح توفيق، بمناسبة وفاة أستاذه الكرملي .. وهو مرفق بهذا الإيميل .. مع أطيب تحياتي لكم
أخوكم : إخلاص محمد فاتح توفيق / أبو عمر
وا أسفاه على العلامة الكرملي
رجل عرك الدهر وخبر الحياة وذاق حلوها ومرها وجرب خيرها وشرها فخرج
منها لا يبالي بها أقبلت أم أدبرت أسعدت أم أشقت وافقت أم عاكست. ولقد مرت عليه
مصائب ومحن تكفي واحدة منها أن تزلزل أقوى رجل وتحطم أعصابه وتسممه إلى
الموت أو ما هو أمر منه وأدهى. ولكنه صمد لها وقاوم ولم تزعزعه الحوادث
الهوج ولم تفت في عضده الملمات والأحداث ولم تلن قناته.
ولكن أمرا واحدا أزعجه ايما إزعاج وأضجره كل الضجر وأقض مضجعه وآلمه
أشد الإيلام وحز في نفسه، ذلكم هو التفريق بينه وبين حبيبته( وفراق الأحباب
خطب عسير) ولعلكم علمتم من تكون حبيبته هذه. هي اللغة العربية الكريمة، لغة
القرآن الكريم، اللغة التي لم يبلغ احد مبلغه في حبه لها وتكريمه إياها والعناية بها
والتفرغ لها والتخصص بها، وساعده على ذلك فراغه ورهبنته حيث لا زوجة ولا
ولد ولا هو مسئول عن أحد. زد على ذلك علمه بلغات أجنبية شتى فقد كان يتقن
الفرنسية واللاتينية واليونانية والعبرية والسريانية والكلدانية والصابئية والتركية
والفارسية والإنكليزية وقليلا من الإيطٌالية ويفهم البرتغالية وقد نسي الحبشية والاسبانية
بعد أن تعلمها. ولا يعرف اللغة الألمانية بعكس ما يعتقد الكثيرون وقد سألته عن ذلك فقال: طلبتني الكنيسة هنا وكنت أدرس في فرنسة قبل أن تتاح لي فرصة تعلم الألمانية. وإذا بلغ علم المرء باللغات هذه الدرجة مع شوق ورغبة وإلحاح في الدراسة والتتبع والبحث والتنقيب فهو علامة عصره الأوحد وهكذا كان الأب الكرملي بل وأكثر وإن خزانة كتبه تحتوي على نحو ستة عشر الف كتاب منها الف وخمسمائة كتاب مخطوط.
وإن ما يؤسف له أشد الأسف أن يعيش هذا العلامة الذي خدم العربية أجلَّ خدمة
أكثر من ستين عاما عيشة لايرضاها له صديق ولا عدو إلا من قدّ قلبه من صخر
أو أنتزعت منه الرحمة والشفقة ولم تبق لديه إنسانية ولم يردعه دين ولاضمير. وقد
وجد من وصفته الآن بالقسوة والغلظة بل كانوا أكثر من واحد وكانوا المسلطين
عليه المسيطرين عليه وقد نغصوا عليه عيشه ولم يتركوه يهنأ في حياته بل حاربوه
وناصبوه العداء وكرهوه ولم يخشوا ربّا ولم يحترموا شيخوخته وعلمه وخدمته
للأمة والبلاد ذلك لأنهم أناس غرباء عن هذا البلد فلا يروق لهم أن يروا أحدا يخدمه
و يتمتع بالتجلة والإحترام، ولكنهم مهما فعلوا ما استطاعوا أن يذلوا نفسه الكبيرة
وروحه العظيمة فآبوا بالذل والخسران وبسخط من الله والناس وآب برضى الرحمن
وإكبار الناس له وإجلالهم إياه وإعزازهم له.
كان رحمه الله طيب القلب رحب الصدر واسِعَهُ جم التواضع يلقاك بالبشر والترحاب
حتى لتطمئن إليه وتسكن إليه من أول لقاء له وما هي إلا دقائق حتى تحسب نفسك
كأنك تعرفه منذ سنوات.
كل من حضر مجلسه لا يمكن أن ينسى إثنين: ألأب الكرملي رئيس المجلس وجامع
الشمل والمرحوم الأستاذ علي غالب العزاوي المحامي الذي اغتالته يد آثمة فقد كان
زينة المجلس ودرة ثمينة إفتقدناه قبل سنة فخلا المجلس من ذلك النور البهي وذي
القلب الزكي والنكتة البارعة والبديهة الحاضرة والأسلوب الأدبي.
أما الأب أنستاس فحدث عن البحر ولا حرج ماخاضوا بحثا إلا وهو في مقدمتهم ولا
ناقشوا في موضوع إلا وكانت له اليد الطولى والباع الطويل والرأي السديد والقول
الفصل والحكم الأخير.
إيه أيها الموت : أنت أكبر أعدائنا، تكدر صفونا وتفرق شملنا وتخرب جمعنا،
فلولاك لكانت الحياة حلوة طيبة ولكنك أفسدتها فما تصلح لشيء ولا هي تطلب أو
تراد. ما قيمة الفاني الزائل؟ بل ما قيمة السعادة والأمل والهناء؟ إن كنت أنت نهاية
كل شيء.
أيها الأب الجليل رحلت عن هذه الدنيا الفانية وفارقتنا ولكن ذكراك لاتزال في القلوب عامرة وسنظل نذكرك ماحيينا وسيذكرك بعدنا أجيالنا مادامت الحياة ومادام إنسان على الأرض. أيها الراحل الكريم نم آمنا مطمئنا فقد خلفت من يحفظ ذكرك ويسير على نهجك و يعنى بحبيبتك العربية، أولئك هم أصفياؤك وطلابك المخلصون.
محمد فاتح توفيق/ بغداد
+++++
السيد اخلاص محمد فاتح المحترم
تحية طيبة
وصلتني الكلمة الرائعة ولدي تسائل عن تاريخ كتابتها وهل يمكنني نشرها في الانترنيت
تحياتي واعتزازي
نبيل دمان
كالفورنيا
+++++
ألأخ المحترم نبيل دمّان حفظك الله
ألسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعتقد أنّ والدي رحمه الله نشرها مباشرة بعد وفاة الأب أنستاس الكرملي رحمه الله، وقد كان دائم الإتصال به وزاره عند مرضه وكان يحدثنا دوما عنه، فقد كان والدي يكن محبة كبيرة وإحتراما لأستاذه الكرملي ويثني عليه في كل مناسبة
بالطبع يا أخي يمكنك أن تنشرها وتتصرف كما شئت مع الشكر الجزيل، وإذا مررت بسويسرة أو ماليزية فأهلا وسهلا بك وأنا أتنقل بينهما ودمت لنا أخا عزيزا
مع جزيل التقدير والإحترام.
إخلاص محمد فاتح توفيق
+++++
عزيزي ابوعمر
اليوم عثرت على نص كلمة المرحوم والدك محمد فاتح توفيق وهي غير التي ارسلتها ساكتبها لك لاحقا.
تحياتي
نبيل دمان
+++++
عزيزي الأخ نبيل، أتمنى لو ترسلها لي، لقد تركت العراق عام 1976 إلى سويسرة وترك والدي مع والدتي، رحمهم الله، العراق إلى المغرب عام 1983 ولم أستطع جلب أوراق الوالد إلا بعد وفاته بسنين عديدة وقسم منها ربما نقحها أو غيرها ولكني أعتز بها جميعا لبلاغته في اللغة العربية وتعابيره العميقة وأنا مسرور أنك تحتفظ بما كتب والدي وشكرا مقدما وجزاك الله خيرا
كانت أيامهم أيام خير وبركة والآن عندما نرى ونسمع ماحدث ويحدث في العراق من تفرقة وطائفية مقيتة يعتصر لها القلب ويتألم وياللأسف الشديد ... واحسرتاه على العراق
أخوكم المحب: إخلاص محمد فاتح توفيق
كلمة الاستاذ محمد فاتح توفيق في الحفل التابيني المقام على روح الكرملي بتاريخ 14- 2- 1947:
ايها الاب الراحل*
لقد اجتمع الشمل وانتظم العقد ولكن مالي لا اراك بيننا؟ ولا اسمع صوتك مدويا فينا؟ عجبا، أشغلك عنا شاغل؟ ام حال دون حضورك حائل؟ احقاً اقعدك الموت واقبرك وأسكتك القدر؟ ان الدهر لظالم غشوم وإن الزمان لغادر خؤون وإن الموت قاهر....
كنت واسطة العقد وجامع الشمل ورئيس الجمع فاين انت اليوم؟ كنت تحيي هذا وذاك وشخص كل فرد بعنايتك وتسأل عن الغائب وترحب بالحاضر وتهش وتبش له حتى ليأنس اليك الغريب ويطمئن الى مجلسك وكأنه قد عاش الدهر معك.
كنت رفيقاً بتلامذتك مشجعاً إياهم ومعيناً وكنت شديداً على خصومك اعداء اللغة العربية التي رعيتها طوال سني حياتك الزاخرة بجلائل الاعمال، تقرعهم بلواذع نقداتك وتسخر منهم باسلوبك الخاص وتتهكم عليهم فتجعلهم هزأة واضحوكة، وكنت قوياً كثير الغلبة والانتصار لا يصمد امام اعصارك مكابر ولا معاند.
ايها الراحل الكريم لست مستطيعاً تعداد صفاتك ومزاياك، فاين مني خوض هذا البحر الزاخر وما ذاكره قطرة من بحرك العظيم وذرة من صحرائك الواسعة.
ايها البحاثة اللغوي لم يشهد الدهر- الا نادراً- إخلاصاً كأخلاصك للغة القرآن وحبا كشغفك بالعربية الفصحى.
وكنت اكثر ما تشكو حرمانك الكتابة والبحث والتنقيب ناسياً مرضك وما تعانيه من آلام وأوجاع.
كنت اذا ما عثرت على كلمة جديدة او كشف جديد في اللغة كمن وقع على كنز او كقائد منتصر، ولو اعطيت الدنيا بأسرها لما رضيت بها بديلاً عن حبيبتك الغالية لغة القرآن.
لم تكن تعتمد في بحوثك وتنقيباتك الا على اصول صحيحة وقواعد متينة ومصادر ذات قيمة فكنت ترجع في اللغة الى القرآن الكريم والى الحديث الشريف والى مضانها الاصلية في امهات الكتب الصحيحة لائمة البيان واللغة.
ولقد بلغ من شغفك بالفصحى انك تحسن الاصغاء الى القرآن الكريم وانت ذاك الراهب الناسك، وما مرة زارك فيها مقرئ العراق الشهير الاستاذ الحافظ مهدي الا والححت عليه والححت بان يتلو على مسامعك آيات من الذكر الحكيم فيشق سكون الدير ذات الصوت الرخيم وانت تصغي اليه بكل جوارحك.
وبلغ من حبك للفصحى انك لم تستطع ان تسمع اي خطأ فيها ولو صدر من اعز اصدقائك وتلامذتك ولا تغفر للمخطئ خطيئته الا اذا رجع عنها.
ماذا اذكر عنك ايها العلامة الراحل؟ فقد كنت شاباً في شيخوختك بل هيهات ان يبلغ الشباب مبلغك من القوة والثبات والصبر على العمل والجلد ومتابعة البحث والتنقيب والدرس، ولن يكون الشباب مثلك في النشاط والمرح والتفائل والانبساط. ثم لن يكون الشباب امتن منك بناء واكثر قوة واصلب عوداً واقوى قلباً.. اين للشباب صوتك الجهوري القوي النبرات الذي يشق الفضاء شقاً ويدخل السمع كالرعد القاصف، واين للشباب تلك اليد القوية والكف الحديد التي كنت تعصر بها ايدينا؟ واين للشباب تلك الذراع المتينة التي تجذب بها محبيك ليكونوا على مقربة منك، فاذا هم مندفعون اليك.
لم يستطع المرض ان ينال منك الا قليلا، شلل اصاب اليمنى من كفك ورجلك ثم لا شيء بعد ذلك.. الم نزرك مساء الاثنين- قبل رحيلك بليلة- وكنت زينة المجلس حديثاً ودعابة. وانت تحس ونحن ايضاً انك تسير في طريق الشفاء ثم ودعناك ودعونا لك بالشفاء التام ونحن آملون ان نراك بعد ذلك خيراً واحسن حالا. ولقد ناديتني بعد خروجنا، بصوت قوي مجلجل فرجعت اليك واعنتك على النزول من السرير وشكرتني فودعتك ولم اعلم انه الوداع الاخير..
وقد اضحكتنا كثيراً في تلك الامسية بنكاتك العذبة وملحك المستعذبة ولكنك ابكيتنا مر البكاء في الامسية التالية. فهل كنت تدري انك راحل؟ .
ايها الفقيد الكريم إن حزننا لفقدك عظيم وان رزأنا بموتك جسيم، ولقد اطلب العزاء وابغي السلوان واين مني ذلك؟
لا ادري من أعزي! فكلنا خليق بالعزاء وكلنا فقير الى السلوان، يا فقيد اللغة الاعظم.
+++++
ألأخ الفاضل ألأستاذ نبيل دمان حفظكم الله
شكرا على رسالتك وكلمة النعي التي قالها والدي في حفل التأبين وأعتقد أنها غير الرسالة التي أرسلها بعد ذلك إلى الصحف أو ربما إلى مجلة التربية الإسلامية في حينها والله أعلم. وفي كل الأحوال يمكنكم نشر ماتحبون فالعلامة الكرملي يجب أن لاينسى وأن تكون ذكراه خالدة ومثلا أعلى في العلم والأدب وكذلك في الأخوة والمحبة بين أفراد الشعب العراقي بكل طوائفه وأجناسه وأن يكون قدوة للشباب اليوم كما كان آبائنا وأجدادنا الذين بنوا العراق العظيم وشيدوه بأخلاقهم ومبادئهم السامية وتعاونهم وتكاثفهم رحمة الله عليهم أجمعين...... أخوكم المحب: إخلاص محمد فاتح توفيق / أبو عمر
* المصدر:
الكرملي الخالد- تاليف جورج جبوري- بغداد 1947.






nabeeldamman@hotmail.com
September, 29, 2011
USA

60
نماذج من التحول الى الديانة الاسلامية
نبيل يونس دمان
زار يوم 17- اذار 1918 رجل غريب الاب انستاس الكرملي فدار بينهم هذا الكلام:  
الغريب: سمعت باسمك فاشتقت الى مجلسك.
- هل يمكن معرفتك؟
غ- اسمي جتو بن حمو، كردي من السليفانية.
- ان كنت كرديا فكيف تتكلم العربية.
غ- معاطاتي التجارة فتعلمت بعض العربية وبعض التلكيفية.
- اين موقع بلادكم؟
غ- في سهل محاط بالجبال يمتد من سميل الى ﭙيشابور او من( ثم الگلي) .
- ما لغتكم؟
غ- الكردية، وكثير منا يعرف العربية وربما وجد بيننا من يعرف قليلا من السريانية العامية.
- ما ديانتكم؟
غ- الاسلام وجميعنا سنيون على مذهب ابي حنيفة.
- هل انتم من اصل كردي صميم؟
غ- اني سمعت اقوالا متضاربة في اصلنا. فقد سمعت جدي يقول انه سمع من والده ووالده نقل عما سمع من شيوخ كثيرين: ان اصلنا نصارى ولسنا من اهالي هذه البلاد، بل جئنا اليها من انحاء ديار الشام ولهذا ترى في دم بعضنا الدم العربي وفي اخرين الدم الافرنجي وفي كثيرين الدم الكردي وفي جماعة الدم الكلداني. فنحن خليط من عناصر شتى كنا في الاصل نصارى ثم اهتدينا الى الاسلام قبل نحو ثلثمائة او اربعمئة سنة حين تسلط الاتراك على هذه الديار.
- هل بينكم نصارى؟
غ- من يقل( سليفاني) ينف عن نفسه اي دين كان والحمد لله الا انك ترى في جوارنا نصارى كثيرين لا يسكنون قرانا. فاهل ﭙيشابور نصارى كلدان وكذلك ترى نصارى كثيرين في زاخو والجزيرة وهم يترددون الينا ثم يرجعون الى مواطنهم.
- ارى ملبوسكم لا يشبه ملبوس سائر الناس، فما اسماء ملابسكم هذه؟
غ- ملبوسنا يسمى الشل والشبك. اما الشل فهو هذا الذي نلبسه على قسم جسدنا الاعلى. وهو يشبه الستري ينحدر من الكتفين الى الحقوين. واما الشبك فهو من نوع السروال الواسع عريض الاسفل من جهة الرجلين وكل من الشل والشبك متخذ من الصوف الخالص ومن عمل ايدينا: لاننا لا نشتري شيئا غريبا يدخل في لباسنا ولابد من الصوف لان بلادنا باردة – ونلبس في راسنا الطاقية ونلف عليها اليشماغ. اما كبارنا فيشدون العقل برؤوسهم( واحدها عقال) منهم من يحتذي الجاروخ ويسميه البعض كالك اما الحذاء فاسمه عندنا ﭙيلاڤ ونساؤنا يلبسن ثياب سائر الكرديات.
بيت قلو :
      المعروف ان اصل عائلة قلو هو سليفاني، هناك من يعتقد غير ذلك ومنهم د. عبد الله مرقس رابي حيث يرى ان بيت قلو اصلهم من حكاري، تفرق اربعة اخوة احدهم في تلعفر والثاني في مانكيش والثالث في القوش والرابع في اورمية.
      يروى ان اخوين من بيت قلو خرجا من القوش بسبب المجاعة وحطوا ترحالهم في قرية مانكيش، احدهم قبله المانكيشيون والثاني لم يرضوا به فعمل راعيا للابقار في قرية مجاورة، وبعد مدة من الزمن اقنع بالزواج من احدى فتيات القرية بعد ان اشهر دينه الجديد الاسلام، عندما تناهى كل ذلك الى مسامع اخيه المستقر في مانكيش، هدده بالقتل مما اضطره الى اخذ زوجته الشابة الى قرية عنزة على مشارف نهر دجلة، بقيا هناك فترة من الزمن ثم عبرا الى الجهة الغربية للنهر، واخيرا استقر بهم المقام في بلدة تلعفر التركمانية، والى اليوم هناك عشيرة تدعى( قلّي او قلّو) ومن صلبها وُلد سعيد حمو عام 1918 الذي انهى دراسته فيها والتحق بالكلية العسكرية وتخرج برتبة ملازم وتدرج بالرتب الى ان وصل الى رتبة فريق. اتذكر في الستينات والسبعينات عنما برز اسمه في الحروب الجبلية، كان غالبا ما ينتقي افراد حمايته من ابناء القوش، خصوصا احد شجعان البلدة المرحوم العريف بحو حنا ابونا، لقد حدثني يوما كيف ارسله سعيد حمو الى القوش ليلتقي في قرية بهندوايا بالبطل الخالد توما توماس ليدعوه الى ترك الحركة المسلحة، ولكن توما بنظرته الثاقبة البعيدة رفض الطلب وبكل احترام وكياسة حسب ما رواه لي المرحوم بحو ابونا.
بيت دمان :
     يرجع اصل عائلة دمان الى" اشيثا " وان كان المطران يوسف بابانا ينسبهم الى مزوري فالمنطقتان قريبتان وتقعان داخل حدود تركيا اليوم. قد لا يصدق البعض باني امضيت اكثر من ثلاثين عاما حتى توصلت الى جذور وفروع عائلتي الالقوشية. كان ذلك عام 1967 عندما دونت معلومات نقلا عن المرحوم عبد المسيح دمان( 1900- 1993) في كراس لازلت محتفظا به ومما قاله ان جدنا الاول كان قسيسا نسطوريا من منطقة" اشيثا" جنوب شرق تركيا، جاء الى القوش ولحقه اخيه القسيس شمسو الذي بقي فترة في بلدة كاني ماسي قبل ان ينتقل ولده زورا حيدو الى القوش ايضا، ولذلك نحن بيت دمان ندعو بيت حيدو اولاد العم وتوارثنا تلك العادة من الاباء والاجداد، لقد قال لي المرحوم عبدالمسيح بان هذين الاخوين كان لهم اخ ثالث وهو " القس هورو" الذي تحول الى الديانة الاسلامية وانبثقت منه عشائر كردية لا تنكر انتسابها الى القس هورو( اورو) كما يسميه ابن اشيثا الكاتب عوديشو ملكو كوركيس، بتعاقب الزمن لفظت تلك القبيلة المتحولة الى الاسلام ب( قشور- قشورا- قشوري) وهي قبيلة ذات بأس وشكيمة متميزة من باقي قبائل الاكراد في تلك المنطقة، وكانت عبر التاريخ تتبادل العلاقة الوطيدة مع اهالي اشيثا قبل تركهم ديارهم وممتلكاتهم ظلما ابان سني الحرب العالمية الاولى( سفر برلك) كانت قبائل قشورا القوية تسكن الى الغرب من اشيثا وكانوا ينادون اهالي اشيثا باولاد العم والعكس صحيح، غالبا ما يتبادلون الزيارات في مناسبات الفرح والحزن، ويتعاونون في القتال ضد عدو مشترك، ولكن ذلك لم يمنع من حصول حوادث الاعتداء والسلب او القتل بين بعضهم وحسب الظروف التي تمر بها المنطقة.
     من يزور اشيثا اليوم يرى تواجد كثيف لقبائل قشورا الكردية الشديدة المراس في قرى تلك المنطقة التي خلت تماما من سكانها الاصليين من الاثوريين النساطرة التابعين الى كنيسة المشرق سلسلة مار شمعون( قوجانس)، ويقال ان بعض قراهم يتكلمون لغة السورث المحكية فيما بينهم والكردية مع الاخرين.
     عندما اكتملت شجرة عائلتي عام 2001 ارسلت نسخة الى الكاتب ادمون لاسو فطار بها الى بغداد ليسلمها الى الاستاذ عوديشو ملكو فادخل بعض معلوماتها في كتابه القيم" سفر اشيثا" وباللغة السريانية( السورث) يطيب لي استنساخ غلافه:
 

 
     وفي نفس الشجرة كتبت بان هجرة الاخوة حصلت لسبب مجهول، في حينها كان الوالد يعيش في بلدتنا الحبيبة القوش، اما اليوم وبعد مرور عقد على تلك الشجرة الوارفة، اتتني معلومة جديدة توقفت عندها عميقا، بان سبب تحول القس هورو الى الاسلام كان بسبب امراة هذا ما افادني به والدي، اذن يمكن القول بان تعلق القس هورو الشاب بفتاة كردية مسلمة قد جلب المشاكل الى اخوته واقربائه وربما باقي اهالي اشيثا، مما حدى بهم الى ترك المنطقة وكانت هجرتنا نحن وبيت حيدو سببا مباشرا لتلك الحادثة التي اقدر نزوحهم في الفترة بين 1750- 1775، فيما لم يتخل هورو عن فتاته التي احبها وهو في قمة شبابه وليعتنق بسببها الاسلام.
     يذكر المطران المؤرخ يوسف بابانا بان عوائل اخرى في اشيثا وفي نفس تلك الفترة الصعبة انتقلوا الى القوش ومنهم عوائل يلدكو التي تتفرع الى: تومكا، شعيوكا، ككساكو، عموكا وغيرهم، وكذلك عائلة كجو التي يتفرع منها بيت شمون هيلو، وعائلة جهوري التي يتفرع منها فرع في بلدة كرمليس شرق نينوى، واخيرا عائلة قودا.
امراء برواري بالا:
     في زمن تولي قباد بك الثاني امارة بهدينان التي مركزها العمادية عام 1662، ثار احد رؤساء عشيرة تياري العليا واسمه( مه لكائزي) ضد امير حكاري خالد بك ولكنه فشل، مما حدى به اللجوء مع اولاده السبعة الى العمادية وهناك اشهروا اسلامهم، واصبح اسمه عبد العزيز، في تلك الايام كان خلافا حادا بين قباد بك وامير برواري اڤدال بالوكي، فكلف قباد بك عبد العزيز ان يتولى الامر، فذهب مع اولاده واستطاع قتل اڤدل واستولى على قصره، فرح قباد كثيرا فاوكل اليه امارة برواري، وتسلسل من صلبه اعتبارا من ذلك التاريخ الى اليوم امراء برواري وابرزههم الحاج رشيد بك المتوفي عام 1928 ومن بعده معروفة اسماء اولاده محسن بك واخيه توفيق بك واولاده عادل وناصر بيك امراء برواري الحاليين.
بيت الجليلي:
    بيت الجليلي المعروف جيدا في الموصل، تروى قصة تحولهم الى الاسلام بان جدهم عبد الجليل وشقيقه مكسب كانا تاجري اغنام بين ديار بكر والموصل، في حدود 1650- 1700 وفي احد الايام باعوا غنمهم وقبضوا اثمانها، يقال ان عبد الجليل رام حلاقة لحيته، فدخل دكانا لهذا الغرض، وشرع الحلاق في اداء عمله، حتى وصل الى حلاقة نصف اللحية، عند ذلك دخل احد الاخوة المسلمين، استقبله الحلاق بالحفاوة، ثم التفت الى عبدالجليل آمراً: اترك كرسيك للقادم ايها الذمّي( من اهل الذمة) ، فامتعض عبد الجليل ولكنه بعد تفكير قرر ما يلي: ايها الحلاق! لن انهض من مكاني، واصل عملك، اكمل حلاقة لحيتي، وانا مسلم منذ الساعة، فاغتبط الحلاق ومعه زبونه من تك الخطوة المفاجئة، هكذا كان وان لم يكن تصرفاً حكيما، ولكنه اصبح واقع الحال، وبعد مدة من الزمن صار له سبعة ابناء اسماءهم ذاعت في ارجاء المنطقة وهم: ابراهيم اغا، عبد الرحمن اغا، صالح اغا، اسماعيل باشا، يونس اغا، زبير أغا، خليل أغا. ، ثم غدا عبد الجليل جد الجليليين الذين انقذوا الموصل فيما بعد ايام غزو نادر شاه( طهماسب) الايراني لها عام 1743 في عهد الحاج حسين اسماعيل الجليلي. اما اخيه مكسب فقطع علاقته باخيه عبد الجليل وصعد لوحده شمالا حتى استقر في بلدة القوش التي اضيف بيت جديد اليها باسم مكسابو الذي يتفرع منه بيت عربو وجيقا وتولا.
المصادر:
مجلة لغة العرب الجزء 8 السنة 5 ص 474.
القوش عبر التاريخ- تاليف المطران يوسف بابانا- بغداد 1979 ص 47.
سفر اشيثا- تاليف عوديشو ملكو كوركيس- بغداد 2002  ص 131- 132.
الاكراد في بهدينان- تاليف انور مائي- الطبعة الثانية- دهوك 1999 ص 133.
اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث- تاليف المستر ستيفن لونكريك- ترجمة جعفر خياط- بيروت 1949 ص 142- 149.
العوائل في مانكيش- الدكتور عبدالله مرقس رابي- موضوع في الانترنيت.
لقاءات مع الاخوة: يوسف اسحق قلو 1999، عبد المسيح عيسى دمان 1967، الكاتب سالم عيسى تولا 2004، وغيرهم.
 
شجرة بيت دمان الالقوشي

nabeeldamman@hotmail.com
September, 25, 2011
USA  
 



61
ماذا يحدث في عالم اليوم*
نبيل يونس دمان
     لقد تغير مجرى التاريخ ، فقد هزت العالم باسره انباء انفجارات هائلة في قلب نيويورك وواشنطن، المتمثل بتصادم طائرتين مدنيتين بمبنى مركز التجارة العالمي، مما ادى الى انهيار ناطحتي السحاب وفيهما الآلاف من المدنيين، اضافة الى طائرة مدنية اخرى اصطدمت بمبنى البنتاغون وهو بمواصفات خاصة، ولم تدر في خلد مصمميه بانه سينهار يوما ..... لم يتوقع احد في العالم باسره ما حدث يوم الثلاثاء 11-9- 2001، آلاف الضحايا والمفقودين والجرحى، مئات من قوات الشرطة واطفائيوا الحرائق يلاقون حتفهم في تلك الاحداث الجسام.
     شلت تلك الاحداث الحياة الاقتصادية وحتى الاجتماعية اليومية للمجتمع الامريكي ، وقف ملايين الامريكان مذهولين لما حدث وهم يترقبون شاشات التلفاز، وما كان مثيرا في ذلك اليوم الاسود مراقبة النقل الحي، بعد اصطدام الطائرات المدنية الاولى وبعد 15 دقيقة تقريبا تأت طائرة اخرى وامام مرآى الملايين، لتؤدي الى انهيار مبنى مركز التجارة العالمي.
     اول رد فعل للرئيس المريكي وهو يعش متنقلا ً، مخافة ان يطاله شيء، كان تصريحه بانهم سيردّوا بعنف لا على المتنفذين، بل على من يأويهم ويقدم لهم العون، وهي اشارة الى دول ومكونات محددة مسبقا ً على ما يبدو، سماه الامريكيون يوم الحزن وهم ينظرون شزرا ً الى منطقة الشرق الاوسط ومواطنيها، وكأنهم يقولون" انتم فعلتم ذلك " قبل ان تشخص الحكومة أية جهة.
     في اليوم الثاني اعلن رسميا ان اسامة بن لادن هو المتهم الرئيسي المشتبه به في حوادث الثلاثاء المروعة، وفي المقابل ياتي تصريح بن لادن بانه مرتاح لما حدث ولكن ليس له يد في ذلك.
     لا زالت تلك الاحداث تتفاعل واميركا اعلنت انها في حالة انذار احمر وبانها في حالة حرب جديدة وباساليب جديدة وهي تحشد العالم لتأييدها، وقال الرئيس بوش في خطابه امام الكونكرس يوم امس الاول 20- 9- 2001 بان من ليس مع الولايات المتحدة فهو مع الارهاب اي بتفسير اخر( من ليس معنا فهو ضدنا) المشهورة في بلداننا، العالم كله يحبس انفاسه لما يحدث وكل قوى الغرب مستنفرة من اميركا الى بريطانيا( حيث ارسلت رئيس وزرائها الى اميركا لتفقد نيويورك والدمار الذي حدث فيها) كذلك فرنسا والتي جاء رئيسها شيراك مسرعا لتاييد الولايات المتحدة وخطواتها اللاحقة لما يدعى استئصال الارهاب، وجاءت المانيا ايضا تشحذ كل امكانياتها الامنية والقيام باعتقالات لمشبوهين في تورطهم في حوادث نيويورك وواشنطن. حتى وصلت الحملة الى تأييد الهند وباكستان ودول الخليج لاجراءات الولايات المتحدة، فيما شنت اسرائيل هجمات مركزة تحت انشغال العالم بحوادث الولايات المتحدة، لتلحق مزيدا من الخسائر  في الجانب الفلسطيني.
     كل ذلك يحدث والامم المتحدة لا صوت لها ولا فعل، وكأنها استقالت او ذابت او اختفت، اما الاعلام الامريكي الصاخب، والفعل المزمع القيام به، فيمتد في كل اتجاهات كرتنا الارضية، التي نحبها ونحب الحياة فيها، ونعتبر انفسنا نحن بني البشر ركاب هذا القارب المهدد بالفناء.
لماذا يحدث كل ذلك ومن المسؤول عنه ؟!
     هناك اسرار وخفايا في احداث مماثلة: حريق روما 64 ميلادية، حريق القاهرة 1952، وبتاريخ 17 شباط 1933 احرق مبنى البرلمان الالماني( الرايخستاج) واتخذ ذلك ذريعة ضد اليسار، وبانهم ارهابيون احرقوا رمز الديمقراطية ، فشنوا حملة اعتقالات ومحاربة، وبعدها بقليل فاز هتلر بالانتخابات وهو معد من الراسمال ليحارب قلب الحركة العمالية المتمثل بالاتحاد السوفيتي، وافتعل ذرائع لاضرام شرارة الحرب العالمية الثانية والتي بقيت مجهولة اسبابها الحقيقية لعقود من السنين لشعوب الارض، وحصدت تلك الحرب 50 مليون من البشر. لكن الاتحاد السوفيتي لم ينهار بل تصلب عوده، وساهم في القضاء على الغول النازي، ولكن قدم 20 مليون قتيل اضافة الى عسكرة البلاد اي تحولها الى ثكنة وانحرافها ووقوعها في اخطاء تفاقمت تدريجيا، اضافة الى ضعفها الاقتصادي الناشئ من تاثيرات الحرب العالمية الثانية والهجوم الاقتصادي- السياسي وحتى العسكري الغربي ضدها، منذ انطلاقتها في اكتوبر 1917.
     متى عرف العالم بان للحكومة يد في حرق الرايخستاج، عرف ذلك بعد مرور عشرات السنين على ذلك. الاحداث التي حصلت اليوم في اميركا قد لا يعرف سرها ومدبريها الا بعد مرور عقود من السنين، وربما لا يعرف ذلك ابدا، تلك هي المعضلة.
     بعض الانظمة تبحث باستمرار عن عدو وهمي، لتركز هجومها على اعدائها او من يقف في طريق نواياها او مصالحها الاقتصادية، تعمل المستحيل لتثبيت مصالحها الاقتصادية في كل مكان في العالم، وضعت صدام حسين هدفا امامها في مطلع التسعينات وانتهت بارسال الشعب العراقي الى المجاعة والموت والدمار، فيما بقي العدو الوهمي صدام في قمة السلطة وبكامل قوته.
     وجهت تهمة الارهاب الى عبدالله اوجلان وشاركت مخابرات دول عدة، منها الاسرائيلية، الامريكية، التركية، الاوربية، ثم اعتقل ويقبع الان في السجون، فلا الحركة الكردية توقفت ولا مطالبة الكرد المشروعة توقفت، واقتصاد تركيا لسوء حظها لا يحسد عليه، حيث انهار الى اسفل الدرك. ولم تقبل اوربا بانضمام تركيا الى السوق الاوربية لحد الان.
     عندما ساد الجمود والركود الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، تحت الضغط الغربي المنظم والمتعدد الاوجه، وبسلوك كل الطرق المختلفة، منها تشكيل المجاميع الدينية وبخاصة الاسلامية، لتحارب تلك الدول التي آلت الى الانهيار او بدء عدّها التنازلي، تورط الاتحاد السوفيتي في تدخله في افغانستان وكانت خطيئته الكبرى التي قصمت ظهره، الذي كان ضعيفا ً في الاساس وخصوصا ً من الناحية الاقتصادية( الاقتصاد هو الاساس ومنه يتفرع علما الاجتماع والسياسة).
     اذن اطلق الغرب العنان للمجاميع الاسلامية، فشجعها وآواها واغدق عليها الاموال، وبذا اجهض اي تطور للحركة الثورية في بلدان الشرق الاوسط وجنوب شرق اسيا وحتى افريقيا.
     توجهت تلك المجموعات الى كل مكان وخصوصا الى الدول المحيطة بحدود الاتحاد السوفيتي الجنوبية ومنها ايران و افغانستان بخاصة، والى حد ما تركيا وباكستان وغيرهما، وتوسعت تلك الحركات وتمددت.
     في بداية التسعينات انهار الاتحاد السوفيتي تحت ثقل ازمته الاقتصادية وبالتالي الاجتماعية- السياسية، وكان وجوده مع المجموعة الاشتراكية وحركات التحرر الوطني وحركة العمال في البلدان الراسمالية، يشكل قطبا آخرا في العالم.
     انهار الاتحاد السوفيتي وانهارت الاشتراكية العالمية، توجهت جماهيرها المستغلة الكادحة الى انتهاج الطرق البديلة، قومية او دينية بشقيها المعتدل والمتطرف، انها تلك الجماهير المقموعة في بلدانها، فكيف السبيل امام هذه الجمهرة الملايينية في بلدان العالم الثالث لا ظهير لها ولا سند ولا أمل فتوجهت نحو التصوف واطلاق اللحى والجهاد والاعمال الانتحارية، هل سمعتم بان احد من سدنة الحكام في اي مكان في العالم او اي منتمي الى مدرستهم الفكرية يفجر نفسة لغاية تحقيق مطامح طبقته؟ الجواب : كلا. المنتحرون هم من الجياع والغلابى ومن ضحايا الاضطهاد، إذن الغرب اوجد او خلق الارضية لهذا التطرف في سياسته الخارجية الخاطئة، والكيل بمكيالين، وازدواجية المعايير، تلك بحق استمرار لسياسته الداخلية، والسياسة الخارجية كما نعلم جيدا، امتداد للسياسة الداخلية.
     انظر الى الشعوب الغربية فهي مسيّرة، وانها اشبه بآلات في مكائن الدولة الهائلة، تعمل عشرات الساعات ولا ترفع راسها لمشاهدة ما يدور حولها، لا يصل ممثليهم الى الحكومة او مراكز القرار، فالحكومة والبرلمان ينشأهما الراسمال، اية طاقة فكرية لا تصل الى سلطة القرار، لان لا احد يعرفه، فهو مغمور ويموت مغموراً.
      هذه الايام ظهر الوجه الاخر للرئيس ففي الفترة السابقة، كان يظهر بمظهر تنقصه الهيبة اللازمة، ولكن هذه الايام دفعته الاحداث الى الصدارة، ويكون صورة طبق الاصل لوالده الذي أخطأ بحق شعبنا العراقي في الحيلولة دون نجاح انتفاضته الباسلة عام 1991.
     ذلك ما اراه هذا اليوم واتصور بالنسبة للنظام العراقي فهو لا زال يمثل مصالح الغرب وسيبقي عليه الى ان تنتهي مصالحهما. على شعبنا ان يعي ما يحدث ويتحفظ في الاستعجال في طرح موقفه، لان ذلك يؤدي الى فنائه، اذا تعصب دينياً وانحاز الى الاعلام السطحي والسياسة المعلنة، دون التمعن بما تحتها من قوة ورهبة ودقة، ففي هذه الحالة سينتهي تماما ً.
* كتب هذا الموضوع بتاريخ 22-9- 2001 بولاية مشيكان.
nabeeldamman@hotmail.com
September 6 , 2011
USA 




62
فصل من كتاب( كردستان ملاذ الاحرار)
نبيل يونس دمان
     قبل ان ينتهي عام 1978 استدعيت وكل زملائي في الدائرة التي اعمل فيها ، من قبل مدير الدائرة المهندس عادل صديق ، اتذكر كيف دخل قبلي المهندس علاء عبد الجبار( من بغداد ) ، لا ادري لماذا شعرت بالميل الى صداقته والثقة به ، منذ تنسيبي للعمل في دهوك ولقائي به في الدائرة وفي مشروع طريق ( دهوك – عمادية ) الذي كان يعمل فيه ، فسالت ذلك الفتى الضعيف الاسمر ، ذو الشعر الطويل المسترسل قليلا ً ، بعد خروجه من غرفة المدير ، عن ماهية الاستجواب  ، فقال " يطلب الانتماء الى حزب البعث " فقلت " وهل وافقت " فاجاب بالنفي ، واسمعني الحجة التي ساقها ، مما شجعني على الدخول الى المدير التركماني الذي وجه الي سؤالاً : ان كنت منتميا الى حزب معارض ، فكانت الاجابة بالنفي ، فطلب مني الانتماء الى حزب السلطة فرفضت ، فقدم لي ورقة لاسجل فيها مبررات امتناعي عن الانتماء الى حزب السلطة ، فسجلت فيها ما نصه ( لا ارغب في العمل السياسي لاني صاحب عائلة كبيرة ). وقد ساعدتني تلك الورقة او ما اطلق عليها في حينها ( التعهد ) ، في استحصال جواز السفر الذي بواسطته استطعت الوصول الى بلغاريا حيث ألتقيت العديد من رفاقي واصدقائي ، وعدت في اوائل 1979 لاواصل عملي الفني في دائرة الطرق ، والى حد ما العمل السياسي بسرية بالغة .
عند استمرار الحملة على الديمقراطيين في مجرى عام 1979 ، ابلغني المهندس الصديق علاء عبد الجبار، بتكرار السؤال عني في نقاط التفتيش الحكومية ، وكان يجيبهم بان المهندس المذكور لا يعرفه ، إذ ربما يعمل في مشاريع طرق نينوى، لابعاد الشبهات عني .
 في تلك الفترة ايضا وفي حدود شهر حزيران ، ابلغني علاء بان له قريبا مطاردا من السلطة ، وسألني ان كان بالامكان ايجاد عمل له في المشروع الذي انا فيه ( عمادية- بالندة – قادرية)، فوافقت على الفور . بعد فترة قصيرة تعرفت عليه ، وكان اسمه عدنان حسين ، شاب اسمر ملوّح بشمس الجنوب ، اسود الشعر ، متوسط الطول ، ممتلئ حيوية ونشاطاً ، متفائل رغم تعقد الظروف وصعوبتها . اصطحبته معي في سيارتي الحكومية بعد صدور امر تعيينه عاملا بأجرة يومية في مشاريع (بالندة )، حيث لم يكن يطلب من العامل بالاجرة اليومية الوثائق المعتادة للتعيين بوظيفة ثابتة. اظن ان علاء اخبرني بانه خاله وقد عاد من الكويت ليبحث عن عمل لان الراتب الحكومي لا يكفيه، فاضطر لترك وظيفته والعمل في الطرق. لكن علاء صارحني بالقول ان عدنان صحفي في جريدة ( طريق الشعب ) التي اغلقتها السلطة لمدة شهر، ثم قررت قيادة الحزب الشيوعي عدم استئناف اصدارها بعد الشهر بسبب تردي العلاقة بين الحزب الشيوعي وحزب البعث.
نسّبت عدنان للعمل مع المهندس البنغلاديشي " ديوان شمس العارفين " المسؤول عن ادامة السيارات والمكائن الثقيلة ، فأخذ يساعده في مسك السجلات وترتيب بطاقات الادامة والصيانة  لمئات الآليات في المشروع .


دمشق في اب 1987
من اليمين عدنان حسين، ريلا دمان، عمرعدنان، هيفاء، لينا، كفاح، نبيل

     أخبرني يوما بنيته ترك المبيت في مخيم المشروع الذي توطدت فيه علاقته مع العمال ذوي المهارة والكفاءة الفنية ، منهم : اللحام محمد الموصلي ، والكهربائي كريم تومي والميكانيكي تيلي علي ، وغيرهم ، والسكن في مجمع (شيلادزي) القريب لاصطحاب عائلته ، وهكذا سكن في المجمع ، وكنت دائما أزوره في اماكن متفرقة من خطوط العمل  لتبادل الاخبار والتكلم بالسياسة .
في 29- 6- 1979 خطبت فتاة ( زوجتي الحالية ) من سكنة مدينة الموصل ، وسمع عدنان بالخبر الذي سرّه ، وقرر زيارتي في بيتنا للتنهئة في احدى عطل نهاية الاسبوع ، وبصحبته الامرأة التي تسكن معه ، فباتوا عندنا ليلتين ، قبل ان يرجعوا الى شيلادزي .
بعد مدة ابلغني عدنان بانه وجد طريقاً الى خارج الوطن ، وهكذا ترك العمل دون اخبار احد غيري ، فودعته بحرارة ، وفي الايام اللاحقة اصدرنا امراً بفصله من المشروع .
 بعد سنوات تركت العراق بدوري ، وكم كانت مفاجأتي وفرحي في آن ، ان التقي به في دمشق عام 1983 ، ثم ثانية في دمشق وهذه المرة مع عائلته وولده عمر وابنته فرح في عام 1987 ، واخر لقاء معه كان في برلين عام 1990 في مؤتمر رابطة المثقفين الديمقراطيين العراقيين واسبوع الثقافة الديمقراطية العراقية اللذين عقدا في دار ثقافات العالم.
 

لازالت اتصالاتي معه مستمرة ، فقد انتقل مع عائلته الى لندن وعمل محررا ومدير تحرير في جريدة (الشرق الاوسط ) التي تصدر هناك، ثم تركها في عام 2006 وانتقل في العام التالي الى الكويت ليكون مدير تحرير صحيفة (أوان) اليومية حتى العام 2010.. اما الآن فيكتب عمودا يوميا في صحيفة (المدى) التي تصدر في بغداد، واصبح اخيرا نائبا لرئيس تحريرها، عائدا الى المدينة التي تركها في عام1979 ليعمل عاملا معي متخفيا قبل ان يجد طريقه الى لبنان عابرا الحدود العراقية السورية سرا وكذلك الحدود السورية اللبنانية حيث استقر اكثر من سنتين في بيروت ملتحقا بالعشرات من رفاقه ورفيقاته الشيوعيين الذين كانت العاصمة اللبنانية احد مراكز تجمعهم في المنفى حتى انسحاب المقاومة الفلسطينية من لبنان في ايلول 1982 اثر الاجتياح الاسرائيلي للبنان.
nabeeldamman@hotmail.com
August 28 , 2011
USA 


63
افق من رقادك ايها البطل توما توماس

     كانت فرحتي يوم امس كبيرة، وانا اشاهد المنتزه الذي افتتح في 14 تموز الماضي، بحضور حاشد من المواطنين، وفي مقدمتهم الاستاذ حميد مجيد موسى، والمطران ميخائيل مقدسي، والقائمقام باسم بلو، ومدير الناحية فائز جهوري، والنصير البطل صباح توماس.
 

     الصور جميلة حقا وتبعث على الزهو والسرور، كم كانت المناظر واللقطات بهيجة، ان تستمتع العوائل بهذا الصرح الحضاري الذي طال انتظاره، ممتنون للاقدار اننا عشنا وشفنا وراينا تمثال البطل شامخا منتصبا في بلدة ابائنا ومصدر قوتنا الممتد تاريخها الى نينوى العظمى التي تشكل قلعة من قلاعها الصامدة.
 

     عندما عشنا مع ابي جوزيف في اوائل الثمانينات في اعالي جبال الوطن، كان يشرق وجهه برؤية الاطفال الصغار، لن انسى مداعبته لابنتي الصغيرة لينا وكيف كان يضحك وتدمع عيناه فيمسح دموعه بيشماغ الثوار، اتخيل لو شاهد اليوم الصور المنشورة عن ليالي المنتزه وحركة الاطفال وكركراتهم وجريهم تحت الاضواء الجميلة الملونة، وحول النافورة التي تتكسر الالوان على مياهها الفوارة، وكأن الاطفال ملوك الارض وورثتها، اقول لو قدر  له ان ينهض من رقدته الابدية، لاحتضنهم وفرح معهم ولعبر عن اعتزازه بما انجزه الخيرين في بلدته باقامة النصب وتشييد المنتزه، بقيادة الفصيل الثوري الذي شهدته ايام زيارتي للبلدة وكانه خلية من النحل يعمل بهدوء وتواضع من اجل خدمة البلدة والانسان فيها وفي كل مكان، فشكرا لهم جميعا والى مناسبات اخرى تقام فيها الاحتفالات الوطنية والحفلات الغنائية، والى مناسبات توضع اكاليل الورود على النصب الرائع الذي بعون الشباب وكل المخلصين سيصمد بوجه عاديات الزمن، وحتى تعود الحياة الى طبيعتها ويرتقي وطننا الى العلو والسمو، فترجع روح الحضارة التي غادرته مؤقتا.
قبل عام وتحديدا في 23- اب- 2010 كتبت ما يلي:
عندما ينتصب تمثال الراحل، وتستوي الارض وتورق وتزهر بكل ما أوتي واضعوا ومنفذوا الفكرة من ابداعات ومباهج وتحف تدخل البهجة والافتخار بذكرى رجل عاش بيننا وضحى بكل شيء من اجلنا، الجميع مدعوون للاسهام في دعم هذا المشروع، وكل من احب الرجل وسلك دربه في وقت من الاوقات، وفاء له ولافكاره القويمة. على فناني شعبنا الاسهام بافكارهم الفنية، وعلى مهندسي التصميم، واخصائيي التربة والزراعة، وعلى المناضلين حملة راية توما توماس( وطن حر وشعب سعيد) ان لا يبخلوا بمقترحاتهم، وحصيلة خبراتهم، ليتحول المكان الى حديقة غناء، ومكان يلتقي فيه قدامى الانصار والعوائل والطلبة والشباب والعمال والمزارعون، وكل زائر يقصد البلدة التاريخية العريقة. اهيب بكل احزاب ونوادي ومنظمات القوش المختلفة ان تشترك جميعها في انجاح المشروع الذي في اساسه نقلة نوعية للبلدة التي اهملت طويلاً، وهي آهلة بالغر النشامى من ابنائها، تضرب جذورها عميقا في التاريخ، والتي ينتظرها مستقبل مجيد كالامجاد التي سطرها توما توماس وغيره من شجعان البلدة وعلى مر العصور من علمانيين ومؤمنين، ومن رجال الدين ينتظر دورهم في إنجاح المشروع، وليتذكروا باستمرار ان توما توماس كان يجلهم ولا يتفوه الا بعقلانية واحترام عندما يجري الحديث عنهم.
اسرحو وامرحو ا يا اطفال الشمس، اطفال القوش والقرى المحيطة بها، في منتزه عمكم توما توماس الذي امضى حياته في النضال من اجلكم ومن اجل سعادتم وحرية وطنكم.
خورْ بألقش ديلَه قامُخ                  وبطورَه دويوا بوسامُخ
توما مْپرتِخ صَنامــُــخ                  وطون تَفِكتُخ وقَلامــُــخ

nabeeldamman@hotmail.com
August 29, 2011
USA 



64
جواب على رسالة حبيب تومي
نبيل يونس دمان
قال شاعر تركيا الخالد ناظم حكمت:
 ( لم تحولني الريح الى ورقة في مهبّها لقد سقت الريح امامي).
لدى مشاهدتي صور موضوعي في الرسالة الالكترونية، قلت انه اكتشاف خطير يضاهي اكتشافات البرتغاليين والاسبان للقارة الامريكية، انه موضوعي في الاساس الذي لي الحرية والحق في تغيير عنوانه وفقراته في اي وقت اشاء.
عندما نشرت مادتي في مجلة الكلمة عام 2000 لم يكن الانترنيت انذاك معروفا، فجاءت صيغة العنوان توفيقية، وفي داخلي شعور بمضمون الكلمة الكنسي وليس بمدلولها القومي، اذ ربما تطلب ذلك من اجل نشرها حيث كثير من المواد كانت لا تنشر انذاك، وعندما طبعت كتابي عام 2001 وعنوانه( الرئاسة في بلدة القوش) اعدت الصياغة كما في الصورة ادناه( ص 60) :
 

اين كان حبيب تومي كل هذه الفترة من عام 2001 الى 2011 ؟
  اما حديثي عن مجازر الارمن والاشوريين فقد غير الكلمة الاخيرة الى الكلدان رئيس تحرير مجلة الكلمة المرحوم حنا قلابات لسبب لا اعرفه، لم اعره الاهتمام، ولم اسال حنا قلابات عن السبب رغم جلساتي المتواصلة معه في السنين الاخيرة، الى القراء هذا الجزء من المسودة التي احتفظ بها في اوراقي( انظر السطر الاخير):



الى القراء ايضا نص الموضوع المنشور في جريدة المغترب / كندا في ايلول 2000 وفي طياته تجد ( مجازر الارمن والاشوريين):
 

في عام 1998 شكلنا لجنة( جمعية) مار ميخا الخيرية والتي انبثق منها فرع في سان دييغو:


جاء حبيب تومي للمؤتمر الكلداني في ساندييغو وادرج اسم الجمعية كما يلي:
بصراحة مع الأنتقادات المبكرة للمؤتمر الكلداني
بقلم حبيب تومي / سان دييكو
الجمعية الكلدانية الأمريكية ، وثانياً جمعية سيدات الأمل الكلدانية وثالثاً جمعية ماركوركيس الكلدانية ورابعاً جمعية مار ميخا الكلدانية وخامساً جمعية مار اوراها الكلدانية وسادساً جمعية الطلبة الكلدان وسابعاً جمعية فرسان كولومبس الكلدانية وثامناً جمعية الشباب الكلداني وتاسعاً جمعية اسد بابل الكلدانية وعاشراً الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان فرع سان دييكو

هل يمكن تغيير الاسم من جمعية مار ميخا الخيرية الى جمعية مار ميخا الكلدانية؟ اترك المسالة للقارئ.
انا مقل في الكتابة والكثير من الاصدقاء يطالبونني بالاكثار، ولكن ما باليد حيله، فقد شدني العمل لساعات طويلة من اجل دفع امور العيش، وحتى لا يتهمني احد بالارتزاق، كون هذه التهمة الرخيصة تلصق بهذا او ذاك جزافا. لو كان لدي الوقت الذي عند صاحبي حبيب تومي لجلست اناقشه في كل صغيرة وكبيرة، وكم من الهفوات والافتراءات والمزايدات والاكاذيب يقع فيها كتاب الانترنيت وادعها تمر على مضض وانصرف فيما تبقى من فراغي الى مشاريع اكثر فائدة بالكتابة المطولة عن موضوع تراثي يكون جزء من كتب انوي نشرها في الوقت المناسب، بهذا الكلام الاخير ليعذرني ليس منتقدي بل احبائي واصدقائي من عدم توفر الوقت للردود ولكن لا تفوتني شاردة ولا واردة مما يكتب في الانترنيت، واني لهم في الدفاع عن مواقفي والزمن فاصل بيننا.
nabeeldamman@hotmail.com
August, 28, 2011
USA 





65
قصة اول مغترب للقارة الامريكية
نبيل يونس دمان

     في عام 1895 وصل شاب بيث نهريني عن طريق البحر الى مقاطعة ساسك في كندا. انه صادق ميخا دمان المولود بتاريخ 28- 12- 1876 في القوش التي تبعد عن نينوى مسافة 30 ميلاً تقريباً. كانت ولادته في بيت له اعتبار في ذلك الزمان من حكم الدولة العثمانية. ففي عام 1882 انتخب والده ميخا رئيساً للبلدة وحتى عام 1984، وانتخب دورة اخرى للفترة 1894- 1897، وسط منافسة حرة بين المرشحين، كان بيتهم في مركز القوش في المحلة القديمة( اودو). وامام بوابته الرخامية التي تعلوها كتابة ارامية والزخارف الجميلة ذات دلالة، طاقاً( قنطرة) يسامر على مقعديه الحجريين كبار القوم، وفوقه يقع ديوان يعجّ بالضيوف طوال ايام السنة، وبجانبه غرفة( كوجك) لسقاة القهوة والخدم.
     في ذلك الديوان، حدث للشاب صادق الملقب( عمّة) خلاف بسيط مع والده، مما حدا بالاخير الى صفعه. ولشدة حساسيته خرج من الديوان منزعجا، وتزود بزاد الطريق، ثم ترك البيت متخذاً وجهة الجبل طريقه، سار على قدميه من قرية الى اخرى وتوغل في الاراضي التركية ومن ثم الايرانية، وكان في كل مكان يحط فيه موضع حفاوة وتقدير، وذلك للمكانة التي كان يشغلها والده بين العشائر.
     استقر به المطاف في مدينة اورمية- ايران التي كانت في مطلع التسعينات من القرن التاسع عشر، مركزاً مهماً، ففيها القنصليات الغربية، والبعثات التبشيرية، والمدارس بشتى اللغات، يدير ابرشيتها المطران الشهيد توما اودو( 1855- 1918) عمل هناك معلما للغة الارامية، واصبح مقربا من قنصل بريطانيا لنباهته وذكائه، وبعد فترة زمنية شاءت الظروف ان يترك عمّهْ اورمية ميمماً شطر العالم الجديد، فرست سفينته في مدينة مورتلاك من مقاطعة ساسك الكندية.
     يقال ان اول مغترب كان زيا عطايا من تلكيف عام 1897، والذي عاد الى بغداد وفتح اول فندق حديث فيها عام 1921، ولكن عمّهْ قد سبقه بسنتين، وللاسف لم يرد اسمه في كتاب( تاريخ الجالية) للشماس شمعون دابش لسبب اجهله، وحتى في موضوع الجالية الكلدانية في ادنة- تركيا سنة 1900- 1914، لم يرد اسم لالقوشي او غيره، على الاقل كان يجب ذكر راعي الكنيسة الكلدانية الاب اسطيفان مكسابو. ولكن السيد نجيب كرمو الطيب الذكر، حدثني عن والد زوجته طوبيا القس كوركيس، وكيف ارتبط بصداقة مع عمّهْ في ممارسة العمل الزراعي في ريف كندا، واستطاع بهمته ونشاطه ان يصبح من الميسورين. بعد ان استتبت اموره واستقر هناك، اقدم على الزواج من فتاة اسمها صوفيا( 1889- 1971) من اورمية، وذلك في سنة 1910، واصبح له من الاولاد اربعة بنات وولد وهم: فرانسيز( 1913- 2001)- أنّي( 1918- 2001)- سوزان- ايفا، وعزت( 1915- 1967).
     لقد نهل عمّهْ ادب اللغة الارامية من منبعها الصافي في مدرسة مار ميخا النوهدري في بلدته، واصبح ضليعا فيها، وكان له خط رشيق وواضح. ارتبط بشبكة من المراسلات البريدية مع وجهاء القوش من معلمين، رهبان، قساوسة، وغيرهم، ومن جملة من راسلهم: الخوري يوسف كادو( 1892- 1971) والقس فرنسيس حداد( 1890- 1942) والمعلم يوسف رئيس( 1890- 1968) صاحب قصيدة رثاء اطفال تلكيف الغرقى عام 1949، كانت له ذاكرة عجيبة في تذكر اصدقائه وحتى من بلدات مجاورة، اتذكر في احدى رسائله كان يسأل عن صديق له من قرية معلثايا( مالطة) قرب دهوك، وكذلك كان يسال عن الفتيات الجميلات اللواتي عاصرنه مثل سري( ترّا) رئيس، واستير ايشوع بانو( بالمناسبة كنت محتفظا ببعض رسائله في بيتي بالوطن الحبيب).
     كان يراسل ايضا الشماس الخطاط بولص هرمز قاشا( 1892- 1969) والذي بدوره كتب قصة يوسف مصرايا في كتاب مجلد تجليداً جيدا، وبخط ارامي رائع وجذاب، وذلك في سنة 1955 في الدير العلوي( الربان هرمزد) وفي اخر صفحة من الكتاب ذيل الاهداء الى السيد صادق دمان، ادناه مستنسخ للصفحتين الاولى والاخيرة للكتاب الذي بحوزتي:


     كثّر من مراسلاته لاهله خصوصا بعد عام 1940، حيث بلغه نبا مقتل شقيقه الاصغر ياقو( 1885- 1940) مع ابن عمه صادق هرمز دمان، على ايدي قطاع طرق من قرية كاني كلان خلف جبل القوش، وابدى تعاطفه مع ايتام اخيه. جدّ في طلبهم ومنهم والدي يونس الذي كان في مقتبل العمر آنذاك، وخطط ان يتم ايصاله الى مارسيليا ومنها الى كندا، ولكن والدته شمي كولا( 1906- 2001) التي كانت تشغل منزلة خاصة عند اولادها، رفضت ذلك الطلب خوف ضياعه في الغربة. حدث الشيء نفسه مع ابن اخيه الاخر هرمز يوسف دمان حيث تهيأ للسفر من الموصل، وفي آخر لحظة لحق به اخيه رحيم وارجعه الى البيت، وبقي هرمز بدون زواج حتى وفاته عام 1980.


صادق ميخا دمان في شبابه
كندا- 1910
      يروي السيد موسى حنا كتو انه كان مجندا فترة الحرب العالمية الثانية في ايران، وحدث ان اصغت اليهم وهم مجموعة من الاصدقاء في الليفي، ضابطة من ضباط الجيش الامريكي، استفسرت عن قراهم، ومن ذكر اسم القوش، هتفت وقالت انها بلدة ابي صادق ميخا دمان، فسرّ الحضور بذلك، وطلبت منهم بالحاح ابلاغ تحياتها الى اعمامها وانها تشتاق كثيرا لزيارتهم. روى ذلك الطيب الذكر عندما سرح عائدا الى بلدته، غداة وضع الحرب الكونية اوزارها.
    في بيروت راسل عمّهْ شخصا صديقا اسمه باسو مخّي( كرّا) وهو بدوره خرج من القوش الى آدنة عام 1909 مع مجاميع اخرى من الشباب بسبب الجوع والعوز والتطلع الى ظروف افضل، كما يحدث في ايامنا هذه، حيث يتواصل سيل الهجرة كل يوم محدثا شرخا ديموغرافيا في ارض وادي الرافدين. وعند حصول مجازر الارمن والاشوريين عام 1914، استطاع الافلات من الموت والوصول الى بيروت، فعاش فيها حتى مماته. وفي اوائل الستينات هاجر ابنه ميشيل الى اميركا، وتركزت مراسلات الوالد والولد في تلك الفترة على قيام الاخير بزيارة الى عائلة عمّهْ في كندا، وهكذا وقعت الزيارة عام 1965، وروى لي تفاصيلها الاخ ميشيل الذي يعيش حاليا في مشيكان. كانت رغبة والده ان تتم قسمة زواجه من احدى بنات عمّهْ، ولكن القدر لم يشأ ان يتم ذلك، فعاد الى اميركا وتزوج لاحقا من احدى الفتيات اللبنانيات.
     في 4- أب 1967 وقع لتلك العائلة ما يؤسف له، حيث مات ولده الوحيد عزت في حادث اصطدام، وترك ذلك اثره البالغ على والده المسن، فخارت قواه واستسلم لليأس، وبتاريخ 25 نيسان 1969 لبى نداء ربه، مطويا سنواته التي تجاوزت التسعين والحافلة بالمغامرة. بعدها ضاعت العائلة واختفى الاسم، رغم محاولاته المستميتة من اجل استقدام احد ابناء عمومته ليصبح صهره ويرث امواله التي قيل عنها الكثير.
     في مخابرتي عام 1998 لاحد رواد الجالية المدعو عزيز نيجر( نجار) وله في اميركا انذاك 75 سنة، ذكر لي ان السيد دمان كان غنيا ومعروفا، سمع عنه الكثير ولكنه لم يلتق به. وحدثني الشيء نفسه رائد اخر لا زال يعيش بيننا واسمه جو نيجر، واختتم كلامه بانشاد مقاطع من نشيد تركي كان يؤديه طلبة تلكيف قبل جلاء العثمانيين عن ولاية الموصل عام 1918.
     تظل الصورة التي نقلتها عن اقدم مغترب الى القارة الامريكية غير كاملة تنتظر من يسد ثغراتها ويوسع فيها. وفي الختام اشكر كل من له الفضل في رفدي ببعض المعلومات ومنهم: ميشيل كرا، الشماس حنا شيشا كولا، وديع وكريم ويونس دمان ، والكاتب أدمون سلو لاسو الذي يعيش في بلدة الاباء والاجداد. والى تلك البلدة الحبيبة تحيات المحبة، ولثمة على ثغرها، ثراهان احجارها، مراقد قديسيها وشهدائها.
ملاحظة: ارحب بكل الملاحظات والتعقيبات سواء في المواقع الالكترونية او على ايميلي المثبت على الدوام، وكذلك لكل من له معلوات عن احفاد العم صادق دمان، من خلال الاسماء والصور( لدي صور اخرى اضافية).

 
من اليمين صوقيا مع ابنتها وحفيدتها             ايفا صادق دمان وابنتها سواني                  صادق ميخا دمان مع حفيدته سوانّي
سبتمبر 1953                 


     
العم صادق دمان مع بناته وحفيدته في مطبخ بيتهم                        العم صادق مع زوجته صوفيا بمناسبة عيد زواجهم الذهبي
في مورتلاك بكندا  سبتمبر 1960                         



الواقفون من اليسار باركلي( عزت) صادق دمان- سوزان صادق دمان-  رود( زوج ايفا دمان)- ايفا دمان- اني( حنّي) دمان-
الجالسون من اليسار صادق ميخا دمان- زوجته صوفيا- الحفيدة سواني- فرانسيز. مورتلاك- ساسكاجوان بكندا في ايلول 1960


                  
من الييسار بالبدلة البيضاء ماري- سوزان صادق دمان- سواني
بورتلاند 1975

 
مورتلاك- ساسك- كندا 1963
صوفيا س. م. دمان مع حفيدتها ماري جوستر
 

 
كانون اول 1982 هاف وي-  اوريغون
ادريانا ماري هاكا- ابنة حفيدة صادق وصوفيا دمان


     
في ذكرى المحب صادق دمان 
خدمات مرقد القديس اندرو جابيل-  موسي جو-  ساسك-  كندا
nabeeldamman@hotmail.com
August, 20, 2011
USA 



66
جولي اسرائيل دمان تغادر كوكبنا الى جنات الخلود

     يا لها من حياة زائلة، تغري البشر بالطرب، والغناء، والغرور، والغطرسة، ولكن الهاجس الاكبر الذي يلازمه هو الموت الذي لا مرد منه، يداهم من يشاء ومتى شاء، لا سلطان عليه ابدا.
     حياة قصيرة يحياها الانسان على هذه الفانية التي صدق من وصفها بانها مرتع الشقاء، فلا احد يقتنع بحاله ولا احد يصل الى الكمال، تلك مقدمة لادخل في صلب موضوع آلمني في رحيل ابنة العم جولي اسرائيل ميا بولا دمان، تلك المخلوقة التي لم تسعد في حياتها بل عاشت في قهر وضيم ، اقترنت بمخلوق من اقاربها لم يهتم بها، ولا بابنتها التي ولدت لهما.
     جولي اسرائيل دمان  جاءت الى هذه الدنيا في القوش بلدة ابائها واجدادها، واليوم تغادرنا والى الابد بعد ان امسك بها مرض( كرهانه) العصر ولم يتركها تفلت من مخالبه، تاركا اقربائها وفي المقدمة اخوانها واخواتها في حيرة من امرهم، والكل ينصب اهتمامه على ابنتها التي اصبحت شبه يتيمة، اتمنى في هذه المصيبة الفادحة ان تحظ تلك المخلوقة البائسة التي خلفت امها الراحلة بالرعاية اللازمة من ذوي الضمائر الحية، حتى تشق طريقها الصعب في خضم الحياة التي مهما سعد الانسان وفرح وتفائل وحصل على مبتغاه، لن يوقف مصيره الحتمي وسيره الحثيث نحو الموت في خاتمة المطاف.
     يقول الشاعر بدر شاكر السياب:
ماتت كمن ماتوا قبلها، وواراها لما وارى سواها: واسترجعت كفاه من يدها المحطمة الدفينه ما كان اعطاها... وتظل انوار المدينة وهي تلمع من بعيدٍ، ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد ِ متعثر الخطوات.
نبيل يونس دمان
2011-08-12


67
المنبر الحر / احداث 1963 السوداء*
« في: 14:22 24/07/2011  »
احداث 1963 السوداء*
نبيل يونس دمان

     إنقلبت افراح الناس في السنوات الخمسة لثورة 14 تموز 1958 الى مآسي وأحزان في شباط 1963، وقد شمل ذلك العراق باسره ومنها بلدتي القوش التي تقع شمال مدينة الموصل. اعتقل معظم معلمي المدارس وبعض الطلبة وعدد من الفلاحين وسائقي السيارات والكسبة، وسيقوا الى السجون واقبية الاستجواب والتعذيب في الموصل وكركوك. عندما هَمّوا بإعتقال معلم الرياضيات عبد جمعة، اعطى مدير المدرسة يعقوب شكوانا اشارة له بالهرب، وهكذا عبر اسطح المنازل توارى عن الانظار والتحق بفصائل المقاومة المشكلة حديثاً، فيما نقل مدير المدرسة إدارياً الى ناحية البعاج على الحدود العراقية- السورية.
      في احد الايام توجهت السيارات المسلحة الى مدرسة العزة في القصبة لإعتقال بعض المعلمين وكان احد السواق واسمه بحو پولا( حنكَلّو) متوجهاً الى سوق البلدة فأعترضته والدتي قائلة" ارجع الى بيتك، وفوت الفرصة عليهم" فأجابها بأنهم سفلة ولا يأبه بما ينتظره ،فواصل مشواره ليجد نفسه مكبلاً فوق واحدة من السيارات المسلحة، وليمضي فترة في السجن المكتظ بالمئات دون مسوغ قانونية او محاكمات اصولية.
      صعد الكثير من الناس بسلاحهم الى الجبل وكان وادي الدير العلوي و"بسقين"  اماكن تجمعهم، منهم العمال  والفلاحين والطلبة والمعلمين وبعض النساء اتذكر منهم ساره لازو( زوجة يوسف ككا)، ماري( من عنكاوا) وسعيدة اسرائيل تومكا، وقد شمل ذلك التجمع مختلف قوميات الشعب الهاربين من سطوة الارهاب  في شتى انحاء العراق.
      شنت الحملة المسلحة الاولى على ألقوش في حزيران 1963 بقيادة زعيم خليل ومجموعة من المرتزقة بقيادة  احد امراء الايزيدية المدعو" معاوية اسماعيل جول" الذي اشتهر بالسكر والعربدة، فجاء هؤلاء المأجورين بسلاحهم وعصيهم ليجوبوا ازقة البلدة ويجمعوا عشرات الرجال خصوصاً من اصحاب الدكاكين والمارة وبشكل عشوائي ، فسيقوا جميعاً الى الساحة المقابلة لمركز الشرطة " قشلة" ، وشرعوا في تعذيبهم والتنكيل بهم.
     اتذكر كيف عُذِب جاري الطيب غريبو جبو حيدو الى درجة سحقت علبة سجائره المعدنية في جيبه، وكذلك عُذب اخوه ابراهيم بقسوة وهو في الطريق الى مزرعته فآوته احدى الاسر الطيبة لتلف جسده بجلود الاغنام من اجل امتصاص الكدمات التي سببها ضربه المبرح. ايضاً عذب صاحب محطة الوقود الياس جيقا، وصاحب الدكان يلدا بوداغ( تكرر ضربه مرتين) وغيرهم كثيرون، ثم اعتقل بعض الاهالي وعاد المرتزقة عصراً الى الموصل. كان لتلك الحملة أثرها في تزايد نقمة الناس على الحكومة، وفي نفس الوقت تتوارد الاخبار عن مئات الاعتقالات لابناء البلدة في بغداد والبصرة وكركوك وغيرها، واودع بعضهم في سجن" نقرة السلمان"  الصحراوي ويقال ان اصغر سجين فيه آنذاك كان من القوش واسمه عزيز اسطيفانا( 17 عام) وكذلك كان عدد من ابنائها ضيوفاً على قطار الموت في تموز 1963 وفي مقدمتهم المقاوم الصلب سليمان يوسف بوكا، والحاكم ابراهيم يوسف عبيا، وقبل ذلك ابلغت والدة العريف الشهيد توما ياقو ابونا عند باب السجن في بغداد بان ابنها اعدم ولم تسلم جثته فقفلت راجعة الى البلدة الصابرة وهي تحمل ملابسه، تولول، تبكي، وتملأ الدنيا صراخاً.
      في  يوم الاحد المصادف 7 / تموز / 1963 توجهت الحملة العسكرية الثانية والمؤلفة من الجيش والمرتزقة ليلاً  وعندما شاهد الناس قدومها على طريق الموصل اخبر بعضها البعض بسرعة لترك البلدة  والصعود الى الجبل، هكذا ترك الرجال بيوتهم بسلاح او بدونه، ولكن الحملة تركزت اساساً على الجبل ولم تتعرض للمدينة التي لم يبق فيها غير النساء والاطفال. انتشرت تلك القوة متسلقةً الجبل  وحصل التقدم من مختلف المحاور.
     عاش الناس في ذلك اليوم في قلق وترقب حيث لا حول لهم ولا قوة، اذكر عندما طرق الجحوش **  باب بيتنا طلبا للماء، شرعت جدتي شمّي تناولهم الماء من سطح منخفض دون ان تفتح لهم الباب لعدم الثقة بهم، وعندما سألها احدهم عن موقع دير الربان هرمزد، اشارت الى اتجاه مغاير لان قلبها كان يخفق خوفاً على اولادها الثلاثة الذين غادروا البيت فجراً الى ذلك الوادي.
      حدثت مناوشات وصدامات محدودة خلف الجبل وشارك فيها قائد الانصار توما توماس ،اتذكر عندما طرق باب بيتنا ثانية والقلق يلفنا من عودة الجحوش، ظهر الطارق انه احد اقربائنا القادم من بغداد، وقد حدثنا عن حجزه لعدة ساعات في المعسكر المخيم جنوب البلدة وكيفية مشاهدته لعدد من قتلى الجانب الحكومي فوق سيارة عسكرية. بعد ظهر ذلك اليوم سحلت جثتان من الجبل ورميتا على قارعة الطريق الرئيسي المحاذي لتل المقابر، هرع الناس للتعرف عليهم وانا ايضا بصحبة والدتي. لم يستطع احد تمييزهم نتيجه تغير ملامحهم من السحل والركل وكثرة ثقوب الرصاص في اجسادهم. واخيراً ظهر انهم الشهداء بطرس هرمز جركو الطالب في ثانوية القوش، وكوريال اوراها( معلم من قرية تلسقف) وكان الاخير متزوجاً وزوجته حامل  فولدت توأماً سمتهما بطرس وكوريال ! .
     دفن الشهيدان في مقبرة الغرباء عند ضريح مار شمعون من قبل البلدية، وبعد فترة استتب الوضع نسبياً فشيعوا في احتفال مهيب حضره مئات من الناس الى مثواهم الاخير في الدير العلوي، وقد ألقيت كلمات واشعار مؤثرة تلتها زخات من الرصاص، واليوم تجد قبورهم بجانب ثلاثة شهداء آخرين في اجمل مكان على مقربة من مجمع دير الربان هرمـزد.
      في حملة الاحد تلك، اصيب بطرس سليمان ﮔولا الذي لازال معوقاً من قبل الطائرات التي كانت تقصف الجبل، وقد حمله والدي على ظهره من موقع الاصابة بين الصخور الى الدير وبمساعدة نجيب عيسى كولا، وتمت معالجته على يد حنا زلفا الذي كان يمارس الجراحة والتضميد. وقبل مغيب الشمس انسحبت القوات المعتدية من الجبل، ونحن على سطوح المنازل  نراقب انسحاب تلك الكتل البشرية من الجبل والتي ولّت صوب الموصل. وتبين لاحقاً بان هؤلاء الجبناء اطلقوا النار على راعي الاغنام الشاب كريم يلدا ارمنايا الذي كان في موقع الدفاع  فأردوه قتيلاً.
      بعد يومين فقط اي الثلاثاء 9/ 7/ 1963 شنت السلطة حملة اخرى على البلدة من قبل الحرس القومي الذي فتك بالناس العزل في اكثر مناطق العراق. عانى الناس بشدة  من نتائج يوم الاحد الدامي، ولهذا آثرت ان تبقى في داخل بيوتها عندما لاحت سيارات الحرس القومي في صباح ذلك النهار التموزي على الشارع الرئيسي، ومن المعلوم محلياً بان الحي القديم المتاخم للجبل يضم العديد من المغاور الصخرية العميقة والتي استغلها الناس فدخلوا في دهاليزها وظلامها الشديد ومنهم كاتب هذه السطور وكنت في الحادية عشرة من عمري ، تكدس الرجال والاطفال في تلك الاقبية الوخمة لساعات طويلة من النهار دون ان يعرفوا ماذا يحصل في البلدة، دون طعام، فقط كان البعض يدخن سكائره خلسة وبحذ، ويأتيهم صوت الرصاص بشكل متواصل من رشاشات الحرس القومي التي غالبيتها مصرية الصنع من نوع بورسعيد.
      في تلك الاثناء حاول الحرس اقتحام سردابنا الذي فيه اكثر من خمسين شخصاً، وتدخلت صاحبة المنزل حبي ميخا جهوري والتي كانت تقف في فناء البيت بلغة عربية ركيكة جداً مصحوبة باشارات من اليدين، ودار بينها وبين احد افراد الحرس المدجج بالسلاح والمستعد للاطلاق في اية لحظة الحديث التالي:
+  اين رجل المنزل؟
-  سنجار!
+  وماذا يفعل في سنجار؟
( بحركة من يديها  تشبه العزف الموسيقي وهي تصطنع الابتسام، فينفعل الحرس .....) ثم تنطق كلمة  ندّاف التي كانت فعلا مهنة زوجها.
+  هل يوجد رجال داخل المنزل؟
-  لاء!
+  نريد نتأكد.
-  روحو!
+  لكنه ظلام.
-  ( باشارة من يدها) بمعنى ماذا افعل؟
+  جيبي فانوس( وسيلة الاضاءة الوحيدة في البيت) بسرعة.
-  نعم ( تأتي بفانوس ويدها على قلبها هلعاً على زوجها واولادها وعلى باقي الرجال) .
+  اشعلينوا !!
-   ( وتلتمع في راسها فكرة في ذلك الجو المرعب وتنفذها حالاً، وذلك بخفض فتيلة الفانوس الى ادنى حد ممكن فتسقط في داخل خزان الوقود، بعدها تحاول عبثاً إشعاله بعيدان الكبريت).
+  (بهستيريا ) جيبيه انا أشعلوا!!
     ومهما حاول لم يستطع اشعال الفانوس، فضربه بمقدمة حذائه وهو يتفوه بالشتائم، ثم اطلق عدة اطلاقات في الهواء قبل ان ينصرف فتسلم المجموعة بأكملها. بقي الرجال في تلك السراديب حتى العصر، هنا انسحب الحرس القومي من البلدة عائداً الى الموصل وقد وصلت بشائر النساء الى الجميع بالخروج بعد زوال الأخطار.
     حين خرج المختفون لم يتم التعرف عليهم بسهولة بسبب تغير هيئاتهم وكأنهم في حفلة تنكرية! فقد اصبحت ملابسهم، اجسادهم، ووجوههم سوداء! بمادة الكاربون( السُخام) المتراكمة لعشرات السنين، ربما لم تستخدم تلك السراديب الا في أهوال مماثلة في السفر برلك عام 1914. عندما خرج الاطفال من الظلام الى الضياء المتدفق فجأة على اعينهم، لم يستطيعوا فتحها بسهولة الا بعد برهة من الزمن.
      ومن الجرائم التي اقترفها الحرس القومي في ذلك النهار، هو قتل رجلين مسنين، احدهما اسمه ياقو هرمز قيا في عقر داره والثاني  واسمه بولس هرمز اوسطايا وكان شديد التدين جاثياً على ركبتيه بيده مسبحة الصلاة عندما سقط مضرجاً بدمائه. وكذلك جرح حبيب نيسان جراء اطلاق النار عليه، حالما أوصد باب بيته ليمنع دخول الحرس القومي. اما من جانب الانصار فقد حاولوا التقدم للدفاع عن القوش لكنهم اصطدموا مع قوة متقدمة من عين سفني فجرت معارك بينهم استمرت حتى المساء ، فقتل العديد من افراد القوة فيما استشهد من الانصار سعيد شمو من قرية دوغات وجرح علي خليل من دوغات ومحمد خالد( والد صديقي د.عصمت رئيس جامعة دهوك حالياً).
    بعد انتهاء حملة الثلاثاء اخذ الناس يتركون دورهم وبلدتهم ، فقسمٌ ذهب الى القرى الايزيدية وقسمٌ الى دير الربان هرمزد وآخر تسلل في خلسة وخطر الموت قاب قوسين او ادنى الى الموصل وبغداد، اما القسم الاعظم الذي بقي فقد اصبح تحت طائلة الارهاب المسلط من مأمور المركز السيئ الصيت" ابو خالد" . وهكذا صار يعتقل الاهالي ويعذبهم ويهدد الآخرين ويضرم النار بمتاع الذي كان يشك بولائهم للسلطة وتكررت تلك الافعال التي لا  تعد ولا تحصى لسنوات عديدة.
     في شهر آب 1963 جابهت قوة انصار صغيرة مع سيارة شرطة مسلحة قرب قرية بيبان، وكانت النتيجة أليمة، حيث استشهد احد الانصار ووقع الثاني وهو حميد الياس حنو جريحاً ثم أسِر من قبل الشرطة. نقل الجريح الى المعتقل في الموصل وتعرض للتعذيب الشديد ثم تقرر اعدامه، فنصبت مشنقة له مقابل كنيسة المار قرداغ جنوب البلدة. توجهت سيارات الحرس القومي بقيادة المجرم سالم حمدون ومعهم الشاب حميد ، وسارت احدى سياراتهم المزودة بمكبرات الصوت تدعوا الناس لحضور عرس الدم. لم ُيلبّ نداؤهم احداً، ولكن بقوة السلاح اجبر البعض على ذلك خصوصاً من كان في السوق  وبعض  طلبة المدارس، وفي تلك الاجواء المكفهرة بالحزن والاسى من يوم 24 /9 / 1963، ارتقى حميد المشنقة وهي المرة الاولى في تاريخ البلدة حيث يشنق فيها احد ابنائها. وخوفاً من غضب الاهالي حمل الحرس الجثة على عجل، وفي طريقهم الى الموصل سلمت الى بلدية تلكيف ليتم دفنها في مقبرة المدينة.
     في وقت سابق إلتحق هرمز مالك جكو وهو آشوري من قرية( كوري كافانا) القريبة من ناحية زاويتة تاركاً عمله في سد دربندخان، واصبح مسؤولاً في منطقة القوش، واشتهر بالشجاعة النادرة. عندما استشهد الشاب فؤاد شمعون ديشا في نيسان 1963 جراء حادث مؤسف** جاء هرمز جكو ورجاله الى البلدة مواسين اهله في مصابهم الجلل وقد كانت فرصتي الفريدة ان احظ برؤية الرجل، وفي العام التالي عندما كانت الهدنة سارية بين الحكومة والثوار جاء وفد من الانصار بقيادة الثائر توما توماس  يحمل صورة فؤاد  مكللة بالورود الى منزله وقد القى المعلم الثائر عبد جمعة الكلمة المناسبة، لا زلت احفظ مقطعاً منها يقول" ....ان روح فؤاد ترفرف فوق رؤوسنا! ".
     ازداد تذمر الاهالي من تسلط مدير ناحية القوش المدعو سيروان الجاف ، ووصلت معاناتهم الى اسماع الانصار فقرر هرمز  بنخوته واقدامه ان يحتل مركز شرطة البلدة للانتقام من المدير المذكور دون التفكير ملياً بعواقب ذلك. هكذا جهز هرمز رجاله وكذلك توما توماس وانحدروا من الجبل ليلة 23 /11/1963 لاحتلال المركز( قشلة) .
في ليلة شتائية يكللها الضباب والشوارع معتمة الا من ضياء فوانيس البلدية، والمركز محصن كأنه قلعة عاتية، وفيه تحصينات منيعة في كل زاوية للمقاومة وترتفع اكياس الرمل على طول اسيجة السطوح. عصر ذلك اليوم وصل عريف للشرطة في سيارة مسلحة، وعندما حان وقت غلق باب المركز بوضع اكياس من الرمل خلفه إمتنع العريف عن الدخول بل آثر المبيت داخل سيارته ويقال بانه كان مخموراً.
     وصل رجال الحركة الكردية المسلحة، واحتلوا سطوح البيوت المحيطة بالمركز وتحصنوا من جهة الجبل خلف الصخور، واستعدوا للمعركة المقبلة بقيادة المرحوم هرمز. بعد انتصاف الليل شق صوت جهوري سكون المكان داعياً مدير الناحية للاستسلام واقسم له بشرف الثورة ان تحفظ حياته وامهله فترة قصيرة للاستسلام. من داخل المركز سمع سيروان النداء وقرر المقاومة فجهز الشرطة تجهيزاً جيدا.
     تواصل الصوت بالعربية والكردية ليكرر نفس النداء السابق، ثم شرع بالعد التنازلي وصولاً الى الصفر، هنا اطلقت قذيفة على المركز فدوى صوتها، وانهال الرصاص من كل صوب، تخللته اطلاقة من مدفع محمول( عقدة 2) لكنها سهت واحدثت ضرراً طفيفاً باحدى غرف المركز، يقال ان رامي المدفع لم يشأ ان يصيب الهدف وكذلك كان عدد من المقاتلين لا يرغبون في احتلال المركز خوف قصف البلدة في اليوم التالي من طائرات السلطة، وتلك المسالة كانت مهمة ولكن هرمز لم يمعن التفكير بها، وربما لم يتيسر له الوقت الكافي للتفكير بها وكان صارماً لا يتراجع عن قراره. هكذا استمر القتال بين الجانبين دون نتيجة واصبح الوقت يمضي بسرعة، هنا صاح هرمز برجاله للهجوم على باب المركز.
     تقدم اثنان منهم احدهم من القوش وأسمه بطرس شمعون ديشا( وهو شقيق الشهيد فؤاد) والثاني من قرية شيخكا الأيزيدية وأسمه حجي خُرما، فزحفوا حتى باب المركز ووقفوا ملتصقين ببابه، ثم جهز حجي رمانة يدوية وابتعد قليلاً ثم قذفها بقوة على امل ان تسقط داخل المبنى، ولكنها اصطدمت بأسلاك التلفون فرجعت الى الارض امام الرجلين فوقع الثائر حجي شهيداً( دفن في اليوم التالي في مقبرة الغرباء عند ضريح مار شمعون) فيما اصيب بطرس بجروح بليغة، استطاع ان يسحب نفسه وهو ينزف متمسكاً ببندقيته الى مسافة معينة حيث انتشله رفاقه، وعولج بشكل اولي في محلة سينا، وفي النهاية اصبح معوقاً في احدى يديه.
     هنا هب بعض المقاتلين الى السيارة المسلحة لاحراقها و قتل سائقها برتبة عريف، واستمرت المعركة دون حسم الى ان اقترب الفجر، فقرر المهاجمون الانسحاب، وعند وصولهم اطراف محلة سينا، ابدى هرمز اسفه لفشل المهمة، ويقال انه ذرف الدموع قائلاً " اية عملية قتالية توجهت اليها حالفني النجاح، إلا في احتلال هذا المركز البائس"  وأقسم امامهم ان يعود لاحتلاله في اقرب فرصة.
     لكن الموت لم يمهله للعودة الى القوش ابداً، فقد هجم بعد اسبوعين على قطعات عسكرية مرابطة عند جسر( آلوكة) قرب مفرق سميل- دهوك، واستطاع هرمز ان ينجح في العملية ويحرق العديد من السيارات ويأسر ويغنم الكثير، لكنه اضاع بعض الوقت في اللحاق بإحدى السيارات بغية الاستيلاء عليها. حدثني احد الرجال المشاركين في تلك الواقعة بعد زمن من وقوعها، بان هرمز وضع خطة لمهاجمة المعسكر واتفق معهم ان يرابطوا على مقربة منه وحال سماعهم صوت الرصاصة الاولى يبدأ هجومهم، ويعقب انهم شاهدوا بعد برهة من الزمن اضطرام النار في احدى السيارات وظهر ان هرمز قد تقدم لوحده وهو يطلق شرارة المعركة الاولى! . وفي نشوة الانتصار تلك، وصلت تعزيزات عسكرية قوامها دبابات تابعة للجيش السوري الذي استقدم للقتال بجانب القوات العراقية ، حيث حوصِر المرحوم هرمز وداهمه الموت من كل جانب.
     قاتل هرمز قتال الابطال حتى اُصيب باحدى رجليه ثم واصل القتال رغم جروحه حتى اصيب بقذيفة من الدبابات السورية فقضى شهيداً بطلاً . نقل جثمانه في مراسيم خاصة بالثوار الى قرية سينا وشيخ خدِر ليدفن هناك في شهر كانون اول 1963.
*موضوع منشور سابقا، اعيد نشره مرة اخرى، وهو مستل من كتاب ينتظر الطبع، بدأته عام 1994 والان كامل مكتمل من 285 صفحة، اجريت تغييرات متواصلة عليه، منها تغيير عنوانه السابق( القوش حصن نينوى المنيع) الى العنوان اعلاه.

**  في طريقه وهو يقود مجموعة من الانصار الى جبل مقلوب، ونتيجة خطأ غير مقصود ثارت رصاصة من بندقية احد افراد المجموعة أدت الى استشهاده في الحال، وللشهيد دور بارز في التصدي لانقلاب 8 شباط المشؤوم.
nabeeldamman@hotmail.com
July 23, 2011
USA 
 


















القوش قلعة الآشوريين الصامدة

" وَحْيٌ على نَينوى سِفْرُ رُؤيا ناحُومَ الألقوشيِّ"
العهد القديم


تأليف

نبيل يونس دمّـــان
الاهداء
الى روح بطلي القوش

يوسف رئيس

و
توما توماس



حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

68
ﭙْوش بِشلامَه شَماشَه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ﭙْرسْلِه حِشَّه ﭘّنياثـــَـه1         حنا ﭘْرشلي مْبيناثـــــَـــه
مَرْ هونَه وتكْبَرياثــَـه2         بْكاوِحْ كْشاري3 عَسْقاثَه4
♫♫♫♫♫

هْويلِه رْويلِه بي ماثَه         تِلكيپه ﭙْشَهوتياثـــــــــــَـه
خَمثَه وْيِمِّد خَماثــــَــه         وْمِرّيلَهْ تَه مَثواثــــــــــَـه
♫♫♫♫♫
ويوَه مْيُلپانَه مِليــــَـه           شَماشَه ﭘحَقلِه د مَريـــَه
بِخلَصْته ﭘشلي قِريـَه           لمَلكوثه درَه وشْمَيــــــَّه
♫♫♫♫♫

شْوقيلِه خورِحْ آخـَـه           بَنْ خايِه دْليبي نْياخــــَـه
بيرِح لَوي دِدآخــــــه5         أَثْ كَشّيرَه وپلاخـــــــَـــه
♫♫♫♫♫

ﭘْوش بشلامَه مَلپانـَه          تَحوياذَه طنّانـــــــــــــَــه6
ﭙتـَخْرِخلِه ﭙْكُلْ عِدّانــّه          وِلْ تقيمِخْ قَم دَيّانــــــــَـه
♫♫♫♫♫

ملاحظة:
القيت القصيدة في الحفل التابيني المقام على روح الشماس الكاتب والاديب الراحل حنا قلابات يوم الخميس المصادف 12-5-2011 وعلى قاعة نادي كرستال بول بسانتييغو- كالفورنيا.
معاني الكلمات:
(1) ﭙنياثه= جهات
(2) تگبرياثه= تدابير
(3) كشاري= تحل
(4) عسقاثه= صعوبات
(5) دداخه= لينطفأ
(6) طنّانه= ذائع الصيت
نبيل يونس دمان
May 12, 2011
nabeeldamman@hotmail.com



69
المنبر الحر / اصبح العيد عيدين
« في: 14:37 02/05/2011  »
اصبح العيد عيدين
نبيل يونس دمان

" تاكد لدينا بان اسامة بن لادن قد مات فالى الجحيم وبئس المصير" الكثير من المتابعين سيتذكرون هذه الكلمات المقتطفة قبل اكثر من ثلاثين عاماً، ولكننا الان في حالة اخرى مهمة وخطيرة وهي مقتل مجرم دولي كبير، انه رأس ثعبان الارهاب الذي قطع وستضطرب باقي اجزاءه حتى تخمد عن الحركة. لقد مني تنظيم القاعدة بضربة قاصمة، وليس هزيمة نهائية، ولكنه لن يفوق من هولها طويلاً، عاث في الارض فسادا ونشر الرعب والقتل في مختلف القارات، خصوصاً في بلدي الحبيب، الذي اتمنى ان يتقلص نفوذ القاعدة وجناحها الخبيث دولة الاسلام في العراق، ليعود الامان والاستقرار اليه. لقد اصاب اليأس الكثيرون حول العالم بامكانية مقتله، ولكنه اخيرا قتل، فذلك قمة الانتصار ومبلغ السعادة، برأيي كان الافضل انه لم يمثل امام القضاء او العدالة، فوفر علينا مسلسل طويل للمحاكمات والقيل والقال، وان ما سيذكره معروف ليس لدى العامة بل لدى الجهات الاستخباراتية، ولو توفي بمرض عضال ايضا لكانت صعبة، ان لا يلقى جزاءه امام حجم ما اقترفه من جرائم منذ عام 1998 على اقل تقدير عندما هاجم السفارة الامريكية في نايروبي، وعلى اهداف كثيرة متعددة وشاملة، واظل كانسان متابع للاحداث، لم افهم سبب رفض الولايات المتحدة الامركية لاستلام بن لادن الحي في نهاية التسعينات من حكومة السودان، وبذلك اصبح حراً ليصل الى المنطقة الوعرة بين افغانستان وباكستان. سيكون لمقتل هذا الرأس الثمين ردود افعال قوية تتباين بين الشدة والتطرف، الى آيات الترحم والاعجاب من قبل رهطه، او بالادعاء انه لا زال حيا في( طورا بورا) مثلاً، على منوال المكالمة الصوتية بين صدام و حسن العلوي قبل ايام، لكن في كل الاحوال الذي يرى شكل بن لادن وهيئته على شاشة التلفاز، يراوده شك بامكانية هذا الملتحي الضعيف المترهل ان تنسب كل هذه الاشرار اليه، ولا ننسى قبل حوالي اسبوع ما تردد بان جماعته قد صرحوا في السابق، بانهم سيحولون العالم الى كارثة نووية في حال مقتله، فماذا هم فاعلون؟.
في هذه المناسبة التي تصادفت مع عيد العمال العالمي، وفي كل عيد للطبقة العاملة على مر السنين، ستتذكر الشعوب نهاية مجرم العقود اسامة بن لادن، سيهلل فرحا اولاد واقارب الضحايا في مختلف بقاع العالم، ومن لم يصل شر القاعدة وبن لادن اليه؟ . فالى جميع الضحايا الابرياء ممن قتلوا اولاً في وطني العراق، ثانيا في اقاصي الارض، وحتى ضحايا 11 ايلول 2001، ان يفرحوا ويكبروا في يوم مقتل بن لادن الذي كان غريباً على الحضارة والانسانية والاسلام، ولتتكاتف كل الجهود الدولية من اجل استئصال بقايا الغدد السرطانية التابعة لتنظيم القاعدة، من اجل عالم اجمل، من اجل طفولة اسعد، من اجل مناخ دولي افضل.


70
حنا قلابات باقي في ضمائرنا
نبيل يونس دمان


     يغمرني الأسى ويصعب علي الحديث عن الغائب الحاضر حنا قلابات: الشماس، الاديب، والكاتب الذي جبل على النباهة والذكاء منذ نعومة اظفاره، وقد ابتدأ طريقه في الحياة منطلقا من بلدته العريقة تلكيف، ثم طالباً للكهنوت في سيمنير مدينة الموصل، فيها خطى اولى خطواته في تعلم اللغات ومنها اللغة الفرنسية، لقد رسم لنفسه خارطة طريق كانت مساراتها متعددة، من المطالعة الى النقاشات المتواصلة حول مختلف القضايا، من تأريخ، دين، قومية، والى آخر مجالات البحث والتقصي، كان المقام يليق به وفي صدر تجمعات الاصدقاء والزملاء، من حملة الافكار والاقلام وهموم الناس، ومن مختلف الاديان والقوميات.
     بماذا اصف صديقي الراحل الذي عرفته لسنوات قليلة لم تكن كافية ان ادخل الى اعماقه، كان لنا مرجعا لا يعوض بسهولة، وهو متعدد المواهب: من حافظ عشرات ابيات الشعر، الى اتقانه موازينها، وعروضها، الى الميامر الكنسية والتراتيل التي وضع اساسها الراسخ مار يعقوب النصيبيني ومار نرساي، كان ايضا يقتني الكتب النادرة، ودواوين الشعر من مختلف العصور، كان ديواننا الصغير يزهو به على الدوام، وكان وجهه يشرق ويبتهج عندما يتلو على مسامعنا قصيدة الجواهري بمناسبة ألفية أبي العلاء المعري:
قِفْ بالمعرةِ وآمَسحْ َوْجَهَها الَتِربا.......... واستوحي َمنَ َطَوَقِ الُدنيا ِبما َوَهَبا

الى ان يصل ذروة القصيدة:
لِثورةِ الِفكر تأريخٌ يُحَدُثنا.........  بأنَ ألفَ مسيحٍ دوَنها ُصلَبا
هنا( والحديث لحنا قلابات) وقف عميد الادب العربي طه حسين مصفقا، وطالبا من الجواهري اعادة البيت فاعاده مراراً.
     كتب قصيدة بعنوان( ترنيمة الحمام) على اسم ابنته( هديل) التي ولدت في عام 1963 وهو نزيل سجن رقم( 1) الرهيب، والتي مطلعها:
أهو هديلٌ أم نحيبُ
أهو شدوٌ أم ترنيمُ
ما أروعُ صوتكِ الرخيمُ
يا ابنةَ الدوحِ في بلادي

وكتب مرثية للجواهري الخالد ابان وفاته عام 1997 مطلعها:
ما الخطبُ ما سببُ اجتماعُ الخطباءِ.......... هل غيّب الموتُ امثولةَ الشعراءِ؟
في عام 2007 كتب قصيدة بعنوان" دمعة على بغداد" :
سئمتُ مناظرَ الخرابِ والدماء ولعنتُ من كان سببَ الشقاءِ
وثنّيت اللعنة "نوبل وباروده" فقد أعطى الجُناةَ أداةَ الفناءِ

     كان حنا قلابات مشاركاً في معظم نشاطات الجالية، سبّاقا في الحضور، وعضوا فاعلا في اكثر الجمعيات والمنظمات والروابط التي تشكلت هنا في كالفورنيا، وعضوا في هيئات تحرير العديد من ادبيات المهجر، اضافة الى اصداره مجلة (الكلمة) لعدة سنوات، فكانت بحق حديقة غناء، فيها السجع والكلام الجميل، والابيات المقفاة، تنساب عسلاً وعذوبة، وفيها ايضا اخبار الوطن والجالية، صدق من وصفه بانه كان كتلة من الحيوية والنشاط.
     عرفته بغداد في شبابه  ثريٌ في الادب والعلم والموقف الوطني، ثم عرفته الكويت سنوات اخرى في العمل الوظيفي والمهني المتميز، واخيرا بلاد المهجر التي قضى فيها بقية عمره.   لم ينس الوطن، فعندما توفرت له فرصة في التسعينات زار منطقة كردستان المحمية، برفقة صديقه حكمت عتو، ثم كان تواجده في بغداد بعد سقوط الطاغية للعمل، وهو يحصد سنواته الاخيرة من عمر طويل عَبر الثمانين حولاً.
     لن يستطع اي كان، ان يملأ الفراغ الذي تركه، في اللغات التي تعلمها، والثروة الادبية التي امتلكها، والعائلة التي انشأها مع زوجته ليلى كرمو، وفي المقدمة ولده القسيس فرانك الغني عن التعريف، وباقي اولاده اريج، هديل، وداليا. انا على يقين بان غياب حنا قلابات سيلهم اصدقائه في التنقيب عن مآثره وفي اغناء ما حاولتُ تدوينه، وهم اهلٌ لكتابة أعم واشمل، منهم الشاعر زكر أيرم، الشاعر فالح حسون الدراجي، الصحفي المخضرم صباح صادق، القاص مرشد كرمو، المحامي جلال ايليا، المهندس محمد عبد الوهاب، جمال جميل، د. ريمون شكوري، سعيد سيبو، فاروق كوركيس، د. ثائر البياتي، المطبعي منصور قرياقوس، نوح شمعون، وغيرهم كثيرون. كان مسالماً ودودا ومسامحا، لا يحمل الضغينة لاحد، ففي التسعينات حدثت بينه وبين الشاعرة لميعة عباس عمارة مشادة ادبية على صفحات المهجر، ولكن ذلك لم يمنع ان تقوم صداقة قوية بينه وبين ولدها الاديب مازن مبارك، الذي شاركنا العديد من جلساتنا الاسبوعية.
      دعوني اناشد روح حنا قلابات، فاخاطبه بقلب كسير والم يعتصرني وفي اعماقي تساؤل وشكوى من غيابه الابدي، عن جلساتنا الهادفة التي احتضنتنا على مدى السنين، سيكون مكانه بيننا، سنذكره على الدوام، ونستشيره  في العقد التي تواجهنا. كان محنيَّ الرأس مثله مثل السنبلة الممتلئة غلة، سيكون حتى في غفوته، جاهزاً ان يرفع رأسه عندما يسمع تعبيرا ناقصا اونصا خاطئا فيصححه، اتذكر قراءاتي المتعمدة لمواضيعي قبل نشرها بين المجموعة الرائعة وانا اهدف الى التصويبات التي تردني، وخصوصا من فقيدنا الذي يعتبر رأيه هو الفيصل، في حال اختلفنا على معلومة لغوية اوادبية.
     ان انسى فلن انسى المقالة التي كتبها عام 1994 في جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقي عن الشخصية الوطنية المعروفة بعنوان( توما توماس في سان دييغو) وبهذا العنوان الاثير انهي كلماتي. وبعد الانتهاء أحمّل الفقيد الشماس حنا قلابات تحايا حارة، الى فقيد مجلسنا اسطيفان انويا شابا، الذي رحل عام 2008، رحم الله الاثنين واسكنهما فسيح جناته.






71
المنبر الحر / الحشيشة والمخدرات
« في: 21:22 17/04/2011  »
الحشيشة والمخدرات
اعداد/ نبيل يونس دمان

تاريخ الحشيشة:
     الحشيشة اسم اطلق على ورق القنب الهندي، وقد دون المقريزي اول ظهورها واستعمالها وذكر انها تسمى بحشيشة الفقراء وسبب ذلك ان شيخا للفقراء اسمه حيدر كثير الرياضة والمجاهدة، قليل تناول الغذاء وكان قد نشأ بخراسان واتخذ زاوية في احد جبالها ومعه جمع غفير من الفقراء، فمكث هناك اكثر من عشر سنين لا يخرج ولا يدخل عليه الا رجل كان خاصا بخدمته، فخرج وحده في يوم شديد الحر ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وحبور بخلاف ما كان عليه قبلا فاذن لرفقائه بالدخول عليه وجعل يكلمهم فسألوه عن الحال الذي صار اليه. فقال بينما انا في خلوتي اذ خطر لي الخروج الى خارج المدينة منفرداً، فلما خرجت وجدت كل النبات ساكنا لا يتحرك لسكون الريح ولفت نظري نبات له ورق فرأيته يميس بلطف ويتحرك تحرك السكران الثمل، فجعلت اقطف منه اوراقا وآكلها فحدث لي من الارتياح ما ترون فهيا بنا الى البرية لاطلعكم عليه فتعرفوه. فخرجوا وراءه فلما راوه قالوا له: هذا هو القنب فتهافتوا على اوراقه فاكلوا منها فسروا وطربوا فامرهم الشيخ كتم هذا السر الا عن الفقراء قائلاً: ان الله خصكم بهذا السر العجيب ليذهب عنكم همومكم الكثيفة ثم حثهم على زرع هذا النبات حول ضريحه بعد وفاته وبقي ياكل منه بقية حياته ثم توفي سنة 618 هج، وبني على ضريحه قبة، فاتته النذور الوافرة وكان قد اوصى اصحابه ان يوقفوا اهل خراسان وكبرائهم على هذا العقار، فاطلعوهم على سره واستعملوه وشاع امر الحشيشة في بلاد خراسان وفارس ولم يكن اهل العراق يعرفونه حتى جاءهم صاحب هرمز و محمد بن محمد صاحب البحرين وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس في ايام الملك المستنصر بالله سنة 628 هج، فحملها اصحابه معهم فاظهروا للناس اكلها فاشتهرت بالعراق ووصل خبرها الى الشام ومصر وبلاد الروم فاستعملوها وفي نسبتها الى الشيخ حيدر يقول الاديب محمد بن علي بن الاعمى الدمشقي:
دع الخمر واشرب من مدامة حيدر
                    معنبرة خضراء مثل الزبرجد
هي البكر لم تنكح بماء سحابة
                    ولا عصرت بالرجل يوماً ولا اليد
ولا نص في تحريمها عند مالك
                    ولا حد عند الشافعي واحمد
ولا اثبت النعمان تنجيس عينها
                    فخذها بحد المشرفي المهند
     وقال بعضهم لم ياكل الشيخ حيدر الحشيشة طول عمره وانما اهل خراسان نسبوها اليه لاشتهار اصحابه بها، وان اظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل وذلك انه كان بالهند شيخ يسمى( بير وطن) وهو اول من اظهر لاهل الهند اكلها ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك ثم شاع امرها في بلاد الهند حتى ذاع خبرها ببلاد اليمن، ثم اتصل خبرها باهل فارس ومنها الى العراق والروم والشام ومصر. وكان بير وطن في زمان الاكاسرة وادرك الاسلام فاسلم فاخذ الناس من ذلك الوقت يستعملونها. وقد نسب اظهارها الى الهند علي بن الشاعر بقوله في قصيدة:
فاقم فانفس جيش الهم واكفف بوالعنا
                    بهندية امضى من البيض والسمر
بهندية في اصل اظهار اكلها
                    الى الناس لا هندية اللون كالسمر
تزيل لهيب الهم عنا باكلها
                    وتهدي لنا الافراح بالسر والجهر
     ويقال ايضا ان هذا العقار قديم معروف منذ اوجد الله تعالى الدنيا، وقد كان على عهد اليونانيين, والدليل على ذلك ما نقله الاطباء في كتبهم عن ابقراط وجالينوس من مزاج هذا العقار وخواصه ومنافعه ومضاره.
     وهنالك راي اخر يقول ان الحشيشة استعملت قبل الشيخ جلال الدين حيدر، وقد استعملها( الحسن بن الصباح) وجعلها ستارا وسرا لطائفة الجهنمية المسماة( بالباطنية) وبها سموا( حشاشين).

انواع المخدرات واستخدامها:
هناك انواع متعددة من المخدرات تستخرج غالبيتها من النباتات والاشجار التي تنمو في المناطق المعتدلة من العالم. ومن انواعها الحشيشة كما ذكرنا والتي تستخرج من نبات قنب الهند، وهو نبات سنوي زراعي من ساق النبتة المذكورة، وله فوائد طبية. وهناك الكوكائين وهي مادة تستخرج من شجرة الكوكا، تستعمل في الطب كمخدر ويرغب فيها المدمنون على الحشيشة، وهناك ايضا الهيروين وهو مستخرج نباتي ايضا. اضافة الى بعض المستخرجات والمستحضرات الكيمياوية النباتية.
     تتم عملية تناول المخدرات بالتدخين او شم مسحوقها او بزرقها بالجسم. ولها درجات متفاوتة في التاثير وبالتالي يتحدد ثمنها الباهض جدا الى اسعار غير معقولة ولا يتصورها العقل، حيث ان كيسا من تلك المواد المركزة يعادل ثمنه مليون دولار! فتامل عزيزي القارئ خطورة الموضوع الذي نحن بصدده.
     ان تاثير المخدرات بالغ السلبية على الجسم وعلى العائلة والمجتمع، وقد حرمتها قوانين ودساتير الدول وكذلك القوانين الدولية. ويعني تكاثر هذه المواد في اي مجتمع نخره وتفككه، وتزيد من حالات الجرائم، واكثر من يغوي للايقاع بها هم الشبيبة، اولئك الفتية والفتيات غِضاض الاجساد، فتؤدي بهم الى ارتياد طريق الهلاك في حياتهم.
    لقد عرفنا ان المخدرات كانت موجودة منذ الاف السنين، ومن المرجح ان تستمر وربما لآلاف اخرى، ويتم درئها بالتوعية المكثفة وخصوصا الاطفال لكونهم في مقتبل اعمارهم، واعطاء الدروس المتواصلة عن اضرارها في مدارسهم، والقاء النصائح والارشادات الدائمة من قبل البالغين والمسؤولين عن تربيتهم. لتبقى في النهاية هذه المستحضرات والعقاقير لتخدم اهداف طبية بالغة الفوائد في هذا المجال وتبقى حكرا له فقط.
     ولتشل ايدي من يشجع على المخدرات ولترجع من تتكدس عنده الثروة في دخول هذا الطريق غير المشروع وبالاً عليه، وليعذرني القارئ العزيز بعدم امكاني الاسهاب في تاثيرها على الحواس والجسم والرأس والمشاعر، لانني لست فقط لم اتناولها بل لم يتسنى لي رؤيتها. منذ الصغر وامام  بيتي موقف سيارات البلدة الحبيبة القوش، كنت اسمع احدهم ياتي في الصباح ويفتعل المشاكل وياخد بالصياح واطلاق الشتائم فيقول عنه الاخرون: لقد جاء المحشش باكرا، فارتبطت تلك الكلمة عندي بمفهوم الفوضى، وان ما سردته من معلومات استقيته مما اقرأه، وما اسمعه من الناس.
     في الختام نقول ان المخدرات تفسد الاخلاق وتحلل النفس وتولد فيها الجبن، وفي الوجه الاصفرار وفي الفم النتانة وفي الحواس الضعف لان فيها خاصية التخدير والسكر. والاكثار منها يخرج شاربها الى حد الرعونة بل الى الجنون ومن ثم ياتي الموت باكرا ولهذا ذهب مئات الالاف من الناس ضحايا للحشيشة وباقي المخدرات.
ملاحظة: القسم الرئيسي من الموضوع مصدره  نصوص من مجلة لغة العرب التي كانت تصدر في الربع الاول من القرن العشرين ببغداد.


72
بالندة ملتقى الجبال
نبيل يونس دمان

     للوهلة الاولى تتوقع عزيزي القارئ اني بصدد بولندا في اوربا، لكني ساتحدث عن السنوات الثلاث التي قضيتها في منطقة قي اقصى شمال العراق اسمها ﮔلي بالندة، وهو وادي عميق يتوسط قمة جبلين شاهقين بين ناحية بارزان وقضاء العمادية. كان ذلك في 28- 4- 1978 عندما التحقت بمشروع طريق عمادية- بالندة- قادرية، وقد رافقت المهندس عمر بادي من مركز دهوك الى شرق العمادية عبر جبال واحراش وانهار لم ارها في حياتي السابقة. انبهرت من تلك الطبيعة التي كان هاجسي القلق من بعدها النسبي عن مسقط رأسي، وعند وصولي الى الموقع الذي هو عبارة عن مجموعة خيم لمبيت العمال، ورشة تصليح، ساحة تجمع الآليات والمكائن، ومبنى من عدة غرف لسكن المهندسين، حال وصولي تعرفت على المهندس جمال محمد طاهر، الذي ارتبطنا بعلاقة صداقة طويلة رغم اختلاف افكارنا.

ريشين( روبار شين) يخرج هادراً من ﮔلي بالندة
     كنت مهندساً ميكانيكياً، عملت لفترة قصيرة في مديرية طرق نينوى، لم يكن مديرها الحاج فاروق عبد القادر( ابو عمر) مرتاحاً لوجودي، لذلك انتقلت الى دهوك التي رحبت بي وكأنني في بيتي وبين اهلي واحبتي. بعد استقراري في المنطقة وانا اتواجد في سوق العمادية، واذا انا اواجه الاخ نافع شكري الذي عاش مع اسرته سنيناً طويلة في القوش، حيث كان والده شكري محمد علي مأموراً لنفوسها، فرحبنا ببعض وعلمت انه معلم في تلك الارياف، تشاء الصدف مرة اخرى ان التقي به في احد الجبال وهو يحمل بندقية الثوار( البيشمركة) وذلك في عام 1983.
 

مع جمال محمد طاهر
     كانت هيئة المشروع تتكون من المهندسين جمال، صبري، عمر، بنگين، فاضل، ديوان شمس العارفين( بنغلادش) محمود( فلسطين) والمساح برهان، كان طباخنا كمال من اهالي العمادية، وكلما اشتكينا من الغذاء المقدم كان يقول" انا كنت طباخا لمسؤول كبير إسمه علي السنجاري"  اما مجيد عامل الطباخة فكان انسانا بسيطا من القرى المحيطة وتلاطفا معه، اطلقت عليه اسم أغا مجيد، وفي كل مرة كان يعترض مبتسماً " سيدا أس پالا نا اغا" اي لست اغا بل عامل، وعمل معه ايضا العامل الخلوق رجب. هناك عامل تشحيم كان يرافق ديوان شمس العارفين ومنه تعلم القليل من التكلم بالكردية، كان اسم ذلك العامل عبد الغفور ونسميه غفوري، اذكر كان يجلب بين فترة واخرى العسل الكردي الشهير من قريته النائية في وادي( شيرانة) معلوم ان البطل محمود الايزيدي استشهد في تلك المنطقة عام 1979.
     كانت القرى المحيطة كلها كردية باستثناء واحدة في وادي نيروى وريكان وهي قرية( هيش) المسيحية. وكنا نبعد عن بارزان حوالي 40 كيلومترا لكن المنطقة كان ممنوعاً التوغل فيها، لانها مهجرة عن بكرة ابيها بعد انهيار الحركة عام 1975، اتذكر من كل عمال المشروع البالغ عددهم المئات كان يعمل واحدا فقط بارزاني واسمه( عشقي) . وكان يعمل في المنطقة موظفين وعمال قادمين من الموصل، وكذلك المقاولين الذين كانوا ينشأون على عجل مجمعات سكنية في سوري وشيلادزي وديرلوك وكاني. في احد الايام من ربيع عام 1979 دخل رجل كهل طويل، مرتدياً بدلة كردية مهيبة، وخلفه مرافق قصير القامة، دخل الى غرفة المهندسين فوقف الجميع له ورحبوا به بحرارة، وكل شيء طلبه كان يستجاب على لسان مساعد مدير الطرق المهندس مأمون نور محمد، وبعد مغادرته قلت مع نفسي" اكيد هو أغا العمادية" وعند الاستفسار قالوا هو ديوالي سعيد أغا الدوسكي، علما باني قد ارتبطت بقدر من الصداقة مع اولاد اخوة ديوالي: سردار و نزار. كان العسكر كثيف التواجد في الربايا وقمم الجبال وبالارتباط مع لواء بالندة الذي كانت تحط في ارضيته الصخرية طائرات عمودية على طول ايام الاسبوع. بحكم عملنا بمشاريع خاصة لها ارتباط بخطط الحكومة العسكرية، كنا ننسق مع اللواء ونرتبط بنوع من العلاقة مع ضباطه.


ضباط اللواء مع مهندسي المشروع وخبراء شركة كتر ﭘِلر
     احد سواق ناقلات الماء اسمه خمو( خمݘو) من قرية( بدلية) قرب سميل كان هادئاً، خجولاً، لا يتكلم الا نادرا، ظاهر عليه القهر، فعند انقلاب ناقلته( تانكر الماء) عند ضفة ريشين، اردت تغريمه من خلال عضويتي في لجنة الحوادث وتقدير الاضرار في المشروع، هنا هب المهندس جمال والمهندس عمر البادي بطلب اعفائه من الغرامة، وانه لا يمكن ان يتسبب في ضرر متعمد، بعدها سمعت قصة حزنه على اخيه( آدم) الذي كان من حراس البارزاني الخالد عند وقوع حادث تفجير مقره من قبل رجال أمن بزي رجال دين عام 1972 في حاج عمران، وقتها حال آدم مع غيره ببطولة نادرة دون اصابة مصطفى البارزاني ورفيقه د. محمود عثمان، وقد اصيب آدم بجروح عديدة عانى منها لاحقا، والمؤسف في هذه القصة ان آدم انقطعت اخباره منذ انهيار الحركة، عقب اتفاقية الجزائر عام 1975 والى يومنا هذا.


من اليمين كاتب السطور، مأمون نور محمد، جمال محمد طاهر
     كلما اقابل مدير طرق دهوك المهندس عادل صديق صادق، كان يجلب انتباهي بوستراً على طاولته يتضمن فاتح الطرق( البلدوزر) وهو على مشارف القادرية على الحدود العراقية- التركية، وتحتها تهنئة الى المدير بمناسبة العيد وقد حال اندفاعهم للوصول الى تلك النقطة دون التمتع في العيد بين عوائلهم، وقع البوستر المهندس البارع مأمون نور محمد البيرفكاني. كم اشتقت لارى ذلك المكان، ثم وفر الزمن فرصة مشاهدته، برفقة اثنين من خبراء كترﭙلر، وبحماية العسكر حتى وصولنا منطقة يجري فيها نهر جميل، تلك كانت القادرية التي هي نهاية المشروع، بل نهاية خارطة العراق.
     عملنا لسنوات في بناء جسور وقناطر وفتح طريق داخل كلي بالندة الذي يشكل منطقة حصينة لعشائر نيروا- ريكان القويتين، عاصمتهم قرية( بيبو) بالقرب من جسر( بلبل) ومن القرى التى كنا نمر بها كل يوم هي: سيدا، ريجبرخا، ݘمجو واخرى ابعد من الطريق منها سنجي، جامكي، كونشكه، وقرية هيش الاشورية، كان اطفال تلك القرى يتأملون السيارة التي يرونها لاول مرة بجانب البلدوزر، فيقولوا انها بنت لتلك الماكنة الضخمة فنعجب من خيالهم، في احد الايام شهدت عرسا جبليا مؤثراً، راقصون يحيطون العريس والعروس وهم يرفلون بثياب فضفاضة، زاهية، ويمتطون الخيول التي يمسك بزمامها رجال القبيلة، كانوا جذلى، فاوقفنا سيارتنا لنشهد بهجة الانسان والطبيعة معاً.  المنطقة حصينة وقطوعها الصخرية بمحاذاة الرافد (ريشين )كانت كأنها تحف فنية، كم استهوتني تلك المناظر فخطفت هذه الصورة صيف عام 1978:
 
     كنا باستمرار نرقب الغزلان( ماعز الجبال) قطعانا تسرح من اعالي الجبال نحو مياه ريشين لتروي ظمأها، كان العسكر في الربايا المحيطة وخصوصاً الضباط يوقعون ببعضها بالقناص، اتذكر احد الضباط بعد ان يجهز عشائه من لحم تلك الحيوانات البرية، يبعث مراسله الى بيوتات المسيحيين ليشتري له المشروبات الروحية، لاحقا انتبهت الحكومة فاوعزت بمنع صيد الغزلان خصوصاً في أوان تكاثرها.

 
احدى قرى نيروا و ريكان
     في عام 1980 شرعنا بفتح الطريق الى بارزان من بالندة فاقمنا جسر مؤقت لعبور المكائن سميناه جسر( شمدينان) على اسمه القديم، ولكن الحكومة غيرت الاسم الى جسر( خالد) لضيق افقها وشوفينيتها:

من اليمين كاتب السطور مع عمال شركة فرانك- ﭙايل
     في الطريق الى بارزان مكائن مطمورة او مغطاة بجذوع الاشجار من ايام الحركة التي شقت طريقاً ترابياً الى منطقة سوران، وكذلك دواب سائبة شاردة على شكل مجاميع نراها باستمرار تقترب من ضفة النهر. الشقيق الاكبر لمصطفى البارزاني هو الشيخ احمد ويطلق عليه( خدان بارزان) لاحمد البارزاني احترام يفوق الوصف، لقد دخلت قصره عندما وصلت طلائع مكائننا بلدة بازان القائمة انذاك ولكن الفارغة من اهلها تماماً، يحيط بها العسكر من كل جانب:

انا والمهندس فاضل عباس ( كربلاء) داخل قصر الشيخ احمد البارزاني
     ونحن عند ذكريات بارزان، نرجع حوالي سبعين سنة الى الوراء لنقف عند عام 1943 حيث اندلعت الحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني، هجمت الحركة بقوة في تلك المنطقة الجبلية الحصينة على مخافر الشرطة فسقطت الواحدة تلو الاخرى، باستثناء واحدة عجز البارزانيون عن اقتحامها، ولكنهم لجأوا الى مدافع غنموها في معارك سابقة، فدكوا مبنى المخفر ودخلوا ليأسروا من في داخله، وعلى رأسهم مسؤوله المفوض عيسىى اسحق ﭘولا، سيق ﭙولا الى البارزاني فاستجوبه هكذا:
البارزاني: لماذا قاومت بضراوة، الم تعز عليك الحياة؟
المفوض: نعم عزت علي حياتي، وتذكرت أسرتي،  ولكني امين على واجبي، اؤديه على اكمل وجه.
البارزاني : الى اية عشيرة تنتمي؟
المفوض: لا انتمي الى عشيرة، بل انا من بلدة اسمها القوش قرب الموصل.
البارزاني( يربت على كتفه) : اهالي هذه البلدة مشهود لهم بالشجاعة.
هذه القصة رواها ريحانه شليمون من بيديالي- شيروان، الى المرحوم الياس حنو الذي التقى به في مقر البارزاني عام 1964 وهو يسأل اي ريحانه عن صديقه في الشرطة عيسى اسحق بولا، يذكر ان ريحانة ترك الشرطة والتحق بالحركة الكردية ورافق البارزاني الى الاتحاد السوفيتي للفترة من 1947- 1958 ثم عاد والتحق بثورة ايلول حال اندلاعها عام 1961.
     في كلي بالندة كان الجبليون يفترشون منتجاتهم الزراعية والحيوانية على قارعة الطريق، ليشتري العمال والمارة، اما ايصالها للمدن فكان كمن يصعد الى الجلجثة من كثرة نقاط السيطرة الى التفتيش والابتزاز فكانوا لا يجازفون بايصالها حتى الى العمادية، ومن منتجاتهم الجبن( جاجك) المعبأ في اكياس جلدية( درفه)، الجوز، البلوط، التفاح، العنب، والزعرور والحبة الخضراء( كزوان) ....الخ .


ديري و كوماني
     شرق العمادية تقع قريتان مسيحيتان، ديري عند اقدام الجبل وكوماني جنوبها، في ديري كانت تجلب انتباهنا حفرة مخروطية الشكل عميقة، كان الأهلون يقولون انها نتيجة قصف جوي لطائرات نظام البعث في فترة الاقتتال 1974- 1975، ايضا كنا نقف تحت تلك الاشجار الوارفة المظللة لنشتري ما تنتجه بساتينهم وكرومهم وحقولهم من روائع منتجاتها، وقد تترك ابتسامات بائعيها من الجنسين، انطباع لطيف يبقى في الذاكرة. في كوماني حضرت افتتاحاً مهيبا لاحدى كنائسها، وبحضور القاصد الرسولي، وجمهور غفير من اهالي المنطقة، خصوصا من قرى صبنة، علماً بان قسيس القرية ربان( حاليا مطران) قد اهداني الصورة التي اقف فيها بجانب القاصد الرسولي، وقد كتب خلف الصورة ما يلي: الجمعة 21- 7- 1978 افتتاح كنيسة كواني، من القس ربان الى الاخ نوئيل المحترم في 3-4- 1979:
 
     كان التلفزيون يعذبنا لان التقاط المحطات كان نادراً، وباستمرار نرسل عمالاً ليرفعوا سارية الهوائي فوق مرتفع قريب، بعض الاحيان نستقبل الصورة ثم تختفي ليصحبها اهتزاز وصوت دوي فنسرع الى اطفائه، حتى كان يوما فسقط المرسل بسبب الظروف الجوية، ولكن فجاة ظهرت الصورة التلفزيونية جلية، فذهبنا جميعا وثبتنا السارية في المكان الجديد فاستمتعنا بعض الشيء في نأينا عن المدن وصخبها، ولكننا توصلنا الى نتيجة بان تحت سطح تلك البقعة عناصر كيماوية مشعة، تستقطب موجات الاثير لتنور تلفزيوننا الفقير! .
     صيف 1979 صادف شهر رمضان المبارك، وقد عانيت كثيراً ففي اليوم الاول لم يكن الطباخ كمال قد جهز الغذاء فاستفسرت عن السبب فقال" اس بروجيما سيدا" اي صائم، قلت ان ذلك لا يشملني، ثم اوعز اليه المهندس جمال ان يطبخ لي وللمهندس محمود والمساح برهان كل يوم، ايضا كنت كلما انزل الى مواقع العمل ارى الصائمين وقد غطوا وجوههم باليشاميغ، وبصعوبة كانوا يجيبون عن اسئلتي بخصوص العمل، حتى بلغ بي الحال ان اقرر بيني وبين نفسي ان اصوم رمضان، ولو لأيام كي اتعرف على معاناتهم او مشاعرهم، هكذا جلست في صباح باكر من صباحات بالندة الحارة، وسحرت مع زملائي فوق سطح غرفنا، وقد اجتاحتهم المفاجاة والفرحة معاً وانا بينهم صائماً، فامضيت نهاري الاول لا اقابل العمال الا نادراً وبالاحرى لا استطيع ان اتكلم كثيراً، وانتابتني حالات انفعال كتلك التي اشهدها من الصائمين كل رمضان، لذلك آثرت الابتعاد عن ساحة العمل، وقضيت ساعات من النهار اغسل في مياه الريشين المثلجة، هكذا عشت حال الصائمين. في تلك الايام لم يكن هناك مدفعً يطلق للتذكير بالفطور، بل كان يرتقي مرتفعاً، عامل من اهالي بيرفكان، نسميه الملا، فيطلق صوتاً جهورياً معلناً أذان الفطور، فكان اندفاعي شديداً لاشرب انواع العصير التي جهزت بعناية خاصة وذوق رفيع.
 

من اليمين : عمر بادي، نوئيل دمان، حمدون( من الموصل)

     كنت امر كل اسبوع بالطريق الممتد من العمادية مرورا ب ديري وكوماني، ثم سركلي، ديرلوك، شيلادزي، شيف ݘنار، حتى سوري. في شيف چنار اتوقف قليلا، تلك قرية صغيرة قرب مجمع شيلادزي، عندما استفسرت عن معناها، فقيل نسبة الى چنار(الدلب) والتي هي  شجرة خضراء باسقة وارفة مكللة بالاوراق على شكل يد مخمسة، شجرة الدلب عظيمة ولها ظلال واسعة ارتفاعها تصل 50 مترا وتتحمل الحر والجفاف. عقدت العزم ان اسمي ابنتي البكر بذلك الاسم، بعثت الاسم الى زوجتي في مستشفى الولادة بالموصل، هكذا شرع بعض اصدقائي الكرد يدعونني أبا ݘنار، ولكن لم تتحقق امنيتي، فعند ولادتها في 18- 8- 1980 سجلت( لينا بدل چنار) وقد حدث معي في عام ولادتي شيء مماثل، حيث تغير اسمي المقترح نبيل الى نوئيل في سجلات النفوس، هكذا ازدوج اسمي فأربكني واربك معارفي.
     كانت السيارات الحكومية ومنها السيارة المخصصة لنقلي، لا تعبر السيطرة بعد الخامسة عصراً، نظرا للظروف الامنية، كنا نضطر الى تجاوز السيطرة عن طريق ترابي بديل واحيانا تنطوي المسألة على المخاطرة، فمثلا سيطرة دهوك- سميل- الموصل كنا نذهب الى حافة الجبل عند قرية( زاوا) ونلتقي مع الشارع العام قرب آلوكه. في احد الايام لم تسمح نقطة سيطرة القدش( بين اينشكي وسولاف) بالمرور، اضطررت ان ابيت ليلتي في كمب مشروع طريق( دهوك- العمادية) وما ان علم العمال بوجودي بينهم حتى اقبلوا للسلام، وتقديم ما توفر لديهم من العشاء، ثم بدأوا يغنون اغاني قومية لا تسمح بها السلطة اذا تناهى ذلك الى سمعها، فتلحق أذاها دون وازع او ضمير، رايت نفسي مندفعاً، اغني معهم خصوصاً الاغنية الشهيرة آنذاك( ملّتي ما نا مرا... هر ديبيتا ماسترا) اي لن تموت القومية بل ستغدو اكبر. وبهذا النشيد الممنوع، اختتم ذكرياتي عن بالندة قبل اكثر من ثلاثين عاماً.

ناحية ديره لوك
 
 
بساتين كاني ديري شرق العمادية
 

 
كوماني وخلفها من بعيد قلعة العمادية

nabeeldamman@hotmail.com
April 8, 2011



73
المنبر الحر / القوش مُهجة العين
« في: 16:22 23/03/2011  »
القوش مُهجة العين

نبيل يونس دمان
     بعد فراق قسري للبلدة التي أنجبتني وربتني وعلمتني، انساناً شق طريقه في الحياة الذي احاطته الصعاب، شأني شان اترابي من ابناء جيلي الذين عاشوا تقلبات العراق السياسية، وتجرعوا موجات الحروب وضراوة الجوع ومرارة الهجرات، ذلك قدرنا الذي مهما كان علقماً علينا جرعه، هكذا عدت الى احضان القوش بعد رحلة امدها 28 عاما طويلة في كل المقاييس.

القوش من موقع( قرزي) .... بعدستي
      كنت احلم ان انزل اليها من الجبل، او اصعد من الموصل، لكن الظروف شاءت ان آتي اليها من اربيل عبر طريق طويل نسبياً، وحال استدارت السيارة حول مفرقها ودون ارادتي ساحت دموعي، فانتبه قريبي صباح جهوري الذي اقلني، فقطع حديثه ليشاركني عمق مشاعري وآلامي.
     حال وصولي الى بيت عمتي وبعد استراحة قصيرة طلبت من اولادها مرافقتي للتجوال سيراً في ازقة البلدة، وصولا الى بيت أبي الذي لم نعد نعيش فيه، فاكتحلت عيني برؤية البيت الذي عشت فيه قرابة ربع قرن بفرح وطلب العلم من مدارس البلدة، لن اطيل عليكم كثيرا  فقصدنا نادياً يرتاده العشرات، وصرت افاجئ الجميع بالسلام عليهم وباسماء غالبيتهم المقاربة اعمارهم لي، وكأنني قد غادرتهم لاشهر وليس لعقود.
     في الايام التالية صرت ازور مزيدا من الازقة والساحات والاسواق والكنائس والاديرة، حضرت قداديسا في كنيسة مار كوركيس العتيقة وكنيسة المار قرداغ، زرت المطرانية وزرت مقرات الاحزاب في البلدة وزرت ايضا مدير الناحية وقائمقام تلكيف. لقد طرأت على البلدة تغييرات جمة، وهناك احياء كاملة كانت في السابق اراض زراعية، كما طال الخراب عديد من بيوتها القديمة في كل احيائها، رغم ذلك شاهدت البلدة تتدفق فيها شرايين الحياة بعنفوانها، كم كانت منطقة ( خووشا، ورومه د جنقا) في غرب البلدة جميلة باشجارها وشارعها الملتوي الى دير الفادي حديث الانشاء، لقد كانت مبادرة العزيز صباح توماس( ابو ليلى) رائعة وبمساعدة الاهالي لاستحداث منتزه يطرب له القلب وتنتعش به النفس، وكم كانت فرحتي كبيرة وانا ارى تلامذة المدارس في صباحات البلدة الرائعة، وهم يحملون كتبهم الى مدارس البلدة اوكليات الموصل في اوقات حرجة وصعبة للغاية، من الظروف الملابسة لتلك المدينة الأُم.
 

منظر غروب الشمس في القوش- شباط 2011
     حضرت مناسبة كبرى ومتميزة في مرافقة جثمان الخالدين توما توماس وزوجته الماس زلفا الى مثواهم الاخير في بلدتهم، ليمتزج جسميهما باجساد ابائهم واجدادهم، الذين سلموا راية الاباء من جيل لجيل، حتى انتزعها البار توما توماس ليحملها الى الذرى. في تلك المراسم التي يعجز القلم عن وصفها، التقيت بالعديد من المعارف السابقين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: عزيز محمد، توما القس( ابو نضال) صبحي خدر( ابو سربست) هاشم العناز( ابو جاسم) بنيامين حداد وغيرهم.
 
حبيب يوسف( جيجو) مع الرفيق حميد مجيد موسى

 
من اليمين يونس رمو( ابو اذار) عبد الجليل زلفا، كاتب السطور، سمير توما توماس، جنان يوسف جهوري

     وحضرت امسية شعرية في الجمعية الثقافية فالقيت احدى قصائدي، واستمعت الى عدد من الشعراء من داخل القوش ومن خارجها، عبق الجو بكلماتها ونظمها. كذلك امضيت عدة ساعات في الجمعية الثقافية الكلدانية، وقد احاط بي الشباب من كل جانب فكان ذلك مبعث سروري. وكان لزيارتي الخاصة الى محلة اودو وقعاً شديداً على نفسي، فزرت البيت الذي ولدت فيه قبل قرابة الستين عاما، والذي عاش فيه رئيس القوش ميخا دمان، يقابله بيت جدي لامي الذي هو الاخر يتحدى الزمن ببوابته والكتابة والزخارف على اعمدته الرخامية، والذي فيه عاش البطريرك المعروف مار يوسف اودو. كذلك زرت ضريح النبي ناحوم وشهدت الحالة المبكية التي فيها، وهو آيل للسقوط وقد سقط بالفعل جزء من سقفه، لكن مع ذلك يشمخ طوال الازمنة الصعبة التي رافقته منذ عصور سبقت ميلاد المسيح وحتى يومنا، وفيه نرى ضريحه مغطى بالناؤس الاخضر وبكتابات عديدة باللغة العبرانية في بقايا جدرانه.

بوابة بيتنا القديم في محلة اودو


 
في هذه الغرفة ولدت 13- 11- 1951

     كذلك زرت قرية بهندوايا التي كانت وما تزال بمثابة مصيف اهالي القوش وغيرهم، هناك رأيت آثار الملكة الآشورية( شيرو) الشاخصة الى يومنا هذا بعد ان قطعت مسيرة آلاف من السنين، ولكن أحزنني توقف الماء في طواحينها فاضحت مهجورة يابسة وكأن الدمع قد جف في مقلتيها، فراق الزمن القريب، عندما كان ماءها يتدفق ليدير دولاب الرحى، يا ايها الرحى الذي كنت مترنماً مع دوران دولابك، وخرير مائك، وشدو أطيارك، وميس أغصانك، هل يعود الماضي لأخبره ما فعل الحاضر!.
 
من اليمين عمتي حبوبة، كاتب السطور، جميل بلو، سلو لاسو ثم زوجته
          زرت دهوك بعد عبور طريق اقصر من السابق بسبب بحيرة السد، هناك التقيت زملاء قدامى منهم المهندس توما اوشانا، رئيس جامعة دهوك الدكتور عصمت محمد خالد، ومدير الطرق الاسبق الشيخ مأمون نور محمد الذي زرته في بيته فاحسن استقبالي وتبادلنا الاحاديث والذكريات الاثيرة على النفس من نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، اما زيارتي لأغا المزورية الصديق ابراهيم علي الحاج ملو، فلم اوفق نظرا لحالته الصحية.


مع رئيس جامعة دهوك


 
مع الصديق الدكتور امير عبو هيلو

     ليلة الثالث من اذار طلب سلام تومكا، صديق الجيرة والنضال مصاحبته وولده في الصباح الى مدينة الموصل، لم اخف ترددي ومع اصراره قررت النزول وانا احمل هوية عراقية صادرة عام 1980 الى مدينة الرعب التي شهدت في السنين الماضية ذبح الابرياء من مختلف الملل والاديان، خصوصا الاقلية المسيحية المسالمة التي تلقت ولا تزال اقسى الضربات، هكذا نزلنا وعبرنا القرى والبلدات: الشرفية، تلسقف، باطنايا، تلكيف، ومع وصولنا الى مثلث الطرق شاهدت حياً جديدا عامرا قد بني في فترة غيابي الممتدة من عام 1982- 2011، ومع انحدار السيارة الى منطقة الرشيدية جلب انتباهي سوراً موازيا للشارع من الشرق فسألت عنه، فقالوا انه السور الذي بناه المقبور صدام ليحيط مساحة من الارض الغنية بالآثار وليبني قصور لهو وعبث كما كان يتصرف بأية بقعة من العراق وكأنها ملك والده... سرحت السيارة الى حي الجامعة، شاهدت جامعتي التي تخرجت منها عام 1976 وكيف تآكلت من عاملي الزمن والاهمال، فرحت لكون مبنى كلية الهندسة والعلوم والاقسام الداخلية والملعب ما زالوا قائمين، كذلك شاهدت محطة الوقود قرب ملعب الجامعة تلك المحطة التي كانت عماد تعبئة سيارات النقل في بلدتي وغيرها، لا زالت شاخصة، وقد آلمني سيل المركبات في طابور لتعبئة الوقود. لا اكتمكم كثافة العسكر في كل المناطق التي مررنا بها وكذلك السيطرات ونقاط التفتيش، ثم توجهنا الى منطقة الفيصلية الاقرب الى قلوبنا في الموصل كون فيها كراجات قرانا وفنادق يمتلكها ناطقين بلساننا امثال فندق: خننيا، فندق ثامر، وفندق خوشابا( نسيم الزهور)، كذلك نزلنا امام المحل التجاري الذي كان يملكه الاخوان هندو و حنا اسمرو والذي كان مقفلاً، بعد ان اوقفنا السيارة في احد الفروع، وفي تجوالنا كنت اقول لسلام لنعد الى السيارة قبل ان يلصق بها شيئا!! فكان يبتسم غير مبال، ويقول لو كان هناك خطر عليك ما اصطحبتك، واخيرا قفلنا راجعين عن طريق محاذ لدجلة الخير عبر الغابات الجميلة التي كان المرور فيها قليلا في تلك الساعة، عند نفق الجامعة اوقف صاحبي السيارة امام مكتب الديري للسياحة، هناك استقبلنا بحفاوة صاحبه اسامة احمد، روينا ظمئنا من ماء نينوى العظمى، وتبادلنا الاحاديث الودية خصوصا بعد معرفتهم باني قادم من اميركا واخذ احمد يسأل عن صديق لوالده يعيش في مشيگان فكتب رسالة قصيرة حملتها معي. انهينا رحلتنا الى الموصل التي ستزول عنها تلك الغمامة ان شاء الله، فتصحوا من جديد لتلحق بالمدن الاخرى، ولتصبح في مقدمتها، وهي مدينة التاريخ والعلم والربيعين. في تلكيف توقفنا لأمعن النظر في تلك الازقة الضيقة والبيوت المبنية من الجص والحجر منذ عشرات السنين، تتحدى الزمن في بقائها الى اليوم، وقد زرنا بيت المغني ساندي الريكاني( ابو يوخنا) فاسترحنا عندهم لفترة وجيزة.

 
في قضاء تلكيف الحبيب
 

 
امام مكتبة سفر الياس صفار

     القوش يا مهجة العين والفؤاد، قضيت عمري أناجيها، اخاطب شيبها وشبابها، احلم بأديمها، كل مرة كنت اصحو على سراب، فلا القدمان تطآنها ما زال مخيما عليها والبلاد طاغوت العصر، حتى زال مخلفاً ورائه الفوضى والخراب، الحيرة والارتباك! . آه يا القوش الممتدة من آشور حتى عصر الالف الثالث الميلادي، ان نارك تضطرم في داخلي، وبين جوانحي الجوى، لن آسف على عمر مضى، بل امنيتي ان اختمه فوق ثراها، بجانب من يرقد من سلفها الطيب. اتمنى ان ارى القوش على مدار الاوقات، متطورة، هادئة، سعيدة، تصارع وتتواصل مع الحياة، وان ارى من هجرها كيفاً او مضطراً، ان يشملها بالزيارة او العودة النهائية، كما يعود الطائر المهاجر الى عشه، وكل شيء رهن بالظروف، وتبقى آمالنا معلقة في المستقبل.

 
بيتنا اليوم


 
بيت عمي كامل


 
بيت عمي حبيب


 
.... سنعود الى بيوتنا!

74
نواقيس الخطر توقظ البشرية
نبيل يونس دمان
     لم يكن الزلزال الذي ضرب اليابان في الاسبوع الماضي عابراً، بل سجل علامة بارزة في تاريخ الزلازل، وموجات التسونامي التي اعقبته، عندما زحفت طبقات صلدة وهائلة تحت المحيط، قد تهون خسائر الأرواح والممتلكات امام ما احدثته من تأثير بالغ، يصعب تصوره في المنشآت النووية اليابانية، التي أرجح ان تكون بنيت على سواحل المحيط الهادي، للاغراض السلمية.
     ربما أخطأت حسابات الانسان في بناء تلك المفاعلات النووية على شطآن المحيطات او البحار، وربما ايضا تم ذلك لضرورات التبريد المكثف لمحيط المفاعل، كل ذلك يدخل في الحسابات الفنية والتقنية في بناء تلك المنشآت الضرورية من جهة والخطرة من جهة اخرى، بات الان لازماً للبشرية ان تفكر من جديد في جدوى هذه المنشآت خصوصاً التي تدخل في صناعة الاسلحة والقنابل والصواريخ، والتي تتكدس جيلاً بعد جيل في ترسانات الدول العظمى. بعد موجة المظاهرات التي عمت الشرق الاوسط بفضل الانترنيت واجهزة الاتصال السريعة وما تسرب من اسرار هزت العروش، نشرت في موقع الويكيليكس، بات ضروريٌ ان تعجل هذه المبتكرات العلمية في نزول الملايين الى شوارع كبريات مدن اوربا واميركا وآسيا، لتفتح عيون الجميع الى مخزون الرعب النووي، من اجل ازالته او حصره في نطاق السيطرة المضمونة، والتفكير مستقبلاً وعلى الدوام بعامل الطبيعة القهار، ذلك الذي ضرب شواطئ آسيا قبل عدة اعوام، واليابان هذه الايام التي فيها ستتصاعد موجة تأثيره اكبر بكثير من مفاعل تشيرنوبيل في الاتحاد السوفيتي السابق عام 1986، لقد كان مفاعل تشيرنوبيل قديماً واحدث كل تلك الضجة في العالم لعدة سنوات، والان اتوقع ان يثير ما حدث في اليابان اكثر بكثير من تشيرنوبيل، وما سيحدث لا سامح الله أكبر وأكبر في المستقبل، وربما في بلدان تعيش قرب مفاعلاتها الملايين من الناس.
     امام البشرية قاطبة اليوم امتحان عسير، لتحرك مظاهرات واسعة النطاق، تكبح جماح المغامرين في امتلاك الاسلحة النووية، وعلى البشرية ان تهب كسيل عارم بوجه من يعول على او يمول صناعة الاسلحة النووية واجراء تجاربها في اليابسة او تحت المياه. ان حلم  البشرية الاعظم هو العيش في عالم خال من الاسلحة النووية، يسيطر فيه العلم والعقل معاً على المفاعلات التي تخدم قضايا الطاقة والابحاث العلمية ودرء الامرض، والتي هي الاخرى تتطور وتهدد اعداداً متزايدة من الخلق خصوصاً في البلدان الفقيرة.
     من صميم الجدل القائم يثار السؤال التالي: هل كانت الزلازل تحدث قبل آلاف السنين؟ وماذا كان تأثيرها؟ والجواب هو الأيجاب، كون الطبيعة جبلت او صيرت على سنن لا تخالفها ، بل هي جزء من سرمديتها، فالبراكين والزلازل هي نتاجات عادية من افرازات وحركات او زحزحة طبقات في اعماق الارض، ولكن لماذا تاثيرها على وعي ومشاعر البشرية اشد من السابق، اظن بفضل نقل المعلومات السريع بوسائل متطورة لم تكن في الماضي القريب متوفرة، وبنظري هناك عامل اخر قد زاد من تاثير تلك الكوارث الطبيعية، هو زيادة عدد سكان الارض، فمن 3 مليار نسمة عام 1960، الى 7 مليار نسمة عام 2011، مما حدى بالبشر الى التمدد والانتشار وشغل مساحات جديدة من الطبيعة والتي عندما تتعرض لكوارث يكون التاثير والألم والمعاناة اشده، اي تصبح التكتلات السكانية اهداف باردة امام شدقي كوارثها الماثلة، من حرائق وفيضانات وزلازل وبراكين.
     كما قلنا كان لوسائل الاتصال السريع وفيض المعلومات وحتى الأسرار، تأثير مباشر في الاشهر الماضية ادى الى نهوض شعوب الشرق الاوسط، التي كانت غالبيتها ولم تزل ترزح تحت ظل انظمة توتاليتارية او قروسطية، ان المد الحالي والثورات الشعبية لن تتوقف حتى تصل مبتغاها في ازالة مواطن الاضطهاد والدكتاتوريات في اسيا او افريقيا او امريكا اللاتينية، وبانتظار معلومات جديدة تتسرب ولنقل اسرار تكشف عن مخزونات واماكن صنع وتجارب نووية، والتي تقض مضاجع البشرية، وتهدد باستمرار امنهم وسلامتهم، نحن بانتظار ما تسفر عنه تلك الجهود الاممية، في ارتقاء وعي وعقول خيرة البشر ومبدعيها ممن يحملون فلسفة الخير ومبادئ السلم والمحبة الى مستوى المسؤولية التاريخية،  من اجل سلامة وسعادة المقيمين فوق كوكب الارض من مختلف الاجناس والالوان والاديان والمعتقدات.
    ان الكارثة النووية المحدقة في شعوب جزر اليابان ليست بسيطة، وسيكون لها تداعيات على المستوى العالمي، فتوقظ من ينام فوق هذا الخطر الكامن على شعوب الارض، فالترسانات النووية ليست بعيدة عن غضب الطبيعة، وبالتالي تدفع الشعوب ثمناً باهضا ولأجيال قادمة، جراء التعرض للاشعاعات وتلوث البيئة والاغذية وكل حي وجميل ومدهش على سطح كوكبنا الرائع، باتت بشكل ملح تطرح على العالم اعادة النظر بشكل جدي وجذري في المفاعلات النووية بجانبيها التسليحي والسلمي، اشبّه انفسنا نحن شعوب الارض وكأننا ننام على حافات السيوف او شفرات السكاكين الحادة من جراء الاخطار الجاسمة من المفاعلات النووية، التي لا نعرف اين زرعت، وماذا سيحدث لو أسيء استخدامها، او وقعت بأيدي عابثين او مرضى نفسانيين، او استهدفتها الطبيعة كما حدث مؤخرا في اليابان ذلك البلد الجميل والمتطور من كل النواحي، دعك عن انسان اليابان الشفاف والعامل المدهش في صبره وحصيلة انتاجه الذي ابهر العالم بعد نهوضه من كبوته في الحرب العالمية الثانية، انا فقط اعبر هن هواجسي واحذر مما تخبأه الأقدار من كوارث جديدة تفوق ما حدث في هيروشيما عام 1945، وفوكوشيما هذا العام.


75
وداعاً الشماس يلدا ابونا
نبيل يونس دمان
    جذبني الى الشماس الراحل يلدا ابونا( بدو) كلمته القصيرة في حضرة الراحل الآخر توما توماس عام 1994 تخللتها كلمات الاعتزاز بتراث الاباء والاجداد، وكذلك ذكريات الطفولة التي جمعتهم في مدرسة مار ميخا في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما كان مديرها الاستاذ الموصلي سعيد ججاوي، ومن هنا ابتدات علاقتي به، في ديسمبر عام 2000 القيت كلمة ترحيبية بقسيس عين سفني( الشيخان) مطران القوش الحالي مار ميخائيل مقدسي وكان الشماس حاضرا وعند نزولي من المنصة طلب مني الكلمة، فاعطيتها له على الفور، ثم توالت زياراتي الى بيته الذي خصص فيه غرفة اشبه بمكتب فيها مجموعة من الكتب واكثرها باللغة الارامية العريقة، وشجرة عائلة بيت الأب( عمون) التي يتسلسل منها فقيدنا، تلك العائلة التي اعطت عشرات بطاركة كنيسة المشرق واضعافهم من المطارنة والقسس والشمامسة على مدى خمسة قرون، وكذلك رأيت في بيته صورته الشخصية وهو بزي المظليين في جيش الليفي في الاربعينات، وكذلك صورة كبيرة ملونة للبطريرك الشهير والمثير للجدل مار يوحنان هرمز( 1760- 1938) ومجموعة من الملفات والاشعار والاوراق فيها الكثير من روائع ما جمعه في حياته وما دونه يراعه الاصيل.
     كنت كلما اتجاوز عتبة داره في مدينة( سترلنك هايت) يخرج لاستقبالي ويلقبني على الدوام باسم( نبو) دلالة الاحترام الذي كان يكنه، وعنده احيانا التقي بزملاء له فيصبح مجلسنا اجمل واوسع. لقد روى قصة اصابته بمرض جلدي في صغره والذي عجز اطباء معروفين في الموصل من علاجه، حتى اوصوا اهله ان يعودوا به الى القوش ليقضي ايامه الاخيرة في فراش بيته، ومن تلك المأساة التي احاقت به اقبل الطبيب الشعبي كوريال اسطيفو اودو( والد أمي) ليجري عليه عملية اخيرة تتكلل بالنجاح ويعيش هذا العمر الطويل الذي بلغ( 88) سنة، قضاها في كنف اسرة سعيدة وبين معارف واصدقاء يحيطون به على الدوام، وفي الكنيسة كان سباقا في خدمة الرب بقدراته في اللغة الارامية وفي آدابها وسجعها.
     لا استطيع في هذه الحالة ان اصف مشاعر حزني على الشماس الطيب من بيت ابونا العتيد، ولا يسعني الا ان اعزي الاكليروس والقسس والرهبان والعائلة والاولاد والاحفاد وكل اقربائه المنتشرين في اصقاع البسيطة، منشدا للجميع الصبر والسلوان، واود القول ايضا باني كنت على مدى السنين الماضية أشير الى إسمه كأحد مصادر معلوماتي التراثية المتواضعة، ولا زلت احتفظ بعشرات الوريقات* التي كان يصورها لي بفرح وطيب خاطر ودعوتي على الدوام الى زيارته، اضافة الى سماعي الدائم لاشعاره وترانيمه الجميلة التي مصدرها ينبوع طقوسنا النهرينية وحضارتنا التي هي ام حضارات الدنيا، فالى المجد والنعيم في نومك الابدي يا صديقي! ايها الانسان المجبول بالعمل والجد والاخلاص.
* صورة لاحدى اوراقه الموجودة في حوزتي:
 
 





nabeeldamman@hotmail.com
January 01, 2011

76
لتكن مطاليبنا واقعية
نبيل يونس دمان

     ما ان سرح خيال احدهم بمنح منصب سيادي للمسيحيين في الحكومة الجديدة حتى دبج البعض مقالات حول هذا المطلب غير الواقعي. صحيح هناك اقليات سكانية في بلدان اخرى وفي ظروف متباينة تبوأت مناصب سيادية منها على سبيل المثال الهند التي اختارت رئيسا من الاقلية المسلمة لعدة دورات واولهم كان ذاكر حسين( 1967- 1969) والاتحاد السوفيتي السابق اختار رئيسه من الأرمن واسمه انستاس ميكويان( 1964- 1965) والشيء بالشيء يذكر عندما زار أنستاس ميكويان العراق استقبله الزعيم عبد الكريم قاسم في بغداد عام 1959م ورحبت به الجموع المحتشدة آنذاك بأهزوجة( ميكويان، أهلا بيك، شعب كريم يحييك).
       اما العراق فظروفه مختلفة، فلا يزال البلد في صميم الازمات، ولا زال على شفير الحروب الطائفية والمناطقية، ولا زال البعض رافضاً واقع العراق الحالي، ومنهم البعثيون الذين يرفعون السلاح وبكل ما يملكون من حذاقة في التخطيط والتنفيذ، يسرحون ويمرحون مختارين الاهداف السهلة ذات الصدى الاعلامي، وموغلين في ارتكاب الجرائم التي لهم موروث سابق فيها( المقابر الجماعية مثالاً) ولهم معلومات استخباراتية ومعرفة في التفاصيل الدقيقة لحياة الناس، وكذلك لهم القدرة على التلون كالحرباء ليس اخرها ركوب موجة الاصولية والسلفية منذ الحملة الايمانية اواسط التسعينات.
     نحن بحاجة الى رمز يمثلنا في الحكومة وسيمثلنا سركون لازار في جلسات مجلس الوزراء القادمة. لقد كان لدينا وزيرين للصناعة وحقوق الانسان فماذا فعلا لوقف نزيف الهجرة او للحد من الجرائم المرتكبة بحق شعبنا، انا لا اشك ابدا باخلاصهم وبمهنيتهم ولكن المسألة لا تحل بالمناصب، بل بتوفير الامان في المناطق الساخنة التي ترتكز اليوم في بغداد والموصل ووقف الهجرة ووقف الجرائم المتواصلة ضد شعبنا بالجهود الذاتية او بالتعاون مع الحكومة او باستمالة عطف واسناد الرأي العام العالمي.
     عندما يشغل مسيحي منصب نائب رئيس الجمهورية او نائب رئيس الوزراء مثلاً، سيكون شاغله الاول العراق عامة: من الامن المتردي، الى مشاكل الفساد المالي والاداري، الى تسريع العملية الاقتصادية، الى ضغوط الدول الاقليمية وتدخلاتها في الشأن الداخلي وغيرها، فانّى له في اختيار الوقت المناسب لطرح هموم شعبه المسيحي، وهل الظروف الحالية الصعبة التي يمر بها العراق تسمح للمجلس ان ينصت اليه، باستثناء عند الاستهدافات المباشرة لشعبنا كالجريمة التي ارتكبت في كنيسة سيدة النجاة، ان مشاكلنا لا ترحل ولا تصدر ولا تجد حلا على ابواب السلطان، بل تحل من داخلنا في الاساس، بتوحدنا اولاً واخيرا.
     انتم ايها السادة منشغلون بهاجس التسميات الذي هو مرض لا شفاء منه، وكذلك بالغنائم التي تحلمون بها، لكن من يجهد حقا من اجل شعبه عليه ان يكون في الطليعة بالصمود والتضحية عندئذ يصدقه الناس وينصتوا اليه، انتم لا تنظرون الى حامل المنصب على اساس كفاءته وجرأته وقدرته على كسب التأييد لمواقفه بل تنظرون الى اي لون ينتمي وبالتالي يرتفع زعيقكم بانه يهمشكم ويفرض الوصاية عليكم، كفى ترديد هذه النغمة النشاز، بكم فقدنا الكثير وباستثنائكم يتعافى وضعنا وتفرض ارادتنا نظرا لما نمتلكه من قدرات التأثير والاقناع، هناك مطلب ايقظ مشاعرنا وان كان صعب المنال لكنه حري بالمناقشة الا وهو ايجاد ملاذ امن للمسيحيين، فعندما صرح الطالباني بانه لا يمانع من قيام محافظة مسيحية حتى سارع الخيرون الى لمّ الشمل وتوحيد الخطاب والاجماع في مجالس واحزاب شعبنا.
    قبل ان اختتم كلامي اربط فكرة الموضوع بقصة سمعتها وانا صغير عندما واظبت الجلوس في ديوان المرحوم منصور حنونا( المتوفي عام 1967) ومما رواه، ان النبي موسى كان يجلس في سوق البلدة فياتي اليه المعذبون ليوصل مظالمهم الى الله، هكذا اوصاه احدهم بحمار لنقل الحطب الذي يجمعه لايام الشتاء القارس، اوعده النبي موسى بان يطرح موضوعه في اول اجتماع له بالرب على الجبل، عندما خاطب موسى الرب عن ذلك الفقير الذي ينقل حطبه على ظهره وانه بحاجة الى  حمار، رفض الرب الطلب قائلاً( يا موسى انا اعرف شغلي) وتتكرر الاسابيع ويلح الرجل على طلبه كلما التقى موسى، وموسى يعيد طرح الموضوع، الى ان قال له الرب يوما اذهب فقد استجبت للطلب مقابل منح جاره حصانا، فشكر موسى الرب وفي اول ظهوره في سوق البلدة جاءه كالعادة الرجل فاتحا فمه منتظرا الجواب، فرأى وجه موسى مبشراً: لقد استجاب الرب الى مطلبك في الحمار الذي سيريحك وبالمقابل اعطى جارك حصاناً، هنا اغتاظ الرجل وتحولت فرحته الى شكوى وتذمر، صارخاً: في اول لقائك يا موسى بالرب قل اني ارفض الحمار ولا تعط لجاري الحصان.
nabeeldamman@hotmail.com
December 24, 2010




77
رحلة بنيامين الثاني  
نبيل يونس دمان
 
 

    رحلة بنيامين الثاني في الشرق عنوان كتاب من تأليف بنيامين اسرائيل جوزف، ترجمة وتحقيق سالم عيسى تولا، صدر في اميركا قبل عدة اسابيع، وصلتني نسخة منه هدية من المترجم، فطالعته من الغلاف الى الغلاف. يحكي الكتاب عن رحلة قام بها المؤلف الى مواطن بني جلدته اليهود في الشرق، منطلقا من ملدافيا( رومانيا) وقد شملت الرحلة بلدان نذكر منها: العراق، ايران، الهند، الصين، افغانستان، شمال افريقيا، وغيرها. يضم الكتاب 43 فصلا زاخرة بالمعلومة التاريخية وبالمغامرة وصعاب الترحال بعيدا عن الاهل والدار، مشيا او ركوبا، في البر او في البحر، في اواسط القرن الثامن عشر، اتصور من يبدأ قراءة الكتاب سوف لن يتركه رغم كثر صفحاته البالغة 435 صفحة من القطع المتوسط الا ويطالعه حتى النهاية، بمتعة نادرة كتلك التي تذوقناها نحن القراء من ادب الرحلات مثل: رحلة المنشي البغدادي، رحلة ريج الى العراق 1820، مهد البشرية- ويكرام، اعمدة الدنيا السبعة- لورانس، اليزيدية قديما وحديثا- اسماعيل بك جول، الموصل في القرن الثامن عشر- دومنيكو لانزو، مغامرات في بلاد العرب- وليم ب. سيبروك، وغيرهما.
     المؤلف وان شئت عزيزي القارئ فقل المغامر الذي تعرض للموت مرارا في تنقلاته، امام تخلف بني البشر وعدوانيتهم التي لا يمكن تحديد بداياتها ولا الى اي مدى تصل تلك الهواية المقيتة او الصفة المتأصلة في حب القتل وعشق التنكيل والتلذذ بمعاناة بني البشر، لقد استرخص المؤلف بنيامين حياته وعلى خطى الرحالة الشهير بنيامين التطيلي في القرن الثاني عشر الميلادي، فركب الاهوال وشق طريقه في الجبال، وسط اخطار ماثلة امامه كل يوم، من اجل الوصول الى بني قومه ودينه وهم يعيشون في صراع مع الحياة ولمئات السنين اذا لم نقل الالاف، اما جيرانهم الاقوياء على مدار القرون فيعتبرونهم من الدرجة السفلى، لكنهم رغم ذلك شقوا طريقهم الى المعالي والنجاح في الحرف والتجارة والحسابات والصيرفة والبنوك بدرجة حازت اعجاب العالم. في كل زمان كان افراد وبدافع الدين او البحث والاطلاع يتفقدون احوالهم ويطلعون على معيشتهم وادائهم لفرائض دينهم حسب كتابهم المعروف بالتوراة. كل ما سبق التنويه به كان في حكم المنسي، ومركون في اوراق باللغة الانكليزية، هنا نهض الاستاذ سالم تولا الغني عن التعريف بنفض غبار القرون عن تلك الاوراق وليسهر طويلا ويتحمل بأناة مهمة صعبة وهي الترجمة التي تضاهي مهمة تأليف الكتاب ان لم تكن اصعب، المترجم حريص اشد الحرص على اضفاء الحقيقة على مجهوداته والتي سماها في صفحة سيرته الذاتية( الهموم الثقافية) وابعاد غيرها مهما كلف الامر، ويمتاز المحقق بالجدية، وقد منحته الحياة طول العمر في عبور الثمانين ومازال في فتوة الشباب كأنه فتى العشرين في انشطته وحسن هيئته وهندامه، كل ذلك لم يكن ممكنا من دون زوجة رائعة هي ليلى موسى شكوانا التي تقف خلفه بهدوئها وثقافتها وكذلك اولاده الاعزاء، اكتب ذلك لانني واظبت سنوات في زيارة هذه الاسرة الكريمة وفي كل مرة كانوا يغمرونني بآيات الترحاب وبالأدب والاحترام، اما وقد صدر هذا الكتاب الفخم والانيق، فقد رفع اسم هذه العائلة المثقفة المحبة للعلم والمعرفة عالياً.
     في الختام ابارك واهنئ استاذي وصديقي وزميل أبي في مدرسة القوش الابتدائية في نهاية ثلاثينات القرن الماضي هذا الانجاز، وكذلك اود ان اخاطب محبي الثقافة ومتذوقي الادب والتراث والتاريخ والديموغرافيا بدعوتهم لاقتناء الكتاب، وسيقتنعون بعد الانتهاء من قراءته اي كنز اقتنوا!
nabeeldamman@hotmail.com
December 18, 2010



78
استحداث محافظة مسيحية في العراق
نبيل يونس دمان

     كلما اشتدت وطأة الارهاب على المسيحيين في العراق، كلما ارتفعت نبرة المطالبة بمنحهم الحكم الذاتي في سهل نينوى، لكن هذه النقطة بالذات كانت موضع خلاف للمهتمين بالامر، الى ان كانت تصل الى التوازن القلق بين مؤيد لهذا المطلب او معارض له، واحيانا كان يترك الامر لما يأت به الزمن .
     اما اليوم فقد اختلفت الصورة، فما ان وقع الحادث الأكبر في استهداف كنيسة أم النجاة، حتى صرح الرئيس العراقي المنتخب جلال الطالباني عند تواجده خارج العراق، بانه لا يمانع من قيام محافظة خاصة بالمسيحيين، عند هذا التصريح تحركت الاحزاب والقوى المسيحية فاقتربت من بعضها وأخذت هذا المطلب على محمل الجد، وعلى الاغلب بعد ان يتبلور بصيغة متفق عليها، سيجد طريقه الى البرلمان العراقي الذي يرأسه الرجل الصارم أسامة النجيفي، وهو من اهالي نينوى ويعرف جيدا ظروف المحافظة ومشاكلها.
    فكيف يجب التصرف، والاستمرار في هذا المطلب، ولحشد الطاقات من اجل انجاحه؟ لا اكتمكم ان ما أثير قد ايقظ مشاعري، بعد ان كنت اعيش احباط مرده استمرار استهداف ابناء شعبي المسيحي الذين هم من القلة المتبقية من سكان البلاد الاصليين، وانهم يُقتلون ويضطهدون بشدة وقسوة منذ سقوط النظام الدكتاتوري وحتى هذه الساعة، لا لذنب اقترفوه، بل لغايات واهداف واجندات، لا يفك طلسمها إلا الباري سبحانه وتعالى.
    اقدّر ان يلقى الموضوع اهتمام خاص من برلماننا الموقر والكتل السياسية، لان اوضاع المسيحيين اصبحت لا تطاق، وباتت في مقدمة اولويات واهتمامات قوى الداخل والمجتمع الدولي، فاذا تطابق هذا المطلب مع برامج تلك الكتل والاحزاب، فربما تكون النتيجة انبثاق محافظة عراقية جديدة تنسلخ من نينوى تلك المدينة العظمى في التاريخ، وقد كانت في سني الدولة العثمانية ولاية لها ثقلها الاقتصادي والسياسي. شاءت الظروف ان يصبح قضاء دهوك التابع لها في عام 1969 محافظة مترامية الاطراف، وفي يومنا هذا ربما تلين الظروف القاهرة عن ولادة محافظة للمسيحيين، الذين يستحقون العناية والاهتمام، كونهم الشريحة الاكثر تظلما في كل الفترات السابقة، وهذه الشريحة هي محط اعجاب العالم في قدرتها على الصمود المزمن امام الموجات البربرية التي استهدفتها، واعجاب العالم ايضا في امكاناتها ومواهبها واخلاقها، التي لم تأت من فراغ بل من جذورها، فهذا المكون هو استمرار لعظمة سومر وأكد وبابل وآشور، وبقاياهم اليوم يعكسون وهج الحضارات الغابرة في وجدان عصرنا الحاضر، وتدرك الدول الكبرى واوربا جيداً مميزات هذه السلالة البشرية، ولذلك لا استبعد انها تسعى لاستقطابها الى بلدانها، فهي رأسمال لا يقدر بثمن، ولا أشك انها درست هذه الحالة جيداً، فسارعت الى تشجيع الهجرة، وفتح ذراعيها لاحتضان المهاجرين الذين انقطعت بهم السبل، وباتوا على شفير الهاوية او الانقراض التام.
    عندما يخطط العراق لمستقبله ويرسم استراتيجه، عليه ان يولي موضوع المسيحيين اهتمام كبير، ويترتب عليه ان يعالج جراحهم العميقة، ويحل مشاكلهم الماثلة للعيان وتأتي في المقدمة: حقن دمائهم، اعادة استقرارهم، ارجاع البسمة الى وجوههم، واعادة الثقة بانفسهم، عليه يجب توفير كل مستلزمات اعادة توطينهم او بما اقترح من ايجاد محافظة خاصة بهم، ويتطلب ذلك دراسة مستفيضة تاريخية وفنية على أعلى المستويات، لدرء اخطاء ولادة غير طبيعية، قد تجلب نقمة اخرى عليهم. على المهتمين بالامر دراسة اشكالات ومشاكل اثنية مستعصية منذ ازمنة بعيدة، تلك التي على امتداد الخط الواصل من خانقين مروراً بكركوك ونينوى وحتى سنجار، لايجاد افضل الحلول التي ترضي الجميع، فيتحمسوا باتجاه انجاح المشروع، لابد من مشاكل كثيرة تعتري هذا السبيل، ولكن لا مناص من ولوج هذا الطريق، الذي بمرور الزمن يصل الى الغاية، التي تستقر بها تلك المكونات الجميلة، وتعيش حياتها الكريمة، فترفد العراق بطاقاتها وخدماتها، ليبلغ الرقي والتمدن الذي لا بد ان يصل يوماً اليه.
    هناك نقطة بالغة الاهمية هنا، وهي ان توحد تلك المجاميع البشرية كلمتها، بدء من مكونات شعبنا واحزابه وكنائسه وطوائفه، ثم باقي الاثنيات خصوصاً من الأيزيدية والشبك فيتكاتف الجميع لتحقيق الغاية المرجوة. ان المحافظة المقترحة ستكون لها بعض الخصوصية التي تاخذ سماتها من حلقات التاريخ، وان شاء الله وبالحكمة والتعقل تنجح التجربة وتزدهر، فتكون ثمارها لعموم العراق وتكون مبلغ سعادة القوميتين المآخيتين: العربية والكردية. يقيناً ان  الوضع الحالي لن يستمر الى ما لا نهاية، بل ستأت اوقات ينعم فيها شعبنا العراقي بالحياة الحرة العزيزة.
    اخاطب الجميع بان يكونوا على مستوى المسؤولية، ربما هذا اخر حظ لبقاء المكون المسيحي في بلده، وهي فرصة لوقف نزيف الهجرة وعودة المهجرين من بلدان الشتات والضياع. ان التطور العلمي الذي اجتاح العالم ليصبح وكأنه قرية واحدة في مطاوي القرن الحادي والعشرين، قد ولّد الانترنيت الذي سيحمل صوتي وافكاري الى كل مستويات المسؤولين، عسى ان يتعاطفوا مع مطالب شعبي في ايجاد ملاذ آمن، وابعادهم وان بشكل موقت عن بؤر الصراع، اقول مؤقتا لان مكان المسيحيين في كل ارجاء العراق عندما تترسخ الدولة وتتناوب السلطة باسلوب سلمي- ديمقراطي، ويعم الاستقرار والبناء كل العراق، ان للمسيحيين اوقاف واديرة وكنائس تاريخية وحديثة في بغداد والبصرة والموصل وغيرهما، ستظل تنتظر عودتهم، وسيعودون اليها آلافا مؤلفة لتملأ باحاتها وهياكل عبادتها التي تعبق بأريج الماضي، وهي مزدانة على مر القرون بالجمال والابهة وخشية الله.
 ايها الاخوة المعنيون بالامر:
 دعونا نستقر فقد تعبنا كثيراً.
دعونا نعمل بحرية وسترون ما يقطفه العراق بأسره من نتائج عملنا واخلاصنا.
واخيرا دعونا نعيش بسلام مع اهلنا واطفالنا على ارضنا وفي بلادنا التي زرعها وعمّرها اجدادنا عبر تعاقب الاجيال والازمان.
nabeeldamman@hotmail.com
December 08, 2010




79
توما دْيري لبيث أريا
قيما بساحِتْ مَر ميخــا     سْيپا بيذِحْ يَريخـــــا
كْمَرِشْ كُل ناشا دْميخا     كْتَبيلِه خْشِلخا شْليخا
**********
مْباقِر إلِّحْ ﭘّثواثـــــــــا     بَرْ قالَه بأَثرواثـــــــا
بِرْ دِتْري نيرَواثـــــــا     دَقلَتْ وﭙْرات خِنواثـا
**********
زَرخا كِليَه لسِنْســـارا     قرايَه قّارِه وبِزمــارا
دارَه كْمَپْشِط تَـــــدارا    توما توماس ﮔبـّـــارا
**********
مدَبرته وهونَه إريـــا     توما دْيري لبيث أريا
خاثه لأخونا قَريــــــا     مْشابِح تا شِمِّد مَريـــا
**********
مْشابِح يا زونا خاثـــا     إمّد كُل عَسِقواثـــــــا
مْطيلْ توما ﭘْكلكلياثــا     لبيث قورِد بَبَواثــــــا
*********
ما حَليثه وجِنديثــــــا     دأرتِد أث كُمْرا لبيثــا
صْيرَه بْلبّي تَنيثــــــا     توما ﭙّايِشْ حُكّيثـــــــا
*********
نبيل يونس دمان
22- 10- 2010
اذا قدر لهذه القصيدة ان تغنى، فلتكن على فم المطرب الشاب رافي وليد تولا.

80
ضحايا سيدة النجاة في حضرة الرب
بقلم نبيل يونس دمان
     هزت العالم جريمة مقتل العشرات من المسيحيين  في كنيسة سيدة النجاة ببغداد العاصمة، وفي مقدمتهم اثنان من الكهنة الشبان، ان الحدث بمستوى تفجير مسجدي سامراء عام 2006. لم تذهب تلك الدماء وكل الدماء المراقة على امتداد خارطة العراق هباء، فقد استجاب الرب لها، فحرك قلوب الساسة العراقيين للتعجيل في ولادة الحكومة الجديدة التي طال امد انتظارها، في هذا الخضم جاءت دعوة الرئيس مسعود البارزاني للمسيحيين للتوجه الى كردستان حيث الملاذ الآمن والخدمات، لا يسعني هنا الا ان اشكر الرئيس، وهذا عهدنا به في ايامنا الصعبة التي نمر بها.
     اما رئيس الوزراء السيد نوري المالكي فيطلب من المسيحيين ان يبقوا في بلدهم كونهم من عمق الحضارة، الان وقد تجددت ولايته لدورة ثانية نقول له ولغيره من مسؤولي الدولة العراقية في كل مفاصلها وهم في حلتهم الجديدة بعد التطورات الواعدة، ان امامهم المسؤوليات التالية:
1- البحث العميق في كيفية تحول العراق السريع الى بلد آمن ومستقر ومرفه، لمواطنيه عامة وللمسيحيين خاصة كونهم سكانه الاصليين.
2- الانتباه الى مطالب المسيحيين وفي مقدمتها تقديم الخدمات لهم في بلداتهم وقراهم واماكن تواجدهم، وابعاد ذوي النزعات الشريرة والعنصرية من اماكن تجمعاتهم، علما بانهم يرتبطون تاريخيا بأوشج العلاقة مع مكونات شعبنا الاخرى من عرب واكراد وتركمان وشبك وأيزيدية.
3- ايجاد عمل للعاطلين منهم وذلك بقيام مشاريع عمل متنوعة، واشغال وظائف في كل مؤسسات الدولة، وجعل من يقودهم ويمثلهم ينتخب ديمقراطيا.
4- الحفاظ على اثارهم بل البحث العميق عن اثارهم المدفونة في الارض وما تتكلم به كتبهم التاريخية والتراثية الباقية منها وما اودع في متاحف الغرب، وترميم دور عباداتهم التي تضررت في السنين الماضية.
5- المسيحيون هم بوابتكم الى العالم، في الايام الماضية كنتم شهودا بان العالم حبس انفاسه وكتم غيظه تضامنا مع ضحايا كنيسة سيدة النجاة في الكرادة، وقد وقعت الجريمة  مع سبق اصرار الارهابيين وتهديداتهم المتواصلة في استهداف هذا المكون الاساسي للشعب العراقي.
6- لا تدعوا حماسكم يفتر مع انتهاء الحدث بل بالاستمرار في التضامن معهم ومساعدتهم خصوصا في امور قانونية وقرارات دائمية تستمر الى عقود من السنين وبذلك تضمنون مستقبل العراق في ان يجد مكانه اللائق بين الامم.
7- حين يتحدثون عن الفتنة بين المسلمين والمسيحيين فان كان المقصود على الساحة العالمية فهذا بحث اخر، اما اذا كان يقصد داخل العراق فالكلام انشائي وخيالي على الاطلاق، المسيحيون اقلية ضئيلة ضامرة مستضعفة طوال قرون فكيف تكون طرف في فتنة او صراع مع المحيط المسلم بسلطاته، باعلامه، بميليشياته، ارجو ان لا يتكرر هذا الكلام الذي لا يصدق به حتى الصبيان.
 8- هناك موضوع هام جدا وهو تضمن الخطاب الديني المس بمعتقداتهم ونعت المسيحيين بشتى النعوت، من صليبيين الى اولاد الخنازير الى كفرة ومشركين وغير ذلك، كل ما مر يشجع الجهلة والمشردين في الازقة لايذائهم ومضايقتهم واستهداف حريتهم، يتطلب التحرك السريع لمتابعة الخطب الدينية الموجهة من المنابر واجهزة الاعلام والنشريات ليس فقط منعها  بل معاقبة مثيريها.
9- ان المسيحيين بينكم كالورود النضرة في كل ما للوصف من معاني، فلا تجعلوا هذا التنوع يزول واذا زال فلن يرجع ابدا، وحينها تصبحون بمفردكم في مواجهة الاعاصير التي تبتغي اجتياحكم. ان مصلحتكم الحقيقية في بقائكم وتسليم المجتمع المتنوع الموروث الى اجيالكم القادمة هو في المحافظة على الاقلية المسيحية المتبقية، قبل ان تنقرض كما انقرضت قبلها الطائفة اليهودية قبل حوالي النصف قرن.
10- هناك ممثلين للمسيحيين في البرلمان العراقي وفي برلمان كردستان، وفي مجالس بعض المدن، يتطلب في كل مراجعة او اجتماع السماح لهم بعرض اوضاع المسيحيين، فتنصتوا لهم في جوارحكم وتستجيبوا ما امكنكم ذلك الى مطالبهم، وبذلك تضمنوا ليس بقائهم فحسب بل عودة معظم النازحين بسبب الاحداث الى وطنهم الحبيب للمساهمة بكل طاقاتهم في بنائه وايصاله الى الذرى كما تستند اليه قاعدته الحضارية التي ينحني امام عظمتها عالم اليوم.
في الختام، هذاغيض من فيض، لجلب انتباه الحكومة الجديدة والشارع العراقي والوسط الثقافي لما يعانيه المسيحيين، مع تطلعهم الدائم الى الاستقرار والحرية وتقدم العراق نحو الازدهار والسعادة لكل مواطنيه.
nabeeldamman@hotmail.com
November 12, 2010



81
مدرستي الابتدائية
نبيل يونس دمان
     قضيت سنتين في مدرسة خاصة بكنيسة مار كوركيس( مدرسَّه دْ زورِه) علمنا فيها الشماس هرمز كادو مبادئ التربية المسيحية، آداب الطريق، الصلاة، الاناشيد الكنسية، كان معلمنا يعطي دروسه في غرفة كبيرة نسبياً لها شباك يطل على ايوان مفتوح الى حوش محاط بجدران عالية، كانت ارضية الصف مفروشة بحصران مصنوعة على الاغلب في قرية باطنايا. عندما يخرج الاطفال في استراحة قصيرة الى  الساحة تتحول اصواتهم الى ضجيج كأنه ازيز النحل، بصيحاتهم بحركاتهم وحتى عراكاتهم. لم تكن في المدرسة مرافق صحية، لذلك كان احدهم يصطحب الاطفال الى وادي قريب اسمه( عين زقيا) لذلك الغرض. كان واحدنا يلبس قميص طويل وفي وسطه حزام معلق فيه قلة( شَرْبَنتا) ماء صغيرة وقدح مصنوع من الالمنوم( فافون) وغالبا ما كان مستخدمي مدرسة الاولى الابتدائية المجاورة يأتون بدست مملوء بالحليب الحار ليوزع لنا، لا زلت اتذكر موزعي الحليب كل من( حنا عازو، عيسى ججو تومكا)، واذكر كم اقلام قصيرة مبراة من طرف او من طرفين، اهداها لي الفراش حنا عازو. عندما يشرف الدرس الاخير على الانتهاء يطلب منا الشماس هرمز كادو ان نضم ايدينا الى صدورنا( قطارا دأيداثا) حتى الوصول الى البيت. وما ان نغادر مدرسة الصغار حتى نبدأ من تلقاء انفسنا بتقبيل احجار تشكل بنيان حائط الكنيسة المطل على ساحة مار ميخا، كانت بين تلك الاحجار شقوق واخاديد بفعل الطبيعة، فكنا كلما نعثر على قطعة خبزعلى الارض نرفعها ونضعها في تلك الشقوق، وعادة اخرى كانت سائدة، فما ان يسقط سن حليب( كاكه دْ خِليَه) احدهم، حتى يهرع الى الجدار المذكور ليركنه في تلك الشقوق، ولم اكن انا استثناء.
     تقدمت الى مدرسة القوش الاولى عام 1957- 1958 فرفض طلبي لنقص شهرين عن عمر الدخول اليها، لذلك تأجلت دراستي الى العام التالي حيث في صيف عام 1958 سجلني عمي كامل دمان في المدرسة التحتانية وكان موقعها في بناية( شيشا كولا) ومديرها حنا ﭙتي صفار. في ذلك الصيف افتتحت بناية جديدة تابعة لدير السيدة، عند سوق القوش، ليصبح اسم المدرسة( العزة الابتدائية للبنين).

 
مع عمي كامل صيف عام 1958، وانا على اعتاب دخول المدرسة الابتدائية

    كل شيء جديد في حياتي: ولادة الجمهورية العراقية في 14 تموز، ترك بيتنا القديم في محلة اودو الى بيتنا الجديد على مرمى عصى من المدرسة. كان موضع صفي يلي الادارة وله شباك يطل على السوق مقابل دكان ميخا سكماني، معلمي الاول رحيم سليمان كتو ذو وجه صبوح، يبذل جهده في التدريسس مع بعض الانفعال بحق المخالفين من الطلبة. كان يجاورني في المقعد الدراسي طالب من قرية الشرفية اسمه اندراوس، كان يأتي كل يوم مشياً على الاقدام، وهو اول من علمني رسم فرخ الدجاج، كنت اضحك منه وهو يسمي الفرخ( ﭼوكا).
     في احد الايام ونحن في الدرس الاخير، وانا جائع وفي شوق للخروج من المدرسة، يبدوا بدر مني شيء غير مقبول، فمسكني في اذني اليمنى للحظات ثم تركني، وبعد قليل وانا في الطريق الى البيت اشار احد الطلبة بسبابته الى اذني قائلا"( حَلّيݘْ) الدم يسيل من أذنك" فتلمست رطوبتها واسرعت وانا ابكي الى البيت، ما ان رأتني جدتي بذلك الحال حتى ارجعتني الى المدرسة وامام المعلمين والفراشين صرخت على المعلم رحيم بما اقترفت يداه، فأبدى أسفه العميق، مما حدى بجدتي ان تغير لهجتها لتقول لا عليك افندي، وعدنا الى البيت.
     في نفس السنة وزع علينا الغذاء المجاني، بعد الفرصة الثالثة جاء المدير وطلب من التلاميذ الخروج امام الصف، فوزع علينا الصمون الحار الذي كان يخبزه( شابا سيبو) في اول فرن صمون يفتتح في تاريخ القوش، وكان يوزع علينا ايضا اللحم والبيض والتفاح والبرتقال وحبوب فيتأمين كروية جلاتينية، اضافة الى الحليب الذي كان يجهزه المستخدمان جبو كادو ويوسف كعكلا. اعطى مديرنا ارشاداته في النظافة والاكل بنظام، هكذا انسجمنا مع توجيهاته، ولكننا فوجئنا في اذار 1959 بوفاته في الموصل فخرجت القوش عن بكرة ابيها لتشييعه، وليلف الحزن مدرستنا وتلامذتها الصغار.
     في الصف الثاني وعلى نهاية ممشى في شمال المدرسة كانت شعبتي التي مرشدها المعلم ياقو يوسف زورا عوصجي، وقد شاركني في رحلة الدرس طيبا الذكر: شكيب سليمان جلو وحازم يوسف كردي، كانا بحاجة الى مساعدتي في الامتحانات، لا ادري كيف تقبلت منهم هدايا بالمقابل، فالاول كان يزودني ببكرات خيوط غالية ونادرة من ابريسم الى صوف الى مطاط، اما الثاني فكان اخيه حميد يعمل في مطبعة ببغداد، فيزودني بمفكرات سنوية او دفاتر ملاحظات صغيرة مع اقلامها الرشيقة الناعمة، كم كانت تلك الهدايا تدخل الفرح الى نفسي.
      في الثالث كان صفنا في الطابق الثاني فوق غرفة المعلمين بالضبط، وكان مرشدنا المعلم جوزيف مقدسي( من الموصل) ذلك المعلم البشوش والمبتسم على الدوام، في تلك السنة والسنة التي تلتها وصلت كثير من العوائل الالقوشية من الموصل هربا من موجة الاغتيالات التي اعقبت مؤامرة الشواف، فقد زاملنا في الصف كل من نشأت يوسف توسا، زهير صبري نكارا، بولص ميخا بوكا، ورمزي جوكا صفار، ولان رمزي قدم مؤخرا فلم يتوفر له مكان للجلوس فسحب احد كراسي الفراشين الى صفنا ليجلس رمزي في اول الصف. كان المعلم جوزيف يستمتع بمقدمهم لانهم يتكلمون العربية بطلاقة، اتذكر نشأت كان يتكلم عن مدرسة شمعون الصفا وعن ازقة الموصل( صقاقات) وعراك الاطفال، وعمل طائرات الورق. في احد الايام قام الطالب بولص ميخا بوكا باداء اغنية نالت اعجابنا، اصبحت مفهومة لنا ليس بكلماتها بل بحركات يديه، اتذكر كانت عن المهن اليدوية وكيف يؤدي النجار او الحداد حركاتهم فيقول( النجار وكأنه يمسك منشاراً.... هيك يعمل دائماً) وكانت تلك لازمتها.
     مطلع عام 1961 ابتدأ القسيس هرمز صنا بتدريبنا على التراتيل والاناشيد لتناولنا المقبل، اتذكر وزع علينا كراس بالگرشوني عن تلك الاناشيد التي تعلق بذهني منها( ثيلي أث يوما....... بَذي يوما مَپصْخانة) وغيرها. بدأ تدريبنا في هيكل مريم العذراء، وكان القسيس المذكور يبذل قصارى جهده في تعليمنا بحركات يديه وبصوته الخفيض الجميل، في تلك الايام اتصل بي صديق الطفولة وجاري العزيز باسل ابراهيم جنو قائلا: لقد حجزت لاقرأ الصلاة( صلوثا) فليذهب احدكم ويحجز مبكراً البِندْيرَه( العلم او الايقونة) هكذا ذهبت جدتي الى القس هرمز وسجلت اسمي لحمل البنديره، بعد اشهر اي عند اقتراب موعد التناول الاول في حدود شهر نيسان احتدم الجدل والضغط على الكنيسة بمن يحمل البنديرا، هكذا ضغطت الاسر على القس هرمز ومن تلك الاسر بيت حنا رزوقي بحجة انهم وكلاء الدير والكنيسة وبأحقية ابنائهم المتناولين لحملها، وكذلك اسرة المدير الراحل حنا بتي  الصفار ليحملها ابنهم عوني، واسرة مدير مدرستنا ياقو اسحق شكوانا ليحملها ابنهم لؤي، واسرة منصور ياقو قيا ليحملها ابنهم خالد، واسرة الاخير القادمة حديثا من الموصل قالت سندفع مبلغا خياليا في وقتها( عشرة دنانير) حتى احتار القسيس بما يفعله، تشاء الصدف ان يصل الى القوش في تلك الفترة المطران عبدالاحد صنا( 19 اذار 1961) فخلص القس الى عرضها برمتها امام المطران، والذي اصدر قراره الفاصل والعادل، بان من سجل اسمه اولاً يحق له حمل تلك الراية، في الصباح الباكر قرأ باسل جنو بإحكام الترتيلة، فيما تناولت القربان المقدس(ﭙرشنتا) الاول من البنين، و تناولت ليلى بحو ﮔردي الاولى من البنات، حملت البنديرا متباهياً يوم التناول في الصباح الباكر، لأدور في حوش الكنيسة وخلفي طابور المتناولين. في عصر ذلك اليوم تجمعنا في باحة كنيسة مار ميخا فوزعت علينا الهدايا( مسبحة الصلاة، وقطعة كيك) هناك تنازلت طوعاً عن حمل الراية الى الثلاثي الذي حملها من باحة مار ميخا الى باحة مار كوركيس وهم كل من: صباح حنا رزوقي، مازن يونس رزوقي و نشات يوسف جبرائيل.
 
صورة بمناسبة تناولي الاول عام 1961 في بيتنا الحالي
الواقفون من اليمين: خالي عزيز اودو ومعه اختي وداد- كاتب السطور- والدتي كرجية اودو – زوجة عمي ودي هومو
الجالسون من اليمين: بتول شعيا عگيل- صباح شعيا- سعاد شعيا- اختي صبيحة- اختي فريال- اختي سعاد- وابنة عمي خالدة حبيب دمان

     في ذلك العام جرى اختيار فارس الصف كل اسبوع فاختير بعض التلاميذ لاجتهادهم، او لقدرتهم السيطرة على الفوضى في الصف، لكن معلمنا جوزيف اقدم في احد الايام على اختيار فارس الصف بالطريقة التالية: سأل سؤالاً عاماً لمن يرغب ان يكون فارساً فضج الصف بالصياح كل يقول انا يا أستاذ، كنت جالسا في المقاعد الاخيرة، قررت ان لا ارفع يدي في ذلك الجو الصاخب، في تلك اللحظة لمحني المعلم وانا جالس في هدوء، فاشار علي بالقول" نوئيل يكون فارس الصف" ، فاصبحت في الايام التالية اقف امام السبورة ادعوا الطلبة للوقوف احتراماً للمعلم.
     في الرابع الابتدائي كان مرشدنا المعلم حبيب ابلحد عوديش الذي يأت في وقت الحصة تماما، ما ان نلمحه عابرا امام الشباك، حتى نستعد .. نقف ...  فيذرع الصف محدقاً بوجوه التلاميذ وليقل في النهاية بحزم " اجلسوا" . كان مكاني في الاخير قريب الشباك المطل على الشارع الذي يربط بيتنا بالسوق، ومعلمي حبيب بات معجباً بمطالعتي درس العربية، فما ان ينتهي من شرح الموضوع حتى يقول" اقرأ نويل !!" وانا أنتشي في القراءة، فيحمر وجهي، ويعلو صوتي، أملاً ان يصل الى الشارع، فتسمعه أمي وزوجة عمي، وهن في الطريق كل يوم لجلب الماء عبر السوق، من نبع محلة سينا. في النصف الثاني من العام درّسنا ايضا المعلم متي حبيب سورو، اتذكر كيف كان يقف مستعدا وكأنه يؤدي تحية العلم لينشد( حياة العز) بحماس، وهو اول عهدي بالنصوص واول الغيث...
لي غاية ابتغيها.... وقد يوفق مثلي
ان لم تصل بي اليها.... فلا مشت بي رجلي
فيا رجاء تعزز ... ويا مصاعب ذلي
وانت يا راية الموطن اخفقي واظلي
يا ارض اهلي ومالي... فداك مالي واهلي
ليس الحياة بعز ... مثل الحياة بذل

     لقد استمر اسلوب فارس الصف مع تعليق نموذج بجانب السبورة، مؤطر وبزجاج، في كل اسبوع يتغير الاسم والصورة، هكذا تناوب المجتهدين من الطلبة، ولكن في احد الاسابيع اختير داود سليمان ﮔولا لسبب اخر هو نظافة أيديه، وبالمناسبة كان يجري تفتيش صارم على نظافة اليدين والاظافر وحتى الملابس من قبل المعلمين في كل عرض صباحي، بعدها يوعز معلم الرياضة حبيب صادق شدا باجراء تمارين صباحية لكل المدرسة. في اسبوع اخر اختير سعيد سليمان بطة فارساً للصف، نظراً لهدوئه واحترام الطلبة له.
     في ربيع ذلك العام وبمناسبة عيد القيامة المجيد، قامت اسرتي بسفرة الى قرية شيزي التابعة الى ناحية سميل- قضاء دهوك، أجرنا سيارة ميناس شمو توماس، وعند رجوعنا تأخرت السيارة بعض الوقت بسبب اوحال طريق( ترباسپي- القوش) وكان دوامنا في المدرسة يبدأ بعد الظهر لتناوب مدرستين في المبنى، تأخرت درساً واحدا فأخذت جدتي بيدي الى المدرسة، وكلمت المستخدم جبو كادو عن سبب تأخري، فاخذني بكياسته المعهودة الى الصف، طرق باب الصف فتوقف الاستاذ حبيب عن مواصلة الدرس، فقال جبو " يا استاذ للتو جاءت به جدته تعتذر عن تأخره بسبب ألم لازم بطنه" فوقف على رجليه في الحال زميلي وجاري باسل جنو ليقول" لا تصدق يا استاذ، لقد كان نوئيل يتمتع برحلة الى شيزي" فأحرجني كثيراً، ولكن الاستاذ تدارك الموقف مبتسماً، وسمح لي بمواصلة ما تبقى من الدوام.
     في الخامس الابتدائي وقع انقلاب 8 شباط، فاعتقل غالبية المعلمين وابدلت صورة الزعيم المحبوب عبد الكريم قاسم بصورة عبد السلام عارف، وكذلك تغير نشيد الصباح من( موطني) الى( بلاد العرب) الذي يبدأ هكذا:
بلاد العرب اوطان..... من الشام لبغدان
ومن نجد الى يمن..... الى مصر فتطوان

في تلك السنة حفظنا قصيدة ايليا ابو ماضي:
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا
لولا شعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيراً
وابغض فيمسي الكون سجنا مظلماً

وكذلك قرأ لنا المعلم جرجيس زرا قصة سليمان والهدهد التي مطلعها:
وقف الهدهد في باب سليمان بذلة
قال يا مولاي كل عيشتي صارت مملة
ضقت من حبة بر احدثت في الصدر غلة
لا مياه النيل ترويها ولا امواه دجلة

     في السادس الابتدائي اعجبتني قصيدة بعنوان تنبهوا واستفيقوا فحفظتها:
تنبهوا واستفيقوا ايها العرب
قد طمى الخطب حتى غاصت الركب
الله اكبر ما هذا المنام فقد
شكاكم المهد واشتاقتكم الترب

وفي نفس تلك السنة ، تحديدا يوم 24-9- 1963 والجو مكفهر ينذر بالموت، أجبِرنا نحن التلاميذ الصغار ان نحضر وقائع جريمة ارتكبت على تراب بلدتي، في اعدام الثائر حميد الياس حنو، وفي الطريق الى ساحة مار قرداغ استطعت ان اتخلص من المسيرة وارجع الى البيت، دون ان تطاوعني نفسي وانا طفل ان احضر مراسم لا زال وقعها في نفسي شديداً، عند تذكري تلك المشنقة التي جلبت قبل ايام من الموصل والحبل متدلٍ منها.
جدول من الذاكرة لطلبة الصف الاول الابتدائي عام 1958- 1959
1- ابراهيم يوسف بوداغ
2- خضر حسقيال توما ﮔولا
3- عادل ابلحد صادق عوديش
4- جلال يونس ﮔولا
5- نبيل عيسى ياقو جولاغ
6- باسم يوسف كويسا يوحانا
7- سالم بحو حنگلو ﭙولا
8- كامل يونس حلبي
9- نوئيل يونس ياقو دمان
10- سمير منصور اسرائيل خوشو
11- الشهيد منصور حسقيال دﮔالي
12- يامين كوركيس
13- جلال بطرس سليمان ﮔولا
14- سمير يوسف كعكلا
15- طلال متي كعكلا   
16- اندراوس .......( الشرفية)
17- نوري حازم يونس هومو
18- باسل ابراهيم صادق ﭼنو
19- المرحوم جلال ممو ݘونا كريش
20- جمال بحو كوريال شبو
21- ابراهيم حنا حبلي
22- نافع سمو كوريال هومو
23- شيخ موس شيخ سعيد( من عين سفني)
24- جميل يونس كوزا
25- صليوو اوشانا
26- سمير يوسف بنا
27- سعيد يلدا سعدو فعونا
28- زهير منصور دنو كجوجا
29- المرحوم حبيب بطرس دكالي
30- لويس سليمان جهورو
31- غريب جرجيس شمو ميزا ﮔوكي
32- عيسى جبو دﮔالي
33- المرحوم حازم دنو بتي قس يونان
34- سالم توما خدركا
35- صباح شابا شهارا
36- جلال حبيب كولا
36- عوني حنا صفار
37- جبرائيل عيسى بدي
38- عبد الله منصور خزمي
39 عادل منصور عربو
nabeeldamman@hotmail.com
U.S.A. September 20, 2010



82
المنبر الحر / خلق الكون
« في: 12:40 07/09/2010  »
خلق الكون
نبيل يونس دمان
     مسألة التفكير في خلق الكون قديمة قدم الدهر، فبقدر ذرات الرمل توجد النجوم، هنا اتسائل: لماذا وجد الخَلق فوق ذرة واحدة هي الارض؟ . الارض في المجموعة الشمسية( لنترك جانبا فكرة تعدد الاكوان) ألم تتوفر ظروف مشابهة في عدد لا يحصى من النجوم والاجرام فتكون هناك حياة اخرى قد يكتشفها قاطنوا كوكبنا في زمن ما؟.
     عمرعالم الفيزياء وعالم الاحياء والكيمياء والتاريخ والاجتماع والفيلسوف قصير على الارض، فما ان يستعد ويمضي قليلاً الى الامام في ابحاثه حتى تشرف حياته على الانتهاء( اكثر احتمالا يعيش بين 70- 100 سنة) لو قدر للانسان ان يعيش كما عاش سيدنا نوح وغيره من الاقدمين( اكثر من 800 سنة) ربما تسنى له اكمال ما بدأه بالرضا والسرور.
      اذا اتفقنا جدلاً مع العالم البريطاني المقعد( استيفن هوكينغ) بان الكون نشا من تلقاء نفسه لاصبح العالم في فوضى. ان فعل الاديان على الارض يعادل فعل اضعاف جيوش العالم واضعاف ترسانة السلاح واضعاف اعداد السجون، الاديان هي العازل الضروري بين النظام والفوضى، فاية محاولة بشرية لقلع فكرة الاديان من العقول تتطلب جهود مئات من السنين القادمة، والتي اشك في تحقيقها ايضا.

84
اصول وجذور عوائل البلدة القوش
نبيل يونس دمان
     

تركيــــــــا
كوكاي :  مدالو ،  كشانا  ،  زوري  ،  ججي مقّو  ،  موكَينا  .
تخومـــــــا
اودو :  حكيم  -  مرخو  ،  تعينو  ،  جونيقي  ، حنوقا  ،  ميزا  ،  ككحنو  -  بونا  .
شبـلا :  شمّيكا  ،  باشا خواره  ،  سبتو  ،  برجا  ،  كمّون  ،  شعيا  .
خزمي :  تيله  ،  بجوري  ،  يقونـا  ،  شبلا ( جبو ) .
مقدسّي :  شهارا  ، كجلا  ،  تيكا  ،  ميخائيل كشّا  ،  ملا  ،  تـاتـا  ،  ياني  ،  عنطون  ،  نونا  ،  عيسوكا  ،  صادق غزو .
جيلـــــو
خوشــــو :   ككعيسـى
اقــــــــــرور
سيبانــــــــــــــا :
شماشا عيسى :  شعيـــا بابــي .
سعـــــــرد
رزوقــــــي : سنة القدوم 1872 .
سكَمانـــــي :
اسحـــــــق :  هاول واخيه يوسف بوتاني . سنة القدوم 1918 .
ارمينيـــــا
يلـــــــــــــــــدا :  واولاده . سنة القدوم 1890 .
بــــــــــــــــــاز
بــــــوداغ :  كَيزو  ،  جلي  ،  كَاجو  ،  كرستو  ،  بوكـــا  ،  ججينـا  ،  حلبــي  ،  قاقوز .
يوحانـــــا :  كويســـا  ،  بــــــــندق  ،  بيــــــــا .
أشـيثـــــــــا
دمّـــــــان :  ككميخــــا  ،  طعــــــان  ،  زكَــــــلا  ،  قَشَــه قريشـو .
حيــــــدو :  ساكــو  ،  ديكــو  ،  جبو لاوو  ،  جورو ( ارخته      وبلكَح ) . 
يلدكـــــو :  ككساكـو  ،  ملــو  ،  عموكــا  ،  تومكــا  ،  حنّيكــا  ،  شعيوكـا  ،  مزكّـا  ، كَرجي .
قـــــــودا :  اسماعيلــو  ،  غريبــو  ،  شلّــــي .
كجـــــــو :  شمون هيلو  ،  كوران ( كوزان )  ،  ككشــا ( بطوخا )  ،  ككنّـــــه ( ســــاوا ) .
جهـــــوري :
تيـــــــــــــاري
بلغـــــــــم : (  كَــورو ) ، غزالــــة  ،  بنّـــــــا  ،  زرا  ،  خنـدي  ،  زورتا  ،  خمّـي  ،  حـزّا .
شوشـــــــو:  سليمان ( ششا ) واولاده ايليا و داود . 
كاني ماسي
مــــرو : 
شمّينـــا :
برواري بالا
كجوجــــا :   حانــــــي
شرانــش
بــــــــولا   سنــة القدوم  1912 .
تلخــش
ديشــــا :  كـــردي  ،  حنـــو .
مارديــن
مكســابو :  ،  عربــو  ،  جيقــا  ،  تــولا .
بين سنة 1550 – 1600  قدم مكسابو مع اخيه عبدالجليل ، والاخير أسلم في الموصل وهم بيت الجليلي المعروف
دركلــي
بلّوطـــــا :
نيســــان :
سليفانـي
قلّــــــو :  بزنـــي  ،  رابي يوســب .
شيّـــوز
شوشانــي  ،  كوســا  -  عكَيــل
أراد ن
يوخنــا :   يونــس  ،  يوســف ( جيجو )  . سنة القدوم  1920 .
داووديــة
شليمــــون :   سنة القدوم  1917 .
دهــــي
صليــــوو :  واولاده ، منهم القس هرمز . سنــة القدوم  1912 .
سوريـــا
أبونـــــا :  حنانــا  ،  يقـــلا  ،  توما رحيثــا .
قدموا من حلب سنة 1150 . واصلهم من بغداد ، حيث نزحوا منها قبل عدة قرون ، هربا من الاضطهاد .
كَزنــــخ
خمـــو :  ميخــو  ،  ســورو  ،  نونــا . سنة القدوم 1888 .
مانكَيــش
لازو : عــازو .  مدلـــل :  ججـــو سرّة .  ســـاقي : اسحق ساقي .
 سابيــوس : 
كَزيــــرا
كَزيرايــا :  كرســـتو . سنة القدوم 1743 .
صفــــار :  كَوزينـا  ،  حمّــــي  ،  بانــــــو . سنة القدوم 1743 .
حربــــي :  جاربوت  . سنة القدوم 1860 .
رزقـــــو :  ياقــو و اخوانه . سنة القدوم 1918 .
آ د م :  هرمز و اخيه . سنة القدوم 1918 .
بهندوايـا

اسطيفانا :  بتــو قـــلا  ،  بطــــه  ،  منصورا .
ايشــــي :   ختـــــي  ،  اخال خنوي  ،  هرميزي .
يقونــدا :   جيــا  ،  ككجونـا  ،  مرغــو  ،  بابانــا  ،  شـــدّا  ،
 كمّــون  ،  كوزا ( ابلحد شلّــه ) .
ككـــــا :   تومــــاس  ،  كَوهاري  ،  جبــّاي  ،  هيلاني  ،  كاكــو  ،  خال عوديشو .
نشيـــا :  عربــو(اسطيفو ، صادق)  ،  حبيدوش  ،  اورو واخيه يوسف .
عوصجــي :  اوسطايــا .
زاخــــــو
أبشــــارة
مكرثــــــــا
كونديـــــرا :   وكيــــــلا  ،  كــــــــرو
قــس دنــــو:   قصــــو  ،  متيــــن  ،  دبــــش .
دهــــــــوك
صنــــــــا :    كشـــــّو وعيســـى ,
معلثـــــــاي
قس يونـــان  ،  نجـــّــار  ،  جلــــــوا .
قصرونـــــا
دودا :
سميـــــــل
بوناشازي :  أ ســـــمرو  ،  حبلّــــــي  ،  بنياميــن  ،  زلفــــــة  ،  جركـــــو  ،  عبديكـــو .
بــــــــــولا :  توســــــا  . سنة القدوم 1800 .
حنّينــــــــا :  قرمز دكــــَالا .
صـــــــارو :  دكَالــي  ،  نــــدّاس  ،  سرسروك  ،  سلّومي  ،  تقالي  ،  سيدي  ،  شهرزاده .
الموصــــل
جلــــــّو :  سيبـا دودا ،  اسحق متين  ،  صليوو قاشانا .
وزّي :  سنة القدوم 1850 . 
حدّاد :  حجــي .
رمّـــو :  خــرّات  ،  تشـكا  ،  كورو  ،  جتــو  ،  جــرّا .
تلّســــقف
صحـــب :   يلــــدا .
مارخائيل :  ( مارخاي ) ( توماس ) . سنة القدوم 1930 .
تلكيـــــف
تومـــــي :  حبّنتـــا ،  بدوكــي .
بشّــــــي :  بطرس واولاده عبد ومنصوري . سنة القدوم 1930 .
ديزا :  بلّولــــو .
فعونـــا :
دقيقــا : مخّــي .
حنّـــوش :   بحـــــّو . سنة القدوم 1900 .
بيكلبــــه
خوشابـــأ :  ســــــورو  ،  ربّـــــان  ،  برخـــو  ،  كَريــــش – ياقـــي ( اولاد نانوكي ) .
زورقــــا :  قاشــا – مخّــي – ميخائيل دانيال  ،  كَبّــارا  ، كــرّا  ،  ايليــا  ،  قاجــو .
كرمليــس
تمـــــــّو – سلمـــــو  ،  كَنّــــــي  ،  خدركــــا .
خاروثــــا
خبّــــــاز :  ريحانــة ( هرمــز بولـــس ) .
خوركـــا :  جنّـــو  ،  ميمــا  ،  بولا حــدّاد  ،  بحــي ســاوا .
شبّــــــو :  قانيجــــو  ،  رشوكــــا .
باشبيثـــا
نصـــــــرو :  رئيــس – جمعـــة – ككتومـا ، كعكــلا – عبــدو  ،  هومـــو – ياتــا – توتـك  ،  جـــولاغ  ،  كوزلـــي .
منصــورا :  تومــا واولاده جرجيس ود. شاب .
كــــــوزا :  شمونـــــا  ،  راحي دودي .
بــــــــدي :  سنة القدوم 1743 .
قـصر زديـن
كـــــادو :  سولاقــا  ،  ناطــــور  ،  شلحـــو  ،  ليراتـــو .
حميكـــا :  كعـّـــــــا  ، ايسفا صارا .
كــــــدّو :  يوسف بني  ،  ياقــو  ،  صليوو قس عوديشو .
شاجــــا : ( شاشا )  ،  جعـــو  ،  رشــــو  ،  نونــــو .
حنّونـــا :  زومــي  ،  بابيكــي  ،  دلا .
حنويـــا :
نصيريــة
خوبيـــــــــــــر :
ايــــــران
ككرشـــو :  بتّـــــو  ،  حنطيــه .
تسقبناي :  سليمان  ،  متيكـا  ،  دنــو  ،  بتــي .
بـــــوزان
مـــــــــــرادو :  سنة القدوم 1880 .
كرسافــا
تغـــــــو :  بجّـــي بلــو  ،  رابي عوديشو  ،  ياقــــو .
كوكــــي :  شمّــــو ميـــزا .
آ ز خ
يلــــــدا عوديــــش  : سنة القدوم 1947 .
حنــــــو ايشــــــــو : سنة القدوم 1949 .
بيـــــــــوس
كَــــولا :   بتّـــوزا  ،  ججاوي  ،  جنجــن  ،  مرّوشــا .
ملاخـــا :  عبــادا  ،  على الله  ،  جاجــــان .
بقـــــالا :  بقادي  ،  عوديش  ،  جاورو  ،  ملوكــا  ،  صنـــا .
سيبـــي :  عبـــدالا .
كتّــــــــو : 
عنكـــــاوة
رحيمــــا :  - كريمـــــــــا .
ججـــــي اليــــــاس :
عقـــــــــرة
روفــــــــــــــو : سنة القدوم 1880 .
هاول عقراوي : سنة القدوم 1880 .
العوائل الاصلية في القوش ، و ترجح اصولها الى ما قبل الميلاد : -
شكوانا :ــ قس نونــا  ، عبيــــــا   ،  رابي رابـــا 
توماســـا
  برنـــــــو:ــ بـــــودو
شماشا :ــ  ككـــــــو  عمـــّــــا
قوجــــــــا : ـ توميشــا   دزّا   
عطايـــــا :ــ  جيّــــــــا  عنـــــــدو   جوعـــــا
جــــــورا
جمــــــــــا :ــ
  مميـــــس :ــ  قيـــــــّا  مسّـــــول
   سرسمّـــو
شـــــيخو: ـــ
بلـــــــــــو: ـــ  خيـــــــرو   شابيتــا
  قيــــــــّا
بهـــــاري:ــ
عاشـــو      عبيـّـو    قبّيكـــا
 كَلـــّــــو     مــالان 
 ميــــــــرا
المصادر
 المطران يوسف بابانا
 حنا شيشا كولا
بنيامين متيكا حداد
الياس ميخائيل صفار



85
منتزه البطل توما توماس
نبيل يونس دمان


 

ناو زنك 1980

       ها ان حلم محبوا قائد الأنصار، بطل مقاومة الظلم لعقود مديدة من قرننا الماضي، يتحول مع الزمن والصبر والاناة الى حقيقة، بعد ان دشنت اساسات كونكريتية متينة على ارض هي مدخل البلدة التي انجبت توما توماس وقبله رجال لم يطوِ الزمن ذكراهم في البسالة والذود عن كل ما هو مشرّف على مدار القرون، في تلك الارض الطيبة سيشمخ نصب تذكاري لذلك المناضل الذي تتحدث عن بطولاته اجيال من الثوريين العراقيين، ومن مختلف الاديان والقوميات والمناطق، سيقف على تلك الارض الصلبة تمثال رجل ظهيره جبل اشم ووجهته كل بقعة من بقاع الوطن المتسعة لحدقات عيونه، سيظل توما توماس هكذا والى الأبد ينظر بحنو الى وطن النهرين والى مدنه وقراه التي في استقرارها وازدهارها يتحقق امل كل العراقيين من زاخو حتى الفاو.
     عندما ينتصب تمثال الراحل، وتستوي الارض وتورق وتزهر بكل ما أوتي واضعوا ومنفذوا الفكرة من ابداعات ومباهج وتحف تدخل البهجة والافتخار بذكرى رجل عاش بيننا وضحى بكل شيء من اجلنا، الجميع مدعوون للاسهام في دعم هذا المشروع، وكل من احب الرجل وسلك دربه في وقت من الاوقات، وفاء له ولافكاره القويمة. على فناني شعبنا الاسهام بافكارهم الفنية، وعلى مهندسي التصميم، واخصائيي التربة والزراعة، وعلى المناضلين حملة راية توما توماس( وطن حر وشعب سعيد) ان لا يبخلوا بمقترحاتهم، وحصيلة خبراتهم، ليتحول المكان الى حديقة غناء، ومكان يلتقي فيه قدامى الانصار والعوائل والطلبة والشباب والعمال والمزارعون، وكل زائر يقصد البلدة التاريخية العريقة. اهيب بكل احزاب ونوادي ومنظمات القوش المختلفة ان تشترك جميعها في انجاح المشروع الذي في اساسه نقلة نوعية للبلدة التي اهملت طويلاً، وهي آهلة بالغر النشامى من ابنائها، تضرب جذورها عميقا في التاريخ، والتي ينتظرها مستقبل مجيد كالامجاد التي سطرها توما توماس وغيره من شجعان البلدة وعلى مر العصور من علمانيين ومؤمنين، ومن رجال الدين ينتظر دورهم في إنجاح المشروع، وليتذكروا باستمرار ان توما توماس كان يجلهم ولا يتفوه الا بعقلانية واحترام عندما يجري الحديث عنهم.
     اتوقع من العوائل التي وقف بعض ابنائها بالضد من توما توماس والتي كانت محكومة بضغوطات السلطة، الاوضاع الاستثنائية، وعن سوء فهم وتقدير لانسانية الرجل، عليه اتوقع من ابنائها ايضا المساهمة في المشروع، وسيكون فاتحة مشاريع اقتصادية قادمة وفي بلدات اخرى اساسها المساهمة واستثمار الاموال في الوطن، ولايجاد موارد للعوائل التي تعش الصعوبات هناك، لن تستقر البلدات ولا يثبت الابناء ما لم تتوفر فرص العمل، والاستثمار هو مدخل لاقامة مشاريع اقتصادية وسياحية ودينية، ليتذكر اصحاب الاموال في الخارج بان استثمار اموالهم في الداخل هو الطريق الى ازدهار البلدات والقرى تمهيدا لاستقرارها من فوضى الهجرات الى كل حدب وصوب، اذا اسعفت الظروف ونجحت مثل هذه الصروح ستكون في نهاية المطاف هزيمة تاريخية للفوضى والارهاب وانعدام الخدمات، وكذلك هزيمة لمشروع الاقتتال المستمر وقعقعة السلاح والانفجارات العشوائية المدمرة.
     ان شاء الله ومع حشد الاصدقاء والمناضلين في الخارج والداخل سيكون يوما مشهودا وتاريخيا يوم يكتمل المشروع وتشرع ابوابه لزائريه. ستعقبه ان شاء الله ايضا مشاريع اخرى، منها اقامة نصب لشهداء مقاومة الدكتاتورية، ونقل رفات من توزعت جثامينهم في اراض بعيدة، لتعود بزهو وهيبة الى احضان التربة التي منها انطلقت للحياة فسجلت مآثرها!
     حيا الله مدشني منتزه توما توماس، رجاله في الشدة، احيي كل من ساهم ويسهم من مختلف الاديان والقوميات والمناطق، في مراحل المشروع وسيكون هناك ذكر لكل مساهم. احيي اصدقائي في موقع المشروع وهم يزاولون العمل بهمة ونشاط وهم: نوئيل يوسف مرادو( نوّا) يونس جعفو قوجا( نونو) ألفريد يونس ختي، صلاح اوراها كجوجا، فلاح اوراها قس يونان وغيرهم، في الصور القادمة من مراحل تقدم العمل في المشروع، اتوقع وجوه جديدة ومن القرى المحيطة ومن رجال توما توماس في سني النضال، ومن اصدقائه واقربائه، ومن مسؤولي الدولة والاحزاب، انا متأكد من انهم سيبذلون الجهد اللازم ويذللون كل الصعاب امام انجاح المشروع.
الى الغد القادم والمشروع ينتظر الافتتاح! .
الى الغد الأبعد وتكتمل مشاريع اخرى، في ظل ثبات بنات وابناء هذه البقع التاريخية، في رحاب ارض وموطن الاجداد.
 رغم الصعاب سيشقوا طريقهم الى الحياة الحرة السعيدة.

86
المنبر الحر / شاعر القرن وداعاً
« في: 17:46 30/07/2010  »
شاعر القرن وداعاً
نبيل يونس دمان
     في البدء أقر بأنني لست اهلاً ان اكتب مرثية لشاعر كبير، والذي يكفي ذكر اسمه ان يدخل الملايين من المعجبين به في فردوس الشعر، حيث فيض المشاعر، ورفعة القيم، وسمو الادب. لكن حبي الكبير وتأثري المتعاظم منذ نعومة اظفاري بهذا العلم الذي انجبته بلادنا، جعلني اتجاوز ترددي، بل خجلي من ضعف امكاناتي، هنا استرخص جمعكم، ان ألج بقلمي المتواضع واقتحم بصدري الواهي موضوعاً عن شاعر القرن العشرين، محمد مهدي الجواهري.
     لنعرج قليلاً ال بيئة ولادة الشاعر وزمانها، فالنجف مدينة زاخرة بالعلماء والكتاب والشعراء، نابضة بالحياة على الدوام، رغم كل المآسي التي تعرضت لها، والنوائب التي ألمّت بها، هي ام الجواهري، ومن ثديها الدرّار رضع شاعرنا: القريض، والعنفوان، والثورة. كانت ولادته في زمن اشرفت فيه دولة الرجل المريض ان تنقرض من وجه البسيطة، فعندما شبّ الجواهري وتذوق طعم الحياة، واكتشف إلهامه الفطري، ومقدرته على نظم الشعر، كانت الاوضاع في مدينته وبلده غير مستقرة، واذا استقرت فبعد سلسلة من الصراعات تمخضت عن ولادة الدولة العراقية، وتنصيب ملك غريب على البلاد ليتولى مقاليد امورها.
     هكذا وجد الجواهري نفسه في فترة مبكرة من حياته شاعراً للبلاط الملكي، ولكن نفسه الأبية، وبركان الرفض المتأجج في داخله، لم يتركه يترهل ويستكين، بل قلب تلك المعادلة المألوفة في حبّ الجاه والنفوذ لينحاز الى جانب الشعب ضد مستغليه، مطايا المستعمر الغاصب.
     عندما خرج الشعب هادراً في شوارع بغداد العاصمة إثر اندلاع وثبته الخالدة عام 1948، كان الجواهري محمولاً على الاكتاف، يحرض الناس ويؤجج حماسها، وقد فقد فيها اخيه الشهيد جعفر:
يوم الشهيد تحية وسلام
بك والنضال تؤرخ الاعوام

     من العجز ان يغطي اي كان حياة الجواهري الصاخبة ولو بجزء يسير لشمولها وامتدادها وروح التحدي المتأصلة فيها، وكونها مخضرمة عاصرت كل العهود، رافضة للذل والهوان. ولكن باستطاعة محبيه ان يوقدوا الجمرات في مستوقده الشعري، كلما خبت النار فيه، ولتشع كومض البرق، فتشرق وجوه الكادحين، وتلهب ظهور اولئك الذين اوصدوا الابواب امامه، وغيروا مجرى حياته، فوق اديم وادي الرافدين، وعلى ضفاف دجلة الخير:
يا دجلة الخير يا نبعاً افارقه
على الكراهة بين الحين والحين

.. ليعش غريباً منفياً لكنه ويا لخيبة اعدائه، كان موضع حفاوة واستضافة اينما شد الرحال، من براغ الى دمشق وغيرهما، فاللعنة كل اللعنة عليهم وسيلاحقهم العار في كل صفحة من صفحات التاريخ واستحقوا قوله:
انا حتفهم ألج البيوت عليهم
اغري الوليد بشتمهم والحاجبا

     شرفني الزمان ان ازور الشاعر في قصره بدمشق صيف عام 1987، وقد كانت فرصة نادرة تعرفت فيها عليه، واعجبت بقامته المنتصبة، وبمحياه الباسم، وصافحت يدين قويتين، وجلست استمع لما كان يتحدث به، وتذكرت ما قاله بحقه معروف الرصافي في عام 1941:
اقول لرب الشعر مهدي الجواهري
الى كم تناغي بالقوافي السواحر

     ستظل اجيال واجيال، بعد قرن وقرون تدرس ظاهرة اسمها الجواهري، مرهف الحس، موسيقي الاذن، سليط اللسان، نهر من النظم، صافي النبع، لا ينضب مصدره، صان الشعر العربي اصالته وإلتزم بقافيته وموازينه وبحوره، كان استمراراً لشعراء العصور لخوالي، ولعل اكثرهم شبهاً به ويعتبره مثله الأعلى، هو ابو الطيب المتنبي.
     كان المتنبي نفسه منفياً عن بلده العراق الى الشام ومصر، وعندما هاج به الحنين، قفل راجعاً ولقي حتفه فوق ترابه، ماذا تقولون لسلطة حاكمة تسقط عن ابي فرات جنسيته، قبل بضعة سنوات، ولسان حال الجواهري قول المتنبي:
ما نال اهل الجاهلية كلهم
شعري، ولا سجعت بسحري بابل
واذا اتتك مذمة من ناقص
فهي الشهادة لي باني كامل

     لنختتم موضوعنا بتقديم النصح لكل من احب الجواهري وتأثر به، ان يرجع الى دواوينه وكتبه ومذكراته باستمرار. وليكن معنا مهدي الجواهري: في قصص الاطفال، كتب المدارس، مناجاة العشاق، وأغاني الثوار.
حيو الفقيد وكبروا
به العراق يفتخر
خضر الاغصان ترسم
اكليل ورد احمر
على السطوح يكثر
بيض الحمام يهدر
باق شعر الجواهري
عذب الغناء ينثر
دائر مدار الهور
وكل الجنوب ثائر
بغداد فيها وحش
عيناه تقدح شرر
وفي انحاء الوطن
اشعار مهدي تعطر
- مشاركة في حفل تأبيني للشاعر في ديربورن- مشيكان- ايلول 1997.

87
ربع قرن على مهرجان الشبيبة العالمي
نبيل يونس دمان


      في الثمانينات كنت اعيش في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بلغت باني في قوام الوفد العراقي المصغر الى المهرجان العالمي للطلبة والشباب في موسكو، ضمن وفد اتحاد شبيبة اليمن الديمقراطي( اشيد) الذي ضم اكثر من مئة شاب وشابة، اما نحن فكنا في حدود (11) زميل وزميلة، وبعد فترة تهيئة جيدة بمحافظة ابين والعاصمة عدن في اقامة فعاليات فنية جلبت اهتمام اليمنيين والجاليات العربية المتواجدة، تقرر سفرنا على متن طائرة الايرفلوت بتاريخ 23- 7- 1985.

 


فعالية قدمت في محافظة ابين

     في الموعد المحدد غادرنا عدن الى القاهرة ومنها الى اوديسا على البحر الاسود ثم حطت طائرتنا في مطار موسكو في الساعة السابعة مساءً وكان الجو ممطراً ودرجة الحرارة 14 مئوية. بعد قليل من نزولنا سلم الطائرة استقبلنا بحفاوة من السوفيت وقدمت لنا فتاة باقة من الزهور، وفي طريقنا للخروج تشاء الصدف ان يكون الوفد الامريكي الى المهرجان في خط مجاور لنا، وحالاً انفصل منه شابين وعرّفا انفسهم بانهم من الاتحاد الديمقراطي العراقي في اميركا وهما الزميلان: مازن و طارق.
 

 
انا و زيد ثابت مسؤول شبيبة أبين على متن طائرة الايرفلوت


     اخذنا المضيفون الى فندق( اوكرانيا) وتمت بعض الاجراءات ثم نقلنا الى فندق( السبوتنيك) المؤلف من 15 طابق، وقد خصص الطابق العاشر لوفدنا، قدمت بعض الهدايا الجميلة، ثم تناولنا العشاء في اعلى طابق في الفندق، في الطابق الارضي اصبحنا نلتقي بالوفود العربية منها الوفد الكويتي، الاماراتي، السعودية، عمان وغيرها وكذلك وفود امريكا اللاتينية منها الوفد شيلي، هندوراس، بارغواي، غواتيمالا، وغيرها.
الاربعاء 24- 7
     غادرنا الفندق في الساعة 9:30 في باص خاص وتوجهنا الى الساحة الحمراء في قلب العاصمة، وفي الحادية عشرة زرنا الجندي المجهول وعلى انغام المارش العسكري وضعنا اكليل من الزهور على ضريحه، ثم نزلنا في قبو يؤدي الى ضريح مؤسس الدولة( لينين) وهو محنط منذ وفاته عام 1924، فالقينا نظرة عليه وكان اعجابنا بالحرس الذي في الباب وفي الدهليز حيث يقفون دون حركة وكأنهم اصنام، عند خروجنا الى الساحة زرنا كنيسة القديس( فاسيلي) وعند حلول الظهيرة وقفنا نشهد عملية تبديل الحرس، مع دقات ساعة الكرملين الثانية عشرة، طرقت الارض بشدة احذية الحرس المتقدم نحوالضريح، وبسرعة خاطفة تبدل الحراس. بعدها دخلنا الى الكرملين وشاهدنا قصر المؤتمرات والمدفع العملاق زنة( 40 طن) وقد صب عام 1586، وكذلك ناقوس كبير في الارض وقد انفصلت قطعة منه اثر سقوطه عام 1735 من احدى قبب الكنائس بسبب وزنه( 25 طن)، واخيرا غادرنا من احدى البوابات بعد ان شاهدنا كنيستين بقبابها الذهبية.
 

 
ناقوس الكرملين

     في المساء ذهبت مع الزميلتين جوان وام اروى الى المسرح( البولشوي) حيث عرضت مسرحية باللغة الروسية واخرى بالايطالية، لم نفهم شيئا لكن العرض كان جذابا وقد كنا في الطابق السابع نستعين بنواظير زودت لنا في الباب، وقد قيل لنا بان تاريخ بناء المسرح الشهير هو 1856. اخيرا رجعنا الى الفندق فتعرفنا على رئيس وفدنا الاخ كمال شاكر( ابو سمير) الذي كان طوال المهرجان كتلة من الحيوية والنشاط، وكذلك تعرفنا على شخصية اخرى قادمة من براغ وهو( ابو عمار). كان استغرابنا كبيراً في تأخر غياب الشمس الى الساعة 10:30 ذلك شيئ لم نألفه من قبل، وقد اخبرنا بان الشمس لا تغيب عدة ايام في مدينة بطرسبرغ حيث تحل الليالي البيضاء!.
الخميس 25- 7
     خرجنا في الصباح برفقة كمال شاكر وابا عمار في رحلة نهرية، بدأت في العاشرة صباحاً وانتهت في الواحدة، حيث قطعنا نهر موسكو على ظهر يخت يسير ببطئ فاطلعنا على معالم المدينة منها الجامعة، والملعب الرياضي، والمكتبة العامة وكنائس قديمة. في تلك الرحلة التقينا بالوفد السوداني وفي طليعته الاخت فاطمة احمد ابراهيم زوجة الشهيد شفيع احمد الشيخ، تبادلنا الاحاديث وكان نظام النميري قد سقط في تلك الفترة( نيسان 1985) فغنوا اغنية الانتصار بحماس قل نظيره، مما ابكى اعضاء وفدنا الذي لا زالت بلاده تحت حكم صدام حسين.
عند عودتنا الى الفندق تعرفنا على كامل الوفد العراقي الذي وصل من عدة عواصم، وفي قوامه العديد من فصائل الحركة الوطنية العراقية.
 

 
وفدنا الى المهرجان

الجمعة 26- 7
     ذهبنا في نهار ذلك اليوم للقاء الكومسمول في نادي الوفود، نزلنا من الباصات ونحن نغني ونرقص، استقبلنا بحماس مماثل ثم بدات تتوالى الكلمات فكانت كلمتنا التي القاها الزميل ابو عمار، ثم شربنا نخب الصداقة وتبادلنا الهدايا التذكارية. تجولنا في النادي والتقينا بمجموعة وفود عالمية واخذنا الصور التذكارية ثم قدمنا دبكة كردية نالت اعجاب الحاضرين، وبعدها غادرنا النادي الى احد المسارح المقامة في الهواء الطلق فاستمتعنا بالعروض وقدمنا رقصة( الهيوا) المعروفة قبل ان نعود الى الفندق.
     في العصر ذهبت مع بعض الزملاء الى نادي الصداقة لترتيب معرض للاعمال الفنية وفي الثامنة تم افتتاح المعرض واستمعنا الى كلمات الوفود التالية: السعودية، البحرين، عمان، باكستان، الاردن، العراق وغيرهم. بعد ذلك ابتدا حفل فني على انغام موسيقى صاخبة، قضينا في تلك الاجواء قبل ان نعود الى فندقنا في شارع ﮔاﮔارين عند انتصاف الليل.
السبت 27- 7
     بعد ظهر ذلك اليوم حملتنا الباصات الى ملعب( لينين) لحضور افتتاح المهرجان، هكذا توجهت الآلاف المؤلفة من شبيبة المعمورة الى ذلك المكان تهتف، ترقص، وتغني ووفدنا لم يكن استثناءً بل كان كتلة من الحماس حتى اخذنا مكاننا في احد اجنحة المدرج. اطلقت بالونات ملونة بكثافة ثم بدأ استعراض الوفود امام منصة التحية ضمت قادة البلد وعلى رأسهم ميخائيل ﮔورباتشوف المنتخب حديثا لزعامة الجمهوريات، مرت الوفود امامنا ايضا ومن تلك الوفود: نيكاراغوا، كوبا، اثيوبيا، سلفادور، لبنان، ثم كان وفد النظام العراقي تتصدره صورة كبيرة للدكتاتور صدام ويضم ثلاث عناصر بالزي الكردي، كان الوفد بائساً لم يصفق له احد، فيما اسمعناه صوتنا وهتفنا مع جارنا في الملعب وفد شبيبة اليمني الديمقراطي، غادر مسرعا ليركن في موقع تحت اقدامنا، ولم ينسى ان يوجه كامراته باتجاهنا بين الحين والاخر وتلك عادته في كل المناسبات.
استغرقت عملية عبور الوفود قرابة ساعتين، ثم القيت الكلمات وكانت ابرزها كلمة الزعيم ﮔورباتشوف وقد علا التصفيق والتلويح بمختلف الاعلام، وبعدها قدمت الفقرات الفنية والرقصات والعاب بهلوانية. دخلت سيارة مكشوفة برفقة دراجات نارية وعلى متنها شاب وشابة( قيل انها ابنة رائد الفضاء الشهير يوري ﮔاﮔارين) وهم يحملون شعلة نارية، وارتقوا محمولين فوق ايادي الجماهير حتى صحن الشعلة الذي اضرم فيه النار ليبقى مشتعلاً طوال ايام المهرجان.
 

 
مشهد افتتاح المهرجان


     احلى عرض قدم عندما دفع هيكل ضخم لنموذج كرة ارضية الى وسط الملعب، فجأة وامام دهشة الجمهور انفلقت الكرة الى خمسة اجزاء( على عدد القارات) وهبطت تدريجيا الى الارض ومن داخلها بانت طبقات الفنانين من مختلف الجمهوريات السوفيتية ، ثم قدموا اجمل العروض الفنية. بعد ذلك ارتفع نشيد الشباب العالمي في كل اللغات( آمالنا المقبلات حشدتنا لنبني الحياة....) متزامنا مع اطلاق اسراب من الحمائم البيضاء من عدة زوايا ارض الملعب لتزين السماء وتتوجه الانظار اليها، فيما عادت اجزاء الكرة الارضية الى هيكلها الكروي، وانسحبت الوفود تباعاً، حيث اختتم حفل الافتتاح الرائع.

الاحد 28- 7
     خرجنا في الساعة العاشرة صباحا الى قاعة( تشايكوفسكي) للحفلات الموسيقية ( برنامج فنون الفولكلور) اعجبنا هناك برقصة من سيبريا حيث قلد الممثلون اصوات الطيور وبعضهم ارتدوا جلود الحيوانات القطبية، وتوالت عروض الفرق الموسيقية من روسيا، ومولدافيا. اجرينا لقاءات مع وفود جامايكا، اثيوبيا، موريتانيا، باكستان، ايضا قدم مشهد زواج واختير من الجمهور العريس والعروسة. في العصر ذهبنا الى احد الميادين للاحتفال بالذكرى الاربعين للانتصار على الفاشية وقدمنا ايضا اغانينا وفنوننا والتقينا بوفود المغرب، تونس، الجزائر.


ام تموز- فريد- ام عبير- ابو سرمد- طارق

     عصرا ذهبنا الى ملعب( الداينمو) لنشهد استعراض كبير في يوم الانتصار على الفاشية وكيف قدمت الخوذ السوداء وجحافل الهتلرية وكيف انهزموا وانتهوا الى مزبلة التاريخ، اطلقت الالعلاب النارية وصدحت الموسيقى وتعالت صيحات( مير، دروجبا) اي سلم، صداقة. في تلك الفعالية كان وفد النظام العراقي ذليلا يرفع صورة الدكتاتور، وحالما لمحناهم تعالت هتافاتنا وهم ايضا وجهو انظارهم وحركات ايديهم الينا، هنا انبرت وفود شقيقة لتنظم الينا خصوصا وفود اليمن وفلسطين والبحرين وعمان فارتفع صوتنا اكثر وكذلك وقف معنا وفد السودان وهو يهتف ضد النظام العرافي، لقد كان دورنا في ذلك اليوم ناجحا ادخل البهجة الى قلوبنا واطفأ بعض النار التي تضطرم داخلنا من اجل وطننا وضد اولئك المرتوقة، غادرنا في النهاية ملعب الداينمو بالاغاني والرقصات ومعنا العشرات من شبيبة الارض الى ان وصلنا الى مقر اقامتنا.
الاثنين 29- 7
     في الصباح  ذهبت مع فوزي وجوان وام عبير وبشرى الى المعرض الوطني للمنجزات السوفيتية في منطقة بعيدة بعض الشيء ولكن جميلة واتصور كانت قرب برج موسكو، هناك حضرنا فعالية التضامن مع شعوب افريقيا واستمعنا الى كلمة رياض العكبري رئيس الوفد اليمني الديمقراطي، وكانت فرصة اللقاءات مع الوفود فوزعنا ادبياتنا وهدايانا واستلمنا بالمقابل هداياهم ومن الوفود التي التقينا بها: من الهند، مصر، الولايات المتحدة، فرنسا، لبنان وغيرهم.
 

من اليمين الشهيد دلدار بيا صليوا( ملازم كارزان)- كاتب السطور- ابو جوان

 في العصر ذهبت وأبو جوان وأبو نادية الى نادي الجيش السوفيتي، هناك شاركنا في مسابقة لعبة الشطرنج وقد حضر ابطال الشطرنج المعروفين وعلى رأسهم بطل العالم اناتولي كاربوف، كان نصيبي ان يلعب معنا بطل جورجيا في الشطرنج ضد عشرين موفدا من دول عدة وكلنا خسرنا امامه! وهكذا كان حال زملائي ابو جوان وابو نادية، وبالمناسبة لعبنا شطرنج في السابق انا وابو جوان وابو نصار وابو جورج وابو رمسيس مراراً في كلي كوماته في اقصى شمال العراق.
الثلاثاء 30- 7
     في التاسعة ذهبت مرة اخرى الى المعرض الوطني وبصحبة ام سلام  حيث فتحنا سوقاً تضامنية لبيع منتجاتنا، كان الاقبال على الشراء كبيراً حيث بيعت معروضاتنا بسرعة وبالاسعار التي حددناها، وبعد ان انتهت بضاعتنا زرنا اسواق اخرى لمعروضات وفود: سوريا، جنوب افريقيا، البحرين، هنغاريا وغيرهما، وغادرنا بعد ان شاهدنا تمثال الرجل والمراة الضخم.
     في المساء ذهبنا لحضور مهرجان التضامن مع امريكا الشمالية وكانت معنا بشرى علوان وام تموز، هناك التقينا بوفد من مدينة نيويورك وقيل لنا ان المناضلة انجيلا ديفيز في موسكو، وكذلك المغني الشعبي المصري شيخ امام، ولكني لم التقيه الا في السنين التالية عندما غنى في ساحة الشهداء بزنجبار عاصمة محافظة أبيَن. في المساء ذهبت الى مسرح ماياكوفسكي مع ام سمير وابو فادي( ابراهيم الحريري) ولكن للاسف كان المسرح مغلقا لسبب لم نعرفه، فغيرنا طريقنا الى الساحة الحمراء وشهدنا حفلا موسيقيا راقصا للشبيبة الروسية، بقينا بعض الوقت قبل ان نعود في مترو موسكو الشهير من محطة قريبة الى محطة كروبسكايا، ومن هناك عدنا الى طابقنا العاشر في فندق سبوتنيك.
الاربعاء 31-7
     في الصباح ذهبنا للتضامن مع البورتوريكو وبلدان بحر الكاريبي وهناك التقينا بوفود نيكاراغوا، انغولا، اكوادور، الهند، الجزائر، المغرب، الولايات المتحدة. في الليل ذهبت مع احد الانصار الى نادي الدانمارك لحضور حفل فني، اشتد اعجابنا بفناني الوفد الدانماركي وقد طالت قاماتهم الى اكثر من ثلاثة امتار باستخدام ارجل خشبية مخفية. هناك اسعدنا بلقاء احد شباب حركة( كوك) الكردية في تركيا وشاهدنا المعرض الذي اقامه باسم جمعية الطلبة الاكراد في اوربا.
الخميس 1-8
     في الصباح ذهبنا الى احد الاسواق للتبضع، وفي الحادية عشر ذهبنا للتضامن مع انغولا ومنها الى جامعة الصداقة بين الشعوب( جامعة لوممبا) هناك امام الجامعة غنينا ورقصنا وعقدنا الدبكات الكردية وقد شاركنا اكراد من سوريا وتركيا وعندما اشتد الحماس نزل شبيبة الروس ليشاركونا وكذلك بعض اليمنيين ومنهم الاخ صالح شايف الرئيس المقبل ل( اشيد).
     في المساء وعند الساعة الثامنة كنا على موعد مع اهم فعالية لنا، حيث اقمنا في النادي العراقي ليلة عراقية حضرتها بعض الوفود وعوائل وشخصيات عراقية تعيش في موسكو، كانت عريفة الحفل الاخت ايمان ابنة الشهيد سلام عادل، القى كلمة الوفود العربية رئيس وفد عمان وكلمة وفدنا الترحيبة ابو عمار، ثم توالت الفعاليت الفنية والرقصات والاغاني العربية والكردية والاشورية، وكانت المفاجاة في وصول المغني الثوري الكردي( شفان برور) ليمتعنا بروعة ادائه وصوته وحماسه، ولن انسى الجهد الذي بذله الفنان حميد البصري وزوجته شوقية العطار وكذلك الفنانين الاخرين منهم كوكب حمزة، سامي كمال، والمرحوم كمال السيد.



مع المغني الكردي المعروف شفان برور

الجمعة 2- 8
     في الصباح ذهبنا الى قصر الطلائع في تلال لينين وقد رحب بنا الاطفال اجمل ترحيب، كانوا منطلقين في العابهم ورسومهم واغانيهم، ثم شهدنا حفلا فنيا شارك فيه طلائع الاطفال من كل الجمهوريات السوفيتية وبمختلف ازيائهم. بعد الظهر ذهبنا للتبضع من عالم الاطفال( ميرو مير) اشتريت من هناك هدايا نوعية لاولادي في اليمن. وفي المساء استمتعنا بسيرك روسي شهير قدمت فيه فنون غاية في الدقة من ضمنها الرقص مع الدببة، وعرض لحيوان الفقمة المائي ذو الجثة الضخمة، وكذلك شاهدنا العاب الخيل وغيرها من مباهج السيرك.
 


في قصر الطلائع

السبت 3-8
مساء ذلك اليوم كان اختتام المهرجان فتجمعنا مع الاف الشبيبة في نفس ملعب الافتتاح حيث قدمت ايضا عروض جميلة ورائعة، وزعت علينا مصابيح صغيرة وفي وقت ما أطفات الاضوية العملاقة ، لييتنور الملعب والمدرجات بمصابيح الشباب مما اعطى المنظر سيول من الاضوية الخافتة المتحركة الاخاذة. اخيرا صعد شاب وشابة محمولان على الاكتاف ليطفيا شعلة المهرجان التي كانت تضطرم طوال الايام السابقة، وعرض الفنانون لوحة دب قطبي كبير، ووسط ذهولنا انهمرت الدموع من عينيه الى وجنتيه وحتى اخر اللوحة، صاحب ذلك فيض من الموسيقى الحزينة ، تأملوا في الدب الذي يودعنا وهو يبكي حسرة على فراقنا.
في اليوم التالي ارتقينا طائرة الايرفلوت عائدين الى البلد الذي شردنا نظام صدام اليه.



امام جامعة الصداقة بين الشعوب
 

 
الصورة ظهرت في جريدة كومسوملسكايا الواسعة الانتشار، وضمت احد ابطال الحرب العالمية الثانية ومن يساره ام سلام ومن يمينه الشهيد ملازم كارزان ثم كاتب السطور.
 


بطاقات دخولي موقع المهرجان الثاني عشر للشبيبة والطلبة في موسكو


 
بطاقة دخول سوق بريوسكا الشهير





88


في  ذكرى مرور خمسين يوماً على وفاة خالي يونس اودو
نبيل يونس دمان


     كانت ولادته سنة 1945 بالبلدة القوش وقد سمي يونس على اسم احد اعمامه الذي كان طبيباً شعبياً بارعا، والذي اسقطه جواده ميتاً، بين القرى الكردية خلف الجبل، في الربع الاول من قرننا المنصرم.
     دخل الابتدائية في المدرسة الاولى الكائنة في كنيسة مار ميخا النوهدري والتي كان مديرها الياس اسطيفو مدالو، عند تخرجه منها التحق بالمدرسة الاكليركية في الموصل طالبا للكهنوت، وقد امضى سنتين فيها حتى صيف 1959 عندما اقبل اخيه الكبير بولص على الزواج فاجمع الاقارب على اقناعه بالخروج من المدرسة المذكورة، وهكذا عاد الى ثانوية القوش التي كان مديرها منصور عودة سورو، وتدريجيا اصبح له العديد من الاصدقاء وفي مقدمتهم عماد بيبو قيا الذي يعيش حاليا في بريطانيا.
     في عام 1963 تخرج من الثانوية، وكانت الاولى في دورته سعيدة متيكا وزي. قدم اوراقه اولاً الى الكلية العسكرية في بغداد ليسلك الطريق الذي اختاره شقيقه الاكبر جمال في صنف الهندسة الآلية الكهربائية والذي كان في حينها برتبة عريف. نجح يونس في كل الاختبارات التي اجريت له واهمها طلبهم ان يرمي نفسه من ارتفاع في مسبح معد لهذا الغرض وقد سجل انه لا يجيد السباحة، حالما فطن بان الامر مهيأ مسبقاً فلم يتردد، قفز الى الماء مجازفاً حيث راى نفسه بين سباحين مهرة فاخرجوه على الفور، وبذلك اجتاز تلك المفاجأة، ولكنه فشل في المقابلة التي اجريت له لسبب اوعزه الى انتمائه الديني المسيحي.
     وهو في ذلك العنفوان وتلك الحماسة لم يقدم للانتساب الا لما يشبه الكلية العسكرية بتمارينها الشاقة فقبل في كلية التربية الرياضية في منطقة الوزيرية ببغداد، فواصل دراسته وعمله السياسي في صفوف اليسار الذي ابتدأه سني ثورة 14 تموز والمد الجماهيري الذي اعقبها.
     عام 1967 كان في السنة الاخيرة وغداة عدوان 5 حزيران ارسلته كليته الى الموصل للتدريب في تشكيلة اطلق عليها( كتائب الشباب) . في عطل نهاية الاسبوع كان ياتي الى القوش وكم اعجبت بذلك الزي الشبه عسكري فذهبت على عجل ارتديه لتسحب لي صور تذكارية في كاميرا نوع ( بوكس) .
     تعين يونس لاول مرة في ثانوية القوش مدرساً للرياضة عام 1968- 1969 ففرح الطلبة والاهالي معا لكونه حديث التخرج منها، فكان موضع احترام اينما حل مع زملائه المدرسين الشباب امثال: نوري سورو، اندراوس قيا، نجيب اسطيفانا.
     نظرا لخلو بيتهم في مركز محلة اودو وتحت" قمطارها" الشهير من ساكنيه بسبب الاوضاع الاستثنائية، لذلك سكن في بيتنا مقابل كراج النقل وكأحد افراد العائلة، كم كان فرحي به وهو في قمة عطائه وحيويته التي لا تعرف الركون اوالهدوء، كان دائم الحركة والنشاط. عندما كنت في السادس الثانوي كان يصعد الى سطح بيتنا ويتمشى معي ليتحدث احاديث شيقة، كنت اتوقف عن المذاكرة وانا غير آسف على وقتي الدراسي الذي امضيه معه...... تتوالى المواضيع والقصص التي تطول وتتنوع ..... حتى وصول خالي العزيز واستاذي وصديقي يونس اودو لوحده الى نهاية المشوار في 2- 6- 2010، حيث لم يمهله قابض الارواح ليودع احداً في مغتربه المفروض.
سلام عليه يوم فتح عيونه في بلدته القوش
سلام عليه يوم أغمضها في مملكة النرويج
سلام عليه يوم يبعث حياً من بين الاموات!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



89
ربع قرن على مهرجان الشبيبة العالمي
نبيل يونس دمان
2-1


      في الثمانينات كنت اعيش في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بلغت باني في قوام الوفد العراقي المصغر الى المهرجان العالمي للطلبة والشباب في موسكو، ضمن وفد اتحاد شبيبة اليمن الديمقراطي( اشيد) الذي ضم اكثر من مئة شاب وشابة، اما نحن فكنا في حدود (11) زميل وزميلة، وبعد فترة تهيئة جيدة بمحافظة ابين والعاصمة عدن في اقامة فعاليات فنية جلبت اهتمام اليمنيين والجاليات العربية المتواجدة، تقرر سفرنا على متن طائرة الايرفلوت بتاريخ 23- 7- 1985.

 


فعالية قدمت في محافظة ابين

     في الموعد المحدد غادرنا عدن الى القاهرة ومنها الى اوديسا على البحر الاسود ثم حطت طائرتنا في مطار موسكو في الساعة السابعة مساءً وكان الجو ممطراً ودرجة الحرارة 14 مئوية. بعد قليل من نزولنا سلم الطائرة استقبلنا بحفاوة من السوفيت وقدمت لنا فتاة باقة من الزهور، وفي طريقنا للخروج تشاء الصدف ان يكون الوفد الامريكي الى المهرجان في خط مجاور لنا، وحالاً انفصل منه شابين وعرّفا انفسهم بانهم من الاتحاد الديمقراطي العراقي في اميركا وهما الزميلان: مازن و طارق.
 

 
انا و زيد ثابت مسؤول شبيبة أبين على متن طائرة الايرفلوت


     اخذنا المضيفون الى فندق( اوكرانيا) وتمت بعض الاجراءات ثم نقلنا الى فندق( السبوتنيك) المؤلف من 15 طابق، وقد خصص الطابق العاشر لوفدنا، قدمت بعض الهدايا الجميلة، ثم تناولنا العشاء في اعلى طابق في الفندق، في الطابق الارضي اصبحنا نلتقي بالوفود العربية منها الوفد الكويتي، الاماراتي، السعودية، عمان وغيرها وكذلك وفود امريكا اللاتينية منها الوفد شيلي، هندوراس، بارغواي، غواتيمالا، وغيرها.
الاربعاء 24- 7
     غادرنا الفندق في الساعة 9:30 في باص خاص وتوجهنا الى الساحة الحمراء في قلب العاصمة، وفي الحادية عشرة زرنا الجندي المجهول وعلى انغام المارش العسكري وضعنا اكليل من الزهور على ضريحه، ثم نزلنا في قبو يؤدي الى ضريح مؤسس الدولة( لينين) وهو محنط منذ وفاته عام 1924، فالقينا نظرة عليه وكان اعجابنا بالحرس الذي في الباب وفي الدهليز حيث يقفون دون حركة وكأنهم اصنام، عند خروجنا الى الساحة زرنا كنيسة القديس( فاسيلي) وعند حلول الظهيرة وقفنا نشهد عملية تبديل الحرس، مع دقات ساعة الكرملين الثانية عشرة، طرقت الارض بشدة احذية الحرس المتقدم نحوالضريح، وبسرعة خاطفة تبدل الحراس. بعدها دخلنا الى الكرملين وشاهدنا قصر المؤتمرات والمدفع العملاق زنة( 40 طن) وقد صب عام 1586، وكذلك ناقوس كبير في الارض وقد انفصلت قطعة منه اثر سقوطه عام 1735 من احدى قبب الكنائس بسبب وزنه( 25 طن)، واخيرا غادرنا من احدى البوابات بعد ان شاهدنا كنيستين بقبابها الذهبية.
 

 
ناقوس الكرملين

     في المساء ذهبت مع الزميلتين جوان وام اروى الى المسرح( البولشوي) حيث عرضت مسرحية باللغة الروسية واخرى بالايطالية، لم نفهم شيئا لكن العرض كان جذابا وقد كنا في الطابق السابع نستعين بنواظير زودت لنا في الباب، وقد قيل لنا بان تاريخ بناء المسرح الشهير هو 1856. اخيرا رجعنا الى الفندق فتعرفنا على رئيس وفدنا الاخ كمال شاكر( ابو سمير) الذي كان طوال المهرجان كتلة من الحيوية والنشاط، وكذلك تعرفنا على شخصية اخرى قادمة من براغ وهو( ابو عمار). كان استغرابنا كبيراً في تأخر غياب الشمس الى الساعة 10:30 ذلك شيئ لم نألفه من قبل، وقد اخبرنا بان الشمس لا تغيب عدة ايام في مدينة بطرسبرغ حيث تحل الليالي البيضاء!.
الخميس 25- 7
     خرجنا في الصباح برفقة كمال شاكر وابا عمار في رحلة نهرية، بدأت في العاشرة صباحاً وانتهت في الواحدة، حيث قطعنا نهر موسكو على ظهر يخت يسير ببطئ فاطلعنا على معالم المدينة منها الجامعة، والملعب الرياضي، والمكتبة العامة وكنائس قديمة. في تلك الرحلة التقينا بالوفد السوداني وفي طليعته الاخت فاطمة احمد ابراهيم زوجة الشهيد شفيع احمد الشيخ، تبادلنا الاحاديث وكان نظام النميري قد سقط في تلك الفترة( نيسان 1985) فغنوا اغنية الانتصار بحماس قل نظيره، مما ابكى اعضاء وفدنا الذي لا زالت بلاده تحت حكم صدام حسين.
عند عودتنا الى الفندق تعرفنا على كامل الوفد العراقي الذي وصل من عدة عواصم، وفي قوامه العديد من فصائل الحركة الوطنية العراقية.
 

 
وفدنا الى المهرجان

الجمعة 26- 7
     ذهبنا في نهار ذلك اليوم للقاء الكومسمول في نادي الوفود، نزلنا من الباصات ونحن نغني ونرقص، استقبلنا بحماس مماثل ثم بدات تتوالى الكلمات فكانت كلمتنا التي القاها الزميل ابو عمار، ثم شربنا نخب الصداقة وتبادلنا الهدايا التذكارية. تجولنا في النادي والتقينا بمجموعة وفود عالمية واخذنا الصور التذكارية ثم قدمنا دبكة كردية نالت اعجاب الحاضرين، وبعدها غادرنا النادي الى احد المسارح المقامة في الهواء الطلق فاستمتعنا بالعروض وقدمنا رقصة( الهيوا) المعروفة قبل ان نعود الى الفندق.
     في العصر ذهبت مع بعض الزملاء الى نادي الصداقة لترتيب معرض للاعمال الفنية وفي الثامنة تم افتتاح المعرض واستمعنا الى كلمات الوفود التالية: السعودية، البحرين، عمان، باكستان، الاردن، العراق وغيرهم. بعد ذلك ابتدا حفل فني على انغام موسيقى صاخبة، قضينا في تلك الاجواء قبل ان نعود الى فندقنا في شارع ﮔاﮔارين عند انتصاف الليل.
السبت 27- 7
     بعد ظهر ذلك اليوم حملتنا الباصات الى ملعب( لينين) لحضور افتتاح المهرجان، هكذا توجهت الآلاف المؤلفة من شبيبة المعمورة الى ذلك المكان تهتف، ترقص، وتغني ووفدنا لم يكن استثناءً بل كان كتلة من الحماس حتى اخذنا مكاننا في احد اجنحة المدرج. اطلقت بالونات ملونة بكثافة ثم بدأ استعراض الوفود امام منصة التحية ضمت قادة البلد وعلى رأسهم ميخائيل ﮔورباتشوف المنتخب حديثا لزعامة الجمهوريات، مرت الوفود امامنا ايضا ومن تلك الوفود: نيكاراغوا، كوبا، اثيوبيا، سلفادور، لبنان، ثم كان وفد النظام العراقي تتصدره صورة كبيرة للدكتاتور صدام ويضم ثلاث عناصر بالزي الكردي، كان الوفد بائساً لم يصفق له احد، فيما اسمعناه صوتنا وهتفنا مع جارنا في الملعب وفد شبيبة اليمني الديمقراطي، غادر مسرعا ليركن في موقع تحت اقدامنا، ولم ينسى ان يوجه كامراته باتجاهنا بين الحين والاخر وتلك عادته في كل المناسبات.
استغرقت عملية عبور الوفود قرابة ساعتين، ثم القيت الكلمات وكانت ابرزها كلمة الزعيم ﮔورباتشوف وقد علا التصفيق والتلويح بمختلف الاعلام، وبعدها قدمت الفقرات الفنية والرقصات والعاب بهلوانية. دخلت سيارة مكشوفة برفقة دراجات نارية وعلى متنها شاب وشابة( قيل انها ابنة رائد الفضاء الشهير يوري ﮔاﮔارين) وهم يحملون شعلة نارية، وارتقوا محمولين فوق ايادي الجماهير حتى صحن الشعلة الذي اضرم فيه النار ليبقى مشتعلاً طوال ايام المهرجان.
 

 
مشهد افتتاح المهرجان


     احلى عرض قدم عندما دفع هيكل ضخم لنموذج كرة ارضية الى وسط الملعب، فجأة وامام دهشة الجمهور انفلقت الكرة الى خمسة اجزاء( على عدد القارات) وهبطت تدريجيا الى الارض ومن داخلها بانت طبقات الفنانين من مختلف الجمهوريات السوفيتية ، ثم قدموا اجمل العروض الفنية. بعد ذلك ارتفع نشيد الشباب العالمي في كل اللغات( آمالنا المقبلات حشدتنا لنبني الحياة....) متزامنا مع اطلاق اسراب من الحمائم البيضاء من عدة زوايا ارض الملعب لتزين السماء وتتوجه الانظار اليها، فيما عادت اجزاء الكرة الارضية الى هيكلها الكروي، وانسحبت الوفود تباعاً، حيث اختتم حفل الافتتاح الرائع.

90
في  ذكرى مرور خمسين يوماً على وفاة خالي يونس اودو
نبيل يونس دمان


     كانت ولادته سنة 1945 بالبلدة القوش وقد سمي يونس على اسم احد اعمامه الذي كان طبيباً شعبياً بارعا، والذي اسقطه جواده ميتاً، بين القرى الكردية خلف الجبل، في الربع الاول من قرننا المنصرم.
     دخل الابتدائية في المدرسة الاولى الكائنة في كنيسة مار ميخا النوهدري والتي كان مديرها الياس اسطيفو مدالو، عند تخرجه منها التحق بالمدرسة الاكليركية في الموصل طالبا للكهنوت، وقد امضى سنتين فيها حتى صيف 1959 عندما اقبل اخيه الكبير بولص على الزواج فاجمع الاقارب على اقناعه بالخروج من المدرسة المذكورة، وهكذا عاد الى ثانوية القوش التي كان مديرها منصور عودة سورو، وتدريجيا اصبح له العديد من الاصدقاء وفي مقدمتهم عماد بيبو قيا الذي يعيش حاليا في بريطانيا.
     في عام 1963 تخرج من الثانوية، وكانت الاولى في دورته سعيدة متيكا وزي. قدم اوراقه اولاً الى الكلية العسكرية في بغداد ليسلك الطريق الذي اختاره شقيقه الاكبر جمال في صنف الهندسة الآلية الكهربائية والذي كان في حينها برتبة عريف. نجح يونس في كل الاختبارات التي اجريت له واهمها طلبهم ان يرمي نفسه من ارتفاع في مسبح معد لهذا الغرض وقد سجل انه لا يجيد السباحة، حالما فطن بان الامر مهيأ مسبقاً فلم يتردد، قفز الى الماء مجازفاً حيث راى نفسه بين سباحين مهرة فاخرجوه على الفور، وبذلك اجتاز تلك المفاجأة، ولكنه فشل في المقابلة التي اجريت له لسبب اوعزه الى انتمائه الديني المسيحي.
     وهو في ذلك العنفوان وتلك الحماسة لم يقدم للانتساب الا لما يشبه الكلية العسكرية بتمارينها الشاقة فقبل في كلية التربية الرياضية في منطقة الوزيرية ببغداد، فواصل دراسته وعمله السياسي في صفوف اليسار الذي ابتدأه سني ثورة 14 تموز والمد الجماهيري الذي اعقبها.
     عام 1967 كان في السنة الاخيرة وغداة عدوان 5 حزيران ارسلته كليته الى الموصل للتدريب في تشكيلة اطلق عليها( كتائب الشباب) . في عطل نهاية الاسبوع كان ياتي الى القوش وكم اعجبت بذلك الزي الشبه عسكري فذهبت على عجل ارتديه لتسحب لي صور تذكارية في كاميرا نوع ( بوكس) .
     تعين يونس لاول مرة في ثانوية القوش مدرساً للرياضة عام 1968- 1969 ففرح الطلبة والاهالي معا لكونه حديث التخرج منها، فكان موضع احترام اينما حل مع زملائه المدرسين الشباب امثال: نوري سورو، اندراوس قيا، نجيب اسطيفانا.
     نظرا لخلو بيتهم في مركز محلة اودو وتحت" قمطارها" الشهير من ساكنيه بسبب الاوضاع الاستثنائية، لذلك سكن في بيتنا مقابل كراج النقل وكأحد افراد العائلة، كم كان فرحي به وهو في قمة عطائه وحيويته التي لا تعرف الركون اوالهدوء، كان دائم الحركة والنشاط. عندما كنت في السادس الثانوي كان يصعد الى سطح بيتنا ويتمشى معي ليتحدث احاديث شيقة، كنت اتوقف عن المذاكرة وانا غير آسف على وقتي الدراسي الذي امضيه معه...... تتوالى المواضيع والقصص التي تطول وتتنوع ..... حتى وصول خالي العزيز واستاذي وصديقي يونس اودو لوحده الى نهاية المشوار في 2- 6- 2010، حيث لم يمهله قابض الارواح ليودع احداً في مغتربه المفروض.
سلام عليه يوم فتح عيونه في بلدته القوش
سلام عليه يوم أغمضها في مملكة النرويج
سلام عليه يوم يبعث حياً من بين الاموات!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



92
المنبر الحر / دفتر الذكريات (13)
« في: 22:03 05/07/2010  »

93
متى تنبثق الحكومة الجديدة؟
نبيل يونس دمان
     هذا هو حالنا الذي اعقب الدكتاتورية، فعلى مدى عقود من الضيم والقهر، كنا نعقد الامال بعد سقوطها، وفي اشد لياليها ظلاماً، كانت تغزونا الاحلام الوردية، وتدغدغ مشاعرنا تصورات البديل الديمقراطي، ولكن الديمقراطيون في الاسم ومن ركبوا الموجة، احتكروا العمل السياسي وادارة مؤسسات الدولة ان وجدت، وكأن السلطة سجلت( طابو) بإسمهم او سقطت عليهم من السماء، متناسين انهم جاءوا يلهثون خلف الدبابات الامريكية، صحيح ان فيهم من ناضل وقدم التضحيات ولكن القسم الاكبر هم من الانتهازيين الذين تراهم في كل العهود مستفيدين، واعتقد ان المناضلين الحقيقيين ضد الدكتاتورية ممن دخلوا سجونها وحملوا السلاح بوجهها، ومن الذين عرفتهم سوح النضال من جنوب الوطن وحتى شماله، لم يحققوا غاياتهم التي ليست مكاسب ذاتية، بقدر ما هي وجهتهم لبناء الدولة العصرية، التي يبدوا انها ليست سهلة بل صعبة المنال ويطول امدها. في هذا الصدد اقتطف فقرة من مقالة بعنوان( مؤتمر لندن تحصيل حاصل) كتبتها بتاريخ 26- 12- 2002 اقتطف الفقرة التالية" ان الدكتاتورية في بلادنا ليست هيّنة, وليست قطعة عجين يسهل تقطيعها, بل هي منظومة من الايديولوجية العنصرية وانواع خطيرة من الاسلحة واكداس من الاموال فلن يكون يسيراً معالجتها ولن تتحول الى كم مشلول بضربة خاطفة, بل يكون ذلك بتعقل وروية فالنظام القائم ليس فقط عصابة من اشخاص تجردوا من ضمائرهم وانسانيتهم بل ايضاً منظومة من الاقتصاد والسياسة والاجتماع والديماغوجيا, كلها بحاجة الى تفكير معاصر يفكك تلك المنظومة ويبتعد عن الارث القبلي الذي يوفر الارضية نحو الانتقام وتصفية الحسابات, فالتشوهات التي احدثها النظام في مجتمعنا ولعشرات من السنين لن تزول الا بمعالجات ناجحة وربما لعشرات اخرى من السنين حيث يأتي جيل جديد يعيد العافية اليه. فهل نحن مستعدون لتشييد دولة القانون وبالحكمة التي وهبتها ارضنا منذ عشرات القرون, اذا وفر لنا الزمن فرصته التاريخية ؟
     لنعود الى الكتل السياسية التي خطابها ديني او قومي، وبتعبير صريح غير شامل عموم الشعب، فقد جربت قيادة تلك الكتل السلطة من خلال عدة دورات وزارية، ولكنها لم تستطع وضع حد للعنف والاضطراب الامني، ولا التقدم في حقل الخدمات، ولا رفع وتيرة الاقتصاد، ولا اقامة علاقات مستقرة مع دول الجوار، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى.
     أسوء شيء حدث ويحدث في عملية استلام وتسليم السلطة، هنا ينبغي ان تسود الروح الرياضية عند اي منعطف، يجب الحيلولة دون حدوث فراغ سياسي ولا احتكار للسلطة، بل تداولها باسلوب حضاري يتماشى مع العصر، كفى العيش بعقلية القرن الماضي، بل الاسراع باللحاق بالامم، لقد شهدنا جميعا عام 2006 متاعب تسليم السلطة، وها اننا الان نعاني مخاضاً عسيراً لولادة الحكومة الجديدة، ليثق اي مسؤول يغادر موقعه في قمة السلطة، ان كانت له مكانة في قلوب الشعب، فانه اي الشعب  يعيده ثانية اليها محمولاً على الاكتاف.
     لنفرض انني وصلت موقعاً عن طريق حزب او كتلة، ينبغي حالاً وعند الممارسة ان اخرج من شرنقتي، واكسر قشرة البيضة وارميها جانباً ان صح التعبير، لأفتح ذراعي للشعب واصبح خادما له وساهرا على مصالحه، دون تفريق على اساس الدين او القومية اوالطائفة او العشيرة، واضعاً نصب عيني باستمرار بان المواطنين سواسية امامي.
     قلتها مرة واكررها الان، لو وضع الفائزون بالمناصب في قلوبهم محبة الله والوطن لما اختلفوا على الكراسي، ان حب الوطن في مدياته القصوى، ان يقبل الانسان التضحية بكل ما يملك في سبيله قولاً وفعلا، لو كانوا كذلك، لحسموا المسألة منذ زمن، ولتنازلوا لبعضهم البعض بروح ديمقراطية، وتبادلوا الادوار بعد فترة الاستحقاق القانوني. ما الضير ان اكون معارضاً واشعر بمسؤوليتي كما الجالس فعلا في كرسي المسؤولية، وما الضير ان تكون هناك حكومة ظل ترقب الفعلية وترشدها، هنا يبرز دور الصحافة( صاحبة الجلالة) التي يفترض ان تواكب العملية السياسية بجانبيها الايجابي والسلبي.
     ان اداء الكتل الفائزة ضعيف لان تشكيلها خاطئ، وبذلك لا يعطي النتائج المرجوة، على المدى البعيد يتراجع ويختفي التحزب الديني والقومية الضيقة، وبمعنى ادق الطائفية، هذا المرض الذي كان موجودا من عهد النظام السابق ولكن لم يكن مستفحلا وخطيرا كما اليوم. الدين ليس بحاجة الى حزب سياسي ولا بحاجة لمن يدافع عنه بالسلاح او الميليشيات، أليس الله قادراً على كل شيء؟ ، في عالم اليوم، عالم القرن الحادي والعشرين، عالم الانترنيت والموبايل والروبوت والريموت كونترول، ستتلاشى وتزول مفاهيم القومية الضيقة( الشوفينية) وتصبح في عداد الماضي ومتحف الانتيكات.
     باستمرار أعد تصحيح الاوضاع وتحسنها عند تسلم جيل جديد المسؤولية، جيل لم يذق طعم الدكتاتورية، ولم تتسرب الى افكاره وثقافته وتأهيله افكار البعث الضارة في اي مجال من مجالات الحياة، وحتى يمضي كل شيء طبيعياً، لحين بلوغ تلك المرحلة المتقدمة، ينبغي اختصار الزمن والطريق لبلوغ تلك الحالة، وذلك بتسريع التحولات الجارية في البلد منذ عام 2003. شاء الطائفيون ام أبوا اننا سائرون نحو الدولة العصرية والديمقراطية، كل انتفاع غير شرعي او تخريب او سوء استخدام السلطة سيزول تدريجياً وسيعرض اصحابها للمحاسبة، وان تبعات جرائمهم تمس اولادهم واحفادهم من بعدهم، في ذلك الزمن القادم يتوارون عن الانظار، ويحاولون الهروب ولكن ليس من مهرب، وسينالون جزائهم العادل امام الله والشعب.
     باعتقادي ان الحكومة الجديدة يجب ان تنبثق باسرع ما يمكن، وارى في تكليف شخصية علمانية لترؤسها مؤشراً في الاتجاه الصحيح، ان وجهتي نابعة من منظاري الواقعي، والذي يرى في فلسفة الغيب كل مشاكل البلاد، وان المشروع الديني–  السياسي لا يقدم بل يؤخر عملية التطور، وأطمح ان يُثبت شعار فصل الدين عن السياسة، أسوة بأوربا التي تطورت انطلاقاً من ذلك المبدأ الذي لم يفرضه عليها احد بل استنتجته بتجربتها. ها نحن في العراق للاسف نعيد نفس التجربة المكلفة لأوربا القرون الوسطى، هنا اهيب بالجميع الاطلاع على دروس التاريخ لاستخلاص النتائج الصائبة، أود القول ايضاً بانه لا توجد كتلة او مجموعة مثالية وكل شيء ستطبقه 100% بل هي نتاج نفس الواقع، وحتماً سنواجه مرة اخرى عناصر فاسدة، انتفاعية، سيئة، ولكنني واثق من سلطة الشعب ومن دور صحافته، ومن الجماهير التي تُضرب وتنزل الى الشارع لتعرية تلك العناصر حال ظهورها، ولنا تجربة مع وزير التجارة السابق ووزير الكهرباء هذه الايام.
     التوفيقية ليست صالحة على العموم، ولكن تفرضها ظروف العراق الحالية وهي أهون  كثيراً من: قومية استعلائية عنصرية، او سلفية اصولية رجعية، وبكلمة اخرى ارى مشاركة كل الكتل الفائزة حسب نسب استحقاقها الانتخابي، شريطة ان تكون لديها الرغبة والعزيمة لتحمل المسؤولية، فالخلل ان وجد وهو موجود فعلاً، ناتج من القانون الناقص الذي اجاز تلك الكتل بمسمياتها الطائفية.
من شأن التوفيقية ولنسمها بالاسم الاكثر قبولاً وهو( الشراكة الوطنية) من شأنها تهدئة الحالة في العراق، فتمهد السبيل لوضع لبنات اولى في بناء الدولة العصرية، لا ارى انها وضعت للآن، وحتى نراها ظاهرة، وبات العالم ينظر الى العراق بمنظار آخر من خلال اداء حكومته الجديدة لسنة 2010 وما بعدها، فاننا سنصل يوماً الى البنيان الشامخ الذي يقاوم عاديات الزمن، لا اقول ان طريقاً مفروشاً بالورود ينتظر الحكومة الجديدة، بل تنتظرها صعوبات جمة، ومهام جسام، ويظل المستقبل باسماً لشعب التضحيات، الشعب الذي يستحق الحياة، شعب العراق سليل الحضارات!


94
المنبر الحر / دفتر الذكريات (12)
« في: 13:46 29/06/2010  »


95
المنبر الحر / دفتر الذكريات (11)
« في: 22:08 21/06/2010  »

96
قراءة كاتبة سعودية لكتابي الموسوم( حكايات من بلدتي العريقة)
نبيل يونس دمان
مساء الخير
استاذي نبيل اتمنى أن تكون بأسعد حال أنت وعائلتك الكريمة
في صفحة 12 ذكرت أن الناس كانت تتبعد عن مهنة الغناء والطرب لإعتبارها عيبا اجتماعيا سابقا, في الحقيقة هذه النقطة لفتت انتباهي, الغناء والطرب إحدى المهن التي يحتاج لها أي مجتمع, لكن تتميز بعض المجتمعات الشرقية بحبها والولع بها, لكن مع الصاق تهمة العيب لمن يمتهنها!
هذا الأمر ليس فقط في العراق أيضا قرأت عنه في اليمن وسألت بعض الأصدقاء هناك وأخبروني بأن النظرة لديهم مازالت موجودة, في السعودية بلدي طبعا هذه النظرة الدونية للعازفين والمطربين تبدو متجذرة فلابد لمن يقوم بها أن يأتي من مرتبة إجتماعية متدنية أو أن يخفي أصوله الاجتماعية, قد يمارس البعض هوياته وفنه الجميل لكن بحدود الأصدقاء والعائلة لا يتجاوز هذا المحيط غالبا, في مصر وسوريا أيضا هذه النظرة لا تزال موجودة ولو أنها عند بعض الطبقات تختفي, لكنها حاضرة!

كمية التسامح والبساطة والقيم في النفوس الموجودة في القصص مذهلة جدا, واختفائها من حياتنا اليوم أعتقد سبب لكثير من المشكلات التي تعانيها
في قصة ثم أصبحوا أصدقاء و التي قرأتها أكثر من مرة أثارني فيها حقيقة ماقلته بوجود عرف عشائري ينهى عن القتل غدراً, لا أعرف مالذي يحدث في العالم هذا اليوم من جنون, المتشبثون بالقديم يعيدون لنا سيئات الماضي, لكن لا أحد يجلب معه عرفا جميلا ونبيلا كهذا مثلا!
في قصة صياد الضبع ذكرت دير الرهبان هرمزد وبحثت عنه في الانترنت فوجدت صورة له وبهرتني حقيقة طريقة بناءه.
أما قصة اسحاق في ضيافة الغجر فقد وصفت الرقصة التي قام بها الأخوان متى وهرمز وبهرني الصوف لدرجة أني أعدت قرائته عدة مرات, هل أطمع بوجود فيديو يشبه تلك الرقصة التي وصفتها حتى أشاهده؟
و يجب أن أخبرك أن قررت القراءة عن الغجر بعد هذا الوصف المحفز للرقصة الشعبية
وصفك الجميل لسوق القوش القديم وسرد أسماء المهن الموجودة فيه والباعة لفت انتباهي أيضا, التحول الذي طرأ في كل جيل على نوع التجارة والاضافات الجديدة مثل مهنة تصليح الأسلحة في الاربعينات والتي لم تكن موجودة في العشرينات وفرن الصمون مثل في الستينات
لكن لماذا كان الملح يفرد بتجارة خاصة في الاربعينيات والستينيات؟
وقد بحثت عن بعض أغاني التي ذكرتها عن يهود العراق ووجدت خجي - سيامند و الأغنية الشهيرة عافاكي
قضيت رحلة ماتعة مع صفحات هذا الكتاب, وأصبحت أكثر إمتنانا لك ولمعروفك بإهداء هذا الكتاب لي
أتمنى لو كنت تعمل أنت ومجموعة من أبناء بلدتك على عمل مشروع تاريخي توثقون به تراث بلدتكم ولغتكم وحضارتكم ياسيدي قبل أن تتآكل فأعتقد أن هناك الكثير من الحقول المغرية للدراسة والبحث حولها
هناك بعض الملاحظات دونتها أيضا واتمنى ان يتسع صدرك لها وهي:

تمنيت وبشدة لو أن هناك خريطة صغيرة او حتى مقدمة بسيطة توضح موقع مدينة القوش بالنسبة لدولة العراق, لكني توقعت انه ربما لأن الكتاب اصدار خاص ومعظم قرائه يعرفون موقع القوش باستثنائي لكن موقع مدينة القوش قام بمساعدتي في توضيح هذه النقطة
الأغاني في الصفحة الثامنة والتاسعة تمنيت لو أجد لها روابط صوتية او فيديو على الانترنت, وترجمة عربية لمعانيها.
شاكرة لك وأمنياتي لك ولعائلتك بحياة طيبة
اَلْخَنْسَاَءُ بنت سَعْدٍ الْمُوْسَىْ
May 6, 2010


97
الى كاميران يونس اودو
نبيل يونس دمان
     رسالتي الاولى لك تعقب حادثاً جللاً فاجأنا وآلمنا، في رحيل والدك العزيز يونس، الذي اخالُ انه يفارقنا وهو في الثلاثينات من عمره، لانني لم احظ  بلقائه منذ خروجي القسري من العراق قبل قرابة الثلاثين سنة.
     عرفت والدك منذ صغري وكان مثالاً اقتدي به، وقد جلب انتباهي تلميذاً في معهد يوحنان الحبيب بالموصل في النصف الاخير من خمسينات القرن الماضي، اتذكر عندما كان يخرج واقرانه من كنيسة مار كوركيس في البلدة امثال: يوحنان جولاغ، عابد اسحق بدي، ابلحد عيسى غازي، وجلال متيكا حداد( حجي) وهم يعتمرون قلنسوات تلائم قميصهم ذي المربعات الطويل ويتوسطه حزام جلدي، لكنه لم يتواصل فخرج في صيف 1959 ليعود طالباً في ثانوية القوش. اتذكر عندما قام مع اصدقائه يونان حبيب طعان و جوزيف رحيم دمان بتحويل كهف صغير مجاور للكهف الاحمر( ﮔپا سموقا) الى غرفة صغيرة لها باب وعليها قفل وفي داخلها مساطب للجلوس وفيه معدات عمل الاكل والشاي وفي احدى الزوايا يركن مصباح نفطي، كانوا يبتعدون عن الضوضاء في محلة اودو الصغيرة! ليعدّوا دروسهم هناك. واتذكر عام 1963 عندما اعتقل بطرس اسخريا، حاول الرفاق الحيلولة دون ارساله مخفورا الى الموصل، فبادروا الى قطع الطريق امام السيارات بين الموصل والقوش وكذلك قطع اسلاك الهاتف الذي كان يخترق عقار القوش الى مدينة الموصل، مجموعة بطلة من الطلبة بقيادة الشهيد فؤاد شمعون ديشا، وكان والدك يا كاميران مع تلك المجموعة وقد تجمهروا امام بيت الشهيد فؤاد مقابل بيتنا في محلة التحتاني، في تلك اللحظات الفاصلة وامي كرجية تراقب الوضع، نادته ليأت اليها وبعد تردد اقبل، وما ان دخل البيت حتى اغلقت الوالدة الباب واحكمت اقفاله، وبذلك منعته من الخروج، فصعد الى السطح منزعجاً وهو يشاهد استعداد اقرانه لمواصلة المهمة، لقد كان ذلك سببا لعدم اعتقاله او هروبه الى الجبل، اذ ربما كان مستقبله ياخذ مساراً آخراً...
     هكذا واصل طريقه النضالي بتعقل وحذر في فترة دراسته الجامعية وقد تعرض فيها الى ضغوطات شتى حتى وصل الامر الى تهديده بالقتل، وقد حدثني في حينها كيف حمّل احد افراد عصابات البعث عن اي سوء يلحق به وبحوزته صورة تجمعه مع ذلك العنصر وقال له: انه ابلغ اهله ان حدث شيء له فالذي في الصورة يتحمل كامل المسؤولية، وبذلك نجا من شر وشيك. تشاء الصدف ان يتعين مدرسا للرياضة عام 1968- 1969 في نفس الثانوية التي تخرج منها ، لقد اتصل بي العديد من تلامذته متأسفين على استاذهم بل صديق الجميع، فقد كان محبوبا في البلدة لما اتصف من دماثة الخلق وخفة الدم والاندفاع، فغداة اعلان بيان 11 اذار 1970 كان يونس في مقدمة مستقبلي مسؤول انصار القوش(انذاك كان اشعيا ايشو من سرسنك) كنت شاهدا عندما ناولهم النصير الراحل سالم اسطيفانا بندقيته ليتعاقب مع الاساتذة نجيب اسطيفانا ونوري سورو وسعيد نونا واندراوس قيا، في رمي اطلاقات الفرح بوصول مجموعة من المقاتلين الابطال ضد النظام البعثي المقيت.
     في فترة السبعينات توالت ضغوطات البعث عليه، فنقل من مكان الى اخر حتى اجبر في نهاية السبعينات على انهاء دوره السياسي، بعد ان شن البعث حملته الشاملة على التقدميين في طول العراق وعرضه، ولكنه ظل محتفظا بأفكاره ومبادئه ما اسعفه ذلك، وتواصل ذلك الانسان الطيب النقي حتى انتهى به المطاف في النرويج وتمكن ان يزور الوطن مرتين خلال العقد الحالي، وكان يحلم بالعودة اليه حتى اخر مخابرة لي معه بانه يتوق العودة الى الوطن الحبيب.
     كان والدك رياضيا بكل معنى الكلمة، فعندما كان طالبا في الثانوية كنت ارقبه لاعباً جيدا في كرة الطائرة، وعندما كان طالبا في كلية التربية الرياضية بمنطقة الوزيرية اعتاد ان يعمل في نادي جمعية المهندسين بساحة الاندلس، وتراه يعود بعد منتصف الليل الى البيت مشياً لوحده او مع عزيز او نيسان، وبالمناسبة كان يصعب اللحاق به في مشي المسافات الطويلة، حتى كان البعض يطلق عليه اسم طائر معروف برشاقته وحركته.
     كان للوالد احترام خاص عند الرفيق الراحل توما توماس فكان دائم اللقاء به في فترات صعبة كان النظام البائد يحذر ويعاقب بشدة حتى من يقترب من بيت ذلك المناضل.
     في فترة السبعينات عندما كان مسؤولاً رياضيا في النادي عرف بميولي نحو لعبة الشطرنج فكان ان جلب لي من احدى سفراته الى اوربا قطعة شطرنج كانت موضع اعتزازي وكذلك كان يجلب من بغداد او الموصل الكثير من الادبيات لانها لم تكن تتوفر في القوش انذاك فنطالعها بشغف، ومن الكتب الهادفة التي طالعتها من كتبه القليلة كتابين : الاول بعنوان( زوربا اليوناني) وهي رواية نيكوس كازنتراكيس الرائعة، والثاني بعنوان( هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه.
     يا عزيزي كاميران لقد فارقك واخوانك وانتم في اعمار الشباب وكان دائم الحديث عنكم والقلق عليكم فكونوا عند حسن ظنه بكم وكملوا مشواره في التحصيل والتطور في المجال العلمي والاجتماعي ونحن نتشوق وننتظر اخباركم.اردت في هذه الرسالة ان اعمق معرفتك بالوالد يا كاميران وان تحل محله وتحقق ما لم يستطع تحقيقه في حياته التي شهدت الكثير من التقلبات السياسية والاجتماعية، وانت في بلد الاغتراب مما يلزم عليك اعباء اضافية في الاهتمام بوالدتك جميلة واخوانك مروان وغسان واختك كارولينا وعمك عزيز، وان تبقى على اتصال بالوطن الحبيب تسهر معه وتفكر فيه اذ ربما سيعود جيلكم يوما الى احضانه، وكما قال الشاعر:
فإن يكُ صدرُ هذا اليومِ ولّى
                               فإنَّ غداً لناظرِهِ قريبُ
     خالي يونس يا كاميران، عاش سنواته الاخيرة في نأي وفي منطقة تغطيها الثلوج اكثر ايام السنة، لم يألفها ابن المنطقة المعتدلة ومن فيض العلاقات الاجتماعية التي ربما افتقدها في منفاه، كان يعوضها في غرف المحادثة الالكترونية، شبهته بطائر في داخل القفص، يطل بين الحين والحين فيخاطب العالم وهو يتألم لما آل اليه وضع الوطن والاهل، حتى صبيحة الاربعاء المصادف 2-6- 2010 ، حيث غلق الكوة الى الابد .... وارتمى على ارضية القفص ... بانتظار القيامة....
nabeeldamman@hotmail.com
June 14, 2010



الصورة في القوش عام 1961
الواقفون من اليسار: يونس اودو- ودي- فضيلة- جميلة- سورية - كرجية ووداد- جلال
الجالسون من اليسار: كاتب السطور- عزيز- فريال - سليمة - فاضل- فرنسيس- دليله- عبد الاله- منصور شاشا




  
في حديقة بيتنا ربيع عام 1990
من اليمين: يونس اودو- شمي منصور ﮔولا- وداد- اناهيد- سولين




98
المنبر الحر / دفتر الذكريات (10)
« في: 21:43 14/06/2010  »

99
يونس وَردَه دْ نيسانِهْ
يونس وردَه دْ نيسانِه ــــــــــ بـِرْد حَكّيمِه وْمَلپانِـــه
ان دُويوا مْبَسمانــِـــه ــــــــــ كُلْ كْرْيهِهْ بْعوقانِــــه
لبْي أودو ليثْ دمْيانَـه ــــــــــ بْيثـَه دّينَه وأيمانـــــَـه
من مَرْ يوسِب طُوّانَه ــــــــــ وهلْ مَر توما طَنّانــَه
جمال ﮔو بَغدَد كِليــَـه ــــــــــ كِمْ أمريلِه ووتْ قِريَه
لخَخَبره مْنَروِجْ أثيَــه ــــــــــ مَريرَه وهادَخ قِشيـــَه
وْكُدْ شْميلَه ﮔرجِيــَّــه ــــــــــ مْريشح شْقلَّه ﭘوشِيــَّـه   
بالَحْ وِلَّه تَه شْمَيــَّـــه ــــــــــ وهاوَرْ دْريلَه تَه مَريَه
يا موثَه ما زَرْبانــــه ــــــــــ و بِثيثُخْ ما مَزدانَــــــه
أربَه شْقلُّخْ مّنيانــَـــه ــــــــــ مْسُپيلُخ قَمْ دَيـّانـــَــــــه
عُمْرَه فِتْلِه  خْتنانـــه ــــــــــ وﭘيرَه مْپِلِّه مْهيلانــــَـه
كُلـَّنْ ﮔو أثْ عْدّانـــه ــــــــــ غْبينِه ولتـَّنْ مْسَليانــَـه
يونس بْغيرَ وطيمانَه ــــــــــ مْسُقله پْتَرْزِه دْ يُلپانــَه
بنَروِجْ مْسُپيالِ ﮔيانَه ــــــــــ لبَّن تْويرَه وحشّانـــــَه
كْثوولِ مَحرَه خاثـَـه ــــــــــ مْپيدولِه معَدَّدياثـــــــَـه
مْشَركولِه بْصْلاواثَه ــــــــــ ﮔو قالِه وﮔو قِنياثــــَـه
يونس ﮔو كُلْ يُماثَـه ــــــــــ بِئْيَه مْجَنقِه وخَماثـــــَه
لَثْوَه خواثِح بّرياثـَـه ــــــــــ خْكوِخْوَه د قَدَمْياثــــَــه

نبيل يونس دمان
nabeeldamman@hotmail.com
June 8, 2010



http://www.ankawa.com/upload/634/Nabeel%20Dammans%20Poem%20For%20Younis%20Audo.mp3

100
فراق العزيز يوقظ الذكريات
مرثاة للصديق العزيز يونس اودو
     اثار عندي فراقك المفاجئ يا عزيزي ابا كاميران شجوناً ممتزجة بذكريات راسخة في ذهني ومحفورة في فؤادي. في الوقت ذاته فتح غيابك امام عيني صفحات مشرقة لحقبة مهمة في حياتنا طوتها قسراً قسوة الزمن وغطتها اتربة احداث الضياع في اوطان المهجر. بقصد الابتعاد عن صخب الحاضر البائس ارمي بذكرياتي الى الوراء واغتنم الفرصة لالقاء نظرة على وجهك الصبوح الفرح واصم اذني عما يحيط بي من الاصوات واتذكر التعليقات والاحاديث الهادفة التي كنت تطرحها اعتراضاً على الظلم وادانة للممارسات الجائرة لاجهزة الدولة آنذاك. لم تكن تلك الاجواء خالية من القاء الدعابات البريئة من هذا الشخص او ذاك، وبذلك كان يكتمل مشهد شيق ومثير.
     يدفعني فراقك يا عزيزي يونس ان اتجاهل جبال امريكا واوربا كي امعن التفكير في جبلنا، جبل القوش بصخوره القاسية وثناياه الجرداء، لكنها زاخرة في الحيوية وخالدة في وجداننا. عندما اتذكرك يا ابا كاميران تتضائل في عيني المؤسسات التعليمية والجامعة العريقة في بلاد الغربة وتبرز عوضها ثانوية القوش المتواضعة بطلابها الحريصين غريزياً على تامين مستقبلهم دراسياً. ويظهر امامي مشهد كادرها التدريسي ليبرز شخصك نشيطاً مخلصاً لاداء الرسالة التربوية وتأهيل اجيال مستقبل اهلنا في بلدتنا وفي وطننا.
     كم اشتاق يا عزيزي يونس لالغاء حاضري املاً بايجاد بديل عنه تكون انت واحبائنا الراحلين والباقين جزءاً جوهرياً لمشهد ترنوا اليه نفسي. حينها تنبسط امامي طرقات القوش الظليلة وانت بحركاتك الرشيقة والسريعة تخترقها مرات ومرات ومعك العزيز نوري سورو والمرحوم اندراوس وانا.
     ليت لي ان اتجاهل ولو الى حين ما نسمعه من القنوات الفضائية وما نقرأه عبر الرسائل الالكترونية وما نجنيه من ثورة المعلومات كي اركز بنفس هادئة على اهتماماتنا الفكرية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي لانها كانت اللبنات الاساسية في بناء شخصيتنا واطر افكارنا وموئلاً لانسانيتنا.
     بكل صدق اذرف الدمع مرتين: مرة بفقدانك يا يونس وانت ذلك الانسان الذي اتسم بالتواضع ومحبة الجميع وبعيداً بعيداً عن الانانية والغرور والتحامل، واذرف الدمع ثانية بسبب مواقعنا المالوفة وتبعثرنا وفقداننا لجذورنا الاصلية والتي نمت بديلاً لها جذور في تربة نجهل خواصها ولا نضمن لها مستقبلاً.
     هكذا، بمرارة وأسى يغادرنا الاعزاء وتخلد ذكراهم عطرة في اذهان الاهل والاحباء والمعارف. لتكن مرتاح الضمير وقرير العين يا فقيدنا الغالي يونس وانت في حياتك الابدية في فردوس السماء، سيما والجميع فخور بما تركته من بصمات في مجال العائلة والمجتمع والبلدة.
     في الوقت الذي اعزي نفسي، اقدم التعازي القلبية لعائلة الفقيد ولذويه ولكل اهل القوش.
نجيب اسطيفانا/ المانيا
6- 7- 2010


101
المنبر الحر / دفتر الذكريات 8-9
« في: 23:28 31/05/2010  »

102
تساقط القليل من( اوراق الخريف)
نبيل يونس دمان


    اقول لصاحبي المحامي زكر ايرم، ان ما زال في الكأس بقايا خمر معتق، طيب، ولذيذ، كم يبعث منظر الخريف في الغالب على البهجة والانبساط بالوانه الذهبية، كأنه يناغي اخيه الربيع بالوانه الخضراء.
     بين يدي ديوان شعر صدر من دار فينوس للطباعة والنشر هنا في ساندييغو للشاعر الرقيق ابا عماد الذي ما انقطع يقرض الشعر ويكتب الكلمة في ساحة المهجر الامريكية. منذ داست اقدامي هذه الارض، وانا اتابع ما يكتب، ان قصائده التي وضعها في فترات مختلفة اشبه بقلادة من اثمن الاحجار كالياقوت والجمان والزمرد، بمغزاها وترتيبها وصورها التى تحاكي الطبيعة والانسان، ارى الزخارف في ارضية قصائد الديوان، وارى الربيع يبتسم من حسنها، فيفوح ريح المسك والعنبر من جنباتها، وكأنها خمائل ورد جميل من مختلف الاصناف والالوان.
الى نماذج من اشعار الديوان
في قصيدة( يا قلب صبراً):
ليلاي انت الهوى والحب والوجد     لولاكِ ما رق ماء او حـــلا ورد
يا عاذلي لا تلمني في  هوى ليلى     يبقى هيامي هو الميثاق والعهد

وفي ذكرى مجزرة سميل:
قُم حي اخوان كلدو فتيةً نجبـــــــا     وأقض لهم ما علينا من حقٍ وجبا
آشور قل لي ما جنت وما اقترفت     اجساد اطفالها قد مزقت اربــــــــا

وفي بغداد العشق والجمال:
لما تزل باسقات النخل واقفــــــــة     هيهات تهوى امام الريح اغصان
اقسمت لا ارتضي من دونك وطنا     مهما غلت في الدنى بيد واوطـان

وفي الذكرى المئوية لميلاد الزعيم الكردي مصطفى البارزاني:
لقد جئتكم منشدا شعري وتبيانــي     يا فتية من اباة الكرد اخواني
مرحى لكم مصطفى المقدام قائدكم     حقا هو قائد قي كل ميــــدان

حتى يصل الى( لقوش) فينشد:
القوش رمز الابى ما هزك جبل     ما نالك وارتقلى اسوارك رجل
هذا سليمان باق في ضمائرنـــا     من قبل توماسك اسطورة بطل

اتمنى لشاعرنا الموصلي المزيد من العطاء وان ينعم براحة البال وطول العمر، نحن بانتظار كتابه التالي( حصاد الايام) .




103
دفتر الذكريات
(6)
نبيل يونس دمان



الهوامش:
(1) قرية بيبان.
(2) قرية حتارة
(3) قرية سرجك
(4) قرية الشرفية
(5) قرية الشرفية
(6) قرية سرجك
(7) قرية بيبان
(8) قرية بوزان
(9) قرية الشرفية
(10) قرية أزخ- هرماش
(11) قرية بيبان
(12) قرية بيبان
ملاحظات:
الناجح الاول: نشأت يوسف جبرائيل توسا.
مدير المدرسة: منصور عودة سورو- اعقبه جرجيس ابراهيم حميكا
اسم المدرسة: ثانوية القوش للبنين- بناية شيشا ﮔولا
المستخدمون:
اسطيفو شبلا- صادق عيسى يلدكو
اسماء الاساتذة لكل مادة دراسة:
الدين: القس يوحنان جولاغ
اللغة العربية: عبد حنا عقراوي
اللغة الانكليزية: خالد الالوسي
الجبر: منصور عودة سورو
الحساب: منصور عودة
الهندسة: منصور عودة
الكيمياء: رمزي عبد الاحد
الاحياء: رمزي عبد الاحد
التاريخ: ذنون يونس
الجغرافية: عبد المطلب عبد الحيالي
التربية الوطنية: عبد المطلب عبد الحيالي
التربية الرياضية: بطرس بولص قاشا( منسب)
التربية الفنية: بطرس عيسى بدي( منسب)


ورقة من دفتر الذكريات

 
 
بطاقة الدرجات الفصلية
(7)
نبيل يونس دمان



الهوامش:
(1) قرية بوزان
(2) قرية دوغات
(3) قرية بيبان
(4) قرية دوغات
(5) قرية بيبان
(6) قرية بيبان
(7) قرية يسيان
(8) سقط شهيداً وهو يحمل السلاح بوجه الدكتاتورية عام 1981
ملاحظات:
الناجح الاول: نشأت يوسف جبرائيل توسا.
مدير المدرسة: منصور عودة سورو.
اسم المدرسة: ثانوية القوش للبنين- بناية شيشا ﮔولا
المستخدمون:
اسطيفو شبلا- صادق عيسى يلدكو
اسماء الاساتذة لكل مادة دراسة:
الدين: القس يوحنان جولاغ
اللغة العربية: طه مصطفى- اعقبه طارق الموصلي
اللغة الانكليزية: صباح كامل
الجبر: عدنان الدباغ
الهندسة: عدنان الدباغ
الفيزياء: جمال عقراوي
الصحة: رمزي عبد الاحد
التاريخ: ذنون يونس
الجغرافية: عبد المطلب عبد الحيالي
التربية الوطنية: ذنون يونس
التربية الرياضية: بطرس بولص قاشا( منسب)
التربية الفنية: بطرس عيسى بدي( منسب)
 


104
المنبر الحر / دفتر الذكريات (5)
« في: 16:41 19/05/2010  »

105
من ينقذ المسيحيين في العراق؟
نبيل يونس دمان
     لقد هزني حادث استهداف ورود بغديدا، طلاب العلم من الجنسين، واعتبر كل تشوه لحق باجسادهم الشابة، علامة ادانة يسجلها التاريخ، والى مدى الدهر، وستمثل هذه الحادثة باستمرار امام انظار شعبنا والانسانية، فالذي ارتكب يوم الثاني من ايار سيبقى رمز  لخسة المعتدين وجبنهم. حتى لا اغرق القارئ بسيل الوعظ والسرد الانشائي اختصر قدر الامكان افكاري بالقول، اننا كنا مضطهدين عبر التاريخ في ارضنا ما بين النهرين واشتد اضطهادنا اكثر فاكثر غداة سقوط الطاغية صدام حسين، يبدوا ان الهدف من وراء ذلك هو افراغ العراق من المسيحيين، كما افرغ من اليهود في القرن الماضي، هنا يتطلب من المسيحيين الاستمرار في مناشدة السلطة الحاكمة والعشائر ورجال الدين لبذل اللازم من اجل انقاذ ما تبقى من هذا الشعب المسالم الاصيل والتواق للحرية واعادة مجد حضارته الغابر. كما ويتطلب ايضا مناشدة المجتمع الدولي، الامم المتحدة، جامعة الدول العربية، والفاتيكان، بحال هذا الشعب الذي يضطهد ويصلب كل يوم، وتحريك الضمائر ان بقيت حية في عالم اليوم حتى تهب لنجدته وتوقف استهدافه، انها اشبه بحرب غير معلنة ضد شعبنا.
     بما ان الامور تسير من سيئ الى اسوء وتدفع كل يوم بقوافل جديدة للهجرة وترك ارض الذكريات وقبور الاجداد والاملاك، متحملة صعوبات نفسية اشد وضيم اكبر لما تبقى من حياتها في بلدان المهجر، لذلك يتطلب تنويع اساليب التصدي والتغلب على هذه المحنة وتجاوزها، فرفع غصن الزيتون لم يعد ينفع، والاستنكار والشجب لم يحرك شعرة في جلد الارهابيين، سواء في الموصل او باقي انحاء الوطن، لذا على الغيارى ممن تسري في عروقهم دماء الاجداد العظام، ان ينظموا انفسهم اكثر ويتحلوا بقدر من اليقظة والحذر لتلافي تكرار هذه الامور وطرق كل السبل التي تردع المعتدين وتوقف عدوانهم المتواصل.
     ان هذه الاجواء الملبدة بالغيوم السوداء قد تكررت في الماضي، وكانت كلها تستهدف زعزعت ايمان المسيحيين، وسلب ممتلكاتهم، والاعتداء على اعراضهم، كما فعل نادر شاه( طهماسب) عام 1743، فعند فشله على اسوار نينوى انتقم شر انتقام من مسيحيي الاطراف. وعندما هجم الامير الراوندوزي محمد الاعور على الايزيدية عام 1832، دخل البلدة القوش ايضا فارتكب مجزرة تقشعر الابدان من هولها، وهكذا الامثلة كثيرة.
     في السنين القليلة الماضية بدات حملة استهداف المسيحيين بالبصرة ثم بغداد فكركوك والموصل كل هدفها ارغامهم على ترك ممتلكاتهم والخروج من موطنهم الاصلي، اصبحنا اليوم امام انظار العالم مجزأين، مشتتين، منقسمين، كأن نهراً شق شعبنا فقسمه نصفين، او جداراً شطره جزأين، او زلزالاً فتح اخدوداً عميقاً، ان مثلنا مثل القدس وبرلين ايام زمان، ولكننا بحال اسوء منهم، فالحدود بيننا نحن شعب الرافدين الاصيل، اصبحت محيطات مياه ،وسلاسل جبال، وخرائط جغرافية مختلفة التضاريس، وحتى لون السماء مختلف ايضا! اما لغتنا السريانية العريقة، تقاليدنا، طقوسنا، وميراث ابائنا، كلها ستنتهي تدريجيا اذا استمر الوضع هكذا.
     نحن بحاجة الى قائد نحتذي به، نتبعه، يشدنا اليه، ويستنهض فينا العزم والمزيد من التحمل، نحن بحاجة الى كاريزما تحرك وضعنا الساكن، والى رجال منزهين، اكفاء، وشجعان. عندما تعرض شعبنا في تركيا للابادة سني السفر برلك( 1914- 1918) قامت مجموعة جريئة بحمل السلاح والانتقام قدر استطاعتهم من الجناة، ومن المؤكد ان ذلك الفعل المحدود قد انقذ انفس اخرى كانت ستتعرض للمظالم، وكذلك شفي بعض الغليل في النفوس، في ذلك الوقت لم تكن اوربا او اميركا مفتوحة كما اليوم ليهاجر اليها شعبنا.
   ان رجال ديننا ينطلقون من قيم المسامحة والسلام التي نادى بها المسيح، انها قد تلين القلوب وتكسب العطف في ظروف اخرى، ونحن طوال سنوات عجاف ماضية استخدمناها حتى استنفذت مفعولها، في الماضي ايضا شارك بعض رجال الدين بالدفاع عن شعوبهم المضطهدة واليكم الواقعة التالية:
في عام 1876 دخلت القوش مجموعة من المسلحين بزعامة رئيس قبائل الطيـّان المدعو ﮔولان ، فاهانت الاهالي وسلبت السوق، ثم ولت الادبار الى ديارها في الغروب. حدث هياج شعبي اضرم شرارته القس هرمز اودو والد المطارنة المعروفين : الشهيد مار توما( 1856- 1918 ) ومار اسرائيل 1858- 1941)، وكان عمه البطريرك مار يوسف في شيخوخة عمره وقد تردد في تشجيع تلك الحملة، ولكن القس هرمز حسم الامر قائلا ( لك العمامة ولي السيف ، وبالسريانية : آي ششتخ وآي سيپي ) . فخرج مع الشباب المتحمس ولحقوا بالعصابة في موقع ( آرتوك ) قرب قرية ( داكان ) ودارت معركة بينهم قتل فيها ﮔولان ، فتشرذم افراده لا يلوون على شيء.
     ختاما اقول ان الارهاب لا يسمع، لا يحس، لا يكترث، ولا يلوح في الافق انه سيتركنا وشأننا، فعلى طلائع شعبنا ان تدرك ذلك، وتتحلى بقدر من الفطنة والدهاء في التصدي للارهابيين، مرتدين تلك القمصان المطرزة بدماء الطلبة والشباب.
بْنونِهْ وبناثـَهْ سورايـِــهْ            مْن بِثْ نَهرِنْ غْديدايِه
صْويئِه بْگو دِمِّدْ خايِهْ            وأني باُﭘْرَيْ خْنِخْرايـِه
شُقولي أنْ شُقْياثــَـــــهْ           نيشَنْ تَكُلْ يوماثــَـــــه
مْسُقلِه سْموقِه حْيروثَهْ           بْيرَقْ تَبْني ناشوثــَـــه

Nabeeldamman@hotmail.com
May 10, 2010



106
المنبر الحر / دفتر الذكريات (4)
« في: 22:51 10/05/2010  »
دفتر الذكريات
(4)
نبيل يونس دمان
         كما ونقلت الى دفتر الذكريات، قوائم باسماء الطلبة في صفي، من اوراق عكفت على تسجيلها في نهاية كل عام دراسي، أبدأ من الصف السادس في مدرسة العزة الابتدائية للبنين- القوش، وسوف اختار بعض الاسماء لاسجل هوامش خاصة، وكذلك ارفق بعض الوثائق المتوفرة.
الصف السادس (ب) لسنة 1963- 1964



الهوامش:
(1) كاتب الموضوع.
(2) في صيف عام 1971 لقي المأسوف على شبابه حتفه صعقا بالكهرباء في عين ماء محلة سينا.
(3) من قرية الشرفية جنوب القوش حوالي 10 كم.
ملاحظات:
الناجح الاول: نشأت يوسف جبرائيل توسا.
مدير المدرسة: وديع حنا كجو.
المعلمون: ياقو يوسف عوصجي( العربية)، ميخا اسرائيل سيبانا( الانكليزية)، كامل ياقو دمان( التاريخ)، وديع حبش( الجغرافيا) ، حبيب صادق شدا( الرياضة) ، جميل اسرائيل سيبانا( العلوم)، علي الموصلي( التربية الوطنية)، حنا ميخا القس نونا( الحساب)،القس هرمز صليوا صنا( الدين).
المستخدمون:
جبرائيل كادو، يوسف كعكلا.
درجاتي في الامتحان الوزاري:
اللغة العربية 54
اللغة الانكليزية 85
الاجتماعيات 68
الرياضيات 91
التربية الوطنية 68
العلوم العامة 50 
 
الصف السادس( ب)



بطاقة دخول الامتحان الوزاري
 

 
بطاقة الدرجات الشهرية
 

 
الصف السادس( أ )
الخط الاول من اليمين: الاستاذ ياقو يوسف عوصجي، الاستاذ جميل اسرائيل سيبانا، الاستاذ حبيب صادق شدا، المدير وديع حنا كجو، الاستاذ كامل ياقو دمان، الاستاذ ميخا اسرائيل سيبانا، القس هرمز صليوا صنا.
الخط الثاني: الاستاذ بهنام عبو( الموصل)، جلال حبيب كولا، جميل بطرس كولا، عادل رحيم تومي، المرحوم نجيب اسحق بدي، صادق ابلحد عوديش( عادل)، غريب كوكي، وديع حبش( ابو رياض من بغديدا) .
الخط الثالث : الاستاذ حنا ميخا القس نونا، عوني حنا الصفار، رحيم حبيب حنيكا، نبيل عيسى جولاغ، .....( لم اتعرف عليه)، صباح منصور خوشو، كليانا عوديش بدي.
الخط الرابع: سعد جرجيس حميكا، باسل ابراهيم جنو، روميل حنا قيا، بطرس ايوب رمو، سالم حسقيال شدا، ...... (لم اتعرف عليه).
الخط الخامس: نافع شكري محمد علي( العمادية)، صباح موسى ساكو، سعيد سليمان بطة، المرحوم كامل ميخا كجوجا، عزيز بولص اوسطايا،
الخط السادس: ابرم يونس شمو تاتا، سعيد يوسف كولا( مراقب الصف)، عبد اوراها كجوجا.


107
المنبر الحر / دفتر الذكريات (3)
« في: 23:37 26/04/2010  »
دفتر الذكريات
(3)
نبيل يونس دمان
     ومن دفتر الذكريات انقل مديحة الراهب بطريقة الگرشوني، وضعها القس الخالد يوسف عبيا قبل حوالي المئة عام، ويروى انه سمع قصتها مغناة باللغة الكردية من الغجر المارّين من قرية النصيرية التي كان يخدمها قسيساً، فالى تلك القصيدة التي ألهمت اهالي القوش، وجعلتهم يرددون العديد من أبياتها على مر الازمنة:
مديحة الراهب
دْشْمُؤو دا يا أخنواثـــي     مَحكنّوخوا خذا قصِتـَّه
دْبرد مَلكا برونا دآزوثا     تيوا لكرسي دملكوثـــا
**********
أذي مَلكا ويوا ميوقرا     أثوالي برونا شپيـــرا
تيوا بيثا بأيقـــــــــارا     وبِشْكارا لماريح ﮔبّارا
**********
خا يوما قملي من بَيثــــــا     شْقلي أودي وغُلمواثـا
وكولّي زلّي صوب دَشتاثا     بجيالا لصيدى د حيواثا
**********
بصيدا ﭘشلي تري يوماثــا    أجبليلي تدْ دائِر لبيثـا
بأورخا تفقلي بگوخا ميثا    شِپْرحْ مْخُبلي مِزدوثا
**********
لبيثا ثيلي بأي عدّانــــا     كليلي قَم بابِح حَنانــــــا
ميري يا ملكا وشُلطانا     شوحوخ فاني مِنِّح تنانا
**********
ميري يا بابي بْحَقوثــا     ان كُلّن طـَمخلي موثا
لك لزما حكاما لملكوثا     لا لأودي ولا غلمواثا
**********
يا بروني توري أجبونُخ     وهيّو لدپني تدْ أمْرنّوخ
وان كِبتْ مَلكا بْدوذنُّــــخ     بش ْمكلّي بزايد أيقارخ
**********
يا بروني هي أيتو لتختا     واذ ﮔيانوخ بد ﭘيشا نختا
اوذ حكما هم لدولتـــــــا     وبثرديخ ميثنوخ بَختــــا
**********
بابي لك يَتون لْتختا     ولگبني حْكاما لدَولتا
ﮔباخن تهاوِن فقيرا     پيشِن خاشِخ لمَلكوثا
**********
أيگا من بيثا بلطوالي     وخاتِر من بابح شقلوالي
لأثرا رحوقا زلوالــي     بْگو اثرا د بَغدد سْكنوالي
**********
تاما پشوالي هَم حيرا     من سَبب دويوا برد ميرا
پشوالي بحالِح فقيــرا     پلخلي بصنيتا د زَبيــــرا
**********
بيوما زاقِروا زبيـــري     بليلي صلوي وزموري
رش آذي ويوا ديورح     بشكارا لآلها ماريـــــح
**********
اذ ربّن مسوقلا بطاواثا     واثوالي غذا قومتا خليثا
وپرسوپح مليا حليوثــا     بگاوح معجباوا ناشوثــا
**********
قملي خا كا من يوماثا     سقيواري طلث قناثــا
ثيلي مزبنيلي بگوماثا     وگاخرتا دا إروا لقليثا
**********
هم گاگا لماثا آثيــــــوا     مَخرجْوا ديّح صَنيتــا
هم زاونوالي ميخولتا     گاخرتا لكوخِح دائروا
**********
بي ماثا اثوا غذا بختا     خاتون و بخ د ميرا مرتا
خيرا إلِّحْ بأينا بشتـــا     كم صليالي بخذا حوشتــا
**********
كم عيطالي دآور لبيثا     ميرا طالح گو حقوثـــــا
يا ربن مليا حليوثـــــا     هي زّونن مِنُّخ سنيقوثا
**********
يا ربّن اودا وفقيـــرا     صپرا سقوري خا زبيرا
حقوخ بياون خا ليرا     حقا ديلي لبيثا د ميــــرا
**********
رش ريشي خاتون بزقرنَّخ     زبيرا طاوه بْگذلِنــَّــخ
كبلي أينح بأيقـــــــــــــــارا     پلطلي من بيثا بشلاما
**********
مخشكا مشنثح قموالــي     بالِح لعقارا هولوالــــــــي
خذا كرتا توري قطيوالي     زبيرا د خاتون سقروالي
**********
هم بشطلي لاورخا لأيثايا     ورشْ روشح كمداريوالي
لبيثا د ميرا مقدموالـــــي     زبيرا د خاتون ولوالــــي
**********
كم عيطالي د آور لبيثا     هي شقلن منخ سنيقوثا
كم لگزالا أينح لخدمتا     بگو قلولا سْودلا دَرْتـــا
**********
يا رَبّن جونقا جندايـــــا     وما كلزما دهاوت بجهايا
ولا ايخالا وهم لا شتايا     هم باذي شولا مريــــــرا
**********
يا ربن جونقا وجلبي     هلـّي أيذوخ وهَيّو لصوبي
كم بأيَنُّخ مكلـِّح لبـّـي     دْپرشَن مِنُّخ آنه ليبـــــــي
**********
يا گذالا بگوحصيـــــــــــــري     د أور مكل شولي مريري
هي دموخ لتختي ومحفوري     بد خدميلوخ گو ايقــــارا
**********
يا خاتون مر عاقل وهونا     ولا حاكم بلبخ ساطانـــا
خور لموثا مريرانــــــــــا     وكلايه قم كورسي ديّانا
**********
يتوميون دله بابه ولا يمه     ولتي لا اخونا ولا برد عما
ولا صنيتا د مخلا لخمــــا     ربن أيون شوقلي علمـــــا
**********
شويقالي كُلح ناشوثـا     وكپيري بكل شهوتياثــا
مُسنيلي كُل ميخولياثا     تد پيشن خاشخ لملكوثا
**********
يا ربن أودا وفقيـــــــــرا     لگبي بدوذنخ وزيــــــــرا
لوش قابايا بدهوا سقيرا     وأشقل طالخ بختا د ميرا
**********
يا ربن ديوت درويشـــــا      لكبي بدوذنخ مر بيشا
وحكمت لأودي وغلمواثا     لترزي ترزي دم ذيناثا
**********
يا خاتون بسا من محكياثا     ولگبني رتبي وبيشاثــا
وقط لا حكاما لمذيناثـــــــا     ولا ﭘيشن گليزا ملكوثا
**********
ايداثح بسيما مُلبِشـــــلا     وپقرتح بدهوا مخشخشـــلا
اريلا لربن بيذح گرشلا     غضب وحمثا د تورا لوشلا
**********
يا ربن گليزا وفقيـــــــرا     دخور بث مال ودولتا
بشپري وبث قمتي حليثا     كم بأينُّخْ ليبا خطيثــا
**********
يا خاتون يا شيذانيثـــا    وبي حيا ومر پاثا قويثا
ديخ كمرت ليبه خطيثا    بم في اويرخ لكاواياثــا
**********
ان گزدت مناشي ابرانا     ولا كزدت ملكي درومانــي
ديلي مپيد بكل دوكانـــه     طاوى كبي ولپيشي كْساني
**********
يا ربن ديوت شيذانــــــــا     ولتّوخ لا عاقل ولا هونا
خور بذ شپري ما بهرانا     ولا ما فيتت أث عدّانــــا
**********
ويا خاتون يا شيذانيثــــــا     وبي حيا ومر پاثه قويثا
اور مني ولك پلخن خطيثا     د محمصن ماري دبريثا
**********
يا خاتون مليثا گوروثــــا     ولگباري شوله بخرطوثا
زدو مكرهاني وسيبوثـــا     موثه بداثي كو حقوثــــا
**********
يا ربن اودا وفقيــــــــــــرا     ديخ خواثي انا بخت ميرا
كل حاكم د أودي وبصيرا     كم شاهي دأمريلي خبـرا
**********
يا خاتون ويا بختا د ميرا     ودخ خواثي اودا وفقيـــــرا
أيحيذايا وغاشم بـــــــورا     ولك نخبت مأذ شولا بصيرا
**********
يا خاتون بسا اور منــــي     وبگاوخ قط لا خيري اينــــــي
وله مپصخن دجمني دئي     ودمحمصن مشيحا مخلصاني
**********
يا خاتون متخمل خا قصا      ولاذ دني كلح بد خلصـــــــــــــا
ومن موثا قط ليث خلاصا      وقم مريا ليث لا حشتا ولا بلصا
**********
اذ دني منخ بد فيتـــــــــــا     واذ لشخ يقورا مفتفتــــا
وقم مريا ليثن چو حوشتا     هر پخورثا بهويت غبنتا
**********
أث شِپْرخ منَّخ بدْ فيتــــــا     ومال ديّاخ پايش تا خنّي
وبد سابس بقوراثا عفيني     واخا بقنيَت لوحا وشننـا
وبي دني كادي كومي
**********
وان كبت د قنيت بوسامي     د قريلي مشيحا مخلصاني
دم خالصلخ من سَطانـــــا     ويا ولّخ خيلا وروحنــــــا
ودِمْ كَمْلَت ديَّخ أجبونا
**********
يا خاتون بسا اور مخطيثا     ودمقريلي مشيحا بشپلپيثـا
ومنثر دمئي دتياووثــــــــا     وتد غفري حطاياخ كبيري
**********
دبسا محكِت كبيـــرا     ولا تا نيَت قامي ﭽو خَبرا
عدّانيلا د آثي ميرا     دْ مَطميلوخ موثا مَريـــرا
**********
بد شَكْينّوخ گيبد ميـــــرا     وبد أمرنّي اذ ربّن بورا
وكطالب مني شولا سريا     وبد قاطلوخ ليبا چاره
**********
ربن حيذايا يعقونا مليوالي     وقريلي لمارح دمعينوالي
بْلِبّا شْحيقا لمارح قريوالي     مبيثا لألولا مفرفيــــــري
**********
انتهت هذه القصة الرائعة
صلوا عشرة ابانا الذي وعشرة سلام لك للذي ألف هذه القصة
استنسختها من ابن العم عادل موسى شمعون
قرأتها يوم 1-2- 1966
nabeeldamman@hotmail.com
April 26, 2010

108
المنبر الحر / دفتر الذكريات (2)
« في: 23:45 19/04/2010  »
دفتر الذكريات
(2)
نبيل يونس دمان
     في 30- 7- 1967 نقلت ما دونته بالاوراق لاحتفظ به الى يومنا هذا. سجلت ملحمة جلجامش التي راواها مدرس التاريخ الاستاذ سعدي شيت الجبوري في ربيع عام 1964 وانا في الصف الاول متوسط، انقلها هنا بنفس الاسلوب والنحو والسرد وحتى الاخطاء التي رافقتها، بامكان القارئ اكتشافها بسهولة، فالى المدونة التي انقلها من الدفتر المذكور، الذي يعود الفضل في الاحتفاظ به من الضياع طوال الفترة الممتدة الى 43 سنة الى والدي العزيزين: يونس ياقو دمان وكرجية كوريال اودو اطال الله في عمرهما:
ملحمة جلجامش
     كان( جلجامش) حاكم لمدينة( الوركاء) وكان الناس يكرهون حكمه لهم لهذا اتصلوا بالإله( آنو) وقام الإله المذكور بالاتصال مع الإلهة( ارورو) التي خلقت( جلجامش) بالذات. فخلقت الإلهة من الطين رجل كبير يشبه الحيوان سمته( انكيدو) فذهب الى البراري وعاش عيشة الحيوانات. وصل يوما قريبا من( الوركاء) وكان يوجد في تلك الامكنة عين ماء كان ( انكيدو) يشرب منها الماء كباقي الحيوانات وفي احد الايام بينما كان احد رعاة الغنم ذاهباً الى العين رآى فيها انسان يشبه الحيوان وهو( انكيدو) فخاف منه لاول وهلة ورجع مسرعاً الى المدينة مخبراً الملك( جلجامش) بكل ما رأى.
     فدبر( جلجامش) حيلة استطاع بواسطتها الراعي ان يجلب( انكيدو) الى المدينة وهكذا دخل( انكيدو) الى( جلجامش) وعاشا معاً عدة ايام حتى استطاع يوماً( جلجامش) ان يسيطر عليه واراد قتله فرجا منه( انكيدو) كثيراً فلم يقتله واصبحا منذ ذلك اليوم صديقين لا يفارق احدهما الاخر كالاخوين. وفي يوم من الايام ذهب( جلجامش) ( وانكيدو) الى احدى الغابات التي كان البشر محروم من الدخول اليها من قبل الآلهة ولم يسكنها غير الآلهة فدخل البطلين فيها وخلال دخولهما وجدا على بابها شيء كبير جداً يسمى( خمبابا) وكان حرساً صنعه الآلهة للمحافظة عليهم ولم يصعب على( جلجامش) لانه كان ثلثيه اله وثلثه بشر فاتصل بالاله( الشمس) ان ينقذهم من هذا الخطر فصنع الاله ريحاً قوية فجمد في محله وادخله( انكيدو) بقوته في الارض. وبعد ذلك رجعو الى المدينة ظافرين بهذا النصر واحتفلو في ذلك اليوم احتفالاً رائعاً.      وعندما جرى الاحتفال بحضور جميع افراد القرية احبت الإلهة( عشتار) بنت( الإله) ( انو) ( جلجامش) ولكنه لم يحبها لانها كانت متزوجة من احد غيره وقتلته فخاف( جلجامش) ورفض الزواج بها فذهبت الإلهة الى والدها واخبرته بكره( جلجامش) وغيضه لها فخلق( آنو) مرض في( انكيدو) دام ثلاثة ايام وتوفي فحزن عليه( جلجامش) لان قوته كانت به.
     وهكذاخرج( جلجامش) من( الوركاء) الى الغابات والبراري حتى وصل الى جبل يقال انه جبل في لبنان وهو جبل( نصير) فدخله بعد ان قتل الحرس المبعوثون من قبل الآلهة وفي داخله وجد بيتاً يسكنه إلهاً مع زوجته فقال( جلجامش) اين جدي( اتونابشتم) فسأله الإله عن السبب فقال كيف صار خالداً فاجابه قائلاً ان الخلود يمنح للالهة فقط وليس للبشر واراد الاله قتل( جلجامش) ولكنه فشل لان( جلجامش) كان ثلثيه إله وثلثه بشر.
     فاخذ( جلجامش) يسير عبر الجبال حتى وصل الى بحر يقال انه البحر المتوسط فدخل احد البيوت الذي يسكنها الآلهة وسال عن جده( اتونابشتم) وكيف صار إلهاً فقال ان الخلود يمنح للآلهة وليس للبشر ولم يخبره عن مكان اقامة( اتونابشتم) ولكن زوجة الاله عطفت عليه وقالت له ادخل في هذه السفينة فدخل فيها وعبّرته الى الطرف الثاني من البحر. فنزل( جلجامش) مع الإلهة وقالت له هذا بيت( اتونابشتم).
      فدخل( جلجامش) فيه وقال( لاتونابشتم) كيف صرت خالداً فقال الخلود للآلهة وليس للبشر ثم اخبره القصة وقال غضبت الآلهة على البشر فارادت احداث طوفان وكنت ساكناً في قرية( شروباك) ولكن احد الآلهة المسمى( اياه) وصاح بجانب بيتي وقال اصنع لك سفينة وادخل فيها انت مع جميع انواع الحيوانات. فصنعت سفينة ودخلت فيها مع جميع انواع الحيوانات ودخلت الى البحر.
     فحدث الطوفان اذ هاجت الزوابع واملأت الماء اليابسة ودامت ستة ايام ومات خلالها جميع البشر والحيوانات عدى الآلهة وسفينة( اتونابشتم) وفي اليوم الرابع من الطوفان ارسلت حمامة ولم ترجع وارسلت طير السنونو ولم يرجع ولما ارسلت الغراب ولم يرجع عرفت انها دلالة ظهور اليابسة فخرجت من السفينة مستقراً في جبل( نصير) فاحبوني الآلهة واصبحت بينهم خالداً.
     اما بالنسبة الى ( جلجامش) ، فان( اتونابشتم) بعد ان قص عليه خبر الطوفان وبرهن له على العذر حصول الانسان على الحياة الخالدة ودلهُ على نبات عجيب ينبت في غور البحر اذا اكل منها الانسان عاد اليها شبابه.
     وحصل( جلجامش) على ذلك النبات الذي دله عليه( اتونابشتم) لانه كان ثلثيه اله وثلثه بشر ورجع الى( الوركاء) وفي الطريق ذهب الى مكان لشرب الماء ووضع النبات جانباً وبدأ بالشرب وخلال ذلك سرقت الحية ذلك النبات التي استطاعت فيما بعد بواسطته ان تعيد اليها شبابها بنزع جلدها كل عام. 


109
المنبر الحر / دفتر الذكريات (1)
« في: 21:48 12/04/2010  »

دفتر الذكريات
(1)
نبيل يونس دمان
    في 30- 7- 1967 نقلت ما دونته بالاوراق لاحتفظ به الى يومنا هذا. سجلت جدولا باسماء رؤساء بعض الدول التي واظبت على جمعها من اخبار راديو الوالد نوع( سوني) وبعض الصحف التي كان يجلبها من بغداد خالي يونس اودو الطالب في المعهد العالي للتربية الرياضية انذاك. لقد كنت متحمسا لمواصلة تسجيل اسماء الملوك ورؤساء الدول المختلفة، وحينما عرضتها على مدرس مادة التاريخ الاستاذ ذنون يونس الموصلي، ابتسم قائلا: انها هواية لا قيمة لها بسبب تغير تلك الاسماء على مدار الزمن، مما ادى الى فتور وجهتي تلك، يطيب لي الان نشرها مع ملاحظات ادونها بعد مرور 43 سنة:




 
The first page of the notebook dated 7- 30- 1967
nabeeldamman@hotmail.com
April 12, 2010

110
المنبر الحر / حادِثة بَكْروكـَه
« في: 00:04 26/03/2010  »
حادِثة بَكْروكـَه
نبيل يونس دمان
    يقول الراوي : سمعت هذه القصة وكان عمري حوالي خمس عشرة سنة من عمي سليمان الذي توفي في 1950 ، وهو في شيخوخة طويلة ، اي قرابة المئة عام ، وهكذا اذا حسبنا على هذا الاساس يكون تولده قرابة 1860 . ولكونها طريفة حفظتها طوال هذا الوقت .
     وقعت الحادثة أيام  يوسف رئيس ( 1803- 1879 ) ، وفي زمن أغا الكوجر( إسماعيل ) ، وعلي بك ( جد تحسين سعيد ) أمير الأيزيدية الحالي . كان اسماعيل أغا يملك اعدادا ً كبيرة من الأغنام تصل الى أربعة او خمسة قطعان ، من الواضح أن عملية تغذية هذا العدد من القطعان في فصل الشتاء تكون صعبة إن لم تكن مستحيلة ، حيث لا مراعي ولا مروج ، بسبب هطول الثلوج . يخزن بعض الناس العلف لتلك الايام لأن في بعض تلك الايام لا تستطيع الماشية مغادرة ملاجئها .
     كان يصعب على اسماعيل أغا تدبير العلف لاعداد أغنامه الكبير، ولذلك اعتاد في كل شتاء ان يسرح بأغنامه ، حراسه ، حريمه ، خيله ، خدمه ، من اعالي الجبال المكلله هاماتها بالثلوج جنوبا ً الى مناطقنا ، حيث يشتري مراع ٍ في جبالها ( ﭙاوانـِه ) من الأيزيدية في الجبال المحيطة بقرى باعذرا ، خورزان ، كـَرسافه . خصوصا في الجبل المقابل لقرية خورزان ، الذي تكثر فيه الكهوف الواسعة والعميقة (رأيت العديد منها عند تواجدي في المنطقة ) . مناطقنا قليلة الثلوج في الشتاء وبالتالي تبقى مراعيها حيوية فترة طويلة من أشد أيام الشتاء برودة، لذلك كانت قطعان الاغنام تبقى فيها طوال فصل البرد ،  وحتى مطلع ايار حيث يسوقها الرعاة صعودا الى الزوزان ، لتقضي الصيف بأكمله وحتى نهاية الخريف ، وتتكرر الرحلة نزولا ً وصعودا ً في الاعوام التالية .
     عندما تعود القطعان ..... يباع فائض منتوجها من اللبن والجبن والصوف والسمن الى مناطقنا ، وتشتري حاجاتها من اسواقنا العامرة بالسكر والشاي والصابون والملابس ، وكذلك المونة من برغل وجريش وحبوب وبقول وطحين.
     في تلك الرحلات التي فرضتها المواسم والطبيعة والمصالح المتبادلة ، كانت تقتضي ايضا اقامة افضل العلاقات مع ابناء منطقتنا ، فكان اسماعيل يصادق أمير الشيخان ورئيس القوش ، وعندما ياتي اليها كان يحل ضيفا عند أيسفي كوزل ، وبذلك تطورت الصداقة بينهم وبين باقي وجهاء قرى المنطقة .
    يدور الكلام بأسره عن كثرة الاغنام التي يمتلكها اسماعيل اغا ، كانت تعود من مرعاها الى الكهوف في الليل ، فاذا كان الجو حارا ً فانها تحجز في اماكن مسيجة بالاحجار او الاخشاب ، ويطلق على تلك المسيجة التي لها باب ومفتوحة على السماء ب ( كوتان ) . اربعة الى خمسة قطعان من الاغنام ،  يتركها الرعاة ، ويبقى كلب واحد يحرسها جميعها ، يكاد لا يصدق ولكنها الحقيقة ، كانوا معتمدين على ذلك الكلب ، فاذا اقترب حيوان يفترسه ، واذا جاء ذئب يقطعه ، واذا تقدم لصوص او اناس غرباء للسرقة ، يهجم عليهم ويمزقهم ، لا احد يستطيع التقرب منه ، لا من الحيوانات ولا من اللصوص ولا من الحيوانات الا اذا استخدموا الأسلحة ، عند ذلك يهب رعاة الأغا وحراسه بالسلاح ليدافعوا عن المكان ، وتحدث جلبة وطلب النجدة ( هاور) فينهض الجميع لرد اللصوص .
     في احد الايام وفي واحدة من زيارات علي بك لإسماعيل أغا كأن يكون للتهنئة بالعيد او للترحيب بهم او لزياره بهدف معين ، جاء علي بك الى تلك المنطقة الجبلية ، فرحب به ضيفه بحفاوة ، وبعد احاديث متشعبة ، سأل علي ما يراود ذهنه بالقول :
- اغا انا معجب بك كثيرا واتساءل كيف يبلغ بك الامان والثقة ان تترك آلاف الاغنام في حراسة كلب واحد , كيف تطمئن نفسك الى ذلك ؟.
 قال اسماعيل اغا :
- علي بيك ..... في الحقيقة ، ليس لهذا الكلب من مثيل ، مجرب ولسنين ، في قوته وشراسته ويقظته ، فلا احد من البشر او من الوحوش يستطيع التقرب من الاغنام ً، في الليل او في النهار ، اذا كانوا لا يستخدمون السلاح ، اما اذا استخدموا النار ، فيهب جماعتي على اثر النداء ( الهاور ) ونتقدم جميعا حال سماعنا ذلك او اي صوت لاطلاق النار، فنحن كل هذه السنين مطمئنين تماما ً الى قدرات هذا الكلب الأعجوبة ، وباستمرار يزداد فخرنا به .
   لم يصدق على بك ذلك وابدى شكوكه ، وبعد اخذ ورد ، آل الجدل الى رهان ، فقال الأغا :
 - الاغنام متروكة هكذا في العراء ، ليتقدم من يشاء ويجرب ، طبعا نحن غير مسؤولين اذا المتقدم قتل من قبل الكلب ، عندها لا يحق لاحد ان يطالب بدمه ، وبالعكس هذه الاغنام وهذا الكلب امامكم ، كل يوم ، وليتقدم من يرى في نفسه الشجاعة ليتقدم وليسرق ما يروق له من الاغنام ، شرط ان لا يستخدم السلاح الناري ، ويستطيع استعمال السكين او الخنجر او العصا او الگوپال ( عصا معطوفة الراس ) او اي شيء من هذا القبيل . اشترطوا بينهم ، واعطى اسماعيل مهلة شهر الى علي بك ليستعين بكل جماعته لياخذ ما يشاء من الاغنام ، ومن يفترسه الكلب يخسر نفسه .
     انتهت الزيارة وعاد علي بك الى باعذرا ، اهتم بالمسألة جيدا ، واخذ يرسل كل ليلة خيرة رجاله من شجعان الى قطاع طرق الى لصوص الى مهربين ( قچاغه ) ، واستعان بعصابات من منطقة زاخو معروفة ( يطلق عليهم قايذنايه ) ومن مناطق سنجار، وجميعهم اخفقوا ، ومضت ثلاثة اسابع على الشرط ( قول ) . كل هؤلاء حاولوا التقرب من الاغنام لكن بمجرد صدور اصوات بسيطة ( دمدمة او حمحمة ) من ذلك الكلب الاسطورة ، فانهم يهربون ناجين بجلودهم . ماذا بإمكان علي بك ان يعمل ، وقد بقي له اسبوع من شرطه مع الأغا ؟ .
     في احدى زيارات البك لرئيس القوش يوسف رئيس الملقب ( أيسفي كوزل ) في بيته ، والمسألة تشغل باله كثيرا ، اذ كيف يفشل امير الشيخان وقومه ( ايزدخانه ) وكل رجاله ومهربيه وشقاته ، في ايجاد حل لذلك الكلب اللغز ، واثناء جلوسهم واحاديثهم ، لاحظ يوسف علامات الحيرة في وجه جاره ، ولم يتمالك قائلاً :
-  ما شان البك ؟ انا لا ارى علامات الارتياح في وجهه ، فماذا يشغله ؟ .
 اجاب علي بك قائلا :
- خواجه أيسف ...... لا تصدق ما اقوله لك عن الرهان مع اسماعيل أغا ، وحاولت جهدي خلال ثلاثة اسابيع لجلب ولو جدي او طلي واحد من قطعان الأغا ولكني عجزت تماما ً.
 اجابه يوسف :
-  احقا ما تقوله ايها البك ؟
-  نعم ... وما العمل ... باقي لنا اسبوع ، ونخسر رهاننا مع اسماعيل اغا ، وهي مخجلة وملامة كبيرة لنا ، خواجه أيسف .
ضحك أيسف وقال :
- ليس هناك ابسط من هذه المشكلة .
وسال البك متعجبا :
-  كيف هي بسيطة ، خواجة ؟
     نادى يوسف على خادمه وقهوجي الديوان الملقب ( بكروكه ) لقصر قامته وخفته ، وهيئته الفقيرة ، وفي كل الاحوال لا تبدو على قسمات وجهه الشجاعة او القوة ، عمله كل ليلة في الديوانخانة ، حيث يقدم القهوة والسكائر للضيوف . جاء بكروكه مسرعا .ً
 فقال له يوسف :
- يا ولد ( قليت ) بكروكه اسمع ما يقوله البك .
      كان البك غير راغبٍ  بمخاطبة بكروكه للاسباب السابقة ، ولكن طلب يوسف منه ان يتلو القصة والموضوع ، جعله يتكلم عن الكلب الشرس الذي حيرّهم ، ومن بداية الحكاية وحتى الوقت الذي هم فيه .
بكروكه يخاطب يوسف :
– كم رأس يريدني ان اجلب له من قطعان الأغام؟
  البك دون ان ينتظر جواب الخواجة .
 – هات راس واحد فقط وليكن خروف او ماعز صغير ، فقط اريد ان أوفي بالشرط .
بكروكة منشرحا ً.
– لا بيك سأقطع لك مجموعة ( بالآرامية الدارجة بـِرَّه) من الاغنام .
( عند كلمة " برّه " وقف متحدثي يتكلم عنها طويلا ، بما يوطد الموضوع ويمنحه بعدا ً تراثيا ً) فيقول :
     لم اسمع باستخدام هذه المفردة الدالة على عدد محدد من الماشية في قرى اخرى ، وقد تجولت في العديد منها في شمال الوطن الحبيب. فقط تستخدم في القوش للتعبير عن عدد الماشية ( اغنام او ماعز ) وتساوي عشرة رؤوس ، فالذي يقول لدي 3 بـره من الاغنام اي 30 راس منها ، واذا قال 7 برة اي 70 منها وهكذا حتى المئة عندها تتحول المفردة الى كلمة ( قـْوطَة ) ، فاذا قال احدهم : ان فلان يملك قوطِة من الاغنام اي المئات منها ، وغالبا ما يتجاوز القوطة الواحد عن المئة الى 150 او 180 . في المحلة الواحدة من القوش كان بعض البيوت تمتلك 20 راس او 2 بره وبعضها 4 بره واخرى بره واحد ، فتجمع حصيلة عدة بيوت ليكتمل قوام قوطة ، عندها يستلمها ( شفانه)  الى المراعي المنتشرة في الوديان او السهول او الجبال ( وكلمة شفان تعني راعي بالكردية ، وفي الآرامية رَعيا ) يقول يسوع المسيح : انا هو الراعي الصالح ( آنيون رعيا طاوة ) ، والحال كذلك مع كلمة ( كافانا ) التي تطلق على راعي الابقار وهي كلمة كردية يقابلها بالارامية ( بقارا ) التي يطلقها بناء شعبنا في قرى بلاد النهرين الخالدين .
     في القوش الاربعينات من القرن المنصرم ، كانت توجد حوالي 20 قوطه غنم اي بحدود 2000- 3000 منها ، ففي محلة قاشا حوالي 4-5 قوطه ، وبيت قوجا مثلا كان يملك لوحده قوطة واحد وبيت ابشارة قوطة ، وبيت متاية قوطة وبيت مرخو قوطة واخرى تجمع من عدة بيوت كما سبق الحديث. كان لنا حوالي 4-5 بره وبيت ميخا عملي عدد من بري وبيت ياقو قيا . وفي محلات اخرى كان بيت بتوزا وبيت خوبير وبيت حنيكا ويقوندا واسطيفانا وغيرها يمتلكون بالمئات ( قوطِه ) . عندما كنت بين التاسعة والعاشرة من عمري كنت اذهب امام الخرفان لرعيها ، وابن عمي الذي كان يكبرني بعدة سنوات ، ينام طوال فصل الربيع امام الغنم ، مع ميخا أپا وغيرهم ، كانوا يدعونهم ( شـَڤ نوبه ) . ففي الربيع كان اصحاب الاغنام لا يرجعونها في المساء الى البيوت  بل تبقى اشهرا في العراء ( برية ) وفي العصاري تحمل الحلابات عشاء الرعاة ، يخرجن من القوش يقصدون المراتع الخضراء التي يقيم فوقها بشكل مؤقت الرعاة والقطعان . فيما ينهمك الرعاة بالعشاء تتحرك الحلابات نحو الغنيمات الممتلئة صررها باللبن ، ويشرعن بحلبها ، فتمتلئ بعد قليل سطولهن ( ستلوكات ) بالحليب الحار، يجلسن بعدها قليلا يسامرن الرعاة ، ثم يعودن الى البلدة حيث بيوتهن واطفالهن متلهفين ، للحليب القادم من بعيد .
 بعد هذه التعريجة نعود الى بكروكة وهو يخاطب رئيسه :
 - عزيزا ( احد ألقاب ايسفي كوزل ) متى ينبغي الذهاب لتنفيذ المهمة ؟.
 اجاب علي بك نيابة عن ايسفي كوزل :
- اذا امكن اليوم .
بكروكة مكررا السؤال :
- صحيح ، هل اذهب اليوم عزيزا .
- اذهب ( سي قليت ) معهم الان .
     جهز بكروكه نفسه جيدا ولبس سرواله وقفطانه ( مقطنيثه ) وحذاءه ( كالِكِّه ) ثم انطلق لا يلوي على شيء ، وسار مع المجموعة التي يتقدمها امير الشيخان ، وحتى بلغ قرية باعذرا ، والتي منها سينطلق الى جبل ( بي قينا ) مقابل قرية خورزان . في ذلك الجبل هناك خرائب دير بأسم ( بي قينا ) لا زالت قائمة ومعناه دير بنات العهد ( بيث قيما ) قياما قيمثي ( مزمور ) اي عهد وضعت . كذلك في كرسافا القرية الايزيدية المجاورة ، لازالت جدران الدير قائمة وإسمه دير بيث مريم والجدران من مادة الكلس الابيض ( كلشا ) ، في موسمه كل عام تتماوج الشموع التي يشعلها وقارا ً وخشية من رب الارباب ، اخوتنا الايزيدية المقيمين بقرب  ذلك الموقع التاريخي ، العميق في وجدان المؤمنين بالله سبحانه وتعالى .
      الى ذلك المكان سيتوجه بكروكه متوكلا على الله ، قبل ذلك تناول عشاء فاخرا ً جهزه له خدم الامير، وبعد استراحة قصيرة ، نهض على قدميه وطلب منهم بساطا ً قديما ً( تحتية )  وكذلك شليلة خيط متين ( گـذته ) .
  ارتفع صوت علي بك آمرا ً :
 - خذ ما تشاء يا بكروكه من البساطات المفوشة في ديواني ، وهي من النوع الفاخر .
     وطلب من خدامه تجهيزه فورا بلفة خيوط من الوبر الممتاز. استلمها بكروكه واختار احدى البساطات من الديوان . فطواها بسرعة ووضعها تحت ابطه ، ليودعهم ويخرج مسرعا ، الى فضاء القصر والظلام يطبق الآفاق . في تلك الاثناء نظر علي بك في اثر ذلك الذي لا يشبه الرجال بل تخيله من اشباههم ، لقصر قامته ، وشكله ، وهيئته ، غير مصدق ابدا انه اهلا ً للمهمة الخطرة التي هو في صدد ايجاد مخرج لها . بكروكه من اشباه الرجال ، دميم المنظر ، فقير في كل شيء ، كيف يقبل المنطق ان ينسج بطولة عجز عنها رجاله ، ابدا لم يصدق ولم يثق بالموضوع برمته ، ربما راودته شكوك بان مسخرة اخرى تنتظره ، وهذه المرة من رئيس القوش ايسفي كوزل ، ثم يرجع مسائلا ً نفسه : هل يعقل برجل وقور مثل اييسفي كوزل ان ينحى هكذا ، ماذا بامكان بكروكه ان يعمله ، هل يلعب معنا لعبة ، فياخذ البساط ويمضي الى بيته ، ولن نراه بعدها ، كان يجيب نفسه قائلا " لا ... لا ... غير  معقول ، وان حدث ذلك فالملامة تكون على ايسفي كوزل " على كل حال ، في تلك اللحظات من مغادرة بكروكه راودته كل تلك الافكار ، ان لم نقل الاوهام .
    اما بكروكه فتوجه صاعدا في الارض الوعرة المحيطة ، قاطعا ً المسافة حتى بلغ اسفل الجبل ( بي قينا ) عند قرية خورزان الراقدة بوداعة في ذلك السفح ، لتقضي ليلتها الحالكة الظلام وبانتظار فجر جديد ليصبِّح كل انسان فيها الى عمله ، في الحقول او المراعي او اعمال البيوت ، وفي لجـّة الحياة التي قرارها هكذا منذ الازل وسيبقى .
     في الليل تتجمع الاغنام في اماكن مسيجة مفتوحة من الاعلى تسمى ( كوتان ) ويذهب كلٌ من الرعاة الى بيته او مكان مبيته في كهف او تحت قطوع صخرية ( لوحده او مع عائلته ) . بعد العشاء ( تعليله ) تصبح الاغنام في حراسة ذلك الكلب الذي سبق الحديث عنه . وصل بكروكة بخفته المعروفة الى اسفل الجبل او قاع الوادي وقبل ان يصعد الى جبل بي قيما وعند باب الكلي ( الوادي ) الذي يجري فيه نهير صغير ، جلس بكروكة ووضع ما بحوزته من مقتنيات ليشرع العمل .
     وضع البساط ارضا ، ثم اخرج خنجره الصغير فقطعه الى قطع محسوبة الابعاد والاشكال ، ثم خيطها بالاستعانة بإبرة خشنة (أرتخه ) صنع من ذلك معطفا ً وبريا ً  يسمى محليا ( كپنـّك ) ، وعمل له غطاء راس ( سَر كـُلاڤ ) من طبقتين من مادة البساط . المعطف الذي اجاد في عمله ، كان يفي المرام ، متينا يغطي الرأس وحتى اخمص القدمين ، ظل يمرر خيوط اخرى لتمتين العمل وجعله يقاوم ما هو مقبل عليه . مما تبقى من الخيوط ضفر منها حبلا ً اكثر متانة ( شلالة ) واداره حول جسمه بعد ان ارتدى المعطف . ومن ضمن حاجياته ايضا كانت قصبة ( بلـّرته ) خشبية طولها اكثر من متر وقطرها يعادل قطر الخشبة التي تستعمل في قياس الحبوب في البيع والشراء ( گرمته ) ، تلك الخشبة الخاصة كانت معه مذ مغادرته بيته . جلس في اسفل الوادي حتى انتصف الليل وساد المنطقة الهدوء ، انقطعت الضوضاء وخمدت النيران التي كان يتحلق حولها الرعاة طلبا للدفء والمسامرة في ذلك الشتاء من شتاءات بلاد بيث نهرين . هنا نهض بكروكة وتاكد من لبسه الصوفي ومن متانه وعدم وجود اية ثغرة او اماكن ضعف يمكن اختراقها ، وتحرك الى النهير بقربه وارتمى ، مرغ نفسه فيه جيدا ، في ذلك البرد والليل الذي لا يؤانسه شيء سوى ما يشغل فكره وينجح مهمته الصعبة . ترك المعطف يتسرب الماء اليه يشرب جيدا ً من كل جهاته من الظهر والبطن والرقبة والراس ، حتى وصل حدا ، لو حاول رجل مفتول العضلات خرقه بخنجره ، لا ينفذ ملليمترا ً واحدا ً ( كل المواد التي استعملها كانت عالية الجودة ) ، ثم شرع يجر نفسه صعودا باتجاه مواطن النـَعَم ، وهو مثقل بالمعطف المبتل ، وسار بحذر وعيونه مفتوحة لاستطلاع الموقع ، والاستعداد لاي طارئ . قبل ان يصل الى هدفه في خطف عدد من الانعام ، ظهر الكلب الحارس الذي شم رائحة الغريب او ربما وصلت اسماعه اصوات معينة ،  وان كانت لكائن حذر في كل خطوة يخطوها . لم يطل الوقت كثيرا حتى كانت المواجهة بين الانسان والحيوان، الاول في ذهنه الوقاد والثاني في خفته وفرط قوته ، في البداية اصدر الكلب دمدمات كانها النغم قبل ان يتصاعد انفعاله ، الى نباح وجلبة ، تقدم الكلب الى الامام وتقدم بكروكه ايضا ، يتقدم بكروكة خطوة وخطوات الى الامام والكلب كذلك ، اهتز المكان، وسمع الرعاة ذلك لكنهم لم يتحركوا ساكنين ، لان ذلك وارد كل يوم تقريبا والنتيجة تكون هزيمة اي عاثر حظ يحاول سرقة الانعام ، انهم واثقون تماما بان كلبهم سيهزم اي لص مهما بلغ من الفطنة والسرعة والقوة ، ذلك ما كان من الرعاة . اما بكروكه القادم من بلدة القوش العريقة ، فلم يتراجع امام الهول القادم نحوه بل تقدم اليه ، وعندما التحم الجانبان في العراك خفتت الاصوات ، اذ انهمك الكلب في عض مناطق من جسم البكروك فكانت اسنانه لا تنغرز ابدا في الغريم ، دار حوله حتى يئس، عندها وبحركة ذكية مدروسة من بكروكه فادار له ظهره ، وحالما فعل ذلك ، قفز الكلب فوقه وشرع يأكل من راسه ولكن هيهات ، فالصوف متين ، مبتل ، ومتشرب بالماء ، لا سبيل منه الى راس بكروكه وجسمه الصغير ولكن القلب الذي يحمله كبير ، مجرب في امور شبيهة بالتي تجري اليوم ، كل ذلك من اجل إخراج علي بك من مأزقه مع اغا الكوجر المعروف اسماعيل أغا .
     عبثا ذهبت عضات الكلب القوية لراس بكروكة ، وفيما الكلب منهمك في محاولاته ، ويبدو ان لا خيار اخر امامه ، استل بكروكه عصاه في يد ومررها خلف ظهر الكلب واستلم نهايتها في يده الثانية ، وسحب العصاه التي ارتكزت في منتصف ظهره ، بقوة الى الامام ، وفي الحال قصمت ظهر الكلب وتقطعت فقرات عموده الفقري ، صاح الكلب صيحة الموت وارتخت عضلاته ، منهارا على الارض ، وقبل ان يشرع بالأنين والنواح ، الذي لو حصل سيكون خطرا على بكروكه من رجال الاغا المسلحين . هنا تناول قطعة صوف من بقايا البساط ، كانت معه وألقمها في فم الكلب ، حتى يقطع اي صوت او أنين ، وفعلا تم ذلك بنجاح ، ثم حل الحبل الملفوف حول ظهره ولف فكي الكلب لفا ًمحكما ليكتم نباحه تماما ً، واخيرا ربط بالحبل المتبقي أرجل الكلب وسحبه مسافة الى جانب شجيرة هناك ( طرّاشه ) وربطه فيها . عند ذلك تنفس بكروكه الصعداء وخلا الجو له تماما ، ومضى يكمل مهمته التي من اجلها جازف بحياته ، فاقتطع عدد من الاغنام التي اعجبته من قطعان الأغا النائم بهدوء واطمئنان ، وسرح بها يسوقها بعصاه كأي راع خبير حتى باب الگلي ( الوادي ) ومنها انطلق باتجاه قرية باعذرا .
     مع مطلع الفجر وصل امام قصر الامير ، طرق الباب وجلس ينتظر البواب ( درگڤان ) حتى يفتحه ، لم يفتح الباب لان لهم نظام خاص في ذلك ، فجلس مع اكثر من بره من الاغنام امام حائط القصر ينتظر بفارغ الصبر خروج الخدم حتى يعود الى بيته . لم يطل الوقت كثيرا حتى خرج الخدم ليروا العجب امامهم ، صاح بهم بكروكه قائلا ً " تعالوا تعالوا استلموا الانعام وقولوا لعلي بك اني جلبتها له ، ولا وقت لي في مقابلته ، لان علي العودة السريعة ، عزيزا قلق الآن ، وداعا ً وداعا " . تركهم مبهورين امام منظر الرؤوس الجميلة للاغنام المسروقة من قطعان الاغا اسماعيل . في الحال ذهب قسم منهم الى حيث ينام البيك ، فأيقظوه من نومه قائلين " أس بني أس خلام ، اي يا عالي المقام نحن خدامك ، نعتذر عن ازعاجك في هذا الوقت ، لكننا جئنا في امر هام ، تعال معنا انظر بنفسك الى الانعام التي جلبها قبل قليل ، ذلك الذي لا يشبه الرجال ، لا نعرف ان كان ذلك في اليقظة او في المنام ما نراه امامنا . ان الالقوشي الذي جاء معك في الامس وغادر القصر بعد تناول العشاء ، ها انه عاد في الصباح الباكر ومعه الاغنام تركها امام حائط القصر، واودعنا بعد ان اعتذر من مقابلة البيك . بسبب تلهفه الوصول الى القوش ، كون الرئيس ايسفي كوزل سيكون قلقا عليه ، وحتى يطمئن بانه نفذ المهمة ، واختار الجياد من رؤوس ماشية الاغا اسماعيل  ابلغ تحياته وتمنياته لك بالتوفيق " .
     كل ذلك اذهل امير الايزيدية فنهض مسرعا من فراشه صوب بوابة القصر ، ليرى عددا ً من الأنعام تنام وديعة هناك . علي بك يرى الاغنام بأعينه ويخاطب نفسه قائلا ً " هل انا في الحلم ام في اليقظة ، كيف حصل ذلك ؟ هل يُصدق ما أراه ؟ كيف بنصف آدمي لا يزيد طوله عن شبر! يزايد علينا ، وينجح في عمل بطولي ، ونحن بكل قوانا من رجال ، لصوص ، قتلة ، وقطاع طرق ، من سنجار وزاخو وسينا وشيخ خدري ، وبكل ثقلنا وامكاناتنا لم نستطع ان نعمل شيئا طوال شهر من شرطنا ( قولن ) مع اسماعيل اغا " .
هذا من جانب علي بك ، اما من جهة اسماعيل اغا ، فعندما سمع الرعاة صوت دمدمة الكلب ونباحه ، تصوروا ان علي بك يختبرهم مرة اخرى ، وعندما ساد المكان الصمت بعد الجلبة وانقطاع الكلب عن النباح ، ومن خلال تجاربهم السابقة ولسنين ، تبادلوا الهمس والابتسامات ، ميقنين بان الكلب الشرس قد هزم اللصوص وربما افترس عددا ًمنهم ، تشهد تلك الارض الصخرية ، في هياكل عظام لكائنات مزقها ذلك الكلب ، وهكذا خلدوا الى النوم الهادئ ، والى سلامة الآلاف من قطعان ماشيتهم ، كما اعتادوا . لكن المفاجأة الكبرى كانت في الصباح عندما جلسوا من نومهم حيث لا ضوضاء ولا نباح الكلب ، وفيما هم منهمكون في سوق القطعان الى المراعي الخصبة المنتشرة في وهاد ووديان ذلك الجبل الأشم ، جلب انتباههم بشكل جلي هذه المرة بان الكلب مفقود ، حيث لم يألفوا ابدا إختفائه في تلك الاوقات . فكل يوم يكون ذلك الكلب مفعم نشاطا ً ، يهز ذيله متبخترا ، يدور حول الانعام ويركض هنا وهناك ، ترى ماذا جرى له اليوم بحق السماء ؟ فتشوا عنه ولم يجدوه ، نادوه ولم يستجب ، وعندما داروا حول الكوتان ، فماذا شاهدوا ؟ صعقوا وهم يرون الكلب مكسور الظهر ، مشدود الفم ، مقيد الارجل ، ومربوط بشجيرة هناك ، ما هذا الذي يروه ، هل هم في حلم ام في خيال . ما كان منهم بعد ان افاقوا على الحقيقة المرة ، الا ان يركضوا باتجاه المكان الذي ينام فيه الأغا اسماعيل ، وشرعوا ينادون عليه :
 - أس بني أس خلام ( من الكردية بمعنى : نحن خدامك يا عالي المقام )  قم من نومك لترى ما جرى للكلب .
- ماذا جرى يا اولاد ؟
 - قم معنا وسترى بنفسك ما حدث .
( نهض من نومه مستفزا ، وسار معهم مسافة قصيرة ، وهناك راى الكلب مقصوم الظهر مشدودا الى شجرة ، لا يستطيع النباح او النواح ، صفق بيديه آسفا ً ) ثم قال بأسى :
 – هي ماليمن خراب ( بالكردية : اي لقد خرب بيتي ) .
 ثم اخذ يكلم نفسه مذهولا ً :
- الف عافية لك علي بك ( قالها بالتركية عفارم ) والله لقد غلبتنا ، عفارم للايزيدية وعفارم لرجال علي بك ، لمقدرتهم الفائقة في التغلب على كلب ، كان لا يقهر ، وتحول بمرور الزمن الى اسطورة في تلك الأصقاع .
فمن هم هؤلاء الابطال الذين نفذوا تلك المهمة ، والله انهم يمتلكون الجراة والامكانية  الهائلة ، والا كيف نجحوا في الليلة الماضية . وفي الحال طلب من حراسه مرافقته على الفور، قاصدين قرية باعذرا ، وحتى بلغوا قصر الامير .
     هناك في باعذرا وفي القصر المنيف  ، تقابل الرجلان ، وقبل التطرق الى اي موضوع ، طلب الأغا من البك واستحلفه بالسماء وبضميره ما يطلبه منه ، وهو ان يرى الرجل او الرجال الذين صلبوا الكلب ، وساقوا انعامه امامهم وسط حراس مسلحين ورعاة يقظين ، اولئك الذين عركتهم المغامرات .
-  الا تعرفـّني من فضلك على ذلك الرجل الهمام والسبع الذي لا يشق له غمام ، ومجموعته التي قامت بتلك المأثرة ، انا لا ابغي سوى تهنئتهم على ذلك ، بل لاقبلهم في جبينهم ، والله يشهد كم انا فخور بهم ، واحييك واحسدك يا علي بك ، ان يكون لك رجال من هذا الطراز وبهذه المواصفاة . اسهب الاغا كثيرا في كلامه ، فيما علي يسمعه مبتسما ، وعند ذلك الحد رفع البيك صوته قائلا ً :
- كفى كفى يا أغا من اطنابنا ، فعن اي رجال تتكلم وعن اي أيزيدية تتحدث ، ان الذي قام بذلك العمل لم يكن من رجالي ، بل من رجال رئيس القوش ايسفي كوزل .
اسماعيل اغا التزم الهدوء طويلا ً ، ووضع اصبعه على احد الاوردة البارزة في اعلى راسه ، ثم قال :
- اريد الذهاب الى القوش لمقابلة ذلك البطل الذي نجح في اصعب مهمة .
علي بك ياتي بجواب سريع لرغبة الأغا في مقابلة بطل القوش ويقول :
- لقد كان معنا في الامس وانا شاهدته يا اغا ، رجل لا يجذب منظره احدا ً، قصير القامة ، ضعيف البنية ، يعمل قهوجيا في ديوان ايسفي كوزل ، لا يصدق ابدا ً ما فعله ،  شكله لا يوحي مطلقا بالبطولة ، او بإجتراح المآثر  .
- ارجو من الامير علي بك  ان يصطحبني اليهم الان .
 - بلى .... بلى ، حاضر أغا .
     جهز علي بك رجاله على الفور ، وسار موكبهم غربا ً ، قاصدين القوش ، وهم يتحدثون طوال الطريق عن بكروكه ، الذي لم يأت إسمه إعتباطا ، بل هو كناية عن صغر حجمه وضعفه ، ولكن في نفس الوقت خفة حركته ، وسرعة بداهته . عندما وصلوا البلدة كان رئيسها المهيب الطلعة ، الباسم المحيا في استقبالهم ، وهو رجل القوش الاول ، المعروف بين العشائر والسلطات التركية ، رجل يتقد ذكاء ، يفكر ليل نهار في شؤون الناس لإسعادهم ، ورفع الغبن عن الفقير والمظلوم ، منصفا ً كان أيسفي كوزل ، وشخصية قوية ومحبوبة ، انسانا ً في كل المقاييس ، وهو رجل القرن التاسع عشر في حياتها .
     استقبل ضيوفه بالحفاوة والاحترام ، وبعد استراحة قصيرة ، قال الأغا اسماعيل :
 – والله خواجة أيسف جئت اهنئك بحرارة على رجلك الذي نفذ المهمة بنجاح ، واريد ان أرى شكله ، واي طراز من الرجال يكون ، جئت لأقبـّله في جبينه .
قال كوزل :
- ليس ذلك الرجل الذي تتوقعه يا أغا ، ولكنه قهوجي أمين ، يقوم بعمله على أحسن وجه كل يوم ، وان رغبتم في تذوق القهوة التي  يعملها ، سأطلبه الان .
 اجاب الأغا بسرعة :
- عن اية قهوة تتكلم ، نحن نريد ان نقابله ونجلس معه .
هنا نادى كوزل على القهوجي  :
– بكروكه بكروكه !
- نعم نعم ، عزيزا .
 - لقد جاء الأغا والبيك من مسافة بعيدة لمقابلتك .
 قال بكروكه وعلامات الانزعاج بادية عليه :
- ماذا تريدون ، ماذا تريدون  ، إتركوني وشأني .
الخواجه أيسف مبتسما ً وبمرح يقول :
- لا لا يا ولد ، اعمل لهم على الفور قهوة ، ليتذوقوا ما تنجزه يداك ، من القهوة الجيدة ذات النكهة الخاصة .
– سمعا ًوطاعة ، عزيزا .
بعد قليل كان بكروكه يدخل الديوان ومعه القهوة الممتازة التي جهزها للضيوف ، وهو لا يرفع عينيه اليهم احتراما ً .
 ايسف كوزل يقول :
- هذا هو الرجل بكروكه الذي تريدون رؤيته .
 طالت فترة تحديق الأغا بقوام بكروكه ، وهو مبهور فاتح ثغره ، ليقول :
 - هكذا تكون الرجال .
     طلب اسماعيل بك من بكروكه ان يروي مغامرته في الليلة السابقة ، فرواها لهم باختصار شديد ، لم يخل من ارتباك واضح ، اذ لا تهمه ابدا ً الاضواء ولا الشهرة ، فقط اخلاصه ومحبته للرئيس أيسفي كوزل وبالتالي لبلدته ، تكاد تكون كل ثروته ، وتطلعه الوحيد في الحياة .
ملاحظة رقم (1) : الموضوع فصل من كتابي المعنون( حكايات من  بلدتي العريقة) المطبوع عام 2008.
ملاحظة رقم (2) : القصة سمعتها من الشماس عابد هرمز كادو المحترم.

111
يؤرقني السؤال، هل حقاً مات جلال؟
نبيل يونس دمان

     جلال جلو، صاحب ارقى الافكار واسمى المبادئ، لن تمت في رحيله من على ارض استراليا، بل ستحملها الرياح وتذريها فوق موطن ميلاده ومثوى اجداده، لقد فرضت الظروف عليه، ان يعيش متنقلا من مكان لمكان، حاملاً معاناته، رافضا الاستسلام والذل، بقي ثابتاً متمسكا بتلك المثل العليا التي امتزجت مع نشأته وتطلعاته، التزم، تعهد، وأوفى، حتى لفظ انفاسه الاخيرة في التاسع من اذار، شهر الربيع والميلاد، تاركا ذكراه في قلب من عرفه في الوطن والمنافي. ربما لن اتمكن من استيعاب حقيقة مُرة، باني لن التق به، ولكن أمني النفس بأني ألتقيه تكراراً في: كل يوم يطلنا، كل تطور في وطننا، وكل ازدهار لشعبنا، هناك تكون روح ابا مسار معنا. عرفت الفقيد ايام نادي بابل الكلداني في السبعينات، رجلاً مرحاً، طيباً، باسماً، يجلس معنا وان كنا اصغر منه سناً بقليل، الا انه ببساطته وهدوئه كان يشاركنا الجلسات الجميلة، وفي اغلب الاحيان كان يأتي متأخراً بسبب التزاماته الوطنية.
     في نهاية 1978 اشتدت حملة السلطة الجائرة على الطيبين، غادرت الوطن الى بلغاريا، سكنت في احد البيوت، وبعد يوم او يومين كنت اتمشى في شوارع صوفيا الجميلة، واذا انا بمواجهة الطيب جلال، تقدمنا بسرعة وحيينا بعضنا بحرارة، ثم قال : يا الهي هل انا في يقظة ام في منام! وبعد قليل سالني عن مسكني فقلت: مؤجراً عند عائلة بلغارية، فقال:  انقل متاعك الى فندقنا الذي نقيم فيه.
     حملت حقيبتي، ومعاً الى فندق" سترادنا ﮔورا" ، هناك التقيت بعشرات الرفاق المقيمين والزائرين، عشت معهم اياماً حافلة في تذكرالعراق وما آل اليه وضع الرفاق. من الذكريات العالقة في ذهني العلاقة الحميمة التي ربطتني بالرفيق ابو ذكرى، وكذلك زوجته الطيبة ام ذكرى، التي عرفت لاحقا انها استشهدت في العراق على ايدي جلاوزة البعث، كذلك لقائي الحار مع ابي خالد( دنخا البازي) الذي اعرفه جيدا في القوش والمنطقة منذ الستينات، وفي احد الايام رافقت جلال الى المطار لنستقبل زوجة احد شهداء عام 1963، وقد تركت اولادها في بغداد هربا من سطوة النظام.
     بعد ان قضيت حوالي اسبوعين معهم، قررت الرجوع الى العراق، ورجعت في النقل البري، في يوم قارص البرد أثلجه، من أيام كانون ثان 1979، وكان في وداعي الرفيقين جلال جلو والرفيق ابو ذكرى، بعد ان حملت العديد من رسائل واخبار الرفاق الى اهاليهم في الوطن، منها رسالة جلال التي سلمتها الى احد اخوانه في بغداد الذي كان يعمل في احد معارض " باتــا" ان لم تخني الذاكرة، والرفيقة زوجة الشهيد سلمتُ رسالتها وهداياها الى احد اخوانها في سوق القوش، اما رسالة العزيز دنخا البازي المعنونة الى زوجته ام باز وقد سماها( ام خالد) للتمويه، فكانت تسكن في بعشيقة، واقترح ان اسلمها الى بيت الفقيد الخالد توما توماس، ولكني ترددت في الذهاب الى بيتهم، فارسلت اخي فريد ليوصلها في ظروف صعبة، حيث قطعان البعث تصول وتجول للايقاع بالتقدميين.
     افترقنا انا وجلال من ذلك الوقت البعيد، وعندما حكمت الظروف ان اكون في اليمن، سمعت من الرفاق بانه عاش فترة فيها، ثم صفى الدهر به في استراليا، ليرحل منها الى دار الخلود. بقي ان اقول: في الانتخابات الاخيرة لم تفز فيها قائمتنا "اتحاد الشعب" لا لكره الناس لها، بل لعدم معرفتهم بها، ولتطمئن روح جلال جلو، بان المياه لا بد ان تعود الى مجاريها، ويرتقي بناة الوطن الحقيقيين بذوقهم، بعلمهم، وافكارهم.
nabeeldamman@hotmail.com
March 20, 2010

112
المنبر الحر / الطاغية الصغير*
« في: 21:48 22/01/2010  »
الطاغية الصغير*

نبيل يونس دمان

     عندما تبتلي الاوطان بطغاة متجبرين ، يذيقون الناس الويلات ، يطعمونها المـُر، يحصدون الابناء في حروب وصراعات مفتعلة ، يعتدون على النساء والبنات ، فيخدش كبرياء الرجال ، كل ذلك يتم  بقوة العسكر والمال . البعض ينام على الضيم ، والبعض يتصدى ، والامثلة كثيرة باسماء من قتلوا على ذلك الطريق . هذا على نطاق الدولة ، وبالتالي تسلط المزيد من الاضواء ، على تلك الانفس المقيتة التي تتلذذ بضحاياها ، ومع ذلك فلكل جانب شمولي خصوصية ، ولكل طاغية  في الممارسة والشذوذ ، طغاة يفرخهم .
     من هنا تبدا حكايتنا عن الچاويش التركي الفظ ( احمد الصقلي ) ، وسنسميه بالسقلي التي درج اهالي القوش على تسميته بها . في نيسان عام 1915 وضع الاتراك نقطة للجندرمة ( الشرطة ) في القوش ، وعلى راسها العريف المذكور الذي اتخذ من بيت الرهبان مسكنا له ، لقد ابتلت به البلدة في السنوات التالية ، لم يمكث السقلي طويلا فيها ، بل سنوات معدودة ، لكنها تعادل دهرا ً ، بثقلها وبحجم الموبقات والجرائم التي ارتكبها .
      عنما وصل السقلي الى البلدة كان يحمل بيده كفنه ، علامة خوفه من اهلها ، ولكن عنما اكتشف ان القوم تمزقهم الخلافات ، وان كلمتهم غير موحدة ، استطاع بيسر ان ينفذ بينهم ، فتجبـّر ورمى الكفن جانبا ، بل مزقه ، وفرض نفسه بالقوة والارهاب وبتجنيد البعض من ضعاف النفوس ليساعدوه في مهماته ، اُطلق عليهم الجواسيس ( جاشوشي ) فكانوا يصيخون السمع ، ويفتحون آذانهم لكل حديث مهما صغر وكل وشوشة او همس ، ليبلغوا سيد نعمتهم ، وعلى ضوئها يتصرف ويحقق المزيد من السطوة والسيطرة .
     في يوم 17 حزيران عام 1916 وضع السقلي حجر الاساس لبناية مخفر الشرطة ( القشلة ) تقول حوليات دير الربان هرمزد بان جمعا ً كبيرا ً من اهالي القوش وكهنتها وتلامذتها ورهبان الدير حضروا الاحتفال ، ثم اصبحت تلك الثكنة بمرور الوقت مرتعا للجندرمة المسلحين ، وسجنا لتعذيب الاهالي . كان السقلي يقتل بدم بارد ، وعندما يعجز عن القبض على غريمه ، فانه ينكل بافراد اسرته ، اذ طالما عذب العوائل ، ومن اساليبه كي اجسادهم بالحديد المسخن حتى الاحمرار . هتك بالناس واعتدى على اعراضها ، وبعض النساء بلغت بهن العفة والاباء ان اقبلن على الانتحار ، للحيلولة دون الوقوع بيد ذلك الظالم . 


      تشاء الاقدار ان يكون حاكم بلدتنا ذلك الشديد المتغطرس ، في سنوات الحرب التي كانت اوارها مشتعلة ، ودولة الرجل المريض ( العثمانية ) حليفة لالمانيا ، وبالتالي كانت بحاجة الى وقود من شباب البلدة ، للدفاع عن مناطق نفوذها في اوربا وشمال افريقيا والشرق الاوسط . كانت تجمع الشباب من كل مكان لترسلهم الى جبهات حربها ، هكذا سيق عشرات من ابناء القوش ، ولم يعد منهم ابدا إلا نفر قليل يُعد على اصابع اليد ، فيما هرب الكثيرون الى الجبال ليختفوا في كهوفها وشعابها ، كان وادي الدير العلوي ( الربان هرمزد ) يعج بهم ، وباستمرار يبعث السقلي بجواسيسه وجندرمته الى تلك الاماكن للايقاع ببعضهم . يقول ( ججو چونا ميخا بلو ) في مذكراته بان السقلي ابلغ بصدور عفو عن الهاربين ، فانقسم الجماعة بين مؤيد ورافض ، وكانت النتيجة استسلام 67 رجلا ً ، ساروا الى المجهول . 
     حدثني حبيب ابونا ( مواليد 1912- 2007 ) كيف اعتقل والده يوسف أمام وادي الدير ، عندما كان يلتقي بافراد اسرته ، الذين حرم منهم منذ هروبه من العسكرة ، واقامته في غرفة تابعة لمجمع الدير العلوي ، مع اسطيفو بلو وحنا كتو ( مشمشّا ) ، فارسل الى الموصل مع شهادة كاذبة تقول انه هدد السقلي بالقتل . سيق الى العرفي قرب " السرجخانة " هناك حكم عليه بالصلب ، وكان يرى كل صباح في معتقله عددا من المصلوبين ، فينتابه الحزن والاسى والخوف ، وهطل نبأ انقاذه في اخر لحظة من قبل عمر أغا احد الاشخاص المعروفين انذاك ، فقد كانت والدة المحكوم عليه ، تعمل خادمة في بيته ، فوقعت على اقدامه صارخة مستنجدة باكية ، ولكن اثقل كاهلهم بالكفالة الكبيرة ، التي اضطرتهم لبيع قطعة ارض عزيزة لتغطية ذلك المال .
     اشتهر بالشجاعة رجل اسمه ( ججو رئيس ) إلتجأ ايضا الى الجبل ، ومن هناك أقضّ على السقلي مضجعه ، فباستمرار كان يبعث له التهديدات ، وغالبا ً كان يذبح ديكا ً او قطة ، يعلقها على باب المركز ( القشلة ) او باب بيته ، الذي كان مقابل القشلة في بيت واسع وجميل ، يواجه الجبل من وادي كهف الماء (گپد مايَه ) والبيت تعود ملكيته الى الدير ويعرف باسم ( ملكِدْ ربّانِه ) . كان ججو رئيس يكتب ورقة تحت الحيوان المقطوع الرأس " المصير الذي ينتظرك " فيغلي الطاغية غضبا ً . ومرة اخرى استطاع ان يتسلل الى محل نومه ، فأفرغ كيس التبغ ، وشرب الماء الذي بجانبه ، وترك اطلاقة رصاص وغادر ، مما فسرها وعاظ السقلي بانها تهديد بالقتل من ججو رئيس . اخيرا استطاع السقلي النيل من ججو رئيس ، وبوشاية قبض عليه في احدى خيم العرب وهو في حالة مرض شديد ، فسيق الى الموصل مع معتقلين آخرين ، وبعد مدة قصيرة حكم عليه بالشنق . وليلة اعدامه زارته اخته ( كتي ) المتزوجة من ( اسطيفو دمان ) فطلب منها ان تدس سمـّا ً في عشائه الاخير ، حتى لا يشفي الاعداء غليلهم في قتله ، وهكذا قضى مسموما ً.
     في الستينات كنت جليسا مواظبا لمجلس راوية  اسمه ( منصور حنـّونا ) كان يمتعنا باحاديثه وقصصه وحكمه ، وهو فلاح عادي واجير مؤقت في مواسم الحصاد للقرى والبلدات القريبة . ومن الحكايات التي لا زالت عالقة بذهني ، ما رواه عن فترة السقلي التي عاصرها ، وكيف كان شديدا ً ، لا رحمة في قلبه ، تتشرب فيه العسكرة ونزعة السيطرة حتى النخاع ، ولكن ذلك لم يوقف الشجعان في البلدة من تحديه ، ففي احداها كان قد رَبـّى في بيته خروفا ، في وقت كانت الناس تتضور جوعا ، اما هو فيطعم خروفه الحنطة والشعير ، حتى ترهل من سمنه ، وآن أوان ذبحه ، وما ان انتبه شباب محلة اودو الى ذلك ، حتى تسللوا ليلا الى داره ، وسرقوا منه الخروف السمين ، ذبحوه واستطابوا لحمه الذي لم يألفوه مدة طويلة ، عبثا ذهبت محاولات السقلي في تشخيص الشباب وبالتالي  سومهم العذاب . يستمر العم منصور ويروي كيف ارتقى الشباب مرة اخرى سطح دار السقلي ، وكان قد ترك قـُلــّة ( شَرْبَة) ماء فخارية كعادة اهالي البلدة في الصيف ، وفي ليلة هبت فيها انسام رطبة من الوادي في صدر الاجبل ، تثلج الماء في القلة ، فقام الشباب بالتناوب بشربه ليحرموا منه الطاغية ، ثم ملأوا القـُلة بماء آخر ...... ، وغادروا المنزل ، وفي اليوم التالي ارسلوا له رسالة يسألونه عن الماء الذي شربه من القـُلة ، وهل كان فاتراً أو مالِحا ً ؟ ، يقول الراوي ان السقلي قد جن جنونه من فحوى تلك الرسالة وفقد اتزانه ، وفعل المستحيل لمعرفة الشباب ، ولكن جهوده ذهبت ادراج الرياح .
     وعن محاكماته القرقوشية يروى ، ان احدى ربات البيوت ارسلت زوجها الى بيت الجيران ، ليعير منهم مُنخل ، تلك عادة جارية في البلدة ، فكل واحد يحتاج الى الاخر ، يطلبون المنخل او الغربال او الدواء ، او حتى الدواب لاستخدامها ، او ادوات العمل والطبخ ، دون حرج ففيها المحبة وروح التعاون ، والمنفعة المتبادلة . فكر الرجل والليل قد ارخى سُدولـَه ، كيف سيقطع الطريق الى بيتهم عبر زقاق ملتوي ، وبدل ذلك خطرت بباله ان يعبر عن طريق السطح ، حيث بامكان الرجل ان يعبر عدة اسطح على التوالي دون الاستعانة بالسلالـِم ، هكذا هو نمط البناء في القوش منذ اقدم العصور ، البيوت معظمها صغيرة ومتلاصقة ، وعند محاولته عبور سطح داره الى بيت الجيران الذي كان من عائلة ابونا ، شاءت المصادفات ان يهجم عليه كلب الدار فيعضه في فخذه ، عاد الى داره وهو يضج في صراخه ، دون ان تكتمل مهمته في استعارة المنخل . في اليوم التالي قدم اهله شكوى الى السقلي ، ودون التمعن والتفكير اصدر حكمه السريع ، بتكفل اصحاب الكلب نفقات علاجه ، ودفع اجور المصاب اليومية ريثما يتشافى . اصيبت العائلة بالدوار ، اذ كيف لها ان تدفع ذلك وحالتهم المالية لا تساعد على ذلك ، ولكن امر الطاغية الذي نصب نفسه حاكما لا يرد . هنا تدخل في القضية ،  شماس بارع إسمه زكور ابونا ، يجيد عدة لغات ، كتابة ونطقا ً ، وقد استخدمه السقلي مترجما له في معاملاته الرسمية ، لذلك كان يحظى ببعض الاحترام ، فانبرى يدافع عن بني عمومته وبالشكل التالي : لو كان الكلب قد عض الرجل في الزقاق او امام الدار ، فالحق على صاحب الكلب ، اما وقد وقع الحادث ليلا وعلى سطح دار عائلة آمنة ، فقد كان الدافع للتجاوز على دار الجيران بهدف السرقة ، وقد علمت ان العائلة فقدت ما ادخرته من المجوهرات ، وليس الشخص الذي داهمه الكلب ، سوى لص تسلل وسرق حاجيات ثمينة من الدار . بهذه الافادة الحكيمة القاطعة ، تغيرت وجهة نظر السقلي لغير صالح الرجل ، ولكن تدخل الناس جعل السقلي يأمر بتسوية المشكلة بين الطرفين ،  فتراجع الرجل عن المطالبة بالعلاج والأجور المترتبة ، وتنازلت العائلة الاخرى عن ما سرق منها ( الحقيقة لم يسرق شيء ) . هكذا ادت براعة الشماس زكورابونا ، الى انقاذ الأسرتين من ابتزاز السقلي واحكامه التعسفية .
     في تلك السنوات ايضا دخل الشاب شيشا صادق كولا المدرسة العسكرية في الموصل وبعد التدريب لمدة ستة شهور، تقررارساله الى استنبول لتكملة دراسته في الكلية الحربية ، وعند وصوله مع مجموعة الى قرية ( كرّاني ) في منتصف المسافة بين الموصل ودهوك ، اطلق ساقيه للريح باتجاه جبل القوش ، هناك التحق بمجاميع الهاربين ، وعندما وصلت تلك الانباء الى السقلي ، قام بعمل دنيء ، فوضع في السجن زوجة المذكور الحامل بإبنها هرمز ، وحالما سمع شيشا بذلك نزل من الجبل وسلم نفسه للسقلي ليحل على الفور محل زوجته ، وبعد ايام نزل والده صادق الذي كان من وجهاء البلدة الى الموصل ، وقصد بيت ( قاسم الصابونچي ) المتنفذ انذاك ، وروى له ظلم السقلي واخر افعاله ، فتاثر الصابونجي بما سمع واتصل على الفور بوالي الموصل ، الذي قرر نقل السقلي الى بلدة بخديدا ، وهكذا طوت القوش صفحة من صفحات مآسيها .
    اما نهاية السقلي فكانت توازي ما جنته يداه ، فاعادت البسمة الى الشفاه ، وسرّت كل من سمع بها ، واعادت الكرامة الى اهلها ، ان المثل الدارج في القوش يقول ( بيشا لكَبيل متعوسه ) ومعناه لا داعي لايقاع الشرير. هكذا بعد كل ما اقترفه هذا الطاغية الصغير بحق الامنين المسالمين من اهالي القوش ، عاد الى البلدة بعد ان سرح من عمله ، وكذلك سرح العرفاء الذين اعقبوه في البلدة : كل من محمد حمزة ورشيد چاويش ( ابو يونس ) ، مع انتهاء الليل العثماني الطويل ، ودخول الجيوش الانكليزية العراق ووصولهم الموصل في مطلع عام 1918. هذه المرة لم يعد اليها عسكريا ولم يتبعه حراس او جاندرمة ، بل كرجل اعمال زراعية ، وقد كان ضامنا اراض ٍ زراعية في قرية الجراحية المجاورة ، وحل موسم الحصاد ، فقصد القوش ليؤجر بعض العاملات في حصاد حقل العدس ، يقال ان امراة مسنة رات السقلي يتوسل لمن يعاونه في الحصاد ولم تستجب أي واحدة منهن ّ، قالت له " يا أحمد چاويش : الدنيا دوارة " فخفض رأسه علامة الايجاب ، ورجع الى الجراحية مكتفيا ببعض العاملات من المنطقة .
      السقلي يعود لرعاية اعماله واستثمار امواله ، متناسيا ان لهذه الدنيا قرار، بان لا يستكين المظلومون للظالمين الى ما لا نهاية ، لقد شقت الاحداث العاصفة مَجْرا ً تاريخيا جديدا للاحداث ، فمن الاحتلال التركي البشع ولمئات السنين ، الى الاحتلال الانكليزي ، وبوادر تأسيس الدولة العراقية الحديثة ، في تلك الفترة الانتقالية من اوائل صيف 1918 قادت السقلي قدماه الى المنطقة التي كرهته ، وهو لا يملك علما او ثقافة او أدبا ، بل متمرس في سحق الناس الى ما استطاع ذلك سبيلا . في فترة وجوده على راس القوة المسلحة ، لم يستطع ابناء البلدة الغيارى بل لم تسنح لهم الفرصة والظروف في شفي غليلهم منه ، ولياخذوا حقهم العادل بانفسهم ، ولكن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل ، ويشاء ان يبعثه اليهم بشحمه ولحمه . ما ان سرى خبر قدوم الطاغية ومغادرته بخفي حنين ، حتى اضطرمت النار في قلب احد ابناء البلدة الغيارى ، واسمه عيسى ميخا قلو ( الملقب عيسى زقـّانه ) ، فخرج كالسهم من البلدة متجها صوب قرية خورزان ( خورزايه ) وفيها كانت تعيش بعض العوائل الاشورية ، فطلب منهم مساعدته في الامر الذي يشغله ، وعلى الفور التحق به كل من گليانا رابا ( الكبير ) ، گليانا زورا ( الصغير ) ، تيودوروس ، عوديشو ، وزيا ، فاتجهو جميعا الى قرية الجراحية ، كانوا فتية معروفين بالمنطقة بشجاعتهم ، خصوصاً الاخوين گليانا وتتناقل الناس اخبار مغامراتهما . هؤلاء الابطال تحمسوا لعرض ابن القوش ، الذي لم تنم له عين والسقلي في الحياة .
     وصلت المجموعة الى اطراف قرية الجراحية ، وهم متمنطقين بصفوف الذخيرة ، وعلى اكتافهم بنادقهم الرشيقة ، ووضعوا خطة محكمة ، فجلس كل من تيودوروس وزيا وعوديشو في وضع الإسناد فيما هاجم الثلاثة الاخرين ، وبعملية هجومية مسلحة تمكنوا من القاء القبض على السقلي ، وقد تمكن ولده  (علي ) من الهرب باتجاه مدينة الموصل ممتطياً حصانه الجامح . استسلم السقلي مذعورا وظل يرتجف بين ايديهم كالفأر ، توسل بهم ان لا يقتلوه ، واصبح يقبـّل اقدامهم امام مراى الناس واستبشارها ، قالوا له " لا داعي للقلق ، فلن نقتلك ، بل نريدك ان ترافقنا لامر هام يتعلق بالزراعة والتجارة وزيادة اموالك " . سار معهم مرتابا ً ، وهو في قبضة اكفهم الحديدية التي من المستحيل ان يلقى باب النجاة .
     آن للسقلي الظالم ان يدفع فاتورة حسابه ، واستهدافه للمسيحيين الامنين ، آن له ان يرد الاعتداءات على الامهات والاخوات ، وتعذيب وقتل الرجال في سجون الولاة والباشوات بالموصل ودهوك ، آن له ان يرد على قتله للشاب اسطيفو برنو( الملقب بالشيخ شابو) الذي كان يسلك طريق الجبل (گليه د قپله ) هربا من ظلمه ، وقد خلف اطفالا صغارا عاشوا في قرية كرمليس . هكذا اقتاد الابطال الثلاثة السقلي كالكلب المسعور ، الى حافة نهير صغير يجري بين قرية النصيرية والجراحية ، ذكروه بجرائمه وفضائحه ، ثم اعطوه الجزاء العادل وبالطريقة التي يستحقها ..... اطلق اهالي المنطقة فيما بعد اسمه السيء على ذلك الوادي واصبح يسمى وحتى يومنا هذا بإسم ( وادي السقلي ) ليكون عبرة لكل مستكلب حاقد ، وناقوسا ً ينبه كل حاكم فاسد ، وعاد الظافرون ليبشروا البلدة القوش والقرى المحيطة ، بنهاية الطاغية المتجبر، على اكُفـِّهم الخضراء .





يتمترس عيسى قلو احد ابطال القوش خلف صخور الجبل في موضع كهف المياه ( كبد مايه ) عام 1931

* فصل من كتاب" حكايات من بلدتي العريقة" نشر عام 2008

113
جذور الطرب والغناء في القوش


نبيل يونس دمان
     الطرب والغناء من مفاخر الشعوب والأقوام ، وهما نتاج طبيعي للكلمات التي  ينظمها الشاعر ، في الوصف ، المدح ، الحب ، او التغني بالمآثر الخالدة ، لذلك رأيت لزاماً علي وأنا البسيط المقتفي آثار السلف ، في بلدتي العريقة التي يمتد تاريخها الى آلاف السنين ، شبعتها مباهج الحياة وهمومها في آن ، ان أسبر هذا الغار مجازفا ً ثم متنحيا ً جانبا ، لأفسح المجال الى أُناس ذوي الاختصاص ، يجدّون في أبحاثهم ، فيأتي نتاجهم بالثمار الطيبة ، التي ستجنيها الأجيال . كل ذلك يكتسب اهمية في حياة اولادها ، وثباتهم فوق ترابها ، في زمانهم الصعب.
     الغناء والطرب قديمان قدم الديار، فعندما عبر كلكامش في الاسطورة السومرية- البابلية ، عن خشيته من الموت أجابته الآلهة ( والحال هذه يا كلكامش ، بالطعام والشراب إملأ معدتك ، ابتهج ليلك ونهارك ، اجعل كل يوم من ايامك عيدا ً سعيدا ً، بالناي والقيثارة اطرب نفسك ، وبالرقص انعش فؤادك ليل نهار ، ارتدِ من الثياب انظفها ، اغسل رأسك وضمخ شعرك ، وحمم بدنك بأعذب المياه ، انظر بفرح الى الصغار الممسكين بيدك ، وتمتع بين احضان المرأة ). ونقلت الاساطير عن دموزي عشيق إنانا أنه ( كان يلبس عباءته الحمراء ويعزف على نايه اللازوردي ) ، وتستمر الصور الموسيقية في أدب بلاد النهرين ( على وقع الطبل الذي يفوق الرعد في هديره ، والقيثارة ذات الموسيقى العذبة ، التي تسمر القمر ، وعلى النغم الرباب المهدئ لقلب البشر ، ايها المنشدون ، اسمعونا انغام البهجة ) . ومن العهد القديم يرد ذكر الآلات الموسيقية ، بأنواعها التي تدهش الانسان المعاصر، في المزمور التالي : هللويا ، سبحوا الله في قدسه ، سبحوه في جَلـَد عزته ، سبحوه لاجل جبروته ، سبحوه بحسب كثرة عظمته ، سبحوه بصوت البوق ، سبحوه بالعود والكنارة ، سبحوه بالدف والرقص ، سبحوه بالاوتار والمزمار ، سبحوه بصنوج السماع ِ ، سبحوه بصنوج الهتاف ِ ، كل نسمة فلتسبح الرب َّ ، هللويا ( سفر المزامير 150 ـ الكتاب المقدس ). وفي عصر الاسلام ، خصوصا في فترة الدولة العباسية ، ازدهرت الفنون وتقدمت كثيرا ً ، لتشجيع الخلفاء لها ، فلنسمع ما يقوله شاعرٌ إسمه الحطئة :
 سقياً ورعياً لديرالزندورد وما          يحوي ويجمع من راح وريحان
والعودُ يتبعه ناي ٌ يوافقـــــــــه         والشدو يحكمه غصن من البــان   
     الغناء والطرب هما انعكاس للمشاعر والاحاسيس في الأزمنة المختلفة ، كيف يعبر الناس عن افراحهم واحزانهم ، كيف يسرحوا بخيالهم في وصف الحياة الزراعية البسيطة ، وكذلك الحرف البيتية ، وحركة السوق الذي يعج بالناس والبضائع المختلفة ، كل ذلك وغيره برز في أغانيهم وأشعارهم . الفتيات والفتية كانوا على الدوام محط انظارهم ومرمى آمالهم ، وهدف كلماتهم ، ورقة الحانهم ، المتناغمة مع همس النسيم بين اغصان الشجر وشدو البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمام . ففي ذروة افراحهم نظموا المؤثر من الكلام ، وما يهز المشاعر، وأوجدوا وطوروا الأنغام الموسيقية ، فكانت تنساب كالشهد من شفاههم ، والذي له ملكة الصوت وقليل من الجرأة الفنية ، يقود حلقات الغناء والرقص . اليكم بعض النماذج وبلغة (السورث ) :
 -  كيله دلاله ..... ووله دلاله .... لبِّح مريره دلاله ..... وقط لكمسالي .
 دالال خزيالي ..... قمتا رش ﮔشرا ..... لث بيذه دالل ..... خا ﭙرد نشرا ..... زلي نشقنه دالالي ..... كل موصل ششله .
- لي صليَن لميّه لي صلين لميه ، شقلن برزوني بصلين لگليه ، ووله بسباري مر قومه خليه ، وولي بسباري ججو برد سيّه.
 - ماني أي ماني اي ماني ، بليلي كيتوا كسبرالي ، ﮔبخيا وكبا ﮔردانه ، مزبنن باتي وعقاري .
 - بسّا صيرا ﮔني ﮔنايه، ديسقه دادي لگبد مايه .
 -  سفـّورتا چلبي دباريا ..... دي قو فور وهيّو من سوريّا * .
- بكنوني ﮔني وماني گانيله ..... وخاضر بكنوني و (يوسب) هاويبه .
-  تيوه بديون دبي خلتح ، أيذح مخياله لخنجرتح ، أيْميل ِ دْيله يَرتِح
  تيوه بديون دبي خالح ، أيذح مخياله لخنجارح ، أيميل ِ تويه طالِح
     لم يصلنا جميع ما كُتِب في كل الأزمنة والأمكنة ، ولكن ما بقي صار يتحدى الزمن ، في الماضي لم تكن هناك الوسائل الخاصة بحفظ ما يشعر ويغنى ، وقد طالت او أزالت الغزوات والحملات الظالمة وكذلك الطبيعة وتقادم الزمن كثيراً مما كتب ، اما ما تناقلته حناجرهم والسنتهم ، فانتقل من جيل الى آخر كنصوص محدودة سريعة الحفظ ، ذهب بعضها كأمثال في الحياة ، واليكم بعض من تلك المقتبسات بلغة السورث الدارجة :
-  شاتيلا كأورة وكشورة ..... وخاثة تخزية أخونة
 - خيبوثه طورا يمَّه كْشأرا تنورا ..... وخيبوثه دشتا حزوق أيذخ لكبشتا
     كانت الأصوات المتميزة منذ الصغر تشخص من قبل الكنيسة ، التي هي مهيبة على الدوام ، وملاذ المؤمنين عند الشدائد . كانت تلك المؤسسة العتيدة تجذب هؤلاء كشمامسة ومرتلين للميامر وعلى قرع الاجراس وضرب الصنوج ، والتي وصلتنا عبر القرون ، مثل تلك التي وضعها الخالدون ، مار افرام السرياني ، مار يعقوب النصيبيني ، والملفان نرساي في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس ، وهناك المدارس الموسيقية التي انشأها بابي الجبلتي في منطقة المرج شمالي العراق. تقدر الالحان الكنسية باكثر من الف لحن ، ولأجدادنا الفضل في وضع السلم الموسيقي السباعي والخماسي . في السابق كان رجل الدين يشار إليه بالبنان ، عندما يقف امامهم في القداس بصوته الجميل ، أما اليوم ومع تطور اللآلات الموسيقية ومكبرات الصوت لم يعد هذا الشأن في مركز الاهتمام ، بقدر ما تشد الحاجة اكثر ، وجاهة رجل الدين وعلومه الدينية والدنيوية ، وحنكته في إدارة الصراع المحتدم بين متعصبي الاديان في عصرنا الحالي . من رجال كنيسة البلدة المتميزين في عذوبة صوتهم ، كل من المطران مار ايليا ابونا ، المطران افرام بدي ، القس اسخريا كوكي ، القس يوحنان جولاغ ، الشماس متيكا حجي ، ما تبقي من الاصوات الجميلة لا ترى مجالا لتطوير تلك الموهبة وصقلها ، فلا منافسة تذكر مع القرى والبلدات الاخرى ، فكل قرية تقريبا ً مكتفية في تسيير امورها ، اذ نادرا ما يحدث التنقل بين بعضها إلا لأغراض تجارية ، كما لم تكن هناك الامكانات لأيجاد المنافسة او لإجراء مطاردات في الشعر او الأغنية ، فيما كان المغنون باللغات الشقيقة يجوبون تلك الاصقاع ، وعنما يحل احدهم في القرية ، يكون موضع ترحيب وضيافة الجميع ، وكذلك كان يقطع صمتهم وتأملهم بين فترة واخرى ، وصول السينما المتنقلة التي تمتعهم بأمسيات طافحة بالمشاهد والموسيقى .
     معروف تأثير الموسيقى والأغنية والشعر الرقيق على المزاج العام ، فكم من أغنية اعتقت أسيراً ، وكم من أغنية ألهبت حماس الناس . للموسيقى تاثير سحري كبير في بعث البهجة وبسط الأسارير، والنغمات التي تشق الفضاء تعبقه كشذى الليمون والريحان ، سواء الكلاسيكية منها او الحديثة الصاخبة ، انها تحلق بالانسان في عوالم اخرى ، فينسى همومه ومشاكله اليومية . يقال في الموسيقى انها ترقص الدببة على الحبال ، وكم أرقص رعاة الجبال التيوس ، وفي الهند يستطيع فقراء الهند بموسيقاهم جعل حية الكوبرا ترقص طربة ، وفي بلدتي الحبيبة اقام بيننا في بداية الستينات أيزيديا ً فقيرا ً ( في الحال ، والمرتبة الدينية ) ، في بناية جنوب البلدة كانت الثمرة الوحيدة لثورة 14 تموز واسمها ( المسلخ ) ، في ذلك المبنى المهمل عاش مدة الفقير الأيزيدي مع عائلته وآلته الموسيقية  البزق ( الطنبور ) ، التي كادت لا تفارقه ، كم استوقفتني تلك الانغام الشجية ، وانا اجتاز المبنى في طريقي الى الطاحونة التي شيدها الياس ميخائيل الصفار . في احد الايام دعى والدي الحبيب يونس ، ذلك المغني البسيط في هندامه الى بيتنا ، فشرع يعزف بآلته التي كانت اكثر من طيعة في يديه الماهرتين ، وقد ابتكر طريقة فريدة من نوعها ، في ربط خيوط متينة ورفيعة تمتد من تحت منصة خشبية صغيرة ، تقف فوقها دمية رشيقة لغزال صغير. كان الفقير يضرب على الاوتار فتمتد الحركة عبر الخيوط الى الغزال الذي يشرع بالرقص على ارجله الرفيعة ، ويأتي صوته المبحوح من كثر الطلب على اغانيه ، ليطرب الجميع ، وعندما ينتشي الحضور ، يبدأ الضرب على الاوتار يتباطئ بالتدريج ، وبمهارة كتلك التي بدء بها العزف ، ثم يجلس الغزال على قوائمه رافضا النهوض ، وسط ذهول المتجمهرين ، هنا يقول الفقير بخجل وابتسامة تكشف عن صفين من الاسنان الصفراء ، بان غزالوكي ( يسميها هكذا تحببا ً ) تطلب الشاباش ( قطع نقدية تنثر على الرؤوس في الاعراس بخاصة ) ، فينهال المجلس بالقطع النقدية فوق الغزالوكي ، التي يلتقطها ( الفقير) لإطعام اطفاله الصغار .
      لم تكن في القوش آلات موسيقية بسبب صعوبة شرائها او صنعها ، كاد المزمار يكون الوحيد الذي يطرب البلدة في اوقات فرحها ، تلازما ً بالطبل الذي تسمع طرقاته من اماكن بعيدة مما يبعث السرور في النفوس ، تلك الموسيقى الراقصة ظلت عقودا ً من السنين تشنف الاذان ، كان عازف الزورنة يتميز بقابليته السريعة على حفظ الألحان التي يسمعها لاول مرة ، وباستمرار كان (عليكو ) الإيزيدي وهو أشهرهم على الاطلاق ، يغير قصبة بيضاء في مقدمة المزمار لتتغير معها النغمات ، ليس قبل ان يشبع بوق مزماره بالعَرَق المحلي الذي يزيد صاحبه مزاجا ً وعطاء ً ، ليستمر الى ما بعد انتصاف الليل ، وقد مارست تلك المهنة احدى العوائل الأقوشية ( بيت جيجو بوداغ ) لكنها تركتها قبل اكثر من ستين سنة ، فالناس آنذاك تنآى عن تلك المهنة باعتبارها مخجلة ووسيلة رخيصة للعيش ، تشبه الاستجداء ، ولكن مع الزمن ثبت ان العزف والغناء والطرب والرقص كلها خلقت لادخال المسرّة الى النفوس ، ولا يمكن الاستغناء عنها . تذكر والدتي بان شاب اسمه جرجيس بتي حنونا ( يعيش حاليا في ولاية ايرزونا ) حل في مدينة الموصل  في الاربعينات من القرن الماضي ، وهناك تعلم فن الغناء ، واقتنى ( الناي ) وجاء به الى البلدة ، فكنت ترى تجمع الشباب عنده الى ساعة متاخرة من اللليل وهم يؤدون الدبكانت الشعبية ، ويقال ايضا ان مهاجر من قرية الداؤودية واسمه ( مروكي ) كان يمتلك مطبج (مزلج ذو قصبتين ملتحمتين بمادة التار او القير ) فيعزف ما طاب له العزف في الازقة وفوق السطوح ، وحتى الترتيلة الكنسية المعروفة ( شمِّد بابه وبرونه ) كان يعزفها من على سطح داره ، فتشد السامعين الى موسيقاها الايمانية . ويذكر ايضا بان القس فرنسيس حداد ( 1888- 1942 ) هو أول من جلب وعزف على آلة الارغن في الثلاثينات من القرن الماضي ، يقال انه اقتناه بواسطة الاباء الدومنيكان في كنيسة سيدة الساعة بالموصل ، وبذلك اسهم في اضفاء جو حضاري وموسيقي للترتيلات الكنسية . في الستينات حاول بعض الشباب صنع آلات موسيقية مثل البزق ( الطنبور)  فوفق بعضهم ومنهم صديقي باسم كوريال يوحانا ، اما الدنابك والدفوف فكانت سهلة الصنع ومتوفرة باثمان مناسبة في المدن . في عام 1973 اقام نادي القوش الرياضي حفلة متواضعة لكنها جميلة جدا ، وربما دشنت اول حفلة من نوعها خارج حفلات الزواج المألوفة ، فدعا الاساتذة المشرفين عليها ، عازف على آلة العود من اهالي بلدة بعشيقة ، وهو المعلم ( أديب ) فأطربنا تلك الليلة كثيراً ، واسهم ايضا في إلتئام الدبكات والاغاني ، التي اداها الشباب بمساعدة الكورس الموسيقي ، وعلى رأسهم الشاب هاني موسى كتو، الذي عزف على آلة موسيقية هوائية ربما كانت ( الفلوت ) ، جلبها له والده الذي كان يعمل آنذاك في دولة الكويت .
     رغم كل الصعوبات والمخاض العسير ولدت اصوات جميلة ، بقيت محلية ولم يذع صيتها ، منهم كوما مزكا ، كوما جولاغ ، كورو ميخو ، حنا تيكا ، حنا شوشاني ، ميخا شوشاني ،  اوراها اسوفي تومكا ، موسى نوح سورو ، بطري رئيس ، حنا صادق بوداغ ، سعيد وكيلا ، عيسى ميخا حداد، كولا سليمان كولا، حنا بيبي ، عابد بيبي ، نوري ﮔردي ، ادور توما بولاذ ، صباح تومي ، اسماعيل رشو ، اسحق حميكا ، صباح يلدكو ، سعيد سلـّو ، فاضل بولا ، لطيف بولا ، فرج يونس حلبي ، باسل شامايا ، وفي مجال الموسيقى نذكر ، الموسيقار المعروف جميل جرجيس بهاري ، جوزيف جيقا ، عزيز يوسف اسمرو ، وديع كجو ، فائزوديع كجو، نشوان فاضل بولا ، اما على النطاق النسوي فبرزت نضال حنا لكنها تخلت عن الغناء قبل سنوات ، وكذلك لينا جميل صارو ، امل بطرس نونا . في الذاكرة طفلة إسمها ( يازي يونس قيا ) وعمرها آنذاك قرابة عشر سنوات ، هي الاولى التي اطربت الحضور ، في حفل بمناسبة ثورة تموز عام 1959 ، في ساحة مدرسة العزة الابتدائية ، حيث تقدمت الى المايكروفون بجرأة لتقلد اغنية هندية اشتهرت آنذاك بمطلع ( هامايا هاجان ) . إن أنسى فلن أنسى عازف الأكورديون في تلك الفترة ايضا ً، ذلك هو المعلم الفنان (حكمت الزيباري ) الذي على أنغام موسيقاه أدى الطلبة النشيد المعروف " موطني " فردد الجبل الأشم صداها.
     يحفظ الاخ حنا عيسى حميكا على ظهر قلبه أبيات من قصيدة ، يقول انها من تأليف الخوري هرمز من الدير العلوي ، وقد الفها في الثلاثينات من القرن الماضي ، ويضيف  بان الاستاذ يوسف باخوخا كانت له نسخة واحدة ، حصل عليها بطريقته من الدير، وفي يوم ما اعارها الى والده عيسى لقراءتها واعادتها بالسرعة ، لكنه استطاع استنساخها ، وللاسف ضاعت في الخمسينات ، بسبب انتقال الأسرة الى بغداد :
مْخشْكه كبلطي لِشتايه ..... كدأري يومي بگنايه
بّيثه ليثن عَشايـَــــــــه ..... ولسَلَف كليه طيرايه
كمري قط ليله خطيثه ..... عَراق تگيانه هديثـه
بشاتخ مسّينه مليثــَــه ..... بَس دْله نبلِخ بشقيثـه
آني خَمشه خُرانـــــه ..... شَتايه وعِصيه لكهنـه
بليله بگـُپ طرانـــــه ..... وبگدوبه ﮔو شـُقانــِه
لكليقه لبيقبنايـــــــــــه ..... ديلي جعيله غبدوايـه
بكوتك كْشَبِ لسورايه ..... وبعراق ليلي روايـه
لـْيل ِ سوجِه دعلمايـِـه ..... دني خريوه لقرايـــــِه
دريلي تدبير ورايـــه ..... كشاتيله خويخا مايـــه
عوافي تلكبنايــــــــه .....  شاتي وهاوي روايـــه
مرحمانيلي لنخرايـه ..... وعْوَذ َي دِمشيحايـــِــه
بَغدد عمرته منـّيــــِه ..... وأمريكه من جَنقــــيـِه
بألپايه حـَوالـَيــــــــِه ..... ومَأمران دْيتـَثـَيــــــــِه
  لعل اغنية الأم هي الاساس في أعراف الشعوب ، عندما تسهر مع رضيعها فتمنحه حليبها ، ودفء صوتها ، وحلاوة ألحانها ، فتنطلق بل تتحلق في الفضاء الواسع ، لتشدو من كل قلبها ، الى صغيرها توجه كلماتها التي تتمنى ان يتربى عزيزا ً، شجاعا ، كريما ، محبا للخير، وذا شأن ، اضافة الى ذلك ، تبث الأم أشجانها ، همومها ، والمتاعب التي تجنيها في حياتها . لم تتخلف الام الالقوشية عن ذلك النموذج ،  فجلست تهز مهد طفلها منشدة بصوتها العذب ، الذي يجعله يخلد الى الهدوء والنوم ، بعد بكاء متواصل ، فتقول :
دشاي لاي لاي دركشتخ عزيزي مليا خاي
 منخ رحقي كل بلاي  وقيحوا بدجمناي وامي كل قرجاي
 دركشتخ دقيسا نسيرا  مد كشاشيلا وكهيزيلا  كمبسمالي لبا تويرا
دركشتخ د قيسا د خلابا  كيزا وكثيا بطيابا  مد كشاشيلا وكهيزيلا  كمبسمالي لب د بابا
دركشتخ دكرم د فيلا  مد كشاشيلا وكهيزيلا  كمبسمالي لبا تويرا
 ناطيرخ مر دنيِّ   ديلي كوخح بكليِّ
 مخزيلي حيلي ديح   كو شفانا د بريي
 ناطيرخ مار كبولا    ديلي كوخح برؤولا   لخوذح ايلي دلا خورا 
 ناطيرخ مار قوتايا    سيبا بيذح شلخايا    مها لصلخ من نورا ومايا   
ناطيرخ اودك ناطر     باشوا بثخاثا كناطر   
ناطيرخ او مار متي   ديرا بطورا علايا    كطلبن دراوت وزالخ زيرتي ونذرا بايذخ تدياوتي
 دشاي لايي ، درﮔشتخ تقرﭽايي .
او تخاطب القمر قائلة :
يا صيرا خاثه ، لخزيلخ بروني بدراثه ، إلـِّح خا قباية خاثه ، بطأوله تبلـِّه وتبلياثه .
 يا صيرا أتيقه ، لخزيلخ براتي مر سديقه ، إلـَّح خقباية جيقه  .
او تقول له :
- خاييله جنقا لاوي وبشمد اقلح سماوي
- خاييله ﮔورد ﮔوره ودماخه رش تنوره
عندما تتهلل فرحة مع صغيرها وهي تبتسم ملء فمها منشدة : شبب ربب طوطيثا  كيج وميج د مرقوزي دايا سيا رم راميا  جي جمستا ديلا مبلابستا بلستا ديمي ديلا داييلا
شبّه بربه بطوطيثة ، كيج وميج ومرقوزي ، داية سيـّا رَم رامِيــّا جي جمستا......
ثم تهز طفلها الى الامام والخلف ، ماسكة به من يديه ، مرددة :
هجاني هماني ، خه خمارة قطي بقاني ، براتي  دمخته بدركشتا ، وبروني خوخه وخبشتا .
عندما يكبر الاطفال يبدأ طورٌ آخرٌ من الغناء على افواههم الصغيرة :
-  زمزمومه طراشة خورانخ سقلي لرومه قلوب قلوب قلوب
-  قلـّه قَلـّه قَلـُّنتي ، هلـّي خولي وصابونتي ، دلا مخيالي ستَتُّنتي ، قلوب قلوب
-  حابا قلقل أور مبوق مبقله رمشخ
-  شورخ شورخ زيره ، آلها يا ولوخو ، خا برونه عزيزه .
ربما افضل اغنية وضع كلماتها يوسف حنا سيبي في الاربعينات مطلعها :
 غزيلي غذا يونا بفياره          معيطلي وقريلي خا قاله
بس ميذيلي بس دموره          ليما أثريوَت بيزالَـــــــه
وترادفها في تلك الفترة ايضا اغنية اخرى تبتدأ :
مشـّينه جوجله ، مشريله بخايه ، باي باي موخبي قاله بدرايه .
 توالت اغاني الشباب المتكررة في كل مناسبة مثل :
 هوي ميروي ميروي ميرو ، عبدالو شمالوي ميرو .
او اغنية :
كندالو كندل ﭙيدا ، حيرانو نجمَه لپيدا .
     وتلاحظ وجود كلمات كردية كثيرة فيها . وهي الصبغة التي صبغت اغانينا لعشرات السنين خصوصا ما قبل ثورة 14 تموز 1958 وبعدها بقليل ، كان اهالي القوش مغرمين بالاغنية الكردية ، فترى عندما دخل الراديو حياتهم بعد الحرب العالمية الثانية ، كانت اذاعة ( رادي كوماري بشي كردي لبغا ) تصدح من سطوح منازلهم ، او اذاعة يريفان من جمهورية ارمينيا السوفيتية ، او الحاكي ( كرامفون او فونوغراف ) الذي ادار الاسطوانات لمطربين دخلوا قلوب الناس مثل محمد عارف جزراوي ، عيسى برواري ، كويس اغا ، مريم خان ، نسرين شروان ، عائشة خان . كانت دادا ( حنـّي ) زوجة ( سليمان ساكا جونا ) تردد في باحة بيتنا ، مقطع من اغنية ، غنوها الاكراد بداية القرن الماضي مترنمين :
مالا أيسفي ﮔوزل نحوينا          ومالا ميخا دمن          قهوة وجاي بگرينا
     هكذا كان طابع اغانينا هو التأثر وتقليد الأغنية الكردية ، لكن هذا الجانب ضعف مع ظروف محاربة الحكومات المركزية للحركة التحررية الكردية ونزوح كثير من الألقوشيين الى بغداد بخاصة والمدن الاخرى ، فاصبح للاغنية العربية جمهورها ومحبيها خصوصا شباب السبعبنات ، لكن ذلك لم يمنع من بروز اغنية ثورية بالسورت على نمط الاغنية الشهيرة ( عاش انصار السلام ) فقدحت قريحة الثوري الالقوشي باغنية مطلعها :
خاهي ﮔوره دشلاما ، رخشو جنقي تقاما . بخدمخ بيريه سمقته ، ومگله بدارخ محنقته ، شتويه أرخن حزكته .
واغنية اخرى يقال انها نقلت على لسان احد الشباب الملتحقين بالانصار عام 1963:
 يا يمّي ان كِبَتـّي ، بَرنو كريثه بزونتـّي ، لريشه دطورة مّسقتي ، وليذه دتوما ** بياوتّي .
وفي بغداد انتعشت الاغنية السريانية فترة السبعينات ، خصوصا بعد عام 1972 فاشتهرت اغنية غناها فرج حلبي تقول :
اور لبّي يا يمي مني جُرحح ، مخ اتونه بكودوله من خمتح ، ناشه ليبه دكالزلي من حبّح ، ولا تدماشيلا صورتي من لبّح .
 او اغنية يقال ان مؤلفها هو بولص شموئيل مراد :
خاليلي خشكا قاله بيثايا ، ﮔو القش جغشيا ، وهاور بدرايه . بشقياثة دمه دجونقخ بجرايه ، هل طفلي زوري ، سْميلي مپخاية .
      ولا ننسى اغاني المسرح التي لحنها المرحوم الاستاذ وديع كجو ، واعمال اخرى موسيقية اداها بصبر طويل ومواصلة لا فكاك منها ، الأخوين لطيف بولا وفاضل بولا ( اجمل اغانيه في نظري التالية : ﮔرسته ، القش ماثد بابي ، آلها عاين أسّومة ) وكذلك الاستاذ سعيد شامايا ، موفق ساوا ، جلال جلو ، جلال شامايا ، جلال يلدكو وغيرهم ، التي لازالت تحتفظ بقوتها حتى اليوم .
     ونحن في خضم هذا الاستعراض ، يجب ان لا نغفل الاغنية الآثورية ، التي كانت تنتشر وتتطور في تحدٍ للمناوئين لها بأصالة وقوة ، من الاغاني التراثية الاثورية ( الراوي ، الليليانا ، الديواني ) ، كان اول تعرفي على تلك الاغنية في المسجلات التي ظهرت على شكل بكرات ومن الاغاني الجميلة التي اطربتنا : اتيوت غزالتي دطورا وبريا ، دم خيموله كسي وايالي دي ملبولا ، بلكد ليله بكو كرمانه ، بيث نهرين اثريوا لي منشنخ ، خا كرما مليه موردي ، ووله مبلدا بكو خياله ، تميلي جنقي ، اخا كخوا جريلي او خبخ ، روش يا جنقه ، نشره دتخوما . في ندوة الايمان بجامعة الموصل مطلع السبعينات من القرن الماضي ، كان (بيمانوس يلدا ) يعزف على الاكورديون و(كوركيس هاويل ) على العود ، و(نوئيل زيا ) في الغناء .
     في الربع الأخير من القرن الماضي برز من بلدتنا عديد من الفنانين في مجال العزف والغناء ، ابتداءً من بغداد ثم المهجر الامريكي واخيرا داخل البلدة الحبيبة ، ويعود السبب في تاخر وصول هذا النمط المتقدم من الفن ، هو تقلب الاوضاع السياسية في البلد والضغوط التي كانت تمارسها السلطات الحاكمة على مدى العقود الاربعة الماضية . هكذا سجل بعض المحدثين اسمهم في سجل الغناء منهم : ماجد ككا ، عميد اسمرو ، مناضل تومكا ، خيري بوداغ ، طلال كريش ، يوسف عزيز اسمرو، هيثم يوسف ، سلام ككا ، وضاح صبيح هرمز بهاري ، نسيم صحب ، فريد هومي ، عصام عربو ، عماد ربان وغيرهم ، لهؤلاء اقدم احترامي ، وبوسعي ترديد ما قاله بتهوفن يوماً " الموسيقى بحر ٌ من العلم والفن َّ لا حدود لشواطئه او لأعماقه ، وكلما ازداد الموسيقي ُّ فهما ً لها كلما ادرك ان امامه الكثير مما لا يعرفه ُ "  ، الغناء الحقيقي ليس فقط ذلك النمط الذي يطرب الناس في المناسبات الاجتماعية كالزواج مثلا ً ، بل هو ذلك النبع الصافي ، هوذلك الطريق الجديد ، وتلك الموسيقى الأخاذة ، وما يلهب المشاعر، وبلا شك مرتبط بسيرة الفنان الذاتية ، ودراساته العلمية ، والمدرسة الفكرية اوالفلسفية التي ينتمي او يؤمن بها ، ولنقل هي الرسالة التي كرس لها حياته ، فيوجهها طوال سنوات وسنوات الى ناسِه ، جمهوره ، وابناء شعبه . ذلك هو الفنان الجاد الذي لا يميز فقط من بين اقرانه او سابقيه بل يتميز بخصوصيته ، وامتلاك الفضاء الخاص به ، لينتشر فيعبر الحدود ، دون جواز من احد ، يتخطى الواقع الضيق ، ليسبح في أجواء اكثر رقيا وتطورا . على الفنان الحقيقي ان يغوص في الاعماق فيخرج اللآلئ ، عليه ان يمضي بعيدا ً ، ويوغل في غابة الابداع ، ليجلب ما يثير الاعجاب ، مبتعدا عن التقليد او لملمة وتجميع الكلمات والألحان ، عندها فقط يخلده الزمان .
 الهوامش :
 * سفورتا ، نوع من الطيور تعيش في ثقوب الوديان عندنا ، وهو طائر يشبّه حبيبته به لجماله .
** توما : وهو البطل الخالد توما صادق توماس ( 1925- 1996 ) .
  المصادر :
 1- كنوز الاعماق ، قراءة في ملحمة جلجامش- فراس السواح- نيقوسيا 1987 .
 2- الديارات النصرانية في الاسلام – حبيب زيات- دار المشرق 1999 .
3- متون سومر- خزعل الماجدي – الاهلية 1998 .
4- سفر القوش الثقافي – بنيامين حداد – بغداد 2001 .
5-  مقالة للاب د. يوسف حبي عام 1996 بعنوان ( مدرستنا القديمة )
6- مجلات متنوعة مثل : الفكر المسيحي ، صدى بابل ، وغيرهما ، كاسيت اغاني تراثية متميزة ، للمغني التلكيفي المعروف عزو كاتي.
7- مجلة التراث الشعبي .
8- مجموعة من الاصدقاء والاحبة منهم : الشماس حنا شيشا كولا ، الشماس صادق برنو ، يوسف ميا ساكو ، والدتي كرجية ، عمتي ودي ، جورج شوشاني ، نجيب الحنو ، سعيد سيبو وغيرهم .
9- اضافات وتصويبات وردت من الصديق الغالي كامل اسحق شكوانا في استراليا.
nabeeldamman@hotmail.com
 

114
سلوى هادي حيدو تغادرنا الى الابد
نبيل يونس دمان
     وقع خبر وفاة سلوى حزينا على مسامعي، لقد تابعت في الاشهر الماضية مسيرة المرض اللعين الذي داهمها دون إنذار في وطننا الحبيب، ثم وصولها الى اميركا قبل مدة، حيث تولى أمر علاجها مشكوراً، الصديق الهمام د. نشات يوسف توسا، اخيراً شاء القدر ان يخطفها من عائلتها، ومن اهلها في العراق والمهجر.
     عرفت سلوى جيدا في سبعينيات القرن الماضي زميلة في جامعة الموصل، كانت مثال الخلق والادب، كم تخطينا شوارع الجامعة مجاميعاً، كأخوة وأحبة وسلوى بيننا بأحاديثها الشيقة والابتسامة لا تفارق شفتيها، وكم حضر جمعنا المصغر مناسبات واحتفالات ومهرجانات، ونحن مفعمون املاً بان نخدم الوطن، نعيش على تربته، نربي اجيالاً تتبعها اجيال، لكن الاهوال تكالبت علينا، مع اشتداد تمركز السلطة بأيدي طاغية بعيد كل البعد عن الانسانية والحضارة. مع اشتداد الحرب العراقية- الايرانية التي اشعلها صدام في سنيها الاولى، وقع حادث أسر زوجها المرحوم جورج بولا، في احدى جبهات الحرب وليمكث سنيناً طويلة في ايران، اتذكر عندما التقيتها في باص المصلحة على طريق الموصل، قالت هل سمعت بمصابنا، قلت أجل، لكن لا عليك انها فترة قصيرة ويسقط الطاغية فيعود كل شيء الى طبيعته، من ربيع ذلك العام 1982 لم التق سلوى حتى اعترف امامها بسوء تقديري للوضع، ان الوطن لم يتعافى ولم يستقر حتى يومنا هذا، رغم مرور اكثر من ربع قرن على تلك الذكريات المُرّة.
     لم اسمع في غربتي الطويلة سوى اخبار المآسي المتلاحقة التي ألـَمّت بسلوى وختمتها برحيلها، فألف رحمة على روحها، ستبقى ذكراها حية في وجداننا، نحن زملائها ورفقتها، في جامعة الموصل، والبلدة القوش الباقية ما بقيت اشعة الشمس تغمرها كل صباح.
nabeeldamman@hotmail.com
December 26, 2009

115
سلوى هادي حيدو تغادرنا الى الابد

نبيل يونس دمان


     وقع خبر وفاة سلوى حزينا على مسامعي، لقد تابعت في الاشهر الماضية مسيرة المرض اللعين الذي داهمها دون إنذار في وطننا الحبيب، ثم وصولها الى اميركا قبل مدة، حيث تولى أمر علاجها مشكوراً، الصديق الهمام د. نشات يوسف توسا، اخيراً شاء القدر ان يخطفها من عائلتها، ومن اهلها في العراق والمهجر.
     عرفت سلوى جيدا في سبعينيات القرن الماضي زميلة في جامعة الموصل، كانت مثال الخلق والادب، كم تخطينا شوارع الجامعة مجاميعاً، كأخوة وأحبة وسلوى بيننا بأحاديثها الشيقة والابتسامة لا تفارق شفتيها، وكم حضر جمعنا المصغر مناسبات واحتفالات ومهرجانات، ونحن مفعمون املاً بان نخدم الوطن، نعيش على تربته، نربي اجيالاً تتبعها اجيال، لكن الاهوال تكالبت علينا، مع اشتداد تمركز السلطة بأيدي طاغية بعيد كل البعد عن الانسانية والحضارة. مع اشتداد الحرب العراقية- الايرانية التي اشعلها صدام في سنيها الاولى، وقع حادث أسر زوجها المرحوم جورج بولا، في احدى جبهات الحرب وليمكث سنيناً طويلة في ايران، اتذكر عندما التقيتها في باص المصلحة على طريق الموصل، قالت هل سمعت بمصابنا، قلت أجل، لكن لا عليك انها فترة قصيرة ويسقط الطاغية فيعود كل شيء الى طبيعته، من ربيع ذلك العام 1982 لم التق سلوى حتى اعترف امامها بسوء تقديري للوضع، ان الوطن لم يتعافى ولم يستقر حتى يومنا هذا، رغم مرور اكثر من ربع قرن على تلك الذكريات المُرّة.
     لم اسمع في غربتي الطويلة سوى اخبار المآسي المتلاحقة التي ألـَمّت بسلوى وختمتها برحيلها، فألف رحمة على روحها، ستبقى ذكراها حية في وجداننا، نحن زملائها ورفقتها، في جامعة الموصل، والبلدة القوش الباقية ما بقيت اشعة الشمس تغمرها كل صباح.
nabeeldamman@hotmail.com
December 26, 2009
 

116
محنة المسيحيين في نينوى
نبيل يونس دمان
     ها ان ثعبان التعصب الاعمى يطل مرة اخرى بانيابه المسمومة، للاعتداء على مسيحيي الموصل وضواحيها، في قتل ابنائهم، تفجير دورعبادتهم، نسف بيوتهم، واماكن اعمالهم، موجة جديدة تاتي وقد سبقتها امواج اخرى ظالمة، لا نعرف بالضبط مصدرها ولا غايتها، فان كانت تبغي انهاء الوجود المسيحي في العراق، فان من المحال القضاء على المسيحية في العالم، لا بل ان استمرار هذه الاعمال ستجلب الويلات لمقترفيها طال الزمن ام قصر، لن يكن بإمكان الظلام ان يحل محل نور الشمس الساطع ابداً.
     لقد تناولت هذا الموضوع مراراً، سأظل اكتب حتى تشل يدي، عندها اصرخ ملأ فمي، وحتى ينجلي الليل الطويل، عن صبح جميل، يبهر قاطني وادي الرافدين، من مختلف المُلل والنـُحل. ايضا أثـَرْتُ غيرة َ ونخوة مُسلمي الموصل وعشائرها وأعيد تكرار هذا النداء الانساني، للوقوف الى جانب هؤلاء المساكين المستهدفين دون ذنب ارتكبوه، أهيب المرة تلو المرة بشرفاء الموصل، بمَسؤوليها، برؤساء عشائرها، بمن يمتلكون المقدرة وقوة التاثير على منفذي تلك الاعمال، بان يلعبوا دورهم في ايقافها.
      في كل زمان والمتعصبون يستهدفون المسيحيين، وقد سقط الكثيرون منهم عبر التاريخ صرعى امام اولئك الغلاة، ولولا وجود وجهود الخيرين والشرفاء من اصحاب الضمائر الحية، لانتهى الوجود المسيحي منذ زمن طويل، لم يكن بامكان المسيحيين في ضعفهم وسماحهم الوقوف بوجه القتلة، ولم يكن بامكان الدول الاخرى الحيلولة دون ذلك، ان لم تكن غير راغبة اصلا في الدفاع عن القلة المضطـَهِدة امام الاكثرية المضطهـِدة ، بل كان الاعتماد بعد الله، على اصحاب الضمائر الحية من المسلمين، وما استمرار الوجود المسيحي عبر مئات القرون الا بفضل هؤلاء الأخيار داعمي تلاوين شعبنا، باعتبارها عوامل قوة وازدهار للبلد.
     بالنسبة للحكومة المركزية وكل المؤسسات المحيطة بها من تشريعية وقضائية، فانها شبه مشلولة وواضح ضعفها للملأ، ويصح فيهم قول الرصافي:
عـَلمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ     كُلٌ عن المعنى الصحيحِ مُحَرّفُ
     وانتم يا اعضاء البرلمان العراقي المنتخب، لقد انشغلتم عن معاناة الناس في مناقشات طويلة لقانون الانتخابات، وانتم تنظرون في منظار فئوي وحزبي وطائفي ضيق، دون ان تكون نظرتكم شاملة ونحو الافق الأبعد، لو كانت في قلوبكم محبة الوطن وخشية الله لسامحتم بعضكم بعضا، ولتنازلتم عن مقاعكم وكراسيكم ونسب كتلكم المئوية، لاقرانكم ومواطنيكم، الأكفا منكم والأجرأ منكم والأثبت منكم.
     ان سبب ضعف الاجهزة المذكورة هو اساسها الهش المرتكز على المنافع الشخصية، المحاصصة، والشقاق الطائفي. الفضائح الاخيرة آلمتنا واخجلتنا ونحن نسمعها، والتي فجرها الاستجواب في مبنى البرلمان التي تقترب دورته من الانتهاء، وبانتظار برلمان اكثر هيبة ورصانة وحكمة، يحضرني بيت الشعر القائل:
متى يَبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ     اذا كنتَ تبنيهِ وآخَرُ يَهدِمُ
     ارى من الضروري لكل من يقلقه وضع المسيحيين، من الأباة والمخلصين، ان يسهموا بقسطهم في فضح الحملة الحالية، وبضرورة اشعار الرأي العام العالمي وهزه من اساسه، لما يحدث في المدينة العظيمة( قم اذهب الى نينوى المدينة العظيمة، وناد لها المناداة التي انا مكلمك بها.. سفر يونان 2:3) ولإستثارَت الحكومات التي تملك القرار، بان تتحرك وتبحث عن حلول سريعة لمسيحيي العراق، من اجل بقائهم في اوطانهم، والحيلولة دون هجرتهم بالكامل، وانقراضهم لا سامح الله.
     تعتبر الموصل مركز الاشعاع المسيحي في العراق منذ امد بعيد، والقرى والقصبات الدائرة في فلكها اشبهها بالكواكب، لذلك بات إلحاق الحيف والأذى بها من صميم اهداف الحاقدين. باستمرار أجادل بان محنة المسيحيين وهجرتهم وضيمهم ناتج ايضا من عدم الاستقرار وافتقاد الامن فيها، انظروا كيف هدأت الامور في منطقة الدليم وديالى وجنوب بغداد( مثلث الموت) والبصرة، اما الموصل فقد مرت بفترة هدوء نسبي بعد سقوط النظام الشمولي في نيسان 2003، ثم سرعان ما خرج شيطان الارهاب من قمقمه، وهو يعيد ماضيه الدموي في نفس الولاية عبر شواهد لا تحصى من التاريخ، منها حملة اغتيالات طالت المئات في اعقاب فشل حركة الشواف عام 1959، لا زال هذا المتجبر القاسي يمارس افعاله القبيحة بتلذذ وانعدام في الشعور، الذي يفترض ان يمتلكه في حدوده الدنيا كل انسان سوي على وجه المعمورة.
     في جلسة جمعتني مع اصدقاء، دفعني حبي للموصل بطرح سؤال عن اسباب تميز اهلها بعلمهم وذكائهم وحتى جمالهم، فمنهم القائل مناخ ام الربيعين ومنهم القائل موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل، ومنهم القائل آثار الحملات عليها واشدها حملة نادر شاه( طهماسب) سنة 1743، ومنهم القائل تنوع الاديان والقوميات والطوائف واللغات فيها. ارجو ان تبقى الموصل كما عهدناها في الجمع بين كل تلك العوامل التي هي مصدر قوتها وشموخها، بان تنهي على الفور استهداف المسيحيين وكل الطوائف الصغيرة من شبك وايزيدية وتركمان وغيرهم، ان ذلك التنوع في نينوى لهو لسان التاريخ وعلامته المميزة، فهل سيسمع عقلاء الموصل مناشدتي في اعادة الوضع الى طبيعته؟ انا في الانتظار.
nabeeldamman@hotmail.com
Dec 15, 2009
 

117
محنة المسيحيين في نينوى
نبيل يونس دمان
     ها ان ثعبان التعصب الاعمى يطل مرة اخرى بانيابه المسمومة، للاعتداء على مسيحيي الموصل وضواحيها، في قتل ابنائهم، تفجير دورعبادتهم، نسف بيوتهم، واماكن اعمالهم، موجة جديدة تاتي وقد سبقتها امواج اخرى ظالمة، لا نعرف بالضبط مصدرها ولا غايتها، فان كانت تبغي انهاء الوجود المسيحي في العراق، فان من المحال القضاء على المسيحية في العالم، لا بل ان استمرار هذه الاعمال ستجلب الويلات لمقترفيها طال الزمن ام قصر، لن يكن بإمكان الظلام ان يحل محل نور الشمس الساطع ابداً.
     لقد تناولت هذا الموضوع مراراً، سأظل اكتب حتى تشل يدي، عندها اصرخ ملأ فمي، وحتى ينجلي الليل الطويل، عن صبح جميل، يبهر قاطني وادي الرافدين، من مختلف المُلل والنـُحل. ايضا أثـَرْتُ غيرة َ ونخوة مُسلمي الموصل وعشائرها وأعيد تكرار هذا النداء الانساني، للوقوف الى جانب هؤلاء المساكين المستهدفين دون ذنب ارتكبوه، أهيب المرة تلو المرة بشرفاء الموصل، بمَسؤوليها، برؤساء عشائرها، بمن يمتلكون المقدرة وقوة التاثير على منفذي تلك الاعمال، بان يلعبوا دورهم في ايقافها.
      في كل زمان والمتعصبون يستهدفون المسيحيين، وقد سقط الكثيرون منهم عبر التاريخ صرعى امام اولئك الغلاة، ولولا وجود وجهود الخيرين والشرفاء من اصحاب الضمائر الحية، لانتهى الوجود المسيحي منذ زمن طويل، لم يكن بامكان المسيحيين في ضعفهم وسماحهم الوقوف بوجه القتلة، ولم يكن بامكان الدول الاخرى الحيلولة دون ذلك، ان لم تكن غير راغبة اصلا في الدفاع عن القلة المضطـَهِدة امام الاكثرية المضطهـِدة ، بل كان الاعتماد بعد الله، على اصحاب الضمائر الحية من المسلمين، وما استمرار الوجود المسيحي عبر مئات القرون الا بفضل هؤلاء الأخيار داعمي تلاوين شعبنا، باعتبارها عوامل قوة وازدهار للبلد.
     بالنسبة للحكومة المركزية وكل المؤسسات المحيطة بها من تشريعية وقضائية، فانها شبه مشلولة وواضح ضعفها للملأ، ويصح فيهم قول الرصافي:
عـَلمٌ ودستورٌ ومجلسُ أمةٍ     كُلٌ عن المعنى الصحيحِ مُحَرّفُ
     وانتم يا اعضاء البرلمان العراقي المنتخب، لقد انشغلتم عن معاناة الناس في مناقشات طويلة لقانون الانتخابات، وانتم تنظرون في منظار فئوي وحزبي وطائفي ضيق، دون ان تكون نظرتكم شاملة ونحو الافق الأبعد، لو كانت في قلوبكم محبة الوطن وخشية الله لسامحتم بعضكم بعضا، ولتنازلتم عن مقاعكم وكراسيكم ونسب كتلكم المئوية، لاقرانكم ومواطنيكم، الأكفا منكم والأجرأ منكم والأثبت منكم.
     ان سبب ضعف الاجهزة المذكورة هو اساسها الهش المرتكز على المنافع الشخصية، المحاصصة، والشقاق الطائفي. الفضائح الاخيرة آلمتنا واخجلتنا ونحن نسمعها، والتي فجرها الاستجواب في مبنى البرلمان التي تقترب دورته من الانتهاء، وبانتظار برلمان اكثر هيبة ورصانة وحكمة، يحضرني بيت الشعر القائل:
متى يَبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ     اذا كنتَ تبنيهِ وآخَرُ يَهدِمُ
     ارى من الضروري لكل من يقلقه وضع المسيحيين، من الأباة والمخلصين، ان يسهموا بقسطهم في فضح الحملة الحالية، وبضرورة اشعار الرأي العام العالمي وهزه من اساسه، لما يحدث في المدينة العظيمة( قم اذهب الى نينوى المدينة العظيمة، وناد لها المناداة التي انا مكلمك بها.. سفر يونان 2:3) ولإستثارَت الحكومات التي تملك القرار، بان تتحرك وتبحث عن حلول سريعة لمسيحيي العراق، من اجل بقائهم في اوطانهم، والحيلولة دون هجرتهم بالكامل، وانقراضهم لا سامح الله.
     تعتبر الموصل مركز الاشعاع المسيحي في العراق منذ امد بعيد، والقرى والقصبات الدائرة في فلكها اشبهها بالكواكب، لذلك بات إلحاق الحيف والأذى بها من صميم اهداف الحاقدين. باستمرار أجادل بان محنة المسيحيين وهجرتهم وضيمهم ناتج ايضا من عدم الاستقرار وافتقاد الامن فيها، انظروا كيف هدأت الامور في منطقة الدليم وديالى وجنوب بغداد( مثلث الموت) والبصرة، اما الموصل فقد مرت بفترة هدوء نسبي بعد سقوط النظام الشمولي في نيسان 2003، ثم سرعان ما خرج شيطان الارهاب من قمقمه، وهو يعيد ماضيه الدموي في نفس الولاية عبر شواهد لا تحصى من التاريخ، منها حملة اغتيالات طالت المئات في اعقاب فشل حركة الشواف عام 1959، لا زال هذا المتجبر القاسي يمارس افعاله القبيحة بتلذذ وانعدام في الشعور، الذي يفترض ان يمتلكه في حدوده الدنيا كل انسان سوي على وجه المعمورة.
     في جلسة جمعتني مع اصدقاء، دفعني حبي للموصل بطرح سؤال عن اسباب تميز اهلها بعلمهم وذكائهم وحتى جمالهم، فمنهم القائل مناخ ام الربيعين ومنهم القائل موقعها الاستراتيجي على طريق القوافل، ومنهم القائل آثار الحملات عليها واشدها حملة نادر شاه( طهماسب) سنة 1743، ومنهم القائل تنوع الاديان والقوميات والطوائف واللغات فيها. ارجو ان تبقى الموصل كما عهدناها في الجمع بين كل تلك العوامل التي هي مصدر قوتها وشموخها، بان تنهي على الفور استهداف المسيحيين وكل الطوائف الصغيرة من شبك وايزيدية وتركمان وغيرهم، ان ذلك التنوع في نينوى لهو لسان التاريخ وعلامته المميزة، فهل سيسمع عقلاء الموصل مناشدتي في اعادة الوضع الى طبيعته؟ انا في الانتظار.
nabeeldamman@hotmail.com
Dec 15, 2009
 

118
هرمز شيشا ﮔولا في ذمة الخلود
بقلم نبيل يونس دمان

     يقول الشاعر:
يا وَيحَ هَذِى الارض ما تـَصنـَعُ      أكُلَّ حَيٍّ فوقـَها تـَصْـــــــرَعُ
تـَزرَعَهُمْ حتى إذا ما أتــــــــــوا     عادَت لهمْ تـَحصَدُ ما تـَزرَعُ

     يوم الخميس المصادف  10 كانون اول 2009، توقف قلب المربي والشماس المعروف هرمز شيشا صادق ميخائيل متي عوديشو ﭽونا صليو ﮔولا، المهاجر الى القوش من قرية ﭙيوس قرب بلدة باعذرا في عام 1738. لقد عانى الفقيد في السنين الاخيرة من مشاكل في القلب، مما ادت تدريجيا الى ضعف في ادائه، ربما تحت ثقل السنين الطويلة التي عاشها، فقد تجاوز عمره 93 سنة، وهو سليل عائلة معمرة، ومن قلائل رجال القوش الذين يبلغون، هذا السقف الزمني العالي.
     عندما كانت المرحومة راحي رئيس حامل به في سني السفر برلك الاليمة، هرب والده المرحوم شيشا الى الجبل ليلتحق بمجموعة الهاربين من السلطات، بسبب سوق الشباب الى العسكرة الاجبارية، مما حدى بالسيء الصيت العريف احمد السقلي الى اعتقال الوالدة الحامل بابنها البكر، فتناهى الخبر الى سمع الشاب شيشا، فنزل حالا وسلم نفسه من اجل اطلاق سراح زوجته، بعدها ذهب والده صادق( مختار محلة التحتاني) الى الموصل واتصل بالشخصية المتنفذة انذاك( قاسم الصابونجي)  واشتكى اليه افعال السقلي وممارساته القذرة، فكان ذلك عاملاً قوياً في نقل الطاغية الصغير الى بلدة بغديدا، في تلك الاجواء من عام 1916 ولد هرمز شيشا.
     لقد اعتمر في قلبه الايمان العميق، وحب التراث، وعشق اللغة، والاخلاص اللامتناهي لبلدته، وقد دخل عدة سنوات في مدرسة مار يوحنان الحبيب ليصبح قسيساً، ولكن ظروفه الصحية لم تسمح له بذلك، ولكن في المقابل تعلم لغة ابائه العريقة، ودشن اساس المعرفة والعلم، ليغدو شخصية معروفة في العقود التالية. عندما استثمر امواله في بناء ثانوية القوش، ومتوسطة البنات في الخمسينات كانت الغاية خدمة البلدة، وفي الحيلولة دون تسرب تلامذتها الى المدن الكبيرة. لقد عمل في البصرة وفي بغداد مخلصا في عمله، وكان دائم القدوم الى بيته العامر في مركز البلدة، وفي عام 1972 عندما منحت الحكومة حقوق ثقافية محدودة للناطقين باللغة السريانية، اصبح رئيساً لجمعية الناطقين باللغة السريانية، وكذلك ترأس تحرير مجلة قالا سريايا في نهاية السبعينات.
     من اهم مآثره في الثمانينات كتابته موضوعاً في الصحافة، ينتقد خطوة بناء بيوت حول مرقد مار قرداغ، باعتبارها اراضي زراعية منذ الاف السنين، واقترح ان تبنى البيوت بمحاذات الجبل، لان اراضي تلك المنطقة صخرية ولا تصلح للزراعة، فكانت كتابته تلك جريئة في وقتها، علما بان السلطات تعمدت تحويل تلك الاراضي الزراعية الى بيوت، لتخريب القطاع الزراعي، ولابعاد السكان عن الجبل، وازدادت تماديا في اطلاق اسم الدكتاتور المكروه على ذلك الحي.
     نختتم موضوعنا بالقول: ان المرحوم شخص سامي الاخلاق، هادئ الطبع، لا تفارق الابتسامة شفتيه، مواظب على اداء واجباته الكنسية، محب للغة السريانية وحريص على اعلاء شأنها. ما الحيلة فالحياة قصيرة وكما يقول المزمور 103: 15( الانسانُ أيامُه كالعُشبِ، وانما يُزهِرُ كَزَهرِ الحَقلِ) لكن في رحيله جسداً، تبقى صفاته واعماله جديرة بالاقتداء، من بيته الى بلدته، فوطنه الدامي بيث نهرين.

119
المرتجى من مؤتمر عنكاوا
بقلم نبيل يونس دمان
     أكتب اليوم عن موضوع ساخن وشائك ، كثر الجدل حوله ، واشتد خصوصاً بعد سقوط نظام الطاغية ، ذلك الجدل بأبعاده التاريخية والسياسية وحتى الدينية . تكاثرت الاقلام التي تناولته بمديات واسعة ، شجعها تطور وسائل الاتصال من الإنترنيت والفضائيات والموبايل ، فكانت النتائج سلبية على العموم ، وعمقت الخلافات في وجهات النظر ، مما جعلتنا نعيش كل ٌ في وادٍ عميق ، لا يريد سماع الآخر ، او الجلوس معه ، بل ادى مهمة اخرى أشبهها بمن يحمل الحجارة الى الخط الفاصل ، ليلقيها على رؤوس قاطني الوادي المجاور . كان يفترض ان نستفيد من الامكانات التقنية وتواجدنا في بلدان ذات مناخات ثقافية واجتماعية متنوعة ، فتنعكس إيجابا ، لتزيد من لحمتنا وتجعلنا مجموعة متجانسة يربطها إرث حضاري ولغة عريقة . ولكن بدل كل ذلك شرع البعض الذي يعاني من نقص فكري ، وقلة ذوق واضح الى ان يرتقي منابرا ً ويمنح لنفسه مناصبا ، فاخذ يصرخ ويولول ، يزايد ويقلل ، يبرر ويعلل ، يتهم ويبرئ ، وبوتيرة ازدادت وتعمقت مع الزمن ، فبدلاً من ان ينصت لصوت العقل وينظر بمنظار مصلحة قومه التي في وحدتها وفي تكاتفها يكون بقائها ، هؤلاء المفتشون عن الأمجاد الزائفة عن طريق الاعلانات السريعة ، أضروا بقضيتنا كثيراً ، وحمدٌ لله انهم تعبوا ولم يتحملوا نتائج افعالهم ، فتوارى العديد منهم عن الانظار، فيما بقيت اقلية تمارس هوايتها في التصيد بذلك الماء الآسن الذي لا تخضر فيه حياة ! .
     من هذا الخضم يأتي مؤتمر عنكاوا كخطوة ايجابية على طريق الوصول الى اهداف قومنا ، في احقاق مطاليبه القومية إسوة بباقي مكونات الشعب العراقي . كانت التسمية باستمرار هي تلك القنبلة الموقوته في طريقنا ، وها ان المؤتمر قد استنتج كلمة وان كانت بديلة ،  لكنها ضرورية في هذا الوقت والتي هي ( سورايا – سوراي- سورث ) ، هذه الكلمات وان بدت غريبة وثقيلة على الاقوام والشعوب المجاورة ، لكن بمرور الزمن اعتقد انهم سيتآلفوا معها ،  فتصبح قوة مادية تفرض هيبتها واحترامها على الجميع . لأسوق مثالا ً : ( الأيزيدي ) تلك الكلمة التي سادت مؤخرا لإبعاد كلمة اليزيدي من التداول والتي يفسرها الكثيرون خطأ بانهم اتباع يزيد بن معاوية الاموي . فيما تفسر أيزيد بمعنى كلمة الله جل جلاله ، والبعض ينسبها الى مدينة  يزدان الايرانية التي نشأت فيها الديانة الزرادشتية قبل حوالي 2500 عام .
     كانت كلمة ( سوراي ) ذات مدلول قومي ، ولكن بفعل الاضطهاد المزمن وانعكاف ذلك القوم العريق حول كنائسه بعد ميلاد المسيحية اتخذت مدلول ديني ، ايضا بعد ازدهار منطقتنا واستقرارها الفكري والثقافي سترجع كلمة سوراي الى تاثيرها القومي ، ربما يتطلب ذلك مديد من الزمن ومزيد من الصبر .
     في حقب التاريخ المختلفة سُمينا بأسماء لها وقع طيب في نفوسنا فنجلها على الدوام ، منها الاكدي والسومري والاشوري والكلداني والسرياني ..الخ بمدلولها الإثني والمعتقدي ، تبقى هذه الاسماء مرتبطة بنا في اماكن تواجدنا وفي محيط اسرنا وفي اروقة كنائسنا ، لكننا نشرع بتعويد انفسنا على كلمة ( سوراي ) الجامعة والوطن القديم ( بيث نهرين ) والتسمية الوطنية الحديثة ب ( العراق ) والمنطقة الشمالية ب ( كردستان ) كواقع الحال يفرض نفسه اليوم بقوة ، على الجميع الاعتراف به واحترامه ، مع الاعتقاد السائد بان الظروف تشير الى نشوء كردستان الكبرى الممتدة في تركيا وايران وسوريا ، وغالبية قومنا وقرانا ومصالحنا المادية والقومية والدينية ضمنها ، فلنكن ضمن هذا الواقع الموضوعي ولنبني خططنا المقبلة على هذا الاساس لا ان تراودنا الاحلام غير القابلة للتحقيق والمربكة والمعيقة للتطور الطبيعي لأجيالنا . اذا احسنا قراءة الواقع سيكون لنا مناطقنا واماكن ازدهارنا التي سيفرضها الواقع الجديد ، دون اضاعة الوقت في طلبها في الظروف المعقدة السائدة اليوم ، فلننتظر وننظم انفسنا ونوحد موقفنا ونرتب بيتنا القومي ، فكل القرائن تشير الى قرب تحقيق آمالنا ، علينا التفاؤل والنظر بثقة وثبات الى المستقبل الواعد ، ان الصورة اليوم قاتمة لكنها ستتغير مع الزمن ومع الصبر وقليل من التضحية ، فالى ذلك اليوم نغذي السير .
     ان مؤتمر عنكاوا الشعبي لن يكون الخاتمة بل ستعقبه مؤتمرات اخرى جديدة ، تضاف الى المؤتمرات السابقة ، كلها لم ولن تمتلك العصا السحرية التي تتوصل الى كل شيء وترضي الجميع في كل شيء ، كما انها لا تحسم الجدل الحالي ولكنها تحصيل حاصل ونيجة للمرحلة الصعبة التي يمر بها الوطن ، فبعد اختراق سفينته عباب البحر المتلاطم ستجنح في الاخير الى شاطئ الامان ، فتنهض الدولة العراقية ، ويترسخ الدستور العلماني ، وستتطور مفاهيمنا القومية اكثر ليصبح واقعنا المقبل باذن الله هو الاستقرار الفكري والرخاء المادي .
     ما الذي يمنع تقرب التجمعات والاحزاب وممثلي الكنائس المختلفة من خيمة المؤتمر وافكاره وتصوراته التي خرج منها بهدف تصويب ما وقع في من قصور او نسيان او حتى الأخطاء ، اتمنى من هؤلاء بل اترجاهم ان لا يحملوا المعاول في توجههم صوبه بل ان يحملوا في ايديهم باقات الزهور ، ولترتسم على شفاههم ابتسامات الحياة والحرية.
    اخاطب ابناء قومي من منفاي وعيوني ترنوا الى الوطن الذي آمل ان يضمني يوماً الى احضانه في حياتي او مماتي ، اخاطب اهلي المشتتين في الاقاصي بان يضعوا حدا لخلافاتهم . تناولوا تجربة اكراد العراق كيف اصطدمت فصائلهم السياسة وكيف نبذت الخلافات ، فازدهرت مناطقهم واصبحوا تجربة ديمقراطية تشع في المنطقة وتفرض احترامها المبني على رفاهها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي . انصتوا الى نداء القلب ورجاحة الفكر، وضعوا امالكم في وحدتكم وتكاتفكم في تجاوز الامور الثانوية ، والمصالح الضيقة ، التي لم تنفعنا طوال سنوات الجدل العقيم . امالنا المقبلات تتوقف على جانب له اهمية قصوى ، الا وهو وضع العراق العام ، فالمعادلة الرئيسية وميزان الاحداث ، سيعتمد على نتائج الصراع بين قوى الخير والحرية ، وبين قوى الظلام والعبودية ، لنكن وضمن امكاناتنا وقابلياتنا قريبين من تلك المعادلة ، واضعف الايمان بقلوبنا وتضامننا ، علينا بتحليل وفك رموز تلك المعادلة لاستقراء الاحداث ومعرفة اتجاه الرياح ، لا ان تاخذنا على حين غرة وتفاجئنا ، وبالتالي نجلس على الاطلال نبكي ونندب حظنا ، علينا ان نرتقي وفي الاساس ان نسموا فوق خلافاتنا ، ثم نشد اواصر اللحمة مع مكونات الشعب العراقي ، الذي يرى فينا ، اناسا مخلصين لوطنهم اينما حلوا ، ولنا في نظرهم مكاننا في التاريخ ، الا سألنا انفسنا يوما ، لماذا لا يعير الاعلام العالمي لنا انتباه ، بتقديري ناتج عن خلافاتكم وحملات التشهير اذا لم نقل السباب التي ينتهجها البعض ، اضافة الى الذاتية ومرض حب الظهور التي يقتنصها البعض فرصة ليغطي نواقصه ، صدقوني لو توحدتم ، ولو عزلتم تلك الاقلام المفرقة ، التي تابي الكتابة الا في الاحادية والطائفية ، سيكون العالم معكم ، والاعلام منصف لكم ، ومراكز القرار الوطني والاقليمي والعالمي في نيل مطالبكم ، وتثبيت حقوقكم ، والدفاع عنكم عندما تتعرضون للمحن .
      يكتسب مؤتمر عنكاوا اهميته من التحضير الذي سبقه ، والتغطية الاعلامية التي واكبت جلساته ، والنتائج التي تمخض عنها ، والاهم من كل ذلك اللجان التي تشكلت والتي اذا اكتمل نصابها ، وسادت روح الجدية والعمل المخلص ، ستكون في المستقبل القريب نواة مجلس نواب الظل لقومنا ، مجلس ( دوما ) صغير يتناسب مع عددنا ، وسيكون لذلك المجلس مكانة مناسبة ، ترفع ارادة وتوصيات قومنا الى الجهات المختلفة ، من الحكومة المركزية ، الى حكومة اقليم كردستان ، الى الاحزاب الوطنية ، الى الحكومات الاجنبية وقنوات الاعلام .       
     ليكن طريقنا الجديد الذي ارساه مؤتمر عنكاوا يستوعب خطواتنا الواثقة الى المستقبل ، ولنبارك كل جهد يصب في الهدف ، ولنستوعب القيادات الفتية التي يفرزها الطريق بالحفاوة والاحترام ، ولتقترب تنوعاتنا السياسية والكنسية من ثوابتنا القومية ، ليكن تنافسنا بهدف الارتقاء فلا تطور الا بالتنافس الحر والتنوع الثقافي والاجتماعي والسياسي ، لتكن منافستنا الكبرى في ما نقدمه لقومنا في مدن الصراع الدموي في بغداد وكركوك والبصرة والموصل وغيرهما ، في اوضاع اللاجئين والمعذبين في الداخل والخارج ، لتكن منافساتنا في تطوير لغتنا واحياء طقوسنا ، وتطوير عاداتنا وتقاليدنا بما يتلائم مع القرن الحادي والعشرين ، ذلك هو طريقنا واليه نرفع رؤوسنا ونمد أيدينا لنحيي كل من يوسع خطاه في السير عليه ، حتى بلوغ اهدافنا في الحرية والازدهار .



ما كتبته في المؤتمر الاول، امام اختبار الزمن.

120
أوباما جدير بجائزة نوبل
 نبيل يونس دمان
     في الوقت الذي فاجأنا خبر، نيل الرئيس الاميركي باراك اوباما، لجائزة عالمية رفيعة، فقد افرحنا اكثر، كون الرئيس الحالي، يشار له بالبنان، وهو موضع اختبار التاريخ، فقد قبل التحديات الكبيرة، التي تواجه كوكبنا، منها ترسانة السلاح النووي، وظاهرة الاحتباس المناخي، التي تبدو اخطارها جدية، على مدى العقود القادمة، اضافة الى الزلزال الاقتصادي الشديد، وازمته التي تفاقمت منذ عام او اكثر، ولا زالت تضرب اطنابها، في نواح شتى من المعمورة.
     اذن يمكن الاستنتاج السريع، بان لجنة جائزة نوبل الذكية، قد حمّلت الرئيس اوباما أعباء اضافية، عليه النهوض بها. لا اعتقد ان الرجل تنقصه، الفلسفة الضرورية، والنظرة البعيدة، بقدر ما هو بحاجة الى الاسناد من الرأي العام الاميركي ومجلس النواب( الكونغرس) قد لا يكفي تشخيص الرئيس الصائب لمتطلبات العصر، بل يحتاج الى قوة اقناع متزايدة لاعضاء المجلس الآنف الذكر، وقبل ذلك عليه ان يختار من سلسلة المهام، حلقاتها الاضعف، ليتسنى له سحبها بالكامل، كما يبدوا لي على مدى الثمان سنوات، التي اتوقع ان يمضيها رئيساً متميزا للولايات المتحدة. ان اوباما ظاهرة جديدة في الحياة الاميركية ومن كل النواحي: المنشأ، سرعة الصعود، الى جرأته في تحمل مسؤولية الاوضاع الاستثنائية، التي تمر بها اميركا منذ قرابة العقد من الزمان، وتحديدا منذ احداث ايلول 2001.
     يتزايد اعجابنا باوباما ويشتد تأييدنا له بمرور الوقت، فهو يسعى الى اعادة ثقة العالم وشعوبه بالدور الذي تمثله اميركا في موقعها الصناعي والعسكري، الشعوب تحتاج الى من يتعاون معها، لا من يترفع عليها، فمن يشأ تعليم الشعوب، عليه دراسة تجربة الاخ الاكبر، وطموحه الوصول الى المياه الدافئة، وفي اول اختبار له في افغانستان، كان الفشل في انتظاره، وليكن احد الاسباب الرئيسية، في اختفاء امبراطوريته، التي تجاوزت السبعين عاماً. ان نهج التعالي والاستاذية، قد اثبت الزمن خطأه مراراً، فكم من امبراطور لعبت بمخيلته، اهواء التفوق والغطرسة والشغف بالقوة، واراد ان يسود، لكنه اصطدم بواقع ارادة الشعوب، فتكسرت هيبته وتلاشت احلامه، كم هو سهل بلوغ الدكتاتورية، ولكن ليس ثمة طريق للنزول منها.
        اذن لا يمكن ان يقود العالم ربان واحد، او نمط حكم واحد، او دولة مهما بلغت من الجبروت والقوة وحتى الافكار، على اية دولة تتفوق في التقنية والبناء والادارة والقانون ان تتواضع وتشارك الاخرين امكاناتهم الخاصة، على هذا الاساس تصبح الدبلوماسية فاعلة ونشطة بين الدول، وبالتالي تنعكس فائدتها لتكريس الديمقراطية في الكثير من البلدان المتعطشة لها، وفي المقدمة الشرق الاوسط، الذي سيتحول الى منطقة سلام واستقرار، بعد حل معضلة الصراع العربي الاسرائيلي.
     اننا بوضعنا البسيط، نلوح للرئيس اوباما، وهو يتوجه الى عاصمة النرويج في ديسمبر القادم، لاستلام جائزته التي تبرع بأموالها الى المنظمات الخيرية.
حيّا الله الرئيس باراك حسين اوباما.




121
حكم القدر يغيب الأب د. يوسف حبّي
نبيل يونس دمان 
 
       أسماء عديدة ووجوه مختلفة تدور مع عجلة الحياة على هذه البسيطة ، دون ان تترك اثرا ً ، حيث تأتي بهدوء وتمضي بهدوء ، فتلك سمة غالبية الخلق .... ولكن هناك اقلية منهم لها مسارها الخاص في نفس عجلة الحياة ، تاركة بصماتها على واجهة الزمن وأسفار التأريخ ، بارزة مضيئة من نواحٍ عدة ، وقد كلـّفها ذلك جهودا ً مضنية ، وطاقات كبيرة ، للوصول الى ذلك الموقع ، التي ستظل أجيال واجيال من بني البشر ، تذكر ذلك الاسم المتميز ، وتتخذه نبراسا ً لها ، ومرجعا ً في حياتها ، وقوة دفع متجددة لعملية التطور الفكري- الاجتماعي .
      هذه مقدمة للتعريف بكائن من ذلك النمط الخاص ، فذ في تفكيره ، قويم في سلوكه ، ماض ٍ في إقدامه ، ذلك هو الفقيد الاب يوسف حبي . للاسف الشديد لم يساعده الحظ في مواصلة عطائه الزاخر ، إذ توقفت تلك الحياة النابضة بالابداع ، في لحظة خاطفة من الزمن وهو في قمة الابداع ، حيث مداده الفكري لم يجف ، والقلم يرعف ويهتز في يده الخضراء .
      لعل ما تناوله الفقيد في آخر ندوة له في مهرجان نوهدرا الثقافي السادس بدهوك آب 2000 بعنوان " اهمية التعددية ، العرقية ، والاثنية ، والعقائدية ، واهمية الالوان لتكتمل لوحة الانسان ، وهو قبول الآخر كما هو لا كما نريد " من ابلغ الدلائل على عمق تفكيره ، وهو بحق ناقوس العصر، بل اكسير الحياة في زمننا الحاضر.
     عرفت الاب الدكتور لعدة سنوات من بداية السبعينات في ندوة الايمان بالموصل التي كان يشرف عليها الاب بطرس متي ، والاب يوسف حبي ، والاب ( المطران حاليا ) جاك اسحق ، الى جانب نخبة ممتازة من الطلبة ذوي القابليات والمواهب المتعددة ، حيث كانوا يبذلون الجهود في جمعنا نحن مسيحيي جامعة الموصل ، من مختلف الطوائف : آثوريين ، كلدان ، سريان ، ومن مختلف مدن العراق وضواحيها : نينوى ، بغداد ، كركوك ، دهوك ، اربيل ، البصرة ، والرمادي .

      كانت ندوة الايمان لكنيسة المشرق ، نقلة نوعية وحضارية في حياتنا نحن القادمين الجدد الى الجامعة ومحيطها الغريب ، خصوصا ً من القرى والارياف التي لم تكن تتوفر فيها مستلزمات الحياة الحديثة ، كنا نلتقي تحت سقف واحد في قاعة كنيسة ام المعونة بالدواسة مع اللجنة المشرفة وبحضور الآباء الكهنة ، في حفلة تعارف رائعة شعارها " إبتعدتم عن اهلكم ، واقتربتم من اصدقائكم " كم كانت تلك الكلمات البسيطة تشد ازرنا ونحن نترك لاول مرة بيئتنا الأسرية المتماسكة ، الى البيئة الاكبر والارقى وهي الجامعة ، التي في نهاية دورتها ، ركبنا موجة الحياة المتلاطمة ، وخضنا غمارها حتى اليوم ، بقوة المثل ونضوج الحكمة التي ألهمنا بها فقيد المعرفة الأب يوسف وزملاؤه .
      رحمك الله ايها الكاهن الانسان ، ستمجد ذكراك في الارض على الدوام ، وسوف يزين صفحات التاريخ الحديث اسمك المطرز بالوان الحياة وأنجم سماء الرافدين ، وا .... أسفاه لفراقك وفقدانك فامثالك قليلون وتعويضك شبه مستحيل .nabeeldamman@hotmail.com

122
شكر وتقدير
الى كل الاصدقاء والاقرباء الاحبة
     بمناسبة خروجي من المستشفى يوم امس، اتوجه بالشكر والتقدير الى كل من زارني او اتصل او استفسر عن صحتي، طيلة ايام مكوثي فيها واجراء العملية الجراحية الناجحة، لقد كان لحضوركم، شعوركم، ومحبتكم الاثر الكبير في سرعة شفائي وخروجي منها الى البيت.
    مرة اخرى اشكركم جميعاً، متمنياً لكم دوام الصحة والعافية، ودمتم بالف خير.
ادور حبيب ابونا
( ابو هاني)
سان دييغو
8- 10- 2009

123
خالتي وكارثة بحر أيجة

نبيل يونس دمان

     مصاب جلل اصابني، جاء خبره دون انذار، داهمني دون ميعاد، لقد اشرق نهار الاحد المصادف 16- آب- 2009 بشكل عادي على قاطني كوكبنا، ولم يدر بخلد احد انه يحمل شراً لعائلة اسحق دانيال، لقد تعرض افراد تلك العائلة الى حادث طريق مأساوي بين سميل- وزاخو راحت ضحيته خالتي ودي كوريال اودو. ان رافد اهلي في الوطن راح ينضب مع مرور السنوات العجاف، حتى اصبحوا على عدد اصابع اليد، آه كم كان العيش رغدا حين اهلي اجمعين، لم تفرقهم الاهوال، الى مجاهل الدنيا التي سوف تصهرهم، في محيطها القوي الجارف.
    في ذلك النهار المشؤوم تخلصت خالتي ودي من عذابات لازمتها طويلا ً، فنزعت صَدَفة حزنها الارضي لتلبس الضياء الى حيث الذي- ليس لملكه انقضاء- . في شباط 1963 اعتقل اخواها جمال وجلال فاخذت على عاتقها مسؤولية الاسرة، وراحت تزورهم في معتقلهم( خلف السدة) السيء الصيت، متحملة اهانات الحرس، ولتخفف عنهم وطأة السجن.
    في عام 1967 تزوجت اسحق دانيال الذي لا استطيع ايفاء حقه من الخلق الحسن والطيبة والكرم، ففي اوائل حياتهم الزوجية عاشوا في فقر مادي ولكن في غِنى روحي، لم يتذمروا ولم يشتكوا في مسكنهم الطيني وفي افقر احياء بغداد( الحبيبية) بجوار الاطياف المختلفة من شرائح الشعب العراقي وفي مقدمتهم الارمن الطيبين الذين ارتبطت عائلة خالتي باشد اواصر الصداقة معهم ولم تنقطع حتى مع حلول عصر الارهاب والمفخخات الطائشة، ومن ثم مغادرتهم بغداد الى اقليم كردستان ومع الارمن ثانية في قريتهم هوريسك قرب سميل.
     خالتي الراحلة كانت لها موقف انسانية مشرفة مع الجميع ولا اذهب بعيدا ً، ولانطلق من نفسي فما اكثر المواقف الصعبة في حياتي وقفت فيها معي، فعند اعتلال صحتي عام 1972- 1973 كانت خير سند لي، وبذلك اسهمت في اعادة الثقة الى نفسي لاكمل مشوار حياتي. وحين سقتُ الى العسكرة الاجبارية عام 1976 بعد انهائي الدراسة الجامعية، ساعدتني ايضا في توفير غرفة سكنية في حي الاورفلية، وفي تشجيعي في مواجهة استدعاءات دائرة التوجيه السياسي في معسكر تاجي. لما زارني الوالدين عام 1990 في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مجازفين بحياتهم، وبعد حوالي اسبوعين، ودعتهم في مطار عدن، ثم داهمني القلق من جانب النظام الدكتاتوري الذي كان قاسيا وشديدا في مثل تلك الحالات، فكان اتصالي الاول مع الوطن من خلال خالتي لأسال عنهم، فكان جوابها اللطيف المطمأن قد اعاد السرور النسبي الى نفسي. آخر لقاء لي مع خالتي كان عام 2002 في دهوك، عندما وفر لي الزمن فرصة زيارة اقليم كردستان، المتمتع آنذاك بالحماية الدولية.
     هكذا رحلت الطيبة ودي، تاركة ما تبقى من عائلتها في حيرة ودهشة، فابنتها لينا اصاباتها خطيرة جراء الحادث، واولادها ميلاد وسلام تعلق مشروع زواجهما.....
     ان موت خالتي مرتبط بشكل لا انفصام له مع حادث فقدان ولديها الشابين ليث وهيثم، فقد غرق الزورق الذي كان يقلـّهم من تركيا الى اليونان يوم 13- 14 ايلول من عام 1992، حدثني الناجي الوحيد( بشار هومو) بالقول: ان الاخوين كانا يصليان عندما شرع الزورق بالابحار وعند اشتداد الخطر رأيتهما حاضنين احدهما الاخر.... .  خفق قلبي يومها عند سماعي غرق زورق المهاجرين من اذاعة لندن، بعد ايام قليلة اتضحت تفاصيل الكارثة، فهرع المطران الجليل ابراهيم ابراهيم مسرعا الى تركيا للمساعدة.
ضوت أجسادهم بحر أيجة *

قناديلٌ باحجام ٍ مُتباينة
 أنارَتْ اعماقِك المُظلمة
فبعضها حَط َّ على الشُطآن ِ
 والاخر في جوفِك الجوعان ِ
 والاخير في طـَيِّ الكـُتمان ِ
××××××××
يا بَحرَ أغسِلْ اجسادَهم
 طهِّرْ ذنوبَهم
ايها الجبّار، المُهيب، المُرعِب، القـَهّار
عِبركَ السلام الى ارواحِهم
 وصبراً للسُقـْم ِ والجـِياع ِ مِن اهلِهم
××××××××
عِبرَ موجـِك َ الصاخِبُ
وماءُك الرَقراقُ
اقول يا بحرَ
ان تحتـَكَ الزورقُ
 فوقـَكَ الخالقُ
 ودونكَ العِراقُ !
قائمة بأسماء ضحايا بحر أيجة **
1- ليث اسحق دانيال .
2- هيثم اسحق دانيال.
3- صليو حنا بتو سامانو.
4- فريدة ايشو شمعون.
5- منال صليو سامانو.
6- منار صليو سامانو.
7- ماهر صليو سامانو.
8- وردة حنا ككي.
9- سميرة توما.
10- الينا وردة ككي.
11- مريم وردة ككي.
12- امير توما.
13- اميرة فرجو.
14- ايفل امير.
15- بطرس توما منصور.
16- دريد بطرس توما.
17- بطرس زيا يوسف.
18- يونية كوريال سيفو.
19- لندا بطرس زيا.
20- سلام بطرس زيا.
21- وسام بطرس زيا.
22- بسام بطرس زيا.
23- ولسن عوديشو هاويل.
24- جونسون عوديشو هاويل.
25- رائد عابد يونس ختي.
26- لبيب كريم قس يونان.
27- نادر رحيم كردي ديشا.
 28- نشوان سعيد هومو.
29- ماهر حميد حناني غزالة.
30- باسم .......
31- اياد كمال عبد الاحد.
      في مراسم وداع أليمة، ووريت الثرى في مقبرة ابائها واجدادها في القوش، وفي الاحد الاول لرحيلها وقفت في وجه حزين، استقبل جموع المعزين. ستبقى في ذاكرتي، وذاكرة أمي العزيزة گرجية، وكل اهلها ومن عرفها. لتخلد الى نومها الابدي براحة وسلام.
الهوامش
 * ديترويت في 28/ 9/ 1992. 
** نـَشَرت القائمة، جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقيـة، في عددها المرقم 99 - تشرين الاول 1992 - الصادر في ديترويت.
nabeeldamman@hotmail.com
September 17, 2009

124
التعازي / رحيل ودي كوريا اودو
« في: 10:32 18/09/2009  »
رحيل ودي كوريا اودو
في حادث طريق مؤسف وقع يوم الاحد المصادف 16 آب بين سميل وزاخو توفيت المأسوفة عليها ودي كوريا اسطيفو اودو. سيوارى جثمانها الثرى يوم الثلاثاء 18 آب الجاري في مقبرة ابائها واجدادها في القوش.
ستقام تعزية على روحها في مشيكان، يوم الجمعة القادم من الساعة 5- 8 في قاعة بيللا على تقاطع شارع راين مع الميل 14.
كما وستقام تعزية اخرى في سان دييغو، يوم الاحد القادم في قاعة كنيسة مار ميخا في الكاهون ومن الساعة 12 ظهرا وحتى الرابعة.
الفقيدة في سطور:
- من مواليد القوش 1942.
- زوجة اسحق دانيال.
- ام المرحومين ليث وهيثم( ماتا غرقا في بحر أيجة عام 1992)، ميلاد، سلام، جينا ولينا.
- اخت المرحوم بولص، والمرحوم جلال، جمال، يونس، عزيز، فضيلة، جميلة، و كرجية.
تغمدها الله بوافر رحمته، وألهم اهلها وذويها الصبر والسلوان.

125
بعض المهارات الفردية في القوش

نبيل يونس دمان
     لا يستطيع احد تحديد زمن سكن عوائل من البلدة في الموصل، اذ ربما العملية متواصلة في التاريخ، فتارة منها وتارة اليها، حسب الظروف الاقتصادية والامنية السائدة، على اية حال نتحدث قليلاً عن الفترة التي سبقت احداث الشواف في الموصل سنة 1959 وما اعقبها من موجة اغتيالات عنيفة، ادت بالكثير من الاهالي للرجوع الى القوش او الهجرة الى بغداد خصوصا بعد استشهاد الشاب جميل الياس خوشو. قبل ذلك كان عدد من اولاد تلك الاسر، يتحدون الاخرين في الصعود الى اعلى نقطة في جسر نينوى الحديدي الذي يربط محلة الفيصلية بالبلدية، فوق تلك الاعمدة يؤدون بعض التمارين البهلوانية حتى يختل توازنهم، فيقذفون باجسادهم كالأسهم في خضم نهر دجلة، وبعد قليل تلمع اجسادهم فوق مياهه الصاخبة، يؤكد شهود عيان بانه نادراً ما غلبهم احد في تلك التمارين الخطرة، ومن الثابت في تلك الفترة غرق عدد من الصبية كل صيف، بسبب خطورة السباحة في بعض الاماكن التي يدور الماء فيها دائريا وبقوة فمن قاده حظه العاثر اليها اصبح في عداد الغرقى.
     من الاسماء التي تحضرني في المهارة والجرأة:
اسطيفان( تيفو) متي ككا:
     في عام 1967 كان مهندس باكستاني الجنسية ومعه مقاول من بلدة عقرة مكلفين بنصب اعمدة الكهرباء في ازقة القوش ولاول مرة في تأريخها، عمل معهم عدد من عمال البلدة، في تلك المهمة يتم انجاز حفرة بعمق محدد، ثم يأتى بعمود فولاذي طويل، ذو قاعدة كونكريتية ثقيلة، وباستخدام حبال متينة وطويلة وفي ثلاثة اتجاهات او اكثر، يسحبون العمود الى الحفرة المهيئة ثم يردم بشكل جيد ومحكم، عندها تبدأ مهمة العامل( تيفو) حيث يتسلق العمود بمهارة فائقة لتمرير عدد من الاسلاك( في حدود ثلاثة او اربعة) حول بكرات مثبتة مسبقاً، وهكذا في ظرف عدة اشهر انجز تيفو كامل المهمة.
ادور حنا شهارا( تيكا):
     في بداية الستينات كان يجيد بعض الاعمال السريعة والخفيفة التي تجلب انتباهنا، منها لعبة( حجي بريق) التي كانت عبارة عن قلة ماء فارغة( شربة) لها غطاء اسطواني. يضع عملة نقدية فوق الغطاء وبضربة سريعة وفنية، يبتعد الغطاء، فيما تسقط العملة في داخل القلة، فاذا اخطأ( نادرا ما كان يخطأ) يدفع لك بقدر العملة خمس مرات مثلاً. في بعض الاحيان كان يوهم بعضنا بإدخال ابرة خياطة في جبهته، ليخرجها من الجهة الخلفية لرأسه، كان يعمل ذلك بخفة متناهية، شادا عصابة حول رأسه وكأنه من السحرة( خرشدار). في الفترة الاولى لثورة تموز كان يقف على علبتين معدنيتين( زبيدة او الراعي مثلا) مربوطتين باسفل حذائه ويمشي في الشوارع المبلطة حديثا، بعد ان يرتدي كيس من اكياس السمنت، تتبعه مجموعة من الصبية يرتدون الزي نفسه ولهم قبعات ورقية موحدة وكانهم فصيل عسكري، كانوا يجمعون اكياس السمنت الفارغة من بيدر بيت عربو( الكراج الحالي) الواقع تحت قصر بيت الياس بولا التي كانت فيها مواد تبليط الشوارع العائدة الى مقاول موصلي اسمه مصباح من بيت الاغا، كان ادور في تلك الهيئة يبدو فارعا في الطول يتعجب المارة من فكرته تلك، بعد عشرات السنين وفي احد السيركات شاهدت فتية من بلجيكا وهم قد اطالوا ارجلهم بافكار مماثلة ليزداد طولهم نحو ثلاثة امتار.
جميل بطرس قيا:
     في فترة الستينات ايضاً كان جميل يسبق جميع الصبية في القفز فوق نار عيد الصليب( شيرا دصليوا) عند خزان الماء لسنوات متتالية، غير مكترث بوقوع فردة حذائه في النار، او تحمله لسعات لهيبها المنبعث، بعد ان يطلق قسيس البلدة الشرارة الاولى فيها، كان ذلك منظرا خلاباً يجذب المئات من اهالي البلدة ومن كلا الجنسين، في الاسبوع الثاني من ايلول كل عام.
صباح هرمز شميكا:
     كان يقف عند مسطح( خبرا) ماء محلة اودو، او في مرتفع( شويثد كناوه) فيقذف غطاء علبة الدهن المستدير بقوة عضلية وبفن متقن ليقطع مسافات، متمايلاً ومتماوجاً مع تيارات الهواء ليصل مسافات نحسده عليها فلا احد يسبقه فيها، احيانا كانت تسقط في وسط( قصيله) بيت دمان او تتجاوزه! ومعلوم ان شقيقه الاكبر حميد( حمو) كان رامي رمح متفوق في الرياضة المدرسية.
امجد جرجيس خندي:
     وعلى نفس طريقة صباح شميكا، ولكن باستخدام احجار مسطحة ينتقيها بعناية وربما يحتفظ بالعديد منها في جيوبه، وفي الوقت المناسب يرميها لتصل مسافات طويلة وسط اعجابنا. اذا لم تخني ذاكرتي رأيته بعيني وانا واقف على سطح بيت عبدالاحد عوديش، رمى حجرا من ارض( بيدر) بيت صادق بلو الذي بني فوقها ظلما مقر حزب البعث البائد، اطلق امجد صخرته المختارة بعناية، وكادت تصيب ميخا ابن البيت لولا تنحيه جانباً.
سعيد بيبو كولا:
     كان يمتطي حمارا او حصانا او بغلا، دون واقي ظهر( بردع) ويقوده ليجري بسرعة ويقوم باجراء تمارين فوقه، احيانا يدور دورة كاملة حول بطن المطي، في بعص الاحيان يسقطه ارضا فينهض ويركض خلفه ليعاود الصعود على متنه، وهكذا. يروى والعهدة للرواة بان حنا بيبي كوزا كان يمتلك ذات اللياقة في الفروسية ان لم يكن اكثر، فلكل جيل هناك افراد يبرزون في مجال من المجالات او اكثر.
حبيب كجوجا: 
     في نهاية الاربعينات من القرن الماضي كان مسجونا في احد سجون الموصل، بعد مدة من مكوثه ولتكرار سجنه، فقد خطرت على باله فكرة فتح نفق تحت السجن. في غفلة من السجانين انكب يعمل بسرعة يعاونه بعض اقرب السجناء اليه واكثرهم حزماً، لاشهر تكللت عمليته بالنجاح فهرب الى خارج المعتقل ومعه مجموعة من السجناء، علما بان تلك العملية المجهدة والخطرة، نادرة النجاح في سجون العراق.
سليمان( سلو) يونس ختي:
     حصل بينه وبين احد الفرسان( جتا) خلاف في سوق البلدة، فرفع ذلك الشخص سلاح كلاشنكوف الى الاعلى، وضرب به سليمان الذي تقبل الضربة في كفه، مما ادى الى انكسار اخمص البندقية الآلية، وسط ذهول شهود عيان على الحادث، كان ذلك في حدود سنة 1969.
شمعون ميخا الصفار:
     كان بارعا منذ صغره في خفة جسمه وحركته اضافة الى تفوقه على غيره في اصطياد عدد اكبر من الطيور باستخدام المصيادة اليدوية( جطل). اما انواع الصيد الاخرى فعرف الكثيرين بقدرتم وفنهم في الصيد خصوصا خالد متي جما الذي كان احيانا يكمن في وادي( نيرد ايوي) العميق ليصطاد الوعول الجبلية، اضافة الى المعلم صادق جهوري وميخا يوسف كرستو( كزيرايا).
سعيد( يعّا) اوراها دمان:
     كان في نهاية الاربعينات يضع عدد من اثمار الباقلاء الجافة بين اسنانه ويكسرها جميعها، اما ابن عمه الاخر سليمان اسحق( جد جميل رئيس) فكانت اسنانه قوية ايضاً، تروي حبي يوسف مدالو( تولد 1922) كيف تجمع الناس شرق البلدة ليشاهوا سليمان ينزل الى احدى الابار ومعه زير( تلما) وبعد فترة صعد من اسفل البئر الى اعلاها وهو ممسك بقوة اسنانه زير الماء، فصفق الحاضرون له.
ياقو ميخا برنو( 1885- 1956) :
     كان في كل عيد الدنح( بي دنخِه) الذي يصادف اواسط الشتاء في البلدة( شهر كانون الثاني) ينزل ويسبح في عين ماء محلة قاشا، ثم يخرج وجسمه يرتجف من البرد ليقول لمن يشاهده بانه فعل ذلك تيمناً بذكرى عماد المسيح له المجد.
بكو ابونا:
     عمل في بريد تلكيف لاكثر من عشرين عاما كان يشتهر بل ويتفوق في قوة بديهته وروح الفكاهة التي تلازمه. يروى ان امراة من بلدة تلكيف اوعدته بهدية محترمة حال ابلاغها بوصول برقية تبشر ببكر لولدها في اميركا، وهكذا في يوم ممطر قطع المسافة الى بيتها في الطرف الاخر بسرعة وعلى امل الحصول على الهدية الموعودة. طرق الباب بشدة ولم يرد احد عليه وصاح باعلى صوته " يا امراة البرقية وصلت وفيها البشرى" عندها اخرجت المراة رأسها من كوة في الطابق الاعلى وصاحت وهي تضرب راسها نادبة قائلة" يا حظّي ان ولادته غير كاملة" فاجابها" ماذا تريدين، هل اذهب  واكمله!! " مدركاً انها تتهرب من نقده، وابتعد عن البيت نحو دائرة البريد خائباً، متعباً، وغاضبا.
بهجت عيسى ملو:
     كان يعمل سائقا في مشروع عمادية- بالندة- قادرية صيف عام 1978. في باب كلي بالندة يجري احد روافد الزاب المسمى محليا( ريشين) بسرعة كبيرة وتبلغ درجة حرارته في اوج الصيف قرابة الصفر المئوي، لذلك ليس من السهل السباحة فيه، وفي بعض الاماكن لا تقوى قدما الانسان على حمله من شدة التيار. هناك في ذلك المجرى القريب من قرية سوري( سيريا) والعريض نسبيا كان احد معاوني سواق ماكنة التحميل( الشوفل) نوع كوماتسو S- 65 زنجيل يتدرب على تلك الماكنة واسمه سيف الملوك من عشيرة الريكاني ويسكن على مقربة من المشروع.
     في غياب مؤقت لسائق الماكنة صعد سيف الملوك فوقها، واقترب من حافة ريشين بغية دفع بعض المواد الغرينية النظيفة وتجميعها لغرض نقلها في قلابات حمل نوع اسكانيا 111 ومارسيدس( نوع اقجم او إلبي) وفيما هو على تلك الضفة وبعض زنجيل الشوفل يمس الماء حرك عتلة التروسات( الكير) باتجاه خاطئ وضغط بقوة على دعاسة الوقود مما ادى الى انحدار الشوفل بسرعة الى عرض المجرى، ولم ير سيف الملوك نفسه الا مغمورا في الماء المثلج فترك الماكنة حالا ونجا بنفسه فيما توارى الشفل عن الانظار. جاء يبلغ ادارة المشروع بفقدان الشفل حقق معه المهندس عمر بادي وانا اسمع ما يدور من حديث وكنت متمكن قليلا من اللغة الكردية فرايت استاذ عمر يضحك بشدة فقلت ما الامر اجاب بان سيف الملوك يقول ليس فقط الشفل الذي اختفى بل حذائي( سيدا بيلافيمن جي...) اختفى مع الشفل ايضا. بقينا اياما نحاول العثور عليه لكن دون نتيجة، في تلك المنطقة الذي كما قلنا يعرض النهر، جئنا بعوامات من اطارات المكائن الكبيرة وربطنا فوقها شبكة من الالواح الخشبية التي صنعها نجاروا المشروع وتعاون الجميع من ضلاعين وسباحين ، وقد لعب اللحام الموصلي( محمد) دورا متميزا والرجل بطبيعته مبتكر ومحبوب من هيئة المشروع، فكانت الشواخص التي يلحمها ببعضها ويغير نهاياتها التي تمس اعماق الماء، كان السباحون المعروفين في المنطقة والذين قضوا حياتهم بجانب ذلك النهر المتمرد يعتلون ذلك المركب الخشبي المصنوع وايديهم تمسك بالشواخص ويمضوا ساعات دون العثور على الشفل وكأن قوة انتشلته واخفته الى الابد. في الايام التالية اقبل مدير طرق دهوك الاستاذ عادل صديق( تركماني من كركوك) ومعه معاونه الشيخ مأمون نور محمد البرفكاني، ولكن كل الجهود باءت بالفشل، وصار للمنشاة العامة للطرق والجسور التي مقرها في كركوك علم بالموضوع حيث ظل مديرها الاستاذ عبد المجيد خضر( من اهالي الموصل، خطفته الطائرات السمتية الايرانية لاحقا من مشاريع شرق البصرة) يتابع الموضوع عن طريق البرقيات والتلفونات مع بدالة طرق دهوك. واخيراً عثر عليه في منتصف ذلك النهر، تسمر الباحثون في اماكنهم ومدد محمد اللحام شاخصا طويلا ظل في تماس دائم مع الشفل وربطت اطراف الكلك باحبال على الشاطئ. واجهت ادارة المشروع مهمة اخيرة وشاقة، وهي كيف يتم ربط نهاية زنجيل( Hook) باي جزء متين من الشفل لتحريكه، هنا تطوع العامل الشجاع بهجت عيسى ملو وظهر انه سباحا يفوق سباحي المنطقة بدليل تردد الجميع من تنفيذ المهمة. وخاصة في النزول الى اعماق ذلك الماء الرهيب ببرودته وسرعته،  وبعد عدة محاولات كان يتخللها صعوده للتنفس وهو يرتعش وجسمه قد تغير لونه الى لون ازرق، كنت واقفا وشعرت بمسؤوليه نحوه، فتقربت منه لاقول، لا تخاطر بنفسك يا عزيزي، لكنه ابتسم لي قائلا: لا تهتم يا استاذ ساحاول مرة اخرى وهكذا نجحت احدى محاولاته في ربط راس( Hook) بجزء متين من الماكنة، وجلب بلدوزر ثقيل وجديد وفوقه سائق متمرس، واخيرا ربطت السلسلة الممتدة من الشفل الغارق الى روتر البلدوزر على ضفة النهر وتحرك البلدوزر بتأني ولكن السائق لاحظ خفة الجسم المسحوب فاندفع بسهولة الى الامام وبعد قطعه عدة امتار ظهر الشفل الغارق لايام والجاثم في عمق نهر ريشين وسط فرح وتهلل العمال. سحبناه الى ورشة التصليح غيرنا الزيوت والمصافي( الفلترات) فقط ثم شغله طاقم المشروع الميكانيكي ، وكان اكثر المحيطين فرحا هو سيف الملوك! هكذا بهمة عمال مشروع بالندة نجحت مهمة صعبة، وكوفئ العمال الذين بذلوا الجهود المتميزة، وعلى رأسهم بهجت عيسى ملو.

126
يبدو ان لا نهاية لاحزاني

     آخر مصيبة ألمت بي هو استشهاد العزيز والغالي والجميل سيل صباح خوبير الذي تناثر جسده وجسد صديقه مروان كما تتناثر اوراق الورود المتفتحة في الربيع بفعل تفجيرات الجبناء الذين لا يمتلكون ذرة شجاعة او ايمان. ان سيل قريب جدا الي، لم تسنح الظروف برؤيته او التعرف اليه، فمنذ ولادته وانا مرغم على العيش خارج الوطن الذي تابعته من منافي مختلفة: متغيرا، منحدرا، من سيء الى اسوء، مكتوب علي الترحال وسيلازمني القهر والحزن، فارضنا التي وطأتها اقدامنا ارض المصائب وحتى افراحها قصيرة وتزول بسرعة لتحل محلها احزان جديدة، بعضها تنخر في الناس مدى العمر، وما حدث للحبيب سيل هو المثال الصارخ والحدث الكبير، فكيف سأنسى شبابه وكيف انسى مصيبة والدته ابنة عمي خالدة حبيب دمان التي حمّلها الزمان قهرا لا بعده قهر، وحسرة وألماً قلما يتحمله بشر، كيف حال عمي حبيب الان الذي لم اره منذ اكثر من ربع قرن، وهو في عمر افناه في العمل المضني المتواصل، وما تبقى له من العمر كان يفترض ان يعيشه مرتاحا محاطا بعائلته، باولاده، واحفاده، لكن قسوة الظروف فرضت عليه ان يعيش في القوش وحيداً، وتاتي هذه المصيبة الكبيرة لتحمله الى بغداد وليشارك ابنته مصابها الجلل! فمن يواسيه يا سامعي؟ انا اكتب والدمع ينهمر، وكلما قرات كلمات بنات عمي في رواية ما حدث، كلما اشتد بكائي..... وكلما فكرت في الاخ العزيز صباح والد الشهيد، تضنيني هذه الصور والتخيلات، وفي الوقت نفسه يلازمني حقد وغضب على مقترفي هذه الجرائم الكبرى التي تدل على خسة ودناءة هذا الصنف من البشر الذين سيلاحقهم غضب الشعب العراقي وسيقتص منهم في مستقبل آت لاريب. كنت اتمنى ان اكون في بغداد لاواسي صباح وحبيب وخالدة والبنات واهل مروان واصدقاء سيل، كنت اتمنى ان التقي بأسر وعوائل شارع فلسطين من كل الاديان لاسألهم عن الكنيسة المقدسة في ذلك الشارع بمنظرها المهيب والصلوات الربانية التي تنطلق منها، والبخور التي تعبق جوها، وبدورهم يسألوا الرأي العام العراقي ماذا فعلت الكنائس ومؤمنيها ليتعرضوا للتفجيرات الرهيبة، كنت اتمنى ان يشق صوتي سماء بغداد منددا بما حدث ورافعا صوتي اكثر الى الاعلى لتوقف هذا الظلم والاعتداء والقتل المتكرر لسنوات عديدة، ارفع صوتي للسلام والامان والاستقرار لكل طوائف وشرائح المجتمع العراقي .
خلوداً لك سيل.. يا سليل الورد والمجد 
صبرا لوالده ووالدته واخواته وجده واقربائه
مجدا لكل من سقط شهيدا في تفجيرات الكنائس الاخير
احيي واشد على يد كل من تالم وكتب وشارك في ماساتنا وفقداننا للملاك والعريس والشاب غض العود: سيل صباح خمو خوبير.

 
نبيل يونس دمان
 16 تموز 2009

127
بطولة سان دييكو الاولى
ستقام بطولة كرة المنضدة( الطاولة) في نادي كرستال بول Cristal Balls الواقعة Magnolia -N 414 يوم الخميس المصادف 30- 7- 2009 في تمام الساعة السادسة عصراً وحتى العاشرة مساءً. سيكون اخر موعد لتسجيل الاسماء هو يوم 25- 7- 2009 ، ستجرى القرعة في نفس يوم البطولة وفي تمام الساعة الخامسة.
- ستكون هناك جوائز للفائزين الاوائل.
- رسم المشاركة 10 دولارات.
لمن يرغب في المشاركة تسجيل اسمه لدى الاخوة:
1-  ساهر حنو  6197337052 
2- ثابت بنيامين 6193876346
3- نشوان عوديش  619410724
4-  كرم بهنام جهوري  6195657585

اللجنة المشرفة
nabeeldamman@hotmail.com

128
مرور( 15)عام على استشهادهم

نبيل يونس دمان
مقدمة:
     في 8- تموز- 1994 استشهد ثلاثة من شبان بلدتي وهم: حبيب ﭘتي دگالي، انور ﭘتي دگالي، اسطيفان جرجيس القس دنو( قسطو) في وادٍ جبلي بين بهندوايا- القوش. في يوم 2- 8- 1994 اقيم حفل تابيني لهم في نادي الاسرة الكلداني- ديترويت، فكانت لي الكلمة التالية:
 الحاضرون جميعاً
     تجيش في صدري مشاعِرُ الاسى، وانا اقف بينكم مؤبناً رحيلَ ثلاثة من رجالنا، الذين سقطوا بطلقات الغدرِ، لقد روت دماءهم الزكية مراتعنا الطيبة، كأنها ينابيع عشق الارض تدفقت من عروقهم النابضة بالحياة. نخر الرصاص اجسادهم المعروقة بالكدح، هذا الهمج الذي يعج به عراق اليوم، وكان في الامس ذخر الفكر والعلم والادب.
     ان الارض التي اقام فوقها اجدادنا قرونا طويلة، قد اصطبغت بدماء اخواننا: فاحدهم يسقط في الطريق، وآخريقضي في المعتقل، وثالث فوق الرمال، وذلك بين الصخور، والبعض يبتلعه الماء، وآخرون يمزقهم الحديد، وقسم يشتت في اصقاع الدنيا، وفي الاقامات الموقتة، وعلى مشارف الحدود، والباقي يعيش في الوطن جائعا، سقيما، محروما، ومستقبلاً مجهولاً. ماذا اقترفنا حتى نجني كل ذلك؟ ألمْ نكن عشاق الحرية، وقلوبنا عامرة بالانسانية، ها نحن ندفع ثمن حبنا وعشقنا، وآمالنا تتكسر امام جشع ومصالح العالم الضيقة، فهم لا يابهوا بدمائنا، بعذاباتنا، وبصراخ امهاتنا، انهم آذان صماء يستحقوا منّا اللعنة، الحقد، والكراهية.
     ان الصراع الذي يخوضه اهلنا في الوطن، هو من اجل العيش ومقاومة الظروف الصعبة ولكي يكونوا على استعداد لاعادة الميزان الى عدالته، علينا التضامن والتعاطف معهم، لنُعلم الجميع بان لهم ظهير خلفهم، يسندهم ويخفف معاناتهم على طريق انهائها، هذا الهاجس يراودني ليل نهار.
     علينا ايها الاخوة ايجاد اكثر من مخرج لمأساتهم، ليس اقلها توفير صندوق دائم للمال يمدهم بالعون، وايجاد قناة امينة وآلية نستطيع بواسطتها ايصال ما تجود به نفوسنا وامكاناتنا، لتمكنهم من الثبات والمقاومة، وهي مأساة كبيرة يحملنا التاريخ جزء من وطأتها امام الاجيال، فلنكن اهلاً لهذه المهمة التي وُضعت امامنا ويقيناً سيبارك الله والمخلصين عملكم.
     نهيب بكم ايها الاخوة ان تمارسوا وسائل الضغط التي بحوزتكم، لوقف هذه الجرائم التي تُقترف ضد اخواننا ومنها التنديد في وسائل الاعلام وارسال المذكرات والزيارات واللقاءات مع المسؤولين، فاذا تمكنا من رص صفوفنا وتنظيم هذه الامور بشكل دوري ومنظم في وسائل الاعلام المتوفرة هنا، فانها تنعكس بشكل او باخر وتصل الى اسماع المسؤولين، واصحاب العلاقة، إذ ربما تكسر اصواتنا جدار الصمت! .
     اخاطبكم ومن خلالكم اهلنا في الوطن بضرورة الحذر واليقظة في الحيلولة دون وقوع هذه المصادفات المروعة، والاهتداء الى الحكمة والشجاعة في آن واحد، فنحن نفاخر بالبطولة والتعقل معا، فالموضوعتان صنوان لا تنفصلان، وانا لست بموقف الواعظ او المتفرج، بل موقف انسان متالم من فقدان الثلاثة، احدهم صديق الطفولة الحميم المرحوم حبيب. في بداية هذه السنة ايضا قتل والد صديقي منصور خزمي، ذلك الانسان الكادح الحكيم في عقر داره بذات الرصاص، ولا زالت قضيته غامضة تنتظر الانجلاء.
     هناك مسالة اخرى يجب ابعادها عن البال عندما يقع لنا حادث في تلك المنطقة التي على شفة الخطر، بان نتهم جهة او مجموعة عرقية او دينية، فالحوادث التي تقع فردية في اساسها وناتجة من الظروف القاهرة والاوضاع الشاذة التي تستمر للان في الوطن، وهي زائلة في نهاية المطاف، فالوحش المثخن بالجراح آيل للسقوط لا محالة، وصدق القائل ( لرب ضائقة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله المخرج، ضاقت فلما اكتملت حلقاتها فرجت، وكنت اظنها لا تفرج) .
     لتكن ذكرى احبتنا حبيب، انور، اسطيفان حية في قلوبنا، ولنشعل الشموع في دياجير ظلام عصرنا، وآت لا ريب الزمن الذي يعود فيه شهدائنا وكل من افتقدناهم محملين بالهدايا والورود لترجع البسمة الى اطفالهم، وستينع الشجرة التي روت بدمائهم فتعطي الجميع ازهارا واثمارا وخضرة دائمة.
     لنرفع صوتنا موحدين أن :
كفى قتلاً للانسان
كفى تنكيلا بالناس
كفى عويلاً للاطفال
ولنردد جميعاً:
نريد خبزاً، حرية، وسلاماً.
 
 
 
دْمـِّهْ هْديْـرَهْ
ألقـُشْ بْگو حِشّه وحُمثه وخه كِمَّه
دْرو قالَه ناشِه كلّوخُ بعَمّه
شِمْؤولِ قالي آنيوَن يـِمَّه
لـَن أيْالي مْپيلي ومُصُخيـِه بْدِمَّه
شميلوخُ بهاوَر بـِدرايَه ماثـَه
دَنْ مشلخانِ كِليـِه بأُرْخاثـَه
بْعِدّانـَح پْلِطلي گبّاره طلاثه
 دِمَّي مُشْپـِخْلي خْمايـِد شَقياثه
حبيب وأنور تـْري أخنواثه
دِتويري كيفـَن وشويقِخ بحَسراثه
وتيفو أو زيرك د طورَه وبـِرياثه
ته كولـّي قيمِخ وكتأپـِخْ قـُمياثه
أث گِچَّه گرشلي تْري ليلـَواثه
َبث زونـَه قِشْيَه وكومِد يُماثه
ولـّيبي گوره دْماثه دمثواثـَه                         
دقـَطلي قطوله ودأرِ لبدراثه
مْشدرو منداخَه يا أخنواثه                         
ديخ كُلـّن أخني بْگو لبّواثه
حوياذه وحُبه تـَكل گيَناثه                           
ديلي بگو أثرَه مْقيدِ بشِشْلاثه
يا ناشِه دطوته مَعلو أيداثه                         
ته دكالِ سْيپَه مْسلطه لپَقراثه
هَر باثِه زونه بَريَه حَقـّوثه                       
ومْبَشرَه يْونَه شلامَه وپصْخوثه 



129
عمــو بابــا
نبيل يونس دمان

مْانيلي مْشَمْهَ وأصلايَه
مانـُوِّل بـِرْدْ داو ِثْ شينايَه
نورَه بْلِبِّحْ كلاهْيوَه لـْهايَه
ﮔبّارا وأريَه مَد ِنْخايَه
*******
كُدْ ناخِثوَه لْميدَن قـَمايَه
أرَه كْشأشا وخورحْ بِنْذايَه
علمايـِه مْشَبْحو تا بَرايَه
ﮔويَه كْماخيوه خْصَيدنايَه
*******
لْيلْ عَمّو أو زال ِ خـَرايَه
سْو بُرخِحْ ﭙْخِمْتوثـَه دْلـَكلايَه
بيث نَهرين لْحيروثـَه بِقرايَه
سْمَقتيلـَه بْگو دِمَّنْ زَكّايَه
nabeeldamman@hotmail.com
JUNE 23, 2009

130
المحامي عبد الرحيم اسحق يبلغ التسعين

                                                                                        نبيل يونس دمان
     ايها الحفل الكريم:
     ينتابُني شعورٌ بالتقصير نحو هذا الانسانُ الرائِع بكل مَعني الكلمة، لتقاعُسِ حتى الآن، في كتابةِ ما يُمليه ضميري لرجلٍ انجَبته بلدتي المُتجذِرة في اعماقِ الماضي السحيق، والتي تحتضِنُ كل قادمٍ اليها في مَربَضِها امامَ الجبل، بل قـُل هو مِرآتها العاكِسة لكلِ فضاءٍ صافٍ ينعمُ بهِ وطنُ النهرين. امام اعلان جمعية مار ميخا في ديترويت عن نيتـّها تكريمُ الاستاذ عبد الرحيم، وَجدتُ ضالـّتي، لأزيحُ ثقلاً عن كاهِلي، ودَيناً في رَقبتي.
     هذا الانسان المولود عام 1919 في القوش، من بيت قلو المعروف، والمنحدِرُ من منطقة سليفاني التي تمتد من سمّيل وحتى فيشخابور. لقد وُهب المحامي عبد الرحيم خِصالٌ وصِفات يتمناها كلُ فردٍ لنفسِه او لاولاده، أعْطي قِوامٌُ رشيق وطولٌ فارع ووجهٌ جميل، وَرَثَ ذكاءً إستثمَره في إتجاهين: الاول كمعلمٍ ومحامي، والثاني كمناضل من خلال دوره السياسي والنقابي، منذ الاربعينات من القرن الماضي، معروف جزاء هذا الطريق في التعرض للاعتقال والتعذيب والملاحقة والفصل الوظيفي... الخ. واصل كفاحَه وفق مُقتضيات الظروف، حتى صفى الدهر به في كندا قبل قرابة الثمان سنوات. هناك جانب اخر في شخصية هذا الرجل هو جوهرُه النقي، وانسانيتُه التي تنساب كالشُهدِ من خليةِ النحل، وينطلقُ في تعامله مع الناس من حُبها وخِدمتها، ولم يَحِد عن ذلك الطريق طيلة حياتِه، لا اعتقد ان هناك انسانٌ واحدٌ يستطيع القول بان عبد الرحيم لم يُرحّب به او يُقدم الخدمة المطلوبة له. الطين الذي جُبِلَ منه هذا الرجل نادرٌ في وطننا وفي بلدةِ آبائِنا وأجدادِنا، هناك فقط القلة التي يمكن ان تقترب من المنزِلة التي يَحظى بها، او الارض الصلبة التي يقِف فوقـَها ابو سعد.
     عانى وتحمّلَ الكثير، وفي ذات الوقت إبتَسمَت له الحياة، فاقترنَ بزوجةٍ اصيلة هي سميرة الياس مدالو، رزقوا بأولادٍ طيّبين، وكافـَأتهُ الطبيعة في طول العُمر، فهو مُخضرمٌ عاصرَ كل العُهود ليس كأي مُعاصرٍ يأتي ويمضي، بل مُتفاعل ومُؤثر في الاحداث، كقائدٍ ومربٍ ومحامي وكاتبٍ، وُهبَ ايضا ذاكرة ٌ مستعدة على الدوام لتعطنا الموعظة، انه قادر ان يشحذها الى يومنا هذا، وقادرٌ ان يغور في الاعماق، ليعطنا رفيعَ القِيمِ وجَمالَ المنطِق، ويَشدّنا على الدوام للتعلُقِ بارضِنا والاخلاص لوطنِنا، كم أعجبتني قِصة راعي البقر صليوو جلو( بَقارا) في الثلاثينات من القرن الماضي والتي اتمنى ان تـُنشر مرات ومرات في وسائل النشر المنتشرة، ليَطلِع عليها وعلى غيرها من نتاجاتِ هذا العَلَمُ الفـَذ ُّ، اقولها دون تردُدٍ، وبمِلئ الفم.
     يقول البَطل الخالد توما توماس في الحلقة الاولى من اوراقه" بدأ استلامي للنشرات الحزبية ينتظم وكذلك دفع تبرعاتي، حيث اصبحت شهرية ومنتظمة من خلال العلاقة المباشرة مع الاخ( عبد الرحيم اسحق) " . ويقول صديقه المرحوم جورج جبوري الذي عاصرتـُه في أواخِر عُمره، بان أعز ثلاثة اصدقاء في حياته هم: رائد المسرح العراقي حقي الشبلي، موسى نوح سورو، وعبد الرحيم اسحق، ويمضي في القول انه في نهاية الاربعينات اقتحمت الشرطة السعيدية مدرسة القديس يوسف الاهلية والتي كان يديرها، لتعتقل الاستاذ عبد الرحيم، ويضيف انه لم يكن يعلم شيئاً عن نشاطه السياسي. في عام 2001 نـُشر في مجلة صدى بابل موضوع للكاتب الراحل يعقوب زرا بعنوان( مُعلمون في ذاكرتي) وَرَدَ في احدى فقراته ما يلي: اذكر معلمنا الاستاذ رحيم اسحق امد الله في عمره ..... كان الاستاذ رحيم شابّاً انيق المظهر ذا شكل جذاب يتمتع بوجه صبوح، الابتسامة لا تفارقه. ولا زال عالقا في مُخيَّلتي ذلك اليوم الربيعي المُمطر الذي زلـّت قدمي فانبطحت على الارض فما كان منه الا ان ساعدني على النهوض مشجعا اياي بكلمات رقيقة وقدم لي زهرة من نوع( القرنفل) بيضاء اللون كانت تداعب اصابعه، لم التق بالاستاذ رحيم منذ ان ترك العمل في مدرستنا الا في الشهر الاول من العام 2000 اي بعد ما يربو على اربعة عقود ونصف عندما كنت مشاركا في الحفل التابيني الذي اقامه نادي بابل الكلداني بمناسبة انتقال سيادة المطران يوسف توماس الى الرفيق الاعلى وكان هو من الحاضرين تقدم نحوي مهنئاً ومعانقا وذكرته بوردة القرنفل فسألني من غير تردد اما زلت تتذكر لونها؟ فقلت نعم فقد كانت بيضاء.
     بمناسبة بلوغ عبد الرحيم اسحق قلو التسعين من عُمره، اطلبُ منكم وانا اقلـُّكم شأناً، ان تقدموا له الشكر الجزيل، لمثابرتِه وتواصُلِه دون انقطاع، في تقديم النُصح والرُشد والحِكمة، لاجيال مختلفة الطباع والافكار، والتي تنظر اليه باعجاب واعتزاز.
ارجوكم قفوا اجلالاً
حَيّوا للجبل ِالشاهِقْ
صَفِقوا للنخل ِالباسقْ
وَغنوا للرجُلِ ِالحاذِقْ
 
 
تاريخ الصورة ومكانها- بغداد 1948
الصف الامامي من اليمين:
حبيب الياس بولا، عبد الرحيم اسحق قلو، يونس ابشارة، الياس ميخائيل صفار، جورج جبوري خوشو.
الصف الخلفي من اليمين:
يلدا عوصجي، موسى نوح سورو، حنا جولاغ، حبيب جمعة، فرنسيس القس كوركيس

nabeeldamman@hotmail.com
USA
June 27, 2009

131
المنبر الحر / رحيل النميري
« في: 19:09 04/06/2009  »
رحيل النميري
نبيل يونس دمان
     غادر جعفر محمد النميري هذه الدنيا مؤخرا ليواجه حكم ربه، جراء ما ارتكبه من جرائم بحق شعب السودان، وما الحالة التي يمر بها، الا مخلفات ذلك العسكري الأرعن الذي ماثله في القسوة والشدة: بينوشيت في شيلي، سوهارتو في اندونيسيا، موبوتو في الكونغو، فرانكو في اسبانيا وغيرهم ممن عجت بهم ارض الله الواسعة في العقود الماضية. بعضهم بدأ حياته وطنياً مخلصا وديمقراطيا متدربا، ثم انحرف بعد انفراده بالسلطة من امثال عبد الكريم قاسم في العراق، ومحمد سياد بري في الصومال، وهذا المقبور ايضا بدأ هكذا، ووصل الى السلطة في ايار عام 1969 بدعم من اليسار السوداني، الذي اعتز به واعتبره رديفا لليسار العراقي، ذلك ما دعاني لكتابة هذه الاسطر التي هي مراجعة، وقد تنفع الذكرى.
     النميري انحرف وتحول الى جلاد، أججّ مشاكل السودان الاقتصادية والسياسية والعرقية، مما حدا برتب عسكرية متواضعة، من بينهم الرائد هاشم العطا الذي هو اشبه بالبطل حسن سريع في العراق، ان تطيح به يوم 19- تموز 1971، ولكن بعد ايام قليلة عاد النميري محمولا الى السلطة في قطار الرجعية العربية، منهم حكام السعودية الذين اسقطوا طائرة كانت تقل معارضين سودانيين من العراق، وليبيا التي اجبرت طائرة اخرى عائدة من اوربا للنزول في مطارها ومن ثم تسليم الشخصيتين البارزتين: با بكر النور و فاروق حمد الله الى الجزار ليعدمهما، اما مصر السادات فقد جندت كل امكاناتها لمعونة النميري، لعل اهمها ارسال الضباط السودانيين الدارسين في كلياتها العسكرية الى السودان ليسهموا في اعادته الى سدة السلطة، وقد روى النميري بعد استتباب الامور لصالحه، قصة مشكوك فيها، بانه قفز من جدار عال في سجنه، ليجد نفسه خارجه.
     مارس كأي متعطش للدماء هوايته في  ازهاق ارواح خيرة ابناء الشعب السوداني وفي مقدمتهم هاشم العطا، عبد الخالق محجوب، شفيع الشيخ احمد، بابكر النور، فاروق حمد الله، وجوزيف قرنق وغيرهم.
    واصل النميري قمعه واضطهاده لشعب السودان وطلائعه المخلصة لسنوات مديدة لاحقة حتى عام 1985، وعندما كان خارج البلاد، اجتاحت الجموع شوارع العاصمة وهي تهتف" صائع، صائع، وشعبه جائع! " ثم سقط نظامه على يد عسكري شريف اسمه سوار الذهب الذي سلم السلطة بعد فترة قصيرة للمدنيين. آثر النميري البقاء في مصر حتى عام 2000 ليعود الى السودان في ظل حكم البشير، حاكم السودان اليوم، وهو اصولي، قبلي، معتد بنفسه، والمسبب لمعاناة الملايين سواء في غرب البلاد( دارفور) او جنوبها او برمتها التي تشمل النوبة وبحر الغزال وكردفان وام درمان، والذي اصبح رئيسا في غفلة من الزمن، وكأي قمعي اخر ليس باستطاعته ترك كرسيه بالطريق السلمي الديمقراطي، حتى مشارف القبر!.
     عندما كنت اعيش على ارض جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الثمانينات من القرن الماضي، استنسخت بخط اليد قصيدة جميلة لشاعر سوداني كتبها عام 1972، يسعدني ان انقلها للقراء الاعزاء:
طبلان
واحدى وعشرون طلقة ل 19 يوليو
الشاعر كمال الجزولي

الطبل الاول:
الشعرُ الليلةََ مطرُ الدم، رعّافٌ يهدرُ في الفم، صخّاب ظهرُ أبن، وخصيبٌ رحمُ الأم. فلنشعل نارَ الدوبيت إذن، ونوقِّد جمرَ النمْ ولنفرد اجنحةََ التم تم. ولنعرض ببنادقنا وسط الاخوات.
الطبل الثاني:
اجيدُ القولَ الليلةَ في المسحوقين. في الناس الغبشِ على طولِ السودان، وكل بيوتِ الطين في المارد في وثبتهِ. القابضِ جمرِ الحقِّ، الشامخِ في وقفتهِ، ينداحُ زمانُ الزهوِ، القولَ الليلةَ في قوتهِ، وبطولتهِ، وافاخرُ بالتاريخِ، والصولاتْ.
الطلقة رقم (1)
امتطت الريحُ الصهوات
ترجَّل قرصُ الشمسِِ
وأحنى النخل الهاماتْ
سقط العقربُ فوق العقربِ...
كان اليوم التاسع عشر
دقّاتُ الساعةِ رنّت اربع مرات
الزمن الاول.
الزمن الثاني.
الزمن الثالثُ... والزمنُ الرابع
الزمن الوهجُ، الزمن المازوتُ،
الزمن الغائر بعد الظهر
الزمن النسرْ...
اندفع الى الاضلاعِ، الى الاعراقِ، الى الحدقات.
لما جلجلَ ساحُ القصرْ،
واندفع الصحوُ يرشُّ
الفرحَ المجهدَ في الطرقاتْ
الطلقة رقم (2)
هذا فجرُ العيدِ تدلى في الافاقِ مشانق.
الباشق حلّقَ في اثرِ الباسق
وتهاوى النجم رواشِق.
الطلقة رقم (3)
آتون الساعةَ في" الهبباي"
في الوهج الغاضبِ
في حقد" خماسين"
في طمى النيل الخالق
في نارِ التكوين
في قمةِ" كررى"
من" حيدوب" من" التاكا"
من" مرة" آتون
آتون من العلوِ السامِق
آتون كما الومضِ البارِقْ
.........
مرحبْ... مرحب
الف حبابك... عبد الخالقْ
الليلةََ اطفالُ السودانِ على طولِ الطرقات،
ينتظرون قدومكَ.
بالحلوى...
بالرايات الحُمرِ...
وبالباقاتْ...
اطفال السودان المجروحوا الحدقاتْ،
يا عبد الخالق،
من ولدوا ليلَ الثامنِ والعشرينْ،
من يوليو عام الغضبِ الحارقِ،
ينتظرون على طول الطرقات...
بالحلوى،
بالرايات الحمر، بالباقات.ِ
الطلقة رقم (4)
" قلب الشاعر شاهد"
قالوا في الحكمةِ.. في امثالِ الناس
وانا ينهالُ القلقُ عليّ، الواحد بعدَ الواحد...
اعرفُ هذا الإحساسْ، داهمني في القرن الماضي
عند سقوط الخرطوم
داهمني في كل زمانٍ يصدحُ في اعصابي كالاجراسْ
اعرف هذا الاحساس
..........
موسكو تتلفح كانت. تلك الساعةََ. بالمغربْ
والشفقُ الاحمرُ ليس دماً،
الشفق الاحمر بحر نبيذْ،
وانا.. والراديو لا نتعب،
لا يغشانا النومْ،
اعرف هذا الاحساس
........
يا ريح البشرِ القادمِ يهزجُ بالاعراسْ
حدثني، كيف اجتزتَ الىَّ الارصفةَ...
... المكتظة برجالِ الدركِ...
... واسلحةِ الحراسْ
وكيف ركضتَ على الطرقات...
وفضت على الساحاتِ...
وطرقَ خفيفاً، حين اردتَ، خفيفاً
عبر عيون الناس
.........
اعرف هذا الاحساس،
داهمني في القرن الماضي عند سقوط الخرطوم
داهمني ... داهمني ... داهمني ... و ...
بركانُ القلقِ تفجرْ،
هطلَ الشدو من الرئتين، ...
تحدّرْ، فوقفتُ اغني.. عاري الصدرِ..
وحافي القدمينِ، وبهورَ الانفاسْ!
الطلقة رقم (5)
من هذا القادم؟
من هذا الفارعُ كالنخلةْ... الاسمرُ... حقل الكاكاو القاتمْ
السيف المصقولُ الصارِمْ
والدرعُ الفاحمْ؟
ذلك هاشم، ذلك هاشم!
الطلقة رقم (6)
وتحدّرَ صوتُك عبرَ المدنِ المسروقة.
أش ، شطّث النيلِ،
ودوّى في الحاراتِ المسحوقة:
العزهْ... للعمالْ
لعبيدِ الارضِ، لكل جريحٍٍ
وشَّحَ دمُهُ " بيتَ المالْ"
لكلِّ عريسٍ اوقدَ ناراً ثم مضى
في اكتوبرْ
وكل شريف في كوبرْ،
ولتذهب لجهنم حنجرةُ الزيف المخنوقةْ!
الطلقة رقم (7)
زغرودة امي اعرفها من بينِ ملايين الاصواتْ
أُميّزها...
بالشرخِ الراعفِ فيها،
بالآهاتْ
.......
زغرودة امي لكَ وحدكَ
هذه الليلةْ
وابي حمحمَ مثل الفرسِ الاصهبِ،
صال وجالْ،
هزَّ السيفَ وانشدَ شعراً كالشلالْ
لشفيعِ الناس المقهورين
لشفيعِ الموجِ الاولِ،
في بحر العمال،
من هدروا خلفك ظهر الثاني والعشرين،
جاءوك الليلة من جودة
من ورش الصهر، التريم، الوابوراتْ
جاءوك على مرِّ الاجيالْ،
فتعال، تعالَ، تعالْ
اهلاً بك،
اهلاً الفينْ...
ان لم يحملك الراس،
اشيلك فوق الكتفينْ...
إحضر الساعة،
هبّت ريحُ المدْ
واجتمع العقد
سدّاً يعلو
فوق السدْ!
ها نحن الساعةَ ننسجُ في عينيكَ
وشاحاً.. وجديلةْ،
وهلالاً يسطعُ فوقَ جبين الغدْ!
الطلقة رقم (8)
زحفتُ على اسلاكِ التلفون،
وطرتُ مع الريحِ،
مع الرعدِ،
مع الحقد الملعون
وسبحتُ
سبحتُ
سبحت انا، حتى انقطعت انفاسي
بين الاسودِ والمتوسط
وركضت... ركضتُ
... ركضت كما الفرس المطعون
يا امي، وعبرت النيلَ اليكِ،
وعند الشاطئِ كنت ارى.
.. ما ابشعَ ما كنتُ اراه..
كتشز يعود بخوذته الحجرية.
وجنوداً بصديدٍ في الصدرِ
وقحلٍ في الافواه،
وانا اركض يا امي فيكِ
ألملم تاريخي،
اخترتُ المدفع كي احميك
اركضُ اركضُ
مثل الفرس المطعون،
لكنيَّ الطاعون،
اجتاح عروقي تلك الليلة يا امي
اوغلَ في عينيكِ،
كتشزُ، الطاعونُ ما الغدرْ،
الخوذات الحجريةْ،
جاءوا يا امي
من كل حقول النفط، الذهب،
ومن شطِّ الابيض، والاحمرِ
من عمق الصحراء الليبية،
مكبوتْ،
نهضتُ
وحين رفعت الراس اليكِ
وجدتكِ يا فرحي،
شامخةً انتِ، كما انتِ،
كما النارِ الخالدةِ الاسطورية!
الطلقة رقم (9)
الكوكب مختلُ العقلِ
الكوكب مهرٌ جمحَ فدارَ،
ودار. وسقط على الوجهِ
فما انهكه الاعياء
وانا ارجو يا كوكبنا
لو اوهب مقدرةً
لأعيد على وجهك ترتيب الاشياءَ،
لكن...
ولاني لست بساحرْ،
ولاني لا املك غير المزمار الثائر،
سابقى.. معذرةً..انفخُ في رئتيك اناشيدي
حتى تنهضَ من هذا الإغماءْ!
الطلقة رقم (10)
تحترقُ لهاتي حين اغنيكَ،
تلتهبُ العينانْ،
يركضُ صوتي، يعلو،
يهطل فوق شوارع ام درمان
اقسم اني ما غنيت لسلطانْ
ما شلتُ الغيبَ،
ولا مارستُ العُهر على رئة الطمبور
لكني الساعة يا بابكر النور
اطلق شدوى.
اعزف فوق الجرحِ الغائرِ في صدري
اجعل من اضلاعي ربابة
يا روحي، وأحلّقُ في انفاسكَ عبرَ عذابات السودن!
الطلقة رقم (11)  
امددْ كفكَ يا فاروق
ابشر بالخير
ازهر جرحك...
بنت القمحُ الاسمرُ فوق جبينكَ..
وفاحَ نزيفُ دمائك في الصحراء
وعاشَ خريف،
امدد كفكَ،
سطح التاريخ على فوهاتِ بنادقنا
يا قلبي الراعفَ
شبَّ على حدِّ السيفْ!
الطلقة رقم ( 12)
باعوا الغابة يا جوزيف!
باعوا المانجو الناضح والنئَ..
باعوا البقرةَ والباباي
والرمحَ وبوق العيدْ..
باعوا كلَّ طبولِ الصيد
يا جوزيف.. وسحر بقائلنا،
وثنَ الابنوسِ، وسنَّ الفيل،
والكوخَ الناتئَ، والامطار،
وكل تماسيحِ النيلَ
باعوا الفيضان،
واثداء الفتيات الابكار،
والماعزَ، والابقارْ،
يا جوزيف، باعوها لإله السوق القادم،
من كل فنادق اوربا
من كل عصورِ الزيفْ،
بالوسكي، بالموهير اللامعِ،
بالدولار،
برباط العنقِ،
بالدبوسِ الذهبيِّ، وبطاقات ال( س. آي. أي) وختم الماس
 .......
 لكنّّ الناسْ! لكنَّ الناسْ!
الطلقة رقم ( 13)
اجمل اطفالِ السودان لم يولد بعد،
احلى زهراتِ الغدْ
ما نبتت حتى الان
لكنّا نقسم بالايمان
ان الاشجارَ ستطرحُ اطفالاً
لم تشهد اجملَ منهم عينانْ،
فالسلطان...
عقولٌ من قشْ
والعرشْ...
قنبلةٌ تحت السلطانْ!
الطلقة رقم (14)
ابق مكانك يا عثمان
يقترن الابيضُ بالازرقِ في جرحكَ
فافتح جرحكَ للآخرْ،
يتلاقى حرس القصرِ بغضب الشارعِ في جرحكَ
فافتح جرحك للآخرْ
يا سيفَ الصاعقة الباترْ
لا وقت الليل للاحزانْ
لا وقت الليل للاحزانْ!
الطلقة رقم (15)
عيناك الجمرْ، يا ود الريَّحْ...
كتفاك قلاعُ النخوةِ، والفخرْ،
انشدُ- هَّنذا. في مدحكَ
انشد للماضي والحاضر حين اعتنقا
لمّا وثبَ" الماظ" بمدفعهِ،
فتهدمَ فوقك مستشفى النهرْ!
الطلقة رقم ( 16)
زينَ الفرسان... سلاماً
ود الزين زين الشرفاء المأزومين،
اشعل قنديلك يا شبلَ الاهوالْ
مهيرة امي تنظم فيك عقود المدحِ الليلة اختي
صاحت وسط الساحة بالشبالْ
فالبرق القبلى شالْ،
يا ود الزين، وعِرق العزةِ وهّوه عبر الاجيال!
الطلقة رقم ( 17)
ما كنت جميلاً يا وطني .. كجمالك ذاك العصر
لما فجّرك القهر في بدنى
مثل الديناميتِ... وفجّرني!
الطلقة الثامنة عشر
لا يخشى الموتَ سوى الموتى
فارفع قلبكَ للريح، يا عبد الحي..
كقرنفلة حمراء، للريح...
لا يخشى الموت سوى الموتى
وادلق دمكَ المسفوح
ليعطر حارات بلادي ويفوح،
يا عبد الحيِّ على المدنِ الميتة
فيوقظها.. بيتاً... بيتاً!
الطلقة رقم ( 19)
حارٌ دلوكَ يا" حاردلو"
حارٌ دلوكَ يا ولدي،
صنى لهب الرفضِ.
ونيرانِ التجديدْ.
ولهذا انت ستعلو، دوماً كالبيرق تعلو
وستضفر من شريانك قوس النصر
صباح العيد!
الطلقة رقم ( 20)
عبد المنعمِ طبلُ العزِّ نحاس الغبرة
عبد المنعمِ جيل الفورة،
قل للباشا كنت غشيماً إذ صدّقتَ سراب النصرِ
فنحنُ رضعنا قبل اللبنِ
دماءَ الثورة!
الطلقة رقم (21)
فقأوا عينيَّ
وكسروا يا وطني مزماري،
منعوا عني ضوء الشمس،
لكن... لا بأس،
فانا اعصابي.. اوتاري،
وساحفر كلماتي- ان كسروا قلمي- فوق
جدارِ السجنِ باظفاري!
 
nabeeldamman@hotmail.com
USA
June 03, 2009

132
في رحيل رمز الكرة العراقية
     الكابتن عمو بابا: الوديع، الجميل، الشجاع، المحب لوطنه والمخلص له حتى النهاية، لم يفارقه، لم يلتحق بعائلته، لم يلح في امر ارساله للعلاج، بل كانت كل الجهات تتهافت لخدمته وارضائه على مدى السنين الاخيرة التي تدهورت فيها صحته، ودليلنا في ذلك المقابلات الاخيرة التي اجريت له، حيث كان فيها هادئا، مغالبا آلامه، معبرا بصدق قل مثيله عن محبته للعراق.
     في رحيل هذا العملاق ادعوا العراقيين الى تجاوز خلافاتهم، والاندفاع كأخوة واحبة في السير الى الامام، لترسيخ قيم الحضارة والسلام .
     على المدى المنظور، لا يبدو ان شيخ المدربين سيتعوض، بل سيترك فراغا في رحيله، قد يستمر عقودا طويلة اذا لم اقل قرونا.
     اقترح على الجهات المعنية ان تغير اسم ملعب الشعب الدولي، الى ملعب الفقيد عمو بابا.
    طاب ثرى العراق الحبيب، بجثمان الكابتن عمو بابا، الخالد مدى الدهور، وتوالي العهود والعصور.
نبيل يونس دمان
28- 5- 2009

133
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(8)

الرسالة الثانية
الاخ نبيل دمان
 شلاما وايقار
صديق عزيز ارسل لي رابط حول وفاة احد رجال القوش الامرالذي جعلني اقلب صفحات الموقع حيث وقع نظري على مقالكم حول القوش واهلها. هنا لا يسعني الا ان اشد على يدك واقول بان البحث يمثل خطوة الى الامام في مسيرتك المعطاء
اهنئكم وبارك الله بك
د. هرمز ابونا 28- 7- 2007
××××××××××××××××
الرسالة الثالثة
الاستاذ العزيز نبيل دمان المحترم
     سررت كثيراً باستلام رسالتكم الرقيقة المعبرة عن إصالتكم ونقاوة منبعكم فتمنيت من الرب أن يمن عليكم بالصحة والسعادة لكي تديموا عطائكم الثر في هذا الوقت الذي فيه امتنا بحاجة إلى كل من يستطيع أن يشعل لها شمعة تنير دربها. كيف لا وأنتم، وبمساهماتكم الثقافية والفكرية ستتركون للاجيال القادمة حصاداً مثمراً يكون زوادة طريق لكل المعنيين والتواقين لخدمة أمتهم وشعبهم.  أقول هذا وكلي أمل بأن بروزكم في هذا المجال وبهذه السن المبكرة ما هو إلا هدية من السماء فأنا واثق بأن عطائكم سيزداد كماً نوعاً مع الأيام.
     ما أرصده بكتابتكم بشكل مستمر هو ذلك النهج العلمي المبني على كشف الحقيقة والدفاع عنها لأنها غاية يسعى لها صاحب كل قلم حر ونظيف وأنا واثق بأنكم تقفون على أرض صلبة لا يقوى أحد على التقرب منها ومنافستكم.  ولابد لي من القول بأن أقوى تعبير يعبر فيه لمن تصدر مهمة الكتابة هو التسلح بأقوى سلاح في المعركة الحاسمة ضد الظلام وهي قول الكلمة التي تخرج من رحم المعاناة الإنسانية، وإن التاريخ سيخصص صفحات اعتزاز لكل من غلبت عنده الشجاعة في قول الحقيقة على كل ما عداها.
     أعلم بأن كتابي الجديد قد تم طبعه في كاليفورنيا ـ سان خوزية وستصلكم نسختكم إنشاء الله وهذا الكتاب اكبر حجما من الكتب التي سبقته.
     وحتى نلتقي طابت أوقاتكم أيها الاخ والابن العزيز.
المخلص لكم
د. هرمز أبونا
انتهت الرسائل
الخاتمة:
     هذا هو هرمز ابونا يخوض في التاريخ ويلخص مجراه ، انه ذلك الانسان الذي عاش بيننا، قلم سيال، ذكاء بالفطرة، ولاجازف القول: بالوراثة، فالسلالة الاصيلة يستمر انتاجها الجيد عبر الازمان.
      في عام 1977 نسبت مهندسا الى مديرية الطرق والجسور/ نينوى، كنت كلما اسأل عن مسقط رأسي، يبادرني السائل ان كنت اعرف هرمز ابونا؟ المساح رقم واحد في الطرق الشمالية. وبالمناسبة ايضا كان يعمل في الطرق ايضا شخص اخر من القوش اسمه" منصور وزي" خبير رقم واحد في نصب الجسور، كنت ازدد فخرا بهؤلاء الرجال.
      لقد توطدت الصداقة بيننا في السنين الماضية، سادها احترام متبادل، وايضا تباين في بعض وجهات النظر، خصوصا حول مؤلفه( صفحات مطوية من تاريخ الكنيسة الكلدانية) فكتبت نقدا من 9 صفحات نشرتها في حزيران 2005، الرجل لم يعلق بشيء ولم يتاثر من نقدي، على عكس البعض ممن تنتقدهم بما تعتقد انه الصائب وبمنتهى الادب، فانهم سرعان ما يتطيروا وينفعلوا، وبانهم حاصلون على كذا، تغطي صدورهم النياشين، وتشهد لهم الساحات والمنابر والسجون...الخ، كل ذلك من اجل تبرير غلوّهم وارتفاع ضغط دمهم، للاسف معظم حججهم لا تصمد امام الزمن والطبيعة. هرمز ابونا لم يكن كذلك بل كان عميق الفهم، واسع الصدر في تقبل الآراء المختلفة.
     لقد قال في ختام رسائله: وحتى نلتقي... والحال افترقنا الى الابد. لكني سأسهم بما تبقى لي من عمر، في خدمة وطني الحبيب بيث نهرين، الذي كرس هرمز ابونا والكثيرون من امثاله حياتهم له، والخالد من تبقى الاجيال تتذكره.


134
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(7)

ماذا حل بابناء بلاد ما بين النهرين بعد سقوط بابل سنة 539 ق .م :
     الاثار التي تركها لنا ملوك السلالة الاخمينية والفرثية والساسانية وكذلك الفترة الهيلينية والتي هي كما يلي:
539- 331 ق. م الفترة الاخمينية
331- 126 ق. م الفترة الهيلينية- الاغريقية
126 ق.م – 226 م الفترة الفرثية
226- 637 م الفترة الساسانية
     تقول المخلفات التي تركتها السلالات المشار اليها والتواريخ..... والاثار الكتابية
المنقوشة على الاحجار تظهر بقاء الشعب الاشوري في ارضه التاريخية مشكلاً واحدة من الدول التي تتكون منها الامبراطوريات لا بل جعلت جميع المنطقة الواقعة غرب فارس سنة 116 اقليماً ادارياً واحدا في العهد الروماني باسم اقليم" اشور".
     الى جانب دولة اشور فان التواريخ تذكر تنظيمات سياسية على شكل دول وممالك مثل مملكة حدياب[ بين الزابين] ومملكة اورهاي في شمال ما بين النهرين ومملكة حطارا[ الحضر] وشنكار وميشان وغيرهم.
     اما بابل ذاتها فكانت نقطة جذب الطامعين وامنية من امنياتهم لجعلها عاصمة لامبراطورياتهم وخدمت كعاصمة للامبراطوريات المتعاقبة خلال الفترة الخاصة بالسيطرة الاخمينية 539- 312 ق. م اذ عزف عنها سلوقس فبنى عاصمته على الضفة اليمنى لدجلة – مقابل سلمان باك وسماها سلوقية.
     وحين ظهرت المسيحية وبشر تلاميذ السيد المسيح بها فان اول الاقوام التي امنت بالمسيحية على نطاق واسع كان الشعب الاشوري وتعتبر اورهاي[ اورفا] المملكة الاشورية مهد المسيحية في الشرق حيث منها قام ابناء الشعب الاشوري بالتبشير في بلاد ما بين النهرين وقام مار ماري بتاسيس كرسيه في العاصمة الفرثية قطيسفون- مقابل سلوقية حيث انظم الى الجهد التبشيري ابناء اقليم بابل ذلك الخليط التاريخي من بقايا الشعب الاكدي/ الاموري/ الارامي ولقد تركزت المسيحية في بلادنا في القرن الثاني للميلاد وقام الاشوريون والبابليون بحملة تبشيرية لا يمكن تصورها اذ نشروا المسيحية في جميع اسيا الى درجة ان بحاثة غربي يقول: من الصعب ان نجد في اسيا كلها منطقة لم يصلها مبشروا الكنيسة الشرقية. لقد ادام ابناء اشور وبابل الزخم البشري لمدة تقارب 13 قرناً كان القوم فيها يبشرون بالرسالة المسيحية وينشرون المعرفة والقراءة والكتابة وسط الاقوام الهمجية حتى نجحوا في انشاء كنيسة ضمت ثلث البشرية وكانت في تعدادها تزيد على جميع اتباع الكنيسة الرومانية والاغريقية.
     لقد كان هذا الجهد البشري المتسم بالتضحية والفداء اللامجدود حيث فقدت بلاد ما بين النهرين عبر هذه القرون مئات الملايين من ابنائها فقبلوا الموت في ارض غريبة لقناعتهم بسمو الرسالة التي نذروا انفسهم لها.
     عن تقييم هذا الجهد فانني اميل دائماً الى القول باعطاء نسبة للانجاز الذي قام به الشعب الاشوري فاطلق عليها اسم" الامبراطورية الثانية" او امبراطورية العصر المسيحي ولنا ان نتامل ولو لوهلة اية عظمة كانت عليه شخصية اولئك المؤمنين العزل من اي شيء وليس هناك دولة ما تسندهم او تؤيد جهودهم بل كانوا معرضين للاضطهاد في وطنهم الام الذي شهد قيام مذابح جماعية ضدهم احداها استمرت اربعين عاماً( 339- 379) وهي المعروفة بمذابح شابور ذو الاكتاف. اليس الانجاز العظيم المتمثل بنشر المسيحية والحرف السرياني في عموم اسيا عملاً خارقا؟ .
الانقسام الكنسي:
     لا اريد ان اطيل وساحاول الاختصار قدر الامكان واقول:
     ان اول انقسام في صفوف الشعب الشوري حصل سنة 431 م اثر المجمع الكنسي الذي عقد في افسس[ تركيا] وضم الكنائس الرئيسية الاربع : انطاكيا، الاسكندرية، القسطنطينية، وروما والذي انعقد لمعالجة الجدالات اللاهوتية المثيرة حول طبيعة السيد المسيح والعذراء والتي كان ابناء بلاد ما بين النهرين بحكم تجذر المسيحية بينهم بقرون عديدة قبل اوربا قد انضجوا اراء متطورة فزادت اللغة السريانية الغنية بمفرداتها في التعبير عن فحواها اللاهوتي، وهكذا كان طرح الراي الخاص بطبيعة السيد المسيح والذي من بين الذين ايدوه شخص غريب عنا عِرقاً ولغة وهو نسطوريوس بطريرك القسطنطينية.
      لم تكن نتائج مجمع افسس انقسام الكنيسة الجامعة ذاتها وبروز ابناء الكنيسة الشرقية كنيسة بلاد ما بين النهرين كاعظم مؤسسة دينية للتبشير برسالة السيد المسيح وانما وبسبب الاحتلال الاجنبي فان الشعب الاشوري انقسم بسبب وقوعه تحت احتلال قوتين متعاديتين. ورغم كون الاغلبية تعيش تحت الاحتلال الفارسي الا ان القسم الاخر كان تحت الاحتلال الروماني الذي شهد تدخل الدولة في امور الكنيسة وفرض معتقد الامبراطور على الرعية. من خالف عقيدة الرومان تعرض للاضطهاد وهاجر الى القسم المحتل من قبل الفرس اما من تبقى وبعد سنة 451 ( مجمع خلقدونية) فعرف بالسريان الارثوذوكس.
     ومنذ ذلك الحين والشعب الاشوري منقسم الى كنيستين الى سنة 1551 حيث ان روما لم تهدأ يوماً واحداً على خروج الكنائس الشرقية من قبضتها ولقد بذلت المستحيل خلال الحملات الصليبية العديدة في تحقيق اطماعها باحكام سيطرتها على تلك الكنائس الا انها فشلت بسبب قيامها باضطهاد المسيحيين تماماً كما فعلت مع الاسلام واليهود ولم تنجح مساعيها بفرض الكثلكة الا على المارونيين فقط.
ماذا ساعد روما على احداث شقاق 1551؟
     ان الوضع السياسي القائم في الشرق الاوسط مطلع القرن السادس عشر كان متمثلاً في الصراع بين الدولة العثمانية والصفوية( ايران) وفي اوربا كان الصراع مشتداً بين شبه جزيرة ايبويا( اسبانيا والبرتغال) وفرنسا. الاولى كانت تؤيد ايران مما مهد السبيل لقيام علاقات طيبة بين العثمانيين والفرنسيين الذين استغلوا تلك العلاقة فحصلوا سنة 1535 على امتيازات عديدة منها الامتيازات التبشيرية التي سرعان ما استغلتها روما بارسال مبشريها في تلك السنة الى اورشليم ونجحوا في اغراء مار يوحنان سولاقا ونصبوه سنة 1553 بطريركاً على" مسيحيي اشور" كما جاء في الوثائق الرسمية.
     لم تنجح محاولة روما في خلق خط انشقاقي لاسباب عديدة منها ان الحكام الاتراك انذاك كانوا حريصين على معاملة رعاياهم النصارى بشكل مميز ولم يمارسوا ضدهم اي اضطهاد ديني لا بل ان السلطان محمد الفاتح على سبيل المثال كان يتقن 8 لغات واحدة منها سريانية كدلالة لاهتمامه بشؤون الرعية. هذا من ناحية اما من الناحية الاخرى فان الشواهد التاريخية لاختيار مدى ايمان ابناء شعبنا بمعتقدهم تظهر تفضيلهم الموت على تركه وهكذا سجل التاريخ تفضيل الملايين من اتباع الكنيسة الشرقية الموت على جحد دينهم. وبغياب الدعم الرسمي العثماني للخطة الكاثوليكية للهيمنة على الكنيسة الشرقية والولاء الذي اظهره اتباع الكنيسة هذه لمعتقدها فان حادثة يوحنان سولاقا باءت الى الفشل لاسيما وانه شخصيا لم يدم في مركزه اكثر من 11 شهراً.
     الا اننا يجب ان نعترف ان هذه الحادثة شجعت شريحة معينة في العائلة البطريركية على التخاصم والانشقاق متمثلة بمار شمعون دنحا الثاني عشر الذي انظم الى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1595 الا ان خلفائه عادوا الى معتقد الكنيسة القديمة غير انهم شكلوا خطاً منفصلاً منذ ذلك التاريخ عرف بالبطاركة الشمعونيين.
     بداية القرن السابع عشر كانت قد تغيرت كثير من المعادلات السياسية فالدولة العثمانية كانت قد قطعت شوطاً بعيدا في مجال الانحطاط والضعف وكانت الهزائم العسكرية المتتالية في اوربا قد انهكتها اضافة الى تفشي الضعف في مؤسساتها العامة فاضحت فريسة الدول الاوربية التي كانت تتناوب محاربتها او حمايتها. فبدأت باعطاء الامتيازات المذلة لهذه الدولة العظمى او تلك ولقد نالت فرنسا حصة الاسد وسرعان ما استغلت روما تلك الامتيازات فغطت منطقة بلاد ما بين النهرين بالبعثات التبشيرية من البصرة الى ديار بكر ومن اورمية الى حلب حيث ساندتها السلطات المحلية وكان امامها هدف واحد هو تحطيم الكنائس الوطنية واخضاعها لروما.
     لقد مثلت ديار بكر اضعف الحلقات ونجحت البعثة التبشيرية الكاثوليكية هناك سنة 1681 في كسب مطرانها يوسف الى جانبهم الا انه لم يتوسع وينتشر، وظلت روما تتربص بمقر البطريرك مار ايليا 12 المدعو يوحنان هرمز واعدا اياه بالمنصب البطريركي[ وهذا موضوع مطول لا مجال للاستطراد فيه هنا ] .
     ما نريد ان نقول ان كلا البطريركين مار يوحنان سولاقا ومار يوسف[ ديار بكر] اعطيا لقب بطريرك الكلدان، ترى ما هي اسباب هذه التسمية:
     يذهب الكثير من الباحثين الى القول بان روما التي كانت تلقب اتباع الكنيسة الشرقية بالنساطرة لم يكن من المناسب لها اطلاق اسم" النساطرة الكاثوليك" على من كسبتهم لانها كانت تعتبر النساطرة هراطقة وعليه لا يمكن الصاق هذا الاسم باسم الكلدان الكاثوليك.
     الا انه يجب ان لا يغيب عن البال حقيقة كون اسم الكلدان لم يكن معترفاً به ولم يستخدم في اي فترة تاريخية لغاية 1844 حين نجحت فرنسا في استحصال فرمان لاول بطريرك نجحت الجهود الفرنسية- التبشيرية في تثبيته للمسيحيين من اتباع الكنيسة الشرقية في سهول نينوى التي نجحت- باساليب لا مجال لذكرها هنا- في تحقيق هدفها.
الاسلام وتغير الخارطة العرقية والدينية:  
     لئن كان تاريخنا الطويل مبعث فخر واعتزاز الا انه بذات الوقت يشكل حملا على من يحاول الولوج فيه وكشف كوامنه واي اهمال في سرد التسلسل التاريخي يمثل انقطاع الحلقات الهامة التي تقود بالنتيجة الى ضياع الهدف المنشود.
     اقول هذا وانا بصدد التطرق الى التاثير الذي احدثه الفتح الاسلامي على الخارطة القومية والدينية واللغوية في بلاد ما بين النهرين وبهذا الخصوص هناك الكثير ليقال الا انني ساختصر مركزا على الامور الجوهرية:
1) سنة 637 دخل خالد بن الوليد الحيرة فخير المسيحيين فيها بين ثلاث الاسلام او الجزية او الحرب فاختاروا الجزية.
2) عوملت اغلبية مدن ما بين النهرين معاملة الحيرة وفي الجزيرة اهتبر صلح الرها قاعدة ونموذجاً لصلح بقية المدن" صلح قرى" .
3) ضوعفت الجزية الاصلية اكثر من مرة خلال سنة واحدة.
4) المحاربون المسلمون طلبوا من عمر بن خطاب ان يقسم السواد بينهم. فتردد حيث نظر نظرة بعيدة اذ قال:
     ستتخاصمون فيما بينكم على الماء والحدود، وماذا عن المسلمون من بعدكم لماذا تحرمهم من الجزية والخراج الذي يدر على بيت مال المسلمين فامر بترك الارض والجمال بيد اصحابها ووضع الجزية والخراج على رؤوس اصحابها وطلب اجراء احصاء في سواد الكوفة لمعرفة عدد الذميين الذين يدفعون" الجزية" وهي ضريبة العنق التي يدفعها الذمي" اهل الكتاب" فظهر بعد الاحصاء ان( 550) الف شخص بالغ يدفعون الجزية التي طلب عمر اخذها ممن تمر على وجهه موس الحلاقة وتعفى النساء والشيوخ والاطفال، اي من كل عائلة شخص واحد وبهذا يكون عدد نفوس النصارى في سواد الكوفة وحده 3.300 ملايين نسمة. حصل هذا بحدود 640 في عام 717 قام رجال الكنيسة بتقديم التماس الى الخليفة عمر بن عبد العزيز الاموي يطلبون منه حمايتهم من الظلم المسلط عليها حيث الضرائب الباهضة ونهب القبائل العربية لارزاقهم معلنين لانهم سيفنون ان لم يتدخل فامر باجراء احصاء في نفس منطقة سلطة عمر بن الخطاب فوجد ان العدد المتبقى من الذمة من دافعي الجزية هو عشر العدد الذي احصاه عمر بن الخطاب. وفي سنة 750 كان مجموع الذميين الذين يدفعون الجزية في جنوب العراق ( 40) الف فقط.
     ترى اين ذهبت تلك الملايين؟ الجواب انها اسلمت اذ ان العرب المسلمين لم يستخدموا السيف في فرض الاسلام على النصارى الا ان الظلم الاقتصادي كان اقسى من السيف.
     شيء اخر جدير بالاشارة اليه ويوضح الحدود الجغرافية لانتشار واستقرار الفاتحين العرب فعندما اراد قائد من قواده في منطقة الكوفة بناء مدينة هناك كتب لعمر يقول انها جيدة من جميع النواحي الا في ناحية واحدة: فيها الكثير من البعوض!. فاجاب عمر بن الخطاب: ما لا يصلح للجـِمال لا يصلح للعرب ولا تدع بيني وبينك ماء.
     ماذا نستنتج مما تقدم:
اولاً: ان الاعداد الهائلة من المسيحيين في الاقسام الوسطى والجنوبية لبلاد ما بين النهرين تحولت نحو الاسلام خلال القرن الاول الهجري اي بين 637- 750 من كان هؤلاء؟ انهم بقايا الشعب الاكدي/ الاموري/ الارامي او كما يحلو للبعض بتسميتهم" كلدان" هؤلاء اختفوا من الخارطة الدينية حيث كانوا وثنيين قبل المسيحية فاعتنقوها وعند مجيء الاسلام اعتنقوه غير انه اثر في هويتهم اللغوية حيث القرآن باللغة العربية فنسبوا بالاداب والعادات العربية الاسلامية هم ابناء الحلة والديوانية والكوفة... الخ.
ثانياً: لم يكن قادة العرب المسلمين راغبين في استقرارهم في اعماق البلاد" لا تدع بيني وبينك ماء" وسلمت بذلك المناطق المتموجة والجبلية وطن الاشوريين لانها لا تصلح للجمال.
( انتهت الرسالة الاولى)     
الى اللقاء في الحلقة الاخيرة رقم (8)   

135
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(6)
القبائل الارامية في منطقة ارض البحر- الاهوار
1) بيث قبيلة اموقاني Bit Amikkani   
2) بيث قبيلة شيلاني Bit Shilani 
3) بيث قبيلة سئالي  Bit Saalli 
     هذه القبائل التي انظمت الى تحالف Ukin Zer تعرضت مناطق سكناها الى التدمير على يد الجيش الاشوري بعد ان نجح في اقصاء هذا الزعيم الارامي- الكلداني من عرش بابل ومطاردته الى معاقله ومعاقل حلفائه. لقد نجا من العقاب مردوخ بلادان وكذلك اتباعه بسبب اتخاذه موقفاً غير معادي لاشور(1) .
4) بيث ياقين Bit Yakin
     قام شيخها في عهد سرجون الثاني( 705- 721) المدعو مردوخ بلادان بتمرد على السلطة الاشورية بعد ان ضمن تاييد القبائل الارامية له.
     لقد كان من نتيجة الاضطرابات السياسية التي كانت تثيرها القبائل الارامية- الكلدانية ان ارتبكت التجارة الاشورية عبر المناطق الجنوبية مع الاقطار البعيدة على الخليج وما ورائها واثرت على الحالة الاقتصادية في بابل ذاتها، مما كان يدفع البابليين للاستعانة والاستنجاد بالاشوريين لوضع حد للاذى الناتج من تمردات واطماع هذه القبائل(2) .
5) بيث دقورى Bit Dakkuri
     امير هذه القبائل الكلدانية- الارامية الذي كان يحتل المناطق الواقعة على الفرات الى يورسيبا تم اخضاعه هو الاخر(3) .
نلخص ما تقدم بما يلي:
1) الاكديون:
     هم سكان بلاد ما بين النهرين الاصليون عاشوا في هذه البلاد منذ بداية الزمن ونعني بهذا ان الانسان الاكدي عاش في هذه الارض قاطعاً المراحل البدائية للانسان وكان هذا الشعب اول من انشأ مستعمرات سكنية واشتغل في الزراعة وتربية المواشي على وجه الارض. وتعتبر منطقة القوش ذاتها واحدة من تلك المناطق التي شهدت هذه التجربة الانسانية حيث يوجد بينها وبين جبل مقلوب منطقة اثرية لمجتمع سكني يعود تاريخه الى عشرة الاف سنة قبل الميلاد.
     شواهد وجود وانتشار الشعب الاكدي منذ تلك الحقبات التاريخية قد اكتشفت عبر المناطق المختلفة لبلاده من اعالي النهرين الى الاقسام الجنوبية للبلاد. ويعتبر هذا الشعب بلا منازع اول من ارسى قواعد الحضارة الانسانية في جميع المجالات.
     ولقد اثر التزايد السكاني للشعب الاكدي وازدياد مدنه الكبيرة الى حصول استقطاب سكاني بين ابنائه فانقسم الى مجموعتين:
   1) اكدية جنوبية وهي التي تسمى بالبابلية ولغة هذه المجموعة اكدية بلهجة بابلية.
   2) اكدية شمالية وهي المعروفة بالاشورية لغتها اكدية بلهجة اشورية.
     لقد اشترك القسمان قبل وبعد انقسامهم وحتى العصر المسيحي بخواص مشتركة واحدة حيث جمعتهم ارض واحدة وتاريخ وعبادة ولغة وتراث ومشاعر ونحوها...
2) الاموريون
     لا ناتي بجديد اذا قلنا بان اغنى شعب في العالم يوثق تاريخه هو شعب بلاد ما بين النهرين فهي من الكثرة والتفصيل والنوعية الى درجة لا تصدق. وحين يحاول احفاد اولئك العظام الحديث عن تاريخ اجدادهم فان معينهم وسندهم هو الوثائق التاريخية ولا يمكن الركون الى النظريات والكتابات مهما كانت اذا لا تؤيدها وتثبتها وثائق تاريخية اذ" لا تاريخ بدون وثائق" .
ومن الامور الموثوقة والتي لا تدع مجالاً للاجتهاد ورود الموجة الامورية واستقرارها في بلاد ما بين النهرين وبروز سلالتها التي دامت من 2000 الى 1600 ق .م واعطت لبلاد ما بين النهرين واحد من الاسماء التي تفتخر بها على الدوام وهو الملك" حمورابي" لا اريد ان اطيل في الحديث عن الاموريين ولست هنا بحاجة الى اثبات صلة القربى والدم التي بينهم وبين اخوانهم الاكديين وانما اكتفي بالاشارة الى ما يلي:
     اثناء فترة حكم الملك حمورابي كملك على بابل كان شمشي ادد الاول ملكاً على اشور وهو ايضاً من اصل" اموري" ويعتبر من اوائل ملوك اشور المعنيين بتوثيق التاريخ وحفظ السجلات. شمشي ادد هذا كما نوهنا في مكان أخر ترك لنا قائمة باسماء ملوك اشور الذين سبقوه والشيء ذاته فعله حمورابي، الا ان المثير للاعجاب ما نجده في قائمتي حمورابي وشمشي ادد اذ ذكر حمورابي اسماء 12 ملكاً سبقوه في الحكم هذه الاسماء هي نفسها التي ذكرها في تسلسله الذي شمل 38 ملكاً سبقوا شمشي ادد على حكم اشور. اذن كلا الملكين يعتبرون ان بلادهم وملوكها وحدة واحدة وما الفرق بينهما الا ناتج من المدة الزمنية البالغة اقل من اربعة قرون على التواجد الاموري في بلاد ما بين النهرين. وشمشي ادد الاموري لا يقطع سلسلة ابائه" ملوك اشور" وانما يعتبر اسلافه امتداداً لقدماء ملوك اشور.
3) الاراميون:
     ان ما نعانيه اليوم من حالة تمزق وتشتت وتعدد في الاسماء ناتج في جانب منه من مخلفات الموجة الارامية، وكأن القدر اراد السخرية بشعب بلاد ما بين النهرين فلم يكتفي بالدور المدمر الذي لعبته القبائل الارامية المستقرة في الاهوار الجنوبية" بيث ارامايي" وذلك من خلال التحالفات المستمرة والدائمة مع الاقوام الطامعة والمعادية لبلاد ما بين النهرين هذا التحالف الذي خلق اولاً حالة اضطراب دائم في الاقسام الوسطى والجنوبية لهذه البلاد خلال فترة تواجدهم- قبل استلام الحكم في بابل- لمدة اربعة قرون تقريباً والذي كان محصلته الفعلية( التحالف مع عيلام والميديين) القضاء التام على السلطة السياسية لابناء البلاد التي دامت الاف السنين ونجح ابن هذه البلاد في خلق جنة على الارض.
    اقول كأن القدر لم يكتفي بما فعلته القبائل الارامية في التسبب في اسقاط السلطة السياسية للشعب الاكدي- الاموري واحفادهم في اشور وبابل وانما اورثنا مخلفات مرضية من ذلك العهد تلك المخلفات المتمثلة بالاسم الذي اخذته هذه القبائل اواسط القرن التاسع قبل الميلاد واطلقتها على نفسها وهي اسم" كشدو ثم كلدو" اي كلدان العهد القديم. والذين نجحوا في ابرازه كواجهة حين استلموا السلطة السياسية لبلاد ما بين النهرين خلال الفترة المحصورة بين[ 626- 612] و [ 612- 539 ق. م] .
     قبل ظهور القبائل الارامية على مسرح الاحداث في بلاد ما بين النهرين بالاف السنين كان الشعب الاكدي يعرف كلمة الكلدان وكان هذا الاسم جزءاً من افرازاته ويتمثل في طبقة الكهنة والعرافين والمنجمين تلك الطبقة المميزة المتنفذة في المجتمع. ان اسم الكلدان لم يكن جديداً او جلبه الاراميون معهم حين احتلوا بابل سنة 626 بقيادة نبوبلاصر والد نبوخذنصر وانما كان شيئاً مالوفاً يرمز الى طبقة معينة لها وظائف اجتماعية معينة تلك الوظائف بنظر المؤرخين الاغريق وفي مقدمتهم هيرودوتس كانت تتمثل بالكهانة والتنجيم.
     لقد نجح الجهد المثابر للقبائل الارامية المستقرة في الاهوار في سنة 626 في تحقيق اطماعها في احتلال بابل حيث نصب نبوبلاصر نفسه ملكاً عليها محققاً بذلك حلماً دام مئات السنين. الا ان تحقيق هذا الحلم لم يقتصر على اخذ السلطة السياسية وانما اطلقت هذه السلطة على نفسها اسم السلطة الكلدانية تماماً كما فعل الشاه اسماعيل سنة 1508م حين احتل بغداد فاعلن المذهب الشيعي مذهباً للعراق كله.
     ان الاحداث التي حصلت في عهد خليفة نبوبلاصر ابنه نبوخذنصر تركت بصماتها هي الاخرى على هويتنا القومية المعاصرة مما تراكم اثناء فترة حكمه من احداث مؤثرة كان احد اطرافها سبباً في نقل اسم الكلدان عبر التاريخ والحفاظ عليه ومواجهتنا به سواء حين اراد البابا اوجين الرابع سنة 1445م احيائه حين اطلق اسم الكلدان على ابناء اشور الملتحقين بكنيسته او قيام اتباعه من ابناء الكنيسة الكلدانية بحراسة هذا الاسم رغم معرفتهم بعدم صحته وصواب اطلاقه على الطائفة المسماة باسمه اليوم وهي بهذا- اي طبقة رجال الدين- مدفوعة بدوافع كثيرة تاتي المصالح الشخصية في مقدمتها في حين جهل فئة قليلة منهم هي وراء اصرارهم على التمسك به.
نعود الى موضوعنا لنتحدث عن احداث عهد نبوخذنصر وما سببه من اثار لا زلنا نعاني منها الى اليوم. فقد قام سنة 597 ق. م بسبي اليهود الى بابل حيث عاشوا هناك جيلاً بعد جيل ويبدو ان حالتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كانت ممتازة الى درجة عدم امتثالهم لامر قورش الاخميني حين احتل بابل سنة 539 ق. م واصداره العفو عنهم والسماح بالعودة الى اورشليم ففضلوا البقاء.
     هؤلاء اليهود المسبيين قدموا الى ارض سباهم اليها حكام يطلقون على انفسهم اسم" الكلدان" وهؤلاء اليهود هم الذين نقلوا بالتواتر الى ابنائهم ليس الاساطير والملاحم التي كانت سائدة في بلاد ما بين النهرين وحسب وانما نقلوا بشكل درامي مؤثر كيف سباهم ملوك الكلدان و.. و... الخ.
     وحين كتبوا العهد القديم سنة 300 ق. م فانهم لم يكتفوا بسرد قصص الملاحم والاساطير[ كما كشفتها التحريات الاثارية] وانما ايضا تضمنوها قصة سبيهم على يد الكلدان! .
     ولما كتبوا العهد القديم اقدم كتاب تداوله البشر فان القصص الواردة فيه تقبلها الناس باعتبارها اشياء مقدسة. ومن الغريب جائتنا الاشارة كما جائتنا التسمية" الكلدانية" . ولولا ورود قصة السبي وما الحقه نبوخذنصر باورشليم ومعبدها لما كان التاريخ قد عرف شيئاً اسمه الكلدان سوى ما اشار اليه المؤرخين الاغريق على اعتبارهم منجمين وكهنة المعبد.
     وما يستوجب اضافته هو الاشارة التي لابد منها وهي موقف العهد القديم من بلاد ما بين النهرين وحكامها المملوء بالحقد الدفين سواء ضد الاشوريين او البابليين حيث تعرض اليهود على عهدهما للسبي الا ان سبي نبوخذنصر كان كان مؤثراً بشكل خاص وذلك لحجم الدمار المادي والروحي الذي الحقه باليهود. ويقف المرء احياناً حائراً حين يقوم بقراءة هادئة للعهد القديم فيجد فيه فصولاً تذم اليهود على قلة ايمانهم وانحرافهم وتشير الى امر الرب الى ملوك اشور وبابل لمعاقبتهم على فعلتهم. في حين نجد في مواضع اخرى من العهد القديم حيث يذكر انبيائه عن قسوة هؤلاء الملوك ليقوموا والخطيئة الكبرى التي كانت عليها عواصمهم نينوى وبابل ناسين ان الرب هو الذي سير هؤلاء الملوك ليقوموا بما قاموا به وكما اخبرونا هم كذلك انفسهم.
     ان ارتباط اسم الكلدان بعائلة نبوخذنصر الارامية الاصل وقت السبي وما جلبه هذا الملك العظيم والمشاريع الاخرى اذ عرف عنه بانه الملك الباني حيث كان يهدم المدن القديمة ليبني على انقاضها مدناً جديدة مستخدماً ختمه على كل طابوقة ومستخدماً بذات الوقت يهود السبي الى جانب غيرهم في اتمام تلك المشاريع البنائية العملاقة التي خلدته للابد( معبد ايساكيلا، برج بابل، الجنائن المعلقة، عشرات المدن... الخ) .
    وبعد هذا هل نجد غرابة اذا ما ارخ اليهود وعبر الكتاب المقدس محنتهم في السبي في الاشارة الى صفة واسم وتسمية الملك الذي هدم المعبد وسباهم؟ .
الهوامش :
(1) Saggs: The Greatness that was Babylonia p. 110.
(2) Saggs: The Greatness that was Babylonia p. 111.
(3) Saggs: The Greatness that was Babylonia p. 124.
الى اللقاء في الحلقة رقم (7)   
nabeeldamman@hotmail.com
USA
May 15, 2009
 
 
 
 

136
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(5)

التسميات الاكدية- الارامية لمناطق شرق دجلة 1165- 1151 ق. م :
     لقد اسعفنا الملك العيلام Shilhak Inshushinak بنصب ذات قيمة استثنائية حيث ارخ فيه اتساع امبراطوريته التي تضمنها اسماء المدن التي احتلها في بلاد ما بين النهرين مفصلاً اياها على شكل مجاميع اشبه ما تكون باقاليم من بدرة الى ألتون كوبري.     
     لقد شملت قائمته على ما يزيد على 250 منطقة او اقليم، وللاسف فان الزمن محِى اعداداً كبيرة من الاسماء التي اكد في نصبه على كتابتها وتدوينها ولم يبق ما هو صالح للقراءة الا ما يقل عن 100 اسم تقرأ بوضوح. هذه الاسماء لا تحتاج الى جهد او مشقة للتعرف على اصلها او هوية ابنائها اذ انها اسماء سامية لغة ابناء بلاد ما بين النهرين سواءً كانت اكدية او آرامية حيث غالبيتها المطلقة تبدأ باسم" بيت" او" شا" اي ما يعني بيت ايضا او" أل" .   
     هذا الكنز الاثري قسمه الملك العيلامي اثناء تدوينه الى مجاميع جغرافية كما يلي:
 1) المجموعة الاولى:
     تحوي اسماء( 42) منطقة، للاسف اندثرت معالمها ولا يمكن قراءة إلا الاسماء التالية:
1)   Sha Imire  بناة الزقورات
2) Bit Nakiru
3) Bit Pilantu
4) Bit nappahe بيت الحدادين
5) Sha Shilitu
6) Sha belita
 7) Bit Buli
8) Shenkura
9) Bit Pilantu
2) المجموعة الثانية:
لم يبق منها الا:
1) Sha Barbari بيت الذئاب
2) Sha Nankan بيت النحاريين
3) ………
3) المجموعة الثالثة:
     وتحوي على اسماء 31 مدينة وتقع معظمها في منطقة جبال الحمرين.
4) المجموعة الرابعة:
     وتقع هذه المجموعة في اقليم ... تللا وتشمل 11 مدينة بضمنها 1) ارابخا( كركوك) 2) نوزى( جنوب كركوك) 3) تيتوررو( وهي الجسر) 4) حانبيت 5) شانيشي( النساس) . وتشمل هذه المجموعة على تفاصيل 41 موقعاً القريبة من نهر تورثات( ديالى) و Ebih ( حمرين) ومنطقة حلوان.
5) المجموعة الخامسة:
     وتشمل على الكثير من الاسماء التي يمكن قرائتها( راجع الجدول المرفق).
 6) المنطقة السادسة:
      وذكر عن هذه المجموعة احتوائها على 49 موقعاً في اقليم Balahuta و Lalman و Zahaya ( اقليم حلوان) ونورد اسماء المناطق التي يمكن قرائتها( راجع الجدول).
 7) المنطقة السابعة:
     لقد مسح اسم الاقليم الذي تقع فيه اسماء المناطق والمدن المذكورة الا ان عدد من الاسماء ظلت سالمة( راجع الجدول).
 8) المجموعة الثامنة:
     وكان يحوي على 26 اسماً لمواقع جغرافية مسحت بعضها وظل البعض الاخر.
[ بعض التسميات الاكدية الارامية للمناطق الجغرافية- شرق دجلة بين منطقة بدرة Kazzalu والتون كوبري Zaban ]
1) Bit Abdadani
2) Bit A karnakkai
3) Bit Arrabi
4) Bit Bagaia
5) Bit Bahe
6) Bit Bit Barbari also sha[ Bit] Barbari
7) Bit Bazi
8) Bit Buli
9) Bit Bunakki
10) Bit Daiaukki
11) Bit Etelle
12) Bit Hamban منطقة بدرة- جصان- الدير
13) Bit Hanipi
14) Bit Hubbani قارورات، شربة، الخ ( مشتقة من صناعة صهاريج الماء)
15) Bit Hulmi
16) Bit Istar
17) Bit Ittatu( house of Idaddu)
18) Bit Kapsi         Battanu ملكها
19) Bit Kari
20) Bit Karziabku
21) Bit Killala
22) Bit Kimil Adad
23) Bit Laqipu
24) Bit Matimu
25) Bit Milshipak( house of melishipak)
26) Bit Mugia( Bit Ulgia)
27) Bit Nagia
28) Bit Nakiru … Naki( Nakri)
29) Bit Nakari ( hose of Carpenters)
30) Bit Napahe ( house of blacksmith)
31) Bit Nap Shumalia ( house of the God shumalia)
32) Bit Pilantu
33) Bit Rapiqu
34) Bit Rie Rappi  بيت رئيس الرعاة ( house of the cheef shepherd)
35) Bit Rikim Abad ( House of the thunder of adad)
36) Bit Rituti
37) Bit Sha Ilti ( Dur Illtai)
38) Bit Silia
39) Bit Sin- asharidu
40) Bit Sin- iriba
41) Bit Sin Irabi
42) Bit Sin- Ishmanni
43) Bit Sin Shemi
44) Bit Tamtea
45) Bit Tarish Sharru ( Bit Tasak Sunkik)
46) Bit Ulgia
47) Bit Uzali هل هي بيت غزالى- من الغزل؟
48) Bit Zahmi
49) Bit Zatti         Kaki  ملكها اسمه
50) Bit Bittati ( houses)
51) Bit Bitum Rabium
المناطق الجغرافية التي تبدأ ب"Sha  " تعني ال"Bit "
52) Sha Anpima
53) Sha Atta Mitik
54) Sha Attata
55) Sha Balihu
56) Sha Barbari ( House of Wolves) برباري= ذئب وهو بيت برباري
57) Sha Beltia
58) Sha Burra hutte
59) Sha Hanta
60) Sha Hilik
61) Sha Ikali
62) Sha Imire ( of asses- بيت فخمي الضرا..- اميرى )
63) Sha Kattarzah
64) Sha Kilka
65) Sha Kupia
66) Sha Kutu
67) Sha Marazza
68) Sha … Nankari ( House of Carpenters)
69) Sha Nishe ( of people بيت الناس- ناشي )
70) Sha Purna Mashhum ( of protection of the God)
71) Sha Shangibari
72) Sha Shilitu
73) Sha Warad Egalli ( of the place of servent)
74) Sha Bit Imbi [شرق بدرة ]

G. Cameron History of early Iran p. 216- 217.
الى اللقاء في الحلقة رقم (6)   




137
ماذا لو سأل توني ادور شاؤول؟
نبيل يونس دمان
     عفواً ماذا لو سال الملاك توني قاتليه، باي ذنب قتلتموني؟ لقد وضعت ارجلي الناعمة للتو على سلّم الحياة الذي كنت ارغب في ارتقائه، لابلغ اعلى مراتب العلم والمعرفة، وانا اشرب من مياه النهرين واقتات خبزي من ارض بلادي، التي حرثها اجدادي بعرق جبينهم لتغدو حديقة غناء، اينما وجهت ناظريك ترى جبالاً شماء وسهولا خضراء. لكن الزمان غدر بهم، فاذا ورثتهم الجدد ناكري الجميل، يغرزون اظافرهم في جسدي الطري، انا حفيد الملوك حمورابي، سنحاريب، ونبوخذنصر، وقد كان العالم القديم رهن عقولهم النيرة وقبضاتهم القوية.
     يا قاتلي، اني لم ارتكب جناية، ولم ازعج احدا، اسالني عن امنياتي لاقول لك: كنت انوي استعادت وجه بلادي المشرق، فاجعلها قبلة الزوار والسياح من ارجاء العالم، كنت اجعل ارضها تدر اشهى الاثمار، وتكون مأوى لكل الحيوانات، وتسبح في فضائها اجمل الطيور والبلابل، ولاجعل السماء تضاعف مطرها! والقمر يسبح في مياهها، مغتسلا في ليال هادئة، امنة، تلهم المحبين، وتطلق قريحة الشعراء، لا حدود لامنياتي، لكنكم قضيتم عليها في ربيعها الخامس.
     يا قاتلي مهلا! فجذوري لن تنتهي ولن ينقطع نسلي، سيواصل تراب الرافدين عجن امثالي، بجمالي، بعقلي، بتطلعي، اما انتم، يا آفة الارض المخيفة، يا رجسها وادرارها، ستفقدون الى الابد طعم الحياة، سيظل شبحي يطاردكم، وستظلم الدنيا في وجوهكم.
     اني ذاهب لامثل امام ربي، هناك وانا ارتدي ذات الملابس التي صبغتموها بدمائي، لن اطلب منه ان يغفر لكم، لانكم ببساطة وبرودة دم سترتكبون جرائما جديدة بحق الابرياء من امثالي، لكنني ساطلب منه ان يمطركم بغضبه، فدمي عليكم وعلى اولادكم. ساطلب منه ان يعزز ويقوي جبهة الناس الطيبين، المتضرعين الى الاعالي، وحاملي اغصان الزيتون، على ايديهم تنظف ارض بلادي منكم، ويعود اليها سحرها وجمالها المعهودين، فتشع عيون الاطفال بالابتسامة وبريق الامل.
     وانتم يا اهلي، والدي الحنونين، ابناء شعبي، انا اغادركم رغما عني، لم ارغب ان تكون في تلك العجالة، وفي تلك الطريقة البشعة، والأمَر ان اترك في نفوسكم الالم والحسرة، ان ربي سينظر بعين العطف عليكم، ويعطيكم الصبر الجميل، ولي وصية اخيرة :
     لا تحزنوا كثيرا فانا لست الضحية الاولى بل انا رقم اخر في سلسلة الضحايا الذين سقطوا في الماضي القريب. عندما ارجع! وانا ارتدي ابهى الملابس والحلل، افتحو اذرعتكم لي، احضنوني فانا بحاجة الى محبتكم وحرارة قلوبكم، افرحوا وغنوا كلما آتيكم في احلامكم، انا واثق بان وطني سيرتقي في نهاية المطاف ليصبح اجمل واعدل الاوطان، عندها فقط تستريح عظامي الصغيرة في قبرها الاصغر.
nabeeldamman@hotmail,com
May 13, 2009

 

138
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(4)

التاثير السياسي للقبائل الرامية:    
     اذا ما اردنا الحديث عن التاريخ السياسي والديموغرافي لبلاد مابين النهرين ومنذ بداية الالف الاولى لما قبل الميلاد فاننا لا نستطيع ان نتحدث عن هذا بمعزل عن دور هذه القبائل وتاثيرها على الخارطة السياسية والديموغرافية لهذه البلاد. الوثائق الرسمية الاشورية تظهر بشكل واضح وصريح مدى الخطر الذي مثلته هذه القبائل على الوجود السياسي للدولة الاشورية ومدى التغيير المؤثر في الخارطة السكانية الذي احدثته هجرات واستقرار هذه القبائل التي امتدت في انتشارها وزحفها حتى وصلت الى مشارف المدن الاشورية الرئيسية. من هنا لا نستغرب قوة ردّ الفعل الاشوري ليس في وضع حد لهذا الزحف وانما من خلال التعامل الحاسم مع وجودهم السياسي المتمثل في القضاء وبشكل نهائي على ما يزيد على خمسة عشر مملكة ارامية.  لقد كانت الاهوار الجنوبية الملاذ والملجأ الآمن لعشرات من القبائل الارامية التي وجدت في تلك المناطق العاصية ملاذاً لها ومستقراً آمناً وفرته الطبيعة الجغرافية الوعرة والتي عجز الحاكمون المتعاقبون على حكم هذه البلاد من اخضاعها اخضاعاً تاماً لمدة تزيد على الخمسة الاف سنة. من هنا يظهر الدور المزدوج لمنطقة الاهوار والقبائل الارامية المستقرة فيه والدور المؤثر والفعال في حصول التغييرات السياسية المتلاحقة في بلاد ما بين النهرين والتي ابتدأـ بسقوط بابل بيدهم سنة 626 ق.م وسقوط اشور بتحالف مع العناصر الاخرى المعادية خلال فترة 615- 606 وما ادى ذلك الى فراغ عسكري استغله الفرس في الانقضاض على اخر معقل سياسي لاحفاد الشعب الاكدي- الارامي وذلك باحتلال قورش الاخميني لبابل سنة 539 ق.م .  القبائل الارامية 
1) بيث آموقاني Bith Ammukkani:

     هذه القبيلة كانت احدى القبائل الارامية- الكلدانية التي استقرت الى جانب القبائل الاخرى في مناطق الاهوار بدءً من الالف الاولى قبل الميلاد. [ القبائل الارامية في منطقة الاهوار اتخذت لنفسها اسم كشّدو ثم كلدو ومن بعدها اورد يهود السبي في عهدهم القديم اسمهم تحت لفظ الكلدان] سنة 734 زعيم هذه القبيلة الكلدانية المدعو يوكين- زير احتل بابل بعد ان اشتد الزحف الارامي شمالاً بمحاذاة الفرات عبر القرون الماضية. ولقد اخذ العرش لنفسه.   
     واستجابة لاستغاثة البابليين قام تغلث بلصر بارسال حملة عسكرية، رحب البابليون وجميع الاهالي من غير الكلدان بالحملة.
2) بيث ياقين Bit Yakin:   
     ونجم التاييد الشعبي لحملة تغلت بلصر لتحرير بابل من احتلال الكلدان فان هؤلاء كانوا متحصنين بقوة مما تطلب من الملك الاشوري جهد ثلاثة سنوات لتحقيق هدفه. ولقد استعان بالعمل الدبلوماسي ايضاً فكثف اتصالاته مع العديد من زعماء القبائل الكلدانية ومنهم مردوخ- ابيل اودينا زعيم عشيرة بيث ياقين. واخيراً نجح الجيش الاشوري في اقتحام بابل فهرب يوكين زير الى الجنوب ملتجئاً الى عاصمة قبيلته في الاهوار[ الاراميون" الكلدان" انظارهم دائماً كانت على بابل وحتى سنحت الفرصة لاحتلالها فعلوا ذلك] الا ان الجيش الاشوري لاحقه الى منطقته محطماً اياها وكذلك مناطق القبائل التي تحالفت معه. في حين سلمت مناطق الزعيم الكلداني مردوخ بلادان وذلك لعلاقته الطيبة مع اشور( 1) .
التحالف الارامي مع عيلام:    
    منذ ان ركز الاراميون وجودهم في ارض البحر اي في الاهوار الجنوبية فان هدفهم النهائي كان السيطرة على تلك المدينة العظيمة التي عجزوا عن تحقيق ذلك بقوتهم الذاتية وذلك بسبب مقاومة اهالي بابل لهم من ناحية ولنجدة الجيش الاشوري لسكان بابل كلما تعرضوا الى غزو القبائل الارامية- الكلدانية.   
    امام هذا الوضع السياسي فان الزعماء الاراميين- الكلدان شخصوا صوب العدو التاريخي لبابل وهم العيلاميون فعقدوا التحالفات المستمرة معهم لهدف تحقيق غايتهم.     
     الحملة المشتركة بين الجانبين كانت قد حصلت ضد بابل اواخر القرن التاسع قبل الميلاد بعد ان اصطدموا بالجيش الاشوري.
     ان تجاور الكلدان والعيلاميين جغرافياً خلق ظروف المصلحة المشتركة بين الطرفين. وكان من ثمار هذا التحالف السيطرة على بابل سنة 721 ق.م ولكن التحالف مع عيلام هذه المرة كان الصديق القديم لاشور مردوخ بلادان وذلك في عهد الملك سرجون الثاني (2) .
     الا ان سرجون الثاني بعد انتهاء من حملات عديدة على جبهات مختلفة قام سنة 710 ق. م بحملة لتحرير بابل ونجح في ذلك سنة 707( 3) .
الاضطرابات الكلدانية:
    لقد واصلت القبائل الارامية- الكلدانية خلق الاضطرابات لملوك اشور المعاقبين فكما حصل لتغلث بلصر وسرجون الثاني الذين قمعا تمرد هذه القبائل وقضيا على احتلالهما لبابل فان الشيء ذاته واجهه سنحاريب... ففي سنة 703 قام مردوخ بلادان بتنظيم القبائل الارامية- الكلدانية بعد ان ضمن تاييد عيلام اثار التمرد في بابل وعمت الفوضى واحتل بابل فجهز سنحاريب حملة ضده فهرب باتجاه الجنوب فتعقبه الجيش الاشوري ملحقاً الدمار بمعاقل المتمردين في منطقة الاهوار( 4) .
موطن القبائل الارامية في بلاد ما بين النهرين:
     اعداداً كبيرة من القبائل الارامية كانت تعيش في خارج منطقة النفوذ الاشوري شرق نهر دجلة في المناطق المجاورة للخليج.
القبائل المجاورة لعيلام:    
     اهمها كانت تلك التي في راس اليابسة (Land Rashi )  وهي:
همانو Hamanue
بيث امبيل Bit Imbil
بوب Bube
بيث بوناكي Bit Bunakki
بيث عرابي Bit Arrabi اررابي ( 5)
     اما التهديد الذي مثلته هذه القبائل لاشور فممكن ملاحظته من حالة الصراع الدائم والمستمر بين الطرفين حيث قاد الجيش الاشوري حملات عديدة ضد حوادث التمرد والاضطراب التي كان يثيرها زعماء هذه القبائل والتي اشتدت في عهد اشور بانيبال حيث كان يتزعم تمرد القبائل الارامية Bel Ibni ومن ثم خلفه في هذا الدور Naboopolassar الذي بدا حياته العملية كحاكم اشوري لارض البحر حيث من موقفه هذا سعى بتجميع الجهود والطاقات لنيل الاستقلال من اشور ... بحلول سنة 626 جميع منطقة بابل كانت قد خضعت له. ... تحالف مع الميديين لاسقاط اشور. الا ان نبوخذنصر لم يكن راغباً بوقوع ممتلكات الامرباطورية الاشورية بيد الميديين( المنافسين الايرانيين) ... بعد حصار قاس وثلاثة معارك طاحنة وقعت بين حزيران واب نجحت الهجمة الاخيرة في اب بالقضاء على نينوى( 6) .
الهوامش :
(1) Saggs: The might that was Assyria p. 90- 91.
(2) Saggs: The might that was Assyria p. 72.
(3) Saggs: The might that was Assyria p. 96- 97.
(4) Saggs: The might that was Assyria p. 100.
(5) G. Cameron History of early Iran p. 200.
(6) G. Cameron History of early Iran p. 216- 217.
الى اللقاء في الحلقة رقم (5)   

 
 


139
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(3)

من نحن ؟ كلدان ؟ سريان؟ اشوريون؟
     هذه الاسماء التاريخية التي ملأت صفحات تاريخ بلاد ما بين النهرين لالاف السنين لها مغزى وواقع مغاير لما كانت عليه في السابق. ففي الوقت الذي ملأ انسان بلاد ما بين النهرين الموحد سياسيا وفكريا ودينيا واقع تاريخ هذه البلاد باعتباره شعب واحد منذ فجر التاريخ وحتى ظهور المسيح والقرون الاولى منها فان الاسماء التاريخية هذه تمثل في عصرنا الحاضر حالة التمزق والتشتت والضياع التي عليها ابناء ذلك الشعب الذي ارسى اسس الحضارة وخلق جنة في ارضه دامت آلاف السنين.
     شيء واحد لم يتغير، وهو طمع الطامعين قديماً وحديثاً في ارض بلاد ما بين النهرين. ففي فترة ما قبل الميلاد ونتيجة لوحدة شعب هذه البلاد فقد تمكن من بناء حضارته وسجل اعلى مستوى في حياته من جميع الجوانب ونجح بسبب وحدة ابنائه ليس في التغلب على الصعوبات التي واجهته في بناء حضارته وانما في ردع الطامعين بارضه وابعاد خطرهم عنها. لا غرابة اذن ان نجد الشعب الاكدي واحفاده البابليين والاشوريين يبلغون القمم في كل مجال رغم احاطتهم وتطويقهم بالاقوام البربرية وشبه البربرية والبدوية الطامعة بارضهم التي حولوها الى جنة غناء لالاف السنين.
     ولئن كانت حلقات الطامعين في بلاد ما بين النهرين في العهد الاكدي وخلفائه البابلي- الاشوري مقتصرة على الاقوام المحيطة بهذه البلاد فان حلقات الطامعين اخذت بالتوسع والازدياد بعد سقوط السلطة السياسية لاحفاد الشعب الاكدي بسقوط نينوى 612 ق.م وبابل 539 ق. م. فشملت في القرون التالية الفرس، والاغريق وبعدهم الرومان والعرب والمغول والاتراك واوربا وحاليا العالم اجمع[ النفط] .
     منذ بداية الزمن عاش الشعب الاكدي في بلاد ما بين النهرين من منابع نهريها الخالدين دجلة والفرات الى سواحل الخليج. في هذه الارض بنى الشعب الاكدي المدن العظيمة واستنبط الضوابط الكفيلة بخدمة الانسان وتقدمه فبنى حضارته العريقة التي كانت غايتها وهدفها سعادة الانسان وليس الطبقة الحاكمة.
     بسبب ازدياد عدد ابناء الشعب الاكدي فقد حصل استقطاب بين اقوى مراكزه وتجمعاته، وبحدود الالف الثانية قبل الميلاد برز ابناء هذا الشعب على شكل مجموعتين قويتين الاولى عرفت:
 1- البابليين: في جنوب البلاد.
 2- الاشوريين: في شمال البلاد.
     مع الانقسام الديموغرافي حصل التنافس الحضاري بين المراكز البارزة للقسمين الذين يشتركا بلغة واحدة وديانة واحدة وكتابة واحدة وتاريخ واحد وارض واحدة. ان الفرق الوحيد القائم كان متمثلاً بوجود لغة اكدية واحدة ولكن بلهجتين بابلية واشورية هذا الاختلاف في الوقت الحاضر بين لهجة البصرة ولهجة بغداد او الموصل. ما عدا هذا فان جميع القضايا والامور المتعلقة بانسان هذه البلاد كانت مشتركة وواحدة لكلا القسمين:
     الاموريون:
     هؤلاء لم يكونوا غرباء من الاكديين، بل يشتركون واياهم بجذور لغوية وعرقية واحدة، وكانوا يمثلون امتداداً ديموغرافياً للعرق ذاته حيث كانوا ينتشرون في صحراء سوريا ومناطقها الاخرى اسوة بالموجة التي اعقبتهم بعد قرون والمتمثلة في الموجة الارامية.
     لقد بدا التغلغل الاموري في بلاد ما بين النهرين لا سيما اقسامه الوسطى والسفلى منذ عام 2200 وبلغ الذروة عام 2000 ق. م حيث ساهموا الى جانب اخوانهم الاكديين في القضاء على المحتلين الكوتيين القادمين من جبال زاغروس والذين نجحوا في غزو مناطق محددة من جنوب بلاد بابل. اجل ساهم الاموريون في القضاء على الوجود الاجنبي الغريب وارسوا مع اخوتهم الاكديين اسس السلالة المعروفة بالسلالة الامورية التي كان سادس ملوكها الملك العظيم حمورابي.
     وفي الوقت الذي كان حمورابي ملكاً لبابل كانت اشور تحت حكم الملك اشمى ادد الاول الذي اتحفنا بوثيقة اكتشفت في العاصمة الاشورية خورسباد وفيها يذكر وجود 38 ملكاً من اجداده الاشوريين[ كما يسميهم] والذين من بينهم 17 ملكاً سماهم من ملوك الخيام حيث كانوا ملوك مملكة سيمورم المعروفة اليوم بكردستان ويرجع تاريخ هذه المملكة الى 2750 ق. م .
     انها حقيقة ثابته ان التاريخ قد انصف بابل، الا ان الجغرافيا قد ظلمتها. ففي الوقت الذي تمثل التضاريس الارضية لبلاد اشور التلول والجبال الشاهقة، فان بلاد بابل هي ارض سهلية لا يحميها حاجز طبيعي سواء كان بحراً ام جبالاً ونتيجة لهذه الحالة فان ارض بابل الغنية التي كان يطمع للاستقرار بها كل فرد كانت سهلة الاختراق وبشكل خاص من جهة الاهوار الممر التاريخي لمعظم الطامعين في بلاد ما بين النهرين سواء المستقرين او الغزاة.
     نتيجة ضعف خلفاء حمورابي فان موجة طامعة من القبائل البربرية كانت تتحين الفرص للانقضاض على بابل وما ان حانت تلك الفرصة حتى قامت هذه الموجة من القبائل المعروفة بالكيشيين باحتلالها، وبالنظر للخلفية البدوية لهؤلاء فان تكيفهم مع واقع الحياة في بابل كان ضرورة لادامة احتلالها فتقبل المحتلون الثقافة البابلية [ الاكدية] فاستخدموا اللغة الاكدية في ادارتهم وحياتهم واتخذوا إله البلاد اله لهم ولم يحيدوا عن الخط الحضاري الذي كانت عليه بابل لدرجة انهم لم يتركوا لنا ما يستحق الذكر والاشارة اليه باي لغة سوى اللغة الاكدية.
     موجة اخرى بدات تحوم في بلاد سوريا او آرام متمثلة بالقبائل الارامية التي انطلقت من مواطنها في صحراء جنوب سوريا منذ عام 1600 وبلغت القمة في استقرارها في بلاد ارام في عام 1200 حيث شكلت العديد من الممالك السياسية التي منها مملكة دمشق.
     لقد كان المد الارامي مؤثراً على الخارطة السياسية والديموغرافية في عموم المنطقة ووصلت مساحات انتشاره – ولو بشكل اقل مما في بلاد ارام- بلاد بابل حيث تفاعلوا مع ابناء البلاد الاصليين من الخليط الاكدي- الاموري ونجحوا جميعاً في سنة 1200 ق.م في القضاء على الوجود الكيشي حيث عادت بابل الى اهلها يحكمها حكام اما من البلاد ذاتها او نواب عن ملك اشور.
     لم يتوقف زحف وانتشار القبائل الارامية على بلاد ارام " سوريا" وانما زحفت مجاميع هائلة منهم عبر القرون باتجاه المناطق الوسطى والشمالية من بلاد ما بين النهرين مشكلين تهديداً جدياً لوجود اشور. هذا الموقف اجبر الملوك الاشوريين على اتخاذ موقف حاسم من خطر الاستقرار الارامي في الاراضي الاشورية. ونتيجة للحملات القوية تم ازاحة المجموعات التي كانت قد استقرت في العديد من المناطق في حين تعرض الكيان السياسي الارامي في بلاد ارام الى ضربة قوية حيث قضى الجيش الاشوري على العديد من الممالك الارامية المنتشرة هناك في القرت التاسع. آخر معقل ارامي كان حماه قضى عليه الملك سرجون الثاني.
     لقد كان للقضاء الاشوري على الوجود السياسي الارامي آثاره البعيدة المدى اذ اشتدت هجرة اعداد كبيرة من الاراميين الى الاقسام الجنوبية لبلاد ما بين النهرين وخصوصاً الى منطقة ارض البحر( بيث اراماى- منطقة الاهوار الحالية) .
     عاملان جوهريان ساعدا القبائل الارامية على التغلغل ونشر نفوذها هي طبيعتهم التجارية المرنة وسلاسة لغتهم وحرفها المتطور المتكون من اثنان وعشرون حرفاً.      لقد عبر ابناء بلاد ما بين النهرين عن تقييمهم العالي لدور الحرف الارامي وسلاسة لغته والتي وان كانت تشترك بجذورها مع الاكدية الا ان الاكدية وبحروفها التي تزيد على ال( 600) حرفاً لم تكن قادرة على الصمود امام حقيقة كون الارامية اداة متطورة تصلح لمجتمع متطور. وهكذا حلت الارامية تدريجياً محل الاكدية في الاقسام الجنوبية لبلاد ما بين النهرين. بحلول القرن الثامن قبل الميلاد كانت هذه اللغة قد مدت جذورها في منطقة بابل باكملها وفي القرن السابع كانت قد تغلغلت في بلاد اشور حيث استخدمت اول الامر جنباً الى جنب اللغة الاكدية( اللهجة الاشورية) ، وفي الفترة الاخيرة من عمر الامبراطورية الاشورية اضحت اللغة الوحيدة المستعملة في الوثائق الرسمية للدولة كما اصبحت في ذات الوقت لغة التخاطب للشعب ساعد قربها من الاكدية على تعلمها واستخدامها ولقد تركت بصماتها على الخارطة اللغوية والناطقين بها والتي الى يومنا هذا نقف احياناً حائرين امام بعض المفردات مثل اشور واثور واشوري واثوري هذا الاختلاف المتاتي من غياب حرف ال" ث" في اللغة الاشورية( الاكدية القديمة) الذي استبدل حرف ال" ش" جرياً على النطق الارامي فاصبحت " اشور" كما قلنا " اثور" [ لا تزال الى يومنا هذا بعض القبائل الاشورية او الاثورية تستخدم اللفظ الاشوري القديم ولا تستخدم في التخاطب الحرف البديل حرف" الثاء" فاهالي مركه وتياري وبعض مناطق صبنه يقولون بيسا( بيت) ماسا( مدينة) خمسا( شابّة) بدلاً من بيثا وماثا وخمثا]. باختصار شديد نقول انه اثناء سقوط الامبراطورية الاشورية 612- 606 ق.م فان اللغة الارامية كانت اللغة المهيمنة على عموم منطقة الشرق الادنى القديمة وكانت الاكدية التي سادت قرابة الفي عام قد تراجعت امام الارامية معترفة بتفوقها وفاعليتها.
     في الصفحات الماضية يمكن تلخيص ما اشرنا اليه بما يلي:
1- ان الشعب الاكدي هو الشعب الاصيل المقيم في بلاد ما بين النهرين منذ بداية الزمن وترك شواهداً لا تحصى ليس خلال فترة التدوين( العصر الاكدي) وانما قبل التدوين من الشواهد التي لا عدّ لها ولا حصر من اثار مناطق سكن التجمعات التي تعكسها الاثار المنتشرة في سهول نينوى، والخابور واعالي ما بين النهرين وفي الاقسام الوسطى والجنوبية للبلاد تلك الشواهد الاثارية التي ترجع بقدمها الى عشرة الاف سنة قبل الميلاد او ما يزيد عليها.
 2- ان اكبر هجرة موثوقة ومؤكدة الى بلاد ما بين النهرين كانت هجرة القبائل الامورية التي تشكل امتداداً لغوياً وعرقياً للشعب الاكدي.
 3- الاراميون كما نوهنا فان هجرة القبائل الارامية بلغت القمة في القرن التاسع قبل الميلاد ولقد كانت محصلة تفاعلهم مع بابل واشور ان تركز وجودهم نتيجة الموقف منهم في ارض البحر اي منطقة الاهوار والتي اتخذت منذ ذلك الوقت اسمهم حتى في السجلات الكنسية المتاخرة واصبحت معروفة ب" بيث اراماى" كما نوهنا.         
الى اللقاء في الحلقة رقم (4)   



140
رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(1)

الرسالة الاولى
ولدنا العزيز الغالي نبيل دمان المحترم
تحية تقدير واحترام
     كنت قد عزمت على الكتابة لك مقتصراً على الناحية الفكرية، الا انني لم استطع مقاومة الرغبة في كتابة بضعة كلمات شخصية لك، اطلب منك المعذرة ان كنت قد اوردتها في غير مكانها. وانا في هذا كمن هو في موضع الشخص الذي لا يتمكن من الالتفاف على واقع مشاعره تجنباً للتصادم المحتمل بين الموضعية في التعبير عن الرأي وبين الشعور الشخصي.
     بعد هذا اسمح لي ايها الابن العزيز ان اقول: انني فرحت فرحاً لا يوصف حين تسنى لي التحدث لفترة قصيرة معك انعكس لي خلالها العمق الذي اتمناه للناس الذين لهم منزلة خاصة ومميزة عندي. قبل كل شيء وجدت فيك ذلك الامتداد النقي الطيب الطاهر العطر الذي في عائلتك الكريمة، وتمثل في ذات الوقت امتداداً للنموذج الانساني الذي عليه والدك الكريم وبهذا فانت قد ارسيت القاعدة الصلدة لكل الاشياء العظيمة التي يتمناها الانسان.
     رسالتكم الرقيقة والمقالات التي كتبتموها- والتي تيسر لي الاطلاع عليها- عكست هي الاخرى اشياء كثيرة زادت في قناعاتي السابقة ورسخت ما تصورته عن الجانب المضيء فيكم.
     ان التقائي الخاطف معكم قد ولـّد عندي الرغبة الجامحة على اعتباره بداية طيبة للقاءات مستمرة وفاتحة عمل مشترك في مختلف المجالات والتي اتطلع فيها شخصياً الى التعلم منكم في كثير من المجالات حيث ان المعدن الثمين يحتفظ دائما بقيمته العالية والغالية.
     بعد هذه المقدمة ارجو ان تسمحوا لي بان ابين راي الشخصي في بعض الملاحظات والافكار والملامح التي- حسب راي- توصلت اليها من خلال قراءة هادئة لما كتبتموه محاولاً ان ابين لشخصكم الكريم ما اعتقده صواباً مستعيناً بذلك بنهج علمي وتاريخي مثبت لا يقبل الشك وفي ذات الوقت متجرداً من العاطفة التي هي غشاوة الحقيقة.
     دمتم ذخراً للدور الرائد الذي انتم مؤهلون للقيام به لخدمة امتكم وشعبكم.
صديقك / وعمك/ هرمز ابونا
3- 8- 1994
كلدان ام اشوريون:
     كنت في البداية راغباً في الكتابة عن " عندما يغدو الصغار كباراً" # 1. لما تركته في نفسي من تاثير من حيث خاصيتها في التعبير عن اصالة انتماء الانسان الى التراب الذي ولد عليه ونقاوة المشاعر والحب والاخلاص لتلك الارض التي شهدت طفولة الانسان. مقالتك هذه احتوت النبل والاخلاص في المشاعر، وهل هناك موقف افضل من ان يكون الانسان مخلصاً؟ لاسيما وان اخلاصه هي للارض التي انجبته.
    بعد قراءتي لمقالك" كلدان ام اشوريون" # 2 فضلت ان اكتب باسهاب عنها لانها ليست فقط موضوع الساعة وانما عليها يتوقف مصير امتنا وشعبنا وفي مقدمة هذه الاشياء العبرة والعواطف المخلصة التي تضمنتها خواطرك عن القوش اثناء فترة الصبا. اجل ان موضوع الهوية يطرح نفسه بشدة علينا جميعاً، وبقدر استجابتنا له يتحدد بشكل او آخر مستقبلنا وبقائنا وكياننا. اذ ان الاستجابة الايجابية لمسألة " وحدة الهوية القومية" فيها بقاء وادامة التراث العطر والحب الخالص ليس للارض الطاهرة التي ولدنا فيها وانما لكل الاشياء الطيبة الاخرى التي ورثناها من آبائنا واجدادنا من عادات وتقاليد ومثل حيث ستبقى حية مع اولادنا وجميع الاجيال المقبلة لا سيما في ارض المخاطر" الهجرة" .
     اجل ان الاتفاق على وحدة الهوية القومية وفي هذه الظروف الحرجة الدقيقة حيث تواجه طوائفنا المختلفة تحديات قوية جداً في بلاد المهجر تهدد بمسح كامل هويتها ومسخ شخصيتنا ووضع نهاية ماساوية لتاريخنا العريق الذي دام آلاف السنين.
     ان علامات الخطر تدق بعنف في ضمائر وافكار المخلصين والواعين من ابناء امتنا لوقف حالة التداعي السريع الذي نمر به حيث تمتصنا المجتمعات الغريبة عنا عرقياً ولغويا وثقافياً وتراثياً وتحول انساننا الذي طالما وضع اسس الحضارة الانسانية ووضع قواعدها لخدمة الانسان، الى رقم في المجتمعات المادية التي تبرز فيها السادية على جميع القيم الانسانية التي طالما نقشها اجدادنا على الالواح الطينية. نعم هناك كثير من الامور المهمة والملحة تواجه ابناء امتنا ولكن قوانين الطبيعة تؤكد ان الاشياء تحكمها ظاهرة الاوليات. واذا ما اخذت هذه الاوليات بتسلسلها المنطقي فان النتائج تكون مثمرة. وعلى العكس، فان تقديم القضايا التي هي من حيث الاهمية تاتي بالدرجة الثانية على تلك التي لها الاولوية فان النتيجة تكون خسران الاولويتين. ولكي اوضح ما اعنيه اقول: تواجه شعبنا الكثير من المسائل الملحة لا سيما في المهجر وهي اولويات ملحة مثل العمل على تحصيل القوت اليومي والمحافظة على الهوية والعمل في حقول اخرى، اين يجب ان تكون نقطة التوازن؟ هل يكون للعمل من اجل الاثراء الاولوية على العمل على المحافظة على الهوية ( مثل الحفاظ على اللغة والعادات والتقاليد ) ؟ ام ان جالياتنا المتوزعة بين ثقافات مختلفة مليئة بالاغراءات القوية والامراض الاجتماعية القاتلة يجب تركها لكي تحدد الضوابط والمؤثرات الخارجية مسارات الافراد في المجتمع حيث يترك الفرد وحيداً للتعامل مع المجتمع الذي يعيش فيه وعليه ان يقدر مدى اهمية تسلحه بمقومات الهوية؟ تلك المقومات التي تخلق له استقراراً اجتماعياً قبل الاستقرار الاقتصادي[ ظاهرة تفكك العائلة في المهجر] .
     هل من الصواب ان نترك الاب يحرم ابنه من تعلم لغة الام؟ وتربيته على القيم والعادات النبيلة التي ورثناها عبر الاف السنين ليجد هذا الاب ابنه يعامله كما يعامل الابن او البنت الغربية آبائهم وامهاتهم اللذان غالباً ما يموتون في دار العجزة بعد حرمان عاطفي قاسي لاولادهم الذين تطبعوا بالعادات الغربية التي ترى في ترك العائلة وقطع الروابط العائلية مسالة طبيعية؟ .
    اننا امام خطر حقيقي يواجهنا اليوم ويطوقنا من كل الجهات. اجل ان الخطر برز بشكل عنيف بعد اشتداد حملة الهجرة من ارض الوطن الام حيث هناك عِظام الاجداد يحتضنها التراب الطاهر لآلاف السنين. ان مصدر الخطر كامن في طبيعة الهجرة الفجائية التي لم يكن الرعيل الاول المستقر في البلدان المختلفة والمتمثل في غياب هياكل الجاليات comunity structure قادرة على استيعاب الاعداد الهائلة من القادمين الجدد لقولبتهم في قالب متميز بالمحافظة على الهوية الذاتية. ان موجة الهجرة في السنوات الاخيرة كانت بمثابة فيضان جامح ترك آثاره السلبية على ابناء شعبنا ولم يمض على تواجدهم في بلاد المهجر سوى سنوات قليلة. كما قلنا بسبب غياب التنظيمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية لجالياتنا القديمة في المهجر فان هذا الغياب عبر عن عجزه البالغ في استيعاب عشرات الالوف من المهاجرين الجدد خلال فترة قصيرة ووضع نموذج نقتدي به ... !
     حينما كنا في الوطن الام، فان مدننا العزيزة كانت خير حام ٍ لهويتنا، ولدنا فيها وترعرعنا وتجذرت فينا عادات وتقاليد الاباء والاجداد. وفي ذات الوقت، فان الاسلام بحد ذاته شكل طوقاً عازلاً ساهم في المحافظة على هويتنا من خلال تمييزنا الذاتي بين ابنائنا كاقلية مسيحية وبين الاكثرية المسلمة.
     على العكس مما كانت عليه الاحوال في الوطن الام، فان المهجر الذي وصله المهاجر من قرانا ومدننا المثقل بالكثير من الهموم والذكريات يجد امامه في المجتمعات الجديدة في الغرب كل المقومات التي تقوده الى فقدان هويته ومسخ شخصيته التاريخية واذابته في المجتمع الجديد ومن ثم طوي آخر صفحة في تاريخنا الطويل والعريق.
     نعم، على عكس ما كانت الحالة عليه في الوطن الام من وجود مناعة ذاتية تعتبر جزءاً مكملاً لشخصية انساننا وهي المحافظة- ولو بتحمل المرارة- على هويته القومية والدينية، نجد المجتمعات هي مجتمعات " مسيحية" وبهذا فانها فتحت ثغرة قوية في سور دفاعها التقليدي المستمر في الوطن الام. هذا المجتمع الجديد وبمغرياته التي لا حد لها ولا حصر لها، تدع القادم الجديد الذي عانى في اكثر من ناحية تجعله متلهفاً الى تعويض ما فاته ولا سيما الشباب منهم، فنجد الاندفاع الشديد للتعامل والتفاعل معه وللاسف ان هذا لا يتم مع الجانب الايجابي في المجتمع والمتمثل في التقدم العلمي والتقني والمجالات الواسعة للتأهيل المهني والعلمي وانما يتم التفاعل مع الجانب السلبي منه والمتمثل في ما افرزته المجمعات الصناعية من امراض اجتماعية. شواهد هذا التفاعل السلبي تُلمس اثارها الماساوية يومياً وسط التجمعات التي قدمت حديثاً والتي تبدأ بتفكك تلك الروابط المقدسة التي ارساها آبائنا والتي اثبت آلاف السنين صواب القاعدة الخلقية التي كانت تستقر عليها. الجنوح الى الممارسات اللامشروعة والقيام باعمال تعتبر بمختلف المقاييس الشرعية والخلقية مخالفة اضحت هي الاخرى ممارساة عادية ويدفع الثمن الباهض لها.
     وفي الوقت الذي كانت كنائسنا في الوطن الام- وحتى سنين قريبة- تمثل هي الاخرى حارساً لهويتنا وعاداتنا وتقاليدنا. تلك المهمة التي قامت بها عبر مئات السنين، نجد هذه المؤسسة قد تخلفت في بلاد المهجر عن المهاجر حيث لم تواكب حركة الهجرة. وعندما اسست لها بعض المراكز هنا وهناك لم تكن في مستوى استيعاب الزخم والكثافة التي مثلتها الهجرة الاخيرة فظهر عجزها في التاثير في مسيرة الجالية في بلاد الهجرة اضف الى هذا فانها هي الاخرى- لم تنجوا من التاثـُر في النواحي البارزة في المجتمع الجديد، فنجد اعداداً كبيره من رجال الدين تغلب العامل السلبي في المجتمع على رسالتهم المقدسة فاصبحت نزعتهم مادية بحته يسعى فيها الفرد للحصول على المال على حساب المهمة الروحية ولا غرابة ان نجد بين هؤلاء طبقة من اصحاب الملايين ويمتلكون العقارات الفخمة والمصالح التي تدر الارباح الكثيرة.
الهوامش :
      # 1 موضوع في حلقتين، نشر في مجلة القيثارة الصادرة في ديترويت، عدد 4- تاريخ 1993، والعدد 1- تاريخ 1994.
      # 2 موضوع نشر في مجلة القيثارة الصادرة في ديترويت، عدد 5- تاريخ 1994.
الى اللقاء في الحلقة رقم (2)   

nabeeldamman@hotmail.com

USA
April 30, 2009




رسائل هرمز ابونا الى نبيل دمان
(2)

المؤسسة السياسية:
     شرائح واسعة من الموجات المهاجرة كانت لها جذور وخلفيات سياسية وجدت نفسها في موضع شاذ في المهجر حيث ان طروحاتها السياسية وافكارها الايدلوجية هما على النقيض مع الواقع الجديد في المهجر. ورغم المقدرة الكامنة في هذه الشرائح على تنظيم نفسها سياسياً الا ان مردود عملها في هذا المجال كان كمن يطرق على الماء. فهي لم تكن في موقع التاثير الحاسم على مجريات الامور في الوطن الام لبعدها الجغرافي اولاً وفقدانها لمبررات طروحاتها الفكرية لانطلاقها من ارض غريبة ثانياً. وكانت محصلة جهدها عجزها عن القيام بقراءة سليمة وصحيحة للحالة الجديدة اذ ترك المهاجر يعوم في المجتمع الذي يسعى لصهره في الوقت الذي مثلت مساهماتها تجاه الوطن الام الحد الادنى في مجال التاثير. اما من الناحية الاخرى، فان هذه الشريحة الواعية- وبعد ان قيدت نفسها بانماط النشاط والتفكير التي كانت سائدة في الوطن الام- لم تولي مصلحة ومستقبل ومصير الجالية والامة الاهتمام اللازم في الوقت الذي كانت فيه قادرة- وبحكم ثقلها النوعي- على التاثير في كثير من الامور المصيرية. ولقد كانت محصلة وانتشار الامراض الاجتماعية واتهام ثقافة وعادات المجتمع الجديد لزهراتنا المترعرعة في هذا المجتمع فاضحت تعيش غربة قاتلة عن هويتها واصلها وجذورها، اذ فقدت احدى الجسور المهمة في المحافظة على الهوية والتراث وهي " اللغة" . هذا ما حصل للجيل الثاني انا الجيل الثالث فانه يقدم لنا صورة ماساوية ودرساً لنعتبر منه ونحدد موقفنا ونضع الحلول لماساتنا المقبلة لا محالة اذ ان هذا الجيل [ الثالث] لا يعرف اصله وفصله... من المسؤول عن هذا... وهل بذلنا الجهد اللازم لكي نعذر انفسنا عن هذا السقوط .
ماذا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؟ 
     ان الخارطة السياسية في العالم تغيرت بعد نجاح قوات الردة في اسقاط الدولة الاشتراكية ومعسكرها. ولئن كانت الخارطة السياسية للعالم كان يجري اعادة رسمها بعد كل حرب عالمية فان الخارطة السياسية للعالم في الوقت الحاضر يجري تحديدها ورسمها دون ان تقع حرب عالمية ثالثة. اذ مثل سقوط الاتحاد السوفيتي بحد ذاته النتائج التي تمكن من اعادة رسم خارطة العالم من جديد.
     ماذا يمكن ان تقرا في هذا التغيير الهائل على المستوى العالمي؟. ان اول ظاهرة يمكن ان تقراها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي هو اعادة الاصطفاف من قبل المخلصين من قادة الدول التي كان يتشكل منها الاتحاد السوفيتي وبقية الدول الاشتراكية هذا الاصطفاف الجديد يمكن تشبيهه بالتراجع من خط الدفاع الاول الى الخط الخط الثاني اي من الموقع الاممي  الى الموقع القومي حيث ان الترابط بين الموقفين هو ترابط عضوي فان الهدف المنشود لتحقيق المصالح القومية هو الذي ولد رابطة العمل الاممي. بمعنى آخر ان محصلة النضال الاممي كان مردودها المتوخى هو الحصول على ازدهار النسان وتقدمه بمختلف قومياته التي منها يتشكل التجمع الاممي. لقد كان موقفاً صائباً، ذلك الموقف الذي وقفه قادة الاحزاب الشيوعية حين اصطفوا في الخط الامامي للدفاع عن مصالح امتهم القومية وبهذا فهم يحافظون عليها ويقومون بحمايتها في ظل ظروف غاب غاب فيها الكيان الاممي. لقد فعل عين الصواب الشيوعيون الروس والاوكرانيون والكازخيون والهنكاريون والاكراد وغيرهم.
ماذا عن امتنا:
     قياساً على عدد نفوسنا وبطوائفنا الثلاث( الاشوريون، الكلدان، السريان) فاننا نتمتع باعلى درجة من المساهمة العددية في الحركة السياسية بالنسبة للعالم كله. اذ لا يوجد له هذا العدد الهائل من ابنائه( على قلة عدده) قد انخرط بالعمل السياسي كما هو الحال بالنسبة الينا ولعل مرد ذلك هو الشعور الواعي بالاضطهاد المسلط علينا عبر القرون هو الذي ولّد الاصطفاف والتوجه السياسي. ان الالاف من ابنائنا قتلوا او سجنوا او شردوا وطردوا من اعمالهم بسبب نشاطهم السياسي المتميز بالفكر اليساري. اجل، في الوقت الذي قدم شعبنا ومن طوائفه الثلاث خيرة ابنائه شهداءً للحركة الاممية، فان غالبية ابناء شعبنا كانت معرضة الى عوامل السحق والذوبان والاضطهاد والتهجير واحتلال الارض. وتسجل في ذات الوقت حالة التداعي الثقافي والقصور في المحافظة على ادنى المقومات الكفيلة بضمان الهوية القومية. فقد حرمت غالبية ابناء شعبنا من تعلم لغتهم القومية وافتقروا الى مقومات التعبير عن العاطفة من خلال وسائل الاعلام كالراديو والتلفزيون في حين لم نذق طعم صحافة خاصة بنا وصادرة بلغتنا.
     كيف يمكن ان نرسم ملامح واضحة لحالة امتنا في الاونة الاخيرة؟. لا نجد صعوبة في ذلك فان جميع المعطيات اللازمة لذلك طافية على السطح:
 1) امة فقيرة في مجال النشاط القومي للمحافظة على هويتها ووجودها الانساني.
 2) امة غنية بكوادرها السياسية حيث تجود بعشرات الالوف من الكوادر السياسية المتمرسة في العمل السياسي ظلت تعمل بكل اخلاص وامانة في المجال الاممي وليس القومي.
 3) التطورات الساسية في منطقة الشرق الاوسط خلال العقدين الاخيرين ولدت حركة هجرة هائلة بين ابناء شعبنا هذه الهجرة [ السائبة] تحمل معها عوامل الفناء والقضاء على الوجود القومي بفعل اجتثاث ابنائنا من الوطن الام من جذورهم وكون بلاد المهجر مراكز ذزبان محقق ما لم يتم تدارك الحالة وبسرعة!
 4) الحركات السياسية والفكرية والتراثية القومية القائمة وسط ابناء طوائفنا ليست قادرة على وقف حالة التداعي والانهيار الذي يمر به شعبنا وذلك بسبب ضعفها النوعي اولاً وبسبب حالة التشتت والتمزق والانقسام المستمر في صفوف شعبها مما يضيع فرصة امكانية قيام فعل مؤثر لغياب عامل توحيد جهد جميع الطوائف.
ما العمل ؟
     في الوقت الحاضر، امتنا مقسمة بين طوائف عدة وحسب الانتماءات الكنسية:
 1) الاشوريون: اتباع الكنيسة الشرقية.
2) الكلدان: الكاثوليك من اتباع الكنيسة الكلدانية.
3) السريان: بشقيهم الارثوذوكس والكاثوليك.
     قياساً على عدد النفوس لجميع الطوائف المشار اليها فان الطائفة الكلدانية تمثل اكثر من نصف عدد السكان. وتعتبر اغنى الطوائف في المجال الاقتصادي والسياسي والفكري.
    اما الطائفة الاشورية ، فرغم قلة عددها فانها افرزت شرائح سياسية متعددة تعمل في المجال القومي غالبيتها غير مؤثرة لغياب الرؤية السياسية في برامجها وقلة خبرة قادتها وفقرها الى الكوادر السياسية المدربة.
     اما طائفة السريان فان القسم الارثوذوكسي الذي يمثل الاكثرية يتمتع بخاصية النضوج في الوعي السياسي. اذ رغم ان كنيسته حاولت ولعقود طويلة قوقعته ضمن حلقة ادعاء" الهوية السريانية" الا انه برزت بين صفوفه حركات مؤثرة ادت الى تقسيم الطائفة الى حدّ كبير. هذه الحركات نادت بصوت عالي ب" الانتماء الاشوري" للسريان واعلنت ان قوميتهم هي اشورية وان كنيستهم هي سريانية. فلعل ابرز تنظيماتهم السياسية المتطورة هي مطكستا" المنظمة الديمقراطية الاشورية".
     ان واقع الطائفة السريانية وما افرزته من تنظيم سياسي يمثل خطوة نوعية جبارة على الطريق الصائب لتحقيق الوحدة القومية بين ابناء الطائفة على درجة عالية من النشاط في سوريا واوربا( خصوصا السويد) واميركا وكندا.
ماذا عن الكلدان؟
     في الوقت الذي تنطلق صرخات العمل لتوحيد ابناء الطوائف المختلفة من هذه الطائفة او تلك وفي الوقت الذي يتشبث فيه البعض بطروحات ومواقف للمحافظة على الهوية القومية لا سيما تلك الصادرة من الطائفة الاشورية من اتباع الكنيسة الشرقية فان القطب المؤثر في كامل مشكلة شعبنا لا تزال كامنة في الطائفة الكلدانية ذات الثقل المميز. اذ ان هذه الطائفة وحدها هي القادرة على حسم حالة التمزق والتشتت والضياع التي عليها شعبنا في الوقت الحاضر.
     ان قيام حركة تنادي بوحدة الامة بين ابناء الطائفة ليست قادرة على تحقيق هدفها من خلال كثرتها العددية وحسب وانما بما تملكه من طاقات سياسية غنية لا زالت في مواقعها السياسية السابقة ولم تصل الى حد التفاعل مع الواقع المعاصر ومستجدات الظروف لما بعد الاتحاد السوفيتي. ان العمل القومي لتوحيد الطوائف الثلاث ولكي يكتب له النجاح فانه مرتبط باعادة تقييم عشرات الالوف من الكوادر العاملة ضمن المجال الاممي من ابناء الطائفة الكلدانية لمواقفهم وبشكل خاص موقفهم من قوميتهم وتلمس المخاطر المحدقة بهذا المصير فان هؤلاء وبما يمثلونه من عمق سياسي ونضج فكري قادرون وبدون شك ليس على وقف حالة التداعي والانهيار الذي تمر به امتنا وانما رفعها الى المستوى الكفيل بتحقيق الكثير من مطاليبها المشروعة وحقوقها الثابتة التي هي الان مجرد امنيات.
     ورغم ان بوادر التقييم المشار اليه يمكن ملاحظتها بين العديد من الكوادر السياسية التي اعلنت ادراكها وشعورها بمدى حاجة امتها لها فاصطفت بشكل واعي في خندق العمل لخلق الوحدة القومية وتعمل بنشاط في هذا المضمار إلا ان الغالبية لا تزال في موقع المتردد الخجول. وبكل تاكيد يمكن المراهنة على عمق ونضج وعي هؤلاء الذين بكل تاكيد ايضاً سيتلمسون بانفسهم دعوة التاريخ لهم لاخذ دورهم لانقاذ امتهم من الخطر المحدق بها. ً
الى اللقاء في الحلقة رقم (3)   




141
رابي ورمز ابونــــــــــا
رابي وَرْمِز أبونـــــــــــــا       مِليا مْحَخّمثـَه وْهونــــــا
كْمَه دْگارشْ وْفايتْ زونا        شمُّخْ پايش تِخرونــــــــا
كم أيذِنُّخْ مشَريثـَــــــــــه        گورَه پشيلَه وپْتـَنيثـَــــــه
شِمْشُخْ گنيلَه پْخَريثـَــــه        وبگاوُخ بْهيرَه تشعيثـَـــه
گو ألقـُش ماثه بريلـُــــخ       نِنْوه قـَم نيتُخ دريلـُــــــــخ
مدوكه لدوكه مْشنيلـُـــخ        ومِن دوراشِه لـَكليلـُــــــخ
أيقـــــــــارُخ بلبَّن بْراوه        وبأُرخُخ برخشي كل طاوه
مّوثـُخ بكثوي كـَثـــــاوه        ودْمّيثـَه بأينِه دســــــــاوه
ريشُخ أيريمَه شوُقلـُــخ        وپّوخَه وهَرّه لكِبْلـــُـــــــخ
قـَنْيَه بِّديْوثـَه طمِشْلـُــخ        ودِمّه دجونقِه مُرثِخلـُــــخ
بـِطلاثه قنومِه دْمَريَـــه        كْيَصريلِه كِمَّه دْأرْيَـــــــــه
كـُل گيانَه موثـَه پْخزيَه        وگو پْرشتخ أُمثـَه گبَخيَــه
لـَويوا مِطيـــــــــا دورَه         دْرَحقِتوا مِنَّنْ گــــــــــورَه
بَث زونَه قِشيَه وبــورَه        وپوشْ بـِشلامَه يا خــورَه
نبيل يونس دمان                                                                     

142
نساء متميزات في القوش
نبيل يونس دمان
     تناول تاريخ بلدتنا الحبيبة القوش، كتبة ومؤرخون من كل عصر، واضعين الرجل في الصدارة من النواحي الدينية، الوجاهة، الشجاعة، والثقافة، فيما اغفلوا المرأة التي تكاد تكون ظل الرجل، والتي لا يستطيع التحرك بدونها، فهي رفيقته التي تشد ازره في الصعاب، وبحسن تصرفها تجعله يقتحم محيطه، فيبرز ويتفوق ويدخل اسمه في عالم الشهرة. لقد قالوا ان المراة هي المدرسة الاولى للطفل يتعلم منها الابجدية الاولى ويرضع من صدرها نعم الحياة، فحتى لا يجنى على المراة علينا بين ردح وآخر ان نتذكرها انصافا لها وتشجيعا للمرأة العصرية التي تدخل اليوم بنجاح منقطع النظير، في ميادين العمل الجسدي والفكري، والنشاط الثقافي والاجتماعي.
     لقد ظلم الزمان المرأة منذ العصور الوثنية، فرفع دور الرجل الى القِمة، اذ نادراً ما يذكر التاريخ إمراة بارزة من بلادنا، باستثناء عشتار التي قصتها اقرب الى الاسطورة منها الى الواقع. تأملوا في الانبياء والاولياء ورؤساء الاديان ترى امامك اسماء الرجال، تاملوا الملوك والقادة والعظماء والفلاسفة فجلهم من الرجال، وفي الوقت الحاضر بدات تلك المعادلة بالتغير وان ببطأ ولكنها في نهاية المطاف ستتسارع وتستعيد المراة دورها كاملا ومساويا للرجل، ذلك من صميم متطلبات العصر، ومنطق العلم والحياة.
     آن الاوان ان ننهض بمهمة متواضعة في نفض غبار الزمن عن تلك الكتب التي تناست دور المراة ولو بشيء من الوفاء لتلك الاوجه النسوية في حياة بلدتنا الصامدة في ظروف قاهرة على تراب بيث نهرين، اقتبس منه العالم نفح الحضارة، التي احوج ما يكون عالم اليوم الى تذكرها والوقوف الى جانب المضطهدين من سليلي ذلك القوم، وما تبقى منهم في نينوى وحدياب ونوهدرا وكرخسلوخ وبغداد والبصرة.
      لنبدأ بامرأة اسمها( داي ميا)* من بيت شكوانا، فعندما داهم رجال نادر شاه الفارسي( طهماسب) بلدتها عام 1743، خطفوا وحيدها كوركيس، فبقيت كسيرة القلب، حزينة، وباكية، ثم نهضت ذات صباح، واخذت على عاتقها مهمة البحث عنه. تركت القوش باتجاه بلاد فارس، لاقت صعوبات لا يسع المجال لذكرها، حتى بلغت احدى قرى في اطراف( تبريز) هناك التقت وكيل القرية، طلبت منه اسعافها بالماء والطعام، نظر اليها جيدا، سمع صوتها، علم انها والدته، فاخفى ذلك عنها، وسألها عن قصتها بعد تناول العشاء، فحدثته عن كل شيء، ثم استفسر منها عن علامات ابنها الفارقة حتى تتمكن من التعرف عليه، فقالت : له جرح في اسفل رقبته من الخلف، فقال لها كوني هادئة ورابطة الجأش، فانا اعرف مكان ولدك وساوصلك اليه متى ما تصرفت بهدوء، وجعلها تعيش معه لفترة حتى انتهى موسم جمع غلة اميره، وفي ليلة فاصلة من حياتهما احنى راسه امام المرأة ليريها الجرح القديم في رقبته. ارادت ان ترتمي عليه لتقبله، لكنه اوقفها وذكرها بالاتفاق وبان حياتهما في خطر ان فعلت ذلك، ثم شرح لها خطته في الهروب. في اليوم الثاني اخذ والدته وعبر طرق وعرة ومنهكة في اورميا وراوندوز، وصلا الى بلدتهما التي استقبلتهما بالدموع والقبل.
     الامراة الاخرى هي كوزي اسحق، اخت البطريرك مار يوسف اودو، المتزوجة من حنا كورو رئيس، عندما توفي زوجها في الربع الاول من القرن التاسع عشر، كان ابنها يوسف( ويلقب ايسف) طفلاً، فخلف والده في رئاسة البلدة التي كانت ترزح تحت الديون ويستغل ذلك اغوات المنطقة لابتزازها، انبرت تلك المراة بارشاده، بعقلها وحسن اطلاعها لاوضاع المنطقة، فسار على هدى تلك النصائح، التي اثمرت بعد مدة في تحسن ظروف البلدة، وزيادة الاحترام لها من قبل اغوات المنطقة، واكثر من ذلك حظي ايسفي كوزل( نسبة الى امه كوزي) بمكانة مرموقة عند والي الموصل الذي كان الحاكم المطلق، وصار رئيس القوش الشاب مقربا اليه، وبعد مدة قصيرة اوكل اليه مهمة اختيار وعزل اغوات المنطقة من كل الطوائف والاديان، حتى وصل نفوذه الى مشارف العمادية.
      في الشجاعة يتصدر اسم الماص حسقيال زلفا التي كانت زوجة المناضل المعروف توما توماس، والكل يتذكر وقفتها في عام 1969 عندما دخلت مركز شرطة القوش وطلبت من المعتدين على البلدة مغادرتها، رافقتها امراة اكبر منها سنا وهي نَعمِه زوجة بيبي تولا، اهتز مركز الشرطة من كلماتها وغادرتهم مهددة، لم يطل الوقت كثيرا حتى وصل زوجها ومعه العشرات من المسلحين الذين اجبروا بالقوة، كل المعتدين على القوش ان يغادروها مخذولين. غداة وفاتها في دمشق اواخر عام 1991 كتبت رثاء لها بعنوان ( مهلاً ايها الموت.... ) اقتبس منه الاسطر التالية:
جسد ام جوزيف الطاهر
 وقلبها الجسور، يعود للركون
 ويخيم الصمت والسكون
 مهلاً ايها الموت!
انت كالح ممقوت!
كوجه الطاغوت!
فطريقها زهور وورود
ومحطتها مجد وخلود

     هناك اسماء كثيرة اخرى وقفت الى جانب الرجل في التصدي للصوص الذين كانوا يداهمون البلدة. بعد انقلاب 8 شباط عام 1963 التحقت بالحركة المسلحة، في جبل القوش كل من: سعيدة اسرائيل تومكا و سارا لازو( زوجة يوسف ككا). وفي الثمانينات من القرن الماضي وصلت مواقع الانصار( البيشمركة) المناضلتان: منى توما توماس( ام اذار) واختها ماريا، والتحقت من اوربا المناضلة كاترين الياس الصفار الى ذرى جبال كردستان، عند هذه الانسانة اتوقف قليلا في التفصيل لاعطي حقها ومكانتها التي تركته للتاريخ. زميلتي كاترين في ثانوية القوش وجامعة الموصل عُرفت بنضوجها السياسي مذ شبت على الحياة، فواصلت طريقها الشاق في الثمانينات، كنصيرة مسلحة حتى عام 1988، عند انتهاء الحرب العراقية- الايرانية، وبدء حملة الانفال سيئة الصيت. لا زالت كاترين في ذلك الحماس، تندفع في النضال لنصرة المراة العراقية، وفي الاسهام في تقريب يوم استقرار العراق ورسوخ الديمقراطية فيه. دفعت كاترين ثمنا باهضا في نضالها المتواصل، فقد تركت مدرستها في عام 1963 لصدور امر القاء القبض عليها، وعاشت فترة في القرى المحيطة مع باقي اخوتها وامها، وفي كهوف بيرموس ولد شقيقها سردار، لن اطيل الحديث كثيراً، فهي للان تنشط في الساحة بجرأة واندفاع، لا يعرف الخوف طريقا الى قلبها، ولا الوهن سبيلا الى جسدها.



 

KOMATA VALLEY 1983
FRONT LEFT: FARIED DAMMAN, MARIA TOMAS, LENA DAMMAN
REAR LEFT: REILA, KEFAH, DR. KATRIN SAFFAR, OM JOSEPH


      وفي البطولة ايضا لا يمكننا المرور دون ذكر الشهيدة البطلة تماضر يوسف ديشا التي قضت في سجون الفاشست في الثمانينات من القرن الماضي ولم يعثر لحد الان على رفاتها، وكذلك الشهيدة ثائرة فخري بطرس التي قتلت في بيروت عام 1982.
     في الايمان بشكل عام ترى المرأة الالقوشية ملتزمة في الدين، تخشى الخالق وتتذرع اليه لمساعدتها على الدوام من الظلم الذي تشعر به من الاعراف البالية ومن تسلط الرجل، ولحسن حظها فقد اندثرت معظمها في السنين الاخيرة، واصبح للمراة مساحة اكبر للحرية، خصوصا في الدراسة واداء الوظيفة، والمشاركة في الفعاليات الاجتماعية.
     من هنا نشير الى بعض النسوة اللواتي برزن في حقل الدين، ففي النصف الاول من  القرن السابق، نطالع عن الامراة التقية مكو كريش، المتزوجة من كوريال شبو، فقد شاهدت في حلم لها القديس قرداغ، وهو يطالب باقامة مزار له او سيفني الحي السكني الحديث انذاك( خيبرتا) تكرر طلبه في الايام التالية، انتشر مرض اطفال في تلك المحلة، مما حدا بالاهالي النزول عند رغبته، وبناء مزار له، الذي اصبح اليوم صرحا دينيا هاما في البلدة، وتسمى مجموعة البيوت المحيطة به( حي مار قرداغ).
     امراة اخرى هي أنّو چونا التي كانت ملتزمة بواجباتها الكنسية وتساعد الفقراء، في ايام ( السفر برلك) لجأت امراة اسمها( مرّي) الى القوش فآوتها، وعاشتا بقية عمرهما معا كشقيقتين، كنت في صغري( حوالي 6 سنوات) اراهما تجتازان بيتنا في محلة اودو الى كنيسة مار كوركيس. الامراة الاخيرة التي اود تسليط الضوء عليها هي وارينة شاتو( الشيخ اصفر) التي سلخت سنوات من عمرها في كرم الرب، كنت اراها في الستينات متأبطة كتبها الدينية، من والى الكنيسة، عرفت بقوة شخصيتها، الى درجة كان الاطفال في الازقة يهابونها، مثلا عند تلفظهم كلمات نابية، تقف امامهم بقامتها ونظرتها الصارمة، فلا ترى اثر لطفل مخطئ الا واختفى من امامها. لم ترزق وارينة شاتو باولاد، لذلك تبنت ولدا من اسرة فقيرة الحال آنذاك، فتربى ونشأ نشاة حسنة في بيتها، انه الصديق اندراوس هرمز زلفا.
     في باب الشعر والغناء، عرفت الام كجكي التي كانت متزوجة من هرمز حميكا، في مقتبل حياتها نحو الربع الاول من القرن الماضي، قتل اخوها الشاب هرمز اورو حفتو( شبلا) في الموصل، فبكته بشدة وتفجر في داخلها بركان الحزن، فانطلقت تؤدي الغناء الحزين في المآتم، فتبكي من حولها ويقال مجازا انها كانت تبكي حتى احجار الحيطان، كانت كلماتها بالسورث وبالكردية تفعل فعل النار في الهشيم، فتنشد الصبر والنسيان لمن اثقلهم مصاب جلل.
     في مجال اغاني الطرب فقد مارست تلك الهواية نسوة في حفلات زفاف اقربائهن واصدقائهن، فكانت تبعث النشوى، وتطرب المستمعين، فيزداد الحماس في اداء الرقصات الفردية والجماعية، وفي السنين الاخيرة تميزت بعض بنات القوش بالغناء من وراء المايكروفون مثل: لينا صارو، نضال تومكا، وغيرهن.
     في الشعر عرفت كتي كچو( شقيقة المطران اسطيفان والساعور بتي) والدة حنا شبلا باشعار نظمتها بالفطرة منها قولها:
كم قطيلي هيلاني
بزالي لاثري وموطاني
انا وكلي منكياني
كو اره بالي بقومي
بداث موثه مخبلانه
لآزه وملكه وشلطانه

     اضافة الى النظم ، يروى عنها في ايام الجاويش احمد الصقلي( 1914- 1919) انه سجن اثنين من الشباب العرب في سرداب بيتها، فقامت في الليل وفتحت الباب لهم لتطلق سراحهم، وطلبت منهم فقط ان يرفعوا الباب من ركائزه ويطرحوه ارضا، فشكروا لها صنيعها وفي اليوم الثاني اقبل الصقلي وهو عازم على ارسال الشابين للموت، فراى الباب مخلوعا والشباب لا اثر لهم، فعربد وصاح على الامراة، فقالت" لا علم لي بما جرى، نهضت في الصباح فرايت المنظر الذي تراه"  فمضى في سبيله، عابسا، متجهما، ولافظا كلمات بذيئة.
     اما الشعر الحديث فابرزهن الشاعرة الراحلة بسمة كوريال جما( 1964- 199) وسهام يونس قيا التي سمعتها عام 1963 وكنت حينها في السادس الابتدائي تنشد للشهيد بطرس هرمز جركو:
دم الشهيد ينادي      الثأر يا ابناء بلادي
      واليوم ترد اسماعنا اشعار للاخوات: جنينة جميل حيدو، ثورة ابراهيم حيدو، منال ايليا ابونا، واديبة جلو( التي تكتب مواضيع ادبية مختلفة ايضا) وغيرهن.
     وفي الفنون برزت الامراة الالقوشية في مجال الفنون منها النقوش والتطريز وصنع الطباق والسلال واغطية الراس من سيقان الحنطة، وصبغتها بمختلف الالوان. هناك امراة تخصصت بالدمي التي تتزين بالالبسة الشعبية المختلفة، وانواع الحلي وغيرها، تلك هي الفنانة الموهوبة استر حنا زرا. بجانبها امراة اخرى هي سمرية بحو شهارا التي كانت تصنع التحفيات المختلفة من البلاستيك وكذلك في التطريز وفي صنع وترتيب غطار الراس( البوشية) الجميل والشهير والذي يعود الى ازمنة غابرة في عمق التاريخ. هناك فنانة اخرى في عالم المعجنات، وفي الرسم والديكور انها لبيبة سليمان جهورو صاحبة الذوق الرفيع. فنانة اخرى هي جميلة موسى ساكو التي ادت ادوارا بارزة في الاعمال المسرحية، مثل تمثيلية بصخوثا( الفرحة).
     جمال المراة هبة من هبات الطبيعة مظاهره، الطول، لون البشرة، العيون، الى خفة الروح، طيب المعشر، والسمعة الطيبة، هكذا كانت في زمانها سرّي رئيس الملقبة( تُرّا) ووارينة نجار( قچمي) المتزوجة من اسطيفو اودو. اما گوزي يلدكو فكانت جميلة الى درجة تغزل بها حتى الرهبان،عندما ترتقي طريق دير الربان هرمزد الملتوي مع قريناتها، كان يقف الراهب الشاعر برعيتا منشداً:
گوزي:
 دَمرَتّخ شتله دمرقوزِه
كُدْ گدَه أليلخ ربّانِه
كم گرمزي گرموزِه

( اشبهك يا گوزي بشتلة النرجس، عندما يلمحك الرهبان، ينكمشوا على بعضهم)
وفي صديقتها ناني يترنم برعيتا:
ناني:
 دَمرَتّخ شتله دريحانه
كُدْ گدَه أليلخ ربانه
طالخ كْپيشي حيرانِه

( ناني اشبهك بشتلة الريحان، عندما يلمحك الرهبان، تنتابهم الحيرة).
     كانت يد الامراة الحنون في العلاجات الشعبية تبعث الراحة في المريض، ابرز امراة في هذا المجال كانت صارا يقوندا التي كانت تجبر الكسور في النصف الاول من القرن العابر، كثير من الحالات عالجتها بنجاح فيما عجز اطباء الموصل عن ذلك، هناك مجبرة اخرى اسمها حبوبة( زوجة يوسف جولاغ) وكذلك كانت مريم واصلها من سعرت( والدة رزوقي) تداوي العيون، وحاليا تقوم جميلة برنو( زوجة يوسف قس يونان) ببعض العلاجات الشعبية المختلفة.
     كثير من بنات القوش اشتهرن وابدعن، نلن الشهادات العالية منهن حملة الدكتوراه، والماستر، والبكالوريوس، ومنهن الطبيبات والمهندسات والمدرسات وغير ذلك، وممن يحظرني اسمها الاخت جانيت حبيب شهارا التي برز اسمها على نطاق العراق في التمريض، كذلك تبوأت مؤخرا السيدة سلمى داود حيدو( ام رنا) بمنصب سكرتير رئيس الجمهورية لشؤون المراة، ومعروف انها فصلت من جامعة بغداد في الستينات لاسباب سياسية، فاكملت دراستها في اوربا الشرقية، هناك اقترنت بالشخصية العراقية المعروفة د. لبيد عباوي( ابو رنا) وكيل وزير الخارجية الحالي.       الى هذا الحد نتوقف، ونحن على اعتقاد جازم باننا اغفلنا اسماء عديدة، بسبب محدودية مجال استقصائنا، والنسيان وليس الاغفال، لكننا نتذكرهم متى ما ارشدنا القارئ العزيز اليهن، عن طريق مراسلتنا او الاتصال بنا، ليكتمل الموضوع، ونقدر بان قلم كتابنا في قابل الايام سيتناولهن بجلال ومهابة.
* داي ميا( داي من الكردية بمعنى الام) اصبحت في مغامرتها السالفة مشهورة، خصوصا بعد ان استقر احد احفادها في تلكيف فنشأت عشيرة( دايميا) في تلك البلدة العريقة في التاريخ، كحاضرة من حواضر نينوى العظمى.
nabeeldamman@hotmail,com
MARCH. 8, 2009

143
اليهود ومرقد النبي ناحوم

بقلم نبيل يونس دمان

    في كل عام ، كان النشيد يتصاعد هاتفاً في سماء القوش ( بالتوراة وبالنبي ، نبي ناحوم القوشي ) و نستهل موضوعنا من صداه في نفوسنا ، عن شخصية تاريخية ودينية ، تعود اصولها الى بلدتنا والى الطائفة اليهودية ، التي عمرت في العراق منذ العصور الوثنية ، اي ما قبل مولد المسيح ملك المجد . معنى كلمة ناحوم هي المعزي ، والاسم يرد في الإنجيل المقدس ضمن الأنبياء الصغار ( وِقـْرُ نينوى . سفر رؤيا نحوم الالقوشي . نحوم 1 : 1 ) ، هناك تفسيرات متباينة عن أصل النبي ، إن كان من القوش آشور، او من الجليل الأعلى بفلسطين ، عِلما بأن القوش الثانية اندرست من الوجود . لكن المؤرخين وعلماء الاستشراق ومنقبي الآثار يرجحون كفة القوش آشور كون نبؤته تنطبق على إنسان عاش بالقرب من نينوى وعرف كل معالمها وحتى الطبيعة المحيطة بها ، حين كتب يقول ( ونينوى كبركة مياه منذ كانت . نحوم 2 : 8 ) . المؤرخ القديس هيرونيموس من القرن الرابع الميلادي ، نسب ناحوم الى القوش في الجليل قرب عماؤس بفلسطين . وهناك اعتقاد اخر بان مولده في ( كفرناحوم ) وبالعبرية بمعنى بلدة ناحوم ، وقد كان اسمها في السابق القوش ، وتيمنا به غدا اسمها كفرناحوم . كل ما ذكر من آراء واختلافات نتجت من عدم وجود تفصيلات بهذا الخصوص في الكتاب المقدس الذي هو المصدر الرئيسي ، لكنها دون استثناء تضع الأولوية في القوش ببلاد آشور.
     نرتكز في موضوعنا على واقع وجود قبر النبي في أرض القوش منذ عشرات القرون ، حيث يزور اليهود ذلك الصرح من مختلف أنحاء العراق والعالم ، فزيارته من الواجبات الدينية الهامة ، ويقدس المكان المسيحيون والاسلام ايضا ً ، منذ العصور السحيقة ، وعلى الدوام كانوا يقدمون له النذور ، ويشعلون الشموع التي كانت تضيء هيكله ومقامه المهيب ، ويأتون بمرضاهم طالبين عونه في الشفاء . ويعتقد على النطاق المحلي بان ناحوم هو سليل عائلة مسبية من أيام ملوك نينوى الاشداء الذين اخضعوا العالم القديم لسيطرتهم العسكرية والسياسية ، ان تسلسل الملوك الذين أخضعوا شعب اسرائيل واحتلوا مدنه وخربوا دياره وسبوا الجزء الأعظم من سكانه الى نينوى ، هم على التوالي : تغلات بلاصر( 744 – 727 ق. م . ) ، شلمناصر ، سرجون ، سنحاريب ، أسرحدون ، آشور بانيبال .
     وأكبر سبي حدث في التاريخ بقيادة الملك البابلي نبوخذنصر( 605 – 562 ق. م . ) حيث خرب هيكل سليمان ، وأسِّر ملك اليهود ( صدقيا ) . لذلك تجمع معظم المسبيين في بابل والمدن التاريخية في جنوب بلاد النهرين ، فعملوا في الزراعة ، وزرعوا الاشجار ، وعمّروا المدن ، وأشتغلوا أكثر في التجارة وإنتهى الامر بتجارتهم التي كانت تستند الى الجرأة والمغامرة ، ليصلوا الى شواطئ الهند وأعماق الصين ، حيث كلما إزداد إضطهادهم ، كلما تغلغلوا في اراض ٍ وبلدات اخرى مثل : عيلام ، ضفاف الخابور، أقاصي الموصل ، الرقة ، حران ، الرها ، أمد ، سنجار ، وأربل . وفي عهد الملك الفارسي كورش ( 539 ق.م ) سمح للآلاف منهم بالعودة الى ارض اجدادهم ، فبنوا هيكل سليمان الحكيم الذي استغرق بناءه 47 عاما ً.
     لم تزدهر أفكار الشريعة عند الكهنة واللاويين ( نسبة الى لاوي ابن يعقوب ) ، إلا في بابل ( ان بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الارض . من خمرها شربت الامم . أيرميا 51 : 7 ) ، ويعتبر التلمود البابلي بقسميه : غمارا ومِشنا ، أعظم شأنا ً من التلمود المقدسي . ولا ينسى وجود رابط زمني بين المشرع البيث نهريني الملك حمورابي وموسى الكليم ، الذي أمضى مع شعبه أربعين عاما ً في صحراء سيناء ، قبل ان يشق طريقه الى الارض التي تدر عسلا ً ولبنا ًفي فلسطين ، بعد معاناة طويلة في ظل الاضطهاد الفرعوني . لو تتبع أحفاد مؤسسي الأديان الثلاثة التوحيدية تعاليم الاديان وجذورها لاكتشفوا قوة العلاقة بينها ، لم تكدر صفوها الا المصالح الضيقة ونزعات السيطرة ، كم تتقارب اللغة العبرية مع العربية والآرامية التي جميعها من عائلة لغوية واحدة هي السامية ، وعشيرة ابراهيم الخليل ( أنت الرب الإله الذي اصطفيت أبرامَ وأخرجته من أور الكلدانيين وجعلت اسمه إبراهيم . نحميا 9 : 7 ) دعيت في التوراة بالعبريين ، نسبة الى جدهم الأول الذي عبر نهر الفرات .
     تدفقت الموجات الاولى للبشرية من جنوب العراق والجزيرة ، لتصل الى منطقة الهلال الخصيب ، فأمتزجت فيها أجناس متعددة ، لذلك تراودني الشكوك ، الادعاء ان  التجمعات البشرية هناك صافية ، من أصل واحد ، وتعود الى عنصر مختار دون غيره . ان مغادرة عشيرة أببنا ابراهيم ، أرض شنعار الى أرض الكنعانيين كانت بأمر الرب ، وكان أولاده واحفاده من بعده ، يعودون ليتزوجوا من بنات بلاد النهرين ، وأهمهم في هذا الامر يعقوب ( اسرائيل ) ابن اسحق وزوجاته الآراميات ( ليـّه وراحيل ) فتشكل ذرية كل هؤلاء ، وعلى توال ِ العصور من جذر أرض السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين ، أما الكلدان (كسديم ) فقد نشأوا في جنوب بابل وكانت حاضرتهم ( بيت ياكين ) ، ولم تعم تسميتهم بالكلدان الا في عهد نبوبلاصر ونبوخذنصر حيث بلغت حضارتهم في تلك الفترة أوجها ، لكنها سرعان ما خبت مع وفاة الملك ، ومجيء اولاده واحفاده الضعفاء فضاعت معها الممالك القديمة وحتى اليوم ، ليحل محلهم الغرباء من الفرس واليونان والرومان والأيلخان والترك .
      وصلت مجاميع كبيرة من اليهود الى بلادنا في سني السبي الآشوري والبابلي ، واستخدمها الأحرار في الزراعة وبناء القلاع والأسوار في المدن القديمة ، كانت القوش واحدة منها ، حيث يشكل موقعها الحصين أمام سلاسل الجبال ، قلعة  متقدمة لحماية نينوى عاصمة الدنيا القديمة ، وكان ظهور ناحوم الذي ولد لأب إسمه ألقـْون ، علامة بارزة في تخليد البلدة وربط حاضرها بذلك الماضي الموغل في القدم ، فتربى في كنف عائلة السبي ، مع اخته سارة التي مثواها اليوم في كوخ بجوار المزار في القوش ، ودرس في بيوتات اليهود الدينية الموجودة آنذاك ، وطرح نتيجة دراسته وتعمقه في واقع شعبه ، أمنيات على الورق ، أصبحت فيما بعد نبوات تحققت ، في سقوط نينوى العظمى عام 612 ق.م  ومدينة نوأمون ( الطيبة ) المصرية  663 ق. م. ( فكل من يراك يعرض عنك ويقول قد دمرت نينوى فمن يرثى لها ومن اين اطلب لك معزين ، هل انت خير من نوأمون الساكنة بين الانهار ... نحوم 3: 7 : 8 ) . كم تؤشر هذه الصورة ، الى عمق دراسة ناحوم عن نينوى ، والأنهر التي تصب فيها مثل الخوصر، وكم كانت تلك الأنهر خطرة على نينوى في موسم الفيضانات ، رغم الاستحكامات والنواظم التي عززت على مدى القرون  * .
     كانت تشغل ناحوم مسألة  انعتاق شعبه ، وفكهم من قيود الأسر والعبودية ، ليعودوا الى أرض أجدادهم  في يهودا واسرائيل وجبل صهيون ، كانت رؤياه عن زوال مجد نينوى في بعض نصوصها تقول ( ويل لمدينة الدماء الممتلئة بأسرها كذبا ً وخطفا ً التي لا تفارقها الفرائس ، هوذا صوت السياط وصوت زلزال الدواليب والخيل الجاثلة والعجلات الطافرة . نحوم 3 : 1 : 2 ) . اليهود في كل أرض بلاد ما بين النهرين ، لم يركن لهم قرار في البقاء ، سوى لاستغلال الفرص ، استثمارالأموال ، رسم الخطط ، وارتياد كل السبل ، للوصول الى أهدافهم في العودة الى أرض أجدادهم ، لذلك لم  يتآلفوا مع بلادهم الجديدة ( يا ابنة بابل الصايرةَ الى الدمار ِ طوبى لمن يجزيك ما كافأتنا به ، طوبى لمن يمسك أطفالك ِ ويضرب بهم الصخرة َ . المزمور 136 : 8 : 9 ) .
      حدثت هجرات معاكسة من بابل الى اسرائيل ، أهمها كانت بقيادة زربابل ، وخير من نظمها وكتب أسفارها الكاهن نحميا والكاتب عزرا ، اللذان دونا القوانين الدقيقة في الشريعة الموحى بها فيما مضى لنبي الله موسى ، كل القرائن تشير الى ان المسبيين ، كانوا من خيرة طبقات الشعب اليهودي من كتبة وكهنة وشيوخ ولاويين ، اما العائدون أيام ملوك الفرس ( كورش ، داريوس ، ارخشاد ) ، فكانوا من الناس العاديين الذين لا يزاولون الاعمال المجدية ولا يمتلكون الاموال لاستثمارها ، لذلك فان كتبة التلمود البابلي والادب العبراني يعد افضلهم في بابل . يقول الكاتب العراقي المعروف يوسف رزق الله غنيمة  " ان الآداب التي انتجها العبريون في عهد ساداتهم في سهول الفرات ودجلة ، كانت في بعض الاعتبارات من أبدع ما كتبه الشعب الصغير " . ومن الآيات التي تخلد المسبيين ، التي فيها من البلاغة وفيض المشاعر ( على أنهار بابل جلسنا فبكينا عندما تذكرنا صهيون ، على الصفصاف في وسطها علقنا كنانيرنا . مزمور 136: 1 : 2 )  وكم كانوا شديدي التمسك بأرضهم ومعتقدهم ، عندما طلب أهل بابل منهم ان ينشدوا ويغنوا ، فكان جوابهم  ( كيف نرنم ترنيم الرب في ارض غريبة . المزمور 136 : 4 ) .
     مرت على الطائفة اليهودية في العراق ظروف انتابتها ايام مضيئة وأخرى مظلمة ، شأنهم شأن اقوام العراق الأخرى التي شهدت الحالات نفسها عبر الحقب الزمنية ، وحتى نصل الى القرون الحديثة فقد استمر اليهود في وجودهم كباقي سكان العراق .غداة دخول الانكليز بلادنا جرى إحصاء للسكان فكان عدد اليهود ( 87487  ) . في عام 1941 شنت وزارة رشيد عالي الكيلاني المتعاطفة مع النازية ضغوطات شتى ضد اليهود تتوجت بحملة ( الفرهود ) المعروفة وأدت نتائجها من قتلى وفقدان الممتلكات ، الى تخلخل وضعهم وبالتالي أصبحو أكثر تقبلاً لفكرة المنظمات الصهيونية العالمية ،  وفي عام 1947 كان عددهم في حدود 137 الف ، وعند انشاء دولة اسرائيل عام 1948 ازداد الاضطهاد ضدهم ، كما ونشطت وضغطت المنظمات اليهودية العالمية ، باتجاه اجلائهم ليس من العراق فحسب بل من دول الشرق الاوسط وافريقيا ، هكذا غادر غالبيتهم العراق ( اكثر من مئة الف ) ليبقى فقط المئات وفي بعض المدن ، وعند مجيء البعث الفاشي الى الحكم عام 1968 كان أول عرض دموي له تعليق جثث بعض اليهود الى جانب عراقيين من مختلف الملل في ساحة التحرير مدعيا ً تجسسهم لاسرائيل ، وقد حاكمتهم محكمة عسكرية برئاسة المقبور طه الجزراوي ، كان ذلك بتاريخ 27- 1- 1969 . آخر مصيبة عصفت بهم كانت في أواخر التسعينات من القرن الماضي ، عندما تعرض كنيسهم في البتاوين ( قرب حديقة العلمين ) الى هجوم رجل فلسطيني مسلح ، فقتل اثنين من المسنين اليهود وحارسا ً مسلما ً . اما اليوم فباق منهم فقط 28 شخصا ً ، يتركزون في بغداد ، ان أعمار نصفهم تجاوزت السبعين ، وكان آخر زواج تشهده الطائفة عام 1978 . إذن تقترب شمس اليهود للمغيب كليا ً عن العراق حيث مثوى أجدادهم ومهد لغتهم وأرض سبيهم .
      دعنا نعود الى الكلام عن رفات النبي ناحوم التي كانت مدفونة في مرقده ، فكما هو معلوم قدسية المكان من قبل أهل القوش المسيحيين، ويعتبرون أنفسهم حماة المكان وورثته ، كون الراقد هو ابن بلدتهم ، لكن اليهود في العصور المتاخرة وأثناء حكم الدولة العثمانية لبلادنا الذي استمر أكثر من خمسمائة عام ، رفعوا دعوة في اسطنبول عن أحقيتهم في المكان وفي النهاية اي بعد ثلاث سنوات من المرافعات خسر أهالي القوش الدعوة ، كان ذلك في حدود عام 1650، وعندما تناهى الخبر الى أسماعهم ، تسلق عدد من الشباب جدار المعبد ونبشوا قبر النبي فأخرجوا عظامه ووضعوها في إناء خزفي وحفروا لها مكانا ً في الجهة الجنوبية من هيكل مار ميخا النوهدري ، ودفنوها هناك ، وكان مبررهم الخوف من ان ياخذ اليهود الرفات الى جهة اخرى ، وظلت هناك الى اليوم ، والدليل في عام 1987 اتخذ ت الكنيسة خطوة لفتح المكمون في المكان المذكور، وكان المبادرون كل من المطران عبدالأحد صنا والقس هرمز صنا والقس يوحنان جولاغ ، وفتحت أدراج الجهة العليا لتظهر عظام المعلم الشفيع مار ميخا ، وفي الجهة المقابلة عظام النبي ناحوم ، وبقيت معروضة للاهالي لمدة اسبوع ، ثم اعيدت الى مكانها بمراسيم دينية وبجموع حاشدة من المؤمنين وهي تتضرع الى الرب وبشفاعة القديسين ان يوقف النزيف على الجبهة العراقية – الايرانية .
      مر كثير من السياح على ضريح النبي ناحوم وكتبوا عنه مثل بنيامين القطيلي عام 1173 الذي ذكر في البداية بان الكنيس من أعمال الموصل ، ثم كتب انه جنوب بابل ، وبنيامين الثاني ( يوسف اسرائيل 1818- 1846 ) حيث بحث عن الاسباط العشرة المفقودة ، ثم كتب عن النبي ناحوم الذي ضريحه في القوش ، وبالمناسبة قال ان سكانها من الأرمن ، ربما حدث خطأ مطبعي لتقارب الكلمتين الأرمنية والآرامية وكان يقصد الثانية ، وهنري لايارد المستشرق والدبلوماسي والمنقب البريطاني المعروف ، الذي زار القوش عام 1846 ، كتب ما يلي ( القوش هي قرية آشورية ذات أهمية - في الماضي نسطورية والآن رومانية - كاثوليكية . التقاليد القديمة السائدة هنا تقول بوجود ضريح النبي ناحوم القوشي فيها ، كما جاءت تسميته في مقدمة نبوءاته . ينظر المسيحيون والمسلمون الى هذا المزار على حد سواء بعين من الاجلال ، وهيبته كبيرة خاصة عند اليهود الذين يعتنون به وفي فترات معينة من السنة يحجّون اليه أسرابا . اما الضريح فهو عبارة عن صندوق متواضع من الجبس ، مغطى بقماش أخضر اللون تبدو علية آيات توراتية مختلفة مع تواريخ وملاحظات عن زيارة الضريح من قبل العائلات اليهودية ، مكتوبة بأبجدية عبرية غير واضحة ، بينما المبنى الذي يضم الرفات فله طراز عصري بحت ويخلو من أية كتابات ، ولا يحوي أي عبارة لها علاقة بالعصور القديمة ، لا اعرف شخصيا مصدر هذا التقليد وليست عندي فكرة ، منذ متى له علاقة بقرية القوش) . كتب القس ويكرام عن المرقد في كتابه - مهد البشرية – عندما زارالمنطقة في حدود عام 1911 ما يلي ( القوش مكمن صغير بائس لكن – كنيسها - يفخر بمزار شهير هو قبر النبي – ناحوم - الذي يتمتع هو ايضا بمنزلة من القداسة لا تقل عن مزار – يونان : يونس – بوصفه ولياً من اولياء المسلمين . على ان مفسري التوراة عموما يؤكدون بان – القوش النبي ناحوم كانت في فلسطين -  لكن الرواية المحلية تصر بانها القوش الآشورية . ويحج اليهود سنويا ً ويزورون القبر . على كل حال فان المسألة تحتمل الأخذ والرد . فناحوم هو من ابناء السبي وهو لاشك يعرف نينواه خيرا ً مما يعرفها اي ساكن من سكان فلسطين ) .
من أهم مزارات اليهود في العراق :
1- مرقد النبي ناحوم في القوش- شمال نينوى بمسافة 30 ميلاً .
2- قبر عزرا او العزير ، بين القرنة والعمارة .
3- مدفن النبي حزقيال او ذي الكفل ، قرب الحلة . الذي شيده ملك اليهود يهوياكيم .
4- مرقد يوشع كوهين بجانب الكرخ - بغداد .
5- مرقد الشيخ اسحق الغاووني ، بجانب الرصافة - بغداد .
اشتهر من اليهود :
      في العصر الجاهلي الشاعر( السموءل بن عاديا ) وهو القائل عن ابراهيم الخليل ما يلي :
فهذا خليل ٌ صيَّر الناس حولـــــــــه            رياحين جنـّات الغصون الذوابل ِ
وهذا ذبيح ٌ قد فداه بكبشـِـــــــــــــه            براهُ بديهاً لا نِتاجَ الثياتـــــــِــــل

 وقال الأعشى يمدح السموءل :
 كن كالسموءل اذا طاف الهمام به            في جحفل كسواد الليل جـــــرار
     وبرز ايضا في زمن الأيلخانيين - التتار يهودي اسمه ( امين الدولة ) حيث اصبح حاكما ً على الموصل . وفي القرن العشرين ساسون حسقيل ، الذي اختير نائبا عن بغداد عام 1908، وبين ( 1920- 1923 ) اختير وزيرا للمالية وكان أكفـأ وزراء العراق آنذاك . كما انخرط في الحركة الوطنية العراقية أعداد من اليهود ايام الحكم الملكي ، وكان اول وطني يسقط في المظاهرات شاؤول طويق (1926- 1946) ، كما استشهد ساسون شلومو دلال عام 1949 بتنفيذ حكم الاعدام فيه . ومن الوجوه الوطنية ، الكاتبة سعاد خيري ( سعيدة ساسون ) ، والمؤرخ المعروف مير بصري الذي توفي مؤخرا في العاصمة البريطانية لندن ، والأديب الاسرائيلي سمير النقاش المولود في بغداد عام 1929 ، ففي حوار أجري معه عام 2000 ، في مجلة الثقافة الجديدة قال ما يلي ( في صيف 1948 سافرنا الى الموصل لنصيف شهرا ً ، كان الحر شديدا ً .... مكثنا شهرا زرنا خلاله حمام العليل و مرقد النبي يونس ، وزرنا مرقد النبي ناحوم في القوش حيث يتكلمون الارامية الجبلية) . في اكتوبر عام 2003 زار القوش الميجر جابلين ونشر مقالة في وكالة - جورَسليم بوست ، فالى مقتطفات منها ( اسمع الارامية في شوارع البلدة ، سألنا عن قبرالنبي ناحوم ...  انهمرت الدموع من عيوني عندما اقتربت من الضريح ... اخبرني الاهالي بان تحت حكم صدام الكثير من الكتابات العبرية المحفورة قد طليت. وقالوا حاولنا تصليح وتنظيف ما استطعنا . بعدها أروني قطعة حجرية عليها كتابة بالعبرية كانت قد سقطت من الجدران ، واعادوها الى مكانها . لم يكن لي مزاج ،لاخبرهم بانهم وضعوها بالمقلوب ) .
      في كل عام ، كان يحل موسم زيارة الضريح ، الذي يستمر اسبوعاً ، حيث يتوافد الى البلدة مئات من اليهود من مختلف مناطق العراق  والدول المجاورة ، في قديم الزمان كانوا يأتون قوافلا ً ، اما في النصف الاول من القرن العشرين فباستخدام السيارات والباصات الخشبية ، التي كانت تحمل شعاراتهم واسم المكان الموفد منه مثل ، يهود الموصل ، بغداد ، البصرة ، زاخو ، دهوك ، عقرة ، السليمانية ، راوندوز وكثير غيرهما . علما بانهم كانوا لوحدهم يمتلكون قريتين في شمال نينوى ، تقع إحداهما شمال سد دهوك إسمها ( سندوري) ، والثانية واسمها ( بي تنوري )  التي يترادف اسمها مع قرية دوري المسيحية المجاورة وتتبعان حاليا ناحية كاني ماسي ( ايند نوني ) .
     كانت تتم الاحتفالات الدينية داخل المجمع المحيط بالهيكل ، فيقرأ الكهنة اليهود التوراة ثم يدورون حول قبره منشدين ، ويخرجوا الى الفناء قاصدين قبر أخته البتول ساره ، وعند انتهاء المراسيم الدينية ، يبرح موكب حاشد من الجنسين  باتجاه سفح الجبل ، وهم في أجمل أزيائهم وأفضل حليهم ( كل منطقة لها ازياؤها الخاصة وكذلك اللغة التي تتكلم بها ، فيهود سندور وبي تنوري وزاخو واتروش ودهوك ، يتكلمون السورث ( السريانية الشرقية ) اضافة الى اللغة الكردية ، اما يهود الموصل وبغداد فيتكلمون العربية ، والذي يأتي من تركيا بالتركية ومن بلاد العجم بالفارسية . بهذه المناسبة أود الاشارة الى ان اليهود العراقيين كانوا يتكلمون الآرامية حتى زمان حكم الدولة العباسية حين تحولوا الى الللغة العربية .
     كان أطولهم قامة يحمل الراية ( آخر من حملها كان اسمه شلومو ) ويتقدم الموكب شمالا ليمر امام مركز شرطة البلدة ( قشلة ) ويسير باتجاه وادي كهف المياه ( كپد مايه ) ثم يرجع وهم ينشدون أناشيدهم الدينية ، على أنغام المعازف والدفوف ، وأبرزه حفظ لحنه ومقاطع منه اهالي القوش هو ( بالطوراة وبالنبي ) وبالمناسبة لقد وضع الشماس يلدا أبونا ، مقتبسا بعض كلماتها ومعانيها من نشيدهم ، قصيدة على نفس اللحن مطلعها :
هاليلو موشِه وناحوم      وساره وأيليــــــا  **
ساره خاثد ناحــــــوم      ألقشنايا نويـّــــــا
مريم خاثد هـــــارون      كمنجه بمخايـــــا
كمخالصلا مريـــــــــا      من أيذا دمصرايا

     تقطع المسيرة الحاشدة ، مسافة قصيرة بعد خروجها من الوادي ، لتستقر في ساحة بين مستجمعي مياه الامطار ( خـَبرا ) العليا والسفلى ، هناك ينتظم رقص جميل وعلى أنغام المزمار والطبل ، يشترك فيه اليهود بشكل اساسي ، اضافة الى شباب وشابات القوش في ألفة ومحبة ، لم تتخللها المشاكل الا نادرا ً . يستمر الاحتفال والرقص والشرب والدبكات على مدى اسبوع ( من السبت الى السبت ) .وعلى ذكر السبت كان آخر ما قاله اليهود في زيارتهم الاخيرة التي سبقت هجرتهم الى فلسطين ، الآن دورنا وغدا دوركم ألا يأتي الأحد بعد السبت ؟ أي ان المسيحيين سيهجرون أرضهم ايضا ، فهل يمتحن الزمن تلك النبوءة ؟ . عندما جابههم بعض الناس بانهم سيتركون النبي خلفهم ، فهتف بعضهم قائلا ً ( النبي قدامنا ) اي ان النبي ناحوم سيصل قبلهم الى الديار. إستأثرت احدى الاغاني التي كان يرددها اليهود في القوش باهتمام شباب البلدة فحفظوا كلماتها حتى اليوم ، مطلعها باللغة الكردية :
 يك بلـّه ، دو بلـّه ، سي بلـّه لاوه . ***
 سه رْ سَري باوكي ورا مالامـــــــــه .
چما چيخانه بَفره وبارانـــــــــــــه .
عَسكريَّه خوشه وتعلومة گرانــــه .

حاليا يغني تلك الاغنية باللغة السريانية المطرب اليهودي المعروف اسحق كالو ( أصله من زاخو ) الى جانب أغان ٍ أخرى ومنها اغنية ( خجي - سيامند ) الذائعة الصيت ، والتي تدور احداثها في جبل ( سيپان ) - تركيا ****. ومن المغنين اليهود الذين اشتهروا في الغناء باللغة العربية يوسف جوريش . ثم اشتهرت اغنية في الموصل انذاك التي صاحبها جوق ( الدقاقات ) من حاملي الدنبك والدف والنقارة ومطلعها :
عفاكي عفاكي على فند العملتينو انا تعبتو انا اشقيتو على الحاضر أخذتينــــــــــــو
نزلتينو عالسرداب طعمتينو كفته وكباب سقيتينو عرق واشرب سكرتينو وأخذتينو
شفتينو ولد عالكيف توسلتي بأبو أوسو نيمتينو جوة اللحيف بفنودك قنعتينـــــــــو
شفتينو عالمودة جوزتينو جوة الأودة نيمتينو على القريولة بفنودك قنعتينـــــــــــو 

    اما سدنة الهيكل والقائمون عليه ، فقد عرف منهم ( شبّو) وبعده ( موشي ) المولود في السليمانية ، وعائلته المتكونة من الزوجة سعيدة والابناء : أكبرهم عزرا ( 1917 - ؟ ) ثم  ناجي والبنات ملكية ( 1926- ؟ ) وزكية وسارة ، بقوا في القوش كجزء من اهلها حتى رحيلهم حوالي 1950 الى اسرائيل ، كانوا يتكلمون السريانية كباقي عوائل القوش ، ويسكنون في المنزل المقابل للهيكل ، وقد كان بيتا ً واسعا ً ، يمتلئ بالزوار كل عام ، اضافة لسلسلة الغرف المبنية في الطرف الاخر من الهيكل . كان موشي يمتلك دكانا في سوق البلدة ، اضافة الى واجبه في اشعال الشموع حول مرقد النبي المغطى بالناؤس الأخضر ، والمحاط بسياج معدني جميل ، ومعلقة فوقه بعض الكتابات باللغة العبرية ، اضافة لتسجيل الزوار ذكريات زياراتهم على الحيطان الأخرى التي تتخللها النوافذ المزخرفة الواسعة والجميلة في الجهة الشرقية من الهيكل . وبعد مغادرة العائلة الى اسرائيل ، شغل مكانهم في خدمة المكان المقدس بيوتات كادو المحيطة بالمرقد ، منهم الياس ، موسى ، وآخرهم كان الشماس هرمز وعائلته . بعد ذلك تدهور حال الهيكل من سيء الى اسوأ ، حتى اصبح اليوم اشبه بالأطلال ، حيث تساقط جزء من سقفه ، وانهارت بعض حيطانه ، وبانتظار ايدي البناء التي تمتد اليه حتى يرجع الى سابق عهده ، كمكان مقدس ، وهدفا ً للزائرين من مختلف الأديان ومن مختلف البلدان ، ومعني أكثر بأيلاء الإهتمام اليه ، مراجع الطائفة الموسوية في العراق او الشرق الاوسط .
     تمازجت الكثير من العادات والتقاليد بين اهالي القوش واليهود ، لا زالت حتى اليوم تعتقد ان العديد من الأسر تعود الى اصول يهودية ، فأهالي القوش قبل تنصرهم في القرون الاولى للميلاد كانوا اما وثنيين او يهود ، وتيمنا ً بتلك الأواصر ومحبة الأيمان المتأصلة كانوا حتى قبل قرن فقط يسمون العديد من اولادهم باسم موشي او ناحوم او سارة ، ومن عشيرتي كان لنا ناحوم واخوه موشي أولاد پولا ككميخا دمان ، وفي بداية القرن العشرين اقترن اسماعيلو قودا أحد ابناء القوش ، بفتاة يهودية اسمها ( سپّورة ) أنجبت العديد من الابناء وسمت أحدهم موسى ، وحتى قبل مجيء البعث الى السلطة عام 1968 ، كان العديد من أسماء الألقوشيين : اسرائيل او حسقيال ، وقد أجبرتهم سياسات السلطة التعسفية والعنصرية على تغييرتلك الاسماء من اسرائيل الى اسماعيل ومن حزقيال الى حازم ، فتأمل عزيزي القارئ ما تحملناه في زماننا والأكثر ما تحمله آباؤنا وأجدادنا عبر التاريخ من ظلم وإستبداد .
     توالف وتطبع أهالي القوش مع اليهود فحفظوا أغانيهم وعرفوا تقاليدهم وعاداتهم ، ومن طقوسهم الدينية اجلالهم يوم السبت ، فكانوا لا يعملون فيه الى درجة يمتنعون عن اشعال ولو عود ثقاب واحد . مثل باقي الأقوام يتبادلون السجع من الكلام وأحيانا يستفز قليلا ً ، كقول أهالي القوش وباللهجة الموصلية ( يهودي باق العودي ) بمعنى يهودي سرق العصا ، فيجاوبه الفريق الآخر بالقول ( نصراني باق حصاني ) فيغمر الضحك الجميع .  كما هو معلوم من تاريخنا الديني عن صلب المسيح من قبل اليهود التي كانت بارادة الرب ، فعند اقتراب المناسبة السنوية لتلك الحادثة التي تخترق بعمق مشاعر المسيحيين ، كان بعض الصبية يتصرفون بشكل خاطيء لا ينسجم ابدا ً مع توجهات أهاليهم ،  في رمي بعض الأحجار على بيت سادن المرقد الطيب اللطيف موشي ، فيخرج أحيانا من طوعه ويشتط غضبا ً فيصرخ قائلا " نحن صلبنا المسيح مرة واحدة ، وانتم تصلبوننا كل يوم " عند ذلك وحال سماع الكبار لصراخ موشي ، ينهرون الأولاد ويلومونهم على تلك الأفعال غير اللائقة.
     كم ذرف أهالي القوش الدموع ، فامتزجت مع دموع تلك العائلة التي أرغمت على ترك وطنها ، وهم يودعونها الى اسرائيل ، أتذكر عندما عادت جدتي ( شمّي ) من زيارة القدس عام 1966 ، أخبرتنا بأنها من وراء الجدار الفاصل شاهدت العوائل اليهودية ، فأخذت تنادي باسماء من فارقتهم لمدة طويلة ، موشي ، مجودّة ، سعيدة ، إلياهو، مُلكية وغيرهم ، ولكن لم يسمعها أحَدٌ .
مصادر الموضوع
1- الكتاب المقدس
2-  نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق . يوسف غنيمة ، بغداد 1924 .
3- البحث عن نينوى ، تاليف هنري لايارد ( 1817- 1894 ).
4- النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية . الاب لويس شيخو اليسوعي - 1924 .
5- بغداد القديمة . تاليف عبدالكريم العلاف ( 1869- 1917 ) .
6- مهد البشرية ، الحياة في شرق كردستان . تاليف دبلبو . اي . ويكرام ، ادكار . تي واي ويكرام – ترجمة جرجيس فتح الله – بغداد 1971 .
7- القوش عبر التاريخ- تاليف المطران مار يوسف بابانا – بغداد 1979.
8- الثقافة الجديدة عدد/ 294 .
9- افواه المسنين .
10- تقارير صحفية ومواضيع من الانترنيت .
الهوامش :
*  تشاء المصادفات ان أكون في الجانب الأيسر من دجلة عندما فاض الخوصر ، في أواسط اذار عام 1974 ليغمر بيوتنا بالماء ، فأمضينا ليلة ليلاء على سطح المنزل .
 **  معنى الانشاد بالعربية كما يلي :
 اهتفوا لموسى وناحوم وسارة وايليا - سارة أخت ناحوم  النبي الالقوشي - مريم أخت هارون بيدها الكمان - خلصها الرب من أيادي المصريين.       
***  محاولة في ترجمة الاغنية :
اول بلـّة ، ثاني بلة ، ثالث بلة فاخر- على رأسي ابويه تفضلوا الى بيتي - ذهب الى المقهى ومن السماء ينهمر المطر والثلج  - العسكرية ضرورية ، لكن تدريبها شاق .
**** قصة ( خجي – سيامند ) من التراث الكردي ، جميلة ومؤثرة ، من الممكن اختصارها وكما يلي :  سيامند شاب وسيم ، اختطف حبيبته خجي من القرية ، وهي في عمرالزهور ، وصعد بها الى جبل سيپان ، هناك طارد وعلا ً ( نيري ) وعندما طال رجوعه ، شرعت خجي تبحث عنه ، لتراه معلقا على غصن شجرة ( السپندار ) كان النيري قد دفعه اليها . وفشلت جميع محاولاتها في إنقاذه ، غـَنـّيا لبعضهما ما يعجز اللسان عن وصفه ، حتى تفجرت عواطفها ، فرمت نفسها باتجاه حبيبها ، وعندما اصبحت معه فوق السبندار ، ومن جراء الثقل الاضافي ، انكسر الغصن وسقط كلاهما في النهر بأسفل الجبل .
 
 


 

مرقد النبي ناحوم من الداخل- 2006





مرقد النبي ناحوم من الداخل – 2006












احد ابواب الهيكل وتعلوه قطعة مرمر مكتوبة بالعبرية- 2006







غرف الزوار في باحة الهيكل- 2006



 

شاب يهودي من قرية سندور
1933

nabeeldamman@hotmail,com

ملاحظة : الموضوع هو احد فصول كتابي الموسموم( حكايات من بلدتي العريقة) المطبوع عام 2008.

144
مرحباً، سفيرة الحكمة والجمال

                                                                          بقلم نبيل يونس دمان

 
    واخيرا تبوأت السناتور هيلاري كلنتون منصب وزيرة الخارجية البالغ الاهمية في الادارة الامريكية الجديدة، وهي مهمة دبلوماسية حساسة في وضع عالمي معقد، دخل في ظلاله قاطنوا كوكبنا الفيَّتهم الثالثة بعد الميلاد، وقد اشتدت وتيرة الارهاب، وتزايدت مخاطر السلفية والرجعية، في مناطق عدة من نجمنا الزاخر بالحياة، من بين ملايين النجوم التي لا نعرف عنها شيئاً! .
     على عاتق تلك المرأة مسؤولية تاريخية، وهي التي شقت طريقها بنجاح منقطع النظير، فمن محامية ناجحة، الى سيدة البلاد الاولى، الى عضوة في مجلس الشيوخ، وحتى كادت ان تكون الرئيس رقم 44 للولايات المتحدة الامريكية، لولا منافسها الاكثر حيوية وشعبية، الذي خطف منها ذلك المنصب، ليكون اول رئيس اسود يدخل البيت الابيض، وهو السناتور باراك اوباما، والذي احببت ان اطلق عليه اسماً في ذروة حملته الانتخابية، مترجما من لغتي السريانية العريقة لاقول لزملائي" انظروا ما يفعله برقا اوكاما" فكلمة( برقا) تعني البرق في العربية و( باراك) في العبرية، اما اوباما فلا اعرف معناها، ولكني وضعت رديفاً لها كلمة( اوكاما اي الاسود) التي استعرتها من لقب ملك الرها( اوديسا) الآشوري أبجر الخامس ( أبجر اوكاما) الذي قرن اسمه باسم يسوع المسيح.
     راهنتُ على فوز كلنتون بالرئاسة الامريكية منطلقا من قوة شخصيتها وجاذبيتها، وباستمرار اتابع نشاطاتها من عهد رئاسة بيل كلنتون، وجولاتها في انحاء العالم مصطحبة في بعضها ابنتها الوحيدة شيلسي( ت 1980) وشد اعجابي اليها تسامحها مع مداعبات زوجها العاطفية خارج عشهم الزوجي، في تلك الفترة العصيبة كتمَت غضبها وواصلت حياتها، والعالم يحبس انفاسه في حينها ليرى كيف ستتصرف.
     ان سمعة الولايات المتحدة الامريكية تضررت كثيرا بعد احداث سبتمبر 2001 وقيادة جورج بوش الابن للبلاد، فعلى مدى الثمان سنوات الماضية، واجه فيها اخطبوط الارهاب الذي لن يكون بامكان دورة انتخابية واحدة ان تقصم ظهره، بل دورات متتالية حتى يتم استئصال ما شذ عن المألوف، وما بات يثقل كاهل زماننا، ولنكن صريحين فهذا العالم الماثل امامنا لا تنتهي مشاكله ولا تناقضاته، فما ان تنتهي مشاكل او عقبات حتى تليها اخرى مختلفة، كما يقال لكل عصر راياته ورجاله، انا اقول لكل عصر امراضه ومشاكله.
     ستركب هيلاري كلنتون متن طائرتها، لتحط في مطارات عدة كل يوم او كل اسبوع او شهر، فمن الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب، بتقديري ستكون بؤرة تجمع تلك الرحلات في منطقة الشرق الاوسط، التي تنتظر اعجوبة تحولها الى بحيرة السلام، محج المؤمنين، قبلة السياح، ومركز اشعاع ثقافي وفكري نحو الجهات الاربع، انطلاقاً من ذلك يجب ان ترتكز جولات السفيرة الجديدة لبلوغ تلك الاهداف. من كل قلبي اتمنى ان ترافقها في تنقلاتها ملائكة السلام وبشائر الخير، يقيناً يرافق جولاتها خلاصة خبرتها ودراساتها الى انحاء العالم بما فيها القارة الاوربية والقارة السمراء ذات الثروات والمفاجآت( افريقيا) بل سترافقها حصيلة خبرات زوجها بيل كلنتون، الذي اكتسب دراية وتجربة لا يستهان بها على مدى رئاسته الولايات المتحدة( 1993- 2001). ففي عهده كان راعيا لاتفاقية السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل وذلك في عام 1993، حين وقف بين المتصافحين ياسر عرفات واسحق رابين. وللمفارقة نذكر انه عام 1996 وابان ادارته في تلك الفترة، عرض عليه السودان تسليم اسامة بن لادن، يقال انه غض الطرف، وبذلك يكون قد فوت فرصة لا تعوض، كانت ستوفر الاضرار الكبيرة والتضحيات الجسام التي سببها بن لادن بعد مغادرته السودان الى جحور فئران طالبان، لم يطل الزمن كثيراً حتى ارعد وارهب اسمه العالم بأسره.
     ستضفي ابتسامة هيلاري وعذوبة صوتها، دفئاً على الكثير من العلاقات التي يسودها البرود والقطيعة، وستذيب بحرارة قلبها الدافق بالنشاط، بعض الجليد المتراكم في طرق الدبلوماسية المنتشرة على سطح كوكبنا، نحن نضع امامنا باستمرار مقولة: ان السياسة الخارجية امتداد للسياسة الداخية، ففي الداخل مشاكل اقتصادية من نمط جديد، فان حدثت معجزة تحسن الاقتصاد وسلامته من الرياح العاتية التي تعصف به، حينذاك تصبح مهمة السيدة كلنتون سهلة، في انحسار الغيوم الملبدة التي تغطي سماء العلاقات الدولية وخصوصا مع اميركا، سيؤدي كل ذلك اذا سارت الامور كما تخيلها الناخب الامريكي، الى صحوة الاجواء وظهور علاقات افضل بين دول العالم. الشعوب تواقة الى التعاون والمساعدة، وتبادل الخبرة والمنفعة، لحل مشاكلها من امراض خطيرة، الى كوارث الطبيعة التي لن تنقطع، الى مشكلة الاحتباس الحراري، الى عالم الفقر والمجاعة، الشعوب في نهاية المطاف بحاجة الى الغنى الروحي والثقافي، وبالتالي يحل الرفاه وتحل البركة فتسعد الاجيال القادمة.
     سفيرة الجمال هيلاري كلنتون البالغة من العمر( 61) سنة، لكنها في اناقتها وحركاتها، كأنها بنت في الثلاثينات، سترفع شأن بلادها اذا جرت الرياح بما تشتهيه السفن، وتضيف رصيدا آخراً الى ما انجزته كونداليزا رايس ابنة جنسها. السيدة كلنتون لم يحالفها الحظ في الفوز بالرئاسة لكنها، اضافة ومعها سارة بالين انجازا نسوياً في هذا البلد، ولاول مرة تجري محاولات جادة للظفر بذلك المنصب، الذي لم تشغله امرأة طوال تاريخ اميركا، فيما احتلت النساء مراكز قيادية معروفة في العالم منذ وقت طويل مثل: انديرا غاندي، ماركريت تاتشر، كولدا مايير، سيريماتو باندرانايكة، الملكة جوليانا،انجيلا ميركل مستشارة المانيا، وغيرهما. هناك شيء هام بنظري، وهو ان تنسق عملها مع طاقم الادارة الجديد وخصوصا الرئيس الشعبي اوباما، وان يكون مرجعها في الاخفاق والنجاح في آن واحد، وإلا من الآن نقرأ على تفاؤلنا السلام. امامنا فترة الاربع سنوات القادمة، ومن منظارنا المتواضع، يحدونا الامل ان تتحسن صورة اميركا، وان تتقلص بؤر الحروب والنزاعات، وان يضيق شبح الارهاب، ويعود الاستقرار الى الاسواق العالمية، والغد لناظره قريب.

nabeeldamman@hotmail.com
December 01, 2008

145
الأرمن ضحايا تقلبات الزمن
نبيل يونس دمان


    يحكى من ايام الدولة الاشورية المترامية الاطراف ان ملكتها( شميرام) وقعت في عشق امير الارمن الجميل( آرا كيفتسيك) قبل ان تراه، حاولت كسب محبته، لكنه لم يأبه بها، فكررت المحاولة بالتلويح بالحرب او اداء الجزية، ولكنه لاعتداده بنفسه لم يذعن لها بل رفض دعواتها وتحدى جيوشها، فما كان منها الا ان قادت حملة ضخمة على بلاده، ولعدة ايام خاض الطرفان قتالا شديدا سقط في معمعانه الشجعان واشتعلت النار بالعربات العسكرية، وفتى الارمن ينزل كل يوم بخفة ورشاقة، وقلب لا يعرف الخوف لخوض القتال فيجندل الابطال، عندها امتشقت شميرام حسامها المرصع من يد خازن السلاح، دخلت الحوم، وعندما شاهدت فتى الارمن اضطرم في قلبها النار، وكم تاقت الى لقائه في مواضع الغرام وليس في ميدان القتال. في تلك الاثناء صاحت شميرام " دونكم واميرهم ،اقتلعوه حياً ايها الابطال". لكنها لم تصل الى مرادها، فقد وهب آرا نفسه للموت غير هياب، واضطر الفرسان الى طعنه طعنة الموت، امرت شميرام بحمله الى خيمتها، فنظرت الى الجمال الآفل، ورثت ذلك الشباب الفاني، وعندما تأملته جيداً، ترقرق الدمع في عينيها فسقطت دموعها كأنها اللآلي على صدره، ثم سلمت جثته لقومه ليدفن وامرت ببناء مدينة صغيرة باسمها، تخليدا لزحفها العظيم على بلاد( فاسفوراكان) الواقعة بين الجبال العالية والاودية الخضراء، فسميت المدينة الجديدة شميرامه كيرت( مدينة شميرام– بالارمنية).
 الارمن شعب آري له مكانة في عمق التاريخ، بلاده ارمينيا التي عرفت باسماء عديدة مثل : ارماني، خلدي، اراراطو، وغيرها، مرت بازمان قاسية ودارت على ارضها الجبلية الوعرة حروب على مدار القرون، وكان نصيب شعبها المحن والكوارث، ووسط اتون الصراعات بين امم عظيمة في التاريخ كالاشوريين، البابليين، الميديين، الرومان، الفرس، والاغريق، وبعدئذ اجتاحت بلادهم موجات طورانية من قلب آسيا عرفت باسماء مختلفة مثل السلاجقة، والتركمان، والمغول، ثم دخلت امم اخرى لتلعب ادواراً مهمة في الوصول الى ما هي عليه ارمينيا اليوم مثل : العرب، الروس، الاكراد، الجورجيين، الشركس.
  من رجال ارمينيا العظام: هاييك، آرم، ومن الآلهة خالديس، فاهاكن الذي هو اله الحرب في اعتقادهم، وعن ولادته تقول اسطورة:
السماء والارض كانتا في مخاض
وفي المخاض كان البحر القرمزي
ومن النار كانت شفتاه
وعيناه كانتا الشموس
وعن الادب الارمني القديم، ندرج مقطع من قصيدة شعر انشدها الشعب الارمني، عند زواج ملكه من ابنة ملك اللالان( الشركس):
نحن شهدنا خيوط المطر الذهبي، عندما اصبح ارداشيس ملكاً...
ونحن رأينا حبات اللآلئ، عندما اضحت ساتينيك عروساً...
  في تلك الازمان السحيقة، كان الارمن يعتقدون بإلهة الخصب والارض سموها( اناهيد) توازي افروديت عند الاغريق، وفينوس عند الرومان، وعشتار عند البابليين، عبدها الارمن على انها ام الحكمة وحاميتهم. ولكن كل ذلك تغير بعد ولادة المسيح عليه السلام، ففي حدود عام 314 م استطاع كريكور المنور ان يحول الملك الارمني درطاد وبالتالي الشعب الى المسيحية. تعتبر مدينة ايتشمايازين منذ القدم وحتى اليوم، المركز الرئيسي لكنيسة الارمن، فيها دير بُني عام 303، وهو تحفة فنية في معماره، وغني بلوحاته الفنية، ومخطوطاته القيمة. وفي هذا المجال نقتبس من كتاب رحلة ريج في العراق ما يلي : وعلى مرحلة واحدة من سيللوك، مزار مسيحي كبير اسمه( جهن كه دى) او( جه ن كه للى) وهنا ايضا دير( سوورب قارابت) وهو دير القديس مار يوحنان المعمدان، وهو يبعد عن( موش) ست ساعات بالقرب من( ميغاكيات) وهو رافد يصب في الفرات. وهذا الدير مزار له شهرته العضمى بين الارمن بعد( جه مبازين) فهم يذهبون اولا الى( قيصري) وفيها دير شهير، اعتقادا منهم ان رأس القديس يوحنان مدفون فيه، ثم ياتون الى( جه ن كه دى ) ومن بعدها يتجهون الى( جه مبازين ) ويروون عن الدير الرئيسي الكثير من القصص الخرافية، فالقديس هناك مشهور بتعليم الناس الفنون والتجارة – الا الموسيقى- ولا يسمح بدنو النسوة منه اكراماً ل( هرودياس) ( انتهى الاقتباس).
     في عام 406 وضع مسروب وساهاك الابجدية الارمنية، ومع الزمن اضحى ذلك الحدث، نقطة تحول مهمة، لتدوين التاريخ والمعتقدات والاعراف وترجمة الكتب الدينية، الادبية، والعلمية الى لغتهم التي يتفاهمون بها.
    اهم مدن ارمينيا: وان، ارضروم، سيواس، قيصرية، آني كاماخ، قارص، دوفين، بايزيد، اورفه، ارداشاد، قره باغ، اضنه، ملاطية، زيتون، مرعش، وغيرهما، اهم انهارها: آراكس، كورا، دجلة، والفرات، اهم جبالها: آرارات البالغ ارتفاعه( 5205 م ) سوفان داغ وآراغاتس، واهم بحيراتها: فان، وسيفان.
     اشتهر من ملوكها ديكران ( 95- 55 ق.م ) الذي سمي عن جدارة ملك الملوك، ويعتبر عهده من احسن العهود، حيث ارسى امبراطورية واسعة، امتدت من بحيرة قزوين شرقاً، الى البحر الابيض المتوسط غرباً، ومن جبال القفقاس شمالاً، وحتى شمال بلاد ما بين النهرين ولبنان وسوريا.
  تعتبر معركة( ملاذ كيرت) سنة 1071 فاصلة، حيث انتصرت القبائل الطورانية الزاحفة المدمرة كالعاصفة بقيادة (طغرل بك) على الروم البيزنطيين، فابتلت ارمينيا من ذلك التاريخ بتلك القبائل الشديدة والقاسية. وتدور الدوائر على الارض فتهب موجات بربرية متخلفة من اعالي الاناضول ومنغوليا وتزحف على بلادهم لتسحق ليس فقط الارمن بل الشعوب المحيطة ايضا من الاشوريين والسريان، المغول اولئك المتجمدي العواطف،الزاحفين جنوبا كالجراد الحقوا اشد الاذى في زحفهم، بالشعوب والعمران، والضرع والزرع، حتى وصل اوج اذاهم الى دار السلام( بغداد).
 اصبحت ارض ارمينا كما اسلفنا ساحة بين المتصارعين على الهيمنة والخيرات، فمرة كان يسود الفرس واخرى الاتراك، وفي القرون الاخيرة اصبح للقياصرة الروس طموح الوصول الى المياه الدافئة، فاصبح الجزء الشرقي من ارمينيا تابعا لروسيا منذ عام 1829 ثم جمهورية مستقلة عن الاتحاد السوفيتي عام 1991،عاصمتها اليوم يريفان، وعدد سكانها اكثر من ثلاثة ملايين نسمة. اما باقي البلاد المتمثل بارمينا الكبرى او الغربية فقد دارت عليها الدوائر واشتدت عليها النوائب خصوصا في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني اعوام 1895، 1909، وحتى مجيء جمعية الاتحاد والترقي، فشنت حملة ابادة شاملة على الارمن المسالمين. تتوجت ابان السفر برلك( النفير العام) بصدور الفرمان العثماني في  24 نيسان 1915 بإبادتهم، فازيلت قراهم وحواضرهم وخلت ضفاف البحيرات والانهر منهم، هدمت كنائسهم، طمست معالمهم، وقبور اجدادهم الممتدة لآلاف السنين، كانت تلك همجية لا مثيل لها في العصر الحديث وتزعم تلك الحملة: أنور باشا وزير الحربية، طلعت باشا وزير الداخلية، جمال باشا وزير البحرية، وغيرهم من مقترفي جرائم الابادة الجماعية وتصفية الجنس بعينه، لقد بلغ عدد القتلى اكثر من مليون ونصف قتيل جلهم من الاطفال والنساء والشيوخ، ان اهوال تلك الفترة السوداء لم تزل في ذاكرة احفادهم حتى اليوم، تتناقل الاجيال مآثمها، ولن يعدل ذلك الميزان الا باعتراف الاتراك بجريمتهم تلك وتسوية وتعويض ما لحق بالارمن واعادة الحق الى نصابه، يكاد يستحيل ان تستقر دولة الاتراك، دون معالجة تلك المشكلة وارضاء الارمن الذين انتشروا في جهات الدنيا الاربع. بل يعتورني اليقين عاجلا ام آجلاً بان الاتراك سيذهبون يوما زرافات ووحدانا من برلمانيين وحكوميين وعلية القوم، متشابكي الايدي الى حيث موطن الارمن، هناك يقدمون الاعتذار تلو الاعتذار، يحنون رؤوسهم اجلالا امام تلك الانفس البريئة الطاهرة التي ازهقت ارواحها على ضفاف الانهر والبحيرات، في سفوح الجبال ومجاهل الغابات، لعل الرب يغفر بعض خطايا ابائهم واجدادهم. للمقارنة نذكر، عندما تفجرت الثورة الصناعية في اوربا قبل قرنين كان هَم الرأسمالي الاكبر ارباحه، لذلك ألحَق اشد الاذى في الطبيعة فألقى نفايات المصانع في الانهر والبحيرات، اتذكر في الثمانينات عندما نمت وتطورت بسرعة منظمات الخضر والطبيعة، ذهب الابناء الى ضفاف البحيرات والانهر معتذرين للطبيعة ما لحق بها على ايدي بني البشر.
  ساسلط الضوء على عينات من هذا الشعب تعرفت عليهم في العراق وارتبطت معهم باواصر الصداقة والمحبة. لابدأ من بلدتي القوش ففي نهاية الحرب العالمية الاولى هاجرت بعض العوائل الارمنية الى القوش وعددها 72 عائلة، حسب ما جاء في مذكرات الخوري يوسف منصور كادو. قسم منهم من اتباع ليون باشا، والقسم الاخر من اتباع انترانيك، وقد قبلتهم القوش كعادتها، رحبت بهم، تقاسمت معهم الخبز، ولكن للاسف حصلت مشاحنة وبين الفريقين مما حدى ببعض اتباع ليون باشا ، الذهاب الى مركز ولاية الموصل، فاخبروا الوالي بان قسم من الارمن الموجودين في القوش ضد الدولة العثمانية، وينقلون الاخبار الى القيادة الانكليزية. على اثر ذلك ارسل الوالي اربعين خيالاً باسلحتهم للقضاء على جميع العوائل الارمنية في القوش، وصل الخيالة بعد الظهر الى البلدة وعسكروا في خان سعيد بك، فلما وصل الخبر الى القس يوسف كادو، ذهب حالا الى وكيل الخان واسمه( عبد)من اهالي الموصل وطلب منه ان يمهل جميع العوائل الارمنية الى صباح الغد، لحل موضوع هؤلاء المساكين سلمياً، ثم طلب منه ان يقدم لهم الاكل والشرب على حساب الكنيسة، وهكذا قام الوكيل الامين بالواجب باخلاص وحسب الاتفاق مع القس. بعد ذلك مباشرة ارسل القس شخصا اسمه( ججو سرّا) الى مثلث الرحمات البطريرك عمانوئيل تومكا، ليسلمه رسالة، وفور استلام البطريرك لها ومعرفته فحواها، ذهب ومعه الباتري يعقوب الى المسؤول الالماني، واخبروه بالتعدي الذي يحصل لمسيحيي القوش. وبامره وامر والي الموصل ارسلوا قوة مسلحة اخرى الى القوش لارجاع قوة الخيالة الآنفة الذكر، وصلوا في الوقت المناسبة ومعهم اوامر الوالي الجديدة بانسحاب الجميع من البلدة، وهكذا انتهت الفتنة. بقيت تلك العوائل مدة سنة ونصف السنة، ثم نزحوا الى بغداد والبصرة وغيرها من المدن العراقية. احدى تلك العائلات تركت ابنتها وعمرها 10 سنوات في القوش فاخذتها امراة اسمها( ببي خوشكه) من بيت كجوجا، وكانت مهنتها قابلة توليد النساء. فلما كبرت البنت الارمنية واسمها مريم( باجي) زوجتها الى ابنها صادق سلومي، وامتهنت باجي فيما بعد نفس مهنة حماتها، واصبح لها عدد من الاولاد، نذكر منهم المرحوم سليمان، يلدا( حاليا في اميركا) ومنصور( ايضا في اميركا). في اواسط التسعينات من القرن التاسع عشر وصل احد الشباب الارمن هربا من اضطهاد الكتائب الحميدية، وبعد فترة تزوج من الفتاة الالقوشية( ببي زرته) وولد لها ابن سمي يلدا في حدود عام 1909( الذي يظهر في الصورة ادناه) تزوج يلدا ارمنايا بدوره واصبح له من الاولاد: الــّو، بحـّو، والشهيد كريم.
 

العم يلدا الارمني ( أرمنايا ) يتوسط مجموعة من اهالي القوش بتاريخ 19/ 2/ 1971
  اذكر ايضا صادق الضرير، الذي كان يذكر دائماً ذبح اعمامه السبعة امام عينيه وكيف سجن وسملت عيناه، عاش بقية حياته في بيت سليمان ياقونا، في الستينات كنت كلما اسأله عن اصله يقول " انا من بَشقلة ". هناك ايضاً سليمان ذو اللحية الشقراء والقامة الطويلة والشعر الاصفر، تكفلته اسرة اعرابي اسمه عوّاد كان يسكن آنذاك في قرية " ماكنان"  ونظرا لقيامه برعي الاغنام في سهل القوش وبهندوايا، كان يلتقي الرعاة وقد حاول بعضهم ضمه اليهم، ومنهم المرحوم ايشوع رحيما في قرية بهندوايا، ايضا عاش مدة في دير ماركوركيس في( بعويزة) قرب الموصل، وعمل مدة اخرى راعيا لاغنام دير السيدة قرب القوش، وفي النهاية وبتأثير مباشر من عواد تزوج سليمان من فتاة اعرابية واصبح له اولاد، عرفتُ منهم محمد، حميّد، ويقال ان له بنت اسمها حمدية، يسكنون حاليا قرية( بدرية ) التي اخليت من سكانها الاثوريين واسكن فيها العرب في زمان البعث البائد، عمل حميِّد سائقا للترنبول( سكريبر) في مشروع السد الذي كنت مهندساً ميكانيكيا فيه، كان يتكلم معي السريانية ( السورث ) بطلاقة، وكذلك التقيت باخيه محمد الذي هو الاخر كان يتفن لغة ابائي واجدادي، وقد عمل فترة راعياً لأغنام بيت ياقونده الالقوشي.
    عندما كنت اعمل في سنجار للفترة 1977- 1978 التقيت بعدة عوائل ارمنية، وقد تأكد لي بان فقير الايزيدية المعروف (حمو شرو) قد وفر الحماية لمئات العوائل الارمنية والسريانية الهاربة من السيف العثماني، وقسم كبير منها انتهى في سوريا ولبنان، وللمفارقة اذكر ايضا حارسا من اهالي تلعفر لمخيمنا في سهل سنجار كان يخاطبني بخال الاولاد( لم يدر بخلده كم ازعجني كلامه الذي يشير الى اجبار العشرات من صبايا الارمن للزواج من رجال تلك البلدة).
    وفي فترة الكفاح المسلح توطدت علاقتي ب( احمد) اداري احد الاحزاب الكردية المعارضة( كوك ) في وادي كوماته المحاذي لتركيا، جلب انتباهي بيض بشرته وزرقة عيونه، فقال " يا ابا لينا، لا تستغرب، انا من اصل ارمني". وفي نفس المنطقة ايضا وصلت في ربيع عام 1983 وجبة ملتحقين بالانصار من الخارج ، كان من بينهم على ما اظن( ابو يعقوب) ابن اخت النقابي الارمني المعروف آرا خاجادور، وقد استشهد لاحقا ليضاف اسمه الى قائمة الخالدين. 
    يشدني الحنين والعطف على الارمن الطيبين، وقد اشرفوا بدورهم على الانقراض من بلاد ما بين النهرين( كان ظهورهم فيها قبل الميلاد عندما كان التجار الارمن ينحدرون من اعالي الجبال الى بابل بواسطة اكلاك على نهر الفرات) نظرا للمصائب التي المّت بالبلاد على مدى نصف قرن، تحملوا الضيم والقهر والحروب والجوع اسوة بباقي مكونات الشعب العراقي. اتحدث عن بصمات الارمن في وطننا من خلال كنيسة الارمن الارثوذكس( انشأت عام 1954 وافتتحت في 1957) قرب ساحة الطيران، ذلك الصرح المعماري والهندسي الرائع، فقد كان يجلب تصميمها وطرازها السواح الاجانب، وقبلهم يخطف ابصار العراقيين. وكذلك المدارس الارمنية ومحلات سكناهم في كمب الارمن وكمب سارة خاتون( سارة تاتيوسيان)، ولا يفوتني ذكر ناديهم الرياضي( الهومنتمن - تأسس عام 1949) قرب القصر الابيض، مستشفى اراتون للعيون في بارك السعدون، ستوديو آرشاك، ستوديو اصلان، حلاقة كيغام في شارع الرشيد، محل هاريتون لتصليح التلفزيونات.
    من الشخصيات الارمنية الشهيرة في العراق : كولبنكيان الذي بنى ملعب الشعب الدولي في بغداد( انشأ عام 1962- وافتتح عام 1966) وكانت له حصة 5% من نفط العراق حتى عام 1972 حيث اممها نظام البعث، علما بانه كان يصرف جل امواله في المشاريع الخيرية وبناء المستشفيات.
    جلب انتباهي جورج آرتين تاجريان ذلك الرياضي الذي رفع اسم العراق عالياً، عندما مثل العراق في اولمبياد مكسيكو عام 1968 في سباق الدراجات للمسافات الطويلة، لا علم لي باخباره من ذلك الحين، فمثله عملة نادرة ترعاها غالبية حكومات المعمورة .
    اسماء اخرى مثل المغنية سيتا هاكوبيان المعروفة برقتها وعذوبة صوتها، اتذكر كيف اجبرها نظام صدام عام 1980 للظهور في التلفاز لتغني قادسيته المجنونة، وهي حامل في شهرها الاخير. عندما بث تلفزيون نينوى لاول مرة برامجه في نهاية الستينات وبداية السبعينات، كانت فتيات الموصل اسيرات التقاليد البالية، يخجلن من الظهور على الشاشة، الا الفتاة الارمنية( ريتا سورين) لقد قطع صوتها الجميل صمت الفتيات الموصليات، وكان ظهورها كل يوم في بدلة وشعر وماكياج مختلف، يضيف جمالاً الى جمالها الطبيعي، لا اعتقد من هو من جيلي قد نسي ذلك الوجه المدور المشرق، الذي أطل كل مساء من تلفزيون الموصل، الله يكون في عونها أينما تكون اليوم. لن انسى ابدا المصور الارمني المعروف آكوب كريكور في الموصل- مدخل الدواسة، كم كانت تجذبنا نحن طلبة الجامعة آنذاك الصور التي التقطها بعدسته والتي تضاهي ببهائها وافكارها اشهر الصور في العالم، وقد عرفت ابنه الوسيم مهران في قسم الهندسة الكهربائية، للاسف ورد خبر وفاته مؤخرا وهو طريح الفراش في الموصل، وعلى افقر حال، دون زواج، ومتقاعد من عمله في دائرة صحة نينوى، للحقيقة اقول ان موته حفزني لكتابة ما انا بصدده. وتستمر قائمة الاسماء الارمنية التي طبقت شهرتها آفاق العراق منهم: الباحث ومؤلف كتاب( مباحث عراقية) الاستاذ يعقوب سركيس، الدكتور استارجيان مؤلف كتاب تاريخ الارمن عام 1950 في الموصل، والكاتب يوسف عبدالمسيح ثروت، عازفة البيانو بياتريس اوهانيسيان، الممثلة آزادوهي صموئيل، مصور الاثار كوفاديس ماركاريان، المصور الصحفي امري سليم لوسينيان ، المصور السينمائي خاجيك ميساك كيفوركيان، اغا ميناس مدير ادارة الرحالة الشهير ريج.
    الارمن اصحاب صنائع وحرف في بغداد والبصرة والموصل وكركوك، توارثوها عن ابائهم واجدادهم منذ ايام وطنهم في تركيا، عندما غزاهم الشاه عباس محمد خُدابنده( 1603- 1617) ألحق بهم اشد الاذى، ولكن امام خسارته مع العثمانيين وانسحابه الى ايران، جلب معه الصنائعيين الأرمن وانشأ لهم مدينة في شمال ايران ازدهرت فيما بعد بحرفها وصناعاتها، وبعد مدة من الزمن هاجرت مجموعة منهم الى بغداد. اتذكر عندما عملت مهندسا في الطرق والجسور كان يحصل خلل فني في مضخات الوقود او الهواء وفي تقاسيمها ومنظماتها ومصفياتها، فكان لا يتم اصلاحها بالوجه المطلوب الا على ايدي الارمن المتخصصين، ليس في المدارس او الجامعات بل بالخبرة العملية، وهذا ما شهدته بنفسي في محلاتهم في طريق معسكر الرشيد او في كركوك، او في معامل الطرق الشمالية في نينوى على يد الفني طوروس( سلسلة جبال معروفة في الاناضول). وكذلك اشتهر الارمن في لف الماطورات، وتصليح الاعطال في المكائن والسيارات، والاجهزة الدقيقة، والتلفزيونات وغيرها. اما المتداول بين الشعب العراقي بان الارمن من اهم الطوائف المنظمة والمهتمة بمطبخها وترتيب بيوتاتها، كم كانت الست( ديكرانو) انيقة، مهندمة، ومتميزة بين المدرسات في متوسطة القوش، لن انس يوما ربيعيا في حدود عام 1966- 1967 عندما مررنا انا وزملائي امام المدرسة، فقطع طريقنا فراشها المرحوم(عيسى ملو) وبيده ورقة وقلم ليطلب من احدنا كتابة الاسم الذي لم يستطع حفظه للست الارمنية المعينة حديثاً ديكرانو( نسبة الى الملك الشهير- ديكران) كانت الطالبات ينادينها( الست ديكو) تحبباً. وكذلك زميلتي في كلية الهندسة في السبعينات آراكس( نسبة الى نهر شهير يمر في اراضي ارمينيا) آكوب ذات العيون الزرقاء الواسعة ومن صفوة جميلات جامعة الموصل، كنت اهرع منذ الصباح لاحجز مقعدا لها وآخر لصديقتها( سناء غريب) حتى احظى بابتسامة منها او بكلمة ثناء تكشف عن اسنانها البيضاء، اخيرا تزوجت آراكس من المعيد في قسم الهنسة المدنية رمزي عبد الاحد، وتوجهوا من يومها الى اميركا لاكمال الدراسة. في اواخر السبعينات جلب انتباهي والدها آكوب صاحب محل في الموصل- الدواسة لبيع انواع البولبرينات حيث كانت له طريقة فريدة وناجحة في تصنيفها وترتيبها. اتذكر ايضا مجموعة من فاتنات الارمن في الاول عام في كلية العلوم سنة 1971، وقد قصدن الموصل من محافظات مختلفة، جمعتهن اللغة والقومية المشتركة، وقد حدث لتلك المجموعة ان تعرض لهن استاذ علم الحيوان الدكتور عبدالجبار السماك، وحين افتضح سلوكه فصل من الجامعة في عهد رئيسها محمد المشاط، واشيع في وقتها انه باع اسئلة الامتحان الى الطالبات الارمنيات.
    عرفت من الارمن ايضا المهندس( غريب عرب) الذي كنت اعرفه من ايام الجامعة وكان قبلي بعدة دورات، عند تنسيبي الى مديرية طرق نينوى عام 1977، كان المهندس غريب امام ناظري، انساناً محبوباً من العمال والادارة معا، لا يحب المظاهر، بسيط الهندام اغلب الوقت يأتي الى الدائرة الكائنة في الجانب الايسر من دجلة، ووجهه لازال معفراً بتراب الطرق التي يشرف عليها في منطقة زاخو، ان الطرق التي حلم بها المنهدس غريب وغيره من الغيارى ان تكون شرياناً للحياة، تحولت في زمن الدكتاتورية الى طرق عسكرية، لسحق اي نهوض قومي وديمقراطي للمنطقة الشمالية.
    اضيف اسم اخر وهو مهران( من اهالي زاخو) الذي كان ملاحظا فنيا في معمل سكرين- قرب سرسنك، جمعتني معه والصديق الكردي حسن نعمت سفرة الى بلغاريا في نهاية عام 1979، في مقهى يالطه بصوفيا جلب انتباهي مهران وهو يتكلم بطلاقة مع احدى النادلات، فقلت يا مهران كيف تجيد التكلم باللغة البلغارية، فاجاب بان الفتاة من اصل ارمني، عندها ايقنت ان سيل المهاجرين الارمن وصل الى تلك الارض ايضا، ابان سنوات الابادة الجماعية.
    تناهى الى سمعي وانا اقضي اجازة في استنبول عام 1978 بان اشهر اطباء المدينة من الارمن. وفي عام 1985 شهدت عرضا ارمنيا في احد مسارح موسكو، اثار اعجابي فيه اولئك الفتية الجبليين بملابسهم الداكنة الملتصقة على اجسادهم، ومعهم فتيات موردات الخدود ومطرزات بالزهور، اهتزت ارضية المسرح تحت وقع اقدامهم وهم يؤدون الرقصات على ايقاع الموسيقى المناسبة، وفجأة تقدم احدهم وبيده مجموعة من السكاكين الحادة واخذ يلعب بها في الهواء، واخيرا مسكها كلها باسنانه، وواصل اللعب حتى اطلقها مرة واحدة، لتنغرز كلها في الارض منتصبة.
      وقبل ان انهي الموضوع لابد ان اتطرق بالتفصيل الى عائلة ارمنية في الحبيبية ببغداد، وهي اسرة آزاد س. كاتنجيان وزوجته الطيبة التي نسيت اسمها لكني لازلت اتذكر طيبتها وجهلها المطلق التكلم باللغة العربية! اما اولادهما فاكبرهم بابكين ثم اوهان الذي طالما درسته مادة الرياضيات اعوام 73- 74، كارو( من كارابيت)، ابنتهم الشابة آليس( على اسم نهر في ارمينيا) العاملة في محل التجميل في الكرادة. احتفظت بعلاقة سنوات مع تلك العائلة، ومنهم تعلمت بعض الجمل باللغة الارمنية منها : پاري لويس( صباح الخير) إگور هوسي( تعال هنا) كنا تور كزي( اذهب اقفل الباب) گيرا گور گير( تفضل للاكل ) انت جميل( تون اغفوريكس) ومناف پاروك( مع السلامة). وردني في عام الفين واثنين، انهم رحلوا او بعضهم الى جمهورية ارمينيا، اجدها الان مناسبة، ان اهدي جزيل تحياتي الى تلك العائلة، والى الارمن قاطبة فائق تقديري واحترامي.
المصادر :
الارمن عبر التاريخ- مروان المدور- بيروت 1982.
شميرام – ميخائيل اورو- بيروت 1958، ص 199-217.
رحلة ريج في العراق عام 1820- بغداد 1951،ص 4، 309.
فيشخابور- الأب ألبير ابونا- بغداد 2004، ص 113- 115.
لقاء مع الشماس حنا شيشا كولا.

nabeeldamman@hotmail.com
U.S.A. October 27, 2008



146
أم الربيعين سلاماً !
نبيل يونس دمان

     الاخطار تداهم المسيحيين في الموصل، والموجة الهمجية التي تطالهم في عقر دارهم لا مثيل لها في التاريخ، ففي كل الازمنة كانت الموصل هي الام الرؤوم التي تستقبل الفقراء والمضطهدين وضحايا الحروب، فماذا جرى، وكيف انقلبت الصورة، ومن يستطيع اعادتها الى موضعها الطبيعي؟
     قبل كل شيء يجب ان تسود روح التسامح والمحبة بين المجاميع المتنافسة والمختلفة فبدون هذا الشرط لا تستطيع القوة ولا العامل الدولي من تحقيق اللازم، مطلوب اليوم ايقاظ الضمائر، رفع الوعي، والنظر الى المستقبل بعيون الاطفال، ذلك ما ينقذ الاقلية المسيحية المتبقية في الموصل من صراع الكبار، الذين ينتابهم داء الاستحواذ على الثروات والمناصب، معالجة المشكلة تبدأ من هنا، فالعلة في الداخل وليست في الخارج. ولأعطي مثالا بسيطا: عندما شرع الآباء الدومنيكان ببناء برج كنيسة الساعة في وسط الموصل، فما ان يرتفع البناء قليلا في النهار، يأت الاشقياء لهدمه في الليل، مما حدا بالآباء دعوة أغوات باب البيض، في ذلك اللقاء الذي املته الحكمة وحسن التصرف، ليس فقط تفهم هؤلاء الموضوع، بل تعهدوا باناطة مسؤولية حماية البناء اليهم، وهكذا اندحر المخربون وبرز البناء الذي لا زال شامخا الى اليوم برونقه ومعلمه الذي لا مثيل له. من الجانب الاخر مطلوب من الحكومة الحالية اعادة تركيبتها وكل مؤسساتها على اساس الاخلاص والكفاءة وابعاد كل وتر طائفي يبعث نغمات نشاز، ولنقل صراحة اشراك اهالي الموصل الاكفاء بعلومهم وخبراتهم في صنع القرار وتحمل المسؤولية، نحن نقول ان المسيحيين مهمشون، ولكن هناك الكثير من الكفاءات على نطاق العراق مهمشة بسبب نظام المحاصصة المقيت و الذي  ادخل الى العراق عنوة غداة سقوط الدكتاتورية، آن الاوان لانهاء المسلسل البغيض الذي نحن فيه، والشروع بمسلسل جديد ننفتح فيه على الدنيا، ونشرع بالبناء، واضعين الرجل المناسب في المكان المناسب، بغض النظر عن دينه، عرقه، طائفته، وحتى بماضيه السياسي.
     اسألكم ايتها العشائر الموصلية الأبية: جبور، ألبو حمد، الموالي، الحديديين، الشرابيين، الجحيش، طي، وشمر، اين نخوتكم؟ وهل تنامون على الضيم، وتتركون المسيحيين في الموصل يدفعون ثمن الوضع العام، دون ان يكونوا طرفاً، دون ان يرتكبوا جرماً، ودون ان تكون لهم ميليشيا مسلحة، المسيحيون في الموصل تاجها ورمزها الابقى، وهم ورثة امجاد تلك المدينة منذ اشرق فجر نينوى العضمى على العالم، وهي ام الحضارات، فخر الامم، وزهوة التاريخ.
     في العصر الحديث تعرضت الموصل الى حصار شديد من قبل الجيوش الفارسية بقيادة نادر شاه( طهماسب) عام 1743 فوقفت الموصل بكل اديانها ومكوناتها لتصد الغزاة وتمنع دخولهم المدينة، نجحت في ذلك تحت قيادة الاسرة الجليلية، التي تعود اصولها الى المسيحية، وكما تتناقل قصتها الاجيال:
في حدود عام 1600 هجر عبد الجليل منطقة ديار بكر في تركيا مع اخيه الى الموصل، يقال ان عبد الجليل رام حلاقة لحيته، فدخل دكانا لهذا الغرض، وشرع الحلاق في اداء عمله، حتى وصل الى حلاقة نصف اللحية، عند ذلك دخل احد الاخوة المسلمين، استقبله الحلاق بالحفاوة، ثم التفت الى عبدالجليل آمراً " اترك كرسيك للقادم ايها الذمي( من اهل الذمة اي: مسيحي)" أبى عبد الجليل ان ينهض من مكانه قائلاً" اكمل حلاقة لحيتي، وانا من اللحظة داخل في دين الاسلام" وهكذا كان وان لم يكن تصرفاً حكيما، ولكنه اصبح واقع الحال، وبعد مدة من الزمن صار له سبع أبناء اسمائهم ذاعت في ارجاء المنطقة وهم : ابراهيم اغا، عبد الرحمن اغا، صالح اغا، اسماعيل باشا، يونس اغا، زبير أغا، خليل أغا.
      عوائل مسيحية عريقة برزت في الموصل منها: بيت يوسفاني، بيت سرسم، بيت رسام، دقاق، المعمار باشي، غنيمة وغيرهم، ظلو متفوقين في آدابهم، علومهم، وذكائهم طوال سنين الدولة العثماني وعند دخول الانكليز وايام الملكية، فبرز منهم خيرة الاطباء والمحامين والفنانين والكتاب، طبقت شهرة بعضهم الافاق امثال، الاثاري المعروف: هرمز رسام، المعلم نعوم فتح الله السحار، الوزير يوسف رزق الله غنيمة، الكاتب روفائيل بطي، المطران سليمان الصائغ مؤلف كتاب ( تاريخ الموصل)، المؤرخ كوركيس عواد، الفنان منير بشير، وغيرهم.
     المسيحيون في الموصل هم اول من جلبو المطابع ابتداء من عام 1856، فطبعت هناك الكتب الدينية والادبية واللغوية لاول مرة في تاريخ العراق. عام 1925 وقف البطريرك عمانوئيل تومكا موقفا جريئا ومشرفاً الى جانب الحاق الموصل بالعراق، ونال جزاء ذلك حقد الانكليز فنفوه الى  اسوء مستعمراتهم، وعند عودته من المنفى خرجت الموصل عن بكرة ابيها بالسيوف والبنادق والخيول والهوسات وفي مقدمتهم، اشراف الموصل لتحيته، والقى السيد خير الدين العمري خطابا بالمناسبة، ثم توجه ليصلي في كنيسة مسكنتا. وقد حظي باحترام الحكومة فعينته في مجلس الاعيان من عام 1925 وحتى وفاته عام 1947.
     الكنائس التي هجرها اهلها مؤقتا في الموصل، لم تهجرها الحمائم، والطيور المهاجرة لم تزل تحط فوق قبابها، والدمع في مآقيها، والغصة في صدورها، الصلبان حين تشتد الرياح الغريبة يزداد ثباتها، ومع الرعود والبروق تتلألأ وتومض، انها ارادة الله ان يتعذب محبّيه الحقيقيون، محبّي الجمال، وعشاق الحرية، ومواكبي العصر بل سباقي عصرهم، كل ذلك في تواضع وكتمان، توارثوه من ابائهم واجدادهم المضطهدين على مدار القرون، هؤلاء شاء الزمن ام ابى هم مجد الامم وفخر بني البشر.
     هل نسي الموصليون الايام الخوالي، عندما كان يحل مهرجان( شيرا) دير مار ميخائيل، فيغلقون دكاكينهم ويخرجون على اختلاف نحلهم وطوائفهم، للتبرك والتنزه في ذلك الموقع التاريخي اللطيف، مستنشقين الهواء العليل بين الخضرة السندسية والحقول الزاهرة.
     هل نسيت الموصل ما انشده شاعرها حامد الصراف قبل قرابة القرن:
وعشنا وعاشت في الدهور بلادنــا         جوامعنا في جنبهن الكنائس
وسوف يعيش الشعب في وحدة له         عمائمنا في جنبهن القلانـس
واخيرا وبها نختتم، هل نسي الموصليون شاعرهم المعروف عبد الباقي العمري عندما انشد ابيات تقرن اللغتين الشقيقتين، العربية والسريانية :
شبح لالاها وخلاپــــــــــو         شبحا شمت حيزو لاپــــو
كوذنتا وخمارت شاپــــــو         وقس مسكنتا بشاشه ليل
دنحا والو برطت قاشـــــا         شموقا لوطو وبراشـــــــا
ومارت كركيزا ابن شاشا         يوحنا واسحاقت شموئيل
فرجو قس عمسو قمبازو         بادو واستخلو بى ســازو
ملكت حيزو خازو بــــازو        طينلكا برطت طنبيــــــــل
شعيا سمكا ماتيكـــــــــــــا        وشمونى قاشا طمسيكـــا
بيعة مار جرجس تحرسكا         خوفا موفا بالزنبيـــــــل
چارن خيزو برطت طنـــي          بر بوطت شعيا قبصنى
لخمة غبشه ياقو غبنــــى          ومشيحا بصحفت لنجيل
طنجى ميخا واشبانيثــــــه          دوخو قاطوثا ثرطيثـــا
قرية برطلى وبشبيثــــــــا          قفط عين كاوة ارويـــل   
nabeeldamman@hotmail,com
October 17, 2008

147
شكر وتقدير من عائلة المرحوم ناصر رزقو مقدسي

وافر الشكر والتقدير لكل من شاركنا مصابنا الجلل في وفاة المأسوف عليه ولدنا ناصر رزقو المقدسي، نخص بالذكر المشاركين في مراسيم الدفن المهيبة في القوش والتعازي التي اقيمت فيها، في سوريا، الدانمارك، السويد، واميركا. كل من هاتفنا مؤسفا او ارسل البرقيات او الرسائل في الانترنيت، الى كل هؤلاء نتوجه بشكرنا وتقديرنا. ان وقفتكم هزت مشاعرنا، واعطتنا صبراً وزخما، مما خفف من آلامنا وعميق احزاننا. اعطاكم الله العافية، وابعد عنكم كل مكروه .
زوجة الفقيد: سلوى سعيد شاجا واولادها
 والدته:  وارو ميخا ساكو
 اخوانه: هاني ، برهان ،هاشم، بصير، بسام، واحسان
                                                                      اخواته: لميعة، ماري، وهناء 

148
اجلب انتباه الجميع الى الموصل
نبيل يونس دمان


     على خلفية قرار مجلس النواب بالغاء بضعة مقاعد في مجالس المحافظات، تتصاعد وتيرة القتل والتهجير بحق المسيحيين في مدينة الموصل، وكأنها رسالة جوابية لبعض التعاطف الذي ناله شعبنا المضطهد، يجري ذلك وفق خطة مدروسة لاستئصالنا، هنا وقبل فوات الاوان اناشد ابناء شعبي الذين يتظاهرون في كل مكان، ان يركزوا على الوضع في مدينة الموصل، ان يطالبوا السلطات بالتدخل، ان يوفروا الملاذ الامن والرعاية للفارين من الموجة الهستيرية، التي تطالهم هذه الايام واكثر من اي وقت مضى، وفي ظل تبجح وسائل الاعلام بالامان والاستقرار. اخاطبكم ابناء شعبي واتسائل: من سنمثل في مجلس محافظة نينوى اذا قضي على المسيحيين فيها، او عاش من تبقى منهم في رعب وقلق وخوف؟.
     اناشد وجهاء الموصل، رؤساء العشائر، ورجال الدين ان يتعاطفوا مع المسيحيين ويدافعوا عنهم، ضد فئة تريد القضاء عليهم وهي باذن الله صغيرة، وقفتكم هذا اليوم معهم سلبا او ايجابا سيسطرها التاريخ، حافظوا على جيرانكم حفاظكم على حدقات عيونكم.
      اناشد السلطات الحاكمة في بغداد واقول ان خطة انقاذ الموصل لا زالت في طور الفشل، مما يتطلب منكم التحرك السريع، ولا يخفى عليكم اهمية الموصل في العراق والمنطقة، واعلموا ان استقرارها هو مفتاح الاستقرار في العراق، ان الموصل عظيمة منذ القدم بتاريخها، بموقعها الجغرافي، وبتنوعها الديني والقومي.
      اناشد حكومات الجوار والعالم والراي العام فيهما، ان يضغطوا بامكانياتهم على الاطراف المسؤولة عن محنة المسيحيين في العراق وبخاصة الموصل، باتجاه وقف تلك الحملات: من تصفية، تهجير، تهميش، واقصاء.
     ليعلم الجميع بان رب السماء لن يبارك قوماً هذا نهجه، فان لم يصححه في الوقت المناسب، فالله قادر ان يصب غضبه عليهم وعلى اولادهم، بعد ذلك لا ينفع الندم، ولا تنفع المسوح، وقصة سقوط نينوى في التاريخ معروفة.



nabeeldamman@hotmail,com
October 06, 2008


149
لماذا يا مجلس النواب العراقي؟
نبيل يونس دمان

     لقد استكثرت علينا بضعة مقاعد في مجالس بضعة محافظات من وطننا نحن سكانه الاصليين من بقايا سومر، اكد، اشور، وبابل والمحافظين على سماتنا الحضارية، وتقاليدنا العريقة، واصالتنا المشهود لها من الشعوب المجاورة والعالم اجمع.
     واكبنا في العصر الحديث ثلاثة مجالس للنواب: الاول في الفترة الملكية وكان لنا فيها مقاعد ثابتة، ومجلس صنعه صدام سماه الشعب بحق الاسطبل الوطني، ثم عولنا على المجلس الاخير الذي تشكل في الانتخابات الماضية، وان كانت لنا مخاوف من تكتلاته الكبيرة التي قسمته الى طوائف واكثريات واقليات، اشبه مجلسكم بحوض للاسماك، فيه اسماك كبيرة واخرى ملونة صغيرة كانت بجمالها وبحركتها تضفي جمالا اكثر للحوض من الخارج، اننا لم نتوقع ان تلعب في مخيلة الاسماك الكبيرة تلك ان تلتهم الاسماك الصغيرة واحدة تلو الاخرى، رغم حصة الاسماك الكبيرة من الغذاء المقدم لها من خيرات بلادنا الوافرة.
     الكتل البرلمانية المنضوية تحت اسماء شيعية او سنية او كردية، لم تجلب بهذه الطريقة الا استمرار معاناة شعبنا وتسلل مجاميع الارهاب الدولية الاكثر خطورة على الجميع، اين اقوالكم في الامس بان شعبنا مزهرية وان التعدد القومي والديني عوامل قوة ومنعة للوطن الذي ارتقبناه حرا وديمقراطياً، اين مزايداتكم في تعاطفكم مع مسيحيي العراق، اني ساستخدم هذا المصطلح بهدف اشراك كل ابناء شعبنا في تحمل مسؤولياتهم امام الوضع المستجد.
     لماذا اصبح المسيحيون اقل من نصف مليون حسب ادعاء مجلسكم، كم كان عددهم قبل مجيئكم، لقد انحدر العدد بسرعة الى مستويات خطيرة بفعل الارهاب والتطاحن الطائفي والركض وراء الامتيازات، وتفشي السرقات والفساد الاداري، انتم لم تكونوا ابدا بعيدين عن الدرك الذي بلغه وطننا بانفرادكم الطائفي وانشداد اغلبكم الى التقوقع الديني او القومي او الطائفي، والاكثر من ذلك ايمان بعضكم بالفلسفة العدمية والافكار السلفية التي لا تلائم العصر في كل الاحوال.
     راجعوا انفسكم قليلا، فلوا فرغ العراق من مسيحييه وانتشر تجمعهم في دول اخرى في اوربا او اميركا، كونوا على ثقة انهم سيبنون تلك الاوطان وجيل بعد جيل سيبرز اولادهم على المستوى العالمي، وربما بفضلهم سيعود وطنهم المغتصب بين النهرين دجلة والفرات، وستندمون بل اقول سترجم قبوركم من قبل احفادكم، لسوء تصرفكم هذا اليوم مع مسيحيي العراق .
     المسيحيون العراقيون هم بناة للوطن، فان شغلوا مقاعدا في مجالس المحافظات فيكونوا بينكم مثال الاخلاص والنزاهة، ورسل سلام بين مجاميعكم التي تميل الى الاقتتال والثار وتصفية الحسابات الشخصية، نحن معروفين على نطاق العالم والوطن بالاساس بتحررنا من الضغائن والاحقاد، وبروحنا المتسامية المتسامحة، وقابلياتنا في الخلق والابداع، وتحمل الصعاب، وافتداء الوطن بارواحنا عند الضرورة.
     لقد خبرتم المسيحيين في الوظائف والاعمال والجامعات وميادين القتال والسجون وذرى جبال كردستان، كل ذلك لم تفكروا به وهلة، ماذا جرى لعقولكم، ولماذا زاغت بصيرتكم، انتم على مدى التاريخ تفكرون وتتصرفون كصقور، فيما المسيحيون وعلى طول الخط حمائم سلام ورسل محبة.
     نحن لا نستجديكم لكننا نطالب بحقنا ومهما طال الزمن او قصر فنحن له. لم يكن بامكانكم التمادي والتلاعب بحقوقنا ومقدراتنا لولا الانقسامات الخطيرة في صفوفنا، هنا اتوجه الى اصحابنا الراقصين كل يوم على حبال الفرقة والتقسيم، المتمترسين في خنادق افتراضية، وابطال في المقاهي الالكترونية، الا تكفوا عن لعبتكم التي اوصلتنا الى هذا الحال من فقدان احترامنا وانحدارنا الى اسفل الدرك، ماذا بامكان ممثلينا في مجلس النواب عمله، وظهيرهم انتم المتقاتلون مرة على التسميات واخرى على المشاريع الوهمية. اناشدكم في هذا الظرف العصيب واقول: هبوا للدفاع المستميت عن بعضكم اذا بقيت فيكم بقية كرامة او نخوة، هبو للتوحد والتآلف وشدوا ازر بعضكم، في مواجهة ما انتم تتعرضون له كل يوم من اعتداءات في الشوارع، وانتهاك لحرمات بيوتكم وحاراتكم، واستهداف مقدساتكم. حتى وصل الامر الى البرلمان الذي يشكل اعلى سلطة تشريعية في البلاد، وهو يسعى حثيثاً لتهميشكم وتقزيمكم، على طريق انهاء وجودكم التاريخي من ارض الاباء والاجداد .

nabeeldamman@hotmail.com
September 27, 2008

150
سبل خروج اميركا من ازمتها الاقتصادية
نبيل يونس دمان

  لا يختلف اثنان بان الولايات المتحدة الامريكية دخلت في ازمة اقتصادية حادة، والتي اعتادت ان تمر بها وان بدرجات اقل في تاريخها. ولكونها الدولة الاعظم في المنظومة الراسمالية، فان تاثير ذلك بالغ على الساحة الدولية. سوف لن ادخل في موضوع الاسباب لانها اصبحت طي الماضي، بل يهمني اليوم ان اجمع افكاري في حزمة نقاط، اذ ربما تسهم في النهاية بزوال الازمة الحالية، ووقف الاضطراب المتصاعد في اسواق المال العالمية :
1- ان تقر وتعترف بصعود نجم دول، لم تكن على البال قبل بضعة عقود من الناحية الاقتصادية، وفي المقدمة : الصين والهند.
2- ان تجهد في تحسين صورتها امام الشعوب والبلدان، بوسائل اكثر ديمقراطية، والتخلي نهائياً عن سياسة ازدواجية المعايير، مما يزيد الطلب على المنتوجات الاميركية، وبالتالي يساعد على انعاش الاقتصاد.
3- تغيير اسلوب تمدين العالم بالقوة، او حمل الشعوب على تغيير معتقداتها الدينية، بل يجب الايمان بان الوصول الى تلك الغايات، يمر عبر تطورات ذاتية واجتماعية طويلة الامد.
4- الاقرار بوجود علاقة وثيقة بين الوضع الداخلي والخارجي، فعندما ينعم المواطن الامريكي بفرص العمل والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، عندها يكون لها القدرة على المطالبة بمصالحها الحيوية في البقاع التي تتطلب ذلك، دون الحاجة لاستخدام القوة العسكرية.
5- الارتقاء بالصناعة الاميركية الى مستويات اعلى تناسب العصر، وتضاهي ما تحققه بلدان اخرى في اوربا واسيا، واعتماد اسلوب المنافسة الحرة في دخول الاسواق العالمية، وعلى اساس الجودة.
6- ان تعزز الدولة نهج تأميم الشركات الكبرى، والتي اضطرت الى ولوج هذا الطريق بعد تردد طويل، امام افلاس كبرى شركات البنوك والعقار والتأمين.

7- ارساء وتطوير تجارب ايجاد بديل عن الطاقة المتمثل بالنفط لاسباب عدة منها : أ- جعل البيئة اكثر نقاءاً وسلامة، جراء تلوثها المتزايد بمشتقاته.
ب- عجزه عن تلبية الطلب المتزايد عليه، او نضوبه في نهاية المطاف.
ج- واخيراً وليس اخرا تسرب مليارات الدولارات من عائداته، لتمويل عمليات الارهاب في اصقاع شتى من المعمورة.
     انا واثق بان الحياة ستفرض النقاط الاكثر اهمية في الاستنتاجات السالفة، اما تجاوزها من منطلق التعالي، فانه يؤدي الى اوخم العواقب بما فيها اعادة النظر في الانظمة الاتحادية المعمول بها منذ قرون.

nabeeldamman@hotmail.com
September 25, 2008


151
العريف الشهيد توما ياقو ابونا
 إعداد/ نبيل يونس دمان


     استهل الموضوع بالقول " ان ضحايا ارهاب اليوم امتداد لشهداء شباط الاسود عام 1963 " ، قبل مدة قصيرة غادر مازن جرجيس ابونا الارض ، مفارقا حياة لم يتمتع بها ، دارت عليه خمسة وثلاثين ربيعاً ، وهو محروم من السعادة ومحاط بالخوف ومتردد في التقدم ، ولد وترعرع في الموصل التي قصدها والده طلبا للعيش عام 1969، ربّى العم جرجيس ( ججو ) اولاده على العمل والكدح المتواصل والتنقل بين القرى والقصبات المحيطة بالموصل للبيع والشراء ، كانوا نزلاء في بيت واسع قرب كنيسة مار توما في محلة الساعة ، صمدوا وقاوموا الظروف الصعبة في تلك المدينة دون ان تغريهم اية وضعية جديدة للظهور ، او حتى رفع رؤوسهم ، من إقبالهم على كسب قوتهم اليومي ، وكان يوم التاسع من تموز 2008 حاسما بل كارثيا ، فقد سقط منهل مضرجا بدمه ، وفيما والدته نني حنا ابونا تهرع اليه لتحتضنه وتقبله قبلة الوداع ، يخذلها قلبها ، فتمتنع عن ذرف ما بقي لها من دموع ، ولترتمي بجانبه جثة هامدة . قبلت الام ولدها قبلة الموت في مشهد أليم لا يرى حتى في الافلام ، ولتتحقق نبوءة ناحوم الالقوشي عن نينوى ( ويل لمدينة الدماء الممتلئة باسرها كذباً وخطفاً التي لا تفارقها الفرائس ، هوذا سوط السياط وصوت الزلازل الدواليب والخيل الجاثلة والعجلات الطافرة . ووثوب الفارس ولهيب السيف وبريق الرمح وكثرة القتلى وتراكم الجثث ولا نهاية للجيف وهم يعثرون بجيفهم ... نبوءة ناحوم 3/1 ، 3/2 ، 3/3 الكتاب المقدس ) . ذهبت نني وولدها مازن الى خالقهما مكللين بالشهادة ، وبذات الاكليل الذي تكلل به عمهما العريف الشهيد توما ياقو توما رحيثا من بيت ابونا العريق .
      لم ار العريف توما في حياتي ، لكني تاثرت باستشهاده منذ طفولتي . كم من المرات حاولت الكتابة عنه لكني لم اوفق ، وكل ما عرفته وهو جاري في محلة التحتاني ، ان والدته المرحومة حبوبة كانت تذهب مع جدتي الى السجن كل يوم لتقصي اخبار ابنائهم المعتقلين ، وفي احد الايام بدل ان تكتحل عيون الخالة حبوبة برؤية ابنها ، فان السجانين سلموها ملابسه الملطخة بالدماء ، جثمت على ركبتيها ورفعت ايديها الى السماء طالبة من الرب ان ينتقم من القتلة ، ثم صعدت الى القوش بواسطة باص النقل ( النيرن ) ، لن انسى ذلك الصباح عندما تخطت بيتنا وهي تملأ الدنيا صراخاً وتذرف الدموع السخية وبيديها ملابسه العسكرية . لقد قتل الجناة ابنها الذي لم ينعم بالحياة والزواج وهو في ريعان الشباب .
      التقيت مؤخراً بالأخ نوئيل وحال معرفته اني من ابناء القوش ، بادرني على الفور ، ان كنت سمعت بالعريف توما ياقو ، فاردفت وبنفس الحمية : بل العريف الشهيد توما ياقو ابونا ، فسلمني الموضوع الذي نشره عام 2006 في مجلة فينوس التي تصدر في كالفورنيا. اعيد نشره لتثبيت اسم الشهيد البطل توما في سجلات المجد والفخَار ، ولتوثيق الجرائم التي ارتكبها البعثيون الحاقدون على كل زاهي وجميل خلال حكمهم الذي امتد عقودا ، وما الحالة التي نعيشها اليوم الا استمراراً وايغالاً في ارتكاب المزيد والمزيد من الجرائم ، لقد جبلوا عليها مذ خرجوا من بيضتهم الفاسدة عام 1947 ، ولانحدارهم من كل ما هو سلفي ، عفن ، وآسن في الحياة ، يقيناً لن يغفر لهم التاريخ ما اقترفته ايديهم البشعة ، بل سيضعهم على الدوام في درجاته الدنيا.
الى الموضوع الذي كتبه الصديق نوئيل بطرس عوديش بعنوان:
الضحايـــا
    العريف الآلي توما ياقو من مواليد القوش المدينة الكلدانية العريقة وعروسة الجبل الخالدة : تلك المدينة التي انجبت ابطال فغادرها الى بغداد وهو في عنفوان الشباب. ثم تطوع في صفوف الجيش العراقي الباسل . تعرفت عليه عندما انتقل الى وحدتنا ( كتيبة هندسة الفرقة الخامسة ) في معسكر الرشيد سنة 1962 وكان برتبة عريف آلي وبعد فترة قصيرة اصبح من أعز اصدقائي فلقد حاول اقناعي للانضمام الى الحزب الشيوعي بحكم العلاقة التي كانت تربطني به فلم يفلح حيث كان مشبعا بالافكار التقدمية وفي يوم من الايام حصل بيننا نقاش حاد حول السياسة حيث قال لي : لابد وان انظمك يوما فقلت له : يا توما اترك السياسة خير لك لانها لا توكل خبز فكان يضحك ويستهزئ من كلامي ثم عاد وحاول عدة مرات ولكن بدون جدوى الى ان يئس ولم يعد يحدثني عن السياسة بشيء الا اننا بقينا على صداقتنا واحترامنا لبعضنا في كل الظروف . وفي احدى الامسيات حدثت مشادة كلامية بينه وبين النائب العريف الآلي عبد الحسين الذي كان سائقا لآمر السرية النقيب عبد الرزاق النائف , ولقد ساءت العلاقة بينهما حتى وصلت حد التهديد والوعيد فلقد استطاع ن.ع عبد الحسين بحكم مركزه كسائق لآمر السرية من خدع احد الجنود البسطاء من السواق الآليين واتفق معه على تلفيق احدى التهم الباطلة والدنيئة ضد العريف توما ياقو حيث حيكت خيوط المؤامرة بدقة متناهية حتى اعتقل العريف توما ومن ثم زج به في سجل الهندسة كما احيلت اوراقه الى التحقيق وبقي في السجن لعدة ايام دون ان اعلم بذلك الى ان كلفت بواجب آمر حرس السجن والمشاجب . وكالعادة كان كل آمر حرس جديد يحسب عدد المساجين للتاكد من سلامة عددهم ولما دخلت الى السجن وجدت توما منزويا في احدى الزوايا فلما رآني نهض بسرعة وتقدم مرحبا ثم قال الحمد لله الذي بعثك الى هنا ، فقلت له ماذا حل بك ، ولما انت معتقل ؟ قال بحسرة والم : لقد فعلها عديم الضمير ( ن.ع عبد الحسين ) والله العظيم انا بريء فقلت له : قل لي الحقيقة ، وساحاول مساعدتك قدر الامكان . فلما روي لي القصة بما انزلت ادركت بانه حقا بريء ، لانني اعلم مسبقا تصرفات ن.ع عبد الحسين ونواياه الخبيثة من خلال الفترة التي قضيناها معا ً في نفس السرية ( السرية العاشرة ) . على كل حال طمأنته وقلت له : انا ذاهب الى آمر السرية لاخبره بالحقيقة وكل ما جرى فهو رجل عادل وطيب القلب ، آنذاك تنفس توما الصعداء وقال : لن انسى جميلك ابدا . ثم ذهبت الى السيد آمر السرية وطلبت من المراسل ان يبلغه بانني اروم مقابلته لأمر هام ، ولما سمع صوتي ناداني من الداخل : ادخل يا نوئيل . ولما دخلت الى الآمر حييته ورحب بي وقال خيرا ً؟ فاخبرته بالموضوع وعرضت عليه وجهة نظري كما ترجيته ان يفعل المستحيل لمساعدة العريف توما ياقو . فابتسم وقال : ابشر يا نوئيل ، انشاء الله يحصل خير . فشكرته واديت التحية العسكرية ، ثم رجعت الى السجن لاداء واجبي ، ثم اخبرت العريف توما بذلك وطمأنته على ان السيد الآمر سيتكفل بالموضوع ، وان ذلك هو لصالحه . ارتاح لكلامي وشكرني ، وبعد كم يوم تم اطلاق سراحه لعدم ثبوت الادلة ضده ورجع الى السرية كما كان معززا مكرما . الا ان الحاقد ن.ع عبد الحسين لم يرق له ذلك . اخذ ينتظر ويترصد الفرصة المؤاتية له لكي ينتقم من توما . الى ان حدث انقلاب 14 رمضان ( 8 شباط 1963 ) ضد الزعيم عبد الكريم قاسم وجماعته . ولما كان ن.ع عبد الحسين رجلا ضخما وقويا فقد تم استخدامه في غرفة التعذيب لتعذيب المتهمين من الشيوعيين وانصار عبد الكريم قاسم وغيرهم . واول ما قام به عبد الحسين هو الابلاغ عن العريف توما . فبذلك استطاع وجماعته من اعتقال العريف توما واقتياده الى جهة مجهولة . التي علمنا فيما بعد بانها غرفة التعذيب ، والتي كان ن.ع عبدالحسين احد المشرفين على التعذيب فيها . ثم اخذت الاعتقالات تتزايد داخل وحدة الهندسة . وفي صباح يوم الثلاثاء ( 13 شباط 1963 ) بينما كنت راجعا من واجبي ( آمر للدورية ) تم اعتقالي من قبل ن. ع عبدالحسين مصلح الانابيب والعريف صادق فكانا مسلحين برشاشتي كلاشنكوف فتم اقتيادي الى غرفة المعتقل حيث التقينا بالجندي الاول عبد هرمز الذي كان هو الآخر مقيدا من قبل جماعة ثانية . ولما وصلنا الى المعتقل كان بانتظارنا السيد مساعد آمر الكتيبة والسيد وكيل آمر السرية العاشرة وقد صاح احدهم : جاء عبد الوهاب وفريد الاطرش اي مستهزئين بنا ، فقلت ردا على ذلك : اهذا جزائي وانا ثلاثة ايام متتالية بواجب آمر الدورية ؟ فقال المساعد : لا تخافا انها دقائق وسيطلق سراحكما . على كل حال ادخلنا الى غرفة المعتقل ، والتي كانت عبارة عن مخزن صغير لا تتعدى مساحته 5 × 3 م مربع ، وبشباك صغير واحد طوله 30 × 20 سم مربع وباب من الحديد . وقد وضعت صفيحة معدنية في داخله لقضاء الحاجة ليلاً ، اما عدد الموقوفين فيه وصل الى اكثر من 35 عسكريا . هذا وقد سبقنا الى المعتقل النائب العريف متي من اهالي قره قوش ( باخديدا ) وبذلك اصبح عدد المسيحيين المعتقلين في الكتيبة 3 + العريف توما ياقو . فبقينا ذلك اليوم بدون طعام وبلا شراب وحتى مساء اليوم الثاني ، ولما سألت الحرس عن السبب قال : غدا ستنزل اسماءكم في قائمة التعيين . وفي تلك الاثناء بلغ جميع المعتقلين التهيء امام الباب للذهاب الى المرافق الصحية ( دورة المياه ) وبينما نحن خارجون من المعتقل جاءني الجندي المكلف البطل الشجاع اسطيفان القس شمعون وكانت معرفتي به قليلة وسطحية آنذاك ، الا انني كنت صديقا حميما لشقيقه حبيب وبعلاقة كبيرة مع شقيقه الكبير لويس صاحب استوديو في شارع المشجر في بغداد . قال اسطيفان بتعجب : لماذا انت معهم يا نوئيل ؟ فقلت له ارجوك ابتعد من هنا كي لا يتهمونك بالتعاطف معنا ولربما يشككون في امرك ، وقد تعتقل انت ايضا . قال لا تهتم قل لي ماذا تحتاج كي اجلبه لك فورا . قلت له اننا بدون طعام وشراب منذ يوم امس . ثم غادر على الفور. ولدى رجوعنا من المرافق الصحية وجدته بانتظارنا ومعه الرز والمرق والصمون العسكري والشاي . فشكرته على جميله وشجاعته المتناهية حيث غامر بحياته من اجلنا ، علما بان كافة الاصدقاء تبرأوا منا وكانوا يمتنعون عن الكلام او حتى النظر الينا خوفا من العاقبة . على كل حال استلمنا المواد الغذائية ، وامر الحارس بادخالها الى غرفة المعتقل ، ثم تناولنا طعامنا وشربنا الشاي بفضل ذلك الجندي الشجاع والذي لم يذهب من مخيلتي حتى هذه اللحظة ، ولا زلت اشكره كلما التقيت به واذكره عن جميله الذي لن ينسى ابدا . هذا وبعد دقائق ضرب الحرس السلسلة الحديدية على الباب بقوة ولدت صوتا مخيفا هزنا جميعا ثم نادى على احد المعتقلين فلان الفلاني : تفضل للنزهة السياحية ، يقصد بها غرفة التعذيب ، وهكذا اخذ التحقيق مجراه ولعدة ايام الى ان وصل الدور الى النائب العريف متي : اخذ متي الى غرفة التعذيب ، وكلما كانوا يضربونه يبكي ويصيح ( وو آوي ، وو آوي ، هالوخ قشي أبرخ ما كيلي كحاصلي ) ومعناها " ابتاه ، ابتاه ، تعال انظر ما يحصل لابنك " ، ومن شدة الضرب اخذ يفقد اللفظ الصحيح، فعوضا من ان يقول ( آوي ) اخذ يصرخ ويقول ( واوي ويوي ) ، ولما سمعه احد المسؤولين قال نزلوه ووقفوا الضرب ، ثم قال بتعجب : اول مرة اشوف واحد من ينضرب يصيح ( واوي ويوي ) ، وهكذا اكتفوا بضرب وتعذيب ن.ع متي ثم ارجع الى غرفة المعتقل ، وهكذا تم التحقيق مع المعتقلين واحدا بعد الاخر الى ان جاء دور زميلي عبد هرمز الذي كان متهما بسبب قراءته جريدة " اتحاد الشعب " في الكراج اثناء الواجب . اقتيد عبد هرمز الى غرفة التعذيب بصورة غير طبيعية وظالمة وكانه مجرم خطير او قطب شيوعي كبير . وبعد ما يقارب الاربع ساعات من الضرب والتعذيب ارجع الينا وهو متكأ على جنديين من الحرس لعدم تمكنه من الوقوف من شدة التعذيب ، ولما نظرت اليه فلم اعرفه في بادئ الامر ، نظرا لكثرة الخدوش والجروح والدم الموجود على وجهه ، الى ان قال تكيني على الحائط رجاءً ، فعلمت انذاك انه عبد هرمز . ثم قال بحزن شديد : هل تعلم ان العريف توما قد قتل ؟ فقلت يا للاسف ألهذه الدرجة هم قساة ؟ قال : شيء لا يصدق ، فانا خوفي عليك يا نوئيل لانهم ذكروا اسمك فلربما الآن دورك . فتالمت كثيرا للعريف توما ، وبينما انا غارق في التفكير ، ضربت سلسلة الحديد ( الزنجيل ) على باب المعتقل بقوة ، ثم نادى الحرس : نوئيل عوديش بطرس ، قلت : نعم ، فقال مستهزئا : تعال لنذهب الى اهلك ! ولما خرجت كانت الساعة تشير الى اكثر من الثانية ليلا ، كما كان الظلام دامسا بحيث لم استطع معرفة الشخص الذي اقتادني الى غرفة التعذيب ، ثم وضع وصلة قماش على عينيّ ومن ثم سلمني الى مجهولين لا اعلم من هما ، الا انني سمعت احدهما يقول للآخر : كيف يهون عليك وانت تسلم نوئيل اخينا وصديقنا الى مسؤول التعذيب ، فمن الصوت علمت بانهما من اعز اصدقائي وكانا غانم حمد من الموصل ، قحطان حسين ( ابو يعرب ) من الفلوجة ، ثم همس بأذني قحطان وقال : لا تخف يا نوئيل سوف نحاول انقاذك من التعذيب قدر الامكان. بالفعل وصلت الى غرفة التعذيب ،حيث تم تسليمي الى احد المسؤولين ، ثم غادر غانم وقحطان المكان الى جهة مجهولة ، ثم جاء المسؤول ورفع قطعة القماش من عيني ثم قال انظر الى هناك : من ترى ؟ فلما نظرت الى الكرسي كتمت انفاسي وحاولت الضغط على نفسي من البكاء فلم استطع ، فلقد رأيت بعيني العريف توما ياقو مقتولا وقد القيت جثته على الكرسي . قال المسؤول : لازم صديقك حيل ؟ فقلت له : الكل اصدقائي في الكتيبة من جندي الى ضابط ، لانني احب واحترم الجميع ، والكل يحبني ويحترمني . قال هل تعرفه ؟ قلت : نعم انه العريف الالي توما ياقو ، في هذه الاثناء دخل كل من غانم حمد وقحطان حسين وطلبا من المحقق الذهاب الى خارج الغرفة ، لا اعلم لماذا ، ثم تقدم الي قحطان وقبلني وكذلك غانم وقالا : كيف يهون علينا وانت في غرفة التعذيب ، لقد دبرنا كل شيء من اجل انقاذك لاننا نعلم جيدا انك بريء ، والان لنرجع الى غرفة المعتقل ، وعليك ان تأن وتون وتصيح آه رأسي ، آي كتفي ، آه رجلي ، وكأننا عذبناك ، وذلك لتغطية عملنا كي لا ننكشف ، فشكرتهما جزيل الشكر لوفائهما واخلاصهما لي ، وبينما نحن راجعون الى المعتقل سالت قحطان : لماذا قتلتم العريف توما ؟ قال : والله العظيم ما كنا نريد ذلك ، الا ان عدوه اللدود ن. ع. عبد الحسين هو الذي فعل ذلك . فقلت في نفسي : ألهذه الدرجة يصل الحقد والكراهية بالانسان ان يعذب صاحبه ويضربه حتى الموت ؟ ولما وصلت غرفة المعتقل ، وجدت زميلي عبد هرمز منتكيا على الحائط وعيناه مغمضتان فساورني الشك واخذت انادي عليه بدون شعور : يا عبد يا عبد يا عبد ، ولما فتح عينيه قلت : الحمد لله انه سلامات . ثم سالني : هل ضربوك ؟ قلت : لا ، قال الحمد لله ، طبعا لم نذق طعم النوم اطلاقا . وذلك بسبب الخوف والتفكير والقلق بالاضافة الى ضيق الغرفة . هذا وبقينا ننتظر مصيرنا . فالبعض يقول : سيطلق سراحكم ، والبعض الآخر يقول سوف تطردون من الجيش ، والقسم الاخر يقول : طالما انتم ابرياء ما عليكم شيء وهكذا . المهم ولّى ذلك النهار ، وفي المساء كالعادة خرجنا للذهاب الى المرافق الصحية ، وبينما نحن سائرون في الطريق ، لفتت نظري امراة تصرخ وتقول للحرس : يقولون بان ولدي عندكم لماذا تقولون لا ؟ ويصرخ الحارس بوجهها ويقول : اذهبي فتشي عنه في وحدة اخرى. بينما نحن راجعون : سالت الحارس الذي معنا عمن كانت تسأل تلك المرأة ؟ قال : كل يوم تأتي تبكي وتصرخ تطالب بولدها ، قلت له هل تعرف من هو ولدها ؟ قالها بكل وقاحة : العريف توما ، فصرخت في وجهه وقلت يا ظالم العريف توما مقتول وملقى على الكرسي في غرفة التعذيب ، لماذا لا تسلمونه الى امه ؟ وفي تلك الاثناء جاء قحطان حسين وقال ماذا جرى لك يا نوئيل ؟ صوتك يصل غرفة الآمر ، فاخبرته بالموضوع ولما ذهب وجد الامرأة قد غادرت بعد ان يئست من وجود ولدها في الكتيبة لتبحث عنه في سجون اخرى ، وما اكثرها تلك الايام . ثم رجع الي قحطان وقال يا اخي .. العريف توما قطب شيوعي كبير ، وهو في التنظيم العسكري ، لا تسال عنه ولا تدافع عنه . فقلت له يا اخي هذا ظلم ، قتلتم الرجل سلموا الجثه لاهلها ، ثم قال : جئت لابلغك بانك وبعض الموقوفين معك ستنقلون الى مكان آخر ، اتمنى ان يطلق صراحكم . فشكرته على موقفه معي وطلبت منه ابلاغ سلامي الى غانم حمد ، ثم ابلغنا ليلا بالتهيؤ والوقوف امام الباب الى ان جاءت سيارة عسكرية ، فاقلتنا الى سجن رقم 1 ومنه الى معتقل رقم 2 في الكلية العسكرية . وهكذا استشهد العريف توما بسبب انتمائه السياسي واخلاصه للمبدا الذي آمن به من ناحية ومن ناحية اخرى ذهب ضحية الحقد والكراهية التي كان يكنها النائب العريف عبد الحسين . علما بانه كانت هناك اعداد من السياسيين ولم يلحق بهم الضرر كالذي حدث للمرحوم العريف توما ياقو . رحمة الله عليك يا توما ولاهلك وذويك وزملائك الصبر والسلوان . آمين .           
 
nabeeldamman@hotmail.com
September 08, 2008

152
لقاء تراثي شيِّق مع العم عوديشو زورا بدي
أجراه : نبيل يونس دمان

     يأسرني الرجل بكياسته وبساطته وأدبه الجم، لذلك تاقت نفسي ان اجلس معه واسمع احاديثه التي تمتد الى النصف الاول من القرن الماضي وهي مشبعة بالمحبة والصدق، وروح الانتماء الحقيقي الى البلدة التي انجبته، وانجبت العشرات ممن لن يغفلهم التاريخ يوماً .
 

   العم عوديشو حريص على الاتصال بي كلما وجد فرصة مناسبة، آخذاً بعين الاعتبار وقتي الذي امضيه مضطرا للعمل، هذا البلد رغم خيراته الكثيرة وحرياته الواسعة، يضيق على الكثيرين فرص التمتع بالحياة المتنوعة بحكم طبيعة الاعمال. لاعود الى محدثي، هذا الانسان المتواضع الرزن وهو يروي بعض مما انطبع في مخيلته وقاوم الزوال لسنين طوال. اخبرني ان ولادته كانت في عام 1926 في القوش، ومنذ ان شب على الحياة مارس العمل بأناة وتواصل، تارة مع والده زورا واخيه الاكبر عيسى وتارة اجيراً عند الاخرين في اعمال الزراعة، في معصارة الراشي ( الطحينية ) التي كانت تعود لهم في وقت من الاوقات ثم عند معاصر البلدة. في عام 1940 فتح دكانا في السوق، وبعد مدة كنت ترى العشرات من الايزيدية بخاصة امام دكانه، حيث وهب قابلية لكسب ودهم وثقتهم، وكنت تراه دائما بين القرى الايزيدية بائعاً وشارياً والجميع يستحسن التعامل معه لنزاهته، واكتسب ليس فقط وسيلة المعيشة بل تعداها الى ان يتكلم بطلاقة اللغة الكردية، ويتذوق اغانيها الجميلة التي لا زال الى اليوم يحفظ العديد منها ، وقد استمعت اليها في الاشرطة المسجلة، وكررت سماعها لما فيها من ذوق رفيع في انتقاء الكلمات، وفي افكارها الملهمة المنعشة في تلك الازمان من حياة قرانا وريفنا المحيط بعاصمة العالم القديم نينوى العضمى. تحدث عن بداية شبابه وهو يعمل في سني الحرب العالمية الثانية في مشاريع عسكرية في غرب القوش مرورا بالقرية بهندوايا التي اقيم فوق نهيرها جسرا كونكريتيا يكاد يكون اول دخول لمادة البناء ( السمنت ) الى محيط البلدة، ولكن ضعف الجسر وربما الاستعجال في اتمامه دون مراعاة المواصفات الفنية ادى الى زواله لكن اثاره لا زالت باقية، عمل عوديشو في تلك المشاريع تحت امرة المقاول الثانوي حنا عوديش ولا زال يتذكر ايامها. وتحدث ايضا عن خدمته العسكرية ودفعه البدل النقدي البالغ 50 دينارا آنذاك ، وكذلك زواجه عام 1945، وتركه البلدة عام 1962 بسبب احداث الشمال واستقراره في بغداد لعدة عقود ، قبل ان يحط عصا الترحال في اميركا. تحدث ايضا عن فترة الرابع عشر من تموز حيث كما اسلفنا كان صاحب بقالة في السوق يروي بعض الطرائف عن تلك الفترة منها : حدث امامه ان كان يجري تبليط السوق بالاسفلت وكان العمال طوال النهار ينقلون من الزنابيل لفرشها في الماكن التي لا تصلها الفارشة، عند العصر شوهد احدهم يقلب زنبيله في قارعة الطريق وكان يفترض ان يوصله الى امام بيت شمّو تاتا ( مقدسي ) وعندما اعترض البعض على فعلته تلك قال : انظروا الى الوقت انها الرابعة وحسب قانون العمل اتممت ثمان ساعات عمل وحان وقت انصرافي ( لعشرات السنين اللاحقة وربما الى اليوم لا زال ذلك الكوم من الاسفلت في مكانه ) . عندما كان احد المواطنين  قد وصل في بناء بيته الى مرحلة التسقيف اي ختم قبة الغرفة النصف كروية ، لم يأت العمال في اليوم التالي لانه صادف الاول من ايار عيد العمال العالمي الذي استحدث لاول مرة عطلة رسمية، مما اغضب صاحب البيت فشتم ذلك اليوم بطريقة ساخرة امام مسؤول نقابة العمال آنذاك بتي دكالي .
      والان ندع العم عوديشو يروي حكاياته التي حفظها كشاهد عيان او ما تناقلته ألسُن الكبار في مواظبته حضور جلساتهم الشعبية في السوق بخاصة، ذلك المكان الذي يتجمع الناس فيه كل يوم من مختلف الاعمار والافكار والمشارب تتناقل حكايات السلف التي تتصف بالاقدام والإباء، من اجل الحفاظ على تربة بلدتهم من التدنيس ، ومن اجل مواصلة سيرة ابائهم الذين يرقدون على ذلك الثرى فوق التل وسطها، اجيال واجيال ستمضي بثبات على ذات الطريق دون انحراف، وحتى بلوغ الاماني في نيل الحقوق وانتزاع اعتراف الاخرين :

(1) حادث بتي كجو :
     كان السقلي جاويشاً ( عريف عثماني ) تركيا متشددا ومعروفا بقسوته، يتمشى في احد ازقة البلدة، أحس من خلال جريان ماء صابوني حار، خارج احد البيوت الفقيرة، بأن ربة البيت تستحم في الحمام ( حميمية ) فاندفع يريد التحرش بها ، فما كان من المرأة الا رفع صوتها عاليا، رافضة طلبه مشاركتها الحمام، فتجمع الناس في الزقاق لا يجرأوا على عمل شيء ، في تلك الاثناء مر من هناك العم بتي كجو ( ساعور الكنيسة فيما بعد ) فاستفسر عن تجمعهم فاجابوه بالحقيقة، هنا اندفع الى داخل البيت وضرب عدة لكمات قوية الى السقلي وانسل خارجا ثم توارى عن الانظار ، وظل السقلي يسأل عنه ويقول " لن افعل به شيئا ، فقط اريد ان اعرف اي نمط من الرجال ، هذا الذي تجرأ ومسّني ، حتماً ان له قلبان ".
(2) الفرمان بحق الاثوريين :
    الفرمان بدأ في مطاردة الاثوريين من قبل الجيش العراقي، وفي سميل تم تجميع مئات الرجال بعد نزع اسلحتهم غدراً، ثم اعدموهم كل سبعة رجال بطلقة واحدة، الاثوريون المحيطون بالقوش لجأوا اليها فاخذ الاهالي الحذر والحيطة، استقرت بعض العوائل الاثورية عند اصدقائها والبعض في القناطر والظلال حيث الوقت شهر تموز القائض ، ذهب ( يوسف بولا اسمرو) الى ( بهجت قليان ) مدير الناحية ، واستفسر منه عن ما تنوي الحكومة فعله فقال اذهبوا وعالجوا الموضوع في الموصل ، فارسل الاهالي السائق ( يوسف متيكا صارو) الى البطريرك مار يوسف عمانوئيل لايجاد مخرج للازمة. في البلدة دار الدلال في البلدة مناديا الناس باخراج ( المجرمين ) من بيوتهم والا يعتبرو مساندين لهم، طالب الالقوشيون بتمديد مهلة تسليم الاثوريين فكان الجواب ان لا تأخير في ذلك، العم ( بتي كجو ) قال في تجمع يبحث مصير البلدة بانه يتكفل بالهجوم على مربض مدفع نصب شمال البلدة في موقع كهف المياه ( كبد مايه )، اما أيسف بولا فخاطب الشباب قائلا ً:
خذو الحيطة وتهيأوا للقتال فانا ذاهب الى مركز الشرطة فاذا تأخرت لاكثر من ساعة من الوقت، اهجموا ، اطلقوا الرصاص علي والمركز معاً ، وليحدث ما يحدث فالدم الزكي لن نسلمه ( في اشارة الى اللاجئين ).
      عندما اخبر يوسف صارو غبطة البطريرك بالحال اجابه بان يتوكلوا على مريم العذراء ، فصرخ يوسف " سيدي انا رأيت بعيني مريم العذراء هاربة من البلدة " هنا ادرك البطريرك الهمام ذو الكلمة المسموعة خطورة الوضع، فاجرى اتصالات سريعة اثمرت في بطلان الفرمان ونجاة البلدة وما تبقى من الاثوريين المساكين .
(3) قضية اخي عيسى :
     كان والدي زورا بدي قد كفل احد الاخوة الايزديين عند ( يلدا صحب ) في كمية من الحبوب، في ظل الاوضاع القائمة ايام الفرمان لم يرجع الأيزيدي دَينه، طالب يلدا صحب بها، فارسل الوالد ابنه عيسى الى قرية ( باقاقا ). عند وصول عيسى اليها لم يكن الشخص حاضرا فجلس ينتظره حتى العصرحيث كان في حقله ، قال له عمي و بالكردية ( مامو ) اعطني الدين الذي بذمتك فالدنيا ليست بخير والطرق خالية من المارة ، فقام الرجل بكيل الحبوب وساعد عيسى في تحميلها، ودّع عيسى الرجل وسار في الطريق حتى منتصفه، وعند تل اسمه ( كري بلالوك ) لاح امامه سبعة فرسان مسلحين وهم يقطعون عليه الطريق، اربكته المفاجاة وفيما المطايا يجدّون في سيرهم الى الامام ، تركها تمضي، وتسلل بخفة الى ساقية لمحصول الرز، ووجه بندقيته اليهم وكان معه 24 مشطاً في صفين ( تري رَختِه )، وضعها في حضنه مخاطباً نفسه " يا إلهي لما البندقية والذخيرة معي، أليس لهذا اليوم "، سمع احدهم الممتطي حصانا ابيضا يقول " انا الذي اتكفل بقتله واخذ حميره "، حقدت عليه اكثر وقلت ساقتل على الاقل ثلاثة منهم قبل ان أۥقتل . استمر حميري بالسير فيما سمعهم يحدثون بعضهم ان يدرأوا شره ، فلو لم يكن شجاعا لما خرج في يوم مضطرب كهذا، فتركوه ليلحق بحميره ويواصل طريقه. الفرسان السبعة توجهوا الى مطحنة حبوب ( رحى ) في قرية ( قصرونا ) كانوا غالبا ما يطحنون حبوبهم دون ان يدفعوا ثمن ذلك من باب القوة، هناك قابلوا رجلاً من القوش اسمه (ججو حيدو) فقالو له " قبل قليل صادفنا في الطريق القوشياً، فاردنا ان نمزح معه فذعر مما حدى بنا ان نتركه "، في اليوم الثاني سأل ججو اخي عيسى " هل خرجت من البيت امس ؟ " فقال " نعم " ولماذا تسألني ذلك، فاخبره بما سمعه من الاغراب، فاجاب أخي " انهم شوهوا الصورة وكانت نيتهم سلبي وربما قتلي، فلما رأوا استعدادي للتصدي لهم ، انتابهم الخوف فتركوني وشأني " وبالسريانية ( خزيلي دوئه، خموصيلي ).
(4) سادونة بولا والغريب :
     في ايام الفرمان ايضاً ، تواجد في سوق البلدة احد القرويين فتقدم الى صاحب الدكان سادونة بطلب مكيالين من السكر ( كلا) فسأله عن ثمنها فقال سادونة روبيتين ( ما يعادل 150 فلسا ) فقال اعطيك روبية واحدة فقط فاجابه صاحب الدكان بان سعره روبيتين فاجابه القروي " افضل لك ان تبيعه اليوم بروبية واحدة من ان تضطر غدا ببيعه مجانا ( ضمنا يلمح بالاحداث المقبلة ) " . غضب سادونه ولم يعجبه ذلك الكلام فصفعه على خده ، في تلك الاثناء وصل سنحاريب بولا يستفسر عما يحدث فاجابه سادونة بالقصة ، مما حدا بسنحاريب ان يسأل بصوت عالي " اين جوكا غزالة الشجاع " فتجمع الناس حول جوكا الذي امر كل القرويين من القرى المحيطة ان تترك السوق حالا والا ستتعرض الى عواقب وخيمة ، وهكذا لم يمر وقت طويل حتى اصبح السوق خاليا من كل الغرباء .
(5) حكاية ججو تمو :
     العم ججو كان جالسا يوما في دكانه بالقيسرية جاء اليه شيخ اسمه حسن، جلس عنده في القيسيرية، اما رجال الشيخ فقد انتشروا في السوق ياخذون ما يريدون من الدكاكين دون دفع الثمن ( شبه فرهود ) عندما يقول صاحب الدكان اصبح حسابك كذا ، يتنكر ويقول نحن لا ندفع شيئا ، عندما سمع الناس في السوق ذلك انسحب غالبيتهم الى بيوتهم ، هنا خاطب ججو تمو الشيخ قائلا " الوضع اصبح منذرا ، خذ رجالك واترك السوق انهم ياخذون الحاجيات مجانا ذلك لم يحدث عندنا، لسنا مستعدين لدفع الخاوة ( نوع من الجزية ) " . اذعن الشيخ للامر وفي الطريق لمح احد رجاله القوشيا يحمل في جنبه كيس للتبغ فيه نقوش وزخارف جميلة ، فتقدم منه احدهم لاخذ كيسه عنوة فرفض صاحب الكيس المدعو حنا ( مشمشّا ) كتو، فطرحه ارضا يريد ذبحه ، تجمع الناس في الموقف وصادف مرور منصور تغو الملقب ( بجي بلو ) فقال ما هذه اللمة فقالو يريدون ذبح حنا لانه رفض اعطائهم كيس تبغه ، قال اطلبوا اولادي حالا ، وجاء اولاده في الحال، هنا صاح بجي على الشيخ حسن بالقول ( حسنكو ، حسنكو ) علامة التصغير نحن لم نعط الخاوة لاحد في تاريخنا اذهب واسال ابائك واجدادك هل دفع اهل القوش الجزية يوما ، وحدثت حمية بين الشباب لا سابق لها واشبعوا رجال الشيخ ضربا وصادروا كل ما يملكون فغادروا البلدة منكسرين فيما سيقت حُصنهم الى سرداب رئيس القوش انذاك زورا بوداغ ، بعد ايام توسط عند القوش احد الاغوات فاعادوا لهم البغال عارية اي من دون سروجها واغطيتها ( جاجـِمِّه ).
(6) حادث مقتل العم تومي :
     ذهب العم تومي صباح احد ايام صيف 1924 الى بيدره، القريب من تل المقبرات ( مقابل بيت يوسف باخوخة )على اطراف القرية للتزود بقليل من المونة ،في ذلك الوقت كان  بيت توحلة الموصلي ضامنا امور الاستهلاك، جاء اليه مسلحان وارادوا منعه من اخذ الحنطة، فقال انها كمية قليلة للبيت فمنعوه، حدثت مشادة كلامية انتهت باطلاق احدهم رصاصة اصابت العم تومي في رجله ، حدثت ضجة في البلدة ووصل الخبر بان العم تومي قتل، القتلة هربوا باتجاه الموصل عن طريق ( كرا - ماكنان) في ذلك الزمان كانت الخيول كثيرة في البلدة فهبوا الفرسان في اثرهم وقطعوا طريقهم، دارت معركة بين الفريقين انتهت بأسر الرجلين، فسيقوا باتجاه دير الربان هرمزد، احدهم كان يسوقه حبيب حموشّه فسأل بجزع " يمّا ! لماذا تاخذوننا باتجاه الجبل، هل تنوون قتلنا " واصبح على حافة البكاء ، فلم يكترث حبيب ، بل انتهوا الى مصيرهم المحتوم جراء ما ارتكبوه من جرم بحق طبيب القوش الشعبي يوسف اسطيفو اودو ( العم تومي ) .
(7) محاولة سرقة بيتي :
مقدمة :
    ( قبل ان يبدأ العم عوديشو بسرد الحكاية التالية، بادرت بتذكيره بها، حيث وانا طفل لي من العمر ثمان سنوات حدث اطلاق نارمن جهة محلة خيبرتا، في الصباح سمعنا ان عوديشو بدي خاض معركة ضد اللصوص).
      الان ابدا بقضية صغيرة تخصني انا عوديشو، في احد ايام عام 1959،ايقظتني زوجة اخي الكبير من نومي قائلة " قم يا عوديشو انهم يطرقون على الباب الشمالي ( يعود لمعصرة قديمة ) " ، قلت لها " اذهبي، لقد جلست من نومي ". شرعت بارتداء ملابسي ، في ذلك الزمان كان لي بندقية دارجوي ( مجازة رسمياً ) وفي نفس اليوم كنت قد اشتريت بندقية انكيزية ، فحشوت البندقيتين بالرصاص ووضعت المسدس في جيب معطفي ( كان الوقت شتاء ) وخرجت لا اعرف ماذا في الخارج سوى قول المرأة انها سمعت اصوات، لمحت احد اللصوص امام المعصارة القديمة ( كانت مؤجرة لبيت الياس كولا حيث يقتنون فيها 130 رأس غنم ). كان يقلع الباب لاجل سرقة الاغنام ، وجهت البندقية واطلقت باتجاهه، فانقلب ثم نهض وغير موقعه تاركا ادوات معه من قبيل مفاتيح وفأس ومطرقة، كان هناك اثنين لم استطع تمييزهم فوق سطح المعصرة فاطلقوا رصاصتين باتجاهي
 

، رديت اطلقت فاطلقوا ايضا ، كانت احدى البندقيتين عادية والثانية خاصة بالصيد ( كسرية ) احتطت من اطلاقة الكسرية لان رصاصها على شكل كرات صغيرة الحجم وتعد بالعشرات فقلت ربما تصيب احداها عشوائيا عيني ، غيرت موقعي الى الداخل واشرفت من شباك المنزل كما وتركت جانبا بندقية دارجوي وتناولت الانكليزية وفي مخزنها عشرة طلقات، فاطلقت اربع رصاصات باللصوص ، تسلل اللصان من السطح الى الخارج وتبعهم الذي كان في الفناء ( الحوش ) وانسحبوا باتجاه الغدير ( شرق البلدة ) قمت صعدت على سطح المنزل ورميت اربعة طلقات اخيرة خلفهم فيما تواروا عن انظاري.
     كما اسلفت كانت اغنام بيت بتوزا في حوش بيتنا ودفعهم قلقهم على املاكهم للخروج ، فصاح العم موسى " ماذا يحدث يا عوديشو " فقلت " لاشئ " ، انزعج من جوابي المقتضب قائلاً " لماذا إذن هذا التصرف الأرعن باطلاق الرصاص " ، لم اجبه لكونه صديق اخي واكبر مني سناً ، بعدها خرج شقيقه رحيم فدار من خلف المنزل وعندما همّ بتفقد اغنامهم، شاهد حائط سقيفة جارنا ( بنـّو حيدو ) متهدما، كان في ظن اللصوص ان في ( البنكلة ) الثانية اغنام فعندما تسللوا، لم يعثروا الا على بقرة فقطعوا وثاقها وسحبوها الى الخارج لسوقها معهم ، وكان في المكان ايضا كيسا كبيرا من التبن ( خراره) ، عندما شاهد رحيم بام عينه ذلك الثقب الكبير في جدار البنكلة احتاط ان يكون لا يزال احدهم مختفيا في الداخل فرجع الى منزله ليخبر اخيه موسى بان ضرب الرصاص لم يكن طيشاً بل معركة حقيقية مع اللصوص.
(8) كليانا الصغير ( زورا ) :
في احد الايام كان اخي عيسى يجهز الجص الى بيت ( اسرائيل سيبانا ) في موقع تحت خزان الماء الحالي وقرب بيت هرمز كزينا ( الصفار ) ، في تلك الاثناء واخي منهمك في عمله مر به رجل اثوري مهاجر الى القوش اسمه كليانا زورا ( اي الصغير ) فسال :
- مامي ( عمي ) اين ذهب المسلحين ؟
فقلت :
 - امامك في منتصف الطريق الى قمة الجبل، ولماذا السؤال ؟
فقال :
- اريد مصادرة اسلحتهم .
فقت :
- كيف ، وانت بدون سلاح ؟
فاجاب كليانا زورا بثقة عالية :
- في جيبي مسدس ( دبنجه) وبه ساقطع طريقهم .
 تسلق كليانا الجبل بخفة وقطع طريقم عن طريق فرعي كانت تستخدمه النساء لنقل الحطب ويسمى محليا ( ارخد كراثه ) هناك برز لهم بمسدسه صارخا بتسليم بنادقم فلم يكن لهم بد سوى الاستسلام ، فحمل البنادق وعددها ثلاث على كتفه حتى بيته مقابل بيت رئيس القوش انذاك يوسف بولا اسمرو اي في بيت منصور تومي . بعد مدة سمع الناس صوت مرور الخيل وبساطيل الشرطة ، فنبهوا كليانا الى ذلك وقالوا استعجل بالمغادرة قبل وصول الشرطة. حمل كليانا البنادق الثلاث وصعد الى التل المقابل وجلس فوق  قبر الياس بولا المقبّب ، لاحقوا الشرطة كليانا حتى بيت شابا كتو المشرف على الوادي توقفوا هناك ، ظلوا ينظرون اليه وهو ينظر اليهم، كان الوقت عصرا فانزل كليانا غطاء راسه ( كسيثه ) قرب عينيه وهو ينظر اليه وهم ينظرون اليه . غابت الشمس واقبل الليل فرجعت الشرطة الى مركزها اما كليانا فحمل البنادق مرة اخرى عائدا الى مسكنه .
(9) نهاية السقلي :
 السقلي كان تركيا انتهت مهمته بعد  انتهاء العثمانية فبقي في الموصل يعمل مامور استهلاك ( شحنة ) عند بيت حمدون ، كانت قرية طفطيان عائدة الى شاكر افندي وعند قدوم موسم الحصاد كان السقلي ياتي الى بيادر تلك القرية ليراقب المحصول من ان ينقلها اصحابها دون دفع الضريبة . كانت السيارات تصل حتى الجراحية من هناك مان السقلي يمشي حتى طفطيان ، في منتصف الطريق هناك واد عميق كثيف باعشابه وادغاله . الجماعة سمعوا بقدومه ، كان هناك شخصين اشوريين احدهما كليانا الكبير والثاني الصغير تحركا ومعهم ثالث من بيت قلو الالقوشي واسمه عيسى الملقب ( زقانه ) . ذهب الثلاثة وقطعوا طريقه عند ذلك الوادي واسروه ، قالو تعال الينا لناخذ حسابنا منك فقال على بخت الله ، فقالوا ما هو الشيء الجيد الذي ارتكبته في حياتك ، حتى نعطف عليك ، سوى السيئات وخصوصا في القوش. فسحبوه الى عمق الوادي ليلقى بئس المصير الذي استحقه ، جراء جرائمه في البلدة .
( 10 ) قضية حنا اسطيفانا :
     في ذلك الوقت كانت الحكومة ضعيفة والوضع تائه ( فلتان ) ، القتلة يسرحون ويمرحون بحريتهم . حنا اسطيفانا كان يحرس اغنامه في قرية بهندوايا ، عندما داهمه قطاع الطرق لسرقة اغنامه . رفض طلبهم بتسليم القطيع ، اخذوا يطلقون النار عليه وهو يرد بالمثل ، جرح في رجله ورغم ذلك لم يسلم الاغنام ، جاءت نجدة من القرية ومن بينهم العم رزقو واسحق بوتاني ( بوتنايا ) وغيره. كان سلاحم انكيزيات فاطلقوا حتر سخن معدن سبطانة البندقية فلم تعد تصل الطلقات الى المهاجمين . تذكر احدهم بان اوسطه الرحى المدعو صليوو دهنايا ( اصله من دهي ، متزوج ويسكن القوش وهو والد القس الراحل هرمز ) ان بحوزته بندقية لا يسخن معدنها نوع دارجوي . طلبوه في الحال وصار الاطلاق مركزا وفاعلا باستخدام الدارجوي فهرب اللصوص حاملين قتلاهم وجرحاهم وعاد اهالي بهندواية غانمين الى بيوتهم .
( 11) گليث ابن شماشا كنو :
      في فترة قريبة من الفرمان المعروف كان گليث ياتي الى القوش ويقول قوموا يا اهل القوش بمساعداتنا في الانتفاض والمطالبة بالحقوق ، فقالو له نحن لا نساعد في قضية خاسرة، انتم كلما تجمع منكم عشرة مسلحين تقولون سنستلم الحكم، حتى لو جرت انتخابات حرة فنحن نسبتنا الى سكان البلاد 6% ففي كل الاحوال سنخسر وتكون الحكومة لهم .
نظم احد الايزيدية اغنية بالكردية في كليث تقول :
أسي كتيمى ، دشته القوشي
دشتك بانه، آخكا صورا
هاوار بكم هاوار ، نه أي
لاود القوشي هاواراما ، نه أي
 ( تواجدت في سهل القوش ، سهل واسع ، ترابه احمر ، هناك استنجدت ولكن لم يصغ الي احد ، الالقوشيين الأباة لم يأتوا لنجدتي ) .
     لما رجع الى البيت واخبر اهله بالامر ، قال والده تعالوا نخوض المعركة لوحدنا ، ندافع عن انفسنا وحلالنا . ثلاثة ايام وغنمهم ودوابهم لم تغادر مأواها وظلت تلك الحيوانات تطلق اصوات اصوات العطش والجوع ( بعايه ) والناس المخربين يحيطون بالقرية ، لاجل سلبها ( فرهود ) ، اطلق الشماشا نداء الى الاهالي بفتح ابواب مآوي الحيوانات ، فخرجت بقوة وتزاحم الى الفضاء الخارجي كانها تغادر سجن طويل ، هنا تصرف رئيس القرية بحكمة ودراية ، يقول مطلع اخر لاغنية نظمها الايزيدية بالقول: 
شماشا كنو بابي داؤودي.
كاكي گليثي دستيخو بهليني.
دستيخو لداري انگليزي بشدني.
پاكيتي سر پاكيتي بحشني .
افرو تخمي دّجمني.
شعردي خدي بقليني.
 ( نادى الشماس كنو ، والد داود شقيق گليث المعروف : ارفعوا ايديكم ، اضربوا بقوة على اخمس البندقية ( نوع انكليزي ) ، عبأوها مشطا بعد مشط ، في هذا اليوم سنفني الاغراب ، من وجه الارض )

   تزاحم اللصوص على القطعان الشاردة من القرية ، فاغتنمها الرماة المهرة وعلى رأسهم الشاب كليث فرصة لقنص الاعداء واحداً تلو واحدٍ ، فسقط منهم العشرات فيما ظفر اهل القرية المحاصرة ( ماكنن ) بحريتهم .

153
صدور كتاب
     من دار فينوس للطباعة والنشر – سان دييغو كالفورنيا صدر كتابي المعنون ( حكايات من بلدتي العريقة ) متمنياً ان يستأثر بإهتمام القراء والكتاب في الوطن الأم وبلدان الاغتراب مع فائق محبتي واخلاصي.
نبيل يونس دمان
 تموز- 2008
nabeeldamman@hotmail.com





 


محتويات الكتاب

1- جذور الطرب والغناء.                                             
2- كليث والغزلان.                                                           
3- سليمان وأغا المزورية .   
4- عبث الشرطة .
5- ججو و حماره .
6- ثم أصبحوا أصدقاء ً.
7- هرمز في اجازة .
8- ياقو في مضارب العرب .
9- بطرس و عيسى .
10- موت الكلبة (ﮔرجي ) .
11-  صياد الضباع .
12- اسحق في ضيافة الغجر .
13- حادثة ( بكروكة ) .
14- سوق البلدة في القرن العشرين .
15- البطاقة التموينية .
16- الطاغية الصغير.
17- اليهود ومرقد النبي ناحوم .




تقديم
     انا سعيد لإتاحة المؤلف لي قراءة مسودة كتابه المعنون ( حكايات من بلدتي القديمة ) قبل طبعه . للمؤلف مني جزيل الشكر والامتنان .
     اود الاعتراف بان قراءة الكتاب بعثت في ّ الحنين َ والإشتياق َ الى كل شيءٍ في الوطنِ الأم – الى شعوبه الجريحة- الى نهريه الخالدين- الى اشجاره ونخيله – والى ترابه وأنسامه .
     على الرغم من بساطةِ تلك الطرائف والحكايات التراثية المسلية ، إستطاع المؤلف نبيل دمان بأسلوبه المشوّق ان يشدّ القارئ الى الكتاب ، وأن يضرب َ في آنٍ واحد – كما يقول المثل المتداول – عدة عصافير بحجر ٍ واحد . فالمؤلف عندما يروي حكاياته المسلية يوثِّق – في الوقت نفسه – لشخصياته الواقعية سيرهم وعاداتهم وأنماط سلوكهم ، ويصف ايضا ً جمال ومناخ البيئة المحيطة ، وكذلك لا يفوته السعي الى استنبات روح الأباء في القراء .
      واود ان اسجل هنا أني تعلمت ُ من خلال قراءتي هذا الكتاب أمورا ً كنت غافلا ً عنها تخص شمال عراقنا الحبيب من تفاصيل َ دقيقةٍ عن تاريخه وجغرافيته ومن عادات ِ ومذاهب َ قاطنيه .
      لهذا أعتقد بأن الكتاب جدير ٌ أن يطلع عليه سكنة ُ وادي الرافدين ، وبصورة خاصة ابناء الجاليات العراقية في المهجر، فسيجدون في قراءته متعة وتسلية وثقافة مفيدة ، إضافة الى بعث الإعتزاز بالإنتماء .
ريمون نجيب شكوري

من القلب

     اقدم هذه المجموعة من حكايات ووقائع تراثية ، كباقة ورد ٍ مُنتقى من حقول نينوى الزاهية ، هدية ً الى القراء الأعزاء في كل مكان من أرض الوطن او الشتات ، متمنياً ان تنال رضاهم وإعجابهم ، وأن تلهم أجيال الحاضر والمستقبل ، ليفتخروا ويتفاخروا بأجدادهم ، ويزدادون ثقة بانفسهم ، لإجتياز عوائق الزمن .
      إستقيت حكاياتي من ينابيعها الاصيلة ، وبلغة الأم السريانية المحكية ( السورث ) ، وهي لغة تفيض رصانة ادبية على لسان رواتها ، وهي لغة عريقة من عائلة اللغات السامية التي تضم العربية والعبرية وغيرهما وقد كانت في يوم ما اللغة الاساسية في العالم القديم . اما اليوم- وبعد مرور قرون من الظلم والظلام – فقد اصابها الإضمحلال ولم يعد يتكلم بها سوى اهالي قرى وبلدات في سهل نينوى ونوهدرا وصبنة وزاخو وحدياب وبعض اعالي النهرين . واللغة السريانية تشكل اهم عصب ٍ مقوّم يربط بين تلك القرى بعضها ببعض من ناحية الطقوس والعادات والامثلة المتداولة . وعلى الرغم من إنحسار إستخدام السريانية لكني على ثقة أنها ستقاوم الإنقراض بفضل سعي اولئك القوم سليلي الحضارات العظمى الى بعثِ الحياة فيها ، فهم يرفضون ان يكونوا في طي النسيان فيأبون ان تكون لغتهم نزيلة الأدراج , ولعل من المناسب هنا ان نذكر ونتذكر قول ابي الطيب النتنبي :
على قدر أهل العزم تأتي العزائم            وتأتي على قدر الكرام المكارم
     انا حريص على ايصال هذا التراث الى الجمهور الواسع المتذوق للتراث النهريني ، حرصي نابع من حبّي وإفتناني بتلك اللغة التي اعشقها واحلم بها في إقامتي وتجوالي بين العرب والاكراد والاجانب . انا اشعر – وليس من بد ٍ ان القارئ العزيز يشاركني بالشعور – ان الترجمة والنقل الى لغة اخرى ( حتى لو كانت لغة شقيقة كالعربية ) تفقد النص كثيرا ً من خصائصه ومن وقعه وقوة تأثيره . ان حالي - وانا اكتب بغير السريانية – كحال الشاعر رسول حمزاتوف  فعندما كان يتلو شعرَه المترجم من الآفارية الى الروسية امام الجماهير كان المستمعون يفهمون معناه ، لكنهم يطالبونه بقراءة بعض شعره بلغته الام وإن لم يكونوا يفهمون معناه ، لكنهم كانوا يطربون لموسيقاه ، ويتحسسون انفعالات الشاعر الحقيقية التي تنبعث من أعمق أعماقه.
      لابد ان يلاحظ القارئ اللبيب حقيقة َ ان لبلدة القوش مكانة خاصة ً ومتميزة عندي . غير أني في الوقت نفسه اعتقد إعتقادا ً جازما ً ان لكل ِ واحدة ٍ من قرى وبلدات شمالنا الحبيب دورا ً مؤثرا وإسهاما ً فعالا ً وان اي تقدم ٍ لإحداهن لابد ان ينعكس فخرا ً على كل منهن إذ يربطهن جميعا ً مصير واحد ٌ ومستقبل ٌ واحد نتمناهما ان يكونا مزدهرين ومتألقين .
     يتوجب عليّ أن أتوجه بالتحية والشكر الى كل من زودني بتلك الحكايات ، تلبية لنداء قلبي وضميري ، واود بصورة خاصة ان اتقدم بالشكر والإمتنان الى كل من الاخوة :
 الشماس حنا شيشا كولا ، الشماس يلدا ابونا ، الشماس عابد هرمز كادو ( حكاية بكروكا ) ، الشماس صادق ياقو برنو ( عبث الشرطة في البلدة ) ، سادونه يوسف كولا ( سليمان واغا المزورية ) ، داود يوسف رمو ( هرمز في إجازة ) ، يوسف اسحق قلو ( كليث والغزلان ) ، كليانا موما بوداغ  ( سوق البلدة في القرن العشرين ) ، وديع دمان ( موت الكلبة " ﮔرجي " ) ، و كامل دمان ( صياد الضباع ) و يونس دمان ( اسحق في ضيافة الغجر ) ، وإن أنسى فلن انسى الصديق الدكتور ريمون شكوري ، فرغم معاناته الصحية فقد أعانني في مراجعة الكتاب وتقديمه للقراء . هؤلاء الأحبة شاركوني هذا المسعى ولم يألوا جهدا ً بتزويدي بكل ِ ما كنت الح ّ في طلبه للإستزادة من حكايات السلفِ واتمنى ان لا ( يبخل ) علي ّ ايٌ من القراء بملاحظاتهم او إنتقاداتهم على ما وقعت فيه من أخطاءٍ محتملة لعلي اتمكن من تلافيها في الطبعات القادمة . واود التاكيد على ان المساهمات النقدية للقراء الاعزاء تشحن في َّ الهمم كي أنجز َ مزيدا من المشاريع َ لنقل ِ ما هو جميل ٌ وممتع ٌ من آداب سكنة ما بين النهرين الخالدين دجلة والفرات .
نبيل يونس دمان
كالفورنيا
آذار 2008


154
أبا عامل طـَريقـُكَ مُكلـَّلٌ بالأورادِ
نبيل يونس دمان
     يا لهُ من طريقٍ مجيدْ سَلكهُ، ويا لهُ من فِكرٍ رشيدْ اعتنقهُ، رفيقـُنا الذي رَحلَ في غفلةٍ من الزمنِ، غادرنا بطلٌ من ابطال ِالشعبِ، وأحدُ اصلبُ المناضلين في بلادنا، واعزُ وانبلُ من انجبتهُم بلدَتِنا القوش، فيها ابصرَ النورَ، وشقَّ طريقهُ في الحياة، وفيها تشرَّبَ من قيمِ الإباءِ والرجولةْ، واليها عادَ لتحتضِنُه تُربتها الغالية.  لو كان للزمانِ لساناً لنطقَ، ولو كان للمكان فماً لتحدّثَ، عن الانسانِ الوديعْ، الهادئُ، البسيطْ، الذي تُحلـِّقُ روحُه الآنَ في سماءِ الرافِدين، عن ذلك الثوريّ المُكافِحُ، لعشراتٍ من السنين، بلْ قـُلِ الحالِمُ بوطنِ الاجدادِ يَبنيه الاحفادُ، ليسابق الاممَ، مُجدِّدا صَرحَ حضارتِه قبل آلاف السنين. عندما يُحلق نِسرٌ في الاعالي، أوقِنُ انَّ فيه قلبَ سليمان بوكا، وعندما يزأرُ أسدٌ في البراري، أخالُ ان فيه قلبَه، وعندما تتحرك كائناتُ البحر برشاقةٍ وجمال ِ، يُخيـّلُ إليَّ انَّ فيها قلبَه ايضاً.
     ماذا أتحدثُ عن أبي عامل ومن أين ابدأ، هل ابدأ ُ من فترةِ تعيينِهِ مُعلماً في مدرسةِ القوش الاولى ( 1946- 1952) حيث تخَرجَّ على يديهِ اجيالٌ ، ومنهم على سبيل المثال لا الحَصْر : سعيد يوسف اسطيفانا، عمانوئيل موسى شكوانا، وغيرهما، وهل انقلُ ما يَرويه معاصروا تلك الفترة، ما لأبي عامل من شخصية مؤثرة ومُحترمة، من قبل التلاميذِ والاهالي معاً، في ذلك الزمن البعيد نسبياً، كان اغلبُ المعلمين يَستخدمون ايديَهم وعُصيّهم لمعاقبةِ الطلبة، إلا ابا عامل، فكان بهيبتِه واسلوبـِه وطريقتِه الهادِئة، يَفرضُ جَوَّ التدريس المناسب، ويَجعلُ التلاميذ يَنصتون اليه. لم يَكتفِ بتعبِ النهار، فبادرَ مع أقرانهِ في فتح دورةِ محوِ أمية الكبارْ في الأماسي، وقد وَفرّوا فرصَة للكثيرين بان يتعلموا الابجدية َ فتنفعُهم في حياتِهم المقبلة، وبالمناسبة كان والدي وعمي  تلامِذتُه في تلك الدورة، وهُما مَدينان بالعرفان له ولزملائه، تلك الجهود المُضنية التي بذلوها. لم يَمنحُ الاهالي لقبَ الأفندي، الا لِمن يُعدّوا على اصابع اليدِ، ومنهم الراحِل الخالد ( سليمان افندي ).
     في شباط عام 1980 غادرتُ العراقَ في اجازةٍ الى براغ، وفي مقهى ( سلافيا ) الذي يرتادُه العراقيون، ناولني احدُهم جريدة َ " طريق الشعب " السرية ، وفي إحدى صَفحاتِها موضوعٌ ان لم تـَخذلـَني ذاكرتي بعنوان ( بَطلٌ من هذا الحزبِ )، يتحدث عن صمود سليمان يوسف في سجون الفاشِست الذي دخلهُ عام 1978، هناك في زنزانتِه المُظلمة إرتفعتْ بيدِه راية ُ النضال ِِ عاليةٌ. قبلها وفي عام 1963 كان أحدْ نـُزلاءْ قطارَ الموتِ، ومِنهُ سيق الى سجن ( نقرة السلمان ) الرهيب، والذي حولـَّهُ السجناءُ الى مدرسةٍ، تخرجَّ منها مُناضلي شعبنا، من كل قومياته وفئاته السياسية.
     لم يَنلْ من ابي عامل الحيفُ الذي انزلهُ النظامُ به، في استشهادِ زوجتِه يازي يونس تعينو، في حادِثٍ مُدَبرٍ كان يستهدفُه في اواسطِ السبعينات، بين كركوك وبغداد. لم يَنلْ منه استشهاد اخيه الصغير هرمز ( ابو ايفان ) في عام 1981 في جبال كردستان، ملجأۥ الاحرارِ، وقلعةۥ الثوارِ، من اجلِِ الغدِ الأسعدِ لعراقنا. ولم ينل منه فقدانه كل ما يملك، وتشرُّد اولاده في جهات الدنيا الأربع، بل واصل طريقـَه الشاق مقدِماً المثالَ الذي، ستبقى أجيالٌ تِلو اجيالٍ تتخذۥه دليلاً في حياتِها.
       تعلقَ ببلدتِه وأحبّها كثيراً، يَزورها باستمرارٍ كلما سَنحتْ له الفرصة َ، وفي الثمانينات عندما كان قائداً للانصار ومقرُّه في جبهةِ سوران، حيث البُعد الجغرافي يحول دون وصولِ اخبارِها اليه، كان دائمَ السؤالِ عنها، من مُراسلاته اللاسلكية، مع قائدِ انصارِ بهدينان البطل توما توماس.
               
ابطال الكفاح المسلح من على قمم الجبال : توما توماس و سليمان بوكا عام 1987
   في ايلول عام 1995 كتبت قصيدة شعرية بلغتي العريقة اقتطع منها الابيات التالية مع ترجمتها الى العربية :
سليمـَن بْوكـَه مْماثـِد أريـِه أثْ أصلايـَــــــه
كـْمَه گـَهاثـَه مْخيلْ گـَمـِيـَّة ولا بـِترايَـــــــه
حـِبْس ِ خزيلِه دَنْ عاصوتي بـَر ِبْرايـِــــــه
كِمدايـِشلِه أث گبارَّه وْپلِطـْلِه پْخايـِـــــــــــه
يومَه كفايـِتْ وشاتـَه كْأورَه وآوُ رْحْيقـَــــه
خـْواثِد رَبَّنْ أيحيذايَه عَلـْمَه شْويقـَـــــــــــه
بآثِه زونـَه بْباهِر أثـْرَه بْيومَه زْريقـَـــــــــه
ودِجمِنْ دِيـِّحْ پّايـِشْ مْپيلـَه وبْعاقـَه خْنيقـَه
      في اكتوبر عام 1996 أعطاني الزمن فرصة َ الجلوسِ معه، في بيت المربي الراحل جورج جبوري خوشو، هناك تبادلَ الإثنان الذكريات القديمة، التي تعود الى اوائل الاربعينات، وتحديدا عام 1943 عندما عرضت مسرحية في القوش بعنوان " يوسف الصديق " لمؤلفها المطران سليمان الصائغ، ومخرجها الاستاذ جورج جبوري، ومثـّل فيها ابو عامل احدَ الادوار، تحدثوا كل ذلك وامورٍ اخرى، جَعلت الفقيد الكبير يلتفِت اليّ قائلاً " منهم تعلمنا وعلى ايديهم تتلمَذنا ".
     كنت كلما ألتقي ابا عامل او نتكلم في الهاتف، اسألُ عن صحتِه، فكان جوابه المعتاد بانه في صحة جيدة، متجاوزاً آلامهِ ومعاناتِه الطويلة، في صِراعه مع الواقعِ البائسِ، لأجلِ هدفٍ من أربعِ كلِماتْ " وطنٌ حرٌّ وشعبٌ سعيدْ ". وباستمراراطلبُ منه ان يدوِّن مذكراتِه، والآن أجدُها فرصة ً ان اُناشِدَ اولادَه ورفاقـَه لنشرِ ما انجَزهُ في كتابٍ يروي للايامْ سيرة َ هذا الرجل. ولا يفوتني ايضا، ان اُخاطبَ الحكومة العراقية وحكومة اقليم كردستان، بان تتذكـَّر ابطالَ المقاومة ضِدَّ الدكتاتورية المقبورة، فـَتخلدُ اسمائَهم، وتهتم باولادِهم واحفادِهم، كجزءٍ قليلْ من الوفاء، لما قدّموه في حياتِهم، وما اجترحوهُ من مآثرٍ، وفي مُقدمَتِهم الشيوعيُّ المِقدامْ، الضابطُ الباسلْ، المحامِيُّ البارعْ، والمعلِم الفذْ سليمان يوسف بوكا.


من اليسار اكرم جيوري، جورج جبوري، ابو عامل ، وكاتب السطور عام 1996

nabeeldamman@hotmail.com

155
مار يوسف اودو والفرمان العثماني


نبيل يونس دمان



    على بعد امتار من بيت البطريرك يوسف اودو ( 1793- 1878 ) وُلدت قبل اكثر من خمسة عقود ، ومنذ طفولتي وفي كل مناسبة دينية ، كانت والدتي تطوف بي حول قبره داخل كنيسة دير السيدة حافظة الزروع ، حيث تزين مرمره الفاخر، صورته التي ابدع الفنان في رسمها ، وهو بعمامة الجاثليق التي سادت في القرون الماضية .
     هكذا كبرت مع الايام وازدادت رغبتي في المطالعة ، عن تلك الحقب من تاريخ المنطقة ، وفي الصدارة بلدتي الشامخة منذ الازمنة السحيقة ، ولازالت تقاوم صروف الدهر، الذي ما برح يؤلم قلوب النهرينيين ، في طول البلاد وعرضها .
     مار يوسف اودو ، سليل مهاجر من تخوما في اقليم حكاري (تركيا اليوم ) حيث الاستقلال وروح المقاومة والبسالة ، استقبل ذلك المهاجر في القوش بالإحترام والارتياح ، لضلوعه في علوم الطب الشعبي ، وهكذا تسلسل من تلك العائلة ، اناس طبقت شهرتهم المنطقة ، واصبح لقب عشيرتهم ملازما لتلك المهنة .
     في صغره صعد مع والده اسحق الى دير الربان هرمزد ، ليبتدأ حياة الزهد والعبادة ، ملبيا ً نداء ربه في الانخراط بالرهبنة عام 1812، فاعتكف في احدى صوامع الجبل المهيب ، زاهداً ، متأملا، وهو يتلقى دروسه الاولى في حياته الجديدة ، على يد الأنبا المارديني جبرائيل دنبو الذي افتتح الدير عام 1808 بعد انقطاع طويل ، بسبب حملة نادر شاه ( طهماسب ) الشديدة الوقع ، والخلافات المذهبية التي اججتها تدخلات المبشرين . في تلك الاجواء نشأ متاثراً بالتجديد الذي ادخله الأنبا جبرائيل دنبو ، ثم تدرج في الرتب الكنسية كاهنا عام 1822، ومطرانا عام 1825.
     وفي نيله لرتبته الاخيرة ، تشاء المصادفات التاريخية ان يكون امامه منافسا ً، واقفا كالطود في طريق رغباته ، ذلك هو المطران ( البطريرك فيما بعد ) يوحنان هرمزد ( 1760- 1838 ) من نفس البلدة ومن بيت ابونا العريق ، اصبحت تلك المواهب التي امتلكها الطرفان وقوداً لصراع مذهبي استمر سنيناً طويلة ، فقسّم البلدة الى قسمين مختلفين ، وتوسع الجدل والخلاف ليصل الى القرى والبلدات الاخرى ، لتكون عاصمة الولاية الموصل ساحته الكبرى والحاسمة ، والكثير سمع بحزبي الطائفة : يوحناني واليوسفي نسبة الى اسميهما ، ولسنا بصدد الكلام عن نشأت مار يوحنان هرمزد ، والظروف التي ادت الى تحوله الى المذهب الكاثوليكي ، الوافد عن طريق الدعاة الغربيين ، وبمساعدة دول قوية ، برزت في العالم اثر الثورة الصناعية في اوربا ، وفي المقدمة ايطاليا وفرنسا .
      صار الصراع بينهم شديدا، وكان القس كوركيس يوحانا والقس الراهب دميانوس كونديرا ، عاملان مؤثران في سير كنيستنا ، والتي اصبحت على ابواب الافتراق التاريخي عن كنيسة الأم المشرقية . عندما نسب المطران اودو الى ابرشية العمادية التي كانت تشمل دهوك ، عقرة ، وزاخو ، ودير الران هرمزد ، كان البطريرك المثير للجدل مار يوحنان هرمزد يعرقل ذلك ، واستطاع ان ينسب اليها قريبه مار ايليا سفرو المرسوم مطرانا في قوجانس ، وحدثت تدخلات من باشا العمادية لصالح هذا الطرف او ذلك ، وسجن على أثرها المطران اودوا مراراً في سجن القلعة ، وفي الموصل ايضا ً ، يطول الكلام كثيرا في هذا الموضوع والذي لا يتسع المجال للخوض في تفاصيله .
     نظرا لعلو مقام مار يوسف اودو، ونشاطه الدؤوب ، ومواهبه ، استطاع ان ينال البراءة السلطانية اي الوثيقة او العهد ، يعرف كتاب بابو اسحق امثال تلك الوثيقة ، بالشكل التالي ( السجل او كتاب العهد او المنشور العالي او البراءة الامامية فكان يشتمل على الحقوق والامتيازات التي تمنحها السلطة المدنية الجاثليق وتخوله الحق في مراجعة السلطات في الشؤون المتمثلة بالطائفة النصرانية ) *  . لقد دأب الباب العالي على منح تلك الفرمانات الى النحل والملل في ارجاء امبراطوريته والتي كان بعضها يخضع لاهواء السلاطين ، ومن ثم يسهل نقضها بين مدة واخرى بحسب الأمزجة ، والنفوذ ، ووضع الدولة . من الجهة الاخرى كانت كل الشعوب المنضوية قسرا الى تلك الدولة ، تسعى في الخفاء والعلن للتخلص من تلك الهيمنة ، وهكذا وقعت انتفاضات وتمردات ، قمعت معظمها بشدة ، والغاية منها ابقاء سيطرة الدولة المستعمرة ، لجني الاموال والضرائب ، ولسوق المجندين من الشباب الى جبهات حربها ، التي لم تتوقف على مدار القرون من حكمها.
      في اوائل القرن التاسع عشر، بزغ نجم قبائل راوندوز ، عرف منهم الأمير مصطفى الذي ادار الدويلة بحكمة وقوة ، فانكسر الجيش الايراني امام صموده في قلعة راوندوز فوق جبال زاغروس الشاهقة ، كما وعجز البابانيون عن قهره ، فعقدوا معه صلح مصاهرة ، وعند وفاة مصطفى بك عام 1926 ، انطلق ابنه محمد الاعور ( ميري كور ) وفي نيته التوسع ، فقتل عمّيه في الحال ، واخضع قبائل البرادوست والشيروان وطرد الحاكم الباباني من حرير ، واخذ  رانية وكوي وألتون كوبري، واربيل ، حتى اضطر والي بغداد علي رضا امام تلك التوسعات ، ان يعترف به ويمنحه الباشوية ** ، وظل يرقب عن كثب فرصة الزحف باتجاه بهدينان ، وفيها الامارة الكردية التي مركزها قلعة العمادية ، وتضم دهوك ، عقرة ، زاخو ، والدير .
     في بداية الثلاثينات من القرن التاسع عشر قامت عداوة بين أغا المزورية وامير الأيزيدية ، فتوسط للصلح بينهم اسماعيل بك حاكم عقرة ، فاقنع الامير الأيزيدي علي بك بزيارة الأغا المزوري الذي مقره في قرية بالطة ( بالاتن ) ، ثم امر الأغا برد الزيارة ، وفي تلك الفترة الفاصلة اتفق سعيد محمد طيار ، باشا العمادية سراً مع الامير الايزيدي بقتل الاغا ، وهكذا في الليلة التي كان الاغا ضيفا في باعذرى مقر الامارة ، اغتيل علي أغا وابنه سنجان اغا . هنا طار رشد مُلا بهدينان المعروف يحيى المزوري ( 1772- 1838 ) ، لكون المقتول عمه ، فغلا الدم في عروقه للانتقام من امير الايزيدية ، وكل محاولاته اقناع حاكمي العمادية وعقرة باءت بالفشل ، وادرك بدهائه ضلوع الأخيرين في المؤامرة ، واعقب كل ذلك مقتل ابن المُلا يحيى الملقب ملا عبد الرحمن على يد احد خدام سعيد باشا ، مما حدى بالملا الاستجارة بباشا راوندوز الطموح محمد الأعور، اصطحب معه لتلك الغاية موسى بك المنافس لشيقه باشا العمادية . كانت تلك فرصة الباشا الراوندوزي الذهبية ، حيث افتى الملا يحيى بمحاربة الايزيدية ، وكانت كلمته مسموعة في بهدينا وغيرها ، وترقبوا عن كثب اندفاع باشا العمادية لمناصرة الايزيدية ، لتكون الحجة قوية وفي مكانها لمحاربته ، بدعوى وقوفه مع الكفار .
     تحرك الجيش السوراني الجرار ، وهو معد جيدا وبحوزته مدافع صنع قسم منها محليا ً ، فقسم الى نصفين قاد الباشا نصفه والنصف الاخر قاده شقيقه رسول بك ، طاردوا الايزيدية في كل مكان ، من جبل مقلوب والشيخان ، وزاخو وطور عابدين والجزيرة ، فمحقوا قراهم عن بكرة ابيها ، وسبوا نسائهم ، هنا تحركت جيوش البهدينان لمناصرة الايزيدية ، وعند مجابهتهم  السورانيين لم يصمدوا طويلا ، فصارت الذريعة بيد باشا راوندوز ، فاحتل عقرة واخضع الزيبار وحاصر العمادية . وفي ذروة القتال ضد الايزيدية ، إلتجأ اميرهم الى القوش ، عندها ملأ الملا يحيى الدنيا صراخا ً ، محرضا الباشا لضرب القوش ، كسر شوكتها ، سلب ذهبها ، وسبي نسائها ، كل ذلك حلله الملا يحيى المزوري ، مما أغرى واطرب الباشا الأعور المتعطش للدماء .
  معذرة للقراء في إقحامهم بسرد تاريخي قد يمل منه البعض ، لكنه السبيل للاقتراب من الحقيقة ما امكن ، اما إدراكها فضرب من الخيال . المطران اودو نتيجة تواجده في العمادية ، فقد كان قريبا من الدوائر الحاكمة ، ودائم الاتصال بها ، كما وكان يتابع بحكم موقعه وضع الدولة العثمانية ، فكان وفقا لذلك يعرف قوة الفرمان الذي معه ومدى تأثيره . بالنظر لبعد مركز الدولة عن مناطق الاحداث الساخنة ، وصعوبة وصول جيوشها ونجداتها في الوقت المناسب ، فقد كان الولاة والبكوات والباشوات في تغير دائم ، ليس وفقاً لفرمانات الدولة ، بل على العموم وفق منطق القوة ، فكم من طاغية صعد الى الحاكمية بالشدة التي اتبعها ، وبدرجة اضطهاده لعموم الناس ، وغالبية الحكام لقوا حتفهم بالدسائس والمؤامرات ، وقسم منهم اختلفوا وتقاتلوا حتى وهم من اسرة واحدة ، فكيف ترى في تلك الظروف والاحوال ، لزاماً على المطران اودو ان يتصرف ؟
     عندما عجز والي الموصل مصطفى باشا عام 1757 ( عن سلب المسلمين دراهمهم ، عمد الى النصارى واليهود المسيحيين واليهود مطالبا اياهم بمبالغ كثيرة بحجة انهم عمروا كنائسهم بعد حصار الموصل من قبل الايرانيين بدون استحصال الاجازات اللازمة ، ولم يفدهم للتخلص من هذه النقطة إبراز الفرامين المستحصلة من الباب العالي والمعطاة لهم لهذه الغاية ) ***. كان المطران اودو يدرك بأن فرمانه لا يجدي نفعاً ، امام مايحدث امامه ، وخصوصا المجازر الوحشية ، ضد جيرانه الايزيدية ، فلا فرق ان ابرزه او اخفاه لان الدولة نفسها تفتقد الى الاحترام والهيبة ، من قبل الباشا محمد مصطفى الراوندوزي . ومع ذلك عندما اطمأن المطران الى الجاويش عبدالله ، أبرز الفرمان ، وكان بمعيته أخيه اسحق ، وابن اخته الكهية يوسف رئيس على مياه ( كرّو )  خلف جبل القوش ، فاخذه الجاويش الى الباشا المخيم فوق تل المقابر ( رومه ) شرق البلدة . كان الباشا للتو قد قتل المئات من الابرياء ، والعديد من رجال الدين وفي المقدمة الأنبا جبرائيل دنبو ، وتخريب البيوت ، وتدنيس المقدسات . في تلك الاجواء الممطرة دماً ، وقف المطران اودو ، مرتجفاً امام خيمة الطاغية ، الذي باستطاعته قطع المطران بالسيف كما تقطع قطعة الجبن ، لكنه تمهل قليلا ً، واستمع الى كلماته المؤثرة ، التي اثارت الشفقة ، فاصدر اوامره بوقف القتل ، وارجاع المنهوبات ، والصبايا والاطفال ، والدعوة لرجوع المشردين الى بيوتهم ، اذن ! هل كان المطران سبباً في ماحدث ؟ ام انقذ ما تبقى ؟ اترك الاجابة للقراء .
     لمن اراد مواصلة قراءة الاحداث ، عن تلك الايام الصعبة ، فالنظر الى السنوات التي اعقبتها ، هي الجواب لكل طاغية أرعن ، في كل زمان ومكان ، تسوله نفسه قتل الناس دون رحمة او شفقة على المرضى والمسنين والاطفال ورجال الدين :
القوش :
     فقد نهضت من تحت الانقاض التي خلفها السورانيون ، وقام منها رؤساء بلدة طارت شهرتهم في الافاق ، منهم ( أيسفي كوزل ) الذي كان يعين ويعزل الاغوات في المنطقة .
البطريرك مار يوسف اودو:
     نال الاوسمة العالية ارتباطا ، بسيرته المستقيمة ، وتاريخه المشرف ، والتفاف الناس حوله ، منها وسام عالي شان من السلطان العثماني عبد العزيز ، وحظي باستقبال ملك النمسا ، وخديوي مصر .
علي بك امير الايزيدية :
     ذهب ضحية المؤامرات واحلام السطوة والسيطرة لحكام ذلك الزمان ، طورد في القوش ثم في الموصل التي حوصر مع خيرة رجاله في تل قوينجق بالجانب الايسر من دجلة ، وعند محاولته عبور النهر والوقت شتاء ، رفع الموصليون الجسور ، فاصبح تحت رحمة السورانيين الذين فتكوا برجاله واوقعوه اسيرا ً، وبعد مدة ارسل ميري كور اخيه رسول الى راوندوز للدفاع عنها ، وقبل الوصول الى قلعتها قتل اسيره ورماه في مضيق زلزالي من جبال زاغروس ، ومنذ ذلك اليوم خلد التاريخ العراقي إسمه ، الذي اصبح معلماً سياحيا ًمعروفا ً ( ﮔلي علي بك )  . 
محمد باشا الراوندوزي:
     انهزم امام زحف قوات الصدر الأعظم للدولة رشيد باشا مع قوات محمد اينجة بيرقدار باشا الموصل ، وقوات علي رضا باشا بغداد ، وتحصن في قلعة راوندوز ، ثم استدرج بمكيدة ليرسل بعدها الى استانبول ، واثناء عودته الى امارته قتل قتلة شنيعة في ولاية سيواس .
الملا يحيى مزوري:
     عند انحسار قوات السورانيين وعودة باشا العمادية سعيد محمد طيار، هرب باتجاه ( حصن كيفا )  ولكن قبض عليه  في سنديا ، كما والقي القبض على تلميذه ملا قاسم المايي وسملت عيناه ، كانت حياته في خطر ، عندما مثل امام باشا العمادية ، لولا تدخل الشيخ محمد العقراوي ، الذي كان الباشا يحترمه كثيرا ً، لذلك أبقاه ، ولكنه لم يستسغ البقاء في بهدينا ، فقصد بغداد وتوفي فيها غريباً عام 1838 .
  الهوامش
* صفحة 51 -  أحوال نصارى بغداد - رفائيل بابو اسحق – مطبعة شفيق – بغداد 1960 .
** صفحة 271 - اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث –لونكريك - ترجمة جعفر الخياط – دار الكشاف بيروت 1949 .
*** صفحة 47 من كتاب " الموصل في القرن الثامن عشر ـ تعريب القس روفائيل بيداويد – المطبعة الشرقية الحديثة في الموصل 1953 .
المصادر :
القوش عبر التاريخ - المطران يوسف بابانا -  بغداد 1979.
سفر القوش الثقافي –  بنيامين حداد -  بغداد 2001 .
الرئاسة في بلدة القوش – نبيل يونس دمان – اميركا 2001 .
العراق عام 1820 - جيمس ريج – ترجمة بهاء الدين نوري - مطبعة السكك الحديدية – بغداد 1951 .
الاكراد في بهدينان – انور المايي - الطبعة الثانية دهوك 1999 .
الاشوريون بعد سقوط نينوى – هرمز ابونا - شيكاغو 1999.
nabeeldamman@hotmail,com
USA 2008


156
الحرية للمطران بولس فرج رحّو
     بقلم نبيل يونس دمان
     صعقني خبر اختطاف المطران الجليل بولس ومقتل مرافقيه المساكين ، ليس لانني غير متوقع لما حدث ، فالقتلة يكتسحون ما يقع امامهم دون رحمة او شفقة ، وهم يلعبون لعبتهم الاخيرة في العراق ، وملاذهم الاخير هو الموصل ، حيث معقل غلاة القومية والدين ، منذ العهد العثماني وربما قبله .
     تزداد الحاجة كل يوم لقراءة الواقع المرير الذي بات يعيشه مسيحيو العراق ، لدى اختيارهم دينهم وثباتهم عليه قرابة ألفي عام ، اي منذ ولادة المخلص يسوع الناصري ، تعرضوا بسببه الى الويلات والكوارث تحملوها بأناة وصبر ، تضرب بهم الأمثال ، وسيواصلون ذلك الصمود وتلك الأناة ، ما بقي الماء الحي جاريا ً في دجلة والفرات .
     ان استهداف المسيحيين في العراق هو لأمرين لا ثالث لهما ، اما توجيه رسالة الى الغرب المسيحي ، وتلك مرفوضة لان للغرب مصالحه الاقتصادية المعروفة منذ قرون ، واما لإبادتهم حتى يخلو الجو لهم كما أبيدو في أزمان سابقة في اليمن والسعودية وليبيا وغيرهما .
     في هذه الاجواء المشبعة بالاحقاد والضغائن يعيش اخوتنا في العراق ، ولم تفد كل دعواتهم السلمية وروح المسامحة التي تـُستغل بإعتبارها ضعفا ً ، فيتمادى السلفيون والعدميون في جرائمهم العفوية والمبرمجة ، لذلك ادعوا المسيحيين للدفاع عن انفسهم ما امكنهم ذلك ، ولدينا تجربة الحرب العالمية الاولى عندما انهزمت تركيا امام الحلفاء ، رجعت لتنتقم من المسيحيين فقتلت منهم مئات الآلاف ، مما حدى بالبعض منهم ان ينظموا أنفسهم في مجاميع صغيرة مسلحة ألحقت افدح الأضرار بأعدائهم ، وقللت من غطرستهم ومن تماديهم .
     ليعلم الذين يقتلون المسيحيين ويهجرونهم من ديارهم ومن أرضهم التاريخية بانهم يرتكبون إثما ً ، سيعضون أصابعم ندما ً، وأمنيتي ان ارى ذلك اليوم حيث يعود المهجرون الى وطنهم ، فيستقبلون بالورود والرياحين .
      قبل سنوات شخص العالم الحر محور الشر ، وانا اشبهه بتلك الحية الرقطاء التي تنفث سمومها في كل إتجاه ، رأسها في افغانستان وذيلها على الحدود الإسرائيلية ، تحرك العالم بعد احداث ايلول 2001 واختار مربعين من جسد تلك الحية ، ولا زالت مقاومة رأس الحية ومربع أساسي من جسمها ضاريتان، ولكن ستنتهي يوما تلك المعركة الاستراتيجية ، في دفن ذلك الثعبان المرعب ، لتصبح شطآن الشرق الاوسط ضفاف سلام وطيد ، وليصبح العالم اقرب الى بعضه وأكثر أمانا ً وإسقرارا ً ، في ظل التطورات العلمية المتسارعة ، التي توعد بمسقبل أرفع وأفضل للبشرية .
     لو قامت حرب عالمية جديدة بسبب صراع الثقافات الواضح وضوح الشمس ، ستكون وسائلها مجهولة ، ولكن الحرب التي ستليها ستكون بالعصي والأحجار، كما قالها يوما ً العالم الشهير " ألبرت آينشتاين " . إن إطالة أمد ( الحرب ضد الإرهاب ) هو بسبب الثروات الطائلة التي تحت السيطرة الغير مباشرة لاحد طرفيه ، فمن يمتلك النفط الذي هو عماد البشرية وهو الذي يمدّد من مقاومة " جند الله "  وأصحاب " الجنات " الوهمية ، اذا تحرر العالم يوما ً من تأثير النفط الكبير، وأوجد بديلا للطاقة أفضل وأنسب وأقل ضررا ً للبيئة ، سيجعل مصادر الارهاب معدومة ، وبالتالي سيشفى العالم من داء القرن الحادي والعشرين.
     في الختام أشد على يدي الكردينال عمانوئيل دلـّي في هذه المصيبة الجديدة ، أعزي من سقط من الشهداء دون إثم أو سبب ، وأقول لسيادة المطران الشجاع مار بولس رحّو بان دربك هو درب الصليب وطريق الجلجلة ، فانت الراعي الذي يقود خرافه في مسالك مخيفة ودروب مظلمة . انت القائل يوما ً بانك ستثبت في ارض مولدك وتصلب عودك في حاضرة نينوى ، تلك المدينة العظيمة التي ينحني التاريخ في ذكرها ، واقول أيضا ً: اننا ننتظر عودتك سالما ً، لتواصل رسالة المحبة والسلام .

157
سيحيو ألعراق ....نخلة شماء وعطاء بصمت


 

كتابات - حمزه الجناحي

 

ألتركيبة العراقية المكونة للصورة ألبهية لخارطة ألعراق ألسكانية ألوانها زاهية  وتماسكها يبعضها ألبعض تعطي رونق متميزا قلما نجده في بلد من بلدان ألعالم

طوائف وأقوام ذائبة في بوتقة ألعراق مكونة بناء وأساس قوي للبيت ألعراقي .

الأيزيديين,ألمسيحيين,الصابئة ألمندائيين,ألعرب ,الكرد,الأشوريين,ألتر كمان

أقوام وجدوا مع وجود ألعراق واختلطت وذابت بأرض هذا ألوطن ألعملاق .ففي ألملمات وفي ألأفراح وفي الخير والشر لا تسمى هذه الطوائف باسمها ألمجرد بل تسمى  باسمها الكبير العراقيين أو أنه ألعراقي.

كل طائفة أو مكون من هذه ألمكونات وجدت على ارض العراق قبل الأخرى وأنها شاركت بكتابة التاريخ ألقومي للعراق بدماء وشقاء أبناءها وخطت على جدران البيت ألعراقي أجمل ألصور.

السنين تمر والتاريخ يكتب سفره بأكف الأجداد والأبناء ولا توجد تسميات من كتب ألتاريخ..ولا أحد ادعى انه كتب التاريخ بل ألجميع خط وشارك بكتابته.

وقفت هذه الأقوام على مر هذه ألسنين ألموغلة في ألقدم وقفة رجل واحد عندما تعرض ألعراق لغزوات ألأجنبي , مات من مات منه شهيد من أجل هذه ألأمة وجاع الجميع يوم ألجوع والقحط وتعرض من تعرض للفيضانات عندما غضب دجلة وفاضت مياهه وبكى ألجميع دون استثناء عندما جرح ألعراق في الصميم  بكى العراقيون جميعا وطببوا جراحه واستشهد الكثير من أبناء هذه ألطوائف عندما تعرض ألعراق للقصف الأجنبي ؟ لم تفرق الأرض العراقية بمن يدفن فيها فلا تلفظ ألمسيحي وتقبل ألكردي ولا تستقبل أليزيدي وترفض الأشوري إنها ارض واحدة معطاء وهؤلاء أبنائها .

الجنسية عراقية والجواز عراقي والاسم عراقي ,الأرض عراقية .أليست هذه ألصفات تجعل ألجميع شركاء على هذه ألأرض ؟

أليست هذا ألتصميم الألاهي ألمتراص هو أساس لبقاء ألوطن ؟

هل بخل نهر دجلة على طائفة دون أخرى؟

الم يمر ألفرات على جميع هذه المدن هل منع ماءه عن تلك ألقومية وأعطى ماءه لقومية أخرى ؟ففي الحلة كنيسة مسيحية وفي ميسان مقبرة للصابئة ألمندائيين وفي بغداد أكراد وفي ألبصرة سنة وشيعة ..انه ألعراق ودون أبناء طائفة لا يسمى العراق .لكن في ألآونة ألأخيرة دخلت علينا لغة جديدة همجية طارئة لم يكن لها وجود بيننا لغة ألقتل والتهجير والخطف فتنة غذيت نارها بحقد ألجار وارتفعت مأساتها ضد ألأخ والصديق .

أنت شيعي يجب أن ترحل وأنت مسيحي لا مكان لك بيننا وأنت تركماني ليست عراقي أنت, وأنت يزيدي منبوذ وأنت كردي لك وطن أخر .

من أين جاءت هذه أللغة ألدخيلة؟ ولماذا ألان ؟ولماذا لم نسمع بها قبل هذه ألفترة ؟ الم تكن ألجامعات ألعراقية زاخرة بأبناء ألعراق جميعا بكل طوائفهم ؟الم يكن شارع ألسعد ون في وقت العصر زاخرا بمحلاته ومشاربه وناسه ومرتعا لكل أبناء هذه القوميات؟ الم تكن مصايف العراق مضيف للجميع؟ هل شاهدنا أو سمعنا يوما احد ينادي أنا ليس عراقي بل أنا مسيحي لماذا أذن ؟ وكيف نقبل أن نفتت هذا ألوطن ؟

صورة جميلة هذه التي تجمعنا وبأزياء مختلفة ولغات مختلفة وطقوس مختلفة كنائس جوامع حسينيات دور عبادة إنها صور جميلة مكونة لصورة واحدة صورة ألعراق الواحد  ..سماء واحدة ونهرين يتعانقان في ألجنوب بعد أن ارتوى من ماءهما كل تلك ألقوميات .

بالأمس سمعنا إن اثنان من أبناء ألطائفة المسيحية اختطفا الأب عفاص والاب يشوع

تبت يد من مدت عليهما إنهما رمز للتسامح والسلام ورمز للمحبة والوحدة إن الأيدي ألتي خطفتهما أيدي وقحة قذرة لم تشرب من منهل دجلة والفرات .

ماذا قال ألا رهابيون لهؤلاء السادة؟

 إنهما حمامتا سلام وإنهما غصن زيتون إنهما ألمسيح على الأرض يمشي .

قطع الله أليد ألتي مدت عليهما .لعمري والله كأني أرى الأب عفاص والأب يشوع قد غفرا لهؤلاء ألقتلة وأعطوهما درسا في ألتسامح وغيروا مفاهيم عقولهم ألعفنة .

لعمري والله كأني أرى هؤلاء الأبوان وقد ضربا للقتلة أروع معاني ألمواطنة ألعراقية ودلوهم على طريق ألخير .

لعمري والله كأني أرى ألقتلة لم يناموا تلك الليالي بعد أن أقحمهم أرباب ألكنيسة ألمسيحية وعرفوهم بمعنى الدين  والحب والسلام وألا من والوطن والسماء والماء والطفولة الأمومة والأخوة والله... وألا لماذا أطلق صراحهما ؟

 الم يكن ألدرس بليغا لكل أبناء ألعراق ؟

انتبهوا أيها السادة للمسيحيين إنهم أصل ألعطاء ألصامت أنهم أعطوا كل ما لديهم .

وهل ألعراق من غير ألمسيحيين تكتمل صورته؟ وهل ألعراق يستطيع أن ينام يوما واحدا دون أبناء المسيح  ؟ وهل ماء ألعراق يكون زلالا في أفواه أبناءه دون أن يرتوي منه أبناء ألمسيح ؟

إنهم ألأصل والله وإنهم نخلة العراق الشامخة التي تعطي ثمرها دون أن  تمن على أحد ولا تريد من أحد إن يخدمها ترمى بحجر وهي فرحة لتعطي ثمرها لأبنائها.

 

العراق- بابل

 

KATHOM_1962@YAHOO.COM

 

158
حكم القدر يغيب الأب د. يوسف حبّي


نبيل يونس دمان   


       أسماء عديدة ووجوه مختلفة تدور مع عجلة الحياة على هذه البسيطة ، دون ان تترك اثرا ً ، حيث تأتي بهدوء وتمضي بهدوء ، فتلك سمة غالبية الخلق .... ولكن هناك اقلية منهم لها مسارها الخاص في نفس عجلة الحياة ، تاركة بصماتها على واجهة الزمن وأسفار التأريخ ، بارزة مضيئة من نواحٍ عدة ، وقد كلـّفها ذلك جهودا ً مضنية ، وطاقات كبيرة ، للوصول الى ذلك الموقع ، التي ستظل أجيال واجيال من بني البشر ، تذكر ذلك الاسم المتميز ، وتتخذه نبراسا ً لها ، ومرجعا ً في حياتها ، وقوة دفع متجددة لعملية التطور الفكري- الاجتماعي .
      هذه مقدمة للتعريف بكائن من ذلك النمط الخاص ، فذ في تفكيره ، قويم في سلوكه ، ماض ٍ في إقدامه ، ذلك هو الفقيد الاب يوسف حبي . للاسف الشديد لم يساعده الحظ في مواصلة عطائه الزاخر ، إذ توقفت تلك الحياة النابضة بالابداع ، في لحظة خاطفة من الزمن وهو في قمة الابداع ، حيث مداده الفكري لم يجف ، والقلم يرعف ويهتز في يده الخضراء .
      لعل ما تناوله الفقيد في آخر ندوة له في مهرجان نوهدرا الثقافي السادس بدهوك آب 2000 بعنوان " اهمية التعددية ، العرقية ، والاثنية ، والعقائدية ، واهمية الالوان لتكتمل لوحة الانسان ، وهو قبول الآخر كما هو لا كما نريد " من ابلغ الدلائل على عمق تفكيره ، وهو بحق ناقوس العصر، بل اكسير الحياة في زمننا الحاضر.
     عرفت الاب الدكتور لعدة سنوات من بداية السبعينات في ندوة الايمان بالموصل التي كان يشرف عليها الاب بطرس متي ، والاب يوسف حبي ، والاب ( المطران حاليا ) جاك اسحق ، الى جانب نخبة ممتازة من الطلبة ذوي القابليات والمواهب المتعددة ، حيث كانوا يبذلون الجهود في جمعنا نحن مسيحيي جامعة الموصل ، من مختلف الطوائف : آثوريين ، كلدان ، سريان ، ومن مختلف مدن العراق وضواحيها : نينوى ، بغداد ، كركوك ، دهوك ، اربيل ، البصرة ، والرمادي .
 
      كانت ندوة الايمان لكنيسة المشرق ، نقلة نوعية وحضارية في حياتنا نحن القادمين الجدد الى الجامعة ومحيطها الغريب ، خصوصا ً من القرى والارياف التي لم تكن تتوفر فيها مستلزمات الحياة الحديثة ، كنا نلتقي تحت سقف واحد في قاعة كنيسة ام المعونة بالدواسة مع اللجنة المشرفة وبحضور الآباء الكهنة ، في حفلة تعارف رائعة شعارها " إبتعدتم عن اهلكم ، واقتربتم من اصدقائكم " كم كانت تلك الكلمات البسيطة تشد ازرنا ونحن نترك لاول مرة بيئتنا الأسرية المتماسكة ، الى البيئة الاكبر والارقى وهي الجامعة ، التي في نهاية دورتها ، ركبنا موجة الحياة المتلاطمة ، وخضنا غمارها حتى اليوم ، بقوة المثل ونضوج الحكمة التي ألهمنا بها فقيد المعرفة الأب يوسف وزملاؤه .
      رحمك الله ايها الكاهن الانسان ، ستمجد ذكراك في الارض على الدوام ، وسوف يزين صفحات التاريخ الحديث اسمك المطرز بالوان الحياة وأنجم سماء الرافدين ، وا .... أسفاه لفراقك وفقدانك فامثالك قليلون وتعويضك شبه مستحيل .nabeeldamman@hotmail.com

159
الى مجالس بلدتي القوش

تحية حارة
     منذ مدة ، انا واقراني في مغتربنا البعيد ، نسمع بتوسع مشاريع بناء المساكن ، خصوصا بعد سقوط النظام الدكتاتوري ، لنا في ذلك رأي اردنا ايصاله اليكم عبر الانترنيت ، مفاده ان الانسب للبيوت الجديدة ان تتوسع باتجاه غرب القوش وبمحاذاة الجبل ، في ( بنيـّا ) اي الاراضي غير الزراعية ( قراجا ) ، وحتى لو وصلت مشارف قرية بهندوايا ، هناك بالامكان استثمارها للاغراض السكنية والاقتصادية وحتى السياحية ، وكذلك  يثبت ويشد ازر سكانها ، لمجابهة الظروف المتقلبة في ازمنتنا الحاضرة . في المقابل لا نستسيغ التوسع باتجاه الاديرة التاريخية العتيدة في شرق البلدة ، فالاديرة لا تحتاج الى اسناد ، فهي تحمي نفسها فى مكانتها وقدسيتها التي يقدرها اصحاب الاديان المجاورة من المسلمين والايزيديين ، ثم ان الاماكن العبادية على شكل اديرة لها وحدانيتها وطقوسها الخاصة ، بعيدة عن التجمعات البشرية ، وقد غدت الان نادرة وقليلة في بلادنا ، قياسا قبل مئات السنين حيث كانت منتشرة في ارجاء العراق ، خصوصا في ارض مملكة الغساسنة والمناذرة في غربه ، لاحظوا ان قدسية وجمالية الاديرة ، عندما تكون بعيدة عن الاحياء السكنية ، وخير مثال ان تقارنوا جمال وبهاء المنطقة المحيطة بدير ماركوركيس في  " بعويرا " شمال الموصل ، قبل ان تحيط به من كل جانب الاحياء التي انتشرت بسرعة في الثمانينات من القرن المتاضي ، بفعل السياسة والتخطيط الخاطئ .
     تلك وجهات نظرنا القابلة للمناقشة ، او بالاحرى هي  مقترحاتنا التي بتنا نكررها في جلسات المحبة ، التي تعبق في اجوائها ذكريات البلدة التي نحيا ونموت في سبيلها ، ونقتدي في جلساتنا بمثيلاتها في ( رش كوزره ، ورش أينا ، لخاصد خبرا ، بثر حويشه ، بزاره ، قم طورا ، وخو ماثه ، وخووشا ) ، ليتقبل الجميع مودتنا وتحياتنا وان تسلم بلدتنا العريقة من نوائب الدهر ، ويظل ابناءها الشم الغيارى كما عرفناهم في مختلف الاحوال ، ساهرين على راحتها وسلامتها .

160
رثاء مقتضب في رحيل حبيب صادق توماس

     بحزن واسف تلقيت خبر وفاة المعلم حبيب توماس ، فوقفت صامتا امام ذكرى الرجل الذي لم أره منذ مطلع الثمانينات وتحديداً عند وفاة والدته . كان حبيب امام انظاري في البلدة ، منتصب القامة ، مشرق الوجه ، يتحدث مع الناس بأدب جم ، وصوته لا يكاد يسمع ، كان هادئاً ، بعيد النظر ، ذو صفات قلما تجتمع في امثاله ، وهي التي انقذته واسرته من انتقام السلطة الفاشية ، لكونه شقيق المناضل المعروف توما توماس .
      استطاع حبيب طوال فترة الثمانينات والتسعينات وحتى بعد سقوط الطاغية ، ان يصمد في داره ووظيفته ببلدة " بادوش " غرب الموصل ، رغم رجعية المنطقة ونفوذ السلطة فيها ، عاش بينهم برزانة عقله وسمو اخلاقه ، بتقديري أحبوه ووفروا له الامان . عند زيارة الخالد ابدا توما توماس الى اميركا في عام 1994 ، لم يفتني السؤال عنه ، فاجابني انه لا يزال في الموصل ، فقلت من الممكن الاتصال به تلفونيا ً، واغلب الظن انه اتصل به وتكلما بعد انقطاع لاكثر من 16 عام . في اواسط السبعينات كنت ازور منزلهم في محلة سينا ، واحيانا اعرج الى معمل الثلج العائد لهم ، فكنت ارى الاستاذ حبيب مشمراً ساعديه للعمل ( في تلك الفترة ، كان المعلم بحكم ياخته البيضاء ، نادرا ما يقوم بالاعمال اليدوية والزراعية ) .
الف رحمة على روح الفقيد حبيب توماس
الصبر والسلوان لزوجته ايفلين هيلو واولادهما جميعا
السلام الى القوش والى عائلة ككا التي انجبت هؤلاء النجباء
صديق العائلة
نبيل يونس دمان
 كالفورنيا

161
الفصل الثالث عشر*
البلدة في ظل الحرب العراقية - الايرانية


بداية الحرب وتبعاتها الكارثية  

     تفاجأ العراقيون قبل غيرهم يوم 22- 9- 1980 بهجوم صدام حسين المباغت على الجارة ايران ، متذرعا ً بحجج واهية لم تصمد طويلا ً امام الزمن ، منها ادعائه بحقوق العراق في اجزاء من الارض وجزء من شط العرب ، والذي تنازل عنها في عام 1975 لحكومة الشاه بغية الالتفاف على الحركة الكردية .

عانى الشعب من آثار تلك الحرب الطاحنة ، والتي لم تحقق اهدافها في خطف نصر سريع كالذي كانت تحصده في ايام ، دولة اسرائيل في حروبها ضد جيرانها العرب اعوام 1948 ، 1967 ، 1973. لقد تورط صدام في الحرب وغطست ارجله في مستنقعها الذي اودى بحياة مئات الآلاف من القتلى والجرحى والأسرى والمشردين، ومنها بدأت امواج الهجرة ... هجرة مجاميع واسعة من الشعب العراقي الى دول الجوار واللجوء السياسي والانساني في شتى بقاع العالم .
كانت تلك الحرب فاتحة انفراد صدام في الحكم بعد ان اقصى رئيسه البكر ، الذي تجذر وتصلب في عهده ، وصفى بالحيل والكذب والارهاب الكثير من القيادات التي ظهرت في طريقه ، وبذا شق طريقه الشاذ وغيرالمشرف ، فوق جماجم واشلاء ابناء الشعب العراقي ، سليل الحضارات والامجاد .
 
     لقد ازعجه النموذج الايراني في اسلوب انقلابه على الشاه وازعجه نزول الملايين من الايرانيين عامي 1978 – 1979 الى الشوارع لتغيير النظام ، ولا يخفى على احد كيف لعبت تلك الحرب الاجرامية بحق الشعبين دورا ً في تحريف نهج الثورة الايرانية واستقطاب بل انفراد حكم اليمين الديني ، وابعاد كل من له صلة باليسار وبامجاد التاريخ الايراني المعاصر .
      قبل ان يتبوأ صدام المركز الاول في حكم بلادنا ، كان نظامه قد استغل مليارات الدولارات التي درت على العراق ابان تأميم النفط وارتفاع اسعاره في اواسط واواخر السبعينات ، تلك الاموال صرفت لتقوية الماكنة العسكرية والاجهزة القمعية ولشراء الذمم ومحاربة ابناء الشعب ، فجرت في تلك الفترة بل اشتدت محاربة كل القوى الوطنية ذات التاريخ المشرق في سبيل عزة العراق وتقدمه ونهضته .
 
    عندما اجتاح مئات الآلاف من المسلحين ، الحدود العراقية – الايرانية ، دارت رحى الحرب الضروس ولمدة ثمان سنوات ، بدأت المعركة الحقيقية في داخل العراق نفسه ، ضد الشعب العراقي الأبي ، فجرى التنكيل به ومحاربته ومصادرة ابسط حقوقه ، تحت ذريعة البلد في حرب و " حراس البوابة الشرقية " .
     دارت السنين العجاف بفصولها واشهرها ، بايامها ولياليها ليعاني كل من في الوطن من وطأتها ، ولم يستطع النظام حسمها ، وقد سماها الغرب بحق " الحرب المنسية " ، وبين فترة واخرى كانت تصحو الناس على امتداد لهيبها واضطرامها ، واخذت كل عمليات وتجارب تطوير الاسلحة الفتاكة فعلها وبمساعدة دول الغرب والشرق على السواء . انهمك النظام ايضا ً في حربه المجرمة ضد الشعب في كردستان العراق ، الثائر من اجل الديمقراطية والحقوق القومية المشروعة للكرد وباقي القوميات ، واستخدم اخس الاسلحة بما فيها الاسلحة الكيمياوية المحرمة دوليا ً ضده ، وتلك مدينة حلبجة تشهد للتاريخ ما ارتكب فيها من حماقة وبشاعة لا مثيل لها في العالم بعد هيروشيما وناكَازاكي .
      يتذكر الجميع تهافت الكثير من الحكام العرب الى بغداد ومصافحتهم للدكتاتور صدام اثناء الحرب وبعدها ، ولا استثني حكام الخليج ايضا ً ، الى ان فاجأ صدام العالم مرة اخرى والشعب العراقي في المقدمة بأجتياح قطعانه دولة الكويت . فمن الحرب الاولى ولدت الحرب الثانية 1990 – 1991 ، كما يقول احد سدنة النظام السابق سعد البزاز في عنوان كتابه " حرب تلد اخرى " .
     نتيجة مغامرات طاغية بغداد وقادسياته وامهات معاركه الخاسرة جميعها ما عدا كرسيه ، وصلت الاوضاع في العراق الى ما شهدناه من دمار البنية التحتية وحلول عصر العقوبات الدولية شديدتي الوطاة على ابناء شعبنا الذي لا نبكي قتلاه وضحاياه ، بل نتخذ منهم العزم وقوة المواصلة لتصفية آثار الدكتاتورية الفاشية والى الابد ، ولتفعيل دور العراق وجعله مركز الاهتمام ومركز الاستقرار والتقدم والسلام في المنطقة والعالم .

انعكاسات الحرب على البلدة : 

     القوش كباقي البلدات والمدن والقرى العراقية ، عانت الويلات في سني الحرب الظالمة ، وقد سيق ابناءها الى جبهات الحرب على طول الحدود العراقية - الايرانية اضافة لاجبار الموظفين والطلبة وغيرهم الانخراط في صفوف الجيش الشعبي ، وقسم آخر وجد نفسه ضمن الافواج الخفيفة لتجنب جبهات الحرب التي كانت تحرق الاخضر واليابس . هناك احصائية عملها الاستاذ يوسف ياقو شامايا عن خسائر البلدة في تلك الحرب الضروس ادرجها كما يلي : 120 قتيل ، 50 أسير ، 28 مفقود. واضيف عليها عشرات من المصابين في جبهاتها ومن تشوهوا واصيبوا بعاهات ، اضافة للعوامل النفسية والمشاكل الاجتماعية التي اضافتها واججتها ، هناك عدد لا يحصى من قصصها وويلاتها قد لا تكفيها مجلدات وستظل اجيال واجيال تتناقلها .

قائمة باسماء بعض مفقودي الحرب استقيت معظم معلوماتها من الاستاذ سفر الياس الصفار:
الأسم                          تاريخ الفقدان                 المكان                                             
الخفاجية   1981   1- خالد كريم سليمان

عبادان   1981   2- طلعت متي ججو
عبادان   1981   3- عابد حنا توم   
الخفاجية   1981   4- جنان إلياس أسطيفو
الطاهري   1982   5- جوزيف إلياس اسطيفو

الأهواز   1982   6- كامل كوركيس سكماني
الأهواز   1982   7- يوسف جرجيس دانيال
عبادان   1980   8- قيس هرمز ممو         
الخفاجية   1981   9- نوئيل بحو كوريال شبو
الخفاجية   1981   10- أديب عبو قوجا       
الخفاجية   1981   11- سمير منصور كجوجا
حاج عمران   1983   12- بولص حسقيال حنا 
الشهابي   1984   13- ذاكرشابا شهارا   
الفاو   1985   14- سمير جميل عزيز
   شرق البصرة   1987   15- باسم هرمز الصفار

حاج عمران   1988   16- سهيل داود أسمرو
حاج عمران   1988   17- صادق روئيل تومي
      18- سمير وديع خوشو
      19- مخلص منصور فعونا
   1991   20- ناظم أسطيفو جولاغ
      21- حلمي توما ككميخا
   

ومن تداعيات تلك الحرب ايضا ً هروب العشرات من شباب البلدة من تلك النيران للاختباء في البيوت او في الارياف وقسم آخر سجل في الافواج الخفيفة للسلطة وكانت النتيجة في عام 1987 فقدان اربعة من شباب البلدة الذين كانوا ضمن فوج المدعو ( ملكو ) وذلك في معركة على جبل ( متين ) ، اغلب الظن انهم ماتوا بنيران السلطة المجرمة نفسها وهم كل من : كمال حسقيال شدا ، سلام حسقيال بابانا ، سالم يوسف ساكو ( مزكا ) ، ساهر حسقيال حنطية ، ورعد جميل نجار ، علما ان بعضهم لم يعثر على جثثهم  حتى اليوم .
 اما الغيارى من شباب البلدة الذين تتاجج نار المقاومة تحت اضلعهم والذين بلغ الوعي عندهم الادراك بان النظام هو مشعل الحروب ورئيسه الدكتاتوري ينساق لاهوائه وملذاته ، فيجب والحالة هذه الالتحاق بفصائل المعارضة الوطنية المسلحة المتخذة من جبال كردستان مواقع لها والمتواجدة قبل الحرب بسنوات . فخاض هؤلاء نضالا سياسيا وعسكريا يسجله لهم التاريخ في اروع صفحاته بجانب مناضلين آخرين من فصائل الحركة الوطنية العراقية ومن مختلف قوميات الشعب العراقي ، وفي سوح تلك المعارك والمهمات الصعبة استشهد العديد من ابناء البلدة نحاول تسجيل اسماءهم واماكن وتواريخ استشهادهم كلما امكاننا ذلك ، وسلفا اقول لن تكون المعلومات دقيقة جدا وذلك لصعوبة معرفتها ولكنها محاولة لذكرهم وليتذكرهم ابناء البلدة وكل العراق بالتقدير والتحية وخفض الرؤوس إجلالا ً :

مكان الاستشهاد   تاريخ الاستشهاد   الاسماء
كلي افوكا   1980   1- هرمز يوسف بوكا
في الاراضي التركية   1982   2- د. سلمان داود حيدو
كريبان- فائدة   1986   3- خيري ياقو توماس
خلف جبل القوش   1985   4- طلال ياقو توماس
خلف جبل القوش   1985   5- رعد بولص ميخو
خلف جبل القوش   1985   6- باسم حنا كعا     
في الاراضي التركية   1982   7- جبرائيل بولص رمو
وادي الكنود ( لندي )   1984   8- فاضل اسطيفو قودا
منطقة زاخو   1988   9- فؤاد يلدا يوحانا   
منطقة زاخو   1984   10- نجيب هرمز يوحانا
قلعة كانيكا- اتروش   1987   11- فارس جرجيس قسطو
الفاكهاني- بيروت   1980   12- ثائرة فخري بطرس
في حملة الانفال   1988   13- رائد صبري مقدسي
منطقة اتروش*   1987   14-  ريجو ياقو قس يونان
خلف جبل القوش   1981   15- اكرم متي مقدسي
سينا وشيخ خدرا   1981   16- رافد اسحق حنونا

في حملة الانفال   1988   17- زهير يوسف ككا
      
      
 
    القوش شانها شان باقي البلدات والمدن والارياف العراقية ، تعرض احرارها للاعتقال ، فاختطفوا من اماكن عملهم وسكناهم وغيرها ، وقد مرت سنوات مديدة دون ان يعرف مصيرهم احد حتى سقوط النظام المذل في 9 نيسان 2003 ، فظهرت اسماء بعضهم في قوائم اعدامات النظام فيما بقي خبر بعضهم وطريقة قتلهم واماكن دفنهم مجهولة حتى اليوم . اليكم قائمة باسماء المعتقلين وطبيعة اعمالهم وتاريخ اعتقالهم :
سنة الاعتقال   العمل   الاسماء
1981   معاون طبي   1) منير توما توماس
1980   كاسب   2) سالم ايوب رمو
1980   موظف   3) عبد السلام يوسف قلو
1980   طالب   4) خالد يوسف ديشا
1980   طالبة   5) تماضر يوسف ديشا
1980   عامل   6) منصور حسقيال دكالي

1980   عامل   7) عابد سليمان بطة
1980   موظف صحي   8) منصور صادق تومكا
1980   موظف   9) يوسب جرجيس كريش
1980   موظف   10) سعيد عيسى شاجا
1980   طالب   11) جمال صادق يلدكو
1980   مدرس   12) حكمت كيكا تومي
1985   طالب   13) حسيب بدري القس يونان
1987   عامل   14) أونير بطرس اسطيفانا
1980   عامل   15) زهير جرجيس مقدسي
1980   مهندس   16) جبرائيل عبدالاحد ابونا
1987   طالب   17) جلال عيسى تلو

* فصل من كتاب مخطوط بعنوان ( القوش حصن نينوى المنيع ) ، الرجاء من ذوي الشهداء والمفقودين تزويدي بمعلومات افضل وأدق ، وكذلك من لم تسعفني ذاكرتي في تذكرهم ، وعلى عنواني الالكتروني التالي :
nabeeldamman@hotmail.com
** ريجو ياقو قس يونان  هي زوجة اورها تيكا ، وام النصير مخلص ، ومعها خمسة نساء من عوائل الانصار البواسل ، اخرجتهم اجهزة السلطة الحاكمة في عام 1987 من بيوتهم وتوجهت بهم الى موقع شمال ناحية اتروش وتركتهم في العراء ليلقوا مصيرهم او يعودوا باولادهم الى احضان نظام القمع . والام ريجو كانت لها معاناتها وامراضها خصوصا في المفاصل ، فلم تستطع مواصلة السير فتخلفت عن اصحابها ومعها كمية قليلة من الغذاء . وبعد انقطاع اخبارها توجه بعض اقاربها من بغداد والقوش للبحث عنها ، فعثر عليها ميتة تحت شجرة بعد اكثر من شهر من فقدانها ، وجلبت الى القوش في ظروف قاهرة حيث ووريت الثرى ، وبعد مدة توفي زوجها ايضا بطريقة أليمة تضاف الى كل المآسي التي جلبها للشعب نظام صدام حسين .
نبيل يونس دمان
كالفورنيا




162
المنبر الحر / اخي حسين سنجاري
« في: 01:03 02/09/2007  »
اخي حسين سنجاري


تحية

ما كتبته بعنوان ( الحكمة الكوردية : هل تفيد كدروس للرئيس بوش ؟ ) جلب انتباهي كثيرا ً ، فهو حلم وردي ، لو تحقق يكون عظيما لشعبنا وللمنطقة ، ولكن هل تتصور ان دهاقنة السياسة الامريكية لا يدركون ذلك ؟ انهم ببساطة ينظرون الى مصالحهم من منظار كبير يتجاوز حتى الشرق الاوسط بعينه ، في حين ان منظارك الصغير والجذاب ينظر بحنو نحو اقليم كردستان ، الذي انا على الاقل منه ، انظر باعتزاز وافخر بتمدنه وتشربه بقيم الحرية والديمقراطية ، التي ولدت من خضم الآلام التي يصعب تصورها ، على مدى العقود ، بل القرون ، وعلى ايدي المتعصبين ، فاقدي الحكمة ، الذين توارثوا ونحروا ، بلاد النهرين الخالدين ، منذ سقوط امبراطورياته العضمى في التاريخ : سومر - أكد - آشور - وبابل

تحياتي لك ، انظر بتفاؤل لحلمك الجميل ، واسعد وكل العراقيين الاحرار ، ان يروه على ارض الواقع ، بعيدا عن تدخلات خارجية سواء من دول الجوار او ما وراء البحار

نبيل يونس دمان

كالفورنيا

في 1- ايلول- 07


163
زلزال في سنجار ، من صنع الأشرار


بقلم نبيل يونس دمان
     يكاد قلبي يتفجر حزنا ً على فقراء بلدي في قضاء سنجار، منذ ايام والقلم بجانبي يرجف ويرعف لأستله ، غاضبا ً ومعبراً عن ألمي ، لما وقع لأحبتي الأيزيدية في مجمعات بعيدة عن الحضارة ، تشرف على الصحراء الغربية لبلاد ما بين النهرين ، كأنها عيون ترقب ما تقذفه تلك الطبيعة القاسية ، من حمم الحقد والغضب على بني البشر. الأيزيديون قوم مسالمون ، ليتهم في لحاهم وشعورهم خارجون للتو من أعماق التأريخ ، ومن حواضر أوروك ، بابل ، آشور ، يُستهدفون في حمّام دم قلّ نظيره في البشاعة ، وكأنها رسالة الى علم التاريخ بان يطوي صفحاته الى الابد ، امام هذا السيل المرعب للتيار الديني المتزمت ، يضاهيه في الشدة ، التيار القومي الذي ابتلينا به طوال العقود الماضية ، فهل البشرية وقوى الحضارة والتقدم عاجزة أمامه ؟ ذلك سؤال يؤرقني فأطرحه بإلحاح ، وأقرنه بآخر : هل اصبحت كل الابواب مشرعة امام جبروت الارهاب ، يختار منها ما يشاء ليدخل ويقتل ويغتصب ؟.
     لكي اختصر الاسترسال على هذا المنوال ، بما قد يسهم في إخراج ما تبقى من هؤلاء المساكين من النفق المظلم ، والمعرضون في المستقبل المجهول ، لغزوات البدو القاطن في اليباب ، وهو يحمل الألوية السوداء ، وكل ما هو منحط ومخجل في التاريخ ، اضع النقاط التالية :-
1- لا يكفي التنديد بالحدث والتضامن مع الضحايا ، بل يتطلب من العرب المحيطين بالمجمعات الأيزيدية من قرى وبلدات ، البعاج ، تويمين ، ام جريص ، ام الذيبان ، ربيعة ، وحتى ما وراء الحدود ، ان يثبتوا بالفعل عن تضامنهم القلبي ، وذلك بالتصدي وضرب الأوباش الذين يعيشون بينهم ، او يصلون من اماكن وبلدان اخرى ، يجب ان يلاحقوهم ويطردوهم ، ان لم يثبتوا ذلك بالملموس ، فالمعنى واضح بأنهم متواطئون ويؤوون الإرهابيين ، الذين في خططهم ابادة الجنس والدين الآخر عن بكرة أبيهم .
2- لا تعولوا على الحكومة المركزية ولا على دول الاحتلال كثيرا ً ، فجميعهم عاجزون في الوقت الحاضر، عن إلحاق الهزيمة بالإرهابيين في ساحات المواجهة الرئيسية ، في بغداد والموصل وكركوك وديالى والانبار.
3- اربطوا مصيركم  بمصير اقليم كردستان ما امكنكم ، فهو أرحم وأنصف وأعدل في معاملتكم تحت ظروف وطننا الراهنة ، وبالمقابل على سلطة الاقليم وضع ثقل وامكانيات اكبر في تلك المناطق .
4- اعتمدوا بالدرجة الاولى على انفسكم وعلى مساعدة اصدقائكم في الداخل والخارج ، وذلك في تنظيم دفاعات عن مناطقكم ، اسمحوا لي احبتي ان ادعوكم الى اليقظة الدائمة ، ووضع حراسات مشددة ومستمرة في مداخل قراكم ومجمعاتكم التي اجبرتم على سكنها ، بعد ان احرق النظام البائد قراكم الجميلة في جبل سنجارالأشم ، أوائل السبعينات من القرن المنصرم .
 5- تعاونوا بينكم وساعدوا بعضكم في مواجهة قلة الخدمات ، ضعف الطاقة بما فيها الكهرباء والمحروقات ، قلة المواد الغذائية ، والمراكز الصحية ، واللوازم المنزلية ، أقدر صبركم وصمودكم الطويل ، ولابد ان تفرج يوماً ، فتخرجون بألوانكم وأزيائكم الى الحياة والحرية .
6- اطرقوا ابواب الامم المتحدة والدول التي تمتلك المقدرة والجبروت العالمي في عصرنا الحاضر، لتتبنى مظلوميتكم وللحفاظ عليكم ، باعتباره حفاظا ً على سكان البلاد الأصليين ، ومعكم الصابئة المندائيين ، الشبك والكاكائيين ، والمسيحيين المستهدفين ، بالامس القريب أطفات شمعات متوقدة  في عقر نينوى العضمى ( القس رغيد ورفاقه الشمامسة ).
     يا اولاد واحفاد علي بك ، داؤود الداؤود ، الفقير حمو شيرو ، والبطل محمود الأيزيدي وغيرهم ، انهضوا للدفاع عن أُسركم وأرضكم وحقوقكم ، ضعوا مشاكلكم الداخلية إن وجدت جانبا ً ، والتي ولدت من الظروف الصعبة التي تعيشونها ، اوجدوا افضل السبل والتنسيق مع قيادتكم الروحية المتمثلة بالأمير الوقور تحسين سعيد بك ، الذي جُبل على الحكمة وبعد النظر، او من ينوب عنه بين ظهرانيكم.
nabeeldamman@hotmail.com
CALIFORNIA- USA


ملحـــــــــــــق

     عزيزي القارئ في عام 1996 كتبت موضوعا مطولا عن الأيزيدية ، أعيد نشره مع بعض التعديلات الطفيفة ، بهذه الكارثة او الزلزال الذي وقع في مجمع تل عزير( القحطانية ) جنوب البلدة العريقة سنجار ، يوم 14 أب الدامي 2007 : 
الأيزيديـــــــة
   يزهو المجتمع العراقي باقوامه وطوائفه المختلفة ن والتي تعايشت جنبا الى جنب آلاف من السنين انتابتها فترات مضيئة مزدهرة واخرى مظلمة . وفي موضوعنا التالي نتناول الايزدية ، وهم طائفة دينية من الاكراد على الارجح ، يرجع تاريخها الى ما قبل ميلاد المسيح ، ويقطن غالبيتهم في العراق وما تبقى في سوريا ، تركيا ، وبعض جمهوريات آسيا الصغرى مثل ارمينيا ، يربو عددهم النصف مليون نسمة تقريباً .
ديانتـهم :
     هناك وجهتي نظر مختلفتين عن اصل ديانتهم ، الاولى مستقات من المؤرخين المسلمين الذين ينسبونهم الى يزيد بن معاوية الاموي وبالتالي بالاسلام وابرزهم احمد تيمور باشا ، عبدالرزاق الحسني ، المحامي عباس العزاوي . اما الوجهة الثانية التي تنبثق بالاساس من صفوفهم ، فتنسبهم الى يزدان الذي يعني الله في الديانة الزرادشتية ، وتعتبر مدينة يزد الواقعة جنوب شرق اصفهان عاصمة الزرادشتية والتي ولدت فيها تلك الديانة قبل 2500 سنة .
     ترتكز ديانتهم على المانوية المرتكزة على قوى الخير وقوى الشر ، وانهم بقدر حبهم للخير يخافون الشر خوفا شديدا ، ويعتبرون الفعل السيء والشر منبثق من نفس الانسان . يؤمنون بتناسخ الارواح ، فالروح الطيبة بعد الوفاة تدخل في الملوك او ترفرف في الهواء ، اما الروح السيئة فتدخل في الكلاب او الخنازير ، وبالتالي ترى ديانتهم بان استمرار الحياة بعد الموت مسألة اكيدة .
     عند دخول الاسلام مناطقهم ، تحولت من ديانة علنية ومشهورة الى صوفية وزاهدة بسبب حملات التنكيل والاضطهاد التي تعرضت لها ، فحصنت نفسها وادخلت العديد من التغييرات عليها لتواجه الواقع الجديد واصبح سهلاً عليها تقبل تعاليم الشيخ عدي الصوفية بعد انهيار الخلافة الاموية ولجوء الشيخ المذكور الى جبال كردستان .
من هو الشيخ عدي :
     ويسميه الايزديون ب " الشيخادي " ، وهو بن مسافر ولد في بعلبك وتوفي سنة 558 هجرية ، مؤمن بالاموية وبيزيد بل ومتعصب له ، لجأ الى جبال حكاري بعد ضياع حكم الامويين ، فتولّى رئاسة بعض القبائل الكردية على طريقته الصوفية وزهده ومجمل سلوكه ن قال عنه الشيخ عبدالقادر الجيلي ( لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر ) .
     كانت طريقته في الصوفية ، مقاطعة اللعن او انه حذر من اللعن ، حتى لعن الشيطان خوفا من الاتصال بشائبة السب . ولكن بعد وفاته اصابهم غلو في امر اللعن ، ولشدة تمسكهم باللفظ حرموا :
#  اللعن وما اشتق منه .
#  نعل وهو مقلوب لعن .
#  نيل وهذا تحتوي الفاظه على اكثر حروف اللعن ، ومن ذلك حرم النيلي واللون الازرق .
#  خسا الذي هو بمعنى لعن ، وبالتالي حرم التلفظ بالخس واكله .
#  البصاق لانه يستعمل للاهانة والسب .
#  الشيطان وأبليس ، والتلفظ باكثر حروف الشيطان مثل شط ، شخاط ، طشت ، مشط .
     كان الشيخ عدي وتلامذته يلبسون الخرقة السوداء ويلجأون الى حياة الزهد في كل شيء وكانوا يرفضون اكلة لا معرفة لهم بها ويستحرمونها ، وهناك من يرى ان تحريم الخس واللهانة جاءت من هذا المنطلق .
للشيخ عدي كتابان هما الجلوة ومصحف رش ( الكتاب الاسود ) ، وان اختلف المؤرخون حول نسبة الكتاب الثاني اليه ، يقول الوالي العثماني نوري مصطفى في رسالته " عبدة ابليس " ان واضع الجلوة راهب نسطوري كان قد فر من دير القوش ، ولحق بالايزدية وصار مقدما بين رجالهم .
     ترتكز فلسفة الشيخ عدي على قوله " لو كان الشر بغير ارادة الله لكان عاجزاً " وراى الشيخ في روحه نفس روح طاووس ملك حين قال :
#  انا الذي جعل آدم يسكن الفردوس ، ونمرود يسكن نارا مشتعلة .
#  وانا الذي قال لي رب السماء ، انت الحاكم العادل وحاكم الارض .
#  وانا عدي الشامي ابن مسافر، أعطاني الرحمن الرحيم الاسماء والعرش السماوي والكرسي         والسبعة والارض . 
#  في سر معرفتي لا يوجد اله غير هذه الاشياء خادمة لقوتي .
#  واذا شئت ارسلته مرة اخرى ثانية وثالثة الى هذا العالم او الى غيره بتناسخ الارواح . اه .
     يقع مقام الشيخ عادي في جبل لالش شمال بلدة عين سفني ، ويذكر ان صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ قام بنبش ضريح الشيخ وحرق عضامه في سنة 652 الهجرية . ويذكر ايضا بان مقام الشيخ كان ديرا للنصارى بأسم مار يوحنان ومار يشوعسبران ، وقد استولى عليه عام 619 هجرية او نحوها ، ابو المفاخر شرف الدين بن ابي البركات ن ولعل استيلاء آخر سبق هذا الاستيلاء في زمن عدي بن مسافر .
     يعتقد البعض بان الشيخ عدي مدفون هناك فيما يعتقد الايزدية انفسهم بانه عرج الى السماء ، واعتقاد آخر انه قتل في مراغة على يد المغول عام 619 هجرية بسبب اغتصابه الدير .
     ان بناء المعبد وتصميمه على نسق كنائس النصارى كما يقول القس سليمان الصائغ ( مؤلف كتاب تاريخ الموصل ) ويضيف ، بان وجود خطوط آرامية في جدرانه الداخلية ن وقد طليت عمداً ثم انقشع عنها الطلاء ، وبرزت من تحتها  الحروف . ومما يجعلنا نصدق ما كتب ، هو وجود نساء في خدمة المرقد يأبون الزواج على طريقة الرهبنة المسيحية ، وهناك رجل بأسم بابا جاويش ( يقابل القسيس  ) لا يتزوج ابداً .
المراتب والطبقات :
     قسم الشيخ عدي الايزدية الى المراتب التالية :
#  الشيوخ ( آداني – قاتاني – شمساني ) .
#  البيـــــــــــــر .
#  المريد ( اي العامة ) .
     وتوجد بينهم مراتب دينية مثل أ -  القوّالون  ب-  الفقراء ( يلبسون خرقة داخلية سوداء ، ويطلقون لحاهم ) .
     اما اميرهم أورئيسهم الديني والدنيوي فيسمى مير شيخان ، وكانت له سلطات مطلقة في العهد العثماني ، وحاليا يشغل هذا المنصب تحسين الذي ورثه من ابيه سعيد بك ( توفي عام 1944 ) وهكذا ، وهناك منصب ديني هام يطلق عليه بابا الشيخ يرتقي نسبه الى الشيخ فخر الدين من السلالة الشمسانية . وهذا الشيخ لا يذكر اسم الطاؤوس ملك بالحرف .
    يعبد الايزدية هذا الطائر الذي له تمثال من معدن ويسموه بالسنجاق او السنجق ( الذي يعني العلم او اللواء ) وقد جاء وصفه في كتاب قصص الانبياء للكسائي كما يلي " الطاؤوس له جناحات وذنب من الزمرد الاخضر وعلى كل ريشة منه جوهرة بيضاء وعيناه من ياقوتة وهو اطيب طيور الجنة صوتا وتغريدا واحسنها الحانا بالتسبيح ويتبختر في مشيته " .
تقاليدهم وعاداتهم :
 
يقطن ايزديو العراق بمحافظة نينوى في قضائي الشيخان وسنجار ويتكلمون الكردية بشقها الكرمانجي .
     زْي رجالهم شبيه بالزي الكردي التقليدي عدا غلبة اللون الابيض عليه ، وفوق الرأس يضعون الكشايد الحمراء ، اما رجال ساجار فيعتمرون القلبق المخروطي المصنوع من الوبر ، او يلفون اليشماغ الاحمر والكوفية السوداء ، ويطيلون شعورهم بل يضفرونها في جدائل مرسلة . اما النساء فزيهم الابيض يمميزهم عن غيرهم ، وغطاء الرأس يتفننون في صنعه حيث تتخلله الخرز او قطع الذهب او اللآلي وحسب منزلة المرأة الاجتماعية ، واذا اضفنا الى زي نسائهم المئزر الشايع في مناطق تلكيف والشيخان ، فان الصورة تقربنا من ازيائ آشوريات نينوى في العصور الغابرة .
     يعتمد غالبية الايزدية على الزراعة والرعي ، وبعد ثورة 14 تموز 1958 ، دخلوا المدارس على نطاق اوسع من السابق ، وبذلك تخرج جيل من هم شغل الوظائف والاعمال ، كالتعليم والهندسة ومجالات الطب وغيرها . اما تعليم النساء فكان محرما عندهم ، الى ان بدأ اختراقه مع تنامي الوعي الحضاري وخصوصا بين نخبة معلمي فترة الستينات والسبعينات ، وهم بالطبع رواد نهضتهم ، وكانت اول فتاتين حسب علمي وصلتا الدراسة الجامعية هما : رايات ( كلية العلوم 1974 ) وكروان خلات ( كلية الهندسة 1974 ) ، وكلتاهما من ناحية بعشيقة الاكثر تطورا من باقي القرى والبلدات الايزدية .
     وفيما يخص الزواج فعندهم نظام تعدد الزوجات كما عند المسلمين ، وهناك ظاهرة الخطف التي يتباهون بها ، بل هي كثيرة الحدوث بينهم . فعند خطف الفتاة ، ياخذها الخاطف الى قرية اخرى بعيدة ويعودان بعد فترة ليتم التفاهم على الموضوع وبحضور الشيخ والاهل معا . عندما يقول الزوج انت شيخي او بيري فتعتبر في تلك الحالة طالقا .
حينما يحل موعد الزفاف يحضر اقارب الخطيب مقادير كبيرة من العرق والنبيذ ، ثم يدعى شباب وشابات القرية الى حفلة العرس ، حيث يبدأ قرع الطبول والعزف بالزورناي ، وتشرع الشابات بالرقص على شكل حلقات وتستمر الحال هكذا لعدة ايام . وفي الليلة الاخيرة تزف الخطيبة الى دار خطيبها راجلة او راطبة خيل مزين بابهى الحلل ، وتكون مغطاة بالبرقع الاحمر وهي في وسط المعارف في طرب الاغاني والزغاريد ، اما الطبل والزورناي فيشنفان الاسماع .
 
     ختان الاطفال عندهم ، فيتخذون منها وسيلة لمصاهرة المسلمين من العرب او الاكراد في تلك المنطقة . وعند اجراء عملية الختان المتبادلة بينهم ، يدخل ون في صداقة متينة بل قرابة ، وفي هذه الحالة يطلقون على المقابل جملة ( كريف الدم ) ، كثيرا ما يتوجه العربي او الكردي الى احدى القرى الايزدية في ضيافة كريفه ، وبالعكس يحلو للايزدي ان يمكث اياما عند العربي او الكردي .
بيوتهم، قراهم ، ومناطق سكناهم :
يبني الايزديون بيوتهم على شاكلة بيوت المناطق الشمالية اي من الطين والآجر او بالحجارة ، وبجوارها اسطبلات او قاعات لايواء ماشيتهم . اما بيوت الموسورين فتشيد بالجص ( البورك ) والحجارة ، ثم ابتداءً من السبعينات من هذا القرن كثرت القصور المبنية من الاسمنت المسلح بعد ان تحسن وضع الكثيرين منهم جراء عمهم في نوادي وبارات وسط وجنوب العراق .
     اذا جمعت عشرات او بضعة مئات من البيوت السابق وصفها تتكون القرية الايزدية ، ومجموع القرى متناثر هنا وهناك في سهل نينوى وعلى طرفي جبل سنجار ، ويمكن القول ان بعض تلك القرى توسعت وكبرت بمرور الزمن مثل بعشيقة ، خانسور ، حتارة ، باعذرة . وفي وسط تلك القرى او اطرافها شيدت اماكن عبادتهم ومزاراتهم مثل :
مزار شيخسن في قرية ( ايسيان ) ، مزار الشيخ فخرالدين في قرية ( مام شفان ) ، مزار بيرفات ( كيس قلعة ) ، مزار حاجي فيرس ( حتارة ) ، مزار شيخمند ( عين سفني ) ، مزار شيخ سوار ( بيبان ) ، مزار ناسر دين ( بعشيقة ) ، عبد رش ( كندالة ) ، بير خوشابا ( كلي شيخادي ) ، جلميران ( كولكان ) ، مزار شيه آمدين ( سنجار ) ، وغيرها كثير .
     ندرج هنا اسماء بعض القرى في سهل نينوى : ـــ
دوغات ، سرجكه ، حتارة كبير ، داكان ، سينان وشيخ خدر ، بعشيقة وبحزاني ، مجمع مهاتي ، بوزان ، بيبان ، خورزان ، جراحية ، طفطيان ، يسيان ، كرسافة ، كَابارة ، باعذرة ، كندالة ، مام شفان ، ملّي جبرا ، بيرستك ، شكفتيان .
     وندرج ايضاً بعض قرى غرب نينوى ، اي في منطقة سنجار :
مهركان ، وردية ، جدّالة ، كرسي ، سنوني ، بــارة ، خانسور ، ممسكي ، المجنونية ، تبــة ، آديكة ، جفرية ، نخسي ، عوج ، سكينية ، حيالي ، ملك قرسي .
اعيادهم :
     للاخوة الايزديين اعياد دينية وعلى مدار السنة واهمها جميعاً :
#   عيد رأس السنة ( سري سال ) :
     يصادف في الاول من نيسان ، وهو ايضاً تاريخ راس السنة الآشورية ، ويبدو هنا وجود ترابط تاريخي في المسألة . يعتقد الايزديون بان الطاؤوس ملك ينزل في هذا اليوم على الارض كوكيل الله عليها . فتقدم القرابين له وتذنحر الذبائح ، وتزين البيوت بورود الطبيعة الزاهية ، ويخرج الناس والاطفال بابهى حللهم واجمل ملابسهم للاحتفال بذلك اليوم ، ويصبغون البيض بالوان مختلفة ويقامرون به في لعبة تكسير البيض الشيقة والسائدة ايضاً بين نصارى المنطقة في عيد قيامة المسيح الذي يصادف في نفس الشهر من كل عام . وعند المزارات القديمة يدور الناس حولها للطواف ، ثم يعقدون الدبكات الشعبية على شكل حلقات منتظمة ومتناسقة حيث يشترك فيها الرجال والنساء وعلى صوت الزرناي والطبل .
عين ماء في كَلي لالش
     ان ايام سري سال فرصة نادرة للتعارف بين الجنسين وللمغازلات واختيار شريك الحياة ، كما ويسري مفعول المشروبات الروحية في الاوصال فيزيد حرارة الجسد ، وتدب فيه طاقة اضافية للاندفاع للمسرة واللهو والمرح . كما ويولمون الولائم ويهبون الهبات ، والى مقابر موتاهم تتوجه الناس ايضاً ، حيث يدور القوّالون ( جماعة من قرية بحزاني ) بدفوفهه وشباباتهم وهم يجيدون الضرب على هذه الآلات بامتياز والتي توارثوها عن آبائهم ، فيشاركون العامة في البكاء على الموتى ، وينشدون الاناشيد الدينية على الالحان الحزينة ، فيرفعون من وتيرة الضرب على الصدور ونتف الشعور وذرف الدموع واطلاق الآهات .
 
#  العيد الكبير ( جمّـــــا ) :
     وهذا العيد يبدا في 23 ايلول من كل عام ويستمر لاسبوع ، وهو موسم الحج الى جبل لالش حيث مرقد ولي الايزدية الاعظم ( الشيخ عادي ) . في ذلك المضيق الجبلي الغني بعيونه ومياهه الصافية الرقراقة ، والكثيف باشجاره وانواع طيوره وحيواناته البية . هناك تتجمع الآلاف المؤلفة من الايزدية وهم قادمون من مناطق سكناهم وفي المقدمة ميـر الشيخان واخوانه واسرهم ، الشيوخ ، القوالون ، والمريت ( العامة ) .
     تجري مراسيم متعددة وفق التقاليد والسنن الدينية المتوارثة ، وتبلغ اوجها في ذبح الثور الذي يعد تقليدا تاريخيا منذ الازمان الوثنية . حيث اعتبر موت الثور ضروريا لتسقى من دمه الكائنات الحية من نباتات وحيوانات ، وهنا تقرع الدفوف وتنطلق الاغاني الشجية مع اضرام النار لطبخ الثور ، ليتحول الى كتلة لحم مقدسة تسمى ( بالسماط ) وتتزاحم الناس للحصول على قطعة من ذلك اللحم القربان .
     لا تنتهي تلك الايام الا بمزيد من الافراح والرقصات والاغاني ويرتقي احدهم برتبته الدينية ( جاويش ) الى قمة الجبل وعلى رأسه طبق من الخبز اليابس ، ومن هناك يلقي به في الفضاء فيتناثر فتاته ، مما يدفع الشبان للتسابق والحصول على كسرة من ذلك الخيز المقدس ، حيث يغمس في مياه عين زمزم الباردة ليتم تناوله .  كذلك يطلق الرصاص بكثافة في ذلك الوادي احتفاءاً بالعيد الكبير ، وقد كان الحج في السابق يتم بالسير ساعات بل وايام لبلوغ ذلك الوادي ، والآن اصبح السبيل ميسورا بواسطات النقل الحديثة .
المآسي التي تعرض لها الايزدية :
     قبل الخوض في تفاصيل المآسي التي تعرضوا لها في تاريخهم ، نشير الى مأثرة ايزيدي سنجار في ايام مجازر الارمن في تركيا سنة 1915 ، حيث نزح الآلاف من العوائل الارمنية جنوباً ، وقد حصل لهم في بعض الاماكن اعتداءات اخرى في سبي المئات من نسائهم ومثال ذلك في بلدة تلعفر التركمانية . اما من لجأ منهم الى جبل سنجار فقد اصبح في امان تام وفي ضيافة الزعيم المعروف حمــو شيرو ، وفي نهاية تلك الفترة العصيبة توجه غالبية العوائل الارمنية الى سوريا ولبنان ، واستمرت المراسلات الودية بينهم وبين " الفقير " حمــو شيرو . كما وان بريطانيا قد منحت ( حمو شيرو) السلطات الواسعة بعد ان احرق السجلات العثمانية عام 1919 .
     الآن نلخص المآسي والويلات التي تعرض لها الايزدية ، وفق التسلسل التاريخي : ـــ
#  في سنة 1639 جمع والي ديار بكر في عهد السلطان ابراهيم جيشا مؤلفا من ثمانين الفا ، فحارب به الايزدية في جبل سنجار وقتل منهم في حدود ثلاثة عشر الفا واسر مثلهم .
#  في سنة 1647 شنّ والي ( وان ) شمسي باشا ، هجوما على جمع من الايزدية فامضى فيهم تقتيلا واقتيد صاحبهم ميرزا بك ( من قرى الموصل ) الى السلطان محمد اباهيم فامر بقتله .
#  في سنة 1715 نكل باهل سنجار والي بغداد ( حسن باشا ) فقتل منهم خلقا كبيرا ودمر قراهم ونهب اموالهم .
#  في سنة 1752 شن سليمان ابو ليله من المماليك حملة على سنجار .
#  في سنة 1807 شنّ والي بغداد ( سليمان باشا ) حملة اخرى عليهم في جبل سنجار .
#  في سنة 1831 شنّ امير راوندوز( ميري كور ) حملة على الايزدية في سهل نينوى ، فولّوا الادبار زحوصرت اعداد كبيرة منهم في منطقة النبي يونس في مركز نينوى ، ولم ينجوا منهم الا من قطع دجلة سباحة ومن ضمن القتلى اميرهم ( علي بك ) . ومن المعروف ان ميري كور قد ستباح بلدة القوش المسيحية وقتل منهم المئات في حملة شرسة وبنفس تلك الفترة ، واغتصب اديرتهم وكنائسهم وقتل رهبانهم وفي مقدمتهم رئيس دير الربان هرمزد الاب جبرائيل دنبو .
#  في سنة 1891 جهز الفريق عمر وهبي باشا حملة شديدة على الايزدية في مناطق الشيخان بحجة اخضاعهم للعسكرة وادخالهم الدين الاسلامي عنوة ، وقد اراقت الحملة دمائهم ونهبت قصورهم ، وصودرت السناجق . ثم امر بفتح مدرسة دينية اسلامية في مقام الشيخ عادي بجبل لالش ، وعهدت ادارتها الى الشيخ امين القرة طاغي .
     ورغم قساوة ما احدثته تلك الحملة ، لكنها لم تثنيهم عن ديانتهم ، وفشلت كذلك المدرسة الدينية تلك ، وعزل الفريقعمر وهبي . وقد اعاد والي الموصل ايام الحرب العالمية الاولى ، الكاتب سليمان نظيف شارات الايزدية الدينية ومنها الطاؤوس ملك .
#  حركة داود الداوود عام 1935 :ــ  هناك ترابط وثيق بينها وبين الحركة الآشورية عام 1933 ، وكلتاهما كانتا ضحية وعود كاذبة من بريطانيا وفرنسا ، في اعقاب اقتسام تركة الرجل المريض ( الدولة العثمانية ) ، وهي المطالبة بحقوقهم وتطلعاتهم القومية . عند اصرارهم المطالبة بها جوبهتا بالحديد والنار ن كما حدث في مجازر سميل 7 آب 1933 ، اما في منطقة سنجارالتي ثارت بقيادة داود الداوود ، فان الحملة العسكرية الحكومية بقيادة امير اللواء حسين فوزي ، كانت متفوقة عددا وعدة ، فدحر الثوار وسقط المئات من القتلى ، واضطر قائد الثوار مع بعض اعوانه الى دخول منطقة النفوذ الفرنسي في سوريا . 
     فرضت الحكومة العراقية الاحكام العرفية ، وسيق الى منصة الاعدامجوراً المحامي الموصلي عبدالله فائق بولص ، وعبدالكريم قرة كلة ، وسبعة من مختاري قرى جبل سنجار .
#  محنة الايزدية في ظل السلطةالحالية :ـــ  من ابشع الاضطهادات على الايزدية في العصر الحديث ، هي تلك التي مارستها وتمارسها السلطة الحالية منذ مجيئها الى الحكم في انقلاب عام 1968 ولحد هذا اليوم . فقد هدمت العديد من قراهم المتاخمة لجبل باعذرا وهجر اهلها او ادخلوا معسكرات او مجمعات قسرية ، وفي سنجار انشات المجمعات اثر هدم قرى جبل سنجار الغنية بمواردها الاقتصادية ، وسميت باسماء عربية مثل ، مجمع القحطانية ، العدنانية ، الجزيرة ، تل قصب ، وتل البنات .
     (بــارة ) قرية جميلة خلف جبل سنجار ، ينبع فيها الماء من كل مكان تقريبا ، تزرع فيها اجود انواع التبوغ ، واروع انواع التين الذي كان الجبليون يكبسونه بطرقهم الخاصة ويسطحوه اقراص او يعلقونه بخيوط على شكل خرز من الفاكهة المجففة اللذيذة ايام الشتاء . فهل تعلم عزيزي القارئ ماذا حل بتلك القرية ؟ ، لقد مسحت بالارض وهجر سكانها الى سوريا في اوائل السبعينات .
     شنت السلطة كذلك حملة تعريب منظمة وواسعة النطاق في مناطقهم ، ففي التعداد العام لسكان العراق في 17- 10 – 1977 ، اجبروا على التسجيل عرباً ، وقد تمرد الكثير منهم على تلك العملية الشائنة ن كما حدث في قرية دوغات ، حيث مزق الكثير منهم دفاتر تعدادهم ، مما حدا بموظفي السلطة الانسحاب بخفي حنين ، فزعين من غضب الاهالي ودون ان تكتمل عملية تعدادهم السيئة الصيت ، وفي مقدمة من تصدى لاجراء السلطة آنذاك ( علي خليل و جوقي سعدون ) والاخير استشهد بالاسلحة الكيمياوية عام 1987 اثناء هجوم السلطة على مواقع الانصار .
     لقد برز من الايزدية في العصر الحديث ( محمود الايزيدي ) ، الذي خاض حرب عصابات ضد السلطة الحالية وهي في اوج قوتها بين سنة 1975- 1979 ، متخذا من جبال كردستان حصنا له ، وقد ادار عملياته تلك ببسالة نادرة . وقد بذلت السلطة الجائرة جهوداً مضنية للقضاء عليه ، حتى تمكنت منه ، فقتل غدرا على يد مأجور منسلخ من قوميته في خريف 1979 في وادي ( شيرانة ) شرق قضاء العمادية .
الخاتمـــــــة :
     للأيزدية طموح مشروع اسوة بباقي قوميات وطوائف الشعب العراقي ، في الانعتاق من الظلم والاضطهاد والعيش بسلام والتمتع بحقوقهم كاملة ، واحياء تقاليدهم وشعائرهم الدينية بحرية وفي اجواء الهدوء والطمأنينة ، وذلك بارساء دعائم مجتمع القانون والدستور الدائم ، ومن خلال ذلك المجتمع المنشود تتطور احوال الايزدية الفكرية والاجتماعية ، وتدخل اشعة النور لتخترق اركان الظلام في زواياهم المظلمة . والى دولة الديمقراطية في عراق الغد تتجه انظار ابناء الشعب العراقي بما فيهم الايزدية .
مصادر الموضوع :
+ اليزيديون في حاضرهم ومستقبلهم –  عبدالرزاق الحسني ,
+ ضوء على الديانة اليزيدية –  مقالة د. حمو فرحان .
+ جوانب من حياة اليزيديين في سنجار -  مقالة ميرزا حسن الدنادي .
+ اليزيدية –  مجموعة مقالات -  يعقوب نعوم سركيس .
+ اصل اليزيدية وتاريخهم -  مجموعة مقالات المحامي عباس العزاوي .






164
المنبر الحر / مرحلة الطفولة
« في: 11:57 07/08/2007  »
مرحلة الطفولة
نبيل يونس دمان


  ما ان يرى طفل البلدة النور على يد قابلات ظلت امكانياتهن وطرقهن تتحسن مع مرور الزمن ، فكانت القابلة ( الجدّة ) تلف الطفل الوليد جيدا برباطات من القماش ، ولنذكر اسماء بعض الجدّات : مْنّــا شاجا ، باجي مريم ، خالة بدور ، خاتون ابونا . بعد فترة يوضع الطفل في مهده ( دركَشته ) الذي تتميز به مناطق الموصل ، وهو مصنوع من الخشب ويفرش ويهيأ بعناية ليناسب الصغير ويبعث فيه الراحة . امام ذلك المهد غنت الامهات اغانٍ شجية وفي مقدمتها مطلع يقول " دشّاي لايِه ، دركّشتِد قَرَجايِه " ثم تعقبها ابيات على نفس الايقاع ، تتسارع او تتباطأ نبرتها مع شدة او ضعف بكاء الطفل ، وتظل تهز بالمهد واحيانا ساعات طويلة ، الى ان يغلب النوم الصغير . كم انحنت صدور الامهات امام تلك المهود لترضع اجيال المستقبل وتبعث فيهم نسغ الحياة .
     في بداية حياة الطفل قد يكون ضغط الدم فيه غير طبيعي  فتلجأ القابلة الى امرار شفرة حادة على اماكن مختارة من جسمه وغالبا ما يكون الظهر ، فيسيل بعض الدم ولتظهر خدوش على شكل خطوط  ، وبعدها يتوقف بكاء الطفل وعذابه وتسمى هذه العملية محليا ( شْراطه ) . يداعب الاطفال الاكبر سنّاً وقد شهدوا تلك العمليات تطبق على اخوانهم الحديثي الولادة ، بالقول : ان لم تفعل كذا او تتوقف عن عمل كذا ، فالشفرة موجودة ( ملوّحين بها ) فيتوقف فوراً ويتراجع .
يخرج الاطفال الى الازقة والساحات وفي اطراف بلدتهم لممارسة انواع الالعاب واشكال اللهو ، حيث لكل لعبة موسمها وبعضها تتكرر في السنة ، وبمرور الزمن تركن بعض الالعاب في عالم النسيان ، وتحل محلها اخرى ، نتيجة ابتكار احدهم او نقلاً من اماكن بعيدة .
     يحدثنا الآباء عن لعبة شيقة كانوا يمارسونها اسمها ( كَلِي ) ، ولكن جيلي للاسف لم يمارسها ، فقد انقرضت اواسط القرن الماضي . لا اعلم طريقتها بالضبط ولكن يستدل من اسمها ، بان يمسك كل لاعب عصا طويلة نسبياً ، معقوفة في نهايتها ليتسنى له ضرب كرة صغيرة معدنيغ على الاغلب ، لابعادها عن الهدف الذي يحميه احدهم ، وقد تحدث اصابات من جراء تصادم الكرة المعدنية او العصا بسيقان اللاعبين . لقد سمعت مراراً بان اولاد محلة ( اودو ) كانوا يلعبون تلك اللعبة حتى فوق سطح مستنقع ( خَبرا ) الماء المتجمد في الشتاء ، وقد يبلغ سُمك الجليد درجةً تجعل الابقار بثقلها المعروف تعبر فوقه .
     والان ندرج بعض تلك الالعاب التي تركت فينا اعمق الاثر رغم مرور عقود من السنين على تلك المرحلة من الطفولة البريئة المتلاصقة بالطبيعة الريفية :
لعبة البلبل  :
     قطعة من الخشب مخروطية الشكل في نهايتها مسمار ( نبلَه ) يطلق عليها محلياً ( مصراع ) ، يلف عليها خيط قطني معقود في نهايته على عود خشبي صغير لمسك المجموعة كلها بين اصابع اليد زيسمى ( زيكَه ) يرمى الصراع من فوق الراس على الارض فينسحب الخيط تاركا الجسم المخروطي يدور حول رأسه المدبب برشاقة يسعد بها الاطفال .عند اصطدام المصراع بارض صخرية مثلا ، يتطاير المسمار ويتعطل اللاعب عن مواصلة اللعب ، او يصادفها الياف او شعر او ارض رخوة فتتوقف عن الدوران حالاً . هذه اللعبة يلعبها فريق من الاطفال ، وبعد اجراء القرعة ( كيكاندوس ) يلقي احدهم مصراعه ويسميها متباهياً ( شمّه دّيره ) فيما يتناوب الآخرون اصابتها بمسمار مصاريعهم ، واذا لم يصبها احدهم ، يلزم سحب مصراعه الدائر الى راحة كفه ليجعلها تمس تلك الملقية على الارض ، واذا تعذر عليه ذلك يعاد اللعب على مصراعه وهكذا . هناك بعض الضربات المركزة تؤدي الى تصدع المصراع الجاثم ، هنا يصاب الاطفال بنشوة فرح تجعلهم يهزجوا . هناك طريقة ثانية في اللعب ، بان يلقي الجميع مصاريعهم في آن واحد والتي تصمد اكثر في الدوران تكون الفائزة وهلم جرّا ، وقد يحسبون الوقت فيتباهى احدهم بالقول مثلاً ان مصراعه قد دار دقيقة كاملة ؛ . غالباً ما كان موسم هذه اللعبة في العطلة الربيعية ، وكانت الدكاكين المختصة ببيع المصاريع هي : دكان اسحق ربان ( سنكَوله ) ، ياقو رحيما ( زرته ) ، رحيم كَردي .
 لعبة الكعاب :
      الكعب هو عظم صغير يستخرج من عظام الاغنام ، فينظف جيدا ويصقل او يضاف اليه طلاء كالاحمر او الاخضر او الازرق ( حبر الاقلام ) .... الخ . يتم اللعب برمي الكعب الاول مسافة محددة ويلحقه الثاني والثالث والرايع او اكثر ، والذي يصيب احدها يربحها جميعاً . بعض انواع اللعب تأخذ في الاعتبار وضع استقرار الكعب ، هنا تطلق تسميات محلية لتوضح طبيعة ذلك الاستقرار مثل تَفّه، جكّه ، خِرّه ، وبكّه . هناك لعبة اخرى وهذه المرة بالنقود " قمار "  تتم باستعمال كعبين تسمى " زوت " ، احدهم مأخوذ من قدم الخروف اليسرى والثاني من اليمنى ، يمسك اللاعب بالكعبين معاً بين اصابعه فيرميهم مسافة قصيرة ، وكرد فعل يضرب راحة يده بقوة على صدره ، فاذا رماهم مسافة اقصر من المطلوب " ملطوخه " فان محاولته ترفض ، ويربح الرامي اذا استقر الكعبان كما يلي : تَفّه وبكّه ، جكّه وخِرّه ، وتكون الخسارة او الربح ضعفين عندما يقف الكعبان معاً فالربح مع تفِّه او جكِّه ، والخسارة جكِّه و تَفِّه " مخالف " ، اما اذا لم يقف الكعبان واصبحا على اوضاع خِرّه و خِرّه او بكّه و بكّه او خِرّه و بكّه فان الكرة تعاد او يتناوب الدور الى اللاعب الذي يليه وهكذا ، ولا تخلو تلك اللعبة من خلافات وشجارات وبالتالي ينفرط عقد اللاعبين .
في المدارس كان المعلمون يقومون بين فترة واخرى بحملات التفتيش على الكعاب باعتبارها تلهيهم عن دروسهم ، وكانت الحملة تشمل ايضا مصائد الطيور " جطالِه " والدعابل " تبَلياثَه " ، اوراق اللعب " دستَه " ، كرات صغيرة من المطاط او " الجوخ " ، التبوغ واوراق لفّها " مثل الشام ، بافرة " ، السكائر خصوصاً المسماة " مزبّن ، ايوبي او سبعاوي " .  وحين العثور على المبتغى ، كان يُصادر فوراً مع فرض عقوبة على الطالب كالضرب بالعصا او الطرد من المدرسة لبضعة ايام .
 لعبة " كيَلّاثَه :
 تقسّم المجموعة الى فريقين ، كل فريق ينصب ثلاثة احجار مستوية ، رقيقة ، وباحجام مختلفة ، فالاصغر اولاً ويليه اكبر فالاكبر ، تترك مسافة بين كل حجر وآخر حوالي النصف متر ، والمسافة الفاصلة بين الفريقين تكون ما بين 15 متراً الى 20 متراً .
تجري المجموعتان قرعة ( بابَه يان كثوثَه ) لمعرفة من يكون البادئُ ، وهكذا يرمي كل لاعب ضربة ، فاذا اصاب فانه يعقبها باخرى ، ويتناوب الجميع على نفس المنوال ، حتى تسقط جميع احجار احد الفريقين فيعد خاسراً ، عنها يتبادل الفريقان مواقعهما وهكذا يستمر اللعب اشواطا اخرى ممتعة ومسلية اضافة الى تقوية عضلات الجسم ، نادرا ما تحدث مشاكل في هذه اللعبة ، ما عدا الاصابات الطارىة التي لا تخلو منها معظم العاب اطفال البلدة .
 رفع الاحجار ورميها ( صلاوة و برصنكَه ) :
      ان رفع الاحجار ورميها تعتبران العاب القوة ، فالاطفال يحاولون وحسب اعمارهم ، رفع احجار مختلفة الحجم والوزن الى فوق الراس بيد واحدة او كلتاهما وبطريقة الخطف او النتر ، وعند محاولة احدهم رفع حجر اكبر من قابليته فان اقرانه يحذرونه قائلين : سيتوقف جسمك عن الاستطالة ؛؛ " مدَقسِت " فيكف عن المحاولة . اما رمي الاحجار وهي لعبة مشوقة حتى للكبار ، فيكون باختيار حجر مناسب ، وتحديد خط " كَيش " ومن ذلك الحد يبدأ التسابق . يقف اللاعب عدة امتار خلف الخط ، ثم يتقدم بسرعة فيضع قدمه اليسرى فاليمنى وبالتوافق مع خفض الجسم ورفعه اعلى ما يكون ، وفي النهاية يندفع الحجر من فوق الكتف الى ابعد ما يستطيع اللاعب .
يكون لكل لاعب عدة محاولات متفق عليها ، والذي يقذف الحجر الى ابعد نقطة يكون الفائز ويليه لبثاني والثالث وهكذا .
الطائرة الورقية :
     وهي لعبة فردية يصنعها الصبية ، وذلك بقطع ورقة بحجم مناسب وعلى شكل ترس من طبقات كيس السمنت مثلاً ، ثم تحضر عيدان القنب او القصب لتثبت بالشريط اللاصق او الصمغ فوق الترس الورقي طولياً ، عرضياً ، وحول النصف الاعلى الذي يكون حاداً في نهايته ، يقوس احد العيدان على شكل نصف دائرة تقريباً .
 تنشر قصاصات ورق ملونة على جانبي الترس في نصفه الاسفل ، وفي نهاية الترس يربط ذيل للطائرة من شريطين ورقيين بطول 2-3 متر ، او على شكل حلقات ورقية متصلة كالسلسلة بطول 1-2 متر ، وهناك علاقة بين حجم الترس وثقله مع طول الذنب المصمم .
يتكامل صنع الطائرة الورقية ويعوزها فقط الميزانية ، وهي شغلة تتطلب بعض الدقة . تتكون الميزانية من عدة خيوط متينة في وسط الطائرة ، ومن منتصفها تربط بخيط الطيران ( 200- 300 متر ) ويدور ذلك الخيط حول قطعة خشب او علبة المنيوم فارغة .
عندما تهب الرياح . يسرع الصبية لتحليق طائراتهم بعد مسك العلبة الملفوف عليها الخيط جيداً ، وكلما ارتفعت الطائرة وابتعدت يمولوها بمزيد من الخيوط ، ويتباهى الاطفال فيما بينهم  قائلين ، لقد ارسلنا ثلاثة او اربعة من بكرات الخيوط .
ثم يرسلون الرسائل ، وذلك بتعليق ورقة صغيرة حول الخيط فتدفعها الريح الى ترس الطائرة . احيانا يحدث تشابك بين الطائرات وهو ما يتحاشاه الصبية ، واذا حدث فالطائرة التي خيطها اقوى تسحب الاخرى . ويحصل ان ينقطع الخيط فتصبح الطائرة حرة في طيرانها ، وتسقط على الارض بعيداً نسبة الى قوة هبوب الرياح . واسوأ شيء تشابك خيوط الطائرة مع اسلاك الاعمدة الكهربائية او التلفون او الاشجار الكبيرة فالنتيجة على الاغلب تكون خسارة الطائرة .
عادّلا :
      في هذه اللعبة يوضع حجر كروي صغير فوق صخرة ناتئة على الارض ، وكل لاعب في الفريق يحمل حجراً مستوياً وبحجم اكبر قليلا من كف اليد ويسمى محلياً ( توزَه ) ، ثم يحدد خط ، ومن خلفه ترمى الاحجار على الكرة .
قبل كل شيء ، تجرى قرعة بين اللاعبين  ( كيكاندوس ) لمعرفة من يرمي اولاًً والاخير يكون حامياً للهدف ( الكرة الحجرية ) ، وطريقة القرعة تكون كالتالي :
يشبك اللعبون ايديهم ويحركوها معا الى الامام والخلف مرددين كلمة كيكاندوس ، ثم تحل الايدي وتطبق الاكف ، وبذلك يتحدد اللعب الذي وضع وضع كفيه فوق بعضها بشكل مختلف .
يحاول حامي الهدف الجري خلف اصحابه ليمسك باحدهم حال عبوره الخط المحدد ( كَيج ) ، لاسترجاع احجارهم التي رموها نحو الكرة . اما اذا اصيبت الكرة وتدحرجت بعيداً عن قاعدتها فعليه اعادتها اولاً قبل ان يتسنى له مسك احدهم ، واذا مسك احداً قبل الخط المحدد والكرة منصوبة في محلها فانه يتحرر ويحل محله ذلك اللعب الذي مسكه ليدور اللعب عليه وهكذا تتواصل تلك اللعبة المشوقة والخطيرة احياناً لساعات طوال .
لعبة برّي ( قتّه وبيت ) :
     تبدأ اللعبة بوضع عصا صغيرة ( بيت ) على ركيزتين ( حفرة صغيرة ) ، وينحني  اللاعب الاول واضعاً عصا اطول ( قتّه ) تحت الاولى ، ويبدي الاستعداد فيما يقف بقية اللعبين مستعدين ايضاً .يرفع اللاعب بعصاه العصا الصغيرة ويحاول معالجتها بضربة اخرى ليقذفها بعيداً ، فان استطاع اللاعب الاخرون امساكها خسر دوره ويلعب مكانه لاعب آخر ، وان نجح في ضربته تقاس المسافة التي قطعتها العصا المضروبة وله في هذه الحالة ضربتين اخريين ، ثم يتناوب اصحابه في الفريق ضرب العصا الصغيرة ولكل منهم ثلاثة ضربات ، وعند الحد النهائي يبدأ الفريق برحلة العودة الى نقطة الانطلاق وذلك بحمل العصا القصيرة مع اطلاق صوت مسموع ومتواصل ( ممممممممممم) وسليم العصا من يد الى اخرى حال شعور اللاعب بان مقاومته ستنتهي . فاذا حملت العصا الصغيرة الى خط البداية ، دون ان يلتقط انفاسه اي منهم ، فان الغلبة تكون لهم .
شورخ شورخ زيزا :
     وهي فعالية جماعية تمارس ايام الاعياد ، عندما يتوجهعدد من الصبية الى بيت ما ويشرعون بالانشاد ( شورخ شورخ زيزا ، آلَهَا يا ولّوخو خبرونَه عزيزَه ) . وهي على غرار ( ما جينا يا ما جينا ، حل الجيس وانطينا ...... يا اهل السطوح تنطونا لو نروح .. ) وباصرار الصبية على مواصلة الغناء والرقص امام البيت يضطر اصحابه لاعطائهم بعض الحلويات ( شيكارِه ) ويمضون الى بيت ثان وهكذا ، واذا امتنع اهل ذلك البيت عن اعطائهم شيئاً فانهم يهزجون ( شورخ شورخ قوبي ، بيئِد دفلان صروبي ) وعندها ينزعج اهل البيت ويطاردونهم ؛
القفز من فوق الصخور :
    تفصل بيادر البلدة عن بعضها البعض صخور كبيرة نسبياً ، جلبها الآباء في الماضي  لتحديد عائدية تلك الاراضي ، وان الاطفال يشعرون بلذة خاصة عند نجاحهم في قفز احدى تلك الصخور من جوانبها المختلفة ، وتكون الطريقة كما يلي :يجري اللاعب سريعاً لمسافة معينة ، ثم يضع يديه مع انحناءة حادة لجسده إن كانت الصخرة منبطحة ، اما اذا كانت منتصبة ، فانه يضغط رجليه بقوة في الارض ويرفع جسمه الى الاعلى واضعاً كلتا يديه في اعلى الصخرة ، وفي النهاية يجد نفسه واقفا في الجهة الثانية .تلك العملية صعبة وخصوصاً لقصار القامة ، واكثر صعوبة اذا كانت الصخرة كبيرة . ويحدث ان تتعثر الارجل بنهاية الصخرة او لنتوء فيها ، ليسقط اللاعب ارضا وقد يصاب بكسر في اجزاء من جسمه .هناك من يتردد في الاقدام على القفز ، بينما يتجرأ البعض للمجازفة خصوصا عند ترديدهم موّالا مشجعاً يقول ( صْفّرتَه أشقل لبّي وهلّي لبّخ ) اي ايتها العصفورة : خذي قلبي واعطني قلبك ؛ ، فيتم له ما يريد وسط اعجاب اصدقائه .
دحرجة الصخور من الجبل ( كَندورِه ) :
     وهي هواية شيقة ، حيث يرتقي الصبية اعالي الجبل ، ويختارون مكان ميله حاد . تبدأ الهواية بدفع صخرة لتنحدر وتتفتت في طريقها الى نهاية الوادي ، فكلما كان حجمها اكبر كلما احدثت اصواتاً أشد يردد صداها الوادي ، وتنفلق الى صخور اصغر فاصغر جراء الارتطام والتطاير والتصادم باخرى ساكنة فتحركها ايضاً . هنا يتصاعد مسحوقها الناصع البياض وهي تتسارع نحو قاع الوادي ، عاكسة منظرا اخّاذا ً فيما يقف الصبية مسامتعين بالمنظر والنشوة عندهم يبلغ اوجها .
يعيدون الكرّة ثانية باختيار صخرة كبيرة على حافة الهاوية ومهزوزة بعض الشيء ، فيشرعون بالحفر حولها باستخدام احجار صلبة وحادة او يستخدمون آلات معدنية تعمل كعتلات ، فيحركوا الصخرة وبقوة عضلاتهم وبالدفع بالارجل حتى تحل اللحظة الحاسمة ، فيرجعوا الى الخلف حالاً ويرتفع صياحهم ، فيما تنزلق الصخرة وتنحدر بقوة لتعيد نغماتها الشجية ؛
يبلغ الطيش بالصبية حد اصابة اغنام الرعاة في الوادي ، بواسطة الاحجار المتطايرة ، فيكمن الرعاة لهم ويمسكوا ببعضهم ، لياخذوهم الى اهاليهم طالبين التعويض مما اصابهم ، فينقلب فرحهم الى قلق وحرج وحتى تنتهي المشكلة .
صيد الطيور :
     أروع ما عند الصبي هو ما نحن بصدده الان ، فقد تشده حركة الطير وخفته ورشاقته ويتمنى ان تنبت له اجنحة فيحلق مثلها عاليا ً . يمارس الاطفال هواية صيد الطيور بواسطة الفخاخ او المصائد او بالبحث عن اعشاشها في اعالي البيوت والوديان والبساتين والجبال ، ويكشف عن الاعشاش في الموضع والطريقة التي يبني الطير بيته ، فمثلاً في الاشجار ، في الصخر ( قنّد بركُتّه ) ، سقف الايوان ( قند صلوني ) ، شق الصخرة حيث ينثر الطير الاعشاب اليابسة او اقراص احجار ملساء كأنها العقد على جيد الحسناء ؛ ( قند ماسير ) وغيرهما كثير .
عند التفتيش في اعشاش الطيور ، يتم العثور على افرراخها او على بيوها الملونة والمرقطة . تربى قسم من الطيور كالبلابل مثلاً في اقفاص خشبية او حديدية في داخل البيوت ، والقسم الآخر تكون وجبات طعام شهية او تزين مائدة الخمر .
يقضي الصياد الصغير ساعات في البيدر او الطين ( ارض محروثة) او سفح الجبل منتظرا ان يقبل الطيور الى  مصائده التي اخفاها هنا وهناك ، وكم يغتبط بعد فترة من الزمن ، عندما ياتيه الصيد الوفير . هناك صيادون اكثر مهارة في صيد الدراج او القبج او الحمام ، وذلك بتعويدها الى اماكن قريبة من مواضع المياه ، وذلك بنثر الحبوب ( الغلة ) فيها ، ثم بعد مدة ينصب الشَبك ( شَبّاكه) في طريقها او يجلس منتظرا داخل كوخ صغير مبني من الاحجار ويسمى ( نوجَه ) ، هناك يتحين فرصة سحب شباكه او اطلاق بندقيته ، قيقبض على الطيور الجميلة او يرديها ؛ .
في قرية بندواية المجاورة تتجمع اسراب الطيور في مواسم هجرتها ، على الاشجار وقسم كبير منها يقضي ليلته فوقها ، لتواصل رحلتها الطويلة في اليوم التالي ، تأسر الناظر الى الطيور حركتها في الجو ونظام سيرها الدقيق ، على شكل خطوط او اسهم او اقواس ، وبينها مسافات ثابتة ، مطلقة اصواتها الصدوحة ، فيتحين الصيادون تلك الفرصة ويصيدوا اعدادا كبيرة منها .
عندما يغدو الصغار كبارا ً
     للصغير عالمه الذي يسرّه وينطلق منه ، فيمارس الالعاب المختلفة التي لها اوقاتها ومواسمها على مدار السنة ، وتكثر في ايام العطل المدرسية  ، ومن تلك الالعاب الشعبية ( جهايِِه ، سقاطَه لكيبَه ، كيلاثَه ، تبلياثَه ، سبع حجار ، امسكوا وخلّصوا ، حبلك طويل ، جوزه وقهوة وبنركَه .....الخ ) . يذهب الصغير مع اترابه لاكتشاف المجهول في ضواحي بلدته ، باراضيها المنبسطة ، وديانها ، تلالها ، وجبلها المتوسط الارتفاع ، ليجمع نباتات برية ، ويكون لبعضها مذاق طيب ومنها ( أقَلته ، أرينِه ، قِوارِه ، صَدرِد يونَه ، مْخَطاثِد لكَلَكَ ، شاقِه ، بَلّ َزيزِه ، حَلحَلِيّه ، مستوكِه ، جَنجَريق ، بَنيوكِه ، كَصوصِه شِكَابِه ، شكرَكتَه ، أقلِه دْيكَه )  وغيرهما .
     هناك نوع آخر ينبت في تلك الارض اسمه ( طَق و طَقّيق ) يلهي الصغار وذلك بتفجير كراته الهوائية الصغيرة بالأرجل ، بالايدي ، او على الجبين ، ونوع آخر اسمه ( قاوِر صينَه ) يؤذي الجلد عند التماس به ، ويحدث للصبية ان يخدشوا بعضهم البعض به من اجل التسلية ، وعند اصابة احدهم كثيراً ونشوء حبيبات حمراء في الجلد يأخذ باطلاق التعويذة التالية ( قاوِر صينَه مقارصلي ومَرعوديشو مخالِصلي ) .
     في الربيع يخرج الاصدقاء الصغار خارج البلدة لجمع الازهار الجميلة ، منها : ورود آذار المتعددة الالوان ، وورود نيسان الحمراء اللون ، وقد تسهم الامهات او الشقيقات في حياكة أكليل من الورود يضعه الصغار من الجنسين على رؤوسهم فتزداد جمالاً. ومن الانواع الاخرى للزهور : ورد جمبَد ، مرقوزا ، بيبونِد رزّا بلونيه الابيض والاصفر ويستعمل كدواء شعبي ، واحياناً ينتف صغيرٌ اوراق تلك الزهرة الجميلة ورقة ورقة مردداً ( مَلكوثَه ، كِهانَه ، مَطهَر ) والنتيجة تظهر في آخر ورقة قد يكون نصيبه احدى محطات الآخرة الثلاث !! .
     هناك نوع آخر من الزهور يسمى ( كَلاثَ زَنكَه ) ذو الاوراق الحمراء الكبيرة التي تُأكَل او تفجر بين الاصابع ، ونوع آخر اسمه ( شَشْتِد قاشِه ) ذو زهيرات ناعمة صفراء زكية الرائحة ! .
      يخرج الصغار ايضا ً لصيد الطيور في ضواحي البلدة بطرق متعددة منها المصايد ( جطالِه ) ، والفخاخ ( أقلياثَه ) ، و ( طابكّه ) وهو حجر عريض يرفع مائلاً  ليرتكز على قطعة خشب ترتبط بخيط الى مخبأ ، ويسحب الخيط عند دخول الطير لاكل الحبوب . ومن الطيور التي تجوب المنطقة : ( بيديكد باتِه ، تيتي ، كرّايِه ، صلوني ، قوشينا ، دنبوسِد مَقلِه ، نَقَر نقر دباشِه ، زَرخا ، قَلقَلَجكي ، طيرَه صليموني ، ماسير ، زَنزيرَه ، قَشقَش ، كَمتِيّه ، كاكو ، شبشبينِه ، ياتَه ، بومَه ، قَلّه ، سيخُر ، دادَه جوغِه ، نِشرَه ، كثيثِد مايَه ، قرابُس ، قَقوانَه ، شاخورَه ، باشوكَه ، بُرّه ، ياتَه. عند ظهور الغراب ( قلّه ) في الجو يهزج الصبية  وهم يتمايلون مصفقين ( قلّه قلّه قالّنتي ، هلّي خولي وصابُنتي ، دلَه مخيالي ستَتُّنتي ) ومعناها ايها الغراب ، يا صغيري ، ارجع لي المنشفة والصابون ، كي لا تعاقبني سيدتي ! .
      الصغير يتجول احيانا في السوق الذي هو بمثابة مدرسته الثانية ، فيقف ويراقب بانتباه المسائل الجدية التي تدور فيه وكذلك المقالب والفكاهات الشعبية . السوق ملتقى الناس من مختلف الاجناس والاعمار والأمزجة ، فيه المقاهي بالعابها وجلساتها الطيبة .، ان تلك الاماكن تعطي الكثير من الامور المفيدة ، كحب الناس ، الاستقامة , قول الحق وغيرهما . عندما يجلس الصغير قرب والدته التي تشمله بالحنان والعطف  والرعاية، يسمع ايضا ً الى صوتها الشجي وهي تغني له :
  مَحِكيَنُّخْ خْذَه حُكّيثَه
 كُلّح شِنّه وبِنّيثَه
 نانِيّه قطِلّه كثيثَه
 مْحُلقالَه بصدرِد بيثَه
 رَبّن دِقلي شَبوقي
 رابي أويرْ بسَندوقي
 ﭙشلي طيرِ يَروقي
      عندما يكبر الصغير قليلا ً فانه يتلمس خطاه نحو روضة الصغار المسماة ( مدرسّد زورِه ) ، تلك المدرسة الكائنة بين كنيستي مار كوركيس و مار ميخا ، وتتكون من غرفة واحدة فقط ، ويكون الجلوس فيها على الارض ، مفروشة بحصران البردي التي كانت تصنع في قرية باطنايا ، وكل صغير يجلب قُلّة ماء فخارية ( شَربَنتَه ) ، وقدح معدني ذو مقبض ، يعلقهما في حزامه المشدود فوق ثوبه الطويل .
     يدير المدرسة الشماس هرمز كادو وقبله ادارها يوسف شامايا ، وقبلهما ادارها الشماس متيكا حجي والخطاط بولس قاشا . الشماس هرمز  ذلك الرجل الهمام ، يرحب بالضيوف الصغار في اول يوم تطأ اقدامهم ارض المدرسة ، ويسأل عن اسمائهم ليدونها في دفتره بلغة آرامية سليمة فيما تعلو هامة الصغار مسحة خجل حمراء .  كان المعلم فارعا ً في الطول، قويا ، وصارما لا يرحم المخالفين من الاولاد ، فيناولهم بين الحين والآخر صفعات خاطفة ، لا زال الكثيرون يتذكرونها ! .
     يلحق الصغير والدته الذاهبة الى التنور ، ذلك المكان الذي تتجمع فيه النسوة لعمل الخبز ومشتقاته ، ولتبادل الاخبار ايضاً ، حيث يكاد التنور ان يكون وكالة انباء مصغرة لما يدور في المحلة او البلدة وحتى البلد . بعد قليل يخرج الخبز الحار ذو النككهة الطيبة ، ويصرالصغير لن يتناول حصته من الخبز على شكل قرصة صغيرة ( حنّونِه ) . في احدى المرات جلبت انتباهه إمرأة حامل ، فقال بسذاجة " ماذا تحمل هذه المرأة ؟ " فقيل انها تخفي منزق الخبز ( والبعض يلفظه ملزق ، الذي يتكون من شبكة من العيدان الرفيعة من طبقتين ، مغلفة بقماش متين ، تدخل اصابع اليد بينهما لتستقر على راحة اليد ، ثم يثبت فوقها الخبز الرقيق الشهير ، ليلصق داخل التنور المتوهج ) ، ربما انطلت تلك الكذبة البيضاء على صغيرنا ولسنين ! . في كانون اول 1958 ، رسم المطران بولص شيخو بطريركا ً في الموصل ، وقد حضر جمع غفير من الناس وبعضهم من القرى والبلدات المحيطة لتلك المراسم الرائعة ، ففي القوش لم تبق واسطة نقل فارغة وحتى الساحبات الزراعية استخدمت وقد تحملت اكثر من طاقتها ، ووجهة الجميع كنيسة مسكينتا في قلب ام الربيعين . حشر صغيرنا نفسه في احدى سيارات الحمل  وبجانبه وقف العشرات من الرجال والنساء والاطفال  ، فيما كانت دقات ناقوس الكنيسة المهيب تهلل بيد الساعور موسى قوجا ، حيث وقف في صحن الكنيسة وبيده الحبل المتين الممتد حتى الجرس في برج كنيسة مار كوركيس ، كان العم موسى منتشيا ً يرتفع جسمه الخفيف مسافة ويهبط في حركة توافقية متناغمة مع شدة او خفة طرقات الناقوس . في البلدة جبل متوسط الارتفاع ، وهو ملاذها في الشدائد ، ويقيها شدة البرد شتاءً ولسعة الحر صيفا ً . ذلك الجبل الاجرد ذو الخفايا والاسرار وما تحدثنا به الكتب والاسفار ، كان يبهر الصغار ويفزعهم في آن واحد عندما يهمّوا بارتقائه ، وفي كل جولة يكتشفون فيه اشياء جديدة من صخور كبيرة ماساء او ناتئة ، الى مراتع خضراء ، الى كهوف ومنابع المياه ، الى الاعشاب والاعشاش ، وغيرها .
       أحيانا ً يقف الصغار يتابعون الطريق الجبلي المتعرج الذي تسلكه القوافل ( كروانت ) ، وبرفقتها قرويون غالبيتهم مسلحين ، ويحملون فوق دوابهم وبغالهم سلال الفاكهة وتسمى الواحدة ( قرطالة ) وذلك لمقايضتها بحبوب تشتهر بها المنطقة وانواعها التالية : ( سمّاقي ، قَندَهاري ، روتو ، صامربِك ، حكومي ، مكسيباك ، وغيرها ) . تصل القافلة الى ضواحي البلدة ويحاول كل صبي جلب احدهم الى بيته ، ولكن رجال القافلة يعرفون وجهتهم ، الى بيوت اصدقاء معروفين لديهم جيداً ويسمى الواحد وبالكردية ( دوست ) ، وبعد سلام قصير مع صاحب البيت يحل القروي سلاله ، وتكون البضاعة عنبا ً او رمّانا ً او تينا ً او تفاحا ً وغيرها من الفواكه ، ولا ينسى الفلاح تسليم سلة صغيرة فيها اجود ما لديه من الفاكهة الى صديقه وتسمى ( نابركِه ) .
      يشرع الفلاح برفع غطاء السلة المتكون من اغصان النعناع او اوراق الاشجار الخضراء ، فيعبق الجو بشذاها ، ويظهر ما لذ وطاب من تلك الفاكهة الباردة والناضجة في صياحات البلدة البهية ، وهنا يتطوع ابن صاحب الدار او احد الاطفال فيصعد الى سطح عال مناديا ً :
وول وول أنوي .... وول أنوي         الترجمة :  هلمو هلمو الى العنب 
وول وول أنوي داثيلي                               هلمو للعنب الذي وصل للتو
خا بتري بخطّي                                       وزن واحد عنب مقابل وزن مضاعف حنطة
ريشِد قرطالَه                                          رأس السلة 
قَمايَه لك طاﭙه خَرايَه !                             
      يوجّه صوته الجهوري في كل الاتجاهات ليتجمع الناس وتبدأ عملية التبادل ، او يقبض القروي بعض النقود ليشتري بها ما يحتاجه من سكر وشاي وصابون وملابس لعائلته واطفاله من سوق البلدة المكتظ كل صباح بالقرويين من مختلف الازياء والاقوام والألسن ! رجال ونساء واطفال يعج بهم في حركة متواصلة ، تتباطأ بعد انتصاف النهار لتتلاشى عصرا ً ، وبانتظار يوم جديد ورحلة القرويين الجديدة .
     على السطوح العالية ، في ليالي الصيف الجميلة ، تهب نسائم هواء باردة ، صافية صفاء عيون الماء المنتشرة في الغدير ، يستلقي صغيرنا على فراشه الوثير ، متأملا ً السماء الزرقاء المرصعة بالنجوم التي تسبح في الفضاء الواسع ، منها القريبة المضيئة ومنها البعيدة الخافتة . يتأمل نظامها وتأسره حركتها ، ويبدو امام ناظره دربا ً متربا ً في السماء يشق طريقه من الشرق الى الغرب ، ويقول الكبار لن ملوك العجم ساروا على هدى النجم الذي اختط هذا الطريق الى اورشليم لتهنئة الوليد المخلص يسوع المسيح قبل الفي عام .
     غالبا ما تبدو سبعة نجوم متراصة  ، اربعة منها مربعة والثلاثة الباقية على شكل خط مائل ، وعندما تظهر تلك الراية جلية  ، يشرع بعض الصبية بترديد الاغنية التالية  :
 آس النوح .... دربِ النوح     الترجمة :       تابوت النوح.... طريق النوح   
 نوح الفشته .... ﭼوباحشته                     نوح على القوس ..... يذهب الى الجنة ( بالكردية )       
ايم دآمر .... أشوا كَهاثَه                         كل من يقول  ....... سبع مرات
  بزالِه......... لمَلكوثَه                          يذهب الى الجنـــــــــــــــــة
      على طول الوقت يتذكر صغيرنا كنيسته عصرا ً، ويعز عليه مفارقة أترابه في اللعب ، عندما تصل اسماعه طرقات الناقوس معلنة بدء الصلاة ( رَمشَه ) . اذاحصل ان نسي او تناسى حضورها فان عقابه يكون شديدا ً من جدته ثم والدته والكاهن وحتى ادارة المدرسة ، واشد ما يعجبه فيها الاصوات المنبعثه من الصنوج والاجراس ، يؤديها شمامسة اكفاء ، ويعجبه ايضا ًالمنجرة ( ﭘيرما ) وحركتها البندولية بيد الشماس ( داود صنا ) الذي يستهلك عددا ً من السراويل ( ﭘَشمي ) جراء تماسها مع حاوية الفحم الساخنة .
      قبل ان تدخل الكهرباء البلدة ، كانت البيوت تضاء بمصابيح النفط ، وعلى ضوئها تخرج المئات من الطلبة بتفوق ، اما الشوارع فكانت البلدية قد علقت عدد من المصابيح في السوق والساحات والمنعطفات والقناطر . هذه المصابيح على شكل مكعب ثلاثة اوجهه الجانبية من الزجاج والجهة الملاصقة على الحائط معدنية، كم كانت تلك المصابيح عرضة للانكسار على ايدي الصغار فيدور عامل البلدية ( سلو لاسو ) في الازقة ليمسك بالجناة ، وقد قام بتلك المهمة قبله ( اسحق بدي ) ، والكثير يتذكرهم وهم يجوبون الشوارع وبيدهم خزان نفط لتعبئتها  وعصا قصيرة مع قطعة قماش لتنظيف الزجاجات لتعطها البريق اثناء الليالي الحالكة .  اما الكنيسة فكانت تضاء بالشموع على الاغلب ، وأسرجة تغذى بالزيت ، ويراقب صغيرنا باعجاب استاذه هرمز كادو وهو يمسك عصا طويلة مثبت في نهايتها شمعة صغيرة مضطرمة ، ويمدها ليبعث النور في شموع المذبح المتوزعة بانتظام على مدرجاتها المائلة ، وعند انتهاء مراسم الصلاة ، يمسك عصا اخرى مثبت في نهايتها مخروط معدني مقلوب ليهبط به على الشموع فتنطفأ الواحدة بعد الاخرى حتى يظلم المكان المقدس تدريجيا ً ويخيم السكون .
      في الصيف تعشب الارض بالسنابل الممتلئة حبوبا ً ، ويبدأ الحصاد بالمناجل ، ثم بعد سلسلة عمليات تظهر الغلّة . اما سيقان السنابل ( شفلِه ) فتصنع منها اطباق الخبز ، السلال ، اغطية الرأس ، زخارف ومناظر فنية ذات نقوش واصباغ مختلفة .  والباقي منها تسحق جيداً لتتحول الى علف للحيوانات تبن ( تونَه ) وتحفظ في غرف قليلة الشبابيك ، لها باب وفتحة في السقف للتعبئة تسمى ( شيبوختا ) ، وتسمى مفردة هذه الغرف ( ميلا ) . والحبوب تنقل الى البيوت وتحفظ في احواض صخرية او تلك المبنية من الطين او الجص وتسمى الواحدة ( أصرا ) .
      وفي البيوت تجفف بعض الفواكه مثل العنب ( الزبيب ) او التمر او التين او البطيخ ( بلّوجكّه ) وتحفظ في وعاء اسطواني من الطين يسمى ( كوارَه ) له غطاء ( كسايَه ) وفتحة في الاسفل لها غطاء ايضا ً يسمى ( بُكرا ) . يحصل ان يكون المحصول الزراعي في البيدر او لا يزال في الحقل ، ويلقي متسكع او مهمل بسيكارة فوقه ليشتعل النار بعد قليل ، هنا يتعالى صياح الناس ( هاوَر! ) التي تعني النجدة ، ويندفعون بقوة وحمية وبايديهم اوعية الماء او اغصان الاشجار او المعاول والعصي لتطويق تلك النار والحيلولة دون انتشارها الى الاماكن المجاورة ، وفي فترات متأخرة استخدم التراكتور لحفر خندق حولها لتتوقف .
       في بعض السنين يهجم الجراد ولكثرة اعداده يحجب ضياء الشمس ، وبعد اجتيازه للاراضي الزراعية ، يترك منظرا ً مؤلما ً في سيقان الحنطة بدون تيجانها ( شفلِه ) . او تظهر في اخرى حشرة السونة ( سنّك ) فتفتك بالحنطة وتترك الكثير من الناس في فاقة وفقر مدقع .
      في بلدتنا الجميلة وفي مناسباتها المفرحة يفضل حضور عازف الموسيقى ( زورنَه وطبل ) علي حسن رشمالو احد الاخوة الايزيدية من قرية ( سري جكه ) ، ويتذكر صغيرنا عندما تزوج خاله ، لم يكن علي ( ويصغر عليكو) متواجدا ً في المنطقة ، فاضطروا لاستدعاء العازف الاخر ( انويّا ) القادم حديثا من نوهدرا ، وقد جرى الحديث التالي بين والد الصغير وانويّا : -
 الوالد : هل تجيد العزف على المزمار بالشكل المعتاد والمطلوب هنا في هذه البلدة ؟
انويّــا : نعم ، اعرف كل شيء وافضل من الآخرين !! والتجربة برهاني .
 الوالد : ماهي اللغات ( لِشانِه ) التي تجيد العزف بها ؟
انويّــا : العربية ، الكردية ، الآثورية ، الانكليزية ، الفرنسية ، واية لغة اخرى !!! .
 المجموعة بصوت واحد ! وما هي اشهر معزوفاتك يا أخ ؟
انويّــا : ( يتحمس ويشرق وجهه ألَقا ً ) ترنيني ، تبزارَه ، تبراقِذ َه ، هَكَديشامو ، ودَلو ويلو .
      ( تغرق المجموعة بالضحك ) وقد قبلوه باضطرار وارتياب ، وابدا ً لم يستطع الاقتراب من عزف عليكو   المتميز ، والذي اذا انتشى يلحّ اكثر في طلب الباقشيش ، ويصعد صراخ الشباب " شاباش علو" وحينذاك يصب قدح العرق المقدم له ليس في حلقه بل في بوق مزماره ! .
      كم كان يلذّ لصغيرنا ان ينظر الى الدنيا وهو يتحسس ارض بلدته تحت اقدامه ، لقد اجتاز طفولته في  تلك البيوت القديمة والازقة الضيقة المنحدرة والتي يغسلها المطر جيدا ً عندما يهطل في فصل الشتاء ، وعندما يترطب الجبل بالندى وتكلل هامته الغيوم ( أيوِه )  والضباب ( خيبوثا ) . منذ القدم سئل الجبليون عن سبب عمل قراهم بعيدة ومنيعة فيجيبوا " ان الاصدقاء الجيدون يصلون الينا رغم الصعاب اما الاصدقاء السيئون فلا حاجة لنا بهم " . البلدة اعلى مستوى من الحقول التي تحتها وهي خصبة على مر العصور ، وقد امضى صغيرنا طفولته وكل طفل نشأ وترعرع في تلك الاجواء الصحية جسديا ً ونفسيا ً لسان حالها القول المأثور :
 الدنيا كلها في انتظار مجيئي
 العالم يحبس انفاسه ليرى من سأكون
 مصير الحضارة على كف ميزان
 فعالم الغد رهن بغد ِ أنـــا ( الصغير )


Nabeeldamman@hotmail.com

165
14 تموز 1958 في الذاكرة

 بقلم نبيل يونس دمان
     كنت طفلاً اتهيأ لدخول المدرسة ، عندما عاد عمّي كامل مسرعاً الى البيت والدهشة تعقد لسانه ، والفرحة ترتسم على محياه ، ليقول " لقد انقلبت الدنيا ! " . في حينها سرى خوف في اوصالي وانا احلل كلامه في مخيلتي الصغيرة التي صورت المسألة كأنها انقلاب في كل شيء ، ولكن سرعان ما هدأ روعي ، عندما شاهدت عمي يحتضن والدي ويتعانقان ، ثم يحثان جدّتي لتحرير بعض الفليسات المخبأة لايام الشدة ، اخذ عمي مبلغاً قدره 600 فلساً ليعود بعد قليل وبيده بطارية جافة كبيرة نسبياً . كان المذياع ( الراديو ) قد صمت في بيتنا اشهراً بسبب الافتفار الى المال اللازم لشراء بطارية جديدة ، والذي يمدّنا بالاخبار والاغاني ووقتذاك لم يكن الكهرباء قد دخل البلدة بعد . عبر ذلك الجهاز العجيب ، اخترق موجات الاثير صوت ليس كباقي الاصوات ، مجلجل ، مهيب ، مبشرٌ بثورة 14 تموز المجيدة .
     افاق العراقيون على نبا الثورة ، فأشاع البهجة في  مدنهم ، قراهم ، شوارعهم ، وبيوتهم ........  في تلك السنة المباركة دخلت مدرسة العزة الابتدائية في القوش ، ولم تمض فترة حتى شرعت ادارة المدرسة بتطبيق نظام التغذية لجميع الطلاب وتوزيع اللوازم المدرسية بالمجان وكذلك بدلات خاصة موحدة . علمني استاذي الاول رحيم عيسى كتو الابجدية الاولى وكتب على السبورة ووجهه يشع نوراً " 14 تموز " ، ونحن الصبية لا نعرف كنه ما كتب ، ولكنها انسابت حروفاً جميلة خطها بعناية المدرس ، ليقول ونحن نردد معه " عاشت ثورة 14 تموز " .  ارتفع العلم العراقي ليرفرف فوق مدرستنا ، وغطت صور الزعيم عبد الكريم صور الملك في كل صف من صفوف المدرسة .


 
مدرسة العزة الابتدائية في القوش
     لقد شهدت فرح الثورة ، ومع الايام اغتبط الناس بها وبمسيرتها التي تبشر خيراً ، فأقيمت الاحتفالات وازدانت الشوارع الرئيسية والسوق والدوائر الرسمية كالمدارس والمستوصف الجمهوري ومحكمة بداءة القوش ومركز الناحية ( قشلــة) . على طول الشارع الممتد حتى الموصل عبر القرى : شرفية ، تلسقف ، باقوفا ، باطنايا  والبلدة تلكيف ، اقامت جميعها الاعراس خصوصاً على جانبي الطريق الرئيسي .
     في القوش ، نصبت هياكل حديدية على شكل اقواس على جانبي الطريق ، وزينت باغصان الاشجار التي غطت الهيكل واعطته شكل بوابة خضراء يتوسطها شعار الجمهورية وصورة الزعيم . اقيمت اول بوابة في مدخل البلدة ثم توالت البوابات الاخرى على مسافة حوالي 200 متراً ، وكانت الاخيرة امام مركز الناحية . ارتفعت الشعارات واللافتات الملونة على جانبي الشارع ، ثم بدأت المسيرة الجماهيرية والتي سبقها رتل من سيارات الاجرة بالوانها المختلفة وهي تطلق العنان لمنبهاتها ، ويباشر ساعور الكنيسة موسى قوجا بسحب حبال ناقوس الكنيسة ، وظل مدة يهتز بتلك الضربات الرنانة المتتالية ، وتصل اسماعها الى كافة اطراف البلدة والى اعلى جبلها الوديع الذي يشرف على سهل خصيب كالسندس الخلاب.
     انضمت الى الاحتفال وفود الفلاحين من القرى المجاورة والكل يزهو بملابسه ورقصاته الخاصة ، فتقاطرالآشوريين اولاً بازيائهم الشعبية وصدورهم المطرزة بالاوراد شبانا وشابات في اعمار الازهار وعلى رؤوسهم تعتمر القبعة المخروطية المائلة منتصبا على جانبها الريش الزاهي بألوانه ، ووصل بعده الوفد الايزيدي بملابسه الناصعة البياض ويشاميغهم الحمراء ، واخيرا وصل وفد الاكراد المعتني جيدا بهندامه ، وليعقدوا جميعا حلقات رقص رائعة على انغام الزورنة والطبل ، ويطلقوا ايضا اغانيهم واناشيدهم في الهواء الطلق .

 
     كان على راس المسيرة التموزية الرائعة شباب الثانوية المتقد حماسا ، والمعلمون رواد العلم والثقافة ، وكان معلمي جرجيس اسحق زرا في مقدمة المسيرة ، ومعلمي الاخر سعيد ياقو شامايا قد رسم صورة كبيرة لزعيم الثورة ، وفي احدى مراحل المسيرة عزمت على الهتاف وجدتي  تقاوم رغبتي ، وانا بذلك الالحاح الطفولي سَمِعَنا استاذي الجليل جرجيس زرا فقال " ليس فيها شيء يا اُمي " ، وناولني يده ليسحبني الى صخرة عالية نسبيا فتصمت المسيرة واطلق هتافي بحياة الثورة ويحدث تصفيق ، فيما يحمر وجهي لما اقدمت عليه ويغمرني فرح طفولي لن انساه ابداً .

 
     انجزت الثورة العديد من المشاريع في بلدتي منها تبليط ازقة البلدة ، واعادة تبليط الشارع الرئيسي المؤدس الى الموصل والذي بلط لاول مرة عام 1950 في عهد مدير الناحية عبدالله صديق الملاح ، مد شبكة المياه الى كل بيت مع نصب خزان في اعلى البلدة لتوزيع المياه . وانشأت بعض المشاريع الخاصة مثل معمل الدواجن لصاحبه منصور كجوجا ، معمل طحن الحبوب لصاحبه الياس الصفار ، ورشة تصليح السيارات لصاحبها صبري نكَارا ، معمل الثلج لصاحبه توما توماس ، كما وبنت الحكومة بناية المسلخ ولكنها اهملت وكانت في حينها اجمل بناية والان باق ٍ منها اطلالها فقط .  تشكيل نقابة السواق وفتح مقر لها وانتخاب أول رئيس وهو يوسف عربو الملقب كُتي ، تشكيل رابطة المرأة وانتخاب أول رئيسة وهي صلحة قيّا ، وتشكيل منظمة الشبيبة الديمقراطية وأتحاد الطلبة العام .
      لقد خضنا نحن الطلبة اول ممارسة ديمقراطية وكان الاضراب عن الدوام احتجاجا على اعتبار يوم الاحد دوام رسمي في القرى والبلدات المسيحية ، ففي ذلك الجو السلمي الذي اوجدته الثورة ، وقف الطالب حافظ نعيم كَولا ليهتف في ساحة المدرسة ( لا دوام يوم الاحد من الآن الى الابد ) ، فردد الطلبة هتافه وخرجوا باتجاه مدرسة مار ميخا ، وسار الجميع في شوارع البلدة مرددين الاناشيد الوطنية ، وبعد ساعات جاء الجواب من بغداد ، يعتبر يوم الاحد عطلة في المناطق التي فيها الاكثرية مسيحية  .
     في آذار 1959 قامت مؤامرة الشواف في الموصل ، فوجهت حكومة الثورة نداءا ً عبر المذياع الى كل الغيارى والشرفاء للاسهام في اعادة اوضاع الموصل الى طبيعتها ، فهب رجال القوش الشجعان حاملين اسلحتهم الى الموصل وادوا واجبهم في قمع تلك الحركة التي اريد منها غرق العراق بالدماء ، ويقال ان بسلاء القوش اندفعوا لعبور الجسر القديم ليصلوا الى البلدية قبل غيرهم وليربطوا الجانب الايسر بالصوب الابعد ويسهم ذلك في سرعة انتهاء التمرد . وفي صيف ذلك العام عرضت مسرحية فشل مؤامرة الشواف في ساحة مدرسة العزة وبمناسبة الذكرى الثانية للثورة ، فيما غنت فتاة جميلة اغنية هندية ( هامايا هاجان ) نالت الاعجاب .
     في اجواء الثورة تلك ونظرا للمكانة التي تحتلها القوش في المنطقة ، فقد تشكل وفد شعبي ليتوجه على الفور الى عشيرتي الشيخ نوري والحاج ملو المتنازعتين لقرابة العقدين من السنين من اجل المصالحة بينهم . ولكن للاسف لم تكتمل تلك المهمة الشريفة ، فقد سقط بين ايديهم الشاب هرمز اسرائيل بجوري متوفيا بالسكتة القلبية وهم في طريقهم الى قرية ( بيدا ) لمقابلة عبد العزيز الحاج ملو ، فتحملوا صعاب حمله في المسالك الجبلية الوعرة حتى مكان توقف السيارات . شارك لاحقا بمراسيم دفنه في القوش عبدالعزيز الحاج ملو ( وقد قتل في نفس العام على يد سعيد ربتكي ) ومعه مجموعة من المسلحين ، واسلتحهم منكسة وهم يشاركون في مراسم التشييع للراحل هرمز بجوري .
     آخر احتفال بعيد الثورة كان في صيف 1962 ، حيث تواصلت الاغاني والاناشيد والدبكات امام المركز ( قشلة ) ، وكان ابرز متظمي الاحتفال طلبة ثانوية القوش ، وفي المقدمة سعيد يوسف اسطيفانا . بعد غياب الشمس انتشرت اشاعة مفادها ، ان مسلحين اكراد يتقدمون من الجبل لاحتلال البلدة ، فحدثت بلبلة بين الناس وانسب الحشد الكبير بشكل مضطرب الى بيوتهم ، وكذلك ارتفعت بعض الاصوات تدعوا الرجال الى حمل اسلحتهم . اتذكر جيدا كيف اسرع والدي الى البيت ونحن لازلنا في ساحة الاحتفال ليجد ابواب بيتنا موصدة ولم يصبر حتى رجوعنا مع المفاتيح ، فكسر باب الغرفة وانتشل بندقيته الانكَليزية ليصعد الجبل مع باقي المسلحين ، ويتم احتلال الجبل دون العثور على شيء . يبدوا ان ظلال الشجيرات في القمة اوحت للناس وكأنها مجاميع متجهة صوب البلدة ، وسبب ذلك الارباك ، ولكن قادة الاحتفال صمدوا في مكتنهم وواصلو الحفل حتى وقت متأخر من الليل .
    بقيت ايام  تموز محفورة في الذاكرة رغم مرور عشرات السنين ، وقد ارتسمت معالم الفرح الحقيقي على وجوه العراقيين الطيبة ، ومنذ ان غيّب تموز( دمّوزي ) ، لم يشهد العراق نعيما ولا استقرارا بل عاش ليلا طويلا من الاحزان والمآسي والكوارث ، ولكن الامل لم ينته ، ولازال يحدو الجميع بان ينهض وطننا ويقلب الدنيـــا  رأساً على عقب !  ليطلق العنان لحصان ثورة 14 تموز الجامح نحو الافق البعيد .

166
أدب / حلبجــــــــــة
« في: 03:36 06/07/2007  »
بمناسبة حكم العدالة الصادر ، بحق مجرم العصر علي حسن المجيد ، اعيد نشر محاولتي الشعرية :


حلبجــــــــــة

نبيل يونس دمان


 
صباح الخير حلبجة
صباح النور والنار
صباح النصر والثأرِ
لا تنامِ وارفضي
ابنة الكرد إنهضي
بين البنادق والامل
أسمع سمفونية الجبل
 
×××××

اطفالك يا حلبجة
في بساتين العنب واللوز
في جنائن ظلالها الجوز
يلعبون في مروجك الخضراء
والجبال تتلأل ضياء
الثلوج تعانق السماء
منها ترتوي عيون الماء

×××××

  النداء : اسمعوا نداء الموت
الارض ارتجت والسماء ارتعدت
قد اقبلت وحوش جوية
 تقذف سموما ً كيمياوية
ماركة واحدة مسجلة
من هيروشيما الى حلبجة
ومن كردستان الى لبنان
الدم واحد
والقاتل واحد

×××××

انهمرت العطايا
حسبهم هدايا
صدام يوزع المنايا
جنرال بالصدفة
يسير على مارش الدم
 وعلى انغام الخردل والثاليوم
يا لخسة اسلحته
" هل العين بالعين والسن بالسن ؟ "

×××××

انتم يا غربان الجو
يا من تمطروا كيمياواً
يتطاير الشرر من عيونكم
ويسري الرعب في عروقكم
اتسائل من اي طين جبلتم ؟
هل عراقيون انتم ؟  
والله خالق الارض والسماء
حتى هولاكو منكم براء

×××××

 مهما تعاقبت الاجيال
وتزاحمت دروب المحال
فأسمكِ يا حلبجة
عالٍ علو الجبالِ
وانتم ايها الناجون
غداً في محكمة التاريخ تشهدون
وعلى السفوح والمتون
ل ( نوروز ) النار تضرمون

×××××

غداً تنهض حلبجة من الركام
 وتسير الحشود للامام
مرددين اناشيد السلام
وعلى الشفاه يتفجر النداء
 لمدينة الكرد ام الفداء
 
×××××
 
حلبجة في الاحضان
يا زهرة هورمان
قبّلي تراب كردستان
فأنتِ شهيدة على مرّ الزمان
انتِ نجمة الفجر
سارية في سماء العصر
مطَرّزة احرف اسمك
وعالٍ واعلى نجمك
هل تظنِّ الناس تنساك ؟
الشعبُ لم يمت
وفي القلب ذكراك


×××××
×××
×


 جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 16 / 3 / 1990


    

167
بمناسبة حكم العدالة الصادر ، بحق مجرم العصر علي حسن المجيد ، اعيد نشر محاولتي الشعرية :
حلبجــــــــــة
نبيل يونس دمان
 
صباح الخير حلبجة
صباح النور والنار
صباح النصر والثأرِ
لا تنامِ وارفضي
ابنة الكرد إنهضي
بين البنادق والامل
أسمع سمفونية الجبل
×××××
اطفالك يا حلبجة
في بساتين العنب واللوز
في جنائن ظلالها الجوز
يلعبون في مروجك الخضراء
والجبال تتلأل ضياء
الثلوج تعانق السماء
منها ترتوي عيون الماء
×××××
  النداء : اسمعوا نداء الموت
الارض ارتجت والسماء ارتعدت
قد اقبلت وحوش جوية
 تقذف سموما ً كيمياوية
ماركة واحدة مسجلة
من هيروشيما الى حلبجة
ومن كردستان الى لبنان
الدم واحد
والقاتل واحد
×××××
انهمرت العطايا
حسبهم هدايا
صدام يوزع المنايا
جنرال بالصدفة
يسير على مارش الدم
 وعلى انغام الخردل والثاليوم
يا لخسة اسلحته
" هل العين بالعين والسن بالسن ؟ "
×××××
انتم يا غربان الجو
يا من تمطروا كيمياواً
يتطاير الشرر من عيونكم
ويسري الرعب في عروقكم
اتسائل من اي طين جبلتم ؟
هل عراقيون انتم ؟ 
والله خالق الارض والسماء
حتى هولاكو منكم براء
×××××
 مهما تعاقبت الاجيال
وتزاحمت دروب المحال
فأسمكِ يا حلبجة
عالٍ علو الجبالِ
وانتم ايها الناجون
غداً في محكمة التاريخ تشهدون
وعلى السفوح والمتون
ل ( نوروز ) النار تضرمون
×××××
غداً تنهض حلبجة من الركام
 وتسير الحشود للامام
مرددين اناشيد السلام
وعلى الشفاه يتفجر النداء
 لمدينة الكرد ام الفداء
×××××
حلبجة في الاحضان
يا زهرة هورمان
قبّلي تراب كردستان
فأنتِ شهيدة على مرّ الزمان
انتِ نجمة الفجر
سارية في سماء العصر
مطَرّزة احرف اسمك
وعالٍ واعلى نجمك
هل تظنِّ الناس تنساك ؟
الشعبُ لم يمت
وفي القلب ذكراك
×××××
×××
×
 جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في 16 / 3 / 1990

168
المرتجى من مؤتمر عنكاوا
بقلم نبيل يونس دمان
أكتب اليوم عن موضوع ساخن وشائك ، كثر الجدل حوله ، واشتد خصوصاً بعد سقوط نظام الطاغية ، ذلك الجدل بأبعاده التاريخية والسياسية وحتى الدينية . تكاثرت الاقلام التي تناولته بمديات واسعة ، شجعها تطور وسائل الاتصال من الإنترنيت والفضائيات والموبايل ، فكانت النتائج سلبية على العموم ، عمقت الخلافات في وجهات النظر ، مما جعلتنا نعيش كل ٌ في وادٍ عميق ، لا يريد سماع الآخر ، او الجلوس معه ، بل ادى مهمة اخرى أشبهها بمن يحمل الحجارة الى الخط الفاصل ، ليلقيها على رؤوس قاطني الوادي المجاور . كان يفترض ان نستفيد من الامكانات التقنية وتواجدنا في بلدان ذات مناخات ثقافية واجتماعية متنوعة ، فتنعكس إيجابا ، لتزيد من لحمتنا وتجعلنا مجموعة متجانسة يربطها إرث حضاري ولغة عريقة . ولكن بدل كل ذلك شرع البعض الذي يعاني من نقص فكري ، وقلة ذوق واضح الى ان يرتقي منابرا ً ويمنح لنفسه مناصبا ، فاخذ يصرخ ويولول ، يزايد ويقلل ، يبرر ويعلل ، يتهم ويبرئ ، وبوتيرة ازدادت وتعمقت مع الزمن ، فبدلاً من ان ينصت لصوت العقل وينظر بمنظار مصلحة قومه التي في وحدتها وفي تكاتفها يكون بقائها ، هؤلاء المفتشون عن الأمجاد الزائفة عن طريق الاعلانات السريعة ، أضروا بقضيتنا كثيراً ، وحمدٌ لله انهم تعبوا ولم يتحملوا نتائج افعالهم ، فتوارى العديد منهم عن الانظار، فيما بقيت اقلية تمارس هوايتها في التصيد بذلك الماء اللآسن الذي لا تخضر فيه حياة ! .
     من هذا الخضم يأتي مؤتمر عنكاوا كخطوة ايجابية على طريق الوصول الى اهداف قومنا ، في احقاق مطاليبه القومية إسوة بباقي مكونات الشعب العراقي . كانت التسمية باستمرار هي تلك القنبلة الموقوته في طريقنا ، وها ان المؤتمر قد استنتج كلمة وان كانت بديلة ،  لكنها ضرورية في هذا الوقت والتي هي ( سورايا – سوراي- سورث ) ، هذه الكلمات وان بدت غريبة وثقيلة على الاقوام والشعوب المجاورة ، لكن بمرور الزمن اعتقد انهم سيتآلفوا معها ،  فتصبح قوة مادية تفرض هيبتها واحترامها على الجميع . لأسوق مثالا ً : ( الأيزيدي ) تلك الكلمة التي سادت مؤخرا لإبعاد كلمة اليزيدي من التداول والتي يفسرها الكثيرون خطأ بانهم اتباع يزيد بن معاوية الاموي . فيما تفسر أيزيد بمعنى كلمة الله جل جلاله ، والبعض ينسبها الى مدينة  يزدان الايرانية التي نشأت فيها الديانة الزرادشتية قبل حوالي 2500 عام .
     كانت كلمة ( سوراي ) ذات مدلول قومي ، ولكن بفعل الاضطهاد المزمن وانعكاف ذلك القوم العريق حول كنائسه بعد ميلاد المسيحية اتخذت مدلول ديني ، ايضا بعد ازدهار منطقتنا واستقرارها الفكري والثقافي سترجع كلمة سوراي الى تاثيرها القومي ، ربما يتطلب ذلك مديد من الزمن ومزيد من الصبر .
     في حقب التاريخ المختلفة سُمينا بأسماء لها وقع طيب في نفوسنا فنجلها على الدوام ، منها الاكدي والسومري والاشوري الكلداني والسرياني ..الخ بمدلولها الإثني والمعتقدي ، تبقى هذه الاسماء مرتبطة بنا في اماكن تواجدنا وفي محيط اسرنا وفي اروقة كنائسنا ، لكننا نشرع بتعويد انفسنا على كلمة ( سوراي ) الجامعة والوطن القديم ( بيث نهرين ) والتسمية الوطنية الحديثة ب ( العراق ) والمنطقة الشمالية ب ( كردستان ) كواقع الحال يفرض نفسه اليوم بقوة ، على الجميع الاعتراف به واحترامه ، مع الاعتقاد السائد بان الظروف تشير الى نشوء كردستان الكبرى الممتدة في تركيا وايران وسوريا ، وغالبية قومنا وقرانا ومصالحنا المادية والقومية والدينية ضمنها ، فلنكن ضمن هذا الواقع الموضوعي ولنبني خططنا المقبلة على هذا الاساس لا ان تراودنا الاحلام غير القابلة للتحقيق والمربكة والمعيقة للتطور الطبيعي لأجيالنا . اذا احسنا قراءة الواقع سيكون لنا مناطقنا واماكن ازدهارنا التي سيفرضها الواقع الجديد ، دون اضاعة الوقت في طلبها في الظروف المعقدة السائدة اليوم ، فلننتظر وننظم انفسنا ونوحد موقفنا ونرتب بيتنا القومي ، فكل القرائن تشير الى قرب تحقيق آمالنا ، علينا التفاؤل والنظر بثقة وثبات الى المستقبل الواعد ، ان الصورة اليوم قاتمة لكنها ستتغير مع الزمن ومع الصبر وقليل من التضحية ، فالى ذلك اليوم نغذي السير .
     ان مؤتمر عنكاوا الشعبي لن يكون الخاتمة بل ستعقبه مؤتمرات اخرى جديدة ، تضاف الى المؤتمرات السابقة ، كلها لم ولن تمتلك العصا السحرية التي تتوصل الى كل شيء وترضي الجميع في كل شيء ، كما انها لا تحسم الجدل الحالي ولكنها تحصيل حاصل ونيجة للمرحلة الصعبة التي يمر بها الوطن ، فبعد اختراق سفينته عباب البحر المتلاطم ستجنح في الاخير الى شاطئ الامان ، فتنهض الدولة العراقية ، ويترسخ الدستور العلماني ، وستتطور مفاهيمنا القومية اكثر ليصبح واقعنا المقبل باذن الله هو الاستقرار الفكري والرخاء المادي .
     ما الذي يمنع تقرب التجمعات والاحزاب وممثلي الكنائس المختلفة من خيمة المؤتمر وافكاره وتصوراته التي خرج منها بهدف تصويب ما وقع في من قصور او نسيان او حتى الأخطاء ، اتمنى من هؤلاء بل اترجاهم ان لا يحملوا المعاول في توجههم صوبه بل ان يحملوا في ايديهم باقات الزهور ، ولترتسم على شفاههم ابتسامات الحياة والحرية.
    اخاطب ابناء قومي من منفاي وعيوني ترنوا الى الوطن الذي آمل ان يضمني يوماً الى احضانه في حياتي او مماتي ، اخاطب اهلي المشتتين في الاقاصي بان يضعوا حدا لخلافاتهم . تناولوا تجربة اكراد العراق كيف اصطدمت فصائلهم السياسة وكيف نبذت الخلافات ، فازدهرت مناطقهم واصبحوا تجربة ديمقراطية تشع في المنطقة وتفرض احترامها المبني على رفاهها الاقتصادي وتطورها الاجتماعي . انصتوا الى نداء القلب ورجاحة الفكر، وضعوا امالكم في وحدتكم وتكاتفكم في تجاوز الامور الثانوية ، والمصالح الضيقة ، التي لم تنفعنا طوال سنوات الجدل العقيم . امالنا المقبلات تتوقف على جانب له اهمية قصوى ، الا وهو وضع العراق العام ، فالمعادلة الرئيسية وميزان الاحداث ، سيعتمد على نتائج الصراع بين قوى الخير والحرية ، وبين قوى الظلام والعبودية ، لنكن وضمن امكاناتنا وقابلياتنا قريبين من تلك المعادلة ، واضعف الايمان بقلوبنا وتضامننا ، علينا بتحليل وفك رموز تلك المعادلة لاستقراء الاحداث ومعرفة اتجاه الرياح ، لا ان تاخذنا على حين غرة وتفاجئنا ، وبالتالي نجلس على الاطلال نبكي ونندب حظنا ، علينا ان نرتقي وفي الاساس ان نسموا فوق خلافاتنا ، ثم نشد اواصر اللحمة مع مكونات الشعب العراقي ، الذي يرى فينا ، اناسا مخلصين لوطنهم اينما حلوا ، ولنا في نظرهم مكاننا في التاريخ ، الا سألنا انفسنا يوما ، لماذا لا يعير الاعلام العالمي لنا انتباه ، بتقديري ناتج عن خلافاتكم وحملات التشهير اذا لم نقل السباب التي ينتهجها البعض ، اضافة الى الذاتية ومرض حب الظهور التي يقتنصها البعض فرصة ليغطي نواقصه ، صدقوني لو توحدتم ، ولو عزلتم تلك الاقلام المفرقة ، التي تأبى الكتابة إلا في الطائفية ، سيكون العالم معكم ، والاعلام منصف لكم ، ومراكز القرار الوطني والاقليمي والعالمي في نيل مطالبكم ، وتثبيت حقوقكم ، والدفاع عنكم عندما تتعرضون للمحن .
      يكتسب مؤتمر عنكاوا اهميته من التحضير الذي سبقه ، والتغطية الاعلامية التي واكبت جلساته ، والنتائج التي تمخض عنها ، والاهم من كل ذلك اللجان التي تشكلت والتي اذا اكتمل نصابها ، وسادت روح الجدية والعمل المخلص ، ستكون في المستقبل القريب نواة مجلس نواب الظل لقومنا ، مجلس ( دوما ) صغير يتناسب مع عددنا ، وسيكون لذلك المجلس مكانة مناسبة ، ترفع ارادة وتوصيات قومنا الى الجهات المختلفة ، من الحكومة المركزية ، الى حكومة اقليم كردستان ، الى الاحزاب الوطنية ، الى الحكومات الاجنبية وقنوات الاعلام .       
     ليكن طريقنا الجديد الذي ارساه مؤتمر عنكاوا يستوعب خطواتنا الواثقة الى المستقبل ، ولنبارك كل جهد يصب في الهدف ، ولنستوعب القيادات الفتية التي يفرزها الطريق بالحفاوة والاحترام ، ولتقترب تنوعاتنا السياسية والكنسية من ثوابتنا القومية ، ليكن تنافسنا بهدف الارتقاء فلا تطور الا بالتنافس الحر والتنوع الثقافي والاجتماعي والسياسي ، لتكن منافستنا الكبرى في ما نقدمه لقومنا في مدن الصراع الدموي في بغداد وكركوك والبصرة والموصل وغيرهما ، في اوضاع اللاجئين والمعذبين في الداخل والخارج ، لتكن منافساتنا في تطوير لغتنا واحياء طقوسنا ، وتطوير عاداتنا وتقاليدنا بما يتلائم مع القرن الحادي والعشرين ، ذلك هو طريقنا واليه نرفع رؤوسنا ونمد أيدينا لنحيي كل من يوسع خطاه في السير عليه ، حتى بلوغ اهدافنا في الحرية والازدهار .

nabeeldamman@hotmail.com
April 10, 2007

169
الى اسرة الفقيد الشاب داني موفق جورا
     بأسف شديد تلقينا الخبر المؤلم الذ ي فاجأنا في رحيل الشاب الطري العود داني الجميل ، تلك الزهرة التي نضبت طراوتها فانحنت نحو امها الارض ، ووقفت الشمس والكواكب جميعهاً حزينة ، لكننا نستمد صبرنا من الانجيل المقدس الذي يعتبر الانام كالعشب ايامها . حرم الشاب من تذوق الحياة ولم يشق طريقه فيها فيَسعد ويُسعد ، هو كالطير الذي غادر سربه فارتقى ، وعادت كل الطيور الى اعشاشها ، الا هو فظل معلقاً بين السماء والارض ، يقف في الطابور ليواجه ربه ومعه كل من رحل في غير أوانه ، ومنهم من تناثرت اجسادهم في مدن العراق الغارق في ازمته ، وبانتظار الفرج من السماء .
     تقبلو مني ومن عائلتي اسمى آيات الاسف والحسرة على الفقيد الغالي داني موفق جورا.
الصبر والسلوان للجميع ، كل انسان تنتظره اللحظة البالغة الصعوبة  في فراق الدنيا ، نحو الآخرة وجنان الخلد والاستقرار .
أيوب اسرائيل دمان والعائلة
كالفورنيا- اميركا
في 19- 3- 2007

170
وفاة السيدة فكتوريا وردية

وفاة السيدة فكتوريا وردية
     انتقلت الى جوار ربها يوم امس 28- شباط - 2007 ، في ولاية مشيكَان الأمريكية ، المأسوف عليها السيدة فكتوريا منصور وردية ، عن عمر ناهز ( 82 ) سنة ، وهي زوجة السيد سلمان صادق أودو ، وشقيقة كل من : ميخائيل و مالك منصور في اميركا ، والمرحوم روكس ، والمرحوم مانوئيل ، والمرحوم وديع  ، والمرحومة نجاة ، ووالدة الابناء : هيثم في بغداد ، أنصار و سلام في السويد ، جلبرت وغزوان في اميركا ، ووالدة البنات : أيفون كَولا في القوش ، فيفيان رمو في هولندا ، كفاح دمان و بثينة حيدو في اميركا .
    سيتم دفن جثمانها الطاهر يوم السبت 2- آذار- 2007 ، ستقام صلاة السابع على روحها في كنيسة مار يوسف في مدينة تروي يوم الاحد المصادف 4 - آذار – 2007 ، تقبل التعازي في قاعة ( بيلا ) في الميل الرابع عشر ، و مدينة سترلنك هايت .
     تغمدها الله بوافر رحمته واسكنها فسيح جناته .   
 [/b] .    [/font] [/size]

171
ذكرى رحيل :انستاس الكرملي
[/color]
بقلم نبيل يونس دمان
مقدمة : ان الذي دفعني لكتابة هذا الموضوع ، هو العلاقة الابوية الصادقة التي ربطتني بالأستاذ جورج جبـّوري في السنوات الاخيرة ، من خلال احاديثه الدائمة عن الراحل ، حيث عاشا معا ً لسنوات عديدة في دير الآباء الكرمليين ببغداد ، وفي أروقة ذلك الدير عاش أديبنا انستاس متعبدا ، زاهدا ، باحثا ، وعاشقا للغة العربية ، وبجواره في مدرسة اللاتين عمل أستاذنا جورج جبوري معلما ثم مديرا للفترة من 1939 وحتى عام 1952 .
     نبذة عن حياته : ولد الأب انستاس ماري الكرملي في 5/ آب/ 1866 ببغداد ، لأب لبناني وهو ميخائيل عواد وأم بغدادية وهي مريم أوغسطين وسمي ( بطرس ) . دخل مدرسة الآباء الكرمليين ثم مدرسة الاتفاق الكاثوليكي ، وعندما لمس أساتذته شغفه باللغة العربية ونبوغه فيها ، عين مدرسا لها وهو في السادسة عشرة من العمر فقط .
     في عام 1886 أرسل الى المدرسة اليسوعية في بيروت لدراسة اللغتين اليونانية واللاتينية ، ومواصلا في ذات الوقت تدريس اللغة العربية ، وفي نفس العام سافر الى بلجيكا حيث إرتدى أسكيم الرهبان في دير شفرمون ، واصبح اسمه منذ ذلك الحين انستاس ماري الكرملي .
     في عام 1888 إنتقل الى دير مونبيليه ( فرنسا ) ليقضي فيه ست سنوات في دراسة اللاهوت والفلسفة واللغات . وفي عام 1893 رسم كاهنا ً ليعود بعد عام الى وطنه العراق ، مرورا ً ببلاد الأندلس ليطلع على بقايا الحضارة العربية المندرسة .
     فور عودته الى بغداد ، تولى ادارة مدرسة الآباء الكرمليين لعدة سنوات ، ثم ترك الإدارة ليتفرغ تماما ً للبحث والدراسة والتأليف ، بهمة عالية ونشاط قل مثيله .
     عند اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 تعرض للمضايقة والاضطهاد من قبل الاتراك ، نظرا لمواقفه الوطنية . وبالنتيجة سرقت واحرقت الكثير من كتبه وسيق جورا ً الى المعتقل في قيصرية عبر مدينة حلب السورية ، وهناك تعرض لألوان التعذيب ، ولولا تدخل مطران الأرمن ، لمات شنقا حتى الموت . وحال إطلاق سراحه ، عاد الى مدينته بغداد ، ليواصل جهوده الكبيرة في خدمة اللغة العربية والتاريخ ، حتى وافاه الأجل في 7- كانون الثاني - 1947 تحت وطأة الشيخوخة والمرض .
     مجلسه الاسبوعي : ذاع صيت مجلسه الاسبوعي ( مجلس الجمعة ) في أنحاء المعمورة واصبح قبلة اصحاب المكانة المتميزة في الأدب ، واللغة ، والفلسفة ، وكم قصده زائرون للعراق من العلماء المستشرقين والباحثين ذوي الباع الطويل في علم اللغات والتاريخ .
     كان هناك شرطان وضعهما العلامة أمام رواد مجلسه ، وهما تحريم النقاشات السياسية والدينية ، وقد كانت فكرته تلك ذكية جدا ً ، لتجنب الاحتكاكات والإشكالات التي تحصل من الخوض في الموضوعين اعلاه . اما الانصراف الى الأدب وأبحاث اللغة فهي بحد ذاتها مكملة وموحدة ، ومن النادر حدوث انقسامات وانشقاقات فيها .
     من جملة حضور مجلسه الاسبوعي ، أسماء أدبية لامعة ، امثال : يوسف غنيمة ، حامد الصراف ، رزوق عيسى ، كاظم الدجيلي ، عبد الرزاق الحسني ، هاشم الوتري ، مصطفى جواد ، مهدي مقلد ، محمد رضا الشبيبي ، روفائيل بابو إسحق ، روفائيل بطـّي ، الملا عبود الكرخي ، عباس العزاوي ...وغيرهم كثير .
     كان مجلس الجمعة يبدأ في الثامنة صباحا ً ، وينتهي في الثانية عشرة ، عندما تشق أركان الدير، دقات ناقوس الكنيسة ، مؤذنة حلول فترة الظهيرة . عندما ينفرط عقد الزائرين ليلتحم مرة اخرى في الجمعة التي تليها ، ولعشرات السنين .
     كان الجو الهادئ والمنظم الذي يوفره الأب العلامة بمثابة حافز ودافع ، للمزيد من النقاش الهادف ، والبحث المتواصل ، في شتى المواضيع المطروحة . وغالبا ً ما كان انستاس يستعين بمصادره من الكتب ، التي تعد بالآلاف في خزانته والتي عني بجمعها وترتيبها ووضع الهوامش والخطوط والملاحظات عليها ، في إقناع الحاضرين برأي معين . كما كان يوفر طاولة وعليها الكتب والمجلات والجرائد المحلية والعربية والأجنبية الصادرة حديثا ً في مختلف اللغات ، ليطلع عليها مجلسه الموقر الذي كان بمثابة مجمع علمي عراقي مصغر .
     منجزاته : منذ نعومة أظفاره ولج طريق الكتابة ، فكتب مقالات كثيرة وبحوثا ً قيمة جدا ً زادت عن الالف ، في مختلف الصحف والمجلات العلمية والادبية التي لها مكانتها في العراق او في خارجه ، فنشر مثلا ً : في المشرق ، المقتطف ، المسرة ، زهور ، الصفاء ، البشير ، الهلال ، الأهرام ، وغيرها .
     وكانت له قدرة في تعلم اللغات فأجاد الفرنسية ، اللاتينية ، اليونانية ، السريانية ، العبرية ، الحبشية ، التركية ، الفارسية ، الانكليزية ، الاسبانية ، والايطالية ، إضافة لنبوغه في اللغة العربية التي أحبها وعشقها وإعتبرها أغنى اللغات وأجملها .
     وشملت مقالاته مناحي عديدة منها اللغة والتاريخ والبلدان واصل الكلمات والملل والنحل ، فكتب عن الصابئة واليزيدية . وألف نحو أربعين مؤلفا ً في الدين والآداب والتاريخ منها : الفوز بالمراد في تاريخ بغداد ، أغلاط النحويين الأقدمين ، بلوغ المرام في شرح مسك الختام ، مختصر تاريخ العراق ، الغرائب ، الرغائب ، أمثال العوام وغيرها ، كثير منها مطبوعة وغيرها غير مطبوعة . ويخرج معجما ً رائعا ً سماه ( المساعد ) والذي عكف على العمل فيه قرابة نصف قرن ولم يكمله ، وحين وافته المنية ، اغرورقت عيناه بالدموع قائلا ً " لا أريد ان افارق الحياة قبل إنجاز كتابي ( المساعد ) " .
     أصبح عضوا ً في مجمع الإستشراق الألماني ، والمجمع العربي في دمشق ، والمجمع العلمي في جنيف ، ومجمع اللغة العربية المصري ، ونال اوسمة وميداليات عالية في دول عديدة  منها انكلترا وفرنسا .
     طبائعه : نشأ هذا الانسان نشأة ناسك متعبد ، زاهد ، لا يملك من متاع الدنيا شيئا ً ، لا أسرة له ولا اولاد بل اولاده في الروح كتبه وغزارة إنتاجه .
     كان ضخم الجثة ، قوي البنية ، جبلي القوام ، أطلق للحيته العنان فجاءت كثة ، طويلة ، ومهيبة ، له صوت كأنه الزئير ، وضحكاته كانت تشق انحاء الدير، وغضبه في ذات الوقت وانفعاله في ما يراه انحرافا ً ، يصل حد استعماله عصاه ! .
     عندما يرى فاحشة ترتكب بحق اللغة فإنه يكرر القول " إذا لم يتم تصحيحها فاني سأقاطع صاحبها ، بل سأبصق عليه !! " ، وطالما إستعرت الحملات الكتابية بينه وبين فطاحل عصره ، وادت بعضها الى المقاطعة التامة ، وامثال تلك المساجلات : مع عبد الله البستاني ، لويس شيخو اليسوعي ، جبر ضومط ، أمين معلوف ، أسعد داغر ، ابراهيم اليازجي وغيرهم .
     اما من ناحية التدبير والمال فقد كان مقتصدا ً ، يحسب لكل شيء حسابه ، وربما لهذا السبب نعته البعض بالبخل ، لكنه بتلك العقلية الحسابية ، استطاع ان يشتري آلاف الكتب ويقوم بعدة رحلات الى سوريا ، مصر ، لبنان ، فلسطين ، وأوربــا ، من اجل أبحاثه ، وكم كان يرنوا لإستقباله علماء وفلاسفة عصره من المصريين والسوريين واللبنانيين والفلسطينيين أمثال : أحمد باشا تيمور ، يوسف أفندي سركيس ، قدري طوقان وغيرهم .
      تكريمه : بتاريخ 7 / تشرين أول / 1928 ، اقيمت في دار رئيس الوزراء محسن السعدون حفلة يوبيلية كبرى للعلامة انستاس الكرملي ، وتوالى الخطباء والشعراء من على منصة الاحتفال ، يشيدون بالمحتفى به ، حيث يكرم العلم والإبداع .
وقد ورد في كلمة أحد تلامذته وهو أحمد حامد الصراف البيتين التاليين : 
وعشنا وعاشت في الدهور بلادنا
                         جوامعنا في جنبهن الكنائس
وسوف يعيش الشعب في وحدة له
                         عمائمنا في جنبهن القلانس
ومما قاله فيه صاحب مجلة القربان الحلبية ما يلي :
     (( ان المحتفى به هو الكاتب المبدع الذي لم تخل مجلة من مقالاته الرنانة وهو اللغوي المدقق الذي أماط اللثام عما جاء في معاجم اللغة مثل لسان العرب وتاج العروس ومحيط المحيط وأقرب الموارد من أغلاط ومفاسد )) .
     وبعث أبرز شعراء ايران قصائدهم باللغة الفارسية ومنها قصيدة خسرو ميرزا الميمية تحت عنوان ( در تهنيت دشن أدبا وبراي حضرة أب أنستاس كرملي ) .
     وقد جاءت أصوات التكريم من كل مكان في الشرق والغرب ومن انحاء العراق ، الكويت ، ايران ، مارسيليا ، المانيا ، مصر، لبنان ، فلسطين ، فرنسا . وبلغ الزهد والتواضع مبلغه في كلمة المحتفى به المؤثرة ، والتي جاء فيها : -
     (( اني لا أرى هذا الاطراء جديرا بي ، بل خليقا بكم ، إذ اراكم تجلون العلم والفضل حتى في من ينتسب اليه انتسابا ، وإن لم يكن من أهله ، فالمجد والشرف لكم يا سادتي لا لي . إذ اراني بعيدا عن كل ما عددتموه ونسبتموه لي ، في حين لا اجده إلا فيكم يا سادتي الصيد الاشاوس )) .
     في عام 1946 أقيمت لراهبنا المتبتل انستاس تكريمية اخرى في نادي الكرمل بحيفا – فلسطين . وكان في حينها يصارع امراضه وينيخ تحت ثقل شيخوخته البالغة ثمانين عاما . وقد وصفته الآنسة قدسية خورشيد بالقول (( دخلت دير الآباء الكرمليين – وكنت اول سيدة تخطوا حدود الكنيسة الى الدير– ودخلت غرفة عارية إلا من منضدة وبضعة كراسي وواجهة كتب والشيخ يجثم كالنسر العاجز ونهض الشيخ يستقبل زائريه ، وأحسست بهيبة عظيمة تغمرني لمرأى الرجل العظيم وكأنه الطود المتهدم يتقدم بخطوات مضطربة ... )) .
     لغة العرب : لعل اهم معلم تاريخي ومرجع هام في التقصي والبحث عن احوال العراق والبلدان ، هو مجلة " لغة العرب " الشهرية التي اصدرها الأب انستاس في تموز 1911 ، واستمرت حتى القبض عليه من قبل الجندرمة في ايلول 1914 ، ومما جاء في الأسطر الاولى لإفتتاحية عددها الأول ما يلي :
     (( بسم الله الفتاح المعني ... بعد حمده تعالى ، والشكر على آلائه والإتكال على مدده ، قد عقدنا النية على اصدار هذه المجلة الشهرية خدمة للوطن والعلم والادب )) .
     عادت الى الصدور مرة اخرى في تموز 1926 واستمرت حتى كانون أول 1931 وقد جاء في إغلاق المجلة ما يلي :
     (( وقد عزمنا عزما أكيدا لا يحتمل الرد ولا الاستئناف على إغلاق المجلة من الآن ، لأننا مع مقاساتنا اتعابا جمة ومشاق هائلة ناهكة كنا نكابد خسائر باهضة طول سني صدور المجلة ... )) .
     إذن كان العامل المادي سببا في انطواء الصفحة الاخيرة لتلك المجلة البارزة ، وقد حفلت في اعدادها بل في مجلداتها التسعة الضخمة ، بمواضيع عديدة نقتبس بعضا من عناوينها ونترك للقارئ العزيز تقدير أهميتها :
     الكلدانيون ، الصابئة ، اليزيدية ، مخطوطة في تراجم علماء الموصل ، الحفر والتنقيب في أطلال بابل ، نظرة عامة في لغة بغداد العامية ، مشاهير كتاب العراق ، السائح الغربي في العراق العربي ، منارة سوق الغزل ، الخرز ومعتقداته ، اللغة الكردية ، طوب أبو خزامة ، في كنوز العرب ، اسماء محلات بغداد ، تاريخ المطابع في العراق ، أسرة ترزي باشا ، وغيرها كثير جدا .
     تأبينه : إهتز العراق لنبأ وفاة عالمه الفذ انستاس الكرملي في 7 / كانون ثان / 1947 ، فحمل جثمانه في المستشفى التعليمي إلى باحة مدرسة اللاتين ، وتوالت الكلمات والأشعار والرسائل في ذلك المصاب الجلل ، وكتبت عنه الصحف العراقية جميعها وصحف مصر وفلسطين وسوريا ولبنان .
     وقد ألقى الشاعر ( مهدي مقلد ) قصيدة  في تأبينه نقتبس منها هذين البيتين :
فالقلب من دين ابن مريم وحيه
                         والفكر من لغة النبي محمد
إن ابن مريم والنبي محمدا
                         نوران نور هدى ونور توحد
     ومما جاء في خطاب المؤرخ العراقي يعقوب سركيس : (( عرفت الراحل رحمه الله لأول مرة عام 1899 وكان تعارفنا في شطرة المنتفق ، وقد قصد تلك الديار لملاقاة الصابئة حيث يسكنون ، فذهب الى الناصرية لاختبار أحوالهم الدينية وحضور طقوسهم والاطلاع على كتبهم ... )) .
     ومما قاله مير بصري ما يلي :
     (( ... وكم طار لبه سرورا بلفظة عثر عليها بعد لأي فصاح كما صاح أرخميدس حين اكتشف مبدأ موازنة الأجسام الغائصة في السوائل : وجدتها ، وجدتها .. ! )) .
ومما قاله كوركيس عواد ما يلي :
     (( حدثني ذات يوم ان ملك بلجيكا السابق ألبرت الأول حين زار بغداد سنة 1930 ... طلب جلالته أن يرى الأب انستاس ... )) .
ومما قاله د. مصطفى جواد ما يلي :
     (( أرسل الي ّ مرة وأنا بباريس سنة 1936 رسالة يقول فيها " إني ترجمت من الفرنسية كتابين صغيرين دينيين تم طبعهما ولم أبعث اليك بنسختين إشفاقا ً من أن تظن أني أدعوك الى النصرانية " )) .
     ومما قاله جورج جبّوري مدير مدرسة اللاتين في ختام كلمته هذا البيت :
أبتي أعِنـّي من عقال لساني
                         قد هدني شجني فعاق بياني
     ولعل ما جاء في كلمة الأستاذ محمد فاتح توفيق من عظيم الدلالة بالقول :
     (( لقد بلغ من شغفه بالفصحى أنه يحسن الإصغاء إلى القرآن الكريم وهو ذلك الراهب الناسك ، وما مرة زاره فيها مقرئ العراق الشهير ( الحافظ مهدي ) إلا وألح ّ عليه بأن يتلو على مسامعه آيات من الذكر الحكيم ، فيشق سكون الدير ذلك الصوت الرخيم وهو يصغي عليه بكل جوارحه )) .
     ملاحظة : كتب الموضوع عام 1997 ونشر بمناسبة مرور 50 سنة على وفاته ، في كل من الثقافة الجديدة ، القيثارة ، وحويودو. اليوم أعيد نشره بمناسبة مرور 60 سنة على رحيله تعميما ً للفائدة ، ودعوة لوقف العنف والإنقسام الطائفي في بلد يغرق في أزماته ، ومن اجل السلام والتآخي بين مواطنيه .
nabeeldamman@hotmail.com
February 1st.  2007[/b][/font][/size]

172
الأستاذ نبيل يونس دمان المحترم
[/color]
تحية وتقدير..
     أود في البداية التعريف عن نفسي , إنا جار المهندس رومان نوئيل ميخا في البصرة- منطقة دور النفط  و تجمعني بالأخ رومان سنون عدها عقدان من الزمن و نحن أصدقاء وجيران منذ طفولتنا وجمعتنا ظروف متشابهة إذ تصادف أن يكون والدي رحمة الله من سكنه بغداد وانتقل إلى البصرة لظروف العمل كما هو حال المرحوم نوئـيل ميخا والد رومان ولا يفصل داري عن دارة وحديقتها التي شاءت الأقدار أن تكون مكان استشهاد زوجته الفقيدة سالي متي  رحمها الله , سوى جدار بسيط .. وكنت شاهدا وحاضرا فصول تلك الأيام السوداء الصعبة التي واجهت هذه العائلة الكريمة, منذ عصر ذلك اليوم المشئوم 4/1 ولغاية صبيحة يوم 7/1 الحزين يوم انتقلت الفقيدة إلى جوار الشهداء والمظلومين من أبناء هذا البلد.
    وإذا كنت بدءا أود أن أتقدم لكم  ولأقرباء الفقيدة و عائلة  السيد متي سكماني ولأهالي ألقــوش الكرام بخالص العزاء  والمواساة , فأنني  كذلك  أريد أن أوضح  مسـالة وردت في رثائكم المنشور على موقع بلدتكم  الاليكتروني , جاء ضمنه إيحاءات بان  استشهاد سـالي رحمها الله جاء نتيجة فعل متعمد أو حادثة استهداف مباشر.
     وإنني إذ  افهم وجود هذا التصور  لما يمر بة البلد من ظروف معروفة إلا إنني أريد أن أؤكد لكم " واقسم بشرفي على ذلك و بروح والدي" بان ما حدث  داخل حديقة دار جاري رومان كان  حادثة رصاص طائش يصيب بيوتنا باستمرار  لقربها من شوارع رئيسية  يكثر فيها إطلاق الرصاص بمناسبة وبدون مناسبة و الذي يودي بحياة الأبرياء في البصرة بشكل يكاد يكون يوميا ,ويمكنك التأكد من ذلك من السيد متي سكماني الذي حضر مع زوجته  إلى البصرة  أو الأخ رومان شخصيا , وأنني إذ اعرف أن هذه التوضيحات لن تفيد شيئا ولن تعيد عزيزا فقد, إلا إنني أجد نفسي  ملزما بالتوضيح  لما لمسته من عتب مـر يعز علينا أن نقرأة ضمن سطورك ويفاقم  إحساسنا بالأسى والحزن لما وقع  لزوجة صديق و أخ  وزميلة لي في جامعة البصرة التي تخرجت منها السنة الماضية  والتي عمها الحزن والأسف  لفقدان فتـاة كانت مثالا للخلق الرفيع والتفوق العلمي بشهادة الكل.
    نعم لقد كانت سـالي رحمها الله شـهيدة, كانت شهيدة ضعف القانون والدولة و انتشار الممارسات السيئة المؤذية للمجتمع مثل إطلاق النار في الهواء لأسخف الأسباب و أتفهها.
     واعلم حضرتك والجميع إننا لن نسمح بأي فعل مسيء يمس إخوتنا من أبناء الطائفة المسيحية بشكل مباشر رغم إنني لا أنكر حصول تعديات  من قبل بعض الجهلة والطفيليين  على العديد من المواطنين المسيحيين وغير المسيحيين وأصبحت للاسف من  علامات المرحلة..
     إلا أنني  أؤكد مرة أخرى بأنه لا علاقة لذلك بالحادث المؤلم الذي وقع للمرحومة سـالي , وأن ما وقع كان قضاء وقـدرا.
 هذا وتقبلوا فائق التقدير و الاحترام
أحمد رسول سلمان
 البصرة / 19- 1- 2007[/b][/font][/size]

173
الى الدكتور ايفان حميد تومي
[/color]
      لم يمر خبر نيلك الشهادة الاكاديمية امامي مرورا ًعابرا ً ، بل وقفت امامه طويلا لأستعيد ذكرياتي الماضية مع اهل بيتكم في محلة ( خيبرتا ) وزياراتي لهم ، حيث جدك المرحوم روئيل دائم الترحيب ، لارتباطي بالصداقة مع ابن عمك عادل رحيم ، وفي اواسط الستينات كان والدك حميد قدوتنا ، باعتباره أحسن لاعب منضدة (Ping Pong ) في الثانوية . ان الجهد الذي بذلته قد أثار إعجابنا ، فقد لويت عنق الصعاب وفتحت كوة في النفق المظلم ، من بغداد عاصمة السلام ، ومدينة العلماء ، ومبهج الدنيا ، في العصور المضيئة من التاريخ . انت ذلك الومض اللامع من الماضي البعيد الذي به نباري الامم ، انت وريث لكل ما هو أساسي ونافع ، في علوم الأقدمين ، من سكان وادي الرافدين .
     أبارك فيك المنزلة العلمية التي بلغتها بإمتياز في مجال الكيمياء ، ذلك العلم الطبيعي والحيوي في حياة البشر . اتمنى ان تساعدك الظروف ، وان تنعم بالصحة والارادة ، حتى تقدم على خطوات أوسع ، فطموحك بتقديري لا ينتهي عند هذا الحد ، بل الى مستقبل ارحب ، يرفع اسم بلادك وبلدتك التي انجبت في مجال العلوم متميزين يقتدى بهم ، أذكر منهم :- 
د. جورج أبونــا ، د. سعيد يوسف أسطيفانــا ، د. نشأت يوسف جبرائيل ، وغيرهم .
مبروك لك يا دكتور ايفان وألف تهنئة ، مقرونة بالاحترام والتقدير .
نبيل يونس دمان
nabeeldamman@hotmail.com
January 18, 2007[/b][/font][/size]

174
كفى ايها الموت ، إنكفـــأ !
[/color]
في استشهاد الشابة ، سالي سكماني :
بقلم نبيل يونس دمان
     ما بَرحَ شلالُ الدم ِ، يسيلُ من جسدِ وطني ، يعتصُرني الألمُ ، في نهايةِ النهار، أخلدُ الى الراحة ، ينتابُني القلقُ والترقب ، أستسلمُ للقدر ، أنامُ وملئ جفوني الأرق ، تغزوني الكوابيسُ تارة ً ، وأخرى الأحلامُ الجميلة ، أفيقُ مع تباشير الصباح ، فتغمُرني شَمسُه الدافئة ، التي ترسل أشعتها الى كُل الاوطان ، فيسري في الأجساد دبيبُ الحياة والأمل ِ، إلا وطني المعذب ، وطن النهرين والنخيل ِ، وطن الحضارة الأصيل ِ ، أنتظرُ في كل غدٍ ، لعلها البشائرُ تأتي عِبر الأثير، لتـُخبرني بإشراقةٍ جديدة ، ترفعُ الغبنَ عن بلادي ، تسبق الريح ، وتمضي نحو المستقبل السعيد . فتظهرُ أقواسُ قزح ٍ، من كل الألوان ِ ، تتلألأ ُ على ريش الأطيار ِ ، تسكُبها السماءُ على الارض ، فيسرحُ الاطفال ويمرحُ الناس ، على السهول ِ ، فوق الجبال ِ، وفي الصحارى ، خالية من الانفجارات ِ، والموت بالصدفة ، أو مع سبق الإصرار . يا أحلامي الوردية ، لا تـُفارقيني ، حتى بلوغ الحال الذي فيه الإستقرار، فتجنحُ سفينة ُ العراق عبرَ بحرٍ متلاطم الامواج ، الى شاطئ الأمان ِ.
      لماذا تموتُ الناس هكذا في كل حين ، ما هي المعصية ، وبأية جـِناية ، وما الذي إرتكبوه ، حتى يحزنُ الرجال ، تترملُ النساء ، ويتيتمُ الاطفال ، لماذا يغادرُ أحِبـّتنا هذه الارض في غير ِ أوانهم ، دون ان يكملوا الرسالة التي حَملوها في ولادتهم ، لتضيف شيئا جديدا ومتميزاً ، الى الصَرح الحضاري الشامِخ على مرّ العصور ، الى متى وأهلنا طعم للبارود والحديد ، لماذا تتناثر اجسادهم كل يوم ، هل ضاقت سُبل العيش ِ بهم فيَهلكون بعضَهم بعضا ً ؟ هل مواردُ الارض لا تكفي لإسعادِهم ؟ ام هو البكاء على الماضي ، ومحاولة ارجاع دولاب الزمن ، مهما بلغ الثمن .
      الماضي لن يعود ، وضربات ( ابو تحسين ) بالنعال ، ستبقى ماثِلة امامَ أعين ِ ، مُروجّي بـِضاعة الموت والدمار، لقد مضى صاحبُ الصنم الى نهايته الطبيعية ، وجسدُه العفن الذي ينخرُ فيه الدودَ الآن ، لن يمد في عُمر دكتاتورٍ جديد ، لن تعود الأيام الخوالي ، الى عصر المظالم والاستغلال ِ ، المجازر الجماعية ، الحروب العبثية ، كظمُ الانفاس ، حَصر الهواء ، ومنعُ استنشاقه على الناس . لقد استباحَ البعث فاشي وطننا في غفلة من الزمن ، وانتشرَ كما ينتشرُ الطاعونَ ، واليوم يحاول أيتامُ صدام المقبور في كل أعمالهم الشرّيرة ، إرجاع الماضي وزرع الفِتن ِ ، بالتأكيد لن يحصِدوا شيئاً ، سِوى تدمير أنفـُسِهم وعوائِلهم ، والأكثرُ من ذلك ، الخيبة والخذلان في خاتمة المطافِ . أولئك المتباكونَ على الدكتاتور في موتِه الذي إستحَقه ، سيأتِ الوقت الذي فيه ، يدسّون رؤوسَهم في التـُراب ، خجلاً من شعوبـِهم ، تمعّنوا بما تعنيه صورة الملك الراحل حسين بن طلال ، وهو يطلق الرصاص بإتجاه ايران ، في الثمانينات من القرن الماضي ، ألا يحرجُ  ذلك الموقف عائِلته المالكة ، ماذا لو كان حيا ً، ليرى وينظرَ بمِنظار اليوم .
      الى أيتام النظام السابق ، من العصابات المجرمة ، الى مُرتكبي الجرائم بالقـُطعة ، الى عابري الحدود من المرتزقة ، المحشوة أدمِغتهم أوهاما ً، الى جيش المهدي ( الأولياءُ الصالحون ، الأنبياء ، ورُسل السماء ، ليسوا بحاجة الى جيوش او قوات ) لهؤلاء جميعا ً أثبت قولي ، بأن طريقَ العراق الجديد ، لن يُفضي إلا الى الحرية والسلام ، الى الأمان والديمقراطية ، ذلك الطريق لا محيد عنه ، فعندما تقطع المسافة الدموية التي تـُفصلنا ، هناك سيُشيّد وطناً قوياً معافيا ، تستخلصُ الأجيالُ مما مضى العبرَ والدروس ، ليمضوا الى الأمام ، والى أزمنة قادمة ، تفيضُ عُصارة فِكرهم ، وجمال ذوقِهم ، في هندسة وبناء ، ما تـُعجب به أمَمُ الارض .
     سِقتُ تلك المقدمة ، لأعود الى بلدتي الصغيرة ( القوش ) في شمال العراق ، والتي تضربُ جذورها عميقاً في تربةِ النهرين الخالدين . لم تعتدي على أحد في تأريخها ، بل وبإستمرار تتلقى الضربات ، فقسماً منها تبقى تحزّ في النفوس ، وقسماً تـُرد وحسب الإمكانية والظروف ، بلدتي في عَصرها الحديث ، لم تـُؤسس ميليشيات مسلحة ، ولا عصابات قتل أو سرقة ، انما كانت تـُنظم الدفاعات عن نفسها ، وبشكل فردي وطوعي ، كان البعض يتركُ حياتـَه الناعِمة ، ليتحملُ مشاقَ الجبال في التصدّي للظالمين ، مثال ذلك الفقيد البطل توما توماس . في هذه الايام الفاصلة لا يمرُّ اسبوعٌ ، إلا ونكبة جديدة تقع لأهلنا في القوش ، تلحق بالبلدة ضرباتٍ مُتعددة ، في قتل العشرات من ابنائها وبناتها في مُدن الموتِ : بغدادَ ، البصرة ، الموصل ، وكركوك ، لا لذنبٍ اقترفوه ، بل وقود لصراع طائفي ، يجتاحُ البلادَ ويشتد يوماً بعد يوم . عندما أشعل الدكتاتور المقبور حربه المجنونة ضد ايران ، صارت تصل الى القوش وغيرها ، مواكبُ القتلى والجرحى ، وآخرون وقعوا أسرى ومفقودين الى الأبد ، والهاربون الى الجبال ، نال العديد منهم شرف الإستشهاد ِ . يُؤسفني جدا ً القول " ما أشبه اليوم بالبارحة " . أولادنا في المدن العراقية ، هم مثال الاخلاق والخلق ِ، إنهم بُناة ٌ رغم الصِعاب ، ورسلُ المحبة والسلام ، فأبعِدوا سِهامكم عنهم ، وتوقفوا عن أيذائهم ، أستصرخ ضمائركم ، وأثير نخوتكم ، ان تساعدوهم ، وتبعدوهم عن بـُؤر القتل ِ والخطف والاعتداء .
      ماذا اقترفـَت إبنة ُ صديقي الشابة اليانِعة ، سالي متي سكماني ( 21 سنة ) ، حتى تلقى حتفها امامَ عشـّها الزوجي في البصرة ، فيفتقدها زوجها المسكين رومان نوئيل ، في غمضة عين ٍ ، وتنوحُ إبنتها الصغيرة ، بَحثا عن أمّها ، ولكن هيهات ان تجـِدها . أيا جامعة البصرة الأبية : إرفعي صوتك عالياً ، إسألي عن سالي ، تلك الوردة الجامعية التي قتلت ، فتركت مقعدها في السنة الأخيرة فارغا ً ! وهي ضيفة ُ البلدة القوش ، في ثغرِ العراق ، الذي كان يوما ً باسما ً !! . تخيلوا يا أهلَ البصرة الطيبين ، لو كانت بضعة عوائل منكم بين ظهرانينا ، هل كُنا نـَسمح بوقوع ِ اعتداءٍ او ضيم ٍ عليهم ؟ أبقى مُردداً هذا السؤال ؟ .
     العزيمة والصبر لصديقي متي ميخا ، للاستاذ بنيامين ميخا ، لزوج الفقيدة الغالية ، ، لأهلها وأصدقائها ، لهم جميعا ً ، القوة والسلوان ، في تحمل المصاب الجلل.
سَلاما ً ووداعا يا سالــــي
يا ربيعَ العُمر الفانــــــــي
بالله كوني خاتمة الأحزان ِ
nabeeldamman@hotmail.com
January 12, 2007[/b][/font][/size]

175
كفى ايها الموت ، إنكفـــأ !
[/color]
في استشهاد الشابة ، سالي سكماني :
بقلم نبيل يونس دمان
     ما بَرحَ شلالُ الدم ِ، يسيلُ من جسدِ وطني ، يعتصُرني الألمُ ، في نهايةِ النهار، أخلدُ الى الراحة ، ينتابُني القلقُ والترقب ، أستسلمُ للقدر ، أنامُ وملئ جفوني الأرق ، تغزوني الكوابيسُ تارة ً ، وأخرى الأحلامُ الجميلة ، أفيقُ مع تباشير الصباح ، فتغمُرني شَمسُه الدافئة ، التي ترسل أشعتها الى كُل الاوطان ، فيسري في الأجساد دبيبُ الحياة والأمل ِ، إلا وطني المعذب ، وطن النهرين والنخيل ِ، وطن الحضارة الأصيل ِ ، أنتظرُ في كل غدٍ ، لعلها البشائرُ تأتي عِبر الأثير، لتـُخبرني بإشراقةٍ جديدة ، ترفعُ الغبنَ عن بلادي ، تسبق الريح ، وتمضي نحو المستقبل السعيد . فتظهرُ أقواسُ قزح ٍ، من كل الألوان ِ ، تتلألأ ُ على ريش الأطيار ِ ، تسكُبها السماءُ على الارض ، فيسرحُ الاطفال ويمرحُ الناس ، على السهول ِ ، فوق الجبال ِ، وفي الصحارى ، خالية من الانفجارات ِ، والموت بالصدفة ، أو مع سبق الإصرار . يا أحلامي الوردية ، لا تـُفارقيني ، حتى بلوغ الحال الذي فيه الإستقرار، فتجنحُ سفينة ُ العراق عبرَ بحرٍ متلاطم الامواج ، الى شاطئ الأمان ِ.
      لماذا تموتُ الناس هكذا في كل حين ، ما هي المعصية ، وبأية جـِناية ، وما الذي إرتكبوه ، حتى يحزنُ الرجال ، تترملُ النساء ، ويتيتمُ الاطفال ، لماذا يغادرُ أحِبـّتنا هذه الارض في غير ِ أوانهم ، دون ان يكملوا الرسالة التي حَملوها في ولادتهم ، لتضيف شيئا جديدا ومتميزاً ، الى الصَرح الحضاري الشامِخ على مرّ العصور ، الى متى وأهلنا طعم للبارود والحديد ، لماذا تتناثر اجسادهم كل يوم ، هل ضاقت سُبل العيش ِ بهم فيَهلكون بعضَهم بعضا ً ؟ هل مواردُ الارض لا تكفي لإسعادِهم ؟ ام هو البكاء على الماضي ، ومحاولة ارجاع دولاب الزمن ، مهما بلغ الثمن .
      الماضي لن يعود ، وضربات ( ابو تحسين ) بالنعال ، ستبقى ماثِلة امامَ أعين ِ ، مُروجّي بـِضاعة الموت والدمار، لقد مضى صاحبُ الصنم الى نهايته الطبيعية ، وجسدُه العفن الذي ينخرُ فيه الدودَ الآن ، لن يمد في عُمر دكتاتورٍ جديد ، لن تعود الأيام الخوالي ، الى عصر المظالم والاستغلال ِ ، المجازر الجماعية ، الحروب العبثية ، كظمُ الانفاس ، حَصر الهواء ، ومنعُ استنشاقه على الناس . لقد استباحَ البعث فاشي وطننا في غفلة من الزمن ، وانتشرَ كما ينتشرُ الطاعونَ ، واليوم يحاول أيتامُ صدام المقبور في كل أعمالهم الشرّيرة ، إرجاع الماضي وزرع الفِتن ِ ، بالتأكيد لن يحصِدوا شيئاً ، سِوى تدمير أنفـُسِهم وعوائِلهم ، والأكثرُ من ذلك ، الخيبة والخذلان في خاتمة المطافِ . أولئك المتباكونَ على الدكتاتور في موتِه الذي إستحَقه ، سيأتِ الوقت الذي فيه ، يدسّون رؤوسَهم في التـُراب ، خجلاً من شعوبـِهم ، تمعّنوا بما تعنيه صورة الملك الراحل حسين بن طلال ، وهو يطلق الرصاص بإتجاه ايران ، في الثمانينات من القرن الماضي ، ألا يحرجُ  ذلك الموقف عائِلته المالكة ، ماذا لو كان حيا ً، ليرى وينظرَ بمِنظار اليوم .
      الى أيتام النظام السابق ، من العصابات المجرمة ، الى مُرتكبي الجرائم بالقـُطعة ، الى عابري الحدود من المرتزقة ، المحشوة أدمِغتهم أوهاما ً، الى جيش المهدي ( الأولياءُ الصالحون ، الأنبياء ، ورُسل السماء ، ليسوا بحاجة الى جيوش او قوات ) لهؤلاء جميعا ً أثبت قولي ، بأن طريقَ العراق الجديد ، لن يُفضي إلا الى الحرية والسلام ، الى الأمان والديمقراطية ، ذلك الطريق لا محيد عنه ، فعندما تقطع المسافة الدموية التي تـُفصلنا ، هناك سيُشيّد وطناً قوياً معافيا ، تستخلصُ الأجيالُ مما مضى العبرَ والدروس ، ليمضوا الى الأمام ، والى أزمنة قادمة ، تفيضُ عُصارة فِكرهم ، وجمال ذوقِهم ، في هندسة وبناء ، ما تـُعجب به أمَمُ الارض .
     سِقتُ تلك المقدمة ، لأعود الى بلدتي الصغيرة ( القوش ) في شمال العراق ، والتي تضربُ جذورها عميقاً في تربةِ النهرين الخالدين . لم تعتدي على أحد في تأريخها ، بل وبإستمرار تتلقى الضربات ، فقسماً منها تبقى تحزّ في النفوس ، وقسماً تـُرد وحسب الإمكانية والظروف ، بلدتي في عَصرها الحديث ، لم تـُؤسس ميليشيات مسلحة ، ولا عصابات قتل أو سرقة ، انما كانت تـُنظم الدفاعات عن نفسها ، وبشكل فردي وطوعي ، كان البعض يتركُ حياتـَه الناعِمة ، ليتحملُ مشاقَ الجبال في التصدّي للظالمين ، مثال ذلك الفقيد البطل توما توماس . في هذه الايام الفاصلة لا يمرُّ اسبوعٌ ، إلا ونكبة جديدة تقع لأهلنا في القوش ، تلحق بالبلدة ضرباتٍ مُتعددة ، في قتل العشرات من ابنائها وبناتها في مُدن الموتِ : بغدادَ ، البصرة ، الموصل ، وكركوك ، لا لذنبٍ اقترفوه ، بل وقود لصراع طائفي ، يجتاحُ البلادَ ويشتد يوماً بعد يوم . عندما أشعل الدكتاتور المقبور حربه المجنونة ضد ايران ، صارت تصل الى القوش وغيرها ، مواكبُ القتلى والجرحى ، وآخرون وقعوا أسرى ومفقودين الى الأبد ، والهاربون الى الجبال ، نال العديد منهم شرف الإستشهاد ِ . يُؤسفني جدا ً القول " ما أشبه اليوم بالبارحة " . أولادنا في المدن العراقية ، هم مثال الاخلاق والخلق ِ، إنهم بُناة ٌ رغم الصِعاب ، ورسلُ المحبة والسلام ، فأبعِدوا سِهامكم عنهم ، وتوقفوا عن أيذائهم ، أستصرخ ضمائركم ، وأثير نخوتكم ، ان تساعدوهم ، وتبعدوهم عن بـُؤر القتل ِ والخطف والاعتداء .
      ماذا اقترفـَت إبنة ُ صديقي الشابة اليانِعة ، سالي متي سكماني ( 21 سنة ) ، حتى تلقى حتفها امامَ عشـّها الزوجي في البصرة ، فيفتقدها زوجها المسكين رومان نوئيل ، في غمضة عين ٍ ، وتنوحُ إبنتها الصغيرة ، بَحثا عن أمّها ، ولكن هيهات ان تجـِدها . أيا جامعة البصرة الأبية : إرفعي صوتك عالياً ، إسألي عن سالي ، تلك الوردة الجامعية التي قتلت ، فتركت مقعدها في السنة الأخيرة فارغا ً ! وهي ضيفة ُ البلدة القوش ، في ثغرِ العراق ، الذي كان يوما ً باسما ً !! . تخيلوا يا أهلَ البصرة الطيبين ، لو كانت بضعة عوائل منكم بين ظهرانينا ، هل كُنا نـَسمح بوقوع ِ اعتداءٍ او ضيم ٍ عليهم ؟ أبقى مُردداً هذا السؤال ؟ .
     العزيمة والصبر لصديقي متي ميخا ، للاستاذ بنيامين ميخا ، لزوج الفقيدة الغالية ، ، لأهلها وأصدقائها ، لهم جميعا ً ، القوة والسلوان ، في تحمل المصاب الجلل.
سَلاما ً ووداعا يا سالــــي
يا ربيعَ العُمر الفانــــــــي
بالله كوني خاتمة الأحزان ِ
nabeeldamman@hotmail.com
January 12, 2007[/b][/font][/size]

176
المنبر الحر / الموت للطغاة
« في: 23:10 28/12/2006  »
الموت للطغاة
[/color]
نبيل يونس دمان
   في اللحظة التي يشتد فيها حبل العدالة على رقبة دكتاتور العصر صدام حسين ، يأت مسلسله المرعب والدامي ، والذي قضينا عشرات السنين في متابعته ، الى نهايتة .. اخيرا سيفارق الحياة بطريقة مهينة ، ستظل مدى الدهر عار على مريديه من اصحاب المصالح والامتيازات والعقول المريضة . في القريب العاجل سيغادر مسرح الاحداث ، رمز الامجاد الزائفة ، مهندس المقابر الجماعية ، مبذر الثروات الوطنية ، مستخدم الاسلحة الكيمياوية ، سارق ابتسامات الاطفال لعقود من الزمن ، يغادر الى غير رجعة ( بطل ) المسلسل و( العقل ) المدبر لكل الشرور التي ألمّت بشعبنا وشعوب المنطقة .
     بمرور الزمن سينسى العراقيون ذلك الكابوس الرهيب ، فيتوجهون لبناء غدهم الزاهر الذي يلوح في الافق ، ذلك المثقل بالآمال ، فيشيدوا وطنا ً جديدا ً، يغير تصور العالم عنهم ، وهم ورثة الحضارات القديمة ، التي ارست اللبنات الاولى في الصرح الحضاري الشامخ ، ينتظار العراقيين مستقبل مشرق بعد ازالة رمز التسلط والعنجهية الفارغة ، وكل ما هو في مسفلة التاريخ .
     بهذه المناسبة اهنئ الشعب وأسر الضحايا ، تلك الآلاف المؤلفة ، التي ادعوها اليوم لتطوي صفحة الماضي ، وتنظر للآت من الايام في عيون الاطفال ، رجال مستقبلنا وبُناته ، احيي كل من غذى طريق النضال بشبابه وحياته ، من اجل اقصاء  لوحة سادت رغم ارادة العراقيين ، فطغت على كل الالوان والاطياف الجميلة ، لتعطي صورة وهمية عن العراق كما تفعل العدسة الخيالية .
     عراقنا لولا هذا السائر رغم عنه للمشنقة ، لكان في مصاف أرقى الامم كما هو عهد البشرية به ، وباستطاعته ان يقلب الصورة والمعادلة معا ً، ليظهر للعالم كم يختزن من طاقات وامكانيات مادية وبشرية تبهر الامم . قادم بلا شك ذلك اليوم ، ورهان اتباع صدام وأيتامه خاسر لا محالة ، فالماضي لن يعود ، وسجله سيحفظ في صفحات التاريخ الأكثر سواداً ، الى جانب جبابرة الطغاة في العالم .[/size]
 [/b] [/font]

177
نداء عاجل الى خاطفي المعلم نوئيل صادق عوديش
[/color]
     طالعت بحسرة وأسف نبأ خطف المعلم نوئيل عوديش على الطريق بين الموصل و بغداد ، مع اثنين من اقاربائه لاسباب غير معروفة ، لذلك أطرح بعض الملاحظات على الخاطفين :
* ان كان سبب الخطف لإستحصال فدية مالية ، فلا اعتقد ان بامكانه ذلك .
* وان كان السبب لانه مسيحي ، فالمسيحية التي يتبعها ثلث البشرية تقريبا ، يكون من العجز التام القضاء عليها بهذه الطريقة البسيطة ، خصوصا ً عندما يكون الضحية من الشعب المسيحي في العراق ، البعيد كل البعد عن الصراعات الحالية ، والتواق لنشر المحبة والسلام في ربوع الوطن .
* وان كان السبب سياسيا ً، فالرجل في كل حياته كان يوفق بين التيارات السياسية المختلفة ، ولم ينحاز لجهة على حساب الاخرى ، بل سخر امكاناته لخدمة ورفعة شان الوطن ، ستكتشفون ذلك من خلال التحقيق معه .
* ان كان السبب عشائريا ً فبلدة القوش معروفة في كل انحاء العراق بمواقفها الجريئة وشهامتها ، لارجع الى عام 1959 وفي اشد ايام الموصل غليانا ً، تواجد مفتش التربية المرحوم الاستاذ محسن توحلة في القوش ، فلم يمسه احد بسوء ، بل احتفظ به معززاً مكرما ، حتى انتهاء الاحداث ، حيث عاد الى الموصل برفقة عدد من اهالي البلدة ، وحسب ما نقلوه بأمانة للاجيال ، بان عائلة المفتش واهله ، قد فوجئوا بعودته سالماً معافيا ، وكان ظنهم بانه في عداد الاموات ، فزادت مكانة البلدة عندهم كثيرا ً.
     ختاما اقول بأن الرجال تكشف ايام الشدة ، والمواقف الصائبة تنقش في الحجر ، وتبقى مدى الدهر . هنا اناشد الخاطفين إطلاق سراحه وسراح صحبه ، بمناسبة اعياد الميلاد ورأس السنة ، ليحتفلوا مع أسرهم فتغمر الفرحة بيوتهم ، ويرتاح ضميركم ويسعد اطفالكم ، والسلام .
من اصدقاء المختطف
نبيل يونس دمان
21- 12- 2006[/b][/font][/size]

178
وداعا ً أستاذي منصور سورو
[/color]
بقلم نبيل يونس دمان
     أبى إبنُ القوشَ المعروف منصور أودا سورو ، ان يغادر هذه الدنيا ، إلا من على تلك الارض الطيبة التي ولد فيها قبل اكثر من ثمانين عاما ً، ومنها انطلق الى رحاب الحياة ، بكنز من الطاقة والحيوية ، ليكسب العلم والأدب ، وليعود الى بلدته مديراً لثانويتها الحديثة التأسيس . لن ابالغ القول بانه افضل مدير أدار تلك المدرسة ( للفترة من 1957- 1966 ) ، أشبهه بالربان الماهر الذي قاد السفينة في ظل العواصف والرياح العاتية . ذلك ما حدث عام 1963 ، الذي شهدت فيه البلاد ، المد الشوفيني الرجعي ، والذي اعقب سنوات الأفراح والمباهج ، غداة ثورة الشعب الخالدة 14 تموز . لا يمكن تخيل رجلا غيره ، يستطيع ان يسيطر على الأمور، ويدع المدرسة تستمر في ظل عبث كاتب المدرسة المندس عدنان ، وحقد الدوائر الأعلى في الموصل ، لقد أودع أكثر مدرسي الثانوية في السجون ، وتخلى الكثير من الطلبة عن المواصلة ، واختفوا عن الانظار ، والباقون منهم  ظلـّوا فزعين ، تنتابهم الهواجس ، بإنتظار مرور الإعصار . كان الراحل يوازن الأمور بعقل راجح وضمير حي ، محاولا ً إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وتخفيف الحيف الملحق بالطلبة ، ظل الدوام مستمرا ً في ظل تناقص كبير للمدرسين  ، وتنسيب عدد غير قليل من معلمي الابتدائية ، كملحقين في التدريس .
     كان يعامل الطلبة كأبنائه فيغمرهم بالحب ما أمكن ، ويعاقبهم اذا اساؤوا التصرف بعقوبات سريعة ، منها اللجوء الى الضرب الذي ساد آنذاك . كان موجها ً فريدا ، ومربيا ً فذا ، طرائقه في حل مشاكل الطلبة هي نادرة التكرار، تتخللها في اكثر الأحيان النكتة البارعة ، والشدة المناسبة ، واحيانا السخرية اللاذعة بالمقصرين في واجباتهم ، او المخلين باللوائح المدرسية ، كان لا يفرق بين قريب له او صديق او من ملة اخرى ، الذين تحتضنهم الثانوية ، بل جميعهم عنده سواسية ، وحتى المدرسين الذين غالبيتهم من خارج البلدة ، فكان يعاملهم بالاحترام وفي الحزم عند الضرورة .
     كان الاستاذ منصور مديري لسنتين فقط ( 1964- 1966 ) وفيها ايضا اتخذ مسكنه قريبا من بيتنا في محلة التحتاني (منزل اسحق جولاغ ) لهذا كان دائما ً امام أنظاري في المدرسة ، وبعد الدوام يشق طريقه عاقدا ً يديه خلف ظهره الى السوق او الى نادي الموظفين ، بوجهه الصارم وجسمه الممتلئ وسيكارته التي لا تفارق شفتيه ، في بعض الأعْصُر يتخذ مجلسه ، في بيدَر قريب ، بين رجال محلتنا الذين غالبيتهم رحلوا الى رحمة الله ( منهم : نونو ايسف جولاغ ، أيسف جبرائيل توسا ، كريم يونس تيزي ، غريبو جبو لاوو ، ياقو اسرايي تومكا ، شابا توما كولا ، الياس جيقا ، اسو اورها حنونا ، ميخا زراكه ، سليمن جاورو ) فكان خير متحدث في امور الحياة والدنيا ، كما كان ينقل لنا والدي العزيز يونس ياقو دمان ، بإعتباره أحد الجُلاس . ورغم حياته المنظمة والجدّية ، فقد كان يرفه عن نفسه ، في تبادل الزيارات العائلية ، اوالقيام بالسفرات الى المناطق السياحية ، فكان مثال الانشراح والانطلاق ، وراوي الطرائف المتقنة ، والتي تثير طويلا المستمع اليها ، وقد كان من أوائل من امتلكوا السيارة ( في البلدة آنذاك اربع سيارات خصوصية فقط تعود الى المدير الراحل جرجيس حميكا ، والمضمد الراحل شابا مرّوشا ، والمضمد الراحل اسطيفان ابونا ) . اضافة الى مسؤوليته الادارية ، كان يدرس مادة الرياضيات للصفوف المتوسطة ، وكانت له طريقة فريدة في اللجوء الى الامثلة من البيئة المحيطة ، ومن موجودات السوق ، من المكاييل والأوزان وغيرها ، فيقرب الموضوع الرياضي الى أذهاننا ، ويجعله يترسخ الى الأبد .
     يا لقساوة الايام ويا لصروف الدهر، فالرجل الذي اثار جيلنا ، لم ألتق به إلا في سني  ادارته ، وقد حالت هيبته وقوة شخصيتة ، دون ان امعن النظر في تلك الملامح الصارمة ، او اتمكن التكلم معه في أي موضوع ، بحكم العلاقة التي كانت تربط الطالب مع الاستاذ ، والمبنية على الاحترام الفائق ، بل وعدم التواجد مطلقا في اماكن إلتقاء المدرسين ، كم كنت في شوق ان أجلس معه وأسمعه ولو لمرة واحدة ، ولكن تلك الفرصة تبخرت في رحيله يوم 4 - 11- 2006 .
     الذي لا يعرف اصل الاستاذ ربما يراوده ذلك السؤال ، فاقول انه قد سُمّي على إسم جدّه القس منصور سورو ( المتوفي سنة 1907 ) ، الذي كان رئيس كهنة البلدة ، عرف بسداد رأيه ، وحبه للفكاهة والحكايات الشعبية ، وبشجاعته ، فالحملات التي تطال البلدة بين زمن وآخر كانت توقظ في الكاهن المذكور الغيرة ، فيحمل السلاح ويكون في مقدمة من يهب للدفاع عن الأعراض والممتلكات والمقدسات . ومعروف بيت سورو العريق ومن سكان البلدة الاصليين ، عرف منهم ايضا ً الشخصية التقدمية ، والمعلم المحبوب ، المرحوم موسى نوح القس منصور، الذي لا يكاد حديث مثقفي البلدة يتوقف عن الاشادة به وابراز خِصاله الحميدة ، وقد كان الاول على دورته في العام الدراسي الابتدائي ( 1935- 1936 ) . وتبقى شجرة بيت سورو ترفد البلدة بالمتميزين في الحاضر والمستقبل ، لعل الدكتور منهل ابن الفقيد أحد هؤلاء ، وبهذه المناسبة الأليمة أنشد له ولإخوانه ووالدته وأعمامه وكل فرد في اسرته ، الصبر والسلوان ، كما وأمد يدي اليه أينما يتواجد الآن مواسياً ، ومقدراً فداحة خسارته ، أخاله سيواصل طريق والده في حياته الزاخرة .
      قبل فترة قصيرة سمعت بتواجد الاستاذ منصور في القوش ، وانه قد ترك جبهة الخطر في بغداد ، ففرحت ومنيت نفسي بالقول :-  لقد اقترب اللقاء ، حالما تنفرج ظروفي الخاصة بالعمل ، فتطأ أقدامي أرض بلدتي التي فارقتها قرابة ربع قرن . القدر لم يـَلِن لرغبتي ، والحياة لم تمهله ، ففارقها مع بالغ الأسف ، وراح يودعه عوضا ً عني زملائي وأصدقائي في موطن الآباء والأجداد ، وربما سار نعشه محمولا على اكتافهم .
 لتكن كلماتي القصيرة هذه ، خير وفاء لذكراه المتجددة .
 ورودٌ نضرة ، وأغصانٌ طرية ، أنثرها فوق قبره .



المرحوم في أواخر عمره محاطا ً بأفراد أسرته ، بغداد في  26- 1- 2005

nabeeldamman@hotmail.com

November 15, 2006[/b]

179
الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس (10)
نبيل يونس دمان

المرحوم توما توماس مع كاتب السطور عام 1994. بعدسة المصور الفنان أديب زرا

         في السنوات الماضية ومنذُ أن أعددتُ قلمي ، للتعبير ِ عن ما يدور في ذهني ، فإنّ أبا جوزيف يرافِقـُني ، وظلـّت أفكاره تـُهديني الى الطريق ِ القويمْ ، كلما ساقتني العواطفُ جانبا ً. لقد كتبتُ عن مآثره في ساحات النضال ِ المختلفة ، وكتبتُ عن حياتِه ، ورثيتـُه مِرارا ً، ولذلك سأكتبُ اليومَ عن الجانب الإنساني في الراحل ِ الخالد ، من خلال ِ مُعايشتي له ، لفتراتٍ قصيرة ومتباعِدة ، بسبب الظروف الشائِكة والقاسية ، التي كان يمرُّ بها الوطنُ ، حيث التكلـّمُ مَعه مَحذورا ً، وإلتقاط ُ الصور ِ له ، او كتابة ُ الشِعر والخواطِر عنه صَعبا ً ، فعيونُ السلطة وآذانـُها لم تتوقف من التجسُس ِ ، الى حدِّ كان بيتـُه مراقبا ً، والمرورُ من أمامِه يُحسَبُ له ألفُ حِسابٍ ، فكيف بالكتابة او التوثيق ِ ، رُبما كتب الكثيرون عنه في فتراتٍ مختلفة ، ولكن لم يكن بإستطاعتِهم الإحتفاظ َ بها خوفا ً من السلطة ، فكانوا يتلفونـَها عند اشتدادِ الظروف ، هكذا حَطـّمت الفاشية موروثاتَ ثوارَ العراق ، لكنها لم تستطعْ ان تـُمح ِ ذِكرياتهم من وُجدان الناس ِ ، فتناقلوا بالسِرِّ والهَمْسِ ِ الأحاديثَ عَنهم . في كثير ٍ من الاحيان تكون الذاكرة هي المعين ِ المتوفر ، لتعريفِ العالم بمناضلي العملِ السرّي والمقاومة ، في كل بُقعةٍ من بـِقاع العراق ، إن استرجاعَها لعشرات السنين مُهمَّة ليست باليسيرة ، إضافة الى ضياع بعض ِ الأطـُرِ والكثير من ملامِح الصورة ، الانسان يميلُ الى تجميل تلك الصورة ، وينساقُ ربما دونَ إرادته ، لتثبيتِ الجوانب المُضيئة فيها ، حاجـِبا ً الجوانبَ الداكنة ، لذلك لن تـَخلوا كتاباتنا من بعض النواقِص ، ولكنها في آخر ِ المَطافْ شذراتٍ ضرورية ، لإستخلاصِها ونـَقلها ، ليطـَّلـِع الخلـَف على ما حَفل به السَلـَف الصالح ِ.
      في ليلةٍ من ليالي الجبال ِ الباردة من عام 1983 ، وعلى أضواءٍ خافـِتة جلس توما توماس في الوسط ، فتحلـّق حولـَه الرفاقُ والرفيقاتُ ، في مكان ٍ مُقفَر ٍ بعيد ٍعن الحضارة والناس ، إلا من أنفاس ِ الثوارِ وبنادِقهم ، وشرَع يُقارن بين حركة الانصار الاولى في الستينات والثانية في الثمانينات ، أخذني في حينِها الخيالُ بعيدا ً الى فترة الصِبا ، عندما كان جَبلُ بلدتي يَعُجُّ بحركة الانصار ِ البواسلْ ، فكُنـّا نَستر ِقُ السمعَ لنقتفي اخبارَ بطولاتِهم وحياتهم ، وكـَم دَفـَعنا الفضولُ لتعقبهم أوقاتَ زياراتهم للبلدة ، في فتراتِ الهُدنة أو التحدّي ، كانوا مُشرقين بقاماتهم ، تحت الزي الكُردي ، وغطاءُ الرأس ِ الأحمرْ ( اليشماغ  ) الجديد عليهم ، وقد تركوا للتـَو مدارسهم او وظائفهم او أعمالـهم ، لمقاومةِ انقلابيي شباطَ الاسود ، كانوا فـِتية ضمَّهم الجبلُ من مختلف فِئات الشعب ، ومن مُختلف الأديان والقوميات والمناطق ، والى حد ما بمشاركةِ المرأة أيضا ، كانوا نَسيجا ً إجتماعيا ً رائعا ً، يَشد ُ الأنظارَ إليه ، ويتطلعُ الشعبُ الى خلاصِه من نير ِ الدكتاتوريات المتعاقبة ، على أيدي هؤلاء الشباب ، المتـّقِدي الحماس . عندما كان يتواجد العشرات من الانصار البواسل في مُحيط البلدة القوش أو في ( دير الربان هرمزد ) او ( بـِسْقين ) او كُهوف (ﭘْيرمْوس ) ، كنا دائمي المُتابعة لهم ، بما في ذلك المجازفة في الصعود الى مقراتهم ، لنراهم ونـَرى اسلحتـَهم المُختلفة .
      كان أهلـُنا يُكِنـّون الحُبَّ العميق لتوما توماس ، وبـِحكم موقع بيتي مُقابل موقف السيارات ( الكراج ) ، كنت أرى معظمَ سواق البلدة ، يُقدمون على المخاطرة ، بالذهاب الى الجهة التي يُريدُ أبو جوزيف التوجُّهَ اليها ، حالـَما تـَصِلُ ورقة ً او خبرا ً منه . اتذكر عندما طالَ غيابُه خارجَ الوطن ، كان كبارُ السِنّ يسألوننا نحن الشباب عنه ، وكنا نقولُ ودون التأكُد ، بل من تِلقاء أنفـُسِنا ،  بأنـّه سَيعودُ قريبا ً ، عندما كان يسمع المرحوم (جبـّو تِنا ) الجملة التالية ( ﭘْشِطلِه لأرْخا ـ أي في الطريق ) يتهلــّلُ وجهُه فرحا ً، ويَمِدُّ يديهِ نحو السماء ، طالبا ً من الرَب أن يحفِظَـَهُ .
     هناك من أضمرَ السوءَ والعداء لأبي جوزيف ، إما لفائدةٍ يَجنيها ، او لدناءةِ نفسِه ، او لِشعور ِه بالنقص ِ ، وعندما وقعَ بعضُهم أسرى بأيدي الرَجل ، وأصبحت حياتـُهم مرهونة ً بـِشَرفِه وضَميره ، عـَفا عنهم وأطلقَ سراحهم ، ليعودوا الى بيوتِهم ، ويعيشوا ما تبقى لهم من العمر مُنزوينَ ، خـَجـِلين مما هم فيهِ ، وربما أصبحَ بعضهم من مُحبيه طاويا ً صفحته السابقة ، كم كان نـَظرُه بعيدا ً وكم كان أسمى مِنهم جميعا ً، فلو لـَوّثَ يديه بدمائِهم لأصبحوا يوما ً يُذكرون في التاريخ ، ولكنهم إنتهوا ونـَسيهم حتى أهلِهم ، فيما إرتفع في الأعالي إسمُ توما توماس .
     كم كانت أسرَتـُه رائعة ً ووفية ً ، تعرّضَت للكثير من المُضايقات ، المُطاردة ، الإعتقال ، ولكنهم كانوا جميعا ً أقوى من كل تلك الأساليب ، فخرجوا منها مُخلصين لحِزبه ومبادِئه ، خـُطفَ ابنـَه الشابْ مُنير عام 1981 وغـُيِّبَ حتى اليوم ، وغاية ُ الدكتاتورية قـَهرُ إرادَتِه ، لكنه لم يَنحَنِ ِ لِكُل النوائب التي ألَمَّت به  ، ومنها رحيلُ رفيقة عُمره الخالدة ( ألماس ز ِلـْفا ) عام 1991 في الشام . سَيظلُّ توما توماس أمثولة النضال ِ ، واستمرارٌ لِصلابةِ وخـِصالِ القائد الفـَذ يوسف سلمان ( فهد ) .  
     آه لو كان أبو جوزيف بيننا اليومَ ، ليَشهد سقوط البعث المُقيت في العراق ، ولجوء بقاياه التي كانت تتشدق بالمبادئ والعقيدة كذبا ً، الى حرق كل شيء يقع أمامها ، لا لتسجيلِ موقفٍ نبيل او بطولي لخـَلفهم ، بل ليواصلوا رسالـَتِهم ( الخالدة ) المُدمرة حتى النهاية ، بـِئسَ ما يفعلـُه ( جُند القائد ) ، ألا تـَمعـَّنوا قليلا ً بوضع ِ القابع ِ خانِعا ً في قـَفـَصهِ ،  يبيعُ عنتريات عفا عليها الزمن ، وقد تربّى عليها في الأز ِقة صَبيّا ، وكيف أضحكَ الملايين في المعمورة يومَ القبض ِ عليه ، وهو يفتـَحُ فمِه ليعاينه جنديُّ الإحتلال . جيلٌ بعد جيلٍ ستلعِن الناسُ صدامَ واتباعه ، ومكانـُهم جميعا ً في مَزبلة التاريخ ، أما ابو جوزيف ور ِفاقه الميامين ، وفي المقدمة الشهداءُ منهم ، سيكونوا على الدوام يُشغلون مساحاتِ القلوب . أبو جوزيف لم يَمُت بل تحيا  ذ ِكراه أبدا ً، كانت حَياتـُه أشبهَ بالأسطورة ، كم كان صَبرُه عظيما ً، كم كان تـَحَمـله كبيرا ً، وكم كان قلبُه عامرا ً بالإنسانية .
      كانت كلِمَتـُه مَسموعة ً عِند المُلا مصطفى البارزاني ، أتذكرُ كلمة َ الترحيب به ، من قِبل مُمثل الحزب الديمقراطي الكردستاني في كالفورنيا ، عندما رَبط إسْمَه وصداقتـَه بالبارزاني الخالد ، وقف الجميعُ مُصفِقـّين بـِحرارة ، أجدها الآن مُناسبة ً لكي أطرُق الأبوابَ وارفعُ صوتي عاليا ً، ليـَسمعني رفاق أبي جوزيف في الثورة التحرُرية التي إندلعت في كردستان قبل عـِدة عقود ، بان لا ينسوا هذا البطل ، فمن أُقيمت الأنصابَ لهم في ساحاتِ كردستان اليوم ، لم يكن أبو جوزيف أقلـَّهم عَطاءا ً وشجاعة ً وإخلاصا ، لذلك ولكي لا يَختلُّ ميزانَ العدل ِ ، أقترحُ إقامة َ نـَصبٍ تِذكاري له في أحد الميادين ، فيَمرُّ الاطفالُ في كُلِّ صباح ٍ ، ليلقوا النـَظرَ عليه ، وهم في طريقِهم الى مدارسِهم ، لا يُراودني شـَكٌّ بأنّ ذلك سَيحدَثُ يوما ً، لكنني ألفِتُ الأنظار للإسراع في دراسة المُقترح . وكذلك اطلبُ مساعدة الجميعْ ، في تسهيل نقل رُفاته ورُفاتِ زوجته الى تربة القوش عندما تسنحُ الظروف ، وفي إخراج مُذكراته الى النور.
     الصيرورة ُ ليس لها إلا شكلان هُما قيامُ الأشياء وانقِضاؤُها ، بـِدايتها ونهايتها ، إنبعاثها وإنحلالها ، لكني أرى في حالةِ ابو جوزيف إستثناء ، فأرض بلادنا ستجودُ بمِثلهِ ، في إمتلاك ناصيةِ الحِكمة ، والإقدام ِ والجُرأة . ختاما ً أقول ، بان أبا جوزيف لم يأتِ من فراغ ولم يولـَدَ من لا شيءٍ ، بل لـَه آباءٌ واجدادُ ، بلدة ٌ وتاريخ ، فلا تنسوا بلدتـَهُ في حاضِرها ، كما لا تنسوا أولادَه وأحفادَه في دول العالمِ المختلفة .
nabeldamman@hotmail.com
☼☼☼☼☼☼☼
☼☼☼☼☼
☼☼☼
[/b][/size][/font]

180
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(9)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين. اود الان نشر ما كتبته له في رثائه ، ملحقا بقصيدة شعرية قرأتها في حفل تأبينه المقام عصر الاحد 10- تشرن الثاني 1996 في قاعة نادي أرادن في مدينة وورن .

وداعــأ نـَسْر الجبال توما توماس
     شق السكون رزء أليم ، وأمر جلل ، ففي لحظة من اللحظات ، غاب عنا الانسان الكبير ، وتوقف القلب الجسور ، وفاضت الروح النبيلة ، وفي غفلة منه انطوت الصفحة الاخيرة ، في حياة زاخرة بجلائل الاعمال .
في لحظة كهذه اقف حائراً ، متردداً ، باكيا ، وعاجزاً عن فعل شيء . لقد مات القائد ، الصديق ، والمثل الأعلى في الحياة توما توماس :
مات بطل الشعب العراقي
مات نصير الشعب الكردي
مات أخُ القوميات المضطهدة
مات الضابط المقاتل
مات الشيوعي الباسل
     ان الموت فاجعة أليمة ، ولا مناص منه ، فان لم يكن ابو جوزيف قد مات اليوم ، فقد كان يموت في الغد ، وغداة الغد ستنتصر قضيته ، التي عاش لها حياته المليئة بالمآثر الخالدة . كتب لي بتاريخ  24- 12- 1994 يقول ( قدمنا ما كان المفروض علينا ، وخسرنا كل شيء في سبيل الشعب ، ولم يبق من الحياة الا القليل ، ولسنا بحاجة الى أي شيء ، سوى الحفاظ على الاسم ، وتبقى اعمالنا إن كنا قمنا بها للتاريخ ) . تأملوا بكلماته تلك ، في تواضعها وصراحتها ، وحدسه في قرب نهايته .
     خسارتنا به فادحة ، والتعويض عنها مستحيل ، وستمضي حقبة طويلة ، لكي نحظى بمثل توما توماس بديلا عنه ، كفؤا له ، ولكن بالامكان التخفيف من تلك الخسارة ، وذلك بإحترام المبادئ التي اعتنقها ، والإقتداء بسيرته الشخصية ، ونقل جثمانه الطاهر الى مسقط رأسه في القوش ، وبالتعاون للإسراع في طبع مذكراته ، ورعاية اولاده واحفاده ، ووضعهم على الدوام في حدقات العيون وشغاف القلوب .
     في خريف 1991 وإثر فشل انتفاضة الشعب ضد الدكتاتورية ، غادرت زوجته ( ألماص ) هذه الدنيا ، تاركة حبيب عمرها وحيداً يصارع الحياة بأناة وصبر ، واليوم بعد مرور خمسة اعوام ، اي في خريف 1996 وإثر تعقد التجربة الديمقراطية في كردستان ، والاحتراب الطاحن بين الحزبين الكرديين ، يرحل هو والاوضاع في بلاده على أسوء ما تكون ، الحالة مؤلمة والآمال مؤجلة .
     اكثر من ثلاثة عقود من الزمن وهو يرفع السلاح بوجه الحكومات المتعاقبة ، وكم من جهد ومال ودناءة بذلته تلك الدكتاتوريات للامساك به ، وغرز اظافرها المتوحشة في جسده ، وانهاء قضيته ، التي على كل لسان ، من اقصى شمال العراق ، وحتى جنوبه ، لكنه كان اقوى منها جميعا ً ، ويكفيه فخرا ً ، انها لم تشفِ غليلها منه ، ولم تفل عزيمته الخسائر ، والتضحيات الجسام ، التي تحملها . ورغم انه لم يحقق اهدافه النهائية ، فانها بقيت امانة ، في عنق كل من أحبه ، وتبعه ، واعتبر سجله النضالي ، وحياته الزاهدة ، منارا له .
     ارجو ان يسمح لي المقام ان أناجي روحه التي ترف فوق رؤوسنا ، لقد توارى الجسد عن انظارنا ، ولكنها باقية معنا الى الابد :
صبرا ً وسلوانا لحزبه ، لرفاقه ، وأنصـاره
صبرا ً وسلوانا لأهله ، لأصدقائه ، ومحبيه
صبرا ً وسلوانا لوطنه ، لشعبه ، ولبلدتــــه
وداعا ً تومــــــا تومــــاس
يا صاحب البأس والمراس
وداعا ً يا أصلب الرجــــال
وداعا ً يا نـَسْر الجبـــــــال
لم نر مثلك بين الرجــــال        يشهد الدهر والايام سجــــــال
صعب المنال ثابت الجنان        حكيم القرار قاهر الاهـــــــوال
قد عرفناك مذ كنا صغــار        أبيّ ، صلب ، من معدن العمال

نِشرَه دطـُرانـــِه
يا ناشِه إدْيو يْوميلِه دْبـِخْيـــــَــه          تـَساذن رابَه بْأيقارَه وبْأيـــَـــــــــه
توما توماس د ِﭘشلِه مْسُپْيـــــَــه          لأيداثَِه دْموثه مَريرَه وقِشْيـــــَــــه
☼☼☼☼☼☼☼
نِشْرَه دْطـُرانِه مْعليوثه نْخِثلــِـــه         توما أو جَنقـَه ﮔبّارَه مِثـْلــــــِـــــــه   
ﮔو موثِح بْيرَه دْرشْ مْاثِحْ دِخْلـِه         وشْريلِه خَحِشَّه بْگو يْومَه وْليلِــــه 
☼☼☼☼☼☼☼
ماثـَه دْنو ِيّه أرَحْ مّيروقـــــِـــــه          يـِمّيلـَه سّاذي خْبيبونِه سْموقــِــــه
إشْقـَلـّه مْداره وْزونِه رَحوقــــِـه          لـَكْبَطـْلـَه مْگوري طاو ِ مَپوقــــِــه
☼☼☼☼☼☼☼
زَمار ِه دْنِنو ِه وكـُلْ زَمَرْياثـــَـــه         ز ِمْرولِه توما ﮔو ز ِمّـَرْياثـــــَـــــه
وْمَسقو قـَلوخو دْشَمي شْمَيّاثـَــه         ودِمجوبي طيري د طورَه ودَشْتاثه
☼☼☼☼☼☼☼
يـِمّدْ يَلـّوذ َه أشْقـُلْ أثْ رايـــــــِـه         بـَثِرْ مَه دْأمْرَتْ دِشّاي ِ لايـــــــِـــه
مَحْكي حُكّيثـَه دتوما ﮔو خايــِـــه         وبـِِطـّاوي بْرونـَخْ خِشْتايـِه دْمايـِه
☼☼☼☼☼☼☼
زَلامِه دتوما بْگونِه د ِپْخايــــَـــه         تَفِنگـَي رّوشَيْ رْيشَي ِ خْتايـــــَــه
وْأيمَن تـَدْ ماطي لْبَغدَدْ بـِدْرايــَـه         صُرْتِحْ بـِتـْهويَه أمِّه دْقـَمْايــــــــَـه
☼☼☼☼☼☼☼
وَعْدوثـَه هويَه قور ِحْ مَّرْمِخْلــَه         من أرَه دْأ ُتـُّكْ لألْقـُش مّـْيثِخـْلــــَه
خْذ َدْوكه عْليثه وطوتَه ﭘْخازخله         وْكُلْ خـَوضْرانَحْ وَردِه بْزَر ِخْلــَـه
☼☼☼☼☼☼☼
يا نوهَدْرايَه رْخوش لْبَفـْقـــورَه          بـِدْخازتْ كْليلـَه دِرْيَه رشْ قــْورَه
تاميلِه دْميخَه أو توما ﮔــــــورَه           دِنْشَقلِه أُﭘْرَحْ بْدوكي يا خـْــــــورَه
 
 nabeldamman@hotmail.com
☼☼☼☼☼☼☼
☼☼☼☼☼
☼☼☼
☼[/b][/size][/font]

181
التعازي / مواساة وتضامن
« في: 01:18 07/10/2006  »
مواساة وتضامن
     باستشهاد فلاح يوسف زرا في بغداد التي غدت مدينة اشباح ، يضاف حزن جديد الى الاحزان التي تصل كل يوم من ارض وطننا العراق ، انها مفارقة مدهشة ان يسقط الشعب الذي بنى اولى الحضارات ، ضحية الجهل والعناد وسوء التدبير .
في ظل هذه الاوضاع الصعبة للغاية ، اناشد ابناء شعبنا بترك بؤر الموت الى المناطق الآمنة لكل من استطاع الى ذلك سبيلا ، انقاذا لارواحهم وحقنا ً لدمائهم . ما زلنا مراقبين سلبيين للاحداث ، وما زلنا غير قادرين على ايقافها ، فالجدار صامت لا يسمع اصواتنا واستغاثاتنا .
     المجد للابرياء اللذين يسقطون كل يوم من كل الاديان والقوميات والطوائف ، ضحايا الصراع الغير المبرر في بلادنا ، المجد للشهيد فلاح ، والصبر والسلوان لعائلة زرا العريقة الطيبة ، ولاخيه الحبيب كادح الشفاء العاجل .

نبيل يونس دمان
كالفورنيا في 6- 10- 2006 [/b][/size] [/font]

182
الصديق العزيز فالح حسون الدراجي
تالمنا لرحيل والدكم من على ارض الوطن الذي ابصر النور فوقه ، نشاطركم الحزن ، ونشد على ايديكم ، متمنين لكم الصحة ، والقدرة على تحمل المصاب الجلل ، انا لله وانا اليه راجعون .

الأسيف
نبيل يونس دمان[/b][/size][/font]

183
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(8)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر صفحات من كتابي الموسوم ( الجبال ملاذ الاحرار ) الذي ينتظر الطبع .
     تواردت الينا اخبار الليلة الماضية المؤسفة ، حيث كانت مجموعة من الانصار ترافق القائد توما توماس ومعه عائلته واولاده ، حيث التحقوا في الجبال ايضا في الفترة الاخيرة ، وعند محاولتهم العبورالى منطقة وادي ( كوماته ) حيث مقر القيادة ، والعبور لا يعني عبور بحر المانش او جبال الهملايا ، بل الشارع المبلط الذي يربط قضاء زاخو بناحية ( كاني ماسي ) .
كل المفارز التي تغادر برواري الى كوماته وبالعكس يجب ان تعبر ذلك الشارع الذي تحرسه الربايا والسرايا والافواج العسكرية التابعة للنظام ، ويكون العبور ليلا وبحذر شديد خوف الوقوع في الكمائن . وقبل ليلة وقعت تلك المجموعة في كمين ، مما ادى الى استشهاد النصير ( شفان ) من قرية ( كامكا ) القريبة من دهوك ، وجرح آخر اسمه ( خه بات ) من منطقة ( شيلادزي ) من عشائر الريكاني ، وقد زرته في اليوم التالي في احد البيوت ، وكان يعاني من آلام مبرحة في ساعده .
في اليوم التالي جلست مع توما توماس ليسمع قصتي كاملة ، ها انا التقي مع ابن بلدتي ثانية ، بعد فراق دام اكثر من اربعة سنوات ، فعندما كان ابو جوزيف يتواجد في القوش اوالموصل ، كنت دائم اللقاء به ، فقد اعتدنا على لعب الشطرنج معا ، سواء في مقهى ( بتي دكالي ) امام الجمهور الذي كان يراقب باهتمام تلك اللعبة الجديدة عليه ، او في بيته الكائن في الطرف الغربي للبلدة ، ها انا التقي بالمناضل الكبير وقصته تظل ترويها الناس في كل مكان ، جيلا ً بعد جيل :
     كانت ولادته عام 1925 في بلدة صغيرة  يحتضنها جبل أشم ، تلك هي القوش التي يرجع تاريخها الى فترة الدولة الاشورية وهي في أوج عظمتها . دخل الابتدائية في مدرسة مار ميخا ببلدته عام 1930- 1931 ، وكان عدد صفوفها آنذاك اربعة فقط ومديرها سعيد ججاوي الياموري ( 1899- 1982 ) من مدينة الموصل . كانت عائلته ميسورة الحال نسبيا ً، حيث والده صادق يملك دكانا ً للاقمشة في السوق ، وكان ايضا ً مختارا ً لمحلة ( سينا ) عدة سنوات لرجاحة عقله وشجاعته ، ففي المنطقة وادي خاض فيه معركة ضد اللصوص وهزمهم ، فليس غريبا ً ان يطلق على ذلك الوادي ( وادي صادق توماس ) .
لكل تلك الاسباب كان التلميذ توما يرتدي احسن الملابس ، ووُهب عددا ً من الصفات المميزة ، لذلك كان نموذجا ً لمديره الذي يتحدث عنه في العرض الصباحي ليقول للتلاميذ : انه قدوة امامكم في ذكائه وهدوئه وحسن هندامه ، ويختتم حديثه بالقول ان مستقبلا ً رائعا ً بانتظاره .
     وكشفت الايام أي مستقبل صعب خبأته الاقدار لذلك الفتى ، وهو يطاوعه بإرادته الصلبة وذهنه الوقّاد . كانت امواج الحياة تتقاذفه وتحاول تحطيمه ، لكنه قاومها بشكل قل ّ مثيله . أكمل دراسته المتوسطة في مدينة الموصل عام 1941 .
وفي تلك الفترة كان الكثير من اقرانه يتلمسون طريقهم الى الجيش الذي اسسه الانكليز والمسمى ب ( الليفي ) ، وهكذا تقدم للانتساب اليه في عام 1942. بعد عدة اشهر من دخوله الجيش اصبح ضابطا ً ( رب أمّة ) وعلى مقربة من النقيب ( رَب تري أمّة ) ياقو أبونا ، والعقيد ( رب خيلَه ) زيـّا . لم ترق له الاوضاع في ذلك الجيش لتسلط الانكليز عليه فغادره عام 1949 بعد ان قضى سنواته في الحبانية وعبادان وطهران ، وقد سبق خروجه بسنتين ، اقدامه على الزواج من الفتاة الاصيلة ( ألماس  حسقيال زلفا ) .

الضابط في جيش الليفي توما توماس ، الحبانية عام 1947
   في نفس العام اي 1949 تقدم الى شركة نفط العراق ( آي . بي . سي ) في كركوك فعين محاسبا ً، وهي وظيفة محترمة في ذلك الزمان ، وهناك في مطلع الخمسينات تأثر بالفكر اليساري ، وساهم في النضالات العمالية داخل شركة النفط . بذات الوقت اقدم على امتحان خارجي لنيل شهادة الثانوية في كركوك ، فنالها بنجاح وتفوق .
     في اعقاب احداث كركوك الدامية عام 1959 ، تزايدت المضايقات عليه ، مما اضطر الى ترك وظيفته عام 1961 والرجوع الى بلدته ، ليسكن منزله الجميل في قلب محلة ( سينا ) . تردد بعض الاشهرعلى كركوك لاستلام رواتبه ، ثم انقطع نهائيا ً ، وشرع عام 1962 في انشاء معمل للثلج في قرية ( الشرفية ) التي تبعد عن القوش مسافة ( 5 ) كم جنويا ً .
     تعقدت الاوضاع وظهرت الاخطار في الافق ، واصبح في بعض الايام يترك معمله وبلدته الى الجبل ، مراقبا ً الامور عن كثب ، وخصوصا ً بعد اشتداد القتال بين حكومة عبد الكريم قاسم والحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى البارزاني . غداة وقوع الانقلاب في 8- شباط- 1963 ، رفع السلاح ضده ، فالتف حوله المناضلون ، وخاض اولى صداماته مع سلطة الانقلابيين ببطولة نادرة ، وبمؤهلات عالية في تنظيم العمل العسكري ، وقد إتخذ من دير( الربان هرمزد ) الاستراتيجي مقرا ً له .
 
مجموعة من رجال توما توماس الشجعان خلف دير السيدة قرب القوش عام 1963
     ختمت الحكومة معمله بالشمع الاحمر ، واحرقت سيارته امام معمله في الشرفية وسحبتها الى مركز شرطة البلدة ( قشلة ) ليبقى هيكلها هناك فترة طويلة ، كذلك هجرت عائلته واطفاله مرارا ً الى القرى الايزيدية المجاورة ، فكانت موضع الرعاية والاهتمام الكبيرين ، وفي تلك الظروف الصعبة ولد ابنه الصغير ( سردار) وقبله ولد له الاولاد ( جوزيف ، سمير ، صلاح ، منى ، منير ، وماريا ) . احرق منزله مرارا ً ، وفي كل مرة كانت نساء بلدته يهرعن لاخفاء الاشياء المهمة ، كما وكن يعوضن ما يمكن تعويضه من بيوتهن الخاصة .
     عُرض البيت للبيع في المزاد عدة مرات ، بأيعاز من السلطة ، وكان الدلال يقطع سوق البلدة ذهابا ً وأياباً عارضا ً سعره باقل ما يكون ، دون ان يلق النداء آذانا ً صاغية ، فبقي البيت في مكانه رمزا ً على مر السنين . وفي كل الفترات كان مراقبا ً من ازلام السلطة . حين ورود خبر وفاته ، فتح على مصراعيه ليستقبل المئات من المعزين ، قبل ان توصده السلطة ، وتوقف مراسيم التعازي تلك .
     بين فترة واخرى كان يتم التوصل الى وقف لاطلاق النار بين السلطة والحركة الكردية  ، فيظهر ابو جوزيف في بلدته علنا ً ، وهو في ملابس الثوار مع رجاله الشجعان ، وهم موضع الحفاوة والاستقبال من قبل الاهالي .
في مجرى الصراع الدائر والصدامات العسكرية ، نال شرف الشهادة العديد من رفاقه ، فدفنوا في المتون والوديان وسفوح الجبال ، وقسم منهم لا زال مثواهم شاخصا ً في أجمل مكان من دير الربان هرمزد وهم : بطرس جركو ، كوريال هرمز ، حنا عقراوي ، وشقيقان من قرية ارادن . كانت بلدته بخاصة تمده بدماء شابة جديدة بين فترة واخرى .
     تعرض لمحاولات اغتيال عدة ، وارسلت السلطة الكثير من المرتزقة والمأجورين لذلك الغرض ، وفي كل مرة كان ينجوا بحكمته وشجاعته . في عام 1968 ، جاء سعدي أغا الزاويتي مع قرابة المئة من افراده للقبض عليه في سوق البلدة ، وبدل ذلك وقع الأغا في أسره . وايضا ً في عام 1969 ، كيف قـُبض على المندس حسن جندي ، في المقر الكائن آنذاك في قرية ( بيرموس ) خلف جبل القوش ، وهو يشهر مسدسه لاغتياله .
 
البيت الاول من اليمين ، دار توما توماس في القوش
     خصصت السلطة مبالغ ضخمة لمن يأت به حيا ً او ميتا ً ، وفي معركة 27- 7- 1969 ، والبلدة محاصرة من كل جهاتها ، استطاع ان ينجو من الحصار وهو يخوض معركة جريئة ، مكبدا ً المهاجمين خسائر فادحة ، والعملية تلك ذاع صيتها في كل مكان فيما حصد العدو مرارة الفشل والخيبة.
ومن جانبه خسر احد رجاله الشجعان وهو الشهيد صبري الياس دكالي . ظنت السلطة بانه لقي مصرعه ، فجرى اتصال سريع بقائد الفرقة عبد الجبار الاسدي والذي توجه فورا ً بطائرة مروحية الى سهل القوش ، وابتدأ يقارن بين صورة توما توماس في يده وبين الشهيد ، وهو يميل الى الشك في المسألة ، مما حدا به لاستدعاء القس المرحوم عبد الاحد عوديش ، والاستفسار منه ان كان القتيل توما توماس ، فضحك القس قائلا ً بان القتيل شاب اصغر عمرا ًبكثير من توما توماس ، فامتعض الضابط ، وصرف القسيس بكلام لا يليق برتبته وشرفه العسكري ، لكن ذلك التصرف طبيعي جدا ً في عرف واخلاق السلطة الحاكمة .
     غادر العراق في نفس العام اي 1969 الى الاتحاد السوفيتي ، لكنه عاد في نهاية عام 1970 ، وفي ذكرى بيان 11- آذار 1971 ، ظهر لاول مرة في بيادر محلة ( قاشا ) ، فألقى كلمة بين حشد من الحاضرين اللذين صفقوا له ورحبوا به اجمل ترحيب ، بعد فترة غياب خارج الوطن .
     بعد تموز 1973 ، انتقل عمله الى داخل مدينة الموصل بمقر حزبه ، سواء في شارع النبي جرجيس او في الدواسة ، هناك عرفه أهلها عن قرب محبا ً للكادحين ، ذو قلب كبير يحمل همومها . في احيان كثيرة كان  يقطع الطريق من المقر الى بيوت اقربائه في منطقة ( الساعة ) مشيا ً على الاقدام ، بالرغم من تخصيص سيارة فولكا له من الحزب ، ليطلع على اوضاع الناس ويتحسس نبض الشارع الجماهيري .
     لم يدم الحال طويلا ً ، بل كانت سنوات عانى فيها المناضل وعاش متحملاً ضغوطات الحزب ( الحليف ) وخروقاته وعنجهيته . في نهاية عام 1978 اشتدت مطاردته من قبل السلطة الجائرة شأنه شأن عشرات الآلاف في طول البلاد وعرضها ، لكنه استطاع ان يتخلص من الاعتقال ويمضي بصحبة مجموعة من اشد رفاقه جرأة واندفاعا ً الى معاقل الجبال الحصينة عند الحدود الايرانية . هناك اصبحوا في ضيافة الفصائل الكردية التي سبقتهم في خوض حرب العصابات ضد الدكتاتورية .
     رفع السلاح مجددا ً ، وبعد فترة نقل مقره الى منطقة بهدينان التي يعرفها جيدا ً ، وقاد عمليات الانصار مرة اخرى بدرجات اعلى من التطور والاستفادة من التجارب السابقة ، فالتحق به عشرات المناضلين من خارج الوطن وداخله . انتقمت السلطة منه عام 1981 عندما اعتقلت  ولده منير ( مواليد 1955 ) ، وهو يقوم بعمله كموظف صحي في منطقة ( الحضر) ، وضيعته الى يومنا هذا. وكذلك تعرضت اسرته للمضايقات المستمرة من دوائر الامن في القوش والموصل ، حتى اضطرت في اواسط 1982 الى الالتحاق بالجبال وتحمل مشاقها وصعوباتها .[/b][/size][/font]

184
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(7)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر صفحات مختارة من كتابي الموسوم ( القوش حصن نينوى المنيع ) الذي ينتظر الطبع .
مضايقات عــام 1971
     منذ بدء الخليقة والظلم والاستغلال قائمان ، وإن تفاوتت شدتهما من مكان أو زمان وآخر، والصراع متواصل بين قوى الخير وقوى الشر ، فرجل مثل توما توماس أمضى سنينا ً طويلة مقارعا ً الظلم في سبيل الحرية ، وكذلك من وقف الى جانبه ، في طاقاته وامكاناته ، هؤلاء جميعا ً يشملهم الناس بأحاديثهم ، ويخصهم الشعراء بقصائدهم ، وتظل اجيال تروي بطولاتهم ، ويفتح التاريخ صفحاته لهم .
     في ربيع عام  1971 انتقل حديثا ً معاون شرطة إسمه محمد ، ويبدو ان نجماته الذهبية أغرته كثيرا ً ، فتحلق حوله أذناب السلطة وبسّطوا امامه مهمة القبض على توما توماس ، لكونه قاطع طريق !! يقلق أمن المواطنين !!! .
عقد الضابط العزم على تنفيذ المهمة ، وتحيّن فرصة وجود غريمه في البلدة ، ولذلك حين ورود انباء من المخبرين بان المطلوب للحكومة يجلس في احدى مقاهيها ، لم يتوان الضابط في تجميع شرطة المركز والنزول الى وسط البلدة .
     وصلت القوة المسلحة الى السوق ، ثم ارتقت مقهى 14 تموز الذي كان بادارة بتي دكالي ، لم يكن المعاون يعرف توما توماس ولم يراه قط ، فاشار احدهم الى توما توماس الذي كان في حينها يلعب النرد ( الطاولي ) مع العم عيسى حميكا .
كانت المقهى مكتظة بالناس التي ستشهد ما سيحدث . تردد الضابط في التقدم نحو الشخص الذي يراه امامه وهو يشرق بهيبته وحسن قيافته ، فلم يجرأ من التقرب اليه ، فشاغل نفسه بالتفتيش عن هويات رواد المقهى ، ثم أمر الشرطة بالقبض عليه ، فلم يتقدم منهم احدا ً لان الشرطة لها فترة قياسية في القوش ، وتعرف جيدا ً من يكون المطلوب القبض عليه . نفذ صبر الضابط فتقدم نحو احدى الطاولات وقال :
     ▬ هل تسمح لي ببطاقتك الشخصية .
 ( توقف توما عن اللعب ) ووجه سؤالا ً:
▬  هل تعرفني ، حتى تسالني عن بطاقتي الشخصية ؟
 فاجاب الضابط :
 - نعم اعرفك ، انت توما توماس  .
      ( هنا انتفض توما ويده على مسدسه ) فما كان من الضابط الا ان يدير ظهره بسرعة ليولي الأدبار ، تنقذه ارجله ، وليجد سلالم المقهى مفتوحة امامه فقد سبقه في اجتيازها افراد شرطته ، هاربين جميعا ً لا يلوون على شيء ، ويصل المعاون الى مركزه مكسورا ً ومهانا ً . عصر اليوم نفسه امسك توما باحد مرتزقة السلطة فاخذ يرتعش بين ايديه كالفأر ، وبعد اهانة مناسبة أمره ان يترك البلدة فورا ً ، فتركها ولم يتوقف إلا في الكويت !! .
وفي اليوم التالي جاء محافظ نينوى وعضو الفرع جبرائيل إسحق ، وطلبوا اللقاء مع توما توماس ، فاجاب الى طلبهم شرط ان يكون اللقاء في مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني ، حدث اللقاء وعبروا عن اسفهم لما حدث ، وحضر المعاون ايضا ليعتذر لتوما توماس، فيما كان الانصار يحيطون المكان تحسبا ً لاسوأ الاحتمالات .
     في صيف ذلك العام نقل الى القوش مفوض في الأمن من بغداد ، واسمه سعد منصور ( أصل عائلته من تلكيف ) ، فمارس ذلك الوغد ضغوطا ً شديدة على ابناء البلدة وخصوصا ً الشباب ، بالاستعانة برجاله المدربين على استفزاز الناس . هكذا لاحق الطلبة والشباب ومنع تجوال اكثر من اثنين معا ً، واعتبروا ذلك بمثابة اجتماع !! ، فضاقت الناس ذرعا ً بهم في الليل و النهار وفي طريق الدير والمقاهي والسوق ، فآثر الكثيرون الانزواء او ترك البلدة الى بغداد لتفويت الفرصة .
     قبل فترة عاد الى ارض الوطن المناضل توما توماس وكان له نشاط ملحوظ في الذكرى الاولى لبيان 11 آذار فحضر احتفال اقيم في بيادر محلة قاشا ، حيث ألقى كلمة مناسبة ، وظل يتردد على البلدة ويتحسس معاناة الناس من ممارسات اجهزة السلطة حتى انفجر الموقف في شهر آب ، عندما كان توما توماس يتحدث في السوق الى صاحب محل الخياطة ياقو تومكا .
     في نهار من نهارات شهر آب اللهاب تعرض النصير سالم اسطيفانا الى استفزاز إثنين من رجال الامن احدهم من بخديدا ( قرقوش ) واسمه (حبيب ) والثاني من حمام العليل واسمه ( عامر ) فخاطبهم سالم بإسلوب طيب  للتوقف عن مضايقة الناس ، وبأن واجب الشرطي هو المحافظة على أمن الناس وغير ذلك ، هنا استغل الرجلان تلك المناشدة المتحضرة واعتبراها نقطة ضعف ، فتمادا في الاستفزاز واطلاق الكلمات النابية . لم يرق ذلك الموقف لفلاح القوش الشهم بدري القس يونان ، فتقدم وهو يردد كلاما مسموعا ً : لقد تحملنا كثيراً ، كفى كفى ذلك .... وضرب ضربته الصاعقة على احدهم فكانت الشرارة التي اضرمت الموقف والذي كان مهيأ أصلا ً، فنزل الشباب المتقد حماسا ً الى ساحة السوق ، واشبعوا رجلي الامن ضربا ً وركلا ً بالاحذية ، صودرت اسلحتهم ، مرغوا في ساقية مياه المجاري ، وهم تحت الاقدام . طلبوا الرحمة من ابي جوزيف ، لم يعرهم الاهتمام ، حتى تأكد بانهم نالوا جزائهم العادل من الجماهير الساخطة ، فاصدر امره بالتوقف ، ثم قفل راجعا الى داره القريبة من السوق .
     بعد عدة ساعات وعلى اثر برقيات عاجلة الى قيادة نينوى ، تم ارسال قوة من الشرطة السيارة ، فطـُوق غرب البلدة . عند ذلك غادرت مجموعة من افراد الأمن مركز القوش بقيادة سعد منصور ، وتوجهت نحو بيت توما توماس فأحاطوا به من كل جانب ، وشرع بعضهم يفتش البيت ، عندها سألتهم ام جوزيف عن مراميهم ، فاجابوا بانهم يبحثون عن رجلها ، فقالت بصراحة وجرأة ، انه امامكم ( وتشير الى الاتجاه الذي سلكه ) ، إلحقوا به ان انتم رجال وكفاكم العبث بمحتويات الدار وتخويف الاولاد .
     ترك ابو جوزيف البيت حالـَما وردته أخبار تقدم الشرطة ، ومعه مجموعة من الانصار والطلبة والعديد ممن اشتركوا في عملية السوق ، وقطعوا بيادر محلة سينا وارتقوا الجبل . في تلك الاثناء لحق به الامن من داخل البلدة ، وقوة الشرطه تحركت لتحتل مرتفع مار يوسف المطل على محلة سينا .
بدأت المعركة برمي كثيف من مسلحات الشرطة التي تحمل رشاشات برن ، اصبح توما توماس ورجاله تحت الرمي من عدة جهات وهو يسعون حثيثاً للوصول الى الجبل ، فكانت إلتفاتة سريعة من أحد رجاله الى الخلف ليرى منير توما توماس وصديق له اسمه جاسم حنا القس يونان مطاردين بشدة وتحت مرمى النيران ، صرخ الرجل بما يراه امامه ، فاستدار الوالد ليرد بكثافة على نيران العدو ، وكذا فعل الرفاق ، فانقذوا حياة منير وصديقه من خطر داهم ، وقد كان اشد عناصر الامن شراسة في ملاحقتهم وهو العريف سراج الذي تقهقر منسحبا ومخذولا الى احد ازقة البلدة . 
انتهت المعركة بالصمود الرائع لتلك المجموعة الصغيرة بوجة القوة الحكومية الكبيرة ، لقد استطاع توما توماس ان يخترق الحصار المفروض من وسطه ، ويخوض معركة متنقلة ، يخرج منها سالما مع كامل مجموعته التي كانت غالبيتها بدون سلاح ، بعد ان كبد العدو خسائر ملحوظة ، ظل النصير الشجاع حبيب يوسف ( چيچو ) فترة يرويها .
اثناء تلك المعركة الباسلة ارتقى بعض الناس اسطح منازلهم في البلدة ، حابسين انفاسهم ومتابعين بقلق خط انسحاب توما ورجاله ، وكيف كان الرصاص ينهال عليهم في البداية ، حتى هلت البشائر بخلاصه ووصوله الى الجبل حيث عرينه الدائم .[/b][/size][/font]

185
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(9)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر صفحات مختارة من كتابي الموسوم ( القوش حصن نينوى المنيع ) الذي ينتظر الطبع .
صدام مسلح في " خووشا " *
      بتاريخ 28- 7- 1969 وردت اخبارية للسلطة بان توما توماس متواجد في البلدة ، وهي تسعى على الدوام للقبض عليه لدوره المعروف في التصدي لظلمها وقمعها . ولهذا جهزت حملة عسكرية كبيرة تحركت ليلا ً ، حتى بلغت وادي الكنود ( لَندِه) الذي يبعد حوالي 12 كم جنوب القوش . ترك العسكر عرباتهم وتقدموا مشيا ً على الاقدام بحيطة وسرية نحو البلدة ، ومن طرف الجبل تقدم عدد كبير من المرتزقة ( الجحوش ) من ناحية مدينة دهوك ، وبذلك طوقت البلدة من كل جهاتها في خطة محكمة لاعتقال او قتل الثائر توما توماس .
      يعرف العديد من اهالي القوش قصة الاتصال التلفوني المشبوه من بريد البلدة ، والذي كان العامل الرئيسي في تجهيز تلك الحملة ، ادرك عمال البريد فحوى الاتصال ، فلم يقفوا متفرجين للكارثة المحدقة بإبن بلدتهم ، فدفعهم ضميرهم الحي الى ارسال خبر له ينبهه بالخطر. كان الوقت يشير الى انتصاف الليل ، عندما عاد ابنه جوزيف من حفلة زواج كوريال بلو التي اختتمت بدون اية مشاكل .
    فكر ابو جوزيف بالمسألة من كل جوانبها ، ربما تباطأ بعض الشيء في التهيؤ والاستعداد ، كما ارسل في طلب رجاله المعتمدين في المواقف الصعبة ، وحضر منهم حبيب يوسف (چيچو) فيما تاخر الباقون عن الوصول ، اوشك الفجر ان يرسل خيوطه الاولى عندما همّ بمغادرة المنزل برفقة حبيب. عزّ على زوجته ( ألماص ) ذلك الفراق الاضطراري ، واكتشف ابو جوزيف القلق الذي يساورها فقال لها " اذا تجاوزنا الخطر ، فالاشارة تأتي من مسدسي ! " ، ولم يمض وقت طويل حتى سمعت زوجته اطلاقات مسدسه ، فاطمئن قلبها وطمأنت اولادها ، فأزداد حبها له واعجابها به وهو ينجوا من طوق حصار محكم .
      لقد خاض توما ورجله الشجاع حبيب معركة لفك الحصار ضد مئات الرماة مكبديهم خسائر فادحة ، فعندما يتخذ احدهم وضعا قتاليا ، يغطي على انتقال رفيقه مسافة الى الامام ، وهكذا يفعل الثاني حتى وصلا الوادي الاول عند اطراف محلة سينا ، ثم واصلا طريقهما على امتداد الوادي شمالا ً حتى الجبل ، وقبل بلوغ قمته اكتشفوا وجود اعداد من المرتزقة ( الجحوش ) في طريقهما الى المقر في قرية ( پيرموس ) ، وهكذا عادوا بسرعة وساروا في عرض الجبل حتى بلغوا كهفا ً فاستقروا فيه متخذين قرار القتال من هناك حتى النهاية ، ولكن لم يلحق بهم احدا .
     صبري الياس دكالي ، مقاتل شجاع وشاب وسيم في التاسعة عشر من عمره ، ترك وحدته العسكرية حديثا ليلتحق بقوات الانصار ، في تلك الليلة ايضا خرج بسلاحه النصف آلي ( سيمنوف ) ، ولكنه تأخر في اللحاق بأبي جوزيف ورفيقه . فتقدم نحو الوادي الذي وصله قبله رفيقيه ، ولكونه وحيداً ، تزاحم عليه الاعداء ، واتخذ من صخرة صغيرة متراسا ً له وقاتل قتالا اذهل العدو بخفة حركته ودقة اصاباته على الرغم من الاصابات في جسده ، حتى استشهد.
      اخذت جثته الى مفرق القوش وابلغ قائد الفرقة في الموصل بان القتيل هو توما توماس ، فقدم على الفور بطائرة مروحية ، وشاهد القتيل امامه ، فقارن شكله مع صورة لتوما توماس كان يحملها معه ، ونظرا للشكوك التي ساورته ، بعث في طلب احد كهنة القوش ، وعند وصول الاخير طرح عليه استفسار" ان كان هذا هو توما توماس" ، فنظر القس الى القتيل ثم الى القائد وهو يبتسم ويقول " هذا ليس توما توماس ، بل شاب صغير في العمر "  فاغاظ ذلك القائد العسكري وتفوه بكلام غير لائق ، ثم غادر بعد ان امر بربط الجثة خلف سيارة عسكرية لتسحل في شوارع البلدة الصابرة ، وعندما انتهوا من ذلك العمل المتوحش ، رموا بالجثة في الساحة المقابلة لمار قرداغ ، وبجانبها رميت جثة اخرى لعاثر حظ من الطائفة الايزيدية قتل في نفس اليوم في اطراف البلدة .
     عصر ذلك اليوم وبعد انسحاب العسكر من البلدة ، اندفعت مجموعة من الشباب لنقل الشهيد الى منزله ، وسيارات الجيش لازالت على طريق الموصل ، في تلك الاثناء عادت احدى السيارات بسرعة فتخلى الشباب عن الجثة وانسحبوا الى مكان ابعد ، ولكن السيارة اتجهت نحو مبنى البريد واعتقلت كل العاملين فيه ، ورجعت الى الرتل المنسحب . تقدم الشباب مرة اخرى واذا بخبر يصل من مركز القوش بترك الجثة في محلها لتتولى البلدية امر دفنها ، هنا ثار الفلاح كيكا شهارا ( آغاته ) وهو يستعير غضبا ً ويصب لعناته على الحكومة وعلى مطاياها ، فيؤجج ذلك حماس الشباب ، ويامرهم فورا بحمل الجثة ، ويتم له ما اراد ، و يسير الموكب الجنائزي الى بيت الشهيد ، وفي الطريق انظم العشرات اليه ، حتى بلغ داره التي خرجت والدته لتستقبله بالهلاهل وتقول " اليوم زفافك يا ولدي " ! فترد النسوة بالبكاء والنحيب .
بعد ذلك وصل توما توماس الى البيت ليستطلع الوضع ، ويسمع باستشهاد رجله الشجاع ، فيذهب الى بيت الشهيد ليلقي عليه نظرة الوداع ، ثم يتجه برفقة رجاله الى سوق القوش وهو في بالغ التأثر . يقال عندما ظهر في سوق البلدة ، ابرقت السلطة المحلية بذلك ، فيأت الجواب من القوة المنسحبة في الطرف الجنوبي ، بانها لا تنوي الرجوع اليه وانها عاجزة عن قهره .
     ظهر لاحقا ً بان المرتزقة الجبناء ، اقتحموا في ذلك اليوم مبنى دير السيدة المقدس ، فدنسوا حرمته كعادتهم ، واطلقوا رصاصة على طباخ الدير فأردوه قتيلا ً ، رحم الله المسكين الأعزل ( دنو تسقپنايا) الذي قتل لا لذنب ارتكبه ، بل لحقد وجبن ازلام السلطة ، ولاخفاء اخفاقهم في النيل من ابن البلدة توما توماس .
* خووشا : وادي واسع في صدر جبل القوش ، مقابل محلة سينا .[/b][/size][/font]

186
القس سعد سيروب امانة في اعناق خاطفيه
نبيل يونس دمان

     انا لا افهم لماذا يُختطف رجل الدين المسيحي الشاب سعد سيروب ، وما هو الذنب الذي اقترفه ، وتحت اية سلطة او قانون او ذريعة يحدث ذلك . في رسالتي هذه اخاطب الجهة المختطفة ، ان تحافظ على حياته قبل كل شيء ، وتحسن معاملته ، وان تسمع منه صلوات السلام والمغفرة والرحمة . دعوه يعيش بينكم ضيفاً ، اذ ربما في الموضوع إلتباس او سوء فهم ، وإلا اعلنوا للملأ ، ما الذي اقترفه ، ليستحق هذا المصير المجهول .
     عندما لا تنطقون طوال هذه المدة ، منذ اواسط آب الماضي ، رغم النداءات والإلتماسات العديدة ، فإنكم ترتكبون خطيئة ، امام الله وامام البشر، بحق انسان حُجبت حريته ، لا تدعوا اطفالكم في المستقبل يوارون وجوههم خجلاً ، إذا ألحقتم الأذى به ، انا لا اظنكم تفعلون ذلك ، والذي اتوقعه انكم تحلقون حوله ، تسمعون منه وجهات نظره في الحياة ، وتأملاته في الغيب ، بإعتقادي ايضا ستتطابق رؤياكم في الإله الواحد الذي لا شريك له ، والذي بأيحاء منه هبطت الرسالات الثلاث ، التي اصطفاها لشرقنا الاوسط ، وهو احوج ما يكون الى الاستقرار والحياة الكريمة ، لملايينه من اتباع تلك الديانات .
     يا من بيدهم مصير القس المختطف ، أرجوكم سهـّلوا عودته الى اهله وشعبه المؤمن ، الذي يخدمه من اجل المحبة ، من اجل الخير، ومن اجل الاخوة ، التي لن تنفرط اواصرها ابدا ً، رغم سوء الاحوال ، والاقتتال الغير المبرر ، لأبناء الوطن الواحد . انا واثق من مجيء الوقت الذي تنتهي فيه عذابات العراقيين ، فيضعون ايديهم ببعضها البعض ، ويبنون وطنا سيكون فخر الأوطان ، كما كان في غابر الازمان ، حضارة مشرقة تبهر الأمم .
     ان القس سعد من سكان العراق الاصليين ، الذين بات انقراضهم وشيكاً، تحت الظروف القسرية الراهنة ، والهجرة الواسعة ، دون رغبتهم ، دون ارادتهم ، ودون ان يكون لهم اليد في كل ذلك ، لقد كان شعبه يوماً سائدا والآن مسودا ، اصبح غريباً ومطارداً في ارضه ، التي رفع اجداده قيمها في الاعالي ، ولا زالت ارجاء المعمورة تردد مآثرها ، استحلفكم لا تعجلوا في دفع شعبنا الرافديني العريق الى الزوال ، دعوه يزول طبيعياً كما تشير المؤشرات . لا تستعملوا العُصي في طردنا من ارضنا ، فنحن مغادرون عطشى وجوعى ، هائمون على وجوهنا ، دعونا وشأننا نكفكف الأدمع وكفى أيلامنا ، يا لقساوة العالم الذي يقف متفرجا ً، ويا لضعف الحكومات التي بيدها القرار ، وهي تشهد أفول نجمنا . عند زوالنا لا سمح الله سيشهد قاطنوا الارض ، بان انتهاء ذلك الشعب المسالم ، قد اثار غضب الرب ، فيلقى الآثمون جزاء ما اقترفوه ، ويكون المصير كما سادوم وعامور . رغم جراحاتي لا انشد ذلك ابداً ، بل اطلب منه المغفرة والنعمة والبركة ، لمن يرث العراق .
      انصتوا لنداء عائلة سيروب ، انصتوا لرسالة البطريرك الجليل مار عمانوئيل دلي ، الذي يعيش الحزن والقلق ، طوال فترة غياب كاهنه ، اناشدكم حاملاً الانجيل المقدس في يميني ، والمصحف الكريم في يساري ، فدونهما تهتز العروش ، وتطيح الرؤوس ، وامام قدسية وقوة الكلمة التي فيهما ، ترتج الارض وتهتز السماء ، اتضرع للرب ، وتحت سلطانه أقبـِّل تربة العراق ، مذرفاً الدمع ، طالباً بخشوع ، ان يحرك انفسكم ، ويلين قلوبكم ، فتؤمنون عودة المختفي ، ليظهر طليقاً على ارض اجداده وبين شعبه ، الذي نذر نفسه لخدمته ، ولإعلاء كلمة الرب ، حتى تكون مشيئته ، في استرداد الوديعة ، في أجلها الموعود .
     رغم كل شيء ، يراودني أمل قوي ، بان هذا النداء سيلقى الاستجابة من لدن خاطفيه ، باسم الجيرة والمحبة والانسانية ، فيعود القس سعد سيروب ، والابتسامة تعلو شفتيه ، والفرح يعم ناسه ومحبيه .  وختاماً أقول ، باننا ابناء الرافدين دجلة والفرات ، أحفاد سومر وأكد وبابل وآشور ، شعبٌ لبسنا الحضارة وحملنا مشعلها منذ آلاف السنين ، فلا تطفئوا الشعلة في يدنا المعروقة ، بل دعوها تخفت بالتدريج ، وحتى  تنطفئ ... تنطفئ .
    اقتطع بعض ابيات الشعر من قصيدة مطلعها :
 أيا منزلا ً اصبح خاويـــــــــــــــــا ً       تلاعب فيه شمأل ودبـــــــــــورُ
   كتبت يوماً على حيطان دير الرصافة ، قرأها الخليفة المتوكل فبكى :
بلى فسُقيت الغيث صوب سحائـــب       عليك بها بعد الرواح بكــــــــور
تذكرت قومي بينهم فبكيتهـــــــــــم        بشجو واني بالبكاء لجديــــــــر
وعزيت نفسي وهي نفس اذا جرى       لها ذكر قومي أنـّة وزفيــــــــــر
رويدك ان اليوم يعقبه غــــــــــــــد        وان صروف الدائرات تــــــدور
لعل زمانا ً جار يوما ً عليهــــــــــم        لهم بالذي ضوى النفوس يحور
فيفرح مرتاب ويأمن خائــــــــــــف        ويطلق من حبل الوثاق أسيـــــر [/b] [/size] [/font]
 

187
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(5)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين . اود الان نشر صفحات مختارة من كتابي الموسوم ( القوش حصن نينوى المنيع ) الذي بنتظر الطبع .
3- مهمة سعدي الزاويتي
     سعدي هو احد رؤساء العشائر في منطقة زاويته – دهوك ، في فترة اواسط الستينات تعاون مع الحكومة ، وقد كلف آنذاك بالتوجه الى القوش لاعتقال او قتل توما توماس لقاء حفنة من المال او مركز أغري به .
     جهز سعدي حملة جيدة التسليح والاعداد وبمعيته العشرات من رجاله واقاموا في بناية المار قرداغ . شرع سعدي بالتجول في سوق البلدة وميادينها المتواضعة  وازقتها ، مزهوا ً بسلاحه ورجاله وهو يحيط بالسرية مهمته التي قدم من اجلها. ارتكب بعض الحماقات ضد ابناء البلدة شأنه شأن من سبقه من مطايا السلطة ، وبعد فترة من الزمن شاءت الصدف ان يتواجد ابن القوش البار توما توماس في سوق البلدة غير هيّاب ومستعد لأية مفاجأة . بلغت اسماع السلطة وجوده في السوق من وكلائها ، ضعاف النفوس الذين لا يخلو منهم مكان او زمان ، فأيقظت الأغا ليجهز رجاله بسرعة وينفذ مهمته .
     لم تمض دقائق حتى كان سعدي وازلامه على كامل الاستعداد ، واتجهوا حثيثا ً من مركز الشرطة الى سوق البلدة ، بعد قليل أوصَل خبر ذلك التحرك المشبوه وعلى جناح السرعة بعض شباب البلدة الغيارى الى ابي جوزيف . وعند انتشار الخبر بين الناس سرى نوع من الحذر والترقب ، فيما القائد وكعادته دائما ً ، لم يعر اهمية كبيرة لما سمعه ، بل واصل حديثه مع الناس بالهدوء الذي عرف به.
     حدثت بلبلة في السوق عند قرب وصول الجحوش ( بحق سماهم البارزاني الخالد : جاش بوليس ) الى السوق ، ولخشية الناس من وقوع مواجهة مسلحة ، شرع اصحاب الدكاكين باقفال دكاكينها ،  وخرج من كان جليسا ً في المقاهي الشعبية ، والبعض اسرع الى بيته ابتعادا ً من الموقف الصعب ، ولكن مع ذلك ظل قسم في السوق يراقب ما سيحدث ولاتخاذ الخطوات الضرورية للدفاع عن ابن بلدتهم المحبوب ، وهم مسلحون بالمسدسات المخفية جيدا ً.
     كان سلاح توما توماس مسدسا ً ايضا ً ، لكن من نوع فاخر ومن عيار 14 ( چارداخوي ) ، فسحب اقسامه واستعد للمواجهة ، وفي تلك الاثناء وصل عدد من رجاله المدججين بالسلاح الى السوق ، واتخذوا مواقعهم فوق مقهى 14 تموز، موجهين اسلحتهم باتجاه الشارع المتجه نحو المركز . في تلك الساعة الحرجة ، توجه بعض المواطنين الى ابي جوزيف بالنصح ‘ في تجنب الصدام والانسحاب الى داره في محلة سينا ، فاجابهم بانه لا ينوي مغادرة مكانه وانه سيتصرف بما يراه مناسبا ً.
     في اللحظات الحاسمة ، اتخذ توما توماس من احد منعطفات السوق كمينا ً له ، وفيما سعدي يتباطأ ويتردد في خطواته الاخيرة قبل ان تطأ اقدامه السوق ، في تلك الاثناء خرج توما توماس وبيده مسدسه ليقف امام مجموعة الجحوش ، فيما سحب الرجال فوق المقهى ( وعددهم اثنين فقط ، اذكر منهم عبد الرحمن المزوري من قرية پيرموس خلف جبل القوش ) اقسام بنادقهم ومطلقين صوتهم الهادر الى المتقدمين بالتوقف ، والقائد يأمرهم بالاستسلام . اصاب الموقف سعدي أغا بالهلع وهزته المفاجأة ، فقال : " أسْ بَني ..... اي يا صاحب المقام نحن اخوة واصدقاء ، وليس بيننا عداء ، انا ورجالي لا نضمر لك السوء ، بقدر ما نحن في الطريق الى مقرنا في بناية المار قرداغ " . فأجابه توما توماس بشهامته المعهودة : " ان كان ذلك هدفكم ، تستطيعون المواصلة دون توقف او التفات الى الوراء ".
     هكذا أنزل سعدي سلاحه من كتفه ونكسه ، وفعل ذلك رجاله ، ومروا جميعا ً امام القائد بذل وانكسار في عرف العشائر . بعد ايام لم يطق البقاء في القوش خجلا ً ، فانسحب منها الى منطقته منكفئا ً ، ولم يسمع به احد منذ ذلك اليوم .[/b][/size][/font]

188
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(4)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر نص الترحيب الذي نشرته على صفحات جريدة صوت الاتحاد الديمقراطي العراقي ، في عددها المرقم 120 - شهر آب - 1994.

اهلا بالضيف الكبير توما توماس

     في الخامس من تموز، وصل الى اميركا المناضل توما توماس في زيارة لاصدقائه ومحبيه ، وقد اكتظ مطار ديترويت مساء ذلك اليوم بحشود المستقبلين رجالا ً ونساء ً . مرت بضعة عشر من الدقائق قبل ان تحط طائرته ارض المطار فيما غمرت الجموع موجة فرح صادق ومشرف لاطلالة هذا الانسان والقلعة الصامدة في ارض الوطن، والذي تحدى الانظمة المتعاقبة بصبر قل مثيله ، حاملا ً سلاحه بيد قوية وذهم متوقد لاكثر من ثلاثين عاما ً .
     هؤلاء الناس متعددي المشارب الذين خرجوا لاستقباله وضعوا نصب اعينهم هذا التاريخ الطويل الذي يمثله الرجل ، وتعتبر ما تقدم عليه جزء ً من حق التكريم والوفاء له .
     وحلت اللحظة الحاسمة حين ظهر كهل منتصب القامة يسير بخطوات سريعة ، مختصرا ً المسافة القصيرة ليظهر امام البوابة التي تربط قاعة الاستقبال بالطائرة ، وبشكل عفوي حدث تصفيق حاد استمر طويلا ً فيما زغردت النساء زغاريد الفرح ، واقبل الجميع باندفاع لتحيته وتهنئته على سلامة الوصول بين اهله واصدقائه ضيفا ً عزيزا ً .


The late hero Tom Thomas at Detroit Metro Airport July 5th, 1994

      توافدت الناس على مكان اقامته للتحية والاطمئنان على صحته ، واتفق على إجراء استقبال له في نادي الاسرة الكلداني يوم السبت 9 – تموز ، وقد اجهد الاخوة هناك انفسهم وبذلوا جهودا مشكورة لانجاح تلك الفعالية التي كانت بحق رائعة ودافئة ، دفئ قلب الرجل المحتفى به ، والذي ينبض بحبهم ويستقي طاقته من طاقاتهم .
    مئات الناس من اوساط الجالية المختلفة وضيوف آخرين قادمين من كندا وولايات اخرى مثل اوهايو ، واشنطن ، فرجينيا ، كالفورنيا وغيرها غص بهم النادي الذي لم تسعهم طاولاته فشغلوا الممرات الداخلية . إزدانت جدران النادي بلافتات تحيي قدوم هذا المناضل ، وعند دخوله قاعة النادي وقف الجميع تحية له ، فيما واصلت الناس السلام عليه ، وبعد قليل ابتدأ الحفل بكلمة رئيس النادي ، ثم تليت كلمات الشعر ونثرها لعدد من الاخوة ، عبروا عن مشاعرهم الجياشة تجاه ابو جوزيف ، بلدته ، ووطنه ، وكانت بمجملها بمغزاها ، وابعادها ، مؤثرة ونابعة من القلب ، استطاب لها الجمهور وسطعت الوجوه ببريق الفرح والامل ، وقد ادار الامسية الاخ يوسف شكوانا الذي برع في هندستها وادارتها .
     وتخلل الاحتفال كلمة ابو جوزيف الارتجالية القيمة التي اثنى فيها على الاستقبال الحار له . وارجع الى الاذهان صورة الوطن ومتطلبات النضال من اجل اسقاط النظام الدكتاتوري ، واشار الى وجوب وحدة الجهود والطاقات واعتبر وجود جالية بهذه الكثافة ظاهرة دقيقة ، واختتم الاحتفال بعد ان تجاوز منتصف الليل .
     وفي مساء 15 تموز اقيم احتفال كبير بمناسبة ثورة 14 تموز المجيدة ، حضره الاخ توما توماس والاخ فخري بطرس الذي حضر ديترويت لزيارة اقاربه . وقد القى الاخ توما توماس كلمة بهذه المناسبة ، فيما احتفى الاتحاد الديمقراطي العراقي بهم ، ومنحهم شرف العضوية في صفوفه ، وسهر الجميع على انغام فرقة الشمس الموسيقية ومطربها عميد اسمرو ، وبمشاركة الفنان الاشوري سركون القادم من شيكاغو .
 
Detroit Metro Airport July 5th, 1994[/b][/size][/font]

189
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(3)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر نص الكلمة التي القيتها في ختام زيارته الى اميركا وكندا ، ايلول - 1994.

ايها الحفل الكريم
     يختتم الضيف العزيز ابا جوزيف رحلته الهامة الى ارض اميركا وكندا ، كانت رحلة شيقة ومفيدة غمرتنا بالسرور ونحن نقاسي آلام غربتنا المفروضة ، ونعتقد ان هذه السفرة قد خففت عنه بعض الجهد الذي يحمله طوال سنوات مديدة في سبيل قضية الشعب والوطن ، فهنيئا ً له الزيارة الناجحة ، كانت الاولى ولن تكون الاخيرة بل سنلتقي مرات اخرى في المستقبل ، ولقاءنا الاسعد في ارض الرافدين بعد تحريرها من رجس المستبدين والطغاة .
     عندما حضر ابو جوزيف تحركت الاجسام والنفوس ودب النشاط في بعض المجالات التي خدرها الزمن وطبيعة الحياة هنا ، وتتوجت بإثارة الحماس والإقبال على تجميع الطاقات واعادة الاصطفاف ، كلها ثمار ستجنيها الناس هنا وخصوصا ذلك الوسط الواسع الذي لا يريد ان يقطع صلته بالوطن ، ويظل يحلم به ويعيش على امل عودة السلام والاستقرار واجواء الديمقراطية الى ربوعه .
     هل كان حلما ً وانقضى ان نلتقي بك ونسمع صوتك ونطمئن على صحتك ؟ .. نعم كان حلم وتحقق ، ونحن ممتنون للزمن الذي وهبنا هذا الحظ ، ثم نعود بالسؤال : لماذا انقضى هذا الحلم الحقيقة بهذه العجالة ؟ .. هل هي تراجيديا الحياة ان يفرقنا القدر ويبعدنا عمّن نحب وصدق القائل :
حبذا العيش حين قومي جميعا ً          لم تفرق أمورها الأهوال
     قالت الناس بسجيتها وطيبتها المألوفة : ان ابقى هنا ولنتقاسم الخبز معا ً ، فقلت لهم : لم يحن الوقت بعد لاودع سلاحي . وكدت تقول ان حرارة اللقاء معكم لم تزدني الا تعلقا ً بشعبي ، ومهما حاولت سفني الابحار في شتى الاتجاهات ترى الرياح العاتية تحركها وتدفع شراعها صوب ارض وطني .
     وانت تتوجه صوب الوطن نوصيك ان تقبل لنا ترابه ، صخوره ، اشجاره ، اطفاله ، وتشم عطر ازهاره .
     وانت تتوجه صوب الوطن نوصيك ان تبلغ المناضلين بضرورة وحدة الصف والوطن .
     عبرك ابو جوزيف انقل لجبالنا ، لقرانا ، لمدننا ، لمعالم تاريخنا ، لشعبنا التحايــــا .
     عبرك السلام الى دجلة والفرات ، واذكرنا عندما تنهل من تلك المياه العذبة .
     يقينا ً سيأتي عملكم الجبار نتاجه .
    يقينا ً سيسقط الدكتاتور تحت اقدام الجياع .
    يقينا ً ستشاد دولة القانون والعدالة الاجتماعية .
    شكرا ً لك تحملك عناء الطريق وانت في شوق للقاء بنا .
    شكرا لك ، لذاكرتك الجيدة وتذكرك الناس والاحاديث الجميلة التي تبادلتها معهم .
    شكرا لذلك الجمهور الذي التف حولك وكان دائم التساؤل عنك ، عن صحتك ، حركتك ، واخبارك .
    شكرا لتلك الطاقات العراقية الكامنة التي انطلقت ، انها ذخر للمستقبل المنشود .
    شكرا لكل من احاط أبا جوزيف بالرعاية والحب ، انه تكريم لمناضلي الوطن ولكل من عبّد طريق الشعب بجسده ودمه الطاهر .
والسلام عليكم .
في الصورة أدناه - من اليمين المرحوم جورج كيكا توماس ، كفاح سلمان اودو ، المرحوم توما صادق توماس ، فضيلة صادق توماس ، في احدى حفلات ديترويت المقامة على شرف زيارة المناضل الراحل الى اميركا وكندا ، للفترة من تموز الى ايلول عام 1994 .[/b][/size][/font]

190
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(2)
نبيل يونس دمان

مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين  . اود الان نشر نص الكلمة التي القيتها في استقباله في ديترويت يوم 9 – تموز- 1994 .

ضيفنا العزيز ابو جوزيف 
ايها الحفل الكريم 
الحاضرون جميعاً :
بماذا ابدأ كلامي ، وملئ قلبي فرح عارم بلقاءِ انسان عزيز ورجل شهم ، مثل ابا جوزيف . لقد فارقتنا الاقدار اكثر من عقد من السنين وها نحن نلتقي ويا له من لقاء سعيد . 
ايها الاخوة : انا لا احب المديح ، ويصعب علي قوله ، وكلما تجنبته تراني اعود اليه في حضرة رجل ألهم جيلنا ، ومؤكد ان ذلك لا يعجبه ولا يستسيغ مثل هذاالمنحى ، لكن دافعاً قوياً يدفعني اليه كي لا يُجنى على الحقيقة ، ولكي ينصف التاريخ . 
ان التاريخ يهبنا رجال مشاهير في مختلف التخصصات بين زمن وآخر ، ولن يكون باستطاعته ان يعطينا مثل هؤلاء كل يوم او كل سنة ، او حتى في القرن الواحد ، والآن يجلس بيننا هذا الرجل الهمام الذي رفع رأسنا عالياً ، وان ارفع درجات القيم والكرامة والإباء تفتخر بمن وهب كل ما يملك لرفعة تلك القيم ، وان كان لنا ان نتباهى ، وان كان لرجالنا ان تزهو ، ولشبابنا ان يسموا ، ولبناتنا ان يكابرن ، فأرتباطاً بأسمك ابي جوزيف .

فلنغتنم هذه الفرصة التي لا تعوض لنحييه ونحيي فيه تلك القيم ولنكرمه بما يليق به ، وبمكانته التي احتلها بجدارة في تلك الايام على نطاق العراق ومنطقة كردستان ، والبلدة القوش ، واهبة الابطال ، والتي احبَها واحَبته ، ودافع عنها بضراوة ونكران ذات على مدى العقود الثلاث الماضية .

ضيفنا الكبير ابا جوزيف : لقد بدأت نضالك العنيد المتواصل من عقد لعقد ، ومن مدينة لاخرى ، ومن جبل لجبل ، ومن وادٍ لوادٍ في رحاب كردستان ومراتعها الخضراء ، وعلى ترابها قاتلت قتال الابطال ، والسلاح بيديك يناغي ، دفاعاً عن الفقراء والمحرومين ودفعت ثمناً لذلك استرخصته لعيون هؤلاء . وان قناعتك بما اقدمت عليه ، واصرارك المضي دون توقف ، قد صنع لنفسك ولشعبك ولألقوش مجداً لا يضاهيه مجد ، وعلى قدر عزيمتك وارادتك الصلبة سيحتذي الناس الطيبين في كل مكان.
      لم تَنَل ما كنت تصبوا اليه ، ليس فقط لنفسك بل للناس ايضاً الى يومنا هذا ، لكن ثق ايها العزيز الشامخ بيننا ان ما زرعته وما رسخته لن يذهب ادراج الرياح ، وسيكون له مردوده الوافر في المستقبل وسيمضي الناس حاملين قيمك ومبادئك ، عدالتك ، سماحك نحو ذرى المجد الآت والزمن السعيد الذي ينتظر العراقيين .
في فترات متباينة وفي اماكن مختلفة قُدّر لي اعيش وانتقل واسمك امامي وقيمك تتعاظم في نفسي وفي نفوس الناس ، كنتَ بعيداً عنّا لكننا كنّا نسمع باسمك على مر فصول السنة .   
كنّا نسمع بك من حفيف اوراق الخريف المتناثرة . 
كنا نسمع بك من تفتح الازهار في الربيع . 
كنا نسمع بك عندما تضطرم النار في الخشب ايام الشتاء .
وكنا نسمع بك عندما يهبنا الصيف فاكهته الشهية . 
هيّا استرح قليلاً ايها المقاتل ، فقصتك ترويها الجبال ، ولطالما حدثتنا عنها الوديان ، وكم غنت بك سواقي الماء الرقراق في عيون الجبال. 
هيّا استرح قليلاً يا عاشق الطبيعة ، ان الارض بالابطال تتغنى .
فبالله هل وصلت اسماعك اغاني رعاة الاغنام وصوت الناي ومناجاة الحمام ؟
هل وصلت اسماعك صفقات الريح في مداخل الجبال ؟
هل وصلت اسماعك اغاني القبج والدرّاج ووقع قوائم الغزال ؟
انها اغاني واناشيد تجسد ما سطّرته وامثالك من صفحات العز ، فبِكُم وبأسمكم يبتهج مزارعو الكروم ، وألَذ فواكه كردستان ، وتحت تلك الاشجار الخضراء الباسقة تفيأتم بضلالها الوارفة . 
لم يقدّر لبلدتك القوش للآن ان تستقبلك منتصراً ، كما لم يقدّر للوطن بأسره ان يفك قيوده ويتحرر مما هو فيه ، لكننا هنا في اميركا ونظراً للحرية التي نتمتع بها والامكانات الافضل نسبياً ، فقد منحنا الزمن هذه الفرصة بل هذا الشرف ان نلتقي بك ، ويا لعظمة الناس هنا ، ويا لكثرة محبيك ، ويا لسعة الاعداد لمجيئك بل كانت الاحاديث تدور طوال عام او اكثر " متى يأت ابو جوزيف ؟ ".
أبشر ايها الغالي فنحن اولادك واخوانك معك وبجانبك ، نضعك في شغاف قلوبنا، نربي الاجيال باسمك ، ونهدهد الاطفال الرضع موالاً يحكي قصتك ، نحيي فيك قيم البسالة والشرف والمآثر الخالدة ، ونرحب بك ضيفاً عزيزاً ، لتستمتع بالحياة هنا ، وتريح عن نفسك عناء المشاق ، ابتهجت ايامك بيننا ، وعهداً ان تكون مَثلنا الاعلى ، دامت صحتك وصحة اولادك واحفادك، وطابت اقامتك هنا مُعززاً ، مُكرّماً، والسلام . 

ملاحظة : قبل الشروع بالقاءالكلمة، انشدت مقطع شعر بلغتي الام ، ادناه المقطع بالكرشوني :
پشينَه ثيلُخ يا جَنقـــه           برناشِد أُرخَه عسقـَــــــه
من تامَه ثيلُخ مْرحقَه           مأثرَه بدمَّه مُسمقَــَــــــــه
قالِد تَفِكْتُخ مطيلَـَــــــه           رِِش طورَه قريلَه ودريلَه
دجِمْن بأزدوثَه مليلَـه           وشِمّد ألقُشْ مُعليلَـَــــــــه

في الصورة أدناه، الجالسون من اليمين : المرحوم جورج توماس ، نوئيل ساكو ، المرحوم توما توماس ، المرحوم رحيم القس يونان ، المرحوم جورج كتو ، خلفهم كاتب السطور وزوجته ، في نادي الاسرة الكلداني يوم 9- تموز- 1994 ...[/b][/size][/font]

191
نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(1)
نبيل يونس دمان

لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين . اود الان نشر احدى رسائله ، والتي لها علاقة بوضعنا الحالي ، لا زالت تحتفظ بحيويتها ، فالى الرسالة التالية :
  العزيز نبيل المحترم
تحية حارة
     املي ان تكون بصحة جيدة مع كفاح والاولاد ، شيء مفرح حصولكم على الاقامة وسيحل هذا الكثير من اموركم ليس فقط السفر وانما امور اكثر اهمية اخرى ، بالحقيقة لم اجرِ اية عملية ولكن دخلت المستشفى لمدة يومين للفحوصات هذا في القامشلي والان صحتي جيدة . جواب رسالتك ما قبل الاخيرة ارسلته منذ عشرة ايام املي ان ان يكون قد وصلك. استلمت رسالة من الاخ ابرم شبيرا بعد ذهابه الى لندن وقد ارسلت له جوابها ، ان الدانماركيين يبدون متشددين تجاه الزيارات لبلدهم لحد الان وقد مضت اكثر من ستة اشهر على الطلب ولم يجاوبوا على الطلب سلبا او ايجابا .
     اطلعت على مقالك حول محاضرة ..... والتي اثار انتباهي هو ما ذكرته عن تركيز الجدال حول " التسمية " وهي اساس الخلافات وحلقة صعبة تحتاج الى دراسات ووقت طويل لحلها ، لماذا لا ننطلق من اسهل نقطة في عملنا القومي ونترك موضوع " التسمية " حتى يتفق فيه " الفهماء " من ابناء شعبنا على تسمية له ، نحن شعب مهدد بالنقراض ولسنا كالشعوب الاخرى ولا نستطيع ان نسمح لانفسنا بالانقسام والتشرذم والتعددية والا فلا مستقبل لنا ، ان اشكالية التسمية تدخل في المجال الذي يدرسه علم التاريخ وليس غيره ، وربما التاريخ تطول دراسته لهذا الموضوع ، فهل نحن ملزمون بايقاف كل شيء حتى يحسم امر " التسمية " ام نتفرق الى فرق جديدة ، هوية الشعب تتضح من سياق عملنا القومي . من الخطا ان يكون الاتفاق على الهوية او اقناع الناس بتسمية معينة هو شرط ضروري لنهوض العمل القومي ، الواقع ان العمل القومي هو الذي يؤدي الى تحديد الهوية والتسمية عندما يؤدي الى نهوض الشعب وبلوغ غاياته القومية . يجب ان لا نتمسك بالماضي دائما في في خلق اسس جديدة لولادة شعب جديد ، يجب ان لا نتشبث بالماضي التليد علينا ان ننطلق من واقعنا الحالي وامكانياتنا ووضع شعبنا المشتت في العالم . ان من يتمسك بالتسمية فقط ولا غيرها حتما سوف لا يستطيع تقديم شيء لهذا الشعب عدا ما يعمل من اجل سمعته الشخصية .
     ان موضوع الكلدان وأمَلُك ان ترى هذا الوسط " الذي يحلو له ان يسمي نفسه بالكلداني " هذا اعتبره تمني لك وليس الدعوة الى العمل ، ان من هم كلدان لا يمكن تبديلهم بجرة قلم الى اشوريين كما يحلو للاخوة الاشوريين ذلك ، انها تعقيد للعمل القومي والوحدة وانها امال البعض باحداث انقلاب في التاريخ ، ان اصرار الاخوة الاشوريين على هذه التسمية كما قلنا هي استحالة العمل ووحدة الشعب ، الا يمكن ان يعمل الاشوريين في اتحاد اختياري لفترة حتى نضوج موضوع التسمية من اجل التوحيد الجذري ، لماذا لا ندعوا الكلدان بتشكيل مثلا " الاتحاد الديمقراطي الكلداني " وتضعوا برنامج التعاون مع المنظمات القومية الديمقراطية وغيرها من الاتحادات العراقية الديمقراطية لانشاء محور ديمقراطي يضم الجميع ويوضع له برنامج التوحيد ( الاندماج ) .
      ان شبابنا يدور في حلقة فارغة وهو اكثر رغبة في العمل السياسي القومي ولكنه ليس له قيادة من اجل توحيد جهوده ، لماذا نستحي من اسم الكلدان في الوقت الذي هو واقع حاليا ، دعونا نعمل حاليا تحت اي تسمية يؤيدها كل جزء وفي نفس الوقت نعمل من اجل الوحدة والاندماج هل معاركنا حول التسمية نفعت عملنا ام اخرته وخلقت الجفاء ان لم نقل التفرقة بيننا ، لنكن واقعيين .
     في هكذا وضع ومن اجل ايجاد مفتاح حل تلك المشاكل المستعصية بطريقة النقاش الحضاري ، نقاش واسع النطاق توضع له آلية للنقاش وتنظيمه كي يكون نافعا ومثمرا وان لا يؤدي الى عداوات ولي الثقة بان كلما تتوسع هذه النقاشات تظهر مواضيع واسئلة جديدة في سبيل عملنا القومي وسيجعل بعض المخالفين يتفقون مع اراء الاخرين وتختلط الطاقات في البحث عن التفاهم والثقة المتبادلة التي نفتقدها .
     كنت قد التقيت مع الاخ ..... في كندا وعقدنا جلسة مشتركة مع الاخوة مسؤولي المنظمات الاشورية ودامت عدة ساعات وكنا قريبين الى بعضنا البعض ، لاحظت ان الاخ .....  يركز على " اشورية " كل الشعب والاصرار على عدم وجود الكلدان والسريان خلاف ما هو معمول به الان وبهذه الطريقة من الصعب له كسب الاخرين الى ما يصبوا هو اليه ان لم يبعدهم عن العمل المثمر .
     ان ما اؤكد عليه ان نعمل على حل اشكاليات التسمية ومن اجل توحيد الشعب ان نبتدئ من الحلقة الضعيفة والسهلة دون ان نبتدئ بالحلقة الصعبة وحتى المستحيلة الحل كما نقول وبذلك نقضي على كل تفاهم بيننا وقد تؤدي الى القطيعة وهذا ما يعمل بعض الاخوة الاشوريين وانك تلاحظ ذلك بين اوساط الكلدان وحتى بعض شبابنا ان لم نقل اكثريتهم لهم مواقف متشنجة تجاه الاخوة الاشوريين .
     اننا بحاجة الى وحدة شاملة وقيادة موحدة للجميع ( الطوائف ) كما يسمون انفسهم الى هيئة على شكل صيغة " المجلس الوطني الفلسطيني " او البرلمان الكردي الذي تشكل حديثا، يمثل الشعب في المهجر والوطن يمكن انتخابه مرة كل سنتين او اكثر من قبل الشعب وقد يؤدي تكرار الانتخاب الى ظهور ممثلين حقيقيين عن الشعب .
     ارجو لك كل الخير والعمل المثمر واتمنى لك وللعائلة مزيدا من الصحة والعمل المثمر، ارسلت رسائل التعزية لكل من عوائل المرحومين عبد الوسي ورحيم القس يونان وكانت الزيارة فرصة للقاء بهم وما كنت اعتقد ان تكون الزيارة الاخيرة لهم .
    سيصل اليوم فائق بطي وحتما سيكون الكاسيت معه ، شكرا على جهودكم .
    تحياتي الى الاخوة جورج جبوري واشكره على مكالمته ولو لم اكن موجودا ، انني اتمنى له حياة سعيدة وعمر مديد مشتاق لرؤيته . تحياتي للاخوة ، نبيل جولاغ ، نجيب جلو ، وجرجيس كتو ، وقيس يونان ، وابو موفق وباقي الاخوة عندكم ، تحيات الاولاد لكم جميعا ً .
    ارجو ان تكونوا قد قضيتم اوقاتكم الجيدة في عيد القيامة مع الاهل والاصدقاء .
دمتم سالمين
ابو جوزيف
22 - 4 - 1995 [/b] [/size] [/font]

192
دعوة لاحياء الذكرى العاشرة لرحيل توما توماس

     في 15- 10- 2006 ، تمر عشرة سنوات على توقف قلب المناضل الكبير ، والرجل الشجاع توما توماس ، اجدها مناسبة جديرة في تسليط الاضواء عليها لإبرازها ، وفاء لجزء من الدَين الذي في أعناقنا ، لذلك الانسان الذي عاش بيننا في مطاوي القرن المنصرم ، والذي ستظل أجيال وأجيال على مدار العصور تضرب به المثل ، في الشجاعة والبسالة والتضحية ، وفي محاربة الظلم والظالمين ، لعقود من السنين ، بإرادة لا تلين ، وعزم لا يفل ، وإصرار عل المضي الى الامام وحتى النهاية ، مدافعا ثابتا ً وعنيدا ً عن الفقراء والمضطهدين.
     ادعوكم ايها الاصدقاء من : الادباء ، الشعراء ، الفنانين ، مقاتلي الانصار البواسل ، والبيشمركة الابطال ، من كل الاتجاهات السياسية والدينية والعرقية ، للكتابة عن الرجل بما تجود به اقلامكم ، وتتفتق به اذهانكم ، وتنطق به قرائحكم ، وتشعر به  قلوبكم ، وليوثق نتاجكم المستند الى الحقيقة وحدها ، للمستقبل والتاريخ . لو اتاح الزمن وتوفرت الفرص لوضعت له كتب عديدة ، ايضا لو استقرت الظروف وتعافى الوطن ، ستحل مناسبة نقل رفاته من محافظة دهوك الى مسقط رأسه القوش ، حيث مثوى آبائه واجداده .
     تاتي هذه الدعوة في ظروف تعتورها المآسي والكوارث الجديدة ، وفي اجواء يخيم عليها الحزن والقلق على طول البلاد وعرضها ، ولكن روح توما توماس ، تلك القامة الممشوقة التي عاشت بيننا ، تنادينا لنواصل النضال من اجل نصرة تلك الاهداف ونقتدي بذلك المثل الانساني ، والخلق السامي الذي تحلـّى به ، في تعامله مع الاعداء قبل الاصدقاء ، وليظل الشعار الذي سار خلفه مرتفعا ً فوق هامات كل من يغذي المسيرة ، التي كان ابو جوزيف في طليعتها ، لتستمر وتضم الحشود المتزايدة ابدا ً ، هاتفة ملئ حناجرها ذلك الشعار العتيد ( وطن حر وشعب سعيد ! ) .
     لتكن المبادرات على صفحات المواقع التالية ( الطريق ، عنكاوا ، القوش نت ، والقوش دي ) ، وليسمح العاملون فيها ، بفتح ملف خاص لذلك الغرض ، طوال المدة التي تفصلنا عن المناسبة . ولا يفوتني ايضا ً ان اهيب بأهالي البلدة الحبيبة القوش ان تتهيأ وتحضر للمناسبة بإقامة اسبوع ثقافي ، يكون الاساس لوحدة ورص صفوف ابناء البلدة ، بالتآلف  والتآزر والنخوة التي كان ينادي بها توما توماس في حياته . اتوجه الى الاشكال النضالية فيها ، وفي القرى المحيطة ، لبلورة جهد نوعي ورصد عمل متناسق بناء ، يقرب الناس الى بعضها في هذا الزمان العصيب ، والمخاض الاليم الذي يسبق انطلاقة وطننا ، في رحاب الديمقراطية الآتية دون ريب .
دمتم اعزاء وبررة ، لإحياء سيرة ابن العراق المعروف توما توماس .

نبيل يونس دمان
من اصدقاء الفقيد
4 - 8 - 2006[/b][/size][/font]

193
القس يوحنان جولاغ ، تاج الحكمة ورمز الابداع
[/size]

بقلم : نبيل يونس دمان
     ▼ يا له من بون يفصل الموت عن الحياة ، والماضي عن الحاضر ، ففي الامس كان الفقيد يترنم بأشجى الاصوات ، واعذب الالحان ، وامضى الكلمات ، التي يبحث عنها ، فيجدها تتراقص امامه ، ليقتنصها ويرصّها في بنيان القصيدة ، او الفكرة ، او الموضوعة ، خزين من الكلمات ينتقي بليغها ومن لغة عريقة عراقة الارض ، واليوم يرقد على رجاء القيامة ، يلفـّه الصمت ، تحيط بوجهه الوضاء هالة المجد ، ينتظر في رقدته الابدية من الاجيال التي عرفته ان تطرب بذكراه ، كلما دار الحديث عنه ، فقد وُهِب قلبا ً عامرا ً بالمحبة والفرح . كان اهالي القوش يصغون اليه جيداً في الستينات من القرن الماضي ، فتقع مواعظه وقعا ً عميقا ً في نفوسهم ، وفي الغالب كانوا ينظرون لبعضهم متعجبين من قدراته ومعرفته الدقيقة عن  حياتهم الاجتماعية ، كأنه يعيش في كل بيت . رغم كل الآلام النفسية والجسدية التي عاشها ، في ظروف متقلبة شديدة الوطأة ، فإنه ظل متمسكا ً بأيمانِه ، أمينا ً لتـُراثِه ، هكذا مات الذي كان الدهر بأناشيده ينشد ، مات الذي كان يسقي شجرة الحياة بخميرة فِكره ، أيها الناس إبكوا الذي لم يصل الى مبتغاه ، في لم ّ شملكم ، واشاعة الفرح في حياتكم ، انه ليس كمن يأت ويذهب ، او ما يتناثر من الشهب والكواكب ، فيخفت بريقه بسرعة ، بل جاء وفي يده شيء غـَرسِه في الارض ، لينمو ويزدهر ويكون له الثمر الوفير، كان منارة لمن اراد ان يتبع خطاه ، تغنـّى بمآثر وطنه وبأمجاد شعبه ، بأرق مشاعر الحب والوفاء ، فلا تخلو من كل ذلك الأشرطة الصوتية التي سجلها ، بعرقه وتعبه ، وسهره الطويل ، وبحثه المتواصل ، في أمهات الكتب والميامر والأشعار، التي امدت قصائده بذلك البنيان المتناسق ، وذلك الصوت الأخاذ ، والأداء الجميل .
     ▼ ذهب الكاهن الورع الى حيث الراحة الابدية ، هناك تستقبله ملائكة الرب بالمصابيح والشموع ، راقصة بالطبول والدفوف ، فالدُنى ما كانت يوما ً دارَ قرار ٍ ، وعلى الدوام ستنظر الاجيال الى ذلك المعلم بإحترام ، ولن أبالغ القول بان القس يوحنان جولاغ هو واحد ممن ترك لنا إرثا ً وأثرا . عرف عنه دفاعه عن بلدته ايام المحن ليس أدلـّها ، دعوة الناس للتجمع امام مركز شرطة القوش في ربيع 1969 ، لافشال مخطط السلطة في ايذاء البلدة وابنائها الأباة . وفي صيف نفس العام كان القس يوحنان على رأس وفد للمصالحة مع الجيران ، وقد عكّر الزمن مؤقتا صفو العلاقة التاريخية بينهم .
     ▼ كلما ودعنا رجلا ً عظيما ً أشرنا الى معاناته ، وخبايا آلامه ، ومكنونات حزنه ، لارتباطها الوثيق بملكة الابداع الذي اعتلى هامته بجدارة القسيس الراحل ، لم يسكن قصرا ً ولم يعشق منصبا ً، وكل القرائن كانت تشير الى امكانه ذلك ، لما جبل عليه من الذكاء وسرعة البديهة والكياسة ، وكما قال شقيقه صباح في رثائه ، بانه كيـّف نفسه ، مع الكبار كبيراً ومع الصغار صغيراً ، حتى يرضي الجميع . مبكرا ارتبط ابداعه بتلك العوارض التي نوهنا عنها ، وفي  جسده السر في مقاومة ضروب الدهر ، فقد العديد من افراد اسرته ، وابتعد عن مسقط رأسه دون رغبته ، ووقع في اشكال بسبب حرصه على آثار نينوى العظمى . كان اسم بلدته لا يفارق محياه ، وظل قلبه يخفق بحب ابنائها المنتشرين في بقاع الارض ، لقد ترك لنا في رحيله وجهة الى الاحياء ، بان يتذكروا مصير الانسان ، فينصتوا لعين العقل ، وصواب الحكمة ، في نشر المحبة ، وروح التعاون في الملمّات ، وان يتركوا الاحزان خلفهم ، ويغنـّوا لغدهم ، لأعقابهم ، فالحياة قصيرة ، والموت غادر ، يداهم البشر في أية لحظة .
     ▼ جاء الى اميركا في العام الماضي ، لم يبق فيها كثيرا ً ، وكأنه جاء يودع أحبته وأصحابه ، غادرها خوف ان تداهمه المنيـّة فيرقد تحت تربةٍ غريبة ، وهو القائل " انها الجنة ولكن معجونة بماء الجهنم " ،  فاسرع الخطى ليحتضن ارض العراق ، وتحتضنه تربتها التي منها انطلق واليها عاد ، ليلتحق بجنات الخلد حاملا ً رسالة ، ولايقاظ المهللين بمجد الرب ، ان يستمطروا رحمته على أرض الحضارات ، فتنتهي دورة العنف لصالح السلم ، والصراع لصالح البناء ، هل كانت تلك الجنات تنتظر عودة الاب يوحنان اليها ، ليشق بصوته فضاء السكون ، فيحرك المسبحين بإسمه ، لينصتوا الى عذابات الانسان ، بالتأكيد سيجلب الانتباه ، ذلك الخطاب الذي حمله معه ، في رحلته الابدية ، فيعود السلام والازدهار، الى بلاده بين النهرين الخالدين.
     ▼ عاد الطير المحلق عاليا الى وَكره الارض ، ومن جسده الممتزج مع ترابها ، سيُجبل مبدعون آخرون ، يرشفون مياهها ويتنسمّون هواءها ، لينطلقوا من جديد ، مادة وروحا ً ، عطاء وارتقاء ً ، فعمر الخليقة سلسلة من حلقات الابداع ، تكبر وتعظم باستمرار، وحتى يرث خالقها ما عليها .
     ▼ قد نكون قصرنا مع الراحل ، ليسامحنا فالظرف قاهر، والاحداث خطيرة ، فـَلم تدعنا نلتفت اليه ، ولكننا سمعنا صرخاته ، وما خالج قلبه ، كنا نامل ان نشيع في قلبه المتعب بالشيخوخة اذا صح تسميتها ، بالغبطة التي كان مسكونا ً بها في صباه وشبابه ، ليعذرنا الاب يوحنان وعزائنا انه باق ٍ خالد ، وتراثه حي يبعث من جديد ، في كل دورة من دورات الفلك ، وعلى ايدي النجباء من تلامذته .
    ▼ يألمني انني لم التق ِ به منذ مغادرتي الوطن قبل ربع قرن ، لكنني بعد سماعي شريطه الصوتي بعنوان ( الغربة ) والذي اعتبره قمة عطائه ، ارسلت له الرسالة التالية :
خيپوثيله مبرپشاله شمشه قويثـــــــــــــــــه
خايد ناشه گدامي لمايه ديلي بنهــــــــــــــرا
كد كمهرشي كصابي وكصاخه بگاوي صيرا
زونه جغيشا علمه تعيشه بلبح بيشــــــــــا
..........................
باثي زونه بنايخ علما بكيوه قريشــــــــــــــا
وناشه طاوه بعالي ريشح وبناپل بيشـــــــــا
 الى ابونا الموقر يوحنان جولاغ المحترم
تحية صادقة
     ان قلمي ليعجز عن التعبير عن نبضات الحب والاعجاب بذلك الذهن المتنور المتفتق الذي أجهر بالأبيات أعلاه ، وبذلك الصوت الدافئ القوي النبرات ، والمشحون بالعواطف ، والمنساب من فم كأنه الشهد ، اي زهو يمتلكني وانا اصيخ السمع الى كلماتك ايها الاب العزيز بعد ان فارقتنا قسوة الاقدار لعقود من السنين ، لكن صوتك عبر الشريط المسجل اعاد تواصلنا وارجعني سنين الى باحة الكنيسة وانا اسمع صوتك ، او في لقاءاتي معك طالبا في الندوات الدينية في اواسط الستينات ، او في لقاء طويل معك واذا تذكر لساعات في بيتكم صيف عام 1972.
     ان صوتك الذي وصل عبر البحار والمحيطات اسكرني بحب الوطن والتربة الغالية والقوش الحبيبة ، وجعلني اعيد سماعه مرات ومرات دون تعب او ارتواء . في شريط الفيديو الذي صوره نجيب عيسى كولا ، سمعتك ، ورايتك بوسامتك ، ولحيتك البيضاء المهيبة . شكرا من الاعماق ، لن انسى كلماتك تلك ، وكأنها موجهة لي ولكل فرد مغترب وساحتفظ بالشريط كأغلى هدية ، وسيرافقني اينما حللت ، وحتى التقي بك واجلس معك واتطلع لسماع ومعرفة المزيد عنك ، وبتقديري تمتلك الكثير ، يقينا ان ثروة الادب التي ليس في الفانية أثرى منها ، تخلد الانسان وتجعل مكانته متميزة في عجلة الزمن .
 تحية لك ولوالدتك ، وإخوتك .
ودمتم لنا ولمدينتكم الأبية القوش .... والسلام .
 تلميذك نبيل دمان
 2- 11- 1994.
 وارسل الجواب التالي :
     عزيزي نبيل
     ببالغ السرور والاعجاب قرات رسالتك الاخوية المشحونة بمشاعر النبل والتعلق الصميم بالوطن والاصدقاء والمعارف الذي حالت ظروف الزمان بينكم وبينهم ، عسى ان يجتمع الشمل يوما ما بعناية الرب القدير ، لان الشجرة ما دامت خضراء فجذورها عميقة في التربة الاصلية مهما قطعت منها اقلام وشتلت في تربة اخرى :
أرا كلـّه خا بيثيلا دبرناشوثـــــا
بسيمتيلا إن لا ثوابا نوخرايوثا
      هذا هو واقع الحياة للكثير من ابناء آدم في هذا الزمان ، واينما يحل البشر فهم في ارضهم ، في بيتهم ، مع فارق الغربة الثقيلة والمؤلمة ، ثم يدور الزمان ويدور كما تدور الارض حول الشمس ، وقد يلتئم الشمل بعد الفراق والبعاد ، او يكفي ان تكون القلوب والافكار ملتحمة متحدة ، فهي تقرّب الابعاد وتقلـّص المسافات والله كريم .
      اشكرك قلبيا على مشاعرك الصادقة وتعابيرك الاخوية مع ما فيها من مديح لست اهلا له ، لانني حين اتكلم او اكتب شيئا ما ، فانما اعبر عما يجيش في قلبي من حب وتعلق بحياة الناس جميعا ً ، وخاصة بحياة معارفي واهلي واصدقائي ، لكن امنيات الانسان لا تتحقق جميعها ، لاننا بشر لنا حدود في الزمان والمكان ، لكن القيم التي يحملها الانسان لا حدود لها ، فهو يتالم حين لا تتحقق امنياته الانسانية بالعيش الكريم والكرامة لجميع الناس بدون فرق بين هذا او ذاك ، حياتنا في الارض طريق الجلجثة على خطى السيد المسيح المنتصر على كل ما في حياة الانسان من سلبيات وشرور. حفظكم الرب بعنايته القديرة ودمتم سالمين .
 اخوكم القس يوحنان
 الموصل - كنيسة مار اشعيا - 21/ 11/ 1994
     ▼ انجز العديد من الاعمال الكتابية ، الترجمة ، والاشرطة الصوتية ( الكاسيت ) التي يمكن ذكر بعضها مثل : قصة يوسف الصديق ، وجنفياف ، يزداندوخت ، وقافلة الموت ( كروان دموثا ) ، والاخير كان شبه فلسفي ، يدور حول تبادل الاتهامات بين الافراد والموت بشكل جدلي متقن ، في ذلك الاسهاب ألهب يوحنان جولاغ مشاعر المستمعين، وهو يتحدث عن قصة كارثية ، في غرق خمسة من شباب وشابات البلدة ، في بحيرة الثرثار عام 1980.
     ▼ صبرا وسلوانا ً لأهل بيته ، لكل من عرفه ، او سمع به ، وهو المكلل بهامة الرفعة والمتجذر بقوة الايمان ، دعوه ينظر من عليائه اليكم ، في حركتكم المستمرة الى الامام ، مضيفين للأدب والثقافة والفنون ، مفاخر الدنيا ومباهج الحياة .
      ▼ يا نينوى ويا كنيسة مار اشعيا ، يا القوش ويا كنيسة مارﮔورﮔيس ، أبْكوا جميعا ً الأب الشاعر ، وأذرفوا له الدموع .
قرْي يا ماثي پقـْيناثه          وْطلوبْ تـَه رابي رَحْماثـَه
تـَدْ شـَمي كُل نـَثياثـَه          مَحرا وزومارَه خاثــــــَــه
شِتقـَه مْخيلِه لْبرياثه          وصْميري وَردي وْحيواثه
وْكُل طـْير ِه دِشْمَيّاثه          پْخيلي مِخْ ناشِد ما ثــــــَه
مْسُكيرْ رابي مْأيناثـَه          ولـَخـّـازيلي نـَشْواثــــــــَـه
طاواثِح ْ گو مَسّاثـَــه          وشِمِّحْ كْمَبهـِر كْثوياثـــــَه
شِشْو زاگِه بأيداثــــَه          ومْخو صَنـّوجِه بأيتاثــــَه
ياعْلمايِـِه وبْـني ماثه          مْپـَشْطول ِ بـِصـْلاواثــــَــه
گو بيبونِه د حقلاثــَه          گو قالِه د كـَلـْكـَلياثــــــــَـه
علوييله بكُل يوماثــَه         مْدار ِ لـْدار ِ وگهاثــــــــَــه
يا بـَئايِـِدْ حَقــّوثَــــــَه         كـْليل ِ دَرقــُل أودوثــــــَـــه
لَـَياذيوَه ﭽـْو زْدوثــَه         طالِحْ كْشَكلـَه مَلكْوثـــــَـــه
 
▼ ملاحظة : آخر البيتين في القصيدة من نظم الشاعر الصديق سعيد يوسف سيبو .

 :
nabeeldamman@hotmail.com
USA
July 14, 2006[/b]

194
القس يوحنان جولاغ ، تاج الحكمة ورمز الابداع

بقلم : نبيل يونس دمان

     ▼ يا له من بون يفصل الموت عن الحياة ، والماضي عن الحاضر ، ففي الامس كان الفقيد يترنم بأشجى الاصوات ، واعذب الالحان ، وامضى الكلمات ، التي يبحث عنها ، فيجدها تتراقص امامه ، ليقتنصها ويرصّها في بنيان القصيدة ، او الفكرة ، او الموضوعة ، خزين من الكلمات ينتقي بليغها ومن لغة عريقة عراقة الارض ، واليوم يرقد على رجاء القيامة ، يلفـّه الصمت ، تحيط بوجهه الوضاء هالة المجد ، ينتظر في رقدته الابدية من الاجيال التي عرفته ان تطرب بذكراه ، كلما دار الحديث عنه ، فقد وُهِب قلبا ً عامرا ً بالمحبة والفرح .
كان اهالي القوش يصغون اليه جيداً في الستينات من القرن الماضي ، فتقع مواعظه وقعا ً عميقا ً في نفوسهم ، وفي الغالب كانوا ينظرون لبعضهم متعجبين من قدراته ومعرفته الدقيقة عن  حياتهم الاجتماعية ، كأنه يعيش في كل بيت .
رغم كل الآلام النفسية والجسدية التي عاشها ، في ظروف متقلبة شديدة الوطأة ، فإنه ظل متمسكا ً بأيمانِه ، أمينا ً لتـُراثِه ، هكذا مات الذي كان الدهر بأناشيده ينشد ، مات الذي كان يسقي شجرة الحياة بخميرة فِكره ، أيها الناس إبكوا الذي لم يصل الى مبتغاه ، في لم ّ شملكم ، واشاعة الفرح في حياتكم ، انه ليس كمن يأت ويذهب ، او ما يتناثر من الشهب والكواكب ، فيخفت بريقه بسرعة ، بل جاء وفي يده شيء غـَرسِه في الارض ، لينمو ويزدهر ويكون له الثمر الوفير، كان منارة لمن اراد ان يتبع خطاه ، تغنـّى بمآثر وطنه وبأمجاد شعبه ، بأرق مشاعر الحب والوفاء ، فلا تخلو من كل ذلك الأشرطة الصوتية التي سجلها ، بعرقه وتعبه ، وسهره الطويل ، وبحثه المتواصل ، في أمهات الكتب والميامر والأشعار، التي امدت قصائده بذلك البنيان المتناسق ، وذلك الصوت الأخاذ ، والأداء الجميل .
     ▼ ذهب الكاهن الورع الى حيث الراحة الابدية ، هناك تستقبله ملائكة الرب بالمصابيح والشموع ، راقصة بالطبول والدفوف ، فالدُنى ما كانت يوما ً دارَ قرار ٍ ، وعلى الدوام ستنظر الاجيال الى ذلك المعلم بإحترام ، ولن أبالغ القول بان القس يوحنان جولاغ هو واحد ممن ترك لنا إرثا ً وأثرا .
عرف عنه دفاعه عن بلدته ايام المحن ليس أدلـّها ، دعوة الناس للتجمع امام مركز شرطة القوش في ربيع 1969 ، لافشال مخطط السلطة في ايذاء البلدة وابنائها الأباة . وفي صيف نفس العام كان القس يوحنان على رأس وفد للمصالحة مع الجيران ، وقد عكّر الزمن مؤقتا صفو العلاقة التاريخية بينهم .
     ▼ كلما ودعنا رجلا ً عظيما ً أشرنا الى معاناته ، وخبايا آلامه ، ومكنونات حزنه ، لارتباطها الوثيق بملكة الابداع الذي اعتلى هامته بجدارة القسيس الراحل ، لم يسكن قصرا ً ولم يعشق منصبا ً، وكل القرائن كانت تشير الى امكانه ذلك ، لما جبل عليه من الذكاء وسرعة البديهة والكياسة ، وكما قال شقيقه صباح في رثائه ، بانه كيـّف نفسه ، مع الكبار كبيراً ومع الصغار صغيراً ، حتى يرضي الجميع .
مبكرا ارتبط ابداعه بتلك العوارض التي نوهنا عنها ، وفي  جسده السر في مقاومة ضروب الدهر ، فقد العديد من افراد اسرته ، وابتعد عن مسقط رأسه دون رغبته ، ووقع في اشكال بسبب حرصه على آثار نينوى العظمى .
كان اسم بلدته لا يفارق محياه ، وظل قلبه يخفق بحب ابنائها المنتشرين في بقاع الارض ، لقد ترك لنا في رحيله وجهة الى الاحياء ، بان يتذكروا مصير الانسان ، فينصتوا لعين العقل ، وصواب الحكمة ، في نشر المحبة ، وروح التعاون في الملمّات ، وان يتركوا الاحزان خلفهم ، ويغنـّوا لغدهم ، لأعقابهم ، فالحياة قصيرة ، والموت غادر ، يداهم البشر في أية لحظة .
     ▼ جاء الى اميركا في العام الماضي ، لم يبق فيها كثيرا ً ، وكأنه جاء يودع أحبته وأصحابه ، غادرها خوف ان تداهمه المنيـّة فيرقد تحت تربةٍ غريبة ، وهو القائل " انها الجنة ولكن معجونة بماء الجهنم " ،  فاسرع الخطى ليحتضن ارض العراق ، وتحتضنه تربتها التي منها انطلق واليها عاد ، ليلتحق بجنات الخلد حاملا ً رسالة ، ولايقاظ المهللين بمجد الرب ، ان يستمطروا رحمته على أرض الحضارات ، فتنتهي دورة العنف لصالح السلم ، والصراع لصالح البناء ، هل كانت تلك الجنات تنتظر عودة الاب يوحنان اليها ، ليشق بصوته فضاء السكون ، فيحرك المسبحين بإسمه ، لينصتوا الى عذابات الانسان ، بالتأكيد سيجلب الانتباه ، ذلك الخطاب الذي حمله معه ، في رحلته الابدية ، فيعود السلام والازدهار، الى بلاده بين النهرين الخالدين.
     ▼ عاد الطير المحلق عاليا الى وَكره الارض ، ومن جسده الممتزج مع ترابها ، سيُجبل مبدعون آخرون ، يرشفون مياهها ويتنسمّون هواءها ، لينطلقوا من جديد ، مادة وروحا ً ، عطاء وارتقاء ً ، فعمر الخليقة سلسلة من حلقات الابداع ، تكبر وتعظم باستمرار، وحتى يرث خالقها ما عليها .
     ▼ قد نكون قصرنا مع الراحل ، ليسامحنا فالظرف قاهر، والاحداث خطيرة ، فـَلم تدعنا نلتفت اليه ، ولكننا سمعنا صرخاته ، وما خالج قلبه ، كنا نامل ان نشيع في قلبه المتعب بالشيخوخة اذا صح تسميتها ، بالغبطة التي كان مسكونا ً بها في صباه وشبابه ، ليعذرنا الاب يوحنان وعزائنا انه باق ٍ خالد ، وتراثه حي يبعث من جديد ، في كل دورة من دورات الفلك ، وعلى ايدي النجباء من تلامذته .
    ▼ يألمني انني لم التق ِ به منذ مغادرتي الوطن قبل ربع قرن ، لكنني بعد سماعي شريطه الصوتي بعنوان ( الغربة ) والذي اعتبره قمة عطائه ، ارسلت له الرسالة التالية :
خيپوثيله مبرپشاله شمشه قويثـــــــــــــــــه
خايد ناشه گدامي لمايه ديلي بنهــــــــــــــرا
كد كمهرشي كصابي وكصاخه بگاوي صيرا
زونه جغيشا علمه تعيشه بلبح بيشــــــــــا
..........................
باثي زونه بنايخ علما بكيوه قريشــــــــــــــا
وناشه طاوه بعالي ريشح وبناپل بيشـــــــــا

 الى ابونا الموقر يوحنان جولاغ المحترم
تحية صادقة

     ان قلمي ليعجز عن التعبير عن نبضات الحب والاعجاب بذلك الذهن المتنور المتفتق الذي أجهر بالأبيات أعلاه ، وبذلك الصوت الدافئ القوي النبرات ، والمشحون بالعواطف ، والمنساب من فم كأنه الشهد ، اي زهو يمتلكني وانا اصيخ السمع الى كلماتك ايها الاب العزيز بعد ان فارقتنا قسوة الاقدار لعقود من السنين ، لكن صوتك عبر الشريط المسجل اعاد تواصلنا وارجعني سنين الى باحة الكنيسة وانا اسمع صوتك ، او في لقاءاتي معك طالبا في الندوات الدينية في اواسط الستينات ، او في لقاء طويل معك واذا تذكر لساعات في بيتكم صيف عام 1972.
     ان صوتك الذي وصل عبر البحار والمحيطات اسكرني بحب الوطن والتربة الغالية والقوش الحبيبة ، وجعلني اعيد سماعه مرات ومرات دون تعب او ارتواء . في شريط الفيديو الذي صوره نجيب عيسى كولا ، سمعتك ، ورايتك بوسامتك ، ولحيتك البيضاء المهيبة . شكرا من الاعماق ، لن انسى كلماتك تلك ، وكأنها موجهة لي ولكل فرد مغترب وساحتفظ بالشريط كأغلى هدية ، وسيرافقني اينما حللت ، وحتى التقي بك واجلس معك واتطلع لسماع ومعرفة المزيد عنك ، وبتقديري تمتلك الكثير ، يقينا ان ثروة الادب التي ليس في الفانية أثرى منها ، تخلد الانسان وتجعل مكانته متميزة في عجلة الزمن .
 تحية لك ولوالدتك ، وإخوتك .
ودمتم لنا ولمدينتكم الأبية القوش .... والسلام .
 تلميذك نبيل دمان
 2- 11- 1994.

 وارسل الجواب التالي :
     عزيزي نبيل

     ببالغ السرور والاعجاب قرات رسالتك الاخوية المشحونة بمشاعر النبل والتعلق الصميم بالوطن والاصدقاء والمعارف الذي حالت ظروف الزمان بينكم وبينهم ، عسى ان يجتمع الشمل يوما ما بعناية الرب القدير ، لان الشجرة ما دامت خضراء فجذورها عميقة في التربة الاصلية مهما قطعت منها اقلام وشتلت في تربة اخرى :
أرا كلـّه خا بيثيلا دبرناشوثـــــا
بسيمتيلا إن لا ثوابا نوخرايوثا

      هذا هو واقع الحياة للكثير من ابناء آدم في هذا الزمان ، واينما يحل البشر فهم في ارضهم ، في بيتهم ، مع فارق الغربة الثقيلة والمؤلمة ، ثم يدور الزمان ويدور كما تدور الارض حول الشمس ، وقد يلتئم الشمل بعد الفراق والبعاد ، او يكفي ان تكون القلوب والافكار ملتحمة متحدة ، فهي تقرّب الابعاد وتقلـّص المسافات والله كريم .
      اشكرك قلبيا على مشاعرك الصادقة وتعابيرك الاخوية مع ما فيها من مديح لست اهلا له ، لانني حين اتكلم او اكتب شيئا ما ، فانما اعبر عما يجيش في قلبي من حب وتعلق بحياة الناس جميعا ً ، وخاصة بحياة معارفي واهلي واصدقائي ، لكن امنيات الانسان لا تتحقق جميعها ، لاننا بشر لنا حدود في الزمان والمكان ، لكن القيم التي يحملها الانسان لا حدود لها ، فهو يتالم حين لا تتحقق امنياته الانسانية بالعيش الكريم والكرامة لجميع الناس بدون فرق بين هذا او ذاك ، حياتنا في الارض طريق الجلجثة على خطى السيد المسيح المنتصر على كل ما في حياة الانسان من سلبيات وشرور. حفظكم الرب بعنايته القديرة ودمتم سالمين .
 اخوكم القس يوحنان
 الموصل - كنيسة مار اشعيا - 21/ 11/ 1994
     ▼ انجز العديد من الاعمال الكتابية ، الترجمة ، والاشرطة الصوتية ( الكاسيت ) التي يمكن ذكر بعضها مثل : قصة يوسف الصديق ، وجنفياف ، يزداندوخت ، وقافلة الموت ( كروان دموثا ) ، والاخير كان شبه فلسفي ، يدور حول تبادل الاتهامات بين الافراد والموت بشكل جدلي متقن ، في ذلك الاسهاب ألهب يوحنان جولاغ مشاعر المستمعين، وهو يتحدث عن قصة كارثية ، في غرق خمسة من شباب وشابات البلدة ، في بحيرة الثرثار عام 1980.
     ▼ صبرا وسلوانا ً لأهل بيته ، لكل من عرفه ، او سمع به ، وهو المكلل بهامة الرفعة والمتجذر بقوة الايمان ، دعوه ينظر من عليائه اليكم ، في حركتكم المستمرة الى الامام ، مضيفين للأدب والثقافة والفنون ، مفاخر الدنيا ومباهج الحياة .
      ▼ يا نينوى ويا كنيسة مار اشعيا ، يا القوش ويا كنيسة مارﮔورﮔيس ، أبْكوا جميعا ً الأب الشاعر ، وأذرفوا له الدموع .
قرْي يا ماثي پقـْيناثه          وْطلوبْ تـَه رابي رَحْماثـَه
تـَدْ شـَمي كُل نـَثياثـَه          مَحرا وزومارَه خاثــــــَــه
شِتقـَه مْخيلِه لْبرياثه          وصْميري وَردي وْحيواثه
وْكُل طـْير ِه دِشْمَيّاثه          پْخيلي مِخْ ناشِد ما ثــــــَه
مْسُكيرْ رابي مْأيناثـَه          ولـَخـّـازيلي نـَشْواثــــــــَـه
طاواثِح ْ گو مَسّاثـَــه          وشِمِّحْ كْمَبهـِر كْثوياثـــــَه
شِشْو زاگِه بأيداثــــَه          ومْخو صَنـّوجِه بأيتاثــــَه
ياعْلمايِـِه وبْـني ماثه          مْپـَشْطول ِ بـِصـْلاواثــــَــه
گو بيبونِه د حقلاثــَه          گو قالِه د كـَلـْكـَلياثــــــــَـه
علوييله بكُل يوماثــَه         مْدار ِ لـْدار ِ وگهاثــــــــَــه
يا بـَئايِـِدْ حَقــّوثَــــــَه         كـْليل ِ دَرقــُل أودوثــــــَـــه
لَـَياذيوَه ﭽـْو زْدوثــَه         طالِحْ كْشَكلـَه مَلكْوثـــــَـــه

▼ ملاحظة : آخر البيتين في القصيدة من نظم الشاعر الصديق سعيد يوسف سيبو .

nabeeldamman@hotmail.com
USA
July 14, 2006[/b][/size][/font]

195
كلمة وفاء الى مجلة القيثارة في ديترويت
[/size]


نبيل يونس دمان

       هلـّت علينا السنة السادسة من القرن الجديد المفعم بالآمال ، وفيها تكمل مجلة ( القيثارة ) العقدين من عمرها في خدمة الكلمة الصادقة ، وقرائها في ولاية مشيكان بشكل اساسي ، وهي تتوهج بقوة في كل عدد جديد ، بمواضيعها الغنية ، وبالبصمات التي ما برحت ترعاها ، انها انامل مؤسسها التي يمررها بغنج على اوتارها ، فتشدو مترنمة ، لتعيد بعضا ً من مجدها الآفل في ( سومر ) من بيث نهرين .
    في هذه المناسبة اشد على يد مؤسسها مهنئا ، وعلى كل يد تساهم في اغناء موادها ، واود ايضا ان اتوجه الى قرائها الأحبة ، حيث نادرا ما خلت الاعداد من مواضيعي على مدى 15 عاما ً ، ومنذ وطأت اقدامي ارض العم ( سام ) ، وكان الهدف مخاطبة الجمهور ، التواصل مع الوطن ، وخدمة التراث .
    معذرة لاسرة تحريرها وللقراء ، عن انقطاعي دون سابق انذار ، لكني لم اصفق الباب ورائي ، وعز علي الوداع ففيه اللوعة ، وفقدان الشيء الثمين ..... تطول الكلمات لو اعطيت لها العنان ، لكل ما هو طيب وجميل وممتع في المجلة العزيزة .
    تقبلوا تحياتي وامنياتي ، وانتم تتمتعون بأسعد الاوقات ، ولاذاعة القيثارة التي يعبق الاثير بموسيقاها التي تنساب عذبة في كل اسبوع ، ولحفلاتها التي تطرب جاليتنا بين الحين والحين.
   استاذنا سلام رومايا ، كل عام وانتم بخير ، لمجلتكم الاستمرار ، وبالعطاء الوافر .[/b]

196


دَشتـَه دْ نِنـْو ِه


دَشْتـَه دنِنوه بُرْكاثــــــــَــه                             مِن زونـَه دْ بَبواثـــــَـه
گزاري وْغـّاز ِدْ حَراثـــَـــه                             دَبرَه دْ شاتـَه ويُماثــَـه
××××××××××
بگو يَرخِه دْ قـَريروثــــــَـه                             مْكـُلْكـَلتيلـَه پْخيپوثـــَـه
كْسَپْرَه ليَرخِه دْ شِخنوثــَـه                             دْلوشَه لْوِشْتَه دْخَموثه
××××××××××
مْنـُقـَشْتيلـَه خْداماثــــــــَــه                             دِخَّضريلـَه أ ُرْخاثـــــَـه
مِلْلالِه وْطـَپَياثـــــــــــــَــــه                             وْرؤولِه وْرَؤُلياثــــــــَه
××××××××××
كـُد كْيثِه بي نيسانــــــِـــــه                             كْشَكْنـَه أرَه مْقـَرْمانــِـه
مِن بْيبونـِه وپَجّانـــِـــــــــه                             بْگـَوَي طِمي ورْيخانـِه
××××××××××
وپَلگح لـَندِه دْخـِلانـــــــِــه                             مْليثه مْطيري وحيوانِه
پْثلياثـَح ما مَزدانـــــــــِـــه                             وْلَكْسَپقي مَّشِلـْخانـــِــه
××××××××××
مَرگِدْ نِنوه تلكيپــــــــــــِــه                             أيالـَحْ قِرْيـِه وإليپــــــِـه
وپحَخِّمْثـَه ما خَريپِــــــِـــه                             ومِنـَّي ناشِه نـْخيپـــــِـه
××××××××××
كـَر ِمْلـَش خاصِد نِنـــــــوه                             بْعـَقارَحْ كْرائــي أرْو ِه
كـَرمانـَح مِليـِه مْأ ِنـْـــــوِه                             بَشْيلِه وخْيار ِه خْبـِرْوِه
××××××××××
بْدَشْتـَه دنِنوه تِسقوپـــَــــه                           بَهُرْتـَه وإتـَّه شوپــــــَـه
ونوهار ِد كُلْ يَلوپــــــــَــه                             ماثِد أوگِن بـِقوپـــــــــَـه
××××××××××
بَّغـْديدِه كيَرمي پْوخـِـــــــه                             خِطـّي كوذيلي قوخــِـــه
كْنـَچلِِ خُرْطمانِه وطلوخـِه                             وپسِتوَه كّالي مَنوخــِــه   
××××××××××
وبَطنايـِه بْأي حِليوثـَـــــــه                             لـَكْمَطْيالـَه سْيبوثــَــــــه 
پْچـِرَّح كْصَخْيه شِپروثــَــه                            پترزِه تْخِگي وپصخوثه
××××××××××
وألقـُشْ رِشْ دَشتحْ طورَه                             لِبّحْ خـَميمَه خنـــــــورَه 
لِخْمَحْ يْپيَه پتـَنـــــــــــورَه                             وْمايَحْ صِپيـِه خْنِقــّـورَه
××××××××××
خَمثيلَه كأورَه وكْشــــورَه                             وخاثيلـَه دْرابـَه وزْورَه
تـَخورَه كْسَمْقـَه وخـّــورَه                             وتـَدِجْمِنْ كّيمَه خْقــْورَه
××××××××××
دَشْتـَه دنِنوه پْتشعيثـــَـــــه                             مْقـُدشتيلَه أثْ بْريثـَـــه
ناشَحْ وِلـّي تـْياووثـــَــــــه                             وصِملي صومَه دْبَئوثه
××××××××××
دَشْتـَه بحالِه دِمْياثــــــــَــه                             بـِسْپارَه ليومَه خاثـَـــه
تـَتـْقـَطي كُلْ شِشْلاثــــــَــه                             ديلـْي خْذيئِه لأقلاثــَــه
××××××××××
دَشْتـَه دنِنوه بـِنثـــــــــارَه                             ديلـَه شْوقتـَه دْلـَمـْـارَه
كْليثـَه لـْزونـَه دأمْـــــــارَه                             پخيلِدْ أثرَه گبـّــــــــارَه
××××××××××
دَشْتـَه دنِنوه بـِدْ پَصخــــَه                             أيمَنْ كْومَه بـِدْ شـَلـْخَه
دَشْتـَه دنِنوه بـِدْ پَصخــــَه                             أيمَنْ مْوَردِه بـِدْ پَقـْخـَه
××××××××××
دَشْتـَه دنِنوه بـِدْ پَصخــــَه                             أيمَنْ أ ُرخَح بـِدْ پَثخـَه
دَشْتـَه دنِنوه بـِدْ پَصخــــَه                             أيمَنْ زّرْقـَه مَدِنـْخـَـــه
[/b][/size][/font]




××××××××××
نبيل يونس دمان
7- 31- 1996
nabeeldamman@hotmail.com

ملاحظة: ألقيت القصيدة بمناسبة يوم الشهيد الآشوري بتاريخ 7- آب – 1996 ، وعلى قاعة نادي قصر الشرق في ولاية مشيگان الأميركية .

197
خـُلمَـــه بْگوَرْتـَـه
نبيل يونس دمان

خَليلِه خُلمَه خْزيلـــــــي                               رِشْ مَرْ سادونَه كْليلـــــي
وﮔوماثِه خَمثه خيــــري                               تدَشته وطورَه زْميـــــري
××××××××××
مشويثِد ﮔناوه نخِثلــــي                               أرخي تـَشوقـَه ﭙرشلــــــي
بخورَه دتفقلي نـْشِقلـــي                              من دمِه دأيني خنِقلــــــــي
××××××××××
بْألولِ دماثي خـْضيـــري                              ﮔو بيثِد بابي أويــــــــــري
مْبُشيري ناشي وخوري                              وول ديري دغِدْ ميـــــــري
××××××××××
كـَبوثِه دلِخمَه خذيلـــــي                              ومن مايـِد أنتـَه شتيلــــــي
تـَخراثِد يمّي طـْميلـــــي                              ومْبشيله دوَرزَه سْويلـــــي
××××××××××
لگارد مْيلاثه نذيلــــــي                              خشيوه ودله خشاوه قريلي
عليكو بأيني خزيلــــــي                              وتفنگد دأوَه شميلــــــــــي
××××××××××
من خُلمِه آنه رشلــــــي                               ولث دأوه رَپثـَه رخشلي
من كيف رْويزَه پشلــي                               وگو خِگه گياني شِشلــــي
××××××××××
يا خِثنه بريخه ومبرخَه                               وقامُخ بصخوثه پثخــَـــــه
مزروته دخايُخ پقخـــَـه                               ومْكلِكلَه وَردِه وسَرخـَــــه   
××××××××××
يا كالو يا جنديثـــــــَــه                               وچلبي وما حليثــَــــــــــــه
مدَبَرته وهونَه مليثــَــه                               وليذح بدبانِه بيثــَـــــــــــه
××××××××××
أيذه بْگو أيذه طرپــَــــه                              وخنجرتِه دْأوَه خَرپـَــــــــه
خطـّيثه قـَطرَه وشلپــَــه                              ومنوخُ بارْي ألپـــــَـــــــــه
××××××××××
نبيل يونس دمان
2- 4- 1994
nabeeldamman@hotmail.com

198
السُـبحـــة الحمراء
نبيل يونس دمان

   في صيف عام 1969 ،عثرت على سبحة جميلة في دُرج والدي ببيتنا في القوش ، فاخذتها في يدي لأتباهى بها امام الاصدقاء ، وفيما انا أمرر خرزها بين أصابعي بنشوة في وسط السوق ، لمحني عامل المقهى من على شرفتها ، دلف بسرعة الى الداخل ، وبعد لحظات خرج أحد افراد الإنضباط العسكري ، وصرخ بي ان لا أبرح مكاني ، وغاب عن ناظري ليهبط  سلالم المقهى الى السوق .
   لأول وهلة قررت الإختفاء ، فدخلت مقهى كان يملكه في السابق متيكا عوصجي  راكضا بإتجاه الباب الاخر ، هنا خطرت ببالي فكرة مفادها :  لماذا الهرب ؟ وانا لم أرتكب جرما ً ، كانت الاوضاع في البلدة متوترة والإنضباط يسرح كل يوم في الأزقة ليضطهد الناس ويلاحقها لأتفه الأسباب .
اذن قررت الرجوع لأستقر في مكاني الأول ، وبيدي تلك السبحة التي ستجلب لي المشاكل . وصل العسكري أمامي وخلفه مجموعة أخرى يقودها رئيس العرفاء ، وجميعهم  يعتمرون القبعات الحمراء المخيفة ، وبأيديهم العصي الخيزرانية .
فقال أحدهم ( أرجع سبحتي ) فقلت له ( لن اعط سبحتي ) فأصر قائلا ً (انها لي ويجب تسليمها في الحال ) . قدرت ان العملية فيها إجحاف ، وأخذ شيء بالقوة ، فتصاعدت في داخلي جرأة ، منعنتني من تنفيذ الامر ، فقلت لهم ( لا يحق لكم اخذ شيء أملكه ) هنا بلغ التوتر أوجه ، وهجم يريد إنتزاعها ، فأوقفه رئيسه قائلا ً ( دعنا نأخذه الى مركز الشرطة ، وهناك نلقنه درسا ً لن ينساه ابداً ) ودفعني بقوة وتوالت الدفعات في عرض السوق وامام قومي واصدقائي ، وانا متمسك بالسبحة لا أود إعطائها لأولئك الأوباش الذين يذيقون الناس المـُر كل يوم - في تلك الايام تحرشوا بإحدى النساء ، مما حدا بتلك الأسرة ان تهجر الوطن بعد مدة الى أميركا .
     إقتادوني بإتجاه مركز الشرطة وقبل نهاية السوق ، وامام دكان الخياط  ابو سلام ، حيث شاهد المنظر وانا أساق أمام مجموعة من الإنضباط العسكري ، خرج من دكانه ووقف حائلا ً بيني وبينهم ، وأخذ يكلمهم بإسلوبه الهادئ والمتزن ، ويظهر انه على علاقة بهم من خلال الدكان ، قائلا ً لهم ( ان كنت أحظى  بإحترامكم ، أطلقوا سراحه ، انه جاري وبمثابة إبن أخي ) فأجاب مسؤولهم ( إن أحد أفرادي ، فقد سِبحته قبل أيام ، وها نحن نراها في يد هذا العنيد ، الذي لا يريد إعادتها كما ترى ) .
أثناء حديثهما بدأت أفكر وأحلل الموضوع وطرحت على نفسي الإستفسار التالي : لقد عثرت على السبحة في البيت وهي تعود لوالدي ... هنا يكمن السر . كيف أسلم حاجة تعود له ، وخاصة امام جمع من الناس تجمهر حولنا .
قال الخياط لهم ( أعطوني الفرصة لأكلمه ) وأقبل نحوي قائلا ( ماذا تفعل يا فلان ، وما هذه الرعونة ، أنا اعطيك سبحة اخرى افضل منها ) ثم امرني مثل والدي ان اسلمها له ، فقلت امام الجميع انني لا أود تسليمها الى هؤلاء ، بل الى جاري الخياط ، وناولتها ، وبدوره سلمها الى العسكري وهو فرح غير مصدق انها في يده ثانية ، وتفرق الجميع ، وانا سحبت نفسي الى البيت مكسور الكبرياء .
     وصلت البيت والوالد مشغول ببعض الترميمات على سطح الدار ، فبادرته بالسؤال ( ابي ! من اين تلك السبحة الحمراء ؟ ) فاجاب متهكـّما وكأنه تنبأ لما حدث ( هل وجدت صاحبها ؟ ) فقلت ( اذن ليست لك يا والدي ) فقال ( على اية حال اتصور انك فقدتها ) فقلت ( نعم اخذها مني العسكر في السوق ) ، بعد ان نظر بإتجاهي شزرا ً، قال انه عثر عليها مصادفة في السوق قبل عدة ايام .
عندها فقط ادركت لماذا أصر العسكري المطالبة بها ، فقد كانت تعود له بالحق والحقيقة .[/b][/size][/font]

199
نموذجان لبطاقتي دعوة الزواج بينهما قرن من الزمان
 اعداد وتعليق : نبيل يونس دمان

البطاقة الاولى - 1906

حضرة بهي المزايا الماجد المحترم
دام بقــاه
     بعد تمني لكم مزيد من البهجة والسرور الملتمس ان تشرفوا حفلة اكليل كريمتنا " فريدة " الساعة الثانية من مساء الاحد الآتي الواقع في 22 نيسان سنة 1906 على الخواجة  " داود يوسف حكيم " ولا تحرمونا لذة اغتنام فرصة موانستكم
ادامكم الله
بغداد في 16 نيسان سنة 1906
محبكم الشماس يوسف شعيا

*****
البطاقة الثانية - 2006

"ما جمعه الله لا يفرقه انسان"
يتشرف كل من السيد داؤد اسحاق بانو وعقيلته الماس والسيد كامل متي وزي وعقيلته شكرية بدعوتكم لحضور حفلة زواج
ابنهم          و        ابنتهم
  عامر          و         دينا   
وذلك في الساعة السدسة والنصف من مساء يوم السبت 25 / 3 / 2006 في كاتدرائية مار بطرس الكلدانية الكاثوليكية في الكهون ومنها الى حفل الاستقبال الذي يقام في الساعة الثامنة في قاعة مار بطرس وبحضوركم يتم الفرح والسرور

*****
ملاحظة 1 ) : الشماس يوسف شعيا هو والد العروس فريدة والتي هي ام السيدة ماري داود يوسف حكيم ( 1916- ) زوجة الاديب الراحل جورج جبوري خوشو ( 1920- 2002 ) .

ملاحظة 2 ) : نقلت البطاقة من  نموذج جميل ، مطبوع ، ومزخرف ، كان معلقا ً في صالة استقبال الاستاذ جورج عام 1996 في مدينة بيركلي بولاية مشيكان ، بعد اخذ موافقته .

ملاحظة 3 ) : النموذج الثاني لأولاد الصديقين العزيزين داؤد الصفار وكامل وزي، وقد وصلتني دعوتهم مؤخرا، فأخترتهم  لأحدث عروسين بفارق 100 عام عن الزواج الاول في بغداد  1906، والزواج الثاني في كالفورنيا  2006. بهذه المناسبة اهنأ العروسين الوسيمين عامر- دينا، وليكتمل فرحهما ويتكلل بفيض الحب والوان السعادة، وهم يرفلون بحياتهم الجديدة، ويلجون القرن الحادي والعشرين، بعزيمة قوية وآمال جسام. 

nabeeldamman@hotmail.com
March 17, 2006
USA[/b][/size][/font][/color]

200
قلبي على وطني ، واسفي على تفجير المرقدين
نبيل يونس دمان

     هزني من الاعماق ، لا بل صعقني نبأ تفجير مرقدي الامامين علي الهادي والحسن العسكري ( ع ) في سامراء ، والذي كان لي الشرف في زيارتهما ربيع عام 1975 ، انا القادم انذاك من سهل نينوى ، اتاسف وانا الان اتذكر ذلك الصرح الديني ، الذي اعتبره ملكا للشعب العراقي بكل اديانه ، وزاد اعجابي ابهة المكان وذلك الوقار، والسكون الذي ساد باحته ، الا من هديل الحمام ، وعلى قبته كانت الشمس تنشر اشعتها ، فيزداد البريق ويتناثر كانه التبر، تعكسه الثنايا وكأنها المرايا ، والداخل يتوهج بالالوان والاضواء ولمعان العملات النقدية المختلفة ، فقد كان قبلة للزوار من انحاء المعمورة .
      ان حزني وغضبي شديدين ، لما حصل يوم الاربعاء الاسود ، ولما وصل اليه الوضع في العراق ، بالامس كان تفجير الكنائس في الموصل وكركوك وبغداد ، وايضا تفجيرات لبيوت الله من مساجد وحسينيات في اماكن متفرقة من البلاد ، تلك الاعمال هزت مشاعر الملايين ، وبالامس ايضا جرحت مشاعري تلك الرسوم الكاريكاتيرية ، المسيئة لنبي الاسلام والتي ظهرت في دول عدة ، وكانت الغاية منها بتقديري الاستفزاز ، وجر العالم الى فتن تندلع هنا وهناك ، حيث تكبر مع الزمن الى حروب دامية ، البشرية في غنى عنها ، وماثلة امام الجميع اهوال الحرب العالمية الثانية .
     بعض الاعمال تاتي مخططا لها وتهدف خلق فوضى عارمة من اجل ان يصل مدبريها الى اهدافهم ، لكن هيهات ان يصلوا الى شيء فوق ارض الخراب التي تخلفها ، حيث يبقى فقط البوم لينعق فوق اطلالها . في التاريخ اشعل نيرون روما ، وفي المانيا أحرق الرايخستاج ، وفي افغانستان وجهت الحركة المقبورة طالبان فوهات مدافعها الى تماثيل بوذا في باميان ، ونستطيع ايراد امثلة اخرى ، وجميعها تستهدف ما هو اكبر من جرح مشاعرالناس ، الى ايجاد ارضية للحروب ، التي ما برحت البشرية تعاني منها .
ان الحرب الجديدة التي تلوح في الافق لو اندلعت على ارضية تصادم الحضارات ، لن تبقي ولن تذر ، اخذين بالحسبان الترسانات النووية الموجودة على سطح كوكبنا الارضي والقادرة عاى تهديمه كقطعة واحدة ، كما شاهدنا في الصور والتلفاز ، تهدم اضرحة الائمة في مدينة سامراء التاريخية ، او المركز التجاري العالمي في نيويورك .
      اكرر ما قلته قبل ايام بان يزرع الجميع محبة الله في نفوسهم ، ويدفعني الوضع لاقول ، ان هناك فئات تضررت مصالحها حتى النخاع في اعقاب التغيير في نيسان 2003 ، ولذلك لا تتورع عن القيام بأخس الافعال ، التي تتقاطع مع الضمير البشري والفعل السوي ، بقلب جلمود ودم بارد .
والغاية واضحة في جعل الانفلات الامني مستمرا ، حتى يمحق العراق من الخارطة ، ويخرب ما بناه بعرقهم ودمهم الاباء والاجداد ، وتتخيل او هكذا يصور لها عقلها المريض ، بانها ستعود للحكم ، هراء واباطيل تلك الاماني السقيمة ، الناس لا تريدهم ان يعودوا ، وان دكتاتور العصر القابع في زنزانته سيخيب ظنه هذه المرة ايضا حكمة العراقيين وسداد فكرهم ، وقوتهم في السمو على جراحاتهم ، وتفويت الفرصة في تجنب الاحتراب ولا سامح الله الانزلاق الى الحرب الاهلية.
اقول ايضا بان تلك الزنزانة لا تلائم دكتاتورنا ، بل كما اجمع العراقيون ، بان مكانه الانسب ، في قفص زجاجي لا يخترقه الرصاص ، حيث يمر امامه كل صباح تشرق فيه الشمس ، براعم العراق الجديد بالوانهم وازيائهم ، ليلقوا عليه النظرة الاخيرة بكركراتهم المتواصلة .
      من اجل تجميع شتات افكاري في نقاط ، اجدها كالاتي :
1- بضبط النفس وحقن الدماء سيهزم الارهابيون .
2- الاسراع بتشكيل الحكومة الوطنية التي تضم كل فئات الشعب التي حاربت النظام السابق ، آخذين بنظر الاعتبار الاستحقاق االانتخابي .
3- محاربة الطائفية في الدوائر والمؤسسات والمحافل ، وفي تبوأ المناصب ، ووضع نصوص واضحة وثابتة في الدستور ، والتوقف نهائيا عن طرح الطائفية كلغة للتخاطب السياسي والاعلامي .
4- اجتثاث الفكر الشمولي بشقيه : القومي المتعصب والديني المتطرف ، وبخاصة فكر البعث الانقلابي الذي لا يحيد عن شعار ( الغاية تبرر الوسيلة ) .
5- الكف عن استخدام مفردتي الشيعة والسنة ، بل العودة الى كلمة الاسلام الجامعة ، كما عرفناه في السابق ، ان تكريس الطائفية ، يقودنا لا محالة الى معسكرين متقابلين ، وباستمرار ينتظران الذريعة او الشرارة ، ليندلع الصراع  بينهما وعلى مدى الاجيال .
6- صحيح ان الطائفة الشيعية اضطهدت في السابق على يد الانظمة المتعاقبة ، وكان هناك تمييز ضدها ، لكن يجب الايمان بان كل الطوائف الاخرى تضررت بشكل او باخر ، فلنطوي تلك الصفحة ، وكفى الحديث المنفرد لهذه الطائفة او تلك ، بل التحدث بضحايا الانظمة من كل العراقيين .
7- حث الدول العربية والعالم اجمع ، على التضامن مع الشعب العراقي في محنته ، ومساعدته الخروج منها ، الى بر الامان والسلام ، وسينعكس ذلك على استتباب السلم العالمي ، وتظافر الجهود في القضاء على الارهاب مهما كان مصدره .
     اود الاستشهاد بما قاله بطريركنا الجليل مار عمانوئيل الثالث دلـّي في استنكار الاعتداء المشين  " علينا أن نحافظ أيضاً على بيوت الله المقدسة من حسينيات وجوامع وكنائس ومعابد ، وأن نزرع المحبة والأخوة بين أبناء العراق جميعاً حسبما تطلبه المراجع الدينية  " .
     ختاما اناشد ضحايا الدكتاتورية السابقة ، باسم الانسانية المنتهكة ، وباسم الطفولة المعذبة بالقول : تكاتفوا وتوحدوا ، اتركوا المغريات المادية والقفز على المناصب ، اعلموا ان الارهابيين لا يرحمون احدا ً البتة ، وانهم يتلذذون بمنظر الدم المراق ، وبلحم الاشلاء الممزق ، ارجوكم امنعوهم من ارتكاب المزيد .

nabeeldamman@hotmail.com
February 24 /  2006
USA[/b][/size][/font]

201
ابن الخالة صادق متي جهوري والعائلة
اخوة الفقيدة هناء واخواتها وزوجها وبناتها
نبيل يونس دمان

     تفاجأت وانا اسمع برحيل المأسوف على شبابها ( هبة ) التي لم تبلغ السابعة من عمرها ، عندما ارغمت على ترك بلدتي ومن ثم وطني ، وهل كنت اتصور او اتخيل بان الاقرباء والاصدقاء يغادرون الحياة ، وانا بعيد عن المشاركة في مراسم الدفن والصلاة والمواساة ، البعض منهم يغادر في اعمار الزهور، كالنرجس والاقحوان ، كالنسرين وشقائق النعمان ، والوردة المتفتحة النضرة ( هبة ) .
     الى روحها الشابة ، الى زوجها المكلوم غسان يوسف ، الى بناتها ومعارفها واصدقائها ، ابث احزاني واذرف دمعي ، وماذا يواسي المنفي المعذب مثلي ، ما بقيت ارض وطنه معذبة .
     المرض اللعين يلاحق ايضا من كان عرضة للموت كل يوم ، ومن كان عرضة للتفجيرات العشوائية ...
     المرض اللعين لا يستكين امام موجة الارهاب المتعددة الأوجه والمشارب ....
     المرض اللعين ، آه لو تنحيت جانبا وتركت ( هبة ) الجميلة لاولادها ومحبيها ...
     المرض اللعين الا تبا ً لك ...  
     يا آل جهوري الطيبين :
     في القوش وبغداد والاردن والمانيا واميركا ، ما العمل وقد وقع المصاب بوطأته الشديدة ، لا املك سوى مشاركتكم ومقاسمتكم الاحزان ، فالحزن العميق ما برح يلفني ، وعسى رب الارباب ، يمنحكم القوة في تحمل جلائل الامور، ومن شغاف قلبي وباسم عائلتي ، اقول الرحمة لها والصبر لكم ، وكل نفس طيبة سائرة ، لا تحيد الى ملكوت الرب ، وجناته الواسعات .

نبيل يونس دمان
كالفورنيا
31-1-2006

202
تأملات على ابواب القرن الحادي والعشرين
بقلم نبيل يونس دمان

     ان العد التنازلي للايام بدأ يتسارع، وان الفترة التي باتت تفصلنا بين قرنين ، اصبحت قاب قوسين او ادنى ، حيث ستدشن البشرية ألفيتها الثالثة ، انها بحق مناسبة ، بل الحدث الابرز والاعظم منذ شروع الانسان ، ذلك الكائن الاكثر رقيا من كل المخلوقات قاطبة بتدوين تاريخه وبرمجة حياته على كل الاصعدة .
     ان ما جناه الانسان في ختام القرن العشرين ، ذلك القرن العاصف بالتطورات والاحداث الجسام ، كان حصيلة جهد وتفكير امتد آلاف السنين ، الى ما قبل الميلاد ، وصولا ً الى الحضارات الانسانية العظمى ، فما نشهده اليوم هو نتاج كدح وتضحيات جسام لآبائنا واجدادنا في ارجاء العالم اجمع ، وصراعهم الطويل العنيد ، والمفعم حبا للحياة ، وذلك لتطويع الطبيعة وتليين سننها ، من اجل سعادتهم ، وسعادة الاجيال التي تخلفهم .
     رغم كل ما حدث من تطور مصحوب بالرفاه ، وقدر من الحرية والعدالة الاجتماعية ، فقد انتاب ذلك التاريخ المديد ، عراقيل وصعاب ومآسي كالحروب مثلا ً ، فليس أمـَر من الحروب التي تتعطل فيها عملية التطور ويصحبها الجوع والمعاناة والتغيير الديموغرافي والهجرات ، وإلحاق الاذى حتى بالطبيعة تلك الأم الرؤوم واهبة الحياة .
     كل منا ينظر الى القرن القادم بطريقته الخاصة ومن الارضية التي يقف فوقها ، وكذلك المرحلة التي قطعها من عمره ، فالشاب اليافع ينظر بتطلع الى المستقبل الذي يوغل فيه عميقا ً في القرن الحادي والعشرين ، والذي سيسهم فيه لعقود عديدة اخرى يشهد من خلالها تطورات وربما مفاجآت مذهلة لا تكون في الحسبان . ومن هو في منتصف عمره ، فانه يطل مشدودا الى القرن الآيل للانتهاء . اما الذي وصل الى خريف عمره ، فليس له ذلك الامل والتطلع العميقين في سبر اغوار القادم الجديد ، وفي كل الاحوال اعمار البشر محدودة ونهايتها حتمية ، والمتفائل منهم يعلن ساعة احتضاره ، انه غير آسف لما مضى منه بسلبه وايجابه ، مرورا بما قاله احد الادباء : ان اجمل الاطفال لم يولدوا بعد ، واجمل القصائد لم تكتب بعد ، واحلى الزهور لم تنبت بعد .
     لنطرح بعض التساؤلات لما خبأه السياسيون ، صناع القرار في دول العالم ، والعلماء والادباء والفنانون للقرن القادم ، ومن الجهة الاخرى اصحاب الضمائر الميتة ، صناع الالام والشقاء ، وتجار الحروب . كل ذلك يدخل في معادلة الصراع التاريخي القائم بين قوى الخير والشر ، والتي نرى بان القرن القادم سيكون ساحتها ايضا ً ، وفي النهاية يكون البقاء لقوى الخير والجمال والصلاح .
     كان الفرق كبيرا بين القرن العشرين والقرن السابق له ، وسيكون الفرق كبيرا ايضا بينه وبين القرن القادم ، تتبدى لنا المقارنات وفق منظارنا المرتبط باعمارنا القصيرة ، انها مفارقات نسبية والحقيقة ان القرون القريبة من بعضها تتشابه لكنها تتباين مع القرون البعيدة زمنيا ً ، وقد سرت وتسري فيها جميعا ً عمليات التطور بانتظام وتدريج وربما بايقاع ، ومن الممكن تشبيهها بارتقاء سلم حلزوني . فالدوران بطيء ولكنه متصاعد .
     عندما يعيش الانسان عصرين او مرحلتين او قرنين يسمى مخضرما ً ، ترى ماذا يطلق على انسان يعاصر ألفين ؟ . علينا ايجاد تسمية مناسبة له ، مع ايماننا بان الذي سيشهدها لهو ذو حظوة ، وسياخذ مكانه البارز في التاريخ ، من يتميز منهم في ايجاد افضل السبل لخدمة البشرية . ويجب ان لا ننسى دور الفرد الهام في التاريخ، سواء كان سياسيا او مخترعا او فيلسوفا ً ، فكم افاد البشرية في القرن العشرين ، مخترعوا اجهزة الانارة ، والاتصال والانتقال والحاسب ، وكم سيكون له مكانا ً في مطاوي قرننا القادم ، عندما ينجح احدهم في ايجاد علاج لمرضى السرطان مثلا ً ، او يساهم في التقليل من الفروق بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة ، او يساهم في تطوير النظريات الاجتماعية ، او يلعب دورا ً في استتباب السلام والامن الدوليين .
     امام انظارنا مشكلة الانفجار السكاني التي ستتفاقم في القرن القادم وكذلك التمركزات في المدن الصناعية الكبرى ، والتي يصل بعضها الى اكثر من عشرين مليون نسمة ، تلك المسائل تشغل بالنا ، ويندر ان يحصل هذا الكم الهائل من البشر على الماء والهواء النقيين ، وعلى الغذاء اللازم ، او المدرسة المناسبة ، او العناية الصحية اللازمة ، على البشرية ان تفكر في اعادة الاستيطان والتوغل في المساحات الخالية واستثمارها ، ويتوجب ايضا تحديد النسل وتحسينه ، والاخير له اهمية قصوى لمستقبل الانسان ورقيه وانتظام حياته . ان عملية تحسين النسل متشابكة معقدة يصحبها بل ويلزمها وعي عال ، وكل ذلك لن يتم الا اذا انصرفت او تركزت جهود قادة البشر نحو تلك الامور ، بدل خوض الصراعات والحروب واشكال العنف والارهاب .
     املنا ان يكون قرننا القادم خال من تلوث البيئة ومن اسلحة الدمار الشامل والنزاعات باشكالها الداخلية والخارجية ، وان يتوقف إلحاق الاضرار بالبيئة ، ارضا ، هواءا ، ومياها ً .
     املنا ان تعود الموجات البشرية المهجرة والمهاجرة الى اماكنها الاصلية ، قبل ذوبانها في بيئتها الجديدة .
     املنا ان يسقط نظام العقوبات الاقتصادي ، الذي هو شكل بشع من اشكال الحروب ، تمخض عنه بخاصة العقد الاخير من القرن المنصرف .
     املنا ان تستثمر موارد الارض من مخزون وانتاج وعطاء وحتى الافكار للبناء السلمي ، والتقليل من الجهد المبذول جسديا ً، ولزيادة الوفرة المادية والروحية ، والتقليل من معاناة وآلام الامراض ، او ما يسمى بالحوادث المؤسفة ، ولتضييق الهوة بين عالمي الفقر والغنى ، ولايجاد شكل من اشكال الطاقة ، يقلل من تلوث الهواء ، ويوقف الاضرار بطبقات الجو المحيطة بالارض .
     حينما تحين ساعة التحول الكبير ، والبشرية تقف على تلك القمة البالغة العلو ، لتنتقل الى قمةاخرى اعلى منها ، علينا التمعن في تلك الازمنة الفاصلة :
     لينهض الجميع في انحاء العالم ، بألسنتهم وثقافاتهم وازيائهم المتباينة ، من قاطني الجبال والسهول والصحارى ، ومن المدن الكبرى والقرى النائية ، وجوابوا البحار ، والمعلقون في الاعالي ، في مركباتهم ، وطائراتهم ، ومناطيدهم ، ويقفوا تحية للقرن القادم ، ولتدق اجراس كنائسهم ومعابدهم ، ولتكبر مساجدهم ، وليعلو الصفير والطرقات والرنين من كل مكان ، ولتتزين السماء باروع الالعاب النارية وآخر المبتكرات العلمية .
     استقبلوا ألفكم الجديد يا بني البشر ، بالمزامير والتهاليل والفرح الكبير ، واعقدوا آمالكم عليه ، وربـّوا اطفالكم على قيم الحضارة والتمدن والتقدم والسلام ، وعلموهم ان يجلـّوه ، فكل شيء رهن بهم ، وكل عمليات التطور في مختلف مناحي الحياة ستكون على ايديهم .
     بلا شك سيكون عالمهم اجمل من عالمنا !
     بلا شك ستكون حياتهم ابهج من حياتنا !
     بلا شك سيحفظون ذكريات السلف ، ويواصلون كتابة التاريخ بأمانة وشرف !
الى القفزة الكبرى والى الزمن الفاصل ، نسير حثيثا ً ، بلهفة وترقب .
ايضاح : كتب هذا الموضوع في نهاية عام 1999 .

nabeeldamman@hotmail.com[/b][/size][/font]

صفحات: [1]