مفهوم الظلم والظالمين
الظُلم ظاهرة بل اصبحت للأسف عادة غير محبذة يقوم بها الإنسان عموما في جميع الأديان والأعراف ، والظلم يحمل العديد من الصور و الأشكال
وينتج عن ذلك حدوث الكثير من الجرائم والمشاكل على جميع الأصعدة والميادين اجتماعيا .. سياسيا .. إقتصاديا وغيرها .
الظالم هو من يقوم بوضع الشيء في غير موضعه ويكون بذلك قد تعدّى على حق غيره بنسبة ما .. وربما يحدث ذلك بسبب عدم الإتفاق معه في الرأي فيلجأ الى استخدام نفوذه وينحرف عن تحقيق العدل والمساواة ..
والظلم خطيئة متشعبة ومتفرعة ، وتشاركها العديد من الخطايا المهلكة الأخرى كالقسوة والإغتصاب لحقوق الغير .. ولا سيما من لا حول لهم ولا قوة .
الظلم يقع بين مختلف انواع البشر وبإختلاف مستوياتهم العمرية والثقافية .. قد يقع مثلا بين الطالب ومعلمه وكذلك بين المدير المدرسي واحد اعضاء الهيئة التدريسية .. او بين مجموعة من الأصدقاء او بين حبيبين وكذلك ممكن حدوثه بين بائع ومشتري .. او بين مديرمؤسسة وبين مساعديه من جهة اوبينه وبين العمال من جهة اخرى . اوبين الزوجين من جانب وكذلك بين احد الزوجين واهل الآخر من جانب آخر ... ألخ
والظلم ذو حصة الأسد كان من نصيب رؤساء الدول المختلفة كما شهدتها أحداث العالم لعام 2010 و2011 وما يزال فرعون الظلم في الكثير من الدول يجني أرواح الأبرياء من ليس لهم لا حول ولا قوة !!
الشعور بالظلم طعمه مرير جدا ويكون خارج عن إرادة البشرالتي يصيبها ,فبالإضافة الى هذه المرارة في داخل الإنسان المظلوم فإنه يتمنى لو يشعر ظالمه بمدى الظلم الذي يشعر به , و في كثير من الأوقات يكون الشخص المظلوم سببا لذلك الظلم لأسباب عديدة قد يكون سكوته وعدم مطالبته بحقه مسبقا احدى اسبابها .
الشخص الظالم ليس من الضروري ان يكون اكثر معرفة او دراية من المظلوم ولكن ممكن ان يكون أعلى منه شأنا و جاها و نفوذا و مالا أو حتى اقل !.. بل وربما يصاحب ذلك جهل وتأخر وعدم معرفة حتى ابسط انواع المعارف والعلوم المحيطة به.
الإنسان عموما يمر بمراحل عمرية مختلفة يتعرض من خلالها الى مختلف الظروف والأحداث في كل مرحلة .. وهناك بعض الحالات المميزة الي يشهدها المرء في حياته لا تزول من مخيلته بدون ترك آثار قد تكون ايجابية او سلبية .. ونتيجة لتراكم احداث ومراحل عمرية مختلفة وترسب آثارها عبر السنين فإنه ينتج عن ذلك مستويات ثقافية بشرية مختلفة من شخص لآخر حسب عوامل عديدة منها البيئة المحيطة والمعتقدات السائدة والعادات والتقدم الحضاري ودرجة المستوى التعليمي وكذلك اهم الطبائع المكتسبة .. ولكن على الرغم من كل ذلك فإن الإنسان ما يزال صاحب القلب الطيب كارها لظاهرة الظلم وشاكيا بإستمرار من ألم ظلم الظالمين .. إلا إنه هناك بعض الظروف تؤثرعلى تفكير الإنسان وتجعله ينحرف عن طريق الخير ويبدأ مساره في طريق الشر بدءا ً بخطوات الظلم والعدوان الجائرة !
حسب رأيي الشخصي كل إنسان في الحياة معّرض الى هذا المرض الإجتماعي السائد .. إلا وهو الظلم سواء كان ذكرا ام أنثى ، فقيرا ام غنيا ، أبيضا او أسودا ، صغيرا او كبيرا ، متعـّـلما أو جاهلا ، وبالنسبة لدرجة الظلم فإنها تختلف من شخص الى آخر وتعتمد بشكل أساسي على الدوافع الشخصية وايضا الحالة النفسية للشخص الظالم !!
في هذه الحالة سأفـّـسر مثال واحد على ذلك وهو الغني والفقير .. الإعتقاد السائد بخصوص الشخص الغني ماديا هو إنه من غير الممكن ان يكون قد ظـُـلِـم من قبل البعض .. ولكن هذا الإعتقاد خاطئ لأنه في حالات كثيرة يصبح هذا الغني فريسة سهلة لظلم الأشخاص الطامعين بغناه .. ويلجأون مثلا الى التخلص من حياته هدفا للحصول على ثروته او الإعتماد على إسلوب المراوغة والطرق اللولبية لتحقيق أغراضهم الشخصية المتعلقة بثروته .. او لربما تتحول ثروة الأغنياء من نعمة إلى نقمة فيبلى بها أصحابها حيث إنهم يسيئون إستعمالها بطريق الخير وبذلك تتحول الى عدو ظالم يبتلي به أصحابها !!
أما الإنسان الفقير والذي يعيش حياته مكافحا وعاجزا عن الوصول الى الحد الذي يجعله مجرد قريبا من حدود مدينة الرفاهية والثراء ، فيكفي أنه يوما بعد آخر وبسبب شقاؤه الغير مثمر فإنه يندب حظه ويلوم قدره باكيا ومتألما من ظلم هذا وذاك !!
و أحيانا يحدث الظلم بسبب موضوع التجاهل بمختلف انواعه وأشكاله .. فمثلا الإنسان المسن وبعد وصوله سن معين فإنه يريد ان يشعر بقيمته في الحياة وأن يشعر بأن كل ما قدمه في حياته له معنى وثمر وإن تعب ومعانات السنوات الطويلة لم يذهب هدرا , والملاحظ بأن المتقدمين في العمر غالبا ما يطمحوا في جمع أولادههم و أحفادهم و اصدقاءهم معهم , و كلما تقدموا في العمر زاد شوقهم الى تحقيق فرحة اللقاءات الإجتماعية !! و لكن إذا تم تجاهل هذا الشخص المسن من أولاده خصوصا , هنا يشعر بظلم رهيب و يتذكر الأيام الصعبة التي تحمـّلها في رعاية من يهمله ويتجاهله الآن وهو في امس الحاجة الى اي إلتفاتة حب وحنان من ذويه .. وهنا الشعور بالظلم الذي يشعر به المسن يكون صعبا جدا وربما تكون له عواقب صحية وخيمة .!
النوع الآخر من الظلم ممكن ان يحدث ضمن اعضاء مجموعة إدارية تابعة لمؤسسة ما مثلا .. وذلك بتجاهل وجود عضو او اعضاء ادارية وعدم مشورتها وإشراكها في مناقشة بعض القرارات المهمة قبل صدورها .. فيشعر هنا الشخص المُـبعد بعدم المساواة او بنوع من الغدر .. فيكون نتيجته الشعور المرير بالظلم او ما شابه ذلك !!
هذه المرة يكون الظلم نتيجة تجاهل الإهتمام بالأبناء من قبل الوالدين والإبتعاد كل البعد عن قضاء حاجاتهم او مرافقتهم في بعض اوقات حياتهم المميزة والمهمة او التأخر عن مساعدتهم في ايجاد الحلول الملائمة لما يواجههم من اوقات عصيبة او ظروف ومشاكل متنوعة .. وهنا ينشأ الشعور بالنقص عند الأبناء وبالتالي فقدان الثقة بالنفس وذلك يسبـّب ولادة عوائق ومشاكل كثيرة في حياة الأبناء لا نهاية لها .
ولا ننسى بأنه ممكن ان يكون الإنسان ظالما ومظلوما في نفس الوقت .. وخير مثال على ذلك هو عندما يبتعد الإنسان عن إطاعة الله وحفظ وصاياه وتطبيقها في حياته .. والملاحظ أنه عاجلا أم آجلا سيدفع ثمن ذلك لأن حياته هنا تفتقر الى الإستقرار والرضا والحمد والشكر وما يرافق ذلك كله من الشعور بالراحة والسعادة النفسية والروحية .. وبالتالي ذلك كله سيؤثر سلبا على جميع أبناء أسرته .. وهنا لا يقع اللوم إلا عليه نفسه فيصبح الجاني والمجني عليه في آن واحد .
عندما يحاول شخص ما أن يُسعد انسانً بكل إمكاناته و قدراته , بينما يكون ذاك
هوالسبب الرئيسي في حُزنه .. هنا يبرز الظلم بقوة !! وايضا عندما يدافع شخص عن آخر وإن كان مخطئا تماماً بينما يتفرج الثاني على مـن يتهم الأول بالخطأ وهو يعلم بأنه على صواب .. ألا يتضح الظلم بشكله القاسي هنا أيضا ؟؟
أما لو يقوم شخص ما بشرائك بأغلى الأثمان .. أما انت فبدل رد الجميل بالجميل ، فلا تبالي لشيء .. بل ويتعدى ذلك الى بيعك له بلا ثمن !! ألا يترك الظلم هنا أثر مرير يصعب محيه او نكرانه ؟
هناك بعض الأشخاص لا تُبصر غير أعمالها الحسنة وتراها في مدح دائم لذواتها وفي نفس الوقت لا تنقطع عن ذكر مساوئ وسلبيات غيرها .. أليس فاقدي البصر خير من هؤلاء ؟؟
بدون شك الجميع يؤمن بأنه ليس هناك شخص على وجه الآرض يكون دائما على صواب في اقواله .. أفكاره وايضا افعاله .. فعندما تختلف الآراء حول موضوع ما وبالتالي تتناقض وجهات النظر .. فما الداع الى سلك طريق الظلم المظلم ؟ .. لماذا يتم تجنب طريق الخير بطرح الإقتراحات او تقديم المساعدة والنصائح ومعالجة الخطأ بتصرف صحيح .. وليس معالجة الخطأ بخطأ آخر ربما تتجاوز درجة الظلم فيه على تلك الناتجة عن الخطأ الأول !!
وأخيرا ارسل هذه الرسالة الى كل ظالم :
يا أيها الظالم .. ما هو شعورك وانت تظلم الآخرين بأفكارك المريضة لتصبح وبسهولة أسير أوهامك البعيدة عن جدران الحقيقة ..؟؟ لماذا أصحاب النفوذ تحلـّـل الكثير من الحالات لأنفسها ولأصحابها بينما تحرّمها على الناس العاديين ؟!! ..هل تعتبر نفسك ايها الظالم قويا وبفخرعندما تتجـّـبرعلى الآخرين وتعتدي على حقوقهم وتظلمهم !!
ولكن على الرغم من كل ذلك .. فأنه ما من ظالم إلا سيبلى بظالم مثله أو لربما يفوقه قوة وقدرة وكذلك جبروت ، وذلك لأن دوله الظلم ساعة ولكن دولة الحق الى ان تقوم الساعة .!
ولهذا نسأل كل ظالم بأن لا يظلم كما لا يحب أن يُـظلم وان يعامل الجميع بشكل عادل ومتساو وأن يحسن الى الآخرين كما يحب أن يُحسن إليه .
المثل يقول ..* لو دعتك قدرتك على ظلم الناس .. فتذكر قدرة الله عليك * وإعلم بأن الله يـُمهل ولا يُـهمل ..
اما الكتاب المقدّس فيقول :
" لا تبتغ ان تصير قاضيا لعلك لا تستطيع ان تستأصل الظلم فربما هبت وجه المقتدر فتضع في طريق إستقامتك حجر عثار"
(سفر يشوع بن سيراخ 7: 6)
الله يبعد الظلم والظالمين عن الجميع .. وليبارككم الرب
أنـيـســة داؤد يونـان
حزيـــ 2012 ـــران