عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - نبيل عودة

صفحات: [1]
1
اصدارات / الناصرة – تاريخ وصور
« في: 19:41 05/05/2014  »
الناصرة – تاريخ وصور
كراس يبقي الناصرة حاضرة متوهجة في قلوب محبيها

نبيل عودة

كراس من إعداد الباحث احمد مروات باللغتين العربية والانكليزية
اصدار الباحث – 40 صفحة

فاجأتني صورة الغلاف في كراس جديد أعده وأصدره الباحث  ابن مدينة الناصرة أحمد مروات، الصورة لعين العذراء باتجاه ما يعرف اليوم بشارع النمساوي،باتجاه المدرسة المعمدانية، حيث تظهر بعض الأبنية التي ما تزال قائمة حتى أليوم صورة لم يسبق لي ان رايتها رغم مئات الصور لعين العذراء المنتشرة في الكثير من المواقع والمكاتب وصالونات البيوت وصفحات الانترنت.
في الصفحات الأولى يقدم الباحث عرضا تاريخيا سريعا لمراحل تطور مدينة الناصرة ( ميلاد مدينة) بدءا من ذكرها في الانجيل وبشارة مريم العذراء بالمسيح وصولا الى يومنا الراهن.
استعراض مقتضب لكنه كاف لإعطاء لوحة كاملة عن ميلاد وتطور اهم مدينة في العالم ألمسيحيي تمهيدا لمعرض الصورالنادرة الذي يشمله الكراس.
ما يلفت الانتباه لهذا الكراس بوجه خاص مجموعة الصور التاريخية التي تحكي أكثر من أي نص لغوي آخر.. ومن أي تسجيل للتاريخ .الصورة بحد ذاتها تحكي ما يعجز الكلام عن وصفه وتسجيله.
الجهد الكبير يتضح بما قام به الباحث مروات من جمع للصور ألتاريخية عن مراحل مختلفة من تطور ألناصرة صور احياء المدينة ، صور اسواق ألناصرة صور مشاغل واشغال اهل الناصرة من مهنيين وتجار ،صور لعين العذراء  التي تشكل هوية المدينة وشهرتها ألعالمية، صور  مدارس الناصرة،صور مختلف جوانب الحياة عبر التاريخ النصراوي.. طبعا لا ينسى صور كنائس ألمدينة التي تعتبر بسبب بشارة العذراء المدماك الأول في ميلاد الدين المسيحي. ما لفت انتباهي ايضا صور لسوق الناصرة ( يعرف ايضا باسم سوق الروم) يقدم لنا الباحث مروات اسماء مقاطع مختلفة من السوق ، حيث كان مركز الناصرة التجاري والمهني، مثيرا حنين ابناء الناصرة المتقدمين في السن الى ايام السوق التي لا تنسى، ومثيرا حزننا على ما اصاب سوق الناصرة التاريخي من شلل وفراغ يبكي الحجر قبل ان يبكي الانسان.
اعتقد جازما ان هذا هو اول كراس يؤرشف لمدينة الناصرة بهذا المستوى المنظم والمتنبه للتفاصيل المختلفة في حياة المدينة.
قد يدعي البعض ان جمع الصور عملية متوفرة اليوم بفضل الانترنت، لكن جربوا ان تصلوا لصور الكراس ، لتكشفوا ان الباحث لم يعتمد على ما هو معروف ومتداول ، بل ذهب للبحث عن صور جديدة وتسجيل تاريخها وإشارة للموقع  الذي التقطت به الصور.
حتى لي انا ابن الناصرة ابا عن جد ، وجدت ان الكراس يعيدني الى ذاكرتي، لما صار ضمن ألمنسيات، هنا اهمية هذا العمل والجهد الذي يقدمه مروات ، ابقاء التاريخ متوهجا في قلوب ابناء المدينة ألتاريخية مدينة المحبة والسلام ، مدينة الناصرة بكل فسيفسائها الاجتماعي والسكاني والثقافي.
nabiloudeh@gmail.com




2
بطركية الروم وخطة تجنيد المسيحيين لجيش الاحتلال

نبيل عودة
* ما يجري ضد المسيحيين هو مأساة للعالم العربي اولا قبل ان يكون مأساة للمسيحيين والردّ ليس بالتجنُّد - الانتحار في جيش الاحتلال الإسرائيلي* قال جمال عبد الناصر في خطاب الوحدة من دمشق ما معناه:ان ما يربطني بالمسيحي اللبناني أكثر ألف مرّةٍ مما يربطني بالمسلم الباكستاني*

******

مسألة تجنيد المسيحيين، او بمعناه السياسي دقُّ إسفين الفصل بين الأقلية العربية الفلسطينية داخل إسرائيل من جهة وبينها وبين العالم العربي من الجهة الأخرى هو نهجٌ ليس جديدا بأهدافه، انما بتوقيته.
المسيحيون العرب تميزوا عبر تاريخهم بمواقفهم الوطنية، وبكونهم الأقلية التي ساهمت بدور كبير في تعزيز الهوية القومية على حساب أي هوية فئوية أُخرى، ويواصلون هذا الدور بوعي كامل منهم ان لا مستقبل للعالم العربي، لا مستقبل لطوائفه، سوية او كل طائفة على حدة، بدون تعزيز الهوية الوطنية والتكامل الاجتماعي وجعل الهوية الوطنية نقطة انطلاق مركزية.
المساهمة الوطنية للمسيحيين العرب لم تكن تنظيرية فقط، انما نضالية، تنظيمية، فكرية، ثقافية، فنية، تعليمية، تربوية واعلامية ساهمت بدور اجتماعي وطني تربوي وثقافي متميز، احتلّ الصدارة في العالم العربي، بإنشاء الصحف والمجلات وقيادة حركة تنوير عربية قكرية ثقافية وقومية. لا يمكن تأريخ الفكر القومي والثقافي التنويري العربي اليوم، دون إدراج الدور المسيحي العربي برأس القائمة.
حتى على المستوى اللغوي ساهم الأدباء المسيحيون العرب بدور بالغ الأهمية في تطوير اللغة العربية ومفرداتها الحديثة، يكفي ان أشير لأدباء المهجر ولفارس الشدياق وغيره على دورهم الثقافي واللغوي والتنويري الهائل، ليس سراً أيضا ان الآباء اليسوعيين في لبنان لعبوا دورا كبيرا في إنقاذ اللغة العربية من التتريك وفي إدخال أول مطبعة للعالم العربي.
قائمة الإنجازات والدور السياسي والفكري للمسيحيين العرب طويلة للغاية ولا اكتب ذلك من منطلق ديني، بل للتأكيد بأن من كان لهم هذا الدور التاريخي المميز لن يسقطهم الفكر الصهيوني العنصري في خانة الانفصال عن شعبهم بكل طوائفه وعلى رأسها الطائفة الاسلامية، التي نرى بها قوة وطنية عربية بالمقام الأول، لا قيام بدونهم لعالم عربي متطور ومؤثر على الواقع الدولي.
لا أتجاهل الواقع المقلق للمسيحيين العرب في ظل انتشار المد الطائفي الأصولي، لا نربط إطلاقا بين الاسلام وبين التطرف او الإرهاب، الارهاب لا طائفة له، الإرهاب لا دين له، الإرهاب لا قومية له، الإرهاب هو نتاج اجتماعي سياسي ثقافي لواقع عربي مؤلم، يرى العالم يتقدم حوله وهو غارق تحت سيطرة جماعات الفكر الماضوي وأنظمة استبدادية سحقت الحقوق الأساسية للمواطن العربي ان كان مسيحيا او مسلما، سخرت الدين أيضا لخدمتها، أنشأت أجهزة مخابرات متعددة الأشكال والأسماء، الوظائف الأساسية لها صيانة أنظمة الاستبداد والحفاظ على أمنها وتوريثها ضمن إطار العائلة او القبيلة.. وأهملت بشكل مريع أي تخطيط تطويري لمجتمعاتها.
المسيحيون العرب هم ألدُّ أعداء الفكر الصهيوني وأوّل من حذّر من الأطماع الصهيونية في فلسطين في ظل أنظمة عربية خاضعة للسيطرة الاستعمارية أهملت التعليم وأهملت تطوير اقتصادها وعلومها، وهذا يتواصل حتى اليوم.
ما زلت أذكر جملة لجمال عبد الناصر قالها في خطاب الوحدة من دمشق، قال ما معناه "ان ما يربطني بالمسيحي اللبناني اكثر ألف مرة مما يربطني بالمسلم الباكستاني" ونحن المسيحيين العرب ما يربطنا بالمسلمين العرب أكثر أهمية مليون مرة مما يربطنا مع المسيحيين الأوروبيين او الأمريكيين!!
لا ينقص العرب العقول بل ينقصها النظام المجند والمخطط، نظام يصون الوحدة الوطنية لشعبه، يطلق الحريات، يحرر طاقات الإبداع، يمنع هجرة العقول المدمرة لمجتمعه واقتصاده.. يكرس الميزانيات للأبحاث والتطوير التي تعود بالخير على المجتمع العربي وتقدمه واحتلاله مكانة متقدمة بين الشعوب.
في ظل مجموعة من التطورات التي شهدناها في العالم العربي في اطار القضية الفلسطينية، وساهم فيها التعنّت الإسرائيلي في تأزيم العلاقات مع الفلسطينيين، تجيء السلطة العنصرية في إسرائيل لتشقّ صفوف المواطنين العرب باختيارها الطائفة الوطنية العربية المسيحية لزرع بذور الفتنة الاجتماعية والطائفية داخل مجتمعنا العربي الفلسطيني، بما قد ينعكس سلبا على التطورات في العالم العربي.. مستغلة بذلك واقع أبناء الطوائف المسيحية المؤلم والمأساوي في العالم العربي، وبشكل نسبي في إسرائيل ايضا. التجنيد هنا يعني اصطفاف المسيحيين العرب الى جانب دولة اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني والعدوان المتواصل على الشعب الفلسطيني وشعوب عربية اخرى، وبالتالي تعميق القطيعة الوطنية والاجتماعية والسياسية بين الطوائف الوطنية العربية.. أي ضرب الحركة الوطنية العربية برمّتها.. وهو ضمن المشروع التاريخي الأهم للحركة الصهيونية منذ وعد بلفور واتفاقات "سايكس بيكو" الاستعمارية !!
لا يمكن عدم الربط بين واقعنا وواقع العالم العربي. نحن لن نكون الخنجر الذي تستعمله إسرائيل لتعميق مأساة العالم العربي. أجل ما يجري ضد المسيحيين هو مأساة للعالم العربي اولا قبل ان يكون مأساة للمسيحيين العرب، مأساة تنعكس على الاقتصاد، على التعليم، على الثقافة، على الفكر وعلى التقدم الاجتماعي والعلمي.. وعلى صياغة مستقبل جديد حضاري للعرب!!
تجنيد المسيحيين العرب في جيش الاحتلال، الذي يرتكب جرائم ضد ابناء شعبنا، ضد أطفاله، ضد نسائه ورجاله وضد كل مسيحييه أيضا، هي خطوة انتحارية للمسيحيين العرب، يقصد منها إنقاذ صورة الاحتلال الإسرائيلي وإعطائه شهادة حسن سلوك مسيحية عربية - فلسطينية امام الرأي العالم الدولي بتصوير مشوهّ للنكبة الفلسطينية وكأنها مشكلة مع مجموعات "اسلامية ارهابية" وليس رفضا فلسطينيا وطنيا إسلاميا ومسيحيا لسياسات إسرائيل الاحتلالية والتمييزية التي ترفض الاعتراف بمسؤوليتها عن النكبة، وترفض إعطاء الشعب الفلسطيني ان يستقل بخُمْسِ أرضه الوطنية، من الناحية الأخرى تفكيك العزل السياسي لإسرائيل ومقاطعتها الاقتصادية والعلمية التي تتسع وتضيق الخناق على الاحتلال.
ما يجري في العالم العربي ضد المسيحيين العرب يقلقنا ويثير غضبنا مسيحيين ومسلمين، نرى به حرقا لمستقبل العالم العربي، ليس لمستقبل المسيحيين فقط الذين يتميزون، حسب معلومات عديدة، بمستويات علمية واقتصادية وقدرة على الاندماج في العالم الغربي المسيحي (وهو امر حاصل بالفعل مع الأسف) انما تدميرا وإحراقا للنهضة العربية التي هي حلم الجميع.
الويل لعالم عربي يتخلّص من مسيحييه بسبب العقليات الطائفية المريضة... والويل للأقلية العربية المسيحية في إسرائيل اذا توهّم أيُّ فرد منها ان إسرائيل تقدم له الخلاص او تفتح له أبواب التخلّص من تمييزها العنصري، أمامنا نموذج أبناء الطائفة المعروفية الذين لم يحصلوا على أي مكسب من خدمتهم العسكرية، لا في الميزانيات، لا في الوظائف، لا في تطوير التعليم، لا في وقف مصادرة الأرض ولا في تطوير البنى التحتية أسوة بالبلدات اليهودية..
كان الناطق بلسان البطركية الأب عيسى مصلح قد أدلى لإذاعة الشمس (الناصرة) في أواسط 2013 بتصريحات أشار فيها الى اعتزام البطركية إقالة جبرائيل ندّاف الذي دعا لتجنيد المسيحيين العرب للجيش الإسرائيلي. بنفس الفترة نشرت صحيفة "معريف" العبرية أن البطرك اليوناني ثيوفيلوس يعتزم إقالة الكاهن جبرائيل نداف بسبب دعوته لتجنيد المسيحيين.
ان ما قام به جبرائيل نداف (بلباس كاهن) لا يمثّل مجتمعنا ولا كنيستنا.
التهديد بالإقالة كانت فقاعة صابون، لدي معلومات من أرشمندريت يوناني، طلب عدم نشر اسمه، بأن البطرك اليوناني يقدم لنداف الدعم الكامل بل أعطى أوامره للكهنة الذين قاطعوه، على مستوى كنسي وشخصي، بما فيهم مطران يوناني في مدينة عربية، بان يصالحوا نداف، وارسل له المطران هدية ثمينة... ليرضى عليه ويرضي، كما يبدو، مكتب رئيس الحكومة اذا اراد ان يصير بطركا في المستقبل!!
اذن هل بطرك الروم شريك بحملة نداف؟
صمتُ البطركية رهيبٌ وستكون له اسقاطات خطيرة على مستوى العلاقات والتبعية الدينية والوطنية لأبناء الطائفة الوطنية العربية الأوروتوذكسية مع البطركية!!
هل لمكتب رئيس الحكومة نتنياهو ضلعٌ في التحوّل بموقف البطركية التي من المفترض انها تمثل العرب المسيحيين ولا تمثل سياسة نتنياهو وزمرته اليمينية العنصرية؟
هل من حق كاهن ان يتصرف بما يراه مناسبا لتفكيره، ام ان هناك ضوابط دينية تلزم الكهنة بالتقيد بها كما قال الناطق بلسان البطركية الأب عيسى مصلح في مقابلته مع اذاعة الشمس؟؟ ثم قرر الامتناع عن الإدلاء بأي تصريح جديد...بعد ان صار البطرك الحاضن لنشاطات نداف!
هذه قضايا مطروحة أتركها لمقال قادم حول بطركية الروم وعلاقتنا معها كمسيحيين عرب، ما هو دورها المفترض كممثلة فرضت علينا من الاستعمار العثماني بعد عزل البطرك العربي. وما هي البدائل التي يفترض بنا ان نطرحها امام استمرار تجاهل مصالح الطائفة العربية الاورتوذكسية والتعامل المهين معها وحرمانها من التصرف بأملاكها لما فيه خير ابناء الطائفة خاصة ومجتمعنا عامة، وزجها المسيحيين العرب بمواقف سياسية تسيء للمسيحية وللمسيحيين !!

 nabiloudeh@gmail.com




3
مفاوضات عبثية بلا دور عربي !!

نبيل عودة
ان العودة لتحرير الأسرى مقابل تحرير الجاسوس بولارد، هي خطوة تجميلية لأزمة المفاوضات والمكسب سيكون مكسب انتخابي لبيبي نتنياهو!!
*******
"خطوات من جانب واحد ستواجه بخطوات من جانب واحد"، هذه هي جملة رئيس حكومة اسرائيل بيبي نتنياهو في تبريره للطريق المسدود الذي وصلته المفاوضات مع الفلسطينيين.
نتنياهو كالعادة يبحث عن صياغات تبريرية للتهرب من الوصول الى اتفاق مع الفلسطينيين، لكن هذه المرة جملته كانت سيف ذو حدين. يقول بعض المعلقين السياسيين في اسرائيل ان نتنياهو كان صادقا جدا ومُقِراً للحقيقة، بأن خطوات اسرائيل من جانب واحد، هي التي جرت خطوات فلسطينية من جانب واحد ردا على خطوات اسرائيل من جانب واحد، وذلك على العكس تماما مما كان يعني سيادته. أن وقف تحرير الأسرى الفلسطينيين والاعلان عن مناقصة بناء أكثر من 700 وحدة سكنية جديدة في المناطق الفلسطينية المحتلة، كانت الخطوة التي لابد ان تواجه بموقف فلسطيني لم يتأخر، شكل صفعة سياسية وارباكا دبلوماسيا لنتنياهو وشطارته اللسانية... لدرجة ان وزير خارجية الولايات المتحدة وصف الخطوة الاسرائيلية بـ"بوم" (أي انفجار) وهو تعبير أفضل من مليون كلمة عن الخطوات الاسرئيلية من جانب واحد.
هل كان يقصد نتنياهو تبرير الموقف الفلسطيني اذن؟
هذه المرة يبدو رئيس الحكومة نتنياهو فاقدا لشطارته اللغوية في تبرير تصرفات اسرائيل لدرجة ان الراعي الأمريكي، الحاضن لكل النهج الاسرائيلي المخالف للشرعية الدولية لم يستطع الا ان يطلق تعبيرا من البطن عندما وصف الخطوات الاسرائيلية من جانب واحد ب "بوم". تعبير سيدخل عالم الدبلوماسية الدولي، كاسلوب للتعبير عما يرفض اللسان ان يقوله بوضوح. وهو أبلغ من أي كلام!!
طبعا فيما بعد عادت الدبلوماسية الأمريكية لتلطّف تعبير البطن الدبلوماسي، لكن القول الفصل قيل بوضوح وكل التبريرات الأخرى تبدو مثل اعطاء حبة اسبرين لمريض بالسرطان.
السؤال فيما اذا مُدّدت المفاوضات، هل سيقبل نتنياهو ببحث المواضيع الأساسية وعلى رأسها موضوع الحدود مثلا؟ الى جانب تحديد الهدف من المفاوضات عدا اللقاءات وطحن المواضيع بدون وجود سقف واضح للمفاوضات؟
يجب عدم البناء على دبلوماسية البطن التي أُفلتت من كيري بلحظة ضيق ويأس من التصرفات الإسرائيلية، لأن المرجعية الأمريكية ستواصل المساواة مجددا بين المحتلة أرضه والمحروم من حقوقه منذ قرار التقسيم عام 1947، وبين المعتدي المحتل والمخالف لكل القوانين الدولية، بكل ما يتعلق بالاستيطان وحقوق الانسان تحت الاحتلال.
نتنياهو سيواصل طريق ابتزاز الادارة الأمريكية، حاول ابتزاز السلطة الفلسطينية بوهم انها من اجل اطلاق سراح عشرات قليلة من الأسرى الفلسطينيين ستخضع لإبتزازه. كان الرد الفلسطيني صفعة لنتنياهو والراعي الأمريكي الذي لم يستطع تبرير الموقف الأسرائيلي كعادته.
صيح أن موضوع الأسرaى الفلسطينيين هو موضوع ملحّ ومؤلم، لكن يجب ان لا يتحول الى بديل عن تحرير الوطن كله من الأسر الاسرائيلي.
ربما أخطأت السلطة الفلسطينية من الأساس بتراجعها عن مطلب وقف الاستيطان كشرط لتجديد المفاوضات. فها نحن نقف امام انتهاء مهلة المفاوضات كما حدّدها الراعي الأمريكي دون الوصول لأي سقف يمكن اعتباره قاعدة للوصول الى اتفاق.
الموقف الأمريكي سيواصل توفير الدعم المتنوع، السياسي والدبلوماسي والأمني لاسرائيل، ولن يعلن انه فشل في الوصول الى حلً بسبب تعنّت حكومة اسرائيل ورئيسها بيبي نتنياهو.
ان من يتوقع تحولا في الموقف الأمريكي يعيش بوهم ، و"بوم" كيري كان تعبيرا صادقا من البطن، تعبير لن نسمعه من الناطقين الرسميين لوزارة الخارجية او البيت الأبيض.
ان من ينتظر اقتراحات لحل من الولايات المتحدة او ان تكون الولايات المتحدة صادقة مع نفسها وتعلن عن فشل الحلّ بسبب تعنّت اسرائيل سيصاب بخيبة أمل. المشكلة تبقى في غياب موقف عربي نشيط، مؤثّر وضاغظ على الولايات المتحدة، ودعم مادي واسع للسلطة الفلسطينية لتعزيز قدراتها على مواجهة الضغوط الأمريكية والاسرائيلية، أي ان الحل سيبقى مؤجلا حتى يأخد العالم العربي دوره السياسي ويضع وزنه بكل ما يملكه من طاقات من اجل انهاء المأساة الفلسطينية المتواصلة منذ أكثر من 65 عاما.
ان العودة لتحرير الأسرى مقابل تحرير الجاسوس بولارد، هي خطوة تجميلية لأزمة المفاوضات والمكسب سيكون مكسب انتخابي لبيبي نتنياهو!!
ولا استبعد ان نشهد في الأسابيع القادمة أزمة حكومية في اسرائيل تقود الى اجراء انتخابات جديدة.. خاصة وان استطلاعات الرأي تعطي الليكود ارتفاعا في قوته، وتعطي اليمين الاسرائيلي المتطرف قوة فوق قوته.. ولكن انتبهوا ، ليس قبل ان تنجح حكومة نتنياهو بتحرير الجاسوس بولارد حتى بثمن تنفيذ تحرير الدفعة الرابعة التي تشمل مواطنين عرب من داخل اسرائيل!!
بعدها ستكون انتخابات وبالتالي لا اتفاقات قبل تشكيل حكومة جديدة.. وبذلك تنتهي جولة المفاوضات تحت ستار انتخابات اسرائيلية!!
 
nabiloudeh@gmail.com

4
الأدب الروائي الفلسطيني داخل اسرائيل

نبيـل عـودة

   من اشكاليات أدبنا الفلسطيني داخل اسرائيل ، محدودية الجانر الروائي في ابداعنا المحلي. لا اعني بتعبير محدودية عدم وجود اعمال روائية او غياب الجانر ألروائي انما ما اعنية ان الرواية في ادبنا الفلسطيني داخل اسرائيل لم تأخذ مكانها كلون ادبي له وزنه ومكانته ، كما هي الحال في القصة القصيرة عامة والشعر على وجه التحديد..
  يمكن الإشارة الى عدد من المحاولات الروائية الجيدة في ابداعنا المحلي ... مع ذلك يبقى الفن الروائي بعيدا عن أن يشكل تيارا ثقافيا يمكن الاشارة اليه.
لفت انتباهي مقال كتبه الناقد الدكتور حبيب بولس (1948 - 2012) وانا اراجع هذا الموضوع ضمن ما كتب ونشر ، جاء في مقاله: " في رأيي أن الأسباب الرئيسية التي تقف عائقا أمام تطور هذا الجانر تنقسم إلى فئتين: أسباب عامّة، أعني بها الأسباب الخارجة عن إرادة المبدع وأخرى خاصّة نابعة عن المبدع نفسه. من الأسباب العامّة سببان هامّان هما طبيعة الظروف التي نعيشها أولا وقلّة المرجعية لهذا الجانر محليّا وفلسطينيا ثانيّا. أمّا السبب الرئيس الخاص فيعود إلى عدم قدرة المبدعين لدينا لغاية الآن الموازنة بين الخطابين: التاريخي/ الأيديولوجي/ الواقعي والخطاب الإبداعي/ الروائي/ التخييلي.."
صحيح ان الدكتور حبيب بولس حدد الإشكالية الأساسية في اطار  الخطابين التاريخي- الواقعي والأدبي - الإبداعي.
الخطابان(التاريخي والأدبي) ليسا وقفا على الجانر الروائي ، انما هم اشكالية لكل ابداع أدبي  قصصي أو شعري او فني متنوع.
صحيح تماما انه لا وجود لهذين الخطابين ، التاريخي (الأيديولوجي) والأدبي (الفني)، خارج عملية الابداع .. فهما مرتبطان ارتباطا وثيقا وجدليا بعملية الابداع نفسها.
ألسؤال هل التوازن بين الخطابين هو قاعدة مطلقة؟ وكيف نتعامل مع الخطابين؟ وما هي الشروط اللغوية لتطوير جانر روائي يمكن ان يرسي هذا الفن في ادبنا داخل اسرائيل؟
من البديهيات ان الخطاب الأدبي (الفني ، طبعا بما في ذلك اللغة الروائية)، او الحدث التاريخي (الأيديولوجي) يشكلان جوهر الابداع وليس شرطا عبر استيعاب المبدع لهذه ألمعادلة وهذا يبرز في ادبنا الروائي عبر عدم فهم العلاقة التفاعلية بين الخطابين لدى اوساط واسعة من المبدعين.. في معظم الحالات نجد ان الاحساس الذاتي للمبدع هو معيار التوازن بين الخطابين.
لكن التوازن النابع من الذات في الخطابين لا يفي بالمطلوب دائما.
ان التوازن او التعادل  بين الخطابين في صياغة النص ليست مطلقة، كما قد يفهم مما ورد في مقالة الناقد بولس.. او ما سبق وورد في مداخلتي.
في حديث لي معه قبل وفاته وافقني ان العلاقة بين الخطابين هي علاقة نسبية، تتعلق الى حد بعيد بقدرة المبدع نفسه في فهم نسبية هذه ألعلاقة اين يعلى خطابا على حساب خطاب وما هي محدودية كل خطاب ، أي تبقى عملية الكتابة الروائية او الإبداعية، مسالة ترتبط بالقدرات الذاتية والتجربة الذاتية والحس الذاتي.
اذن يمكن القول أننا امام حالة ابستمولوجية التي تعني باختصار شديد علم المعرفة الذي هو فرع من الفلسفة متخصص بدراسة طبيعة ألمعرفة مداها وحدودها.. ولا ابداع أدبي او فني او فكري خارح المعرفة بمفهومها الفلسفي الواسع ، وليس بشكلها كحالة من التطور الطبيعي للإنسان.
المعرفة.... هي المعيار السحري لكل ابداع أدبي في حالتنا.. وكما قال غوته:"الذي لا يعرف ان يتعلم دروس ال 3000 سنة الأخيرة يبقى في ألعتمة".
صحيح القول ان الخطاب ألتاريخي الأيديولوجي ، أي الحدث او الفكرة ، والخطاب ألأدبي الفني ،أي القدرات اللغوية، هما القاعدة لأي ابداع أدبي روائي ، قصصي ، شعري أو مسرحي أو فني  ولكنه موضوع مركب أكثر اذا تناولناه من زاوية المعرفة ، المعرفة تعني القدرة على التوازن النسبي وليس المطلق  وتطوير  قدرات المبدع في فهم هذه العلاقة ونسبيتها. بكلمات اوضح : اين يجب ان يعطي المبدع مساحة أكبر لأحد ألخطابين وما هي حدود هذه المساحة حتى لا تصبح سلبية وقاتلة للجانر الروائي او غيرة من اشكال الابداعات  الأدبية والفنية... ومدى الادراك الذاتي للواقع التاريخي ، الاجتماعي ، السياسي، الأخلاقي والثقافي بشمولية الثقافة .
قال هيغل: "ان ما هو معقول هو ما يمتلك امكانية دخول الحياة"
ان اللغة في النص تشكل مرتكزا هاما .. والموضوع ليس معرفة اللغة فقط ، معرفة اللغة امر هام ، بل القدرة على تطوير لغة مناسبة للجانر الأدبي  الروائي او القصصي او الشعري وغير ذلك وهنا نسال هل اللغة الروائية مجرد انشاء سردي؟ حسب مقولة هيغل نستنتج ان الرواية تحتاج الى  لغة روائيه بدونها مهما كانت الفكرة عبقرية تظل بعيدة عن المعقول ألروائي!
ان معرفة عرض الخطاب التاريخي قد يقود الى كتابة ريبورتاجية صحفية بغياب الخطاب اللغوي الروائي (اللغة الدرامية) ، معرفة الخطاب الأدبي قد يقود الى كتابة نص مليء بالفذلكة اللغوية والنحت الصياغي وصولا الى تركيبة جمالية لا تقول شيئا للقارئ ، إلا ان الكاتب يعرف النقش باللغة ... وربما ما ينقص الخطابين ، هو خطاب ثالث: "الخطاب ألتخيلي" القدرة على مقاربة الواقع بالنص ألروائي وخطاب رابع: "الخطاب ألدرامي" اي القدرة على بناء الأحداث المتخيلة التي تعبر عن الخطاب التاريخي ليس بشكله في الواقع اليومي ، وتغذي اللغة النص بأبعاد درامية جمالية وليس  مجرد النقش اللغوي الأقرب للرسم بالريشة. اللغة الدرامية بحد ذاتها تشد القارئ تماما كما تشده صياغة ألحدث ولكن دورها ان تعمق الناحية الدرامية ، القكرة الدرامية لوحدها هي مجرد خبر . اللغة الدرامية تحول الخبر الى حدث روائي. وهنا يحدث تفاعل هام  ومصيري بين النص الروائي واللغة الروائية . . أي اللغة الدرامية بكلمات أخرى.
 ما هي اللغة الروائية ؟ هل من السهل اكتسابها بالدراسة ؟ .. وهل معرفة بحور الخليل مثلا تكفي لجعل الناظم شاعرا؟
 ليس كل من يحسن النظم ومتمكن من لغة الضاد هو شاعر..   
نجد في ثقافتنا المحلية (وفي الثقافة العربية عامة) مئات ناظمي الشعر، السؤال كم عدد الناظمين الذي نجحوا بجعل نظمهم قصائد شعرية حقيقية ؟ هنا نجد ان المئات يُختصرون لأفراد قلائل.
في القصة القصيرة لدينا عشرات الناثرين ... السؤال: كم ناثر نجح بأن يصل لإنتاج قصصي فني؟
احيانا في مراجعاتنا النقدية لا نقول كل الحقيقة حول التركيبة الابداعية ، لأسباب مختلفة ، أهمها اعطاء دفعة وتفاؤلا للناثر أو الناظم لعل التجربة القادمة تكون أكثر اكتمالا.. طبعا هذا لا يمكن فصله عن مستويات الابداع العامة لمجتمعنا.. ومقياسنا لا يمكن ان يكون حسب الابداعات العربية او العالمية.. حلمنا ان نصل ، لكن الحلم يحتاج الى الكثير من العناية الغائبة من أجندة مؤسساتنا الرسمية والشعبية.
هناك لاعبون في ساحة النقد ، يرتكبون جريمة بحق المبدعين حين يوهمونهم انهم بلغوا القمة ... ولكنه موضوع آخر!!
بالطبع هناك اشكاليات أكبر في ابداع جانر روائي.
النظرية والتحليل النقدي النظري جيد  لتحليل العمل ، تقييمه ونقده ... وليس ليدرسها المبدع ويطبقها. ان عملية الابداع مركبة ومتداخلة بعناصر انسانية وعقلية ومعرفية (ابستمولوجية) وتجريبية واجتماعية واقتصادية أكثر اتساعا من مجرد فكرة تصلح لنص روائي او قصصي او شعري.
اعتقد ان مشكلة الجانر الروائي ترتبط بتطوير ألمعرفة عندها سننتقل من "غبار روائي" الى "نجوم روائية".
اني أدعي ان معظم الروايات التي ظهرت في أدبنا العربي داخل اسرائيل ، تفتقد للمركب الروائي الأساسي. وتكاد تكون خطابا تاريخيا مجردا من القدرة على القص والدهشة وجعل اللغة طيعة متدفقة مثيرة ومتفجرة. طبعا لدينا نصوص روائية جيدة لكنها من القلة بحيث لا تشكل تيارا ادبيا روائيا.
الابداع الحقيقي ، نثرا أو شعرا ، لا يعني نقل حدث تاريخي او انطباعي  بلغة سليمة. أو بديباجة مليئة بالفذلكة والألعاب الصياغية . الموضوع ليس انشاء لغويا بسيطا أو فخما جدا . هناك لغة للقص تختلف بتركيبتها عن لغة المقالة . تختلف بتركيبتها عن لغة الريبورتاج ، تختلف بتركيبتها عن لغة الشعر. لغة تفرض نفسها على كل قوانين اللغة وقيودها، ويبدو لي ان نشوء لغة عربية  حديثة يخضع في معظمه لتطور الأدب القصصي والشعري الحديث ، ويمكن رصد البدايات الثورية لهذه اللغة الحديثة في الأدب العربي الذي طوره ادباء المهجر، وبنشاط الآباء اليسوعيين في لبنان.واليوم تلعب الصحافة ولغتها ومفرداتها دورا هاما في تطوير لغة عربية سهلة ممتعة سريعة الاندماج مع المناخ الثقافي وفرضها على اللسان العربي رغم المجامع اللغوية التي لا تزال تفسر "الساندويش" ب "الشاطر والمشطور"!!
ان رواة الأساطير يستخدمون اسلوبا هو أقرب للغة الرواية اذا استبدلنا المفردات العامية . اسميها لغة تشويق وأسلوبا يعرف كيف يشد المستمع بالمفاجئات والدهشة التي تظل حتى نهاية الأسطورة.
لا اقلل من قيمة الموروث التراثي التي ارتبط بشخص ألراوي في المقاهي او السهرات. لكنه لا يشكل قاعدة للكتابة الروائية او ألقصصية انما ملهما لتنمية القدرة على التخيل وفهم عناصر الاثارة ودورها في الابداع السردي. يجب ان لا ننسى ان الرواية هي وليدة عصر تحرير ارادة الإنسان. الانسان ولد ليكون حرا، ان لم يكن اجتماعيا ففي فكره ونصوصه  وهذا ما اثبتته حركتنا الشعرية الفلسطينية داخل اسرائيل التي ولدت في ظروف تسلط قمعي وإرهابي وحصار ثقافي .. قبل ان تبدآ لأسباب لا مجال لها الآن بالتراجع (يمكن القول في مرحلة الحريات والتواصل مع الثقافة العربية بدون قيود).
رغم الانفتاح الواسع على الثقافة العربية والعالمية وما أنجزته من أعمال روائية راقية جدا إلا ان روايتنا لم تحدث تلك العاصفة التي احدثها شعرنا. 
اذن أين مشكلتنا..؟!
بالطبع أرى أهمية ما طرحه الناقد الدكتور حبيب بولس...حيث كتب : " في مجتمع كمجتمعنا وفي ظروف كظروفنا نجد أن الرواية دائما تخاتل طموح كتابة التاريخ الفني للمخاض ألسياسي الاجتماعي في فلسطين إبان ألنكبة قبلها، في خضمها، بعدها ومحليا أيضا،وهذا أمر من الممكن أن يشكّل منزلقا للكتابة الروائية في ظروفها الاجتماعية المعيشة. فعلى ألكاتب - أي كاتب - أن يحذر التاريخ، وأن يعرف كيف يقيم توازنا بينه وبين الإبداع، إذا أراد فعلا كتابة رواية فنية. وكم كان محقا ذلك الكاتب المفكر ألمغربي عبد الكبير ألخطيي حين قال: "التاريخ هو الوحش المفترس للكاتب"، وهو يقصد بذلك أن صوت التاريخ – الواقع- الايدولوجيا ، حاضر على الدوام في شغاف قصصنا، يتأدى بطرائق وأساليب مختلفة متنوعة ، جهيرا حينا- خافتا حينا أخر".
أجل هذا صحيح . ولكن هل وضعنا يدنا على الوجع الأساسي ؟
الناقد استمر في تحليل "الواقع الموضوعي" ، اذا صح هذا التعبير ... الحائل بين تحول الابداع الروائي الى جانر مركزي في ثقافتنا. وهو تحليل علمي نقدي سليم تماما . ولكني ككاتب قصصي وروائي أيضا ، (اصدرت ثلاث روايات) ، اواجه مشاكل مستعصية لا تبقي في نفسي الرغبة لتجربة روائية جديدة ، بل فقط للكتابة الثقافية العامة ، وكتابة المقال الفكري والسياسي والمراجعات الثقافية ، أو النقد كما تسمى مجازا... وكتابة القصة القصيرة ، أي لا أجهد نفسي لأكتب رواية رغم توارد عشرات الأفكار الروائية الجيدة. دور النشر غائبة او تستغل الكاتب لتحلبه . لا مؤسسات ترعى المبدعين . هناك تسيب ثقافي ، الكثير من  النصوص انشائي يفتقد للغة الرواية ولأجواء الرواية ، ستجد عددا من " النقاد " ، حتى بدون بعض الفضة ، يجعلوا كل نص ابداعا لا مثيل له في الأدب العالمي  رغم انه لا يستحق القراءة. 
كل واقعنا هو واقع مريض. ليس فقط ان شعب اقرأ لا يقرأ ، مؤسساتنا غائبة عن الفعل الثقافي . ثقافتنا بنيت بظروف عصيبة من التحدي البطولي ، ومن معارك الحفاظ على لغتنا وثقافتنا وانتمائنا القومي ، ضد سياسة القمع والحكم العسكري البغيض .
مع ذلك كان هناك القادة الطلائعيين الأبطال داخل الجسم السياسي ( الحزب الشيوعي ) الذين تصدوا بقوة ونجاح وربطوا بين السياسي والثقافي بوعي كامل لأهمية هذا الربط في المرحلة التاريخية التي كنا بمواجهتها، خلقوا أجيالا من المثقفين والمناضلين  شكلوا العمود الفقري لانطلاقة ثقافتنا وضرب جذورها عميقا بالأرض .. وصولا الى انبهار العالم العربي كله بما انجزناه سياسيا وثقافيا.
للأسف اليوم في ظل الحرية نتهاون بما انجزناه ونضيع ما وصلنا اليه. وهذا ينعكس سلبا على ابداعنا (وعلى واقعنا السياسي أيضا)وعلى تطوره بما في ذلك الجانر الروائي الهام جدا في كل ثقافة متحدية.
الرواية كانت تاريخيا ، معيارا لتطور المجتمعات الرأسمالية ، بل ويعزي المفكر الفلسطيني الكبير ادوارد سعيد في كتابه الهام والمثير " الثقافة والامبريالية " التطور المبكر للروايتين الفرنسية والانكليزية الى كون فرنسا وانكلترا شكلتا الدولتين الاستعمارين الأساسيتين ، وأن تطور الرواية الأمريكية تأخرت حتى بداية القرن العشرين مع بدء انطلاق الامبريالية الأمريكية الى السيطرة على العالم.
يُفهم من طرح الدكتور ادوارد سعيد أيضا ، ان الرواية شكلت أداة اعلامية لظاهرة الاستعمار.. لتبريره أخلاقيا (رواية " روبنسون كروزو" مثلا ، حيث يصل الأبيض الى جزيرة مجهولة ويجد شخصا أسود ويبدأ بتثقيفه وإعادة تربيته وجعله انسانا راقيا – أي نقل له الحضارة باستعماره لأرضه وتحويله الى خادم له ، وهي تشبه الواقع الفلسطيني مع مغتصبي وطننا) ولكن الرواية ، هذا الفن الراقي والرائع ، الذي انتجه الاستعمار المتوحش والجشع ، خلق الرواية المضادة ، أو ألأدب المقاوم بمفهوم آخر..
لوكاتش ، المفكر الماركسي التنويري الكبير يصر بأن الرواية ( الأدب القصصي ) ليست إلا ملحمة البرجوازية التي ظهرت على مسرح التاريخ في أعقاب النهضة ألأوروبية وبالتحديد بعد الثورة الصناعية التي جعلت منها الطبقة السائدة في المجتمعات ألأوروبية يمكن ان نستخلص هنا ان التطور الاجتماعي  وتطور الطبقة البرجوازية ، بكل ما يشكله ويشمله هذا التطور من مضامين هو من ضروريات انطلاقة ألرواية وهي حالة لم تقف امام تطور الشعر مثلا .. وتاريخيا لم يكن الشعر بحاجة لها.
اذن ظهور الرواية الفلسطينية داخل اسرائيل بدأ عمليا مع تطور المجتمع العربي وبدء اندماجه بالمجتمع الصناعي عملا وفكرا ... لذلك نجد ان الرواية المضادة للرواية الصهيونية كان لها السبق ("متشائل" اميل حبيبي مثلا) ، لكن الرواية بمفهومها الاجتماعي الشامل ، ما زالت تتعثر!!
nabiloudeh@gmail.com



5

مـــرة ملكـــة .. دائمــا ملكـــة!!

نبيــل عــودة

ترك الزمن اخاديده على وجهها وجسدها. الجيل غلبها ولم تعد تنفع الأصباغ. مفاتنها أضحت في سجلات التاريخ  المنسي. تشعر بالم عميق . لم يخطر ببالها ان تصبح نسيا منسيا. مجرد كتلة لحم لم يعد يحتاجها أحد. لم تعد تلك الفاتنة المرغوبة التي امتدت شهرتها طول البلاد وعرضها، حتى قيل ان الرجل لا تكتمل رجولته، الا بعد ان يحظى بخدماتها.
جاءوا من الشمال والجنوب، من ساحل البلاد جاءوا ومن الجبال، جاءوا من الحقول ، جاءوا من المصانع. يقول بعض العارفين ان اسمها كان ماركة مسجلة قصدها العديد من السياح أيضا، فهل حقا ساهم جمالها وفتنتها في زيادة عدد السياح القادمين الى البلاد؟
بعد عمر طويل اكتشفت انها لم تعد الملكة المتوجة التي تلقى التودد والتذلل امام سريرها من شخصيات لا تعد ولا تحصى. بعضهم اناس عاديون لم يترددوا في صرف معاش الشهر من اجل ساعة بقربها، بعضهم صرفوا عليها بطيب خاطر وتنافسوا للفوز بها  في نهاية الأسبوع. بعضهم ادعى انه سائق سيارة أجرة ولكن شخصيته اوحت لها انه شخصية كبيرة في جهاز الأمن او الشرطة او الوزارة. حتى رجال دين تخفوا كأشخاص عاديين ليقتربوا من معبدها ويتنشقوا رحيقها الساحر . آخرون لم يخفوا هويتهم، يدفعون المطلوب بطيب خاطر بل ويضيفون حبة مسك بكرم حاتمي ، يهمهم رضاء الملكة!!
رغم ان مهنتها تثير المتاعب الا ان احدا لم يجروء على الاقتراب منها. تعلم انها محمية وانها فوق اي قانون.  الفنادق تستقبلها بترحاب واحترام وتخصص  لها احد الأجنحة الفاخرة لتستقبل زبائنها من أصحاب المداخيل الكبيرة. لم تجب منها اطلاقا اجرة الفندق حتى حين تكون لوحدها في نهاية الأسبوع ، مدراء الفنادق ايضا يتسابقون لجني ثمار خدمتهم. كانت النقود تمطر عليها صيفاً شتاءً.
تعلم انها العنوان لمن يبحث عن ليلة حمراء لا تنسى،عن فخر يرويه بين الرجال وهو منتش كالطاووس. ربما بسبب كونها تتصرف كإمراة تعشق ما تقوم به ولا تقوم به مجبرة او  مضطرة او لسبب اقتصادي او اجتماعي ما ، هذا جعلها الملكة المرغوبة التي تعطي زبونها أجمل ما يحلم به من اثبات رجولة ومتعة لا بعدها متعة  .
بدأت تمارس المهنة القديمة بحب وشغف لا يعرف الإرتواء. كانت تتمتع بجمال وجاذبية نسائية وجنسية من الصعب تجاهلها.
بدأت تاريخها الملوكي بعد فوزها بمسابقة ملكة جمال البلاد. تدفقت عليها الهدايا والجوائز. شعرت بقيمة المال واهميته. تدفقت عليها العروض ، بعضها عروض فاضحة بلا  تورية. اول عرض غير فاضح شكليا تلقته من رجل اعمال في الخمسين من عمره، اقترح عليها أن  ترافقه في يخته بجولة على دول البحر الأبيض المتوسط،  وانه سيرافقه في القارب ثلاثة من أصدقائه. ترددت. قال لها انهم سيدفعون لها أضعاف قيمة الجائزة التي فازت بها بمسابقة ملكة الجمال، وانها غير ملزمة بمعاشرة احد ، ما يهمهم ان يتمتعوا بمرافقة أجمل النساء وأن أصحابه رجال مجتمع محترمين.. وان كأس نبيذ جيد بوجود امرأة جميلة، يخلق جوا شاعريا، هو أقصى أمنيات مجموعته.
أجرت بينها وبين نفسها حسابا صغيرا. فهمت ان الدعوة لا تخلوا من مغامرة جنسية، لكن مائة الف دولار مقابل اسبوع ونصف الأسبوع في اليخت مع الرجال الأربعة ، بدون التزام لأي علاقة ... هذا يبدو امراً مغريا.
لم تكن عذراء. كانت قد مارست الجنس منذ وجودها في الصف التاسع، والتهبت شوقا من يومها. ولكن هل ستشعر بنفس الرغبة مع رجال يكبرونها جيلا مرتين ونصف على الأقل؟
رجل الأعمال يبدو اصغر من جيله، بل يشع رجولة فيها اغراء ما. هل سيكون هو الوحيد الذي ستعاشره؟
ترددت . شعرت بخوف ما، خوف المرة الأولى . ولكن الشيك بقيمة مائة الف دولار قبل ان تقرر مرافقتهم، جعلها تلين وتقبل المغامرة.
كانوا اربعة، رغم جيلهم الذي يقارب الخمسين الا ان رجولتهم مصانة بشكل جيد.
مارست الجنس مع رجل الأعمال الذي دعاها ،وجدته يداعبها ويعريها بلا مقدمات وكأنه متأكد ان موافقتها لتلبية دعوته وقبولها المبلغ الضخم، هو اعلان الإمتثال لرغباته التي لم يفصح عنها مباشرة.  لم تعترض ، بادلته الرغبة برغبة مترددة أولا، زادته التهابا، قبَّلها اينما استطاع، تغنجت بين ذراعيه فازداد شبقاً، ثم اندمجت بلعبته. كانت في الغرفة معه لوحده ، ولكن ما ان انتشت وارتفعت حرارة الاندماج حتى وجدت اصدقائه الثلاثة حولها يتبادلون ملاطفتها، شيئا فشئا وجدت نفسها بينهم  متحررة من ترددها ومن خوفها ، تزداد شبقا وشعورا  بانه لو اجتمع رجال الدنيا كلها في اليخت لما أشبعوها .
كان تلك اجمل عشرة ايام في حياتها. جولة على مدن ساحرة،ومطاعم فاخرة، ملأوها بأجمل الهدايا، البسوها أجمل ما الفاترينات من موديلات، اطلبي ونحن خاتم شبيك لبيك بين يديك. بعدها لم تتوقف. رجال اليخت أصبحوا من زوارها الأسبوعيين. رافقتهم مرات أخرى في رحلاتهم الماجنة ..  امتلأ حسابها وامتلأت خزائنها بما تشتهيه نفسها من ملابس وأحذية وميكياجات وحلى وقطع جميلة للزينة. اصبحت قادرة على الحصول على ما كانت تشتهيه نفسها في مراهقتها. تجولت في العالم طولا وعرضا، بمرافقة عشاقها او بدونهم، وفي رحلاتها المنفردة لم تتردد في معاشرة من طابت نفسها لهم، بعد العودة للبلاد أصبح العديد من زملاء السفر من زبائنها الدائمين. بعضهم اليوم محاضري جامعات، كتاب ، صحفيين ، مدراء شركات، مدراء مدارس، اعضاء برلمان ، رجال دين، تجار ، صناعيين  واكاديميين في مختلف المجالات والمهن الحرة.
كانت غارقة في استعراض تاريخها الملكي وتسأل نفسها أين ارتكبت حماقة حياتها، بحيث أضحت اليوم بالكاد تقيت نفسها. كيف لم تفكر وهي في قمة شهرتها وغناها بتوفير ما  يضمن شيخوختها بكرامة؟ هل حقا توهمت انها باقية ملكة أبد الدهر؟ وهل في مهنتها ملكة لا ينزل التاج عن رأسها؟
اليوم لا أحد يلتفت اليها، صغيرات وجميلات من حولها  احتللن الشارع. تشعر بثقل حركتها. حتى الآلة خربت رغم الرغبة الباقية.
باعت بيتها واشترت بيتا بربع ثمنه، كانت تتهاوى تدريجيا. دخلها من تأمين الشيخوخة لا يفي بمتطلباتها. شركة الكهرباء انذرتها بانها ستقطع التيار الكهربائي عن منزلها اذا لم تسدد دينها، وهو يتجاوز ثلاثة اضعاف دخلها من التأمين. البلدية تنذرها بقطع المياه اذا لم تسدد اثمان المياه فورا. بقالة الحارة لم تعد تستقبلها بنفس الترحاب والحماس ، صاحب البقالة لم يعد ينظر اليها ، يرسل زوجته لتخبرها ان الدين ممنوع. نسي انه كان يحبو على قدمية ويديه مقبلا رجليها قبل ان يصل الى مبتغاه. هل تهدده بكشف المستور اذا لم يلب احتياجاتها؟
 بعد تردد انسحبت بشعور من المذلة.
حاولت الاتصال بمن كانت تعتقد انهم عشاقها حقا، من الذين عرضوا عليها الزواج في الماضي والانتقال الى مكان لا يعرفهم فيها أحد او الى دولة أجنبية. ردودهم كانت جافة جدا. بعضهم طلب بفظاظة ان لا تتصل به، آخرين اقفلوا سماعة الهاتف بعد ان عرفوا شخصية المتحدث.
خدمة التلفون توقفت قبل ايام. العزلة حولها تشتد. التيار الكهربائي انقطع أيضا، البلدية أعطتها مهلة قصيرة بسبب شيخوختها وتدخل احد الجيران  لمنع قطع المياه عنها  شارحا حالها المزرية بدون كهرباء وبدون تلفون وبدون طعام اولي مناسب.
ذلك الجار الذي لم تكن تعرف اسمه، قرع باب منزلها وقال لها انه سيوصلها بالكهرباء عن طريق توصيلة من بيته  لتضيئ منزلها وتشغل ثلاجتها.وانه اتصل مع مسؤول يعرفه في البلدية كي لا تقطع المياه عنها. بكت بحرقة وهي تشكره. قال: لا داعي للبكاء، أعرف وضعك جيدا، لا تتردي بطلب المعونة مني.
قالت كانها تخاطب نفسها:  لا اعرف كيف تدهورت بي الحال .
قال: لا ضرورة للشرح . كلنا بشر، لنا صعودنا ولنا هبوطنا. عندي فكرة تعيدك سيدة فوق رؤوس كل من يتهربون من الحديث معك اليوم.
- اعرف اني انتهيت واتمنى لو يأتي الموت مبكرا !!                 
- اتركي هذه التمنيات لمن كانوا يزحفون على أربعة امام سريرك.
شعرت انه يتحدث من مصدر قوة رغم انها انتقلت لهذه الشقة الصغيرة منذ ستة أشهر فقط ، وكانت تظن انها مجهولة التاريخ هنا. صمتت.
- لدي فكرة لانقاذك مما انت فيه. انا اعمل في الصحافة، سانشر خبرا مع صورتك وانت صبية مرغوب فيها، أعلن فيه بانك تؤلفين كتابا عن حياتك وذكرياتك مع شخصيات مختلفة من مجتمعنا  وما كانوا يقترحونه عليك  وما قمت به من رحلات معهم وما مارسوه معك وما دفعوه بطيب خاطر ونوادرهم وغرائبهم وجنونهم بك  .
- ولكني لا انوي فضح أحد.. لست مؤهلة لفضحهم والتسبب بنزاعات عائلية.
- نحن نتحدث عن مجرد لعبة. لن يكون هناك  كتابا، لا تقلقي.  اتوقع ان يتراكض زبائن الأمس لدفع ما كانوا يدفعونه ايام كنت ملكتهم المتوجة.. على شرط ان لا تذكري أسمائهم بمذكراتك.
- هل سينجح مشروعك؟ انهم يرفضون التحدث معي ..؟
- سنرى.. لن نخسر شيئا. اتوقع ان انقذك من وضعك الحالي ، لا افعل ذلك لأني اريد لهم سوءا بل لأنهم فاسدين ويدعون اليوم ما ليس فيهم.
 ستحدث بذلك هزة أرضية اذا نجحت الفكرة.. هناك شخصيات هامة كثيرة؟-
 لماذا لا تنجح مع المرعوبين من ماضيهم؟ -
- هل يحق لي قانونيا ان اصدر كتابا افضح فيه زبائني السابقين؟
- اتركي القانون نائما، حتى لو قررت حقا اصدار كتاب، القانون لا يمنعك ان تذكري حقائق حياتك واسماء زبائنك. هل وقعت معهم اتفاق بعدم كشف اسمائهم؟
 الن يرسلوا من يعتدي علي؟ بعض زبائني صاروا اليوم من زعماء هذه الدولة؟!-
 لا أظن ان جنونهم سيصل درجة الاعتداء عليك. سيفضحون انفسهم أكثر اذا فكروا بهذه الطريقة.-
بعد يومين صدرت الصحيفة بخبر صغير يحمل صورتها وهي فتية مشتهاة، بانها بالتعاون مع الصحفي اياه ، ستصدر كتاب مذكرات تكشف فيه اسماء الشخصيات الهامة التي مرت في مخدعها ، وما عرضوه عليها ، والى اين رافقتهم في جولاتهم ، وستستعرض نوادرهم وتصرفاتهم وعروض الزواج التي تلقتها منهم.
كان اسمها ما زال ماركة مسجلة، أشهر من نار على علم. تاريخ لا يمحوه الزمن. اختفت نسخ الجريدة من الأسواق قبل ساعات الظهيرة. تلفونها الذي سدد جارها ديونه، عاد يرن بقوة طول النهار والليل. كانت اصوات الكثيرين منهم  مألوفة لها. ارادت ان تسألهم لماذا اغلقوا تلفوناتهم بوجهها والآن يصرون على لقائها؟ لكن جارها الصحفي قال لها لا عتاب ولا كلمة غضب. فقط استقبال ضاحك كأيام زمان.
وأضاف بسخرية :"لنر ما في جعبتهم".
اتفقت على لقاء مع من تعتبره اقواهم ماديا.ذلك الذي رافقها في القارب مع اصدقائه الثلاثة، كان قد تجاوز السبعين من عمره، ولكن مبنى جسمه وهيئته لا يكشفان عمره الحقيقي.
كان حديثه حارا. قال لها انه لا ينسى ايامه معها. كانت أجمل ايام عاشها في حياته، لكنه أب لثلاثة بنات متزوجات، وله أحفاد وحفيدات بجيل واع، ولا يريد ان يكشف ماضيه امام أحفاده ، وهو مستعد لدفع ما يساعدها على الحياة، وقدم لها في ظرف مبلغا كبيرا قال انه سيكفيها لسنتين، وانه لن يكون المبلغ الأخير، وطلب منها فواتير الكهرباء ليسددها عندما علم بان التيار الكهربائي قطع عن منزلها وانه سيعطي امرا لمدير شركته بدفع فواتير الكهرباء من حسابه. ورجاء ان لا تذكر اسمه الحقيقي في كتابها او اسم أصدقائه لأن اثنان منهم قد توفيا ، وفي ذكرهما احراج  غير لائق.
بعده التقت ضابط شرطة ببدلته الرسمية، سألها وهو يضحك بشيء من التذلل :"هل تذكريني؟" وكيف لا تذكر من يحب ان يستعمل لسانه ؟
قدم لها مغلفا فيه ثلاثة الاف دولار، ورجاء ان لا تفقده التعيين الجديد الهام الذي يحلم به منذ سنوات. وختم قوله بوعد وحركة من أصبعه :" ساذكرك دوما ، لا تذكري أسمي في كتابك ، ستصلك مني مبالغ أخرى".
بقال الحارة جاء محملا باكياس عديدة، وشيكا بمبلغ غير صغير، ورجاء ان ترى ببقالته عنوانا لها تاخذ ما تشاء.. وانه آسف على معاملة زوجته لها بمنعها من الاستدانة. وأضاف :"طبعا لا تفضحي ما كان بيننا.."
انقلبت الدنيا ولم تعد تميز بين القادمين والمغادرين، المهم ان صندوق المال امتلأ اكثر مما كان يمتلئ عندما كانت ملكة الشارع بلا منازع. حتى مدير البنك صار يستقبلها راكضا نحو مدخل البنك مجلسا اياها في مكتبه ليسجل ما تودعه من أموال، ولكنها لا تذكر اذا كان من زبائنها سابقا.وهل يتوهم احد ان ذاكرتها تقدر على الاحتفاظ بالاف الزبائن؟!
صارت امرأة محترمة يتسابقون لإلقاء التحية عليها ولمساعدتها في حمل احتياجاتها لباب منزلها.
عبثا حاولت ان تقدم لجارها الصحفي بعض المال فرفض. وقالت انها تريد ان تكون بمثابة ام له، ولكنها خجلة من ماضيها. ابتسم وقال انها افضل ام  الآن. وكثيرا ما دعته لتناول الطعام معها، الذي كانت توصي عليه من مطعم فرنسي مشهور يرفض ان يأخذ مقابل الطعام وفقط تدفع للشاب الذي يحضره.. واحتارت هل من علاقة سابقة ربطتها بصاحب المطعم؟ اسمه لم يعن شيئا لها، ثم لم تعد تسأل. حتى لو لم تتصل كانت تصلها الوجبات الشهية يوميا.
الغريب ما حدث بعد ثلاثة اسابيع.
حضر الى منزلها شابان، بالتأكيد لا شيء يربطها بهما، لوهلة دق قلبها رعبا ان يكون وراء مجيئهما اعتداء مدبر عليها، لكنهما يتحدثان معها بلطافة ، يسألان عن تاريخ اصدار الكتاب. قالت انها لم تنهي بعد تسجيل التفاصيل وان الوقت مبكر على صدوره. اخرج احد الشابين دوسية ومغلف كبير  من حقيبة يد يحملها، وقال لها انه يريد ان يقدم لها خدمة كبيرة ها هي دفعة بقيمة 150 الف دولار، وان تدخل الأسماء والتفاصيل المسجلة في الدوسية ضمن كتابها!!
nabiloudeh@gmail.com










6
عن الندوات الثقافية .. عن تفككنا الثقافي
نبيل عودة

كلما اشتركت في  ندوة أدبية، يزداد فزعي من التفكك الثقافي الذي نلجه بسرعة غير عادية، دون ان تطلق صفارات الانذار ابواقها محذرة منبه.
احيانا لا اعرف لماذا أصر على المشاركة في الندوات، هل هي عادة تلاشت ايامها ؟ مرض عضال  لا علاج له؟
اعترف ان مشاركتي في بعض الندوات ، تثري روحي ان لم تثر معرفتي، بعضها اشارك بها رقما او جسدا يملأ بعض الفراغ،بعضها اسقطها من حسابي حتى لا اصاب بإكتآب ، حين اجد انها تكرار بالأسماء وستكون تكرارا غبيا بالنصوص، حتى لو اختلفت مواضيعها. حيث يأخذ بعضها طابعا مغلقا يمكن تسميتها "بندوات سرية".
شاركت قبل ايام  بندوة حول كتاب لأديب صحفي، جاد ومثابر، لا اريد الحديث عن الندوة مباشرة، وعن تشابه الكلام ، وتنافس المتحدثين في ابراز مواهبهم في التقييم الايجابي ولا شيء غيره لدرجة ان كل المداخلات متشابهة في المضمون. هذا حقهم ولا اعتراض لي عليه ولكن ما لفت انتباهي ان الندوة تحولت عن الكتاب الى الشخص. من ناحية الشخص هو الوجه الآخر للكتاب، ولكنه ليس موضوع الندوة. تمنيت أن أسمع تقييما نقديا، تقييما اسلوبيا، فلم اسمع الا كلمات معادة باساليب مختلفة باختلاف المتحدثين.الا ان احد المتحدثين ذكر امرا جديدا، بان لغة الكتاب هي لغة الصحافة نتيجة كون الكاتب صحفيا تأثر بلا شك بلغة الصحافة.ولم يرد من المتحدث أي اضافة حول لغة الصحافة التي قد تفهم من قبل الجمهور المشارك بشكل سلبي وهو ما سأتطرق اليه ببعض التفاصيل في مقالي هذا.والموضوع الأخر الذي طرح، حول وسائل الإعلام العربية في اسرائيل، وهبوط مستواها المتواصل.وهو موضوع يستحق دراسة جادة.
لا اعتراض على اهمية ما طرح بشكل عام عن الكتاب والكاتب، انما التماثل لدرجة غياب كامل للتقييم الأسلوبي للكتاب مثلا، او لفهم الانتماء الأدبي لنوع الكتاب،او تقييم النصوص نقديا، هي ظاهرة سلبية، ثم جرى التركيز على الكاتب، بشكل مبالغ أضاع الهدف الجوهري من الندوة لدرجة ان الندوة انحرفت عن موضوعها ( الكتاب) الى موضوع الكاتب ومواقفه وآرائه، واعتقد ان أكثرية المشاركين لم يجدد لهم هذا الشيء أي جديد.الكاتب صفحة مفتوحة بنصوصه، بمقالاته وما يطرحه من مواقف في صحيفته.
لم نحضر لنصفق ، بل لننمي معرفتنا ونثري ثقافتنا.ولا انفي اني من المعجبين باسلوب الكاتب واتجاهه الأدبي، هذا لا يعني ان العمل قد تم وأكتمل.
ضمن المراجعات المتشابهة والحوار مع الكاتب، طرحت قضايا ثقافية يشكل كل منها موضوعا لندوة او أكثر. للأسف لم تلفت انتباه المشاركين في الندوة او الحوار.
قبل تناول موضع لغة الصحافة، وملاحظات حول الواقع الاعلامي المحلي، اود الإشارة الى قضية مقلقة جاءت في بداية مقالي: "فزعي من التفكك الثقافي".
استطيع ان اقول بشكل قاطع ان الغياب الكبير بين الجمهور كان لعنصر الشباب والطلاب، بمعنى آخر ، الجيل الناشئ مشاغله بعيدة عن الثقافة والفكر والمعرفة بكل فروعها.هذا انطباعي ليس من الندوة او الندوات التي اشارك فيها، انما من احتكاكي بالكثيرين من الطلاب والأجيال الشابة.
كيف انحدرنا الى هذا الوضع؟
هناك اجابات واجتهادات كثيرة، ولكن الموضوع يجب ان يلفت انتباه المختصين في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ، وان يلفت انتباه منظمات الشباب ( وأكثريتها حزبية) التي كانت منبرا للتوعية والمعرفة وأصبحت مجرد تنظيمات بلا مضامين ثقافية وبلا توعية واثراء ذاتي فكري وسياسي.
مقاهي الأرجيلة أصبحت في ايامنا منتديات للضياع واختلال المعايير . اطلاق دخان الأرجيلة في الفضاء العابق داخل المقاهي أهم من الثقافة، أهم من الوعي الثقافي ، الاجتماعي والسياسي . الى أين ينحدر مجتمعنا؟ أي مصير نحث الخطى اليه دون فهم ودون وعي اولي؟ هل بالصدفة اذن ان عدد القراء في انحدار سريع؟ الكتاب الذي لا يوزع مجانا يتراكم ورقا للحرق في صناديق صاحبه؟ او عليه ان يتحول الى تاجر، ليسدد خسائر الطباعة. مؤسساتنا المدنية غائبة، مؤسساتنا الرسمية ما يشغلها لا علاقة له بما ذكرت. حتى برامج الأحزاب والقوائم الانتخابية التي تطفوا على سطح النشاط في المواسم، تطرح رؤية صحيحة في برامجها، ولا تعمل على تنفيذها.وربما من يصيغ البرنامج ينسخ البند الثقافي دون ان يعرف ماذا تعني الثقافة!!
حول لغة الصحافة.
الخطا الشائع لدى بعض المثقفين أيضا، ومنهم كتاب وشعراء ، يعطيهم الوهم ان هذا التعبير لغة الصحافة يعني لغة ما دون الثقافة.ولو راجعنا اعمالهم الكتابية، لما وجدنا الا لغة الصحافة.
ما هي لغة الصحافة؟
في حوار رائع ، من أجمل وارقى ما قرأت في ثقافتنا العربية بين العملاقين  الخالدين ، الأديب الموسوعي مارون عبود، والشاعر الكبير نزار قباني، تمسك مارون عبود بالشكل الكلاسيكي للقصيدة ، وأصر نزار قباني على الشكل الحديث. لم يكن النقاش مجرد خلاف على الشكل، انما تضمن أيضا لغة القصيدة ، ومعروف ان نزار قباني هو الشاعر العربي الذي جعل الشعر في متناول وفهم حتى أبسط الناس . فهل نستطيع ان نقول ان لغة نزار قباني الشعرية هي لغة " غير أدبية " لأنها قريبة جدا من لغة فصحى بسيطة يسميها البعض "لغة الصحافة"؟
 هي بلا شك لغة بسيطة بمفرداتها ، متدفقة كالماء بصياغاتها ، وهي من النوع الذي اتفق على تسميته بالسهل الممتنع . ان شاعرية نزار فوق أي نقاش ،ولا أظن انه يوجد شاعر مقروء في العالم العربي حتى اليوم أكثر من نزار قباني .. حتى شاعر عملا ق آخر مثل العراقي مظفر النواب ، أذهلنا بشاعريته ، ووضوح صياغاته وسهولة الاندماج مع أجوائه بلغته العادية وغير المعقدة  رغم ثراء لغته ومفرداته وعالمه التراثي الواسع  ... وهي اللغة العربية التي يسميها البعض " لغة الصحافة " بسبب مفرداتها وصياغاتها السهلة.
 ان لغة الصحافة ، هي اللغة ذات المفردات الأكثر استعمالا وفهما في محيط اللغة العربية الواسع .ربما هذه التسمية " لغة الصحافة " هي تسمية خاطئة، ولا تعبر تماما عن الواقع . انا أميل لتسميتها ب " الفصحى الحديثة السهلة" كمميز لها عن الفصحى الكلاسيكية ( يبدو ان هناك اكثر من فصحى واحدة). وفي الوقت  نفسه أرى ان اللغة في كل زمان ومكان يتحدد شكلها وثروة مفرداتها ، حسب معطيات العصر نفسه .
ان اللغة جسم حي ومتطور باستمرار ، ولكل عصر لغته ، مفردات ومعان ومناخ ثقافي وفكري، وما يسمونها اليوم " لغة الصحافة " هي في الحقيقة اللغة الفصيحة السهلة المعاصرة الأكثر سرعة في التكيف مع الواقع والأقرب للمناخ الثقافي المعاصر..
ملاحظة عابرة حول موضوع واقع الاعلام العربي، وساعود للموضوع بتوسع.
  تكاثرت الصحف ، وتحول الكم الى نقيض المقولة الفلسفية  الديالكتيكية عن "تحول الكم الى كيف".
ان الإشكالية الجوهرية حسب فهمي، هو فقر الصحافة العربية المحرومة من حصة عادلة من الاعلانات الحكومية، ومن تجاهل الشركات الكبيرة التي تسوق بضائعها في الوسط العربي من تخصيص حصة نسبية تلاءم نسبة المواطنين العرب في دعايتها.
على الهيئات العربية بكل تنوعاتها،ان تطرح هذا الموضوع على رأس سلم اهتمامها اذا ارادت ان تتطور لدينا وسائل اعلام تستحق هذه التسمية. ولن اخوض في اهمية وسائل الاعلام في المجتمعات الحديثة حيث توصف بالسلطة السابعة.
الجانب الثاني يجب ان نعي ان ادوار وسائل الاعلام تتغير،الصحافة المطبوعة خاصة، التي تشكل القسم الأبرز والأكبر في اعلامنا المحلي، ما تزال تعمل بعقلية الاعلام الكلاسيكي للصحافة المطبوعة كإعلام اخباري.
الصحافة المطبوعة تحولت من صحافة اخبارية لصحافة خدماتية.لا يمكن منافسة الاعلام الألكتروني في ملعبه. هنا المشكلة الكبرى بحيث يبدو الخبر في الصحافة المطبوعة كتسجيل تاريخي .
الموضوع كما اسلفت يحتاج الى مراجعة خاصة ، سبق ان تطرقت اليه وساعود مرة أخرى برؤية متجددة.
nabiuloudeh@gmail.com

7
مجمع اللغة العربية في اسرائيل بين الضرورة والسياسة




نبيل عودة




لفت انتباهي مقال للزميل الكاتب ، رئيس تحرير صحيفة "الأخبار" النصراوية محمود ابو رجب، الذي نشر بتوسع على الشبكة العنكبوتية وفي صحيفته "الأخبار" ، تحت عنوان "مسخرة واسمها المجمع اللغوي العربي في اسرائيل".
في مقاله يوجه الكاتب نقدا لاذعا لمجمع اللغة العربية، ولبعض اشتقاقاته اللغوية، ولنشاطه، ويشير الى عبث مجامع اللغة، وان لبنان اغلق  مجمعه للغة العربية  بعد سنتين من تأسيسه لتوفير المال لما ينفع. وبذلك يفتتح محمود ابو رجب النقاش والتداول حول مسألة هامة، تحتاج الى مكاشفة ومصارحة.
 لا انفي اني تماثلت الى حد كبير مع بعض مواقفه. كنت اتردد في طرح رأيي، لأسباب عديدة، اهمها ان لا أبرز كمثقف سلبي لا يعجبه العجب ، حيث صار الرأي الصريح يعتبر من السلوكيات السلبية قي ثقافتنا.
لا أتحامل على الزملاء في مجمع اللغة العربية بل احمل لهم احتراما وتقديرا كبيرين، انما لي موقف من دور مجمع اللغة العربية في الواقع العربي داخل اسرائيل، والدوافع لإقامته، وهذا لا علاقة مباشرة لهم به.
شكل اقامة مجمع اللغة العربية في اسرائيل ، خطوة ظاهرها الاعلامي (السياسي أيضا) يفوق قيمتها اللغوية.
 اميل للإقتناع ان فكرة انشاء مجمع اللغة العربية نشأت عن رغبة الوزير السابق للثقافة والرياضة غالب مجادلة، لتسجيل انجاز ما باسمه، حيث ان نشاط الوزارة الثقافي في الوسط العربي اختصر تقريبا بالدور الكبير الذي قامت به دائرة الثقافة العربية بادارة نائب مدير عام وزارة الثقافة موفق خوري، حتى عندما اقدم الوزير مجادلة على زيادة عدد الحاصلين على جوائز الإبداع الأدبي التي توزع كل سنة على أدباء العربية، تبين ان مجادلة حولها لمهزلة شكسبيرية ، اذ ظلت الميزانية نفسها من حيث المبلغ ( ولا قيمة لها الا قيمتها النقدية) وبدل ان توزع على عشرة ادباء كما كان متبعا  بقيمة 70 الف شيكل لكل جائزة، قسم  المبلغ على عشرين اديب وفنان، بمبالغ بعضها ما دون ال 30 الف شيكل لدرجة ان بعض الفائزين اعادوها للوزير. قام الوزير بنشاطات اعلامية أشبه بمهرجانات سياسية، لا اعرف ما يربطها بالنشاط الثقافي، حتى توزيع الجوائز جرى في الناصرة العليا اليهودية وليس في الناصرة العربية، او أي بلدة عربية اخرى. حتى الدعوة للوجبة الفاخرة لم تصل الى الأدباء، وربما كانت شفهية للبعض و"هنا الخسارة الكبيرة"!!
لا بد من التذكير بالخلفية التي سادت انشاء مجمع اللغة العربية، من هنا اضيف اولا، ان قبول السيد غالب مجادلة لمنصب وزير الثقافة، كان بعد استقالة الوزير السابق اوفير بينيس اليهودي ، الذي استقال  احتجاجا ورفضا للجلوس في حكومة ضمت لصفوفها العنصري المستوطن افيغدور ليبرمان، فهل قبول وزارة بهذه الظروف يعتبر مكسبا سياسيا، ام له تسمية سياسية أخرى؟!
هذه هي الأجواء التي سادت عشية تأسيس مجمع اللغة العربية، لا اقول انها خطوة مرفوضة، ولكنها خطوة اعلامية اكثر مما هي خطوة حضارية وحقوقية. مشكلتنا ليست في اقامة مجمع يبحث في المفردات ويقارع التخلف العربي للمجامع بتخلف جديد. ان قرار اقامة مجمع اللغة العربية كانت له دوافع ذاتية وسياسية، تفوقت على ضروريات الواقع اللغوي. ومع ذلك لا بأس . السؤال، ماذا بعد؟ الى اين وصل مجمع اللغة العربية؟ ماذا أنجز؟ ما هي مهماته الأساسية؟ هل ترجمة الاصطلاحات اللاتينية باصطلاحات ميتة ولا يطيقها اللسان ولا العقل، أسوة باشقائه من مجامع العالم العربي هو ما ينقص لغتنا العربية في اسرائيل؟
من متابعاتي لنشاط مجمع اللغة العربية، لا أجد شيئا يمكن اعتباره خطوة عملية لرفع مكانة اللغة العربية في الواقع الإسرائيلي، خاصة في مجال تدريس اللغة ونشر الوعي اللغوي، في مجال تأكيد قيمة اللغة للهوية الوطنية لأبناء شعبنا. في ملاحقة تجاهل السلطة لكون اللغة العربية هي لغة رسمية ثانية في الدولة، في التوجه للوزارة ليكون المجمع اللغوي مسؤولا عن اللغة العربية التي تظهر في اشارات السير والإعلانات والترجمات الرسمية بشكلها المشوه والمذل للغتنا ولشعبنا.
رأيي ان تخصيص ميزانية المجمع لتطوير تعليم اللغة العربية، باساليب حديثة، يفيد اكثر من التقعر والبحث عن اصطلاحات، تظهر المجمع أشبه بقاعة العاب "ليغو" لغوية. اذا لم تنفع لغتنا مجامعها الكبيرة في القاهرة والشام والعراق ، فهل سينقذ مجمع اسرائيل الوضع اللغوي العربي؟ الا يعلم الزملاء الأعزاء المشغولين بايجاد وتعريب المصطلحات، ان واقع اللغة هو انعكاس للواقع السياسي والاجتماعي ، وتغيير هذا الواقع هو ما يطلق عملية احياء اللغة، اسوة بما جرى مع شقيقتها اللغة العبرية؟
 قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيش صحتها كل يوم:" لغة الأمة الغالبة غالبة، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة". وما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط (وليس عسكريا فقط) تحديات الأنطمة الفاسدة التي تهدم ولا تبني، التحديات في العلوم والاقتصاد والتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا الا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوب مغلوبة.
اعترف اني لست لغويا، ولكنها لغتي التي اتواصل فيها مع الناس حتى لو لحنت في بعض كلماتها. واعيش مشكلة لغتي عبر تعاملي اليومي، واطلاعي على ما يجري في لغات اخرى وخاصة اللغة العبرية.
 لا اكتب من منطلق سياسي او قومي، بل من منطلق الألم لواقع لغة نعشقها ونتمتع بقدراتها التعبيرية، ولكن السؤال المقلق ليس بالكتابة الابداعية، في القصة او الشعر، بل في كونها لغة عاجزة عن التحول الى لغة علوم وتكنولوجيا (أي تقنيات، وانا افضل الاصطلاح اللاتيني). حتى في الكتابة الأدبية نشهد  حالة عبثية من الصياغات المضحكة والمبكية في نفس الوقت. احيانا نقرأ ديباجة لغوية لا تعني شيئا الا انها تمرين لاظهار الشطارة، بلا معنى، وكأن جمالية الصياغة هي المضمون. هذا السجع اللغوي مصدرة سجع فكري وغيبية ثقافية لا تستوعب ان جمالية اللغة في ما تقدمه من فكر بوضوح وتألق وصياغة لا تعقيد فيها ولا ديباجة لا تقول شيئا مفيدا.
هنا نحتاج الى جهاز، ربما نسميه مجمع لغة عربية، يقوم على رصد استعمال اللغة، وتصحيح الخلل الفكري في فهم مهام اللغة. مثلا كيف يمكن احترام صحيفة تنشر خبرا بعنوان :" اصابة سيدة من (اسبانيا) بعد ان لدغتها افعى" بماذا اصيبت السيدة بعد ان لدغتها الأفعى؟ في الواقع ان المراسل والمحرر وقعوا بخطأ لغوي وفكري مثير للسخرية. الأصابة هي اللدغة ويمكن صياغة العنوان باشكال مفيدة ومختصرة أكثر.
على من تقع مسؤولية الاستهتار باللغة؟
اسمعوا الاذاعات المحلية، فوضى رهيبة بلا رقابة. ليس ضمن المصطلحات السياسية فقط، او بالنحو ، بل بالصياغة السليمة للخبر، ولا اعني أخطاء القواعد تحديدا، بل الخطأ في تركيب الجملة كلها. المنتظر ان وسائل الاعلام هي مدرسة للصياغة الصحيحة. لماذا يصمت مجمع اللغة على واقع يعمق ضعفنا اللغوي ويثقف على تفكيك اللغة؟
صحيح انه امامنا ايضا تحديات اللغة العبرية التي تسيطر على اللسان العربي، لدرجة ان أكاديميين عرب يستصعبون التعبير بلغة عربية عن مواضيعهم الأكاديمية، خاصة اذا كانت حول مواضيع طبية، علمية، تكنولوجية واحيانا مواضيع اجتماعية. كذلك عشرات الاف العمال يتعاملون كل يومهم باللغة العبرية لدرجة ان اللغة العبرية أضحت تشكل نصف مساحة حديثهم في وسطهم العائلي أيضا.
اللغة العبرية تفوقت بتطورها على لغتنا العربية في المائة سنة الأخيرة . استعمالاتها أسهل وأبسط وانجع وتقريبا من الصعب الوقوع  في خطأ. في الترجمة من الإنكليزية مثلا نجد مصطلاحات عبرية بسهولة، بينما لا نجدها في لغتنا العربية، حتى الترجمة من العبرية للعربية للمواضيع التربوية، وليس العلمية فقط، هناك صعوبة في ايجاد المصطلحات المناسبة، اعرف هذا من تجربتي. بعض الترجمات العربية لا تقرأ لأن لغة الترجمة تحتاج الى ترجمة عربية أخرى. قراءة المواضيع العلمية او الفلسفية ابسط وأسهل باللغة العبرية او اللغات الأجنبية. وكثيرا ما أضعت ساعات وانا ابحث عن معنى مصطلح فلسفي مثلا.
ربما من يقول ان هذا لا يخص مجمع اللغة العربية. ما لم يتوصل اليه العرب في مجامعهم لن نتوصل اليه في اسرائيل. لبنان حلت المجمع لتستعمل الأموال فيما يفيد، لا نريد مجمع لغوي عبارة عن منتدى للغويين لا يربطهم بواقع لغتنا العربية ومشاكلها العينية داخل اسرائيل أي رابط.
ان اصدار مجلة ومفكرة ومؤتمرات، لا يترك أي أثر على واقع لغتنا. ربما لو تحول المجمع الى جمعية ثقافية تصدر مجلة ومطبوعات لكان دوره أفضل .
مشكلة لغتنا العربية أبعد من قدرة مجمع اللغة في اسرائيل على التأثير على مجمل واقع اللغة العربية في العالم العربي. رأيي ان  اللغة هي انعكاس للواقع السياسي الاجتماعي. وتطورها مرتبط بواقع التطور بمجمله. غياب التحولات العاصفة في العالم العربي، وصعود قوى سلفية الى رأس السلطة سيعمق اشكاليات اللغة.  اللغات التي تسود عالمنا اليوم هي لغات شعوب منتجة للحضارة عبرت عصور التنوير والثورات الصناعية والعلمية منذ بدايات القرن الخامس عشر الميلادي.. اللغات التي تواجه خطر الاندثار هي لغات شعوب خارج تاريخ الحضارة الحديث. هنا الخطر الكبير وليس التشاطر بايجاد تعابير تلد ميتة أصلا.
ليت اهتمام مجمع اللغة العربية ينصب على وضع رؤية حداثية لتعليم اللغة العربية وتطويرها في مدارسنا. ولا ارى عيبا في استعمال المصطلحات كما تردنا من الحضارات التي اوجدت تلك المصطلحات.

ـــــــــــــــ
ملاحظة: قبل نشر مقالي بتوسع قرأت رد  مجمع اللغة العربية في اسرائيل، حيث يوضحون العديد من القضايا ، هذا ايجابي بحد ذاته، هو حقهم الطبيعي، لكني ، كما سجلت حدة مقال محمود ابو رجب، وجدت رد المجمع أيضا يحمل الحدة نفسها ويضاعفها حين يذهب للتهديد  بالقضاء.
ان التعبير عن الراي هو أمر مقدس يجب احترامه. لا تهمني التفاصيل الشخصية التي طرحها ابو رجب، وليس هي ما يشغلني، ونثق ان اعضاء المجمع وكادره هم من الغيورين على اللغة العربية والثقافة العربية ولا ينتظرون أجرا لذلك. وكان أفضل لو تمحور رد المجمع حول الحقائق بدون التلويح بالقضاء، الذي يجعل الخلاف الفكري والنقد مسالة عداء لن تقدم ولن تؤخر في مكانة المجمع ونشاطه.
ان حرية الرأي يجب ان لا تتحول الى ساحة صراع قضائي، ستلحق الضرر بالجميع، وسيصبح كل خلاف للرأي له ساحته القضائية، هذا لن يكسب المجمع او الثقافة العربية في اسرائيل قيمة نطمح اليها جميعنا.
ان تفنيد موقف بموقف مضاد هو حق طبيعي. آمل ان يكون التهديد بالقضاء زلة قلم غاضب ،  كل انواع التهديد لا تليق بالثقافة والمثقفين، المؤسسة قادرة على الرد وطرح الحقائق كما تراها، والجمهور هو أفضل حكم !!
رجاء ان تعطوا درسا في التعالي عن التوافه التي لن تضيف لأحد أي قيمة ثقافية ، ولو كان ردكم بلا تهديد  قضائي لكان أقوى وأعمق أثرا!!

nabiloudeh@gmail.com

8
أدب / ثلاث كلمات حاسمة
« في: 20:32 17/08/2012  »
ثلاث كلمات حاسمة

ثلاث كلمات حاسمة









(قصة فلسفية)





نبيـل عـودة




- التراجع بلا نهاية يقود الانسان الى لا شيء.


هكذا افتتح استاذ الفلسفة محاضرته.


- هل تعني لكم هذه الجملة شيئا؟


لم يتوقع تعليقاً من طلابه، كعادته في استرساله وعدمانتظاره رد فعلهم. انما هدفه، كما أكد ذلك منذ درسه الأول، إثارة عقولهم الخاملةبعد عطلة نهاية الأسبوع.


- أعرف ان اختياركم للفلسفة كان وراءه دوافع كي يحظى كل واحد منكم بفهم معنى أحداث تدور في محيط حياته ولا يجد لها تفسيرا. فجأة تقع المفاجأة الأولى، يعتلي المنصة محاضر بنظارات سميكة، وملابس متنافرة الألوان، ويبدأ محاضرة حول معنى فلسفة المعنى.


ارتسمت ابتسامات كبيرة على وجوه الطلاب، وتغامزوا بحذر، وهم يتأملون أستاذهم بنظارته السميكة وملابسه متنافرة الألوان، شعره الكثّ المشتاق لحلاق يعطيه شكلاً متناسقاً. اعتادوا مظهره بل عشقوا حضوره وتمتعوا بمحاضراته ذات الأسلوب خفيف الظل،يشرح المسائل الفلسفية بأسلوب سهل، الدرس أحياناً يبدو وكأنه مسرحيد، مليء بنبضالحياة وليس درساً حول قضايا أشغلت وتشغل العقل البشري منذ ظهر عصر الفلسفة قبل2500 عام، محدثاً نقلة حاسمة من نهج الايمانية الوثنية في فهم ظواهر الطبيعة، الىالبحث والتفسير العقلاني لهذه الظواهر.


- لو تحدثنا عن معنى فلسفة المعنى فإننا سنواجه اتجاهات عديدة متناقضة، المرأة ترتب البيت قبل حضور الشغالة، الرجل يرتب السرير بعد مغادرةالشغالة. اذن لكل حالة او شخص معنى مختلف من الشغالة.. ودلالة المعنى تظهر في تصرفاتهم.


ضحك الطلاب، رغم علمهم ان استاذهم يغضب من سماع صوت نشازفي القاعة. أشار لهم بالصمت وواصل:


- اذن معنى فلسفة المعنى يختلف. تماما كما ان المرأة تحبان تسمع كلمة "أحبك" بينما الرجل يحب ام يسمع كلمة "أريدك".هنا يجب ان ننتبه للمدلولات المختلفة من وراء المعاني المختلفة أيضا.


كيف نوفق بينهما؟ هل يتوهم شخص عاقل انه يمكن التوفيق بين المعنيين والمدلولين؟!


ستفشلون عندما تحاولون. ماذا يعني الزوج لزوجة ملت منزوجها بعد سنوات طويلة؟ ماذا ستقول له حتى لا تكون غبية وفظة؟ عليها ان تختار مدلولاً مناسباً لمعنى مللها. ستقول له: آه يا زوجي الحبيب، انت تذكّرني بالقارب البحري الذي ركبناه أثناء شهر العسل قبل ربع قرن. ليس لزرقة عينيك الشبيهة بزرقة البحر، وليست بسبب قمصانك الواسعة الجميلة التي تشبه شراع القارب، وليس بسبب شعرك الغزير الناعم الذي يتطاير في الريح، والسبب يا زوجي الحبيب اني كلما أراك أصاب بالغثيان.


المعاني المتنوعة هنا ومدلولاتها المختلفة توصلنا الىسؤال: هل سيفهم الزوج الحبيب قصد الزوجة؟


اذن معنى فلسفة المعنى لا يتحدد بتعريف مختصر، بل يتفرع فلسفياً الى الاهتمام بمواضيع مختلفة من المعاني والمدلولات.


لنضرب مثلاً حول سفر جابر الى الهند لأجل فهم حكمة الهنود والبحث عن معنى للحياة. مرت أشهر ولم يصل منه أي خبر. سافر شقيقه للبحث عنه وإعادته للبيت. لم يعرف من أين يبدأ. أرسلوه الى كاهن هندوسي يقال انه الأكثر ذكاءفي الهند. لا يخرج من المعبد ولا يستقبل زواره إلا بعد انتظار اسبوعاً على باب هيكله،ولا يسمح لسائله إلا بثلاث كلمات. خلال أسبوع رتّب الشقيق في ذهنه بعد تفكير مضن الكلمات الثلاث الأكثر أهمية للدلالة على هدفه. وانتظر أسبوعاً كاملاً على باب المعبد حتى سمح له بالدخول. وبعد انتظار تلقّى إشارة من الكاهن ان يقول كلماته.ترى ماذا تتوقعون ان تكون كلمات شقيق جابر الثلاث؟


تخيلوا انفسكم في هذا الموقف. وسنعود لمعرفة الكلماتالتي قالها شقيقه للكاهن الهندوسي في آخر الدرس.


لا بد ان يكون للكلمات الثلاث مدلول فلسفي، لشخص ربما لم يلتق بالفلسفة. ولكن تفكيره المنطقي وتحديد الكلام قاده الى صياغة ثلاث كلمات لها معنى ومدلول هام. هذا ما اريد ان أنبّهكم إليه، عندما تثرثرون بدون حساب، وتصبح الثرثرة مقياساً اجتماعياً وسياسياً لمن يثرثر أكثر. الدلالات للمعنى واضحة هنا وليس بالثرثرة تنجز الأهداف. فكروا في الموقف. هل يمكن ايجاد ثلاث كلمات لشرح موضوع فقدان الاتصال مع جابر وقلق أهله ورغبتهم بايجاده واعادته للبيت؟


طلابي المساكين، أعرف ان ذهنكم قد يتعب معي. كما ترونفقد استعملت تعبير المدلول مرفقا لإصطلاح المعنى. هل من علاقة بين المعنىوالمدلول؟ طبعا أنتم تهزّون رؤوسكم بالموافقة. شكرا لكم. المسألة أكثر اتساعاً مماتظنون. لا انتظر موافقتكم بل فهمكم حتى لا ينطبق عليكم المثل الصيني القديم:"في كل جماعة يوجد غبي، الذي لا يراه ولا يميزه، هو الغبي نفسه".


لا بد من سؤال لنتقدم نحو فلسفة المعنى والمدلول. كما يبدو أصبح واضحاً لكم او لبعضكم، لا معنى بلا مدلول للمعنى. اذن المعنى غير مستقل في الفلسفة. لا شيء مستقل عن الأشياء الأخرى. وهنا تكمن قيمة التفكير الفلسفي بالربط بين الأشياء، بين المعاني وبين المدلولات. لا حدود للتفكير الفلسفي. الرئيس الأمريكي الأسبق، ايزنهاور، كان جنرالاً وقائداً للحفاء في الحرب العالمية الثانية في اوروبا. قال أمراً عميق المعنى وعميق الدلالات: "من تجربتي تعلمت ان لا قيمة للخطة العسكرية، ولكن لا بديل للتخطيط العسكري". نحن لسنا عسكريين. ولكن لهذه المقولة معنى اجتماعي واقتصادي وعلمي. حتى للزواج يجب ان يكون تخطيط واضح.الخطة يتقنها الكلاب والقطط أيضا. غريزتهم ترشدهم. التخطيط لا يتقنه إلا الحيوان العاقل الذي لا يعتمد على الغرائز وللأسف مجتمعاتنا بعيدة عن معنى التخطيط ودلالاته. تسودها عقلية الخطة.


الايمان يُنقل للإنسان بالغرائز. هذه عملية نفي قسريللعقل. العلوم تنجز مهامها بالتخطيط. النجاح لا يتحقق بالغريزة، بل بالتخطيطوالتفكير ولا يتحقق بالاتكال بل بالنشاط العملي الواعي. الغريزة هنا لا تساعد.بعضكم سيغضب لكلامي. لأن مدلولات كلامي تتناقض مع عقله الذي لم يتخلص من الغرائزبعد. هذه اصعب مسألة في عالم الانسان ونتيجتها حاسمة في النهاية.


سترسبون في متاهات الفلسفة بدون التخطيط والاحتكام للتفكير العقلاني. غرائزكم التي نشأتم عليها يجب نزعها بدون رحمة من عقولكم وبالتأكيد من عواطفكم أيضا.. او قولوا وداعاً للفلسفة، وداعاً للمنطق، وداعاً للعقل، وداعاً للوعي ووداعاً للمعرفة. ليس سهلاً ما أطلبه. ان تحديد الهدف هو أصعب ما في المعركة. حين يصاغ الهدف بشكل صحيح، يصبح النجاح مضموناً. الفلسفة الصحيحة هي تخطيط دراسي وليس خطة دراسية. الموضوع ليس ذكاءً وحفظاً. هذا ينفع في الحصول على العلامات ولا ينفع في رقي العقل.


لنضرب مثلاً. هل تظنون ان الرجال أكثر ذكاءً من النساء؟


الأجوبة متعددة وتنتشر على مساحة الأفق كله ومدلولاتها تمتد للأعماق. نعم... بإمكاننا تحديد هدف من السؤال. عندها تصبح الإجابة سهلة.مثلاً يمكن الاعتماد على دلالات نشاهدها في الحياة دائماً لأننا أحياناً لا نريدان نعترف بذكاء النساء وتفوقهنّ على الرجال. الطالبات سعيدات؟ لم أقل بعد أي معنى أو دلالة لما أقصد. لنفترض حالة اجتماعية بسيطة. هل شاهدتم امرأة تركض وراء رجل غبي لأنه يملك سيقاناً جميلة؟


لا ضرورة لمزيد من الكلام لنفهم أين الغباء عند الرجال.المدلول واضح ومعناه واضح. ارى ابتسامات وإخفاء ضحكات. لا أقدّم لكم مسرحاً هزلياً. فكروا خيراً من ان تضحكوا.


ما معنى ومدلول ان تفكروا جميعكم بنفس الشيء كما ألاحظ من ابتساماتكم وضحكاتكم المخفية والغبية؟ معناه ومدلوله واحد: لم تفكروا. غريزتكم تحكمت بعقلكم.


اذن ما هو معنى التعلم اذا لم يغير ما نشأتم عليه من فكر مليء بالخوارق والعجائب والتكرار؟


لدينا مدلولات متنوعة لمعنى التعليم. مدلولات لا تطير في الهواء، بل لها قاعدة بلورت شخصية المعلمين. المعلم هو نتاج بيئة اجتماعية، المعلم الأول متوسط القدرات ولا يعرف إلا ان يقول، وعلى الطلاب اتقان السمع والحفظ والتكرار.المعلم الثاني جيد، يشرح، ولكن لا ينجح بالربط بين الشرح والعقل. المعلم الثالث ممتاز، يعرض نماذج لشرحه ويربط مدلولاتها بالمعنى الذي يعلمه. المعلم الرابع معلم كبير يثير التفكير، حيث أن وجهة نظره تقول ان إعاقة التفكير لدى الطالب هو جريمة إنسانية في عالم عقلاني يجب ان يعاقب عليها القانون، وان تنشأ لها محاكم دولية. قتل العقل هو اول مدلولات معنى قتل الجسد البشري. هنا نقتل الزمن الانساني أيضا. اينشتاين في تفسيره لنسبية الزمن قال: "ضع يدك على صفيحة ساخنة ستشعر أن الدقيقة ساعة، اجلس بجانب امرأة جميلة ستشعر أن الساعة دقيقة". تحرير العقل من الغرائز والخوارق وغباء الموروث الذي لا حياة فيه،واندماج الانسان بالوعي والتفكير والتطور هو جلوس متواصل بجانب امرأة جميلة، او شاب جميل حتى لا "تزعل" زميلاتنا.


اذن المعنى والمدلول يخضعان للنسبية ايضا. المدلول هنااكثر اتساعاً من مجرد الظاهرة التي ذكرتها. المدلول هنا ينعكس على كيف سنكون عندما نحمل الشهادات. هل نكون منفتحين على عالم العقل والتفكير؟ ام خاضعين لعالم الغرائز بشهادة لا تنفع إلا لإشعال الحطب في موقد الشتاء؟ انا لا اريد ان أرى مجرد حَمَلة شهادات. لا أريد ان أشعر بتأنيب الضمير كل عمري. ما أريده عقلٌ حرٌ مفكرٌ ومخططٌ ينتمي للعالم الذي لا يحترم المتخاذلين.


هل توصلتم الى الكلمات الثلاث الممكنة التي سيطرحها شقيق جابر امام الكاهن الهندوسي؟


رُفعت عشرُ أصابع ولكن المحاضر سخر من كل الأجوبة لأنها تركزت حول فقدان جابر في الهند. كيف سيفهم الكاهن ان الهدف إيجاده وإعادته؟ لعله فقد بحادث تسبَّب في موته؟ اذن الدلالات لمعنى الفقدان هنا غير واضحة. وقبل ان ينهي شرحه ارتفعت أصبعُ نسرين بإصرار أنها تعرف. قال المحاضر لنسرين: "إن إجابتك حاسمة لمكانة المرأة ورجاحة عقلها، خاصة بين طلاب الفلسفة، فهل تصرين علىهذا التحدي الذي لا يجرؤ عليه الرجال؟".


ردّت بابتسامة وهي تقف وسط القاعة وتقول بثقة:


- الكلمات الثلاث التي قالها شقيق جابر للكاهن الهندوسي لا بد ان تكون "جابر عُد للبيت"!!


- تعنين "جابر عد الى البيت"؟؟ حذفت كلمة الى للحفاظ على ثلاث كلمات . بصراحة تفكير صائب ورائع.. لم أتوقع رجاحة عقلية بهذا المستوى، ما رأي الشباب؟ هل ستغيرون موقفكم من رجاحة عقل المرأة؟


- هل من سؤال قبل ان تنهي الدرس؟


- واصلي نسرين.


- ما هو المدلول للقول ان الحقيقة هي مضمون التنور؟


- سؤال جيد، أتركه للتفكير وفقط أضيف تتمة له، الانسان المتنور هو الانسان الذي يقول الأمر الصحيح وفي الوقت الصحيح!!


قالت نسرين:


- اذن على الانسان المتنور أن يصمت في غالب الأحيان؟!




nabiloudeh@gmail.com

9
أدب / صلاة القلب
« في: 19:24 15/08/2012  »
صلاة القلب

نبيل عودة
[/size][/color]   
 
 
لم يكن ابراهيم يدخل الكنيسة الا في المناسبات التي لا بد منها. لم يثر ذلك انتباه أحد. حضور ابراهيم او غيابه لا يشغل بال المصلين. ابراهيم، كما يتندر بعض سليطي اللسان، هو التجسيم البشري الكامل لقانون الحاضر غائب. حضوره لا يلفت الانتباه وغيابه لا يغير من الحدث شيئا.هو أفقر سكان البلد، ولكن ليست مشكلة الفقر هي السبب، فبعض الفقراء لهم حضورهم ورأيهم. ابراهيم اذا حضر لا ينبس ببنت شفة. لا راي له، لا مجموعة يقف معها،لا يتبادل الحديث مع أحد،لا شيء يتحدث به اذا شاء الحديث الا سوق الحديد الخردة الراكد، ومن يهتم بهذا الفرع؟ وربما لم يسمع به أكثرية ابناء البلد. حتى الخوري لم يحاسبه على غيابه، بل يظن البعض ان حضوره صلاة الأحد لا يلقى ترحيبا من الخوري أيضا، لأن حضوره نافر للأجواء الكنسية ويشبه نبتة بلان شائكة في بستان زهور.. رغم ان احدا لا يقول ذلك من منطلق ان تعاليم المسيح التي لا بد لكل من يدعي الايمان، ان يلتزم بها لا تميز بين الناس، وتطويباته المشهورة بدأت ب: "طوبى لفقراء الروح فان لهم ملكوت السماوات".
كان ابراهيم تاجر خردة، يتاجر بكل ما هو قديم وبال، يجمع ما يجد بالشوارع من قطع حديد او صاج بال، ليبيعه لتاجر من المدينة يحضر مرة كل شهر، وبالكاد يربح ما يسد رمق اولاده الثمانية، وزوجته حسب أقوال نساء الحارة : "امرأة في حبل مزمن". رغم ضيق ذات اليد، الا ان الله باركه بزوجة لا تلد الا الصبيان، وربما هو الأمر الوحيد الذي يحسده علية أهل البلد. ولكثرة الأولاد مستعدة زوجة ابراهيم دوما للقيام بأي عمل يطلب من بيوت البلدة الموسرة، تنظيف، تعشيب الأرض، شراء احتياجات النساء من السوق، مقابل بضعة قروش وبعض الأرغفة والملابس القديمة. وعدا الثمانية، أطال الله عمرهم ووهبهم الصحة والطعام، فقد ثكل ابراهيم وزوجته اربعة أطفال، ويقال ان سبب موتهم قلة التغذية، الأمر الذي حرك عواطف الجيران، ومن يومها لم يتوقف الجيران عن ارسال ما تيسر من طعام زائد، او بعض الخضار والفواكه التي بدأت بالذبول الى زوجة ابراهيم لتقيت اولادها.
لا يعرف أحد سببا لعدم مشاركة ابراهيم وزوجته صلاة أيام الأحد. وكان هناك شبه اتفاق بالصمت، بأن لا يحثوا ابراهيم على ضرورة الاهتمام بالمشاركة بصلاة الأحد من أجل اكتمال دينه. حتى الخوري الذي لا يمل من القول ان الله يحب كل ابنائه بالتساوي، لا فرق بين غني وفقير قوي وضعيف، لم يحاول حث ابراهيم على التواجد في الكنيسة أيام الآحاد.
كان أكثر ما يخيف الخوري ان يؤدي تواجد ابراهيم بينهم بثيابه الرثة، ورائحة عرقه المثيرة للإمتعاض والضيق، الى مشكلة، يتوقعها بتفكيره، من انفضاض المصلين من الجلوس بقربه، وربما عدم عودتهم لصلاة الأحد، الأمر الذي سيترك أثره الكبير على صينية التبرعات النقدية يوم الأحد، وكان الخوري يجد الجواب لنفسه بقوله:" لعل في ذلك حكمة ربانية". ان مصروفات الكنيسة تتزايد مع ارتفاع الأسعار، وحتى سعر الكهرباء صار يحتاج الى "لمة" يحث عليها الخوري في موعظته كلما تلقى وصلا جديدا.
ومع ذلك، والتزاما بتعاليم المسيح، كان الخوري لا يستثني ابراهيم وعائلته من زياراته لبيوت أبناء الطائفة، لمباركة البيت وأهله والدعاء لهم بالصحة والفلاح. وحمايتهم من كل مكروه، وان يبارك الله بيتهم بالذرية الطيبة، وبالوفرة والوفاق. لم تكن زيارة الخوري تسبب الفرح للسيد ابراهيم، ولكنه يخفي ضيقه، ويستقبل الخوري بكل ترحاب، بل ويجمع أولاده ليباركهم الخوري، ثم يبحث في جيبه عن بضعة قروش ليضعها بيد الخوري، الذي يمتنع من أخذها في البداية من منطلقات معرفته لواقع هذا البيت. ولكن ابراهيم يصر ان لا يخرج الخوري مفشلا، وان المسالة ليست بقيمة ما يقدم لأبونا الخوري والكنيسة، انما هي تعبير رمزي عن التقدير الكبير لجهود الخوري في ايصال الرسالة للمخلص يسوع المسيح ان يشمل ابراهيم وأولاده بعطفه ومحبته وخيراته.
صحيح ان الخوري كان يزور بعض البيوت أكثر من غيرها، ويقيم صلوات أطول مما يقيمها في بيوت أخرى.والأقاويل تتردد ان السبب هو التبرعات السخية التي ترد لصندوق الكنيسة من أصحابها.
وهكذا مضت الأيام.. والأشهر والسنوات.. وكأن الرتابة هي قانون لهذه الحياة. وما عدا موسم الزواج الذي يحل كل عام مع حلول الربيع، وبعض الوفيات، لا شيء يشغل الخوري إلا الحفاظ على رابط مع جميع رعيته في البلدة.
ولكن الرتابة كسرت.
في ظهر أحد الأيام استيقظ الخوري من قيلولة الظهر على صوت بكاء وصراخ غير بعيد عن كنيسته.
سارع الى الخارج ليعرف ما حدث، فوجد ابراهيم ملقى على الأرض، والدم ينزف من أنفه، ويبكي ويصرخ بحرقة بشكل هستيري يصعب فهم ما جرى له. وحوله تجمع العديد من عابري السبيل وأصحاب المحلات المجاورة، يحاولون ايقافه على قدميه، ومسح الدم عن وجهه، وهو يجلس مذهولا يبكي بحرقة وألم.
-         ما الحكاية؟ سال الخوري.
-         بعض الزعران اعتدوا عليه وسرقوا نقوده وهربوا.
قال الخوري بشيء من الغضب مجيلا نظره بمن حوله :
-         ولم يساعده أحد ؟
لم تكن ضرورة للجواب. الصمت كان جوابا مجلجلا. مد يده لابراهيم :
-         تعال يا ابني.
استجاب ابراهيم ليد الخوري وقام ذليلا باكيا، وقاده الخوري الى غرفته الملاصقة للكنيسة.
أسعفه ببعض الماء ومسح الدماء عن انفه ووجهه، وغاب للحظات في غرفة ثانية، وعاد ليدس بيد ابراهيم بضع ليرات. ملمس النقود أجفله فتراجع رافضا المال.ولكن الخوري أصر مذكرا اياه ان وظيفة الكنيسة رعاية الفقراء، والفقر ليس عارا. وان هذه النقود من أجل اولاده، وليسامح الله اولئك الزعران لأنهم لا يدرون ما يفعلون.
بعد تلك الحادثة دخل ابراهيم في صباح أحد الأيام، القى التحية بهز رأسه على الخوري والمصلين، وركع لدقائق طويلة امام أيقونة للسيد المسيح معلقا على الصليب، كان يبكي بمرارة مخفيا صوت بكائه، وخرج بعد ان قام بالتصليب ثلاث مرات، وخرج كما دخل لوحده، ومن بعدها اختفى ابراهيم من الحارة ومن البلد.
حتى نساء الحارة لم يلاحظن اختفاء ابراهيم وزوجته واولادهما الثمانية.
تناقل المصلين اقاويل كثيرة عن اختفاء ابراهيم. وانه قام بالصلاة لمرة واحدة في الكنيسة قبل اختفائه، وتمنى الجميع ان لا تكون مصيبة قد نزلت به هي السبب وراء اختفائه. ومضت الأيام وبدأت تتوارد معلومات عن ابراهيم، من الصعب ربطها بابراهيم ابن بلدهم، البعض يقول انه شاهده في المدينة القريبة يجلس بجانب سائق شاحنة كبيرة محملة بالحديد الخردة. وانه كان يرتدي ملابس جديدة، ويبدو أصغر من عمره بعقد كامل. شك البعض بأن الحديث لا اساس له وان ما تناقله البعض عن رؤية ابراهيم من المؤكد انه شخص آخر.
ويبدو ان قصة ابراهيم قد طويت. لم يعد يذكره أحد. عادت حياة البلدة الى مسارها الطبيعي، وكأن ابراهيم لم يكن له وجود بينهم في يوم من الأيام.
ذلك النهار الربيعي كان عاديا. الخوري يجلس على شرفة منزله يقرأ كتابا، وامامه صحن فواكه. وهو يتمطى تحت شمس الربيع الدافئة. حين سمع قرعا خفيفا على باب منزله. لم يتأكد من ان احدا يقرع باب بيته، أنصت ولم يسمع القرع من جديد. وعاد ليقرأ في الكتاب، ولكنه لم يكد يقرأ كلمتين حتى عاد يسمع القرع من جديد، وهذه المرة أقوى. فقام متمهلا ليرى من الطارق.
فتح باب منزله، على شخص ببدلة من الجوخ الإنكليزي الفاخر، تفوح منه رائحة عطر ذكية، نظر اليه من رأسه الى قدميه، ولاحظ حذائه الأسود اللامع، بالتأكيد من نوع فاخر كملابسه. كان الطارق يقف هادئا، ومبتسما ابتسامة خجولة. لوهلة خيل للخوري ان الوجه مألوف له. بل مألوف جدا. لا ليس من المترددين للصلاة يوم الأحد. هل هو قادم جديد للبلدة؟ الوجه قريب جدا من الوجوه المألوفة للخوري. ولكنه متأكد ان فيه تغيير ما.. وفجأة لمعت الصور جيدا بذاكرته، سأل مترددا:
-         ابراهيم..؟
-         أجل يا أبونا انا ابراهيم نفسه
-         تفضل يا ابني، أدخل. أهلا بك في بلدك وبيتك.
مليون فكرة التمعت بثوان في ذهن الخوري. ما تناقله بعض أهل البلد عن ابراهيم الذي شاهدوه في المدينة القريبة يبدو انه صحيح. ربما هذا ابراهيم آخر؟
-         قل لي يا ابني، انت ابراهيم نفسه ابن بلدنا، الذي غادرنا قبل سنة؟
-         انا ابراهيم الذي مددت يدك له بالمساعدة حين وقف الجميع متفرجين على زعران يعتدون علي ويسرقون ثمن خبز الأولاد. جئت ارد اليك الدين الذي في رقبتي.
-         انها قروش قليلة يا ابني.. والمصلين لا يبخلون على صندوق الكنيسة.
-         انه دين كبير يا ابونا، تفضل..
ومد يده بورقة شيك للخوري.
-         يا ابني ما ساعدتك به ليس دينا، انه واجبي...
وصمت الخوري وهو يتأمل المبلغ الذي كتب على الشك.. اجال نظره بين ورقة الشك وابراهيم، عاجزا عن ايجاد كلمات يعبر فيها عن الموقف الذي وضعه فيه ابراهيم بورقة الشيك. وبعد صمت قصير وجد جملة مناسبة:
-         انه مبلغ كبير.. كبير جدا.. عشرة الاف ليرة مرة واحدة؟
-         انه ديني للكنيسة.. ولأهل البلد الذين لولا ما تكرموا علينا به لمات اولادي من الجوع.
-         ومن أين كسبت هذه الأموال؟
-         منذ ركعت في الكنيسة لوداع البلد، فتحها الله بوجهي، أصبح الحديد الخردة تجارة مربحة، اليوم لدي عدة شاحنات وعدد من العمال، اشتريت بيتا، والمسيح فتحها في وجهي بعد ان رجوته في صلاتي الوحيدة ان يتطلف بي وبالأولاد.
-         وانا كاهن واصلي يوميا باخلاص عدة مرات.. ولكني لم احلم ان اكتب يوما شيكا بقيمة عشرة الاف ليره..؟ بالكاد نسدد اثمان الكهرباء والماء والتنظيف.
-         واوصيت للكنيسة على مكيفات هوائية سيحضر الفنيون لتركيبها غدا.
-         كيف من صلاة واحدة، ورجاء واحد وصلت الى ما وصلت اليه، وانا الخوري المؤمن والذي يصلي كل نهاره وليله ويطلب ان يفتحها الله بوجه كنيسته لا نحصل على ما يساعدنا في تغيير مقاعد الكنيسة مثلا ؟
-         الصلاة ليست بالكم، ولا بالصراخ والصوت المرتفع، ولا بالشكل الذي نظهر به في الشارع وليس بملابس غريبة عجيبة. الصلاة يا أبونا الخوري من القلب، والقلب لا يغير شكله ولا قوة دقاته واذا كان الله كما تصفونه فهو قادر على سماعنا وقراءة تفكيرنا.. وساغير مقاعد الكنيسة على حسابي.
-         ولكني اصلي بصمت ومن القلب، وعدة مرات كل يوم؟
-         يبدو انك ملحاح يا ابونا الخوري، هل تظن ان الله لك وحدك؟!

nabiloudeh@gmail.com



10
أدب / وداعا سيدي الرئيس..!!
« في: 09:38 11/08/2012  »


وداعا سيدي الرئيس..!!

(ساتيرا)


نبيل عودة

كلمة "أمباتيا" ماذا تعني ؟ هل هي نفسها كلمة "أباتيا" ؟
الفلسفة عرفت كلمة "أباتيا"، بأنها تعني فتور الشعور وتقود إلى نوع من الزهد في الحياة. فهل "أباتيا" هي الحالة التي أصابت الشعوب العربية مع رؤساء دولها، حاملي القاب "اعداء الأستعمار والصهيونية"،  حتى تواصل طغيانهم وفسادهم عشرات السنين؟
 حتى ابن خلدون قال "إن اختلاف نحل الناس في المعاش يقود إلى اختلاف أخلاقهم". فهل كان للفقر واٌلإملاق صفة غالبة، فرضت أخلاق الخضوع والاستسلام للفساد والقمع والتخلف الاجتماعي والاقتصادي التي ميزت المجتمعات العربية في عهد مومياءات غير مخلده  بن علي والقذافي ومبارك وبشار والحبل على الجرار؟ ربما هي سياسة مدروسة مصدرها ذكاء الرؤساء العرب وفهمهم العبقري لابن خلدون وفلسفته الاجتماعية؟!
 كيف سنعرف درجة ذكائهم وهم يتساقطون مثل الذباب؟
كلمة "أمباتيا" ظلت عالما مبهما أمامي لفترة طويلة قبل أن افهمها.
كثيرا ما سألت نفسي: أين تقع ال "أمباتيا" في عالم البشر، كيف تظهر ؟ كيف تتفاعل؟ وكيف يمكن فهم تفاعلها، أو عدم تفاعلها؟ هل تقع  في حقل المعرفة ؟ في حقل المشاعر؟  ربما في حقل علم الأخلاق، إن أبقى منه الحكام العرب شيئا لشعوبهم ؟ أو في حقل الطمأنينة النفسية بأوهام الحوريات المنتظرات ؟
 حتى في حقل ردود الفعل كانت العرب شواذ عن "قانون نيوتن الثالث" الذي يقول: "لكل قوة فعل قوة رد فعل مساوي لها في المقدار ومعاكس لها في الاتجاه".
 هل الخطأ في نظرية نيوتن ام في الفيزياء العربية ؟
 أنها إشارة واضحة لخروج العرب من الفيزياء أيضا بعد أن أخرجتهم الانقلابات العسكرية "الوطنية الثورية الاشتراكية" من التاريخ؟
هل كان لمضمون  "أمباتيا" دورا في تفجير الانتفاضة العربية مثلا؟
هل لها تأثير على العلاقة بين القامع والمقموع؟
هل هناك "أمباتيا" في الحياة العملية للإنسان، ضمن مجتمعه ، أو ضمن بيته، أو ضمن تشكيلة وعيه السياسي؟
هل لها علاقة بالسلوك البشري؟ أو "مبدأ وحدة النفسية والنشاط"، كما يفسر السلوك فيلسوف "السلوكية" الأمريكي دكتور دافيد واطسون بناء على فكره المادي الميكانيكي، بقوله "ان الأشكال المعقدة للنشاط النفسي، هي نتيجة ردود فعل بسيطة "؟  فهل يصنف "النشاط النفسي المعقد"  الذي أطلق الربيع العربي تحت مفهوم "ردود فعل بسيطة"؟
 ربما أصيب العرب  بحالة "أتاراكسيا "، التي تعني طمأنينة النفس وعدم التأفف أو التذمر، بعد عقود من غياب الأمل بفجر جديد، حتى السماء تجاهلتهم رغم ضجيجهم وصراخهم طلبا لرحمة السماء واضطرارهم لتمجيد نفس مومياء الرئاسة خلال عدة أجيال إمتنعوا خلالها عن ردود الفعل بكل اشكالها حتى الصامتة مهما تراكمت؟!
 حتى لو اضطرتك دولتك الإشتراكية الوحدوية الثورية ،المعادية مع الترصد وسبق الإصرار للاستعمار والصهيونية والرجعية، البحث عن طعامك بأكوام القمامة؟ وبيع شرفك وشرف عائلتك لشيوخ نفطيين، من أجل القضية الكبرى: تحرير الوطن المحتل ، يجب ان تفهم انها الوطنية والتضحية وحذار ان  تتهاون بالشك بوطنيتهم او أن  تشكك بنواياهم او بعدائهم للإستعمار والصهيونية، حتى لا تسحل بالشوارع ، أو تصبح عميلا متآمرا تستحق المعالجة في دوائر الشبيحة.
 اعتبروا انفسكم برلمانيين عرب يستقبلون رئيسهم الضاحك المحبوب، صفقوا وزيدوا الهتاف صخبا، الستم ظاهرة صوتية مميزة بين الشعوب ؟!
هل تُحرر الأوطان الا بتجويع الشعب وإملاقه وحبس مفكريه ومناضليه بالزنازين ودفعه لبيع شرفه؟ ربما ما نشهده هو  تطوير لنظرية سياسية بعثية قومية جديدة ؟!
يمكن القول أن الثورات العربية هي نتيجة ردود فعل بسيطة تثبت نظريات فلسفية عديدة، مثلا تحول الكم الى كيف، تراكم البطش ولد نوعية جديدة من الرد بشكل انتفاضة تحول إلى نوعية أخرى لها كيفية جديدة من الرد ، وقانون نفي النفي لم يقف متفرجا، المومياءات الرئاسية نفت الشعب، بعد تحول الكم القمعي الى كيفية جديدة في الرد، جاء نفي النفي ،  المومياءات التي نفت الشعب قرر الشعب ان ينفيها, وهي قوانين فعالة في حياة البشر وفي الطبيعة، لم يتوقعها الأغبياء المرتاحون على  كراسي رئاسة الدول العربية ، محاطون بجلاوزتهم  وشبيحتهم وبثيناتهم ؟
الخوف ان لا نستبدل الاستبداد السياسي باستبداد ديني أسوأ من سابقه، من منطلق دمجه السياسة والدين... فنعود الى نقطة بداية اسوأ نعيش حلما جديدا  برحمة لن تأتي من السماء!!

حقا، جاءت ردود الفعل متأخرة، ولكن أن يكون الأمر متأخرا، أفضل من ألا يحدث إطلاقا!!
 إذن كيف نفهم معنى "امباتيا" ودورها في الأحداث العربية ؟
بعد البحث المضني وجدت تفسيرا ربما ليس كافيا، وهو ان كلمة "أمباتيا" تعني الشعور بما يعتمل بأعماق الآخرين ، وقدرة التسرب لمشاعرهم ، اختراق تجاربهم ومعارفهم وأفكارهم وأحاسيسهم لدرجة الإحساس بما يطابق أحاسيسهم. بمعنى آخر أن تكون قادرا على وضع نفسك في حذاء الآخر.. أو حتى في كلسونه ، هنا سقط الرؤساء العرب!!
لكن كيف تنطبق على حالة الإنفصام المرضي  بين المواطنين ورؤساء دولهم؟
في دراستي للفلسفة لم أجد الكلمات التي أشرح بها بدقة هذا مصطلح "أمباتيا".
وقعت في إشكالية التشابه بين "أباتيا" و"أتاراكسيا" و"أمباتيا". التقارب بينهما مذهل ومكمل لبعضه البعض. حالة عربية لا شبيه لها في عالم البشر.  هل مصدرهما واحد؟ هل فتور الشعور والزهد بالحياة ، لها رابط ما بالقدرة على التسرب لمشاعر الآخرين وفهم أحاسيسهم ؟ ظلت حيرتي قائمة، حتى سمعت حكاية من امرأة، بعد الانفجار العربي الغاضب،الذي يبدو انه امتد للمناطق المغلقة للمواطنين.
قالت أنها وصلت لوضع ميئوس لم تعد الحياة تعنيها، الفتور والزهد بطيبات الحياة لم يعد يفارقها، زوجها لم يعد يعني لها شيئا، معاشرته وخدمته هي آخر ما يهمها. الموت لم يعد يرهبها، تتمناه وتنتظره، لعله المنقذ من حياة الذل وغياب ما يستحق التمسك به. لا فجر جديد يبشر بتغير الحال، الثرثرة عن تحرير الوطن قتلتنا، يردحون ضد الاستعمار، الذي لا نراه إلا في خطاباتهم، وهم أسوأ منه. في الفترة الاستعمارية كان واقعنا أفضل، تحدثنا على الأقل وتنظمنا احزابا وهيئات شعبية بحرية ، ثرنا وعوملنا كثوار.  بدل أن نتقدم بعد أن صرنا نظاما وطنيا ثوريا اشتراكيا وحدويا نتراجع ، نواصل السقوط في هوة لم نصل قعرها بعد.. بدل أن نحرر ارض الوطن التي أشبعونا غناء ومراجل ضد محتليه، نزداد ثرثرة وفقدانا لرغبتنا في الحياة.
 كيف سنحرره ونحن أفضل ضمانة أمنية  لمحتليه؟
 هل نحرره لشيوخ نفط نبيعهم شرفنا من أجل سد رمقنا؟  لنظام يسرق ثروتنا ويبيعنا أناشيد وخطابات وابتسامات تلفزيونية؟ ماذا تركوا لنا لنتمسك به؟  
 واصلت حديثها الحزين،  قالت:  
- حتى حياتي الخاصة أضحت لوحة مصغرة من حياتي العامة. لم يعد ما يعنيني، فأنا متزوجة منذ أربعة عقود.. بعمر مواز لسيطرة رؤساء الفساد، أي منذ إطلالة نظمنا الثورية، لم أعد أشعر برغبة في الاقتراب من زوجي.. رغم إلحاحه الدائم... اتهمني أني باردة جنسيا، وعربد وهدد بالضرب.. ربما أراد أن يصير زوجا وشبيحا أسوة بسائر الرؤساء، يظن نفسه قائدا لمجلس الثورة في البيت، ومن كثرة عصبيته وإلحاحه ذهبت للعلاج لدى طبيبة مختصة.
سألتني :
 - ما مشكلتك بالضبط ؟
- ربما برودة جنسية.. او ملل من حياة الخضوع، لا أشعر بجاذبية نحو زوجي ولا برغبة في معاشرته، أو الاستجابة لطلباته حتى البسيطة.. أراه عالة علي وعلى بيتي لدرجة لم يعد يهمني أمره، ولا اشتاق لمعاشرته أو خدمته، ولم أعد أحتمل وجوده ولا سماع ثرثرته.
- احضريه معك في المرة القادمة، وسأجري الفحوص المناسبة لأرى ما يمكن ان أفعله.
وواصلت السيدة الحديث :
- بعد أسبوع عدت مع زوجي إلى عيادة الطبيبة. قالت له الطبيبة انه من أجل علاج برودة زوجته الجنسية، وصدها له وابتعادها المتواصل عنه.. وعدم تلبية أوامره وطلباته، عليها أن تفحصه أولا، لتفهم اسباب تمرد زوجته، هل بسبب سطوته في البيت ام بسبب جحودها وخيانتها للأمانة ؟
 وأضافت:  
- رجاء اخلع ملابسك.. لا حاجة للارتباك.. أنا طبيبة ورأيت آلاف مما تظنه مميز رجولتك .. تأكد ، رغم انك رئيس بيت، أو حتى لو صرت رئيسا لجمهورية عربية، فلا فرق، لن تزداد رجولة أو سحرا. هل تعرف، عندما كنت صغيرة استغربت أني لا أملك ما يملكه أخي ويفخر به. شكوت لوالدتي، فماذا قالت لي والدتي ؟ قالت أني بما املكه استطيع عندما أكبر أن املك وأسيطر على  آلاف مثل الذي عند أخي .. لذا لا ترتبك، وليكن واضحا لك ولمعشر الرجال، وبينهم الرؤساء العرب إذا ظل من يوهمهم برجولتهم، أنكم لستم الأفضل بهذا الشيء الذي تفخرون به...الرب منحكم هدية التبول وقوفا، ولكنه منحنا القدرة على الوصول للمتعة الجنسية مرات متكررة ... فما هو الأفضل حسب رأيك؟ لنفترض أن أذنك تحكك بشدة ، ما العمل؟ ستدخل أصبعك وتحكها. بعد ذلك تخرج أصبعك. قل لي من يشعر بالمتعة أكثر ؟ أصبعك أم أذنك؟  
وواصلت الزوجة حكايتها:
- خلع زوجي ملابسه.. بان عاريا كما ولدته أمه.. رغم اشمئزازي من منظره، خجلت عنه .. ولكننا في عيادة للعلاج.
قالت الطبيبة:
- الآن در حول نفسك دورة كاملة.. مرة أخرى.. سر خطوة للأمام .. ارجع خطوتين إلى الخلف.. تقدم كأنك رئيس عربي يستعد لإلقاء خطابه الملكي. حسنا.  الآن استلق على السرير من فضلك .. لا تستر عورتك .. لا تخجل .. لا فرق بينها وبين عورة رؤساء الجمهوريات  البارزة عوراتهم في وجوههم..استلق .. حسنا  .. يداك على الجنبين .. الآن أرى.. قم  وارتد ملابسك وانتظر زوجتك في الخارج.
 قامت تسجل ملاحظات في دفترها.
خرج زوجي وبقيت لوحدي مع الطبيبة. قالت:
- يا سيدتي آنت لا تعانين من برودة جنسية أو من حالة نفسية تجعلك ترفضين النوم معه أو استمرار سيطرته على البيت .. أنا أيضا لم أشعر بجاذبية نحو زوجك، كيف صبرت كل هذه السنين؟؟!!
 
nabiloudeh@gmail.com



11
مشروع الوطن القومي لليهود لم ينته بعد

نبيل عودة


هل من مستقبل للقوة ولا شيء غير القوة؟

كشف وزير الدفاع ايهود براك عن عقليته الاحتلالية محققا سبقا حتى على رئيس أكثر حكومة استيطانية بيبي نتنياهو، مُحدِثاً مفاجأة لكل من كان يتوهّم، انه أكثر وزراء حكومة اليمين المتطرف اعتدالاً وعقلانية بكل ما يتعلق بالموضوع الفلسطيني.
رغم انشغال الثنائي براك نتنياهو بالتخطيط لعملية عسكرية ضد ايران، أضافوا لها دعما بشخصية سياسية مدانة بالعار، هو الوزير السابق تساحي هنغبي، الذي عاد الى الليكود بعد هجرة لم تطل في كاديما. الا ان هناك اولويات، لم يسبق ان كشفت بمثل هذه الصلافة والفظاظة السياسية، واعني هوس السيطرة على الأرض الفلسطينية، حتى بمخالفة كاملة وواضحة للقانون الدولي، بشكل يعيد لذاكرتنا تفاصيل نكبة 1948.
طبعا إسرائيل تعتمد على عاملين حاسمين. اولا قوتها العسكرية التقليدية، وقوتها النووية غير المعلن عنها، التي أصر عالم الماني، وهذا ليس بالشيء الجديد، انها تملك على الأقل 300 سلاح نووي، وثانيا على الدعم الأميركي غير المشروط، وظاهرة "المنافسة الصبيانية" بين المرشحين للرئاسة الأميركية حول من يحتضن المؤسسة السلطوية في إسرائيل (وليس المواطنين الذين ينشدون الأمن والسلام) ويستجيب لمطالبها أكثر من الآخر، وأعني احتضان سياسة إسرائيل القائمة على التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني والاحتلال لكل التراب الوطني الفلسطيني وحصاره عسكريا، واستمرار احتلال اراض عربية، والتهديد العسكري لكل دولة شرق أوسطية تفكر ببناء قوة عسكرية توازي القوة الاستراتيجية الإسرائيلية.
قبل الحديث عن هوس ايهود براك الاحتلالي الجديد، ارى نفسي مضطرا للتساؤل. هل هناك نظام عربي؟ هل توجد دول عربية؟ هل توجد أحزاب عربية؟ هل توجد جماهير عربية؟
هل اختلف العالم العربي بمضمونه عن عام 1948؟
توجد بلاد تسمى عربية، وجماهير مقموعة باستبداد يذكرنا بالقرون الوسطى، حكام يحافظون على فقر شعوبهم وعوزها ولا يقلقهم ان مجتمعاتهم في حضيض المجتمعات البشرية، يمنعون بغبائهم تطورها في العلوم، اقتصادها لمصلحة قطط سمان ومجموعة من الحرامية، لا شيء من التنور والرفاهية يلامس أحلام المواطنين في المجتمعات العربية. المهم ان امن نظامهم بخير. لم يتوقعوا انتفاضة شعبية. المخابرات تُخرِس حتى التأوّهات المؤلمة من الواقع المريض. الجيش مضمون ولاؤه، ضباطه يكافؤون بلا حساب، قبيلة الرئيس وطائفته ضمانة يعتمد عليها. ربما الربيع العربي الذي فجّرته تونس هو خطأ جيني غير متوقع. مصر ليست تونس وليبيا ليست تونس وسوريا ليست تونس. الجينات هناك غيرها في تونس. في النهاية تبين انه مرض عربي جيني سريع الانتشار. الحلم لم ينجز. الربيع العربي سقط في الغيبيات المدمرة لكل فكر نهضوي، استبدل استبداداً سياسياً باستبداد ديني. طفرة النفط لعبت سابقاً وتلعب اليوم أيضاً دوراً معطلاً للتقدم العقلي والحضاري، بدل ان تكون رافعة للتقدم العمراني والنهضة الشاملة. الأنطمة الساقطة والتي لم تسقط بعد، حطّمت كل بارقة أمل لتطوير حركات اجتماعية وسياسية ومدنية نشطة ومؤثرة تعطي للمجتمع المدني العربي مساحة من حرية التفكير واللحاق بركب التطور الفكري. حقبة النفط السعودية على المستوى العربي العام فرضت فكرها الماضوي وأبرزت محدودية حقوق الإنسان العربي وأقصد بالإنسان المرأة ايضا. حتى اليسار العربي وصل الى مرحلة الشيخوخة المبكرة ويقف عاجزاً مفكَّكاً أمام ما يُرتكب من جرائم بحق الشعوب العربية عامة وبحق الشعب السوري على الأخص من نظام طائفي عائلي بني على الإجرام من ساعاته الأولى. الحركة القومية العربية تلاشت بموت جمال عبد الناصر، لأنها لم تتجاوز الحالة العفوية الحماسية الارتجالية الى صياغة نهج فكري واجتماعي ومدني وسياسي يشكل طريقاً لبناء نظام على أسس جديدة لا تجترّ الماضي، وأعني الانتقال من الحماسة الناصرية، الى فعل يشبه بشكل ما وليس تقليداً او نسْخاً، ما أحدثه كمال أتاتورك في الامبراطورية العثمانية المريضة، واضعاً الشعب التركي على طريق الانفتاح الفكري والتطور العمراني ومقارنة بسيطة مع مصر التي تتساوى بعدد سكانها مع تركيا، نجد ان الانتاج القومي الاجمالي التركي يساوي خمسة أضعاف على الأقل الانتاج القومي المصري. الفرق بسيط، تركيا انتقلت نهائياً لنظام برلماني ديمقراطي على الطريقة الغربية. وانا لا أعتبر تركيا نموذجاً يحتذى، ولكنها تشكل اشارة للطريق. ومصر حسب كل المعطيات تملك قدرات نهضوية هائلة في جميع المجالات، من يعطلها؟!
 عربيا بقينا مع أمراض الطفولة القومية، وانغلاق فكري، وانتشار ظاهرة فتاوى مقلقة  شوّهت كل الفكر الديني.
حان الوقت للتعامل مع الولايات المتحدة بعقلية المصالح

سؤالي قبل العودة الى هَوَس بَراك الاحتلالي الجديد، ألا توجد مصالح أميركية واسعة وهامة ومؤثرة لدرجة قاتلة على الاقتصاد الأميركي في العالم العربي؟ واضح ان النفط هو جانب هام، ولكن لنترك النفط ونتساءل عن وجود مصالح اميركية أخرى تتفوق على كل ما يشكله النفوذ الإسرائيلي في الادارة الأميركية، او يعادله على الأقل؟ مصالح تجعل الأدارات الأميركية ومرشحي الرئاسة يربطون ألسنتهم، ويفكرون مرتين على الأقل قبل التصريحات المهووسة بحب إسرائيل ودعمها والتغطية على مخالفاتها لكل القانون الدولي، ومدها بتغطية تشكل خرقاً للسلام العالمي والسلام في المنطقة، وتوفر لها الدفاع عن تميزها وتفوقها العسكري واستبدادها الاحتلالي وكونها الدولة الوحيدة التي تملك السلاح النووي وتفرض منعاً على الآخرين. حتى همسة احتجاج عربية لا ترتفع، شيوخ الفتاوى، بغياب دور للحركات الحزبية والمدنية الجماهيرية، لا يجرؤون ان يخالفوا أوامر السلطان واجباتهم تقييد التفكير شلّ العقل وفرض النقل.
رأيي بكل وضوح وفظاظة وألم ان العالم العربي كما تتّضح تطوراته اليوم، هو في بداية حقبة جليدية (او صحراوية) ستخرجه من التاريخ الإنساني لفترة غير محدودة بزمن يمكن تعريفه. من هنا أرى ان هجرة العقول العربية، وهي حالة كارثية باتّساعها اليوم، وبمدى ما تسببه من خسائر مادية فلكية من ناحية قيمتها المالية والعلمية، هذه الظاهرة ستتعمّق وتتضاعف وتكثّف انهيار المجتمعات العربية في عالم لا ينتظر القاصرين ولا يرحمهم. ان ما يشغل الفكر العربي اليوم، لا يتجاوز بديهيات محفوظة ومنقولة وقد ملَّها كل من يملك بعضاً من وعْي.
إذن، هل نتفاجأ من هوس براك الاحتلالي؟ هل من تحدٍّ يجعلهم يفكروا مرتين؟
هل من شيء غير مريض في العالم العربي؟
هل كان من الممكن ان لا يقع الربيع العربي فريسة لقوى لم تساهم في الانتفاضة ولم تحركها أصلا؟
عندما أقرأ ان إسرائيل أمام خيارين، إما دولتين لشعبين، إسرائيل وفلسطين او دولة واحدة للشعبين، أصاب بالحكّة في قشرة الرأس.
السؤال المحرج ليس هنا.
إسرائيل تنفذ مشروعها الصهيوني. تسيطر على 60% من اراضي الضفة الغربية المصنفة مناطق "ج" ولا أرى انها ستعود للسلطة الفلسطينية، الحلّ الإسرائيلي واضح، دفع المواطنين الى خارج مناطق "ج" الوقت ليس مشكلة. الاحتلال يتواصل منذ نصف قرن، نصف قرن آخر لا يؤثر في ظل الواقع العربي المريض والمتدحرج الى الخلف. الفلسطينيون داخل الحصار. قريبا سنجد ان الاحتلال يبتدع ما يجعل كل شاب فلسطيني متعلم يختار الهجرة. هذا قائم اليوم ايضا بقوانين تمنع مئات الآلاف من العودة لوطنهم. المياه تحت سيطرة مطلقة للاحتلال. الزراعة الفلسطينية تفتقد للري. يحصل المواطن الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة على معدل أقل من 60 لتراً من المياه للاستخدام المنزلي في اليوم الواحد مقابل 280 لتراً للمستوطن. بشكل عام يحصل المواطن الفلسطيني على أقل بكثير من 100 لتر من المياه في اليوم وهو الحد الأدنى من كمية المياه التي يتوجب توافرها للفرد بحسب توصية منظمة الصحة العالمية. وهناك من لا يصل الى 20 لتراً من المياه يومياً.
الأرض في مناطق "ب" و "أ" تُصحَّر وتُعزل وأصحابها يعانون من الوصول اليها. في النهاية سيبعون أراضيهم، ليس غداً، إسرائيل قادرة على انتظار الجيل القادم، السماسرة ينشطون، والتزوير بات جزءا من تنفيذ مشاريع السيطرة على الأرض. راجعوا ما كتبه باحثين يهود عن اساليب شراء الحركة الصهيونية للأراضي الفلسطينية قبل 1948 خاصة ما جاء في كتاب "عرب صالحون" للباحث من جامعة القدس هيلل كوهين. (مترجم للعربية).
اليوم قطر تعلن انها ستعيد بناء غزة التي دمّرها الاحتلال. ما المنطق من بناء سجن كبير؟ وما هو الهدف القطري؟ معاناة أهل غزة أولاً هو الحصار، ثانياً حالة الانشقاق والتفسّخ في الصف الفلسطيني، ثالثاً التدمير بعد كل بناء. إسرائيل لن تشنَّ حرباً على مدينة مدمَّرة ومحاصرة. تقصف وتدمّر ما لم يدمَّر في الحرب السابقة، لن تنقصها الحجج لتدمير غزة من جديد. الهدف ان يصبح قطاع غزة بلد أشباح.
أذكّركم ان الخطة الصهيونية لإقامة دولة إسرائيل، نهجت على تدمير البلدات التي هرب ساكنوها خوفاً من الموت قتلاً، وبعضها ارتكبت فيها مجازرُ مرعبة. دمرت 520 بلدة على الأقل. لم تكن قيمة عسكرية للتدمير. كان الهدف جعل الأرض بلا سكان لسكان بلا أرض. حتى من خرجوا بالاتفاق مع الجيش وأقرت المحكمة الإسرائيلية العليا حقهم بالعودة الى بلدتيهما، جرى "التحايل" على قرار العليا واستعمال قانون أراضٍ آخر بواسطة وزير المالية (وما أكثر قوانين الأراضي في إسرائيل وكأنها امبراطورية لا تغيب الشمس عن أراضيها) يمنع عودة الأهالي بحجة المصادرة للصالح العام، والقصد أهالي قريتي اقرت وكفربرعم.
ما يقوم به الاحتلال اليوم مدروس ومبرمج. غياب الدور العربي بات تقليدا سياسيا، الدور الفلسطيني والدولي (نتيجة الموقف الأميركي) مشلول عن تشكيل قوة سياسية مانعة في مواجهة الاحتلال والاستيطان.

براك يخطط لهدم ثماني قرى فلسطينية في الخليل
آخر هذه الخطط، وهي حلقة جديدة من حلقات الزحف الاستيطاني، ايهود براك، وزير الدفاع، أبلغ به المحكمة العليا بأن الجيش سيهدم ثماني قرى في جنوب جبل الخليل.
يعيش في هذه القرى 1500 مواطن فلسطيني، والحجة ان المنطقة هامة جدا لتدريبات الجيش، وتقع حسب ما نشر ضمن "منطقة النار 918" وان دولة إسرائيل عبّرت عن مخاوفها ان يقوم المواطنين الفلسطينيين بجمع معلومات أمنية حول أساليب الجيش الإسرائيلي، لاستعمالها في عمليات تخريبية.
أي ببساطة أعلنت وزارة دفاع ايهود براك ان القرى الفلسطينية الثمانية هي "منطقة نيران" او "منطقة أمنية هامة" وهذا التعبير استعمله الحكم العسكري في إسرائيل بعد حرب 1948 ضد المواطنين العرب الباقين في وطنهم، من أجل مصاردة أراضيهم، والان يطبق نفس القانون على الفلسطينيين الذي احتلت إسرائيل اراضيهم في حرب 1967.، لأن الحكم العسكري (قانون احتلالي أقره الانتدابي البريطاني) الذي استنفذ بطشه ضد العرب في إسرائيل قبل ان يُلغى، يسري مفعوله اليوم على الشعب الفلسطيني في الأراضي التي احتلت عام 1967.
يذكر ان "المنطقة الأمنية الهامة" تشمل اراضي زراعية فلسطينية قرب المستوطنات يمنع أصحابها من الوصول اليها، عمليا لم تصادر، لكنها ممنوعة عن أصحابها لأنها "منطقة امنية هامة"!!
المستهجن ان وزارة الدفاع أعدّت شهوداً، فلسطينيين، يشهدون ان سكان تلك القرى، لهم منازل في قرى أخرى، وان الموضوع لا يعتبر تشريداً او نقلاً غير قانوني للسكان.
طبعا القانون الدولي يعتبر الضفة الغربية منطقة احتلال، وإخلاء المواطنين، بحجج "منطقة نيران" او "منطقة امنية"، هي خطوة تظهر هوس ايهود براك الاحتلالي، وان إسرائيل لا تلتزم بأي قانون دولي.. والأخطر ان مشروع اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين لم ينته بعد.
من يلزم إسرائيل بالقانون الدولي؟ دول القمع للشعوب العربية؟ دول الطوائف؟ دول التخلف العلمي والاجتماعي؟ دول سحق المواطن وسحق حقوق المرأة؟ دول فتاوى ارضاع الكبير والجماع مع الجثة الجديدة وغيرها من الهرطقة التي تروج باسم الدين؟
 لا جديد في هوس الاحتلال التوسع بالمزيد في الأراضي الفلسطينية. ولا جديد في نقض ومخالفة القوانين الدولية. القانون لا أسنان له. والدول العربية بلا أسنان عن سبق إصرار وتعمُّد، دولهم لم تتجاوز الظاهرة الصوتية. جيوشهم للاستعراض وضمان أمن النظام.
لماذا الشكوى وما يملأ المعدة بالقروح؟ ستبقى للشعب الفلسطيني دولة الأشباح في غزة!!

nabiloudeh@gmail.com

12
الساعات الاخيرة في حياة عبد القادر موسى كاظم الحسيني 


بقلم: الدكتور الياس عفيف سليمان
[/color]   

(ملاحظة: رايت من المناسب نشر هذه الدراسة ، لفائدة متابعة  حدث هام في التاريخ الفلسطيني.. صعوبة هذه المواد انها تعتمد عشرات المراجع ، من مصادر يبينها بالتفصيل الباحث الياس سليمان، وهي مصادر تثير الانطباع بدقتها لأنها تخلو من التعابير العاطفية   ومحاولات تبرير  الحدث مهما كان نوعه او وقعه. حتى في الحديث عن المجازر التي ارتكبتها الهاجاناة او الايتسل  نجد اعترافات تثير القشعريرة وبالغة الدقة ولا تبرر الحدث بل ترويه بكل ملابساته وبشاعة الجريمة المرتكبة ، من هنا اهمية وخصوصية ابحاث د.الياس سليمان– نبيل عودة)
1
قرات الكثير من الكتب والمقالات عن النكبة ,التهجير ,التشريد والشتات, ولكن وللأسف الشديد لم اجد أي ذكر لهذه المعلومات القيمة والمهمة, كما هي الحال في المقالات السابقة, والتي سأقدمها للقارئ. 
احاول من خلال هذه السطور ان القي الضوء وبشكل موضوعي, عقلاني وعلمي على ادق واهم  التفاصيل غير المعروفة للكثيرين  والتي وقعت في معركة القسطل ( وقعت في جبال القدس بين قوات الهاجاناة والقوات العربية ما بين 3 – 9  ابريل من العام 1948 تكبد بها الطرفان خسائر كبيرة وانتهت بانسحاب القوة العربية وفتح طريق المواصلات, ولو بشكل مؤقت الى القدس ) وعن اخر الساعات واللحظات في حياة عبد القادر الحسيني (1907 مصادر اخرى 1910- 1948 ).
اعتمدت في كتابة هذا المقال على الوثائق والمصادر الاولية والمقابلات الشخصية للقادة العسكريين والسياسيين الذين اداروا العمليات واصدروا الاوامر وبالتحديد على الارشيف الصهيوني المركزي, يوميات دافيد بن غوريون,  ملف الشهادات والافادات عن حرب الاستقلال, ارشيف جيش الدفاع الاسرائيلي والمقابلات الشخصية التي اجراها المؤرخ والمتخصص في حروب اسرائيل الدكتور اوري ميلشطين  والتي جاء على ذكرها في كتابه  " تاريخ حرب الاستقلال " المجلد الرابع الصادر باللغة العبرية في العام 1999 .
وبحسب رواية الدكتور ميلشطين انه في فجر يوم الخميس 8  ابريل 1948 وقعت واقعة في القسطل: سقط قتيلا قائد القوات العربية في منطقة القدس عبد القادر الحسيني والذي اتخذ من بير زيت مقرا لقيادته الرئيسية ومن بيت جالا مقرا لقيادته الثانوية , شغل والده موسى كاظم الحسيني منصب رئيس بلدية القدس في العهد التركي وحتى بداية عهد الانتداب البريطاني (1917) وكان من زعامة وقادة الحركة القومية الفلسطينية.
في يوم الاربعاء 7 ابريل 1948 قررت القيادة العامة  في مقر القيادة الرئيسية في بير زيت وعلى راسهم عبد القادر الهجوم والانقضاض ليلا على قرية القسطل, طلب مقر القيادة الثانوية في بيت جالا من عبد القادر عدم المشاركة شخصيا بالهجوم ولكن دون جدوى. وقال عبد القادر لمعاونه  بهجت ابو غربيه ( هو بهجت عليان عبد العزيز عليان ابو غربية  ولد في خان يونس في العام 1916 وتوفي في عمان - الاردن في العام 2012 ) " لقد قاموا بخيانتنا, الشي الاخير الذي  رأيته في مطار دمشق كان مخزن الاسلحة المعد  لفوزي القاوقجي, نستطيع ان نسافر الى العراق للعيش بها متسترين ومتخفين, نستطيع ان ننتحر ونستطيع ان نموت هنا, سأخرج الى كسارة صوبا ( قرب القسطل) وامر القائد ابراهيم ابو ديه ( من قرية  صوريف قضاء الخليل , 1919-1952 ) : " ارسل لي سيارتان مصفحتان مع مقاتلين ليلتقوا بي في الكسارة, سنعود ونحتل القسطل ( من اليهود ) وساقف على راس المهاجمين ".
في صباح يوم الخميس 8 ابريل 1948 اصدر القائد ابراهيم ابو دية امرا بمهاجمة القسطل فقامت القوى العربية بإطلاق النار من الرشاشات وبإطلاق قذائف الهاون, واستطاعت وحدة عربية من خبراء المتفجرات ان تصل  حتى مقر القيادة اليهودية لتضع الالغام لتفجيره, علمت القوة اليهودية بالأمر واستطاع غزيت ( هو مردخاي غزيت الملقب موطكه ولد في إسطنبول في العام 1922 وشغل منصب ضابط المخابرات في الهاجاناة وكان من قادة الهجوم على القسطل ) وسلمن (وهو يعقوب سلمن ولد في بولونيا في العام 1926 كان عضوا في الهاجاناة وشغل منصب قائد الكتيبة الاولى في فيلق المشاة ) من تفكيك وابطال المتفجرات , انسحبت وحدة خبراء المتفجرات العربية  من الطريق القريبة  من بيت  قبر الشيخ ( احد المجاهدين في القسطل ) الذي اتخذتة وحدة من البالماح مقرا لها. موشية كتسنلسون الذي جلس في موقع محصن لحماية الوحدة اطلق النار. وجاء في تقرير يوسف طابنكين ( الملقب يوسفليه 1921 – 1987 ومن قادة البلماح ) " مات اثنان من الفرقة العربية من نيران كتسينلسون  اما الثالث فقد استسلم وطلب الرحمة ولكن رجالنا قتلوه ( اعتقد طابنكين عند كتابة تقريره ان الرجل الثالث كان عبد القادر الحسيني لكنه اخطأ ) اقترب مقاتلون عرب الى المواقع اليهودية المتحصنة في القسطل وصرخوا باللغة العبرية " נהרוג אתכם " ( سوف نقتلكم ) ,قائد وحدة المشاة اصيب اصابة بالغة " .
في يوم الخميس 8 ابريل 1948 وقبل بزوغ الفجر توجه الى قرية القسطل عبد القادر الحسيني ومعه نائبه كامل عريقات ( ولد في قرية ابو ديس قرب القدس في العام 1906 وتوفي في عمان – الاردن في العام 1984 )  ومساعده عرفات      (استنادا الى بعض المصادر كان ذلك ياسر عرفات 1929 – 2004 ). ويستشف من افادة وشهادة  يسرائل  ناتاح  ( احد قادة البالماح ) ما يلي : " توجه عبد القادر الحسيني الى قرية القسطل بعد اعلامه بان وحدة عسكرية عربية تنوي ترك موقعها  وكان هدف عبد القادر منعها من الانسحاب " ولكن وبحسب رواية اخرى في الارشيف ان عبد القادر الحسيني انتظر حتى يسمع صوت انفجار مركز قيادة البالماح في القسطل ولما لم يسمع  ذلك قرر صعود التلة لمعرفة السبب, في الساعة الرابعة صباحا وصل عبد القادر وكامل وعرفات الى قمة التلة وسلكوا الطريق بين بيت المختار وبيت قبر الشيخ, ومن مسافة 30 مترا تقريبا انتبه اليهم وحدد موقعهم الرقيب اول مائير كرميول ( 1923 – 1948 اللافت للنظر انه لاقى حتفه بنيران القوة العربية ساعات قليلة بعد مقتل عبد القادر ) الذي افاق للتو من غفوته من على شرفة بيت المختار, اعتقد كرميول ان المجموعة القادمة باتجاهه هي فرقة متعقبي الاثر التي اتت من كريات عنابيم  للمساعدة  ( كريات عنابيم : كيبوتس في منطقة القدس تأسس في العام 1920 ). فصرخ باللغة العربية  وقال " تعالوا يا جماعة " وكانت تلك كلمة السر العسكرية ,اعتمر كرميول خوذة حديدية ولبس الزي العسكري البريطاني ولهذا السبب اعتقد عبد القادر انه جندي بريطاني هارب ومتملص من الخدمة وقال له بصوت عال وفي اللغة الانجليزية " Hello Boys " بما معناه " مرحبا شباب " .
تواجد قرب بيت المختار سلمن وغزيت , صرخ سلمن بأعلى صوته وقال " مائير هؤلاء عرب " فهم مائير القصد واطلق النار من رشاشه باتجاه عبد القادر ومن معه , اصيب عبد القادر ووقع ارضا, هرب عريقات وعرفات , اقترب سلمن وغزيت ومسعف الوحدة من المصاب  وهمس المصاب  بكلمتين  في  اللغة  الانجليزية : "water,water"   قدم المسعف الماء للمصاب وحاول مساعدته  لكن دون جدوى لأنه فارق الحياة.
لم يعرف سلمن وغزيت وكرميول  ومن معهم من هو القتيل , لكنهم انتبهوا لملابسه الانيقة ولرشاشه الامريكي الصنع ولقبضة يد مسدسه المصنوعة من العاج, للساعة الذهبية  في يده, للقلم الذهبي والوثائق في جيوبه ومنها : رخصة سياقة صادرة في مصر تحمل الاسم عبد القادر سوليم ,نصف ليرة فلسطينية, قرأن بحجم صغير, شهادة تطعيم ضد عدوى الكوليرا مختومة في معبر قناة السويس, تقرير عن محادثه مع القنصل الامريكي في القدس, خطة وبرنامج لمهاجمة جبل سكوبس او راس المشرف ( هاتسوفيم ) بالقدس . ساد الاعتقاد ان القتيل شخصية عربية مهمة .(بعد اتفاقية السلام مع مصر حاول عوزي نركيس  1925 – 1997 والذي شغل منصب نائب قائد الكتيبة التي احتلت القسطل  اعلام السيدة وجيهة ارملة عبد القادر الحسيني الساكنة في مصر انه مستعد لتسليمها  القرآن الذي وجد بحوزة زوجها لكن دون رد من قبلها ).   
وصرح جدعون غلوبوس قائد الكتيبة الرابعة في البلماح بما يلي: "جاء مائير كرميول الى قبر الشيخ وقال لرجال البالماح " قتلت واحدا مهما, هذه الوثائق, اخذت منه مسدسه". في ساعات الصباح الباكر ارسل غزيت برقية الى طابنكين ولشالتيئيل ( دافيد شالتيئيل ,1903 – 1969 , قائد الفيلق عاتسيوني الذي ادار العمليات والمعارك العسكرية في منطقة القدس ). جاء فيها : " نفذت الذخيرة, ارسلوا جنودا لتبديلنا " في برقية اخرى وبفارق وقت قصير من البرقية الاولى كتب غزيت  الى القيادة العامة ما يلي : " قتلنا عربي محترم, اسمه عبد الجابر (هكذا كتب الاسم ), وجدنا معه مسدسا جميلا, قام مسؤول  الاتصالات نفتالي هرئيل بإرسال  فحوى البرقية الثانية الى مقر قيادة شالتيئيل بالقدس.
في الساعة 10:30  من صباح يوم الخميس 8 ابريل 1948  ارسل قائد اللواء شالتيئيل برقية الى يدين ( هو يغئال يدين الملقب سوكنيك 1917 – 1984 ,شغل منصب رئيس قسم العمليات في الهاجاناة والجيش ,بعد قيام الدولة شغل منصب  الرئيس الثاني لهيئة الاركان العامة ) مفادها : " قتل عربي في القسطل على مقربة من مقر القيادة, قصفنا تجمعات العدو بكثافة وبدقة ,كانت الاصابات مباشرة, يطلق القناصة العرب النار منذ الصباح ,لم نتكبد خسائر".
في ساعات ما قبل الظهر من ذلك اليوم وصل خبر اختفاء عبد القادر الحسيني الى مقر وحدة المخابرات العامة في قيادة الهاجاناة في القدس. اتصل رجال المخابرات وقيادة اللواء بمردخاي غزيت وسألوه ماذا يعرف عن الموضوع, عندها فهم غزيت من هو ذلك العربي. اتصلت قيادة اللواء بقائد العمليات في البالماح  ميخائيل هافط ( الملقب ميكي  ولد في القدس في العام 1922  ويسكن في حيفا ) وطلبوا منه احضار الجثة. قام هافط بإعلام غزيت بالأمر وطلب منه نقل الجثة الى مقر القيادة العامة في القدس. اجاب غزيت "هذا مستحيل, القناصة العرب يطلقون النار ".
انطلق هافط  ويغئال ارنون (ولد ارنون في تل-ابيب  في العام 1929 -  ) قائد فصيلة بسيارة عسكرية مصفحة مليئة بالذخيرة متوجهين الى القسطل, في هذه الاثناء استلم يعقوب سلمن من مقر قيادة شالتيئيل بان يرسل جثة عبد القادر الحسيني في مصفحة عسكرية الى القدس مع بعض المصابين, رفض جنود سلمن الامتثال للأوامر وقالوا " لماذا علينا ان نعرض انفسنا للخطر؟ هذا غير وارد " ( تخوفا من هجوم عربي محتمل ), حتى المصابين لم يوافقوا على السفر في سيارة تنقل جثة وعادت السيارة العسكرية المصفحة من القسطل الى القدس بدون جثة عبد القادر الحسيني.
بعد ذلك, جرى اتصال من مقر القيادة اللوائي في القدس الى طابنكين  جاء فيه : " قتل عبد القادر, العرب ينظمون   "فزعة " من الخليل وحتى نابلس, الجماهير العربية مدججة بالسلاح يتجهون بزحف بشري الى باب الواد - المسمى بالعبرية شاعار هغاي - من اللد والرملة, ويتجهون بسياراتهم الى منطقة القسطل ضاربين طوقا من الجنوب , الحشود العربية تصيح " اعدائنا يحاصرون عبد القادر " التلال من حول القسطل مزروعة بالرجال.....
بسبب طول المقال رأيت انه من المناسب والمستحسن ان اتوقف الان . اما بالنسبة لما حصل بعد ذلك وعن طريقة تسليم جثة عبد القادر الحسيني سآتي على عرضها في المقال القادم كما جاءت في الأرشيف والمصادر الاولية المختلفة .   
   
 
2

وكما في الجزء الاول اعتمدت في الكتابة على ابحاث وكتب الدكتور اوري ميلشطين , المؤرخ والباحث العسكري لحروب اسرائيل, على المقابلات الشخصية التي اجراها مع بعض القادة العسكريين الذين اصدروا الاوامر واشتركوا بالعمليات في معركة القسطل وعلى الارشيف الصهيوني المركزي , ارشيف البالماح, ارشيف جيش الدفاع الاسرائيلي  وعلى المصادر والوثائق الاولية.
وكتب ميلشطين " ارسل الجندي يوحنان زرزير من نقطة المراقبة في باب الواد خبرا الى يوسف طابنكين مفاده " سيارات مليئة بمقاتلين عرب تسافر من الرملة باتجاه قرية صوبا لمهاجمة القسطل " كما ووصلت الى طابنكين اخبار من القدس جاء فيها " احتمال لهجوم عربي كبير ". وصرح الياهو اربيل ضابط العمليات في كتيبة عاتسيوني انه طلب من طابنكين ان يرسل مساعدة من الرجال والعتاد وبشكل عاجل الى القسطل ولكن دون جدوى .
قرابة 1200 محارب عربي ( عدد كبير في مفاهيم تلك الايام ) حمل السلاح والهراوات وكل ما وقعت عليه ايديهم وانطلقوا لإنقاذ عبد القادر الحسيني من ايدي اليهود . لم تجد وحدة المشاة العسكرية اليهودية طريقا للحوار او للمفاوضات مع القادة العرب لتسليمهم جثة عبد القادر الحسيني لدفنها . اقترح ميخائيل هافط (الملقب ميكي وينتمي الى البالماح ) لغازيت ما يلي " وضع جثة عبد القادر الحسيني في مكان مرتفع ومرئي حتى يستطيع العرب تشخيص الجثة  ليفهموا ان قائدهم ليس اسيرا وبهذه الطريقة يأخذون الجثة " , رفض غازيت الاقتراح .
في الساعة العاشرة من صباح يوم 9 ابريل 1948  كثف العرب هجومهم على القسطل, رفض بعض الجنود اليهود من الوحدة التابعة لغازيت الخروج من مخابئهم الى مواقعهم . بعض الجنود امتثلوا  للأوامر بعد  ضربهم  من قبل ضباطهم, العديد منهم غفا ونام من شدة التعب, قسم اخر اطلق النار بشكل عشوائي .
نقصت الذخيرة في المواقع  الدفاعية, قام غازيت  بإعلام  طابنكين بما يلي " اذا لم تصلني الذخيرة سأقوم بالانسحاب والتراجع ", فأجاب طابنكين " سنرسل الدعم عندما نقرر , في الوقت الراهن يوجد في القسطل عدد كاف من الجنود لصد الهجوم ".استشاط غازيت غضبا وتفوه بكلمات وجمل قاسية جدا, عندها قال له طابنكين " ستخرج وحدة الدعم العسكرية حالا ".
بعد نصف ساعة تقريبا, اتصل غازيت مرة اخرى بالقيادة العامة للبالماح مستفسرا عن الدعم العسكري له , وكان الجواب  " تعطلت المصفحة العسكرية " , تعجب غازيت وقال " هل هذه اكذوبة اول نيسان " واصر غازيت على اهمية الدعم والمساعدة بسبب الهجوم العربي, اجابه طابنكين " ستصل المساعدة اليك الساعة 13:30 من بعد الظهر" . فقد غازيت الامل بالمساعدة وغفا من تعبه ويأسه خلال المعركة وانتظر الموت .     
 ازداد الهجوم والضغط العربي على القسطل باتجاه قبر الشيخ وبيت المختار من الجهة الجنوبية , وصرح  جدعون غلوبوس احد الجنود وقال " وصل المقاتلون العرب الى مسافة 50 مترا منا, فاق عدد المقاتلين العرب عدد المقاتلين اليهود, قررت وحدة المشاة التابعة لمنظمة الهاجاناة الانسحاب والهروب من قبر الشيخ ".
بعد  ساعتين من بدء الهجوم اصبح وضع غازيت ورجاله يائس وحرج, لأنه علم بان ضواحي منطقة القسطل مليئة بالمقاتلين العرب , وقامت مصفحات عسكرية ( استولى عليها العرب من اليهود في معركة النبي دانيال قرب بيت لحم , وقعت يوم 27 مارس 1948  عندما خرجت قافلة مكونة من 37 شاحنة و14 مصفحة  من القدس لتزويد غوش عاتسيون المحاصرة من العرب بالذخيرة والمؤن , علم المقاتلون العرب بالأمر ونصبو كمينا وانقضوا على القافلة عند عودتها وكانت النتيجة  قتل 14 جنديا وجرح 40 والاستيلاء على بعض المصفحات العسكرية ) بدوريات على الطريق المؤدي الى قرية صوبا.
اطلقت المصفحات النار باتجاه وحدة الجنود التابعة للبالماح  والتي كانت تحت قيادة الضابط  ناحوم اريئيلي ( 1927 – 1948 ) , قرر اريئيلي ان يتمركز في البيوت الشمالية من القسطل . حاول الياهو الياب ( جندي في البالماح من مواليد 1925 ) والياهو كوهين ( عضو في منظمة الهاجاناة ,1901- 1948 ) حماية بعض الجنود الذين حاولوا تسلق التلة بهدف الوصول الى القسطل .اصيب القادة اريك مندل (من البالماح ,1925-1948) وموشية بربار ( الملقب مويشكيه ,من البالماح , 1929- 1948 ) وبعض الجنود من رصاص المهاجمين العرب , قام المسعف شلومو شخطر بتقديم الاسعاف الاولي لمندل وعند قيامه بعمله اصيب هو الاخر بعيار ناري , لم يتمكن الجنود اليهود بنقل جرحاهم الى مكان امن بسبب  اطلاق النار الكثيف من قبل العرب ,حاول اريئيلي وجنوده صد الهجوم العربي ولكن دون جدوى.
دخل المقاتلون العرب القسطل من الجهة الجنوبية, انهار خط  دفاع القوات اليهودية  لحظات قبل ان يستلم اريئيلي زمام الامور وكان ذلك بسبب سوء التفاهم بين مقاتلي كتيبة عاتسيوني التي تمركزت في بيت المختار وبين مقاتلي البالماح الذين اتخذوا من قبر الشيخ مقرا لهم. انسحبت قوة البالماح الى مواقع دفاعية خلفية, عندما رات وحدة المشاة – عاتسيوني - ذلك اعتقدت ان جنود البالماح ينسحبون ويتراجعون فقاموا بالعمل نفسة وبهذا تكون قد انهارت كليا خطوط الدفاع اليهودية.
استولى العرب على بيت المختار وفصلوا المنطقة   بين قبر الشيخ والبيوت الاخرى. وصرح يوسف شاحار ( الملقب توسكي ,من البالماح 1926 – 2010 ) " فجأة خيم الصمت, رأيت الكثير من العرب, مثل الذباب , عندها فهمت سبب ذلك الصمت . احتل العرب القسطل , وابتدأوا بالاحتفالات وكنت قريبا منهم. لم اعرف طرق القرية , هربت الى البستان – منحدر التلة – وهرب معي بعض الجنود من وحدتي ومن وحدة المشاة ".
وصلت اخبار احتلال القسطل الى القدس العربية , فرحت الجماهير وتم اطلاق النار في الهواء وتناقلت الاخبار بان العرب اسروا 1050 يهودي . واصدرت اللجنة العربية العليا بيانا جاء فيه : " القسطل في ايدينا, تم اسر كل اليهود ". عندما وصل نبا مقتل عبد القادر الحسيني انقلبت الفرحة  والبهجة الى حزن وعزاء .تم احضار جثة عبد القادر الحسيني يوم الجمعة التاسع من ابريل 1948 الى باب الساهرة في القدس ,حشود غفيرة سارت وراء نعشه الذي تم لفه بعلم الرابطة الاسلامية , وقد شارك في المراسم قادة عرب, وجهاء, رجال اعمال ,قناصل وممثلين عن دول عربية وضباط عن الفيلق العربي الاردني . وارسل الحاج امين الحسيني من مصر كلمة الرثاء التي جاء فيها , " من قبلك مات كامل حسنين (قائد المتطوعين المصريين ), اليوم مات عبد القادر, غدا اموت  انا, شيء واحد لا يموت, فلسطين ". اطلقت المدفعية  احدى عشر طلقة تحية احترام, وبعد صلاة الجنازة في المسجد الاقصى تم دفن جثمان عبد القادر الحسيني بجانب ضريح والده موسى كاظم الحسيني في باب الحديد في باحة الحرم القدسي.
               

drelias10@yahoo.com
  [/size]

13
أدب / قليلات العقل وكاملو العقل..
« في: 15:54 27/07/2012  »
قليلات العقل وكاملو العقل..

قليلات العقل وكاملو العقل..


قصة: نبيـــل عـــودة


مريم فتاة قروية مستورة الحال، صبية جميلة كزهور الربيع اول تفتحها. لمحها تاجر خضار وفواكه متجول ، طابت نفسه لها، طلب يدها من والدها. تردد الأب بسبب فارق الجيل. هل يجوز تجويز البنت من رجل بجيل جدها؟ فكر: في ذمته زوجتين واحدى عشر ولدا. ولم يصل الى قرار.
قال التاجر: "المال يصنع الرجال ويشتري السعادة" .وأضاف: "أملك عدة منازل وقطعة أرض وأموال يسيل لها لعاب الشياطين .. فهل يحلم الأب بضمان أفضل من هذا لابنته وبعد صمت قصير تريث ليرى تأثير خبر ثروته المصرح بها على والد مريم قال: "ولك المهر الذي تطلبه والمؤخر الذي يضمن مستقبلها".
كان جمال الإبنة يثير مخاوف الأهل لكثرة الخطاب، ولكنهم "كحيانين".. رغبتهم بالزواج منها يحركه جمالها. هذا لا يطمئن الأهل من ستر ابنتهم وراحة بالهم من زوج بالكاد يعيل نفسه ، ولا يفكر إلا بليل الدخلة..
اغرق التاجر بيت والد مريم بكل ما لذ وطاب من خضار وفواكه شهية، اراد الأب ان يرده، ولكن قلة ذات اليد، وسعادة اطفاله بهذا الخير الدافق، جعله يمتنع عن الرفض الفوري ويتمهل مفكرا حائرا في أمر ابنته.
وحتى لا يتحمل وزر خطيئة ابنته يوم الحساب، فيما لو حدث مكروه في المستقبل، قرر ان يجمع رجال العائلة، اخوالها وأعمامها ليبلغهم بالأمر طالبا مشورتهم.
قالوا رأيهم بلا تردد وبلا خلاف ان البنت كبرت و"عيون الشباب الصايعين عليها"، والبنات قليلات عقل ودين مثل سائر النساء، هذا حكم ديني واضح، وان ستر البنت ثلثي الدين. والرجل البالغ المجرب أفضل من الشاب "الكحيان" الذي لا يطمع من البنت إلا بالمضاجعة والتشاطر عليها برجولته، والتفاخر انه نكح أجمل بنت في البلد، ثم تذهب الفرحة ويبدأ الجد، فيبرحها ضربا وكأنها المسؤولة عن قلة الرزق، وربما "يأخذها لحما ويرميها عظما".
تاجر الخضار تصرف بشرف وقدم ضمانات، عاد لوالدها يطلب يدها واضعا الشروط على نفسه قبل ان تُطلب منه، تعهد بضمان بيت شرعي لها، تلبية كل احتياجاتها، مهرها المقدم والمؤخر، وانه لن يبخل على والدها، بل فتح لهم قلبه ويده ، وجعلهم لا يشعرون بنقص في مأكل او مشرب. "فهل يرفسون هذه النعمة؟"
لا تعرف مريم كيف زُوجت. لم يسألها أحد أُلبست فستان أبيض جاءت سيارة وحملتها الى بيت زوجها الجديد. كان البيت مجرد غرفة نوم ، ملحق به حمام عبارة عن حفرة بالأرض فهمت انها للصرف الصحي ، لم تتوقع ما جرى لها في الليلة الأولى، شعرت انها فريسة في قفص مع وحش مفترس. وضع فمه فوق فمها كاتما أنفاسها ولجها وهي تصرخ وتطلب الرحمة متوقعة الموت بين لحظة وأخرى. عندما نال وطره منها نزل لمخدع زوجتيه وهو يبتسم ويجعر ان المرة الأولى دائما صعبة وبعدها ستتعلم انها متعة الحياة. تمنت لو تفارق الحياة وهي مذهولة من الدماء التي تلوثها.. ولم يكن حولها لا ام ولا أب لتشكو همها او لتفهم ما جرى لها..
مع مرور الأيام لم تجد لغة مشتركة مع زوجتيه . مجرد تناول الطعام على طبلية واحدة. عشرات الأيدي تتخاطف اللقم من نفس الصينية. أغلب الأحيان لم تشعر برغبة في الطعام، كانت تكتفي بما يسد الرمق..وتقضي معظم وقتها منعزلة تبكي، لا تعرف متى يحل الخلاص مما هي فيه، وكم اشتاقت لأمها، لتشكو همها وتسأل عن الذنب الذي ارتكبته لتعاقب بهذا الشكل، ولكن لا زيارات ولا اتصالات، ولم تجرؤ ان تطلب من الوحش الذي يفترسها بعد العشاء، ان يأخذها لزيارة أهلها. لم تعرف منه إلا وزنه ورائحته النتنة فوق الفراش وأنفاسه الثقيلة وصوته الذي يشبه نهيق الحمار وضحكته الكريهة بعد ان ينهض عنها راضيا عن نفسه..يتركها مذهولة باكية يأكلها القرف من حياتها.. داخل "الزنزانة" التي فهمت انها بيتها الشرعي!!
فجر احد الأيام استيقظت على صراخ الضرتين وبكائهما، صراخ مخيف اشعرها ان مصيبة قد وقعت، بعد لحظات فهمت ان زوجها خرج باكرا كعادته، ووقع بين سيارته وشاحنة كبيرة تصادم مروع، وانه فارق الحياة. لم تشعر بألم ما، بل شعرت بانتهاء كابوس مرعب، كانت تصلي لله ان يميتها ويخلصها من عذابها، فها هو يستجيب لها، أبقاها حية وأمات زوجها الهرم.
جاء والديها لحضور مراسيم الأجر. اختلت فيها امها تشرح لها حقوقها من الميراث ولم تكن تفكر إلا بأنها تخلصت من كابوس مرعب. بكت امها:
- بعدك صغيرة وترملت.. رحمتك يا رب.
- بل شكرا يا رب على لطفك..
- عيب يا مريم.. الرجل زوجك ..
- رمتوني كما ترمى عظمة للكلب. لا اعرف معني الزوجية. كان كابوسا رهيبا انقذني منه الرب. نعم،ارملة شابة ولا زوجة لوحش مفترس..لا اعرف منه إلا رائحته وكأنه يحمل حظيرة خنازير بجسمه وأنفاسه.
- اخرسي انه زوجك.
- لم أختره.. ولم أشعر باني امرأة معه.. بل فريسة يتلذذ بها ولا تعرف من علاقتها معه إلا رائحته المقززة وشهوته الحيوانية...
صمتت امها بحيرة، وهمست ترجوها ان لا تتفوه بشيء مما قالته امام والدها ورجال العائلة الذين نصحوا والدها المتردد بتزويجها. فردت بحرقة غضب:
- بئس الرجال اذا كان هذا تفكيرهم وقرارهم.
عادت مع والديها، لم يكن "زوجها المّلاك والذي يسيل لعاب الشياطين من كثرة أمواله" يملك ما يستحق ان تتقاسمه مع زوجتيه. كان نصيبها بضعة آلاف من الليرات حصتها من تعويضات شركة التأمين لموته بحادث طرق، الحديث عن املاكه كان كذبا، اذ كل ما يملك مرهونا مقابل قروض بنكية.
كثر الخطاب للأرملة الصبية من المطلقين والأرامل وكبار السن والراغبين بإكمال دينهم بزوجة ثانية وثالثة ورابعة، ولكن مريم لم تعد تلك الطفلة التي يمكن ان يقرر لها "كاملي العقل والدين" مرة أخرى، "حتى لو جزت رقبتي بالخنجر" كما اصرت رفضا للخطاب.
وجدت عملا في مخيطة قريبة من القرية، سرها ان تخرج للهواء الطلق، تتنفس بحرية لأول مرة في حياتها، تعاشر زميلاتها في العمل، يأكلن سوية، يضحكن سوية، ويقلقن الواحدة على الأخرى وكأنهن من رحم واحد.. يتحدثن بطلاقة وبلا وجل عن مشاكل الزواج والأولاد والرجال الذين لا أمان لمعظمهم. الأهم شعورها بأنها فتاة حرة،أخذت مصيرها بيدها. ليست ناقصة عقل، او ناقصة دين. بل "أبيع عقلا لمن يريد من الرجال" كما كانت تقول ساخرة بشكل يثير الضحك بين العاملات.
لم ينفع تدخل الأقارب لزجرها عن الخروج الى العمل بحجة ان "بنات عائلتنا كرامتهم في بيتهم وليس بالعمل في المصانع مثل الرجال". كانت ترد بغضب وجرأة "عن أي كرامة تتحدثون يا رجال العائلة الشرفاء، عن تزويجنا من هرم قذر مقابل بعض الخضار والفواكه؟"
الحقيقة يجب ان تقال ، خروجها للعمل وفر لوالدها تزويده بمصروفات اساسية هامة، فآثر الصمت وعدم التدخل بين ابنته وأخوالها وأعمامها طويلي اللحى.. كان يخاف فعلا ان تقتنع مريم بالجلوس في البيت.. كان يردد بشيء من الوجل وبصوت متردد خافت: "لا تضغطوا على البنت ، أخطأنا بتزويجها، وهي تثبت انها أهل للثقة". ويصر رجال العائلة:
- لماذا ترفضين الزواج .. تقدم لك أحسن ناس في البلد؟
- زوجوهم لبناتكم.. لست معروضة للبيع مرة أخرى.
- سنتبرأ منك للأبد.
- يا مرحبا ويا هلا..هل تريدون توقيعي على البراءة؟
ارتفت يد أحدهم بمحاولة لصفعها.
-الذي يمد يده علي سأدخله السجن ولو كان ملك الملوك.
انفض مجلس الرجال خائبا.
أسرن لها زميلاتها ان صاحب المصنع يلاحقها بنظراته، وانه معروف بمغامراته الكثيرة، فخذي حذرك منه. لم يكن ذلك مفاجئا، لاحظت من يوم قبولها ، ان جمالها كان المقرر في استيعابها للعمل. كان يدعوها لمكتبه ويكلفها باعمال شبه مكتبية، ترتيب، تلحيق تسجيلات، كتابة وصولات بيع، ارسال البريد، الذهاب لإحضار البريد، تسجيل ساعات العمل، توزيع شيكات الأجور.. وغير ذلك من الأعمال التي اشعرتها انها تتحمل مسؤولية إدارية وانها عنصر فعال ونشيط وليس خاملا..
لم تكن غافلة عن نظرات صاحب المصنع، وكلماته التي تحمل الكثير من التلميحات. الأمر لم يقلقها. تعرف ما تريد، تعرف الى أين تتقدم.
صاحب العمل في العقد الرابع، له نظرات حادة، ووجهه يعطيه ملامح شبابية أكثر من جيله، أعزب لأنه على ذمة العاملات: "لا يستطيع الإلتزام بامرأة واحدة".
سألها يوما بدون مقدمات:
- انت نشيطة وتتقنين العمل،اريد ان انقلك للعمل كسكرتيرة للمكتب، هل تعرفين الطباعة واستعمال الحاسوب؟
- قليلا.. تعلمت في المدرسة وتنقصني الممارسة.
- لا باس ، سارشدك.. وانا على ثقة انك الأنسب.
التصق بمقعدها ساعة كل يوم لمدة اسبوع بحجة ارشادها على الحاسوب وطلب منها ان تتمرن على الطباعة. كانت تشعر بأنفاسه تلاطفها، بل وتلمس رغبته القوية بالبقاء بلصقها وتنشق رائحة جسدها. تصرفت بشكل طبيعي دون ان تظهر ارتباكها، لكنها لم تعطه الفرصة ليتجرأ بالمزيد...
قررت ان ترتدي في عملها بنطال جينس، وبلايز طويلة الأكمام لا تكشف من الصدر الا قيراطين تحت الرقبة، متحججة بأن المكيف يسبب لها البرد.ولكن البنطال كشف عن قوام فتي ممشوق، غموض ما لا يظهر مثير أكثر.
كان صاحب المصنع يدعوها ليطلع على تفاصيل المبيعات وتركيز ساعات العمل والبضائع المختلفة التي تصل للمصنع، كانت على علم انه مطلع تماما على كل التفاصيل عبر شبكة تصل بين الحواسيب.ولكنها تقوم بما يطلب منها بمنتهى الجدية والتلقائية، وتتلذذ بمراقبة خشوعه عندما تشرح له ، وهي متأكدة انه لا يستمع لشرحها، بل يفكر بها، يتأمل قوامها ووجهها المشرق وحيويتها المذهلة بجاذبيتها، ربما يضاجعها في خياله. يجعلها رقما جديدا في سلسلة مغامراته.
وتفاجئه:
- هل تريد اضافة ما؟
- شكرا .. كل شيء واضح. انا سعيد جدا لاتقانك ادارة المكتب، بت اعتمد عليك ولا ارى المصنع بدونك. كل من يتعامل معنا يحسدني عليك..مديرة بكل معنى الكلمة، دقيقة تماما، جميلة وتشعين الهاما حولك.
ولولا جديتها المبالغة، لتجرأ أكثر.
كانت تتلاشى الرد على تلميحاته الغزلية، مما جعلها تيقن انه يعيد التفكير بحياته، وبمستقبله، وان نجاحه في عمله سيظل ناقصا بدون "...." تهمس لنفسها بسرها الصغير.
تقوم اليه بتصميم. تقف امامه بقوامها الممشوق، وطلتها الساحرة لتستفسر عن موضوع ربما تعرفه أفضل منه، يجيبها شاخصا بنظراته اليها، تشكره بابتسامة تسرق لبه، كأنها تقول له بعينيها ووجهها المتألق المشع كنجم ليلي: "ها انا ملكة، اعرف مكامن سحري، واع جمالي الذي يسرق الألباب، لست للبيع بصحارة خضرة. ولا بإغراء وظيفة، ولا بمال. لا امنح نفسي إلا لمن يختارني وأختاره بحرية كاملة ومساواة كاملة".
استدعاها بجرأة فجر أحد الأيام. كانت لهجته آمرة.
- مريم اريدك لحديث خاص جدا. اقفلي باب المكتب رجاء.
جلست امامه بأناقتها، وابتسامتها التي تخلب لبه.
- هل يريحك العمل معي؟
- انت اعدت لي إنسانيتي العمل معك اثراني ووسع عالمي، لم اعد طفلة مغرورة، ولم اعد فتاة يمكن التلاعب بعواطفها ومصيري اضحى بإرادتي الحرة.
- مريم.. اعذريني على صراحتى، وتحمليني.. لم التق طيلة حياتي بامرأة بمثل جمالك ورجاحة عقلك، واعترف اني مسحور بك ...
- هذا يرضي غروري طبعا حين أسمعة من إنسان أحترمه وأحترم ما انجزه .
- انا في اواخر العقد الرابع يا مريم، وانت أصغر مني بعقدين. فكري جيدا، ولن اغضب لقرار لا علاقة له بعملك ...هل تقبلين الزواج مني؟
- لكني أرملة .. هل فكرت بذلك؟
- انت إمرأة رائعة، الأرملة انسانة ايضا.. هل الترمل جريمة؟ سأكون اسعد انسان اذا قبلت ان تكوني زوجتي؟
طأطأت رأسها بشعور من تحقق حلم كبير، ارادت اخفاء دفق السعادة الذي شعرت به يتفجر من وجنتيها. واختارت كلماتها بتأن ودمعتين تترقرقان في مقلتيها:
- المرأة التي ترفضك تكون بلا عقل، انت انسان رائع ويسعدني ان اكون
شريكتك في الحياة.
*****
لم تعد مريم عاملة في المصنع، صارت صاحبة المصنع تتحمل ادارته بنجاحه وفشله. زوجها تذمر من تدخلها المبالغ، ارادها أكثر في البيت، ربما لرغبات لم يفصح عنها. وأرادت ان تكون نشيطة أكثر في العمل.
مع زوجها شعرت بانثويتها لأول مرة، وأحبتها.
السنوات الأولى لزواجها الثاني كانت مليئة بالحب والتفاهم، لم يرزقا بأطفال رغم كل المحاولات. غياب طفل جعل التنافر يزداد بينها وبين زوجها. خلافات حول ادارة العمل، خلافات حول مسؤوليات البيت. خلافات حول برامج ألتلفاز
كان يحاول ان يعيدها امرأة تقليدية، كانت تثور وتصر ان زمن العبودية للنساء انتهى. عرفت عن بعض مغامراته النسائية ألجديدة، فاتحته  فغضب. انكر ثم اعترف وقال "اذا لا يعجبك الحال الله وعلي معك انا رفعتك من الفقر الى أليسر
- لن تقترب مني أكثر..
- لي حقوقي الزوجية
- ولي حرمة بيتي وحقي بان لا يخونني زوجي.
- انت كنت صفرا، وانأ صنعت منك ما انت عليه اليوم.
- بدوني كنت ستخسر كثيرا.. اصبحت شريكتك في كل شيء. مغامراتك ستدمر المصنع ولن اسمح لك بذلك.
- انت طالق.
- لن اقبل صفة مطلقة. تزوجتني أرملة فأعدني ارملة.
ثار غضبه وخرج مثل الطلق لا يلوي على شيء. شغل محرك سيارته وانطلق بسرعة جنونية. لم يبتعد كثيرا ، أقل من خمسمائة متر، فقد السيطرة على سيارته المنطلقة بسرعة جنونية. اصطدم بعامود كهرباء وفقد وعيه.
لم يكن امام المسعف وفرقة الاطفاء التي اخرجته بعمل مضني وقص لأبواب السيارة المدمرة، إلا الإعلان عن وفاته.
*****
بنت له قبرا جميلا، يعتليه شاهد من الجرانيت الايطالي الثمين. هو يستحق ذلك. نُقش على الشاهد أسمه تاريخ ميلاده ويوم وفاته وصورته. في وسط الشاهد نُقشت كلمات أخرى بناء على طلبها:
"ارسل اليك يا الهي بفرح كبير زوجي العزيز، الذي تزوجني ارملة فقيرة وتركني أرملة غنية، كان زوجا مخلصا لعشر سنين كاملة فهو يستحق لذلك الغفران، انا غفرت له مغامراته الأخيرة ،وأرجو ان تغفر له أنت أيضا".
nabiloudeh@gmail.com

14
لا واجبات متساوية بدون حقوق متساوية



بقلم : نبيل عودة

الطوشة العمومية في اسرائيل حول موضوع الخدمة الوطنية والمدنية تشتد وتتحول الى مناطحات حزبية وانشقاقات في الحكومة وتمرد أحزاب إئتلافية على رئيس حكومتها، والقاسم المشترك بين الجميع المكاسب الانتخابية في الانتخابات البرلمانية المتوقعة قريبا. المميز ان رئيس الحكومة نتنياهو كعادته،غائب عن القرار وهدفه الأساسي اطالة عمر حكومته. ما هو موقفه؟ هذه أحجية كبيرة أضفت عليه صفة "رئيس الحكومة الذي لا يقرر".
لا يهمني موضوع المتدينين المتعصبين اليهود (الحراديم) انما يهمني اسلوب طرح موضوع الخدمة المدنية على العرب في اسرائيل بمقاييس لا تتلاءم اطلاقا مع خصوصيات المجتمع العربي. من جهة ارفض اسلوب الأحزاب العربية وتوجهها، ولا ارفض موقفها بحد ذاته، انما قصر نظرها وعجزها عن مواجهة الطرح بطرح سياسي وبرلماني وقانوني مناسب. الرفض ليس موقفا، انما تعبير بدائي عن اتجاه. مبررات الرفض التي قدمت لا تخدم استراتيجية النضال السياسي للعرب في اسرائيل. مما يثير المخاوف ان فهمهم قاصر حول دوافع المشروع.
الرفض بدون تبرير يعتمد الحجة القانونية والفكرية ليس سياسة ولن يكون سياسة، هذا موقفي منذ طرح مشروع الخدمة المدنية في اسرائيل عبر "لجنة عبري". كل ما استطيع تسجيلة من مواقف الأحزاب العربية وممثليها هو الرفض دون طرح فكر سياسي بعيد عن مجرد التلويح بشعارات الصراخ بلا منهج عمل، ودون الانتباه للناحية الأكثر خطورة من المشروع الجديد، بالتالي لا يبرزون جوهر مطالب الجماهير العربية ليفهم المواطن اليهودي حقيقة الموقف العربي ، نحن لا نخوض نضالنا في فراغ، عداء السلطة للجماهير العربية هي سياسة مبرمجة، الرد على هذه السياسة يحتاج الى استراتيجية سياسية مبرمجة وبعيدة المدى،تأخذ بعين الأعتبار أهداف الأقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل كمجموعة سكانية لها خصوصيتها، ويفترض طرح تعريف هوية ذاتية تشمل مختلف مجالات الحياة، السياسي ، الثقافي، الاقتصادي، التعليمي، الاجتماعي، القانوني، المدني وكل ما يخص مجتمع بشري من مميزات ومطالب جوهرية وعلى راسها سياسة الأراضي والتخطيط ويشمل مصادرة الأرض العربية لمصلحة أهداف يهودية مثل مشاريع اسكان يهودية على حساب البلدات العربية وتطورها، السلطات المحلية والمساواة في الميزانيات، الرفاه الإجتماعي، الخدمات الصحية، موضوع الهوية، الثقافة والتعليم، التطوير والعمل واقامة مناطق صناعية والتصنيع ، القوانين والمجتمع العربي وغير ذلك.
هذه القضايا كانت وراء انتفاضة العام 2000 ولا ارى ان الواقع تغير رغم تقرير "لجنة اور" التي بحثت وحققت بموضوع الإنتفاضة ووضعت توصيات ايجابية هامة، لم ينفذ منها شيء ولم أسمع ان أحزابنا قلقة من تجاهل تلك التوصيات رغم نقصانها. كذلك هناك تقرير أكاديمي أكثر أهمية قدم أيضا على أثر انتتفاضة العام 2000 الى رئيس الحكومة في وقته ايهود براك، اعده باحثين جامعيين يهودا وعربا من المستوى الأول في اسرائيل ، تحت عنوان "بعد الأزمة – اتجاهات جديدة لسياسة الحكومة بخصوص العرب في اسرائيل" طرحوا في تقريرهم دراسة علمية مفصلة للمشاكل التي يعاني منها المجتمع العربي واقتراح الحلول. وهذا التقرير الأكاديمي يصح ليكون مستندا سياسيا علميا لسياسة عربية تواجه المؤسسة العنصرية للسلطة في اسرائيل لا تعتمد على "ادعاءات عربية" بل على توثيق طرحه الأكاديميون اليهود والعرب من ذوي الأسماء الأبرز في اسرائيل، ولن يدعي عندها أي موبوء بالعنصرية والعداء للجماهير العربية انه موقف عربي هدام وسلبي.
اسجل هنا مسألة جوهرية أكدها التقرير أيضا، أن الاجحاف والتمييز الذي تمارسه المؤسسة الحاكمة ضد الأقلية العربية في اسرائيل ليس وليد الصدفة، لن ينتهي بمجرد ان حكومات اسرائيل تقوم بزيادة المصادر المالية للوسط العربي. المطلوب تغيير جوهري يطرح فيه من جديد تعريف للأهداف العليا التي توجه سياسة المؤسسة الحاكمة بخصوص المواطنين العرب. هذا يعني ملاءمة التفكير والتخطيط في كل مستويات ونشاطات المؤسسة الحاكمة في التعامل مع العرب في اسرائيل. وفي اقتراح المساوة في الخدمات (أي التجنيد الألزامي للخدمة المدنية) هناك تجاهل لسياسات التمييز العنصري والإضطهاد القومي المتواصلة منذ نكبة شعبنا الفلسطيني، واستمرار سياسة الاحتلال والقمع ضد شعبنا الفلسطيني في المناطق المحتلة بعد 1967 ، ورفض الاعتراف بحقه في الحرية واقامة دولته المستقلة، الذي يجب ان يطرح كجزء من المساواة في الحقوق.
لست واهما من امكانية حدوث مثل هذا التغيير الجوهري من تقرير او توصيات لجان قانونية، لأنه ببساطة سيكون تجاوزا للمفاهيم التي بنيت عليها سياسات السلطة الصهيونية حتى قبل حرب 1948.لكن يوجد بايدينا سلاح سياسي اكاديمي موثق وقانوني وهام. اسرائيل ليست مؤسسة سلطة فقط، بل مجتمع بشري أيضا يشمل كل الأطياف السياسية، ومن يتوهم اننا سننجز أهدافنا بدون تجنيد اليهود العقلانيين، وهم قوة هامة اثبتت نفسها في الانتفاضة الاجتماعية وفي المهرجانات الضخمة من أجل السلام وضد الاحتلال والحرب، هو واهم.
الطرح سابقا كان في اطار خدمة تطوعية مدنية، أي خدمة غير ملزمة . اليوم يطرح مشروع الخدمة الإلزامية، وراء هذا المشروع تقف أكثر الأحزاب عنصرية وفاشية في اسرائيل. والفاشي الصغير مارزل جاء الى الناصرة كي "يجندنا" لنقاتل الأعداء حولنا، وانا لا ارى أعداء من حولنا أكثر منه ومن سوائبه المستوطنين. دعوة مارزل مقبولة!!
تبريرات الرفض للخدمة المدنية التي طرحتها الأحزاب العربية ضعيفة وغير مدروسة وظرفية. لا بد من فهم أعمق لصياغة موقف مضاد، يفضح جذور ما تدعيه السلطة عن "واجبات مقابل حقوق".
مشروع الخدمة المدنية السابق كان يمكن استغلاله، ومعلوماتي الموثوقة تقول ان قيادات لجنة المتابعة العربية العليا في وقته تحمست جدا لتفاصيل مشروع التطوع المدني (غير الإلزامي)الذي قدم لها وكان طموحه لا يتجاوز انضمام عشرات الشباب كل سنة للتطوع في مؤسسات اجتماعية مختلفة داخل المجتمع العربي، تشرف لجنة المتابعة على توزيعهم في المؤسسات المدنية العربية، ولكن اعتراض هيئة داخلها جر اعتراضا واسعا ، وسرنا في "جنازة حامية والميت كلب". الموضوع صار وراءنا.
حول المشروع الجديد قرأت مقالات لعدد من الأكاديميين والمثقفين العرب يدعمون فكرة الخدمة المدنية، وهي فكرة لا ننكر أهميتها، ولكن الإطار الذي تطرح فيه الخدمة الإلزامية اليوم يختلف عن الإطار السابق التطوعي الذي أيدته انا شخصيا أيضا بصفته خدمة اجتماعية مدنية تطوعية وغير الزامية للمجتمع العربي ومؤسساته . الفكرة اليوم تحمل أهدافا مختلفة ، وهذا ما حثني للكتابة وطرح وجهة نظري.
الإقتراح اليوم، خدمة مدنية الزامية ( ليست تطوعية) مرفوض من جذوره، ولكني لم أسمع تبريرات رفضه بمنطق سياسي عبر طرح حقائق التمييز الموثقة التي تتعلق بسياسات المؤسسة الحاكمة،بكل ما يخص الأقلية العربية. التعامل في السياسة يحتاج الى اخضاع كل العوامل من اجل احداث تغيير لصالح المجتمع الذي ندعي اننا نمثل مصالحة العليا.
الحجج التي تطرح ظرفية تماما، بعيدة عن العمق في فهم صياغة استراتيجية وتكتيك مناسبين لمواجهة الإقتراح. الحالة الآن تختلف عن الحالة السابقة(التطوعية) معظم ما يطرح يستند الى ان الرفض هو لأن اقتراح التجنيد للخدمة المدنية هو خطوة نحو التجنيد في الجيش. هذا بعيد عن الواقع بُعد الأرض عن الشمس. لا رغبة ولا تفكير في السلطة الصهيونية لتجنيد عرب في جيش الاحتلال والعدوان. هذا الأمر لا يحتاج الى بحث في الكنيست واقرار قانون حوله، لأنه قانونيا قائم وجرى ايقاف العمل به بقرار وزير الدفاع ورئيس الحكومة الأول دافيد بن غوريون في بداية الخمسينات من القرن الماضي، الأسباب التي دفعته لوقف تجنيد العرب في الجيش ما زالت قائمة بل أصبحت أكثر حدة وخطورة من وجهة نظر المؤسسة الصهيونية السياسية والعسكرية. تجنيد العرب يحتاج الى أمر من وزير الدفاع يلغي فيه قرار وزير الدفاع الأول بن غوريون. لا ارى ان اسرائيل الرسمية معنية بالتورط مع جنود عرب معادين لسياسة الاحتلال والتمييز العنصري، سياسة العدوان والحرب ضد شعبنا وضد شعوبنا العربية. السلطة الصهيونية تعرف اننا لن نقاتل ابناء شعبنا، بل سنناضل مع شعبنا ضد احتلال ارضه وضد سلب حقوقه داخل اسرائيل أيضا، سنقف ضد الفاشية ممثلة بباروخ مارزل وعصابات الفاشيين ولن نوفر الحماية لسوائب المستوطنين واعتادءاتهم على شعبنا الفلسطيني، شباب عرب مسلحين هم مشكلة مخيفة ومرعبة للسلطة الصهيونية واستمرار سياستها العنصرية.
لا اريد ان اقول انها غير محقة بذلك.حجة "خطوة لتجنيد العرب في الجيش" باهتة وصبيانية.
اذن نعود لموضوع الخدمة المدنية الإلزامية كما تطرح اليوم، بتعريفها انها خدمة غير أمنية. الطرح يبدو نظيفا من أهداف عنصرية . هل حقا الأمر كذلك؟
عندما يطرح موضوع الخدمة المدنية كخدمة الزامية من منطلق واجبات مقابل حقوق ( لا نحصل عليها) ، لا بد ان نلاحظ ان الخدمة الألزامية المقترحة لن تكون مخصصة بشكل كامل للمجتمع العربي ومؤسساته، بل خدمات مدنية لكل المجتمع الاسرائيلي الذي نعاني فيه من تمييز في جميع مجالات الحياة، ونموذجا على ذلك ميزانيات التعليم التي تبلغ حصة الوسط العربي منها ما يقارب 7% بينما يشكل الجمهور العربي 20% من المواطنين، وعدد طلابه نسبتهم أكثر من نسبة المواطنين.هذا نموذج صغير والتمييز في سائر الميزانيات والمخصصات أكثر سلبية وحرمانا للجماهير العربية. البطالة مثلا تزيد أضعافا عن الوسط اليهودي ولا توجد مخططات لمشاريع تنموية للوسط العربي اسوة بما يخصص للوسط اليهودي. اذن نحن امام حالة جديدة ومختلفة. ماذا يخفي المشروع الجديد؟ ما هي تبريراتنا؟ كيف نواجه الاعلام النشيط لجهاز السلطة ؟ الم يحن الوقت لنفهم اننا نواجه ماكينة اعلامية صهيونية مشحمة جيدا؟ هل سنظل ارتجاليين؟
اوافق ان واقعنا السياسي ليس واقعا طبيعيا. لكن السياسة ليست كل الحكاية. الى جانب ذلك نحن مجتمع مدني. من المفروض ان لنا حقوقا مدنية، حقوق مواطنين، حقوق انسان، حقوق بالتطور، حقوق بالميزانيات، حقوق بالتعلم وتطوير مرافق التعليم، حقوق بتوسع مسطحات بلداتنا التي صودرت اراضيها وتمنح بلا حساب للبلدات اليهودية، حقوق بمناطق صناعية لا تبقي بلداتنا فنادق للنوم للعمال الذين يعملون في الصناعة والخدمات والمشاريع في المدن اليهودية، حقوق في السكن وتطوير البنى التحتية، حقوق في العمل وليس اتساع البطالة بشكل يتجاوز عدة أضعاف لواقع البطالة في المجتمع اليهودي. هناك تمييز في المجال القضائي أيضا. هناك استبعادنا من الوظائف الحكومية رغم كل وعود السلطة بالتمييز لصالح العرب،هناك حقوق طبية، لم يبن أي مستشفى حكومي في الوسط العربي، والمستشفيات العربية هي مستشفيات ارساليات مسيحية تعاني من تمييز كبير أيضا. جامعة في المناطق المحتلة تخصص لها الملايين بلا حساب، رغم اعتراض الجهاز الأكاديمي وتحذيره من رد الفعل الدولية على اقامة جامعة في المناطق المحتلة، بينما مشروع جامعة عربية في الناصرة لا يحظى بأي دعم وتقام العراقيل أمامه.
يطرحون الواجبات مقابل الخدمات. الحقوق المتساوية هي الوجه الآخر للواجبات.لا واجبات متساوية بدون حقوق متساوية. هذا من جذور النظام الديمقراطي، لكنه غائب،او مغيب،من الوسط العربي.
ما العمل؟
لا بد من تعريف هوية ذاتية تشمل المجالات الحياتية كلها، المجال السياسي، الأقتصادي، الثقافي ، التعليمي، القانوني، ومكاننا كأقلية قومية، وعلاقاتنا بشعبنا الفلسطيني وطرق تواصلنا معه ودعمنا لنضاله.
المطلوب تغيير جوهري يضمن تعريفا للأهداف العليا التي توجه سياسة السلطة الحاكمة في اسرائيل وملاءمة التفكير والتخطيط في كل مستويات النشاطات العامة للمؤسسة الحاكمة بكل ما يتعلق بأهداف التعامل مع العرب في اسرائيل، ومع ابناء شعبهم في المناطق الفلسطينية المحتلة او شبه المحتلة، على راس ذلك فحص برلماني لجدية اعلان رئيس الحكومة نتنياهو في خطابه في جامعة بار ايلان، عن قبوله مبدأ دولتين لشعبين.
بالطبع لست واهما ولا انتظر عجائب سياسية من المؤسسة التي بتنا نعرف تفكيرها ونهجها. ما اعرفه اننا نملك حقائق يجب ان نطرحها امام الجمهور الاسرائيلي وامام الراي العام الدولي.
مثلا ما هو تعريف المواطن في اسرائيل؟ من هو الاسرائيلي حسب مفاهيم المؤسسة الحاكمة؟هذا يفترض اعادة صياغة وثيقة جديدة حول الحقوق والواجبات المتبادلة بشكل متزن ودون تفضيل طرف على حساب طرف آخر على اساس عنصري.
اسرائيل تصف نفسها يهودية صهيونية . العرب ليسوا يهودا وليسوا صهاينة ولن يكونوا، العرب يطرحون دولة كل مواطنيها، دولة مدنية ديمقراطية وليست دولة عنصرية حتى في نشيدها القومي ورموزها.اذن التعريف من جديد هو جزء من الحقوق ومن واجب السلطة امام مواطنيها، خاصة المواطنون العرب. هذا جزء من الحقوق المدنية وحقوق المواطنة، رفضه هو نفي للحقوق، لا واجبات بدون حقوق. لا افهم بالقانون، لكني المس هنا مضمون قانوني ضد فرض التجنيد على مجموعة سكانية غير معترف بها مواطنين متساوي الحقوق، مميز ضدهم في الميزانيات وفي كل مرافق الحياة الأخرى وتوصيات اللجان التي تقيمها الحكومة نفسها لا تنفذ والدولة بتعريف هويتها لا تشملهم ، بل تنقلهم الى وضع مواطنين غير قانونيين.
الجمهور اليهودي الحرادي ( المتعصب) معفي من التجنيد بسبب قوة أحزابهم السياسية داخل الإئتلافات الحكومية، لا واجبات تطلب منهم ولكنهم يحصلون على حقوق حتى المجندين اليهود لا يحصلون عليها. رغم ذلك أحد القادة التاريخيين لحزب العمل ، عوزي بارعام، طرح فكرة ممتازة في مقال له نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" بتأكيده ان المساوة في الواجبات، يجب ان تبدأ بالتعليم، أي اخراج الشباب اليهود من ما يلقنوا به في التعليم الديني المتزمت الى دراسة المواضيع العلمية والرياضيات ، طبعا لم يذكر انهم يحصلون على ميزانيات خاصة وعادية أكبر من أي وسط آخر في اسرائيل. من هنا رؤيتي ان الواقع العربي مختلف,التمييز في العديد من القضايا هو حاجز لا يمكن تجاوزه بقرار برلماني يفرض التجنيد على العرب بحجة واجبات مقابل حقوق.
أخطر الأهداف من المشروع الجديد، وهذا يلزم دراسة من باحثين تعتمد على معطيات صحيحة، هو ان فرض التجنيد المدني الإلزامي على العرب يعني فقدان الفرص أمام مئات الشباب العرب من مواصلة تعليمهم الجامعي اذا لم يواصلوا فورا تعليمهم كما هو سائد اليوم، ونعرف عن محاولات سن قوانين عنصرية تمنع انتساب الطلاب للدراسة الجامعية الا بعد جيل ال(21)، المقصود من تلك القوانين ( حتى الآن يدور حديث حولها) التضييق على الطلاب العرب الذين يواصلون دراساتهم الجامعية بعد الثانوية مباشرة (بجيل 18 سنة) ، بالتالي سيضطر المئات من الشباب الى الدراسة في الخارج، هربا أيضا من التطوع الإلزامي، هذا يعني أيضا التورط بمشاكل قانونية تمنع عودتهم بسبب العقاب المتوقع الذي يفرضه قانون الخدمة الإلزامية، وربما يمنع سفر الشباب للخارج بدون اذن مسبق من مديرية التجنيد. هنا الإشكالية الكبيرة والخطيرة.
ليس غريبا ان بعضهم سيندمج في المجتمعات الغربية التي دراسوا فيها او بغيرها، وهي ظاهرة قائمة اليوم بنسب صغيرة ولكنها ستتسع مع قانون التجنيد الإلزامي ، سنواجه مشكلة تفريغ المجتمع العربي من ابنائه الجامعيين، البطالة مرتفعة بينهم حتى بدون قانون التجنيد، بعضهم يهاجر يأسا للبحث عن فرص عمل في دول أجنبية.
هذا هو الخطر الأكبر. كيف سيكون مجتمعنا بعد عقد او عقدين من بدء تنفيذ قانون التجنيد الإلزامي؟
بيبي نتنياهو له صيغة مشهورة في تعامله مع الفلسطينيين :"يعطوا يأخذوا ، لا يعطوا لا يأخذوا" لماذ لا يطبقها حضرته مع العرب الذين يعطون ويعطون ولا يأخذوا مقابل عطائهم الا التمييز العنصري وتفليت الفاشيين للتحريض عليهم في بلداتهم؟ عدا المسرحيات البرلمانية العنصرية لسن قوانين فاشية معادية للعرب في الكنيست لدرجة اقتراح قانون يمنعهم حتى من البكاء على نكبتهم وتشريد شعبهم وهدم قراه وسرقة تاريخه ومصادرة أرضه ورفض الاعتراف بدولته المستقلة حتى على جزء لا يتجاوز خمس مساحة وطنه؟
ها هم ابناء شعبنا الدروز فرض عليهم التجنيد الإجباري، ما هي الحقوق المساوية لليهود التي حصلوا عليها عدا المقابر العسكرية؟ لا مساواة في حقوق بل التمييز ضدهم لا يختلف عن سائر الجماهير العربية.من هنا أيضا الى جانب تعمق الوعي الوطني، اتساع ظاهرة رفض التجنيد الإلزامي في الجيش ، وللأسف هناك ظاهرة التجند على قاعدة تطوعية في الجيش والأرقام ليست صغيرة وتشمل كل الطوائف العربية.
ماذا فعلت احزابنا ، قائدة مجتمعنا المدني، لزيادة التوعية ؟ كيف ننقذ الاف الشباب من مقاهي الأرجيلة والسقوط في الجنح؟ كنا مجتمعا مثقفا في القرن الماضي فصرنا مجتمعا "مؤرجلا" في القرن الحادي والعشرين، نعيش ظواهر سلبية عديدة أبرزها وأخطرها تراجع الوعي الاجتماعي العام ، تضعضع الوعي الثقافي، الارتداد للعائلية وتنامي الطائفية المدمرة ، الا تستحق هذه الظواهر السلبية ان تشعل الاف الأضوية الحمراء؟!
ان ازمة الأحزاب العربية تبرز أيضا بنسبة التصويت المنخفضة جدا في الوسط العربي (53%)، وهذا رد فعل تلقائي على حالة اليأس والامتعاض من اسلوب ادارة المجتمع المدني العربي من أحزابه بصفتها الأجهزة المفروض انها تدير شؤون المجتمع المدني العربي. من هنا ارى وجود قطيعة بين من يطمحون ليكونوا قادة وممثلين للجمهور العربي ، وبين جمهورهم. ثلث ال (53%) الذين شاركوا في الانتخابات صوتوا للأحزاب الصهيونية. حساب بسيط يظهر ان جميع الأحزاب العربية التي تتنافس على قيادة الجماهير العربية وتمثيلها لا تحظى الا بثلثي اصوات المشاركين العرب في الانتخابات، أي ثلث مجمل كل الجمهور العربي في اسرائيل باحسن الأحوال. هذا نزع ثقة مرعب، لا ارى ان القيادات الحزبية متنبه لهذا الواقع وقادرة سياسيا وفكريا على تغييره.
طرح سياسة سليمة يعني رفع نسبة التصويت لتصل الى (80%) كما هو الحال في التصويت للسلطات المحلية.هذا سيزيد عدد اعضاء الكنيست ووزن السياسة العربية وتأثيرها في المجتمع الاسرائيلي عامة. انا غير متفائل من مستوى قادة الأحزاب وفهمهم لأهمية دورهم السياسي.لا اعني بالدور السياسي جعجعة الشعارات،بياعي الخضار أيضا يعرفون صياغة شعارات تزيد تسويق بضاعتهم، أعني العمل القانوني والبرلماني والشعبي المنظم. اعني التنسيق وبرمجة العمل النضالي وليس الارتجال والتشاطر للبروز قبل الآخرين. ما طرح من مواقف حتى اليوم حول التجنيد المدني، يثير مخاوفي اننا في الطريق الى المصيدة السلطوية.
ما يعرقل اقرار القانون حتى اليوم محاولة رئيس الحكومة ايجاد صيغة تبقى على تحالفة مع الأحزاب الدينية، بالنسبه له الجمهور العربي بقياداته واساليب النشاط والرفض المتبعة لا يشكل مشكلة او تحديا سياسيا .
ان موقفه المتردد من تجنيد الحراديم، حلفائه الدائمين والمخلصين في السلطة، سيسهل سقوطه السياسي كما يرى الكثير من المحللين السياسيين اليهود، وحسب آخر استطلاع للرأي الليكود بدأ يفقد الكثير من قوته السياسية والبرلمانية لصالح حزب العمل وأحزاب اليسار وحزب يائير لبيد (يش عتيد) الجديد.
لست ضد فكرة الخدمة المدنية الإجتماعية. لكني ضد فكرة واجبات متساوية بدون حقوق متساوية. هنا يجب تركيز معركتنا. المساوة بند اساسي لأي نظام ديمقراطي. المساوة في الواجبات ليست أمنية فقط، أي ليست عسكرية في جذورها. المساواة في الواجبات هي أكثر في الاتجاه المدني والإقتصادي والقانوني. لذلك اقتراح تجنيد العرب للخدمة المدنية دون تغيير استراتيجي في السياسة العنصرية للسلطة، نحو مساواة كاملة بين المواطنين اليهود والعرب واعتراف الدولة بهم كمواطنين كاملي الحقوق في تعريفها القانوني أيضا واسقاط التعريف العنصري دولة يهودية الذي ينفي مواطنة العرب، هذا لن يكون بدون تغيير مضمون سياسة التمييز العنصرية.
التجنيد المدني الإلزامي سيظل اقتراحا عنصريا مرفوضا يهدف جعل اللامساواة أكثر عمقا وأكثر خطرا على المجتمع العربي بظل استمرار السياسات العنصرية والتمييزية وفتح ابواب التشريع العنصري امام الأحزاب اليمينية المتطرفة.
كما أفهم، هذه هي طريقنا لمواجهة سياسات السلطة العنصرية باقتراح قانون التجنيد المدني وبمختلف المجالات.

nabiloiudeh@gmail.com

15
وثيقة حقوق الطفل الدولية لا تخص الأطفال الفلسطينيين

نبيل عودة


تعالوا نتخيل حالة عبثية: مسؤول في السلطة الفلسطينية يعلن ان كل طفل يهودي في إسرائيل يجب التعامل معه كجندي محتل.
أضع هذا التخيل العبثي في مواجهة ما قاله مدّعٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ عام لوفد قضائي بريطاني موَّلتْه وزارة الخارجية البريطانية، جاء يحقق في اعتقال وإصدار أحكام ضد أولاد فلسطينيين يُشتمُّ منها ان إسرائيل تخرق وثيقة حقوق الطفل للأمم المتحدة.
النيابة الإسرائيلية أنكرت شكوى الأطفال الفلسطينيين عن سوء معاملتهم، وقالوا للوفد البريطاني "أضحكتمونا" وأضاف ضابط كبير من النيابة العسكرية بصراحة للوفد البريطاني المشكّل من تسعة رجال قانون "ان كل طفل فلسطيني هو مخرب محتمل".
حسب صحيفة هآرتس، في تقرير لها عن الموضوع، نشرته الصحفية الشجاعة عميرة هيس، زار الوفد إسرائيل في شهر ايلول 2011.
الوفد فحص وحقق بالقانون والتصرفات الإسرائيلية بكل ما يتعلّق باعتقال وصدور أحكام ضد أولاد فلسطينيين.
زيارة الوفد المذكور جاءت بعد ان طرح الموضوع أمام بيتي البرلمان البريطاني للبحث، وتعتبر الزيارة خطوة الى الأمام في التحقيق مما يجري مع الأولاد الفلسطينيين في محاكم الاحتلال الإسرائيلية.
الوفد أصدر تقريرا من 36 صفحة، بصياغة دبلوماسية لطيفة جدا (يبدو ان ذلك من خصائص الغرب بكل ما يتعلق بإسرائيل). من ضمن ما جاء بلطافة دبلوماسية: "من المحتمل ان بعض التردد بمعاملة الأولاد الفلسطينيين، حسب النهج الدولي سببه من القناعات التي طرحت امامنا من مدعي عسكري بان كل طفل فلسطيني هو مخرب محتمل. هذا الموقف يبدو لنا انه نقطة الانطلاق الحلزونية لغياب العدل، الذي لا يستطع احد ان يغيره الا إسرائيل نفسها بصفتها قوة الاحتلال في الضفة الغربية".
المدعيان العسكريان الإسرائيليان اللذان تحدث الوفد البريطاني معهما هما المدعي العسكري الرئيسي الكولونيل روبرت نويفيلد ونائبه الميجر رونين شور. الوفد لا يذكر من قال الجملة التي تشكل منطلق النيابة العسكرية الإسرائيلية (ربما الأصح الفكر الاحتلالي الإسرائيلي) بان كا طفل فلسطيني هو مخرب محتمل. وهو الأمر الذي يشكل العلاقة بين الأولاد الفلسطينيين والجهاز العسكري الإسرائيلي، او دولة الاحتلال للدقة بدون لطافة دبلوماسية.
كما جاء في بداية مقالي، حاولت ان أتخيل مسؤولاً فلسطينياً يقول ما يشبه هذا التقييم للأولاد اليهود. تخيل ميتافيزيقي لا أستطيع ربطه بواقع إنساني. ولم أكن لأتردد باعتبار كل تصريح مشابه نفياً لإنسانية كل من يطلقه، ورفضي لإعتباره ممثلا حتى لخطوط المجاري الفلسطينية. بدون لطافة دبلوماسية شخص يجب نبذه من المجتمع الإنساني الفلسطيني،او أي مجتمع بشري آخر!!
الوفد كشف في تقريره وجود روايات إسرائيلية عسكرية متناقضة حول منهج اعتقال ومحاكمة الأولاد الفلسطينيين حسب القانون العسكري. الجهاز الإسرائيلي الرسمي له روايته. منظماتٌ ونشطاءُ فلسطينيون وإسرائيليون ممّن يتابعون مسألة اعتقال ومحاكمة الأولاد الفلسطينيين وحتى الأولاد أنفسهم لهم رواية مختلفة. الوفد لم ير ضرورة لقبول رواية ما، حسب لسان التقرير. بل سجل الروايات المتناقضة دون تأكيد صحة قبول رواية طرف من الأطراف، ولكن، وهنا الشيء الأساس، سجّل الوفد في تقريره تبريراً لموقفه بعدم الفصل بين الروايات، بأن "الفروقات المثبتة في القانون بين الأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين التي أشغلتهم في فحصهم، هي فوارق موثقة بالفعل، وانه حسب الوقائع الموثقة، التي لم يستطع المتحدثون الإسرائيليون نقضها او إنكارها، وجد الوفد ان إسرائيل تنقض ستة بنود من وثيقة حقوق الطفل للأمم المتحدة.
البند2 – التمييز بين الأولاد الفلسطينيين والإسرائيليين.
البند 3- مصلحة الولد مقابل مصلحة الاحتلال.
البند 37 ب – الاحتياج لحجّة مسبقة لاعتقال الأولاد.
البند 37 ج- عدم فصل الأولاد عن المعتقلين الكبار.
البند 37 د- الوصول فوراً لمحام (الاحتلال لا ينفذ هذا الأمر).
البند 40 – التقييد بسلاسل حديدية في المحكمة (الظاهرة الشائعة).

والتزاماً منه بعدم اعتماد أيٍّ من الروايات، يسجل الوفد انه اذا كانت التقارير والشهادات التي وصلتهم من منظمات إسرائيلية وفلسطينية حول اساليب الاعتقال صحيحة، فان هذا يعني ان إسرائيل تخالف المنع عن التصرف العنيف، وغير الإنساني او المهين حسب البند 37 أ في الميثاق.
وتسجل الصحفية هيس رأيها بوضوح، متخلية عن اللطافة الدبلوماسية، انه بالاعتماد على ما نشرته "هآرتس" من مراسليها، والتي تشمل عشرات الشهادات حول اعتقال أطفال فلسطينيين، نسمح لنفسنا، كما تكتب عميرة هيس، "ان نكون أقل مجاملة وتردداً، ونقرُّ ان المعاملة القاسية، وغير الإنسانية، او المهينة، هي المعيار. الجيش يتصرف بشكل دارج (روتيني) في اعتقال الأولاد الفلسطينيين في منتصف الليل. وبشكل دارج يُضربون، صفعاً او رفساً أثناء الاعتقال. وفي ثلث الحالات، حسب فحص المنظمة العالمية للدفاع عن الأولاد، يطرح الأولاد على أرضية السيارة العسكرية، أثناء قيادتهم للاعتقال. وبشكل دارج رجال الشرطة يحققون معهم قبل التحقيق الرسمي. وتقريبا بشكل دارج أيضا التحقيق يجري قبل ان يسمح للولد ان ينام، وبشكل دارج لا يحضر والداه في وقت التحقيق معه".
حجّة ممثلي وزارة الدفاع ومنسّق العمليات في المناطق المحتلة، أولا، وهو تقليد إسرائيلي دارج، الإنكار أولاً، ثم قولهم ان "الجنود هم جنود". هذه الملاحظة أقلقت الوفد البريطاني، كما جاء في تقريرهم. وطبعاً قال ممثلو الاحتلال إن الأولاد بإمكانهم تقديم شكوى حول معاملة مسيئة لقسم التحقيق مع الشرطة.
 اقتراح عبقري!!
نحن مواطني إسرائيل يضحكنا هذا القسم الذي يحقّق مع نفسه، من معرفتنا لنزاهته الكبيرة.. الذي يقرر عادة، بشكل دائم ومتوقع، انه تبين بعد الفحص ان الشكوى غير صحيحية!!
تبرئة جاهزة. أليس الأطفال الفلسطينيون مخربين محتملين في المستقبل؟ هل يمكن تصديق المخرب الفلسطيني المقبل وتكذيب الجندي او الشرطي "محرري" الأرض من "مغتصبيها" الفلسطينيين؟!
لمن تقدم شكوى على قسم التحقيقات الذي يبرئ بشكل مطلق تقريباً تصرفات الاحتلال؟
هل يعي الأولاد مضمون اعترافاتهم؟
تقرير الوفد يذكر باستهجان منضبط جدا، فقط لدى البريطانيين يمكن ان يكون الاستهجان منضبطاً جدا او بكل ما يتعلق بالتعامل مع تجاوز إسرائيلي. يذكر حقيقة ان الجهاز العسكري القضائي، لا يسمح لمحامي ان يلتقي مع الأولاد قبل بدء المحاكمة ليمثلهم بشكل معقول وكامل. يذكر التقرير بمرارة منضبطة (هذه ايضا مرارة بريطانية او غربية جاهزة تخصّ إسرائيل فقط) ان لوائح الاتهام المقدمة للمحاكم العسكرية تعتمد على اعترافات الأولاد، واعترافات أولاد على رفاقهم. يشير التقرير ان الجهاز العسكري يدفع الأولاد لاعترافات بالتُّهَم والوصول الى "صفقة ادّعاء" طبعاً بدون وجود محامٍ يمثل الأولاد، أي لا تجري محاكمة حقيقية للأولاد. ومن المؤكد أن الأولاد المرعوبين لا يفقهون ما تخبّئ لهم الصفقة، وربما لا يفهمون هذا التعبير ومحتواه القانوني، وكل ما يهمُّهم هو التخلُّص من الوضع الغريب والمخيف الذي وجدوا أنفسهم بلا وعي داخله بصفتهم مخربين محتملين مستقبلاً. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل وردت في عشرات التقارير للجان حقوق الإنسان والطفل إسرائيلية وفلسطينية ودولية ويردّدها دائماً نشطاء فلسطينيون وإسرائيليون، وأوردها المحامون الذين يدافعون عن المعتقلين الفلسطينيين وخاصة عن الأولاد، وقدّموا صورة مذهلة عن المحاكمات التي تصدر أحكاما بالجملة بدون استماع لـ"المخربين الصغار" وبناء على ما تقدمه النيابة العسكرية من "صفقات" جاهزة "توصلت" اليها مع الأولاد، وكأن الأولاد على فهم لمضمون ما يدور حولهم، بغياب أي دور للمحامين لتقديم دفاعهم، اذ يسمح لهم بالظهور في معظم الحالات اثناء المحاكمة فقط، دون ان يتمكنوا من فهم ما يجري مع موكليهم من "المخربين" الصغار. وهناك سيف الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القانونية (وهي صيغة هلامية، تعني بقاء الأولاد في الاعتقال حتى المحاكمة). الحديث يبدو وكأنه عن أشخاص بوعي كامل يتصرفون بناء على فهم وتخطيط، وليس عن أولاد لا يفقهون ما يجري حولهم، ولا يعون معنى لتصرفاتهم حتى في حال قيامهم بالمشاركة بمخالفات مثل قذف الجنود بالحجارة، وهي المخالفات الدارجة مع الأولاد عادة، نتيجة استفزاز يومي يرتكب بحقهم او بحق مجتمعهم وأقاربهم وأبناء وطنهم، يرى فيها الاحتلال "تهديداً لأمنه واحتلاله وجريمة أمنية بالغة الخطورة" والوفد البريطاني التقى مع القضاة العسكريين ومنهم ضباط كبار بدرجات مرتفعة وحملة ألقاب أكاديمية رفيعة جداً ومنها لقب بروفسور مثلاً.
تقرير الوفد القضائي البريطاني يلاحظ أمراً مقلقاً يتوسّع به تقريرهم، حول شكل "محاكمة" الأولاد حيث "يشجع" (ربما الأنسب والأصحّ كلمة "يفرض") الجهاز القضائي العسكري على الأولاد المعتقلين (هل هم بقدرة مواجهة المحققين الإسرائيليين؟) الوصول الى صفقة مع النيابة العسكرية، الأمر الذي يعني عدم إجراء محاكمة حقيقية، في مثل هذه حالة عدم الوصول الى صفقة، يعني انه على النيابة العسكرية ان تُحضِر شهوداً وإثباتاتٍ للتهم التي توجه للأولاد، أيَّ عمل مرهق وشبه مستحيل. وعلى الأغلب لا شهود ولا إثباتات، أي محاكمات "لفلفة" وليس من الصعب إيجاد وصف لهذه المحاكمات في مقالات كتبها المحامين أنفسهم الذين تلخّص كل دورهم بأن يكونوا حضوراً في مسرحية قراقوشية. والأمر المرعب أكثر ان النيابة العسكرية قد تطلّب ايضاً اعتقال الأولاد حتى انتهاء الإجراءات القانونية، وهو أمرٌ تترتّب عليه أضرارٌ نفسية وجسدية هائلة للأولاد، اذ قد يكون الاعتقال حتى انتهاء "الاجراءات القانونية" أكثر امتداداً من العقاب نفسه. هذا الجانب طرح بمئات التقارير المنشورة في الانترنت أيضا.
الوفد البريطاني قدّم 40 توصية للجهاز العسكري الاحتلالي، من أبرزها ان القانون المدني الإسرائيلي يمنع اعتقال أولاد (القصد أولاد من إسرائيل) تحت سن الـ 14 سنة وانه يجب تطبيق هذا القانون على الأولاد الفلسطينيين ايضا.

الفلسطيني مدان حتى يثبت العكس

في تصريحات ل"CNN" قالت عضو وفد المحامين البريطانينن باتريشا سكوتلند، التي شغلت في السابق رئاسة الادعاء العام في بريطانيا، وساهمت في وضع التقرير: "ما فعلناه هو أقرب إلى تقديم تقييم تحليلي قانوني للوضع هناك، لدينا روايات متضاربة حول ما يحصل فعلياً، ولم نقم باستنتاجات حول تلك الروايات، بل لجأنا إلى تحليل نصوص القانون الإسرائيلي، ولذلك نعتبر أن الأدلة التي أشرنا إليها لا تقبل الشك". وأضافت: "استخدمنا القانون الإسرائيلي كنموذج لمعرفة حقوق الطفل الإسرائيلي، وتساءلنا حول السبب الذي يمنع تطبيقها على الطفل الفلسطيني، ونظرنا بالقوانين التي تطبق على الطفل الإسرائيلي، وتلك التي تطبق على الطفل الفلسطيني، ووجدنا أنها مختلفة (مختلفة كلمة في منتهى اللطافة).. وقد سألنا عمّا إذا كان هناك سبباً شرعياً لهذا التباين، فلم تكن هناك إجابة"
الوفد لم يعتمد على تقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية مثلا، وعلى رأسها منظمة "بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة" التي نشرت وفضحت آلاف الممارسات غير القانونية حتى في المفهوم القضائي العسكري الإسرائيلي الممارس ضد الأطفال الفلسطينيين، ووثّقت الكثير من التجاوزات بأفلام مصورة بوقت وقوع الاعتداء على الأطفال او الكبار في الكثير من الحالات.
ولنفحص تقارير منظمات إسرائيلية أخرى.
جاء في تقرير اعدته ونشرته منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية ان المحاكم العسكرية التي يمْثلُ أمامها المعتقلون الفلسطينون تصدر قرارات بإدانة ما نسبته 99.7% منهم فيما لا تستمر جلسات تمديد الاعتقال حتى نهاية الإجراءات أكثر من دقيقتين فقط، ووصفت الأمر بانه "شيك مفتوح"!!.
وأضاف تقرير "يش دين" ان المحاكم العسكرية والنيابة الإسرائيلية تمتنعان عن ترجمة لوائح الاتهام المقدمة ضدّ الفلسطينيين للغة العربية، فيما مثل أمامها العديد من الأطفال والقُصَّر الفلسطينيين الذين جرت محاكمتهم كبالغين. وقدَّر محققو المنظمة متوسط الوقت الذي تستغرقه محكمة تمديد اعتقال فلسطيني حتى نهاية الإجراءات القانونية بدقيقة و 54 ثانية فقط.
وفسّر المحامي جواد بولس، المتفرّغ تماماً لمهمة الدفاع عن المعتقلين والأسرى الفلسطينيين، ظاهرة نسبة الإدانة المرتفعة بالقول: "إنني أعتقد بان كل فلسطيني يمثل أمام المحاكم الإسرائيلية مدان حتى يثبت عكس ذلك".

nabiloudeh@gmail.com

16
أبرتهايد ضد زيتون فلسطين

أبرتهايد ضد زيتون فلسطين

نبيل عودة

نشرت صحيفة "هآرتس" تحقيقاً مثيراً ومؤلماً حول التجارة بأشجار الزيتون الفلسطينية العتيقة، بعضها يسرق تحت ضوء الشمس وتحت نظر وسمع أصحاب بيارات الزيتون التي تبكي هي وأصحابها فقدان الأشجار المعمرة، التي تقتلع وتصل بطرق التفافية مختلفة الى السوق الإسرائيلية، ومباشرة الى منازل أصحاب الملايين، ويبدو ان أشجار الزيتون التي تقلع من أرضها بلا رحمة ويدون اذن أصحابها، أضحت تجارة غير رسمية تقدر بعشرات الملايين من الشواقل كل سنة.
من يسرق هذه الأشجار؟
الزيتون كان دائماً الى جانب البرتقال رمزاً للوطن الفلسطيني، وله مكانة مقدسة في قلوب أبناء الشعب الفلسطيني، وحتى إسرائيل الرسمية باتت تعتبره رمزاً قوميا لها، تماماً كما صارت الفلافل والحمص أكلات إسرائيلية، وتفاخر إسرائيل بجودة الزيت المنتج، ومن الواضح ان منتجي الزيت معظمهم من أبناء الوطن الفلسطيني بكل أطرافه المقسمة.
قامت الصحفية مايا زينشتاين من "هآرتس"، بإجراء تحقيق جريء حول موضوع أشجار الزيتون، كشفت فيه انه منذ عشر سنوات تجري تجارة غير قانونية بأشجار الزيتون الفلسطينية العتيقة، بعض الأشجار عمرها الف سنة وأكثر، تسرق، تقلع بشكل غير قانوني، تهرب من الضفة الغربية الى إسرائيل وتصل الى منازل أصحاب الملايين لتزيين مداخل منازلهم، حدائقهم، ساحاتهم، والى مواقع أخرى مختلفة، وكلها أشجار اقتلعت غصباً من أراضي أصحابها، من الأرض التي نمت فيها عشرات السنين أو مئات السنين.
ان من يدخل منازل أغنياء إسرائيل كما جاء في التحقيق الصحفي، يظن انه انطلق في مركبة الزمن عائداً الى ايام هيرودوس، الحاكم الروماني لفلسطين الذي استمر حكمه من عام 37 قبل الميلاد حتى عام - 4 قبل الميلاد، في عهده زرعت الكثير من أشجار الزيتون.
ظاهرة تزيين منازل أصحاب الملايين اليهود في إسرائيل بأشجار الزيتون العتيقة أصبحت ظاهرة واسعة الانتشار. هذه الظاهرة تجري بصمت دون أن تثير أصداء او تدخّلاً من السلطة لوقف السرقة. السؤال الذي يشغلني لو كانت الأشجار التي تسرق يجري اقتلاعها من أراضي داخل الخط الأخضر، يملكها اليهود او استملكها اليهود بأمر السماء، هل كانت السرقة تمرّ بمثل هذا الصّمت والتجاهل؟
"هآرتس" تكشف ان معظم الأشجار يجري تهريبها من مناطق الضفة الغربية المحتلة، وبعضها من أراضٍ في الجليل، وهو تعبير يعني أراضي بملكية عربية، ولكنها لا توضح هل يجري اقتلاعها هي الأخرى عنوة وبدون معرفة أصحابها؟ وهل اقتلاع الأشجار يجري حسب القانون؟
التهريب من أراضي السلطة الفلسطينية يجري بدون مشاكل، ويمر عبر الحواجز بدون سؤال وجواب.
يصل سعر الشجرة الواحدة بين 30 الى 80 الف شاقل (الدولار يساوي 4 شواقل تقريباً). أشجار لم يتعب سارقوها بصيانتها وتنميتها والحفاظ عليها لتطعمهم وتطعم أولادهم وتبقى ضمن الحقوق الأساسية البسيطة التي يمكن ان لا يتطاول عليها الاحتلال "المتنور" وسوائب مستوطنيه، على اعتبار ان الشجرة ليست طفلاً فلسطينياً يجعل ضابط نيابة عسكري يقول لوفد من البرلمان البريطاني جاء ليفحص واقع حقوق الطفل الفلسطيني تحت الإحتلال: "ان كل طفل فلسطيني هو "مخرب" محتمل في المستقبل"!!
بغض النظر عن اقتلاع أشجار زيتون بموافقة أصحابها لأسباب عديدة منها ضيق مساحة أراضي البناء في الوسط العربي داخل إسرائيل وحالة الفقر التي تسود بعض الأوساط، إلا ان هذه الظاهرة تأخذ منحى آخر في المناطق المحتلة.
حسب التحقيق في "هآرتس" نقل أشجار الزيتون يشكل أيضا مخالفة جنائية في الكثير من الحالات. نص القانون واضح ولا يترك فسحة لعدم الفهم. أمر الغابات الانتدابي، الذي يعتبر القاعدة القانونية لحماية الأشجار في إسرائيل والضفة الغربية بنفس الوقت، يمنع قطع او نقل شجر الزيتون، او أشجار أخرى، الى أماكن أخرى، بدون الحصول على تصريح بالقلع والنقل، وكذلك تصريح لأصحاب الأرض باقتلاع أشجارهم، وذلك من موظفي قسم الغابات في وزارة الزراعة وموظفي الكيرن كاييمت لإسرائيل (صندوق أراضي إسرائيل).
الكيرن كاييمت تعترف انه توجد فجوة هائلة بين التراخيص التي أعطيت لنقل عدد من أشجار الزيتون، وبين ما يجري في الواقع، البعض يقول ان الفجوة تصل الى 50% فجوة بين التراخيص وعمليات الاقتلاع غير المشروعة وتباع بتجاهل ومخالفة كاملة للقانون.
حول نقل الأشجار من الضفة يقول احد العاملين في هذا المجال، انه "ممنوع إحضار أشجار زيتون من الضفة لأن دولة إسرائيل لا تملك حقوق اقتلاع الأشجار هناك".
 في مشتل في المثلث (أتجاهل قصداً عدم ذكر التفاصيل والأسماء) توجد عشرات أشجار الزيتون بجيل 100 سنة وحتى ألف سنة. يقول العامل هناك ان سعر الشجرة يصل الى 75 الف شاقل والشجرة الثانية للمشتري 60 الف شاقل فقط "!!"، وانه يوجد الكثير من المجانين في إسرائيل خاصة من قيساريا ومن سيفيون (أي مدن الأغنياء في إسرائيل) – القصد أغنياء يدفعون عشرات آلاف الشواقل مقابل كل شجرة زيتون. عن سؤال من اين وصلت هذه الأشجار؟ لا يجيب العامل الا بالصمت وابتسامة ذات دلالة ترتسم على وجهه، بعد تردد، وبعد ان يفحص الزبون بعينيه، ليتأكد ان لا شيء يمنع المصارحة، يشاركه بمعلوماته: "هل ترى هذه الأشجار؟ وصلتنا أمس في الحادية عشرة ليلاً مع رافعة بقدرة 50 طنا. هذه اشجار عمرها 2500 سنة، ليست من هنا، هذه الأشجار من الخارج، من فلسطين، كل هذه الأشجار من فلسطين".
ويشرح العامل شكل الحصول على الشجر: "أذهبُ الى أصحاب بيارات الزيتون، أختار بعض الأشجار، وأقول لصاحبها اني سأدفع له عشرة آلاف دولار مقابلها، هذا مبلغ كبير جداً وهام جداً بالنسبة لهم، حتى خلال عشرة سنوات قادمة تلك الأشجار لن تعود عليه بدخل مشابه. يصاب الفلسطيني بصدمة من قيمة المبلغ وطبعاً بِحيرة كبيرة، البعض لا يقبل، ولكن من يقبل نرسل اليه شخص من طرفنا، ويشتري الأشجار، نتلقّى موافقة من وزارة البيئة، ونسجّل الشجر ونحصل على تصريح، نمرّ عبر الحواجز مع الترخيص.
الإادارة المدنية بصفتها الجسم الوحيد المسؤول عن اقتلاع الأشجار من الضفة الغربية وإدخالها الى إسرائيل لها رواية مختلفة.
ضابط الزراعة في الإدارة المدنية يقول انه في السنة الأخيرة لم يعط أي تصريح لقلع ونقل أشجار زيتون ويدعي الضابط أنهم في الإدارة المدنية لا يعلمون شيئاً عن تهريب أشجار زيتون الى إسرائيل.
مستهجن انهم لا يعلمون. ويبدو ان عدم العلم سياسة ؟!
صحيفة "يديعوت أحرونوت" نشرت عام 2003 عن عمليات اقتلاعٍ واسعة جدًا لأشجار زيتون من الضفة الغربية (المناطق المحتلة) وأوضحت أن بناء الحائط الأمني، فصل آلاف أشجار الزيتون عن أصحابها، وأدّى إلى اقتلاعها وسرقتها. وأكثريتها لم تُعَد لأصحابها بل بيعت من قبل مقاولي البناء الذين بنوا الحائط الأمني، وبمعرفة الادارة المدنية.
تسجل هآرتس قصة مؤلمة. محمد مقبل من إحدى قرى الضفة الغربية، يحمل بكيس نايلون أوراق الطابو لأرض اشتراها والده قبل ولادته، وفيها بيارة مزروعة بأشجار الزيتون، عمر أشجارها أكثر من 100 سنة، ولا يسمح له بزيارة أرضه إلا مرتين كل سنة. الى جانب أوراق الطابو يحتفظ محمد مقبل بكمية كبيرة من الشكاوي التي قدمها في السنوات العشر الماضية لشرطة إسرائيل ولإدارة التنسيق والاتصالات في الضفة الغربية حول اعتداءات على أرضه، منها الدخول لأرضه الخاصة واقتلاع أشجار زيتون دون اذنه، يقول انه في عام 2007 اضطر للمشاهدة من البعيد، الجرافات وسيارات الشحن تقتلع أشجار الزيتون من أرضه، وان شكواه للشرطة لم تفد، وان الإدارة المدنية أعادت له أقل من نصف الأشجار والبقية "اختفت"!!
ويضيف محمد مقبل ان لجاره أيضاً مشكلة مشابهة، هذا عدا موت أشتال زيتون جديدة زرعها لأنه لم يسمح له برويها ورعايتها بسبب منعه من الوصول الى أرضه إلا مرتين في السنة.
طبعاً الحائط الأمني خلق واقعاً مؤلماً ومدمّراً للزراعة الفلسطينية بفصل قرى كاملة عن أراضيها واضطرار الفلاحين لبيع أشجار الزيتون، التي لم يعد باستطاعتهم الوصول اليها، وقد تتعرض للاعتداء الهمجي بالقلع والحرق من المستوطنين، وايضا لضمان لقمة الخبز التي أصبح ضمانها صعباً جداً مع الحصار المفروض على البلدات العربية ومنع الفلاحين من فلاحة أرضهم وزراعتها والحواجز العسكرية التي حولت البلدات الفلسطينية الى سجون كبيرة لا تتوفر فيها الشروط الأساسية لحياة طبيعية. هذه الظاهرة توجد في الكثير من المناطق وأبرزها قرية "حبلة" في مقاطعة قلقيليا، حيث تمر الأشجار المقلوعة عبر الحاجز العسكري بدون مشاكل.
الحقائق تبدو بلا أهمية وتافهة أمام ما يجري من سرقة الأرض الفلسطينية، ومهزلة لجان قانونية تشرع الاستيطان والسيطرة على الأرض. في ظل هذا الواقع من يهتم بأشجار الزيتون في الوقت الذي يعاني فيه الانسان الفلسطيني من حصار ونهب وحرمان من حقوق اولية للبشر؟ حتى الوصول الى المستشفيات بات مشكلة وبعض النساء يلدن أطفالهن على الحواجز العسكرية وهن ينتظرن رحمة المحتل ليسمح لهن بالوصول الى المستشفى وولادة "المخرب" الفلسطيني الجديد؟
 السلطة الفلسطينية ضد اقتلاع أشجار الزيتون الذي يشكل إنتاجاً أساسياً للفلسطينيين. ولكن الأرض والرقابة ليست بأيدي السلطة وحتى ليست بأيدي الإدارة المدنية إلا شكلياً وشرطة إسرائيل لا يهمها الأمر. لو كان الاتجاه عكسياً لسمعنا عن اعتقالات وتحقيقات ومحاكمات. طبعاً، وعود كثيرة تُطرح، يُسمع عن تهديد بالعقاب لمخالفي القانون، بل ويقال بوضوح انهم يعلمون ان هناك فجوة كبيرة تصل الى أكثر من 50% بين تصاريح نقل أشجار زيتون وبين الواقع. مسؤولية من تنفيذ القانون في المناطق المحتلة؟ مسؤولية من الكشف عن هذه السرقة الرهيبة للشجر الفلسطيني الذي يشكل الغذاء الأساسي للمجتمع الفلسطيني المحاصر والمعزول عن العالم وعن بعضه البعض؟
 يبدو ان حالة أشجار الزيتون لا تختلف عن حالة أصحابها. الانسان الفلسطيني، حتى داخل إسرائيل، يعاني من "ابرتهايد" والشجر الفلسطيني يعاني من ابرتهايد. التسيّب لن يتوقف ما دام احتلال الأرض الفلسطينية مستمراً.
الكيرن كاييمت اعترفت انها أصدرت في السنة الأخيرة 18,900 تصريحاً لنقل أشجار زيتون. ولكن معظم هذه الأشجار ليست مطلوبة في السوق، وإنما هي أشجار جديدة اقتلعت من أراضي الكيبوتسات بسبب ارتفاع أسعار مياه الري ولتنفيذ مشاريع أخرى.
كذلك يتبين ان العقاب لتجار الأشجار المهربة لا يشكل رادعاً. مثلا الغرامة التي تفرضها المحاكم لمن يضبط بعملية التهريب تتراوح من 750 شاقل حتى 5,000 شاقل لأشجار تباع الواحدة بأكثر من 75 ألف شاقل. الجهة الوحيدة التي اهتمت بالموضوع، هي دائرة الضرائب، ليس لأنقاد أشجار الزيتون الفلسطينية من السرقة، بل للحصول على حصة الضريبة من الأرباح الخيالية، أرباح الاعتداء غير المشروع والمخالف للقانون الذي تدعي إسرائيل انه تنفّذه ويشمل أشجار الزيتون الفلسطينية، ولا أعرف أحكام القانون الدولي في هذه الحالة.
لا بد ان تقوم الى جانب السلطة الفلسطينية هيئة عامة تشرف وتوقف اقتلاع أشجار الزيتون، واستهجن اني قرأت عن الموضوع بصحيفة عبرية مستقيمة وجريئة، ولم أقرأ عنه بتقرير فلسطيني رسمي او صحافي.
سوائب المستوطنين حرقت وقطعت آلاف الأشجار. حان الوقت لجعل شجر الزيتون ضمن الحماية القانونية الواضحة للسلطة ألفلسطينية، وإجراء مسح ورقابة دائمة. يجب إنقاذ شجر الزيتون من سياسة الأبرتهايد الإسرائيلية التي لا تميز بين الإنسان والنبات. كل ما هو فلسطيني مباح. يجب ان يعاقب كل متعاون وبائع لهذه الثروة الفلسطينية ومعاملته بنفس أسلوب معاملة خونة شعبهم.


 nabilodeh@gmail.com

17



صدور الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الفلسطيني الراحل سميح صباغ بمناسبة الذكرى العشرين لوفاة



بقلم : نبيل عودة
[/color]



في العاشر من تموز 1992 ثكلت ثقافتنا الفلسطينية بوفاة الشاعر سميح صباغ وهو في شبابه ، بعد مرض صعب في الكبد ، حول حياته الى معاناة طويلة. واليوم بعد عقدين كاملين من وفاته، أصدرت عائلته ديوانه الكامل بنسخة (pdf)  يجري توزيعها على الانترنت ليتسنى للقارئ العربي ان يتعرف على ابداعات سميح صباغ الشعرية.
ولد الشاعر سميح صباغ ، لعائلة مستورة الحال ، في 1947 – 06 – 19 في قرية البقيعة التي تقع في الجليل الأعلى من بلادنا فلسطين ، ذو الطبيعة الساحرة.
تفتحت شهية سميح للأدب العربي وللشعر العربي وهو طالب ثانوي، عشق اللغة العربية وقرر ان يكون معلما للغة العربية التي أضحت معشوقته الأبدية، فالتحق بعد الثانوية بدار المعلمين العرب في حيفا . العمل في سلك التعليم كان يعني أيضا في تلك الظروف التي سادت الواقع العربي في اسرائيل ، انقاذ عائلته من العوز، وضمان اللقمة الشريفة والمستقبل الأفضل. والأهم انه كان يرى انه سوف يصبح معلما مخلصا لأطفال شعبه ووطنه ...
بدايات سميح الشعرية لفتت انتباه القراء والمثقفين العرب ، وللأسف لم يحظى بتغطية ملائمة لأعماله الشعرية، رغم انه يعتبر أحد الشعراء المجيدين وذوي المواقف الوطنية التي لا تساوم.
يا وطني يا حبي الآسر يا أغنيتي الاولى
أنا كبرت
فخلني أحمل عنك بعض ما حملت
سميح الذي ولد ليكون معلما لم يكن مقبولا على جهاز التربية والتعليم في دولة اسرائيل :   "لأن قلبه محب للعدل ، كاره للظلم ولسانه لا يتغنى الا بالحق الصراح " ،  كما يقول صديقة الشاعر حسين مهنا..
عمل سميح بالبناء مكرها ، وبالدهان وبأعمال حرة .. وكان ينشر قصائده بأسماء مستعارة أشهرها اسم " شادي الريف " .ولفت الأنظار الى جمالية قصائده ورقتها وحسن قوامها ..
انتسب الى الحزب الشيوعي ، الذي كان في تلك الفترة بيتا حقيقيا لأبرز المثقفين والأدباء العرب في اسرائيل ، وعمل في صحيفة الحزب "الاتحاد"   وقست عليه الحياة أكثر حين أصيب بمرض في كبده . ارسله الحزب للعلاج في ألمانيا الدمقراطية ، حيث أجريت له عملية جراحية خطيرة ، عاد بعدها أوسع أملا وأكثر تفاؤلا .
تزوج عام 1974 من فتاة أحلامه التي كتب لها أجمل قصائده :" سلمى جبران " ( أم شادي ) تزوجته رغم علمها بخطورة مرض سميح . وكان جني هذا الزواج ثلاث ثمرات طيبات : شادي وفداء وحازم .

تظلين في البال
زنبقة المرج ، تفاحة الوعر
رمانة في الجليل
تظلين في كرم دوال،
على سطح حيدر
ونرجسة في الحقول

عاد ، بعد علاجه في المانيا ، الى عمله في صحيفة " الاتحاد " ثم في تحرير مجلة "الجديد" الثقافية ... ولكن المرض لم يمهله طويلا .. وتوفي في 1992 – 07 – 10 .
صدر للشاعر :
  * ديوان داخل الحصار ( 1971 )
 *  وطني حملني جراحه ( 1974 )
 *  دمي يطاردكم ( 1977 )
  *  عهود مودة ( صدر بعد وفاته - 1993 )
  *   الأعمال الشعرية الكاملة ( 1993)

في 10-07-2012 ، حلت الذكرى السنوية ال ( 20 ) لوفاة الشاعر سميح صباغ الذي رحل قبل أوانه ، مخلفا وراءه تراثا شعريا أصيلا في مضمونه ، ورائعا في أصالته الفنية ، وساحرا في صياغاته ورؤيته الشعرية ، وبليغا في لغته وحلمه الانساني .
وما عدا مراجعة أو أثنتين ، نسي سميح ، واندثرت ذكراه الا من قلوب القليل القليل من محبيه شاعرا وانسانا ، وأخص بالذكر الشاعر المبدع حسين مهنا، ابن قرية الشعراء البقيعة ، قرية سميح أيضا ... الذي نشر مقالة رائعة في  ذكرى وفاة شاعر البقيعة وشاعر الوطن ، وشاعر الهم الانساني ، "شادي الريف" سميح صباغ وكتب مقدمة الديوان الكامل الذي الذي يجري توزيعه بصيغة ( Pdf) على الانترنت، واوجه أنظار القراء لهذا الديوان وخصوصية شعر سميح صباغ.

كلما مرت على الدرب صبية،
في قميص أزرق
ذكرتني .. آه – ثوب المدرسة..
يوم كنا نلتقي
ذكرتني .. قعدة الظهر بظل الشجر..
وانتظاري .. ومشاويري .. اليك .

سميح صباغ مات قبل أوانه .. حقا لم يكتب في سنواته الأخيرة الشعر .. ربما حالته الصحية الصعبة انتصرت على الشاعر وأصمتته . وهو الذي عاش حياته متحديا رافضا الذل ، فكان منذ بداياته على وعي سياسي ووطني أصيل ، كانت فترة نشوئه هي فترة سيطرة الحكم العسكري على جهاز التعليم ، وعلى كل تفاصيل حياتنا .

أبــى الفقــر الا ان يجـــرعني كأسي
مـــرارة ذل من مراشفهـــا الكـــــدر
وما كان فقـري عن خلاعــة عابـــث
ولكن جــور الدهــر يسلبني يســـري
وضويقت حتى في شعوري ولم أخن
وأمضيت أيامي على لهب الجمــــــر
ويقول في نهايتها :

ومــا انـــا بالنـــذل المقـــــود بعيشـــه
وان لجموا شعري أو اضطهدوا فكري
غــدا أخلـع الحجــب المقيتـة والخنــــا
وأحمــل قرآنـــي أطــوف في الجهــــر
ففي غـد عمري الغـض ثــورة أمـــــة
يقود لهـا شعـري ، وينبئهــا فجــــري!


الحكم العسكري بأزلامة القذرين ، عرفوا من هو طالب دار المعلمين العرب المتخفي وراء اسم " شادي الريف ".. وكانت الصفعة الاولى رفض قبوله في سلك التعليم ...

أحس اني أخون
قضية الانسان ، في بلادي
أحس انني أملك أن أكون
مطرقة في قبضة الحداد
ومنجلا في قبضة الحصاد

يروق لي أن أعطي نموذجا شعريا كاملا لشاعرنا الراحل عنا والباقي في روح ثقافتنا ، قصيدة نشرها في ( 1967 – 07 – 06 ) ووقعها باسم " شادي الريف" ومنشورة في ديوانه الكامل   أقرأوا معي هذه القصيدة الرائعة :

اني بغير كرامتي لن اشبعا

نغــم يضـج بجانبــي ملوعــــــا
يحكـي شكاياتـي فيقطــر ادمعــا
ارنو الى الماضي الكئيب مفجعا
فيكاد قلبـي ان يشــق الاضلعـــا
وتهــزنــي اصــداؤه فيــذيبنـــي
نغماً على لهب الحروف موقعــا
سنتان من عمري وليس بهيـّــن
عهد الشباب يمر أقتم موجعـــــا
حبسوا القصيد ولم يزل في مهده
رياّن يدفــق بالمشاعـــر طيّعـــــا
*******
يـا لقمـة حبست نشيــدي حقبــــة
ايظـــل لحنــي خلفهـــا متقنعـــــا ؟!
قـدر يعـذبنــي ويـدمـي خاطـــري..
فينز من دمــي النشيــد ملوّعـــــا
دربان في قلبي الجريح تصارعــا
فوقعت بينهما اخاف المصرعــــا ..!
قـيــد الطـغــاة بأضلعــي متربــــعٌ
ونداء حرفـي لــم يــزل متوجعـــا
يــا لقمــة وقــع الفـؤاد بقيدهــــا
انـي بغيـر كرامتـي لـن أشبعــــــا
سأخـط دربــاً لي ، جديـداً نيّــــراً
فـي موكـب العمـال زاهٍ مطلعـــــا
ولسوف احكي للطغاة مصيرهــــم
بقصائدي والشعب يصنع مصرعا


عشرون عاما مرت .. وما زال التوهج الشعري في قصائد سميح صباغ متقدا ، وأختصر كل الكلام في هذا الموقف المؤلم لاقرباء وأحباء شادي الريف – سميح صباغ ، وللغيورين على ثقافتنا ، وأقول : انت حي بشعرك أيها الشاعر !!

نبيل عودة –nabiloudeh@gmail.com[/size]

18
"خطى" لبنى دانيال في الطريق الصحيح




نبيل عودة


"خطى" - ديوان شعر 94 صفحة من الحجم المتوسط
شعر: لبني فريد دانيال- دار الماجد - رام الله (2012)


ظاهرة انتشار الكتابة الشعرية في الثقافة العربية الفلسطينية داخل اسرائيل تثير الانتباه والتحفظ.
الملاحظة العامة لا تبعث على التفاؤل.لاحظت ان العديد من الشعراء الشباب بدأوا بدايات مقبولة. لسبب لا أفهمه، وقد تكون له تفسيرات نفسية واجتماعية وثقافية طبعا، نلاحظ على الأغلب تراجعا عن البدايات.المنطق والتوقع ان الأديب يزداد خبرة وممارسة، يتسع عالمه الثقافي والفكري، تتنوع تجربته الحياتية، تتعمق قدراته الصياغية وتنمو قدرته على نقد اعماله بنفسه.
لا اعمم هذه الظاهرة رغم كونها واسعة جدا.
من هنا بدأت أتردد في تناول الأعمال الأولى للأدباء الشباب ، الغريب انهم اختاروا الشعر تحديدا وليس الوانا ادبية أخرى.. القصة القصيرة مثلا. حتى اليوم لا اعرف كتاب قصة ناشئين وآمل ان اكون مخطئا.
لا يمكن تجاهل ما أنجزه شعرنا الفلسطيني المقاوم واحتلاله الصدارة الشعرية العربية ، بصفته عاملا جاذبا بقوة لإختيار الشباب للكتابة الشعرية، بعضهم بلا موهبة اطلاقا، بعضهم يبشرون بالخير، والمهم ان لقب شاعر أصبح الهدف وليس الإبداع نفسه.
هذه الأفكار راودتني حين اهدتني ابنة مدينتي الناصرة، الشاعرة الشابة لبنى فريد دانيال، ديوانها الشعري الأول "خطى" (تبين لي قبل نشر المقال انه ديوانها الثاني) وهي عاملة اجتماعية أيضا، وكنت قد قرأت لها العديد من القصائد في صحف ومواقع محلية.
لباكورة الأعمال الإبداعية حماسة خاصة واستقبال خاص. من حق الأدباء الشباب ان يغضبوا لقصور حركتنا النقدية في التناول الجاد لأعمالهم. المؤسف أكثر ان تناول الإبداعات الأدبية بالنقد يتميز أكثر بتكريس جهد الناقد لتسجيل اعجابه وانبهاره . هل هذا حقا ما ينتظره المبدعون؟ ان يصلوا للقمة باوهام يزرعها ناقد بظن خاطئ ان التصفيق يدعم مسيرة الأديب الابداعية؟
لست ناقدا في معالجاتي وأميل لتسمية كتاباتي مراجعات ثقافية. كتابتي انطباعية اساسا وفكرية في مضمونها.النص الذي لا يمرر لي فكرة ما أو رؤية جمالية معينة لا تثيرني صياغاته وديباجاته مهما تفنن صاحب النص بنحت الكلام.
لا يوجد ابداع كامل.صفة الإبداع الكامل للنصوص موضوع النقد، هو ما يطرحه معظم نقدنا للأسف.لست ضد الإشادة، لكن جعلها صفة مطلقة هو تجاوز للمنطق الثقافي البسيط.
"خطى" لبنى دانيال واستقبالنا للديوان بحماس هو من منطلق البدايات أولا والجهد الجاد في نصوصها.بغض النظر عن مدى اقتحامها للفضاء الشعري.وقراءتي هنا مشروطة بعوامل عديدة. وككاتب يعتمد الانطباع الشخصي، ارى ان لبنى تملك مقومات وأدوات وخيال له اهميته في استمرار مسيرتها الشعرية. في ديوانها تضع اللبنات الأولى لمسيرة الف ميل تبدأ ب "خطى" اولى.
انا لا ارى بمجرد صياغة النص الأمر المقرر.ابحث عن رؤية ثقافية، فكرية، اجتماعيه، إنسانية، فنية، جمالية ولغوية. ابحث عن رؤية فلسفية لمفهوم الشعر ومعرفة صقله في قصيدة تخاطب ليس المشاعر الصماء فقط، انما العقل الواعي أيضا.ابحث عن الصور الشعرية، التي بغيابها يفقد العمل الشعري الكثير من جمالياته.
لم نولد كتابا وشعراء.خيارنا للنثر او للشعر جاء كخيار تعبيري عن الذات.هذا يتجلى بقوة في بداياتنا.لماذا الشعر وليس النثر؟ سؤال ليس من السهل الاجابة عليه، رغم كل اجتهادات تحليل الدوافع.أحد الأدباء ذهب لتفسيرات فرويدية ، الحب للشعر يولد مع العربي من المهد (؟؟)، كان تفسيره ممتعا.ولكنه لا يتجاوز المتعة السريعة.لا شك ان التراث الشعري العربي شكل جوهر الثقافة العربية في جميع عصورها. ابداع العرب في الشعر لا منافس له. كان الشعر لسان العرب. سجل أيامهم مغامراتهم، حروبهم وتعبيرا عن ذاتيتهم في الوقت نفسه.
البعض يختار الفن، الرسم، التمثيل، الموسيقى أو النحت. البعض يختار العلوم او الأبحاث . البعض لا يكتفي بخيار واحد.
السؤال: هل الخيار للون ما هو الخيار الطبيعي الذي يتسرب للوعي الشخصي مشكلا قيمة تعبيرية لا فكاك منها في مسيرة حياة المبدع؟
هل بالصدفة ان شعراء المقاومة محمود درويش وسالم جبران وسميح القاسم بداوا كتابة الشعر مع بداية تفتح وعيهم وقبل ان يعوا معنى ان يكون الإنسان شاعرا؟ اليست هذه حالة للتعبير عن الذات ، عن الأحلام، عن الأماني ، وحالة من التأثر بإبداعات شعراء من التراث ومن العصر الحديث بنفس الوقت؟ نحن هنا امام ظاهرة هامه من اتساع الوعي الانساني لشعراء المقاومة الطليعيين، الفردي والجماعي الى جانب الوعي الجمالي. ويمكن القول انه جيل عاش أحداثا مأساوية شكلت مضمون وعيه وشخصيته ورؤيته العامة.
ربما أطلت في مداخلتي، اعترف ان ديوان "خطى" دفعني لهذه المداخلة لأقول أمرين اساسيين. أولا نحن نقف امام شاعرة شابة يشكل الشعر اسلوبها وادواتها في التعامل مع محيطها. ديوانها يشمل مواضيع بالغة الاتساع. عمليا كل ما يحيط بالإنسان من مواضيع وأفكار.لبنى لا تعيش بانقطاع عن واقعها، تندمج بواقعها وتعبر عنه شعرا. تفرح حين يكون للفرح وقته، تبكي حين لا يكون مفر من البكاء، تغني حين يكون الغناء تعبيرا عن حالة لا بديل للغناء تعبيرا عنها. تثبت انها شاعرة جادة، خيارها للشعر ليس خيارا طارئا.
ثانيا لفتت انتباهي انها لا تسترسل في قصيدتها ، بظن يسيطر على بعض المبتدئين ان الشعر هو المعلقات الطويلة، هذه متاهة بالغة الخطورة .
التقاسيم التي تقدمها لبنى هي تعبير كامل لا يرهق القارئ ولا يبعده عن الفكرة.اسلوبها في التقاسيم القصيرة، ينقذها من الاسترسال والترهل، الآفة التي نلحظها في الكثير من ابداعات الشباب. تحافظ على انتباه القارى ليتواصل معها شعريا، حتى لو كانت بعض الصور الشعرية ضعيفة. بالطبع هذه تجربة اولى نستقبلها بترحيب ، ونطمع لرؤية أعمال شعرية أكثر اكتمالا خاصة في بناء الصورة الشعرية.
في قصيدة ابتهال تقول:
يا وطني
لو كان بمقدرتي
لهدمت السور
وعمرت الأرض البور
رغم ان المباشرة تميز معظم قصائدها، وجميع المبتدئين لم يتخلصوا في بداياتهم من المباشرة، الا اننا نلاحظ انها تحافظ على الحلم الشعري.
الأرض تشكل في ديوانها احد المواضيع التي تتعامل معها من جوانب عديدة وهي ميزة لشعرنا الفلسطيني منذ نكبة شعبنا.وما زالت تشكل مشكلة المصير الفلسطيني الأولى.
الأرض في قلوبنا
حب المكان
حب الزمان
تاريخ وعصور
وفلك يدور.
اعجبتني قصيدة أماه بما تحمله من حس وتعابير تمس شغاف قلب كل انسان:
اراك كلما أيقظت الورد ولملمت الندى
الى ان تقول:
اريد ان اهديك فجرا ملونا
يمشي على امواج مهجتي ورمشي..
اماه اعيديني طفلة تغني كالشحرور
في حاكورة دارنا..
وهل يمكن ان لا يتغزل الفلسطيني بالوطن؟
لا زلت احبك بلادي
يا أحلى من الطير الشادي
القتل الدامي
يضنيني
يشرع أشرعة فؤادي
لطفل يبكي وينادي
أمي!
لا بد ان تبتعد لبنى عن المباشرة بحذر شديد.المباشرة لعبت دورا كبيرا في شعرنا في سنوات بعد النكبة.المباشرة تضعف الحلم الشعري.
لبنى تثبت أمرا اساسيا ، تملك ادوات الشعر واللغة الشعرية، تتميز بلغة سلسة بلا تعقيدات يلجأ اليها البعض بظن انها تعمق مضامين شعرهم. لبني رقيقة في معانيها، تملك وعيا سياسيا واضحا، وتملك فكرا متنورا يمكن ان تعتمد عليه في احداث انطلاقة شعرية في مسيرتها.
ننتظر جديدك دائما.


nabiloudeh@gmail.com


19
نســــــــــــــــــــاء...!

نبيل عودة

منيرة ورائدة صديقتان منذ أيام الثانوية. ربط بينهما رابط صداقة إنسانية أشبه بتلاحم جبلين لا يمكن الفصل بينهما. طالبتان تتمتعان بجمال خاص.. منيرة سمراء لها سحر الشرق، رائدة شقراء لها سحر الغرب. الأهل يتندّرون ان الشرق والغرب لا يلتقيان ولا يتفاهمان الا بمنيرة ورائدة. مرورهما في الشارع من البيت الى المدرسة صباحاً او من المدرسة الى البيت بعد انتهاء الدوام، يكاد يصيب الشارع بجلطة دموية توقف حركته... حتى عجائز البلد لا يتذكرون روحين بمثل هذا السحر الصارخ للسماء تمشيان على الأرض.
فجعت البلد بنبأ وفاتهما في يوم واحد.   
قال شيخ البلد: سبحان الله على حكمته. جعلهما صديقتين في الحياة وفي الممات!!
حكمة الله لا تناقش ولا اعتراض عليها الا من فاقدٍ للإيمان، البعض يثرثر سراً أن شيخ البلد قال مقولته بأجرة تزيد خمسة أضعاف ما يربحه في سنة كاملة.. لعلها أيضا من حكم الخالق!
ماذا يقصد الشيخ الجليل؟
هذه تفاصيل ما بقي في الذاكرة من سيرة الصديقتين... منيرة السمراء ورائدة الشقراء.
منيرة ورائدة تجلسان متلاصقتين داخل الصف، حتى مدير المدرسة لم ينجح في الفصل بينهما لتخيف الثرثرة أثناء الدروس.. فكان الانتصار الأول للصديقتين.
طيلة أيام العطل والصديقتان معاً. اذا نظّم أهل منيرة مشواراً ما، لا ترافقهم ابنتهم الا بضمان مرافقة رائدة لهم. والعكس صحيح ايضا. وهذا هو الانتصار الثاني.
هذه العلاقة وطّدت الصداقة بين العائلتين لدرجة التخطيط لمشاويرهما بشكل مشترك. وهذا النصر الثالث، وعلى الأغلب لا تتناول الواحدة طعامها الا برفقة صديقتها، وكثيرا ما كان تناول الغذاء في بيت واحدة والعشاء في بيت الأخرى. وهذا النصر الرابع والحاسم، لا ضرورة لانتصارات أخرى، لأن طلباتيهما باتت تنفَّذ على أكمل وجه.
 انهما "توأمان لم يلدهما رحمٌ واحد". كما كان يقول الأهل بسعادة لهذه الصداقة القوية التي أبعدت البنات، كما يظن الأهل.. عن الاستجابة لمعاكسات الصبيان والرجال المسحورين بجمال الشرق وجمال الغرب لدرجة الحلم بجمع الشرق والغرب في سرير واحد.
الصديقتان تحدثتا بجرأة وعلى مسمع من الأهل عن معاكسات المسحورين بجمالهما، وكيف جعلتا من بعض الجريئين مضحكة أمام الناس.
هذا طمأن الأهل ان سيرة البنات "عال العال".وان الواحدة منهما تحرس الأخرى.
الوشوشة بينهما لا تنتهي بعودة كل صديقة لبيتها، فما ان يحطا ركابهما في منزليهما الا والتلفون يُحجز لساعات من اجل استمرار المداولات التي لا تنتهي لدرجة اثارت غضب الأهل لإشغال التلفون وقطع الاتصالات مع العالم الخارجي التي قد تكون هامة، من اجل ثرثرة بنات لا هم ولا غم يشغلهما كما يشغل الكبار من واجبات ومسؤوليات.ولكن تحرير التلفون من ثرثرتهما يحتاج الى خطة استراتيجية محكمة.
ترددت منيرة عندما تقدم أحد الشباب الناجحين لخطبتها. فكرت ان ترفض، ولكنه فتى أحلام عشرات البنات اللواتي كان يسحرهم بمظهره وسيارته الفارهة وبيته الذي هو أشبه بقصور الأمراء. صديقتها رائدة ألحّتْ عليها ألا ترفضه، لأنه "شاب رائع" كما قالت، وأضافت:" ولا يتوفر صيدٌ مثله كل يوم". عندما اختلت منيرة به صارحته بأنها متردّدة لأنها لا ترغب ان تصبح زوجة وتتخلّى عن صاحبتها. طمأنها ان رائدة ستظل أفضل صديقة لهما والبيت مفتوح لها على الرحب والسعة، وانه واعٍ لعمق العلاقة بين الصديقتين، "فهذا ليس سراً في بلدتنا الصغيرة".
 منيرة اقتنعت بما قال وتزوجت وسعدت بزواجها وزوجها.
يبدو أن زواج الأولى، او "الفصل بين الجبلين" كما لاحظ الأهل، فتح الباب على مصراعيه أمام رائدة، فها هم العرسان المتنافسون على الزواج من الشقراء المغرية يتدفقون يوما اثر يوم، بخاطبات وغير خاطبات من رجال دين ورؤساء بلديات وزعماء سياسيين وشخصيات اجتماعية وعلمية هامة، من أجل إقناعها بقبول العريس ابن فلان وحفيد فلان المنتمي بقرابة لذلك الزعيم، او تلك الشخصية، وهذا كان يشعرها بالاشمئزاز. لم يكن الحديث عن العريس الا بصفته ابن فلان وقريب فلان وامه بنت فلان، و"خاله ابو ضراط كان فارس الفرسان" كما كانت تعلق رائدة ساخرة ومصرة على رفض كل من تقدم عبر احدى الخاطبات او الشخصيات وتضيف "لن أتزوج من سرّ مجهول.. انا لست صحّارة خضرة تباع بالكيلو.. لماذا حضرته لا يظهر أمامي ويخاطبني مباشرة بشخصه وليس بنسبه وأهله؟ هل يظنوني مجرد شقراء غبية تنتظر بغلاً تربطه بجانب سريرها لاستعمالها الليلي؟ "
 كانت تشعر بالمهانة من "التقاليد البالية التي تعتبرها حلْيةً لتزيين غرفة النوم" كما تقول بغضب مندفع. لولا منيرة التي حضنتها ولم تتركها وحيدة في ساعات الشدة تلك، لطردت جميع الخطاب والخاطبات قبل ان يفتح أحد فمه بكلمة ولو كان رسولاً لدين جديد.
 "ولكننا عرب ولا نطرد الضيف"، كان يصر والدها برجاء ظاهر... ويضيف مكسوراً أمام إصرارها: "نستقبلهم باحترام ونصرفهم باحترام".
كانت تقول لمنيرة وهي ترتجف ضيقاً وغضباً:
-   هل يعتبروني بضاعة للبيع باوكزيون الزواج لمن يزيد في النسب؟ لن اتزوج بهذه الطريقة من نكره اسمه ابن فلان وحفيد فلان!!
 في الواقع كانت رائدة تقارن من تراه من الخطاب بزوج صديقتها ومكانته، ولا تجد بينهم من يناسبها لتكون في نفس مقام منيرة وبمستوى اجتماعي ملائم لصديقتها وزوج صديقتها. وهذا أشعلها بنيران الغضب، بما بدا لها تقليلاً من قيمتها بأن يتجرأ من لا يسوى شيئاً ان يطلب يدها، لأنها "بنت أمّورة وجميلة وسيرتها حسنة". وكان ينقص ان يضاف بأنها "وجبة ليلية شهية للرجال..".
لكن لكل إشكالية حلاً. فها هو زوج صديقتها يسألها اذا كانت معنية بمقابلة زميل له في العمل، شاب جامعي مجتهد يتوقع ان يكون له مستقبل ناجح. رآها في حفلة عرسه هو ومنيرة، وذاب بسحرها وجمالها ولكنه خجول بطبعه، وعندما سمع ان العرسان يتدفقون لطلب يدها تشجّع ليلحق حاله "قبل ان تطير الشقراء من يده" كما علّق بابتسامة زوج منيرة، وكلف هو، زوج منيرة بدور المبادر و"إيّاك ان تسمّيني خاطبة" أضاف ضاحكاً.... وقال: "ها انا أجسّ نبضك، ما قولك؟.. الشاب لا يطلب يدك، ولن يرسل اهله او الخاطبات ويريد ان تتعارفا أولاً بدون أي التزام.. وكل شيء مفتوح، إما ان تواصلا او يذهب كل واحد في طريقه".
هذا العرض لقي استحسانها.
صمتت رائدة، وراحت تفكر.. سألت زوج صديقتها: "هل تنصحني به؟"
أجاب: "لو كانت لي أختٌ لوجدته أنسب الشبان. التقيه قد لا يعجبك، وقد لا تعجبيه رغم جمالك ورجاحة عقلك."
ابتسمت وقبلت ان تلتقي به.
كان اللقاء أكثر إثارةً مما توقعت. أعجبها بأناقته وهدوئه ورجاحة منطقه، وأسلوب حديثه، وتعليقاته الحرّاقة على العادات البالية، وكأنه يقرأ أفكارها، ومعرفته الواسعة او الموسوعية كما أيقنت من أول جلسة معه في بيت صديقتها. شعرت انها تجلس مع إنسان حضاري، يسحره جمالها بالتأكيد، ولكنه يبحث عن الزوجة المناسبة أيضا.
 كان يتحدث بلا تكلّف. ببساطة وهدوء وبلا عنتريات. تحدث عن نفسه وخططه المستقبلية بمنطق ووضوح ولم يبن لها قصوراً في الجنة، بل طرح أمامها تحدّيات نابعة من التفكير بمسقبلهما المشترك. شدّتها ابتسامته التي تعطي لوجهه بشاشة وراحة لا يملّ الانسان من النظر الى وجهه. الأهم انها شعرت براحة نفسية وهي تبادله الحديث. وكانت متحمّسة لكي تلقاه مرة أخرى.
-   صيد ثمين كما أشعر؟
علق زوج منيرة ضاحكاً. ولم يوضح مَن الصيد ومَن الصائد، ولكنها قبلت تعليقه بابتسامة وراحة نفسية لم تشعر بها منذ بدأ الخُطّاب يُخرجونها عن هدوء أعصابها..
 تزوجت رائدة، ولكنها ثكلت زوجها بعد سنوات قليلة بحادث طريق أليم. صُدمت ورفضت كل عروض الزواج الجديدة التي وصفتها بأنها أشبه بوصفة طبية لمرض اسمه "الترمّل"، وهي لا تراه مرضاً ولا تنتظر شفقة رجال رغبتهم بمضاجعتها وليس ببناء حياة مشتركة معها.
كانت رائدة تزداد أناقة وجمالاً، بملابسها التي صارت أكثر احتشاماً من أيام المدرسة والشباب المبكر. لأول مرّة تنتبه منيرة ان الملابس الأنيقة الرسمية الى حد ما، لا تقهر الجمال، بل تجعله أكثر بريقاً.
منيرة احتارت كيف تصمد صديقتها بجمالها الذي "يلوي الرقاب" في كل محضر وموقع، بلا زوج يمتّع لياليها ويدفئ قلبها وهي تلك المرأة التي تشعّ جمالاً وإغراء لا يصمد أمامه الرجال؟
هل حقاً لا علاقة بين المرئي والمخفي؟ بين الجمال البراق ورغبات النفس المخفية؟
- لا أجد الرجل المناسب.
كانت ترد باقتضاب على من يسألها ولا تضيف.. بل تبتسم مثل الموناليزا ابتسامة ساحرة تقول أشياء كثيرة ولا تقول شيئاً بنفس الوقت.. مما يزيدها جاذبية أنثوية.
توثّقت العلاقات أكثر بين الصديقتين بعد وفاة زوج رائدة، لدرجة ان رائدة لم تكن تتردّد في قضاء بعض الليالي في بيت صديقتها. ولم يكن زوج منيرة يعترض، بل يقوم على خدمتهما ويحدثهما بآخر الطرف، ويمازحهما بلطافته المعهودة، بل ولا يتردّد ان يسبق زوجته للنوم مبكرا اذا كان على سفر او برنامج عمل او بسبب إرهاق العمل والمسؤوليات ويترك الصديقتين تثرثران حتى يرهقهما السهر.
الإشاعات بدأت تتردّد مستهجنة من هذه العلاقة. ولكن السمعة الطيبة لمنيرة وزوجها وخاصة مكانته الاجتماعية وأمواله التي تشتري البلد كلها اذا شاء، كانت كفيلة بإبعاد التعليقات والشبهات تماماً.
صدمت البلد إثر حادث مأساوي غريب.
توفيت الصديقتان في نفس اليوم بشكل غير متوقع وهما في قمة جمالهما. كانتا في قمة توهجهما الأنثوي. يبدو ان الشرق والغرب لا يفترقان حتى في المصائب، ومصيبة طرف هي مصيبة الطرف الآخر.
في استراحة السماء حيث يجري الفرز بين أهل الجنة وأهل النار وقعت المفاجأة الكبرى. التقت الصديقتان على غير موعد:
- رائدة.. ماذا تفعلين هنا؟
- متُّ متجمدةً يا صديقتي... وانت يا منيرة، ماذا حدث لك؟
- متُّ بنوبة قلبية.
- وتركتِ زوجك وحيداً؟
- انها مشيئة الله.
- وكيف أُصبتِ بالنوبة القلبية؟
- آه يا صاحبتي.. انت تعرفين زوجي ورغبته المجنونة بالنساء.. كنت أشك بان له علاقات مع غيري، صحيح اني صارحتك بشكوكي ولكنك قلت ان شكوكي غير واقعية، وقلت: "انه زوج مخلص وحضاري، انظري كيف يعاملك كملكة، ويعاملني كصديقتك مثل أميرة وليس مجرد ضيفة عندك؟" ومع ذلك يا صديقتي رائدة للمرأة مجسات حسية لا تخطئ كنت أشمّ رائحة المرأة الثانية في ملابسه، في أنفاسه، كان يعترف انه مسحور بجنس النساء، ولكنه منذ تزوجني لم يرغب بامرأة أخرى غيري، كان شيئاً يلحّ عليّ انه كاذب. عندما ننصهر لا يناديني باسمي. هل يخاف ان يغلط ويناديني باسم المرأة التي أحسّها بيني وبينه حتى ونحن في قمة لذتنا؟
كنت أحدثك لتساعديني ولكنك شككت بظنوني.. ووصفت شكوكي بانها أوهام..
استأجرتُ مراقباً، تلقّيت منه يوم نوبتي القلبية تلفوناً، يخبرني بأن عشيقة زوجي دخلت البيت وانه شاهدهما من نافذة البيت يتعانقان يتعريان ويدخلان غرفة النوم. ولكنة لا يستطع ان يؤكد قطعاً ما يجري في غرفة النوم. كما قال. فأثار غضبي لغبائه..
عدت الى المنزل مثل المجنونة لأضبطه في لحظة خيانته.
كان الباب مغلقاً. قرعت بقوة.... بعد دقائق خِلتُها دهراً فتح الباب وهو بمنتهى أناقته وملابسه ويمسك جريدته اليومية في يده. فوجئ لظهوري، ولكنه كعادته أراد ان يستقبلني بقبلة. دفعته وصرخت بوجهه:
-   اين المرأة التي كنت تعاشرها؟
 التفت إليّ متظاهراً بالبراءة:
-   هل جُننتِ.. وهل لدي وقت لهذه المغامرات؟
صحت به:
-   المراقب شاهدكما تتعرّيان وتدخلان غرفة النوم، بالتأكيد ليس للصلاة؟
 ضحك وهو ينكر أي استعداد لخيانتي:
-   هل أعد لك كوبَ شاي لتهدأ أعصابُك وشكوكك؟ يبدو ان مراقبك يحب الأفلام العربية والتمثيليات التركية..
 كنت أصرخ:
-   قل لي اين خبأتها؟
-   سأبحث عنها في جيوبي.
قال ضاحكاً وساخراً وبدأ يقلّب جيوب بنطاله ويفرغها.
-   هل رأيت، لا شيء. ربما هنا في جيب القميص؟.. وهل من امرأة تملك سحرك لأخونك معها؟
كنت واثقة انه كذاب. دفعته عني وركضت كالمجنونة داخل المنزل. بدأت أبحث في كل شبر من المنزل. وراء الأبواب، تحت الأسرة في الغرف، داخل الخزائن في الحمامات، في الساحات الخلفية، في الطبقة الثانية، في العلية، نبشت الأسرة لعلها مختبئة تحت الأغطية، أعدت التفتيش وركضت للطبقة الثانية صعوداً على الدرج.. ونزلت ركضاً، وخرجت للساحة، وأعدت الكرّة مرّات ومرّات وأنا ألهث بصعوبة من الإرهاق والغضب لأني على علم انها مختبئة في منزلي ولم تخرج كما أكد بقوة المراقب الذي استأجرته، ولكني لا أنجح في إيجادها. كنت أبحث وانا على يقين ان عشيقته مختبئة في مكان ما. المراقب أكد انها لم تخرج بعد ان اتصلت به للمرة العاشرة، وقال انه شاهدني أدخل وانه هو ما زال خارج المنزل وانه التقط صوراً لها للتأكيد على أقواله وسيعدّ لي نسخاً منها.. ويؤكد بشكل قاطع ان عشيقة زوجي لم تخرج من المنزل.. اذن أين اختبأت؟ عدت أجري من مكان الى مكان والتوتر يضغط على أنفاسي. وركضت صعوداً للطبقة الثانية، ومرة أخرى للغرف والخزائن والأسرة، تحتها وفوقها، وعدت أجري نزولاً للطبقة الأولى.. كنت أزداد قهراً وغضباً وتوتراً وزوجي جالس وكأن الأمر لا يعنيه، يقرأ صحيفته مما أشعرني اني قنبلة موقوتة ستنفجر وتنسف البيت وبما فيه... وفجأة لا اعرف ما جرى لي.. شعرت بوجع هائل في صدري، فارتميت فوق الأرض.. ولا اعرف ما جرى بعد ذلك.. ولكن قيل لي وانا أعبّئ أوراقي الثبوتية قبل الدخول لهذه الاستراحة، اني متُّ جرّاء نوبة قلبية، وها انا هنا معك.. رغم انك أفضل رفيقة ويسعدني وجودك معي دائماً... ولكني لا أتمنى لك الموت المبكر مثلي..
وانت يا صديقتي كيف تجمدت والدنيا صيف وفارقت الحياة؟
- آه يا منيرة يا صاحبتي، لو انك بحثت داخل ثلاجة التجميد لكنت اليوم أداعب زوجك بدل ان يظل وحيداً!!

nabiloudeh@gmail.com

20
رمزي ابو نوارة في تجربة فريدة


رمزي ابو نوارة في تجربة فريدة

نبيل عودة


الكتاب: نص راوي نصراوي(108صفحات حجم متوسط)
الكاتب: رمزي ابو نوارة
الناشر : مكتبة كل شيء - حيفا(2012)

رمزي ابو نوارة انسان عادي ، في العقد السادس من عمره، لم يعرف عنه أي نشاط أدبي كتابي سابقا، وربما علاقته بالثقافة هي كونه صاحب مكتبة سابقا.
فاجأني قبل سنتين او أكثر حين اتصل معي وطلب ان نلتقي.
التقيته في عمله بوابا لمدرسة في الناصرة، بعد ان اغلق المكتبة ولم يتبق من العمر ما يستحق ان يبحث عن مهنة جديدة.
دفع ليدي مجموعة اوراق وطلب مني ان اراجعها وأقول رأيي فيها. ووصف الأوراق بانها خليط من الأحداث والنوادر مما ترسب في ذاكرته خلال مسيرة حياته، صاغها بقالب قصصي.. او هذا ما اراده.
 اليوم يفاجأني بخطوة جريئة بدفع كتابه للمطبعة واصداره وتوزيعه.واصدار كتاب يعتبر مغامرة حتى لكتاب لهم شهرتهم في سوق ثقافتنا المحلية.
الثقافة ليست ملكا لأحد، او لجيل ، ولكن اصدار عمل بهذا الجيل المتقدم ، لإسم غير معروف في ساحة الأدب المحلي، هو برأيي مغامرة، وهو كصاحب مكتبة سابق يعرف تماما ان بيع الكتاب العربي يعاني من أزمة، كانت وراء اغلاق مكتبته أيضا.
من هنا احني رأسي امام جرأته.
رمزي يبرز كمثقف قارئ، من هنا يحاول جاهدا ان يلجأ الى السرد القصصي بابسط أشكاله لعرض النصوص، التي هي تلخيص تجربة حياتية، وتجميع أحداث ظلت عالقة بالذاكرة.لا ليست مذكرات شخصية، وليس كتابا قصصيا، انما سرديات تطمح للون القصصي.
يفسر دوافعه للكتابة بقوله:"تجلس عند المساء، وحدك في غرفة تطل على الأفق البعيد، لا شيء بينك وبينه (....) تبدأ الخواطر بالعبور الى رأسك وباستحضار عوالم تعرفها وعوالم لا تعرفها. تمر كلها بدون ترتيب وبدون ان يكون بينها رابط او تواصل (....) ما فكرت به قد اعجبك او تدونه على الورق. وعندما تنفذ مشروعك تكتب مواضيع مبعثرة منها كل ما فكرت به دون ترتيب او نظام.وهكذت تكون قصة قصيرة، طرفة، مقالة وحتى خاطرة.."
وهذا تماما هو مضمون الكتاب، رغم ان الرغبة بصياغة سردية قصصية لم تثمر عن قصة فنية. للكاتب تنقص التجربة والمهنية لفن القصة ولغتها الدرامية . والحكاية لا يمكن ان تصنف في المجال القصصي، مهما برع كاتبها في تسجيلها.
بالطبع للتسجيل مساحته التي بدأت تبرز في ثقافتنا المحلية خاصة بمؤلفات محمود ابو رجب (ايام ع البال)، وهو نوع من حفظ الذاكرة الجماعية والشخصية، ومن هنا ايجابياتها, ولكنها تحتاج الى قدرات أدبية وهذا هو الجانب الضروري الذي لم المس اكتماله في نصوص الكتاب ، لنقص التجربة اساسا.
رمزي في نصوصه كاتب يخرج ما في جعبته ببساطة قريبة للراوية في ليالينا. لغة بسيطة، تعابير شعبية، وأحيانا لهجة عامية او بين بين.
التجول بين نصوص الكتاب ، خاصة لابن مدينة الناصرة، تقدم لوحة لأجواء الناصرة واحداثها وحاراتها وشخصياتها وتاريخها الشعبي. يعرض الكتاب اخلاقيات الناس، طيبتهم تعاونهم مشاركاتهم في الأعياد، لا فرق بين الطائفة الفلانية او غيرها...واعترف ان الكثير منها بات مفقودا اليوم من واقعنا النصراوي.
بعض النصوص تنحى نحو صور لا علاقة لها بالواقع الحقيقي ، يبدو انه يريد ان يصل لصياغة قصة، على اساس انها كذبة متفق عليها بين الكاتب والقارئ كما قال الكاتب الروسي  تشيخوف. كان الأحرى به ان يلتزم ذاكرته ومشاهداته وخواطره. أضاف رمزي لنصوصه طرفا لم اجد انها تلائم الاتجاة التسجيلي للذاكرة النصراوية التي ميزت الأكثرية المطلقة من نصوص الكتاب. هذا رغم ان الطرف بحد ذاتها جميلة وبعضها فقط هي احداث نصراوية.
الأمر الأساسي ان رمزي هو مثقف صاحب رؤية وموقف وليس مجرد ناقل. وهو بكتابه يعيد لذاكرة ابناء الناصرة الكثير من الأحداث التي يضغطها الزمن بخلف الذاكرة لدرجة انها تغيب تماما ، وها هو رمزي يعيد تلك الأحداث الى واجهة ذاكرتنا.
لا شك لدي ان الكتاب ممتع للقراءة، وهو اضافة اخرى لناصرتنا التي نريد ان تبقى جميلة متآخية بدون الطائفية المقيتة التي تدمر نسيجنا الوطني والاجتماعي.ومهما اختلفنا في تسمية هذا اللون من الكتابة، الا انه يبقى لونا فريدا ومغامرة فريدة لتسجيل بعض من تاريخ مدينتا العريقة بناسها واحداثها وأجوائها.

nabiloudeh@gmail.com   
 

21
هل نشهد ربيعا شعريا...؟

نبيل عودة

مجموعة شعرية: ما تيسر من عشق ووطن
الشاعر نزيه حسون ( 122 صفحة من القطع المتوسط)
الناشر مكتبة الجماهير - شفاعمرو (2012)

ليس سراً ان موقفي متشائم من حالة الشعر المحلي في السنوات الأخيرة، وكنت قد نَوهت ان لدينا عدد كبير من الشعراء ولكن قليل من الشعر.
في الفترة الأخيرة قرأت عدة اعمال شعرية طمانتني الى ان الوعي الثقافي للشعر، صياغة وفنية، بدأ يعطي ثمارا لا يمكن تجاهلها، رغم الطابع السائد من كثرة المجموعات وقلة الشعر. والى جانب الوعي الثقافي للشعر لا بد من وعي لدور الشعر الاجتماعي والأدبي. في الشعر لا يمكن الإكتفاء باتقان مهنية الصياغة فقط. بدون الوعي الاجتماعي والثقافي والأخلاقي والنضالي (في حالتنا) نظل ندور في حلقة مغلقة من صياغات قد تكون كاملة فنيا ولغويا، ولكنها خلو من المعنى ومن الجمالية الابداعية ومن العلاقة مع المجتمع الذي من المفروض ان الشاعر يبدع من أجله.
ارجو الا يفهم كلامي ان كتابتي عن مجموعات ما، هو اسقاطي لسائر المجموعات الشعرية. الأمر ما هو الا محض صدفة. قرأت في السنة الأخيرة عدة أعمال شعرية جيدة. طبعا لا اعني انها تجاوزت حدودنا المحلية الى آفاق لم يصلها في شعرنا الا عدد من الأسماء أقل من اصابع اليد الواحدة. ولكني أكون جاحدا ومدعيا اذا اصررت ان شعرنا يتراجع دون فرامل توقف انحداره. ما قرأته في السنة الأخيرة يطمأن ان الأزمة، رغم عمقها، في حالة ضمور.
وهذا بالضبط ما لفت انتباهي لديوان الشاعر نزيه حسون، الذي يمكن ان يعالج من زوايا متعددة اسلوبيا وفنيا. قد يجد الناقد ان الصور الشعرية تقليدية. وقد يجد ان الشاعر التجأ الى اسلوب عبره شعرنا منذ سنوات الثمانين وما قبلها من القرن الماضي. والسؤال المشروع هنا، هل العودة الى تراثنا الشعري في فترة سابقة ٍعرفت بشراسة تصادمنا مع السلطة، والبناء عليها من جديد، في واقعنا اليوم، الذي يتميز بصفته مرحلة حرجة غير مسبوقة حتى في ايامنا القاسية، ومن ظواهرها المقلقة ما نعانيه من تراجعات على كافة الأصعدة، ومن تبعثر صفوفنا، ومن أزمة تنظيمات وقيادات. وتفسخ اجتماعي وطائفي وعائلي كنا نظن اننا عبرنا تلك الأيام الى غير رجعة. في الواقع ما جرى كان تحركا سلبيا تراجعيا. فهل العودة لأسلوب صبغت أيامنا بشعر حماسي او مهرجاني، وجعلت من الشعر سلاحا نضاليا وتعبويا للجماهير، هل هو تراجع حقا ام ميزة باتت ضرورية بحكم ما يجري؟!
هذا السؤال أشغلني بعد قراءة القصيدة الأولى، "تهوي العروش اذا الشعوب تصمم". وسأعود إلى الموضوع.
تغلب على الكثير من قصائد ديوان نزيه حسون ما يعرف بشعر الحماسة، او الشعر المهرجاني. والقسم الثاني يذهب الى الغزل وما تتركه الأنثى من لوعةٍ في النفس ومن اثارة اجمل مشاعر الجمال في النفس الانسانية.
قصيدة "تهوى العروش.." ذكرتني بقصيدة ابو القاسم الشابي "اذا الشعب يوما اراد الحياة". فها هو يهتف:
صبوا الدمــــاء على الثرى وتقدموا     جسر الولـــوج الى الخلــود هو الــدم
دكـّـوا العروش كما الزجاج تحطّماً     تهوي العروش اذا الشعوب تصمّم
لست خبيرا في بحور الشعر. وما انا الا قارئ يملك بعض الثقافة وبعض الرؤية الأدبية. وأظن انها تؤهلني للتعبير عن رأي ثقافي ذوقي، وليس شرطاً، رأياً نقدياً.
وكما لاحظت، هذا الشعر أعادني الى ايام الشعر المهرجاني. او الشعر الحماسي كما يحب البعض ان يسميه ولا ارى فرقا. وكما اسلفت لعب دورا هاما في تاريخنا الثقافي والنضالي. كان الشعر من ضرورات تجنيد الجماهير وتعبئتها لمواجهة التحديات التي واجهتنا بعد نكبة شعبنا والحصار الثقافي المفروض علينا وسياسة مصادرة الأرض وتقييد حرية التنقل وحق العمل، والنفي، والاغلاق العسكري للمناطق التي نعيش فيها، وسياسة الارهاب البوليسية، وطرد المعلمين الوطنيين لتعميق سياسة التجهيل.. والاعتقالات الدورية لكل النشطاء السياسيين.. ومنهم شعراء لعبوا دوراً كبيراً في ظاهرة الشعر المناضل.. وهي تسمية أخرى.. قد تكون أقرب للواقع.
البعض ينتقد ذلك الشعر بالادعاء ان قيمته الفنية منخفضة. وانه شعرٌ مباشرٌ مليءٌ بالشعارات.
ربما. ولكن التقييم بدون استيعاب متطلبات تلك المرحلة الثقافية والنضالية، هو عجز نقدي او تقييمي او معرفي.
كانت تلك مرحلة صعبة واجهت فيها الأقلية العربية حصاراً ثقافياً وسياسياً. وواجهت محاولات كسر انتمائها لهوية وثقافة فلسطينية وعربية، ومحاولات شرذمتنا الى طوائف متصارعة، ومحاولات تقزيمنا سياسياً ونضالياً والتصرف المنفلت الاجرامي ضدنا، كما حدث في مجزرة كفر قاسم.
كان الشعر المهرجاني الحماسي النضالي ملحَّا الى أقصى حد. كان الفهم الكامل والواعي للربط بين السياسي والثقافي. كان الشعر الفصيح والعامي سلاحنا النضالي المعنوي الذي لعب دوراً لا يمكن تقييمه بهذه العجالة وادعي ان تلك المرحلة، لم تعالج بما تستحقه من تقييم ثقافي وسياسي، وأثر تلك المرحلة على تطور القصيدة المحلية والأدب المحلي عامة..
فهل بالصدفة ان العالم العربي انبهر بعد ان اكتشف شعرنا على أثر هزيمة حزيران 1967؟
لا اتحدث عن التطور اللاحق الذي انجزه شعرنا, ووضعنا على راس الشعر العربي، وباتت أسماء شعرائنا تحتل الصدارة في الشعر العربي.
عندما يواصل نزيه حسون ما انقطع من تاريخنا في واقع سياسي واجتماعي مأزوم (ومن هنا ازمة شعرنا وليس من بسبب تراجعنا الثقافي). فهو بوعيه او بعفويته، لمس ضرورة احداث قفزة، ويبدو ان العودة لما كان، ليس تراجعاً بقدر ما هو خطوة الى الوراء من أجل عشر للأمام.. وهذا ما أحسسته على الأقل، بديوانه الجديد "ماتيسر من عشق ووطن".
ويواصل في نظرة الى الربيع العربي:
هـــذا ربيـــــع الثائريـــــــــــن بأرضنـــــــا   صوب المنى درب الفدا يترسـّــــم
هـبــّــت نســـــائـمـــــه تـــــؤرّخ نصــــرنا   وعروش مَن سَفَكَ الدّماء تُحطَّمُ
ربما افتقد هنا الصور الشعرية، والحداثة الشعرية في الصياغة والمضمون. ولكن واقعنا وخاصة واقع أخواننا الدروز، والشاعر نزيه ابن الطائفة العربية قومياً والفلسطينية جغرافياً والدرزية دينياً، أسرّ لي بحديث خاص برأيه، الذي أقبله بدون تردد، أن الشعر الحماسي لم يفقد دوره التاريخي، بل يتجدّد هذا الدور، وله قيمة لا يمكن نفيها، خاصة في الإصرار على الانتماء العروبي، الذي تنشط السلطة الصهيونية لتشويهه.. فكان لا بد من قصائد مثل قصف الرعد إصراراً على الانتماء الثقافي والوطني.
انها بيان واضح على الانتماء.
اني اشكك في عـــــــــــــروبـــة حاكم    عن ذبح شعب أعزل لا يحجم
اعطيت قصيدته الأولى الجزء الأساسي من مداخلتي. فقد وجدت فيها ما اردت ان أقوله منذ وقت طويل.
في قصائد أخرى، نجد نزيه حسون عاشقاً مرهف الحس. يعرف الغزل الرقيق وليس صياغة الكلمات النارية فقط.
عيناك سرٌّ غـــامض
أبحرتُ كل العمر في أعماقه
لكنني ما زلت أجهل ما مداه.
(من قصيدة عنوان لفلسفة الإله)
وستظل تجهل ما مداه.. كما نجهل نحن أيضا...
في قصيدة عمودية أخرى: "ربي أعدني لموطني" يؤكد نزيه الانتماء..
إن يَهدمـــوا بيــتـــــي وكــلَّ مــــدائـنـي   هيهـات يُهدم من عروقي موطني
قد ينحنـــي هــــــــــــام الزمــان لحقـبـــــة   لكن هـــامــــــة شعبـنــــــا لـــن تنحنــــــي
أجل وهذا ما نؤمن به يا نزيه.
الذي أتعبني قليلاً ان الشاعر لم يفصل بين القصائد العمودية وبين قصائد التفعيلة فكنت أشعر اني استمع الى سيمفونية كلاسيكية لموتسارت وتقاسيم على العود بنفس الوقت. لموتسارت جماله وسحره وللتقاسيم جمالها وسحرها. لذلك أعتقد ان على الشاعر، الذي يكتب بأساليب متعددة، ان يفصل في مجموعته بين الأساليب المختلفة. الشعر العمودي في قسم وشعر التفعيلة قي قسم آخر واذا وجدت منثورات في قسم ثالث.
في غزليات نزيه حسون نجد الصور الشعرية الجميلة التي ما كان من الممكن ان تشملها القصائد الحماسية. هنا نشعر بقلبه يدق بقوة أكبر. واندفاع الشاعر يتحول الى رجاء ووله لأنثى تسحره، فيشكو:
"ما للقصيدة ما للشعر يخذلني" /(قصيدة عيناك محراب الصلاة)
سيخذلك بحضورها ولو كنت دون جوان عصرك!!
اريد ان أضيف. لا أعتبر كتابتي نقداً انما هي تعبيرٌ عن رأي ثقافي حول ديوان شعر، لشاعر متمكن من ادواته، في واقع ثقافي يشعرني بحيرةٍ كبيرةٍ مما ينشر من مجموعات شعرية، الكثير منها يفتقد حتى للغة الجميلة... وبعضة من الصعب قبوله كانشاء بسيط.
هذا الديوان نموذجٌ، يطمئن بأن الطريق لم تعد نزولاً متواصلاً فقط، ها نحن نصعد بثبات، ببطء ولكن بلا توقف.. والطريق أضحت واضحة ولا أريد ان أبالغ بالقول ان الأزمة في تراجع... لأنها معركة أوسع من مجرد كتابة الشعر. معركة تشمل كل واقعنا بكل مركباته. وكل خطوة للأمام هي مكسب هام في الطريق نحو ثقافة ترتبط بالشعب، وتخدم قضاياه.

nabiloudeh@gmail.com   


 

   








 

22
صراع بين الحرامية..

نبيل عودة
[/size]

دولة المستوطنات. كل شيء في دولة اسرائيل يبرز او يسقط حسب الموقف من المستوطنات. حزب الليكود ملي بالمستوطنين. وزراء واعضاء كنيست يخطبون ودهم لضمان اعادة انتخابهم.احزاب يقودها مستوطنين وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان وزير خارجية ومستوطن . احزاب ترى بالاستيطان برنامجها الانتخابي الوحيد. تقشف الميزانيات ينتهي عند مداخل المستوطنات. زعرنات سوائب المستوطنين تجد تبريرها القانوني وتحظى بحماية جنود الاحتلال.. فهل يمكن التعامل مع اسرائيل كدولة مثل سائر الدول؟ انتقاد الاستيطان الإستعماري ومقاطعة انتاجه يثير اتهامات بالعنصرية والسامية وكأنه مكتوب في التوراة ان سرقة الأرض الفلسطينية وخيراتها عمل من اعمال الخير تضيف نقاطا تكسب صاحبها الجنة.. ويبو لي ان شعب الله المختار يتنازل عن الوصايا العشر ويستبدلها بوصية واحدة:  الحق بسرقة الأرض الفلسطينية.
 لا يوجد تفسير آخر للمهرجان الاستيطاني اليميني الهمجي الذي اصاب الدولة بفيروس تشريع سرقة الأرض الفلسطينية ، حتى لو ناقض قرار محكمة ما يسمى في الدولة  بتسميتها السابقة، اسرائيل ، بمحكمة العدل العليا.
ليس مهما قرار الكنيست مع التشريع او ضده، حول المنازل الخمسة في ما بات يعرف باسم "جفعات هأولبنا" (تلة الأولبنا) في بيت ايل. لأنه خلاف حول شكل إغتصاب الأرض.
نتنياهو حذر بانه سيضطر الى فصل كل وزير او نائب وزير يصوت مع "قرار التسوية (وهدفه الإلتفاف على المحكمة العليا)"  لأنه كما قال:" لا يمكن الاستهتار بقوة محكمة العدل الدولية في لاهاي" أي ليس احتراما لحقوق الملكية للفلسطينيين. ولما تعهد به في خطابه بجامعة "بار ايلان" عن دولتين لشعبين والتزام اسرائيل بخارطة الطريق الأمريكية.. الخ !!.
"قانون التسوية" (اسم غريب لقانون السرقة) المقترح يهدف تسهيل سرقة ارض الفلسطينيين ليس فقط في "بيت ايل" المقامة على ارض فلسطينية محتلة، بل في كل مناطق الضفة الغربية، واجبار الفلسطينيين على تلقي التعويضات المالية من الحرامي الكبير، حكومة المستوطنات.
طبعا هناك مهزلة من الصعب فهمها باطار سياسي ، وهو ان احد نواب الوزراء، نائب الوزير ايوب القرا، ابن الطائفة العربية الدرزية، من أشد المتحمسين لقانون التسوية وسرقة ارض الفلسطينيين. وكان أحرى به ان يصمت ويتفرج. ولكنه يصر على تقديم مقطع سياسي هزلي كافكائي ليفرض علينا ان ننزل قليلا عن تجهمنا.
تعهد نتنياهو ببناء عشرة منازل مقابل كل منزل يخلى في التلة، يتناقض مع تعهد حكومة اسرائيل بقبول خارطة الطريق الأمريكية للرئيس السابق بوش، التي تنص بوضوح على وقف البناء في المستوطنات، ولكن أمريكا لها دبارها. واوباما مش فاضي . انتخابات الرئاسة هي شغله الشاغل الآن، وأمريكا ليست محكمة لاهاي ...
هذا المهرجان بين مستوطنين يريدون السرقة بدون تحايل وحكومة مستوطنين تريد السرقة بتحايل قانوني، وتحايل على القانون الدولي وحتى على القانون الاسرائيلي نفسه، يوقف اسرائيل ، او الأصح دولة المستوطنات بمكانة لا تختلف عن عصابة مافيا. يسودها قانون المافيا المشهور الذي يسمى: "تقديم اقتراح لا يمكن  رفضه" أي اقتراح مرفق بتصويب المسدس لرأس صاحب الملكية التي يطمع فيها رجل المافيا. تخيلوا ان يصادق برلمان دولة على قانون المافيا؟  هكذا هي التسويات حسب المافيا. الرفض يعني رصاصة قاتلة في الراس ، هذه الرصاصة لا ضرورة ليشملها نص القانون.!!
اذن المعركة ليست بين الحق والباطل.او بين المالك والسارق. بين صاحب الأرض الشرعي والمستوطن المغتصب للأرض.
 في اسرائيل ضجة عظيمة،"هيصة" بالعامية الفلسطينية،. صراع لا اعرف اذا كانت تسمية الهيصة بأزمة سياسية تلائم ما يجري. اليمين الاستيطاني وغير الاستيطاني يتناحر بالكلام حتى الآن. سيعتدي اولا على الفلسطينيين، ليتمرن، وهذا نعرفه من الأفلام الموثقة التي توزعها "بتسيلم" – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة. ولكن كانت محاولات أيضا لقتل يهود يرفضون ان تتحول اسرائيل الى دولة مستوطنات ودولة أبرتهايد. والمهرجان الإستيطاني على شفير ان يتحول الى صراع حاد بين سارقي الأرض انفسهم حول اساليب السرقة، هل نسرق ببلطجية؟ ام نسرق بطريقة حضارية؟ نظهر للعالم اننا ننفذ قرارات محاكمنا ولا نقر قوانين نلتف بها على المحكمة العليا، أي اسقاط كل قيمة تبقت للقانون نزولا عند رغبات سوائب المستوطنين؟ وحكومة الإستيطان لا تنقصها الأساليب.
الخلاف لن يكون بين قوى ترفض سرقة الأرض وقوى تريد سرقتها. الخلاف كيف نسرق؟ وما هي الطرق الأقل تكلفة مالية وسياسية .
يبدو احيانا ان ما حدث في سرقة ارض "تلة الأولبنا"  هو جلطة دماغية فجائية غير متوقعة من الحرامية، يجب علاجها بقسم العلاجات السياسية المكثف.ولكنه قسم مكتظ بجلطات الدماغ السياسية التي تكاثرت في اسرائيل.
 القانون المقترح ينص على عدم جواز ان يقدم الفلسطيني المسروقة ارضه أي اعتراض على سرقة ارضه اذا مضى على السرقة اربعة سنوات.
هل من سبب يمنعهم من اقرار قوانين تريحهم في منامهم وتجدد ولاء اليمين لحكمهم؟
هل سيجفلون من الفتاوى العربية التي تملأ التلفزيونات والانترنت؟
هل ستردعهم الخطابات النارية في الساحات العربية ؟
هل ستضطرب دقات قلوبهم من مقالات "خلي السيف يدور" ولم يدر بكل تاريخه الا على رقاب العرب؟
تساؤلات تافه جدا ، لا توقفهم للحظة تردد واحدة!!
 انهم يشرعون قوانين حسب مقاسهم. فهل ينتظر أي مخلوق ان يجري اخلاء  ما يزيد عن 60 الف منزل مقام على اراض مسروقة، واعني فقط الأرض بملكية فلسطينيين  خاصة وليس مجمل الأرض الفلسطينية التي صنفت مثلا بانها ارض دولة، والمعنى ارض للشعب التي ستقام عليها دولته وليس دولة المستوطنات.
حتى هرتسل ابو الصهيونية قال: "ان الهدف لهذا الشعب، ان يحظى أخيرا بمكان محمود أكثر ومحترم أكثر في اوساط شعوب العالم الحية".
ما نشهده اليوم هو العكس تماما من حلم هرتسل. ويبدو لي لو ان هرتسل يعود للحياة اليوم لأتهمه المستوطنون بخيانة الصهيونية !!
اوساط شعوب العالم الحية التي اراد هرتسل ان يتساوى معها تدلي برأيها.وهذا نموذج: نشرت "الإندبندت" البريطانية تحت عنوان ضخم :"اسرائيل جنوب افريقيا الجديدة" مقالا اشارت فيه الى تزايد الدعوات لمقاطعة اسرائيل في جميع المجالات من العلوم والأكاديميات الى الاقتصاد وشنت حملة واسعة ضد الفنانين الذين كسروا المقاطعة الفنية ، مثل مادونا وفرقة الروك الأمريكية واتهمتهم بتقديم المنفعة على المبدأ.. طبعا هناك حملات ناجحة وواسعة لمقاطعة بضائع المستوطنات تنتشر في العديد من دول العالم.هل هذا هو حلم هرتسل ؟
نتنياهو، بذكائه الذي لا بد لنا الا ان نقر له به  صاغرين ، خاصة اذا قورن مع زعماء العالم العربي ،الساقطين واللاحقين،  يبدو انه يلجأ بذكائه ،الى تطبيق ما تنص عليه  الفلسفة المثالية، وتقول المثالية ان التجربة قائمة على اساس النشاط العقلي . نشهد انه ينشط عقليا للتملص وتطويل حياة حكومته. ولكن "ماذا تصنع الماشطة بالوجه الإستيطاني العكش؟"
 أحيانا يبدو لي نتنياهو، من أنصار تيار الربوبية (من الرب) والتي تؤمن ان الكون خلق من قبل قوة عليا ، لكنها لا تتدخل في الشؤون الانسانية، تخلت عن الكون من لحظة خلقه، والشاطر الآن وشطارته. وحتى لا احرف النظرية النص يشير الى ان "الدين أضحى دين العقل" والرؤية، حسب الربوبية، ان الآخرين أغبياء بلا عقل ويمكن التصرف بحقوقهم.
 النص واضح وآمل ان يستوعبه من صنفتهم  اسرائيل  مع قليلي العقل.
بالطبع الهيصة الإستيطانية لن تنتهي بنقل او هدم خمسة منازل من بين عشرات او مئات الاف المنازل الاستيطانية ، الفريقان المتصارعان لا خلاف بينهما على الهدف :"سرقة ارض الفلسطينيين". انما على الأسلوب.. تماما مثل الصديقيتين الحميمتين، اللواتي وصلتا للجنة في نفس اليوم . وهي حكاية نموذجية تصلح لإغلاق المقال:
منيرة ورائدة صديقتان منذ ايام الثانوية. منيرة تزوجت ورائدة تزوجت ولكنها ثكلت زوجها بعد سنوات ورفضت كل عروض الزواج. منيرة احتارت كيف تصمد صديقتها بلا زوج يمتع لياليها ويدفئ قلبها  وهي تلك المرأة التي تشع جنسا واغراء لا يصمد أمامه الرجال ؟
   -     لا اجد الرجل المناسب.
 كانت ترد باقتضاب على من يسالها ولا تضيف.. بل تبتسم مثل الموناليزا ابتسامة ساحرة تقول اشياء كثيرة ولا تقول شيئا بنفس الوقت.. يزيدها جاذبية جنسية.
في استراحة الجنة تفاجأت منيرة:
-   رائدة ماذا تفعلين هنا؟   
-   انا مت متجمدة ... وانت؟
-    مت بنوبة قلبية.
-    وتركت زوجك وحيدا؟
-   انها مشيئة الله
-   وكيف اصبت بالنوبة القلبية ؟
-    اه يا صاحبتي انت تعرفين زوجي وحبه المجنون للنساء.. كنت أشك انه يقيم علاقات مع غيري ، بل وتلقيت في يوم نوبتي القلبية تلفونا من مراقب استأجرته، أخبرني بان عشيقة زوجي دخلت البيت وانه شاهدها من نافذة البيت تتعرى وتدخل مع زوجي الى غرفة النوم.
عدت الى المنزل لأضبطه في ساعة خيانته.
كان الباب مغلقا . قرعت بقوة، بعد دقائق خلتها دهرا فتح الباب وهو بمنتهى اناقته وملابسه ويمسك جريدته اليومية في يده. صرخت بوجهه:"اين المرأة التي كنت تعاشرها؟" مثل انه متفاجئ. "المراقب  شاهدها ولدي علم بها؟". ضحك منكرا ان يخونني. كنت واثقة انه كذاب. بدأت ابحث في المنزل. تحت الأسرة في الغرف ، داخل الخزائن في الحمامات، في الساحات الخلفية، في الطبقة الثانية، في العلية، نبشت الأسرة لعلها مختبئة تحت الأغطية، اعدت التفتيش وركضت للطبقة الثانية ونزلت وخرجت للساحة، وبحثت وانا علي يقين ان عشيقته مختبئة في مكان ما.  المراقب أكد انها لم تخرج. أين اختبأت ؟ وفجأة لا اعرف ما جرى لي.. شعرت بوجع هائل في صدري،  وها  انا هنا معك.. رغم انك افضل رفيقة ويسعدني وجودك معي دائما... ولكني لا اتمنى لك الموت المبكر مثلي..  وانت يا صديقتي كيف تجمدت وفارقت الحياة.
-   آه يا صاحبتي ، لو انك بحثت داخل ثلاجة التجميد لكنت اليوم اداعب زوجك بدل ان يظل وحيدا !!
هذا هو بالضبط الصراع بين المستوطنين الحرامية ودولتهم التي تريد ان تشرع الاحتلال .. لهم نفس الرغبات . ويتهم احدهما الآخر بأنه يخون  حبيبته الصهيونية. فهل سيصلان الجنة سوية لأن سرقة الأرض الفلسطينية هو عمل يجازى أصحابه بالخير في آخرتهم؟ النهاية واحدة ، نوبة قلب لطرف بالغ بجنونه لمواصلة السرقة ، وعزلة دولية تجمد علاقات دولة الاستيطان ( الطرف الآخر) مع شعوب العالم الحية!!
والساعة تتكتك، او كما قال ابو مازن :"ان فرصة السلام لن تظل لوقت طويل"!!

nabiloudeh@gmail.com
[/size]

     












23
       
ما ينبغي ان يقال عن الثقافة والمثقفين!!


نبيـــل عـــودة
   



الثقافة والإبداع الثقافي بالتحديد يحتلان حيزا واسعا من تفكيرنا كمبدعين . هل واقع مجتمعنا يتماثل مع أحلامنا الابداعية ؟ وهل استطعنا كمبدعين ان نتحول الى الصوت المعبر عن واقعنا ،الدافع لانجاز أهدافنا والمؤثر على صيرورتنا الفكرية ؟
للإذاعات برامج ثقافية ، للتلفزيونات أيضا برامج ثقافية ، مواقع الانترنت ملأى بالزوايا الثقافية  ، وللصحافة المكتوبة توجد صفحات ثقافية ، وصدقوا أو لا تصدقوا ، حتى لصحافتنا العربية في اسرائيل توجد زوايا ثقافية  ، أحيانا مع تسمية محرر ثقافي وعلى الأغلب بلا تسمية محرر ثقافي (من يحتاجه؟) ورغم ذلك بالكاد يقع القارئ العاشق للأدب على ما يستحق جهد القراءة. فهل يستهجن أحد ان صحافتنا لم تعد تشد جمهور الأدباء والمثقفين والقراء عامة ، صحافة يحتل الاعلان مساحتها الأعظم، وما تبقى هو حشو لمواد "لمم" بلا رؤية الحد الأدنى  المطلوب من النشاط الاعلامي . فهل نستهجن ان الصفحات الثقافية هي أول ما تلغى لجلالة الاعلان التجاري ؟ وهل من شك بعد ما ذكرته ، بأن المثقفين في مجتمعنا يعلوهم الغبار والنسيان من صحافتنا وجرى "استبدالهم " بمبتدئين يفتقدون للتجربة، ومعظم ما ينشر لا يمكن تصنيفه تحت اصطلاح ابداع ادبي؟

أعرف ان كلامي يثير غضب الكثيرين ، ولكني لست ممن يكتبون ، أو يتحدثون .. من أجل رفع أسهمهم ، ولأكون ولدا طيبا وخلوقا بشهادات بعض المتأدبين ، ولأكسب أعجاب بعض المقعدين ثقافيا، الذين ضاعفوا احباط ثقافتنا.. ولألحق ربعي في مديح الظلال الثقافية ، ولأصبح "مقياسا نقديا" له طوله وعرضه المعروف والثابت في " حلقة الذكر " النقدية ، نقد يصح وصفه بأنه "مديح واعجاب مع سبق الاصرار والترصد" أو "نقدا عشائريا " بمفهوم ما،او نقد بأسلوب تشجيع فريق كرة قدم، ليس مهما مستواه ، المهم انه فريقي!!
لم اعد اعترض على ما يكتب ، بت اكتب ، احيانا نادرة فقط، عندما يحركني الحد الأدنى على الأقل.

 وأحيانا ألتفضيل يميل للتجاهل.

 أعرف ان ما أسببه من غضب البعض، يجد دعما وتأييدا من الأكثرية الصامتة والمتألمة لحالتنا الثقافية ، ليس عجزا، انما بعدا عن المواجهة التي لن تظل مواجهة ثقافية ، كما وصلني بوضوح من بعض الغاضبين.
لا أقبل الصمت من أي مبدع أو صاحب رأي ، صمت المثقف يعني نفيه لذاته، ومزيدا  من الضياع الثقافي .

 الخيار صعب اذن.

الذي اريد ان أقوله باختصار بعد هذه المقدمة  الاستفزازية مع معرفة ، ان حياتنا الثقافية تفتقد للفعل الثقافي . نفتقد لحياة ثقافية نشطة  ولحركة ثقافية قادرة على التأثير . حركة لها كيان وصوت وقرار.
المؤسسات المحلية المصنفة كثقافية هي اسم بلا فعل.وأحيانا عالة على الحياة الثقافية، كذبة.  
من ناحية اخرى يبدو ان الثقافة هي آخر ما يلفت انتباه واهتمام مؤسساتنا المنتخبة (سلطات محلية) او منظمات المجتمع المدني (الأحزاب والجمعيات) . ويجري تعيين بعض المسؤولين الثقافيين حسب مقاييس مخلة بالمنطق الثقافي الأولي. مما يعني مزيد من الشلل . مزيد من التباعد. مزيد من الانطواء. ربما التعيين بحساب مؤسساتنا هو حل لمشاكل شخصية.

 سيحين الوقت لفتح هذه الصفحة الفاسدة.

 بعض المؤسسات والجمعيات تحمل اسم الثقافة ولا يعنيها غير الميزانيات التي يحصلون عليها.
حادث لفت انتباهي ، اثار استهجاني وضحكي بنفس الوقت. صديق باحث ،الدكتور الياس عفيف سليمان، من لاجئي كفر برعم ومقيم في قرية الجش، له كتب ابحاث هامة على رأسها كتاب نوعي هام جدا عن حرب السويس حسب مذكرات بن غوريون وديان، ويكشف في دراساته ( مقالاته) تفاصيل المجازر التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني،وبعضها يجهله معظمنا. نشرت له مقالين على الشبكة العنكبوتية. يعتمد على الأرشيفات العسكرية والصهيونية والحكومية، وما ينشره مذهل بعمقه ومضمونه.خاصة وانه ليس بالاستناد فقط على ارشيفات عربية ، والتي له اطلاع جيد عليها،. بل يعتمد أيضا على ارشيفات مرتكبي المجازر ، وللأسف هي أكثر دقة وأكثر فضحا للجرائم المرتكبة. وهي شهادة من المذنب بما ارتكبه بوعي وتخطيط مسبق. اتصل بمؤسسة ثقافية مرموقة للحصول على دعم لنشر دراساته الهامة والتي لقيت اهتماما واسعا بعد نشر اول مقالين.خاصة وان هذا النشاط يكلف وقتا ومالا ولا مردود يغطي النفقات. الجواب كان بما انه يعتمد على الأرشيفات الصهيونية، لذلك، "المؤسسة الثقافية القومية المحترمة" ترفض ترويج الرواية الصهيونية. بهذا الأسلوب ألعبقري تملصت المؤسسة من الدور المفترض انه جزء من برنامجها ومن الأموال التي تجمعها،لا اعتقد انهم يجهلون اهمية دراساته وانهم اغبياء لدرجة عدم فهم ان الأرشيفات الصهيونية هي ادانة اقوى ومضاعفة عشرات المرات عن الأرشيفات العربية وأرشيفات الفلسطينيين. وان اي مقارنة بسيطة تظهر ان الأرشيف الصهيوني مليء بتفاصيل دقيقة جدا ومذهلة أكثر ببشاعتها مما نعرفه من روايتنا التاريخية.
صحيح ان بعض المؤرخين اليهود يقومون بتحريف الحقائق وتبريرها. لذلك العودة الى المصادر التي اعتمدوها تكشف التزوير وتدحضه. وتكشف كم هم  مرتعبون من أرشيفاتهم لذلك مدد رئيس الحكومة نتنياهو اغلاقها ب 20 سنة أخرى بناء على طلب مدير الأرشيفات والأجهزة الأمنية. اما "المؤسسة الثقافية القومية" فلا تريد ان نكشف عمق الجريمة حسب ارشيفاتهم. وفي الابداع الأدبي لا صوت للمؤسسة رغم كثرة أموالها.وفي الساحة "الوطنية" الشعارات بلا حساب،  مثل شخص مصاب بالانتفاخ المزمن.
اتابع عادة نشاطات ثقافية عدة ، لم تزدني تفاؤلا بقدر ما أشعرتني بعمق أزمتنا . وعلى رأس هذه الأزمة اندماج العديدين من أصحاب القلم والرأي الثقافي والفكري ، بالتحايل الثقافي بعيدا عن النقد الثقافي، أو ببساطة جارحة ، بالتزوير الثقافي ، متناسين أن صفة المثقف التي يلتصقون بها ،لا تكتمل بدون الاستقامة الشخصية والمصداقية الثقافية.
 ان غياب المصداقية من فعلنا الثقافي له اسقاطات سلبية ، آنية وعلى المدى البعيد ، خصوصا على تطور حركتنا الثقافية وجعلها حركة فكرية اجتماعية لها صوتها المسموع والمؤثر .
هل سرا ان موقف المثقفين من قضايا مجتمعهم وعالمهم يشكل حاجزا امام الكثير من القرارات الخرقاء لدول عديدة في العالم ؟ وهل نتجاهل ان صوت المثقف في مجتمع حضاري أقوى من البنادق في التأثير على الرأي العام – الم يسبب الشاعر الألماني جونتر غراس الفزع لدولة اسرائيل ، التي تقارن قوتها العسكرية بالدول العظمى، بعد نشر قصيدته الهامة :"ما ينبغي ان يقال" والتي جاء فيها:
لماذا امتنع عن تسمية ذلك البلد الآخر
الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة-
قدرات نووية متنامية لكن خارج نطاق المراقبة،
 لأنه لا يسمح بإجراء الكشف عليها
التستر العام على هذه الحقيقة
وصمتي جاء ضمنه
احسها ككذبة مرهقة لي  
واتهم كالعادة المملة باللاسامية، وكأن هذه التهمة تنهي صوته المجلجل، وتسقط قوله:
ان اسرائيل القوة النووية تهدد
السلام العالمي الهش اصلا!
هذا نموذج لأهمية الثقافة ودور المثقفين في التأثير على مسارات عالمنا ومجتمعاتنا.
للأسف هذه ليست حالنا الثقافية.. هنا في المجتمع العربي داخل اسرائيل ، والى حد كبير في العالم العربي . حقا بعض المثقفين العرب باتوا يشكلون خطرا على أمن "الفساد الحاكم" أو " الحكم الفاسد " ( ما الفرق ؟) في عالمنا العربي . المثقفون  يحاكمون ، يسجنون ، يقتلون ، ويتعرضون لسيف الارهاب السلطوى والغيبي  .. وكلما ازداد الارهاب على الثقافة والمثقفين ، كلما أيقنت ، ان  ثقافتنا العربية ما زالت بخير .

ما قيمة الثقافة اذا لم تحدث حركة اجتماعية ؟ .. حركة فكرية ؟.. نقدا  صريحا ..  نقاشا ... حوارا .. تعدد آراء .. تعدد أذواق .. تعدد مفاهيم .. تعدد تجارب ، وتعدد تحديات ؟
السياسة بانفصالها عن الثقافة تفقد توازنها. هذا ما نشهده اليوم في مواقف اليسار العربي الماركسي ،الذي اضحى بمعظمه مجردا من المثقفين امثال حسين مروة ومهدي عامل ومحمود امين العالم واميل حبيبي  واميل توما وسالم جبران وآخرين ابتعدوا عن تنظيماتهم بيأس واضح، ومع فقدان التوازن الماركسي العربي مما يحدث في سوريا وخاصة جرائم النظام التي لا يمكن تفسيرها وتبريرها بما يدعيه نظام الأسد ارى ان الماركسيين الرسميين فقدوا بوصلتهم السياسية والاجتماعية والانسانية  وان اليسار الماركسي  يتراجع عن كل منجزاته التاريخية، وسيدفع ثمن مواقفه غاليا.
  
ما قيمة المثقف اذا كان ما يكتبه يذهب للدفن بلا مراسيم ، وبدون فتح ديوان للتعازي ؟ ما قيمة الكتابة اذا "ولدت ميتة " على صفحات وسائل اعلام ، كل دورها  انها تعبئ فراغات الورق  بما تيسر وليس بما هو ضروري..؟
من هنا رؤيتي لواقع أزمة ثقافتنا العربية في إسرائيل بأنه توجد قطيعة شبه كاملة في العلاقات بين حياتنا الثقافية والفكرية من جهة ، وبين  القارئ والمجتمع الذي يدعي الكثيرون انهم  يمثلوه في ابداعهم ونصوصهم المختلفة. وما يزيد أزمتنا غياب واسع للثقافة النقدية . ولكن من تجربتي أعرف ان مجتمعنا متعطش للصدق مهما كان مؤلما .. ومتعطش للنقد بكل مجالاته وامتداداته .
نحن مجتمع متهم أيضا انه لا يعطي للمثقفين دورا ، ومعروف ان أصحاب الأدوار وصلوا بدون وجه حق ، وفي غفلة من الزمن ، عبر تسلق أجسام سياسية ، وهم بالكاد يمثلون رأيا يستحق الاجماع ، أو الانصات اليه . وأصحاب الأدوار الاجتماعية أو السياسية بحالة انقطاع متواصلة عن الفكر الثقافي الذي تدعمه المؤسسات،  والذي لا يمت للثقافة الحقة بصلة ، تشغل أصحابه مكانتهم ، وبعضهم يتمسك بألقاب لا ترجمة لها على ارض الواقع، وتحول مفهوم الأديب الى مفهوم وظيفي.
من المؤسف أن الثقافة في حياتنا لا تشكل إلا بندا غير قابل للتنفيذ في أجندة المؤسسات والأحزاب ، وهي نتيجة تلقائية للرؤية المغلوطة والتي لا تقيم وزنا حقيقيا للمشروع الثقافي، ولا أستثني أحدا ، بغالبيتهم لا يرون أهمية الدور الاجتماعي والحضاري للثقافة ، أهمية دورها  التربوي ، قيمتها في النضال الاجتماعي والسياسي  ودورها في صيرورة انسان المستقبل وتشكيل عالمه الفكري .
ان تكتب قصيدة جميلة ، قصيدة حب مثلا ، هذا أمر جيد ورائع ... والسؤال ، عدا جمالية اللغة والموسيقى والمشاعر ، هل أوصلت ، ايها الشاعر أو القصصي ، في حالة النص القصصي ، هل أوصلت رسالة حضارية ؟ فكرة انسانية ما ؟  تجربة حياتية تستحق جهد القراءة ؟ نقدا ما حول واقع يجب ان نتجاوزه ؟
الأدب والثقافة لهما وظيفة اجتماعية ، ومهمة انسانية عامة . عبر الابداع الأدبي انت تقوم بنشاط جديد . نشاط لذاتك ، ونشاط لمجتمعك . نشاط للعالم الخارجي حولك ، ونشاط للعالم الأكثر اتساعا من رقعتك  المحدودة جغرافيا . وقد يشكل الابداع ولادة حقيقية جديدة للمبدع ، نقلة نوعية ، فكرا وموقفا وإبداعا.
الابداع هو فعل هادف منظم ومسؤول نحو هدف . ادوات المبدع هنا هي اللغة والفكر ، ولكن اللغة لوحدها ليست هي الهدف ، كما لاحظت في كتابات كثيرة . لا شك ان استعمال اللغة ومفرداتها ، هو فن بحد ذاته ، ويضفي على الإبداع الحقيقي جماليات خاصة تعمق قيمة الابداع وأثره.
الانسان الذي لا يملك هدفا في الحياة ، هو بنفس الوقت لا يملك مشروعا ثقافيا ، حتى لو كان استاذا في تاريخ الثقافة.
في العام 600 قبل الميلاد حدث التحول الأهم في العقل البشري. نشأت الفلسفة في بلاد الإغريق.الفلسفة رفضت الأساطير عن الآلهة ، وطرحت بدلا منها المنطق العقلي في فهم الظواهر الطبيعية وتفسيرها. في مجتمعاتنا نلاحظ أن الأساطير تزداد قوة . بمعنى آخر حيث لم تتطور فلسفة استمر التراجع واشتد الارتباط بالأساطير. اين نحن من ذاك التحول بعد 2700 سنة من ظهور الفلسفة؟ ولماذا تقف ثقافتنا عاجزة عن تثبيت العقل والعقلانية  (لوغوس) بدل الأساطير؟ وهل كان حرق كتب ابن رشد واتهامه بالزندقة والكفر دورا في القضاء على تطوير فلسفة عربية، وبالتالي  ما يسود مجتمعنا اليوم من أزمة ثقافية؟
من هنا أقول يقتضي ان يكون للأديب أو المثقف ، مشروع حياة يرتبط بقضايا مجتمعه وعالمه وان يكون صاحب رؤية فلسفية. بدون فلسفة نحن لا نتعلم ، وكما يقول غوتة: "الذي لا يعرف ان يتعلم دروس الثلاثة الاف سنة الأخيرة يعيش في العتمة"..
ما هو العالم الذي نريد ان نعيش فيه ؟ هل نريده مجتمعا مغلقا أم مجتمعا مفتوحا؟ مجتمعا حرا أم مجتمعا خاضعا؟ مجتمعا يكفل حقوق الانسان أم مجتمعا يميز بين البشر؟
بالطبع لا يمكن نفي ذاتية المبدع ، خصوصياته... وتطويرها لآفاق أكثر اتساعا  في تفكيره وقدرته على التأثير .
للأسف هذا ما    نفتقده في الأكثرية المطلقة مما ينشر من ابداعات شعرية أو قصصية ، ومن نقد أدبي ومحاورات فكرية وثقافية... وحتى من مقالات ومواقف سياسية.
ان ما نحتاجه ليس المثقف الخامل ، الباحث عن المصفقين .. انما المثقف النقدي والموضوعي المرتبط بقضايا مجتمعه  ، المثقف الذي ينقد ذاته وتجربته ،وان يكون ارتباطه الأساسي مع الثقافة بمفهومها الكوني وليس القبلي العشائري أو القومي المتعصب او الديني المنغلق. وان يكون مثقفا متحررا من التبعية مهما كان نوعها وشكلها الفكري او السياسي أو الاجتماعي او الديني.
لنا تجربة غنية . حققنا انجازات ثقافية في مسيرتنا غير السهلة. يجب ان ندرس تجربتنا . . في لحظة معينة لا بد ان ينبثق شيء جديد، ولكن لا شيء يظهر لوحده...
 

nabiloudeh@gmail.com





24


كيف صار لله شعب مختار؟


قصة: نبيل عودة



اختلف اساتذة اللاهوت وممثلي الأديان من الشخصيات الدينية رفيعة ألمستوى  في اسباب حصول اليهود دون غيرهم من الشعوب على وصايا الله العشر والتي تعرف أيضا باسم "لوحات العهد" التي تسلمها النبي موسى، حسب قصة ألتوراة، منقوشة على الحجر من رب العالمين في جبل سيناء. وتحول المؤتمر الدولي للتفاهم بين الديانات الى صراع جديد أشغل الإعلام الدولي وقاد الى تدخل الدول العظمى لتهدئة الخواطر ونقل البحث الى الأمم المتحدة،حيث انها المنظمة المخولة في حل النزاعات بين الشعوب.
الأمريكيون كعادتهم، ذهبوا الى التبرير بأن الله منح وصاياه لشعبه المختار من بين جميع شعوب الأرض ، والمسمى بالتوراة باسم اسرائيل أيضا وأنه فضلهم من بين جميع ألأمم وبالتالي أضحى هذا الأمر معيارا للمواقف والمناهج الأمريكية التي تحافظ على التماثل مع ارادة القدير ولا تخل بمشيئته، خاصة وان أمريكا اختارها الله بالتأكيد لتدير شؤون البسيطة بعدالة وديمقراطية وحرية فهل يليق بها ان تنقض ارادة السماء بسبب بضعة مشردين فلسطينيين أو محتجين او لاساميين او رافضين خيارات الله لأسباب عديدة؟
 وأشار المندوب الأمريكي انه لا يمكن نقض الحجة السياسية الإلهية القوية التي نزلت في سيناء وذلك حين منح الله وصاياه لشعب اسرائيل.
هذا الكلام اثار امتعاض مندوبي الدول العربية والإسلامية وشريحة كبيرة من الدول التي ترفض تبرير سياسات عصرنا الراهن بقصص توراتية لا دليل علمي على صحتها ولا منطق باعتمادها وكأن العالم لم يتغير منذ ستة آلاف عام . ولكن  العرب آثروا الصمت  لضمان علاج الملوك والرؤساء العرب والشخصيات المرموقة من الدولة العربية في مستشفيات ألأمريكان او حتى في مستشفيات اسرائيل كما تقول بعض المعلومات دون أي اثبات عملي لها، لأن مستشفيات العرب الوطنية مخصصة كمحطة في الطريق للمنتقلين للسكن في المقابر.
الأوروبيون ترددوا في ألبداية وقالوا ان الموضوع مثير للاهتمام حقا، وبما انهم أقرب لمنطقة الحدث،سيناء وارض الميعاد فلهم وجهة نظر مختلفة قليلا. اولا يقرون ان الله أعطى ابناء اسرائيل اعترافا مميزا انهم المختارون من بين ابنائه.ودائما الأب له ميول نحو بعض الأبناء أكثر من ألآخرين وهذا لا يعني انه يكره بقية الأبناء او يتنكر لهم، بل هي مسائل تتعلق ايضا بذكاء الأبناء ومدى استجابتهم لتوجيهاته، وحفاظهم على ميراثه ، ومواصلة التقيد بما اوصاهم به في التوراة.
ولكن... هناك سؤال يضغط على الفكر. وهنا الفرق عن الموقف الأمريكي المبايع بدون تردد،والموقف الأوروبي الذي يريد ضمان الهدوء في منطقة الشرق الأوسط القريبة منه. وتساءل المتحدثون الأوروبيون: "هل  من علاقة بين ابناء اسرائيل اليوم واؤلئك الذين تاهوا في صحراء سيناء اربعين عاما؟ الم يعاقبهم الله بسبب عقوقهم وعدم استقامتهم، تماما كما يعاقب الأب ابنه العاق واضافوا بتردد ما، بان "الاستنتاج البديهي ان يهود اليوم ليسوا هم يهود الأمس"
  وجاء في تبرير الممثل الأوروبي ان الشعوب اختلطت، والديانات نقلت عن بعضها، وتداخلت قصصها وتفسيراتها، ولم يعد الفرز يشير الى تميز خاص ، وهذا يلزمنا بعدم تبرير كل ما يقوم به ابناء اسرائيل اليوم تحت غطاء مضى عليه ستة آلاف سنة بحساب ألدين ومليارات السنين اذا حسبنا تاريخ الأرض ونشوء الحياة فوقها حسب الأبحاث العلمية وتجربة الانفجار الكبير الذي اثبت كيف نشأت ألأرض.
الموقف الأوروبي المذكور اعلاه اثار زوبعة غضب صهيونية وعرض الأوروبيين لنقد شديد اللهجة بلسان مسؤول كبير من بني اسرائيل جاء فيه :"ألم يتخلص الساسة الأوروبيين حتى اليوم من لاساميتهم؟! ألم يتعلموا شيئا من الكارثة التي اودت بحياة ستة ملايين يهودي في اوروبا نتيجة العداء للسامية التي ميزت كل التاريخ الأوروبي ووصلت ذروتها في النظام النازي؟! وأليست الشعوب أيضا على دين ساستها كما علمتنا التجربة التاريخية؟!".
الغضب الصهيوني اضطر الخارجية الأمريكية الى طمأنة اسرائيل ان التصريح الأوروبي زلة لسان غير مقصودة سيتم علاجها بسرعة.
من جهة أخرى، لولا ادخال موضوع العلوم الغربية الصليبية الكافرة لصفقت الدول الاسلامية والعربية للتفسير الأوروبي. وقال ممثل احدى الدول الاسلامية انه من الناحية العلمية ، الاسلام نسخ جميع الديانات ذلك لان شريعة الإسلام حسب علم الفيزياء الذي اكتشفه علماء الدين في كتابهم الكريم قبل علماء الغرب ألكافر هي آخر ألشرائع وهي ناسخة لما سبقها من الشرائع  ومهيمنة عليها.
 قاطعه ممثل ابناء اسرائيل بان القرآن يعترف بأن اليهود هم شعب الله المختار.ولكن المتحدث الاسلامي أصر رغم المقاطعات الصهيونية والامبريالية والصليبية، ان المسلمين خير أمة اخرجت الى الناس وهذا ينسخ مقولة التوراة او ما ورد في القرآن عن شعب الله المختار في مرحلة سابقة نسخت فيما بعد.
استدعي الممثلون الأوروبيون الى البيت الأبيض لتوبيخهم بسبب تفوهات لا تليق بمن ينتمي للعالم الحر الديمقراطي الذي يحترم حقوق الانسان. على اثر التوبيخ الأمريكي أستدرك ناطق باسم المجموعة ألأوروبية زلة اللسان بالتأكيد ان اللاسامية محظورة بالقانون ألأوروبي وقال ان القانون يعاقب كل من يتفوه بكلمة تفسرها اسرائيل عداء لها ، وعليه، وبسبب زلة أللسان عوض الأوروبيين اسرائيل بغواصتين من الطراز ألحديث  لتعود العلاقات الى طبيعتها من التناغم والتفاهم. ولكن رضاء اسرائيل لم يكن كاملا، ولم يتوقف غضبها نهائيا إلا بعد أن تلقوا تعويضا آخر من ألأمريكيين لم تنشر تفاصيله كاملة، ولكن تسربت معلومات صحفية تشير الى منح اسرائيل، ضمن صفقة رضائها، عشر  طائرات حديثة من نوع الشبح الذي لا تلتقطه الرادارات والمعروفة ب "اف-35" ايضا... وتعهد أمريكي باستعمال حق النقض الفيتو ضد أي قرار يدين أي تصرف اسرائيلي مهما كان عدم توافقه مع القانون الدولي او حقوق الإنسان.
ممثلوا الكنائس المسيحية الشرقية والغربية،اجتمعوا واتفقوا لأول مرة في تاريخهم منذ ايام ألمسيح وأصدروا بيانا، اختلفوا في البداية أي توقيع يكون على رأس البيان ، ثم حلوا المشكلة بإصدار نسختين الأولى توقع اولا من بابا الفاتيكان وعلى رأسها الصليب أللاتيني والثانية توقع اولا من كبير بطاركة اليونان وعلى رأسها الصليب الأورتودوكسي. وترسل النسختان لجميع أعضاء الأمم المتحدة بمغلف واحد. وتنص على عدم تجاهل ان المسيح ابن الله جاء ليكمل الدين ويغير ما لم يعد يلائم الحياة،وينقذ البشر من الضياع ويخلصهم من ألخطيئة وان اتباعه كانوا من اليهود قبل ان ينتشر دينه بين الأمم ، وان من لم يؤمن بالمسيح لا يمكن ان يكون ضمن شعب الله المختار. لأن المسيح هو ابن الله ومتوحد مع الله ومن يرفضه يخسر تصنيفه الديني المميز. ولم يذكر بيانهم تماما ان المسيحيين هم شعب الله المميز الآن، وأن المسيح حين يعود سيجعلهم فوق جميع الأمم. تركوا ذلك لحكمة الفرقاء، وقد فعلوا ذلك بذكاء حتى لا يثيروا مزيدا من النقاش حول مسالة بديهية تؤمن فيها المسيحية بقوة، وعلى هامش النقاش في الجمعية العمومية همس ممثل الفاتيكان في الأمم المتحدة بأُذن المندوب ألأمريكي "ان المخلص حين يعود في نهاية العالم سينقذ اولا من آمن به وبأبيه وينقلهم الى ملكوت السموات"..هذا الأمر أسعد المندوب الأمريكي فرد همسا بأذن ممثل ألفاتيكان " ان الانتخابات الأمريكية على الأبواب والصوت اليهودي يهم الرئيس ، وآمل ان يفهم بابا الفاتيكان حراجة الموقف ألأمريكي وان الموقف في الأمم المتحدة لا يعني تنازل أمريكا عن اولوية المسيحيين في ملكوت الله.. وان أمريكا لن تستعمل حق النقض الفيتو على قرار السماء بشمل اليهود أيضا بملكوت الله". المندوب الفنزويلي المؤيد للعرب علق بسخرية على بيان ممثلي الكنائس المسيحية بقوله: "هل صار المسيح صهيونيا او طالبا للهجرة الى أمريكا ؟".
وعلى اثر ذلك احتد  النقاش من جديد وعلت الأصوات بصخب ومقاطعات . رئيس الجلسة المندوب الروسي خبط بقوة على الطاولة بالمطرقة لتهدئة النقاش الصاخب، فانكسرت يدها. اصابته الحيرة لوهلة، ثم فتح الله عليه بفكرة متذكرا زعيما سابقا لدولته اضطر الى فرض الهدوء على نقاش سابق في الأمم ألمتحدة فنفذها، خلع حذاءه واستعمله بدل المطرقة لتهدئة النقاش الصاخب. فساد الصمت... ثم انفجر الجميع بالضحك والتصفيق الصاخب.
لم يصل البحث الى نتيجة.وقد وقفت الصين ضد أي قرار دولي يعترف بأي طرف كصاحب مميزات أكثر من الآخرين لدى الخالق. وقال المندوب الصيني ان المقياس يجب ان يكون العمل والإبداع ،وليس الأساطير والغيبيات. وانه حتى الديانات الأقدم مثل  الكونفوشية والبوذية قدمتا للبشرية اروع الأفكار وأفضل ألحضارات وهو امر يتجاوز ما يسمى بالديانات ألتوحيدية التي هدمت حضارات سبقتها  ولم تبن غيرها ، كما ادعى، مما اثار غضب المسلمين من تجاهل حضارتهم ألعظيمة ولكنهم "جمطوها" لأن الموقف الصيني يخدم تطلعاتهم. وأضاف مندوب الصين ان الحضارة الحديثة لم تنشأ إلا بعد ان انتفضت اوروبا على التحجر ألكنسي وان الديانات التوحيدية زرعت الأوهام الكبيرة وجعلت أتباعها خاملين منتظرين الخلاص من السماء ومن ترديد نصوص هي أشبه بالأفيون. ولولا هذه الجملة الأخيرة،واستهتاره بالديانات، لصفقت الدول الاسلامية للمندوب الصيني على موقفه ضد اقرار الأولوية لليهودية او المسيحية على سائر الديانات ، وهذه من المرات النادرة التي لم ينجح المندوب الأمريكي بتمرير قرار يعلي شأن ابناء اسرائيل على جميع الأمم. واستهجن المسلمون العقلية الأمريكية الغبية التي تحتضن (15) مليون يهودي وتهمل (1.5) مليار مسلم ؟!
صحيح ان المندوب الروسي أصر ان الكنيسة السلافية الأورتودوكسية هي الأصل ، ولكنه تنازل عن اثارة هذه المسالة الصعبة مقابل تعهد أمريكي بعدم نشر الشبكة المعروفة بدرع الصواريخ على مقربة من حدود روسيا، وبذلك كسبت امريكا الصوت الروسي ضد الدول الاسلامية ، من رؤيتها ان المسيحيين على مختلف كنائسهم وبدعهم هم يهود التاريخ ، وأي اقرار أولوية أبناء اسرائيل لا يتناقض مع الايمان المسيحي بأنهم ( المسيحيون)هم الأقرب الى قلب الله وابنه، لأنهم تاريخيا يهودا قبلوا المسيح الرب كمخلص لهم وعُرفوا باسمه: "مسيحيين".
الأمين العام للأمم المتحدة اقترح امام هذه الاشكالية الصعبة ان تتشكل لجنة تقصي حقائق تراجع الكتب المقدسة ، وتبحث في سجلات التاريخ وان تعطي الاجابة الشافية عن السؤال ألجوهري لماذا اختار الله اليهود ليعطيهم الوصايا ألعشر هل لهذه الحادثة التاريخية اسقاطات على واقعنا اليوم بحيث يعتبر شعب اسرائيل شعب الله المختار، وتبرر كل تصرفات منظماته ودولته؟ وهل ما جاء في التوراة قبل ستة آلاف سنة ما زال ساري المفعول في ايامنا ؟ المضحك كما قال مقاطعا المندوب الصيني :" ان العالم الذي يقدر عمره بمليارات السنين تختصره التوراة الى ستة آلاف عام".وأضاف الأمين العالم للأمم المتحدة في تكليفه للجنة الدولية بعد ان طلب عدم مقاطعته، ان عليها ان تشرح أيضا كيف نفهم انشقاق المسيح عن اليهودية ورفضه لبعض تعاليمها الجوهرية، إلا ينهي ذلك مقولة الشعب المختار من الابن الذي يندمج مع الأب والروح ألقدس ليشكلوا اله واحد كما تقول المسيحية في أناجيلها؟ وعليه طلب الأمين العام للأمم المتحدة من اللجنة ان تقدم تقريرها له بعد انتهاء عملها.وقد قاطع المندوب الاسرائيلي عمل اللجنة لأنها مشكلة من دول مارقة لاسامية، فاضطرت الولايات المتحدة لإعلان وقفها لتمويل عمل اللجنة. فتبرع أمير نفط عربي بتمويل عمل اللجنة بإيعاز من الأمريكيين طبعا.
مفاجأة عظيمة كانت بانتظار اللجنة الدولية ، مع بداية عملها وجدت امامها جبال من التسجيلات والتفسيرات. قدر رئيس اللجنة ان مجرد قراءة عناوين المواضيع يحتاج الى عشرة ألاف ساعة قراءة على الأقل.
عضو اللجنة المندوب الصيني رفض ان يتعب نفسه بقراءة ما لا ينفع في النمو الاقتصادي للصين وفي توسيع التصدير الصيني الى دول العالم. وقال ان وقتهم وجهدهم يذهب هباء، وان المعروف والمثبت ان كل قصص التوراة، هي ترجمة لأساطير بابلية وصينية وهندية وكنعانية وأشورية ومصرية ولا يمكن اعتمادها في عالمنا المعاصر الذي يعتمد على العلوم والتكنولوجيا والهايتك والفلسفة. وان الله نفسه  تعرفه التوراة بأنه مجموعة آلهة، اذ جاء في التوراة اليهودية ان الآلهة (أي "الوهيم") وليس الله ("ايل") خلقت في البدء السموات والأرض، وذلك تمشيا مع الأسطورة البابلية التي ترجمها اليهود انفسهم اثناء سبيهم في بابل وتتحدث عن سبعة آلهة خلقوا السماء والأرض والإنسان والنبات وهلم جرا... هذا ينفي كل ما تلا ذلك من تطورات واختلافات وانشقاقات، وبالتالي مهما بحثنا لن نصل الى تغيير الحقيقة الأولية،لا شيء من السماء بل كل شيء من الأرض، وأضاف المندوب الصيني  ان الباحثين في جامعة شانغهاي توصلوا الى حل منطقي لهذه الإشكالية قد يرضي الجميع، ولكن السؤال يبقى هل من حل يرضي اسرائيل ؟ وما هو الثمن لرضائها هذه المرة؟ هل باستطاعة امريكا والدول الأوروبية دفع الثمن الذي يرضي اسرائيل كلما زعلت؟!
اهتم اعضاء اللجنة، قبل بحث ما يرضي إسرائيل  بمعرفة الحل الذي توصل اليه علماء جامعة شانغهاي ذات الاسم الدولي والعلمي الراقي جدا.
ابتسامة المندوب الصيني اتسعت لتوصل خطا افقيا بين الأذنين. فتح دوسيته وأخرج مستندا، تأملهم للحظة ثم قال بسخرية :
- هل تقرأوه ام أقرأه لكم ؟
- لا نعرف الصينية ترجمه لنا.
- انتم لا تدرون كم تخسرون بجهلكم للصينية. من لا يعرف الصينية في ايامنا يعيش في ظلام دامس. حسنا ما توصل اليه علماء الصين يحل اشكالية الخلاف. حسب المذكرة التي وصلتني أمس وضع علماء الصين  تصورا رمزيا جاء فيه ان الله كلف الملائكة بحمل الوصايا العشر وتقديمها للبشر على الأرض، وذلك كونه كما تقولون عادل ويحب كل ابنائه بنفس القدر .
وهذا ما كان. انطلق الملائكة الى شعوب الأرض قاطبة، وصل ملاك للعرب، سأل كبيرهم:" هذه وصايا من الرب ، هل تريدونها؟" سال كبير العرب:" ماذا فيها؟" قرأ الملاك بنود الوصايا وعندما وصل الى "لا تقتل" قاطعة كبير العرب :"لا هذه لا تنفعنا، هل يقتلوننا ونقف نتفرج ، هل نتنكر لعنترة الذي قال وددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم ؟ هل نتنازل عن تراثنا المليء بالبطولات ؟ الم نجعل للسيف مئات الأسماء ؟ ماذا ستفيدنا سيوفنا اذا تخلينا عنها؟".
جاء ملاك أخر الى الفرنسيين. عرض عليهم الوصايا. سأله كبيرهم:"ماذا بها؟". بدأ الملاك بقراءة البنود العشرة. وصل الى "لا تزن" ، صرخ الفرنسي:"كفى كفى.. لا نريد الوصايا ، نساؤنا جميلات ومغريات ، فهل تريدهن ان يبحثن عن رجال خارج فرنسا ليلحق بنا العار والشنار؟"
وصل ملاك أيضا الى الرومانيين . وعرض عليهم الوصايا وبدأ يقرأ بنودها، وعندما قرأ "لا تسرق" غضب كبير الرومانيين وقال :"كفى، لا تنفعنا، الكل يسرقنا ولا بد أن نرد على السرقة بسرقة؟"
وهكذا وصل الملائكة الى جميع الشعوب ،ولكل شعب كانت له حجته ليرفضها. عادوا الى الله خائبين. زجرهم الرب على قصورهم في تسويق وصاياه وهدد بطوفان جديد، ثم تذكر انهم لم يصلوا لأبناء اسرائيل: "لماذا نسيتم الشعب التائه في صحراء سيناء؟". قال أحدهم:" كنت في ارض كنعان ولم أجدهم".  أمره الرب بالتوجه فورا الى سيناء.
التقى الملاك بعد جهد كبير من البحث بين رمال الصحراء وكثبانها مع بني اسرائيل. كانوا غاضبين متعبين جائعين وعطشى يؤلمهم الضياع الطويل بدون بارقة آمل. أخبرهم الملاك بما يحمله لهم من وصايا الرب. سألوه:" وهل تسد عطشنا وجوعنا؟" قال الملاك:" تنقذكم من عذاب جهنم وتروي أرواحكم وتشبع نفوسكم وتجعلكم اول شعب يقبل وصايا الله وبالتالي المختارون لديه". قالوا:"هذا غير مهم، موسى وعدنا بالخلاص وأضاعنا في سيناء". قال الملاك: "انا اتكلم باسم رب موسى، ووعود الله قاطعة" . سألوه ليصرفوه: "كم ثمنها هذه الوصايا؟".فاجأهم حين قال لهم:" انها هدية مجانية من الله". قالوا بصوت واحد فرحين:" هدية بلا مقابل؟! مجانية؟! حسنا هذا رائع ، هاتها واجلب لنا عشرة أخرى مثلها!"
[/size]

nabiloudeh@gmail.com




 





25
نشرت هذا المقال عام 2011 ويبدو ان الواقع يزداد مأساوية .. وانحدارا. والخسارة ستكون لجميع المواطنين في العالم العربي. خسارة التقدم والديمقراطية والرفاه الاجتماعي- نبيل عودة 


المسيحيون في الشرق: هل هم المشكلة او الغطاء لمشكلة الانظمة الفاسدة؟!
[/size]

نبيل عودة


اثار الاعتداء الهمجي على كنيسة القديسين للاقباط في الاسكندرية ليلة رأس السنة، عواصف من الادانات في العالم العربي، ومن مؤسسات وشخصيات اسلامية مركزية، وامتلأت الصحافة بكل اشكالها بعشرات المقالات الجريئة الرافضة لهذا الاسلوب الهمجي في التعامل مع الاقليات المسيحية العربية وغير العربية.
الموضوع ليس جديدا، والاضطهاد الذي يعاني منه مسيحيو الشرق، لا يقع بعيدا عن الواقع الاسود للعالم العربي الذي يدفع ثمنه الجميع، مسلمون ومسيحيون.
ولكن حان الوقت لتحرك جديد، ولعدم الاستهتار بما تفرزه العقول المريضة، تحت غطاء كاذب من الدين والتدين.
اللوحة التي تفرض نفسها اليوم شديدة الكآبة، وتثير غضب الأوساط المتنورة جميعها، بدون علاقة للانتماء الديني او الاثني.
لا شك ان للهوية الدينية مكانها في تشكيل الوعي الوطني والثقافي والأخلاقي، اذا ما احسن استعمالها. ولكن الظاهرة السائدة في عالمنا العربي في العقود الاخيرة هي ظاهرة مقيتة جداً، ومأساوية للجميع، وبعيدة عن المنطق السليم.
آلاف الفتاوي التي تحرض على المسيحيين وتدعو لمعاداتهم وعدم المشاركة باعيادهم ونبذهم ومما هب ودب من اوصاف سوقية تنطلق من رؤوس مريضة وعقليات متخلفة بدائية.
الاف الخطب الدينية شكلا والعنصرية مضمونا، يضج فيها الفضاء العربي دون رقيب، ودون ان تشعل الأضوية الحمراء لما يريد للمجتمعات العربي ان تقبر مستقبلها فيه.
الاف الشعارات المقيته التي لا تعبر الا عن عقول موبوءة ومصابة بالشلل الفكري والانغلاق، الذي هو اخطر على الانسان والمجتمع من أكثر الأمراض فتكا..
المسيحيون العرب او ابناء العراق من المسيحيين غير العرب، افرزت لهم خانة وكانهم عنصر دخيل على الفسيفساء الاجتماعية للمجتمعات العربية متناسين انهم كانوا المحرك الاساسي للحضارة العربية الاسلامية، وما زالوا يشكلون العناصر الأكثر التزاما بالفكر الوطني والتقدم الاقتصادي واحلال الدمقراطية بدل الاستبداد.
مواد التعليم مليئة بنصوص تعمق ظاهرة العداء والرفض للمختلفين دينيا، بل والتحريض على كل من يدعي انه وطني عربي، لان الوطنية، حسب الفكر الموبوء المريض هي "ظاهرة صليبية"، او انحراف معاد للاسلام،كما يدعي صغار العقل، متجاهلين ان الاسلام كان يعني انطلاقة للقومية العربية أيضا.
العديد من المفكرين العرب طرحوا هذا الموضوع بكل خطورته، ولكن الانظمة التي لا يعنيها الا أمنها وتوريث النظام لا تتحرك، ما دام الشعب ينشغل بالصراع الديني، ويبعد عنها الغضب الشعبي من غياب الدمقراطية، ونهب ثروات البلاد بيد العصابات الحاكمة، وانتشار الامية والفقر بمقاييس مرعبة. وربما ترعى مؤسسات هذه الدول توجيه انفجار الغضب في وجه الاقليات الدينية او الاثنية في مجتمعاتها، ونعرف من التاريخ نماذج كثيرة لمثل هذه الممارسات ، مما يساهم في ضمان استمرار سلطانها الفاسد وحمايته من غضب الشعب. المسيحيون الاقباط محكومون حتى اليوم حسب قانون عثماني مضى عليه قرون طويلة، لدرجة ان أي عملية اصلاح بسيطة في كنيسة تحتاج الى مصادقة من المحافظ او من رئيس الجمهورية. ورغم ان رئيس الجمهورية في مصر يدعي انه بنيت كنائس كثيرة، الا ان استمرار ربط هذا المجال الحيوي للاقباط في مصر وغيرهم من الاقليات الدينية، مثل البهائيين وغيرهم من الأقليات، بقرارات رئاسة الجمهورية، هم امر مرفوض بسبب الرائحة التمييزية العفنة التي تنضح منه وفي جذورها انكم غرباء وتشكلون ظاهرة غريبة في المجتمع المصري ، او المجتمع العربي عامة.... وان الدولة لا تتعامل معهم كمواطنين متساوي الحقوق.
ان التفجير الارهابي في الاسكندرية (وقبله في العراق عدة مرات) الذي اوقع عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، لم يكن مفاجئا بعد التهديد الذي اطلقه تنظيم القاعدة، والسؤال: اين كان الامن المصري؟!
الجواب ليس صعباً بأن الامن المصري مشغول بحماية السلطة ورجالاتها فقط، وقد كشفت "الغارديان" البريطانية صورة مثيرة جدا عن اولويات الأمن المصري.
الأمن في مصر لا يخص المواطن المصري، وعلى هذا المقياس يمكن فهم ان الواقع الاجتماعي المتدهور لابناء مصر ايضا، لا يخص النظام، والنظام لا يبالي بالصراع المصري مصري، ولا اقول المصري- القبطي لاني لا أرى تبريرا اخلاقيا او سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا او دينيا لصراع مصري اسلامي مع أقباط مصر المسيحيين.
في وطننا شهدنا ايضا ظواهر مقلقة جدا والماساة حين نكون اقلية قومية تجزء نفسها لاقليات دينية بغباء كامل عن فهم ان هذه التجزئة تحرمنا جميعا ولا تخدم الا سياسة التنكر لحقوقنا، واستمرار التمييز ضدنا، ومعاملتنا كسكان غير مرغوب فيهم، بل وتخدم سياسة تقسيمنا الى طوائف التي تمارسها السلطة باصرار، وليس اقلية قومية.
صحيح ان مستوى وعينا تعالى فوق الظواهر الطائفية المعادية لكل فكر ديني انساني، ونجح بحصر الظاهرة واطفاء الحرائق التي ولدتها.
ورغم ذلك، ما زلنا نسمع ونشاهد ما يثير قلقنا وامتعاضنا.
عندما نعبر في الشارع الرئيسي في الناصرة، ونقرأ: "الله مولانا ولا مولى لهم"، يرتفع السؤال: من يخدم هذا الشعار؟ وعندما تزور شخصيه مسيحية عالمية، مثل بابا الفاتيكان البلاد المقدسة، ساحبا وراءه ملايين السياح المسيحيين،مما يعتبر تنشيط للحياة الاقتصادية في الناصرة خاصة، فتوزع مناشير وتلقى خطب مليئة بالتحريض، من اسوأ الأنواع وأكثرها دموية، يرتفع سؤال: من يخدم هذا الإنفلات؟
بالطبع هناك ظواهر اكثر خطورة، ان لم تسارع كل القوى العقلانية، من احزاب وجمعيات وتنظيمات الى احتواءها، ستقودنا الى انفجار ليس ضد المغتصب لحقوقنا، انما ضد بعضنا البعض.
انا على قناعه كاملة، ان تنامي الظاهرة الطائفية في العالم العربي هي جانب صغير من مشكلة كبرى، مشكلة النمو الاجتماعي والاقتصادي، مشكلة الأمية والفقر، مشكلة البطالة، مشكلة التخلف العربي في مواجهة التحديات على الساحة الشرق اوسطية والدولية، وهي بالاساس مشكلة الدمقراطية الغائبة.مشكلة اجتماعية واقتصادية .
فليوجه الغضب اذن ضد سالبي حقوق جميع المواطنين بدون تمييز.
[/size]
nabiloudeh@gmail.com

26

إستقلال شر من شتات!!

نبيــل عــودة
[/size][/color]

ثلاثة احدات في الذاكرة من استقلال اسرائيل
بينما تحتفل اسرائيل بمرور 64 سنة على قيامها، وكما في كل مناسبة، استعيد في ذاكرتي الكثير من الصور والذكريات المرتبطة بهذه المناسبة.ومنها ثلاثة احداث لا تغيب عن ذاكرتي ابدا .
اولهما: لقاء مع طلاب يهود ثانويين يساريين وشيوعيين في حدود العام (1960) تفاجأ الطلاب اليهود اننا لا نحتفل باستقلال الدولة. وعبثا حاولنا بمفاهيمنا السياسية الأولية ولغتنا العبرية الضعيفة ان نشرح ما يؤلمنا في هذا اليوم. بعد حوار طويل أشبه بالحوار السفسطائي،او حوار بين طرشان،نجحنا بمساعدة مرشدتنا التي هي أيضا لا تعرف العبرية بشكل مقبول،في ايصال ما يؤلمنا. راودتني فكرة. سألتهم: ما هو شعوركم بمثل هذا اليوم الذي يسمى استقلال اسرائيل؟ كان ردهم متشابها ، الشعور بالأمان والسعادة ان لهم دولة تحميهم وتجعلهم اسوة بجميع الشعوب. قلت لهم فورا اول جملة تيسرت لي بالعبرية : هذا بالضبط ما ينقصنا نحن. واضفت بلغة مكسرة بمساعدة سائر الزملاء العرب والمرشدة: استقلالكم يعني تشريد اكثر من مليون فلسطيني من شعبنا. استقلالكم يعني مصادرة اراضينا. استقلالكم يعني اننا صرنا مواطنين اقل شأنا منكم. استقلالكم يعني ارهاب الحكم العسكري وتقييد حريتنا بالتصاريح.استقلالكم جر علينا كوارث تدمير 500 بلدة عربية وطرد سكانها. استقلالكم يعني مجزرة كفر قاسم رغم انهم مواطنين في دولة اسرائيل مساوين لليهود حسب القانون على الأقل.وربما اضفت نماذج اخرى ليست اقل شانا.
كان ذلك منذ أكثر من نصف قرن والتطورات عمقت حدة النزاع مع الفلسطينيين ومع سائر الشعوب العربية حتى التي وصلت بغفلة من زمن عربي ضائع ( وحتى اليوم كله زمن ضائع)، الى "اتفاقات سلام" مهينة لكل منطق سياسي سليم ، على الأقل بتحولها الى "ثنائية مغلقة" بدون أي علاقة بقضية العرب المركزية.
ثانيهما: في مناسبة استقلال أخرى للدولة، وكان الحكم العسكري يتحكم باستبداد وقمع وارهاب بالأقلية العربية الباقية في وطنها،بدون رقيب تحت مظلة قوانين الانتداب الاستعماري البريطاني لفلسطين . كان الحكم العسكري من نصيب المواطنين العرب فقط، تخضع له  جميع مناحي الحياة وخاصة فرص العمل والوظائف في المؤسسات وحق التنقل داخل الوطن (حتى الى العمل خارج بلداتنا كنا نحتاج الى تصاريح عسكرية محدودة بالزمن والساعة ) وبرز تعسف الحكم العسكري بالتحكم بالتعليم العربي والمناهج التعليمية والتوظيف لسلك التعليم. وارهاب المعلمين، وقد ساد الخوف بين المعلمين من امكانية طردهم من التعليم اذا لم يلتزموا بالتعليم حسب الكتب المنهجية الضعيفة والتافهة والتي تشوه اللسان والعقل.وقد انتشرت في تلك الفترة ظاهرة طرد المعلمين العرب من سلك التعليم، لأن الحكم العسكري لم يعد يثق بتبعية المعلم والتزامه بالبرنامج التعليمي المقرر في دوائره.وهناك معلومات ان ظاهرة السيطرة الأمنية على جهاز التعليم ظلت سائدة بقوة حتى سنوات قليلة ماضية وهناك شكوك اليوم بان جهاز التعليم العربي ما زال يخضع لرقابة أمنية شديدة رغم الإتساع الكبير في مساحة الحرية.وهذه الحرية النسبية لم تحدث في فراغ بل بثمن نضالي كبير.
 لذلك كان الخطر على لقمة العيش مسلطا فوق الرؤوس. وساد وقتها جو كئيب في مدارسنا. وامتنع الكثير من المعلمين عن التعبير عن ارائهم او اضافة معلومات والتوسع في مواضيع الدراسة خوفا من سيف الفصل من العمل، والمؤسف ان هذه الظاهرة لم تؤرخ بشكل يظهر ممارسات الحكم العسكري الذي اطلقته دولة اسرائيل على رقاب الأقلية العربية ، واطلقت يده الحرة حتى بالتضييق على لقمة الخبز للمواطنين بطريقة تعسفية استبدادية وارهاب متواصل لدرجة خوف المواطن من التعبير عن رأي لا يقع جيدا على آذان زلم دوائر الحكم العسكري. وقد تحول بعض المعلمين الى مخبرين رغما عنهم،او استسلاما للأمر الواقع ، وربما بعض الطلاب ايضا اصبحوا عيونا تراقب وتدون وتنقل؟!
ونعود لموضوعنا:
في عشية أحدى مناسبات "الاستقلال" وكنت طالبا بالمدرسة الابتدائية. طلب معلم العربية من صفنا ان نكتب موضوع انشاء بهذه المناسبة "السعيدة للعرب"، وشرح لنا استاذ اللغة العربية (مرغم اخاك لا بطل)كيف "تطورنا وتقدمنا" (وصرنا "اشبه بالانسان"؟) وانتشرت المدارس والتعليم وصار العرب بفضل دولة اسرائيل عمالا في المصانع وفي البناء ، دون ان يذكر ان مصادرة الأرض العربية اجبرت الفلاحين للتحول الى العمل المهني ونقلتهم عنوة من مجتمع فلاحي الى مجتمع شبه مدني مع مشاكل هذا الانتقال القسري وتناقضاته الصعبة على جميع المستويات.
كنت ابنا لوالد شيوعي، وام مثقفة اهتمت بتدريسي اللغة العربية على صفحات جريدة الحزب الشيوعي (الاتحاد)..وصرت قارئا ممتازا منذ الصف الثالث ولم اترك كتابا في مكتبات ابناء العائلة الكبار الا وقرأته حتى ولو لم افهم الكثير من نصوصه،وكنا نعاني وقتها من حصار ثقافي، ومنع الكتب من العالم العربي وكل طباعة كتاب يجب ان تمر على الرقابة العسكرية. سحرتني الروايات والقصص ، وبدأت منذ الصف الرابع في صياغة القصص مقلدا ما أقرأ . ومن هنا  عشقت الانشاء العربي ، ولكن شرح المعلم لم يعجبني ويتناقض مع المعرفة التي نشأت عليها والمعلومات التي بدأت تشكل بداية وعيي السياسي المبكر.فكتبت موضوعا عن النكبة والتشريد واللاجئين ومصادرة الأرض والحكم العسكري، لا اتذكر بالتفصيل ما كتبته، ولكن مربي الصف ، ولم يكن هو نفسه مدرس اللغة العربية دخل بوجه غير طبيعي. ظنناه لوهلة مريضا. وضع حقيبته على المنضدة، والتقط دفترا تبين انه دفتري، وناداني بصوت مخنوق شعرته يكبت مخارج الكلام : نبيل ، خذ دفترك واذهب الى غرفة المدير. عرفت انه دفتر الانشاء. لم افهم السبب، ولكن وجه المعلم وصوته المخنوق ادخلني بحالة خوف. ماذا كتبت حتى يستحق هذا التجهم والارسال للمدير الذي كان يعرف بقسوته وهناك حديث عن تعاونه مع أجهزة الأمن ؟
 هل سُر بما كتبته عن استقلال الدولة؟
استقبلني المدير بصراخ وتهديد لم اعهده ، وللحقيقة شعرت بخوف شديد وارتباك وجف حلقي ولم انبس ببنت شفة. شعرت اني بعد قليل سأُعلق على حبل المشنقة. بعد وجبة الصراخ والتهديد والوعيد والتنويه بالخطر على مستقبلي، فهمت اني كتبت موضوعا يعتبر تجاوزا خطيرا يعرضني للعقاب من الشرطة . ويعرض معلمنا لخطر الطرد من التعليم. وأمرني المدير ان انصرف الى البيت ولا اعود الا مع والدي ليتعلم كيف يربيني.
وصلت الى منجرة والدي ، وكان نجارا مستقلا، وبصعوبة افهمه ابنه المرعوب ما جرى. وما اخرجني من رعبي ان والدي بدأ يتذمر بغضب من المدير وسياسة السلطة الغاشمة واعتقادها ان تشويه الحقائق سيغير من الواقع. وكنت عادة أقرأ قصصي ومواضيعي التي أكتبها على مسامع "جمهوري" العائلي، لذلك كان والدي على علم بما كتبت. قال لي لا ترتعب ليذهبوا الى الجحيم ، يريدون ان يعلموا الطلاب على الخنوع والخوف، ان ما كتبته في موضوعك هو الحقيقة التي لا يمكن تزويرها.
شعرت بالاطمئنان والراحة.
رافقني  في الطريق عائدا الى المدرسة.دخل غرفة المدير وانا مختبئ وراءه.ولم يعط للمدير ان يقول اكثر من جملة : هل انت على علم بالحماقة التي كتبها ابنك؟ فرد عليه: ان حماقة ابني أفضل من تضليل جهاز التعليم وتشويه عقول الطلاب. فقال المدير ان مستقبل الولد سيكون في خطر. فقال والدي بغضب : طز في مستقبله اذا بني على الكذب والتزوير.بالطبع ذاكرتي لا تحتفظ بنصوص دقيقة لما جرى.ولكني اكتب عن مجمل الحدث الذي لم يغادر ذهني كلما كتبت مقالا او قصة وربما ذلك الحادث المترسب في ذهني جعلني حادا في مواقفي ، بل وعنيفا احيانا في نقدي لمواقف ارى انها تفتقد للمصداقية.
وهكذا عدت الى الصف منتصرا ومستوعبا ان الحقيقة يجب ان تقال.
ثالثهما: قبل عقد ونصف العقد من السنين.  وصلت الى مدينة الرملة، في زيارة لعائلة زوجتي والوقت كان عشية ما يسمى "عيد الاستقلال".
لفتت انتباهي اعلانات ضخمة تملأ شوارع الرملة ومداخلها تدعو السكان الى الاحتفال ب "تحرير" مدينة الرملة. وعرب الرملة "المحررة" مدينتهم،والذين يسكنون في احياء مهملة تسمى ب "الغيتو العربي" يقرأون عن احتفالات تحرير مدينتهم.
لست هنا في باب الرد على "رواية التحرير" الصهيونية. ولا تفاصيل النكبة الفلسطينية وحصة الرملة فيها وهي حصة كبيرة جدا. انما ساذهب الى تاريخ الرملة التي "حررت" والتي يشملها تشويه تاريخ الوطن الفلسطيني.  وفي حالتنا قد تتحول الرملة الى هدية أخرى من ابراهيم الخليل لأبناء اسرائيل.
كانت الرملة خلال فترة طويلة خاصة في عهد الدولة الأموية عاصمة للولاية الفلسطينية. ولعل في استعراض التاريخ ادراك ان الغطرسة والاستعلاء هي نتيجة طبيعية للصوصية والتزوير.
بنى سليمان بن عبد الملك بن مروان مدينة الرملة عام (710ميلادية) يوم كان واليا على فلسطين في عهد أخيه الخليفة الأموي الوليد (705 – 715م) وواصل سليمان بناء المدينة بعد ان تولى الخلافة بعد الوليد، ولكنه لم يعمر طويلا.اذ توفي بعد عامين ونصف (717م) ولكنه حول الرملة الى عاصمة الولاية بدل مدينة اللد المحاذية لها.
جاء بعده عمر بن عبد العزيز الذي تابع ما بدأه سليمان من بناء مدينة الرملة.فبنى الجامع الأبيض، واذكر هذا الجامع من ذلك الوقت بناء متهالكا، ولكنه رمم فيما بعد. وقام ببناء "العنزية" وهو مجمع لسقي المعزة.وما زال ذلك الموقع من اجمل آثار الرملة التاريخية، ومن معالمها السياحية الجميلة. والعنزية عبارة عن نبع وبركة ضخمة تحت الأرض، ينزلون  اليها بدرج شديد الانحدار، وبالإمكان ركب قارب صغير والتجديف به في ارجاء البركة.
كانت تنشل المياه من البركة لسقي القطيع، ولكن المكان مهمل نسبيا، وتاريخه مشوه.
هناك رواية اخرى تقول ان العنزية بالأصل هي كنيسة اسمها "سانتاهيلانه"،وهو من الأسماء اللتي يعرف بها الموقع حتى اليوم، بنتها ، حسب الرواية الملكة هيلانه ام الإمبراطور قسطنطين،التي يعتبر دخولها للمسيحية ، ثم تحول الدين المسيحي الى دين امبراطورية قسطنطين، بداية لانتشار عالمي واسع للمسيحية، وقد رُسمت هيلانه قديسة بسبب اعمالها في بناء عشرات الكنائس في الأماكن التاريخية للمسيحية ونشر المسيحية. 
وهناك رواية تقول ان العذراء مريم في طريقها الى القدس هربا من هيرودوس،استراحت في ذلك المكان، وان كنيسة سانتاهيلانه المذكورة غمرت ارضها مياه الينابيع بسبب انخفاضها، وتحولت الى بركة ماء تحت ارضية، بني فوقها مسقى العنزية. وبسبب اهمال دائرة الآثار ، للآثار العربية والاسلامية، لم يتم الكشف عن الكثير من سراديب وطرق وابنية الرملة التاريخية، وظلت مغلقة بالأتربة ولا يجري الكشف عنها، هذا عدا عشرات المقامات والأضرحة الدينية الاسلامية ذات القيمة التاريخية، وأبرزها مقام النبي صالح، ببرجه الشامخ ، والبعض يقول ان اسمه النبي الصالح مع "ال" التعريف. كان وقتها مهملا واشبه بمجمع للنفايات. اليوم نظف واستغلت الأرض لمشاريع بلدية .. وقد علمت ان مهندسة رملاوية تقوم بالعمل على كشف "اسرار" الرملة العربية ومعالمها التاريخية.ولكن يبدو ان المهمة أكثر صعوبة من رغبة شخصية ودافع وطني.
ومن الجدير ذكره ان آخر رئيس لبلدية الرملة قبل النكبة هو الشيخ مصطفى الخيري. ولكن البعض يقول انه يعقوب القصيني.ومهما كان الخلاف فالإثنان هما آخر رئيسان لبلدية الرملة العربية قبل ان "تحرر"  الأول مسلم والثاني مسيحي وتلك دلالة هامة لحياة التآخي والتفاهم التي سادت المجتمع الفلسطيني ومدينة الرملة العربية ، قبل الظواهر الطائفية المقلقة التي بدأت تنتشر اليوم وتزيد مجتمعنا تفسخا.
مدينة الرملة التي "حررت" على آخر زمان، كانت خلال تاريخها الطويل، مركزا للثورات العربية التحررية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وذلك منذ اواخر العصر الأموي وحتى الفتح الصليبي ، أي لفترة تزيد عن اربعة قرون وهذه أهم معالم تلك الثورات.
اول ثورة يحدثنا عنها التاريخ كانت ثورةعام(743م)نصب خلالها الثوار احد ابناء سليمان بن عبد الملك قائدا لهم، وذلك حفظا منهم لعهده، وقد بايعوا ابنه يزيد أميرا للمؤمنين.ولكن الوليد الثالث خليفة دمشق استطاع القضاء على الثورة بمعارك دامية.
بعدها كانت ثورة المبرقع اليماني، الذي انتفض على المعتصم خليفة بغداد عام (841م)وقد هزمت جيوش الخلافة المبرقع وأسرته ونقلته الى سامراء العراق.
حين تولى الشيخ عيسى بن عبدالله الشيباني ولاية الرملة ( فلسطين) قام بجهود مضنية لإقناع المعتمد الخليفة العباسي باستقلال فلسطين. ولكن جهوده فشلت، فتمرد على المعتمد، الذي ارسل الجيوش وقضى على تمرد الشيباني ومحاولته اقامة دولة فلسطينية وطرده من بلاد الشام كلها.
في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، والنصف الأول من القرن الحادي  عشر، جرت محاولات كثيرة قام بها آل جراح في سبيل استقلال فلسطين عن دولة الخلافة، وذلك من عاصمة ولاية فلسطين مدينة الرملة.ولكن ثوراتهم وتمرداتهم المتواصلة فشلت في مواجهة جيوش الخلافة العباسية، رغم الفترة الطويلة التي صمدوا بها.
هذا التاريخ يبين ان الشعب الفلسطيني ليس وليد الصدفة،كما تحاول ان تصوره الرواية التاريخية الصهيونية، وانما هو شعب جذوره عميقة بالتاريخ والنضال من أجل الاستقلال. له ثقافته وحضارته الخاصة والتي هي جزء من الثقافة والحضارة العربية. ومن الضروري ان نؤكد ان العرب في بلاد الشام ، كانوا قبل الاسلام بعشرة الاف سنة.
هذه الصور الثلاث تعاودني كلما اقترب ما تسميه اسرائيل عيد الاستقلال. هل حقا هو استقلال حين ندرك انه قائم على الحراب وتطوير اسلحة الابادة الجماعية؟ هل هو استقلال ذلك القائم على العداء للمحيط العربي الذي زرعت اسرائيل داخله بالاعتماد على خطط امبريالية لا ارى  مصلحة للشعب اليهودي بأن يكون أداة لتنفيذها. هل هو استقلال بأن يجري اخضاع الشعب اليهودي ، وليس الشعب الفلسطيني فقط، لأبشع احتلال استيطاني، لا أمان فيه للمستوطنين الا بتواجد عسكري ضخم وقمع متواصل لأصحاب الأرض الشرعيين، وصرف ميزانيات هائلة على مشاريع استيطانية تقود الدولة الى تسانومي عزل سياسي، والأخطر الى سد كل الطرق امام حل سلمي مع الشعب الفلسطيني ومع الشعوب العربية والاسلامية بالتالي؟
انا لا اعرف استقلالا جعل شعبه رهينة للحروبات والعنف والقمع والتمييز العنصري وارتكاب جرائم حرب لم تكشف بعد تفاصيلها رغم مرور 50 سنة على الوثائق السرية حسب القانون ، وجرى تمديد اغلاق الأرشيفات الحكومية لعشرين سنة أخرى مما اثار تساؤلات من اليهود انفسهم عن المعلومات التي تخاف حكومة اسرائيل من كشفها.
لسنا ولن نكون أعداء للشعب اليهودي. بل مقاومين لسياسة الاحتلال الصهيونية . الصهيونية كما قال احد مؤسسيها،كانت هدية اوروبا للشعب اليهودي، ولكني اعارضه بان هذه "الهدية" كانت استراتيجية اوروبية لما بعد الحرب العالمية الثانية، جعلت من الشعب اليهودي رهينة لسياسة قديمة- جديدة، لإبقاء الشرق الأوسط بثرواته الطبيعية ملحقا فقيرا ومتخلفا للنظام الرأسمالي الدولي الذي بدأ للتو حركة نهضة جديدة.
64 عاما بدون ان يحدث أي تقدم نحو الانفراج السياسي تقول امرا واحدا. المشكلة أكثر اتساعا من الموضوع الفلسطيني ، وللأسف الأنظمة العربية الفاسدة، الساقطة واللاحقة، تثرثر حول المؤامرة وهي نفسها أهم نتاج للمؤامرة.من هنا رؤيتي ان مأساة الشعب اليهودي من استمرار الاحتلال لا تقل عن مأساة الشعب الفلسطيني.والتحرر من الاحتلال  هو تحرر للشعبين!!
 وقد بلغ السيل الزبى!!
[/size]

nabiloudeh@gmail.com




27
المنبر الحر / انتفاضـــــة...
« في: 22:22 02/09/2011  »
انتفاضـــــة...

(رواية قصيرة جدا)

نبيـــل عـــودة

لا يذكر ختيارية البلد حادثا شبيها مثل ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة ، الحياة الرتيبة توقفت . التساؤلات كثرت . امتلأت الحارة بالغرباء . سيارات من كل الألوان والأنواع مع صحون كبيرة على سقفها. الكل يتساءل ما الذي حدث؟ هل هي حرب جديدة ؟ الأولاد يقولون أن هذه الصحون هي لاقطات تلفزيونية تنقل الصورة فورا من هنا  إلى كل التلفزيونات حتى التي في أمريكا  . هذا الكلام غير مقنع . أيام العجائب انتهت . الأولاد ليسوا مثل أيامنا. " أكل ومرعى وقلة عقل "، قال ختيار بألم  وأضاف : "كنا في جيلهم نزن نصف وزنهم اليوم ، ولكن عقلنا كان أكبر"  .
توجس الجميع : "ما هذا الهجوم على الحي ؟ هل وجدوا جاسوسا ؟ كلها قضية ضد رائحة قاتلة من حظيرة خنازير .. ؟ "
 وصل عشرات الرجال مع كاميرات طويلة وقصيرة ، وصبايا يركضن حولهم مع أجهزة  مختلفة.
 بقالة  الحارة، استفادت وباعت في اليوم ما تبيعه عادة في أسبوع وأكثر ، ورغم أن البيرة من المحرمات، إلا أن الطلب المتزايد عليها من الغرباء، والتذمر من عدم وجودها في بقالة الحارة، إضطر صاحب البقالة  إلى إحضار عدة صناديق من المشروب المكروه، بعد أن استغفر ربه مرات كثيرة، وبيعها بالمفرق لقليلي الدين، بسعر مربح جدا، وكان يذمهم في سره وهو يستلم أثمان المشروب الذي حرمه الله. ورغم مقاطعة بعض الأهالي لدكانه ، بسبب وجود محرمات إلى جانب البضاعة الأخرى،  إلا أن البيع ازداد أضعافا والربح في الأسبوع الواحد أفضل من سنة كاملة ، والمسألة تحل بفتوى من شيخ الحارة بعد انتهاء مشكلة رائحة الخنازير وما جرته القضية من ضجة واهتمام وكثرة الوافدين للبلدة. ولولا أن الرائحة حقا صعبة، خاصة في ساعات الليل، لتمنى بقال  الحارة أن لا يتغير الوضع. ولكنه يفضل الصمت. ولكن السر الذي يخفيه بقال الحارة أن بعض شباب البلد صاروا يشترون البيرة من بقالته ،بدل الذهاب للمدينة القريبة، ويخفونها داخل الأكياس، ليشربوها على أطراف البلد حيث لا رقيب ولا حسيب. ولم يكن من مصلحته أن يكشف الأسرار، وفلسفته تقول أن لكل إنسان حسابا عند ربه، وليس عند البقال.
 وصلى  صاحب المخبز إلى  ربه أن تطول الحكاية لسنة كاملة حتى يسد دينه المتراكم من تجهيزات  المخبز الجديدة ، وبدأ يحضر كميات أكبر من مناقيش الزعتر ومناقيش الجبنة ، بل وساعدته أم الأولاد على خبز بيتسا بالجبنة الصفراء والبندورة، وحمد ربه ألف مرة على الخير الدافق ، ولولا الحياء لحمد السلطة التي رخصت مزرعة الخنازير على الأرض المصادرة على أطراف البلد.
 وانفردت أسارير صاحب كيوسك الفلافل  الذي رفع السعر كما لو كان على الشارع العام ، وتمنى في سره أن تظل حظيرة الخنازير حتى يتحسن  حسابه البنكي ويزوج إبنه البكر.
 حتى صاحب المقهى صار يبيع القهوة للمراسلين والزوار من المؤسسات وجمعيات الرفق بالحيوان  بكؤوس بلاستيك صغيرة ب : " 2 شيكل يا بلاش" .. ثم رفع السعر إلى 3 شيكل ، لأنها فرصة لن تعود. ولكنه تساءل ما علاقة الرفق بالحيوان بأهل الحي ورائحة الخنازير، ولم يستطيع أن يجد أي علاقة فاستغفر ربه من طارئ مجهول.
ولكن الحق يقال أن أحدا منهم لم يتخلف عن المشاركة في الاحتجاج على إقامة حظيرة خنازير على ارض البلد المصادرة. وافتاها صاحب ألبقالة بقولة:" البزنس بزنس " ولم يفهم علية معظم أبناء البلد القصد من كلمة "البزنس"، فانتشرت التفسيرات المتناقضة، وأعجبها أن البزنس هي دمج بين كلمتين: "بز ونس، أي النهد والنساء".. حيث أن الصبايا الراكضات بين مصوري التلفزيونات، شبه مكشوفات الصدر، ونهودهن المهتزة عبر الفانلات الخفيفة تشد الأنظار ويشربن البيرة مثل الرجال. وهذا من مميزات الحدث الكبير الذي أثار هذا الضجيج حول الشكوى من رائحة الخنازير.
كبار السن قالوا أن ما يجري من أحداث،  وتدفق العديد من الشخصيات وذوي المناصب والصحفيين ورجال الجمعيات، والالتصاق  بأجهزة الراديو، لعدم تفويت نشرات الأخبار، يذكرهم بالانقلابات العسكرية العربية التي كانت تتوقف الإذاعات ليقرأ  أحد الضباط  البيان العسكري الأول  باسم مجلس  الثورة، ولا يمضي شهر آخر وإذا الإذاعة تصدح ببيان عسكري أول  جديد عن انقلاب عسكري جديد ومجلس ثورة جديد. وصار العربي كلما حدث خلل، أو صمت لبضع ثوان في الراديو ، يتوهم أن البث توقف للإعلان عن انقلاب عسكري جديد، فيقرب أذنه لسماعة الراديو حتى لا يفوته خبر الانقلاب العسكري  الجديد وتفاصيله وأسماء الجنرالات الجدد، ولكن المميز الوحيد الباقي في الذاكرة من الانقلابات العسكرية العربية، أن ما كان يتغير من لغة البيان ، فقط  أسماء الجنرالات الذي شكلوا مجلس الثورة الجديد، بدل الجنرالات الخونة السابقين. وكان والدي، رحمه الله ، يقول بسخرية:" ما أكثر الجنرالات عند العرب .. كلما ازداد عددهم ازداد ضياعنا. كثرة بياناتهم العسكرية توهم السامع أنهم مشغولين بالحروب ضد أعداء الوطن، ويبدو أن المواطن صار يفهم تكتيكات الحرب،  أفضل من أكبر جنرال." واليوم عندما استعيد أقواله ، وأستعرض هزائم العرب في الميادين العسكرية والاجتماعية والسياسية والعلمية والأخلاقية، أعرف تماما ما كان يقصد، أو الأصح  ما كان يحس به!!
الانقلابات لم تجلب للعرب إلا رؤساء مؤبدين في الرئاسة، زادوا فقر الشعب وطوروا بجدارة أجهزة الأمن والقمع إلى جانب الأغاني الوطنية التي تشدو بانجازاتهم غير المعروفة إلا للمغني وكاتب الكلمات والملحن، لدرجة أن البعض يظن أن المغنيات ساحرات  الجمال ، وظهورهن شبه العاري المثير لحماسة الشباب،هو الانجاز العبقري للانقلابات العسكرية في مجال تطوير الفن وعروض الصبايا الجميلات!!
أما ذلك الحدث في البلدة فكان انقلابا من نوع آخر ، لا عساكر فيه ولا جنرالات إلا إذا اعتبرنا قادة الأحزاب المتدفقين على البلدة التي كانت شبه منسية،جنرالات سياسيين .
أجل كان انقلابا أشغل البلد والدنيا كلها.. وامتلأت الصحافة بالأخبار والتقارير، وتسابق المراسلون الصحفيون من  التلفزيونات ، وشبكات الراديو ومراسلي الصحف العربية والعبرية والأجنبية لتغطية الحدث، رغم أن الحديث عن بضعة من عرب البلاد، في بلدة شبه منسية، في بلاد كان اسمها فلسطين وصارت إسرائيل، لم  يعد باستطاعتهم تحمل رائحة الخنازير المنبعثة بقوة من حظيرة  الخنازير المحاذية للبلدة والمقامة على أراضي السكان المصادرة...
هل لأننا عرب حقنا مغموط دائما ؟
هذا السؤال ملأ فضاء القرية ، وكالعادة أنكرت السلطة أي علاقة قومية بموضوع إنشاء حظيرة خنازير على أراضي القرية التي صودرت من أجل الصالح العام. وقال ناطق حكومي انه "لا علاقة بين اقتراح قانون منع العرب من القيام بفعاليات بذكرى النكبة، وحقهم بالاحتجاج على رائحة تعمل الحكومة بكل طواقمها المختصة 24 ساعة يوميا لإيجاد حل للمشكلةّ. وانه حتى لو أقرت الكنيست إسقاط مكانة اللغة العربية كلغة ثانية، حسب مشروع القانون المقدم للكنيست، فمن حق السكان أن يرفعوا شعارات بالعربية، وهذا لن يعاقب عليه القانون لأن إسرائيل دولة ديمقراطية".
هذا التصريح الخطير تناقلته كل وسائل الإعلام، وأثار غضب المستوطنين اليمينيين، إذ  انه أثبت أن الحكومة تهتم بمطالب العرب أكثر من اهتمامها بمطالبهم، بتوسيع البناء في المستوطنات.
الراديو المحلي أرسل مراسلا مقيما ليرصد الحدث غير العادي. ونشر تقارير وتعقيبات كل ساعة تقريبا، عن مخاطر الروائح، وضرورة نقل السكان إلى مكان آمن، حتى لا يتأذوا من الرائحة. وان تفرض قيود تحدد عدد الخنازير المسموح تربيتها في الحظيرة، بحيث تجري السيطرة على نسبة الروائح المنبعثة من الحظيرة حتى لا تتجاوز المقاييس البيئية التي تتحملها صحة البشر،حسب معايير وزارة البيئة،وتساءل أحد قادة الاحتجاج في البلدة إذا كانت معايير الوزارة متشابهة بين مختلف البشر المواطنين في الدولة؟  وهل اصطلاح البشر يخص العرب في هذه الحالة؟ مما يعتبر تقدما عن وصف قاله زعيم  سابق بأنهم:"حيوانات تدب على اثنين ". أو يكون الحل بنقل المواطنين العرب إلى بلدة أخرى، وتوسيع الحظيرة التي يزداد الطلب على لحوم خنازيرها، خاصة بعد الهجرة الروسية التي جلبت مليون إنسان جديد، وصارت مزارع الخنازير تشكل مصدرا هاما لميزانية الدولة، لا يمكن الاستهتار به .
احد المستمعين تساءل عبر الهاتف لماذا لا تنقل الحظيرة إلى مكان غير مأهول بدل هذا التشاطر في إيجاد حلول لا تنهي المشكلة؟ وهل نقل السكان العرب جائز ونقل الخنازير غير جائز؟ أم لأننا عرب حقنا مغموط دائما في هذه الدولة، حتى الخنازير لهم أهمية أكثر منا ... رحلوا الخنازير...
و..انقطع البث ووضعت بدلا منه أغنية وطنية للفنانة الوطنية الكبيرة هيفاء وهبي :
" ليك الواوا بوس الواوا خلى الواوا يصح
 لما بوستو الواوا شيلتو صار الواوا بح "
 وذلك تعبيرا عن الواقع الأليم في الحي من رائحة الخنازير القاتلة التي تصلهم مع نسمات الهواء.  ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا ، إذ صدر أمر من مدير الراديو بقطع البث منعا لهذا التطاول الترانسفيري على الخنازير، ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا ، وأضاف مدير الراديو توجيها يقول أن الأحاديث حول هذا الموضوع السياسي الخطير، يجب أن تخضع للرقابة  قبل بثها حتى لا تقع أزمة في العلاقات مع السلطة، لأن أصحاب المزارع يهود، وقد يفهم الكلام بأنه طلب لتهجير أصحاب المزارع اليهود من المنطقة وليس الخنازير. ونقل الحظيرة لمكان آخر خال من الناس سيفهم رفضا للنظام الديمقراطي الذي يضمن حرية كل شخص في اختيار مهنته، بغض النظر عن قوميته أو دينه. والويل لنا من هذا الموقف العنصري إذ سيقال أن العرب يرفضون مجاورة اليهود...وسيكون ذلك تبريرا لرفض الحاخامات تأجير بيوت للعرب في صفد والقدس وحيفا وطبريا والناصرة العليا وكرمئيل ومختلف المدن في إسرائيل.
مواقع الانترنت نصبت كاميراتها ترصدا لما سيحدث. كان التوتر شديدا.
وأصل الحكاية....
بدأت الحكاية من شكوى للمحكمة باسم أكثر من مائة صاحب منزل، ضد صاحب مزرعة خنازير أقيمت على أطراف البلد، على أراضي صودرت بحجة إقامة مشاريع حيوية للمواطنين. ولكن السلطة أجرت الأرض لمستثمرين يهود لإقامة حظائر خنازير بعيدا عن المدن والبلدات اليهودية،  بدل أن تقام مدرسة حسب المشروع الأصلي الذي أعدته السلطة المحلية قبل مصادرة الأرض. وصار الهواء يحمل  إليهم رائحة قاتلة  تجبرهم على إغلاق شبابيك منازلهم ليلا ونهارا، والتشظي في حم الصيف القاتل.والمشكلة أن الحظيرة رخصت من وزارة الداخلية التي يديرها يهودي متدين يرى بتربية الخنازير وأكل لحومها تجاوزا لتعاليم التوراة ، وتلويت الأرض المقدسة بما يغضب الرب ويوقف المطر، ويسبب الحرائق في البلاد، ويزيد من انتشار الأمراض القاتلة، ويزيد من الكوارث الطبيعية غير العادية،بل ويجعل النساء يلدن إناثا بدل الذكور، كما يقول بمعرفة وثقة طويلي اللحى والسوالف من الحاخامات الذين لا يرفض الرب طلباتهم، وهم مصدر موثوق للكثير من المواطنين. . ولكن القانون ليس ملك أيمانهم، وبما أن الحظائر أقيمت على أراضي الدولة التي استعيدت من الأغيار الدخلاء ، أو "الصراصير المسممين"  كما وصفهم رئيس أركان سابق للجيش . إذن لا مضرة من إقامة حظائر للخنازير، في المناطق التي يسكنها الصراصير، بدل أن تبقى في أيديهم، مما يشكل كارثة أعظم بعدم استعادة ارض الميعاد كاملة كما كانت مشيئة الرب.  الأهم أن لحوم الخنازير صارت الأكثر طلبا في الأسواق اليهودية أيضا، خاصة بعد الهجرة الروسية الكبيرة، والمعروف أن ذلك يضمن لهم توفر الهبات والميزانيات الضخمة والخاصة، حتى لا تثير أحزابهم أزمة وزارية، مع حكومة العلمانيين ويواصلوا بالتالي دعم بقائها.
أحد  أبناء البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة ، ادعى في المحكمة انه فقد من وزنة 10 كيلوغرامات كاملة خلال شهر واحد بسبب الرائحة القذرة  وان الكشف الصحي يظهر فقرا بالدم. وهو متأكد أن السبب تلك الرائحة الرهيبة من مزرعة الخنازير. وان سائر سكان البلدة يعانون من مشاكل صحية مختلفة بسبب الروائح القذرة التي يتنفسها مع الهواء ليلا ونهارا سكان البلدة.
احدهم ادعى أن خطيبته أرجعت له خاتم الخطوبة وأساور الذهب  وكل هداياه لأنها ترفض السكن في المنزل الذي بناه في البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة ، وان على صاحب الحظيرة تعويضه عن مصروفه من أيام الخطوبة، حيث تكلف مصاريف مطاعم وجولات في الطبيعة مع خطيبته، وأجرة مرات عديدة فنادق لنصف يوم، لنومة قيلولة الظهر،التي  كان يضطر لها  بعد الطعام الدسم في المطاعم ..
امرأة من الحي المنكوب ادعت أن زوجها صار يبيت في حيفا عند عشيقة يهودية تعرف عليها، وهو صايع في شوارع حيفا هربا من الرائحة  التي ابتلوا فيها، وأنها تطالب صاحب الحظيرة بتعويضها عن زوجها نقدا ومصاريف إيجاد زوج  وزواج آخر.
وشهدت جلسات المحكمة صراعا كاد يتطور إلى الضرب بالأيدي لولا تدخل الشرطة لفرض النظام، واتُهم بعض العرب بالتحريض العنصري وجرى اعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم.  وسببت أعمال الاحتجاج لسكان البلدة، مقاطعة يهودية ، فكسد العمل في مطاعم  الحمص والفول وكيوسكات الفلافل والشوارما. وبسبب منع التصوير داخل قاعة المحاكم، حسب القانون، فات المشاهدين عرض مصور قد يصلح للحصول على جائزة الأوسكار للفلم الوثائقي .. أو يكتفي بسعفة "مهرجان كان" الذهبية.
الضجة التي رافقت هذا النزاع هي أمر لا يصدق. وكان الكثيرون يرددون أن الخوف الأكبر أن تتجدد أنفلونزا الخنازير في العالم ، من هذه المنطقة بالذات ، بعد أن خبا جنون الخوف من هذا المرض ألخنزيري في العالم. وسيكون أهل الحي أول ضحايا تجدد هذا المرض الفتاك .
وأصبحت أغنية شعبولا عن إعدام الخنازير نشيدا قوميا لأهل الحي يذاع من مسجلات البيوت ليلا ونهارا:
" كوارثنا زادت كارثة
 والوضع شكله خطير
قال يعنى كانت ناقصة
 أنفلونزا الخنازير".
الصحافة المطبوعة تخلفت كالعادة في نشر تفاصيل الأحداث المثيرة عن سير القضية أمام القضاء، ومن تفاصيل شخصية أرفقها المشتكون ضد صاحب الحظيرة المستهتر بصحتهم.وما نشرته كان معروفا، وزهق الناس من تبادل الأحاديث حوله في السهرات.
موقع  "العلقة" المشهور سبق الجميع بنشر مئات الصور لأهل الحي ولصاحب الحظيرة، بل ونقلوا صورا للخنازير وكيف يجري شطفها يوميا منعا للرائحة المؤذية، وسجل لقاء مصورا مع صاحب الحظيرة اعترف فيه  أن المشكلة في خنزير واحد تضخم كثيرا، وازداد شراسة ووحشية، وصار الاقتراب منه يشكل خطرا على العمال، مما سبب هذا الإزعاج المؤقت لبعض السكان.وان رافعي الدعوى ضده وضد حظيرته جانبهم الصواب، لأن القضية تتعلق بوزارة  البيئة، التي ترفض تخصيص ميزانية لإخلاء الخنزير الشرس إلى المسلخ. وأن عليهم استبدال الدعوى ضده بالدعوى ضد الخنزير الذي سبب هذا الإشكال.. وضد الوزارة التي لا تقلق كثيرا على البيئة في الوسط العربي، مما يشكل تمييزا عنصريا واضحا للعيان، وانه هو كيهودي صاحب مزرعة في منطقة عربية، ورجل مناضل من أجل السلام، يؤكد على وجود التمييز في هذا المجال فقط.
في تعليقات القراء التي تملأ عادة موقع "العلقة" اهتم المعلقون من جمهور المراهقين والمراهقات ،كما يظهر من تعليقاتهم،  بالحديث عن الصبايا والمغنيات ساحرات الجمال، وتبادل  كلمات الغزل  والتلميحات عن أماكن التواجد في أوقات معينة، بلغة تشبه لغة التشفير العسكرية. وهذا الأمر أقلق أجهزة الأمن من مخاطر تسرب أسرار الدولة إلى الأعداء في الخارج بلغة الشفرة التي طورها المراهقين.وبعض التعقيبات كانت مثلا السؤال : هل سترتدي ميرا التنورة التفتا القصيرة التي تسلب العقل ؟ أو السؤال عن نوع البكيني الذي ستتجلى به  الصبية منيرة على شاطئ البحر،  وهل ستكون لوحدها ، أم مع رقابة عسكرية من أمها وخالاتها وعماتها ؟؟. وهل جدتك يا أم الشعر الأسود، حادة النظر أم نستطيع الاختلاء وراء التينة في حاكورة الجارة ؟
وشاب سأل البنت التي اسمها يبدأ بحرف أل "ف " إذا تلقت صورته الجميلة على الفيسبوك ، ولماذا قطعت الاتصال به فجأة ؟
وواحد ولهان قال ل "قمر الزمان" أن حمالة الصدر تشوه صورتها الجميلة، ورجاء حار أن ترسل له صورة جديدة  بدون هذه الخرقة السخيفة على الصدر.
وقد بلغت التعليقات على الموضوع المقلق أكثر من ثمانين تعليقا، ولكن لم يذكر احد من المعلقين مشكلة الحي مع رائحة الخنازير.إلا معلقان اثنان، الأول  استغفر الله العلي القدير، وطالب بتصفية عرقية للخنازير مثلما جرى في مصر، وقال المعلق الثاني بلغة عربية ركيكة أن الذي يقول هذا الكلام، عن تصفية عرقية للخنازير جبان، ولو ذكر اسمه الصريح في التعليق  لتورط في محاكمة دولية لحقوق الإنسان  في لاهاي.لأنه في الحقيقة يتحجج بالخنازير ليغلف كراهيته لليهود ورغبته بتصفيتهم !!
 وكتب صحفي غاضب في مقاله الأسبوعي  يقول انه أرسل أكثر من تعليق جاد على الخبر والصور لموقع "العلقة"، إلا أن الموقع لا ينشر إلا التعليقات غير الجادة والتي لا علاقة لها بالموضوع المثير والمقلق لكل أهل البلد.
نترك العشاق يعلقون على مشكلة الخنازير، ونذكر أن ما قاله صاحب المزرعة بأن المشكلة هي من خنزير واحد، قد لفتت انتباه وسائل الإعلام المحلية والعالمية وتساءلوا لماذا لا يتم التخلص من الخنزير بمساعدة حكومية؟وهل من ضرورة لكل هذه الضجة بسبب خنزير واحد شرس ذو رائحة مؤذية، يسبب مكارة بيئية للسكان، كما يدعي صاحب المزرعة؟ والأهم يثير ضجة عربية بحيث تبدو ديمقراطية الدولة مشكوك فيها ، أو ديمقراطية تمييزية حصة اليهود فيها كبيرة وللعرب برارتها؟
 واقترح أحد المواطنين العرب بحماس، أن تحل المشكلة برصاصة في رأس الخنزير!
مقترح إطلاق رصاصة على رأس الخنزير كاد يتورط بقضية قضائية، إذ هددوا بتقديمه للمحاكمة بتهمة التحريض على القتل واللسان السيئ  ضد الخنازير، وربما يتحايل بذلك على قتل صاحب الحظيرة أيضا، مما يعتبر إخلالا امنيا، وعملا إرهابيا قوميا يعرض أمن الدولة للخطر، فسارع بنشر اعتذار رسمي في ثلاث صحف وعلى مساحة صفحة كاملة، دفع مقابلها من جيبه أجرة عمل شهر ونصف كاملين ، معلنا انه لا يملك السلاح أصلا،  وان اقتراحه كان غباء مطلقا منه، ويعتذر من الخنزير الضخم ومن سائر أبناء جنسه و"خاصة أعضاء جمعيات الرفق بالحيوان"، كما جاء في الاعتذار المصاغ بشكل خاطئ ومضحك،ومن حسن حظه أنهم لم يفهموا الجملة كما صيغت خطأ باللغة العربية. ويطمئن أصحاب المزارع اليهود، وجمعيات الرفق بالحيوان، انه لا ينتمي لأي منظمة إرهابية، أو معادية للسامية، وانه إنسان مسالم بل ومستعد أن يتبرع أيضا بيوم عمل تطوعي كامل في تنظيف الحظيرة تعبيرا عن ندمه وتراجعه عما تفوه به في لحظة فقدان للتفكير السليم. ولكن بعض نشطاء الأحزاب اعتبروا استعداده للتطوع نوعا من الخدمة العسكرية لدولة ألاحتلال. فاعتذر أيضا لهم، وأعلن انه ضد كل أشكال التطوع، وقاتل الله التطوع والمتطوعين.
وهناك معلومات لم تتأكد بعد تقول أن المخابرات تفحص إذا كانت للمحرضين على قتل الخنزير برصاصة، أو بطرق أخرى، علاقات مع حزب الله وحماس أو مع حركات متطرفة أخرى..
صاحب المزرعة، تمشيا مع أوامر وتوجيهات جمعيات الرفق بالحيوان، التي ترفض استعمال العنف مع هذه المخلوقات الوديعة وغير العاقلة، والتي تعتبر موردا اقتصاديا للمجتمع ولإطعام أكثرية أبناء المجتمع، قرر اقتراح جائزة كبيرة للشخص الذي ينجح بإقناع الخنزير الضخم والشرس، بطرق إنسانية لا غبار عليها ولا عنف فيها، بمغادرة الحظيرة بإرادته الحرة، ليجري تنظيف رائحته القاتلة.
وهمس مواطن عربي في أذن صديق له  وهو يتلفت قلقا حوله خوفا من الآذان التي ترصد كل ما يتفوه به العرب:"لا يعنيهم الأمر ، خاصة عندما تكون المشكلة بإطلاق الرصاص على العرب، أو هدم بيت عربي،  إما التخلص من خنزير واحد أو حظيرة كاملة قتلتنا برائحتها فقد صارت مسألة أمنية ودولية، لأن صاحب الحظيرة يهودي والمتضررين عرب".
الجائزة التي اقترحها صاحب المزرعة  لا تتعدى ثمن ذبيحة واحدة من حظيرته الضخمة بعشرات آلاف الرؤوس، وقد صارت حديث المجتمع، ووصلت للبحث في البرلمان، وقام النواب العرب بالصراخ والمقاطعة، ووصفوا ترخيص الحظيرة بجوار البلدة العربية بالعنصرية والتمييز الفاضح، وهاجموا المتحدث باسم الحكومة بسبب تبريراته المضحكة بان الحظيرة توفر أماكن عمل للعمال العرب. وقالوا له تعال حضرتك وقف لساعة واحدة في شوارع البلدة المنكوبة، هل ستتحمل الرائحة القذرة؟ وجد لنا عاملا يهوديا واحدا يقبل هذا العمل الشاق والمؤذي صحيا. وسأله أحد النواب:" كيف تفسر تفضيل حكومتك العنصرية إقامة مزرعة خنازير بدل مدرسة ، البلدة بحاجة ماسة لها ؟ والأرض أصلا كانت مخصصة لهذا المشروع التربوي؟" مما اعتبره المتحدث تحريضا ضد اليهود أصحاب مزارع الخنازير. فاخرج النواب العرب من الجلسة، واسقط البحث بأكثرية أصوات الائتلاف ودعم المعارضة للموقف الوطني أيضا.
واحتلت مشكلة الرائحة الخنزيرية رأس نشرات الأخبار سابقة حتى الأخبار عن  فضائح زعماء الدولة المالية والجنسية. مما خفف من كشف ما هو أكثر فساد. وسبقت حكاية الخنزير الأخبار عن مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية وتعثرها، وإمكانية إعلان دولة فلسطينية من طرف واحد. وتقدمت على أخبار الخطر النووي الإيراني، والجهود العالمية لمنع إيران من أنتاج السلاح النووي. بل وكادت البلدة تنسى ما يجري في سوريا من مذابح يرتكبها النظام ضد المواطنين ، وأُغرق قائد أحد الأحزاب  بالبصاق لأنه تجاوز الحدود حين قال أن ما يجري في سوريا مؤامرة صهيونية امبريالية لا تختلف عن مؤامرة إقامة الحظيرة قرب البلدة، وطرد شر طردة. وقال معلق القناة التلفزيونية الرابعة والنصف في إسرائيل أن مشكلة الخنزير وأهل الحي المشتكين من رائحته، تشبه حال العرب مقابل إيران فيما لو امتلكت الأخيرة السلاح الذري. وأن الضغط الإسرائيلي السري للقيام بعملية عسكرية تبيد المنشئات النووية الإيرانية هو لمصلحة العرب أولا، وعليهم أن يأخذوا نموذجا حيا من المشكلة البيئية القاتلة التي سببها خنزير واحد تضخم وعفن، وصار مشكلة لأهل بلدة عربية كاملة. وقال تصوروا أن النووي الإيراني هو خنزير ضخم جدا تقتل رائحته مواطني العالم العربي بسبب قربهم من الحدود الإيرانية.
 وتناقلت وكالات الأنباء الخبر عن المشكلة التي سببها الخنزير الضخم والشرس، ووزعته مع تعقيبات القناة الرابعة والنصف، وأثار الأمر موجة من التساؤلات، وحضرت طواقم تلفزيونية دولية لتسجيل التفاصيل والاستفادة من الخبرة الإسرائيلية المهنية في التعامل مع الخنازير وتربيتها وعلاقتها بالخطط ضد النووي الإيراني، وضد حزب الله وحماس. وطلب السكرتير العام للأمم المتحدة تزويده بالتطورات الجديدة التي ترد تباعا من الشرق الأوسط، وسأل مستشاريه إذا كانت من ضرورة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي. وعقد مشاورات مع السفراء الممثلين للدول الخمسة الكبرى. وبرز بينهم السفير الروسي الذي  ضحك بشدة من خلق مشكلة دولية بسبب خنزير واحد، معلنا استعداد روسيا لرفع الخنزير ونقله إلى المسلخ في موسكو، وإعداد وجبة ممتازة من لحمه يدعى لها قادة العالم، مع أفضل أنواع الفودكا الروسية. وقُدم الاقتراح لحكومة إسرائيل التي رفضت العرض الروسي، وردت بالشكر والاعتذار رافضة ألاقتراح الروسي، لأن الروس في إسرائيل أولى بالمعروف وأحق بلحم الخنزير، ولا تنقص السوق المحلية أجود أنواع الفودكا، ومنها فودكا تصنع في أمريكا.
مقابل الحصول على الجائزة، توافد الكثيرون من خبراء تربية الخنازير في العالم وإسرائيل معلنين استعدادهم لإخراج هذا الحيوان من حظيرته وقيادته إلى المسلخ، وإعادة التفاهم اليهودي العربي بين المواطنين ،والذي تضرر وسبب مقاطعة يهودية لمطاعم الحمص والفول بعد مطالبة سكان البلدة بإنقاذهم من رائحة الخنازير بإبعاد الحظيرة من حدود بلدتهم إلى مكان نائي لا يسكنه أحد .
وقف الخبراء بالدور لتجربة حظهم في تحريك الخنزير للخروج ...  ولكن سبعة منهم فشلوا وهربوا بعد لحظات من ألاقتراب من الخنزير، بسبب رائحته التي تسطل وكأن الإنسان حقن بمخدر شديد المفعول.
هذا الأمر جعل الكثيرين يتراجعون. رفعت قيمة الجائزة  إلى ثمن خمس  ذبائح. تقدم عدد من الأشخاص، لم يفلحوا بالصمود أمام الخنزير، بل وواحد حاول سحبه فكاد يموت بأسنان هذا الحيوان الضخم والشرس،ونقل بطائرة عمودية على وجه السرعة إلى مستشفى "رمبام" في حيفا بسبب إصاباته الصعبة.
قال وزير القضاء أن وزارته فتحت ملفا للتحقيق في الوسائل غير المشروعة التي تقترح وتمارس لإخراج الخنزير من حظيرته. 
وزير البيئة عبر عن خوفه من أن يتوسع الحي العربي في اتجاه المزرعة ببناء غير قانوني بعد نقل الخنزير للمسلخ، وهل سيلحق ذلك الضرر بالوضع الديموغرافي في المنطقة ؟
أهل البلدة العرب عقدوا مهرجانا خطابيا ، تحدث فيه زعماء الأحزاب مطالبين، بترحيل الخنازير، ورفعوا شعار "ترانسفير للخنازير فورا"، مقابل شعار " ترانسفير للعرب" لأحد الأحزاب اليهودية.  زعيم  أحد الأحزاب العربية القومية طالب بإعدام الخنازير، ثم اضطر لمغادرة وطنه قسرا حتى لا يحاكم على ملايين الدولارات التي تلقاها من الخارج وأخفاها .. وألقيت في النهاية الأشعار وعقدت دبكة شارك فيها الأهالي والزعماء، ونحرت الخراف والعجول على شرف الزعماء.والمعركة تتواصل كما تصرخ عناوين الصحف، رغم أن أهل البلدة نحروا معظم قطيعهم لتكريم الزعماء الأفاضل، وتكريم بعض زعماء الدولة والأحزاب اليهودية على أمل إنصافهم وإيجاد حل لمشكلة الحظيرة وروائحها القاتلة، وذلك طبقا للسياسة العربية التي تقول:"اطعم الفم تختشي العين". وقال زعيم حزب يميني متطرف إن الرائحة رائعة، فلماذا يحتج العرب؟ متجاهلا أنها رائحة الشواء الشهية التي أسالت لعابه.
والسؤال بعد نحر كل القطيع بمهرجانات الترحيب والخطابة، هل سيزور الزعماء البلدة لسماع شكاوي سكانها من مصادرة ما تبقى من أرضهم وتوسيع مزرعة الخنازير، في كل الاتجاهات رغم أنها تشكل آفة بيئية، وتسبب في وقف نمو البلدة الطبيعي، بل وحرمانها من أرض لبناء مدرسة جديدة باتت ملحة جدا؟
وحدثت مفاجئة غير متوقعة.. حتى الأجهزة الأمنية المختلفة فشلت في توقع الحدث الخطير..
في الواقع لا احد يعرف كيف انفجر الموقف.. يقال أن صداما حدث في فجر أحد الأيام بين أولاد توجهوا وهم يهتفون بشعار "الخنازير بره بره الأرض العربية حرة"" نحو الحظيرة. جاءت الشرطة لتفرقهم بالغاز المسيل للدموع ، فإذا البلدة كلها تدخل المعركة دفاعا عن أبنائها وعن حقهم في التعبير عن ألمهم ومصيبتهم من الحظيرة وخنازيرها وروائحها القاتلة. واتسعت المواجهات العنيفة لتشمل البلدات المجاورة التي تدعي أن الروائح تزحف إليها وان أراضيها أيضا صودرت وربما لإقامة حظائر جديدة تشدد الحصار على بلداتهم وتذيقهم الأمرين من الروائح القاتلة.... والأهم حرمانها من تنفيذ مشاريع تطوير لبلداتها.. مما يشعرها بالاختناق غير المحمول.
المعارك بين المواطنين وقوات الشرطة لم تهدا، واستؤنفت في اليوم التالي رغم اعتقال العشرات،
وصدرت الصحف على أثر المصادمات تغطي صورة ضخمة كل صفحتها الأولى عن المواجهات العنيفة بين الأهالي مع الشرطة، وعنوانا صارخا على امتداد الصفحة: انتفاضـــــة !!


nabiloudeh@gmail.com





28
السلاح الحاسم الذي نطمح إليه

نبيــل عــودة


1

لفت انتباهي هذا الأسبوع بالأخص القلق الإسرائيلي من بيع روسيا صواريخ عابرة إلى سوريا، ويطلق على هذه الصواريخ أسم "ياخونت" وهي صواريخ مجنحة تفوق سرعتها سرعة الصوت 3 مرات، ويستطيع هذا الصاروخ أن يحمل شحنة من المتفجرات بوزن 200 كيلوغرام لإصابة أهداف مختلفة على بعد 300 كيلومتر.
ليس موضوع بيع الصورايخ إلى سوريا هو ما لفت انتباهي، فالشرق الأوسط مليء بكافة أشكال الأسلحة الأكثر تطوراً وخطراً وتهديداً وجودياً لشعوب الشرق الأوسط، وعلى رأسها السلاح النووي. وطائرات الأف 35 ("الشبح") وغيرها من الطائرات القادرة على إسقاط قنبلة تزن طناً من المتفجرات "ولا يهتز فيها الجناح الا قليلاً" على حد تعبير قائد سابق لسلاح الجو الإسرائيلي دان حالوتس ، مبرراً ارتكاب مجزرة قتل وجرح عشرات الأطفال والنساء والشيوخ والشباب من أجل تصفية شخص محسوب على حماس هو صلاح شحادة..
تقول إسرائيل أنها قلقة من وقوع الصواريخ بيد حزب الله، والسؤال هل اعتدى مره حزب الله على الأراضي الإسرائيلية، أم كان دائماً في موقف الدفاع والنضال من أجل تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة؟ وهل تبرير استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضي سوريه ولبنانية وفلسطينية، يجب أن يكون سبباً لمنع السلاح على أصحاب الأراضي الذين يطالبون بتحريرها؟!
لم أكن ولن أكون من مؤيدي حزب الله أو النظام السوري، ولكني لا أرى بتجاوز للمنطق العسكري العام في الحصول على سلاح في ظروف سباق تسلح مجنون للحفاظ على التفوق التكنلوجي والعسكري من جانب اسرائيل. . والأسلحة الأمريكية تهدف ضمان تفوق إسرائيل النوعي، كما تعلن أمريكا بوضوح وقح، وبنفس الوقت عقد صفقات بمئات المليارات من الدولارات مع الدول العربية، لبيع أسلحة أمريكية، يُعلن بوضوح انها بلا قيمة عسكرية في مواجهة التفوق الإسرائيلي.
اذن لماذا يحتاجونها؟
والمذهل أن الأنظمة العربية تحافظ على صمتها وكأنها لم تسمع ولا ترى ولا تنطق، فما حاجة السلاح إذن اذا لم ينفع في خلق توازن استراتيجي يقود الى حلول غير عسكرية مثلا للصراع الشرق اوسطي؟
هل لتنفيذ ضربة ضد إيران فقط؟ او وضد الشعوب العربية التي تتسلح حكوماتها للحفاظ على النظام الفاسد؟  ها نحن  نشهد كيف يوجه السلاح ضد ثورة الشعب الليبي؟!وكان يمكن ان يكون في مصر سيناريو شبيه بالسلاح الأمريكي ولا ارى ان الموضوع اقفل في مصر.
 وبأي سلاح تواجه ثورة شعب البحرين؟ وقد يوجه السلاح الأمريكي مستقبلاً ضد ثوار 25 يناير في مصر،إذا حاول الجنرالات "سرقة الثورة" والتلاعب باستحقاقاتها كما تشير الكثير من المعلومات المقلقة؟!
تعرض إسرائيل تفاصيل اعتراضها على بيع صواريخ "ياخونت" إلى سوريا، بتفصيل قدرات الصاروخ، فهو صاروخ طور خلال عشرين سنة، وخصص لإصابة كل القطع البحرية من مسافة 300 كيلومتر. وأن حمولته 200 كيلوغرام متفجرات، وهذا يعني أن سلاح البحرية الإسرائيلي، الذي يتجول أمام الشواطئ اللبنانية أو السورية، بحرية كاملة على بعد عدة عشرات من الأميال من شواطئ إسرائيل، ويقوم باعمال قرصنة في المياه الدولية. توجد كل قطعه البحرية في مجال هذه الصواريخ. ولكن المقلق أكثر أن هذه الصواريخ يمكن أن تطلق من الأرض، من الجو ومن البحر، والصاروخ ينطلق بسرعة 3 أضعاف سرعة الصوت والأخطر أنه ينطلق بارتفاع قليل جداً عن سطح الماء، الأمر الذي يصعب اكتشافه. حتى الولايات المتحدة تدخلت لمنع الصفقة، قلقاً، كما هو واضح، من الإخلال بالتوازن، أو بالتفوق الإستراتيجي الذي تضمنه الولايات المتحدة لإسرائيل.ويبدو أن الإدارة الأمريكية، وإسرائيل، لم يستوعبا بعد التحولات السياسية الجارية في العالم العربي.
استطلاع للرأي، أثبتت أن الثورة المصرية، لا تفكر بإلغاء اتفاق كامب ديفيد، ويبدو ان من سيقود عملية جعل اتفاقية كامب ديفيد  خسارة لفرصه تاريخية لإسرائيل، من أجل حل سلمي شامل، لصالحها بالدرجة الأولى، هي إسرائيل نفسها.
حتى النظام السوري، الذي نراه نظاماً لا بد ان يطوله التغيير عاجلاً أم آجلاً ، ونأمل ان يحدث التغيير من داخل النظام ، مستفيدين من الثورات العربية ، حتى هذا النظام ، يطرح على لسان رئيسه بشار الأسد بوضوح كامل رؤية سلمية لحل النزاع.. وقد تكون فرصه أخرى لحل مشكلة احتلال الجولان تضيعها إسرائيل باستمرار فكر التوسع والاحتلال وخلق أمر واقع لن يلزم أي نظام آخر في سوريا، بل قد يكون النظام القادم أكثر تصميماً وحفظا  لكرامة شعبه، وليس نظاماً تقصف أراضيه، ويعتدي عليها ويحافظ على صمته مكتفياً بالتلويح بالتهديدات، التي يمحو نصوصها عن الرمال. موج البحر!
من حق، إسرائيل أن تقلق، ومن حق سوريا أن تقلق، ومن حق حزب الله أن يقلق، ومن حق كل جانب أن يحول قلقه إلى استعداد للآتي.
ولكن ليس من حق قوة متطورة جداً، وبأسلحة تقليدية متفوقة على كل أسلحة العالم العربي، وسلاح نووي لا تعلن عنه، ولكنه لم يعد سراً، أن تصل بها الوقاحة هي والإدارة الأمريكية التي ترعاها، الى التهريج على نوع معين من السلاح، قد يكون مؤثراً ولكنه لن يكون السلاح الحاسم.
السلاح الحاسم الذي نطمح إليه... وتطمح إليه كل الشعوب في الشرق الأوسط، إنهاء الاحتلال وإقرار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والوصول إي اتفاق سلام كامل وشامل!!.

2
انتهــى عصـــر الجماهيـــر الغفـــورة!!


طرح المحامي الأستاذ جواد بولس في مقاله الأخير "لا رأي لحاقن" المنشور في عدد من مواقع الانترنت، مسألة التواصل مع الأنظمة العربية، وأظن أن هذا الطرح بات ضرورياً، خاصة الآن، بعدما اتضحت الصورة، حتى لدى بسطاء الناس، عن عمق الفساد في الأنظمة العربية ونوعية الحكام العرب، الذين تواصل معهم قادة أحزابنا العربية بكل تركيبتها. من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، بدون أي ذرة تفكير منطقية، خاصة من التيار الماركسي (الشيوعي) والتيار القومي.
لا أكتب من منطلق عدائي لأحد فنحن نريد أن ترى حياة حزبية نشيطة، وليس قبائل عصبية تبني مواقفها بعيداً عن المنطق السياسي، وعن الفهم الواعي لحقيقة ممارستها وإسقاطات هذه الممارسات المستقبلية.. كما حدث بزيارتهم واصطفافهم لإلتقاط صور تذكارية مع العقيد القذافي.
والدرس الليبي اليوم هو أفضل مقياس لاستخلاص النتائج للمستقبل .
المحامي جواد بولس يطرح في مقاله نقداً صحيحاً بقوله حول الحاجة الماسة لإجراء تقييم موضوعي ومسئول حول الزيارة التي قامت بها كل كتائبنا الحزبية إلى الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، القائمة في مضارب قبيلة ألقذافي وذهنه المختل، والتي بالكاد تشكل دولة بالمفهوم الحديث للدول.
المحامي بولس ينافش بأسلوب هادئ ويحث على إعادة التقييم لما فيه مصلحة الجماهير العربية.
قد اختلف مع أسلوبه في تناول الموضوع، ولكني لا أختلف مع رؤيته حول الضرر الذي ألحقته هذه الزيارة، بغض النظر عن أساليب التغطية، مثل كون الزيارة للعقيد معمر ألقذافي بكونه رئيساً لدورة القمة العربية، أي يمثل الجامعة العربية كلها، والرؤساء العرب الذي سقط أكبرهم لا حقا آخرين ومتقدما على آخرين.
بالطبع يمكن إيجاد تبريرات. السؤال ما هي نتائج هذه الزيارة؟! وهل قدمت ما يمكن اعتباره مكسباً نضالياً للجماهير العربية في إسرائيل؟! وهل كون ألقذافي رئيس دورة القمة العربية يجعله مختلفاً عن ألقذافي سفاح الشعب الليبي؟! وهو سفاح ليس للثورة الليبية التي ستطيح به، إنما ارتكب نظامه عبر أل 42 سنة، مجازر رهيبة ضد طلاب الجامعات، وضد سجناء سياسيين والحديث عن مئات القتلى الأبرياء، والتلاعب بأموال وثروة الشعب الليبي، وقائمة طويلة من الانتهاكات ضد دول الجوار ونسف طائرات في الجو، والمؤامرات المختلفة التي كلفت الشعب الليبي مليارات الدولارات من ثروته الوطنية، عدا سرقته هو وأبناء عائلته للمليارات التي لا تحصى.
رؤيتي عبرت عنها عندما كنت أعمل نائباً لرئيس تحرير صحيفة "الأهالي"  قبل أكثر من ثمانية سنوات، منتقداً الركض وراء العناوين القومية،بالتواصل مع الأنظمة العربية، واهمال التيارات السياسية العربية التي تعاني من أنظمة القمع والفساد السلطوي. ورأيت فيها استهتاراً بوعي الجمهور العربي ، وبمصلحة النضال اليهودي العربي، هنا داخل اسرائيل، بمواقف تظهرنا قومجيين منعزلين عن واقعنا وبعيدين عن انتهاج سياسة تجد من يصغي لمطالبنا في الشارع اليهودي، بينما تواصلنا مع التنظيمات المعارضة في العالم العربي ، هي الطريق المثلى في حالتنا..
ألم تكن واضحة الصورة منذ ذلك الوقت، إنها أنظمة معادية لجمهورها، وتقامر بمصير الشعوب العربية والوطن العربي؟!
كيف يمكن تبرير التواصل مع أنظمة تقمع شعوبها وتسجن أصحاب الرأي، وتحد من حرية النشر، وترتكب مجازر بشعة ضد كل من يجروء على الاعتراض ، وتبني من السجون أكثر مما تبني من المدارس وتستغل القضية الوطنية للشعب الفلسطيني لإبقاء حالة الطوارئ واستمرار سياسات النهب للثروات الوطنية للشعوب العربية... التي حرمت من التقدم الاقتصادي والعلمي، وأخرجت عملياً من التاريخ، إلى هوامش جعلتها عرضة لفقر رهيب وأمية قاتلة. وأنظمة لا تليق حتى بالعصر الحجري ؟
هل المستشار القومي العربي (عزمي بشارة) في مكتب أمير قطر، يخدم أي قضية وطنية للشعوب العربية؟!
ما الفرق بين أمير قطر وملك البحرين وملك ملوك أفريقيا ومبارك وبن علي وعبد الله  الذي "لا صالح غيره في اليمن" صالح وآخرين لا يقلون سوءاًَ وفساداً وقمعاً لشعوبهم؟
نعم هناك فرق كبير وهائل.
الفرق أن الشعوب العربية هدمت سور برلين العرب الذي أبقاها عقوداً طويلة خارج التاريخ. ودخلت التاريخ بهتاف وحد الشعوب العربية: "الشعب يريد إسقاط النظام".
وكم يبدو فكر التواصل مع الأنظمة التي يريد الشعب إسقاطها هزيلاً، ومريضاً ولا علاج له إلا بالتغيير الجذري في الشخصيات والسياسات والأفكار!!


www.almsaa.net
nabiloudeh@gmail.com






 

29

المسيحيون في الشرق:هل هم المشكلة او الغطاء لمشكلة الانظمة الفاسدة؟!

نبيـل عـودة



اثار الاعتداء الهمجي على كنيسة القديسين للاقباط في الاسكندرية ليلة رأس السنة، عواصف من الادانات في العالم العربي، ومن مؤسسات وشخصيات اسلامية مركزية، وامتلأت الصحافة بكل اشكالها بعشرات المقالات الجريئة الرافضة لهذا الاسلوب الهمجي في التعامل مع الاقليات المسيحية العربية وغير العربية.
الموضوع ليس جديدا، والاضطهاد الذي يعاني منه مسيحيو الشرق، لا يقع بعيدا عن الواقع الاسود للعالم العربي الذي يدفع ثمنه الجميع، مسلمون ومسيحيون.
ولكن حان الوقت لتحرك جديد، ولعدم الاستهتار بما تفرزه العقول المريضة، تحت غطاء كاذب من الدين والتدين.
اللوحة التي تفرض نفسها اليوم شديدة الكآبة، وتثير غضب الأوساط المتنورة جميعها، بدون علاقة للانتماء الديني او الاثني.
لا شك ان للهوية الدينية مكانها في تشكيل الوعي الوطني والثقافي والأخلاقي، اذا ما احسن استعمالها. ولكن الظاهرة السائدة في عالمنا العربي في العقود الاخيرة هي ظاهرة مقيتة جداً، ومأساوية للجميع، وبعيدة عن المنطق السليم.
آلاف الفتاوي التي تحرض على المسيحيين وتدعو لمعاداتهم وعدم المشاركة باعيادهم ونبذهم ومما هب ودب من اوصاف سوقية تنطلق من رؤوس مريضة وعقليات متخلفة بدائية.
الاف الخطب الدينية شكلا والعنصرية مضمونا، يضج فيها الفضاء العربي دون رقيب، ودون ان تشعل الأضوية الحمراء لما يريد للمجتمعات العربي ان تقبر مستقبلها فيه.
الاف الشعارات المقيته التي لا تعبر الا عن عقول موبوءة ومصابة بالشلل الفكري والانغلاق، الذي هو اخطر على الانسان والمجتمع من أكثر الأمراض فتكا..
المسيحيون العرب او ابناء العراق من المسيحيين غير العرب، افرزت لهم خانة وكانهم عنصر دخيل على الفسيفساء الاجتماعية للمجتمعات العربية متناسين انهم كانوا المحرك الاساسي للحضارة العربية الاسلامية، وما زالوا يشكلون العناصر الأكثر التزاما بالفكر الوطني والتقدم الاقتصادي واحلال الدمقراطية بدل الاستبداد.
مواد التعليم مليئة بنصوص تعمق ظاهرة العداء والرفض للمختلفين دينيا، بل والتحريض على كل من يدعي انه  وطني عربي، لان  الوطنية، حسب الفكر الموبوء المريض هي "ظاهرة صليبية"، او انحراف معاد للاسلام،كما يدعي صغار العقل، متجاهلين ان الاسلام كان يعني انطلاقة للقومية العربية أيضا.
 العديد من المفكرين العرب طرحوا هذا الموضوع بكل خطورته، ولكن الانظمة التي لا يعنيها الا أمنها وتوريث النظام لا تتحرك، ما دام الشعب ينشغل بالصراع الديني، ويبعد عنها الغضب الشعبي من غياب الدمقراطية، ونهب ثروات البلاد بيد العصابات الحاكمة، وانتشار الامية والفقر بمقاييس مرعبة. وربما ترعى مؤسسات هذه الدول  توجيه انفجار الغضب في وجه الاقليات الدينية او الاثنية في مجتمعاتها، ونعرف من التاريخ نماذج كثيرة لمثل هذه الممارسات ، مما يساهم في ضمان استمرار سلطانها الفاسد وحمايته من غضب الشعب. المسيحيون الاقباط محكومون حتى اليوم حسب قانون عثماني مضى عليه قرون طويلة، لدرجة ان  أي عملية اصلاح بسيطة في كنيسة تحتاج الى مصادقة من المحافظ او من رئيس الجمهورية. ورغم ان رئيس الجمهورية في مصر يدعي انه بنيت كنائس كثيرة، الا ان استمرار ربط هذا المجال الحيوي للاقباط في مصر وغيرهم من الاقليات الدينية، مثل البهائيين وغيرهم من الأقليات، بقرارات رئاسة الجمهورية، هو امر مرفوض بسبب الرائحة التمييزية العفنة التي تنضح منه وفي جذورها انكم غرباء وتشكلون ظاهرة غريبة في المجتمع المصري ، او المجتمع العربي عامة.... وان الدولة لا تتعامل معهم كمواطنين متساوي الحقوق.
ان التفجير الارهابي في الاسكندرية (وقبله في العراق عدة مرات) الذي اوقع عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، لم يكن مفاجئا بعد التهديد الذي اطلقه تنظيم القاعدة، والسؤال: اين كان الامن المصري؟!
الجواب ليس صعباً بأن الامن المصري مشغول بحماية السلطة ورجالاتها فقط، وقد كشفت "الغارديان" البريطانية   صورة مثيرة جدا عن اولويات الأمن المصري.
الأمن في مصر لا يخص المواطن المصري، وعلى هذا المقياس يمكن فهم ان الواقع الاجتماعي المتدهور لابناء مصر ايضا، لا يخص النظام، والنظام لا يبالي بالصراع المصري مصري، ولا اقول المصري- القبطي لاني لا أرى تبريرا اخلاقيا او سياسيا او اجتماعيا او اقتصاديا او دينيا لصراع مصري اسلامي مع أقباط مصر المسيحيين.
في وطننا شهدنا ايضا ظواهر مقلقة جدا والماساة حين نكون اقلية قومية  تجزء نفسها لاقليات دينية بغباء كامل عن فهم ان هذه التجزئة تحرمنا جميعا ولا تخدم الا سياسة التنكر لحقوقنا، واستمرار التمييز ضدنا، ومعاملتنا كسكان غير مرغوب فيهم، بل وتخدم سياسة تقسيمنا الى طوائف التي تمارسها السلطة باصرار، وليس اقلية قومية.
صحيح ان مستوى وعينا تعالى فوق الظواهر الطائفية المعادية لكل فكر ديني انساني، ونجح بحصر الظاهرة واطفاء الحرائق التي ولدتها.
ورغم ذلك، ما زلنا نسمع ونشاهد ما يثير قلقنا وامتعاضنا.
عندما نعبر في الشارع الرئيسي في الناصرة، ونقرأ:  "الله مولانا ولا مولى لهم"، يرتفع السؤال: من يخدم هذا الشعار؟ وعندما تزور شخصيه مسيحية عالمية، مثل بابا الفاتيكان البلاد المقدسة، ساحبا وراءه ملايين السياح المسيحيين،مما يعتبر تنشيط للحياة الاقتصادية في الناصرة خاصة،  فتوزع مناشير وتلقى خطب مليئة بالتحريض، من اسوأ  الأنواع وأكثرها دموية، يرتفع سؤال: من يخدم هذا الإنفلات؟
 بالطبع هناك ظواهر اكثر خطورة، ان لم تسارع كل القوى العقلانية، من احزاب وجمعيات وتنظيمات الى احتواءها، ستقودنا الى انفجار ليس ضد المغتصب لحقوقنا، انما ضد بعضنا البعض.
انا على قناعه كاملة، ان تنامي الظاهرة الطائفية في العالم العربي هي جانب صغير من مشكلة كبرى، مشكلة النمو الاجتماعي والاقتصادي، مشكلة الأمية والفقر، مشكلة البطالة، مشكلة التخلف العربي في مواجهة التحديات على الساحة الشرق اوسطية والدولية، وهي بالاساس مشكلة الدمقراطية الغائبة.مشكلة اجتماعية واقتصادية .
 فليوجه الغضب اذن ضد سالبي حقوق جميع المواطنين بدون تمييز.


نبيل عودة- رئيس تحرير جريدة المساء
www.almsaa.net   
nabiloudeh@gmail.com


30
خواطر حول تجربتي مع القصة القصيرة

نبيل عودة

أثار مقالي السابق حول القصة القصيرة جداً ردود فعل ثقافية هامة وواسعة جداً، أعطتني لوحة أكثر اكتمالاً لفهم المضمون القصصي عامة، وكان استنتاجي الأساسي هو عبث إقامة تقسيمات ميكانيكية في إطار الفن الواحد، بمعنى ان القصة هي فن لا يتجزأ، اما ان تكتب قصة تُقرأ وتؤثر بالقارئ، او نصاً لا علاقة له بالقصة الا في الوهم الذاتي للكاتب، مهما كانت صياغة النص اللغوية جيدة. لأن القصة ليست مجرد لغة ومعرفة التركيب القصصي حسب الدراسات المختلفة التي طرحت موضوع القصة من زوايا عديدة ومختلفة. وأعجبتني تسمية القصة القصيرة جداً بتعبير "اشراقات" كما طرح ذلك الدكتور الناقد والشاعر والقاص فاروق مواسي في مداخلته حول مقالي المذكور.

لاحظت سابقاً ان عدداً من كتاب القصة يكتبون حسب المفاهيم التي تطرحها دراسات مختلفة لنقاد او أكاديميين يتعاملون مع فن القص بمباضع تنفع في الجراحة الطبية، وأظن انهم هم أنفسهم عاجزون عن تحويل "معرفتهم الكبيرة" لفن القصّ الى إبداع قصصي. وبالتالي لا يُنتج الباحثون عن فن القصة في كتب البحث والتنظير أدباً قصصياً، لأن القصة تتجاوز حتى المفهوم المباشر والأولي للأدب الى مفاهيم أعمق ترتبط بالمشاعر الإنسانية والحياة والمجتمع والوعي والفلسفة. وكتب الدراسات أشبه بالمختبرات الطبية التي تنفع في التحليل ولا تنفع في العلاج - أي بتوفير أدوات الإبداع!!

المبدع الذي يتوهم ان كتب التنظير ستجعل رضوان يفتح له الأبواب، ويجلسه في جنة المبدعين، هو واهم.

هناك شروط لغوية صياغية وفنية تكنيكية، هي التي تشكل جوهر القص (الرواية) بكل فروعه، وهذه الموهبة برأيي تولد مع الكاتب وتتشكل في مراحل وعيه الأولى، وتكتمل بناءً على ظروف تطور وعيه. وعليه قررت ان اكتب هذا المقال لعلي أوسع النقاش الثقافي الذي بدأ بمقالي السابق عن القصة القصيرة جدا. وقد اعتمدت هنا على تجربتي، بعيدا عن كل النظريات والتنظير التي لا أراها الا دخيلة ومتطفلة على جوهر الإبداع !!
*****

يحاول بعض نقاد القصة القصيرة تقديم لوحة ثقافية تعبر عن الإنجاز التاريخي لمؤسسي فن القصة القصيرة وكتابها وعلى رأسهم الأمريكي ادغار الن بو الذي يعتبر من أوائل كتاب القصة القصيرة، والفرنسي جي دي موبسان الذي لُقِّب بـ"أبي القصة القصيرة" والروسي أنطون تشيكوف، الذي يعتبر أفضل كتاب القصة القصيرة... او يُنظرون بالإعتماد على مفاهيم أكاديمية، لم يثبت حتى اليوم انها أنتجت مبدعاً او نصف مبدع، ونجد ان الكثيرين من أعظم كتاب القصة والرواية لم ينه بعضهم حتى المدرسة الابتدائية. هذا الأمر أعادني الى تجربتي المتواضعة، التي لم تعتمد الا على العشق الذي اجتاحني منذ قرأت اول قصة وانا في بداية دراستي الابتدائية، ولفهم بعض العوامل التي "تفرض" نفسها على مبنى القصة في أعمالي.. والتي أضحت أمرا غير مفكر به حين تحين اللحظة، وكثيراً ما تساءلت عن العوامل التي جعلتني استوعب الجوانب الفنية في تجربتي، والتي لم أستعن لها بأي نص مدرسي او بحثي يتعلق بفن القصة القصيرة، وما زلت مصراً على ان كل الأبحاث والنظريات، لن تستطيع ان تعلم أحداً صياغة قصة قصيرة جيدة.. او فهم مضمون أهمية اللغة (ليس من ناحية نحو وإعراب) في الصياغة القصصية، او ما بدأت أطلق عليه في الفترة الأخيرة تعبير "اللغة الدرامية".

القصة، او الفن القصصي بما في ذلك الرواية والمسرح، كله مرّ عبر تجربة واسعة جداً ومتعددة الأشكال.. ورؤيتي مثلاً ان فن القصة القصيرة الحديث متأثر أكثر بالكاتب الروسي أنطون تشيخوف. ان موهبة تشيخوف في التعبير القصصي عن عالمه، ومجتمعه وإنسانه، تكاد لا توجد تجربة قصصية بمثل عمقها، ولا سابق لها في الفن القصصي، من حيث مبنى القصة، لغتها، عناصر الدهشة فيها، وفكرتها وأساليب كتابته او صياغته للفكرة القصصية، وفن الحوار في قصصه، وكيف يتعامل مع اللغة في قصصه، كيف يحول اللغة نفسها الى نص درامي، واندماج اللغة المستعملة في النص القصصي بالفكرة الدرامية، أي كيف يخلق موازياً لغوياً درامياً للفكرة القصصية الدرامية.. وهذه نقطة هامة وحاسمة.. كذلك قدرته على اكتشاف أدق التفاصيل ونقلها بتعابيره المفعمة بالبساطة والعمق والسخرية والحدة، كلها وضعته في رأس مؤسسي هذا الفن القصصي: القصة القصيرة، محدثاً نقلة نوعية جعلته أبا القصة القصيرة الحديثة بغير منازع على الإطلاق!!.

وهناك جانب قد يغفل البعض دوره. جانب التجربة الحياتية للمبدع وقدرته على تطوير ادواته (آلياته) الفنية والثقافية. في الأدب هذا الجانب حاسم في تطوير الإبداع ونقله من بوتقة ضيقة الى عالم واسع ممتد الأطراف غير نهائي في آفاقة واتساعه المعلوماتي والفكري والفلسفي والتجريبي (بخوض تجارب حياتية ومغامرات حياتية) الذي قد يبدو للبعض خروجاً عن المألوف، وأصلاً كل الإبداع هو خروج عن المألوف، خروج عن حالة السكون والاستقرار، ألدّ اعداء الانتاج الإبداعي..

ومع ذلك القصة لم تتوقف بحدود تجربة محددة، بل يمكن القول ان القصة القصيرة تنبض بالحياة والتغيير وتشق طرقاً جديدة، قد نستسيغ بعضها وقد نرفض بعضها، وهناك إضافات هامة للعديد من أبرز كتاب هذا الفن.

لا ثقافة ولا إبداع في عالم الأوهام... والعقائد الجامدة، والتخيلات المريضة الوهمية.

الموضوع ليس نظرياً، ليس فهمَ شروطِ الكتابة الإبداعية، شروطِ الانشاء القصصي، بل مجمل النشاط الإبداعي للإنسان والمجتمع.

الكاتب - المبدع يحتاج اولا الى وعي معرفي اجتماعي واسع وفي جذوره الفلسفة، التي تغذي العقل بقدرات لا نهائية من المعرفة والقدرة على فهم حقائق الحياة، والقدرة على الاستفادة من التجارب الذاتية والعامة.

لذلك الإبداع، بصفته حالة أدبية، هو شكل من أشكال الوعي الانساني يعبر عنه بطريقة فنية.. انعكاس فني لواقع اجتماعي او ثقافي او سياسي.. الخ.

الفن القصصي هو ألدّ أعداء الفذلكة اللغوية والديباجة والإطناب، والنحت في المفردات. القصصي يجب ان يقبر سيبويه والكستائي قبل ان يمسك القلم، وان لا يتعامل مع اللغة، خاصة العربية، كلغة ذات شأن وقداسة. لا شأن ولا قداسة للغة في السرد القصصي او غيرة من أصناف الكتابة. جمالية القصة تتعلق بفكرتها وأسلوب تنفيذها وقدرة كاتبها على إبداع لغة درامية في السرد حتى لو حطم كل ثوابت الكتابة الانشائية. وان لا يفكر الا بالدراما التي يبنيها، وباستعمال المفردات بلا وجل الوقوع في فخاخ حراس اللغة.

قد يقود كلامي حول اللغة الى وهم ان اتقان اللغة غير ضروري. لم يكن هذا ما قصدته، والعكس هو الصحيح، بدون إتقان ممتاز للغة، وحس لغوي متطور، يحرر الكاتب من التفكير بالنحو والإعراب خلال عملية الإبداع، يستحيل الإبداع القصصي، وعندما أقول الحس اللغوي أعني القدرة على اختراق حواجز التقليد اللغوي والقيود المختلفة.

ان عرض تطور الإبداع (القصة القصيرة في حالتنا) هو أمر هام ومثمر ومحفز لتوسيع المعرفة.. ولكن مميزات الفن القصصي هي الارتباط بالتجربة الحياتية الواسعة الى جانب الإلمام بهذا الفن عبر المعرفة العميقة لمختلف الأساليب التي تطورت منذ ادغار الن بو وصولاً الى تشيخوف وموبسان وغيرهم، تماماً كما تحتاج السيارة الى وقود.. لا يمكن الإبداع بدون غذاء، وقود - وقود فكري، واتساع المعرفة والقدرة على الخوض في تجارب الأخرين بدون مرجعيات ومواعظ، انما بالاعتماد على الذات المجربة والقادرة على هضم تجارب الآخرين وشق طريق يعطي للنص هوية مميزة.

ولا يمكن ان أتجاهل ان القصة العربية القصيرة، هذا الفن الجديد نسبياً في الأدب العربي، ساهم الكاتب العبقري يوسف ادريس في تثبيت جذوره الفنية، بحيث أضحت تجربته مدرسة للقصة العربية القصيرة.. وللقصة القصيرة بشكل عام. ورغم حداثة هذا اللون نسبياً في الأدب العربي الا ان ادريس نجح بايصاله الى مستويات فنية راقية للغاية، والأهم انه طور لغة قصصية بالغة التميز والثراء.

هناك من يشدد على ما يسمى "وحدة الانطباع ولحظة الأزمة واتساق التصميم" ربما نقاط هامة عُبر عنها بشكل مركب، لن اعترض مع اني لم أفهم المعنى، ولكنها لا تقدم أمراً ملموساً يمكن فهمه من الكتاب الناشئين..

لا بد من ملاحظة: ان الكاتب الذي يجتر قصته بالقوة، لا يقدم الا فذلكة لغوية، وترهات، وفكرة مشوهة ناقصة أو مرتبكة، وما أكثرها في أدبنا. نفس الأمر يمكن ان نرى تواصله في المقال السياسي.

الفكرة القصصية يجب ان تنمو على نار هادئة في ذهن الكاتب، ان يتحاور معها بذهنه، ان يعيش تفاصيلها، يهلوس بها، ان يبنيها ويهدمها مرات قبل ان يعيد بنائها وتشكيل أطرافها وشخصياتها، ان يفلسفها ليفهم أبعادها..، ان يعرف الى أين يريد ان يصل قبل ان يبدأ بالخربشة على الورق.. هل أقول لكم اني أحيانا أغرق بعدة أفكار قصصية وعندما تكتمل أستطيع صياغتها تباعاً بسرعة وبلا توقف؟

الفكرة القصصية او السياسية او النقدية، حين تكتمل تفرض نفسها وأسلوبها.. مئات القصص التي أقرأها على الانترنت او في الصحافة المطبوعة، لا أواصل قراءتها بعد الفقرة الأولى أو الثانية منها..اكتشف انها كتبت بطريقة استمنائية. تفتقد للعناصر الأهم في النص القصصي،التدفق والتلقائية بلا تصنيع واللغة التي تشد القارئ للفكرة والقدرة على اثارة انتباه القارئ ( الدهشة )،خلق شخصيات تنبض بالحياة وليس مجرد رسومات ورقية.

ان ضعف عنصر الدهشة القصصية التي تشد القارئ من السطر الأول، او اللغة الدرامية المعيارية التي لا قصة بدونها، والا تحولت القصة الى مادة إخبارية بلغة فذلكة وتشاطر مملة، تقتل عناصر القص الهامة كلها.

كذلك لا قصة جيدة الا بمعرفة أسرار اللغة وطرق الصياغة ( سيقولون يناقض نفسه لأنهم لم يفهموا القسم الأعلى من مداخلتي)، ولا أعني القواعد والنحو والصرف.. انت عزيزي الكاتب تحتاج الى معرفة الصياغة الفنية للغة، وليس علوم الصرف والنحو.. التي تجعلك حارساً للغة وليس مبدعاً للأدب!!

فن القص هو إيصال المعاني مباشرة أحياناً، وبالتورية أحياناً أخرى، وبتطوير حسٍّ لغوي مثل البارومتر شديد الحساسية لوقع الكلمة ومكانها في النص.. ولنترك بعض الهنات للمحرر اللغوي، ولا تقلق من خطأ يفرض نفسه عليك ضمن سياق النص والفكرة. واذا بقيت متمسكاً بفكرة قداسة اللغة بصفتها هدفاً بحد ذاته، فاذهب لتعيش مع سيبوية والكسائي. واترك فن القص والرواية، لأنه فن انتفاضي على المسلمات اللغوية وقيود التزمت الفكري واللغوي والاجتماعي، وكله يشكل حالة مترابطة واحدة.

لا يمكن ان تكون لغة حديثة، قصصية خاصة، يحكمها نحوٌ وضعوه قبل مئات السنين، هل سنبدع قصصاً حديثة بلغة العرب القدماء؟ وحتى لا يفهني أحد خطأ، كلامي هو مجرد مقارنة لفهم ان اللغة أداة حية تخلق مفرداتها وصياغتها بناء على المناخ الثقافي السائد في عصرها. ان لغات عصر التنوير الأوروبي اختلفت جذرياً عن لغة القرون الوسطى، واعتقد ان الأدب الروائي الذي انتعش مع فترة عصر النهضة والاستعمار لعب دوراً كبيراً في إحداث انتفاضة لغوية حداثية في اللغات الاوروبية.

 قصور مجامع اللغة العربية وانغلاقها على القديم، وعدم فهمها لحيوية إحداث نقلة نوعية في لغتنا، ثقافية وعلمية وتربوية، يضر بمكانة اللغة ولكن لا يمكن ان يوقف التطور، ربما يعيقون في اتجاهات معينة، ولكن من المستحيل وقف تطوير لغة القصة والرواية والمسرح والشعر والسياسة لشدة ارتباطهم بالمناخ الثقافي السائد، ان ما يحدث هو شرخ لغوي..

الكثير من الصياغات التي نستعملها اليوم في كتاباتنا يعتبرها حراس اللغة أخطاء يجب تصحيحها. ولكنها أضحت مستعملة ومتفق عليها وغير قابلة للتغيير. الشارع والثقافة في جانب والمجامع بعيدة قرناً كاملاً او أكثر عن لغتنا الحديثة. ان التجديد في اللغة يتجاوز التقييد والكثير من التعابير العامية أضحت جزءا من الفصحى، وهو أمر طبيعي في كل اللغات التي تتشابه لغتها الفصحى مع لغتها المحكية. ان احدى مشاكل الإبداع التي واجهتني في تجربتي القصصية، كانت اللغة العربية المزدوجة والمرهقة في قيودها، وعندما وصلت لقناعة التحرر، وكتابتها بحرية مطلقة، شعرت اني أمسكت طرف الإبداع من المكان الصحيح.

الناحية الفنية

من تجربتي الذاتية ارى ان أهم مركبات القصة يمكن تلخيصهما بمسارين او خطابين، الأول: المسار او الخطاب التاريخي، أي خطاب فكري أيديولوجي، وهو الحدث، الخبر، الفكرة القصصية، المضمون القصصي، المادة الخام.

الثاني :المسار او الخطاب الفني، وهو يتعلق بقدرة الكاتب على الصياغة اللغوية الادهاشية أي التي تخترق أحاسيس القارئ، وتدمجه عاطفياً مع الفكرة القصصية، وتثير دهشته من البداية حتى النهاية، وهي تتعلق أيضا بالتكنيك القصصي الذي يتبعه الكاتب.. وانا اؤمن ان الفكرة تفرض أسلوبها ولغتها ومفرداتها، والكاتب عليه ان يعرف كيف يفكك الحدث ويعيد بنائه من جديد، ليبقي المفاجأة الدرامية للسطر الأخير... تماما مثل لعبة البوكر.. ممنوع كشف الأوراق، اذ قد تكون أوراقك (قصتك) ضعيفة، ولكن معرفة أصول اللعبة القصصية (البوكر) تجعلك تنجز انتصاراً حتى على الذين أوراقهم (افكارهم القصصية) أقوى من أفكارك..

ويجب الانتباه إلى عدم المبالغة في أحد الخطابين على حساب الخطاب الآخر.. ولا اعني خلق تعادل بينهما... انما معرفة أين يجب ابراز جانب على الجانب الأخر... في فترة ظننت ان التعادل بين الخطابين هو الكود الصحيح. اليوم، بعد تجربة طويلة ارى ان التعادل مضراً، ومقيداً، وينتج حالة من التقييد والتأطير والدوغماتية الثقافية. صحيح ان الخطابين هامان، وان ابراز خطاب ما بشكل مبالغ ينسف القاعدة الحساسة للبناء القصصي. ولكن هذا لا يعني ان نقيم التعادل الميكانيكي بين الخطابين، بل اعتماد التناقض الديالكتيكي بين الخاطبين، أي التناقض الذي يدفع دائما لتطوير الحدث واللغة والتكنيك وعناصر الدهشة.. وهنا يجب ان يتحكم الحس الانساني والإبداعي لدى الكاتب، في معرفة اين يعطي لأحد الخطابين قوة أكبر... او العكس !!

 وهناك موضوع هام لم يتطرق اليه النقد العربي على حد علمي، واذا تعرض فمن زاوية تقليدية مدرسية، وهو موضوع اللغة المستعملة في القص..

واضح ان لغة القصة تختلف بأسلوب صياغتها عن لغة الخبر او الريبورتاج اوالمقال او البحث.. صحيح اننا نستعمل نفس المفردات. ولكن وضعها في السياق، ترتيبها، هو ما يخلق الفرق. وهذا ليس كل شيء، بل لا بد من ان يطور الكاتب لغة درامية.. واجد صعوبة في شرح فكرتي، ولكني أقول ان اللغة مترابطة بالحدث ومتفاعلة معه، وتنبض بنبضه، عندما أكتب قصة أوظف قدراتي في صياغة لغة درامية تندمج مع الحدث الدرامي (القصة في حالتنا) بلغتها أيضا، مبناها اللغوي، نبضها المتفاعل والمندمج مع الحدث نفسه، وهذا يتعلق بالحس اللغوي للكاتب، وفهم أولي للبسيخولوجيا الاجتماعية، لفهم شخصية ابطاله والدور الذي من المفترض ان يرسمه لهم بدون مبالغة تجعل البطل غير حقيقي ومتخيل لا منطق في كينونته.

الممارسة واتساع الادراك لفن القص عند الكتاب الآخرين يثري الكاتب، وذلك عبر قراءة واعيه ومنتبه لأعمالهم، ليس كقارئ عادي، بل كدارس لأساليب توظيفهم للغة، بناء الشخصيات، الحوار، أسلوب الدخول للفكرة، وطريقة وضع النهاية، وبالطبع لا شيء مقدس، بل كله يجب ان يخضع للمعمل القائم داخل الرأس، لذلك الكاتب يحتاج الى ثقافة موسوعية ومتعددة الاتجاهات، تماما مثل الحياة، الحياة ليست بلون واحد، بل متعددة الألوان.

 النهاية في القصة لا بد ان تعبر عن فهم فلسفي للحدث وليس فهما اخباريا او مباشرا. وهذا يعني ان مبنى اللغة يفرض مميزات بالغة الحساسية.. قد لا يلمسها القارئ العادي، ولكن عدم اتقانها يبعده عن الاندماج بالنص، حتى لو كان نصا بحثيا او سياسيا.

أرجو عدم فهم موقفي بأني ارى باللغة ما يتجاوز كونها اداة او وسيلة للتواصل فقط، وكونها اداة لا يعني نفي القدرات التعبيرية الهائلة التي تخضع لمن يتقن الاحساس بكلماتها وصياغاتها.

نبيل عودة – كاتب، ناقد واعلامي الناصرة

nabiloudeh@gmail.com


صفحات: [1]