عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - alberwary

صفحات: [1]
1

بانوراما عن الكنيسة الكلدانية  في عهد غبطة الباطريرك مارلويس روفائيل الأول ساكو.
نافع البرواري
حدث الزلزال الذي كنا نتوقعه وحذرنا من وقوعه  منذ سنوات (كما في المقالتين التاليتين عن موضوع مستقبل المسيحيين في العراق كما في الموقع التالي)
http://www.ishtartv.com/viewarticle,33453.html
وقد كتبتُ مقالة  عن سهل نينوى بعنوان (صرخة من سهل نينوى  ) قبل حوالي ثلاثة سنوات ، ولكن للأسف لم استطع الحصول على الموقع الذي تم نشر المقالة ، ولكن ممكن ان استعير منها خلاصة المقال وهو :
"  .....اليوم جاء دور سكان  سهل نينوى  وخاصة المسيحيين ليتم تطبيق المرحلة الثانية من الخطة وهي جاهزة لا بل بدأت معالمها تظهر فاليوم هناك أرهاب في هذه المنطقة  ضد المسيحيين لتخويفهم وترهيبهم ليهاجروا مناطق سكناهم"
"ماذا علينا فعله في ضوء ما ارتكب من الجرائم بحق شعبنا المسيحي ؟ والسؤال الأهم هو ماذا علينا عمله في ضوء المستقبل المحاط بالضبابية وعدم الوضوح وخاصة نحن نرى أن كل المؤشرات تشير الى ان المخاطر لازالت تحيط بنا من كل جانب واننا نسيرالآن في فترة الهدوء الذي يسبق العاصفة "
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=357799.0%3bwap2
اليوم نحن نزيح عنا غبارهذا  الزلزال الكبير الذي حدث  في سهل نينوى المتمثل  بالغزو الهمجي  لدولة العراق والشام الأسلامية المعروفة ب(داعش )،والتي قامت  بتهجير ما تبقى من  المسيحيين من مركز محافظة نينوى  ومن اقدم أرض سكنها شعبنا الكلدو اشوري السرياني منذ الاف السنين ، وهو سهل نينوى ، وبمرأى ومشهد الحكومة العراقية والدول العربية والأسلامية والأمم المتحدة والعالم الغربي الذي يدعي بالدفاع عن حقوق الأنسان والشعوب الأصيلة .
انَّ غبطة الباطريرك لويس ساكوا الذي اختير لكي يكون على رأس الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم ، في زمن لايمكن ان يوصف الا بكونه من أصعب الأوقات واكثرها اضطهادا لمسيحي العراق خاصة والشرق الأوسط عامة ، حيث واجه هذا الباطريرك تحديات وصعوبات على مستوى داخل الكنيسة وخارجها لم يواجها اي باطريرك سابق منذ القرون الأولى للمسيحية الى يومنا هذا،عدى زمن الأضطهاد الكبير في عهد الملك شابور الثاني ( 339 -379 ) م والذي راح ضحية  تلك الحقبة التاريخية مئات الالاف من  شهداء شعبنا المسيحي بسبب الأضطهادات التي قام بها هذا الملك وبعض الملوك الآخرين  .
ان كنيستنا اليوم تمر في ضروف قد تبدو اقل اضطهادا ووحشية من زمن الشهداء في عصر الشهيد الباطريرك ما رشمعون برصباعي  ،هذا ما يبدو للكثيرين من المؤمنين , ولكن في الحقيقة هناك ما هو اخطر من ما حدث عبر تاريخ الكنيسة يحدث اليوم في عصر غبطة الباطريرك لويس ساكو الا وهو الحرب الخفيّة  والناعمة التي هدفها الرئيسي القضاء التام على تواجد المسيحيين في  المنطقة. وهذه الحرب تعتبر بمثابة إبادة جماعية حسب مفهوم الأبادة الجماعية(*).
اليوم يمكن أن نلخص بعض المسؤوليات والمهمات الصعبة التي يَحمُلها غبطة الباطريك الحالي بخصوص كنيسته  وهي:
أولا: المواضيع داخل الكنيسة
1 -  ارث ثقيل من المشاكل الراعوية والتي تُركت دون حل في عهد الباطريك السابق وحتى قبل ذلك بزمن طويل . وحل هذه المشاكل كما واكبناها في عهد الباطريرك الحالي
اصطدمت بالكثير من العراقيل والصعوبات  وصلت الى حد تمرد بعض الأساقفة عل رئاسة الكنيسة المتمثلة بغبطة الباطريرك لويس روفائيل ساكو
2-ارث ثقيل من الفساد المالي والفساد الأداري التي كانت تنخر في جسد الكنيسة ولعهود طويلة .وهذا يحتاج الى رعاة مخلصين امناء ومؤمنين حقيقيين حريصين على نزاهة وامانة لتشخيص اسباب هذا الفساد وقلعه من جذوره واعادة تشكيل لجان رسمية مختصة مشكلة من قبل رئاسة  الباطريركية لتكون جهة مسؤولة عن اموال الكنيسة والمشاريع الباطريركية .وفعلا قام الباطريرك الحالي وفي وقت مبكر من رئاسته في تشخيص وازالة هذا الفساد وقلعه من جذوره
2- ارث كبير من الجهل والتخلف الذي سادا كنيستنا  المشرقية ، حيث ساد الجهل في الثقافة  المسيحية ، والتخلف في مواكبة كنيستنا لبقية كنائس العالم . وهذا الجهل والتخلف ساد  قطاعا كبيرا من رعاة هذه الكنيسة وهكذا ايضا انتشر الجهل الروحي بين المؤمنين  ولأجيال طويلة نتيجة اسباب كثيرة لسنا في صدد شرحها في هذا المقال. ونحتاج الى ثورة روحية وعنصرة جديدة وهذا ما اوضحناه في احدى مقالاتنا ( راجع الموقع التالي)
http://iraqchurch.com/forum/showthread.php?t=23151
 وبالمناسبة فان الباطريك الحالي هو من المتعطشين للتجديد واحداث ثورة  روحية لأنه يمتلك فكرا نيرا وعميقا في كيفية نقل بشارة الخلاص الى الآخرين وفي طريقة واسلوب طرحه الذي يواكب العالم المعاصر .  ولكوني كنت في نفس رعية الباطريرك الحالي عندما كان كاهنا لكنيسة الرسولين في الدورة وكنت قريبا منه  وواكبتُ فترة حياته عندما كان رئيسا لدير شمعون الصفى واستاذا محاضرا  في كلية بابل للفلسفة واللاهوت ، وكنت احد طلبته  . كنت انا وبعض اصدقائي ،ولا زلنا ، من المشجعين لأفكاره الثورية في التجديد والتغيير لمواكبة مايحدث في العالم المعاصر واعطاء الدور الحقيقي للمؤمنين العلمانيين  ، وهذا ما لخصه غبطته في شعاره  الأصالة – الوحدة- التجديد ..
3- هناك هوة كبيرة بين الرعية والرعاة ، وعبر عهود طويلة ،  ادت الى الفتور في الأيمان وعدم ثقة  قطاع واسع من الشعب المؤمن برعاته وحتى باساقفته لا بل ببعض بطاركته الذين لم يكونوا قريبين من شعبهم المؤمن ، الذي واجه اصعب ضروف الحصار والحروب والأضطهادات والتهميش والقمع والتهجير  القسري والمعاناة النفسية والجسدية والأقتصادية  التي مر بها  ، حتى وصل الأمر الى ترهيب هذا الشعب والأستيلاء على اراضي ابائه واجداده ، حيث لم يكن لرؤساء الكنيسة دور يذكر في تعزية شعبه او القيام بدور فعال في طرح ماساة هذا الشعب في المحافل الدولية والمحلية لتخفيف حجم تلك المعاناة .
. 4- تدخل سلطات الدولة وعبر القرون في شؤون الكنيسة وذلك بالترهيب والترغيب. وفرض شروط وقوانين وشرائع مجحفة بحق الرعاة والأساقفة والبطاركة عبر التاريخ وهذا ما نقرأه في كتب التاريخ وخاصة تاريخ الكنيسة . واعتقد جازما ان الباطريرك الحالي لن يقبل اي تدخل في تسييس الكنيسة لتكون طرفا سياسيا لتقف مع جهة سياسية ضد اخرى . وهذا ينطبق ايضا في عدم تدخله في شوؤن الأحزاب القومية ( الكلدانية الآشورية السريانية ). وبالمقابل لايقبل هذا الباطريرك ان يتهم بكونه يلعب دور السياسي نيابة عن الأحزاب السياسة لشعبنا ( الكلدو اشوري السرياني) . وهذا لايعني ان غبطته لن يقوم في دوره الرئيسي بل البارز في نقل مشهد ألأضطهاد والتهميش والتهجير لشعبه الى المنابر الدولية  بل العكس تماما فهو كان مثل المكوك يتحرك في الداخل والخارج من اجل خير شعبه ونقل صورة الماسات الى العالم اجمع ، والعدو يشهد له قبل الصديق . في حين وللأسف الشديد
لم تكن احزابنا القومية على قدر حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ، فكان تحركهم خجولا بل احيانا مخزيا .
5- ان اصعب التحديات واهمها التي يواجهها غبطة الباطريرك لويس ساكو هي وحدة الكنيسة المشرقية بفرعيها . ومنذ بداية سيامته باطريركا على الكنيسة الكلدانية ، راينا تحركه في هذا المجال سواء بلقائاته مع غبطة الباطريرك  مار دنخا الرابع
جاثليق بطريرك كنيسة المشرق الآشورية  ، او بممثلي الكنيسة المشرقية  عبر لقائاته الكثيرة وتنقلاته في المهجر لتحقيق هذا الحلم . وعلى المؤمنين ان يثققوا في حقيقة واحدة وهي ان غبطة  الباطريرك لويس روفائيل ساكو جل همه هو وحدة هذه  الكنيسة وهذا ما لخصه  في احدى المناسبات عندما قال "انا مستعد ان اترك رئاسة الكنيسة في حالة تحقيق وحدة هذه الكنيسة  الكنيسة "، ولا يزال تحقيق هذا الهدف هو امنية ورغبة غبطته  وكل المؤمنين الحقيقيقيين، وهو اكبر تحدي للمؤامرات والدسائسس التي يخطط لها الشيطان رئيس هذا العالم.

 ثانيا: المواضيع خارج الكنيسة
1- كل متابع لشؤون الباطريركية الكلدانية يعرف مدى الحمل الثقيل الذي يحمله غبطة الباطريرك لويس روفائيل ساكو  . ففي بداية فترة رئاسته  واجه  غبطته  كم هائل من المسؤوليات والواجبات والتحديات ، في زمن يغيب في هذا الشرق ، القانون والعدالة والمساواة ، ويسود فيه الأرهاب والموت والدمار في جميع مرافق الحياة الأنسانية . والكنيسة بشقيها الكلدانية والمشرقية الآشورية القديمة ، كانتا الضحية الرئيسية،  نتيجة العوامل التي ذكرناها اعلاه ، ولا زالت هذه الكنيسة تنزف دما ، وتقدم شهداء ، وضحايا بسبب  الحروب والماسي التي تعرض ويتعرض لها العراق خاصة والمنطقة عامة . مما ادى بالكثير من  المؤمنين ان يتركوا  ارضهم او يتم تهجيرهم  او ابتزازهم او ترهيبهم والأستيلاء على ارضهم وممتلكاتهم .
2-  في جميع لقائاته في المؤتمرات والندوات التي عقدت في الداخل او في المحافل الدولية في الخارج، كان غبطة الباطريرك يضع المسؤولين في العالم امام مسؤولياتهم الأخلاقية والأدبية والأنسانية ، سواء كانوا قادة دول او برلمانيين او مسؤولين في الأمم  المتحدة ...الخ  فكان ، ولا يزال غبطته ، يضع اللوم على كل من ساهم في ماسات شعوب هذه المنطقة - وخاصة الأقليات منها-  لانها هي دائما وعبر التاريخ الضحية نتيجة الحروب وفقدان الأمن والقانون , فكانت تتعرض بين فترة واخرى الى  الأضطهاد والقتل والتهجير واحيانا تتعرض للأبادة الجماعية .
ان غبطة الباطريرك لويس ساكو شخص اسباب الحقد والكراهية والحروب في منطقة الشرق الأوسط وحمّل الدول الغربية جزءا كبيرا من مسؤولية هذه الحروب بسبب التجارة بالسلاح على حساب حياة الاف الضحايا المدنيين في هذه المنطقة  ، وفي نفس الوقت حمّل الدول العربية والأسلامية الجزء الأكبر من المسؤولية عندما قال :
"خلافا للنازية وسواها من ايديولوجيات قاتلة في القرن العشرين، فإن داعش تدّعي الانتماء إلى ديانة .هذه هي الصعقة التي نشكّ في حسن نيات المقللين من شأنها، عندما تم استهداف مسيحيينا ويزيديينا وسائر المكونات المذهبية والطائفية باسم الدين الاسلامي، أجل باسمه، ولئن تحاشى الكثيرون أن يصدقوا.
ويمعن الخجل أمام اكتفاء المجتمع الرسمي الاسلامي، ببيانات استنكار خجولة تكشفت كتعبير عن العجز في التحرك الفاعل لتبصير الجماهير بالخطر القادم تجاه ما ستقترفه داعش باسم الاسلام.
وإلا كيف يمكن الوقوف المتفرج امام جرائم قتل وقمع وتهجير لأشخاص أبرياء، تمعن في إذلال الإنسانية جمعاء؟ أي عصر هذا يدير الظهر للقيم، تمتهن فيه كرامة الانسان والمرأة في المقدمة، وتكون قيمة الحياة في الحضيض؛ كل هذا باسم دين تحمله غالبية مسالمة"...
راجع الموقع التالي:
http://www.aleteia.org/ar/-5832789219868672
3-الأيمان  والشفافية والصدق التي يحملها هذا الباطريرك وصراحته وقوله للحقيقة  دون مواربة  او خوف او تنازل عن المبادئ المسيحية التي لاتقبل الجدل او التكلم بانصاف الحقائق ، كانت ولا تزال تواجه بردات الفعل السلبية من قبل الكثيرين من المسؤولين سواء من قبل المسؤولين في الدولة العراقية  او المحافل الدولية في  الخارج  . ان صوت الحق والدعوة للسلام والتصالح، التي ينادي به الباطريرك الحالي،والذي يمثل ايضا صوت الكنسية الجامعة ،  يكاد ان يكون الصوت الوحيد والفريد في  خضم مشاهد الرعب والموت والأصوات التي تنادي بالأنتقام والثأر وقرقعة طبول الحرب. وهنا يحتاج هذا الباطريرك الى معجزة الهية للتدخل للأستجابة الى ما ينادي به غبطته ومعه المؤمنين في كل العالم الذين يصلون من اجل مسيحيي العراق خاصة وكل المتالمين في المنطقة عامة   . ولكن علينا ان نؤمن ان الحق يعلو ولا يُعلى عليه ، وانّ الحق سوف يظهر اخيرا مهما طال الزمن . وانَّ صوت المنادين بالسلام سيكون في النهاية له الغلبة والنصرة .
   4-ان  تشخيص غبطة الباطريك الحالي لأسباب الحروب و ثقافة الكراهية  والغاء الآخر والطائفية والقومية العنصرية وثقافة اقصاء الأقليات التي تنتهجها سياساة الحكومات السابقة والحالية في العراق، قد أربك خطط وسياسيات هؤلاء القادة والمسؤولين على قمة السلطة واغضبهم ، وخير دليل على ذلك هو ماحدث في مؤتمر " الوئام العالمي بين الاديان" التي نظمته مؤسسة الحكيم الدولية تحت شعار" ديننا وئامنا "حضره رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب". ترك الرؤساء الثلاثة اماكنهم وخرجوا قبل ان يلقي نيافة الباطريرك كلمته ، وعندها قال الباطريك في مستهل كلامه :
"في البداية أود ان أعرب عن عتبي على الرؤساء الثلاثة الذين انتظرناهم ساعة، فجاءوا واسمعونا ما يريدون وخرجوا من دون ان يسمعوا ما نريد. هذا مؤسف حقا".
قولا سيذكره التاريخ عبر الأجيال وسيحكى في المحافل الدوليةعن دلالات هذا القول الذي سيأرق ضمائر المسؤولين الذين تركوا شعبهم يذبح وهم يتنازعون على الكراسي والمناصب والسلطة والمال الزائل .ان الدلالات الكبيرة والخطيرة والعميقة لما قاله غبطة الباطريرك لويس روفائيل ساكو  يجب الوقوف عندها والتامل في مغزى هذا القول الذي خرج من فم غبطة ابينا الباطريك بكل صدق وشفافية وعفوية لعلَّ ذلك يوقض ضمائر الغائبين عن المشهد المرعب والخطير الذي تعيشه شعوب المنطقة بجميع اطيافها
 الموقع التالي راجع
 . http://saint-adday.com/permalink/7047.html
 نعم ان صراحة غبطة الباكريرك الحالي وصدقه وامانته وايمانه يواجهه حقد و كراهية وانتقاد وغضب الكثيرين ،  وسيكون صوت غبطته  قويا هادرا يقلق ضمائرهؤلاء المتاجرين بحياة الفقراء والمهمشين والمتشردين .
ان الذين ماتت ضمائرهم واصبحوا بلا حياء ولا خجل لايستطيعون مواجه الحق والنور الساطع لأنه يعمي بصيرتهم ويبكت ضميرهم ويدين اعمالهم وسلوكهم بحق شعوبهم .
اليوم وفي عهد غبطة الباطريك لويس روفائيل ساكو كل هذه المهمات الصعبة وشبه المستحيلة تحقيقها والتي  تبدو مثل جبال عالية تتطلب جهودا جبارة وتضحيات وقلوب متحدة  لتحقيقها .لكن بصلوات المؤمنين القلبية وصوم حقيقي ووحدة الشعب والأيمان الذي لايتزحزح في انّ ماهو مستحيل عند البشر مستطاع عند الله  .
يقول الرب يسوع المسيح"اسالو تعطوا .اطلبوا تجدوا . اقرعوا يفتح لكم " 

---------------------------------------------------------------------------+

 (*)
الإبادة الجماعية تعني ارتكاب أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية، لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين، مثل:
(أ) قتل أعضاء الجماعة.
(ب) إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة.
(ج) إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كليًا أو جزئيًا.
(د) فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة.
(هـ) نقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى.

http://www.ushmm.org/wlc/ar/article.php?ModuleId=10007043

2
 
أين نحنُ من البشارة بأنجيل الخلاص؟
 
نافع البرواري
 
يقول الله على لسان اشعيا النبي في العهد القديم :
 
ما أجمل أقدام المبشرين ، المنادين على مسامعنا بالسلام ، الحاملين على الجبال بشارة الخير والخلاص " اشعيا 52: 7"
 
بسبب الوسائل الكثيرة للأتصالات والميديا والقنواة الفضائية ووجود الكتاب المقدس مطبوعا بلغات غالبية الشعوب في العالم ،  أصبح اليوم من السهولة التعرف على شخصية المسيح ورسالته الخلاصية  الذي وعد  تلاميذه قائلا: "ولي خراف أُخرى من غير هذه الحضيرة ، فيجب علي أن أقودها هي أيضا " يوحنا 10: 16"
وبالرغم من وجود موانع وحواجز كثيرة لنشر البشارة في الكثير من دول  العالم ، لكن يظهر أن الرب كسر وحطَم جميع هذه الحواجز والموانع وأستطاع أن يغزو قلوب الملايين المتعطشة الى منبع الحياة  ألأبدية . قلتُ ، "ظهرتُ لمن لايسألون عنّي ووجِدتُّ لمن لايطلبونني ، وقلت ها أنا ، ها أنا هنا لأمة لا تدعو بأسمي" اشعيا 65  : 1" .
فالله يريد كل الناس ان  يخلصون والى ملكوت الله يدخلون .
اليوم بشارة الخلاص تُحوّل مجتمعات بكاملها الى المسيحية ، بسبب نشاط الحركات التبشيرية لمختلف كنائس العالم ، سواء الأرساليات أو النشاطات التبشيرية للأخويات الرهبانية  أوخدمات  المؤمنون العلمانيون . فعلى سبيل المثال ،  على يد مبشر واحد فقط تحول 100 مليون أفريقي إلى المسيح.
انّ دور الكنيسة ليس الجلوس مابين أربعة جدران بل الخروج الى الناس اينما كانوا. وكذلك  وحدة الكنائس ومسؤولية المؤمنين  عن جميع الكنائس وليست كنيستهم فقط.
انَّ جوهر رسالة الخلاص التي يُطالب بها ربنا يسوع المسيح هو وحدة الكنائس ،وعلى كل المؤمنين أن لايركزوا على بناء الكنائس الحجرية بل بناء الناس وملكوت الله  . الكنيسة لم تعد شعبا يعيش بين أربعة جدران حجرية ، فالكنيسة ، كما يقول الرب يسوع المسيح  ،  يجب أن تبحث عن الخراف الظالة وعن المتألمين والمهمشين والمنبوذين والمتروكين وحتى الأغنياء ورجال المال والسلطة والنفوذ ، الذين هم فقراء بالروح بالرغم من شبعهم المادي ولكنهم هم ايضا اختبروا أنّ الغنى والمال والسلطة ، سراب  و قبضة ريح كما يقول الحكيم
يقول البابا فرنسيس في الأرشاد الرسولي "فرح الأنجيل" لسنة 2012 بأنه "يفضّل كنيسةً مجروحة ومتّسخة لأنها خرجت إلى الشوارع والطرقات، على كنيسة تهتم بمركزيتها وتنغلق على ذاتها في تشابك هواجس وإجراءات. وإن كان هناك ما يجب أن يثير اهتمامنا فهو أن هناك العديد من إخوتنا الذين يعيشون بدون صداقة يسوع".
 
أما البابا بيندكتس السادس عشر فيقول :
:" الإيمان هو عطية ،لا يمكننا أن نحتفظ بها لأنفسنا، وإنما يجب علينا أن نتقاسمها. فإن أردنا الاحتفاظ بها فقط لذواتنا، لتحولنا إلى مسيحيين متقوقعين، وعقيمين ومرضى. إن إعلان الإنجيل يشكل جزءًا من كوننا تلاميذًا للمسيح وهو التزام مستمر ينعش حياة الكنيسة بأسرها. إن حماسة التبشير هي علامة واضحة على نضوج الجماعة الكنسية" (بيندكتس السادس عشر، إرشاد رسولي. كلمة الرب، 95).
 
ولو راجعنا ألأنجيل المقدس في العهد الجديد  لعرفنا أهمية التبشير ، فقد كانت آخر كلمات الرب يسوع المسيح لتلاميذه قبل صعوده الى السماء هي التبشير بالأنجيل لكل الأمم ابتداء من اورشليم
" اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم ، وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ، وعلموهم أن يعملوا بكل ما اوصيتكم به ، وها انا معكم طوال ألأيام ، الى انقضاء الدهر " ( متى 28:19)
"أذهبوا الى العالم كله ، وأعلنوا البشارة الى الناس أجميعين " مرقس 16:15"
" وتُعلن باسمه بشارة التوبة لغفران الخطايا الى جميع الشعوب "لوقا 24:47"
وعندما نقرأ سفر أعما ل الرسل وتاريخ الكنيسة (سواء الكنيسة الشرقية او الغربية ) سنصاب بالصدمة وتأنيب الضمير وسنعرف مدى فتور إيماننا المسيحي في هذا العصر، مقارنة بالمؤمنون الأولون ، الذين كانوا شعلة من نار الروح القدس في ايصال بشارة الخلاص الى العالم"أعمال 8: 4"  " وسنعرف مدى تقصيرنا نحن ابناء هؤلائك الشهداء الذين انطلقوا من شرقنا  لينقلوا بشرى الخلاص الى الأخرين من اخوتنا في هذا العالم
 ، وكيف  أصبحنا اليوم نحن  أبناء هذه الكنيسة العريقة وألأصيلة، متقوقعين خانعين ، خائفين ، منقسمين ، حاملين هوية المسيح وصليب المسيح ، ولكننا في الحقيقة ، فاترين في ايماننا  بسبب اننا  غير متكلين على قوة الروح القدس ، بل اصبحنا نركز على الطقوس والفرائض والشريعة ومظاهر التدين والتمسك بحرفية الكتاب المقدس  بدل ان نحيا في  الروح ، في حين كان آبائنا شعلة من نار، بسبب قوة الروح القدس الذي كان  يلهب قلوبهم فكانوا يذهبون لتبشيرالشعوب  شرقا وغربا ، شمالا وجنوبا عابرين الجبال والصحاري والبحار  في كل انحاء المعمورة ،متحملين كل المخاطر والضروف الصعبة والأضطهادات . عاملين بوصية سيدهم رب المجد يسوع المسيح ". ، وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية كلها والسامرة ، حتى اقاصي الأرض "اعمال1 : 8 ".
اليوم للأسف أصبحنا نخاف أن نبشر بأسم المسيح حتى في أوطاننا ، لابل هناك من يمنع التبشير بحجة أنّه يشكل خطورة على سلامة المسيحيين في هذه الدول . ونسينا قول المسيح ، الذي يقول لنا "لاتخافوا فانا معكم الى نهاية العالم ".
ان جزء من مسؤوليتنا كمؤمنين هو أن نعاون الآخرين ليقفوا ويفكروا فيما ستنتهي اليه حياتهم ، وأن نبين لهم عواقب تجاهل رسالة المسيح وخاصة في هذا الشرق المضطرب ، والذي يبدو أن قوات الشرالروحية لها الغلبة في نشر الظلام والرعب والموت في نفوس الكثيرين من الناس الأبرياء .
ولكن بالمقابل هناك كنائس لها ارساليات ومبشرين الى انحاء العالم وتتحمل الأضطهادات والآلام وحتى الشهادة ، ويقول البابا فرنسيس في رسالته بمناسبة يوم الأرسال العالمي 2013 :" عدد الشهداء يفوق الآن اعدادهم في القرون الأولى - الذين يحتملون بثبات رسولي مختلف أنواع الاضطهادات، ويخاطرون بحياتهم ليحافظوا على أمانتهم لإنجيل المسيح . لا إنجيل حقيقياً بدون هذا "الموت" في الأرض.
لايمكن أن نسمي أنفسنا بالمسيحيين اذا نحن تقوقعنا على ذواتنا وركزنا على خلاص انفسنا دون ان نحاول أن نجذب اخوتنا الى المسيح لكي يتمتعوا بملكوته ويشربوا من ماء الحياة ويذوقوا الخبز النازل من الساء ويشاركوننا فرحنا وسلامنا . يقول الكاتب والمفكر الروسي المشهور "لوي تولستوي:"لا أحد له الحق أن ينبسط (يفرح) لذاته بل أن يفكر بالآخرين ويحبهم وإلا لاسعادة".
للأسف هناك مسيحيين بالهوية يحملون اسم المسيح ويعلقون الصليب في صدورهم كتميمة أو كفأل حسن في حياتهم ، دون أن يقيموا علاقة مع رب المجد الذي أحبهم وفدى حياته من أجهلهم .

يقول الأب العلاّمة بولس الفغالي:
" أُلقيت على التلاميذ مهمة حمل النور الإلهي الذي يجتذب الأمم ... وهذا النور هو المسيح (يو 8:    12). كشفَ الله عن نفسه لشعبه، ليجعله منارة ونوراً في خدمة قصد حبه من أجل جميع البشر.
"جعلتك نوراً للأمم ليصل خلاصي إلى أقاصي الأرض" (أش 49: 6)..
وفسَّر أحد المعلمين: "كما أن الزيت يحمل النور إلى البشر، هكذا يكون شعبُ الله نورَ العالم". وكنيسة المسيح ليست نوراً في حدّ ذاتها. ليست ينبوع النار. إنها كالزيت الذي يحترق بنار الكلمة، بنار حبّ الله الذي ينير العالم .. نحن مدعوون لنكون انعكاس المسيح النور الذي تجرّأ وحده أن يقول: "أنا نور العالم" يوحنا 8:12".. والمسيحي هو الذي يرغب أن يتشبّه بالذي أحبّنا، أن يصير كاملاً في الحب على مثال الآب .
سُلِّم الإنجيل إلى التلاميذ ثمّ إلى الجماعات الأولى. وعليه أن ينتقل إلى العالم. ولكن كيف ينتقل؟ إنه ملح يعطي الحياة طعمها . إنه خمير يخمّر العجين ". هذا يعني أنه يختفي في حياة البشر كالحبة المزروعة في الأرض" أنتم ملح الأرض، أنتم نور العالم" متى5: 13- 14
ما اشبه اليوم بالبارحة ! فيسوع المسيح  ولد بين شعب يؤمن بالكتب المقدسة وله تاريخ طويل وخبرة مع الله ، ومع ذلك لم يقبلوه في قلوبهم بل تآمروا على يسوع المسيح وقتلوه ، وهكذا رذل الشعب الذي كان لديه كتب تتنبىْ بقدوم المسيح وولادته في بيت لحم ، بينما الوثنيين الغرباء قبلوه وآمنوا به مثل المجوس والعالم الوثني .
هكذا اليوم ،نحن مسيحيي هذا الشرق، الكثيرون منا رفضوا ولادة المسيح في قلوبهم ، علما بان لنا تاريخ الكنيسة وشهادات آبائنا المؤمنين وخبراتهم مع يسوع المسيح، ومع ذلك اصبح المسيح غريبا عنا ، وها هو اليوم يسبي قلوب الملايين من الوثنيين الذين فتحوا قلوبهم له  ، فيدخلون ملكوت أبيه ، بينما  نحن نبقى خارجا   .
كم من  الرعاة في كنائسنا  يمارسون الطقوس الدينية في يوم الأحد كوظيفة روتينية مملة وكواجب مقابل أن يعيشوا حياة هادئة وكأنهم اصبحوا موظفين يعملون مقابل أجرة؟ .
 كم من الناس الذين  يحملون اسم المسيح متمسكين بقشور التدين يأتون الى الكنيسة في يوم الأحد أو المناسبات الدينية كعيد الميلاد وعيد الفصح  ويمارسون الطقوس الدينية وكأنها عادات وتقاليد ، دون أن يفهموا جوهر هذه الأحتفالات بكونها لقاء مع المسيح وتناول جسده ودمه من خلال سر القربان المقدس ، التي فيها يجدد المؤنون تناولهم لخبز الحياة ، وان هذا التجمع هو فرح اللقاء مع الأخوة المؤمنين  لتجديد الشكر والأمتنان لفاديهم يسوع المسيح ؟
كم من الناس المولودين بالوراثة في عائلة مسيحية ولكنهم للأسف لايعرفون قيمة هذه النعمة التي وهبها الله لهم من خلال المعمودية ولا يعيشون فرح الخلاص والسلام الذي مصدره يسوع المسيح ؟
كم من ألأموال تصرف على الزينة والملابس والبذخ على الولائم والأحتفالات  في مناسبات الأعياد  وغيرها ، فيما هناك الملايين من الفقراء والأطفال يحتاجون الى الخبز اليومي ليكفي رمقهم وجوعهم
بل محتاجين الى من يزرع الفرح في قلوبهم لأن يسوع المسيح يحبهم ؟

وعن مخاطر التبشير يقول الرب يسوع المسيح : " ما اقوله لكم في الظلام قولوه في النور ، وما تسمعونه همسا ، نادوا به على السطوح ، لاتخافوا  الذين يقتلون الجسد ولايقدرون أن يقتلوا النفس ، بل خافوا الذي يقدر أن يهلك الجسد والنفس معا في جهنم " متى 10:26- 28"،
يقول الرب لتلاميذه: "تشجعوا، أنا غلبت العالم"  يو 16، 33 "
المسيحي الحقيقي هو الذي يحمل صليبه ويتبع المسيح في آلامه وعذاباته وموته لأنّ حبة الحنطة ان لم تمت فلن تعطي الثمر . نعم قد تكلف المؤمن مسؤوليته تجاه ألآخرين الكثير من قيم هذا العالم ، المجد، والشهرة ، واوقات الراحة ، والأصدقاء وحتى ألأقرباء ، ، لكن قيمة كوننا مؤمنون تلاميذ المسيح هي استثمار سيدوم الى الأبد ، فعلى كل انسان أن يحسب الكلفة كما يقول الرب .
 المسيحي الحقيقي هو جندي في جيش المسيح يحارب بسلاح الروح والحق كل اجناد الشر الروحية لخلاص الآخرين  فكما ان َّ الجندي في هذا العالم يدافع ويضحي عن وطنه ،  فكم من ألأولى على المؤمن المسيحي أن يدافع عن الحق ويجاهر به دون خوف لأيصال بشارة الملكوت الى الآخرين .  وهاهو بولس الرسول يشجع معاونه ثيموثاوس على القيام بواجبه كمعلم ومبشر وكجندي في جيش الله ،  وان يكون قدوة للمؤمنين في ألأيمان والصبر والمحبة والمثابرة وتحمل آلام ألأضطهاد وأن لايخجل في تبليغ الشهادة(راجع رسالة بولس الرسول الثانية الى تلميذه  تيموثاوس).
يقول الرسول بولس لتلميذه ثيماثاوس: " سلّم ما سمعته مني بحضور كثير من الشهود ، وديعةٌ الى اناس امناء يكونون أهلا ليعلموا غيرهم ".
2تيموثاوس 2 : 2 ".
في أعمال السينودس الذي عقد في الفاتيكان من السابع وحتى الثامن والعشرين من تشرين الأول أوكتوبر عام 2012 حول موضوع "البشارة الجديدة بالإنجيل لنقل الإيمان المسيحي". يكتب البابا فرنسيس: "أرغب في التوجه إلى المؤمنين المسيحيين لدعوتهم لمرحلة بشارة جديدة مطبوعة بهذا الفرح وتقديم طرق جديدة لمسيرة الكنيسة للسنوات القادمة ". وناشد الحبر الاعظم الدول الاسلامية توفير الحرية الدينية للمسيحيين
«اخذا بالاعتبار الحرية التي يتمتع بها المسلمون في الدول الغربية".
الخلاصة
المسيح هو رب كل الأرض وقد مات من أجل خطايا كل ألناس . نحن قد لانكون مبشرين ولكننا جميعا قد نلنا مواهب نستطيع أن نستخدمها لتحقيق ألأرسالية العظمى " راجع اكورنتوس 12 : 1-11 ". فلا يجب ان نسمع الكلمة فقط بل ان نعمل على تحقيق الحق وايصال بشارة الخلاص الى جميع الناس ، وان يحمل المؤمن نور المسيح  حتى يشرق في حياته ويعكس هذا النورعلى الاخرين ليجدوا الله  . يقول الرسول بولس : "
ألأيمان من السماع ، والسماع هو من التبشير بالمسيح "روما 10: 17 ".
وعلى المسيحيّين اذا أن يجعلوا النور على منارة. أن يُعلنوا البشرى بصورة واضحة، وهكذا يستنير البيت ويستنير العالم.
اليوم اخوتنا في هذا الشرق هم أحوج الى الخلاص ، وخاصة في هذه الضروف العصيبة، وهم في احتياج الى مساعدتهم في التخلص من قيود الأبليس الذي كبَّلهم بقيود العبودية و جعلهم يحاربون أخوتهم  وأبناء وطنهم وجيرانهم؟
انَّ اعلان البشارة للعالم هي من صلب الأيمان المسيحي لابل هي رسالة وامانة  يجب ان يوصلهاالمؤمن  لكل الناس اينما كانوا ومهما كانت الضروف . لذلك يقول الرب يسوع المسيح ، ومن لايقومون باستخدام مواهبهم الروحية في توصيل بشارة الخلاص لأخوتهم في الأنسانية ، سينطبق عليهم قول الرب  "سيأخذُ الله ملكوته منكم ويسلِّمُهُ الى شعب يجعلهُ يُثمر " لوقا 21 : 43 ".
ان  المحبة تعني العمل والعمل يعني: آنَّني أقوم بتطبيق ما اؤمن به  والا فلا معنى لما  اؤمن به ، وخير عمل يقوم به المؤمن هو خلاص الآخرين بايصال  البشارة لهم ، لكي يكمل فرحه ، والرسول بولس خير شاهد على هذه الحقيقة عندما يقول : "فاذا بشّرت  فلا فخر لي . لأن َّ التبشير ضرورة فرضت علي . والويل لي ان كنت لا أُبشِّر "1كور 9:16"
يقول الله على لسان النبي دانيال : " ويضيء العقلاء كضياء ألأفلاك في السماء ، واللذين هدُوا كثيرا من الناس الى الحق يضيئون كالكواكب الى الدهر والأبد " دانيال 12 :3".
 
 -------------------------------------------------------------------
 
المصادر
الكتاب المقدس
راجع ايضا 
رسالة البابا فرنسيس
بمناسبة اليوم الإرسالي العالمي 2013
 
http://w2.vatican.va/content/francesco/ar/messages/
missions/documents/papa-francesco_20130519_giornata-missionaria2013.html
 
البابا فرنسيس يعلن عن الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل”
 
 
جhttp://www.boulosfeghali.org/boulos/index.php/site/
content?page=4&Cat=397
البابا فرنسين  -ألأرشاد الرسولي-فرح ألأنجيل
 إصلاح الكنيسة والحرية الدينية للمسيحيين في العالم الإسلامي  -
http://www.almustaqbal.com/v4/Article.aspx?Type=np&Articleid=596308
 
ملح الأرض ونور العالم
الأب بولس الفغالي
http://www.boulosfeghali.org/boulos/index.php/site/content?page=11&Cat=397
المبشر الألماني د راينهارد بونكي
https://www.youtube.com/watch?v=dX6I5maOiak

3
هل يسوع المسيح جاء ليحمل السلام أم السيف؟

الجزء الثاني


أولا :


يقول الرب يسوع المسيح :

" لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأحمل السلام  الى العالم ،. مَا جِئْتُ لأحمل سَلاَماً بَلْ سَيْفاً. جِئْتُ لِأُفَرِّقَ بين ألأبن وأبيه ، والبنت وأُمّها ، والكنّة وحماتها . ويكون أعداء ألأنسان أهل بيته" متى 10 : 34 –  36

كيف يقول المسيح جئت لألقي سيفاً وهو من أوصى بالمحبة للأعداء ؟
واذا كان المسيح رئيس السلام ومصدر النور والمحبة والتسامح والغفران فكيف يناقض نفسه بالقول: "ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا" ؟. كيف لشخص ، كان يشفي المرضى ويقيم الموتى ويجول ويفعل خيرا أن يدعو و يأمر ، في الوقت نفسه ، برفع السيف و استخدام القوة لمحاربة ألآخرين ، ويفرق ويسود على الناس كملك يغزو ويذبح ويسرق، كمافعل ملوك غالبية الأمبراطوريات عبر التاريخ ، وأنشأؤوا دولهم على دماء وجماجم البشرية؟
كيف لشخص يغزو قلوب الناس بمحبته لهم ويدعوهم الى مشاركته في ملكوت أبيه السماوي ، ويضحّي بنفسه من أجل خلاصهم ، وفي الوقت نفسه يقول:" جئت لأفرق بين ألأبن وأبيه ، والبنت وأمها ، والكنة وحماتها ، ويقول:"أعداء ألأنسان أهل بيته " ؟
أليس هذا جنونا وتناقضا وأزدواجا في الشخصية ،التي تدعو الى الخير وفي نفس الوقت تفعل أعمال الشر، تدعو الى السلام وفي نفس الوقت تدعو الى حمل السيف ومحاربة المعارضين ، وتدعو الى المحبة وفي الوقت نفسه  تدعو الى الكراهية والأنتقام والثار، تدعو الى توحيد النفوس والقلوب ، وفي الوقت نفسه تفرق الناس بعظهم عن بعض حتى داخل العائلة الواحدة ؟
كلنا نعرف ،  خلال قرائتنا للأنجيل المقدس ، أن المسيح كان يربط اقواله بأفعاله ، ولم يكن يقول كلمة واحدة إلاّ وطبقها على نفسه في حياته ، بافعاله على أرض الواقع ، فقد كان ملتزما بالمبادي والتعاليم السماوية التي هي في قمة السمو والكمال ألأخلاقي والأدبي ، والتي استمدت منها ألأنسانية في شرائعها حول مبادئ حقول الأنسان  والتي كان المسيح  مصدرها، وخاصة  أقواله  في موعظته  على الجبل .
ليست ملكوت الله ملكوت القوة، بل ملكوت التطويبات، طوبى للقلوب المتحرّرة التي لا تطلب من الله إلا خبز الملكوت .
".....هنيئا للمساكين بالروح ... هنيئا للودعاء ....هنيئا للرحماء ....هنيئا لصانعي السلام ....هنيئا للمضطهدين من أجل الحق....  من غضب على أخيه أستوجب حكمُ  القاضي...."    "  لاتقاوموا من يسيءُ اليكم ...أحبّوا أعدائكم وصلّو لأجل الذين يضطهدونكم ، فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات .فهو يُطلع شمسه على ألأشرار والصالحين .... لا تدينوا لكي لا تُدانوا    اغفروا يُغفر لكم ، ماتحب ان يفعله الأخرين لك هكذا تفعل مع الآخرين ...فان كنتم تحبون الذين يحبونكم  فايُّ أجر لكم ؟   ا"متى 5،6،7"
اذن لماذا يدَّعي البعض من الناس ، وخاصة من الديانات الغيرالمسيحية ، أنّ المسيح يدعو الى حمل السيف ومحاربة الناس ؟
اليس هذا كذبٌ وافتراء، من الذين  باعوا أنفسهم للشيطان، فيحاولون تشويه صورة  المسيح الذي يمثل قدوة للجنس البشري في سلوكه وأعماله وتواضعه ومحبته التي لايمكن سبر أغوارها  ، بل هو نفسه "المحبة" ولايمكن للخلائق أن تعيش لولا كون يسوع المسيح مصدر هذه المحبة
و"المحبة أقوى من الموت" . وفعلا يسوع المسيح غلب الموت  على الصليب بقيامته ، لأن سرَّ قيامة المسيح تعني أنَّ  محبته للبشرية انتصرت على الموت.
 الله ليس قاضيًا ولكنه صديق ومحب للإنسانية. الله لا يسعى إلى الإدانة، وإنما فقط إلى الاحتضان ، الله لايريد هلاك أي نفس بل يفتش عن النفوس" الله أرسل أبنه الى العالم لاليدين العالم ، بل ليُخلِّص به العالم "يوحنا 3: 17 ".
إنَّ حمل السيف لقتال إخوتنا في الأنسانية  يتعارض مع الحب اللامتناهي لربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي ضحى من أجل خلاص جميع الذين يأتون اليه "يوحنا 3: 11"
جهادنا ليس جهاد القتال ، بل جهادنا هو جهاد الأيمان . وشهادتنا  ليست الجهاد في سبيل الله بالدعوة الى الحروب والموت في ساحة الوغى  ، بل شهادتنا هي البشارة بملكوت الله التي هي ، البر والمحبة والسلام. نؤمن أنّ المسيح هو الشخص الوحيد الذي عن طريقه  فقط يمكن أن يصل الأنسان الى الحياة الأبدية ، لأنَّه هو الطريق والحق والحياة  . والمسيح أوصانا أن نحب بعضنا البعض وأن نكون واحدا كما هو والآب واحد .
يقول معلمنا بولس الرسول  :" لا تُجازوا أحدا شرّا بشرِّ
..سالموا جميع الناس أن امكن ...لاتنتقموا لأنفسكم ايُّها ألأحباء ..فالكتاب يقول "لي ألأنتقام ،يقول الرب ، وأنا الذي يجازي"روميا12: 17-19 "
اذن المسيحية هي حياة وعلاقة محبة بين الأنسان وخالقه وبين الأنسان وأخيه الأنسان مهما كان هذا ألأنسان "لأنَّ الله يشرق شمسه على ألأخيار والأشرار"
ربنا يسوع المسيح هو خبز الحياة النازل من السماء ، هو الحياة ومصدرها حيث  يقول "أنا القيامة والحياة"  هو الذي قال للمراة السامرية " ....أمّا من يشرب من الماء لذي أُعطيه أنا ، فلن يعطش أبدأ . فالماء الذي أُعطيه يصير فيه نبعا يفيض بالحياة ألأبدية" يوحنا 4"14"
فكيف يمكن لمصدر الحياة ونبعها أن يُهلك ويقتل الذين  وهبهم الحياة؟ اليس هذا يناقض العقل والمنطق، ويخالف حتى الضمير والوجدان عند الأنسان  الذي يبحث في أعماق نفسه عن الخير والسلام والمحبة  لأنه صورة الله "المحبة" ؟. يقول المسيح "أمّا أنا فجئت لتكون لهم الحياة ، بل ملءُ الحياة"  فكيف يدعي البعض ، زورا وبهتانا ، أنَّ المسيح أمر المؤمنين به أن يحاربوا وينشروا بشارة الخلاص باجبار الآخرين على أعتناق المسيحية بقوة السيف ؟
"المسيح لا يقدّم نفسه كمسيح ملكي، ولا كالامبراطور الروماني الذي ترافقه القوة والمجد. لقد جاء في البساطة والفقر، في خشونة رجل من الجليل وعامل لا يعرف المواربة في كلامه. غير أن عنفه ضد الاغنياء والقلوب اليابسة والمقتدرين واصحاب السياسات والمرائين، يتجاوزه صبرٌ تجاه البائسين والمرضى والمحتقرين والعائشين على هامش المجتمع، يتجاوزه تجرّد خاص أمام المال والسلطة.
لا يأتي ملكوت الله بشكل دولة قوية ومستقلة. ولكننا نستشفّه مُلكاً مؤسَّساً على الإيمان والمحبة".
هناك ديانات تعتقد ان البشرية هي قرابين تقدم لأله سادي من  اجل اشباع شهوات سادية لأله لايرتاح الا بموت ابنائه
ولكن المسيح لايحرض على القتل بالسيف بل بالعكس هو يقول لتلاميذه اقبلوا هذا السيف من مضطهدينكم حتى من أهلكم واقربائكم ولا تتنازلوا عن ايمانكم . لأن النهاية هي للحق فلا يحق الا الحق واذا صارت العلاقات العائلية حائلا بين المؤمن وبين الله فالمؤمن يجب ان يتبع الله وليس ألأهل  .
يسوع المسيح لم يوعد المؤمنين به بأنهم سيعيشون في سلام في هذا العالم بل قال لهم  سوف" يعتقلكم الناس ويضطهدونكم ويسلمونكم الى المجامع والسجون ويسوقونكم الى الملوك والحكام من أجل أسمي " لوقا 21: 12"
 والمسيح قال لنا من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني ، أي ان المسييح لايقول لنا أن حياتنا على هذه الأرض مفروشة بالورود والياسمين ، بل قد تكون مفروشة بالأشواك والآلام .
ولكن يشجع يسوع المسيح  تلاميذه اذ يقول:
" لاتخافوا  الذين يقتلون الجسد ولايقدرون أن يقتلوا النفس ، بل خافوا الذي يقدر أن يهلك الجسد والنفس معا في جهنم " متى 10:26- 28"
والدليل على حقيقة ما قاله الرب عن الذين يؤمنون به ،  في أنَّهم سيواجهون  الأضطهادات والأعتقالات في السجون ، حدث هذا  فعلا في القرون الأولى للمسيحية ، وأن تلاميذ المسيح غالبيتهم استشهدوا بحد السيف او الصلب او النفي ، لأنهم بشرّوا بخبر الفرح  والخلاص , وواجهو الموت وهم في سلام وفرح ، بل كان آلاف المؤمنين يتسابقون في الأستشهاد من أجل الحق ومن أجل خلاص النفوس" أعمال 8: 4" . التاريخ يشهد بان المسيحية انتشرت في العالم أجمع، ليس بتسليط السيف على رقاب ألآخرين للأيمان بالمسيح، بل بقوة الكلمة والحجة بالحجة وكان سلاح المؤمنين هو قوة الروح القدس وسيف الحق ، فكان المؤمنون ولا زالوا جنودا في جيش المسيح يحاربون بكلمة الله والروح القدس اجناد الشر الروحية الذي على رأسهم الأبليس .فلا يحاربون اخوتهم البشر الذين هم من دمهم ولحمهم  ومن يخالف ذلك فهو ليس مسيحي حقيقي . هذا ما يخبرنا به معلمنا بولس الرسول عندما يقول" تسلّحوا بسلاح الله الكامل لتقدروا أن تقاوموا مكايد الأبليس . فنحن لانحارب أعداء ٌ من لحمِ ودمِ" افسس 6: 10" .
 لا زال المسيحيّيون في الكثير من دول العالم في ايامنا هذه  يواجهون الأضطهادات ويتم تهجيرهم وترهيبهم واحيانا قتلهم ، بدون ذنب اقترفوه
 سوى أنَّهم يعتنقون المسيحية التي اساسها المحبة والدعوة الى السلام والحياة الكريمة لكل المتالمين والمجروحين والمنبوذين والمهمشين والمتروكين والفقراء والمساكين بالروح  .
 اليوم مسيحيي الشرق الأوسط خير نموذج على حقيقة ما نقوله ، فهم ناس مسالمون ويحبون اخوتهم المسلمون الذين عاشوا معهم عبر مئات السنين ، بمحبة وسلام وتعايش ، ومع ذلك لم يخلو عصرا من عصور التاريخ الا وكانوا يتعرضون للأضطهادات والتهجير والقتل والتشريد دون جريمة ارتكبوها سوى كونهم ناس مسالمين يحبون الحياة ويحبون اخوتهم من غيرالديانات ويعملون لخير وطنهم بكل تفاني واخلاص وامانة .
قد يرى البعض ان هذه الأقوال تخالف قول ربنا يسوع المسيح " سلاما أترك لكم ، وسلامي أعطيكم ، لاكما يُعطيه العالم أعطيكم أنا ، فلا تتضطرب قلوبكم ولا تفزع" يوحنا14 : 27"
 انَّ سلام المسيح هو سلام داخلي سلام المؤمن الذي سلم حياته للرب يسوع فلن يخاف ولا يفزع ولا يعيش في حالة رعب بل في سلام مع نفسه ومع الآخرين ومع الله . فالمحبة تطرد الخوف والبغض والكراهية وتشفي صدور المؤمنين من الحقد والكراهية للآخرين .

ان المسيح هو القدوة للمؤمنين به وهو نفسه إختبر حقد وكراهية رجال الدين اليهود له حتى سلّموه  لحاكم الرومان بيلاطس البنطي وتم صلبه
ومع ذلك فهوعلى الصليب طلب من أبيه السماوي ان يغفر لقاتليه .
وهنا قمة المحبة اللامتناهي وتطبيقا لقوله" احبوا اعدائكم"
ثانيا :
أمّا قول الرب يسوع المسيح
: "جِئْتُ أُلْقِي عَلَى الأَرْضِ نَارًا، وَكَمْ أَوَدُّ لَوْ تَكُونُ قَدِ إشْتَعَلَتْ!" (لوقا 12/49

هنا النار هي نار المحبة، محبة الإنسان لله ولأخيه الإنسان التي يتمنى الرب يسوع أن توازي محبة الله للإنسان التي لا ينطفيء لهيبها، فـ"إلاهنا هو نارٌ آكلة وإلهٌ غيور" (تثنية الإشتراع 4: 24، عبرانيين 12: 29)، فهذه المحبة تؤدي إلى تغيير البشرية نحو الكمال .
النّار تدلّ ايضا على التغيير الّذي أراد يسوع إجراءه في الكون:
هو ما يذكّرنا بقول يوحنا المعمدان: "أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالـمَاءِ لِلتَّوبَة. أَمَّا الآتِي بَعْدِي فَهُوَ أَقْوَى مِنِّي، ولَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ القُدُسِ والنَّار" متى 3: 1

وقوّة النار التي تدخل في كل مكان، تستطيع أن تنقّي كل شيء. في هذا المعنى يمتلك العماد المسيحيّ أن يفعل ما تفعله النار (مت 3 :10).
ورمز النّار رمزٌ مهمّ إستخدمه يسوع لتحذير أتباعه من مغبّة الفشل في أداء الرسالة الموكولة إليهم كما في قوله: " كُلُّ شَجَرَةٍ لا تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وتُلْقَى في النَّار" (متى 7: 19). وهنا النار هي إما نار الله المُطهِّرة/المُعمِّدة التي تؤدي إلى تغيير النفوس لتُصقل فتُثمر (يشوع بن سيراخ 2: 5)، وإن لم تُثمر أيضًا فهي نار جهنم ، نار الحسرة لإبتعاد الإنسان عن الله للأبد "مرقس 9:  43
يقول ألأب بولس الفغالي عن شرحه للآية : "جِئْتُ أُلْقِي عَلَى الأَرْضِ نَارًا، وَكَمْ أَوَدُّ لَوْ تَكُونُ قَدِ إشْتَعَلَتْ!" (لوقا 12/49


"حمل يسوع معه السلام الاسكاتولوجي. ولكن هذا السلام ليس طمأنينة الكسل والجمود. فيسوع هو اجتياح الله لعالم البشر. ومجيئه هو مثل نار تشتعل وتنتشر.
ورغب يسوع رغبة كبرى في أن تبدأ هذه النار حقاً بأن تشعل العالم والقلوب
ومجيء النار وسط البشر لن يحمل إليهم الراحة: فيسوع يحمل الأنقسام حتى إلى قلب العيلة(العائلة). وحضوره يعني خياراً شخصياً يحمل معه تمزّقات مؤلمة.
في زمن يسوع وفي زمن الكنيسة الأولى، دُفع التلاميذ إلى انفصال عن العيلة وعن "القبيلة". هذا ما أنبأ به سمعان الشيخ أمّ يسوع: "إنه هنا لسقوط وقيام عدد كبير في اسرائيل، وليكون علامة معارضة" لوقا  2: 34"
وهذا العبور الصعب سيصل في يوم من الأيام إلى المصالحة بين جميع البشر، إلى السلام. هذا ما أعلنه بولس لأهل أفسس: "إنه هو سلامنا. جعل من الاثنين (مما كان مقسّماً) واحداً. ودمّر في جسده جدار العداوة (أو الانقسام)" (أف 2: 14)

إن الذين اختاروا يسوع، دخلوا في عيلة جديدة يجدون فيها الاستقبال الاخوي: "كل من يعمل إرادة الله هو أخي وأختي وأمي" مر 3: 35"...... إن كلمة يسوع، البارحة واليوم، تلج مفاصل كياننا. تدخل إلى حيث تختار حريتنا الشرّ أو ترفضه، تختار الحبّ أو ترفضه، تختار متطلّبات الروح أو ترفضها. فيسوع يفرض علينا أن نختار. وبهذا يكون ينبوع "انقسام" فينا وبين البشر.
روحه هو نار الحب التي تشتعل في قلوبنا وتدفعنا فجأة إلى تضامنات جديدة، وإلى انفصالات جديدة..... فعلينا مثله ان نرغب رغبة حارة في أن تشعل نارُ حبه، نار روحه، الارض كلها. غير أن يسوع يعرف أن مجيء الروح القدس يكون ثمرة عطية ذاته، ثمرة الامه، ثمرة "عماده".
وإن معموديتنا شاركتنا في "معمودية" يسوع الذي انحدر إلى مياه الموت ليفجّر فيها الحياة. إذن، قد عرفنا أن الحب انتشر، أن النار اشتعلت، من أجل تجديد الارض. وكل هذا سيكون ثمرة موتنا عن نفوسنا، عن أنانياتنا الفردية والجماعية..... منذ مجيء المسيح، لم يعد الخلاص يرتبط بالانتماء إلى هذه الشيعة أو تلك، بل بتقبل شخصي لنداء الله وعطاياه. والديانة المسيحية ليست "تأميناً ضد الأخطار"، بل التصاق الايمان والتزام الانسان الحرّ المسؤول..... أما بولس فيقول لنا إن عماد الصليب هو تغطيس في الموت من أجل القيامة. ثم تأتي معمودية العنصرة: يُعطى الروح ناراً لجميع البشر. إن عماد النار هو عماد يجعل منا أناساً حارين، أناساً يبحثون عن الله. اناساً يهمّهم الصراع من أجل العدالة. أناساً يصل بهم جنون المسيح إلى الاستشهاد.




فالامناء لعماد العنصرة "يخربطون" الناس، يحيرّونهم، يقسمونهم. ولكن هذه الأمانة ليست تعصّباً. فنار العنصرة لا تدمّر كما يفعل البرق في العاصفة. هي تشعل لتثير الحبّ الذي يدفعنا إلى ترك الوالدين دون أن ننسى الاكرام الواجب لهما. إنها تنيرنا لكي نميّز الخير من الشر والحق من الكذب. إنها تحرقنا لكي تشفي جراحاً حصلت فينا بفعل التجرّد والتمزّق امام خيارات قمنا بها. فهل نترك روح يسوع يشعل مثل هذه النار فينا وفي العالم؟
جئتَ تحمل النار على الأرض. ولكن ولو التهمت هذه النار فتورنا، فأنا اريدها أن تشتعل. جئتَ تحمل الحق على الارض. ولو مزّق هذا الحق رغباتنا أريده فاعلاً عاملاً فينا. جئتَ تحمل الغفران على الأرض. فلو كان قاسياً على قلوبنا الضيقة، أريد أن أراه متجلياً. جئتَ تبني ملكوتك على أرضنا. ولو كنت احقر خدامك، فأنا اتمنّى أن أكون بين المدعوين الذين لا يُطردون إلى الظلمة البرانية.


نافع البرواري

راجع الجزء الأول
http://iraqchurch.com/forum/showthread.php?t=44870

المصادر:
الكتاب المقدس
كتاب المحيط الجامع للأب بولس الفغالي
http://others.rabelmagd.com/Mo7et_game3/

يسوع والعالم –دراسات في الكتاب المقدس للأب بولس الفغالي
مواقع في الأنترنت
https://www.youtube.com/watch?v=uB4k_IOglbg


http://www.maarifa.org/index.php?option=com_content&view=article&id=1063:christ-brings-peace-or-


http://newman-in-christ.blogspot.de/2010/06/blog-post_06.html

http://lordjesus.yoo7.com/t81-topic

4
هل يسوع المسيح جاء ليحمل السلام أم السيف * ؟
الجزء الأول
كل الديانات وكل العالم لابل حتى أعداء المسيحيين  يعرفون ان رسالة المسيح هي السلام والمحبة ،  ولايوجد من يعترض على على هذه الحقيقة الا الذين يريدون تشويه  صورة المسيح الملقب برئيس السلام بل مصدر السلام والمحبة . انَّ القرآن ، كتاب المسلمين ، يشهد على أنّ المسيح ممسوح بالسلام  " السلام عليّ يوم وُلدتُ ويوم أموت ويوم أُبعث حياً" . فابن مريم هو رئيس السلام الذي عاش من بداية حياته إلى نهايتها في سلام مع الله . والمسيح في القران هو "قول الحق" مريم 34:19 وكلمة الله "
رسالة المسيح هي رسالة شاملة للمحبة والسلام والغفران والتسامح حتى للذين صلبوه . وايضا رسالة المسيح هي رسالة  تصالح بين الله والبشرية وبين الأنسان واخيه الأنسان والصليب هو علامة هذه العلاقة العمودية والأفقية . انِّ النبواة في العهد القديم تتحدث عن المسيح بانه ملك  السلام ومصدر المحبة  حتى وصفه النبي اشعيا بانه رئيس السلام " يسمّى باسم عجيب ، ويكون مشيرا والها قديرا وأبا ابديا ورئيس السلام " اشعيا 9: 5"
وقال عنه ايضا " وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل خطايانا ، سلاما أعدّه لنا ، وبجراحه شُفينا ...  ظُلم وهو خاضع وما فتح فمه ..وُضِع مع الأشرار قبره ومع الأغنياء لحده ، مع انه لم يمارس العنف ولا كان في فمه غش " اشعيا 53:  5 ،7 ،9"
وفي العهد الجديد  كتب البشير لوقا بان مولد المسيح كان بمثابة البشارة بالسلام للناس على هذه ألأرض
"المجد لله في  العلى ، وفي ألأرض السلام للحائزين رضاه " (لوقا 2: 13)
  واحداث ميلاد ربنا يسوع المسيح تشير الى مجد التواضع حيث جاء الى الأرض ليس وسط زوابع عاصفة أو نار اكلة ، فخالق المسكونة تواضع حتى أخلى نفسه صائرا بشرا مثلنا . يقول كاتب كتاب " يسوع الذي لم أكن أعرفه" :
 " فصيحة "الله أكبر " التي يطلقها المسلمون ، هي حقيقة لا تحتاج الى اي كائن فوق طبيعي لكي يُعلمها للناس، ولكن أن يكون الله صغير ، والى هذا الحد ، فتلك هي الحقيقة التي علّم يسوع الأنسان ، الله الجبار ، الذي يزأر ويأمر الجيوش وألأمبراطوريات ، هذا ألأله ظهر في أورشليم ، في صورة طفل، معتمدا على فتاة مراهقة ، لتأويه ، وتُطعمه ،و ترعاه ... وفي مقارنة متواضعة، بين ملوك هذا العالم  وبين يسوع المسيح ، حدثت زيارة الله للأرض في مذود للبقر في بيت لحم ، دون اي خدم ، ولم يجدوا مكانا لمولد الملك الجديد غير هذا المذود. انَّ هذا الحدث شطر التاريخ لنصفين ، وشهدته الحيوانات قبل ألأنسان ، وقد منحت هذه الهدية للعالم في سكون عظيم .ص 41،41
وفي اثناء حياته على هذه ألأرض  كان يسوع المسيح  يجول ويفعل خيرا وينادي بالسلام  "سلاما اترك لكم ،  وسلامي أعطيكم ،لأ كما يعطيه العالم أُعطيكم أنا " (يوحنا 14:27).
يخبرنا المسيح ان الأبليس يأتي ليسرق منا السلام ، ويذبح ويقتل ويهلك ويدمِّر ، ويهدم . بينما المسيح ، أتى ليعطينا الحياة وملئ الحياة " لايجيء السارق الا ليسرق  ويقتل ويهدم . أمّا أنا فجئت لتكون لهم الحياة ، بل ملءُ الحياة "(يوحنا 10: 9).  ولم يكتفي الرب يسوع المسيح في ان يمنح للمؤمنين به الحياة الأفضل بل ضحّى بحياته مصلوبا على الصليب  من اجل خلاص كل من يؤمن به "هكذا أحب الله العالم حتى وهب ابنه الأوحد ، فلا يهلك كلِّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية " يوحنا 3:16". والموعضة على الجبل خير دليل على محبة المسيح ووصاياه للمؤمنين به ان يحبوا حتى اعدائهم ويباركوا لاعنيهم وحتى المستهزئين بهم ، و يدعو تلاميذه  بان يكونوا متسامحين  ويغفروا حتى  لأعدائهم "أحبوا أعدائكم ، وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم " متى 5: 43).  وقال ايضا: "هنيئا لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (مت 5: 9). وأوصى رسله قائلاً: "وأيّ بيت دخلتموه فقولوا أوّلاً: السّلام لهذا البيت" (لو 10: 5). ويقول الكتاب أيضاً: "وصانعوا السّلام يزرعون بالسّلام أثمار البرّ" (يع 3: 18). وقيل عن ثمار الروح: "محبّة وفرح وسلام" غل 5: 22). 

عندما يسقِّط الآخرون أعمالهم الشريرة على يسوع المسيح


بعد كل هذه الآيات ، وغيرها كثيرة ، التي تشهد على ان الرب يسوع المسيح هو مصدر السلام والمحبة ياتي اليوم من يبرّرون أعمال القتل والذبح وانتهاك كرامة الأنسان التي تقوم به فئة من الناس الذين خضعوا لسلطان ألأبليس  "الذي كان منذ البدء قتالا للناس وابو الكذاب " (يوحنا 8: 44) فيهاجمون المسيحية ، حيث كثيراً ما يصرّحون بأن المسيحية تناقض نفسها بنفسها حين تدّعي أنها تنبذ العنف ، فيما هناك آيات كثيرة ، في الأنجيل ، فيها يدعو المسيح بحمل السيف والعنف ،( بحسب تفسيرهم  الخاطئ )، ويدّعون أن المسيح بذاته حثّ تلاميذه على حمل السلاح والنزول إلى ميادين الجهاد. فهم يستشهدون مثلاً بقول المسيح لتلاميذه: "...ومن لاسيف عنده ، فليبع ثوبه ويشتري سيفا (لوقا 22: 36)."
ويقولون ايضا ان  المسيح جاء لاليلقي السلام على الأرض بل سيفا!!!!، ويستشهدون بالآيات" لا تظنّوا أني جئتُ لألقي على الأرض سلاماً. لم آت لألقي سلاماً لكن سيفاً ... أتيتُ لأفرّق الإنسان عن أبيه والابنة عن أمّها والكنّة عن حماتها. وأعداء الإنسان أهل بيته" (مت 10: 34، 35).
أليس في هذه الأقوال تناقض؟
للأجابة على هذه الشبهات الباطلة علينا ان نعتمد على سياقات ألآيات في الكتاب المقدس وعلى رمز السيف ورموز اخرى التي كانت متداولة في الكتاب المقدس ،العهد القديم وفي  ثقافة اليهود وتراثهم . وليس هذا فقط بل علينا ان نعتمد على تفاسير وشروحات علماء المختصين في  الكتاب المقدس ، حتى لانقع في التفسير الحرفي الظاهري لهذه ألآيات .  فحينما نقرا آية من الكتاب المقدس ، لايمكن أن نجزئها او نفصلها عن روح الكتاب المقدس كله ، ولهذا قد لانفهم ألآية مستقلة عنه . فرسالة المسيح ، في العهد الجديد ، هي رسالة
حب وسلام : مع الله ، وسلام مع الناس : أحباء واعداء ، وسلام يشعر به الأنسان المؤمن في عمق كيانه ووجدانه . وعلينا ان نرد ، بقوة الروح القدس ، على كل الذين يشوّهون صورة المسيح الحقيقي و يطعنون ويحرفون في حقيقة رسالة المسيح القائمة على أساس المحبة والسلام والفداء .
معنى السيف كما وردت في الآيات التي ذكرناها أعلاه :
في كتابه المحيط الجامع للأب بولس الفغالي نقرأ عن معنى السيف التي وردت في ألآيات التي قالها الرب يسوع المسيح  :
"رفض يسوع اللجوء إلى السلاح( السيف)، ولكنه جعل من السلاح علامة(رمز) الكفاح الروحيّ (لو 22 :36-38). على الرسل أن يواجهوا عداوة البشر (مت 10 :34). وشدّد بولس بالنسبة إلى المسيحي، على ضرورة الحرب ضدّ قوى الشرّ (أف 6 :12) بمساعدة كلمة الله. والقدرة القاطعة لهذه الكلمة التي تكشف الانسان وتناديه، تبدو في صورة سيف (إش 49 :2؛ لو 2 :35؛ أف 6 :17؛ عب 4 :12؛ رؤ 1 :16؛ 2 :12، 16؛ 19 :15،21
 ونستخلص من ما جاء أعلاه ان المسيحي لايحارب بالسيف ليقتل اخوه الأنسان بل يحارب بقوة الكلمة  التي هي امضى من كل سيف كما يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين
: "كلمة الله حيةٌ وفاعلة ، أمضى من كلِّ سيفٍ ذو حدّان ، تنفذُ في ألأعماق الى ما بين النفس والروح والمفاصل ومُخاخ العظام "عبرانيين" 4:12"
أولا-  تفسير الآية:
"...ومن لاسيف عنده ، فليبع ثوبه ويشتري سيفا (لوقا 22: 36)."
إن الرب يسوع المسيح لم يقصد مطلقاً "السيف" بمعناه المادّي الحرفي، بل قصده بمعناه الرّمزي، أي الجهاد الروحي، بدليل أنه بعد قوله هذا بساعات، عند القبض عليه، استلّ بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. حينئذٍ قال له المسيح: "اجعل سيفك في غمده لأن كلَّ مَن يأخذُ بالسيف، بالسيف يهلك"مت 26: 51-52. فلو كان الرب يسوع المسيح  يدعوهم إلى استخدام السيف ما كان منع بطرس عن استخدامه في مناسبة كهذه.
كان المسيح يكلّم تلاميذه في اللحظات الأخيرة قبيل تسليمه ليُصلب، فبدأ كلامه هكذا: "لمّا أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا حذاء هل أعوزكم شيء؟ قالوا لا. فقال لهم أمّا الآن فمن له كيس فليأخذه، وكذلك من له مزود، ومن ليس له فليبِع ثوبه ويشترِ سيفاً. "فإني أقول لكم إنه ينبغي أن يتمّ فيَّ أيضاً هذا المكتوب أن قد أحصي مع الأثمة" (لو 22: 35-37). وكأن المسيح يريد أن يقول لهم: حينما كنت معكم، كنتُ أنا أحفظكم بنفسي، كنتُ أنا السيف الذي يحميكم. أمّا الآن فأنا ماض لأُسلَّم إلى أيدي الخطأة وتتمّ فيَّ عبارة "وأُحصِيَ مع أثمة"، وما دمت سأفارقكم، اهتمّوا بأنفسكم وليجاهد كلٌّ منكم جهاد الروح، ويشترِ سيفاً (أي سيف الروح). فكما يقول بولس الرسول  " فنحن لانحارب أعداءٌ من لحم ودم ، بل اصحاب الرئاسة والسلطان والسيادة على هذا العالم ، عالم الظلام والأرواح الشريرة في الأجواء السماوية " (افسس6: 12). وقد تحدث بولس الرسول في رسالته إلى أفسس عن سيف الروح وعن سلاح الله الكامل، ودرع البرّ، وترس الإيمان (اف 6: 11-17). وهذا ما قصده السيد المسيح:"لتقدروا أن تقاوموا مكائد ابليس"افسس6: 10" في تلك الحروب الروحية.
ولكن التلاميذ لم يفهموا المعنى الرّمزي، للسيف وقتذاك، فقالوا: "يارب ُّ! معنا سيفان " . فاجابهم : يكفي(لوقا 22: 37")، أي يكفي مناقشة في هذا الموضوع، فالوقت ضيّق حالياً. فالسيد المسيح لم يقصد السيفين بعبارة " يكفي"، وإلاّ لكان قد قال: هذان يكفيان.
إن من خصائص اللغة العربية كما لليونانية وبعض اللغات ال قديمة أن بها “المثنى”. وعند ترجمة كلمة “سيفان” في الإنجيل إلى العربية من اللغات الأصلية ترجمت كما كانت في اللغات الأصلية بالمثنى. وأقصد هنا الآية الثانية (فقالوا: "يارب ُّ! معنا سيفان ") (لو 22: 36) ولكن عندما أجابهم يسوع رد بصيغة المفرد، صيغة مختلفة ليس بها المثنى.
لماذا أستخدم الرب يسوع كلمة “يكفي” بدل “يكفيان” ؟؟ بالتأكيد لابد أنه كان يقصد شيئا أخر غير هاذين السيفين وإلا فإن قوله كان سيترجم بـ “يكفيان"”.!
بالطبع لم يقصد الرب يسوع أن يقول أن السيفين يكفيان، لأنه مقارنة بكتيبة من حراس الهيكل المدربين ماذا سيفعل سيفان بين أيادي صيادين غير مدربين على فنون القتال؟.
أيضا لم يقصد الرب يسوع بقوله بأن سيفا واحدا منهما يكفي، أيضا لأنه ماذا سيفعل هذا السيف بيد أحد التلاميذ أمام نفس الكتيبة أو أقل منها؟؟.
السيف واحد لنا جميعا. أنه المسيح، كلمة الله، السيف الذي يفصلنا عن خطايانا، الذي به نفصل عن شركة الظلمة والذي به نجاهر بالحق كمن يحمل سيفا.
"

أنه السيف الذي به نتسلح وهو ذاته الذي وضع على أصل الشجرة.
عندما ارسل يسوع المسيح تلاميذه ليبشروا بملكوت الله لم يسألهم شيئًا سوى التخلي عن كل شيء حتى الضروريات ليكون هو سرّ شبعهم والمدبّر لحياتهم الخاصة وعملهم الكرازي، أما الآن وقد حان وقت الصليب، وجّه أنظارهم للجهاد، لا ليحملوا سيفًا ويحاربوا به كما ظن التلاميذ، وإنما ليحملوا سيف الإيمان الحيّ العامل بالمحبة..
شبه القديس يوحنا الذهبي الفم تصرفِ المسيح هذا أشبه بمدرب السباحة الذي يضع يديه تحت جسم من يدربهم وهم في المياه فيشعروا براحة وثقة، ثم يسحب يديه قليلاً قليلاً فيجاهدوا ويتعلموا. هكذا في البداية لم يحثهم السيد على الجهاد الروحي، إنما أرسلهم للكرازة محمولين على يديه لا يحتاجون إلى شيء، والآن يسألهم الجهاد الروحي بسيف الروح الحق، ليواجهوا الضيقات ويحتملوا الصلب معه بفرح ولا يتعثروا.
ويرى القديس أمبروسيوس أن السيف الذي طلب السيد من تلاميذه أن يقتنوه هو "كلمة الله" التي تُحسب كسيفٍ ذي حدين.
"ومن لاسيف عنده ، فليبع ثوبه ويشتري سيفا " لوقا 22: 36"
ان الرب يسوع المسيح يقارن بين مرحلتين مر بهما تلاميذه ، الأولي حينما كان معهم قبل الصلب حينما عاشوا بقوة الايمان،  فلم يعوزهم شيء.   والمرحلة الثانية،  وقد حانت،  بعد حديث المسيح هذا بلحظات ، حينما قبض عليه اليهود ليصلب ، فارتد التلاميذ عن الاعتماد علي ايمانهم والتجئوا الي الاعتماد علي القوة الزمنية.
فنجد بطرس يلجأ الي السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه فقال له يسوع "رد سيفك الي مكانه.  فمن يأخذ بالسيف ، بالسيف يهلك“متي 26: 51" . بل وشفي الاذن المقطوعة.
 فواضح اذاً انها نبوءة عن ضعف سيحل بالتلاميذ بسبب فراقهم لسيدهم المسيح وبالتالي تخليهم عن الأيمان كمعتمد لهم.  وليس دعوة لهم لاستخدام السيف٬ والا ما كان ليعارض السيد المسيح  استخدام بطرس للسيف عندما فعل ، بل ويقرر ان مصير من استخدم القتل والارهاب " يأخذون السيف بالسيف" هو الهلاك . لذلك ينبغي دوماً أن نميّز بين ما يقوله الرب يسوع المسيح ، بالمعنى الحرفي وما يقوله بالمعنى الرّمزي.
ان قول الرب يسوع المسيح للتلاميذ " يكفي " كان دلالة علي تحقيق نبوءته بارتدادهم الي منطق استخدام السيف والقوة الزمنية عوض الايمان والحب والسلام الذي يتمتع به المؤمن بالسيد المسيح ، وليس مباركة منه لأن  سيفان لايكفيان لشيء الا اثبات ارتدادهم عن تعليم سيدهم. وبهذا الارتداد للتلاميذ في فترة صلب المسيح وقبل قيامته واعتمادهم على القوة الزمنية ومن بينها السيف للقتل ، تمت نبوءة اشعياء النبي عن المسيح من مئات السنين "واحصي مع أثمة ". ويدخل في عداد الأثمة كل من استخدم العنف والارهاب و السيف٬ مثل التلاميذ في فترة ارتدادهم هذا،  أو اللصين اللذين ُصلب بينهما الرب يسوع المسيح بعد هذا الحديث بوقت قصير.
ان قول السيد المسيح " فليبع ثوبه ويشتر سيفا " ، نعود ونكرر، ليس دعوة ولكن رؤية مستقبلية وتقرير حال لوضع المؤمن حينما يرتد الي الاعتماد علي السيف والعنف عوض الايمان والحب.  فٳما السيف ومعه العري وٳما الأيمان ومعه الاكتساء.  وفي هذا رجوع بذهنية القارئ ليذكره بتراث الله مع الانسان منذ خلقته حينما أخطأ آدم الي الله فأحس للحال بعريه وصنع لنفسه ثياب من ورق الشجر ليغطي خزي عريه، كما يحكي لنا سفر التكوين.  ان تعبير العري وعكسه الاكتساء بالثياب مستمر في تراث الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ليشير دائما الي الاكتساء بنعمة الله أو تخلي النعمة عن الانسان عندما يخطئ.  ومثاله هنا الاعتماد علي السيف والعنف كما سبق وشرحنا. ان هذا المفهوم الكتابي امتد الي حياة الناس عامة فنجد الملوك والقضاة والمحامين وغيرهم يرتدون حلة خاصة ليشيروا الي تحليهم بالمبادئ الفاضلة والتي تعود أصولها الي الخالق.
..
نافع البرواري
يتبع الجزء الثاني
المصادر
الكتاب المقدس
كتاب(شبهات وهمية ) الدكتور القس منيس عبدالنور
كتاب "يسوع الذي لم اكن اعرفه" فيليب يانسي
كتاب المحيط الجامع – بولس الفغالي

المصادر الأخرى من المواقع ادناه
http://www.lolquiz.net/articles/display/11323
       

http://www.suryoyoreformer.org/Articles/Arabic/buy_a_sword.htm
http://www.maarifa.org/index.php?option=com_content&view=article&id=1063:christ-brings-peace-or-sword&catid=36:faqs&Itemid=109

http://www.coptology.com/blog/?p=60

http://newman-in-christ.blogspot.de/2009/06/blog-post.html

راجع المحيط الجامع للأب بولس الفغالي  عن  ما تعنيه كلمة السيف
سيف، (الـ)*
اللفظة العبرية "ح ر ب" تدلّ بعض المرات على سلاح صغير كالخنجر و السكين المستعمل في الذبائح والختان (يش 5 :2-3) ونحت الحجارة (خر 20 :25). ولكنها تدلّ في أغلب المرات على السيف الذي كان من البرونز قبل أن يصبح من الحديد. عُرف السيف منذ زمن الآباء (تك 48 :22)، ولكنه لم يُستعمل في اسرائيل قبل الحقبة الملكية، لأن الفلسطيين احتكروا صناعة الحديد حتى ذلك الوقت (1صم 13 :19-22). مع داود، صار السيف جزءًا من سلاح جميع المحاربين (2صم 20 :8؛ يه 9 :2) الذين يجعلونه في حزامهم (1صم 17 :39؛ 25 :13؛ نح 4 :12؛ مز 45 :4) من الجهة اليمنى (نش 3 :8) في غمد من جلد (2صم 20 :8؛ إر 47 :6؛ يو 18 :11). كانت بعض السيوف بحدّين، فكانت فاعلة جدًا في الحرب (قض 3 :16؛ مز 149 :6؛ أم 5 :4). في القرن الأول ب.م.، تسلّح عدد من الناس بالسيف بسبب غياب الأمان. وخلال آلام يسوع، كان مع الذين جاؤوا يوقفون يسوع (مت 26 :47، 51-52) سيوف، والرسل أيضاً (لو 22 :38، 49-52؛ يو 18 :10-11). عند الرومان كان السيف رمز السلطة، وكان للامبراطور حقّ الموت والحياة على عبيده (رو 13 :4؛ أع 16 :27). وعرف العدل الروماني الحكم بالموت بالسيف (أع 12 :2) من أجل المواطنين الرومان (مثل بولس). في المعنى الرمزي، يُقابل السيف مرارًا بوحش يلتهم فريسته (خر 17 :13؛ عد 21 :24؛ إر 12 :12). كما يدلّ على العداوة (تك 3 :24) والحرب، ولا سيّمـا عند الانبياء (إر 5 :12؛ 50 :35-38؛ حز 7 :15؛ 1مك 8 :23؛ مت 10 :34)، والعقاب الالهيّ (إش 34 :5-6؛ حك 18 :15). ويمثل السيفُ الاضطهاد (مز 22 :21؛ 37 :14) أو الشقاء (إش 27 :1؛ إر 12 :12؛ حز 21 :9، 14-22). رفض يسوع اللجوء إلى السلاح، ولكنه جعل من السلاح علامة الكفاح الروحيّ (لو 22 :36-38). على الرسل أن يواجهوا عداوة البشر (مت 10 :34). وشدّد بولس بالنسبة إلى المسيحي، على ضرورة الحرب ضدّ قوى الشرّ (أف 6 :12) بمساعدة كلمة الله. والقدرة القاطعة لهذه الكلمة التي تكشف الانسان وتناديه، تبدو في صورة سيف (إش 49 :2؛ لو 2 :35؛ أف 6 :17؛ عب 4 :12؛ رؤ 1 :16؛ 2 :12، 16؛ 19 :15، 21).

5



كلُّنا (نون) كُلُّنا  مسيحيّو(ن )
نافع البرواري
اطلقت ألأعلامية  العراقية المسلمة " داليا العقيدي" (*) وعبر قناة "ال بي سي" شعارا نرجو ان  يصبح يوما ما شعارا عالميا تضامنا مع مسيحيي الموصل لابل تضامنا لكل بريء يُقتل او يهجَّر او تُنتهك كرامته، في هذا العالم الذي تفشى فيه الأرهاب كالسرطان وصارت الحياة البشرية لاقيمة لها عند الكثيرين، حيث نعيش في زمن فقد الكثيرون انسانيتهم واصبحوا اخطر من الوحوش الكاسرة ، وهي ظاهرة قلما تتكرر عبر  التاريخ ، حيث ترتكب  جرائم بشعة مقززة لايمكن ان نصفها الا بالهمجية والشيطانية   .
سؤلت داليا ، في مقابلة خاصة على قناة "سي بي ال" ،
السؤال ألآتي :
"اردت ِان تتضامني مع مسيحيي ابناء بلدك "العراق" وانت العراقية السنية بان تضعي الصليب على عنقك . لماذا اخترت هذه المبادرة ؟
كان جوابها صرخة ونداء لكل انسان  ولكل من لازال يحتفظ في قلبه قليل من الرحمة أوضمير حي . وهو نداء للعالم أجمع ،عسى ولعلّ يصحو  ضمير الساسة وحكام وسلاطين الدول التي تتحكم في مصير البشرية  وهم يرون  شعب يَحملُ في ذاكرته ،لابل في جيناته ، ارث حضاري لوادي الرافدين . تلك الحضارة التي قدمت للأنسانية من العلم والفن والهندسة واللغة والأصالة والملاحم وحتى ألأنبياء ، وكان شعب وادي الرافدين من اقدم الشعوب التي ساهمت في الحضارة الأنسانية والاثار والمخطوطات في متاحف العالم خير شاهد على ما نقوله . ولكن للأسف اليوم هناك من يريدون مسح وازالة ذاكرة هذا الشعب العظيم والعريق والأصيل وتهجير وتشريد هذا الشعب في ابشع عملية اجرامية سيسجلها التاريخ بحق هذه الدول وخاصة تلك الدول التي تدعي بالحضارة وهي لا تعرف اصلا معنى الحضارة عندما تفقد الحضارة انسانية ألأنسان وكرامته فهي حضارة مشوهة وناقصة . 
لنقتبس ما قالته داليا العقيدي بهذا في مبادرتها هذه  عندما تقول:
"في البداية هي ليست مبادرة دينية هي انتفاضة لمن يحاول ان يطمس الحضارة . هي مبادرة حضارية مدنية ثقافية  . مع الأسف هناك من يريد ان يصبغ العراق بصبغة واحدة ولون واحد وانا كعراقية بغض النظر عن خلفيتي الدينية او الطائفية ارفض أن اكون بلون واحد .
الصليب منع في الموصل  ، المسيحي نفسه منع في الموصل ، فلا شيء
اكثر من أن تضع الصليب لتقول لكل العراقيين "نحن كُلُّنا مسيحييون " حتى عودة كل مسيحي الى الموصل بالذات وسلامة كل مسيحي في العراق"
وعن سؤال اخرعن مدى خوفها من اقربائها واهلها المسلمين قالت:
"اذا انا سكتُّ وغيري سكت والساكت عن الحق شيطان اخرس . فحتى لو كان هناك  خطر فالقضية تستحق أن تواجه الخطر" .
بعد خطوة المذيعة العراقية داليا العقيدي التي قررت وضع الصليب على عنقها في اطار اطلاقها حملة «كلنا مسيحيون»، فقد ظهرت الصحفية و المذيعة"ديما صادق"(**) على شاشة المؤسسة اللبنانية للارسال(ال بي سي) وهي ترتدي قميصاً اسود يتوسطه حرف «ن » . في دلالة إلى كلمة النصارى التي دوّنها تنظيم «داعش» على ممتلكات المسيحيين في الموصل وبدأت نشرتها الإخبارية بجملة "من الموصل إلى بيروت كلنا نون :
"من الموصل الى بيروت كلنا نون.
كلنا معرضون ذات يوم لأن يشار الينا بالأصابع او السكاكين لأننا مختلفون . مختلفون بالدين أو الجنس او بلون البشرة .
كلنا نون. كلنا معرضون للقتل في عالم الجنون " .
جنون ألأصوليات والدكتاتوريات والحقد الأسرائيلي
هنا فقط  أطفال يُقتلون على رمال الشاطئ أو فوق أراجيح العيد
هنا فقط تُقفل الكنائس تُقصف المآذن وتهدم مراقد ألأنبياء .
كلنا "نون" منكوبون بجدران ألأحتلال في فلسطين وجدران الطائفية في سائر المشرق ، ولن نتحمل التحوّل الى جدران  تُكتب عليها أحرف الموت أو التهجير .
واضافت تقول
 " لذلك وتضامنا مع أنفسنا ومع العراق بمسلميه ومسيحييه سيتحول شعار المؤسسة اللبنانية للأرسال "ال بي سي" الى "ال بي سي نون " بالتزامن مع اطلاق هاهشتاك على تويتر للتواصل الأجتمعاعي .
واضافت "لعل هذه المبادرة أو "ال بي نون" تتحول الى سلسلة من الحملات التضامنية شعارها "كلنا مسيحيّو(ن )". انتهى الأقتباس
تعليقا على هذه المبادرات الجريئة والشجاعة نقول :
كم نحن بحاجة ،في هذا الزمن المظلم الى شعاء نور والى اصوات اناس يجازفون بحياتهم من أجل ارساء الحق ، وكم نحن نفتقر الى امثال داليا العقيدي وديما صادق وغيرهما ليجهروا بقول الحق مهما كان الثمن .
هذه ألأصوات الجريئة تذكرنا بقول المسيح "اذا سكت هؤلاء(التلاميذ) ، فالحجارة تهتف"(لوقا 19 : 40)
 واذ نحن المسيحيين نعيش في زمن ألأضطهاد في العراق والشرق الأوسط وعانينا ونعاني بسبب ايماننا بالمسيح ، ونتعرض لهذا الكم من الحقد والكراهية والتهجير والقتل  ، وابشع انواع الأهانات بكرامتنا الأنسانية على مسمع ومرمى العالم (الذي يدعي بالتحضُّر)، حالنا حال الكثيرين من اخوتنا المسلمين الأبرياء ، نظم صوتنا الى صوت داليا العقيدي وديما صادق والكثيرين من المسلمين الذين يستنكرون تلك الجرائم الشنيعة والأرهاب النفسي والجسدي ضد ألأبرياء من اي خلفية  اوعقيدة كانت. فليكن ندائنا صرخة مدوية لأيقاض  ضمائر المتاجرون بحياة الأنسان سواء كانت دول ام افراد اوجماعات ، ليوقفوا نزيف الدم في هذا الشرق العريق في حضارته وانسانيته . كفانا دموعا ودماء ، وليتحد الخيرين في كل انحاء العالم لأيقاف هذه الجرائم البشعة بحق الطفولة والشباب والنساء والشيوخ . وليكن شعار داليا العقيدي : "من الموصل الى بيروت كُلُّنا نون "  شعارا لجميع شعوب الشرق الأوسط بمسيحييه ومسلميه لا بل ليكن شعارا عالميا لوقف جميع الحروب والماسي في هذا العالم الذي أصبح فيه ألأنسان ضحية لجشع اخيه ألأنسان واصبح الحقد والكراهية وحب الأنتقام سرطانا ينخر في بعض  المجتمعات البشرية .
وعلى كل مسيحي ان يعرِّف نفسه ويشهد للآخرين بما اوصاه المسيح لكي يشهد للحقيقة ويفتخر بنفسه أنّه صانع الحياة والمحبة والسلام لأنَّه يتبع قائده وفاديه ومخلصه يسوع المسيح  :
فنحن من كُتب على جدران بيوتنا حرف ال(ن)
 ونحن من يحمل أسم المسيحييو"ن"
كلنا نون (ن)، كلنا معرضون للقتل في عالم سيطر عليه الجنون و تحكمه دول بلا قانون .
نحن مختلفون ، مسالمون ،
وديعون ، متواضعون
 مضحّون ، صادقون
 مؤمنون بان المحبة تنتصر على الموت وعلى الأشرار الظلاميّون .
نحن انصار المسيح  المنتصرون .
نزرع وغيرنا يحصد .
نعطي وغيرنا ياخذ .
نحن نور لا نار.
نحن نبني ولانهدم  .
نحن نسامح ولاننتقم 
نحن نرسم ما هو أجمل ونخطط لما هو أرقى
نحن نحاور بسيف الكلمة ولا نقاتل  بسيف الموت
نحن صُناع  الحياة والسلام ولسنا صنّاع الحروب و الموت
فنحن نعشق الحياة ونؤمن بانّ الأنسان صورة الله في الأرض فكيف نشوّه هذه الصورة .
نحن فقراء ولكن نغني الكثيرون.
نحن حزانا ولكن نعزي الآخرين.
نحن حملان وديعة  ولسنا ذئاب تفترس  ألآمنين   .
نحن المُضطهدين  من أجل الحق ومع ذلك لاننتقم من الظالمين.
نحن بلسم المجروحين  ونصلي وندعو الى الخير للآخرين .
نحن  ابناء النور بل ابناء النهار فما نحن من الليل ولا من ابناء الظلام .
نحن انصار المسيح الذي فتح أعين العميان  ونوَّر  قلوب المجرمين .
وحرر المستعبدين  والمظلومين وسامح حتى القاتلين .
وعلمنا المسيح ان نحب اعدائنا ولا ننتقم ممن يسيئون الينا وان نصالح خصومنا .
الحياة عندنا ، نحن المسيحيّون  سواء عشنا او متنا ، هي المسيح وللمسيح وفي المسيح .
--------------------------------------------------------------------
راجع الموقع التالي(*)
عن المقابلة مع داليا العقيدي
http://www.lbcgroup.tv/news/168771/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%80lbci-%D8%A7%D9%86%D8%A7-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%BA%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%86
راجع الفيديو التالي(**)  عن المقابلة مع ديما صادق
http://www.aleteia.org/ar/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AA/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%AA-%D9%83%D9%84%D9%86%D8%A7-%D9%86%D9%88%D9%86-5862950719979520

6
الخلق والتطور ....بين العلم وألأيمان
الجزء الحادي عشر
شهادات لكبار علماء ملحدين سابقين على وجود خالق  للكون
نافع البرواري
في المقالات السابقة  ، تكلمنا باختصار عن انَّ العلماء ، منذ منتصف القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، بدأوا ، الكثيرون منهم ، يعيدون النظر في الحادهم ، أي عدم ايمانهم بوجود خالق للكون ، بسبب  الأكتشافات الحديثة ، وخاصة بعد اكتشاف نظرية ألأنفجار الكوني ، واعتراف العلماء ان الكون لم يكن ازليا ، كما كان شائعا في السابق ، بل له بداية ، وكذلك اخفاق العلماء عمليا وتجريبيا في تفسير سر الحياة والتعقيدات الهائلة في الشفرات الوراثية للخلية الحية وكذلك عدم وجود ادلة اثرية في علم الأحاثة عن كيفية تطور الحياة وتعقيداتها عبر ملايين السنين وخاصة قبل العصر الكمبري  بالأضافة الى اسئلة كثيرة لم يستطع العلم ألأجابة عليها ، فمثلا نظرية التطور لازالت نظرية لم يتمكن العلماء من التحقق  فيما قاله تشارلس داروين في القرن الثامن عشر في كتابه "النشوء والأرتقاء"
وكما اوضح افكاره في رسم شجرة الحياة . فلا زالت هذه النظرية غير متماسكة علميا بل لازال فيها الكثير من الحلقات المفقودة ، فيما لايمكن نكران ان التطور هو موجود في التصميم الألهي لهذا الكون وان كل شيء في هذا الكون مصمم بنظام دقيق يخضع لقوانين ونواميس وضعها خالق ومهندس ومصمم هذا الكون .  عكس ما يؤمن به الكثيرون من الملحدون بقولهم " ان التطور هو نتاج الصدفة والعشوائية " .
وسنستشهد ببعض العلماء من اختصاصات مختلفة سواء في علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ     الذين كانوا ملحدين في السابق ولكن وبعد تعمقهم و بحثهم في اختصاصاتهم العلمية قادهم الدليل الى حقيقة وجود خالق ومصمم لهذا الكون العجيب . علما بان المصدر الرئيسي لهذه الأقتباسات هو كتاب "القضية ...الخالق" للكاتب  لي ستروبل.
1- العالم ستيفن مير
صار ستيفن مير مسيحيا من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة لكنه لم يكتشف حقا قضية ما اذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لأيمانه .... رغم خلفيته العلمية لم يكن ببساطة واعيا للأكتشافات العلمية التي كانت تؤيد ألأيمان بالله . وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث . لم يكن يعرف هذا في ذلك الوقت ، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالا...في الخمسة عشر سنة ألأخيرة ، اصبح مير واحد من اكثر ألأصوات معرفة وتأثيرا في ازدهار حركة التصميم الذكية ، وساهم في كتابة عدة كتب، منها :
"الداروينية ، التصميم والتعليم العام "
"مجرَّد الخلق :العلم، الأيمان والتصميم الذكي "
"علامات الذكاء :التصميم الذكي المتفاهم "
"العلم والمسيحية :اربع وجهات نظر "
وكتب اخرى كثيرة لامجال لذكرها،وينهي حاليا كتب عن ال (دي ان اي )، وانفجار العصر الكمبري .
سؤل هذا العالم ، ردا لما يقوله بعض العلماء الملحدين بان العلم والأيمان متعارضان  وان العلم وحده عقلاني  والعلم وحده يحقق الحق . وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي.
فاجاب  : "كلا ، لأ أُوافق . أنَّ القول بأنَّ العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية ، لأنَّ هذه العبارة في حد ذاتها لايمكن أختبارها بالطريقة العلمية . إنَّها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع ..واضاف قائلا :
" لاجدال أنَّ العلم يعلمنا اشياء مهمة كثيرة عن  العالم الطبيعي . لكن السؤال الحقيقي هو : هل هذه ألأشياء تشير الى أي آخر أبعد منها ؟" أعتقد أنَّ ألأجابة : نعم .فالعلم يعلمنا اشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه ألأشياء الحقيقية تشير الى الله ....العلم والأيمان لايتصارعان . فعندما نفسر ألأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيرا صحيحا ، فانهما يؤيدان بعضهما البعض ، واقول لأي شخص يشك في هذا ألأمر ، تحقق بنفسك من الدليل ...مثلا ، ان كان صحيحا أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين ألآن – فهذا يتضمن علة تفوق الكون . وان كانت قوانين الطبيعة معادلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعارضون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها . وان كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيلوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي . وللأبقاء على سير الحياة في المقام ألأول يتطلب معلومات بيولوجية  ، والتضمينات تشير الى ما وراء المملكة المادية الى علة ذكية قبل ذلك .
وعن سؤال هل العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بامور مختلفة ام هناك نوع من ألأرضية المتداخلة ؟ يقول ستيفن مير : "انَّ محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر ، الذين كانوا يكتبون اساسا من إطار حركة التنوير ، كانت انهم حين تداخلوا اختلفوا ، ومن المجالين ، كان العلم أكثر ضمانا من الدين . لقد آمنوا أنَّ الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية ...اما انا (يقول ستيفن مير)  حكمي مختلف تماما . فأنا أومن أنَّ شهادة العلم تؤيد ألأيمان . لأنَّ العلم يشير الى الله  في  ستة  امثلة  : 1- علم الكونيات (نظرية ألأنفجار الكبير ).... فالحقيقة انَّ معظم العلماء يؤمنون الآن بأنَّ الطاقة ، والمادة ، والفضاء ، والزمن كان له بداية حقيقة غير مادية اساسا .
2-الضبط المتعلق بعلم ألأنسان .وهذا يعني القوانين والمعايير ألأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك . وهذا معناه  أنَّه لايوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه .ومع ذلك ، فكل هذه القوانين وألأنظمة تتعاون معا بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة. 3- المثل الثالث للعلم يشير الى أنَّ الله هو أصل الحياة ، واصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة الى الوجود . فالحياة في اصلها تتطلب معلومات ، وهي مخزونة في الحامض النووي
... وجزيئات البروتين " DNA
. قال ريتشارد داوكنز من جامعة اكسفورد( وبالمناسبة هو عالم ملحد ) "ان الشفرة الالية للجينات شبيهة بشفرة الكومبيوتر بصورة غريبة ".
4- المثال الرابع : "دليل التصميم في الماكينات الجزيئية التي تتحدى تفسير داروين لفكرة ألأختيار الطبيعي .إنَّ هذه ألأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم ألأحياء الدقيقة مايكل بيهي "معقدة بصورة يصعب انقاضها " – تشمل دوائر محولات الطاقة ، ومولدات الطاقة المعقدة ، وكل أنواع الدوائر الكهربائية الحيوية ".5-والمثل الآخر سيكون أنفجار العصر الكمبري ، وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة ....لدينا 20-35  رسم لأجساد غريبة تماما من العصر الكمبري وهذه قفزة ضخمة في التعقيد . فهي فجائية ن وليست لينا مراحل انتقالية متوسطة ".
6- المثال السادس هو : " الوعي ألأنساني " والذي يؤيد بالتاكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية . تُعّلم المسيحية واليهودية بكل وضوح أننا  أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا "كومبيوتر مصنوع من اللحم" كما قال مارفن منسكي ، لكننا مخلوقين على صورة الله "(1).
2- العالم جوناثان ويلز.
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الداروينية عندما كان جوناثان ويلز طالبا في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات ، لكنه عندما بدا في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون ، وجد ان كل شيء يُنظر اليه من خلال نظرية التطور . ومع انه تربى في الكنيسة المشيخية الا إنَّه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحدا . يقول: "لم اعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذلك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق "
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء مع دراسة فرعية في ألأحياء. اما في جامعة بيل ، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية ، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون . ونشر كتابه " نقد تشارلز هوج للدارونية "
عام 1994 حصل ويلز على درجة دكتوراه في ألأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي ، حيث ركز اساسا على علم اجنة الفقاريات والتطور .
له كتب عديد ومقالات مثيرة  .... وكمعارض عنيد ، لا يتجنب ويلز المعارضة . فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطا مناهضا للحرب في بيركلي ، وانتهى به ألأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب الى فيتنام كجندي احتياطي . وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau
. واكتسب ثقة جديدة في أنَّ الله هو الذي وراءها .  كتب " ايقونات التطور " الذي نشر في عام 2000  عن شجرة داروين في التطور وتجربة ميلر ، واجنة هايكل ، وحلقة الجناح القديم المفقود  . 
يقول هذا العالم ردا على سؤال:
"هل توجد نظرية يمكنها أن تفسِّر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد ؟ فيجيب "انَّ كلمة "نظرية" مراوغة جدا . فأنا استطيع ان اخترع قصة ، لكنها لن تكون مدَّعمة في كل خطوة حاسمة باي دليل عملي يمكن الأستناد عليه وانا رجل تجريبي في ألأساس ، واود ان ارى نوعا من الدليل ، لكنه غير موجود "..اعلن ويلز : باختصار ، ألأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى (اشارة الى نظرية داروين ونظريات نشوء الحياة )  "........في خلال عشرين او ثلاثين سنة من ألآن –سينظر الناس الى نظرية داروين في دهشة قائلين : كيف كان يمكن لأي انسان ان يؤمن بها ؟" الداروينية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم ، والناس يعرفونها على حقيقتها .




ولهذا فان  المطلق الحاسم ، يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة ....وحتى اولئك الذين ينظرون بارتياب نحو ألأيمان الديني اضطروا لأستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بدّ وان يكون هناك المزيد لقصة الخلق اكثر من مجرد عمليات مادية . لايمكنهم ان يمنعوا انفسهم عن الأستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وانها تفسر حقا هذا كله: "معجزة" . إنها شعار يستسهله علماء كثيرون ، ويبدو أنَّ الظروف تتطلبه  ".ان الداروينية ظلت فلسفة لا تزال في مرحلة البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها .
وعندما سؤل هذا العالم: الى اين يُشير اذن دليل العلم من وجهة نظره ؟
فاجاب باقناع : " إنَّ العلم يشير بقوة نحو التصميم . وفي رأيي كعالم ، فإنَّ نمو جنين يصرخ "التصميم !" . إنَّ إنفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة ، دون دليل السلالات – أكثر تناغما للتصميم عنه  مع التطور . ... وبالتاكيد فإنَّ أصل الحياة يُعلن بوضوح وجود مصمم ...عندما تحلل معظم ألأدلة المؤكدة الساندة من علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ . فاني اعتقد  أنّك ستكتشف ان الدفاع الأيجابي عن مصمم ذكي يصبح قويا تماما (2)."
3- آلان ركس سانداج
هذا العالم هو من أشهر علماء الكونيات في العالم ، الذي فك شفرات أسرار النجوم ، وفحص غوامض اشباه النجوم ، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات ، وحدد مسافات المجرات البعيدة ، وحدد إتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار، وحاصل على جوائزعديدة وتوجها بجائزة نوبل  ولقب ب"عجوز الكونيات"  وهو التلميذ السابق للفلكي ألأسطوري إدوين هوبل . أستعد هذا العالم  الى المنصة في مؤتمر في دالاص  عن العلم والدين سنة  1985.  كانت المناقشة عن اصل الكون ، واصل الحياة ، وطبيعة الوعي ألأنساني  ..كان من المحتمل أنَّ كثيرا من الحضور كانوا يعرفون أنّ ساندج اليهودي عرقيا كان ملحدا بالفعل حتى في طفولته ... ثم حدث الغير متوقع فقد أذهل سانداج الحضور باخذ مقعده بين المؤمنين . والأكثر ذهولا ، في سياق حديثه عن الأنفجار العظيم وتضميناته الفلسفية ، أعلن امام الجميع أنَّه قرر أن يصير مسيحيا وهو في الخمسين من عمره .
قال للجمهور المندهش " إنَ ألأنفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لايمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه . لقد أخذنا العلم الى الحدث الأول ، لكنه لايمكنه أن يأخذنا أكثر الى العلة ألأولى . فالظهور المفاجئ للمادة ، والفضاء والزمن ، والطاقة أشارة الى الحاجة الى نوع ما من السمو".... وقال فيما بعد لمراسل صحفي : "إنَّ علمي هو الذي قادني الى استنتاج أنَّ العالم أكثر تعقيدا مما يمكن تفسيره بالعلم . فمن خلال ماهو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود "
لم يكن هناك سانداج وحده  بل العالم دين كينيون عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو ، الذي شارك في تاليف كتاب مؤثر يؤكد أنَ ظهور الحياة ربما كان "مقدرا من الناحية الكيميائية الحيوية" بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض ألأمينية . وقد بدا أنَّ هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أنّ الخلية الحية ألأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتها من مادة غير حية .
أندهش الحاضرون  بينما صعد كينيون الى المنصَّة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص ، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكل النظريات الطبيعية عن ألأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية ، وخواص ال (الدي ان اي)
الحاملة للمعلومات . آمن كينيون أنَّ أفضل دليل أشار الى وجود مصمم للحياة.(3)DNA
4- العالم والأستاذ أنتوني فلو
في عمر 14 سنة صار ملحدا بسبب وجود الشر في العالم . دخل جامعة أكسفورد ، قسم الفلسفة ، وانظم الى نادي الجامعة ، اسمها نادي "سقراط" . كان هناك قاعدة للفيلسوق سقراط اسمها " إتبع الدليل حيثما قادك"
Fallow the evidence  wherever it leads you
يقول انتوني فلو : "انّه التزم  بهذه القاعدة في حياته كلها .
السير "أنتوني فلو" أستاذ الفلسفة البريطاني، أو من كان يعرف سابقاً بأشهر وأشرس ملحد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رحلة بدأت بالإلحاد ووصلت للشك ثم للإيمان بوجود إله خالق للكون ، هومؤلف اكثر من ثلاثين كتاب التي تعبّر عن تاييده لنظرية داروين وطعنه بلاهوت المسيح . وهو من مؤسسي الفلسفة الألحادية . أول بحث ناقشه سنة 1950 هو "علم اللاهوت والتزييف "  .كان هدفه هو وضع نظام ممنهج للرد على ألأدعاءات الدينية . والبحث هذا يعتبر أكثر بحث فلسفي تم نشره في القرن الماضي .
البحث ألآخر الذي نشره أنطوني فلو هو:"افتراض ألألحاد"
The Presumption of Atheism
   وهو محاولة إثبات أنَّ الألحاد هو الفطرة في الأنسان وليس ألأيمان بوجود الله . وأثارت هذه ألأبحاث وغيرها ردود كثيرة جدا ساهمت في اثراء افكاره ومنهج تفكيره على مدار السنين .
، يتراجع بعد خمسين سنة ،هذا العالم الكبير ،  ليعترف بوجود خالق للكون في كتابه بعنوان "هناك اله" . ويطعن بنظرية داروين " في النشوء والأرتقاء". فلو هذا العالم  الذي كان سببا في الحاد عشرات بل مئات الآلاف من الناس . عاش هذا العالم طوال حياته الفلسفية في ظل مبدأ الفيلسوف اليوناني الشهير "سقراط" أن يتبع الدليل الى حيث يقوده " ويقول . لقد قادني الدليل طوال حياتي الى الألحاد ، ثم قادني بعد أن بلغت الثمانين من عمري الى ألأيمان . فقد قاده الدليل العلمي الى خمسة أبعاد تشير الى ألأله الخالق :
1-الكون له بداية ونشأ من العدم
2-إنَّ الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة
3-نشاة الحياة بكل ما فيها من دقة من المادة غير الحية
4-إنَّ الكون بما فيه من موجودات وقوانين يهيء الظروف المثلى لظهور ومعيشة ألأنسان
5-إنَّ القدرات العليا للعقل البشري لايمكن أن تكون نتاجا مباشرا للنشاط الكهروكيميائي للمخ.
سئل أنتوني فلو: انك تتحدث كثيرا في قضايا علمية وتستقي من العلم شواهدك الإيمانية ، بل وتنتقد العلماء في بعض ما يقولون، فهل أنت عالم أم فيلسوف؟ فأجاب قائلا: ان الحديث عن التفاصيل العلمية لنشأة  الكون، وما وقع من تتابع الأحداث عقب الانفجار الكوني الأعظم، إنما هو شأن علماء الفيزياء كذلك فإن البنية الكيميائية لجزئ   
DNA الدنا
المسئول عن الشفرة الوراثية للكائنات الحية، هي شأن علماء البيولوجيا. أما القضايا العقلية المرتبطة بهذه الحقائق العلمية مثل كيف ينشأ الكون من عدم؟ وماذا كان قبل بداية الكون؟ ومن أين جاء الكم المعلوماتي الهائل الذي تحمله الشفرة الوراثية؟ وغيرها من الأسئلة التي لا نهاية لها، فشأن الفلسفة والدين.
يقول هذا العالم في حصاد رحلته في هذه الحياة : لقد صرت »أؤمن بإله واحد أحد، واجب الوجود، غير مادي، لا يطرأ عليه التغيير، مطلق القدرة، مطلق العلم، كامل الخير«. ويضيف قائلا:" لقد أنجزت الفلسفة مهمتها الأساسية بنجاح عظيم عندما توصلت إلي تفسير نشأة الوجود بوجود الإله الخالق، الذي خلق الكون ليكون معدا لاستقبال المخلوق العاقل الحكيم الذي هو الإنسان" (4).
5- العالم وليم لين كريج  :
عندما كان بيل كريج طالبا جامعيا تخرج في عام 1971 ، تعلم أنَّ الحجج المختلفة المؤيدة لوجود الله كانت ضعيفة وقديمة وغير فعّالة . وكان يؤمن بهذا الى ان تصادف عثوره على كتاب الفيلسوف ستيوارت هاكيت الذي نُشر في عام 1957 : "قيامة ألأيمان " . ...كانت احدى الحجج في الكتاب أنَّ الكون لا بدَّ وأن كانت له بداية ، ومن ثمة خالق . وكان كريج متاثرا جدا لدرجة أنّه قرر أن يستخدم دراسته لنوال درجة الدكتوراء تحت إشراف اللاهوتي البريطاني جون هيك كي يصل الى قرار في ذهنه متعلق بصحة هذه الحجة .هل ستواجه الفحص حقا؟ أنهى كريج كتابة رسالته في هذا الموضوع – وهو اختبارأطلقه الى حياة علم الكونيات الأستكشافي .
تشتمل كتب كريج على مناظرة متميزة مع الملحد كوينتن سميث عنوانها "ألأيمان ، والألحاد، والأنفجار العظيم "  وحجة "كلام" – أحد أكثر الحجج المعقولة لوجود الله – وهي حجة مبنية على البرهان بأنَّ الكون ليس أبديا ، ولكن كانت له بداية في ألأنفجار العظيم . الحجة كما صاغها الغزالي بها ثلاث خطوات بسيطة
"كل ما يبدأ في الوجود له علة.
الكون بدأ في الوجود .
اذا الكون له علّة " .
.... وبافتراض أنَّ كلِّ ما يبدأ أن يوجد له علة(سبب) ، وأن الكون قد بدأ في الوجود ، فلابد أن تكون هناك علة فائقة لأصل الكون......انَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "كلام "   هي انها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . إنَّها ايضا  تتضمن خالقا شخصيا
 .......حتى المتشكك ديفيد هيوم لم ينكر المقدمة المنطقية ألأولى. فقد كتب في عام 1754 :" لم أؤكد أبدا على ايِّ فرضية سخيفة تقول بأنَّ أي شيء قد ينشأ دون علة " ولم يبدأ الناس بالقول إنَّ الكون قد جاء من العدم الاَّ بعد اكتشاف التاكيد العلمي لبداية الكون في القرن العشرين. 
 
ويفسر هذا العالم الهدف من وراء خلق هذا الكون بحسب ارادة الله الخالق فيقول:
" لم يكن ألأنفجار العظيم حدثا فوضويا مشوشا . لكنه يبدو أنَّه كان مهيئا لوجود حياة ذكية ذات تعقيد ودقة تتحدى ألأدراك البشري . أي أنّ الكون الذي نراه اليوم – ووجدنا نحن شخصيا – يعتمد على مجموعة من الشروط المبدئية عالية المستوى . وهذه الظاهرة دليل قوي على أنَّ ألأنفجار العظيم لم يكن صدفة ، بل أنَّه كان مصمما.
وعن العقل الخلاّق والخالق الذي لابد ان يكون شخصي يقول كريج:
"إنَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "الكلام" هي أنّها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . انها أيضا تتضمن خالقا شخصيا ...هناك نوعان من التفسير –علمي وشخصي- . التفسيرات العلمية تُفسر ظاهرة طبيعية بمصطلحات شروط مبدئية معينة وقوانين طبيعية ...وعلى النقيض فان التفسيرات الشخصية تفسر ألأشياء بواسطة عامل أو ارادة هذا العامل ....ويضيف قائلا : " لايمكن أن يوجد تفسير علمي عن الحالة الأولى للكون ...فلا بد أن تكون شخصية ...هناك سبب ثان : وهو أنَّه بسبب ان علّة الكون تفوق الزمن والفضاء ، فلا يمكن ان تكون حقيقة فيزيائية ، بل لا بدَّ أن تكون لافيزيائية ولا مادية . هناك نوعان فقط من ألأشياء التي يمكن ان تكون خالدة ولا مادية  . النوع ألأول هو ألأشياء المجردة كالأرقام أو الكيانات الرياضية . ومع ذلك ، فأن ألأشياء المجردة لايمكنها ان تسبب في احداث اي شيء . والنوع الثاني من الحقيقة اللامادية سيكون عقلا . فالعقل يمكنه أن يكون علّة ، وهكذا يكون من المعقول انَّ الكون هو نتاج عقل غير متجسد جاء به الى الوجود
.....ان كان هناك تفسير (لنشوء الكون)  فلا يمكن ببساطة تفسيرها بمصطلحات الشروط المبدئية ألأولية والقوانين الطبيعية التي تقود اليها ، ولهذا ان كان هناك تفسير  فلا بد ان يكون تفسيرا شخصيا – بمعنى وجود عامل له ارادة لخلقه . وسوف يكون هذا هو السبب ألأول وراء ان علة الكون لابدّ أن تكون شخصية .... ان علة الكون هي عامل شخصي يتمتع بارادة حرة . ويمكنه ان يخلق اثرا جديدا دون اية شروط مسبقة محددة . يمكنه ان يقرر قائلا "ليكن نور" فينطلق الكون الى الوجود . لم ارى اية استجابة طيبة لهذه الحجة من جانت اي ملحد . "...هناك نوع من الدين في العلم ، وهو دين إنسان يؤمن بوجود نظام وتناسق في الكون . وكل حدث يمكن تفسيره ، بطريقة منطقية عاقلة كنتاج بعض ألأحداث السابقة . فكل اثر لابد أن تكون له علته . وليست هناك علة اولى ....فهذا ألأيمان المتدين للعالم ينتهك باكتشاف أن العالم كانت له بداية تحت شروط لا تصلح لتفسيرها قوانين الفيزياء المعروفة ، وكنتاج للقوى أو للظروف التي لا يمكننا اكتشافها(5).




6-العالم باتريك  جلين
صار متشككا روحيا حين تعلم الدارونية وهو طالب . وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة
Ivy League
وفيما تحفز بمسيحية زوجته ، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق . وبذهن منفتح للحقائق ، انتهى به ألأمر بالتخلي عن الحاده وقبول الله ....وفيما كان ، سابقا ، مقتنعا بأنَّ العقل هو "الطريق الوحيد الى الحق" اصبح جلين ملحدا مزمنا حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات . وقال " لقد أوضح دارون انه ليس ضروريا حتى أن نفترض وجود اله لتفسير اصل  الحياة . فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية اساسا تعمل على ألأيونات ."
وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية ،  ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في ألأمور الروحية ، قال جلين إنَ عقله " أصبح منفتحا بشكل كاف "ولهذا كان مستعدا لفحص ما اذا كان هناك اي دليل عقلي لوجود الله  وأعد نفسه تماما لما سوف يتعلمه .
 أما الدليل الذي كان مسؤولا عن هذا التحول الروحي المذهل ، كان من بين أكثر ألأكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى ب " المبدأ ألأنساني " ...يقول هذا المبدا إنَّ " كل الثوابت التي تبدو أنّها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديدا اذا اردت ان يكون لديك كونا قادرا على انتاج حياة   "  في كتابه اللاحق " الله : الدليل " يصدّق جلين بانَّ التعدي المدهش للكون بمثابة أحد ألأسباب الرئيسية لأستنتاجه بان الكون لا بدَّ وانه كان عمل مصمم فائق ..... البيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله . وهذا ابسط واوضح حل للغز ألأنساني "
ويستشهد هذا العالم ببعض العلماء والفلاسفة واللاهوتيين فيقتبس من العالم الفيزيائي واللاهوتي "جون بولكينجهورن " الذي يقول:
"من السهل جدا أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في ألأعوام الثلاثين الماضية ، متفقين على أنّ الكون لايمكن تفسيره باعتباره ، حادثا كونيا ، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تاليف كتاب "لغزالحياة " إنَّ دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المعد بحرص (اي كوكب الأرض الذي نعيش فيه) "...ويقتبس هذا العالم ما قاله المتشكك السابق "بول ديفيز" – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة اديلايد – مقتنع الآن بأنَّه لابد أن يكون هناك هدف من وراء الكون . وفي كتابه "ذهن الله " توصل بول ديفيز من خلال عمله الى ألأيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغايةحتى لايمكن قبوله كحقيقة صمَّاء . واضاف : "لايمكنني أن اؤمن بان وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر ، أو حادث تاريخ ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة  " (6)
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر








 (1) القضية ....الخالق (ص92- 118)
  (2) نفس المصدر اعلاه (ص42-88)
 
(3)المصدر اعلاه ( ص89 -92)
 
(4) المصدادر التالية




http://www.youtube.com/watch?v=qoYewTXdoIk




https://www.facebook.com/permalink.php?id=117788035032935&story_fbid=490901050946433
راجع ايضا كتاب "رحلة عقل " للدكتور عمرو موسى
راجع ويكيبيديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86%D9%8A_%D9%81%D9%84%D9%88




 (5) القضية ....الخالق(ص 124-158)
 (6) القضية... الخالق (ص161-165)
.

7
الخلق والتطور....حوار بين العلم والأيمان 
الجزء الثاني عشر 
تعقيد الخلية الحية يشهد على بصمة الله الخالق
نافع البرواري 
يقول العالم لويس باستور مكتشف الجراثيم 
"ان الزعم بانه يمكن انبثاق الحياة من مواد غير حية غير صحيح بالمرة وانه اصبح في ذمة التاريخ" (1 ).
اما داروين فيقول
"اذا كان من الممكن تفسير انَّ أيِّ كائن معقد موجود والذي ليس من  الممكن انّه يشكل بواسطة تعديلات عديدة ومتتالية وطفيفة ، عنئذ سوف تبطل وتسقط نظريتي بالتاكيد"(2)
السؤال هو هل سقطت نظرية داروين حول النشوء والأرتقاء من خلال دراسة تعقيد الخلية الحية ؟ الجواب نعم ، كما سنلاحظ ذلك من خلال ما يقوله نخبة من اشهر العلماء المعاصرين ومن ظمنهم  العلماء الذين كانوا يؤمنون بنظرية التطور .
في بداية القرن العشرين كان العالم الروسي المعروف الكسندر اوبرن اول من تناول نشوء الحياة واصلها وكان غايته شرح كيفية ظهور الخلية الأولى التي زعمت نظرية التطور انها السلف المشترك لأنواع ألأحياء . حاول اوبرن في الثلاثينيات تقديم بعض الفرضيات التي تدعي انه من المحتمل ظهور الحياة من مواد غير حية  نتيجة عوامل المصادفات ،غير ان محاولاته هذه بائت بالفشل واضطر اوبرن بالأعتراف بما ياتي:
"من المؤسف  فان ظهور الخلية الأولى يعد اظلم نقطة في نظرية التطور "
ثم قام التطوريون الآخرون باتباع طريقة اوبرن في البحث عن تفسير تطوري في موضوع ظهور الحياة واصلها . واجرو تجارب في هذا الصدد ، واشهر هذه التجارب هي التجربة التي اجراها العالم الأمريكي "ستانلي ملر عام 1953" (راجع  ايضا مقالتنا السابقة عن اصل الحياة بخصوص تجربة ملر) (3 ) .
كلما إرتفع المستوى الذي يجري فيه الاختبار على طريق تكامل تكوين الكائن الحي إرتفع معدل الفشل وخابت الامال المرجوة ، فعند النظر فى المجاهر ، تبين للعلماء أن حياة الكائنات المتنوعة من بشر وحيوانات ونباتات هي محصلة لتعاون مئات المليارات من الخلايا المنفردة الدقيقة الغير مرئية التي تخصصت في وظائفها تخصصا عاليا لدرجة أن أي منها لم تعد قادرة على الحياة منفردة ، ومن ثم أصبحت مهمة العلماء هي فهم وظائف الخلايا المنفردة وطريقة تعاونها لأن المجال المرئي من العالم لم يقدم تفسيرا للحياة . وبدا لهم آنذاك أن من يستطيع أن يعرف لماذا  تمكنت هذه الملايين من الخلايا ،والتي توالدت جمعيها لدى كل حي من خلية (بويضة) ملقحة من أن تتطور تطورا غائيا إلى العديد من الانواع المختلفة من الخلايا عالية التخصص الوظيفي ، فإنه بذلك  قد ملك  سر الحياة ، بيد أن هذا السر يأبى الا أن يزداد غموضا فوق غموضه ،فلا زالت مسألة التنوع الخلوي  بدون حل حتى يومنا هذا ، وما زاد الامور تعقيدا هو إكتشاف العلماء طبقة أعلى من التعقيد تحت المستوى الخلوي بداخل عمق الخلية
ذاتها ، وكان هذا المسار خطوة اولى في ما يسمى مجال "البيولوجية المركبة" والتي اعطتنا الكثير من التساؤلات والألغاز المركبة بدلا من ان تمنحنا ألأجابات 




وظل التساؤل : كيف تنجز هذه الخلية مهامها وما هي العوامل التي تنظم وظائفها المتعددة في كل واحد منسجم ؟ كيف يعمل  هذا النظام ؟ 
وما هو سر وجودة؟ وهل نجحت الداروينية حاملة راية التفسير المادي  فى شرحه ،  أم أن هناك نظريات أخرى بديلة ؟  
.
عندما رأى داروين التشابه في العضلات وبنية الجسم عبر العديد من الأنواع ، لم يكن لديه المعرفة الكافية بهذه التعقيدات الهائلة  الكامنة داخل تلك الأجهزة في ذلك الوقت المبكر من تاريخ العلم ، لكنه وبالرغم من ذلك أدرك حجم الإشكالية التي تواجه فرضيته ممثلة فى بنية الأعضاء الحيوية المعقدة بداخل كيانات الأحياء والتي أطلق عليها أجهزة 
„مفرطة الإتقان والتعقيد“‘extreme perfection and complication‘ 




أمام روعة هذه التصاميم الحيوية يقف داروين عاجزا ويكتب عن تركيب العين فى كتابة أصل الأنواع : 
"إن الإفتراض بأن العين بكل ما أتيت من قدرات فذة لتعديل التركيز وفق مسافات متباينة ، والسماح بكميات مختلفة من الضوء ، وتصحيح الإنحراف الكروي واللوني ، قد صاغها الإنتقاء الطبيعي ،هوعلى ما يبدو، إفتراض سخيف غاية السخف وأنا اعترف بذلك".(4)  
اليوم ، نصل الى القرن الحادي والعشرين ، ولم تحل المشكلة التي اثيرت في اوائل القرن العشرين وهي كيف تبدا الحياة على الأرض ؟




تعقيد الخلية الحية شاهد على بصمة الله الخالق 




اكبر عقبة ضد نضرية التطور هي التعقيد المروع لبنية الخلية الحية . كل شيء حي على وجه الأرض يتركب من الخلايا والتي حجمها 1/100 من المليمتر . وتتكون بعض الكائنات  الحية من خلية حية  وحيدة ، لكن حتى هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة لديها تركيبة معقدة للغاية . لها وظائف متطورة ومعقدة من اجل البقاء على قيد الحياة. في عصر داروين ، كانت البنية المعقدة للخلية غير معروفة مع مجهر بدائي . في ذلك  الوقت ظهرت الخلايا مجرد بقع صغيرة ، ومع ذلك تم اختراع المجهر الألكتروني في منتصف القرن العشرين ، مجهر اكثر تطورا للكشف عن التعقيد الحقيقي المذهل والتنظيم  داخل الخلية الحية . وكشفت ان هذا التعقيد والتنظيم باي حال لايمكن ان يكون نتاج الصدفة .
في عام 1953 حاز تشنج فرانسيس وجيمس دي واتسون على جائزة نوبل لأكتشافهما الحلزون المزدوج الشهير الان بالحامض الريبوسي النووي الناقص الأوكسجين ، والذي هو مخزن " للغة الحياة ". ولأكثر من 50 عاما ، بينما كان العلماء يدرسون الستة اقدام من  الحامض النووي والتي يبلغ عددها مائة ترليون خلية ، تعجبوا من كيفية امدادها للمعلومات الوراثية اللازمة لخلق كل البروتين الذي يبني اجسادنا .... ...انَّ القدرة المذهلة لل دي ان اي ،   الميكروسكوبي لأيواء هذا الجبل من المعلومات ، والذي يرمز اليه باربعة حروف من الرموز الكيميائية " يفوق بكثير أي نظام اخر معروف" ، هكذا قال عالم الجينات مايكل دينتون. وفي الحقيقة ، قال ان المعلومات اللازمة لبناء البروتين لكل انواع الكائنات الحية التي وجدت-وقد قدر عددها بالف مليون- "يمكن وضعها في ملعقة شاي وسيظل هناك مكان لكل المعلومات الموجودة في كل الكتب التي كتبت".(5)  
دين كينتون ، استاذ الأحياء- ينكر النتائج التي توصل اليها في كتابه عن ألأصل الكيميائي للحياة ، ويستنتج بدلا من ذلك بأنه" لا شيء ينقصه عنصر الذكاء يستطيع أن يخلق هذا الجهاز المعقد للخلية ". 
ويبدو أن هذا يطابق ما أعلنه العلماء أنهم أخيرا وضعوا خريطة لثلاثة بلايين شفرة للجينوم البشري ...وقال الرئيس كلينتون " أن العلماء يتعلمون اللغة التي خلق الله بها الحياة " . وقال عالم الجينات فرانسيس .اي . كولينز ، رئيس مشروع الجينات البشرية ، إنَّ الحامض النووي 
 " هو كتاب تعليماتنا وهو معروف مسبقا لدى الله وحده ".(6) DNA




تتم برمجة جميع المعلومات في جسمنا من لون اعيننا الى بنية اجهزتنا الداخلية وشكل وبنية خلايانا في اقسام تسمى الجينات داخل الحامض النووي. شيفرة الحامض النووي تتكون من سلسلة من اربعة قواعد مختلفة . اذا شبَّهنا كل قاعدة بحرف ، يمكن توصيف الحامض النووي بقاعدة بيانات مكتوبة بلغة من اربعة احرف أبجدية . يتم تخزين جميع المعلومات حول كل شيء حي في قاعدة البيانات هذه . اذا وجدت لوحة من الطين قديمة متروكة على الشاطئ منقوش عليها احرف غريبة ، انت لا تستطيع قراءتها الاّ اذا كان شخص ما فك شفرتها ولكنك على الأقل ستعرف ان هذه ألأحرف تشكل لغة ما ، حتى لو كنت لا تعرف شيئا عن المؤلف او حضارته ، اللغة يمكن تمييزها حتى لو لم تتمكن من قرائتها . خذ على سبيل المثال شيفرة (مورس) التي تضم ثلاثة اجزاء : نقاط  ، وصلات، ومسافات . يتم دمج ألأجزاء الثلاثة  لتشكيل الحروف ، وهناك 26 حرفا في اللغة ألأنكليزية والتي بدورها تتجمع لتشكيل ما يقارب من 400000 كلمة  .
ويمكن لهذه الكلمات تشكيل جمل او سلاسل لاحصر لها . هناك ادلة على ان الحامض النووي هو لغة: 4 احداث اساسية تسمى النيوكليوتيدات ، والتي تتجمع لتشكل عشرين احماض امينية . ومن هذه الأحماض الأمينية ال 20، الجسم يشكل حوالي 100.000 من البروتينات  . حتى لو لم تتمكن من قراءة شيفرة الحامض النووي ، فهي تمتلك كل خصائص اللغة .  لغة قد بدأ علماء البيولوجيا للتو في فك رموزها .كل خلية صغيرة في الجسم تحتوي على حوالي 1متر من الحامض النووي المضغوط اي ثلاثة مليارات من نيوكليوتيد . التشابه بين الحامض النووي ولغة الأنسان غريب وخارق للعادة بالأضافة الى الرموز ، وكلاهما يستخدم نفس الأساليب لضغط ولوج ، ترتيب ، نسخ ، ونقل المعلومات . يمثل الحامض النووي لغة : انَّه "لغة الحياة" مؤلفها الغير المرئي ، خالق السماوات  والأرض قد ترك شاهد على وجوده في الحامض النووي لجميع الكائنات الحية .
المعلومات التي يتم تخزينها في الحامض النووي تدل على تصميم ذكي ، لماذا نقول ذلك ؟ وهذا له على علاقة بالبنية السببية للعالم .
يقول العالم "بيل غيتس" ان الحامض النووي هو برنامج كومبيوتر ، الا انه اكثر تعقيدا اطلاقا من اي برنامج كومبيوتر موجود ، وهذا مثير للأهتمام . لأننا نعلم أنَّ البرنامج لايمكن أن تاتي الا من المبرمجين . ونحن نعرف عموما أنّ المعلومات ، سواء كان ذلك في برنامج كومبيوتر
باللغة الهيروغلوفية المصرية القديمة ، في عناوين الصحف ، في جهاز 
كومبيوتر محمول اوفي كتاب ، فالمعلومات دائما تاتي من مصدر ذكي .كذلك عندما تم العثور على المعلومات في الحامض النووي فالأستنتاج ألأكثر منطقية ، انها تاتي ايضا من مصدر ذكي ، كذلك عندما تم العثور على المعلومات في الحامض النووي ، فالأستنتاج الأكثر منطقية انها تاتي ايضا من مصدر ذكي (7) 
وتتالف الخلية الحية من الالاف من الأجزاء الصغيرة جدا وتعمل معا في وئام . الخلية تحتوي على محطات طاقة ، مصانع ، تكنولوجيا فائقة ، قاعدة بيانات معقدة ، نظم تخزين ضخمة ، مصافي متطورة ، غشاء خلية الذي لديه وعي من اجل السيطرة على ما يدور داخل وخارج الخلية .
من اجل بقاء الخلية ، يجب ان تكون هذه الأجزاء موجودة وتعمل معا في وقت واحد . ولذلك فمن المستحيل ان نظام معقد كهذا يمكن ان يكون برز من خلال المصادفات(8)
الفيلسوف والعالم ستيفن سي . مير حاصل على شهادة الدكتوراه في اصل الحياة البيولوجية وماجستير في  الجزيئات الحيوية ونظرية التطور من جامعة كامبرج 
في سؤال وجه الى هذا العالم عن  هل ان موضوع اصل الحياة تساوي مشكلة اصل المعلومات البيولوجية ؟ .(9) 
اجاب مير : " بكل تاكيد . فعندما اسال تلاميذي ماذا يحتاجون حتى يجعلوا اجهزة الكمبيوتر تؤدي وظيفة جديدة ؟ فاجابوا " عليك أن تدخل فيه شفرة وهو نفس المبدا فيما يخص الكائنات الحية . ويضيف قائلا :" اذا اردت لأي كائن حي أن يكتسب وظيفة او تركيبة جديدة ، عليك أن تمده بمعلومات في مكان ما في الخلية . انك بحاجة الى تعليمات عن كيفية بناء المكونات الهامة للخلية وهي في معظمها بروتينات " (10) 
......وباختصار ، لم تقترب اية فرضية لتفسير كيف أن المعلومات الضرورية لأصل الحياة ظهرت بوسائل طبيعية . وكما قال الفيلسوف المادي كتشنج "أنَّ الرجل ألأمين والمسلح بكل المعرفة المتاحة لدينا الآن يمكنه أن يقول فقط بأن اصل الحياة الذي يظهر الآن هو معجزة ، فلكي تسير تلك الحياة فهذا أمر يحتاج الى شروط كثيرة ".....السؤال هو من اين جاءت المعلومات الجينية لكي تبني الجزيئات المعقدة ؟ ان هذا يتطلب معلومات جينية معقدة من النوع الذي لاتنتجه لا الصدفة العشوائية ولا ألأصطفاء الطبيعي ولا التنظيم الذاتي "(11).




يقول مير ايضا
" اعتقد ان ثورة المعلومات الحادثة في علم الأحياء تدق ناقوس الموت لمباديء داروين ونظريات التطور الكيمياوي ." ان محاولة تفسير اصل الحياة بمعزل عن مكوناتها الكيميائية قد مات الان .فمبدا الطبيعة لم يعد بامكانه ان  يجيب على المشكلة ألأساسية وهي كيفية ألأنتقال من المادة والطاقة الى الوظائف البيولوجية بدون ادخال معلومات ذكية . " ان المعلومات ليست شيئا ماخوذا من خواص مادية ، انها تتجاوز المادة والطاقة  لن تستطيع ان تفسر المعلومات . والذكاء فقط هو الذي يستطيع ذلك . واعتقد أن تحقيق ذلك سوف يبزغ فجره على اناس أكثر واكثر وخاصة العلماء الصغار الذين نشأوا في عصر تقنية المعلومات ." انّ المعلومات هي السمة المميزة للعقل . ومن خلال ألأدلة الجينية والحيوىة يمكننا أن نخمن بوجود عقل أعظم بكثير من عقلنا ، عقل واع ، وله هدف وحكيم ومصمم ذكي وهو خلاق مدهش ، ولا شك في هذا "(12)
 
يقول العالم بروس البرت رئيس الأكاديمية الوطنية ألأمريكية للعلوم  
"اخفقنا دائما في تقدير الخلية ...ويمكننا أن ننظر الى كامل الخلية  كمصنع يحتوي على شبكة متقنة من خطوط أنظمة التجميع ، كل منها مكون من مجموعة مكائن البروتين الكبيرة ...لماذا نطلق عليها اسم آلات ؟ لأنَّها ، مثل الآلات التي اخترعها الأنسان للتعامل بشكل كفوء مع العالم المرئي ، تجمعات البروتين هذه تحتوي على أجزاء متحركة ذات تناسق عالي ".
اما عالم الكيمياء الحيوية ، فرانكلين .ام . هارولد يقول :
" يجب ان نرفض كمسالة مبدا ، أن تحل الصدفة والضرورة محل التصميم الذكي ، لكننا يجب ان نعترف بانه ليس هناك تفسيرات داروينية مفصلة لتطور اي نظام كيميائي حيوي ، فليس هناك سوى تخمينات توّاقة "..(13) 
العالم مايكل بيه ، وهو بروفيسور متخصص في الكيمياء الحيوية واستاذ علم الأحياء في جامعة ليهاي ألأمريكية 
يقول هذا العالم :




" لايمكن للحياة أن تقفز الى الوجود من ذاتها بدون دعم لها ...وفي كتابه المشهور "الصندوق الأسود"  يقول: " بالنسبة لمعظم الناس يُعتبر الكومبيوتر صندوقا اسودا . فانت تنقر على لوحة المفاتيح بينما لا تستطيع معالجة الكلمات أو تمارس عليه بعض ألألعاب ألألكترونية ، الاّ أن معظمنا ليست لديه فكرة عن كيفية عمل الكومبيوتر....وبالنسبة الى داروين ، كانت الخلية هي الصندوق ألأسود...على ايام داروين أستطاع العلماء أن يروا الخلية تحت المجهر، لكنها بدت ككرة هلامية صغيرة ، ببقعة مظلمة كالنواة . يمكن ان تثير الخلية مسائل كثيرة التي يمكنها أن تتشعب ، ومن الممكن أن تدور حولها ولكن ليس لديك أي معرفة بها ولا كيفية العمل بها .....والآن وقد وصلنا الى أعماق الحياة ، ومع ذلك ازدادت ألأمور تعقيدا ، وعرفنا أنّ الخلية معقدة للغاية ،وانها تدار من قبل مكائن دقيقة بالشكل الصحيح ، والقوة الصحيحة ، والتفاعلات الصحيحة . ووجود هذه المكائن يتحدى الأختبار الذي عمله داروين بنفسه". قال داروين في كتابه " اصل ألأنواع " اذا كان من الممكن تفسير انَّ أيِّ كائن معقد موجود والذي ليس من  الممكن انّه يشكل بواسطة تعديلات عديدة ومتتالية وطفيفة ، عنئذ سوف تبطل وتسقط نظريتي بالتاكيد"(14)
ويضيف قائلا في مكان اخر :
" بالنسبة للخلية  ، من الذي يُشغل أجزائها ؟ ومن الذي يثبتها معا ؟ لا أحد ،إنّها تقوم بعملها بذاتها . ...ان اختزال ألأنظمة البيولوجية المعقدة للخلية يتحدى التفسير الدارويني . فلا يمكن للتطور أن ينتج فجأة آلة بيولوجية معقدة ..... وكلما ازدادت اكتشافاتنا عن هذه الأنظمة البيولوجية المعقدة تزداد ثقتنا بفشل نظرية داروين ....انه من السخافة ألأدعاء للتطور الدارويني هو انه بالأمكان اعداد انظمة  معقدة بدون أي نوع من الذكاء ".(15) 
وعن النظام داخل الخلية الحية يقو ل بيه:
"ان الخلية ليست حساء للشوربة ، وكل شيء يتحرك داخلها بلا هدف . وبدلا من ذلك ، فنواة الخلايا الحسنة – الخلايا التي بها كل الكائنات الحية ما عدا البكتريا- لها  عدد من ألأقسام التي تشبه الغرف بالمنزل ....أما إذا إدَّعى البعض بأن الصدفة قد أوجدت الخلية الأولى كما نراها الآن بالحمض النووي وكاملة في كل شيء، فإننا نقول له: إن قولك هذا يشبه العثور على سيارة أحدث موديل في صحراء جرداء أو في غابة لم يصل إليها إنسان قط، فمن يصدق أن هذه السيارة وجدت في هذا المكان من قبيل الصدفة، وأنها تكوَّنت من مواد الطبيعة خلال ملايين السنين.. وهكذا يدعوننا دعاة نظرية التطوُّر للتخلي عن عقولنا وتصديق نظريتهم.ص(16)  
من المدهش ان نفكر ان هذه ألآلة (الخلية ) العجيبة التي تمتلك قدرة هائلة لتصنيع كل شي حي قد عاشت على ألأرض ، من الخشب ألأحمر الى المخ الأنساني ، وبامكانهما تصنيع كل مكوناتها في دقائق ، وهي اصغر الاف الملايين من المرات من اصغر الة صنعها ألأنسان على الأطلاق . "انّ العلماء يحاولون حل لغز اصل الحياة كانوا يكتشفون خواص التنظيم الذاتي  لفترات . ورغم ذلك فهم  اليوم أكثر ارتباكا فيما يختص باصل الحياة اكثر مما كانوا منذ خمسين عاما . فلم يتوصلوا الى اي تفسير عن كيف ان التنظيم الذاتي يمكن ان يوضح شيئا في درجة صعوبة وتعقيد الكائن الحي الأولي "(17).....يبدو أنَّ أولئك الذين ينشطون عندما يتحدثون عن نظرية داروين في التطور هم اولئك المهتمون بالجوانب الفلسفية واللاهوتية للنظرية وليس بالعلم نفسه .(18)...اعتقد أنَّ ألأنظمة المعقدة هي اقوى دليل على وجود تصميم مقصود وله هدف قام به مصمم ذكي . ولاتنجح اية نظرية اخرى ولا حتى نظرية داروين ...ان المشروعات العظيمة للمخلوقات الحية هي ليست نتاج الصدفة
والخطأ (كما يدعو الداروينيين ) ..انها تشير الى الخالق وتظهر لنا ذكاء في الخلق ، وهي ألآن اكثر اضاءة وقوة عن ذي قبل .(19)
....بالنسبة لي ، انَّ غرض العلم هو كيف جاءت ألأشياء الى هنا وكيف تعمل . ويجب على العلم ان يبحث عن الحقيقة ، وليس فقط مجرد البحث عن تفسيرات مادية . إنّ علماء التاريخ العظام – امثال نيوتن واينشتاين – لم يعتقدوا على ألأطلاق أنّ وظيفة العلم هي أن يأتي ببعض التفسيرات الذاتية للطبيعة . 
يقول العالم جيمس شابيرو من جامعة شيكاغو بعد مراجعته لكتاب بيه "الصندوق ألأسود" :
"ليس هناك وصفا تفصيليا لداروين عن اي نظام اساسي في الكيمياء الحيوية أو نظام الخلايا  ، وكل ما هناك هو مجرد مجموعة من التاملات "
وعن برهان المعلومات الحيوية داخل الخلية الحيوية يقول العالم جورج سم جونسون(20). 
يحتوي  
البشري على معلومات اكثر تنظيما من دائرة المعارف البريطانيةDNA
واذا كان ممكنا للنص الكامل لدائرة المعارف أن يصل الى نظام شفرة الكمبيوتر من الفضاء الخارجي ، فان معظم الناس سوف يعتبرون ذلك على انه برهان على وجود ذكاء أرضي فائق . ولكن عندما يُربى في الطبيعة فيفسرونه على انه من صنع قوى عشوائية .
اما العالم فيليب جولد يقول نقلا عن اينشتاين "
:" إنَّ الله لايلعب النرد (الطاولة ) وقد كان محقا في ذلك . إنَّ الله يلعب اسكرابيل (لعبة تشكيل المعلومات) "  (21) 




كتاب الصندوق الأسود للبروفيسور مايكل بيهي هو للتصدي البيوكيمياوي للتطور
يقول هذا العالم ايضا : 
"من المهم فعلا  ان نشير الى اننا كلما عرفنا اكثر بخصوص الحياة ، وكلما عرفنا اكثرحول البيولوجيا كلما زادت مشاكل الداروينية ، واصبح "التصميم " اكثر وضوحا ....من المفترض  ان التطور الدارويني ، يفسر البيولوجيا... قررت ان لااعتبر الآليات الداروينية كتفسير شامل للحياة "(22)




في ظل التقدم العلمى فى مجال "البيولوجيا الجزيئية " الذي  منحنا نظرة أكثر عمقا عن سيرورته  ، وتكشف لنا مع ذلك التقدم أن الكثير من التفاعلات المهمة بين مكونات أي كائن متعض لا تتم على المستوى الفيزيوكيميائي بل على مستوى تكاملى أرقى منه ومتسيد عليه هو "البرنامج المعلوماتي" 
  „ الحمض النووى DANN „ المتمثل فى الذي يتواجد داخل نواة كل خلية حية، وهو بمثابة أبجدية مكونة من أربعة أحرف تحمل المعلومات ذات التعقيد المتخصص "تماما مثل الجمل العربية " أو برامج الكومبيوتر والتي لا يمكن تفسيرها بكيمياء الحبر أو فيزياء المغناطيسية، ولكنها ترجع الى التصميم الحكيم .هذا البرنامج يمكن إعتباره القاسم المشترك بين جميع الكائنات الحية من البكتيريا إلى الإنسان، وهو ما يقوم بوظيفة توجيه الأجزاء إلى الترابط فى تلك النظم الحيوية على نحو دقيق وقيادتها ويحمل  مخططات بناء الكائن الحي ووظائفه بكل تفاصيله المدهشة. 
يشير العالم باول ديفيز الى تلك الحقيقة بقوله :
"نعرف ألان أنَّ سر الحياة لايكمن في المكونات الكيميائية ولكن في البنية المنطقية والترتيب التنظيمي للجزيئات ، فالحياة هي نظام معالجة المعلومات . وبرنامج الخلية الحية هي السر الحقيقي . كيف لذرات غبية كتابة البرامج بشكل عفوي" ؟
السؤال من أين اتت البرامج في الخلية ؟
هذه الفجوة المعرفية التى يدعيها النهج العلمي العلماني ،  حول مصدر البرامج والمعلومات الحيوية (، بكونها مكونات كيميائية- فيزيائية) هي فى حقيقتها ليست الا فجوة مصطنعة يتم الترويج لها بغرض الهروب مما تؤول إليه التحليلات المنهجية  من نتائج فى هذا الصدد . وعلى النقيض من ذلك نجد أن الكثير من الأبحاث المعنية تؤكد حتمية تصدر التصميم (الذكي )لخلق مثل هذه البرامج المعلوماتية الحيوية 
في كتابه " في البدء كانت المعلومات"، للعالم فيرنر ، استاذ الفيزياء ومدير قسم معالجة المعلومات في براونشفايغ في المانيا، يخلص الى هذه النتيجة بقوله
" نظام الترميز يستلزم دائما عملية عقلية . النهج الفيزيائي لايمكنه ان ينتج رموز المعلومات . تظهر جميع التجارب ان كل قطعة من المعلومات ألأبداعية تمثل بعض الجهد العقلي ."




 وفي نفس السياق يعترف العالمان    "ليستر " وبولن" بهذه الحقيقة فيقولان : "الحامض النووي هو رمز المعلومات......ألأستنتاج القطعي هو ان هذه المعلومات لاتنشا تلقائيا من خلال عمليات الية . الذكاء ضرورة ، في ألأصل ،لأي رمز معلوماتي ،بما في ذلك الشفرة الوراثية ".   
من خلال التحليل التتابعي السابق بالطرح نخلص إلى النقاط الاتية :
*الكائن الحي ليس تراكمات مجردة  لمجموعة من المفردات وإنما نظام دقيق متكامل لا يقبل الإختزال والتطور التدريجي .
 *يتحكم فى سيرورة هذا النظام (برنامج معلوماتي) إنشائي وتشغيلي مسبق يمثل نوع من التعقيد المتخصص. 
 *البرنامج المعلوماتي يستحيل تفسير وجوده بالنهج الفيزيوكيميائي والقوانين الطبيعية وإنما هو نتاج حتمى للتصميم الحكيم كما أثبتت التجارب والدراسات في هذا الشأن(23)  
احتمالية تكوين بروتين تدحض الصدفة 
العالم "دوغ اكس " الأخصائي في البايلوجية الجزيئية ودكتوراه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا اراد ان يعرف ماهو احتمال او ماهي ندرة وجود تسلسل احماض امينية وظيفي المسمى بالبروتين بين كل الأمزجة الممكنة من الأحماض الأمينية وقرر" ان ألأحتمال ألأجمالي لتكوين بروتين وظيفي في الخلية عن طريق الصدفة هي 10 اس 164  وهذا الرقم الخيالي يجعل الناس تشكك في احتمالية نشوء الحياة عن طريق الصدفة" .لايوجد عالم جاد يعتقد ان الحياة جاءت بالصدفة .( 24)




وعن تعقيد الخلية  الحية جاء في كتاب لنخبة من العلماء (الخلق والتطور حوار بين العلم والدين)مايلي :
"ان كل البروتينات ، داخل الخلية ، مبرمجة من قبل الحوامض الربيونووية المنزوعة الأوكسجين . نحن امام حلقة مفرغة : البروتينات تحتاج الى حوامض نووية والحوامض النووية لايمكنها ان تصمد بدون تدخل البروتينات . فأيّ من البروتينات او الحوامض النووية استطاع أن يبدأ عملية التركيب الذاتي؟ (كما يدعي اصحاب نضرية داروين الجدد ).
الم يكن ثمة حدث ابتدائي خارق العادة جدا لتكوين الخلية الحية ألأولى المحتوية على الحوامض النووية ؟ في الواقع ، أنَّ عالمنا الحالي لايبين لنا كل الكائنات الوسيطة التي تتضمن ألأنتقال الدائم بين المادة الجامدة والكائنات الحية....انَّه لمن المؤكد أنّ الكائنات الحية الحالية مع تقدمها وسرعة تفاعلها الطاقوية والتركيبي تكاد تجعل الرصد الحالي لمراحل النشوء الأحتمالي للكائن الحي مستحيلا....كما لم تعد الناس تفكر بخلية اولى ظهرت بصدفة خارقة او بعملية خلق خاصة . في الحقيقة ان اول ولادة للحياة لاتزال غالبا تعتبر غير محتملة كما تبينه نظرية مونود حين يقول :"لم يكن الكون باسره مجالا للحياة مثلما لم يكن المحيط الحيوي للأنسان "...من المؤكد ان العلماء لم يتوصلوا الى اعادة بناء مراحل تكوين الحياة  ضمن تواصل مستمر يمكنهم تحقيق ألأنتقال من المادة الجامدة الى المادة الحية عن طريق سلسلة واحدة من التجارب" . (25)
السؤال المطروح هو لماذا اذا شق التطور السبيل الخاصة التي تمر بالبروتينة والحوامض الربيونووية المنزوعة ألأوكسجين فالغشاء ثم البنى المتزايدة التعقد؟ 
فالعقل الذي لم يتنور بالعلم يصاب بالعمى ازاء الطابع البعيد جدا من ألأحتمال لهذا السبيل . نحن نفهم البحث والفكرة اللذين دافع عنهما طويلا بيولوجيين اختصاصيين بالجزيئات : الحياة ولدت نتيجة الصدفة ، كما يقول علماء التطور الدارويني ، هو اشبه ما تكون بقيام أحد القردة بالضرب على الالة الكاتبة  فيطبع لنا مسرحية هاملت لااراديا. (26)




وقد عقد عالم الرياضيات والفلك الإنكليزي، السير فْرِد هويل، مقارنة مشابهة في إحدى مقابلاته التي نُشرت في مجلة" الطبيعة" في تشرين الثاني (نوفمبر) سنة .1981 وعلى الرغم من كونه أحد دعاة التطور، فقد أوضح هويل : "أن احتمال ظهور أشكال الحياة العليا بهذه الطريقة(اي بالصدفة) يقارَن بفرصة قيام إعصار جارف يمر بساحة خردة بتجميع طائرة بوينغ من طراز 747 من المواد الموجودة في الساحة " . ويعني هذا أن من غير الممكن أن تظهر الخلية في الوجود بالمصادفة، وبالتالي لا مناڤ من حتمية خلقها. وتتمثل أحد الأسباب الرئيسية لعدم قدرة نظرية التطور على تفسير كيفية ظهور الخلية هو في تعقيد الخلية الذي لا يمكن تبسيطه. إذ تحافظ الخلية الحية على بقائها من خلال التعاون المتناغم بين العديد من الجزيئات العضوية. وإذا تعطّل أي من هذه الجزيئات العضوية عن العمل لا يمكن أن تظل الخلية على قيد الحياة ؛ إذ لا تملك الخلية فرصة انتظار حدوث آلية لاإرادية مثل الانتقاء الطبيعي أو الطفرة للسماح لها بالنمو، وبالتالي لا بد –بالضرورة- أن تكون الخلية الأولى على الأرض قد امتلكت كل الجزيئات العضوية والوظائف اللازمة، ويعني هذا بالتأكيد أن هذه الخلية قد خُلِقت."(27) 
يقول " أوبارين " Oparine عالِم البيولوجيا الروسي 
ردًا على القائلين بأن الصدفة هي التي أوجدت الخلية الأولى : " أن ذلك يشبه تمامًا أن يمسك أحدهم بقطع كُتِب على كل منها حرف من حروف الهجاء المعروفة فيخلطها معًا ثم يبعثرها على الأرض يحدوه الأمل في أن تسقط مصبوغة شعرًا موزونًا مُقَفي.(28)
 
يقول " مايكل دنتون " أستاذ البيولوجيا :
 " كي تفهم حقيقة الحياة على النحو الذي كشفه علم البيولوجيا الجزيئية يجب علينا أن نكبر الخلية ألف مليون مرة حتى يبلغ قطرها 20 كيلو مترًا، وتشبه منطادًا عملاقًا بحيث تستطيع أن تغطي مدينة مثل لندن أو نيويورك. ما ستراه – عندئذ – هو جسم يتسم بالتعقيد والقدرة على التكيف بشكل غير مسبوق، وسنرى على سطح الخلية ملايين الفتحات مثل الفتحات الجانبية لسفينة فضاء ضخمة، تنفتح وتنغلق لتسمح لمجرى متواصل من المواد أن ينساب دخولًا وخروجًا. وإذا تسنى لنا دخول إحدى هذه الفتحات سنجد أنفسنا في عالم من التكنولوجيا المتميزة والتعقيد المحير.. تعقيد يتعدى طاقتنا الإبداعية نفسها، وهذه حقيقة مضادة لفرضية الصدفة ذاتها وتتفوق بكل ما في الكلمة من معنى على أي شيء أنتجه عقل الإنسان" .(29)
وقد إعترف كل العلماء أن الخلية الواحدة تعتبر عالمًا مستقلًا قائمًا بذاته Microcasm حقًا أن الذي يتأمل الخلية الحيَّة يصل إلى إبداع الخالق، ويقول " سيسل هامان".. " أينما إتجهت ببصري في دنيا العلوم، رأيت الأدلة على التصميم والإبداع، على القانون والنظام، على وجود الخالق الأعلى.. عندما نذهب إلى المعمل ونفحص قطرة من ماء المستنقع تحت المجهر لكيما نشاهد سكانها، فإننا نرى إحدى عجائب الكون. فتلك الأميبا تتحرك في بطء وتتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها، فإذا به داخلها، وإذ به يتم هضمه وتمثيله داخل جسمها الرقيق. بل أننا نستطيع أن نرى فضلاته تخرج من جسم الأميبا قبل أن نرفع أعيننا عن المجهر، وإذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة أطول، فإننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطران. ثم ينمو كل من هذين الشطرين ليكون حيوانًا جديدًا كاملًا. تلك خلية واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التي تحتاج الكائنات الأخرى الكبيرة في أدائها إلى آلاف الخلايا أو ملايينها. لاشك أن صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حد النهاية، تحتاج أكثر من المصادفة" (30)
يقول العالم ديباك شوبرا في مناظرة بينه وبين العالم الملحد ريتشارد دوكنز:
"التطور لايشرح اصل الحياة بل فقط تغيّر الحياة .... الخلية المفردة لديها أحساس بحقيقة انها يمكنها التفاعل مع بيئتها والتعبير عن استقلالها البيولوجي ولديها القدرة على تلقي المعلومات ومعالجتها والتفاعل باستقلال هذا هو الأحساس .... الخلية المفردة لديها شكل بدائي للأنتباه  "(31)












المصادر 
(1 ).
اخطاء نظرية التطور .
http://www.youtube.com/watch?v=oAqtNVK1alg
(2) كتاب "القضية ....الخالق" ص 254
(3 ) .
http://www.youtube.com/watch?v=oAqtNVK1alg
(4)  




http://creationoevolution.blogspot.de/2014/04/blog-post.html
(5)" القضية ... الخالق" ص  284




(6) نفس المصدر (5) ص 285
(7) . راجع الموقع التالي عن وصف اجزاء الخلية والحامض النووي  والدي ان اي 
http://www.youtube.com/watch?v=jjYQMuhpQyw




(8) . راجع الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=yU3DvP9wEPM




.(9)  " القضية ....الخالق "ص 287




" (10)" القضية ...الخالق"  ص288








"(11) " القضية ... الخالق" .ص311
(12)  القضية ..... الخالق" ص 315)
(13) " القضية ... الخالق )ص 249




"(14)القضية .... الخالق" ص، 254 ، 253
 (15) " القضية .... الخالقق " ص256   ،257
(16) ط القضية ... الخالق" ص  268
(17) " القضية ...ز الخالق " ص 276
(18) 278ص .
.(19)ص278،279
(20) ص 283.
"
  (21)  ص283








"(22)
 (بروفيسور متخصص في الكيمياء الحيوية واستاذ علم الأحياء في جامعة ليهاي ألأمريكية  ، وهو يؤكد ما جاء اعلاه




http://www.youtube.com/watch?v=L8kBiR9RB1Y
(23)  








http://creationoevolution.blogspot.de/2014/04/blog-post.html
.( 24)
http://www.youtube.com/watch?v=X2JJnnXO0BY




(25)كتاب
الخلق والتطور ...زحواربين الدين والعلم
ص35,36،37.38، 39 
. (26) ص47 الخلق والتطور
(27) راجع الموقع التالي 
http://www.bugnah.net/Articles.aspx?ID=44
(28)
 
http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/219.html
.(29)




http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/214.html
" (30)




http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/213.html
(31)
https://www.youtube.com/watch?v=76OZmzozU68

8
الخلق والتطور....حوار بين العلم والأيمان 
الجزء الثاني عشر 
تعقيد الخلية الحية يشهد على بصمة الله الخالق
نافع البرواري 
يقول العالم لويس باستور مكتشف الجراثيم 
"ان الزعم بانه يمكن انبثاق الحياة من مواد غير حية غير صحيح بالمرة وانه اصبح في ذمة التاريخ" (1 ).
اما داروين فيقول
"اذا كان من الممكن تفسير انَّ أيِّ كائن معقد موجود والذي ليس من  الممكن انّه يشكل بواسطة تعديلات عديدة ومتتالية وطفيفة ، عنئذ سوف تبطل وتسقط نظريتي بالتاكيد"(2)
السؤال هو هل سقطت نظرية داروين حول النشوء والأرتقاء من خلال دراسة تعقيد الخلية الحية ؟ الجواب نعم ، كما سنلاحظ ذلك من خلال ما يقوله نخبة من اشهر العلماء المعاصرين ومن ظمنهم  العلماء الذين كانوا يؤمنون بنظرية التطور .
في بداية القرن العشرين كان العالم الروسي المعروف الكسندر اوبرن اول من تناول نشوء الحياة واصلها وكان غايته شرح كيفية ظهور الخلية الأولى التي زعمت نظرية التطور انها السلف المشترك لأنواع ألأحياء . حاول اوبرن في الثلاثينيات تقديم بعض الفرضيات التي تدعي انه من المحتمل ظهور الحياة من مواد غير حية  نتيجة عوامل المصادفات ،غير ان محاولاته هذه بائت بالفشل واضطر اوبرن بالأعتراف بما ياتي:
"من المؤسف  فان ظهور الخلية الأولى يعد اظلم نقطة في نظرية التطور "
ثم قام التطوريون الآخرون باتباع طريقة اوبرن في البحث عن تفسير تطوري في موضوع ظهور الحياة واصلها . واجرو تجارب في هذا الصدد ، واشهر هذه التجارب هي التجربة التي اجراها العالم الأمريكي "ستانلي ملر عام 1953" (راجع  ايضا مقالتنا السابقة عن اصل الحياة بخصوص تجربة ملر) (3 ) .
كلما إرتفع المستوى الذي يجري فيه الاختبار على طريق تكامل تكوين الكائن الحي إرتفع معدل الفشل وخابت الامال المرجوة ، فعند النظر فى المجاهر ، تبين للعلماء أن حياة الكائنات المتنوعة من بشر وحيوانات ونباتات هي محصلة لتعاون مئات المليارات من الخلايا المنفردة الدقيقة الغير مرئية التي تخصصت في وظائفها تخصصا عاليا لدرجة أن أي منها لم تعد قادرة على الحياة منفردة ، ومن ثم أصبحت مهمة العلماء هي فهم وظائف الخلايا المنفردة وطريقة تعاونها لأن المجال المرئي من العالم لم يقدم تفسيرا للحياة . وبدا لهم آنذاك أن من يستطيع أن يعرف لماذا  تمكنت هذه الملايين من الخلايا ،والتي توالدت جمعيها لدى كل حي من خلية (بويضة) ملقحة من أن تتطور تطورا غائيا إلى العديد من الانواع المختلفة من الخلايا عالية التخصص الوظيفي ، فإنه بذلك  قد ملك  سر الحياة ، بيد أن هذا السر يأبى الا أن يزداد غموضا فوق غموضه ،فلا زالت مسألة التنوع الخلوي  بدون حل حتى يومنا هذا ، وما زاد الامور تعقيدا هو إكتشاف العلماء طبقة أعلى من التعقيد تحت المستوى الخلوي بداخل عمق الخلية
ذاتها ، وكان هذا المسار خطوة اولى في ما يسمى مجال "البيولوجية المركبة" والتي اعطتنا الكثير من التساؤلات والألغاز المركبة بدلا من ان تمنحنا ألأجابات 




وظل التساؤل : كيف تنجز هذه الخلية مهامها وما هي العوامل التي تنظم وظائفها المتعددة في كل واحد منسجم ؟ كيف يعمل  هذا النظام ؟ 
وما هو سر وجودة؟ وهل نجحت الداروينية حاملة راية التفسير المادي  فى شرحه ،  أم أن هناك نظريات أخرى بديلة ؟  
.
عندما رأى داروين التشابه في العضلات وبنية الجسم عبر العديد من الأنواع ، لم يكن لديه المعرفة الكافية بهذه التعقيدات الهائلة  الكامنة داخل تلك الأجهزة في ذلك الوقت المبكر من تاريخ العلم ، لكنه وبالرغم من ذلك أدرك حجم الإشكالية التي تواجه فرضيته ممثلة فى بنية الأعضاء الحيوية المعقدة بداخل كيانات الأحياء والتي أطلق عليها أجهزة 
„مفرطة الإتقان والتعقيد“‘extreme perfection and complication‘ 




أمام روعة هذه التصاميم الحيوية يقف داروين عاجزا ويكتب عن تركيب العين فى كتابة أصل الأنواع : 
"إن الإفتراض بأن العين بكل ما أتيت من قدرات فذة لتعديل التركيز وفق مسافات متباينة ، والسماح بكميات مختلفة من الضوء ، وتصحيح الإنحراف الكروي واللوني ، قد صاغها الإنتقاء الطبيعي ،هوعلى ما يبدو، إفتراض سخيف غاية السخف وأنا اعترف بذلك".(4)  
اليوم ، نصل الى القرن الحادي والعشرين ، ولم تحل المشكلة التي اثيرت في اوائل القرن العشرين وهي كيف تبدا الحياة على الأرض ؟




تعقيد الخلية الحية شاهد على بصمة الله الخالق 




اكبر عقبة ضد نضرية التطور هي التعقيد المروع لبنية الخلية الحية . كل شيء حي على وجه الأرض يتركب من الخلايا والتي حجمها 1/100 من المليمتر . وتتكون بعض الكائنات  الحية من خلية حية  وحيدة ، لكن حتى هذه الكائنات ذات الخلية الواحدة لديها تركيبة معقدة للغاية . لها وظائف متطورة ومعقدة من اجل البقاء على قيد الحياة. في عصر داروين ، كانت البنية المعقدة للخلية غير معروفة مع مجهر بدائي . في ذلك  الوقت ظهرت الخلايا مجرد بقع صغيرة ، ومع ذلك تم اختراع المجهر الألكتروني في منتصف القرن العشرين ، مجهر اكثر تطورا للكشف عن التعقيد الحقيقي المذهل والتنظيم  داخل الخلية الحية . وكشفت ان هذا التعقيد والتنظيم باي حال لايمكن ان يكون نتاج الصدفة .
في عام 1953 حاز تشنج فرانسيس وجيمس دي واتسون على جائزة نوبل لأكتشافهما الحلزون المزدوج الشهير الان بالحامض الريبوسي النووي الناقص الأوكسجين ، والذي هو مخزن " للغة الحياة ". ولأكثر من 50 عاما ، بينما كان العلماء يدرسون الستة اقدام من  الحامض النووي والتي يبلغ عددها مائة ترليون خلية ، تعجبوا من كيفية امدادها للمعلومات الوراثية اللازمة لخلق كل البروتين الذي يبني اجسادنا .... ...انَّ القدرة المذهلة لل دي ان اي ،   الميكروسكوبي لأيواء هذا الجبل من المعلومات ، والذي يرمز اليه باربعة حروف من الرموز الكيميائية " يفوق بكثير أي نظام اخر معروف" ، هكذا قال عالم الجينات مايكل دينتون. وفي الحقيقة ، قال ان المعلومات اللازمة لبناء البروتين لكل انواع الكائنات الحية التي وجدت-وقد قدر عددها بالف مليون- "يمكن وضعها في ملعقة شاي وسيظل هناك مكان لكل المعلومات الموجودة في كل الكتب التي كتبت".(5)  
دين كينتون ، استاذ الأحياء- ينكر النتائج التي توصل اليها في كتابه عن ألأصل الكيميائي للحياة ، ويستنتج بدلا من ذلك بأنه" لا شيء ينقصه عنصر الذكاء يستطيع أن يخلق هذا الجهاز المعقد للخلية ". 
ويبدو أن هذا يطابق ما أعلنه العلماء أنهم أخيرا وضعوا خريطة لثلاثة بلايين شفرة للجينوم البشري ...وقال الرئيس كلينتون " أن العلماء يتعلمون اللغة التي خلق الله بها الحياة " . وقال عالم الجينات فرانسيس .اي . كولينز ، رئيس مشروع الجينات البشرية ، إنَّ الحامض النووي 
 " هو كتاب تعليماتنا وهو معروف مسبقا لدى الله وحده ".(6) DNA




تتم برمجة جميع المعلومات في جسمنا من لون اعيننا الى بنية اجهزتنا الداخلية وشكل وبنية خلايانا في اقسام تسمى الجينات داخل الحامض النووي. شيفرة الحامض النووي تتكون من سلسلة من اربعة قواعد مختلفة . اذا شبَّهنا كل قاعدة بحرف ، يمكن توصيف الحامض النووي بقاعدة بيانات مكتوبة بلغة من اربعة احرف أبجدية . يتم تخزين جميع المعلومات حول كل شيء حي في قاعدة البيانات هذه . اذا وجدت لوحة من الطين قديمة متروكة على الشاطئ منقوش عليها احرف غريبة ، انت لا تستطيع قراءتها الاّ اذا كان شخص ما فك شفرتها ولكنك على الأقل ستعرف ان هذه ألأحرف تشكل لغة ما ، حتى لو كنت لا تعرف شيئا عن المؤلف او حضارته ، اللغة يمكن تمييزها حتى لو لم تتمكن من قرائتها . خذ على سبيل المثال شيفرة (مورس) التي تضم ثلاثة اجزاء : نقاط  ، وصلات، ومسافات . يتم دمج ألأجزاء الثلاثة  لتشكيل الحروف ، وهناك 26 حرفا في اللغة ألأنكليزية والتي بدورها تتجمع لتشكيل ما يقارب من 400000 كلمة  .
ويمكن لهذه الكلمات تشكيل جمل او سلاسل لاحصر لها . هناك ادلة على ان الحامض النووي هو لغة: 4 احداث اساسية تسمى النيوكليوتيدات ، والتي تتجمع لتشكل عشرين احماض امينية . ومن هذه الأحماض الأمينية ال 20، الجسم يشكل حوالي 100.000 من البروتينات  . حتى لو لم تتمكن من قراءة شيفرة الحامض النووي ، فهي تمتلك كل خصائص اللغة .  لغة قد بدأ علماء البيولوجيا للتو في فك رموزها .كل خلية صغيرة في الجسم تحتوي على حوالي 1متر من الحامض النووي المضغوط اي ثلاثة مليارات من نيوكليوتيد . التشابه بين الحامض النووي ولغة الأنسان غريب وخارق للعادة بالأضافة الى الرموز ، وكلاهما يستخدم نفس الأساليب لضغط ولوج ، ترتيب ، نسخ ، ونقل المعلومات . يمثل الحامض النووي لغة : انَّه "لغة الحياة" مؤلفها الغير المرئي ، خالق السماوات  والأرض قد ترك شاهد على وجوده في الحامض النووي لجميع الكائنات الحية .
المعلومات التي يتم تخزينها في الحامض النووي تدل على تصميم ذكي ، لماذا نقول ذلك ؟ وهذا له على علاقة بالبنية السببية للعالم .
يقول العالم "بيل غيتس" ان الحامض النووي هو برنامج كومبيوتر ، الا انه اكثر تعقيدا اطلاقا من اي برنامج كومبيوتر موجود ، وهذا مثير للأهتمام . لأننا نعلم أنَّ البرنامج لايمكن أن تاتي الا من المبرمجين . ونحن نعرف عموما أنّ المعلومات ، سواء كان ذلك في برنامج كومبيوتر
باللغة الهيروغلوفية المصرية القديمة ، في عناوين الصحف ، في جهاز 
كومبيوتر محمول اوفي كتاب ، فالمعلومات دائما تاتي من مصدر ذكي .كذلك عندما تم العثور على المعلومات في الحامض النووي فالأستنتاج ألأكثر منطقية ، انها تاتي ايضا من مصدر ذكي ، كذلك عندما تم العثور على المعلومات في الحامض النووي ، فالأستنتاج الأكثر منطقية انها تاتي ايضا من مصدر ذكي (7) 
وتتالف الخلية الحية من الالاف من الأجزاء الصغيرة جدا وتعمل معا في وئام . الخلية تحتوي على محطات طاقة ، مصانع ، تكنولوجيا فائقة ، قاعدة بيانات معقدة ، نظم تخزين ضخمة ، مصافي متطورة ، غشاء خلية الذي لديه وعي من اجل السيطرة على ما يدور داخل وخارج الخلية .
من اجل بقاء الخلية ، يجب ان تكون هذه الأجزاء موجودة وتعمل معا في وقت واحد . ولذلك فمن المستحيل ان نظام معقد كهذا يمكن ان يكون برز من خلال المصادفات(8)
الفيلسوف والعالم ستيفن سي . مير حاصل على شهادة الدكتوراه في اصل الحياة البيولوجية وماجستير في  الجزيئات الحيوية ونظرية التطور من جامعة كامبرج 
في سؤال وجه الى هذا العالم عن  هل ان موضوع اصل الحياة تساوي مشكلة اصل المعلومات البيولوجية ؟ .(9) 
اجاب مير : " بكل تاكيد . فعندما اسال تلاميذي ماذا يحتاجون حتى يجعلوا اجهزة الكمبيوتر تؤدي وظيفة جديدة ؟ فاجابوا " عليك أن تدخل فيه شفرة وهو نفس المبدا فيما يخص الكائنات الحية . ويضيف قائلا :" اذا اردت لأي كائن حي أن يكتسب وظيفة او تركيبة جديدة ، عليك أن تمده بمعلومات في مكان ما في الخلية . انك بحاجة الى تعليمات عن كيفية بناء المكونات الهامة للخلية وهي في معظمها بروتينات " (10) 
......وباختصار ، لم تقترب اية فرضية لتفسير كيف أن المعلومات الضرورية لأصل الحياة ظهرت بوسائل طبيعية . وكما قال الفيلسوف المادي كتشنج "أنَّ الرجل ألأمين والمسلح بكل المعرفة المتاحة لدينا الآن يمكنه أن يقول فقط بأن اصل الحياة الذي يظهر الآن هو معجزة ، فلكي تسير تلك الحياة فهذا أمر يحتاج الى شروط كثيرة ".....السؤال هو من اين جاءت المعلومات الجينية لكي تبني الجزيئات المعقدة ؟ ان هذا يتطلب معلومات جينية معقدة من النوع الذي لاتنتجه لا الصدفة العشوائية ولا ألأصطفاء الطبيعي ولا التنظيم الذاتي "(11).




يقول مير ايضا
" اعتقد ان ثورة المعلومات الحادثة في علم الأحياء تدق ناقوس الموت لمباديء داروين ونظريات التطور الكيمياوي ." ان محاولة تفسير اصل الحياة بمعزل عن مكوناتها الكيميائية قد مات الان .فمبدا الطبيعة لم يعد بامكانه ان  يجيب على المشكلة ألأساسية وهي كيفية ألأنتقال من المادة والطاقة الى الوظائف البيولوجية بدون ادخال معلومات ذكية . " ان المعلومات ليست شيئا ماخوذا من خواص مادية ، انها تتجاوز المادة والطاقة  لن تستطيع ان تفسر المعلومات . والذكاء فقط هو الذي يستطيع ذلك . واعتقد أن تحقيق ذلك سوف يبزغ فجره على اناس أكثر واكثر وخاصة العلماء الصغار الذين نشأوا في عصر تقنية المعلومات ." انّ المعلومات هي السمة المميزة للعقل . ومن خلال ألأدلة الجينية والحيوىة يمكننا أن نخمن بوجود عقل أعظم بكثير من عقلنا ، عقل واع ، وله هدف وحكيم ومصمم ذكي وهو خلاق مدهش ، ولا شك في هذا "(12)
 
يقول العالم بروس البرت رئيس الأكاديمية الوطنية ألأمريكية للعلوم  
"اخفقنا دائما في تقدير الخلية ...ويمكننا أن ننظر الى كامل الخلية  كمصنع يحتوي على شبكة متقنة من خطوط أنظمة التجميع ، كل منها مكون من مجموعة مكائن البروتين الكبيرة ...لماذا نطلق عليها اسم آلات ؟ لأنَّها ، مثل الآلات التي اخترعها الأنسان للتعامل بشكل كفوء مع العالم المرئي ، تجمعات البروتين هذه تحتوي على أجزاء متحركة ذات تناسق عالي ".
اما عالم الكيمياء الحيوية ، فرانكلين .ام . هارولد يقول :
" يجب ان نرفض كمسالة مبدا ، أن تحل الصدفة والضرورة محل التصميم الذكي ، لكننا يجب ان نعترف بانه ليس هناك تفسيرات داروينية مفصلة لتطور اي نظام كيميائي حيوي ، فليس هناك سوى تخمينات توّاقة "..(13) 
العالم مايكل بيه ، وهو بروفيسور متخصص في الكيمياء الحيوية واستاذ علم الأحياء في جامعة ليهاي ألأمريكية 
يقول هذا العالم :




" لايمكن للحياة أن تقفز الى الوجود من ذاتها بدون دعم لها ...وفي كتابه المشهور "الصندوق الأسود"  يقول: " بالنسبة لمعظم الناس يُعتبر الكومبيوتر صندوقا اسودا . فانت تنقر على لوحة المفاتيح بينما لا تستطيع معالجة الكلمات أو تمارس عليه بعض ألألعاب ألألكترونية ، الاّ أن معظمنا ليست لديه فكرة عن كيفية عمل الكومبيوتر....وبالنسبة الى داروين ، كانت الخلية هي الصندوق ألأسود...على ايام داروين أستطاع العلماء أن يروا الخلية تحت المجهر، لكنها بدت ككرة هلامية صغيرة ، ببقعة مظلمة كالنواة . يمكن ان تثير الخلية مسائل كثيرة التي يمكنها أن تتشعب ، ومن الممكن أن تدور حولها ولكن ليس لديك أي معرفة بها ولا كيفية العمل بها .....والآن وقد وصلنا الى أعماق الحياة ، ومع ذلك ازدادت ألأمور تعقيدا ، وعرفنا أنّ الخلية معقدة للغاية ،وانها تدار من قبل مكائن دقيقة بالشكل الصحيح ، والقوة الصحيحة ، والتفاعلات الصحيحة . ووجود هذه المكائن يتحدى الأختبار الذي عمله داروين بنفسه". قال داروين في كتابه " اصل ألأنواع " اذا كان من الممكن تفسير انَّ أيِّ كائن معقد موجود والذي ليس من  الممكن انّه يشكل بواسطة تعديلات عديدة ومتتالية وطفيفة ، عنئذ سوف تبطل وتسقط نظريتي بالتاكيد"(14)
ويضيف قائلا في مكان اخر :
" بالنسبة للخلية  ، من الذي يُشغل أجزائها ؟ ومن الذي يثبتها معا ؟ لا أحد ،إنّها تقوم بعملها بذاتها . ...ان اختزال ألأنظمة البيولوجية المعقدة للخلية يتحدى التفسير الدارويني . فلا يمكن للتطور أن ينتج فجأة آلة بيولوجية معقدة ..... وكلما ازدادت اكتشافاتنا عن هذه الأنظمة البيولوجية المعقدة تزداد ثقتنا بفشل نظرية داروين ....انه من السخافة ألأدعاء للتطور الدارويني هو انه بالأمكان اعداد انظمة  معقدة بدون أي نوع من الذكاء ".(15) 
وعن النظام داخل الخلية الحية يقو ل بيه:
"ان الخلية ليست حساء للشوربة ، وكل شيء يتحرك داخلها بلا هدف . وبدلا من ذلك ، فنواة الخلايا الحسنة – الخلايا التي بها كل الكائنات الحية ما عدا البكتريا- لها  عدد من ألأقسام التي تشبه الغرف بالمنزل ....أما إذا إدَّعى البعض بأن الصدفة قد أوجدت الخلية الأولى كما نراها الآن بالحمض النووي وكاملة في كل شيء، فإننا نقول له: إن قولك هذا يشبه العثور على سيارة أحدث موديل في صحراء جرداء أو في غابة لم يصل إليها إنسان قط، فمن يصدق أن هذه السيارة وجدت في هذا المكان من قبيل الصدفة، وأنها تكوَّنت من مواد الطبيعة خلال ملايين السنين.. وهكذا يدعوننا دعاة نظرية التطوُّر للتخلي عن عقولنا وتصديق نظريتهم.ص(16)  
من المدهش ان نفكر ان هذه ألآلة (الخلية ) العجيبة التي تمتلك قدرة هائلة لتصنيع كل شي حي قد عاشت على ألأرض ، من الخشب ألأحمر الى المخ الأنساني ، وبامكانهما تصنيع كل مكوناتها في دقائق ، وهي اصغر الاف الملايين من المرات من اصغر الة صنعها ألأنسان على الأطلاق . "انّ العلماء يحاولون حل لغز اصل الحياة كانوا يكتشفون خواص التنظيم الذاتي  لفترات . ورغم ذلك فهم  اليوم أكثر ارتباكا فيما يختص باصل الحياة اكثر مما كانوا منذ خمسين عاما . فلم يتوصلوا الى اي تفسير عن كيف ان التنظيم الذاتي يمكن ان يوضح شيئا في درجة صعوبة وتعقيد الكائن الحي الأولي "(17).....يبدو أنَّ أولئك الذين ينشطون عندما يتحدثون عن نظرية داروين في التطور هم اولئك المهتمون بالجوانب الفلسفية واللاهوتية للنظرية وليس بالعلم نفسه .(18)...اعتقد أنَّ ألأنظمة المعقدة هي اقوى دليل على وجود تصميم مقصود وله هدف قام به مصمم ذكي . ولاتنجح اية نظرية اخرى ولا حتى نظرية داروين ...ان المشروعات العظيمة للمخلوقات الحية هي ليست نتاج الصدفة
والخطأ (كما يدعو الداروينيين ) ..انها تشير الى الخالق وتظهر لنا ذكاء في الخلق ، وهي ألآن اكثر اضاءة وقوة عن ذي قبل .(19)
....بالنسبة لي ، انَّ غرض العلم هو كيف جاءت ألأشياء الى هنا وكيف تعمل . ويجب على العلم ان يبحث عن الحقيقة ، وليس فقط مجرد البحث عن تفسيرات مادية . إنّ علماء التاريخ العظام – امثال نيوتن واينشتاين – لم يعتقدوا على ألأطلاق أنّ وظيفة العلم هي أن يأتي ببعض التفسيرات الذاتية للطبيعة . 
يقول العالم جيمس شابيرو من جامعة شيكاغو بعد مراجعته لكتاب بيه "الصندوق ألأسود" :
"ليس هناك وصفا تفصيليا لداروين عن اي نظام اساسي في الكيمياء الحيوية أو نظام الخلايا  ، وكل ما هناك هو مجرد مجموعة من التاملات "
وعن برهان المعلومات الحيوية داخل الخلية الحيوية يقول العالم جورج سم جونسون(20). 
يحتوي  
البشري على معلومات اكثر تنظيما من دائرة المعارف البريطانيةDNA
واذا كان ممكنا للنص الكامل لدائرة المعارف أن يصل الى نظام شفرة الكمبيوتر من الفضاء الخارجي ، فان معظم الناس سوف يعتبرون ذلك على انه برهان على وجود ذكاء أرضي فائق . ولكن عندما يُربى في الطبيعة فيفسرونه على انه من صنع قوى عشوائية .
اما العالم فيليب جولد يقول نقلا عن اينشتاين "
:" إنَّ الله لايلعب النرد (الطاولة ) وقد كان محقا في ذلك . إنَّ الله يلعب اسكرابيل (لعبة تشكيل المعلومات) "  (21) 




كتاب الصندوق الأسود للبروفيسور مايكل بيهي هو للتصدي البيوكيمياوي للتطور
يقول هذا العالم ايضا : 
"من المهم فعلا  ان نشير الى اننا كلما عرفنا اكثر بخصوص الحياة ، وكلما عرفنا اكثرحول البيولوجيا كلما زادت مشاكل الداروينية ، واصبح "التصميم " اكثر وضوحا ....من المفترض  ان التطور الدارويني ، يفسر البيولوجيا... قررت ان لااعتبر الآليات الداروينية كتفسير شامل للحياة "(22)




في ظل التقدم العلمى فى مجال "البيولوجيا الجزيئية " الذي  منحنا نظرة أكثر عمقا عن سيرورته  ، وتكشف لنا مع ذلك التقدم أن الكثير من التفاعلات المهمة بين مكونات أي كائن متعض لا تتم على المستوى الفيزيوكيميائي بل على مستوى تكاملى أرقى منه ومتسيد عليه هو "البرنامج المعلوماتي" 
  „ الحمض النووى DANN „ المتمثل فى الذي يتواجد داخل نواة كل خلية حية، وهو بمثابة أبجدية مكونة من أربعة أحرف تحمل المعلومات ذات التعقيد المتخصص "تماما مثل الجمل العربية " أو برامج الكومبيوتر والتي لا يمكن تفسيرها بكيمياء الحبر أو فيزياء المغناطيسية، ولكنها ترجع الى التصميم الحكيم .هذا البرنامج يمكن إعتباره القاسم المشترك بين جميع الكائنات الحية من البكتيريا إلى الإنسان، وهو ما يقوم بوظيفة توجيه الأجزاء إلى الترابط فى تلك النظم الحيوية على نحو دقيق وقيادتها ويحمل  مخططات بناء الكائن الحي ووظائفه بكل تفاصيله المدهشة. 
يشير العالم باول ديفيز الى تلك الحقيقة بقوله :
"نعرف ألان أنَّ سر الحياة لايكمن في المكونات الكيميائية ولكن في البنية المنطقية والترتيب التنظيمي للجزيئات ، فالحياة هي نظام معالجة المعلومات . وبرنامج الخلية الحية هي السر الحقيقي . كيف لذرات غبية كتابة البرامج بشكل عفوي" ؟
السؤال من أين اتت البرامج في الخلية ؟
هذه الفجوة المعرفية التى يدعيها النهج العلمي العلماني ،  حول مصدر البرامج والمعلومات الحيوية (، بكونها مكونات كيميائية- فيزيائية) هي فى حقيقتها ليست الا فجوة مصطنعة يتم الترويج لها بغرض الهروب مما تؤول إليه التحليلات المنهجية  من نتائج فى هذا الصدد . وعلى النقيض من ذلك نجد أن الكثير من الأبحاث المعنية تؤكد حتمية تصدر التصميم (الذكي )لخلق مثل هذه البرامج المعلوماتية الحيوية 
في كتابه " في البدء كانت المعلومات"، للعالم فيرنر ، استاذ الفيزياء ومدير قسم معالجة المعلومات في براونشفايغ في المانيا، يخلص الى هذه النتيجة بقوله
" نظام الترميز يستلزم دائما عملية عقلية . النهج الفيزيائي لايمكنه ان ينتج رموز المعلومات . تظهر جميع التجارب ان كل قطعة من المعلومات ألأبداعية تمثل بعض الجهد العقلي ."




 وفي نفس السياق يعترف العالمان    "ليستر " وبولن" بهذه الحقيقة فيقولان : "الحامض النووي هو رمز المعلومات......ألأستنتاج القطعي هو ان هذه المعلومات لاتنشا تلقائيا من خلال عمليات الية . الذكاء ضرورة ، في ألأصل ،لأي رمز معلوماتي ،بما في ذلك الشفرة الوراثية ".   
من خلال التحليل التتابعي السابق بالطرح نخلص إلى النقاط الاتية :
*الكائن الحي ليس تراكمات مجردة  لمجموعة من المفردات وإنما نظام دقيق متكامل لا يقبل الإختزال والتطور التدريجي .
 *يتحكم فى سيرورة هذا النظام (برنامج معلوماتي) إنشائي وتشغيلي مسبق يمثل نوع من التعقيد المتخصص. 
 *البرنامج المعلوماتي يستحيل تفسير وجوده بالنهج الفيزيوكيميائي والقوانين الطبيعية وإنما هو نتاج حتمى للتصميم الحكيم كما أثبتت التجارب والدراسات في هذا الشأن(23)  
احتمالية تكوين بروتين تدحض الصدفة 
العالم "دوغ اكس " الأخصائي في البايلوجية الجزيئية ودكتوراه في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا اراد ان يعرف ماهو احتمال او ماهي ندرة وجود تسلسل احماض امينية وظيفي المسمى بالبروتين بين كل الأمزجة الممكنة من الأحماض الأمينية وقرر" ان ألأحتمال ألأجمالي لتكوين بروتين وظيفي في الخلية عن طريق الصدفة هي 10 اس 164  وهذا الرقم الخيالي يجعل الناس تشكك في احتمالية نشوء الحياة عن طريق الصدفة" .لايوجد عالم جاد يعتقد ان الحياة جاءت بالصدفة .( 24)




وعن تعقيد الخلية  الحية جاء في كتاب لنخبة من العلماء (الخلق والتطور حوار بين العلم والدين)مايلي :
"ان كل البروتينات ، داخل الخلية ، مبرمجة من قبل الحوامض الربيونووية المنزوعة الأوكسجين . نحن امام حلقة مفرغة : البروتينات تحتاج الى حوامض نووية والحوامض النووية لايمكنها ان تصمد بدون تدخل البروتينات . فأيّ من البروتينات او الحوامض النووية استطاع أن يبدأ عملية التركيب الذاتي؟ (كما يدعي اصحاب نضرية داروين الجدد ).
الم يكن ثمة حدث ابتدائي خارق العادة جدا لتكوين الخلية الحية ألأولى المحتوية على الحوامض النووية ؟ في الواقع ، أنَّ عالمنا الحالي لايبين لنا كل الكائنات الوسيطة التي تتضمن ألأنتقال الدائم بين المادة الجامدة والكائنات الحية....انَّه لمن المؤكد أنّ الكائنات الحية الحالية مع تقدمها وسرعة تفاعلها الطاقوية والتركيبي تكاد تجعل الرصد الحالي لمراحل النشوء الأحتمالي للكائن الحي مستحيلا....كما لم تعد الناس تفكر بخلية اولى ظهرت بصدفة خارقة او بعملية خلق خاصة . في الحقيقة ان اول ولادة للحياة لاتزال غالبا تعتبر غير محتملة كما تبينه نظرية مونود حين يقول :"لم يكن الكون باسره مجالا للحياة مثلما لم يكن المحيط الحيوي للأنسان "...من المؤكد ان العلماء لم يتوصلوا الى اعادة بناء مراحل تكوين الحياة  ضمن تواصل مستمر يمكنهم تحقيق ألأنتقال من المادة الجامدة الى المادة الحية عن طريق سلسلة واحدة من التجارب" . (25)
السؤال المطروح هو لماذا اذا شق التطور السبيل الخاصة التي تمر بالبروتينة والحوامض الربيونووية المنزوعة ألأوكسجين فالغشاء ثم البنى المتزايدة التعقد؟ 
فالعقل الذي لم يتنور بالعلم يصاب بالعمى ازاء الطابع البعيد جدا من ألأحتمال لهذا السبيل . نحن نفهم البحث والفكرة اللذين دافع عنهما طويلا بيولوجيين اختصاصيين بالجزيئات : الحياة ولدت نتيجة الصدفة ، كما يقول علماء التطور الدارويني ، هو اشبه ما تكون بقيام أحد القردة بالضرب على الالة الكاتبة  فيطبع لنا مسرحية هاملت لااراديا. (26)




وقد عقد عالم الرياضيات والفلك الإنكليزي، السير فْرِد هويل، مقارنة مشابهة في إحدى مقابلاته التي نُشرت في مجلة" الطبيعة" في تشرين الثاني (نوفمبر) سنة .1981 وعلى الرغم من كونه أحد دعاة التطور، فقد أوضح هويل : "أن احتمال ظهور أشكال الحياة العليا بهذه الطريقة(اي بالصدفة) يقارَن بفرصة قيام إعصار جارف يمر بساحة خردة بتجميع طائرة بوينغ من طراز 747 من المواد الموجودة في الساحة " . ويعني هذا أن من غير الممكن أن تظهر الخلية في الوجود بالمصادفة، وبالتالي لا مناڤ من حتمية خلقها. وتتمثل أحد الأسباب الرئيسية لعدم قدرة نظرية التطور على تفسير كيفية ظهور الخلية هو في تعقيد الخلية الذي لا يمكن تبسيطه. إذ تحافظ الخلية الحية على بقائها من خلال التعاون المتناغم بين العديد من الجزيئات العضوية. وإذا تعطّل أي من هذه الجزيئات العضوية عن العمل لا يمكن أن تظل الخلية على قيد الحياة ؛ إذ لا تملك الخلية فرصة انتظار حدوث آلية لاإرادية مثل الانتقاء الطبيعي أو الطفرة للسماح لها بالنمو، وبالتالي لا بد –بالضرورة- أن تكون الخلية الأولى على الأرض قد امتلكت كل الجزيئات العضوية والوظائف اللازمة، ويعني هذا بالتأكيد أن هذه الخلية قد خُلِقت."(27) 
يقول " أوبارين " Oparine عالِم البيولوجيا الروسي 
ردًا على القائلين بأن الصدفة هي التي أوجدت الخلية الأولى : " أن ذلك يشبه تمامًا أن يمسك أحدهم بقطع كُتِب على كل منها حرف من حروف الهجاء المعروفة فيخلطها معًا ثم يبعثرها على الأرض يحدوه الأمل في أن تسقط مصبوغة شعرًا موزونًا مُقَفي.(28)
 
يقول " مايكل دنتون " أستاذ البيولوجيا :
 " كي تفهم حقيقة الحياة على النحو الذي كشفه علم البيولوجيا الجزيئية يجب علينا أن نكبر الخلية ألف مليون مرة حتى يبلغ قطرها 20 كيلو مترًا، وتشبه منطادًا عملاقًا بحيث تستطيع أن تغطي مدينة مثل لندن أو نيويورك. ما ستراه – عندئذ – هو جسم يتسم بالتعقيد والقدرة على التكيف بشكل غير مسبوق، وسنرى على سطح الخلية ملايين الفتحات مثل الفتحات الجانبية لسفينة فضاء ضخمة، تنفتح وتنغلق لتسمح لمجرى متواصل من المواد أن ينساب دخولًا وخروجًا. وإذا تسنى لنا دخول إحدى هذه الفتحات سنجد أنفسنا في عالم من التكنولوجيا المتميزة والتعقيد المحير.. تعقيد يتعدى طاقتنا الإبداعية نفسها، وهذه حقيقة مضادة لفرضية الصدفة ذاتها وتتفوق بكل ما في الكلمة من معنى على أي شيء أنتجه عقل الإنسان" .(29)
وقد إعترف كل العلماء أن الخلية الواحدة تعتبر عالمًا مستقلًا قائمًا بذاته Microcasm حقًا أن الذي يتأمل الخلية الحيَّة يصل إلى إبداع الخالق، ويقول " سيسل هامان".. " أينما إتجهت ببصري في دنيا العلوم، رأيت الأدلة على التصميم والإبداع، على القانون والنظام، على وجود الخالق الأعلى.. عندما نذهب إلى المعمل ونفحص قطرة من ماء المستنقع تحت المجهر لكيما نشاهد سكانها، فإننا نرى إحدى عجائب الكون. فتلك الأميبا تتحرك في بطء وتتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها، فإذا به داخلها، وإذ به يتم هضمه وتمثيله داخل جسمها الرقيق. بل أننا نستطيع أن نرى فضلاته تخرج من جسم الأميبا قبل أن نرفع أعيننا عن المجهر، وإذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة أطول، فإننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطران. ثم ينمو كل من هذين الشطرين ليكون حيوانًا جديدًا كاملًا. تلك خلية واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التي تحتاج الكائنات الأخرى الكبيرة في أدائها إلى آلاف الخلايا أو ملايينها. لاشك أن صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حد النهاية، تحتاج أكثر من المصادفة" (30)
يقول العالم ديباك شوبرا في مناظرة بينه وبين العالم الملحد ريتشارد دوكنز:
"التطور لايشرح اصل الحياة بل فقط تغيّر الحياة .... الخلية المفردة لديها أحساس بحقيقة انها يمكنها التفاعل مع بيئتها والتعبير عن استقلالها البيولوجي ولديها القدرة على تلقي المعلومات ومعالجتها والتفاعل باستقلال هذا هو الأحساس .... الخلية المفردة لديها شكل بدائي للأنتباه  "(31)












المصادر 
(1 ).
اخطاء نظرية التطور .
http://www.youtube.com/watch?v=oAqtNVK1alg
(2) كتاب "القضية ....الخالق" ص 254
(3 ) .
http://www.youtube.com/watch?v=oAqtNVK1alg
(4)  




http://creationoevolution.blogspot.de/2014/04/blog-post.html
(5)" القضية ... الخالق" ص  284




(6) نفس المصدر (5) ص 285
(7) . راجع الموقع التالي عن وصف اجزاء الخلية والحامض النووي  والدي ان اي 
http://www.youtube.com/watch?v=jjYQMuhpQyw




(8) . راجع الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=yU3DvP9wEPM




.(9)  " القضية ....الخالق "ص 287




" (10)" القضية ...الخالق"  ص288








"(11) " القضية ... الخالق" .ص311
(12)  القضية ..... الخالق" ص 315)
(13) " القضية ... الخالق )ص 249




"(14)القضية .... الخالق" ص، 254 ، 253
 (15) " القضية .... الخالقق " ص256   ،257
(16) ط القضية ... الخالق" ص  268
(17) " القضية ...ز الخالق " ص 276
(18) 278ص .
.(19)ص278،279
(20) ص 283.
"
  (21)  ص283








"(22)
 (بروفيسور متخصص في الكيمياء الحيوية واستاذ علم الأحياء في جامعة ليهاي ألأمريكية  ، وهو يؤكد ما جاء اعلاه




http://www.youtube.com/watch?v=L8kBiR9RB1Y
(23)  








http://creationoevolution.blogspot.de/2014/04/blog-post.html
.( 24)
http://www.youtube.com/watch?v=X2JJnnXO0BY




(25)كتاب
الخلق والتطور ...زحواربين الدين والعلم
ص35,36،37.38، 39 
. (26) ص47 الخلق والتطور
(27) راجع الموقع التالي 
http://www.bugnah.net/Articles.aspx?ID=44
(28)
 
http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/219.html
.(29)




http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/214.html
" (30)




http://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/213.html
(31)
https://www.youtube.com/watch?v=76OZmzozU68

9
الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان 
الجزء التاسع 
المذهب الطبيعي هل أصبح عقيدة إيمانية الحادية ؟




نافع البرواري




" مثلما توجد قوانين فيزيائية تحكم العالم الطبيعي ، هناك أيضا قوانين روحية تحكم علاقتك بالله" (1)
ان الذي يتابع تاريخ انفصال العلم عن الدين منذ القرن التاسع عشر وانتشار الفلسفة الألحادية والمذهب الطبيعي في المجتمعات الغربية اصبح الألحاد وبمرور الزمن عقيدة ايمانية ، واصبحت غالبية المؤسسات العلمية والثقافية والأعلامية وحتى السياسية موجه لترسيخ هذه العقيدة في العائلة والمدرسة والمجتمع كله . واصبح الأيمان بالله يُقمع في هذه الدول بحجة ان الأيمان في المسيحية اصبح حجر عثرة في تقدم هذه الدول كما يقول كبار فلاسفة الألحاد ومنهم نيتشه وسارتر وصولا الى تشارلس دوكنز زعيم الملحدين المعاصرين .
والمشكلة الأكثر ماساوية هو ان هذه الدول تحاول قمع كل من تسول نفسه عدم مسايرة هذه العقيدة الألحادية .حتى لو اكتشف العلماء نظريات جديدة ، مثل نظرية التصميم الذكي ، التي تدحض نظرية التطور الداروينية وبالتالي تدحض الفكر المادي والفلسفة الوجدودية ألقائمة على الواقعية .
لعل السبب الوحيد الذي جعل لنظرية داروين وجودًا حتى الآن هو دفاع الفلسفة المادية عنها بشغف و هوس كبيرين في بعض الأنحاء العلمية. و يتشابه عالم الداروينية مع الاتحاد السوفيتي الذي كان له وجود في النصف الثاني من عام 1980. فكما في ذلك الوقت ظهر إفلاس الشيوعية كإيديولوجية و لم تعد فرضيات هذه النظرية صالحة أيضاً. إلا أن مؤسسات النظام الشيوعي كانت تحتفظ بوجودها حتى الآن. فهناك جيل غُسل عقله بإيديولوجية الشيوعية، وكان يتم الدفاع عن هذه الإيديولوجية بشكل لا يقبل النقاش. و بسبب هذا المذهب الاعتقادي استطاع النظام الشيوعي الذي انهار من الناحية الفعلية أن يعيش مدةً أطول. فقد تم إصلاحه بتطبيق صيغ عرفت بـ " الشفافية " و " إعادة البناء " و أُريد لها أن تعيش. إلا أنه في النهاية حدث الانهيار الحتمي. (2)
لم تستطع نظرية داروين أن تقدم دليلاً علميًّا مؤكدا على صحتها، ولم يستطع أحد من العلماء الذين ينادون بها أن يبرهنوا على صحتها؛ لأنها بنيت على الفلسفة والملاحظات الشخصية وقوة المخيلة وليس على التجربة العلمية (3)




العالم مايكل كريمو في مقابلة خاصة يقول :
العلماء طيلة 150 سنة السابقة وجدوا عدة حقائق مدهشة تعارض نظرية التطور 
والمجتمع العلمي الحالي لايريد ان يعرف الناس ذلك ، يريدون ان يروجوا لفكرة أنَّ أيَّ أحد يعارض نظرية التطور هو انه متعصب ديني او غريب الأطوار لكن ذلك ليس صحيحا ، ومن يخرج عن هذا النهج فقد يتم التعامل معه بشكل غير منصف ، انهم يحرفون ما يجدون لكي يناسب فكرة التطور التدريجي (4).
تكثَّفت مجهودات الخروج عن نموذج ألأنفجار العظيم المعياري في السنوات ألأخيرة . فكثير من العلماء لايرتاحون لحقيقة أنّ بداية العالم تستلزم خالق . وآخرون يقلقون لأنَّ قوانين الفيزياء لايمكنها تفسير حدث الخلق . وهناك علماء للأسف لهم دوافع وراء نظرية ما تنفصل عن قيمتها العلمية . وقد تكون للسياسة والأعلام تاثير كبير على توجه واعتناق العلماء للفلسفة المادية. هكذا علماء ألآثار وألأنتروبولوجيا ، وبشكل عملي ، قد دفنوا كلِّ ألأدلة التي اكتشفوها عن الحضارات الأنسانية على هذا الكوكب ، ولايتم عرض هياكل الأنسان القديم في المتاحف العالمية ، ولايتم تدريس ألأطفال ذلك في المدارس ، لأن الأكتشافات الجديدة تعارض نظرية داروين ، فعلى الحقائق ان تنتهي ، وهكذا الكثير من الأدلة التي تثبت أنَّ ألأنسان قد تواجد منذ ملايين السنين قد تم قمعها . اصبح كل من يخالف نظرية داروين من العلماء ويُثبت خطأ هذه النظرية يتم قمعه لأنَّ عالم اليوم يؤمن بنظرية التطور، التي تؤمن انَّ البقاء للأفضل . ليس هذا فقط بل هناك تعديلات لسجل الموجودات لكي تناسب النظرة التطورية الداروينية المتدرجة للأشياء ، وان نظرية داروين تقدم للناشئة على أنَّها حقيقة مفروغ منها مثبَّة منذ زمن طويل والسؤال عنها مضيعة للوقت واثارة للسخرية (12).أ لقضية الخلق 
تم تلقين نظرية التطور لأجيال من الطلبة في المدارس والجامعات العالمية فلذلك ليس من البساطة التخلي عن هذه النظرية بسهولة . هكذا الفلسفة الألحادية والألحاد الطبيعي اصبح ايمانا لدى الكثير من شعوب العالم وخاصة الشعوب




الغربية بسبب الفكر الوجودي الألحادي الذي ساد العالم الغربي بعد نظرية داروين وانتشار فكرة "موت الله" للفيلسوف الألماني" نيتشه ".كما ان النظرية العلمية السائدة في تلك الدول ، حول ازلية الكون او ثبات الكون الأبدي كانت تدعم الألحاد وعدم الأعتراف بوجود خالق للكون والحياة .
لم تستطع نظرية داروين أن تقدم دليلاً علميًّا مؤكدا على صحتها، ولم يستطع أحد من العلماء الذين ينادون بها أن يبرهنوا على صحتها؛ لأنها بنيت على الفلسفة والملاحظات الشخصية وقوة المخيلة وليس على التجربة العلمية (5).
اعترف آينشتين أن فكرة الكون المتمدد "تزعجني " وقال عالم بارز " ربما بسبب مدلولاتها اللاهوتية " . واطلق عليها الفلكي البريطاني ارثر ادينجتون "كريهة " وقال فيليب موريسون من معهد ماسا شوستس للتكنولوجيا "اود أن ارفضها" وقال جاسترو أنها بغيضة للعقل العلمي." .......وهذا توضيح جيد عن كيف ان العلماء ليسوا مجرد ماكينات مفكرة ، لكنهم يستندون الى عوامل فلسفية وشعورية ايضا (6) . 
سؤل العالم ويلز : لماذا تعتقد ان تجربة ميلر ما زالت تنشر في الكتب المدرسية ؟ فهز اكتافه وقال "ان الأمر يتضح لي اكثر فاكثر بان هذه فلسفة مادية تتنكر في ثياب علم تجريبي . فالأتجاه السائد يقول إنَّ الحياة لا بدَّ وأنها تطورت بهذه الطريقة لأنَّه لايوجد اي تفسير مادي آخر . وان حاولت ان توجد تفسيرا اخر – وجود تصميم ذكي على سبيل المثال- لأعتبرك أولئك المؤمنون بنظرية التطور بانك لست عالما "(7) .




المسؤول عن قسم الطيور في متحف اشار الى أنَّ المجتمع أصبح منحازا الى " العلماء المتحمسين " الذين كانوا " مهتدين جدد للأيمان بان الطيور قد تطورت عن الديناصورات" 
"ان الزيف ياتي من هذه الحفريات طوال الوقت لأن المتعاملين مع الحفريات يعرفون انها تتضمن اموالا طائلة(8)
اليوم ايقونات التطور الداروينية تستخدم في تعليم الطلبة . .....يدّعي انصار دارون أن قصة الحياة البشرية هي قصة تطور ، ومن هنا وضعوا الحفريات في قصة مسبقة بدا انها تناسبها . وهذه القصة يمكنها أن تاخذ اشكالا عديدة اعتمادا على تحيزات الفرد. وكما قال أحد علماء ألأنسان ، فان العملية كلها "سياسية وشخصية " الى الحد الذي اقترح فيه أن "البايلو أنثروبولوجي له هيئة العلم لا جوهرة " . ..كتبت عالمة بايلوانثر بولوجي تُدعى ميزيا لانداو كتابا تحدثت فيه عن التشابهات بين قصة التطور البشري والحكايات الشعبية القديمة . واستنتجت أنَّ الكثير من النصوص الكلاسيكية في هذا المجال كانت "تحددها الى حد بعيد اطارات الحكايات التقليدية بنفس درجة ألأدلة المادية " ، وأنَّ هذه الموضوعات تفوق بمراحل ما يمكن ان يشار اليه من دراسة الحفريات بمفردها (9) " 
يقول لي ستروبل ، كاتب كتاب "القضية الخلق" ، ان كثيرين – ومنهم أنا – صاروا تابعين للداروينية من خلال الحفريات أوألأدلة ألأخرى التي قوضتها أو دحضتها ألأكتشافات اللاحقة . لكن الدمار وقع فعلا في حالات كثيرة ، فالطالب الذي لايعي هذه ألأكتشافات المتلاحقة قد انتمى اصلا للمذهب الطبيعي بصورة كاملة (10) 








وعن سؤال لماذا هذا القمع للعلماء المخالفين لنظرية داروين التطورية ،يجيب العالم مايكل كريمو في مقابلة خاصة :
هناك ضغوطات هائلة من اجل المحافظة على النظام داخل المجتمع العلمي 
على سبيل المثال ، بالنسبة لأي منصب اكاديمي أو منصب بروفيسور، في الجامعات الأمريكية ، في العادة هناك الاف المتبارين ، ومن السيء لسمعتك ان تقوم بنشر اشياء ، ليس من المفترض ان تنشر ، هذا امر سيء للغاية لسمعة الشخص .....فكل فكر مخالف للأفكار السائدة بخصوص عمر الأنسان واصله ، لايتم نشره ، وهناك غش حتى في وضع الأحصائيات والحقائق العلمية التي يتم اكتشافها فيتم تزويرها . في بداية القرن العشرين ، كان هناك ادعاء مزعوم باكتشاف الرجل القرد في انكلترا بناء على الجمجمة وعظم الفك ، وهذا الرجل القرد كان في الكتب العلمية لمدة 40 سنة وبعدها فجاة قام المتحف البريطاني بالتحقيق في تلك الحفريات وكشف انها خدعة مدروسة . واكتشف التحقيق بالتكهن في تورط علماء بريطانيين ومنهم سير كرافت ، الن سميث ، سميث وردورد ، وكلهم علماء مرموقين في انكلترا ، لأنه فقط من يعرف الطرق العلمية يمكنه ان يزيف هذه الحفريات بهذه الطريقة لكي تخدع المجتمع العلمي في كل انحاء العالم ل 40 او 50 سنة 
القوة ، الهيبة ، المال ، هي السبب في تدمير الأدلة
اذن فبعض العلماء حاولوا تقديم دليل لنظرية التطور لأنَّه لاتوجد ادلة كثيرة(11)
اما العالم والفيلسوف ديفيد برلنسكي في كتابه " وهم الشيطان" يقول :
"يبدو لي بانَّ أيُّ شخص يعيش في أمريكا أو أوربا يرى وجود مجموعة علماء مسرورين يحتكرون العلم لصالحهم ، ويستمتعون بفرضهم علينا كيف نُفكِّر وفي ماذا نُفكِّر والمواقف التي يجب ان نتخذها ونُدافع عنها وهذه مؤامرة !!!! في أوساط المختصين تُنشر على شكل جُرعات مدروسة ومتعمِّدة تشبه حقن الطبيب عندما يُحقِنكَ وهكذا في هذه الأيام تم تسييس العلم ليكون العلم يُجاري ألألحاد المعاصر .إنّ الساسة يفرضون على العلماء ليقولوا ماهو يوالم سياستهم ألألحادية . يقولون لايوجد الله ويقولون هذا لأنَّهم علماء .لكن هذا المفهوم الثقافي والأجتماعي وألأيدولوجي سيصبح مع الوقت مثيرا للغضب . دائما ما نجد في عناوين الجرائد عنوانا رئيسيا يرد على المعارضين على هذا النحو:
"يقول العلماء كذا وكذا .. ولايوجد الله ." ...هذه ليست أقوالهم بل ما يفرض عليهم من طرف مكتب العلاقات السياسي للمجتمع العلمي والأجهزة الأعلامية !!!!! ، ويفرضون ما يجب أن يقوله العلماء للعامة !!!!!. وفي غضون يوم يغيّر العلماء مواقفهم . ويمكن مراجعة تاريخ الطب في آخر خمسين سنة . فنجد نجاحا يتضح بعد ذلك بانه كذب وخداع ...لذلك هناك غضب شديد بسبب خداعهم من قبل المجتمع العلمي حتى أنَّ الكثير من العلماء لايعلم عمَّ يتحدّث .بالطبع ليسوا كلهم لكن الكثير منهم ....وأكثر ما يغيظ هو التبجُّح والعجرفة في اوساطهم ، حيث يقولون "بما اننا علماء فلا يوجد الله " . العلم التجريبي يتحدث عما يمكن ادراكه من العالم المادي المجرد بالحواس الخمس ولايوجد سبب لنعتبره شاملا لكل الحقائق في العالم " .....انا ارفض ادراك العالم المادي الا بالعلم التجريبي فهناك طرق اخرى لأدراك العالم المادي ....لكن المشكلة هو مصطلح " النزعة الطبيعية او المادية" ، فهو سطحي وتافه ولايوجد أساس قوي لهذا المصطلح ....ان الرياضيات نموذج علمي واضح وليس له علاقة بالمادية على ألأطلاق . .. . السؤال لماذا يركز الأعلام والدعاية على النزعة المادية وكأنها الطريقة الوحيدة للمعرفة علميا وفكريا ؟ .......فلا نستغرب عندما يقول أحد ما "أنا عالم إذن انا ملحد" فليس هناك أية علاقة بين سبب الحاده وكونه عالما أو بالأحرى يقصدون "أنا عالم اذن أنا متعاقد قانونيا متخصص في مجال ما ، متخصص مثلا في الفيزياء الجزيئية...لكن هل هو متخصص مثلا في وجود الله ؟!!!!!! بالطبع لا . لذلك أنا كذلك أطلب بعدم تدخلهم في غير اختصاصهم وعدم أقحام معتقداتهم وقناعتهم والتزاماتهم في العالم فهم يحرجون انفسهم بهذا (12)
لاتوجد في التاريخ العلمي كلّه مسألة شهدت من التزوير والأدلة الملفقّة والفضائح العلمية والجرائم الأخلاقية مثل نظرية التطور، التي لم يتورّع المتعصّبون لها عن تزوير الحفريات وتركيب أجزاء جماجم على أخرى ومعالجة عظام حديثة لتبدو قديمة، واصطياد إنسان بدائي وحبسه في قفص بين أقفاص القرود ليثبتوا نظريتهم دون اكتراث بهذا الإنسان الذي أنهى حياته بالانتحار في قفصه......... أن علماء التطور لا يتورعون عن استخدام أي نوع من أنواع الوسائل غير العلمية في سبيل إثبات نظريتهم. وإذا أخذنا هذه النقطة في الاعتبار، عندما نلقي نظرة على الأدلة الأخرى المزعومة بشأن خرافة تطور الإنسان، فسنواجه موقفاً مشابهاً. وهنا سنجد قصة خيالية وجيشاً من المتطوعين مستعداً لتجربة كل شيء من أجل إثبات هذه القصة."....[ لقد تحوّلت النظرية في الواقع إلى دين علمي إذ قَبِلَها معظم العلماء وحاول الكثيرون منهم ليّ عنق ملاحظاتهم العلمية لتتوافق مع النظرية".
و يقول "ثومسون": "لست مقتنعاً بأن دارون أثبت رأيه أو أنه ترك أثراً مفيداً في التفكير العلمي أو في التفكير العام. إن نجاح الدارونية تم بعد تدنّي مستوى النزاهة العلمية".
ومع كل ذلك لا تزال هذه النظرية بعد قرن ونصف من إطلاقها تفتقر إلى أيّ دليل علمي حقيقي عليها. كما أنه لا توجد مسألة علميّة تدخّلت فيها السياسة بالعلم مثل مسألة التطوّر، فبينما يعترض كثيرون في الغرب على تدريسها للطلاب في المدارس على أنها حقيقة علميّة تقف أطراف سياسيّة ومراكز قوى غير علميّة في وجه هذا الأمر بشراسة، وكان المتوقّع في النظام الديمقراطي الغربي أن يُترك مثل هذا الشأن للجهات الأكاديمية ويُتعاطى معه على أساس علميّ بحت. مراكز قوى مشبوهة تقف بشراسة وراء نظرية التطور في الغرب كما لو كانت جهة دينية متعصّبة، لكنها تروّج لدين باطل لا دليل على صحته، دون مراعاة للأسس العلميّة ولا احترام لتفكير الناس ولا لحريّتهم في الاختيار.
يقول العالم الجيولوجي الصيني "يون يوان شين": "في الصين يحق لنا نقد الدارونية لكن لا يحق لنا نقد الحكومة، في أمريكا تستطيع نقد الحكومة أما النظرية الدارونية فلا".
وفي وسط هذا الإرهاب العلمي والسياسي، يقف في وجهه مجموعة من العلماء وقفة شجاعة يدعون إلى المعارضة العلميّة للدارونيّة، ويقولون أن اقتصار التدريس على فكرة واحدة فيه إساءة لطلاب العلم، لأنه مقيّد ومضلّل وقصير النظر فكريّاً. كانت قائمة العلماء الموقعين على هذه الوثيقة المهمة تضمّ مئة عند إعلانها في عام 2001، وارتفع هذا العدد إلى سبعمئة في عام 2007 وما زال في ازدياد. 
إن الأسلوب الذي تتعامل معه الدوائر العلمية في الغرب مع هذه النظرية الساقطة علمياً يلحق العار بالبناء العلمي الذي يقبل بهذه الممارسات غير العلمية. وإن الأسلوب غير الديمقراطي الذي تتعامل معه الدوائر السياسية مع هذا الأمر في بلاد الديمقراطية الغربية يشكّك في مصداقيّة هذه الديمقراطية. 
وبالإضافة إلى الأكذوبة التي تقوم عليها نظرية التطوّر، والتزييف الذي مارسه أصحابها والقمع الفكري الذي يقوم به أنصارها، فقد كانت أكثر من مجرد نظرية علمية فاشلة، تعدّت ذلك لتكون اعتقاداً فاسداً يعمل على تدمير الأخلاق وهدم القيم الإنسانية وتكريس العنصرية والقضاء على رسالة إصلاح الإنسان، بتقويض الاعتقاد بالخالق والإيمان بالخير، وتكريس مفهوم الصراع والبقاء للأقوى.
يقول مايكل دِنْتُن: "قطعت الدارونية صلة الإنسان بالله وجعلته يسير على غير هدى في هذا الكون، ولهذا السبب كان لها هذا التأثير الهائل على الإنسان، إذ تركته بلا هدف ولا غاية يسير إليها. ولم تصل أي ثورة ثقافية في العصر الراهن إلى مقدار التأثير الذي أحدثته الدارونية على كيفية تصوّر الإنسان لنفسه ولمكانه في الوجود"(13). 




المصادر 
(1)- كتاب (القضية ....الخلق ص157)




(2) الموقع التالي
http://ar.harunyahya.com/ar/%D9%83%D...9%86-%8A%D9%85




(3)المقع التالي
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...msg=1140585078




(4).الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=lxA2r2DwWkc
(5).الموقع التالي
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...msg=1140585078




(6) . " كتاب " القضية .....الخلق" (ص 146، 145 ، 147 )




(7) . المصدر السابق اعلاه ص 52 




(8) " المصدر السابق اعلاه ص 76 ن77




(9) " المصدر السابق اعلاه ص 83
(10) . (المصدر السابق ص 83)
(11)الموقع ادناه
http://www.youtube.com/watch?v=evIOHtuEoo8
(12)الموقع ادناه
ألألحاد وتزينه بثوب العلم
ديفيد برلنسكي 
http://www.youtube.com/watch?v=Tg708TmnTCQ
( 13) .الموقع ادناه 
http://www.evidencebasedtruth.net/

10
الخلق والتطور ..... بين العلم والأيمان
الجزء الحادي عشر
شهادات لكبار علماء ملحدين سابقين على وجود خالق  للكون
نافع البرواري
في المقالات السابقة  ، تكلمنا باختصار عن انَّ العلماء ، منذ منتصف القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، بدأوا ، الكثيرون منهم ، يعيدون النظر في الحادهم ، أي عدم ايمانهم بوجود خالق للكون ، بسبب  الأكتشافات الحديثة ، وخاصة بعد اكتشاف نظرية ألأنفجار الكوني ، واعتراف العلماء ان الكون لم يكن ازليا ، كما كان شائعا في السابق ، بل له بداية ، وكذلك اخفاق العلماء عمليا وتجريبيا في تفسير سر الحياة والتعقيدات الهائلة في الشفرات الوراثية للخلية الحية وكذلك عدم وجود ادلة اثرية في علم الأحاثة عن كيفية تطور الحياة وتعقيداتها عبر ملايين السنين وخاصة قبل العصر الكمبري  بالأضافة الى اسئلة كثيرة لم يستطع العلم ألأجابة عليها ، فمثلا نظرية التطور لازالت نظرية لم يتمكن العلماء من التحقق  فيما قاله تشارلس داروين في القرن الثامن عشر في كتابه "النشوء والأرتقاء"
وكما اوضح افكاره في رسم شجرة الحياة . فلا زالت هذه النظرية غير متماسكة علميا بل لازال فيها الكثير من الحلقات المفقودة ، فيما لايمكن نكران ان التطور هو موجود في التصميم الألهي لهذا الكون وان كل شيء في هذا الكون مصمم بنظام دقيق يخضع لقوانين ونواميس وضعها خالق ومهندس ومصمم هذا الكون .  عكس ما يؤمن به الكثيرون من الملحدون بقولهم " ان التطور هو نتاج الصدفة والعشوائية " .
وسنستشهد ببعض العلماء من اختصاصات مختلفة سواء في علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ     الذين كانوا ملحدين في السابق ولكن وبعد تعمقهم و بحثهم في اختصاصاتهم العلمية قادهم الدليل الى حقيقة وجود خالق ومصمم لهذا الكون العجيب . علما بان المصدر الرئيسي لهذه الأقتباسات هو كتاب "القضية ...الخالق" للكاتب  لي ستروبل.
1- العالم ستيفن مير
صار ستيفن مير مسيحيا من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة لكنه لم يكتشف حقا قضية ما اذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لأيمانه .... رغم خلفيته العلمية لم يكن ببساطة واعيا للأكتشافات العلمية التي كانت تؤيد ألأيمان بالله . وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث . لم يكن يعرف هذا في ذلك الوقت ، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالا...في الخمسة عشر سنة ألأخيرة ، اصبح مير واحد من اكثر ألأصوات معرفة وتأثيرا في ازدهار حركة التصميم الذكية ، وساهم في كتابة عدة كتب، منها :
"الداروينية ، التصميم والتعليم العام "
"مجرَّد الخلق :العلم، الأيمان والتصميم الذكي "
"علامات الذكاء :التصميم الذكي المتفاهم "
"العلم والمسيحية :اربع وجهات نظر "
وكتب اخرى كثيرة لامجال لذكرها،وينهي حاليا كتب عن ال (دي ان اي )، وانفجار العصر الكمبري .
سؤل هذا العالم ، ردا لما يقوله بعض العلماء الملحدين بان العلم والأيمان متعارضان  وان العلم وحده عقلاني  والعلم وحده يحقق الحق . وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي.
فاجاب  : "كلا ، لأ أُوافق . أنَّ القول بأنَّ العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية ، لأنَّ هذه العبارة في حد ذاتها لايمكن أختبارها بالطريقة العلمية . إنَّها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع ..واضاف قائلا :
" لاجدال أنَّ العلم يعلمنا اشياء مهمة كثيرة عن  العالم الطبيعي . لكن السؤال الحقيقي هو : هل هذه ألأشياء تشير الى أي آخر أبعد منها ؟" أعتقد أنَّ ألأجابة : نعم .فالعلم يعلمنا اشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه ألأشياء الحقيقية تشير الى الله ....العلم والأيمان لايتصارعان . فعندما نفسر ألأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيرا صحيحا ، فانهما يؤيدان بعضهما البعض ، واقول لأي شخص يشك في هذا ألأمر ، تحقق بنفسك من الدليل ...مثلا ، ان كان صحيحا أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين ألآن – فهذا يتضمن علة تفوق الكون . وان كانت قوانين الطبيعة معادلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعارضون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها . وان كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيلوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي . وللأبقاء على سير الحياة في المقام ألأول يتطلب معلومات بيولوجية  ، والتضمينات تشير الى ما وراء المملكة المادية الى علة ذكية قبل ذلك .
وعن سؤال هل العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بامور مختلفة ام هناك نوع من ألأرضية المتداخلة ؟ يقول ستيفن مير : "انَّ محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر ، الذين كانوا يكتبون اساسا من إطار حركة التنوير ، كانت انهم حين تداخلوا اختلفوا ، ومن المجالين ، كان العلم أكثر ضمانا من الدين . لقد آمنوا أنَّ الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية ...اما انا (يقول ستيفن مير)  حكمي مختلف تماما . فأنا أومن أنَّ شهادة العلم تؤيد ألأيمان . لأنَّ العلم يشير الى الله  في  ستة  امثلة  : 1- علم الكونيات (نظرية ألأنفجار الكبير ).... فالحقيقة انَّ معظم العلماء يؤمنون الآن بأنَّ الطاقة ، والمادة ، والفضاء ، والزمن كان له بداية حقيقة غير مادية اساسا .
2-الضبط المتعلق بعلم ألأنسان .وهذا يعني القوانين والمعايير ألأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك . وهذا معناه  أنَّه لايوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه .ومع ذلك ، فكل هذه القوانين وألأنظمة تتعاون معا بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة. 3- المثل الثالث للعلم يشير الى أنَّ الله هو أصل الحياة ، واصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة الى الوجود . فالحياة في اصلها تتطلب معلومات ، وهي مخزونة في الحامض النووي
... وجزيئات البروتين " DNA
. قال ريتشارد داوكنز من جامعة اكسفورد( وبالمناسبة هو عالم ملحد ) "ان الشفرة الالية للجينات شبيهة بشفرة الكومبيوتر بصورة غريبة ".
4- المثال الرابع : "دليل التصميم في الماكينات الجزيئية التي تتحدى تفسير داروين لفكرة ألأختيار الطبيعي .إنَّ هذه ألأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم ألأحياء الدقيقة مايكل بيهي "معقدة بصورة يصعب انقاضها " – تشمل دوائر محولات الطاقة ، ومولدات الطاقة المعقدة ، وكل أنواع الدوائر الكهربائية الحيوية ".5-والمثل الآخر سيكون أنفجار العصر الكمبري ، وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة ....لدينا 20-35  رسم لأجساد غريبة تماما من العصر الكمبري وهذه قفزة ضخمة في التعقيد . فهي فجائية ن وليست لينا مراحل انتقالية متوسطة ".
6- المثال السادس هو : " الوعي ألأنساني " والذي يؤيد بالتاكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية . تُعّلم المسيحية واليهودية بكل وضوح أننا  أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا "كومبيوتر مصنوع من اللحم" كما قال مارفن منسكي ، لكننا مخلوقين على صورة الله "(1).
2- العالم جوناثان ويلز.
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الداروينية عندما كان جوناثان ويلز طالبا في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات ، لكنه عندما بدا في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون ، وجد ان كل شيء يُنظر اليه من خلال نظرية التطور . ومع انه تربى في الكنيسة المشيخية الا إنَّه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحدا . يقول: "لم اعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذلك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق "
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء مع دراسة فرعية في ألأحياء. اما في جامعة بيل ، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية ، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون . ونشر كتابه " نقد تشارلز هوج للدارونية "
عام 1994 حصل ويلز على درجة دكتوراه في ألأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي ، حيث ركز اساسا على علم اجنة الفقاريات والتطور .
له كتب عديد ومقالات مثيرة  .... وكمعارض عنيد ، لا يتجنب ويلز المعارضة . فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطا مناهضا للحرب في بيركلي ، وانتهى به ألأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب الى فيتنام كجندي احتياطي . وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau
. واكتسب ثقة جديدة في أنَّ الله هو الذي وراءها .  كتب " ايقونات التطور " الذي نشر في عام 2000  عن شجرة داروين في التطور وتجربة ميلر ، واجنة هايكل ، وحلقة الجناح القديم المفقود  . 
يقول هذا العالم ردا على سؤال:
"هل توجد نظرية يمكنها أن تفسِّر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد ؟ فيجيب "انَّ كلمة "نظرية" مراوغة جدا . فأنا استطيع ان اخترع قصة ، لكنها لن تكون مدَّعمة في كل خطوة حاسمة باي دليل عملي يمكن الأستناد عليه وانا رجل تجريبي في ألأساس ، واود ان ارى نوعا من الدليل ، لكنه غير موجود "..اعلن ويلز : باختصار ، ألأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى (اشارة الى نظرية داروين ونظريات نشوء الحياة )  "........في خلال عشرين او ثلاثين سنة من ألآن –سينظر الناس الى نظرية داروين في دهشة قائلين : كيف كان يمكن لأي انسان ان يؤمن بها ؟" الداروينية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم ، والناس يعرفونها على حقيقتها .

ولهذا فان  المطلق الحاسم ، يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة ....وحتى اولئك الذين ينظرون بارتياب نحو ألأيمان الديني اضطروا لأستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بدّ وان يكون هناك المزيد لقصة الخلق اكثر من مجرد عمليات مادية . لايمكنهم ان يمنعوا انفسهم عن الأستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وانها تفسر حقا هذا كله: "معجزة" . إنها شعار يستسهله علماء كثيرون ، ويبدو أنَّ الظروف تتطلبه  ".ان الداروينية ظلت فلسفة لا تزال في مرحلة البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها .
وعندما سؤل هذا العالم: الى اين يُشير اذن دليل العلم من وجهة نظره ؟
فاجاب باقناع : " إنَّ العلم يشير بقوة نحو التصميم . وفي رأيي كعالم ، فإنَّ نمو جنين يصرخ "التصميم !" . إنَّ إنفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة ، دون دليل السلالات – أكثر تناغما للتصميم عنه  مع التطور . ... وبالتاكيد فإنَّ أصل الحياة يُعلن بوضوح وجود مصمم ...عندما تحلل معظم ألأدلة المؤكدة الساندة من علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ . فاني اعتقد  أنّك ستكتشف ان الدفاع الأيجابي عن مصمم ذكي يصبح قويا تماما (2)."
3- آلان ركس سانداج
هذا العالم هو من أشهر علماء الكونيات في العالم ، الذي فك شفرات أسرار النجوم ، وفحص غوامض اشباه النجوم ، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات ، وحدد مسافات المجرات البعيدة ، وحدد إتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار، وحاصل على جوائزعديدة وتوجها بجائزة نوبل  ولقب ب"عجوز الكونيات"  وهو التلميذ السابق للفلكي ألأسطوري إدوين هوبل . أستعد هذا العالم  الى المنصة في مؤتمر في دالاص  عن العلم والدين سنة  1985.  كانت المناقشة عن اصل الكون ، واصل الحياة ، وطبيعة الوعي ألأنساني  ..كان من المحتمل أنَّ كثيرا من الحضور كانوا يعرفون أنّ ساندج اليهودي عرقيا كان ملحدا بالفعل حتى في طفولته ... ثم حدث الغير متوقع فقد أذهل سانداج الحضور باخذ مقعده بين المؤمنين . والأكثر ذهولا ، في سياق حديثه عن الأنفجار العظيم وتضميناته الفلسفية ، أعلن امام الجميع أنَّه قرر أن يصير مسيحيا وهو في الخمسين من عمره .
قال للجمهور المندهش " إنَ ألأنفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لايمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه . لقد أخذنا العلم الى الحدث الأول ، لكنه لايمكنه أن يأخذنا أكثر الى العلة ألأولى . فالظهور المفاجئ للمادة ، والفضاء والزمن ، والطاقة أشارة الى الحاجة الى نوع ما من السمو".... وقال فيما بعد لمراسل صحفي : "إنَّ علمي هو الذي قادني الى استنتاج أنَّ العالم أكثر تعقيدا مما يمكن تفسيره بالعلم . فمن خلال ماهو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود "
لم يكن هناك سانداج وحده  بل العالم دين كينيون عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو ، الذي شارك في تاليف كتاب مؤثر يؤكد أنَ ظهور الحياة ربما كان "مقدرا من الناحية الكيميائية الحيوية" بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض ألأمينية . وقد بدا أنَّ هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أنّ الخلية الحية ألأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتها من مادة غير حية .
أندهش الحاضرون  بينما صعد كينيون الى المنصَّة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص ، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكل النظريات الطبيعية عن ألأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية ، وخواص ال (الدي ان اي)
الحاملة للمعلومات . آمن كينيون أنَّ أفضل دليل أشار الى وجود مصمم للحياة.(3)DNA
4- العالم والأستاذ أنتوني فلو
في عمر 14 سنة صار ملحدا بسبب وجود الشر في العالم . دخل جامعة أكسفورد ، قسم الفلسفة ، وانظم الى نادي الجامعة ، اسمها نادي "سقراط" . كان هناك قاعدة للفيلسوق سقراط اسمها " إتبع الدليل حيثما قادك"
Fallow the evidence  wherever it leads you
يقول انتوني فلو : "انّه التزم  بهذه القاعدة في حياته كلها .
السير "أنتوني فلو" أستاذ الفلسفة البريطاني، أو من كان يعرف سابقاً بأشهر وأشرس ملحد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رحلة بدأت بالإلحاد ووصلت للشك ثم للإيمان بوجود إله خالق للكون ، هومؤلف اكثر من ثلاثين كتاب التي تعبّر عن تاييده لنظرية داروين وطعنه بلاهوت المسيح . وهو من مؤسسي الفلسفة الألحادية . أول بحث ناقشه سنة 1950 هو "علم اللاهوت والتزييف "  .كان هدفه هو وضع نظام ممنهج للرد على ألأدعاءات الدينية . والبحث هذا يعتبر أكثر بحث فلسفي تم نشره في القرن الماضي .
البحث ألآخر الذي نشره أنطوني فلو هو:"افتراض ألألحاد"
The Presumption of Atheism
   وهو محاولة إثبات أنَّ الألحاد هو الفطرة في الأنسان وليس ألأيمان بوجود الله . وأثارت هذه ألأبحاث وغيرها ردود كثيرة جدا ساهمت في اثراء افكاره ومنهج تفكيره على مدار السنين .
، يتراجع بعد خمسين سنة ،هذا العالم الكبير ،  ليعترف بوجود خالق للكون في كتابه بعنوان "هناك اله" . ويطعن بنظرية داروين " في النشوء والأرتقاء". فلو هذا العالم  الذي كان سببا في الحاد عشرات بل مئات الآلاف من الناس . عاش هذا العالم طوال حياته الفلسفية في ظل مبدأ الفيلسوف اليوناني الشهير "سقراط" أن يتبع الدليل الى حيث يقوده " ويقول . لقد قادني الدليل طوال حياتي الى الألحاد ، ثم قادني بعد أن بلغت الثمانين من عمري الى ألأيمان . فقد قاده الدليل العلمي الى خمسة أبعاد تشير الى ألأله الخالق :
1-الكون له بداية ونشأ من العدم
2-إنَّ الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة
3-نشاة الحياة بكل ما فيها من دقة من المادة غير الحية
4-إنَّ الكون بما فيه من موجودات وقوانين يهيء الظروف المثلى لظهور ومعيشة ألأنسان
5-إنَّ القدرات العليا للعقل البشري لايمكن أن تكون نتاجا مباشرا للنشاط الكهروكيميائي للمخ.
سئل أنتوني فلو: انك تتحدث كثيرا في قضايا علمية وتستقي من العلم شواهدك الإيمانية ، بل وتنتقد العلماء في بعض ما يقولون، فهل أنت عالم أم فيلسوف؟ فأجاب قائلا: ان الحديث عن التفاصيل العلمية لنشأة  الكون، وما وقع من تتابع الأحداث عقب الانفجار الكوني الأعظم، إنما هو شأن علماء الفيزياء كذلك فإن البنية الكيميائية لجزئ   
DNA الدنا
المسئول عن الشفرة الوراثية للكائنات الحية، هي شأن علماء البيولوجيا. أما القضايا العقلية المرتبطة بهذه الحقائق العلمية مثل كيف ينشأ الكون من عدم؟ وماذا كان قبل بداية الكون؟ ومن أين جاء الكم المعلوماتي الهائل الذي تحمله الشفرة الوراثية؟ وغيرها من الأسئلة التي لا نهاية لها، فشأن الفلسفة والدين.
يقول هذا العالم في حصاد رحلته في هذه الحياة : لقد صرت »أؤمن بإله واحد أحد، واجب الوجود، غير مادي، لا يطرأ عليه التغيير، مطلق القدرة، مطلق العلم، كامل الخير«. ويضيف قائلا:" لقد أنجزت الفلسفة مهمتها الأساسية بنجاح عظيم عندما توصلت إلي تفسير نشأة الوجود بوجود الإله الخالق، الذي خلق الكون ليكون معدا لاستقبال المخلوق العاقل الحكيم الذي هو الإنسان" (4).
5- العالم وليم لين كريج  :
عندما كان بيل كريج طالبا جامعيا تخرج في عام 1971 ، تعلم أنَّ الحجج المختلفة المؤيدة لوجود الله كانت ضعيفة وقديمة وغير فعّالة . وكان يؤمن بهذا الى ان تصادف عثوره على كتاب الفيلسوف ستيوارت هاكيت الذي نُشر في عام 1957 : "قيامة ألأيمان " . ...كانت احدى الحجج في الكتاب أنَّ الكون لا بدَّ وأن كانت له بداية ، ومن ثمة خالق . وكان كريج متاثرا جدا لدرجة أنّه قرر أن يستخدم دراسته لنوال درجة الدكتوراء تحت إشراف اللاهوتي البريطاني جون هيك كي يصل الى قرار في ذهنه متعلق بصحة هذه الحجة .هل ستواجه الفحص حقا؟ أنهى كريج كتابة رسالته في هذا الموضوع – وهو اختبارأطلقه الى حياة علم الكونيات الأستكشافي .
تشتمل كتب كريج على مناظرة متميزة مع الملحد كوينتن سميث عنوانها "ألأيمان ، والألحاد، والأنفجار العظيم "  وحجة "كلام" – أحد أكثر الحجج المعقولة لوجود الله – وهي حجة مبنية على البرهان بأنَّ الكون ليس أبديا ، ولكن كانت له بداية في ألأنفجار العظيم . الحجة كما صاغها الغزالي بها ثلاث خطوات بسيطة
"كل ما يبدأ في الوجود له علة.
الكون بدأ في الوجود .
اذا الكون له علّة " .
.... وبافتراض أنَّ كلِّ ما يبدأ أن يوجد له علة(سبب) ، وأن الكون قد بدأ في الوجود ، فلابد أن تكون هناك علة فائقة لأصل الكون......انَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "كلام "   هي انها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . إنَّها ايضا  تتضمن خالقا شخصيا
 .......حتى المتشكك ديفيد هيوم لم ينكر المقدمة المنطقية ألأولى. فقد كتب في عام 1754 :" لم أؤكد أبدا على ايِّ فرضية سخيفة تقول بأنَّ أي شيء قد ينشأ دون علة " ولم يبدأ الناس بالقول إنَّ الكون قد جاء من العدم الاَّ بعد اكتشاف التاكيد العلمي لبداية الكون في القرن العشرين. 
 
ويفسر هذا العالم الهدف من وراء خلق هذا الكون بحسب ارادة الله الخالق فيقول:
" لم يكن ألأنفجار العظيم حدثا فوضويا مشوشا . لكنه يبدو أنَّه كان مهيئا لوجود حياة ذكية ذات تعقيد ودقة تتحدى ألأدراك البشري . أي أنّ الكون الذي نراه اليوم – ووجدنا نحن شخصيا – يعتمد على مجموعة من الشروط المبدئية عالية المستوى . وهذه الظاهرة دليل قوي على أنَّ ألأنفجار العظيم لم يكن صدفة ، بل أنَّه كان مصمما.
وعن العقل الخلاّق والخالق الذي لابد ان يكون شخصي يقول كريج:
"إنَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "الكلام" هي أنّها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . انها أيضا تتضمن خالقا شخصيا ...هناك نوعان من التفسير –علمي وشخصي- . التفسيرات العلمية تُفسر ظاهرة طبيعية بمصطلحات شروط مبدئية معينة وقوانين طبيعية ...وعلى النقيض فان التفسيرات الشخصية تفسر ألأشياء بواسطة عامل أو ارادة هذا العامل ....ويضيف قائلا : " لايمكن أن يوجد تفسير علمي عن الحالة الأولى للكون ...فلا بد أن تكون شخصية ...هناك سبب ثان : وهو أنَّه بسبب ان علّة الكون تفوق الزمن والفضاء ، فلا يمكن ان تكون حقيقة فيزيائية ، بل لا بدَّ أن تكون لافيزيائية ولا مادية . هناك نوعان فقط من ألأشياء التي يمكن ان تكون خالدة ولا مادية  . النوع ألأول هو ألأشياء المجردة كالأرقام أو الكيانات الرياضية . ومع ذلك ، فأن ألأشياء المجردة لايمكنها ان تسبب في احداث اي شيء . والنوع الثاني من الحقيقة اللامادية سيكون عقلا . فالعقل يمكنه أن يكون علّة ، وهكذا يكون من المعقول انَّ الكون هو نتاج عقل غير متجسد جاء به الى الوجود
.....ان كان هناك تفسير (لنشوء الكون)  فلا يمكن ببساطة تفسيرها بمصطلحات الشروط المبدئية ألأولية والقوانين الطبيعية التي تقود اليها ، ولهذا ان كان هناك تفسير  فلا بد ان يكون تفسيرا شخصيا – بمعنى وجود عامل له ارادة لخلقه . وسوف يكون هذا هو السبب ألأول وراء ان علة الكون لابدّ أن تكون شخصية .... ان علة الكون هي عامل شخصي يتمتع بارادة حرة . ويمكنه ان يخلق اثرا جديدا دون اية شروط مسبقة محددة . يمكنه ان يقرر قائلا "ليكن نور" فينطلق الكون الى الوجود . لم ارى اية استجابة طيبة لهذه الحجة من جانت اي ملحد . "...هناك نوع من الدين في العلم ، وهو دين إنسان يؤمن بوجود نظام وتناسق في الكون . وكل حدث يمكن تفسيره ، بطريقة منطقية عاقلة كنتاج بعض ألأحداث السابقة . فكل اثر لابد أن تكون له علته . وليست هناك علة اولى ....فهذا ألأيمان المتدين للعالم ينتهك باكتشاف أن العالم كانت له بداية تحت شروط لا تصلح لتفسيرها قوانين الفيزياء المعروفة ، وكنتاج للقوى أو للظروف التي لا يمكننا اكتشافها(5).

6-العالم باتريك  جلين
صار متشككا روحيا حين تعلم الدارونية وهو طالب . وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة
Ivy League
وفيما تحفز بمسيحية زوجته ، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق . وبذهن منفتح للحقائق ، انتهى به ألأمر بالتخلي عن الحاده وقبول الله ....وفيما كان ، سابقا ، مقتنعا بأنَّ العقل هو "الطريق الوحيد الى الحق" اصبح جلين ملحدا مزمنا حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات . وقال " لقد أوضح دارون انه ليس ضروريا حتى أن نفترض وجود اله لتفسير اصل  الحياة . فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية اساسا تعمل على ألأيونات ."
وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية ،  ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في ألأمور الروحية ، قال جلين إنَ عقله " أصبح منفتحا بشكل كاف "ولهذا كان مستعدا لفحص ما اذا كان هناك اي دليل عقلي لوجود الله  وأعد نفسه تماما لما سوف يتعلمه .
 أما الدليل الذي كان مسؤولا عن هذا التحول الروحي المذهل ، كان من بين أكثر ألأكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى ب " المبدأ ألأنساني " ...يقول هذا المبدا إنَّ " كل الثوابت التي تبدو أنّها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديدا اذا اردت ان يكون لديك كونا قادرا على انتاج حياة   "  في كتابه اللاحق " الله : الدليل " يصدّق جلين بانَّ التعدي المدهش للكون بمثابة أحد ألأسباب الرئيسية لأستنتاجه بان الكون لا بدَّ وانه كان عمل مصمم فائق ..... البيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله . وهذا ابسط واوضح حل للغز ألأنساني "
ويستشهد هذا العالم ببعض العلماء والفلاسفة واللاهوتيين فيقتبس من العالم الفيزيائي واللاهوتي "جون بولكينجهورن " الذي يقول:
"من السهل جدا أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في ألأعوام الثلاثين الماضية ، متفقين على أنّ الكون لايمكن تفسيره باعتباره ، حادثا كونيا ، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تاليف كتاب "لغزالحياة " إنَّ دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المعد بحرص (اي كوكب الأرض الذي نعيش فيه) "...ويقتبس هذا العالم ما قاله المتشكك السابق "بول ديفيز" – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة اديلايد – مقتنع الآن بأنَّه لابد أن يكون هناك هدف من وراء الكون . وفي كتابه "ذهن الله " توصل بول ديفيز من خلال عمله الى ألأيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغايةحتى لايمكن قبوله كحقيقة صمَّاء . واضاف : "لايمكنني أن اؤمن بان وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر ، أو حادث تاريخ ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة  " (6)
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المصادر
 (1) القضية ....الخالق (ص92- 118)
  (2) نفس المصدر اعلاه (ص42-88)
 
(3)المصدر اعلاه ( ص89 -92)
 
(4) المصدادر التالية

http://www.youtube.com/watch?v=qoYewTXdoIk

https://www.facebook.com/permalink.php?id=117788035032935&story_fbid=490901050946433
راجع ايضا كتاب "رحلة عقل " للدكتور عمرو موسى
راجع ويكيبيديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86%D9%8A_%D9%81%D9%84%D9%88

 (5) القضية ....الخالق(ص 124-158)
 (6) القضية... الخالق (ص161-165)
.

11
الخلق والتطور ..... بين العلم والأيمان
الجزء الحادي عشر
شهادات لكبار علماء ملحدين سابقين على وجود خالق  للكون
نافع البرواري
في المقالات السابقة  ، تكلمنا باختصار عن انَّ العلماء ، منذ منتصف القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، بدأوا ، الكثيرون منهم ، يعيدون النظر في الحادهم ، أي عدم ايمانهم بوجود خالق للكون ، بسبب  الأكتشافات الحديثة ، وخاصة بعد اكتشاف نظرية ألأنفجار الكوني ، واعتراف العلماء ان الكون لم يكن ازليا ، كما كان شائعا في السابق ، بل له بداية ، وكذلك اخفاق العلماء عمليا وتجريبيا في تفسير سر الحياة والتعقيدات الهائلة في الشفرات الوراثية للخلية الحية وكذلك عدم وجود ادلة اثرية في علم الأحاثة عن كيفية تطور الحياة وتعقيداتها عبر ملايين السنين وخاصة قبل العصر الكمبري  بالأضافة الى اسئلة كثيرة لم يستطع العلم ألأجابة عليها ، فمثلا نظرية التطور لازالت نظرية لم يتمكن العلماء من التحقق  فيما قاله تشارلس داروين في القرن الثامن عشر في كتابه "النشوء والأرتقاء"
وكما اوضح افكاره في رسم شجرة الحياة . فلا زالت هذه النظرية غير متماسكة علميا بل لازال فيها الكثير من الحلقات المفقودة ، فيما لايمكن نكران ان التطور هو موجود في التصميم الألهي لهذا الكون وان كل شيء في هذا الكون مصمم بنظام دقيق يخضع لقوانين ونواميس وضعها خالق ومهندس ومصمم هذا الكون .  عكس ما يؤمن به الكثيرون من الملحدون بقولهم " ان التطور هو نتاج الصدفة والعشوائية " .
وسنستشهد ببعض العلماء من اختصاصات مختلفة سواء في علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ     الذين كانوا ملحدين في السابق ولكن وبعد تعمقهم و بحثهم في اختصاصاتهم العلمية قادهم الدليل الى حقيقة وجود خالق ومصمم لهذا الكون العجيب . علما بان المصدر الرئيسي لهذه الأقتباسات هو كتاب "القضية ...الخالق" للكاتب  لي ستروبل.
1- العالم ستيفن مير
صار ستيفن مير مسيحيا من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة لكنه لم يكتشف حقا قضية ما اذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لأيمانه .... رغم خلفيته العلمية لم يكن ببساطة واعيا للأكتشافات العلمية التي كانت تؤيد ألأيمان بالله . وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث . لم يكن يعرف هذا في ذلك الوقت ، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالا...في الخمسة عشر سنة ألأخيرة ، اصبح مير واحد من اكثر ألأصوات معرفة وتأثيرا في ازدهار حركة التصميم الذكية ، وساهم في كتابة عدة كتب، منها :
"الداروينية ، التصميم والتعليم العام "
"مجرَّد الخلق :العلم، الأيمان والتصميم الذكي "
"علامات الذكاء :التصميم الذكي المتفاهم "
"العلم والمسيحية :اربع وجهات نظر "
وكتب اخرى كثيرة لامجال لذكرها،وينهي حاليا كتب عن ال (دي ان اي )، وانفجار العصر الكمبري .
سؤل هذا العالم ، ردا لما يقوله بعض العلماء الملحدين بان العلم والأيمان متعارضان  وان العلم وحده عقلاني  والعلم وحده يحقق الحق . وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي.
فاجاب  : "كلا ، لأ أُوافق . أنَّ القول بأنَّ العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية ، لأنَّ هذه العبارة في حد ذاتها لايمكن أختبارها بالطريقة العلمية . إنَّها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع ..واضاف قائلا :
" لاجدال أنَّ العلم يعلمنا اشياء مهمة كثيرة عن  العالم الطبيعي . لكن السؤال الحقيقي هو : هل هذه ألأشياء تشير الى أي آخر أبعد منها ؟" أعتقد أنَّ ألأجابة : نعم .فالعلم يعلمنا اشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه ألأشياء الحقيقية تشير الى الله ....العلم والأيمان لايتصارعان . فعندما نفسر ألأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيرا صحيحا ، فانهما يؤيدان بعضهما البعض ، واقول لأي شخص يشك في هذا ألأمر ، تحقق بنفسك من الدليل ...مثلا ، ان كان صحيحا أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين ألآن – فهذا يتضمن علة تفوق الكون . وان كانت قوانين الطبيعة معادلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعارضون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها . وان كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيلوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي . وللأبقاء على سير الحياة في المقام ألأول يتطلب معلومات بيولوجية  ، والتضمينات تشير الى ما وراء المملكة المادية الى علة ذكية قبل ذلك .
وعن سؤال هل العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بامور مختلفة ام هناك نوع من ألأرضية المتداخلة ؟ يقول ستيفن مير : "انَّ محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر ، الذين كانوا يكتبون اساسا من إطار حركة التنوير ، كانت انهم حين تداخلوا اختلفوا ، ومن المجالين ، كان العلم أكثر ضمانا من الدين . لقد آمنوا أنَّ الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية ...اما انا (يقول ستيفن مير)  حكمي مختلف تماما . فأنا أومن أنَّ شهادة العلم تؤيد ألأيمان . لأنَّ العلم يشير الى الله  في  ستة  امثلة  : 1- علم الكونيات (نظرية ألأنفجار الكبير ).... فالحقيقة انَّ معظم العلماء يؤمنون الآن بأنَّ الطاقة ، والمادة ، والفضاء ، والزمن كان له بداية حقيقة غير مادية اساسا .
2-الضبط المتعلق بعلم ألأنسان .وهذا يعني القوانين والمعايير ألأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك . وهذا معناه  أنَّه لايوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه .ومع ذلك ، فكل هذه القوانين وألأنظمة تتعاون معا بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة. 3- المثل الثالث للعلم يشير الى أنَّ الله هو أصل الحياة ، واصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة الى الوجود . فالحياة في اصلها تتطلب معلومات ، وهي مخزونة في الحامض النووي
... وجزيئات البروتين " DNA
. قال ريتشارد داوكنز من جامعة اكسفورد( وبالمناسبة هو عالم ملحد ) "ان الشفرة الالية للجينات شبيهة بشفرة الكومبيوتر بصورة غريبة ".
4- المثال الرابع : "دليل التصميم في الماكينات الجزيئية التي تتحدى تفسير داروين لفكرة ألأختيار الطبيعي .إنَّ هذه ألأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم ألأحياء الدقيقة مايكل بيهي "معقدة بصورة يصعب انقاضها " – تشمل دوائر محولات الطاقة ، ومولدات الطاقة المعقدة ، وكل أنواع الدوائر الكهربائية الحيوية ".5-والمثل الآخر سيكون أنفجار العصر الكمبري ، وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة ....لدينا 20-35  رسم لأجساد غريبة تماما من العصر الكمبري وهذه قفزة ضخمة في التعقيد . فهي فجائية ن وليست لينا مراحل انتقالية متوسطة ".
6- المثال السادس هو : " الوعي ألأنساني " والذي يؤيد بالتاكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية . تُعّلم المسيحية واليهودية بكل وضوح أننا  أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا "كومبيوتر مصنوع من اللحم" كما قال مارفن منسكي ، لكننا مخلوقين على صورة الله "(1).
2- العالم جوناثان ويلز.
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الداروينية عندما كان جوناثان ويلز طالبا في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات ، لكنه عندما بدا في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون ، وجد ان كل شيء يُنظر اليه من خلال نظرية التطور . ومع انه تربى في الكنيسة المشيخية الا إنَّه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحدا . يقول: "لم اعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذلك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق "
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء مع دراسة فرعية في ألأحياء. اما في جامعة بيل ، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية ، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون . ونشر كتابه " نقد تشارلز هوج للدارونية "
عام 1994 حصل ويلز على درجة دكتوراه في ألأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي ، حيث ركز اساسا على علم اجنة الفقاريات والتطور .
له كتب عديد ومقالات مثيرة  .... وكمعارض عنيد ، لا يتجنب ويلز المعارضة . فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطا مناهضا للحرب في بيركلي ، وانتهى به ألأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب الى فيتنام كجندي احتياطي . وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau
. واكتسب ثقة جديدة في أنَّ الله هو الذي وراءها .  كتب " ايقونات التطور " الذي نشر في عام 2000  عن شجرة داروين في التطور وتجربة ميلر ، واجنة هايكل ، وحلقة الجناح القديم المفقود  . 
يقول هذا العالم ردا على سؤال:
"هل توجد نظرية يمكنها أن تفسِّر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد ؟ فيجيب "انَّ كلمة "نظرية" مراوغة جدا . فأنا استطيع ان اخترع قصة ، لكنها لن تكون مدَّعمة في كل خطوة حاسمة باي دليل عملي يمكن الأستناد عليه وانا رجل تجريبي في ألأساس ، واود ان ارى نوعا من الدليل ، لكنه غير موجود "..اعلن ويلز : باختصار ، ألأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى (اشارة الى نظرية داروين ونظريات نشوء الحياة )  "........في خلال عشرين او ثلاثين سنة من ألآن –سينظر الناس الى نظرية داروين في دهشة قائلين : كيف كان يمكن لأي انسان ان يؤمن بها ؟" الداروينية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم ، والناس يعرفونها على حقيقتها .

ولهذا فان  المطلق الحاسم ، يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة ....وحتى اولئك الذين ينظرون بارتياب نحو ألأيمان الديني اضطروا لأستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بدّ وان يكون هناك المزيد لقصة الخلق اكثر من مجرد عمليات مادية . لايمكنهم ان يمنعوا انفسهم عن الأستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وانها تفسر حقا هذا كله: "معجزة" . إنها شعار يستسهله علماء كثيرون ، ويبدو أنَّ الظروف تتطلبه  ".ان الداروينية ظلت فلسفة لا تزال في مرحلة البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها .
وعندما سؤل هذا العالم: الى اين يُشير اذن دليل العلم من وجهة نظره ؟
فاجاب باقناع : " إنَّ العلم يشير بقوة نحو التصميم . وفي رأيي كعالم ، فإنَّ نمو جنين يصرخ "التصميم !" . إنَّ إنفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة ، دون دليل السلالات – أكثر تناغما للتصميم عنه  مع التطور . ... وبالتاكيد فإنَّ أصل الحياة يُعلن بوضوح وجود مصمم ...عندما تحلل معظم ألأدلة المؤكدة الساندة من علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ . فاني اعتقد  أنّك ستكتشف ان الدفاع الأيجابي عن مصمم ذكي يصبح قويا تماما (2)."
3- آلان ركس سانداج
هذا العالم هو من أشهر علماء الكونيات في العالم ، الذي فك شفرات أسرار النجوم ، وفحص غوامض اشباه النجوم ، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات ، وحدد مسافات المجرات البعيدة ، وحدد إتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار، وحاصل على جوائزعديدة وتوجها بجائزة نوبل  ولقب ب"عجوز الكونيات"  وهو التلميذ السابق للفلكي ألأسطوري إدوين هوبل . أستعد هذا العالم  الى المنصة في مؤتمر في دالاص  عن العلم والدين سنة  1985.  كانت المناقشة عن اصل الكون ، واصل الحياة ، وطبيعة الوعي ألأنساني  ..كان من المحتمل أنَّ كثيرا من الحضور كانوا يعرفون أنّ ساندج اليهودي عرقيا كان ملحدا بالفعل حتى في طفولته ... ثم حدث الغير متوقع فقد أذهل سانداج الحضور باخذ مقعده بين المؤمنين . والأكثر ذهولا ، في سياق حديثه عن الأنفجار العظيم وتضميناته الفلسفية ، أعلن امام الجميع أنَّه قرر أن يصير مسيحيا وهو في الخمسين من عمره .
قال للجمهور المندهش " إنَ ألأنفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لايمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه . لقد أخذنا العلم الى الحدث الأول ، لكنه لايمكنه أن يأخذنا أكثر الى العلة ألأولى . فالظهور المفاجئ للمادة ، والفضاء والزمن ، والطاقة أشارة الى الحاجة الى نوع ما من السمو".... وقال فيما بعد لمراسل صحفي : "إنَّ علمي هو الذي قادني الى استنتاج أنَّ العالم أكثر تعقيدا مما يمكن تفسيره بالعلم . فمن خلال ماهو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود "
لم يكن هناك سانداج وحده  بل العالم دين كينيون عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو ، الذي شارك في تاليف كتاب مؤثر يؤكد أنَ ظهور الحياة ربما كان "مقدرا من الناحية الكيميائية الحيوية" بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض ألأمينية . وقد بدا أنَّ هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أنّ الخلية الحية ألأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتها من مادة غير حية .
أندهش الحاضرون  بينما صعد كينيون الى المنصَّة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص ، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكل النظريات الطبيعية عن ألأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية ، وخواص ال (الدي ان اي)
الحاملة للمعلومات . آمن كينيون أنَّ أفضل دليل أشار الى وجود مصمم للحياة.(3)DNA
4- العالم والأستاذ أنتوني فلو
في عمر 14 سنة صار ملحدا بسبب وجود الشر في العالم . دخل جامعة أكسفورد ، قسم الفلسفة ، وانظم الى نادي الجامعة ، اسمها نادي "سقراط" . كان هناك قاعدة للفيلسوق سقراط اسمها " إتبع الدليل حيثما قادك"
Fallow the evidence  wherever it leads you
يقول انتوني فلو : "انّه التزم  بهذه القاعدة في حياته كلها .
السير "أنتوني فلو" أستاذ الفلسفة البريطاني، أو من كان يعرف سابقاً بأشهر وأشرس ملحد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رحلة بدأت بالإلحاد ووصلت للشك ثم للإيمان بوجود إله خالق للكون ، هومؤلف اكثر من ثلاثين كتاب التي تعبّر عن تاييده لنظرية داروين وطعنه بلاهوت المسيح . وهو من مؤسسي الفلسفة الألحادية . أول بحث ناقشه سنة 1950 هو "علم اللاهوت والتزييف "  .كان هدفه هو وضع نظام ممنهج للرد على ألأدعاءات الدينية . والبحث هذا يعتبر أكثر بحث فلسفي تم نشره في القرن الماضي .
البحث ألآخر الذي نشره أنطوني فلو هو:"افتراض ألألحاد"
The Presumption of Atheism
   وهو محاولة إثبات أنَّ الألحاد هو الفطرة في الأنسان وليس ألأيمان بوجود الله . وأثارت هذه ألأبحاث وغيرها ردود كثيرة جدا ساهمت في اثراء افكاره ومنهج تفكيره على مدار السنين .
، يتراجع بعد خمسين سنة ،هذا العالم الكبير ،  ليعترف بوجود خالق للكون في كتابه بعنوان "هناك اله" . ويطعن بنظرية داروين " في النشوء والأرتقاء". فلو هذا العالم  الذي كان سببا في الحاد عشرات بل مئات الآلاف من الناس . عاش هذا العالم طوال حياته الفلسفية في ظل مبدأ الفيلسوف اليوناني الشهير "سقراط" أن يتبع الدليل الى حيث يقوده " ويقول . لقد قادني الدليل طوال حياتي الى الألحاد ، ثم قادني بعد أن بلغت الثمانين من عمري الى ألأيمان . فقد قاده الدليل العلمي الى خمسة أبعاد تشير الى ألأله الخالق :
1-الكون له بداية ونشأ من العدم
2-إنَّ الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة
3-نشاة الحياة بكل ما فيها من دقة من المادة غير الحية
4-إنَّ الكون بما فيه من موجودات وقوانين يهيء الظروف المثلى لظهور ومعيشة ألأنسان
5-إنَّ القدرات العليا للعقل البشري لايمكن أن تكون نتاجا مباشرا للنشاط الكهروكيميائي للمخ.
سئل أنتوني فلو: انك تتحدث كثيرا في قضايا علمية وتستقي من العلم شواهدك الإيمانية ، بل وتنتقد العلماء في بعض ما يقولون، فهل أنت عالم أم فيلسوف؟ فأجاب قائلا: ان الحديث عن التفاصيل العلمية لنشأة  الكون، وما وقع من تتابع الأحداث عقب الانفجار الكوني الأعظم، إنما هو شأن علماء الفيزياء كذلك فإن البنية الكيميائية لجزئ   
DNA الدنا
المسئول عن الشفرة الوراثية للكائنات الحية، هي شأن علماء البيولوجيا. أما القضايا العقلية المرتبطة بهذه الحقائق العلمية مثل كيف ينشأ الكون من عدم؟ وماذا كان قبل بداية الكون؟ ومن أين جاء الكم المعلوماتي الهائل الذي تحمله الشفرة الوراثية؟ وغيرها من الأسئلة التي لا نهاية لها، فشأن الفلسفة والدين.
يقول هذا العالم في حصاد رحلته في هذه الحياة : لقد صرت »أؤمن بإله واحد أحد، واجب الوجود، غير مادي، لا يطرأ عليه التغيير، مطلق القدرة، مطلق العلم، كامل الخير«. ويضيف قائلا:" لقد أنجزت الفلسفة مهمتها الأساسية بنجاح عظيم عندما توصلت إلي تفسير نشأة الوجود بوجود الإله الخالق، الذي خلق الكون ليكون معدا لاستقبال المخلوق العاقل الحكيم الذي هو الإنسان" (4).
5- العالم وليم لين كريج  :
عندما كان بيل كريج طالبا جامعيا تخرج في عام 1971 ، تعلم أنَّ الحجج المختلفة المؤيدة لوجود الله كانت ضعيفة وقديمة وغير فعّالة . وكان يؤمن بهذا الى ان تصادف عثوره على كتاب الفيلسوف ستيوارت هاكيت الذي نُشر في عام 1957 : "قيامة ألأيمان " . ...كانت احدى الحجج في الكتاب أنَّ الكون لا بدَّ وأن كانت له بداية ، ومن ثمة خالق . وكان كريج متاثرا جدا لدرجة أنّه قرر أن يستخدم دراسته لنوال درجة الدكتوراء تحت إشراف اللاهوتي البريطاني جون هيك كي يصل الى قرار في ذهنه متعلق بصحة هذه الحجة .هل ستواجه الفحص حقا؟ أنهى كريج كتابة رسالته في هذا الموضوع – وهو اختبارأطلقه الى حياة علم الكونيات الأستكشافي .
تشتمل كتب كريج على مناظرة متميزة مع الملحد كوينتن سميث عنوانها "ألأيمان ، والألحاد، والأنفجار العظيم "  وحجة "كلام" – أحد أكثر الحجج المعقولة لوجود الله – وهي حجة مبنية على البرهان بأنَّ الكون ليس أبديا ، ولكن كانت له بداية في ألأنفجار العظيم . الحجة كما صاغها الغزالي بها ثلاث خطوات بسيطة
"كل ما يبدأ في الوجود له علة.
الكون بدأ في الوجود .
اذا الكون له علّة " .
.... وبافتراض أنَّ كلِّ ما يبدأ أن يوجد له علة(سبب) ، وأن الكون قد بدأ في الوجود ، فلابد أن تكون هناك علة فائقة لأصل الكون......انَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "كلام "   هي انها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . إنَّها ايضا  تتضمن خالقا شخصيا
 .......حتى المتشكك ديفيد هيوم لم ينكر المقدمة المنطقية ألأولى. فقد كتب في عام 1754 :" لم أؤكد أبدا على ايِّ فرضية سخيفة تقول بأنَّ أي شيء قد ينشأ دون علة " ولم يبدأ الناس بالقول إنَّ الكون قد جاء من العدم الاَّ بعد اكتشاف التاكيد العلمي لبداية الكون في القرن العشرين. 
 
ويفسر هذا العالم الهدف من وراء خلق هذا الكون بحسب ارادة الله الخالق فيقول:
" لم يكن ألأنفجار العظيم حدثا فوضويا مشوشا . لكنه يبدو أنَّه كان مهيئا لوجود حياة ذكية ذات تعقيد ودقة تتحدى ألأدراك البشري . أي أنّ الكون الذي نراه اليوم – ووجدنا نحن شخصيا – يعتمد على مجموعة من الشروط المبدئية عالية المستوى . وهذه الظاهرة دليل قوي على أنَّ ألأنفجار العظيم لم يكن صدفة ، بل أنَّه كان مصمما.
وعن العقل الخلاّق والخالق الذي لابد ان يكون شخصي يقول كريج:
"إنَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "الكلام" هي أنّها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . انها أيضا تتضمن خالقا شخصيا ...هناك نوعان من التفسير –علمي وشخصي- . التفسيرات العلمية تُفسر ظاهرة طبيعية بمصطلحات شروط مبدئية معينة وقوانين طبيعية ...وعلى النقيض فان التفسيرات الشخصية تفسر ألأشياء بواسطة عامل أو ارادة هذا العامل ....ويضيف قائلا : " لايمكن أن يوجد تفسير علمي عن الحالة الأولى للكون ...فلا بد أن تكون شخصية ...هناك سبب ثان : وهو أنَّه بسبب ان علّة الكون تفوق الزمن والفضاء ، فلا يمكن ان تكون حقيقة فيزيائية ، بل لا بدَّ أن تكون لافيزيائية ولا مادية . هناك نوعان فقط من ألأشياء التي يمكن ان تكون خالدة ولا مادية  . النوع ألأول هو ألأشياء المجردة كالأرقام أو الكيانات الرياضية . ومع ذلك ، فأن ألأشياء المجردة لايمكنها ان تسبب في احداث اي شيء . والنوع الثاني من الحقيقة اللامادية سيكون عقلا . فالعقل يمكنه أن يكون علّة ، وهكذا يكون من المعقول انَّ الكون هو نتاج عقل غير متجسد جاء به الى الوجود
.....ان كان هناك تفسير (لنشوء الكون)  فلا يمكن ببساطة تفسيرها بمصطلحات الشروط المبدئية ألأولية والقوانين الطبيعية التي تقود اليها ، ولهذا ان كان هناك تفسير  فلا بد ان يكون تفسيرا شخصيا – بمعنى وجود عامل له ارادة لخلقه . وسوف يكون هذا هو السبب ألأول وراء ان علة الكون لابدّ أن تكون شخصية .... ان علة الكون هي عامل شخصي يتمتع بارادة حرة . ويمكنه ان يخلق اثرا جديدا دون اية شروط مسبقة محددة . يمكنه ان يقرر قائلا "ليكن نور" فينطلق الكون الى الوجود . لم ارى اية استجابة طيبة لهذه الحجة من جانت اي ملحد . "...هناك نوع من الدين في العلم ، وهو دين إنسان يؤمن بوجود نظام وتناسق في الكون . وكل حدث يمكن تفسيره ، بطريقة منطقية عاقلة كنتاج بعض ألأحداث السابقة . فكل اثر لابد أن تكون له علته . وليست هناك علة اولى ....فهذا ألأيمان المتدين للعالم ينتهك باكتشاف أن العالم كانت له بداية تحت شروط لا تصلح لتفسيرها قوانين الفيزياء المعروفة ، وكنتاج للقوى أو للظروف التي لا يمكننا اكتشافها(5).

6-العالم باتريك  جلين
صار متشككا روحيا حين تعلم الدارونية وهو طالب . وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة
Ivy League
وفيما تحفز بمسيحية زوجته ، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق . وبذهن منفتح للحقائق ، انتهى به ألأمر بالتخلي عن الحاده وقبول الله ....وفيما كان ، سابقا ، مقتنعا بأنَّ العقل هو "الطريق الوحيد الى الحق" اصبح جلين ملحدا مزمنا حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات . وقال " لقد أوضح دارون انه ليس ضروريا حتى أن نفترض وجود اله لتفسير اصل  الحياة . فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية اساسا تعمل على ألأيونات ."
وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية ،  ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في ألأمور الروحية ، قال جلين إنَ عقله " أصبح منفتحا بشكل كاف "ولهذا كان مستعدا لفحص ما اذا كان هناك اي دليل عقلي لوجود الله  وأعد نفسه تماما لما سوف يتعلمه .
 أما الدليل الذي كان مسؤولا عن هذا التحول الروحي المذهل ، كان من بين أكثر ألأكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى ب " المبدأ ألأنساني " ...يقول هذا المبدا إنَّ " كل الثوابت التي تبدو أنّها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديدا اذا اردت ان يكون لديك كونا قادرا على انتاج حياة   "  في كتابه اللاحق " الله : الدليل " يصدّق جلين بانَّ التعدي المدهش للكون بمثابة أحد ألأسباب الرئيسية لأستنتاجه بان الكون لا بدَّ وانه كان عمل مصمم فائق ..... البيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله . وهذا ابسط واوضح حل للغز ألأنساني "
ويستشهد هذا العالم ببعض العلماء والفلاسفة واللاهوتيين فيقتبس من العالم الفيزيائي واللاهوتي "جون بولكينجهورن " الذي يقول:
"من السهل جدا أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في ألأعوام الثلاثين الماضية ، متفقين على أنّ الكون لايمكن تفسيره باعتباره ، حادثا كونيا ، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تاليف كتاب "لغزالحياة " إنَّ دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المعد بحرص (اي كوكب الأرض الذي نعيش فيه) "...ويقتبس هذا العالم ما قاله المتشكك السابق "بول ديفيز" – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة اديلايد – مقتنع الآن بأنَّه لابد أن يكون هناك هدف من وراء الكون . وفي كتابه "ذهن الله " توصل بول ديفيز من خلال عمله الى ألأيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغايةحتى لايمكن قبوله كحقيقة صمَّاء . واضاف : "لايمكنني أن اؤمن بان وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر ، أو حادث تاريخ ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة  " (6)
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر

 (1) القضية ....الخالق (ص92- 118)
  (2) نفس المصدر اعلاه (ص42-88)
 
(3)المصدر اعلاه ( ص89 -92)
 
(4) المصدادر التالية

http://www.youtube.com/watch?v=qoYewTXdoIk

https://www.facebook.com/permalink.php?id=117788035032935&story_fbid=490901050946433
راجع ايضا كتاب "رحلة عقل " للدكتور عمرو موسى
راجع ويكيبيديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86%D9%8A_%D9%81%D9%84%D9%88

 (5) القضية ....الخالق(ص 124-158)
 (6) القضية... الخالق (ص161-165)
.

12
الخلق والتطور ....بين العلم وألأيمان
الجزء الحادي عشر
شهادات لكبار علماء ملحدين سابقين على وجود خالق  للكون
نافع البرواري
في المقالات السابقة  ، تكلمنا باختصار عن انَّ العلماء ، منذ منتصف القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ، بدأوا ، الكثيرون منهم ، يعيدون النظر في الحادهم ، أي عدم ايمانهم بوجود خالق للكون ، بسبب  الأكتشافات الحديثة ، وخاصة بعد اكتشاف نظرية ألأنفجار الكوني ، واعتراف العلماء ان الكون لم يكن ازليا ، كما كان شائعا في السابق ، بل له بداية ، وكذلك اخفاق العلماء عمليا وتجريبيا في تفسير سر الحياة والتعقيدات الهائلة في الشفرات الوراثية للخلية الحية وكذلك عدم وجود ادلة اثرية في علم الأحاثة عن كيفية تطور الحياة وتعقيداتها عبر ملايين السنين وخاصة قبل العصر الكمبري  بالأضافة الى اسئلة كثيرة لم يستطع العلم ألأجابة عليها ، فمثلا نظرية التطور لازالت نظرية لم يتمكن العلماء من التحقق  فيما قاله تشارلس داروين في القرن الثامن عشر في كتابه "النشوء والأرتقاء"
وكما اوضح افكاره في رسم شجرة الحياة . فلا زالت هذه النظرية غير متماسكة علميا بل لازال فيها الكثير من الحلقات المفقودة ، فيما لايمكن نكران ان التطور هو موجود في التصميم الألهي لهذا الكون وان كل شيء في هذا الكون مصمم بنظام دقيق يخضع لقوانين ونواميس وضعها خالق ومهندس ومصمم هذا الكون .  عكس ما يؤمن به الكثيرون من الملحدون بقولهم " ان التطور هو نتاج الصدفة والعشوائية " .
وسنستشهد ببعض العلماء من اختصاصات مختلفة سواء في علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ     الذين كانوا ملحدين في السابق ولكن وبعد تعمقهم و بحثهم في اختصاصاتهم العلمية قادهم الدليل الى حقيقة وجود خالق ومصمم لهذا الكون العجيب . علما بان المصدر الرئيسي لهذه الأقتباسات هو كتاب "القضية ...الخالق" للكاتب  لي ستروبل.
1- العالم ستيفن مير
صار ستيفن مير مسيحيا من خلال سعي فلسفي عن معنى الحياة لكنه لم يكتشف حقا قضية ما اذا كان العلم يمكنه أن يقدم الدعم البرهاني لأيمانه .... رغم خلفيته العلمية لم يكن ببساطة واعيا للأكتشافات العلمية التي كانت تؤيد ألأيمان بالله . وقد قرر أن هذا كله يستحق المزيد من البحث . لم يكن يعرف هذا في ذلك الوقت ، لكن ارسالية حياته قد تبلورت حالا...في الخمسة عشر سنة ألأخيرة ، اصبح مير واحد من اكثر ألأصوات معرفة وتأثيرا في ازدهار حركة التصميم الذكية ، وساهم في كتابة عدة كتب، منها :
"الداروينية ، التصميم والتعليم العام "
"مجرَّد الخلق :العلم، الأيمان والتصميم الذكي "
"علامات الذكاء :التصميم الذكي المتفاهم "
"العلم والمسيحية :اربع وجهات نظر "
وكتب اخرى كثيرة لامجال لذكرها،وينهي حاليا كتب عن ال (دي ان اي )، وانفجار العصر الكمبري .
سؤل هذا العالم ، ردا لما يقوله بعض العلماء الملحدين بان العلم والأيمان متعارضان  وان العلم وحده عقلاني  والعلم وحده يحقق الحق . وكل شيء آخر مجرد عقيدة ورأي.
فاجاب  : "كلا ، لأ أُوافق . أنَّ القول بأنَّ العلم هو المصدر الوحيد للحقيقة هو معارضة ذاتية ، لأنَّ هذه العبارة في حد ذاتها لايمكن أختبارها بالطريقة العلمية . إنَّها افتراض فلسفي يضر أكثر مما ينفع ..واضاف قائلا :
" لاجدال أنَّ العلم يعلمنا اشياء مهمة كثيرة عن  العالم الطبيعي . لكن السؤال الحقيقي هو : هل هذه ألأشياء تشير الى أي آخر أبعد منها ؟" أعتقد أنَّ ألأجابة : نعم .فالعلم يعلمنا اشياء حقيقية كثيرة، وبعض هذه ألأشياء الحقيقية تشير الى الله ....العلم والأيمان لايتصارعان . فعندما نفسر ألأدلة العلمية والتعاليم الكتابية تفسيرا صحيحا ، فانهما يؤيدان بعضهما البعض ، واقول لأي شخص يشك في هذا ألأمر ، تحقق بنفسك من الدليل ...مثلا ، ان كان صحيحا أن هناك بداية للكون – كما يتفق علماء الكونيات المحدثين ألآن – فهذا يتضمن علة تفوق الكون . وان كانت قوانين الطبيعة معادلة لتسمح بالحياة – كما يكتشف علماء الطبيعة المعارضون – فربما يكون هناك مصمم قام بتعديلها . وان كانت هناك معلومات في الخلية – كما توضح البيلوجيا الجزيئية – فهذا يثبت وجود التصميم الذكي . وللأبقاء على سير الحياة في المقام ألأول يتطلب معلومات بيولوجية  ، والتضمينات تشير الى ما وراء المملكة المادية الى علة ذكية قبل ذلك .
وعن سؤال هل العلم والعقيدة الكتابية مهتمان بامور مختلفة ام هناك نوع من ألأرضية المتداخلة ؟ يقول ستيفن مير : "انَّ محاكمة مؤرخي القرن التاسع عشر ، الذين كانوا يكتبون اساسا من إطار حركة التنوير ، كانت انهم حين تداخلوا اختلفوا ، ومن المجالين ، كان العلم أكثر ضمانا من الدين . لقد آمنوا أنَّ الصراع سينمو على الدوام بين العلم والعقيدة الكتابية ...اما انا (يقول ستيفن مير)  حكمي مختلف تماما . فأنا أومن أنَّ شهادة العلم تؤيد ألأيمان . لأنَّ العلم يشير الى الله  في  ستة  امثلة  : 1- علم الكونيات (نظرية ألأنفجار الكبير ).... فالحقيقة انَّ معظم العلماء يؤمنون الآن بأنَّ الطاقة ، والمادة ، والفضاء ، والزمن كان له بداية حقيقة غير مادية اساسا .
2-الضبط المتعلق بعلم ألأنسان .وهذا يعني القوانين والمعايير ألأساسية للطبيعة لها قيم عددية محددة كان من الممكن أن تكون غير ذلك . وهذا معناه  أنَّه لايوجد سبب جوهري يفسر سبب وجود هذه القيم على ما هي عليه .ومع ذلك ، فكل هذه القوانين وألأنظمة تتعاون معا بطريقة رياضية مذهلة كي تجعل الحياة في الكون ممكنة. 3- المثل الثالث للعلم يشير الى أنَّ الله هو أصل الحياة ، واصل المعلومات الضرورية لجلب الحياة الى الوجود . فالحياة في اصلها تتطلب معلومات ، وهي مخزونة في الحامض النووي
... وجزيئات البروتين " DNA
. قال ريتشارد داوكنز من جامعة اكسفورد( وبالمناسبة هو عالم ملحد ) "ان الشفرة الالية للجينات شبيهة بشفرة الكومبيوتر بصورة غريبة ".
4- المثال الرابع : "دليل التصميم في الماكينات الجزيئية التي تتحدى تفسير داروين لفكرة ألأختيار الطبيعي .إنَّ هذه ألأنظمة المتكاملة والمعقدة في الكائنات البيولوجية – التي يدعوها عالم ألأحياء الدقيقة مايكل بيهي "معقدة بصورة يصعب انقاضها " – تشمل دوائر محولات الطاقة ، ومولدات الطاقة المعقدة ، وكل أنواع الدوائر الكهربائية الحيوية ".5-والمثل الآخر سيكون أنفجار العصر الكمبري ، وهو دليل آخر مثير على وجود تصميم في تاريخ الحياة ....لدينا 20-35  رسم لأجساد غريبة تماما من العصر الكمبري وهذه قفزة ضخمة في التعقيد . فهي فجائية ن وليست لينا مراحل انتقالية متوسطة ".
6- المثال السادس هو : " الوعي ألأنساني " والذي يؤيد بالتاكيد وجهة نظر إيمانية للطبيعة البشرية . تُعّلم المسيحية واليهودية بكل وضوح أننا  أكثر من مجرد مادة – فنحن لسنا "كومبيوتر مصنوع من اللحم" كما قال مارفن منسكي ، لكننا مخلوقين على صورة الله "(1).
2- العالم جوناثان ويلز.
لم تتعمق حصص العلوم في شرح الداروينية عندما كان جوناثان ويلز طالبا في المدرسة الثانوية في أواخر الخمسينات ، لكنه عندما بدا في دراسة الجيولوجيا في جامعة برنستون ، وجد ان كل شيء يُنظر اليه من خلال نظرية التطور . ومع انه تربى في الكنيسة المشيخية الا إنَّه في منتصف دراسته بالكلية اعتبر نفسه ملحدا . يقول: "لم اعد بحاجة للأمور الروحية ما عدا ذلك الشعور الغامض الذي كان يراودني للبحث عن الحق "
كانت شهادته قبل التخرج من جامعة كاليفورنيا في بيركلي في الجيولوجيا والفيزياء مع دراسة فرعية في ألأحياء. اما في جامعة بيل ، حيث حصل على درجة دكتوراه في الدراسات الدينية ، فقد تخصص ويلز في مجادلات القرن التاسع عشر حول دارون . ونشر كتابه " نقد تشارلز هوج للدارونية "
عام 1994 حصل ويلز على درجة دكتوراه في ألأحياء الجزيئية والخلوية من بيركلي ، حيث ركز اساسا على علم اجنة الفقاريات والتطور .
له كتب عديد ومقالات مثيرة  .... وكمعارض عنيد ، لا يتجنب ويلز المعارضة . فبعد أن قضى سنتين في الجيش أصبح ناشطا مناهضا للحرب في بيركلي ، وانتهى به ألأمر بقضاء فترة في السجن لرفضه الذهاب الى فيتنام كجندي احتياطي . وفيما عاش بعد ذلك مثل حياة عالم الطبيعة Thoreau
. واكتسب ثقة جديدة في أنَّ الله هو الذي وراءها .  كتب " ايقونات التطور " الذي نشر في عام 2000  عن شجرة داروين في التطور وتجربة ميلر ، واجنة هايكل ، وحلقة الجناح القديم المفقود  .  
يقول هذا العالم ردا على سؤال:
"هل توجد نظرية يمكنها أن تفسِّر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد ؟ فيجيب "انَّ كلمة "نظرية" مراوغة جدا . فأنا استطيع ان اخترع قصة ، لكنها لن تكون مدَّعمة في كل خطوة حاسمة باي دليل عملي يمكن الأستناد عليه وانا رجل تجريبي في ألأساس ، واود ان ارى نوعا من الدليل ، لكنه غير موجود "..اعلن ويلز : باختصار ، ألأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات الأخرى (اشارة الى نظرية داروين ونظريات نشوء الحياة )  "........في خلال عشرين او ثلاثين سنة من ألآن –سينظر الناس الى نظرية داروين في دهشة قائلين : كيف كان يمكن لأي انسان ان يؤمن بها ؟" الداروينية مجرد فلسفة مادية تتنكر في ثياب العلم ، والناس يعرفونها على حقيقتها .

ولهذا فان  المطلق الحاسم ، يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة ....وحتى اولئك الذين ينظرون بارتياب نحو ألأيمان الديني اضطروا لأستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بدّ وان يكون هناك المزيد لقصة الخلق اكثر من مجرد عمليات مادية . لايمكنهم ان يمنعوا انفسهم عن الأستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وانها تفسر حقا هذا كله: "معجزة" . إنها شعار يستسهله علماء كثيرون ، ويبدو أنَّ الظروف تتطلبه  ".ان الداروينية ظلت فلسفة لا تزال في مرحلة البحث عن بيانات تجريبية مقنعة لتساندها .
وعندما سؤل هذا العالم: الى اين يُشير اذن دليل العلم من وجهة نظره ؟
فاجاب باقناع : " إنَّ العلم يشير بقوة نحو التصميم . وفي رأيي كعالم ، فإنَّ نمو جنين يصرخ "التصميم !" . إنَّ إنفجار العصر الكمبري – الظهور المفاجئ للحياة المعقدة ، دون دليل السلالات – أكثر تناغما للتصميم عنه  مع التطور . ... وبالتاكيد فإنَّ أصل الحياة يُعلن بوضوح وجود مصمم ...عندما تحلل معظم ألأدلة المؤكدة الساندة من علم الكونيات ، والفيزياء ، والفلك ، والأحياء ...الخ . فاني اعتقد  أنّك ستكتشف ان الدفاع الأيجابي عن مصمم ذكي يصبح قويا تماما (2)."
3- آلان ركس سانداج
هذا العالم هو من أشهر علماء الكونيات في العالم ، الذي فك شفرات أسرار النجوم ، وفحص غوامض اشباه النجوم ، وكشف عمر المجموعات ذات الكرات ، وحدد مسافات المجرات البعيدة ، وحدد إتساع الكون من خلال عمله في مرصدي جبل ويلسون وبالومار، وحاصل على جوائزعديدة وتوجها بجائزة نوبل  ولقب ب"عجوز الكونيات"  وهو التلميذ السابق للفلكي ألأسطوري إدوين هوبل . أستعد هذا العالم  الى المنصة في مؤتمر في دالاص  عن العلم والدين سنة  1985.  كانت المناقشة عن اصل الكون ، واصل الحياة ، وطبيعة الوعي ألأنساني  ..كان من المحتمل أنَّ كثيرا من الحضور كانوا يعرفون أنّ ساندج اليهودي عرقيا كان ملحدا بالفعل حتى في طفولته ... ثم حدث الغير متوقع فقد أذهل سانداج الحضور باخذ مقعده بين المؤمنين . والأكثر ذهولا ، في سياق حديثه عن الأنفجار العظيم وتضميناته الفلسفية ، أعلن امام الجميع أنَّه قرر أن يصير مسيحيا وهو في الخمسين من عمره .
قال للجمهور المندهش " إنَ ألأنفجار العظيم كان حدث فائق للطبيعة لايمكن تفسيره في نطاق علم الطبيعة كما نعرفه . لقد أخذنا العلم الى الحدث الأول ، لكنه لايمكنه أن يأخذنا أكثر الى العلة ألأولى . فالظهور المفاجئ للمادة ، والفضاء والزمن ، والطاقة أشارة الى الحاجة الى نوع ما من السمو".... وقال فيما بعد لمراسل صحفي : "إنَّ علمي هو الذي قادني الى استنتاج أنَّ العالم أكثر تعقيدا مما يمكن تفسيره بالعلم . فمن خلال ماهو فوق الطبيعة فقط يمكنني فهم سر الوجود "
لم يكن هناك سانداج وحده  بل العالم دين كينيون عالم فيزياء حيوية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو ، الذي شارك في تاليف كتاب مؤثر يؤكد أنَ ظهور الحياة ربما كان "مقدرا من الناحية الكيميائية الحيوية" بسبب وجود تجاذب فطري بين الأحماض ألأمينية . وقد بدا أنَّ هذا هو أفضل تفسير واعد للغز كيف أنّ الخلية الحية ألأولى استطاعت بشكل ما أن تتجمع ذاتها من مادة غير حية .
أندهش الحاضرون  بينما صعد كينيون الى المنصَّة وهو يستنكر استنتاجات كتابه الخاص ، ويصرح بأنه وصل لمرحلة انتقاده لكل النظريات الطبيعية عن ألأصول. وبسبب التعقيد الجزيئي الرهيب للخلية ، وخواص ال (الدي ان اي)
الحاملة للمعلومات . آمن كينيون أنَّ أفضل دليل أشار الى وجود مصمم للحياة.(3)DNA
4- العالم والأستاذ أنتوني فلو
في عمر 14 سنة صار ملحدا بسبب وجود الشر في العالم . دخل جامعة أكسفورد ، قسم الفلسفة ، وانظم الى نادي الجامعة ، اسمها نادي "سقراط" . كان هناك قاعدة للفيلسوق سقراط اسمها " إتبع الدليل حيثما قادك"
Fallow the evidence  wherever it leads you
يقول انتوني فلو : "انّه التزم  بهذه القاعدة في حياته كلها .
السير "أنتوني فلو" أستاذ الفلسفة البريطاني، أو من كان يعرف سابقاً بأشهر وأشرس ملحد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رحلة بدأت بالإلحاد ووصلت للشك ثم للإيمان بوجود إله خالق للكون ، هومؤلف اكثر من ثلاثين كتاب التي تعبّر عن تاييده لنظرية داروين وطعنه بلاهوت المسيح . وهو من مؤسسي الفلسفة الألحادية . أول بحث ناقشه سنة 1950 هو "علم اللاهوت والتزييف "  .كان هدفه هو وضع نظام ممنهج للرد على ألأدعاءات الدينية . والبحث هذا يعتبر أكثر بحث فلسفي تم نشره في القرن الماضي .
البحث ألآخر الذي نشره أنطوني فلو هو:"افتراض ألألحاد"
The Presumption of Atheism
   وهو محاولة إثبات أنَّ الألحاد هو الفطرة في الأنسان وليس ألأيمان بوجود الله . وأثارت هذه ألأبحاث وغيرها ردود كثيرة جدا ساهمت في اثراء افكاره ومنهج تفكيره على مدار السنين .
، يتراجع بعد خمسين سنة ،هذا العالم الكبير ،  ليعترف بوجود خالق للكون في كتابه بعنوان "هناك اله" . ويطعن بنظرية داروين " في النشوء والأرتقاء". فلو هذا العالم  الذي كان سببا في الحاد عشرات بل مئات الآلاف من الناس . عاش هذا العالم طوال حياته الفلسفية في ظل مبدأ الفيلسوف اليوناني الشهير "سقراط" أن يتبع الدليل الى حيث يقوده " ويقول . لقد قادني الدليل طوال حياتي الى الألحاد ، ثم قادني بعد أن بلغت الثمانين من عمري الى ألأيمان . فقد قاده الدليل العلمي الى خمسة أبعاد تشير الى ألأله الخالق :
1-الكون له بداية ونشأ من العدم
2-إنَّ الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة
3-نشاة الحياة بكل ما فيها من دقة من المادة غير الحية
4-إنَّ الكون بما فيه من موجودات وقوانين يهيء الظروف المثلى لظهور ومعيشة ألأنسان
5-إنَّ القدرات العليا للعقل البشري لايمكن أن تكون نتاجا مباشرا للنشاط الكهروكيميائي للمخ.
سئل أنتوني فلو: انك تتحدث كثيرا في قضايا علمية وتستقي من العلم شواهدك الإيمانية ، بل وتنتقد العلماء في بعض ما يقولون، فهل أنت عالم أم فيلسوف؟ فأجاب قائلا: ان الحديث عن التفاصيل العلمية لنشأة  الكون، وما وقع من تتابع الأحداث عقب الانفجار الكوني الأعظم، إنما هو شأن علماء الفيزياء كذلك فإن البنية الكيميائية لجزئ    
DNA الدنا
المسئول عن الشفرة الوراثية للكائنات الحية، هي شأن علماء البيولوجيا. أما القضايا العقلية المرتبطة بهذه الحقائق العلمية مثل كيف ينشأ الكون من عدم؟ وماذا كان قبل بداية الكون؟ ومن أين جاء الكم المعلوماتي الهائل الذي تحمله الشفرة الوراثية؟ وغيرها من الأسئلة التي لا نهاية لها، فشأن الفلسفة والدين.
يقول هذا العالم في حصاد رحلته في هذه الحياة : لقد صرت »أؤمن بإله واحد أحد، واجب الوجود، غير مادي، لا يطرأ عليه التغيير، مطلق القدرة، مطلق العلم، كامل الخير«. ويضيف قائلا:" لقد أنجزت الفلسفة مهمتها الأساسية بنجاح عظيم عندما توصلت إلي تفسير نشأة الوجود بوجود الإله الخالق، الذي خلق الكون ليكون معدا لاستقبال المخلوق العاقل الحكيم الذي هو الإنسان" (4).
5- العالم وليم لين كريج  :
عندما كان بيل كريج طالبا جامعيا تخرج في عام 1971 ، تعلم أنَّ الحجج المختلفة المؤيدة لوجود الله كانت ضعيفة وقديمة وغير فعّالة . وكان يؤمن بهذا الى ان تصادف عثوره على كتاب الفيلسوف ستيوارت هاكيت الذي نُشر في عام 1957 : "قيامة ألأيمان " . ...كانت احدى الحجج في الكتاب أنَّ الكون لا بدَّ وأن كانت له بداية ، ومن ثمة خالق . وكان كريج متاثرا جدا لدرجة أنّه قرر أن يستخدم دراسته لنوال درجة الدكتوراء تحت إشراف اللاهوتي البريطاني جون هيك كي يصل الى قرار في ذهنه متعلق بصحة هذه الحجة .هل ستواجه الفحص حقا؟ أنهى كريج كتابة رسالته في هذا الموضوع – وهو اختبارأطلقه الى حياة علم الكونيات الأستكشافي .
تشتمل كتب كريج على مناظرة متميزة مع الملحد كوينتن سميث عنوانها "ألأيمان ، والألحاد، والأنفجار العظيم "  وحجة "كلام" – أحد أكثر الحجج المعقولة لوجود الله – وهي حجة مبنية على البرهان بأنَّ الكون ليس أبديا ، ولكن كانت له بداية في ألأنفجار العظيم . الحجة كما صاغها الغزالي بها ثلاث خطوات بسيطة
"كل ما يبدأ في الوجود له علة.
الكون بدأ في الوجود .
اذا الكون له علّة " .
.... وبافتراض أنَّ كلِّ ما يبدأ أن يوجد له علة(سبب) ، وأن الكون قد بدأ في الوجود ، فلابد أن تكون هناك علة فائقة لأصل الكون......انَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "كلام "   هي انها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . إنَّها ايضا  تتضمن خالقا شخصيا
 .......حتى المتشكك ديفيد هيوم لم ينكر المقدمة المنطقية ألأولى. فقد كتب في عام 1754 :" لم أؤكد أبدا على ايِّ فرضية سخيفة تقول بأنَّ أي شيء قد ينشأ دون علة " ولم يبدأ الناس بالقول إنَّ الكون قد جاء من العدم الاَّ بعد اكتشاف التاكيد العلمي لبداية الكون في القرن العشرين.  
 
ويفسر هذا العالم الهدف من وراء خلق هذا الكون بحسب ارادة الله الخالق فيقول:
" لم يكن ألأنفجار العظيم حدثا فوضويا مشوشا . لكنه يبدو أنَّه كان مهيئا لوجود حياة ذكية ذات تعقيد ودقة تتحدى ألأدراك البشري . أي أنّ الكون الذي نراه اليوم – ووجدنا نحن شخصيا – يعتمد على مجموعة من الشروط المبدئية عالية المستوى . وهذه الظاهرة دليل قوي على أنَّ ألأنفجار العظيم لم يكن صدفة ، بل أنَّه كان مصمما.
وعن العقل الخلاّق والخالق الذي لابد ان يكون شخصي يقول كريج:
"إنَّ احدى المميزات الهامة لمناقشات حجة "الكلام" هي أنّها تعطينا أكثر من مجرد سبب فائق أو مبهم للكون . انها أيضا تتضمن خالقا شخصيا ...هناك نوعان من التفسير –علمي وشخصي- . التفسيرات العلمية تُفسر ظاهرة طبيعية بمصطلحات شروط مبدئية معينة وقوانين طبيعية ...وعلى النقيض فان التفسيرات الشخصية تفسر ألأشياء بواسطة عامل أو ارادة هذا العامل ....ويضيف قائلا : " لايمكن أن يوجد تفسير علمي عن الحالة الأولى للكون ...فلا بد أن تكون شخصية ...هناك سبب ثان : وهو أنَّه بسبب ان علّة الكون تفوق الزمن والفضاء ، فلا يمكن ان تكون حقيقة فيزيائية ، بل لا بدَّ أن تكون لافيزيائية ولا مادية . هناك نوعان فقط من ألأشياء التي يمكن ان تكون خالدة ولا مادية  . النوع ألأول هو ألأشياء المجردة كالأرقام أو الكيانات الرياضية . ومع ذلك ، فأن ألأشياء المجردة لايمكنها ان تسبب في احداث اي شيء . والنوع الثاني من الحقيقة اللامادية سيكون عقلا . فالعقل يمكنه أن يكون علّة ، وهكذا يكون من المعقول انَّ الكون هو نتاج عقل غير متجسد جاء به الى الوجود
.....ان كان هناك تفسير (لنشوء الكون)  فلا يمكن ببساطة تفسيرها بمصطلحات الشروط المبدئية ألأولية والقوانين الطبيعية التي تقود اليها ، ولهذا ان كان هناك تفسير  فلا بد ان يكون تفسيرا شخصيا – بمعنى وجود عامل له ارادة لخلقه . وسوف يكون هذا هو السبب ألأول وراء ان علة الكون لابدّ أن تكون شخصية .... ان علة الكون هي عامل شخصي يتمتع بارادة حرة . ويمكنه ان يخلق اثرا جديدا دون اية شروط مسبقة محددة . يمكنه ان يقرر قائلا "ليكن نور" فينطلق الكون الى الوجود . لم ارى اية استجابة طيبة لهذه الحجة من جانت اي ملحد . "...هناك نوع من الدين في العلم ، وهو دين إنسان يؤمن بوجود نظام وتناسق في الكون . وكل حدث يمكن تفسيره ، بطريقة منطقية عاقلة كنتاج بعض ألأحداث السابقة . فكل اثر لابد أن تكون له علته . وليست هناك علة اولى ....فهذا ألأيمان المتدين للعالم ينتهك باكتشاف أن العالم كانت له بداية تحت شروط لا تصلح لتفسيرها قوانين الفيزياء المعروفة ، وكنتاج للقوى أو للظروف التي لا يمكننا اكتشافها(5).

6-العالم باتريك  جلين
صار متشككا روحيا حين تعلم الدارونية وهو طالب . وعمل لفترة وجيزة في صحيفة كبرى في شيكاغو ثم التحق بكلية التخرج في جامعة
Ivy League
وفيما تحفز بمسيحية زوجته ، بدأ فيما بعد في تحري دليل وجود خالق . وبذهن منفتح للحقائق ، انتهى به ألأمر بالتخلي عن الحاده وقبول الله ....وفيما كان ، سابقا ، مقتنعا بأنَّ العقل هو "الطريق الوحيد الى الحق" اصبح جلين ملحدا مزمنا حين تسلم درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد في السبعينات . وقال " لقد أوضح دارون انه ليس ضروريا حتى أن نفترض وجود اله لتفسير اصل  الحياة . فالحياة والفصائل البشرية ذاتها كانت نتاج تقنيات عشوائية اساسا تعمل على ألأيونات ."
وبعد أن تزوج بزوجة مسيحية ،  ووجد نفسه في مناقشات متكررة معها في ألأمور الروحية ، قال جلين إنَ عقله " أصبح منفتحا بشكل كاف "ولهذا كان مستعدا لفحص ما اذا كان هناك اي دليل عقلي لوجود الله  وأعد نفسه تماما لما سوف يتعلمه .
 أما الدليل الذي كان مسؤولا عن هذا التحول الروحي المذهل ، كان من بين أكثر ألأكتشافات المؤثرة التي قابلها في بحثه هو ما يسمى ب " المبدأ ألأنساني " ...يقول هذا المبدا إنَّ " كل الثوابت التي تبدو أنّها كيفية وغير متصلة في الفيزياء بها شيء غريب مشترك – فهذه هي القيم التي تحتاجها تحديدا اذا اردت ان يكون لديك كونا قادرا على انتاج حياة   "  في كتابه اللاحق " الله : الدليل " يصدّق جلين بانَّ التعدي المدهش للكون بمثابة أحد ألأسباب الرئيسية لأستنتاجه بان الكون لا بدَّ وانه كان عمل مصمم فائق ..... البيانات المادية اليوم تشير بقوة نحو فرضية الله . وهذا ابسط واوضح حل للغز ألأنساني "
ويستشهد هذا العالم ببعض العلماء والفلاسفة واللاهوتيين فيقتبس من العالم الفيزيائي واللاهوتي "جون بولكينجهورن " الذي يقول:
"من السهل جدا أن نفهم لماذا غيّر كثير من العلماء آراءهم في ألأعوام الثلاثين الماضية ، متفقين على أنّ الكون لايمكن تفسيره باعتباره ، حادثا كونيا ، وهذا ما قاله والتر برادلي الذي شارك في تاليف كتاب "لغزالحياة " إنَّ دليل وجود مصمم ذكي يفرض نفسه باستمرار كلما ازداد فهمنا لموطننا المعد بحرص (اي كوكب الأرض الذي نعيش فيه) "...ويقتبس هذا العالم ما قاله المتشكك السابق "بول ديفيز" – الأستاذ السابق للفيزياء النظرية في جامعة اديلايد – مقتنع الآن بأنَّه لابد أن يكون هناك هدف من وراء الكون . وفي كتابه "ذهن الله " توصل بول ديفيز من خلال عمله الى ألأيمان بقوة متزايدة بأن الكون الطبيعي موضوع ببراعة مدهشة للغايةحتى لايمكن قبوله كحقيقة صمَّاء . واضاف : "لايمكنني أن اؤمن بان وجودنا في هذا الكون مجرد دعابة قدر ، أو حادث تاريخ ، أو مجرد صورة عرضية في الدراما الكونية العظيمة  " (6)
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المصادر


 (1) القضية ....الخالق (ص92- 118)
  (2) نفس المصدر اعلاه (ص42-88)
 
(3)المصدر اعلاه ( ص89 -92)
 
(4) المصدادر التالية

http://www.youtube.com/watch?v=qoYewTXdoIk

https://www.facebook.com/permalink.php?id=117788035032935&story_fbid=490901050946433
راجع ايضا كتاب "رحلة عقل " للدكتور عمرو موسى
راجع ويكيبيديا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%86%D9%8A_%D9%81%D9%84%D9%88

 (5) القضية ....الخالق(ص 124-158)
 (6) القضية... الخالق (ص161-165)
.

13
الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان
الجزء العاشر
العلم يشهد على وجود الله الخالق ....شهادات لكبار علماء هذا العصر
نافع البرواري
المقدمة:
كُلَّما غصنا في العلم  وكلما تأملنا في هذا الكون والحياة ، كلما راينا وشعرنا وتذوقنا
جمال الخالق ، من خلال خليقته الجميلة ومن خلال التناسق والأنسجام العجيب في قوانين الكون والطبيعة ،   و كلما اكتشف العلم اسرار الكون والحياة كلما زاد اندهاشنا في عظمة الخالق ومحبته اللامحدودة  للأنسان صنعة يديه ، وهكذا يزداد يقيننا في انَّ وراء هذا الأبداع والجمال والروعة  هدف سامي ومعنى  عظيم  لحياتنا "الذي ما راته عين ولا سمعت به اذن ولاخطر على قلب بشر أعدَّه الله للذين يحبونه " (1كولانثوس2:9)
اننا ، كمؤمنين ، بامكاننا وبالخبرة الروحية وحدها ان تتيح لنا فرصة تمحيص  حضور الله ، الخلاق الذي لانراه وانما نتائج افعاله وحدها هي التي نراها . فالله هو ذلك الكائن الذي يسمح في كل لحظة لكل كائن حتى للكون نفسه باكمله بان يبقى في الوجود ، اذ بدونه لايمكن ان يكون شيء مما هو موجود . وهنا نلتقي بسهولة تأكيد مار يوحنا الحبيب بشأن الكلمة "كل شيء به كوِّن وبغيره لم يكون شيء مما كُوِّن" (يوحنا 1:3)
"بتاكيد ايماننا بالخالق نعطي جوابا على ألأسئلة المحفورة في ضمير الجنس البشري ، على الأرض ، نحن لسنا وحدنا ، لم نسقط هنا بطريق الصدفة ولابالخطأ ، كما اننا لسنا فضالة ايضا . ان الفهم العلمي لهذا العالم وتحوله التقني يوقفاننا امام اعمق ألأسرار الا وهوما معنى  الحياة ؟ وما هو مصيرنا نحن البشر ؟. نحن نؤمن بأنَّ التصميم الألهي يرمي الى جمع شمل كل البشر بابنه الحبيب لأنَّ كل شيء قد خُلق به وله و"كل شيء يثبت فيه" وكل شيء به كُوّن، الكائنات المنظورة وغير المنظورة (الرسالة الى اهل قولسي 1،16،17) . كمسيحيين نحن نؤمن بأن الله ألآب خلق كل شيء بابنه الذي هو الحكمة ألأزلية وكلمة الحياة ونور البشر" (1).


 اليوم العلم يسير في اتجاه ،عكس ما كان يعتقده الملحدون منذ القرن التاسع عشر ، ففي السنوات الأخيرة ، أسهم قدر من البحث المتنوع القاطع  بان الكون  قد تم تصميمه بأسلوب ذكي . وفي نفس الوقت ، تداعت الداروينية في وجه الحقائق المتماسكة والعقلانية السليمة . فقد تسبب العلم في اعطاء الأيمان دفعة هائلة فيما تخرج ألأكتشافات الحديثة عن التعقيد المدهش لكوننا . وهكذا اليوم توصل  الكثيرون من  مشاهير العلماء ،الذين كانوا لايعترفون بوجود خالق للكون او كانوا متشككين ، الى حقيقة أنَّ الكون بنظامه وقوانينه الطبيعية لا بد ان يكون خلفه مصمم عظيم وخالق ازلي ابدي لايخضع للقوانين التي وضعها بل هو واضع هذه القوانين وخالق الوجود .


يقول ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف" : "انّك(ايها الأنسان ) موجود فقط لأنَّ الله يرغب في وجودك . لقد خُلقت بواسطة الله ولأجل الله – ولن يصبح للحياة معنى إطلاقا ما لم تُدرك ذلك...لقد كان الله يفكّر فيك قبل أن يخلق العالم ، بل ان ذلك هوفي الحقيقة السبب لخلقه ! لقد صمم الله بيئة هذا الكوكب حتى نتمكن من العيش فيه . اننا مركز محبته والأكثر قيمة في كل خليقته . "(2)
من اكثر الأقوال التي حفرت في ذاكرتي ، في احدى محاضرات الأستاذ و العلامة المرحوم يوسف حبي ، هو قول منسوب الى العالم روبرت جاسترو عندما يقول :
"العالم الذي يمضي حياته مؤمنا بقوة المنطق حكايته تنتهي ككابوس حيث يتسلق فيه جبل المعرفة وعند اقترابه من القمة يصعد  الحجر الأخير ليجد اللاهوتيين قد سبقوه الى القمة بقرون "(3).
  يقول العالم اسحق نيوتن (واضع قوانين الجاذبية ألأرضية ): " لايمكن لهذا النظام الرائع (الكون ) أن ياتي الاّ من ارادة السلطة المطلقة للكائن الذكي والأسمى ".(4)
اما عالم  الفضاء الأمريكي الأكثر شهرة  ، ويرنر فون براون ، وهو من مؤسسي ناسا الفضائية يقول  :
"انَّ ألأسرار الغامضة الكثيرة الموجودة في الكون يجب ان تؤكد ايماننا بخالق الكون . وأجد صعوبة في فهم عالم لايعترف بوجود قوة عاقلة خارقة للطبيعة وراء وجود هذا الكون تماما مثلما يصعب عليَّ فهم عالم لاهوت ينكر التقدم العلمي (5)
اما الكاتب والصحفي لي ستروبل مؤلف كتاب " القضية ....الخالق " فيقول:
"لو كنت قد توقفت عن توجيه ألأسئلة (الوجودية) لبقيت في مكاني . ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية ، كانت المطالبة باجابات منسوجة في طبيعتي....عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنَّها قررت أن تتبع يسوع  ، كان أمرا عاديا أن تكون اولى كلماتي في صورة استفسار .."ماذا حلَّ بكِ ؟"...ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير ، وبينما مرت قيمها بتحول ، وبينما صارت أكثر حبا ورعاية وصدقا ، بدأت أسأل نفس السؤال ، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة وصدقا في إندهاش حقيقي " ماذا حلَّ بك؟" شيء ما ، أو كما أعلنت ، شخص ما كان يغيّرها للأفضل دون جدال"(6). 
وفعلا قام هذا الباحث بالتحري للحصول على الأجابة لماذا حدث هذا التغيير لزوجته وبدأ يسال اسئلة عن ألأيمان والله والكتاب المقدس . وذهب الى حيث تقوده تلك ألأسئلة . استمر هذا البحث الروحي سنتين والتقى ب 13 خبيرا بارزا  عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري وبعدها  كتب كتابه " القضية ....المسيح " . وتابع في كتابه التالي " القضية...ألأيمان" أجابات ألأسئلة "الثمانية العنيدة " كما يقول حول المسيحية . وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقه في حداثته ، ولم يجد من كان مستعدا لأجابتها .
يقول هذا الكاتب والصحفي  :
"فلأنّ العلم لعب دورا مؤثرا في دفعي نحو ألألحاد ، فقد كرَّست ُ وقتا طويلا لطرح أسئلة عمّا تقوله آخر ألأبحاث عن الله . وبذهن منفتح أتسائل :
*هل مقدَّر لكل من  ألعلم وألأيمان أن يظلاّ  في حرب دائمة ؟ وهل كنتُ على صواب في تفكيري بأن الأنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنَّب المعتقدات الدينية ؟ أم أنَّ هناك اساسا طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ماهو روحي وماهو علمي ؟
* هل ألأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد أم معارضة وجود الله؟
*هل ما زالت صورة التطورتلك التي دفعتني للألحاد صالحة في ضوء أحدث ألأكتشافات العلمية ؟
العلم يتقدم للأمام دائما ، وقد اضيفت الكثير من البيانات وألأكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين ألأخيرة  " .  وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالا جديدا :
هل هذا الكم ألأعمق وألأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت اليها منذ عدة سنوات ؟ والسؤال بطريقة اخرى  : الى اين يشير سهم العلم الحديث : نحو داروين أم نحو الله ؟
هل يمكن لشخص علمي ان يؤمن بفكرة ما فوق الطبيعة ؟ الى اي مدى يمكن للبيانات التجريبية ان تخبرنا عن السماويات ؟ هل يجب على العلماء ان يتمسكوا فقط بانابيب ألأختبار تاركين اللاهوتيين يتاملون في الله ؟ هل يجب على القساوسة رجال الدين ان يشتركوا في معامل الأبحاث ؟ هل يمكن للعلم والأيمان ان يشتركا حقا في البحث عن ألأجابات الحاسمة للحياة؟(7). . ويضيف  " تدربتُ  ألا أطرح فقط أسئلة ، بل أذهب الى حيث تقودني ألأجابات ويضيف  قائلا، نقلا عن العالم "لنوس باولنج "الحاصل على جائزة نوبل مرتين  انَّ  " العلم هو البحث عن الحقيقة " وهذا ما قررتُ عمله ".(8)
هذه التساؤلات العلمية والفلسفية قادت "لي ستروبل" الى البحث عن الحقيقة  وعندها قادته الحقيقة الى ألأيمان بالله خالق الكون والحياة  . ففي كتابه الثالث "القضية ....الخالق " يلتقي لي ستروبل باشهر علماء الفيزياء والبايلوجيا وعلم الفلك والكيمياء ليصل الى حقيقة أن العلم المعاصر يتجه سهمه الى ألأعتراف بوجود خالق لهذا الكون ويدحض نظرية داروين ببراهين وادلة لايمكن نكرانها .
يقول الأب تياردي شاردن:
"إنَّني أرى ذلك  الحاجز الذي قام طوال اربعة قرون بين العقل وألأيمان سيتهاوى بفعل دمج ومقاومة وجهات النظر التطورية الحديثة بالفكر المسيحي ......بقدر ما يكون الشخص مؤمنا ، بقدر ذلك يمكننا المراهنة عليه من خلال تعاليمنا الدينية . وهو بذلك يعتبر العلم دافعا اكبر لدعم ملكوت السموات . وبقدر ما هو عالم بوعي ، بقدر ذلك يُبهر باكتشافات العلم ويحوّلها الى مجد الله ....فالمسيح ذاته يجد كماله في التاكيد على انَّ العمل الخلاّق يوجِّه الكون اليه ، وذلك من خلال تطوّر العلم باتجاه الألفا وألأوميغا (اي يسوع المسيح الذي هو البداية والنهاية وهو الألف والياء). والعالم المسيحي يتميّز عن العالم غير المسيحي بانّه يوجِّه بحثه الى قمة التطّور الكوني التي نراها في المسيح القائم من القبر والمنتصر على كل شيء .أي المسيح ، وليس الى شيء مبهم لا قيمة له من خلال تشعباته العديدة.(9)"
في المقالات التالية سنتطرق الى بعض ما قاله مشاهير علماء معاصرين ، بعظهم كانوا من مشاهير العلماء  الملحدين   ولكن بتعمقهم في الحقائق العلمية ، توصلوا الى حقيقة واجب الوجود لله  الخالق  والمهندس  العظيم  المصمم   لهذا الكون  والوجود.
 (1).
(اساقفة فرنسا راجع كتاب  الخلق والتطور...حوار بين الدين والعلم)
(2)
ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف"
(3).
روبرت جاسترو راجع الموقع ادناه
http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis
(4)
المبدا الرياضي  للفلسفة الطبيعية
 راجع الموقع التالي :
 http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis

(5) كتاب القضية ....الخالق ص 353

 (6).المصدر السابق  (ص35)
(7) المصدر السابق ص87
.(8) المصدر السابق (ص 35 ، 34،  ص36)
(9) العالم والفيلسوف واللاهوتي المعاصر" تيار دي شاردن " كتابه " العلم والمسيح " ص 345،346

14
الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان
الجزء العاشر
العلم يشهد على وجود الله الخالق ....شهادات لكبار علماء هذا العصر
نافع البرواري
المقدمة:
كُلَّما غصنا في العلم  وكلما تأملنا في هذا الكون والحياة ، كلما راينا وشعرنا وتذوقنا
جمال الخالق ، من خلال خليقته الجميلة ومن خلال التناسق والأنسجام العجيب في قوانين الكون والطبيعة ،   و كلما اكتشف العلم اسرار الكون والحياة كلما زاد اندهاشنا في عظمة الخالق ومحبته اللامحدودة  للأنسان صنعة يديه ، وهكذا يزداد يقيننا في انَّ وراء هذا الأبداع والجمال والروعة  هدف سامي ومعنى  عظيم  لحياتنا "الذي ما راته عين ولا سمعت به اذن ولاخطر على قلب بشر أعدَّه الله للذين يحبونه " (1كولانثوس2:9)
اننا ، كمؤمنين ، بامكاننا وبالخبرة الروحية وحدها ان تتيح لنا فرصة تمحيص  حضور الله ، الخلاق الذي لانراه وانما نتائج افعاله وحدها هي التي نراها . فالله هو ذلك الكائن الذي يسمح في كل لحظة لكل كائن حتى للكون نفسه باكمله بان يبقى في الوجود ، اذ بدونه لايمكن ان يكون شيء مما هو موجود . وهنا نلتقي بسهولة تأكيد مار يوحنا الحبيب بشأن الكلمة "كل شيء به كوِّن وبغيره لم يكون شيء مما كُوِّن" (يوحنا 1:3)
"بتاكيد ايماننا بالخالق نعطي جوابا على ألأسئلة المحفورة في ضمير الجنس البشري ، على الأرض ، نحن لسنا وحدنا ، لم نسقط هنا بطريق الصدفة ولابالخطأ ، كما اننا لسنا فضالة ايضا . ان الفهم العلمي لهذا العالم وتحوله التقني يوقفاننا امام اعمق ألأسرار الا وهوما معنى  الحياة ؟ وما هو مصيرنا نحن البشر ؟. نحن نؤمن بأنَّ التصميم الألهي يرمي الى جمع شمل كل البشر بابنه الحبيب لأنَّ كل شيء قد خُلق به وله و"كل شيء يثبت فيه" وكل شيء به كُوّن، الكائنات المنظورة وغير المنظورة (الرسالة الى اهل قولسي 1،16،17) . كمسيحيين نحن نؤمن بأن الله ألآب خلق كل شيء بابنه الذي هو الحكمة ألأزلية وكلمة الحياة ونور البشر" (1).


 اليوم العلم يسير في اتجاه ،عكس ما كان يعتقده الملحدون منذ القرن التاسع عشر ، ففي السنوات الأخيرة ، أسهم قدر من البحث المتنوع القاطع  بان الكون  قد تم تصميمه بأسلوب ذكي . وفي نفس الوقت ، تداعت الداروينية في وجه الحقائق المتماسكة والعقلانية السليمة . فقد تسبب العلم في اعطاء الأيمان دفعة هائلة فيما تخرج ألأكتشافات الحديثة عن التعقيد المدهش لكوننا . وهكذا اليوم توصل  الكثيرون من  مشاهير العلماء ،الذين كانوا لايعترفون بوجود خالق للكون او كانوا متشككين ، الى حقيقة أنَّ الكون بنظامه وقوانينه الطبيعية لا بد ان يكون خلفه مصمم عظيم وخالق ازلي ابدي لايخضع للقوانين التي وضعها بل هو واضع هذه القوانين وخالق الوجود .


يقول ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف" : "انّك(ايها الأنسان ) موجود فقط لأنَّ الله يرغب في وجودك . لقد خُلقت بواسطة الله ولأجل الله – ولن يصبح للحياة معنى إطلاقا ما لم تُدرك ذلك...لقد كان الله يفكّر فيك قبل أن يخلق العالم ، بل ان ذلك هوفي الحقيقة السبب لخلقه ! لقد صمم الله بيئة هذا الكوكب حتى نتمكن من العيش فيه . اننا مركز محبته والأكثر قيمة في كل خليقته . "(2)
من اكثر الأقوال التي حفرت في ذاكرتي ، في احدى محاضرات الأستاذ و العلامة المرحوم يوسف حبي ، هو قول منسوب الى العالم روبرت جاسترو عندما يقول :
"العالم الذي يمضي حياته مؤمنا بقوة المنطق حكايته تنتهي ككابوس حيث يتسلق فيه جبل المعرفة وعند اقترابه من القمة يصعد  الحجر الأخير ليجد اللاهوتيين قد سبقوه الى القمة بقرون "(3).
  يقول العالم اسحق نيوتن (واضع قوانين الجاذبية ألأرضية ): " لايمكن لهذا النظام الرائع (الكون ) أن ياتي الاّ من ارادة السلطة المطلقة للكائن الذكي والأسمى ".(4)
اما عالم  الفضاء الأمريكي الأكثر شهرة  ، ويرنر فون براون ، وهو من مؤسسي ناسا الفضائية يقول  :
"انَّ ألأسرار الغامضة الكثيرة الموجودة في الكون يجب ان تؤكد ايماننا بخالق الكون . وأجد صعوبة في فهم عالم لايعترف بوجود قوة عاقلة خارقة للطبيعة وراء وجود هذا الكون تماما مثلما يصعب عليَّ فهم عالم لاهوت ينكر التقدم العلمي (5)
اما الكاتب والصحفي لي ستروبل مؤلف كتاب " القضية ....الخالق " فيقول:
"لو كنت قد توقفت عن توجيه ألأسئلة (الوجودية) لبقيت في مكاني . ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية ، كانت المطالبة باجابات منسوجة في طبيعتي....عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنَّها قررت أن تتبع يسوع  ، كان أمرا عاديا أن تكون اولى كلماتي في صورة استفسار .."ماذا حلَّ بكِ ؟"...ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير ، وبينما مرت قيمها بتحول ، وبينما صارت أكثر حبا ورعاية وصدقا ، بدأت أسأل نفس السؤال ، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة وصدقا في إندهاش حقيقي " ماذا حلَّ بك؟" شيء ما ، أو كما أعلنت ، شخص ما كان يغيّرها للأفضل دون جدال"(6). 
وفعلا قام هذا الباحث بالتحري للحصول على الأجابة لماذا حدث هذا التغيير لزوجته وبدأ يسال اسئلة عن ألأيمان والله والكتاب المقدس . وذهب الى حيث تقوده تلك ألأسئلة . استمر هذا البحث الروحي سنتين والتقى ب 13 خبيرا بارزا  عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري وبعدها  كتب كتابه " القضية ....المسيح " . وتابع في كتابه التالي " القضية...ألأيمان" أجابات ألأسئلة "الثمانية العنيدة " كما يقول حول المسيحية . وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقه في حداثته ، ولم يجد من كان مستعدا لأجابتها .
يقول هذا الكاتب والصحفي  :
"فلأنّ العلم لعب دورا مؤثرا في دفعي نحو ألألحاد ، فقد كرَّست ُ وقتا طويلا لطرح أسئلة عمّا تقوله آخر ألأبحاث عن الله . وبذهن منفتح أتسائل :
*هل مقدَّر لكل من  ألعلم وألأيمان أن يظلاّ  في حرب دائمة ؟ وهل كنتُ على صواب في تفكيري بأن الأنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنَّب المعتقدات الدينية ؟ أم أنَّ هناك اساسا طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ماهو روحي وماهو علمي ؟
* هل ألأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد أم معارضة وجود الله؟
*هل ما زالت صورة التطورتلك التي دفعتني للألحاد صالحة في ضوء أحدث ألأكتشافات العلمية ؟
العلم يتقدم للأمام دائما ، وقد اضيفت الكثير من البيانات وألأكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين ألأخيرة  " .  وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالا جديدا :
هل هذا الكم ألأعمق وألأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت اليها منذ عدة سنوات ؟ والسؤال بطريقة اخرى  : الى اين يشير سهم العلم الحديث : نحو داروين أم نحو الله ؟
هل يمكن لشخص علمي ان يؤمن بفكرة ما فوق الطبيعة ؟ الى اي مدى يمكن للبيانات التجريبية ان تخبرنا عن السماويات ؟ هل يجب على العلماء ان يتمسكوا فقط بانابيب ألأختبار تاركين اللاهوتيين يتاملون في الله ؟ هل يجب على القساوسة رجال الدين ان يشتركوا في معامل الأبحاث ؟ هل يمكن للعلم والأيمان ان يشتركا حقا في البحث عن ألأجابات الحاسمة للحياة؟(7). . ويضيف  " تدربتُ  ألا أطرح فقط أسئلة ، بل أذهب الى حيث تقودني ألأجابات ويضيف  قائلا، نقلا عن العالم "لنوس باولنج "الحاصل على جائزة نوبل مرتين  انَّ  " العلم هو البحث عن الحقيقة " وهذا ما قررتُ عمله ".(8)
هذه التساؤلات العلمية والفلسفية قادت "لي ستروبل" الى البحث عن الحقيقة  وعندها قادته الحقيقة الى ألأيمان بالله خالق الكون والحياة  . ففي كتابه الثالث "القضية ....الخالق " يلتقي لي ستروبل باشهر علماء الفيزياء والبايلوجيا وعلم الفلك والكيمياء ليصل الى حقيقة أن العلم المعاصر يتجه سهمه الى ألأعتراف بوجود خالق لهذا الكون ويدحض نظرية داروين ببراهين وادلة لايمكن نكرانها .
يقول الأب تياردي شاردن:
"إنَّني أرى ذلك  الحاجز الذي قام طوال اربعة قرون بين العقل وألأيمان سيتهاوى بفعل دمج ومقاومة وجهات النظر التطورية الحديثة بالفكر المسيحي ......بقدر ما يكون الشخص مؤمنا ، بقدر ذلك يمكننا المراهنة عليه من خلال تعاليمنا الدينية . وهو بذلك يعتبر العلم دافعا اكبر لدعم ملكوت السموات . وبقدر ما هو عالم بوعي ، بقدر ذلك يُبهر باكتشافات العلم ويحوّلها الى مجد الله ....فالمسيح ذاته يجد كماله في التاكيد على انَّ العمل الخلاّق يوجِّه الكون اليه ، وذلك من خلال تطوّر العلم باتجاه الألفا وألأوميغا (اي يسوع المسيح الذي هو البداية والنهاية وهو الألف والياء). والعالم المسيحي يتميّز عن العالم غير المسيحي بانّه يوجِّه بحثه الى قمة التطّور الكوني التي نراها في المسيح القائم من القبر والمنتصر على كل شيء .أي المسيح ، وليس الى شيء مبهم لا قيمة له من خلال تشعباته العديدة.(9)"
في المقالات التالية سنتطرق الى بعض ما قاله مشاهير علماء معاصرين ، بعظهم كانوا من مشاهير العلماء  الملحدين   ولكن بتعمقهم في الحقائق العلمية ، توصلوا الى حقيقة واجب الوجود لله  الخالق  والمهندس  العظيم  المصمم   لهذا الكون  والوجود.
 (1).
(اساقفة فرنسا راجع كتاب  الخلق والتطور...حوار بين الدين والعلم)
(2)
ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف"
(3).
روبرت جاسترو راجع الموقع ادناه
http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis
(4)
المبدا الرياضي  للفلسفة الطبيعية
 راجع الموقع التالي :
 http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis

(5) كتاب القضية ....الخالق ص 353

 (6).المصدر السابق  (ص35)
(7) المصدر السابق ص87
.(8) المصدر السابق (ص 35 ، 34،  ص36)
(9) العالم والفيلسوف واللاهوتي المعاصر" تيار دي شاردن " كتابه " العلم والمسيح " ص 345،346

15
الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان
الجزء العاشر
العلم يشهد على وجود الله الخالق ....شهادات لكبار علماء هذا العصر
نافع البرواري
المقدمة:
كُلَّما غصنا في العلم  وكلما تأملنا في هذا الكون والحياة ، كلما راينا وشعرنا وتذوقنا
جمال الخالق ، من خلال خليقته الجميلة ومن خلال التناسق والأنسجام العجيب في قوانين الكون والطبيعة ،   و كلما اكتشف العلم اسرار الكون والحياة كلما زاد اندهاشنا في عظمة الخالق ومحبته اللامحدودة  للأنسان صنعة يديه ، وهكذا يزداد يقيننا في انَّ وراء هذا الأبداع والجمال والروعة  هدف سامي ومعنى  عظيم  لحياتنا "الذي ما راته عين ولا سمعت به اذن ولاخطر على قلب بشر أعدَّه الله للذين يحبونه " (1كولانثوس2:9)
اننا ، كمؤمنين ، بامكاننا وبالخبرة الروحية وحدها ان تتيح لنا فرصة تمحيص  حضور الله ، الخلاق الذي لانراه وانما نتائج افعاله وحدها هي التي نراها . فالله هو ذلك الكائن الذي يسمح في كل لحظة لكل كائن حتى للكون نفسه باكمله بان يبقى في الوجود ، اذ بدونه لايمكن ان يكون شيء مما هو موجود . وهنا نلتقي بسهولة تأكيد مار يوحنا الحبيب بشأن الكلمة "كل شيء به كوِّن وبغيره لم يكون شيء مما كُوِّن" (يوحنا 1:3)
"بتاكيد ايماننا بالخالق نعطي جوابا على ألأسئلة المحفورة في ضمير الجنس البشري ، على الأرض ، نحن لسنا وحدنا ، لم نسقط هنا بطريق الصدفة ولابالخطأ ، كما اننا لسنا فضالة ايضا . ان الفهم العلمي لهذا العالم وتحوله التقني يوقفاننا امام اعمق ألأسرار الا وهوما معنى  الحياة ؟ وما هو مصيرنا نحن البشر ؟. نحن نؤمن بأنَّ التصميم الألهي يرمي الى جمع شمل كل البشر بابنه الحبيب لأنَّ كل شيء قد خُلق به وله و"كل شيء يثبت فيه" وكل شيء به كُوّن، الكائنات المنظورة وغير المنظورة (الرسالة الى اهل قولسي 1،16،17) . كمسيحيين نحن نؤمن بأن الله ألآب خلق كل شيء بابنه الذي هو الحكمة ألأزلية وكلمة الحياة ونور البشر" (1).


 اليوم العلم يسير في اتجاه ،عكس ما كان يعتقده الملحدون منذ القرن التاسع عشر ، ففي السنوات الأخيرة ، أسهم قدر من البحث المتنوع القاطع  بان الكون  قد تم تصميمه بأسلوب ذكي . وفي نفس الوقت ، تداعت الداروينية في وجه الحقائق المتماسكة والعقلانية السليمة . فقد تسبب العلم في اعطاء الأيمان دفعة هائلة فيما تخرج ألأكتشافات الحديثة عن التعقيد المدهش لكوننا . وهكذا اليوم توصل  الكثيرون من  مشاهير العلماء ،الذين كانوا لايعترفون بوجود خالق للكون او كانوا متشككين ، الى حقيقة أنَّ الكون بنظامه وقوانينه الطبيعية لا بد ان يكون خلفه مصمم عظيم وخالق ازلي ابدي لايخضع للقوانين التي وضعها بل هو واضع هذه القوانين وخالق الوجود .


يقول ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف" : "انّك(ايها الأنسان ) موجود فقط لأنَّ الله يرغب في وجودك . لقد خُلقت بواسطة الله ولأجل الله – ولن يصبح للحياة معنى إطلاقا ما لم تُدرك ذلك...لقد كان الله يفكّر فيك قبل أن يخلق العالم ، بل ان ذلك هوفي الحقيقة السبب لخلقه ! لقد صمم الله بيئة هذا الكوكب حتى نتمكن من العيش فيه . اننا مركز محبته والأكثر قيمة في كل خليقته . "(2)
من اكثر الأقوال التي حفرت في ذاكرتي ، في احدى محاضرات الأستاذ و العلامة المرحوم يوسف حبي ، هو قول منسوب الى العالم روبرت جاسترو عندما يقول :
"العالم الذي يمضي حياته مؤمنا بقوة المنطق حكايته تنتهي ككابوس حيث يتسلق فيه جبل المعرفة وعند اقترابه من القمة يصعد  الحجر الأخير ليجد اللاهوتيين قد سبقوه الى القمة بقرون "(3).
  يقول العالم اسحق نيوتن (واضع قوانين الجاذبية ألأرضية ): " لايمكن لهذا النظام الرائع (الكون ) أن ياتي الاّ من ارادة السلطة المطلقة للكائن الذكي والأسمى ".(4)
اما عالم  الفضاء الأمريكي الأكثر شهرة  ، ويرنر فون براون ، وهو من مؤسسي ناسا الفضائية يقول  :
"انَّ ألأسرار الغامضة الكثيرة الموجودة في الكون يجب ان تؤكد ايماننا بخالق الكون . وأجد صعوبة في فهم عالم لايعترف بوجود قوة عاقلة خارقة للطبيعة وراء وجود هذا الكون تماما مثلما يصعب عليَّ فهم عالم لاهوت ينكر التقدم العلمي (5)
اما الكاتب والصحفي لي ستروبل مؤلف كتاب " القضية ....الخالق " فيقول:
"لو كنت قد توقفت عن توجيه ألأسئلة (الوجودية) لبقيت في مكاني . ولكن بخلفيتي الصحفية والقانونية ، كانت المطالبة باجابات منسوجة في طبيعتي....عندما أعلنت زوجتي ليزلي أنَّها قررت أن تتبع يسوع  ، كان أمرا عاديا أن تكون اولى كلماتي في صورة استفسار .."ماذا حلَّ بكِ ؟"...ومع ذلك، ففي الشهور التالية عندما بدأت شخصية ليزلي في التغيير ، وبينما مرت قيمها بتحول ، وبينما صارت أكثر حبا ورعاية وصدقا ، بدأت أسأل نفس السؤال ، ولكن هذه المرة بنغمة أكثر نعومة وصدقا في إندهاش حقيقي " ماذا حلَّ بك؟" شيء ما ، أو كما أعلنت ، شخص ما كان يغيّرها للأفضل دون جدال"(6). 
وفعلا قام هذا الباحث بالتحري للحصول على الأجابة لماذا حدث هذا التغيير لزوجته وبدأ يسال اسئلة عن ألأيمان والله والكتاب المقدس . وذهب الى حيث تقوده تلك ألأسئلة . استمر هذا البحث الروحي سنتين والتقى ب 13 خبيرا بارزا  عن البرهان التاريخي المؤيد ليسوع الناصري وبعدها  كتب كتابه " القضية ....المسيح " . وتابع في كتابه التالي " القضية...ألأيمان" أجابات ألأسئلة "الثمانية العنيدة " كما يقول حول المسيحية . وهي من نوعية القضايا التي كانت تؤرقه في حداثته ، ولم يجد من كان مستعدا لأجابتها .
يقول هذا الكاتب والصحفي  :
"فلأنّ العلم لعب دورا مؤثرا في دفعي نحو ألألحاد ، فقد كرَّست ُ وقتا طويلا لطرح أسئلة عمّا تقوله آخر ألأبحاث عن الله . وبذهن منفتح أتسائل :
*هل مقدَّر لكل من  ألعلم وألأيمان أن يظلاّ  في حرب دائمة ؟ وهل كنتُ على صواب في تفكيري بأن الأنسان ذي التفكير العلمي يجب أن يتجنَّب المعتقدات الدينية ؟ أم أنَّ هناك اساسا طريقة مختلفة لرؤية العلاقة بين ماهو روحي وماهو علمي ؟
* هل ألأدلة العلمية الأخيرة تميل لتأييد أم معارضة وجود الله؟
*هل ما زالت صورة التطورتلك التي دفعتني للألحاد صالحة في ضوء أحدث ألأكتشافات العلمية ؟
العلم يتقدم للأمام دائما ، وقد اضيفت الكثير من البيانات وألأكتشافات في مستودع المعرفة العلمية خلال السنوات العشرين ألأخيرة  " .  وقد دفعني كل هذا لأن أطرح سؤالا جديدا :
هل هذا الكم ألأعمق وألأثري من البحث العلمي المعاصر يعارض أم يؤيد النتائج التي توصلت اليها منذ عدة سنوات ؟ والسؤال بطريقة اخرى  : الى اين يشير سهم العلم الحديث : نحو داروين أم نحو الله ؟
هل يمكن لشخص علمي ان يؤمن بفكرة ما فوق الطبيعة ؟ الى اي مدى يمكن للبيانات التجريبية ان تخبرنا عن السماويات ؟ هل يجب على العلماء ان يتمسكوا فقط بانابيب ألأختبار تاركين اللاهوتيين يتاملون في الله ؟ هل يجب على القساوسة رجال الدين ان يشتركوا في معامل الأبحاث ؟ هل يمكن للعلم والأيمان ان يشتركا حقا في البحث عن ألأجابات الحاسمة للحياة؟(7). . ويضيف  " تدربتُ  ألا أطرح فقط أسئلة ، بل أذهب الى حيث تقودني ألأجابات ويضيف  قائلا، نقلا عن العالم "لنوس باولنج "الحاصل على جائزة نوبل مرتين  انَّ  " العلم هو البحث عن الحقيقة " وهذا ما قررتُ عمله ".(8)
هذه التساؤلات العلمية والفلسفية قادت "لي ستروبل" الى البحث عن الحقيقة  وعندها قادته الحقيقة الى ألأيمان بالله خالق الكون والحياة  . ففي كتابه الثالث "القضية ....الخالق " يلتقي لي ستروبل باشهر علماء الفيزياء والبايلوجيا وعلم الفلك والكيمياء ليصل الى حقيقة أن العلم المعاصر يتجه سهمه الى ألأعتراف بوجود خالق لهذا الكون ويدحض نظرية داروين ببراهين وادلة لايمكن نكرانها .
يقول الأب تياردي شاردن:
"إنَّني أرى ذلك  الحاجز الذي قام طوال اربعة قرون بين العقل وألأيمان سيتهاوى بفعل دمج ومقاومة وجهات النظر التطورية الحديثة بالفكر المسيحي ......بقدر ما يكون الشخص مؤمنا ، بقدر ذلك يمكننا المراهنة عليه من خلال تعاليمنا الدينية . وهو بذلك يعتبر العلم دافعا اكبر لدعم ملكوت السموات . وبقدر ما هو عالم بوعي ، بقدر ذلك يُبهر باكتشافات العلم ويحوّلها الى مجد الله ....فالمسيح ذاته يجد كماله في التاكيد على انَّ العمل الخلاّق يوجِّه الكون اليه ، وذلك من خلال تطوّر العلم باتجاه الألفا وألأوميغا (اي يسوع المسيح الذي هو البداية والنهاية وهو الألف والياء). والعالم المسيحي يتميّز عن العالم غير المسيحي بانّه يوجِّه بحثه الى قمة التطّور الكوني التي نراها في المسيح القائم من القبر والمنتصر على كل شيء .أي المسيح ، وليس الى شيء مبهم لا قيمة له من خلال تشعباته العديدة.(9)"
في المقالات التالية سنتطرق الى بعض ما قاله مشاهير علماء معاصرين ، بعظهم كانوا من مشاهير العلماء  الملحدين   ولكن بتعمقهم في الحقائق العلمية ، توصلوا الى حقيقة واجب الوجود لله  الخالق  والمهندس  العظيم  المصمم   لهذا الكون  والوجود.
 (1).
(اساقفة فرنسا راجع كتاب  الخلق والتطور...حوار بين الدين والعلم)
(2)
ريك وارين  كاتب كتاب "الحياة المنطلقة نحو هدف"
(3).
روبرت جاسترو راجع الموقع ادناه
http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis
(4)
المبدا الرياضي  للفلسفة الطبيعية
 راجع الموقع التالي :
 http://www.youtube.com/watch?v=N2yIX39fIis

(5) كتاب القضية ....الخالق ص 353

 (6).المصدر السابق  (ص35)
(7) المصدر السابق ص87
.(8) المصدر السابق (ص 35 ، 34،  ص36)
(9) العالم والفيلسوف واللاهوتي المعاصر" تيار دي شاردن " كتابه " العلم والمسيح " ص 345،346

16

الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان

الجزء التاسع

المذهب الطبيعي  هل أصبح عقيدة إيمانية الحادية ؟

نافع البرواري

" مثلما توجد قوانين فيزيائية تحكم العالم الطبيعي ، هناك أيضا قوانين روحية تحكم علاقتك بالله" (1)
ان الذي يتابع تاريخ انفصال العلم عن الدين  منذ القرن التاسع عشر وانتشار الفلسفة الألحادية والمذهب الطبيعي في المجتمعات الغربية  اصبح الألحاد وبمرور الزمن عقيدة ايمانية  ، واصبحت غالبية  المؤسسات العلمية والثقافية والأعلامية وحتى السياسية موجه لترسيخ هذه العقيدة في العائلة والمدرسة والمجتمع كله . واصبح الأيمان بالله يُقمع  في هذه الدول بحجة  ان الأيمان في المسيحية اصبح حجر عثرة في تقدم هذه الدول كما يقول كبار فلاسفة الألحاد ومنهم نيتشه وسارتر وصولا الى تشارلس دوكنز زعيم الملحدين المعاصرين .
والمشكلة الأكثر ماساوية هو ان هذه الدول تحاول قمع كل من تسول نفسه عدم مسايرة هذه العقيدة الألحادية .حتى لو اكتشف العلماء نظريات جديدة ، مثل نظرية التصميم  الذكي ، التي تدحض  نظرية التطور الداروينية وبالتالي تدحض  الفكر المادي والفلسفة الوجدودية ألقائمة على الواقعية  .
لعل السبب الوحيد الذي جعل لنظرية داروين وجودًا حتى الآن هو دفاع الفلسفة المادية عنها بشغف و هوس كبيرين في بعض الأنحاء العلمية. و يتشابه عالم الداروينية مع الاتحاد السوفيتي الذي كان له وجود في النصف الثاني من عام 1980. فكما في ذلك الوقت ظهر إفلاس الشيوعية كإيديولوجية و لم تعد فرضيات هذه النظرية صالحة أيضاً. إلا أن مؤسسات النظام الشيوعي كانت تحتفظ بوجودها حتى الآن. فهناك جيل غُسل عقله بإيديولوجية الشيوعية، وكان يتم الدفاع عن هذه الإيديولوجية بشكل لا يقبل النقاش. و بسبب هذا المذهب الاعتقادي استطاع النظام الشيوعي الذي انهار من الناحية الفعلية أن يعيش مدةً أطول. فقد تم إصلاحه بتطبيق صيغ عرفت بـ " الشفافية " و " إعادة البناء " و أُريد لها أن تعيش. إلا أنه في النهاية حدث الانهيار الحتمي. (2)
لم تستطع نظرية داروين أن تقدم دليلاً علميًّا مؤكدا على صحتها، ولم يستطع أحد من العلماء الذين ينادون بها أن يبرهنوا على صحتها؛ لأنها بنيت على الفلسفة والملاحظات الشخصية وقوة المخيلة وليس على التجربة العلمية (3)

العالم مايكل كريمو في مقابلة خاصة يقول :
العلماء طيلة 150 سنة السابقة وجدوا عدة حقائق مدهشة تعارض نظرية التطور 
والمجتمع العلمي الحالي لايريد ان يعرف الناس ذلك ، يريدون ان يروجوا لفكرة أنَّ أيَّ أحد يعارض نظرية التطور هو انه متعصب ديني او غريب الأطوار لكن ذلك ليس صحيحا ، ومن يخرج عن هذا النهج فقد يتم التعامل معه بشكل غير منصف ، انهم يحرفون ما يجدون لكي يناسب فكرة التطور التدريجي (4).
تكثَّفت مجهودات الخروج عن نموذج ألأنفجار العظيم المعياري في السنوات ألأخيرة . فكثير من العلماء لايرتاحون لحقيقة أنّ بداية العالم تستلزم خالق . وآخرون يقلقون لأنَّ قوانين الفيزياء  لايمكنها تفسير حدث الخلق . وهناك علماء للأسف لهم دوافع وراء نظرية ما تنفصل عن قيمتها العلمية . وقد تكون للسياسة والأعلام تاثير كبير على توجه واعتناق العلماء للفلسفة المادية. هكذا علماء ألآثار وألأنتروبولوجيا ، وبشكل عملي ، قد دفنوا كلِّ ألأدلة التي اكتشفوها عن الحضارات الأنسانية على هذا الكوكب ، ولايتم عرض هياكل الأنسان  القديم في المتاحف العالمية ، ولايتم تدريس ألأطفال ذلك في المدارس ، لأن الأكتشافات الجديدة تعارض نظرية داروين ، فعلى الحقائق ان تنتهي ، وهكذا الكثير من الأدلة التي تثبت أنَّ ألأنسان قد تواجد منذ ملايين السنين قد تم قمعها   .  اصبح كل من يخالف نظرية داروين من العلماء ويُثبت خطأ هذه النظرية يتم قمعه لأنَّ عالم اليوم يؤمن بنظرية التطور، التي تؤمن انَّ البقاء للأفضل . ليس هذا فقط بل هناك تعديلات لسجل الموجودات لكي تناسب النظرة التطورية الداروينية المتدرجة للأشياء ، وان نظرية داروين تقدم للناشئة على أنَّها حقيقة مفروغ منها مثبَّة منذ زمن طويل والسؤال عنها مضيعة للوقت واثارة للسخرية (12).أ لقضية الخلق
تم تلقين نظرية التطور  لأجيال من الطلبة في المدارس والجامعات العالمية  فلذلك ليس من البساطة التخلي عن هذه النظرية بسهولة . هكذا الفلسفة الألحادية والألحاد الطبيعي  اصبح ايمانا لدى الكثير من شعوب العالم وخاصة الشعوب

الغربية بسبب الفكر الوجودي الألحادي الذي ساد العالم الغربي بعد نظرية داروين وانتشار فكرة "موت الله" للفيلسوف الألماني" نيتشه ".كما ان النظرية العلمية السائدة  في تلك الدول ، حول ازلية الكون او ثبات الكون الأبدي كانت  تدعم الألحاد وعدم الأعتراف بوجود خالق للكون والحياة  .
لم تستطع نظرية داروين أن تقدم دليلاً علميًّا مؤكدا على صحتها، ولم يستطع أحد من العلماء الذين ينادون بها أن يبرهنوا على صحتها؛ لأنها بنيت على الفلسفة والملاحظات الشخصية وقوة المخيلة وليس على التجربة العلمية (5).
اعترف  آينشتين أن فكرة الكون المتمدد "تزعجني " وقال عالم بارز " ربما بسبب مدلولاتها اللاهوتية " . واطلق عليها الفلكي البريطاني ارثر ادينجتون "كريهة " وقال فيليب موريسون من معهد ماسا شوستس للتكنولوجيا "اود أن ارفضها" وقال جاسترو أنها بغيضة للعقل العلمي."    .......وهذا توضيح جيد عن كيف ان العلماء ليسوا مجرد ماكينات مفكرة ، لكنهم يستندون الى عوامل فلسفية وشعورية ايضا (6) . 
سؤل العالم ويلز : لماذا تعتقد ان تجربة ميلر ما زالت تنشر في الكتب المدرسية ؟ فهز اكتافه وقال "ان الأمر يتضح لي اكثر فاكثر بان هذه فلسفة مادية تتنكر في ثياب علم تجريبي . فالأتجاه السائد يقول إنَّ الحياة لا بدَّ وأنها تطورت بهذه الطريقة لأنَّه لايوجد اي تفسير مادي آخر . وان حاولت ان توجد تفسيرا اخر – وجود تصميم ذكي على سبيل المثال- لأعتبرك أولئك المؤمنون بنظرية التطور بانك لست عالما "(7) .

المسؤول عن قسم الطيور في متحف اشار الى أنَّ المجتمع أصبح منحازا الى " العلماء المتحمسين " الذين كانوا " مهتدين جدد للأيمان بان الطيور قد تطورت عن الديناصورات"
"ان الزيف ياتي من هذه الحفريات طوال الوقت لأن المتعاملين مع الحفريات يعرفون انها تتضمن اموالا طائلة(8) "
اليوم ايقونات التطور الداروينية تستخدم في تعليم الطلبة . .....يدّعي انصار دارون أن قصة الحياة البشرية هي قصة تطور ، ومن هنا وضعوا الحفريات في قصة مسبقة بدا انها تناسبها . وهذه القصة يمكنها أن تاخذ اشكالا عديدة اعتمادا على تحيزات الفرد.  وكما قال أحد علماء ألأنسان ، فان العملية كلها "سياسية وشخصية " الى الحد الذي اقترح فيه أن "البايلو أنثروبولوجي له هيئة العلم لا جوهرة " . ..كتبت عالمة بايلوانثر بولوجي تُدعى ميزيا لانداو كتابا تحدثت فيه عن التشابهات بين قصة التطور البشري والحكايات الشعبية القديمة . واستنتجت أنَّ الكثير من النصوص الكلاسيكية في هذا المجال كانت "تحددها الى حد بعيد اطارات الحكايات التقليدية بنفس درجة ألأدلة المادية " ، وأنَّ هذه الموضوعات تفوق بمراحل ما يمكن ان يشار اليه من دراسة الحفريات بمفردها (9) "
يقول لي ستروبل ، كاتب كتاب "القضية الخلق" ، ان كثيرين – ومنهم أنا –  صاروا تابعين للداروينية من خلال الحفريات أوألأدلة ألأخرى التي قوضتها أو دحضتها ألأكتشافات اللاحقة . لكن الدمار وقع فعلا في حالات كثيرة ، فالطالب الذي لايعي هذه ألأكتشافات المتلاحقة قد انتمى اصلا للمذهب الطبيعي بصورة كاملة (10)


وعن سؤال لماذا هذا القمع للعلماء المخالفين لنظرية داروين التطورية ،يجيب العالم مايكل كريمو في مقابلة خاصة :
هناك ضغوطات هائلة من اجل المحافظة على النظام داخل المجتمع العلمي
على سبيل المثال ، بالنسبة لأي منصب اكاديمي  أو منصب بروفيسور، في الجامعات الأمريكية ، في العادة هناك الاف المتبارين ، ومن السيء لسمعتك ان تقوم بنشر اشياء ، ليس من المفترض ان تنشر  ، هذا امر سيء للغاية لسمعة الشخص .....فكل فكر مخالف للأفكار السائدة بخصوص عمر الأنسان واصله ، لايتم نشره ، وهناك غش حتى في وضع الأحصائيات والحقائق العلمية التي يتم اكتشافها فيتم تزويرها . في بداية القرن العشرين ، كان هناك ادعاء مزعوم باكتشاف الرجل القرد في انكلترا  بناء على الجمجمة وعظم الفك ،  وهذا الرجل القرد كان في الكتب العلمية لمدة 40 سنة  وبعدها فجاة قام المتحف البريطاني بالتحقيق في تلك الحفريات وكشف انها خدعة مدروسة . واكتشف التحقيق بالتكهن في تورط علماء بريطانيين ومنهم  سير كرافت ، الن سميث ، سميث وردورد ، وكلهم علماء مرموقين في انكلترا ، لأنه فقط من يعرف الطرق العلمية يمكنه ان يزيف هذه الحفريات بهذه الطريقة لكي تخدع المجتمع العلمي في كل انحاء العالم ل 40 او 50 سنة
القوة ، الهيبة ، المال ، هي السبب في  تدمير الأدلة
اذن فبعض العلماء حاولوا تقديم دليل لنظرية التطور لأنَّه لاتوجد ادلة كثيرة(11)
اما العالم والفيلسوف ديفيد برلنسكي في كتابه " وهم الشيطان" يقول :
"يبدو لي بانَّ أيُّ شخص يعيش في أمريكا أو أوربا يرى وجود مجموعة علماء مسرورين يحتكرون العلم لصالحهم ، ويستمتعون بفرضهم علينا كيف نُفكِّر وفي ماذا نُفكِّر والمواقف التي يجب ان نتخذها  ونُدافع عنها  وهذه مؤامرة !!!! في أوساط المختصين تُنشر على شكل جُرعات مدروسة ومتعمِّدة تشبه حقن الطبيب عندما يُحقِنكَ وهكذا في هذه الأيام تم تسييس العلم ليكون العلم  يُجاري ألألحاد المعاصر .إنّ الساسة يفرضون على العلماء ليقولوا ماهو يوالم سياستهم ألألحادية . يقولون لايوجد الله ويقولون هذا لأنَّهم علماء .لكن هذا المفهوم الثقافي والأجتماعي وألأيدولوجي سيصبح مع الوقت مثيرا للغضب . دائما ما نجد في عناوين الجرائد عنوانا رئيسيا يرد على المعارضين على هذا النحو:
"يقول العلماء كذا وكذا .. ولايوجد الله ." ...هذه ليست أقوالهم بل ما يفرض عليهم من طرف مكتب العلاقات  السياسي للمجتمع العلمي والأجهزة الأعلامية !!!!! ، ويفرضون ما يجب أن يقوله العلماء للعامة !!!!!. وفي غضون يوم يغيّر العلماء مواقفهم . ويمكن مراجعة تاريخ  الطب في آخر خمسين سنة . فنجد نجاحا يتضح بعد ذلك بانه كذب وخداع ...لذلك هناك غضب شديد بسبب خداعهم من قبل المجتمع العلمي حتى أنَّ الكثير من العلماء لايعلم عمَّ يتحدّث .بالطبع ليسوا كلهم لكن الكثير منهم ....وأكثر ما يغيظ هو التبجُّح والعجرفة في اوساطهم ، حيث يقولون "بما اننا علماء فلا يوجد  الله " . العلم التجريبي يتحدث عما يمكن ادراكه من العالم المادي المجرد بالحواس الخمس ولايوجد سبب لنعتبره شاملا لكل الحقائق في العالم " .....انا ارفض ادراك العالم المادي الا بالعلم التجريبي فهناك طرق اخرى لأدراك العالم المادي ....لكن المشكلة هو مصطلح " النزعة الطبيعية او المادية" ، فهو سطحي وتافه ولايوجد أساس قوي لهذا المصطلح ....ان الرياضيات نموذج علمي واضح وليس له علاقة بالمادية على ألأطلاق . .. . السؤال لماذا يركز الأعلام والدعاية على النزعة  المادية وكأنها الطريقة الوحيدة للمعرفة علميا وفكريا ؟ .......فلا نستغرب عندما يقول أحد ما "أنا عالم  إذن انا ملحد" فليس هناك أية علاقة بين سبب الحاده وكونه عالما  أو بالأحرى يقصدون "أنا عالم اذن أنا متعاقد قانونيا متخصص في مجال ما ، متخصص مثلا في الفيزياء الجزيئية...لكن هل هو متخصص مثلا في وجود الله ؟!!!!!!  بالطبع لا . لذلك أنا كذلك أطلب بعدم تدخلهم في غير اختصاصهم  وعدم أقحام معتقداتهم  وقناعتهم والتزاماتهم في العالم فهم يحرجون انفسهم بهذا (12)
لاتوجد في التاريخ العلمي كلّه مسألة شهدت من التزوير والأدلة الملفقّة والفضائح العلمية والجرائم الأخلاقية مثل نظرية التطور، التي لم يتورّع المتعصّبون لها عن تزوير الحفريات وتركيب أجزاء جماجم على أخرى ومعالجة عظام حديثة لتبدو قديمة، واصطياد إنسان بدائي وحبسه في قفص بين أقفاص القرود ليثبتوا نظريتهم دون اكتراث بهذا الإنسان الذي أنهى حياته بالانتحار في قفصه......... أن علماء التطور لا يتورعون عن استخدام أي نوع من أنواع الوسائل غير العلمية في سبيل إثبات نظريتهم. وإذا أخذنا هذه النقطة في الاعتبار، عندما نلقي نظرة على الأدلة الأخرى المزعومة بشأن خرافة تطور الإنسان، فسنواجه موقفاً مشابهاً. وهنا سنجد قصة خيالية وجيشاً من المتطوعين مستعداً لتجربة كل شيء من أجل إثبات هذه القصة."....[ لقد تحوّلت النظرية في الواقع إلى دين علمي إذ قَبِلَها معظم العلماء وحاول الكثيرون منهم ليّ عنق ملاحظاتهم العلمية لتتوافق مع النظرية".
و يقول "ثومسون": "لست مقتنعاً بأن دارون أثبت رأيه أو أنه ترك أثراً مفيداً في التفكير العلمي أو في التفكير العام. إن نجاح الدارونية تم بعد تدنّي مستوى النزاهة العلمية".
ومع كل ذلك لا تزال هذه النظرية بعد قرن ونصف من إطلاقها تفتقر إلى أيّ دليل علمي حقيقي عليها. كما أنه لا توجد مسألة علميّة تدخّلت فيها السياسة بالعلم مثل مسألة التطوّر، فبينما يعترض كثيرون في الغرب على تدريسها للطلاب في المدارس على أنها حقيقة علميّة تقف أطراف سياسيّة ومراكز قوى غير علميّة في وجه هذا الأمر بشراسة، وكان المتوقّع في النظام الديمقراطي الغربي أن يُترك مثل هذا الشأن للجهات الأكاديمية ويُتعاطى معه على أساس علميّ بحت. مراكز قوى مشبوهة تقف بشراسة وراء نظرية التطور في الغرب كما لو كانت جهة دينية متعصّبة، لكنها تروّج لدين باطل لا دليل على صحته، دون مراعاة للأسس العلميّة ولا احترام لتفكير الناس ولا لحريّتهم في الاختيار.
يقول العالم الجيولوجي الصيني "يون يوان شين": "في الصين يحق لنا نقد الدارونية لكن لا يحق لنا نقد الحكومة، في أمريكا تستطيع نقد الحكومة أما النظرية الدارونية فلا".
وفي وسط هذا الإرهاب العلمي والسياسي، يقف في وجهه مجموعة من العلماء وقفة شجاعة يدعون إلى المعارضة العلميّة للدارونيّة، ويقولون أن اقتصار التدريس على فكرة واحدة فيه إساءة لطلاب العلم، لأنه مقيّد ومضلّل وقصير النظر فكريّاً. كانت قائمة العلماء الموقعين على هذه الوثيقة المهمة تضمّ مئة عند إعلانها في عام 2001، وارتفع هذا العدد إلى سبعمئة في عام 2007 وما زال في ازدياد.
إن الأسلوب الذي تتعامل معه الدوائر العلمية في الغرب مع هذه النظرية الساقطة علمياً يلحق العار بالبناء العلمي الذي يقبل بهذه الممارسات غير العلمية. وإن الأسلوب غير الديمقراطي الذي تتعامل معه الدوائر السياسية مع هذا الأمر في بلاد الديمقراطية الغربية يشكّك في مصداقيّة هذه الديمقراطية.
وبالإضافة إلى الأكذوبة التي تقوم عليها نظرية التطوّر، والتزييف الذي مارسه أصحابها والقمع الفكري الذي يقوم به أنصارها، فقد كانت أكثر من مجرد نظرية علمية فاشلة، تعدّت ذلك لتكون اعتقاداً فاسداً يعمل على تدمير الأخلاق وهدم القيم الإنسانية وتكريس العنصرية والقضاء على رسالة إصلاح الإنسان، بتقويض الاعتقاد بالخالق والإيمان بالخير، وتكريس مفهوم الصراع والبقاء للأقوى.
يقول مايكل دِنْتُن: "قطعت الدارونية صلة الإنسان بالله وجعلته يسير على غير هدى في هذا الكون، ولهذا السبب كان لها هذا التأثير الهائل على الإنسان، إذ تركته بلا هدف ولا غاية يسير إليها. ولم تصل أي ثورة ثقافية في العصر الراهن إلى مقدار التأثير الذي أحدثته الدارونية على كيفية تصوّر الإنسان لنفسه ولمكانه في الوجود"(13).

 المصادر
(1)- كتاب (القضية ....الخلق ص157)

(2) الموقع التالي
http://ar.harunyahya.com/ar/%D9%83%D8%AA%D8%A8/9585/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%91%D9%85%D9%86-%8A%D9%85

 (3)المقع التالي
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=50&msg=1140585078

(4).الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=lxA2r2DwWkc
(5).الموقع التالي
http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=50&msg=1140585078

(6) .  " كتاب  " القضية .....الخلق" (ص 146، 145 ، 147  )

(7) .     المصدر السابق اعلاه  ص 52

(8) "  المصدر السابق اعلاه  ص 76 ن77

(9) "    المصدر السابق اعلاه   ص 83
(10) . (المصدر السابق ص 83)
(11)الموقع ادناه
http://www.youtube.com/watch?v=evIOHtuEoo8
(12)الموقع ادناه
 ألألحاد وتزينه بثوب العلم
ديفيد برلنسكي
http://www.youtube.com/watch?v=Tg708TmnTCQ
( 13) .الموقع ادناه 
http://www.evidencebasedtruth.net/

17

الخلق والتطور بين العلم والأيمان

الجزء الثامن

الأكتشافات العلمية المعاصرة تهز مضجع الملحدين

نافع البرواري

مقدمة
شهد النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين ثورات علمية اطاحت بالفكر الفلسفي ألألحادي(*) والمذهب الطبيعي (**) وجعل الكثيرون  من العلماء والفلاسفة الوجوديين يعيدون النظر في مواقفهم السابقة بخصوص وجود خالق ومصمم
ذكي للكون والحياة .
نظرية التصميم الذكي بدأت تلقى قبولا واسعا من العلماء في الاونة الأخيرة بسبب ازدياد ادلتها من وقت إلى اخر وخصوصا بعدما ابدى الملحد الشهير انتوني فلو رجوعه عن موقفه من الداروينية الالحادية واعرب ان هناك مصمم ذكي يقف خلف التطور

وليم ديمبسكي، أحد أكثر المؤيدين للتصميم الذكي، صرّح بأن" أحد الادعاءات الأساسية للتصميم الذكي أنه "هناك العديد من الأنظمة التي لا يمكن تفسيرها بشكلٍ مقنع بالاستعانة بقوى التطور غير الموجه ؛ هذه الأنظمة التي تبدي ميزات كنا سنعزوها للذكاء في أية حالةٍ أخرى (***)."
العلم المعاصر يكتشف حقائق مذهلة ودلائل تتبع دلائل واكتشافات بعد اكتشافات ، مما ادى في النهاية لأستنتاج مذهل (1) .
أولا : في موضوع نشأة الحياة
كتب عالم الطبيعة النظري جورج ستانشيو ، وفيلسوف العلم روبرت أوجرو : " إنَّ القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بأنَّ المادة وحدها هي الموجودة ، وأنَّ كل ألأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها  ."  لكنهم قالوا إنَّه في السنوات ألأخيرة
أجتاز العلم سلسلة من الثورات الدرامية غيرت المفهوم الحديث للأنسان ومكانه في العالم (2)" ، فشجرة الحياة التي رسمها داروين اصبحت قديمة وبدائية وصارت شيء من الماضي بعد ألأكتشافات الحديثة سواء في تعقيد الخلية الحية واستحالة الحياة بالصدفة  ، او بسبب الأكتشافات الحديثة  عن  الشفرات الوراثية في الجينات. وكذلك اظهرت  ألأكتشافات الآثارية في علم الأحافير والسلالات  البشرية انَّ الأنسان عمره أكثر من 4 ملايين سنة  ، بحسب  اخر أكتشاف لعلماء امريكيين قاموا بالبحث لمدة 15سنة  واكتشفوا هيكلا عظميا يعود لأنسان في افريقيا يقدر عمرة بحوالي 4.4 مليون سنة  ،  واطلقوا عليه اسم "آردي"وهو اقدم من  لوسي(****) بحوالي  مليون سنة  ، مما اسقط  نظرية داروين (في النشوء والأرتقاء)  التي تقول بتواجد البشر قبل100 الف سنة وقبل ذلك كان الأنسان شبه قرد  وقبل ذلك كان قردا ، بحسب نظرية التطور ، فيما الأكتشافات الحديثة تؤكد أنّ البشر قد تواجدوا حرفيا قبل ملايين السنين من قبل وان اصل الأنسان ليس من القرد كما يدعي الداروينين الجدد (3).
كما ان علم الأحاثة(علم  المتحجرات) أحدث  ثورة ضد المفاهيم الخاطئة لنظرية داروين باكتشاف "العصر الكامبري" الذي يؤكد الظهور المفاجئ لأنواع كثيرة من الكائنات الحية  قبل حوالي 500 مليون سنة وهذا يخالف نظرية داروين بان التطور كان تدريجي وبطيء عبر الاف السنين .. كثيرا ما يستشهد ون المؤمنون بنظرية التطور  بالسجل الأحفوري كدليل على التطور ،لأنّه وفقا لمعظم كتب الأحياء فالحفريات تظهر تطور تدريجي  من البسيط الى المعقد خلال مئات الملايين من السنين  لكن عدد متزايد من  العلماء يقولون ان هذه القصة في كتب الأحياء غير مكتملة ، بل وحتى  مضلّلة ،لأنَّهم يتجاهلون حدث غير عادي في تاريخ الحياة يسمى الأنفجار الكامبري
واقدم طبقة قشرة ارضية حيث تم اكتشاف اقدم حفريات لكائنات حية من العصر الكامبري التي يرجع تاريخها مابين  500الى 530 مليون سنة في الطبقات الأقدم من الكامبري ، لم يتم العثور على حفريات باستثناء عدد قليل من الكائنات الحية وحيدة الخلية الصغيرة .
ومع ذلك في العصر الكمبري ظهرت العديد من الأنواع فجأة . اكثر من ثلاثون نوعا من اللافقريات ، مثل قنديل البحر، نجم البحر  ، ثلاثية الفصوص ،والقواقع  (4).
 
السؤال المطروح  اليوم ، كما يقول العالم الكبير "ديفيد بوهم "-أحد ابرز الفيزيائيين المعاصرين  الذين رفظهم المجتمع العلمي في الغرب  لأختلاف وجهة نظره مع الكثير من العلماء الملحدين -.   "هل الناس في ايامنا مستعدين لللأستماع  لرأي شخص آخر، خرج رأيه عن الراي الجماعي( ويقصد من لايؤمن بنظرية التطور )  بجدية  دون مقاومة او معارضة"؟ (5).
فيجيب قائلا : "أظن أنِّ أدراكنا والطريقة التي نرى بها تعتمد عل الطريقة التي نفكر بها  " ويضيف قائلا:
الفكر الغربي يعتمد على التحليل وغالبا ما تؤدي الى التفتيت ، وما اقصده بالتفتيت ليس فقط التقسيم ، التفريق ، لأنَّ ألأجزاء والكمال هي مفاهيم متلازمة ، فالجزء هو جزء فقط لأنّه جزء من الكمال  مثل ألآلة والساعة ، أمَّا الفُتات فهو نتيجة  تحطيم وتكسير . اذا حطَّمت ساعة فسوف تحصل على فُتات . ألآن نظرة الغرب  تهدف الى معرفة ألأجزاء الحقيقية للكون لكن ربما في بعض ألأحيان  تحصل على مجرد فُتات . وهذا ما يحدث الى حد ما في الفيزياء وأيضا في مجالات مثل علوم ألأحياء ، علم النفس ، وعلم ألأجتماع وهكذا ..الخ
اذا ما قسمَّت بشكل خاطئ الى فتات فسوف ترتبك سوف تتعامل معها كأنها أجزاء مستقلة بينما هي ليست كذلك وايضا سوف توحّد أجزاء الفُتات بينما هي ليست متحدة  وهذا يقود الى التشويش . فالغرب يخلطون بين ألأجزاء وبين "الكل" ، لأنّهم يعتبرون الجزء كأنّها "كل" مستقل . علم ميكانيك الكم يهتم بدراسة تقسيم المادة وأجزائها واعتبارها وحدات مستقلة بينما هي ليست كذلك . هذا هو الخطأ في العلم الحديث وهو ما يقود الى استنتاجات وأعتقادات خاطئة حول الحقيقة(6) .
يقول الأب والعالم بيير تيهار دي شاردن
"التحليل والتفتيت(للمادة  بالتجارب ألأختبارية العلمية ) قادنا الى أن نترك التمثال لننصرف الى حبّة المرمر ، تركنا الشعور المشع لنحتفظ بألأهتزاز والأثير ، وتركنا الحياة الخلوية لنتعلق بالمجموعات الكيمياوية ...انّما اكتشفنا (بالتحليل والتفتيت) قانونا يقوم عليه الوجود نفسه ، قانونا متسلسلا ذا تعقيد تصعيدي في الوحدة .ولكن الوجود نفسه ،  الشيئ ألأسمى الذي أردنا أن ندركه ، قد افلت من أيدينا ، وكان يزداد بعدا كُلَّما أمعنا في التحليل ، كما يبتعد النور من الذي يتبع ألأنعكاس (7)  .
في استطلاع شمل عدد من الطلبة في جامعة امريكية وبينهم اساتذة ، تم  طرح مجموعة من الأسئلة عليهم حول نظرية التطور لداروين ومن ظمن الأسئلة واهمها هي  :
هل هناك دليل واحد ، يستند على المنهجية العلمية والتجربة  قابلة للملاحظة على جمع البيانات ، يثبت صحة التطور لنظرية داروين وتغييرالأنواع للتطورالى انواع جديدة ؟
لم يستطع جميع الطلبة ولا ألأساتذة أعطاء الجواب بل صمتوا وقالوا بالأخير حسنا سنفكر بالأجابة . فنظرية داروين عن كون الأنسان اصله من قرد ليس له اي اثبات علمي منهجي ولا تستند على الحقائق العلمية والأكتشافات الأثرية .

ولهذا لايمكن أن نعتبر نظرية التطور نظرية علمية يمكن التحقق منها ، سوى التحقق من  التغييرات الطفيفة نتيجة التكيف والتنوع في النوع الواحد وليس في الطفرات الى أنواع اخرى ، فلا يوجد مثلا ديناصور  تحول الى طير .
 يقول العالم الشهير الملحد " رتشارد دوكنز "
"ألأيمان هو أكبر تهرب من المسؤولية وأكبر عذر للتهرب من التفكير وتقييم الدليل " .
اذن وكما يقول هذا العالم الملحد عن الأيمان بالله  فمن ألأولى له أنَّ يقول هذا للمؤمنين بنظرية داروين بانهم لايستندون على العلم والملاحظة ويتهربون من ألأجابة على الأسئلة المنطقية عن التطور بحسب نظرية داروين (8) .
برنار كار هو فلكي يدرس كيف تعمل قوانين الفيزياء في الكون ، ويقول ان القوانين متماهية بطريقة حساسة جدا للسماح للحياة المعقدة بالوجود وانه من غير المحتمل جدا ان هذا هو نتيجة الصدفة. يعتقد برنار انَّ هذه التعديلات الدقيقة على الأقل تثير امكانية وجود الله. قائمة طويلة من الخصائص الفيزياوية  التي يبدو انها الشروط المسبقة من اجل وجود الحياة في الكون . اذا كان بعض هذه الخصائص فقط مختلفة قليلا ، فالحياة كما نعرفها لايمكن ان توجد .
رسم تخطيطي يسمى "هرم التعقيد" ، يمثل هياكل مختلفة  من الكون . في الجزء السفلي لدينا الكوارات التي تتكون منها الذرات التي تشكل الجزيئات ، والجزيئات تتكون الخلايا ، والخلايا تشكل الهيئات ، ونصل الى نهاية المطاف الى الدماغ والوعي . فمن الصعب تقدير احتمال ان مثل هذه الأمور يمكن ان توجد ولكن من المؤكد انه اذا لم تكن هناك دقة تعديل في الخصائص الفيزيائية فهرم التعقيد هذا لايمكن أن يوجد بالصدفة (9).


ثانيا: ما يخص نشوء الكون
"هناك نوع من الدين في العلم ، وهو دين إنسان يؤمن بوجود  نظام وتناسق في الكون . وكل حدث يمكن تفسيره بطريقة منطقية عاقلة كنتاج بعض ألأحداث السابقة . فكل اثر لابد أن تكون له علة . وليست هناك علة أولى ......فهذا ألأيمان المتدين للعالم يُنتهك بأكتشاف أنَّ العالم كانت له بداية (الأنفجارالعظيم وبداية نشوء الكون) تحت شروط لاتصلح لتفسيرها قوانين الفيزياء المعروفة، وكنتاج للقوى أو للظروف التي لا يمكننا اكتشافها . وعندما يحدث هذا ، يكون العالم قد فقد سيطرته . ولو فحص المدلولات حقا ، سيتعرض للأذى ".
 يقول االعالم  دوليس سكاي الذي دافع لمدة طويلة عن نضرية الكون المستقر(ألأزلي):" ان الأنتصار العلمي في ألأنفجار الكبير صار مفهوم أزلية المادة في ذِمة التاريخ (أي الحقيقة المطلقة للكون الأزلي كما كان يُعتقد سابقا ). فقد اثبت العلم (بموجب نظرية ألأنفجار العظيم) أنَّ للمادة بداية ، وإنَّها وُجدت من اللاشيء ، أي يجب أن يكون هناك خالق هو الذي خلقها . ...ويضيف قائلا "لم ادافع عن نضرية الكون المستقر لأنها صحيحة بل لرغبتي أن تكون صحيحة ، ولكن بعد أن تراكمت ألأدلة فقد تبيّن لنا بأن هذه اللعبة قد انتهت
اما الفيزيائي  فريمان دايسون فيقول "لابد أنَّ الكون بشكل ما قد علم أننا قادمون"
هذه الفكرة تُرعب بعض الفيزيائيين الذين يشعرون  أنَّ رسالتهم هي ايجاد تفسير رياضي للطبيعة لايترك مجالا للصدفة او لهوى الخالق " (10).
أمّا  العالم (وليام  لين  كريج ) يقول:
"ان ظهور النظريات الجديدة بخصوص ما قبل الأنفجار الكبير ونشوء الكون اظهرت انها لازالت نظريات فلسفية ما ورائية(ميتا فيزيقيا ) غير خاضعة للتجارب العلمية ولا يمكن ان تسمى حتى نظريات علمية  بل هي تخيلات  او تصورات عن وجود اكوان غير كوننا قد تكون لها قوانين فيزيائية غيرقوانينا الحالية وابعدادا غير ابعدانا. فالبداية المطلقة للكون او الأكوان  امر لامفر منه  وان نظرية خلق الكون او الأكوان نفسها بنفسها عبر قوانين ذاتية غير ممكنة على الأطلاق ولابد ان يكون هناك بداية للخلق حتى لو فرضنا جدلا وجود هذه الأكوان " .
ويقول في مكان اخر :
"أحد أكثر الحجج المعقولة لوجود الله – وهي حجة مبنية على البرهان بأن الكون ليس أبديا ، ولكن كانت له بداية في الأنفجار العظيم . ...الحجة كماصاغها  الغزالي بها ثلاث خطوات 
"  كل ما يبدأ في الوجود له علة
الكون بدأ في الوجود
اذا الكون له علة " .
 "انَّ كل ما يبدأ يوجد له علة ، وأن الكون قد بدأ في الوجود ، فلا بدّ ان تكون هناك علة فائقة لأصل الكون " (11).



هناك الثابت الكوني الذي يتم ضبطه  الى 10 اس 120
هذا هو ألمثال ألأكثر تطرفا من التعديلات الدقيقة للقوانين الكونية ، لم يتم اكتشاف اي قوة في تاريخ علم الفلك بهذه  الدقة .
الثابت الكوني لا بد من وضعه في قيمته المناسبة تماما بنسبة واحد من ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ترليون ، والاّ فان الكون سيكون مختلف جدا الى لدرجة حتى الحياة تكون مستحيلة الظهور
التسائل عمّا اذا كان تم تعيين الثابت الكوني بهذه القيمة فقط عن طريق الصدفة ، سؤال لايجب حتى طرحه .
العديد من العلماء يقولون انَّ في نهاية المطاف عندما تنظر الى الكون وخصوصا في بدايته ندرك انه لايمكن ان يولد عن طريق الصدفة ، والصدفة لا دور لها . وكلما عدنا مزيدا من الوقت الى الوراء واقتربنا من ألأنفجار الكبير ، كلما وجدنا مزيدا من كون معدل منظم منضبط . على سبيل المثال اذا عدنا للتو الى ثانية بعد الأنفجار الكبير في هذا الوقت معدل التوسع وكثافة الكتلة كانا معدلين معا بتحديد
ودقة للسماح الكون للوصول الى ماهو اليوم . في هذه اللحظة لو ان معدل توسع الكون كان اسرع قليلا بنسبة 1 بعد 15 عشرية  اي 1 على  10اس 15
سيدمر الكون كله ولن يسعف الحظ اي مجرة في الكون
هذا بالأضافة الى ثوابت اخرى في الجاذبية يعني ان الصدفة ليس لديها فرصة في لعب دور في اصل الكون . كيف لصدفة في مثل هذا الحجم الرهيب ان تحصل ؟
 التفسير ألأول الذي يتبادر الى الذهن ، وانَّه يجب ان يكون هناك منظم وهو الخالق او الله ، وبطبيعة الحال بالنسبة للأشخاص الذين يؤمنون بالله فهذا التعديل الدقيق هو دليل لوجود الله هو بالطبع رائع( 12) .

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(*) الألحاد
ألألحاد وصف لأي موقف فكري لا يؤمن بوجود إله واعِ للوجود،
 الإلحاد الصرف هو موقف افتراضي بمعنى أنه ليس ادعاءً وإنما هو جواب على ادعاء بالرفض. ويعرف الإلحاد من وجهة نظر كثير من الأديان بأنه إنكار للأدلة العلمية والعقلية ونحوهما على وجود صانع واعٍ للكون والحياة ومستحق للعبادة
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AF
(**) المذهب الطبيعي
تشير عادة كلمة "طبيعة" إلى العالم المادي في حالته الطبيعية. فيكون الشيء "طبيعياً" إذا لم يتم تعديله بواسطة أعمال (ذكية) بشرية. والكثيرون يحبون "الطبيعة"، أي المساحات الخارجية غير المشوّهة وعالم الغابات والأنهار والجبال والمروج.
ولكن، بإضافة كلمة "المذهب"، نحصل على معنى ذات صلة، وإنما مختلف. فيكمن "المذهب الطبيعي" في مفهوم أن الطبيعة، في التحليل النهائي، هي كل ما هو موجود، وأنها، بشكل أساسي، لا تُعدّل بأي عامل خارج عنها. وبمعنى آخر، تُعتبر الطبيعة الحقيقة القصوى.

ومنذ القرن الثامن عشر، أظهرت فلسفة مادية مفعولاً متزايداً في العالم الغربي. وفي السابق، كان معظم الناس في الغرب يعتقدون العالم هو خليقة إلهية، غير أن طريقة التفكير الطبيعية النزعة قد وقفت في وجه هذه النظرة؛ فعملت على استبدالها أولاً بطرق خاصة بالمذهب الطبيعي، ومن ثم بفلسفة أكثر شمولية ذات نزعة طبيعية.
وقبل نشوء المذهب الطبيعي كنظرة عالمية بارزة (أو ذهنية شاملة)، كان معظم الغربيين يؤمنون بأن الله قد خلق العالم، وبأنه كان وراء شكله ووجوده بحد ذاته. فكان من المفهوم أن الله يدعم كل الأشياء بقوة كلمته، بما أنه، في البداية، خلقها جميعها. وبما أن الرب كان كائناً حي، فكان من المنطقي توقع حياة على الأرض، ذلك أن الحياة تأتي من الحياة. أُنشئ المذهب الطبيعي في القرن العشرين بالاستناد إلى فكرة أن الكون (وكل ما فيه، بما في ذلك الحياة)، جاء إلى الوجود بسبب تقلّب كمّي طبيعي (أو عبر أساليب أخرى طبيعية بالكامل)، وتطوّر من خلال العمليات الطبيعية التي شهدها منذ وضعه الطبيعي الأصلي وحتى اليوم. فنشأت الحياة عن انعدام الحياة.
ويؤكد المذهب الطبيعي على عدم وجود إله، باستثناء إله الكيمياء الفيزيائية والعناصر غير المصممة وغير الحية والمجهولة. فتكون عملية التغييرٍ الطبيعية عشوائية بشكل أساسي و/أو غير موجّهة،؛ ولكن، يبدو في الواقع أن هذه العمليات الطبيعية "تحدد" بعض العمليات والنشاطات، بحيث أن "الأفضل" أو الأقوى ينجو، بينما يموت الآخرون. ويؤمن المنادون بالمذهب الطبيعي بأن عملية الإختيار اللاواعية وغير الموجّهة هذه، تشكل مع الانقلابات الجينية العشوائية، العناصر الأساسية التي تفسر أصل عالم الكائنات الحية، كما نعرفه اليوم.
بالتالي، إن "النظرة العالمية" ذات النزعة الطبيعية، هي الإيمان بأن الطبيعة هي الجوهر والكل بحد ذاتها. فلم يصممها الله. وكان الإدراك نتيجة لتطور العالم، وليس سبباً له. فكوّنت الطبيعة ذاتها بفضل عمليات طبيعية فحسب. ولهذا الادعاء معانٍ ضمنية عديدة.

http://ar.4truth.net/fourtrutharpbgod.aspx?pageid=8589980993
(***)
السير "أنتوني فلو" أستاذ الفلسفة البريطاني، أو من كان يعرف سابقاً بأشهر وأشرس ملحد خلال النصف الثاني من القرن العشرين، رحلة بدأت بالإلحاد ووصلت للشك ثم للإيمان بوجود إله خالق للكون.
نظرية التطور
  البيولوجيا-علم الحياة)
التطور هو العملية التي يتغير فيها صفات الكائنات الحية بمرور الزمن . ويقصد بالتطور أيضا التغييرات البسيطة التي تحصل في الچينات من جيل لآخر و التغييرات الكبيرة التي تظهر بسببها
كائنات حية جديدة من جد مشترك على مدى اجيال طويلة.
.
http://arz.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1
(****)
لوسي هو الأسم الشائع لمستحاثة هيكل عظمي ويعود لأنثىى من نوع أوسترالوبيتيكوس عشت وماتت قبل 3.2 مليون سنة  على المستحاثة في اثيوبيا عام  1974
في اثيوبيا
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D9%88%D8%B3%D9%8A_(%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%A

http://www.elaph.com/Web/ElaphWriter/2009/2/408866.htm
راجع ايضا
علماء امريكيون يسقطون نظرية داروين عن اصل الأنسان باكتشافهم هيكل لأنسان في اثيوبيا يعود عمره الى 4.4 مليون سنة  اطلقو عليه اسم "آردي"
http://www.youtube.com/watch?v=m2MdF4IrZjw

المصادر
(1) .(ص 246 من كتا ب  القضية ....الخلق).
(2)"  (  كتاب  القضية  .....الخلق  ص 37).
(3).
(راجع نظرية داروين للتطور –شبهات1:3)
http://www.youtube.com/watch?v=evIOHtuEoo8

راجع ايضا
علماء امريكيون يسقطون نظرية داروين عن اصل الأنسان باكتشافهم هيكل لأنسان في اثيوبيا يعود عمره الى 4.4 مليون سنة  اطلقو عليه اسم "آردي"
http://www.youtube.com/watch?v=m2MdF4IrZjw

(4)
راجع الموقع
شجرة الحياة الداروينية قديمة وبدائية واصبحت من الماضي
http://www.youtube.com/watch?v=LWAwLEI7yoE&list=PLjfwORBDIPRvQflFaXfFBUa1BivtG_7r7&index=6
راجع ايضا الموقع التالي 
 http://www.youtube.com/watch?v=3R6nplcvZbQ
راجع كتاب (القضية الخلق )

(5)    ( راجع 2من 3)
الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=lxA2r2DwWkc
  (6)  راجع  (1 :3).
http://www.youtube.com/watch?v=evIOHtuEoo8
(7)
.( كتاب العلم والمسيح ص 49)
(8) . راجع الموقع التالي :   
سؤال أعجز الامريكان و الملحدين ولن يستطيعوا الإجابة عنه أبدا !!
http://www.youtube.com/watch?v=9_EhLMQtJI0
(9)
http://www.youtube.com/watch?v=Far5kE1iMbE

(10)  ( القضية ...الخلق  ص146 ).

(11). راجع الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=S0Kb9NiYBO4
راجع ايضا " كتاب القضية   .... الخلق"
 (12).راجع الموقع التالي
http://www.youtube.com/watch?v=Far5kE1iMbE

18
الخلق والتطور ....بين العلم والأيمان  
الجزء السابع

قفزة (طفرة ) من الجامد الى الحي - بين نظرية الصدفة او العشوائية (*) وبين التصميم الذكي (**)

نافع البرواري

الطفرة : هي تغيَر مفاجئ من نوع الي نوع ، من جوهر الي جوهر ، أو من حالة الي أخرى .  فبين الذرة والجزئ لاتوجد طفرة ، فكلاهما مادة.  هناك فقط تصاعد في التركيب ولكن الطفرة هي تصاعد في التركيب يصاحبه تغير في النوع مثل البروتين والخلية(1).
بعض ألأسئلة التي يطرحها نشوء الحياة .
كيف يمكن أن تتفجر حياة من لاحياة أو من مادة ؟ هل هناك قفزة مهمة لايثنيها او يصدها شيء بين الكائنات الجامدة والكائنات الحية ؟ واذا كان الأمر كذلك فأين دور الله في خلق الكائنات الحيه؟.  وكيف يمكن الربط بين العلم والدين والفلسفة والاجتماع والجيولوجيا وعلم الفلك بطريقة منهجية لايتعارض فيها الايمان مع العلم بل يتماشي معه ويكمله(2).
 وهنا  نتسائل الم يكن ثمَّ حدث إبتدائي خارق العادة جدا لتكوين الخلية الحية الأولى المحتوية على الحوامض ألنووية والبروتينات ، والتي انبثقت منها بعد ذلك بفعل التطور ، الكائنات الحية ألأخرى؟ .
 حسب ما نعرفه عن الطبيعة الحالية يمكننا ان نجيب ظاهريا بالأيجاب  . نعم نظرا للتعقد الكبير الذي تمتاز به بنية الكائنات الحية  وللتدرج الهرمي لوظائفها التي تعمل تحت سيطرة خزين من المعلومات .
انَّ التفاعلات الكيمياوية العديدة للمادة الحية تنتقل وتترتب بواسطة عمليات مختلفة كليا عن عمليات الفيزياء الأحصائية .  ان المحيط الحي يتطلب وجود عناصر شديدة التعقيد ومتكاملة . فالحوامض النووية تحتاج الى بروتينات انزيمية لكل مداخلة من مداخلاتها : نقل الحوامض الربيونووية المراسلة واستجابة الحوامض الربيونووية المنزوعة الأوكسجين ...... الخ تصاحبها البروتينات في تركيب الربيوسومات . هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى نجد ان كل البروتينات مبرمجة من قبل الحوامض الربيونوية المنزوعة الأوكسجين . نحن اذن امام حلقة مفرغة . البروتينات تحتاج الى حوامض نووية والحوامض النووية لا يمكنها ان تصمد بدون تدخل البروتينات . فايُّ من البروتينات او الحوامض النووية استطاع ان يبدا عملية التركيب الذاتي ؟
في الواقع ، أنَّ عالمنا الحالي لايبيّن لنا كل الكائنات الوسيطة التي تتضمن ألأنتقال الدائم بين المادة الجامدة والكائنات الحية.(3).

القفزة من المكوّنات الغير حيّة الى الكائنات الحية المزوّدة ب (الدي ان أي )  
التي يمكِّن خلاياها من التكاثر لهي قفزة معقّدة بشكل  مذهل (بل هي معجزة)      DNA
لأ أحد يعرف (الى اليوم) كيف بدأت العملية ولأي مسار سلكت . صعب أن ندرك أبعاد القفزة او الطفرة  العملاقة  من اللاحي الى الحي ، ألأمر صعب لدرجة لم يتمكن أحد حتى الآن ، من القيام بها في المعمل (المختبر) .
يقول أحد العلماء :" أظن أنّها لغز مذهل لا نفهمه بايِّ قدر من التفصيل بكل صدق . على حين أننا لانعرف حتى الآن كيف اشتعلت شرارة الحياة .
في المنظور التاريخي يجب ان نلاحظ جيدا اننا لانعرف تنظيمم ابسط الكائنات الحيّة الأولى ولا تنظيم البنى التي تسبق وجود ألأحياء . فقد كانت هذه الكائنات تتطور في محيط يختلف كليا عن البحار الحالية ، حيث تمتص الكائنات الحية المواد العضوية وتقتنيها بغية الأستفادة منها . إنّه لمن المؤكد انَّ الكائنات الحية الحالية مع تقدمها وسرعة تفاعلها الطاقوي والتركيبي تكاد تجعل الرصد الحالي لمراحل النشوء الأحتمالي للكائن الحي مستحيلا :
لأنَّ هذه المراحل قد تزول تحت تأثير منافسة الكائنات الحية المتطورة .ومن ناحية ثانية ليس من المؤكد اطلاقا ان يكون نشوء الكائن الحي ممكنا في الظروف التي تمر بها الأرض حاليا . كما انه من المؤكد ان هذا النشوء قد حصل في ظروف مغايرة تماما . ويرى العلماء ان الظروف الحالية ، لاسيما وجود ألأوكسجين الجوي ، تجعل نشوء الحياة حاليا امرا مستحيلا(4)  .
معظم العلماء وخاصة علماء البايولجيا وعلم الجزيئيات يقولون " الحياة ولدت نتيجة صدفة اشبه ما تكون بقيام احد القردة بالضرب على ألآلة الكاتبة فيطبع لنا مسرحية هاملت لا اراديا ". اي ان الحياة لم تلد بالصدفة  بل ان الكثيرين من رجال العلم يعتقدون ان وجود الحياة اقل احتمالا مما يبدو عليه وان "المادة بالتالي كانت ملأى بالحياة" وجهة النظر هذه تذهب الى حد  القول بأنه " ليس من اللامعقول القول بان الكون تطور كما لو انه اراد ان يلد كائنا قادرا على ان يعي وعيا كاملا لوجوده "( مع اعترافه بالطابع البشري الذي يتميز به هذا الأقتراح) ؟  ويقول البروفيسور اي كاهان :  " فأن تنظيم المادة هذا ناتج عن قانون طبيعي بامكاننا ان نكتشفه ، تمكنت المادة بواسطته ان تخرج من طور لتدخل في طورثاني باشكال من الحركة المتزايدة التعقد وان تسلك هذا السبيل بحكم الضرورة لأنها كانت السبيل الوحيد الممكنة " ....وعليه فان المادة تتطور تحت ظروف معينة متجهة نحو الحياة وفق شرعة طبيعية لا تزال اليوم مجهولة ولكن الباحثين يستشعرونها . وعليه فأن مسالة ظهور الحياة على كواكب اخرى شبيهة الخصائص بكوكبنا أمر وارد.لا يوجد حاليا اي يقين علمي بوجود الحياة ووجود حضارات اخرى على كواكب غير كوكبنا ولكن بعض الأحتمال وارد .....المادة تنتظم في كل مكان بالطريقة نفسها " ليس عندنا اي شيء ننفرد به نحن أهل ألأرض كما أنّه من المعقول التفكير أن الأشياء حتى في مستويات التنظيم ألأكثر تقدما تسير بطريقة مماثلة لما لدينا (5).
سؤل العالم والتر برادلي ، وهو أستاذ سابق في جامعة تكساس ، واشترك في تاليف كتاب "سرأصل الحياة " ، أحد العلامات المميزة للعالم سنة 1984 م : عن النظريات المختلفة التي قدمها العلماء ، والخاصة بكيفية ولادة أول خلية  حية بطريقة طبيعية – بما فيها الفرصة العشوائية(الصدفة) ، والعلاقة الكيمياوية ، وأتجاهات الطلب الذاتي ، والبذر من الفضاء ، ومتنفسات محيط البحر العميقة ، واستخدام الطين لتشجيع تجميع المواد الكيميائية الحيوية -  فاجاب : ولا واحدة من هذه النظريات يمكنها مواجهة الفحص العلمي . وكثيرين  من العلماء الآخرين توصلوا الى نفس هذه النتيجة (6).
 كتب الصحفي جريج ايستربروك عن مجال أصل الحياة قائلا:
"العلم ليس لديه ادنى فكرة عن كيف بدأت الحياة . ولا توجد نظرية مقبولة بشكل عام ، فالخطوات التي تقود من عالم بدائي عقيم الى كيمياء الحياة الضعيفة تبدو غير موزونة ".......ان الدليل المطلق الحاسم "  يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة "(7)
يجيب  عالم الأحياء وعالم اللاهوت الدكتور جوناثان ويلز عن سؤال : الى اي مدى سيكون  خلق خلية حية في حالة تمكن عالم يوما ما  ، انتاج احماض امينية من غلاف جوي واقعي للأرض المبكرة  (8) ؟
  فيقول :
" الى مدى بعيد جدا ، بعيد للغاية . ستكون هذه اول خطوة في عملية معقدة للغاية . يجب عليك ان تحصل على العدد الصحيح من ألأنواع الصحيحة من الأحماض ألأمينية لترتبط معا حتى تكون جزيئا بروتينيا ، وسوف يظل هذا بعيدا للغاية عن خلية حية . عندئذ ستحتاج عشرات الجزيئات البروتينية ، في التسلسل الصحيح من جديد ، لخلق خلية حية . وشواذ هذه القضية مدهشة للغاية . فالفجوة بين الكيميائيات الغير الحية وحتى اول كائن حي بدائي هائلة للغاية ".
وعن سؤال اخر فيما اذا كانت توجد نظرية يمكنها ان تفسر كيف أن الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة) دون اي توجيه او ارشاد فيجيب : "
لاتوجد نظرية يمكنها أن تفسِر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد . على سبيل المثال ، قالت نظرية شائعة إنَّ ال    (آر ان أي )  
RNA
  احدى قريبات ال
( دي ان اي  )   DNA
 ربما كانت هي اصلا جزيئيا تطورت منه الخلايا المبكرة . وقد أعلنت فرضية (عالم  
 )RNA  
هذه كشيء ممكن حدوثه الى حين . ولكن لم يتمكن احد من توضيح كيف تشكلت ال
RNA
 قبل ظهور الخلايا الحية كي تصنعها ، أو كيف تكون قد بقيت في ظل ظروف ألأرض المبكرة  . هكذا استبعد جير الدجويس ، وهو عالم كيمياء حيوية في معهد ابحاث  
نظرية ألأولى بكل وضوح قائلا   ،Scripps:
"عليك أن تبني رجلا من القش فوق رجل آخر من القش حتى تصل الى أنَّ ال
  جزيء حيوي قابل للحياة " RNA
"باختصار ، ألأمر كله كان نهاية مسدودة – كما كانت كل النظريات ألأخرى"
كثير من العلماء الآخرين توصلوا الى نفس هذه النتيجة . كتب الصحفي جريح ايستربروك عن مجال أصل الحياة قائلا : "العلم ليس لديه أدنى فكرة عن كيف بدأت الحياة . ولا توجد نظرية مقبولة بشكل عام ، فالخطوات التي تقود من عالم بدائي عقيم الى كيمياء الحياة الضعيفة تبدو غير موزونة " .
ويضيف هذا العالم في مكان اخر :
لاتوجد نظرية يمكنها أن تفسِر كيف أنَّ الحياة جاءت بطريقة طبيعية من ذاتها( بالصدفة ) دون اي توجيه او ارشاد" ص51" القضية الخالق "   ...وان الصعوبات  المؤرقة للذهن لملء الفراغ بين عدم الحياة والحياة  معناها  أنّه قد لا توجد امكانية على ألأطلاق حول ايجاد نظرية تشرح كيف يمكن أن تكون الحياة قد نشأت بطريقة تلقائية . ولهذا فهناك قناعة لدى الكثير من العلماء بانَّ " الدليل المطلق  الحاسم " يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة . ... في الواقع ، اعتقد ان الناس المؤمنين بأن الحياة ظهرت بطريقة طبيعية  هم بحاجة الى قدر اكبر من ألأيمان أكثر من أولئك المؤمنين بوجود مصمم ذكي . ص53
....ولهذا فان الدليل المطلق الحاسم ، يشير نحو وجود ذكاء من وراء خلق الحياة ....وحتى اولئك الذين ينظرون بارتياب نحو ألأيمان الديني اضطروا لأستنتاج أن شواذ الخلق التلقائي للحياة مرتفعة للغاية على نحو مناف للعقل لدرجة أنه لا بدّ وان يكون هناك المزيد لقصة الخلق اكثر من مجرد عمليات مادية  لايمكنهم ان يمنعوا انفسهم عن الأستشهاد بالكلمة الوحيدة التي تبدو وانها تفسر حقا هذا كله : معجزة"(9) .
فعلى سبيل المثال ، قال جون هورجان ، أحد الصحفيين العمليين القادة في الولايات المتحدة في العالم لسنة 2002 والذي يعرف نفسه بصفته "كاثوليكي مرتد" َّأنَّ العلماء ليست لديهم فكرة عن كيف  خلق هذا الكون ، أو "كيف أنَّ المواد الغير حية على كوكبنا الصغير التأمت وتحولت الى مخلوقات حية . " ومن هنا جاءت الكلمة :" يمكنك أن تقول إنَّ العلم إكتشف أنَّ وجودنا أمر غير محتمل بشكل مطلق ومن هنا فهو" معجزة ."
حتى عالم الكيمياء الحيوية ، والمتشكك الروحي فرانسيس كريك الذي تشارك جائزة نوبل لأكتشافه الهيكل الجزيئي ال  
     DNA
  استشهد بالكلمة "معجزة" محذرا منذ عدة سنوات : " ألأنسان المخلص والمسلح بكل المعرفة المتاحة لنا الآن يمكنه أن يقول فقط انه بمعنى ما يظهر اصل الحياة حاليا على انه معجزة ، حتى ان الظروف كثيرة جدا التي من الممكن انها قد ارضت كي نجعلها تستمر "
ويختم برادلي فيقول هناك اخرون من العلماء اكثر حدة  يقولون  :" ان لم يكن هناك تفسير طبيعي ، ولا تبدو هناك امكانية ايجاد تفسير ، فاني اؤمن عندئذ  انه من المناسب ان ننظر الى تفسير خارق للطبيعة . واعتقد ان هذا هو اكثر راي عقلاني مبني على الدليل (10) ."

تقول ساره ووكر_باحثة البيولوجيا الفلكيه وزميلة ناسا فى دراستها الموسعه بالاشتراك مع عالم الفيزياء النظرية والبيولوجيا الفلكية الشهير من جامعة ولاية أريزونا  بول ديفيز حيث يزيلون  الغبارعن منهجية التطوريين  فى تعريف الحياه بتعمد اسقاط العامل الاساسى وهو نظام البرمجه المعلوماتى الذى يسيَر الحياه( اي التصميم الذكي للحياة )
"ان القول بتخلق الحياه بطريق الصدفه مجرد ايمان لا يدعمه منطق وان اى شخص يفكر بمنطقيه يستطيع ان يقرر بسهوله استحالة تكونها كذلك" .  "نقترح أنَّ ألأنتقال من اللاحياة الى الحياة هي ظاهرة فريدة من نوعها ويمكن تحديدها "...... النظرة الجديدة لفهم الحياة تتطلب : تحوّل التركيز من "ألأجهزة" الى "البرامج "
...New Way to Look at Dawn of Life: Focus Shifts from  ."Hardware" to "Software
من خلال ابحاثه فى اصل الحياه بول ديفيز يعترف بوضوح بان قوانين الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء لا تفسر أصل الحياة .و نظرية التطور الكيميائية التي انتجها ميلر(  (راجع المقالة السابقة الجزء الخامس عن تجربة ميلر) وأوري عام 1953لانتاج الأحماض الأمينية من التفريغ الكهربائي في خليط من الغازات خالية من الأكسجين 'لم تصمد أمام التدقيق. فالجزيئات الكبيرة المتخصصة للغاية مثل البروتينات لا يمكن انتاجها بقوانين طبيعيه من اى من الاحماض الامينيه المنتجه . فرمي الطاقة في الأحماض الأمينية لن يخلق جزيئات متسلسلة قابله للحياه ، تماما كوضع الديناميت تحت كومة من الطوب  فانه لن يجعل منها منزل على حد تعبيره"
ويمضي ديفيز بتساؤلاته قائلا : نحن نعرف ألآن أن سر الحياة لايكمن في المكونات الكيميائية على هذا النحو ، ولكن " في البنية المنطقية والترتيب التنطيمي للجزيئات فالحياة هي نظام معالجة المعلومات . وبرنامج الخلية الحية هي السر الحقيقي ، وليست ألأجهزة . ولكن من اين اتى البرنامج؟ . كيف لذرات غبية بشكل عفوي كتابة " البرامج الخاصة لها ...لا احد يعرف "
يضيف ديفيز .
"نقترح أنّه يمكن وصف الحياة من خلال ألأستخدام المميز والنشط للمعلومات ، وبالتالي توفير خارطة طريق لتحديد معايير صارمة لظهور الحياة ، وهو ما يتناقض تناقضا حادا مع قرن من النهج اللذي حصر اشكالية الحياة بمسار الخلائط الكيميائية " .
ان المفاهيم الخاطئه التى يوهم بها انصار النشأة العشوائيه عامة الناس وغير المتخصصين  هوالقول بان انتاج بعض الاحماض الامينيه يجعل من خلق الحياه امرا فى قدر الامكان ويتعمد اللجوء الى تسطيح  مستفز من البعض حتى ظن غير المختصين انَّ انتاج الخليه الحيه كمثل تصنيع قطعة جيلى فى مصنع حلوى.
هل تمثل الاحماض الامينيه باى شكل من الاشكال وجه من اوجه  الحياه ؟
الاحماض الامينيه هى  مجرد ماده عضويه بسيطه جدا خاليه تماما من الحياه  ومجرد لبنة بناء بسيطه واوليه ويمكن  تشبيهها بمثال  استخراج  معدن  الالومينوم كاحد عشرات او مئات المعادن الاساسيه المستخدمه فى بناء طائره وجعلها تطير.
بالطبع لن  يطير معدن الالومينوم الخام الا فى الطائره وداخل نظام مصمم و ذكى بالغ التعقيد  وكذلك الاحماض الامينيه لا تمثل اى قيمه بيولوجيه الا فى الخليه مع اعتبار الفارق الشديد فى نسبه التعقيد بين الطائره والخليه .او يمكننا  تمثيل الاحماض الامينيه بانها جزء من مجموعة الحروف والخليه الحيه هى كتاب مؤلف من ملايين الحروف لتشكيل ملحمة روائية بالغة الحنكه  والاشكال الحقيقى يكمن فى الاستخدام الذكى لترتيب تلك الحروف وليست مجرد تراكمات وتراكبات عشوائيه ناتجه من عمليات فزيوكيميائه . .
..فالخليه نظام كونى مستقل  له اراده تخالف تلك القوانين ونظره قريبه فى الخليه تثير الذهول من ذلك التصميم الدقيق المحكم  فهى مدينه كامله من الالات الجزيئيه المتعاضده المتكامله التى يحسدها عليها عوالم التقانات النانوية فمع اهتزازها أو التفافها أو زحفها المتواصل في أرجاء الخلية، تقطع هذه الآلات، وتلصق وتنسخ جزيئات جينية،وتقوم بنقل المغذّيات من مكان إلى آخر أو تحولها إلى طاقة،وتبني أو تصلح الأغشية الخلوية، وتنقل الرسائل الميكانيكية والكيميائية والكهربائية(11) . -
"انَّ كل خبراء اصل الحياة عمليا وفعليا رفضوا تماما فكرة الحياة التي تكونت بالصيغة العشوائية  ولكن مع ذلك ما زالت الفكرة (فكرة العشوائية ) حية وشائعة وهي السائدة  لدى الكثيرين من طلبة الكليات  ولا زال هذا السيناريو حيا بين الناس الذين يعرفون كل الحقائق ولكن ليست له اية ميزة   ........ومنذ عام 1960 كان يرفض العلماء ان يقولوا ان الصدفة لعبت اي دور مهم في اصل الحامض النووي( دي ان اي )   او البروتين ، ورغم ذلك  ما زال لسوء الحظ اختيار قائم في تفكير الناس .
تخيَّل انك تحاول أن تكتب كتابا  بالقائك بعض الحروف على ألأرض .. احتمالات تكوين بروتين بالصدفة سوف يكون فرصة واحدة في مائة الف ترليون ترليون ....الخ وهذا يعني 10 وبعدها 125 صفرا . " وسوف يكون هذا جزيء بروتين واحد فقط وعلى ألأقل  فإنَّ الخلية المعقدة سوف تحتاج ما بين 300 الى 500 جزيء بروتين , وبالأضافة الى ذلك ، يجب انجاز كل هذا في مجرد 100 مليون سنة ، وهذا هو الوقت التقريبي بين ألأرض وأول حفرية صغيرة وجدناها " . " ولكي تقترح فكرة الصدفة ضد هذه ألأشياء الغريبة  وغير النظامية هو في واقع ألأمر كانك تجري معجزة طبيعية"(12)
جاي روث ، ألأستاذ السابق  في الخلايا علم  ألأحياء الجزيئ في جامعة كونيكتيكت وهو ايضا خبير في ألأحماض النووية قال: " سواء كانت الطبعة ألأصلية للنظام الحي الأول هو
DNA أو  RNA
فالمشكلة لازالت قائمة ، وقال " حتى وإن خفضنا ألأساسيات الى أقصى حد فإن هذه الطبعة ألأصلية لابد وأنّها كانت معقدة للغاية . لأنَّ هذه الطبعة فقط هي القول المعقول ألآن والذي يقترح بوجود خالق " القضي الخلق ص 300)
انَّ المعلومات الجينية  في الحامض النووي (دي ان أي )

هو نتيجة عمل العقل وليس  الصدفة اوألأصطفاء الطبيعي أو عمليات تنظيمية ذاتية....وباختصار ، لم تقترب اية فرضية لتفسير كيف ان المعلومات الضرورية لأصل الحياة ظهرت بوسائل طبيعية . وكما قال الفيلسوف المادي كتشنج" أنَّ الرجل ألأمين والمسلح بكل المعرفة المتاحة لدينا الآن يمكنه ان يقول فقط بان أصل الحياة الذي يظهر الآن هو معجزة ، فلكي تسير تلك الحياة فهذا أمر يحتاج الى شروط كثيرة " .  
.....لا الفرصة المرتبطة بالأصطفاء الطبيعي ، ولا عمليات التنظيم الذاتي لها قوة أعطاء اية معلومات . ولكننا نعلم بوجود واحد الذي لديه القوة الطارئة التي نحتاجها لتعطينا معلومات وهي الذكاء . ومجادلات الشفرة في الحامض النووي لها نفس الخواص المشابهة لتلك التي للكومبيوتر أ و اللغة . فحينما تجد اية ترتيبات مسلسلة ومعقدة وتتمشى مع نموذج مستقل أ و متطلبات وظيفة  معينة ، فان هذا النوع من المعلومات هو دائما من نتاج الذكاء . فالكتب والكومبيوتر والشفرة والحامض كله تتمتع بتلك الخاصيتين .ونحن نعلم ان كل من الكتب وشفرات الكومبيوتر مصممة بالذكاء البشري ، ووجود هذا النوع من المعلومات في الحامض النووي يشير ايضا الى وجود مصدر ذكي ....وعندما أكتشف علماء ألآثار حجر رشيد ، لم يعتقدوا بأن الكتابة التي كانت عليه هي من قبيل الصدفة العشوائية أو عمليات التنظيم الذاتي . وبكل وضوح وجدوا أنَّ تسلسل الرموز وتنظيمها يعطي معلومات ، وقد كان أدعاءا عاقلا بان الذكاء هو الذي صنع هذا . ونفس هذا المبدأ هو حقيقي مع الحامض
النووي(13)


(1)
(1)   (راجع كتاب "ألأنسان والكون والتطور "  للأب هنري بولاد اليسوعي..)    
(2). المصدر (1) اعلاه
(3) (الخلق والتطور  حوار بين الدين والعلم ص35).
(4) المصدر (3) ص 36)
(5).( المصدر (3) أعلاه ص 47، 48).
(6).(ا لقضية... الخالق للكاتب لي ستروبل  ص 51)
(7).(نفس المصدر أعلاه (6) ص 51)
(8) (نفس المصدر اعلاه (6) ص 49
(10) . نفس المصدر (6)ص54
(11) .
راجع الموقع
http://creationoevolution.blogspot.de/2013/08/blog-post.html

(12) (المصدر (6) اعلاه ص 296 ، 297)"..
(13) المصدر (6) أعلاه  ص 306 )


-------------------------------------------------------------------------------------



(*)
الصدفة و العشوائية كما في نظرية التطور لداروين  

.
مشاكل نظرية داروين  التي اعترف العلماء التطوريون بعجزهم عن اعطاء الجواب العلمي لها منها على سبيل المثال:
(1)المادة لايمكن ان تنظم نفسها لوحدها (اي لايمكن ان تقوم المادة لوحدها في تنظيم نفسها لتكون مهيئة لنشوء الحياة ) .  الفهم البدائي للعلم في عصر داروين يفترض بنية بسيطة للحياة استنادا الى نظرية معاصرة لداروين تسمى "التوليد العفوي" اي ان الحياة تولد من المادة ، حيث كان ألأعتقاد أن الضفادع تنشا بعفوية من الطين و الحشرات  من المواد الغذائية المتروكة واجريت تجارب غريبة لأثبات ذلك ، وجاء العالم باستور ليدحض اسس  نظرية التطور ،ويكتشف وجود تعقيدات هائلة في بنية الخلية (العالم الفرنسي  لويس باستور مكتشف الجراثيم والكائنات وحيدة الخلية ).
اليوم لايمكن لأحد أن يقول بان الكائنات المجهرية ظهرت في عالمهم من دون الآباء .
(2) اصل الخلية (الحياة)  وهي المشكلة الأكثر ضبابية في نظرية التطور، فاليوم العلماء ،وبعد تجارب عديدة وصلوا الى قناعة بان الحياة لايمكن ان تظهر على الأرض بالصدفة من مادة غير حية . وقد فشل العلماءانصارنظرية التطور بالرغم من عدة محاولات (راجع تجربة ستانلي  ميلر سنة1953 اعترف لاحقا بعدم صحة تجربته ) في معرفة اصل الحياة . مما دفع بالعالم جيفري بايدا استاذ الكيمياء الجيولوجية واحد من اكبر المدافعين عن نظرية التطور بتصريح لمجلة "ألأرض" سنة 1998 بالقول " اليوم نصل الى القرن الحادي والعشرين ونحن حتى الآن لم نحل المشكلة التي اثيرت في القرن العشرين وهي كيف تبدا الحياة على ألأرض "؟.
 (3) اكبر عقبة ضد نظرية التطور ، التعقيد المروع لبنية الخلية الحية . كل شيئ حي على وجه الأرض يتركب من خلايا والتي حجمها    
من المليمتر  وكل خلية لديها تركيبة معقدة للغاية ، لها وظائف متطورة ومعقدة من 1/100
اجل البقاء على قيد الحياة ومحركات صغيرة لتنقل . في عصر داروين كانت البنية المعقدة للخلية غير معروفة ، وباختراع المجهر الألكتروني في منتصف القرن العشرين ليكشف لنا التعقيد الحقيقي المذهل والتنظيم داخل الخلية الحية  والذي لايمكن ان يكون نتيجة الصدفة باي حال من الأحوال . فالخلية تحتوي على محطاط طاقة . مصانع ،تكنولوجيا فائقة ،قاعدة بيانات معقدة ، نظم التخزين الظخمة ، مصافي متطورة ، غشاء خلية الذي لديه وعي  من اجل السيطرة على ما يدور داخل وخارج الخلية . ومن اجل بقاء الخلية يجب ان تكون هذه الأجزاء موجودة وتعمل معا في وقت واحد . ولذلك فمن المستحيل ان نظام معقد كهذا يمكن ان يكون برز من خلال المصادفات  لأنّ هذا الأحتمال مستحيل بموجب الدراسات الحديثة  للخلية الحية فلا يوجد عالم جاد يعتقد ان الحياة جائت بالصدفة (صدفة واحدة من 10  للأس 164) .
(4) كشفت الكيمياء الحيوية الحديثة  ايضا مدى تعقيد لايمكن تصوره في تصميم جزيئ الحامظ النووي النتائج التي توصلا اليها العالمان جيمس واطسن وفرانسيس كريك سنة 1955  تثبت ان الحياة كانت اكثر تعقيدا بكثير  مما نتصور سابقا . فرانسيس كريك الحائز على جائزة نوبل لهذا الأكتشاف وكان احد انصار نظرية التطور يعترف بان هيكل مثل هذا الحامض النووي لايمكن ان ينشأ عن طريق الصدفة . البروفيسورالأنكليزي  انتوني فلو من جامعة ريدينغ ، كان واحدا من اكبر دعاة الألحاد في السنوات الخمسين الماظية ، والّف على مايزيد عن ثلاثين كتابا ، وكان اول مناظرة له مع الملحد السابق  سي س لويس في جامعة اكسفورد  سنة 1950  وكتب بعد ذلك مادة بعنوان "اللاهوت والتزوير " اصبحت مادة مقال التي نشرت في جميع انحاء العالم أهم عمل فلسفي خلال نصف القرن الماضي ، ومن الدعائم الأساسية لجميع الملحدين المنكرين الذين يقدمون ألأفكار المادية التطورية . ولكن الآن ومع تقدم العلوم تغيرت افكار انتوني فلو وبعض العلماء ، في اجتماع عقد مؤخرا في جامعة نيويورك ، انتوني فلو يغير موقفه ، ويعتقد الآن ان الله خالق الكون ويقدم عدة اكتشافات علمية لشرح تغيير تفكيره . ولكن تجلي الحياة المكتوب في الحامض النووي ، وطريقة نسخ هذه الشيفرة من الحامض النووي الى الحامض الريبي النووي ، ومن الحامض الريبي النووي الى البروتين ، وعملية طي البروتين ،هي افضل حجة وفقا لأنتوني فلو. يقول هذا العالم
" أعتقد ان الأكتشافات في الحامض النووي ابدت تعقيد لايصدق في الترتيب وللسماح بانتاجه فوجود
تصميم ذكي وراء كل هذا ضروري ، لجعل جميع هذه العناصر الكيمياوية المختلفة تعمل معا بشكل استثنائي" .
راجع الموقع  التالي  
اسرار الخلية
http://www.hurras.org/vb/showthread.php?t=25291

الحياة صدفة أم تصميم؟
لا يمكن الحديث عن المادة أو عن الحياة ولايدخل بها مواضيع فكرية فلسفية أو دينية، وموضوع تصميم الحياة أو وجودها صدفة هو موضع نقاش قائم بين مختلف الاتجاهات الفكرية، فالذين يؤمنون بوجود إله صمم هذا الكون يرون أن الحياة هي من تصميم إله خالق، أما الذي لا يرون هذا الرأي فيرجعون الحياة إلى الصدفة. السؤال هل الحياة صدفة أم تصميم؟ يجيب عليه العالم الألماني كابلان، ففي عام 1972م وصف احتمال اجتماع البروتينيات المناسبة بمحض الصدفة في جزىء إنزيمي محدد بأنه ضعيف جدًّا إلى درجة لا يتصورها العقل. فإذا كانت هناك سلسلة تتألف مثلاً من مائة حلقة من الأحماض الأمينية، فإن احتمال اجتماعها بالصدفة - كما يرى كابلان - لا يزيد عن 1 من 10 (130) - واحد إلى يمينه مائة وثلاثون صفرً-. وإذا ما علمنا أن عدد الذرات الموجودة في الكون كله لا يزيد على 10(80) - واحد إلى يمينه ثمانون صفرًا - ذرة، ندرك كم هو ضعيف إحتمال نشوء الحياة بالمصادفة في أي مكان بالكون إن الغموض والمدهش في الحياة ليس التركيب المادي للخلية، ولكن كيفية انتقال المعلومات الموجودة داخل الخلية بشكل تعليمات لأداء الخلية عملها. هذه المعلومات وانتقالها مثلها كمثل البرنامج الذي يُسير الكومبيوتر لأداء مهمة معينة، وهنا يُطرح السؤال: كيف استطاعت ذرات بهذه الأحجام الصغيرة وهي غير عاقلة أن ترتب لنفسها برنامجاً تُسير عليه الخلية؟ الإجابة عن هذا السؤال ليس بالأمر اليسير، لذلك انقسم العلماء إلى فريقين، فريق يقول إنه تصرف كيميائي بطريقة الصدفة وفريق ثانٍ يقول إنها قوانين الطبيعة، ولكن من الذي أودع هذه القوانين؟ هل الطبيعة الصماء الجامدة قادرة على ذلك؟! من الذي وضع هذه القوانين للوصول للحياة في هذه الخلية وغيرها من بلايين الخلايا وكل يعمل عمله بدقة متناهية؟!
http://www.alarabimag.com/Article.asp?ART=6386&ID=65
 (**)
نظرية التصميم الذكي
التصميم الذكي  أو الرشيد  (بالإنجليزية: Intelligent design)
  هو المفهوم الذي يشير إلى أن "بعض الميزات في  الكون والكائنات الحية لايمكن تفسيرها الا بسبب ذكي ، وليس بسبب غير موجه " كالأصطفاء الطبيعي "( بحسب نظرية داروين) . هذا المفهوم عبارة عن شكل معاصر للدليل الغائي لوجود الله بصورته التقليدية الذي تم تعديله لتجنب الحديث حول ماهية المصمم أو طبيعته
معهد ديسكفري] [4] يقول مؤيدو النظرية والذين يتبعون
إن التصميم الذكي هو نظرية علمية تقف على قدم المساواة أو تتفوق على النظريات الحالية التي بالتطور واصل الحياة . نظرية التصميم الذكي بدأت تلقى قبولا واسعا من العلماء في الاونة الأخيرة بسبب ازدياد ادلتها من وقت إلى اخر وخصوصا بعدما ابدى الملحد الشهير انتوني فلو رجوعه عن موقفه من الداروينية الالحادية واعرب ان هناك مصمم ذكي يقف خلف التطور .

وليم ديمبسكي، أحد أكثر المؤيدين للتصميم الذكي، صرّح بأن أحد الادعاءات الأساسية للتصميم الذكي أنه "هناك العديد من الأنظمة التي لا يمكن تفسيرها بشكلٍ مقنع بالاستعانة بقوى التطور غير الموجه ؛ هذه الأنظمة التي تبدي ميزات كنا سنعزوها للذكاء في أية حالةٍ أخرى"

يبحث مؤيدو التصميم الذكي عن دليل ما يسمونه "علامات الذكاء"
:وهي الخصائص الفيزيائية في الشيء التي تدل على مصممه. على سبيل المثال، إذا وجد أحد علماء
 الآثار تمثالاً مصنوعاً من الحجر في حقل، سيستنتج أن التمثال قد صُنع، بعد ذلك سيبحث بشكل منطقي لتحديد صانع التمثال. لكنه أيضاً لن يبرر بنفس الادعاء إذا وجد قطعة صخرية عشوائية الشكل ومن نفس الحجم.
.
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%85%D9%8A%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D9%8A

19

الخلق والتطور بين العلم والأيمان الجزء السادس

نشوء الحياة وتطورها بين المفهوم العلمي والمفهوم الأيماني  

نافع البرواري

مقدمة

يقول احد العلماء
"اعتقد ان مشكلة اصل الحياة ، ان اردنا ان نحترم ملابساتها العديدة وان نتجنب حصرها في مجال خاص واحد – سواء كان المجال علميا أو فلسفيا او دينيا – ينبغي ان تدرس في جانبها العلمي والفلسفي والديني في  آن واحد "(1)
العلم يصف لنا من خلال نظرية التطور خطاً تصاعدياً، ويظهر كيف أن المادة سلكت هذا الخط، ولكن العلم يقف عند حدود الوصف لهذا الارتقاء، ولا يبدي، ولا يستطيع أن يبدي، لماذا انتظمت هذه الحلقات في خط تصاعدي. وبعبارة أخرى: يعرض العلم كيفية التطور، تاركاً باب "أل لماذا" مفتوحاً على ذراعيه. والحقيقة أن هناك عدة نظريات حاولت الإجابة على التساؤل: لماذا الخط التصاعدي للتطوّر؟(2):
اليوم وكما في الماضي ،  يصطدم العلم بأمور وأسئلة أخلاقية، لا يمكن أن يجيب عنها إلا علم يفوق مجرد التجربة. فكل هذه الأسئلة عن أصل الحياة وهدفها وأخلاقيات التجارب المختلفة، لا يمكن حلها إلا بالتعاون وا لتكامل بين العلم والدين. هذا التعاون يكمن في تعرف علماء اللاهوت على الحقائق العلمية وتقبلها، وكذلك تعرف رجال الدين على أسس الإيمان وتقبلها . ومع أهمية العلم إلا أنه يمكن أن يستخدم للتدمير تماماً كما يمكن أن يستخدم للبناء، وهنا يأتي الدور الأهم للإيمان في رأي الكثيرين من العلماء .أن التجارب العملية والوقائع التي شهدها العالم منذ القرن التاسع عشر والى يومنا هذا اثبتت أن العلم لايستطيع أن يجيب على التسائلات عن مصدر حياتنا والمغزى منها  لأنَّ هذه التساؤلات ليست من اختصاص العلم بل هي دور يقوم بها علم اللاهوت او علم ما وراء الطبيعة ، وهو العلم الذي فقد رونقه في عصرنا الحالي ، هذا العصر الذي يعتمد على كل ما يراه أو يمكن إثباته بتجربة عملية . وكما يرى العالم هانز شفارتز ، أن العلماء . لا يمتلكون الحقائق والإجابات كما يؤكدون، ويجد في التساؤلات التي يواجهها العلماء يومياً أكبر دليل على هذا الأمر، وخاصة العلماء الذين يبحثون في أصل الحياة، فكلما توصلوا لاستنتاج ناقضه اكتشاف جديد في اليوم التالي(3) .
العلم في ايامنا هذه يسير في اتجاه آخر ففي السنوات الأخيرة أسهم قدر من البحث المتنوع القاطع على نحو متزايد بتدعيم استنتاج أنّ الكون قد تم تصميمه بأسلوب ذكي . وفي نفس الوقت  تداعت الداروينية في وجه الحقائق المتماسكة والعقلانية السليمة . فعلى اقل تقدير تسبب ، العلم ، في اعطاء ألأيمان دفعة هائلة فيما تخرج ألأكتشافات الحديثة عن التعقيد المدهش لكوننا والتعقيد المذهل في الخلايا الحية  . فمن خلال هذه الأكتشافات الحديثة والمثيرة من علم الكونيات ، والفلك وألأحياءالخلوية والجينات الوراثية والفيزياء والوعي ألأنساني الذي يقدم البرهان المدهش في وجود خالق لكوننا هذا وان المسيح هو مركز هذا الكون وغايته(4)
سنرى كيف أن نظرية التطور العلمية  ،التي رسم معالمها العالم والمنظر البريطاني الكبير شارل  روبيرت داروين  ، كما نعرفها وندرسها اليوم ، لاتتعارض في اللاهوت المسيحي مع نظرية الخق الواردة في سفر التكوين . من هذا المنطلق سنخوض في نضرية نشوء الحياة وتطورها بحسب النظريات العلمية التي تستند على نظرية التطور "النشوء والأرتقاء " ونقارنها مع النظرية الحديثة التي تبلورت في بداية الألف الثالث (2005) والتي تسمى احيانيا بنظرية " التصميم الذكي" والتي رسم ملامحها الأب تيار دي شاردن ، لياتي بعده الكثيرون من العلماء ، وحتى العلماء الملحدين ، ليتبنوا هذه النظرية .
أولا: نشوء الحياة وتطورها بالمفهوم العلمي .
الكائن الحي
لايمكن الحديث عن ظهور الحياة بدون تحديد ماهية الحياة او بشكل ادق ماهية الكائنات الحية . تحدّد هذه الكائنات اولا ببنيتها الشديدة التعقيد . ان انتقال الكائنات الحية  الى الدرجة العليا يتطلب زخما من الطاقة في بيئة معينة ويستحيل هذا الأنتقال عندما لا تتوفر الشروط المطلوبة لتحقيقه  . ان الحركة الدائمية بل التجدد المستمر امران جوهريان بالنسبة الى هذا الكائن ، حركة المادة من جهة والطاقة المتجددة من جهة اخرى بحيث  انهما تضمنان تركيب وصيانة بنيته ، وهذه البنية تشكل ألأطار الضروري له.
تتحكم بهذه البنية  وبهذه الحركة الداخلية مجموعة من المعلومات المرتبة والداخلة في البنية (ذلك هو قانون الجينات) . فالكائن الحي بداخله دفق من المادة والطاقة . والشيء الذي يحافظ عليه هذا الكائن هو تنظيمه وشكله، اللذان يتميز بهما . وبهذه الحركة الداخلية الدائمة يسد الكائن الحي حاجاته ويصنع مكوناته الخاصة به وينمو ويتكاثر ويتناسل ويلد كائنات تشكل معه مجموعة (او نوعا ) تتطور. يمتاز الكائن الحي قبل كل شيء بفرديته . هذا وان الكائن الحي يتحدد بشكل اوفى بقدرته على بناء ذاته بذاته وعلى النمو والتوالد الذاتي انطلاقا من هذا النمو بحيث ان الحياة تنتشر . الحي يتطور ، ويشكل هذا بالنسبة اليه شكلا من اشكال الحركة . وعندما تنتهي كل حركة فتلك اشارة الى ان الكائن الحي قد مات. توصل العالم جي روسناي الى تحديد الوظائف الأساسية الثلاث للكائنات الحية وهي : حفاظها على ذاتها بذاتها وتوالدها الذاتي وتنظيمها الذاتي . وتكمن دينامية الكائن الحي اساسا في قدرته على التوالد (5)
1-نظرية نشوء الحياة الفورية على الأرض

منذ أيام أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، كان الاعتقاد السائد والشائع في أوروبا أن الحياة تنشأ فجأة( نظرية التوالد الذاتي والعفوي) وتلقائيا  من ضمن مادة غير حية بألية.
كان الأعتقاد السائد عند العلماء أن الحياة  هي هبة الكيمياء ، الحياة هي تجميع المكونات السليمة بالكميات المضبوطة فكان الناس تعتقد أن الضفدعة تولد من الطين وان الدود يولد من المواد المتفسخة ...الخ (6)
كان التصور الأول لأصل الحياة يتخذ شكل الخرافة أوالأسطورة أو النظريات التي لادليل عليها . كانت نظريات الولادة العفوية كثيرة الشيوع في زمن لويس باستور . ونظرا للجهل الذي كان سائدا آنذاك حول التعقد البالغ الذي هو صفة الكائن الحي ، فقد كانت هذه النظريات تُبسِّط تكوين الكائنات الحية تبسيطا يبدو لنا ألآن ساذجا . الاّ أن تجارب العالم لويس باستور في القرن الثامن عشر وضع شكوكا قوية حول هذه النظرية  ، فقد اثبت باستور ان الوسط العقيم لايمكن الا أن يبقى عقيما  اي لن تظهر فيه اي شكل من اشكال الحياة مالم تدخله احدى المكونات الحية . كانت نظريته تقول ايضا " أنَّ الكائنات الحية المعقدة لاتاتي الا من اشكال معقدة للحياة  وبالتالي كانت افكاره اساسا" للتخلق الحيوي(*)
Biogenesis
فظهرت الكائنات الحيّة حينئذ كعمليات خلق جديدة دون ان تكون استمرارا للمادة الجامدة.
الآن ندرك اهمية المدة التي استغرقها التطور . فالباحثون الذين يدرسون نشوء الحياة لم يعودوا يفكرون بعد بالوصفة التي تكاد تكون سحرية والتي تجعل الكائنات الحية تبرز الى الوجود خلال بضع لحظات . ولكنهم بالعكس يبذلون قصارى جهدهم  لأن يعيدوا بناء مراحل نشوء الحياة واحدة فواحدة مدركين ان كل واحدة منها استغرقت وقتا طويلا ، وان مراحل عديدة انقضت ضمن نظام دقيق تتناسب مع الظروف المتعاقبة المختلفة التي مرت بها ، على ان كل ظرف يعود بالنفع الى المرحلة التي تواكبه (7).

2-  نشاة الحياة على الأرض ،  حسب النضريات العلمية الحديثة  ؟
يقدر العلماء عمر الكون بين 15-20 مليار سنة  بينما يقدر عمر الأرض حوالي 4.5 مليار سنة . كانت الأرض كوكب عنيف عدائي بدرجة استحالة ولادة الحياة فيه بسبب النيازك والكويكبات التي كانت تصطدم بالكوكب  فلم تكن الأرض جنة عدن ، ولم تكن هناك محيطات صافية الزرقة ، ولم يكن هناك ماء نقيا ، ولم يكن هناك نباتات ، ولم تكن هناك اي حياة على ألأطلاق (قارن مع سفر التكوين  1:1). وطيلة الستمائة مليون سنة ألأولى ضربت المذنبات والكويكبات ألأرض ، عرف ذلك الزمن ب "القذف العنيف".
إنّ مكونات الحياة لكل الأحياء ، من البكتريا الى الفئران ، حتى أنا وانت ، كلها مكونة من مجموعة صغيرة من العناصر الكيمياوية : الهيدروجين  ألأوكسجين ، الكاربون ، النتروجين ، اربعة من أكثر العناصر شيوعا بالكون . عندما تتجمع هذه العناصر بطريقة مضبوطة ، تشكل المكونات ألأساسية للحياة ، والكاربون متوفر في كل مكان ، إنَّه منتشر عبر ارجاء الكون، وسبب كون الكاربون مميز هو نوع الروابط التي يكَونها ، مع نفسه و ايضا مع العناصر الأخرى .
فكرة أن الحياة يمكن أن تكون قد بدات عندما اتحد الكربون مع مكونات اخرى – في الضروف القاسية على الأرض الوليدة - . هذه الفكرة وضعت للأختبار لأول مرة في الخمسينات على يد طالب دراسات عليا شاب إسمه ستانلي ميلر كي يحاكي الأرض الوليدة في المعمل(المختبر) . بني ميلر أداة غريبة الشكل مصنوعة من قوارير وأنابيب . ملأ أحد القارورات بالغازات التي ظن العلم في الخمسينات من القرن العشرين أنّها ملئت غلاف الأرض الجوي القديم . واوصل هذه القارورة باخرى بها ماء مثل المحيطات ، بعدها قام بفعلة ذكية ، ببساطة ، وضع جهاز تفريغ كهربائي ، ضانا  بهذا أنّه يحاكي ، بالضرورة البرق الذي شهده الغلاف الجوي القديم وبعد ألأنتظار ليومين ، فجأة ظهرت هذه المادة اللزجة البنية على جدران قارورة التفاعل ، وعندما حلل محتوى القارورة الجديد ، وجد انها احماض امينية .
ألأحماض الأمينية (او النووية ) مكوّنات تشكل ، عندما تقترن جزيئات الكاربون مع عناصر اخرى ، وحدات البناء الضرورية  للبروتينات والخلايا ، مكونات ضرورية لكل الكائنات الحية . طغت تجربة ستانلي ميلرعلى عناوين ألأخبار وبدأت بشكل فعلي البحث العلمي عن اصل الحياة ، الحياة حقيقة كيمياء لاجدال في هذا في الواقع ، إنها كيمياء بمعنى أنّه اذا كانت وصفتك سليمة ، تنشأ الحياة وتستمر بشكل سريع  (حسب النظرة العلمية)
هذه الوصفة هي اليوم محل جدال وخلاف بين العلماء (وسنتكلم عن العلماء المؤمنون وحتى الغير المؤمنون الذين يدحضون تجربة ميلر وبين علماء الذين يؤيدون نظرية التطور والذين بنوا نظرياتهم على اساس تجربة ميلر  .
 يعتقد أغلب العلماء اليوم  أنّ الضروف البيئية على الأرض القديمة ، كانت مختلفة جدا عن تلك التي حكاها ميلر في معمله . ويحتدم جدال آخر ، عن الوقت الذي طُبِّخت به هذه  الوصفة(الحساء الملائم لنشوء الحياة) لأول مرة . أفضل فرضية الآن هي أنّه  كان هناك القليل جدا من الهيدروجين في الغلاف الجوي لأنّه ربما يكون قد تسلل الى الفضاء . وبدلا من ذلك ، فمن المحتمل أن الغلاف الجوي كان يحتوي على ثاني اكسيد الكربون . والنيتروجين ، وبخار الماء .
 الكتب المدرسية في العالم الغربي، ومنذ ستينات القرن الماضي ، ما زالت تقدم تجربة ميلر كما لو انها تعكس بيئة الأرض التي نشاة فيها الحياة  ،في حين   كانت مختلفة تماما عن تجربة ميلر(8)

ورغم تلك المشاكل المنهجيه فى اصل الاستدلال بتجارب ميلر ومثيلتها ، على امكانية نشأة الحياه على الارض بطرق طبيعيه عشوائيه الا انه كان هناك سببا وجيها للتمسك بها ( وهو نفس السبب اللذى يجعل العلماء يتمسكون بالتطور الداروينى لتبرير تنوع الاحياء)وهو عدم وجود بديل مقترح افضل منه . وهو مايقره جوناثان ويلز ، عالم ألأحياء التنموية ، في كتابه أيقونات التطور عندما يقول :
"نحن لازلنا جاهلون جهلا عميقا بكيفية نشأة الحياة . ومع ذلك لازالت تجربة ميلرتستخدم كأيقونة للتطور ، لأنَّه لم يظهر شيء أفضل . وبدلا من قول الحقيقة ، أعطينا انطباعا مضللا أنّ العلماء اثبتوا تجريبيا الخطوة الأولى في اصل الحياة "(9) .
في بداية النصف الثاني من القرن العشرين حدث تطور مهم في ألأفكار قلب النظريات التي تفسر اصل الحياة . لم تعد الناس تفكر بخلية اولى ظهرت بصدفة خارقة او بعملية خلق خاصة . في الحقيقة ان اول ولادة للحياة لا تزال غالبا تعتبر غير محتملة كما تبينه نظرية مونود حين يقول :"لم يكن الكون باسره مجالا للحياة مثلما لم يكن المحيط الحيوي للأنسان ، ". ويدخل هذا في نظرية الصدفة والضرورة .
إلاّ أنّ التجارب التي أجريت في ظروف شبيهة نوعا ما بظروف ألأرض البدائية افضت ، وبشكل غير متوقع ، الى خلاصة عفوية لمركبات عضوية كثيرة شديدة التعقد والتنوع احيانا واحيانا اخرى اكثر او اقل مما لدى الكائنات الحية ، بحيث أن كثيرا من رجال العلم يقرون ألآن بان ظهور الحياة على ألأرض لم يكن شديد ألأحتمال وحسب وانما كان حتميا بمجرد تدخل القوانين الفيزيو كيمياوية .كان على هذه الحياة أن تظهر في ظروف ألأرض البدائية وقد ظهرت بدون شك مرات عديدة وتحت اشكال عديدة . وبالطريقة نفسها يندرج ألأنتقال من المرحلة ألأحادية الخلية الى المرحلة المتعددة الخلايا . وكان هذا ألأنتقال في الماضي يعتبر مزدوجا اي انه يشمل (الحيوانات والنباتات) لكونه ضعيف ألأحتمال ولكنه يشمل في التخطيطات الحديثة اثني عشر صنفا مختلفا . إنّ تعددية نقاط الأنطلاق لاتغنينا عن تشابه البنى الحيوية التي يبدو انها سلكت السبل الوحيدة  الممكنة للبنى الحية . وهكذا يبدو التطور سائرا وفق القوانين الفيزيوكيمياوية او البيولوجية مما يدفعنا الى القول بان الكون كان زاخرا بالحياة .انّ نظرية نشوء الحياة هذه التي هي اكثر حتمية من غيرها تبدو وكأنها اطاحت بنظرية الخلق الفوري التي اخذت الناس تتخلى عنها أكثر فاكثر(10)
متى واين  ظهرت الحياة ( أصل الحياة) (**) ؟
احدث النضريات العلمية  عن اصل الحياة على ألأرض  ظهرت في منطقة من الفضاء تدعى  بالحزام الكويكبي ، هناك كميات هائلة من الركام الفضائي ، الناجم عن تكون النظام الشمسي ،   وفي بعض ألأحيان تسقط على الأرض ، بعض الكتل المحتوية على معادن وصخور وتحمل معها هدايا  مفاجئة . أحد هذه النيازك سقط في مدينة مورشسون باستراليا في عام 1969 ، وبعد دراسات استمرت سنوات أكتشفوا انها تحتوي على احماض امينية (وحدات بناء الحياة ) ، كانت تلك المرة الأولى التي عثر بها على مركبات عضوية معقدة  بداخل عيّنة من الفضاء . تجربة جينيفر بلانك عن تحليل ألأحماض ألأمينية القادمة من النيازك اثبتت "أنَّ وحدات بناء الحياة يمكنها البقاء سليمة بعد الأصطدام المروع بالأرض (الكويكبات والنيازك) . ووضح التحليل ان المادة لم تنجُ وحسب من الضغط الهائل للأصطدام لكنها ايضا تحوّلت لمركب جديد ، ألأحماض ألأمينية ، وهي تركيبات من الكاربون وعناصر اخرى رئيسية قد التحمت سويا لتشكل مركبات اكثر تعقيدا تدعى الببتيدات . تبين اننا يمكننا استخدام طاقة الأصطدام لبناء جزيئات اكبر من وحدات بناء الحياة الأبسط . تتحد الببتيدات سويا لتكوين وحدات بنائية أكبر هي البروتينات ، والتي تصنع كل الخلايا باجسادنا . .....
ولأنّ كوكب الأرض كان عرضة لهجوم مدمر، من المذنبات والنيازك فالقفزة الى الحياة ربما لم تحدث هنا على سطح ألأرض لكي تنشأ ، ربما احتاجت الحياة لملجأ آمن ، ربما باطن ألأرض  او قعر المحيطات . فقبل ثلاثة ونصف بليون سنة كان قذف الكويكبات والمذنبات قد انقطع ، أمكن للحياة الميكروبية أن تزدهر خارج ملاجئها فبدات تستغل نوع جديد من الطاقة (طاقة الشمس) . بعد ذلك طورت الميكروبات صبغا أخضر يدعى بالكلوروفيل – هذا اتاح لهم حبس ضوء الشمس واستخدامه كوقود لتفاعل كيميائي يحول ثاني اوكسيد الكاربون الى ماء وغذاء ، يسمى هذا – البناء الضوئي -  كان اختراعا ماهرا مكن بعض البكتريا من النمو والتكاثر بلا حدود تقريبا وهو اليوم مسؤول عن حياة كل النباتات الخضراء . بينما بردت ألأرض ، انتشر هذا الجيل الجديد من الخلايا عبر المحيطات مشكلا مستعمرات ضخمة من الوحل ألأخضر ، استولت على العالم بادئة أعظم التحولات في تاريخ كوكبنا . كان البناء الضوئي  أعظم محرري البيولوجيا . بالأستعانة بالبناء الضوئي والطاقة القادمة من الشمس ، استطاعت الحياة ألأنتشار فعليا فوق سطح الكوكب باكمله .
وفي منطقة استرالية يوجد هناك في المحيط ما يجيب على ألأسئلة  حيث يوجد ما يشبه التركيبات  القببية تدعى الستروما تولات ، وهي مبنية طبقة بعد طبقة عبر آلاف السنين بواسطة الميكروبات الدقيقة ، قد تشابه  هذه الميكروبات أشكال الحياة التي سيطرت على الكوكب قبل ملايين من السنين (11)
 
مستعمرات بكتيريا نمت في مياه ضحلة ، كائنات نمت في قاع المحيط ، وكذلك بقايا حية من ألأحافير ( التروما تولايت). انتشرت (تروماتولايت ) في الكوكب بالأعتماد على الضوء والكاربون وانتاج ألأوكسجين ، وتراكم الأوكسجين في الجو ، وساعد من وقاية ألأرض من ألأشعة ، وتشكَّل طبقة ألأوزون الذي يمنع ألأشعة المؤذية ، وبعد تشكل طبقة الأوزون تعقدت الحياة وهكذا تطورت الحياة من اشكالها البدائية اي من الخلية الواحدة الى كائنات متعددة الخلايا وصولا الى الفقريات والثديات التي منها البشر(12) .
ولكن السؤال المطروح هو :هل استطاع العلماء ، الى يومنا هذا ، ان يصلوا الى سرنشوء الحياة؟ وبتعبير اخر  هل استطاع العلماء  خلق الحياة ؟
في الحقيقة لم يستطع العلماء الى يومنا هذا وحتى بعد اكتشافهم اسرار الخارطة الجينية للحياة ان يصلوا الى طريقة لخلق الخلية الحية التي هي ابسط الكائنات الحية في كوكبنا
ولا زال الطريق شائكا، وقد يكون مستحيلا علميا ، كشف السر في القفزة الأولى لظهور الحياة بين المادة (الجامدة) والخلية الحية  نتيجة التعقيدات الهائلة في الخلية والأسرار المدهشة في تركيبة الخلية التي تحتوي  المعلومات الفائقة للمعرفة البشرية  (13)
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
 المصادر :

(1)
 (راجع ص25 كتاب  الخلق والتطور)

 (2) راجع الموقع ادناه
http://www.coptcatholic.net/section.php?hash=aWQ9Mzc%3D

(3) راجع الموقع ادناه

http://www.dw.de/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84/a-1678815-1
(4) راجع
( القضية ..... الخلق ) .

(5) راجع
 (الخلق والتطور ص 29 -30).

 (6)
(راجع نشاة الحياة على النت)
http://www.youtube.com/watch?v=ptw8Vu3VZiU

(7) راجع
(الخلق والتطور ص 38).
(8) راحع
( القضية الخالق ) .

(9) راحغ الموقع ادناه

http://creationoevolution.blogspot.de/2013/08/blog-post.html
(10)

(راجع الخلق والتطور ص37 ، ص15، ص16،17) .

(11)

(راجع نشوء الحياة على الأرض موقع على الأنترنت) .
http://www.youtube.com/watch?v=ptw8Vu3VZiU

(12) .

(راجع يوم تكونت الأرض على القناة العربية (  19-12-2004) .
(13) راجع الموقع التالي
البحث عن اصل الحياة
http://www.youtube.com/watch?v=HbvtdGLB88Q



(*)
نظريات علمية اهتمت باصل الحياة
1-التخلُّق اللاحيوي
تفترض هذه النظرية انّ منشا المادة الحية لأول مرة كانت نتيجة تفاعل بعض المواد الغير الحية حدثت عند ظروف خاصة
2-
Panspermia البانسبيرميا أو فرضية جميع البذور (

هي فرضية تقول  بان حبوب الحياة  كانت موجودة مسبقا منذُ نشوء الكون ، وانّها وصلت الى كوكب الأرض وبدأت بالأرتقاء بسبب قابليتها للحياة . فرانسيس كريس هو من اشهر مؤيدي هذه الفرضية . وقد وضع نظرية  
 البانسبيرميا الموجهة Directe d panspermia

التي تقول بإنه يمكن حساب احتمالية اصابة البذور لهدف معين  من

  
)  هو مساحة المقطع العرضي للهدف ، و target)A حيث
 هي قيمة عدم اليقين للمكان الذي سيصل اليه البذور، dy
 هو ( ثابت ) يعتمد على الوحداد الموجودة و a
R (target)
هو نصف قطر لمساحة الهدف و
هو سرعة المسبار –او المذنب – الذي ينقل البذور و V
 
  هي قيمة دقة الأستهداف وtp
 بعدها  عن الهدف d
( راجع ويكيبيديا http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A3%D8%B5%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9
(**)
اصل الحياة
(بالإنجليزية: origin of life)
البحث عن اصل الحياة  احد فروع علم االحياة  لكنه يندرج ايضا ضمن اهتمامات  العديد من البشر لعلاقته بموضوع شائك هو الحياة بكل  ارتباطات  مفهومها  مع الدين  ومع الفلسفة وكافة المعتقدات  . وهذا ما يجعل البحث في هذه المنطقة شائكا وعرضة دوما للتشكيك  يانه موجه بعقائد الباحث وايدولوجيته  .  ناهيك عن التصادم الذي يحدث  احيانا  مع مفاهيم اخلاقية  وقيمية عامة  في المجتمع
 

يهتم هذا العلم فعليا بدراسة الشروط الضرورية لنشأة الحياة، والآليات التي يمكن بها تحول ما ليس بحي إلى حي لكن هذه الاليات لا تزال غير مؤكدة حتى الآن. ومع ذلك، توجد العديد من النظريات العلمية لتفسير ظهور الحياة كما نعرفها اليوم، الذي يعتقد أنه يعود تاريخها إلى حوالي 3،5 إلى 3،8 مليارات سنة

20


الخلق والتطور  .... حوار بين ألعلم والأيمان
الجزء الخامس - العلم وألألحاد -

نافع البرواري

قلنا في مقالاتنا السابقة انّ العلم له حقيقة عائدة له ، وهذه الحقيقة محدودة بموضوع ، اي التفتيش عن الحقيقة وليس النطق بالحقيقة ، وبتعبير ادق  ، أنَّ العلم لايخلق القيم ، هو يتفاعل مع القيم والقيم هي من اختصاص الفلاسفة واللاهوتيين . ولكن عندما تتحول المعلومات المكتشفة الى غاية أو هدف لتمجيد الأنسان فعنئذ تصبح الغاية فلسفية او ايدولوجية او عقائدية ، حينها  يصبح العلم حجر عثرة للأيمان  او بعبارة اخرى يصبح ألأنسان وكأنه هو المطلق وينسى انه لم يكتشف الا جزءا يسيرا بل هو لايقاس بما انجزه الله في الخليقة ، فما اتعس الأنسان الذي يقول انا امتكلت الحقيقة ، فهو في الحقيقة لايعرف اي شي هو الجاهل الذي وصفه كاتب المزمور "فال الجاهل في قلبه ليس هناك  الله " مزمور 1) .
العلم لايستطيع بالمحسوسات ألأختبارية أن يبرهن وجود الله بمعادلات رياضية او تجارب مختبرية  ولكنه يستطيع من خلال نتائج الأكتشافات العلمية أن يصل الى اليقين بوجود مصمم لهذا الكون والخلائق .
العلم والأيمان صديقان يبحثان عن المعرفة (الحقيقة) ، كُلٌ حسب اختصاصه ، ولكن عندما يصبح العلم فلسفة ، وينكر وجود الخالق (الله) ، فعندها يخرج العلم من نطاق اختصاصه  المتعلقة بالظواهر الطبيعية والمحسوسات المادية والتجارب والتحاليل المختبرية والنظريات المبرهنة لقوانين الكون والطبيعة ، ويصبح العلم حاله حال الفلسفات الوجودية (المادية) .
قبل ان نخوض في موضوع ألأكتشافات العلمية المعاصرة  التي تشير الى وجود خالق للكون ودحض فلسفة الألحاد (العلمية) في العلوم الطبيعية علينا ان نعطي موجز للخلفية التاريخية والمعاصرة "للألحاد .
شهد القرن التاسع عشر بداية لنشوء ما يمكن تسميته بـ " دين العلم"والفلسفة الوجودية "المادية "ألألحادية  وانتشر اعتقاد وإيمان ساذج بقدرة العلم الكلية في تقديم الإجابات، يوما ما، على جميع التساؤلات الوجودية والفلسفية التي تقلق النفس البشرية. وقد بالغ البعض في هذه النزعة المادية والإلحادية حتى أصبحت عقيدة راسخة (ايمان ) لا تختلف عن العقائد الدينية الغيبية السلفية .
أشاع الغرب فكرة موت الله  (حسب فلسفة نيتشه ) ، أو إنه اختفى وتخلى عن البشر قبل الانتهاء من مشروعه في الخلق المطلق، وبات الخالق المتعالي كصانع الساعة الكونية الدقيقة التي تعمل وحدها وفق آلية ذاتية معقدة ودائمية، بحيث لم تعد بحاجة لتدخل صانعها(1).
وامتاز النصف ألأول  من القرن العشرين بتقدم حاسم في البحوث العلمية : فيزياء الجسيمات  والبيلوجيا
وعلم الأحاثة البشرية وعلم الوراثة  ......الخ وقد فتحت هذه ألأكتشافات الحقل واسعا أمام مستكشفي الفكر للتأمُّل - ومن باب المفارقة حلَّ زمن الخيبة بعد ألأنتصارات العلمية الباهرة . فقد تميّزت هذه الفترة بتقدم فلسفة المحال أو اللاعقلاني "الوجودية"  فقد كتب البير كامو (رائد الفلسفة الوجودية )  :
"كان ألأمر في السابق يتعلق بمعرفة هل للحياة معنى وهل تستحق أن نعيشها . ولكن يظهر ألأمر هنا بالعكس أنَّها ستكون أفضل بمقدار ما تكون منزوعة من المعنى ".
ويقول الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر: "إمّا انا موجود  أو الله موجود ، وبما أنني موجود ، فلا وجود لله"(2).
وعلى الصعيد السياسي. كانت العقود ألأولى من القرن العشرين قد شهدت توطُّد ألأيديولوجيات ألأستبدادية والماركسية والفاشية التي تدعي فرض " ألأنسان الجديد "كُلٍّ على شاكلتها (3).
أمّا الداروينية  المعاصرة  فترى : "إنَّ الحياة يمكن أن تخلق بطريقة طبيعية دون تدخل خالق و "ان الأنسان هو نتيجة لعملية طبيعية لا هدف لها لم تحسب له حسابا ......ولا حاجة الى خالق يسمو فوق الطبيعة  ، لأنَّ الطبيعة ، يمكنها ان تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها ".
وقد رسم الفيلسوف "الوجودي " البريطاني برتلاند رسل  صورة مؤلمة ، عندما كتب "أنَّ العلم قدَّم لنا عالما "بلا هدف" و" خالي من المعنى .....ذلك الأنسان هو نتاج ألأسباب التي لم تكن لها رؤية سابقة للغاية التي كانت تسعى لتحقيقها . فاصله ، ونموه ، وآماله ،ومخاوفه ، ورغباته ، ومعتقداته  هي مجرد نتيجة تنظيمات عرضية للذرات  . لانيران ، ولا بطولة ، ولاحدة تفكير أو مشاعر يمكنها أن تحفظ حياة فرد بعد الموت . فكل جهود العصور ، وكل التكريس ، وكل الوحي ، وكل وهج العبقرية ألأنسانية مقدّر لها أنقراض ...وكل هيكل انجاز ألأنسان لابدَّ وأن يدفن حتما  " (4) .
وفي نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين توج الألحاد المعاصر على يد علماء معاصرين وعلى راسهما العالمان ستيف هوكنج (5)وريتشارد دوكينز (6)
يقول ستيف هوكنج:" إنه مثلما أزاحت النظرية الدارونية الحاجة الى خالق في مجال علم الأحياء "البيولوجي"، فإن عددًا من النظريات الجديدة أحالت أي دور لخالق للكون عديمة الجدوى والحقيقة. ويضيف قائلا "لأن ثمة قانونا مثل الجاذبية ، صار بمقدور الكون أن يخلق نفسه من عدم. والخلق العفوي هذا هو السبب في ان هناك شيئا بدلا من لا شيء، وفي وجود الكون ووجودنا نحن". ويمضي قائلا: "عليه يمكن القول إن الكون لم يكن بحاجة الى إله يشعل فتيلا ما لخلقه".
"من جهته رحب عالم الأحياء الملحد ، البروفيسير البريطاني ، ريتشارد دوكينغز الذي اشتهر بكتابه "وهم الإله" (2006)، بنظرية البروفيسور هوكينغ قائلا: "هذه هي الداروينية متعلقة بنسيج الطبيعة نفسها وليس مجرد الكائنات الحية التي تعيش في إطارها، هذا هو ما يقوله هوكينغ بالضبط. لست ملماً بكل تفاصيل الفيزياء لكنني افترضت الشيء نفسه على الدوام" (7).
ومن اقولا  سيفن هوكينغ :
"نحن مجرد مخلوقات ضئيلة على كوكب صغير من نجم متوسط من ألأماكن الخارجية من واحدة من مائة الف مليون مجرة . ولهذا فمن الصعب أن نؤمن باله يهتم بنا أو حتى يلاحظ وجودنا ". ويقول ايضا " إن الأكتشافات العلمية جعلت من الممكن أن تكون ملحدا مكتفيا من الناحية المعرفية "  (8) .
مفهوم ألألحاد
شرط العلم (بحسب افلاطون )هو أن يكون المعلوم قضية منطقية صحيحة، مثبتة، ويمكن الاعتقاد بها، ولما كان ادعاء وجود إله ، بحسب الملحد ، غير مثبت فإن التصديق بوجود إله ليس علمًا وإنما هو نمط من الايمان الشخصي الغير قائم على أدلة ، وما يـُقدم بلا دليل يمكن رفضه بلا دليل. ومن هذا فإن الإلحاد الصرف هو موقف افتراضي بمعنى أنه ليس ادعاءً وإنما هو جواب على ادعاء بالرفض. ويعرف الإلحاد من وجهة نظر كثير من الأديان بأنه إنكار للأدلة العلمية والعقلية ونحوهما على وجود صانع واعٍ للكون والحياة ومستحق للعبادة(الله).

ويمكن تلخيص  ايمان الملحدين بقول ريتشارد دوكنغز زعيم الألحياديين المعاصرين :
"لايوجد إله على ألأرجح ، فلا تقلق واستمتع بحياتك "(9)
هذا هو أختصار ما يؤمن به العلماء الملحدين  والفلاسفة  الوجوديين  (الماديين).
 في الحقيقة انّ الكثيرين من العلماء ، ومنذ القرن التاسع عشر يعتبرون ، العلم هو المصدر الوحيد للحق وهكذا اصبح العلم ، من وجهة نظر هؤلاء العلماء ، مرادفا للفلسفة الوجودية (المادية) او الطبيعية العلمية ، اي ان الطبيعة اضطرت لخلق ذاتها ، ووسيلتها لهذا الخلق لابد ألا تشتمل على اي دور لله  وهكذا الحياة ربما تكون قد نشات تلقائيا  ،  وعشوائيا (بالصدفة) . هذه العلوم تدرِّس في المدارس الغربية منذ سنين . العلماء المادييون يقولون  : العقل ينشأ من المادة بدون توجيه من ذكاء علوي (خالق للكون) ، وانَّ العقل هو مجرد وظيفة للمخ.  (10) .
فكما يقول العالم المؤمن جون لنكس  (***)  :" نحن نواجه وجهتا نظر ، وجهة نظر(العلماء الملحدين) تقول : " ان الكون والمخلوقات وكل ألأشياء نشات من طاقة الجسيمات بما في ذلك المعلومات ، اي الطاقة أولا ثم العقل  المشتق منها .
بينما وجهة النظر الثانية  (العلماء المؤمنين) يقول  العكس : أي العقل أولا والطاقة مشتقة منها . وهذا هو التعارض بين وجهة النظر المادية (ألألحاد)  ووجهة نظر ألأيمان بالله  . هذا هو الصراع  بين هذين الرأيين  عبر التاريخ الى يومنا هذا . العالم الملحد يقول : العقلانية تاتي من اللاعقلانية والعقل ياتي من المادة  وحتى معالجة المعلومات في  الخلية الحية ظهرت من خلال قوانين الطبيعة والعمليات العشوائية بدون عقل. بينما تفسير الكتاب المقدس هو : في البدء كانت الكلمة وكان اللوغوس ،والأنسان اصله من الله ، بحسب ألأيمان المسيحي ، وهو صورة الله ومثاله  على هذه ألأرض  ، وهو ابن السماء(روحيا) وابن الأرض(ماديا )، لأنّه روح وجسد .، وهذا منطقي تماما .....وهو يجعل قدرتنا على استخدام العلم منطقيا . .  ، وألأنسان  يتميز عن المخلوقات ولا يرضى ، كما يقول أحد المؤمنين ،  ان تكون هذه الصورة على صورة القرد .
يقول العالم الملحد ريجارد دوكنز : "ألأصطفاء الطبيعي ، بحسب نظرية داروين ، يبني  أدمغة قادرة على البقاء  ، وإنَّ ألأدمغة القادرة على البقاء هي التي تبقى في العالم " .
أفكار العالم الملحد تُختزل بالفيزياء والكيمياء وفسيولوجيا ألأعصاب ........ إنّ الغاية الكليّة للأصطفاء الطبيعي الدارويني هو أنّها تعمل بدون تصميم ، وبدون بصيرة ، وبدون إرشاد .....ألأصطفاء الطبيعي هو قوّة عمياء تلقائية  لاتحتاج الى ألأرشاد . وبهذه الأقوال  يَختزل  العالم الملحد، الحقيقة ، عندما يلغي دور العقل والوعي .  هناك نضرية فلسفية (مادية ) تقول أنّ َ المادة تطور ذاتها  اي ان الجماد تحول الى حياة والحياة البسيطة تعقدت  الى حيوان ليتحول بدوره الى انسان ولكن هذه النظرية لاتجاوب على حلقات في التطور هذا ولا يستطيع العلم ان يشرح سبب انتقال المادة الى الحياة والحيوان الى بشر.
يقول جون لنكس في احدى مناظراته مع العالم الملحد ريجارد دوكنز :
"الألحاد يخبرنا ، مثل ما يقول ريجارد دوكنز ، في كتابه "لايوجد اله" بانه نظرا لأنَّ حياة  ألأنسان  نشأت عن طريق التطور العشوائية فإنَّ نظرتنا للحياة قد تكون خاطئة  . يبدو لي أنَّ دليل استجلاب العقلانية من اللاعقلانية  في حد ذاته وهم واضح وليس له اي اساس عقلي متماسك . لكن ألأيمان بالله يقول لنا بأنَّ سبب قدرتنا على تلقي العلوم وفهمنا المحدود لعمل الكون هو ان الله الذي خلق الكون هو المسؤول عن  نشأة عقل ألأنسان من ألأساس . واذا كنت تنظر الى العالم بنظرة اختزالية مادية فانك ستختزل الأيمان الى البنية العصبية والكيمياوية للدماغ فسيطرح هذا سؤالا كبيرا  . اذا كان ايماني بالحقائق والنظريات العلمية هو نتيجة لنشاطات المادة في دماغي ، نشات عن طريق عملية عشوائية  غير عاقلة ، فلماذا علي تصديقها ؟ . وكأننا بهذا نقطع غصن الشجرة التي نجلس عليه ...وبالنسبة لي (يضيف جون لنكس ) ألألحاد هنا يدمّر كل اسس العلم ومساعيه وهذا خطأ جسيم وضربة قاصمة في وجه(11) .
المادية العلمية تعلّم بأنَّه لاشيئ سوى المادة ، ومن هنا لن يتمكن انسان من تجنب الموت . كتب عالم الطبيعة النظري جورج ستانشيوا ، وفيلسوف العلم روبرت أوجرو : " إنَّ القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بأنَّ المادة وحدها هي الموجودة ، وإنَّ كل ألأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها "(12). وهذا ما تتبناه الفلسفة المادية ، فعلاقة الدين مع العلم من وجهة نظرها هي علاقة تناقضية ، حيث يزعم  أصحاب المادية ، والذين يتبنون منهجا عقلانيا  أصوليا ، "أنّ لا وجود لعالم آخر (فوق الطبيعة) سوى العالم الفيزيائي المادي ، والمادة هي الحقيقة الوجودية المطلقة ، وبالعلم وبمنهجه الصارم يمكن كشف أشرار هذا العالم وسبر أغواره ، وألأعتقاد بأن هناك عالم آخر تصوري وغير منظور هي مجرد هلوسات ذهنية لاقيمة لها ، فكما يرى  فرويد " أنَّ أديان البشر يجب أن تصنف بأعتبارها  وهما من أوهام الجماهير ".  كما تعتبر الفلسفة المادية أنَّ أية محاولة  للتقريب بين ماهو فيزيائي ولا فيزيائي هو سقوط سافر في الدوغمائية (*) (13)

صرَّح عالم ألأحياء التطوّري والمؤرخ الشهير ويليام بروفاين من جامعة كورنيل بوضوح في احدى المناظرات منذ سنوات ، قال :" إن كانت الدارونية حقيقة ، فهناك خمسة نتائج لايمكن الهروب منها :
*لايوجد دليل على وجود الله .
*لايوجد حياة بعد الموت .
*لايوجد معيار مطلق للصواب والخطأ .
*لايوجد معنى نهائي للحياة
*ليس للناس ارادة حرة حقا (14)
ويعترف  علماء الألحاد  بانهم لايعرفون كيف نشأت قوانين الفيزياء والثوابت الفيزيائية  هل هي حادثا غريبا أم أنّها مصممة ... وإنَّ العلم لايعرف كُلِّ شيء بعد ولا تزال هناك ثغرات !!!!!!! .
العلماء الملحدون يعترفون أنَّ العلم لايعرف كُلِّ شيء ، ولكنهم يبررون اعتقادهم هذا بان العلم  سوف يصل ، يوما ، الى "الحقيقة"(15)
ولكن هناك قول للكاتب رين وارين (16) يقول:
"انَّ اسهل الطرق لأكتشاف الهدف من أختراع ما هو سؤال صاحب ألأختراع " . هكذا على العلماء أن يفتشوا عن خالق هذا الكون وصانع الحياة وكل ألأشياء ، لأنّه هو الذي خلق السماوات والأرض وكل ما يرى وما لايرى ، وهو عنده الجواب الشافي لهدف الخلق والتطور وهدف حياتنا  على هذا الكوكب الجميل .
 ان الموقف ليس بالحقيقة علميا عندما  ينكرالعلم  وجود مالا يمكننا إدراكه بالطرق المرسومة قبل اجراء التجربة . كما انه ليس من قبيل التفكير العلمي ان نرفض كل معرفة شخصية معتقدين انها خاطئة . فالعقل العلمي يبقى منفتحا على كل ماهو ممكن حرصا منه على الموضوعية . وهذا ما يجعله في موقف الشك او التساؤل في بعض الظروف حيث قد يتولد اليقين من عملية اخرى تختلف عن ألأدراك الشخصي (17) .
المؤمنين بنظرية داروين يقولون : "إنَّ الحياة يمكن أن تخلق بطريقة طبيعية دون تدخل خالق  وان الأنسان هو نتيجة لعملية طبيعية لا هدف لها لم تحسب له حسابا ......ولا حاجة الى خالق يسمو فوق الطبيعة  يمكنها ان تقوم بعملية الخلق من تلقاء نفسها. وقد رسم الملحد البريطاني برتلاند رسل  صورة مؤلمة ، عندما كتب أنَّ العلم قدَّم لنا عالما "بلا هدف" و" خالي من المعنى .....ذلك الأنسان هو نتاج ألأسباب التي لم تكن لها رؤية سابقة للغاية التي كانت تسعى لتحقيقها . فاصله ، ونموه ، وآماله ،ومخاوفه ، ورغباته ، ومعتقداته  هي مجرد نتيجة تنظيمات عرضية للذرات  . لانيران ، ولا بطولة ، ولاحدة تفكير أو مشاعر يمكنها أن تحفظ حياة فرد بعد الموت . فكل جهود العصور ، وكل التكريس ، وكل الوحي ، وكل وهج العبقرية ألأنسانية مقدّر لها أنقراض ...وكل هيكل انجاز ألأنسان لابدَّ وأن يدفن حتما  " . المادية العلمية تعلّم بأنَّه لاشيئ سوى المادة ، ومن هنا لن يتمكن انسان من تجنب الموت .
كتب عالم الطبيعة النظري جورج ستانشيوا ، وفيلسوف العلم روبرت أوجرو :
"انَّ القصة القديمة للعلم هي المادية العلمية التي تنادي بانَّ المادة وحدها هي الموجودة ، وإن كل ألأشياء يمكن شرحها من خلال المادة وحدها "(18) .
المقالات السابقة كما في المواقع التالية
المقدمة
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=615936.0
الخلق والتطور الجزء ألأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=642921.0

الخلق  والتطور الجزء الثاني

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=668555.0
الخلق والتطور الجزء الثالث
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=668556.0
الجزء الرابع
http://iraqchurch.com/forum/showthread.php?p=148256

(1)
http://www.ladeenyon.net/forum/viewtopic.php?f=177&t=17166

(2)
.( راجع كتاب  القضية ....الخالق  للمؤلف لي ستروبل )

(3)
 (راجع ص118 من كتاب الخلق والتطور.....حوار بين الدين و العلم ) .
(4)
راجع  القضية... الخلق ص 29" ص31" ).
(5).
ستيفن هوكينج: Stephen Hawking)
 أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم، درس في جامعة أكسفورد وحصل منها على درجة الشرف الأولى في الفيزياء، أكمل دراسته في جامعة كامبريدج للحصول على الدكتوراة في علم الكون، له أبحاث نظرية في علم الكون وأبحاث في العلاقة بين الثقوب السوداء والديناميكا الحرارية، وله دراسات في التسلسل الزمني.
لكنه أثار ضجة واسعة  في كتابه الأخير "التصميم الذكي " قال فيها أن وجود الكون بهذا الشكل وبأي كيفية لا يحتاج الى خالق ليوجده بل هو أي الكون تلقائيا أوجد نفسه.فابتهج الملحدون الدراونيون.

(6)
كلينتون ريتشارد دوكينز
هو عالم بيولوجيا تطورية وايثولوجيا بريطاني  وكاتب ادبيات علمية من ابرز اعماله التاكيد على الدور الرئيسي للجينات كقوة دافعة للتطور .الى جانب اعماله في البيولوجيا التطورية ، دوكينز يقدم نفسه انه ملحد انساني علماني ، شكوكي وعقلاني علمي . مع ذلك قدَّم نفسه على انه مسيحي الثقافة ، وهو معروف  بارائه في ألألحاد ونظرية التطور  ، كما انَّه ابرز منتقدي نظرية الخلق ونظرية التصميم الذكي ، له الكثير من المقابلات والمناظرات في التلفزيون والراديو ، واشهرها مناطراته مع البروفيسور جون لنكس (العالم المؤمن بالخالق ) نشر افلام وثائقية مثل "اصل كل الشرور " وأعدا المنطق".
كتابه "وهم الأله" المنشور سنة  2006
 شرح المغالطات المنطقية في المعتقدات الدينية ... ويستنتج أنه لا يوجد أي خالق غيبي وأن ألأيمان   اثار اكبر قدر من الجدل
هو مجرد وهم
راجع ويكيبيديا  الموقع ادناه
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%AF_%D8%AF%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%86%D8%B2
 (7) راجع الموقع التالي

(المناظرة بين ريتشارد دوكينغ وجون لنكس ) الموقع ادناه.

http://aljsad.com/forum9/thread164742/
(8)
(ص153 كتاب  القضية .. الخلق
) (9)
(من كتاب : هل دَفَنَ العِلم الله للعالم ريتشارد دوكنغز  )
(10)
(القضية ....الخلق ص21).
(11)
المصدر رقم 7 ايضا
(المناظرة بين ريتشارد دوكينغ وجون لنكس ) المواقع ادناه.

http://aljsad.com/forum9/thread164742/
http://antishobhat.blogspot.de/2013/05/blog-post_31.html
(12)
القضية ...الخالق  ص37
(13)
راجع الموقع ادناه

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=214755
(14) راجع كتاب
القضية ...الخلق
(15)
(المناظرة بين ريتشاردوكينغ وجون لينكس)
http://aljsad.com/forum9/thread164742/
(16)
مؤلف كتاب
لماذا انا موجود هنا على هذه الأرض
(17)
 راجع الخلق والتطور ص 18
(18)
راجع كتاب
القضية الخلق ص47 ،29،31
 (*)
الدوغمائية 
هي التعصب لفكرة معينة من قبل مجموعة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها لمناقشته
(**)
 التطور يعني أنّ ألأشياء البسيطة تتجه نحو التعقيد  ولكن العلم لايتناول منشأ  الكون ولا منشا الحياة .
(***)
 البروفيسور الإيرلندي جون لينكس هو  متخصص في الرياضيات وفلسفة العلوم يتحدث الفرنسية والروسية والألمانية والأسبانية بالإضافة للإنجليزية لغته الأصلية له عدةمناظرات مع أشهر الملاحدة دوكنز
وهيتشنز وغيرهما... كتب عدة كتب منها هذين
God and  Stephen Hawking: whose design is it anyway?الإله وستيفن هوكنق: لمن التصميم إذاً
له العديد من المناظرات مع العالم ريجارد دوكنز وغيره  ، وقام برحلات عديدة حول العالم ليدافع عن الأيمان بالله الخالق ، داحضا النظريات الألحادية العلمية المعاصرة ، سواء في نشوء الكون او تطور الحياة بحسب نظرية داروين في النشوء والأرتقاء  .

21
إعترافات خجولة
الجزء الثالث – "مأزق المجتمعات ألأسلامية "

نافع البرواري
حاول الكثيرون من المفكرين والفلاسفة والمتصوفين عبر التاريخ العربي والأسلامي ، أنَّ يضعوا القرآن تحت ألأنوار ليعرفوا حقيقة ما كتب فيه ، ولكنهم حوربوا بابشع الطرق ، ومنهم أبو الحسن أحمد الراوندي ومحمد بن هارون الوراق ،  والحسين بن منصور الحلاّج   و أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي  وفيلسوف العقل والمنطق ،أبو الوليد محمد بن أحمد إبن رشد.
عبر التاريخ ألأسلامي نقرا ، في الغالب ،أنَّ إضطهاد الفكر الحر والأحرار المستنيرين (عقليا ) كان السمة السائدة في المجتمعات الأسلامية ، إتُّهموا هؤلاء بالزندقة والألحاد والكفر ، واليوم الواقع يشهد ، على هذه الحقيقة ، ونحن في القرن الواحد والعشرين .
يقول الراوندي " من ليس عنده الدواء للداء إلاّ القتل ، وهو فعل العدو الحنق الغضوب ، فما حاجته الى كتاب ورسول "راجع كتاب الزمرد للراوندي ص159" .
 ليس صدفة أن نرى الغرب ، الذي يستخدم العقل ، والمنطق للأبداع العلمي والفكري في جميع مرافق الحياة ، الكومبيوتر والتعليم  وألأختراعات والتكنولوجية ، يتطور وبطريقة لوغاريتمية ، بعد أن أسّس فكرهُ هذا على افكار وفلسفات  الكثيرين من الفلاسفة والعلماء اللاهوتيين الذين آمنوا بالعقل وعلم المنطق كحجة للأيمان . بالمقابل نلاحظ هزيمة العقل أمام التدَّين الظاهري البعيد عن العقل والمنطق  في ألأسلام . كثيرا من علماء وشيوخ المسلمين يقولون أنَّ الدين الأسلامي دين العقل والمنطق منطلقين من اقوال نسبت الى رسول المسلمين كقولهم "اطلبوا العلمَ ولو في الصين "، ولكنهم في نفس الوقت لا يقبلون فحص النصوص القرآنية واخضاعها للنقد الفكري والبحث العلمي  ، بحجة أنَّ القرآن كتاب منزل من فوق ومصدره اللوح المحفوض ، وكل كلمة من القران حرفيا صحيحة لانقاش فيها والقرآن فيه  ألأعجاز العلمي والأعجاز اللغوي...الخ .
كلِّ الكتب التي حاول "المُصلحون " والعقلانيون" والباحثون عن الحق " نقل آرائهم وأفكارهم عن العقيدة الأسلامية تم حرقها ، أو مصادرتها ، أو منعها  وتم إضطهاد أو حتى قتل أصحابها . فمنذ بدايات ألأسلام عندما حرق الخليفة عثمان بن عفان المصاحف الستة ، وأبقى على مصحف واحد  ، ومرورا بحرق كتب الحلاج ، الناقدة للنصوص القرانية  وكيف تمّ قتله بصورة بشعة ، ولا ننسى محاربة الأسلام والقضاء على افكار المعتزلة والزنادقة وكذلك حرق كتب إبن رُشد ،  الذي رفض حرفية ألأقوال و حرفية النص القراني  وأخذ بمجازية التفسير للقران ،   وصولا الى طه حسين ونجيب محفوظ وفرج فودا والسيد القمني وخليل عبدالكريم ومصطفى جحا  ونصر حامد ابو زيد  واحمد القبنجي واخيرا وليس آخرا  حامدعبدالصمد مؤلف كتاب "سقوط العالم ألأسلامي ".. هؤلاء ، وغيرهم عبر التاريخ ، حاولوا في زمانهم أو في العصرالحالي، نقد القرآن والشريعة  فكان الثمن قتل او تهديد أو نفيهم خارج أوطانهم .
لايمكن للأنسان أن يؤمن بشريعة مُنزَّلة من فوق ومفروضة عليه ليطبقها في حياته دون أن يكون لهذا ألأنسان إرادة وحرية لتقبل هذه الشريعة أو رفضها ، وإلاّ ستكون هذه الشريعة ، الغير القابلة للنقاش والتمحيص ، طعنة في حرية الأنسان ، وخاصة عندما يكتشف هذا ألأنسان أنَّ هذه الشريعة تخالف العقل والمنطق ولا تخضع لمتغيرات الكون . إنَّ حرية العقل محدود في العقيدة الأسلامية ، لأنَّ الشريعة جامدة مقيَّدة ومرتبطة بآيات قرآنية أو أحاديث قدسية  لايستطيع المسلم مسّها أو نقدها او مناقشة نصوصها وإلاّ أصبح ، بنضر فقهاء المسلمون ، كافرا ومشركا ومرتدا .
المؤمنون ، ألأصوليون ، من علماء الفقه الأسلامي ، حسموا ألأمر بإعتبار أنَّ ألأنسان مسيّر وليس مخير وانَّ القرآن منزل  ، من السماء ، وليس للأنسان الحق في نقده أو الأعتراض على النص . ويمثل ، أصحاب هذا الفكر الغالبية عبر التاريخ الأسلامي ، وهو التيار الذي تاثَّر بفكر ألأمام الغزالي الذي يقول : "من تمنطق فقد تزندق " ، أي من إستخدم العقل والمنطق في ألأسلام فهو زنديق ، وحكم الزنديق هو الموت بابشع الطرق . الغزالي في كتابه "تهافت الفلسفة " طعن بصورة عامة بجميع الفلاسفة  وكفَّر الفلاسفة المسلمين المتعاونين والمتاثرين بفلاسفة اليونان ، وحرّم دراسة الفلسفة والمنطق في الأسلام ، ولا زال هذا المنهج متبعا في الدول العربية والأسلامية بعد الغزالي بمئات السنين   . بينما الفلسفة وعلم المنطق يقولان أنّ ألأنسان مخيّر وليس مسير، وأن العقل والمنطق هما مقياس أيِّ عقيدة أو كتاب ، ويمثل هذا الفكر إبن رشد صاحب كتاب "تهافت التهافت" (المتاثر بفلسفة ارسطو)  ردا على كتاب ألغزالي "تهافت الفلسفة" ، ولكن قام علماء الفقه المسلمون بمحاربة  ابن رشد واحرقوا كتبه التي تستند على علم الفلسفة والمنطق  ، بل إعتبر، فقهاء المسلمون ، أنَّ الفلسفة كفرا والمنطق حرام شرعا .
يقول الكاتب محمد سيد رصاص : "وهكذا بهزيمة ابن رشد في كتابه "تهافت التهافت" أمام كتاب الغزالي "تهافت الفلاسفة" تعبيرا عن أفول وتدهور الحضارة ألأسلامية ، وعن انتقال مركز الثقل الحضاري الى الغرب ....هكذا بدأت   الحضارة  ألأسلامية تفقد قدرتها على ألأبداع العلمي والفكري ، مما أنبأ بدخولها مرحلة طويلة من الجمود الحضاري " .
لقد استمر الجدل الفكري عبر مئات السنين بين العقيدة والفقه ألأسلامي من ناحية  ، وبين الفلسفة (العقل) والمنطق من ناحية ثانية  والفكر السائد ، اليوم ، في الدول العربية والأسلامية ، هو فكر يعتقد أنَّ الحقيقة هي في قبضة المسلمين ، فالبراهين كلها معهم  في ملفات جاهزة ، في العلوم الحياتية وألأجتماعية والجغرافية والبايولوجية والطبية وعلوم الكون  والفيزياء والرياضيات ...الخ  ، فكل شيء موجود في نصوص ألآيات القرانية ، ولكن في نفس الوقت يتم تصنيف هذه البلدان ، من قبل ألأمم المتحدة ،  في القائمة الأخيرة للدول المتخلفة في جميع مرافق الحياة سواء العلمية اوالأجتماعية أوالثقافية  ...الخ ، وأيضا يستشري الجهل والفقر والأمراض في تلك الدول . إنَّ  الآيات القرانية و الاحاديث المتعارضة مع العلم و العقل والمنطق كثيرة ولا مجال لذكرها في هذا المقال واختلف  المفسرون  المسلمون  في تفسير نصوص كثيرة من هذه الآيات حد التناقض وهذا يخالف علم المنطق الذي لا يقبل التناقضات.
انَّ احتكار فقهاء المسلمين للعلم والأفتاء شلّ الأبداع الفكري لدى المسلمين وجعلهم دمى تحركهم مئات بل آلاف الفتاوى لهؤلاء الشيوخ المتاجرون بعقول المسلمين ، وخاصة في هذا العصر الذي سيطر فيه الفكر الديني المسيِّس  على عقول الناس   . هذا التحديد والتقييد  لحرية العقل للعمل والنقد والتفكُّر أدى الى تخلُّف العالم الأسلامي ، لأنَّ العلماء في هذه الدول إعتمدوا على النقل وحاربوا كل من يستخدم العقل والمنطق والفلسفة . وهكذا يحارب الأسلاميون كُلُّ من يخوض في مصادر وتاريخ القرآن ومضمونه ، ومراحل تشكليه الذي وصل الينا اليوم  .
ان الغاء الفكر وحرية الأنسان في اختيار عقيدته  هو الغاء لكرامة الأنسان ، والأسلام لايسمح للأنسان الذي ولد مسلما ان يتحرر من السجن الذي ولد فيه وسيبقى الناس هكذا ، يتربون منذ الطفولة ، من المهد الى اللحد  ، ليؤمنوا أنَّ هناك شيء صالح في ألأيمان الغيبي . وليس للأنسان من حول ولا قوة الا ألخضوع والخنوع والتسليم للأمر الواقع  لهذه القوانين والشرائع ، والأستسلام للقضاء والقدر ، والتي تعتبر من المرتكزات  الأيمانية المفروضة على المسلمين . يتسائل الكاتب مصطفى جحا ، الذي دفع حياته ثمنا بسبب نشر كتابه  "محنة العقل في ألأسلام" فيقول : " لنفرض ان القرآن هو كتاب مبين فلماذا تحجّرنا ؟ وان كان القرآن هو النازل من الله ومن اللوح المحفوظ ، فهذا" طامة كبرى " لأنَّه يلغي العقل .... المنتصر هو كتاب الله ، واذا انتصر كتاب الله انتصر النبي والله وتعفَّن العقل في زنزانته " . ويتسائل احدهم : "هل الدين وراثة أم قناعة ؟ هل يجوز أن أًجبر على التظاهر بأمر لا أؤمن به ؟ واذا كان ألأنسان مخيّرا أي حرا فهل يحق لي أن اختار ترك الأسلام ؟ ".
انّ غياب العقل والمنطق والفلسفة وتجريم وهدر دماء كُلِّ من يحاول الخروج من دائرة الفكر الأسلامي  ونقده لهذه العقيدة ، أيِّ كانت هذه العقيدة ، أدّى ويؤدى الى التعصُّب وألأرهاب والغاء الآخر . وواقعنا اليوم يشهد على ذلك ، حيث الحروب الطائفية والمذهبية هي السائدة اليوم في هذه البلدان . 
يقول المفكر العربي محمد أركون في مقابلة على القناة العربية الفضائية  ، اجابة لسؤال لماذا تخلَّفت الدول العربية عن الدول الغربية ؟ فيجيب : " لأنَّ ممارسة العقل إنحسر في الدول العربية بينما ازدهر آفاق الفكر الأوربي  في الدول ألأوربية "
ويضيف قائلا  : "يجب ان تدرِّس الفلسفة ونقرأ النص القرآني والخطاب القرآني ، ونقارنها  مع جميع الفلسفات ...ولهذا نحتاج الى المنهاج التفكيكي للعقل  ودراسة الفلسفة والفكر ألأسلامي عبر التاريخ  ....شرط دخول العرب الى الحداثة هو النقد للعقل ألأسلامي ولايمكن قراءة النصوص دون ألأعتماد على هذا المنهج...الأصولية عملية فكرية وتصبح أيدولوجية اذا لم تخضع للمراقبة من البحث العلمي  ".
 وفي كتابه "نافذه على الأسلام " ص 20 يقول:
"إنَّ الوحي لم يُدرس في أيِّ مكان ، حتى أيّامنا هذه ، في تجليّاته الثلاثة اللغوية ألأولية – في
العبرية والآرامية والعربية – وفي الشروط التاريخية وألأنتربولوجية (الأنسانية ) لهذه الظهورات الثلاثة . وها هنا تقصير من التاريخ المقارن للديانات والعلوم  ألأجتماعية وعلوم ألأنسان "
وعن الثورات العربية يقول الكاتب(ص 28):
"إنَّ الثورات العربية ألأسلامية لم تعد نفسها (كما الثورة الفرنسية ) بحركة قوية من النقد الفلسفي والعلمي ، للتقاليد الدينية وللممارسة السياسية في الأنظمة الملكية ، وللثقافة الموروثة ولمشكلة المعرفة على العموم" .
 ويقول الكاتب حامد عبدالصمد في كتابه "سقوط العالم ألأسلامي " :" إستحالة الأصلاح في ألأسلام مادام انتقاد القرآن ومفاهيمه ومبادئه وتعاليمه أمرا محرّما يحول دون أي تحرك . فايِّ إصلاح ينتظر من شعوب تقدّس نصوصا جامدة عقيمة لا فائدة منها ، ويعقّم كل تفكير ، ويقيّد كل مبادرة . ، وبالتالي يعتبرونها صالحة لكل زمان ومكان .وبالرغم من كل ذلك ، نرى شيوخ ألأسلام يردِّدون بكل غرور وتبجّح بأنَّ المسلمين هم أفضل أمة أخرجها الله وان غيرهم رعاع لايستحقون حتى الحياة . ما هذه الشيزوفرينيا التي بليت بها هذه ألأمة ؟" .
ألأسلام باختصار هو تسليم العقل لرجل الدين الذي يفتي ويفكر نيابة عن المسلم العادي . والفقهاء المسلمون يؤمنون بالتنزيل ، اي نزول القران من السماء  من اللوح المحفوظ ، والذي ليس للأنسان دور في المشاركة في الوحي ألألهي . فالأجيال في هذه الدول تُلقّن القرآن وتحفظه ولا تُعلَّم كيف يفكر الأنسان في مظمون هذا الكتاب الذي تخالف ، الكثير من نصوصه ، العقل والمنطق  . ألأيمان في الأسلام ، ومنذ البداية ، كان يُفرض على الناس بالترهيب والترغيب والخنوع والخضوع والأنقياد والتعبُّد لله دون استغلال ملكات الأنسان العقلية  والأرادة الحرة.
المشكلة الرئيسية فى هذا الفكر، كما تقول كاتبة عربية  ، "هو اعتقاد من يعتنق الأسلام  انه يملك الحقيقة المطلقة ، و هو بهذا يرفض الاخر ولا يعترف به. و هو أيضا يغلب النقل على العقل و ينتصر للنصوص المقدسة حتى و لو تعارضت مع العقل و المنطق و الحجة ، اذ كيف يتقبل ألأنسان الذي يملك ملكات العقل وحرية الأرادة والوعي بما يجري حوله من التغييرات والأكتشافات الهائلة ، وأن يقبل بعقيدة او فكر او ايدولوجية لأتسمح له أن يناقشها وينتقدها بل يطوّرها نحو الأفضل؟". اليوم ينتشر فكر اللامنطق واللاعلمي في المجتمعات العربية والأسلامية .
إنَّ الأيمان بدون العقل كالطير الذي يريد ان يحلق في الفضاء بجناح واحد .
يقول البابا بيندكس السادس عشر :" ألأيمان والعقل يكمِّل واحدهم الآخر، لأنّ ألأيمان يحمي العقل من تجربة عدم الثقة بمقدراته ، ويحضُّه على ألأنفتاح على أفق أوسع ، ويحيي فيه البحث عن ألأسس ، وعندما ينكب العقل على التفكير في الجو الفائق الطبيعة وفي العلاقة بين الله والأنسان يغني عمله . فبنور العقل تتجلى الحقيقة ، وعندها فقط يتحررألأنسان ، وإلا فقد ألأنسان انسانيته ".

اليوم ليس أمام المسلمين سوى خيارين لا ثالث لهم . الخيارألأول : قبول مراجعة ونقد النصوص القرآنية والأحاديث والتفاسير على ضوء العقل والمنطق والفكر الحر،  وكذلك مراجعة التاريخ ألأسلامي المليء بالمتناقضات والأخطاء التي تم ارتكابها بحق المتنورين العقلانيين وتصحيح جميع المفاهيم الخاطئة المتكدسة عبر مئات السنين والأعتراف والأعتذار لما ارتكب من الجرائم من قبل الحكام والمستبدين من رجال الدين  بحق البشرية ، والأهم هو فصل الدين عن الدولة ، كما فعلت الكنيسة في الغرب المسيحي منذ مئات السنين  .

أما الخيار الثاني فهو: الأستمرار في العقلية السائدة اليوم والتي لاتحترم الفكر الحر وتحاول فرض ألأمر الواقع بقوة الترهيب والترغيب ، وتحريم وتحليل كل شيء حسب أهواء وفتاوى تصدر من قبل شيوخ الظلام  ليبقى ألأنسان المسلم خاضع لسطوة رجل الدين الذي يعتبر نفسه يحمل مفتاح الجنة في ألآخرة والمنقذ والمخلّص للشعوب ألأسلامية البائسة  . كذلك  قبول الأنسان المسلم ، الخضوع والخنوع لسلطة الحاكم (الخليفة ) المستبد . وهذا هو ما كان عبر التاريخ ألأسلامي  القائم نتيجة الترابط بين الدكتاتور( الخليفة) ورجل الدين  ، وكل واحد يستمد قوته من الآخر ، ليبقى الشعب مسحوقا ومستعبدا ، بين رجل الدين الذي كان ولا يزال  يتاجر بالدين بمآزرة الخليفة ، وكل واحد يساعد ألآخر للبقاء والشعوب عاشت وستعيش بين هذين الخيارين ولن تستطيع الخروج من ظلم واسبتداد الحاكم ورجل الدين . وهذا الخيار سيسطدم بالحضارات الحديثة والمتقدمة في جميع مجالات الحياة وخاصة  مجال "الحرية " ، سواء اختيار حرية  العقيدة  ، وحرية الرأي  ، والحرية الشخصية  ، وحرية الفكر ، وعندها ستتخلف الحضارة العربية والأسلامية وتكون  عصى تعرقل تقدم دولاب الحضارات ألأنسانية وتكون حجر عثرة لتقدم الأنسانية ورقيها لأ بل تكون عالة على ألأنسانية ، وقد تشكل هذه الحضارة خطورة على البشرية كما يحدث ألان حيث ألأرهاب ألأسلامي ينتشر كالنار في الهشيم في البلدان ألأسلامية نتيجة الأصرار على ثقافة الحلال والحرام والترهيب والترغيب وتكفير ألآخر والتهديد بنشر هذه الثقافة في العالم كُلّه  .

22
الرؤيا والرائي في العهد القديم والعهد الجديد
الجزء الثاني
الرائي
يختلف النبي عن كاتب الرؤيا(الرائي) في أنَّ النبي هو راءٍ ينعم بموهبة خاصة، أرسله الله الذي كلمته حق فكان "فم الله". لم تكن مهمته الخاصة بأن يوجّه النظر إلى المستقبل البعيد. فالمهمة النبوية تعني الحاضر قبل كل شيء: الموضوع هو السعادة الحاضرة أو الشقاء الحاضر في ساعة محدّدة من التاريخ. النبي يعزّي، يشجّع، يهدّد. ورؤاه تؤثّر فينا وتأسرنا. قد يكون منادياً يصرخ عبثاً في صحراء الإيمان. وقد يكون ذاك الذي يوقظ شعبه بضربات بوقه فيساعده على تجاوز الحاضر المؤلم الذي يعيشه ..... النبي ، في العهد الجديد ، هو يجمع بين الإثنين: إنه الرائي، إنه النبي . فالنبي  هو الذي يرى ألأمور بعين الله ، يتكلم باسم الله ، يهيّئ الطريق من أجل تدخُّل الله .... الرائي هو النبي بكل معنى النبوءة . لم يعد نبي العهد الجديد في وضع "الرائين" اليهود الذين يعتبرون أن النهاية قريبة وإن لم تكن بعد في متناولنا. لقد تمّ كل شيء والنهاية هي هنا. ولكنها ليست بعد مرئية بوضوح. أما علامتُها فحضور ناشط للروح الذي بدأ ببناء عالم جديد يحلّ محلّ القديم

ويظهر الرؤيويون ساعة تتجمّد دينامية النبوءة وزخمها. انتظر الشعب اليهودي أن يأتي نبيّ (1 مك 4: 46). ولكن عبثاً. فجاء الرؤيويون وحملوا الجواب. إن عالم الجليان يحلّ محل عالم النبوءة ويشكّل امتداداً له. وهكذا انتقلنا بطريقة غير شعورية من الأدب النبوي إلى الأدب الجلياني
كان سفر دانيال أول الكتب الجليانية في العهد القديم، فشكّل منطقة إنتقال فيها أخذ الفكر النبوي شكل رؤيا. إن الشعب المختار عاش اختباراً مؤلماً: الله، سيد التاريخ، لا يمنحه نصراً ساطعاً ولا تفوّقاً سياسياً. والحاضر، بل كل وجوده على الأرض، يبدو معتماً ويائساً. فما عاد المؤمنون ينتظرون في هذا العالم إلاّ تدخلاً خاصاً تقوم به يد الله القديرة (1)..
 عالم الجليان اليهودي

أ- حقبة الجليان(الكشف) اليهودي

يمتدّ الجليان اليهودي من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الثاني ب. م. لقد وُلد التيار الجلياني في زمن المكابيين، ومع دانيال خالق هذا الفنّ الأدبي. حين عاد اليهود من المنفى سنة 538 قبل الميلاد، وكانوا قد ذاقوا العبودية في بابل، شعروا بضيق عظيم لهذا الوضع الذي وجدوا نفوسهم فيه. والقوة الضاغطة التي سبّبها المناخ السياسي والديني في ذلك الوقت، فجّر الفكر الجلياني. خابت كل الآمال التي تجمعت خلال سنوات الأسر والظلم (587 - 538 ق. م.): أين هي المملكة العظمى التي تاقوا إلى رؤيتها؟ وفي أيام الاسكندر الكبير (333- 323) وخلفائه، رأوا سيطرة القوى الوثنية، ورأوا نفوسهم محرومين من كل سلطة سياسية، تواجههم أزمات هائلة على مستوى الإيمان. في الماضي أعلن الأنبياء للآباء تعزية الله الآتية (أش 40: 1: "عزّوا، عزّوا شعبي، يقول الرب. طيّبوا قلب أورشليم". وفي هذه المحنة الحاضرة، أين هم الأنبياء؟.
لقد انتظر الشعب اليهودي عبثاً هؤلاء الأنبياء الذين يرسلهم الرب. حين استعاد رجال يهوذا المكابي الهيكل، وضعوا الحجارة التي نجست في مكان لائق، وانتظروا أن يظهر نبي (1 مك 4: 46) وحين كُسروا، حلّ بهم "ويل عظيم لم يعرفوا مثله منذ اليوم الذي لم يظهر فيهم نبي" (1 مك 9: 27). إعتبروا أن زمن الأنبياء انتهى (1 مك 14: 41: إلى أن يقوم نبي أمين...). وسيقول الرب بلسان النبي زكريا (13: 2) إنه "سيزيل الأنبياء وروحهم النجسة" كما أزال أسماء الأصنام عن الأرض. فالنبي الكاذب يحلّ محلّ الله، شأنه شأن الأصنام.
في هذا المناخ وهذا "الجوع والعطش"، توسّع كتّاب الرؤى "والرجال الأتقياء" الذين اعتزلوا في برية يهوذا، بشكل جديد من النبوءات هو الفن الجلياني.

ب- عالم النبوءة وعالم الجليان

إرتدى عالم الجليان لوناً لاهوتياً يختلف عن عالم النبوءة الذي سبقه، ولكننا لا نستطيع أن نتصوّر الجليان من دون النبوءة. فهناك اعتقادات دينية مشتركة بين الاثنين. فالعقيدة الإيمانية الأساسية هي هي: الله هو سيّد التاريخ. الله هو الذي يوجّه مصير الشعوب كلّها، الله هو الذي يدعو الأمم كلّها أمام منبر دينونته، فيتقبّل منه مؤمنوه خلاصاً وسعادة لا نهاية لها (2) .
سفر الرؤيا لم يكن وحده في زمانه بين ما يسمىّ الأدب الجلياني (أو الرؤيويّ). فمنذ القرن الثاني ق.م. ظهر كتاب أخنوخ، كتاب اليوبيلات، وصايا الآباء الإثني عشر، وكلّها كتب منحولة، أي لا تدخل في لائحة الأسفار المقدّسة. ماذا تقول هذه الأسفار الجليانيّة؟ بما أن الزمن خطوطيّ، بمعنى أنه تاريخ يسير من البداية إلى النهاية، وليس دائريًا، بمعنى أننا ندور في حلقة مفرغة تعود بنا إلى الأحداث عينها، لا بدّ من نظرة إلى هذه الأحداث الآتية، والإنسان يحاول أن يعرف فيلجأ في شرّ الحالات إلى السحر والعرافة والتنجيم ..
ولكن يأتي النبي فيتدخّل في هذا التاريخ باسم الله. هو يدعو معاصريه لكي يعيشوا الحاضر، كاشفًا لهم عن مخطّط الله. فكلمة الله، التي يعلنها، ترتبط قبل كل شيء بالظروف الحاضرة. وإن اهتم بالمستقبل، فلأن هذا المستقبل يعطي الحاضر معناه حين يسند رجاء السامعين وآمالهم، ويذكّرهم بهدف مسيرتهم. أما الهدف فهو اليوم الذي يقيم فيه الله ملكه على العالم بشكل نهائي. غير أن هذا اليوم يبقى خفيًا، وكأن ستارًا يحجب نهاية التاريخ عن أعين البشر.
نحن لا ننتظر نهاية العالم في سنة من السنين. فقد بدأت نهاية العالم مع موت يسوع وقيامته. وها هو العالم يتحوّل تدريجيًا إلى أرض جديدة وسماء جديدة. وحين يموت الواحد منا، تكون نهاية العالم قد انتهت بالنسبة إليه. يكون قد دخل إلى الابدية. أما أخبار الحروب والثورات التي نجدها في سفر الرؤيا، فقد حصلت في أيام يوحنا أو قبله، فرأى فيها الكاتب عقابًا لرومة التي تضطهد المسيحيّين، كما كان سقوط أورشليم سنة 70 ب.م. عقابًا لها لأنها قتلت ربّها....... فكأنَّ كاتب سفر الرؤيا  يقول لنا إنَّ تسلسل ألأحداث في كتابه هو خارج زمن محدد لأنّه يضم كل زمن ممكن . إنّه يحال أن يرتَّب أحداث كتابهه ، ولكنه يعرف قيمتها المستمرة بالنسبة الى الجماعة الكنسية ،والواقعة ما وراء التاريخ . بالنسبة الى المسيحي ، الخلاص هو كلُّه هنا ، ولكنه كله خارج متناولنا . قال بولس الرسول : "نحن مخلصون ....في الرجاء" . نحن نملك كل شيئ ، والأبدية قد بدأت ، ومع ذلك ما زلنا ننتظرها .   الله هو معا الكائن والذي كان والذي سياتي . لاشك أن هناك عرضا في ترتيب تاريخي(قبل وبعد) ، ولكن النهاية موجودة في البداية وما يُروى في الماضي سيأتي في المستقبل . نحن في "ابدية " يتعاصر فيها كل شيئ ...فالمستقبل صار حاضرا ...      هذا ما يقوله صاحب يوحنا الرائي مضحيا بمنطق الصرف والنحو على مذبح الخبرة المسيحية . فاحداث سفر الرؤيا لاشك في أنّها تتسجّل في الزمن ، ولكنها تتجاوزه لأنّها تقاس بمدى آخر يفلت منا : تقاس بمدى الله الأبدي  .
الخبرة المسيحية هي خبرة رؤيا: إنها تجعلنا نعيش نهاية الإزمنة. لقد تمّ الزمان والفأس هي على أصل الشجرة. لقد اقترب ملكوت الله. في العماد والتجلّي، إنفتحت السماء. وعرف يسوع أن موته يدشّن العالم الجديد، ومجيء ابن الإنسان الذي وعد به دانيال (مر 14: 62). وفي موت يسوع، تزلزلت الأرض وقام الموتى حسب مت 27: 51- 53. وقيامته التي أعلنها الملائكة، دشّنت القيامة العامة للأبرار وزمن فيض الروح في الأزمنة الأخيرة. وهكذا صار الله كلاً في الكلّ (4).
يوحنا الرائي  يعود إلى أعماقه، فيخلق لغة خاصة به من أجل تعليم جديد يضمّ أقوال الأنبياء. هو لا يكرّر أقوال الأنبياء، بل يفجّر أفقهم ويدخل كلماتهم وصورهم في شميلة يبنيها بحرية الروح القدس.
حينئذ نفهم أن رؤ هو عمل شخصي وفي الوقت عينه مليء بتذكّرات عديدة ومتداخلة من التوراة. وهذا ما يميّز رؤيا يوحنا عن عالم الرؤى اليهودي.
إنّ مخطّط الله الأزلي واللازمني الذي كشفه في كتب الرؤى اليهودية، قد كشفه أب من الآباء عاش في الزمن القديم . أما وحي المسيح الذي جاء، الذي هو حاضر، فهو يفترض شاهداً تجسّد في الكون. لهذا لا يخفي الرائي اسمه وراء أخنوخ وإبراهيم... إنه هنا، إنه شخص حيّ واسمه يوحنا.
إنّ رؤ يحمل تعليماً عن حدث يجب أن يُكرز به حتى أقاصي الأرض. فليس بكتاب سرّي. ولا يتوجّه إلى متدرّجين. فإن ظلّت الصور التي تشير إلى البلايا غامضة (كالشرّ نفسه)، فالصور التي تحمل الخبر الطيّب (البشرى) مفهومة وقد كانت شفّافة بالنسبة إلى القرّاء في القرن الأول. قيل لدانيال: "أغلق الكتاب واختمه إلى آخر الأيام" (دا 12: 4؛ رج 8: 26). أما يوحنا فقيل له: "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب" (22: 10). لقد تحرّرت الكلمة، والحمل فتح الكتاب (5: 1-5 )
فلا يحاول قارئ سفر الرؤيا أن يتصوّر رؤيا يوحنا. إنّه لم يرها، بل هو ينقل الوحي الإلهيّ في لغة رمزيّة. ونحن نسعى لنفهم مباشرة مضمون هذا الوحي عبر النقل الرمزي (5).

خاتمة
كانت الرؤى اليهودية متشائمة، فدفعت الناس إلى انتظار سلبي وكسول لا يعملون فيه شيئاً. أما يوحنا فبدا متفائلاً. فالغلبة هي هنا. تدعو المسيحيين إلى أن يعيشوا منذ الآن في الفرح مع الله في أورشليم السماوية، وهم يتذوّقون مسبقاً فرح السماء في الليتورجيا فيسمعون التطويبات السبع (1: 3؛ 14: 13؛ 16: 15؛ 19: 9؛ 20: 6؛ 22: 7، 14) التي تدلّ على ملء سعادتهم لأنهم منذ الآن أبناء الله وأبناء الخلاص (5) .

نافع البرواري
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1)
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=540%3A2010-03-02-08-30-37&catid=228%3A2009-11-21-07-27-54&Itemid=118
راجع ايضا (بولس الفغالي سفرالرؤيا  أعلان وكشف )
(3)
http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=118&page_id=745
(4). (سفر الرؤيا بولس الفغالي – نظرة اجمالية الى قلب الرؤيا )
(5). بولس فغالي – سفر الرؤيا – أعلان وكشف )
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=535:2010-03-02-08-25-26&catid=228:2009-11-21-07-27-54&Itemid=118

23

الرؤيا والرائي في العهد القديم والعهد الجديد

الجزء ألأول

أولا الرؤيا

تعود كلمة رؤيا إلى فعل رأى. وهذه الرؤية لا تتمّ بالعين المجرّدة، بل ترتفع إلى مستوى المخيّلة في الرؤى المنحولة، وإلى مستوى الايمان في الكتب القانونيّة. وكلّها مطبوعة بالفن الجلياني (جلا أي كشف) الذي ينطلق من الرموز والصور ليحمل وحيًا عن مصير البشريّة (1).
الرؤيا  : في اليونانية : أبو كالبسس . وحي وكشف .  ترد هذه الكلمة 18 مرة في العهد الجديد ...إن سر الله هو سرُّ "ذاك الذي يسكن نورا لا يقترب منه " (1 تيموثاوس  6: 6 ) . فلا يستطيع ألأنسان بقواه الخاصة أن يدخله . فالنعمة ألألهية  وحدها تستطيع أن تجعله يدرك هذا السرّ . فالأحداث العديدة التي أراد الرب أن يُعرِّف بنفسه  في العهد القديم ، قد أُدركت ذروتها ، التي لايمكن تجاوزها ، في التاريخ البشري ، أدركتها في يسوع المسيح ، فيه ظهر الوحي الألهي بشكل ملموس ومسموع (2) .
لقد تجرّأ كُتّاب الرؤى فبحثوا عن نهاية الأزمنة، كما حاولوا أن يحدّدوا منذ الآن الأحداث الاسكاتولوجية(ألأواخرية). كل هدا قادهم الى "عمليات حساب جليانية" ميّزت مؤلّفاتهم بشكل لافت للنظر.
وهناك ميزة خاصة في التعليم الجلياني: إنه يعبّر عن نفسه في لغة خاصّة به. حين يتحدّث عن سّر الاضطهادات على مرّ التاريخ في حقبته الأرضية، حين يتحدّث عن إنتصار إبليس الموقت، وعن إنتصار الله النهائي ودينونته للأمم، فهو يستعمل تعابير بعيدة كل البعد عن الإيجاز والشفافية. فكل كاتب يلجأ إلى الرؤى والرموز والتشابيه التي تتجدّد يوماً بعد يوم. إنه يريد أن يُدخل سامعيه وقارئيه في عالم دراماتيكي يشدّهم إلى ما سيقوله. إنه يريد أن يشركهم في شعور وجودي يسقيهم الواقع الحاضر. فالأدب الوجودي هو الذي خلق عالم الجليان، والاضطراب والفوضى في الأحداث، أحداث التاريخ وأحداث نهاية الأزمنة. وهو في عمله لا يتوخّى إعلامنا ومعرفتنا، بل إحداث إنقلاب فينا وخلق قلق عميق في قلوبنا.
يصوّر تاريخ البشرية ودينونة الأمم في لغة رمزية تصدمنا بشكل خارق، ولا تكون مفهومة للقارىء العائش في أيامنا. فهذه اللغة بما فيها من جرأة لا تخضع لقواعد المنطق، بل تربط الواقع بما هو بعيد كل البعد عن الواقع. ونحن نجد في التصاوير الجليانية أحداثاً مجتمعة، ولكنها لا تتوافق إطلاقاً في التاريخ الواقعي. فعالم الصور والرموز يجتاح كاتب الرؤيا، فيسكر ويستعمل هذه المواد التي ترد إلى مخيلته جامعاً إياها عن طريق المفارقة، بشكل جريء يتحدّى كل تصوّر.
فعلينا أن ندخل في حركة فكر ولغة هؤلاء الكتّاب، وإلاّ ظلّ تعليم الكتب الجليانية مغلقاً علينا. هناك سحر يطوّقنا وصور تجتاحنا يجب أن نفهم معناها، وإلاّ لبثنا غرباء عن هذا العالم الذي هو بعيد كل البعد عن المناخ العلمي الذي يعيش فيه البشر على عتبة الألف الثالث (3)
هناك رؤى ترتبط بالعالم اليهودي وأخرى بالعالم المسيحيّ.
تتوزّع الفئة الأولى(  رؤى العالم اليهودي) على احد عشر كتابًا :
 رؤيا آدم، رؤيا ابراهيم، رؤيا اشعيا أو صعود اشعيا، رؤيا إيليا، رؤيا باروك السريانية، رؤيا حزقيال، رؤيا دانيال، رؤيا صفنيا ، رؤيا عزرا اليونانيّة، رؤيا نوح. رؤى يهوديّة من القرن الثاني ق.م. رؤى أخنوخ، اليوبيلات والمسمّاة سابقًا رؤيا موسى، وصيّات الآباء الاثني عشر. من القرن الأوّل ق.م. مزامير سليمان، الأقوال السيبليّة. من القرن الأول ب.م. صعود موسى، أخنوخ السلافي أو كتاب أسرار أخنوخ، عزرا الرابع. رؤيا باروك السريانيّة، رؤيا ابراهيم، رؤيا موسى (حياة آدم وحواء)، رؤيا حزقيال .
مثل هذا التعداد يدلّ على أن كتّاب الرؤى في العالم اليهودي المتأخّر، نسبوا رؤاهم إلى شخصيات عظيمة في العهد القديم مثل ابراهيم، اسحق، موسى، إيليا، عزرا، أخنوخ (تك 4: 17- 18؛ 5: 18- 24)، باروك (إر 32: 16؛ 45: 1- 5). مثل هذا الأسلوب يضفي على التعليم الذي يقدّمونه في زمن متأخر، سلطة كبيرة جدا ..
أن القرن الأول المسيحي عرف عالم الرؤى كعنصر تقليدي حي، وإن غابت عنه حمّى "الرؤى" في القرنين السابقين ..
عالم الرؤى هو تيار ديني قويّ ومميّز، تسجّل في فن أدبي محدّد هو الأدب الجلياني أو الرؤيوي. وسوف ننتظر زماناً طويلاً لنكتشف المواضيع اللاهوتية في هذا الأدب الخاص، بدءاً من سفر دانيال حتى رؤيا القديس يوحنا. نحن هنا في حقبة العالم اليهودي المتأخّر مع ما فيه من حمّى وغليان. إن حدّدنا الرؤى في القرنين السابقين مباشرة للعهد المسيحي، فلا نستطيع القول بأن هذا التيار الفكري كان ثمرة ولادة مفاجئة وتلقائية. لا شكّ في أن هناك مناخاً جعل مثل هذا الفكر يزهر، ولكنه يتجذّر في عمق الماضي الديني لشعب الله: نحن لا نستطيع أن نتخيّل رؤ إذا تركنا جانباً دفع النبوءة في العهد القديم ونشاط الأنبياء في استنباط صور مؤثّرة. إن أسفار الرؤى هي صدى تعاليم الأنبياء ومقدمة إلى الأناجيل. وقد لعبت دور الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد، ودور المهيّىء للعهد الجديد. إنها تنطلق من التقليد الكتابي وتواصل التأمّل فيه على ضوء الوضع المتأزّم الذي يعيشه المؤمنون في حقبة من الحقبات.
أما الرؤى المرتبطة بالعالم المسيحيّ، فتتوزّع على ستة كتب :
رؤيا استفانوس، رؤيا بطرس، رؤيا بولس، رؤيا يعقوب، رؤيا يوحنا المنحولة. ويزاد عليها منحولة (أبوكريفون) يوحنا. رؤى منحولة نُسبت ، رؤى منحولة  ، إلى أشخاص من العهد الجديد. رؤيا إشعيا. نجد فيها رؤيا مسيحيّة تورد تنقّلات النبيّ عبر السماوات السبع. رؤيا بطرس. تعود إلى القرن الثاني. تصوّر مطولا الدينونة العامّة وتستند إلى مر 13 :1ي؛ 2بط 2 :1ي. وهناك رؤيا أخرى بهذا الاسم وُجدت في نجع حمادي. رؤيا بولس تصوّر السفر إلى الفردوس انطلاقًا من 2كور 12 :3. الهمت دانتي الشاعر الإيطالي في ملحمته الإلهيّة.
 اكتُشفت في القرن التاسع عشر، كتابان اسمهما رؤيا يوحنا يعودان إلى القرن الثامن والقرن التاسع. رؤيا توما وصلت إلينا في اللاتينيّة. رؤيا استفانوس. تخبر كيف وُجدت بقايا هذا القدّيس. دُوّنت حوالي سنة 415 م. رؤيا زكريا ، والد يوحنا المعمدان. رؤيا برتولماوس. رؤيا العذراء (كتابان) فيها تتوسّل العذراء من أجل الذاهبين إلى الهلاك (القرنان الثامن والتاسع م).
الرؤيا(سفر الرؤيا): هي الكتاب النبويّ الوحيد في العهد الجديد. إنّها كشْف يتعلّق بالحدث الاسكاتولوجي وجواب لوعد يسوع ، كما في يو 16 :13-14. إنّها تبيّن أنّ الحياة المسيحيّة موجّهة بطبيعتها نحو الانتصار الاسكاتولوجي. فالمسيح بموته وقيامته وصعوده قد جُعل الديّان في نهاية الأزمنة، وهو واقف على الباب ( رؤيا3  :20). ولهذا يكون لكلّ مرحلة من مراحل تاريخ الكنيسة وُجهة اسكاتولوجيّة........ أما الكرستولوجيا الاساسيّة  لسفر الرؤيا ليوحنا  فنقرأها في بداية رؤ (1 :5). يسوع هو "الشاهد الأمين، وبكر من قام من بين الأموات، وملك ملوك الأرض (4) .
. ينتمي سفر الرؤيا إلى الفن الجلياني الذي انتشر انتشارًا واسعًا في العالم اليهوديّ. يهتمّ هذا الفنّ بنهاية هذا العالم وتدشين العالم الآتي. هو يستعيد أفكار حزقيال وزكريا ويوئيل ودانيال وصورهم وأسلوبهم. ولكن سفر الرؤيا يتميّز بطابعه الشخصيّ.
 فالكاتب لا يورد بوضوح أيّ نصّ كتابي. كما أنّه فرض على العناصر التقليديّة فكرته المسيحيّة الخاصّة التي ترتبط بتاريخ الخلاص الذي حمله المسيح. بهذه الطريقة أعطى سفر الرؤيا رموزَ التقليد مدلَولها المسيحيّ(5) ( سفر الرؤيا اعلان وكشف)
نافع البرواري
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1). ( المحيط الجامع – بولس الفغالي)
 (2) ( بولس الفغالي – سفر الرؤيا –  أعلان وكشف ) .
 (3) (سفر الرؤيا – كشف واعلان – ألأب بولس الفغالي  الموقع أعلاه)
(4) ( المحيط الجامع – بولس الفغالي)
 (5) ( سفر الرؤيا -اعلان وكشف)

24
النبي والنبوّة في الكتاب المقدس

نافع البرواري

أولا : "النبي"
 1 - في العهد القديم :
ألأسم
نبي. في اليونانية : بروفيتيس (من تكلم باسم شخص آخر). أما الأصل العبريّ فموضوع جدال. قرِّب من نبأ (في الاكادية "نبو"، صرخ، أعلن، هتف، ثبّت). في صيغة المعلوم، النبيّ هو الذي يعلن. وفي صيغة المجهول، هو المدعو. ولكن عاموس (7 :14) لا يثبّت هذه الترجمة. في العربية ، نجد في جذر "ن ب" عدّة أفعال : نبأ (صات خفيفًا). نبتَ (خرج من الأرض). نبث البئر (نبشها وأخرج ترابها). نبجت القيحة : خرجت من جحرها. نبخ العجين : اختمر وانتفخ... ثم نبع، نبغ... يعني الخروج من السر إلى العلن، ومن الظلمة إلى النور، ومن أسفل إلى أعلى..... ميّزت الترجمة السبعينيّة الأنبياء البيبليين من العرّافين الذين يُنبئون بالمستقبل. استعملت "بروفيتيس" (تكلّم مكان) الذي يعني الخطيب والمنادي. والفعل "بروفوتاواين" الذي يعني تكلّم باسم الاله، كشف الأمور الخفية. ولا يعني أبدًا "برّج، بصّر............ النبي في الوثنية  كانت لديه اقوال في الغيبيات (المستقبل) وكانوا يَظلِّون الناس  . فهناك من كانوا يتعاملون(قبل اليهودية والمسيحية ) بعالم الطب ، والتنجيم والتبصير.
إن الذين نسمّيهم "الانبياء" الكبار (إشعيا، إرميا، حزقيال) والانبياء الصغار (هوشع، عاموس...) الذين حُفظت لنا أقوالهم، بدوا قاسين تجاه هؤلاء النبيّين(اي الأنبيا الكذبة والمنجمين والمبصّرين). والسبب : منذ عاموس (7 :14) انحرف التيّار النبويّ. فمماشاة السياسة عند البعض، وضغط تبّاع البعل عند البعض الآخر  وصلا بنا إلى "الانبياء الكذبة" مع المساومات والانحرافات. ونلاحظ أن التوراة لا تعود تتكلّم عن النبيّين بعد القرن 5 ق.م. وسيتحسّر مز 74 :9 لغياب الأنبياء. فحلّ محلّهم الكهنة الذين يعلنون الأقوال النبويّة في المعبد. ثم تجلّى الروح بفم المغنّين. وصار الحكماء موجِّهي الشعب، فشابه كلامُهم كلامَ الأنبياء  ، وأخذوا في بعض المرات لقبهم  (1) .
2 -  في العهد الجديد.
الاسم.
يستعمل العهد الجديد لفظة "بروفيتيس" ليدلّ على المنادين بوحي الله ومفسّريه. وفعل "بروفوتاين" لا يعني فقط "أعلن إيحاءات الله"، بل أيضًا "أعلن الخفايا" (وذلك في خطّ العهد القديم). ويُشار إلى أنبياء العهد القديم على أنهم مرسلوا الله (مت 5 :12) وأشخاص أعلنوا وقائع العهد الجديد (مت 1 :22؛ 4 :4؛ 13 :35؛ 21 :4؛ 27 :9؛ أع 2 :25-30؛ رو 1 :2؛ 3 :21). ولفظة "الأنبياء" في عبارة "الشريعة والأنبياء" (مت 5 :17؛ 7 :12؛ 11 :13؛ 22 :40؛ لو 24 :27)، تدلّ على وحي العهد القديم أو الكتب التي تتضمّن هذا الوحي (لو 4 :17؛ أع 7 :42؛ 8 :28).
(أ) ربط يوحنا المعمدان تعليمه عن التوبة واعلانه لمجيء المسيح بأنبياء العهد القديم "ورأى فيه اليهود نبيًا". ووالده زكريا امتلأ من الروح القدس فتنبّأ (لو 1 :67)، فرأى في ابنه "نبيّ العليّ". وتُسمّى اليصابات  وسمعان الشيخ  وحنة  أنبياء، لأنهم استناروا بالروح القدس فرأوا في يسوع "مسيحَ الربّ"  ومحرّر أورشليم ، ورأوا في مريم أم المسيح.
 (ب) وطبّق يسوع على نفسه القول المأثور : "لا يقبل نبيّ في وطنه" (لو 4 :24). وحسبَ نفسَه بين الأنبياء الذين تقتلهم أورشليم  واعتبره الناس كنبيّ  رأوا فيه أحد الأنبياء القدماء : إيليا، ارميا (مت 16 :14). النبيّ القدير في القول والعمل، الذي يخلّص اسرائيل .
وفي أكثر من حالة، توافقَ التعرّفُ إلى يسوع كالنبيّ مع التعرّف إليه كمسيح وكابن الله وسمّى يوحنا  يسوع "النبيّ"، عائدًا إلى تث 18 :18. أخذ المسيحيون هذه اللفظة ليعارضوا بين هذا النبيّ والأنبياء الذين يتحدّث عنهم العالم اليهوديّ والهلنستي  .عرفت الجماعات المسيحية الأولى أنبياء ينيرون الجماعة  أو الإخوة  حول رسالتهم، حول مصيرهم. هؤلاء الوعّاظ الملهمون  يمتلكون سلطة كبيرة في قلب هذه الجماعات فيحرّضون الاخوة ويعزّونهم بكلامهم (أع 15:32؛ 1كور 14:3). وقد دعا بولس تلاميذه كي يميّزوا بين نبيّ ونبيّ بحسب الروح الذي يلهمه (1كور 12:10؛ 14:29؛ 1تس 5:21؛ رج يو 4:1). فبعض الأنبياء "الكذبة" (بسودو بروفيتيس) يتنبّأون باسم يسوع، ولكن يسوع لا يتعرّف إليهم (مت 7:22). وهم لا يرون في يسوع، ذاك المسيح الذي صار انسانًا (1يو 4:2-3). الأنبياء "الحقيقيون" يدلّون على صدقهم بتعليمهم (مت 7:15-20؛ 1يو 4:2-3) وبحياتهم(1)

ثانيا "النبوّة ":
 (انَّه لم تأتِ نبوّة بمشيئة إنسان ، بل تكلّم أُناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ) (2بطرس 1: 21 ) .
النبوَّة :هي التكلم بكلام الله ، عندما ينحرف الشعب يرسل الله الأنبياء للتوبة ورجوع الشعب اليه. النبوَّة هي ايضا ، دراسة وتحليل ألأحداث للنبي في عصره منطلقا من خبراته الشخصية في الحياة واستنادا الى كلمة ليقوم بانذار، الشعب ، السلطة والمجتمع من نتائج الخطيئة وألأبتعاد عن الله بدعوتهم الى الرجوع اليه .. في المسيحية  كلمة  نبأ مثل الماء(النابع) تحت الأرض(كانوا آبائنا يقولون عن العين نبوّه)  عادت النبوءة إلى الحياة في العهد الجديد، وتحدّث النصّ عن الأنبياء.(2)
عندما يدخل ألأنسان في سر الله فالله يعطيه كلمته  ليس في الماضي بل ألآن. ولا نبوّة ، إذا قرأناها بالعبراني توصلنا الى المسيح(اشعيا 7 "4 )" ها انّ الصبية ...) الصبية في العهد القديم صارت عذراء في العهد  الجديد (متى ) ، فالنبوة تتحدث الآن  .اشعيا قرأها في ايّامه ، ونحن نقرأئها في أيّامنا  ، فلايوجد شيئ يحصل في المستقبل ، فكُلُها حدثت في الماضي(حصلت الأحداث)  فكُتِبت تلك الأحداث ولكن ألأساس قيل في وقتها  .
إذن النبي يقرأ الماضي ويحلل أحداثه  . فعندما يقول متى  ( هذا تم بسبب النبي القائل ... ) اي هذا تم بمشروع الله الخلاصي . "ها العذراء تحبل ...) أي داخل مخطط الله مريم ستكون عذراء . فكُلِّ ما يجري هو داخل في مخطط الله . فالنبي ينطلق من الواقع ويضويِّ عليه من الهام الروح القدس .
 النبي (الحقيقي) هو حامل كلام الله. يحسّ بأمور الله. هو شاهد للإيمان والعهد. إنّ الله يكلّمه "بألف شكل" (حب 1: 1): أحلام، رؤى، إستنارة داخلية. وهو يوجّه كلامه إلى الشعب الذي يعيش في وسطه مرافقاً حاجاته. إنه يكشف مخطّط الله الحاضر في وسط أحداث الحاضر. هو يكتب "مقالاً" عن الله. يدعو شعبه لكي يعي مسؤولياته في التاريخ . فالشعب يستطيع أن يحوّل مسيرة التاريخ بقبوله أو رفضه لله ، ويذكّره الأنبياءُ بالإلتزامات التي أخذها في سيناء. هناك مواعيد الله في المستقبل، مواعيد بالمسيح المنتظر ويوم الله في النهاية. وهدف النبي الأخير هو دعوة إلى التوبة، إلى تبدّل يبدأ اليوم. فالزمن الأخير يبقى خفياً، وهناك ستار يحجب عن أعين البشر نهاية التاريخ  (3).
النبوّة هدفها ألأساسي هو توصيل كلمة الله للناس متضمنة :
التبصير ، التحذير ،التقويم ، التشجيع والعمل لأغراض روحية لخدمة الله .لايملكون ، ألأنبياء ، إلاّ القليل ، ولايتكلمون إلاّ برسائل صادقة ولايتكلمون إلاّ بما يريدهم الله أن يقولوه مهما كان غير محبوب ، والنبي ينقلنا الى الوحي ألألهي فهو مبلغ الوحي ألألهي ملهما من الروح القدس ، وهو من يعلن كلمة الله ومبادئه ووعوده  ويحثُّ القارئ على الثقة في الله أكثر ، وعلى ألأنتصار على الخطيئة ويعطينا النبي خطة الله للمستقبل ، فيشجِّعنا ويلهمنا لأّنَّ الله سيدخل التاريخ ليهزم الشر، والنبي يتلقى المعرفة من الله (العُلي ) وتنفتح  عيناه ليرى أمور الله   . العهد الجديد استخدم اكثر من اصطلاح : اوحى ، أعلن ، شرح  ، أظهر ، أو مجرد قال . فالرسل يعلنون هذا الوحي الذي كوّن ما يسمى الكلمة أو ألأنجيل أو الخبر السار      (4) .
يتحوّل النبي تدريجيا من مخبر عن الله  الى الرائي  الى التنبؤ بالمخلص الذي يقود شعبه عبر مسالك الخلاص (أي خطة الله وعمله المستقبلي )، لكي يخلص شعبه من منفاه ويعود به  الى  ارض صهيون بقدوم المسيح (كملك ارضي 
النبي هو ايضا من يعلن كلمة الله ومبادئه ووعوده ويحثًّ القارئ على الثقة في الله أكثر ، وعلى ألأنتصار على الخطيئة ، ويعطينا خطة الله للمستقبل ، فيشجعنا ويلهمنا ، لأنَّ الله سيدخل التاريخ ليهزم الشر . والنبي عندما يتلقى المعرفة من الله (العليّ) وتنفتح عيناه ليرى أمور الله ، يبشِّر الناس بالوعود ألألهية وهكذا أستخدم الله ألأنبياء في العهد القديم ليتنبئوا بقدوم الرب يسوع المسيح باكثر من 350 نبوّة .النبي الحقيقي يندد بالشر ويدعو الشعب الى المثل العليا والمبادئ ألألهية ويقدم ألأمل والرجاء بعد التحرير من الوقوع في الخطية . (5) (التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ).
مختصر الكلام نقول: إن النبي يرى المستقبل على ضوء ماضي العهد: خروج جديد، موسى جديد، داود جديد، ميثاق جديد. فالحاضر هو زمن الوصل الذي فيه يشارك الإنسان الله ليصنع التاريخ. والإيمان بمواعيد الماضي تجعله ينتظر بثقة تامة عمل الله في المستقبل.(6)
(بولس فغالي سفر الرؤيا  - اعلان وكشف) .
-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1)(المحيط الجامع)
 (2) (بولس فغالي برنامج الكلمة على قناة النور )
(3) ( بولس الفغالي سفر الرؤيا - اعلان وكشف ) .
(4) التفسير التطبيقي للكتاب المقدس )
(5)  (التفسير التطبيقي للكتاب المقدس (اكو14:1 ) (روما 1 : 3 )
(6) (بولس فغالي سفر الرؤيا  - اعلان وكشف)

25
الخلق والتطور ....حوار بين العلم والأيمان

الجزء الثالث

نافع البرواري

أولا: كيف نعيش الدعوى الى العلم والدعوى الى ألأيمان في نفس الوقت؟

اليوم هناك مسيحيّين وغير مسيحيّين الذين وعوا قيمة الثورة الروحية التي يتمخَّض بها عالم اليوم ، أوكتشفوا معا عالما جديدا لا تنسجم مبادئه والمعطيات التقليدية للمسيحية . وأمام هذا الأمر طرح البعض ألأسئلة التالية : هل يكتفي ألأنسان المعاصر بدينٍ يُعبِّرعنه بلغة وبعادات وبطقوس هي صورة عن ماضٍ مرَّ عليه الزمن؟ هل يكتفي ويقبل بدينٍ يحتقر أمور ألأرض ويعتبر أنَّ هذا العالم هو عالمٌ فاسد وما علينا إلاّ الصبر والخضوع أمام ما يقدّمه للبشرية من متناقضات
مستدندين الى المثل القائل" مُزارع متواضع خيرٌ من عالم متكبِّر، متناسين أنّ هناك عُلماء متواضعين ومزارعين متكبرين" في قلب الكنيسة نفسها؟ كيف بأمكاننا تبرير التطوّر العلمي بالنسبة الى معطيات ألأيمان ، والعكس بالعكس؟ كيف بأمكاننا تحقيق دعوة ألأنسان ودعوة المسيحي في عمل واحد؟ هل بالأمكان الجمع بين "هدف أعلى ديني – انساني " ، وهدف أعلى "ديني – مسيحي" اذا لم يكن ذلك في إطار التطّور العلمي الحقيقي؟.

إنَّ الذين حاولوا ويحاولون التوفيق بين معطيات ألأيمان ومعطيات العلم عاشوا حياة ملؤها العذاب وحتى العلماء المؤمنون ، الى حد أنَّ كثيرين نُبذوا، فعاشت الكنيسة حالة عزلة ٍ ثقافية ، بالأحرى على هامش المجتمع المعاصر ، وزاد الصراع بينها وبين العلماء والباحثين .
مشكلة الكثيرين من مسيحيّي عصرنا يهمُّهم أن يعيشوا أيمانهم بعمق وأن يساهموا ، في الوقت نفسه ، بتطوّر العالم . إنّها مشكلة وجودنا كمسيحيّين وكأناسٍ عاديين على حدّ سواء .
أمام هذه الطروحات ، فما هي العلاقة القائمة بين المسيحية من جهة ، والحضارة ألأنسانية بعلومها الوضعيّة والسياسية وألأقتصادية والفنيّة من جهة ثانية ؟ . هل على المسيحي أن يعتبر أنَّ الحضارة ألأنسانية لامعنى لها بالنسبة الى المؤمن؟ .وهل بأمكان المسيحي أن يتنكر لها، بكل بساطة ، أو بالأحرى عليه أن يساهم بتطوّرها بكلِّ قواه ، دون أن يخون دعوته السماوية ؟ وهذه الحضارة ، التي نعتبرها حضارة دنيويّة ، هل لها مكان في مسيرة تاريخ الخلاص ، أم ننفي عنها كُلِّ قيمة دينيّة؟ وهل العمل ألأنساني والجهد البشري ينتميان الى العالم الذي أحبَّه الله وأفتداهُ ، أم هما ضدَّ هذا العالم ويعرقلان مسيرتهُ ؟(1) .
إنَّ المسيحي ، في عصرنا ، يطلب جوابا واضحا على هذه ألأسئلة . والكلام غير الواضح ، في هذا الموضوع ، لا يشفي غليله . فمن جهة إنَّ المسيحية تشيد بالعلم وبالتقنية وبالنشاط ألأقتصادي والسياسي ، ومن جهة ثانية تقف حذرة أمام الذين يغوصون في أعماق التطوُّر العلمي وتُنبِّههم من أن يكون عملهم ضدّ مسيرة الخلاص وتعليم ألأنجيل . لذلك يقول "تيار دي شاردن" ، انَّه لأصبح من الضروري طرح الموضوع بعمقه من وجهة النظر ألأنسانية ومن وجهة النظر المسيحية على حدٍّ سواء(2)
في الحقيقة ألأنسان يتوق الى المعرفة وأكتشاف ما هو مجهول ويريد ألأجابة على كل التسائلات لكشف سر الوجود(الواقعي) سواء كشف سر الكون وسر الحياة (الكائنات الحية) . فنحن جميعنا نؤمن أنّه في مكان ما حولنا ، وهذا الشيئ متاصل في أذهاننا ، تختبئ نارٌ خفية ، وإنَّ عقلنا ينزع مبدئيا الى التنقيب والغوص في قلب العالم وهذا الكون الشاسع ، للوصول الى المعنى الحقيقي للحياة (3).
السر ليس لغز ، فاللغز هو أمر غامض ومكتوم ، طريق مغلق ، يطرق ألأنسان على بابه ولايتلقى ايُّ رد . بينما السرُّ في المفهوم المسيحي ، فهو مختلف تماما ، هو حقيقة إيمانية يستطيع ألأنسان أن يفهمها على وجه افضل يوما بعد يوم ، دون أن يصل الى نهايتها . ليس السر ُّ حائطا أصطدم به ، بل هو محيط ، اتعمق فيه وأزداد تبحرا فيه . وكُلُّ يوم أكتشف أبعادا ديدة لهذه الحقيقة ، من دون أن اصل الى نهايتها (لأنَّ الله غير محدود) (4) .

إنَّ العلم هو وعي لما نكتشفه من معلومات جديدة في الخليقة . هو ، أي العلم ، نتاج عقل يريد إكتشاف ماهو موجود اصلا في الخليقة لأضافته الى سجلاّت إكتشافاتنا السابقة لتستفاد منها ألأجيال القادمة كمعلومات لخدمة الأنسانية . أي أنَّ المعلومات التي يتم الحصول عليها من خلال فروع العلم المختلفة، يمكن ان نوضِّحها بمثل بسيط :
الطفل الصغير يكتشف في كُلِّ لحظة ، في البيت والمدرسة، معلومات جديدة تنطبع في خلايا الدماغ ، لتصبح خزين للمعلومات يمكن الرجوع اليها . وكُلّما كبر الطفل ونضج زادت معرفته ومعلوماته وزاد وعيه واكتشافاته لهذا العالم الذي يحيط به . هكذا جيلا بعد جيل تتراكم المعلومات لتكون في خدمة ألأنسانية .وهكذا يمكن ان نشبّه التطور عبر التاريخ في جميع المعارف والعلوم الوضعية .
ولكن السؤال المطروح هو : هل ألأنسان يكتفي بأن يكتشف فقط المعلومات الموجودة فعلا في الخليقة ، أم له مهمة أُخرى واسمى واشمل من العلوم الطبيعية في الخليقة ؟. الجواب بكل بساطة هو نعم ، بالطبع له مهمات أخرى.
ألأنسان يختلف عن بقية المخلوقات في الوعي ، بالأحرى التفكُّر وطرح ألأسئلة الوجودية(الروحية ) ، مثلا: من الذي خلقني؟ ما هو هدف وجودي في هذه الحياة ؟ لماذا الموت؟
وهناك اسئلة حياتية ( الواقعية المادية) مثلا : كيف ظهر الكون والمجرات والنجوم وكيف تطورت الحياة على هذا الكوكب ؟
الفلاسفة اليونانيون ، وبعد تطور تدريجي للأفكار، كانوا يطرحون ألأسئلة العقلية ، أي أنَّهم إنطلقوا من العقل لأكتشاف المطلق ، فهم عرفوا أنَّ هناك مطلق أو خالق له قيَّم مُثلى من الجمال والخير والقداسة والعدالة ، وكانت ألأسئلة تُطرح ولكن دون ألأجوبة في أحيان كثيرة ، لأنَّهم إنطلقوا من أفكارهم من ألأسفل الى ألأعلى ، وهكذا العلم اليوم ، ينطلق من النضريات وبعدها يكتشف ما هو بنضره مجهول .
العالم اليوناني (الغربي بصورة عامة ) كان يفصل العقل عن الروح ، ولهذا كان إكتشافه لوجود الله يسير ببطئ . إنَّ فكرة أنَّ العلم هو الذي يوصلنا الى المطلق فكرة قديمة مصدرها الرئيسي هو الفكر اليوناني المستمد من الشرق ، وسُمّيت في المسيحية " بالغنوصية " (*)التي كانت تؤكد المعرفة الخاصة ، تعتمد على العلم والمعرفة ، وظهرت في التاريخ ولازالت تظهر حتى في يومنا هذا عند اشهر علماء اليوم أمثال "ستيفن هوكنج وريتشارد ...الخ الذين يؤمنون بالوصول الى عقل الله وكيف يفكر الله .
العقل قد يصل بالأنسان الى حب الخير للأنسانية ، ولكن هذا العقل قد يتمرد اذا لم يكن هناك من يؤهّل هذا العقل ، لأنَّ العقل قد يخرج عن سلوك الطريق الصحيح ، وهذا ما نلمسه عبر التاريخ ، فقد قادت العقول الكبيرة المجتمعات ألأنسانية ولكن النتيجة كانت في أغلبها كوارث ، لأنَّ العقل ينسب لنفسه الفهم وألأنانية . الأكتشافات العلمية ، احيانا كثيرة ، قد تقود البشرية الى استغلال هذه الأكتشافات لتدمير البيئة والمناخ وحتى في تهديد البشرية (كالتجارب النووية واستخدامها فعلا في تدمير مدينتي هوراشيما ونكازاكي في اليابان وقتل الملايين من البشر في حربين عالميتين خلال قرن واحد من الزمن ) .
انَ العلم عاجز عن الولوج الى عالم اللامنظور (الفوق الطبيعي) ، إنَّه بحاجة الى التكامل مع قوَّة الروح المعرفية وقدرتها للغوص في سر الله ، ليستطيع ألأنسان معرفة الله وليس أدراكه . العلم يفتش عن حقائق في الكون وهو يحاول أكتشافها ، ولكن لا يستطيع أن ينطق أو يتكلم عن الحقيقة المطلقة ، ولهذا السبب لايستطيع العلم التفاعل معها . للعلم إخلاقيات عائدة له وهو الذي يحددها ، أمّا القيم هي نتجت من المنظور المسيحية للكون وأدخلت هذه القيم في منهج العلوم مثلا القيم التي نتلمسها في الطب ، في الفيزياء ، في الكيمياء .
فالطبيب أو الفيزيائي أو الكيمياوي لايستطيع ألأعتماد على العلم فقط لخدمة ألأنسانية بل قد تحدث كوارث لولا الضميرالذي هو قبس الخالق زرعه في اعماق ألأنسان ، لأنَّ ألأنسان هو صورة الله على ألأرض . ولهذه ألأسباب لايمكن أن تحل ألأخلاقيات العلمية محل إخلاقيات القيم الدينية . فاخلاقيات الصحة مثلا ، لايمكن أن تحلُّ محل ألأخلاقيات التي تدعو الى محبة ألأنسان لأخيه ألأنسان بكل ما لهذه الكلمة من المعاني ألأشمل ، لأنَّ ألأخلاقيات التي تدعو الى المحبّة فهي لا تعرف ألأنانية وحب الذات . العلم دون ألأيمان كالطير الذي يريد الطيران بجناح واحد ، والأيمان دون العقل والعلم ايضا لايصل بألأنسان الى الحقائق ألألهية . لأنَّ ألأيمان بجهل قد يولِّد اصولية ، وهذه الأصولية قد تلجأ الى العنف في أحيان كثيرة .

هكذا العلم فهو يوازي الأيمان في بحثه عن سر حقائق الكون والوجود والخليقة ، ولكن ، مع احترامنا لبعض العلماء (الغير المؤمنين بالخالق ) والباحثين عن هذه الحقائق ، سوف لن يصلوا ، بمعرفتهم العقلية ، الى حقيقة ألأشياء التي يكتشفوها بالتحليل والتفكيك أو باكتشافات فلكية لنشوء الكون ، لأنّهم هم ايضا مخلوقين . فكما يقول الكتاب المقدس (ايسال الطين لجابله لماذا تصنعني؟) .
فالمعرفة هو العلم بوجود الشيئ مع الوضوح والتحقق ، كمعرفتنا أنَّ الشمس هي مصدر النور والحرارة ، وأمّا ألأدراك ، فهو فهم الشيئ فهما تاما بكماله . ولذلك يُقال أننا نعرف الله ، ولا يقال أننا ندركه . ولهذا يحق لنا أن نؤمن بوجود شيئ ولو لا ندرك علة وجوده أو كيفيته( حتى في العلم ) ، وهذا لا يحط من شان ألأنسان العاقل ، لأنَّه لا يُطلب منه التسليم بصدق ما لا يعرف معناه (5).
فنحنُ (كمؤمنين) لانتكلم عن فراغ ولا بضلال ، ولا بالكلام وحده ، بل بقوة الله ، والروح القدس ، واليقين التام ( تسالونيكي1 : 4- 5 )

ثانيا : اللاهوت المعاصر والعلم بمفهوم العالم "تيار دي شاردن" (**):

كعالم مؤمن ، قد أمضى حياته يتأمَّل بمعطيات ألأيمان وبمعناها . فاللاهوت ، في نظر "تيار دي شاردن " ، رغم كونه يتناول مواضيع ما ورائية ، يبقى عِلما ً انسانيا ومحاولة انسانية لفهم الوحي ألإلهي وللتعبير عنه بشكل مقنع عقلياً ، من هنا فإنَّ الفكر اللاهوتي عليه أن يتجدَّد كما يتجدَّد ألأنسان في كُلِّ مراحل حياته اليوميّة وفي كُلِّ عصر .

ويستند هذا العالم على مسلمات ثلاثة وهي(6):
المسلَّمة ألأولى : هي أن الوحي قد أعلن في مرحلة تاريخية كان الكون فيها يعتبر كعالم مغلق وغير متغيّر (حيث الشمس تشرق ثم تغرب وهكذا يتكرر الليل والنهار كاننا في دائرة مغلقة بحسب مفهوم العالم اليهودي واليوناني القديم ) . لذلك عُبِّر عن هذا الوحي بمفاهيم كانت تتوافق ورؤيا العالم آنذاك . كذلك فإنَّ آباء الكنيسة واللاهوتيّين المدرسين قد أكدوا على تلك المفاهيم لأنَّ العالم لم يكن يومها قد كشف عن معطيات جديدة . واللاهوت التقليدي قد تاثّر بهذه المفاهيم طوال أجيال . كذلك فانَّ آباء الكنيسة ولاهوتيّي القرون الوسطى قد تعمّقوا بمفاهيم المسيحية من خلال الوضع الثقافي الذي كان سائدا في أيّامهم .
ويذهب تيار دي شاردن الى ضرورة الغاء كُلِّ ما يذكِّر بمفهوم العالم القديم في صياغة جديدة لمفهوم ألأيمان بعبارات تناسب هذا المفهوم بالذات . وكُلِّ ألأقتراحات التي عرضها حول مفهوم الخلق والخطيئة ألأصلية والفداء وعودة المسيح المنتصر على الموت تلفت نظريا وتكون مادة جديدة لبناء صرح لاهوتي يتناسب وألأكتشافات العلمية والرؤيا الجديدة للعالم .

المسلمة الثانية : هي العلاقة بين الله والعالم ، ففي دراسته عن " المسيح الكونيّ " يقول "تيار دي شاردن" : " لقد آن ألأوان ، ولوقليلا ، في عصر يحاول فيه الفكر البشري أن يعترف بوحدة الكون بذاته ، وبالعلاقة التي تربط هذه الوحدة الكونية بالله". كما يؤكد أيضا على أنَّ جميع فروع العلم المقدس تدعونا للصلاة وللتأمُّل لنرى اين يتلاقى الله والكون. وأنطلاقا من مفهوم الخلق بالذات فأنَّ هذا التلاقي لم يتم الاّ في شخص المسيح نفسه . المسيح هو الذي كشف لنا عن هذه العلاقة المميِّزة بين الله والعالم . لذلك على اللاهوتي أن يحلل ويؤكد اليوم على العلاقة الموجودة
بين المسيح والكون ، كما كان اللاهوت في الماضي يحلّل ويثبت العلاقة بين المسيح والثالوث ألأقدس . فقد آنَ ألأوان ، يقول "تيار" ، للتعمق بدراسة هذه العلاقة بين المسيح والعالم ، انطلاقا من تحديد المسيح في اطار الرؤيا الجديدة للعالم لأنَّه كان يسعى الى عرض مسيحانية تكون بحجم الزمان والمكان ...أعني أن يكون للمسيح الدور العضوي بالمعنى الحصري للكلمة ، بحيث انّه يحرك ويدفع ويكلّل التطوّر .
والقديس بولس الرسول نفسه قد أكَّد ، في رسالته من سجنه ، على أنَّ التجسُّد والفداء لهما البعد الكوني المطلق . كذلك اللاهوت الكاثوليكي نرى تأكيدا على أنَّ العالم هو مرتبط بالمسيح وموحِّد به . وبهذا المعنى يقول " تيار " ايضا :
"إنَّني لا أفعل سوى نقل التعابير القانونيّة التي وضعتها الكنيسة عن ألأيمان بتعابيرعلمية واقعية"

المسلمة الثالثة التي يفرضها "تيار دي شاردن"على اللاهوت فهي التفكير والتأمُّل بالقيم الدينيّة للعمل ألأنساني وللجهد البشري ، وخصوصا التفكير بقيمة البحث العلمي والتقني .
انَّ عمل ألأنسان في بحثه العلمي والتقني لايكون رسالة مقدسة الاّ اذا ساهم في تحقيق التطور وايصاله الى غايته ألأخيرة . فالعمل والعلم والتقنية هم بالضرورة ما يجعل ألأنسان يتقدّم ويترقى في اتجاه الوحدة من خلال روحانية تتكامل يوما بعد يوم . أمّا على صعيد المسيح فأنَّ التطور لايصل الى كماله الاّ اذا كان هدفه الوصول الى المسيح ألأوميغا الذي يكلِّلُه ويجعله منفتحا على الكون بأجمعه ،والعمل والعلم والتقنية وحدهم يحققون ملكوت الله .وهكذا يفهم المسيحي ان عمله هو الذي يقدّسه أكثر ويجعله يتجاوب مع دعوة المسيح الى خدمة البشرية والعالم .
فمهما تكن التطورات العلمية مسيطرة على المادة وعلى فن تحويل القوى الحيويّة ، فما علينا أن نخشى بان هذا التقدم سيحملنا دائما ، وبشكل منطقي ، الى أن ندع جانبا نوابض الجهد ألأخلاقي والديني . لكن علينا أن نتأكّد أن ذلك التطور سيكون لتقوية تلك النوابض ودعمها .


الخلاصة.
اليوم أليس من حق المؤمن المسيحي أن يتسائل
بماذا يتميّز المسيحي (بالولادة) عن غير المسيحي ، عندما نرى حولنا ألكثيرون من آباء الكنيسة والمؤمنين ، لا يبذلون جهدا في ايصال البشارة الى ألأنسانية بطريقة معاصرة تتوالم مع التقدم العلمي في جميع مجالاته وخاصة بعد أكتشاف الكون الواسع؟
اليس من حق المؤمن المسيحي أن يتسائل عن ماهو ألأختلاف بين رعاة تلك الكنائس الذين يركّزون على التقليد والطقوس والفرائض كأنّها واجبات . في حين هناك من المتالمين والجياع والمضطهدين ، يحتاجون الى خدمات أنسانية وعلماء يخترعون لهم الدواء وتكنولوجية متطورة زراعيا تقدم لهم الغذاء واختراعات طبية لمعالجة امراضهم ، وعلماء الفيزياء والكيمياء والفلك يقدمون لهم الكثير من الخدمات كالأتصالات والأدوية ....الخ وكلِّ من يخدم الأنسانية ويسعى الى سعادتها ؟.
لا يمكن للمسيحي أن يكون منعزلا عن هذا العالم مهما كانت الأسباب ، لأن المسيح تجسّد لخلاص العالم كله ، فعلى كل مسيحي أن يعرف فكرة التجسد ، بذهن منفتح في كل زمان ومكان ، وكذلك الأنخراط في البحوث العلمية والتقنية والمساهمة في كل مجالات العلم ، ليستطيع أن يقدم إيمانه للأخرين بطريقة علمية معاصرة .

يقول العالم " تيار" : فأنتم الذين تتبجّحون بانكم تستطيعون أن تعيشوا بالنور وحسب ، إنّما تقتاتون ، دون أن تشعروا ، من النُسغِ الغليظ الذي يقطِّره آخرون بتواضع في اعماق المادة . إنَّ جسد المسيح يقتات من الكون كُله (7).
انَّ العلم والأيمان ليسا نقيضين الواحد ضد ألآخر وكذلك ليسا منفصلين الواحد عن ألآخر وليسا منصهرين الواحد في ألآخر ، بل هما اتِّجاهان اساسيان في الحياة ألأنسانية يخدمان بهدفهما المشترك ألأنسان ومسيرته الحياتية ، سواء الحياة الروحية(الميتافيزيقية ) أو الجسدية (المادية) ، فلكل منهما هدفا واحدا هو البحث عن الحقيقة . ..فالأنسان العالم يجب أن يبحث ويكتشف ويجتاز الصعوبات ، ولا بُدَّ في النتيجة أن ينتصر روحُ ألأكتشاف .
فليمُت رجُل العِلم على صليب عمله ، كما ماتَ يسوع المسيح على الصليب(8) .

--------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1) كتاب الجو الآلهي ص 16 للأب "تيار دي شاردن"
(2) كتاب العلم والمسيح للأب "تيار دي شاردن"
(3) نفس المصدر السابق ص 39
(4) ألأب بولس الفغالي في سلسلة الكلمة على قناه النور الفضائية

(5). الأب "بولس فغالي" نفس المصدر السابق

(6) العلم والمسيح للأب " تيار دي شاردن "ص 13-16

(7) العلم والمسيح للأب " تيار دي شاردن
(8) نفس المصدر اعلاه
(*) الغنوصية

والغنوصيين " أي العارفين بالأسرار", اصحاب هذه البدعة هم الذين يعتمدون على العقل والأسرار الباطنية والأرواح السفلى والذين أدعو أنَّ الخلاص يأتي عن طريق المعرفة التأملية وعن طريق الحدس الخاص بألأصغاء, وممارسة السحر وليس عن طريق ألأيمان بيسوع المسيح والوحي ألألهي.فدعاة الغنوصية نادوا باستخدام العقل للتمييز بينهم وبين أصحاب المعارف ألأخرى ، وبنوع خاص المعرفة الدينية المستندة الى الوحي ، معتبرين أنَّ ألأيمان ألأعمى بالتعاليم السماوية لاقيمة له، وخصوصا ألأيمان بتعاليم المسيح في ألأنجيل . فالعقل هو المرجع ، وكُلِّ تعليم يجب أن يخضع لحكم هذا العقل ، والاّ فلا أدراك لجوهرالحقائق التي أتى بها المسيح وألأنبياء من قبله ......آباء الكنيسة أعتبروا الغنوصية بدعة دخيلة على الكنيسة من العالم الوثني الذي أراد أن يضرب المسيحية في مهدها(راجع رسالتي الرسول بولس الى الكورنثيين والكولوسيين) . فالتفسير العقلي لمعطيات ألأيمان لم ترفضه الكنيسة طوال تاريخها ، شرط أن يكون متوافقا مع معطيات ألوحي ألألهي . لكن آباء الكنيسة وعوا ، منذ البداية أخطار الغنوصية الملحدة التي تمتزج أفكارها بالمعتقدات الوثنية، خصوصا تلك المستمدة من الفلسفة الأغريقية ، وحذَّروا منها ، وحاربوها في جميع
مؤلفاتهم الدفاعية عن العقيدة ألأنجيلية الحقيقية
http://mangish.com/forum.php?action=view&id=3140


(**) اللاهوت المعاصر والعلم
عملية اللاهوت المعاصر هي حركة من اللاهوتيين الذين يعلمون أن الله هو ثنائي القطب ، أو لديه طبيعتين ، والتي تشارك عضويا انه في عملية لا نهاية لها في العالم. الله لديه الطبيعة "البدائية" أو متعال ، كماله الخالدة الطابع ، وكان له طبيعة "يترتب على ذلك" أو جوهري الذي هو جزء من العملية نفسها الكونية. هذه العملية هو "تاريخي" ، أي ليس وفقا لاقتراح من الذرات او changeless المواد ولكن من خلال أحداث أو وحدات من التجربة الإبداعية التي تؤثر في بعضها البعض في تسلسل الزمني
طريقة اللاهوت العملية أكثر من انجيل فلسفيا أو مذهبيا تستند ، على الرغم من العديد من أنصارها استخدام عملية الفكر المعاصر بوصفها وسيلة للتعبير عن التعاليم المسيحية التقليدية أو تسعى لربط موضوعات الكتاب المقدس للمفاهيم العملية. أيضا الأسلوب يؤكد على أهمية العلوم في صياغة لاهوتية. وهكذا تقف بوجه عملية اللاهوت في تقليد اللاهوت الطبيعي ، وعلى وجه الخصوص يرتبط مع تقاليد اللاهوت التجريبية في أمريكا (Shailer ماثيوس العاصمة ماكنتوش ، هنري نيلسون ويمان) الذي دافع عن استقرائي ، والنهج العلمي في اللاهوت التحرري. أيضا عملية اللاهوت الفلسفي لديه بعض القرابه مع التفكير التطوري للبرغسون H. ، S. الكسندر ، C. ويد مورغان ، وP. تلار دي شاردان. ولكن معناه الحقيقي هو منبع الفلسفة Whiteheadian.
راجع الموقع التالي

http://mb-soft.com/believe/tan/process.htm

26
الخلق والتطور...حوار بين العلم وألإيمان

الجزء الثاني



أولا : موجز للعلاقة بين الأيمان والعلم والخلفيات التاريخية للمشكلة المطروحة بينهما.

خلال العصور الوسطى شكلت ألأديرة مراكز حضارية لحفظ الفكر والعلوم القديمة وبنت الكنيسة الجامعات ألأولى في العالم الغربي . أخذت معظم البحوث العلمية مكانة في الجامعات المسيحية وعمل بها ايضا أعضاء من الجماعات الدينية .
عمل كذلك العديد من الرهبان ورجال الدين المسيحيين في المجال العلمي وشغلوا في مناصب عالية كاساتذة في الجامعات الغربية ، وكان بعضهم مسسيحيين وآباء لفروع علمية ، لعلَّ ابرزهم "غريغور مندل " ابو علم الوراثة ، و"جورج لومتر "، الذي كان أول من اقترح نظرية ألأنفجار العظيم ، وبداية نشوء الكون ، ونيكولاس كوبرنيكوس الذي يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس ، واسحاق نيوتن فيزيائي وفيلسوف وعالم في اللاهوت وواحدا من اعظم الرجال تاثيرا في تاريخ البشرية ، فهو الذي وضع قوانين الميكانيك والجاذبية .

ولا تزال الكنيسة الكاثوليكية حتى اليوم تساهم في تطوير العلوم ، عن طريق ألأكاديمية البابوية للعلوم والتي تاسّست سنة 1936 م بطلب من البابا بيوس الحادي عشر لتعزيز تقدم العلوم خصوصا الرياضيات الفيزيائية والرياضيات الطبيعية ودراسة المشاكل المعرفية ذات الصلة . وقد خرجت اسماء هامة في علم الفيزياء في القرن العشرين أمثال الحاصلين على جائزة نوبل في الفيزياء ستيفن هوكينج وتشارلز هارد تاون ...وتمتلك الكنيسة الكاثوليكية 1046 جامعة حول العالم ، وهي من خيرة الجامعات في العالم بكل الفروع العلمية والعلوم ألأنسانية . والعلماء المسيحيين كذلك اثّروا بشكل كبير في ألأختراعات وكافة الحقول العلمية .

ثانيا : الصراع بين العلم والأيمان


في القرون الوسطى لم يكن الصراع بين العلم وألأيمان مشكلة مطروحة على بساط البحث
لأنَّ العلم كان خاضعا للدين ، لا بل كانا يشكّلان وحدة متكاملة . مع اطلالة عصر النهضة إبتدأ الخلاف يدبُّ بين المسيحية والعلوم ألأنسانية ، لا سيّما العلوم الوضعية منها . استقلَّت العلوم الوضعية بالنسبة الى العلوم اللاهوتيَّة، فلم تعد تكترث للأفكار العلمية التي كانت تطرح في ذلك الوقت . وهكذا انفصل ألأثنان عن بعضهما دون أيِّ خلافٍ في البداية ، وراح كلّ علم يُحدِّد منهجيّته دون التأثُّر بالآخر ، وأصبحت ألأستقلالية كاملة لكلِّ من هذه العلوم . ولكن مع الزمن ، أخذت العلوم الوضعية إتِّجاها معاكسا لمعطيات الدين نفسهُ ، فتمَّ الطلاق النهائي بينهما ، خصوصا منذُ القرن الثامن عشر ، وولدت اسطورة التناقض بين العلم والدين . وهكذا أصبحت الحضارة ألأوربية حضارة التطلعات ألأرضية وحسب ، والتطوّر ألأنساني أصبح هدفها الوحيد الذي شغل عقولا كبيرة من المفكّرين والمؤلفين . عبر التاريخ إنفصل مفهوم العِلم تدريجيا عن مفهوم الفلسفة واللاهوت ، التي تعتمد اساسا على التفكير والتامل والتدبير في الكون والوجود عن طريق العقل (فلسفيا) والوحي ألألهي (لاهوتيا) اي ألدين .
شكلت العلاقة بين العلم والمسيحية موضوعا شائكا في تاريخ العلوم ، اذ يرى عدد من المؤرخين والعلماء ، إنَّ المسيحية كان لها دور سلبي وعائق في تطوير مسيرة العلوم ، ولعلّ قضيّة غاليليو(*) ، ابرز القضايا الجدلية في علاقة المسيحية مع العلم ، بينما يذهب عدد آخر من المؤرخين والعلماء الى كون المسيحية عامل ايجابي في تطوير العلوم ، عن طريق رعايتها لمختلف العلوم ، فقد كانت ايضا المسؤول الرئيسي عن نشوء بعضها كعلم الوراثة وكون غاليليو ، هي الشاذ وليست القاعدة في علاقة الكنيسة مع العلوم (1).

يقول دي شارديان(2)
"انَّ محاولات الدفاع عن العقيدة المسيحية لم تكن متّزنة تماما في ما يتعلّق بعلاقة الدين بالعلم ، فلقد أبدى المدافعون عن هذه العقيدة ، أحيانا ، معارضة لبعض ألأكتشافات التي لا يرقى اليها شك ، وأحيانا اخرى حاولوا أن يستنتجوا ، من المنجزات العلمية ، ألأستنتاجات الفلسفية أو اللاهوتية التي تعجز دراسة الظواهر الحسيّة عن اثباتها . وهكذا ظهر العلم ، أحيانا ، كقوّة شريرة ، مغوية أو كفاتن للشرِّ ، واحيانا اخرى مُدحَ كنورِ اليهي ، أو كجهد نبيل ، قًقدِّم للطموح المسيحي
ويضيف هذا العالم في مكان آخر فيقول :
"انَّ الثورات الكبرى التي حصلت عبر التاريخ ، على الصعيد العلمي ، كان لها التاثير المباشر على الفكر الديني للأنسانية ...وانَّ ألأنسانية المعاصرة ليست ملحدة كما يعتقد البعض ، بل هي تقدّس الكون وتسعى لتحقيق الرسالة العظمى من خلال توجيهه الى الخالق . انَّ في الألحاد المعاصر نفسه يوجد عامل ديني لا واعي بامكاننا تسميته ألأعتقاد بالوهية غير مكتملة ، وليس الحادا حقيقيّا ....اليوم نجد أمامنا تيّارا انسانيا جديدا يطرح علينا حالة جديدة ويتطلّب من أن نستعمل طرقا جديدة لنعيده الى ألأيمان ...فمن الوجهة النظرية ، كان بامكان هذا العالم أن يولد ويكبر مؤمنا . فلماذا تحرّر الى هذا الحد ، ولماذا حاول الولد أن يفتك بوالدته(يقصد الكنيسة) ويبتعد عنها ؟. ويذهب "تيار" الى سبب هذاالتنافس (بين المسيحية واالحداثة ) هو ألأكتشافات ألأساسية التي ظهر منها الفكر الحديث وتشبَّع بمعطياتها ، وهي :
أ – اكتشاف مساحة الكون الشاسعة التي طبعت نظرتنا العادية بالطابع الكوني
ب – اكتشاف المساحة الشاسعة والمتطوِّرة للزمن ، التي أدخلت ، بدورها ، في رؤيانا العادية فكرة التطوّر اللامحدود (المستقبلية ) ....فالكونية والمستقبلية يحدِّدان ديانة ، لأنَّ "الديني" يظهر تحديدا ، عندما ينظر الى العالم في جميع أبعاده وفي تحقيقه المستقبلي ، أعني "ألأيماني".
هذه الديانة الوليدة (وهنا بيت المقصد) لا تظهر، لأوَّل وهلة ، في توافق مع المسيحية ، وليس ذلك لأن هذه المسيحية ليست ، في جوهرها ،" كونية ومستقبلية" ، ولكن لأنَّ الكونية والمستقبلية لهما مفهوم مغاير . فالكونية والمستقبلية في مفهوم العالم المعاصر لهما الطابع الحلولي (***)، والطابع المثولي ، والطابع العضوي والطابع التطوري....، بينما المسيحية لها الطابع الشخصاني ، والطابع السامي ، والطابع القانوني ، والطابع النبوي .
من هنا الصراع في جوهره (بين المسيحية والحداثة) ،لأنَّنا نجد حولنا أنَّ هذا الصراع ليس بين مؤمنين وغير مؤمنين ، بل بين فئتين من المؤمنين ، لكُّلِّ فئة أهدافها ومبادئها ونظرتها الى أٌلإلهي . وأفضل هؤلاء (وهم ألأخطر بنظرنا) من الذين هم ضدَّ المسيحيين يقوم خطرهم على أنَّهم لايبتعدون عن المسيحية لأنَّها صعبة العيش ، بل لأنَّ هذه المسيحية لم تعد تروي غليلهم كما في الماضي . واذ كانوا يرفضون المسيح فلأنَّهم لا يرون فيه بعض الميّزات التي ينتظرونها . لذلك نرى أنَّ ديانة ألأرض هي في طريقها لتحقَّق في وجه ديانة السماء . وهنا تكمن المشكلة في جوهرها وفي خطرها ، ولكن ايضا في آمالها.
وسنشرح في المقالات القادمة ، انشاء الله ، كيفية التعامل مع هذه المشاكل المعاصرة ، بموجب افكار "تيار دي شاردن" وغيره من العلماء المسيحيين المؤمنين .

ثالثا: آراء حول علاقة الأيمان (الدين) بالعلم (3).
هناك ثلاثة آراء عن علاقة الأيمان بالعلم وهي :
ألرأي ألأول : هناك من ينادي بأنَّ الفكر العلمي خطأ ومرفوض ، وانَّ الفكر الديني القديم هو صواب ويجوز مناقشته .
فهذا الرأي يقول باستحالة التقريب أو اجراء المصالحة بين المقاربة الدينية والمقاربة العلمية واستحالة التوفيق بينهما ، وإنَّ التناقض القائم بينهما جوهري وأبدي .

واصحاب هذا الفكر ، يعيشون في قوقعة بعيدا عن الواقع . ففي نظرهم أنَّ الفكر الديني يحارب العلم . وتاكيدا لهذا الفكر الديني ألأصولي ، قال أحد قادة الدين :
"دعو العقل يتعقَّل بأن يخضع للفكر الديني أيٍّ كان " . بدون شك أنَّ من يتبنون هذا ألأتجاه يغيّبون العقل ويحقرون المنهج العلمي .

الرأيْ الثاني : هناك من ينادون أنَّ العلم الصحيح والدين الصحيح يلتقيان ، وهؤلاء يخلطون بين منهجين لاعلاقة للواحد منهما بالآخر
هؤلاء لا يرون في العلم والأيمان أيّ تناقض ، وهم يمارسون أعمالهم وتجاربهم وأبحاثهم العلمية في نفس الوقت لهم ايمان راسخ بالخالق . ، فاصحاب هذا الرأيي ينادون بأنّ الدين يساند العلم ، ومتى حدث خلاف فالتصالح بينهما ممكن . وهذا أيضا ليس صحيحا دائما .


الرأيْ الثالث وألأخير : هناك من ينادون بأنَّ الفكر العلمي مستقل كُلّيّة عن الفكر الديني ، فالفكر العلمي يرتبط بمنهج دراسي ، والفكر الديني يرتبط بالأيمان المباشر بالله وبعلاقة ألأنسان بربِّه وبالآخر ، هؤلاء يسمحون للعلم أن يتقدم ولا يخلطون بين العلم والدين ، وهذا الفريق يرى ، أنَّ للدين دورا في استخدام البشر للوسائل العلمية والتكنولوجية ، فلا يجوز ، استخدامها لألحاق الضرر بألأنسان ، بل لخدمة ألأنسان ، وتحقق سعادته ، ومن هؤلاء من يحاول أن يجد مفاهيم جديدة للفكر الديني في علاقته بألأنسان في عصر ألأستنارة العلمية . أصحاب هذا الرأيي يتقبلون النظريات العلمية في مجالات الكونيات والفيزياء الفلكية والبايلوجيا والكيمياء والطب ...الخ ويفهمون مضامينها ولايجدون فيها تناقضا مع الوحي ألألهي والأيمان الذي تلقوه . وكلِّ ما يحقِّقه العلم من اكتشافات و أنجازات ونتائج تقود حتما الى الأيمان .
فالنزعة التوافقية أو التطابقية بين العلم والأيمان ، لدى هؤلاء وأيمانهم بأنّ انجازات العلم ونتائجه ، يسيران بخط متوازي مع ألأيمان ، للبحث عن الحقيقة .

ومن الذين يقفون مع الرايْ الثالث هو العالم "تيار" (4) الذي يقول:
"مهما تكن التطورات العلمية مسيطرة على المادة وعلى تحويل القوى الحيويّة ، فما علينا أن نخشى بان هذا التقدم سيحملنا دائما ، وبشكل منطقي ، الى أن ندع جانبا نوابض الجهد ألأخلاقي والديني . لكن علينا أن نتأكَّد أنَّ ذلك التطوُّر سيكون لتقوية تلك النوابض ودعمها ".
وسنشرح في المقالات القادمة ، انشاء الله ، كيفية التعامل مع هذه المشاكل المعاصرة ، بموجب افكار "تيار دي شاردن" وغيره من العلماء المسيحيين المؤمنين .

نافع البرواري
• ** ألأصولية أو (ألمبدايّة) في المسيحية :: (راجع كتاب
• الخلق والتطور ....العلم والأيمان )
هو الموقف الذي يولي النصوص الكتابية معناها الحرفي ، مع رفض نقل المعاني التي يُسِّلم بها آخرون ، عندما يرجعون الى التغييرات الثقافية التي حصلت بعد كتابة النصوص المقدسة . ليس البتة رفض للمعنى العميق للنصوص الكتابية ، ولكن هذه النصوص قد تسلمناها شكلا ومضمونا كحقيقة كاملة قادمة من الله بدون تكلف. انّ هذا الموقف ، والحق يقال ، لايعيشه المبدئي بكامله ابدا . فهناك في الكتاب المقدس نصوص تعرف أنَّ مؤدياتها ليست مثالية وانما هي قصصية . كما يمكننا ان نلاحظ أنَّ النصوص الكتابية في وقت قد فسّرها أهل الدين والأيمان الذين استخدموها.
مهما يكن من امر فان الموقف المبدئي نسبيا قد ساد طويلا في قراءة الكتاب المقدس مواليا العديد من المفردات معناها الحرفي بدون أن يستبعد بالطبع مضمونها النابع من الوحي . ومن مزايا هذا الموقف ان يحتفظ بامانة بشكل الرسالة في زمان كان ألأستظهار أو بعده الأستنساخ قد يفتح الباب للتحريف .
ولكن مع تطور البيئة الثقافية للبشرية باكتساب المعارف ألأدق عن الكون والأرض وعالم ألأحياء ، اصطدم الموقف ألأصولي بمفارقات عنيفة . وخير مثال على ذلك قضية غاليليو :كانت الناس ترفض دوران الأرض حول الشمس لأنّ الكتاب المقدس كان مكتوبا في سياق ثقافي يعتقد أنَّ الشمس تدور حول الأرض ، ولم تكن ألأرض وإنّما الشمس التي أوقفها يشوع بن نون لكي يحرز النصر الكامل في المعركة .
عندما تطوَّرت علوم التفسير الكتابية أخذت على عاتقها أن تبيّن أنَّ المفردات الكتابية كانت صدى عصر وحضارة لكي توصل رسالة وحي ابدي ولكن بدون ان تعتبر اسلوب الكلام المستخدم اسلوبا ابديا . ...انَّ ألأكتشافات العلمية المعاصرة تشكك أحيانا تشكيكا
جذريا بالأفكار الثقافية للعصور الكتابية .... في الحقيقة أنَّ ألأيمان هو اثمن ما يمتلكه ألأنسان ولكنه من الضروري القبول بالتفسير السليم وبمعطيات العلم التي لا يشوبها شك (لأنها معلومات مستلمة من الخالق ) بغية ادراك الرسالة الجوهرية للوحي ادراكا افضل وتلقيها بايمان نقي وتبشيري . انَّ المخرج الوحيد من مثل هذه المآزق يكمن دائما في البحث عن طلبات الله الصارمة بعيدا عن شكل الرسالة المستلمة .(راجع الخلق والتطور)
الفكر اللاهوتي عليه ان يتجدد كما يتجدد ألأنسان في كُلِّ مراحل حياته اليومية وفي كلِّ عصر . فاللاهوت عليه أن يجعل حقيقة ألأيمان مدركة من انسان اليوم ويحرّره من كل المفاهيم التي تخطّاها الزمن نهائيا . لذلك علينا أن نوجّه انتباهنا الخاص الى مشكلة العلاقة بين الله والعالم كما يحدّد العلم المعاصر هذا العالم .
* غاليليو غاليلي
كان فيلسوف وفيزيائى وعالم رياضيات وعالم فلكى إيطالي ولعب دور في الثورة العلمية .
من انجازاته تحسينات على التلسكوب والملاحظات الفلكية المستمرة وتأييده للكوبرنيكوسيه . جاليليو لقب أبو الفيزياء الحديثة وابو العلوم الحديثة. ستيفن هوكينج قال عنه: "جاليليو، يمكن أكثر من شخص آخر، كان المسؤول عن ميلاد العلم الحديث." نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولا بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة. حاولت الكنيسة من خلالها فرض رقابة على الحركة العلمية، مما أدى إلى إدانة جاليليو جاليلي سنة 1633، الذي دافع عن نظرية مركزية الشمس، قائلاً أنها لا تعارض ما ورد في النصوص الدينية
الحلولية او الواخدية

(***)الحلولية الكمونية الواحدية» : هي مذهب الحلول أو الكمون القائل بأن كل ما في الكون (الإله والإنسان والطبيعة) مُكوَّن من جوهر واحد، مكتف بذاته يحتوي على مركزه وركيزته الأساسية (مطلقة) داخله. ومن ثم فإن العالم متماسك بشكل عضوي لا تتخلله أية ثغرات ولا يعرف الانقطاع أو الثنائيات، خاضع لقوانين واحدة كامنة فيه لا تُفرِّق بين الإنسان وغيره من الكائنات (وهذه كلها صفات الطبيعة/المادة). ومن ثم ينكر هذا المذهب وجود الحيز الإنساني المستقل كما ينكر إمكانية التجـاوز. وفي إطـار الحلوليـة الكمونيـة يمكن رد كل الظواهر، مهما بلغ تنوعها وعدم تجانسها، إلى مبدأ واحد كامن في العالم. ومن ثم تتم تسوية الإنسان بالكائنات الطبيعية وتُلغَى كل الثنائيات وتسود وحدة الوجود التي تتسم بالواحدية الصارمة التي تنزع القداسة عن كل الأشياء وتصبح كل الأمور نسبية.
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
راجع الموقع

http://www.facebook.com/note.php?not...89601&comments

المصادر
(1).( راجع ويكيبيديا المسيحية والعلم )
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%...B9%D9%84%D9%85
(2). العلم والمسيح للأب تيار دي شاردن ص ، 185-188 ، 37
(3) علاقة العلم بالدين لنخبة من المؤمنين قانة سات 7
راجع ايضا الموقع التالي
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=289529

(4) العلم والمسي المصدر رقم 2 أعلاه ص 53

27
بعض المقترحات التي يمكن ان نقدمها للباطريركية الكلدانية  .

نافع البرواري‏

الأصالة – الوحدة- التجديد ، هذا الثالوث هو شعار غبطة الباطريرك  لويس ساكو.
في الحقيقة يجب ان يكون هذا الشعار  دستور لنا واطارا عاما وخطوط عريضة لخطة عمل تحتاج  الى جهود كُلِّ الخيرين من أعضاء الكنيسة ، سواء كانوا داخل ألأكليروس او من خارج ألأكليروس من العلمانيين المؤمنين .
واحب أن اضيف بعض المقترحات التي تساعد على تحقيق هذا الطموح .
1 – تأسيس لجان من الأكليريوس والعلمانيين المؤمنين  لمتابعة هذه الخطة .
2-  وضع برنامج عمل لتحقيق هذه الشعارات يتم تنفيذها عبر التعاون مع مكونات شعبنا المسيحي (الكلداني ألاشوري السرياني) .
3- وضع خطة مبرمجة لتحقيق وحدة الكنيسة المشرقية بالتعاون مع جميع الكنائس المشرقية وتكون القرارات شفافة ليتطلع عليها جميع المؤمنين .
4- تاسيس منظمة إعلامية  تعبر عن جميع اطياف شعبنا المسيحي المؤمن يكون دورها وعي شعبنا المسيحي ايمانيا وثقافيا وايصال صوتهم الى العالم ،
و فتح مكتبات في كل كنيسة لبيع او استعارة الكتب الروحية لتنوير الشباب وتثقيفهم  روحيا ، ونقترح بان تكون لنا قناة فضائية تعبر عن ايماننا ومعانات مسيحيي المشرق .

5- تاسيس معاهد لاهوتية وفلسفية في مناطق تواجد شعبنا المسيحي بكافة أطيافه ، وكذلك بناء مدارس للتعليم المسيحي وتعليم لغة الأم لجميع المراحل  الدراسية  .
6- تشكيل لجنة خاصة تهتم بشؤون المهاجرين والمغتربين في العالم ، للأبقاء على التواصل والمحافظة على الجذور التاريخية لشعبنا ألأصيل .
7-  وضع برنامج اصلاحي لكافة مؤسسات الكنيسة ، الراعوية  و المالية  والثقافية  والحاجة الى توحيد الطقوس الليتورجيا لتكون موحدة في كُلِّ الكنائس سواء في الداخل أو في المهجر
8- وضع برنامج عمل لتطبيق مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني والأرشاد الرسولي .
9- اعطاء دور كبير للجان الخورنة في كافة الكنائس لتكون الكنيسة مؤسسة على تعاليم المسيح في كون كل مؤمن هو عضو فعال في جسد المسيح ، وتطبيق مقررات مجمع الفاتيكاني الثاني
بخصوص العلمانيين المؤمنين .
10- وضع خطة مبرمجة للعودة الى اصالة تاريخ الكنيسة المشرقية وما تحمله من الكنوز ألأيمانية واللاهوتية  ليكون ذخرا لأنطلاق الكنيسة المشرقية في المستقبل ، وألأهتمام بالتراث الديني لهذه الكنيسة العريقة ، بفتح معهد خاص لتعليم الموسيقى والألحان والتراتيل  الكنسية التراثية ، لأحياء والحفاظ على هذا  التراث العظيم من الضياع والنسيان ، ويكون منطلقا للتجديد والتطوير للألحان والموسيقى والتراتيل الكنسية ، اسوة بكنائس شرقية كثيرة سبقتنا في هذا المظمار.

11- ايصال أنين شعبنا المسيحي الى جميع كنائس العالم وخاصة  رأس الكنيسة الرسولية في الفاتيكان ، واعطاء الصورة الحقيقية لمعاناة شعبنا المسيحي بجميع طوائفه ومكوناته ، وتحميل ألأمم المتحدة مسؤولية ما يجري
من خطط مبرمجة للقضاء على هويّة هذا الشعب الأصيل ، ومحاولات طمس حضارته .
12- الحاجة الى تنظيم لقاءات دورية بين مختلف اطياف شعبنا المسيحي للحوار والوصول الى قاسم مشترك بين الجميع ويفضّل اقامة مؤتمرات سنوية تظم كل النخب لجميع كنائسنا المشرقية
وتكون الدعوة لجميع من ترشِّحهم كنائسهم سواء كانوا من الأكليروس او المؤمنين .

28
الخلق والتطور ....حوار بين العلم وألأيمان

الجزء الرابع

نشوء الكون ...حوار بين العلماء الملحدين والعلماء المؤمنين

نافع البرواري

مقدمة :
في يوم ما، انفصل العلم عن الدين، عندما كان رجال الدين يعتبرون أنفسهم أصحاب الحقيقة الكاملة، ولديهم الإجابة على كل سؤال. فاعترض العلماء على هذا الموقف المتكبر. وبانتشار العلم ودخول تطبيقاته في عالمنا اليومي، فقد رجال الدين سلطتهم ، وتبدلت المواقع، واليوم يكرر العلماء الخطأ نفسه بافتراضهم أنهم يمتلكون كل الإجابات وأن الدين لا معنى له.
يحتاج الإيمان والمعرفة بعضهما لبعض، هذا ما يراه هانز شفارتز أستاذ علم اللاهوت الذي يقول: "يجب على العلماء أن يعترفوا بأنهم أحياناً ما يستخدمون الإيمان ليتمكنوا من فهم العلاقات العميقة بين مظاهر الطبيعة التي يلاحظونها " ويرى هانز شفارتز أن العلماء لا يمتلكون الحقائق والإجابات كما يؤكدون، ويجد في التساؤلات التي يواجهها العلماء يومياً أكبر دليل على هذا الأمر، وخاصة العلماء الذين يبحثون في أصل الحياة، فكلما توصلوا لاستنتاج ناقضه اكتشاف جديد في اليوم التالي(1) .
على الرغم من أنَّ توفيق الكنيسة نفسها مع صورة الكون التي كوَّنها كوبرنيكوس وغاليليو قد إستغرق بعض الوقت ، لكن مع نهاية القرن الثامن عشر ، فإنّ النموذج المكاني للكون (أي استقرار الكون وازليته) كان قد أصبح حقيقة راسخة . ولكن عندما تعلَّق ألأمر بألأعتبارات الزمنية ، كان العلم على وشك أن يُحرج العقيدة المسيحية مرّة أُخرى . أينما قالوا كان موقع ألأرض بالنسبة للكون ، كان ألأيمان المسيحي ينصُّ على خلقها من قبل الله ، كما وصف في سفر التكوين ، في ستة ايّام   . بسبب ألأكتشافات العلمية التي كانت تقارن بين ما ورد في سفر التكوين بخصوص الخلق وبين هذه الأكتشافات الجديدة التي في الظاهر تتعارض مع سفر التكوين (عندما يتم تفسير سفر التكوين تفسيرا حرفيا) . وهكذا انتشر الألحاد في قلب اوربا والعالم الغربي ، وظهرت المادية والماركسية والربوبية والألحادية (راجع الهامش ).
ولكن اليوم وصل الكثيرون من العلماء المعاصرين على قناعة تامة على أنَّ العلم غير ثابت ونسبي وأحيانا ظني لأنَّه يعتمد احيانا كثيرة على النظريات الغير المحققة تجريبيا . وكذلك العلم مبني على الشك دائما وأبدا ولا استقرار له ، فقد يكتشف اليوم  نظرية جديدة ، وسرعان ما قد يعيد النظر بتلك النظرية بعد اكتشافات جديدة ، وتطوّر في اساليب وأبحاث علمية متقدمة .  وها هو "دوليس سكاي" العالم الفيزيائي الذي دافع ، لمدّة ، طويلة ، عن نضرية الكون المستقر (ألأزلي) مع العالم" فريد هايل" يشرحان الوضع
الصعب الذي  وقعا فيه ، بعد ألأدلة المتتابعة التي أيّدت نظرية ألأنفجار الكبير (2)"   
 يقول " دوليس سكاي" :
 " لم أُدافع عن نضرية الكون المستقر لأنَّها صحيحة ، بل لرغبتي أن تكون صحيحة !!!! . ولكن بعد أن تراكمت ألأدلة فقد تبيّن لنا بأنَّ هذه اللعبة قد إنتهت ، وإنَّه يجب أن يتم ترك نضرية الكون المستقر جانبا . والأنتصار العلمي في ألأنفجار الكبير صار مفهوم أزلية المادة (أي الكون) في ذِمة التاريخ . فقد اثبت العلم (بموجب نظرية ألأنفجار العظيم) أنَّ للمادة بداية ، وإنَّها وُجدت من اللاشيء ، أي يجب أن يكون هناك خالق هو الذي خلقها ".

انَّ القول بأنَّ الكون قد تشكل خارج المادة والطاقة وخارج الزمان والمكان ، وإنَّه ما من شي‏ء وراء هذين الاثنين ، انّما هو قول ما ورائي يعجز العلم التجريبي عن اثباته أو انكاره .
ما من عالم، من حيث كونه عالما، يستطيع ان يستخرج من نظرياته التجريبية - المحددة بمجال البحث الضيق والخاص - نظاما عالميا جامعا مانعا، ولا ان يسنتج نظرية ما ورائية من اية نظرية علمية خاصة . ان كثيرا من التعارض بين العلم والدين ناجم عن «التعميمات غير الموجهة للنظريات العلمية على الميادين غير التجريبية»(3)
.....إنَّ الحقائق التي توصل اليها العلماء في اكتشافاتهم سواء في هذه الأرض التي نعيش عليها ، أو اكتشاف الكون (وما يحتويه من مليارات المجرات ومليارات المليارات من النجوم ) أو في تحليل وتفكيك المادة للوصول الى حقيقتها ، أو في اكتشافاتهم لأسرار الكون، اكدت لنا ، أنّ هذه الأكتشافات ، التي اراد البعض من العلماء من خلالها ، معرفة عقل الله ، لم تجاوب على أسئلتهم ( لماذا نحن موجودين ؟ ، وما هدف الخليقة ؟ ، ولم يصلوا الى حقيقة الوجود ، بل جعلتهم وجها لوجه أمام السر الغامض الذي طالما أقلق البشرية . فالألهي لم يكتشف لنا إلا من خلال كثافة ألأجسام أو ضباب ألأفق  .
للأسف ، ومرة أخرى  إنتشرت ، خلال القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين  ، الفكرة القائلة إنَّ الديانات تُعبِّر عن حالة ألأنسانية البدائية والمتخلِّفة . "البشر إخترعوا قديما ألألوهية ليدركوا الظواهر الطبيعية التي كانوا يجهلون سببها .أمّا وقد أكتشف العلم التعليل التجريبي لهذه الظواهر نفسها ، فلم تعد هنالك حاجة لله وللديانات" . هذا هو قانون ألأيمان الجديد لكثيرين من معاصرينا .
مدير معهد ماكس بلانك للطبيعة فوق الأرضية في جارشينج الدكتور جونتر جوستاف هازينجر
يدعو إلى عدم إرجاع أصل الكون لله. إنه مقتنع بأن العلم سيعطيه يوماً ما الإجابة الشافية عما لا يمكن إدراكه الآن. ولكنه مع ذلك يؤكد احتياج الإنسان لفلسفة ما أو لإيمان حتى يستطيع تعدي حدود عدم المعرفة. والدكتور جونتر ليس وحده في هذا الأمر، فبالنسبة للكثيرين أصبحت القيمة الحقيقية اليوم هي تحقيق الذات (تاليه الذات). وأحد هؤلاء هو أستاذ الفلسفة الطبيعية برنولف كانيتشايدر
ففي رأيه أنه منذ الاكتشاف الذي وصل إليه عالم الرياضيات الروسي ألكسندر فريدمان(*) في عام 1920، والذي أوضح أن الكون ليس ثابتا .ً ازداد التساؤل عن إمكانية وجود حياة أخرى على كواكب أخرى. ففي الجزء المرئي فقط من كوننا هناك من عشر إلى عشرين كوكب يتوقع أن تكون بهم إمكانية حياة( في الحقيقة أُكتشفت وكالة ناسا للفضاء ، مؤخرا ، وجود ملايين الكواكب فقط حول مجرتنا درب التبانة  ) . ويكمل كانيتشايدر حديثه قائلاً إن الإنسان دائماً ما يحاول إيجاد هدف ومعنى لحياته، وقد رأى الفيلسوف الإغريقي أناكساجوراس والسابق لمرحلة سقراط أن الإنسان دائماً ما يتطلع للكون، كما وجد أرسطو أن هدف وجود الإنسان ومتعته الأكبر هي في فهم الكون. ولكن هذا الأمر بدأ يضمحل مع الوقت. ومع انتشار المسيحية بدأ النظر للعلم كأمر زائل والتركيز على كل ما يخص الأمور الروحية فقط. والنظر بقلق وتحفظ لكل النظريات الجديدة التي تتعلق بلانهائية الكون ولامحدوديته. ولم تكن هذه الحقائق العلمية المتعلقة بالكون أمراً مقبولاً. وانتهى هذا الأمر بشعور العديد من البشر خاصة في الغرب بعدم احتياجهم لوجود إله لهذا الكون. وفي الواقع ليس هذا الاتجاه بالأمر الجديد فمنذ ألفي وثلاثمائة عام حذر الفيلسوف الإغريقي إبيكور الناس من الإيمان بعلوم الميتافيزيقا، ومن بناء حياتهم على أوهام، مؤكداً أن الآلهة لا تجلب إلا سوء الحظ. كما أضاف أن الفرد لا يجب أن يركز على الموت وما بعد الموت، بل أن الحياة في حد ذاتها قيمة عليه أن يستمتع بها: الموسيقى والفن والعلاقات الاجتماعية، كل هذه الأمور في رأيه لا علاقة لها بالآلهة ويمكن أن تعطي لحياة الإنسان معنى في حد ذاتها. ففي رأي الفيلسوف الطبيعي أن الشئ الوحيد الذي يعطي معنى وقيمة للحياة هو الاستقلال وحرية اتخاذ القرار (4).


ولناخذ ، في هذه الدراسة ، بعض الأمثلة لعلماء القرن العشرين والواحد والعشرين الذين لايؤمنون بخالق هذا الكون

أولا : مواقف لبعض العلماء(الملحدين) المعاصرين عن  نشوء الكون .

يقول العالم ريتشارد دوكنز(5):
"يطيب للناس أن يقولوا أنَّ العلم والدين يمكنهما التعايش جنبا الى جنب ، ولكني (بحسب قول دوكنز)  لا أعتقد أنَّ هذا ممكن ، فهُما في تناقض عميق!!!!.....لايستطيع  العلم أن ينكر وجود الله !!!! ، ولكن هذا لايعني أنَّ الله موجود ...هناك ملايين ألأشياء التي لانستطيع انكارها ". وذهب هذا العالم( الملحد) الى حد القول "انّ الكون مجرّد حادث غريب وانّه لايوجد عقل ورائه". وهنا التناقض العجيب كما ، يقول العالم المؤمن  جون لينكس ،(في المناظرة الشهيرة بينه وبين ريتشارد دوكنزعندما يرد على ريتشارد فيقول له :" ولكن ها انت (قاصدا ريتشارد دوكنز ) تملك أحد أفضل العقول  في العالم" اي كيف تقول ان لا عقل وراء خلق هذا ألكون ؟. ويضيف العالم جون لينكس فيقول: "أنا اومن أنّ الكون مفهوم عقلانيا لأنَّ الله الخالق وراءه ..فكيف تُفَّسر مفهومية الكون العقلانية ؟.

وهكذا ايضا يعترف العالم الفيزيائي المشهور"واينبرغ" الذي أستشارهُ العالم "ريتشارد  دوكنز " لكي يؤيد ما يقولهُ فيرد واينبرغ  فيقول :
"لا اظُنُّ أنَّ على أحدنا أن يستهين بالورطة التي نحن فيها(يقصد العلماء الملحدين) ، وإنّنا في النهاية لن نستطيع أن نُفسِّر العالم . هناك مجموعة من القوانين الطبيعية (الفيزياوية ) التي لن نستطيع فهمها بتحويلها الى قوانين رياضية لأنّنا ممكن أن نحصل على قوانين رياضية ولكنها لاتُفسِّر العالم كما نعرفه . وسيبقى سؤال لماذا قوانين الطبيعة كما هي ألآن وليست مختلفة ؟ ولا أجد أيِّ طريقة للخروج من هذا . حقيقة أنَّ ثوابت الطبيعة(يقصد الثوابت الكونية في القوانين الفيزيائية مناسبة للحياة هي حقيقة واضحة ومشاهدة ".
والمنظر الأمريكي ذائع الصيت فريما ديسون حينما صرح قائلاً :" التحدي الحقيقي هو أن نقرأ تفكير الله لكي نعرف لماذا يوجد الكون وبأي معجزة انبثق فجأة من العدم أو اللاشيء قبل حوالي 14 مليار سنة؟". وأضاف مردداً قول آينشتين وهوكينغ وغيرهم كثيرون:" لماذا ينوجد شيء ما بدلا من لاشيء، ولماذا أوجد هذا الشيء ما الحياة والوعي والعقل والذكاء والتفكير؟

أما العالم الفيزيائي المشهور ستيفن هوكنج(6) يجاوب على سؤال : هل باستطاعة العلم تفسير الكون بدون الحاجة الى خالق ما؟ ولماذا الوجود عوضا عن العدم؟ . فيقول:
" تُنسب الجاذبية بألأضافة الى النظرية الكميَّة(**) بنشوء الأكوان عفويا من العدم . وبسبب وجود الجاذبية يستطيع الكون إحداث نفسهُ من العدم ، وانّ الجاذبية هي نتيجة لنظرية "إم"( ***) والتي هي النظرية الموحَّدة الوحيدة ...وسيقوم العلم بشكل متزايد بألأجابة على أسئلة كانت ألأجابة عليها من إختصاص الدين" .
 وعن سؤال وُجِّه الى  نفس  العالم (هوكينج) ، عن  ايمانه بالإله . فيقول: "قد يكون ألإله موجودا ولكن بأمكان العلم تفسير الكون بدون الحاجة الى خالق !!!! ". إنَّ الرواية العلمية كاملة ، ولا ضرورة لأقحام الدين بها" . أي أنَّ نظرية –إم- هي بالفعل نظرية كُلِّ شي
وعن سؤال إخر وجه الى هوكينج وهو : هل نحتاج الها يُرتِّب ألأمور ليتمكن ألأنفجار الكبير من أن ....ينفجر ؟ 
كان جوابه ينم عن ظنّه  الشخصي وليس عن حقيقة مطلقة عندما يقول:
" ليست لدي أيِّ رغبة في إهانة أحد من المؤمنين لكن أظن أنَّ العلوم تُقدِّم تفسيرا أفضل من فكرة الخالق السماوي .....الدور الذي لعبه الزمن من بداية الكون ، وعلى ما أعتقد ، هو المفتاح ألأخير لأزالة الحاجة للمصمم الجليل(الله) "
ويقول هوكينغ في كتابه المذكور (التصميم العظيم )"أن الله لم يخلق الكون وإنما الأخير خلق نفسه بنفسه" ويوضح: هل كان الكون في حاجة الى خالق؟  الاجابة هي لا!!! وبعيداً عن كون الامر حادثة لا يمكن تفسيرها إلا بأنها أتت على يد إلهية، فإن ما يعرف باسم الانفجار الكبير لم يكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء”. ويتابع:
 "لأن ثمة قانوناً مثل الجاذبية، صار بمقدور الكون ان يخلق نفسه من عدم . والخلق العفوي هذا هو السبب في أن هناك شيئاً بدلاً من لا شيء، وفي وجود الكون ووجودنا نحن”. ويتابع: “عليه يمكن القول إن الكون لم يكن في حاجة الى إله يشعل فتيلاً ما لخلقه".
 أنه يضع بقية الناس على الكوكب بين خيارين: الإيمان بوجود الله بشكله التوحيدي وبأنه هو خالق ومسيّر الكون أو الإلحاد بوجوده كلياً والإيمان بالعلم كـ”إله كلّي المعرفة .”.
وخلاصة فكر هوكنج يلخِّصه بجملة يقول فيها : " باستطاعة العلم تفسير الكون ،وكل شيء ، وإنَّ ألأنسان ، لايحتاجُ لإله بغية تعليل وجود شيء عوضا عن العدم ، أو تعليل كون قوانين الطبيعة على ماهي عليه ، فالقوانين الفيزيائية تكفي لتفسير خلق الكون أو ألأكوان ,وانّ الكون يخلق نفسه من العدم " .ويضيف قائلا : "لو اكتشفنا نظرية كاملة(نظرية كُلِّ شيء) ، فسيكون ذلك انتصارا للعقل الانساني،.وسنستطيع جميعا المشاركة في مناقشة : لماذا نحنُ والكون موجودون؟ ولو وجدنا إجابة لهذا السؤال ، فسيكون هذا هو ألأنتصار النهائي للعقل البشري لأننا سنعرف حينئذ عقل الله !!!!"

وما قاله ستيفن هوكنج عن "نظرية كل شيء  - نظرية – أم -" لمعرفة حقائق الكون والخليقة هي غير مكتملة وباعتراف هوكنج نفسه 

 بات هوكينج يعتبر أنَّ النظرية الفيزيائية كانت المحرك الرئيسية لعملية الخلق بامكانها ، كما أوضح ، أنّه بسبب قانون الجاذبية يمكن للكون أن يخلق ذاته من لاشيء ، فليس هناك ضرورة لخالق حتى يوضّع الكون في مساره ، وإنَّ ألأنفجار الكبير لم يكن سوى عاقبة حتمية لقوانين الكون .
ماهي النتائج المتوقعة لهذه النظريات العلمية التي يدعي بها العلماء الملحدون؟
 يتخوف  بعض العلماء من أنَ تؤدي هذه النضرية الى الناس بين خيارين متعارضين هم .
1 – ألأعتقاد بوجود اله .
2 –ألأيمان بالنشوء التلقائي للكون ، وليس ألأثنان معا.
في الحقيقة ستيفن هوكينج تراجع بكتابه الأخير "التصميم العظيم" ما قاله في كتابه السابق" التاريخ الموجز للكون"  الذي صدر في سنة 1988
والذي يقول هوكينج  في كتابه "التاريخ الموجز للكون" إنَّ الفهم العلمي للكون لايتناقض مع وجود خالق لها "  أي انَّه اعترف في كتابه السابق عن لا تعارض بين العلم وألأيمان بالخالق .
المتحمسون لفكرة نفي وجود خالق لهذا الكون، من بينهم  العالم  البريطاني،" ريتشارد دوكنز"الذي  يقول "ان نظرية هوكينغ الجديدة تكمل التفسير العلمي للوجود" . وبالتالي فقد وصل العلم الفيزيائي الى ذروته (على غرار ما طرحه فوكوياما بان الديمقراطية الليبرالية تعتبر ذروة التطور الانساني في المجال السياسي، وبذلك اوصلت البشرية الى نهاية التاريخ)
ويعلِّق العالم كارل سيجان على ما قاله هوكينج فيقول :
"لحظة ألأنفجار العظيم (يقصد نشوء الكون) ، كانت هناك طاقة ، ثم جسيمات أولية تطورت ببطء  الى هذا الكون الذي نعرفه حاليا. نحن نتاج التسلسل التطوري الجبار – التطور الكوني- . أحد أعظم انجازات الدكتور" ستيف هوكنج "، برأي سيجان ، هو أنّه حسَّن معرفتنا بهذا التسلسل التطوري الطويل ، تمدد المجرات ، متباعدة عن بعضها ، وكلما بعدت بعضها عن البعض ، كلما زادت سرعة هروبها . لو أدرنا الفيلم الكوني للوراء ، ستنتهي عند لحظة ربما قبل 12 بليون أو 15 بليون سنة في الماضي ، ساعتها اجتمعت مادة الكون كُلُّه في نقطة . ولكنه سرعان ما يعترف هذا العالِم بحقائق علمية لم يستطع التهرب منها عندما يقول : السؤال المركزي – الغير مجاب عنه(اي الذي لم يستطع ستيفن هوكنج ألأجابة عليه وجميع علماء الملحدين  ) والذي ربّما ظل هكذا – هو من أين أتت طاقة كل هذه المادة؟ ماذا كان الكون قبل هذا؟ ومن أتى بمن أتي به؟ لماذا يَنوَجد شيء ما بدلا من لاشيء ؟ ولماذا  أُوجد هذا الشيء ؟ ما الحياة والوعي والعقل والذكاء والتفكير؟. ويجاوب على هذه ألأسئلة معترفا عن عجز العلم على ألأجابة عليها فيقول:  "وبالطبع تراجع(علمي) لا نهائي وراء هذا ".
وهناك ايضا اسئلة كثيرة لم يستطع العلماء ألأجابة عليها منها مثلا:
هل سيظل الكون في حالة تمدد الى مالانهاية ؟ أم تمدد الكون سيتوقف ليتبع الكون المتمدد كونا متقلصا والذي يسمى ب "ألأنسحاق العظيم ؟ أو هل سينتهي بأنفجار عظيم ؟ .
وهل توجد اكوان اخرى غير كوننا الحالي كما يقولوا أصحاب نضرية "ام" مدعومة بالقوانين الرياضية والفيزيائية ؟ وهل تخضع تلك الأكوان للقوانين الفيزيائة لكوننا الحالي ؟...الخ .
في الحقيقة كُلِّ محاولات العلماء للأجابة على هذه ألأسئلة وغيرها  كثيرة باءت بالفشل  ...لأنَّ  الغالبية من العلماء (الغير المؤمنين ) يؤمنون بالشك دائما في نظرياتهم وعلومهم  ولن يصلوا يوما الى معرفة عقل الخالق بل يعتبر ، الكثيرون من العلماء ، أنَّ الخالق هو معادلات وقوانين رياضية فيزياوية .
ويتقبلون النظريات الفرضية العلمية  التي تتلخص بالدفاع  عن فكرة مؤداها  " أنَّ الكون والوعي والحياة كُلّها  ظهرت نتيجة لمصادفة كونية وليس شيء اخر".
هذا الطرح الجديد من قبل ابرز العلماء الفيزيائيين وعلماء الرياضيات (في القرن الواحد والعشرين ) أعاد الجدل حول امور عديدة : أولها مدى تطور الفهم العلمي للكون؟ ثانيها: هل أصبح الخيار امام الانسان محصورا بين العلم والدين، فاذا قبل أحدهما رفض الآخر؟ ثالثها: مدى الخطر الذي يمثله الطرح العلمي اذا كان بشكل حاسم وصريح، على المصدرين الآخرين من وسائل اثبات وجود الله: الدين والفلسفة.؟ رابعها: الموقف ازاء النظريات العلمية الاخرى ، أي مواقف الكثيرون من العلماء المؤمنين بوجود خالق للكون؟.
في الحقيقة العلماء أصبحوا بين المطرقة والسندان ،لأنَّ إكتشافاتهم  تشير لهم أنَّ هناك مصمم مبدع ، وإنّ علماء الفيزياء لايحبون خلط الفيزياء بالدين . أعتقد – حسب رأيي ساسكايند-(7) أنَّهم خائفين من أنَّه اذا أعترفوا أنَّ سبب وجود هذا العالم له علاقة بوجودنا ، فإنَّه سيتم إستغلال هذه المعلومة من قبل المؤمنين بالخلق والخالق" .

الخلاصة

انّ َالعلم الذي يدرس ظواهر ألأشياء ويبحث في خصوص ملاحظات وقياسات هذا الكون ، دائما تكون حقائقه  نسبية وغير كاملة "اي ناقصة " وغالبا ما يتم أكتشاف نظريات او حقائق وأبحاث  علمية متقدِّمة ، قد تلغي أحيانا كثيرة النظريات السابقة ، ويبقى القلق والشك  هو السائد لدى العلماء (وخاصة في ايّامنا هذه ، بعد اكتشاف نظريات حديثة عن مادة الكون ونظرية ألأوتار ، وبوزون هيغز،   الذي قلب الكثير من المفاهيم الخاصة بنشوء الكون أو ألأكوان )
يقول العالم "نيلس بور" ماذا يمكننا ان نقول عن الصعوبات الكثيرة في تفسير سر هذا الكون ، وتزداد صعوبة وتعقيدا يوما بعد يوم ، فكلَّما اكتشفنا معلومة جديدة ، تزداد المسافة بيننا وبين سر حقيقة نشوء الكون والوجود".
العلماء أصبحوا بين المطرقة والسندان ، لأنَّ إكتشافاتهم تُشير لهم أنَّ هناك مصمِّم مُبدع ومهندس عظيم لهذا الكون . علماء الفيزياء لايحبّون خلط الفيزياء بالدين ، لأنَّهم خائفين من أنَّه إذا إعترفوا أنَّ سبب وجود هذا العالم له علاقة بوجودنا ، فإنَّه سيتم إستغلال هذه المعلومة من قبل المؤمنين بالخلق والخالق .
يُحضرني ، وأنا اقرأ أفكار العلماء الملحدين ، صلاة الرب يسوع المسيح وهويشكر أبيه السماوي فيقول: " أحمدكَ يا أبي ، يا ربّ السّماء وألأرض ، لأنَّك أظهرتَ للبُسطاء ما أخفيتهُ عن الحُكماء والفُهماء " متى 11 : 25 ".
وسوف نتكلم عن ما يقوله الكثيرون من العلماء الذين زاد يقينهم ألأيماني كُلّما ازدادت ألأكتشافات العلمية التي تكشف لنا جلالة وعظمة ومجد هذا الخالق  الذي خلقنا لأنّه  أحّبنا .

نافع البرواري
 
(1)
راجع الموقع ادناه
http://www.dw.de/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84/a-1678815-1"
(2)
راجع الموقع التالي عن ألأنفجار العظيم ونشاة الكون
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%86%D8%B4%D8%A3%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86.

(3) راجع الموقع التالي
http://alheewar.blogspot.de/p/blog-page_7864.html


(4) راجع الموقع التالي

http://www.dw.de/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84/a-1678815-1

(5)

http://www.youtube.com/watch?v=VrOKDy421fY
(6) عالم الفيزياء النظرية ، صاحب كراسي لوكاس للرياضيات في جامعة كامبرج على مدى 30 عام وصاحب المدالية الرئاسية لسنة 2009 ومؤلف كتاب "التصميم العظيم بالشراكة" ،
راجع المناطرة بين عالم ملحد وعالم مؤمن (ريتشاردووكنز وجون ويلس )

”.
http://saghbini.wordpress.com/2010/09/25/%D9%85%D9%86-%D8%AE%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%86/

ستيفن هوكنج
لا حاجة للكون الى خالق
http://www.youtube.com/watch?v=NxveeVsfRvg

(7)
http://slayman14.almountadayat.com/t439-topic

(*)
تمدد الكون واكتشاف الانفجار الكبير :
كانت الأعوام التي تلت 1920هامة في تطور علم الفلك الحديث، ففي عام 1922 كشف الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان حسابات بين فيها أن تركيب الكون ليس ساكناً . حتى أن أصغر اندفاع فيه ربما كان كافياً ليسبب تمدد التركيب بأكمله أو لتقلصه وذلك طبقاً لنظرية أينشتاين في النسبية .
وكان جروج لوميتر أول من أدرك أهمية الأعمال التي كان فريدمان يقوم بها وبناء على تلك الحسابات أعلن الفلكي البلجيكي لوميتر أن للكون بداية، وأنه في تمدد متواصل، وصرح أيضاً أن معدل الإشعاع يمكن استخدامه كمقياس عقب حدوث ذلك الشيء .
لم تحض التأملات النظرية لهذين العالمين في تلك الفترة باهتمام يذكر، غير أن  الأدلة التي نتجت عن الملاحظات العلمية في عام 1929كان لها وقع الصاعقة في دنيا العلم، ففي ذلك العام توصل الفكي الأمريكي الذي يعمل في مرصد جبل ويلسون في كاليفورنيا إلى واحد من أعظم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك .
فمن رصد لعدد من النجوم من خلال تلسكوبه العملاق اكتشف أن ضوءها كان منحرفاً نحو الطرف الأحمر من الطيف وبشكل حاسم، وأن ذلك الانحراف كان مرتبطاً مباشرة مع بعد النجوم عن الأرض، وهذا الاكتشاف هز قواعد المفهوم الذي كان شائعاً للكون
راجع الموقع التالي
http://www.shabab3net.com/vb/showthread.php?t=7389&page=1


 (**)
(نظرية كل شيء (بالإنجليزية: Theory of everything) أو اختصارا TOE أو معادلة الكون Weltformel تشكل وصفا في المجال النظري للفيزياء لنظرية قادرة على تفسير جميع الظواهر الفيزيائية بشكل كامل وربطها معاُ (أي كل شيء). في البداية كان المصطلح يستخدم لوصف بعض النظريات العامة بطريقة ساخرة على أنها نظريات لكل شيء لعموميتها الواسعة، مع مرور الوقت ترسخ استخدام المصطلح مع فيزياء الكم لوصف النظرية التي تستطيع ربط أو توحيد النظريات المتعلقة بالتفاعلات الرئيسية الأربعة في الطبيعة (قوة نووية قوية، قوة نووية ضعيفة، قوة كهرومغناطيسية، الجاذبية)، أحد المؤمنين في العصر الحديث بإمكانية التوصل لهذه النظرية هو الفيزيائي ستيفن هوكينغ.)
 http://slayman14.almountadayat.com/t439-topic
(***)
(طبقا لنظرية – إم – كوننا ليس الوحيد ، وعوضا عن ذلك تتنبأ نظرية – إم- بنشوء عدد هائل من ألأكوان من العدم . ولا يتطلب نشوؤها تدخل قوّة خارقة للطبيعة أو إله ، بل إنَّ هذه ألأكوان المتعددة تنشأ بشكل عفوي بسبب القوانين الفيزيائية . إنّها ما يتوقع العلم حدوثه
راجع ايضا  الموقع التالي عن نظرية ( بوزون هيجز)   
http://arabic.euronews.com/2012/07/04/higgs-boson-particle-a-key-drop-in-the-universal-bucket


مفاهيم ومصطلحات فلسفية
الربوبية كلمة مشتقة من اللغة ألأنكليزية 
بالإنجليزية: Deism
تؤمن بوجود خالق خلق االكون ،  وبانَّ هذه الحقيقة يمكن الوصول اليها باستخدام العقل  ومراقبة العالم الطبيعي  وحده دون الحاجة الى ايِّ دين
معظم الربوبيون يميلون إلى رفض فكرة التدخل الإلهي في الشؤون الإنسانية كالمعجزات والوحي
الربوبية تختلف في ايمانها بالأله عن المسيحية واليهودية والأسلام  يرفض الربوبيين فكرة انّ الله كشف نفسه للأنسانية عن طريق كتب  مقدسة . ويرى الربوبيون انه لا بد من وجود خالق  للكون
وألأنسانية ، فيختلفون بذلك عن الملحدين .
الربوبيون يرفضون معظم ألأحداث الخارقة ( كالنبوات والمعجزات) وتميل الى التأكيد على أنّ الله  لديه  خطة لهذا الكون  التي لا تتغيير سواء بتدخل الله في شؤون الحياة البشرية او من خلال تعليق  القوانين الطبيعية للكون .
راجع الموقع التالي
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%A8%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9
(******)
ألإلحاد
وصف لأي موقف فكري لا يؤمن بوجود إله واعي للوجود، أو بوجود "كائنات" مطلقة القدرة (ألآله) خارج المخيّلة البشرية  . لأنَّ شرط العلم (بحسب افلاطون ) هو أن يكون المعلوم  قضية منطقية صحيحة  ، مثبتة ويمكن ألأعتقاد بها  ، ولمّا كان إدِّعاء وجود اله ، بحسب الملحد غير مثبت ، فإنَّ التصديق بوجود اله ليس علما ، وأنّما هو جواب بأدعاء بالرفض. ويعرف ألألحاد  ، من وجهة نظر الكثير من ألأديان بانه انكار  للأدلة العقلية والعلمية  ونحوهما  على وجود صانع  واعي للكون والحياة ومستحق للعبادة (الله)
(******)
وحدة الوجود
والترجمة الأصح للمصطلح هي الواحدية. والواحدية هي الاعتقاد أن الكون (أو الطبيعة) والله (أو الألوهية) حقيقة واحدة
الواحدية هي الترجمة للمصطلح اليوناني
 “Pantheism
والتي تعني "الكل هو الله". إذا، الواحدية ترمز إلى فكرة "الله" كعملية مرتبطة بالكون
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF
(*******)
المادية الجدلية : ركن أساسي من أركان الفلسفة الماركسية  تعتمد على قوانين الدياليكتية وبناها كارل ماركس بالأستناد الى جدلية فلسفة هيغل  ومادية فلسفة فيورباخ

اساس الفلسفة الجدلية هو انّها تعتبر أنَّ الفكر هو نتاج المادة ، وإنَّ المادة  ليست نتاج الفكر ، ففكر ألأنسان نتاج مادي من عقله وليس الأنسان من نتاج الفكر ، وهو ماينفيه الفلاسفة المثاليون .
الماديون يؤمنون باولوية المادة بينما المثاليون فيعتقدون بأولوية الفكر أو الروح .
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9_%D8%AC%D8%AF%D9%84%D9%8A%D8%A9.

29





الخلق والتطور .....حوار بين العلم وألأيمان
 

الجزء ألأول

العلم والأيمان
أولا : منهج العلم؟  
منهج العلم يبدا بالتسائل( مثلا كيف ؟ )  والشك أي طرح الأسئلة ثم الملاحظة (البحث ) ثم وضع الفروض ثم التنبؤ (التوقع) ثم التجربة ثم النتائج . فالعلم منهج تحقيق وشك بنّاء ، يبحث بالمنطق والدليل والعقل لبلوغ ألأستنتاجات . يعالج العلم موضوع أو ظاهرة محددة وتُعالج بمنهج معين وينتهي إلى النظريات والقوانين . (1)
يقول العالِم "تيار دي شاردن " عن العلم : (2) ص ، 83 ،82
"عندما نوّد أن نعرف ما في داخل منزل ما فاننا نفتح الباب، واذا شئنا أن نعرف ما في داخل ساعة نفكِّ أجزائها ، أو ما في داخل جوزة فاننا نكسرها . لذلك فان الحركة الأولى التي يقوم بها العقل لمعرفة ماهيَة شيئ ما  هي  أن يفكّك  أجزاء ذلك الشيء ويحلله وأن مصدر العلم كله نابعٌ من هذه الحركة الغريزية . والعلم اساسا ، هو تحليل . أمَّا طريقة بحثه واستنتاجاته فهي قائمة على المبدأ القائل : إنِّ سرَّ ألأشياء يكمن في عناصرها بشكل أننا أذا شئنا أن نفهم العالم فانّه يكفينا أن نتوصل الى المبادئ ألأكثر بساطة التي خرج منها . وفي ص 82 يقول : "أنَّ التحليل ، وهو أداة رائعة وقادرة على تفتيت الموجود ، يلقي بين أيدينا بحدودٍ تكون دائما غيرواضحة وفقيرة الى أقصى حدِّ . إنَّه يكشف لنا عن قانون بناء ألأشياء ، ولكنَّ رواسب عمليّته نفسها ، بدل من أن تقدّم لنا الجوهر الثابت للعالم ، فانها تغدو أقرب فأقرب الى العدم  .... العلم يهتم ُّ ، ضرورة ، أوّل ما يهتم ، بدراسة الترتيبات المادية ، التي تنجزها حركة الحياة ،. وعلى ذلك فأنَّ العلم لا يرى الاّ قشرة ألأشياء  الخارجية " . أمّا التطوّر الحقيقي للعالم فيحصل في النفوس وفي أتحاد هذه النفوس . وإنَّ عناصر هذا التطور العميقة ليست آلية بل هي عناصر نفسيّة وأخلاقية"ص79 .
وبتعريف اكثر تحديدا للعلم :
هو منظومة من المعارف المتناسقة التي يعتمد في تحصيلها على المنهج العلمي دون سواه او مجموعة  المفاهيم المترابطة التي نبحث عنها او نتوصل اليها بواسطة هذه الطريقة . يتميز العلم  في منهجه باتخاذ الملاحظة والتجربة  والقياسات الكمية والبراهين الرياضية وسيلة لدراسة الطبيعة ، وصياغة فرضيات وتاسيس قوانين ونظريات لوصفها.

ثانيا : أهداف وغايات العلم(3)
 
1 -  العلم يلزم ان يكون له أهداف واضحة نهائية وهي محاولة فهم العالم والبيئة التي يعيش فيهما الانسان وكذلك الشخص نفسه من اجل تنظيم وتطوير وتحسين معيشته على هذه الارض ضمن هذا الكون الفسيح.
اذاً العلم ليس محاولة اكتساب المعلومة من اجل المعرفة فقط ، بل هو الحصول على المعلومة التي تحقق حياة أفضل واحسن للإنسان بواسطة تطوير المقومات والبيئة التي فيها يتمكن الكائن البشري من أن يحقق ذاته وكماله الشخصي والجماعي ..
هذه الاهداف التي للعلم تضعه في موضع الالتزام بما يخدم الانسان ويجعله يتسامى في الحياة محترما هذه الحياة والبيئة التي يعيش فيها. واية محاولة للمسّ بكرامة الانسان وحياته، من نشأتها الى ختامها، بعلة حرية العلم والتطور تعتبر انتهاكا لمعنى العلم ذاته واستخداما خاطئا لمكتسباته من اجل غايات غير سليمة. أي يجب ان يكون  هدف العلم خدمة الانسان وتطويره ..
2 -  العلم : نشاط انساني بطبيعته يعبر عن حاجة الإنسان الى معرفة وفهم ووصف وتفسير ما حوله من ظواهر بيئته ومجتمعه التي يتفاعل معها ويؤثر فيها وتؤثر فيه
 
ثالثا : دائرة العلم التحليلي ودائرة الدين(ألأيمان)  .
 
كثيراً ما تصطدم الحقائق العلمية بالدين، ويختلفان، ويحار العلماء أنفسهم في هذا الأمر. فيرى البعض في الاكتشافات الحديثة عن لا محدودية الكون واتساعه المستمر مبرراً لشعور الإنسان بالاكتفاء الذاتي، وبعدم احتياجه إلى "إله". بينما يرفض البعض كل ما يقوله العلم ويتناقض مع الدين. ولكن هل من الممكن فعلاً أن يكتمل العلم بدون دين؟ أو هل من الممكن أن يستمر الدين في رفضه للعلم ، في زمن العلم والتكنولوجيا؟ ربما حان الوقت أخيراً للتعاون بين هذين الطرفين المتباعدين(4)
العلم له حقيقة عائدة له ، وهذه الحقيقة محدّدة بموضوع ، أي التفتيش عن الحقيقة وليس النطق بالحقيقة . اي العلم لايخلق القيم هو يتفاعل مع القيم . والقيم من اختصاص الفلاسفة واللاهوت ، بينما العلم يتعامل مع المحسوسات . . والعلم  يبحث فيها (المحسوسات)، بحسب قواعد وأصول مقرَّرة بهدف اكتشافها. هناك بحث عن الحقيقة في عدّة صور، والعلم واحد من هذه الصور.   (5)
 

رابعا: ألأستنتاجات( 6)
إنَّ ألأنسجام العميق الذي يربط ويلحق ، في نظرنا نحن المسيحيين ، دائرة العلم التحليلي ودائرة الدين الذي يفوق التركيب ، يمكن أن تقودنا الى الأستنتاجات التالية :
1 -  قبل كلِّ شيء لاينبغي لنا ، نحن المسيحيين ، أن نخشى أو نتشكك ، بسبب ، أو بغير سبب من نتائج البحث العلمي ، إن  في حقل الفيزياء ، أو الكيمياء   أو في علم ألأحياء ، أم في التاريخ
. إنَّ التحاليل العلمية والتاريخية صحيحة غالبا ، ولكنها لا تنقص شيئا البتة من القدرة ألإلهية ، ومن روحانية النفس ، ولا من الصفة فوق الطبيعية للمسيحية...إنَّ العناية ألإلهية ، الروح ، والحياة ألإلهية ، إنّما هي حقائق  تركيبية  .
2 – وعلى ذلك فلا ينبغي للعلم أن يقلق إيماننا بتحاليه ، بل ، وعلى العكس ، ينبغي له  أن يساعدنا على أن نزداد معرفة وفهما وتقديرا لله .... . فلا أحد يفهم أكثر من ألأنسان الذي ينحني على المادة كما المسيح ، الذي بتجسّده هو في قلب العالم ، ومتأصل في العالم حتى داخل أصغر الذرات . ص 58
3- وعلى ذلك ، فمن العبث ، بل ومن الحيف ، أن نجعل من العلم والمسيح خصمين متقابلين ، أو أن نفصل بينهما على أنّهما قطاعان  غريبٌ أحدهما عن ألآخر . إنّ العلم وحده لا يستطيع أن يكتشف المسيح ، ولكن المسيح يغمر الرغبات التي تولد في قلوبنا في مدرسة العلم .
 
وفي مكان اخر (ص 126) يقول:
نحن الذين لا نعتقد انّه لا باس من ان نعمل - وإن كان لن يبقى شيء الى ألأبد مما عملته ايدينا – فإننا نعتقد بالتقدم ونتوق اليه فيما حولنا ، في اتساع نطاق ألأكتشافات العلمية ، وفي تيقُّظ المشاعر ألأنسانية والأنجذابات نحو الكوني . فزيادة الوعي (ألأنساني) تغيّرَ ، دون جدل ، وإنَّ عملية التوحيد التي تتم بشدّة في أيّامنا هي إمتداد أكيد للتطور البيولوجي الذي أعطى الدماغ ألأنساني  . فالى أيِّ حقل ينبغي لجهودنا أن ينتقل كي يكون أكثر فعالية؟ وفي أيّ إتجاه يتهيّأ الوجود للأستسلام تحت واقع إندفاعنا ؟ مما لا شك فيه أنَّ ألأتجاه لن يكون الاّ الى جانب  السعي الجماعي الى الحقيقة .(ص126- 127 )
ويستطرد "تيار" فيقول:
"إنني أتعلَّق بالعالم ، وبنفسي ، عندما أعمل على تقدُّم الكون كيما أُهيئ ليسوع جسدا لا ئقا به .- ولكنَّني ، في الوقت نفسه ، أنعتق من العالم لأنَّ هذا العالم نفسهُ إذا جرَّدتهُ من المسيح ومن نور المسيح ، يبدو لعيني مظلما غير جذَاب  .(مسيح الكون) ص115
في ما حولنا ، يعمل المسيح طبيعيّا لينظِّم كلِّ شيء . فهو يبعث الحياة ، وبشكلٍ مستمر ، في حركات ألأرض وسكناتها ، دون أن يقلقها ، إنطلاقا من أقصى التفاعل الذريّ ، حتى أسمى التأمل الصوفي ، ومن أرق تموّجات الصبا الليّنة التي تخترق  الهواء ، حتى أوسع تيارات الحياة والفكر . وهو ، مقابل ذلك يفيد طبيعيا منها جميعا . فكُلِّ ماهو صالح في الكون ، انّما يتقبَّله "الكلمة المتجسّد" على أنَّهُ غذاء يهضمه ويحوِّله ويؤلِّهه (95)
 
الخلاصة :(7)
 
اليوم هناك في الكنيسة من العلماءاللاهوتيّين والمؤمنين الذين توصّلوا الى حقيقة أن الصراع القديم بين الروحانية  والمادية قد أنتهى ، وعلى الكنيسة احترام العلاقة التي لاتتجزء بينهما .
فالعلم لا يتنافى ومعطيات الأيمان ، وانّ المسيح هو في قلب النشاط ألأنساني وفي البعد الكوني الذي يحاول العلماء ، جاهدين ، أن يكشفوا عن غناه وعن القوى الفاعلة فيه.
الواقع انَّ ألأيمان لايعيش الاّ اذا نما وترعرع . فمن منّا يستطيع أن يتبجّح بأنّه يفهم الله كما هو في الواقع؟ الا يزال باب أكتشافه مفتوحا دائما أمامنا؟ كُلّما وسّعنا آفاقنا يبقى الله وراءها : "أنا هو ذلك الموجود في الماوراء" .نحنُ نبني حياتنا على قيم ثقافية (وعلمية) معيّنة وبواسطتها إنّما نبحث عن الله ، كُلِّ في مجال عمله : الفيلسوف يُعمِّق فكرتهُ والعالِم يتوسَّع في عمله الى أقصى الحدود وكُلِّ منهما سيكتشف حقلا من المجهول شاسعا ولكن الله يبقى ما وراء هذه الحدود .....
فبدل من أن تقف الثقافة عائقا بوجه ألأيمان نرى أنَّه  بامكانها حتى أن تساعد ألأنسان لأن يتقدم نحو ألأيمان إذا كانت "منفتحة" وموجهة نحو ما لا تملك ولا تكون موجهة بالتحديد نحو ما لا يمكنها البلوغ اليه . إن لم نتأمَّل في غير ما نعرفه ونملكه فكيف لنا أن نكتشف ما ليس له حدود؟ وينطبق هذا على كُلِّ شيء : كُلِّ ما يرجعه ألأنسان الى شخصه  فإنِّه يقع ضمن حدود مداركه. وإنَّما الله يتجلى لكُلِّ إنسان منفتح عاجلا أم آجلا حتى لو كان ذلك التجلي في أحد ظهورات الله الكبرى فينا : بالأيمان الذي يزرعه فينا وأيمان كنيسته وبالأيمان بكلامه : لأنَّه إن كان الله في الماوراء فإنَّ وحيه وحده يتيح لنا أن نكتشفه
        
ويقول "تيار" (8) في كتابه " الجو ألإلهي ص   46)
ما من شيء أكثر تأكيدا ، عقائديا ، من إمكان تقديس العمل البشري . القديس بولس الرسول يقول: "كُلِّ ما تفعلونه فافعلوه باسم ربِّنا يسوع المسيح " . لقد شاطر ، الرسول بولس ، المسيح في العمل ، شاركه في ألآلام ، مات معه ، قام معه...أليس في ألأقوال كُلَّها إشارة واضحة الى أنَّ كُلِّ حياة بشريّة يجب أن تشترك في حياة المسيح بشكل ما . ومن المُسلَّم به أنَّ أفعال الحياة التي نعنيها هنا لا ينبغي أن يُفهم منها أعمال العبادة والتقوى وحسب (من صلوات وأصوام وصدقات ...) ، ذلك أنَّ الكنيسة تُصرِّح بأنَّ الحياة ألأنسانية ، بكاملها ، قابلة التقديس حتى ولو نُظرَإليها من خلال أبعادها الطبيعية ...والبحث عن الحقيقة الطبيعية ، وتطوير العمل البشري ، كرامة وعزّة ومجدا في الله .
 ------------------------------------------------------------------------------------------------

 
 
1 -
http://www.feedo.net/ScienceAndTechnology/Science/Science.htm
 
2 – كتاب"العلم والمسيح  -   ص82) للعالِم "تيار دي شاردن "
 
(بيار تيار دى شردان" من أعـظم العـلماء والمفكـرين المعـاصرين وهـو متخصص فى عـلم التطـوّر نادى فى مؤلفـاته بأن التطـوّر لا يُفهم إلا إذا اعـتبرنا الله ألفـه وياؤه...)
 
3 –
http://www.feedo.net/ScienceAndTechnology/Science/Science.htm
4 –
http://www.dw.de/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%85-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84/a-1678815-1
 
5–
ألأب بولس الفغالي
 
 
6-
 
العلم والمسيح للعالم "تيار دي شاردن" نفس المصدر رقم 2
 
 
7-
الخلق والتطور –حوار بين الدين والعلم
 
8-
الجو ألألهي – تيار دي شاردن

30

 
إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية

اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/295، المؤرخ في 13 أيلول/سبتمبر 2007


إن الجمعية العامة،
إذ تسترشد بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وانطلاقا من حسن النية في الوفاء بالالتزامات التي تقع على عاتق الدول وفقا لأحكام الميثاق،
وإذ تؤكد مساواة الشعوب الأصلية مع جميع الشعوب الأخرى، وإذ تسلم في الوقت نفسه بحق جميع الشعوب في أن تكون مختلفة وفي أن تعتبر نفسها مختلفة وفي أن تحترم بصفتها هذه،
وإذ تؤكد أيضا أن جميع الشعوب تساهم في تنوع وثراء الحضارات والثقافات التي تشكل تراث الإنسانية المشترك،
وإذ تؤكد كذلك أن جميع المذاهب والسياسات والممارسات التي تستند أو تدعو إلى تفوق شعوب أو أفراد على أساس الأصل القومي أو الاختلاف العنصري أو الديني أو العرقي أو الثقافي مذاهب وسياسات وممارسات عنصرية وزائفة علميا وباطلة قانونا ومدانة أخلاقيا وظالمة اجتماعيا،
وإذ تؤكد من جديد أنه ينبغي للشعوب الأصلية، في ممارستها لحقوقها، أن تتحرر من التمييز أيا كان نوعه،
وإذ يساورها القلق لما عانته الشعوب الأصلية من أشكال ظلم تاريخية، نجمت عن أمور عدة منها استعمارها وسلب حيازتها لأراضيها وأقاليمها ومواردها، وبالتالي منعها بصفة خاصة من ممارسة حقها في التنمية وفقا لاحتياجاتها ومصالحها الخاصة،
وإذ تدرك الحاجة الملحة إلى احترام وتعزيز الحقوق الطبيعية للشعوب الأصلية المستمدة من هياكلها السياسيـة والاقتصادية والاجتماعيـة ومن ثقافاتها وتقاليدها الروحية وتاريخها وفلسفاتها، ولا سيما حقوقها في أراضيها وأقاليمها ومواردها،
وإذ تدرك أيضا الحاجة الملحة إلى احترام وتعزيز حقوق الشعوب الأصلية المكرسة في المعاهدات والاتفاقات وغيرها من الترتيبات البناءة المبرمة مع الدول،
وإذ ترحب بتنظيم الشعوب الأصلية أنفسها من أجل تحسين أوضاعها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن أجل وضع حد لجميع أشكال التمييز والقمع حيثما وجدت،
واقتناعا منها بأن سيطرة الشعوب الأصلية على التطورات التي تمسها وتمس أراضيها وأقاليمها ومواردها ستمكنها من الحفاظ على مؤسساتها وثقافاتها وتقاليدها وتعزيزها، ومن تعزيز تنميتها وفقا لتطلعاتها واحتياجاتها،
وإذ تدرك أن احترام معارف الشعوب الأصلية وثقافاتها وممارساتها التقليدية يساهم في تحقيق تنمية مستدامة ومنصفة للبيئة وفي حسن إدارتها،
وإذ تؤكد أن تجريد أراضي وأقاليم الشعوب الأصلية من السلاح يسهم في إحلال السلام وتحقيق التقدم والتنمية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي والتفاهم وإقامة علاقات ودية بين أمم العالم وشعوبه،
وإذ تدرك بوجه خاص أن لأسر ومجتمعات الشعوب الأصلية الحق في الاحتفاظ بالمسؤولية المشتركة عن تربية أطفالها وتدريبهم وتعليمهم ورفاههم، بما يتفق وحقوق الطفل،
وإذ ترى أن الحقوق المكرسة في المعاهدات والاتفاقات والترتيبات البناءة الأخرى المبرمة بين الدول والشعوب الأصلية أمور تثير، في بعض الحالات، شواغل واهتمامات دولية وتنشئ مسؤوليات دولية وتتخذ طابعا دوليا،
وإذ ترى أيضا أن المعاهدات والاتفاقات والترتيبات البناءة الأخرى، والعلاقة التي تمثلها، هي الأساس الذي تقوم عليه شراكة قوية بين الشعوب الأصلية والدول،
وإذ تعترف بأن ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك إعلان وبرنامج عمل فيينا تؤكد الأهمية الأساسية لحق جميع الشعوب في تقرير المصير، الذي بمقتضاه تقرر الشعوب بحرية وضعها السياسي وتسعى بحرية لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،
وإذ تضع في اعتبارها أنه ليس في هذا الإعلان ما يجوز الاحتجاج به لحرمان أي شعب من الشعوب من ممارسة حقه في تقرير المصير وفقا للقانون الدولي،
واقتناعا منها بأن الاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية في هذا الإعلان سيعزز علاقات التوافق والتعاون بين الدولة والشعوب الأصلية، استنادا إلى مبادئ العدل والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وعدم التمييز وحسن النية،
وإذ تشجع الدول على أن تتقيد بجميع التزاماتها بموجب الصكوك الدولية وتنفذها بفعالية، وبخاصة الصكوك المتعلقة بحقوق الإنسان حسبما تنطبق على الشعوب الأصلية، وذلك بالتشاور والتعاون مع الشعوب المعنية،
وإذ تؤكد أن للأمم المتحدة دورا هاما ومستمرا تؤديه في تعزيز وحماية حقوق الشعوب الأصلية،
وإذ تعتقد أن هذا الإعلان خطوة مهمة أخرى نحو الاعتراف بحقوق وحريات الشعوب الأصلية وتعزيزها وحمايتها ونحو استحداث أنشطة ذات صلة لتضطلع بها منظومة الأمم المتحدة في هذا الميدان،
وإذ تقر بأن لأفراد الشعوب الأصلية أن يتمتعوا دونما تمييز بجميع حقوق الإنسان المعترف بها في القانون الدولي وبأن للشعوب الأصلية حقوقا جماعية لا غنى عنها لوجودها ورفاهيتها وتنميتها المتكاملة كشعوب، وإذ تؤكد ذلك من جديد،
وإذ تقر بأن حالة الشعوب الأصلية تختلف من منطقة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر وأنه ينبغي مراعاة ما للخصائص الوطنية والإقليمية ومختلف المعلومات الأساسية التاريخية والثقافية من أهمية،
تعلن رسميا إعلان الأمم المتحدة التالي بشأن حقوق الشعوب الأصلية، بوصفه معيار إنجاز لا بد من السعي إلى تحقيقه بروح من الشراكة والاحترام المتبادل:
المادة 1
للشعوب الأصلية الحق في التمتع الكامل، جماعات أو أفرادا، بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
المادة 2
الشعوب الأصلية وأفرادها أحرار ومتساوون مع سائر الشعوب والأفراد، ولهم الحق في أن يتحرروا من أي نوع من أنواع التمييز في ممارسة حقوقهم، ولا سيما التمييز استنادا إلى منشئهم الأصلي أو هويتهم الأصلية.
المادة 3
للشعوب الأصلية الحق في تقرير المصير. وبمقتضى هذا الحق تقرر هذه الشعوب بحرية وضعها السياسي وتسعى بحرية لتحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
المادة 4
للشعوب الأصلية، في ممارسة حقها في تقرير المصير، الحق في الاستقلال الذاتي أو الحكم الذاتي في المسائل المتصلة بشؤونها الداخلية والمحلية، وكذلك في سبل ووسائل تمويل مهام الحكم الذاتي التي تضطلع بها.
المادة 5
للشعوب الأصلية الحق في الحفاظ على مؤسساتها السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتميزة وتعزيزها، مع احتفاظها بحقها في المشاركة الكاملة، إذا اختارت ذلك، في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدولة.
المادة 6
لكل فرد من أفراد الشعوب الأصلية الحق في جنسية.
المادة 7
1- لأفراد الشعوب الأصلية الحق في الحياة والسلامة البدنية والعقلية والحرية والأمان الشخصي.
2- للشعوب الأصلية الحق الجماعي في أن تعيش في حرية وسلام وأمن بوصفها شعوبا متميزة وألا تتعرض لأي عمل من أعمال الإبادة الجماعية أو أي عمل آخر من أعمال العنف، بما فيها النقل القسري لأطفال المجموعة إلى مجموعة أخرى.
المادة 8
1- للشعوب الأصلية وأفرادها الحق في عدم التعرض للدمج القسري أو لتدمير ثقافتهم.
2- على الدول أن تضع آليات فعالة لمنع ما يلي والانتصاف منه:
(أ) أي عمل يهدف أو يؤدي إلى حرمان الشعوب الأصلية من سلامتها بوصفها شعوبا متميزة أو من قيمها الثقافية أو هوياتها الإثنية؛
(ب) أي عمل يهدف أو يؤدي إلى نزع ملكية أراضيها أو أقاليمها أو مواردها؛
(ج) أي شكل من أشكال نقل السكان القسري يهدف أو يؤدي إلى انتهاك أو تقويض أي حق من حقوقهم؛
(د) أي شكل من أشكال الاستيعاب أو الإدماج القسري؛
(هـ) أي دعاية موجهة ضدها تهدف إلى تشجيع التمييز العرقي أو الإثني أو التحريض عليه.
المادة 9
للشعوب الأصلية وأفرادها الحق في الانتماء إلى مجتمع أصلي أو إلى أمة أصلية وفقا لتقاليد وعادات المجتمع المعني أو الأمة المعنية. ولا يجوز أن يترتب على ممارسة هذا الحق تمييز من أي نوع.
المادة 10
لا يجوز ترحيل الشعوب الأصلية قسرا من أراضيها أو أقاليمها. ولا يجوز أن يحدث النقل إلى مكان جديد دون إعراب الشعوب الأصلية المعنية عن موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة وبعد الاتفاق على تعويض منصف وعادل، والاتفاق، حيثما أمكن، على خيار العودة.
المادة 11
1- للشعوب الأصلية الحق في ممارسة تقاليدها وعاداتها الثقافية وإحيائها. ويشمل ذلك الحق في الحفاظ على مظاهر ثقافاتها في الماضي والحاضر والمستقبل وحمايتها وتطويرها، كالأماكن الأثرية والتاريخية والمصنوعات والرسومات والاحتفالات والتكنولوجيات والفنون المرئية وفنون العرض المسرحي والآداب.
2- على الدول أن توفر سبل انتصاف من خلال آليات فعالة، يمكن أن تشمل رد الحقوق، وتوضع بالاتفاق مع الشعوب الأصلية، فيما يتصل بممتلكاتها الثقافية والفكرية والدينية والروحية التي أخذت دون موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة أو انتهاكا لقوانينها وتقاليدها وعاداتها.
المادة 12
1- للشعوب الأصلية الحق في ممارسة وتنمية وتعليم تقاليدها وعاداتها وطقوسها الروحية والدينية والمجاهرة بها؛ والحق في الحفاظ على أماكنها الدينية والثقافية وحمايتها والاختلاء فيها؛ والحق في استخدام أشيائها الخاصة بالطقوس والتحكم فيها؛ والحق في إعادة رفات موتاها إلى أوطانهم.
2- على الدول أن تسعى إلى إتاحة الوصول إلى ما في حوزتها من الأشياء الخاصة بالطقوس ورفات الموتى و/أو استعادتها من خلال آليات منصفة وشفافة وفعالة توضع بالاتفاق مع الشعوب الأصلية المعنية.
المادة 13
1- للشعــوب الأصلية الحق في إحياء واستخدام وتطوير تاريخها ولغاتها وتقاليدها الشفوية وفلسفاتها ونظمها الكتابية وآدابها ونقلها إلى أجيالها المقبلة، وفي تسمية المجتمعات المحلية والأماكن والأشخاص بأسمائها الخاصة والاحتفاظ بها.
2- على الدول أن تتخذ تدابير فعالة لضمان حماية هذا الحق وكذلك لضمان إمكانية فهم الشعوب الأصلية للإجراءات السياسية والقانونية والإدارية، وضمان تفهم وضعهم في تلك الإجراءات، حتى لو استلزم ذلك توفير الترجمة الشفوية أو وسائل أخرى ملائمة.
المادة 14
1- للشعوب الأصلية الحق في إقامة نظمها ومؤسساتها التعليمية والسيطرة عليها وتوفير التعليم بلغاتها، بما يتلاءم مع أساليبها الثقافية للتعليم والتعلم.
2- لأفراد الشعوب الأصلية، ولا سيما الأطفال، الحق في الحصول من الدولة على التعليم بجميع مستوياته وأشكاله دونما تمييز.
3- على الدول أن تتخذ، بالاتفاق مع الشعوب الأصلية، تدابير فعالة لتمكين أفراد الشعوب الأصلية، ولا سيما الأطفال، بمن فيهم الذين يعيشون خارج مجتمعاتهم المحلية، من الحصول، إن أمكن، على تعليم بثقافتهم ولغتهم.
المادة 15
1- للشعوب الأصلية الحق في أن يعبر التعليم والإعلام تعبيرا صحيحا عن جلال وتنوع ثقافاتها وتقاليدها وتاريخها وتطلعاتها.
2- على الدول أن تتخذ تدابير فعالة، بالتشاور والتعاون مع الشعوب الأصلية المعنية، لمكافحة التحامل والقضاء على التمييز ولتعزيز التسامح والتفاهم والعلاقات الطيبة بين الشعوب الأصلية وسائر شرائح المجتمع.
المادة 16
1- للشعوب الأصلية الحق في إنشاء وسائل الإعلام الخاصة بها بلغاتها وفي الوصول إلى جميع أشكال وسائل الإعلام غير الخاصة بالشعوب الأصلية دونما تمييز.
2- على الدول أن تتخذ تدابير فعالة لضمان أن تجسد وسائل الإعلام المملوكة للدولة على النحو الواجب التنوع الثقافي للشعوب الأصلية. وينبغي للدول أن تشجع وسائل الإعلام المملوكة ملكية خاصة على أن تجسد بشكل واف التنوع الثقافي للشعوب الأصلية، دون الإخلال بضمان حرية التعبير الكاملة.
المادة 17
1- للشعوب الأصلية وأفرادها الحق في التمتع الكامل بجميع الحقوق المكفولة بموجب قانون العمل الدولي وقانون العمل المحلي الساريين.
2- على الدول أن تتخذ، بالتشاور والتعاون مع الشعوب الأصلية، تدابير محددة لحماية أطفال الشعوب الأصلية من الاستغلال الاقتصادي ومن القيام بأي عمل يحتمل أن يكون خطرا عليهم أو متعارضا مع تعليمهم، أو أن يكون ضارا بصحتهم أو نموهم الجسدي أو الذهني أو الروحي أو الأخلاقي أو الاجتماعي، مع مراعاة نقاط ضعفهم الخاصة وأهمية التعليم من أجل تمكينهم.
3- لأفراد الشعوب الأصلية الحق في عدم التعرض لأية شروط تمييزية في العمالة، وبخاصة في مجالي التوظيف أو الأجور.
المادة 18
للشعوب الأصلية الحق في المشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمسائل التي تمس حقوقها من خلال ممثلين تختارهم هي بنفسها ووفقا لإجراءاتها الخاصة، وكذلك الحق في حفظ وتطوير مؤسساتها الأصلية الخاصة بها التي تقوم باتخاذ القرارات.
المادة 19
على الدول أن تتشاور وتتعاون بحسن نية مع الشعوب الأصلية المعنية من خلال المؤسسات التي تمثلها للحصول على موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة قبل اتخاذ وتنفيذ أي تدابير تشريعية أو إدارية يمكن أن تمسها.
المادة 20
1- للشعوب الأصلية الحق في أن تحتفظ بنظمها أو مؤسساتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتطورها، وأن يتوفر لها الأمن في تمتعها بأسباب رزقها وتنميتها، وأن تمارس بحرية جميع أنشطتها التقليدية وغيرهــا من الأنشطة الاقتصادية.
2- للشعوب الأصلية المحرومة من أسباب الرزق والتنمية الحق في الحصول على جبر عادل ومنصف.
المادة 21
1- للشعوب الأصلية الحق، دونما تمييز، في تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، ولا سيما في مجالات التعليم والعمالة والتدريب المهني وإعادة التدريب والإسكان والصرف الصحي والصحة والضمان الاجتماعي.
2- على الدول أن تتخذ تدابير فعالة، وعند الاقتضاء، تدابير خاصة لضمان التحسين المستمر لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. ويولى اهتمام خاص للحقوق والاحتياجات الخاصة للمسنين والنساء والشباب والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة من الشعوب الأصلية.
المادة 22
1- يولى في تنفيذ هذا الإعلان اهتمام خاص للحقوق والاحتياجات الخاصة للمسنين والنساء والشباب والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة من الشعوب الأصلية.
2- على الدول أن تتخذ، جنبا إلى جنب مع الشعوب الأصلية، تدابير لكفالة تمتع نساء وأطفال الشعوب الأصلية بالحماية والضمانات الكاملة من جميع أشكال العنف والتمييز.
المادة 23
للشعوب الأصلية الحق في تحديد وتطوير أولويات واستراتيجيات من أجل ممارسة حقها في التنمية. وللشعوب الأصلية الحق بصفة خاصة في أن تشارك مشاركة نشطة في تطوير وتحديد برامج الصحة والإسكان وغيرها من البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تمسها، وأن تضطلع، قدر المستطاع، بإدارة تلك البرامج من خلال مؤسساتها الخاصة.
المادة 24
1- للشعوب الأصلية الحق في طبها التقليدي وفي الحفاظ على ممارساتها الصحية، بما في ذلك حفظ النباتات الطبية والحيوانات والمعادن الحيوية الخاصة بها. ولأفراد الشعوب الأصلية أيضا الحق في الحصول، دون أي تمييز، على جميع الخدمات الاجتماعية والصحية.
2- لأفراد الشعوب الأصلية حق متكافئ في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من معايير الصحة الجسدية والعقلية. وعلى الدول أن تتخذ الخطوات اللازمة بغية التوصل تدريجيا إلى إعمال هذا الحق إعمالا كاملا.
المادة 25
للشعوب الأصلية الحق في حفظ وتعزيز علاقتها الروحية المتميزة بما لها من الأراضي والأقاليم والمياه والبحار الساحلية وغيرها من الموارد التي كانت بصفة تقليدية تمتلكها أو كانت بخلاف ذلك تشغلها وتستخدمها، ولها الحق في الاضطلاع بمسؤولياتها في هذا الصدد تجاه الأجيال المقبلة.
المادة 26
1- للشعوب الأصلية الحق في الأراضي والأقاليم والموارد التي امتلكتها أو شغلتها بصفة تقليدية، أو التي استخدمتها أو اكتسبتها بخلاف ذلك.
2- للشعوب الأصلية الحق في امتلاك الأراضي والأقاليم والموارد التي تحوزها بحكم الملكية التقليدية أو غيرها من أشكال الشغل أو الاستخدام التقليدية، والحق في استخدامها وتنميتها والسيطرة عليها، هي والأراضي والأقاليم والموارد التي اكتسبتها بخلاف ذلك.
3- تمنح الدول اعترافا وحماية قانونيين لهذه الأراضي والأقاليم والموارد. ويتم هذا الاعتراف مع المراعاة الواجبة لعادات الشعوب الأصلية المعنية وتقاليدها ونظمها الخاصة بحيازة الأراضي.
المادة 27
تقوم الدول، جنبا إلى جنب مع الشعوب الأصلية المعنية، بوضع وتنفيذ عملية عادلة ومستقلة ومحايدة ومفتوحة وشفافة تمنح الشعوب الأصلية الاعتراف الواجب بقوانينها وتقاليدها وعاداتها ونظمها الخاصة بحيازة الأراضي، وذلك اعترافا وإقرارا بحقوق الشعوب الأصلية المتعلقة بأراضيها وأقاليمها ومواردها، بما في ذلك الأراضي والأقاليم والموارد التي كانت تمتلكها بصفة تقليدية أو كانت تشغلها أو تستخدمها بخلاف ذلك. وللشعوب الأصلية الحق في أن تشارك في هذه العملية.
المادة 28
1- للشعوب الأصلية الحق في الجبر بطرق يمكن أن تشمل الرد أو، إذا تعذر ذلك، التعويض العادل والمنصف والمقسط، فيما يخص الأراضي والأقاليم والموارد التي كانت تمتلكها بصفة تقليدية أو كانت بخلاف ذلك تشغلها أو تستخدمها، والتي صودرت أو أخذت أو احتلت أو استخدمت أو أضيرت دون موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة.
2- يقدم التعويض في صورة أراض وأقاليم وموارد مكافئة من حيث النوعية والحجم والمركز القانوني أو في صورة تعويض نقدي أو أي جبر آخر مناسب، ما لم توافق الشعوب المعنية موافقة حرة على غير ذلك.
المادة 29
1- للشعوب الأصلية الحق في حفظ وحماية البيئة والقدرة الإنتاجية لأراضيها أو أقاليمها ومواردها. وعلى الدول أن تضع وتنفذ برامج لمساعدة الشعوب الأصلية في تدابير الحفظ والحماية هذه، دونما تمييز.
2- على الدول أن تتخذ تدابير فعالة لضمان عدم تخزين مواد خطرة أو التخلص منها في أراضي الشعوب الأصلية أو أقاليمها، دون موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة.
3- على الدول أيضا أن تتخذ تدابير فعالة لكي تكفل، عند الضرورة، حسن تنفيذ البرامج المتعلقة برصد صحة الشعوب الأصلية وحفظها ومعالجتها، حسبما تعدها وتنفذها الشعوب المتضررة من هذه المواد.
المادة 30
1- لا يجوز القيام بأنشطة عسكرية في أراضي الشعوب الأصلية أو أقاليمها، ما لم تبررها مصلحة عامة وجيهة، أو ما لم تقر ذلك أو تطلبه بحرية الشعوب الأصلية المعنية.
2- تجري الدول مشاورات فعلية مع الشعوب الأصلية المعنية، من خلال إجراءات ملائمة، ولا سيما من خلال المؤسسات الممثلة لها، قبل استخدام أراضيها أو أقاليمها في أنشطة عسكرية.
المادة 31
1- للشعوب الأصلية الحق في الحفاظ والسيطرة على تراثها الثقافي ومعارفها التقليدية وتعبيراتها الثقافية التقليدية وحمايتها وتطويرها، وكذلك الأمر بالنسبة لمظاهر علومها وتكنولوجياتها وثقافاتها، بما في ذلك الموارد البشرية والجينية والبذور والأدوية ومعرفة خصائص الحيوانات والنباتات والتقاليد الشفوية والآداب والرسوم والرياضة بأنواعها والألعاب التقليدية والفنون البصرية والفنون الاستعراضية. ولها الحق أيضا في الحفاظ والسيطرة على ملكيتها الفكرية لهذا التراث الثقافي والمعارف التقليدية والتعبيرات الثقافية التقليدية وحمايتها وتطويرها.
2- على الدول أن تتخذ، جنبا إلى جنب مع الشعوب الأصلية، تدابير فعالة للاعتراف بهذه الحقوق وحماية ممارستها.
المادة 32
1- للشعوب الأصلية الحق في تحديد وترتيب الأولويات والاستراتيجيات المتعلقة بتنمية أو استخدام أراضيها أو أقاليمها ومواردها الأخرى.
2- على الدول أن تتشاور وتتعاون بحسن نية مع الشعوب الأصلية المعنية من خلال المؤسسات التي تمثلها للحصول على موافقتها الحرة والمستنيرة قبل إقرار أي مشروع يؤثر في أراضيها أو أقاليمها ومواردها الأخرى، ولا سيما فيما يتعلق بتنمية أو استخدام أو استغلال الموارد المعدنية أو المائية أو الموارد الأخرى.
3- على الدول أن تضع آليات فعالة لتوفير جبر عادل ومنصف عن أية أنشطة كهذه، وأن تتخذ تدابير مناسبة لتخفيف الآثار البيئية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الروحية الضارة.
المادة 33
1- للشعوب الأصلية الحق في تحديد هويتها أو انتمائها وفقا لعاداتها وتقاليدها. وهذا أمر لا ينتقص من حق أفراد الشعوب الأصلية في الحصول على جنسية الدول التي يعيشون فيها.
2- للشعوب الأصلية الحق في تقرير هياكلها واختيار أعضاء مؤسساتها وفقا لإجراءاتها الخاصة.
المادة 34
للشعوب الأصلية الحق في تعزيز وتطوير وصون هياكلها المؤسسية وعاداتها وقيمها الروحية وتقاليدها وإجراءاتها وممارساتها المتميزة، وكذلك نظمها أو عاداتها القانونية، إن وجدت، وفقا لمعايير حقوق الإنسان الدولية.
المادة 35
للشعوب الأصلية الحق في تقرير مسؤوليات الأفراد تجاه مجتمعاتهم المحلية.
المادة 36
1- للشعوب الأصلية، ولا سيما الشعوب التي تفصل بينها حدود دولية، الحق في الحفاظ على اتصالاتها وعلاقاتها وتعاونها وتطويرها، بما في ذلك الأنشطة التي تقام من أجل أغراض روحية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية مع أعضائها ومع شعوب أخرى عبر الحدود.
2- على الدول أن تتخذ، بالتشاور والتعاون مع الشعوب الأصلية، تدابير فعالة لتيسير ممارسة هذا الحق وضمان إعماله.
المادة 37
1- للشعوب الأصلية الحق في الاعتراف بالمعاهدات والاتفاقات وغير ذلك من الترتيبات البناءة المبرمة مع الدول أو مع ما يخلفها من دول ومراعاتها وإعمالها، وفي جعل الدول تنفذ وتحترم هذه المعاهدات والاتفاقات وغيرها من الترتيبات البناءة.
2- ليس في هذا الإعلان ما يمكن تفسيره بأنه يقلل أو يلغي حقوق الشعوب الأصلية المنصوص عليها في المعاهدات والاتفاقات وغيرها من الترتيبات البناءة.
المادة 38
على الدول أن تتخذ، بالتشاور والتعاون مع الشعوب الأصلية، التدابير الملائمة، بما فيها التدابير التشريعية، لتحقيق الغايات المنشودة في هذا الإعلان.
المادة 39
للشعوب الأصلية الحق في الحصول على مساعدات مالية وتقنية من الدول وعن طريق التعاون الدولي، من أجل التمتع بالحقوق المنصوص عليها في هذا الإعلان.
المادة 40
للشعوب الأصلية الحق في إجراءات عادلة ومنصفة من أجل حل الصراعات والخلافات مع الدول أو الأطراف الأخرى وفي صدور قرار سريع في هذا الشأن، كما لها الحق في سبل انتصاف فعالة من أي تعد على حقوقها الفردية والجماعية. وتراعى في أي قرار من هذا النوع عادات الشعوب الأصلية المعنية وتقاليدها وقواعدها ونظمها القانونية وحقوق الإنسان الدولية.
المادة 41
تساهم الأجهزة والوكالات المتخصصة التابعة لمنظومة الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية الأخرى في التنفيذ التام لأحكام هذا الإعلان، ولا سيما من خلال حشد التعاون المالي والمساعدة التقنية. وتتاح السبل والوسائل التي تضمن مشاركة الشعوب الأصلية في المسائل التي تمسها.
المادة 42
تعمل الأمم المتحدة وهيئاتها، وبخاصة المنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية، والوكالات المتخصصة، ولا سيما على المستوى القطري، والدول على تعزيز احترام أحكام هذا الإعلان وتطبيقها التام ومتابعة فعالية تنفيذها.
المادة 43
تشكل الحقوق المعترف بها في هذا الإعلان المعايير الدنيا من أجل بقاء الشعوب الأصلية في العالم وكرامتها ورفاهها.
المادة 44
جميع الحقوق والحريات المعترف بها في هذا الإعلان مكفولة بالتساوي للذكور والإناث من أفراد الشعوب الأصلية.
المادة 45
ليس في هذا الإعلان ما يجوز تفسيره بأنه يقلل أو يلغي الحقوق الحالية للشعوب الأصلية أو الحقوق التي قد تحصل عليها في المستقبل.
المادة 46
1- ليس في هذا الإعلان ما يمكن تفسيره بأنه يقتضي ضمنا أن لأي دولة أو شعب أو جماعة أو شخص حق في المشاركة في أي نشاط أو أداء أي عمل يناقض ميثاق الأمم المتحدة، أو يفهم منه أنه يخول أو يشجع أي عمل من شأنه أن يؤدي، كلية أو جزئيا، إلى تقويض أو إضعاف السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية للدول المستقلة وذات السيادة.
2- يجب في ممارسة الحقوق المنصوص عليها في هذا الإعلان احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع. ولا تخضع ممارسة الحقوق الواردة في هذا الإعلان إلا للقيود المقررة قانونا ووفقا للالتزامات الدولية لحقوق الإنسان. ويجب أن تكون هذه القيود غير تمييزية ولازمة وأن يكون غرضها الوحيد ضمان ما توجبه حقوق وحريات الغير من اعتراف واحترام والوفاء بالمقتضيات العادلة والأشد ضرورة لقيام مجتمع ديمقراطي.
3- تفسر الأحكام الواردة في هذا الإعلان وفقا لمبادئ العدالة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمساواة وعدم التمييز والحكم السديد وحسن النية.

31
سفر الرؤيا على ضوء رؤيا معاصرة
المقدمة (3)

حين نتكلّم عن الرؤيا نفكّر اليوم بالنكبات والخوف وهيجانِ القوى الهائلة والشبيهة بانفجار ذرّيّ. أمّا في الحقيقة، فالرؤيا هو كتاب وحي نقرأه لأنّه يكشف لنا معنى الإنجيل. ولا نتوقّف عند تنديدات نبيٍّ غارَ غَيْرةَ الربّ فحكم على العالم الخاطئ وأنذره بأقسى العقوبات..
  1- تصميم سفر الرؤيا
لن نستطيع الآن أن نتكلّم عن تصميم بالمعنى الحصريّ. لاشكّ في أنّ هناك سبعَ كنائسَ وسبعَ رسائلَ وسبعةَ ختومٍ وسبعةَ أبواق... وهناك ثلاثُ بلايا... ولكن لا نستطيع أن نبيّن كيف تتنظّم هذه البنى.
2-  المواضيع المطروحة
مقدّمة ورؤية أولى (ف 1).
الرسائل السبع إلى الكنائس (ف 2- 3).
رؤية العرش والحمل والكتاب صاحب السبعة ختوم (ف 4- 5).
الختوم السبعة (6: 1- 8: 5) مع المعترضة في ف 7.
الأبواق السبعة (8: 6- 11: 19) مع المعترضة في 10: 1- 11: 14.
المرأة وابنها والتنين (ف 12).
الوحشان (ف 13).
144000 مختار أو الدينونة (ف 14).
الملاك والكؤوس السبع (ف 15- 16).
الحكم على بابل (17: 1- 19: 10).
المسيح الديّان (19: 11- 21).
الألف سنة والدينونة (ف 20).
عصر جديد (21: 1- 22: 5).
الخاتمة (22: 6- 21)..
  3-  تأليف سفر الرؤيا
أوّلاً: نصّ منقّح
هناك إشارات عديدة تدلّ على أنّ سفر الرؤيا نُقِّحَ مرّاتٍ بعد أن دوّن. وها نحن نقدّم مثلاً واحدًا: 16: 15: ها أنا آتٍ كالسارق. هنيئًا لمن يسهر ويحرس لئلاّ يمشيَ عريانًا فيرى الناسُ عورتَه. هذه الآية مزادة، فإذا حذفناها ترابطت آ 14 وآ 16. ولكن إذا تأمّلنا اللغة والمفردات نجد أنّ الكاتبَ نفسه وضع هذه الزيادة.
ثانيًا: نشرتان متتاليتان
فرضيّة الأب الدومينينيّ بوامار:
افترض شرّاح عديدون أنّ سفر الرؤيا لم يؤلَّف دفعةً واحدة في الشكل الذي نعرفه اليوم. فقالوا هناك نسخات متعدّدة وأيدٍ متنوّعة وطبقاتٌ مختلفةٌ. وانطلقوا من إثباتين. الأوّل: نرى في سفر الرؤيا مقاطعَ تتكرّر. قال بوامار: كلّ رؤية، كلّ حدث يظهر في نسختين. مثلاً: 000 144 من مؤمني المسيح (2:7- 8؛ 14: 1- 5). الطوباويّون في السماء (7: 9- 17؛ 15: 2- 5). ضربات السبعة أبواق والسبع كؤوس (ف 8- 9؛ ف 16). تصوير الوحش برؤوسه السبعة وقرونه العشرة (13: 1- 8؛ 3:17- 8). وتمتدّ اللائحة وتنتهي مع "أورشليم المثاليّة" (21: 1- 8؛ 21: 9- 22: 5) ورذل الأشرار بصورة نهائيّة. الإثبات الثاني: ولكنّ الدراساتِ الأخيرةَ وصلت بنا إلى القول إنّ كلّ الرؤيا دوّنت بيد واحدة. 
..........
نسخة ثانية زيدت عليها الرسائل:
هناك إشاراتٌ تدلّ على أنّ الكتاب عرف تحوّلاتٍ أكثر جوهريّة. فأوّل كلماتِ سفرِ الرؤيا تعلن البرنامج الذي أراد الكاتبُ أن يتوسّع فيه: أنْ يعلنَ ما سيحدث قريبًا (1: 19)، ويستعيد العبارةَ عينها في الخاتمة (22: 6) ليبيّن أنّه وصل إلى الهدف الذي وضعه نُصْبَ عينيه: لقد كرّس الكتاب حقًّا لإعلان ما سيحدثُ قريبًا. وهذه علامة واضحة تدلّ على وحدة النصّ وكماله. إنّه لا ينقصه شيء.
ولكن ماذا نجد إذا تمعّنّا في الأمور؟ في 1: 19 تعود الكلماتُ عينُها مع بعض التغيير: "أعلن ما يكون الآن وما سيكون فيما بعد". وهذا النظام يجد كماله المباشر: هذه هي الرسالة إلى الكنائس منذ بداية ف 2. وما إن تنتهي الرسالة السابعة حتّى يتقبّل الرائي وحيَ "ما سيحدث قريبًا" (4: 1).
نفهم إذن، أنّ الرسائلَ هي إعلانَ ما يكون الآن. وإنْ تَصَحَّحَ البرنامجُ الأوّل في 1: 19 و4: 1، فلكي يتيح للكاتب إقَحام توسّع غاب عن النصّ الأوّل. أجل، إنّ الرسائلَ إلى الكنائس زيدت فيما بعد.
 4-  الرمزيّة في سفر الرؤيا
تتكلّم الرؤى اليهوديّة بالألغاز والصور والرموز، فلا تختلف عنها رؤيا يوحنّا، كما يبدو. ولكن، إن عرفنا العهد القديم، لاحظنا أنّ أكثر الصور المستعملة تُفهم بسهولة: ابن الإنسان (ف 1)، الابن المسيحانيّ للمرأة (ف 12)، الحمل (ف 5)، العريس (ف 19)، كلّ هذهِ ألقابٌ تشيرُ إلى المسيح الذي أنبأ به العهد القديم.
وإن وجدت في سفر الرؤيا رموزٌ أكثرُ غموضاً (مثلاً 13: 18، عدد اسم نيرون)، فهي ولاشكّ تثير الفضول، ولكنّها لا تمنعنا من اكتشاف البشارة من خلال هذا الأسلوب المصطلح
 5-  التشاؤم:
تلقي الرؤى على العالم نظرة تشاؤم: فالشرّ يسود الأرض، والمؤمنون يُضايَقون، بل يُضطهَدون. ولكنّ الله سيتدخّل قريبًا، ويبدّل الحالة التي يشهد لها "الرائي" مسبقًا.
قد نظنّ أنّ أسلوب رؤيا يوحنّا لا يختلف عن أسلوب هذه الرؤى. ولكن إن قرأنا النصّ بتمعّن، وجدنا أنّ الكاتب يشدّد على أنّ الخلاصَ والنصر حاضران الآن (رج 12: 11). لا شكّ في أنّه يعلن ظهور الملكوت المجيد في المستقبل. ولكن بعد أن انتصر المسيح بصليبه، حصل البشرُ على جوهر الأمور، فلم يبق لهم إلاّ أن يحقّقوا في حياتهم واقع هذا الخلاص الذي تمَّ.
  6- الكشف عن المصير

تكشف هذه الرؤى عن أسرار مخطّطٍ وضعَهُ اللهُ منذ الأزل. فالذي حصل على وحي يقدر أن يتتبعّ في التاريخ تحقيقَ هذا القصد تحقيقًا تدريجيًّا وأن يصلَ إلى سرّ المستقبل....... رؤيا يوحنّا تستعمل لغة نبويّة أكثر منها جليانيّة. لا شكّ في أنّها تؤكّد أنّ إرادة الله سوف تتحقّق حتمًا (1: 1). ولكن تعاد هذه الآية في 22: 6- 7 لتعلن: ما يجب أن يحصل هو مجيء المسيح.........
لا شكّ في أنّ مخطّطَ الله أزليّ ولكنّنا نزيد أنّه مركَّز على يسوع المسيح منذ الأزل. لهذا نستطيع أن نقول عن الناس الذين دلُّوا على أمانتهم بطاعة حاليّة وخطرة، إنّهم مسجَّلون منذ البدايات في سفر الحمل (13: 8).
هكذا تُحوِّل رؤيا يوحنّا حتميّة الرؤى اليهوديّة الباردة إلى بشارة خلاص في يسوع المسيح. ولهذا نَسْمَع نداءاتٍ وتحريضات: يجب أن تحيا كإنسان مختار أي أن تبقى متّحدًا بالمسيح.
كلّ هذه الملاحظات تقودنا إلى القول إنّ كاتب رؤيا يوحنّا وعى أنّه يكتب كتابًا جليانيًّا: إنّه يعرف الفنّ الأدبيّ الخاصّ بهذا النوع من الكتابة ويستلهمه. ولكنّ إيمانه المسيحيّ يحوّل التعليم الجلياني من الأساس. احتفظ الكاتب بالشكل الخارجيّ، ولاسيّما حين يساعده على إعلان الانقلاب الذي يُتِمُّهُ يسوع في حياة كلّ إنسان كما في حياة العالم كلّه، وعلى الاحتفال بيقين انتظار مجيئه النهائيّ على أساس خبرة حضوره الحاليّ والمتطلّب والخلاصيّ.
7-  تعليم سفر الرؤيا: 
تعليم يوحنا النبوي ، الذي نحدّده في شكلينِ اثنينِ: المملكة الشيطانية  والنصر......

المملكة الشيطانيّة
أوحى أوّلاً الطبيعةَ الحقيقيّةَ للمملكة. كانت هناك أصوات مسيحيّة تشدّد على التوافقِ المُمْكِنِ بين مُثُلِ العصرِ السياسيّةِ والأخلاقيّةِ وبين الإيمان المسيحيّ. وقلّل آخرون من أهمّيّة الصِدامات التي جعلت سلطات المملكة تقف بوجه أعضاءِ الكنيسة الفتيّة واعتبروها تحوّلاتٍ بسيطةً وأخطاءَ مؤسفةً وعملَ الأباطرة الأردياء. أمّا سفر الرؤيا فأعلن بقوّةٍ أنّ المملكةَ هي في خدمة الشيطان. والبرهانُ على ذلك العبادة الوثنيّة التي هي في أساس النظام. فلا نستطيع أن نأمل تحسنا في العلاقات بين الكنيسة والمملكة. لا تقدر المملكةُ إلاّ أن تضطهدَ المسيحيّين. فعلى المسيحيّين أن يعرفوا أنّهم يسيرون نحو غَدٍ صعب. سيتكاثر الشهداء. قُهِرَ الشيطانُ على يد المسيح فقام بحملة على الكنيسة.

النصر
وما هو أخطرُ من هذا هو أنّ المملكةَ تنتصر، وهذا أمر طبيعيّ إذا قابلنا القوى الحاضرة: من جهة قبضةٌ من المؤمنين بالمسيح لا سندَ لهم ولا جيشَ ولا تأثيرَ. ومن جهة ثانية قوّةٌ رومةَ التي تسيطر على كلّ العالم المعروف. قال يوحنّا (رؤ 13: 7): "أعطي له أن يحارب القدّيسين ويغلبهم". وكل من يسجد لصورة الوحش يقتل (13: 5). هذا ما يقوله عادة كتّاب الرؤى. ولكن نسمع هنا صوتًا جديدًا. ترك يوحنّا الطريقة التقليديّة، فم يعلن تدخّلَ الله المقبل الذي سيأتي في النهاية ويُعِيْنُ أخصّاءه ويسحق أعداءه. بل أكّد: ليس الوضع الحاضر كما يبدو لعيونكم. لا تؤخَذوا بالظواهر. انزعوا القناعَ عن الوجوه المستعارة: يمكنكم أن تؤخذوا إلى الشهادة، أن تموتوا وتُغْلَبوا بطريقة نهائيّة. ولكنَّ الواقعَ الصحيحَ والحقيقةَ الأزليّةَ المؤسَّسَةَ على الله تختلف عن هذا: فالوقت الذي فيه صُلب يسوع كان وقت انتصاره. حينئذ قُهر الشيطان وأُنْزِلَ من السماء إلى الأرض وحُصر في مكان لا يقدر منه أن يبدّل مخطّطَ الخلاص. وكلّ مرّة يعترف أناسٌ على الأرض بأنّ السلطانَ الوحيدَ الذي أمامه ننحني وإيّاه نطيعُ هو سلطان الله ومسيحه، وكلّ مرّة يبرهن الناس في سلوكهم وفي استشهادهم على واقعيّة موت المسيح، ينتصرون هم أيضاً ويدلّون على الحقيقة الوحيدة التي لا تطمسها ظلمة قطّ.

8- خاتمتان

تبدأ خاتمة سفر الرؤيا في 22: 6 حيث نجد تذكيرًا بشروط الوحي: إرسال ملاك من قبل الله. وهدفًا: أن نبيّنَ ما سيحصلُ قريبًا. إلاّ أنّنا نلاحظ في 22: 16 عبارة مماثلة نكتشف فيها تبديلين مهمّين: صاحب الوحي هو يسوع، وموضوعٍ الوحي يعني الكنائس. فكأنّي بنا أمام خاتمة أولى استعيدت لتقدّم إيضاحاتٍ جديدةً ومهمّة: ما عدَّته آ 6- 7 وحيَ الله المتعلّق بالمسيح ومجيئه، صارَ الآنَ كلمةَ المسيح عن الكنائس. غير أنّنا لا نجد إلاّ حصة واحدةً في سفر الرؤيا تتحدّث عن كلمة المسيح الموجّهة إلى الكنائس، هي الرسائل السبع. ف 2 و 3 هما الفصلان الوحيدان اللذان يتحدّث فيهما المسيحُ بصيغةِ المتكلّم إلى الكنائس.
كلّ هذا يدفعنا إلى القول إنّ 22: 16 يتشكل خاتمةً ثانيةً زيدت على النسخة الثانية لتبرّر وجودَ الرسائل التي لم توجد في النسخة الأولى .
نافع البرواري
-----------------------------------------------------------------------
هذه المقالة والمقالة التالية مقتبسة (باختصار )من دراسة لسفر التكوين للأب بولس الفغالي كما في الموقع ادناه
http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=173&page_id=977

32


البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية – الجزء العاشر  -  المانوية
 
 الفصل ألأول                     

ماني والمانوية

تعليم  ديني ، وحركة دينية تعدود الى القرن الثالث ب م . أعتبرت المانوية في الماضي على كونها هرطقة من الهرطقات ، بل شيعة مسيحية . ولكنها في الواقع ديانة بكلِّ معنى الكلمة ، ديانة من النمط الغنوصيّ ، ديانة ذات نمط باطنيّ تتيح لتبّاعها البلوغ بواسطة المعرفة الى الله والى الخلاص ، ديانة ثنائيّة (*) حيث الله يعارض المادة ، والنور (الخير) الظلمة (الشريرة) . أمّا الخلاص فهو مبدأ وهدف كلّ نظرية وكل ممارسة ، وهو ينبثق من المعرفة ، ويتم بالمعرفة (1)
المـانــويّــة، ديانـــة جديدة
ماني مؤسّس ديانة جديدة. كان أيضًا طبيبًا ورسّامًا شهيرًا، وخطّاطًا، وشاعرًا. حين كان عمره أربع سنوات انضمّ مع والده إلى المغتسلة. وسنة 228، وعمره اثنتا عشرة سنة، جاءه وحيٌ أول من ملاك هو توأمه السماوي. وإذ كان عمره أربعًا وعشرين سنة، نال وحيٌّا ثانيًا فترك بدعة المغتسلة. وصار المرسل المتجوِّل، وأطلق تعليمه المؤلَّف من مبدأين وثلاثة أزمنة. أمّا المبدآن فهما ملك النور وملك الظلمة، الخير والشر. والأزمنة: زمن الانفصال، الزمن المتوسط، الزمن النهائي. منذ سنة 262-263، أعدَّ قوانين كنيسته، وأطلق رسله في كل الاتجاهات. ودوّن تسعة مؤلفات: شبوهراغان، الانجيل، الكنز، الأسرار، الرؤيات، الصورة، الجبابرة، الرسائل، المزامير والصلوات. تأسّست المانويّة في إيران، وكانت انطلاقتها، بحسب شبوهراغان، في 14 نيسان سنة 216 في بابلونية. أما الكنيسة المانويّة فجاءت تراتبيّةً مثل الكنيسة المسيحية: السامعون أو الموعوظون. هم العدد الأكبر. والمختارون أو الكاملون، ومنهم يتمّ اختيار 360 كاهنًا و72 أسقفًا، مع رئيس يخلف ماني الذي حسبَ نفسه خاتمة الأنبياء والمرسلين  .
يقول ابن العبري عن ماني :
"..... ماني تلميذ فادرون وكان عرف مذهب المجوس والنصارى والثنويَّة، فتنبَّأ وزعم في أوَّل كتابه الموسوم بالشابورقان وهو الذي ألَّفه لشابور بن أردشير، أنَّ الحكمة والأعمال هي التي لم يزل رُسُل الله تأتي بها في زمن دون زمن، فكان مجيئهم في بعض القرون على يدي الرسول الذي هو البد إلى بلاد الهند، وفي بعضها على يدي زرادشت إلى أرض فارس، وفي بعضها على يدي عيسى إلى أرض المغرب، ثمَّ نزل هذا الوحي وجاءت هذه النبوَّة في هذا القرن الأخير على يديَّ أنا ماني، رسول إله الحقّ إلى أرض بابل. وذكر في إنجيله الذي وضعه على حروف الأبجد (السريانية )الاثنين والعشرين حرفًا، أنَّه الفارقليط الذي بشَّر به المسيحُ، وأنَّه خاتم النبيّين." (2)

أوَّلاً: ماني وانتشار المانويَّة
أ‌-   سيرة ماني
معنى كلمة ماني بالفارسية تعني "الفريد ، النادر"(3)
ولكن ألأحتمال الأقوى ، كلمة ماني مشتقة من "مانا" من اللغة الارامية البابلية القديمة وهي تعني " روح الضوء" أو قد تكون اقرب الى "ملك النور   "   mana rabba" المندائية التي كانت منتشرة في بلاد مابين النهرين والمستمدة جذورها من الديانة البابلية القديمة
فاسم ماني هو لقب احترام  أكثر مما هو اسم شخص ، وهكذا اللقب غلب على اسمه ألأصلي (4)

وُلد ماني في 14 نيسان سنة 216 مفي بابلونية ، وفي موضع قريب من المدائن. يبدو أنَّه انتمى بأمِّه إلى سلالة الأرشاقيّين الذين قضى عليهم الساسانيّون سنة 224 ب.م. في سنته الرابعة التحق مع والده فاتك بجماعة المغتسلة وظلَّ معهم إحدى وعشرين سنة (من سنة 219/220 إلى سنة 240). هناك ترعرع، ونما فكره، ونضجت دعوته بتأثير عميق من المسيحيَّة في صيغتها الكسائيَّة(* *).
في عامه الثاني عشر، تسلَّم ماني من الملاك التوأم، من الروح البارقليط، أمرًا بأن يترك الجماعة. ولكنَّ عمره لم يسمح له. وتسلَّم، في عامه الرابع والعشرين، مهمَّة إعلان تعليمه. هذه »البشارة« الأخيرة التي تسلَّمها في 23 نيسان سنة 240 م تدلَّ على البداية للديانة الجديدة. تجسَّد في ماني الروحُ القدس (حسب ما يدعيه )والعلمُ الكامل، فصار رسولَ النور، والمنيرَ السامي الذي أرسله الله. وبدأ بنشر تعليم الرجاء والخلاص الذي أوحى له به، داخل الجماعة التي يعيش فيها. ولكنَّه اتُّهم بانحرافه إلى »الهلّينيَّة   « فاستُبعد عن الجماعة وانفصل عنها بشكل نهائيّ يرافقه والده واثنان اقتنعا بتعليمه.
كان عمر ماني في ذلك الوقت 24 سنة. ترك جماعةَ الكسائيَّة وأبحر إلى الهند حيث أقام سنتين، وعاش في جماعات بوذيَّة طبعته بتعليم بودا. لهذا، سمّى ماني نفسه رسولَ يسوع المسيح، ولكنَّه اعتبر بودا وزرادشت كسابقيه. في بداية حكم شهبور الأوَّل (241-272)، عاد ماني إلى بلاد فارس وبدأ كرازته يحميه شهبور الذي كانت له معه لقاءات عديدة. وظلَّ هكذا يبشِّر مدَّة ثلاثين سنة، ويعمل على تكوين تلاميذه، ويدوِّن كتاباته. ولكن بعد سنة 274، سوف يتغيَّر الوضع مع يقظة المزدويَّة(الزرادشتية) التي صارت وحدها الديانة الوطنيَّة، فحاربت الديانات الأجنبيَّة. اتُّهم ماني أمام الملك بهرام الأوَّل، فوضعه في سجن جنديسابور حيث مات من العذاب والتعب، يوم الاثنين 12 شباط 277. حينئذٍ قطع الجلاّدون رأسه وعرضوه على أحد أبواب المدينة. (5)
ب- آثار ماني
هناك سبعة كتب تعود إلى ماني. دُوِّنت في السريانيَّة أو الآراميَّة الشرقيَّة. وهذه الكتب هي:
(1) الإنجيل الحيّ أو الإنجيل العظيم أو الإنجيل من ألف إلى تاء. (2) كنز الحياة أو كنز الأحياء أو الكنز. ورد منه مقاطع في أوغسطين والبيرونيّ. (3) كتاب الأسرار. يتألَّف من 18 فصلاً ذكرها ابن النديم وذكر مقاطع منها البيرونيّ أيضًا. (4) المقال. يعالج الكوسموغونيا أو نشأة الكون. (5) كتاب الجبابرة. هو مجموعة أخبار ميثيّة تتعلَّق بأزمنة البشريَّة الأولى. (6) الرسائل. هي مجموعة رسائل ماني وخلفائه، ونحن نجد لائحتها في فهرست ابن النديم. (7) كتاب المزامير والصلوات.
ومع هذه الكتابات »القانونيَّة« نذكر التعليم المختصر الذي هو كتاب مصوَّر يتضمَّن التعليم للذين لا يجيدون القراءة. كما نذكر شهبوراغان المدوَّن في اللغة الفارسيَّة. قُدِّم إلى شهبور الأوَّل فتضمَّن مواضيع عن الكوسمولوجيّا (دراسة الكون)، عن الأنتروبولوجيّا (دراسة عن الإنسان)، عن الإسكاتولوجيّا (دراسة عن نهاية العالم). ونذكر أيضًا: فرائض للسامعين وللمختارين، شجب اليقين والأساس، كتاب الإرشاد والسلوك. ويورد أوغسطين كتاب رسالة الأساس. وهناك الفصول أو النقاط الرئيسيَّة في تعليم المعلِّم.(6)
ج- إنتشار المانويَّة
بدأ انتشار المانويَّة منذ سنة 240، يوم كان ماني على ضفاف الهندوس، فردَّ إلى »إيمانه« حاكمًا محلِّيٌّا »بودا الجديد«. وبعد موته، امتدَّت »الكنيسة المانويَّة« في الشرق والغرب.
في الشرق الأوسط، كان برديصان الرهاويّ هيَّأ الطريق، فدخلت المانويَّة بقوَّة جعلت آباء الكنيسة يقومون بحملة مضادَّة خلال القرن الرابع: أفرام في الرها؛ تيطس، أسقف بصرى، في المدن العشر؛ يوحنّا الذهبيّ الفم في أنطاكية؛ كيرلُّس في أورشليم. وتكوَّنت مجموعة مناوئة للمانويَّة: أعمال أرخيلاوس لهيجيمون أمّا إبيفان، أسقف سلامينة في قبرص، فكرَّس لتعليم ماني القسم الأكبر من كتابه ضدّ الهرطقات«.
في الشرق الأقصى حيث وُجدت في واحة طورفان، في قلب تركستان الصينيّ، الوثائق المانويَّة، اكتشفنا طريق »المرسلين« المانويّين، الذين انطلقوا من فارس إلى الهند، فوصلوا إلى آسية الوسطى والصين. سنة 762 تبنَّت مملكة أويغور المانويَّةَ ديانة الدولة. وخلال القرن السابع سيسمح إمبراطور الصين ببناء معابد مانويَّة في كلِّ أنحاء البلاد. في القرن التاسع وصل المرسلون إلى سيبيريا.
وانطلق المانويّون إلى مصر، وجعلوا من الصعيد القريب من أسيوط محطَّة اتِّصال بين بابلونية وحقول الرسالة في المتوسِّط. في 31 آذار 297، وبناء على طلب القنصل يوليان، أمر الإمبراطور ديوكليسيان بحرق »المختارين« وكتبهم، بالاستيلاء على أملاك المنضمّين إلى هذه الشيعة والحكم عليهم بالمنفى. ولكن ما وجد في الفيّوم من محفوظات تعود إلى القرن الرابع، يدلُّ على أنَّ المختارين والسامعين تحدَّوا قرار الإمبراطور وواصلوا نشر عقائدهم.
ووصلت المانويَّة إلى أفريقيا الشماليَّة. من 373 إلى 383، كان أوغسطين من السامعين المواظبين. ولكنَّ التعاليم الثنائيَّة خيَّبت آماله، فتركها وقام عليها بحرب لا هوادة فيها. وامتدَّت المانويَّة إلى إسبانيا حيث حاربها فنسان ده لارين. ووصلت إلى ليون في فرنسا، ثمَّ إلى إيطاليا حيث تدخَّل البابا لاون. ومن إيطاليا وصلت إلى البلقان وآسية الصغرى أي تركيّا الحاليَّة.
انتشرت المانويَّة بهذه السرعة، لأنَّ الغنوصيَّة سبقت فهيَّأت الأفكار في مصر مثلاً، والمونتانيَّة في أفريقيا الشماليَّة. وديانة ماني التلفيقيَّة التي انطلقت من المسيحيَّة والزرادشتيَّة والبوذيَّة، وجدت آذانًا مصغية في آسية. ولكنَّ هذا الانتشار سوف يحارَب على المستوى الدينيّ وعلى المستوى المدنيّ. فالفندال في أفريقيا الشماليَّة قضوا على الشيعة قضاءً تامٌّا. ولاحق الأباطرة الرومان أهل هذه الشيعة في كلِّ إيطاليا. وكانت الحرب شرسة في الصين، ولبثت المانويَّة تعمل حتّى مجيء المغول بقيادة جنكيسخان الذي دمَّر جماعاتهم في آسية الوسطى. (7)
ويقول الدكتور عاطف شكري أبو عوض ، عن انتشار البدعة المانوية (***) فيقول:

"وقد انتشرت تعاليم مانى بسرعة فى البلاد ، فانتشرت بادئ الأمر تآليفه فى بلاد بابل ومن هنا انتشرت عبر الشام وفلسطين وفى قبائل تغلب وغسَّان فى شمال الجزيرة العربية ومنها الى مصر ، فتلقفها الرهبان وعلموها للعامة من سواد الشعب ، ومن مصر امتدت تعاليم مانى الى شمال أفريقيا" (8)
ويشهد المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري عن أنتشار هذه البدعة في زمنه فيقول ، تحت عنوان "المانيكيين " (المانويين):
 "1-في هذا الوقت ظهر ذلك الرجل المجنون  واسمه مشتق من هرطقته الجنونية ، وحصن نفسه بقلب اوضاع عقله وتفكيره ، كما ابرزه ابليس اي الشيطان عدو الرب ، لهلاك كثيرين ، وقد كانت حياته وحشية في القول والفعل، وطبيعته شيطانية جنونية ، ونتيجة لهذا تظاهر بموقف كموقف المسيح ، واذ افتح جنونه نادى نفسه بانّه البارقليط الوحي القدس نفسه ومن ثم اقتدى بالمسيح (في الشكل ألأداري فقط) فاختار 12 تلميذا كشركاء له في تعليمه الجديد .
2-ومزج معا تعاليم مزورة وكفرية ، جمعهامن بعض ألآباء ألألحادية التي انقرضت منذ عهد طويل ، وبعث بها ، كسموم قاتلة ، من الفرس الى هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه ، واليه يرجع ذلك ألأسم البغيض "المانيكيون"(يقصد المانويون ) الذي لايزال سائدا بين الكثيرين "  (9)
والى اللقاء في الفصل الثاني  من المقالة عن المانوية

نافع البرواري


(1)
راجع  مقالات الأب بولس الفغالي عن  المانوية  في الموقع أدناه

 http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5209%3A2010-05-13-21-04-05&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128

(2)
نفس  المصدر اعلاه
(3)
(المعتقدات الدينية د.امام عبد الفتاح امام فى احدى هوامش (كتاب المعتقدات الدينية لدي الشعوب )  ص 129-130)

(4)
راجع الموسوعة الكاثوليكية  في الموقع أدناه
http://www.newadvent.org/cathen/09591a.htm
(5)نفس الموقع رقم واحد اعلاه
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5210%3A2010-05-13-21-49-17&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128
(6) نفس الموقع أعلاه
(7) نفس الموقع اعلاه
(8)
 فى كتابه (الزندقة والزنادقة ص55 ).دار الفكر-الأردن-عمان
راجع  الموقع أدناه
http://www.masyafy.net/vb/threads/masyafy8067/
(9)
راجع الفصل الواحد واالثلاثون من كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري) 
(*)المثنوية 

المثنوية هي النظرة الفلسفية التي ترى أن هناك وجود لمصطلحين أساسيين، غالبا ما يكونا متعاكسين، مثل الخير والشر، النور والظلام، الذكر والأنثى ؛ ولكن ثمة أمر يجب تسليط الضوء عليه ؛ فالمصطلحات ممكن أن تكون صحيحة أو خاطئة حسب ما تدفعها حقيقة الأشياء ؛ فالثنوية ليس هي حبيسة المصطلحات بل هي عقيدة تبين أن هناك ألهين أحدهما النور والخير والآخر الظلمة والشر وهي اندماج وثني قائم على تعدد الآلهة وأن ماني بن فاتك التي تنسب إليه المانوية من فرق الثنوية كان نصرانية تأثر بالمجوسية فدعى ما لم يدعيه المشركون الوثنيون ؛ وذلك أن المشركين من جميع الأمم لم يكن أحد منهم يقول إن للمخلوقات خالقين منفصلين متماثلين في الصفات فإن هذا لم يقله طائفة معروفة من بني آدم ولكن الثنوية من المجوس ونحوهم يقولون إن العالم صادر عن أصلين النور والظلمة والنور عندهم هو إله الخير المحمود والظلمة هي الإله الشرير المذموم.
و الثنوية هم الذين يقولون بأصلين للوجود، مختلفين تمام الاختلاف، كل منهما له وجود مستقل في ذاته، وبدون هذين الأصلين لا يمكن فهم طبيعة الكون، الذي تتصارع فيه القوى المتضاربة، التي ينتمى بعضها إلى أحد المبدأين، وينتمى سائرها إلى المبدا الآخر، مما يعنى أن حقيقة الوجود تنطوى على انقسام داخلى وتقابل ضرورى دائم بين أصلين، لكل منهما قوانينه وأطواره الزمنية الخاصة به، وأول من صاغ المصطلح هو المستشرق البريطاني توماس هايد.( من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة )

راجع ايضا الموقع التالي :
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5232%3A2010-05-14-22-31-57&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128

(الثنويَّة) (هؤلاء أصحاب الاثنين الأزليَّين يزعمون أنَّ النور والظلمة أزليّان قديمان بخلاف المجوس فإنَّهم قالوا بحدوث الظلام بتساويهما في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع
والفعل والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح).

(**)
الكسائية
شيعة نصرانية انتشرت في الجزيرة العربية. وقد مدحت السيرة الحلبية أتباعها، لكثرة ما يعرفون عن الحق "ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق"  ، وهم أهل العلم في القرآن، وهم النصارى المسلمون قبل المسلمين "وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين"....انتشرت هذه البدعة في أواسط مكة وقريش قبل ألأسلام وكان المؤمنين بهذه البدعة يسمون انفسهم أهل العلم ، وهم يعتقدون أنَّ المسيح انسان مثل سائر البشر وأنَّ المسيح: كلمة الله فارق يسوع قبل استشهاده ولهم رايين في الروح القدس : ألأول يقول أنّه المسيح وبالتالي فهو مؤنث ويعبدون ثلاثة آله منفصلة هم ، ألآب (يساوي) الله ، والأم(يساوي الروح القدس) ، ألأبن هو( المسيح ). وقد اشارة القران(الى هذا الفكر الخارج عن المسيحية) لوجود هذه ألآلهة الثلاثة في سورة المائدة 72 ."لقد كفر الذين قالوا إنَّ الله ثالث ثلاثة وما من إله إلاّ واحد..."
ا ويدَّعي الكسائي أنَّ ملاكا دفع اليه بكتاب من السماء محفوظا في لوح مقدّس نزّله عليه جبرائيل وعلّمهُ أسرار الحكمة ومعرفة خزائن الغيب (قارن هذه البدعة بالديانة ألأسلامية)
)Danielou Theol.Du judo_christianism p.68(
وجاء في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري (الفصل الثامن والثلاثون ) عن بدعة الألكسيين (الكسائية):
"فهو (الكسائي) يرفض أجزاء معيّنة من كل سفر(يقصد الكتاب المقدس) وايضا يسلّم باجزاء معينة من العهد القديم وألأنجيل ، ولكنه يرفض بولس الرسول كليَّة !!!
ويقول إنَّ إنكار المسيح امر قليل ألأهمية ، وإنَّ الفهيم يمكنه عند الضرورة ان ينكر بفمه لا بقلبه !!!!.(قارن بشريعة التقية في الأسلام )  ، ثم أنَّهم يبرزون كتببا معينا يقولون إنَّه نزل من السماء(قارن بالقران الذي نزل من السماء بحسب ااعتقاد المسلمين) ، ويعتقدون أنَّ من يسمعه (أي كتابهم ) ويؤمن به ينال مغفرة الخطايا  وهي مغفرة أُخرى خلاف تلك التي أعطاها المسيح !!!
راجع ايضا  الموقعين ادناه
http://www.alkalema.net/wafat/wafat9.htm
http://www.jesus4us.com/showthread.php?t=130186
(***)
وعن تاثر ألأسلام بالبدعة المانوية راجع ايضا الموقعين أدناه
http://www.coptichistory.org/new_page_1865.htm
http://www.masyafy.net/vb/threads/masyafy8067/

33
الخلق والتطور...حوار بين العلم وألأيمان
المقدمة (1)
هناك وعبر التاريخ ومنذ ان وعى (الأنسان )أنّه يختلف عن الخليقة في كونه قد وصل الى مرحلة من التطور الفسيولوجي والوعي بنشاطه العقلي( ذلك العقل الذي لا يقع تحت الحواس ولكنه يمارس نشاطه بواسطة الدماغ ، الذي هو اكبر واكثر تعقُّدا عند ألأنسان مقارنة بالكائنات الحية ألأخرى ) وظهور الحرية ، وألأستقلال ، والضمير ، والخطيئة ، اكتشف ذاته ، وعى وعرف  انّه يختلف عن الكثير من المخلوقات الحية التي تعيش احيانا كثيرة بالغريزة (وكانّها مبرمجة ) بينما البشرية وصلت مرحلة من التطور الذي تمخَّض عنه التفكير العلمي(بالعقل) والتفكير بالموت و بما وراء الحياة (الميتافيزيقية) . عرف الأنسان ، بانَّه كائن حي يتمتع بالحرية ويحب الحياة ويخشى الموت ، وحاول أن يبعد عنه شبح  العدو (الموت) وهكذا اصبح يفكر بما وراء الحياة والأيمان بوجود الهة هي التي تتحكم بمصير الأنسان ، واخيرا توصَّل الى حقيقة وجود اله واحد ، خالق الكون وواهب الحياة ، لأنَّه  اله المحبة  .
لقد قيل وكتب الكثير عن خلق الكون والكائنات الحيّة . من العلماء من يرى تعارضا بين نظرية الخلق الكتابية أعني بها كما وردت في سفر التكوين وبين نظرية التطور التي ترجع جذورها الى مطلع القرن الثامن عشر ابتداء بالأفكار التحولية التي نادى بها العالم الفرنسي بيير لويس دي موبرتوي ومرورا بالعالم الفرنسي لامارك الذي تنبه لوجود تدرج بارز في الكائنات الحيّة مع تعقُّد تصاعدي وصولا الى محطّة الترحيل الذي رسم معالمها العالم والمنظر البريطاني الكبير شارل بوبيرت دارون ، الذي وضع أسُس نظرية التطور كما نعرفها وندرسها اليوم ، وانتهاء باللاماركية الجديدة والداروينية الجديددة والحيادية .
ألأسئلة التي من الممكن أن تطرح حول عملية الخلق والتطور:
ترى  هل أنَّ ظهور ألأنسان حسب نظرية التطوّر البايلوجي يجعله مجرد مخلوق آلي محدد المعالم ؟ كيف يمكنه أن يكون حرا ومسؤولا؟ كيف يمكن بعد هذا ، الكلام عن وجودخالق ، حيث يبدو كل شيئ محددا بالميكانيكيّات البيوكيمياوية ؟ .
هل الله خلقَ الكون وهل توقَّف الله عند خلق الكون  ، أم أنّه حاضر وهو لازال يخلق ؟. وهل ألأنسان يتوقف عند اندهاشه بهذه اللوحة الجميلة(لوحة خلق الكون ) أم عليه أن يفتِّش عن الذي رسم هذه التحفة الفنية ليتعرف عليه ؟.
كيف ننظر الى سفر التكوين بعين تنظر بمنظار التطوّر ، وهل هناك تعارض بين الخلق والتطور ، اي بين الخلق كما جاء في سفر التكوين وبين التطور ؟ لماذا الموت الطبيعي ؟ وهل هي ظاهرة أساسية لتطوّر الجنس البشري ، أم ضرورة كونية ؟.
" اذا كنّا نؤمن بانَّ هذا العالم هو صنيع خالق ، وهو قد رتَّب كلِّ شيئ "بحكمة ومحَّبة" ألأ يشكِّل هذا ألأيمان سذاجة أو مخاطرة منّا (نحن المؤمنين )أمام هذا السيل من ألأكتشافات العلمية  في كُلِّ يوم ، وأمام عالم يسير بطريقة لوغاريتميا في اكتشاف و سبر مجاهيل الأرض لا بل الكون، ويغوص في اكتشاف اسرار نشوئه ؟
كيف نستطيع ، كمؤمنين ، أن ندافع عن هذا ألأيمان بخالق ومهندس هذا الكون، اذا لم نستطع أن نستوعب هذه ألأكتشافات  لنقول للعالم بأنَّها لا تتعارض مع ايماننا بل تؤكّد عليه ، عقليا  ؟وكيف نستطيع كمؤمنين أن نناقش موضوع نشوء الحياة وتطورها ، اذا لم نتسلح بالعلم والمعرفة ، وبالحجج المقنعة عقليا لندافع عن إيماننا ؟
أليس العلم والمعرفة (الثقافة) هما نتاج العقل في محاولاته لكشف أغوار الكون  ، ولكن بطرق اخرى ، للوصول الى "الحقيقة "  التي نحن ، كمؤمنين ، نؤمن أنَّ ،هذه الحقيقة ، جسدها يسوع المسيح في قوله "أنا هو الطريق والحق والحياة " فهو مسيح الكون ؟
أليست حياتنا ، نحن كبشر، مبنية على قيم ثقافية معيّنة وبواسطتها إنَّما نبحث عن الله ، كُلِّ في مجال عمله : الفيلسوف يعمِّق فكرته والعالم يتوسع في عمله الى أقصى الحدود ، وكُلٍّ منهما سيكتشف حقلا من المجهول شاسعا ، وهكذا  يحاول المؤمن أن يعيش و ينمّي ايمانه ، ولكن الله يبقى ما وراء هذه الحدود ، مهما زاد واتسع فهمنا للعالم الذي حولنا ، وسنزداد ادراكا للامتناهي الذي يتجاوزنا ابد الدهر ؟  .
 هل العلم ، ككُل ، يكتفي بذاته ويلبي طلبات ألأنسان المعنوية والروحية  ويجيب على كافة اسئلتنا الوجودية ، أم أنَّ الواقع يقول غير ذلك ؟
اليوم العلماء ( كعلماء الفيزياء والكيمياء والباحثين عن اصل نشوء الكون والحياة ) توصلوا الى حقيقة مدهشة تقول  "إنَّ المادة كانت ملأ بالحياة ....وليس من اللامعقول القول بأنَّ الكون تطور كما لو أنّه اراد أن يلد كائنا قادرا على أن يعي وعيا كاملا لوجوده "(مع الأعتراف بالطابع البشري الذي يتميّز به هذا الأقتراح ).... وعليه فانَّ مسالة ظهور الحياة على كواكب اخرى شبيهة الخصائص بكوكبنا أمر وارد .
لقد شاعت مختلف التفاسير عن عملية الخلق ألأصلية  ولازالت قائمة في شتى ألأديان .فسفر التكوين يقدم لنا عملية خلق تصدر من الخالق ألأوحد الذي هو مصدر كل وجود وكل حياة . فمن ألأرادة الخلاّقة للخالق تنبثق كل الكائنات المعروفة مرتبة وفق نظام معين يرتبط بدرجة كمال كل واحد منها . وترجع فكرة الخلق الفوري أو اللحظوي الواردة في النص الكتابي الى رغبة المرء في ارجاع كل وجود مباشرة الى العقل ألألهي ، علما بأنِّ الكيفيات التي تتم بها عملية الخلق لا تدخل في دائرة اهتمامات مؤلفي سفر التكوين . وقد بلورت التناحرات الفلسفية والدينية خلال القرن التاسع عشر لدى الراي العام التعارض بين الخلق والتطور لأن الباحثين آنذاك لم يعترفوا بالتطور إلاّ كانجاز لحظوي آني لأرادة الخالق . كما اننا لا نزال نلاحظ اليوم أنَّ بعض المسيحيين من انصار مفهوم الخلق هذا مضطرون لأن ينفردوا برفض هذه الحقيقة العلمية أو تلك ، أو لأن يتخلوا عن ايمانهم نهائيا .
انَّ التفسير الحرفي لسفر التكوين عن الخلق ، والذي لازال الكثيرون يتمسكون به ، يقود الكثير من المؤمنين الى التعصب ورفض الحقائق العلمية  . غير أنَّ التعارض بين الخلق والتطور قد انحسر كثيرا عند المسيحيين حتى لدى ذوي الثقافة البسيطة منهم  ...في الواقع أنَّ حصر الخلق بعملية لحظوية آنية لم يكن قط من رأي أللأهوتيين بالخالق وبعمله (كآباء الكنيسة ومار توما ألأكويني  الخ ..وحتى بعض المزامير  ) (2) ، انَّما هو في الحقيقة ثمرة قراءة حرفية جدا للصور الكتابية ....الواقع أنَّ ألأيمان لايعيش الاّ اذا نما وترعرع . من منّا يستطيع فهم  الله كما هو في الواقع؟ الا يزال باب اكتشافه مفتوحا دائما أمامنا ؟ فكُلّما وسعنا آفاقنا (المعرفية والثقافية ) يبقى الله ورائها : "أنا هو ذلك الموجود في الماوراء"...اوليست كُلِّ جهود البشر المبذولة لمعرفة العالم المخلوق وفهمه عبثا وجديرا بالسخرية عندما تُبعد البشر عن خالق هذا الكون ، والذي وحده يفسِّر كُلِّ شيء ويمنحنا فهم روائع الكون ، واذا ما ضاع هذا القدر من البشر باسم مستواهم الثقافي فذلك لأنَّ هذا المستوى رديء  ؟ . إن لم يستطع البعض أن يدمجوا انطلاقتهم الثقافية بايمانهم ، أفلا يعني ذلك أن إيمانهم ذاك كان ضعيفا جدا ؟ اليست الثقافة ، بدلا أن تقف عائقا بوجه ألأنسان ، بامكانها حتى تساعد ألأنسان لأن يتقدم نحو ألأيمان اذا كانت "منفتحة" وموّجهة نحو ما لا تملك ولا تكون موجهة بالتحديد نحو ما يمكنها البلوغ اليه ؟ . إن لم نتأمَّل في غير ما نعرفه ونملكه فكيف لنا أن نكتشف ماليس له حدود؟. لقد قيل قديما :"قليل من العلم يبعدنا عن الله الخالق ، وكثير من العلم يجعلنا ننحني ونسجد أمام هذا الأله الخالق . "فمن أنتَ أيُّها ألأنسان الذي تجاوب الله ، العلَّ الجَبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا ؟.
يقول  بولس الرسول : "...فنحن نعلم أنَّ المعرفة لدينا جميعا إلاّ أنَّ المعرفة تزهو بصاحبها ، والمحبّة هي التي تبني . فمن ظنَّ أنّه يعرف شيئا ، فهو لايعرف بعدُ كيف يجب عليه أن يعرف . لكن الذي يحبُّ الله يعرفه الله "1كورنثوس 8 : 1-3 "
سنرى كيف انَّ نظرية التطوُّر العلمية لا تتعارض في اللاهوت المسيحي مع نظرية الخلق الواردة في سفر التكوين . فهناك تلاقي وتوليف وانسجام بين ألأيمان  وبين العلوم الموضوعية  عن اصل نشوء الحياة والخلق. وسوف نكتشف  أنَّ التطور هو روعة وعمل الله الخلاّق . سنراجع بالبحث وألأستقصاء ما كتبه العلماء المؤمنون عن نشوء الحياة وألأستقلال الذاتي المتزايد للكائنات الحيّة وظهور ألأنسان وحريّته وعلاقته مع خالقه ومأساة الشر والخطيئة  والموت
هذا ما سنبحث عنه ، في المقالات التالية انشاء الله.

نافع البرواري
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1)لقد استفدت كثيرا في كتابة هذه المقدمة من كتاب "الخلق والتطور...حوار بين الدين والعلم " لمجموعة  علماء مختصين في علم البايولوجية وعلوم اخرى عن التطور وكذلك اخذت من مصادر اخرى كثيرة ككتاب العلم والمسيح للأب تيار دي شاردن وهو غني عن التعريف  والأستعانة بالأفكار اللاهوتية والعلمية من مصادر مختلفة .  ولاننسى الرجوع الى الكتاب المقدس كمرجع اساسي لهذه المقالات فمنه نستمدّ افكارنا نحن كمؤمنين .
 (2) البابا بيندكتس السادس عشر ف – عن الأيمان والعقل –يستشهد بالقديس توما الأكويني فيقول:
يقول القديس توما ألأكويني : "إنّ ترتيب العلوم مزدوج ، بعضها ينطلق من مبادئ معروفة على ضوء العقل الطبيعي ، مثل الرياضيات ، علم الهندسة ، وما شابه ذلك .
وبعضها ينطلق من مبادئ معروفة على ضوء علم اسمى : مثل الوجهة التي تنبع من مبادئ معروفة من خلال الهندسة ، والموسيقى من مبادئ معروفة بواسطة الرياضيات.
وبهذا الشكل عينه العقيدة المقدّسة (اي اللاهوت ) هي علم ينبع من مبادئ معروفة من خلال علم اسمى ، علم الله والقديسين

34
سفر الرؤيا على ضوء رؤيا معاصرة
المقدمة (2)
نافع البرواري

جاء في مقدمة سفر الرؤيا  في الكتاب المقدس (1) :
" كُتبَت رؤيا يوحنا في وقت كان فيه المسيحيّون مضطهدين لأيمانهم بيسوع المسيح . واكثر ما يهمُّ المؤلف في كتابة هذا أن يشيع ألأمل والرجاء والتمسُّك بالأيمان في أوقات الشدَّة والآلام .
تتألَّف "الرؤيا " من رؤى متتابعة أعرب عنها الكتاب باسلوب رمزي كان يفهمهُ المسيحيّون دون سواهم في تلك ألأيّام . ومع أنَّ هناك أختلافا في تفسير تفاصيل هذه الرؤيا ، إلاّ أنَّ الفكرة ألأساسية واضحة ، وهي أنَّ الله سينتصر بالمسيح يسوع في نهاية ألأمر على جميع أعدائه ، ومنهم إبليس ، وسيُكافئ شعبثهُ ألأمين ببركات سماء جديدة وارض جديدة ، ، حين يتُم النصر الكامل .
ويقول الأب بولس الفغالي (2)
"سفر الرؤيا كتاب صعب وقليلون هم الذين يعرفونه حقا. من جهة هو يصُدُّنا وينفرنا منه . ومن جهة ثانية ، يجتذبنا ويسحرنا .... يسحرنا ويجتذبنا اليه لكي نقرأه ونحاول أن نفهم معانيه . فليس من كتاب في العالم عرف تفاسير بقدر ما عرف سفر الرؤيا ....والتفاسير مختلفة جدا بعضها عن بعض . من قارئ حرفي  للنصوص الى شارح يودُّ أن يقرأ المستقبل  في كتاب يفتح آفاقا على نهاية العالم .هناك في العالم حروب ، وسفر الرؤيا يقرأها على أنَّها عقاب من الله للذين يضطهدون كنيسته.....هناك من فسّروا  سفر الرؤيا وقالو أنَّه سفر الخوف بسبب ما يحمل من صور عن نكبات وكوارث تحدث في الكون وتعلن نهاية العالم ، واخذوا يقومون بالعمليات الحسابية التي تستند الى المخيلة لا الى معنى الكتاب بل قرأوا ألأعداد والرموز بطريقة حرفية فجعلوا المخلصين 144000 شخصا لا أكثر ولا أقل ،أمّا الباقون يعودون الى العدم أو يعيشون حياه البهائم ، بل ألبهائم أفضل منها . .... والألف سنة التي يتحدثون عنها ليست رقما محددا ، بل رقما رمزيا . فالعدد "الف" يَدُلُّ على على كمية كبيرة جدا . وهذه  ألألف سنة ، التي يذكرها رؤ تدل على المدة الممتدة من مجيئ المسيح الأول ، من موته وقيامته  الى مجيئه الثاني . هذا المجيء الثاني قد بدأ وسوف يكتمل في ساعة لا يعرفها ملائكة السماء ولا ألأبن إلاّ ألآب.منذ موت المسيح وقيامته ، تمَّ الظفر ليسوع على الشيطان وأعوانه  .فلا ننتظر انتصارا آخر. كُلِّ ما ننتظر هو أن يدخل كُلِّ واحد في مسيرة يسوع فيصير :غالبا" مثل يسوع الغالب ويأكل من شجرة الحياة....  نهاية العالم كُلِّ العالم ، أي كمال السماء الجديدة ، تبقى بعيدة . ولكن هذه النهاية بدأت منذ موت المسيح وقيامته .ألآن بدأت دينونة هذا العالم "وأنا إذا ما ارتفعت جذبت الىَّ الناس أجمعين" . وبالنسبة  الى كل واحد منا ، فهو يدخل في النهاية بواسطة المعمودية الى موت وقيامة مع المسيح ، بأنتظار ساعة الموت التي فيها ندخل في ألأرض الجديدة والسماء الجديدة. لا نهاية العالم ليست باعثا على الخوف ، إنّها عودة الى بيت الآب على مثال يسوع الذي فرح حين "عَلِمَ أنَّ ساعته جاءت بأن ينتقل من هذا العالم الى الآب " .
وقالوا إنَّ سفر الرؤيا هو صورة مسبقة عن تاريخ البشرية . وحاولو أن يضعوا إسما على التنين  والوحش ألأول والوحش الثاني . إنَّ الكتاب المقدس في كُلِّ أسفاره لم يكتب يوما التاريخ من أجل التاريخ . بل هو نظرة الى التاريخ على ضوء كلمة الله .
نحن نستنبط الطرق التي بها تشهد الكنيسة ليسوع المسيح في العالم الذي تعيش فيه . هنا نتذكر ما حدث بعد مجمع أورشليم الذي عقد سنة 49م . في النهاية أعلن المجتمعون :"لقد راى الروح القدس ونحنُ" .
وهذا ما نقوله عن سفر الرؤيا وعن تاريخ الكنيسة : سنعمل مع الله لكي نتابع عمل يسوع "الشاهد ألأمين".
من أجل كُلِّ هذا ، لن نبحث عن أسرار الله في رؤ . لن نبحث عن أسماء أشخاص في التاريخ لأنَّنا ندلّ حينذاك على جهل فادح ، بل على تجديف على أسم الله ، لأنّنا نُدين الناس ونحكم عليهم حين نجسِّدهم في صورة التنين الذي هو الحيّة الجهنّميّة أو الشيطان .وحين نجسِّدهم في الوحش ألأول الذي يمثل السلطة السياسية بما فيها من بشاعة وظلم . وحين نجسّدهم في الوحش الثاني الذي يمثِّل النبي الكذاب وكلِّ ما في العالم من ايدولوجيات تستعبد ألأنسان وتدوس حقوقه .
سلطة الأمبراطورية تجسَّدت في نيرون ثم في دوميسيانس اللذين  اضطهدا كنيسة الله . ولكنها تتعدّى ألأشخاص لكي تصل الى نظام يسحق الناس وينتزع منهم حريّتهم ويجعلهم كقطعان الغنم . وحين تعمل ألأيدولوجيات والفلسفات الكاذبة ، على تأليه البشر على حساب الله ، حيث تعمل في خدمة القوّة الغاشمة ، فلتعرف أنَّ آخرتها الدمار ..... . ففي أكبر الويلات ، كان هناك نداء الى التوبة للأشخاص مهما تمادوا في الشَّرِ . والله لا عدوّ له إلاّ الموت والشَّر والخطيئة  من أي موضع أتت .
لا، لا نجعل سفر الرؤيا في عالم الخيال . إنَّه كلام واقعي . ولا نجعله في ما وراء الزمن في نهاية العالم وحيث لايكون لنا دور نفعله ، فتفعل عنا حتميّة التاريخ أو اله يعيش في السحاب ولا يرضي أن يقاومه أحد . سفر الرؤيا يأتي من الذي كان ويكون ويأتي ، ولكنه يتجسّد في عالمنا . ويدعونا نحن العائشين في العالم أن لا نهرب من العالم . قال بولس لأهل تسالونيكي وهو يقول لنا في خط رؤيا يوحنا : "لاتتزعزعوا سريعا في أفكاركم ولا ترتعبوا من نبوءة أو قول أو رسالة كأنَّها منّا تقول إنَّ يوم الرب جاء . فلا يخدعكم أحد بشكل من ألأشكال؟ .
سفر الرؤيا هو كتاب النهاية التي بدأت في موت يسوع وقيامته . ونحن ندخل فيها لكي نجعل إنجيل يسوع يعمُّ الكون كُلّه . أجل ، قد تاتي الحروب والمجاعات والزلازل فيقول لنا يسوع :"ليس هو المنتهى بعد" . ولكن حين يبشِّر بأنجيل الملكوت في المسكونة كُلُّها ، شهادة للأُمم ، "عندئذ يأتي المنتهى"
هناك كوارث طبيعية أو غير طبيعية (مثل حريق رومة أو اجتياح الفراتيين لأمبراطورية) .إنّها تنبيه الى سلطة رومة لكي تعرف انّها ليست "الله".  أجل ، هناك سلطة الهية فوق سلطة البشر، والويل لمن يساوم فيترك سمة الحمل ويأخذ سمة الوحش على جبهته ويده اليمنى لكي يستطيع أن يشتري ويبيع ويجد عملا ويرتاح في حياته اليومية ....المؤمن لا خيار له . من ليس مع المسيح فهو ضد المسيح . ومن لا يبني مع المسيح يكون وكأنّه يهدم ما يهدمه المسيح . .....سفر الرؤيا هو كتاب الرجاء أولا وأخيرا في عالم يائس ورسالة تعزية وسط المحن ، وألأضطهادات ، وهو يعبّر عن حقيقة الخلاص  وعمل الله ومخططه في التاريخ ..... يصور (سفر الرؤيا) تاريخ البشرية ودينونة ألأمم في لغة رمزية . فهذه اللغة بما فيها من جرأة لاتخضع لقواعد المنطق ، بل تربط الواقع بما هو بعيد كُلِّ البعد عن الواقع ....فعالم الصور والرموز يجتاح كاتب الرؤيا فيسكر ويستعمل هذه المواد إيّاها عن طريق المفارقة ، بشكل جريء يتحدى كُلِّ تصوُّر . فعلينا أن ندخل في حركة فكر ولغة هؤلاء الكُتّاب ، وإلاّ ظلَّ تعليم الكتب الجليانية (  أي الكشف  أو ألأنجلاء ) مغلقا علينا .
هناك سحر يطوِّقنا وصور تجتاحنا ، يجب أن نفهم معناها  وإلاّ لبثنا غرباء عن هذا العالم الذي هو بعيد كلِّ البعد عن المناخ العلمي الذي يعيش فيه البشر على عتبة ألألف الثالث .
نعم سفر الرؤيا  يختلف عن كُلِّ ألأسفار ، لأنَّه يروي رؤيا لا يسمعها البشر ولايرونها ، ينطلق من العهد القديم الى العهد الجديد ويرينا أنّ الله هو المنتصر.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(1)مقدمة الكتاب المقدس – دار الكتاب المقدس في الشرق ألأوسط

(2) (مقتطفات من مقدمة سفر الرؤيا  للأب بولس فغالي).

35

من يتحمَل مسؤولية محنة مسيحييّ العراق ؟


نافع البرواري


يمكن أن نلخّص حالة المسيحيين في العراق ، قبل وبعد سقوط النظام السابق بقيادة الدكتاتور صدام حسين ، ببعض النقاط المهمّة والرئيسية ، وهي تصلح لتكون ألأطار العام لتشخيص حالة المسيحيين، العراقيين ، ومعاناتهم في الماضي والحاضر ، لتكون لنا رؤيا لمستقبل هذا الشعب الذي ينزف دما نتيجة الطعون المدمية لسيوف ألأشرار وسكاكينهم المسمومة والكثيرة ، بسبب تمسك هذا الشعب وعبر مئات السنيين بمسيحيته ولغته الجميلة وأرضه ومقدساته وهويّته وقوميته وتراثه وحضارته الغائرة في القدم والتي كانت نبعا لا زال الى يومنا هذا ترتوي منه الحضارات اللاحقة :
حالة المسيحيين قبل سقوط الدكتاتور صدام حسين
1-منذ 1961-1988(لابل قبلها في الحرب العالمية الأولى وحرب الأبادة الجماعية في احداث سميل سنة 1933 ، ) عان المسيحييون في العراق بسبب الحرب الدامية بين العرب وألأكراد في شمال العراق (حيث كان المسيحيين يشكِّلون نسبة كبيرة في هذه المناطق)عان فيها المسيحيين حيث قتل الكثيرون ودمّرت مئات القرى بكنائسها وفقد مسيحيّوا المنطقة ارضهم ومقدساتهم وهاجر و وتشرد الآلاف الى المدن الجنوبية ، وقام الأكراد والعرب بالأستيلاء على القرى المسيحية في حملة لتغيير الواقع الديموغرافي للمناطق التي كان يسكنها المسيحييون. وجائت الحرب الأيرانية العراقية (1981 )لتزيد مأساة الشعب المسيحي الذي فقد خيرة شبابه في حرب فرضت عليه واستمرت ثماني سنوات . خاض نظام البعث ، بقيادة الدكتاتور صدام حسين ، حربا ضد الكويت(حرب الخليج الثانية 1991) ودخل الشعب في حصار اقتصادي دام اكثر من 12سنة عاش ،الشعب العراقي عامة والشعب المسيحيّ خاصة ، المعانات اقتصاديا ونفسيا وثقافيا حيث أصبح العراق سجنا كبيرا ومنعزل عن العالم . وفي ظل نظام البعث وبقيادة الدكتاتورصدام حسين كان حال المسيحيين كحال بقية المجتمع حيث كان الظلم بالتساوي ولم يخلى بيت عراقي من مآسي الحروب التي اشعلها هذا النظام حيث في كل بيت كان هناك امّا شهيد او مفقود او سجين .
صدام حسين كان يستخدم المسيحيين كمواطنين صالحين أمناء يثق بهم وليس حبا بهم والدليل قيامه بحملة ايمانية اسلامية وحاول فرض تدريس الدين الأسلامي على المسيحيين ، وقتل أعدادا من خيرة شبابنا المعارضين لسياسته، ولا ننسىمحاولاته المستميتة في محو هوية شعبنا الكلدو اشوري وذلك بحملة غير مباشرة لأحتوائهم وتعريبهم ، حيث
سياسة حزب البعث، كانت قومية (امة عربية واحدة) وهذا يعني محاولة فرض اللغة العربية والقومية العربية على الأقليات ومنهم شعبنا الكلدو آشوري ، وقد حاول هذا النظام أن يمحو هوية هذا الشعب العريق ، بفرض الهوية العربية عليه وفرض سياسة التعريب على الشعوب الغير العربية . وفي ظل نظام البعث بدأت أمواج الهجرة المسيحية بسبب بطش هذا النظام وحروبه المستمرة وغياب القانون ، حيث كان احيانا يتم تنفيذ قوانين عشائرية وقبلية ، وهذا يعني القوي ياكل الضعيف (قانون الغابة)
ومن ناحية ثانية كان (وما زال ) أخوتنا الأكرادل وللأسف ، ويمارسون نفس دور نظام البعث بخصوص تكريد ألأقليات ومنهم الكلدو اشور ، في أقليم كردستان ، ويحاولون تغيير المعالم الحضارية والأثرية للحضارة ألآشورية وتغيير اسماء المدن والقرى الكلدو آشورية والأستيلاء او التجاوزعلى عشرات القرى للكلدو اشورية .ولا ننسى التكالب والتنافس القائم بين حكومة المركز واقليم كردستان للسيطرة على سهل نينوى الذي كان قبل مئة سنة ذو الغالبية المسيحية . فيما اليوم لايتجاوز نسبة المسيحيين 30% بسبب الحرب الناعمة التي شنّتها الحكومات السابقة واللاحقة في هذه المنطقة وبسبب هذا التكالب بين الحكومة المركزية واقليم كردسان ، عان شعبنا المسيحي بكافة فئاته ، بسبب هذا الصراع ، وبسبب أهمال هذه المنطقة في كل مجالات الحياة الأقتصادية والأعمارية والسياسية ....الخ وفقدان فرص التعليم والعمل ، مما دفع الكثيرون من ابناء شعبنا المسيحي لترك ارضهم وقراهم ومدنهم ، وهاجر الكثيرون منهم خارج العراق .

حالة مسيحيي العراق بعد سقوط صدّام
المسيحييون عانوا ويعانوا سواء قبل او بعد سقوط النظام الدكتاتوري ولكن اختلافهم عن العرب والأكراد هو انَّ ألأخيرين حصلوا على حقوقهم بعد سقوط النظام سنة 2003 بينما المسيحيين المسالمين العزل صاروا مشردين في العالم ولم يحصدوا غير الماسي ، وهاجرأكثر من50% من المسيحيين خارج العراق وخسروا ارضهم وبيوتهم ووظائفهم ومقدساتهم وألأخطر من كل ذلك ضياع هويتهم والأنفصال من جذورهم التاريخية , فيما كانوا هم الشعب الأصيل المتجذر في التاريخ .
أصبحت القوانين بعد سقوط النظام تطبق شريعة الغابة حيث يقول المثل العربي"ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" بينما المسيحييون هم كانوا ولا يزالوا مثل الحملان بين الذئاب . فقد أصبح الحكم في العراق بيد الأقوياء ، من الشيعة والسنة والأكراد ، وأصبح المسيحيّون همَّهم الأول ألحفاظ على حياتهم ورزقهم ، بعد أن تمَّ تهديدهم وإرهابهم وتهجير القسم الكبير منهم من أرضهم ومساكنهم ومقدساتهم ، وتم تهميش الباقين وأقصائهم في المساهمة في القرارات السياسية والأقتصادية ، بسبب قانون الغابة الذي يتم تطبيقه اليوم في العراق حيث هناك مخاصصة طائفية وعرقية وعشائرية وموالات وتكتلات لتوزيع الحصص ،هذا عدا الفساد في جميع مرافق الحياة ، المالية والأدارية والسياسية وحتى القضائية ،وغياب العدالة في بلد يحكمه قانون لايطبق حتى الدستور الذي شُرّع ليكون قانوانا يرجع اليه الجميع ( بغض النضر عن ديانتهم ومعتقداتهم وأنتمائاتهم ) لنيل حقوقهم المشروعة في أن يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى .
مسؤولية الحكومة والدولة العراقية في تفاقم محنة المسيحيين
إنَّ سياسة الحكومات المتعاقبة ، منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق في 2003 ، كانت مبنية على الحصص الطائفية والمذهبية وبروز أحزاب اسلامية راديكالية تحاول فرض الشريعة ألأسلامية على القوانين المدنية ، مما خلق أجواء التعصب والكراهية ضد المسيحيين ، لا بل فرض الحجاب في أحيان كثيرة على المسيحييات ، وغلق النوادي الترفيهية وتحريم المشروبات الروحية والموسيقى والأغاني والمسارح وأحيانا وصلت الأمور بالتحريض على قتل المسيحيين وتحليل سلب ونهب أموالهم وإحراق محلاّتهم ومصادر رزقهم ، بفتاوى دينية ، على إعتبارهم (اي المسيحين ) كفرة ومشركين ، أوبحجج واهية أخرى . وهذا يتم كُلُّه ، للأسف ، من خلال منابر الجوامع ومواقع لقنواة إعلامية مختلفة وعلى مرأى ومسمع الحكومة والسياسيين الذين من المفروض أن يطبّقوا القانون في المساواة بين الجميع وتطبيق الحرية الدينية والفكرية التي يتكفّل به الدستور الذي تم تشريعه بعد سقوط النظام السابق .وهكذا تم نهب وسلب واتلاف الآثارالعراقية ، على إعتبارها أصناما ، من منظار الأحزاب .ألأسلامية الراديكالية ، وكذلك بيع القطع الأثرية من قبل سماسرة وتجار ألآثار و الحروب ، مما يؤكد وجود أيدي خفية لمحو آثار الحضارة الكلدوآشورية . إنَّ هذه ألآثار تؤكّد على هوية العراقيين وخاصة شعب بين النهرين ( الآشوريين الكلدان السريان) عبر آلاف السنين ، وهذا يعني وجود خطة مدروسة ومحكمة ليس لتهجير الشعوب الأصيلة من العراق ب القضاء على الحضارة العريقة لشعب بين النهرين وطمس هويته .
في أغلب حوادث القتل وحرق الكنائس لم تطبق القوانين لمحاكمة المجرمين وتم غلق الملفات وخاصة الأعتداءات على المسيحيين وهذا يدعونا ، نحن كمسيحيّين الى وضع عشرات علامات الأستفهام ، عن إحتمالية تورط القادة السياسيين والدينيين فيما حصل ويحصل من عمليات قتل وتهجير المسيحيين و حرق وتهديم مقدساتهم ،لهذه ألأسباب وغيرها كثيرة ، فقد شعبنا المسيحي الثقة بالحكومات المتعاقبة .
مسؤولية المحتلين وألأمم المتحدة في تفاقم محنة مسيحيي العراق
لايمكن أن يكونوا الحلفاء ، بعيدين عن معرفة حقيقة الجرائم التي أُرتكبت بحق المسيحيين طوال أكثر من سبعةسنوات (2003 – 2011) ، وهذا يستدعي منا نحن المسحيين أن نكشف المآمرة الرهيبة التي شاركت فيها قوى أقليمية ودولية لاخلاء العراق خاصة والشرق ألأوسط عامة من المسيحيين .
آنَّ الغرب ، الذي يتظاهر بأنّه حامي حقوق ألأنسان ، اثبتت الحقائق أنَّه لا يهتم إلاّ بمصالحه الأقتصادية في المنطقة
ولا يبالي بحقوق المضطهدين في هذا العالم . لم نسمع بجهود دولية وحتى من الأمم المتحدة لحماية الأقلية المسيحية في العراق بالرغم من وجود نصوص في ميثاق الأمم المتحدة في حق "تقرير المصير " للشعوب ألأصيلة في حال تعرضها للخطر وفي حال عجز الجهات الرسمية في الدولة عن حماية حقوقها وارضها (الجمعية العامة للأمم المتحدة 13 ايلول). في حين تم حماية الأكراد عام 1990 من بطش صدام حسين ووضع حضر جوي لمنع صدام حسين من قصف المناطق الكردية وتم تاسيس حكم ذاتي للأكراد ولهم قرارات سياسية وحصة في ميزانية الدولة ويتمتعون بكامل حقوقهم المشروعة. في حين لا زال المسيحييون مشردون في الوطن وفي البلدان المجاورة والنسبة الكبيرة منهم هاجر الى الشتات ولازال الجرح مفتوحا ونزيف الهرجة مستمرا .إنَّ المنظمات الدولية (ألأنسانية ) تضع الدول العربية في طلائع الدول التي تشكِّل خطرا أثميا ضد ألأقليات ، وخاصة الأقليات المسيحية ، والعراق في صدارة هذه الدول التي يمارس القتل والأبادة الجماعية والقمع والتهجير (عن القناة الفضائية العربية في 2-7-2009 )
مسؤلية الكنيسة في ما يجري بحق مسيحيي العراق
لا ننسى مسؤولية رؤساء كنائسنا في تغاضيهم وعدم نقلهم لحقيقة ما جرى ويجري ، بحق شعبهم المسيحي ، الى الكنائس العالمية والمنظمات الأنسانية ، حيث من المفروض أن يكونوا رعاة حقيقيين يدافعون عن شعبهم ومقدَّساته، مهما كان الثمن ، بينما نراهم(في غالبيتهم) خانعين خاضعين للقدرية وكأنَّ لسان حالهم يقول ، هذا هو الواقع فتقبلوه كما قبل المسيح الصليب . بينما يسوع المسيح لم يكن خنوعا ، كان مثل حد السيف لم يغيِّر مواقفه ومبادئه ولم يسواوم على الحق وكان يدافع عن المهمشين والمظلومين والفقراء والمساكين ، بوقوفه بوجه رجال الدين اليهود ، ووقف بوجه بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني في زمانه وقال له "أنا وُلِدّتُ وجئتُ الى العالم حتى أشهد للحق" . كذلك الرسول بولس طالب (بحقِّه) بمحاكمته في روما لكونه مواطنا رومانيا .كان على رجال الدين ان لايخافوا ممن يهددون او يقتلون او يهجِّرون ، بل يجب ان يكونوا رعاة حقيقيين يدافعوا ، حتى الشهادة ، لحماية شعبهم المسيحي .
هناك ، للأسف ، بعض رجال الدين ، يساوون بين الظالم والمظلوم ، عندما يقولون ان الغبن والظلم كان متساوي لجميع فئات الشعب العراقي ، بينما الحقيقة تقول ، أنّ الغالبية من الشعب العراقي بعربه وأكراده لم يفقدوا أرضهم ومقدساتهم ، بينما نحن المسيحيين فقدنا كُل شيئ وتمّ تهجير القسم الأكبر منّا ، وأغتصبت أرضنا وتم تهميشنا ولا زال نزيف الهجرة مستمرا ولا زال الآخرون مستمرين في الأستيلاء على ما تبقى من أرضنا ويسعون الى تغيير ديموغرافية المناطق التي يسكنها ابناء شعبنا . ولاننسى تدخل بعض رجال الدين (في الداخل والخارج) في تاجيج الأنقسامات بين الشعب الواحد وتدخُّلهم السافر في السياسة واحداث شرخ في الكنيسة الواحدة والشعب الواحد، باصرارهم على تمزيق هذه الوحدة بدل السعي لتوحيد هذه الكنيسة العريقة ، وهذا ليس تعميما ، فهناك من رعاة وقفوا بكل شجاعة ضدّ الظلم والأجحاف بحق رعيّتهم ودافعوا حتى الشهادة من اجل شعبهم المسيحي.
مسؤلية الأحزاب السياسية لشعبنا الكلدو اشوري
من خلال رصدنا لمسيرة احزابنا الكلدو اشورية ، نستطيع أن نقول ، أنَّ هناك شرخا كبيرا بين تلك الأحزاب فكريا وسياسيا وايدولوجيا وحتى قوميا . ولا نريد الخوض في تلك الخلافات والسجالات حول التسميات وحتى على الأهداف ، بل وجود تناقضات وخلافات وتناحرات ،حتى بين الحزب الواحد . وكذلك وجود انقسامات بين فئات الشعب الواحد في جدلية القومية ، بين من ينادي بالقومية الكلدانية وبين من يصر على القومية الاشورية ، وحال هذه ألأحزاب يمكن تشبيهها بمثل كنّا نسمعه من آبائنا يقول بلغة السورث " أرخي تلخلا وناشي هولا مبقوري لجقجاقي " أي باللغة العربية " الطاحونة خربانا والناس تريد لعب الختيلة " وهذا المثل ينطبق على احزابنا اليوم . حيث نقرا في كل يوم عن حوادث قتل المسيحيين او تهجيرهم او الأستيلاء على اراضيهم أو تهميش دورهم في البرلمان والحكومة ، او ما يحصل من التغييرات الديموغرافية للمناطق التي كان يسكنها شعبنا المسيحي ......الخ . هذا كُلُه يتم على قدم وساق ولكن لا زالت احزابنا تتكالب على السلطة والمقاعد البرلمانية ولا زالت احزابنا تتناحر فيما بينها على من يمثِّلهم في الداخل والخارج ، ولا زالت هذه ألأحزاب تتباكى على الحضارة الكلدانية والآشورية وينوحون على امجاد هاتين الحضارتين ،وهكذا يهربون الى الماضي لينسوا ما يجري في الحاضر ، إنّها هزيمة نفسية وروحية ، فقدوا الثقة بانفسهم وبشعبهم وبقدرتهم على تغيير هذا الواقع فلجأوا الى اجترار الماضي والتهرب من مواجهة الحاضر ، لابل راح بعظهم يتأقلم مع هذا الوضع بارتمائه في احضان الأحزاب والقوميات المعادية لطموحات شعبنا المسيحي ، سواء كانت تلك الأحزاب او القوميات عربية او كردية والتي كانت تنتظر هذا اليوم الذي فيه تنهار احزابنا القومية والشعبية وتصاب بالياس ، فتستسلم خانعة خاضعة لها ، وبهذا ضرب العرب والأكراد عصفورين بحجر واحد، كما يقول المثل ، لأنّ اليائسين والخانعين والخاضعين لهم من الأحزاب الكلدو اشوريين سيقومون بأكبر خدمة لهم لم يتخيَّلوه عبر التاريخ ، لأنَّ الذي يخون شعبه يساهم في هدم ما بنى هذا الشعب خلال مئات السنين ، وهذا ما يحدث اليوم للأسف ، وهذا ما كنا نحذِر احزابنا في عدم الوقوع في هذا الفخ الذي نصبه الأعداء لنا .إنَّ غياب الرؤى السياسية وتشرذم الأحزاب والتكالب على المصالح الشخصية ألأنانية ، والأهم من هذه كُله ، ضعف ألأيمان ،عند هذه ألأحزاب ، بمشروعية قضيتنا وحقوقنا المسلوبة ، تجعل من هذه ألأحزاب فاقدة لشرعيتها أمام شعبها الذي كان ينتظر منها التفاني والتضحية من أجل تحقيق ما يصبوا اليه شعبهم المسيحي الذي استئمنهم ووضع ثقته بهم.
مسؤلية المثقفين والأدباء والكتّاب (المسيحيين ) في تمزيق الشعب الواحد
للأسف ساهم الكثيرون من كتاب المقالات من الأدباء والمثقفين والأعلاميين ، الكلدوا آشوريين ، في زيادة ماسات شعبنا الواحد ، وذلك بكتاباتهم وعبر اقلامهم المسمومة ، وذلك بالتركيز على التشبث بالقومية والأنتمائات الطائفية والحزبية والأيدولوجية ، بدل التركيز على الهدف الأسمى والمشترك بين جميع فئات وطوائف الشعب الواحد ،وهو توحيد جميع الجهود للوصول الى استرداد حقوق وارض ومقدسات وتراث وكرامة شعبهم ألواحد ،اي التركيز على تحقيق آمال شعبهم الواحد للحصول على حقهم المشروع بان يكون لهم وطن واورض وحق الوجود في ارض ابائهم واجدادهم . لقد قدّم الكثيرون من كتّاب المقالات خدمة مجانية لكل من يريد تمزيق شعبنا الواحد (السورايي) ، وذلك في تعصبهم القومي وانتمائهم الفكري لهذا الحزب او ذاك ، وبهذا ساهموا ويساهمون في تمزيق وحدة شعبنا ، وكأن هذا الشعب لا يكفيه ما عانى ويعانيه من شتّى أنواع الأضطهاد والتهجير والترهيب والأبتزاز من قبل الآخرين . هناك تشتت في وحدة الهدف من قبل غالبية الكُتاب وألأعلاميين والمفكرين بسبب قصر النظر في فهم الخطر المحدق بشعبهم المسيحي وجهل مايجري في الدول العربية حولنا من الثورات التي سميّت بالربيع العربي ، وما ستحدثه هذه الثورات من تاثيرات على المسار السياسي والفكري والثقافي للمنطقة ككل ، وخاصة اذا عرفنا انَّ هذه الثورات تحمل افكارا اصولية دينية لتيارات اسلامية راديكالية ، والكثيرون من هؤلاء الكتاب اصلا خرجوا من العراق قبل عشرات السنين ولا يحسّون بانين شعبهم ، بل يكتبون من أجل الشهرة وملأ الفراغ ليس اكثر.
ماذا نستنتج مما سبق؟
نحن شعب وادي الرافدين وجودنا اليوم في خطر واستمرار ما تبقى من المسيحيين في ارضهم اصبح مجرد مسألة وقت ، وبات مستحيلا في ظل هذه الأوضاع ، وفي ظل أنقسام الشعب المسيحي على نفسه ، حيث طال الأنقسام في داخل البيت الواحد والحزب الواحد والكنيسة الواحدة والشعب الواحد . ومما يزيد من مأسات هذا الشعب العريق ، هو أنّه يعيش في وسط جغرافي تحيط به دول وحكومات لها توجهات سياسية دينية تعصبية ،لا تؤمن بالعيش المشترك ولا تؤمن بحقوق المواطنة ، أي كان هذا المواطن ، ولا تؤمن بحقوق ألأنسان ولا بحرية المعتقد ، ولا بالفكر الحر ولا بالديمقراطية ولا يوجد مجال واسع للحرية ، ولا تؤمن بالمساوات والعدالة الأجتماعية ، بل لا تؤمن بحقوق ألأنسان المشّرع من قبل ألأمم المتحدة .
ونحن نسأل العالم " المتحضر" ماهو المستقبل الذي ينتظره المسيحيين في العراق خاصة وفي الشرق الأوسط عامة؟ وماهو الحل الذي يجب ان نبحث عنه كلنا وخاصة مسيحيي العالم ؟. ألا يستحق هذا الشعب الذي قدم للعالم الأبداع الفكري والأنساني والمعرفي ان يعيش حياة طبيعية ويكون له وطن وأرض ليعيش بسلام حاله حال كُلِّ شعوب العالم ؟ .
أعتقد ، آن الأوان ، لجميع مسيحيي العراق في المهجر ، أن يتحمّلوا القسط ألأكبر من المسؤولية تجاه ما يحدث لأخوتهم في داخل العراق(الذين لهم ضروفهم الخاصة التي نقدِّرها ) . علينا أن نكون الصوت الصارخ لمعانات وأنين شعبنا في الداخل ، وأن نوصل هذه المعانات الى جميع المحافل الدولية ، ونبدأ بمحاسبة جميع المسؤولين والأحزاب في الخارج ، الذين يقفون حجر عثرة أمام وحدتنا كشعب واحد . وبهذا نستطيع أن نوصل صوت شعبنا الى حضارات القرن الواحد والعشرين لعلَّ وعسى يصحو الضمير الأنساني لينقذ شعب الحضارات ،عندها سيرتاح ضميرنا ، وعندها فقط نستطيع أن نقول آنّنا أدينا واجبا مقدسا بالمطالبة بحقوقنا ، وعندها فقط سيتحمّل العالم (المتحضر) مسؤولية جريمة تركتب بحق شعبنا بزوال هويّته وثقافته ووجوده ، وسوف لن يرحم التاريخ المسؤولية المباشرة والغير المباشرة ، لحضارة القرن الواحد والعشرين ، في انقراض أُمَّة بكاملها .
نحن اليوم يمكن تشبيه حالنا بحال الهنود الحمر الذين واجهوا أعتى قوّة عسكرية أمريكيا التي غزت وطنهم ودمَّرت حضارتهم ومقدساتهم ، ولكن اليوم فاق العالم ، عن حجم الجرائم والمآسي التي أُرتكبت بحق الهنود في وطنهم وأرضهم ، من قبل الغزاة الذين لم يرحموا الشعب ألأصيل إلا بعد أن شعروا بحجم الكارثة ألأنسانية التي لحقت بهذه الشعوب أولا وبحق الأنسانية ثانيا وبحق الحضارات العريقة ثالثا .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------

بعض المواقع لتقارير المنظمات الأنسانية التي تصف محنة ألأقليات ، ومنهم المسيحيين ، في عراق اليوم
http://anhri.net/mena/hrw/2009/pr1110.shtml تقرير منظمة هيومان رايت ووتش في 10-11-2009

http://www.fco.gov.uk/ar/global-issu...d-report/iraq/ حقوق الأنسان في العراق

منظمة هيومان رايت ووتش تقرير
المخاطر التي تواجهها الأقليات في العراق p://moheet.com/show_news.aspx?nid=318015&pg=2

36

من يتحمَل مسؤولية محنة مسيحييّ العراق ؟


نافع البرواري


يمكن أن نلخّص حالة المسيحيين في العراق ، قبل وبعد سقوط النظام السابق بقيادة الدكتاتور صدام حسين ، ببعض النقاط المهمّة والرئيسية ، وهي تصلح لتكون ألأطار العام لتشخيص حالة المسيحيين، العراقيين ، ومعاناتهم في الماضي والحاضر ، لتكون لنا رؤيا لمستقبل هذا الشعب الذي ينزف دما نتيجة الطعون المدمية لسيوف ألأشرار وسكاكينهم المسمومة والكثيرة ، بسبب تمسك هذا الشعب وعبر مئات السنيين بمسيحيته ولغته الجميلة وأرضه ومقدساته وهويّته وقوميته وتراثه وحضارته الغائرة في القدم والتي كانت نبعا لا زال الى يومنا هذا ترتوي منه الحضارات اللاحقة :
حالة المسيحيين قبل سقوط الدكتاتور صدام حسين
1-منذ 1961-1988(لابل قبلها في الحرب العالمية الأولى وحرب الأبادة الجماعية في احداث سميل سنة 1933 ، ) عان المسيحييون في العراق بسبب الحرب الدامية بين العرب وألأكراد في شمال العراق (حيث كان المسيحيين يشكِّلون نسبة كبيرة في هذه المناطق)عان فيها المسيحيين حيث قتل الكثيرون ودمّرت مئات القرى بكنائسها وفقد مسيحيّوا المنطقة ارضهم ومقدساتهم وهاجر و وتشرد الآلاف الى المدن الجنوبية ، وقام الأكراد والعرب بالأستيلاء على القرى المسيحية في حملة لتغيير الواقع الديموغرافي للمناطق التي كان يسكنها المسيحييون. وجائت الحرب الأيرانية العراقية (1981 )لتزيد مأساة الشعب المسيحي الذي فقد خيرة شبابه في حرب فرضت عليه واستمرت ثماني سنوات . خاض نظام البعث ، بقيادة الدكتاتور صدام حسين ، حربا ضد الكويت(حرب الخليج الثانية 1991) ودخل الشعب في حصار اقتصادي دام اكثر من 12سنة عاش ،الشعب العراقي عامة والشعب المسيحيّ خاصة ، المعانات اقتصاديا ونفسيا وثقافيا حيث أصبح العراق سجنا كبيرا ومنعزل عن العالم . وفي ظل نظام البعث وبقيادة الدكتاتورصدام حسين كان حال المسيحيين كحال بقية المجتمع حيث كان الظلم بالتساوي ولم يخلى بيت عراقي من مآسي الحروب التي اشعلها هذا النظام حيث في كل بيت كان هناك امّا شهيد او مفقود او سجين .
صدام حسين كان يستخدم المسيحيين كمواطنين صالحين أمناء يثق بهم وليس حبا بهم والدليل قيامه بحملة ايمانية اسلامية وحاول فرض تدريس الدين الأسلامي على المسيحيين ، وقتل أعدادا من خيرة شبابنا المعارضين لسياسته، ولا ننسىمحاولاته المستميتة في محو هوية شعبنا الكلدو اشوري وذلك بحملة غير مباشرة لأحتوائهم وتعريبهم ، حيث
سياسة حزب البعث، كانت قومية (امة عربية واحدة) وهذا يعني محاولة فرض اللغة العربية والقومية العربية على الأقليات ومنهم شعبنا الكلدو آشوري ، وقد حاول هذا النظام أن يمحو هوية هذا الشعب العريق ، بفرض الهوية العربية عليه وفرض سياسة التعريب على الشعوب الغير العربية . وفي ظل نظام البعث بدأت أمواج الهجرة المسيحية بسبب بطش هذا النظام وحروبه المستمرة وغياب القانون ، حيث كان احيانا يتم تنفيذ قوانين عشائرية وقبلية ، وهذا يعني القوي ياكل الضعيف (قانون الغابة)
ومن ناحية ثانية كان (وما زال ) أخوتنا الأكرادل وللأسف ، ويمارسون نفس دور نظام البعث بخصوص تكريد ألأقليات ومنهم الكلدو اشور ، في أقليم كردستان ، ويحاولون تغيير المعالم الحضارية والأثرية للحضارة ألآشورية وتغيير اسماء المدن والقرى الكلدو آشورية والأستيلاء او التجاوزعلى عشرات القرى للكلدو اشورية .ولا ننسى التكالب والتنافس القائم بين حكومة المركز واقليم كردستان للسيطرة على سهل نينوى الذي كان قبل مئة سنة ذو الغالبية المسيحية . فيما اليوم لايتجاوز نسبة المسيحيين 30% بسبب الحرب الناعمة التي شنّتها الحكومات السابقة واللاحقة في هذه المنطقة وبسبب هذا التكالب بين الحكومة المركزية واقليم كردسان ، عان شعبنا المسيحي بكافة فئاته ، بسبب هذا الصراع ، وبسبب أهمال هذه المنطقة في كل مجالات الحياة الأقتصادية والأعمارية والسياسية ....الخ وفقدان فرص التعليم والعمل ، مما دفع الكثيرون من ابناء شعبنا المسيحي لترك ارضهم وقراهم ومدنهم ، وهاجر الكثيرون منهم خارج العراق .

حالة مسيحيي العراق بعد سقوط صدّام
المسيحييون عانوا ويعانوا سواء قبل او بعد سقوط النظام الدكتاتوري ولكن اختلافهم عن العرب والأكراد هو انَّ ألأخيرين حصلوا على حقوقهم بعد سقوط النظام سنة 2003 بينما المسيحيين المسالمين العزل صاروا مشردين في العالم ولم يحصدوا غير الماسي ، وهاجرأكثر من50% من المسيحيين خارج العراق وخسروا ارضهم وبيوتهم ووظائفهم ومقدساتهم وألأخطر من كل ذلك ضياع هويتهم والأنفصال من جذورهم التاريخية , فيما كانوا هم الشعب الأصيل المتجذر في التاريخ .
أصبحت القوانين بعد سقوط النظام تطبق شريعة الغابة حيث يقول المثل العربي"ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب" بينما المسيحييون هم كانوا ولا يزالوا مثل الحملان بين الذئاب . فقد أصبح الحكم في العراق بيد الأقوياء ، من الشيعة والسنة والأكراد ، وأصبح المسيحيّون همَّهم الأول ألحفاظ على حياتهم ورزقهم ، بعد أن تمَّ تهديدهم وإرهابهم وتهجير القسم الكبير منهم من أرضهم ومساكنهم ومقدساتهم ، وتم تهميش الباقين وأقصائهم في المساهمة في القرارات السياسية والأقتصادية ، بسبب قانون الغابة الذي يتم تطبيقه اليوم في العراق حيث هناك مخاصصة طائفية وعرقية وعشائرية وموالات وتكتلات لتوزيع الحصص ،هذا عدا الفساد في جميع مرافق الحياة ، المالية والأدارية والسياسية وحتى القضائية ،وغياب العدالة في بلد يحكمه قانون لايطبق حتى الدستور الذي شُرّع ليكون قانوانا يرجع اليه الجميع ( بغض النضر عن ديانتهم ومعتقداتهم وأنتمائاتهم ) لنيل حقوقهم المشروعة في أن يكونوا مواطنين من الدرجة الأولى .
مسؤولية الحكومة والدولة العراقية في تفاقم محنة المسيحيين
إنَّ سياسة الحكومات المتعاقبة ، منذ سقوط النظام الدكتاتوري السابق في 2003 ، كانت مبنية على الحصص الطائفية والمذهبية وبروز أحزاب اسلامية راديكالية تحاول فرض الشريعة ألأسلامية على القوانين المدنية ، مما خلق أجواء التعصب والكراهية ضد المسيحيين ، لا بل فرض الحجاب في أحيان كثيرة على المسيحييات ، وغلق النوادي الترفيهية وتحريم المشروبات الروحية والموسيقى والأغاني والمسارح وأحيانا وصلت الأمور بالتحريض على قتل المسيحيين وتحليل سلب ونهب أموالهم وإحراق محلاّتهم ومصادر رزقهم ، بفتاوى دينية ، على إعتبارهم (اي المسيحين ) كفرة ومشركين ، أوبحجج واهية أخرى . وهذا يتم كُلُّه ، للأسف ، من خلال منابر الجوامع ومواقع لقنواة إعلامية مختلفة وعلى مرأى ومسمع الحكومة والسياسيين الذين من المفروض أن يطبّقوا القانون في المساواة بين الجميع وتطبيق الحرية الدينية والفكرية التي يتكفّل به الدستور الذي تم تشريعه بعد سقوط النظام السابق .وهكذا تم نهب وسلب واتلاف الآثارالعراقية ، على إعتبارها أصناما ، من منظار الأحزاب .ألأسلامية الراديكالية ، وكذلك بيع القطع الأثرية من قبل سماسرة وتجار ألآثار و الحروب ، مما يؤكد وجود أيدي خفية لمحو آثار الحضارة الكلدوآشورية . إنَّ هذه ألآثار تؤكّد على هوية العراقيين وخاصة شعب بين النهرين ( الآشوريين الكلدان السريان) عبر آلاف السنين ، وهذا يعني وجود خطة مدروسة ومحكمة ليس لتهجير الشعوب الأصيلة من العراق ب القضاء على الحضارة العريقة لشعب بين النهرين وطمس هويته .
في أغلب حوادث القتل وحرق الكنائس لم تطبق القوانين لمحاكمة المجرمين وتم غلق الملفات وخاصة الأعتداءات على المسيحيين وهذا يدعونا ، نحن كمسيحيّين الى وضع عشرات علامات الأستفهام ، عن إحتمالية تورط القادة السياسيين والدينيين فيما حصل ويحصل من عمليات قتل وتهجير المسيحيين و حرق وتهديم مقدساتهم ،لهذه ألأسباب وغيرها كثيرة ، فقد شعبنا المسيحي الثقة بالحكومات المتعاقبة .
مسؤولية المحتلين وألأمم المتحدة في تفاقم محنة مسيحيي العراق
لايمكن أن يكونوا الحلفاء ، بعيدين عن معرفة حقيقة الجرائم التي أُرتكبت بحق المسيحيين طوال أكثر من سبعةسنوات (2003 – 2011) ، وهذا يستدعي منا نحن المسحيين أن نكشف المآمرة الرهيبة التي شاركت فيها قوى أقليمية ودولية لاخلاء العراق خاصة والشرق ألأوسط عامة من المسيحيين .
آنَّ الغرب ، الذي يتظاهر بأنّه حامي حقوق ألأنسان ، اثبتت الحقائق أنَّه لا يهتم إلاّ بمصالحه الأقتصادية في المنطقة
ولا يبالي بحقوق المضطهدين في هذا العالم . لم نسمع بجهود دولية وحتى من الأمم المتحدة لحماية الأقلية المسيحية في العراق بالرغم من وجود نصوص في ميثاق الأمم المتحدة في حق "تقرير المصير " للشعوب ألأصيلة في حال تعرضها للخطر وفي حال عجز الجهات الرسمية في الدولة عن حماية حقوقها وارضها (الجمعية العامة للأمم المتحدة 13 ايلول). في حين تم حماية الأكراد عام 1990 من بطش صدام حسين ووضع حضر جوي لمنع صدام حسين من قصف المناطق الكردية وتم تاسيس حكم ذاتي للأكراد ولهم قرارات سياسية وحصة في ميزانية الدولة ويتمتعون بكامل حقوقهم المشروعة. في حين لا زال المسيحييون مشردون في الوطن وفي البلدان المجاورة والنسبة الكبيرة منهم هاجر الى الشتات ولازال الجرح مفتوحا ونزيف الهرجة مستمرا .إنَّ المنظمات الدولية (ألأنسانية ) تضع الدول العربية في طلائع الدول التي تشكِّل خطرا أثميا ضد ألأقليات ، وخاصة الأقليات المسيحية ، والعراق في صدارة هذه الدول التي يمارس القتل والأبادة الجماعية والقمع والتهجير (عن القناة الفضائية العربية في 2-7-2009 )
مسؤلية الكنيسة في ما يجري بحق مسيحيي العراق
لا ننسى مسؤولية رؤساء كنائسنا في تغاضيهم وعدم نقلهم لحقيقة ما جرى ويجري ، بحق شعبهم المسيحي ، الى الكنائس العالمية والمنظمات الأنسانية ، حيث من المفروض أن يكونوا رعاة حقيقيين يدافعون عن شعبهم ومقدَّساته، مهما كان الثمن ، بينما نراهم(في غالبيتهم) خانعين خاضعين للقدرية وكأنَّ لسان حالهم يقول ، هذا هو الواقع فتقبلوه كما قبل المسيح الصليب . بينما يسوع المسيح لم يكن خنوعا ، كان مثل حد السيف لم يغيِّر مواقفه ومبادئه ولم يسواوم على الحق وكان يدافع عن المهمشين والمظلومين والفقراء والمساكين ، بوقوفه بوجه رجال الدين اليهود ، ووقف بوجه بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني في زمانه وقال له "أنا وُلِدّتُ وجئتُ الى العالم حتى أشهد للحق" . كذلك الرسول بولس طالب (بحقِّه) بمحاكمته في روما لكونه مواطنا رومانيا .كان على رجال الدين ان لايخافوا ممن يهددون او يقتلون او يهجِّرون ، بل يجب ان يكونوا رعاة حقيقيين يدافعوا ، حتى الشهادة ، لحماية شعبهم المسيحي .
هناك ، للأسف ، بعض رجال الدين ، يساوون بين الظالم والمظلوم ، عندما يقولون ان الغبن والظلم كان متساوي لجميع فئات الشعب العراقي ، بينما الحقيقة تقول ، أنّ الغالبية من الشعب العراقي بعربه وأكراده لم يفقدوا أرضهم ومقدساتهم ، بينما نحن المسيحيين فقدنا كُل شيئ وتمّ تهجير القسم الأكبر منّا ، وأغتصبت أرضنا وتم تهميشنا ولا زال نزيف الهجرة مستمرا ولا زال الآخرون مستمرين في الأستيلاء على ما تبقى من أرضنا ويسعون الى تغيير ديموغرافية المناطق التي يسكنها ابناء شعبنا . ولاننسى تدخل بعض رجال الدين (في الداخل والخارج) في تاجيج الأنقسامات بين الشعب الواحد وتدخُّلهم السافر في السياسة واحداث شرخ في الكنيسة الواحدة والشعب الواحد، باصرارهم على تمزيق هذه الوحدة بدل السعي لتوحيد هذه الكنيسة العريقة ، وهذا ليس تعميما ، فهناك من رعاة وقفوا بكل شجاعة ضدّ الظلم والأجحاف بحق رعيّتهم ودافعوا حتى الشهادة من اجل شعبهم المسيحي.
مسؤلية الأحزاب السياسية لشعبنا الكلدو اشوري
من خلال رصدنا لمسيرة احزابنا الكلدو اشورية ، نستطيع أن نقول ، أنَّ هناك شرخا كبيرا بين تلك الأحزاب فكريا وسياسيا وايدولوجيا وحتى قوميا . ولا نريد الخوض في تلك الخلافات والسجالات حول التسميات وحتى على الأهداف ، بل وجود تناقضات وخلافات وتناحرات ،حتى بين الحزب الواحد . وكذلك وجود انقسامات بين فئات الشعب الواحد في جدلية القومية ، بين من ينادي بالقومية الكلدانية وبين من يصر على القومية الاشورية ، وحال هذه ألأحزاب يمكن تشبيهها بمثل كنّا نسمعه من آبائنا يقول بلغة السورث " أرخي تلخلا وناشي هولا مبقوري لجقجاقي " أي باللغة العربية " الطاحونة خربانا والناس تريد لعب الختيلة " وهذا المثل ينطبق على احزابنا اليوم . حيث نقرا في كل يوم عن حوادث قتل المسيحيين او تهجيرهم او الأستيلاء على اراضيهم أو تهميش دورهم في البرلمان والحكومة ، او ما يحصل من التغييرات الديموغرافية للمناطق التي كان يسكنها شعبنا المسيحي ......الخ . هذا كُلُه يتم على قدم وساق ولكن لا زالت احزابنا تتكالب على السلطة والمقاعد البرلمانية ولا زالت احزابنا تتناحر فيما بينها على من يمثِّلهم في الداخل والخارج ، ولا زالت هذه ألأحزاب تتباكى على الحضارة الكلدانية والآشورية وينوحون على امجاد هاتين الحضارتين ،وهكذا يهربون الى الماضي لينسوا ما يجري في الحاضر ، إنّها هزيمة نفسية وروحية ، فقدوا الثقة بانفسهم وبشعبهم وبقدرتهم على تغيير هذا الواقع فلجأوا الى اجترار الماضي والتهرب من مواجهة الحاضر ، لابل راح بعظهم يتأقلم مع هذا الوضع بارتمائه في احضان الأحزاب والقوميات المعادية لطموحات شعبنا المسيحي ، سواء كانت تلك الأحزاب او القوميات عربية او كردية والتي كانت تنتظر هذا اليوم الذي فيه تنهار احزابنا القومية والشعبية وتصاب بالياس ، فتستسلم خانعة خاضعة لها ، وبهذا ضرب العرب والأكراد عصفورين بحجر واحد، كما يقول المثل ، لأنّ اليائسين والخانعين والخاضعين لهم من الأحزاب الكلدو اشوريين سيقومون بأكبر خدمة لهم لم يتخيَّلوه عبر التاريخ ، لأنَّ الذي يخون شعبه يساهم في هدم ما بنى هذا الشعب خلال مئات السنين ، وهذا ما يحدث اليوم للأسف ، وهذا ما كنا نحذِر احزابنا في عدم الوقوع في هذا الفخ الذي نصبه الأعداء لنا .إنَّ غياب الرؤى السياسية وتشرذم الأحزاب والتكالب على المصالح الشخصية ألأنانية ، والأهم من هذه كُله ، ضعف ألأيمان ،عند هذه ألأحزاب ، بمشروعية قضيتنا وحقوقنا المسلوبة ، تجعل من هذه ألأحزاب فاقدة لشرعيتها أمام شعبها الذي كان ينتظر منها التفاني والتضحية من أجل تحقيق ما يصبوا اليه شعبهم المسيحي الذي استئمنهم ووضع ثقته بهم.
مسؤلية المثقفين والأدباء والكتّاب (المسيحيين ) في تمزيق الشعب الواحد
للأسف ساهم الكثيرون من كتاب المقالات من الأدباء والمثقفين والأعلاميين ، الكلدوا آشوريين ، في زيادة ماسات شعبنا الواحد ، وذلك بكتاباتهم وعبر اقلامهم المسمومة ، وذلك بالتركيز على التشبث بالقومية والأنتمائات الطائفية والحزبية والأيدولوجية ، بدل التركيز على الهدف الأسمى والمشترك بين جميع فئات وطوائف الشعب الواحد ،وهو توحيد جميع الجهود للوصول الى استرداد حقوق وارض ومقدسات وتراث وكرامة شعبهم ألواحد ،اي التركيز على تحقيق آمال شعبهم الواحد للحصول على حقهم المشروع بان يكون لهم وطن واورض وحق الوجود في ارض ابائهم واجدادهم . لقد قدّم الكثيرون من كتّاب المقالات خدمة مجانية لكل من يريد تمزيق شعبنا الواحد (السورايي) ، وذلك في تعصبهم القومي وانتمائهم الفكري لهذا الحزب او ذاك ، وبهذا ساهموا ويساهمون في تمزيق وحدة شعبنا ، وكأن هذا الشعب لا يكفيه ما عانى ويعانيه من شتّى أنواع الأضطهاد والتهجير والترهيب والأبتزاز من قبل الآخرين . هناك تشتت في وحدة الهدف من قبل غالبية الكُتاب وألأعلاميين والمفكرين بسبب قصر النظر في فهم الخطر المحدق بشعبهم المسيحي وجهل مايجري في الدول العربية حولنا من الثورات التي سميّت بالربيع العربي ، وما ستحدثه هذه الثورات من تاثيرات على المسار السياسي والفكري والثقافي للمنطقة ككل ، وخاصة اذا عرفنا انَّ هذه الثورات تحمل افكارا اصولية دينية لتيارات اسلامية راديكالية ، والكثيرون من هؤلاء الكتاب اصلا خرجوا من العراق قبل عشرات السنين ولا يحسّون بانين شعبهم ، بل يكتبون من أجل الشهرة وملأ الفراغ ليس اكثر.
ماذا نستنتج مما سبق؟
نحن شعب وادي الرافدين وجودنا اليوم في خطر واستمرار ما تبقى من المسيحيين في ارضهم اصبح مجرد مسألة وقت ، وبات مستحيلا في ظل هذه الأوضاع ، وفي ظل أنقسام الشعب المسيحي على نفسه ، حيث طال الأنقسام في داخل البيت الواحد والحزب الواحد والكنيسة الواحدة والشعب الواحد . ومما يزيد من مأسات هذا الشعب العريق ، هو أنّه يعيش في وسط جغرافي تحيط به دول وحكومات لها توجهات سياسية دينية تعصبية ،لا تؤمن بالعيش المشترك ولا تؤمن بحقوق المواطنة ، أي كان هذا المواطن ، ولا تؤمن بحقوق ألأنسان ولا بحرية المعتقد ، ولا بالفكر الحر ولا بالديمقراطية ولا يوجد مجال واسع للحرية ، ولا تؤمن بالمساوات والعدالة الأجتماعية ، بل لا تؤمن بحقوق ألأنسان المشّرع من قبل ألأمم المتحدة .
ونحن نسأل العالم " المتحضر" ماهو المستقبل الذي ينتظره المسيحيين في العراق خاصة وفي الشرق الأوسط عامة؟ وماهو الحل الذي يجب ان نبحث عنه كلنا وخاصة مسيحيي العالم ؟. ألا يستحق هذا الشعب الذي قدم للعالم الأبداع الفكري والأنساني والمعرفي ان يعيش حياة طبيعية ويكون له وطن وأرض ليعيش بسلام حاله حال كُلِّ شعوب العالم ؟ .
أعتقد ، آن الأوان ، لجميع مسيحيي العراق في المهجر ، أن يتحمّلوا القسط ألأكبر من المسؤولية تجاه ما يحدث لأخوتهم في داخل العراق(الذين لهم ضروفهم الخاصة التي نقدِّرها ) . علينا أن نكون الصوت الصارخ لمعانات وأنين شعبنا في الداخل ، وأن نوصل هذه المعانات الى جميع المحافل الدولية ، ونبدأ بمحاسبة جميع المسؤولين والأحزاب في الخارج ، الذين يقفون حجر عثرة أمام وحدتنا كشعب واحد . وبهذا نستطيع أن نوصل صوت شعبنا الى حضارات القرن الواحد والعشرين لعلَّ وعسى يصحو الضمير الأنساني لينقذ شعب الحضارات ،عندها سيرتاح ضميرنا ، وعندها فقط نستطيع أن نقول آنّنا أدينا واجبا مقدسا بالمطالبة بحقوقنا ، وعندها فقط سيتحمّل العالم (المتحضر) مسؤولية جريمة تركتب بحق شعبنا بزوال هويّته وثقافته ووجوده ، وسوف لن يرحم التاريخ المسؤولية المباشرة والغير المباشرة ، لحضارة القرن الواحد والعشرين ، في انقراض أُمَّة بكاملها .
نحن اليوم يمكن تشبيه حالنا بحال الهنود الحمر الذين واجهوا أعتى قوّة عسكرية أمريكيا التي غزت وطنهم ودمَّرت حضارتهم ومقدساتهم ، ولكن اليوم فاق العالم ، عن حجم الجرائم والمآسي التي أُرتكبت بحق الهنود في وطنهم وأرضهم ، من قبل الغزاة الذين لم يرحموا الشعب ألأصيل إلا بعد أن شعروا بحجم الكارثة ألأنسانية التي لحقت بهذه الشعوب أولا وبحق الأنسانية ثانيا وبحق الحضارات العريقة ثالثا .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------

بعض المواقع لتقارير المنظمات الأنسانية التي تصف محنة ألأقليات ، ومنهم المسيحيين ، في عراق اليوم
http://anhri.net/mena/hrw/2009/pr1110.shtml تقرير منظمة هيومان رايت ووتش في 10-11-2009

http://www.fco.gov.uk/ar/global-issu...d-report/iraq/ حقوق الأنسان في العراق

منظمة هيومان رايت ووتش تقرير
المخاطر التي تواجهها الأقليات في العراق p://moheet.com/show_news.aspx?nid=318015&pg=2

37
خارطة الطريق للشرق الأوسط الجديد بمنظور الأرشاد الرسولي .

نافع البرواري

كثر الكلام عن خارطة الشرق الأوسط الجديد بالمفهوم السياسي ، وكتب الكثيرون عن مشروع الشرق الأوسط الجديد سواء كان سلبيا او أيجابيا لتغيير الشرق ألأوسط وكان احد نتائج هذا التغيير(كما يقولون) هو  الثورات العربية التي اطلق عليها ما يسمّى ب "الربيع العربي ".
ولكن في هذه المقالة سنتطرق الى نظرة الكنيسة الكاثولوكية  (بالتعاون مع بقية كنائس الشرق ألأوسط) كما جاء في الأرشاد الرسولي الذي وقعّ عليه قداسة البابا بيندكتس السادس  عشر في لبنان بعد زيارته الرسولوية (14 – 16  ايلول الجاري)  في ما تريد تحقيقه في الشرق  ألأوسط بالأستناد على نتائج ما تمخّض منه مجمع سينودس الشرق ألأوسط .

كان انعقاد سينودس اساقفة الشرق الأوسط في تشرين الأول 2010 بدعوة من الحبر ألأعظم ، قداسة البابا بيندكتس السادس عشر ، والذي حمل عنوان "الكنيسة الكاثوليكية في الشرق ألأوسط ، شركة وشهادة "  وقد خرج السينودس ب 44 مقترح نهائي. وقد وقع البابا على "الأرشاد الرسولي"  في يوم 14 ايلول الجاري وهو اليوم الأول من زيارته للبنان ، وهذا ألأرشاد الرسولي هو مستوحي من توصيات السينودوس حول الشرق ألأوسط ومناقشاته .
يمكن أن نعتبر  الأرشاد الرسولي كخارطة لرسم شرق اوسط جديد ينعم بالأمان والسلام والحرية والمساوات والعدالة والأستقرار والشراكة والمشاركة بين جميع العقائد والأديان والطوائف والقوميات .
فالأرشاد الرسولي هو بمثابة خارطة الطريق يمكن لمسيحيي الشرق الأوسط ( وحتى جميع الدول العربية ) أن تسترشد به لكي يكون دستورا لها لكي تعيش شعوبها في سلام وحرية وأمان ، مهما كانت أنتماءاتهم  ومعتقداتهم  سواء كانوا مسيحيين او مسلمين ، عربا أو غير قوميات ، شيعة وسنة ، وخاصة في هذه الأيام التي تشهد بلدان الشرق الأوسط الكثير من التغييرات الدراماتيكية  حيث ثارت شعوب هذه البلدان ، ضد انضمتها الدكتاتورية القمعية  ،  ونتيجة ذلك حدث فراغ أمني وانهيار السلطة .  فغاب القانون ، لا بل حدثت اضطرابات وحروب دموية كما حدث في العراق ومصر وليبيا  واليمن وكما يحدث في سوريا هذه الأيام . كذلك  أُرتكتبت وترتكب الكثير من الجرائم  والعنف بحق الأبرياء والمدنيين ، وانّ  الضحيّة الأولى نتيجة ذلك هم المسيحيين بسبب كونهم  شعوب مسالمة لا تؤمن بالعنف والفعل ورد الفعل . وهكذا  هاجر الكثير منهم (وخاصة من  العراق وكذلك ما نسمع من هجرة المسيحيين من سوريا  في هذه الأيام ) نتيجة الفلتان ألأمني والعنف الناتج من التعصب الديني والطائفي .

على ضوء كُلِّ هذه الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط وبسبب الأضطهادات بحق المسيحيين في هذه الدول والهجرة الغير المسبوقة للمسيحيين من المنطقة وخاصة في العراق بعد سقوط بغداد سنة 2003 ، ولكون قداسة البابا ، راعي الكنيسة الكاثوليكية في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين ، والأردن  فكان من  أولى  واجباته هو ألأهتمام برعيته والبحث عن السبل الكفيلة للتخفيف من آلامهم ومصائبهم والتدخل لوقف نزيف هجرتهم من اوطانهم  التي منها انطلق ألأيمان المسيحي وكانت هذه الدول شعاع نور للعالم كُلّه حيث من هذه الدول انطلق الرسل الأولون وفي هذه ألأراضي بنيت الكنائس ألأولى في العالم ومن ارض بين النهرين وبلاد الشام انطلق بشرى الخلاص لجميع الأمم .

كان أهم اهداف انعقاد سينودس أساقفة الشرق ألأوسط  هو لبحث السبل الكفيلة للمحافظة على سلامة المسيحيين والتخفيف من آلامهم  ووضع حد لنزيف الهجرة من هذا الشرق .

وقبل أن نخوض في أهم التوصيات في الأرشاد الرسولي  علينا ان نتوقف على بعض ما قاله البابا قبل وخلال زيارته للبنان ، وهي  أقوال علينا التأمل فيها  نحن مسيحيي هذا الشرق لكي تكون لنا نبراسا واطارا عاما للعمل به في السنوات المقبلة .

دعا البابا (بحضور الصحفيين الذين رافقوه على متن الطائرة ، التي أقلَّته من مطار عسكري في ايطاليا الى بيروت ) دول "الربيع العربي " الى صرخة ايجابية من أجل الحرية على أن تتجلى بالتسامح .
كما عبّر عن إدانته للأصوليات وتزوير الدين، ومهمة الكنيسة والأديان هي تنقية نفسها ، وهذه المهمة يجب أن تظهر بوضوح ، انّ كل رجل هو صورة الله يجب أن نحترمها بالآخر . ورأى أن الرسالة ألأساسية للدين يجب أن تكون رفض العنف الذي هو تحريف ، مثله مثل ألأصولية  ، مشددا على ضرورة وقف واردات السلاح الى سوريا ، واصفا هذه الأمر بالخطيئة الكبرى .

وقد ابدى قداسة البابا ،ولأول مرة ، عن رأيه في الثورات العربية ، اي ما سميَّ ب "الربيع العربي"
وتكلّم عن ايجابيات هذه الثورات ولكن ركّز ايضا على السلبيات التي قد تؤدي الى انحراف هذه الثورات، فاعتبر ان الانتفاضات في العالم العربي التي ادت الى الاطاحة بانظمة ديكتاتورية في تونس ومصر واليمن ايجابية.
واضاف: ان الربيع العربي امر ايجابي، رغبة بالمزيد من الديموقراطية والحرية والتعاون وبهوية عربية متجددة.
ان صرخة الحرية هذه الصادرة عن شباب متقدم اكثر ثقافيا ومهنيا، يرغب في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هي وعد وامر ايجابي جدا، وكانت موضع ترحيب تحديدا من قبلنا كمسيحيين.
وتابع قداسته  محذِّرا عن مخاطر الحريّات الغير المنضبطة والغير المسؤولة  قائلا : نعلم ان صرخة الحرية بمثل هذه الاهمية والايجابية تواجه مخاطر لجهة ان تغفل شقا جوهريا من الحرية وهو التسامح مع الاخر. علينا ان نقوم بكل شيء لكي يذهب مفهوم الحرية في الاتجاه الصحيح.
وعن تجديد مفهوم العيش المشترك والحوار بين ألأغلبية والأقلية  ، قال قداسته  :
"ان الكرامة العربية المتجددة تعني تجديد مفهوم العيش معا وتسامح الغالبية والاقلية ، الحرية يجب ان تتواكب مع حوار اشمل، وليس هيمنة طرف على الاخر.

ثم ألقى قداسة البابا كلمة باللغة الفرنسية( للوفود والمستقبلين من الأساقفة  بعد وصوله الى لبنان في قاعة استقبال في مطار حريري الدولي ) حرص خلالها على إدخال عبارتي "سلامي أعطيكم" و"يبارككم الله جميعاً" باللغة العربية  ....واضافة قائلا : "...وأنا أتعاطف مع الأحداث المؤلمة التي عاشها بلدكم(يقصد لبنان) في السنوات الماضية والأحداث التي عصفت في الشرق الأوسط .
وقد ركَّز قداسة البابا الحالي( والسابق )على لبنان كونه رسالة و نموذج فريد للتعايش بين مختلف الأديان والعقائد والقوميات العرقية ، وهو نموذج يصلح لكي يكون جسرا للتفاهم والحوار والأنفتاح والسلام بين الشرق ألأوسط (بكونه ذو غالبية مسلمة) وبين الغرب (الذي يستمد ثقافته من الجذور المسيحية ) لا بل نموذجا للعالم كُلِه .  وبهذا الخصوص يضيف البابا فيقول :
"برهنتم ا(أنتم اللبنانيين ) انه في هذه الأمة الصغيرة هناك تآخٍ وتوافق بين الكنائس المختلفة وهذا ضمن الروح الأخوية في الكنيسة الكاثوليكية. وفي الوقت نفسه، برهنتم عن الحوار والتآخي بين المسيحيين والطوائف الأخرى. وانتم تعرفون ان هذا التوازن هو توازن حسّاس جداً وهو إذا ما اختل يؤدي بنا الى ضغوط ليست ضغوطاً ضمن إطار التناغم، وهنا يجب ان نبدي حكمة عالية واعتدالاً عالياً. ويجب ان نبذل الجهود من أجل تأمين الخير للجميع. والحكمة هي أهم الصفات في هذا الإطار، لذلك نطلب من الله ان يعطيكم قلوباً حكيمة وذكية. وأعبر عن أهمية وجود الله في حياة كل واحد منكم وكيف ان طريقة العيش سوياً، وهذا الأخاء هو من الميزات الضرورية الموجودة في بلادكم. وهذه المبادئ ترتكز على سلوك الاهتمام بالآخر، وحب الآخر، والرغبة بوجود الأخوة بين الجميع.
إن هذا التوازن اللبناني الشهير ناجم عن الإرادة الجيدة وعن إلتزام كل اللبنانيين، وعندما يتوفّر ذلك قد ينتشر هذا التوازن في المنطقة لا بل في العالم.   وهنا لا نتحدث فقط عن العمل الإنساني، انه عمل إلهي، حيث يجب ان نطلب من الله بثبات وبلا كلل ان يحافظ هذا التوازن.       
كما قلنا ان العلاقة بين الكرسي الرسولي ولبنان تضرب في الأعماق، وجئت الى لبنان كصديق لله وصديق للبشر "سلامي أعطيكم".
وأصلي ايضاً من أجل كل بلدان الشرق الأوسط لإحلال السلام كصديق للسلام ولله وللسكان كل بلدان المنطقة مهما كانت انتماءاتهم ومهما كانت معتقداتهم.
       
وفي احتفال رسمي بتوقيع "ألأرشاد الرسولي من أجل الشرق ألأوسط "  يوم السبت 15 -9 – 2012 ، دعى البابا المدعويين الى ألأحتفال بانتصار التسامح على ألأنتقام والوحدة على  ألأنقسام واضاف قائلا :
"اننا مدعوون هنا والان الى الاحتفال بانتصار الحب على الكراهية، والتسامح على الانتقام، والخدمة على السيطرة،والتواضع على الكبرياء والوحدة على ألأنقسام . وقال في ضوء احتفالنا اليوم ، ونظرا للتطبيق المثمر للارشاد احضكم جميعا ان لا تخافوا وان تمسكوا بالحقيقة ونقاوة الايمان". وشدد على ان كنائس الشرق ألأوسط لا تخاف لأنَّ الرب معها حتى النهاية .
 وكان البابا دعا  ،من مقر الرئاسة اللبنانية في بعبدا شرق بيروت ، حيث التقى المسؤولين الرسميين والدينيين، المسؤولين الى صنع السلام. وقال "ايها السياسيون والدبلوماسيون ورجالات الدين، ويا رجال ونساء عالم الثقافة، أدعوكم (...) ان تشهدوا بشجاعة... وبالرغم من العراقيل المحيطة بكم، ان الله يريد السلام".
واشار الى ان "الواجب الأول لفتح مستقبل سلام للأجيال القادمة، هو التربية على السلام لبناء "ثقافة سلام" التي تحتِّم حظر كل عنف شفوي أو جسدي"
وتابع "يقتضي ان نقول لا للثأر، أن نعترف بأخطائنا، ونقبل الاعذار بدون التماسها، وأخيرا أن نغفر. لأن وحدها المغفرة الممنوحة والمقبولة تضع الأساسات الدائمة للمصالحة وللسلام للجميع".
وشدد على اهمية "الحرية الدينية"، "الحق الأساسي الذي تركن اليه الحقوق العديدة الاخرى. المجاهرة بالديانة وعيشها بحرية بدون أن يعرض الشخص حياته وحريته للخطر يجب أن يكون ممكنا للجميع".
وجاء هذا الكلام في وقت تسود اضطرابات في المنطقة احتجاجا على فيلم مسيء للاسلام انتج في الولايات المتحدة.     
كما حيا البابا بنديكتوس السادس عشر السبت، في اليوم الثاني من زيارته الى لبنان، "شجاعة الشباب السوري"، مبديا تعاطفه مع احزان السوريين، وذلك بعد ان كان جدد دعوته الى التسامح والتعايش والحرية
وقال البابا ، مساء السبت امام اكثر من 15 الف شاب وشابة تتراوح اعمارهم بين 17 و30 عاما تجمعوا في باحات مقر البطريركية المارونية في بكركي شمال بيروت ، "علمت ان بينكم شبابا قدموا من سوريا. اريد ان
أقول لهم كم أنا معجب بشجاعتهم" .
وتابع قائلا :" قولوا لعائلاتكم واصدقائكم أنَّ البابا لاينساكم . قولوا أنَّ البابا حزين بسبب إلامكم واحزانكم ، . إنَّه لاينسى سوريا في صلواته واهتماماته . لاينسى الشرق اوسطيون الذين يعانون " .
واعتبر البابا انَّ "الوقت حان لكي يتحد المسيحيون والمسلمون من اجل وضع حد للعنف والحروب"
ودعا البابا شباب لبنان الى عدم الهجرة، مؤكدا انه يدرك الصعوبات التي يعانون منها من "نقص الاستقرار والامن وصعوبات الحصول على عمل والشعور بالوحدة او التهميش"
وطلب منهم ان لا تدفعهم هذه الصعوبات الى "تذوق مرارة الهجرة مع مغادرة الارض والانفصال نحو مستقبل غير واضح المعالم.
وعن دور الشباب في المجتمع والكنيسة ، قال البابا :
 بالنسبة اليكم يجب ان تكونوا صانعي المستقبل في بلدكم وان تقوموا بدوركم في المجتمع والكنيسة" .
وفي كلمة لقداسة البابا القاها في القداس الألهي ليوم الأحد ، وهو اليوم الأخير لزيارته  للبنان ، لخَّص قداسته حياة وسلوك المسيحي  الحقيقي بقوله :
"أن نتبع المسيح يعني أن نحمل معه صليبه طوال هذا الدرب المزعج، هذا الدرب الذي يبعد عن القوة الأرضية والمجد الأرضي. هذا الدرب الذي يقودنا لنكران ذاتنا ولخسارة حياتنا من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل لنحظى بالخلاص، فإننا واثقون من أنّ هذا الدرب يقودنا إلى القيامة والحياة الحقة والأكيدة مع الله
ختاما :
الأرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط ، كما يقول بطريرك طائفة الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث ، "هو موجه الى الكنيسة في الشرق الأوسط ولكن مضمونه ومحتواه وغايته موجه الى المشرق العربي بأسره إنطلاقا من لبنان.....إنّه شعار مسيحي – مسيحي  ، لكنه أيضا شعار مسيحي – اسلامي ، هو شعار يجب أن يعاش بتفاعل وتواصل مع أطياف هذه المنطقة وطوائفها ، إنَّه شركة وشهادة" .
أمّا أبرز ما جاء في الأرشاد الرسولي ،الذي وقَّع عليه قداسة البابا ، فيمكن قرائته في الموقع أدناه
http://noursat.tv/ar/papalvisit/pv-news-details.php?cid=213&id=4006#.UFQSIKEQhnk.facebook

38
خارطة الطريق للشرق الأوسط الجديد بمنظور الأرشاد الرسولي .

نافع البرواري

كثر الكلام عن خارطة الشرق الأوسط الجديد بالمفهوم السياسي ، وكتب الكثيرون عن مشروع الشرق الأوسط الجديد سواء كان سلبيا او أيجابيا لتغيير الشرق ألأوسط وكان احد نتائج هذا التغيير(كما يقولون) هو  الثورات العربية التي اطلق عليها ما يسمّى ب "الربيع العربي ".
ولكن في هذه المقالة سنتطرق الى نظرة الكنيسة الكاثولوكية  (بالتعاون مع بقية كنائس الشرق ألأوسط) كما جاء في الأرشاد الرسولي الذي وقعّ عليه قداسة البابا بيندكتس السادس  عشر في لبنان بعد زيارته الرسولوية (14 – 16  ايلول الجاري)  في ما تريد تحقيقه في الشرق  ألأوسط بالأستناد على نتائج ما تمخّض منه مجمع سينودس الشرق ألأوسط .

كان انعقاد سينودس اساقفة الشرق الأوسط في تشرين الأول 2010 بدعوة من الحبر ألأعظم ، قداسة البابا بيندكتس السادس عشر ، والذي حمل عنوان "الكنيسة الكاثوليكية في الشرق ألأوسط ، شركة وشهادة "  وقد خرج السينودس ب 44 مقترح نهائي. وقد وقع البابا على "الأرشاد الرسولي"  في يوم 14 ايلول الجاري وهو اليوم الأول من زيارته للبنان ، وهذا ألأرشاد الرسولي هو مستوحي من توصيات السينودوس حول الشرق ألأوسط ومناقشاته .
يمكن أن نعتبر  الأرشاد الرسولي كخارطة لرسم شرق اوسط جديد ينعم بالأمان والسلام والحرية والمساوات والعدالة والأستقرار والشراكة والمشاركة بين جميع العقائد والأديان والطوائف والقوميات .
فالأرشاد الرسولي هو بمثابة خارطة الطريق يمكن لمسيحيي الشرق الأوسط ( وحتى جميع الدول العربية ) أن تسترشد به لكي يكون دستورا لها لكي تعيش شعوبها في سلام وحرية وأمان ، مهما كانت أنتماءاتهم  ومعتقداتهم  سواء كانوا مسيحيين او مسلمين ، عربا أو غير قوميات ، شيعة وسنة ، وخاصة في هذه الأيام التي تشهد بلدان الشرق الأوسط الكثير من التغييرات الدراماتيكية  حيث ثارت شعوب هذه البلدان ، ضد انضمتها الدكتاتورية القمعية  ،  ونتيجة ذلك حدث فراغ أمني وانهيار السلطة .  فغاب القانون ، لا بل حدثت اضطرابات وحروب دموية كما حدث في العراق ومصر وليبيا  واليمن وكما يحدث في سوريا هذه الأيام . كذلك  أُرتكتبت وترتكب الكثير من الجرائم  والعنف بحق الأبرياء والمدنيين ، وانّ  الضحيّة الأولى نتيجة ذلك هم المسيحيين بسبب كونهم  شعوب مسالمة لا تؤمن بالعنف والفعل ورد الفعل . وهكذا  هاجر الكثير منهم (وخاصة من  العراق وكذلك ما نسمع من هجرة المسيحيين من سوريا  في هذه الأيام ) نتيجة الفلتان ألأمني والعنف الناتج من التعصب الديني والطائفي .

على ضوء كُلِّ هذه الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط وبسبب الأضطهادات بحق المسيحيين في هذه الدول والهجرة الغير المسبوقة للمسيحيين من المنطقة وخاصة في العراق بعد سقوط بغداد سنة 2003 ، ولكون قداسة البابا ، راعي الكنيسة الكاثوليكية في العراق ولبنان وسوريا وفلسطين ، والأردن  فكان من  أولى  واجباته هو ألأهتمام برعيته والبحث عن السبل الكفيلة للتخفيف من آلامهم ومصائبهم والتدخل لوقف نزيف هجرتهم من اوطانهم  التي منها انطلق ألأيمان المسيحي وكانت هذه الدول شعاع نور للعالم كُلّه حيث من هذه الدول انطلق الرسل الأولون وفي هذه ألأراضي بنيت الكنائس ألأولى في العالم ومن ارض بين النهرين وبلاد الشام انطلق بشرى الخلاص لجميع الأمم .

كان أهم اهداف انعقاد سينودس أساقفة الشرق ألأوسط  هو لبحث السبل الكفيلة للمحافظة على سلامة المسيحيين والتخفيف من آلامهم  ووضع حد لنزيف الهجرة من هذا الشرق .

وقبل أن نخوض في أهم التوصيات في الأرشاد الرسولي  علينا ان نتوقف على بعض ما قاله البابا قبل وخلال زيارته للبنان ، وهي  أقوال علينا التأمل فيها  نحن مسيحيي هذا الشرق لكي تكون لنا نبراسا واطارا عاما للعمل به في السنوات المقبلة .

دعا البابا (بحضور الصحفيين الذين رافقوه على متن الطائرة ، التي أقلَّته من مطار عسكري في ايطاليا الى بيروت ) دول "الربيع العربي " الى صرخة ايجابية من أجل الحرية على أن تتجلى بالتسامح .
كما عبّر عن إدانته للأصوليات وتزوير الدين، ومهمة الكنيسة والأديان هي تنقية نفسها ، وهذه المهمة يجب أن تظهر بوضوح ، انّ كل رجل هو صورة الله يجب أن نحترمها بالآخر . ورأى أن الرسالة ألأساسية للدين يجب أن تكون رفض العنف الذي هو تحريف ، مثله مثل ألأصولية  ، مشددا على ضرورة وقف واردات السلاح الى سوريا ، واصفا هذه الأمر بالخطيئة الكبرى .

وقد ابدى قداسة البابا ،ولأول مرة ، عن رأيه في الثورات العربية ، اي ما سميَّ ب "الربيع العربي"
وتكلّم عن ايجابيات هذه الثورات ولكن ركّز ايضا على السلبيات التي قد تؤدي الى انحراف هذه الثورات، فاعتبر ان الانتفاضات في العالم العربي التي ادت الى الاطاحة بانظمة ديكتاتورية في تونس ومصر واليمن ايجابية.
واضاف: ان الربيع العربي امر ايجابي، رغبة بالمزيد من الديموقراطية والحرية والتعاون وبهوية عربية متجددة.
ان صرخة الحرية هذه الصادرة عن شباب متقدم اكثر ثقافيا ومهنيا، يرغب في المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هي وعد وامر ايجابي جدا، وكانت موضع ترحيب تحديدا من قبلنا كمسيحيين.
وتابع قداسته  محذِّرا عن مخاطر الحريّات الغير المنضبطة والغير المسؤولة  قائلا : نعلم ان صرخة الحرية بمثل هذه الاهمية والايجابية تواجه مخاطر لجهة ان تغفل شقا جوهريا من الحرية وهو التسامح مع الاخر. علينا ان نقوم بكل شيء لكي يذهب مفهوم الحرية في الاتجاه الصحيح.
وعن تجديد مفهوم العيش المشترك والحوار بين ألأغلبية والأقلية  ، قال قداسته  :
"ان الكرامة العربية المتجددة تعني تجديد مفهوم العيش معا وتسامح الغالبية والاقلية ، الحرية يجب ان تتواكب مع حوار اشمل، وليس هيمنة طرف على الاخر.

ثم ألقى قداسة البابا كلمة باللغة الفرنسية( للوفود والمستقبلين من الأساقفة  بعد وصوله الى لبنان في قاعة استقبال في مطار حريري الدولي ) حرص خلالها على إدخال عبارتي "سلامي أعطيكم" و"يبارككم الله جميعاً" باللغة العربية  ....واضافة قائلا : "...وأنا أتعاطف مع الأحداث المؤلمة التي عاشها بلدكم(يقصد لبنان) في السنوات الماضية والأحداث التي عصفت في الشرق الأوسط .
وقد ركَّز قداسة البابا الحالي( والسابق )على لبنان كونه رسالة و نموذج فريد للتعايش بين مختلف الأديان والعقائد والقوميات العرقية ، وهو نموذج يصلح لكي يكون جسرا للتفاهم والحوار والأنفتاح والسلام بين الشرق ألأوسط (بكونه ذو غالبية مسلمة) وبين الغرب (الذي يستمد ثقافته من الجذور المسيحية ) لا بل نموذجا للعالم كُلِه .  وبهذا الخصوص يضيف البابا فيقول :
"برهنتم ا(أنتم اللبنانيين ) انه في هذه الأمة الصغيرة هناك تآخٍ وتوافق بين الكنائس المختلفة وهذا ضمن الروح الأخوية في الكنيسة الكاثوليكية. وفي الوقت نفسه، برهنتم عن الحوار والتآخي بين المسيحيين والطوائف الأخرى. وانتم تعرفون ان هذا التوازن هو توازن حسّاس جداً وهو إذا ما اختل يؤدي بنا الى ضغوط ليست ضغوطاً ضمن إطار التناغم، وهنا يجب ان نبدي حكمة عالية واعتدالاً عالياً. ويجب ان نبذل الجهود من أجل تأمين الخير للجميع. والحكمة هي أهم الصفات في هذا الإطار، لذلك نطلب من الله ان يعطيكم قلوباً حكيمة وذكية. وأعبر عن أهمية وجود الله في حياة كل واحد منكم وكيف ان طريقة العيش سوياً، وهذا الأخاء هو من الميزات الضرورية الموجودة في بلادكم. وهذه المبادئ ترتكز على سلوك الاهتمام بالآخر، وحب الآخر، والرغبة بوجود الأخوة بين الجميع.
إن هذا التوازن اللبناني الشهير ناجم عن الإرادة الجيدة وعن إلتزام كل اللبنانيين، وعندما يتوفّر ذلك قد ينتشر هذا التوازن في المنطقة لا بل في العالم.   وهنا لا نتحدث فقط عن العمل الإنساني، انه عمل إلهي، حيث يجب ان نطلب من الله بثبات وبلا كلل ان يحافظ هذا التوازن.       
كما قلنا ان العلاقة بين الكرسي الرسولي ولبنان تضرب في الأعماق، وجئت الى لبنان كصديق لله وصديق للبشر "سلامي أعطيكم".
وأصلي ايضاً من أجل كل بلدان الشرق الأوسط لإحلال السلام كصديق للسلام ولله وللسكان كل بلدان المنطقة مهما كانت انتماءاتهم ومهما كانت معتقداتهم.
       
وفي احتفال رسمي بتوقيع "ألأرشاد الرسولي من أجل الشرق ألأوسط "  يوم السبت 15 -9 – 2012 ، دعى البابا المدعويين الى ألأحتفال بانتصار التسامح على ألأنتقام والوحدة على  ألأنقسام واضاف قائلا :
"اننا مدعوون هنا والان الى الاحتفال بانتصار الحب على الكراهية، والتسامح على الانتقام، والخدمة على السيطرة،والتواضع على الكبرياء والوحدة على ألأنقسام . وقال في ضوء احتفالنا اليوم ، ونظرا للتطبيق المثمر للارشاد احضكم جميعا ان لا تخافوا وان تمسكوا بالحقيقة ونقاوة الايمان". وشدد على ان كنائس الشرق ألأوسط لا تخاف لأنَّ الرب معها حتى النهاية .
 وكان البابا دعا  ،من مقر الرئاسة اللبنانية في بعبدا شرق بيروت ، حيث التقى المسؤولين الرسميين والدينيين، المسؤولين الى صنع السلام. وقال "ايها السياسيون والدبلوماسيون ورجالات الدين، ويا رجال ونساء عالم الثقافة، أدعوكم (...) ان تشهدوا بشجاعة... وبالرغم من العراقيل المحيطة بكم، ان الله يريد السلام".
واشار الى ان "الواجب الأول لفتح مستقبل سلام للأجيال القادمة، هو التربية على السلام لبناء "ثقافة سلام" التي تحتِّم حظر كل عنف شفوي أو جسدي"
وتابع "يقتضي ان نقول لا للثأر، أن نعترف بأخطائنا، ونقبل الاعذار بدون التماسها، وأخيرا أن نغفر. لأن وحدها المغفرة الممنوحة والمقبولة تضع الأساسات الدائمة للمصالحة وللسلام للجميع".
وشدد على اهمية "الحرية الدينية"، "الحق الأساسي الذي تركن اليه الحقوق العديدة الاخرى. المجاهرة بالديانة وعيشها بحرية بدون أن يعرض الشخص حياته وحريته للخطر يجب أن يكون ممكنا للجميع".
وجاء هذا الكلام في وقت تسود اضطرابات في المنطقة احتجاجا على فيلم مسيء للاسلام انتج في الولايات المتحدة.     
كما حيا البابا بنديكتوس السادس عشر السبت، في اليوم الثاني من زيارته الى لبنان، "شجاعة الشباب السوري"، مبديا تعاطفه مع احزان السوريين، وذلك بعد ان كان جدد دعوته الى التسامح والتعايش والحرية
وقال البابا ، مساء السبت امام اكثر من 15 الف شاب وشابة تتراوح اعمارهم بين 17 و30 عاما تجمعوا في باحات مقر البطريركية المارونية في بكركي شمال بيروت ، "علمت ان بينكم شبابا قدموا من سوريا. اريد ان
أقول لهم كم أنا معجب بشجاعتهم" .
وتابع قائلا :" قولوا لعائلاتكم واصدقائكم أنَّ البابا لاينساكم . قولوا أنَّ البابا حزين بسبب إلامكم واحزانكم ، . إنَّه لاينسى سوريا في صلواته واهتماماته . لاينسى الشرق اوسطيون الذين يعانون " .
واعتبر البابا انَّ "الوقت حان لكي يتحد المسيحيون والمسلمون من اجل وضع حد للعنف والحروب"
ودعا البابا شباب لبنان الى عدم الهجرة، مؤكدا انه يدرك الصعوبات التي يعانون منها من "نقص الاستقرار والامن وصعوبات الحصول على عمل والشعور بالوحدة او التهميش"
وطلب منهم ان لا تدفعهم هذه الصعوبات الى "تذوق مرارة الهجرة مع مغادرة الارض والانفصال نحو مستقبل غير واضح المعالم.
وعن دور الشباب في المجتمع والكنيسة ، قال البابا :
 بالنسبة اليكم يجب ان تكونوا صانعي المستقبل في بلدكم وان تقوموا بدوركم في المجتمع والكنيسة" .
وفي كلمة لقداسة البابا القاها في القداس الألهي ليوم الأحد ، وهو اليوم الأخير لزيارته  للبنان ، لخَّص قداسته حياة وسلوك المسيحي  الحقيقي بقوله :
"أن نتبع المسيح يعني أن نحمل معه صليبه طوال هذا الدرب المزعج، هذا الدرب الذي يبعد عن القوة الأرضية والمجد الأرضي. هذا الدرب الذي يقودنا لنكران ذاتنا ولخسارة حياتنا من أجل المسيح ومن أجل الإنجيل لنحظى بالخلاص، فإننا واثقون من أنّ هذا الدرب يقودنا إلى القيامة والحياة الحقة والأكيدة مع الله
ختاما :
الأرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط ، كما يقول بطريرك طائفة الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث ، "هو موجه الى الكنيسة في الشرق الأوسط ولكن مضمونه ومحتواه وغايته موجه الى المشرق العربي بأسره إنطلاقا من لبنان.....إنّه شعار مسيحي – مسيحي  ، لكنه أيضا شعار مسيحي – اسلامي ، هو شعار يجب أن يعاش بتفاعل وتواصل مع أطياف هذه المنطقة وطوائفها ، إنَّه شركة وشهادة" .
أمّا أبرز ما جاء في الأرشاد الرسولي ،الذي وقَّع عليه قداسة البابا ، فيمكن قرائته في الموقع أدناه
http://noursat.tv/ar/papalvisit/pv-news-details.php?cid=213&id=4006#.UFQSIKEQhnk.facebook

39
هل آنَ الأوان لكي نعترف، بحقيقة ما يجري بحقِّنا ، نَحنُ مسيحيّي الشرق ألأوسط ؟

من يقرأ ألأحداث التاريخية ، منذ انطلاق الجيوش العربية الغازية من قلب الجزيرة العربية ، في بدايات القرن السابع الميلادي ، واحتلالها لمنطقة الشرق ألأوسط وشمال افريقيا  وسقوط القسطنطينة (1453 م ) قلعة الكنيسة الشرقية وصولا الى يومنا هذا ، سيصل الى نتائج بالغة الخطورة .
فالتاريخ يخبرنا عن تهديم مئات الكنائس وتحويلها الى جوامع منذ زمن عمر بن الخطاب (صاحب الشريعة العمرية التي جعلت من المسيحيين اذلاء مستعبدين) مرورا بالخلفاء الأمويين والعباسيين وصولا الى الخلفاء العثمانيين  الذين عملوا على أخلاء تركيا  بل الشرق ألأوسط من المسيحيين . فسواء خفَّ ألأضطهاد بحق المسيحيين في فترات ومراحل تاريخية  معيّنة ، لأسباب تكتيكية ( شريعة  التقيّة ) ، أو كان ألأضطهاد بمختلف الوسائل  واقع حال ويتم تطبيقه  في أرض الواقع في مراحل اخرى من التاريخ . فالوقائع والشهادات عبر التاريخ تؤكِّد لنا على تناقص نسبة المسيحيين في هذه الدول(من حوالي  70% الى حوالي -5 %) منذ الغزو العربي القادم من شبه الجزيرة العربية الى يومنا هذا .
وها هو اليوم ما يؤكِّد لنا ، تلك الحقائق التاريخية فهي لا زالت هي هي ، ويتم تطبيعها على أرض الواقع ، من خلال ممارسات الدول العربية بحق المسيحيين ، وخاصة بعد انتشار الفكر الأسلامي المتشدد في هذه الحقبة من التاريخ ، حيث تقوم هذه الدول  بتنفيذ  نفس الدور العثماني بمحاولات ترهيب واضطهاد المسيحيين في هذه البلدان بشتى الوسائل والطرق الغير الشرعية  ، سواء في العراق او مصر أو في  سوريا ولبنان وفلسطين  والسودان ، ( بالأضافة الى ما شهدناه  من الأضطهادات بحق المسيحيين في ايران وتركيا وفي اغلب الدول ألأسلامية ) .
هذا ألأضطهاد مبرمج ومنظم  وينفّذ بوسائل جهنَّمية مبتكرة ومخفية ، بمباركة غالبية رجال الدين والمرجعيات الأسلامية ، وبتنسيق مفضوح مع الصهيونية العالمية . ومن يقول غير هذا فهو جاهل في التاريخ ويحاول أن ينسى الماضي ويقول عفى عما سلف ، وبهذا يضع رأسه في الرمل كالنعامة التي تظنُّ أنها بهذا لن يصيدها الصيّاد .
 
إنَّ ما نقوله ليس محض إفتراض أو تكهنات أو مخاوف من المستقبل ، بل ما نقوله هو واقع حال ، فما حدث ويحدث للمسيحيين في هذا الشرق من ألأضطهادات والترهيب بمختلف الوسائل المعلنة والمبطّنة ، والأستيلاء على أراضي الكنائس وأراضي المواطنين المسيحيين سواء من قبل العرب  أو ألأتراك  أو الفرس أو ألأكراد خير دليل على ما نقوله اليوم . وكذلك  التغييرات الديموغرافية التي حدثت للمناطق التي كان يسكنها  شعبنا المسيحي خير شاهد على ذلك .
إن انتشار الثقافة الأسلامية المتشددة ، نلمسها ونراها اليوم ، فهي ظاهرة منتشره في أغلب الدول العربية والأسلامية ، وخاصة بعد الثورة الأسلامية (الشيعية )في ايران سنة 1979 ، التي كان شعارها تصدير هذه الثورة الى الدول الأسلامية والتي بسببها قامت الحرب ألأيرانية العراقية. وبالمقابل ، للثورة الشيعية الأسلامية في ايران ، ظهر تيار سني (وهابي) متشدد في الدول العربية والأسلامية  بقيادة السعودية (السنية) للحد من انتشار الثورة الأسلامية الشيعية  . وكان نتيجة هذا الصراع الرهيب ، بين المذهبين ، هو بمثابة حرب معلنة أحيانا وغير معلنة في احيان أخرى ( كما حدث في العراق  وما حدث في لبنان بين حزب الله الشيعية والأحزاب السنية ، وما حدث في اليمن  حيث جماعة الحوثيين المدعومين من قبل ايران ، وما حدث ويحدث في البحرين ، وانقسام الحكومة الفلسطينية الى شطرين والصراع الدموي بينهما  ، وما يحدث اليوم في سوريا من المذابح والقتل هو امتداد لهذه الحرب ...الخ ).
انَّ ما زاد الطين بلّة هي أحداث 11 ايلول سنة 2001 عندما ضَربت القاعدة أبراج نيويورك وراح ضحيّتها الاف المدنيين الأبرياء ، وهكذا أعطى هذا الحدث المزلزل المبررات للتدخل الغربي ، بقيادة أمريكية ، في الدول العربية والأسلامية بحجّة  كبح الأرهاب والقضاء عليه  . كان نتيجة هذا التدخل الغربي هو اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق والنظام الطالباني في أفغانستان . مما خلق نوع من الكراهية والحقد في كافة الدول العربية والأسلامية ضد أمريكا والغرب وأنعكس ذلك على مسيحيي الشرق الأوسط ، بلا مبرِّلر ، وخاصة في العراق ومصر وسوريا وفلسطين ولبنان  . فكان هذا التدخل الغربي بمثابة وقود ليزيد النار اشتعالا في هذه الدول العربية والأسلامية ليحرق اليابس وألأخضر .
هذا هو خلاصة ما حدث ويحدث اليوم في الشرق الأوسط وكُلّ ذلك انعكس وينعكس على الشعب المسيحي المسالم الذي يؤمن بالسلام وينشد ألأمان والأستقرار ويتشبث بأرضه ووطنه بالرغم من هذا الكم الهائل من الأرهاب وألأضطهادات عبر مئات السنين الى يومنا هذا ، حيث لا يمرُّ يوما الاّ ونسمع عن حوادث متفرقة ، عن قتل وتفجير كنائس أو دهم بيوت المسيحيين والنوادي الأجتماعية وترهيب المسيحيين بالويلات في حالة عدم ترك كل ما يملكوه ويهاجروا . ولقد استفحلت ظاهرة الترهيب للمواطنين المسيحيين في كل الدول العربية والأسلامية بعد ما يسمى "الربيع العربي" وخاصة بعد انتشار الفكر التكفيري المتشدد للأحزاب الأسلامية التي تسلقت الى الحكم في غالبية الدول العربية وألأسلامية ، كأيران وتركيا والعراق ومصر وتونس وحتى الدول التي لا تحكمها ألأحزاب الأسلامية لكن مجتمعاتها تنتشر فيها ثقافة التعصب والحقد والكراهية  ضد المسيحيين . الغريب العجيب هو وقوف الدول الغربية (المتحضِّرة) متفرجة ،بسكوتها المطبق عمّا تمارسه الدول العربية والأسلامية من الأضطهادات والتهجير والترهيب بحق المسيحيين في هذه الدول، بينما تنص قوانين الأمم المتحدة بالتدخل لوقف اضطهادات الأقليات العرقية والدينية في حالات الأضطهادات الممنهجة لأي دولة من الدول بحق مواطنيها الأصليين .
إنَّ  الدساتير العربية وألأسلامية  تجعلنا نحن المسيحيين مستعبدين  وخاضعين للشريعة الأسلامية ، وبهذا يتم اليوم محاربة المسيحيين بطرق مبتكرة وحديثة باسم الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والتي ليست الاَّ عبارات رنانة ولكنّها جوفاء فارغة المضمون والمعنى في ظل المادة الثانية من الدستور( كمثال على ذلك الدستور العراقي والمصري) التي تؤكد على ان القوانين جميعها مستمدّة من الشريعة الأسلامية . وهكذا يطلُّ علينا شبح ألأرهاب والأضطهاد ، بحق المسيحيين ، لكن بلباس الحق وباسم الحرية والعدالة والمساوات . وصدَّق من قال : "كم من البشر ذُبِحوا  باسمُك أيَّتها الحرية ".
علينا أن نصارح شعوبنا ، بهذا الواقع ألأليم  وعلى جميع المسيحيين سواء كانوا رؤساء دينيين أو دنيويين أن يقولوا الحقيقة ولا يكذبوا على أنفسهم او على شعوبهم ، وأن يحاولوا أن ينطلقوا من هذا الواقع المرير للتعامل مع المسلمين من جهة ومع المنظمات الدولية والدول الديمقراطية المتحضِّرة من جهة  اخرى ، مهما كانت نتائج ، هذا ألأعتراف ، خطيرا ومُرّأ ،لأنّنا ، كمسيحيين ، لم يبقى لنا ما نخسره بعد كلِّ ما جرى في الماضي وما يجري في الحاضر الذي نعيشه ونلمسه .أليوم علينا أن نضع النقاط على الحروف وأن نعترف بهذه الحقائق وننطلق من هذا الواقع ألأليم .
نحن المسيحيين بكافة طوائفنا وقومياتنا ، معرِّضين اليوم أكثر من أي وقت  آخر لمحاولات محو الهوية والذاكرة التاريخية ، بفرض الثقافة البدوية المتخلفة والتهديد والترهيب لترك اوطاننا ومقدساتنا وأراضينا ، ومحاولات  مسخ حضارتنا وتزوير تاريخنا . فهل ستبقى رؤسنا مغمورة في الرمال ، أم علينا مواجهة هذا الواقع بكل السبل القانونية والمشروعة ؟ . وهل رؤساء ورعاة كنائسنا سيصارحون أنفسهم بهذا الواقع  الجديد والقديم وينقلوا صراخ شعبهم  وأنينه ومأساته وتخوفه من المستقبل المظلم ، بكل أمانة وصدق الى البابا الذي سيزور لبنان في هذا الشهر ( 14 -16 أيلول ) ؟ . وهل سيسمعوا رؤساء احزابنا بكل فئاتهم لنداء شعبهم (الكداني السرياني الآشوري) لكي يتصالحوا  ويتوحّدوا ليكونوا قلبا واحدا وروحا واحدة وينسوا خلافاتهم ،الغير المبرّرة ، ليهبّوا ويتحرَّكوا ويتوحَّدوا بصوت واحد ويوصلوا حقيقة ما يجري بحق شعبهم الى المحافل الدوليَّة والمنظمات العالمية والأنسانية ؟ أسئلة علينا ألأجابة عليها قبل فوات الأوان ، حيث لن يفيدنا الندم ولا السلطة ولا المال ولا المناصب ، بل لن يرحمنا التاريخ ولن يغفروا لنا ألأجيال القادمة  .

نافع البرواري

40
هل آنَ الأوان لكي نعترف، بحقيقة ما يجري بحقِّنا ، نَحنُ مسيحيّي الشرق ألأوسط ؟

من يقرأ ألأحداث التاريخية ، منذ انطلاق الجيوش العربية الغازية من قلب الجزيرة العربية ، في بدايات القرن السابع الميلادي ، واحتلالها لمنطقة الشرق ألأوسط وشمال افريقيا  وسقوط القسطنطينة (1453 م ) قلعة الكنيسة الشرقية وصولا الى يومنا هذا ، سيصل الى نتائج بالغة الخطورة .
فالتاريخ يخبرنا عن تهديم مئات الكنائس وتحويلها الى جوامع منذ زمن عمر بن الخطاب (صاحب الشريعة العمرية التي جعلت من المسيحيين اذلاء مستعبدين) مرورا بالخلفاء الأمويين والعباسيين وصولا الى الخلفاء العثمانيين  الذين عملوا على أخلاء تركيا  بل الشرق ألأوسط من المسيحيين . فسواء خفَّ ألأضطهاد بحق المسيحيين في فترات ومراحل تاريخية  معيّنة ، لأسباب تكتيكية ( شريعة  التقيّة ) ، أو كان ألأضطهاد بمختلف الوسائل  واقع حال ويتم تطبيقه  في أرض الواقع في مراحل اخرى من التاريخ . فالوقائع والشهادات عبر التاريخ تؤكِّد لنا على تناقص نسبة المسيحيين في هذه الدول(من حوالي  70% الى حوالي -5 %) منذ الغزو العربي القادم من شبه الجزيرة العربية الى يومنا هذا .
وها هو اليوم ما يؤكِّد لنا ، تلك الحقائق التاريخية فهي لا زالت هي هي ، ويتم تطبيعها على أرض الواقع ، من خلال ممارسات الدول العربية بحق المسيحيين ، وخاصة بعد انتشار الفكر الأسلامي المتشدد في هذه الحقبة من التاريخ ، حيث تقوم هذه الدول  بتنفيذ  نفس الدور العثماني بمحاولات ترهيب واضطهاد المسيحيين في هذه البلدان بشتى الوسائل والطرق الغير الشرعية  ، سواء في العراق او مصر أو في  سوريا ولبنان وفلسطين  والسودان ، ( بالأضافة الى ما شهدناه  من الأضطهادات بحق المسيحيين في ايران وتركيا وفي اغلب الدول ألأسلامية ) .
هذا ألأضطهاد مبرمج ومنظم  وينفّذ بوسائل جهنَّمية مبتكرة ومخفية ، بمباركة غالبية رجال الدين والمرجعيات الأسلامية ، وبتنسيق مفضوح مع الصهيونية العالمية . ومن يقول غير هذا فهو جاهل في التاريخ ويحاول أن ينسى الماضي ويقول عفى عما سلف ، وبهذا يضع رأسه في الرمل كالنعامة التي تظنُّ أنها بهذا لن يصيدها الصيّاد .
 
إنَّ ما نقوله ليس محض إفتراض أو تكهنات أو مخاوف من المستقبل ، بل ما نقوله هو واقع حال ، فما حدث ويحدث للمسيحيين في هذا الشرق من ألأضطهادات والترهيب بمختلف الوسائل المعلنة والمبطّنة ، والأستيلاء على أراضي الكنائس وأراضي المواطنين المسيحيين سواء من قبل العرب  أو ألأتراك  أو الفرس أو ألأكراد خير دليل على ما نقوله اليوم . وكذلك  التغييرات الديموغرافية التي حدثت للمناطق التي كان يسكنها  شعبنا المسيحي خير شاهد على ذلك .
إن انتشار الثقافة الأسلامية المتشددة ، نلمسها ونراها اليوم ، فهي ظاهرة منتشره في أغلب الدول العربية والأسلامية ، وخاصة بعد الثورة الأسلامية (الشيعية )في ايران سنة 1979 ، التي كان شعارها تصدير هذه الثورة الى الدول الأسلامية والتي بسببها قامت الحرب ألأيرانية العراقية. وبالمقابل ، للثورة الشيعية الأسلامية في ايران ، ظهر تيار سني (وهابي) متشدد في الدول العربية والأسلامية  بقيادة السعودية (السنية) للحد من انتشار الثورة الأسلامية الشيعية  . وكان نتيجة هذا الصراع الرهيب ، بين المذهبين ، هو بمثابة حرب معلنة أحيانا وغير معلنة في احيان أخرى ( كما حدث في العراق  وما حدث في لبنان بين حزب الله الشيعية والأحزاب السنية ، وما حدث في اليمن  حيث جماعة الحوثيين المدعومين من قبل ايران ، وما حدث ويحدث في البحرين ، وانقسام الحكومة الفلسطينية الى شطرين والصراع الدموي بينهما  ، وما يحدث اليوم في سوريا من المذابح والقتل هو امتداد لهذه الحرب ...الخ ).
انَّ ما زاد الطين بلّة هي أحداث 11 ايلول سنة 2001 عندما ضَربت القاعدة أبراج نيويورك وراح ضحيّتها الاف المدنيين الأبرياء ، وهكذا أعطى هذا الحدث المزلزل المبررات للتدخل الغربي ، بقيادة أمريكية ، في الدول العربية والأسلامية بحجّة  كبح الأرهاب والقضاء عليه  . كان نتيجة هذا التدخل الغربي هو اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق والنظام الطالباني في أفغانستان . مما خلق نوع من الكراهية والحقد في كافة الدول العربية والأسلامية ضد أمريكا والغرب وأنعكس ذلك على مسيحيي الشرق الأوسط ، بلا مبرِّلر ، وخاصة في العراق ومصر وسوريا وفلسطين ولبنان  . فكان هذا التدخل الغربي بمثابة وقود ليزيد النار اشتعالا في هذه الدول العربية والأسلامية ليحرق اليابس وألأخضر .
هذا هو خلاصة ما حدث ويحدث اليوم في الشرق الأوسط وكُلّ ذلك انعكس وينعكس على الشعب المسيحي المسالم الذي يؤمن بالسلام وينشد ألأمان والأستقرار ويتشبث بأرضه ووطنه بالرغم من هذا الكم الهائل من الأرهاب وألأضطهادات عبر مئات السنين الى يومنا هذا ، حيث لا يمرُّ يوما الاّ ونسمع عن حوادث متفرقة ، عن قتل وتفجير كنائس أو دهم بيوت المسيحيين والنوادي الأجتماعية وترهيب المسيحيين بالويلات في حالة عدم ترك كل ما يملكوه ويهاجروا . ولقد استفحلت ظاهرة الترهيب للمواطنين المسيحيين في كل الدول العربية والأسلامية بعد ما يسمى "الربيع العربي" وخاصة بعد انتشار الفكر التكفيري المتشدد للأحزاب الأسلامية التي تسلقت الى الحكم في غالبية الدول العربية وألأسلامية ، كأيران وتركيا والعراق ومصر وتونس وحتى الدول التي لا تحكمها ألأحزاب الأسلامية لكن مجتمعاتها تنتشر فيها ثقافة التعصب والحقد والكراهية  ضد المسيحيين . الغريب العجيب هو وقوف الدول الغربية (المتحضِّرة) متفرجة ،بسكوتها المطبق عمّا تمارسه الدول العربية والأسلامية من الأضطهادات والتهجير والترهيب بحق المسيحيين في هذه الدول، بينما تنص قوانين الأمم المتحدة بالتدخل لوقف اضطهادات الأقليات العرقية والدينية في حالات الأضطهادات الممنهجة لأي دولة من الدول بحق مواطنيها الأصليين .
إنَّ  الدساتير العربية وألأسلامية  تجعلنا نحن المسيحيين مستعبدين  وخاضعين للشريعة الأسلامية ، وبهذا يتم اليوم محاربة المسيحيين بطرق مبتكرة وحديثة باسم الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والتي ليست الاَّ عبارات رنانة ولكنّها جوفاء فارغة المضمون والمعنى في ظل المادة الثانية من الدستور( كمثال على ذلك الدستور العراقي والمصري) التي تؤكد على ان القوانين جميعها مستمدّة من الشريعة الأسلامية . وهكذا يطلُّ علينا شبح ألأرهاب والأضطهاد ، بحق المسيحيين ، لكن بلباس الحق وباسم الحرية والعدالة والمساوات . وصدَّق من قال : "كم من البشر ذُبِحوا  باسمُك أيَّتها الحرية ".
علينا أن نصارح شعوبنا ، بهذا الواقع ألأليم  وعلى جميع المسيحيين سواء كانوا رؤساء دينيين أو دنيويين أن يقولوا الحقيقة ولا يكذبوا على أنفسهم او على شعوبهم ، وأن يحاولوا أن ينطلقوا من هذا الواقع المرير للتعامل مع المسلمين من جهة ومع المنظمات الدولية والدول الديمقراطية المتحضِّرة من جهة  اخرى ، مهما كانت نتائج ، هذا ألأعتراف ، خطيرا ومُرّأ ،لأنّنا ، كمسيحيين ، لم يبقى لنا ما نخسره بعد كلِّ ما جرى في الماضي وما يجري في الحاضر الذي نعيشه ونلمسه .أليوم علينا أن نضع النقاط على الحروف وأن نعترف بهذه الحقائق وننطلق من هذا الواقع ألأليم .
نحن المسيحيين بكافة طوائفنا وقومياتنا ، معرِّضين اليوم أكثر من أي وقت  آخر لمحاولات محو الهوية والذاكرة التاريخية ، بفرض الثقافة البدوية المتخلفة والتهديد والترهيب لترك اوطاننا ومقدساتنا وأراضينا ، ومحاولات  مسخ حضارتنا وتزوير تاريخنا . فهل ستبقى رؤسنا مغمورة في الرمال ، أم علينا مواجهة هذا الواقع بكل السبل القانونية والمشروعة ؟ . وهل رؤساء ورعاة كنائسنا سيصارحون أنفسهم بهذا الواقع  الجديد والقديم وينقلوا صراخ شعبهم  وأنينه ومأساته وتخوفه من المستقبل المظلم ، بكل أمانة وصدق الى البابا الذي سيزور لبنان في هذا الشهر ( 14 -16 أيلول ) ؟ . وهل سيسمعوا رؤساء احزابنا بكل فئاتهم لنداء شعبهم (الكداني السرياني الآشوري) لكي يتصالحوا  ويتوحّدوا ليكونوا قلبا واحدا وروحا واحدة وينسوا خلافاتهم ،الغير المبرّرة ، ليهبّوا ويتحرَّكوا ويتوحَّدوا بصوت واحد ويوصلوا حقيقة ما يجري بحق شعبهم الى المحافل الدوليَّة والمنظمات العالمية والأنسانية ؟ أسئلة علينا ألأجابة عليها قبل فوات الأوان ، حيث لن يفيدنا الندم ولا السلطة ولا المال ولا المناصب ، بل لن يرحمنا التاريخ ولن يغفروا لنا ألأجيال القادمة  .

نافع البرواري

41
سفر الرؤيا على ضوء رؤيا معاصرة

المقدِّمة (1)
نافع البرواري
هناك من قال أنَّ الحرب الباردة  هي مؤشرات لنهاية العالم ، وآخرون قالوا ان في الحرب العالمية الثانية وآخرون (في القرن التاسع عشر)  انشقوا من الكنيسة الكاثوليكية وقالوا أنَّ البابوية  هي وحش سفر الرؤيا ، واخرون يرتبطون نهاية العالم بمعركة وشيكة عالمية فيه ينقسم العالم الى قسمين ويتحاربون في فلسطين ويستندون الى التفسير الحرفي لمعركة هرمجدون . وهناك من يستند على نبوات دانيال النبي  وان تحقيقها سيكون قريبا  واخرون يعتمدون على تفسيرهم لما ورد في انجيل متى  وسفر الرؤيا.
ونظرا لكثرة التفسيرات ، لسفر الرؤيا ، وتضاربها ، جعل من دارسي الكتاب المقدس أن  يُعيدوا النظر في تفاسير الكثير من ألآيات الكتابية ، وذلك بالرجوع الى ألأصل والى دراسة علمية وأدبية ونقدية وتاريخية للآيات وخاصة تلك الآيات التي نظُنّها  تتكلم عن نهاية العالم . ومن ضمن هؤلاء العلماء هو العلاّمة  بولس الفغالي وهو من أشهر علماء عصرنا مصداقية وتثق به أغلب الكنائس الكاثوليكية والأنجيلية .
وقبل أن ندخل في مقدمة  تفسير سفر الرؤيا للأب الدكتور  بولس الفغالي علينا ان نعرف ولو موجزا عن السيرة الذاتية وعن نشاطات ومؤلفات هذا العالم في الكتاب المقدس .
 ألأب بولس الفغالي ابن كفر عبيدا (لبنان) ، والكاهن في ابرشية البترون المارونية ، اتخذ اسم بولس تيمنا بالرسول بولس القائل : "أقتدو بي كما اقتدي بالمسيح" . لبى هذا الكاهن النداء وحمل البشارة واخذ يكرز باسم الرب يسوع قولا وكتابة ، فجاوزت كتبه المائتي كتاب ، وكلها تهتف باسم يسوع  . نذكر منها : المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم ، والمدخل الى الكتاب المقدس في ستة اجزاء . له سلسلة كتب في مجالات مختلقة ، منها المجموعة الكتابية ، والبيبيلية ومحطات كتابية ، وغيرها من المجموعات التي تناولت آ باء الكنيسة : كيوحنا الذهبي الفم ، ويعقوب السروجي ، وأفرام السرياني وغيرهم . له ايضا كتب باللغة الفرنسية . الخور بولس الفغالي حائز على دكتوراه في اللاهوت من الجامعة الكاثوليكية في باريس. ودكتوراة فلسفة من السوربون ، درَّس في الجامعة اللبنانية حوالي عشرين سنة . شارك في مؤتمرات عديدة  في اوربا وبلدان عربية . نظَّم مؤتمرات في لبنان والعالم العربي تجاوزت العشرين . وكاتب لأكثر من الف مقالة في الأمور الراعوية والبحثية العلمية .يتَّقن اكثر من عشر لغات قديمة وحديثة (2).
يقول ألأب بولس الفغالي  :
 هناك من قرأوا سفر الرؤيا بطريقة حرفية ، وفسَّروا الصور والرمور فيه على أنّها حقيقية ، فتوصَّلوا الى أنَّ العالم ينتشر فيه الشر وإنَّ نهاية العالم قد إقترب ، فبدأوا يحذَِرون الناس لكي يتهيَّئوا الى نهاية العالم ، وقرأوا الرموز والصور في سفر االرؤيا  (كحقيقة)على ضوء ما يحدث اليوم في العالم .هذا هو التفسير الحرفي لهذا السفر ، ولكن الرسول بولس يقول : ".. الحرف يُميت والروح يُحيي" 2كورنثوس  : 6 "
"إنَّ القراءة الحرفية للكتاب المقدس ، لاتصل بنا بعيدا ...بل علينا كما قال الرب لتلاميذه " انتزحوا الى العمق وارمو الشبكة للصيد " . أجل ، يجب أن ننزل الى أعماق كلمة الله . فلا نتوقَّف عند المعنى ألأول والمباشر، بل نصل الى المعنى ألأعمق ....وهكذا  وبعد أن نحيط بمعنى الكتاب بشكل عام ، بالأطار الذي فيه كُتِب كُلِّ مقطوعة ، ندخل الى المعنى الروحي ونحاول تطبيقه على حياتنا  .
َّ سفر الرؤيا هو كتاب وصف للظروف التاريخية التي كانت تحيط بكنائس آسيا في نهاية القرن ألأول ، وعليه فيجب أن تُفهم كل الرموز والصور في ضوء الظروف التي كانت تكتنف الكنائس في ذلك العصر الذي كُتب فيه هذا السفر، فليس فيها أبدا شيء من النبوات عن المستقبل (وهذا ما سنوضِّحهُ في المقالات القادمة عن النبي والنبوّة )" (3).
لقد نشأت ، عبر القرون ، أربعة اتجاهات لتفسير سفر الرؤيا ، لكلِّ منها مؤيدون لهم حُججهم القوية .
ألأتجاه الأول يعبر عن رأي عن الماضي . يكتب يوحنا لتشجيع المسيحيين الذين عاشو في أيام يوحنا ، والذين كانو يجتازون اضطهادا على يد ألأمبراطورية الرومانية .
أمّا  ألأتجاه الثاني له رأي يقول بانّ يوحنا كتب عن المستقبل (فيما عدى الفصول الثلاثة الأولى) فانَّ يوحنا يكتب وصفا لأحداث سوف تتم في نهاية تاريخ البشرية .
ألأتجاه الثالث له رأي يقول  إنّ سفر الرؤيا تصوير للتاريخ منذ عهد يوحنا حتى المجيء الثاني للمسيح وما بعده .
أمّا رأي الأتجاه الرابع فيقول " إنَّ سفر الرؤيا تصوير رمزي للصراع الدائم بين الخير والشر ولا يشير السفر الى أيَّة أحداث تاريخية معيّنة . كما يمكن تطبيقه على أي مرحلة من التاريخ (4).
 أمَّا رأي المفسّرين المعاصرين( ومنهم ألأب بولس الفغالي)  يذهب مع ألأتجاه ألأول (أي التفسير الواقعي لزمن كتابة سفر الرؤيا والذي يعبِّر عن حالة الكنيسة في في نهايات القرن ألأول) الذي سوف نركز عليه بسبب الدراسات المعاصرة في الكتاب المقدس وفهم الصور والرموز الذي يتضمَنه هذا السفر وكذلك ألأطار الذي فيه كتب و فهم الفن ألأدبي  في زمن كتابة سفر الرؤيا ، وألأنطلاق من الواقع الذي عاشه الكاتب  والغوص في المعاني الروحية التي يمكن تطبيقها على حياتنا في كُل عصر وتجنب المعاني الحرفية للصور والرموز بالتعمق بالتفسير الروحي.
-----------------------------------------------------------------------------
(1)حاولت قدر المستطاع أختصار هذه المقدمة وتلخيص أهم ما ورد فيها، . كما قمت بتنسيق المواضيع المطروحة في هذه المقدمة ، وتلوين ما هو مهم ليستطيع القارئ معرفة اهم المواضيع المهمة في هذه المقدمة عن سفر الرؤيا   .
 (2)
http://www.mcaleb.org/ar/mahrajanalkitab/mahrajan2009/132-nadwat-kitab-boulos-fghali.html

 (3)(راجع ايضا الكتاب المقدس وطرق دراسته للأب بولس الفغالي)

(4). (راجع التفسير التطبيقي للكتاب المقدس  ) .

42
 البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية – الجزء التاسع
 بدعة  - الدوسيتية (أو الظاهرية)
نافع البرواري

انَّ السبيل لمقاومة البدع ، في كُلِّ زمان ومكان، ليس هو إهمال استخدام عقولنا والأنسحاب (أي بالتزمت والتعصب الديني) ، بل التركيز على أقوال الرب يسوع المسيح المصدر ألأساسي لأيماننا  ، نحن المؤمنين، وهذا ما فعله الرسول بولس في رسائله  ويوحنا البشير في انجيله ورسائله  وآباء الكنيسة عبر تاريخ الكنيسة ، حيثُ ردّوا على الهرطقات والبدع  من خلال التأمُّل في الكتاب المقدس واستخدام علم الفلسفة والمنطق لدحض هذه الهرطقات والبدع وكل التعاليم التي لا توافق جوهر اقوال وتعاليم الرب يسوع المسيح وشهادات التلاميذ والرسل ألأولين.
.".ونظرا الى التاثير الكبير الذي أحدثته الدوسيتية في القرون الثلاثة ألأولى للكنيسة ، فلقد جنَّد ألآباء أقلامهم ليدحضوها ، وعلى راسهم "ايريناوس" أسقف مدينة ليون ، و"سيرابيون ألأنطاكي" ، و"كليمنضوس ألأسكندري " , و: هيبّوليتوس الروماني" وغيرهم من الذين ثبَّتوا العقيدة في مؤلفاتهم العديدة . ولقد ذكر جميع هؤلاء المؤرخ الكنسي "أُوسابيوس القيصري " في كتابه "التاريخ الكنسي (1).
انَّ البدع (وخاصة بدعة الغنوصية ) حفّزت التلاميذ وآباء الكنيسة ألأولين الى الغوص في سرّ التجسَُد والدفاع عن ما تعلّموه من الرسل الأوائل ، و سياتي مجمعا نيقية سنة 325 م و خلقدونية 451 م ليثبِّتا العقيدة المسيحية بالرجوع الى ينبوع الأيمان الصافي(الكتاب المقدس بعهديه ) للتأكيد على حقيقة المسيح كونه الها كاملا وانسانا كاملا ، اي هو يحمل الطبيعتين ألألهية والأنسانية ، بالأستناد الى نبوات العهد القديم والى شهادات التلاميذ الذين عاشوا مع المسيح أو الرسل الذين عاشوا في زمن المسيح (لوقا والرسول بولس).
 عقيدة البدعة ألدوسيتية  أو(الظاهرية) :
"وجدت في الغنوصية تناقضات بين من يعتبر يسوع المسيح هو انسان عادي لايحمل الصفة الألهية وبين من يعتقد انّ المسيح هو اله كامل يظهر( المظهرية) على شكل انسان ولكن بلا جسد ، والدوسيتية هي من أتباع المعتقد ألأخير .
"الدوسيتية ، أو تسمّى احيانا  "الظاهرية"  من كلمة يونانية بمعنى "يبدو" .
dokein تشتق  كلمة الدوسيتية من الفعل اليوناني
  الذي يعني "ظهر " لذلك سُمِّيت أيضا هذه البدعة بالمظهراتيّة ، أو المظهرانيّة أو  المظهرية . مهما تكن التسمية ، فالدوسيتيّون يقولون إنَّ  المسيح ، في حياته ألأرضية ، لم يكن له جسد حقيقي ، ولكن مظهر جسد كأنَّه شبح . ولقد بنوا تعليمهم هذا على أساس ثنويّ – روحاني (مصطلح يوناني) لحل مسألة تجسُّد الله ، التي أعتبروها غير لائقة بالأُلوهيّة ، وأعتبروا ألم ابن الله فضيحة وشكَّا . ففي نظرهم أنَّ ابن الله لم يتّخذ ، في يسوع المسيح ، جسدا حقيقيا ، ولم يكن له الاّ شبه جسد : وُلِدَ وتألَّمَ ومات فقط مظهريَّا أو ظاهريّا . ولقد قالوا بكُلِّ ذلك ، رافضين فكرة التجسُّد التي أعتبروها غير لائقة بالله ، ومقتنعين أنَّ الله لا يمكن أن يتألّم بهذه الطريقة المخزية ، ولا أن يموت الأله . كذلك أنكروا حقيقة القيامة والصعود . ولقد عرفت الدوسيتية اتِّجاهين أساسيَّتين . ألأتجاه ألأوَّل ترأَّسه "يوليوس كاسيّانوس"  على حد قول القديس "كليمنضوس ألأسكندري" ، الذي قبل بمعطيات أخلاقية متشدِّدة ، أهمُّها رفض الزواج وكل الشهوات الجسدّية . ولقد علَّم "كاسيّانوس " في مصر حوالي 170م ..... أمّا ألأتجاه الثاني (وهوما نريد التركيز عليه) فيرفض فكرة ولادة ابن الله ، متمسِّكا بمبدأ الفادي  إتَّخذ لنفسه الجوهر الذي كان عليه أن يخلِّصه وحسب . وبما أنَّه لا يوجد أيُّ شيء جسدي قابل الخلاص ، فبالتالي لم يتَّخِذ المسيح جسدا أو جوهرا جسديّا، لذا رفضوا ولادة المسيح ألأنسانية".(2) .
ويقول تعليم (الدوستية ) أيضا : "انَّ يسوع كان بالفعل روحا ظهرت "كأنَّ" لها جسدا ولكن يسوع ، حسب هذه الهرطقة ، لم يكن له ظل ، كما لم تكن له بصمات أصابع ، فقد كان ، حسب رأييهم ، الها  وليس انسانا . (3)"
"والدوسيتية هي ايضا إحدى الهرطقات التي تدور حول شخصية يسوع المسيح .  وبحسب فرقة الدوستية فان ابن ألله ألأبدي لم يصير انسانا بالفعل كما انه لم يتالّم على الصليب ، كُل ما هنالك هو أنّه يظهر انه يفعل ذلك" (4).
دحّضت الكنيسة ومنذ نشاتها هذه الهرطقة (الدوسيتية) ، فقد واجه الرسول بولس مشكلة في كنيسة كولوسي بسبب بدعة شبيهة  بالغنوصية  تقول "انَّ المسيح بدا وكأنّه بشر (ظاهريا) ، بينما  لم يكن بشرا" ، هذا الفكر لبعض المسيحيين من ذوي الخلفية ألأغريقية  الذين لاقوا صعوبة في تصديق أنَّ يسوع المسيح إنسان كما أنَّه اله ، وذلك لأنَّ الروح في الفكر" ألأفلاطوني" لها كُلِّ الأهمية ، امّا الجسد فليس سوى سجن يتمنى ألأنسان أن يتحرر منه ويهرب منه . وقد نشأت هرطقات كثيرة (ولا زالت) نتيجة للمزج بين الفكر ألأفلاطوني والمسيحية  وهي هرطقات وبدع تعتقد إنَّ كُلِّ المادة شريرة ، وانَّ الروح فقط صالحة .
 ولكن الرسول بولس، ومنذ بداية انتشار المسيحية ، أكَّد أنّنا في يسوع المسيح نرى انسانا كاملا والها كاملا فالله هو الذي ظهر في الجسد ،وهو ألأزلي رأس الجسد ، الذي أُعلن للجميع  "كو 1: 18 " وبهذا يرد على الذين يقولون "لايمكن أن يكون المسيح انسانا والها .
كتب الرسول بولس ضد أي فلسفة في الحياة لا تقوم الاَّ على أفكار البشر وخبراتهم ، بالرغم من كون الرسول بولس نفسه فيلسوفا موهوبا ، فهو لايدين الفلسفة عموما ، ولكن يدين التعليم الذي يعتقد أنَّ ألأنسانية ، وليس المسيح ، هي الجواب لمشاكل الحياة  وكذلك يؤكد ، في رسالته الى مؤمني كولوسي ، على أُلوهية المسيح ، حيث الذات الألهية تجسَّدت في المسيح  " ...وأنتبهوا لئلاّ يَسلب أحدٌ عقولكم بالكلام الفلسفي والغرورالباطل القائم على تقاليد البشر وقوى الكون ألأوليّة ، لا على المسيح . ففي المسيح يحلُّ ملءُ ألألوهية حلولا جسديا " كولوسي 2 : 8 ، 9
أما يوحنا البشير(الذي عاش مع المسيح عن قرب ) فيشهد عن يسوع  المسيح بالتأكيد على أنَّ المسيح أبدي ، وأنَّ الله قد جاء الى العالم كإنسان ، أخذ طبيعتنا البشرية ، وانّه (اي يوحنا) ، شاهد عيان على أنَّ يسوع هو الله المتجسِّد  عندما يقول:
"نكتُبُ اليكم عمَّا كان من البداية بخصوص كلمة الحياة : عمَّا سمعناهُ ورأيناهُ بعيوننا ، وشاهدناهُ ، ولمسناهُ بايدينا "1يوحنا 1 : 1 " .  فيوحنا البشير يشهد ويرد على اولئك المعلمين المضلَّلين كشاهد عيان على حياة يسوع على ألأرض ، فقد رأى يسوع وتكلَّم معه ، ولَمسه ، ، وعرف أن يسوع ليس مجرد روح فقط . ويؤكِد يوحنا  في أول جملة في رسالته ، أنَّ المسيح كان يعيش قبل بداية العالم ( يوحنا 1 : 1)، وأنّه قد جاء الى الأرض  في الجسد "والكلمة صار بشرا وعاش بيننا " (يوحنا 1 : 14" . وبعبارة أخرى أنَّه (أي يسوع المسيح ) اله وانسان في نفس الوقت ، دخل في تاريخ البشرية وعاش بيننا، بشهادة شهود عيان كثيرين ، وكما جاء في التقليد الكنسي وفي كتب ألآباء الذين نقلوا لنا هذا الأيمان بكُلِّ امانة مستندين على شهادات التلاميذ والرسل الأولين وما دوَّنوه في الأناجيل الأربعة وأعمال الرسل ورسائل بولس الرسول . ويوحنا يشدِّد على هذه الحقيقة الأيمانية ويعتبر كُل الذين لا يعترفون بتجسُّد الكلمة بانّهم أنبياء كذبة  ودجالين ، ومضلّلين ،عندما يقول :"كُلِّ روحٍ يعترف بيسوع المسيح أنَّهُ جاء في الجسد يكون من الله ، وكُلِّ روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله ، بل يكون روح المسيح الدجّال الذي سمعتم انَّه سيجيء وهوألآن في العالم "(1يوحنا 4 : 2  ،3) . وكذلك يقول : " ....ففي العالم كثيرٌ من المضّللين ، وفيهم من لا يعترفون بمجيء يسوع المسيح في الجسد"2يوحنا 1 : 7".
  كان معظم شهود العيان لخدمة الرب يسوع المسيح قد ماتوا عندما شَرَع يوحنا البشير يكتب الرسالة الأولى والثانية ، وأبدأ بعض المؤمنين من مسيحيي الجيل الثاني والثالث يشكِّكون فيما تعلَّموه عن الرب يسوع المسيح . وهكذا ظهرت البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية (سبق ان تكلمنا عنها في مقالاتنا السابقة ).
يقول القديس يوحنا ذهبي الفم عن ناسوت ربِّنا فيقول (5):
" كُلِّ سلطان أعطي لجسد المسيح ، لا للطبيعة ألألهية ، ولا للجسد وحدهُ لأنَّنا لا نقول لله من دون جسد مثل مرقيون ، ولا نقول جسدا من دون الله مثل بولس الشميشاطي . فالجسد يقرِّبنا منه . وهكذا وُجِبّ أن نخلُص بالجسد وأن يموت المسيح الذي هو باكورة الخيرات التي تُعطى لنا في النهاية . لنفرح لأنَّ ديّاننا من طبيعتنا وهو ، أي المسيح ، لا يطلب منَّا سوى ألأرادة الصالحة" (راجع كتاب الخوري بولس الفغالي في كتابه يوحنا الذهبي الفم في المئوية السادسة عشرة لوفاته .
(1)" (راجع الكنيسة الكاثوليكية والبدع –ألأب جورج رحمة ).
(2) المصدر نفسه أعلاه
(3)" راجع التفسير التطبيقي للكتاب المقدس عن رسالة يوحنا الأولى. ص 2729).
(4)(راجع الموقع ادناه وكيف ان العقيدة ألأسلامية تأثَّرت بهذه البدعة أي الدوسيتية(الظاهرية) ".فلقد قالت هذه الفرقة (أي الدوسيتية) ان المسيح لم يصلب فعليا وانما كان يبدو لمن ينظر اليه حينئذ انه كان يصلب , تماما كما جاء الاسلام وزعم ان الله اوحى هذه الفكرة الموجودة بسورة النساء 157
وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم
وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن
وما قتلوه يقينا
http://www.ladeenyon.net/forum/viewtopic.php?f=11&t=1719
(5) يوحنا الذهبي الفم في المئوية السادسة عشرة لوفاته – الخوري بولس الفغالي

43
المادة الثانية من الدستور العراقي تتعارض مع حقوق ألأنسان
الجزء الثاني
نافع البرواري
في الجزء الأول من المقالة ( 1) تطرقنا الى  المادة الثانية من الدستور العراقي (*) وكيف انَّ هذه المادة فيها اجحاف بحق شريحة كبيرة من العراقيين سواء كانوا من العلمانيين والأقليات الأخرى  كالمسيحيين واليزيديين والصابئة ، وكل الذين ينشدون دولة مدنية فيها يتساوى جميع المواطنين  في الحقوق والواجبات والمساوات والعدالة الأجتماعية وحرية العقيدة وحرية الرأيي وجميع المبادئ التي نص عليها مشرعوا حقوق الأنسان .
وفي هذه المقالة ، والمقالة التي ستليها ، سنستعرض بعض آراء المختصين والباحثين والمحللين لنص المادة الثانية من الدستور العراقي والتي تؤكد لنا أنَّ  الدستورالحالي ،في العراق( وفي غالبية الدول العربية ) وبوجود المادة الثانية فيه ، قد عطّلت وشلّت جميع المواد الأخرى ، الخاصة بالحريات والأحوال الشخصية وكل ما يتعارض مع حقوق الأنسان التي شرعته الأمم المتحدة .
يقول ألقاضي زهير كاظم عبود(قاضي وباحث عراقي)(2) :
"ان أصرارالمسودّة في المادة( 2 ) على ان يكون الديـــن اﻻسﻼمي(  دين الدولــــة الرسمي ) يتعارض مع المنطق والواقع ، فالدولة شخص معنوي اعتباري وهمي لاوجود له ، وقد أخترعه فقهاء القانون لتسهيل أمور كثيرة ، ولا يمكن للشخص الوهمي أن يكون له دين المنطق والواقع، فالدولة شخص معنوي أعتباري وهمي ﻻوجود له، وقد أخترعه فقهاء القانون لتسهيل امور كثيرة، ولايمكن للشخص الوهمي ان يكون له دين، مثلما لايمكن لهذا الشخص اﻻلتزام بموجبات الديانة اﻻسﻼمية، وهذا اﻷمر ﻻيعدو اﻻ تكراراً لمقولة  أوردتها الدساتيرالموقَّة السابقة دون أي معنى، وأبقاء  الدين  اﻻسﻼمي  دينا  رسميا  للدولة  خدعة  دأبت  السلطات  البائدة  على  تمريرها  في  دساتيرها الموقَّتة  على ابناء شعبنا، فلم تكن الحكومات السابقة مطلقة تدين بدين أو تلتزم بعقائد دينية، واحترام ﻻيختلف عليه أحد، وأن هذا اﻷمر لايمس بأي شكل من اﻷشكال بالديــن اﻻسﻼمي أو بأعتقاد الغالبية الكبيرة من العراقيين  به والتزامهم باسسه . أن ماورد في الفقرة ثالثا من المادة ( 2 ) يكرر نظرة السلطات السابقة لﻼديان العراقية حيث كررت العبارة الواردة في نصوص الدساتير الموقتة، كون العراق يتكون من اﻻسﻼم والمسيحية و( اﻷديان اﻷخرى).
، في حين ورد نص العبارة غامضاً كون الدستور يضمن كاملالحقوق الدينية لجميع اﻷفراد في حرية العقيدة والممارسة  الدينية، كمحاولة لﻸبتعاد عن اﻷقرار بحقيقة اﻷديان التي يعتقد بها اهل العراق ..... مع أن اﻷمر يتطلب أن يكون الدستور صريحاً وواضحاً وأمينا على مايعتقد به اهل العراق من اﻷديان التوحيدية التي تنسجم مع اﻻسﻼم في توحيدها اﷲ وهي المسيحية واليهودية والمندائية واﻷيزيدية،
ودون أن يرد ذكر تلك الديانات التي يجب ان تحمل المسودة ما يكفي من الجرأة لتشير الى أعتراف الدستور بوجود هذه اﻷديان في العراق وكون الدستور يقر بها بكل ما في معاني الكلمة من أقرار وصراحة دون مواربة .
 أن اختزال كل اﻷديان العراقية من غير اﻻسﻼم بعبارة ضمان حقوق الديانات والممارسة الدينية، عبارة
توحي بنص خجول من كشف الحقيقة، وتلك النظرة التي سادت العقل المتطرف البعيد عن المنطق والواقع، ونشعر اننا بحاجة ماسة للكشف عن مكونات الجسد العراقي في وجود اﻷيزيديييمن والمندائيين والمسيحيين واليهود الموسويين  معنا جنباً الى جنب مع اﻻسﻼميين بكل مذاهبهم ومدارسهم الفكرية، اليس هذا ماكنا نحلم به ونطمح اليه؟

أما الكاتب أسعد  فكتب في موقع الحوار المتمدن مقالة بعنوان المجتمع المدني فيقول(3)
 إن الغرض الاساسي من الدستور هو مساواة جميع المواطنين في الحقوق و الواجبات أمام القانون وأيضا حفظ حقوق الاقليات من أن تجور عليها الاغلبية, كما يكفل الدستور للمواطن حق ممارسة حريته الشرعية التي ينص عليها الدستور و يحددها القانون عبارة "الاسلام دين الدولة"(الورادة في المادة الثانية من الدستور) هو بمثابة قرار بشكل و نظام الحكم في الدولة , و هذا النص يجعل الدولة دينية ثيوقراطية و ليست ديموقراطية , و الشكلان متعارضان تماما, فإذا كان المواطن لا يعتنق الدين الاسلامي فهو ضد الدولة و الدولة ضده
يُلغي العملية الديموقراطية من أساسها ......... لا يوجد كتاب مرجع أو عدّة مجلدات معتمدة إسمها الشريعة الاسلامية يمكن للمواطن أن يطّلع عليها و يحتفظ بنسخة منها مثل الدستور , و إذا أوجدناها فمن هي الجهة المسؤولة و المعتمدة لتصدر هذا المجلد المسمي بالشريعة الاسلامية؟
يجعل القاضي مشـرّعا و ليس قاضيا, فهو مسؤول عن تطبيق الشريعة التي هي فوق الدستور و فوق القانون فيتحول القاضي من حَكَم يحكم بنص القانون الي مفتي يبحث أيضا في تفسير القانون و بذلك يتخطي القاضي الدستور و يصبح الدستور غير ذي جدوي.....
الشريعة الاسلامية بحسب تسميتها "إسلامية" تحكم علي المسلمين بحسب دينهم و عقائدهم , فإذا كان تطبيق الشريعة الاسلامية يُفرَض علي غير المسلمين فهذا غبن الاغلبية ضد الأقلية, بينما الدستور يُفترض فيه أن يحمي الاقلية من إستبداد الاغلبية , فهو موضوع لكي يتساوي الجميع في الحقوق و الواجبات.
منطق واحد في الشريعة الاسلاميه ستتفق عليه جميع المذاهب الاسلامية هو تكفير المسيحيين بالقرآن و إستحلال دمهم و أموالهم بالقرآن و جميع الفتاوي الاسلامية علي الانترنت تؤكد ذلك.

أمّا الكاتب فالح عبدالجبار (4)(معهد العراق للدراسات ألأستراتيجية ) فيقول :
يتضمّن الدستور العراقي الجديد كثير من البنود المتخلِّفة ، المثيرة للقلق ، مثلما يتضمَّن موادا حضارية بالغة الرقي ، قياسا بالدساتير العربية ......ثمة بنود متخلفة تدفع بأتجاه أسلمة النظام السياس بأعطاء المرجعيات الدينية دور الحكم الفصل في تحديد معنى ألأسلام ، نظرا لأنَّ الدستور يحظر سن أي قانون يتعارض مع ما يسمّى ب "أحكام وثوابت ألأسلام" دون وجود أي آتفاق على ماهي هذه ألأحكام والثوابت . ويتجاهل العالم العربي ببلاهة نادرة أنَّه لا يوجد إسلام واحد ، وأنَّ المذاهب وألأجتهادات تُشطِّر العالم ألأسلامي في ألأعماق.
ويضيف الكاتب قائلا : والخطر ألآخر الذي ينطوي عليه الدستور هو احتمال أن يفتح الباب لأخضاع مؤسسة التشريع ( البرلمان) لهيمنة الأكليروس إذا ما أفلحت الجهود الجارية لتسريب أصحاب العمائم الى المحكمة الدستورية ، أعلى هيئة للبت في دستورية القوانين . ....فصوغ الدستور الحالي ، يفتح الباب للديمقراطية في جانب ، ويغلقه في جانب آخر.بتعبير آخر ثمة إحتمال يشتد كلِّ يوم بفتح بوابات ديكتاتورية دينية على الغرار ألأيراني في جل المناطق العربية ، بما في ذلك العاصمة بغداد ، ألأستثناء الوحيد إقليم كردستان ، حيث يميل الموازين لصالح القوى القومية واليسارية ذات المنحى العلماني.
 ويتسائل الكاتب ويستغرب من قبول العلمانيين لهذا الدستور فيقول:
" كما أنَّ قبول المعترضين (وجلهم علمانيون سابقون) باسلمة الدولة ، وهو الخطر ألأكبر ، يبدو غريبا ، في ضوء علمانية جل القوى القومية العربية . ولعلَّ مرد قصر النظر السياسي هذا يرجع الى تحالفهم (الموقت بايِّ حال) مع السلفيين المتزمِّتين ، دعاة الحرب الطائفية ، ولعلهه يرجع أيضا الى دوافع ألأنتقام القديمة.

وعن علاقة الدين والدولة (تسييس الدين ) في الصراع على الدستور يقول الكاتب:
باتت قضية العﻼقة بين  الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون اﻹسﻼم المصدر الوحيد للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟، واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً،  منذ  صعود  اﻻسﻼم  السياسي  في  سبعينات  القرن المنصرم . فالدساتير  في  البلدان  العربية والمسلمة  تورد بند «اﻹسﻼم دين الدولة» كتحصيل حاصل رغم أن جل دول العالم (140 دولة مثﻼً)لا تورد ذكراً لدينها ..... ويبدو لي أن إصرارممثلي اﻹسﻼم السياسي المحافظينعلى إدراج اﻻسﻼم (أو الشريعة) مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة «أن التشريع ﷲ وحده»، يشبه إصرار العسكر على تسمية جمهورياتهم اﻷسرية بـ“اﻻشتراكية“ و“الشعبية“. فهو إدعاء أيديولوجي بامتياز، نظراً ﻷن تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق على غيرهم، وأي استثناء يعني إدعاء نوع من اﻷلوهية غريب. يخاف اﻹسﻼميون المحافظون العلمانية باعتبارها إنكاراً لﻼديان، وهذا خلط بالألحاد الفلسفي..... ان الدعوة لفرض اﻹسﻼم (أو الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع تنطوي ضمناً أو صراحة على حكم رجال الدين لتفسير  معنى  اﻹسﻼم ، ووضع فئة  واحدة لا تزيد عن بضعة الاف موضع القيم على تفكير الملايين ، وإحلال ألأكليروس محل ألأمة  ..... ونﻼحظ أن مساعي «أسلمة» الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ“أسلمة“ المجتمع، بفرض الحجاب على المرأة ( المرأة هي الهدف ألأول دوما ) وفصل الجنسين ، بل تحريم المصافحة ، وغلق دور السينما ، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محلات بيع ألأشرطة) ، وغلق محلات حلاقة النساء ، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال ( أُغتيل عشرات الحلاقين في بغداد وجوارها) . وبهذا تختزل ألأسلمة سياسيا الى إحتكار الفقهاء أو ألأسلاميين لحق الحكم تنفيذا وتشريعا ، كما تختزل إجتماعيا الى إختراق المجال الخاص للفرد ، وفرض منظومة قيمية محدّدة (محافظة في الأغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك ، عدا هذا لايملك ألأسلامييون برنامجا. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذّذون برمي بنات الحواضر السافرات بالحجارة ، أو فئات هامشية عدوانية ، محطّمة روحيا بحكم العوز والأهمال ، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طلبات الجامعة أو تطلق النار على الحلاقين .
ويلخص الكاتب ما يريد الوصول اليه بالقول"
"وبأختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات التقليدية ، اذ ينجذب الى هذه الحركة ، في طور صعودها عدد من الراغبين في ألأفادة من فرص الصعود ألأجتماعي . وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب وألأديان ومتنوعة في تنظيمها ألأجتماعي والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية) ، فإنّه يكون وصفة للخراب !!!!!!!!!!!!!!"

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
http://www.ishtartv.com/viewarticle,43429.html  (1)
(2)   http://www.iraqdemocracypapers.org/images/volume6web.pdf

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=97124 (3)
   http://www.iraqdemocracypapers.org/images/volume6web.pdf(4)
 (*)
نص المادة الثانية من الدستور العراقي:
المادة (2)

44
المادة الثانية من الدستور العراقي تتعارض مع حقوق ألأنسان
الجزء الثاني
نافع البرواري
في الجزء الأول من المقالة ( 1) تطرقنا الى  المادة الثانية من الدستور العراقي (*) وكيف انَّ هذه المادة فيها اجحاف بحق شريحة كبيرة من العراقيين سواء كانوا من العلمانيين والأقليات الأخرى  كالمسيحيين واليزيديين والصابئة ، وكل الذين ينشدون دولة مدنية فيها يتساوى جميع المواطنين  في الحقوق والواجبات والمساوات والعدالة الأجتماعية وحرية العقيدة وحرية الرأيي وجميع المبادئ التي نص عليها مشرعوا حقوق الأنسان .
وفي هذه المقالة ، والمقالة التي ستليها ، سنستعرض بعض آراء المختصين والباحثين والمحللين لنص المادة الثانية من الدستور العراقي والتي تؤكد لنا أنَّ  الدستورالحالي ،في العراق( وفي غالبية الدول العربية ) وبوجود المادة الثانية فيه ، قد عطّلت وشلّت جميع المواد الأخرى ، الخاصة بالحريات والأحوال الشخصية وكل ما يتعارض مع حقوق الأنسان التي شرعته الأمم المتحدة .
يقول ألقاضي زهير كاظم عبود(قاضي وباحث عراقي)(2) :
"ان أصرارالمسودّة في المادة( 2 ) على ان يكون الديـــن اﻻسﻼمي(  دين الدولــــة الرسمي ) يتعارض مع المنطق والواقع ، فالدولة شخص معنوي اعتباري وهمي لاوجود له ، وقد أخترعه فقهاء القانون لتسهيل أمور كثيرة ، ولا يمكن للشخص الوهمي أن يكون له دين المنطق والواقع، فالدولة شخص معنوي أعتباري وهمي ﻻوجود له، وقد أخترعه فقهاء القانون لتسهيل امور كثيرة، ولايمكن للشخص الوهمي ان يكون له دين، مثلما لايمكن لهذا الشخص اﻻلتزام بموجبات الديانة اﻻسﻼمية، وهذا اﻷمر ﻻيعدو اﻻ تكراراً لمقولة  أوردتها الدساتيرالموقَّة السابقة دون أي معنى، وأبقاء  الدين  اﻻسﻼمي  دينا  رسميا  للدولة  خدعة  دأبت  السلطات  البائدة  على  تمريرها  في  دساتيرها الموقَّتة  على ابناء شعبنا، فلم تكن الحكومات السابقة مطلقة تدين بدين أو تلتزم بعقائد دينية، واحترام ﻻيختلف عليه أحد، وأن هذا اﻷمر لايمس بأي شكل من اﻷشكال بالديــن اﻻسﻼمي أو بأعتقاد الغالبية الكبيرة من العراقيين  به والتزامهم باسسه . أن ماورد في الفقرة ثالثا من المادة ( 2 ) يكرر نظرة السلطات السابقة لﻼديان العراقية حيث كررت العبارة الواردة في نصوص الدساتير الموقتة، كون العراق يتكون من اﻻسﻼم والمسيحية و( اﻷديان اﻷخرى).
، في حين ورد نص العبارة غامضاً كون الدستور يضمن كاملالحقوق الدينية لجميع اﻷفراد في حرية العقيدة والممارسة  الدينية، كمحاولة لﻸبتعاد عن اﻷقرار بحقيقة اﻷديان التي يعتقد بها اهل العراق ..... مع أن اﻷمر يتطلب أن يكون الدستور صريحاً وواضحاً وأمينا على مايعتقد به اهل العراق من اﻷديان التوحيدية التي تنسجم مع اﻻسﻼم في توحيدها اﷲ وهي المسيحية واليهودية والمندائية واﻷيزيدية،
ودون أن يرد ذكر تلك الديانات التي يجب ان تحمل المسودة ما يكفي من الجرأة لتشير الى أعتراف الدستور بوجود هذه اﻷديان في العراق وكون الدستور يقر بها بكل ما في معاني الكلمة من أقرار وصراحة دون مواربة .
 أن اختزال كل اﻷديان العراقية من غير اﻻسﻼم بعبارة ضمان حقوق الديانات والممارسة الدينية، عبارة
توحي بنص خجول من كشف الحقيقة، وتلك النظرة التي سادت العقل المتطرف البعيد عن المنطق والواقع، ونشعر اننا بحاجة ماسة للكشف عن مكونات الجسد العراقي في وجود اﻷيزيديييمن والمندائيين والمسيحيين واليهود الموسويين  معنا جنباً الى جنب مع اﻻسﻼميين بكل مذاهبهم ومدارسهم الفكرية، اليس هذا ماكنا نحلم به ونطمح اليه؟

أما الكاتب أسعد  فكتب في موقع الحوار المتمدن مقالة بعنوان المجتمع المدني فيقول(3)
 إن الغرض الاساسي من الدستور هو مساواة جميع المواطنين في الحقوق و الواجبات أمام القانون وأيضا حفظ حقوق الاقليات من أن تجور عليها الاغلبية, كما يكفل الدستور للمواطن حق ممارسة حريته الشرعية التي ينص عليها الدستور و يحددها القانون عبارة "الاسلام دين الدولة"(الورادة في المادة الثانية من الدستور) هو بمثابة قرار بشكل و نظام الحكم في الدولة , و هذا النص يجعل الدولة دينية ثيوقراطية و ليست ديموقراطية , و الشكلان متعارضان تماما, فإذا كان المواطن لا يعتنق الدين الاسلامي فهو ضد الدولة و الدولة ضده
يُلغي العملية الديموقراطية من أساسها ......... لا يوجد كتاب مرجع أو عدّة مجلدات معتمدة إسمها الشريعة الاسلامية يمكن للمواطن أن يطّلع عليها و يحتفظ بنسخة منها مثل الدستور , و إذا أوجدناها فمن هي الجهة المسؤولة و المعتمدة لتصدر هذا المجلد المسمي بالشريعة الاسلامية؟
يجعل القاضي مشـرّعا و ليس قاضيا, فهو مسؤول عن تطبيق الشريعة التي هي فوق الدستور و فوق القانون فيتحول القاضي من حَكَم يحكم بنص القانون الي مفتي يبحث أيضا في تفسير القانون و بذلك يتخطي القاضي الدستور و يصبح الدستور غير ذي جدوي.....
الشريعة الاسلامية بحسب تسميتها "إسلامية" تحكم علي المسلمين بحسب دينهم و عقائدهم , فإذا كان تطبيق الشريعة الاسلامية يُفرَض علي غير المسلمين فهذا غبن الاغلبية ضد الأقلية, بينما الدستور يُفترض فيه أن يحمي الاقلية من إستبداد الاغلبية , فهو موضوع لكي يتساوي الجميع في الحقوق و الواجبات.
منطق واحد في الشريعة الاسلاميه ستتفق عليه جميع المذاهب الاسلامية هو تكفير المسيحيين بالقرآن و إستحلال دمهم و أموالهم بالقرآن و جميع الفتاوي الاسلامية علي الانترنت تؤكد ذلك.

أمّا الكاتب فالح عبدالجبار (4)(معهد العراق للدراسات ألأستراتيجية ) فيقول :
يتضمّن الدستور العراقي الجديد كثير من البنود المتخلِّفة ، المثيرة للقلق ، مثلما يتضمَّن موادا حضارية بالغة الرقي ، قياسا بالدساتير العربية ......ثمة بنود متخلفة تدفع بأتجاه أسلمة النظام السياس بأعطاء المرجعيات الدينية دور الحكم الفصل في تحديد معنى ألأسلام ، نظرا لأنَّ الدستور يحظر سن أي قانون يتعارض مع ما يسمّى ب "أحكام وثوابت ألأسلام" دون وجود أي آتفاق على ماهي هذه ألأحكام والثوابت . ويتجاهل العالم العربي ببلاهة نادرة أنَّه لا يوجد إسلام واحد ، وأنَّ المذاهب وألأجتهادات تُشطِّر العالم ألأسلامي في ألأعماق.
ويضيف الكاتب قائلا : والخطر ألآخر الذي ينطوي عليه الدستور هو احتمال أن يفتح الباب لأخضاع مؤسسة التشريع ( البرلمان) لهيمنة الأكليروس إذا ما أفلحت الجهود الجارية لتسريب أصحاب العمائم الى المحكمة الدستورية ، أعلى هيئة للبت في دستورية القوانين . ....فصوغ الدستور الحالي ، يفتح الباب للديمقراطية في جانب ، ويغلقه في جانب آخر.بتعبير آخر ثمة إحتمال يشتد كلِّ يوم بفتح بوابات ديكتاتورية دينية على الغرار ألأيراني في جل المناطق العربية ، بما في ذلك العاصمة بغداد ، ألأستثناء الوحيد إقليم كردستان ، حيث يميل الموازين لصالح القوى القومية واليسارية ذات المنحى العلماني.
 ويتسائل الكاتب ويستغرب من قبول العلمانيين لهذا الدستور فيقول:
" كما أنَّ قبول المعترضين (وجلهم علمانيون سابقون) باسلمة الدولة ، وهو الخطر ألأكبر ، يبدو غريبا ، في ضوء علمانية جل القوى القومية العربية . ولعلَّ مرد قصر النظر السياسي هذا يرجع الى تحالفهم (الموقت بايِّ حال) مع السلفيين المتزمِّتين ، دعاة الحرب الطائفية ، ولعلهه يرجع أيضا الى دوافع ألأنتقام القديمة.

وعن علاقة الدين والدولة (تسييس الدين ) في الصراع على الدستور يقول الكاتب:
باتت قضية العﻼقة بين  الدين والدولة، أو بتحديد أدق هل يكون اﻹسﻼم المصدر الوحيد للتشريع، أم مصدراً واحداً من مصادره؟، واحدة من المشكلات الكبرى التي تواجه دول المنطقة، في الفكر والسياسة معاً،  منذ  صعود  اﻻسﻼم  السياسي  في  سبعينات  القرن المنصرم . فالدساتير  في  البلدان  العربية والمسلمة  تورد بند «اﻹسﻼم دين الدولة» كتحصيل حاصل رغم أن جل دول العالم (140 دولة مثﻼً)لا تورد ذكراً لدينها ..... ويبدو لي أن إصرارممثلي اﻹسﻼم السياسي المحافظينعلى إدراج اﻻسﻼم (أو الشريعة) مصدراً وحيداً للتشريع على قاعدة «أن التشريع ﷲ وحده»، يشبه إصرار العسكر على تسمية جمهورياتهم اﻷسرية بـ“اﻻشتراكية“ و“الشعبية“. فهو إدعاء أيديولوجي بامتياز، نظراً ﻷن تحريم حق البشر الفانين في التشريع ينطبق على القائلين به مثلما ينطبق على غيرهم، وأي استثناء يعني إدعاء نوع من اﻷلوهية غريب. يخاف اﻹسﻼميون المحافظون العلمانية باعتبارها إنكاراً لﻼديان، وهذا خلط بالألحاد الفلسفي..... ان الدعوة لفرض اﻹسﻼم (أو الشريعة) كمصدر وحيد للتشريع تنطوي ضمناً أو صراحة على حكم رجال الدين لتفسير  معنى  اﻹسﻼم ، ووضع فئة  واحدة لا تزيد عن بضعة الاف موضع القيم على تفكير الملايين ، وإحلال ألأكليروس محل ألأمة  ..... ونﻼحظ أن مساعي «أسلمة» الدستور تترافق مع عمل قاعدي لـ“أسلمة“ المجتمع، بفرض الحجاب على المرأة ( المرأة هي الهدف ألأول دوما ) وفصل الجنسين ، بل تحريم المصافحة ، وغلق دور السينما ، ومنع الموسيقى (جرى تحطيم محلات بيع ألأشرطة) ، وغلق محلات حلاقة النساء ، علاوة على تحديد نمط معين من حلاقة الرجال ( أُغتيل عشرات الحلاقين في بغداد وجوارها) . وبهذا تختزل ألأسلمة سياسيا الى إحتكار الفقهاء أو ألأسلاميين لحق الحكم تنفيذا وتشريعا ، كما تختزل إجتماعيا الى إختراق المجال الخاص للفرد ، وفرض منظومة قيمية محدّدة (محافظة في الأغلب) للملبس والمأكل والمشرب وغير ذلك ، عدا هذا لايملك ألأسلامييون برنامجا. وتجد هذه النزعة المحافظة في خدمتها ريفيين مخلوعين يتلذّذون برمي بنات الحواضر السافرات بالحجارة ، أو فئات هامشية عدوانية ، محطّمة روحيا بحكم العوز والأهمال ، وهي مستعدة لأن تنزل بالهراوات على طلبات الجامعة أو تطلق النار على الحلاقين .
ويلخص الكاتب ما يريد الوصول اليه بالقول"
"وبأختصار تتشكل النزعة المحافظة من تحالف عريض لا يقتصر على الفقهاء أو الزعامات التقليدية ، اذ ينجذب الى هذه الحركة ، في طور صعودها عدد من الراغبين في ألأفادة من فرص الصعود ألأجتماعي . وحين يجري ذلك في دولة متعددة المذاهب وألأديان ومتنوعة في تنظيمها ألأجتماعي والقيمي (بين ريف وحضر وبلدات طرفية) ، فإنّه يكون وصفة للخراب !!!!!!!!!!!!!!"

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

http://www.ishtartv.com/viewarticle,43429.html  (1)
(2)   http://www.iraqdemocracypapers.org/images/volume6web.pdf

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=97124 (3)
   http://www.iraqdemocracypapers.org/images/volume6web.pdf(4)
 (*)
نص المادة الثانية من الدستور العراقي:
المادة (2)

45


المادة الثانية من الدستور العراقي تتعارض مع  حقوق ألأنسان
الجزء ألأول
نافع البرواري
في خضم ما نشهده من الأحداث  التراجيدية في الدول العربية بما يسمى بالربيع العربي
وبالرجوع الى شعارات الأحزاب الأسلامية التي تنادي بها وبالأستناد على الواقع الذي نشهده في العراق ومصر وتونس وغيرها من الدول العربية ، وبعد دراسة  الدساتير الحالية والتي سوف تظهر في ظل الحكومات التي تسيطر عليها التيارات ألأسلامية  ، سنصل الى نتيجة في غاية الخطورة ويجب أن لا تغيب عن الواعيين من الناس ، وهي أنَّ هذه ألأحزاب استطاعت في بعض هذه الدول أن ترسِّخ دساتيرها المستمدة من الشريعة ألأسلامية لكي تكون المصدر الأساسي في التشريع . وهذا  يعني ، بحسب رأيي  الكثيرين من المختصين بالقوانين  التشريعية ( وسوف نتطرّق الى بعض آراء المفكرين في الجزء الثاني للمقالة في تحليلهم للفقرة الثانية من الدستور العراقي وحتى المصري )  ، الى شل وإبطال مفعول كُلِّ المواد والفقرات الأخرى في هذه الدساتير التي تنص على حقوق وواجبات المواطنين وحقهم في حرية الراي والعقيدة والمساوات والعدالة الأجتماعية وتهمِّيش الكثير من المواد الواردة في نصوص  وثيقة حقوق الأنسان ، بل نستطيع أن نقول أنّ المادة الثانية في الدستور هو يناقض جميع المواد الأخرى التي تخص الحرية والديمقراطية وحقوق ألأنسان .
ولتوضيح هذه الحقائق سوف نأخذ الباب ألأول المادة الثانية من الدستور العراقي
الباب ألأول
المادة (2)
 تنص المادة الثانية من الدستور على مايلي:
أولا: ألأسلام دين الدولة الرسمي ، وهو مصدر أساس للتشريع
أ – لا بجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام ألأسلام
ب – لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية
ج – لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات ألأساسية الواردة في هذا الدستور
ثانيا : يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية ألأسلامية لغالبية الشعب ألعراقي ، كما ويضمن كامل الحقوق الدينية لجميع ألأفراد في الحرية والممارسة الدينية ، كالمسيحين ، وألأيزيديين ، والصائبة والمندائيين .
فقرتان غامضتان ومبهمتان تشُلاّن جميع المواد الأخرى في الدستور التي تنص على الحرية والديمقراطية وحقوق ألأنسان ( كما ورد في المادة 7 والمادة 14 والمادة 35  والمادة 39 والمادة 40)، و لن تسطيع السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية الوصول الى تفسيرهما والأتفاق على مضمونهما ، وسوف تضل موضوع جدل وخلاف بين هذه السلطات الثلاثة طالما لاتوجد وثيقة ملحقة بهاتين الفقرتين تشرح وتحدد فحوى ومعنى ومصدر التشريع الأسلامي ، لتستند عليه المحاكم التشريعية والقضائية في فهمها وتطبيقها .
وعند قرائتنا وتحليلنا لهذين النصين في المادة الثانية أعلاه قانونيا و منطقيا وتطبيقيا في أرض الواقع ، سنصل الى أنّ هذين النصين سيلغيان كُلّ ما ورد في النصوص الأخرى  عن حقوق المواطنين المشروعة في الدستور بدئا من المواطنين المسلمين الغير المنتمين للأحزاب ألأسلامية (الليبراليين ، والعلمانيين ) وكذلك المسيحيين والمعتقدات الأخرى وأنتهاء بكلّ الذين ينشدون  دستورا مدنيا بعيد عن اي نص ديني قد يكبِّله بثوابت مقدسة لايمكن تغييرها أو شريعة هلامية لايتفق عليها حتى الشيعة والسنة لأختلافهم في  فقه الشريعة ألأسلامية  ، وسوف يختلف في تفسيرها وتطبيقها في العراف خاصة ، لوجود  طوائف واديان وشعوب مختلفة في العقيدة والقومية والمذهبية .
ومن خلال هذين النصين ايضا سنصل الى حقيقة مرة وهي :أنَّ الدولة العراقية (الحالية) هي دولة دينية ، والدليل النهج الذي يمارسه نظام الحكم الحالي وعلى رأسها حزب الدعوى ألأسلامي ، وكلِّ مراقب لما جرى ويجري في العراق سيصل الى هذه الحقيقة بالأستناد على نهج الدولة التي تُطبِّق المادة الثانية وتفسيرها حسب رؤيّتها وأستنادا الى مفهومها للشريعة الأسلامية التي يختلف في تفسيرها وتطبيقها المسلمون قبل غيرهم وذلك بسبب هلامية هذه الشريعة وعدم الأتفاق عليها من قبل المسلمون أنفسهم .
أنّ الشعارات للأحزاب ألأسلامية قد تكون جميلة وبراقة ومقبولة ولكن التجربة والخبرة بهذه ألأحزاب ، كما للأحزاب الشمولية السابقةأثبتت للعالم كُله وللشعوب العربية والأسلامية ، انّها مجرد غطاء ووسيلة للوصول الى الهدف ، وهو الحكم الأسلامي على هذه الشعوب ، القائم على انَّ الدين ألأسلامي لايمكن فصله عن السياسة وحتى ألأمور الصغيرة والكبيرة في شؤون الناس ،وبأعتراف الغالبية المطلقة من فقهاء وعلماء المسلمين سواء كانوا شيعة أم سنة  فلا يوجد في ألأسلام سلطة روحية وسلطة مدنية منفصلة (*). هنا اذن نستطيع أن نقول أنَّ هناك دمج بين الدين والدولة عندما لايصبح المواطن (سواء كان مسلم أو مسيحي أو يهودي ) حُرّا  مهما إدعت الدولة إنها تعطي  الحرية والديمقراطية للمواطنين  ، لأن الدستور يقول لنا   أنّ كلِّ هذه ألمصطلحات المعاصرة (الديمقراطية والحرية والعدالة والمساوات) هي شعارات  فقط طالما لاتعترف بها تلك الأحزاب التي تستمد سلطتها وتشريعها من الشريعة الأسلامية ، والدليل على ما نقوله هو  أنَّ غالبية الدول العربية والأسلامية لديها تحفُّظ على مواثيق ألأمم المتحدة بخصوص حقوق ألأنسان وخاصة  المواضيع التي تخص حرية العقيدة وحقوق المرأة ورجم  المرأة الزانية  وألأسترقاع وغيرها كثيرة تعارض حقوق الأنسان ولا يمكن قبولها والعالم يعيش في القرن الواحد والعشرون .
انّ الفقرتين أعلاه  ، واللتان تعتبران نصين وردتا في الدستور العراقي ، يعني ذلك الغاء الدولة المدنية وحقوق المواطنة ، طالما يوجد في هذه الدولة أو تلك نص ديني في الدستور يعارض الديانات والمعتقدات ألأخرى , ونستطيع ان نعطي امثلة على ما نقوله .
فمثلا هناك نصوص في الشريعة الأسلامية تقول :" تقطع يد السارق" وهذا يخالف مبادئ حقوق ألأنسان ، وهناك دول مثل السودان وأفغانستان والصومال يتم تطبيق هذا النص الوراد في الشريعة الأسلامية , بالأضافة الى ذلك وجود دول عربية واسلامية تمنع بناء كنائس أو السماح بحق الأنسان باختيار ما يؤمن به ، كما في السعودية ومصر ....الخ
كما أنّ هناك  نص تشريعي يقول "يُقتل المرتد عن ألأسلام "  وهذا يخالف حرية المعتقد والحريات الشخصية (الواردة في المواد الأخرى في الدستور نفسه) ، وكلنا يعرف أنّ ألأنسان في الدول العربية والأسلامية لا يُقبل منه أن يغيّر دينهِ ويتحول الى دين أخر , فاين حرية الأنسان وأين هذه الدول من الديمقراطية وحق اختيار المعتقد او الدين  ؟
هذين مثلين من عشرات ألأمثلة ، التي يمكن ألأستشهاد بها لأيصال الفكرة الى القارئ ، كالتمييز بين الرجل والمرأة والأحوال الشخصية وأحقية الدولة(في ظل الشريعة الأسلامية ) في سحق حق الفرد على حساب الغالبية في المجتمع  وتطبيق الحدود بحق المخالفين للشريعة ألأسلامية  ...الخ
إنّ خطورة النصين  الواردين في الدستور العراقي (كمثال) يمكن تشبيههما بعمودين  ضعيفين  مبنيين بين أعمدة كثيرة ولكن يشكلان خطورة في هدم البناية بكاملها. ويمكن تشبيههما ايضا بالبناء المبني على اساس رملي وفي كل لحظة معرض للسقوط . ويمكن أن نشبه الدستور العراقي بكأس ماء صافي ونقي ثم نأتي بسم قاتل يوضع في هذا الكأس وعندما يشربه الأنسان يصاب بالشلل ، هكذا هو الدستور الحالي في العراق ومصر وغيرها من الدول العربية والأسلامية .
إنَّ الدساتير في الدول المتحضرة يتم الحكم عليها بمدى احترامها لحقوق المواطنين ، (وخاصة ألأقليات) مهما اختلفوا في العقيدة أو اللون أو الجنس أو العرق ، بل على المساواة والعدالة في تطبيع القوانين والأنظمة في هذه الدول ، بينما في الدول العربية واستنادا الى دساتيرها ، تؤكد لنا تهميش الأقليات وتهميش الطوائف والمذاهب الضعيفة وذلك بتطبيق ما تؤمن به الطائفة التي تحكم هذه البلدان سواء كانوا شيعة أو سنة كُلِّ حسب مفهومه للشريعة الأسلامية.
وسنقدم  ،في الجزء الثاني من هذه المقالة على ، آراء بعض المفكرين والمختصين في الشؤون القانونية ورأيهم عن المادة الثانية في الدستور العراقي .

يقول الشيخ يوسف القرضاوي:  (*)
"إنَّ ألدولة ألأسلامية فيها السلطة التشريعية بيد الشعب ولكن باطار الشريعة ألأسلامية "برنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة

46
 
سيادة المطران لويس ساكو وضع لمسيحيي العراق خارطة الطريق
نافع البرواري
 في مقابلة اجراها الأخ يوحنا بيداويد ، في 10 حزيران 2012 م ، مع سيادة المطران لويس ساكو مطران ابرشية كركوك  ( راجع الموقع أدناه) . نسلط الضوء على خلاصة ما ورد في هذه المقابلة ، من المواضيع المهمة  عن الواقع الذي يعيشه شعبنا المسيحي في العراق وحالة كنيستنا اليوم ، والتي يمكن أن تكون ، ما ورد من الأجوبة  على لسان سيادة المطران ساكو  في هذه المقابلة ، خارطة الطريق لنا لتشخيص الواقع الحالي وأطار لبرنامج ومقترحات وتوجهات ورؤية لمستقبل شعبنا المسيحي خاصة والشعب العراقي عامة
من خلال  علاقتي ، وعن قرب ، بسيادة المطران لويس ساكو ، أستطيع أن اقول أنَّه من الرواد الأوائل الذين كانوا ، ولا يزالون ، يكرِّسون حياتهم من أجل تجديد الكنيسة الكلدانية  وتغيير منهاجها القديم ،  ونفح فيها الحيوية والنشاط ، وله باع طويل في هذا المجال منذ أن كان رئيسا للدير الكهنوتي (شمعون الصفا) في بغداد ، وأستاذا في كلية بابل للفلسفة واللاهوت ، الى أن سيِّم سيادته مطرانا على ابرشية كركوك . والمتابعين لنشاطات سيادته ، يعرفون الجهود الكبيرة لسيادته في ايصال حقيقة ما عاناه ويعانيه مسيحيي العراق الى المنظمات الدولية والكنائس العالمية  واشتراكه الفعّال في المؤتمرات العالمية ، سواء في سينودسات كنيسة المشرق  أو المحافل الدولية . بالأضافة الى هذا كلّه حصوله على أوسمة دولية لدوره الأيماني ونشاطه في مجال حقوق  ألأنسان .
 وللأسف اسطدم  هذا الراعي ،  ومعه العديد من آباء الكنيسة المتجددين في تحقيق اصلاحاتهم وأفكارهم التجديدية  ، مع رئاسة الكنيسة الحالية والكثيرون من الرعاة المحافظين المتقوقعين التقليديين المشايخة ، الذين يعيشون في زمن القرون الوسطى ويعتبرون الكنيسة هي كنيسة الأكليريوس فقط  . وللأسف لن يتحقق حلم المتجددين وحلم العلمانيين المؤمنين الا بتوعية الشعب المسيحي المؤمن ، وذلك  بأن يظمَوا ، هؤلاء المؤمنون ،أسواطهم وجهودهم مع رعاة كنائسنا الذين يتشوَّقون الى هذا التجديد  لأحياء دور كنيستنا المشرقية التي كانت رائدة في نشر بشارة ألأنجيل في العالم كُلِه ، وأن يكون للشعب المسيحي صوت مسموع  داخليا وخارجيا .
نعم اليوم نحن بحاجة الى المصالحة والمصارحة بهذه الحقيقة ، والأعتراف بوجود نهجين في الكنيسة الكلدانية ، نهج يريد الأبقاء على التقاليد والممارسات الطقسية والأفكاراللاهوتية ، ماقبل مجمع الفاتيكاني الثاني ، ونهج يريد التجديد والتغيير ومواكبة الأفكار اللاهوتية الحديثة وتطبيق مقررات مجمع الفاتيكاني الثاني والقرارات اللاحقة  . للأسف الكثيرون من الرعاة والأساقفة في كنيستنا الكلدانية أصبحوا يعتبرون أنفسهم قادة لهم سلطة وحتى قوة سياسية للهيمنة على كنيستنا الكلدانية في العراق والأنفراد في اتخاذ القرارات الدينية والسياسية البعيدة كل البعد عن طموحات وتمنيات وآمال شعبنا المسيحي  ، بدل أن يكونوا  كهنة ورعاة لخدمة  المؤمنين ، الذين هم أعضاء في جسد هذه الكنيسة .
ولكن علينا أن لاننسى جهود الخيرين من الكهنة والرعاة الذين قدموا حياتهم قرابين من أجل شعبهم واستشهدوا ولم يتنازلوا عن مبادئهم المسيحية ، وتصدوا لقوى الشر ، وتمسَّكوا بقول الحق ، ولم ينحنوا أمام عواصف الشر ، بعكس الكثيرين من الكهنة والرعاة الذين بسبب الخوف على مراكزهم وكراسيهم قلّلوا من المأساة التي يعاني منها شعبهم المسيحي ، لا بل ذهب البعض منهم ، اعتبار حالة شعبهم المسيحي كحال الشعب العراقي عامة ، وساووا بين الضحية والجزار ، فنقلوا صورة غير حقيقية ومشوّه ومشوَّشة  عن معاناة شعبهم المسيحي في العراق  الى العالم الحر والمنظمات الأنسانية  . هذا الشعب الذي خسر أرضه ومقدساته وحتى هويّته بسبب  كونه شعبٌ مسالم ، ليس من يسنده ويدافع عنه ، فراح ضحية الوحوش المفترسة  بعد أن تُرك لوحده يواجه مصيره  ، فتشتت الرعية في  غياب  الرعاة  الذين كان عليهم أن يدافعوا عن رعيّتهم حتى الشهادة  .
ويمكن أن نلخص أجوبة سيادة المطران ( في المقابلة الخاصة موقع رقم 1 )، دون التطرق على الأسئلة الموجه لسيادته ، والتي يمكن أن نقرأها من خلال الأجوبة و تلخيص أهم المواضيع المهمة التي وردت في هذه المقابلة  حيث ركَّز سيادته على ثلاثة  مواضيع مهمة وهي:
أولا : حالة كنيستنا (كأكليريوس) اليوم . ثانيا : المسيحيّون والتيارات الأسلامية المتشددة   ثالثا المسيحيّون والتسمية القومية والنقد الهدام
أولا : حالة كنيستنا اليوم :
عن الأزمة الداخلية في الكنيسة الكلدانية وأسبابها يشخَّص لنا سيادة المطران لويس ساكو حالة الكنيسة فيقول :
 
1 – من المؤكَّد أنّ الكنيسة الكلدانية تمر بأزمة شديدة لأسباب عديدة . تركت السنين العديدة . غياب قيادة مركزية قويّة لها رؤية وخطة.....
2 – ألتفرّد وغياب القناعة بالعمل ألجماعي (ألدكتاتورية) ، ألتكتُّلات ، ألوضع ألأمني  ، والهجرة أضعفت الكنيسة  وأبرشيّاتها الصغيرة....وعدد كهنتنا محدود وأخذوا بالهجرة .
4 – التنشئة الروحية للكهنة وأحتضانهم سبب آخر لتركهم .... غياب المقاييس ...عقلية السلطة – المشيخة وليس الخدمة .
الحل بحسب رأيي سيادة المطران لويس ساكو للخروج من هذه الأزمة هي :
بالمصارحة والمصالحة بين الأساقفة ، وأن ينعقد سينودس عام كلداني ، يعيد الى الكنيسة الكلدانية حيويّتها ، وتجديدها وشركتها وشراكتها ، ويحدِّد تنظيمها ويقوّي حضورها إينما وجد أبنائها .
وعن توجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني  والأصلاحات في الكنيسة (المشرقية) على ضوء المستجدات والتغييرات الحاصلة في عالمنا اليوم  يعترف سيادته فيقول:
1 - أنّ كنائسنا الشرقية عامة والكلدانية خاصة لم تستفد من توجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني .
2 – لم تقم الكنيسة (المشرقية) بإصلاحات مهمّة  في مجال الطقوس والتعليم والأخلاق والتنشئة والأدارة والمشاركة .
3 – الحاجة الى مجمع مسكوني آخر يُقيِّم ما تمَّ آنجازه ، ويتابع المستجدات الكثيرة ويلقي ضوء ألأنجيل عليها .
4 – العالم يتغيَّر بسرعة وعلى الكنيسة "ألأم والمعلمة " أن تكون هي في المقدمة لأستيعاب  هذه القضايا وأنجلتها وتوجيه المؤمنين 
وعن الكنيسة ودور العلمانيين المؤمنين فيها ( سبق ان كتبتُ موضوع عن دور العلمانيين في الكنيسة ، موقع رقم 2 ) يقول سيادته :
الكنيسة ليست الأكليروس ، إنَّما  هي جماعة المؤمنين  والمعمَّذون لهم كهنوتهم الملوكي والنبوي  وهم شركاء في الكنيسة وليسوا قطيعا ، لكن المشاركة تتوقف على وعي الأكليروس والعلمانيين بدورهم ومواهبهم . على الكل أن يكونوا خليّة نحل من  أجل الأنجيل والأنسان .
 ثانيا : المسيحيّون والتيارات الأسلامية المتشدّدة
عن ظاهرة الأحزاب الأسلامية المتشددة ومعاناة المسيحيين بسبب هذه الظاهرة  الخطيرة  ،هي ما يبعث عن قلق المسيحيين في العراق خاصة والشرق ألأوسط عامة ، بسبب الواقع الذي عاشه ويعيشه مسيحيي المنطقة من ألأرهاب  بعد انتشار الأحزاب الراديكالية الأسلامية. وعن هذا الموضوع يقول سيادة المطران لويس ساكو:
ظاهرة التشدّد الأسلامي بارزة وتستعمل الأقصاء والتهميش وحتى التصفية الجسدّية .
ويقترح سيادته بفصل الدين عن الدولة(الساسة ) فيقول :
فصل الدين عن الدولة حرصا على الدين والدولة معا  وعدم تسيّيس الدين ولا تديُّن السياسة وعن رؤيته لمستقبل بلدان المنطقة في ظل انتشار الأحزاب الراديكالية فيقول:
لا مستقبل لبلداننا من دون المواطنة الواحدة وليس الدين الواحد أو المذهب الواحد .
دور الدين هو التوجيه والنصح وليس إكراه الناس  على أيّ أمر كان .
وعن وضع المسيحيين في خضمِّ ألأحداث التي عاشتها وتعيشها المنطقة  وشعور المسيحيين بخيبة الأمل  جرَاء صمت المسلمين عن معاناة  المسيحيين فيقول الحقيقة بكلِّ صراحة  وجرأة عندما يقول :
نحن المسيحيين تضررنا أكثر كوننا لسنا طرفا في هذه الصراعات وأستهدافنا غير مفهوم ؟؟؟ . كُنَّا ننتظر مواقف أكثر صلابة ووضوحا من مواطنينا المسلمين عند الأعتداءات على الأبرياء . المتعصبون في كل مكان ومن كل الفئات.. المتعصب غير قادر ان يرى الا نفسه.. صحيح ظاهرة العنف مستشرية ومن المؤسف جدا ان تكون ظاهرة التشد الاسلامي بارزة وتستعمل الاقصاء والتهميش وحتى التصفية الجسدية.
ألحلول لهذه الظاهرة برأيي سيادته  :
1- الحوار هو السبيل الوحيد والحضاري  لمعرفة ألآخر وقبوله وإحترامه .
2 – الخلاص يأتي من الداخل وليس من الخارج ...علينا نحن أن نوحِّد صفوفنا وأن نعمل بروحية الفريق الواحد ، وألآّ نبقى منقسمين ومتبعثرين .....
ثالثا : المسيحيّون  والتسمية القومية والنقد الهدّام
 وبخصوص التسمية القومية (الكدانية الآشورية السريانية )  التي طالما أبعدتنا نحن المسيحيّين عن وحدتنا ، وشتتت جهودنا بالجدالات العقيمة  ، يقول سيادته :
"صراحة صارت التسمية وكأنّها القضية الأولى في إجتماعات شعبنا ، بينما الأولوية يجب أن تكون على ألبقاء والتواصل ....ماذا تنفع التسمية إذا غادر أبناء شعبنا العراقي .
وأقترح سيادته  أن يحتفظ كُلِّ طرف بأسمه كما هو من دون مشاجرات ولا تشنجات والصاق التهم ، واحترام التسميات الحالية "ألكلداني والآشوري والسرياني " وأن لا نضيّع فيها الوقت . قد يأتي يوم يتم ألأتفاق على التسمية ، علمية أو توافقية ، يقبلها الجميع .
ألأولوية حاليا هو تجميع أبناء شعبنا في فريق واحد مثلا "المسيحيون "ليكون لنا حضور ومشاركة فيها يكون ألكلداني وألأرمني والقبطي وألآشوري والسرياني ..لنخلق الوعي بقضيّة وجودنا وبقائنا وتواصلنا . ألتسميات تأتي فيما بعد ...يجب ألآ تكون عائقا أمام وحدتنا ومشاركتنا .
وعن ظاهرة انتشاراسلوب النقد الهدّام وأستخدام الأسلوب المتدني والبعيد عن اللياقة الأدبية من قبل البعض من الذين يكتبون في المواقع المسيحية فيقول سيادته :
على هؤلاء  : أن يحافظوا على اللياقة الأدبية ولا ينزلقوا الى الشتائم والكلمات الخارجية والنابية لأيِّ شخص كان . وأن يكون النقد علميّا وموضوعيّا وبكثير من الأدب والكياسة .....يكفي أسلوب القدح والأستعلاء والأزدراء .

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=582755.msg5637340#msg5637340 1 -
http://mangish.com/forum.php?action=view&id=3507 2 -
وللأطلاع على بعض المقالات التي تم نشرها في المواقع المسيحية ، بخصوص نفس الموضوع ، راجع المواقع التالية:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=348208.0
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,344381.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=353008.0;wap2

47
 
سيادة المطران لويس ساكو وضع لمسيحيي العراق خارطة الطريق
نافع البرواري
 في مقابلة اجراها الأخ يوحنا بيداويد ، في 10 حزيران 2012 م ، مع سيادة المطران لويس ساكو مطران ابرشية كركوك  ( راجع الموقع أدناه) . نسلط الضوء على خلاصة ما ورد في هذه المقابلة ، من المواضيع المهمة  عن الواقع الذي يعيشه شعبنا المسيحي في العراق وحالة كنيستنا اليوم ، والتي يمكن أن تكون ، ما ورد من الأجوبة  على لسان سيادة المطران ساكو  في هذه المقابلة ، خارطة الطريق لنا لتشخيص الواقع الحالي وأطار لبرنامج ومقترحات وتوجهات ورؤية لمستقبل شعبنا المسيحي خاصة والشعب العراقي عامة
من خلال  علاقتي ، وعن قرب ، بسيادة المطران لويس ساكو ، أستطيع أن اقول أنَّه من الرواد الأوائل الذين كانوا ، ولا يزالون ، يكرِّسون حياتهم من أجل تجديد الكنيسة الكلدانية  وتغيير منهاجها القديم ،  ونفح فيها الحيوية والنشاط ، وله باع طويل في هذا المجال منذ أن كان رئيسا للدير الكهنوتي (شمعون الصفا) في بغداد ، وأستاذا في كلية بابل للفلسفة واللاهوت ، الى أن سيِّم سيادته مطرانا على ابرشية كركوك . والمتابعين لنشاطات سيادته ، يعرفون الجهود الكبيرة لسيادته في ايصال حقيقة ما عاناه ويعانيه مسيحيي العراق الى المنظمات الدولية والكنائس العالمية  واشتراكه الفعّال في المؤتمرات العالمية ، سواء في سينودسات كنيسة المشرق  أو المحافل الدولية . بالأضافة الى هذا كلّه حصوله على أوسمة دولية لدوره الأيماني ونشاطه في مجال حقوق  ألأنسان .
 وللأسف اسطدم  هذا الراعي ،  ومعه العديد من آباء الكنيسة المتجددين في تحقيق اصلاحاتهم وأفكارهم التجديدية  ، مع رئاسة الكنيسة الحالية والكثيرون من الرعاة المحافظين المتقوقعين التقليديين المشايخة ، الذين يعيشون في زمن القرون الوسطى ويعتبرون الكنيسة هي كنيسة الأكليريوس فقط  . وللأسف لن يتحقق حلم المتجددين وحلم العلمانيين المؤمنين الا بتوعية الشعب المسيحي المؤمن ، وذلك  بأن يظمَوا ، هؤلاء المؤمنون ،أسواطهم وجهودهم مع رعاة كنائسنا الذين يتشوَّقون الى هذا التجديد  لأحياء دور كنيستنا المشرقية التي كانت رائدة في نشر بشارة ألأنجيل في العالم كُلِه ، وأن يكون للشعب المسيحي صوت مسموع  داخليا وخارجيا .
نعم اليوم نحن بحاجة الى المصالحة والمصارحة بهذه الحقيقة ، والأعتراف بوجود نهجين في الكنيسة الكلدانية ، نهج يريد الأبقاء على التقاليد والممارسات الطقسية والأفكاراللاهوتية ، ماقبل مجمع الفاتيكاني الثاني ، ونهج يريد التجديد والتغيير ومواكبة الأفكار اللاهوتية الحديثة وتطبيق مقررات مجمع الفاتيكاني الثاني والقرارات اللاحقة  . للأسف الكثيرون من الرعاة والأساقفة في كنيستنا الكلدانية أصبحوا يعتبرون أنفسهم قادة لهم سلطة وحتى قوة سياسية للهيمنة على كنيستنا الكلدانية في العراق والأنفراد في اتخاذ القرارات الدينية والسياسية البعيدة كل البعد عن طموحات وتمنيات وآمال شعبنا المسيحي  ، بدل أن يكونوا  كهنة ورعاة لخدمة  المؤمنين ، الذين هم أعضاء في جسد هذه الكنيسة .
ولكن علينا أن لاننسى جهود الخيرين من الكهنة والرعاة الذين قدموا حياتهم قرابين من أجل شعبهم واستشهدوا ولم يتنازلوا عن مبادئهم المسيحية ، وتصدوا لقوى الشر ، وتمسَّكوا بقول الحق ، ولم ينحنوا أمام عواصف الشر ، بعكس الكثيرين من الكهنة والرعاة الذين بسبب الخوف على مراكزهم وكراسيهم قلّلوا من المأساة التي يعاني منها شعبهم المسيحي ، لا بل ذهب البعض منهم ، اعتبار حالة شعبهم المسيحي كحال الشعب العراقي عامة ، وساووا بين الضحية والجزار ، فنقلوا صورة غير حقيقية ومشوّه ومشوَّشة  عن معاناة شعبهم المسيحي في العراق  الى العالم الحر والمنظمات الأنسانية  . هذا الشعب الذي خسر أرضه ومقدساته وحتى هويّته بسبب  كونه شعبٌ مسالم ، ليس من يسنده ويدافع عنه ، فراح ضحية الوحوش المفترسة  بعد أن تُرك لوحده يواجه مصيره  ، فتشتت الرعية في  غياب  الرعاة  الذين كان عليهم أن يدافعوا عن رعيّتهم حتى الشهادة  .
ويمكن أن نلخص أجوبة سيادة المطران ( في المقابلة الخاصة موقع رقم 1 )، دون التطرق على الأسئلة الموجه لسيادته ، والتي يمكن أن نقرأها من خلال الأجوبة و تلخيص أهم المواضيع المهمة التي وردت في هذه المقابلة  حيث ركَّز سيادته على ثلاثة  مواضيع مهمة وهي:
أولا : حالة كنيستنا (كأكليريوس) اليوم . ثانيا : المسيحيّون والتيارات الأسلامية المتشددة   ثالثا المسيحيّون والتسمية القومية والنقد الهدام
أولا : حالة كنيستنا اليوم :
عن الأزمة الداخلية في الكنيسة الكلدانية وأسبابها يشخَّص لنا سيادة المطران لويس ساكو حالة الكنيسة فيقول :
 
1 – من المؤكَّد أنّ الكنيسة الكلدانية تمر بأزمة شديدة لأسباب عديدة . تركت السنين العديدة . غياب قيادة مركزية قويّة لها رؤية وخطة.....
2 – ألتفرّد وغياب القناعة بالعمل ألجماعي (ألدكتاتورية) ، ألتكتُّلات ، ألوضع ألأمني  ، والهجرة أضعفت الكنيسة  وأبرشيّاتها الصغيرة....وعدد كهنتنا محدود وأخذوا بالهجرة .
4 – التنشئة الروحية للكهنة وأحتضانهم سبب آخر لتركهم .... غياب المقاييس ...عقلية السلطة – المشيخة وليس الخدمة .
الحل بحسب رأيي سيادة المطران لويس ساكو للخروج من هذه الأزمة هي :
بالمصارحة والمصالحة بين الأساقفة ، وأن ينعقد سينودس عام كلداني ، يعيد الى الكنيسة الكلدانية حيويّتها ، وتجديدها وشركتها وشراكتها ، ويحدِّد تنظيمها ويقوّي حضورها إينما وجد أبنائها .
وعن توجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني  والأصلاحات في الكنيسة (المشرقية) على ضوء المستجدات والتغييرات الحاصلة في عالمنا اليوم  يعترف سيادته فيقول:
1 - أنّ كنائسنا الشرقية عامة والكلدانية خاصة لم تستفد من توجيهات المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني .
2 – لم تقم الكنيسة (المشرقية) بإصلاحات مهمّة  في مجال الطقوس والتعليم والأخلاق والتنشئة والأدارة والمشاركة .
3 – الحاجة الى مجمع مسكوني آخر يُقيِّم ما تمَّ آنجازه ، ويتابع المستجدات الكثيرة ويلقي ضوء ألأنجيل عليها .
4 – العالم يتغيَّر بسرعة وعلى الكنيسة "ألأم والمعلمة " أن تكون هي في المقدمة لأستيعاب  هذه القضايا وأنجلتها وتوجيه المؤمنين 
وعن الكنيسة ودور العلمانيين المؤمنين فيها ( سبق ان كتبتُ موضوع عن دور العلمانيين في الكنيسة ، موقع رقم 2 ) يقول سيادته :
الكنيسة ليست الأكليروس ، إنَّما  هي جماعة المؤمنين  والمعمَّذون لهم كهنوتهم الملوكي والنبوي  وهم شركاء في الكنيسة وليسوا قطيعا ، لكن المشاركة تتوقف على وعي الأكليروس والعلمانيين بدورهم ومواهبهم . على الكل أن يكونوا خليّة نحل من  أجل الأنجيل والأنسان .
 ثانيا : المسيحيّون والتيارات الأسلامية المتشدّدة
عن ظاهرة الأحزاب الأسلامية المتشددة ومعاناة المسيحيين بسبب هذه الظاهرة  الخطيرة  ،هي ما يبعث عن قلق المسيحيين في العراق خاصة والشرق ألأوسط عامة ، بسبب الواقع الذي عاشه ويعيشه مسيحيي المنطقة من ألأرهاب  بعد انتشار الأحزاب الراديكالية الأسلامية. وعن هذا الموضوع يقول سيادة المطران لويس ساكو:
ظاهرة التشدّد الأسلامي بارزة وتستعمل الأقصاء والتهميش وحتى التصفية الجسدّية .
ويقترح سيادته بفصل الدين عن الدولة(الساسة ) فيقول :
فصل الدين عن الدولة حرصا على الدين والدولة معا  وعدم تسيّيس الدين ولا تديُّن السياسة وعن رؤيته لمستقبل بلدان المنطقة في ظل انتشار الأحزاب الراديكالية فيقول:
لا مستقبل لبلداننا من دون المواطنة الواحدة وليس الدين الواحد أو المذهب الواحد .
دور الدين هو التوجيه والنصح وليس إكراه الناس  على أيّ أمر كان .
وعن وضع المسيحيين في خضمِّ ألأحداث التي عاشتها وتعيشها المنطقة  وشعور المسيحيين بخيبة الأمل  جرَاء صمت المسلمين عن معاناة  المسيحيين فيقول الحقيقة بكلِّ صراحة  وجرأة عندما يقول :
نحن المسيحيين تضررنا أكثر كوننا لسنا طرفا في هذه الصراعات وأستهدافنا غير مفهوم ؟؟؟ . كُنَّا ننتظر مواقف أكثر صلابة ووضوحا من مواطنينا المسلمين عند الأعتداءات على الأبرياء . المتعصبون في كل مكان ومن كل الفئات.. المتعصب غير قادر ان يرى الا نفسه.. صحيح ظاهرة العنف مستشرية ومن المؤسف جدا ان تكون ظاهرة التشد الاسلامي بارزة وتستعمل الاقصاء والتهميش وحتى التصفية الجسدية.
ألحلول لهذه الظاهرة برأيي سيادته  :
1- الحوار هو السبيل الوحيد والحضاري  لمعرفة ألآخر وقبوله وإحترامه .
2 – الخلاص يأتي من الداخل وليس من الخارج ...علينا نحن أن نوحِّد صفوفنا وأن نعمل بروحية الفريق الواحد ، وألآّ نبقى منقسمين ومتبعثرين .....
ثالثا : المسيحيّون  والتسمية القومية والنقد الهدّام
 وبخصوص التسمية القومية (الكدانية الآشورية السريانية )  التي طالما أبعدتنا نحن المسيحيّين عن وحدتنا ، وشتتت جهودنا بالجدالات العقيمة  ، يقول سيادته :
"صراحة صارت التسمية وكأنّها القضية الأولى في إجتماعات شعبنا ، بينما الأولوية يجب أن تكون على ألبقاء والتواصل ....ماذا تنفع التسمية إذا غادر أبناء شعبنا العراقي .
وأقترح سيادته  أن يحتفظ كُلِّ طرف بأسمه كما هو من دون مشاجرات ولا تشنجات والصاق التهم ، واحترام التسميات الحالية "ألكلداني والآشوري والسرياني " وأن لا نضيّع فيها الوقت . قد يأتي يوم يتم ألأتفاق على التسمية ، علمية أو توافقية ، يقبلها الجميع .
ألأولوية حاليا هو تجميع أبناء شعبنا في فريق واحد مثلا "المسيحيون "ليكون لنا حضور ومشاركة فيها يكون ألكلداني وألأرمني والقبطي وألآشوري والسرياني ..لنخلق الوعي بقضيّة وجودنا وبقائنا وتواصلنا . ألتسميات تأتي فيما بعد ...يجب ألآ تكون عائقا أمام وحدتنا ومشاركتنا .
وعن ظاهرة انتشاراسلوب النقد الهدّام وأستخدام الأسلوب المتدني والبعيد عن اللياقة الأدبية من قبل البعض من الذين يكتبون في المواقع المسيحية فيقول سيادته :
على هؤلاء  : أن يحافظوا على اللياقة الأدبية ولا ينزلقوا الى الشتائم والكلمات الخارجية والنابية لأيِّ شخص كان . وأن يكون النقد علميّا وموضوعيّا وبكثير من الأدب والكياسة .....يكفي أسلوب القدح والأستعلاء والأزدراء .

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=582755.msg5637340#msg5637340 1 -
http://mangish.com/forum.php?action=view&id=3507 2 -
وللأطلاع على بعض المقالات التي تم نشرها في المواقع المسيحية ، بخصوص نفس الموضوع ، راجع المواقع التالية:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=348208.0
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,344381.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=353008.0;wap2

48

البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية – الجزء الثامن
الفرق الغنوصية
نافع البرواري
 
رابعا : بدعة مرقيون أو مارسيون
--------------------------------
ولد مرقيون في سينوب ، في بلاد البنطس ، الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحر ألأسود في آسيا الصغرى , سنة 85 م . وكان والده أُسقفا من عائلة تنتمي الى طبقة ألأشراف . جاء الى روما حوالي سنة 140 م ، أيّام حكم ألأمبراطور " أنطونين التقي " والتحق بمؤمني كنيسة روما . وعلى رغم أنّه وهب الكنيسة أمواله لأنّه كان رجلا غنيّا ، فلقد أستُبعد بسبب تعاليمه التي شقّت الكنيسة ، فاصبح هو بدوره رئيس كنيسة هرطوقيّة منظّمة تنظيما محكما انتشرت انتشارا سريعا ، وكان ما يزال لها جماعات في سورية في القرن الخامس . لقد علَّم مرقيون أنَّ المسيحية هي دين الحق ، وأعلن تمسكه الشديد بها ورفضه للدين اليهودي الذي ناصبه العداء ، ألأمر الذي جعل بعض المؤرخين يُلصقون به تهمة معاداة الساميّة . ففي نظره ، المسيح يمثل الخير ، في حين أنَّ يهوة ، اله اليهود ، اله قاسِ شرس لايستطيع أن يصل في وصاياه الى أكثر من العدل أو الحق : "العين بالعين والسن بالسنّ" . كذلك ينكر "مرقيون" وجود أيّ علاقة على ألأطلاق بين المسيحية وما سبقها من أديان ، سواء كانت يهوديّة أو وثنية . فالمسيحية ليست ، في نظره ، امتدادا أو تطوّرا لليهودية ، بل هي مختلفة كُلِّ ألأختلاف عنها . والمسيح لم يولد من أمراة ، ولكنّه هبط فجأة من السماء في مدينة كفرناحوم في السنة الخامسة عشر من عهد ألأمبراطور "طيباريوس " ليكشف للبشر عن اله الخير الذي أوفده اليهم . وليس لهذا المسيح أي علاقة بالمسيّا (المشيح) الذي بشّر بمجيئه العهد القديم . أمّا ألأله الحقيقي ، في رأي "مرقيون" فهو اله محتجب . هو ألأله المجهول الذي تحدّث عنه القديس بولس في "أوريوس باغوس"  (أعمال الرسل 18 : 23)، والذي ظهر في شخص يسوع المسيح ليخلص الناس من ألأله اليهودي يهوة . هذا المسيح لم يمت على الصليب ، ولم يدفن ، ولم يقم من الموت ، لكن جسده كان طيفا أو شبحا ، اختفى فجأة ليبشّر الموتى في الهاوية ، ثم رجع بعد ذلك ليقوم بعمله كالآب المحتجب في السماء( والأسلام اخذ فكرة عدم صلب المسيح من هذه الهرطقة ) . كذلك رفض" مرقيون "
أجزاء كثيرة من العهد الجديد . فلم يقبل من ألأناجيل ألأربعة إلاّ أنجيل لوقا  بعد أن إستبعد منه الفصول ألأربعة ألأولى ، حتى يتفادى نسب يسوع الى اليهود ونسل داود .حتى أعمال الرسل رفضها لأنَّه إعتبر أنّ فئة من المسيحيين  المتهوّدين قد كتبتها . قال فيه ترتوليانوس القرطاجي" :" إنّ مرقيون يُعلِّم الكتاب المقدس لا بقلمه بل مشرطه (مقصِّه) مستأصلا كُلِّ ما لايوافق تفكيرهُ " .
لمرقيون كتاب أسمه "النقائض" والذي يقول فيه(نقلا عن الشريعة في العهد القديم )  "أحب جارك وأكره عدّوك .....والعين بالعين والسن بالسن " بينما اله العهد الجديد يوصينا بأن نحبَّ أعداءنا ونبارك لاعنينا . وبما أنَّ مشكلة الشرّ في العالم قد شغلته كليّا ، كان أعتقاده أنَّ المادة هي الشرّ الكلي  ، وأنّ هذا الشر لايقتصر على الجسد بل يمتد الى الروح والجسد .  وأنتهى به هذا الأعتقاد الى أنَّ ألأله الحقيقي لا بدَّ أن يكون منفصلا تاما عن أي شيء مادي . ومما لاشكل فيه أنّ ايمانه بان جسد المسيح ليس سوى طيفِ انما هو نتيجة طبيعية لمقته الشديد للمادة  . وعلى رغم  التزامه المسيحيين بقوانين ألأخلاق ، فإنّهُ نادى بأقصى درجات التفشُّف والزُهد وعدم ألأشترك  في أيِّ احتفالات دينية  ، فضلا عن ألأمتناع عن الزواج وأكل اللحوم وشرب الخمر . ولم يسمح بأكل السمك . كما أنّه سمح بتعميد ألأزواج شرط أن يتعهَّدوا بالأمتناع عن ممارسة الجنس . ولقد أستبعد الخمر في المناولة ، واحتفظ بالخبز المقدّس . وكان يعطي المعمّذين حديثا لبنا ممزوجا بالعسل . والغريب أنَّه سمح للسيدات بممارسة شعائر العماد وهو ألأمر الذي رفضته الكنيسة تماما .
وبأختصار لم تكن المرقيونيّة مجرد فلسفة بل كانت كنيسة أو تنظيما دينيّا له أتباعه المنتشرون في أوروبا ومصر وشمال أفريقيا وقبرص وسوريا . وأستمرت حتى القرن الخامس الميلادي . ولشدة خطرها قال القديس "يوستينوس الروماني" الشهيد إن "مرقيون" أخطر مبتدع في عصره ، حتى أن الكنيسة ، قبل موته سنة 160م أعادت اليه كل عطاياه المالية . ويقال أيضا انه عندما تقابل مع القديس "بوليكربوس"  أسقف ازمير في روما سأله "هل تعرفني ؟ " فأجابه "بوليكربوس": نعم .أنت ألأبن ألأكبر للشيطان " (1) .
جاء في كتاب " تاريخ الكنيسة  ليوسابيوس القيصري- الفصل الرابع والعشرون- "مايلي :
"في زمن ثيوفيلس ، أسقف إنطاكيا ، الذي كتب مؤلف عنوانه " ضد هرطقة هرموجيس" . ونظرا لأنَّ الهراطقة كانوا وقتئذٍ – كما في كُلِّ وقت آخر – كالزوان ، مفسدين الحق النقي الذي للتعاليم الرسولية ، فإنَّ رعاة الكنائس في كُلِّ مكان ، أسرعوا لصدِّهم – كوحوش مفترسة – عن حضيرة المسيح ، تارة بنصح ألأخوة ، وتارة اخرى بالنضال ضدّهم بصرامة في مناقشات شفوية وفضح ضلالهم، وكذلك بتصحيح آرائهم ببراهين قويّة في مؤلافات مكتوبة .  وقد ناضل ضدهم (الهراطقة) ثيوفيلس هذا مع غيره . وهذا ما يتَّضح من بحث جليل الشأن  كتبه ضد "مركيون".
وفي الفصل الخامس والعشرين من نفس الكتاب اعلاه ، جاء ماليلي "
" كذلك ألّف فيليبس (اسقف أبرشية جورتينا ) مؤلفا بليغا ضد مركيون ، كما فعل إيريناوس ومودسيتوس ، وهذا ألأخير قد فضح ضلال الرجل  أكثر من كُل الباقين"(2).
لقد ردَّ القديس اغناطيوس الانطاكي (110م) في رسالته إلى السميرنيّين، قائلاً: إن لم يعِش يسوع ويتألم إلا في الظاهر، فنحن أيضًا لم نخلص إلا في الظاهر، إذاك تتحول كل الحقائق في المسيحية إلى أمور ظاهرية . أن يكون يسوع، ابن الله، في الوقت عينه إنسانا حقيقياً تاماً، ليس حقيقة واقعية وحسب، بل حقيقةٌ خلاصية. فلأن الله دخل جسدياً في لحمنا ودمنا البشريين افتدانا أيضاً في بشريتنا. إنه جمع في يسوع المسيح كياننا البشري بجملته (القديس إيرناوس أسقف ليون - القرن الثاني)، ومنذ ذلك الحين لم يعُد أي بعد بشري خارجاً عن الله أو بعيداً عنه. فالله في يسوع المسيح اتخذ كل ما هو بشري وقدسه. ومن ثم فالخلاص والفداء ليسا خلاصاً روحياً للنفس وحسب، ولكنهما يهدفان إلى خلاص الإنسان في كل كيانه. من بشرية هذا الخلاص أيضاً وُهب لنا بيسوع المسيح على نحو بشري. ومن ثم فبشرية يسوع ليست إذن قناعاً لله، ولا أداةً ميتة، ولا نوعاً من دمية بين يدي الله. فهو يحقق الخلاص من خلال طاعته وخدمته البشريتين. وهكذا أصلح بطاعته عصيان آدم. وإذا كان باستطاعة يسوع المسيح أن يفدينا، فما ذلك إلا لأنه ليس إلهاً حقيقياً وحسب، بل لأنه إنسان حقيقي (أنسيلم أسقف كانتربري ( 3)..
كتب العلامة  ألأب بولس الفغالي موضوع عن " مرقيون  في الكتاب المقدس "جاء فيه :
"حين نقرأ  ما بقي لنا من آثار مرقيون ، نكتشف أنَّ هذا الذي أسَّس كنيسة تُقابل الكنيسة الكاثوليكية ما زال حيّا حتى اليوم . فهو يرفض العهد القديم باسم العهد الجديد ، ويفصل اله موسى عن اله يسوع المسيح ، بل يعتبر أنَّ أسفار العهد الجديد ، ولا سيّما ألأناجيل ، قد دخلتها أمور يهودية . لهذا يجب أن نُطّهر العهد الجديد من شوائب عُلِّقت به بسبب اليهوديّة المسيطرة . وهو ينطلق من بولس الذي نال وحيا خاصا ، ومن لوقا الذي هو تلميذ بولس ، وهكذا يكوِّن ديانة خاصة نجد آثارها اليوم لدى عدد من الذين يسمّون نفوسهم " بحّاثة " مع أنّهم ينطلقون من أمور مسبقة فيسخِّرون نصَّ الكتاب المقدس من أجل أغراضهم الشخصية التي قد لا تكون بعيدة عن حب المال الذي أعتبره بولس أصل كُلِّ الشرور (1 تيموثاوس 6 : 10 )
حين جاء مرقيون الى رومة ليتفلَّت من محيط سينوب ، بدا فقدّم الى الجماعة المسيحية هناك هديّة تتألف من 200 ألف سسترس . يروي ترتليان في كتابه ضد مرقيون أنَّ مرقيون قدّم هذه الهدية السخيّة "في حرارة إيمانه ألأولى "  ، وأنَّهُ ما صار هرطوقيا إلاّ بعد أن تتلمذ لقردون وخلفه في هرطقته.
يتحدَّث القديس  ايريناوس عن قردون وتأثيره على مرقيون فيقول :
"وأنطلق قردون هو أيضا من تعليم الذين حول سيمون الساحر (سبق وان كتبنا عن سيمون الساحر الغنوصي في مقالة سابقة ) . اقام في رومة في أيّام هيجين
ّالذي كان تاسع من تسلَّم الوظيفة ألأسقفية بالتسلسل من الرسل ، وعلَّم أنَّ ألأله الذي أعلنته الشريعة وألأنبياء (في العهد القديم ) ليس أبا ربِّنا يسوع المسيح، فألأول عُرف والثاني لا يعرف . واحد هو عادل وألآخر صالح ".....
ونورد هنا نصا يُجعل فكر مرقيون كما نقرأه في إيرينه (ايريناوس) ، ضد الهرطقة
"خلفه (قردون) مرقيون البنطي (الذي من بنطس) الذي توسّع في تعليمه وجدّف بوقاحة على ألأله الذي أعلنته الشريعة والأنبياء (أي العهد القديم ) : في رأيه (رأي مرقيون)، هذا ألأله هو كائن مسيء يحب الحرب ، ومتقلِّب في أحكامه ، ومتضارب مع نفسه . بألأضافة الى ذلك ، شوَّه مرقيون ألأنجيل بحسب لوقا ، فأزال منه كُلِّ ما يتعلق بولادة الربّ، وحذف أيضا عددا من تعاليم الربِّ ، ولاسيّما تلك التي يقرُّ فيها بأوضح عبارة أنَّ خالق هذا العالم هو أبوه . وهكذا اقنع(مرقيون) تلاميذه أنّه أهل للتصديق أكثر من الرسل الذين كتبوا ألأنجيل ، ووضع بين أيديهم ، لا ألأنجيل ، بل جزءا صغيرا منه . وشوّه ايضا رسائل الرسول بولس فألغى جميع النصوص التي فيها يشير الرسول الى نبوءات تعلن مسبقا مجي الرب " . حسب مرقيون ، لا خلاص إلاّ للأنفس التي تعلمت تعليمه . أما الأجساد التي من التراب ، فلاتشارك في الخلاص " .
جعل ايرينه(ايريناوس ) مرقيون مع الغنوصيين الذين يشدّدون على المعرفة الباطنية ، ويعتبرون المادة شرّا بحيث لا يكون للكلمة أن يتجسَّد ، أن يلبس المادة . لاشك في أنَّ مرقيون لامس الغنوصية ، ولكنّه في الواقع لم يكن غنوصيّا مثل باسيليد وولنطين وهرقليون وغيرهم . فهو يُعتبر أوَّل "مصلح" في الديانة المسيحيّة ، ومُعيد ألأعتبار الى تعليم بولس الذي سيصبح في القرن التاسع عشر مؤسِّس المسيحية ، مع أنَّه يسمّى نفسه "عبد يسوع المسيح " وخادمه .
مشروع الخلاص بالنسبة الى ألأنسان
----------------------------------------
بعد هذه النظرة السريعة الى فكر مرقيون وإرتباطه بالعالم الغنوصي ، وقبل التوقف عند اتِّجاهه بالنسبة الى الكتاب المقدس ، نعالج تعليمه حول خلاص ألأنسان "أو السوتيريولوجيا ) ، وحول تكوين ألأنسان (أو ألأنتروبولوجيا).
1 – مرقيون والخلاص في المسيح
نبدأ فنقرأ هذا المقطع من ترتليان في كتابه ضد مرقيون . فهو يعطينا نقطة ألأنطلاق في تعليمه حين يحاول أن يطرح مشكلة الشر :
"تألَّم مرقيون ، شأنه شأن عدد كبير من الناس ولاسيما الهراطقة ، بسبب مشكلة الشر ، وضعفت عيناه بسبب إفراطه في الفضولية . عندئذ وجد كلمة الخالق  : "أنا الذي خلقتُ الشرور" "اشعيا 45 :7 ". وبقدر ماظنَّ  أنّ الخالق هو صاحب الشر مستفيدا من براهين أخرى تقنع العقول الفاسدة  في هذا ألأتجاه ، قدر ذلك فهم في تفسيره أن هذا الخالق هو الشجرة الرديئة التي تحمل ثمارا رديئة، أي الشرور .
        وهكذا أعتقد أنَّه يجب أن يوجد اله آخر يقابل الشجرة الصالحة التي تحمل ثمارا صالحة . وهكذا أكتشف في المسيح تدبيرا آخر مصنوعا كُلّه من الصلاح ، لأنَّه يعارض تدبير الخالق . فأستنتج بسهولة وعن طريق البرهان ، إلها جديدا وغريبا كشف عن نفسه في مسيحه.............."
أ – نقطتان أساسيّتان : في أساس نهج مرقيون ، هناك نقطتان أساسيتان ، كما يقول ترتليان : معارضة بين الشريعة وألأنجيل . ثم ، مجانية الخلاص المطلقة في المسيح . لا علاقة للشريعة بالأنجيل ، لأنّها ترتب باله يختلف كل ألأختلاف عن اله ألأنجيل . فالعهد القديم كُلُّه يقف على مستوى العدل ، على عدالة مخيفة تفرض على ألأنسان عبودية تسحقه . والاله الخالق في هذا العهد القديم ، هو اله اليهود الذي يضرب ألأبرار والخطاة معا . أمّا اله العهد الجديد ، فهو غير هذا ألأله . هو اله صالح ، وغريب عن عالمنا ، وغريب عن الذي خلق العالم . هذا ألأله يعرف كلّ شيئ ، ولاسيّما شقاء الأنسان . وما توقع أحد كيف يكون لو لم يكشف عن نفسه . إذن ، ما أنتظره أحد ولا تصوّره إنسان .
ب – تعليم عن الخلاص : إنَّ "أبا المراحم واله كلِّ تعزية " (2كو 1: 3 ) جاء في يسوع المسيح  يعلن إنجيل المحبّة لجميع البشر ، لا لعدد قليل كما يقول مرقيون ، بعد أن يلغي من البشرية اليهود المرتبطين بالأله الخالق . ولا نتمثَّل المسيح بشكل ماسيّا ينتظره اليهود فتحمل رسالته في كلِّ مكان تسلّط الشريعة.
وبما أنَّ يسوع هو تجلّي ألآب ، أو بما أنَّ ألآب يتماهى مع يسوع بعد أن تجرّد من بشرية مستعارة ، فهو يكاد لايتميّز عنه  . هو ما ولد من إمرأة ، وما عرف النمو البشري البطيء ، بل ظهر فجأة ، ناضجا كل النضوج في مدينة كفرناحوم  . من أجل هذا ، حذف مرقيون إنجيل الطفولة من لوقا ، ويبدأ ألأنجيل الخاص به في الفصل الثالث من إنجيل لوقا . ومع ذلك ، أراد المسيح حقا أن يحتمل ألآلام ، فأختار الموت على الصليب لكي يتحدّى الخالق الذي لعن الصليب . غير أنَّ جسد يسوع لم يكن مصنوعا من عناصر مادية مثل اجسادنا . بل كان يظنُّ أنَّه من لحم ودم  . كان خيال الجسد ، روح الخلاص. اشترى يسوع ألأنسان بموته . هو ما أفتداه ، لأنَّ الفداء يفضُّ التضامن . ولكن يسوع ظلَّ غريبا عن ألأنسان " .
 فيرد ترتليان على مرقيون : " المسيح أحبَّ هذا ألأنسان ، هذا الدم ( المتجمّد) الذي تكوّن في الحشا وسط القذارات ، هذا ألأنسان الذي جاء الى العالم بواسطة ألأعضاء النجسة . من أجله نزل . من أجله بشَّر . من أجله تنازل بكل تواضع حتى الموت بل موت الصليب (فل2 :8) في الظاهر ، أحبّ ذاك الذي أفتداه بثمن كبير (1كو6 : 20 ، 7 : 23 ) . إن كان المسيح جاء من الخالق ، وجب عليه أن يحبَّ ما يخصّه . ولكن إن جاء من اله آخر ، فيحبّه حبا أكبر بعد أن إفتدى فيه غريبا . وهكذا أحب في الوقت عينه ، ألأنسان ، وأحب ولادته ، وأحب لحمه ودمه " .
2- تعليم مرقيون عن ألأنسان
"إذا اراد ألأنسان أن يدخل الملكوت ، وجب عليه أن يحيا بحسب روح التطويبات ، التي تعارض معارضة جذرية الشريعة القديمة . لهذا برزت الحاجة لنسك قاس جدا ، من أجل تدمير أعمال الخالق واحتقارها ولعنها . هذا ما يورده ترتليان في كتابه حول الصوم ، فيتبعه إيرونيم في ردَّه على يوفينيان: هناك العفّة الدائمة والصوم كُلِّ سبوت السنة . بالأضافة الى ذلك ، يجب ألأمتناع عن ممارسة الحياة الجنسية لئلا يتواصل عمل الخلق . وهكذا نكون في قلب الحركة التعفُّفية. والزواج هو تجارة الفحش والفجور(62) . هو زنى وتعدِّ على ألآخر ".
هنا نقرأ ما قاله إيريناوس في كتابه على الهراطقة : " هناك أناس يستلهمون ساتورنين ومرقيون ، ويسمّون المتعفّفين . يعلنون رفض الزواج ، ويتخلّون عمّا جبله الله في القديم (ألأنسان ) ، ويتَّهمون بشكل غير مباشر ذالك الذي صنع الرجل والمرأة من أجل ألأنجاب (راجع تك 1 : 27 – 28) . أدخلوا العفّة (ألأمتناع) عمّا يسمّونه "حيواني" ، وأنكروا جميل ألأله الذي صنع كلّ شيء . كما أنكروا خلاص ألأنسان ألأول ..... أعلن (تاتيان) في خطى مرقيون وساتورنين أنَّ الزواج فساد وفجور وأعتبر أنَّ الكلام عن خلاص آدم يعارض نفسه بنفسه "
نظرة مرقيون الى الكتاب المقدّس .
-------------------------------
إتجاه مرقيون في هذا المجال إتجاه غنوصي ، ولاسيّما حين ينقّي نصوص العهد الجديد من كُلِّ شائبة ، فينزع منه كُلِّ المقاطع التي تربطه بالعهد القديم . ألغى مرقيون التماهي بين أبي المسيح وخالق الكون ، بين المسيح وأبن الله الذي صنع السماء والأرض ، بين أبي يسوع المسيح واله اليهود . ومنذ البداية ، رذل العهد القديم كُلّه لأنّه يرتبط باله اليهود هذا الذي لايمكن إلاّ أن يكون شريرا ومنتقما .
إعتقد مرقيون أنّ اليهود حرَّفوا إنجيل يسوع ألأصلي (*)، فأدخلوا فيه عناصر من عندهم . لهذا حاول المسيح أن يعيد ألأنجيل الى شكله ألأول . ولهذا أيضا دعا الرسول بولس . غير أنَّ الرسائل نفسها حرَفها أعداء بولس . من أجل هذا ألغى مرقيون أناجيل متى ومرقس ويوحنّا . ورذل كُلِّ ما أعتبره تحريفا يهوديا في إنجيل لوقا الذي يرى أنَّه يتضمَّن جوهر إنجيل المسيح . وأستبعد مرقيون من الرسائل البولسية الرسائل الراعوية والرسالة الى العبرانيّين . كما أزال بعض المقاطع من الرسائل التي قبل بها (4).
كان للمواجهة التي تمت بينه وبين القديس بوليكاربوس عام 155م ألأثر الكبير في رجوع عدد كبير من أتباع ماركيون الى الكنيسة . أصدرت الكنيسة قرار الحرم الأول عام144م ضد ماركيون ويعتبر هذا هو أول تاريخ لأنشقاق جماعة في جسد الكنيسة (5) .
 ----------------------------------------------------------------------
 (1) (الكنيسة الكاثوليكية والبدع للأب جورج رحمة ) .
 (2) راجع تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري .
( 3) راجع  الموقع ادناه
http://www.christian-guys.net/vb/showthread.php?90186-%C7%E1%E3%D3%ED%CD-%DD%ED-%C7%E1%CA%DD%DF%ED%D1-%C7%E1%E1%C7%E5%E6%CA%ED
(4) راجع المواقع  أدناه
 http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5205%3A-lr-&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=5207%3A-1&catid=415%3A2010-04-12-10-21-26&Itemid=128 
(5) راجع الموقع أدناه
http://www.coptcatholic.net/section.php?hash=aWQ9MTE0
(*)(ومن جذور هذه الهرطقة أستمد علماء المسلمون إدِّعائهم  تحريف الكتاب المقدس )

49

إعترافات خجولة
ملحق للجزء الثاني
سقوط الحضارة العربية
نافع البرواري :
بعد نكسة العرب في حزيران 1967 انقسم العالم العربي الى قسمين : قسم انعكف واعتكف وهُزم نفسيا وفكريا وثقافيا ولجأ الى البكاء على أطلال الحضارة العربية والرجوع الى السلفية الدينية الأصولية والأرتداد الى عالم الغيب والأساطير والخرافات التي كانت شائعة في صحراء شبه الجزيرة العربية في بداية البعثة النبوية ، والأرتداد الى الفكر القبلي والعشائري البدوي المتخلف . وبهذا غاصت الدول العربية في أشد فترة حالكة  وأشد ظلامية ، لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلا لها ، منذ سقوط بغداد على يد هولاكو في القرن الثالث عشر(1258م) ، حيث كان الأرهاب الفكري الذي مارسته الدول الأسلامية منذ العصر العباس الثاني عاملا أساسيا في تدهور الحياة الفكرية للحضارة  العربية . وقد بدأت تباشير هذا الأرهاب في القضاء على المعتزلة ، الذين كانوا يحملون راية العقل .
بالمقابل ظهر تيارا علمانيا تقدميا يريد البحث عن أسباب هذه الهزيمة والنقد الذاتي والتاريخي واللجوء الى تشخيص الحالة الأجتماعية والسياسية والثقافية والتركيبة  الديموغرافية للمجتمعات العربية ، لوضع برنامج نهضوي شامل يستند على اعادة النظر في كتب التاريخ وتشخيص السلبيات والأيجابيات لتكون عبر ودروس لبناء مجتمعات متحضرة ، تواكب الحضارات الأنسانية ، في زمن يتطلب لغة الحوارالفكري والثقافي بين جميع الأطراف حتى مع ألأعداء  . هذا التيار للأسف حورب من قبل الأنظمة الدكتاتورية بالتنسيق مع التيار الأصولي الأسلامي ، فتم تفكيك هذا التيار (الذي يمكن أن نطلق عليه التيارالليبرالي المثقف والغالبية منهم كانوا من الطبقة الوسطى التي يخبرنا التاريخ انّها الدعامة الرئيسية لبناء الحضارات منذ القدم) . في الحقيقة هذا التيار كان له الدور الأساسي في تفجير الثورات العربية ، أي ما يسمى بالربيع العربي ، ولكن للأسف تم اختطاف هذه الثورات ، من قبل التيارات الأصولية الأسلامية ، وبهذا تم خطف حلم الأنسان العربي المتطلع لبناء المجتمعات الحديثة  لتواكب الحضارات المتقدمة. وبهذا نتوقع تواصل الدول العربية في البقاء في غيبوبة سريرية  والتراجع عن مواكبة الحضارات بسبب سيطرة الفكر الظلامي في هذه الدول على البنى التحتية لتلك المجتمعات . وطالما هناك حرب استئصالية للتيارات  الليبرالية المثقفة فستدور هذه المجتمعات في دائرة مغلقة لا يمكنها الخروج منها .
.
وسوف نستعرض بعض الأعترافات (الخجولة) من  بعض المفكرين والكتاب وألأساتذة  العرب والمثقفين ، الذين شخَّصوا الحالة ألتي تعيشها المجتمعات العربية
وأسباب سقوط الحضارة العربية . 
قبل الخوض في هذه الأعترافات نود  أن يعرف القارئ العزيز،  أولا :أنَّ الحضارة ألأسلامية لاتعني أنّها حضارة عربية، فليس كُلِّ المسلمين عربا ،( كما ليس كُلّ العرب مسلمون) ، بل أن الدين ألأسلامي أستخدم اللغة العربية ، ولهذا ظهرت الحضارة العربية .
ثانيا : الحضارة العربية لا تعني أنَّ العرب هم  وحدهم الذين صنعوا هذه الحضارة ، فقد ساهم غير العرب  ، كالفرس والسريان واليهود ...الخ في صنع هذه الحضارة بل كانوا روادها الحقيقيّون وكانوا الغالبية منهم ( خاصة في القرون الثلاثة الأولى للأسلام )  غير مسلمين (كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين والصابئة ....الخ )  وما كانوا عرب  ، بل كانوا يتَّقنون التكلم  باللغة العربية كلغة متداولة .
يعترف الدكتور السيد القمني – في مقالة منشورة في موقع الحوار المتمدّن – " ...غالبية علماء العرب الذين كانوا رواد الحضارة العربية منذ بداياتها لم يكونوا عربا
ولم يكن الدين علامة على إقامة هذه الحضارة  وإلاّ كان من الضروري أن يظهر (علماء العرب ) مع ظهور الدين الأسلامي وليس بعد القرن الثالث والرابع الهجريين  ثم يختفوا باختفاء ظروف تلك الحقبة من الزمن ، لأنَّ ظروف هذا الزمن هي ما أنتجهم وليس الدين ولا رجاله ولا العرب ولا تقاليدهم  . كان زمن انفتاح حضاري على حضارات العالم القديم بالترجمة والنسخ والأضافة أحيانا ، في زمن ذهبي لأمبراطورية قوية لاتخشى على نفسها من فكر أجنبي  ، وهو زمن أنجب الرشيد والأمين والمأمون وغيرهم من الخلفاء المستنيرين ، الذي جعلوا بلاطهم مكانا حرا للعلم بصنوفه والشعر والموسيقى والأدب . وتلازم وجودها مع وجود هذه البيئة المنفتحة التي أنتجت ، مع فنون الفجور ، فنونا راقية وعلوما متقدمة بمقاييس زمنهم ، وعندما أُغلق باب الحريات العقلية مع المتوكل وخلفهِ ، ذهب عُلماؤنا . ...كان ألأرهاب الفكري الذي مارسته الدول الأسلامية منذ العصر العباسي الثاني على المعتزلة عاملا أساسيا في تدهور الحياة الفكرية للحضارة ألأسلامية

ويضيف ، السيد القمني ، معترفا بصراحته المعهودة وأمانته في نقل الحقائق التاريخية ،  بأن الحضارة العربية هي من أنجازات الشعوب الأصلية المستقرة (المتحضرة) فيقول :  .........فالشعوب التي أنجزت حضارة هي الشعوب التي استقرت في أوطان و أمتلكت ضميراً جمعياً يشترك فيه الجميع و لا ينسب لدين من الأديان ..
من هنا نفهم لماذا لم يتمنّا نبي الإسلام أن يصنع شعبه حضارة و كنوزاً ، لأنه يعلم أن شعبه قبائل غير منتجة و أن الإنتاج خاصية لجغرافيا أخرى مستقرة ، إنما تمنى الاستيلاء على ما حوله من حضارات : "و الذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى و قيصر". و حتى اليوم لا يوجد لدينا طموحاً لمنافسة المنتجين و المخترعين و المبدعين في العالم ، بل نريد الحصول عليها جاهزة بالاستيلاء عليها ، على الطريقة البدوية القبلية ، فهي ثقافة تجارة وصيد و قنص و كر وفر، تستولى على ما بيد الآخر بدلاً من أن تنجز مثلما أنجز و أن تتحضر مثلما تحضر" (راجع الموقع رقم  (1).
وأعترافات شبيه لأعترافات السيد القمني ، يقارن المفكر السعودي إبراهيم البليهي في برنامج إضاءات على القناة الفضائية العربية ، بين الحضارة العربية ، الحالية ،  والحضارة الغربية فيقول  : (راجع الموقع رقم 2).
" ....هؤلاء (الغرب)  حوَّلوا الدنيا بينما نحن(العرب) لم نساهم (في الحضارة ) بل العكس صحيح ،  نحن ندَّمر الحضارة ، لم نقدم شيء للحضارات . بينما الحضارة الغربية دائمة ومستمرة  ، في النظم ، في تحقيق العدل النسبي . هذه الحضارة (يقصد الحضارة الغربية ) مدهشة في التقنيات في المنجزات الهائلة لايمكن ان نصل اليها ، انّها متميزة ، وسبب التميّز هذا هو الشفافيّة . لمّا رأيت هذه الحضارة المدهشة في تحقيق الحياة ، راجعت الثقافة الغربية لأكتشف الفكر الفلسفي والفكر السياسي ، عندها عرفت ما الذي ميَّزحضارة الغرب (عن حضارتنا ) وهي الشفافية .  نحن (العرب) نؤمن إنّ الحضارات تتراجع(قصده الفكر الذي يجتر من الماضي ولا يتطلع الى المستقبل ) بينما الغرب يتوقعون مستقبل أفضل ، في حين نحن نبحث عن نموذج فيما مضى . السر في تطوّر الحضارة الغربية ، هو قولهم نحن لسنا بخير ، ويلجاؤون الى النقد الذاتي ، والتحذير ومراجعة ما أنجزوه ". وحول فضل العرب عبر التاريح على الحضارة الغربية يقول الكاتب : هناك فرق بين العرب كافراد والعرب كثقافة سائدة . عندما راجعت (التاريخ العربي) وجدَّت أننا (العرب)  عندنا نوع من التخدير. فمثلا كل الذين (يقصد علماء العرب عبر التاريخ )  كان لهم فضل على الغرب هم أخذوا(العلوم والمعارف) من الغرب . إبن رشد و شرحهُ لأرسطو ، لم يكن هناك الاّ تلمذة على الثقافة الغربية أي إعادة تدوير لأفكار غربية ، هي  أفكارهم (أي أفكار الغرب) . ويضيف  الكاتب قائلا:
أولا: كل العلماء العرب كانوا تلامذة للفكر اليوناني ، وهذا الفكر، استعادوه (الغرب) فهذه كانت بضاعتهم وردّت اليهم .
ثانيا نحن كيف نفتحر بأُناس نحنُ نبذناهُم ولازلنا ننبذهُم (يقصد العلماء والمفكرين والفلاسفة العرب) ، ثم انهم عبارة عن نجوم فردية مرفوضين من المجتمع(العربي والأسلامي)  وهم أفراد منعزلين كأنهم في صحراء . هم لم يكونوا أمتداء لمدارس قائمة ، ولن يأتي بعدهم تيارت تواصل مسيرتهم ..... أوضاع المسلمين (اليوم) لا زالت في أسوء أوضاعها .
السؤال لماذا تَقدم الآخرون وتأخرنا نحن؟ ، ولماذا الغرب مزدهرون (حضاريا)؟ . يجاوب الكاتب على هذه التسائلات فيقول:
الشرق متقلد (أي أنّ الشرق يقلد الغرب ولا يبدع) ، أحوال الفرد العربي لا زالت أسوء . ألأنسان العربي مطموس الفردية ، ليس قادرا أن يفكر تفكيرا مستقلا ولهذا يرفض ما يرفضه المجتمع  ويقبل ما يقبله المجتمع ، وهو غير قادر على الخروج من النطاق الذي ضُرب عليه من الأسر منذ طفولته ، هو غير قادر أن يبحث عن الحقيقة ويفكِّر تفكيرا مستقلا لينفع المجتمع ، هو ذائب في القطيع (المجتمع) .
اسرائيل هي امتداد للغرب ولهذا هي متطورة ومزدهرة في (احترام) قيمة الأنسان وحفض كرامته وتطور حياته ، بينما نحن(يقصد العرب) عبئ على الغرب "(3):
وهكذا أيضا  يعترف ألأستاذ محمود عزم - أُستاذ الفلسفة للحضارة ألأسلامية في جامعة السربون الفرنسية - بتأثير الحضارة المسيحيية على الحضارة الأسلامية ودور علماء ومفكري النصارى واليهود في تكوين هذه الحضارة  فيقول 
"الحضارة العربية نشأت بتلاقح جميع الديانات ، وكان النصارى المترجمين للعلوم الغربية . بينما ،اليهود والنصارى والمسلمين ، في ألأندلس ترجموا لأوربا ..........نحن ألآن سقطنا (أي سقطت حضارة العرب ) وعلينا النهوض  ....في ألأندلس شيوخ أفتوا ضد أبن رشد المسلم وإبن مامون اليهودي وأضطهدوا النصارى واليهود ، هكذا بدأ ألأنحطاط في الشرق (العباسيين ) وفي الغرب (ألأندلس) ، فعندما يتزمَّت الفكر الواحد ويقول بأمتلاكه للحقيقة فهذا يؤدي الى سقوط الحضارات ،لأن الحضارات تتكامل "(4) (مقابلة على قناة النيل الفضائية سنة 2011 -6-3 ). 
وتقول الكاتبة التونسية رجاء سلامة (5) ( في برنامج المبدعون على القناة العربية في 27-5-2010)
"نحن ( أي العرب) نَحمل وطئة الموروث ، فلا زال موروثنا شبحا لا هو ميت ولا هو حي ، فنحن نُقلِّد الموتى في موتهم ونرفض الحياة . نحن لا نقبل عمل تشييع الموتى الى مثواهم ...." (أي أنَّ العرب متمسّكين بتراثهم الموروث ولا يقبلون النظر الى المستقبل ). وعن حجاب العقل تضيف هذه الكاتبة فتقول: " هناك علاقة بين التعصُّب والظُلم ....التعصب حركة عدمية تلغي الحوار مع الخصم ، بل تلغي الخصم .... ألأنسان هو الذي يصنع ذاته .....عندما ألأنسان لايُفكِّر يميل الى التكرار " .
ويقول ألشاعر السعودي ألأمير سعود بن عبدالله :نحن (يقصد العرب) مقلَّدين ، نأخذ من الغرب ماهو الأسوء ونظيف له (للغرب) ما عندنا من ألأسوء.

يقول العالم والفيلسوف محمد أركون :
"ممارسة العقل أنحسر عند العرب وأنفصلوا عن الكنوز المعرفية ، بينما في الغرب فتحوا مساحات وآفاق للفكر  في اوربا  ...إنسحب العقل ألأسلامي ....العقل يجب أن يحترم الحقائق التاريخية واللغوية  ...عندما أقول الدين ، العرب يفهمون شيء ، ولكن الغرب يفهمون شيئا آخر ، لانستطيع أن نتفاهم ، ما دمنا لانخضع الدين تحت المجهر على العلم الموضوعي ....الفلسفة انحسرت في ألأسلام منذ القرن الثالث عشر(اواخر العهد العباسي في زمن المتوكل). ...المنهج (ألأنتربولوجي) ألأنساني غائب عندنا (يقصد في الدول العربية )....شرط دخول العرب الى الحداثة هو النقد للعقل العربي ، لايمكن قراءة النصوص الدينية دون ألأعتماد على هذا المنهج (المنهج ألأنساني والنقد للعقل العربي )....التاصيل (ألأصولية) عملية فكرية وتصبح أيدولوجية اذا لم تُخضع للمراقبة من البحث العلمي .....أنا دائما أستمتع مع ألأنسان الذي يستفز العقل".
أمّا  الكاتب عادل نور الدين كتب مقالة بعنوان – الحضارة العربية في مفترق الطريق فيقول :
"تمر ألأعوام عقودا وقرونا وتبقى الحضارات ألأنسانية تتبع الحلقة ذاتها في النشوء ومن ثم النمو وبعدها ألأزدهار والتوسع الى أن تأتي أيّام ألأنحطاط والسقوط والحضارة العربية لم تكن بمنأى عن هذه الحلقة ، فنمت وأزدهرت قبل الف عام لتسقط بعدها في القرن الثالث عشر وتغيب شمس الحضارة عن البلاد العربية منذ تلك ألأيّام . .
بغداد سقطت ثقافيا وحضاريا على ايدي المغول في عام 1258م. مكتباتها التي تحمل ثروة الحضارة العربية أُحرقت ورميت كتبها في نهر دجلة . في تلك ألأيام أيضا ، أشتدت الخلافات الطائفية و المذهبية وإزدادت عمليات القتل والأرهاب الطائفي بين المسلمين أنفسهم أو مع غيرهم ، قبل وبعد سقوط بغداد ( وما اشبه اليوم بالبارحة).
اليوم ، ألأمور تتشابه في سقوط بغداد الجديد ، رغم أنَّ بغداد اليوم ليست كبغداد ألأمس ، وألأمة العربية اليوم تعيش في غيبوبة القرون الوسطى ، على عكس ألأمة العربية قبل ألف عام . بعد سقوط بغداد عام 2003 ، نهبت متاحفها وآثارها . دُمِّرت مكتباتها ، وفُجِّر شارع المتنبي وقُتل علماؤها (علماء العلم لا الكهنوت) وأساتذة جامعاتها . نهبت بغداد حضاريا وثقافيا  من جديد ، ليس فقط على ايدي القوات الغازية بل ايضا على ايدي الميليشيات ألأجرامية والحركات الرجعية .
في القرن التاسع عشر ، بعد حملة نابوليون في مصر وصعود محمد علي باشا ، بدأت بوادر نهضة ثقافية وحضارية عربية بالظهور . نهضة تتابعت في القرن العشرين الى أن أُجهضت في عشرة سنوات بعد النكسة (1967-1975) . فالهزيمة العربية العسكرية في حرب ال 67 كان لها وقع مشابه لسقوط بغداد عام 1258 . بعد النكسة أصيبت المجتمعات العربية بالأحباط واليأس ، والذي تضاعف مع صعود التيارات الرجعية بعد أزمة  عام 1973 ، ومن ثم تدمير لبنان ، منارة الوطن العربي الثقافية ، في عام 1975 . هذا ألأحباط واليأس أدى الى تخلي المجتمعات العربية عن مشاريع النهضة وعن أيِّ مشروع حضاري عربي وسقوطها في يد الحركات الرجعية أو التبعية للدول ألأجنبية  ،أقليمية كانت أو دولية.
لعنة بغداد لا تنطبق فقط على مدينة بغداد . لعنة بغداد هي لعنة الحضارة العربية . حضارة قد تكون في طريقها للأندثار تماما بعد انهيارها قبل ألف عام واخفاقها في اللحاق بألف عام من التغيرات الثقافية والبشرية .... إذا لم نقوم بتغيير جذري في البنية الثقافية والأجتماعية العربية ، أولها في تحديث جديد وكبير للغة العربية (بدءا من تطوير ألأبجدية ،كإضافة أحرف جديدة) ، وتليها تحرير الثقافة العربية من كل أنواع الرقابة ، كي تتمكن مجتمعاتنا من ألأبداع الثقافي والعلمي والنهوض بأوطاننا الى مصاف ألأمم الكبرى . ألأنتفاضة والثورة الشعبية في تونس وبعدها في مصر ودومينو ألأنظمة الذي بدأ في التساقط يشكل اليوم فرصة كبيرة للمجتمعات العربية لبناء نهضة جديدة ، نهضة إجتماعية ، ثقافية وعلمية ، قد لا تكرر في المستقبل القريب ،إذا أضعنا هذه الفرصة الثمينة للخروج من عصورنا المظلمة" (7) .
  http://www.coptichistory.org/new_page_4297.htm  (1)
http://www.youtube.com/watch?v=xaJFyNkbLVA (2)
http://maaber.50megs.com/third_issue/spotlights_2.htm(3)-
(4) في مقابلة على قناة النيل الفضائية سنة 2011 -6-3
(5) ( في برنامج المبدعون على القناة العربية في 27-5-2010)
(6) ( القناة الفضائية  العربية – برنامج - اضاءات  بتاريخ 18 -1-2008) .
http://southoak.blogspot.de/2011/06/blog-post_27.html

50

إعترافات خجولة
ملحق للجزء الثاني
سقوط الحضارة العربية
نافع البرواري :
بعد نكسة العرب في حزيران 1967 انقسم العالم العربي الى قسمين : قسم انعكف واعتكف وهُزم نفسيا وفكريا وثقافيا ولجأ الى البكاء على أطلال الحضارة العربية والرجوع الى السلفية الدينية الأصولية والأرتداد الى عالم الغيب والأساطير والخرافات التي كانت شائعة في صحراء شبه الجزيرة العربية في بداية البعثة النبوية ، والأرتداد الى الفكر القبلي والعشائري البدوي المتخلف . وبهذا غاصت الدول العربية في أشد فترة حالكة  وأشد ظلامية ، لم يشهد لها التاريخ العربي مثيلا لها ، منذ سقوط بغداد على يد هولاكو في القرن الثالث عشر(1258م) ، حيث كان الأرهاب الفكري الذي مارسته الدول الأسلامية منذ العصر العباس الثاني عاملا أساسيا في تدهور الحياة الفكرية للحضارة  العربية . وقد بدأت تباشير هذا الأرهاب في القضاء على المعتزلة ، الذين كانوا يحملون راية العقل .
بالمقابل ظهر تيارا علمانيا تقدميا يريد البحث عن أسباب هذه الهزيمة والنقد الذاتي والتاريخي واللجوء الى تشخيص الحالة الأجتماعية والسياسية والثقافية والتركيبة  الديموغرافية للمجتمعات العربية ، لوضع برنامج نهضوي شامل يستند على اعادة النظر في كتب التاريخ وتشخيص السلبيات والأيجابيات لتكون عبر ودروس لبناء مجتمعات متحضرة ، تواكب الحضارات الأنسانية ، في زمن يتطلب لغة الحوارالفكري والثقافي بين جميع الأطراف حتى مع ألأعداء  . هذا التيار للأسف حورب من قبل الأنظمة الدكتاتورية بالتنسيق مع التيار الأصولي الأسلامي ، فتم تفكيك هذا التيار (الذي يمكن أن نطلق عليه التيارالليبرالي المثقف والغالبية منهم كانوا من الطبقة الوسطى التي يخبرنا التاريخ انّها الدعامة الرئيسية لبناء الحضارات منذ القدم) . في الحقيقة هذا التيار كان له الدور الأساسي في تفجير الثورات العربية ، أي ما يسمى بالربيع العربي ، ولكن للأسف تم اختطاف هذه الثورات ، من قبل التيارات الأصولية الأسلامية ، وبهذا تم خطف حلم الأنسان العربي المتطلع لبناء المجتمعات الحديثة  لتواكب الحضارات المتقدمة. وبهذا نتوقع تواصل الدول العربية في البقاء في غيبوبة سريرية  والتراجع عن مواكبة الحضارات بسبب سيطرة الفكر الظلامي في هذه الدول على البنى التحتية لتلك المجتمعات . وطالما هناك حرب استئصالية للتيارات  الليبرالية المثقفة فستدور هذه المجتمعات في دائرة مغلقة لا يمكنها الخروج منها .
.
وسوف نستعرض بعض الأعترافات (الخجولة) من  بعض المفكرين والكتاب وألأساتذة  العرب والمثقفين ، الذين شخَّصوا الحالة ألتي تعيشها المجتمعات العربية
وأسباب سقوط الحضارة العربية . 
قبل الخوض في هذه الأعترافات نود  أن يعرف القارئ العزيز،  أولا :أنَّ الحضارة ألأسلامية لاتعني أنّها حضارة عربية، فليس كُلِّ المسلمين عربا ،( كما ليس كُلّ العرب مسلمون) ، بل أن الدين ألأسلامي أستخدم اللغة العربية ، ولهذا ظهرت الحضارة العربية .
ثانيا : الحضارة العربية لا تعني أنَّ العرب هم  وحدهم الذين صنعوا هذه الحضارة ، فقد ساهم غير العرب  ، كالفرس والسريان واليهود ...الخ في صنع هذه الحضارة بل كانوا روادها الحقيقيّون وكانوا الغالبية منهم ( خاصة في القرون الثلاثة الأولى للأسلام )  غير مسلمين (كالمسيحيين واليهود والزرادشتيين والصابئة ....الخ )  وما كانوا عرب  ، بل كانوا يتَّقنون التكلم  باللغة العربية كلغة متداولة .
يعترف الدكتور السيد القمني – في مقالة منشورة في موقع الحوار المتمدّن – " ...غالبية علماء العرب الذين كانوا رواد الحضارة العربية منذ بداياتها لم يكونوا عربا
ولم يكن الدين علامة على إقامة هذه الحضارة  وإلاّ كان من الضروري أن يظهر (علماء العرب ) مع ظهور الدين الأسلامي وليس بعد القرن الثالث والرابع الهجريين  ثم يختفوا باختفاء ظروف تلك الحقبة من الزمن ، لأنَّ ظروف هذا الزمن هي ما أنتجهم وليس الدين ولا رجاله ولا العرب ولا تقاليدهم  . كان زمن انفتاح حضاري على حضارات العالم القديم بالترجمة والنسخ والأضافة أحيانا ، في زمن ذهبي لأمبراطورية قوية لاتخشى على نفسها من فكر أجنبي  ، وهو زمن أنجب الرشيد والأمين والمأمون وغيرهم من الخلفاء المستنيرين ، الذي جعلوا بلاطهم مكانا حرا للعلم بصنوفه والشعر والموسيقى والأدب . وتلازم وجودها مع وجود هذه البيئة المنفتحة التي أنتجت ، مع فنون الفجور ، فنونا راقية وعلوما متقدمة بمقاييس زمنهم ، وعندما أُغلق باب الحريات العقلية مع المتوكل وخلفهِ ، ذهب عُلماؤنا . ...كان ألأرهاب الفكري الذي مارسته الدول الأسلامية منذ العصر العباسي الثاني على المعتزلة عاملا أساسيا في تدهور الحياة الفكرية للحضارة ألأسلامية

ويضيف ، السيد القمني ، معترفا بصراحته المعهودة وأمانته في نقل الحقائق التاريخية ،  بأن الحضارة العربية هي من أنجازات الشعوب الأصلية المستقرة (المتحضرة) فيقول :  .........فالشعوب التي أنجزت حضارة هي الشعوب التي استقرت في أوطان و أمتلكت ضميراً جمعياً يشترك فيه الجميع و لا ينسب لدين من الأديان ..
من هنا نفهم لماذا لم يتمنّا نبي الإسلام أن يصنع شعبه حضارة و كنوزاً ، لأنه يعلم أن شعبه قبائل غير منتجة و أن الإنتاج خاصية لجغرافيا أخرى مستقرة ، إنما تمنى الاستيلاء على ما حوله من حضارات : "و الذي نفسي بيده لتملكن كنوز كسرى و قيصر". و حتى اليوم لا يوجد لدينا طموحاً لمنافسة المنتجين و المخترعين و المبدعين في العالم ، بل نريد الحصول عليها جاهزة بالاستيلاء عليها ، على الطريقة البدوية القبلية ، فهي ثقافة تجارة وصيد و قنص و كر وفر، تستولى على ما بيد الآخر بدلاً من أن تنجز مثلما أنجز و أن تتحضر مثلما تحضر" (راجع الموقع رقم  (1).
وأعترافات شبيه لأعترافات السيد القمني ، يقارن المفكر السعودي إبراهيم البليهي في برنامج إضاءات على القناة الفضائية العربية ، بين الحضارة العربية ، الحالية ،  والحضارة الغربية فيقول  : (راجع الموقع رقم 2).
" ....هؤلاء (الغرب)  حوَّلوا الدنيا بينما نحن(العرب) لم نساهم (في الحضارة ) بل العكس صحيح ،  نحن ندَّمر الحضارة ، لم نقدم شيء للحضارات . بينما الحضارة الغربية دائمة ومستمرة  ، في النظم ، في تحقيق العدل النسبي . هذه الحضارة (يقصد الحضارة الغربية ) مدهشة في التقنيات في المنجزات الهائلة لايمكن ان نصل اليها ، انّها متميزة ، وسبب التميّز هذا هو الشفافيّة . لمّا رأيت هذه الحضارة المدهشة في تحقيق الحياة ، راجعت الثقافة الغربية لأكتشف الفكر الفلسفي والفكر السياسي ، عندها عرفت ما الذي ميَّزحضارة الغرب (عن حضارتنا ) وهي الشفافية .  نحن (العرب) نؤمن إنّ الحضارات تتراجع(قصده الفكر الذي يجتر من الماضي ولا يتطلع الى المستقبل ) بينما الغرب يتوقعون مستقبل أفضل ، في حين نحن نبحث عن نموذج فيما مضى . السر في تطوّر الحضارة الغربية ، هو قولهم نحن لسنا بخير ، ويلجاؤون الى النقد الذاتي ، والتحذير ومراجعة ما أنجزوه ". وحول فضل العرب عبر التاريح على الحضارة الغربية يقول الكاتب : هناك فرق بين العرب كافراد والعرب كثقافة سائدة . عندما راجعت (التاريخ العربي) وجدَّت أننا (العرب)  عندنا نوع من التخدير. فمثلا كل الذين (يقصد علماء العرب عبر التاريخ )  كان لهم فضل على الغرب هم أخذوا(العلوم والمعارف) من الغرب . إبن رشد و شرحهُ لأرسطو ، لم يكن هناك الاّ تلمذة على الثقافة الغربية أي إعادة تدوير لأفكار غربية ، هي  أفكارهم (أي أفكار الغرب) . ويضيف  الكاتب قائلا:
أولا: كل العلماء العرب كانوا تلامذة للفكر اليوناني ، وهذا الفكر، استعادوه (الغرب) فهذه كانت بضاعتهم وردّت اليهم .
ثانيا نحن كيف نفتحر بأُناس نحنُ نبذناهُم ولازلنا ننبذهُم (يقصد العلماء والمفكرين والفلاسفة العرب) ، ثم انهم عبارة عن نجوم فردية مرفوضين من المجتمع(العربي والأسلامي)  وهم أفراد منعزلين كأنهم في صحراء . هم لم يكونوا أمتداء لمدارس قائمة ، ولن يأتي بعدهم تيارت تواصل مسيرتهم ..... أوضاع المسلمين (اليوم) لا زالت في أسوء أوضاعها .
السؤال لماذا تَقدم الآخرون وتأخرنا نحن؟ ، ولماذا الغرب مزدهرون (حضاريا)؟ . يجاوب الكاتب على هذه التسائلات فيقول:
الشرق متقلد (أي أنّ الشرق يقلد الغرب ولا يبدع) ، أحوال الفرد العربي لا زالت أسوء . ألأنسان العربي مطموس الفردية ، ليس قادرا أن يفكر تفكيرا مستقلا ولهذا يرفض ما يرفضه المجتمع  ويقبل ما يقبله المجتمع ، وهو غير قادر على الخروج من النطاق الذي ضُرب عليه من الأسر منذ طفولته ، هو غير قادر أن يبحث عن الحقيقة ويفكِّر تفكيرا مستقلا لينفع المجتمع ، هو ذائب في القطيع (المجتمع) .
اسرائيل هي امتداد للغرب ولهذا هي متطورة ومزدهرة في (احترام) قيمة الأنسان وحفض كرامته وتطور حياته ، بينما نحن(يقصد العرب) عبئ على الغرب "(3):
وهكذا أيضا  يعترف ألأستاذ محمود عزم - أُستاذ الفلسفة للحضارة ألأسلامية في جامعة السربون الفرنسية - بتأثير الحضارة المسيحيية على الحضارة الأسلامية ودور علماء ومفكري النصارى واليهود في تكوين هذه الحضارة  فيقول 
"الحضارة العربية نشأت بتلاقح جميع الديانات ، وكان النصارى المترجمين للعلوم الغربية . بينما ،اليهود والنصارى والمسلمين ، في ألأندلس ترجموا لأوربا ..........نحن ألآن سقطنا (أي سقطت حضارة العرب ) وعلينا النهوض  ....في ألأندلس شيوخ أفتوا ضد أبن رشد المسلم وإبن مامون اليهودي وأضطهدوا النصارى واليهود ، هكذا بدأ ألأنحطاط في الشرق (العباسيين ) وفي الغرب (ألأندلس) ، فعندما يتزمَّت الفكر الواحد ويقول بأمتلاكه للحقيقة فهذا يؤدي الى سقوط الحضارات ،لأن الحضارات تتكامل "(4) (مقابلة على قناة النيل الفضائية سنة 2011 -6-3 ). 
وتقول الكاتبة التونسية رجاء سلامة (5) ( في برنامج المبدعون على القناة العربية في 27-5-2010)
"نحن ( أي العرب) نَحمل وطئة الموروث ، فلا زال موروثنا شبحا لا هو ميت ولا هو حي ، فنحن نُقلِّد الموتى في موتهم ونرفض الحياة . نحن لا نقبل عمل تشييع الموتى الى مثواهم ...." (أي أنَّ العرب متمسّكين بتراثهم الموروث ولا يقبلون النظر الى المستقبل ). وعن حجاب العقل تضيف هذه الكاتبة فتقول: " هناك علاقة بين التعصُّب والظُلم ....التعصب حركة عدمية تلغي الحوار مع الخصم ، بل تلغي الخصم .... ألأنسان هو الذي يصنع ذاته .....عندما ألأنسان لايُفكِّر يميل الى التكرار " .
ويقول ألشاعر السعودي ألأمير سعود بن عبدالله :نحن (يقصد العرب) مقلَّدين ، نأخذ من الغرب ماهو الأسوء ونظيف له (للغرب) ما عندنا من ألأسوء.

يقول العالم والفيلسوف محمد أركون :
"ممارسة العقل أنحسر عند العرب وأنفصلوا عن الكنوز المعرفية ، بينما في الغرب فتحوا مساحات وآفاق للفكر  في اوربا  ...إنسحب العقل ألأسلامي ....العقل يجب أن يحترم الحقائق التاريخية واللغوية  ...عندما أقول الدين ، العرب يفهمون شيء ، ولكن الغرب يفهمون شيئا آخر ، لانستطيع أن نتفاهم ، ما دمنا لانخضع الدين تحت المجهر على العلم الموضوعي ....الفلسفة انحسرت في ألأسلام منذ القرن الثالث عشر(اواخر العهد العباسي في زمن المتوكل). ...المنهج (ألأنتربولوجي) ألأنساني غائب عندنا (يقصد في الدول العربية )....شرط دخول العرب الى الحداثة هو النقد للعقل العربي ، لايمكن قراءة النصوص الدينية دون ألأعتماد على هذا المنهج (المنهج ألأنساني والنقد للعقل العربي )....التاصيل (ألأصولية) عملية فكرية وتصبح أيدولوجية اذا لم تُخضع للمراقبة من البحث العلمي .....أنا دائما أستمتع مع ألأنسان الذي يستفز العقل".
أمّا  الكاتب عادل نور الدين كتب مقالة بعنوان – الحضارة العربية في مفترق الطريق فيقول :
"تمر ألأعوام عقودا وقرونا وتبقى الحضارات ألأنسانية تتبع الحلقة ذاتها في النشوء ومن ثم النمو وبعدها ألأزدهار والتوسع الى أن تأتي أيّام ألأنحطاط والسقوط والحضارة العربية لم تكن بمنأى عن هذه الحلقة ، فنمت وأزدهرت قبل الف عام لتسقط بعدها في القرن الثالث عشر وتغيب شمس الحضارة عن البلاد العربية منذ تلك ألأيّام . .
بغداد سقطت ثقافيا وحضاريا على ايدي المغول في عام 1258م. مكتباتها التي تحمل ثروة الحضارة العربية أُحرقت ورميت كتبها في نهر دجلة . في تلك ألأيام أيضا ، أشتدت الخلافات الطائفية و المذهبية وإزدادت عمليات القتل والأرهاب الطائفي بين المسلمين أنفسهم أو مع غيرهم ، قبل وبعد سقوط بغداد ( وما اشبه اليوم بالبارحة).
اليوم ، ألأمور تتشابه في سقوط بغداد الجديد ، رغم أنَّ بغداد اليوم ليست كبغداد ألأمس ، وألأمة العربية اليوم تعيش في غيبوبة القرون الوسطى ، على عكس ألأمة العربية قبل ألف عام . بعد سقوط بغداد عام 2003 ، نهبت متاحفها وآثارها . دُمِّرت مكتباتها ، وفُجِّر شارع المتنبي وقُتل علماؤها (علماء العلم لا الكهنوت) وأساتذة جامعاتها . نهبت بغداد حضاريا وثقافيا  من جديد ، ليس فقط على ايدي القوات الغازية بل ايضا على ايدي الميليشيات ألأجرامية والحركات الرجعية .
في القرن التاسع عشر ، بعد حملة نابوليون في مصر وصعود محمد علي باشا ، بدأت بوادر نهضة ثقافية وحضارية عربية بالظهور . نهضة تتابعت في القرن العشرين الى أن أُجهضت في عشرة سنوات بعد النكسة (1967-1975) . فالهزيمة العربية العسكرية في حرب ال 67 كان لها وقع مشابه لسقوط بغداد عام 1258 . بعد النكسة أصيبت المجتمعات العربية بالأحباط واليأس ، والذي تضاعف مع صعود التيارات الرجعية بعد أزمة  عام 1973 ، ومن ثم تدمير لبنان ، منارة الوطن العربي الثقافية ، في عام 1975 . هذا ألأحباط واليأس أدى الى تخلي المجتمعات العربية عن مشاريع النهضة وعن أيِّ مشروع حضاري عربي وسقوطها في يد الحركات الرجعية أو التبعية للدول ألأجنبية  ،أقليمية كانت أو دولية.
لعنة بغداد لا تنطبق فقط على مدينة بغداد . لعنة بغداد هي لعنة الحضارة العربية . حضارة قد تكون في طريقها للأندثار تماما بعد انهيارها قبل ألف عام واخفاقها في اللحاق بألف عام من التغيرات الثقافية والبشرية .... إذا لم نقوم بتغيير جذري في البنية الثقافية والأجتماعية العربية ، أولها في تحديث جديد وكبير للغة العربية (بدءا من تطوير ألأبجدية ،كإضافة أحرف جديدة) ، وتليها تحرير الثقافة العربية من كل أنواع الرقابة ، كي تتمكن مجتمعاتنا من ألأبداع الثقافي والعلمي والنهوض بأوطاننا الى مصاف ألأمم الكبرى . ألأنتفاضة والثورة الشعبية في تونس وبعدها في مصر ودومينو ألأنظمة الذي بدأ في التساقط يشكل اليوم فرصة كبيرة للمجتمعات العربية لبناء نهضة جديدة ، نهضة إجتماعية ، ثقافية وعلمية ، قد لا تكرر في المستقبل القريب ،إذا أضعنا هذه الفرصة الثمينة للخروج من عصورنا المظلمة" (7) .
  http://www.coptichistory.org/new_page_4297.htm  (1)
http://www.youtube.com/watch?v=xaJFyNkbLVA (2)
http://maaber.50megs.com/third_issue/spotlights_2.htm(3)-
(4) في مقابلة على قناة النيل الفضائية سنة 2011 -6-3
(5) ( في برنامج المبدعون على القناة العربية في 27-5-2010)
(6) ( القناة الفضائية  العربية – برنامج - اضاءات  بتاريخ 18 -1-2008) .
http://southoak.blogspot.de/2011/06/blog-post_27.html

51
البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية – الجزء السابع
الفرق الغنوصية
نافع البرواري
ثانيا : النُّقولاويّين
" ولكن يشفع فيك (أي ملاك كنيسة أفسس) أنَّك تَمقُت أعمال النُّقولاويّين بقدرِ ما أَمقُتُها أنا ......وأنت عندك من يَتَّبعون تعليم ألنُّقولاويّين الذي أُبغِضُهُ."رؤيا 2 : 6  ، 15 "
"أشارة سفر الرؤيا مرتين الى النُّقولايّين  في الأولى مدح الرب اسقف كنيسة أفسس(ملاك كنيسة افسس) لأنَّهُ يبغض أعمال النيقولاويين (رؤيا 2 : 6 " ، وفي الثانية تحذير ووعيد لأسقف كنيسة برغامس لأنّ بين رعيته من هو متمسِّك بتعاليم هذه الهرطقة "رؤيا 2 : 15 ".
إستنادا الى أنَّ نيقولاوس باليونانية وبلعام بالعبرية هما بمعنى واحد لكن واضح من سفر الرؤيا أنَّ السيد المسيح يكلِّم أسقف برغامس عن هرطقتين متميّزتين . ومعلوماتنا عن النيقولاويين ضئيلة للغاية فقد قيل أنَّهم أباحو أكل ما ذُبح للأوثان ، وشجَّعوا العبادة الوثنية كما اتهموا بإنكارهم أن الله هو الذي خلق العالم ، ونسبتهم عمل الخلق الى قوى أُخرى . كما  نسب اليه أنّهم نادوا بمبدأ ألأختلاط بالنساء في غير إرتباط الزوجية" (1) .
ذكر القديس إيريناوس(نحو عام 200م) أنَّ النُّقولاويين هم على جماعة فاسدة داخل المسيحية ، مارست الزنى وأكل ما ذبح للأوثان ، وسار على دربه باقي المعلمين ،وأعتبروهم أولئك الفجّار الذين"يحوِّلون نعمة الهنا الى الدعارة"يهودا 4"، لكن وأعتبارا من القرن الثامن عشر أقتنع المعلمون أنَّ كلمة نيقولاوس هي الترجمة اليونانية للأسم العبري بلعام ، وكلاهما يترجم بالعربية"انتصر على الشعب" فكلمة النيقولاويين اذا تعني المتسلطين على الشعب وتعتبر اشارة الى طبقة ألأكليريوس، الذين تسلطوا على شعب الله....وهناك من يحبون الخدمة الدينية لأجل المنفعة كبلعام ، مضحّين بمصالح شعب الله في سبيل مصالحهم . كما أنّ مبدأ الرئاسة على الشعب قد رسّخ فتحوَّلت "أعمال النيقولاويين" رويا 2: 6" الى" تعاليم النيقولاويين"رؤيا2: 15" .
وما أراد أن يجتمع بلعام والنيقولاويين  معا ، أعني الربح القبيح والرئاسة على قطيع الرب (2).
يقول العلامة بولس الفغالي: "يبدو أن النقولاويين يرتبطون بالشمّاس نقولا (رج أع 6: 5) ... فهناك مسيحيون يساومون محاولين التوفيق بين الإيمان المسيحي وسلوك يستوحي متطلّبات العالم الوثني بما فيه من شرك وعبادة أصنام. هذا هو وضع النقولاويين في  رؤيا 2 : 6  ، 15 . إكتشف يوحنا الخطر ونبّه المسيحيين إليه. كتب فذكّرهم بإيمان الكنيسة الأولى، وحاول أن يسلّحهم في هذا الجهاد مصوّراً لهم انتصار الحمل وداعياً إياهم إلى قرار حازم يفرض عليهم متطلّباته .
 غنوصية النقولاويين
هي تعتبر أن لا نفع من الشهادة المسيحية. نحن أمام مسيحيّين سحرتهم الغنوصية، فظنوا، إنطلاقاً من الثنائية التي فيها، أن سلوك الإنسان في هذا الكون المادي ليس بذي بال. ما يهمّ هو الروح والمعرفة. فالعالم المادي هو شرير، وحياتنا على الأرض ليست مهمة للخلاص. في هذه الظروف، كل ما نعمله في هذا العالم الرديء وفي الجسد ليس له تأثير حقيقي. إذن، نستطيع أن نتعامل مع عبادة الأصنام ونأكل من اللحوم المذبوحة للأوثان. كما نستسلم للزنى والفجور (في ظل المعابد الوثنية) أي لعبادة الأوثان كما يقول هوشع، إرميا... (2: 14، 20). لماذا نخاطر بنفوسنا فنتعرّض للسجن والعذابات والموت ساعة لا شيء على الأرض يلزمنا بذلك؟ فالحياة الدينية هي قضية ضميرية خاصة. ولا علاقة لها بالحياة العاطفية والوظيفية والسياسية. فالديانة والحياة هما شيئان متميزان، ولا أثر للديانة في الحياة..
وإذا سرنا في امتداد هذه الهرطقة نصل إلى الإستنتاجات التالية:1- إذا كان الجسد (اللحم والدم) ليس الموضع الذي فيه يتحقق الخلاص، إذن فالمسيح لم يتجسّد حقاً. 2 - ولم يأتِ إلى العالم إلاّ في الظاهر. 3- وموته كان تشبيهاً كاذباً (شبّه به). نكتشف هنا الظاهرية وهي هرطقة حاربها(البشير يوحنا) 1في يو 4: 1- 6 (يعترف بيسوع المسيح أنه جاء بالجسد)؛ 2 يو 11 (لا يعترفون بمجيء يسوع بالجسد).).
قام يوحنا بقساوة ضد هذه الميول القريبة من الهرطقة. فالعالم ليس مسرحاً تمثّل فيه مهزلة. فعلى الأرض مات المسيح، وعلى الذين يريدون أن يتبعوه أن يلتزموا في أمانة قد تكلّفهم حياتهم. ليس الخلاص فقط في الآخرة. ونحن لا نستطيع أن نعيش كما نشاء على الأرض. هناك سلوك لا يتوافق مع ألأيمان ..... والنقولاويون المذكورون في(رؤيا 2: 6 ) هم بعض هؤلاء الأنبياء الكذبة(رؤيا 2 : 14- 15 وكنيسة برغامس). عرف بولس بوضوح صعوبات الجماعة المسيحية في أفسس. وهذا ما يظهر من خطبته إلى الشيوخ: "أعلم أنه بعد ذهابي، سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على القطيع. ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم. فاسهروا إذن" (أع 20: 29- 31؛ رج 1 كور 14: 37-38؛ 2 كور 11: 13-15). وتشير 1 يو 4: 1-6 إلى تكاثر الأنبياء الكذبة. أخيراً، كانت أفسس مركزاً للغنوصيين (1 تم 1: 4-7؛ 4: 1- 3)، وفيها تصدّى يوحنا لكلِّ الأشرار هم الرسل الكذبة والمرسلون المتجوّلون الذين لا نستطيع أن نعرف نواياهم (1 تس 5: 19- 22؛ 1 يو 4: 1-3). قد يكونون النقولاويين أنفسهم المذكورين في رؤيا 2: 6   يسمّون أنفسهم رسلاً مرتكزين على العالم اليهودي (2 رؤيا: 9؛ 3: 9). شدّد النصّ على الشجاعة والجهاد، فدلّ على أن المحنة كانت في أن هؤلاء الناس رفضوا أن يخاطروا براحتهم (أو بحياتهم) ليعترفوا لإيمانهم "(3) .
ثالثا : بدعة سيرينتوس
"سيرنتوس هو يهودي من أصل مصريّ ، وهو أوَّل من كتب في الغنوصية المسيحية . تتلمذ على يد "فيلون ألأسكندري" ثُمَّ غادره ليطوف في آسيا الصغرى حيث التقى القديس يوحنا الرسول ، فاحتدم النزاع بينهما . إدَّعى أنّ الله كشف له جميع ألأسرار ، فراح يُبشِّر بغنوصية متهوّدة ، على رغم ازدرائه المسيحيين المتهوَّدين الذين كانوا يتمسكون بالسبت والختان
فرَّق ، سيرينتوس ، بين المسيح ويسوع ، ألأنسان الدنيوي الذي وُلِد نتيجة علاقة يوسف بمريم ، وأعتبر أنَّ المسيح نزل على يسوع بشكل حمامة في أثناء عماده في نهر ألأردن ووهبه معرفة حقيقية للذات الألهية ، ومنحه قدرة على القيام بالمعجزات . وبحلول المسيح في يسوع تصدّى حينئذ يسوع بشجاعة لمقاومة (الديمبورج) ، اله اليهود وصانع العالم ألأرضي ، فحرَّض هذا ألأله اليهود تباعه للقبض عليه . ولما رأى المسيح ذلك فارق يسوع وطار الى السماء ليتركه وقت الصلب يشقى ويتعدّب ...يقول فيه المؤرخ "أوسابيوس القيصري" في كتابه "التاريخ الكنسي" : لأنَّه هو نفسه كان منغمسا في المللذَات الجسدية وشهوانيّا جدّا بطبيعته فقد توهَّم أنَّ الملكوت سوف ينحصر في تلك ألأمور التي أحبَّها ، أي في شهوة البطن والشهوة الجنسية أو ، بتعبير آخر ، في ألأكل والشرب والتزوّج والولائم وذبح الضحايا" .
ويذكر القديس "إيريناوس " في كتابه "ضد البدع" مستندا الى شهادة القديس "بوليكربوس" : "أنَّ الرسول يوحنا دخل مرَّة حماما ليستحمَّ ، ولكنه إذ علم أنَّ سيرينتوس كان داخل الحمام قفز الى الخارج مسرعا لأنَّه لم يطق البقاء معه تحت سقف واحد . ونصح مرافقيه بالأقتداء به خوفا من سقوط الحمام وعدوّ الحق موجود فيه " (4).
في الحقيقة ألقرآن والسنة النبوية التي استمد منهما التشريع ألأسلامي ،  يمكن أن يكون قد تأثّر بالهرطقة النُّقولاوية وبدعة سيرينتوس( وغيرها من الهرطقات التي ذكرناها في المقالات السابقة وسنذكرها في المقالات اللاحقة انشاء الله)  وخاصة في قول كاتب القرآن ، إنَّ المسيح لم يصلب بل شُبِّه لهم(لليهود) " وما قتلوه "وما صلبوه لكن شبه لهم" وهي من الهرطقة النُّقولاوية والظاهرية التي سنتكلم عنها في المقالة القادمة انشاء الله . (5)
 (1) تاريخ الكنيسة القبطية ألأرثودوكسية 
http://st-takla.org/Coptic-History/000-Coptic-Orthodox-History-00-index_.html

(2) راجع الموقع أدناه
http://www.baytallah.com/revelation/rev03.htm

(3) بولس الفغالي في شرحه لسفر الرؤيا  http://www.paulfeghali.org/index.php?page=books&chapter_id=118&page_id=750

(4) الكنيسة الكاثوليكية والبدع –ألأب جورج رحمة
(5)  يقول كاتب القرآن  - " وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)﴾ (النساء:157-158.
1- يرى المسلمون أن عيسى بن مريم هو عبد الله ونبيه ارسل إلى اليهود لدعوتهم لعبادة الله وهو لم يصلب بينما صُلب شبيه لعيسى بن مريم لان أحد حواري المسيح اخبر اليهود بموقعه فشبهه الله بصوره المسيح، وأن الله رفع عيسى بن مريم إليه وقد ورد ذلك صريحا في القرآن حيث ورد فيه: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه "(ويكيبيديا)   
2-. كما أنّ تشريع الزواج في ألأسلام بأكثر من واحدة أضافة الى ملكات اليمين وزواج المتعة شبيه وقريب من معتقدات هاتين الهرطقتين . راجع ايضا  معنى الجنة في المفهوم الأسلامي حيث هي شهوات جسدية وأطعمة وانهار خمر..الخ
حتى في هذه الدنيا "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة والذهب والفضة والخيل ألمسوّمة وألأنعام ....ذلك متاع لحياة الدنيا..". 
وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } النساء / 3 .
3- وكذلك إنكارالأيمان في حالة الأضطهاد والتهديد بالقتل كما جاء في كتب التفاسير ألأسلامية عن معنى كلمة التقيّة .
  التقية :من الفعل العربي يتقي أي يخشى كما يقول المثل العربي على سبيل المثال (اتق شر من أحسنت إليه) والتقية كمصطلح ديني هي اخفاء معتقد ما خشية الضرر المادي أو المعنوي. وأهل السنة والجماعة والأثنا عشرية
متفقين على مسألة التقية ولكن الخلاف في معناها واسنخدامها . ذكر القرطبي المالكي: اجمع أهل العلم على ان من اكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل انه لا إثم عليه ان كفر وقلبه مطمئن بالايمان (ويكيبيديا).

52

أعترافات خجولة
الجزء الثاني
سقوط الحضارة العربية
 
نافع البرواري
المقدِّمة
"إنّني عندما أُشاهد المواطنين العراقيين ينهبون المتاحف (عندما سقطت بغداد على يد بوش ألأبن ) ، تذكَّرتُ البرابرة التتر ، ماذا فعلوا ببغداد ( عندما سقطت بغداد بيد هولاكو) ، مع فرق جوهري ، إنَّ البرابرة كانوا غُزاة ، جائوا من بعيد ، أمّا الذين نهبوا المتاحف ، كانوا مواطنين عراقيين "( 1)
إنّ كُل المأشرات والحقائق للأحداث التاريخية ، ومنذ أن قاطعوا العرب والمسلمين ، الحضارات الفكرية بدءا من القرن الثالث عشر للميلاد (منذ سقوط بغداد على يد هولاكو)  الى يومنا هذا ،  تؤكِّد بما لا يقبل الشك على سقوط الحضارة العربية  ، بعد أن تم محاربة وقتل الزنادقة  والمتصوفة والمفكرين والفلاسفة العرب والمسلمين والغير المسلمين ، وكلِّ الذين انتقدوا السياسة أو لجأوا الى العقل لتسليط الضوء على النصوص الدينية  ، منذ العصر العباسي المتأخر  الى يومنا هذا. هكذا انسحب العقل ألأسلامي و بأنسحابه ، انحسر الفكر في جميع المرافق الحياتية  . في حين لازال البعض من الحُكّام وعلماء وشيوخ العرب والمسلمين ، يطبِّلون ويزمِّرون  متباهين بالحضارة العربية  الغابرة ، وكأنّهم يعيشون في زمن مضى .
إنَّ  البلدان العربية (وحتى الأسلامية) عاشت وتعيش أزمة ثقافية وأزمة نفسية وروحية ، والهوس بنظرية المآمرة التي اصبحت بعبع لهذه الشعوب   ، ومحنة العقل الذي يعاني منه الكثيرون من مفكري العرب ، وأنفصام في شخصية الفرد ،  والشعور بالنقص الذي يقود  الشعوب العربية ، للأنطلاق من فكر استعلائي ، خلاصته أنّ الحضارة العربية الأسلامية ، هي منزلة على العرب (فقط) ولم تكن هناك ، حسب هذا الأعتقاد ، حضارات أثَّرت في فكر وثقافة وعقيدة هذه الحضارة .
بينما في المقابل لايتجاوز عدد المفكرين والباحثين عن الحقيقة في هذه الدول عدد أصابع اليد ، هؤلاء الذين يريدون اصلاح ما أفسدته مئات السنين من الأفكار والتقاليد البالية الموروثة والمتراكمة ،  الذين يدرسون الحضارة العربية بالنقد العلمي والأدبي والتاريخي ، ليشخِّصوا الحقائق التاريخية في الماضي  لتكون لهم عبر ودروس ليصححّوا الحاضر المزري الذي تعيشه معظم البلدان العربية ، حيث نرى التخلف في جميع الميادين الأجتماعية والأقتصاداية والسياسية والعلمية والأدبية والفنية ، نتيجة الجهل المستشري كالسرطان ، والفكر والثقافة الخاطئة التي نشأت عليها أجيال عبر التاريخ  (وحتى بين طبقة المثقفين والمفكرين العرب الذين ترضعوا من هذه الثقافة المتخلفة  ) ، وغياب الحرية والعدالة والمساوات وعدم تطبيق مبادئ الأمم المتحدة بخصوص حقوق ألأنسان ، لا بل حتى السقوط الأخلاقي شاهد على ما نقوله ، مثل الفساد الأداري والمالي وحتى القضائي  ، وأنتشار الجهل والتخلف ، والنفاق السياسي ، وتكفير الآخرين  ، ومحاربة المفكرين والمبدعين  ، وخاصة بعد أن ساد الفكر السلفي الأسلامي على قطاع كبير من الشعوب العربية ، وهي ظاهرة كشفت لنا ، خاصة بعد ما يسمّى بثورات الربيع العربي ، عن عمق الهزيمة الداخلية للشعوب العربية ، بالأرتداد الى الأساطير والشعوذات والأيمان بالخرافات ،  و اللجوء الى السحرة والمنجمين  للخلاص من الواقع المرير الذي تعيشه هذه الشعوب والهوس في اصدار الفتاوات في الحرام والحلال ، ومحاربة الفن والموسيقى وكُلِّ ما هو عشق للحياة  . إنَّ الثقافة الحالية للمجتمعات العربية ، هي ثقافة  إجترار الماضي  والتمسُّك به  وعدم الرغبة على مواجهة الحاضر ومواكبة التقدم للعالم المتحضر، بل على العكس تماما فهناك ثقافة حالية لا تعترف بالديمرقراطية ولا بالحرية ولا بحقوق الأنسان ( لأنَّها حسب مفهوم هذه الثقافة ، الديمقراطية والحرية وحقوق الأنسان ، هي من نتاج الغرب الكافر) ولا بالنقد العلمي التاريخي ولا بقبول النقد للنصوص الدينية ، إنّها ثقافة تدعو الى  الرجوع الى حياة البداوة البدائية والتمسك بالعشائرية القبلية والتعصب الديني والقبلي والأصولية المذهبية ، ولا يريد أصحاب هذه الثقافة (وهي الثقافة السائدة حاليا في فكر الأحزاب الأسلامية ) ، الأنسجام مع العالم المتمدن ومواكبة الحداثة  والأعتراف بتكامل الحضارات .
 تنتشر، ومنذ سنين ، في البلدان العربية  ثقافة محبطة تدعو الى الرجوع الى الماضي والبكاء على الأطلال والتغني على الحضارة العربية الأسلامية ، في أيّام عصرها الذهبي ، والتي يدّعي العرب المسلمون أنّها حضارة عربية خالصة ، في حين ساهم فيها جميع الشعوب التي دخلت في الأسلام أو كانت تحت حكم الأسلام ، فالحقائق التاريخية تؤكِّد أن الذين ساهموا في إرساء الحضارة الأسلامية ، كانوا من السريان واليهود والفرس وغيرهم من الشعوب التي أحتلت بلدانهم الجيوش العربية الغازية القادمة من صحراء الجزيرة العربية القاحلة (حتّى فكريا) . ومن ناحية ثانية ، العرب تلقّوا العلوم والفلسفة اليونانية (من الغرب) ، عبر الترجمات ، للعلوم والفلسفة اليونانية  ، وخاصة المترجمين السريان ، أمثال إسحاق بن حنين  . وكان الأطباء السريان في العصر العباسي لهم دور وأثر بالغ في تخريج جيل ماهر من ألأطباء المسلمين والمسيحيين ، أمثال جيورجيس بن جبريل ، وبختيشوع بن جيورجيس  وحنين بن اسحاق ....الخ .
 اليوم أين الدول العربية والأسلامية من أحفاد هؤلاء العباقرة من السكان الأصليين والأصيلين الذين قدّموا الغالي والنفيس للحضارة العربية الأسلامية ؟. ان السياسات العربية تهمِّش السكان الأصليين ، لا بل تضطهدهم  وتُجبرهم على الهجرة . ومقياس الحضارة اليوم ، كما يقول الكثيرون من الباحثين في شؤون الحضارة ، هو مدى مراعات أيِّ حضارة  للأقليات وخاصة تلك الأقليات التي تشكّل بقايا الحضارات القديمة الشامخة.
إنَّ الثورات التي حدثت ولا زالت مستمرة في البلدان العربية والتي سميّت ب (الربيع العربي) قد تم أختطافها من قبل الأحزاب الأسلامية الأصولية ، وهكذا ستستمر الشعوب العربية في الغوص في عتمة الظلام والتخلف أكثر فاكثر لتصل الى الحضيض ، عندها ستكتشف الشعوب العربية والأسلامية حجم الهوَّة الكبيرة التي تفصلهم عن العالم المتحضر  .
 أليوم ليس أمام الشعوب العربية والأسلامية الاّ خيارا واحدا للخروج  من هذا النفق المظلم ، سوى الأستمرار في تغيير هذه الواقع الأليم والمرير  بالأستمرار في الثورة  لتحقيق الحرية والديمقراطية والمساواة في الكرامة الأنسانية ، وإعادة النظر في جميع مرافق الحياة السياسية والأجتماعية والتربوية والعلمية وحتى القوانين التشريعية  والدستورية ، ثورة تشخِّص أيضا جميع الأخطاء التاريخية وتعريضها للنقد التحليلي  ليعاد النظربكتابة التاريخ الذي تم تشويه الكثير من الحقائق فيه ، وإعادة النظر بالمناهج الدراسية لتواكب العلم والتطور ، والأعتراف  بالأخطاء والجرائم التاريخية التي أُرتكبت بحق الشعوب الغير العربية (بل حتى  بين المسلمين بعضهم مع بعض ) ،  وإعادة الأعتبار للشعوب والأفراد الذين تم تشويه الحقائق بحقهم  في كتابة التاريخ العربي ألأسلامي ، والأعتذار من الشعوب الأصيلة والأصلية في بلدان الدول العربية والأسلامية ، بسبب المظالم التي أرتكبها العرب والمسلمين بحقهم والأعتراف بدورهم الريادي في صنع الحضارة العربية ألأسلامية عبر التاريخ العربي والأسلامي في الماضي والحاضر  .
 مفهوم الحضارة :
في الحقيقة لايوجد تعريف واحد يجزم بما هي الحضارة ولكن هناك مفاهيم متفق  عليها عن مفهوم الحضارة :
 هي نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي ، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة : الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون ؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء ، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها . ترتكز الحضارة على البحث العلمي والفني التشكيلي بالدرجة الأولى ، فالجانب العلمي يتمثل في الابتكارات التكنولوجيا وعلم الاجتماع...أما الجانب الفني التشكيلي فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تساهم في الرقي. فلو ركزنا بحثنا على أكبر الحضارات في العالم مثل الحضارة الرومانية سنجد أنها كانت تمتلك علماء وفنانون عظماء. فالفن والعلم هما عنصران متكاملان يقودان أي حضارة ..... ومن الممكن تعريف الحضارة على أنها الفنون والتقاليد والميراث الثقافي والتاريخي ومقدار التقدم العلمي والتقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ . إن الحضارة بمفهوم شامل تعني كل ما يميز أمة عن أمة من حيث العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة والملابس والتمسك بالقيم الدينية والأخلاقية ومقدرة الإنسان في كل حضارة على الإبداع في الفنون والآداب والعلوم.(2 )
   "الحضارة هي : الحالة المقابلة للفطرة وتُطلق على جملة مظاهر للتقدم ألأدبي والفني والعلمي . وهي مظاهر تنتقل من جيل الى جيل في مجتمع واحد أو عدَّة مجتمعات متشابه " (3).
أمّا فرويد يقول : الحضارة  هي جملة الأنجازات والقواعد التي تميّز حياتنا عن حياة أسلافنا والتي تنشد تحقيق هدفين : حماية ألأنسان من الطبيعة ، وتأسيس علاقات متبادلة بين ألأنسان وأخيه ألأنسان
الحضارة : هي جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الأجتماعية اللازمة لتطوِّره . فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادة وقدرة ليستا نابعتين منه ، بل ولا تستطيعان ذلك  ، وإنّما تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه . وإذا ما ركن لقدرته وإرادته وحدها ، فإنّ هذا الفرد المنعزل والمنقطع عن كُلِّ إتصال بجماعته يصبح مجرد قشّة ضعيفة .( 4)
بينما يعرّفها المعجم الموسوعي الفرنسي : بأنها (أي الحضارة) مجموع المميزات الخاصة بالحياة الفكرية والفنية والأخلاقية والمادية الخاصة لمجتمع من المجتمعات البشرية . أو بصيغة أخرى تمثل الحضارة كُلِّ ما ينتج عن نظرة شعب من الشعوب الى الكون والحياة وألأنسان، ثم ما ينتج عن هذه النظرة في جميع نواحي الحياة المادية والعلمية . هي مجموع البنيات الثقافية والأقتصادية والفنية والدينية التي تميز مجتمعا من المجتمعات .
 ويحتل الجمال والنظافة والنظام مكانة خاصة ، بكل تاكيد ، بين مطالب الحضارة
عرف التاريخ البشري كُلِّ أشكال التفاعل بين الأمم والشعوب والحضارات والثقافات ، تمثلت في المثاقفة وتبادل السلع والمنتوجات ، كما تمثَّلت في التأثير والتأثُّر( تكامل الحضارات وليس صراع الحضارات كما يدعي البعض) ، بل وفي
الصراعات والحروب ، بحيث إنَّه لم تستغن حضارة بشرية عن سابقاتها ولم تخل من التاثير في لاحقاتها .( 5  ).
بعد هذه  المقدمة  والخُلاصة لمفهوم الحضارة سنستعرض (في الملحق للجزء الثاني من المقال ) ، بعض ما قيل عن الحضارة العربية لنخبة من المفكرين والباحثين والأساتذة من العرب.
 ----------------------------------------------------------------------------
( 1) جبران علوان - فنان تشكيلي عراقي
(2 )ويكيبيديا.
(3) د . مراد وهبة
    http://knol.google.com/k/14 --%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9#
http://www.siironline.org/alabwab/josoor/029.html5

53

المسيح الثائر هو المحرِّر الحقيقي للأنسان من قيود العبودية
الجزءالثاني : ثورة المسيح لا زالت مستمرة
نافع البرواري
 
"وما من أحدِ يَضَعُ خمرا جديدا في أوعيةِ جِلدٍ عتيقةٍ لئلاّ تنشقُّ ألأوعيةُ فَتَسيلَ الخمرُوتَتلَف ألأوعية ، بل توضعُ الخمرُ الجديدة في أوعية جديدةٍ ، فتسلمُ الخمرُ وألأوعيةُ"متى 9 : 17 " .
 ثورة المسيح أحدثت صراع وحرب بين المفاهيم القديمة قبل مجيئ المسيح ومفاهيم جديدة بعد المسيح فتعاليمه تشبه الخمرالجديد الذي يوضع في القرب (الوعاع) الجديد ، فقد حرّرنا من قيود الشريعة  , وأعطانا شريعة المحبّة وشريعة الروح ، هذه الشريعة الحيّة هي شريعة الحياة الجديدة في العهد الجديد " ..والله بكلامه على "عهد جديدٍ" جعل العهد الأول قديما ، وكُلِّ شيئٍ عَتَقَ وشاخَ يقترِب من الزوال" عبرانيين 8 : 13 ".
إنَّ شريعة  الحلال والحرام والمسموح والمحظور غير موجودة بالنسبة الى الأنسان البالغ ، الأنسان الروحاني الناضج ، لأنَّه تجاوزها ، فالشريعة ضرورية حتى مرحلة معيَّنة من نموُّنا، وينتهي زمنها  عند من أستولى الروح القدس عليه"غلاطية 5 :16 -18 " . فحين يتكون الضمير(الذي هو قبس من الروح القدس) ، يصبح الأنسان قادرا على الحكم بنفسه بين الخير والشر وفقا لما هو خير وما هو شر .   فالممنوع لا يأتيه من الخارج ، بل ينبعث من الداخل ، لايفرضه الله عليه  بل يولد من تَطلُّبٍ داخليَ يقبلهُ بكُلِّ حريّة . فيسوع المسيح فتح ، للأنسان ، الذي يحييه الروح القدس ،  آفاقا جديدة وحريّة ليعبد الله بالروح والحق "روميا 7 :6 " ولكننا ألآن تحرَّرنا من الشريعة ِ ، لأنّنا مُتنا عمّا كان يقيُّدنا ، حتى نعبدَ الله في نظام الرَوح الجديد ، لا نظام الحرف القديم " ، نعم " فيسوع المسيح يطلب من الأنسان (الجديد) أن يتخطّى الشرائع المكتوبة ليصبو ويتطلع الى ما هو أبعد منها ،  فالوصايا العشرة ليست الاّ الحد الأدنى ، انّها تُعبِّر ، وبطريقة فظَّة عن جزء صغير جدا من شريعة كياننا. فهل نحن نتبع  يسوع المسيح الذي حرّرنا بسلطانهِ السماوي ، أم نتبع مئات القوانين والتشريعات التي وضعها الفريسيّون قبل  الفي سنة ، ولا زال الكثيرون من رجال الدين يضيفون اليها المزيد في عصرنا الحاضر  ؟.
 المسيح أعطانا الشريعة الأخلاقية ( نستطيع أن نسميّها شريعة الضمير)، وهي شريعة ديناميكية متغّيرة  منفتحة للتقرب أكثر فاكثر نحو مصدر النور( يسوع المسيح) ، بينما الشريعة القديمة ،المكتوبة ، ساكنة ومنغلقة لا تعترف بالتغيير . فمثلا  في العهد القديم  ، أو حتى في العهد الجديد ، لم يكن هناك مفاهيم متبلورة عن  مشكلة تلوث البيئة أومسألة الغنى الفاحش والظلم ألأجتماعي وتجارة المخدرات والتجارة بالأطفال والعلوم الحديثة التي تشجِّع البعض على اجراء تغييرات وراثية في جينات الأنسان أو المخلوقات ، وهكذا مسالة الأجهاض ....الخ . بينما اليوم هذه أصبحت خطايا مميتة تشجبها الكنيسة الجامعة ، فليس كُلِّ شيئ مكتوب في الكتاب المقدس ، ولكن الرب يسوع المسيح أعطانا شريعة الروح ، لأنّ الروح القدس  الذي يسكن في المؤمنين ، يرشدهم الى الحق ، وبه نستطيع أن نحكم على ما هو خير وما هو شر .  وهكذا نستطيع أن نقول مع كاتب العبرانيين ، عن العهد الجديد :" وهذا هو العهد  الذي أُعاهد عليه إيّاهُ بني إسرائيل ، في ألأيّام ألآتية ، يقول الرب : ساجعلُ شرائعي في عقولهم وأكتبها في قلوبهم "عبرانيين 8 : 10 " .
يسوع المسيح قلب مفاهيم هذا العالم ، الذي كان يؤمن بالعدالة في الفعل ورد الفعل المساوي له ، حتى في جرائم القتل ، لهذا يدعونا المسيح في عِظَّتهِ على الجبل ، الى البحث عمّا هو أعمق والسعي الى ماهو أسمى ، فهو جاء ليضع مفاهيم جديدة عن العدالة  ليقول للمؤمنين بشريعة العين بالعين والسن بالسن ( تلك الشريعة التي تحاول الحد من سفك دم ألأخوة في الأنسانية ، ولكن هي شريعة لا تعالج لب وجذور المشكلة الأنسانية ) أنَّ القتل هو من نتائج الغضب ، فحتى الغضب هو خطيئة يستحق من يغضب على أخيه ألأنسان المحاكمة "متى 5 :21، 22".
 وهو الذي غيّر مفهوم العالم عن الطهارة والنجاسة ، فالطهارة تكون من الداخل وليس من الخارج "مرقس 2 :23 –28
 هكذا بالنسبة  للزنى في مفهوم العهد القديم الذي كان ينص على أنَّهُ من الخطأ أن يمارس أحدٌ الجنس مع أيُّ شخص غيرُ شريك الحياة بينما جاء المسيح ليقول : حتى الشهوة الجنسية مع شخص آخر غير الشريك فهو زنى فكري ، وبذلك هو خطية ، فاذا كان الفعل خطية ، فالنية أيضا خطية ، والأمانة مع شريك الحياة  بالجسد ، ولكن ليس  بالفكر ، أيضا  هي خيانة للثقة الحيوية للزواج السليم "من نظر الى أمرأةٍ ليشتهيها ، زنى بها في قلبه "متى5 : 28
 
عندما يتمرّض الأنسان عليه أن يذهب الى الطبيب لكي يعالجه ، هكذا يسوع المسيح هو الطبيب الأعظم ، كما هو الثائر ألأعظم ، يعالج جذورأمراضنا الجسدية والنفسية والروحية . فكما الطبيب الحكيم عندما يشخص الأنسان المريض عليه أن لا يعالج مرضه دون التفتيش عن أسباب وجذور هذا المرض فيسأل (الطبيب ) المريض أسئلة عن الأمراض الوراثية للمريض التي أنتقلت من الأب او ألأم أو حتى الأجداد  لكي يعرف جذور المرض ،  هكذا سيسأل عن البيئة التي يعيش فيها المريض وعن ألأمراض التي عانى منها هذا المريض في مراحل حياته .....الخ ، عندها سيقوم هذا الطبيب الحكيم بمعالجة المرض بعد اطِّلاعه على جذور الأسباب التي أدت الى اصابة المريض بهذا المرض  . وهذا عينه ما فعله ويفعله يسوع المسيح في حياة الناس فهو يقلع  الخطيئة من جذورها فيعالج الخطيئة وليس نتائجها  ، هذه الخطيئة التي تجذَّرت في الطبيعة  الأنسانية عبر التاريخ  وقادت الأنسان الى الموت الروحي ، وتقوده الى إرتكاب الجرائم والمظالم بحق أخيه ألأنسان .
 
ثورة المسيح هي ثورة ضد التقاليد والعادات التي تجعل الأنسان يعيش في كهوف الماضي المتخلف وضد ألأستبداد والطبقية والعنصرية والأنانية . هي ثورة ضد المفاهيم الخاطئة التي كانت تقيّم الأنسان على أساس الغنى والمقام الرفيع والمعرفة والعلم والفكر المتعالي  ، فيسوع المسيح جعل الكل سواسية لا فرق بين أُميّ ومتعلم ولا فرق بين فيلسوف وجاهل ولا فرق بين ملك وجندي أو بين سيد وعبد أو بين رجل وأمرأة ، أو بين كبير وصغير، و بين رجل دين او مؤمن بسيط: ، فهو كسر جميع الحواجز التي أقامتها البشرية بين ألأنسان وأخيه ألأنسان ، فيسوع المسيح  أعادنا الى حقيقة أساسية الا وهي أنّ جميع الناس هم خليقة الله ، ويحملون صورة الله على هذه ألأرض  "تكوين 1 26" . يسوع المسيح أيقض البشرية من سباتها الطويل عبر آلاف السنين ، ليعطي قيمة حقيقية للأنسان كونه صورة الله على هذه ألأرض ، وللأنسان سلطة من الخالق ليكون سيد هذا الأرض ، لا بل أعطى المسيح قيمة للأنسان لا يصدقه العقل ولم تسمع به اذن ولم تراه عين ، عندما وعد البشرية بارض جديدة وحياة جديدة فيها يغمرنا بمحبّته وحنانه لنكون إخوته في مملكة أبيه السماوي التي لا تنتهي حيث لم يبقً للموت وجود ، ولا للبكاء ولا للصراخ ولا للألم .. " رؤيا 21 : 4" ، وأعطانا نعمة لا نستحقها وهي حياته لكي نتشبه به في حياتنا  ويكون قدوة لنا بل مثالا نحتذي به لنستطيع أن نسموا الى العلى والى الأنفتاح على أخوتنا في ألأنسانية  وألأنفتاح على الكون ، لأنّه هو مركز هذا الكون وهو يدعونا الى وليمته الأبدية .
يقول جبران خليل جبران  في كتابه" يسوع إبن ألأنسان ":
"كان يسوع المسيح إنسانا حرا متمردا على التقاليد الدينية والاجتماعية، يعشق الفرح ويحمل إلى الناس رسالة الغفران والمحبة والجمال ...لم يهبط يسوع من دائرة النور ليهدم المنازل ويبني من حجارتها ألأديرة والصوامع ، ويستهوي الرجال الأشداء ليقودهم قسوسا ورهبانا ، بل جاء ليبث في فضاء هذا العالم روحا جديدة قويّة تقوض قوائم العروش المرفوعة على الجماجم وتهدم القصور المتعالية فوق القبرو وتسحق ألأصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء المساكين . لم يجيء يسوع ليعلِّم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار ألأكواخ الحقيرة والمنازل الباردة المظلمة ، بل جاء ليجعل قلب ألأنسان هيكلا ونفسه مذبحا وعقله كاهنا ، هذا ما صنعه يسوع الناصري وهذه هي المبادئ التي صُلب لأجلها مختارا
..... عاصفة جاءت تزعزع كُلِّ شيئ لترده الى أُسُسِه ألأصلية ... لم يكن يسوع طائرا مكسور الجناحين بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع ألأجنحة المعوّوجة ، لم يجيء يسوع من وراء الشفق ألأزرق ليجعل ألآلام رمزا للحياة بل جاء ليجعل الحياة رمزا للحق والحرية ....كان يسوع حُرّا على رؤوس ألأشهاد جريئا أمام الظلم والأستبداد ، يرى البثور الكريهة فيبضعها ، ويسمع الشر متكلِّما فيخرسه ، ويلتقي الرياء فيصرعه   " ." جبران خليل جبران- يسوع إبن ألأنسان " .
جاء يسوع ليكشف لنا زيف "التدين الخارجي" التي بها يتُم استغلال الناس البسطاء من قبل رجال الدين المرّائين والمتاجرين بالدين ، الذين يُظهرون للناس صالحين وباطنهم كُلُّهُ رياءٌ وشرٌّ "متى 23 : 28 ، وللأسف لازال الكثيرون منهم ، الى يومنا هذا ، يستغلون المؤمنون البسطاء  بمكرهم وخداعهم وتظاهرهم بالتدين والظهور بمظهر التقوى ، بينما هم من الداخل كالقبور المتكلِّسة . جاء يسوع ليقول لهؤلاء المتاجرين  بالدين: "بيتي بيت الصلاةِ ، وأنتم جعلتموهُ مغارة لصوصٍ "متى 21 : 13 " 
إنَّ طريقة يسوع المسيح للحياة بموجب قيم الملكوت (ألأبدية ) يناقض طريق وقيم هذا العالم (الوقتية) . فالذي يريد أن يتبع المسيح يجب عليه أن يكون مستعدا للعطاء ، بينما يأخذ ألآخرون ، وأن يحب بينما يكره الآخرون ، وأن يُساعد بينما يسيء ألآخرون ، وأن يبذل كُلِّ جهده ليكون المسيح  مثلا وقدوة له  ويكون نورا يعكس شعاء نور المسيح  .  هكذا يطلب يسوع المسيح من الذين يتبعونه بأن يفرحوا حيث الأضطهاد ، لأنَّ السعادة الحقيقية  هي السعي وراء فرح الرب الذي لا يضعف أبدا،"متى 5 : 3 -12 "   .
ثورة المسيح لا تنتهي في زمان او مكان فهي ثورة مستمرة طالما الأنسان يشدو الى الكمال ، الى المجد ، الى السعادة ، الى السلام  ، الى الأبدية ، فهي ثورة متجددة تسعى الى الجمال الذي لا يزول والى الديمومة والأستمرارية في التغيير نحو ألكمال والحياة ألأفضل في السماء الجديدة وألأرض الجديدة .

54
مفهوم الموت و القيامة في المسيحية

نافع البرواري

 الغالبية من الناس يصيبهم الخوف والهلع من الموت وتصبح حياتهم كابوسا وتراهم يعيشون في حالة الذعر والخوف والكآبة ، لأنهم لايستطيعون أن يسيطروا على خوفهم هذا ولا أن يفهموه ، أما المؤمنين بالمسيح فهم على يقين أنّهم سيهزمون الموت بقيامتهم مرة ثانية للحياة ألأبدية مع المسيح ، وما الموت الا جسرا به يعبرون من الحياة المادية الى الحياة الروحية"1كورنثوس15 : 20 " .
 قد يختلف المسيحيون الواحد عن الآخر اختلافا كبيرا، فقد يتمسكون بمعتقدات شديدة التباين حول السياسة وأسلوب الحياة بل وحتى في الأفكار اللاهوتية ، ولكن هناك عقيدة واحدة ، وهي أنّ يسوع المسيح قام من بين الأموات . انّ القيامة هي عقيدة فريدة  ومحور التاريخ للمسيحية فعليها تُبنى الكنيسة وبدونها لن يكون هناك كنيسة للمسيح ، فقيامة يسوع فريدة ومتميّزة وهي لب الأيمان المسيحي ، فكل العبادات الأخرى قد يكون لديها نظم أدبية أخلاقية قوية ومفاهيم عن الفردوس ، كما أنَّ لها كتُبها المقدسة الخاصة بها ، لكن ليس أحد من هذه العقائد تقول انّ الله تجسَّد وأخذ صورتنا البشرية ، ومات بالحقيقة لأجل البشر، وقام من بين الأموات في قوة ومجد ليملك على كنيسته (شعبه) .  قيامة يسوع المسيح من بين الأموات هي مفتاح الأيمان المسيحي وهي تاج المعجزات ومحور كرازتنا في المسيحية ، لأنّ القيامة هي رجاء الحياة الأبدية "واذ كان رجائنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن أشقى الناس"1كورنثوس 15 :19 " . ويذكر أيوب  قبل مجيء المسيح بمئات السنين ، وهو يصوّر الفداء الذي سيكون بيسوع المسيح ،  فيقول:
"أعرف أنّ شفيعي حيٌّ وسأقوم آجلا من التراب ، فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أُعاين الله "أيوب 19 : 25" .  فما أعظم الأيمان الذي كان لأيوب حتى عرف ان الله لن يتركه وسيفديه ويقيمه من الموت الى الحياة الأبدية . العالم الغير المؤمن بقيامة المسيح  يبحث عن الحي وسط الأموات "لماذا تطلُبنَّ الحي بين الأموات؟"لوقا 24 :5 ". ولكننا نحن المؤمنون نبحث عن الحي بين القائمين من الموت ، فالذين يبحثون وسط الأموات  فهم أموات روحيا وأدبيا أمّا الذين يبحثون عن الحي فهم أحياء ، لأنّ القوّة التي أعادت يسوع المسيح للحياة أصبحت متاحة لجميع الذين يقبلون يسوع المسيح الحي القائم من الأموات ، الذي ازاح الحجر الذي كان موضوعا على قبره وهو ، أي الحجر، رمز الحاجز الذي كان بين الموت(بسبب الخطية) والحياة الجديدة ، وهوأيضا رمز الحاجز الذي كان يفصل بين ظلمة القبر ونور الحياة  .  فبالقيامة انفتحت عيوننا لنرى الحياة بمنظار آخر لنفهم كلّ ما يقوله الكتاب المقدس عن مشروع الله الخلاصي لبني البشر بعد أن اختبرنا القيامة(الروحية) من بين الأموات .  فمن يؤمن بيسوع المسيح القائم من بين الأموات ويؤمن برسالته الخلاصية فهو قد انتقل (الآن) من الموت الى الحياة الأبدية ، لأنّ الحياة تصبح أقوى من الموت . إنَّ القيامة هي التحدي لمفهوم الموت والزوال بالأنتصار على الموت بقوة الحياة التي يعطيها المسيح للمؤمنين به . يقول بولس الرسول: (عن الذين يؤمنون بالمسيح والذين لا يؤمنون بالمسيح ):

"فنحن لله رائحة المسيح الذكيّة ُ بين الذين يخلصون َ أو الذين يَهلكون . فهي للذين يَهلكون رائحةُ موت ِتُميتُ ، وللذين يَخلصون رائحةُ حياةِ تُحيي"2كورنثوس2 :15 ، 16 " .
كانت غاية الرسول بولس أن يعرف المسيح  وأن يعرف قوّة قيامته ليتشبه به على رجاء القيامة من بين الأموات"فيلبي 3 :10 " ،  فمعرفة الرب يسوع المسيح كقدوة لنا يعطينا قوّة من روحه القدوس لنشارك موته وقيامته .
 القيامة هي شهادة تاريخية حية على ان يسوع المسيح حي ويملك على ملكوته وانّه ليس أسطورة أو خرافة . والقيامة تؤكد لنا عن لغز طالما حيَّر الأنسان وهو كيف سيكون مصيره مابعد الموت ، ويسوع المسيح أعطانا الرجاء والأمل في الحياة ما بعد الموت، بقيامته من بين ألأموات . فهوالبكر القائم من بين الأموات ، وهو يقول  إذهبوا ، أنتم أيضا ، وبشَّروا العالم بهذا الفرح العظيم  فرح قيامتنا نحن ايضا "لوقا 24 : 46 ، 47 "  . ". بالقيامة نجد معنى وأهمية لحياتنا حتى وسط الآلام والماسي والأضطهادات . القيامة هي رجاء الأنسان وهدف الحياة "واذا كان رجاؤنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن اشقى الناس جميعا"1كورنثوس 15 :19 " . لقد  تحررنا من حكم الموت( بسبب الخطية) الى الحياة الجديدة ، فرح السعادة الحقيقية ، فرح الأتحاد مع الأبن ومشاركته ملكوته الأبدية " متى 28 : 5 ، 6 ، 7 " .
القيامة هي محور الأيمان المسيحي الذي يختلف عن كُل الديانات بشهادة حيّة هي قيامة المسيح من بين الأموات ، بدليل القبر الفارغ . فالمسيح قام حقا قام ، ونحن أصبحنا أبناء النور ولسنا أبناء الظُلمة . فقيامة المسيح تعني أنّ البشريّة صار لها رجاء القيامة الأبدية ، فبدون القيامة  يظل تبشيرنا باطل وأيماننا بلا رجاء . لأنَّ القيامة  تُجيبُ على كافة أسئلة الأنسان الوجودية وهي : لماذا خُلقنا والى أين نحن سائرون ؟ ، فلولا القيامة ويقين الحياة الأبدية لكان كُلُّ شيء محللِّل للأنسان طالما الموت هو نهاية الطريق وختام كُلّ شيء . بالقيامة انهزم الموت لنحيا مع المسيح ، والقيامة تظمن أنّ من سيملك في ملكوت الله الأبدي هو المسيح الحي ، وليس مجرّد فكرة أو أمل أو حلم ، وهذا لانجده في العقائد الأخرى الغير المسيحية .  نحن المؤمنين بالمسيح المخلّص ، لنا اليقين بأننا سنُقام من الأموات أيضا ، ولأنّه قام المسيح ، فهو حي ويشفع فينا .
انّ تجسّد  المسيح واخذه صورة بشريّتنا كان ليكمّل ثلاثة مهمّات رئيسية وهي:
1- هزيمة الخطيئة : فهو جاء لينقذنا من نتائج الخطيئة (وهي الموت) التي أصبحت متأصّلة في طبيعة الأنسان منذ أن سقط أبوينا ادم وحواء بعصيانهما الله في "الفردوس" . والخطيئةُ دخلت في العالم بانسان واحد، وبالخطيئة دخل الموت. وسرى الموتُ الى جميع البشر لأنّهمُ كُلّهم خطئوا"روميا 5 : 12 " .
إنَّ القضاء على الخطيئة لن يتم الا بالموت الكُفُّاري والتضحية  لفداء الجنس البشري بفدية عظيمة ، وهكذا قدّم يسوع المسيح نفسه فدية للجميع لأنَّه هو الوحيد الذي تجتمع فيه الصفات البشرية واللاهوتية . وهكذا  أخلى الأبن  ذاته متخذا صورتنا البشرية وعانى وتألم حتى الموت ، موت الصليب ولكنه قام في اليوم الثالث . ولأنّ المسيح قام " فهو بكرُ من قام من رُقاد الموت"1كورثوس15 : 20 ".
هكذا ثبت ثبوتا قاطعا موته من أجل خطايانا وأصبح ممكناً لنا أن ننال نعمة التبرير من الخطيئة والحصول على الغفران ونقوم نحن المؤمنين أيضا من بين الأموات (الأموات روحيا بسبب الخطيئة) ، لنصبح أبناء الله بالتبنّي"و كما يموتُ جميع الناس في ادم, فكذلك هم  في المسيح سيحيون"1كورنثوس 15 : 22  ".
2- هزيمة الموت:
وكما دخلت الخطيئة بشخص واحد هكذا "فالموت كان على يد انسان ، وعلى يد انسان تكون قيامة الأموات "1كورنثوس15 : 21".
بعد أن دخلت الخطيئة العالم( نتيجة لخطيئة ادم وحواء) دخل الموت ايضا الى العالم هكذا اجتازت الخطيئة والموت الى كلّ الجنس البشري بسبب هذه الخطيئة الأولى .  ولكن شكرا للرب يسوع المسيح الذي افتدانا بموته على الصليب وبرَّرّنا من الخطيئة وسحق الموت بالموت ليخلق فينا انسانا جديدا ويعطينا حياتا جديدة بعد أن كنّا نعيش في ظلمة الخطيئة والموت . "والخطيئة دخلت في العالم بانسان واحد(ادم), وبالخطيئة دخل الموت (الأنفصال عن الله). وسرى الموت الى جميع البشر لأنّهم كُلّهم خطئوا....ولكن هبة الله غيرُ خطيئة ادم ....فكما أن خطيئة انسان واحد قادت البشر جميعا الى الهلاك ، فكذلك برُّ انسان واحدٍ (يسوع المسيح)  يُبرّر البشر جميعا فينالون الحياة " روميا5:12,15,18  ".
إنَّ الأيمان المسيحي قائم على أساس لايتزحزح هو القبر الفارغ ، فلأنَّ المسيح   قام وغلب الموت ، نعلم يقينا أننا سنقوم أيضا  من الموت .  فكما يقول الرسول بولس: "واذا كان المسيح ما قام , فأيمانكم باطل ٌ وأنتم بعدُ في خطاياكم , وكذلك الذين ماتوا في المسيح هلكوا"1كورنثوس 15 : 17  " .  فأيماننا هو انّ هناك حياة فيما وراء القبر وانّ حياتنا الأرضية ماهي الا أعداد لتلك الحياة ، فلأنّ المسيح قام جسديا من الأموات نعلم أنّ ماقاله هو حق وانّه هو الله الذي يقيم الأموات ،  فهو حي وليس نبيا كاذبا أو مظلّلا بل هو المسيح الذي قهر الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور ،  فنستطيع أن نثق من أننا ايضا سنقوم الى الحياة ، لأنّه قد قام , فليس الموت هو النهاية بل هناك حياة مستقبلية ، وانّ القوّة التي أعادت يسوع للحياة متاحة لنا ايضاً لتعيد نفوسنا المائتة روحيا(بسبب الخطية) الى الحياة . وهو يقول لنا :"أنا هو القيامة والحياة. من امن بيّ يحيا وان مات"يوحنا 11 : 25 " .  نعم الهنا هو اله الأحياء وليس اله الأموات ، فلم يعد الموت مصدرا للرعب أو الخوف, فقد غلبه المسيح , وسنغلبه نحنُ أيضا يوما ما . لقد أنهزم الموت فيما وراء القبر"الموت  أبتلعه النصر ، فأين نصرك ياموت ُ؟ وأين شوكتُك ياموت ؟ "كورنثوس ألأولى 15 : 54  ".
3- هزيمة الشيطان والقوات الشريرة:
كان الشيطان ظافرا في جنة عدن (تكوين 3) وكذلك عندما مات الرب يسوع المسيح على الصليب .  وكما أغوى الشيطان ادم هكذا دخل الشيطان والقوات الشريرة في هذا العالم المفصول عن الله .  لكن الله حوّل نصرة الشيطان الظاهرة الى هزيمة ساحقة عندما قام يسوع المسيح من ألأموات وبدأت ملكوت الله تؤسس على صخرة المسيح ،  فرأى الشيطان أنّ مملكته وسيادته على الأرض قد تزحزحت ،  بل أنّ تجسُّد المسيح وفدائه وقيامته هزّ أركان مملكة الشيطان ، فبدأ الشيطان يفقد قلاعه واحدة بعد أخرى وبدأ يدرك الشيطان أنّه يعيش أيّامه الأخيرة .
جاء المسيح ليسحق رأس "الحيّة القديمة" الشيطان ويغلبه وينتصر عليه . لقد هزم المسيح الخطيئة والموت أولا على الصليب وأخيرا هزم الشيطان وكلّ القوات الشريرة بقيامته ، وكلُّ الذين قبلوا المسيح وامنوا به كمخلّص لحياتهم ، لم يعد للشيطان سلطة عليهم بل هم اصبحوا جنودا في جيش الرب يسوع المسيح فيحاربون قوات الشر الروحية "والذين يؤمنون تُساندهم هذه الآيات: يّطردون الشياطين باسمي  مرقس 16 : 17 "
"ثُمَّ سمعتُ صوتا عظيما في السماء يقول:"اليوم تمّ النصرُ والعزّة والمُلكُ لالهنا والسلطان لمسيحه, لأنّ الذي يتَّهم(الشيطان) أخوتنا أُلقي الى الأرض"رؤيا 12 : 10 ".
الخلاصة:
بالأيمان بقيامة الرب يسوع المسيح اصبحنا ننظر الى العالم نظرة جديدة  فنحمن نعيش في هذا العالم ولكننا نصبح في عالم ملكوت الله ، فنسموا من الحياة المادية الى الحياة الروحية التي ترفعنا عن التعلق بشهوات هذا العالم الزائل .  فعندما نتعمّذ يعني أننا قد مُتنا مع المسيح (بالغطس في الماء) وقمنا معه . فالمعمودية هي رمز الموت والقيامة ، فان عشنا فبالمسيح نعيش وان متنا فبالمسيح نحيا ،  فحياتنا  (كما يقول الرسول بولس)هي للمسيح ولأجل المسيح وبالمسيح  . المؤمنون الذين يعيشون مع الرب يموتون ويقومون وهي خبرة روحية يختبرها المؤمنون ، وهذا ما اختبره الرسول بولس عندما يقول "انا ميّت ولكن المسيح يحيا فيّ" ، هكذا اليوم يقول الرب "ها أنا واقفٌ على الباب أطرقُ"الرؤية3 :20 " ، فكل من يفتح قلبه للمسيح ،  فانَّ المسيح سيدخل في حياته الميتة ويقيمه من الموت ليعيش حياة الفرح والسعادة الحقيقية .
المسيح يغيّر قلب الأنسان العتيق ليولد انسانا جديدا(الولادة الروحية) ويوقضه من نوم الموت ليعيش حياةً جديدة في مملكة الله الغير فانية ، فحتى الموت بالنسبة للمؤمن هو باب القيامة لحياة جديدة . فلا نتوقف عند الآلام والأضطهادات ، لأن الموت لنا هو باب للقيامة بالتأكيد .
"تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح لأنُّه شملنا بفائق رحمته, فولدنا بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات ولادة ثانية لرجاءٍ حيّ ولميراثٍ لايفسد ولا يتدنّس ولا يضمحلُّ"1بطرس 1:3". آمين .

55
مفهوم الموت و القيامة في المسيحية

نافع البرواري

 الغالبية من الناس يصيبهم الخوف والهلع من الموت وتصبح حياتهم كابوسا وتراهم يعيشون في حالة الذعر والخوف والكآبة ، لأنهم لايستطيعون أن يسيطروا على خوفهم هذا ولا أن يفهموه ، أما المؤمنين بالمسيح فهم على يقين أنّهم سيهزمون الموت بقيامتهم مرة ثانية للحياة ألأبدية مع المسيح ، وما الموت الا جسرا به يعبرون من الحياة المادية الى الحياة الروحية"1كورنثوس15 : 20 " .
 قد يختلف المسيحيون الواحد عن الآخر اختلافا كبيرا، فقد يتمسكون بمعتقدات شديدة التباين حول السياسة وأسلوب الحياة بل وحتى في الأفكار اللاهوتية ، ولكن هناك عقيدة واحدة ، وهي أنّ يسوع المسيح قام من بين الأموات . انّ القيامة هي عقيدة فريدة  ومحور التاريخ للمسيحية فعليها تُبنى الكنيسة وبدونها لن يكون هناك كنيسة للمسيح ، فقيامة يسوع فريدة ومتميّزة وهي لب الأيمان المسيحي ، فكل العبادات الأخرى قد يكون لديها نظم أدبية أخلاقية قوية ومفاهيم عن الفردوس ، كما أنَّ لها كتُبها المقدسة الخاصة بها ، لكن ليس أحد من هذه العقائد تقول انّ الله تجسَّد وأخذ صورتنا البشرية ، ومات بالحقيقة لأجل البشر، وقام من بين الأموات في قوة ومجد ليملك على كنيسته (شعبه) .  قيامة يسوع المسيح من بين الأموات هي مفتاح الأيمان المسيحي وهي تاج المعجزات ومحور كرازتنا في المسيحية ، لأنّ القيامة هي رجاء الحياة الأبدية "واذ كان رجائنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن أشقى الناس"1كورنثوس 15 :19 " . ويذكر أيوب  قبل مجيء المسيح بمئات السنين ، وهو يصوّر الفداء الذي سيكون بيسوع المسيح ،  فيقول:
"أعرف أنّ شفيعي حيٌّ وسأقوم آجلا من التراب ، فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أُعاين الله "أيوب 19 : 25" .  فما أعظم الأيمان الذي كان لأيوب حتى عرف ان الله لن يتركه وسيفديه ويقيمه من الموت الى الحياة الأبدية . العالم الغير المؤمن بقيامة المسيح  يبحث عن الحي وسط الأموات "لماذا تطلُبنَّ الحي بين الأموات؟"لوقا 24 :5 ". ولكننا نحن المؤمنون نبحث عن الحي بين القائمين من الموت ، فالذين يبحثون وسط الأموات  فهم أموات روحيا وأدبيا أمّا الذين يبحثون عن الحي فهم أحياء ، لأنّ القوّة التي أعادت يسوع المسيح للحياة أصبحت متاحة لجميع الذين يقبلون يسوع المسيح الحي القائم من الأموات ، الذي ازاح الحجر الذي كان موضوعا على قبره وهو ، أي الحجر، رمز الحاجز الذي كان بين الموت(بسبب الخطية) والحياة الجديدة ، وهوأيضا رمز الحاجز الذي كان يفصل بين ظلمة القبر ونور الحياة  .  فبالقيامة انفتحت عيوننا لنرى الحياة بمنظار آخر لنفهم كلّ ما يقوله الكتاب المقدس عن مشروع الله الخلاصي لبني البشر بعد أن اختبرنا القيامة(الروحية) من بين الأموات .  فمن يؤمن بيسوع المسيح القائم من بين الأموات ويؤمن برسالته الخلاصية فهو قد انتقل (الآن) من الموت الى الحياة الأبدية ، لأنّ الحياة تصبح أقوى من الموت . إنَّ القيامة هي التحدي لمفهوم الموت والزوال بالأنتصار على الموت بقوة الحياة التي يعطيها المسيح للمؤمنين به . يقول بولس الرسول: (عن الذين يؤمنون بالمسيح والذين لا يؤمنون بالمسيح ):

"فنحن لله رائحة المسيح الذكيّة ُ بين الذين يخلصون َ أو الذين يَهلكون . فهي للذين يَهلكون رائحةُ موت ِتُميتُ ، وللذين يَخلصون رائحةُ حياةِ تُحيي"2كورنثوس2 :15 ، 16 " .
كانت غاية الرسول بولس أن يعرف المسيح  وأن يعرف قوّة قيامته ليتشبه به على رجاء القيامة من بين الأموات"فيلبي 3 :10 " ،  فمعرفة الرب يسوع المسيح كقدوة لنا يعطينا قوّة من روحه القدوس لنشارك موته وقيامته .
 القيامة هي شهادة تاريخية حية على ان يسوع المسيح حي ويملك على ملكوته وانّه ليس أسطورة أو خرافة . والقيامة تؤكد لنا عن لغز طالما حيَّر الأنسان وهو كيف سيكون مصيره مابعد الموت ، ويسوع المسيح أعطانا الرجاء والأمل في الحياة ما بعد الموت، بقيامته من بين ألأموات . فهوالبكر القائم من بين الأموات ، وهو يقول  إذهبوا ، أنتم أيضا ، وبشَّروا العالم بهذا الفرح العظيم  فرح قيامتنا نحن ايضا "لوقا 24 : 46 ، 47 "  . ". بالقيامة نجد معنى وأهمية لحياتنا حتى وسط الآلام والماسي والأضطهادات . القيامة هي رجاء الأنسان وهدف الحياة "واذا كان رجاؤنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن اشقى الناس جميعا"1كورنثوس 15 :19 " . لقد  تحررنا من حكم الموت( بسبب الخطية) الى الحياة الجديدة ، فرح السعادة الحقيقية ، فرح الأتحاد مع الأبن ومشاركته ملكوته الأبدية " متى 28 : 5 ، 6 ، 7 " .
القيامة هي محور الأيمان المسيحي الذي يختلف عن كُل الديانات بشهادة حيّة هي قيامة المسيح من بين الأموات ، بدليل القبر الفارغ . فالمسيح قام حقا قام ، ونحن أصبحنا أبناء النور ولسنا أبناء الظُلمة . فقيامة المسيح تعني أنّ البشريّة صار لها رجاء القيامة الأبدية ، فبدون القيامة  يظل تبشيرنا باطل وأيماننا بلا رجاء . لأنَّ القيامة  تُجيبُ على كافة أسئلة الأنسان الوجودية وهي : لماذا خُلقنا والى أين نحن سائرون ؟ ، فلولا القيامة ويقين الحياة الأبدية لكان كُلُّ شيء محللِّل للأنسان طالما الموت هو نهاية الطريق وختام كُلّ شيء . بالقيامة انهزم الموت لنحيا مع المسيح ، والقيامة تظمن أنّ من سيملك في ملكوت الله الأبدي هو المسيح الحي ، وليس مجرّد فكرة أو أمل أو حلم ، وهذا لانجده في العقائد الأخرى الغير المسيحية .  نحن المؤمنين بالمسيح المخلّص ، لنا اليقين بأننا سنُقام من الأموات أيضا ، ولأنّه قام المسيح ، فهو حي ويشفع فينا .
انّ تجسّد  المسيح واخذه صورة بشريّتنا كان ليكمّل ثلاثة مهمّات رئيسية وهي:
1- هزيمة الخطيئة : فهو جاء لينقذنا من نتائج الخطيئة (وهي الموت) التي أصبحت متأصّلة في طبيعة الأنسان منذ أن سقط أبوينا ادم وحواء بعصيانهما الله في "الفردوس" . والخطيئةُ دخلت في العالم بانسان واحد، وبالخطيئة دخل الموت. وسرى الموتُ الى جميع البشر لأنّهمُ كُلّهم خطئوا"روميا 5 : 12 " .
إنَّ القضاء على الخطيئة لن يتم الا بالموت الكُفُّاري والتضحية  لفداء الجنس البشري بفدية عظيمة ، وهكذا قدّم يسوع المسيح نفسه فدية للجميع لأنَّه هو الوحيد الذي تجتمع فيه الصفات البشرية واللاهوتية . وهكذا  أخلى الأبن  ذاته متخذا صورتنا البشرية وعانى وتألم حتى الموت ، موت الصليب ولكنه قام في اليوم الثالث . ولأنّ المسيح قام " فهو بكرُ من قام من رُقاد الموت"1كورثوس15 : 20 ".
هكذا ثبت ثبوتا قاطعا موته من أجل خطايانا وأصبح ممكناً لنا أن ننال نعمة التبرير من الخطيئة والحصول على الغفران ونقوم نحن المؤمنين أيضا من بين الأموات (الأموات روحيا بسبب الخطيئة) ، لنصبح أبناء الله بالتبنّي"و كما يموتُ جميع الناس في ادم, فكذلك هم  في المسيح سيحيون"1كورنثوس 15 : 22  ".
2- هزيمة الموت:
وكما دخلت الخطيئة بشخص واحد هكذا "فالموت كان على يد انسان ، وعلى يد انسان تكون قيامة الأموات "1كورنثوس15 : 21".
بعد أن دخلت الخطيئة العالم( نتيجة لخطيئة ادم وحواء) دخل الموت ايضا الى العالم هكذا اجتازت الخطيئة والموت الى كلّ الجنس البشري بسبب هذه الخطيئة الأولى .  ولكن شكرا للرب يسوع المسيح الذي افتدانا بموته على الصليب وبرَّرّنا من الخطيئة وسحق الموت بالموت ليخلق فينا انسانا جديدا ويعطينا حياتا جديدة بعد أن كنّا نعيش في ظلمة الخطيئة والموت . "والخطيئة دخلت في العالم بانسان واحد(ادم), وبالخطيئة دخل الموت (الأنفصال عن الله). وسرى الموت الى جميع البشر لأنّهم كُلّهم خطئوا....ولكن هبة الله غيرُ خطيئة ادم ....فكما أن خطيئة انسان واحد قادت البشر جميعا الى الهلاك ، فكذلك برُّ انسان واحدٍ (يسوع المسيح)  يُبرّر البشر جميعا فينالون الحياة " روميا5:12,15,18  ".
إنَّ الأيمان المسيحي قائم على أساس لايتزحزح هو القبر الفارغ ، فلأنَّ المسيح   قام وغلب الموت ، نعلم يقينا أننا سنقوم أيضا  من الموت .  فكما يقول الرسول بولس: "واذا كان المسيح ما قام , فأيمانكم باطل ٌ وأنتم بعدُ في خطاياكم , وكذلك الذين ماتوا في المسيح هلكوا"1كورنثوس 15 : 17  " .  فأيماننا هو انّ هناك حياة فيما وراء القبر وانّ حياتنا الأرضية ماهي الا أعداد لتلك الحياة ، فلأنّ المسيح قام جسديا من الأموات نعلم أنّ ماقاله هو حق وانّه هو الله الذي يقيم الأموات ،  فهو حي وليس نبيا كاذبا أو مظلّلا بل هو المسيح الذي قهر الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور ،  فنستطيع أن نثق من أننا ايضا سنقوم الى الحياة ، لأنّه قد قام , فليس الموت هو النهاية بل هناك حياة مستقبلية ، وانّ القوّة التي أعادت يسوع للحياة متاحة لنا ايضاً لتعيد نفوسنا المائتة روحيا(بسبب الخطية) الى الحياة . وهو يقول لنا :"أنا هو القيامة والحياة. من امن بيّ يحيا وان مات"يوحنا 11 : 25 " .  نعم الهنا هو اله الأحياء وليس اله الأموات ، فلم يعد الموت مصدرا للرعب أو الخوف, فقد غلبه المسيح , وسنغلبه نحنُ أيضا يوما ما . لقد أنهزم الموت فيما وراء القبر"الموت  أبتلعه النصر ، فأين نصرك ياموت ُ؟ وأين شوكتُك ياموت ؟ "كورنثوس ألأولى 15 : 54  ".
3- هزيمة الشيطان والقوات الشريرة:
كان الشيطان ظافرا في جنة عدن (تكوين 3) وكذلك عندما مات الرب يسوع المسيح على الصليب .  وكما أغوى الشيطان ادم هكذا دخل الشيطان والقوات الشريرة في هذا العالم المفصول عن الله .  لكن الله حوّل نصرة الشيطان الظاهرة الى هزيمة ساحقة عندما قام يسوع المسيح من ألأموات وبدأت ملكوت الله تؤسس على صخرة المسيح ،  فرأى الشيطان أنّ مملكته وسيادته على الأرض قد تزحزحت ،  بل أنّ تجسُّد المسيح وفدائه وقيامته هزّ أركان مملكة الشيطان ، فبدأ الشيطان يفقد قلاعه واحدة بعد أخرى وبدأ يدرك الشيطان أنّه يعيش أيّامه الأخيرة .
جاء المسيح ليسحق رأس "الحيّة القديمة" الشيطان ويغلبه وينتصر عليه . لقد هزم المسيح الخطيئة والموت أولا على الصليب وأخيرا هزم الشيطان وكلّ القوات الشريرة بقيامته ، وكلُّ الذين قبلوا المسيح وامنوا به كمخلّص لحياتهم ، لم يعد للشيطان سلطة عليهم بل هم اصبحوا جنودا في جيش الرب يسوع المسيح فيحاربون قوات الشر الروحية "والذين يؤمنون تُساندهم هذه الآيات: يّطردون الشياطين باسمي  مرقس 16 : 17 "
"ثُمَّ سمعتُ صوتا عظيما في السماء يقول:"اليوم تمّ النصرُ والعزّة والمُلكُ لالهنا والسلطان لمسيحه, لأنّ الذي يتَّهم(الشيطان) أخوتنا أُلقي الى الأرض"رؤيا 12 : 10 ".
الخلاصة:
بالأيمان بقيامة الرب يسوع المسيح اصبحنا ننظر الى العالم نظرة جديدة  فنحمن نعيش في هذا العالم ولكننا نصبح في عالم ملكوت الله ، فنسموا من الحياة المادية الى الحياة الروحية التي ترفعنا عن التعلق بشهوات هذا العالم الزائل .  فعندما نتعمّذ يعني أننا قد مُتنا مع المسيح (بالغطس في الماء) وقمنا معه . فالمعمودية هي رمز الموت والقيامة ، فان عشنا فبالمسيح نعيش وان متنا فبالمسيح نحيا ،  فحياتنا  (كما يقول الرسول بولس)هي للمسيح ولأجل المسيح وبالمسيح  . المؤمنون الذين يعيشون مع الرب يموتون ويقومون وهي خبرة روحية يختبرها المؤمنون ، وهذا ما اختبره الرسول بولس عندما يقول "انا ميّت ولكن المسيح يحيا فيّ" ، هكذا اليوم يقول الرب "ها أنا واقفٌ على الباب أطرقُ"الرؤية3 :20 " ، فكل من يفتح قلبه للمسيح ،  فانَّ المسيح سيدخل في حياته الميتة ويقيمه من الموت ليعيش حياة الفرح والسعادة الحقيقية .
المسيح يغيّر قلب الأنسان العتيق ليولد انسانا جديدا(الولادة الروحية) ويوقضه من نوم الموت ليعيش حياةً جديدة في مملكة الله الغير فانية ، فحتى الموت بالنسبة للمؤمن هو باب القيامة لحياة جديدة . فلا نتوقف عند الآلام والأضطهادات ، لأن الموت لنا هو باب للقيامة بالتأكيد .
"تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح لأنُّه شملنا بفائق رحمته, فولدنا بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات ولادة ثانية لرجاءٍ حيّ ولميراثٍ لايفسد ولا يتدنّس ولا يضمحلُّ"1بطرس 1:3". آمين .

56



 
تأمّلات في اسبوع الآلام
الجزء الثاني
يسوع المسيح على الصليب كمَّل عمل الله الخلاصي

نافع البرواري
 
من كان يُمكن أن يُصدّق بأن الله يمكن أن  يختارليُخلّص العالم  بعبدٍ متواضع متألّم  وليس بملكٍ مجيد؟ فهذه الفكرة على النقيض من الكبرياء البشرية والطرق العالمية ولكن الله يعمل بطرق لايمكن أن نتوقّعها ، فقوة المسيح تجلّت في الأتضاع والألم، وها هو رجل الأحزان ، مُحتقر، مرفوض من قبل المحيطين به ، ولا زال الى يومنا هذا مُحتقرا ومرفوضا من قبل الكثيرين . اليوم لا زال العالم لم يتغيّر من قيمِهِ فما زال العبد المتالم (اشعيا 53) مكروها ، ولكن ليس شهادة الأنبياء في العهد القديم فقط هي التي تشير الى انتصار الرب يسوع المسيح على الألم و الموت "أشعيا 53 : 12 "، بل هناك شهادة الرسل"يوحنا21 : 24 "في العهد الجديد وتاريخ الكنيسة المسيحية"أعمال 1 :2 " ، وأختبارات المؤمنين في حياتهم ، مئات بل الاف الأختبارات للمؤمنين والقديسين الذين غيّر يسوع المسيح حياتهم الى الأبد علما بأنّهم كانوا متألمين ومضطهدين ، ولا زال المسيح الحي يعمل المعجزات في حياة الكثيرين . 
كثيرون من غير المسيحيين (وحتى من المسيحيين ) لا يفهمون أن طريق المجد والأنتصار على الموت لا يمر الا من خلال الآلام ، كما أنّ هناك من الناس من يقول لماذا لم يتدخّل الله لانقاذ ابنه يسوع المسيح من الصليب . "ما أغباكُما وأبطأكُما عن الأيمان بكل ما قاله الأنبياء ! أما كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام فيدخل في مجده؟ "لوقا  24 : 25 ، 26 .
حتى تلاميذ المسيح بعد أن عاشوا أحداث آلام المسيح وصلبه وموته قبل القيامة ،
أصابهم  الأحباط والحزن واليأس ، والسبب لأنّ الناس كانوا وما زالوا ينشغلون بالسلطة السياسية والقوة العسكرية والأمجاد الفانية بينما القيم السماوية (في مملكة الله) هي عكس ذلك تماما فالأخير يصبح أوّلا والحياة تنبع من الموت (حبة الحنطة لن تاتي بثمرٍ جيّد الا بعد أن تموت في الأرض). ويا للأسف فمازال هناك من الناس الذين يهزأون بالمسيحيين لأيمانهم ، ولكن مما يشجع المؤمنين ، أنّ الرب يسوع نفسه تعرّض للهزء الفظيع مثل أيِّ إنسان .
في سر الأفخارستية والتأمل في هذا السر سنستطيع الغوص في محبة الرب يسوع لنا بلا حدود حتى أنه بذل نفسه وسفك دمه ليصير لنا قربانا وخبزا نأكله ليتّحد معنا الى الأبد . إنَّ الخبز والخمر تذكار مستمرلآلام وذبيحة المسيح من أجلنا .
 تنبأ الشيخ سمعان بآلام أُمّنا مريم العذراء عندما قال " وأمّا أنتِ ، فسيفُ ألأحزان سينفُذ في قلبِكِ"لوقا 2 : 35 " . الناس لن يكونوا على الحياد من الرب يسوع المسيح ، فإمّا أن يرفضوه بشدّة أو أن يقبلوه بفرح . ولكن مريم العذراء ستحزن للرفض العام الذي سيلاقيه إبنها من قبل هذا العالم . نحن جميعنا خطاة وكُلُّنا لعبنا دورا في صلب يسوع وموته . ولكن الخبر السار هو أنَّ الله رحيم ، وسيغفر لنا ويُعطينا بإبنه حياة جديددة عندما نتوب ونؤمن به مخلصا وربا وملكا على قلوبنا .

لقد تألّم يسوع المسيح من أجلنا ، حاملا خطايانا ، ليجعلنا مقبولين عند الله ، فبماذا نبرّر انكارنا لهذه المحبة الفائقة ؟ لماذا لا يزال هناك من الناس الذين يُريدون أن يحجبوا نور المسيح في حياتهم ؟ لماذا هذا  الرفض الغير المبرر؟ لماذا يكره ويَضطهِد العالم المسيحيين كما يخبرنا الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة  في كُلِّ زمان ومكان ؟ . لماذا العالم كلّه ، ( ممثللا برجال الدين اليهود والساسة الرومانيين أيّام المسيح) ، اتفق ضدّ المسيح ؟
إنها أسئلة مطروحة عبر التاريخ وليس هناك جواب لها سوى أنّ هذا العالم يخضع لسلطة الشيطان ولا يريد أن يأتي الى المسيح لانّ الشيطان قد أغوى الكثيرين واستعبدهم ، وأنّ نور المسيح يكشف الظلام الذي يعيش فيه هذا العالم ، وحق المسيح يدين أعمال هذا العالم الشريرة .
كان هناك أعتقاد عام في فكر اليهود وحضارتهم انّ المُصيبة أو الكارثة أو المرض او الألم هي نتيجة لخطيئة كبرى مُعيّنة . أمّا الرب يسوع المسيح استخدم معاناة الناس وآلامهم لترسيخ الأيمان وليُمجد الله ، فنحن نعيش في عالم ساقط وأحيانا كثيرة يتألم الأبرياء ، وهكذا قد لا تكون معاناتنا عقاباً ، بل مُجرّد آثار لجروحات المعركة بين أظهار ولائنا لله .
سارتر وكامو وغيرغراد وغيرهم من الفلاسفة الوجوديين قالوا : أنَّ  الحياة لامعنى لها طالما هناك الألم والموت ، وقد كتبَ ، الكاتب الأمريكي  " أرنست همنغواي" كتاب بعنوان "لا جديد تحت الشمس " مُستمدا عنوانه هذا من سفر الجامعة "لاشئ تحت الشمس كل شئ باطل " ، وكان الفلاسفة اليونان (الأبوقراطيين ) يقولون طالما الحياة قصيرة فعلينا أن نأكل ونشرب ونتمتع بهذه الحياة لان كل شئ زائل . هكذا اليونانيون في زمن الرسول بولس كانوا يطلبون الحكمة واليهود يطلبون الآيات ، لكن لم يختبروا هؤلاء كُلِّهم أنَّ من خلال صرخة الآلام ومن قلب الصليب نكتشف الله (قائد المائة)" حقا كان هذا ابن الله"متي 27 : 54"، وأنَّ الموت على الصليب هو آخر الأنحدار الذي وصل اليه يسوع المسيح ،لأنّ الله رفعه وأعطاه اسماً هو فوق كل الأسماء "تواضع ، أطاع حتّى الموت ، الموت على الصليب . فرفعه الله أعطاه اسما فوق كُلِّ اسمٍ" فيلبي 2 : 8 ". لأنَّنا متألمين أراد المسيح أن يشاركنا في آلامنا ويتألم معنا . عرف يسوع المسيح آلام الآخرين فأنفتح عليهم ، فدرب الصليب يمثل لنا طريق آلام البشرية كُلّها التي تأنُّ وتتالم بسبب انفصالها عن الله نتيجة الخطيئة. يسوع المسيح جاء الى هذه الأرض وقدّم نفسه مثالا للتضحية وبذل الذات ليساعدنا ويضع كتفه على كتفنا ويقول لنا هيا معا لأن نصل الى المجد القادم الى الهدف الأسمى الى ما وراء الآلام الى القيامة والحياة الأبدية ، فهو يعلِّمنا أنّ بآلامنا نجمع كلِّ العالم المتألّم ، وبآلامنا نعطي دروس المحبة للأنسانية . فنحن المؤمنين نكرز بيسوع المسيح مصلوبا ونفتخر بالصليب رمز المحبة والوفاء والخلاص .
إنّ صرخة مُخلصنا يسوع المسيح على خشبة الصليب وهو في قمة الآلام ، هي صرخة كلِّ المتروكين وكلِّ المهمّشين والمقهورين والمضطهدين والمظلومين والمشردين والمهجّرين والمتألمين لاسباب كثيرة ، وهي صرخة كل الذين تركوا أوطانهم وارضهم وأفترقوا عن أحبائهم وأعزائهم وأهلهم . انّها صرخة الذين طُعنوا من الخلف بسب الخيانة والغدر. يسوع المسيح سلّم روحه بين يدي الآب السماوي " يا أبي ، في يديك أستودع روحي " لوقا 23 : 46 " . ونحن أيضا علينا أن نسلّم حياتنا بين يدي أبينا السماوي فهو يعرف أكثر مما نعرفه ، فيسوع المسيح أختار بأرادته الحُرّة أن يطيع أبيه السماوي حتى لو قادته الطاعة الى ألألم والموت "عبرانيين 5 : 8 " ، وبمشاركته لنا في ألآلام ، شاركنا في خبرتنا البشرية مشاركة تامة . وهو قادر أن يُقدِّم خلاصا أبديا لمن يطيعه .
قد يظن الكثيرون أنّ المحبة تتناقض مع الموت ! الا أنّ هؤلاء الناس لا يعرفون المحبّة الحقيقية ، لأنَّ المحبة تتضمّن في الغالب التضحية والألم لانّ المحبّة هي عطاء ، ويسوع المسيح لم يأتي الى العالم ليكسب جاها أو سلطة سياسية ، كماهو تفكير الكثيرين من الناس ، لأنَّه وهو يُحاكم في محكمة الأشرار قال " مملكتي ليست من هذا العالم" ، لكنه جاء ليتألّم ويموت حتى نحيا نحن"عبرانيين 2 : 9، 10 "  .  انّ يسوع المسيح لم يحمل على خشبة الصليب خطيئة العالم ليسمّرها على الخشبة فقط بل حمّل آلام البشرية وأخذ اللعنة لكي يمحي لعنة الخطيئة لنصبح برالله  ، هكذا تمَّم يسوع المسيح عمل الله  الخلاصي للبشرية " تمّ كُلِّ شيءٍ "يوحنا 19 : 30 "

57

 
تأمّلات في اسبوع الآلام
الجزء الثاني
يسوع المسيح على الصليب كمَّل عمل الله الخلاصي

نافع البرواري
 
من كان يُمكن أن يُصدّق بأن الله يمكن أن  يختارليُخلّص العالم  بعبدٍ متواضع متألّم  وليس بملكٍ مجيد؟ فهذه الفكرة على النقيض من الكبرياء البشرية والطرق العالمية ولكن الله يعمل بطرق لايمكن أن نتوقّعها ، فقوة المسيح تجلّت في الأتضاع والألم، وها هو رجل الأحزان ، مُحتقر، مرفوض من قبل المحيطين به ، ولا زال الى يومنا هذا مُحتقرا ومرفوضا من قبل الكثيرين . اليوم لا زال العالم لم يتغيّر من قيمِهِ فما زال العبد المتالم (اشعيا 53) مكروها ، ولكن ليس شهادة الأنبياء في العهد القديم فقط هي التي تشير الى انتصار الرب يسوع المسيح على الألم و الموت "أشعيا 53 : 12 "، بل هناك شهادة الرسل"يوحنا21 : 24 "في العهد الجديد وتاريخ الكنيسة المسيحية"أعمال 1 :2 " ، وأختبارات المؤمنين في حياتهم ، مئات بل الاف الأختبارات للمؤمنين والقديسين الذين غيّر يسوع المسيح حياتهم الى الأبد علما بأنّهم كانوا متألمين ومضطهدين ، ولا زال المسيح الحي يعمل المعجزات في حياة الكثيرين . 
كثيرون من غير المسيحيين (وحتى من المسيحيين ) لا يفهمون أن طريق المجد والأنتصار على الموت لا يمر الا من خلال الآلام ، كما أنّ هناك من الناس من يقول لماذا لم يتدخّل الله لانقاذ ابنه يسوع المسيح من الصليب . "ما أغباكُما وأبطأكُما عن الأيمان بكل ما قاله الأنبياء ! أما كان يجب على المسيح أن يعاني هذه الآلام فيدخل في مجده؟ "لوقا  24 : 25 ، 26 .
حتى تلاميذ المسيح بعد أن عاشوا أحداث آلام المسيح وصلبه وموته قبل القيامة ،
أصابهم  الأحباط والحزن واليأس ، والسبب لأنّ الناس كانوا وما زالوا ينشغلون بالسلطة السياسية والقوة العسكرية والأمجاد الفانية بينما القيم السماوية (في مملكة الله) هي عكس ذلك تماما فالأخير يصبح أوّلا والحياة تنبع من الموت (حبة الحنطة لن تاتي بثمرٍ جيّد الا بعد أن تموت في الأرض). ويا للأسف فمازال هناك من الناس الذين يهزأون بالمسيحيين لأيمانهم ، ولكن مما يشجع المؤمنين ، أنّ الرب يسوع نفسه تعرّض للهزء الفظيع مثل أيِّ إنسان .
في سر الأفخارستية والتأمل في هذا السر سنستطيع الغوص في محبة الرب يسوع لنا بلا حدود حتى أنه بذل نفسه وسفك دمه ليصير لنا قربانا وخبزا نأكله ليتّحد معنا الى الأبد . إنَّ الخبز والخمر تذكار مستمرلآلام وذبيحة المسيح من أجلنا .
 تنبأ الشيخ سمعان بآلام أُمّنا مريم العذراء عندما قال " وأمّا أنتِ ، فسيفُ ألأحزان سينفُذ في قلبِكِ"لوقا 2 : 35 " . الناس لن يكونوا على الحياد من الرب يسوع المسيح ، فإمّا أن يرفضوه بشدّة أو أن يقبلوه بفرح . ولكن مريم العذراء ستحزن للرفض العام الذي سيلاقيه إبنها من قبل هذا العالم . نحن جميعنا خطاة وكُلُّنا لعبنا دورا في صلب يسوع وموته . ولكن الخبر السار هو أنَّ الله رحيم ، وسيغفر لنا ويُعطينا بإبنه حياة جديددة عندما نتوب ونؤمن به مخلصا وربا وملكا على قلوبنا .

لقد تألّم يسوع المسيح من أجلنا ، حاملا خطايانا ، ليجعلنا مقبولين عند الله ، فبماذا نبرّر انكارنا لهذه المحبة الفائقة ؟ لماذا لا يزال هناك من الناس الذين يُريدون أن يحجبوا نور المسيح في حياتهم ؟ لماذا هذا  الرفض الغير المبرر؟ لماذا يكره ويَضطهِد العالم المسيحيين كما يخبرنا الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة  في كُلِّ زمان ومكان ؟ . لماذا العالم كلّه ، ( ممثللا برجال الدين اليهود والساسة الرومانيين أيّام المسيح) ، اتفق ضدّ المسيح ؟
إنها أسئلة مطروحة عبر التاريخ وليس هناك جواب لها سوى أنّ هذا العالم يخضع لسلطة الشيطان ولا يريد أن يأتي الى المسيح لانّ الشيطان قد أغوى الكثيرين واستعبدهم ، وأنّ نور المسيح يكشف الظلام الذي يعيش فيه هذا العالم ، وحق المسيح يدين أعمال هذا العالم الشريرة .
كان هناك أعتقاد عام في فكر اليهود وحضارتهم انّ المُصيبة أو الكارثة أو المرض او الألم هي نتيجة لخطيئة كبرى مُعيّنة . أمّا الرب يسوع المسيح استخدم معاناة الناس وآلامهم لترسيخ الأيمان وليُمجد الله ، فنحن نعيش في عالم ساقط وأحيانا كثيرة يتألم الأبرياء ، وهكذا قد لا تكون معاناتنا عقاباً ، بل مُجرّد آثار لجروحات المعركة بين أظهار ولائنا لله .
سارتر وكامو وغيرغراد وغيرهم من الفلاسفة الوجوديين قالوا : أنَّ  الحياة لامعنى لها طالما هناك الألم والموت ، وقد كتبَ ، الكاتب الأمريكي  " أرنست همنغواي" كتاب بعنوان "لا جديد تحت الشمس " مُستمدا عنوانه هذا من سفر الجامعة "لاشئ تحت الشمس كل شئ باطل " ، وكان الفلاسفة اليونان (الأبوقراطيين ) يقولون طالما الحياة قصيرة فعلينا أن نأكل ونشرب ونتمتع بهذه الحياة لان كل شئ زائل . هكذا اليونانيون في زمن الرسول بولس كانوا يطلبون الحكمة واليهود يطلبون الآيات ، لكن لم يختبروا هؤلاء كُلِّهم أنَّ من خلال صرخة الآلام ومن قلب الصليب نكتشف الله (قائد المائة)" حقا كان هذا ابن الله"متي 27 : 54"، وأنَّ الموت على الصليب هو آخر الأنحدار الذي وصل اليه يسوع المسيح ،لأنّ الله رفعه وأعطاه اسماً هو فوق كل الأسماء "تواضع ، أطاع حتّى الموت ، الموت على الصليب . فرفعه الله أعطاه اسما فوق كُلِّ اسمٍ" فيلبي 2 : 8 ". لأنَّنا متألمين أراد المسيح أن يشاركنا في آلامنا ويتألم معنا . عرف يسوع المسيح آلام الآخرين فأنفتح عليهم ، فدرب الصليب يمثل لنا طريق آلام البشرية كُلّها التي تأنُّ وتتالم بسبب انفصالها عن الله نتيجة الخطيئة. يسوع المسيح جاء الى هذه الأرض وقدّم نفسه مثالا للتضحية وبذل الذات ليساعدنا ويضع كتفه على كتفنا ويقول لنا هيا معا لأن نصل الى المجد القادم الى الهدف الأسمى الى ما وراء الآلام الى القيامة والحياة الأبدية ، فهو يعلِّمنا أنّ بآلامنا نجمع كلِّ العالم المتألّم ، وبآلامنا نعطي دروس المحبة للأنسانية . فنحن المؤمنين نكرز بيسوع المسيح مصلوبا ونفتخر بالصليب رمز المحبة والوفاء والخلاص .
إنّ صرخة مُخلصنا يسوع المسيح على خشبة الصليب وهو في قمة الآلام ، هي صرخة كلِّ المتروكين وكلِّ المهمّشين والمقهورين والمضطهدين والمظلومين والمشردين والمهجّرين والمتألمين لاسباب كثيرة ، وهي صرخة كل الذين تركوا أوطانهم وارضهم وأفترقوا عن أحبائهم وأعزائهم وأهلهم . انّها صرخة الذين طُعنوا من الخلف بسب الخيانة والغدر. يسوع المسيح سلّم روحه بين يدي الآب السماوي " يا أبي ، في يديك أستودع روحي " لوقا 23 : 46 " . ونحن أيضا علينا أن نسلّم حياتنا بين يدي أبينا السماوي فهو يعرف أكثر مما نعرفه ، فيسوع المسيح أختار بأرادته الحُرّة أن يطيع أبيه السماوي حتى لو قادته الطاعة الى ألألم والموت "عبرانيين 5 : 8 " ، وبمشاركته لنا في ألآلام ، شاركنا في خبرتنا البشرية مشاركة تامة . وهو قادر أن يُقدِّم خلاصا أبديا لمن يطيعه .
قد يظن الكثيرون أنّ المحبة تتناقض مع الموت ! الا أنّ هؤلاء الناس لا يعرفون المحبّة الحقيقية ، لأنَّ المحبة تتضمّن في الغالب التضحية والألم لانّ المحبّة هي عطاء ، ويسوع المسيح لم يأتي الى العالم ليكسب جاها أو سلطة سياسية ، كماهو تفكير الكثيرين من الناس ، لأنَّه وهو يُحاكم في محكمة الأشرار قال " مملكتي ليست من هذا العالم" ، لكنه جاء ليتألّم ويموت حتى نحيا نحن"عبرانيين 2 : 9، 10 "  .  انّ يسوع المسيح لم يحمل على خشبة الصليب خطيئة العالم ليسمّرها على الخشبة فقط بل حمّل آلام البشرية وأخذ اللعنة لكي يمحي لعنة الخطيئة لنصبح برالله  ، هكذا تمَّم يسوع المسيح عمل الله  الخلاصي للبشرية " تمّ كُلِّ شيءٍ "يوحنا 19 : 30 "

58

ما اشبه اليوم بالبارحة عندما نحتفل بعيد الشعانين!
 
بقلم نافع البرواري
 
"لا تخافي يا بنتَ صهيون : ها هو ملِكُكِ قادمٌ أليكِ ، راكبا على جحشِ أبن أتان"زكريا  9 : 9 " .
 
دخل الرب يسوع المسيح أورشليم منتصرا في أحد الشعانين تحت مظلة أقواس النصر من سعف النخيل والجموع تهتف له من حوله وتحيّيه ملكا لها ، بينما كان هو راكبا على جحش أبن اتّان . لقد اصطفَّ الجموع على جانبي الطريق الرئيسي وكان الكثيرون من الناس يبسطون ثيابهم على الطريق ، وكان الآخرون يقطعون أغصان الشجر ويفرشون بها الطريق بطوله ، وكانت الجموع التي تتقدم يسوع والتي تتبعه تهتف : 
"المجدُ لأبن داود ، تبارك الآتي باسم الربِّ ! المجدُ في العلى "( الكلمة المجد هي في الأصل : أوصنا وهي كلمة عبرية معناها : خلّصنا ثم استعملت للتحية والهتاف ) .
كان الناس يصرخون فرحين لانّهم يعلمون أنّ يسوع المسيح يتمّم نبوءة زكرياالقائل :" قولوا لأبنة صهيون : ها هو مَلِكُكِ قادم اليكِ وديعا راكبا على أتانٍ وجحشِ أبن أتان " (زكريا 9:9 ) . كان الناس متوهّمين ، وكذلك التلاميذ أيضا ، كانوا واثقين من أنّ يسوع المسيح هو المسيح بالحقيقة ، ولكن فكرتهم عن يسوع المسيح كانت خاطئة . فقد كانوا واثقين من أنّه سيكون قائدا قوميّا يعيد الى أُمّتهم سابق مجدها ، ومن ثمَّ فقد أغلقوا آذانهم عن أقوال أنبيائهم وأعموا عيونهم عن رسالة الرب يسوع الحقيقية ، وعندما صار واضحا جليّا أن يسوع لن يحقّق آمالهم القومية تحّول كثيرون ضدّه  . 
اليوم الكثيرون منّا نحن الذين ندَّعي كوننا مسيحيين ننظر بنفس نظرة اليهود قبل الفي سنة ، فنحن ننظر الى الأمجاد الفانية والى القومية (الكلدانية أو الآشورية) ونريد أحيائها ،  بينما نترك رب المجد يسوع المسيح لأنّه لم يحقق أُمنياتنا وطموحاتنا وشهواتنا الى السلطة والأمجاد الفانية .
 يسوع المسيح جاء ليقول لنا ان المجد الحقيقي هو في تتويجه ملكا على قلوبنا وأن نتبعه لأنّه هو الملك الحقيقي الباقي الى الأبد بينما الملوك والأمبراطوريات السابقة واللاحقة زالت وسوف تزول . إنَّ الشعب اليهودي الذي كان يمجّد الله ، لأنَّهُ  أعطاهُم ملكا ، تكوّنت لديهم فكرة خاطئة عن الرب يسوع المسيح ، فقد كانوا واثقين من أنّهُ قائد قومي سيعيدُ الى أُمتهم مجدها الأسبق ، ومن ثمَّ صمّوا آذانهم عن سماع كلام حتى أنبيائهم ، وأغمظوا عيونهم  لكي لايروا تواضع المسيح الراكب على جحش ، ليقول لهم أن مملكته ليست من هذا العالم .
ألأسئلة المطروحة اليوم:
اليست نظرتنا نحن مسيحيي العراق اليوم هي نفس نظرة  اليهود قبل الفي سنة؟
لماذا لا نقرأ أحداث الكتاب المقدس لنتعلّم دروسا وعبر عن هذا الكتاب العظيم ؟
هل سيعيد الكثيرين من المسيحيين نفس أخطاء اليهود بسعيهم المستميت في البحث عن القومية الوهمية ، عبر الرجوع الى الوثنية ماقبل الفي سنة ؟ أليس أسمنا الجميل "السورايي"  الذي حمله إبائنا منذُ الفي سنة هو الذي يضُمّنا ويوحدنا نحنُ الذين نتبع المسيح ، ونتكلم بلغتنا ألأُم "السورث" ؟.
هل نقبل أن يبكي المسيح على نينوى وبابل  كما بكى على أورشليم بعد أحد الشعانين عندما صعد على جبل الزيتون وهو حزين على شعبه ؟ ."ولمّا أقترب من أورشليم نظرالى المدينة وبكى، وقال " ليتُكِ عرفتِ طريق السلام ! (لوقا 19:41,42 )
هل نحن لا زلنا لم نكتشف رسالة يسوع المسيح وهي أن نبشّر العالم كلّه ببشرى الخلاص ، وأين أصحاب بدع القومية من هذه الأرسالية ؟ . وهل اولياتنا أصبحت السعي الى المراكز والسلطات والأمجاد والقوميات فأصبحنا كالسلفيين نريد أن نُرجع عجلة التاريخ الى الوراء ونتوهّم ونعيش في ماضي سحيق لنجتر منه فلا نتطلّع الى غدٍ مُشرقٍ يصنعه الخيّرون من أبنائنا ؟
هل نضع أولويات  لحضارتنا المسيحية التي صنعها آبائنا في الأيمان وشعَّت على المشرق والمغرب  ولا زالت حيّة  ،(وان فترت في مرحلة من مراحل التاريخ )  وتنتظر منا التركيز على أكتشاف كنوزها المدفونة في أرض "بيث نهرين" ، أم نتشبّث بحضارات وثنية وآلهة وثنية وملوك وثنيين ، فنترك إيماننا في المسيح وإيماننا في وحدتنا " السورايي"  ؟.
 هذه الأسئلة وغيرها يجب أن نتوقف عندها ونتأمل بها لنختار ما هو سلام لنا كما يقول الرب يسوع المسيح .
ليتنا عرفنا طريق سلامنا وهو الطريق الذي يقودنا الى الحق والحياة .

59

تأملات في إسبوع ألآلام 
آلجزء ألأول – آلام المسيح

نافع البرواري
"...لاشكل له فننظُرَ إليهِ ، ولا بهاءَ  ولا جمال فنشتهيهُ . مُحتقرٌ منبوذٌ من الناس ِ وموجَعٌ متمرِّسٌ بالحزن . ومثل من تُحجبُ عنهُ الوجوهُ  نَبذناهُ وما أَعتَبِرناهُ " اشعيا 53 : 1 – 3 ".
 من وسط ألآلام  يولد الفرح والرجاء ، من  من صرخة الطفل عند الولادة  تخرج الحياة ، من موت حبة الحنطة في ألأرض نحصل على الثمار لمواصلة الحياة . من وجع الألم لمشرط الطبيب يتم شفاء المريض .
 يسوع المسيح كمّلَ جميع النبواة ، فحياته وموته هي في الصلب ، خُطَّة الله لخلاص البشرية  . أسبوع ألآلام لايمكن أن نفصلها عن أحد القيامة ، وعلينا أن لانتوقَّف عند صرخة ألآلام بل أن نتجاوز الى فرح القيامة ، لأنَّ ملكوت الله دُشِّنت بشكل علني على الصليب ، وهكذا يوحنا البشير يصوِّر المسيح على الصليب كالملك على عُرشه"يوحنا 19 : 19 ". كان الصليب رمز الذُلِّ والهوان ، والخُذلان والأحتقار والأستهزاء والتعييرات ، وأداة اللعنة ، والعار  ، والخسران "اشعيا 53 : 3 " . ولكن يسوع المسيح حوّل هذا الرمز ، رمز الصليب ، عند اليهود والرومان ، الى رمز الأنتصار والخلاص والغفران والعطاء ، ورمز التألُّم لأقرار الحق والبر والسلام  ، ورمز بذل الذات والتضحية من أجل الآخرين ، وهو رمز المحبة والرجاء والحياة ، بقهر الموت بالموت وتحرير الأنسان من عبودية الشر والخطيئة . يسوع المسيح حمل خطايانا التي ترمز الى الشر "الحيّة القديمة"  وسمّرها على خشبة الصليب  وهو يقول لنا : " وكما رفع موسى  الحيّة في البريِّة فكذلك يجب ان يرفع ابن الأنسان لينال كُلِّ من يؤمن به الحياة ألأبدية "يوحنا 3 : 14 ، 15 ". لقد أوضح الربّ يسوع المسيح ، أنَّهُ كما أنَّ بني إسرائيل شفوا من إصابتهم عندما نظروا الى الحية النحاسية المرفوعة على العمود . هكذا يمكن الآن أن يخلص جميع المؤمنين من مرض الخطيئة ، بالنظر الى موت يسوع المسيح على الصليب ، فأننا سنخلص من لدغة الخطيئة القاتلة وذلك برفع أنظارنا الى يسوع المصلوب ، مؤمنين أنّهُ المخلِّص الذي بدمه أزال خطيئتنا ، وسحق الموت بموته على الصليب . نعم الألم بحدِّ ذاته  هو شر ، ولكن يسوع المسيح حوَّل الألم  بالحب الذي في قلبه فصار الصليب شعار المسيح ، والله أنزل القصاص بالمسيح بدلا من البشرية جمعاع . يسوع المسيح لم يذهب الى الموت مذلولا وخاضعا ، فهو، في الحقيقة ، أقوى من الموت  " والآب يُحبُّني لأنّي أُضحّي بحياتي حتّى أستردُّها . ما من أحدٍ ينتَزع حياتي ، بل أنا أُضحّي بها راضيا " يوحنا 10 17 ، 18 "     ولكن ، كما يقول بولس الرسول " ما اعتبر مساواتَهُ لله غنيمة ، بل أخلى ذاتَهُ وأتَّخذ صورة العبد صار شبيها بالبشر وظهر في صورة ألأنسان ، تواضع ، أطاع حتى الموت ، الموت على الصَّليب " فيلبي 2 : 6 ن 7 ".
إنّ آلام المسيح لم تكن فقط آلاما جسدية بسبب الجلد واللطم وحمل الصليب الثقيل والأشواك التي كانت تغرس في رأسه ، ولم تكن آلام المسيح ايضا  بسبب التعييرات  والبصاق والأستهزاء به من قبل صالبيه فقط ، بل كانت أشد الآلام هي ثقل حمل خطايا البشرية جميعا ، فهو ، كما قال عنهُ ، يوحنا المعمذان  " هو حَمل الله الحامل خطايا العالم ".  فكانَّ آلام يسوع المسيح هي آلام البشرية كُلّها ، فحيثما يتألم أيُّ آنسان في الأرض  ، فيسوع المسيح يتألم معه .
أن يسوع المسيح في آلامه يهزُّ مشاعرنا ويصدمنا لكي يصحوا ضميرنا فنعود اليه ونغوص في عمق سر آلامه  ونعترف بما قام به من التضحية وتحمّله آلاماً رهيبة ، فقد خاضَ صِراعا، نفسيا وروحيا ،عنيفا حتى تصبّب عرقا كقطرات الدم"لوقا 22:44 "  من اجل خلاصنا . إنّ آلام يسوع المسيح من أجل البشرية هي أهم مراحل حياة الرب يسوع المسيح معنا في هذه الأرض ، فهي مرحلة تتويج لمحبة الله لنا ، لأنّ المُحِب يجب أن يتألم من أجل مُحبيّهِ  ، هذه المحبَّة المضحيّة ، حتى الموت ، هي لكي نعرف عظم  هذه المحبة الغير المشروطة ، حتى التضحية بالذات، لأنّ المحبة الحقيقية ، هي بذل الذات من أجل المحبوب " هكذا أحبَّ الله العالم حتّى وهب أبنه ألأوحد ، فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية "يوحنا3 :16 " وهكذا الجلجثّة ترمز الى قمة المحبّة التي قهر يسوع المسيح  الموت  بموته على الصليب " لأنَّ المحبة أقوى من الموت " نشيد ألأناشيد ". كانت آلام المسيح رهيبة ، لقد ذاق الكأس المر وصُلب على الصليب بعد عذاب رهيب فواجه موتا شنيعا ، ولكنه أطاع أبيه السماوي حتى النهاية . لقد كان صراع يسوع في الجسمانية محطّة حاسمة في تحقيق المسيح لبنوّته الأزلية ، عبر البشرية الترابية المائتة التي إتّخذها" راجع كوستي بندلي ص219 " . " وتعلَّم الطاعة ، وهو الأبن ، بما لقي من الألم "عبرانيين 5 : 8 " .
" فمن خلال آلام يسوع المسيح إبن الله الوحيد ، يؤكِّد لنا  الله تضامنه معنا في آلامنا ومآساتنا في هذه الأرض، فبموت الأبن بطريقة شنيعة على خشبة الصليب ، جعل آلامنا طريقا الى المجد ، فكما طلب الرب يسوع المسيح من أبيه السماوي أن يمجِّده في درب الآلام ، هكذا أصبح الصليب مجدا للأنسانية "رؤيا 3 : 21 "من غلب أُعطيه أن يجلس معي على عُرشي ، كما غلبتُ أنا فجلستُ مع أبي على عُرشهِ " . المسيح هو الملك المتألم المُدان والمصلوب ، لكنَّهُ أخذ لعنتنا " حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا ، حسبناهُ مُصابا مضروبا من الله ومنكوبا  وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل خطايانا ، سلاما أعَدَّه لنا ، وبجراحهِ شُفينا "اشعيا 53 : 4 -5 " .
يقول كوستي بندلي في كتابه "الله والشر والمصير " :
" الأنسان كثيرا ما يسيء فهم مقاصد الله فيتصوّر أنَّ الله عدو لهُ يتعمّد حجب السعادة عنه لتحجيمه وإذلاله وتعذيبهِ ، وأنَّه إنّما يفعل ذلك ليستأثر لذاته بالسعادة وألأقتدار . هكذا تَغيب عن الأنسان صورة الأله الحقيقي وتُستبدل بتلك الصورة المشوّهة التي يسقطها على ألألوهية " كوستي بندلي ص211"....... ." لقد شارك ، يسوع المسيح ، البشرية تماما في مأساتهم ولكنه لم يشاركهم في الخطيئة التي تقودهم الى هذه المأساة" (كوستي بندلي ص214) . .......وقد بلغت هذه المسيرة تمامها وذروتها على الصليب . فقد إختبر يسوع ، في ساعات الظلمة تلك ، أكثر ممّا في أيِّ وقت مضى ، أختبر في جسده الذي كان يعاني سكرات موت رهيب وفي نفسه المكتنفة بمشاعر العزلة والفشل ، تمايز الله  الجذري عن تصوّرات البشر وأمانيهم ، وقد تُرجم ذلك بشعور مرير بالتخلي ألألهي ( كوستي بندلي ص220 ): "إلهي ، إلهي لماذا تركتني "متى 27 : 46 " .
يسوع المسيح افتدانا من لعنة الناموس ، اذ صار لعنة لأجلنا "غلاطية 3 : 13 – 14 ". وعندما مات المسيح على الصليب تمزَّق حجاب الهيكل ، وترك الله ذلك المكان ولم يعد يسكن في هيكل مصنوع بأيدي بشرية "أعمال 17 : 24 " . لقد إنتهى النظام الديني الخاص بالهيكل ، وترك الهيكل واورشليم "خرابا" (اذ دمرها الرومان سنة 70 م ". كما تنبأ في لوقا 13 :35 "، الهيكل (الذي كان يرمز الى إستمرار العهد القديم )، أستُبدِل بالعهد الجديد "عبرانيين 8 :13 " عهد سكن الله مع المؤمنين به وفيهم "عمانوئيل". فتمزُّق حجاب الهيكل يرمز الى أنّ في العهد الجديد لم يعد هناك حاجز بين الله وألأنسان فقد تفتَّحت القبور وبدأ الزمن الجديد (العهد الجديد) ، حيث خلعنا عنا الأنسان القديم لنلبس الأنسان الجديد  . الخطيئة  كانت السبب لوجود هذا الحاجز (بين القدس وقدس الأقداس في الهيكل  في العهد القديم ) لأن البشرية كانوا غير لائقين للدخول الى محضر الله . ولكن شكراً للرب يسوع المسيح لأنّهُ بموته على الصليب ، أزال الحاجز بين الله والأنسان ، ويمكننا الآن التقدم اليه بثقة وبجرأة "عبرانيين 4 : 14 -16 ". فنكرِّز به مصلوبا ونفتخر بالصليب الذي هو رمز حكمة الله لخلاص البشرية . فلنفتخر ، مع بولس الرسول ، بالصليب عندما يقول : "أمّا أنا فلن أٌفاخر الاّ بصليب ربِّنا يسوع المسيح ، به صار العالم مصلوبا بالنسبة إليَّ "غلاطية 6 :14 " 

60
عندما ينتشر الفكر الظلامي

نافع البرواري

وأنا أتطلَّع على عناوين موقع عنكاوى لفت نظري عنوان يقول :" معرض الكتاب الدولي الأول في محافظة نينوى يعرض كتبا تزدري المسيحية ويهمش الكتاب السرياني"

تذكَّرتُ زيارتي لأحدى المكتبات ، للجالية العربية ألأسلامية ، في أحدى الجوامع لأحدى المدن الأوربية (حينها كنتُ في حاجة لقرائة أي كتاب عربي بسبب تركي الوطن وخسارتي لجميع الكتب التي كانت في مكتبتي المتواضعة في العراق بعد هجرتي الى الخارج ) . الشيء الذي لفت نظري في تلك المكتبة أن الغالبية المطلقة للكتب المعروضة في تلك المكتبة كان مصدرها السعودية ، والغالبية المطلقة لهذه الكتب كانت تركز على كراهية النصارى (المسيحيين ) وتجعل القارئ المسلم وهو في قلب اوربا أن يكره الغرب "الكافر" حسب مضمون مواضيع هذه الكتب التي استعرتها ، لقرائتها من باب الفضول للأطلاع على مواضيعها . وأتذكر حينها أنني ألتقيت بالمشرف على المكتبة في الجامع ،  وأبديتُ استغرابي له عن سبب وجود هذه الكتب المسمومة في بلد أوربي يحتضن العرب والمسلمين ، فقال لي أننا نحصل على هذه الكتب مجانا من مصادر سعودية . وفي أحد ألأيام راجعت المكتبة لأستعارة كتاب ، أخبرني المشرف على المكتبة أنّ شرطة هذه المدينة قد داهموا الجامع وفتشوا تلك المكتبة ، فوضعوا شروطا عند قراءة أيِّ كتاب بأن يتم توقيع الحصول على توقيع القارئ لتكل الكتب ، وهذا حدث بعد أحداث 11 سبتمبر  2001
تلك المكتبة يمكن إعتبارها مكتبة نموذجية لآلاف المكتبات في الدول العربية وألأسلامية وحتى ألغربية التي تموِّل من قبل السعودية وبعض دول الخليج ، لنشر الفكر الوهابي التخريبي في انحاء العالم  مدعوما رسميا من قبل هذه الدولة الراعية للأرهاب  . والغريب أنني وبعد زيارتي لشمال العراق قبل مدة ، زرت بعض المكتبات لغرض شراء بعض الكتب الأدبية التي كنت اعتز بها في مكتبتي السابقة، ولكن ، ويا للأسف ، لم أجد في هذه المكتبات ، سوى كتب تجارية أو كتب ذي التوجهات ألأسلامية المتطرفة ، أو كتب لا تستحق حتى قراءة غلافها .
واليوم عندما أطَّلعت على عنوان "معرض الكتاب الدولي المقام في نينوى"  صار لي فضول لأقرأ المقالة المنشورة على الصفحة ألأولى لموقع عنكاوة ، فزاد يقيني من أنَّ العراق ليس مستثنا من المشروع السعودي الهادف الى نشر سموم الفكر الوهابي حتى في شمال الوطن ، الذي يعتبر نوعا ما نموذجا للديمقراطية والحرية في عراق ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق . ولكن للأسف خاب أملي وشعرتُ بالأحباط وخيبة ألأمل ، بسبب الأستمرار في نهج تسميم عقل القارئ بكتب ، تزوِّر حتى الحقائق التاريخية ، عندما تُلغي هذه الكتب المعروضة دور المسيحيين في المساهمة في بناء الحضارة العربية وألأسلامية ، والأنكى من هذا أن تطعن هذه الكتب بالعقيدة المسيحية ورموزها  في المحافل الدولية ، والمبكي والمحزن هو عندما يطلق على هذا المعرض أسم " معرض الكتاب الدولي" ويُعرض في مدينة نينوى قلعة الحضارة الآشورية التي قدمت للعالم قبل الاف السنين أكبر مكتبة أدبية وعلمية  في العالم ، وهي مكتبة آشور بانيبال ،  وساهم شعب بين النهرين "الكلدان والسريان ولآشوريين " وعبر مئات السنين في بناء الحضارة العربية والأسلامية ، من خلال علمائهم الذين نقلوا حضارة الغرب اليوناني والروماني الى العرب القادمين من الصحراء العربية في شبه الجزيرة العربية ، التي كانت قاحلة فكريا وعلميا وحضاريا كأرضها الصحراوية القاحلة . فعندما غزى ، العرب ، بلاد ما بين النهرين ، كان شعب وادي الرافدين لهم حضارة غائرة في القدم ، شعَّت على العالم أجمع ، وكان فيها مدارس وحتى ما يشبه جامعات علمية ودينية يتخرّج منها مئات الطلبة في شتى ميادين الأختصاص الطبية والفكلية والفلسفية والدينية ...الخ.
اليوم عندما تُهمِّش السلطات الحكومية في نينوى دور السريان وتطعن في رموزها الدينية  ، فان هذه السلطات ترتكب جريمة بحق  الأنسانية عامة وبحق مواطني نينوى الذين هم من ابناء حضارة وادي الرافدين ،لأن الحضارة السريانية ، هي حضارة إنسانية قبل أن تكون حضارة وادي الرافدين ، وعندما تسكت الحكومة المركزية ، عن انتشار الفكرالوهابي المسموم في محافظة نينوى ، أو في أيِّ جزء من العراق ، فهذا يعني بالنسبة لنا ، نحنُ "السورايي" أنَّ هناك خطة ومنهج مبرمج لتهميش دورنا في عراق اليوم ، وهناك خطة لتهميش وحتى الغاء دور حضارة ما بين النهرين ، فعلى جميعنا ، وخاصة رئاسة الكنائس في العراق، و الأحزاب السياسية لشعبنا "السورايي" ، أن يستنكروا هذا التهميش والطعن في رموزنا المسيحية لأنَّ هذا العمل هو بادرة خطيرة سيتكرر إن لم نقف بالمرصاد لهذا الفكر الأقصائي الممنهج
لنقرأ ما ورد في نص المقالة المنشورة في موقع عنكاوة لتأكيد حقيقة الخبر.
الموصل /عنكاوا كوم /خاص
برعاية محافظة نينوى اقيم معرض الكتاب الدولي الأول بمشاركة عشرات دور النشر العراقية والعربية والعالمية وقد احتوى المعرض على إصدارات عديدة وحديثة لمختلف العناوين  التي تبحث في العديد من مجالات الحياة وقد تركز الجزء الرئيس من المعرض على دور نشر سعودية حيث كان لها نصيب الاسد من المعرض بينما احتوى على العديد من الكتب التي  ناقشت رؤية الاسلام للاديان الاخرى كما احتوى احد جوانب المعرض على ركن عرضت فيه كتب لمؤلف يدعى ابن قرناس  حيث قام  المؤلف المذكور باعداد كتب عديدة من بينها كتاب بعنوان (مسيحية بولص وقسطنطين ) يزدري فيه الديانة المسيحية ويشكك بروحانيتها كما يعرض المؤلف في الكتاب ارتباط المسيحية بالوثنية من خلال اعتماد المسيحية للاعياد لوثنية ومنحها الصبغة المسيحية كما يتعرض على روحانية السيدة العذراء ..من جانبهم ابدى عدد كبير من ادباء وكتاب ابناء شعبنا امتعاضهم من تهميشهم من خلال عدم ضمهم للجنة التحضيرية  التي قامت باعداد المعرض  واكد عدد من ابناء شعبنا في احاديث للموقع ان هذا التهميش يصور الواقع الذي يعيشه مسيحيو المدينة"

ألأسئلة الموجِّه لرئاسات كنائسنا في العراق، ولجميع أحزابنا في الوطن وخارج الوطن ، هي :
 ماالذي سنخسره عندما نصرخ للعالم المتحضر لأنقاذ حضارتنا نحن شعب بين النهرين؟ الا يحاسبنا التاريخ على صمتنا وسكوتنا الذي يمكن أن نشبِّههُ بصمت وسكوت  ألأموات في القبور؟
ماذا كسبنا  نحن "السورايي" غير الذل والهوان وألترهيب والتهميش ، خلال السنين الماضية حتّى  نخاف ان نقول الحقائق وندافع عن حقنا في الوجود  ؟
على شعبنا المسيحي في العراق أن يثور على ألواقع المر ويحاسب الرؤساء  الدينيين والسياسيين ، في حالة سكوتهم  عن المظالم والتهميش والطعن برموزنا  الدينية  والتاريخية والحضارية ، مهما كانت الجهة التي تقف وراء هذه المظالم .
للأطلاع على المقالة المنشورة في موقع عنكاوة  راجع الموقع أدناه
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,566816.msg5525682.html#msg5525682

نافع البرواري

61

المسيح الثائر هوالمحرَّر الحقيقي للأنسان  من قيود العبودية
الجزء ألأول - من هو يسوع المسيح ؟
نافع البرواري
 
بعيدا في الخوض في سر الثالوث واللاهوت ، يمكن معرفة شخصية يسوع المسيح من خلال تعاليمه وأقواله وحياته على هذه الأرض . في الحقيقة تتوقّف حياة ألأنسان الروحية على معرفة شخص يسوع المسيح ، فها هو يوحنا المعمذان ، وهو أعظم ألأنبياء ، يشهد للمسيح فيقول : "من جاء من فوق ، فهو فوق الناس جميعا . ومن كان من ألأرض ، فهو أرضيٌ وبكلام أهل ألأرض يتكلَّم ....فمن أرسلهُ الله يتكلَّم بكلام الله ، لأنَّ الله يهب الروح بغير حساب " يوحنا 3 : 31 -34 " . حين بدأ المسيح خدمته على الأرض، وجمع حوله تلاميذه الاثنى عشر، وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله، ويشفوا المرضى، التفَّت الجماهير حوله وصارت تتبعه في كل مكان، وأحدث ذلك هزة أخافت رؤساء الكهنة والشعب والقادة.  ويقول الكتاب المقدس ، إن المسيح عندما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة : من هو هذا ؟ وما تزال حتى اليوم المدن ترتج ... وما تزال العقول ترتج ... وما يزال العالم كله يرتج ويقول " من هو هذا ؟....من هو هذا ؟ . أمَّا هيرودس الملك أهتز عرشه عندما سمع أنّ جموع الناس تتبعهُ فخاف على سلطه السياسية  فقال : " يوحنا أنا قطعتُ رأسه فمن هو هذا ؟ "لوقا 9 : 9 "
لم يرد في التاريخ من يشبهه ... يدعى إسمهُ عجيباً مشيراً إلهاً قديراً .." إشعياء 9: 6 " . لم يكن له عبيد ولكنه سُميّ السيد ، وهو يحرِّر ألأنسان من الداخل حتى لوكان ذلك الأنسان عبدا في هذا العالم أو سجينا أو فقيرا أو منبوذا من المجتمع . لم يكن له جيوش ولكن أعدائه كانوا ولا يزالون يخافون منهُ ، ولم يكن له سلطة سياسية أو دينية ولكن الساسة ورجال الدين يهابونه ويرتعبون عند سماع اسمه لأنَّ " شريعة الحق كانت في فمه ولا جور في شفتيهِ " ملاخي 2 : 6 ". لم يكن له تاج ملكي ولكن الملوك سجدوا ولا زالوا يسجدون له . لم يكن له أراضي أو أملاك أو مال ، ولم يكن له موضع ليضع عليه رأسه ، ولكن ذاع أسمه في اقاصي الأرض المسكونة وبنيت آلاف الكنائس في العالم أجمع لتمجيد اسمه. لم يكن معروفا في العالم عندما ولد في قرية صغيرة نائية  ولكن اليوم هواشهر انسان في الوجود وأصبح اسمه ممجدا في العالم كله فشهرته انتشرت في الآفاق ، وغزى قلوب الناس وأسَّرهُم بمحبّته . مات على خشبة الصليب كمجرم وملعون ، ولكن الملايين من المؤمنين باسمه يعلقون الصليب على صدورهم علامة ألأنتصار على الموت وافتخارا باسمه .  لم يكن له ابناء أو بنات أو أخوة أو خوات بل كان وحيدا لأهله وأبيه ، ولكن اليوم جميع المؤمنين باسمه صاروا له أبناء وبنات وإخوة وأخوات " أما الذين قبلوه ، المؤمنون بإسمه ،فأعطاهم ُسلطانا أن يصيروا أبناء الله".يوحنا1: 12 "
لم يكن له شهادة دراسية ولكن دعي بالمعلم وكان يتكلم كمن له سلطان . لم يكن كاهنا أو عالم للشريعة ولكنه هو نفسه واضع الشريعة ومُعلمها . عاش في هذه ألأرض فقيرا  مكتفيا بالخبز اليومي ،  ولكنه يطعم الملايين  بالخبز الحي النازل من السماء ويروي العطاشى الى الحياة ألأبدية . لم يكن له شهادة جامعية في الطب ، ولكنَّه لقِّبَ بالطبيب ألأعظم ، وكان ، ولا يزال ،  يشفي المرضى ويقيم الموتى . لم يرتكب خطيئة واحدة في حياته ومع ذلك كان يُغفر للخاطئين ويطلقهم من عبودية الخطيئة ، وهو يقول لنا في كُلِّ حين " تعالوا إليَّ ياجميع المُتعبين والرّازخين تحتَ أثقالكُم وأنا أُريحُكم . إحملوا نيري وتعلَّموا منّي تجدوا الرّاحة لنُفوسِكم ، فانا وديعٌ متواضِعُ القلبِ ، ونيري هيِّن وحملي خفيف "متى :11 : 28 – 30 " . يسوع المسيح
حمل خطايا البشرية جمعاء على خشبة الصليب "حمل عاهاتنا وتحمَّلَ أوجاعانا ، حسبناهُ مصابا مضروبا من الله ومنكوبا ، وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل خطايانا ، سلامُنا أعدَّه لنا ، وبجراحهِ شُفينا " اشعيا 53 : 4 – 5 ". فصرخة يسوع المسيح على خشبة الصليب ، وهو في قمة ألآلام ، هي صرخة كُلِّ متروك وصرخة كُلِّ المهمشين والمقهورين والمظلمومين والمشردين والمستعبدين سواء بقيود الخطيئة أو قيود السلاطين والحُكَام ، أو المستعبدين بقيود الشر وألأرواح النجسة  . انَّ الظُلمة والزلازل وقيامة الكثيرين من الناس من القبور، عند ما سلَّم يسوع المسيح حياته الى أبيه السماوي ، هي رموز تُنذِر العالم أنَّ المسيح  ابن الله جاء الى خاصته وخاصته لم تقبله ، وهي رمز لكل انسان لكي يقوم من النوم العميق (الموت) لينتقل الى الحياة الأبدية .
لم يدعو يسوع المسيح الى الثورة ولا الى قلب الأنظمة الدكتاتورية  ولكنه دعى الى الثورة على الذات ، فتحرير ألأنسان يبدأ من الداخل ، لأنَّ الجراحات هي تأتي من الداخل وكل شر ينبع من القلب . وأعدَ لنا سلاما وبشّر بالسلام والمحبة والغفران "سلاما أترك لكم ، سلامي أُعطيكم ، لا كما يُعطيه العالم أُعطيكم أنا " يحنا 14 : 27 " . جاء للعالم بالسلام والبهجة والفرح  ، فهو ينعش النفس ويهدينا سبيل الحقَّ وينشر العدل والبر والرحمة ، وهو شافي للقلوب وجاء" ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت لكي يهدي اقدامنا في طريق السلام " لوقا 1 79 "
كلام يسوع المسيح هو كلام من له سلطة سماوية فبكلمة منه يستطيع أن يهب الحياة حتى للموتى إذ يقول" أنا القيامة والحياة .......لي سلطان أن أضع ذاتي ولي سلطان أن آخذها "، وقام من الموت في اليوم الثالث " ، ويقول " أنا نور العالم " وفتح عيون الملايين ليعرفوا من هو الله الحقيقي . كان يسوع يُدهش سامعيه بتعاليمه التي لم يستطع حتى ألأعداء ان يواجهوه نظرا لقوة الحق التي تحمُلها كلماته .
يسوع المسيح  لم ياتي ليفرض قوانين السماء على الأرض بالقوة أو بالأكراه  بل قال قوله المشهور " اعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله "متى 22 : 21 " فهنا أعطى يسوع الحرية الدينية والحرية السياسية ، فليس الناس على دين ملوكهم كما كان يحدث أيّام القرون الوسطى . فملكوت الله ، ليس مملكة تُنافس أو تُزاحم  مملكة قيصر (السلطة السياسية) ، لأنَّ ملكوت الله من نظام آخر ويقف على مستوى آخر . المسيح لاياتي ليحلَّ محلَّ قيصر(الذي يمثل كلِّ سُلطات أرضية ) ويحقق مسيحانية سياسية ودينية (كما كان اليهود يعتقدون وكما يعتقد الكثيرون من الأحزاب ألأسلامية اليوم ) ، بل قد أتى ليؤسِّس ملكوت الله وهو الذي يقول " ليست مملكتي من هذا العالم" يوحنا 18 : 36 " . وهكذا أكَّد أنّ ملكوت الله لا يتداخل مع مملكة البشر.
يسوع المسيح هو طريق الثوابت . ثبات في المبادئ والقيم والمثل العليا  ، وثبات في الحق والعدالة والمحبّة ، وألأمانة ، والصدق وألأخلاص والرحمة والحنان والتواضع ، والتماسك والوضوح والبساطة  وبذل الذات ،  وثبات في مجابهة كل المخاطر وألأهوال  ، حتى دَفعَ أغلى ثمن في سبيل ألحفاظ على هذه الثوابت والقيم والمبادئ ، و كانت منهج حياته وتعليمه ، فلم يكن في تعليمه تناقض مع حياته ولا تعارض ، ولا أزدواجية بين التعليم والحياة ، وبين القول والعمل ، ومثال على ذلك  عندما يقول "احبّوا أعدائكم .." فهو صلى على صالبيه وقال " يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون " وكذلك عندما يتكلم عن المحبة فهو عاشها ومات مضحيا بحياته من أجل محبيه "هكذا أحبَّ الله العالم حتَّى وهب إبنهُ ألأوحد ، فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة ألأبدية "يوحنا3 : 16 " . مبادئ المسيح لم تهزُّ يوما ما نتيجة الظروف أو الخوف أو ألتهديد أو اليأس أو نتيجة الشعور بالمرارة أو الغضب . طريق المسيح كان واضحا ونهج تعاليمه ومبادئه ثابة وبسيطة  وفيها شفافية ، ففي حياته ، كما في تعليمه ، لانجد أيُّ غموض أو تعقيد  بل وضوحا وبساطة ، ولم تكن هناك عقد أو مفاهيم غير واضحة للناس ، بل العكس كان كلامه لا لبس فيه ولا ضبابية بل يفهمه كل انسان أراد معرفة الحق ، وفي نفس الوقت عينه كان كلامه عميقا ومتجددا ويأسر القلوب . كان الطريق الذي انتهجه يسوع المسيح ايضا هو السهولة والصعوبة في آن  واحد ، فهو  سهل لأنّ المسيح يخاطب قلب ألأنسان ومشاعره وعقله وروحه ونفسه ، فهو كصديق واخ وحبيب وأب يخاطب محبيه بمحبة وحنان ويصف ذلك بقوله " ها أنا واقفٌ  على الباب أقرعه فإن سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب دخلتُ اليه وتعشيتُ معهُ وتعشّى هو معي"  رؤيا 3 : 20 ". وطريق المسيح ضيِّق وصعب وشائك والقليلون يستطيعون السير فيه ، لأنَّ السير في طريق الحق هو كمن يسير عكس التيار .
يسوع المسيح قام بثورة ضد قوات الشر الروحية وكان سلاحه هو سلاح الكلمة فلم يكن له جيوش ولا أسلحة الدمار والهلاك ، بل جاء ليحرر ألأنسان من قيود قوات الشر الروحية"زكريا 12 : 3 – 4 " . فيسوع المسيح يحفظنا من الشر ويحطَّم كل اسهم ألأشرار وسيوف الغدر . إنَّ سلطان المسيح هو على السماء وعلى ألأرض وعلى كُلِّ المخلوقات ، وهو مع المؤمنين به الى انتهاء العالم "متى 28 : 18 – 20 "  جاء الى هذه ألأرض ليقيم الجسور بين ألأنسان وخالقه ويصالح السماء مع ألأرض .
لقد حررنا يسوع المسيح من اعتى أعدائنا  ألا وهو الموت , وأعطانا الحياة الأبدية " اين شوكتك ياموت واين غلبتُكِ ياهوية ؟ " ونقلنا من الظلمة الى النور ومن التعاسة الى السعادة ومن النجاسة الى الطهارة والقداسة ، ومن العبودية للشهوات الجسدية الى الحرية الروحية  ومن الخوف  الذي يجعل ألأنسان مرتعبا ومشلول ألأرادة ، الى السلام الذي يفوق الوصف . وهو الذي نقلنا من اليأس الى الرجاء والأمل ،  ومن الفقر الروحي الى الغنى الروحي ، وفتح عيوننا لكي نبصر وآذاننا لكي نسمع ونصغي الى الحقائق الألهية ، وغيّر قلوبنا الحجرية الى قلوب تنبض بالمحبة والحياة  ، وعلّمنا كيف نختار الطريق الذي يؤدي الى الكمال والتسامي والحياة الأبدية .
 نعم يسوع المسيح علّمنا في هذه الحياة ماهي أولوياتنا وكيف نسير لبلوغ الهدف والحصول على أكليل الفوز في مملكة الله

62

المسيح الثائر هوالمحرَّر الحقيقي للأنسان  من قيود العبودية
الجزء ألأول - من هو يسوع المسيح ؟
نافع البرواري
 
بعيدا في الخوض في سر الثالوث واللاهوت ، يمكن معرفة شخصية يسوع المسيح من خلال تعاليمه وأقواله وحياته على هذه الأرض . في الحقيقة تتوقّف حياة ألأنسان الروحية على معرفة شخص يسوع المسيح ، فها هو يوحنا المعمذان ، وهو أعظم ألأنبياء ، يشهد للمسيح فيقول : "من جاء من فوق ، فهو فوق الناس جميعا . ومن كان من ألأرض ، فهو أرضيٌ وبكلام أهل ألأرض يتكلَّم ....فمن أرسلهُ الله يتكلَّم بكلام الله ، لأنَّ الله يهب الروح بغير حساب " يوحنا 3 : 31 -34 " . حين بدأ المسيح خدمته على الأرض، وجمع حوله تلاميذه الاثنى عشر، وأرسلهم ليكرزوا بملكوت الله، ويشفوا المرضى، التفَّت الجماهير حوله وصارت تتبعه في كل مكان، وأحدث ذلك هزة أخافت رؤساء الكهنة والشعب والقادة.  ويقول الكتاب المقدس ، إن المسيح عندما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة : من هو هذا ؟ وما تزال حتى اليوم المدن ترتج ... وما تزال العقول ترتج ... وما يزال العالم كله يرتج ويقول " من هو هذا ؟....من هو هذا ؟ . أمَّا هيرودس الملك أهتز عرشه عندما سمع أنّ جموع الناس تتبعهُ فخاف على سلطه السياسية  فقال : " يوحنا أنا قطعتُ رأسه فمن هو هذا ؟ "لوقا 9 : 9 "
لم يرد في التاريخ من يشبهه ... يدعى إسمهُ عجيباً مشيراً إلهاً قديراً .." إشعياء 9: 6 " . لم يكن له عبيد ولكنه سُميّ السيد ، وهو يحرِّر ألأنسان من الداخل حتى لوكان ذلك الأنسان عبدا في هذا العالم أو سجينا أو فقيرا أو منبوذا من المجتمع . لم يكن له جيوش ولكن أعدائه كانوا ولا يزالون يخافون منهُ ، ولم يكن له سلطة سياسية أو دينية ولكن الساسة ورجال الدين يهابونه ويرتعبون عند سماع اسمه لأنَّ " شريعة الحق كانت في فمه ولا جور في شفتيهِ " ملاخي 2 : 6 ". لم يكن له تاج ملكي ولكن الملوك سجدوا ولا زالوا يسجدون له . لم يكن له أراضي أو أملاك أو مال ، ولم يكن له موضع ليضع عليه رأسه ، ولكن ذاع أسمه في اقاصي الأرض المسكونة وبنيت آلاف الكنائس في العالم أجمع لتمجيد اسمه. لم يكن معروفا في العالم عندما ولد في قرية صغيرة نائية  ولكن اليوم هواشهر انسان في الوجود وأصبح اسمه ممجدا في العالم كله فشهرته انتشرت في الآفاق ، وغزى قلوب الناس وأسَّرهُم بمحبّته . مات على خشبة الصليب كمجرم وملعون ، ولكن الملايين من المؤمنين باسمه يعلقون الصليب على صدورهم علامة ألأنتصار على الموت وافتخارا باسمه .  لم يكن له ابناء أو بنات أو أخوة أو خوات بل كان وحيدا لأهله وأبيه ، ولكن اليوم جميع المؤمنين باسمه صاروا له أبناء وبنات وإخوة وأخوات " أما الذين قبلوه ، المؤمنون بإسمه ،فأعطاهم ُسلطانا أن يصيروا أبناء الله".يوحنا1: 12 "
لم يكن له شهادة دراسية ولكن دعي بالمعلم وكان يتكلم كمن له سلطان . لم يكن كاهنا أو عالم للشريعة ولكنه هو نفسه واضع الشريعة ومُعلمها . عاش في هذه ألأرض فقيرا  مكتفيا بالخبز اليومي ،  ولكنه يطعم الملايين  بالخبز الحي النازل من السماء ويروي العطاشى الى الحياة ألأبدية . لم يكن له شهادة جامعية في الطب ، ولكنَّه لقِّبَ بالطبيب ألأعظم ، وكان ، ولا يزال ،  يشفي المرضى ويقيم الموتى . لم يرتكب خطيئة واحدة في حياته ومع ذلك كان يُغفر للخاطئين ويطلقهم من عبودية الخطيئة ، وهو يقول لنا في كُلِّ حين " تعالوا إليَّ ياجميع المُتعبين والرّازخين تحتَ أثقالكُم وأنا أُريحُكم . إحملوا نيري وتعلَّموا منّي تجدوا الرّاحة لنُفوسِكم ، فانا وديعٌ متواضِعُ القلبِ ، ونيري هيِّن وحملي خفيف "متى :11 : 28 – 30 " . يسوع المسيح
حمل خطايا البشرية جمعاء على خشبة الصليب "حمل عاهاتنا وتحمَّلَ أوجاعانا ، حسبناهُ مصابا مضروبا من الله ومنكوبا ، وهو مجروح لأجل معاصينا ، مسحوق لأجل خطايانا ، سلامُنا أعدَّه لنا ، وبجراحهِ شُفينا " اشعيا 53 : 4 – 5 ". فصرخة يسوع المسيح على خشبة الصليب ، وهو في قمة ألآلام ، هي صرخة كُلِّ متروك وصرخة كُلِّ المهمشين والمقهورين والمظلمومين والمشردين والمستعبدين سواء بقيود الخطيئة أو قيود السلاطين والحُكَام ، أو المستعبدين بقيود الشر وألأرواح النجسة  . انَّ الظُلمة والزلازل وقيامة الكثيرين من الناس من القبور، عند ما سلَّم يسوع المسيح حياته الى أبيه السماوي ، هي رموز تُنذِر العالم أنَّ المسيح  ابن الله جاء الى خاصته وخاصته لم تقبله ، وهي رمز لكل انسان لكي يقوم من النوم العميق (الموت) لينتقل الى الحياة الأبدية .
لم يدعو يسوع المسيح الى الثورة ولا الى قلب الأنظمة الدكتاتورية  ولكنه دعى الى الثورة على الذات ، فتحرير ألأنسان يبدأ من الداخل ، لأنَّ الجراحات هي تأتي من الداخل وكل شر ينبع من القلب . وأعدَ لنا سلاما وبشّر بالسلام والمحبة والغفران "سلاما أترك لكم ، سلامي أُعطيكم ، لا كما يُعطيه العالم أُعطيكم أنا " يحنا 14 : 27 " . جاء للعالم بالسلام والبهجة والفرح  ، فهو ينعش النفس ويهدينا سبيل الحقَّ وينشر العدل والبر والرحمة ، وهو شافي للقلوب وجاء" ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت لكي يهدي اقدامنا في طريق السلام " لوقا 1 79 "
كلام يسوع المسيح هو كلام من له سلطة سماوية فبكلمة منه يستطيع أن يهب الحياة حتى للموتى إذ يقول" أنا القيامة والحياة .......لي سلطان أن أضع ذاتي ولي سلطان أن آخذها "، وقام من الموت في اليوم الثالث " ، ويقول " أنا نور العالم " وفتح عيون الملايين ليعرفوا من هو الله الحقيقي . كان يسوع يُدهش سامعيه بتعاليمه التي لم يستطع حتى ألأعداء ان يواجهوه نظرا لقوة الحق التي تحمُلها كلماته .
يسوع المسيح  لم ياتي ليفرض قوانين السماء على الأرض بالقوة أو بالأكراه  بل قال قوله المشهور " اعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله "متى 22 : 21 " فهنا أعطى يسوع الحرية الدينية والحرية السياسية ، فليس الناس على دين ملوكهم كما كان يحدث أيّام القرون الوسطى . فملكوت الله ، ليس مملكة تُنافس أو تُزاحم  مملكة قيصر (السلطة السياسية) ، لأنَّ ملكوت الله من نظام آخر ويقف على مستوى آخر . المسيح لاياتي ليحلَّ محلَّ قيصر(الذي يمثل كلِّ سُلطات أرضية ) ويحقق مسيحانية سياسية ودينية (كما كان اليهود يعتقدون وكما يعتقد الكثيرون من الأحزاب ألأسلامية اليوم ) ، بل قد أتى ليؤسِّس ملكوت الله وهو الذي يقول " ليست مملكتي من هذا العالم" يوحنا 18 : 36 " . وهكذا أكَّد أنّ ملكوت الله لا يتداخل مع مملكة البشر.
يسوع المسيح هو طريق الثوابت . ثبات في المبادئ والقيم والمثل العليا  ، وثبات في الحق والعدالة والمحبّة ، وألأمانة ، والصدق وألأخلاص والرحمة والحنان والتواضع ، والتماسك والوضوح والبساطة  وبذل الذات ،  وثبات في مجابهة كل المخاطر وألأهوال  ، حتى دَفعَ أغلى ثمن في سبيل ألحفاظ على هذه الثوابت والقيم والمبادئ ، و كانت منهج حياته وتعليمه ، فلم يكن في تعليمه تناقض مع حياته ولا تعارض ، ولا أزدواجية بين التعليم والحياة ، وبين القول والعمل ، ومثال على ذلك  عندما يقول "احبّوا أعدائكم .." فهو صلى على صالبيه وقال " يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون " وكذلك عندما يتكلم عن المحبة فهو عاشها ومات مضحيا بحياته من أجل محبيه "هكذا أحبَّ الله العالم حتَّى وهب إبنهُ ألأوحد ، فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة ألأبدية "يوحنا3 : 16 " . مبادئ المسيح لم تهزُّ يوما ما نتيجة الظروف أو الخوف أو ألتهديد أو اليأس أو نتيجة الشعور بالمرارة أو الغضب . طريق المسيح كان واضحا ونهج تعاليمه ومبادئه ثابة وبسيطة  وفيها شفافية ، ففي حياته ، كما في تعليمه ، لانجد أيُّ غموض أو تعقيد  بل وضوحا وبساطة ، ولم تكن هناك عقد أو مفاهيم غير واضحة للناس ، بل العكس كان كلامه لا لبس فيه ولا ضبابية بل يفهمه كل انسان أراد معرفة الحق ، وفي نفس الوقت عينه كان كلامه عميقا ومتجددا ويأسر القلوب . كان الطريق الذي انتهجه يسوع المسيح ايضا هو السهولة والصعوبة في آن  واحد ، فهو  سهل لأنّ المسيح يخاطب قلب ألأنسان ومشاعره وعقله وروحه ونفسه ، فهو كصديق واخ وحبيب وأب يخاطب محبيه بمحبة وحنان ويصف ذلك بقوله " ها أنا واقفٌ  على الباب أقرعه فإن سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب دخلتُ اليه وتعشيتُ معهُ وتعشّى هو معي"  رؤيا 3 : 20 ". وطريق المسيح ضيِّق وصعب وشائك والقليلون يستطيعون السير فيه ، لأنَّ السير في طريق الحق هو كمن يسير عكس التيار .
يسوع المسيح قام بثورة ضد قوات الشر الروحية وكان سلاحه هو سلاح الكلمة فلم يكن له جيوش ولا أسلحة الدمار والهلاك ، بل جاء ليحرر ألأنسان من قيود قوات الشر الروحية"زكريا 12 : 3 – 4 " . فيسوع المسيح يحفظنا من الشر ويحطَّم كل اسهم ألأشرار وسيوف الغدر . إنَّ سلطان المسيح هو على السماء وعلى ألأرض وعلى كُلِّ المخلوقات ، وهو مع المؤمنين به الى انتهاء العالم "متى 28 : 18 – 20 "  جاء الى هذه ألأرض ليقيم الجسور بين ألأنسان وخالقه ويصالح السماء مع ألأرض .
لقد حررنا يسوع المسيح من اعتى أعدائنا  ألا وهو الموت , وأعطانا الحياة الأبدية " اين شوكتك ياموت واين غلبتُكِ ياهوية ؟ " ونقلنا من الظلمة الى النور ومن التعاسة الى السعادة ومن النجاسة الى الطهارة والقداسة ، ومن العبودية للشهوات الجسدية الى الحرية الروحية  ومن الخوف  الذي يجعل ألأنسان مرتعبا ومشلول ألأرادة ، الى السلام الذي يفوق الوصف . وهو الذي نقلنا من اليأس الى الرجاء والأمل ،  ومن الفقر الروحي الى الغنى الروحي ، وفتح عيوننا لكي نبصر وآذاننا لكي نسمع ونصغي الى الحقائق الألهية ، وغيّر قلوبنا الحجرية الى قلوب تنبض بالمحبة والحياة  ، وعلّمنا كيف نختار الطريق الذي يؤدي الى الكمال والتسامي والحياة الأبدية .
 نعم يسوع المسيح علّمنا في هذه الحياة ماهي أولوياتنا وكيف نسير لبلوغ الهدف والحصول على أكليل الفوز في مملكة الله

63


 
كنيستنا في العراق والحاجة الى التغيير بمشاركة العلمانيين المؤمنين
 
الجزء ألأوَّل
نافع البرواري
 
"فملكوت السماوات كمثل صاحب كرم خرج مع الفجر ليستأجر عمّالا لكرمهِ . فأتَّفقَ مع العُمّال على دينار في اليوم وارسلهم الى كرمه ........وخرج نحو الخامسة مساء ، فلقى عُمّالا آخرين واقفين هُناك ، فقال لهم : ما لكم واقفين هُنا كُلَّ النهار بطالين ؟ قالوا لهُ : ما أستأجرنا أحدٌ . قال لهم : أذهبوا أنتُم أيضا الى كرمي "متى 20 : 1 – 7 " .
 ماهي الكنيسة ؟
الكنيسة حسب ما نفهم معناها في الكتاب المقدس هي عائلة المؤمنين
فلايمكن ان تستغني الكنيسة من ايَِّ عضو من أعضائها لأن جميع الأعضاء لهم دور ومواهب في جسد الكنيسة ومن يقول غير ذلك فهو لا يعرف قول المسيح
" أذهبوا أنتم ايضا الى كرمي" .
الكنيسة ليست هيكلا مبنيا من الحيطان والحجارة بل هي البناء الحي بالمؤمنين وكل مؤمن هو لبنة حيّة في بناء هذا الصرح الروحي. ولا يمكن إهمال أي عضو من أعضاء جسد هذه الكنيسة  من المشاركة في بناء هذا الصرح الروحي . فالكنيسة هي الشعب المؤمن بالمسيح وهذا الشعب يعتبر جسد الكنيسة  ورأس هذا الجسد هو المسيح  وكُلِّ مؤمن هو عضو فاعل ومتمييز في هذا الجسد، وكُلِّ عضوعندما  يتألّم ، يتألَّم معه جميع الأعظاء  ، وكُلِّ عضو غير فعّال أو مهمّش في هذا الجسد يعني ذلك أن هذا الجسد مريض ويحتاج الى العلاج .
للأسف كنيستنا في العراق لا زالت تعيش في زمن سابق لمجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد في ستينات القرن الماضي ، وأنا أقولها بمرارة وعن خبرة عشتها  في الواقع وعن قرب . في تجربتي ومن معي من ألأخوة ، مع رئاسة هذه الكنيسة (والكثيرين من الرعاة) الذين أصموا آذانهم لكي لايسمعوا نداء رأس الكنيسة الجامعة  البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي يقول في أوّل خطاب له : "لا تخافوا أفتحوا ألأبواب ليدخلوا الناس الكنيسة " انفتحوا على الآخرين . وهكذا أصبحت كنيستنا يخمد فيها الروح القدس ، الذي الهم الكنيسة الجامعة في المجمع الفاتيكاني الثاني ، لأعطاء دور مهم للعلمانيين المؤمنين للمشاركة في خدمة الكنيسة ونشاطاتها المختلفة والكثيرة .
انّ التخلُّف الذي تواجههُ كنيستنا في العراق  أحد أسبابه الرئيسية هو  عدم تطبيق مقررارت مجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد سنة 1964  ، وبعد عشرين عام من هذا المجمع ، جاء البابا يوحنا بولس الثاني ليشدد على هذا الدور للعلمانيين في رسالته "ألأرشاد الرسولي" المنبثق من مجمع ألأساقفة الذي انعقد في سنة 1987 "   . هذه الرسالة الموجَّه الى ألأساقة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات وجميع العلمانيين المؤمنين . لكن بقيت كنيستنا في العراق تُماطل وتخالف حتى ألأرشاد الرسولي الذي يؤكِّد على قرارات مجمع الفاتيكاني الثاني .
إنّ رئاسة  كنيستنا اليوم في العراق تعيش عقلية القرون الوسطى حيث لا زالت هذه الرئاسة تحكم بعقلية الدكتاتورية وتعيش في قلعة منعزلة بعيدة عن واقع الشعب المؤمن الذي يعاني كثيرا بسبب هذه العزلة . في الحقيقة هناك طاقات شبابية هائلة لم تعطى المجال لها للمشاركة في تغيير هذا الواقع المؤلم ، ولا زالت رئاسة الكنيسة تؤمن بان الكنيسة هي كنيسة ألأكليروس . بينما الكنيسة  هي كنيسة الكهنة الذي يعني كُلِّ المؤمنين سواء كانوا ألأكليروس أو الرهبان  والراهبات أو العلمانيين.
 
من هم العلمانيّين؟
 
المقصود بالمؤمنين العلمانيين ، عامة ، هم المسيحيّين الذين ليسوا أعضاء في مصف رجال الكهنوت ، أو في الحالة الرهبانية ، المعتمدة من الكنيسة . وبعبارة أخرى ،  هم المسيحيين الذين أصبحوا ، بفضل سرّ العماد ، أعضاء في جسد المسيح ، وأندمجوا في شعب الله ، وشاركوا ، على النحو الخاص بهم في وظائف المسيح الكهنوتية والنبوية والملوكية . إنَّهم ، وعلى حد تعبير البابا   يوحنا بولس الثاني ،" في الخط الأمامي من حياة الكنيسة " . وهذه ألأخيرة هي حاضرة ، من خلالهم ، في بنية المجتمع البشري، وبكلمة واحدة ، هم الكنيسة . في خطابه بتاريخ 20 شباط 1946 قال البابا بيوس الثاني عشر: "المؤمنون العلمانيون هم في المقدمة من حياة الكنيسة ، لا أنّهم للكنيسة وحسب  بل إنّهم الكنيسة ، والكنيسة هي بهم  الحيَّة في المجتمع . ولهذا عليهم بوجه خاص أن يعوا وعيا أكثر وضوحا ". 
كُلِّ مؤمن أو معتمد أو مدفوع من الروح القدس كان يستطيع أن يُعلن البشارة ويتكلم بلغات ويتنبّأ كما جاء في أعمال الرسل : "فلما سمعوا هذ ألكلام اعتمدوا باسم الرب يسوع . ووضع بولس يديه عليهم ، فنزل الروح القدس عليهم وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ويتنبَّأون ، وكان عدد الرجال كُلُّهم نحو إثني عشر رجلا " أعمال 19 : 5 – 7 "
من خلال نص الأرشاد الرسولي ومن خلال غيره من النصوص الواردة في مجمع الفاتيكاني  الثاني نستطيع أن نلخِّص دور العلمانيين في النشاطات الرسولية في هذا العصر وهي باختصار:
1 – المجمع (مجمع الفاتيكاني الثاني) إستمع الى المدعوين ، الممثلين للعلمانيين واستفاد من خبراتهم ونصائحهم وأقتراحاتهم . (هذه أول مرّة ، كما حسب علمي ، تعترف المجامع المسكونية بدور العلمانيين في إغناء المجع  المسكوني ، من مواهب وخبرات العلمانيين والأخذ بنصائحهم وأقتراحاتهم ).
2 – تم التحقق ، بعد مجمع الفاتيكاني الثاني ، عن هذا الدور للعلمانيين  ، بالطاقات الجديدة ، وعمل الروح القدس  لتجديد الكنيسة ، نتيجة مساهمة الكثيرين من المؤمنين العلمانيين ، بالمشاركة الفعالة في الليتورجيا ، والتعليم المسيحي ، والخدمات الكثيرة ، والمهمّات الموكلة لهم . فيما انتشرت بقوّة التجمعات(الشبابية ) وجمعيات وحركات روحية ملتزمة ، فضلا عن مشاركة للنساء ، أوسع وأفعل ، في حياة الكنيسة وتنمية المجتمع .
3 – إنَّ مشاركة ألعلمانين المؤمنين في خدمة ونشاطات الكنيسة  ، أعطاها ، زخما كبيرا   ليُلهم رئاسة الكنيسة الجامعة ، لمجابهة ما أستجدَّ من القضايا لواقع الزمن الذي نحن فيه ، وأن يلقي عليها ألأضواء ويقترن أحيانا  ببعد نبوي  .
4 – إعتراف مجمع الفاتيكاني الثاني بدور العلمانيين والتشديد على هذا الدور في الرسالة الأرشادية للبابا يوحنا بولس الثاني  (الى الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين  ) يقوم في الحقيقة ، على تحديد السُبل الدقيقة ، التي يجب التقيُّد بها لتصبح "نظرية " مشاركة العلمانيين الرائعة ، ممارسة كنسيّة صحيحة .
5 – إنَّ ألأرشاد الرسولي، الملحق بمجمع ألأساقة ، هدفه إيقاظ الوعي  للهبة المعطاة لجميع المؤمنين العلمانيين وللمسؤولية التي يضطلعون بها في شركة الكنيسة ورسالتها .
6 – يدعو المجمع (مجمع ألأساقفة ) لسماع صوت المسيح ، والمشاركة الحية ، الواعية والمسؤولة ، للمؤمنين العلمانيين  للعمل في كرم الرب وفي رسالة الكنيسة ، في هذه الحقبة الرائعة والخطيرة من التاريخ .
7 – إنَّ الكنيسة ، إذ تُجدد روح العنصرة على أثر المجمع الفاتيكاني الثاني ، أحسّت في داخلها بأن شعورا أقوى بطابعها الرسولي أخذ في النضوج . وأنطلاقا من إنقيادها السخي ، سمعت من جديد صوت الرب ، وهو يرسلها الى العالم كسرٍّ للخلاص شامل "أذهبوا أنتم أيضا! فهذا النداء ليس موجّها الى الرعاة والكهنة والرهبان والراهبات وحدهم ، بل يشمل الجميع . فإنَّ الرب يدعو المؤمنين العلمانيين هم أيضا شخصيا ، ويحمِّلهم رسالة الى الكنيسة والعالم .
8 – إنَّ العلمانيين المؤمنين يعيشون في وسط العالم وهم ملتزمون بواجباته وأشغاله
 ، على أختلافها ، في ظروف الحياة العائلية وألأجتماعية العادية ، التي نسجت منها حياتهم ، إنَّهم يعيشون في العالم حياة طبيعية ويدرسون ويشتغلون ،(أي أنّهم يعيشون واقع هذا العالم ويعرفون أحتياجاته ويجسّون نبضات الناس في احتاجاتهم الروحية والجسدية) .
9 – يعلن المجمع الفاتيكاني الثاني ، بشأن المؤمنين العلمانيين أن " كُلِّ أعمالهم وصلواتهم ونشاطاتهم الرسولية ، وحياتهم الزوجية والعائلية ، وأشغالهم اليومية ، وخلودهم الى راحة النفس والجسد ، إذا مارسوها بروح الله ، أصبحت قرابين روحيّة مستحبّة لدى الله بيسوع المسيح .
   10 – ألمشاركة في الخدمة النبويّة للمسيح"الذي يُعلن ملكوت الله " فإنّها تؤهِّل المؤمنين العلمانيين وتجنُّدهم لقبول ألأنجيل ، بألأيمان والتبشير به بالكلمة وألأعمال ، دون التردُّد في التنديد بالشر بجرأة  ، في وسط مشقّات الزمن الحاضر .

 -------------------------------------------------------------------------------------------------------


المراجع
--------
راجع المواقع التالية
1 – العلماني في الكنيسة بين ألأمس واليوم على ضوء كتاب أعمال الرسل – الأب بولس الفغالي
 
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=579:2010-03-03-18-09-35&catid=229:2009-11-21-07-28-10&Itemid=118
2 -  العلمانيّون المؤمنون بالمسيح – البابا يوحنا بولس الثاني
http://www.peregabriel.com/aveomaria/article.php?id=4801
3 – العلمانيون المؤمنون بالمسيح شهود للرب في العالم – الخوري طوني الخوري
 
http://www.cpmjbeil.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=14
9:2011-11-15-18-56-21&catid=9:2009-10-21-15-26-44&Itemid=7
 
4 – نصوص من المجمع الفاتيكاني الثاني
http://198.62.75.4/www1/ofm/1god/documenti/giovanni-paolo-ii/christifideles-laici/8-12.htm
 
5 – البابا يوحنا بولس الثاني " ملاك الرحمة الذي ارسله الله الى هذا العالم"
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27686.html
 
6 – هل نحن مسيحيي الشرق بحاجة الى عنصرة جديدة ؟
http://www.assyrian4all.net/baznaye/index.php?topic=1352.0

64


 
كنيستنا في العراق والحاجة الى التغيير بمشاركة العلمانيين المؤمنين
 
الجزء ألأوَّل

نافع البرواري
 
"فملكوت السماوات كمثل صاحب كرم خرج مع الفجر ليستأجر عمّالا لكرمهِ . فأتَّفقَ مع العُمّال على دينار في اليوم وارسلهم الى كرمه ........وخرج نحو الخامسة مساء ، فلقى عُمّالا آخرين واقفين هُناك ، فقال لهم : ما لكم واقفين هُنا كُلَّ النهار بطالين ؟ قالوا لهُ : ما أستأجرنا أحدٌ . قال لهم : أذهبوا أنتُم أيضا الى كرمي "متى 20 : 1 – 7 " .
 ماهي الكنيسة ؟
الكنيسة حسب ما نفهم معناها في الكتاب المقدس هي عائلة المؤمنين
فلايمكن ان تستغني الكنيسة من ايَِّ عضو من أعضائها لأن جميع الأعضاء لهم دور ومواهب في جسد الكنيسة ومن يقول غير ذلك فهو لا يعرف قول المسيح
" أذهبوا أنتم ايضا الى كرمي" .
الكنيسة ليست هيكلا مبنيا من الحيطان والحجارة بل هي البناء الحي بالمؤمنين وكل مؤمن هو لبنة حيّة في بناء هذا الصرح الروحي. ولا يمكن إهمال أي عضو من أعضاء جسد هذه الكنيسة  من المشاركة في بناء هذا الصرح الروحي . فالكنيسة هي الشعب المؤمن بالمسيح وهذا الشعب يعتبر جسد الكنيسة  ورأس هذا الجسد هو المسيح  وكُلِّ مؤمن هو عضو فاعل ومتمييز في هذا الجسد، وكُلِّ عضوعندما  يتألّم ، يتألَّم معه جميع الأعظاء  ، وكُلِّ عضو غير فعّال أو مهمّش في هذا الجسد يعني ذلك أن هذا الجسد مريض ويحتاج الى العلاج .
للأسف كنيستنا في العراق لا زالت تعيش في زمن سابق لمجمع الفاتيكاني الثاني الذي انعقد في ستينات القرن الماضي ، وأنا أقولها بمرارة وعن خبرة عشتها  في الواقع وعن قرب . في تجربتي ومن معي من ألأخوة ، مع رئاسة هذه الكنيسة (والكثيرين من الرعاة) الذين أصموا آذانهم لكي لايسمعوا نداء رأس الكنيسة الجامعة  البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي يقول في أوّل خطاب له : "لا تخافوا أفتحوا ألأبواب ليدخلوا الناس الكنيسة " انفتحوا على الآخرين . وهكذا أصبحت كنيستنا يخمد فيها الروح القدس ، الذي الهم الكنيسة الجامعة في المجمع الفاتيكاني الثاني ، لأعطاء دور مهم للعلمانيين المؤمنين للمشاركة في خدمة الكنيسة ونشاطاتها المختلفة والكثيرة .
انّ التخلُّف الذي تواجههُ كنيستنا في العراق  أحد أسبابه الرئيسية هو  عدم تطبيق مقررارت مجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد سنة 1964  ، وبعد عشرين عام من هذا المجمع ، جاء البابا يوحنا بولس الثاني ليشدد على هذا الدور للعلمانيين في رسالته "ألأرشاد الرسولي" المنبثق من مجمع ألأساقفة الذي انعقد في سنة 1987 "   . هذه الرسالة الموجَّه الى ألأساقة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات وجميع العلمانيين المؤمنين . لكن بقيت كنيستنا في العراق تُماطل وتخالف حتى ألأرشاد الرسولي الذي يؤكِّد على قرارات مجمع الفاتيكاني الثاني .
إنّ رئاسة  كنيستنا اليوم في العراق تعيش عقلية القرون الوسطى حيث لا زالت هذه الرئاسة تحكم بعقلية الدكتاتورية وتعيش في قلعة منعزلة بعيدة عن واقع الشعب المؤمن الذي يعاني كثيرا بسبب هذه العزلة . في الحقيقة هناك طاقات شبابية هائلة لم تعطى المجال لها للمشاركة في تغيير هذا الواقع المؤلم ، ولا زالت رئاسة الكنيسة تؤمن بان الكنيسة هي كنيسة ألأكليروس . بينما الكنيسة  هي كنيسة الكهنة الذي يعني كُلِّ المؤمنين سواء كانوا ألأكليروس أو الرهبان  والراهبات أو العلمانيين.
 
من هم العلمانيّين؟
 
المقصود بالمؤمنين العلمانيين ، عامة ، هم المسيحيّين الذين ليسوا أعضاء في مصف رجال الكهنوت ، أو في الحالة الرهبانية ، المعتمدة من الكنيسة . وبعبارة أخرى ،  هم المسيحيين الذين أصبحوا ، بفضل سرّ العماد ، أعضاء في جسد المسيح ، وأندمجوا في شعب الله ، وشاركوا ، على النحو الخاص بهم في وظائف المسيح الكهنوتية والنبوية والملوكية . إنَّهم ، وعلى حد تعبير البابا   يوحنا بولس الثاني ،" في الخط الأمامي من حياة الكنيسة " . وهذه ألأخيرة هي حاضرة ، من خلالهم ، في بنية المجتمع البشري، وبكلمة واحدة ، هم الكنيسة . في خطابه بتاريخ 20 شباط 1946 قال البابا بيوس الثاني عشر: "المؤمنون العلمانيون هم في المقدمة من حياة الكنيسة ، لا أنّهم للكنيسة وحسب  بل إنّهم الكنيسة ، والكنيسة هي بهم  الحيَّة في المجتمع . ولهذا عليهم بوجه خاص أن يعوا وعيا أكثر وضوحا ". 
كُلِّ مؤمن أو معتمد أو مدفوع من الروح القدس كان يستطيع أن يُعلن البشارة ويتكلم بلغات ويتنبّأ كما جاء في أعمال الرسل : "فلما سمعوا هذ ألكلام اعتمدوا باسم الرب يسوع . ووضع بولس يديه عليهم ، فنزل الروح القدس عليهم وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ويتنبَّأون ، وكان عدد الرجال كُلُّهم نحو إثني عشر رجلا " أعمال 19 : 5 – 7 "
من خلال نص الأرشاد الرسولي ومن خلال غيره من النصوص الواردة في مجمع الفاتيكاني  الثاني نستطيع أن نلخِّص دور العلمانيين في النشاطات الرسولية في هذا العصر وهي باختصار:
1 – المجمع (مجمع الفاتيكاني الثاني) إستمع الى المدعوين ، الممثلين للعلمانيين واستفاد من خبراتهم ونصائحهم وأقتراحاتهم . (هذه أول مرّة ، كما حسب علمي ، تعترف المجامع المسكونية بدور العلمانيين في إغناء المجع  المسكوني ، من مواهب وخبرات العلمانيين والأخذ بنصائحهم وأقتراحاتهم ).
2 – تم التحقق ، بعد مجمع الفاتيكاني الثاني ، عن هذا الدور للعلمانيين  ، بالطاقات الجديدة ، وعمل الروح القدس  لتجديد الكنيسة ، نتيجة مساهمة الكثيرين من المؤمنين العلمانيين ، بالمشاركة الفعالة في الليتورجيا ، والتعليم المسيحي ، والخدمات الكثيرة ، والمهمّات الموكلة لهم . فيما انتشرت بقوّة التجمعات(الشبابية ) وجمعيات وحركات روحية ملتزمة ، فضلا عن مشاركة للنساء ، أوسع وأفعل ، في حياة الكنيسة وتنمية المجتمع .
3 – إنَّ مشاركة ألعلمانين المؤمنين في خدمة ونشاطات الكنيسة  ، أعطاها ، زخما كبيرا   ليُلهم رئاسة الكنيسة الجامعة ، لمجابهة ما أستجدَّ من القضايا لواقع الزمن الذي نحن فيه ، وأن يلقي عليها ألأضواء ويقترن أحيانا  ببعد نبوي  .
4 – إعتراف مجمع الفاتيكاني الثاني بدور العلمانيين والتشديد على هذا الدور في الرسالة الأرشادية للبابا يوحنا بولس الثاني  (الى الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين  ) يقوم في الحقيقة ، على تحديد السُبل الدقيقة ، التي يجب التقيُّد بها لتصبح "نظرية " مشاركة العلمانيين الرائعة ، ممارسة كنسيّة صحيحة .
5 – إنَّ ألأرشاد الرسولي، الملحق بمجمع ألأساقة ، هدفه إيقاظ الوعي  للهبة المعطاة لجميع المؤمنين العلمانيين وللمسؤولية التي يضطلعون بها في شركة الكنيسة ورسالتها .
6 – يدعو المجمع (مجمع ألأساقفة ) لسماع صوت المسيح ، والمشاركة الحية ، الواعية والمسؤولة ، للمؤمنين العلمانيين  للعمل في كرم الرب وفي رسالة الكنيسة ، في هذه الحقبة الرائعة والخطيرة من التاريخ .
7 – إنَّ الكنيسة ، إذ تُجدد روح العنصرة على أثر المجمع الفاتيكاني الثاني ، أحسّت في داخلها بأن شعورا أقوى بطابعها الرسولي أخذ في النضوج . وأنطلاقا من إنقيادها السخي ، سمعت من جديد صوت الرب ، وهو يرسلها الى العالم كسرٍّ للخلاص شامل "أذهبوا أنتم أيضا! فهذا النداء ليس موجّها الى الرعاة والكهنة والرهبان والراهبات وحدهم ، بل يشمل الجميع . فإنَّ الرب يدعو المؤمنين العلمانيين هم أيضا شخصيا ، ويحمِّلهم رسالة الى الكنيسة والعالم .
8 – إنَّ العلمانيين المؤمنين يعيشون في وسط العالم وهم ملتزمون بواجباته وأشغاله
 ، على أختلافها ، في ظروف الحياة العائلية وألأجتماعية العادية ، التي نسجت منها حياتهم ، إنَّهم يعيشون في العالم حياة طبيعية ويدرسون ويشتغلون ،(أي أنّهم يعيشون واقع هذا العالم ويعرفون أحتياجاته ويجسّون نبضات الناس في احتاجاتهم الروحية والجسدية) .
9 – يعلن المجمع الفاتيكاني الثاني ، بشأن المؤمنين العلمانيين أن " كُلِّ أعمالهم وصلواتهم ونشاطاتهم الرسولية ، وحياتهم الزوجية والعائلية ، وأشغالهم اليومية ، وخلودهم الى راحة النفس والجسد ، إذا مارسوها بروح الله ، أصبحت قرابين روحيّة مستحبّة لدى الله بيسوع المسيح .
   10 – ألمشاركة في الخدمة النبويّة للمسيح"الذي يُعلن ملكوت الله " فإنّها تؤهِّل المؤمنين العلمانيين وتجنُّدهم لقبول ألأنجيل ، بألأيمان والتبشير به بالكلمة وألأعمال ، دون التردُّد في التنديد بالشر بجرأة  ، في وسط مشقّات الزمن الحاضر .

 -------------------------------------------------------------------------------------------------------


المراجع
--------
راجع المواقع التالية
1 – العلماني في الكنيسة بين ألأمس واليوم على ضوء كتاب أعمال الرسل – الأب بولس الفغالي
 
http://www.boulosfeghali.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=579:2010-03-03-18-09-35&catid=229:2009-11-21-07-28-10&Itemid=118
2 -  العلمانيّون المؤمنون بالمسيح – البابا يوحنا بولس الثاني
http://www.peregabriel.com/aveomaria/article.php?id=4801
3 – العلمانيون المؤمنون بالمسيح شهود للرب في العالم – الخوري طوني الخوري
 
http://www.cpmjbeil.org/home/index.php?option=com_content&view=article&id=14
9:2011-11-15-18-56-21&catid=9:2009-10-21-15-26-44&Itemid=7
 
4 – نصوص من المجمع الفاتيكاني الثاني
http://198.62.75.4/www1/ofm/1god/documenti/giovanni-paolo-ii/christifideles-laici/8-12.htm
 
5 – البابا يوحنا بولس الثاني " ملاك الرحمة الذي ارسله الله الى هذا العالم"
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27686.html
 
6 – هل نحن مسيحيي الشرق بحاجة الى عنصرة جديدة ؟
http://www.assyrian4all.net/baznaye/index.php?topic=1352.0

65

الكتاب المقدس نور يقودنا الى معرفة الحق
الجزء الثالث
 
نافع البرواري
 سادسا : هل نحتاج الى مساعدة لفهم الكتاب المقدس؟
يقول ألأب بولس الفغالي
"الكتاب المقدس بسيط ، فالله يريدنا أن نعرف كلمته ونعمل بها لذلك فهو بسيط ويستطيع أيٌّ كان أن يفهمهُ . فنقول :انَّ هذا صحيح على المستوى ألأخلاقية والسلوكية ألأيمانية للفرد والجماعة ، ولكنه غير صحيح أبدا على مستوى التفسير وفهم المعاني .فالكلام ألألهي متوشَّح بلغة البشر وبتراث جغرافي وتاريخي وفكري وأدبي .... انّ الكتاب المقدس هو كلام الله في لغة البشر . فكلام الله ذو قيمة الهية وهو يتوجَّه الى كُلِّ البشر بلغتهم ، فكان على الكاتب الذي خاطبه الوحي في قلبه ووعيه أن يدوِّن كلام الله بلغته ومفاهيمه وتراثه والبيئة والثقافة المحيطة والمعروفة عنده وعند قُرَّائه" . قد نجد صعوبات في فهم كلمة الله ، ولكن ألأيمان يقودنا للتعمُّق  في فهم كلامه ومعجزاته وأقواله وأمثاله وموته وقيامته"متى27 : 22 -23" .
لقد طلب الخصّي من فيلبس تفسير عباراة من سفر أشعيا النبي ، لم يفهمها. فعندما لانفهم الكتاب المقدس أو جزء منه ، علينا أن نطلب مساعدة ألآخرين ، وينبغي ألاّ ندع كبريائنا يقف في طريق فهم كلمة الله "راجع أعمال 8 : 30 ، 31 "    .
الكتاب المقدس هو عبارة عن قصة حب بين الله والأنسان ، ولكن لايستطيع أحد فهمه اذا لم يكن بيده المفتاح وهو يسوع المسيح ، والذين يقرؤون الكتاب المقدس خارج المسيحية هم مثل من لبس البرقع فلا يرون ولا يفهمون العهد القديم الذي يتكلم عن يسوع المسيح ألاّ اذا رفع يسوع المسيح عنهم قناع الكبرياء " فما نحن كموسى الذّي كان يضعُ قناعا على وجههِ لئلا ّ يرى بنو اسرائيل نهاية ما يزول . ولكن عَميت  بصائرهم ، فلا يزالُ ذلك القناع الى اليوم  غير مكشوف عند قراءة العهد  القديم، وللا ينزع هذا القناع الا ألمسيح "
"2كورنثوس 3 :13 – 14 " .
سابعا: الكتاب المقدس هو دليلنا ومرشدنا الى طريق الحق والحياة
الكتاب المقدس هو كلمة الله ألأكيدة الثابة لنا فهو أشبه بكتاب ألأرشادات لمالك السيارة ، فاذا أطعنا أوامر الله ،" فسنسير بسلام"  ونحصل على النجاح حسب فكرهِ. أمّا أذا تجاهلناها، فلابد أن نتعرض لحوادث مدمرة وفشل "من أستهان بالكلمة يهلك ، ومن أحترم الوصية يسلم"امثال 13 : 13". كثيرا ما يبني المسيحيّون أحكامهم ألأدبية على ألآراء البشرية أو النزعات الثقافية أو السياسية أو الفلسفية  "أي حكمة العالم" ، أكثر مما يبنونها على "حكمة الله " ، وعندما يفعلون ذلك فأنّهم يثبتون أنَّ أيمانهم ضعيف ، فهم يظنّون أنَّ الله ليس من القوّة بحيث يستطيع أن يقود أولاده . يقول ارميا النبي"10 : 23" ياربُّ أعرف أنّ البشر عاجزون عن رسم طريقهم وتسديد خطواتهم بأنفُسهم ". انَّ قدرة الله على توجُّه حياتنا جيدا ، هي أعظم ، بما لا يحد ، من قدرتنا ، وأحيانا نخشى من قدرة الله ، وخطط الله لأننا نعلم أنَّ قوته تسحق قوَّتنا بسهولة إذا أستخدمها ضدَّنا ، فلا نخشى من أن ندع الله يصحح خطّتنا ، فهو يعطينا حكمة إن كنا مستعدين . انّ التاريخ يعلِّمنا دروس وعبر من أنَّ ألأختبارات البشرية عبر التاريخ تكاد تكون سلسلة أحباطات وأزمات واخفاقات وتفكُّكات في النظام المؤسس للمجتمع. وحدهُ الكتاب المقدس يُعطينا الجواب لحل مشاكلنا في هذا العالم وهو الوحيد بين الكتب الذي يروي عطشنا الروحي  وكذلك هو الكتاب الفريد الذي يجيب على أسئلتنا الوجودية  . الرسول بولس يُحذِّرنا لنتذكرالدروس التي تَعلَّمها بنوا إسرائيل عن الله حتى نتحاشى تكرار أخطائهم ، ووسيلة التَذكُّر هي دراسة كلمة الله بأنتظام فتصبح هذه الدروس في ذاكرتنا دائما كي يعمل الله ما يريده في حياتنا  لكي لا نكرِّر أخطائهم  . للأسف الكثيرون من المسيحيين لايقرئون الكتاب المقدس بأنتظام لأنَّهم في وسط ضغوط الحياة اليومية لايستطيعون أن يكتشفوا ما يربط المبادئ الروحية السامية التي يقرأونها في الكلمة بالمشكلات المُلِّحة التي يواجهونها في وسط الحياة اليومية . بينما يدعونا الله بالحاح أن نُطبِّق الكلمة على حياتنا" هل فيكم من يسمع هذا الكلام ويصغي ويستمع لما سأقول؟"ارميا 10 : 23 " .
فعندما نقرأ الكتاب المقدس فنحن في الحقيقة نصغي ونستمع ونفهم  ما يقوله الله لنا من أجل أن نعمل حسب أرادة الله  ومشيئته ، والتواصل معه ليكون هو قائدنا ومرشدنا ودليلنا ومخلصنا ، فيكون معنا في السرّاء والضراء فيفرح معنا ويتألم معنا . فبقراءة الكتاب المقدس نستطيع أن نقيم علاقة عن قرب مع خالقنا الذي يريد لهذه العلاقة ،علاقة المحبة ، أن تستمر  وتتعمق وتتجذَّر أكثر فاكثر ، لتثبت كلمة الله في قلوبنا ، مثل الزرع الذي يثبت في ألأرض الصالحة للزراعة ، إن أسقيناها تأتي بمئة ضعف . والله  يفرح ويسرعندما نكون بقربه  كما أنّ العائلة تفرح وتكون سعيدة عندما جميع أفرادها يكونون مجتمعين معا ويتحاوروا معا . فبقراءة الكتاب المقدس  ينشأ الحوار والتواصل بيننا وبين الله . يسوع المسيح يقول من يسمع أقوالي (كلامي) يشبه رجلا عاقلا بنى بيته على الصخرة ، امّا ألأنسان الذي لا يسمع أقوال الرب فهو كالأنسان الذي بنى بيته على الرمل.
 
ثامنا : أعلان  كلمة الله للآخرين
"ستأتي أيّام أقول أنا السيِّد الربُّ ، أُرسِلُ فيها الجوع على ألأرض ، لا الجوع الى الخُبزِ ولا العطش الى الماء بل الى أستِماعِ كلمة الربِّ ، فينزحون من بحرٍ الى بحرٍ ومن الشِّمال الى المشرق ، ويطوفون في طلبِ كلمة الربِّ فلا يجدون " عاموس 8 : 11  ، 12 ".
لم يُظهرالشعب اليهودي أيُّ شهيّة لكلمة الرب على لسان النبي عاموس . وبسبب فتورهم ولا مبالاتهم  قال الله إنَّهُ سيحرِّمُهم حتى من فُرصة سماع كلمتهِ. عندنا كلمة الله "الكتاب المقدَّس "، ومع ذلك يظلُّ الكثيرون يبحثون في كُلِّ مكان عن إجابات  لمشكلات الحياة إلاّ في الكلمة المقدَّسة .
إنّ كلمة الله متاحة لنا ونحن بحاجة الى معرفة ماذا يقول الكتاب المقدس ، وأن نُطبِّق ذلك في حياتنا يوميا ، ونُعلِّمه للآخرين . إنّ الكتاب المقدس هو أستعلان الله للبشرية والله  كالكشاف الماهر لأعماق أفكار  الأنسان ونيّاته . واستعلان ألله بهذه الصورة المسجّلة في الكتاب المقدس يحوي قوّة كامنة يحوي روحا وحياة ، والكتاب المقدس هو المقياس يقيس مقدار ، انحراف ألأنسان عن الحق ، عن ألأمانة ، عن الشرف ، عن الطهارة ، عن المحبَّة. انّ الله خلقنا معتمدين بعضنا على البعض ولم يخلقنا أشخاصا مستقلين ، فالحقيقة ليست أمرا شخصيا ، فكل ما نفعله لابدّ أن يؤثر على الآخرين ، فيجب علينا أن نفكَّر بهم على الدوام . ، فعلى المؤمنين ليس الأصغاء فقط لكملة الله بل عليهم أعلانها ، بأن يزعوا كلمة الله في عقول وأذهان وقلوب أبنائهم أولا والناس حولهم  ، بعد أن يتأكَّدوا قبل كُلِّ شيئ  أن يهيَّئوا ألأجواء الصحيحة والأوقات المناسبة لبذركلمة الله ليضمنوا محصولا وافرا"لوقا 8 :4 – 8". فكلمة الله مناسبة لكل الناس ولكل مرحلة من مراحل العمر لينمو ألأنسان روحيا  ، فما أن يتعلَّم الطفل عن المسيح حتى يبدأ ينمو في قدرته على ألأنتصار على ألأغراءات والتجارب، وخاصة في مرحلة الشباب والمراهقة ، هكذا ينمو في القامة ويكتسب الحكمة المطلوبة لتعليم الشباب ، وبداية دورة جديدة .
 وهكذا لاينبغي أن يَهمل القادة الدينيّين والرعاة  كلمة الله ، فعلى الكهنة والرعاة  وقادة شعب الله أن يعرفوا كلمة الله ، وأن يعلنوها ويشرحوها ويزرعوها في عقول الناس وقلوبهم  . لقد غضب النبي ملاخي من الكهنة لأنّهم وهم رسل من الله لم يعرفوا إرادته . وكان هذا الجهل سببا في تضليلهم لشعب الله " شفتا الكاهن تحفظان المعرفة ، ومن فمه تُطلب الشريعة لأنِّه رسول الربَ القدير"ملاخي 2 :7-8".
يحثُّ بولس الرسول تلميذه تيموثاوس على أن يقوم بواجبه في المثابرة على الشهادة ليسوع المسيح  بتعاليم الأنجيل والعهد القديم ، ويشجِّعه كمعلم ومبشِّر  فيقول له :"أُناشدك أمام الله والمسيح يسوع الذي سيدين ألأحياء وألأموات عند ظهوره ومجيء ملكوته أن تُبشِّر بكلام الله وتُلِح في أعلانه بوقته أو بغير وقته " تيموثاوس 3 : 1 ، 2 "
كثيرون ، حتى وسط المسيحيين ، يقسون قلوبهم ويسدّون عيونهم وآذانهم ويرفضوا قراءة أوسماع كلمة الله ، وعن هؤلاء الناس ينذرهم كاتب الرسالة الى العبرانيين فيقول" اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم كما حدث قديما"عبرانيين 3 : 8"   ويسوع المسيح يفسّر لنا  في مثل" الزارع " "راجع لوقا 8 :11 – 15"  ، بأنَّ هناك ناس يسمعوا كلمة الملكوت ، ولا يفهموها فيأتي الشرير ويقطف ما قد زرع في قلوبهم  ويشبّههم ، بمثل البذور التي سقطت على الممرات فداستها  الأقدام وأكلتها طيور السماء  . وهناك ناس يسمعوا الكلمة ويقبلوها بفرح في الحال ، ولكن حالما يحدث ضيق أو أضطهاد لهم ، من أجل الكلمة ، يتعثَّرون ، وهم يشبهون البذور المزروعة على أرض صخرية عندما تنموا تموت لعدم وجود جذور لها في التربة . وهناك فئة ثالثة من الناس الذين يسمعوا الكلمة ولكن هَمَّ الزمان الحاضر وخداع الغنى يخنقان الكلمة فلا يعطوا ثمرا ، ويشبّهم الرب كالبذور المزروعة بين ألأشواك  فعندما ينموا الزرع تخنقه الأشواك فيموت. أمّا الفئة الرابعة من الناس فهم الذين يسمعون الكلمة ويفهموها وينمون بثباتهم في الأيمان ويعطون ثمارا الواحد مئة والآخر ستون وغيره ثلاثون ، مثلهم مثل البذور المزروعة في ألأرض الطيبة   . الكتاب المقدس يعلمنا عن ألأله الحي"لوقا 24 :1 -9 " . وللأسف الكثيرون يبحثون عن الله وسط ألأموات ، حيث يقرئوا الكتاب المقدس  كوثيقة تاريخية أو علمية بحتة  ، ويذهبون الى الكنيسة  كما  الى أحتفال تذكاري  ، لكن يسوع المسيح ليس بين ألأموات ، انّه  حي فهو يملك قلوب المسيحيين ، وهو رأس الكنيسة  ، وهو الموضوع الرئيسي في الكتاب المقدس ، وهو الذي يعطينا الحياة ، بل ملءُ الحياة "يوحنا 10 : 10"

66
إعترافات خجولة
الجزء ألأول
 " ما أكثر تسامحهم"
نافع البرواري
ماذا يمكننا أن نتوقع من حوار الأديان الذي أسَّس فِكرها البابا السابق يوحنا بولس الثاني  وكان مهندسها البابا الحالي ، بيندكتس السادس عشر ؟ وهل نتوقع إستمرارها في ضوء ما نشاهده من الثورات العربية الحالية ، التي فازت فيها الأحزاب الأسلامية  في ألأنتخابات البرلمانية ؟ وكيف سيكون الحوار في جو مشحون بالأزدواجية للخطاب الديني والسياسي لتلك ألأحزاب ، و المراجع الدينية في العالم الأسلامي ؟. هذه الأسئلة وغيرها سنتطرق اليها لنلقي الضوء على ثقافة هذه ألأحزاب وعلى رأسهم رجال الدين المسلمين ، وتأثير هذه الثقافة على المجتمعات العربية وألأسلامية
لنبدأ بما نُسب الى  شيخ ألأزهر الدكتور أحمد الطيب عندما رفض في 3 نوفمبر    2011  قبول التهنئة الرسمية الموجّهة من قبل الفاتيكان الى المسلمين بمناسبة عيد ألأضحى ، وأكتفى بقبول التهنئة من سفير الفاتيكان" مايكل فيزجرالد" في القاهرة بصفته الشخصية كصديق للمصريين (حسب ما ورد في الصحف والمجلات المصرية موقع رقم 1 ).
تعود ألأزمة بين الفاتيكان والعالم الأسلامي الى محاضرة البابا الحالي ، بيندكتس السادس عشر ، في أحدى الجامعات ألألمانية ، وكانت بعنوان"العلاقة بين العقل والعنف في المسيحية وألأسلام "  والتي يعتقد المسلمون انّ البابا أهان المسلمون في هذه المحاضرة .
وتعود ألأزمة بين ألأزهر والفاتيكان لتتجدد عندما صرَّح بابا الفاتيكان بضرورة حماية المسيحيين في الشرق الأوسط ، في ظل العنف والقتل والتهجير الحاصل في هذه الدول بحق المسيحيين المسالمين ، سكان هذه البلدان الأصليّين (سبق أن كتبتُ  مقالة عن هذا الموضوع يمكن الرجوع اليها في الموقع رقم 2 ) ..
انَّ  سقوط المعاييرالأخلاقية والأدبية في الدول العربية يمكن أن نعتبرها هي السائدة  في هذه الدول ، وألأزدواجية في الخطاب الديني للكثيرين من رجال الدين وشيوخ المسلمين هي المسوّقة ، للأسف ، في هذه ألأيّام ، وتصريحات وأقوال شيوخ ألأزهر وكبار رجال الدين المسلمين الذين يطعنون بالمسيحية وحتى بكتب المسيحيين المقدسة هي شبه يومية  ، ولا أحد في العالم كُله يُعلن شجبهُ وإستنكاره لما تتعرض له الرموزالمسيحية في الدول العربية والأسلامية  ، هذا عدى عشرات الخطب النارية والتصريحات التكفيرية لشيوخ وأئمة المسلمين عبر القنوات الفضائية ومنابر الجوامع التي تكفِّر الآخرين وتهدّدهم وعلى مرأى من ألأنظمة الحاكمة  ، فينشرون ، شائوا أم أبو ، ثقافة ألأرهاب وثقافة الغاء الآخر الذي يختلف عنهم في معتقداتهم  . ولكن تصريحٌ واحد من بابا الفاتيكان ، والذي لايتضمن لا عن قريب ولا من بعيد ، التعرض للرموز ألأسلامية ، فيقوم شيخ ألأزهر بتعليق العلاقة مع الفاتيكان ، وبهذا يعلِّق الحوار بين الديانتين ، الذي هو جهود عشرات السنين قام به الخيرين من الطرفين المسيحي والأسلامي ، ومنذ أيّأم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني .
وعن هذا الموضوع وغيرها كثيرة يُلخصّها لنا الدكتور المفكر والكاتب أحمد البغدادي ، كما ورد في أحد مقالاته ،  ليبين الفرق الشاسع بين إخلاقيات وسلوكيات من يمثل المسيحيين( والديانات ألأخرى أيضا) وبين إخلاقيات وسلوكيات من يمثّل المراجع الأسلامية ، فيقول:
"حين أنظر الى الدالاي لاما ممثل البوذية وأرى إبتسامته الساحرة الهادئة ، وحين أستمع الى بعض أحاديثه أو حين أرى طيب تعامله مع ألآخرين ، أتسائل : لماذا لا نرى مثل هذا في كبار رجال الدين المسلمين ؟ كذلك ألأمر مع البابا الراحل(يقصد البابا يوحنا بولص الثاني ) وكيفية تسامحه وتواضعه مع الناس . هذان المثلان لممثّلي ديانات كبرى ، يعد أتباعها بالملايين أكثر من المسلمين ، وينتمون لبلدان أكثر تطّورا من بلدان المسلمين ، يقدّمان ألأمثولة لأجمل صور التسامح ألأنساني والديني . وحين أستعرض ما أراه في البرامج المتلفزة الوثائقية عن رجال الدين غير المسلمين عموما ، أرى فرقا كبيرا في درجة التسامح ألأنساني ، لايمكن لرجل الدين المسلم أن يبلغها يوما !!!!!. والطابع ألأنساني الذي يجمع هذين العملاقين انسانيا يتّسم بالتالي:
1 – لم يكفّروا إنسانا ، ولم "يبشِّروهُ " بالنار في ألآخرة
2 – لم يتدخَّلوا يوما في إيمان أو معتقد ، بل تركوا ألأمر للخالق
3 – ..... لم يأخذوا كاتبا الى النيابة والمحاكم حتى ولو كتب ضدَّ دينهم
4 – لم يتدخَّلوا قط لمنع كتاب أو مقال حتى ولو كان ضدَّ دينهم .
5 – لم يصدروا قط فتاوى دينية ضد ألآخرين
6 – لم يؤذوا أحدا في دينه كما يحدث في فتاوى المسلمين  تجاه غير المسلمين .
7 – لم يروِّعوا أحدا بفتاوى الدم والقتل
8 – لم ينصروا يوما طاغية أو مستبدا ، ولم يداهنوا حُكّاما لمصالح دنيوية ، بل أعتذرت الكنيسة الكاثوليكية عن صمتها إزاء جرائم هتلر .
9 – لم يتدخّلوا في حياة الناس الخاصة .
10 – لم يتدخّلوا في  عمل الساسة ولم يسعوا الى جمع المال باسم الدين .
11- لم يدعوا قط لقتال ألآخرين بأسم الدين
12 – لم يضَعوا أتباعهم فوق ألآخرين دينيا أو أخلاقيا
13 – يتجنّبون التحليل والتحريم حتى لايحرموا ألآخرين
14- يطلبون الغفران لكلِّ نفس من دون النظر الى دينهم (أصلهم جنسهم لونهم )
15 – على مستوى من الفضيلة أنّهم لا يتردَِّدون في ألأعتراف بالخطأ حتى ولو كان تاريخيا .
16 – لايجبرون حكوماتهم على تدريس دينهم ونبذ ديانات ألآخرين ."
إنّها اعترافات خجولة لكاتب ومفكِّر  مسلم معروف على نطاق العالم العربي ، يعترف بحقيقة السقوط ألأخلاقي للكثيرين من رجال الدين المسلمين عندما يكفِّرون ويحتقرون ويهينون الآخرين المختلفين عنهم في العقيدة والفكر ، من خلال أقوالهم وخطاباتهم وكتاباتهم عبر الوسائل ألأعلامية  دون أن يحاسبهم أحد ، عدى بعض أصحاب الضمير الحي أمثال هذا الكاتب والمفكّر الكبير ، الذي ينتقدهم أنتقادا خجولا عبر كتاباته الجريئة في وسائل ألأعلام  بينما هناك ضمائر ميتة لا تصحو على ما وصلت اليه الأمة العربية والأسلامية من السقوط ألأخلاقي في زمن هؤلاء المتاجرين بالدين الذين يتحوَّلوا في ليلة وضحاها من المطبلين والمزمرين للحكام الى مزمرين ومطبلين لثورات الربيع العربي .
السؤال المطروح أين هذه ألأخلاقيات ( التي يعترف بها الدكتور أحمد البغدادي انّها من سمات ممثلي الديانتين ألمسيحية والبوذية ) لعلماء ورجال الدين وحتى شيوخ الأزهر المسلمين ؟
لنقرأ بعض ما قاله رجال الدين المسلمين :
يقول شيخ ألأزهر الحالي  أحمد الطيّب (قبل ان يُنصب رئيسا على جامعة ألأزهر) وكما جاء في الموقع رقم (3) على قناة النيل الأخبارية المصرية :
 "المسيحيين حرَّفوا كتبهم (عشان ينهوا الصداع ده خالص)" . هكذا يزدري رئيس جامعة ألأزهر المصرية المسيحيين ويطعن في كتابهم المقدَّس ، بل ذهب أبعد من ذلك عندما طعن في التفاسير المسيحية وأعتبر أنَّ المسيحيين لهم إيمان ولكن دون عقل  . وبالمناسبة إنَّ هذا ألأزدراء بالرموز المسيحية لشيخ ألأزهر( وكما نعرف ان جامعة الأزهر تمثِّل أعلى مرجعية اسلامية سنيّة ) لم تكن في محاضرة أكاديمية أو أمام جمع لأساتذة مختصين بل عبر قناة فضائية رسمية ،  تنقل المشهد بالصورة والصوت للعالم كُلِّه ، ومع ذلك لم نسمع من أيِّ مراجع مسيحية بالرد على ما جاء على لسان شيخ الأزهر، رغم أنّ شيخ ألأزهر لم يستند على إدعائه بتحريف الكتاب المقدس على أدلَّة علمية أو بحوث أكاديمية ، كما لم يستند على المراجع المسيحية  بقوله: "أنَّ الكتاب المقدس وخاصة العهد القديم فيه 12 بشارة عن محمد نبي ألمسلمين(؟)  ، وانّ الترجمات للكتاب المقدس حرَّفت كلمة "بيركليتس" (الذي يعني الممجَّد أو المُحمَّد ) الى "باركليتوس"  الذي يعني المعزّي  أو المؤيّد".
وهكذا مفتي الديار المصرية ، الشيخ علي جمعة ، يعتبر المسيحيين كفرة عندما يقول"من يعتقد انّ  المسيح هو الله فقد كفر" راجع موقع رقم 4".
السؤال المطروح : لوفرضنا أنَّ بابا الفاتيكان الحالي بندكتس السادس عشر
أطلَّ عبر قناة فضائية رسمية ليقول مثلا (معتمدا على المصادر والبحوث ألأسلامية): أنَّ القرآن الحالي  المتداول بين المسلمين  هو ليس القرآن الأصلي ، لأنّ عثمان بن عفان الخليفة الثالث للمسلمين حرق ستة نسخ من القرآن من مجموع سبعة نسخ كانت متدالة في عصره ، فما كان موقف  علماء  ورجال الدين المسلمين  عند ذلك  ؟ علما أنّ البابا بيندكتس السادس عشر عندما إستشهد في أقواله ، نقلا عن وثيقة تاريخية ، ولم يقل أنّه يؤيّد ما جاء في هذه الوثيقة  .
أمّا العالم الكبير (كما يسمونه المسلمين) الدكتور زغلول النجار (مؤسس نظرية ألأعجاز العلمي في القرآن)  فوصف الكتاب المقدّس للمسيحيّين واليهود  ب"الكتاب المُكَدَّس" وقال أنّه كتاب محرّف  كما  تعرَّض لبعض نصوص الكتاب المقدس وفسّرها على هواهُ (دون الرجوع الى المصادر المسيحية وحتى ألأسلامية) . الغريب أنَّ هذا الطعن  وغيره  في أهم مقدسات المسيحية  جرى من قبل هذا العالم على قناة الجزيرة المشهورة عالميا  وغيرها من الوسائل ألأعلامية (راجع الموقعين رقم 5، 6). ومن الجدير بالذكر أنّها ليست المرة ألأولى التي يتعرض فيها الدكتور زغلول النجار للكتاب المقدَّس واتهامه بالتحريف .
سؤال آخر يطرح على المسلمين هو : هل يقبل المسلمون أن يفسِّر له شخص مسيحي آيات من سور القرآن دون الرجوع الى تفاسير كبار علماء المفسرين المسلمين ؟.
والسؤال ألأهم كيف يُسمح لقناة عربية وعالمية مثل قناة الجزيرة أن يتم  عبرها الطعن بالمقدَّسات المسيحية في حين هذه القناة وغيرها قلبت الدنيا ولم تقعد عندما رسَمَ أحد الدانماركيين رسما كاريكاتيريا مسيئا لنبي ألأسلام في إحدى الصحف الدانيماركية ؟. عجيبة وغريبة  هي المعايير التي يستخدمها علماء وشيوخ المسلمون ، فهم يتّهمون الغرب بالكيل بالمكيالين ، في حين أنّهم ،أي علماء المسلمين ، يكيلون على هواهم ، ويقيسون ألأخلاقيات بموجب معاييرهم الخاصة بهم  وحسب مفاهيمهم المغلوطة ، ولكن العجب العُجاب هو  أن لا يوجد في العالم ألعربي وألأسلامي من يقول صراحة ، لهؤلاء العلماء ورجال الدين المسلمين ، كفاكم نفاقا وكذبا وتهريجا . نعم قد نسمع من هنا وهناك بعض ألأصوات الخجولة التي  ، وبطريقة غير مباشرة ، يعاتبونهم لخروجهم من المبادئ ألأخلاقية وعدم أحترامهم لعقائد ألملايين في هذا العالم . فمثلا  : حينما يُحرق مُصحف من القرآن من قبل أفراد او جنود أمريكيين ، يقوموا هؤلاء الشيوخ ولا يقعدوا بل يحرِّضون الناس ويشحنوهم  للتظاهر، وقد يدفعونهم ، بخطبهم النارية ، الى هدر دماء أبرياء وحرق كنائس للمسيحيين في البلدان العربية وألأسلامية ، في حين انّ تلك المصاحف المحروقة  ، هي عبارة عن ورق ويمكن إعادة طبعها ، بينما قتل إنسان لا يمكن تعويضه ، فهو أغلى قيمة في الوجود ، وهو يُمثِّل صورة الله على  هذه ألأرض وليس من حق كائن من كان أن يهدر دم إنسان خلقه الله ، وخاصة عندما يكون هذا ألأنسان بريئا من التُهم التي لم يرتكبها .
كم مرة نسمع  ، ومن خلال قنواة إسلامية رسمية ، الطعن بالمسيحيين وإعتبارهم كفرة ومشركين ؟ كم مرة نسمع ونشاهد فيديوهات لأئمة ورجال الدين المسلمين وهم يُصلُّون في الجوامع ويدعون في أدعيتهم  هكذا دعاء "اللهُمَّ أُنصرنا على الكُفّار من اليهود والنصارى أولاد القردة والخنازير ، اللهُمَّ ثكِّل أُمهاتهم ، اللهُمَّ إنتقم منهم وإحشرهم في الجحيم ....الخ "
مع كُلِّ هذه ألأساءات بحق المسيحيين لكن لم يَرفَع  أحد من المسيحيّيون ، على هؤلاء المُسيئين الى دينهم وعقيدتهم، أيِّ دعوة  قضائية في المحاكم ، ولم تُهدِّد دولة مسيحية أيّةُ دولة أسلامية ، بسبب هذه الأساءات ، بل العكس هو الصيح تماما ، فكثيرا من الأحيان يُصلّي  المسيحيّيون في كنائس هذه الدول ،  طالبين وراجين من الله  أن يُرسي الأمن والسلام في الدول العربية وألأسلامية ، وخاصة في ايّامنا هذه حيث نرى أشلاء القتلى والجرحى لأطفال ونساء وشباب بسبب ظلم حُكّام هذه الدول وقمعِ وقتل شعوبهم دون رحمة ، وهكذا تُسارع الجمعيات ألأنسانية الخيرية المسيحية وعلى رأسها الصليب ألأحمر لمساعدة الشعوب المنكوبة في الدول العربية وألأسلامية . بينما الدول العربية والأسلامية هدَّدت  وتُهدِّد بمقاطعة الدول الغربية في حالة الأساءة الى الرموز الأسلامية ،وكذلك تُحرِّض ، الدول ألعربية وألأسلامية ، أبنائها الساكنين في الدول الغربية لفرض الثقافة ألأسلامية على الشعوب والدول الغربية المضيفة لهم ، في حين أنّ المسيحيين في الدول العربية وألأسلامية يُفرض عليهم أحيانا كثيرة الثقافة ألأسلامية ودساتير مُستمدِّة من الشريعة ألأسلامية ،على الرغم من كون المسيحيين هم الشعوب ألأصلية وألأصيلة في تلك البلدان.
لنقرأ ما قاله العلاّمة يوسف القرضاوي رئيس ألأتحاد العالمي للعلماء المسلمين في برنامج "الشريعة والحياة" من على منبر قناة الجزيرة العربية وهو ينعت بابا الفاتيكان الحالي فيقول:
"على بابا الفاتيكان ، بأن يلتزم الصمت تجاه قضايا الدول العربية وألأقليّات في الشرق ألأوسط....وأقول للبابا أكفينا شرَّك أنت بس ، وأترُكنا نعيش مع بعضنا البعض وسيبنا في حالتنا"  . وقال هذا الشيخ أيضا( في نفس البرنامج  ، إنّ اليهود والمسيحيين كفرة ومشركون لأنَّهم لايؤمنون برسول الأسلام والقرآن .
السؤال ألأخير : هل يقبل العالم والمفكِّر ألأسلامي الدكتور يوسف القرضاوي  أن ينعُتُهُ عالم ديني مسيحي ويقول له "أنت شرير" أو "يكفينا شرَّك" ؟ أو يقول له أنت كافر ومشرك لأنَّك لا تؤمن بيسوع المسيح ربا وإلها ولا تؤمن بالأنجيل المقدس الذي نؤمن به نحنُ المسيحيّين ؟ .
أسئلة ننتظر من ألأخوة المسلمين  ألتفكير فيها ثم ألأجابة عليها بالعقل والمنطق ، بعيدين عن المشاعر والعواطف والتعصُّب ألأعمى  وألأفكار المسبقة .

http://www.dostor.org/society-and-people/variety/11/november/3/60477    1-

      2 -http://ishtartv.com/viewarticle,33795.html

  3 -http://www.coptreal.com/WShowSubject.aspx?SID=13276
  4 -http://www.youtube.com/watch?v=4VEgGsEgHR4&feature=related
  5–http://sbeelalislam.org/index.php/2011-10-23-21-28-41/377-2011-12-05-20-06-25
  6 -http://www.arabchurch.com/forums/showthread.php?t=179888

67

المسيح الثائر هوالمحرَّر الحقيقي للأنسان  من قيود العبودية
نافع البرواري
المقدِّمة
"روح السيد الربِّ عليَّ ، لأنَّ الربِّ مسحني لهُ ، أرسلني لأُبشِّر المساكين وأُجبر المنكسريَّ القلوب ، لأنادي للمسبيّين بالحريّة وللمأسورين بتخليةِ سبيلهُم  "اشعيا 61 :1"
كثيرا ما نسمع اليوم عن أنَّ المسيح حاله حال ألأنبياء السابقين واللاحقين ، فهو جاء برسالة سماوية لبني البشر وجاء لينذر الناس من فعل المعاصي بل دعى الناس للرجوع الى الله ولم يأتي بجديد للبشرية . ولكن ، في الحقيقة ، هؤلاء الناس لا يعرفون رسالة المسيح الحقيقية التي هي أشمل واعمق وأسمى من كُلِّ ما أتى به ألأنبياء السابقين واللاحقين الا وهو أنّ المسيح نفسه قام بثورة عظيمة غيَّر فيها مفاهيم العالم عبر الاف السنين من تاريخ البشرية قبله ، وسوف تبقى المبادئ السماوية التي نادى بها ، ينهل منها  العالم  بعده الى الأبد ، وهذه المبادئ  ان طبَّقها ألأنسان في حياته لأصبحت المجتمعات ودول العالم تعيش في سلام وأمن وسعادة وفرح . لأنها مبادئ وقيم ترقي و تسمو بالأنسان الى الكمال . فيسوع المسيح هو مركز التاريخ وأصبح التاريخ ينسب اليه فنقول :" ما قبل ميلاد المسيح وما بعد ميلاد المسيح " ، لا بل هو  مركز الكون ، أي أنّ المسيح هو ما تطمح اليه الخليقة  كُلَّها في سعيها نحو بلوغ الكمال  .  لقد شيّد يسوع المسيح قواعد جديدة للعالم  ومعه بدأ عالم جديد ، فهو محور العالم ومحور الكون والوجود ، جاء ليخلّص البشرية من قواعد وانظمة متهرِّئة ، واسَّس كنيستهُ ( الشعب الذي يتبعهُ ، أي المؤمنون برسالته ) على الصخرة .
ورد عن المسيح في الكتاب المقدّس  أنَّه ملك الملوك ورب الأرباب والراعي الصالح ، والكاهن الأعظم ، والصادق الأمين ، وهو ألألف والياء ، البداية والنهاية ، ونور العالم ، والخبز الحي النازل من السماء، وينبوع الماء الحي .....الخ  ،فهو مصدر الحياة ومصدر الشريعة  وهو المُشرَّع لها ، وهو مصدر الحقيقة بل هو الحقيقة نفسها.
منذ سنوات إطَّلعتُ على بعض ما كُتب عن المسيح " الثائر"  وقائد  لثورة  تغيير جذرية ، أستوقفني هذا اللقب الجديد للمسيح ، فبحثتُ في الكتاب المقدس عن حقيقة يسوع المسيح الثائر ، وما توصلتُ اليه أدهشني بل صدمني ، عندما أكتشفتُ أن المسيح هو المصدر الحقيقي لكُل الثورات التي تدعو الى ، الحرية  ، والديمقراطية  والمساواة ، والعدالة ، وحقوق ألأنسان، فرسالته هي رسالة إعادة ألأعتبار للمهمَّشين ، كالمرأة ، والأطفال ، والمرضى ، والفقراء ، والمساكين ، والعبيد ، لا بل جاء من أجل الخطاة ليحرّرهم من قيود الخطيئة  والموت ، فكانت رسالته بحق هي رسالة خلاصية للبشرية ، يدعو فيها المسيح  الى أحترام حقوق ألأنسان وأعتبار ألأنسان له قيمة عظيمة عند ألآب السماوي لا بل الأنسان هو" صورة الله كمثاله "، ومن يُهين كرامة ألأنسان فهذا يعني إنَّه يهين الله نفسهُ ، وهكذا بعد الحرب العالمية الثانية شُرعّت مواد قوانين حقوق الأنسان التي إستمِدَّت من أقوال الرب يسوع المسيح الواردة في ألأنجيل المقدَّس . ولكن المسيح يختلف أختلافاً كُلِّياً عن قادة الثورات ، عبر التاريخ ، في أنَّه كان يدعو الى تغيير ألأنسان من الداخل ، أي أنّ المسيح قام بثورة لتغيير طبيعة ألأنسان القديمة الساقطة بسبب الخطيئة ليحرِّر ألأنسان من الداخل ليخلق خليقة جديدة  ، بالولادة الروحية ، بمعمودية الروح القدس  يستطيع فيها ألأنسان ، بقوة الروح القدس(لأنَّ الروح القدس يبكِّت ألأنسان على الخطيئة)   الساكن فيه ، أن يلجم شهواته الجسدية  وأنانيته  وأكتفائه الذاتي، وكبريائه في تاليه نفسه ، وبالتالي إنفصاله عن الله  ، فكان ذلك  ، ولا زال ، السبب الرئيسي في ماساته  وسقوطه وتمرُّغه في وحل الخطيئة ، وسبب آلامه وموته الروحي .
نعم  يسوع المسيح جاء ليخلصنا ويحررنا من قيود الخطيئة والموت والشيطان ، وهو يدعو البشرية الى  السمو والكمال  للتألُّه والمشاركة في ملكوت الله  ألأزلية  ، وانَّ تعاليمه هي تعاليم سماوية روحية. جاء المسيح  ليعيش معنا ويشاركنا الآلام وألأضطهادات ، ولكن في نفس الوقت كان يرفض الظُلم أيٌِّ كان نوعه  ، وحاربة بقوة كلماته أولائك المتاجرين بالدين  ، ، فكان يتكلم بقوّة الحق ، ويقف أمام الفريسين والصدوقين والكتبة اليهود ، مدافعا عن حق الأنسان لكي يعيش في كرامته الأنسانية ، بل جعل الأنسان أسمى من الشريعة ( السبت للأنسان وليس ألأنسان للسبت ) .
 يسوع المسيح دحَّض النظرية البشرية للديانات والعقائد  السابقة واللاحقة التي تعتقد بأنَّ الله هو اله جبار يحكم بالقوّة والبطش على ألأنسان ، وهو كُلّي القدرة ، خلق ألأنسان ليكون عبدا مطيعا له ، ويكبِّله  بالشرائع والقوانين ويحمِّله أحمالا ثقيلة من التشريعات من وضع الأنسان كما كان رؤساء الدين اليهوديين يعتققدون  في عصرالمسيح وحتى معتقدات المتشددّين من رجال الدين المسلمين في يومنا هذا . وفي نفس الوقت أبطل يسوع المسيح مفاهيم خاطئة للديانات السابقة واللاحقة التي تؤمن على أنَّ معتنقيها هم خيرُ أمّةٍ أُخرِجَت للناس ، أو هم شعب الله المختار، على حساب الشعوب ألأخرى ، هذا الكبرياء والتعصُّب ألأعمى  كانا من ضمن ألأسباب  الرئيسية للحروب والمآسي وأرتكاب الجرائم  عبر تاريخ البشرية  ، لأنَّ أقصاء الآخرين  هو تشويه لمحبة الله للأنسان ، الذي خلقهُ  "كصورته ومثاله "   . بينما يسوع المسيح علّمنا أنَّ كُلِّ الناس سواسية طالما عملوا بأرادة الله "متى 21 : 31 ، 32 " . وانَّ الله يشرق شمسهِ على ألأشرار وألأخيار ، لابل أنّ يسوع المسيح ، إبن الله ، أخلى ذاته ليصير بشرا مثلنا ليعلِّن لنا تظامنه معنا ويَخدِمُنا ويتألَّم معنا بل ذهب الى ما هو أبعد من ذلك عندما ضحى بنفسه من أجل خلاصنا ، وهو القائل :"أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه من أجل خرافه "يوحنا 10 : 14" .
 وهكذا غيَّر وقلَبَ مفاهيم السُلطة والحُكم والرئاسة والقيادة والرعاة . فهو يدعوهم  جميعا  ليكونوا  هم أيضا خُدَاما لشعبوهم ويضحُّون  بأنفسهم ، أذا تطلب ألأمر ، من أجل سعادة  شعوبهم . وهو الذي طبقّ  أقواله بافعاله لترسيخ هذه المفاهيم الجديدة  ليقود البشرية الى الطريق المؤدي الى الفرح والسعادة والحياة ألأفضل . من هذا المنطلق سنجد يسوع المسيح  في اقواله وأعماله هو الصوت الهادر الثائر على كُل  اشكال قيود العبودية ، والمظالم، التي كانت سائدة في العالم  ، ولكن تمرُّد المسيح على الظُلم وألأستبداد ، لايعني دحر الظالمين  والمستبدين بكُلِّ الوسائل ، فالغاية عنده لا تُبرِّر الوسيلة ( كما نقرأ عن العديد من الثورات عبر التاريخ ،  ولا تزال الى يومنا هذا الكثير من هذه الثورات ، تغرق في أنهار من الدماء البشرية ، كما حدث ويحدث اليوم في الدول العربية) . اليوم للأسف نقرأ ونسمع ونشاهد عبر ألوسائل ألأعلامية ثورات شعوب تطالب بحقها في الحياة الكريمة ، والعيش في الحرية والمساوات ، يقابلها قمع دموي وحروب ومآمرات دولية فيها الأنسان هو الضحية للأنانية من أخيه الأنسان ، وكم من الضحايا يموتون يوميا ؟ وكم من الدموع تسكب بمرارة وألم في هذه ألأيّام  ؟ وكم من ألأمّهات أصبحنَ ثكالى هذه ألأيّام ؟ ، أليست هذه الحروب والمآسي بسبب أنّنا لم نفهم ولم نعرف الى يومنا هذا رسالة المسيح الخلاصية للبشرية؟ سؤال يحتاج أن نتأمَّل فيه قبل ألأجابة عليه .
اليوم ، وبعد حوالي 2000 سنة على ولادة المسيح ،  لا زالت تعاليم المسيح واقواله وأعماله لم يستوعبها الكثيرون ، وللأسف لا تزال الى يومنا هذا ، نرى قيام  الحروب وأرتكاب الجرائم البشعة بحق ألأنسانية من قبل دول أو جماعات أو حكام أو أفراد ، واستغلال الأنسان لأخيه ألأنسان ، وسحق كرامته ألأنسانية . لو فُهمت  وطُبِّقت تعاليم  المسيح في عالمنا اليوم ، لما رأينا ما  حدث عبر التاريخ ، وما يحدث اليوم من الحروب والمآسي والجرائم ، وتهميش وسحق الكرامة ألأنسانية.
اليوم لايزال ألأنسان يأنُّ من قيود العبودية ، التي تُكبِّله  وتسحق كرامته وتقيّد حريّته وتشُلُّ ارادته  وتقمع  طموحاته ، وتحُدُّ من مواهبهِ وأبداعاتهِ  ، ورغبتهِ  من صميم قلبه وعمق وجدانه وضميره ، للسمو والرقي  للوصول الى الحياة ألأفضل . وهذه كانت ولا تزال رسالة المسيح التي هي هي أمس واليوم وغدا ، فالله أرسل ابنه الى العالم لا ليدين العالم ، بل ليُخلِّص العالم ،وليعطي الأنسان الحياة ألأفضل "يوحنا 3 : 17 " ، هذا  ألأنسان  الذي خلقه الله وزرع في أعماق نفسه الشوق الى الحرية والعطش الى الحياة ألأفضل ، وهو لن يرتوي الا ّ بالأرتواء من نبع الحياة ومصدرها يسوع المسيح الذي وحده يروي تعطُّش ألأنسان الى الحياة ألأبدية "يوحنا4 :14 المسيح  جاء من أجل تحقيق جميع هذه الرغبات عند الأنسان ليُحيي هذا الشوق وهذه الرغبة  في أعماق ألأنسان . جاء  ليدشِّن  ملكوت الله على هذه ألأرض ممهدا بذلك الطريق  أمام البشرية  وواعدا بمستقبل زاخر بالقيم السماوية ، طاردا  الخوف بالمحبة  ومحررا الأنسان من الداخل (من ألأنانية والأكتفاء الذاتي والكبرياء )، لكي يعود ألأنسان الى منابع الحياة . فعندما يتغيَّر ألأنسان من الداخل بفعل الروح القدس ، فهو سيبني مجتمعا صحيّا قادرا على العطاء والأبداع وحب الحياة ، فيعيش الناس في حرية  وسلام  وسعادة وفرح . المسيح  يدعونا اليوم لكي نتبعه ونسيرمعه ونعمل بأقواله لمعرفة الحق لنتحرر من كُلِّ قيود العبودية للخطيئة " أذا ثبتُّم في كلامي ، صرتم في الحقية تلاميذي ، تعرفون الحق والحق يحررَكم " يوحنا 8 : 31 " .

68
المسيح الثائر هوالمحرَّر الحقيقي للأنسان  من قيود العبودية
نافع البرواري
المقدِّمة
"روح السيد الربِّ عليَّ ، لأنَّ الربِّ مسحني لهُ ، أرسلني لأُبشِّر المساكين وأُجبر المنكسريَّ القلوب ، لأنادي للمسبيّين بالحريّة وللمأسورين بتخليةِ سبيلهُم  "اشعيا 61 :1"
كثيرا ما نسمع اليوم عن أنَّ المسيح حاله حال ألأنبياء السابقين واللاحقين ، فهو جاء برسالة سماوية لبني البشر وجاء لينذر الناس من فعل المعاصي بل دعى الناس للرجوع الى الله ولم يأتي بجديد للبشرية . ولكن ، في الحقيقة ، هؤلاء الناس لا يعرفون رسالة المسيح الحقيقية التي هي أشمل واعمق وأسمى من كُلِّ ما أتى به ألأنبياء السابقين واللاحقين الا وهو أنّ المسيح نفسه قام بثورة عظيمة غيَّر فيها مفاهيم العالم عبر الاف السنين من تاريخ البشرية قبله ، وسوف تبقى المبادئ السماوية التي نادى بها ، ينهل منها  العالم  بعده الى الأبد ، وهذه المبادئ  ان طبَّقها ألأنسان في حياته لأصبحت المجتمعات ودول العالم تعيش في سلام وأمن وسعادة وفرح . لأنها مبادئ وقيم ترقي و تسمو بالأنسان الى الكمال . فيسوع المسيح هو مركز التاريخ وأصبح التاريخ ينسب اليه فنقول :" ما قبل ميلاد المسيح وما بعد ميلاد المسيح " ، لا بل هو  مركز الكون ، أي أنّ المسيح هو ما تطمح اليه الخليقة  كُلَّها في سعيها نحو بلوغ الكمال  .  لقد شيّد يسوع المسيح قواعد جديدة للعالم  ومعه بدأ عالم جديد ، فهو محور العالم ومحور الكون والوجود ، جاء ليخلّص البشرية من قواعد وانظمة متهرِّئة ، واسَّس كنيستهُ ( الشعب الذي يتبعهُ ، أي المؤمنون برسالته ) على الصخرة .
ورد عن المسيح في الكتاب المقدّس  أنَّه ملك الملوك ورب الأرباب والراعي الصالح ، والكاهن الأعظم ، والصادق الأمين ، وهو ألألف والياء ، البداية والنهاية ، ونور العالم ، والخبز الحي النازل من السماء، وينبوع الماء الحي .....الخ  ،فهو مصدر الحياة ومصدر الشريعة  وهو المُشرَّع لها ، وهو مصدر الحقيقة بل هو الحقيقة نفسها.
منذ سنوات إطَّلعتُ على بعض ما كُتب عن المسيح " الثائر"  وقائد  لثورة  تغيير جذرية ، أستوقفني هذا اللقب الجديد للمسيح ، فبحثتُ في الكتاب المقدس عن حقيقة يسوع المسيح الثائر ، وما توصلتُ اليه أدهشني بل صدمني ، عندما أكتشفتُ أن المسيح هو المصدر الحقيقي لكُل الثورات التي تدعو الى ، الحرية  ، والديمقراطية  والمساواة ، والعدالة ، وحقوق ألأنسان، فرسالته هي رسالة إعادة ألأعتبار للمهمَّشين ، كالمرأة ، والأطفال ، والمرضى ، والفقراء ، والمساكين ، والعبيد ، لا بل جاء من أجل الخطاة ليحرّرهم من قيود الخطيئة  والموت ، فكانت رسالته بحق هي رسالة خلاصية للبشرية ، يدعو فيها المسيح  الى أحترام حقوق ألأنسان وأعتبار ألأنسان له قيمة عظيمة عند ألآب السماوي لا بل الأنسان هو" صورة الله كمثاله "، ومن يُهين كرامة ألأنسان فهذا يعني إنَّه يهين الله نفسهُ ، وهكذا بعد الحرب العالمية الثانية شُرعّت مواد قوانين حقوق الأنسان التي إستمِدَّت من أقوال الرب يسوع المسيح الواردة في ألأنجيل المقدَّس . ولكن المسيح يختلف أختلافاً كُلِّياً عن قادة الثورات ، عبر التاريخ ، في أنَّه كان يدعو الى تغيير ألأنسان من الداخل ، أي أنّ المسيح قام بثورة لتغيير طبيعة ألأنسان القديمة الساقطة بسبب الخطيئة ليحرِّر ألأنسان من الداخل ليخلق خليقة جديدة  ، بالولادة الروحية ، بمعمودية الروح القدس  يستطيع فيها ألأنسان ، بقوة الروح القدس(لأنَّ الروح القدس يبكِّت ألأنسان على الخطيئة)   الساكن فيه ، أن يلجم شهواته الجسدية  وأنانيته  وأكتفائه الذاتي، وكبريائه في تاليه نفسه ، وبالتالي إنفصاله عن الله  ، فكان ذلك  ، ولا زال ، السبب الرئيسي في ماساته  وسقوطه وتمرُّغه في وحل الخطيئة ، وسبب آلامه وموته الروحي .
نعم  يسوع المسيح جاء ليخلصنا ويحررنا من قيود الخطيئة والموت والشيطان ، وهو يدعو البشرية الى  السمو والكمال  للتألُّه والمشاركة في ملكوت الله  ألأزلية  ، وانَّ تعاليمه هي تعاليم سماوية روحية. جاء المسيح  ليعيش معنا ويشاركنا الآلام وألأضطهادات ، ولكن في نفس الوقت كان يرفض الظُلم أيٌِّ كان نوعه  ، وحاربة بقوة كلماته أولائك المتاجرين بالدين  ، ، فكان يتكلم بقوّة الحق ، ويقف أمام الفريسين والصدوقين والكتبة اليهود ، مدافعا عن حق الأنسان لكي يعيش في كرامته الأنسانية ، بل جعل الأنسان أسمى من الشريعة ( السبت للأنسان وليس ألأنسان للسبت ) .
 يسوع المسيح دحَّض النظرية البشرية للديانات والعقائد  السابقة واللاحقة التي تعتقد بأنَّ الله هو اله جبار يحكم بالقوّة والبطش على ألأنسان ، وهو كُلّي القدرة ، خلق ألأنسان ليكون عبدا مطيعا له ، ويكبِّله  بالشرائع والقوانين ويحمِّله أحمالا ثقيلة من التشريعات من وضع الأنسان كما كان رؤساء الدين اليهوديين يعتققدون  في عصرالمسيح وحتى معتقدات المتشددّين من رجال الدين المسلمين في يومنا هذا . وفي نفس الوقت أبطل يسوع المسيح مفاهيم خاطئة للديانات السابقة واللاحقة التي تؤمن على أنَّ معتنقيها هم خيرُ أمّةٍ أُخرِجَت للناس ، أو هم شعب الله المختار، على حساب الشعوب ألأخرى ، هذا الكبرياء والتعصُّب ألأعمى  كانا من ضمن ألأسباب  الرئيسية للحروب والمآسي وأرتكاب الجرائم  عبر تاريخ البشرية  ، لأنَّ أقصاء الآخرين  هو تشويه لمحبة الله للأنسان ، الذي خلقهُ  "كصورته ومثاله "   . بينما يسوع المسيح علّمنا أنَّ كُلِّ الناس سواسية طالما عملوا بأرادة الله "متى 21 : 31 ، 32 " . وانَّ الله يشرق شمسهِ على ألأشرار وألأخيار ، لابل أنّ يسوع المسيح ، إبن الله ، أخلى ذاته ليصير بشرا مثلنا ليعلِّن لنا تظامنه معنا ويَخدِمُنا ويتألَّم معنا بل ذهب الى ما هو أبعد من ذلك عندما ضحى بنفسه من أجل خلاصنا ، وهو القائل :"أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه من أجل خرافه "يوحنا 10 : 14" .
 وهكذا غيَّر وقلَبَ مفاهيم السُلطة والحُكم والرئاسة والقيادة والرعاة . فهو يدعوهم  جميعا  ليكونوا  هم أيضا خُدَاما لشعبوهم ويضحُّون بأنفسهم ، أذا تطلب ألأمر ، من أجل سعادة  شعوبهم . وهو الذي طبقّ  أقواله بافعاله لترسيخ هذه المفاهيم الجديدة  ليقود البشرية الى الطريق المؤدي الى الفرح والسعادة والحياة ألأفضل . من هذا المنطلق سنجد يسوع المسيح  في اقواله وأعماله هو الصوت الهادر الثائر على كُل  اشكال قيود العبودية ، والمظالم، التي كانت سائدة في العالم  ، ولكن تمرُّد المسيح على الظُلم وألأستبداد ، لايعني دحر الظالمين  والمستبدين بكُلِّ الوسائل ، فالغاية عنده لا تُبرِّر الوسيلة ( كما نقرأ عن العديد من الثورات عبر التاريخ ،  ولا تزال الى يومنا هذا الكثير من هذه الثورات ، تغرق في أنهار من الدماء البشرية ، كما حدث ويحدث اليوم في الدول العربية) . اليوم للأسف نقرأ ونسمع ونشاهد عبر ألوسائل ألأعلامية ثورات شعوب تطالب بحقها في الحياة الكريمة ، والعيش في الحرية والمساوات ، يقابلها قمع دموي وحروب ومآمرات دولية فيها الأنسان هو الضحية للأنانية من أخيه الأنسان ، وكم من الضحايا يموتون يوميا ؟ وكم من الدموع تسكب بمرارة وألم في هذه ألأيّام  ؟ وكم من ألأمّهات أصبحنَ ثكالى هذه ألأيّام ؟ ، أليست هذه الحروب والمآسي بسبب أنّنا لم نفهم ولم نعرف الى يومنا هذا رسالة المسيح الخلاصية للبشرية؟ سؤال يحتاج أن نتأمَّل فيه قبل ألأجابة عليه .
اليوم ، وبعد حوالي 2000 سنة على ولادة المسيح ،  لا زالت تعاليم المسيح واقواله وأعماله لم يستوعبها الكثيرون ، وللأسف لا تزال الى يومنا هذا ، نرى قيام  الحروب وأرتكاب الجرائم البشعة بحق ألأنسانية من قبل دول أو جماعات أو حكام أو أفراد ، واستغلال الأنسان لأخيه ألأنسان ، وسحق كرامته ألأنسانية . لو فُهمت  وطُبِّقت تعاليم  المسيح في عالمنا اليوم ، لما رأينا ما  حدث عبر التاريخ ، وما يحدث اليوم من الحروب والمآسي والجرائم ، وتهميش وسحق الكرامة ألأنسانية.
اليوم لايزال ألأنسان يأنُّ من قيود العبودية ، التي تُكبِّله  وتسحق كرامته وتقيّد حريّته وتشُلُّ ارادته  وتقمع  طموحاته ، وتحُدُّ من مواهبهِ وأبداعاتهِ  ، ورغبتهِ  من صميم قلبه وعمق وجدانه وضميره ، للسمو والرقي  للوصول الى الحياة ألأفضل . وهذه كانت ولا تزال رسالة المسيح التي هي هي أمس واليوم وغدا ، فالله أرسل ابنه الى العالم لا ليدين العالم ، بل ليُخلِّص العالم ،وليعطي الأنسان الحياة ألأفضل "يوحنا 3 : 17 " ، هذا  ألأنسان  الذي خلقه الله وزرع في أعماق نفسه الشوق الى الحرية والعطش الى الحياة ألأفضل ، وهو لن يرتوي الا ّ بالأرتواء من نبع الحياة ومصدرها يسوع المسيح الذي وحده يروي تعطُّش ألأنسان الى الحياة ألأبدية "يوحنا4 :14 المسيح  جاء من أجل تحقيق جميع هذه الرغبات عند الأنسان ليُحيي هذا الشوق وهذه الرغبة  في أعماق ألأنسان . جاء  ليدشِّن  ملكوت الله على هذه ألأرض ممهدا بذلك الطريق  أمام البشرية  وواعدا بمستقبل زاخر بالقيم السماوية ، طاردا  الخوف بالمحبة  ومحررا الأنسان من الداخل (من ألأنانية والأكتفاء الذاتي والكبرياء )، لكي يعود ألأنسان الى منابع الحياة . فعندما يتغيَّر ألأنسان من الداخل بفعل الروح القدس ، فهو سيبني مجتمعا صحيّا قادرا على العطاء والأبداع وحب الحياة ، فيعيش الناس في حرية  وسلام  وسعادة وفرح . المسيح  يدعونا اليوم لكي نتبعه ونسيرمعه ونعمل بأقواله لمعرفة الحق لنتحرر من كُلِّ قيود العبودية للخطيئة " أذا ثبتُّم في كلامي ، صرتم في الحقية تلاميذي ، تعرفون الحق والحق يحررَكم " يوحنا 8 : 31 " .

69

البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية -  الجزء السادس -
الفرق الغنوصية
نافع البرواري
الغنوصيّون ، بالغوا في أتجاهين متناقضين . فقسم منهم أعلى من شأن الروح وحطَّ من شأن الجسد ، حتى انتهى به ألأمر الى الزهد والتشاؤم من الحياة ، والقسم ألآخر غرق  في المللذّات (التهتُّك والأنحلال) .   وقد علَّم بعض الغنوصيين أنَّ ارضاء ألأنسان شهواتهِ هو السبيل الوحيد لكبح جماحها ولأخضاع الجسد وأذلاله . وهذه كانت دعوة واضحة وصريحة الى ألأنفلات ألأخلاقي .
ولقد مثَّل الغنوصية المتشائمة والزاهدة في الحياة ، مارسيون وساتورنينوس وتاسيانوس والمانويّون ، وبلغ تزهُّدهم حدّاً دفعهم الى ألأمتناع عن الزواج وعن تناول أنواع معيّن من الطعام ، ساعين ، قدر المستطاع ، الى ألأبتعاد من دنس المادة حتى يتجنّبوا الوقوع في الشر الذي أعتبروا المادة سببا في وجوده .
وأمّا الغنوصية الفاحشة ، فلقد مثَّلها ، النيقولاويون (1)
 والكاربوكراتيّون  وألأوفيّون  وألأنيكتاتيّون الذين علَّموا أنَّ أخضاع الجسد لمشيئة الروح لن يتم َّ الاّ باغراقه في المللذّات حتى يمِلها ويزهد بها . وهذه الطائفة من الغنوصية انتشرت في مصر وراحت تدافع عن ممارسة العهر والدعارة العلنييّن .
أضافة الى ذلك ، هناك فرق غنوصية أخرى لها أتّجاهات متباينة . منها ، على سبيل المثال ، فرقة ألخاسييّن التي تعتقد بالسحر والتنجيم ، وفرقة الشعثيين (نسبة الى شعث احد ابناء آدم) التي عبدت الأفعى ، وفرقة الباربيلييّن الذين ظهروا في القرنين ألأول والثاني الميلاديّين وأظهروا تأثُّرا واضحا ببعض الكتابات الوثنية
من الناحية الفلسفية تميَّز أيضا ثلاث مدارس رئيسية . المدرسة ألأولى يغلب عليها الطابع الوثني ، واليها ينتمي سيمون الساحر ، والنيقولاويّون ، وألأُوفيّون ، والكاربوكرانيون ، وألأنيتاكتيّون ، والمانويّون ، والروديسيّون .
والمدرسة الثانية تتَّسم بالطابع  التهويدي واليها ينتمي " كورنثيوس" و "باسيليدوس" ، و"فلا نتينوس"
والمدرسة الثالثة تتميَّز بغلبة الطابع المسيحي عليها ، واليها ينتمي "ساتورنينوس" ، و"مارسيون" و"تاسانوس" وألأنكاتيّون . وجميع هذه المدارس كانت مناوئة للمسيحيّة .
أمّا من وجهة النظر الفكرية والخلقيّة في امكاننا تقسيم الغنوصية الى ثلاث فئات رئيسية . الفئة ألأولى هي الفئة التأمليّة وتضم "باسيليدوس" و:فلانتينوس" . والفئة الثانية هي الفئة الزاهدة في الحياة وتضمُّ "مارسيون " و" ساتورنينوس" و"تاسيانوس" . والفئة الثالثة هي الفئة الأباحية والأنفلاتيّة وتضم السيمونيّين والنيقولاويّين والأوفيّين والكاربوكاراتيّين والأنيتاكتيّين .
وعلى الرغم من ازدهار الغنوصيّة ، فلقد فشلت في أقامة صرح أو تنظيم غنوصي بكلِّ معنى الكلمة . لذلك قال فيها "ترتوليانوس القرطاجي" "انَّ الغنوصية تفتقر الى النظام والضبط والربط ، ولقد غرقت في التأمّلات الفلسفيّة من دون الأهتمام بتنظيمها وبلمِّ شملها وبتوحيد صفوفها . لهذا كانت نهايتها . . (2)
وسنتطرَّق الى بعض مشاهير البدعة الغنوصية  .
 أولا - سيمون الساحر-
 
"وكان في المدينة ساحرٌ أسمهُ سمعان (أو سيمون في مصادر اخرى) فتَنَ السامريِّين من قَبلُ بأعمال السِّحرِ وأدّعى أنّه رجلٌ عظيم ٌ. فكانوا يتبعونه جميعا ، من صغيرهم الى كبيرهم ويقولون : "هذا الرجل هو قدرة الله التي ندعوها : العظيمة" . وكانوا يتبعونه لأنّه فتنهم بأساليب سحره من زمن طويل . فلمّا بشَّرهم فيليبس بملكوت الله وأسم يسوع المسيح . آمنوا وتعمَّدَ رجالهم ونسائهم وآمن سمعان أيضا ، فتعمّد ولازم فيلبس ، يرى ما يصنعه من الآيات والمعجزات العظيمة فتأخذه الحيرة ُ ."أعمال 8 : 9 – 13 "
"لكُلِّ شيء ثمن" عبارة صحيحة في عالم الرذيلة والرشوة والمال والمادية . وقد ظنّ سيمون أنَّ بأمكانه شراء قوّة الروح القدس ، لكن بطرس الرسول عنَّفه بكُلّ قسوة . والطريقة الوحيدة لينال الأنسان قوَّة الله  هي ، كما قال بطرس لسيمون ، التوبة عن الخطيّة . وطلب مغفرة الله والأمتلاء من روحه القدوس ، فلا يمكن لأيَ قدر من المال ، مهما كان ، أن يشتري الخلاص أو غفران الخطايا أو قوَّة الله . فكلِّ هذه لاينالها الأنسان  ألاّ بالتوبة والأيمان بالمسيح مخلِّصا .
 ُتنسب السيمونية  لسيمون الساحر الواردة قِصَّتُه في سفر أعمال الرُسل (3)
كان السحرة والمشعوذين منتشرين في السامرة واليهودية والبلاد كُلّها أيّام الكنيسة ألأولى، كما كان لهم نفوذ قوي على الناس . وكانوا يصنعون العجائب ، ويعملون معجزات الشفاء والرقي ، كما كانوا يمارسون التنجيم ، وقد صنع سيمون الساحر الكثير من العجائب حتّى ظنّ البعض أنّهُ هو المسيح . كان يضلِّل الناس بسحره ويعمل معجزات شيطانية بقوة سحره ، حتى أنَّه أدهش شعب السامرة بسحره فكانوا يقولون أنَّ سحره شيءٌ عظيم . وكان يرضي شهوة نفسه من العظمة وترديد الناس لأسمه . كما كان يجني أرباحا طائلة من سحره ، حتى اعتقد أهل السامرة أنَّ قوة الهية عظيمة حلَّت فيه . (4)
كان استخدام السحر والتنجيم (ولا زال الى يومنا هذا ) أمرا شائعا  في العالم القديم . في البداية كان السحرة يدرسون الفلسفة وعلم التنجيم والأفلاك والطب ...الخ . لكن أسم "السحرة" يشير الى الذين يستخدمون معرفة الفنون بغرض التعرّف على المستقبل ، بدعوى انَّ ذلك يتحقق خلال  تحركات الكواكب ، ويشفون المرضى بالتعاويذ "اشعيا 2 : 6 ، ودانيال 1 : 20  ، 2 :2 ".
سحر سيمون عقول الكثيرين من البسطاء  وبحسب العلاّمة أوريجانوس بقت جماعة السيمونيين تخرب في الكنيسة حتى منتصف القرن الثالث الميلادي. (5)
عرفت الكنيسة الأولى شناعة الخطيئة فاطلقت اسم السيمونية على كُلِّ من يتاجر في الوظائف الكنسية (تجار الدين ) . واجه المبشِّرون الأوَّلون بالمسيحية مقاومة من السحرة مثلما جرى مع عليم الساحر الذي قاوم بولس الرسول في "أعمال الرسل 13 : 6 ، 7 ".
 السيمونية  من أخطر البدع التي واجهتها الكنيسة من أناس يلبسون الحق على الباطل ويتَّخذون الأيمان بالرب يسوع المسيح وقوة الروح القدس كغطاء لنيل مآربهم الدنيئة البعيدة عن النعمة المجانية التي تُعطى للمؤمنين ، أشاع سيمون الساحر عن نفسه قائلا : أنَّه "قدرة الله العظيمة "، تكَبَّر وأِدعى الألوهية ، فانحى عليه القديس بطرس باللائمة لأنَّه أراد أن يشتري قوّة الروح القدس مِنهُ ، ومن القديس يوحنا الرسول ، بالمال . (6)
وقد تكلم ،عن سيمون الساحر، أيريناوس في كتابه "ضد البدع " قائلا :
"سيمون الساحر ، أو سيمون المجوسي ، هو أوّل مبتدع ، في تاريخ الكنيسة ، مزج الغنوصية بالمسيحية ". كان سيمون يتجول مع امرأة داعرة اسمها "هيلين أو هيلانة" قائلاً عنها إنها " الفكرة ؛ أو بنت من بنات أفكاره ، وإنها هي أم كل الأشياء ، وبها خلق الملائكة والعالم. وقد حبسها الملائكة في جسد بشري ، ومنعوها من الرجوع إلى أبيها. وهكذا احترفت البغاء ، وصارت الخروف الضال، فجاء "سيمون" ليخلصها . لذا يجب على الناس أن يضعوا رجاءهم فيه وفي هيلين حتى يخلصوا ويصيروا أحراراً بنعمته. وعن رواية لإيريناوس  ، أيضا ، أنَّ سيمون قال إن الإله الأعلى أظهر نفسه بين السامريين في شخص سيمون (الآب)، وفي شخص (الابن) يسوع المسيح بين اليهود، وفي شخص (الروح القدس) في بلاد أخرى . ويروي الشهيد يوستين كيف استطاع هذا الساحر أن يجتذب أشخاصا يكرسون حياتهم لنظامه بواسطة قوة السحر ، ليس فقط في السامرة ، بل وفي انطاكية أيضا وروما . وقد عمل له تمثال في روما نقش عليه "تذكار لسمعان الاله المقدس" . وقد أثار الحكام في روما ضد المسيحيين ويقال أنّهُ دخل في صراع مرير مع القديس بطرس أنتهى بدحره . وبتقرير العلاّمة أوريجينوس بقت جماعة السيمونيين تخرِّب في الكنيسة حتى منتصف القرن الثالث .
وقد كتب "هيبولتيوس" أن سيمون وفي نهاية حياته طلب من أتباعه أن يدفنوه حياً، وسوف يقوم في اليوم الثالث. وبالطبع لم يقم، وبقي في قبره، فهو ليس المسيح.
هذه بعض الأساطير عن سيمون .
 أما بخصوص ما يُطلق عليه "السيمونية"، فهو اصطلاح يقصد به السعي للحصول على وظائف كنسية أو درجات كهنوتية مقابل المال، مثلما حاول سيمون نفسه أن يفعله بأن يحصل على قوة الروح القدس من بطرس ويوحنا مقابل المال (أع 8: 18، 19).
يقول ألأب بولس الفغالي(7)
عرض سيمون الساحر المال على بطرس ويوحنا لينال سلطة اعطاء الروح في حين انّ الروح يُعطى كهبة للمؤمنين ولا يشترى بثمن .......تاثَّر سيمون (او سمعان في بعض المصادر) بعجائب فيلبس وكرازته في السامرة ، فتعمّد (اعمال 8 :13) . وحين جاء بطرس ويوحنا ، وضعا أيديهما عليه ، كما على سائر المرتدّين (أعمال 8 :17 ". نال سيمون الروح القدس كما ناله غيره . وجائت الخطوة التالية : طلب من الرسل سلطة منح الروح بوضع يديه " اعمال 8 :19 ". لم ير سمعان بطرس أيُّ خطر في هذا الطلب ، انّ الخطر يبدو حين نقرأ أعمال الرسل قراءة أجمالية . بين الرسول والساحر هناك هوّة عظيمة . فالساحر يربح المال حين يتاجر بالأمور العلوية (الفائقة للطبيعة) . أمّا الرسول فلا مال له . هو لايتقبّل مالا من الكنيسة . يعمل بيديه لمساعدة الفقراء (كما كان يفعل بولس الرسول) . السحرة يكسبون المال بالشعوذة . أمّا الرسل كانوا فقراء ولكن أغنوا كثيرين بقدرة الله (الروح القدس) ، التي تتحقق بقدرة الصلاة .  فالمواهب الروحية لا تباع أوتشترى
سيمون الساحر أراد أن يطبِّق مبادئ من سحره الخاص على منح الروح ، وهي مبادئ مالية وتجارية . رغب في أن يدفع المال من أجل القدرة على العمل (وهكذا يكسب المال) كجزء من أعمال السحر . بينما شجب الرسول بطرس هذه الرغبة عند سيمون الساحر" ..الى جهنَّم أنت ومالك لأنّك ظَنَنتَ  أنَّك بالمال تحصل على هبة الله "أعمال 8 :20 "، لأن طريق الخدمة المسيحية غريبة عن عمل سيمون . فلا يمكن لبطرس الرسول أن يضع الروح القدس بتصرف انسان أهدافه الرئيسية هي أهداف كسب وربح المال . أنَّ هدف كلام الرسول بطرس هو التشديد على فظاعة خطية سيمون وتحديدها على أنّها سيطرة على عمل الروح القدس بواسطة المال ، وهذا ما يتعارض وطبيعة الروح القدس كموهبة .
يقول الأب جورج رحمة .(8)
"لقد وصف سيمون هيلانة بأنّها قبس منه ورفعها الى مراتب القديسات ، مطلقا عليها أسم "الفكرة العظيمة " ، وكما نسب الى نفسه صفة الربوبيّة ، وأدَّعى أنَّه تجسيد لما أسمّاه "روح العالم المستقبِلَة . ويؤكِّد القديس "ايريناوس" ما ذكره القديس "يوستينوس الروماني "الشهيد من أنَّ كثيرين كانوا يمجِّدونه ويعتبرونه الها ، وأنَّهُ قال عن نفسهِ  انَّه ظهر بهيئة الأبن لليهود ، وبهيئة ألآب للسامريين ، وبهيئة الروح القدس بين ألأمم . كذلك يقول القديس "هيبوليتوس الروماني" انَّه طلب أن يُدفن حيّا حتى يقتنع الناس بقيامته كالمسيح من بين ألأموات بعد ثلاثة أيّام .
ولقد حاول مرارا الطيران فسقط وأصيب بكسور ، كما حاول الصعود الى السماء في عَرَبَة تنطلق منها ألسنة اللهب فسقط وانكسرت رجله ، فقرّر ، بسبب فشله وعاره ، التخلُّص من حياته ، فألقى نفسه من قمة جبل مرتفع ، ومات . أمّا القديس "هيبو ليتوس الروماني " يقول "انَّه (اي سيمون) طلب أن يُدفن حيّا حتى يقتنع الناس بقيامته ، كالمسيح ، من بين ألأموات . له كتاب يدعو فيه الى الغنوصية بعنوان "الوحي العظيم" ولكن لم يصلنا منه الاّ بعض شذرات" .
وقد ذكر القديس "يوستينوس الروماني " الشهيد أَنَّ كُلِّ السامريّين تقريبا كانوا يُمجّدون سيمون  ويعتقدون أنَّه الله .
 قال القديس كيرلس ألأورشليمي :"سيمون الساحر هو مصدر كُلِّ هرطقة ، هذا الذي جاء عنه في سفر أعمال الرسل ، أنَّه فكر يريد  أن يشتري بالمال نعمة الروح القدس" . 1-حُب المال 2-حب السلطة والكرامة 3-الكبرياء . فيحاولون بِكُلِّ الطرق ويستعملون جميع الوسائل (الغاية تُبرّر الوسيلة) من أجل تضليل ألآخرين وأقناعهم وجعلهم يخضعون لسلطانه.
يقول المؤرخ الكنسي المشهور، يوسابيوس القيصري ، في كتابه الأول الفصل الثالث عشر (9) :
 1 - "أذ ذاع ألآن الأيمان بمُخلِّصنا وربنا يسوع المسيح بين كلِّ البشر ، دبَّر عدو خلاص الأنسان خطة للأستيلاء على المدينة الأمبراطورية ، لذلك دفع سيمون السابق ذكره وساعدهُ في فنونه المضللة ، وضلَّل الكثيرون من سكان روما ، هكذا جعلهم في سلطانه .
 2 - هذا ما قرّره يوستينوس ، وهو أحد كُتّابنا البارزين عاش بعد عصر الرسل بوقت قصير ، وسأتحدّث عنه في المكان المناسب خذ أقرأ كتابة هذا الرجل الذي في أحتجاجه ألأول الذي القاهُ أمام انطونين دفاعا عن ديانتنا كتب ما يلي :
 3-وبعد صعود الرب الى السماء دفعت الشياطين رجالا معيّنين قالوا أنّهم آلهة ، ولم يسمحوا لهم فقط بان يُظلِّوا غير مضطهدين ، بل أعتبروا ايضا مستحقّين ألأكرام ، كان أحدهم سيمون ، وهو سامري من قرية جتّو (احدى قرى السامرة) وفي عهد كلوديوس قيصر أجرى في مدينتك الأمبراطورية بعض أعمال السحر العجيبة بفعل الشاطين التي كانت تعمل فيه ، وأعتبر الهاً ، وكأله أكرمته بتمثال أقيم في نهر التيبر (يعني الجزيرة القائمة وسط نهر التيبر ، وهي تحت الفاتيكان بمساحفة قصيرة) بين القنطرتين ونقشت عليها الكتابة باللاتينية (سيمون الأله القدوس) .
 4-وصار كُلِّ السامريين تقريبا وقليلون حتى من الأمم الأخرى يعترفون به ويعبدونه كألأله ألأوَّل . وجالت معه امرأة في ذلك الوقت أسمها هيلانة ، وكانت سابقا عاهرة في مدينة صور ، من أعمال فينيقية ،وهم يدعونها الفكرة ألأولى التي برزت منهُ ".
5-وقد روى هذه ألأمور يوستينوس ، وأتفق ايريناوس في الكتاب ألأول من مؤلفه "ضد الهرطقات" حيث تحدث عن هذا الرجل وعن تعاليمه الفاسدة ، وتعتبر من باب تحصيل الحاصل سرد روايته هنا ، لأنَّه من السهل لمن يريد معرفة أصل المرهرطقين الذين اتبعوه وحياتهم وتعاليمهم الكاذبة ، ومعرفة العوائد التي مارسوها كلهم ، أن يجدها مفصلة في مؤلف أيريناوس السابق ألأشارة اليه .
6- ونحن نعلم أنّ سيمون هو منشئ كُلِّ بدعة ، ومنذ عصره الى الوقت الحاضر نرى أنّ كُلّ الذين أتبعوا هرطقة قد تظاهروا بفلسفة المسيحيين الوقورة المتزنة ، المعروفة للجميع بسبب طهارة الحياة التي تنادي بها ، على أنَّهم مع ذلك رجعوا ثانية لخرافات الأوثان التي تظاهروا بأنَّهم نبذوها وصاروا يخرون أمام صور وتماثيل سيمون نفسه ، وهيلانة السابق ذكرها التي رافقته ، ويتجاسرون على عبادتها بالبخور والذبائح والسكائب.
7- على أنَّ تلك الأمور التي يحتفظون بسريتها أكثر من هذه ، والتي يقولون عنها أنَّ المرء لدى سماعها عنها لأوَّل مرة يندهش ، بل "يرتبك (حسب العبارات المسجلة كتابة المألوفة بينهم ) هي في الحقيقة مليئة بالمدهشات وبالجنون والحماقة ، لأنَّها النوع الذي يستحيل أيضا على أناس محتشمين مجد التلفّظ بها بشفاههم بسبب انحطاطها المتناهي وفجورها المتزايد .
8- لأنّه أية سفالة يمكن تصورها أدنى من أسفل السفائل ، تلك التي برز فيها أولئك السفلة الذين يلهون ويعبثون بالنساء التعيسات اللاتي انغلبن من كل انواع الرذائل ".
ثانيا : ميناندر العّراف
يعتبر خلف سيمون الساحر، وكان سامرياً أيضاً مثله، وأذاع تعاليمه الشيطانية في أنطاكية بين سنتي 70، 100 م. وقد علَّم أنه هو المخلص الذي أُرسل من فوق (الدهور غير المنظورة ) لخلاص البشرية. وبواسطة المعمودية التي يمنحها هو – عن طريق نظام سحري – يستطيع الإنسان أن يتسلط على الملائكة ، وقد ذكر يوستينوس أن ميناندر هذا، قال إن من يتبعه ويجتاز في المعمودية، لن يموت، بل يتمتع بالخلود وعدم الفناء.
ويذكر يوستينوس أيضاً، أن ميناندر قد مارس السحر في بادئ الأمر، وهذه إحدى سمات الغنوسيين السامريين .
ذكر يوسابيوس القيصري ميناندرا العرّاف :
1 – لقد برهن ميناندر خلف سيمون الساحر ، بتصرفاته على أنّهُ آله أخرى في يد القوة الشيطانية لايقل عن سلفه ، وكان هو أيضا سامريا ، وأذاع أضاليله الى مدى لا يقل عن معلِّمه ، وفي نفس الوقت عربد في طياشات أعجب منه ، لأنّه قال بأنّه هو نفسه المخلص الذي أرسل من الدهور غير المنظور لخلاص البشر
2 – وعلم بأنّه لايستطيع أحد أن ينال السيادة على الملائكة نفسها خالقة العالم ( اتّفق مع سيمون بأنَّ الملائكة خلقت العالم ) ، الاّ اذا جاز في النظام السحري الذي يمنحه هو وقبل المعمودية منه ، أمّا من يحسبون أهلا لهذا فأنّهم ينالون الخلود الدائم حتى في الحياة الحاضرة ، ولم يموتوا ، بل يبقون الى الأبد ،   ويصبحون عديمي الفناء دون أن يشيخوا ، وهذه الحقائق يمكن أن نجدها بسهولة في مؤلفات أيريناوس .
3 – أمّا يوستينوس فأنه في الفقرة التي تحدث فيها عن سيمون قدم وصفا عن هذا الرجل ايضا في الكلمات التالية : "ونحن نعلم أنَّ شخصا معينا اسمه ميناندر ، وكان أيضا سامريا من قرية كابراني (مكان هذه القرية غير معروف الآن ) وكان تلميذ لسيمون ، وهو ايضا اذ ظوحت به الشيطان أتى الى أنطاكية وأضل الكثيرين بسحره ، واقنع أتباعه بانَّهم لم يموتوا ، ولا يزال البعض منهم موجود ويؤيِّد هذا 
4 – وقد كانت مهارة من أبليس حقا أن يحاول ، باستخدام أمثال هؤلاء العرافين الذين أنتحلوا لأنفسهم أسم مسيحيين ، تشويه سر التقوى العظيم بالسحر ، وتعريض تعليم الكنيسة عن خلود النفس وقيامة الأموات للسخرية ، على أنَّ الذين أختاروا هؤلاء الناس كمخلصين لهم سقطوا من الرجاء الحقيقي .(10)
خلاصة  الهرطقة السيمونية :
يقول أيريناوس أنَّ سيمون هذا أبو الغنوصيين ، ولكن لم يتأكّد العلاقة بين السيمونية والهرطقة الغنوصية ، فهي علاقة غير معروفة تماما . وذلك لسبب بسيط هو أنّ السيمونية تعتمد على السحر في الأنتشار ، أمّا الغنوصية فتعتمد على الفلسفة . ولعلَّ الصواب هو في أقوال ألآباء المسيحيين الأولين الذين ربطوا بين سيمون الساحر (أعمال : 8) مع فكرة الغنوصية . فالغنوصية لم تكن فكراً أو لاهوتاً خالصاً ، بل كانت أيضاً نوعاً من الشعوذة . وقد أضر ذلك بالمسيحيين حيث نظر الوثنيون إليهم نظرتهم للسحرة ، لدرجة أن لوسيان وكلسوس الوثنيين اللذان هاجما المسيحية قالا عن المسيح إنه كان ساحراً . وقد كان لسيمون أتباع أعجبوا بقوة سحره أطلق عليهم اسم "السيمونيون" أعتبروا سيمون نبيا لهم . وهم شيعة صغيرة من شيع الغنوصيين أصحاب السيمونية الغنوصية رأوا أنَّ الخلاص لايأتي عن طريق ألأيمان والحب وحدهما ،  ولكن عن طريق المعرفة  التأمُّليّة المستوحاة ، والحدس الخاص بالأصغاء  و ممارسة طقوس السحر . فهي تدعو الى التوفيق بين المذاهب ، وهكذا أخذت كُلّ ما تُعلِّمه الديانات الفارسية (الزرادشتية ) والمصرية  والهلينية (الفلاسفة ) خصوصا ما علّمَته ثنائية زرادشت ، التي كانت تُنادي بوجود صراع دائم بين قوى النور والظلام وقوى الخير والشر. حتّى أخذت من المسيحية فكرة الخلاص . وقد تاثَّر ماني بهذه البدعة ( وسوف نتطرق الى البدعة المانوية في المقالات القادمة انشاء الله ).
----------------------------------------------------------------------
(1)  راجع رؤيا 2 : 6 ، 15 )
 (2) راجع الكنيسة الكاثوليكية والبدع ألأب جورح رحمة
(3) (أعمال 8: 9 – 24 ) (راجع التفسير التطبيقي للكتاب المقدس) .
.(4) نفس المصدر(3) اعلاه
(5) (راجع الموقع ادناه)
 
www. Coptichistory.org/new_page_1267.htm
(6) نفس المصدر (5) أعلا
(7) مؤلفات ألأب بولس الفغالي –عالم في شرح الكتاب المقدس
(8) نفس المصدر رقم (2) أعلاه
 
(9) تاريخ الكنيسة –يوسابيوس القيصري
(10) نفس المصدر رقم  (9) أعلاه

70

رسالة الأنبياء  للشعب اليهودي في السبي البابلي هل تنطبق على  شعبنا المسيحي
اليوم ؟
نافع البرواري
قام ألأنبياء والكهنة كممثلين لله ، وكان دور النبي هو أن يتكلم عن الله ويواجه الشعب وقادته بأوامر الله ووعوده . وبسبب موقف المواجه ، ونزعة الشعب المستمرة لعصيان الله ،  كان الأنبياء الحقيقيّون  غير محبوبين  . ومع أنَّ رسالتهم كثيرا ما لاقت آذانا صمّاء  ، الاّ أنّهم أذاعو الحق بأمانة وبقوّة . وكان الأنبياء يدعون مملكتي "يهوذا" و"اسرائيل" والأمم الوثنية المحيطة بهما الى التوبة عن خطاياهم ، وينذروهم بالويلات ، في حالة عدم رجوعهم الى الله الحقيقي وتطهير الشعب لمساعدته على فهم حقيقة الهه ورسالته الحقيقية .
تبدو احيانا تعاليم النبي وكأنّه يسير عكس التيار ، فيحتج على الطبقة الحاكمة التي تهتم بالترتيبات السياسية ، التي تخالف الحق والعدل في المجتمع ، ويهاجم الممارسات الدينية التي يحتمي وراءها الذين يستغلون المساكين . وهذا ما كان يفعله النبي اشعياء ، فكان يدعو الناس الى ألأيمان ، ويقول لهم "ان لم يكن فيهم ايمان فلن
يكونوا في أمان" راجع شرح المقدمة لسفر اشعياء . كان اشعيا النبي المناضل الذي لايُلين مزودا بقوة الله وهو يُعلن ، دون أدنى خوف ، كلمة الله ويذيع الحق بأمانة وقوّة . كان يُنظر الى اشعياء ، كمعظم ألأنبياء ، بأنَّه خائن لأنَهُ لم يؤيِّد سياسة يهوذا القومية ، فقد دعى الشعب الى تسليم أنفسهم أولا لله  ثُمَّ للملك "راجع اشعياء 8 : 11 – 15 ".
وما أشبه اليوم بالبارحة ، فالكثيرون منَّا يفتخرون بقوميَّتهم أكثر من أفتخارهم بمخلِّصهم يسوع المسيح ، والكثيرون اصبحوا مهوَّسين في البحث عن جذورهم الوثنية بدل أن يركِّزوا على جذورهم المسيحية ، والكثيرون يتمسَّكون بقوميتهم متوهمين ان َّ ذلك هو السبيل الوحيد للخلاص من الوضع الماساوي الذي هم فيهِ . ولكنهم نسوا أنَّ الشخص الوحيد الذي نستطيع ألأعتماد عليه ليخلِّصنا ،  من الحالة المأساوية التي نعيشُها ، هو وحده يسوع المسيح .
 كان ارميا النبي الملقب (بالنبي الباكي دهرا) يحذِّر شعبه من تجاهل الخطية وعدم ألأصغاء لتحذير الله ، اذ كان يعرف مقدما ، كمتحدِّث باسم الله ، ما سوف يحدث لبلده يهوذا، ولأورشليم  العاصمة"مدينة الله" ، لقد أقترب قضاء الله من موعده وبات الدمار وشيكا . وبكى أرميا ، ولم تتمركز دموعه حول ذاته ، لكنه بكى لأنَّ الناس رفضوا الههم ،ألأله الذي أحبَّهم . أنكسر قلبه لأنَّه كان يعلم أنَّ أنانية الناس وحياة الخطية ستؤدي بهم الى متاعب كثيرة وسبي طويل . في مرحلة من أرساليته ، طُرِح أرميا في جب فارغ وتُرك في الوحل في القاع "ارميا 38: 6 -13 " لكن الله انقذه واستخدم أرميا هذه التجربة ليصوِّر غرق الأُمَّة  في الخطية  . لقد تنبَّأ أرميا عن خراب أورشليم ، فنراه كواحدُ من خُدّأم الله المختارين مهموما بشعبه وحبه لأمّته ، واقفا وحيدا وسط عمق أنفعالاته ، وكان سوطا صارخا في البرية  يُنذر شعبه بالتوبة والرجوع الى الله  .
 أمّا دانيال النبي فكان يقف وحده أمام طاغية أناني (نبوخذ نصر) وكان محاطا بعبدة أوثان  ويعيش في بلد غريب وشعب غريب ، وفوق ذلك كان يعيش حزينا بسبب شعبه الذي تمزّق وتشتّت في الغربة ، وبدلا من ألأنهيار أوألأستسلام ، تمسّك بأيمانه بالههِ ، ورأى ، برغم كُلِّ هذه الظروف ، أنَّ الله هو المهيمن على كُلِّ شيء ، وينفِّذ خطَّته للأُمم وألأفراد على السواء . وكان يتحدث عن محاولات الله المستمرة لأعادة بني اسرائيل اليه ثانية . وللأسف  ، وحتى  بعد أن نالتهم الكوارث ، رفضوا أن يُطيعوهُ ، وما زال الله يستخدم الظروف والآخرين وفوق الكُل كلمتهِ المقدسة ليعيد الضالين اليه .
اليس هذا ينطبق على شعبنا المسيحي في العراق ؟ الم يتحوَّل الكثيرون من المسيحيّيون الىالأعتزاز بالآلهة الوثنية للآشوريين والبابليين  وتركوا نبع الماء الحي ربنا يسوع المسيح ؟ اليس حالة شعبنا اليوم في الداخل وفي الشتاة كحالة شعب اسرائيل عندما سقطت أورشليم بيد البابليين وتم جلب نخبة الشعب الأسرائيلي الى بابل عاصمة الكلدانيين الوثنيين ؟. يقول الله على لسنان ( لسان ) النبي ارميا :" فلا الكهنة قالوا : أين الربُّ ، ولا معلِّموا الشريعة عرفوني ، والحُكّام أنفسهم عصوني ، والأنبياء تنبَّئوا باسم ( ذبحتني أبو رامز تكتب ا، أ وأ، ا . فهنا كتبت باسم ، وباسم هذا صديقي في ديترويت أما قصدك هو بأسم فأجعلها بأسم أذا ماكو زحمة عليك وأترك سبيس بعد بعل التالي ) البعل(اله  الوثنيين) وذهبوا وراءَ اله لا نفع فيه ، لذلك أُخاصمكم يا شعبي ، وأُخاصم بنيكم" ارميا 2 : 8 ،9
اليهود عبدوا اله البعل وهو اله الكنعانيين وخانوا العهد مع الههم القدوس ، وهكذا اليوم ترك الكثيرون من المسيحيين في العراق أيمانهم بالمسيح وعبدوا السلطة والمال وشهوات هذا العصر ، فهنا يعيد التاريخ نفسهُ . فالكتاب المقدس هو دروس وعبر لنا لنتَّعض ونتوب ونرجع الى الرب يسوع المسيح.
كان الأنبياء أحيانا كثيرة يقفون وحدهم في محاربة الظلم والفساد للملوك وكذلك كانوا يواجهون  ألأنبياء الكذبة ، وكهنة الهيكل ، وحتى مواجهتهم للشعب الذي تحول عن عبادة الله بعبادة ألآلهة الوثنية. وقد جعلت عدم استجابة الناس لهم بأن يصابوا احيانا كثيرة بالأحباط وبالمرارة ، فتوصيل كلمة الله وحقائق الكتاب المقدس الى العالم الساقط مسؤولية شاقة ومحفوفة بالمخاطر ، ولكن بالرغم من  كل ذلك كان الأنبياء الصادقين يواصلون الجهاد لأبلاغ ألآخرين بعواقب الخطية.(راجع  شروحات في مقدمة ارميا النبي للكتاب المقدس التغسير التطبيقي) .
لقد خُرِّبت  أورشليم بسبب الخطية ، ودُمِّر الهيكل وسُبي الشعب اليهودي الى بابل. فبرغم أنَّ بابل كانت خاطئة ، فقد استخدمها الله لعقاب يهوذا وأورشليم  العاصمة.
وأدى الأحتلال البابلي ليهودا الى انتشار العنف والأستعباد فيها . وفقد الشعب اليهودي سلامه وحُرِّيته ، اذ سُحقت هويته على يد محتل أقوى منه . وما أشبه حالتنا نحن المسيحيين في العراق بحالة الشعب اليهودي قبل حوالي 2500 سنة . لقد أضطر اسرائيل  ، كشعب مؤمن ، (وهو يمثل اليوم أيضا جميع المؤمنين المسيحيين) الى أجتياز  تجارب من هذا النوع .
 يؤدي أحتلال بلد ما الى انتشار العنف والأستعباد فيها . ويفقد الشعب المضطهد سلامه وحريَّته  اذا سحقت هويَّته على يد محتل أقوى منه . الواقع ، كانت حقيقة المنفى في بابل الحقبة أكثر صعوبة ، فأسرائيل الذي فقد كل شيء ، وجد ذاته خارج بلاده ، بلا هيكل ولا مَلك (وهكذا نحن المسيحيين اليوم في المهجر  بعد أن خرجنا من أوطاننا نتيجة ألأضطهاد والتعسف والترهيب والتخويف وبطش المحتلين الذين أحتلوا ديارنا وصحّروا ثقافتنا وزوروا تاريخنا ومسحوا ذاكرتنا  وألغوا  لغتنا الجميلة وأستبدلوها بلغة المحتل ، وجدنا انفسنا مضطرين لنعيش في المهجر ، الذي يمكن  اعتباره منفى لنا لنعيش في ضياع الهوية والوطن ، كما حصل لبني  أسرائيل عندما نفيوا الى بابل ونينوى وفرضت عليهم اللغة البابلية ألآرامية). ولكن ذلك لم يحدث أبدا من دون تدخُّل الهي . فلم يتوقف الله ، بواسطة أنبيائه ، عن توجيه كلامه الى شريكه في العهد. ففي خضم كُلِّ هذه   الظروف  الماساوية كان ألأنبياء لهم رجاء أن يفتقد الله شعبه ولا يتركه تحت حكم المحتلين والظالمين  . انَّ هذا الوضع غالبا ما يختزن صرخة صامتة تعبِّر عنها الرغبة في ايجاد مُخلّص  . وهذا المُخلّص يجب أن يأتي . فالله سيظل أمينا على الدوام نحو شعبه وستبقى رحمته وسط البلوى . والله قادرعلى نقل الشعب من حالة ألأسر والألم الى حالة خلاص . يقول الرب عن المحتلين "سأسأل عن غنمي وأتفقدها . كما يتفقَّد الرَّاعي قطيعه يوم يكون  في وسط غنمه المنتشرة ، وأنقذها من جميع المواضع التي تشتّت فيها يوم الغيمِ والضباب . وأُخرجها من بين الشعوب وأجمعها من البلدان وأجيءُ بها الى أرضها ...أنا أرعى غنمي ، وأنا أُعيدها الى حظيرتها  فأبحث عن المفقودة وأرُد الشَّاردة وأُجبر المكسورة وأقوّي الضعيفة  وأحفظ السِّمينة والقويّة وأرعاها كُلُّها بعدل ...وأُعاهد غنمي عهدَ سلام وأردُّ الوحش الضاري عن ألأرض  فتسكن في البريّة آمنة وتنام في الغاب ...فتعلم أنّي أنا هو الرب الههم  ، معهم أكون "حزقيال 34 : 11الى 31".
نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين ولكننا نقرأ العهد القديم (قبل 2500سنة) على ضوء العهد الجديد ، وأقوال الأنبياء على ضوء أقوال ألأنجيل ، أي قرائة حاضرة لأحداث اليوم الذي يعيشها شعبنا المسيحي في العراق ، فنتأمَّل في قرأءة الكتاب المقدّس فنستلهم ونستخلص منه الدروس والعبر ، عن أحداث وقعت في الماضي  لتشخيص واقعنا اليوم وكيف نواجه وضعنا الحالي ولتكون لنا   رؤى للمستقبل .
انَّ تعزية المؤمنين هي في قراءة أقوال الرب يسوع المسيح والثقة به فهو الراعي الصالح ، والراعي الصالح لايترك خرافه بل يدافع عنها ويقودها الى المراعي الخضراء وينابيع المياه الصافية .
فكما انَّ الشعب الأسرائيلي لم ينتهي تاريخهم لأنّ الله بعث لهم أنبياء أمثال دانيال الذي أُخذ ليكون مستشارا للملك نبوخذنصر ، وبمعونة من الله أستطاع دانيال تفسير حلمين للملك . وقد نجا أصدقاء دانيال الثلاثة من الموت في اتون النار كما نجا دانيال من جب ألأسود . هكذا تقدم لنا حياة دانيال صورة لأنتصار ألأيمان . ليعطينا الله هذا ألأيمان حتى نعيش نحن ايضا ، في هذه الفترة العصيبة ، بكل شجاعة في كل يوم ، عاملين ما هو حق ، ولا ننهار أمام الضغوطات المحيطة بنا ، كما فعل دانيال النبي ، فبالرغم من أنَّه كان أسيرا في أرض  غريبة ، الاّ أنَّ ولائه للرب كان شهادة أمام الحكام ألأقوياء"راجع دانيال 6 :25الى 27" . 
 كان روح الله مع الأنبياء يرافقهم ويعزّيهم ويعطيهم الرجاء. هكذا نحن اليوم كمؤمنين متشردين في أصقاع العالم ، أذا حافظنا وتمسكنا بايماننا بالراعي الصالح يسوع المسيح فهو سيظل يرافقنا بروحه القدوس ولن يتركنا أبدا  بل سيرعى قطيعه المشتَِّت ويمنحنا السلام والرضى وألأمان حتى في أحلك  الظروف . فعندما يقصر قادتنا في حقنا ، لا يجب أن نيأس بل نتذكَّر  أنَّ الرب يسودُ ، وهو يَعِد بأن يعود ويعتني برعيته ، فما علينا  الاّ أن نلتفت الى الله ليكون هو عوننا  فيحوّل المواقف الصعبة الى الخير لنا وما نظنُّه نقمة  لنا يحوِّله  الى نعمة لنا ويُخرجُ من الشر خيرا ومن الظُلمة نورٌ ومن الموت حياة  ، وسيخلع القادة المتمردين الذين يحدّونه ، ويبيد الشرير ويخلِّص ألأُمناء الذين يتبعونه لأنَّ هؤلاء المؤمنين وضعوا ثقتمهم ومستقبلهم بيد الرب المسيطر على كُلِّ شيء ، فالثقة بأمانة الله يوما بيوم تجعلنا واثقين في وعوده العظيمة بشأن المستقبل

71
رسالة الأنبياء  للشعب اليهودي في السبي البابلي هل تنطبق على  شعبنا المسيحي
اليوم ؟
نافع البرواري
قام ألأنبياء والكهنة كممثلين لله ، وكان دور النبي هو أن يتكلم عن الله ويواجه الشعب وقادته بأوامر الله ووعوده . وبسبب موقف المواجه ، ونزعة الشعب المستمرة لعصيان الله ،  كان الأنبياء الحقيقيّون  غير محبوبين  . ومع أنَّ رسالتهم كثيرا ما لاقت آذانا صمّاء  ، الاّ أنّهم أذاعو الحق بأمانة وبقوّة . وكان الأنبياء يدعون مملكتي "يهوذا" و"اسرائيل" والأمم الوثنية المحيطة بهما الى التوبة عن خطاياهم ، وينذروهم بالويلات ، في حالة عدم رجوعهم الى الله الحقيقي وتطهير الشعب لمساعدته على فهم حقيقة الهه ورسالته الحقيقية .
تبدو احيانا تعاليم النبي وكأنّه يسير عكس التيار ، فيحتج على الطبقة الحاكمة التي تهتم بالترتيبات السياسية ، التي تخالف الحق والعدل في المجتمع ، ويهاجم الممارسات الدينية التي يحتمي وراءها الذين يستغلون المساكين . وهذا ما كان يفعله النبي اشعياء ، فكان يدعو الناس الى ألأيمان ، ويقول لهم "ان لم يكن فيهم ايمان فلن
يكونوا في أمان" راجع شرح المقدمة لسفر اشعياء . كان اشعيا النبي المناضل الذي لايُلين مزودا بقوة الله وهو يُعلن ، دون أدنى خوف ، كلمة الله ويذيع الحق بأمانة وقوّة . كان يُنظر الى اشعياء ، كمعظم ألأنبياء ، بأنَّه خائن لأنَهُ لم يؤيِّد سياسة يهوذا القومية ، فقد دعى الشعب الى تسليم أنفسهم أولا لله  ثُمَّ للملك "راجع اشعياء 8 : 11 – 15 ".
وما أشبه اليوم بالبارحة ، فالكثيرون منَّا يفتخرون بقوميَّتهم أكثر من أفتخارهم بمخلِّصهم يسوع المسيح ، والكثيرون اصبحوا مهوَّسين في البحث عن جذورهم الوثنية بدل أن يركِّزوا على جذورهم المسيحية ، والكثيرون يتمسَّكون بقوميتهم متوهمين ان َّ ذلك هو السبيل الوحيد للخلاص من الوضع الماساوي الذي هم فيهِ . ولكنهم نسوا أنَّ الشخص الوحيد الذي نستطيع ألأعتماد عليه ليخلِّصنا ،  من الحالة المأساوية التي نعيشُها ، هو وحده يسوع المسيح .
 كان ارميا النبي الملقب (بالنبي الباكي دهرا) يحذِّر شعبه من تجاهل الخطية وعدم ألأصغاء لتحذير الله ، اذ كان يعرف مقدما ، كمتحدِّث باسم الله ، ما سوف يحدث لبلده يهوذا، ولأورشليم  العاصمة"مدينة الله" ، لقد أقترب قضاء الله من موعده وبات الدمار وشيكا . وبكى أرميا ، ولم تتمركز دموعه حول ذاته ، لكنه بكى لأنَّ الناس رفضوا الههم ،ألأله الذي أحبَّهم . أنكسر قلبه لأنَّه كان يعلم أنَّ أنانية الناس وحياة الخطية ستؤدي بهم الى متاعب كثيرة وسبي طويل . في مرحلة من أرساليته ، طُرِح أرميا في جب فارغ وتُرك في الوحل في القاع "ارميا 38: 6 -13 " لكن الله انقذه واستخدم أرميا هذه التجربة ليصوِّر غرق الأُمَّة  في الخطية  . لقد تنبَّأ أرميا عن خراب أورشليم ، فنراه كواحدُ من خُدّأم الله المختارين مهموما بشعبه وحبه لأمّته ، واقفا وحيدا وسط عمق أنفعالاته ، وكان سوطا صارخا في البرية  يُنذر شعبه بالتوبة والرجوع الى الله  .
 أمّا دانيال النبي فكان يقف وحده أمام طاغية أناني (نبوخذ نصر) وكان محاطا بعبدة أوثان  ويعيش في بلد غريب وشعب غريب ، وفوق ذلك كان يعيش حزينا بسبب شعبه الذي تمزّق وتشتّت في الغربة ، وبدلا من ألأنهيار أوألأستسلام ، تمسّك بأيمانه بالههِ ، ورأى ، برغم كُلِّ هذه الظروف ، أنَّ الله هو المهيمن على كُلِّ شيء ، وينفِّذ خطَّته للأُمم وألأفراد على السواء . وكان يتحدث عن محاولات الله المستمرة لأعادة بني اسرائيل اليه ثانية . وللأسف  ، وحتى  بعد أن نالتهم الكوارث ، رفضوا أن يُطيعوهُ ، وما زال الله يستخدم الظروف والآخرين وفوق الكُل كلمتهِ المقدسة ليعيد الضالين اليه .
اليس هذا ينطبق على شعبنا المسيحي في العراق ؟ الم يتحوَّل الكثيرون من المسيحيّيون الىالأعتزاز بالآلهة الوثنية للآشوريين والبابليين  وتركوا نبع الماء الحي ربنا يسوع المسيح ؟ اليس حالة شعبنا اليوم في الداخل وفي الشتاة كحالة شعب اسرائيل عندما سقطت أورشليم بيد البابليين وتم جلب نخبة الشعب الأسرائيلي الى بابل عاصمة الكلدانيين الوثنيين ؟. يقول الله على  لسان النبي ارميا :" فلا الكهنة قالوا : أين الربُّ ، ولا معلِّموا الشريعة عرفوني ، والحُكّام أنفسهم عصوني ، والأنبياء تنبَّئوا باسم  البعل(اله  الوثنيين) وذهبوا وراءَ اله لا نفع فيه ، لذلك أُخاصمكم يا شعبي ، وأُخاصم بنيكم" ارميا 2 : 8 ،9
اليهود عبدوا اله البعل وهو اله الكنعانيين وخانوا العهد مع الههم القدوس ، وهكذا اليوم ترك الكثيرون من المسيحيين في العراق أيمانهم بالمسيح وعبدوا السلطة والمال وشهوات هذا العصر ، فهنا يعيد التاريخ نفسهُ . فالكتاب المقدس هو دروس وعبر لنا لنتَّعض ونتوب ونرجع الى الرب يسوع المسيح.
كان الأنبياء أحيانا كثيرة يقفون وحدهم في محاربة الظلم والفساد للملوك وكذلك كانوا يواجهون  ألأنبياء الكذبة ، وكهنة الهيكل ، وحتى مواجهتهم للشعب الذي تحول عن عبادة الله بعبادة ألآلهة الوثنية. وقد جعلت عدم استجابة الناس لهم بأن يصابوا احيانا كثيرة بالأحباط وبالمرارة ، فتوصيل كلمة الله وحقائق الكتاب المقدس الى العالم الساقط مسؤولية شاقة ومحفوفة بالمخاطر ، ولكن بالرغم من  كل ذلك كان الأنبياء الصادقين يواصلون الجهاد لأبلاغ ألآخرين بعواقب الخطية.(راجع  شروحات في مقدمة ارميا النبي للكتاب المقدس التغسير التطبيقي) .
لقد خُرِّبت  أورشليم بسبب الخطية ، ودُمِّر الهيكل وسُبي الشعب اليهودي الى بابل. فبرغم أنَّ بابل كانت خاطئة ، فقد استخدمها الله لعقاب يهوذا وأورشليم  العاصمة.
وأدى الأحتلال البابلي ليهودا الى انتشار العنف والأستعباد فيها . وفقد الشعب اليهودي سلامه وحُرِّيته ، اذ سُحقت هويته على يد محتل أقوى منه . وما أشبه حالتنا نحن المسيحيين في العراق بحالة الشعب اليهودي قبل حوالي 2500 سنة . لقد أضطر اسرائيل  ، كشعب مؤمن ، (وهو يمثل اليوم أيضا جميع المؤمنين المسيحيين) الى أجتياز  تجارب من هذا النوع .
 يؤدي أحتلال بلد ما الى انتشار العنف والأستعباد فيها . ويفقد الشعب المضطهد سلامه وحريَّته  اذا سحقت هويَّته على يد محتل أقوى منه . الواقع ، كانت حقيقة المنفى في بابل الحقبة أكثر صعوبة ، فأسرائيل الذي فقد كل شيء ، وجد ذاته خارج بلاده ، بلا هيكل ولا مَلك (وهكذا نحن المسيحيين اليوم في المهجر  بعد أن خرجنا من أوطاننا نتيجة ألأضطهاد والتعسف والترهيب والتخويف وبطش المحتلين الذين أحتلوا ديارنا وصحّروا ثقافتنا وزوروا تاريخنا ومسحوا ذاكرتنا  وألغوا  لغتنا الجميلة وأستبدلوها بلغة المحتل ، وجدنا انفسنا مضطرين لنعيش في المهجر ، الذي يمكن  اعتباره منفى لنا لنعيش في ضياع الهوية والوطن ، كما حصل لبني  أسرائيل عندما نفيوا الى بابل ونينوى وفرضت عليهم اللغة البابلية ألآرامية). ولكن ذلك لم يحدث أبدا من دون تدخُّل الهي . فلم يتوقف الله ، بواسطة أنبيائه ، عن توجيه كلامه الى شريكه في العهد. ففي خضم كُلِّ هذه   الظروف  الماساوية كان ألأنبياء لهم رجاء أن يفتقد الله شعبه ولا يتركه تحت حكم المحتلين والظالمين  . انَّ هذا الوضع غالبا ما يختزن صرخة صامتة تعبِّر عنها الرغبة في ايجاد مُخلّص  . وهذا المُخلّص يجب أن يأتي . فالله سيظل أمينا على الدوام نحو شعبه وستبقى رحمته وسط البلوى . والله قادرعلى نقل الشعب من حالة ألأسر والألم الى حالة خلاص . يقول الرب عن المحتلين "سأسأل عن غنمي وأتفقدها . كما يتفقَّد الرَّاعي قطيعه يوم يكون  في وسط غنمه المنتشرة ، وأنقذها من جميع المواضع التي تشتّت فيها يوم الغيمِ والضباب . وأُخرجها من بين الشعوب وأجمعها من البلدان وأجيءُ بها الى أرضها ...أنا أرعى غنمي ، وأنا أُعيدها الى حظيرتها  فأبحث عن المفقودة وأرُد الشَّاردة وأُجبر المكسورة وأقوّي الضعيفة  وأحفظ السِّمينة والقويّة وأرعاها كُلُّها بعدل ...وأُعاهد غنمي عهدَ سلام وأردُّ الوحش الضاري عن ألأرض  فتسكن في البريّة آمنة وتنام في الغاب ...فتعلم أنّي أنا هو الرب الههم  ، معهم أكون "حزقيال 34 : 11الى 31".
نحن اليوم في القرن الواحد والعشرين ولكننا نقرأ العهد القديم (قبل 2500سنة) على ضوء العهد الجديد ، وأقوال الأنبياء على ضوء أقوال ألأنجيل ، أي قرائة حاضرة لأحداث اليوم الذي يعيشها شعبنا المسيحي في العراق ، فنتأمَّل في قرأءة الكتاب المقدّس فنستلهم ونستخلص منه الدروس والعبر ، عن أحداث وقعت في الماضي  لتشخيص واقعنا اليوم وكيف نواجه وضعنا الحالي ولتكون لنا   رؤى للمستقبل .
انَّ تعزية المؤمنين هي في قراءة أقوال الرب يسوع المسيح والثقة به فهو الراعي الصالح ، والراعي الصالح لايترك خرافه بل يدافع عنها ويقودها الى المراعي الخضراء وينابيع المياه الصافية .
فكما انَّ الشعب الأسرائيلي لم ينتهي تاريخهم لأنّ الله بعث لهم أنبياء أمثال دانيال الذي أُخذ ليكون مستشارا للملك نبوخذنصر ، وبمعونة من الله أستطاع دانيال تفسير حلمين للملك . وقد نجا أصدقاء دانيال الثلاثة من الموت في اتون النار كما نجا دانيال من جب ألأسود . هكذا تقدم لنا حياة دانيال صورة لأنتصار ألأيمان . ليعطينا الله هذا ألأيمان حتى نعيش نحن ايضا ، في هذه الفترة العصيبة ، بكل شجاعة في كل يوم ، عاملين ما هو حق ، ولا ننهار أمام الضغوطات المحيطة بنا ، كما فعل دانيال النبي ، فبالرغم من أنَّه كان أسيرا في أرض  غريبة ، الاّ أنَّ ولائه للرب كان شهادة أمام الحكام ألأقوياء"راجع دانيال 6 :25الى 27" .  
 كان روح الله مع الأنبياء يرافقهم ويعزّيهم ويعطيهم الرجاء. هكذا نحن اليوم كمؤمنين متشردين في أصقاع العالم ، أذا حافظنا وتمسكنا بايماننا بالراعي الصالح يسوع المسيح فهو سيظل يرافقنا بروحه القدوس ولن يتركنا أبدا  بل سيرعى قطيعه المشتَِّت ويمنحنا السلام والرضى وألأمان حتى في أحلك  الظروف . فعندما يقصر قادتنا في حقنا ، لا يجب أن نيأس بل نتذكَّر  أنَّ الرب يسودُ ، وهو يَعِد بأن يعود ويعتني برعيته ، فما علينا  الاّ أن نلتفت الى الله ليكون هو عوننا  فيحوّل المواقف الصعبة الى الخير لنا وما نظنُّه نقمة  لنا يحوِّله  الى نعمة لنا ويُخرجُ من الشر خيرا ومن الظُلمة نورٌ ومن الموت حياة  ، وسيخلع القادة المتمردين الذين يحدّونه ، ويبيد الشرير ويخلِّص ألأُمناء الذين يتبعونه لأنَّ هؤلاء المؤمنين وضعوا ثقتمهم ومستقبلهم بيد الرب المسيطر على كُلِّ شيء ، فالثقة بأمانة الله يوما بيوم تجعلنا واثقين في وعوده العظيمة بشأن المستقبل .

72


هل اخوتنا ، مسيحيّوا سوريا ، في خطر  ؟

نافع البرواري

عندما برزت أحزاب اسلامية متشددة وسيطرت على مقاليد السلطة ( في كُلِّ من  ايران والسودان وأفغانستان والصومال ، والعراق ، وفوز حزب الحرية والعدالة ألأسلامية  في تركيا ، وبروز حركات الأخوان المسلمين في جميع الدول العربية  السنية ،  وفوزها في الأنتخابات في بعض الدول العربية  كمصر وتونس ( وبقية الدول العربية ستاتي لاحقا  لامحالة)  ، برزت الى الواجهة مصير المسيحيين ، الذين يعيشون في هذه البلدان  منذ الاف السنين ، لا بل هم شعوب اصلاء في هذه البلدان قبل الفتوحات العربية   بمئات السنين  .
منذ سقوط نظام الحكم في العراق ووصول الأحزاب ألأسلامية الى سدة الحكم وتقليص دور ألأحزاب العلمانية والمستقلين في العراق ، زادت الأضطهادات ضد المسيحيين لا بل كان هناك تخويف وتهجير وترهيب المسيحيين في العراق بشكل ممنهج  و مدروس ومخطط  له مسبقا  من قبل كُلِّ ألأحزاب ألأسلامية ، أو الحركات الراديكالية الأسلامية كالقاعدة وانصار الأسلام  وغيرها من ألأحزاب ألأسلامية  في العراق ، التي تؤمن بتطبيق الشريعة الأسلامية كنظام وقانون في الدستور.
للأسف الشديد كانت الكنائس في هذه البلدان ، بصورة عامة  ،  شبه غائبة عن قراءة الأحداث التاريخية  والسياسية ، وبعيدة عن تحليل هذه الأحداث ودراستها لأستيعاب الدروس والعبر منها لدرء ألأخطار التي ستواجه كُلِّ المسيحيين في هذه البلدان وبلا استثناء ، فكانت الكنيسة ، ولا تزال ، في  حالة تخبَُط وأرتباك في الرؤية الصحيحة لمستقبل المسيحيين في هذه الدول ، وخاصة بعد نجاح الحركات السياسية للأحزاب الأسلامية في الدول العربية جميعها وبدون استثناء .
وهكذا الشعوب المسيحية  وقادتها من ألأحزاب في الدول  العربية (وخاصة في العراق ومصر وسوريا وحتى في لبنان ) ، لم تنتبه الى ألأخطار المحدقة بها الاّ  بعد  سيطرة الأحزاب الأسلامية السياسية  الشيعية المتشددة في ايران والعراق ولبنان  واضطهادها للمسيحيين  في هذه الدول ، وكذلك سيطرة الأحزاب الأسلامية  السياسية  السنية  المتشددة  في مصر وتونس  والسودان  والصومال ..الخ .  ولم تستفد الشعوب المسيحية  في هذه الدول من العبر والدروس ومن تجربة المسيحيين في لبنان  حيث كانت هناك حرب طاحنة بين المسيحيين والمسلمين استمرت أكثر من خمسة عشر سنة .
انَّ كُل المؤشرات والوقائع أكدت أنَّ المسيحيين في الدول العربية كانوا حتى في زمن الأنظمة الدكتاتورية يعانون من بطش وظلم تلك الأنظمة وكانوا في الكثيرمن الأحيان يفقدون أرضهم ومقدساتهم وحتى حياتهم بسبب ميل الحكومات الدكتاتورية في تهميش وترهيب كُلّ فئات الشعب ، سوى الشلة من المحيطين بهذه الأنظمة ، فكان المسحييون مهمشين ومضطهدين ومغيَّبين من القرارات السياسية والمواقع القيادية في عهد هذه الدكتاتوريات في جميع الدول العربية  .
وفي بدايات سقوط الأنظمة الشمولية في البلدان العربية ، بسبب ثورات شعوبها ،  بدا للوهلة الأولى أن المسيحيين سيتنفسون الصعداء في الحصول على حقوقهم المشروعة كمواطنين لهم ما لغيرهم من الحقوق والواجبات ، ولكن خاب أملهم بسبب ما سبق وأن نوهنا اليه أعلاه من أن المسيحيين فاجئوا بوصول الأحزاب الأسلامية الى سدة الحكم بعد فوزهم في الأنتخابات البرلمانية ، بينما كان منطقيا أن تفوز هذه الأحزاب لمن كان على أطلاع ، ولو قليلا  ، على احداث الشرق ألأوسط منذ الثورة الأسلامية الشيعية  في ايران قبل حوالي ثلاثين سنة وبروز ألأخوان المسلمون في مصر وسوريا وبلدان المغرب العربي  .
نرجع الى موضوعنا وهو مصير مسيحيي سوريا على ضوء الأحداث الدامية في سوريا والتي تتحول شيئا فشيئا الى حرب أهلية ، كما حدث في العراق ، بين الشيعة(العلوية) والسنة . هكذا خوفنا على أن تتحول سوريا الى ساحة لتصفية حسابات بين الدول الشيعية التابعة لأيران وبين الدول السنية العربية وتركيا ، فيحترق الأخضر باليابس ويكون أول الضحايا هم المسيحيين الذين يشكلّون الحلقة الضعيفة بسبب عدم وجود دعم دولي لهم وكذلك لتكفيرهم من قبل المعارضة ألأسلامية الراديكالية والتي تشكل اليوم في سوريا خطرا قادما لامحالة على المسيحيين .

فالمسيحيين ، بكل طوائفهم في سوريا ، هم اليوم بين مطرقة النظام وسندان الأحزاب الأسلامية الراديكالية ، وعليهم ان يتعلّموا دروسا وعبر من ما حدث لأخوتهم المسيحيين في العراق ، وكيف شُرِّدوا وقتلوا وهاجروا الى المنفى .
اليوم المسيحييون في سوريا ايضا منقسمين بين من هم مع النظام الحالي وبين من هم مع المعارضة الثورية ولا ننسى البقية الصامطة والتي لا تريد زج نفسها في هذا الصراع الدموي . منذ اشهر بل منذ أنتفاضة الشعب السوري ضد النظام الدكتاتوري في سوريا ، نتابع ما يحدث في سوريا وانعكاساتها على أخوتنا المسيحيين في سوريا ، الذين هم امتداد لشعبنا "السورايي" سواء كانوا  "سريان كلدان آشوريين" . وهناك الكثيرين من المسيحيين في سوريا من أصول عراقية وخاصة ألآشوريين الذين هربوا من الأبادة الجماعية في سميل سنة 1933 وسكنوا في الحسكة وعلى ضفاف نهر الخابور والجزيرة وقبلها اخوتنا السريان والأرمن الذين هربوا بسبب مذابح الحرب العالمية الأولى  والأبادة الجماعية التي أرتكبتها تركيا بحق المسيحيين ، وخاصة الأرمن والسريان ، حيث مات من ما ت وهرب الكثيرون الى سوريا.
اليوم على الكنيسة وعلى الشعب والقادة الدينيين وقادة ألأحزاب ان يتَّحدوا ليكونوا صوتا واحدا وفكرا واحدا وموقفا واحدا يجنّبهم الأنجراف مع النظام القمعي في سوريا  أو الوقوف مع المعارضة التي ستكون  التيارات الأسلامية والعلمانية هي بدورها في صراع مرير على السلطة بعد سقوط النظام المتهرئ في سوريا ،
وقد ظهرت بوادر اضطهاد المسيحيين فعلا بعد ورود معلومات عن حوادث قتل وتخويف وترويع  والأستيلاء على أراضي زراعية للمسيحيين  في محافظة الحسكة من قبل مجموعات مارقة على القانون رافعين شعارات "الأرض مقابل السلام"  ، أي تخلّي المسيحيين عن أرضهم مقابل تأمين سلامتهم ، وطال ألأعتداء العديد من قرى منطقة القامشلي  ألأمر الذي سبّب غضب وغليان وأحتقان في الشارع ألآشوري"السرياني" والمسيحي في محافظة الحسكة . كما وفي سابقة خطيرة تم قتل كاهن مسيحي (الأب باسيليوس نصار) ، وقدتكون هذه ألأحداث بداية لمخطط طائفي وراءه أيادي خفية كما حدث ويحدث اليوم في العراق.
والحقيقة  ، وكما جاء في نص تصريح الكاتب والناشط سليمان يوسف ،المنشور في موقع عنكاوا في الموقع أدناه ، يبدو أن أخوتنا المسيحيين في سوريا ، يتعرضون الى مخاطر حقيقية قد تكون مشابهة لما حصل لأخوتهم مسيحيّي العراق ، حيث يضيف الكاتب قائلا :
"بعد هذه السلسلة من الاعتداءات المتكررة على المسيحيين،بدأت الناس تتساءل: هذا يحصل للمسيحيين في ظل وجود سلطة قائمة، ماذا سيحصل لهم في حال سقط النظام وانهارت الدولة وعمت الفوضى الأمنية في البلاد؟؟ لا شك أنها أسئلة مشروعة نضعها في ذمة كل المعنيين والحريصين على السلم الأهلي والوحدة الوطنية ؟"..
ولكن من المؤشرات المشجعة لنا ، ونرجوا استمرارها  عند أخوتنا المسيحيين في سورية ، هو التأكيد على وحدتهم المسيحية ،( والتي نفتقدها في العراق للأسف) وهذا  ما نستشفه في ما ورد في التصريح  اذ يقول الكاتب :
"وعلى أثر هذه الاعتداءات السافرة والتهديدات البربرية، سارعت (لجنة الكنائس والعلاقات المسيحية)، التي تشكلت مؤخراً في القامشلي لمتابعة الحالة المسيحية في ضوء الحدث السوري،سارعت بتشكيل وفد كبير من نحو 40 شخصية، ضم رؤساء جميع الطوائف المسيحية والمجالس الملية ووجهاء ونخب شبابية.قابل الوفد محافظ الحسكة اللواء (معاذ سلوم) ونقلوا له حقيقة ما جرى ووضعوه أمام مسؤولياته الوطنية والأخلاقية والقانونية وحملوا السلطات المعنية في المحافظة عواقب والتداعيات الخطيرة لهذه التجاوزات الغير مسبوقة على السلم الأهلي في منطقة الجزيرة. فضلاً عن تواصل لجنة العلاقات المسيحية مع شيوخ ووجهاء العشائر العربية ودعوتهم لاجتماع عاجل لوضعهم في الصورة ومطالبتهم بالتدخل واستخدام سلطتهم العشائرية لردع المعتدين والمارقين واعادة الأرض لأصحابها.
ونحن بدورنا نصلي من أجل أخوتنا المسيحيين في سوريا ونشد على  أيديهم لكي نكون كُلَّنا ايدي واحدة وروحٌ واحدة ومحبة واحدة  وهدف واحد ومصير واحد وهموم مشتركة  ومصير واحد .
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,556839.0.htm

73

الكتاب المقدس نور يقودنا الى معرفة الحق
الجزء الثاني
نافع البرواري
رابعا : الكتاب المقدس يكشف زيف المعلمين والأنبياء الكذبة .
قد تميل الناس الى تصديق الأكاذيب التي تعزّز احساسهم بالذات ، وتعمُّ عقائدهم الشخصية وخاصة عصر الهرطقات والبدع والسينما والموسيقى وسائر الوسائل التي تقدم ، في معظم ألأحيان ، أشياء لاتتفق مع القيم الصحيحة  ، ونجدها تُمطرنا بفلسفات ومزاعم تتعارض مع الكتاب المقدس ويصف الرسول بولس هؤلاء الناس بقوله : "اتَّخَذوا الباطل بدلا عن الحق الألهي  وعبدوا المخلوق وخدموه من دون الخالق...ولهذا أسلمهم الله الى الشهوات الدنيئة "رومة 1 : 25"  .فالحياة على ألأرض لمن لا يؤمنون بالله  هي كُلِّ شيء فمن الطبيعي لهم أن يسعوا وراء الأمور الأرضية (الجسدية) التي يُقدِّرها هذا العالم مثل –المال- الشهرة- السلطة - القوّة – النفوذ ..كثيرين من المعلمين والأنبياء الكذبة تكلَّموا بأسم الله وأدَّعوا انّهم مرسلين وأخذوا الكثير من كلام الله ليبشروا به الناس ولكنهم أخفوا أو خدموا أو أختاروا ما يناسبهم ويناسب مستمعيهم من الكلام وكتموا الحقائق الألهية ، وعن هؤلاء ألأنبياء يقول الله على لسان النبي ارميا :" لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبّأون لكم ويخدعونكم . هم يتكلّمون بما يتراءى لهم ، لا بما أقول أنا الربُّ ." ارميا 23 :16" . انّ الفرق بين الأنبياء الحقيقييّن  والأنبياء الكذبة مثل الفرق بين الحنطة والتبن . فالتبن لا فائدة منه للطعام ، ولايمكن مقارنته بالحنطة . يمكننا فحص كلمات أّيِّ معلم بفحص حياته ، فكما أنّ الشجرة تُعرف من ثمارها ، هكذا المعلم الصالح لا بد أن يبدو منه على الدوام سلوك طيب وأخلاق أدبية سامية ،  فهو يحاول أن يحيا حياة تبيّن حقائق الكتاب المقدس .
هناك قول لمترجمي الكتاب المقدس ورد في مقدمة الكتاب يقول:
"يجب أن نعرف الحق حتى يمكننا الدفاع عنه ، والذين يتبعون يسوع المسيح ، من المؤمنين ، عرفوا  الحق وهذا الحق قد حرّرهم ، وعرفوا المحبة ، وعرفوا القصد من رسالة المسيح ، وعرفوا ماذا يقول الكتاب المقدس ، ويطبِّقون ذلك على حياتهم اليومية ، ويعلِّمون الآخرين في ضوء الحق الأساسي المختص بالرب يسوع المسيح"
الرسول بطرس يطلب منا أن نستخدم حق الله في الكلمة لمحاربة المعلمين الكذبة (2بطرس 1: 16 – 21" ، فكلمة الله  أشبه بسراج يضيء في مكان مظلم بها نستطيع أن نكشف حقيقة هؤلاء الذين يُظِلّون الناس .
أحيانا الكلمات البشرية تُعطينا الحياة أو تُعطينا القوّة وتُشجِّعنا وتنشِّطنا  ، أو قد تحمل الموت الينا ، أو تُجرّدنا من الحياة وتُذلُّنا وتحتقرنا ، فكيف أذن مع كلمة الرب خالق السماء والأرض الذي  قال " ليكن ....فكان " تكوين 1" ؟.
فمن يسمع كلمة الله  ويطيعها تكون له الحياة ، أمّا الذي يهملها فيكون بعيد عن الحياة بل أنّه ميت . وكُلِّ من يُعلّم تعليمات تختلف عمّا يقوله الكتاب ألمقدس فهو مخطئ ومُظل. ومقياس الحق هو أن نختبر كُلّ الرسائل على ضوء ألأسفار المقدسة ، فلا يمكن أن تكون رسالة الأنبياء الكذبة والمعلمين ألأشرار من عند الله لو تعارضت مع الرسل (تلاميذ المسيح ) أو مع ألأسفار المقدسة (العهد القديم والعهد الجديد) ، أو تعارضت مع تعليم الكتاب المقدس عن انَّ الله "محبة " والتي تجلّت هذه المحبّة  في شخص يسوع المسيح أبن الله الحي . فالحياة بلا محبّة هي ظلمة  لانور فيها ويسوع المسيح جاء لينوِّر حياتنا ، والكتاب المقدس هو قصة حب بين الله والأنسان الذي خلقه على صورته كمثاله وضحّى بابنه الوحيد ليخصلنا ، وهذه التضحية هي مقياس المحبة اللامحدودة التي تؤكد لنا صحة الكتاب المقدس وأختلافه عن بقية الكتب ألأخرى . "تكوين1: 26".   يقول بولس الرسول :" المحبّة لا تزول أبدا . أمّا النبواتُ فتبطُل والتكلُّم بلغات ينتهي والمعرفة أيضا تَبطُلُ ، لأنَّ معرفتنا ناقصة ٌ . فمتى جاء الكامِلُ زال الناقص"1كورنثوس13 : 8 ، 9 ،10 "   .
 
خامسا : عمل الروح القدس في فهم كلمة الله.
لانستطيع معرفة الله وفهم كلامه ان كُنّا غريبين عن الله ، ولا نستطيع أن نفهم كلام الله ونطَّلع عليه من دون عمل الروح القدس "لأنَّ الروح يفحص كُلِّ شيء حتى أعماق الله .....وما نلنا نحنُ (المؤمنون) روح هذا العالم ، بل نلنا الروح الذي أرسله الله لنعرف ما وهبه الله لنا....فنشرح الحقائق الروحانية بعبارات روحانية" 1كورنثوس2 : 10 ، 11 ،12 ". انَّ سر القيامة وخطة الله للخلاص لا تُعلن الاّ للذين يؤمنون بانَّ ما يقوله الله هو حق فيضعون ثقتهم في ابنه يسوع المسيح ، عندها سيعلمون كُلِّ ما يحتاجون اليه ليتأكَّدوا من خلاصهم ، وهذه المعرفة لايستطيع  أن يدركها أحكم الناس الاّ متى قبلوا رسالة الله ، بينما يفهمها ابسط الناس المؤمنين بسبب انارة الروح القدس لأذهانهم ، فكما لايستطيع ألأصم أن يثقدِّر قيمة الموسيقى الرفيعة ، كذلك الشخص الذي يرفض الله ، لا يمكنه أدراك رسالة الله الجميلة ، فخطوط ألأتصال مقطوعة ، ولايستطيع  ان يسمع ما يقوله الله لهُ ، بينما المؤمنون أُناس روحيون لهم بصيرة من جهة بعض خطط الله وأفكاره وأفعاله ، بينما كُلّ من يرفض رسالة الله هو جاهل مهما كان حكيما في نظر العالم .
انّ الكتاب المقدس تسجيل دقيق لأعمال يسوع وأقواله وتعاليمه "ولكنّ المعزي ، وهو الروح القدس الذي يرسله ألآب باسمي ، سيعلِّمكم كُلُّ شيء ويجعلكم تتذكرون كُلُّ ما قُلتهُ لكم"يوحنا 14 : 26 ". وعد الرب يسوع المسيح التلاميذ بأنَّ الروح القدس سيعينهم على أن يتذكَّروا كُلِّ ما كان يعلِّمهم ايّاه . وهذا الوعد يؤكِّد صلاحية وصدق العهد الجديد باسفاره . فقد كان التلاميذ شهود عيان  على حياة يسوع وتعاليمه ، وأعانهم الروح القدس على تذكُّر كُلِّ التعاليم دون أن ينزع منهم المنظور الشخصي."راجع ايضا 1كو 2 :10".
 وما كُتب في العهد الجديد من قبل الرسل المؤمنين بالروح القدس يكفي لأنَّهُ هو كُلِّ مانحتاج معرفته لنؤمن بأنَّ يسوع هو المسيح ابن الله  الذي به نلنا الحياة "يوحنا 20: 30 -31 "
عندما نعرف الله الحقيقي عندها تنطلق معرفتنا من معرفة الله  ، ولا يستطيع أن يفهم كلام الله ويتطلَّع عليه دون عمل الروح القدس "يوحنا 3 : 5 ،11 " ، وليس كلام الله لفئة معينة من الناس (كما في بعض المعتقدات الغنوصية والمعتقدات التي تؤمن ان كلام الله فقط للعلماء والمفسرين ) . فكلام الله يجب ان لا يوضع تحت المكيال بل على المنارة"متى 5 : 14 ".
على كُلِّ واحد منّا أن يتحمَّل مسئولية نقل كلمة الله لأولادنا وأحفادنا ، ونشجّعهم على محبة الكتاب المقدس وقرائته والتعلم منه ثم ينقلونه بدورهم ، بأمانة الى أولادهم واحفادهم .لقد أُوكل الينا أن نعيش كلمة الله ونوصلها للآخرين بكل دقة .
لقد خلقنا الله ، فهو يعرفنا ويحبنا ، فمن الحكمة  اذاً أن نصغي لأوامره " تكلّم يارب فانّ عبدك يسمع " 1صموئيل 3 : 9 " وهكذا نعمل بما يريده الله منا .
السؤال المطروح هو كم من الوقت نصرفهُ في دراسة كلمة الله ؟ . في الحقيقة علينا أن نقرأ كلمة الله بأنتظام لنكتشف حق الله ونصبح راسخين في حياتنا وايماننا ، انَّ العلاقة الوثيقة بالمسيح لا تتحقق الا بصرف وقت كافِ ومحدِّد في محضره ومع كلمته"فيلبي 2 : 5 -11" و1كورنثوس2 :15 ، 16 " . لأنّه بقراءة الكتاب المقدس ، نكون في محضر الله ، والله في كتابه يقول "أنا معكم" والروح القدس يقودنا ويرشدنا الى طريق الحق والحياة .

74




هل فقد  شعبنا المسيحي في العراق ثقته برؤسائه الدينيين والدنيويين ؟

نافع البرواري

عنوان قد يكون جوابا للذين يتجادلون عن وضع قادة كنيستنا " المشرقية" وقادة ممثلي احزابنا اليوم ، حيث نسمع ونقرأ نتائج ما كنا نتوقعه منذ مدة طويلة .
الكثيرون من مثقفينا كتبوا مقالات سواء كانوا مع أو ضد ما ورد في المؤتمر الصحفي لرئاسة الكنيسة الكلدانية .
ولكن القليلون هم الذين يبحثون عن جذور المشكلة وخلفياتها ليسلطوا الضوء على اسبابها  قبل الخوض في نتائجها .
أولا : ألأسباب الداخلية
اليوم"بعد ما بلغ السيل الزبى وبعدما فاض الكيل"( كما  و رد  في بيان المؤتمر الصحفي الذي عقدتهه رئاسة الكنيسة الكلدانية في 15 كانون الثاني 2012)
ظهرت على السطح تلك الخلافات المستأصلة  ، في الكنيسة المشرقية الواحدة وفي الشعب المسيحي الواحد ، والذي طالما  نادينا وترجينا ازالة هذه الخلافات بالحوار والتفاهم والتحلي بالحكمة ،   والدعوة الى  لقائات وتشاورات  بين رؤساء ورعاة كنائسنا المشرقية بمختلف طوائفها  وبين  ألأخوة رؤساء الأحزاب لمختلف اطياف الشعب المسيحي الواحد ،  لحل جميع ألأشكالات والخلافات بالحوار والنقاش والتفاهم . ولكن للأسف لم يصغي الى هذه الندائات الاّالقليلين ، وضلّ الخلاف يزداد ويتراكم ويغلي الى حد ألأنفجار .
للأسف لم نتعلم دروسا وعبر من كُلِّ ما حلَّ بشعبنا المسيحي من المصائب والمآسي منذُ سقوط النظام ، لا بل قبله بسنوات ، الى يومنا هذا . لقد حاول الخيرون من الآباء ورعات الكنائس ومنذ زمن طويل توحيد الكنيسة المشرقية ، ولكن كان هناك دائما من يقف حجر عثرة ضد هذه الوحدة (ولا نريد أن نفتح جروح الماضي بهذا الخصوص) . وكان هناك ومنذ سقوط النظام محاولات كثيرة ، ونجح البعض من هذه المحاولات لتوحيد اصوات ألأحزاب المسيحية المختلفة ، ولكن أيضا كان هناك من يقف بالمرصاد ضد هذه المحاولات.
وكان هناك محاولات كثيرة  ، للخيرين من المثقفين والمتنورين من المخلصين والأمناء على قضية شعبهم ( ومن مختلف اطياف شعبنا المسيحي "السورايي") ولكن للأسف كان هناك دائما هجوم وتخوين وطعن ضد هؤلاء المطالبين بالوحدة ، وصلت حد الشتائم واستعمال الكلمات البذيئة  ،في مقالاتهم ومجالسهم ، من الأخوة الذين بقصد أو بغير قصد يريدون تقسيم هذا الشعب الواحد (بدمه ، بتراثه ، ولغته ، وأرضه ، وتقاليده ، وانتمائه الى كنيسته المشرقية الأصيلة ) ليكونوا طوائف وقوميات متشرذمة ( اسوة بما يحدث الآن بين أخوتنا المسلمين حيث ظهرت في السنوات الأخيرة هذه الظاهرة المقرفة والتي قسّمت العراق الى طوائف دينية متناحرة).
اليوم ظهرت حقيقة هؤلاء الذين يتاجرون بالدين على حساب آلام شعبهم وضروفه الماساوية.
اليوم يطعن في ظهر هذا الشعب خنجر مسموم مِن مَن أدعوا أنّهم قادة لهذا الشعب ويدافعوا عنه سواء كانوا رجال دين أم قادة احزاب وممثلي الشعب كما يدعون.
اليوم الكنيسة الواحدة تنقسم على ذاتها (وذلك بسبب  رؤساء ورعاة يريدون  تقسيمها الى طوائف ومذاهب مختلفة )
اليوم  الشعب الواحد ينقسم الى عدّة شعوب بسبب قلة الوعي والجهل والتخلف الذي يعيشه هذا الشعب بجميع أطيافه وعدم وجود رغبة وارادة وأيمان  لتوحيده لدى الكثيرين من قادة ألأحزاب السياسية  وخاصة ذوي الميول القومية المتعصبة.
اليوم كشّروا عن أنيابهم هؤلاء القوميين ذوي الأفكار الراديكالية العنصرية من الذين وضعوا العصاب على عيونهم ، سواء كانوا من  داخل مؤسسات  الكنيسة أو من الذين يتباكون بدموع التماسيح على الكنيسة  من خارجها ، من الكتاب وانصاف المثقفين ، وهم في الحقيقة يحاولون تقسيم جسد هذه الكنيسة وتمزيقها بافكارهم الراديكالية  الطائفية والقومية الهدامة.
اليوم وكما يقول الرب على لسان ميخا النبي" كُلُّهم يصطادُ أخاهُ "ميخا 7 :2 "
اليوم شعبنا المسيحي في العراق تمَّ تضليله . والذين أضلّوه هم رُعاتِهِ "ارميا 5 :6"
ويقول الرب على لسان ارميا النبي ايضا " ويل للرعاة الذين يبيدون ويبدّدون غنم رعيَّتي " ارميا 23 : 1"
اليوم ينطبق علينا نحن الشعب المسيحي في العراق قول الرب على لسان هذا النبي ايضا: "سأقذف سُكَّان هذه ألأرض الى بعيد هذه المرة  ، وأضيق عليهم حتى يهجروا ...خيمتي دُمِّرت  تدميرا وقُطعت جميع حبالها بَنيَّ ذهبت عني ولا وجود لهم ..رعاة شعبنا أغبياء ولا يطلبون الربَّ " ارميا 10 "
 
ثانيا العوامل الخارجية:
اليوم هو يوم الأعداء المتربصين الذين كانوا ولا يزالوا يراهنون على الخلافات بين الشعب الواحد. الذين يرقصون فرحا لهذا الأنقسام ويستغلونه لتحقيق مآربهم وتهميش دور شعبنا المسيحي في المشاركة الفعالة في بناء هذا الوطن ، والأستيلاء على ما تبقى من ارضنا والقبول بالأمر الواقع في السير في الطريق المرسوم سلفا  للقضاء على حضارتنا ومحو هويتنا و تراثنا وازالة وجودنا في ارض آبائنا وأجدادنا.
نحن اليوم  في اوج الحاجة الى التنازلات من جميع الأطراف لكي نواجه الواقع المر الذي يعيشه شعبنا المسيحي من ألأنقسامات والتهميش والأقصاء والأهمال والتمزق والتشرذم والتهجير والأضطهاد من قبل الآخرين ، وللأسف نحن كمسيحيين نعيش وسط ثورات عربية وأسلامية أستطاع الراديكاليون الأسلاميون سواء كانوا في داخل العراق أو في الدول المجاورة ان يصلوا الى سدة الحكم في هذه الدول ، وهذه الأحزاب لا تريد ولا تؤمن بحقوقنا المشروعة وستظل تحاربنا وتستغل نقاط الضعف عندنا عندما نكون منقسمين ومتشرذمين "كالأسد الذي يهجم على فريسته الضعيفة والمريضة فيفترسها"
نصلي معا مع النبي ارميا في مراثيه "اذكر يارب ما أصابنا تطلّع وأنظر عارنا تحوَّلت أرضنا الى الغرباء وبيوتنا الى الأجانب ، صرنا يتامى لأ أب لنا ، وأمّهاتنا
أرامل" مراثي ارميا 5 :1 ،2 ،3 "
نصلي مع  الرب يسوع المسيح ليتحقق حلم شعبنا في وحدته باسم الرب ، يسوع المسيح ، الذي طلب من أبيه السماوي لكي يرعى ويحافظ على وحدة المسيحيين عندما يقول  "أحفظهم باسمك الذي اعطيتني ، حتى يكونوا واحدا مثلما أنت وأنا واحد ....أجعلهم كُلُّهم واحدا ليكونوا واحدا فينا "يوحنا  17
 آمين

75
الكتاب المقدس نور يقودنا الى معرفة الحق
الجزء ألأول
 أولا : بماذا يتميّز الكتاب المقدس عن بقية الكتب؟
يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس :"فانت منذُ طفولتك عرفتَ الكتب المقدسة القادرة على أن تزوِّدك بالحكمة التي تَهدي الى الخلاص في ألأيمان بالمسيح يسوع . فالكتاب كُلَهُ من وحي الله ، يُفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرِّ ، ليكون رجل الله كاملا مستعدا لكلِّ عمل صالح"2تيموثاوس 3: 15 –17
انّ الكتاب المقدس ليس مجموعة من القصص أو الخرافات أو ألأساطير ، أو مجرد أفكار بشرية عن الله "2بطرس 1 : 16 "، فهو ليس كتابا بشريا ، لكن الله أعلن ذاته ومقاصده ، بالروح القدس ، لرجال قديسين ، فسجّلوا رسالة الله لشعبه ، وهذا هو الوحي ،  لقد كتب أولئك الرجال القديسون عن ظروفهم الشخصية والتاريخية والحضارية ، ولكن رغم أنّهم استخدموا عقولهم ووزناتهم ولغتهم واسلوبهم ، فأنّهم لم يكتبوا الا ما أراد الله أن يكتبوه"راجع 2بطرس  1: 20 ، 21".
الكتاب المقدس هو أنفاس الله وهو جدير بكل ثقة لأنَّ الله كان هو المهيمن على كتابه ، ولكلماته كُل السلطان في أمور ايماننا وحياتنا، ولأنَّ هذا الكتاب موحى به وجدير بكل ثقة فيجب أن نقرأه وأن نطبّقه على حياتنا ، والكتاب المقدس هو المقياس الذي نقيس به كلِّ شيء آخر مما يقال انَّه حق ، وبه نقارن بين ما نسمع وما يقول الكتاب المقدس" راجع أعمال 17 : 11" .  ، فهو يحمينا من كُلِّ تعليم كاذب ، فهو المعيار الوحيد للحق وعلينا فحص وامتحان أقوال الناس وكُلِّ الآراء ألأخرى في ضوء تعليم هذا الكتاب . فكلمة الله هي المعيار لنا عند فحص كلام الآخرين  أو كتبهم أو أقوالهم . انَّ كلمة الله  تجعلنا  حكماء ، أحكم من أعدائنا  أحكم من كُلِّ المعلمين الذين يتجاهلونها ، فالحكمة الحقيقية ليست تكديس المعرفة بل تطبيق المعرفة بطريقة  تغيّر الحياة "كم أحببت شريعتك ، انّها موضع تأملي طول النهار. وصيتك جعلتني أحكم من أعدائي "مزمور 119 : 96- 104" . الكتاب المقدس هو مصدر هدايتنا الى كيف يجب أن نعيش . وهو المصدر الوحيد لمعرفة طريق الخلاص ، فالله يريد أن يعرِّفنا الحق ، ويؤهّلنا لأن نحيا له  . نحن لا ندرس الكتاب المقدس (كلام الله) لمجرد زيادة معرفتنا أو للفوز في المجادلات ، بل ولا ندرسه أساسا لنعرف كيف نخلص نفوسنا (فغالبية الناس يخلصون قبل أن يبدأوا في دراسة الكتاب المقدس بعمق) . انّنا ندرس الكتاب المقدس لنعرف كيف نتمم رسالة المسيح  في العالم ، فمعرفتنا بكلمة الله تظلُّ بلا جدوى الاّ اذا أستخدمناها لعمل الخير للآخرين . والكتاب المقدس كما يقول الأب بولس فغالي : " هو حوار مفتوح (بين الله والأنسان) ليس فيه توقف للوصول الى النهاية ، بل هو غوص  في خبرة ألأنسان مع الله ، ونحن كالأطفال شهادتنا لا تنفعنا ألاّ بالأيمان  وبخبرة روحية مع الله . تلميذي عمّأوس ، لمّا عَرِفوا المسيح ، أنفتحت عيونهم "لوقا 24 : 31" .
يقول الله على لسان النبي ارميا : " اليست كلمتي كالنار وكالمطرقة التي تحطِّم الصخر؟"
نعم كلمة الله لا ترجع حتى يتمُّ ما في قلبهِ من مقاصد ، فهي لا تعود فارغة بل تنجح في ما أُرسلت له ، فكلمة الله نار تُحرق الجراثيم (الخطيئة) ، ولا تستطيع أيِّ قوّى مواجهتها .
ثانيا :  دراسة  الكتاب المقدس وأعلانه للآخرين
يقول بولس الرسول لتلميذهُ تيموثاوس:
"أُناشدك أمام الله والمسيح يسوع الذي سيدين ألأحياء وألأموات عند ظهوره ومجيء ملكتوته أن تُبشِّر بكلام الله وتُلِح في اعلانه بوقته أو بغير وقته "2تيموثاوس4 ك 1 ، 2"
لقد شدّد المجمع الفاتيكاني الثاني في "الدستور العقائدي في الوحي الألهي الذي نشره سنة 1965) على ألأصغاء الى كلمة الله بورع وعلى أعلانها اعلانا ثابتا لكي يسمع العالم كُله بشرى الخلاص . وأنهى كلامه بفصل هام عنوانه "الكتاب المقدس في حياة الكنيسة" ، ثم يقول النص المجمعي: " من الواجب أن يُفسح المجال واسعا للمؤمنين حتى يصلوا الى الكُتُب المقدسة" . ويحرِّض المجمع على قراءة الكتب المقدسة  فيقول :" انَّ كُلِّ رجال ألأكليروس ملتزمون بأن يكبّوا على قراءة الكُتُب المقدسة قراءة روحية متواترة وعلى دراستها  دراسة عميقة .....كما يحرِّض جميع المسيحيين ان يدركوا معرفة المسيح السامية بالمواظبة على قراءة الكتب الألهية ، لأنَّ من جهل الكُتُب المقدسة جهل المسيح "
يقول ألأب بولس الفغالي:
"الكتاب المقدس بسيط ، فالله يريدنا أن نعرف كلمته ونعمل بها لذلك فهو بسيط ويستطيع أيٌّ كان أن يفهمهُ . فنقول :انَّ هذا صحيح على المستوى ألأخلاقية والسلوكية ألأيمانية للفرد والجماعة ، ولكنه غير صيح أبدا على مستوى التفسير وفهم المعاني .فالكلام ألألهي متوشَّح بلغة البشر وبتراث جغرافي وتاريخي وفكري وأدبي .... انّ الكتاب المقدس هو كلام الله في لغة البشر . فكلام الله ذو قيمة الهية وهو يتوجَّه الى كُلِّ البشر بلغتهم ، فكان على الكاتب الذي خاطبه الوحي في قلبه ووعيه أن يدوِّن كلام الله بلغته ومفاهيمه وتراثه والبيئة والثقافة المحيطة والمعروفة عنده وعند قُرَّائه" .
قد نجد صعوبات في فهم كلمة الله ، ولكن ألأيمان يقودنا للتعمُّق  في فهم كلامه ومعجزاته وأقواله وأمثاله وموته وقيامته"متى27 : 22 -23" .
لقد طلب الخصّي من فيلبس تفسير عبراة من سفر أشعيا النبي ، لم يفهمها. فعندما لانفهم الكتاب المقدس أو جزء منه ، علينا أن نطلب مساعدة ألآخرين ، وينبغي ألاّ ندع كبريائنا يقف في طريق فهم كلمة الله "راجع أعمال 8 : 30 ، 31 "    .
الكتاب المقدس هو عبارة عن قصة حب بين الله والأنسان ، ولكن لايستطيع أحد فهمه اذا لم يكن بيده المفتاح وهو يسوع المسيح ، والذين يقرؤون الكتاب المقدس خارج المسيحية هم مثل من لبس البرقع فلا يرون ولا يفهمون العهد القديم الذي يتكلم عن يسوع المسيح "فما نحن كموسى الذّي كان يضعُ قناعا على وجههِ لئلا ّ يرى بنو اسرائيل نهاية  ما يزول . ولكن عَميت  بصائرهم ، فلا يزالُ ذلك القناع الى اليوم  غير مكشوف عند قراءة العهد  القديم، وللا ينزع هذا القناع الا ألمسيح""2كورنثوس 3 :13 – 14
ثالثا : الكتاب المقدس يغيّر ألأنسان من الداخل
الكتاب المقدس  هو لا يعالج نتائج المشكلة ولا نتائج الخطيئة بل يعالج المشكلة ويقلع جذور الخطيئة ، فهو يعالج روح الأنسان من الداخل (قلب الأنسان) ويلمس حاجات الأنسان الروحية ، لأنّ كلمة الله تحمل لنا الحياة  ، وانَّ الحياة بحسب طريق الله تجعل الحياة مثمرة ونافعة . يقول الرب يسوع المسيح " الكلام الذي أُكلِّمكم به هو روحٌ وحياة"(يوحنا 6 : 36).. فكلمة الله تحمل في ذاتها قوّة خلاقة تستطيع أن تحوّل الحزن الى فرح  وتعزّي النفس والروح وتحوّل الحياة من اليأُس الى الرجاء والأمل، وضعف ألأنسان الى قوّة ، فيتحوّل ألأنسان الضعيف الى أسد يواجه قوى الشر  "وكلمة الله حيّة فاعلة ، أمضى من كُلِّ سيف له حدّان ، تنفذ في ألأعماق الى ما بين النفس والروح والمفاصل ومخاخ العظام ، وتحكم على خواطر القلب وأفكاره "عبرانيين 4 : 12". فكلمة الله ليست مجرّد كلمات ينطق بها الله كوسيلة للتعبير عن ألأفكار ، لكن كلمة الله حيّة وفعالة وديناميكية وتُغيِّر الحياة اذ تعمل فينا ، وهي تُعلن ما لنا وما علينا ، بنفس حدَّة مشرط الجرَّاح ، فسواء قطعت في الداخل  أم في الخارج فهدفها أن تعطي الحياة التي تدوم ، وسواء رأى ألأنسان فيها ، مع ارميا النبي "مطرقة تحطم الصخر "  فهي تقطع وتهدم وتنقض ، ولكن هدف الله الأخير هو أن يبني ويغرس . كما أنَّ  الكتاب المقدس ليس للمعرفة والمعلومات بل للتجديد والتغيير  ، فكلمة الله  ليست مجرَّد أضافة الى ما نعرفهُ من معلومات ، لكنها قوّة مغيِّرة لنفوسنا ، فعندما يصبح ألأنسان مسيحيا يبدأ علاقة جديدة مع الله وتتغيّر حياته جذريا ، ولا يعني ذلك بداية صفحة جديدة أو عزما جديدا على أن يعيش بصورة أفضل . فالمؤمنون الجدد تصير لحياتهم توجُّهاتها الجديدة ، سواء في هدف الحياة العام أو في السلوك اليومي ، فهم لا يعيشون فيما بعد ليرضوا أنفسهم ، بل ليخدموا الله"راجع كولوسي 1 : 1 -6 " ا فكلمة الله  تميِّز ما في داخلنا شرا كان أم خيرا . فلا ينبغي أن نسمع الكلمة فقط بل يجب أن ندعها تُشكِّل حياتنا وتُغيّر سلوكنا  فنقول عندها ، مع الرسول بولس : " مع المسيح صُلِبتُ ، فاحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" غلاطية 2: 20". انَّ المؤمنين بالمسيح قد حصلوا على الحق ، والحق يسكن فيهم وهو معهم " أذا كنتم سمعتم به (المسيح) وتلقيتم تعليما مطابقا للحقيقة التي في يسوع . فاتركوا سيرتكم الأولى بترك الأنسان القديم الذي أفسدتهُ الشهوات الخادعة " أفسس4: 21 ". عندما نؤمن بالمخلص ، يسوع المسيح ، فهو الذي يستطيع أن يُغيّرنا لنصبح مقدَّسين ومطيعين لشريعته ، وقبل هذا وذاك ، محبوبين عنده وعند الآخرين ونحب الآخرين ولا نستطيع الاّ أن نعمل من أجل الخير ، لأنَّ الذي حرّرنا يعطينا الأيمان والمحبة .
-----------------------------------------------------------------------------
للذين يريدون الأطلاع على المقدمة نرجو الرجوع الى الموقع التالي
http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=3238

76

تأمّلات في زمن الميلاد"المسيح رئيس السلام""

"الجزء الخامس" السّلام مع الآخرين" أو كيف نصنع السلام؟

بقلم نافع شابو البرواري

قد يظن ألبعظ أن السلام يتحقق لنا بدون أيّ جهد ولكن الكتاب المقدّس يخبرنا انّ علينا أن نسعى بكل قوانا  للحياة في سلام مع كل انسان لأن السلام يتطلّب عملا شاقا .
يقول داود النبي"تجنّب الشر وأعمل الخير وألتمس السلام وأسع وراءه " (مزمور  34:15 ) ، وقد ردّد الرسول بولس صدى هذا الفكر في العهد الجديد  بقولهِ
""لا تجازوا أحداً شرّ بشرّ ...لاتنتقموا لأنفسكم ايّها الأحباء بل دعوا هذا لغضب الله ، فالكتاب يقول "لي الأنتقام ، يقول الربّ ، وأنا الذي يجازي "(روميا 12:17,18 )" .  ليس صنع السلام أمرا محبوبا عند الكثيرين لأنّ الأقرب للطبيعة البشريّة أن يحاربوا لأجل الحق ، ومجد المعركة هو أمل كسبها ، لكن لابد من طرف خاسر ، أمّا مجد صنع السلام فأنه قد يجعل الطرفين رابحين في الواقع ، فصنع السلام هو طريق الله ، بينما صنع الحروب والموت هو من صنع الشيطان ، فصانع السلام يقتفي أثر السلام باجتهاد وينشئ العلاقات الطيبة مع الآخرين عارفا أنّ السلام نتيجة للألتزام ، يقول الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل : هنيئا لصانعي السلام لأنّهم أبناء الله يدعون"(متى 5:9 )  . ما أجمل أقدام المبشّرين بالسلام وكلمة الله
انّ السلام الحقيقي ينشأ من الأيمان بيسوع المسيح لأنّه وحده تتجسّد فيه كل خصائص السلام ، فلكي نجد السلام الحقيقي علينا ان نبحث عن يسوع المسيح نبع السلام ومصدره ونلتقي به ونتعرّف عليه ونقيم معه علاقة حيّة ، عندها نعرف ماهو السلام ، لانّه متواضع القلب ونيره خفيف وهو الذي يعلّمنا كيف نصنع السلام مع الأخرين وكيف يقودنا الى واحة خضراء ومياه حيّة . ورمز الصليب في بُعده الأفقي حيث نرى المسيح ماداً يديه ليحضن البشريّة من على صليبه وهو يسلّم روحه الى أبيه ، سلّمنا وربطنا معه بعهد السلام لانّه ملك العدل والحق والمحبّة والسلام ،  يسوع المسيح بكى على  أورشليم(مدينة السلام) وبحسرة وقال بمرارة :

"أورشليم، أورشليم ، ياقاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين اليها ، كم مرّة أردت أن أجمع أبناءك مثلما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فما أردتم" (لوقا 13:34  ) .  يتلهّف الناس على السلام ويتمنّون الأمن والسلامة والأستقرار ، ولكن للأسف الكثيرين منهم لايعرفون أنّ هذا السلام يحتاج الى مهارة وفن وجهد وسهر وغفران وتسامح وتنازلات مؤلمة وتوبة حقيقيّة ومصالحة مع الله ومع النفس ومع الاخرين . من الأفضل عمليّا أن نسوّي خلافاتنا مع أعدائنا قبل أن يجلب غضبهم علينا متاعب أكثر وقبل أن تستفحل ويستحيل علاجها ، وصانع السلام يتعامل مع المشاكل قبل حدوثها وعندما تثور الصراعات فأنّه يكشفها ويعالجها . كما أنّ صنع السلام عمل أصعب بكثير من اثارة الحروب لكنه لايثمر موتا بل حياة . الكثيرين ، وخاصة من الديانات الأخرى ، يقولون انّ المسيحيّة ديانة فيها الأنسان يصبح جبانا مذلولاً تهان كرامته وهو ساكت. في الحقيقة العكس هو الصحيح ، فصنّاع الحروب والموت هم الجبناء والمهزومين والفاشلين في الحياة ، لأنّ الطريق الذي يسلكونه سهلٌ وواسعٌ والكثيرون يستطيعون سلوكه لانّه طريق الخراب والدمار وما اسهل أن تُهدم مدنا كاملة وتصبح خرابا في ايّام الحروب بينما يحتاج بنائها سنين؟ ما أسهل أن تقوم دولة بحرب ضد دولة أخرى قد يكون السبب زلة لسان التي تحرق اليابس والأخضر؟  ما اسهل أن يتم تدمير حضارة بخطأ يرتكبه ملك أوقائد وتزال حضارة بنيت عبر مئات السنين؟  ما أسهل أن تحرق غابة بعود من الكبريت وخلال ساعات بينما يتطلب أعادتها عشرات السنين؟ ما اسهل أن تجبر الملايين من الناس أن يطيعوا حكاّمهم ويصبحوا عبيدا للدكتاتورييّن ولكن بالمقابل  كم هو ثمن الحريّة والسلام باهضا عندما يريد الأنسان أن يكسر قيود العبودية والأذلال ؟ . يسوع المسيح عرف ان هزيمة الموت هو بالتضحية وبذل الذات من أجل سلامة وحياة البشريّة فواجَهة الموت بالموت وانتصر عليه بالقيامة واسّس بذلك مملكة السلام ، ويقول لنا :"لأنّ الذي يريد ان يخلّص حياته يخسرها ، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها "(متى 16:24 ) ، وهكذا يقول لنا الرب يسوع " جئت لأجل ان اعطي الحياة  والحياة الأفضل" . علينا  أن نصنع السلام مع الآخرين بسرعة حتى لانصل الى النقطة التي فيها من الصعب التراجع عن قرارنا فيفوت الأوان وقد يكلّف ذلك دموعا ودماء"متى ( 5:25و 26 ) ، وايضا يخبرنا  كاتب سفر الأمثال أن لا نتسرّع بتوجيه التهم الى الآخرين بل علينا أن نناقش التهمة مع الخصم أولا "أمثال ( 25:8,9,10  ) ، في زماننا هذا تبدو أقوال المسيح والرسول بولس حول موضوع السلام والغفران والمصالحة لاتقرّها حتى المحاكم القضائية التي تطالب بتطبيق الحقوق القانونية .
يقول الرسول بولس : " لاتجازوا احدا شرّ بشّر ، وأجتهدوا أن تعملوا الخير أمام جميع الناس ، سالموا جميع الناس ان أمكن ، على قدر طاقتكم ،"(روما 12:17,18 ) ، فعندما يؤذينا أحدهم بشّدة فبدلا من معاملته بما يستحق (أي تطبيق مبدأ العين بالعين والسن بالسن)علينا أن نحسن اليه ونجعل منه صديقا لنا ، ويبرّر الرسول بولس ذلك بالمنطق والعقل( قبل أن يستشهد باقوال الرب يسوع) للأسباب الآتية:
1-لأنّ الغفران قد يؤدي الى كسر حلقة الأنتقام ويؤدّي الى المصالحة المتبادلة ، فعندما نمتص الشر بالخير والتسامح بدل الأنتقام والغفران بدل الكراهية ، عندها يستنفذ الأخر حججه و ينطفي نار غضبه.
 2-عندما نسالم الاخرين عندها قد يخجلوا من تصرفاتهم و يغيّروا أسلوبهم معنا .
3-انّ مقابلة الشر بالشر ستسبب لنا من الضرر مثلما تسببه لعدوّنا ولكّن الصفح عنه (ولولم يتُبْ هو مطلقا )سيحرّرنا من عبء ثقيل من المرارة .
ان الثأر والأنتقام والحرب ، كالزيت الذي يصب على النار فيزيد النار اشتعالاً ،  بينما السلام والغفران والتسامح  هي بمثابة ماء تطفي النيران المشتعلة . السلام والأنسجام بدل الأنقسام والأنتقام هو الطريق الوحيد لعيش الأنسان مع الاخرين بسعادة وفرح وأمان لأنّ الغضب والأنتقام والحقد والكراهيّة هي مثل النار تحرق صاحبها قبل أن تحرق الآخرين . يقول الرسول بولس :"باركوا مضطهديكم ، باركوا ولا تلعنوا   ......اذا جاع عدوّك فاطعمه واذا عطش فاسقهِ لانك في عملك هذا تجمع على رأسه جمر نار ، لاتدع الشر يغلبك ، بل اغلب الشر بالخير"(روميا 12:14,20 ) ، يقول كاتب المزمور"تجنّب الغضب وأبتعد عن الغيظ ، ولا تحسد من يفعل الشرّ"(مزمور 37:8 ) ، ويقول داود النبي "فالأشرار يقطعهم الربُّ ....أما الودعاء فيرثون الأرض وينعمون في سلام "(مزمور37:10و11 ) ، انّ الذين يصنعون الحروب والموت والدمار باسم الله لايعرفون الله الحقيقي بل يعبدون إلها على مقاييسهم الخاصة ، لأنّ الله هو ملك السلام وواهب الحياة فبأيّ حقّ وبأي سلطة يقتل الأنسان اخوه الأنسان بينما الخالق اعطاه الحيّاةوالأنسان له قيمة عظيمة عند الله والخالق هو الوحيد الذي له الحق باسترداد حياة الأنسان ؟  والذين يحاربون أخوتهم في البشريّة فهم يحاربون مشيئة الله وسلطانه على الأرض والسماء ويخالفون ارادة الله ومشروع الله الخلاصي للبشريّة ويهينون طبيعة الله المحبّة "الله محبّة" الله رئيس السلام ، الله واهب الحياة ، الله خلقنا لنشاركه ملكوته السماوي ، فكيف نحارب ونسفك دم أخوتنا كما فعل قايين بهابيل ؟
لماذا لا نتعلّم دروسا من الكتاب المقدّس عن غضب الله على الذين يسفكون دماء الناس ؟"فقال الرب له(لقايين) ماذا فعلتَ؟ دمُ أخيك يصرخ اليّ من الأرض ، والآن فملعونٌ أنت من الأرض التي فتحت فمها لتقبل دم أخيك من يدك"(التكوين4:10,11 ) .  عندما استلّ الرسول بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه (عندما جاءت الجموع لألقاء القبض على يسوع المسيح في بستان الزيتون) قال يسوع له"ردَّ سيفك الى مكانه فمن يأخذ بالسيف بالسيف يهلكُ"(متى 26:52  ) . نعم ملكوت المسيح لاتتحقّق  بالسيوف بل بالمحبّة والسلام والأيمان والطاعة للرب ، هذه خلاصة وجوهر الحياة المسيحيّة بأن نعيش بمحبّة وسلام مع الاخرين وأن نغفر لهم وبنفس الوقت علينا أن لا ننسى بأن الكتاب المقدس لايبرّر التصرفات والأفعال الرديئة للأعداء .
عندما يسعى الأنسان الى تعزية الناس البائسين بسبب الحروب والموت والأضطهادات ، ويبشّر بالسلام في عالم لا يعرف إلا الأنتقام والثأر والحقد فأن ذلك الأنسان سيخلّده التاريخ وتخلّده الأجيال والأمثلة كثيرة عن هؤلاء الناس أمثال مهاتما غاندي محرّر الهند الذي كان شعاره عدم مواجهة العنف بالعنف بل اختار طريق المسيح للوصول الى الحرية والتحرّر من الأستعمار البريطاني
ومثلهُ نلسُن مانديلا ، توصّل الى ان السبيل الأفضل للحرية والسلام لاياتي من خلال فوهة البندقية بل هو جهاد ونضال سلمي يقود في النهاية الى الحريّة والسلام ، وهكذا تحررت جنوب افريقيا من النظام العنصري الذي كان يقوده اقلية عنصرية ، ولا ننسى محرّر الزنوج السود القس مارتن لوثر كنك الذي خاض نضالا طويلا قاد الى تحرير الزنوج وكل ذوي البشرة السوداء في امريكا ولم يكن سلاحه سوى كلام الله من خلال الكتاب المقدس فكان يستشهد بهذا الكتاب عن السلام والمحبة والحريّة التي جاء بها المسيح منذ الفين سنة ، والأمثلة كثيرة عن اشخاص وجماعات قادوا بلدانهم نحو الحريّة والسلام ولم يكن سلاحهم سوى الكلمة والحق والسلام .
 "عيشوا في سلام مع جميع الناس"روميا12:18" ، يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين ايضا"سالموا جميع الناس وعيشوا حياة القداسة" ويقول كاتب المزمور"هنيئاً لمن لا يسلك في مشورة الأشرار ....فيكون كشجرة مغروسة على مجاري الأنهار...وما هكذا الأشرار لكنّهم كالريشة في مهّب الريح"مزمور1:1,2,3,4 
ان الله بعدما صالحنا مع نفسه بالمسيح أعطانا رسالة أن نصالح العالم مع الله بالمسيح"....وهذا كلّه من الله الذي صالحنا بالمسيح  وعهد الينا خدمة المصالحة أي أنّ الله صالح العالم مع نفسه في المسيح وما حسبهم على زلاّتهم  وعهد الينا أن نعلن هذه المصالحة ، فنحن سفراء المسيح"(2كورنتوس  5:18,19,20)
ما أجمل رسالتنا نحن الذين نحمل اسم المسيح ولكن بالمقابل كم هي المسؤولية الملقاة على كاهلنا شاقة وخطيرة لنكون فعلا سفراء حقيقيّين لنمثّل حقيقة رسالة المسيح لهذا العالم الذي يسوده الحقد والكراهيّة والحروب والمآسي والأضطرابات والفقر والجوع (الجسدي والروحي) ؟ ما أحوجنا نحن مسيحيي العراق الى المحبّة والسلام وخاصة في هذه الضروف التي عشناها ولا زلنا نعيشها اليوم حيث الأنسان الذي هو صورة الله أصبح لاقيمة له وسط ذئاب تفترسه بدون رحمة وفقد الكثيرون انسانيّتهم بسبب الأنانيّة وحبّ الذات والسعي وراء المصالح الشخصية والسلام الشخصي دون المبالاة بحياة وسلام الآخرين ؟يقول الرب يسوع المسيح : "اذهبوا ها أنا أُرسلكم مثل الخراف بين الذئاب .....وأيّ بيت دخلتم فقولوا أولا السّلام ، فسلامكم يحلُّ به ، والاّ رجع عليكم  "لوقا 10:3,5 ".  نعم الرب قال لنا انّنا سنواجه مقاومة هذا العالم وسنعيش مثل الحملان بين الذئاب ، 
واليوم عندما ننظر حولنا (نحن مسيحيّي العراق) سنجد كم أنّ ربنا يسوع المسيح صادق في أقواله ونبوّاته وكم نحن في حاجة الى التأمّل في هذه الأقوال لنعمل بها ونسلك الطريق الذي سلكه الرب يسوع المسيح  وتلاميذه من بعده ، فنحن لنا رسالة وارساليّة خطيرة وعلينا أن نحترس من الذئاب الخاطفة وأن نواجه أعدائنا بالمحبّة والتضحيّة والعطاء والعمل على ارساء السلام في وطن فيه الناس بحاجة الى السلام والأمان والأستقرار وننقل الى الآخرين كيف أننا نلنا العزاء بالروح القدس وكيف انّ لنا رجاء وثقة بالمسيح رئيس السلام ونشرح لهم طبيعة مملكة السلام التي نتمتع بها ، هكذا نعّزيهم في كل شدّة وضيق وهكذا نستطيع أن نساهم في كسر الحلقة المفرغة من العنف والأرهاب والحقد والكراهيّة والغضب والغليان والشعور بالمرارة التي يأنُّ منها الملايين من الناس في هذه الأيّام العصيبة التي جعلت الكثيرين يهاجرون ويعانون من الغربة وفقدان الأحبّة والأصدقاء لابل فقدنا ارواح مئات الألوف من الشباب والأطفال والشيوخ والنساء بسبب الحروب والتعصّب الطائفي والعرقي والأثمي والديني ، بهذا نساهم في استئصال العنف والميل الى الأنتقام لدى الآخرين وذلك في زرع ثقافة السلام والمحبّة وشرح معنى البشارة بالفرح (الأنجيل ) للمتعطشين الى السلام ، لأنّ ذلك من صلب رسالتنا وواجبنا ومسؤوليتنا أمام الله وأمام الناس. يقول الربّ: " اذهبوا الى العالم كلّه وبشروهم ..." والرسول بولس يشدّد على قول الرب يسوع المسيح هذا عندما يقول" الويل لي ان لم ابشّر" ، يقول كاتب كتاب " النجّار الأعظم" ان كلام المسيح فيه رسالة عزاء لمن يتألّمون والرب يكشف لنا عن جروحاتنا حتى نهرب اليه هكذا نتحرّر من كل ازماتنا ومشاكلنا وخوفنا ونأتي بانسحاق حقيقي الى أسفل الصليب وهناك نترك أثقالنا فقد تكون بلايا الحياة هي وسائل الله لازالة الأقذار والنجاسات والخشونة من أخلاقنا" . ويحثّنا بولس الرسول أن نصلي من أجل جميع الناس والملوك والسلاطين ليعيش العالم  في سلام وأمان فيقول :
""فأطلب قبل كل شيئ أن تقيموا الدعاء والصلاة والأبتهال والحمد من اجل جميع الناس ومن أجل الملوك واصحاب السلطة حتّى نحيا حياة مطمئنّة هادئة بكلّ تقوى وكرامة وهذا حسن عند الله مخلّصنا الذي يريدُ أن يخلص جميع الناس ويبلغوا الى معرفة الحق "(1تيموثاوس 2:3,4 ) . انّ الرسول بولس يطلب من المؤمنين أن يصلوّا من أجل ملوكهم وحكّامهم لكي يقودوا شعوبهم الى السلام والأمان في زمن كان نيرون هو الأمبراطور في ذلك الوقت (م 54-68 ) ، ومن المعروف أنّ هذا الأمبراطور كان بالغ القسوة ، وكان بحاجة الى كبش فداء للتكفيرعن الحريق الذي دمّر معظم روما في عام 64 م ، ولكي يبعد الأننظار عن نفسه وجّه الأتهام الى المسيحيين وكان معروفا بالمذابح الوحشيّة التي أرتكبها بحق المسيحيّين حيث قتل الآلاف منهم ورمى الكثيرين فريسة للوحوش ، وعندما كتب الرسول بولس رسالته هذه الى تلميذه تيموثاوس كان اضطهاد المسيحيّين  يتزايد. وما اشبه اليوم بالبارحة حيث المسيحيّيون مضطهدون في كل العالم بصورة معلنة وغير معلنة ، وقد شمل هذا الأضطهاد مسيحيّي العراق ولا زلنا نعاني من الأرهاب والقتل والتهجير والتهديد ، ولكن رسالتنا واضحة كما يخبر الرسول بولس أعلاه وهي رسالة المحبّة والسلام والوحدة والصلاة من اجل أعدائنا وهي أقوى أسلحة نستطيع أن نواجه بها اسلحة الشر ، وهذا لا يعني ضعفنا واستسلامنا للقدر ولا نتحرّك ساكنين بل علينا أن نطرق كل ابواب المحاكم الدوليّة ومنظّمات حقوق الأنسان والأمم المتّحدة ونطالب بحقوقنا وأرضنا لنعيش بكرامة وحريّة مهما كان الثمن ، وهذا ما فعله الرسول بولس وتلاميذ المسيح حيث كانوا يدافعون عن قضيّتهم المركزيّة وهي تمسّكهم بايمانهم ورسالتهم ، رسالة المحبّة والسلام والرجاء  وكان سلاحهم هو سيف الكلمة والحق والسلام والحوار للوصول الى الحقيقة حتى مع أعدائهم ، بينما كان سلاح اعدائهم هو سيف الموت والتهديد والترهيب. وما اشبه اليوم بالبارحة حيث انّنا كمسيحيّي الشرق الأوسط  نمر في نفس الضروف التي مرّ بها الرسل قبل الفي سنة من الآن وما علينا الآ أن نستعمل نفس الأسلحة المطلوبة أعلاه لمحاربة أعدائنا وسيكون النصر لنا مهما طال الزمن لأنّ الحق هو المنتصر دائما حتى لو تأخر ، فبالأيمان  نغلُب أعدائنا  ونبطل قوّة النار والأرهاب وننجوا من الموت بالسيف ،  وبالمسيح ننال القوّة بعد ضعف(عبرانيّين 11:33 ) .  بالأيمان والمحبّة والسلام نطرد الخوف والقلق لأنّ ربنا يسوع المسيح معنا في كلّ حال وفي كل وقت ومكان مهما كانت الضروف حولنا فالهنا كما يقول الكتاب المقدّس" نار ٌ اكلة"عبرانيينل  12:29 
وختاما يقول الرسول بولس في رسالته الى مؤمني كولوسي"لأنّ الله شاء أ ن يحلّ فيه (أي المسيح)الملء (أي ملء اللاهوت) كلُّه وان يصالح به كلُّ شيء في الأرض كما في السماوات ، فبدمه على الصليب حقٌق السّلام"كولوسي  1:19 
وسلام المسيح مع جميعكم  امين.
(لمن يرغب الأطلاع على الأجزاء السابقة للمقالات نرفق أدناه المواقع التالية)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.html
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35085
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236
o   http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35351

77

تأمّلات في زمن الميلاد"المسيح رئيس السلام""

"الجزء الخامس" السّلام مع الآخرين" أو كيف نصنع السلام؟

بقلم نافع شابو البرواري

قد يظن ألبعظ أن السلام يتحقق لنا بدون أيّ جهد ولكن الكتاب المقدّس يخبرنا انّ علينا أن نسعى بكل قوانا  للحياة في سلام مع كل انسان لأن السلام يتطلّب عملا شاقا .
يقول داود النبي"تجنّب الشر وأعمل الخير وألتمس السلام وأسع وراءه " (مزمور  34:15 ) ، وقد ردّد الرسول بولس صدى هذا الفكر في العهد الجديد  بقولهِ
""لا تجازوا أحداً شرّ بشرّ ...لاتنتقموا لأنفسكم ايّها الأحباء بل دعوا هذا لغضب الله ، فالكتاب يقول "لي الأنتقام ، يقول الربّ ، وأنا الذي يجازي "(روميا 12:17,18 )" .  ليس صنع السلام أمرا محبوبا عند الكثيرين لأنّ الأقرب للطبيعة البشريّة أن يحاربوا لأجل الحق ، ومجد المعركة هو أمل كسبها ، لكن لابد من طرف خاسر ، أمّا مجد صنع السلام فأنه قد يجعل الطرفين رابحين في الواقع ، فصنع السلام هو طريق الله ، بينما صنع الحروب والموت هو من صنع الشيطان ، فصانع السلام يقتفي أثر السلام باجتهاد وينشئ العلاقات الطيبة مع الآخرين عارفا أنّ السلام نتيجة للألتزام ، يقول الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل : هنيئا لصانعي السلام لأنّهم أبناء الله يدعون"(متى 5:9 )  . ما أجمل أقدام المبشّرين بالسلام وكلمة الله
انّ السلام الحقيقي ينشأ من الأيمان بيسوع المسيح لأنّه وحده تتجسّد فيه كل خصائص السلام ، فلكي نجد السلام الحقيقي علينا ان نبحث عن يسوع المسيح نبع السلام ومصدره ونلتقي به ونتعرّف عليه ونقيم معه علاقة حيّة ، عندها نعرف ماهو السلام ، لانّه متواضع القلب ونيره خفيف وهو الذي يعلّمنا كيف نصنع السلام مع الأخرين وكيف يقودنا الى واحة خضراء ومياه حيّة . ورمز الصليب في بُعده الأفقي حيث نرى المسيح ماداً يديه ليحضن البشريّة من على صليبه وهو يسلّم روحه الى أبيه ، سلّمنا وربطنا معه بعهد السلام لانّه ملك العدل والحق والمحبّة والسلام ،  يسوع المسيح بكى على  أورشليم(مدينة السلام) وبحسرة وقال بمرارة :

"أورشليم، أورشليم ، ياقاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين اليها ، كم مرّة أردت أن أجمع أبناءك مثلما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فما أردتم" (لوقا 13:34  ) .  يتلهّف الناس على السلام ويتمنّون الأمن والسلامة والأستقرار ، ولكن للأسف الكثيرين منهم لايعرفون أنّ هذا السلام يحتاج الى مهارة وفن وجهد وسهر وغفران وتسامح وتنازلات مؤلمة وتوبة حقيقيّة ومصالحة مع الله ومع النفس ومع الاخرين . من الأفضل عمليّا أن نسوّي خلافاتنا مع أعدائنا قبل أن يجلب غضبهم علينا متاعب أكثر وقبل أن تستفحل ويستحيل علاجها ، وصانع السلام يتعامل مع المشاكل قبل حدوثها وعندما تثور الصراعات فأنّه يكشفها ويعالجها . كما أنّ صنع السلام عمل أصعب بكثير من اثارة الحروب لكنه لايثمر موتا بل حياة . الكثيرين ، وخاصة من الديانات الأخرى ، يقولون انّ المسيحيّة ديانة فيها الأنسان يصبح جبانا مذلولاً تهان كرامته وهو ساكت. في الحقيقة العكس هو الصحيح ، فصنّاع الحروب والموت هم الجبناء والمهزومين والفاشلين في الحياة ، لأنّ الطريق الذي يسلكونه سهلٌ وواسعٌ والكثيرون يستطيعون سلوكه لانّه طريق الخراب والدمار وما اسهل أن تُهدم مدنا كاملة وتصبح خرابا في ايّام الحروب بينما يحتاج بنائها سنين؟ ما أسهل أن تقوم دولة بحرب ضد دولة أخرى قد يكون السبب زلة لسان التي تحرق اليابس والأخضر؟  ما اسهل أن يتم تدمير حضارة بخطأ يرتكبه ملك أوقائد وتزال حضارة بنيت عبر مئات السنين؟  ما أسهل أن تحرق غابة بعود من الكبريت وخلال ساعات بينما يتطلب أعادتها عشرات السنين؟ ما اسهل أن تجبر الملايين من الناس أن يطيعوا حكاّمهم ويصبحوا عبيدا للدكتاتورييّن ولكن بالمقابل  كم هو ثمن الحريّة والسلام باهضا عندما يريد الأنسان أن يكسر قيود العبودية والأذلال ؟ . يسوع المسيح عرف ان هزيمة الموت هو بالتضحية وبذل الذات من أجل سلامة وحياة البشريّة فواجَهة الموت بالموت وانتصر عليه بالقيامة واسّس بذلك مملكة السلام ، ويقول لنا :"لأنّ الذي يريد ان يخلّص حياته يخسرها ، ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي يجدها "(متى 16:24 ) ، وهكذا يقول لنا الرب يسوع " جئت لأجل ان اعطي الحياة  والحياة الأفضل" . علينا  أن نصنع السلام مع الآخرين بسرعة حتى لانصل الى النقطة التي فيها من الصعب التراجع عن قرارنا فيفوت الأوان وقد يكلّف ذلك دموعا ودماء"متى ( 5:25و 26 ) ، وايضا يخبرنا  كاتب سفر الأمثال أن لا نتسرّع بتوجيه التهم الى الآخرين بل علينا أن نناقش التهمة مع الخصم أولا "أمثال ( 25:8,9,10  ) ، في زماننا هذا تبدو أقوال المسيح والرسول بولس حول موضوع السلام والغفران والمصالحة لاتقرّها حتى المحاكم القضائية التي تطالب بتطبيق الحقوق القانونية .
يقول الرسول بولس : " لاتجازوا احدا شرّ بشّر ، وأجتهدوا أن تعملوا الخير أمام جميع الناس ، سالموا جميع الناس ان أمكن ، على قدر طاقتكم ،"(روما 12:17,18 ) ، فعندما يؤذينا أحدهم بشّدة فبدلا من معاملته بما يستحق (أي تطبيق مبدأ العين بالعين والسن بالسن)علينا أن نحسن اليه ونجعل منه صديقا لنا ، ويبرّر الرسول بولس ذلك بالمنطق والعقل( قبل أن يستشهد باقوال الرب يسوع) للأسباب الآتية:
1-لأنّ الغفران قد يؤدي الى كسر حلقة الأنتقام ويؤدّي الى المصالحة المتبادلة ، فعندما نمتص الشر بالخير والتسامح بدل الأنتقام والغفران بدل الكراهية ، عندها يستنفذ الأخر حججه و ينطفي نار غضبه.
 2-عندما نسالم الاخرين عندها قد يخجلوا من تصرفاتهم و يغيّروا أسلوبهم معنا .
3-انّ مقابلة الشر بالشر ستسبب لنا من الضرر مثلما تسببه لعدوّنا ولكّن الصفح عنه (ولولم يتُبْ هو مطلقا )سيحرّرنا من عبء ثقيل من المرارة .
ان الثأر والأنتقام والحرب ، كالزيت الذي يصب على النار فيزيد النار اشتعالاً ،  بينما السلام والغفران والتسامح  هي بمثابة ماء تطفي النيران المشتعلة . السلام والأنسجام بدل الأنقسام والأنتقام هو الطريق الوحيد لعيش الأنسان مع الاخرين بسعادة وفرح وأمان لأنّ الغضب والأنتقام والحقد والكراهيّة هي مثل النار تحرق صاحبها قبل أن تحرق الآخرين . يقول الرسول بولس :"باركوا مضطهديكم ، باركوا ولا تلعنوا   ......اذا جاع عدوّك فاطعمه واذا عطش فاسقهِ لانك في عملك هذا تجمع على رأسه جمر نار ، لاتدع الشر يغلبك ، بل اغلب الشر بالخير"(روميا 12:14,20 ) ، يقول كاتب المزمور"تجنّب الغضب وأبتعد عن الغيظ ، ولا تحسد من يفعل الشرّ"(مزمور 37:8 ) ، ويقول داود النبي "فالأشرار يقطعهم الربُّ ....أما الودعاء فيرثون الأرض وينعمون في سلام "(مزمور37:10و11 ) ، انّ الذين يصنعون الحروب والموت والدمار باسم الله لايعرفون الله الحقيقي بل يعبدون إلها على مقاييسهم الخاصة ، لأنّ الله هو ملك السلام وواهب الحياة فبأيّ حقّ وبأي سلطة يقتل الأنسان اخوه الأنسان بينما الخالق اعطاه الحيّاةوالأنسان له قيمة عظيمة عند الله والخالق هو الوحيد الذي له الحق باسترداد حياة الأنسان ؟  والذين يحاربون أخوتهم في البشريّة فهم يحاربون مشيئة الله وسلطانه على الأرض والسماء ويخالفون ارادة الله ومشروع الله الخلاصي للبشريّة ويهينون طبيعة الله المحبّة "الله محبّة" الله رئيس السلام ، الله واهب الحياة ، الله خلقنا لنشاركه ملكوته السماوي ، فكيف نحارب ونسفك دم أخوتنا كما فعل قايين بهابيل ؟
لماذا لا نتعلّم دروسا من الكتاب المقدّس عن غضب الله على الذين يسفكون دماء الناس ؟"فقال الرب له(لقايين) ماذا فعلتَ؟ دمُ أخيك يصرخ اليّ من الأرض ، والآن فملعونٌ أنت من الأرض التي فتحت فمها لتقبل دم أخيك من يدك"(التكوين4:10,11 ) .  عندما استلّ الرسول بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه (عندما جاءت الجموع لألقاء القبض على يسوع المسيح في بستان الزيتون) قال يسوع له"ردَّ سيفك الى مكانه فمن يأخذ بالسيف بالسيف يهلكُ"(متى 26:52  ) . نعم ملكوت المسيح لاتتحقّق  بالسيوف بل بالمحبّة والسلام والأيمان والطاعة للرب ، هذه خلاصة وجوهر الحياة المسيحيّة بأن نعيش بمحبّة وسلام مع الاخرين وأن نغفر لهم وبنفس الوقت علينا أن لا ننسى بأن الكتاب المقدس لايبرّر التصرفات والأفعال الرديئة للأعداء .
عندما يسعى الأنسان الى تعزية الناس البائسين بسبب الحروب والموت والأضطهادات ، ويبشّر بالسلام في عالم لا يعرف إلا الأنتقام والثأر والحقد فأن ذلك الأنسان سيخلّده التاريخ وتخلّده الأجيال والأمثلة كثيرة عن هؤلاء الناس أمثال مهاتما غاندي محرّر الهند الذي كان شعاره عدم مواجهة العنف بالعنف بل اختار طريق المسيح للوصول الى الحرية والتحرّر من الأستعمار البريطاني
ومثلهُ نلسُن مانديلا ، توصّل الى ان السبيل الأفضل للحرية والسلام لاياتي من خلال فوهة البندقية بل هو جهاد ونضال سلمي يقود في النهاية الى الحريّة والسلام ، وهكذا تحررت جنوب افريقيا من النظام العنصري الذي كان يقوده اقلية عنصرية ، ولا ننسى محرّر الزنوج السود القس مارتن لوثر كنك الذي خاض نضالا طويلا قاد الى تحرير الزنوج وكل ذوي البشرة السوداء في امريكا ولم يكن سلاحه سوى كلام الله من خلال الكتاب المقدس فكان يستشهد بهذا الكتاب عن السلام والمحبة والحريّة التي جاء بها المسيح منذ الفين سنة ، والأمثلة كثيرة عن اشخاص وجماعات قادوا بلدانهم نحو الحريّة والسلام ولم يكن سلاحهم سوى الكلمة والحق والسلام .
 "عيشوا في سلام مع جميع الناس"روميا12:18" ، يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين ايضا"سالموا جميع الناس وعيشوا حياة القداسة" ويقول كاتب المزمور"هنيئاً لمن لا يسلك في مشورة الأشرار ....فيكون كشجرة مغروسة على مجاري الأنهار...وما هكذا الأشرار لكنّهم كالريشة في مهّب الريح"مزمور1:1,2,3,4 
ان الله بعدما صالحنا مع نفسه بالمسيح أعطانا رسالة أن نصالح العالم مع الله بالمسيح"....وهذا كلّه من الله الذي صالحنا بالمسيح  وعهد الينا خدمة المصالحة أي أنّ الله صالح العالم مع نفسه في المسيح وما حسبهم على زلاّتهم  وعهد الينا أن نعلن هذه المصالحة ، فنحن سفراء المسيح"(2كورنتوس  5:18,19,20)
ما أجمل رسالتنا نحن الذين نحمل اسم المسيح ولكن بالمقابل كم هي المسؤولية الملقاة على كاهلنا شاقة وخطيرة لنكون فعلا سفراء حقيقيّين لنمثّل حقيقة رسالة المسيح لهذا العالم الذي يسوده الحقد والكراهيّة والحروب والمآسي والأضطرابات والفقر والجوع (الجسدي والروحي) ؟ ما أحوجنا نحن مسيحيي العراق الى المحبّة والسلام وخاصة في هذه الضروف التي عشناها ولا زلنا نعيشها اليوم حيث الأنسان الذي هو صورة الله أصبح لاقيمة له وسط ذئاب تفترسه بدون رحمة وفقد الكثيرون انسانيّتهم بسبب الأنانيّة وحبّ الذات والسعي وراء المصالح الشخصية والسلام الشخصي دون المبالاة بحياة وسلام الآخرين ؟يقول الرب يسوع المسيح : "اذهبوا ها أنا أُرسلكم مثل الخراف بين الذئاب .....وأيّ بيت دخلتم فقولوا أولا السّلام ، فسلامكم يحلُّ به ، والاّ رجع عليكم  "لوقا 10:3,5 ".  نعم الرب قال لنا انّنا سنواجه مقاومة هذا العالم وسنعيش مثل الحملان بين الذئاب ، 
واليوم عندما ننظر حولنا (نحن مسيحيّي العراق) سنجد كم أنّ ربنا يسوع المسيح صادق في أقواله ونبوّاته وكم نحن في حاجة الى التأمّل في هذه الأقوال لنعمل بها ونسلك الطريق الذي سلكه الرب يسوع المسيح  وتلاميذه من بعده ، فنحن لنا رسالة وارساليّة خطيرة وعلينا أن نحترس من الذئاب الخاطفة وأن نواجه أعدائنا بالمحبّة والتضحيّة والعطاء والعمل على ارساء السلام في وطن فيه الناس بحاجة الى السلام والأمان والأستقرار وننقل الى الآخرين كيف أننا نلنا العزاء بالروح القدس وكيف انّ لنا رجاء وثقة بالمسيح رئيس السلام ونشرح لهم طبيعة مملكة السلام التي نتمتع بها ، هكذا نعّزيهم في كل شدّة وضيق وهكذا نستطيع أن نساهم في كسر الحلقة المفرغة من العنف والأرهاب والحقد والكراهيّة والغضب والغليان والشعور بالمرارة التي يأنُّ منها الملايين من الناس في هذه الأيّام العصيبة التي جعلت الكثيرين يهاجرون ويعانون من الغربة وفقدان الأحبّة والأصدقاء لابل فقدنا ارواح مئات الألوف من الشباب والأطفال والشيوخ والنساء بسبب الحروب والتعصّب الطائفي والعرقي والأثمي والديني ، بهذا نساهم في استئصال العنف والميل الى الأنتقام لدى الآخرين وذلك في زرع ثقافة السلام والمحبّة وشرح معنى البشارة بالفرح (الأنجيل ) للمتعطشين الى السلام ، لأنّ ذلك من صلب رسالتنا وواجبنا ومسؤوليتنا أمام الله وأمام الناس. يقول الربّ: " اذهبوا الى العالم كلّه وبشروهم ..." والرسول بولس يشدّد على قول الرب يسوع المسيح هذا عندما يقول" الويل لي ان لم ابشّر" ، يقول كاتب كتاب " النجّار الأعظم" ان كلام المسيح فيه رسالة عزاء لمن يتألّمون والرب يكشف لنا عن جروحاتنا حتى نهرب اليه هكذا نتحرّر من كل ازماتنا ومشاكلنا وخوفنا ونأتي بانسحاق حقيقي الى أسفل الصليب وهناك نترك أثقالنا فقد تكون بلايا الحياة هي وسائل الله لازالة الأقذار والنجاسات والخشونة من أخلاقنا" . ويحثّنا بولس الرسول أن نصلي من أجل جميع الناس والملوك والسلاطين ليعيش العالم  في سلام وأمان فيقول :
""فأطلب قبل كل شيئ أن تقيموا الدعاء والصلاة والأبتهال والحمد من اجل جميع الناس ومن أجل الملوك واصحاب السلطة حتّى نحيا حياة مطمئنّة هادئة بكلّ تقوى وكرامة وهذا حسن عند الله مخلّصنا الذي يريدُ أن يخلص جميع الناس ويبلغوا الى معرفة الحق "(1تيموثاوس 2:3,4 ) . انّ الرسول بولس يطلب من المؤمنين أن يصلوّا من أجل ملوكهم وحكّامهم لكي يقودوا شعوبهم الى السلام والأمان في زمن كان نيرون هو الأمبراطور في ذلك الوقت (م 54-68 ) ، ومن المعروف أنّ هذا الأمبراطور كان بالغ القسوة ، وكان بحاجة الى كبش فداء للتكفيرعن الحريق الذي دمّر معظم روما في عام 64 م ، ولكي يبعد الأننظار عن نفسه وجّه الأتهام الى المسيحيين وكان معروفا بالمذابح الوحشيّة التي أرتكبها بحق المسيحيّين حيث قتل الآلاف منهم ورمى الكثيرين فريسة للوحوش ، وعندما كتب الرسول بولس رسالته هذه الى تلميذه تيموثاوس كان اضطهاد المسيحيّين  يتزايد. وما اشبه اليوم بالبارحة حيث المسيحيّيون مضطهدون في كل العالم بصورة معلنة وغير معلنة ، وقد شمل هذا الأضطهاد مسيحيّي العراق ولا زلنا نعاني من الأرهاب والقتل والتهجير والتهديد ، ولكن رسالتنا واضحة كما يخبر الرسول بولس أعلاه وهي رسالة المحبّة والسلام والوحدة والصلاة من اجل أعدائنا وهي أقوى أسلحة نستطيع أن نواجه بها اسلحة الشر ، وهذا لا يعني ضعفنا واستسلامنا للقدر ولا نتحرّك ساكنين بل علينا أن نطرق كل ابواب المحاكم الدوليّة ومنظّمات حقوق الأنسان والأمم المتّحدة ونطالب بحقوقنا وأرضنا لنعيش بكرامة وحريّة مهما كان الثمن ، وهذا ما فعله الرسول بولس وتلاميذ المسيح حيث كانوا يدافعون عن قضيّتهم المركزيّة وهي تمسّكهم بايمانهم ورسالتهم ، رسالة المحبّة والسلام والرجاء  وكان سلاحهم هو سيف الكلمة والحق والسلام والحوار للوصول الى الحقيقة حتى مع أعدائهم ، بينما كان سلاح اعدائهم هو سيف الموت والتهديد والترهيب. وما اشبه اليوم بالبارحة حيث انّنا كمسيحيّي الشرق الأوسط  نمر في نفس الضروف التي مرّ بها الرسل قبل الفي سنة من الآن وما علينا الآ أن نستعمل نفس الأسلحة المطلوبة أعلاه لمحاربة أعدائنا وسيكون النصر لنا مهما طال الزمن لأنّ الحق هو المنتصر دائما حتى لو تأخر ، فبالأيمان  نغلُب أعدائنا  ونبطل قوّة النار والأرهاب وننجوا من الموت بالسيف ،  وبالمسيح ننال القوّة بعد ضعف(عبرانيّين 11:33 ) .  بالأيمان والمحبّة والسلام نطرد الخوف والقلق لأنّ ربنا يسوع المسيح معنا في كلّ حال وفي كل وقت ومكان مهما كانت الضروف حولنا فالهنا كما يقول الكتاب المقدّس" نار ٌ اكلة"عبرانيينل  12:29 
وختاما يقول الرسول بولس في رسالته الى مؤمني كولوسي"لأنّ الله شاء أ ن يحلّ فيه (أي المسيح)الملء (أي ملء اللاهوت) كلُّه وان يصالح به كلُّ شيء في الأرض كما في السماوات ، فبدمه على الصليب حقٌق السّلام"كولوسي  1:19 
وسلام المسيح مع جميعكم  امين.
(لمن يرغب الأطلاع على الأجزاء السابقة للمقالات نرفق أدناه المواقع التالية)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.html
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35085
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236
o   http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35351

78
تأملات في زمن الميلاد
 
الجزء الرابع"المسيح رئيس السلام"
 بقلم :نافع شابو البرواري
تكلّمنا في الجزء الثالث من مقالتنا عن السلام مع الله(المصالحة مع الله) ،
وقلنا أن السلام (في المفهوم المسيحي )قائم على ثلاثة أركان وهي :
أولا :السلام مع الله (بالمصالحة التي تمّت بولادة يسوع المسيح وفدائه للبشريّة)
ثانيا :السلام مع النفس(مصالحة الذات والتمتّع بالسلام الداخلي)
ثالثا :السلام مع الآخرين( او كيف نصنع السلام مع الآخرين من أخوتنا البشر؟)
واليوم سنتأمّل في السلام مع النفس (او مصالحة الذات والتمتّع بالسلام الداخلي)
قد نشكر الطبيب الذي يشفينا من مرض الى حين .
قد نشكر الأصدقاء عندما يقفون معنا في الشدائد والمحن .
قد يحمينا رجل الأمن من الذين يحاولون الأعتداء علينا .
قد يهبّ الشعب ويثورعلى أستبداد الحاكم ونتحرر من الظلم والطغيان .
قد  نحصل على حقوقنا المسلوبة في هذا العالم .
قد نتسلّق مناصب دنيويّة ونحصل على المال والشهرة .
قد ننجح في الأمتحان ونحقق أحلامنا وقد نتسلق القمم وننتشي بنشوة النصر ونقطف ثمار الجهود التي بذلناها في مسيرة حياتنا من سهر الليالي والصراع الطويل .
قد نحصل على العلوم والمعارف الأنسانية وقد نكتشف نظريات ونخترع اشياء تفيد الأنسانية جمعاء .
قد نبدو سعداء في اسرة ويكون لنا بنات وبنين .
قد قد....................................الخ  .
ولكن يبقى السؤال المطروح وهو ، هل نحن فعلا نعيش في سلامٍ مع الذات ؟
أو بعبارى أخرى هل نحن نعيش في سلام داخلي وهل هناك فرح وسعادة حقيقية في داخلنا ؟
الحقيقة هذا العالم لايستطيع أن يمحنا هذا السلام (الداخلي) لأنّ هذا العالم لايستطيع الأجابة على الحقائق التالية :
الموت والوجود والمصير ، لابل لايستطيع هذا العالم أن يمنحنا السلام والفرح الحقيقي ، السلام (الحقيقي) يبدا بداخل كل انسان (النفس) ، هو التناغم والأنسجام مع الحياة ومع النفس وهو ما يسمّى بالسلام الداخلي أي التخلص من الأضطرابات النفسية والخوف الداخلي بامتلاء الأنسان بسلام يطرّد هذه الأضطرابات والمخاوف ويحتاج الأنسان في هذه الحالة الى تحقيق الذات ، السلام هو أساس المهمّة التي سيسلّمها الرب يسوع المسيح لتلاميذه بعد القيامةّ ولكنّها تعبّر أيضا عن بركات الله وازالة الخوف الذي يسيطر على الأنسان ، والكتاب المقدّس هو الكتاب الوحيد الذي يجيب على اسئلتنا الوجودية ويجيب على سؤالنا كيف نعيش بسلام حقيقي؟ و يخبرنا يسوع المسيح  فيقول "والحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الآله الحق وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته"(يوحنا 17:3)" .
انّ هذا السلام لاياتي إلا عندما يُملئ فراغ النفس والروح شخص يسوع المسيح واهب السلام ورئيس السلام فعندما يمتلئ الأنسان بالروح القدس عندها يستطيع الأنسان أن ينقاد بقوة الروح الى كل ما هو خير وسلام  فيصبح الأنسان نفسه اسير السلام فلا يستطيع إلا أن يعيش في سلام ويصنع السلام ويعمل السلام ويدعو الى السلام ويتمتّع بالسلام ، فلا سلام إلا بمحبة النفس والآخر وقبلهُما محبّة الله والسلام والمصالحة معه لأنه هو الخالق ولن يرتاح المخلوق إلا بين راحتيه ، الكثيرون يذهبون الى الكنيسة أو يصنعون السلام خوفا من مصيرهم الأبدي أو خوفا على حياتهم او مصالحهم الأرضية وهو سلام مزيّف يعمل الأنسان فيه هذه الأعمال كفرائض وواجبات خوفا أو من أجل مصلحة شخصية وهم ليس لهم علاقة شخصية بواهب السلام يسوع المسيح ، ولكن في داخلهم يفقدون السلام ، وهنا فاقد الشيئ لايستطيع أن يعطيه. السلام(أي السلام الداخلي) هوالأ ساس لمجتمع صحي  يعيش في سلام عام . فعندما نصنع السلام(الداخلي) ونزرعه في الأنسان منذ طفولته وذلك بالتربية وزرع مفاهيم المحبّة والسلام والصدق والأمان والحق في نفسية الطفل والتلميذ والطالب من خلال البيت حيث الأم هي المدرسة الأولى والكنيسة (بالنسبة لنا كمسيحيين) وصولا الى السُلّم الأعلى في المجتمع من خلال المدرسة والجامعة والعمل ، عندها يكون المجتمع بخير وسلام ، ان البقاء في سلام هو سلاح روحي وحرب بوجه الشيطان والقوّات الشريرة هو يعني أطفاء سهام العدو .
كثيرا ما نخسر  السلام بسبب الشك والقلق والخوف من عدم تحقيق مواعيد الله وأقواله ووعوده فنُصاب بالأضطرابات النفسيّة والعصبيّة والكآبة والقلق عندما نفقد ثقتنا وايماننا بيسوع المسيح القائل: ثقوا لقد غلبتُ رئيس هذا العالم .
الكثيرون يشتكون من الظلم والآلام والأحزان والمعاناة في الحياة اليوميّة ولكن ننسى غالباً انّ هذه كلّها امتحانات لنا ، بها تُطهّر نفوسنا وتؤدّي بنا الى الأتّكال والتركيزعلى الهدف الأسمى الذي هو ملكوت الله ، المؤمن الحقيقي يجب أن لا يتزحزح ايمانه بمواعيد الله ومشيئته وارادته بالرغم من كل الظروف التي تحيط به ، لأن طاعة الله تؤدي الى السلام مع النفس ومع الاخرين ، قد نتخلّى عن الكثير من حقوقنا من أجل كسب السلام ، قد نهاجر من مدينة الى مدينة ومن دولة الى دولة من أجل  البقاء في سلام والمحافظة على ايماننا وامتصاص غضب الأخرين ولكّننا يجب أن لا نفقد ايماننا فالأرض واسعة ورحبة لكل المؤمنين ولا بد للمؤمن أن يصل الى ما يريده الله له ، ويسوع المسيح سبق واخبرنا أننا سوف نُضطهد من قبل الآخرين ولكن الأهم أن ّالمؤمن يعيش في سلام داخلي وهذا السلام لا يستطيع الأخرون السطو عليه أو انتزاعه أو سلبه ، لأنّه سلام الله الذي يطرد الخوف والقلق ويرفع الأنسان لكي يعلو عن المشاكل والأحداث الخارجية فيرتقي بالأنسان لكي يصبح فوق هذه الظروف، ويكون الروح القدس هو المعزّي والأخ والخليل(كما كان الرب مع ابينا ابراهيم في غربته عن اهله ووطنه وعشيرته واصدقائه فسميّ خليل الله وعاش ابينا ابراهيم في رحلة دائمية ولم يكن له وطن ثابت لأنّه كان يتطّلع الى الوطن الأبدي مع الله فكان الله معه في رحلته هذه . وكان ابراهيم يشعر بالسلام ويصنع السلام مع الأخرين ) .
قد نبني وغيرنا يهدم وقد نعطي من جهدنا وأموالنا وصحتنا من أجل بناء اجيال يستمتعون بالسلام والأمان ، ولكن غيرنا قد يصنع الموت والبغض والكراهية ، لكن من يصمد الى النهاية هو الذي يفوز لأنّ الله دائما مع صانعي الخير والسلام ، يسوع المسيح الذي يقول لنا "ان اراد احد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني" فالسلام ليس بالضرورة معناه الراحة بل استغلال الراحة لنحُصّن انفسنا من هجمات قوات الشر ، والراحة عند المؤمنين هي محطّة لأعادة النظر في حياتهم الماضيّة لتجديد الحياة الروحيّة والتحصّن بأسلحة الروح القدس لمواجهة قوات الشر في المستقبل . السلام يأتي من يقين  استجابة الصلاة ، يقول كاتب المزمور"بصوتي الى الربّ أصرخ فيجيبني من جبله المقدّس .في سلام استلقي وأنام"(مزمور 3:5 )" . فاليقين والثقة من انّ الصلاة مستجابة وهي تجلب السلام لانّ الله مُهيمن على كلّ الظروف التي لانستطيع أن نغيّرها .
السلام يجلبه الروح القدس وهو سلام يتحرّك في داخل قلوبنا ويحيا ليحدّ من قوات الشر المعادية( الخطية والخوف والشك والريبة وعدم اليقين.. ..وقوى اخرى كثيرة  تحاربنا من الداخل) ويقدّم العزاء والراحة عوض الصراع  والحرب وقد وعدنا الرب يسوع المسيح ان يعطينا هذا السلام ان كنا مستعدّين لقبوله منه."سلاما أترك لكم وسلامي أعطيكُم ، لا كما يعطيه العالمُ أُعطيكم أنا ، فلا تضطربُ قلوبكم ولا تفزع"(يوحنا 14:27 )" .
انّ نتيجة عمل الروح القدس في حياتنا هي السلام العميق الدائم . وعلى عكس سلام العالم  الذي يُعرف عادة بأنّه عدم الصراع ، فأنّ هذا السلام هو ثقة أكيدة في وسط أي ظروف ، وبهذا النوع من السلام لسنا بحاجة لأن نخاف من الحاضر أو المستقبل ، لأنّ الروح القدس يملأ حياة المؤمن فيعيش في سلام ، ويوضّح لنا الرسول بولس هذا السلام بقوله"لا تقلقوا أبدا بل أطلبوا حاجتكم من الله بالصلاة والأبتهال والحمد وسلام الله الذّي يفوق كُلّ ادراك يحفظ قلوبكم وعقولكم في المسيح يسوع"( فيلبي 4:5,6 )" . نستطيع أن نختصر قول الرسول " دع القلق وأبدأ الحياة مع يسوع المسيح" (عنوان كتاب قرأته ) انّه العلاج النفسي والروحي لكلّ أنسان يريد أن يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين . يخبرنا الرسول بولس عن انّ أحد ثمار الروح القدس هو السلام"وامّا ثمرة الروح فهي :المحبّة والفرح والسلام ..."(غلاطية 5:22)" .
انّ ثمار الروح القدس هي صفات الشخصيّة المسيحيّة ، فالصلاح والفرح والمحبّة وطول البال واللطف والأمانة والوداعة وضبط النفس يستمدّها المؤمن من ثباته بالمسيح  ، فالمؤمن يشعر بالسلام عندما يمتلئ بالروح القدس ، ويقول كاتب الزمور 125"المتوكّلون على الربّ هم كجبل صهيون ،لا يتزعزع بل يثبت الى الأبد" مزمور 125:1  ويقول داود النبي في مزمور 11"بالربّ أحتميتُ فكيف تقول لي اهرب الى الجبال كالعصفور؟ "الى الله ترتاح نفسي ومنه وحده رجائي"(مزمور62:6 )" .
السلام الداخلي يؤثّر في قراراتنا ، يقول الرسول بولس"وليملُك في قلوبكم سلام المسيح، فاليه دعاكم الله لتصيروا جسدا واحدا ، كونوا شاكرين"(كولوسي3:15 )" ، انّ قلوبنا(عقولنا)هي مركز الصراع لانّ هناك تتصادم مشاعرنا ورغباتنا ، مخاوفنا وامالنا ، أرتيابنا وثقتنا ،غيرتنا ومحبّتنا ، في وسط هذه الصراعات المستمرّة يجب أن نحيا كما يريد الله وليس كما يشتهي الجسد ، وانّنا يجب أن نكون"حَكما"بين هذه العوامل المتصارعة على أساس السلام ، "فما ملكوت الله طعامٌ وشراب ، بل عدلٌ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس"( رومة 14:17)   ويقول الرسول ايضا:"...والأهتمام بالجسد موت وأمّا الأهتمام بالرُّوح فحياة وسلام" (رومة8:6 )
كلّ أنسان لا يؤمن بكلام الله ومواعيده ولا يسلّم حياته ليقودها الروح القدس فهو يعيش في حالة التخبّط والتعاسة والكآبة والقلق والخوف من المستقبل ، إلا أنّ الذي يسلّم القيادة للروح القدس ويسلّم ذاته لمشيئة الله ،عندها سيحقٌق الله ما يطلبه الأنسان ولكن على طريقة مايريده الله لصالح هذا الأنسان (أُطلبوا تجدوا أقرعوا يُفتح لكم..) .
قرأت منذ عدة سنوات موضوع عن مسابقة عالمية لفنّاني الرسم  وكانت المسابقة عن أجمل لوحة فنيَة يرسمها الفنّان ليجسّد فيها معنى السلام أو ماذا يعني السلام .
وقد رسم بعظهم أجمل مناظر طبيعيّة والبعض الأخر شروق الشمس وشعائها الذهبي المنعكس من قمم الجبال ...الخ ، ولكن واحد من هؤلاء الفنّانين فقط فاز بجائزة المسابقة وكانت اللوحة عبارة عن رسم لبحر هائج حيث امواجه تتلاطم الشطئان مصاحبة لعواصف رعدية ولكن الغريب في هذه اللوحة هو وجود صخرة صغيرة  وسط هذا البحر الهائج تتلاطمه الأمواج من كل الجوانب ومع ذلك كانت هناك حمامة جالسة على عش لها على هذه الصخرة وهي غير عابئة بمايجري حولها بل كانت تنعم بسكينة وهدوء وسلام . يقول الرسول بولس عن المؤمنين :"لأنّ الروح الذّي نلتموهُ لايستعبدكم و يردُّكم الى الخوف ، بل يجعلكم أبناء الله..."(روميا 8:15 )".
فالمؤمن الحقيقي لايخاف بل يعيش في سلام لانّ الروح القدس الذي ناله في المعموديّة يحرّره من الخوف ، ويسوع الرب قال عن الروح القدس بأنّه المعزّي أي يشجعنا ويواسينا في الشدائد وهو يمنحنا القوّة لنكون شهودا للمسيح دون خوف ، والروح القدس يشفع فينا بأناة ويمنحنا الفرح والسلام والراحة والأطمئنان ، يقول الرسول بولس عن الحياة الجديدة في المسيح:"..فمن يفصلنا عن محبّة المسيح ؟ أتفصلنا الشدّة أم الضيق أم الأضطهاد أم الجوع أم العري أم الخطر أم السيف؟"(رومة 8:35 ) ، نعم المؤمن المتمسّك بالمسيح يعيش بسلام وحريّة لانّه تحررّ  من الداخل ولهذا يقول الرب يسوع المسيح:(لاتخافوا من الذي يستطيع أن يهلك الجسد بل خافوا من الذي يستطيع أن يهلك الروح والجسد) .
والى اللقاء في الجزء الخامس من "تأمّلات  في زمن الميلاد"(السلام مع الآخرين)
وللذين يريدون الأطلاع على المواضيع  السابقة نرفق أدناه  المواقع  السابقة وشكرا
 
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.ht ml
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.html
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236

79
تأملات في زمن الميلاد
 
الجزء الرابع"المسيح رئيس السلام"
 بقلم :نافع شابو البرواري
تكلّمنا في الجزء الثالث من مقالتنا عن السلام مع الله(المصالحة مع الله) ،
وقلنا أن السلام (في المفهوم المسيحي )قائم على ثلاثة أركان وهي :
أولا :السلام مع الله (بالمصالحة التي تمّت بولادة يسوع المسيح وفدائه للبشريّة)
ثانيا :السلام مع النفس(مصالحة الذات والتمتّع بالسلام الداخلي)
ثالثا :السلام مع الآخرين( او كيف نصنع السلام مع الآخرين من أخوتنا البشر؟)
واليوم سنتأمّل في السلام مع النفس (او مصالحة الذات والتمتّع بالسلام الداخلي)
قد نشكر الطبيب الذي يشفينا من مرض الى حين .
قد نشكر الأصدقاء عندما يقفون معنا في الشدائد والمحن .
قد يحمينا رجل الأمن من الذين يحاولون الأعتداء علينا .
قد يهبّ الشعب ويثورعلى أستبداد الحاكم ونتحرر من الظلم والطغيان .
قد  نحصل على حقوقنا المسلوبة في هذا العالم .
قد نتسلّق مناصب دنيويّة ونحصل على المال والشهرة .
قد ننجح في الأمتحان ونحقق أحلامنا وقد نتسلق القمم وننتشي بنشوة النصر ونقطف ثمار الجهود التي بذلناها في مسيرة حياتنا من سهر الليالي والصراع الطويل .
قد نحصل على العلوم والمعارف الأنسانية وقد نكتشف نظريات ونخترع اشياء تفيد الأنسانية جمعاء .
قد نبدو سعداء في اسرة ويكون لنا بنات وبنين .
قد قد....................................الخ  .
ولكن يبقى السؤال المطروح وهو ، هل نحن فعلا نعيش في سلامٍ مع الذات ؟
أو بعبارى أخرى هل نحن نعيش في سلام داخلي وهل هناك فرح وسعادة حقيقية في داخلنا ؟
الحقيقة هذا العالم لايستطيع أن يمحنا هذا السلام (الداخلي) لأنّ هذا العالم لايستطيع الأجابة على الحقائق التالية :
الموت والوجود والمصير ، لابل لايستطيع هذا العالم أن يمنحنا السلام والفرح الحقيقي ، السلام (الحقيقي) يبدا بداخل كل انسان (النفس) ، هو التناغم والأنسجام مع الحياة ومع النفس وهو ما يسمّى بالسلام الداخلي أي التخلص من الأضطرابات النفسية والخوف الداخلي بامتلاء الأنسان بسلام يطرّد هذه الأضطرابات والمخاوف ويحتاج الأنسان في هذه الحالة الى تحقيق الذات ، السلام هو أساس المهمّة التي سيسلّمها الرب يسوع المسيح لتلاميذه بعد القيامةّ ولكنّها تعبّر أيضا عن بركات الله وازالة الخوف الذي يسيطر على الأنسان ، والكتاب المقدّس هو الكتاب الوحيد الذي يجيب على اسئلتنا الوجودية ويجيب على سؤالنا كيف نعيش بسلام حقيقي؟ و يخبرنا يسوع المسيح  فيقول "والحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الآله الحق وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته"(يوحنا 17:3)" .
انّ هذا السلام لاياتي إلا عندما يُملئ فراغ النفس والروح شخص يسوع المسيح واهب السلام ورئيس السلام فعندما يمتلئ الأنسان بالروح القدس عندها يستطيع الأنسان أن ينقاد بقوة الروح الى كل ما هو خير وسلام  فيصبح الأنسان نفسه اسير السلام فلا يستطيع إلا أن يعيش في سلام ويصنع السلام ويعمل السلام ويدعو الى السلام ويتمتّع بالسلام ، فلا سلام إلا بمحبة النفس والآخر وقبلهُما محبّة الله والسلام والمصالحة معه لأنه هو الخالق ولن يرتاح المخلوق إلا بين راحتيه ، الكثيرون يذهبون الى الكنيسة أو يصنعون السلام خوفا من مصيرهم الأبدي أو خوفا على حياتهم او مصالحهم الأرضية وهو سلام مزيّف يعمل الأنسان فيه هذه الأعمال كفرائض وواجبات خوفا أو من أجل مصلحة شخصية وهم ليس لهم علاقة شخصية بواهب السلام يسوع المسيح ، ولكن في داخلهم يفقدون السلام ، وهنا فاقد الشيئ لايستطيع أن يعطيه. السلام(أي السلام الداخلي) هوالأ ساس لمجتمع صحي  يعيش في سلام عام . فعندما نصنع السلام(الداخلي) ونزرعه في الأنسان منذ طفولته وذلك بالتربية وزرع مفاهيم المحبّة والسلام والصدق والأمان والحق في نفسية الطفل والتلميذ والطالب من خلال البيت حيث الأم هي المدرسة الأولى والكنيسة (بالنسبة لنا كمسيحيين) وصولا الى السُلّم الأعلى في المجتمع من خلال المدرسة والجامعة والعمل ، عندها يكون المجتمع بخير وسلام ، ان البقاء في سلام هو سلاح روحي وحرب بوجه الشيطان والقوّات الشريرة هو يعني أطفاء سهام العدو
كثيرا ما نخسر  السلام بسبب الشك والقلق والخوف من عدم تحقيق مواعيد الله وأقواله ووعوده فنُصاب بالأضطرابات النفسيّة والعصبيّة والكآبة والقلق عندما نفقد ثقتنا وايماننا بيسوع المسيح القائل: ثقوا لقد غلبتُ رئيس هذا العالم .
الكثيرون يشتكون من الظلم والآلام والأحزان والمعاناة في الحياة اليوميّة ولكن ننسى غالباً انّ هذه كلّها امتحانات لنا ، بها تُطهّر نفوسنا وتؤدّي بنا الى الأتّكال والتركيزعلى الهدف الأسمى الذي هو ملكوت الله ، المؤمن الحقيقي يجب أن لا يتزحزح ايمانه بمواعيد الله ومشيئته وارادته بالرغم من كل الظروف التي تحيط به (بالمؤمن)لأن طاعة الله تؤدي الى السلام مع النفس ومع الاخرين ، قد نتخلّى عن الكثير من حقوقنا من أجل كسب السلام ، قد نهاجر من مدينة الى مدينة ومن دولة الى دولة من أجل  البقاء في سلام والمحافظة على ايماننا وامتصاص غضب الأخرين ولكّننا يجب أن لا نفقد ايماننا فالأرض واسعة ورحبة لكل المؤمنين ولا بد للمؤمن أن يصل الى ما يريده الله له ، ويسوع المسيح سبق واخبرنا أننا سوف نُضطهد من قبل الآخرين ولكن الأهم أن ّالمؤمن يعيش في سلام داخلي وهذا السلام لا يستطيع الأخرون السطو عليه أو انتزاعه أو سلبه ، لأنّه سلام الله الذي يطرد الخوف والقلق ويرفع الأنسان لكي يعلو عن المشاكل والأحداث الخارجية فيرتقي بالأنسان لكي يصبح فوق هذه الظروف، ويكون الروح القدس هو المعزّي والأخ والخليل(كما كان الرب مع ابينا ابراهيم في غربته عن اهله ووطنه وعشيرته واصدقائه فسميّ خليل الله وعاش ابينا ابراهيم في رحلة دائمية ولم يكن له وطن ثابت لأنّه كان يتطّلع الى الوطن الأبدي مع الله فكان الله معه في رحلته هذه . وكان ابراهيم يشعر بالسلام ويصنع السلام مع الأخرين ) .
قد نبني وغيرنا يهدم وقد نعطي من جهدنا وأموالنا وصحتنا من أجل بناء اجيال يستمتعون بالسلام والأمان ، ولكن غيرنا قد يصنع الموت والبغض والكراهية ، لكن من يصمد الى النهاية هو الذي يفوز لأنّ الله دائما مع صانعي الخير والسلام ، يسوع المسيح الذي يقول لنا "ان اراد احد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني" فالسلام ليس بالضرورة معناه الراحة بل استغلال الراحة لنحُصّن انفسنا من هجمات قوات الشر ، والراحة عند المؤمنين هي محطّة لأعادة النظر في حياتهم الماضيّة لتجديد الحياة الروحيّة والتحصّن بأسلحة الروح القدس لمواجهة قوات الشر في المستقبل ، لأنّ حربنا قائمة في هذا العالم ، فالشيطان عدوّه اللدودين هُم المؤمنون بالمسيح وهو يحاول أن يتسلل من خلال حالات الراحة عند المؤمنين فيوقع بهم في مصيدته . فعلى المؤمنين أن يكونوا ساهرين ويقضين ولايناموا كما ينام الأخرون والاّ سياتي الشرير في عتمة الليل ويزرع الزوان بين الحنطة ، السلام يأتي من يقين  استجابة الصلاة ، يقول كاتب المزمور"بصوتي الى الربّ أصرخ فيجيبني من جبله المقدّس .في سلام استلقي وأنام"(مزمور 3:5 )" . فاليقين والثقة من انّ الصلاة مستجابة وهي تجلب السلام لانّ الله مُهيمن على كلّ الظروف التي لانستطيع أن نغيّرها .
السلام يجلبه الروح القدس وهو سلام يتحرّك في داخل قلوبنا ويحيا ليحدّ من قوات الشر المعادية( الخطية والخوف والشك والريبة وعدم اليقين.. ..وقوى اخرى كثيرة  تحاربنا من الداخل) ويقدّم العزاء والراحة عوض الصراع  والحرب وقد وعدنا الرب يسوع المسيح ان يعطينا هذا السلام ان كنا مستعدّين لقبوله منه."سلاما أترك لكم وسلامي أعطيكُم ، لا كما يعطيه العالمُ أُعطيكم أنا ، فلا تضطربُ قلوبكم ولا تفزع"(يوحنا 14:27 )" .
انّ نتيجة عمل الروح القدس في حياتنا هي السلام العميق الدائم . وعلى عكس سلام العالم  الذي يُعرف عادة بأنّه عدم الصراع ، فأنّ هذا السلام هو ثقة أكيدة في وسط أي ظروف ، وبهذا النوع من السلام لسنا بحاجة لأن نخاف من الحاضر أو المستقبل ،لأنّ الروح القدس يملأ حياة المؤمن فيعيش في سلام ، ويوضّح لنا الرسول بولس هذا السلام بقوله"لا تقلقوا أبدا بل أطلبوا حاجتكم من الله بالصلاة والأبتهال والحمد وسلام الله الذّي يفوق كُلّ ادراك يحفظ قلوبكم وعقولكم في المسيح يسوع"( فيلبي 4:5,6 )" . نستطيع أن نختصر قول الرسول " دع القلق وأبدأ الحياة مع يسوع المسيح" (عنوان كتاب قرأته ) انّه العلاج النفسي والروحي لكلّ أنسان يريد أن يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين.
ويخبرنا الرسول بولس عن انّ أحد ثمار الروح القدس هو السلام"وامّا ثمرة الروح فهي :المحبّة والفرح والسلام ...."(غلاطية 5:22 )" .
فالروح القدس ينتج فينا سجايا أدبيّة ، لاتصرفات معيّنة ، ولغرض غرس هذه السجايا الأدبيّة فينا يجب أن تتّحد حياتنا بحياة المسيح"أنا الكرمة وأنتم الأغصان :من ثبت فيّ وأنا فيه يُثمرُ كثيرا ، امّا بدوني فلا تقدرون على شيئ"(يوحنا 15:5 )" .
انّ ثمار الروح القدس هي صفات الشخصيّة المسيحيّة ، فالصلاح والفرح والمحبّة وطول البال واللطف والأمانة والوداعة وضبط النفس يستمدّها المؤمن من ثباته بالمسيح  ، فالمؤمن يشعر بالسلام عندما يمتلئ بالروح القدس ، ويقول كاتب الزمور 125"المتوكّلون على الربّ هم كجبل صهيون ،لا يتزعزع بل يثبت الى الأبد" مزمور 125:1  ويقول داود النبي في مزمور 11"بالربّ أحتميتُ فكيف تقول لي اهرب الى الجبال كالعصفور؟" "الى الله ترتاح نفسي ومنه وحده رجائي"(مزمور62:6 )" .
السلام الداخلي يؤثّر في قراراتنا ، يقول الرسول بولس"وليملُك في قلوبكم سلام المسيح، فاليه دعاكم الله لتصيروا جسدا واحدا ، كونوا شاكرين"(كولوسي3:15 )" ، انّ قلوبنا(عقولنا)هي مركز الصراع لانّ هناك تتصادم مشاعرنا ورغباتنا ، مخاوفنا وامالنا ، أرتيابنا وثقتنا ،غيرتنا ومحبّتنا ، في وسط هذه الصراعات المستمرّة يجب أن نحيا كما يريد الله وليس كما يشتهي الجسد ، وانّنا يجب أن نكون"حَكما"بين هذه العوامل المتصارعة على أساس السلام ،
"فما ملكوت الله طعامٌ وشراب ، بل عدلٌ وسلامٌ وفرحٌ في الروح القدس"( رومة 14:17)   ويقول الرسول بولس:"...والأهتمام بالجسد موت وأمّا الأهتمام بالرُّوح فحياة وسلام" (رومة8:6 ) .
كلّ أنسان لا يؤمن بكلام الله ومواعيده ولا يسلّم حياته ليقودها الروح القدس فهو يعيش في حالة التخبّط والتعاسة والكآبة والقلق والخوف من المستقبل ، إلا أنّ الذي يسلّم القيادة للروح القدس ويسلّم ذاته لمشيئة الله ،عندها سيحقٌق الله ما يطلبه الأنسان ولكن على طريقة مايريده الله لصالح هذا الأنسان (أُطلبوا تجدوا أقرعوا يُفتح لكم..) .
قرات منذ عدة سنوات موضوع عن مسابقة عالمية لفنّاني الرسم  وكانت المسابقة عن أجمل لوحة فنيَة يرسمها الفنّان ليجسّد فيها معنى السلام أو ماذا يعني السلام .
وقد رسم بعظهم أجمل مناظر طبيعيّة والبعض الأخر شروق الشمس وشعائها الذهبي المنعكس من قمم الجبال ...الخ ، ولكن واحد من هؤلاء الفنّانين فقط فاز بجائزة المسابقة وكانت اللوحة عبارة عن رسم لبحر هائج حيث امواجه تتلاطم الشطئان مصاحبة لعواصف رعدية ولكن الغريب في هذه اللوحة هو وجود صخرة صغيرة  وسط هذا البحر الهائج تتلاطمه الأمواج من كل الجوانب ومع ذلك كانت هناك حمامة جالسة على عش لها على هذه الصخرة وهي غير عابئة بمايجري حولها بل كانت تنعم بسكينة وهدوء وسلام .
هكذا الحمامة في الكتاب المقدّس ترمز الى الروح القدس الذي نزل على شكل حمامة على الرب يسوع المسيح عند عماذه على يد يوحنا النبي ويخبرنا البشير يوحنا عن هذا التجلّي للثالوث فيقول:"رأيت الرُّوح ينزل من السماء مثل حمامة ويستقر عليه (على يسوع)"(يوحنا1:32 ) ،
ويقول الرسول بولس عن المؤمنين :"لأنّ الروح الذّي نلتموهُ لايستعبدكم و يردُّكم الى الخوف ، بل يجعلكم أبناء الله..."(روميا 8:15 )" .
فالمؤمن الحقيقي لايخاف بل يعيش في سلام لانّ الروح القدس الذي ناله في المعموديّة يحرّره من الخوف ، ويسوع الرب قال عن الروح القدس بأنّه المعزّي أي يشجعنا ويواسينا في الشدائد وهو يمنحنا القوّة لنكون شهودا للمسيح دون خوف ، والروح القدس يشفع فينا بأناة ويمنحنا الفرح والسلام والراحة والأطمئنان ، يقول الرسول بولس عن الحياة الجديدة في المسيح:"..فمن يفصلنا عن محبّة المسيح ؟ أتفصلنا الشدّة أم الضيق أم الأضطهاد أم الجوع أم العري أم الخطر أم السيف؟"(رومة 8:35 ) ، نعم المؤمن المتمسّك بالمسيح يعيش بسلام وحريّة لانّه تحررّ  من الداخل ولهذا يقول الرب يسوع المسيح:(لاتخافوا من الذي يستطيع أن يهلك الجسد بل خافوا من الذي يستطيع أن يهلك الروح والجسد) .
والى اللقاء في الجزء الخامس من "تأمّلات  في زمن الميلاد"(السلام مع الآخرين)
وللذين يريدون الأطلاع على المواضيع  السابقة نرفق أدناه  المواقع  السابقة وشكرا
 
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.ht ml
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,371174.0.html
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=35236

80

دروس وعبر من ألأحداث  الأخيرة  في  أقليم كردستان
انّ احداث زاخو ودهوك  ألأخيرة في يوم الجمعة المصادف2-12-2011 ، وغيرها من الوقائع التاريخية قبلها، تستدعي منّا  نحن ألأقليّات ، وخاصة( شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وغيره من ألفئات من الأرمن واليزيديين وغيرهم) ، الى أعادة النظر في تقييم سياستنا وعلاقتنا مع اخوتنا في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وذلك بالوقوف مع هذا الحزب للتصدي لمخططات خطيرة يتم طبخها من قبل أيادي خفية معروفة . واذا لم نعيد النظر في تقييمنا فنحن سنتحمّل جزءا كبيرأ من المسؤولية، مما سيأتي بألأسوأ في الأيام والأشهر القادمة . وفي نفس الوقت على أخوتنا الأكراد وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستاني أن يعيد النظر بسياسته السابقة ويُقيّم ما جرى من ألأحداث بحكمة وعقلاني، لينتقل الى مرحلة جديدة وشائكة ومليئة بالمخاطر لا بل قد تكون المرحلة القادمة مرحلة مصيرية لحكومة أقليم كردستان ، لأنّ ما حدث من احراق النوادي ومحلات المشروبات الروحية ، العائدة الى المسيحيين واليزيديين في زاخو،  قد يتجاوز كثيرا ما قد يتصوره الحزب بأنّه أحداث غوغائية عابرة بل قد تكون مقدمة لأحداث خطيرة قادمة لم تخطر على بال الساسة في اقليم كردستان، بسبب ما يحدث في العالم العربي والدول المحيطة بهم ، وما يخطط له ألأعداء لهدم ما تم انجازه في هذا ألأقليم الذي هو عبارة عن واحة في وسط صحراء . ومن خلال رصدنا للأحداث الداخلية في العراق عامة وأقليم كردستان خاصة وربطها بأحداث ما يسمى الربيع العربي سنصل الى نتائج بالغة الخطورة تحتاج الى جهود جبارة من قبل الخيّرين في أقليم كردستان العراق ليتم الوقوف صفا واحدا للدفاع عن ما حققه هذا ألأقليم من ألأنجازات العظيمة وبزمن قياسي يكاد يكون معجزة، أذا ما قارناه بانجازات الحكومة المركزية العارقية . ولا ننسى أنّ هذه الأنجازات تمت في أوضاع غير مريحة بسبب الأعداء من الداخل و تكالب ألدول الأقليمية ، من الخارج ، على التدخل في شؤون هذا الأقليم ومحاربة انجازاته لأنّ تلك ألأنجازات ساهمت في توعية شعوب المنطقة المحيطة باقليم كردستان العراق لكي تنقلب على حكامها وأنظمتها ألقمعية والدكتاتورية ، التي أستعبدت شعوبها لعشرات السنين . وكان اقليم كردستان ملجأ لكل المضطهدين من العراقيين خاصة والعرب عامة ولا ننسى دور حكومة ألأقليم ، وعلى رأسهم ألأستاذ مسعود البارزاني ، في ايواء ومساعدة المسيحيين النازحين والمهجّرين من مدن جنوب العراق وخاصة من محافظة نينوى الى ألأقليم ، ولا ننسى ما قدمه للمسيحيين  من المساعدات الأنسانية ، فعلينا أن لا ننكر هذا المعروف مهما كانت الخلافات بيننا وبين أخوتنا الأكراد.
ولكن رغم كُلِّ ألأنجازات التي شهدها الأقليم ، ورغم كُلِّ الأيجابيات ، ونحن ألآن لسنا في صدد تعدادها، هناك سلبيات كثيرة  أيضا رافقت مسيرة هذا ألأقليم ، وعلى مر السنين تراكمت هذه السلبيات وتحتاج اليوم الى جهود جبارة  لتلافيها وازالتها بل أستئصالها ، لأنَّ المرحلة الحالية ، وحسب رأيي الشخصي ، تحتاج الى التقييم والمراجعة ونقد الذات ، لتستطيع الحكومة الحالية القيام بواجبها تجاه شعبها بقيادة الحزبين ، وعلى راسهم ألأستاذ مسعود البارزاني ،الذي يمتلك حكمة وخبرة طويلة لا نشكُّ في قدرته ، ولكن على المسؤولين في حكومة الأقليم أن يعرفوا أنّ ما تم أنجازه عبر سنوات طويلة وبجهود وثابرة وبدماء الشهداء،  قد يزول خلال أشهر بل أيّام ، اذا لم ينتبهوا المسؤولين من القادة (سواء من الحزب الحاكم أو المعارضة) على المخاطر المحدقة بهذا ألأقليم النابض بالحياة ، سواء كانت هذه المخاطر من الخارج أو من الداخل.
وعلى الشعب بجميع أطيافه أن يقف صفا واحدا مع الخيرين ، ضد قوى الظلام ، وكُل محاولات ألأعداء لهدم هذا الصرح الشامخ  الذي شيده هذا الشعب بدمه . ولكي يقوم المسؤولين بخطوات الى الأمام للقيام بهذا الدور الخطير لابد أن يراجعوا ويقيّموا السلبيات التي أدت بهذا الأقليم للوصول الى ماوصل اليه ألآن ، وبصورة عامة يمكن تلخيص أهم هذه السلبيات كما يلي:
1-انَّ سياسة الحزبين ، الديمقراطي الكردستاني والأتحاد الوطني ، بسماحهما للأفكار المتطرفة في داخل الأقليم بالتنامي بحجة كون الأقليم واحة للديقراطية والحرية ، خلق أجواء وبيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة وخاصة الأحزاب ألأسلامية ألأصولية الراديكالية . فهذه ألأحزاب تستغل الطبقات الفقيرة والمهمشة والمتخلِّفة ثقافيا وعلميا ، لنشر فكرها الظلامي كما حدث ويحدث في الدول العربية والأسلامية ، فكان على السياسيين ، من أخوتنا ألأكراد ، سد هذه الثغرة التي سمحت للأصولية الأسلامية باستقطاب الشعب الكردي في ألأقليم ، وكان على حكومة ألأقليم بناء مشاريع صناعية وزراعية وترفيهية ورياضية ، لأستيعاب العاطلين عن العمل في ألأقليم وأعطاء دور لهؤلاء الشباب في المشاركة في الأحزاب والمنظمات الشعبية ، لأنّهم هم سيقودون الحكومة مستقبلا ، وهم الطاقة الخلاقة والأبداعية في المجتمع ،  هذا بالأضافة الى ذلك  علينا أن لا ننسى كون الأقليم محاطا بطوق من الدول العربية والأسلامية ينتشر فيها الفكرالظلامي الذي يستقطب قسم من الشباب الذين يتم غسل عقولهم وتدجينهم والأغرار بهم بسهولة ، من قبل بعض شيوخ وأئمة المساجد والحركات والأحزاب الأسلامية المتطرفة .
2-الخطأ الآخر الذي وقع فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني ، هو عدم  الحفاظ على التوازن في بناء البنية التحتية للمشاريع ألأعمارية في الأقليم مع البنية التحتيه لبناء ألأنسان ، وهذا من أخطر الأسباب الذي أدّى و يؤدي الى عدم الأستقرار في الأقليم خاصة وفي العراق عامة ، بسبب الهوّة العميقة بين عقلية وثقافة الشعب الكردي الحالي وبين الطموحات  السياسية للساسة في أقليم كردستان . فالديمقراطية والحرية والمساواة لايمكن استيعابها أو تطبيقها في مجتمع غير مأهل فكريا وحضاريا وثقافيا لهذه المبادئ ، وكان على الساسة  والمسؤولين في أقليم كردستان أن يعيدوا النظر، وبصورة شاملة ، على المناهج الدراسية والوسائل التعليمية والتثقيفية لكي يهيئوا ألأجواء  للتأهيل الفكري والثقافي وألأجتماعي للأجيال القادمة ، وذلك بالتركيز على السلام والتعايش والمحبة والمساواة بين المواطنين مهما اختلفوا في العرق أو الدين، وقبول الآخر والتركيز على مفهوم الحرية والديمقراطية  لتوالم الشعب الكردي وليس في استنساخ ونقل هذا المفهوم من الخارج وتطبيقه في الداخل دون مراعات ثقافة الشعب الكردي وتراثه وتاريخه الماضي والحاضر ، والأستفادة من الدروس والعبر التي عاشها العراق منذ سقوط النظام سنة2003 ، لكي يكون أساس البناء قويا لا تهزه العواصف.
3-تهميش دور الأقليات ، بقصد أو بغير قصد ،  في المشاركة في رسم سياسة الأقليم  وكان آخرها عدم تخصيص مقاعد برلمانية للأقليات وخاصة للمسيحيين  في مركز المحافظات والنواحي لأقليم كردستان ، والتركيز على القومية الكردية بصورة  قد تكون مبالغ  فيها دون الأعتراف بدور المسيحيين عبر التاريخ وحضارتهم المتجذّرة في القدم ، وكذلك غض النضر عن الأراضي والقرى المسيحية التي استولى عليها بعض من اخوتنا ألأكراد ، والتغيير الديموغرافي للمنطقة ، مما جعل الكثيرين من المسيحيين والأقليات الأخرى يشعرون بخيبة أملهم نتيجة هذه الممارسات , علما أنَّ المسيحيين ، كانوا ولا يزالوا العصب الحيوي في بناء المجتمعات قديما وحديثا ، وهذا ما يشهد له التاريخ العربي والأسلامي ، وكان لهذا التهميش للمسيحيين ، دور كبير لأعطاء أ شارة خضراء لبعض ألأحزاب الأسلامية المتطرفة ، لأضطهاد ألأقليات وترهيبهم .
أن ألأحداث التي وقعت في زاخو ودهوك وزاويتة وغيرها في اقليم كردستان هي ناقوس خطر على ألأقليم كُله ، بأكراده واقلياته ، وهذا ما كنّا نتوقّعه نتيجة ما جاء أعلاه وبسبب المد للحركات الأسلامية الراديكالية في الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة ، فكان من مصلحة السياسيين في الحزبين الرئيسيين في أقليم كردستان ، وخاصة حزب الديمقراطي الكردستاني ، أن يلتزما بالأقليات لتكوين جبهة سياسية  قوية لمواجهة التيارات الأسلامية المتشدّدة في البرلمان والحكومة. وكان على السياسيين تعلم الدروس والعبر من التهميش والأضطهاد الذي تعرض له الأكراد عبر عشرات السنين من قبل الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة في العراق خاصة وبقية الدول المجاورة عامة ، لكي لا يكرروا نفس الأخطاء التي وقعت فيها تلك الحكومات المتعاقبة بشأن تهميش دور الأقليّات ومنهم أخوتنا ألأكراد .
 4-انَّ عدم الأسراع في حل ملف القرى والأراضي وأملاك المسيحيين التي تم ألأستيلاء عليها أو مصادرتها من قبل أخواننا الأكراد بعلم الحزب الديمقراطي الكردستاني ، فسح المجال للكثيرين من أخوتنا الأكراد بالتشبث بهذه القرى والأراضي وأعتبارها مُلكا لهم ، وهذا التأخير في ارجاع حقوق المسيحيين ، قد فتح الشهية للأخرين في الطمع بما تبقى من قرى وأراضي وأملاك المسيحيين الباقية ، والأحداث الأخيرة  احدى أهدافها الرئيسية هي محاولات المعتدين  لترهيب المسيحيين خاصة وتخويفهم ليهاجروا ويتركوا أرضهم وممتلكاتهم ليستولوا على ما تبقى منها كما حدث سابقا.
5- ان استبعاد وجود ممثلين لشعبنا (الكلداني السرياني الآشوري ، والأرمني) في برلمان أقليم كردستان  ومحاولات حكومة الأقليم تكريد شعبنا ، هذا قد ساهم و يساهم في  التشهير بسمعة الأقليم في المحافل الدولية وخاصة في الأمم المتحدة وحقوق الأنسان ، اضافة الى ذلك ، قد يخسر الحزب الديمقراطي الكردستاني مزيدا من المقاعد البرلمانية لحساب المعارضة ، خاصة لأحزاب اسلامية راديكالية . وكان على الحزب الديمقراطي الكردستاني أن لاينسى دور ألأقليات  في المساهمة في ثورة أخوتهم ألأكراد منذ 1961 ووقوفهم مع هذه الثورة واختلاط دم شهداء أخوتنا ألأكراد مع دم شهداء أخوتهم من ألأقليات الأخرى، وخاصة شعبنا المسيحي، بالأضافة الى ذلك  فأن المسيحيين وعبر التاريخ هم شعوب مسالمة أمينة وحريصة على التعايش السلمي مع أخوتهم الأكراد ، ولهم حضارة متجذِّرة في هذه الأرض والتاريخ يشهد على ذلك ، وأثّروا وتأثّروا في ثقافة الشعب الكردي وساهموا في تطوير وبناء أقليم كردستان ، فكان على حكومة ألأقليم مشاركة المسيحيين في كافة مجالات الحياة السياسية وألأجتماعية والثقافية والتعليمية ، وجذب المهاجرين من المسيحيين ليساهموا بأموالهم وأفكارهم وخبراتهم لبناء أقليم كردستان بناءا عصريا وحضاريا لخدمة الجميع.
6-انتشار ظاهرة المحسوبية والعشائرية والفساد المالي والأداري في بعض مناطق أقليم كردستان العراق هي مشكلة تاريخية لم تستطع حكومة الأقليم القضاء عليها بالرغم من القوانين التشريعية التي تؤكد المساواة بين أفراد الشعب الواحد ، وهذا ما خلق طبقات عديدة في المجتمع الواحد ، مما أدى الى وجود طبقة تتحكّم في اقتصاد وسياسة ألأقليم على حساب الغالبية من الشعب الذي يعيش في أوضاع صعبة  بسبب سيطرة الطبقة الغنية على جميع المرافق ألأقتصادية والسياسية  والأجتماعية ، مما خلق هوّة سحيقة بين غالبية الشعب والحكومة الحالية بقيادة الحزبين  الديمقراطي الكردستاني وألأتحاد الوطني ، هذا بالأضافة الى فقدان الثقة بالحكومة الحالية بسبب عدم تنفيذ وعود قطعتها على نفسها ، ولم تقم بتنفيذها لصالح الشعب الكردي ولا لشعوب الأقليّأت، وخاصة أذا عرفنا أنّ الأقليات استبعدت من القرارات السياسية والأقتصادية وهُمّّش دورها في التخطيط العمراني والبنى التحتية، لا بل حُرمت هذه الأقليات ، وخاصة في سهل نينوى ، من مشاريع انمائية لتشغيل ألأيدي العاملة والموظفين ، مماأضطرّت نسبة عالية من هذه الأقليات الى مغادرة الوطن .
7-انفراد السلطة الحالية بالحكم ولمدة طويلة وعدم التداول السلمي للسلطة ، مما أثقل كاهل مؤسسات الدولة وفقدان حيويّتها ونشاطها وتجددها ، وفرض نوع من الدكتاتورية القمعية وجمود في الفكر والأبداع في جميع مرافق الحياة ، فاصبح المجتمع في أقليم كردستان يجتر نفس القوانين والأنظمة السابقة. وكان ، حسب رايي الشخصي ، على أخوتنا ألأكراد الذين ساهموا في الثورة  الكردية منذ خريف 1961 ، في تهيئة كوادر ذي خبرة في حكومة ألأقليم وبقاء الثوّار (المحاربين القدماء) كرموز للثورة ومفخرة للأجيال القادمة وعلى رأسهم ألأستاذ مسعود البارزاني وألأستاذ جلال الطالباني ، لأنّ المقاتلين كما يخبرنا التاريخ وتجارب الشعوب لايتقنون أختصاصات أخرى، وكان على أخوتنا ألأكراد تكريم هذين الرمزين كرؤساء فخريين طوال حياتهم ، وخير نموذج هو نلسون مانديلا زعيم جنوب أفريقيا عندما تخلى عن السلطة ، ولكنه بقي رمزا للثوار ليس لشعب  أفريقيا الجنوبية بل لكل العالم .
  بالأضافة الى كل ما ذكرناه فانَّ المجتمع في اقليم كردستان أصبح مجتمع استهلاكي أكثر مما هو مجتمع يساهم في بناء العقول  وتشجيع المهارات الفردية وألأبداعات والبحوث العلمية والثقافية والتربوية ، وكذلك عدم تشجيع القطاع الزراعي ودعمه ليكون دعامة قوية للأكتفاء الذاتي مما جعل الكثيرين من المزارعين يتركون قراهم وأرضهم الزراعية ويلجأوون الى المدن بسبب وجود فرص للعمل في هذه المدن . كلِّ هذا  بسبب الأعتماد الكلي على موارد النفط ، هكذا تتكرر ألأخطاء في أقليم كردستان كما هي في حكومة المركز .
بقلم
نافع البرواري

81
تأمّلات في زمن الميلاد"الجزء الثاني"
"يسوع المسيح نور العالم"
بقلم نافع البرواري
نواصل تامّلنا في هذه الأيام المباركة حيث ننتظر فيها ولادة المسيح في قلوبنا من جديد ليجدد حياتنا  وينوّر عقولنا لمعرفة سر التجسّد الإلهي الذي لا تدركه العقول
البشرية حيث المستحيل عند الأنسان هو مستطاع عند الله.
وسنستمر في التأمل بلقب المسيح "نور العالم" الذي ينّور حياة كل من يقبله في حياته
فيسير في طريق الحق والحياة ويعيش حياته في فرح وسعادة مهما كانت الظروف الخارجية.
في سفر الخروج(13:20 ) ، أعطى الله العبرانيين عمود سحاب (في النهار) ونار (في الليل) ليعلموا أنّ الله معهم نهارا وليلاً في رحلتهم في البرية وهو رمز لتجسد الأبن في ملئ الزمان ليعيش معنا وفينا في العهد الجديد لينوّر حياتنا من الظلام الذي كنا نعيش فيه قبل ان نعرفه ونقبله كونه نور الحياة  التي توصلنا الى الحياة الأبدية "فيه كانت الحياة ، وحياته كانت نور الناس"(يوحنا 1:4) " والحياة الأبديية هي أن يعرفوك انت الاله الحق وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17:3)،
كانت خطة الله أن تصير اسرائيل نورا للأمم (اشعيا 49 :6 ) ، "جعلتك نورا للأمم لتحمل الخلاص الى أقاصي الأرض (أعمال 13:47 ) ، ومن أسرائيل جاء الرب يسوع المسيح نورا للأمم (لوقا 2:32 ) ، وهذا النور ينتشر وينير لكل الأمم .
ويقول النبي اشعيا" الشعب السالك في الظلام راى  نورا ساطعا والجالسون في أرض الموت وظلاله اشرق عليهم النّور (اشعيا 9:1 ) ، نعم في زمن الظلمة الحالكة وعد الله بارسال نور يشرق على كل انسان جالس في ظل الموت ، ويقول الله على لسان النبي هوشع(لنعرف الرب كلّ المعرفة ونتبعه فيكون ضيائه ورجوعه الينا كمطر ربيعي يروي الأرض"(هوشع6:3 ) .
يطرح الكثيرون هذه الأسئلة:
الا يوجد غير المسيح عبر التاريخ مثل أشخاص كانوا ينوّرون الناس الى الحقيقة والحياة والسلوك الأخلاقي وساهموا في صنع الحضارات الأنسانية؟
الم يظهر محررّون ساهموا في تحرير الأنسان من الطغيان والعبودية ؟
الم يظهر ملوك او مُشرّعين شرّعوا للناس قوانين وشرائع رائعة خدمة للأنسانية؟
الم يقدّم العلماء والباحثين والمخترعين خدمات جليلة للأنسانية في الطب والعلوم والتكنولوجية والخدمات الصحيّة واكتشافات علمية غيرت وجه العالم ولا زال العالم
يكتشف في كل يوم لا بل في كل ساعة ما يخدم الأنسانية منذ عصر التنوير؟
الم يصل الأنسان الى عصر الفضاء والأنترنت حتّى أصبح مثل قرية صغيرة؟
ويقولوا اصحاب هذه الأفكار وما أكثرهم أن المسيح يعتبر واحد  من هؤلاء الأشخاص المصلحين أو المنّورين أو واضعي الشرائع أو من الأنبياء الذين دعوا الى التوبة والرجوع الى الله مثل ( النبي اشعيا وايليا ويوحنا المعمذان ...الخ)
الحقيقة كل هذه الأسئلة وغيرها كثيرة  مطروحة هذه الأيّام وعلينا نحن المؤمنين أن نعترف بها وأن نجيب عليها لا بل علينا نحن كلنا المساهمة في الخدمات الأنسانية لأن الرب يسوع جاء ليس بالأقوال فقط بل بالأعمال "فكان يجول ويصنع خيرا"
ولكن المشكلة في المعارف الأنسانية والعلوم والأكتشافات والقوانين الوضعية هي لخدمة الأنسان من الناحية الجسدية والزمنية ولا ترتقي الى مستوى الحياة ما بعد الحياة اي لا تشبع ولا تجيب على جوعنا الأبدي ولا الى عطشنا الروحي الذي لا يمكن ان يشبعه إلا مصدر هذا الروح ومصدر حياتنا ونستطيع أن نمثلّه بالشمس والنباتات، فالنباتات(لابل كل الكائناة الحيّة )لا تستطيع الحياة دون نور الشمس الذي يعطي الحياة لكل الكائنات الحيّة.
هكذا ابائنا في الأيمان كانوا يشبّهون الله (ولو مجازي)( الآب) بقرص الشمس والنور المنبثق من الشمس(الأبن) وا لحرارة المنبعثة من هذا النور(الروح القدس) ولكن المصدر واحد أي الشمس والنور المنبعث من الشمس والحرارة المنبعثة من النور هي من مصدر واحد نسمّيها الشمس ، هكذا الله واحد مصدر الحياة ويسوع الأبن هو نور العالم"انانور العالم ومن يتبعني لا يتخبط في الظلام ".
هنا النور ايضا يهب الحياة "الأب يحب الأبن فجعل كلّ شيئ في يده ، من يؤمن بالأبن  ، فله الحياة الأبدية .ومن لا يؤمن بالأبن فلا يرى الحياة ، بل يحلّ عليه غضب الله"( يوحنا 3:35 ) ، هذه الآيات الواضحة والساطعة كالشمس تخبرنا حقيقة الرب يسوع المسيح انه مصدر النور(الحق) وهو مصدر الحياة  فكيف يكون نور الأنسان اذا لم يستمد نوره من المسيح؟ وكيف تكون حياة الأنسان دون مصدر الحياة ونورها يسوع المسيح؟ ولكن عندما يرفض الأنسان أن يمتلئ  من هذا النور فلا يعكس هذا الشخص النور الى العالم ، فلا الحياة بدون نور ولا رماد بدون نار .
امّا مايميّز المؤمنين بيسوع المسيح عن غير المؤمنين بهِ هي انّ المؤمنين  قد حصلوا منذ الآن على الحياة الأبدية وامتلكوا حياة الله فلا تنطفئ شعلة أو نور حياتهم ، لأنهم خرجوا من الظلام(اي الخطيئة بالنعمة المجانية نعمة الخلاص وانتقلوا من الموت الى الحياة الأبديّة) وانتصروا على الموت(بقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات وهو الذي يقول لنا "أنا القيامة والحياة من امنا بي يحيا وان مات ) " ، يوحنا11:25 وانتصروا على الشيطان (رئيس قوات الظلام) لانّهم اصطفّوا مع الرب يسوع المسيح الذي انتصر على الشيطان والقوات الشريرة كما يخبرنا بذلك سفر
الرؤيا(رؤيا15:2 ) . فعندما نتبع يسوع المسيح "النور " يمكننا تجنب السير كالعميان والسقوط في الخطيئة" أنا نور العالم من يتبعني فلا يتخبط في الظلام بل يكون له نور الحياة"(يوحنا 8:12 ) .
كان الأعمى في انجيل لوقا يصرخ ويستنجد بالمسيح  في زحمة الناس وكان ينادي قائلا "يا أبن داود ارحمني"(لوقا 18:39) ،
فقال له يسوع" ماذا تريد أن أعمل لك؟"
فقال له ( الأعمى)"أن أبصر ياسيّد"(18:41 ) .
فقال له يسوع " ابصر ايمانك شفاك"18:42 "
وفي الحال ابصر وتبع الرب يسوع المسيح.
اليوم أيضا المسيح يسأل كل انسان( بغض النظر عن دينه ومعتقده ) أن ياتي اليه ويطلب منه أن ينّوربصيرته وعقله ويفتح ذهنه لكي يعرف حقيقة المسيح وعندها سوف يتمتع بالفرح والسعادة والبهجة ويعيش في سلام مع الله ومع نفسه ومع الآخرين ، وسوف يرى الأمور بنظرة جديدة وحياة جديدة  كالأعمى في أنجيل لوقا  فلم تثنيه سخرية الأخرين به عندما رفع صوته مستنجدا بالرب يسوع المسيح ولم يساوره اليأس بل طلب من الرب أن يفتح عينيه .
أنّ كلمة الله تنوّر طريقنا تجعلنا حكماء ,أحكم من أعدائنا  ,فالحكمة الحقيقية ليست تكديس المعرفة  بل تطبيق المعرفة بطريقة تغيّر الحياة, الحكمة تأتي من السماح لما تعلّمه كلمة الله أن يحدث  تغييرا في حياتنا"سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي   "مزمور 119:105 " ، عندما نسافر الى بلاد مجهولة نحتاج الى خريطة ودليل ( مرشد)وعندما نسير في غابة مظلمة في الليل نحتاج الى نور لكي نتجنّب التعثّر بجذور وجذوع الأشجار الكثيفة وحتى لانقع في الحفر ، هكذا في هذه الحياة نحتاج الى يسوع المسيح ليكون خارطة الطريق لنا ويكون هو نفسه مرشدنا ودليلنا لسلوك الطريق المنير والذي يوصلنا الى الحق والحياة ، لقد  أَعلن لنا نور حق المسيح ، فهو ليس محجوبا , ولكننا قد نكون غير قادرين رؤية كل ذلك الحق أو استخدامه الآن ، فالحق واضح ولكن قدرتنا على أدراكه قاصرة ، وكلمّا أطعنا نور الحق يسوع المسيح كلّما تقوّت رؤيتنا ويزداد فهمنا ، وكلامه هو نور لنا في هذه الحياة لنسير وسط غابة مظلمة من الشر في عالم قد حوّل ظهره لله ، فهو يكشف الجذور التي نتعثّر فيها  من القيم الباطلة والفلسفات الكاذبة فما علينا إلا دراسة كلمة الله لنستطيع في هذه الحياة أن نشق طريقنا لنتمّسك بالمسار الصحيح وغالبا ما تقارن كلمة الله الصلاح بالنور، والشر بالظلمة فنور يسوع المسيح الباهر  يهزم الخوف  ويحررنا  وياتي  لنا بالخلاص، هذا ما أختبره داود النبي اذ يقول : "الربُّ نوري وخلاصي فممّن أخاف؟"(مزمور27:1 ) .
اما الأنسان الغير المؤمن بيسوع المسيح فهو مثل الذي يحاول بجهده الذاتي
الخروج من النفق المظلم دون جدوى . وقد نرى علماء ومخترعين ومصلحين وحتى الأنبياء عندما يبتعدوا عن نور المسيح فانهم يسيرون في ظلمة تقودهم الى الهلاك
فاصحاب العلوم والمعارف والمتنوّرين هم مثل الشمعة الموقدة ولكن سرعان ما تنطفئ عندما ينتهي زيتها ((راجع مثل العذارة الخمسة الجاهلات"متى25 )) ،
أمّا المؤمنون فهم كلّما اقتربوا من مصدر الحياة"نور العالم "يسوع المسيح  كلّما أشرق وسطع عليهم نوره الذي يزيل كل ظلام حياتهم ويتزوّدون بهذا النور لكي
يعرفوا كيف يسلكوا الطريق المؤدي الى الحق والحياة، وكذلك هم انفسهم يصبحون
نور العالم كمايقول الرب "لأنكم جميعا أبناء النور,وأبناء النهار فما نحن من الليل ولا من الظلام.فلا ننم كسائر الناس ,بل علينا أن نسهر ونصحوا .فانما في الليل ينام النائمون وفي الليل يسكر السكارى.أما نحن  أبناء النهار فلنكن صاحين ,لابسين درع الأيمان والمحبّة والخلاص"(1تسالونيكي 5:من5-"راجع أيضا متى 25 مثل العذارى الخمسة العاقلات" ،
فكل العالم والناس محتاجون الى نور الحكمة( الروح القدس) والتي لايحصلون عليها إلا من الرب  يسوع المسيح وبدون الحكمة قد يهلك الأنسان نفسه ويهلك الآخرين وهذا ما نشهده في عالم اليوم فعلى الرغم من التقدم العلمي والتكنولوجي والصحي  لكنّ العالم يتخبط في الشر والحروب والمآسي الأنسانية نتيجة الأبتعاد عن كلمة الله ونور العالم الذي ينوّر حياة الأنسان بشخص يسوع المسيح . ولكن ويا للأسف هناك الملايين الذين يرفضون هذا النور كما رفضه اليهود وصلبوه ، فاختاروا السير في الظلام لأنهم كانوا عميان روحيّا وقصيري البصر ولم يعرفوا حقيقة الرب يسوع المسيح نور العالم والذي تنبأ عنه الأنبياء في العهد القديم "بذلك ينبثق كالصُّبح نورك وتزهر عافيتك سريعا"(اشعيا 58:8 ) .
يقول الرب يسوع المسيح "سيبقى النور معكم وقتا قليلا ،فامشوا ما دام لكم النور ، لئلا يباغتكم الظلام . والذي يمشي في الظلام لايعرف أين يتجه آمنوا بالنور مادام لكم النور، فتكونوا أبناء النور"(يوحنا12:35 ) ، ونحن كمسيحيين علينا أن نحمل نور المسيح(لأننا أبناء النور) حتى يشرق نوره في حياتنا ونعكس هذا النور للآخرين فيتلألأ كأنوار مبهرة ، مظهرين للآخرين من هو يسوع المسيح. فربما غير المؤمنين لا يقدرون على احتمال الحد الكامل المبهر لنورالمسيح مباشرة .

ا نّ بولس الرسول لم يعتمد على ذكائه أو علمه الواسع أو مقدرته على الكلام الفصيح  (مع انّه درس على يدغملائيل معلّم الشريعة اليهودية في زمانه) بل أعتمد على الروح القدس الذي فتح بصيرته فعرف من هو الرب يسوع المسيح ، كان بولس الرسول قبل ذلك يدعى (شاؤل )وكان يظطهد المسيحيين ولكن شاول تغيّر وأصبح انسانا آخر عندما التقى بالمسيح " وبينما أنا أقترب من دمشق سطع فجأة حولي عند الظهر نور باهر من السماء فوقعت الى الأرض وسمعت صوتا يقول لي :  شاؤل شاؤل لماذا تظطهدني)(أعمال 22 : 6 ) .
نعم بولس (المدعو شاؤل سابقا) أصبح رسول ليفتح عيون الأمم ولكن يسوع المسيح هو مصدر هذا النور .  نور المسيح  يفتح عيوننا لكي نبصر ويدخل في أعماق كياننا ليكشف الظلام الذي يمنعنا من محبة الله ومحبة اخوتنا ومحبة الحياة والتمتع بصحبة خالق حياتنا ونور الحياة ربنا يسوع المسيح.
يسوع المسيح سحق الموت وانار الحياة والخلود بالأنجيل كلمة الحياة "مسكنه نور لايقترب منه ... "تيموثاوس(6:16 ) " .
الرب يسوع المسيح يخبرنا أن سر الكشف الألهي لا يعطى فقط للعلماء او المتبحرين في العلوم بل هذا السر يعطى للمتواضعين والمنسحقي القلب والدليل ان تلاميذه كانوا من الطبقات الدينيا والحرفيين والصيادين ولم يكونوا علماء في الشريعة اليهودية .
"انتم أعطيتم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات وأما هم فما أعطوا"(متى 13:11 )
وقال الرب لبطرس الرسول:
"هنيئا لك ياسمعان بن يونا ما كشف لك هذه الحقيقة احد من البشر ، بل أبي الذي في السماوات"(متى 16:17) نعم انه سرعظيم لايستطيع اي انسان"من لحم ودم " ان يدركه الاّ بالروح والحق هذا ما قاله الرب لتلميذه بطرس الرسول ، فالكشف عن السر هو"التنوير" متاح لكل انسان بغض النظر عن علمه أومنصبه أو مركزه
هذا السر كشفه لنا يسوع المسيح "عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد..
نعم هو سرعظيم لايدركه الأنسان عندما يتواضع الله ويتجسد الكلمة ويولد من امراة بتولة طاهرة ليصبح الله معنا ينوّر عقولنا ويكشف ما هو الحق من الباطل  ويشعل في قلوب الذين احبوّه نار الروح القدس الذي يرشدهم الى الحق ويميّزوا الأرواح فيما اذا هي من الله أم من القوات الشريرة لاتقترنوا بغير المؤمنين في نير واحد أيّ صلة بين الخير والشر ؟ وأيّ علاقة للنور بالظلام؟"(2كورنثوس 6 : 14 ) "
"لاتخافوهم . فما من مستور الآ سينكشف ولا من خفي الا ّسيظهر وما اقوله لكم في الظلام قولوه في النور وما تسمعنوه همسا نادوا به على السطوح "(متى 10 :26 )
وعن علاقة النور بالمحبّة يقول البشير يوحنا :
"من أدّعى  أنّه يحيا في النور ولكنّه يبغض أحد اخوته فهو مازال حتّى الأن في الظلام ، فالذّي يحبّ اخوته ,هو الذّي يحيا في النّور فعلا ولا شئ يسقطه أمّا الذي يبغض اخوته فهو تائه في الظلام يتلمّس طريقه ولا يعرف أين يتّجه لأنّ الظلام قد
أعمى عينيه"( يوحنا 2:10 ) ، واخيرا يقول يوحنا الرائي في سفر(21:22 الرؤيا  )
"وما رأيت هيكلا في المدينة ، لأنّ الرب الآله  القدير والحمل هما هيكلها . والمدينة لا تحتاج الى نور الشمس والقمر ، لأ نّ مجد الله ينيرها  والحمل هو مصباحها ,ستمشي الأمم في نورها ويحمل ملوك الأرض مجدهم اليها ، لا تغلق أبوابها طوال اليوم لأنّه لا ليل فيها " ويسوع المسيح هو كوكب الصبح المنير ونور ا لخلاص للجميع الذي ظهر ليوحنا الرائي في سفر الرؤيا وهوكخالق للجميع موجود وكائن قبل انشاء الكون وهو البداية والنهاية وهو الألف والياء وهو حجر الزاوية وهو خبز الحياة وحمل الله الحامل خطايا العالم وهو ملك الملوك ورب الأرباب وبكر الخليقة  الجديدة  الأتي في نهاية العالم  ليدين الأحياء والأموات "رؤيا 22:  16  "
والى اللقاء الجزء الثالث (تاملات في زمن الميلاد) .

82

دروس وعبر من ألأحداث  الأخيرة  في  أقليم كردستان
انّ احداث زاخو ودهوك  ألأخيرة في يوم الجمعة المصادف2-12-2011 ، وغيرها من الوقائع التاريخية قبلها، تستدعي منّا  نحن ألأقليّات ، وخاصة( شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وغيره من ألفئات من الأرمن واليزيديين وغيرهم) ، الى أعادة النظر في تقييم سياستنا وعلاقتنا مع اخوتنا في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، وذلك بالوقوف مع هذا الحزب للتصدي لمخططات خطيرة يتم طبخها من قبل أيادي خفية معروفة . واذا لم نعيد النظر في تقييمنا فنحن سنتحمّل جزءا كبيرأ من المسؤولية، مما سيأتي بألأسوأ في الأيام والأشهر القادمة . وفي نفس الوقت على أخوتنا الأكراد وعلى رأسهم الحزب الديمقراطي الكردستاني أن يعيد النظر بسياسته السابقة ويُقيّم ما جرى من ألأحداث بحكمة وعقلاني، لينتقل الى مرحلة جديدة وشائكة ومليئة بالمخاطر لا بل قد تكون المرحلة القادمة مرحلة مصيرية لحكومة أقليم كردستان ، لأنّ ما حدث من احراق النوادي ومحلات المشروبات الروحية ، العائدة الى المسيحيين واليزيديين في زاخو،  قد يتجاوز كثيرا ما قد يتصوره الحزب بأنّه أحداث غوغائية عابرة بل قد تكون مقدمة لأحداث خطيرة قادمة لم تخطر على بال الساسة في اقليم كردستان، بسبب ما يحدث في العالم العربي والدول المحيطة بهم ، وما يخطط له ألأعداء لهدم ما تم انجازه في هذا ألأقليم الذي هو عبارة عن واحة في وسط صحراء . ومن خلال رصدنا للأحداث الداخلية في العراق عامة وأقليم كردستان خاصة وربطها بأحداث ما يسمى الربيع العربي سنصل الى نتائج بالغة الخطورة تحتاج الى جهود جبارة من قبل الخيّرين في أقليم كردستان العراق ليتم الوقوف صفا واحدا للدفاع عن ما حققه هذا ألأقليم من ألأنجازات العظيمة وبزمن قياسي يكاد يكون معجزة، أذا ما قارناه بانجازات الحكومة المركزية العارقية . ولا ننسى أنّ هذه الأنجازات تمت في أوضاع غير مريحة بسبب الأعداء من الداخل و تكالب ألدول الأقليمية ، من الخارج ، على التدخل في شؤون هذا الأقليم ومحاربة انجازاته لأنّ تلك ألأنجازات ساهمت في توعية شعوب المنطقة المحيطة باقليم كردستان العراق لكي تنقلب على حكامها وأنظمتها ألقمعية والدكتاتورية ، التي أستعبدت شعوبها لعشرات السنين . وكان اقليم كردستان ملجأ لكل المضطهدين من العراقيين خاصة والعرب عامة ولا ننسى دور حكومة ألأقليم ، وعلى رأسهم ألأستاذ مسعود البارزاني ، في ايواء ومساعدة المسيحيين النازحين والمهجّرين من مدن جنوب العراق وخاصة من محافظة نينوى الى ألأقليم ، ولا ننسى ما قدمه للمسيحيين  من المساعدات الأنسانية ، فعلينا أن لا ننكر هذا المعروف مهما كانت الخلافات بيننا وبين أخوتنا الأكراد.
ولكن رغم كُلِّ ألأنجازات التي شهدها الأقليم ، ورغم كُلِّ الأيجابيات ، ونحن ألآن لسنا في صدد تعدادها، هناك سلبيات كثيرة  أيضا رافقت مسيرة هذا ألأقليم ، وعلى مر السنين تراكمت هذه السلبيات وتحتاج اليوم الى جهود جبارة  لتلافيها وازالتها بل أستئصالها ، لأنَّ المرحلة الحالية ، وحسب رأيي الشخصي ، تحتاج الى التقييم والمراجعة ونقد الذات ، لتستطيع الحكومة الحالية القيام بواجبها تجاه شعبها بقيادة الحزبين ، وعلى راسهم ألأستاذ مسعود البارزاني ،الذي يمتلك حكمة وخبرة طويلة لا نشكُّ في قدرته ، ولكن على المسؤولين في حكومة الأقليم أن يعرفوا أنّ ما تم أنجازه عبر سنوات طويلة وبجهود وثابرة وبدماء الشهداء،  قد يزول خلال أشهر بل أيّام ، اذا لم ينتبهوا المسؤولين من القادة (سواء من الحزب الحاكم أو المعارضة) على المخاطر المحدقة بهذا ألأقليم النابض بالحياة ، سواء كانت هذه المخاطر من الخارج أو من الداخل.
وعلى الشعب بجميع أطيافه أن يقف صفا واحدا مع الخيرين ، ضد قوى الظلام ، وكُل محاولات ألأعداء لهدم هذا الصرح الشامخ  الذي شيده هذا الشعب بدمه . ولكي يقوم المسؤولين بخطوات الى الأمام للقيام بهذا الدور الخطير لابد أن يراجعوا ويقيّموا السلبيات التي أدت بهذا الأقليم للوصول الى ماوصل اليه ألآن ، وبصورة عامة يمكن تلخيص أهم هذه السلبيات كما يلي:
1-انَّ سياسة الحزبين ، الديمقراطي الكردستاني والأتحاد الوطني ، بسماحهما للأفكار المتطرفة في داخل الأقليم بالتنامي بحجة كون الأقليم واحة للديقراطية والحرية ، خلق أجواء وبيئة خصبة لنمو الأفكار المتطرفة وخاصة الأحزاب ألأسلامية ألأصولية الراديكالية . فهذه ألأحزاب تستغل الطبقات الفقيرة والمهمشة والمتخلِّفة ثقافيا وعلميا ، لنشر فكرها الظلامي كما حدث ويحدث في الدول العربية والأسلامية ، فكان على السياسيين ، من أخوتنا ألأكراد ، سد هذه الثغرة التي سمحت للأصولية الأسلامية باستقطاب الشعب الكردي في ألأقليم ، وكان على حكومة ألأقليم بناء مشاريع صناعية وزراعية وترفيهية ورياضية ، لأستيعاب العاطلين عن العمل في ألأقليم وأعطاء دور لهؤلاء الشباب في المشاركة في الأحزاب والمنظمات الشعبية ، لأنّهم هم سيقودون الحكومة مستقبلا ، وهم الطاقة الخلاقة والأبداعية في المجتمع ،  هذا بالأضافة الى ذلك  علينا أن لا ننسى كون الأقليم محاطا بطوق من الدول العربية والأسلامية ينتشر فيها الفكرالظلامي الذي يستقطب قسم من الشباب الذين يتم غسل عقولهم وتدجينهم والأغرار بهم بسهولة ، من قبل بعض شيوخ وأئمة المساجد والحركات والأحزاب الأسلامية المتطرفة .
2-الخطأ الآخر الذي وقع فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني ، هو عدم  الحفاظ على التوازن في بناء البنية التحتية للمشاريع ألأعمارية في الأقليم مع البنية التحتيه لبناء ألأنسان ، وهذا من أخطر الأسباب الذي أدّى و يؤدي الى عدم الأستقرار في الأقليم خاصة وفي العراق عامة ، بسبب الهوّة العميقة بين عقلية وثقافة الشعب الكردي الحالي وبين الطموحات  السياسية للساسة في أقليم كردستان . فالديمقراطية والحرية والمساواة لايمكن استيعابها أو تطبيقها في مجتمع غير مأهل فكريا وحضاريا وثقافيا لهذه المبادئ ، وكان على الساسة  والمسؤولين في أقليم كردستان أن يعيدوا النظر، وبصورة شاملة ، على المناهج الدراسية والوسائل التعليمية والتثقيفية لكي يهيئوا ألأجواء  للتأهيل الفكري والثقافي وألأجتماعي للأجيال القادمة ، وذلك بالتركيز على السلام والتعايش والمحبة والمساواة بين المواطنين مهما اختلفوا في العرق أو الدين، وقبول الآخر والتركيز على مفهوم الحرية والديمقراطية  لتوالم الشعب الكردي وليس في استنساخ ونقل هذا المفهوم من الخارج وتطبيقه في الداخل دون مراعات ثقافة الشعب الكردي وتراثه وتاريخه الماضي والحاضر ، والأستفادة من الدروس والعبر التي عاشها العراق منذ سقوط النظام سنة2003 ، لكي يكون أساس البناء قويا لا تهزه العواصف.
3-تهميش دور الأقليات ، بقصد أو بغير قصد ،  في المشاركة في رسم سياسة الأقليم  وكان آخرها عدم تخصيص مقاعد برلمانية للأقليات وخاصة للمسيحيين  في مركز المحافظات والنواحي لأقليم كردستان ، والتركيز على القومية الكردية بصورة  قد تكون مبالغ  فيها دون الأعتراف بدور المسيحيين عبر التاريخ وحضارتهم المتجذّرة في القدم ، وكذلك غض النضر عن الأراضي والقرى المسيحية التي استولى عليها بعض من اخوتنا ألأكراد ، والتغيير الديموغرافي للمنطقة ، مما جعل الكثيرين من المسيحيين والأقليات الأخرى يشعرون بخيبة أملهم نتيجة هذه الممارسات , علما أنَّ المسيحيين ، كانوا ولا يزالوا العصب الحيوي في بناء المجتمعات قديما وحديثا ، وهذا ما يشهد له التاريخ العربي والأسلامي ، وكان لهذا التهميش للمسيحيين ، دور كبير لأعطاء أ شارة خضراء لبعض ألأحزاب الأسلامية المتطرفة ، لأضطهاد ألأقليات وترهيبهم .
أن ألأحداث التي وقعت في زاخو ودهوك وزاويتة وغيرها في اقليم كردستان هي ناقوس خطر على ألأقليم كُله ، بأكراده واقلياته ، وهذا ما كنّا نتوقّعه نتيجة ما جاء أعلاه وبسبب المد للحركات الأسلامية الراديكالية في الشرق الأوسط عامة والعراق خاصة ، فكان من مصلحة السياسيين في الحزبين الرئيسيين في أقليم كردستان ، وخاصة حزب الديمقراطي الكردستاني ، أن يلتزما بالأقليات لتكوين جبهة سياسية  قوية لمواجهة التيارات الأسلامية المتشدّدة في البرلمان والحكومة. وكان على السياسيين تعلم الدروس والعبر من التهميش والأضطهاد الذي تعرض له الأكراد عبر عشرات السنين من قبل الأنظمة الدكتاتورية المتعاقبة في العراق خاصة وبقية الدول المجاورة عامة ، لكي لا يكرروا نفس الأخطاء التي وقعت فيها تلك الحكومات المتعاقبة بشأن تهميش دور الأقليّات ومنهم أخوتنا ألأكراد .
 4-انَّ عدم الأسراع في حل ملف القرى والأراضي وأملاك المسيحيين التي تم ألأستيلاء عليها أو مصادرتها من قبل أخواننا الأكراد بعلم الحزب الديمقراطي الكردستاني ، فسح المجال للكثيرين من أخوتنا الأكراد بالتشبث بهذه القرى والأراضي وأعتبارها مُلكا لهم ، وهذا التأخير في ارجاع حقوق المسيحيين ، قد فتح الشهية للأخرين في الطمع بما تبقى من قرى وأراضي وأملاك المسيحيين الباقية ، والأحداث الأخيرة  احدى أهدافها الرئيسية هي محاولات المعتدين  لترهيب المسيحيين خاصة وتخويفهم ليهاجروا ويتركوا أرضهم وممتلكاتهم ليستولوا على ما تبقى منها كما حدث سابقا.
5- ان استبعاد وجود ممثلين لشعبنا (الكلداني السرياني الآشوري ، والأرمني) في برلمان أقليم كردستان  ومحاولات حكومة الأقليم تكريد شعبنا ، هذا قد ساهم و يساهم في  التشهير بسمعة الأقليم في المحافل الدولية وخاصة في الأمم المتحدة وحقوق الأنسان ، اضافة الى ذلك ، قد يخسر الحزب الديمقراطي الكردستاني مزيدا من المقاعد البرلمانية لحساب المعارضة ، خاصة لأحزاب اسلامية راديكالية . وكان على الحزب الديمقراطي الكردستاني أن لاينسى دور ألأقليات  في المساهمة في ثورة أخوتهم ألأكراد منذ 1961 ووقوفهم مع هذه الثورة واختلاط دم شهداء أخوتنا ألأكراد مع دم شهداء أخوتهم من ألأقليات الأخرى، وخاصة شعبنا المسيحي، بالأضافة الى ذلك  فأن المسيحيين وعبر التاريخ هم شعوب مسالمة أمينة وحريصة على التعايش السلمي مع أخوتهم الأكراد ، ولهم حضارة متجذِّرة في هذه الأرض والتاريخ يشهد على ذلك ، وأثّروا وتأثّروا في ثقافة الشعب الكردي وساهموا في تطوير وبناء أقليم كردستان ، فكان على حكومة ألأقليم مشاركة المسيحيين في كافة مجالات الحياة السياسية وألأجتماعية والثقافية والتعليمية ، وجذب المهاجرين من المسيحيين ليساهموا بأموالهم وأفكارهم وخبراتهم لبناء أقليم كردستان بناءا عصريا وحضاريا لخدمة الجميع.
6-انتشار ظاهرة المحسوبية والعشائرية والفساد المالي والأداري في بعض مناطق أقليم كردستان العراق هي مشكلة تاريخية لم تستطع حكومة الأقليم القضاء عليها بالرغم من القوانين التشريعية التي تؤكد المساواة بين أفراد الشعب الواحد ، وهذا ما خلق طبقات عديدة في المجتمع الواحد ، مما أدى الى وجود طبقة تتحكّم في اقتصاد وسياسة ألأقليم على حساب الغالبية من الشعب الذي يعيش في أوضاع صعبة  بسبب سيطرة الطبقة الغنية على جميع المرافق ألأقتصادية والسياسية  والأجتماعية ، مما خلق هوّة سحيقة بين غالبية الشعب والحكومة الحالية بقيادة الحزبين  الديمقراطي الكردستاني وألأتحاد الوطني ، هذا بالأضافة الى فقدان الثقة بالحكومة الحالية بسبب عدم تنفيذ وعود قطعتها على نفسها ، ولم تقم بتنفيذها لصالح الشعب الكردي ولا لشعوب الأقليّأت، وخاصة أذا عرفنا أنّ الأقليات استبعدت من القرارات السياسية والأقتصادية وهُمّّش دورها في التخطيط العمراني والبنى التحتية، لا بل حُرمت هذه الأقليات ، وخاصة في سهل نينوى ، من مشاريع انمائية لتشغيل ألأيدي العاملة والموظفين ، مماأضطرّت نسبة عالية من هذه الأقليات الى مغادرة الوطن .
7-انفراد السلطة الحالية بالحكم ولمدة طويلة وعدم التداول السلمي للسلطة ، مما أثقل كاهل مؤسسات الدولة وفقدان حيويّتها ونشاطها وتجددها ، وفرض نوع من الدكتاتورية القمعية وجمود في الفكر والأبداع في جميع مرافق الحياة ، فاصبح المجتمع في أقليم كردستان يجتر نفس القوانين والأنظمة السابقة. وكان ، حسب رايي الشخصي ، على أخوتنا ألأكراد الذين ساهموا في الثورة  الكردية منذ خريف 1961 ، في تهيئة كوادر ذي خبرة في حكومة ألأقليم وبقاء الثوّار (المحاربين القدماء) كرموز للثورة ومفخرة للأجيال القادمة وعلى رأسهم ألأستاذ مسعود البارزاني وألأستاذ جلال الطالباني ، لأنّ المقاتلين كما يخبرنا التاريخ وتجارب الشعوب لايتقنون أختصاصات أخرى، وكان على أخوتنا ألأكراد تكريم هذين الرمزين كرؤساء فخريين طوال حياتهم ، وخير نموذج هو نلسون مانديلا زعيم جنوب أفريقيا عندما تخلى عن السلطة ، ولكنه بقي رمزا للثوار ليس لشعب  أفريقيا الجنوبية بل لكل العالم .
  بالأضافة الى كل ما ذكرناه فانَّ المجتمع في اقليم كردستان أصبح مجتمع استهلاكي أكثر مما هو مجتمع يساهم في بناء العقول  وتشجيع المهارات الفردية وألأبداعات والبحوث العلمية والثقافية والتربوية ، وكذلك عدم تشجيع القطاع الزراعي ودعمه ليكون دعامة قوية للأكتفاء الذاتي مما جعل الكثيرين من المزارعين يتركون قراهم وأرضهم الزراعية ويلجأوون الى المدن بسبب وجود فرص للعمل في هذه المدن . كلِّ هذا  بسبب الأعتماد الكلي على موارد النفط ، هكذا تتكرر ألأخطاء في أقليم كردستان كما هي في حكومة المركز .
بقلم
نافع البرواري

83
تاملات في زمن ميلاد الرب
الجزء ألأول
 
بقلم نافع البرواري

يسوع المسيح" نور العالم":
الكتاب المقدس يتكلم عن عدد من الألقاب التي لُقّب بها الرب يسوع المسيح ، ومن احد هذه الألقاب هو "النور" حيث يقول "أنا نور العالم"يوحنا 9:5".
ألنور في الكتاب المقدّس يعني: الصلاح ، الطهارة ، القداسة ، والحق ، والثقة ، ويرتبط النور أيضا بالحق في أنّه يكشف عمّا هو كائن ، سواء صالح أم شرير. ويخبرنا الكتاب المقدس في سفر العدد (8:1,4 ) ما يلي:
"وكلّم الرب موسى فقال: "قل لهرون : اذا رفعت السّرج السبعة فباتجاه المنارة تضيئُها "
كانت المنارة تضيئ للكهنة وهم يؤدون واجباتهم  كما كان النور تعبيرا عن محضر الله . وما زالت المنارة الذهبية أحد الرموز العظمى للأيمان اليهودي . وقد نظر يسوع المسيح الى هذه المنارة التي كانت تظوي هيكل سليمان وقال "أنا نور العالم من يتبعني لا يمشي في الظلام ، بل يكون له نورالحياة "يوحنا  8:12
فالمنارة في العهد القديم هي رمز ليسوع المسيح نور العالم في العهد الجديد ، وكانت الشموع في الهيكل عند اليهود رمزا الى عمود النار الذي قاد شعب بني أسرائيل في البريّة.خروج  13:21
فنحن المسيحيّين نشعل الشموع في المذبح المقدّس اشارة ورمز ليسوع المسيح نور العالم ، وكذلك يوضع القربان المقدس في كأس مطلي بالذهب ، ويحمل المؤمنون شموع  تضيئ اشارة الى أننا ايضا اصبحنا نور العالم"انتم نور العالم.لاتخفى مدينة على جبل ولا يوقد سراج ويوضع  تحت المكيال ولكن على مكان مرتفع حتى يضيء لجميع الذين هم في البيت"متى 5:14,15
ان المسيحي الحقيقي يجب أن يعكس نوره على الآخرين فهو يجب أن لايصمت عن الشهادة للرب عندما يلزم الكلام . وأن لا يساير الأغلبية التي أحيانا تتنازل عن الحق في سبيل مصالحها الخاصة . فعندما يتطلب القرار الشهادة للحق على المؤمن ان يقول الحق . والمسيحي يجب أن لاينكر النور الذي هو فيه ، والذي يُميّزهُ عن الآخرين ، لأنه يعكس نورالمسيح في حياته ، وانكار ذلك يعني انكاره للرب يسوع المسيح .
الخطيئة تجعل نور المسيح فينا يخبو وينطفي  فعلى المؤمنين عدم التسامح مع الخطيئة
وعلى المسيحي أن يشهد للأخرين مصدر نوره  بالبشارة بالخبر السار، وعن ذلك يقول بولس الرسول: "الويل لي ان لم ابشّر". فعلينا أن نكون منارا للآخرين وللعالم كله ، وأن نكون نورا من أجل الله
"....."ويضيء العقلاء كضياء الأفلاك في السماء,والذين هدوا كثيرا من الناس الى الحق يضيئون كالكواكب الى الدهر والأبد"دانيال 12:3
وقد تنبأ  الأنبياء في العهد القديم بمجيئ المسيح الذي بنوره تنفتح عيون العميان روحيا وجسديا ويقهر الظلام ، ظلام الخطيئة والموت ، وها هو اشعيا النبي يقول:
   "الشعب السالك في الظلام رأى نورا ساطعا والجالسون  في أرض الموت وظلاله  اشرق عليهم النور(9:1  اشعيا) . في زمن الظلمة  الحالكة ، وعد الله بأرسال نور  يشرق على كل انسان جالس في ظل الموت وهو"عجيب مشير اله قدير" لقد تحققت نبوءة اشعيا هذه في مولد المسيح واقامة ملكوته الأبدي ، حيث يقول الرسول بولس:" لأنّ الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة ,هوالذي أشرق في قلوبنا ، لأنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح"كورنتوس 4:
ويقول المزمور كذلك : "وبنورك نرى النور"مز36:9
أمّا أشعيا النبي يقول في  نبوآته عن الذي سياتي بأنه مصدر النور الذي سيشرق على كل انسان يقبله فيزيل الظلام من حياته وسوف يعيش في نورالمسيح ، والذي يعيش في النور لايتعثر في طريقه بينما الذي لا يقبل المسيح في حياته فهو سيعيش في نفق مظلم لا يستطيع لوحده الخروج منه 
"قومي أستنيري فنورك جاء ، ومجد الرب أشرق عليك .ها هو الظلام يغطي الأرض ، والسواد الكثيف يشمل الأمم .أما عليك فيشرق الرب ّ وفوقك يتراءى مجده .فتسير الأمم في نوركِ والملوك في ضياء اشراقك "اشعيا60:1,2
نعم النور هو يدل على الحياة فكلنا يعرف ان النباتات لا تستطيع العيش دون ضوء الشمس ، 
وهكذا النائمون في ظلمة الليل كانهم أموات وعندما تشرق الشمس ينهض النائمون ، هكذا الرب يسوع المسيح عندما يشرق نوره علينا نقوم من الموت (موت الخطيئة ) ،لأنَّ بنوره يطهِّر خطيئتنا   
وبنوره الذي ينعكس علينا نصبح نحن أيضا نور للعالم كما قال الرب"أنتم نور العالم".
يقول البشير يوحنا:" وهذه البشرى التي سمعناها منه ونحملها اليكم هي انّ الله نور لا ظلام فيه .فاذا قلنا أننا نشاركه ونحن نسلك في الظلام كنّا كاذبين ولا نعمل الحق ، أما اذا سرنا في النور كما  هو في النور، شارك بعضنا بعضا ، ودم ابنه يسوع يطهِّرنا من كل خطيئة" يوحنا1:5
ويقول أيضا ،عن الذين لايقبلون نور العالم " يسوع المسيح"انّهم سيدانون :
"..."أمّا الذي لايؤمن به فقد صدرعليه حكم الدينونة لأنّه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد وهذا هو الحكم :انّ  النور قد جاء الى العالم ولكن الناس أحبّوا الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم كانت شريرة"يوحنا 3:36
تقول احدى النساء التي تخلّصت من ظلمة الخطيئة :
"كنت كلمّا أقوم بخطوة أدوس في ظلمتي الخاصة(الخطيئة) ظلمة الزنى- المخدرات-الخوف ، كانت الشمس ورائي . أمّا الآن أدرت وجهي للشمس الى نور المسيح فتغيّرت حياتي".
نعم يسوع المسيح هو نور العالم الذي يفتح عيون العميان الذين يعيشون في الظلمة كما فتح عيون الأعمى كما ورد في انجيل البشير يوحنا 9:6
  يسوع المسيح هو شمس البرّ وبنوره نصبح كالأقمار نعكس نوره كما يقول الرسول بولس"وأعملوا كلّ شئ من غير تذمّر ولا خصام ، حتى تكونوا أنقياء لا لوم عليكم وأبناء الله بلا عيب في جيل ضال فاسد ، تضيئون فيه كالكواكب ، في الكون "فيلبي 12:14
لأنكم جميعا أبناء النوروأبناء النهار، فما نحن من الليل ولا من الظلام"تسالونيكي5.
"بالأمس كنتم ظلاما ، وانتم اليوم نور في الرب فسيروا سيرة أبناء النور ، فثمر النور يكون في كلّ صلاح وتقوى وحق . فتعلمّوا ما يرضي الربّ ولا تشاركوا في أعمال الظلام الباطلة ،بل الأولى أن تكشفوها.....انهض ايّها النائم وقم من بين الأموات يضيئ لك المسيح"افسس5
نعم استفق ايّها الأنسان وانظر وجه يسوع الطفل المستلقي في المذود لينير وجهك ، قم ايّها المسترخي من مستنقع الموت لتتمتع باشراق نور المسيح .
لماذا ترى ولا تبصر ؟ لماذا تسمع ولا تفهم ؟ لماذا تقسّي قلبك ليصبح مثل الحجر؟
المسيح يقول لك"من يتبعني لا يمشي في الظلام  بل يكون له نور الحياة ...أنا نور العالم ، مادُمت في يوحنا 8:23  . العالم
ظهر يوحنا النبي ليعترف وليشهد للنور بقولهِ   
"الكلمة هو النور الحق , جاء الى العالم  لينير كل انسان وكان في العالم وبه كان العالم وما عرفه العالم"يوحنا 1:9
المسيح هو مصدر الحياة ونور الناس وهو يضيئ في الظلام ، والظلام لايدركه
"وفي ذلك اليوم يسمع الصمّ أقوال الكتاب ، وتبصر عيون العمي بعد الأنغلاق على السواد"اشعيا 29:18
هو الكاشف كل  كنوز الأسرار وقاهر الموت والظلام لأنه نور العالم وخالق الأكوان وملك الملوك ورئيس السلام ورب الأرباب ومصدر الحق و الحياة ومخلص الشعوب وبكر الخليقة الجديدة  وصورة الله الجوهرية..
تنبا زكريا النبي عنه قائلا على لسان الأمم "نذهب معكم ، فنحن سمعنا أنّ الله معكم"زكريا 8,9
قم وتب ايّها المتمرّغ في وحل الخطيئة ويسوع المسيح يطهّرك بدمه وينير لك الطريق  "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" . أيّها الراقدون في القبور استيقظوا  ،لانَ واهب الحياة قادم اليكم ،
ياشعوب المشرق أنظروا الى نجمة المشرق راقبوا قدوم ملك السلام ، كما فعل الملوك الثلاثة عندما تابعوا نجم المشرق  الذي قادهم الى الطفل يسوع المسيح . ويا شعوب المغرب تواضعوا وهلّموا خاشعين للسجود لطفل المذود ، وياجميع الشعوب هلموا تعالوا الي بيت لحم لتروا هناك العجب.
مبارك الاتي بأسم الرب مبارك ثمر بطنك ياعذراء مريم لاّنّك حملت في بطنك من يأتي ليخلصنا من وادي ظلّ الموت ويقودنا الى ينابيع المياه الصافية ، فكل العالم يهنئك هذه الأيام وكل الأيام  والى الأبد.
 يقول الرب يسوع في رسائل الأنخطافات  للسيدة ميرنا الصوفانية-السورية
"أبنتي ,هي أمّي (اشارة الى مريم العذراء) التي ولدتُّ منها . من أكرمها أكرمني ، من ذكرها ذكرني . ومن طلب منها نال لأنَّها أمي ." الجمعة 14:8:1987
"أنا الخالق . خلقتها (مريم العذراء)لتخلقني ، افرحوا لفرح السماء ، لأن أبنة الآب (مريم) وأم الإله وعروس الروح ولدت .أبتهجوا لأبتهاج الأرض ، لأنَّ خلاصكم قد تحقق"الأربعاء 7:9:1986
"أبنائي سلامي أعطيكم ، لكن أنتم أيّ شئ أعطيتموني"الأحد 14:8:1988
"أعطيكم قلبي لأمتلك قلبكم ، من نظر الّيَّ أرسم صورتي فيه "الأربعاء 26:11:1986 "
:"وصيتي الأخيرة لكم
"ارجعوا كل واحد الى بيته ، ولكن أحملوا الشرق في قلوبكم .من هنا انبثق نور من جديد أنتم شعائه ، لعالم أغوته المادة والشهوة والشهرة حتى كاد أن يفقد القيم . امّا أنتم حافظوا على شرقيتكم ، لا تسمحوا أن تسلب أرادتكم ، حريتكم ، وأيمانكم في هذا الشرق 10:4:2004 سبت النور.
 السؤال المطروح الى كلّ مسيحيي الشرق وخاصة العراقيين  هل نحن نحافظ اليوم على ايماننا الذي سلّمه لنا ابائنا كأمانة . وهل نحن نمثِّل نور المسيح في هذا الشرق الذي يعيش في عتمة الليل؟
علينا التأمل في هذه الأيام المباركة لنستقبل يسوع الطفل في قلوبنا لينوّر حياتنا ويجدّدها ،
وشكرا لكم والى اللقاء في الجزء الثاني من تأملاتنا في زمن الميلاد. .

84

أين نحن المسيحيين من ما يجري من أحداث ما" يسمّى" ثورات الربيع العربي؟
                                                                                                                                                   
نافع البرواري
 
مشكلتنا نحن المسيحيين في هذا الشرق العربي أننا لا نقرأ ألأحداث  ولا نتعلم دروس وعبر من التاريخ ، الماضي والحاضر ، فنحن نضع رؤوسنا في الرمال كالنعامة ، ونؤمن بالقدر وننتظر الرحمة من لا رحمة له ، ونتوسل ونستجدي حقوقنا من الذين اغتصبوا  حقوقنا وسرقوا مياهنا وارضنا وبيوتنا.
نحن ، المسيحيين ، اليوم مشغوولين في  الصراع على ألأسماء و على الكراسي و المناصب وتخوين بعضنا للبعض الآخر في حين أنّ أعدائنا يستغلون هذه ألأنقسامات بحكمة الحيّاة ، للأنقضاض على ما تبقى من أرضنا ومقدساتنا وسرق أحلامنا وتزييف هويّتنا ومسح ذاكرتنا. كلِّ هذا يجري في غياب الكنيسة عن معاناة الشعب بل هناك من رجال الدين من يجامل الأعداء على حساب الحق المهضوم لشعبنا وعلى حساب كرامتنا وهويتنا ومقدساتنا ، بالقبول بالأمر الواقع دون التحرك واتخاذ مواقف حدّية مع الذين ارهبونا وشردونا ونهبوا أملاكنا وسرقوا أراضينا وأهانوا مقدساتنا ، لابل تآمروا ويتآمرون للقضاء على وجودنا في ارض آبائنا واجدادنا . هكذا هناك للأسف من الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية لشعبنا ، وقفوا ويقفون حائرين ساكتين مشدوهين مرعوبين خائفين لا بل قسم منهم لا أبالين  واقفين مكتوفي الأيدي أزاء ما جرى ويجري  من ابتلاع ما تبقى من أرضنا بعد أن ابتلعوا الجزء الكبير منها ، على مر التاريخ القديم والحاضر. فمتى نهدم جدار الخوف ؟ هل بعد أن تبقى الكنيسة بلا شعب والرعاة بلا رعية والقادة بلا جمهور؟.
اليوم من اقصى الوطن العربي غربا الى اقصاه شرقا أصبح تحت رحمة الأحزاب ألأسلامية المتشددة ، بعد نجاحهم في الأنتخابات البرلمانية  وبعد خطفهم لثورات ما يسمّى "الربيع العربي" الذي سيصبح شتاءا قاسيا ليس على شعوب هذه الدول فقط، بل على المسيحيين خاصة ، فهل نحن المسيحيين قد هيّئنا أنفسنا لمواجهة" تسونامي الأسلاميين" أم نحن ننتظر رحمة من السماء لأيقاف هذه الموجات لكي تعبر علينا بردا وسلامة؟
مشكلنا نحن المسيحيين في مصر وفي لبنان وفي سوريا وخاصة في العراق هو أننا لاندرس التاريخ ولا نقرأ الأحداث ولا نتّقن السياسة ولا نتهيئ للأسوء. بل في كُل مصيبة نحاول أن ننسى ونقول حالنا حال الآخرين ( كما قال أحدهم وهو يحمل مسؤولية رئاسة كنيسة)  ، ونقول لعدونا :"عفى الله عن ما سلف" وهذا المبدأ ثبت فشله في الدول العربية وألأسلامية  وعبر التاريخ.
البارحة شُرَِّدنا من البصرة وبغداد وكركوك ، وآخرقافلة الهجرة انطلقت من نينوى ، رمزعاصمة حضارتنا ألآشورية  وقلعة كنيستنا المشرقية ، واليوم وبعد سيطرة التيارات الأسلامية في الوطن العربي خاصة والشرق الأوسط عامة(حيث ايران وتركيا يحكمانهما احزاب اسلامية ايضا) بدأت ظاهرة جديرة بالتأمّل وهي محاولات تهجير المسيحيين من مناطق أقليم كُردستان وذلك في سابقة خطيرة تحدث في هذه المنطقة (التي هاجر اليها  المسيحيين المهجرين من الجنوب  هربا من الأرهاب للأحزاب الأسلامية)  حيث تمّ التحريض  من جهات في اقليم كردستان ، لم نعرف الى ألآن حقيقة من يقف ورائها ، فحرقوا محلات وفنادق عائدة للمسيحيين في زاخو وسميل ودهوك وأمام أنظار العالم كُلُّه ، فهل هي صدفة أيُّها المسؤولين من أحزابنا المسيحية أو رؤساء كنائسنا؟ أم هو مخطط لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة المرسومة اصلا؟.
هل نحنُ ننتظر موجات تسونامي الأسلامي تغرقنا لنموت ، وتموت معنا حضارتنا وهويّتنا ومقدّساتنا ، كما يريد البعض منّا من المستسلمين للقدر وألأمر الواقع؟  أم علينا أن نستغل هذه الضروف الصعبة لنواجه بسرعة وبحكمة خطر هذا التسونامي القادم لنبني ونوحّد بيتنا الداخلي على صخرة رئيسنا وملكنا وقائدنا يسوع المسيح الذي به وحده هو خلاصنا وبقائنا ووجودنا ، عندها فقط سنستطيع الوقوف كصرح شامخ أمام موجات تسونامي  ؟.
لقد ركّزنا ( كاتب هذه المقالة وغيره من الخيّرين ) في معظم مقالاتنا  السابقة ، على وحدتنا المسحيية ونبذ الخلافات الطائفية والقومية  وكنا دائما نركّز على ألأخطار الخارجية والدخلية التي تواجهنا ولكن للأسف لم نسمع آذان صاغية الاّ عند القليلين ، وها هو اليوم نحصد نتائج تقصيرنا وأهمالنا وعدم مبالاتنا لما حدث ويحدث لمسيحيّي الشرق ألأوسط عامة ومسيحيي العراق خاصة.
اليوم نحنُ أمام تحديّات خطيرة وتحتاج ألى أن نقف وقفة شعب واحد وروحٌ واحدة وصوتٌ واحد ولسانٌ واحد للدفاع عن وجودنا  وبقائنا في أرضنا
التي أغتصبها ألأعداء ، ليس هذا فقط بل علينا أن نطالب بحقوقنا وأرضنا والتعويض عن كُل ما تم أغتصابه أو ما تم ألأستيلاء عليه من قبل ألآخرين ، كاملة وغير منقوصة ، وتعويض كافة المتضررين ، سواء المهاجرين في الداخل أو الخارج ، وعدم السكوت بعد ألآن عن قول الحقيقة مهما كانت نتائج ذلك ، لأنّ ليس لنا ما نخسره بعد كُلّ هذه المظالم بحق شعبنا ، لأنّ العدو لن يكتفي الا بألأستيلاء على ما تبقى من أرضنا وممتلكاتنا ، فنحن امام خيارين لا ثالث وهما "أمّا أن نكون أو لانكون " ومن يرتضي بالفُتاة فهو على وهم ولن يحصل سوى على أوهام بعيدة عن الواقع لمن له رؤية صحيحة لما يحدث في المنطقة من تغيرات جيوسياسية وديموغرافية .
 نطالب حكومة أقليم كردستان وعلى رأسهم ألأستاذ مسعود البارزاني بتطبيق القانون على جميع مرتكبي جرائم حرق محلات المواطنين المسيحيين أو اليزيديين  ونحن على ثقة أنَّ  أخوتنا ألأكراد لهم حكمة ورؤية واضحة للأخطار التي قد تهزّ صرح ما بناه أخوتنا الأكراد من ألأنجازات عبر عشرات السنين بعد أن قدّموا التضحيات الجسام للحصول على حقوقهم المشروعة.  وفي الحقيقة نقولها صراحة أنّ الأيادي الخفية التي وراء الكواليس هي التي تحرّك المتطرفين الأسلاميين والسكوت عن ما جرى ويجري قد يؤثر ليس على المسيحيين فقط بل قد يطال أخوتنا ألأكراد الذين يتنعّمون بالأمن والسلام تحت ظل حكومة أقليم كردستان العراق . ونظمَُ صوتنا الى صوت  القائد مسعود البرزاني بالدفاع عن مكتسبات وانجازات أقليم كردساتان  متضامنين مع اخوتنا ألأكراد والوقوف معهم في التصدي لكلِّ المنظمات الأرهابية المتطرفة ، التي تحاول زعزعة استقرار أقليم كردستان ، باللجوء الى وسائل دنيئة للنيل من المسيحيين واليزيديين  ضانين انهم حلقة ضعيفة ، ولكن بتضامننا مع أخوتنا ألأكراد سنكون الحلقة الأكثر قوة وصلابة.

85


الكتاب المقدس هو نور يقودنا الى معرفة الحق
المقدمة
قيل عن الكتاب أنّه خير جليس  في الزمان وخير صديق  وهو مصدر الثقافة وسلاح يرافق الأنسان ليقاوم ضروف الحياة
وهو يزيد افاق الفكر والمعرفة والأدراك . الكتاب هو الوسيلة الرئيسية  لمعرفة الثقافات وعادات الشعوب والحضارات ألأخرى , وهو السبيل الوحيد الذي به نستطيع الرجوع الى التاريخ لمعرفة احداث الماضي ودراستها لنتعلم دروسا وعبر في الحاضر وليكون لنا رؤية صحيحة للمستقبل . قيل لأرسطو : كيف تحكم على أنسان؟ فأجاب : أسأله كم كتابا يقرأ وماذا يقرأ. سُأل أحد العلماء العباقرة لماذا تقرأ كثيرا ؟ فأجاب:"لأنَّ حياة واحدة لاتكفيني!!!". في قراءة الكتب هناك رحلة رائعة يقوم بها ألأنسان (عبر اشخاص اخرين) ليعيش قصة حياة اخرى تغنيه وتثري من مداركه وخبرته وتساعده لفهم الآخرين والعيش معهم ومعرفة مكنوناة احاسيسهم وهمومهم ومشاكلهم ، وشخصيات الكتاب قد تعكس للقارئ حياته نفسها من خلال العيش مع ألآخرين  في رحلته مع اشخاص الكتاب الذي يقرأه. في القراءة يمكن أن يتحوّل الأعداء الى أصدقاء  فالأنسان القاريء قد يكتشف الكثير من الصفات المشتركة بينه وبين عدّوه الذي كان يضمر له البغض والعداوة والكراهية بينما في معرفة العدو بالقراءة قد يتحول هذا العدو الى صديق ومحبوب.
 الكثيرون منا يشترون الكتب ويضعونها في مكتباتهم الفارهة  للتباهي  وقد لا نقرأ هذه الكتب أبدا ، وهكذا قد نقتني الكتاب المقدس ونضعه على رف المكتبة ليكثر عليه الغبار فلا نقرأ هذا الكتاب الذي لايقدّر بثمن ، لكونه هو كتاب يكلّمنا به الله على لسان ألأنبياء وهو المصدر الوحيد الذي به نستطيع أن نسمع ما يقوله الله لنا ويقص علينا قصة المحبة والفداء والتضحية من اجل خلاصنا ، فكلام الله هو روح وحياة
ماذا قيل عن الكتاب المقدس؟ .
يقول الرب يسوع المسيح( لليهود الذين لم يعترفوا به كونه المسيح الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم): "تفحصون الكتب المقدّسة حاسبين أنَّ لكم فيها الحياة ألأبديَّة ، هي تشهد لي"يوحنا 39:5" . يسوع المسيح  واضح في قوله أنّ دراسة الكتاب المقدس يوصلنا الى "الكلمة" المتجسّد  الذي هو المصدر وينبوع ماء الحياة ، فالأنسان الباحث عن الحق عليه أن يتأمل في الكتاب المقدس لمعرفة الله الحقيقي لتكون له الحياة  ، وكاتب رسالة الى العبرانيين يقول"كلّم الله آبائنا من قديم الزمان بلسان ألأنبياء مرّات كثيرة وبمختلف الوسائل ، ولكنّه في هذه ألأيّام ألأخيرة كلّمنا بأبنه..." عبرانيين 1"1". فالكتاب المقدس هو شاهد على الحقيقة التي يشتاق اليها كُلِّ أنسان  والحقيقة تجسّدت في شخص يسوع المسيح .
شبّه  أحد المؤمنين الكتاب المقدس  بقصر جميل ساهم في بنائه كثيرون ولكن الذي صمّم القصر هو واحد"الروح القدس". نعم الله هو مؤلف الكتاب المقدس  فهناك حوالي 2000مرة  ذكر في الكتاب المقدس  "أنا أقول" يقول الرب. فالكتاب المقدس هو الأشهر في تاريخ البشرية وهو أكثر الكتب مطلوبا في تاريخنا المعاصر ويتفرّد في التوزيع بدرجة أنَّ دار الكتاب المقدس يطبع في كل  3 ثواني كتاب ، أي حوالي  4000 نسخة في اليوم ، ولا يمكن أن يقارن مع بقية الكتب  لأنّه متفوق في تعليمه وأجمل في كلماته وهو صالح لكل زمان ومكان بل أن البشرية لم تصل الى عمق اعماقه بعد  حوالي الفين سنة من اخر ما كتبه الرسول يوحنا في سفر الرؤيأ. نعم الكتاب المقدس فريد في ترابطه  بالرغم من انّ كتّابه زادوا عن 40 شخص كتبوا خلال 1400 سنة في اماكن مختلفة وفي ازمنة مختلفة لكن حافظ هذا الكتاب في ترابط مواضيعه . والكتاب المقدس فريد في توزيعه ففي سنة واحدة(سنة 1998) تم توزيع 585 مليون نسخة منه. والكتاب المقدس فريد في ترجمته  فقد  ترجم  العهد القديم سنة 250ق.م ، من العبرانية الى اليونانية وسميّت بالترجمة السبعينية ، واليوم ترجم هذا الكتاب الى حوالي 3000 لغة ولهجة في العالم. والكتاب المقدس فريد في بقائه ، فبالرغم من مضي أكثر من 1800 سنة على وجوده وبالرغم من عصور الأضطهادات للمسيحيين  وبالرغم من النقد ومحاولات تشويه الحقائق فيه وخاصة في القرن التاسع عشر ميلادي ، الاّ أنّه ضل صامدا امام الذين انتقدوه أو حاولوا التقليل من اهميّته. الكتاب المقدس فريد في تعاليمه ، فهو كتاب فيه نبوات تنبأ بها ألأنبياء مسوقين من الروح القدس عن مجيء المسيح ليفدي البشرية وتحققت نبوءاتهم ، وتنبأ البعض منهم في زوال امبراطوريات ومجيئ امبراطوريات اخرى وتحققت نبواتهم بحذافيرها . والكتاب المقدس لازال  يعتبر مصدر رئيسي في تاريخ البشرية  فقد سجّل احداث تاريخية وتكلّم عن مناطق جغرافية وعن حروب وعن مدن وقبائل وقوميات  ، واليوم العالم مندهش بسبب صحة هذه المعلومات. فبالرغم من أنّ الكتاب المقدس ليس كتاب علوم أو معارف او كتاب تاريخ بل هو كتاب روحي الا انّ ذلك لا يمنع من حقائق علمية وتاريخية ومعلومات غاية في الأهمية عن الحضارات السابقة .
الكتاب المقدس ليس كتاب عادي بل فريد من نوعه  وفريد في شخصياته المختلفة ومن مناطق مختلفة  .هو كتاب ليس كباقي الكتب العادية في مواضيعه المختلفة التي تحتمل ألأخذ والعطاء  مع العلم ان الذين كتبوه  ، كما قلنا ،هم اكثر من 40 شخص ولكن موضوعه واحد وقصته مترابطة ، فموضوعاته تتوافق وتنسجم بشكل عجيب . والكتاب المقدس يتكلم عن علاقة الله بالأنسان وعلاقة ألأنسان بأخيه ألأنسان فهو كتاب يقص لنا قصة حب بين الله  الآب وأبنائه الذين خلقهم على صورته كمثاله ، وهو الكتاب الفريد الذي يتكلم عن الفداء وخلاص البشرية بعد السقوط  و يتكلم عن البدايات في سفر التكوين ويختمه بالنهايات في سفر الرؤيا في تسلسل تاريخي مدهش وغاية في التنسيق والتسلسل في مواضيعه . الكتاب المقدّس كتب بعدة لغات ، بالعبرانية والآرامية واليونانية وشخصيات الكتاب المقدس مختلفة من الملك ورئيس الوزراء و قادة روحانيون وأطباء ، رعاة غنم  ، صيادين ومختلف الحرفيون .....الخ
يقول مؤلف كتاب "برهان جديد يتطلب قرارا" (جويش ماكدونيل) :"   تركت الجامعة وطفت الولايات المتحدة واوربا أجمع ألأدلّة والبراهين لأثبات أنَّ المسيحية ليست الاّ كذبا وخداعا .....قرّرت التحدّي (لزملائي الطلبة المسيحيين القائلين بأنَّ المسيح هو أبن الله) ، وقرّرت أن أولّف كتاب يجعل من المسيحية فرجة عقلية  ، ولكن بعد بحوث في المكتبات العالمية التقيت بيسوع المسيح  فسجدتُ وصليتُ هذه الصلاة:" أيُّها الربّ يسوع ، أنا بحاجة اليك شكرا لموتك على الصليب من أجلي ، أغفر لي وطهّرني . ألآن أضع ثقتي فيك مخلّصا وربا . غيّرني الى الصورة التي خلقتني لأحياها ، في أسم المسيح آمين". هذا الشخص كتب بعد فترة من ايمانه بشخص المسيح يقول"يجب أن يوضع الكتاب المقدس في أعلى مكان بمفرده . فالكتاب المقدس كتاب فريد".
بينما يقول الكاتب وستر مؤلف كتاب "كتاب الكتب"  : "انَّ الكتاب المقدس فريد مختلف عن كُلِّ ما عداه من الكتب ، فليس له مثيل ولا يعادله شيء". ويقول ألأستاذ مونتيرو وليامز ، ألأستاذ السابق لللغة السنسكريتية مقارنا الكتاب المقدس بالكتب الشرقية ، بعد أن امضى اثنين وأربعين عاما في دراسة الكتب الشرقية: "كوّم هذه الكتب جميعا على الجانب ألأيسر من مكتبك ، أمّا كتابك المقدّس فضعه على الجانب ألأيمن وحده تاركا بينهما مسافة كبيرة ،اذ انّ هناك هوّة كبيرة تفصل فصلا تاما أبديا ما بين الكتاب المقدس وما يطلق عليه الكتب المقدسة في الشرق وهي هوّة حقيقية لايمكن تخطيّها من خلال أيُّ علم أو فكر ديني".
لم يخضع أي كتاب لهذا الكم من النقد والطعن مثل ما تعرض له الكتاب المقدس ولكنه ضل صامدا بل في كل مرة يتعرض للطعن والنقد يقوم الكتاب المقدس بالدفاع عن نفسه بنفسه لأنّه كتاب مكتوب بكلمات الله التي لا ولن يستطيع البشر تحريفها او دحضها "الى أن تزول السمّاء والأرض لا يزول حرفٌ واحدٌ أو نقطة واحدة من الشريعة .."متى 18:5". يشهد على صحة الكتاب المقدس  الكتاب نفسه  بنبوات قد تحققت وايضا الكتاب المقدس يسمو بالأنسان الى ماهو اسمى من الحياة الجسدية  وذلك بالتركيز على الحياة الروحية  وتحقيق توازن الأنسان روحيا  حيث ان الأنسان مخلوق  من  روح الله ولن يرتاح الا في حضن الخالق كالطفل الذي لايرتاح الا في احظان امه . فالكتاب المقدس هو غذاء الروح . وهو الدليل الذي يقودنا لتحقيق حلمنا  وامنيتنا الا وهي الحياة الأبدية التي يشتاق اليها كل انسان ،  بينما الكتب البشرية لا تعطي أيُّ وعود أو ضمانات للحياة الأبدية. وكذلك يشهد للكتاب المقدس التاريخ والمؤرخين وعلم الآثار والمخطوطات  ، ولا يوجد كتاب عبر التاريخ مثل الكتاب المقدس في كمية الوثائق والشهادات التي تؤكد على صحة ما كتب فيه عبر حوالي 1400 سنة  في اماكن مختلفة وازمنة مختلفة حيث هناك حوالي أكثر من 20 الف مخطوطة ووثيقة تؤكد على صحة هذا الكتاب .
العجيب والغريب أنّ الكثيرين يعرفون بأن الكتاب المقدس هو من أشهر الكتب المطبوعة في العالم ، كما قلنا  ، ولكن هناك من لايريد قرائته في الدول التي كانت من خلفية مسيحية في الغرب وكذلك أصحاب الديانات والعقائد الغير المسيحية ولا يوجد سبب  او تفسير معقول سوى الخوف من الحق الذي يتظمّنه ، والخوف من التغيير الذي يحدثه هذا الكتاب في حياتهم كما حدث للملايين ، وهؤلاء لا يحبّون تغيير نمط حياتهم  ويخافون من كل  الحقائق التي تقلب رأسا على عقب معتقداتهم وتقاليدهم وعاداتهم ، بينما الكتاب المقدس يجاوب على كلّ الأسئلة المهمة في الحياة وهي لماذا خُلقنا وما هدف حياتنا والى اين نحن سائرون ، هذا هو الكتاب الذي على كلِّ انسان ان يقرأه ويتأمَّل فيه. قال فولتير شاعر الثورة الفرنسية :"الكتاب المقدس كتاب يحفظ في المتاحف " ولكن مات فولتير وبيعت كتبه بمبلغ بخس ولكن الكتاب المقدس اليوم يطبع  ويزداد الطلب عليه في كل يوم وخاصة في القرن الحالي  . فولتير تحوَّل بيته الى مخازن للكتاب المقدس لحفظها  . مخطوطة واحدة ( النسخة السينائية للكتاب المقدس) اشتراها المتحف البريطاني من روسيا بنصف مليون دولار. 
انَّ الكتاب المقدس يعالج روح الأنسان من الداخل ويلمس عمق حاجات ألأنسان الروحية  فكلمة الله تحمل في ذاتها قوّة خلاقة تستطيع أن تحّول الحزن الى فرح والألم الى سعادة والكراهية الى محبّة والحرب الى سلام مع الناس ومع الذات  فكلمة الله تعزي النفس والروح وتحوّل اليأس الى الرجاء وألأمل وتحوّل ضعف ألأنسان الى قوة  فيتحول ألأنسان الضعيف الى أسد يواجه قوى الشر . يسوع المسيح يريد منا أن نصغي الى كلمته (ونأكلها مجازا)لأنَّ كلمته حيّة وفعالة  وديناميكية وتغيّر الحياة أذ تعمل فينا وهي تُعلن ما لنا وما علينا بنفس حدّة مشرط الجرّاح "راجع عبرانيين4:12,13"فبدون الطعام الروحي سنتضوَّر جوعا ولن تُشبعنا شهوات هذا العالم . فلكي نُغذّي نفوسنا,علينا أن نأخذ كلمة الله باشتياق كغذاء روحي .
 يقول الله على لسان اشعيا النبي:"لماذا تصرفون فضَّة لغير الخُبزِ وتتعبون في عملكم من غير شَبعِ ؟اسمعوا لي وكُلوا الطيِّبات  وتلذَّذوا في طعامكم بالدسِّمِ  أَميلوا اذانكم وتعالوا اليَّ اسمعوا فتحيا نفوسكم..."اشعيا55:2,3". ويقول الله على لسان النبي عاموس: "ستأتي أيّام أقول أنا السيد الربُّ,أُرسِل فيها الجوع على ألأرض ,لا الجوع الى الخبز ولا العطش الى الماء بل الى ألأستماع الى كلمة الربّ " عاموس 8:11".
فعلى ضوء كُلِّ ما ذكرناه فأنَّ الكتاب المقدس هو كلمة الله ، وكلمة الله هي روح وحياة " وكلمة الله حيّة فاعلة ٌ ، أمضى من كُلِّ  سيف له حدّان ، تنفُذ في ألأعماق الى ما بين النفس والروح والمفاصل ومخاخ العظام ، وتحكم على خواطر القلب وأفكاره" عبرانيين 4:12".انَّ  قراءة الكتاب المقدس تنير العقل وتعلِّم النفس الحديث مع الله ، ويقول كاتب المزمور"سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي"  ." فالكتاب كُلّه من وحي الله ، يفيد في التعليم والتَّفنيد والتقويم والتأديب في البرّ ، ليكون رجل الله كاملا مستعدّا لكلّ عمل صالح"تيموثاوس 3: 16-17" .
كم نحن اليوم بحاجة الى مراجعة أولويّاتنا في هذه الحياة لنعرف كيف نسلك الطريق المأدّي  الى الحق والحياة. ويسوع المسيح يقول لنا "أنا الطريق والحق والحياة"  . فيسوع المسيح هو الألف والياء والبداية والنهاية . وقرائتنا للكتاب المقدس سيقودنا الى الشخصية الرئيسية ، من بين الكثيرين من شخصيات الكتاب المقدس ، وهي شخصية  الله الحي الحقيقي الواحد  ، المعلنة في شخص يسوع المسيح  الكلمة المتجسّد وهو المحور الرئيسي الذي يدورحولهه الكتاب المقدس  من أوّله الى أخره ، وهذا الشخص يقول لنا"فتّشوا الكتب هي تشهد لي".
ألأسئلة التي نطرحها على أنفسنا وهي: هل نحنُ مسيحيي الشرق ألأوسط عامة ومسيحيّي العراق خاصة  مرجعنا هو الكتاب المقدس ليكون دستورنا ومرشدنا ودليلنا في وحدة كنيستنا المشرقية ووحدة شعبنا المسيحي ، أم نحنُ مثل اليهود أيّام المسيح الذين  كانوا يفتخرون بأبيهم ابراهيم (كما يفتخر اليوم الكثيرون بامجاد الكلدانيين والآشوريين)  بينما  الذي كان يكلّمهم ، يسوع المسيح الذي هو أعظم من من ابراهيم بما لايقاس ،كان في وسطهم  ولم يقبلوه؟
هل خلاصنا هو بالرجوع الى أسد بابل او الثور المجنّح لآشور، والتي هي رموز ألأصنام التي رفضها أبينا ابراهيم وحطّمها، أم خلاصنا هو في يسوع المسيح القائل"اذا ثبتُّم في كلامي صرتم في الحقيقة تلاميذي :تعرفون الحق والحق يحرركم"يوحنا 31:8"؟.
نعم وحده يسوع المسيح سيحررنا من الواقع المؤلم الذي نعيشه بسبب الظروف الخارجية والداخلية التي نمر بها اليوم.
وحده يسوع المسيح به الخلاص ، ولا يمكن الخروج من المأزق الذي نعيشه اليوم سوى بالأتكال عليه بقلوب منكسرة   ، لأنّ المتكلين عليه ، وان ساروا في ظل وادي الموت ، لن يخافوا بل سينتصروا على كُل قوات الظلام  . فهل نتعلّم دروسا وعبر من الكتاب المقدس لتكون لنا رؤية واضحة للأحداث التي نمرُّ بها لكي نستطيع أجتياز المحن ولم شمل الشعب الواحد الذي يعيش في احلك الظروف عبر تاريخه الطويل ، حيث يواجه اشرس واقسى ظروف الأضطهاد والتهجير والتهميش؟. اسئلة علينا التامل فيها عسى ولعلّى نستيقض من أحلامنا الوردية ونعيش الواقع الذي نمر به اليوم قبل فوات الأوان ، ويسوع المسيح ينتظرنا كما كان الأب ينتظر ابنه في قصة الأبن الظال  في الكتاب المقدس ، وهو يقول لنا "تعالوا اليّ ياجميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".
 نافع البرواري.

86

البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية
الجزء الخامس
نافع البرواري
العقيدة الغنوصية ومفهومها للخلاص
الغنوصية هي ، في ألأساس ، مذهب تأليفي أو توفيقي يُراد به تذويب جميع التيارات الفلسفية والدينية لمزجها فيه ، سواء كانت وثنية أو مسيحية . وهذا المذهب ، الذي يسعى الى أنقاذ ألأنسان وخلاصه بواسطة المعرفة ، محصورة بقلة من البشر يُدعون "الماريّين" أو "المدرّبين" ، أو "المُطلعين"من دون سواهم على اسرار هذه المعرفة ، وهو يشبه ، الى حدّ بعيد ، "ديانات ألأسرار الخفيّة " التي نجدها عند اليونانيين والشرقيين . القديس هيبوليتوس الروماني أعلن في مقدمة كتابه "دحض جميع البدع" سنة 222م " ...أنَّ المبتدعين هم ملحدون في آرائهم وأعمالهم وطريقة طرحهم لمسائل العقيدة دون العودة الى الكتب المقدّسة ، وذلك بالتعلق بآراء بعض ألأشخاص وطروحاتهم غير المرتكزة على التقليد المسيحي  ، وان تعاليمهم مستندة الى حكمة اليونانيين ، والى بعض المذاهب الفلسفية التي عرضها بعض الفلاسفة والكتّاب الذين نقلوا عنهم ، والى تعاليم بعض ديانات ألأسرار الخفيّة وعلماء الفلك.
الغنوصية معتقد خلاص وكل مفاهيمها وتصوراتها الكونية تتلخص في مفهوم واحد هو التحرر والأنعتاق(تحرر الروح من الجسد ) انه خلاص من الجسد ومن العالم في آن واحد ، (ولكن الخلاص هذا لا ياتي من خلال الخلاص الذي يقدمه الرب يسوع المسيح بموته على الصليب نيابة عنا) بل يؤمنون بأنّ الخلاص يجب ان يكون بالمعرفة ، فالصراع الرئيسي الذي يخوضه ألأنسان هو صراع بين "العرفان" الذي يقود الى الخلاص ، وبين" الجهل" الذي يبقيه في دورة الميلاد والموت. ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه الغنوصية ألأنتقائيّة التي أخذت من جميع الفلسفات والأفكار والمعتقدات الوثنية ، قد أخذت بنوع خاص فكرة الخلاص من الدين المسيحي وشدَّدت  عليها ، لقد نجحت الى حدِّ ما في ذلك ، ألأمر الذي دفع ببعض الفلاسفة المسيحيين الى أعتناقها ، فقد كان للفكرة المسيحية القائلة بأنّ الربَّ قد أرسل "أبنه" الوحيد "الكلمة" ليتألّم ويموت من أجل خطايا البشرية جمعاء ، وبهذا يجعل الخلاص متاحا للجميع ، وقع عميق على الفكر الغنوصي ، فعلى الصعيد الديني ، قد استخدمت الغنوصية المفردات المسيحية معتبرة أنّ المسيح جاء الى العالم حاملا المعرفة الكلّية . وامّا على الصعيد الفلسفي ، فكان شغلها الشاغل التوفيق بين وجود الله ووجود الشرّ . وهكذا انقسمت جميع الفرق الغنوصية بعضها على بعض . فمنها من قال انّ الله ، الخير الكلّي والخالق ، لم يخلق العالم المادي الشرّير ، بل هذا العالم المادي الشرير هو من صنع صانع الهي أدنى مرتبة من الله يُدعى "دميورج" وهو مختلف عن الله ومنفصل عنه كما يقول أفلاطون . كذلك يؤكّد الغنوصيُّون أنَّ للكواكب تأثيرا سيئا في حياة البشر ، وأنّ الله الموجود في ألأفلاك العليا يسكن وراء القدر والموت والآلهة الشريرة . كما يعتبرون الأنسان ، عند انتقاله من فلك الى آخر في العالم ألاخر ، لا بُدَّ له من أن يعرف البوّابات التي يتعين المرور منها ، وأنّ يعرف الشيطان الذي سوف يلتقيه في طريقه ، لأنّ مثل هذه المعرفة كفيلة بتجريد هذا الشيطان من سلطانه. انَّ النظرة الفوقية الروحية لبعض الغنوصيين قد دفعتهم ال رفض فكرة الخطيئة ألأولى ، والى عدم التقيّد بالقواعد والقوانين ألأخلاقية  ، ألأمر الذي جعلهم في النهاية ، يعيشون حالة انحلال خلقي ، وحالة انغماس في الفسق والملذّات . في المقابل ، أدّت مغالاة بعض الغنوصيين ألآخرين في الزهد والتقشّف والتصوّف الى ألأحساس بالخطيئة ، والى القول بانَّ الشرّ يكمن في الجسد ، وبأنّ الشيطان يسكن في الطبيعة ، فآل بهم ألأمر الى أحتقار الجسد معتبرينه مصدر كُلِّ شر.(ولهذا فهُم لا يؤمنون بتجسد المسيح في الجسد ).

 "سيمون الساحر " الذي يُعتبر أول غنوصي استمد أفكاره من فلسفة "هيرقليطوس" و"فلانتينوس" الذي تأثَّر بكل من "فيثاغورس" و"أفلاطون" و"باسيليدوس" الذي استمد أفكاره من "أرسطو" و"مارسيون"(مرقيون) الذي أخذ فلسفته عن "أمبيدوكليس" ، وغيرهم من اسياد الغنوصية وأعلامها ، كانوا يعلّمون بأنّ العالم الروحي فاض عن المبدأ ألأول ألألهي بوساطة كائنات مجرّدة تُدعى ألأيونات التي معناها الدهر أو الزمن الطويل (الزمن الآتي الذي يملك فيه الله الى الأبد على خليقته الجديدة ، أو الزمن الحاضر ما بين ظهور المسيح ألأول وظهوره الثاني) . وهذه ألأيونات هي عبارة عن طاقة نابعة من الله وموجودة في الكون منذُ ألأزل ، فالله عند غالبية المدارس الغنوصية هو وجود مطلق وليس له قرار أو بداية ، ولا سبيل الى فهمه أو سبر أغواره . انّه ألأيون الذي منه أنبعثت أو خرجت جميع ألأيونات . انّه النور الروحاني الذي منه خرج النور وجميع القوى الروحانية وألأفكار النورانية. وألأيونات التي خرجت من الله تحمل صفاته القدسية وطبيعته الربانيّة ، مثل العقل المفكّر والحكمة والقوّة والنشاط والحق  والحياة  ، وهذه ألأيونات تتبع نظاما معيّنا . فكلَّما أبتعدت من مصدر انبعاثها اعتراها الضعف والوهن ،  وتشكَّل سلسلة ألأيونات المنبعثة من الله عالم المثل ، أو عالم النور، أو ما يسميّه الغنوصيّون البليروما أو ألأكتمال الروحي ، والذي يفسّره الكتاب المقدس بالملء (قولوسي19:1) تدل كلمة ملء على الكون الحالّ في المسيح  ، والمسيح في نظر الغنوصيين ، لا ينتمي الى عالم ألأيونات وحسب ، بل هو ألأيون الرئيسي أو مصدر كلّ ألأيونات، بينما الديميورج ألأله ألأدنى الذي صنع العالم الماديّ الذي يسكنه الشر ، ينتمي الى الكينوما ، أي عالم الفراغ الماديّ . ولقد انتشر هذا التعليم في الشرق من خلال المذهبين الماني والبارسي وهما امتدادان مختلفان نوعا ما للزرادشتية التي تؤمن بعالمين :عالم النور وعالم المادة وأمّا ألأيونات التي أصابها الضعف والوهن جراء بعدها عن مصدر النور الألهي ، فقد تساقطت مثل ومضة الضوء على ظلمة المادةّ وفوضاها ، فنفحتها بقبس من الحياة القدسيّة . كذلك  علَّمت هذه المدارس الغنوصية ، أنَّ وجود الشر يعود للمادة ، ونادوا بتحرير الروح منها ومن سجن الجسد. ورأوا أنَّ الخلاص لايأتي عن طريق ألأيمان والحبّ وحدهما ، ولكن عن طريق المعرفة  التأمّلية المستوحاة ، والحدس الخاص بالأصفياء ، وممارسة طقوس السحر .
من وجهة نظر معتنقيها فان الغنوصية تهب المؤمنين بها معرفة لعالم ألألوهية . فان ومضات الهية قد سقطت من هذا العالم (عالم الألوهية) الذي لايدركه عقل الى عالمنا المادي الغارق في الشر وهذه الومضات الألهية أصبحت سجينة ألأجساد البشرية  ، ويذهب بعض الغنوصيين الى ابعد من ذلك الى القول بأنَّ الشر يكمن في الجسد ، وبأنَّ الشيطان يسكن في الطبيعة ، فآل بهم ألأمر الى أحتقار الجسد معتبرينه مصدر كلِّ شرّ. وعندما يستيقظ العنصر ألألهي الكامن في ألأنسان ، بواسطة المعرفة ، فان هذا العنصر ألألهي يمكنه أن يرجع الى موطنه اللائق به في المملكة الروحية التي لايدركها عقل
والغنوصية بصفتها مذهب فلسفي وديني في آن واحد ، سعت الى حلِّ المشكلة الفلسفية العويصة التي كانت متناقلة في ذلك الزمن ، وهي مشكلة التوفيق بين وجود  الله ووجود الشرّ ، فأدَّعت أنّها المذهب الديني الوحيد الذي يبشِّر بخلاص البشر . وكونها  أيضا مذهبا  تأليفيا  أو توفيقيّا كما ذكرنا ، فلقد أخذت كُلِّ ما تعلِّمه  الديانات  الفارسية والمصرية والهلّينية ، خصوصا ما علَّمتهُ ثنائية زرادشت والتي تنادي بوجود صراع دائم بين قوى النور والظلام ، وقوى الخير والشرّ ،( الديانة ألأسلامية تأثرت بهذه الثنائية). كذلك اثّرت في  الغنوصية فلسفة الزهد عند البوذيّين ، وكذلك فلسفة "فيلون ألأسكندري" الذي سعى الى مزج اليهودية بالفلسفة ألأفلاطونية . بيد أنَّ تأثيرها بالأفلاطونية المحدثة ، التي بدورها تأثّرت بوثنية الشرق والغرب ، كان شديدا حدّ أنَّ جميع التيارات الفكرية والدينية الباقية أصبح تأثيرها قليلا أمام هذه الفلسفة التي كانت تبشّر بالمباديء النظرية التالية:
1-بالوسطاء بين الله والعالم
2-وبالنظرة النسكية –الزهدية-  الصوفيّة الطبيعية ألتي أخذتها عن الفيثاغوية الحديثة
3-وبقيمة الفرد ومعنى الواجب ألأخلاقي وقد أخذتهما عن الرواقية الحديثة....وغير ذلك من المبادئ المماثلة.
علّم الغنوصيين أنّ المعرفة الكونيّة الموحى بها هي جوهر جميع الأديان ، وأنَّ خلاص ألأنسان يكمن في هذه المعرفة التأملية الموحى بها ، وأنّ الحدس الخاص هو الذي يميّز النخبة من البشر ، وانَّ طقوس السحرهي الطريق للوصول الى هذه المعرفة الكونية والى النقاوة بعد تحرير الروح من سجن المادّة . كذلك آمن غالبية أتباع الغنوصية أنَّ يسوع هو مجرد انسان ، وأنّ الله أرسل أبنه المسيح كي يحلَّ فيه بصفة موقتة عند أعتماده من يوحنا . لكن هذا المسيح غادر جسد يسوع عند صلبه ، مستندين في قول ذلك الى صرخة يسوع على الصليب:"الهي .....الهي ....لماذا تركتني؟". فالمادة التي حقَّرها الغنوصيّون دفعتهم الى رفض فكرة التجسّد ، معتبرين أنّ المسيح هو مجرّد وهم ،لا بل هو من الخيال . فالمسيح لم يكن له جسد حقيقي ، بل بدا كذلك . وهذا المذهب الذي أنكر ناسوت المسيح هو مذهب الدوستية ( أو المظهرية ) الذي يعتبر أنَّ يسوع لم يكن له الاّ مظهر ، وأن ّ المسيح لم يصلب ، بل سمعان القيرواني هو الذي صُلب بدلا منهُ  (وهذا الأعتقاد هو مشابه لمعتقد الأسلام  ، كما ورد في آية قرآنية"وما صلبوه وما قتلوه لكن شُبّه به")
مراحل تطور الفكر الغنوصي:
لقد مرت الغنوصية بمراحل ثلاث
1-المرحلة ألأولى هي مرحلة ماقبل المسيحية ، وقد تأثّرت بالأفكار ألأغريقية واليهودية والمصادر الشرقيّة .
2-المرحلة الثانية تأثرت الغنوصية بالأفكار المسيحية ، وخصوصا بالأيمان بأنّ المسيح سوف يخلّص البشر.
3- المرحلة الثالثة هي المرحلة الأخطر لأنّها عدَّلت تعاليم المسيحية على نحو يروق للوثنيين ، ألأمر الذي هدّد الدين المسيحي  لافي جوهره وحسب ، بل في وجوده بالذات.
آباء الكنيسة لخّصوا السمات المشتركة بين غالبية الفرق الغنوصية بالنقاط الثلاث ألآتية:
أولا: الأيمان بثنائية الروح والجسد ، والخير والشرّ ، والنور والظلمة ن وافتراض وجود صراع وعداوة سرمديَّتين بين الله والمادة .
ثانيا : ألأيمان بوجود اله أدنى اسمه "الديميورج" وهو صانع العالم ، ووجوده مستقلّ عن وجود الله
ثالثا : ألأعتقاد بانَّ تجسّد الكلمة (المسيح ) ليس سوى وهم  خادع .
هذه النقاط الثلاث يقول فيها القديس "ايريناوس" أسقف مدينة ليون  في كتابه "ضدَّ البدع " ، ليست  وحدها ما يحدد تعاليم الفرق الغنوصية . ف"فلانتينوس" أحد زعماء الغنوصية ،حرّف ألأنجيل ونُسب اليه كتابا دعاهُ "انجيل الحق" و"مارقيون"رفض العهد القديم ،وكان موقفه من العهد الجديد انتقائيا بمعنى أنَّه وأتباعه فضّلوا انجيل القديس يوحنا ورفضوا ألأناجيل ألأزائية الباقية ، و"باسيليدوس" أطلق على "الديميورج" أسم" أّركون " أو حاكم العالم ، والغنوصيّون المعروفون ب"ألأوفيّين" آثروا تسميته ب"يالدابوث" أي ابن الفوضى الذي جاء الى الوحود نتيجة سقوط ألأيون المنبعث من الله والمؤدي الى تكوين العالم المادي ، محتلا  بذلك مركزا وسيطا بين الله والمادّة ، ومعتليا عرشه بين ألأجرام السماوية التي يسيطر عليها ، وينضم ماسيون (مارقيون) الى هؤلاء ألأوفيّين المعادين ليهوه . أمّا مارسيون وألأوفيون الذين أضمروا العداوة فيصوّرونه بصورة سيئة باعتباره كائنا يقف في طريق الله ويقاوم أهدافه . في حين أنَّ الغنوصيين المتعاطفين مع اليهود أمثال باسيليدوس وفلانتينوس يرون أنّه مجرد أداة محدودة وغير واعية يستخدمها الله لتمهيد الطريق نحو الخلاص.
الغنوصيّون اذا ، بالغوا في اتجاهين متناقضين . فقسم منهم أعلى من شأن الروح وحطّ من شأن الجسد ، حتى انتهى به ألأمر الى الزهد والتشاؤم من الحياة، والقسم ألآخر غرق في المللذّات . ولقد رأت الكنيسة أنَّ أزدراء الغنوصيّين الجسد دفعهم الى نقيضين متعارضين كُلّ التعارض ، ألأول هو الغرق في التقشّف والزهد ، والآخر الغرق في التهتُّك والأنحلال . ولقد علّم بعض الغنوصيّين أنَّ ارضاء ألأنسان شهواته هو السبيل الوحيد لكبح جماحها ولأخضاع ألجسد وأذلاله . وهذه كانت دعوة واضحة وصريحة الى ألأنفلات ألأخلاقي .
ولقد مثّل الغنوصية المتشائمة والزاهدة في الحياة مارسيون (أو مرقيون) وساتورنينوس وتاسيانوس والمانويّون ، وبلغ تزهّدهم حدّا دفعهم الى ألأمتناع عن الزواج وعن تناول أنواع معيّنة من الطعام، ساعين ، قدر المستطاع ، الى ألأبتعاد من دنس المادةّ حتى يتجنّبوا الوقوع في الشرّ الذي أعتبروا المادة سببا في وجوده .
وأمّا الغنوصية الفاحشة ، فلقد مثّلها النيقولاويون(راجع رؤيا6:2) والكاربوكراتيّون والأوفيّون ، والأنيتاكتيّون الذين علّموا أنَّ أخضاع الجسد لمشيئة الروح لن يتمَّ الاّ بأغراقه في الملذّات حتّى يملَّها ويزهد بها. وهذه الطائفة من الغنوصية أنتشرت في مصر وراحت تدافع عن ممارسة العهر والدعارة العلنيّين .
لقد دافع الرسول بولص عن المسيحية الحقيقية ضد بدعة الغنوصية  في رسالته الى مؤمني كولوسي حيث ركّز على أنَّ ألأيمان المسيحي قائم على حقيقة انّنا (أي المؤمنون) في المسيح نستطيع أن نرى كُلِّ ما نحن في حاجة الى رؤيته مما أعدّهُ الله لنا . وواجه الرسول بولس القائلين بأن الجسد شر ,بالقول : انَّ الله نفسه سكن في جسد ، أي أنّه كان متجسّدا في يسوع المسيح ، وانّ في يسوع نرى انسانا كاملا والها كاملا. وردّ بولس الرسول على القائلين بأنَّ المعرفة هي سر الخلاص والتمسك بالحكمة البشرية والتقليد والفلسفة  لأنّ هذه الأمور في ذاتها يمكن أن تكون مضلّلة وضحلة لأنّها من أصل بشري"راجع كولوسي 4:2" . وعوضا عن ذلك علينا أن نذكر ما علَّمه المسيح ونحفظ كلامه كصاحب السلطان ألأعلى ففي المسيح كل الكفاية للخلاص من الخطيئة لأنَّ الله قد أختارنا ويجب علينا أن نحيا حياة جديدة كممثلين للرب يسوع المسيح .فالمؤمنين أنتقلوا من الظلمة الى النور ، من العبودية الى الحرية ، من الشعور بالألم الى يقين الغفران  ،ومن سلطان الشيطان الى سلطان الله . لقد نجونا من مملكة العصيان لنخدم الملك الحقيقي"كولوسي13:1"
هكذا أستخدم الرب يسوع المسيح تلميذه يوحنا البشير في مدح الكنيسة في أفسس لأنّهم كانوا يكرهون أعمال النيقولاويين "رؤيا6:2" *
هذا بالأضافة الى فرق غنوصية اخرى لها اتجاهات معيّنة سنتكلم عنها  وعن أبرز مؤسّسيها في المقالات القادمة انشاء الله.
 ---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
-المصدر الرئيسي لهذه المقالة مقتبس من1
كتاب الكنيسة الكاثوليكية والبدع –مقدمة عامة- ألأب جورج رحمة
2-الكتاب المقدس
"النيقولاويون" يمكن ارجاعه الى الكلمة العبرية "بنو بلعام .وبلعام هو النبي الذي أغوى شعب*
اسرائيل لكي يتمادوا في شهواتهم الرديئة- المصدر الكتاب المقدس –التفسير التطبيقي

87

ألأسلاميّيون قادمون والربيع العربي قد يتحوَل الى شتاء قاسي
نافع البرواري
انّ الثورات  في العالم العربي كانت في بداياتها ثورات شبابية تحمل أفكارا ليبرالية علمانية منفتحة على العالم الحر وكانت لها مبادئ قيّمة  نستطيع تلخيص هذه المباديء الرئيسية بالحرية والديمقراطية والمساوات ، ولكن الأحزاب الأسلامية قفزت على أكتاف هذه الثورات لتنفرد بقيادتها ويتم تهميش أدوار الشباب  والنخب المثقفة من الطبقة الوسطى ، لا بل تم خطف نجاح هذه الثورات  وتم سلب ارادتها وقتل طموحاتها وخنق اصواتها وتشتيت جهودها بأنقلاب الأحزاب الأسلامية على هذه الثورات ، وعلى رأسهم الأخوان المسلمون ،  وبهذا حدث ما كنا نتوقع حدوثه منذ البداية .
يقول الدكتور وسيم السيسي وهو باحث في علم المصريات:"ألأخوان المسلمين ومنذ 80 سنة موجودين تحت السطح ولهم أعمال غير سليمة من تحت ولكن ظاهريا يقومون بأعمال خيرية ...انهم صناعة بريطانية  أوجدها الأنكليز لأحداث شق في الشعب المصري  تحالفوا مع الملك فاروق وأسماعيل باشا صدقي في حين كان الشعب يتظاهر ضد الأخير وبعد ثورة 1952  وقفوا ضد حزب الوفد  انّهم يتلاعبون بالألفاظ ويتحالفون مع الحكام  واحيانا كثيرة يلجؤون الى الأرهاب ويغتالون ألأشخاص  الذين يفضحون أعمالهم ...سبب قوّتهم هو غياب القانون وهي ضعيفة عندما يكون هناك حكم مدني ....اليوم الناس تلجأ الى هذه الأحزاب ليس حبا بهم بل بسبب القمع العسكري  ....مصر في عهد حسني مبارك (نظام عسكري) لم تفهم بالسياسة  وتم في عهد الحكومات العسكرية  استقطاب التعليم ، ففي سنة 1952 كان هناك 800 معهد أزهري  أمّا اليوم فهناك 1800 معهد أزهري   حتى أن الطلبة لا يعرفون عن وجود المسيحيين الأقباط  في البلد  وانّ العالم كله كافر  ..... ألأحزاب ألأسلامية ممولة من الخارج ومن الداخل ....انّها ليست أحزاب اسلامية بل تتسربل بالدين  . ويضيف قائلا انّ الحالة الدينية في مصر (والدول العربية ) تشبه الحالة الدينينة في العصر العباس الثاني  حيث أصبح الدين رياء (أي مظاهر خارجية)".
أمّا المؤرخ والكاتب السياسي عبدالعظيم رمضان فيقول: "انَّ الأخوان المسلمين ومنذ ايام جمال عبدالناصر  معروفين بمناوراتهم وخبثهم السياسي فمرة  كانوا مع جمال عبدالناصر ومرة مع محمد نجيب  ، وكانوا يحاولون ألأيقاع بين ألأثنين و ينتظرون  الفرصة للوصول الى الحكم والأنفراد به " .
 نعم ها هو اليوم الذي كان ألأخوان  ينتظرونه  ولن يهدروا الوقت والجهد وسوف يحاولون الأيقاع بين الأحزاب الأخرى بكل الطرق والوسائل القذرة . التنظيمات الأسلامية وخاصة الأخوان المسلمون قد غيّروا ولو في الظاهر تكتيتكهم السياسي السابق الذي كان مبنيا على التعصب والعنف وتكفير من لا يأيدهم واصبحوا يتّقنون لعبة السياسية التي تقول"الغاية تبرر الوسيلة" حتى بالتحالف مع ألأقباط المسيحيين وحتى مع الشيطان ألأكبر أمريكا، والذي تابع أحداث الثورات العربية  سيصل الى هذه الحقيقة  في أنّ الأحزاب الأسلامية  كانت تقف احيانا كثيرة مع الأنظمة الدكتاتورية  بل الغالبية كانت بوقا لهذه ألأنظمة وكانت  تمجّد الحاكم في منابر الجوامع والأعلام لا بل كانت حتى في بدايات ثورات الربيع العربي تقف امّا مع النظام او احيانا محايدة وعندما كانت ترى ميزان القوى لصالح الثوار كانت تقف معهم  أي بمعنى آخر ألأحزاب الأسلامية وعلى مر التاريخ كانت كالطفيليات التي تعيش على حساب الآخرين و تتملق احيانا للحاكم ولم نسمع على مر السنين وقوفها بجانب الشعب ضدّ الحكَّام ، بل احيانا كثيرة كانت تمثل الحاكم وتدافع عنه بل كانت بوق الحاكم ، فمعظم حكام العرب استعانوا بالأحزاب الأسلامية ودعموها ماديا ومعنويا بعد تحالفات وعهود بينهما لضرب الحركات العلمانية والنخبة المثقفة وكل الأحزاب الليبرالية ، وكان نتيجة ذلك تفكيك الأحزاب العلمانية واختفائها لا بل غياب هذه التنظيمات وهجرة الكثيرون من مؤسسيها الى خارج اوطانهم هربا من بطش الحكام  وتكفير ألأحزاب الأسلامية لهم .
هناك عوامل وأسباب كثيرة أدّت الى صعود نجم الأحزاب الأسلامية وسيطرتها  على ساحات الثورات الشبابية يمكن تلخيص أهمَها بالنقاط التالية:
1- أعتمادهذه ألأحزاب على الدعم المالي والفكري من قبل دول الخليج العربي وخاص السعودية لنشر الفكر الوهابي في العالم العربي ، وتمَّ كلِّ  هذا بمباركة أمريكية لصد المد الشيوعي على الدول العربية والأسلامية منذ بداية السبعينات لغاية تفكك الأتحاد السوفيتي ، وهذا ما تجلّّى في أفغانستان عندما حاول الأتحاد السوفيتي تحويل افغانستان الى الشيوعية فكان لا بد لأمريكا أن تدعم الأحزاب الأسلامية للحد من تأثير الأحزاب والفكر الشيوعي في هذه المجتمعات.
2- بعد فشل الأحزاب القومية والأشتراكية العربية ، وبعد انقلابات دموية حتى بين تلك الأحزاب للوصول الى السلطة  الشمولية  بدأت الأحزاب الأسلامية بالظهور في الساحة العربية من جديد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي ، ولكنها قدمت هي ايضا صورة سيئة  وبشعة للعالم العربي بما قامت به من الأرهاب والمجازر الوحشية وخاصة في مصر والجزائر فقدمت بذلك خدمة للأنظمة الدكتاتورية لقمعها وتشتيتها وزج قياداتها في غياهب السجون أو النفي  .
3- حين ظهر أنّ الأنظمة الحاكمة في الدول العربية أصبحت انظمة شمولية واكثر من ذلك أصبح الحاكم يورث ابنائه الحُكم  وكل هذا يتم باسم الديمقراطية والحرية والضحك على شعوبهم  ، أنقطعت العلاقة بين الشعب والحاكم ، بسبب طغيان الحكّام ، وتم تشييّد سورا عاليا بين  هؤلاء الحكام  وبين شعوبها  فعانت الشعوب العربية ويلات هؤلاء الحكام الدكتاتوريين لعشرات السنين . أستغلّت  الأحزاب الأسلامية هذه الظروف ولجأت الى أقوى سلاح لنشر فكرها الديني وهوالغسيل الفكري للأنسان العربي وهو في حالة ألأحباط واليأس والهزيمة   نتيجة الظلم وأستبداد الحكام فلجأت ألأحزاب الأسلامية الى عامل الدين (كما هي عادتها) لتستغل الشعوب العربية  خير استغلال . من الجانب الآخر  وجدت الشعوب العربية  أنَّ خير ملجأ يلجؤون اليه هو الدين للهروب من هذا الواقع المرير بدل الثورة على هذا الواقع ، فارتدوا الى الدين  ، وان ّ هذا الأرتداد  لم يكن مبنيا على القناعة الأيمانية بل نتيجة القهر والحرمان والأحباط  حالهم حال المدمنين على المخدرات ، وهنا ينطبق عليهم قول ماركس "الدين افيون الشعوب" .
وألأمثلة عندنا ، عن كيفية تحوّل ألأنظمة الأسلامية والعربية من العلمانية  الى أنظمة دينية  نتيجة (ما ذكرناه من الأسباب ) مثال على ذلك ايران ، بعد سقوط  الشاه  وسيطرة الأحزاب ألأسلامية الشيعية الثيوقراطية ، والعراق ، بعد سقوط صدام حسين وسيطرة حزب الدعوة وغيرها من ألأحزاب الأسلامية ، وتركيا ، ما بعد  اتاتورك ومن جائوا بعده ، حيث فاز حزب العدالة والتنمية ألأسلأمي  . وها هي تونس وبعد سقوط زين العابدين بن علي ، يفوز حزب النهضة (ألأخوان المسلمون ) في الأنتخابات وسوف نشهد صعود ألأحزاب ألأسلامية لأستلام السلطة  في كل من مصر وليبيا وسوريا  واليمن  ....  وووالخ . ولا ننسى انّ أمريكا هي التي اطاحت بنظام الشاه الأيراني حيث أتت بخميني ( الذي كان حينها في باريس!!!) والذي أقام الجمهورية الأسلامية في ايران وهكذا شجعت أمريكا تركيا بكبح جماح العسكر والأتيان بحزب العدالة والتنمية ألأسلامي  الذي يقود تركيا اليوم ، وكذلك بعد أسقاط صدام حسين  أتت امريكا بالأحزاب الأسلامية  على رأس  السلطة.
4-في  أيّام ثورات الربيع العربي ضخّت السعودية وغيرها من دول الخليج مليارات الدولارات لكسب المواطنين وخاصة الفقراء والمعدومين وشراء ذممهم (كما حصل في مصر ايّام  ثورة 25 مايو) والدعاية الداخلية للأحزاب الأسلامية من على منابر الجوامع والأعلام المسيّس وخاصة القنواة الفضائية الممولة لهذه الجهات  حتى رأينا رفع العلم السعودي في شوارع القاهرة ايّام الثورة .
5-انتشار الجهل والأمية في البلاد العربية وهذا ساعد الأحزاب  الأسلامية  لكسب الطبقة الفقيرة والأميّة  بسهولة بالترهيب حينا وبالترغيب حينا اخر، أضافة للمساعدات المالية وشراء ذمم هذه الطبقة (وهي تشكّل نسبة عالية من الشعب العربي حيث نسبة الأميّة في الوطن العربي حوالي  40-50% من نسبة السكان) . مما سيعزِّز فوز الأحزاب الأسلامية لأعتمادها على أسواط هذه الفئة من الشعب.
6- لايمكن لأيّ حزب علماني ينادي بالديمقراطية والحرية ( ومنها في سبيل المثال حرية العقيدة وحرية المرأة وحقوق الأنسان ) أن ينجح في ألأنتخابات بنسبة تأهله لقيادة هذه الشعوب طالما هناك كما قلنا نسبة عالية من الشعب الذي لم يذق طعم الحرية ولا يعرف معنى الديمقراطية ، فالبيئة الحالية للمجتمعات  العربية ليست  مؤهَّلة لقيادة الأحزاب العلمانية والنخب المثقفة لتطبيق مبادئها في هذه المجتمعات المتخلفة ثقافيا وعلميا وسياسيا واجتماعيا  وحضاريا. انَّ ما نقوله مستند الى الواقع فها هم قادة الشباب التونسيين وعلى رأسهم الأحزاب العلمانية يتفاجئون بفوز حزب النهضة الأسلامي ليحصد لوحده حوالي نصف نسبة الأصوات في الأنتخابات التي حدثت قبل أيّام في تونس. وهكذا كل الدلائل تشير في ليبيا بأن الأحزاب الأسلامية هي القادمة لتستلم القيادة في ليبيا  بعد ان تفوز في الأنتخابات المقبلة والدليل  هناك مزايدات بين القادة الموقتين بالمنادات بدستور يخضع للشريعة الأسلامية وكذلك في مصر حيث الأخوان وبقية الأحزاب الأسلامية متمسكين بأنّ وضع الدستور سيتم بعد الأنتخابات ،  لثقتهم بنجاحهم في الأنتخابات القادمة ، ليضعوا الدستور المستمد من الشريعة الأسلامية على أساس الفوز بالأغلبية ، وليس على اساس توافقي لكل فئات الشعب.
السؤال الذي يتبادر الى ذهن القاريء هو لماذا تساعد السعودية ودول الخليج العربي الأحزاب الأسلامية في الوطن العربي وخاصة حزب الأخوان المسلمون؟
الأجابة بكل بساطة هو انّ  الأخوان المسلمون هم من خلفية وهابية وهناك اتفاق قديم بين حكام السعودية مع الوهابيين على موالات الأحزاب الأسلامية لآل سعود بالمقابل آل سعود يدافعون ويتمسكون بالفكر الوهابي ، ولا ننسى من ناحية ثانية انّ السعودية  لها طموح في خلافة أسلامية على جميع الدول العربية والأسلامية وتكون السعودية هي ألأرض المقدسة لهذه الدول  ويطمح آل سعود ليصبحوا خلفاء على المسلمين . والأهم من كل ذلك هو أنَّ الأحزاب ألأسلامية هي ضد الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان فلم يكونوا يوما من الآيام ديمقراطيين لأنَّ مبادئهم تتقاطع مع الحرية والديمقراطية ، فالمبادئ الأنسانية هي  العدو اللدود للمملكة العربية السعودية ، بينما ألأحزاب الليبرالية العلمانية التي تنادي بالأنفتاح على العالم الحر وشعارها الحرية والديمقراطية وتطبيق حقوق الأنسان  وهذا الفكر تخاف منه المملكة لأنّه قد يطيح بعرش آل سعود  اذا استلمت الأحزاب الليبرالية العلمانية انظمة الحكم في الدول العربية بعد الربيع العربي .
السؤال الأهم وهو ما هو مصلحة أمريكا بمجيء الأحزاب الأسلامية واستلامها الحكم في الدول العربية؟
في الحقيقة  الأجابة على هذا السؤال علينا أن نعرف أنَّ السياسة الأمريكية مبنية على المصالح وهي تبني سياستها الأستراتيجية على ضوئها ، وهي عندما رأت أن ألأنظمة الدكتاتورية في الوطن العربي أصبحت عبئا على كاهلها نتيجة جشع وطمع هذه الأنظمة وتمردها على أمريكا ، رأت ألأخيرة (كمافعلت مع شاه ايران وصدام حسين) أن تأتي بالأحزاب الأسلامية خدمة لمصالحها وليس خدمة للشعوب العربية ، فأمريكا تفاوضت مع الأحزاب ألأسلامية وخاصة حزب الأخوان المسلمين حتى قبل الربيع العربي وهي كما تقول كلنتون وزيرة الخاريجة ألأمريكية " أن لا مانع من وصول التيار الأسلامي طالما الشعب العربي يختارها في الأنتخابات !!!." ولكن في الحقيقة هي تفضّل ألأحزاب الأسلامية على الأحزاب العلمانية ، لأنَّ الأحزاب العلمانية تؤمن باصلاحات شاملة في بلدانها بدءا بالدستور ليكون دستورا مبني على حقوق الأنسان والحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة ، بينما الأحزاب الأسلامية لا تؤمن بالحرية والديمقراطية والمساوات بين ابناء الوطن الواحد وهذا يُسهّل على أمريكا لخلق دكتاتوريات من نوع اخر، حيثُ تكرِّس الطائفية  وتخلق صراعات دينية في المنطقة للحد من زحف المد الشيعي الأيراني وأدخال المنطقة في دوّامة من الصراعات الفكرية بين الأصلاحيين والأسلاميين (كما يحدث الآن في ايران والعراق) لهدف اضعاف هذه الدول ، وسهولة التدخل في شؤونها الداخلية. كما انّ امريكا بهذه الخطة( خطة الشرق ألأوسط الجديد) سيتسنى لها  وجود دائم في المنطقة بحجة حمايتها من النفوذ ألأيراني المتزايد والحد منه  كما يحدث ألآن في الخليج العربي. ومن المعلوم ان من يأتي بهذه الأحزاب (الأسلامية )عنده ورقة الضغط عليها في حالة  خروجها عن دورها المرسوم سابقا ،  كما حدث للأنظمة الدكتاتورية عندما حاولت التمرد على أمريكا (نتيجة هشاشة القانون لهذه الدول) ، الأمثلة على ما نقول هي كُلِّ من ، نظام البعث في العراق وسورية وكذلك نظام حسني مبارك ونظام معمر القذافي .....الخ)
الخلاصة
انّ الثورات الشبابية العربية نجحت وفشلت في آن واحد
فهي نجحت في الأطاحة بالأنظمة الدكتاتورية وفشلت (الى الآن على ألأقل) في الوصول الى أهدافها بسبب وصول الأحزاب الأسلامية التي ستبقى كابوسا على صدور شعوبها كما حدث في ايران ، فقد أطيح بنظام الشاه الدكتاتوري ولكن الثورة الأسلامية أتت بما هو أبشع من نظام الشاه بما لايقاس حيث ولاية الفقيه الذي يستمد سلطته من الله ولا يستطيع الشعب التخلص من هذا النظام المرعب بالرغم من محاولات الأصلاحيين دون جدوى ، حيث أستطاع هذا النظام أن يحكم  الشعب الأيراني بالحديد والنار منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وهكذا هو أيضا النموذج العراقي بعد سقوط صدام حسين ، حيث كلنا يعرف كيف حاربت الأحزاب الأسلامية بعضها البعض ، وهل سننسى الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة ولا زال العراق يعيش على فوهة بركان الحروب الطائفية ، والتي اشعلتها هذه الأحزاب بمساندة سعودية (للسنة) وأيرانية(للشيعة) وبمباركة أمريكية (لهذه الفوضى الخلاّقة) ؟ . هكذا قد تتحوّل ثورات الربيع العربي الى شتاء قاسي قد يطول عشرات السنين ،  وهكذا قد تتحوّل  أحوال الشعوب والمجتمعات العربية الى الأسوء  ان هي قبلت حكم الأحزاب الأسلامية ، وستكون هذه الأحزاب مثل النار في الهشيم تحرق وتدمر وتعيث فسادا في الأرض ،  وستعيش الشعوب العربية  حالة من الرعب والخوف والتخلف في كافة ميادين الحياة ،  وستكون الكارثة لهذه الشعوب لامحالة . فهل يتعلم الشعب العربي دروسا وعبر من التاريخ؟ سؤال نطرحه للشعب العربي عسى ولعلَّ أن يفيقَ من نومه العميق  وينتفض على واقعه المرير ويختار لنفسه الحياة بدل الموت والحرية والكرامة بدل الذل والخنوع لأي قوة مهما كانت جبروتها طالما أنكسرَ حاجز الخوف لدى هذه الشعوب .

88

ألأسلاميّيون قادمون والربيع العربي قد يتحوَل الى شتاء قاسي
نافع البرواري
انّ الثورات  في العالم العربي كانت في بداياتها ثورات شبابية تحمل أفكارا ليبرالية علمانية منفتحة على العالم الحر وكانت لها مبادئ قيّمة  نستطيع تلخيص هذه المباديء الرئيسية بالحرية والديمقراطية والمساوات ، ولكن الأحزاب الأسلامية قفزت على أكتاف هذه الثورات لتنفرد بقيادتها ويتم تهميش أدوار الشباب  والنخب المثقفة من الطبقة الوسطى ، لا بل تم خطف نجاح هذه الثورات  وتم سلب ارادتها وقتل طموحاتها وخنق اصواتها وتشتيت جهودها بأنقلاب الأحزاب الأسلامية على هذه الثورات ، وعلى رأسهم الأخوان المسلمون ،  وبهذا حدث ما كنا نتوقع حدوثه منذ البداية .
يقول الدكتور وسيم السيسي وهو باحث في علم المصريات:"ألأخوان المسلمين ومنذ 80 سنة موجودين تحت السطح ولهم أعمال غير سليمة من تحت ولكن ظاهريا يقومون بأعمال خيرية ...انهم صناعة بريطانية  أوجدها الأنكليز لأحداث شق في الشعب المصري  تحالفوا مع الملك فاروق وأسماعيل باشا صدقي في حين كان الشعب يتظاهر ضد الأخير وبعد ثورة 1952  وقفوا ضد حزب الوفد  انّهم يتلاعبون بالألفاظ ويتحالفون مع الحكام  واحيانا كثيرة يلجؤون الى الأرهاب ويغتالون ألأشخاص  الذين يفضحون أعمالهم ...سبب قوّتهم هو غياب القانون وهي ضعيفة عندما يكون هناك حكم مدني ....اليوم الناس تلجأ الى هذه الأحزاب ليس حبا بهم بل بسبب القمع العسكري  ....مصر في عهد حسني مبارك (نظام عسكري) لم تفهم بالسياسة  وتم في عهد الحكومات العسكرية  استقطاب التعليم ، ففي سنة 1952 كان هناك 800 معهد أزهري  أمّا اليوم فهناك 1800 معهد أزهري   حتى أن الطلبة لا يعرفون عن وجود المسيحيين الأقباط  في البلد  وانّ العالم كله كافر  ..... ألأحزاب ألأسلامية ممولة من الخارج ومن الداخل ....انّها ليست أحزاب اسلامية بل تتسربل بالدين  . ويضيف قائلا انّ الحالة الدينية في مصر (والدول العربية ) تشبه الحالة الدينينة في العصر العباس الثاني  حيث أصبح الدين رياء (أي مظاهر خارجية)".
أمّا المؤرخ والكاتب السياسي عبدالعظيم رمضان فيقول: "انَّ الأخوان المسلمين ومنذ ايام جمال عبدالناصر  معروفين بمناوراتهم وخبثهم السياسي فمرة  كانوا مع جمال عبدالناصر ومرة مع محمد نجيب  ، وكانوا يحاولون ألأيقاع بين ألأثنين و ينتظرون  الفرصة للوصول الى الحكم والأنفراد به " .
 نعم ها هو اليوم الذي كان ألأخوان  ينتظرونه  ولن يهدروا الوقت والجهد وسوف يحاولون الأيقاع بين الأحزاب الأخرى بكل الطرق والوسائل القذرة . التنظيمات الأسلامية وخاصة الأخوان المسلمون قد غيّروا ولو في الظاهر تكتيتكهم السياسي السابق الذي كان مبنيا على التعصب والعنف وتكفير من لا يأيدهم واصبحوا يتّقنون لعبة السياسية التي تقول"الغاية تبرر الوسيلة" حتى بالتحالف مع ألأقباط المسيحيين وحتى مع الشيطان ألأكبر أمريكا، والذي تابع أحداث الثورات العربية  سيصل الى هذه الحقيقة  في أنّ الأحزاب الأسلامية  كانت تقف احيانا كثيرة مع الأنظمة الدكتاتورية  بل الغالبية كانت بوقا لهذه ألأنظمة وكانت  تمجّد الحاكم في منابر الجوامع والأعلام لا بل كانت حتى في بدايات ثورات الربيع العربي تقف امّا مع النظام او احيانا محايدة وعندما كانت ترى ميزان القوى لصالح الثوار كانت تقف معهم  أي بمعنى آخر ألأحزاب الأسلامية وعلى مر التاريخ كانت كالطفيليات التي تعيش على حساب الآخرين و تتملق احيانا للحاكم ولم نسمع على مر السنين وقوفها بجانب الشعب ضدّ الحكَّام ، بل احيانا كثيرة كانت تمثل الحاكم وتدافع عنه بل كانت بوق الحاكم ، فمعظم حكام العرب استعانوا بالأحزاب الأسلامية ودعموها ماديا ومعنويا بعد تحالفات وعهود بينهما لضرب الحركات العلمانية والنخبة المثقفة وكل الأحزاب الليبرالية ، وكان نتيجة ذلك تفكيك الأحزاب العلمانية واختفائها لا بل غياب هذه التنظيمات وهجرة الكثيرون من مؤسسيها الى خارج اوطانهم هربا من بطش الحكام  وتكفير ألأحزاب الأسلامية لهم .
هناك عوامل وأسباب كثيرة أدّت الى صعود نجم الأحزاب الأسلامية وسيطرتها  على ساحات الثورات الشبابية يمكن تلخيص أهمَها بالنقاط التالية:
1- أعتمادهذه ألأحزاب على الدعم المالي والفكري من قبل دول الخليج العربي وخاص السعودية لنشر الفكر الوهابي في العالم العربي ، وتمَّ كلِّ  هذا بمباركة أمريكية لصد المد الشيوعي على الدول العربية والأسلامية منذ بداية السبعينات لغاية تفكك الأتحاد السوفيتي ، وهذا ما تجلّّى في أفغانستان عندما حاول الأتحاد السوفيتي تحويل افغانستان الى الشيوعية فكان لا بد لأمريكا أن تدعم الأحزاب الأسلامية للحد من تأثير الأحزاب والفكر الشيوعي في هذه المجتمعات.
2- بعد فشل الأحزاب القومية والأشتراكية العربية ، وبعد انقلابات دموية حتى بين تلك الأحزاب للوصول الى السلطة  الشمولية  بدأت الأحزاب الأسلامية بالظهور في الساحة العربية من جديد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي ، ولكنها قدمت هي ايضا صورة سيئة  وبشعة للعالم العربي بما قامت به من الأرهاب والمجازر الوحشية وخاصة في مصر والجزائر فقدمت بذلك خدمة للأنظمة الدكتاتورية لقمعها وتشتيتها وزج قياداتها في غياهب السجون أو النفي  .
3- حين ظهر أنّ الأنظمة الحاكمة في الدول العربية أصبحت انظمة شمولية واكثر من ذلك أصبح الحاكم يورث ابنائه الحُكم  وكل هذا يتم باسم الديمقراطية والحرية والضحك على شعوبهم  ، أنقطعت العلاقة بين الشعب والحاكم ، بسبب طغيان الحكّام ، وتم تشييّد سورا عاليا بين  هؤلاء الحكام  وبين شعوبها  فعانت الشعوب العربية ويلات هؤلاء الحكام الدكتاتوريين لعشرات السنين . أستغلّت  الأحزاب الأسلامية هذه الظروف ولجأت الى أقوى سلاح لنشر فكرها الديني وهوالغسيل الفكري للأنسان العربي وهو في حالة ألأحباط واليأس والهزيمة   نتيجة الظلم وأستبداد الحكام فلجأت ألأحزاب الأسلامية الى عامل الدين (كما هي عادتها) لتستغل الشعوب العربية  خير استغلال . من الجانب الآخر  وجدت الشعوب العربية  أنَّ خير ملجأ يلجؤون اليه هو الدين للهروب من هذا الواقع المرير بدل الثورة على هذا الواقع ، فارتدوا الى الدين  ، وان ّ هذا الأرتداد  لم يكن مبنيا على القناعة الأيمانية بل نتيجة القهر والحرمان والأحباط  حالهم حال المدمنين على المخدرات ، وهنا ينطبق عليهم قول ماركس "الدين افيون الشعوب" .
وألأمثلة عندنا ، عن كيفية تحوّل ألأنظمة الأسلامية والعربية من العلمانية  الى أنظمة دينية  نتيجة (ما ذكرناه من الأسباب ) مثال على ذلك ايران ، بعد سقوط  الشاه  وسيطرة الأحزاب ألأسلامية الشيعية الثيوقراطية ، والعراق ، بعد سقوط صدام حسين وسيطرة حزب الدعوة وغيرها من ألأحزاب الأسلامية ، وتركيا ، ما بعد  اتاتورك ومن جائوا بعده ، حيث فاز حزب العدالة والتنمية ألأسلأمي  . وها هي تونس وبعد سقوط زين العابدين بن علي ، يفوز حزب النهضة (ألأخوان المسلمون ) في الأنتخابات وسوف نشهد صعود ألأحزاب ألأسلامية لأستلام السلطة  في كل من مصر وليبيا وسوريا  واليمن  ....  وووالخ . ولا ننسى انّ أمريكا هي التي اطاحت بنظام الشاه الأيراني حيث أتت بخميني ( الذي كان حينها في باريس!!!) والذي أقام الجمهورية الأسلامية في ايران وهكذا شجعت أمريكا تركيا بكبح جماح العسكر والأتيان بحزب العدالة والتنمية ألأسلامي  الذي يقود تركيا اليوم ، وكذلك بعد أسقاط صدام حسين  أتت امريكا بالأحزاب الأسلامية  على رأس  السلطة.
4-في  أيّام ثورات الربيع العربي ضخّت السعودية وغيرها من دول الخليج مليارات الدولارات لكسب المواطنين وخاصة الفقراء والمعدومين وشراء ذممهم (كما حصل في مصر ايّام  ثورة 25 مايو) والدعاية الداخلية للأحزاب الأسلامية من على منابر الجوامع والأعلام المسيّس وخاصة القنواة الفضائية الممولة لهذه الجهات  حتى رأينا رفع العلم السعودي في شوارع القاهرة ايّام الثورة .
5-انتشار الجهل والأمية في البلاد العربية وهذا ساعد الأحزاب  الأسلامية  لكسب الطبقة الفقيرة والأميّة  بسهولة بالترهيب حينا وبالترغيب حينا اخر، أضافة للمساعدات المالية وشراء ذمم هذه الطبقة (وهي تشكّل نسبة عالية من الشعب العربي حيث نسبة الأميّة في الوطن العربي حوالي  40-50% من نسبة السكان) . مما سيعزِّز فوز الأحزاب الأسلامية لأعتمادها على أسواط هذه الفئة من الشعب.
6- لايمكن لأيّ حزب علماني ينادي بالديمقراطية والحرية ( ومنها في سبيل المثال حرية العقيدة وحرية المرأة وحقوق الأنسان ) أن ينجح في ألأنتخابات بنسبة تأهله لقيادة هذه الشعوب طالما هناك كما قلنا نسبة عالية من الشعب الذي لم يذق طعم الحرية ولا يعرف معنى الديمقراطية ، فالبيئة الحالية للمجتمعات  العربية ليست  مؤهَّلة لقيادة الأحزاب العلمانية والنخب المثقفة لتطبيق مبادئها في هذه المجتمعات المتخلفة ثقافيا وعلميا وسياسيا واجتماعيا  وحضاريا. انَّ ما نقوله مستند الى الواقع فها هم قادة الشباب التونسيين وعلى رأسهم الأحزاب العلمانية يتفاجئون بفوز حزب النهضة الأسلامي ليحصد لوحده حوالي نصف نسبة الأصوات في الأنتخابات التي حدثت قبل أيّام في تونس. وهكذا كل الدلائل تشير في ليبيا بأن الأحزاب الأسلامية هي القادمة لتستلم القيادة في ليبيا  بعد ان تفوز في الأنتخابات المقبلة والدليل  هناك مزايدات بين القادة الموقتين بالمنادات بدستور يخضع للشريعة الأسلامية وكذلك في مصر حيث الأخوان وبقية الأحزاب الأسلامية متمسكين بأنّ وضع الدستور سيتم بعد الأنتخابات ،  لثقتهم بنجاحهم في الأنتخابات القادمة ، ليضعوا الدستور المستمد من الشريعة الأسلامية على أساس الفوز بالأغلبية ، وليس على اساس توافقي لكل فئات الشعب.
السؤال الذي يتبادر الى ذهن القاريء هو لماذا تساعد السعودية ودول الخليج العربي الأحزاب الأسلامية في الوطن العربي وخاصة حزب الأخوان المسلمون؟
الأجابة بكل بساطة هو انّ  الأخوان المسلمون هم من خلفية وهابية وهناك اتفاق قديم بين حكام السعودية مع الوهابيين على موالات الأحزاب الأسلامية لآل سعود بالمقابل آل سعود يدافعون ويتمسكون بالفكر الوهابي ، ولا ننسى من ناحية ثانية انّ السعودية  لها طموح في خلافة أسلامية على جميع الدول العربية والأسلامية وتكون السعودية هي ألأرض المقدسة لهذه الدول  ويطمح آل سعود ليصبحوا خلفاء على المسلمين . والأهم من كل ذلك هو أنَّ الأحزاب ألأسلامية هي ضد الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان فلم يكونوا يوما من الآيام ديمقراطيين لأنَّ مبادئهم تتقاطع مع الحرية والديمقراطية ، فالمبادئ الأنسانية هي  العدو اللدود للمملكة العربية السعودية ، بينما ألأحزاب الليبرالية العلمانية التي تنادي بالأنفتاح على العالم الحر وشعارها الحرية والديمقراطية وتطبيق حقوق الأنسان  وهذا الفكر تخاف منه المملكة لأنّه قد يطيح بعرش آل سعود  اذا استلمت الأحزاب الليبرالية العلمانية انظمة الحكم في الدول العربية بعد الربيع العربي .
السؤال الأهم وهو ما هو مصلحة أمريكا بمجيء الأحزاب الأسلامية واستلامها الحكم في الدول العربية؟
في الحقيقة  الأجابة على هذا السؤال علينا أن نعرف أنَّ السياسة الأمريكية مبنية على المصالح وهي تبني سياستها الأستراتيجية على ضوئها ، وهي عندما رأت أن ألأنظمة الدكتاتورية في الوطن العربي أصبحت عبئا على كاهلها نتيجة جشع وطمع هذه الأنظمة وتمردها على أمريكا ، رأت ألأخيرة (كمافعلت مع شاه ايران وصدام حسين) أن تأتي بالأحزاب الأسلامية خدمة لمصالحها وليس خدمة للشعوب العربية ، فأمريكا تفاوضت مع الأحزاب ألأسلامية وخاصة حزب الأخوان المسلمين حتى قبل الربيع العربي وهي كما تقول كلنتون وزيرة الخاريجة ألأمريكية " أن لا مانع من وصول التيار الأسلامي طالما الشعب العربي يختارها في الأنتخابات !!!." ولكن في الحقيقة هي تفضّل ألأحزاب الأسلامية على الأحزاب العلمانية ، لأنَّ الأحزاب العلمانية تؤمن باصلاحات شاملة في بلدانها بدءا بالدستور ليكون دستورا مبني على حقوق الأنسان والحرية والديمقراطية وحقوق المواطنة ، بينما الأحزاب الأسلامية لا تؤمن بالحرية والديمقراطية والمساوات بين ابناء الوطن الواحد وهذا يُسهّل على أمريكا لخلق دكتاتوريات من نوع اخر، حيثُ تكرِّس الطائفية  وتخلق صراعات دينية في المنطقة للحد من زحف المد الشيعي الأيراني وأدخال المنطقة في دوّامة من الصراعات الفكرية بين الأصلاحيين والأسلاميين (كما يحدث الآن في ايران والعراق) لهدف اضعاف هذه الدول ، وسهولة التدخل في شؤونها الداخلية. كما انّ امريكا بهذه الخطة( خطة الشرق ألأوسط الجديد) سيتسنى لها  وجود دائم في المنطقة بحجة حمايتها من النفوذ ألأيراني المتزايد والحد منه  كما يحدث ألآن في الخليج العربي. ومن المعلوم ان من يأتي بهذه الأحزاب (الأسلامية )عنده ورقة الضغط عليها في حالة  خروجها عن دورها المرسوم سابقا ،  كما حدث للأنظمة الدكتاتورية عندما حاولت التمرد على أمريكا (نتيجة هشاشة القانون لهذه الدول) ، الأمثلة على ما نقول هي كُلِّ من ، نظام البعث في العراق وسورية وكذلك نظام حسني مبارك ونظام معمر القذافي .....الخ)
الخلاصة
انّ الثورات الشبابية العربية نجحت وفشلت في آن واحد
فهي نجحت في الأطاحة بالأنظمة الدكتاتورية وفشلت (الى الآن على ألأقل) في الوصول الى أهدافها بسبب وصول الأحزاب الأسلامية التي ستبقى كابوسا على صدور شعوبها كما حدث في ايران ، فقد أطيح بنظام الشاه الدكتاتوري ولكن الثورة الأسلامية أتت بما هو أبشع من نظام الشاه بما لايقاس حيث ولاية الفقيه الذي يستمد سلطته من الله ولا يستطيع الشعب التخلص من هذا النظام المرعب بالرغم من محاولات الأصلاحيين دون جدوى ، حيث أستطاع هذا النظام أن يحكم  الشعب الأيراني بالحديد والنار منذ أكثر من ثلاثين سنة ، وهكذا هو أيضا النموذج العراقي بعد سقوط صدام حسين ، حيث كلنا يعرف كيف حاربت الأحزاب الأسلامية بعضها البعض ، وهل سننسى الحرب الأهلية بين الشيعة والسنة ولا زال العراق يعيش على فوهة بركان الحروب الطائفية ، والتي اشعلتها هذه الأحزاب بمساندة سعودية (للسنة) وأيرانية(للشيعة) وبمباركة أمريكية (لهذه الفوضى الخلاّقة) ؟ . هكذا قد تتحوّل ثورات الربيع العربي الى شتاء قاسي قد يطول عشرات السنين ،  وهكذا قد تتحوّل  أحوال الشعوب والمجتمعات العربية الى الأسوء  ان هي قبلت حكم الأحزاب الأسلامية ، وستكون هذه الأحزاب مثل النار في الهشيم تحرق وتدمر وتعيث فسادا في الأرض ،  وستعيش الشعوب العربية  حالة من الرعب والخوف والتخلف في كافة ميادين الحياة ،  وستكون الكارثة لهذه الشعوب لامحالة . فهل يتعلم الشعب العربي دروسا وعبر من التاريخ؟ سؤال نطرحه للشعب العربي عسى ولعلَّ أن يفيقَ من نومه العميق  وينتفض على واقعه المرير ويختار لنفسه الحياة بدل الموت والحرية والكرامة بدل الذل والخنوع لأي قوة مهما كانت جبروتها طالما أنكسرَ حاجز الخوف لدى هذه الشعوب .

89

الثقة وألأتكال على الرب مصدر قوة المؤمن المسيحي
نافع البرواري

"المتوكِّلون على الربِّ هم كجبل صهيونَ ، لايتزعزع بل يثبتُ الى
ألأبد."مزمور1:125"
كثيرا ما يردد الناس كلمة "الثقة" فيقولون انّ َ فلان من الناس هو ثقة  أو يقولون لقد فقدنا الثقة بفلان أو لم يعد هناك ثقة بوعود فلان من الناس.
 الثقة الثقة :هي علاقة اعتماد بين اثنان, الشخص المؤتمن عليه من المفترض ان يفى بوعده, هي رمز وقيمة اخلاقية وايفاء بالوعود وهي كلمة عن ما هو المجهول—على سبيل المثال لانها لا يمكن التحقق منها في الوقت الحالى ولكن من الممكن رؤية نتائجها في المستقبل .
من خلال دراسة كلمة الرب ، ومن خلال اختباراتنا في هذه الحياة ، سنكتشف أنّ الثقة والأيمان مترابطتان  بل انََ" الأيمان هو الثقة بما نرجوهُ وتصديق ما لا نراهُ"عبرانيين 1:11".
انّ أبوينا آدم وحواء سقطا في فخ الشيطان عندما فقدا الثقة بمواعيد الله لهم وأطاعوا الشيطان (أي وثقوا بالشيطان بدل أن يثقوا بالله) ، وبسبب فقدان الثقة بالله صار هناك غضب الهي على البشرية ، فاقسم الله أن لايدخل ألأنسان في راحة يديه الاّ أن يأتي من نسل ألمرأة من يعيد الثقة الى ألأنسان بأبيه السماوي ويصالحهم معه . ولكن كان الثمن غالي  ثمن هذا القسم الألهي ،   ليرجعنا اليه ، اذ قدم أبنه يسوع المسيح نفسه فدية ليصالحنا مع الله ويعيد بهذه المصالحة الثقة المفقودة  وليعطينا  الرجاء بقوله : "ثقوا لقد غلبتُ رئيس هذا العالم" يوحنا3:16" أي الشيطان الذي كان السبب في فقدان الأنسان ثقته بخالقه.
انَّ العديد من مواعيد الله التي أعطاها لأبينا ابراهيم بدت مستحيلة التحقيق ، لكن ابراهيم وثق بالله ، هكذا  تبدو مواعيد الله للمؤمنين مستحيلة التصديق لكن يجب أن نثق في أنَّ الله يحفظ مواعيده ، وهكذا لم ينجح بنو أسرائيل في الدخول الى ارض الموعد لأنَّهم أفتقروا الى الثقة في الله ، ولم يؤمنوا أنَّ الله سيعينهم حتى يهزموا البلاد المزمع دخولها ويقهروها ، وبسبب نقص الثقة فشلوا ، لذلك أرسلهم الله الى البرية ليتيهوا فيها 40 سنة كبديل محزن للعطية العجيبة التي رسمها لهم الله

قبل فترة شاهدت فلما حدثت احداثه اثناء اكتشاف امريكا الشمالية ، ألأرض الجديدة و القارة الجديدة، ولكن قسم من الذين كانوا في بعثة الأكتشاف تمرَّدوا وأرادوا الرجوع الى وطنهم القديم  بسبب بعض المصاعب والمشاكل ، هكذا عندما عبر العبرانيّون البحر ألأحمرليدخلو
الأرض الجديدة ، الأرض التي تنضح عسلاً ولبناً ، الأرض الموعودة ، لكن الكثيرون تذمّروا وفقدوا ثقتهم بمواعيد الله الخلاصية ، فماتوا في ارض سيناء الصحراوية. وكما فعل الشعب في عهد موسى حين تحوَّلوا عن أرض الموعد ، هكذا اليوم كثيرون ، للأسف ، لايريدون دخول مملكة المسيح الخلاصية ، لأنّهم لايثقون بكلام الرب القائل "السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول"متى35:24" لايريدون الدخول الى هذه المملكة الموعودة ، فهم كالذين اكتشفوا القارة الجديدة ولكنهم بقوا على الشاطئ ولم يدخلوا في عمق القارة المكتشفة. للأسف الأنسان يفتش عن الفردوس المفقود دون الرجوع الى يسوع المسيح الذي هو الباب لدخول الأنسان في هذا الفردوس (الملكوت) "يوحنا 10".
اليوم كم نتألم نحن المؤمنين أن نرى أخوة لنا  يثقون  باشخاص أو بعقيدة أو بقومية او  بايدولوجية أو يثقون بمالهم في البنوك أو يثقون بقارئي الكف والسحرة ، ويتّكلون على  قراءة ألأبراج  لخلاصهم وتحقيق اهدافهم وطموحاتهم الزائلة ، ولا يتعلمون الدروس والعبر من تاريخ الله الخلاصي مع شعبه في العهد القديم ولا يثقون بالرب يسوع المسيح ، آدم الثاني ، الذي قهر الموت بالموت وانتصر على الشيطان  وهو يدعونا الى الدخول في ملكوته ألأبدية بالأتكال والثقة به.
الناس اليوم يمكن تشبيه حالهم كركاب سفينة تحوم على بحر هائج بامواج تتلاطم هذه السفينة من كل الجهات وهي معرضة الى الغرق وهؤلاء الناس مضطربين حائرين قلقين خائفين مرعوبين كما كان حال التلاميذ في زمن المسيح عندما كانوا في قارب فهاج البحر وتلاطمت امواجه القارب فخاف التلاميذ وارتعبوا ، ونسوا  انّ المسيح النائم في مؤخرة القارب  معهم ، وهو رب الطبيعة والكون , وكان عليهم منذ البداية ان لا يخافوا بل يضعوا ثقتهم به ، هكذا الناس في عصرنا عليهم أن يختاروا بين الثقة بيسوع المسيح الذي يهدي عواصف حياتهم ، أو يستسلموا للخوف والقلق والأحباط  وقوات الشر الروحية .
عندما نضع  ثقتنا في جهودنا الذاتية ، بدل المسيح ، ننزلق في خطر ألأرتداد. فمجهوداتنا الشخصية غير كافية على ألأطلاق وليس سوى المسيح يقدر أن يعيننا في المحن والمصاعب. هناك أشخاص يغيَّرون أسلوب حياتهم مثلما يتغيّر الطقس ، وهؤلاء ألأشخاص ينجذبون الى كُلَّ فكرة  أو بدعة جديدة فهم غير مستقرين في حياتهم ، هذا النوع من الناس لايمكن ألأعتماد عليهم أو ألأطمئنان اليهم . انّ سر ألأستقرار (النفسي) هو ألأتكال على الله والثقة به بدون شروط حتى لو أحاط بنا الشر من كُلِّ الجهات ، لأنّ الله يُخرج من الشر خيرا ، ولأنّ الله  لا يتغيّر ابدا وليس له ظل دوران "اليك رفعتُ عيني يا مقيما بالسَّماوات"مزمور123 :1"
حياة المسيحي الحقيقي لا تخلو من التحديات والعواصف والحروب الروحية والآلام والصعوبات والمشاكل . ولكن الفرق بين المسيحي المؤمن وبين  الغير المؤمن هو أنّ المسيحي المؤمن يستند على قاعدة صلبة لا تتزحزح وهي الثقة بالرب يسوع المسيح الذي اختبره في مسيرة حياته ولمس حقيقة كون الرب معه في السراء والضراء وفي كلَّ المواقف والضروف الصعبة التي  يجتازها أو سوف  يجتازها ، لا بل انَّ المسيحي المؤمن يسلَّم حياته للرب في كل حين وفي كلِّ الضروف لأنّه يعرف أنّ حياته في ايدي امينة وأنَّه يتكل على شخص يثق به ثقة مطلقة لا رجعة فيها . يقول الرسول بولس:" ....لكن الربَّ أمين  ، وهو سيقوّيكم ويحفظكم من الشرّير . ولنا كُلّ الثقة في الرب أنكم تعملون ما أوصيناكم به وتتابعون عمله"2تسالونيكي 3: 3-4 ".
ثقتنا في الرب يسوع المسيح  لم تُبنى بمعرفتنا وعلمنا وحكمتنا البشرية ، بل هي أعلان من الروح القدس الساكن فينا ، فهو يعطينا الثقة واليقين التام والعزم والقوّة لنتشبَّث به حتّى لو كنا   بسطاء مهمّشين أو مشردين أو مغتربين أو مضطهدين ، فالثقة وألأيمان نابعان من حقيقة أختبارية لا تُكتسب بالمعرفة والحكمة البشرية"1كورنثوس4:2". انّ ألأتكال على الرب يسوع المسيح ، الذي قدّم نفسه ذبيحة نيابة عنا ، هوالسبيل الوحيد لتبرئتنا من خطايانا ، والأتكال معناه وضع كُلِّ ثقتنا ورجائنا فيه ليغفر خطايانا وليصالحنا مع الله ، وليمنحنا القوّة لنحيا كما يريدنا هو أن نحيا ، "راسخين غير متزعزعين ولا متحوّلين عن رجاء البشارة (الخبر السار) "كولوسي23:1
السؤال المطروح من أين تأتي هذه  الثقة اليقينية للمسيحي المؤمن؟
يجيب الرسول على هذا السؤال فيقول :" الذي ما راتهُ عين ولا سمعت به أُذن ولا خطر على قلب بشر أعدَّهُ الله للذين يحبُّونه  ....وكشفه الله لنا بالروح ، لأنّ الروح يفحص كُلِّ شيئ حتى أعماق الله .1كورنثوس 2: 9،10" .  نعم الله يكشف ما أعده  للذين يحبّونه. وما أسعدنا  نحن المؤمنين اذ نحصل على هذه العطية المجانية وهي نعمة وبركة يحصل عليها المؤمن عندما يستسلم لمشيئة الرب ويثق بمواعيده واقواله ويختبرها عمليا بالروح القدس في حياته.
 بينما الذين يحاولون أن يخلِّصوا  أنفسهُم  من مخاوفهم  ، بوضع ثقتهم في ذواتهم أو في أعمالهم  الصالحة أو في مالهم أو ممتلكاتهم فهم كمن يفتشون في الصحراء عن ارض خضراء أو كمن يريدون ان يقبضوا على الريح .
 انّنا نضع ثقتنا ورجائنا في الله حينما نعترف بنقص وعجز مجهوداتنا عن أن تخلِّصنا ، وحينما نطلب منه أن يعمل عمله فينا وعندما يتحدَّث الرب يسوع عن "الذي لايؤمن به" أو"من لايثق فيه" فأنَّه انّما يشير الى من يرفضونه أو يتجاهلونه تماما ، وليس الى من لديهم بعض الشكوك اللحظية "فمن يؤمن بالأبن لايُدان ومن لايؤمن به دينَ ، لأنَّهُ ما آمن بأبن الله ألأوحد"يوحنا18:3" .
سّرُ قوة المؤمن هو لأنّه يعرف ، وهو على ثقة  ويقين بيسوع الحي المنتصر على الموت ، وأن الروح القدس (عمّأنوئيل) لن يتركهُ  وأنَّ  يد الرب دائما ممدودة لأنتشاله من السقطات والهفوات ، والرب يرفعه  ليواصل مسيرة حياته على هذه الأرض .
النبي دانيال كان في جُب ألأسود والله خلّصهُ ، لأنّ دانيال كان على ثقة أنّ الهه معه ، وهكذا أيّوب عاش قصة مأساوية لم تنتهي باليأس  بالرغم من الكوارث والآلأم التي عاشها ، فمن خلال قصة ايّوب وقصة دانيال ويوسف وقصص ابائنا في ألأيمان ، نصل الى حقيقة راسخة وهي  أنّ ألأيمان المبني على النجاح والجزاء ، هو ايمان أجوف ، فالأيمان والثقة بالرب يجب أن لا تبنى على الضروف المحيطة بالأنسان  بل مبنية على الثقة بأنَّ لله هدفا بعيدا لحياتنا لا بدَّ أن يتحقق"أيوب1:1". هكذا يوسف الصديق أثبت أنّه أهل للثقة بالله  لأنّه بنى ثقته مع الزمن وتحمَّل المسؤولية"تكوين 5:50" ، وكذلك دانيال النبي عاش في الغربة وسط الوثنيين ورُمي في جب الأسود ولكن ثقته بالهه الحي لم تتزعزع"دانيال 6: 21،22،23
أنّ الثقة بالرب تمنحنا سلاما وفرح وترفع عنا الأحزان وتطرد عنا الخوف لأنَّ المؤمن يعيش تحت سيادة المسيح وهذا يعني كُلِّ يوم حياة جديدة للثقة في المسيح وأختبار عمله القوي فيه ، والثقة تأتي ببركات كثيرة  منها يقين الغفران والتحرّر من الشهوات الشريرة والنمو الشخصي  واليقين بأنَّ الله لايتخلّى عن الذين يثقون فيه"على الرب يتَّكل من يعرف أسمهُ . وهو لايُهمل الذين يطلبونهُ"مزمور10:9". والثقة بالرب تصنع شخصية متماسكة  "مزمور1:125"
انّ  ألمؤمن كالطفل الذي يثق تماما بوالديه ويعتمدعليهم في حياته ، هكذا يثق المؤمن بالرب يسوع المسيح فيكون مثله كمثل من بنى اساس بيته على الصخرة فهو لا يخاف اذا هبت الرياح والعواصف وضربت السيول هذا البيت فسيبقى صامدا شامخا لأنّ أساسه قوي .
نعم يارب أنّك لم تتركنا ولم تخذلنا ولم تهاجرنا ولم تتخلّى عنا لأننا اليك توكلنا وعلى اسمك أتّكلنا ، وبقوّتك صمدنا وعلى نور كلمتك سرنا ، ونحن على ثقة بأنَّك معنا طول ايّامنا . الواثقون بعهودك  يارب لم يتزحزحوا لا في المسرّات ولا في الأحزان ، لا في ايّأم الرخاء ولا في ايّام الضيق ، لا في ايّام السلام ولا في ايّام الحروب ، لا في النجاح ولا في الفشل. المتَّكلون عليك ، يارب، يوجِّهون انظارهم اليك في كل حين ، والسائرون في ظلّ وادي الموت لن يخافوا لأنّهم يركِّزون نظرهم على أبنك المصلوب على خشبة الصليب ، هناك عند اقدام أبنك ، وعند خشبة الصليب ،تهون آلامهم  فيستمدّون قوّتهم منك  لأنَّ محبتك يارب هي أقوى من الموت . "اليك يا ربُّ أبتهل . عليك توكّلتُ فلا أغزى ولا يشمت بي أعدائي"مز1:25"
يقول كاتب الرسالة الى العبرانيّين: "اليوم ، أذا سمعتُم صوت الله فلا تقسوا قلوبكم كما فعلتم " عب 15:3
نعم العهد القديم والعهد الجديد وتاريخ الكنيسة يشهد انّه لا زال الملايين قاسيي القلوب وثقيلي السمع ومعصوبي العيون لا يريدون ان يضعوا ثقتهم واتكالهم على  المسيح الملقب " بالصخر" ، فهل يا ترى نحنُ الذين نعيش في العهد  الجديد ، عهد الفداء والخلاص سنسمع صوت الرب في أعماقنا ينادينا  لنثق ونؤمن به مخلصا وربا والها  وملكا على قلوبنا ، لنكون مثل الرجل الحكيم الذي بنى بيته على أساس من الصخر؟ "لوقا48:6"
أم نكون مثل الرجل الغبي الذي بنى بيته على اساس من التراب "لوقا 49:6"؟
سؤال أرجو من كُل قلبي أن نفكر به بحكمة  وتعقُّل قبل ألأجابة  عليه وذلك  بمراجعة حساباتنا واهدافنا  وأولوياتنا في هذه الحياة وسنتوصل الى القرار الحكيم وهو  ما توصل اليه  بطرس الرسول قبل الفي سنة عندما اجاب  قائلا "الى من نذهب ياسيّد وكلام الحياة ألأبدية عندك ؟ "يوحنا68:6"

90

البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية ج4
الغنوصية:
نافع البرواري
مقدمة:
"ياجميع موقدي النّار. الدائرين حول شرارها. ستدخلون في لهيب ناركم وفي الشَّرر الذي أضرمتموهُ " اشعيا 50"11".
كثيرون يسيرون في نور ذواتهم , ورفضوا نور المسيح . يقول احد ألآباء : يوحنا البشير استعار بالنور أكثر رمز في المسيحية  ، ونحن لا نستطيع معرفة انجيل يوحنا اذا لم نعرف "الغنوصية"، وهذا هو الحُكم "انَّ النور جاء الى العالم ، فأحبَّ الناس الظلام بدلا من النور لأنّهم يعملون الشر"يوحنا 19:3". كثيرون راحوا يفلسفون رسالة المسيح بحجة أنّ العقل هو المرجع في تفسير الوحي . انّ ألأكتفاء الذاتي هي عذاب للنفوس التي تريد ألأنفصال من نور المسيح , لتقول أنّنا نستطيع أن نكون مشاعل نور , ونصبح مثل المسيح دون المسيح , وهذا هو باختصار فكر الغنوصية"العارفون للأسرار". فعندما يضع ألأنسان ثقته في ذكائه أو علمه أو معرفته أو مظهره أو انجازاته ,عوضا عن وضعها في الله , فهو قد جازف بالورقة الخاسرة , فيصل أخيرا للعذاب  عندما تذوي هذه القوى. يقول بولس الرسول"....واليونانيّون يبحثون عن الحكمة(الحكمة البشرية) ، فنحن ننادي بالمسيح مصلوبا, وهذا عقبةٌ لليهود وحماقٌة في نظر الوثنيين "1كورنثوس 22:1".
يقول الأب جورج رحمة في مقدمة كتابه(ايريناوس اسقف مدينة ليون):
"حاولت الغنوصية أن تخلق تيّارا مسيحيا جديدا ، موافقا للعصر كما يدَّعي أتباعها , هو مزيج من أساطير الشرق الدينية ومن المبادئ الخلقيّة للفلسفة اليونانية. وبالطبع ، في تيّار كهذا ، لم يبقى دور للوحي ألألهي في المعرفة اللأهوتية ، وحتى في ألأيمان بأنجيل المسيح ، والكمال ، الذي كان غاية الغنوصيين ألأساسية ، لا يمكن التوصل اليه في نظرهم الاّ بالمعرفة العقلية كطريق اخير الى معرفة الله ، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم الى تشويه حقيقة الوحي بالذات ومحاربة الكنيسة من خلال محاربة تعاليمها المبنية على هذا الوحي ، ثم انّ الغنوصية ، التي كانت منتشرة بين الطبقة المثقفة من المسيحيين ، راحت تبشِّر  باله صالح وبخالق للعالم شرّير، ألأمر الذي جعلها تعلن أنّ هناك الهين  في صراع دائم ، هما اله الخير واله الشر. وللخلاص من سيطرة اله الشر ، فانَّ المعرفة وحدها هي المحرّر ، لذلك توجّب على كلِّ غنوصي العودة الى العقل ، محتفظا بالأسرار ضمن سريّة كاملة ، لأنَّ هذه ألأسرار لا يفهمها الاّ قلة من البشر أعطيت لها هذه الموهبة ، ومنها أنَّ يسوع ألأنسان هو الذي صلب وليس المسيح ، وبالتالي فانَّ القيامة لا تطال الجسد الذي تعرّض للفساد ، بل النفس".
 
ماهو مفهوم الغنوصية؟
الغنوصـية كلمة يونانية تعني ’المعرفـة‘، اصطلح الدارسون على استخدامها لوصف عدد من الحركات الدينية في فترة سيطرة الإمبراطورية الرومانية، كثيرٌ منها لا صلة له على الإطلاق بالمسيحية. وهي تيار ومذهب فكري مُعقّد
ذو فلسفات باطنية ، بذل جهده لاكتساب المعارف الفلسفية الوثنية، مُهملاً فكرة الوحي الإلهي كأساس لكل معرفة لاهوتية، ومُفسّراً إياها تفسيراً مجازياً خالطاً بين النظريات الفلسفية الوثنية مع العناصر الذي نقلها مع العبادات الشرقية، مكوِّناً بذلك نظريات وفلسفات غريبة(1)
فالغنوصية تعني ألمعرفة أو العلوم الخاصة بألأمورالروحية أو ألألهية ، وهي خليط من ألأفكار الفلسفية الهلينية(اليونانية) والفارسية(الزرادشتية)، والكلدانية ، واليهودية والمسيحية
والغنوصيين " أي العارفين بالأسرار", هم الذين يعتمدون على العقل والأسرار الباطنية والأرواح السفلى والذين أدعو أنَّ الخلاص يأتي عن طريق المعرفة التأملية وعن طريق الحدس الخاص بألأصغاء, وممارسة السحر وليس عن طريق ألأيمان  بيسوع المسيح والوحي ألألهي.فدعاة الغنوصية نادوا باستخدام العقل للتمييز بينهم وبين أصحاب المعارف ألأخرى ، وبنوع خاص المعرفة الدينية المستندة الى الوحي ، معتبرين أنَّ ألأيمان ألأعمى بالتعاليم السماوية لاقيمة له، وخصوصا ألأيمان بتعاليم المسيح في ألأنجيل . فالعقل هو المرجع ، وكُلِّ تعليم يجب أن يخضع لحكم هذا العقل ، والاّ فلا أدراك لجوهرالحقائق التي أتى بها المسيح وألأنبياء من قبله ......آباء الكنيسة أعتبروا الغنوصية بدعة دخيلة على الكنيسة من العالم الوثني الذي أراد أن يضرب المسيحية في مهدها(راجع رسالتي الرسول بولس الى الكورنثيين والكولوسيين) . فالتفسير العقلي لمعطيات ألأيمان لم ترفضه الكنيسة طوال تاريخها ، شرط أن يكون متوافقا مع معطيات ألوحي ألألهي . لكن آباء الكنيسة وعوا ، منذ البداية أخطار الغنوصية الملحدة  التي تمتزج أفكارها بالمعتقدات الوثنية، خصوصا تلك المستمدة من الفلسفة الأغريقية ، وحذَّروا منها ، وحاربوها في جميع مؤلفاتهم الدفاعية عن العقيدة ألأنجيلية الحقيقية (2) .
العهد الجديد ودعاة الغنوصية (3):
 من خلال العهد الجديد وخاصة انجيل البشير يوحنا وأعمال الرسل ورسائل بولص الرسول ورسائل الرسل الآخرين, وسفر الرؤية , نكتشف أنّ الغنوصية ظهرت منذ القرن الأول الميلادي لا بل هي كانت موجودة قبل المسيحية(كما ذكرنا) ، ومنتشرة في الشرق ولها جذور زرادشتية وكذلك  كانت منتشرة في الغرب ومتأثرة  بالفلسفات اليونانية.
يزعم المعلمون الدجالون أنّ لديهم معرفة سريّة تعطيهم سلطانا, وانّ "معرفتهم" بالله خفية وغامضة وابعد من فهم البشر,وبعض هذه البدع يزعمون  أنَّ لديهم معرفة روحية سريّة ، كان الغنوصيين يقاومون أثنين من ألأساسات الرئيسية للمسيحية ، هما تجسد المسيح وألأخلاق المسيحية ( راجع  يهوذا 10،1:1)
وهناك رأيي اخر لهؤلاء المعلمين عن يسوع المسيح  بأنّه لم ياتي الى ألأرض بجسم بشري "2يوحنا7:1". لقد كانوا يعتقدون أنَّ يسوع لايمكن أن يكون الها وانسانا في نفس الوقت.
وكانت هناك عدة أفكار خاطئة عن المسيح عند الكولوسيين ويدحضها الرسول بولس  فيقول عن المسيح:" هو صورة الله الذي لايُرى وبكرُ الخلائق كُلّها . به خَلَقَ الله  كُلِّ شيئ في السماوات وفي ألأرض ما يُرى وما لا يُرى..."كولوسي16،15:1".
1-فقد كانوا (الكولوسيين) يؤمنون أنَّ المادة شر، ولذلك قالوا انّ الله لايمكن أن يكون قد جاء الى ألأرض في جسد بشري حقيقي ، ولكن الرسول بولس يقول لهم ان المسيح هو الصورة الكاملة لله، فهو الله ذاته ، ومع ذلك مات على الصليب كانسان.
2-كانوا يعتقدون أنّ الله لم يخلق هذا العالم لأنَّه لايمكن أن يخلق الشر، ولكن الرسول بولس يقول أنَّ يسوع المسيح ، هو الله الذي ظهر في الجسد ، هو خالق السماوات والأرض.
3-كانوا يقولون انّ المسيح ليس هو أبن الله الفريد ، بل هو أحد الوسطاء الكثيرين بين الله والناس ، ولكن الرسول بولس يوضّح لهم أن المسيح كائن قبل كل شي وأنَّه بكر الذين سيقومون من ألأموات.
4-رفضوا أن يروا في المسيح مصدر الخلاص ، مصرّين على انَّ الناس يُمكنهم أن يعرفوا الله عن طريق معرفة سرّية خاصة ، ولكن الرسول يؤكِّد لهم أنَّه لايمكن لأنسان أن يخلص الاّ بالمسيح وحده لا سواه. لأنَّ الله كشف لنا بسر التجسُّد طبيعته وصفاته وقال"هذا هو ابني الحبيب له تسمعون". فالمسيح ليس معادلا لله فحسب بل هو الله (فيلبي 6:2)  ، وهو لايعكس صورة الله فحسب ، ولكنه يُعلن الله لنا (1يوحنا  18:1) وقد جاء من السماء وليس من تراب ألأرض(1كورنثوس 47:15)، وهو رب على الجميع (روميا  5:9) (رؤيا  5:1) ، وهو كامل القداسة (عبرانيين 7: 28-26 ) وله سلطان ليدين العالم(روميا 16:2) ) ، ولذلك فهو أسمى من كُلِّ الخليقة بما فيها العالم الروحي . فيجب علينا ، مثل المؤمنين في كولوسي ، أن نؤمن بالوهية يسوع المسيح والاّ يصبح ايماننا ايمانا أجوف ، بلا هدف ولا معنى ، هذا الحق الرئيسي في المسيحية.
لقد ركَّز الرسول بولس على أنَّ ألأيمان في المسيحية يقوم على ثلاثة أُسس رئيسية هي العناصر الهامة في المسيحية وهي: 1-ألأيمان 2-ألرجاء 3-المحبة , ولم يذكر المعرفة(العقل) وذلك بسبب تلك البدعة (الغنوصية) ، وهذا لا يعني أن العقل ليس مهما في ألأيمان في المسيحية بل هو أساسي عندما يكون العقل في خدمة ألأيمان. فقد كان الرسول بولس هو نفسه فيلسوفا موهوبا ، لذا فهو لايدين الفلسفة عموما ، ولكنه يدينُ التعليم الذي يعتقد أنَّ  ألأنسانية  هو الجواب , بينما الرسول  يؤمن انَّ المسيح هو الجواب  لحياتنا.
ورد في أنجيل توما المنحول(أبو كريفا) ، وهو كتاب غير قانوني كتبه أحد الغنوصيين ، أدعى كاتب هذا الأنجيل المنحول ,نقلا عن المسيح قوله:"انني أكشف أسراري لهؤلاء الذين يستحقون معرفة أسراري"
فالمعرفة بنظر الغنوصيين هي فقط للنخبة (الأقلية). بينما في الكتاب المقدس نقرأ ان المسيح كشف أسرار ملكوت الله للناس البسطاء, بقوة الروح القدس, والدليل التلاميذ , الذين كانوا يعملون المعجزات باسم الرب يسوع المسيح وكانوا مساقين بقوة الروح القدس ولم يكونوا فلاسفة او متبحرين في المعرفة. يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه:" أنتم أُعطيتمُ أن تعرفوا أسرار ملكوت السَّماوات ، وأمّا هم(الغير المؤمنين) فما أُعطوا" متى11:13"
وهكذا كان الرسول بولس  يكتب ضد أيِّ فلسفة في الحياة لاتقوم الاّ على أفكار البشر(العقل) وخبراتهم(العلوم والمعارف) ، والسبيل لمقاومة البدع ، ليس هو أهمال استخدام العقل والأنسحاب ، بل التركيز على أقوال المسيح كمصدر أساسي للأيمان.
كان الكثيرون من المعلمين الكذبة في أيّأم يوحنا البشير يعلِّمون بصلاح الروح وبفساد المادة وشرِّها(وهو فكر يوناني يستند الى الفلسفات اليونانية القديمة التي تقول بسمو الروح ونجاسة المادة(الجسد) وشرِّها. وعلى هذه الفكرة أستند هؤلاء المعلمين الكذبة لمحاولتهم أقناع الناس أنّ يسوع لايمكن أن يكون الها وانسانا في نفس الوقت ، وبعض الغنوصيين ينكرون قيامة الأجساد لنفس السبب السابق ،فكانوا يعتقدون أنّه عندما يصبح شخصا مسيحيا  فأنّهُ يولد ولادة روحية , وهذه هي القيامة لاغير"2تيموثاوس 18:2".
وسنغوض أكثر تفصيلا في فكر وعقيدة الغنوصية والرد عليها من قبل اباء الكنيسة منذ القرون الأولى للمسيحية ، في مقالاتنا القادمة انشاء الله
المصادر
--------
(1)الموسوعة الحرة –ويكيبيديا-
(2)(راجع الكنيسة الكاثوليكية
والبدع للأب جورج رحمة) .

(3) الكتاب المقدس

91
ما قبل ثورات الربيع العربي وما بعدها وانعكاساتها على مسيحيي الشرق ألأوسط
نافع البرواري
عندما سقط النظام الدكتاتوري في العراق , كشّرت  ألأحزاب ألأسلامية الراديكالية المتطرفة عن أنيابها , لتعيث فسادا في ألأرض , وقتلا ودمارا في نسيج المجتمع العراقي الذي كان الى يوم سقوط النظام مجتمع متماسك بالرغم من كُلِّ الجرائم التي أرتكبها النظام البائد (نظام البعث بقيادة الدكتاتور صدام حسين) بحق المواطنين العراقيين , وبغض النظر عن خلفياتهم الدينية والطائفية والقومية .
لم يكن النظام البعثي السابق  يفرِّق في ظلمه واستبداده  بين الشيعي والسني وبين العربي والكردي وبين المسيحي والمسلم , فالكل كانوا سواسية مظلومين,  والكل كانوا مرعوبين, ذاقوا أهوال الحروب العديدة وويلاتها وعانوا من الحصارألأقتصادي الظالم في زمن  هذا الطاغية, وهو نموذج و مثال للطغات والدكتاتوريين في الوطن العربي .
ولكن الغريب والعجيب والذي لا يمكن فهمه وأستيعابه هو مابعد سقوط الدكتاتور صدام حسين والدكتاتور حسني مبارك والدكتاتور معمر القذافي وانظمتهم القمعية (وسيعقبهم الباقون لامحالة ), حيث ظهرت أحزاب اسلامية راديكالية مثل حزب الدعوة وحزب الفضيلة في العراق , وحزب الأخوان المسلمين والسلفيين  في مصر وتحالفوا مع احزاب اخرى  وخطفوا حلم الشعوب العربية بالتمتع بالحرية والديمقراطية وتحقيق احلامهم بالعيش بسلام وامن ومساواة .
يا للكارثة يا للمصيبة التي فيها نتوقع تكرار مأسات هذه الشعوب (الشعوب العربية) كما حدث في أيران عندما خطفت الأحزاب الأسلامية الراديكالية , بقيادة الملالي , وعلى راسهم الخميني , ثورة الشباب ألأيراني , حيث ضحَوا الكثيرون من الشباب بحياتهم ثمنا لتلك الثورة على نظام الشاهنشاه محمد رضا بهلوي ( سقط سنة 1979) والمعروف بدكتاتوريته وعنجهيته ونهبه لثروات ايران . ولكن ها قد  مضى أكثر من 30 سنة على تلك الثورة التي سميت بالثورة الأسلامية ولا زال الشعب الأيراني يرزخ  تحت حكم الملالي ,وأصبح هذا النظام كابوسا مرعبا ورمزا للتخلف والعنصرية والأرهاب واكثر قمعا ووحشية ضد شعبه وخاصة ضد الشباب الذين يعانون ويلات هؤلاء الملالي الطغات الذين يدعون انّ شريعتهم استمدوها من الله وأنّ الدولة وكل ألطوائف الشيعية في العالم يجب أن يتبعوا ولاية الفقيه في قم.
 
وهكذا شهدنا اختطاف وقتل حلم الشعب ألأيراني  وكذلك انقسام الشعب العراقي الى طوائف ومذاهب منها الطائفة الشيعية التي في غالبيتها  تتبع ولاية الفقيه في ايران وباعوا وطنهم على حساب هذا الولاء , وحدثت حروب طائفية بين الشيعة والسنة وشهدنا مذابح رهيبة على الهوية بعد سقوط النظام البعثي في العراق  سنة 2003 , ولا زال العراقييون يعانون من نتائج تلك الحرب, وقد شهدنا في زمن ألأحزاب الأسلامية المتطرفة التي حكمت العراق بالحديد والنار , وذاق العراقيون عامة والمسيحيين خاصة مرارة الموت والأرهاب والترهيب والهجرة والقتل والذبح بسبب الصراع الرهيب بين هذه الأحزاب للسيطرة على الحكم على حساب دماء ألأبرياء.
والغريب  المضحك والمبكي في نفس الوقت هو أنّ هذه ألأحزاب هي كانت مظطهدة  ومظلومة من قبل النظام البعثي في العراق والشاهنشاهي في ايران .  وهكذا كان ألأخوان المسلمون مضطهدون من قبل النظام العسكري  في مصر  , وكانت السجون ألأيرانية في عهد الشاهنشاه والسجون العراقية في عهد صدام حسين وكذلك السجون المصرية في عهد حسني مبارك مليئة بالاف المعتقلين من تلك ألأحزاب ألأسلامية , ولكن هاهي تلك ألأحزاب تلعب نفس الدور الذي مارسته ألأنظمة الدكتاتورية السابقة  وتكرر ألأخطاء نفسها في زمن الدكتاتوريين الطغات ,لا بل أن الأحزاب ألأسلامية يلعبون بالنار  , وذلك بأثارة النعرات الطائفية والعرقية والدينية والقومية بين الطوائف والديانات والقوميات,  وكذلك زرع فكر التعصب الديني والطائفي في بلدانها, وبذلك فتحت هذه ألأحزاب أبواب الجحيم على نفسها وعلى ألأخرين وتعرض بلدانها الى مزيد من  الأنقسامت, فمن يستطيع أن يطفي هذه النيران؟  سؤال يحتاج الى أجابة. اليوم نشاهد عبر منابر ألأعلام والقنواة الفضائية وغيرها مشاهد رهيبة مرعبة تدمي القلوب وتقتل امال الشعوب العربية عندما نشاهد ألأنظمة الدكتاتورية المتهاوية تقمع شعوبها بالحديد والنار وتستعمل جميع الأسلحة الفتاكة لقتل شعوبها دون رحمة ولا شفقة (كما حدث في ليبيبا ويحدث في سوريا واليمن هذه الأيام) .
انها مشاهد لا بد  من الوقوف والتامل فيها ودراستها لمعرفة أسبابها وجذورها ليتم معالجتها في المستقبل . فما حدث في تونس ومصر وليبيا خاصة وما يحدث في سوريا واليمن هذه ألأيام هي ظاهرة تاريخية لا يمكن الا دراستها بتعمق لاستخلاص الدروس والعبر منها.
والغريب العجيب أنّ هناك شواهد بدأت تظهر في الدول العربية (ومنها على سبيل المثال  مصر), تؤكد أنّ الثورات العربية التي سميت بالربيع العربي يتم الألتفاف عليها وخطفها من قبل ألأنظمة السابقة بالتعاون مع الأحزاب الأسلامية الراديكالية المتطرفة (كما في حالة مصر بوجود المجلس العسكري التابع للنظام السابق بالأتفاق مع الأحزاب الأسلامية الراديكالية)
قبل أيّام شاهدنا وشاهد العالم بأسره مشاهد تقشعر لها ألأبدان  عن أعمال بربرية لا تقوم بها حتى الوحوش الكاسرة , ففي شوارع القاهرة وفي وضح النهار وقف الجيش المصري الصامد أمام حشود المسيحيين المطالبين بحقوقهم المشروعة والذين كانوا يمارسون أبسط حقوقهم وهو التظاهر في ساحة ماسبيرو أمام بناية  ( التلفزيون )المصري لتحقيق مطالبهم المشروعة وهي بأختصار أن يُعترف بهم  بأعتبارهم مواطنين مصريين أسوة ببقية المواطنين المسلمين في مصر, وارادوا (المسيحيين) أن يحصلوا على هذا  المطلب المشروع  والمقدس, ليمارسوا شعائرهم الدينية بكل حرية ويبنوا لأنفسهم الكنائس وألأديرة اسوة بالمواطنين المسلمين .
 ولكن كان الجيش المصري الباسل!!!( في زمن ثورة 25 يناير وفي عهد المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي, والبلطجية المستاجرين), بالمرصاد لهم فأطلق الجيش (ويقولون طرف ثالث )النار على المتظاهرين العزل في وضح النهار وكانوا( البلطجية) يمتطون المدرعات وألآليات العسكرية . وأنطلق الهجوم على ألأخوة ألأعداء(المسيحيين العزل من السلاح) وكانت ساحة الحرب هي شوارع القاهرة , وحصد الجيش المصري عشرات القتلى ومئات الجرحى ورجعت القوات المصرية الى ثكناتها العسكرية غانمة منتصرة بفضل الله وبفضل ضباط الجيش وجنوده ألأحرار ألأبطال .
علما أنّ قوات الجيش المصري المنتصر فقدت ثلاثة قتلى وعدد من الآليات احترقت في ساحة المعركة.
عاش الجيش المصري الباسل عاش الجيش العراقي الباسل , عاش الجيش الليبي الباسل , عاش الجيش السوري الباس ,  عاش جيش حزب الله البطل ,عاش الجيش اليمني الباسل , عاشت جيوش الأمة العربية, ولتفتخر هذه الجيوش الى ألأبد بسحق شعوبها (سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين)  , وحرق كنائس وجوامع شعوبها (سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين).
الله أكبر , ألله أكبر, وليخسأ الخاسئون والى مزيد من ألأنتصارت لقواتنا العربية المسلحة الباسلة على( قطعان شعوبها)

92

ما قبل ثورات الربيع العربي وما بعدها وانعكاساتها على مسيحيي الشرق ألأوسط


نافع البرواري

عندما سقط النظام الدكتاتوري في العراق , كشّرت  ألأحزاب ألأسلامية الراديكالية المتطرفة عن أنيابها , لتعيث فسادا في ألأرض , وقتلا ودمارا في نسيج المجتمع العراقي الذي كان الى يوم سقوط النظام مجتمع متماسك بالرغم من كُلِّ الجرائم التي أرتكبها النظام البائد (نظام البعث بقيادة الدكتاتور صدام حسين) بحق المواطنين العراقيين , وبغض النظر عن خلفياتهم الدينية والطائفية والقومية .
لم يكن النظام البعثي السابق  يفرِّق في ظلمه واستبداده  بين الشيعي والسني وبين العربي والكردي وبين المسيحي والمسلم , فالكل كانوا سواسية مظلومين,  والكل كانوا مرعوبين, ذاقوا أهوال الحروب العديدة وويلاتها وعانوا من الحصارألأقتصادي الظالم في زمن  هذا الطاغية, وهو نموذج و مثال للطغات والدكتاتوريين في الوطن العربي .
ولكن الغريب والعجيب والذي لا يمكن فهمه وأستيعابه هو مابعد سقوط الدكتاتور صدام حسين والدكتاتور حسني مبارك والدكتاتور معمر القذافي وانظمتهم القمعية (وسيعقبهم الباقون لامحالة ), حيث ظهرت أحزاب اسلامية راديكالية مثل حزب الدعوة وحزب الفضيلة في العراق , وحزب الأخوان المسلمين والسلفيين  في مصر وتحالفوا مع احزاب اخرى  وخطفوا حلم الشعوب العربية بالتمتع بالحرية والديمقراطية وتحقيق احلامهم بالعيش بسلام وامن ومساواة .
يا للكارثة يا للمصيبة التي فيها نتوقع تكرار مأسات هذه الشعوب (الشعوب العربية) كما حدث في أيران عندما خطفت الأحزاب الأسلامية الراديكالية , بقيادة الملالي , وعلى راسهم الخميني , ثورة الشباب ألأيراني , حيث ضحَوا الكثيرون من الشباب بحياتهم ثمنا لتلك الثورة على نظام الشاهنشاه محمد رضا بهلوي ( سقط سنة 1997) والمعروف بدكتاتوريته وعنجهيته ونهبه لثروات ايران . ولكن ها قد  مضى أكثر من 30 سنة على تلك الثورة التي سميت بالثورة الأسلامية ولا زال الشعب الأيراني يرزخ  تحت حكم الملالي ,وأصبح هذا النظام كابوسا مرعبا ورمزا للتخلف والعنصرية والأرهاب واكثر قمعا ووحشية ضد شعبه وخاصة ضد الشباب الذين يعانون ويلات هؤلاء الملالي الطغات الذين يدعون انّ شريعتهم استمدوها من الله وأنّ الدولة وكل ألطوائف الشيعية في العالم يجب أن يتبعوا ولاية الفقيه في قم.
 
وهكذا شهدنا اختطاف وقتل حلم الشعب ألأيراني  وكذلك انقسام الشعب العراقي الى طوائف ومذاهب منها الطائفة الشيعية التي في غالبيتها  تتبع ولاية الفقيه في ايران وباعوا وطنهم على حساب هذا الولاء , وحدثت حروب طائفية بين الشيعة والسنة وشهدنا مذابح رهيبة على الهوية بعد سقوط النظام البعثي في العراق  سنة 2003 , ولا زال العراقييون يعانون من نتائج تلك الحرب, وقد شهدنا في زمن ألأحزاب الأسلامية المتطرفة التي حكمت العراق بالحديد والنار , وذاق العراقيون عامة والمسيحيين خاصة مرارة الموت والأرهاب والترهيب والهجرة والقتل والذبح بسبب الصراع الرهيب بين هذه الأحزاب للسيطرة على الحكم على حساب دماء ألأبرياء.
والغريب  المضحك والمبكي في نفس الوقت هو أنّ هذه ألأحزاب هي كانت مظطهدة  ومظلومة من قبل النظام البعثي في العراق والشاهنشاهي في ايران .  وهكذا كان ألأخوان المسلمون مضطهدون من قبل النظام العسكري  في مصر  , وكانت السجون ألأيرانية في عهد الشاهنشاه والسجون العراقية في عهد صدام حسين وكذلك السجون المصرية في عهد حسني مبارك مليئة بالاف المعتقلين من تلك ألأحزاب ألأسلامية , ولكن هاهي تلك ألأحزاب تلعب نفس الدور الذي مارسته ألأنظمة الدكتاتورية السابقة  وتكرر ألأخطاء نفسها في زمن الدكتاتوريين الطغات ,لا بل أن الأحزاب ألأسلامية يلعبون بالنار  , وذلك بأثارة النعرات الطائفية والعرقية والدينية والقومية بين الطوائف والديانات والقوميات,  وكذلك زرع فكر التعصب الديني والطائفي في بلدانها, وبذلك فتحت هذه ألأحزاب أبواب الجحيم على نفسها وعلى ألأخرين وتعرض بلدانها الى مزيد من  الأنقسامت, فمن يستطيع أن يطفي هذه النيران؟  سؤال يحتاج الى أجابة. اليوم نشاهد عبر منابر ألأعلام والقنواة الفضائية وغيرها مشاهد رهيبة مرعبة تدمي القلوب وتقتل امال الشعوب العربية عندما نشاهد ألأنظمة الدكتاتورية المتهاوية تقمع شعوبها بالحديد والنار وتستعمل جميع الأسلحة الفتاكة لقتل شعوبها دون رحمة ولا شفقة (كما حدث في ليبيبا ويحدث في سوريا واليمن هذه الأيام) .
انها مشاهد لا بد  من الوقوف والتامل فيها ودراستها لمعرفة أسبابها وجذورها ليتم معالجتها في المستقبل . فما حدث في تونس ومصر وليبيا خاصة وما يحدث في سوريا واليمن هذه ألأيام هي ظاهرة تاريخية لا يمكن الا دراستها بتعمق لاستخلاص الدروس والعبر منها.
والغريب العجيب أنّ هناك شواهد بدأت تظهر في الدول العربية (ومنها على سبيل المثال  مصر), تؤكد أنّ الثورات العربية التي سميت بالربيع العربي يتم الألتفاف عليها وخطفها من قبل ألأنظمة السابقة بالتعاون مع الأحزاب الأسلامية الراديكالية المتطرفة (كما في حالة مصر بوجود المجلس العسكري التابع للنظام السابق بالأتفاق مع الأحزاب الأسلامية الراديكالية)
قبل أيّام شاهدنا وشاهد العالم بأسره مشاهد تقشعر لها ألأبدان  عن أعمال بربرية لا تقوم بها حتى الوحوش الكاسرة , ففي شوارع القاهرة وفي وضح النهار وقف الجيش المصري الصامد أمام حشود المسيحيين المطالبين بحقوقهم المشروعة والذين كانوا يمارسون أبسط حقوقهم وهو التظاهر في ساحة ماسبيرو أمام بناية  ( التلفزيون )المصري لتحقيق مطالبهم المشروعة وهي بأختصار أن يُعترف بهم  بأعتبارهم مواطنين مصريين أسوة ببقية المواطنين المسلمين في مصر, وارادوا (المسيحيين) أن يحصلوا على هذا  المطلب المشروع  والمقدس, ليمارسوا شعائرهم الدينية بكل حرية ويبنوا لأنفسهم الكنائس وألأديرة اسوة بالمواطنين المسلمين .
 ولكن كان الجيش المصري الباسل!!!( في زمن ثورة 25 يناير وفي عهد المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي, والبلطجية المستاجرين), بالمرصاد لهم فأطلق الجيش (ويقولون طرف ثالث )النار على المتظاهرين العزل في وضح النهار وكانوا( البلطجية) يمتطون المدرعات وألآليات العسكرية . وأنطلق الهجوم على ألأخوة ألأعداء(المسيحيين العزل من السلاح) وكانت ساحة الحرب هي شوارع القاهرة , وحصد الجيش المصري عشرات القتلى ومئات الجرحى ورجعت القوات المصرية الى ثكناتها العسكرية غانمة منتصرة بفضل الله وبفضل ضباط الجيش وجنوده ألأحرار ألأبطال .
علما أنّ قوات الجيش المصري المنتصر فقدت ثلاثة قتلى وعدد من الآليات احترقت في ساحة المعركة.
عاش الجيش المصري الباسل عاش الجيش العراقي الباسل , عاش الجيش الليبي الباسل , عاش الجيش السوري الباس ,  عاش جيش حزب الله البطل ,عاش الجيش اليمني الباسل , عاشت جيوش الأمة العربية, ولتفتخر هذه الجيوش الى ألأبد بسحق شعوبها (سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين)  , وحرق كنائس وجوامع شعوبها (سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين).
الله أكبر , ألله أكبر, وليخسأ الخاسئون والى مزيد من ألأنتصارت لقواتنا العربية المسلحة الباسلة على( قطعان شعوبها)

93
ذكرى عيد الصليب


نافع البرواري



يصادف 14 أيلول من كلِّ سنة ذكرى عيد الصليب ويحتفل مسيحيوا المشرق بهذه المناسبة بأقامة الصلوات وأشعال النار على سطوح الكنائس والتلال والجبال, ولا نريد أن ندخل في تفاصيل تاريخية هذا العيد ولكن ما يهمُّنا هو رمز الصليب وأهميّته عندنا نحنُ المسيحيين. كيف كان يصلب الأنسان في عهد الرومان؟ ماذا يرمز صليب المسيح؟ لماذا مطلوب منا أن نحمل صليبنا ونتبع المسيح؟ لماذا نحن نفتخر بصليب المسيح ؟هذه ألأسئلة وغيرها علينا نحن المؤمنين ألأجابة عليها لكي نعرف معنى ورمز الصليب الذي نحمله على صدورنا أو نعلّقه على جدران بيوتنا أو كنائسنا

كان الصليب صورة مرعبة ومخزية لتنفيذ حكم ألأعدام ,فكان على المحكوم عليه أن يحمل صليبه على أكتافه طيلة الطريق الى مكان الصلب كعبرة للشعب وتعبيرا عن الخضوع لسلطات روما.(وهكذا فعل الرومان عندما فشلت ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس,فعندما فشلت ثورة تحرير العبيد قام الرومان بصلب مئات العبيد على الطرقات لكي يكونوا عبرة لمن تسوّل نفسه القيام بثورة ضد الأمبراطورية الرومانية).كانت هناك أشكال عديدة للصلبان ,وكذلك طرق عديدة للصلب.لقد سُمّرَ يسوع على الصليب ,بينما كان المحكوم عليهم يُربطون أحيانا بالحبال على الصليب,وفي كلتا الحالتين ,كان يحدث الموت نتيجة ألأختناق,لأنّ ثقل الجسم ,يجعل التنفُّس يزداد صعوبة مع فقدان قوّة الشخص.

فلنتصور حجم الآلام التي تحمّلها يسوع المسيح وهو في طريق الآلام للوصول الى الجلجلة حيث وضع الصليب على أكتافه بعد أن جُلد وعُذّبَ وأُستهزءَ به قبل أن يُرفع على خشبة الصليب وهو في طريقه الى الجلجلة( راجع مرقس15:16,17,18).نعم كان الموت على الصليب موتا بطيئا وأليما ومرعبا ,ولكن ألأكثر الما عندما يموت أنسان بريئ مُتّهم بجريمة لم يرتكبها ,ولكن الأكثر الما وهولا هو ثقل الخطيئة للبشرية جمعاء التي حمّلها يسوع في موته على الصليب .

كانت تُعلّق أحيانا على الصليب لوحة بجريمة المحكوم عليهم تحذيرا للناس ,ولأنَّ يسوع لم يكن مذنبا ,كانت التهمة الوحيدة المكتوبة على تلك اللوحة هي "أنّه ملك اليهود"

ما معنى حمل الصليب؟

وكما أنّ روما كانت تُحمِّل المصلوب أن يحمل صليبه على أكتافه تعبيرا عن الخضوع لسلطات روما هكذا يسوع المسيح يطلب من اتباعه أن يحملوا الصليب في مسيرة حياتهم على هذه الأرض فيقول ."من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني "متى 16:24"  ..ومن لا يحمل صليبه ويتبعني,فلا يستحقُني"متى 10"38" .أستخدم يسوع المسيح تشبيهه حمل الصليب ليصوِّر غاية الخضوع المطلوب من أتباعه ,ولكن يسوع المسيح ليس ضدِّ السرور والفرح في هذه الحياة ,كما أنّه لا يقول لنا أن نسعى الى الألم عندما لا تكون هناك ضرورة ولكن اذا كان لا بُدّ لللالام فعلينا أن نواجهها مهما كان شاقا ومؤلما ,فلا شيئ حتّى حياتنا يمكن أن يُقارن بما سنربحه مع يسوع المسيح.فلا يمكننا أن نكون تلاميذ المسيح أذا لم نتحمّل الصلبان في حياتنا في هذه الأرض"لوقا14:27" نعم هناك كُلفة للذين يتبعون المسيح وعليهم أن يحسبوا ثمن أتباعه.

لكي نحمل صليبنا ونتبع المسيح يلزم أن نطرح عنّا كلِّ الهموم وألأولويات ألأخرى ,يجب أن نُسِّلم تماما لله في استعداد كامل لمواجهة أيُّ شيئ ولو كان ألألم والموت من أجله,فالتمسُّك بهذه الحياة يمكن أن يجعلنا نخسر المسيح في هذا العالم والعالم الآتي

لماذا طلب اليهود أن يموت يسوع على الصليب؟

أنّ قادة اليهود أرادوا تحقيق هدف رئيسي من صلب المسيح على( خشبة الصليب) وهو

لأنَّ المصلوب (حسب أعتقادهم) ملعون من الله"تثنية 21:23" وهكذا أرادوا أن يقنعوا الشعب أنَّ يسوع ملعونا من الله وليس مُباركا.

لماذا وضعت اللافتة على الصليب؟

وعلَّقَ بيلاطس على الصليب لوحة مكتوبا فيها :"يسوع الناصري ملك اليهود"يوحنا 19:19" كُتِبت هذه اللافتة  بثلاثة لغات :بالعبرية للمواطنين اليهود,وباللاتينية للرومان الذين في المنطقة ,وباليونانية للغرباء ولليهود الزائرين الآتين من بلاد أخرى.   يقصد من هذه اللافتة السخرية ,فأنّ ملكا عاريا جُرِّد من ثيابه وصُلِبَ على مرأى من الشعب من الواضح أنّه قد فقد مملكته الى ألأبد, (وهذا ماقاله احد الفلاسفة الوجوديين عندما قال : لقد مات اله المسيحيين فبماذا يفتخرون؟ونسى هذا الفيلسوف قيامة المسيح وأنتصاره على الموت)

كان الجنود الرومان يستهزئون ويسخرون من الرب يسوع المسيح بأن البسوه ثوبا قرمزيا ( رمز ثوب الملوكية) وضفروا اكليلا من الشوك ووضعوه على راسه (رمز تاج الملوك) وجعلوا في يمينه قصبة (رمز صولجان الملوك) ثم ركعوا أمامه (كما يركع الناس أمام الملوك حينذاك) قائلين "السلام عليك يا ملك اليهود"متى 27:27,28,29.أمّا الرب يسوع الذي يقلب حكمة هذا العالم ويغيّرها فكان على وشك أستلام مملكته .فبموت الرب يسوع وقيّامته سدد ضربة الى حكم الشيطان وأقام سلطانه الأبدي على ألأرض .انّ القَِلّة الذين

قرأوا هذه اللافتة  فكانت صادقة وحقيقية تماما فكتابة بيلاطس هي أعتراف( دون أن يقصد ذلك) بكون المسيح ملك لآ بل ملك الملوك ورب الأرباب,فها هو اليوم يسوع المسيح ملك على اليهود وعلى ألأُمميين وعلى كل الكون باكمله.

أنّ علامة الصليب يرمز الى العمل الكفاري الذي قام به يسوع المسيح أذ قدّم نفسه ذبيحة على خشبة الصليب ليحمل عنا خطايانا وليصالحنا مع ابيه السماوي حيث كنا أمواتا بسبب الخطيئة التي كانت حاجزا بين البشرية وبين الله, وبذبيحة المسيح رفع هذا الحاجز  لأنّ المسيح حمل خطايانا وسمّرها على خشبة الصليب ,فالمسيح كما قال عنه يوحنا المعمذان: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم"يوحنا1:29"

نعم فكما يقول الرسول بولس:"فالبشارة بالصليب "حماقة" عند الذين يسلكون طريق الهلاك.وأمّا عندنا نحن الذين يسلكون طريق الخلاص,فهو قدرة الله"1كورنثوس1:18"

"....وأذا كان اليهود يطلبون المعجزات ,واليونانيّون يبحثون عن الحكمة ,فنحنُ ننادي بالمسيح مصلوبا"1كورنثوس1:22".الصليب هو محور ألأيمان المسيحي فبموت المسيح كذبيحة كفارية , تم خلاص العالم من الخطيئة التي كانت سائدة على الجنس البشري فصار الخلاص متاحا للأنسان المؤمن بالفداء الذي قدّمه يسوع المسيح بسفك دمه البريء على خشبة الصليب.ويمكن أن نفهم عمل الله لخلاص العالم بأختصار كما ورد في الفصل 53 من نبوات اشعيا النبي الذي يقول:

"حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا ,حسبناه مصابا مضروبا من الله ومنكوبا وهو مجروح لأجل معاصينا ,مسحوقٌ لأجل خطايانا,سلاما أعدَّه لنا ,وبجراحه شُفينا....كُلُّنا كغنم ضَللنا,مال كُلِّ واحدِ الى طريقه ,فألقى عليه الرب أثم جميعنا......وضُرب لأجل معصية شعبه....وبوداعته يبرّر عبدي الصديق كثيرين من الناس ويحمل خطاياهم"اشعيا 53"

نعم" هكذا أحب الله العالم حتى وهب أبنه ألأوحد,فلا يهلك كل من يؤمن به ,بل تكون له الحياة ألأبدية"يوحنا 3:16"

94


البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية
الجزء الثالث
2- الناصرييّون
نافع البرواري
من هم الناصرييون؟ ولماذا سمّيوا ب( النصارى) أو( النصرانيين)؟
في الحقيقة هناك التباس كبير لدى الكثيرين عندما يخلطوا بين  الناصريين والنصارى(النصرانيين) ولكن الحقيقة هناك فروقات كثيرة بينهما.
الناصرييون: فئة من المسيحيين من أصل يهودي هربوا سنة 60 -70 م بعد سقوط أورشليم وانتشروا في العالم ووجدوا في فلسطين والجزيرة العربية والعراق وضيّعوا ألأيمان الصحيح. الناصريين يختلفون عن المسيحيين ,فالمسيحيين سمّيوا لأول مرة بهذا الأسم في انطاكية كما ورد ن في أعمال الرسل"......وفي أنطاكية تسمّى التلاميذ أوّل مرة بالمسيحيين"أعمال11:26"(1).
كان قبلا يسمّون بجماعة المؤمنين أو التلاميذ ثم اطلق بعد ذلك على المسيحيين اسم الناصريين كما أطلق الوالي الروماني على بولس "زعيم شيعة الناصريين"أعمال 24:5". لقد وجد الناصرييون منذ بداية المسيحية  ولقد أُشيرَ الى الرسول بولس أنّه زعيم  على شيعة الناصريين"...وجدنا هذا الرجل مفسدا يثير الفتن بين اليهود في العالم كُلُّه, وزعيما على شيعة النصارى." (أعمال الرسل 24:5).
والناصرييون جماعة المؤمنين بالمسيح الملقّب بالناصري كما جاء في أنجيل لوقا.فقد ورد عن المسيح أنَّه "يُدعى ناصريا" .
انَّ اغلبية المفسِّرين يُرجعون المعنى الى انتسابهم الى مدينة الناصرة(نتسرت بالعبرية القديمة ونتصرت بالعبرية الحديثة) في فلسطين . بينما لقّب المسيح بالناصري نسبة الى مدينة الناصرة التي تعني باللغة العبرية ( نتسرت أو نتصرت) أي برعم او غصن الرب" ويدعى الرجل غصن الرب"اشعيا11:1 "  , وكلمة الناصري تعني باللغة العبرية "نتسر" . ولهذا لقّب المسيح ب"الناصري" في الترجمة العربية (2).
وقد تعني الناصريون ايضا(نصرويو) بالآرامية وباليونانية (ناسورويو) أو نساريين (لأن اليونان يستعملون حرف السين بدل حرف الصاد), وكانت تطلق على مسيحي السريان المتكلمين باللغة ألآرامية السريانية. فمن المعروف أنّ اللغة السريانية كانت منتشرة بين المسيحيين العائشين تحت حكم ألأمبراطورية الفارسية(العراق اليوم) وجزء من الشام وتركيا, وكان يطلق على المسيحيين هؤلاء لقب "نصرويو"(3)
معتقد الناصرييون:
الناصرييون متمسكون بالتقاليد اليهودية وبالشريعة الموسوية وكانوا مقبولين في الكنيسة ألأولى ,وقد وردت الكلمة مرة واحدة في أعمال الرسل (نازوري), وهم يهود يمارسون الشريعة اليهودية و يؤمنون  ايضا أن المسيح هو المسيح المنتظر ولكنهم متمسكين بالتقاليد اليهودية وبالشريعة الموسوية(4) .
الناصرييون لا يتفقون مع اليهود بسبب ايمانهم بالمسيح , ولا مع المسيحيين لأنهم متمسكون بالناموس والختان والسبت وأشياء اخرى. كان الناصرييون مقبولين في الكنيسة الأولى قبل أن يتبلور الفكر المسيحي الذي ازال كل شوائب اليهود في المسيحية بعد مجمع اورشليم سنة 49 م(راجع أعمال الرسل:15).
 كان "الناصرييون " يؤمنون بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله ,وأنّ تعاليمه كانت أسمى من تعاليم موسى وسائر ألأنبياء . كذلك كانوا يؤمنون بأنّ المسيح سوف يأتي ليحكم العالم لمدّة الف عام . وأصرَّالناصرييّون اللذين ينحدرون من أصل يهودي ,شأنهم في ذلك شأن المتهودين والأبيونيين(راجع مقالنا السابق) , على ضرورة الختان , والمحافظة على السبت, ومراعاة أوامر الشريعة الموسوية الخاصة بالمأكل ونواهيها. ولكنهم أعفوا المسيحيين من غير اليهود من هذه ألأوامر. ولقد قال عنهم القديس ايرونيموس: انّ هؤلاء الناصريين ليسوا باليهود كما أنّهم ليسوا بالمسيحيين(5).
من هم النصارى(أو النصرانيين)؟ ولماذا سمّيوا  بهذا ألأسم؟.
عند مراجعتنا القرآن والسيرة والأحاديث والتفاسير القرانية وحتى التاريخ ألأسلامي سوف نصل الى نتيجة مفادها أن القران أطلق على المسيحيين,  وعلى جميع الشيع والهرطقات والبدع المسيحية ,لقب النصارى (أو النصرانيين) وقد شاعت هذه التسمية ألأخيرة في الدول العربية والأسلامية حتى يومنا هذا.
كلمة النصارى تكررت 13 مرة في القران أمّا كلمة المسيحيين فلم ترد في القران ولا مرة.
,في الحقيقة الناصريين(المنتمين الى مدينة الناصرة الفلسطينية) ليسوا النصارى كما ورد في القرآن(والتي أكثر تفسيرات علماء المسلمون يقصدون بهذه التسمية جماعة الذين ناصروا المسيح كما جاء في ألآية القرآنية (قال الحواريون نحن أنصار الله). وقد قيل : "النصرانية " تعني دين أتباع المسيح كم جاء في المعجم الوسيط . اليهود يطلقون على المسيحية أسم   נצרות وتلفظ نَتسروت وهي من جذ ر يقابل الجذر العربي ن.ص.ر. وهي مشتقة من الناصرة" נצרת   " وذلك لأنَّ المسيحيين هم أتباع يسوع الناصري, بينما سمّي أتباع المسيح بالمسيحيين في أنطاكيا لاحقا, وأختفى مع الوقت لقب "الناصريين" بسبب أعتباره لقبا تحقيريا يهوديا لأتباع المسيح خصوصا أن اليهود كانوا يحتقرون ما يخرج من الناصرة بدليل ذكر ذلك من قبل نثنائيل لفيلبس"أمن الناصرة يمكن أن يكون شيئ صالح؟"يوحنا 1:46". الا أنَّ بعض المتنصرين من اليهود الذين رغبوا بالأبقاء على الشريعة الفريسية ونقلها للمسيحية تمسَّكو بلقب الناصريين الذي تحرَّف مع الوقت الى :نصارى" على يد العرب لاحقا, قبل ظهور ألأسلام لتشير الى المسيحيين المتمسكين بالشريعة الموسوية. واذ أتبع العرب هذا اللقب اي"النصارى" اشارة الى أتباع المسيح فانهم اصبحوا يطلقونه على كل من يتبع المسيح حتى مسيحيّوا الروم والشام والعراق والقبط وفارس وأهل اليمن والحبشة  رغم اختلاف عقائدهم...... وقد يكون المسيحييون العرب من أهل البادية قد قبلوا هذا اللقب وأستخدموه قبل ظهور الأسلام الى أنّ الأشارة اليه قد  خفّت أو أنعدمعت بعد ظهور ألأسلام وفضَّل المسيحييون ومنهم العرب لقب "المسيحيّة " على " النصرانية" لاحقا. واذا كان المسلمون يفضِّلون لقب  "النصرانية", على لقب" المسيحية" فأنَّ المسيحيين في مجملهم يرفضونه ويعتبرونه لقبا تحقيريا. (6)
يقول موسى الحريري(7).
"هناك فرق بين نصرانية ألأمس ومسيحية اليوم ,فتلك أسلمت, ومسيحية اليوم لم يعرفها ألأسلام ولم يفهمها قط, وانّ هدف القس ورقة بن نوفل والنبي كان تلك النصرانية وليس مسيحية اليوم, فاراد القس أن يجمع الشيع والطوائف المبعثرة (شيع واحزاب النصرانية) في شبه الجزيرة العربية وجمعها في دين واحد (الأسلام).... فالقس أختار محمد وزوَّجه من خديجة (النصرانية) وعلّمه التوراة والأنجيل وناموس موسى وعيسى ونقل له ألأنجيل العبراني بلسان عربي مبين ".
يجب أن لا نغفل ما حوته تلك الحقبة –وبخاصة ما قبل ألأسلام- من صراعات بين الفرق المسيحية المتهودة بخصوص الوهية المسيح. والقرآن أطلق على جميع هذه البدع والهرطقات أسم النصارى. فالنصرانية قد تعني بمفهوم ألأسلام مجموعة من الفرق والنحل والملل والبدع والأحزاب وألأبيونية هي فرع منها .

للذين يرودون ألأطلاع على ألأجزاء المنشورة عليهم مراجعة المواقع التالية

http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=23919

http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=23872

http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=23671
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
 المصادر
(1)بولس الفغالي من على قناة النور-برنامج ابواب مفتوحة
(2)بحث للأستاذ صموئيل المختص باللغة العبرية على احد مواقع الأنترنت.
.(3)ألأب سمير خليل أستاذ جامعي دكتوراه في ألأسلاميات
(4)نفس المصدر السابق
(5) الكنيسة الكاثوليكية والبدع-ألأب جورج رحمة
6) راجع الموقع أدناه
(http://www.facebook.com/topic.php?uid=39245757046&topic=11278
(7) موسى الحريري في كتابه" القس والنبي"
المصادر الأخرى
الكتاب المقدس
القران

95


البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية
الجزء الثالث
2- الناصرييّون
نافع البرواري
من هم الناصرييون؟ ولماذا سمّيوا ب( النصارى) أو( النصرانيين)؟
في الحقيقة هناك التباس كبير لدى الكثيرين عندما يخلطوا بين  الناصريين والنصارى(النصرانيين) ولكن الحقيقة هناك فروقات كثيرة بينهما.
الناصرييون: فئة من المسيحيين من أصل يهودي هربوا سنة 60 -70 م بعد سقوط أورشليم وانتشروا في العالم ووجدوا في فلسطين والجزيرة العربية والعراق وضيّعوا ألأيمان الصحيح. الناصريين يختلفون عن المسيحيين ,فالمسيحيين سمّيوا لأول مرة بهذا الأسم في انطاكية كما ورد ن في أعمال الرسل"......وفي أنطاكية تسمّى التلاميذ أوّل مرة بالمسيحيين"أعمال11:26"(1).
كان قبلا يسمّون بجماعة المؤمنين أو التلاميذ ثم اطلق بعد ذلك على المسيحيين اسم الناصريين كما أطلق الوالي الروماني على بولس "زعيم شيعة الناصريين"أعمال 24:5". لقد وجد الناصرييون منذ بداية المسيحية  ولقد أُشيرَ الى الرسول بولس أنّه زعيم  على شيعة الناصريين"...وجدنا هذا الرجل مفسدا يثير الفتن بين اليهود في العالم كُلُّه, وزعيما على شيعة النصارى." (أعمال الرسل 24:5).
والناصرييون جماعة المؤمنين بالمسيح الملقّب بالناصري كما جاء في أنجيل لوقا.فقد ورد عن المسيح أنَّه "يُدعى ناصريا" .
انَّ اغلبية المفسِّرين يُرجعون المعنى الى انتسابهم الى مدينة الناصرة(نتسرت بالعبرية القديمة ونتصرت بالعبرية الحديثة) في فلسطين . بينما لقّب المسيح بالناصري نسبة الى مدينة الناصرة التي تعني باللغة العبرية ( نتسرت أو نتصرت) أي برعم او غصن الرب" ويدعى الرجل غصن الرب"اشعيا11:1 "  , وكلمة الناصري تعني باللغة العبرية "نتسر" . ولهذا لقّب المسيح ب"الناصري" في الترجمة العربية (2).
وقد تعني الناصريون ايضا(نصرويو) بالآرامية وباليونانية (ناسورويو) أو نساريين (لأن اليونان يستعملون حرف السين بدل حرف الصاد), وكانت تطلق على مسيحي السريان المتكلمين باللغة ألآرامية السريانية. فمن المعروف أنّ اللغة السريانية كانت منتشرة بين المسيحيين العائشين تحت حكم ألأمبراطورية الفارسية(العراق اليوم) وجزء من الشام وتركيا, وكان يطلق على المسيحيين هؤلاء لقب "نصرويو"(3)
معتقد الناصرييون:
الناصرييون متمسكون بالتقاليد اليهودية وبالشريعة الموسوية وكانوا مقبولين في الكنيسة ألأولى ,وقد وردت الكلمة مرة واحدة في أعمال الرسل (نازوري), وهم يهود يمارسون الشريعة اليهودية و يؤمنون  ايضا أن المسيح هو المسيح المنتظر ولكنهم متمسكين بالتقاليد اليهودية وبالشريعة الموسوية(4) .
الناصرييون لا يتفقون مع اليهود بسبب ايمانهم بالمسيح , ولا مع المسيحيين لأنهم متمسكون بالناموس والختان والسبت وأشياء اخرى. كان الناصرييون مقبولين في الكنيسة الأولى قبل أن يتبلور الفكر المسيحي الذي ازال كل شوائب اليهود في المسيحية بعد مجمع اورشليم سنة 49 م(راجع أعمال الرسل:15).
 كان "الناصرييون " يؤمنون بأنّ يسوع المسيح هو ابن الله ,وأنّ تعاليمه كانت أسمى من تعاليم موسى وسائر ألأنبياء . كذلك كانوا يؤمنون بأنّ المسيح سوف يأتي ليحكم العالم لمدّة الف عام . وأصرَّالناصرييّون اللذين ينحدرون من أصل يهودي ,شأنهم في ذلك شأن المتهودين والأبيونيين(راجع مقالنا السابق) , على ضرورة الختان , والمحافظة على السبت, ومراعاة أوامر الشريعة الموسوية الخاصة بالمأكل ونواهيها. ولكنهم أعفوا المسيحيين من غير اليهود من هذه ألأوامر. ولقد قال عنهم القديس ايرونيموس: انّ هؤلاء الناصريين ليسوا باليهود كما أنّهم ليسوا بالمسيحيين(5).
من هم النصارى(أو النصرانيين)؟ ولماذا سمّيوا  بهذا ألأسم؟.
عند مراجعتنا القرآن والسيرة والأحاديث والتفاسير القرانية وحتى التاريخ ألأسلامي سوف نصل الى نتيجة مفادها أن القران أطلق على المسيحيين,  وعلى جميع الشيع والهرطقات والبدع المسيحية ,لقب النصارى (أو النصرانيين) وقد شاعت هذه التسمية ألأخيرة في الدول العربية والأسلامية حتى يومنا هذا.
كلمة النصارى تكررت 13 مرة في القران أمّا كلمة المسيحيين فلم ترد في القران ولا مرة.
,في الحقيقة الناصريين(المنتمين الى مدينة الناصرة الفلسطينية) ليسوا النصارى كما ورد في القرآن(والتي أكثر تفسيرات علماء المسلمون يقصدون بهذه التسمية جماعة الذين ناصروا المسيح كما جاء في ألآية القرآنية (قال الحواريون نحن أنصار الله). وقد قيل : "النصرانية " تعني دين أتباع المسيح كم جاء في المعجم الوسيط . اليهود يطلقون على المسيحية أسم   נצרות وتلفظ نَتسروت وهي من جذ ر يقابل الجذر العربي ن.ص.ر. وهي مشتقة من الناصرة" נצרת   " وذلك لأنَّ المسيحيين هم أتباع يسوع الناصري, بينما سمّي أتباع المسيح بالمسيحيين في أنطاكيا لاحقا, وأختفى مع الوقت لقب "الناصريين" بسبب أعتباره لقبا تحقيريا يهوديا لأتباع المسيح خصوصا أن اليهود كانوا يحتقرون ما يخرج من الناصرة بدليل ذكر ذلك من قبل نثنائيل لفيلبس"أمن الناصرة يمكن أن يكون شيئ صالح؟"يوحنا 1:46". الا أنَّ بعض المتنصرين من اليهود الذين رغبوا بالأبقاء على الشريعة الفريسية ونقلها للمسيحية تمسَّكو بلقب الناصريين الذي تحرَّف مع الوقت الى :نصارى" على يد العرب لاحقا, قبل ظهور ألأسلام لتشير الى المسيحيين المتمسكين بالشريعة الموسوية. واذ أتبع العرب هذا اللقب اي"النصارى" اشارة الى أتباع المسيح فانهم اصبحوا يطلقونه على كل من يتبع المسيح حتى مسيحيّوا الروم والشام والعراق والقبط وفارس وأهل اليمن والحبشة  رغم اختلاف عقائدهم...... وقد يكون المسيحييون العرب من أهل البادية قد قبلوا هذا اللقب وأستخدموه قبل ظهور الأسلام الى أنّ الأشارة اليه قد  خفّت أو أنعدمعت بعد ظهور ألأسلام وفضَّل المسيحييون ومنهم العرب لقب "المسيحيّة " على " النصرانية" لاحقا. واذا كان المسلمون يفضِّلون لقب  "النصرانية", على لقب" المسيحية" فأنَّ المسيحيين في مجملهم يرفضونه ويعتبرونه لقبا تحقيريا. (6)
يقول موسى الحريري(7).
"هناك فرق بين نصرانية ألأمس ومسيحية اليوم ,فتلك أسلمت, ومسيحية اليوم لم يعرفها ألأسلام ولم يفهمها قط, وانّ هدف القس ورقة بن نوفل والنبي كان تلك النصرانية وليس مسيحية اليوم, فاراد القس أن يجمع الشيع والطوائف المبعثرة (شيع واحزاب النصرانية) في شبه الجزيرة العربية وجمعها في دين واحد (الأسلام).... فالقس أختار محمد وزوَّجه من خديجة (النصرانية) وعلّمه التوراة والأنجيل وناموس موسى وعيسى ونقل له ألأنجيل العبراني بلسان عربي مبين ".
يجب أن لا نغفل ما حوته تلك الحقبة –وبخاصة ما قبل ألأسلام- من صراعات بين الفرق المسيحية المتهودة بخصوص الوهية المسيح. والقرآن أطلق على جميع هذه البدع والهرطقات أسم النصارى. فالنصرانية قد تعني بمفهوم ألأسلام مجموعة من الفرق والنحل والملل والبدع والأحزاب وألأبيونية هي فرع منها .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
 
(1)بولس الفغالي من على قناة النور-برنامج ابواب مفتوحة
(2)بحث للأستاذ صموئيل المختص باللغة العبرية على احد مواقع الأنترنت.
.(3)ألأب سمير خليل أستاذ جامعي دكتوراه في ألأسلاميات
(4)نفس المصدر السابق
(5) الكنيسة الكاثوليكية والبدع-ألأب جورج رحمة
6) راجع الموقع أدناه
(http://www.facebook.com/topic.php?uid=39245757046&topic=11278
(7) موسى الحريري في كتابه" القس والنبي"
المصادر الأخرى
الكتاب المقدس
القران

96
البدع والهرطقات في القرون ألأولى للمسيحية


1-الأبيونية (أو ألأبيونيّون):
الجزء الثاني
نافع البرواري

"ألأبيونية, أو ألأبيونيّون , التي تشتق من كلمة عبريّة تعني الفقير أو المسكين, كانت حركة شبه تهويدية نظرا الى تعلُّقها بالتعاليم الموسوية....ومع أنَّ أتباعها هم من اليهود , فقد أنخرط فيها عدد من غير اليهود, وأصبحت بعدئذ مذهبا له مريدوه أيّام حكم ألأمبرواطور الروماني تراجان(52-117م). واستمرت طوال القرن الرابع المسيحي وحتى منتصف القرن الخامس"(1)
 وهناك من يقول أن ألأبيونيين أنفسهم هم الذين أشتقوا التسمية من قول المسيح "طوبى للمساكين بالروح 5:3" بينما التاريخ المدون يشير انّ المسيحيين في الكنيسة الأولى هم الذين اطلقوا عليهم هذا ألأسم كنوع من التحقير لهم على أنّهم "فقراء الفكر" مساكين ألأيمان  . لقد أستخدم أريجانوس ألأسكندري هذا ألأسم لتحقيرهم وللدلالة على فقر أفكارهم وضحالة معتقداتهم . في كُل ألأحوال حركة التهود(ألأبيونية) فى المسيحية حاربها القديس بولس الرسول بكل قوة"راجع رسالة روميا". وفى رسالته إلى كولوسى 2 : 16 – يقول:"لايحكم عليكم أحدٌ في ألمأكولِ والمشروب أو في ألأعياد وألأهّلة والسبوت" و ينبه, الرسول بولص ,المؤمنين بعدم الوقوع في هذه البدعة فيقول " أحترسوا من هؤلاء الذين يشوّهون الجسد, فنحن أهل الختان الحقيقي لأنّنا نعبد الله بالروح ونفتخر بالمسيح يسوع ولا نعتمد على أمور الجسد"فيلبي3:2,3". بل إنه أيضاً وبخ بطرس الرسول فى غلاطية إصحاح 2 ، وقال له : "إذا كنت أنت اليهودي تعيش كغير اليهود لا كاليهود, فكيف تلزم غير اليهود أن يعيشوا كاليهود؟" فلماذا تطلب من الأمم أن يتهودوا..
ويقول عنهم البشير يوحنا"خرجوا من بيننا وما كانوا منّا , فلو كانوا منّا لبقوا معنا . ولكنّهم خرجوا ليتَّضح أنِّهم ما كانوا كُلَّهم منّا"1يوحنا2:19".
ولأبيفانيوس اسقف قبرص (310-403م) عبارة يتحدث فيها عن ألأبيونيين فيقول: "انهم ليسوا مسيحيين ولا يهود ولا وثنيين , انهم يقفون في منتصف الطريق فليسوا هم شيئا".
 
ويقول المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري في كتابه(تاريخ الكنيسة الفصل السابع والعشرو ص155)
 "لقد دُعيو "ابيونيين" , لأنّهم أعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضعية ,  فهم أعتبروه انسانا بسيطا عاديا قد تبرَّر فقط بسبب فضيلته السامية , وكان ثمرة لأجتماع رجل معين مع مريم. وفي أعتقادهم أنَّ ألأحتفاظ بالناموس الطقسي ضرورة جدّا, على اساس أنَّهم لا يستطيعون أن يخلصوا بالأيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة.
وبخلافهم كان هنالك قوم أخرون بنفس ألأسم ولكنهم تجنّبوا ألآراء الغريبة السخيفة التي أعتقدها السابقون, ولم يذكروا أنَّ الرب ولد من عذراء ومن الروح القدس ,ولكنهم مع ذلك اذ رفضوا ألأعتراف أنَّه كان كائنا من قبل, لأنّه هو الله, الكلمة, الحكمة , فقد أنحرفوا الى ظلالة السابقين سيّما عندما حاولوا مثلهم التمسك الشديد بعبادة الناموس الجسدية. رفضوا رسائل الرسول بولس وأعتبروه مرتد. ثم أنّهم أستعملوا فقط ما يُدعى أنجيل العبرانيين , ولم يبالوا كثيرا بالأسفار ألأخرى, وقد حافظوا على أيّام الرب مثلنا كتذكار لقيامة المخلص. ولهذا أُطلق عليهم أسم "ألأبيونيين "(وهي كلمة عبرية تعني الفقير )الذي يعبِّر عن فقرهم في التفكير."
وقد قال القديس أيرنموس في رسالة له إلى القديس أوغسطينوس(13:112): "ماذا أقول عن الأبيونيين الذين يدعون أنهم مسيحيون؟ إنهم أرادوا ان يكونوا يهوداً ومسيحيين فى وقت واحد وما إستطاعوا أن يكونوا يهوداً أو مسيحيين"

ويقول موسى الحريري (مؤلف كتاب قس ونبي ):"يقبل ألأبيونيين أنجيل متى وحده ويسمّونه :ألأنجيل بحسب العبرانيين" وهو نفسه أنجيل متى باللغة الآرامية ولكنه ناقص ومحرف ومزيّف (كما يشهد بذلك أبيفانوس)....وهو انجيل منحول لم يتخلَّص من اثار العهد القديم للشريعة وخاصة الميتة والذبائح..أمّا رسالته فتقوم على التعلُّم والتبشير دون الفداء والخلاص. هذا الأنجيل
معروف فقط من خلال المقتطفات التي نقلها عنهُ كتّاب الكنيسة ألأوائل ...ومن اسمه يبدو واضحا أنَّه كان خاصا بالفرق المسيحية-اليهودية ألأولى والتي حافظت على الشريعة الموسوية  في حياتها ...فقد نقل عنهُ أكليمنسوس ألأسكندراني (أواخر القرن الثاني)وجيروم (حوالي عام 400) واوريجينس(مطلع القرن الثالث) وكيريلوس(مطران القدس حوالي عام 350) ...وفي لائحة الأناجيل ألأزائية المخفية والتي أعدها نيسيفورس (باطريرك القسطنطينية806-818م) يرد ذكر أنجيل العبرانيين وانّه يحتوي على 2200سطر...وقد شاع لدى المستشرقين والمستعربين المسيحيين وبعض تابعيهم المشرقيين أنَّ هذا ألأنجيل كان متداول في شبه الجزيرة العربية وكان في يدي ورقة بن نوفل(اسقف مكة) قبل البعثة النبوية المحمدية .ويذكر موسى الحريري ايضا أنّه :"دخل في شيعة ألأبيونيين رهبان قمران بعد خراب هيكل اورشليم فهاجروا الى الحجاز وأنتمى بعضهم الى القبائل العربية (قس ونبي –موسى الحريري ص21)
ظل اثار البدعة الأبيونية موجودا في شبه الجزيرة العربية حتى ظهور الأسلام. انتشرت هذه البدعة في فلسطين وشبه الجزيرة العربية وقبرص واسيا الصغرى حتى وصلت الى روما. المؤرخون يقسمون هذه البدعة ألأبيونية الى ثلاثة أنواع :أولا:ألأبيونية الفريسيّة المتطرفة , وثانيا : ألأبيونية المعتدلة, وثالثا: ألأبيونية ألأسينية.
أولا ألأبيونية الفريسيّة المتطرفة.
أصروا  دعاة هذه البدعة على أن يحافظوا على الناموس الموسوى من جهة السبت ومن جهة الختان، واعتبروا أن الأمم الذين لم يختتنوا يبقوا نجسين.وقد حاربوا الرسول بولس بكل شراسة ولم تتخلص المسيحية من هذه البدعة الا بعد انعقاد أول مجمع كنسي سنة 49 في اورشليم بحضور جميع الرسل ..أنكرت هذه البدعة عذريّة العذراء مريم , وأعتقدت أنَّ المسيح هو بشرٌ لا يختلف عن غيره من البشر, وهو ثمرة علاقة جسديّة ربطت مريم بيوسف. حافظت على السبت وسائر التعاليم اليهودية, ورفضت ألأعتراف بألأناجيل ألأربعة  باستثناء نسخة عبريّة وممسوخة من أنجيل القديس متّى(ألأنجيل بحسب العبرانيين). لم يعد لها وجود الآن, (ولكن اثر هذه البدعة استمر الى يومنا هذا خاصة في الشرق المسيحي والأسلامي).انكرت ألوهية المسيح وأعتبرته مجرّد  انسان هبط عليه الروح القدس عند عماده  بشكل حمامة , ولكن هذا الروح قد تركه على الصليب. كذلك رفضت فكرة الام المسيح عند الصلب, وشدّدت على ضرورة الختان من أجل الخلاص.
 ثانيا ألأبيونية المعتدلة:
 تعتبر أن المسيح هو المسيّا (المشيح) المنتظر, ولكنها تنكر لاهوته. وتؤكّد على ضرورة أتباع ناموس موسى اتباعا حرفيا, وترفض رسائل القديس بولس رفضا قاطعا. وتتساهل فتقبل , الى حدّ ما , بمعجزة ميلاد المسيح من مريم العذراء . وعلى رغم  أعتدالها فرضت على أتباعها الختان وتقديس السبت, تاركة الحرية بذلك لغير التابعين لها. والشيء الأخير الذي يجمعها بالمسيحيين هو تقديسها يوم الأحد.
ثالثا ألأبيونية ألأسينية:
أو ألأبيونية الغنوصية, فهي جماعة سريّة ظهرت قبل المسيحيّة بنحو مائة وخمسين سنة تقريبا . مال أتباعها الى التأملات الصوفيّة والى الزهد والتقشّف , خصوصا في ألأمتناع عن الزواج والخمرة وفي دهن الجسد بالزيت. وعلى رغم تمسّكها بالدين اليهودي, فلقد شعرت بغربة عنهُ, ألأمر الذي منعها من أكل الفصح كبقية اليهود, وخصوصا ألأمتناع عن أكل اللحم, فعاشت على ما تنبته ألأرض من حشائش وزرع. وكان أتباعها يرتدون الثياب الناصعة البياض كرمز للطهر والشوق الى النقاء. ولقد أعتزل هؤلاء ألأبيونيون المجتمع ورفضوا ألأختلاط بالناس, منخرطين في حياة جماعية لا ملكيّة لها....كذلك رفضوا ألأيمان بالعهد القديم باستثناء ألأجزاء الخمسة الموحى بها الى موسى(التوراة)....وانكروا ايضا قيامة الموتى أو بعث ألأجساد, ورفضوا مذهب التثليث, أي ألأيمان بالآب والأبن والروح القدس ,  ولكنهم امنوا بثنائيّة غامضة, مبشّرين بقوّتين الهيتين , تتمثّّل احداهما بمبدأ ذكر هو أبن الله الذي أعتقدوا أنّه تجسّد بادم أول ألأمر, ثم بيسوع بعدئذ. أمّا القوة الثانية فتتمثل بالروح القدس.....وأذ كانت ألأبيونية الفريسية قد ورثت تعاليمها من اليهودية, فأنَّ ألأبيونية ألأسينية هي ثمرةالخلط بين المسيحيّة والمذهب اليهودي ألأسيني وبعض مبادئ التصوّفية الغنوصية الشرقية.(2)
----------------------------------------------------------------------------
(1) (الكنيسة الكاثوليكية والبدع- ألأب جورج رحمة).
(2) نفس المصدر أعلاه

المصادر الأخرى
--------------------
الكتاب المقدس
تاريخ الكنيسة –ليوسابيوس القيصري
القس والنبي –موسى الحريري
مجموعة مقالات منشورة على الأنترنيت(حول موضوع البدعة الأبيونية) من قبل اباء الكنيسة

97


 
 
 
البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية
الجزء ألأول
نافع البرواري
قد يصدِّق بعض الناس كُلِّ ما يقرأوون أو ما يسمعون, ولكن للأسف ليس كُلِّ ما يُطبع أو ينادي به صحيحا, وليس كًلِّ من أدَّعى النبوة هو نبي صادق أو من أدعى بتعليم هو تعليم صحيح, وعلى المسيحيين أن يكونوا لهم أيمان راسخ قائم على صخرة المسيح وفي نفس الوقت يجب أن لا يكونوا سذَّج بل يجب أن يكونوا حكماء مستعدين للأجابة على كُلِّ أسئلة الآخرين عن سبب الرجاء والأيمان الذي فيهم.
على المؤمن المسيحي أيضا أن يتحقق من كُلِّ رسالة (أو عقيدة) تصل الى مسامعه حتى لو قيل له انّها من عند الله. فلو كانت الرسالة من الله حقا فستتفق تماما مع تعاليم الرب يسوع المسيح وسرِّ تجسّده كما يقول البشير يوحنا "أيُّها ألأحباء لا تصدِّقوا كُلِّ روح , بل أمتحنوا ألأرواح لتروا هل هي من الله؟, لأنّ كثيرا من ألأنبياء الكذَابين جاؤوا الى العالم. وأنتم تعرفون روح الله بهذا: كُلِّ روحِ يعترف بيسوع المسيح أنّه جاء في الجسد يكون من الله , وكُل روح لا يعترف بيسوع لايكون من الله , بل يكون روح المسيح الدجال الذي سمعتم أنّه سيجيءُ , وهو ألآن في العالم"1يوحنا 4:1,2,3".
يقول أحد الواعظين: انَّ لم ننظر الى الوراء(الماضي) فلن نستطيع أن ننظر الى ألأمام (المستقبل), واذا لم تكون لنا خطط للمستقبل فلن نستطيع أن نواجه الحياة في المستقبل....حكمة اليوم تختلف عن حكمة الأمس , اليوم نحن في بحرٌ من التغييرات كالأمواج التي تقودنا يمينا وشمالا, فالذي ليس له مرسات"يسوع المسيح", قد يفقد توازنه في خضم هذه الحياة ".
نعم هكذا علينا أن نلقي الضوء على ماضي المسيحية "تاريخ الكنيسة" لنعرف ماذا  كانت تواجهه, الكنيسة الجامعة الرسولية, من الهرطقات والبدع والنبوات الكاذبة الشائعة منذُ القرون الأولى لأنتشار المسيحية, لكي نستطيع أن نواجه اليوم الكم الهائل من الهرطقات والبدع في عصرنا الحالي, والتي ستستمر وستنموا وتكبر في المستقبل , مثل الزوان وسط الحنطة"راجع متى 13". غايتنا من دراسة طبيعة تعاليم هذه البدع, هي لكي ننبه المؤمنين ونكشف لهم زيف وظلال تعاليم هذه البدع (كما كان يفعل ابائنا في الأيمان ممن سبقونا) , حتى لا نقع في شباك وفخاخ الشيطان الذي ما برح يخترع الطرق والأساليب الجهنمية لأيقاع الناس, وخاصة المؤمنين, في شباكه ويحاول بكل  أسلحته الخبيثة , ضرب الكنيسة من الداخل لأنّه يعرف تماما أنَّ المملكة, وعندما تنقسم  من الداخل, تسقط.
أحيانا كثيرة يقع ألأنسان فريسة الشيطان عندما يجذبه معلّمين أو أنبياء كذبة, ظاهرهم ناس محترمين وقادرين على ألأقناع ,  ولكن من الداخل قد يكونوا ذئاب مفترسة, فعلينا أن نكون حكماء حتّى لا نقع في فخ هؤلاء المعلمين الكذبة, وذلك  بأن نفحص تعاليمهم في ضوء الكتاب المقدس"راجع غلاطية1:17"2كو11:4". يصف الرسول بولص هؤلاء ب" المضللين".
لقد ظهرت منذُ البداية شيع وبدع وهرطقات غريبة عن وحي الأنجيل والتقليد"الكنسي" والتعليم الرسولي " تلبس قناعا مسيحيا على سبيل التمويه, بينما الكنيسة الجامعة الرسولية  كانت تخرج دائما متجدّدة , بثياب جديدة وكأنَّ سلسلة هزائمها الظاهرة , وعزوفها عن السيادة ,الزمنية , لم تعمل الا على تطهيرها وتنسيقها , وتجديد نشاطها , وتحرُّرها , لأنَّ الكنيسة , كما يقول احد المؤمنين , هي  مانعة , صادة, طاردة , لكل ماهو غريب في جسدها المقدس , لأنّها تنظِّف نفسها بنفسها, وهي (أي الكنيسة) مبنية على صخرة المسيح  فلا تستطيع هذه البدع والهرطقات تشويه صورتها الحقيقيقة أو تغيير مسارها ,لأنَّ الحق نورٌ لن تستطيع قوة الظلام أدراكه.
كان على الكنيسة الأولى الناشئة أن تجابه وتواجه وتكشف حقيقة هذه البدع والهرطقات لتحافظ على ايمانها الصافي الذي نقله لنا تلاميذ المسيح والرسل الأولين, و كان على التلاميذ والرسل والمؤمنون الأولون أن يواجهوا العالمين:اليهود والفلسفات اليونانية والديانات الوثنية بفئاتها المختلفة.
 من أهم البدع والهرطقات التي ظهرت منذ القرن الأول الميلادي إثنتان هما:
أولا:المسيحيّون المتهوّدون(مصدرها اليهود).
ثانيا:الغنوصية(مصدرها الفلسفات اليوناية والديانات الوثنية).
ومن هاتين البدعتين خرجت أغلب البدع والهرطقات المعروفة في تاريخ الكنيسة ,  ولا زال تأثير هاتين البدعتين منتشرا حتى في عصرنا الحالي.
أولا : المسيحيّون المتهودّون:
"ونزل جماعةٌ من اليهوديّة وأخذوا يعلّمون ألأخوة, فيقولون:"لا خلاص لكم الاّ أذا أختَتَنتُم على شريعة موسى". فوقع بينهم وبين بولس وبرنابا خلافٌ وجدال شديد."أعمال15:1,2". حدث نزاع , منذ بداية القرن ألأول للمسيحية, بين المسيحيين من خلفية يهودية وبين الرسل والمسيحيين من خلفية وثنية, حول الأيمان بالمسيح كمخلص , فثار سؤال :هل يُطلب من المسيحيين من خلفية وثنية ,علاوة على ايمانهم بشخص يسوع المسيح, أن يُختتنوا ويمارسوا مطالب الشريعة اليهودية لينالوا الخلاص؟.
كان الرسول بولس وبرنابا وبقية رؤساء الكنيسة يعتقدون بأهميّة العهد القديم ,لكنه ليس شرطا ضروريا للخلاص. فالناموس لا يقدر أن يخلص انسانا, لكن ألأنسان يحتاج الى ألأيمان بيسوع المسيح حتى ينال الخلاص. بينما عارض  هذا الأعتقاد بعض المسيحيين من خلفية يهودية وخاصة بعض الذين كانوا على مذهب الفريسييّن ثم امنوا"راجع اعمال15:5 ".
بدعة المسيحيين المتهوّدين هي أول بدعة ظهرت في الكنيسة, ويعود تاريخها الى أيّام الرسل. فهؤلاء هم جماعة من اليهود عاشت في القرن ألأول المسيحي, وكانت تُبّشر بأنّ ألأيمان بالمسيح لايمنعها من ألأستمرار في ولائها للدين اليهودي وللشريعة الموسويّة. فأعتبار يوم السبت يوما مقدّسا , وضرورة الختان , وألأمتناع عن تناول ألأطعمة النجسة . جميعها كانت تشكل حجر ألأساس في أيمانها,  وبالتالي كانت هذه الجماعة تعتقد أنّ ناموس موسى هو ضروري للخلاص, حتى في قلب المسيحية. وهؤلاء المسيحيون ألمتهوّدون كانوا قد تحوّلوا الى الدين المسيحي لأعتقادهم بقرب مجيء المسيح المنتظر, وأنطلاقا من قول المسيح نفسه انّه لم يأتي لينقض شريعة موسى بل ليكمّلها . لذلك لم يُنعت تعليمهم هذا في البداية بالبدعة لأنَّ جميع المسيحيين في فلسطين كانوا يتمّمون ناموس موسى ويختتنون حسب العادة المرعيّة في ذلك الزمن.
لم يشعر هؤلاء المسيحيّون المتهوّدون بأنّهم ينضوون تحت لواء دين جديد , بل ظنّوا أنّهم يشاركون في حركة أخلاقية أصلاحية تدعو الى الطهارة والنقاء والترفع عن الذات. ولكن عندما أعلن الرسل في مجمع أورشليم أنَّ أتمام الناموس الموسوي ليس ضروريا للمسيحيين.".... فالروح القدس ونحنُ رأينا أن لا نحملكم من ألأثقال الاّ ما لابد منه.." (راجع قرار مجمع أورشليم في أعمال الرسل 15), لأنَّ الخلاص في الكنيسة المسيحية يتم بنعمة الرب يسوع المسيح وليس بهذا الناموس , رفض هؤلاء ألأمر , خصوصا عندما تصدّى لهم القديس بولس بقوّة وحزم حتى أستطاع , في النهاية , التغلُّب على هذا ألأتجاه القومي اليهودي نحو التهويد. كذلك تغيّر موقف القديس بطرس المؤيّد للتهويد وأصبح مواليا للقديس بولس المناهض له.
ووما لاشك فيه أنَّ الهزيمة التي مني بها اليهود حوالي سنة 60م, والشتات الذي تعرّضوا له سنة 70م واستمر لغاية القرن الثاني عشر, قد ساعد على ازدهار المسيحية وأنتشارها بين ألأمم كدين مستقل عن اليهودية تماما. وهكذا أصبحت ألدعوى التهويدية الساعية الى أحتواء المسيحية  ومنعها من الظهور كدين مستقل بدعة عرفتها المسيحية خلال تاريخها الطويل, وربَّما لغاية اليوم(1).
 لقد دخل الكثيرون من اليهود في المسيحية ومنذ البدايات ولكن بقوا متعصبّين لشريعتهم ولم يؤمنوا بالرب يسوع المسيح كمخلص للبشرية بل اعتبر الكثيرون من المسيحيين المتهودين , أن المسيح هو نبي حاله حال الأنبياء السابقين.
فعندما تجسَّد المسيح وعاش في هذه ألأرض ومات على الصليب ثم قام من بين ألأموات وصعد الى السماء. أصبحت حياته وأقواله وأعماله ومعجزاته وموته على الصليب وقيامته, حجر عثرة للكثيرين من هؤلاء المسيحيّون من خلفية يهودية, الذين كانوا ينتظرون المسيح ألآتي"مارن اثا". فالشعب اليهودي الذي كان ملمّا بقصص ألأنبياء والآباء الأولين لم يجد صعوبة في تصديق أنّ الله مازال يُعلن أرادته لهم, الاّ أنَّ العجيب والمدهش والذي لم تصدّقه عقولهم هو أن يعلن الله لهم ذاته ويكلّمهم بابنه يسوع المسيح الذي هو تمام  (كمال) وقمة أعلانات الله.
لقد انقسم اليهود الى فئات. الفئة الأولى رفضت ألأيمان نهائيا وقاومت المسيحية في كُلِّ مكان وهذا ما دوّنه البشير لوقا في  سفر أعمال الرسل"راجع أعمال الرسل الأصحاحات 5,23,24, ".
الفئة الثانية  آمنت بيسوع المسيح  ربا ومخلصا . وهذه الفئة من المؤمنين حملت بشرى الخلاص الى العالم أجمع انطلاقا من اورشليم"راجع أعمال الرسل2".
والفئة الثالثة آمنت بالمسيحية واليهودية في ان واحد وسُميّوا بالمسيحيين المتهودين , وهم بدورهم أنشقوا الى قسمين رئيسيين على الأقل منهم : ألأبيونية(او ألأبيونييّون) والناصريين أو (النصارى كما يسمّون في العربية).
وسنتكلم , انشاء الله , في الجزء الثاني من مقالتنا عن  البدعة ألأبيونية.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

(1)ألأب جورج رحمة –الكنيسة الكاثوليكية والبدع
 

98

الروح القدس في العهد الجديد

الجزء الثاني

نافع البرواري

ايماننا نحن" المؤمنين" بالروح القدس -

".....ونؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب والأبن ...الناطق بالأنبياء" هذا هو جزء من قانون ايماننا المسيحي. انطلقت رسالة بشرى الخلاص الى العالم أجمع بعد حلول الروح القدس على التلاميذ والمسيحيين الأولين في يوم العنصرة  "راجع اعمال الرسل 2" , وكانت البذرة الأولى وحبة الخردل الصغيرة , زرعت يوم عيد العنصرة , بواسطة تلك"ألألسنة النارية"التي حلَّت على كُلِ واحد منهم . وحضور الروح القدس هذا, لم يكن ظاهرة عابرة بل هو رافق الكنيسة خلال مسيرتها الطويلة, وقد تحقّقت نبوة الرب يسوع المسيح القائل"الروح القدس يحلُّ عليكم ويهبكم القوّة. فتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية كُلّها والسامرة , حتّى أقاصي الأرض".وقد تكلّمنا عن عمل الروح القدس في حياة المؤمنين والكنيسة في الجزء ألأول من مقالتنا (كما في المواقع أدناه) ,  وفي هذه المقالة سنستكمل المواضيع الخاصة بالروح القدس و سنتكلم عن :

-الحياة الجديدة والولادة الروحية

- المواهب الروحية

- وثمار الروح القدس

أولا: الحياة الجديدة والولادة الروحية

انَّ دور الروح القدس في الولادة الجديدة والنمو في ألأيمان هو محور الحوار الذي دار بين الرب يسوع المسيح ونيقوديمس ,في كون الولادة الجديدة "  ولادة من فوق" هي عطيّة مجانية , لذلك يقول الرب في انجيل متى"ان كنتم لا تتغيّرون وتصيرون مثل الأطفال , فلن تدخلوا ملكوت السماوات"متى3:18,أنّ الحل الذي يطرحه الكتاب المقدس لمشكلة الذنوب الموروثة هو أن يحصل كل شخص على حياة جديدة ,وهذا هو عمل الروح القدس وليس بجهودنا أو أعمالنا ,فالروح القدس يعطينا اتجاها جديدا وحبا جديدا وقوة تغيير جديدة,ونظرة جديدة للحياة  , وقلبا جديدا "حزقيال 18:31,32" مزمور 51" فقوة روح الله القدوس تغيير قلوبنا وأفكارنا "افسس  4:22 ". فعمل الروح القدس الخاص الذي به نولد ثانية ونبدأ حياة روحية جديدة , وأوضح الرب يسوع المسيح هذا العمل الرائع في حديثه مع نيقوديموس"راجع يوحنا3"."ما من أحد يُمكنه أن يدخل ملكوت الله ألأَ اذا ولد من الماء والرّوح ,لأنَّ مولود الجسد يكون جسديا ومولود  الروح يكون روحا "يوحنا 3:5". انَّ المسيح نفسه هوالذي يمنح الروح القدس"فمن أرسله الله يكلِّمكم بكلام الله ,لأنّ الله يهب الروح بغير حساب"يوحنا3:34".

 يقول الرب يسوع المسيح "ان عطش أحد , ليجيئ اليَّّ ليشرب. ومن امن بي, كما يقول الكتاب ُ, تفيضُ من صدره أنهار ماء حيّ "يوحنا7:37,38" فيسوع المسيح هو نبع الماء الحي ,اي هو يعطينا روحه القدوس الذي يروي عطشنا الروحي للحياة الأبدية, بينما يقول الرب على لسان ارميا النبي عن شعب اليهود "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة وحفروا لهم ابارا مشقَّقة لا تمسك الماء"ارميا 2:13" . سميّوا الذين تجدَّدوا في المسيح ب"خليقة الجديد" وأذ كان أحدٌ في المسيح فهو خليقة جديدة"2كو5:17". فالولادة الروحية لانشعر بها الاّ حين نجد انفسنا في حياة روحية جديدة وقد كرهنا الخطية وأحببنا القداسة وامنا بالمسيح واخترنا طريق الحق والحياة"فأتركوا سيرتكم الأولى بترك ألأنسان القديم الذي أفسدته الشهوات الخادعة , وتجدَّدوا روحا وعقلا , والبسوا ألأنسان الجديد الذي خلقه الله على صورته في البرِّ وقداسة الحقِّ"افسس4:22,23" .  نعم على المؤمنين ان يعيشوا الحياة الجديدة في المسيح , لأنّهم اصبحوا أتباع المسيح, فعليهم أن يكون لهم فكرا جديدا وسلوكا في التقوى والمحبة والسلام  والصلاح...الخ . والشيئ الرائع الذي يعمله الروح القدس في حياتنا هو أنَّه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله , وايضا يحفظنا الى يوم مجيئ الرب للميراث ألأبدي "افسس 4:30".

فنحن نؤمن أن الأنسان عليه أن يتغيّر من الداخل وذلك بقبول الروح القدس في داخله والأيمان بأن ملكوت الله هي ملكوت روحية ولا يستطيع ألأنسان أن يصل الى ملكوت الله الا بالروح القدس ولا يمكن معرفة الله الا بالروح والحق"يوحنا 4" ,لأنّ الأنسان الخاضع لشريعة الجسد يبقى جسدي ويظل خاضع تحت حكم الخطيئة ولا يستطيع أن يكسر قيود العبودية والجاذبية نحو الشهوات "راجع روميا8",امّا ألأنسان الروحي  فهو يميّز كل شيئ لأنّه له فكر المسيح"1كورنثوس 2:15,16"  "راجع ايضا غلاطية 5:16,17" فلا يستطيع العالم ان يقبل الروح القدس  لأنّه لايراه ولا يعرفه"يوحنا14:17" وعدم معرفة الله يقود الآخرين الى أضطهاد المؤمنين"يوحنا16:1,2,3" , لأنَّ الولادة الروحانية تثير ضدنا قوات الشر"أفسس 6:12"

ثانيا: مواهب الروح القدس.

 

الكتاب المقدس ـ كلمة الله الأبدية ـ يتكون من العهد القديم والعهد الجديد. ولقد أوحى الروح القدس, أي روح الله، بكل كلمة في الكتاب المقدس. فنقرأ في 2بطرس 20:1ـ21 ، ".. وأعلموا قبل كل شيء، أن لا أحد يقدر أن يفسِّر من عنده  أيّة ُنبوءة واردة في الكُتب المقدّسة,لأنَّ ما من نبوءة على الأطلاق جاءت بارادة انسان ولكنَّ الروح القدس دفع بعض الناس الى أن يتكلَّموا بكلام من عند الله"

 ..".ولا يقدرُ أحدُ أن يقول َ انَّ يسوع ربِّ الا بالهام من الروح القدس ."كورنثوس الأولى:12:3 "."الله روح ,وبالروح والحقِّ يجب على العابدين أن يعبدوه" يوحنا 4:24 "

ومواهب الروح  القدس على انواع....كُلِّ واحد ينال موهب  يتجلّلى فيها الروح للخير العام . فهذا ينال من الرَّوح كلام الحكمة , وذاك ينال من الروح نفسه كلام المعرفة, والرَّوح  الواحد نفسه يهب أحدهم ألأيمان ,والآخر موهبة الشفاء ,وسواه القدرة على صنع المعجزات ,والآخر النبؤة ,وسواه التمييز بين الأرواح ,والاخر التكلم بلغات متنوعة ,والاخر ترجمتها"1كورنثوس12  " كذلك الروح القدس يعطينا مواهب  تختلف باختلاف ما نلنا من النعمة  "نبوءة، خدمة، تعليم، وعظ، عطاء، تدبير، أعمال الرحمة، كلام حكمة، كلام علم، إيمان، شفاء، قوّات، تمييز الأرواح، التكلّم بألسنة، رسل، مبشرون، رعاة(روما 6:12,13,14"

ثالثا: ثمار الروح القدس

كُلِّ مؤمن قد يحصل على المواهب الروحية ولكن ليس كلّ مؤمن يثمر ثمار الروح القدس. انّ الثمار تحتاج الى ارض جيدة, لأستقبال الكلمة والنمو في ألأيمان, كالبذرة التي تنمو في الأرض الجيدة, وعبر سنوات تنمو فيتفرع منها ألأغصان والأزهار وأخيرا تثمر اثمارا". ولهذا يقول الرب يسوع المسيح "من ثمارهم تعرفونهم".

لا يمكن ألأنسان أن يثمرأذا لم يمتلئ من الروح القدس لكي يثمر أعمال الفرح والمحبة  والسلام وطول البال واللطف والصلاح والأمانة ,والوداعة ,وضبط النفس "غلاطية 5:22,23". فثمار الروح هي النمو والتغيير المستمر في اسلوب الحياة التي تشهد على ما يقوم به المؤمن من أعمال الخدمة والوحدة "لأنّ الروح يوحِّد بينما الشيطان يفرِّق". أذا كان الروح القدس هو الذي يسيطر علينا فلا بد أن نثمر الثمر المذكور أعلاه , لأنّ الروح القدس ينتج فينا سجايا أدبية لا تصرفات معيَّنة , ولا نستطيع أن نخرج ونفعل هذه الأشياء , ولا نستطيع الحصول عليها بمحاولة نوالها , بل أذا أردنا أن يُظهر ثمر الروح في حياتنا فيجب أن ندرك أن كُلَِّ هذه المميزات انّما توجد في المسيح, لذلك  كانت الوسيلة الوحيدة لغرسها فينا  أن تتحد حياتنا بحياته"راجع ايضا يوحنا 15:4,5"

الخلاصة

نحن نعيش في زمن  الروح القدس , فبعد صعود الرب يسوع المسيح الى السماء ارسل الى تلاميذه, وكل  المؤمنين, الروح القدس, وحضوره ليس بطابع حسي بل طابع "روحاني"  ,يقيم في المؤمنين"يوحنا 14:17,25",ويقيم معهم الى الأبد"يوحنا14:16" وهو روح الحق,هذا الحق الذي هو يسوع"14:6" المضاد لأبي الكذب"يوحنا 8:44" وهو الذي يميِّز العبادة الصادقة للآب"4:23,24" وهو الذي يقدّس المؤمنين"17:17" بحيث لا يكونون بعد من العالم"يوحنا17:16" وهو ذاكرة الكنيسة الحيّة.

http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=2956

http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=2934

99
البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية

نافع البرواري

مقدمة:

هناك عبر التاريخ من يحاولون تحريف ألأيمان عند المتكاسلين وأغواء الناس بطرق ووسائل شيطانية ويثيرون الحروب (الروحية والجسدية) لأنَّهم اصطفوا مع قوات الشر الروحية. لكن تبقى كلمة الله وعطية الحياة ألأبدية لاتقدران بثمن, بهما يستطيع المؤمنون أن يدافعوا عن الحق لأنّهم سلّموا حياتهم لأبن الله وأصطفوا بجانب المسيح الحي(كما فعل من قبلنا ابائنا في الأيمان عندما ردّوا على البدع والهرطقات منذ بدايات المسيحية الى يومنا هذا). وهكذا تبقى مسؤولية المؤمنين متميّزة وشاقة وقد تكون مؤلمة, لكنها أمتياز عظيم. ومهمة المؤمن بالمسيح هي أن يعرف أولا مخاطر التعليم المضل وماهية رسالة ألأنبياء الكذبة وماهية أسلحة الشيطان التي يتسلحون بها, عندها يستطيع المؤمنون أن يفضحوا زيف دعوتهم ورسائلهم, وأن يردوا المضلّلين منهم الى طريق الحق والحياة. لقد ظهرت بدع وهرطقات(متأثِّرة بالشريعة اليهودية) منذ قيامة الرب يسوع المسيح وصعوده الى السماء, وهي بدع حاولت التمسك الأعمى بالشريعة والممارسات اليهودية رافضين الخلاص الذي قدمه يسوع المسيح بموته على الصليب من اجل البشرية. وكان اليهود يعتقدون انّ المسيح ياتي كملك عظيم ليحقق أحلامهم وطموحاتهم السياسية. لقد راح الكثيرون من اليهود, المتضررون من تعاليم الرب يسوع المسيح عن المحبة والسلام والتواضع ...الخ, يُنددون ويحاربون المسيحية من الداخل ويُسخرون من الرسل والمؤمنين ويحتقرون تواضعهم وتجردهم من شهوات هذا العالم وكل ما يبعدهم من الرب يسوع المسيح وتعاليمه السماوية. لقد شاع بين الناس (ومنذ أن كان المسيح يعمل العجائب ويشفي المرضى ويقيم الأموات ويغفر الخطايا) أنّ يسوع  هو أحد ألأنبياء العظام, ولهذا سأل الرب يسوع المسيح تلاميذه قائلا:"من هو أبن ألأنسان برأي النّاس؟" فاجابوا:"بعضهم يقول: يوحنا المعمدان, وبعظهم يقول: أيليّا, وغيرهم يقول :ارميا أو أحد الأنبياء". فقال لهم "ومن انا في رأيكم أنتم؟"فاجاب سمعان بطرس: "أنت المسيح أبن الله الحي ". فقال له يسوع: هنيئا لك, يا سمعان بن يونا ! ما كشف لك هذه الحقيقة أحدٌ من البشر, بل أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنتَ صخرٌ, وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي, وقوات الموت لن تقوى عليها"متى16".هذا هو أعتراف ألأيمان الذي قدّمه بطرس الرسول ويقدمه كُلِّ المؤمنين بعده. فالمؤمنون هم كنيسة المسيح المبنية على أساس الرسل والأنبياء, ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية لهذه الكنيسة "1بطرس 2:4,5,6" والتي لن تقوى قوات الشر الروحيةعليها. فالبناية قد تكون جيِّدة ولكن لايمكن أستخدامها أذا كان اساسها متزعزع  (مبني على الرمل).

 

الكنيسة الجامعة والهرطقات:

 

الله ألآب أرسل ألأبن, والأبن ارسل الرسل وأعطاهم السلطة, فاصبحت الكنيسة جامعة مقدّسة رسولية, وهي ليست كنيسة روما الكاثوليكية فقط, بل (الكاثوليكية) الجامعة الكونية. الرسل هم الذين أُعطوا سلطان من المسيح للذهاب الى العالم كُله"متى 28:19,20  ", فعلى كُلِّ كنيسة, تؤمن بالمسيح أبن الله الحي, أن تعترف بكونها كنيسة جامعة رسولية, والاّ ستتحول الكنيسة الى هرطقات. فالكنيسة يجب أن تكون وحدة جامعة, كما نقول أنّ الله جامع في ثلاثة اقانيم.

انَّ أصحاب البدع والهرطقات ارادوا أن يقسِّموا هذه الكنيسة منذُ أنطلاقتها الأولى ,  كما نقرأ في سفر اعمال الرسل"ونزل جماعة من اليهوديّة وأخذوا يُعلِّمون ألأخوة فيقولون:"لاخلاص لكم الاَّ اذا أختتنتُم على شريعة موسى"راجع سفر ألأعمال 15:".

لقد اكّد الرب يسوع المسيح للتلاميذ أنّه سوف تكون هناك انشقاقات, وانَّ الشرير سيزرع الزؤان مع الحنطة"متى 13: 24-30"  وسوف يظهر انبياء كذبة هم كالذئاب المفترسة ومعلمون دجالون مظلّلين يخدعون الكثيرين من الناس بالبدع والهرطقات "متى24:4", "2بطرس1:2".

وحتى القديس يوحنا في رسالته يُوضّح أنه يوجد أناس في زمانه هراطقة ومبتدعين "أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لان أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" 1يو1:4 .

فقد ظهرت أيضا بدع وهرطقات(متاثرة بالفلسفة الغربية المتعقلنة) تطعن في الوحي الألهي وتعتمد على الخلاص بالعقل والمعرفة السريّة نابعة من روح داخلي خاص بهم(النور الداخلي) وهذه البدع  منبعها "الغنوصية "التي نصبت العقل أو العاطفة والغريزة كقانون لها في الحياة. وقادة هذه الهرطقات  كانوا يعتبرون أنفسهم هم النخبة العارفة باسرار المعرفة, بينما الشعب هو مثل قطيع الأغنام ليس له الا الطاعة وألأيمان باقوالهم ومعرفتهم السرية.

وهكذا على مر التاريخ أصبح هناك أنبياء كذبة  وبدع وهرطقات يحاولون تحوير حق ألأنجيل (كلمة الله الحيّة)لأسباب رئيسية منها:

1- امّا لأنّهم لايفهمون تعاليم الكتاب المقدس.

2- أو لايستريحون للحق كما يعلنه الكتاب المقدس.

3- أو هم يريدون الخلاص بالجهد الذاتي(باعمالهم وليس بالنعمة ).

ولكن كيف نعرف أو نكتشف التعليم الكاذب والغير المستقيم؟ ألجواب هو ماذا تُعلِّم هذه الجماعة أو ألأنبياءعن يسوع المسيح. فاذا كان تعليمهم لا ينطبق على الحق المعلن في كلمة الله  فهو تعليم غير مستقيم(تعليم كاذب).

 ماهو تعريف البدعة في مفهوم المسيحية ؟

من خلال قرائتنا للكتاب المقدس يمكن أن نحصر معنى البدعة كما يلي:

البدعة:"هي دين أو جماعة تقوم بنكران واحد أو أكثر من المبادئ المسيحية ألأساسية",  والبدعة في اللغات اللاتينية تعني ألأنفصال عن ألأصل( أي انشقاق جماعة من المسيحية).

أمّا الهرطقة بالمفهوم المسيحي:

ويطلق عليها أيضا الزندقة, هي تغيُّر في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرة, وخاصة الدين, بأدخال معتقدات جديدة عليها أو أنكار أجزاء أساسية منها بما يجعلها بعد التغيُّر غيرمتوافقة مع المعتقد ألمبدئي الذي نشأت فيه  هذه الهرطقة.

يركِّز التعريف في هذه المقالة على السياق المسيحي بسبب الخلفية التي نشأت فيها الكلمة, لكن"الهرطقة"تنطبق في سياقات مختلف العقائد, الديني منها وغيره.( راجع ويكيبيديا-الموسوعة الحرة).هنا يتبين لنا التشابه بين مفهوم البدعة والهرطقة . وهناك قد يظهر ايضا افراد من دون أن يدخلوا رسميا في ايّ بدعة يكوِّنون لأنفسهم بدعة أو هرطقة يبشّرون بها, اذ يميلون الى ألأنعزال والتخلي عن الكنيسة عبر ابتداع نظام فلسفي أو روحي خاص بهم, ثم يحاولون أقناع الآخرين به.

 

أمّا المباديء ألأساسية في المسيحية هي:

 

 ألأعتراف بيسوع المسيح ابن الله الحي المرسل من الآب ليهب الحياة الأبدية للذين يقبلونه مخلصا لهم, والأعتراف بالرسل الذين ارسلهم المسيح حاملين الى العالم اجمع بشرى الخلاص والتعميذ باسم ألآب والأبن والروح القدس(الأله الواحد), وألأعتراف بسر المعمودية والتجسّد وولادة المسيح المعجزية من مريم العذراء بحلول الروح القدس, وسر الأفخارستية والأسرار الأخرى, والأعتراف بالعمل الكفاري, ليسوع المسيح, لمغفرة الخطايا  بفدائه البشرية بدمه الزكي المهراق على الصليب وموته وقيامته في اليوم الثالث من بين الأموات وصعوده الى السماء, والتبرير الحاصل بالنعمة المجانية وليس بجهدنا وأعمالنا البشرية التي هي تأتي نتيجة للعمل الخلاصي للرب يسوع المسيح.

فكل روح تعترف بهذه المبادي ألأساسية فهي تحسب ضمن الكنيسة الجامعة الرسولية, وكل روح لاتعترف بهذه المبادئ وتزوغ عن واحدة أو أكثر من هذه المبادئ فهي بدعة خارجة عن المسيحية الحقيقيقة وعن تعاليم الكتاب المقدس

وسوف نتكلم عن أهم البدع, انشاء الله, التي ظهرت في القرون الأولى للمسيحية: كيف نشأت, وما هي عقائدها, ولماذا حرمتها الكنيسة الجامعة الرسولية؟.

100
البدع والهرطقات في القرون الأولى للمسيحية
نافع البرواري
مقدمة:
هناك عبر التاريخ من يحاولون تحريف ألأيمان عند المتكاسلين وأغواء الناس بطرق ووسائل شيطانية ويثيرون الحروب (الروحية والجسدية) لأنَّهم اصطفوا مع قوات الشر الروحية. لكن تبقى كلمة الله وعطية الحياة ألأبدية لاتقدران بثمن, بهما يستطيع المؤمنون أن يدافعوا عن الحق لأنّهم سلّموا حياتهم لأبن الله وأصطفوا بجانب المسيح الحي(كما فعل من قبلنا ابائنا في الأيمان عندما ردّوا على البدع والهرطقات منذ بدايات المسيحية الى يومنا هذا). وهكذا تبقى مسؤولية المؤمنين متميّزة وشاقة وقد تكون مؤلمة, لكنها أمتياز عظيم. ومهمة المؤمن بالمسيح هي أن يعرف أولا مخاطر التعليم المضل وماهية رسالة ألأنبياء الكذبة وماهية أسلحة الشيطان التي يتسلحون بها, عندها يستطيع المؤمنون أن يفضحوا زيف دعوتهم ورسائلهم, وأن يردوا المضلّلين منهم الى طريق الحق والحياة. لقد ظهرت بدع وهرطقات(متأثِّرة بالشريعة اليهودية) منذ قيامة الرب يسوع المسيح وصعوده الى السماء, وهي بدع حاولت التمسك الأعمى بالشريعة والممارسات اليهودية رافضين الخلاص الذي قدمه يسوع المسيح بموته على الصليب من اجل البشرية. وكان اليهود يعتقدون انّ المسيح ياتي كملك عظيم ليحقق أحلامهم وطموحاتهم السياسية. لقد راح الكثيرون من اليهود, المتضررون من تعاليم الرب يسوع المسيح عن المحبة والسلام والتواضع ...الخ, يُنددون ويحاربون المسيحية من الداخل ويُسخرون من الرسل والمؤمنين ويحتقرون تواضعهم وتجردهم من شهوات هذا العالم وكل ما يبعدهم من الرب يسوع المسيح وتعاليمه السماوية. لقد شاع بين الناس (ومنذ أن كان المسيح يعمل العجائب ويشفي المرضى ويقيم الأموات ويغفر الخطايا) أنّ يسوع  هو أحد ألأنبياء العظام, ولهذا سأل الرب يسوع المسيح تلاميذه قائلا:"من هو أبن ألأنسان برأي النّاس؟" فاجابوا:"بعضهم يقول: يوحنا المعمدان, وبعظهم يقول: أيليّا, وغيرهم يقول :ارميا أو أحد الأنبياء". فقال لهم "ومن انا في رأيكم أنتم؟"فاجاب سمعان بطرس: "أنت المسيح أبن الله الحي ". فقال له يسوع: هنيئا لك, يا سمعان بن يونا ! ما كشف لك هذه الحقيقة أحدٌ من البشر, بل أبي الذي في السماوات. وأنا أقول لك: أنتَ صخرٌ, وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي, وقوات الموت لن تقوى عليها"متى16".هذا هو أعتراف ألأيمان الذي قدّمه بطرس الرسول ويقدمه كُلِّ المؤمنين بعده. فالمؤمنون هم كنيسة المسيح المبنية على أساس الرسل والأنبياء, ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية لهذه الكنيسة "1بطرس 2:4,5,6" والتي لن تقوى قوات الشر الروحيةعليها. فالبناية قد تكون جيِّدة ولكن لايمكن أستخدامها أذا كان اساسها متزعزع  (مبني على الرمل).

الكنيسة الجامعة والهرطقات:

الله ألآب أرسل ألأبن, والأبن ارسل الرسل وأعطاهم السلطة, فاصبحت الكنيسة جامعة مقدّسة رسولية, وهي ليست كنيسة روما الكاثوليكية فقط, بل (الكاثوليكية) الجامعة الكونية. الرسل هم الذين أُعطوا سلطان من المسيح للذهاب الى العالم كُله"متى 28:19,20  ", فعلى كُلِّ كنيسة, تؤمن بالمسيح أبن الله الحي, أن تعترف بكونها كنيسة جامعة رسولية, والاّ ستتحول الكنيسة الى هرطقات. فالكنيسة يجب أن تكون وحدة جامعة, كما نقول أنّ الله جامع في ثلاثة اقانيم.
انَّ أصحاب البدع والهرطقات ارادوا أن يقسِّموا هذه الكنيسة منذُ أنطلاقتها الأولى ,  كما نقرأ في سفر اعمال الرسل"ونزل جماعة من اليهوديّة وأخذوا يُعلِّمون ألأخوة فيقولون:"لاخلاص لكم الاَّ اذا أختتنتُم على شريعة موسى"راجع سفر ألأعمال 15:".
لقد اكّد الرب يسوع المسيح للتلاميذ أنّه سوف تكون هناك انشقاقات, وانَّ الشرير سيزرع الزؤان مع الحنطة"متى 13: 24-30"  وسوف يظهر انبياء كذبة هم كالذئاب المفترسة ومعلمون دجالون مظلّلين يخدعون الكثيرين من الناس بالبدع والهرطقات "متى24:4", "2بطرس1:2".
وحتى القديس يوحنا في رسالته يُوضّح أنه يوجد أناس في زمانه هراطقة ومبتدعين "أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لان أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" 1يو1:4 .
فقد ظهرت أيضا بدع وهرطقات(متاثرة بالفلسفة الغربية المتعقلنة) تطعن في الوحي الألهي وتعتمد على الخلاص بالعقل والمعرفة السريّة نابعة من روح داخلي خاص بهم(النور الداخلي) وهذه البدع  منبعها "الغنوصية "التي نصبت العقل أو العاطفة والغريزة كقانون لها في الحياة. وقادة هذه الهرطقات  كانوا يعتبرون أنفسهم هم النخبة العارفة باسرار المعرفة, بينما الشعب هو مثل قطيع الأغنام ليس له الا الطاعة وألأيمان باقوالهم ومعرفتهم السرية.
وهكذا على مر التاريخ أصبح هناك أنبياء كذبة  وبدع وهرطقات يحاولون تحوير حق ألأنجيل (كلمة الله الحيّة)لأسباب رئيسية منها:
1- امّا لأنّهم لايفهمون تعاليم الكتاب المقدس.
2- أو لايستريحون للحق كما يعلنه الكتاب المقدس.
3- أو هم يريدون الخلاص بالجهد الذاتي(باعمالهم وليس بالنعمة ).
ولكن كيف نعرف أو نكتشف التعليم الكاذب والغير المستقيم؟ ألجواب هو ماذا تُعلِّم هذه الجماعة أو ألأنبياءعن يسوع المسيح. فاذا كان تعليمهم لا ينطبق على الحق المعلن في كلمة الله  فهو تعليم غير مستقيم(تعليم كاذب).
 ماهو تعريف البدعة في مفهوم المسيحية ؟
من خلال قرائتنا للكتاب المقدس يمكن أن نحصر معنى البدعة كما يلي:
البدعة:"هي دين أو جماعة تقوم بنكران واحد أو أكثر من المبادئ المسيحية ألأساسية",  والبدعة في اللغات اللاتينية تعني ألأنفصال عن ألأصل( أي انشقاق جماعة من المسيحية).
أمّا الهرطقة بالمفهوم المسيحي:
ويطلق عليها أيضا الزندقة, هي تغيُّر في عقيدة أو منظومة معتقدات مستقرة, وخاصة الدين, بأدخال معتقدات جديدة عليها أو أنكار أجزاء أساسية منها بما يجعلها بعد التغيُّر غيرمتوافقة مع المعتقد ألمبدئي الذي نشأت فيه  هذه الهرطقة.
يركِّز التعريف في هذه المقالة على السياق المسيحي بسبب الخلفية التي نشأت فيها الكلمة, لكن"الهرطقة"تنطبق في سياقات مختلف العقائد, الديني منها وغيره.( راجع ويكيبيديا-الموسوعة الحرة).هنا يتبين لنا التشابه بين مفهوم البدعة والهرطقة . وهناك قد يظهر ايضا افراد من دون أن يدخلوا رسميا في ايّ بدعة يكوِّنون لأنفسهم بدعة أو هرطقة يبشّرون بها, اذ يميلون الى ألأنعزال والتخلي عن الكنيسة عبر ابتداع نظام فلسفي أو روحي خاص بهم, ثم يحاولون أقناع الآخرين به.

أمّا المباديء ألأساسية في المسيحية هي:
   
 ألأعتراف بيسوع المسيح ابن الله الحي المرسل من الآب ليهب الحياة الأبدية للذين يقبلونه مخلصا لهم, والأعتراف بالرسل الذين ارسلهم المسيح حاملين الى العالم اجمع بشرى الخلاص والتعميذ باسم ألآب والأبن والروح القدس(الأله الواحد), وألأعتراف بسر المعمودية والتجسّد وولادة المسيح المعجزية من مريم العذراء بحلول الروح القدس, وسر الأفخارستية والأسرار الأخرى, والأعتراف بالعمل الكفاري, ليسوع المسيح, لمغفرة الخطايا  بفدائه البشرية بدمه الزكي المهراق على الصليب وموته وقيامته في اليوم الثالث من بين الأموات وصعوده الى السماء, والتبرير الحاصل بالنعمة المجانية وليس بجهدنا وأعمالنا البشرية التي هي تأتي نتيجة للعمل الخلاصي للرب يسوع المسيح.
فكل روح تعترف بهذه المبادي ألأساسية فهي تحسب ضمن الكنيسة الجامعة الرسولية, وكل روح لاتعترف بهذه المبادئ وتزوغ عن واحدة أو أكثر من هذه المبادئ فهي بدعة خارجة عن المسيحية الحقيقيقة وعن تعاليم الكتاب المقدس
وسوف نتكلم عن أهم البدع, انشاء الله, التي ظهرت في القرون الأولى للمسيحية: كيف نشأت, وما هي عقائدها, ولماذا حرمتها الكنيسة الجامعة الرسولية؟.

101

الحكمة  في العهد الجديد
الجزء ألأول
نافع البرواري
 انَّ العالم بصورة عامة مُنقسم الى ثلاثة اصناف من الناس: متديِّنون يفتخرون بفرائضهم وطقوسهم, والمتمسكون بالتقاليد البالية والمتعصبون لدينهم, وبين الطبيعيون(الملحدون) والفلاسفة المتمسكون بفلسفتهم. اما المسيحية فهي تسمو عن هذه الديانات التي تركز على الصوم والأعياد والقرابين والفرائض والواجبات من جهة وبين الفلسفات الوجودية التي تركزعلى الأنسان في هذه الحياة ولا تعطي له الهدف الأسمى  لحياته, الذي خُلق من اجله, وهي الحياة الأبدية مع الخالق.
كانت "خطة الله الحكيمة " هي تقديم الخلاص لجميع الناس, مهما كان مستواهم الفكري والعلمي والديني, ورغم ذلك ما زالت خطة الله خافية عل غير المؤمنين, وذلك لأنّهم يأبون قبولها أو يفضلون تجاهلها,أو لأنّهم لم يسمعوا بها.
 انَّ حكمة الله وخططه لا تعلن الاّ للذين يؤمنون بأنَّ ما يقوله الله هو حق"أنتم أُعطيتم أن تعرفوا اسرار ملكوت السَّماوات, وأمّا هم (الغير المؤمنون) فما أُعطوا"متى 13:11"., لقد أُسيئَ فهم يسوع المسيح من الذين كان العالم يعتبرهم حكماء وعظماء "1كورنثوس2:8" بينما يخاطب الرسول بولس المؤمين قائلا:"هناك حكمة نتكلَّم عليها بين الناضجين في الروح ,وهي غير حكمة هذا العالم ولا رؤساء هذا العالم, وسلطانهم الى الزوال"1كورثوس2:6 ". فحكمة المؤمنين لا تأتي في كلام تُعلِّمه الحكمة البشرية, بل في كلام يعلِّمه الروح القدس"فالمواهب الروحية على انواع .....فهذا ينال من الروح كلام الحكمة, وذاك ينال من الروح نفسه كلام المعرفة"1كورنثوس12", فالأنسان الروحي يميّز كلَّ شي ولايُحكم فيه من أحد, فهو له فكر المسيح, فلا مكان للكبرياء أو أدعاء العلم بكل شيئ, فلم تكن ثقة الرسول بولص في ذكائه أو مقدرته على الكلام بل في علمه أنّ الروح القدس يعينه ويرشده بالرغم من ضلوعه في دراسة ألأسفار المقدسة "راجع 1كورنثوس2".
حكمة هذا العالم هي أن يبين الله لهم معجزاته, كما في عهد المسيح حين أراد اليهود منه ايات (معجزات) ليتأكدوا أنّ يسوع هو المسيح بالحقيقة, وهي حكمة عقيمة لأنَّ اليهود لم يؤمنوا بيسوع رغم كل المعجزات التي أجراها أمامهم هكذا اليوم لن يؤمن الناس بيسوع المسيح المصلوب من أجل خلاص العالم حتى لو صنع الرب معجزات في هذا العالم.
كما ان َّحكمة هذا العالم تستند على القوّة والمال والسلطة والفلسفة والكلام البليغ (بها يسلبون قلوب السذج ) كما كان اليونانيون في عهد المسيح يعتقدون, ولكن حكمة الله  ليست قوّة من قوّة البشر "متي 4:9" وليست كلاما منمَّقا وبليغا أو جدالا لاينتهي, ولكن حكمة الله هي في صليب المسيح, هذا الصليب يتحدى البشرية, فهو قدرة الله وحكمة الله, وهو الذي قهر الخطيئة والشر والموت, وهو لايزال يشكل عقبة أمام العالم, كما كان عقبة في وجه اليهود واليونانيين لأنّ العالم يعتبر الصليب حماقة  بينما حكمة الصليب هي وحدها تُفهمنا أنَّ لا خلاص للبشرية الا بالتطلع الى هذا المصلوب على الصليب."راجع 1كورنثوس. ". ولكن الكثيرون من الناس لم يستغلوا عقولهم وحريتهم وارادتهم  بحسب حكمة الله وارادته بصورة صحيحة الى يومنا هذا. "فالأنسان البشري لايقبل ما هو من روح الله لأنّه يعتبره حماقة"1كورنثوس 2:14". بينما يشدد الرسول بولص على أنّ الأنسان مهما بلغ من العلم والحكمة البشرية عليه أن يعترف بقدرته المحدودة وجهله وحماقته امام الحكمة الألهية. " من كان منكُم يعتقد أنَّه رجل حكيم بمقياس هذه الدنيا, فليكن أحمق ليصير في الحقيقة حكيما "1كورثوس 3:18".
الحكمة ليست فقط سلوك جيد بل انارة الهية وذلك بخبرة وعلاقة وعشرة مع الرب يسوع المسيح"2كو1:12" فحكمة العالم فانية وزائلة, بينما حكمة الله باقية الى الأبد. الصليب"غباء"بالنسبة للناس العاديين "كلمة الصليب عند الهالكين جهالة". بينما عندنا نحن المؤمنين الصليب هو رمز الأنتصار .
لقد أعتبرالرومان الصليب هزيمة وعار (كما اليوم الكثيرون يقولون ان المسيحيين يؤمنون باله مصلوب). امَّا اليهود اعتبروا الصليب لعنة, والشخص المصلوب ملعون ولم يعرفوا لمن هو ملعون. ولكن, عندنا نحن المسيحيين"المخلَصين", الصليب هو الحكمة السماوية, لا نستطيع أن نفهم الله"محبة"الا بالصليب الذي به فدانا الرب يسوع المسيح وخلصنا من لعنة الخطيئة. بينما عند الهالكين هو ذلٌّ وعار . عندنا نحن المسيحيين الصليب هو رمز المصالحة مع الله وهو (أي الصليب ) رمز لتجسّد محبة الله لنا لكي يدرك الأنسان محبة الله له, وهو الجسر الذي يوصلنا الى السماء, بينما الذين لايقبلون الصليب كرمز للخلاص ,فهم يشبهون شخص يغرق ولا يقبل اليد الممدودة له لأنقاذه, هذا هو الجاهل المعتوه. الكثيرون في هذا العالم يرغبون أن ينقذوا أنفسهم بانفسهم  فيحاولون ارضاء الله بحسناتهم وأعمالهم وفرائضهم وكأنّ الخلاص ربح وخسارة, واخرون يحاولون بلا جدوى ألأعتماد على قوّتهم وعقولهم وفلسفتهم لأنقاذ انفسهم من الموت ولكن مثلهم هو مثل العطشان في صحراء قاحلة يجري وراء السراب.
 قوة الصليب تظهر جليا في القيامة والأنتصار على الموت والخطيئة والشيطان, بينما العالم الذي يستهزأ بالصليب فهو لا يستطيع أن يبرهن لنا انّ هناك قيامة من بين الأموات. انّ الكثيرين لايستطيعون قبول رسالة المسيح الخلاصية, فيحاولون, بطرق اخرى الحصول على الحياة ألأبدية, بأن يكونوا صالحين, أو حكماء ...الخ, ولكن كُلِّ محاولاتهم لاتجدي نفعا. "والجاهل"الذي يقبل, ببساطة,عطية المسيح , هو في الحقيقة احكم الجميع, لأنَّه هو الذي سيحيا الى الأبد مع الله."لأنّه قد كتب "|سأبيد حِكمة الحكماء وأزيل فهم الفهماء!"1كور1:19" فطريق الله ليست مثل طريقة العالم, فالله يهب الحياة ألأبدية بينما العالم لايستطيع ذلك. "العقل الذي اكتشف الحكمة الروحية يشبه شخصا وجد مركبا في وسط البحر مجهِّزا بصورة جيدة: وعندما يصبح على متنه, يحمله من بحر هذا العالم ويجلبه الى جزيرة العالم(اي يجلبه الى بر الأمان).
انّ المجتمعات الآن تعبد القوة والسطوة والثروة, وقد جاء المسيح عبدا فقيرا متواضعا وهو يمنح حكمته وملكوته لمن يؤمنون, لا لمن يعملون دون ألأتكال على المخلص يسوع المسيح. فالحكمة هي من الله وهي تعطى لمن يؤمنون بموت المسيح الكفاري, وبهذا العمل الفدائي اتيح للمؤمنين الخلاص وأصبحوا كاملين بنظر الله.
الكتاب المقدس يعلمنا أنّ الحكمة تختلف عن المعرفة  فهناك ناس عندهم معرفة ومعلومات كثيرة ولكنهم قد يفتقدون الى استخدام هذه المعرفة والمعلومات بصورة صحيحة لآنّهم يفتقدون الى الحكمة التي يهبها الروح القدس من فوق, وهناك ناس اذكياء استطاعوا أقناع الملايين بقوة الخطابة والكلمات الرنانة وقوة الأقناع ولكن قد ينقصهم الحكمة للفهم والتدبير والرؤية الصحيحة للأحداث, بينما الشخص الحكيم يطلب التمييز وأختيار الصواب والمشورة والتدبير وهذه كلها يطلبها من الرب يسوع المسيح الذي هو كلمة الله وحكمته, وهو الذي بيّن لنا أنّ الآب السماوي يكشف لأبنائه المتواضعين والبسطاء سر ملكوته, بينما يخفي هذا السر عن غير المؤمنين الذين يعتبرون انفسهم حكماء وفهماء"أحمدك يا أبي, ياربَّ السماء والأرض, لأنّك أظهرت للبسطاء ما أخفيتهُ عن الحكماء والفُهُماء"متى 11:25".
نعم انّ الذي يعتبر نفسه حكيما في هذا العالم عليه ان يصير جاهلا ليصير حكيما حقا "لأنَّ ما يعتبره هذا العالم حكمة هو في نظر الله حماقة. فالكتاب يقول "يمسك الله الحكماء في  دهائهم""1كورنثوس3:18,19
فلا عذر للناس الذين لا يقبلون الله في حياتهم  ويزعمون انّهم حكماء, بينما حكمة الله ظاهرة في الخليقة وصفاته الخفية, والوهيته واضحة جلية تدركها العقول في مخلوقاته"روميا 1:20,21,22".

102


"هم يعشقون الموت ونحن نعشق الحياة"
نافع البرواري

يقول كاتب سفر الأمثال
"كُلِّ مبغضيَّ أحبوا  الموت"أمثال2
""ويلٌ لمدينة الدماء! يملأها الغدرُ والرعبُ ولا يجول فيها طرفٌ"ناحوم 3:1"
هناك بعض الناس تختار الموت بدل  الحياة والشر بدل الخير والتعاسة بدل الهناء ويتّقنون صناعة الموت بدل صناعة الحياة والهلاك بدل الخلاص والحرب بدل السلام.الله يوضح لنا وجه الخطأ في القتل,فقتل انسان هو قتل شخص خُلق على صورة الله ,وحيث أنَّ كُلِّ الناس قد خُلقوا على صورة الله ,فكل الناس يمتلكون الخصائص التي تميِّزهم عن الحيوانات,سواء من النواحي ألأدبية والعقلية والأبداعية أو القيمة الذاتية,فعندما نتعامل مع الآخرين من اخوتنا في الأنسانية فأننا يجب ان  نتعامل معهم ككائنات ستحيا الى الأبد "تكوين 9:6"أمّا دماؤكم أنتم فأطلبُ عنها حسابا من كُلِّ حيوان أو أنسان سفكها.وعن دم كُلِّ انسان أطلبُ حسابا من أخيه ألأنسان......فعلى صورة الله صنع الله الأنسان"
في احد القنواة الفضائية كان هناك موضوع عن الثأر في احدى البلاد العربية وهي نموذج للكثير من البلدان التي لا زالت تعيش في جحيم الثأر والأنتقام والقتل والفعل ورد الفعل بحيث اصبح القتل هو جزء من حياة هذه القبائل وبات يشكل كابوسا رهيبا ونارا تأكل اليابس والأخضر في هذه البلدان.
يقول مقدم هذا الريبورتاج
"انَّهم يتحيَّفون اذا مات أحدهم موتا طبيعيا وهو مطلوب أن يثأر على الذين قتلوا احد رجال قبيلته" اليس هذا العمل الشنيع هو ارهاب بكل معنى الكلمة؟. نعم انَّهم يحصدون الموت بسبب الثار والعنف والكراهية والحقد .يقول الرب يسوع المسيح"ماذا ينتفع الأنسان لو ربح العالم كلِّه وخسر نفسه"
"انَّ  ما يزرعه الأنسان ايّاه يحصد" فالذين يزرعون الموت يحصدون الموت والذين يزرعون السلام يحصدون السلام,والذين يزرعون المحبة يحصدون المحبة والذين يزرعون الحقد يحصدون الحقد والكراهية. انَّ الحياة نعمة مجانية وهبها الله الخالق لنا وكُلَّ من يحلل القتل فهو لا يعرف الله الحقيقي بل هو ابن الشيطان لأنَّ الله يقول لنا "ليَ الأنتقام أنا أُجازي" فمن نصبك ديّانا للناس ايّها الأنسان؟ . كيف يتصور الأنسان السوي سرقة حياة انسان اخر خلقه الله  ووهبه الحياة ؟. ان قتل الأنسان لأخيه ألأنسان لايتوقف على الضحيّة فقط بل يحطم حياة عائلة كاملة بل مجتمعات بأكملها ,ويسرق عنها بسمة الحياة ؟ من الذي أعطى سلطة الموت أو الحياة للأنسان ؟. اليس الله وحده وهب الحياة لنا وهو وحده يستطيع اخذها؟ هكذا كُلِّ من يشرِّع القتل ,ومهما كانت الأسباب ,فهو يضع نفسه فوق سلطة الله . اليس الله يشرق شمسه على الأشرار والأخيار؟
. نعم الله خلقنا لكي نفرح في هذه الحياة ونمجد اسمه وأن نحب اخوتنا في الأنسانية لكي نعيش في سلام وامان . والرب يسوع المسيح يقول: "جئت لأهب الحياة والحياة الأفضل"
هناك رجال دين نصبوا انفسهم ليقرروا مصير الآخرين بالأستناد الى افكارهم وعقولهم المريضة فيفتون بتحريم الأحتفال بعيد الحب لأنه عيد للكفار ,وتحريم تهنئة المسيحي بعيد الكرسمس  ويمنعون الفن والرسم والرياضة  والموسيقى والشعر وكل ما هو جمال في هذه الحياة . ومئات الفتاوى التي تمنع الأنفتاح على الآخرين وتصف كُلّ من ليس معهم فهو عدُّوهم "اليس هذا فكرا ارهابيا  عنصريا؟ وما  هو أختلاف هؤلاء عن النازية والفاشية والأصولية ؟
كيف تتقدم امَّةٌ اخلاقيا واجتماعيا وانسانيا وعلميا  عندما يسيطر على هذه المجتمعات الفكر والعقيدة التي تجعل الخير شرا والشر خيرا والحلال حراما والحرام حلالا والظلمة نورا والنور ظلمة  ويستبيحون هدر دم الآخرين ؟
فباي حق يسرق الأنسان حياة غيره؟ وبايِّ شريعة يشرِّع الأنسان شريعة الموت لأخوه الأنسان ؟في الحقيقة هذه شريعة الشيطان الذي ,كما يقول المسيح عنهُ,انّهُ كان منذ البدء قاتلا وكذّابا وأبو الكذب.
 قال الرب يسوع المسيح لليهود الذين رفضوه وارادوا قتله بدون وجه حق:
"ولكنكم تريدون قتلي لأنَّ كلامي لا محل له فيكم....أنا الذي كلَّمكم بالحقِّ كما سمعته من الله.....لماذا لا تفهمون ما أقوله لكم؟ لأنَّكم أولاد أبيكم ابليس, وتريدون أن تتّبعوا رغبات أبيكم ,هذا الذي كان منذ البدءِ قاتلا...وهو يكذب ,والكذبُ في , طبعه, لأنَّه كذّاب وأبو الكذب"يوحنا 8"
عندما  يشرب الأنسان الخمرُ ويسكر فيطلب المزيد من الخمر ثم المزيد هكذا ألأنسان الذي يقتل لأوّل مرة  فيصبح القتل عنده بعد ذلك مثل شرب الخمر يزيد ويستمتع بالقتل .
 يقول أحد ألضباط ألأمريكيين الذين كانوا شهود عيان على مذابح رواندا "الحرب الأهلية بين قبيلتي توتسي وهوتو والتي راح ضحيّتها مئات الآلاف من المدنيين"
"عندما أجتمعتُ بقيادة الميليشيات التي كانت تقود الناس الى القتل والذبح رأيتُ أيديهم واجسادهم ملطّخة بالدم,وكنتُ أريدُ قبل هذا المشهد أن اتفاوض معهم لوقف اطلاق النار والتوقف عن سفك الدماء وانهاء المذابح الرهيبة بين القبيلتين والشعبين, ولكني رايت نفسي أتكلم مع ناس أنقلبوا الى شياطين  وفقدوا كُلِّ انسانيتهم ,فكان يراودني سؤال لم أزل حائرا في الأجابة عليه الى اليوم وهو:
"هل أتفاوض مع الشياطين أم أُحاربهم وأُقاتلهم؟".
نشرت القاعدة رسالة بعد تفجيرات مدريد في اذار مارس عام 2004 والتي تعبِّر عن نفسية الأنسان المجرم القاتل الذي يستشفي بقتل الآخرين  ,وهذه مظمونها:
"أنّكم (اي الكفّار !!!!!)تحبّون الحياة ونحن نحب الموت,لذلك سننتصر!!!!".
"هم يعشقون  الحياة  ونحن نعشق الموت هذا ما قاله ايضا نضال حسن (الأرهابي الذي قتل زملائه الجنود الأمريكيين).
يقول أحد الكتاب الألمان في كتابه(رجال الرعب)
"أنَّ هذه اللغة(لغة صناعة الموت)هي لغة مشتركة لجميع الدكتاتوريين والطغاة والخاسرين  في العالم والذين لايتهاونون ولا يتورَّعون في معاقبة شعوبهم وقتلهم وزجّهم في اتون نار الحروب ,لأنّهم يستهينون بحياة الناس لا بل يستمتعون في سفك دمائهم"
نعم هناك ناس يعيشون في  ازمات كثيرة  منها :أزمة روحية وأزمة نفسية وأزمة أخلاقية وازمة عقلية وأزمة هوية  وكل هذه الأزمات براي الشخصي هي نابعة من مصدر واحد الا وهو"الشر"
لأيمكن لأنسان سويٌّ وعاقل أن يقبل موته بيد اخيه الأنسان لأختلافه معه في  العقيدة او الرأي او اسلوب الحياة فلا بد من الأختلاف لأنّ الله خلقنا شعوبا وقبائل مختلفة والا لما كنا احرارا,بل كنا  مسيّرين و منسوخين .
 كُل الحروب مبنية على الخداع والمكر ولا تستند على اساس الحق وكُلِّ قاتل يهدر دم اخيه الأنسان لأختلافه عنه في العقيدة والفكر فهو هالك لأنّه يخالف الشريعة السماوية .الكتاب المقدس يعلِّمنا  أن نتعامل مع الأخرين, من اخوتنا في ألأنسانية, ككائنات ستحيا الى الأبد"تكوين 9:5,6".
أن الدم يمثِّل الحياة في الكتاب المقدس"لاويين 17:11,14" وحيث أنَّ الله هو الذي خلق الحياة ومنحها للأنسان فله وحده حق أخذ الحياة .والكتاب المقدس يخبرنا عن أول حادثة قتل ,عندما قتل قايين أخوه هابيل,ويأتي دورالله ليسأل الأنسان كما سأل قايين  قائلا له:"أين هابيل أخوك ...... ماذا فعلت؟ دمُ أخيك يصرخُ اليَّ من ألأرض  "تكوين 4:9,10".هكذا كلِّ قاتل سيُسأل هذه الأسئلة فماذا سيكون جواب الأنسان أمام الله الديّان في يوم الدينونة؟ أكيد سيكون العقاب شديدا  ,لقد اعترف قايين لله عندما قال :"عقابي أقسى من أن يحتمل .طرّدتني اليوم من وجه ألأرض وحجبت وجهك عني ,وطريدا وشريدا  صرتُ في ألأرض ,وكُلُّ من وجدني يقتلني"تكوين4:13,14"
يقول يشوع بن سيراخ عن الناس الذين يلجأوون الى السيف لقتل ألآخرين"ان جرَّدت السيف على صديقك فلا تيأس من رجوعه اليك"
أمّا الرب يسوع المسيح فيقول لبطرس الرسول"رُد سيفك الى مكانه.فمن يأخذ بالسيف ,بالسيف يهلُك"متى 48:52".نعم فمملكة المسيح لا تقوم على السيف بل على المحبة والسلام والعيش بامان"سلاما اترك لكم,وسلامي أعطيكم ,لا كما يعطيه العالم أُعطيكم أنا"يوحنا 14:27"
اننا هذه الأيام نشاهد وعبر القنواة الفضائية كيف أنَّ حياة الأنسان اصبحت رخيصة في الكثير من بلدان الشرق الأوسط العربية ونشاهد مشاهد رهيبة بالتمثيل بالجثث وهي قمة السادية المرعبة  وفاقت حتى تصرفات الوحوش الكاسرة.
نطلب من الرب يسوع المسيح  ان ينزع من قلوب هؤلاء الناس الحقد والكراهية ومرارة الأنتقام ليخلق فيهم قلوب الرحمة والمحبة ويغمرهم بسلامه الفائق .

103

"هم يعشقون الموت ونحن نعشق الحياة"
نافع البرواري

يقول كاتب سفر الأمثال
"كُلِّ مبغضيَّ أحبوا  الموت"أمثال2
""ويلٌ لمدينة الدماء! يملأها الغدرُ والرعبُ ولا يجول فيها طرفٌ"ناحوم 3:1"
هناك بعض الناس تختار الموت بدل  الحياة والشر بدل الخير والتعاسة بدل الهناء ويتّقنون صناعة الموت بدل صناعة الحياة والهلاك بدل الخلاص والحرب بدل السلام.الله يوضح لنا وجه الخطأ في القتل,فقتل انسان هو قتل شخص خُلق على صورة الله ,وحيث أنَّ كُلِّ الناس قد خُلقوا على صورة الله ,فكل الناس يمتلكون الخصائص التي تميِّزهم عن الحيوانات,سواء من النواحي ألأدبية والعقلية والأبداعية أو القيمة الذاتية,فعندما نتعامل مع الآخرين من اخوتنا في الأنسانية فأننا يجب ان  نتعامل معهم ككائنات ستحيا الى الأبد "تكوين 9:6"أمّا دماؤكم أنتم فأطلبُ عنها حسابا من كُلِّ حيوان أو أنسان سفكها.وعن دم كُلِّ انسان أطلبُ حسابا من أخيه ألأنسان......فعلى صورة الله صنع الله الأنسان"
في احد القنواة الفضائية كان هناك موضوع عن الثأر في احدى البلاد العربية وهي نموذج للكثير من البلدان التي لا زالت تعيش في جحيم الثأر والأنتقام والقتل والفعل ورد الفعل بحيث اصبح القتل هو جزء من حياة هذه القبائل وبات يشكل كابوسا رهيبا ونارا تأكل اليابس والأخضر في هذه البلدان.
يقول مقدم هذا الريبورتاج
"انَّهم يتحيَّفون اذا مات أحدهم موتا طبيعيا وهو مطلوب أن يثأر على الذين قتلوا احد رجال قبيلته" اليس هذا العمل الشنيع هو ارهاب بكل معنى الكلمة؟. نعم انَّهم يحصدون الموت بسبب الثار والعنف والكراهية والحقد .يقول الرب يسوع المسيح"ماذا ينتفع الأنسان لو ربح العالم كلِّه وخسر نفسه"
"انَّ  ما يزرعه الأنسان ايّاه يحصد" فالذين يزرعون الموت يحصدون الموت والذين يزرعون السلام يحصدون السلام,والذين يزرعون المحبة يحصدون المحبة والذين يزرعون الحقد يحصدون الحقد والكراهية. انَّ الحياة نعمة مجانية وهبها الله الخالق لنا وكُلَّ من يحلل القتل فهو لا يعرف الله الحقيقي بل هو ابن الشيطان لأنَّ الله يقول لنا "ليَ الأنتقام أنا أُجازي" فمن نصبك ديّانا للناس ايّها الأنسان؟ . كيف يتصور الأنسان السوي سرقة حياة انسان اخر خلقه الله  ووهبه الحياة ؟. ان قتل الأنسان لأخيه ألأنسان لايتوقف على الضحيّة فقط بل يحطم حياة عائلة كاملة بل مجتمعات بأكملها ,ويسرق عنها بسمة الحياة ؟ من الذي أعطى سلطة الموت أو الحياة للأنسان ؟. اليس الله وحده وهب الحياة لنا وهو وحده يستطيع اخذها؟ هكذا كُلِّ من يشرِّع القتل ,ومهما كانت الأسباب ,فهو يضع نفسه فوق سلطة الله . اليس الله يشرق شمسه على الأشرار والأخيار؟
. نعم الله خلقنا لكي نفرح في هذه الحياة ونمجد اسمه وأن نحب اخوتنا في الأنسانية لكي نعيش في سلام وامان . والرب يسوع المسيح يقول: "جئت لأهب الحياة والحياة الأفضل"
هناك رجال دين نصبوا انفسهم ليقرروا مصير الآخرين بالأستناد الى افكارهم وعقولهم المريضة فيفتون بتحريم الأحتفال بعيد الحب لأنه عيد للكفار ,وتحريم تهنئة المسيحي بعيد الكرسمس  ويمنعون الفن والرسم والرياضة  والموسيقى والشعر وكل ما هو جمال في هذه الحياة . ومئات الفتاوى التي تمنع الأنفتاح على الآخرين وتصف كُلّ من ليس معهم فهو عدُّوهم "اليس هذا فكرا ارهابيا  عنصريا؟ وما  هو أختلاف هؤلاء عن النازية والفاشية والأصولية ؟
كيف تتقدم امَّةٌ اخلاقيا واجتماعيا وانسانيا وعلميا  عندما يسيطر على هذه المجتمعات الفكر والعقيدة التي تجعل الخير شرا والشر خيرا والحلال حراما والحرام حلالا والظلمة نورا والنور ظلمة  ويستبيحون هدر دم الآخرين ؟
فباي حق يسرق الأنسان حياة غيره؟ وبايِّ شريعة يشرِّع الأنسان شريعة الموت لأخوه الأنسان ؟في الحقيقة هذه شريعة الشيطان الذي ,كما يقول المسيح عنهُ,انّهُ كان منذ البدء قاتلا وكذّابا وأبو الكذب.
 قال الرب يسوع المسيح لليهود الذين رفضوه وارادوا قتله بدون وجه حق:
"ولكنكم تريدون قتلي لأنَّ كلامي لا محل له فيكم....أنا الذي كلَّمكم بالحقِّ كما سمعته من الله.....لماذا لا تفهمون ما أقوله لكم؟ لأنَّكم أولاد أبيكم ابليس, وتريدون أن تتّبعوا رغبات أبيكم ,هذا الذي كان منذ البدءِ قاتلا...وهو يكذب ,والكذبُ في , طبعه, لأنَّه كذّاب وأبو الكذب"يوحنا 8"
عندما  يشرب الأنسان الخمرُ ويسكر فيطلب المزيد من الخمر ثم المزيد هكذا ألأنسان الذي يقتل لأوّل مرة  فيصبح القتل عنده بعد ذلك مثل شرب الخمر يزيد ويستمتع بالقتل .
 يقول أحد ألضباط ألأمريكيين الذين كانوا شهود عيان على مذابح رواندا "الحرب الأهلية بين قبيلتي توتسي وهوتو والتي راح ضحيّتها مئات الآلاف من المدنيين"
"عندما أجتمعتُ بقيادة الميليشيات التي كانت تقود الناس الى القتل والذبح رأيتُ أيديهم واجسادهم ملطّخة بالدم,وكنتُ أريدُ قبل هذا المشهد أن اتفاوض معهم لوقف اطلاق النار والتوقف عن سفك الدماء وانهاء المذابح الرهيبة بين القبيلتين والشعبين, ولكني رايت نفسي أتكلم مع ناس أنقلبوا الى شياطين  وفقدوا كُلِّ انسانيتهم ,فكان يراودني سؤال لم أزل حائرا في الأجابة عليه الى اليوم وهو:
"هل أتفاوض مع الشياطين أم أُحاربهم وأُقاتلهم؟".
نشرت القاعدة رسالة بعد تفجيرات مدريد في اذار مارس عام 2004 والتي تعبِّر عن نفسية الأنسان المجرم القاتل الذي يستشفي بقتل الآخرين  ,وهذه مظمونها:
"أنّكم (اي الكفّار !!!!!)تحبّون الحياة ونحن نحب الموت,لذلك سننتصر!!!!".
"هم يعشقون  الحياة  ونحن نعشق الموت هذا ما قاله ايضا نضال حسن (الأرهابي الذي قتل زملائه الجنود الأمريكيين).
يقول أحد الكتاب الألمان في كتابه(رجال الرعب)
"أنَّ هذه اللغة(لغة صناعة الموت)هي لغة مشتركة لجميع الدكتاتوريين والطغاة والخاسرين  في العالم والذين لايتهاونون ولا يتورَّعون في معاقبة شعوبهم وقتلهم وزجّهم في اتون نار الحروب ,لأنّهم يستهينون بحياة الناس لا بل يستمتعون في سفك دمائهم"
نعم هناك ناس يعيشون في  ازمات كثيرة  منها :أزمة روحية وأزمة نفسية وأزمة أخلاقية وازمة عقلية وأزمة هوية  وكل هذه الأزمات براي الشخصي هي نابعة من مصدر واحد الا وهو"الشر"
لأيمكن لأنسان سويٌّ وعاقل أن يقبل موته بيد اخيه الأنسان لأختلافه معه في  العقيدة او الرأي او اسلوب الحياة فلا بد من الأختلاف لأنّ الله خلقنا شعوبا وقبائل مختلفة والا لما كنا احرارا,بل كنا  مسيّرين و منسوخين .
 كُل الحروب مبنية على الخداع والمكر ولا تستند على اساس الحق وكُلِّ قاتل يهدر دم اخيه الأنسان لأختلافه عنه في العقيدة والفكر فهو هالك لأنّه يخالف الشريعة السماوية .الكتاب المقدس يعلِّمنا  أن نتعامل مع الأخرين, من اخوتنا في ألأنسانية, ككائنات ستحيا الى الأبد"تكوين 9:5,6".
أن الدم يمثِّل الحياة في الكتاب المقدس"لاويين 17:11,14" وحيث أنَّ الله هو الذي خلق الحياة ومنحها للأنسان فله وحده حق أخذ الحياة .والكتاب المقدس يخبرنا عن أول حادثة قتل ,عندما قتل قايين أخوه هابيل,ويأتي دورالله ليسأل الأنسان كما سأل قايين  قائلا له:"أين هابيل أخوك ...... ماذا فعلت؟ دمُ أخيك يصرخُ اليَّ من ألأرض  "تكوين 4:9,10".هكذا كلِّ قاتل سيُسأل هذه الأسئلة فماذا سيكون جواب الأنسان أمام الله الديّان في يوم الدينونة؟ أكيد سيكون العقاب شديدا  ,لقد اعترف قايين لله عندما قال :"عقابي أقسى من أن يحتمل .طرّدتني اليوم من وجه ألأرض وحجبت وجهك عني ,وطريدا وشريدا  صرتُ في ألأرض ,وكُلُّ من وجدني يقتلني"تكوين4:13,14"
يقول يشوع بن سيراخ عن الناس الذين يلجأوون الى السيف لقتل ألآخرين"ان جرَّدت السيف على صديقك فلا تيأس من رجوعه اليك"
أمّا الرب يسوع المسيح فيقول لبطرس الرسول"رُد سيفك الى مكانه.فمن يأخذ بالسيف ,بالسيف يهلُك"متى 48:52".نعم فمملكة المسيح لا تقوم على السيف بل على المحبة والسلام والعيش بامان"سلاما اترك لكم,وسلامي أعطيكم ,لا كما يعطيه العالم أُعطيكم أنا"يوحنا 14:27"
اننا هذه الأيام نشاهد وعبر القنواة الفضائية كيف أنَّ حياة الأنسان اصبحت رخيصة في الكثير من بلدان الشرق الأوسط العربية ونشاهد مشاهد رهيبة بالتمثيل بالجثث وهي قمة السادية المرعبة  وفاقت حتى تصرفات الوحوش الكاسرة.
نطلب من الرب يسوع المسيح  ان ينزع من قلوب هؤلاء الناس الحقد والكراهية ومرارة الأنتقام ليخلق فيهم قلوب الرحمة والمحبة ويغمرهم بسلامه الفائق .

104

الروح القدس كما جاء في الكتاب المقدس
الجزء الأول
نافع البرواري
"ولكن الرّوح القدس يحلُّ عليكم ويهبكم القوّة, وتكونون لي شهودا في اؤرشليم واليهودية كلها والسامرة, حتى اقاصي الأرض"اعمال 1:6,7,8
 كثيرا ما تركّز كنائسنا(خاصة الكنيسة الشرقية )على شخص الرب يسوع المسيح ولكن هناك تقصير واضح في التركيز على دور الروح القدس (الأقنوم الثالث في اللاهوت ) وعمله الغير المنظور في الكنيسة( وهذا الأستنتاج هواستنتاجي الشخصي وقد أكون مخطئا) . لقد حلَّ الروح القدس على التلاميذ( بعد خمسين يوما من الصلب) على شكل السنة من نار وكان ذلك تتميما لكمات يوحنا المعمذان"لوقا 3:16
وهذا الحدث يتمِّم نبوئة يوئيل عن انسكاب الروح القدس"يوئيل 3:1" .وهذا الحدث هو تتويج لعمل المسيح قبل صعوده الى السماء"يوحنا 16:7"
انَّ الألسنة ترمز الى الحدث,وتوصيل ألأنجيل.بينما ترمز النار الى وجود الله المطهّر لحياتنا,والذي يحرق كُلِّ العناصر غير المرغوب فيها في حياتنا مشعلا قلوبنا بمحبة الاخرين,وهو رمز حضور الله في حيات الأنسان المؤمن"راجع خروج 19:16الى 18"
 لقد كان الروح القدس عاملا بين الناس منذ بداية الزمان".....وكانت ألأرض خاوية خالية, وعلى وجه الغمرِ ظلامٌ, وروح الله يرفُّ على وجه المياه" تكوين1:2".
فمنذ البداية  نرى روح الله يرفرف على وجه المياه ليخرج منها حياة. وفي النهاية يقف الروح القدس مع العروس ليدعونا نحن العطاش لكي نستقي مياه الحياة مجانا "رؤيا 22:17". وقد تنبأ النبي يوئيل عن الروح القدس قائلا: "أفيض روحي على كُلِّ بشر, فيتنبأ بنوكم وبناتكم, ويحلم شيوخكم أحلاما, ويرى شبابكم رؤى"يوئيل 3:1".الروح القدس هو الذي يحرِّك الأنبياء ويلهمهم  فهو نور يلجُّ في ألأعماق يفتح فم الأنبياء لكي يُعلنوا مشيئة الله فالروح القدس هو روح الله يعطي البشر قلوبا جديدة متحرّرة لتعيش العدالة والمحبة

من هو الروح القدس؟
كان الروح القدس,بالنسبة لليهود,هو قوة الله الناشطة في العالم,غير أنَّ التلاميذ أكتشفوا فرأوا في الروح القدس أكثر من قدرة الهية ,رأوا فيه شخصا حيّا "كما نقول في اللاهوت أقنوما) وسوف تسمِّيه الكنيسة ألأقنوم الثالث في الثالوث ألأقدس"متى 28:19"فأذهبوا وتلمذوا جميع ألأمم ,وعمِّدوهم بأسم الآب والأبن والروح القدس "
وكذلك ورد في  رسالة مجمع اورشليم(أول مجمع للكنيسة الناشئة)الى أهل أنطاكية"فالرُّوح القدس ونحنُ راينا أن لا نُحمّلكم من ألأثقال الا ما لا بُدَّ منهُ"أعمال 15:28
يقول الأب بولص الفغالي عن الله الثالوث:
"انّ عقيدة الثالوث ليس حصيلة أدمغة في نظرتها الى الله, بل تعبيرا لاهوتيا صاغته الكنيسة لتجسيد ألأعلان والحقيقة التي كشفها الله لنا من خلال أبنه يسوع المسيح.....كما نرى في أعلان الله, انَّه محبّة"1يوحنا4:8"....ان كان  الحب عطاء وقبولا, فلا بد أن يكون هناك عدّة أشخاص في الله.......وهكذا عندما نقول ان الله محبة, نقول انه عطاء وقبول, وبالتالي لا يكون هذا القبول خارجا عنه, أو من جوهر اخر. وهنا يقتضي ألأمر وجود ثنائية ما في الله لا خارجه. وهذه الثنائية عبَّر الأعلان عنها ب"ألآب"و"ألأبن" كعلاقة غيروية"أي الواحد مع الآخر "و"الروح القدس" كعلاقة باطنية, اي المحبة"الجوهر" المتبادلة. فان الآب والأبن والروح القدس ثلاثة اشخاص يمتاز كل واحد عن الآخر امتيازا حقيقيا يمنع الأختلاط بينهما. فلا يذوب أحدهم في الآخر. لذلك هم متمايزون ولكنهم غير منفصلين في الجوهر وطبيعة الألوهة بل واحد ......... ويستخدم اللاهوت تعبيرا يبرز أرتباط الأبن بطبيعة وجوهر الآب, وهو" الولادة ". فكما الشمس تلد النور دائما دونما تواجد أيّ من القرص أو النور أحدهما قبل الآخر أو دونه كذلك في مفهومنا عن الولادة التي لا ينبغي أن تُفهم بالمعنى الجسدي بل بالمعنى الروحي. فالأبن مولود من الآب قبل ألأزمنة (راجع يوحنا 1:1,2  و1يوحنا 1:1" اي لم يكن هناك الآب بلا ابن والاّ لما كان أسمه"ألآب". وهذه الولادة هي روحية لا جسدية. فالله روح "كما يقول الرب يسوع المسيح: : الله روح, وبالروح والحق  يجب على العابدين أن يعبدوه"يوحنا 4:24". ومولود الروح هو روح"يوحنا 3:6".
كلمة «القدس» تميِّز روح الله عن جميع الأرواح المخلوقة التي هي دونه في القداسة بما لا يُقاس. وتسميته بالروح القدس يشير إلى عمله غير المنظور، وهو إنارة أرواحنا وتجديدها وتقديسها وإرشادها"يوحنا14:17-19". وهو ينشئ كل الفضائل فينا. الكتاب المقدس يعلِّمنا وبكل وضوح أنَّ الروح القدس هو شخص له صفات الهية وهو روح الله اي الله ذاته وقد سميّة روحا لأنه مبدع الحياة, وهو الله داخلنا وداخل كُلِّ المؤمنين, وهو يعيننا  أن نحيا حسب ما يريده الله منا .....نقرأ في سفر المزامير هذه الأية "ترسل روحك فتخلق وتجدد  وجه الأرض "مزمور 104:30". انّ الروح القدس هو روح المسيح ....ودعي قدوسا ويقدس حياة المؤمنين . اذاً فالروح القدس يتمتع بكافة الصفات ألألهية.
 انَّ الله أقانيم ثلاثة في واحد: الآب والأبن والروح القدس. وقد صار الله بشرا في يسوع حتى يموت الرب يسوع من أجل خطايانا. وقد قام من ألأموات ليقدم الخلاص لكل البشر بالتجديد الروحي والولادة الثانية الروحانية. وعند صعود الرب يسوع الى السماء, لم يعد المسيح يحيا على الأرض بالجسد  لكنه وعد بارسال الروح القدس حتى يستمر وجوده الروحي بين البشر"لوقا 24:49.
يقول الله في سفر اشعيا النبي" ها عبدي الذي أُسانده, والذي أخترتُهُ ورضيتُ به! جعلتُ روحي عليه" اشعيا 42:1" في هذه الآية في العهد القديم قد تحققت في يوم عماذ الرب يسوع المسيح عندما تعمذ الرب في نهر الأردن, ويكتب البشير مرقس عن تحقيق هذا الوعد في العهد الجديد ". ولمّا صعد يسوع من الماء رأى السمّاوات تنفتح والرَّوح القدس ينزل عليه كأنَّه حمامةٌ وقال صوت من السماء""أنت أبني الحبيب, بك رضيتُ" مرقس 1:10,11.هنا نرى ألأقانيم الثلاثة في اللاهوت معا:ألآب والأبن والروح القدس. والروح القدس هو الذي سيحل على الملك المنتظر, يسوع المسيح في عطاياه السبعة من حكمة, وفهم ومشورة وقّوة, ومعرفة, وتقوى, ومخافة الرب". وهو الماء الحي "يوحنا 7:37" فالحياة  ألأبدية تتضمن وجود الروح القدس الذي يروي عطش ألأنسان لله مثل العطش للماء, فليس غير الروح القدس يقدر أن يعطي هذه العطية المجانية التي تُشبع حاجة النفس. والحياة الأبدية  تتضمن وجود الروح القدس" يوحنا 7:38". وبينما كان الروح القدس, في فترة العهد القديم, يعطي القوَّة لأشخاص معيَّنين فقط"1 أخبار12"18", ولأغراض خاصة, فان الروح القدس صار متاحا الآن للكل لكنه صار بعد يوم الخمسين  ساكنا في المؤمنين. وقد حلَّ الروح القدس لأولّ مرة على المؤمنين في يوم الخمسين "أعمال 2" فالروح القدس هو استمرار لوجود يسوع المسيح معنا"متى 18". هو الله داخلنا وداخل  كل المؤمنين وهو يعيننا أن نحيا حسب ما يريده الله منا.
عمل الروح القدس.
الله روح كما هو محبّة.والروح هو ينبوع حياة وهو يبحث عن عبَاد حقيقيين"الله روح,وبالروح والحق يجب على العابدين أن يعبدوه"يوحنا4:24" .وعمل الروح القدس هو في تنميتنا لمعرفة الآب بواسطة ابنه يسوع المسيح.ولا يكون جواب ألأنسان على مبادرة الآب ممكنا الآ بتدخّل  الروح القدس الذي يتيح لنا أن نفهم كيف  كشف الآب عن ذاته في يسوع الذي هو الحق والحياة.
أن عمل الروح القدس الرئيسي هو أن يظهر المسيح ويعلنه" ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويعطيكم،"."فمتى جاء روحُ الحق أرشدكم الى الحق كُلِّه ,لأنَّه لا يتكلم بشيئ من عنده,بل يتكلَّم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث .سيمجِّدني لأنَّه ياخذ  كلامي ويقوله لكم"يوحنا 16:13,14,".والروح هو الذي يشهد(ليسوع المسيح)1 لأنَّ الروح هو الحق" 1 يوحنا 5:6". والروح القدس يلهمنا عند الحديث عن يسوع المسيح"متي 10:19. فلا تهتموا حين يسلِّمونكم(الى المحاكم)كيف أو بماذا تتكلَّمون, لأنّكم ستعطون في حينه ما تتكلَّمون به". وهو يشهد للمسيح في الدعوة التي يقيمها العالم ضد يسوع.
 كما انّ عمل الروح القدس الغير المنظور هو إنارة أرواحنا وإرشادها وتجديدها وتقديسها، ولذلك سُمّي أيضاً «روح القداسة» و«روح الحق» و«روح الحكمة»، و«روح السلام» و«روح المحبة» لأنه ينشئ كل ذلك فينا. والروح القدس يحيي الرجاء  فينا  وهو الذي يبحث الحياة في أجسادنا الفانية "روميا 8:11
" وهو الذي يقود أبناء الله"روميا 8"14", والروح القدس هو استمرار لوجود يسوع المسيح معنا"متى 18,19:20" وهو المعزّي والمؤيّد "يوحنا 14:15" وهو الفهيم و المضاد لأبي الكذب(الشيطان)"يوحنا 8:44", وهو المدافع عن تلاميذ المسيح عندما يساقون الى المحاكم أمام الملوك"مرقس 13:11" وهو يكشف الباطل ويبرر الحق في مواجهة كذب العالم وهو يبكِّت العالم على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة"يوحنا 16:8" . والروح القدس في الكتاب المقدس سميَّ روح الحق الذي لايستطيع العالم أن يقبله لأنَّه لايراه ولا يعرفه أمّا المؤمنين فيعرفونه لأنّه ماكث معهم ويكون فيهم"يوحنا 14:15,16,17" و المؤمنون يصبحون أبناء الله بالأنتعاش من روح الله"روميا 8:14"وهو الذي يرشدنا لمعرفة الله"اشعيا48:17" ويذكِّرنا بما قاله يسوع المسيح"يوحنا 14:26". والروح القدس ضمان الحياة الأبدية لنا"أفسس1:14" وهو الذي يوّحد المؤمنين"افسس4:3" .ويقدِّسهم"1كورنثوس 6:11" و يعينهم على تمييز التعليم الفاسد "1يوحنا 2:26,27" وهو الذي يثبِّتهم في ايمانهم ,وهو الذي يُعِين ضعفاتنا، ويشفع فينا بحسب مشيئة الله"، ويرشدنا في الصلاة"روميا 8:26. الروح القدس يحرِّرنا ويعطينا القوة والرحمة والعدالة والأستقامة و يعيننا ويعمل فينا وهو الذي يصلّي باناة فينا فنحن هيكل الروح القدس,.وهو يقود المؤمنين للقيام بالأعمال الصالحة نتيجة الولادة الجديدة والخليقة الجديدة" أفسس 2:10" و كما قال احد الآباء, نحن سماويين نعيش في الأرض, فهو يهب لنا الحياة ألأبدية كعربون ونحن في هذه الأرض "راجع أعمال الرسل 1:8"

105
هل نحن مسيحيي  الشرق الأوسط  بحاجة الى عنصرة جديدة؟

نافع البرواري

في ضوء ألأحداث التي يشهدها العالم العربي هذه الأيام من الثورات والأنتفاضات والتغييرات والعنف وزهق ألأرواح, ومن المستجدات السريعة الحاصلة في هذه الدول علينا نحن مسيحيي الشرق الأوسط أن نتسائل:
ما هو مصيرنا؟ هل نحن واعون لما يحدث في هذا العالم العربي الأسلامي؟ هل فكّرنا في نتائج هذه الثورات وانعكاساتها علينا نحن المسيحيين الذين نعيش وسط هذه التغييرات التي حدثت والتي ستحدث؟ ماهي رؤية الكنيسة ورؤسائها لما يجري في المنطقة؟ وما هو موقف قادتنا المسيحيين من الأحزاب (القومية) لما آلت وستؤول اليه المنطقة في خضم هذه الأحداث والتغييرات السياسية والأجتماعية والدينية والأقتصادية والديموغرافية؟ هل قادتنا ورؤسائنا الدينيين والعلمانيين قرأوا ويقرأون التاريخ للأحداث المُشابهة التي حصلت في المنطقة للأستفادة منها كدروسٍ وعبر لتجنب مآسي كثيرة قد تواجهنا نحن المسيحيين في المستقبل القريب اكثر مما واجهناه عبر التاريخ الطويل ومنذ 1400 سنة؟ ماهو دور المثقفين المسيحيين في تقييم هذه الأحداث لتوحيد الأفكار والتوجهات والجهود لتجنب المزيد من الأضطهادات والظلم بحق مسيحيي المنطقة, وليكونوا ايضا روادا في قيادة الأخرين الى  الحرية والديمقراطية والكرامة الأنسانية (كما كان آبائهم المسيحيين دائما عبر التاريخ)؟
والسؤال الأهم هل نحن المسيحيين نحتاج الى عنصرة جديدة فيها نُكلّم العالم بكلام يوحنا النبي الذي كان صوته صوت صارخ في البريّة يدعو الناس الى التوبة وتهيئة طريق الرب  فيرى كُلِّ بشر خلاص الله"راجع لوقا3:4,5"؟
 انَّ بلبلة الأفكار وغياب الرؤية  الصحيحة لما يجري وغياب الحكمة عند رؤساء الكنيسة والصراعات والجدالات العقيمة, القائمة بين الأحزاب المسيحية, والأنقسامات بين المسيحيين في المنطقة عامة وفي العراق خاصة تؤكد لنا وجود اسباب كثيرة أدت وتؤدي الى ما وصلنا اليه نحن المسيحيين في المنطقة من تهميش وتغييب دورنا الريادي في المنطقة كما كان في جميع العصور ومنذ 2000 سنة.
اليوم نحنُ مُنقسمين و مُهمّشين لا بل مضطهدين ومقهورين ومظلومين ومتشتتين ومهجّرين ومغتربين ومتبعثرين في دول العالم, كما حدث للشعب الأسرائيلي في الماضي, وكما يخبرنا به الكتاب المقدس. اليوم نحن في ازمة حقيقية حيث غياب الحكمة والفطنة والفهم وحيث النظرة القصيرة هي السائدة عند اغلب قادتنا سواء كانوا القادة الروحيين او القادة السياسيين العلمانيين وحتى المثقفين.
 السؤال المطروح هو لماذا لا نتَّعظ ونتعلم الدروس والعبر من التاريخ والكتاب المقدس لكي لا نقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها الشعب الأسرائيلي خاصة والشعب الكلداني الآشوري الآرامي عامة عبر التاريخ وكلفتهم هذه الأخطاء مآسي ومذابح وضياع الهوية القومية وفقدان الأرض والمقدسات وحتى الوطن؟
كيف تكون لنا قائمة من هذا السبات الذي طال ليله ونحن نعيش في وسط موبوء بالحقد والكراهية والعنف حتى بين المسيحيين أنفسهم؟
ألا نخجل من الحالة المُزرية التي وصلنا اليها حدّ التراشق بالكلمات البذيئة بعضنا البعض وتخوين واتهام كل من يخالفنا في الرأي وكأنّه عدوّ لنا؟
أين نحن من ابائنا الذين قدّموا للعالم العلم والمعرفة والأخلاق وقبل هذا وذاك قدموا للعالم بشرى الخلاص حيث كانوا رسل المسيح يصنعون السلام والمحبة أينما وجدوا وحيثما حلّوا, وكانوا في طليعة الذين بشروا بالمسيح المُخلّص؟
اليوم نعيش البلبلة في لغة التفاهم حيث اصبحنا غرباء في الوطن قبل ان نكون غرباء في المهجر, وفقدنا التواصل والتفاهم وخسرنا هويتنا الحقيقية وفقدنا ذاكرتنا التاريخية وفقدنا السلام مع أنفسنا ومع الآخرين, والأكثر ايلاما هو ان الكثيرين منا فقدوا ايمانهم بمسيحهم  الذي هو اساس وحدتنا وبقائنا وتميّزنا عن الاخرين.
نريد اليوم ان نعيد مجد بابل واشور ونبكي على بابل كما بكى اليهود على اورشليم عندما  كانوا منفيين في بابل, ولكن نسينا مجد يسوع المسيح الذي هو الأساس والذي عليه يجب ان نبني مستقبلنا وحياتنا لأنّ الكل زائل ويبقى المسيح هو الباقي وعليه يجب أن يكون رجائنا في الخلاص. نسينا أنّ برج بابل هيكل الوثنية قد زيل واصبح اطلالا ومدينة نينوى أصبحت مدينة الأشباح وهيكل سليمان لم يبقى فيه حجر على حجر, فالكل زائل ويبقي يسوع المسيح الذي هو وحده نتكل عليه ليكون صخرة ايماننا وهو ملكنا وربنا وفادينا ومخلصنا وقائدنا وراعينا من كل ظالم وعاتي.
بابل الأمس(التي تعني باب ايل, اي باب ألأله) هي رمز  بلبلة الألسنة وعدم التفاهم والتواصل بين الشعوب وحتى بين الشعب الواحد( كلمة" البلبلة" قد تعني التشتيت والتفريق والبعثرة وقد تعني ايضا معنى التخريب والفوضى).
برج بابل يصعد بالأنسان نحو السماء الى الله, لكن يبقى ألأنسان كما هو. بينما الكنيسة اورشليم الجديدة تُنزِل الله ليتجسد على ألأرض لكي يصعد الأنسان نحو الله ويرتقي فيها وعليها.
.يقول الأب بولص الفغالي في شرحه لبلبلة الألسن واللغة كما ورد في سفر التكوين
"عندما يقول الكتاب: كانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً (تكوين 11:1)، فهو يعني وحدة سياسية واقتصادية خضعت لها الشعوب المغلوبة على أمرها. وعندما يقول إن الله بلبل لغة هؤلاء الشعوب وشتّتهم (11: 9)، فهو يعني أن هذه الوحدة تفكّكت كالسبحة التي انقطع خيطها. اجتمعت هذه الشعوب بطريقة سطحية، ولكنهم ما عتموا أن طلبوا استقلالاً بعضهم عن بعض، فعاش كل شعب منعزلاً عن الآخر وتكلم لغة لا يفهما الآخر. .....أن حديثهم كان يشبه ما يسمّى "حوار الطرشان".... ثم إن كل وحدة لا ترتكز على الله تبقى واهية وهي لا تدوم، وكل وحدة ترتكز على المصلحة تدوم ما دامت المصلحة وتزول ساعة تزول المصلحة.....
...يمكن لبعض الاقوياء أن يستعبدونا موقتاً. بل يطردوننا من بيوتنا وأرضنا. ولكن يد الله القديرة تدافع عن شعبه المؤمن، وتنجّيه من كل شر، وتخزي جميع أعدائه".
برج بابل هو رمز القوة المعادية لله، وبابل الخاطئة هي صورة عن العالم الخاطئ الذي يتمرّد على الله. في هذا السبيل يقول إرميا (50: 2 ي): "قد أخذت بابل وأخزيت أصنامها. فإن أمة طلعت عليها من الشمال فتجعل أرضها مستوحشة". ويقول أشعيا (13: 19- 20): "فبابل فخر الممالك تصير كسدوم وعمورة. فلا تُسكن أبداً ولا تعمّر إلى جيل فجيل". أما سفر الرؤيا فيهتف" سقطت، سقطت بابل العظيمة" (رؤ 14: 8) لأنها تمثّل عالماً أنكر وجود الله وصار مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الارواح النجسة (رؤ 18: 2). وسيحلّ محل بابل مدينةٌ أخرى هي أورشليم السماوية، رمز الجماعة البشرية التي يوحّد الله بين أفرادها."
 لا، ليس الانسان سيّد التاريخ، بل الله هو سيّد التاريخ. ومهما ارتفعت المدن فستُحطّ، ومهما تعاظمت الشعوب فالرب يتسلّط عليهم. أمام عظمته تبوء محاولات البشر بالفشل. أرادوا برجاً يصل إلى السماء، إلى عرش الله، ولكنه مشروع سخيف، والمسافة التي تفصل قدرة الله عن ضعف البشر تبقى بلا حدود. فكيف يستطيع الانسان أن يتجاوزها؟
أما ما تاقت إليه البشريّة منذ البداية من بحث عن الوحدة فسيتم يوم العنصرة، يوم ولادة الكنيسة (أع 2: 1- 11). وستكون هذه الولادة بداية تهيّئ العالم الآتي فيجتمع حول الحمل المذبوح جمهور كبير لا يحصى من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (رؤ 7: 9- 12).
أن الله يهتمّ ببابل كما يهتمّ بأورشليم فيرسل إليها أنبياء يدعونها إلى التوبة كما أرسل إلى أورشليم والسامرة أنبياء يحدّثون الشعب باسم الله. أجل أرسل الله إلى نينوى الوثنيّة والظالمة يونان، فدعاها إلى التوبة، وكان الجواب لكلام النبي أن المدينة التي هي عظيمة مثل بابل، فيها الكثير من الناس الذين لم يعرفوا شريعة الرب بعد (يون 4: 11)، وهم لما عرفوها لبسوا المسوح، وتاب كل واحدٍ عن طريقه الشرير".انتهى الأقتباس
 
اليوم نحن المسيحيين, الباقين في هذا الشرق وكأننا نعيش في الغربة حتى في ارضنا ووطننا, أصبحنا منغلقين  خوفا من ألأعداء حولنا وما أكثرهم، ونحن اليوم كما الشعب الأسرائيلي (الذي تشتت وعاش الكثيرين منهم في المنفى ), ضعنا بين الشعوب, وكما نسى اليهود الههُم وعبدوا الأصنام والهة الشعوب الأخرى, هكذا الكثيرين منا نحن المسيحيين نسينا مخلصنا يسوع المسيح , ونسينا لابل تجاهلنا أنّ قوتنا تكمن في الروح القدس الذي يلهمنا ويرشدنا ويعطينا القوة  والصبر والبصيرة والحكمة  ليقودنا الى الطريق والحق والحياة. اليوم نحن نعيد نفس الأخطاء التي وقعت فيها شعوب المنطقة قبل الاف السنيين وجاء الشعب الأسرائيلي من بعدهما ليعيد تكرار نفس الأخطاء وكان الثمن باهضا عندما  تشتتوا في بقاع الأرض كلها, لأنهم تركوا ايمانهم السابق وأخذوا يمجدون قوميتهم(إذ كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وابناء ابراهيم) ويعبدون الهة وأصنام الأمم التي عاشوا بينهم. هكذا نحن اليوم أصبحنا نعبد المال والسلطة وشهوات هذا العالم, فاصبحت أصناما نعبدها وتركنا فادينا ومخلصنا يسوع المسيح وأنطبق علينا قول الرب على لسنان النبي عاموس: "....أصناما صنعتموها للعبادة. فسأنفيكم الى ما وراء بابل"أعمال الرسل7:4.
 الا نتعلم دروسا وعبر من الكتاب المقدس عندما نرى اليوم مسيحيي الشرق الأوسط قد تشتتوا في ما وراء البحار؟ السنا اليوم نكرر نفس اخطاء شعب بابل واشور وشعب اسرائيل عندما نمجِّد حضارات كانت تتحدى الله وتبني ابراجا عالية  ليصلوا الى عرش الله بقوتهم الفانية وكبريائهم الزائف وبعقولهم المحدودة ويفتخرون بقوتّهم وبطشهم وسحقهم للشعوب المغلوبة على امرها؟ السنا نحن اليوم أيضا  مثل بني اسرائيل الذين سألوا المسيح قائلين "أتكون أنت أعظم من ابينا ابراهيم الذي مات؟ والأنبياء ايضا ماتوا فمن تحسب نفسك؟ "فكانت أجابة يسوع المسيح لهم :"لو مجَّدتُ نفسي, لكان مجدي باطلا ابي  هو الذي يمجِّدني "يوحنا 8:53,54"
الم يقل المسيح للشعب الأسرائيلي أن ابي يستطيع أن يخلق من هذه الحجارة مثل ابراهيم؟
انَّ الخلاص من وضعنا المأساوي لا ياتي من انتمائنا القومي اوأنتمائنا الى امة من الأمم او لحزب من الأحزاب, بل خلاصنا يكون بقوة الروح القدس الذي يدافع عنا وهو الذي  يجمعنا ويوحِّدنا ويحمينا,والدليل أنَّ الشعب الكلداني والأشوري والسرياني وحدّهم ايمانهم (بقوة الروح القدس )عبر الفين سنة وكانوا اخوة في المسيح, ولكن للأسف جاء في هذا العصر من يريد أن يفرقهم ويمزّق ويشتت وحدتهم ويبلبل أفكارهم ويمحي هويّتهم كشعب واحد في المسيح ويعيدهم الى السلفية( الأشورية الكلدانية الأرامية ).
 يسوع المسيح كان ثائرا على الظلم والأستبداد وضد العنصرية والفكر القومي اليهودي  بل اراد أن يوحد العالم بأسم الآب والأبن والروح القدس ويبشرهم بملكوته على هذه الأرض وليس فقط في السماء كما يدعي البعض من يتهمون المسيحية بانها شان روحي فقط ,لكن المسيح جاء ليؤسس ملكوت ابيه السماوي على هذه الأرض ليتمتع الأنسان بالسلام والعدالة والحرية والأخوّة الأنسانية . يسوع المسيح هو الباب الذي به فقط نستطيع أن ندخل ملكوت الله  على هذه الأرض بينما لا زال الكثيرون من يفتخرون بامجاد الماضي السحيق انتهى الى الحضيض.فكيف نتبع  أشخاص  أو قومية او الهه لشعوب وثنية ونمجدهم بينما ننسى خالقنا وفادينا ومخلصنا الذي يقول "أنا باب الخراف. جميع من جاءوا قبلي سارقون ولصوص"يوحنا 10:5".؟  ويقول "أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه من أجل خرافه"يوحنا 10:11".
 يقول ألأب تيار دي شاردن في كتابه" العلم والمسيح ص205":"منذ ثلاثة أو أربعة أجيال كان العالم ما يزال مقسّما الى كُتل عرقية منعزلة ,متفاوتة القوى,كان يمثل سحق بعضها الآخر....أمّا اليوم فنجد الى جانب مختلف رواسب الثقافات القديمة أمتداد شبكة نفسية مشتركة.فلقد  انبسطت المدنية الحديثة فجأة خلال بضعة سنوات وكأنّها رداء على سطح ألأرض المأهولة بكاملها.....اوليس في هذه  المساواة ألأنسانية,على مستوى رفيع,ضمانة نهائية للأستقرار؟.....كانت كنوز ألأنسانية قديما محصورة في مكتبة أو في مملكة .وكان حريق أو هزيمة كافيا للأتيان عليها.أمّا الآن فأنّ هذه الكنوز قد توزعت على  الأرض بأكملها........كُلِّ ما هو قومي عرضة للزوال ,وأمّا ماهو انساني فيستحيل أن يضمحل"
 نحن اليوم بحاجة الى عنصرة جديدة لنستطيع التفاهم مع أخوتنا الذين تركوا ايمانهم ونسوا مخلّصهم يسوع المسيح. نحن في حاجة الى  التواصل مع لغة والسنة الآخرين(الأمم الأخرى) بالروح القدس, كما حدث في يوم الخمسين عندما نزل الروح القدس على شكل السنة من نار على تلاميذ المسيح؟ " راجع اعمال الرسل:2".
الم يتنبأ اشعيا النبي عن الروح القدس الحال على ربنا يسوع المسيح لينادي المسبيين ويحررهم  و يكسر قيود العبودية ويشفي القلوب المتألمة  اذ يقول"روح السيد الرب عليَّ, مسحني, أرسلني لأُبشِّر المساكين, وأجبر منكسري القلوب, لأنادي للمسبيين بالحرية والمأسورين بتخلية سبيلهم(اشعيا61". والله يرسل روحه في "العظام اليابسة " لهذا قال الرب:"أجعل روحي فيهم(أي العظام) فيحيون" راجع حزقيال النبي" هكذا الروح القدس يعيد الحياة فينا نحن المسيحيين في الشرق بعد أن اصبحنا مثل الأموات بسبب ابتعادنا عن الله.
انَّ كنيستنا المشرقية اليوم هي في حالة خمول وفتور روحي و في حالة سبات سواء أعترفنا بهذه الحقيقة ام تغاضينا عنها .ولكن الواقع يشهد على ذلك شئنا أم أبينا ,وقد ينطبق على كنيستنا المشرقية قول الرب لملاك كنيسة سارديس كما جاء في سفر الرؤيا"أنا أعرف أعمالك َ ,أنت حيُّ بالأسم مع أنّك ميتٌ,أسهر وأنعش ما بقي لك من الحياة قبل أن يعالجه الموت......ولكن بعض الناس عندك في سارديس ما دنسوا ثيابهم ,فهم أهل ليواكبوني بثياب بيضاء"رؤيا 3:1,2,4"
كنيستنا المشرقية تحتاج  الى نفحة جديدة من السنة  على شكل نار من الروح القدس تحل على المؤمنين ورجال الدين الخائفين المرعوبين والمنزويين بين جدران الكنائس وكأنهم سلّموا بحقيقة ما ال اليه واقع شعبهم المسيحي من التمزق والتشرد والأضطهادات والهجرة وحتى فتور الأيمان,وما عاد الكثير منهم يؤمنون بقوة الروح القدس الذي به يعيد الروح الى المائتين روحيا ويحرق الفساد المستشري في هذ الكنيسة.
نعم كنيستنا تحتاج الى عنصرة جديدة ,يسكب فيه الرب روحه القدوس على شعبه المؤمن لتكون للكنيسة روحا جديدا وقلبا جديدا وراعي واحد واله واحد وايمان واحد ورجاء واحد  ومحبة واحدة وفكر واحد هو فكر المسيح.ولا ننسى أنّ هناك ولو قليلين من المؤمنين لم يلوثوا ثيابهم بالنجاسة  وهم سيكونون مثل الخميرة في العجين ونورا للأخرين لكي يقودوا كنيستهم العريقة ويعيدوا أمجادها القديمة عندما كانت نورا للأمم الوثنية.

106
هل نحن مسيحيي  الشرق الأوسط  بحاجة الى عنصرة جديدة؟

نافع البرواري

في ضوء ألأحداث التي يشهدها العالم العربي هذه الأيام من الثورات والأنتفاضات والتغييرات والعنف وزهق ألأرواح, ومن المستجدات السريعة الحاصلة في هذه الدول علينا نحن مسيحيي الشرق الأوسط أن نتسائل:
ما هو مصيرنا؟ هل نحن واعون لما يحدث في هذا العالم العربي الأسلامي؟ هل فكّرنا في نتائج هذه الثورات وانعكاساتها علينا نحن المسيحيين الذين نعيش وسط هذه التغييرات التي حدثت والتي ستحدث؟ ماهي رؤية الكنيسة ورؤسائها لما يجري في المنطقة؟ وما هو موقف قادتنا المسيحيين من الأحزاب (القومية) لما آلت وستؤول اليه المنطقة في خضم هذه الأحداث والتغييرات السياسية والأجتماعية والدينية والأقتصادية والديموغرافية؟ هل قادتنا ورؤسائنا الدينيين والعلمانيين قرأوا ويقرأون التاريخ للأحداث المُشابهة التي حصلت في المنطقة للأستفادة منها كدروسٍ وعبر لتجنب مآسي كثيرة قد تواجهنا نحن المسيحيين في المستقبل القريب اكثر مما واجهناه عبر التاريخ الطويل ومنذ 1400 سنة؟ ماهو دور المثقفين المسيحيين في تقييم هذه الأحداث لتوحيد الأفكار والتوجهات والجهود لتجنب المزيد من الأضطهادات والظلم بحق مسيحيي المنطقة, وليكونوا ايضا روادا في قيادة الأخرين الى  الحرية والديمقراطية والكرامة الأنسانية (كما كان آبائهم المسيحيين دائما عبر التاريخ)؟
والسؤال الأهم هل نحن المسيحيين نحتاج الى عنصرة جديدة فيها نُكلّم العالم بكلام يوحنا النبي الذي كان صوته صوت صارخ في البريّة يدعو الناس الى التوبة وتهيئة طريق الرب  فيرى كُلِّ بشر خلاص الله"راجع لوقا3:4,5"؟
 انَّ بلبلة الأفكار وغياب الرؤية  الصحيحة لما يجري وغياب الحكمة عند رؤساء الكنيسة والصراعات والجدالات العقيمة, القائمة بين الأحزاب المسيحية, والأنقسامات بين المسيحيين في المنطقة عامة وفي العراق خاصة تؤكد لنا وجود اسباب كثيرة أدت وتؤدي الى ما وصلنا اليه نحن المسيحيين في المنطقة من تهميش وتغييب دورنا الريادي في المنطقة كما كان في جميع العصور ومنذ 2000 سنة.
اليوم نحنُ مُنقسمين و مُهمّشين لا بل مضطهدين ومقهورين ومظلومين ومتشتتين ومهجّرين ومغتربين ومتبعثرين في دول العالم, كما حدث للشعب الأسرائيلي في الماضي, وكما يخبرنا به الكتاب المقدس. اليوم نحن في ازمة حقيقية حيث غياب الحكمة والفطنة والفهم وحيث النظرة القصيرة هي السائدة عند اغلب قادتنا سواء كانوا القادة الروحيين او القادة السياسيين العلمانيين وحتى المثقفين.
 السؤال المطروح هو لماذا لا نتَّعظ ونتعلم الدروس والعبر من التاريخ والكتاب المقدس لكي لا نقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها الشعب الأسرائيلي خاصة والشعب الكلداني الآشوري الآرامي عامة عبر التاريخ وكلفتهم هذه الأخطاء مآسي ومذابح وضياع الهوية القومية وفقدان الأرض والمقدسات وحتى الوطن؟
كيف تكون لنا قائمة من هذا السبات الذي طال ليله ونحن نعيش في وسط موبوء بالحقد والكراهية والعنف حتى بين المسيحيين أنفسهم؟
ألا نخجل من الحالة المُزرية التي وصلنا اليها حدّ التراشق بالكلمات البذيئة بعضنا البعض وتخوين واتهام كل من يخالفنا في الرأي وكأنّه عدوّ لنا؟
أين نحن من ابائنا الذين قدّموا للعالم العلم والمعرفة والأخلاق وقبل هذا وذاك قدموا للعالم بشرى الخلاص حيث كانوا رسل المسيح يصنعون السلام والمحبة أينما وجدوا وحيثما حلّوا, وكانوا في طليعة الذين بشروا بالمسيح المُخلّص؟
اليوم نعيش البلبلة في لغة التفاهم حيث اصبحنا غرباء في الوطن قبل ان نكون غرباء في المهجر, وفقدنا التواصل والتفاهم وخسرنا هويتنا الحقيقية وفقدنا ذاكرتنا التاريخية وفقدنا السلام مع أنفسنا ومع الآخرين, والأكثر ايلاما هو ان الكثيرين منا فقدوا ايمانهم بمسيحهم  الذي هو اساس وحدتنا وبقائنا وتميّزنا عن الاخرين.
نريد اليوم ان نعيد مجد بابل واشور ونبكي على بابل كما بكى اليهود على اورشليم عندما  كانوا منفيين في بابل, ولكن نسينا مجد يسوع المسيح الذي هو الأساس والذي عليه يجب ان نبني مستقبلنا وحياتنا لأنّ الكل زائل ويبقى المسيح هو الباقي وعليه يجب أن يكون رجائنا في الخلاص. نسينا أنّ برج بابل هيكل الوثنية قد زيل واصبح اطلالا ومدينة نينوى أصبحت مدينة الأشباح وهيكل سليمان لم يبقى فيه حجر على حجر, فالكل زائل ويبقي يسوع المسيح الذي هو وحده نتكل عليه ليكون صخرة ايماننا وهو ملكنا وربنا وفادينا ومخلصنا وقائدنا وراعينا من كل ظالم وعاتي.
بابل الأمس(التي تعني باب ايل, اي باب ألأله) هي رمز  بلبلة الألسنة وعدم التفاهم والتواصل بين الشعوب وحتى بين الشعب الواحد( كلمة" البلبلة" قد تعني التشتيت والتفريق والبعثرة وقد تعني ايضا معنى التخريب والفوضى).
برج بابل يصعد بالأنسان نحو السماء الى الله, لكن يبقى ألأنسان كما هو. بينما الكنيسة اورشليم الجديدة تُنزِل الله ليتجسد على ألأرض لكي يصعد الأنسان نحو الله ويرتقي فيها وعليها.
.يقول الأب بولص الفغالي في شرحه لبلبلة الألسن واللغة كما ورد في سفر التكوين
"عندما يقول الكتاب: كانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاماً واحداً (تكوين 11:1)، فهو يعني وحدة سياسية واقتصادية خضعت لها الشعوب المغلوبة على أمرها. وعندما يقول إن الله بلبل لغة هؤلاء الشعوب وشتّتهم (11: 9)، فهو يعني أن هذه الوحدة تفكّكت كالسبحة التي انقطع خيطها. اجتمعت هذه الشعوب بطريقة سطحية، ولكنهم ما عتموا أن طلبوا استقلالاً بعضهم عن بعض، فعاش كل شعب منعزلاً عن الآخر وتكلم لغة لا يفهما الآخر. .....أن حديثهم كان يشبه ما يسمّى "حوار الطرشان".... ثم إن كل وحدة لا ترتكز على الله تبقى واهية وهي لا تدوم، وكل وحدة ترتكز على المصلحة تدوم ما دامت المصلحة وتزول ساعة تزول المصلحة.....
...يمكن لبعض الاقوياء أن يستعبدونا موقتاً. بل يطردوننا من بيوتنا وأرضنا. ولكن يد الله القديرة تدافع عن شعبه المؤمن، وتنجّيه من كل شر، وتخزي جميع أعدائه".
برج بابل هو رمز القوة المعادية لله، وبابل الخاطئة هي صورة عن العالم الخاطئ الذي يتمرّد على الله. في هذا السبيل يقول إرميا (50: 2 ي): "قد أخذت بابل وأخزيت أصنامها. فإن أمة طلعت عليها من الشمال فتجعل أرضها مستوحشة". ويقول أشعيا (13: 19- 20): "فبابل فخر الممالك تصير كسدوم وعمورة. فلا تُسكن أبداً ولا تعمّر إلى جيل فجيل". أما سفر الرؤيا فيهتف" سقطت، سقطت بابل العظيمة" (رؤ 14: 8) لأنها تمثّل عالماً أنكر وجود الله وصار مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الارواح النجسة (رؤ 18: 2). وسيحلّ محل بابل مدينةٌ أخرى هي أورشليم السماوية، رمز الجماعة البشرية التي يوحّد الله بين أفرادها."
 لا، ليس الانسان سيّد التاريخ، بل الله هو سيّد التاريخ. ومهما ارتفعت المدن فستُحطّ، ومهما تعاظمت الشعوب فالرب يتسلّط عليهم. أمام عظمته تبوء محاولات البشر بالفشل. أرادوا برجاً يصل إلى السماء، إلى عرش الله، ولكنه مشروع سخيف، والمسافة التي تفصل قدرة الله عن ضعف البشر تبقى بلا حدود. فكيف يستطيع الانسان أن يتجاوزها؟
أما ما تاقت إليه البشريّة منذ البداية من بحث عن الوحدة فسيتم يوم العنصرة، يوم ولادة الكنيسة (أع 2: 1- 11). وستكون هذه الولادة بداية تهيّئ العالم الآتي فيجتمع حول الحمل المذبوح جمهور كبير لا يحصى من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (رؤ 7: 9- 12).
أن الله يهتمّ ببابل كما يهتمّ بأورشليم فيرسل إليها أنبياء يدعونها إلى التوبة كما أرسل إلى أورشليم والسامرة أنبياء يحدّثون الشعب باسم الله. أجل أرسل الله إلى نينوى الوثنيّة والظالمة يونان، فدعاها إلى التوبة، وكان الجواب لكلام النبي أن المدينة التي هي عظيمة مثل بابل، فيها الكثير من الناس الذين لم يعرفوا شريعة الرب بعد (يون 4: 11)، وهم لما عرفوها لبسوا المسوح، وتاب كل واحدٍ عن طريقه الشرير".انتهى الأقتباس
 
اليوم نحن المسيحيين, الباقين في هذا الشرق وكأننا نعيش في الغربة حتى في ارضنا ووطننا, أصبحنا منغلقين  خوفا من ألأعداء حولنا وما أكثرهم، ونحن اليوم كما الشعب الأسرائيلي (الذي تشتت وعاش الكثيرين منهم في المنفى ), ضعنا بين الشعوب, وكما نسى اليهود الههُم وعبدوا الأصنام والهة الشعوب الأخرى, هكذا الكثيرين منا نحن المسيحيين نسينا مخلصنا يسوع المسيح , ونسينا لابل تجاهلنا أنّ قوتنا تكمن في الروح القدس الذي يلهمنا ويرشدنا ويعطينا القوة  والصبر والبصيرة والحكمة  ليقودنا الى الطريق والحق والحياة. اليوم نحن نعيد نفس الأخطاء التي وقعت فيها شعوب المنطقة قبل الاف السنيين وجاء الشعب الأسرائيلي من بعدهما ليعيد تكرار نفس الأخطاء وكان الثمن باهضا عندما  تشتتوا في بقاع الأرض كلها, لأنهم تركوا ايمانهم السابق وأخذوا يمجدون قوميتهم(إذ كانوا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار وابناء ابراهيم) ويعبدون الهة وأصنام الأمم التي عاشوا بينهم. هكذا نحن اليوم أصبحنا نعبد المال والسلطة وشهوات هذا العالم, فاصبحت أصناما نعبدها وتركنا فادينا ومخلصنا يسوع المسيح وأنطبق علينا قول الرب على لسنان النبي عاموس: "....أصناما صنعتموها للعبادة. فسأنفيكم الى ما وراء بابل"أعمال الرسل7:4.
 الا نتعلم دروسا وعبر من الكتاب المقدس عندما نرى اليوم مسيحيي الشرق الأوسط قد تشتتوا في ما وراء البحار؟ السنا اليوم نكرر نفس اخطاء شعب بابل واشور وشعب اسرائيل عندما نمجِّد حضارات كانت تتحدى الله وتبني ابراجا عالية  ليصلوا الى عرش الله بقوتهم الفانية وكبريائهم الزائف وبعقولهم المحدودة ويفتخرون بقوتّهم وبطشهم وسحقهم للشعوب المغلوبة على امرها؟ السنا نحن اليوم أيضا  مثل بني اسرائيل الذين سألوا المسيح قائلين "أتكون أنت أعظم من ابينا ابراهيم الذي مات؟ والأنبياء ايضا ماتوا فمن تحسب نفسك؟ "فكانت أجابة يسوع المسيح لهم :"لو مجَّدتُ نفسي, لكان مجدي باطلا ابي  هو الذي يمجِّدني "يوحنا 8:53,54"
الم يقل المسيح للشعب الأسرائيلي أن ابي يستطيع أن يخلق من هذه الحجارة مثل ابراهيم؟
انَّ الخلاص من وضعنا المأساوي لا ياتي من انتمائنا القومي اوأنتمائنا الى امة من الأمم او لحزب من الأحزاب, بل خلاصنا يكون بقوة الروح القدس الذي يدافع عنا وهو الذي  يجمعنا ويوحِّدنا ويحمينا,والدليل أنَّ الشعب الكلداني والأشوري والسرياني وحدّهم ايمانهم (بقوة الروح القدس )عبر الفين سنة وكانوا اخوة في المسيح, ولكن للأسف جاء في هذا العصر من يريد أن يفرقهم ويمزّق ويشتت وحدتهم ويبلبل أفكارهم ويمحي هويّتهم كشعب واحد في المسيح ويعيدهم الى السلفية( الأشورية الكلدانية الأرامية ).
 يسوع المسيح كان ثائرا على الظلم والأستبداد وضد العنصرية والفكر القومي اليهودي  بل اراد أن يوحد العالم بأسم الآب والأبن والروح القدس ويبشرهم بملكوته على هذه الأرض وليس فقط في السماء كما يدعي البعض من يتهمون المسيحية بانها شان روحي فقط ,لكن المسيح جاء ليؤسس ملكوت ابيه السماوي على هذه الأرض ليتمتع الأنسان بالسلام والعدالة والحرية والأخوّة الأنسانية . يسوع المسيح هو الباب الذي به فقط نستطيع أن ندخل ملكوت الله  على هذه الأرض بينما لا زال الكثيرون من يفتخرون بامجاد الماضي السحيق انتهى الى الحضيض.فكيف نتبع  أشخاص  أو قومية او الهه لشعوب وثنية ونمجدهم بينما ننسى خالقنا وفادينا ومخلصنا الذي يقول "أنا باب الخراف. جميع من جاءوا قبلي سارقون ولصوص"يوحنا 10:5".؟  ويقول "أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه من أجل خرافه"يوحنا 10:11".
 يقول ألأب تيار دي شاردن في كتابه" العلم والمسيح ص205":"منذ ثلاثة أو أربعة أجيال كان العالم ما يزال مقسّما الى كُتل عرقية منعزلة ,متفاوتة القوى,كان يمثل سحق بعضها الآخر....أمّا اليوم فنجد الى جانب مختلف رواسب الثقافات القديمة أمتداد شبكة نفسية مشتركة.فلقد  انبسطت المدنية الحديثة فجأة خلال بضعة سنوات وكأنّها رداء على سطح ألأرض المأهولة بكاملها.....اوليس في هذه  المساواة ألأنسانية,على مستوى رفيع,ضمانة نهائية للأستقرار؟.....كانت كنوز ألأنسانية قديما محصورة في مكتبة أو في مملكة .وكان حريق أو هزيمة كافيا للأتيان عليها.أمّا الآن فأنّ هذه الكنوز قد توزعت على  الأرض بأكملها........كُلِّ ما هو قومي عرضة للزوال ,وأمّا ماهو انساني فيستحيل أن يضمحل"
 نحن اليوم بحاجة الى عنصرة جديدة لنستطيع التفاهم مع أخوتنا الذين تركوا ايمانهم ونسوا مخلّصهم يسوع المسيح. نحن في حاجة الى  التواصل مع لغة والسنة الآخرين(الأمم الأخرى) بالروح القدس, كما حدث في يوم الخمسين عندما نزل الروح القدس على شكل السنة من نار على تلاميذ المسيح؟ " راجع اعمال الرسل:2".
الم يتنبأ اشعيا النبي عن الروح القدس الحال على ربنا يسوع المسيح لينادي المسبيين ويحررهم  و يكسر قيود العبودية ويشفي القلوب المتألمة  اذ يقول"روح السيد الرب عليَّ, مسحني, أرسلني لأُبشِّر المساكين, وأجبر منكسري القلوب, لأنادي للمسبيين بالحرية والمأسورين بتخلية سبيلهم(اشعيا61". والله يرسل روحه في "العظام اليابسة " لهذا قال الرب:"أجعل روحي فيهم(أي العظام) فيحيون" راجع حزقيال النبي" هكذا الروح القدس يعيد الحياة فينا نحن المسيحيين في الشرق بعد أن اصبحنا مثل الأموات بسبب ابتعادنا عن الله.
انَّ كنيستنا المشرقية اليوم هي في حالة خمول وفتور روحي و في حالة سبات سواء أعترفنا بهذه الحقيقة ام تغاضينا عنها .ولكن الواقع يشهد على ذلك شئنا أم أبينا ,وقد ينطبق على كنيستنا المشرقية قول الرب لملاك كنيسة سارديس كما جاء في سفر الرؤيا"أنا أعرف أعمالك َ ,أنت حيُّ بالأسم مع أنّك ميتٌ,أسهر وأنعش ما بقي لك من الحياة قبل أن يعالجه الموت......ولكن بعض الناس عندك في سارديس ما دنسوا ثيابهم ,فهم أهل ليواكبوني بثياب بيضاء"رؤيا 3:1,2,4"
كنيستنا المشرقية تحتاج  الى نفحة جديدة من السنة  على شكل نار من الروح القدس تحل على المؤمنين ورجال الدين الخائفين المرعوبين والمنزويين بين جدران الكنائس وكأنهم سلّموا بحقيقة ما ال اليه واقع شعبهم المسيحي من التمزق والتشرد والأضطهادات والهجرة وحتى فتور الأيمان,وما عاد الكثير منهم يؤمنون بقوة الروح القدس الذي به يعيد الروح الى المائتين روحيا ويحرق الفساد المستشري في هذ الكنيسة.
نعم كنيستنا تحتاج الى عنصرة جديدة ,يسكب فيه الرب روحه القدوس على شعبه المؤمن لتكون للكنيسة روحا جديدا وقلبا جديدا وراعي واحد واله واحد وايمان واحد ورجاء واحد  ومحبة واحدة وفكر واحد هو فكر المسيح.ولا ننسى أنّ هناك ولو قليلين من المؤمنين لم يلوثوا ثيابهم بالنجاسة  وهم سيكونون مثل الخميرة في العجين ونورا للأخرين لكي يقودوا كنيستهم العريقة ويعيدوا أمجادها القديمة عندما كانت نورا للأمم الوثنية.

107



مصر ما بعد ثورة 25 ينايرهل ستتحول الى جمهورية أسلامية ؟

نافع البرواري

 
انَّ من يتابع أخبار واحداث ما يجري في مصر بعد ثورة 25 يناير سيصل الى نتيجة مفادها أنَّ الثورة في مفترق الطريق بين أن تكون مصر دولة مدنية أو دولة دينية اسلامية سلفية.
لقد نوهنا في مقالتنا السابقة (كما في الموقع أدناه) الى خطورة الألتفاف على الثورة. واليوم وبعد مرور حوالي أربعة أشهر منذ أنطلاقة الثورة في مصر نلمس حقائق في ارض الواقع تؤكد على ما كنا نخاف حدوثه في مصر .ولنستعرض بعض الشواهد التاريخية ما قبل الثورة وبعدها للتاكيد على ما نقوله. 
بعد سقوط الدولة العثمانية(الرجل المريض )سقط معها دستورها التي كانت بموجبه تحكم على الدول العربية التي كانت تحت حكمها الأستعماري ولكن للأسف فمصر ومنذ فرمان الخديوي سعيد 1856 لا زال هذا الفرمان يطبق على الأقباط المصريين بعدم السماح لهم ببناء الكنائس أو صيانتها ولا يحق للقبطي برئاسة المؤسسات الأمنية والقضائية وحتى لا يحق له الترشيح كنائب في الأنتخابات البرلمانية!!!!!!!!!!!!! فمنذ ثورة يوليو1952 الى يومنا تم القيام بسلسلة اعتداءات على الرموز المسيحية وقتل ناس ابرياء وحرق كنائس وعدم السماح ببناء كنائس جديدة لمسيحيي الأقباط لا بل تم الأعتداء على المسيحيين خلال هذه الفترة الطويلة دون محاسبة المجرمين بل كان القضاء المصري يفرج عنهم بحجج واهية اما ان يقولوا ان المتهمين هم مختلين عقليا او كانت هناك ثار وغيرها من الحجج التي لا يقبلها العقل والمنطق.نعم فمنذ ثورة يوليو 1952 وسقوط الملكية اختفى القانون والغيت الديمقراطية والتنافس السياسي, وملامح الدولة الدينية بدات بالسادات واستمرت في عهد حسني مبارك,وادى ذلك الى الأنغلاق الديني والطائفي والعرقي  بسبب غياب القانون وتم تدريجيا اسلمة مصر أو تديين المجتمع والسياسة والدولة  وتطبيق النظام العرفي .ومنذ ايام السادات تم تشجيع الأفكار الدينية لمحاربة الشيوعية في مصر(وكما حدث في باقي الدول العربية والأسلامية) وكان السادات  نفسه هو الضحية لهذا النهج الخاطئ عندما قتل من قبل السلفيين, وبالمناسبة اطلق سراح القاتل في عهد الثورة المصرية 25 ولقب بالشيخ وهو يسرح ويمرح مع السلفيين.
ها هي بداية ثورة  25 يناير تبدأ بحرق الكنائس وقتل المسيحيين  ألأقباط
قبل ايام من حرق الكنيستين في أمبابة في  القاهرة, هدّد شيخ السلفيين المصريين الزغبي أقباط مصر بالأفراج عن كاميليا شحاتة بحجة انها اسلمت وتم خطفها من قبل المسيحيين   وقد ارعد وتوعد  واقسم بالله العظيم بالأنتقام بحرق الأديرة والكنائس  خلال ايام اذا لم يتم ارجاعها الى دينها الأسلامي!!!!!!!!! لقد هدد هذا الأرهابي بزحف مليون سلفي لحرق الكنائس بحجة وجود فتاة اسمها كاميليا وهذا ما تم فعلا بعد أيام من تهديده بحرق كنيستين في أمبابة وقتل العشرات وجرح المئات من الأقباط المدافعين عن كنائسهم.  والغريب وكما يعرف الجميع انّ كاميليا شحاتة أعلنت عبر وسائل ألأعلام والقنواة الفضائية وعبر محاميها قبل أيام من تهديدات شيوخ السلفيين انها متمسكة بدينها المسيحي ولم تتحول عن الدين المسيحي وهي تفضل الموت على اسلامها. وليس هذا فقط بل ان شيخ الأزهر وعلماء الأزهر يقولون ان كاميليا لم تشهر اسلامها  فهل نحن نصد ق السلفيين ونكذب كاميليا  صاحبة العلاقة ؟ام هل نصدق جامعة الأزهر وشيوخها ام نصدق السلفيين؟
أنَّ قضية كاميليا شحاتة اصبحت مسمار جحا للسلفيين المسلمين لا بل لقطاع كبير من المسلمين وكانت ولا تزال حجة باهتة واسطوانة مشروخة  لا يقبلها حتى المختل عقليا في دولة لها سمعتها العالمية  مثل مصر .فكيف يقبل العقل والمنطق ان يطالبوا المسلمين بشخص واحد لنفرض أنَّه اعلن اسلامه وتراجع بعد ان ندم على فعله  بينما الاف المسيحيين والمسيحييات يتحولوا الى الأسلام ولا يستطيعوا الرجوع الى المسيحية بعد ان يكتشفوا خطأ اختيارهم؟ اين حقوق الأنسان؟ أين حرية الفرد؟ أين حرية العقيدة؟ اليست هذه شريعة الغابة, حيث القوي يفرض على الأخرين ما يريده ؟ اين حقوق المواطنة؟ أين أهداف مباديء الثورة التي رفعت في ساحة التحرير ؟ أين هيبة الحكومة وعلى رأسها القادة العسكريين الذين وقفوا متفرجين لا بل أصطفوا مع السلفيين؟لماذا لا تطبق القوانين والعدالة عندما يكون الضحايا مسسيحيين؟ اسئلة كثيرة تطر ح وهي تحتاج الى اجوبة من قبل  حكومة مصر ما بعد الثورة وحكومات الدول العربية والأسلامية  حيث مصر هي مثال اخذناه وينطبق على كل الدول العربية والأسلامية.
يقول ألأستاذ أدوارد بيباوي في مقابلة على أحدى القنواة الفضائية  ردا على سؤال  بماذا يختلف السلفيين عن الأخوان المسلمين؟ فيجيب "السلفيين في عهد الثورة (ثورة 25 يناير) رفعوا القران والصليب ولكن أنظر اليوم ماذا يفعلون
بالأقباط وحرق كنائسهم  انّهم يطبقون تكتيك مرحلي  بينما ألأخوان المسلمين يلعبون لعبة خطيرة بالتحالف مع السلفيين ومع المجلس العسكري الحاكم  أي مع الشارع الأرهابي ومع العسكر  انهم يطبقون شريعةالتقية حرفيا"
المجتمع المصري اليوم اصبح منقسم (كما في العراق) بين من يريد دولة دينية ودولة مدنية.اليوم الأحكام العرفية في ظل الثورة الفتية هي السائدة
المسيحييين في العراق قد شردوا وقتلوا وهاجروا ولم يبقى الا من ضاقت به الدنيا
فهل نحن في طريقنا الى الأبادة الجماعية والقضاء على المسيحيين في الشرق الأوسط ؟ حتى المسلمين المسالمون هم في حالة خطر وقد يحترق اليابس والأخضر عندما يسيطر الفكر السلفي ألأرهابي على المجتمعات العربية والأسلامية.
يقول احدهم نحن أمة  في حالة خطر.أين هيبة الدولة؟ مجرمين يخرجون عن القانون ويسرحون ويمرحون ويحتفلون بقتل المسيحين والجيش والشرطة يهنئونهم ويصافحونهم
نعم هؤلاء المرتزقة الوهابية هم دولة داخل دولة يتصرفون ويعتدون ويقتلون ويحرقون الكنائس والدولة  عاجزة متفرجة بل قد تكون متواطئة مع الأرهابيين الى أن تثبت العكس.
اليوم ثورة 25 يناير اصبحت في مفترق الطرق أمّا يتم تطبيق العدالة والقانون بحق المجرمين  أو فقدان الأمن والعدالة والحق والحرية ودخول مصر في نفق مظلم قد لا يكون المسيحيين هم الضحية الوحيدة بل يطال المسلمين ايضا لأن السلفيين سيعتدون على كل من يخالف رايهم  لأنها مجموعة تريد احراق مصر بالطائفية ,هذا التيار الوهابي الذي دخل مصر والدول العربية والأسلامية والممول من قبل شيوخ البترول سيقضي ليس على المسيحيين فقط بل سيحارب المسلمين المعتدلين ايضا.
يقول الكاتب المصري المشهور محمد حسنين هيكل في مقابلة مع برنامج"مصر النهاردة"اننا أمام ثورة هو أول خطوة للعلاج وعندها تبدأ المرحلة الثانية وهي الانتقال من وضع قديم إلى وضع آخر جديد ، وهناك بين المرحلتين اللحظة الراهنة والتي تتطلب حكومة قوية جدا تكون الأقوى من نوعها في تاريخ مصر لمعالجة ما فسد في عهد مبارك ، أحمد شفيق(رئيس الحكومة الحالية) مع احترامي له إلا أنه أكد أكثر من مرة أنه من تلاميذ مبارك".
وفي رده(هيكل) على سؤال حول النظام السياسي الأمثل لمصر في المرحلة المقبلة ، قال هيكل " النظام البرلماني بالطبع ، أنا اقترحت تأسيس مجلس أمناء الثورة والدستور ، ما يحدث حاليا يرهق المجلس العسكري ، أثق جدا في طارق البشري ، لكن لابد من دستور جديد ، لا أحد يتحجج بالوقت ، تلك لحظة مؤسسية ولذا يجب أن يكون هناك خطة ورؤية للمستقبل ونظاما واضحا ومحدد المعالم يقنع الناس بدلا من رؤى هنا وهناك وجهات متفرقة ، شباب ثورة 25 يناير أفضل بكثير من الأجيال السابقة ولذا لابد أن يكونوا في الطليعة دائما"انتهى الأقتباس.
انَّ الثورات التي قامت في الدول العربية( والتي ستقوم) كانت بدون قيادة ولا منهج وعليه سوف تعيش المجتمعات العربية في حالة قلق وهشاشة في مؤسات الدولة و قد تطول هذه الحالة سنين بل  عقود , والمسيحيين هم الأكثر تضررا من هذه الثورات لأنّ الفراغ الحاصل في مؤسسات الدولة سيستغل للأعتداء على المسيحيين في هذه الدول كما حدث لمسيحيي العراق وقد يتم سيطرة ألأحزاب الأسلامية( المنظمة والمدعومة من جهات معروفة ) على مؤسسات الدولة بل قد تنجح في الوصول الى السلطة وتشكل دولة دينية كما حدث في ايران بعد أن استغلت ثورة الشباب الأيراني ضد الحكم الدكتاتوري لشاه ايران ,حيث سميت الثورة الأسلامية وأطلقت على ايران اسم جمهورية ايران الأسلامية ,وما اشبه اليوم بالبارحة في مصر حيث بوادر الثورة الأسلامية وبروز الأخوان المسلمين واستقبال القرضاوي من قبل الحكومة ما بعد الثورة والمجلس العسكري (علما انَّ القرضاوي كان قد ابعد من مصر بسبب ارائه المتطرفة) واطلاق سراح المجرمين والقتلة من السلفيين والأخوان المسلمين وخروجهم من السجون والمعتقلات خير دليل على مانقوله,.
أنَّ الواقع اليوم في مصر يؤكد لنا وجود تراخي من قبل الحكومة والمجلس العسكري بحق المجرمين السلفيين الذين يعيثون فسادا أمام أنظار الجيش والشرطة والشعب والعالم كُلَهُ شهد كنائس الأقباط وهي تحترق وعشرات القتلى ومئات الجرحى والى هذه الساعة لم نسمع أو نشهد اجراءات رادعة  ضد هؤلاء  الشيوخ المجرمين المحرضين على القتل والتخريب و الذين يصرِّحون ومن خلال منابر القنواة الفضائية المصرية الرسمية بكل صلافة ووقاحة بأنّهم سيواصلون عملهم ألأجرامي ولن يقف أمامهم حتى القانون لتنفيذ خططهم الشيطانية.
 ألأسئلة المطروحة اليوم
 ماهو مصير الأقباط المسيحيين في مصر بل ماهو مستقبل المسيحيين في الدول العربية والأسلامية بعد ما شاهدنا مشاهد دموية ضد المسيحيين في هذه الدول ورموزهم ومقدساتهم الدينية؟
والسؤال الأخطر والذي يجب التأمل في الأجابة عليه وهو هل هناك أجندات خارجية لأحداث هذه البلبلة وعدم الأستقرار( بعد نجاح الثورات الشبابية) لأشعال الحرب الطائفية  كما حدث في العراق لتطبيق مبدا الفوضى العارمة؟
لماذا هذه السياسات العربية العنصرية بحق المسيحيين ولماذا سياسة الأفلات من العقاب للمجرمين المعتدين على المسيحيين؟اليس هذا يدعونا الى وضع عشرات علامات الأستفهام؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هل كل ما يجري في البلدان العربية من الأعتدائات بحق المسيحيين هي صدفة,أم هناك تحريض على ارهاب المسيحيين  لأخلاء هذا الشرق من المسيحيين وافساح المجال لتاسيس دول وأمارات اسلامية في المنطقة؟
هل هناك تحالف بين الأجهزة الأمنية والمجلس العسكري والحكومة مع قيادات السلفيين والأخوان المسلمون في مصر؟,والا بماذا نفسر حدوث اكثر من 60 حالة أعتداء على الأقباط والرموز المسيحة وحرق ثلاثة كنائس في مصر بعد ثورة 25 يناير فقط ؟ وكيف تسمح الدولة للمؤسسات الأعلامية والقنواة الفضائية بالتحريض على المسيحيين وفي وضح النهار ؟ماذا نفسِّر قول أحد الجنرالات في الجيش "اننا كلنا سلفيين وحتى الجيش"؟
 
هل من المعقول ونحن في القرن الواحد والعشرين ان تقوم دولة كانت معروفة بحضارتها التاريخية,مثل مصر, بعدم السماح لشعبها ألأصيل(الأقباط) أن يقوم ببناء معابده وكنائسه, وعدم الأعتراف بحقوقه كمواطن له حقوق وعليه واجبات؟ نحن نحتاج الى اجابات شافية الى كل هذه الأسئلة, والآ على رجال الدين ورئاسات الكنائس المحلية والعالمية أن يعترفوا بهذه الحقيقة المرة ويطالبوا العالم ومنظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الأنسان والمحكمة الدولية بأتخاذ الأجرائات الردعية بحق المسؤولين الحكوميين  في هذه الدول العربية والأسلامية قبل فوات الأوان
 
 
 
 
خامنئي (خليفة الله على ألأرض) يقول انَّ الثورات التي حدثت وتحدث في العالم العربي هي أمتداد للثورة الأسلامية  الأيرانية!!!!!!
القاعدة تقول انها ثورات تؤكد انتصار القاعدة !!!!!
باكستان ظهرت انها كانت تحمي بن لادن وهي العمق الستراتيجي للطالبان والمجاهدين المسلمين في الماضي والحاضر!!!!!!!!
تقرير يقول ان المسيحيين في باكستان في خطر بعد مقتل بن لادن !!!!!!!!!
احراق الكنائس في اثيوبيا واندنوسيا والعراق  هل هي ايضا صدفة؟!!!!!!!
انها مسالة فكرية مستشرية في المجتمعات العربية والأسلامية, وعقول تؤمن بالعنف والأرهاب,أنَّه فكر ينكر الدولة المدنية فيها تطبق العدالة والمساوات بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين والعقيدة
اليوم نحن بحاجة ليس الى ثورات تطالب بالحرية والديمقراطية فقط  بل نحن بحاجة أيضا الى ثورات ثقافية وثورات حداثة لا بل الى ثورات تقلب الكثير من المفاهيم والأفكار الخاطئة في المجتمعات العربية والأسلامية, وثورات ضد الفكر العنصري والكراهية للأخر وثورات اجتماعية  تغيَّر الكثير من العادات والتقاليد والموروثات المتخلفة.
لايوجد ما يظهر ايجابية النظام الحالي العسكري بقيادة الطنطاوي الحاكم العسكري المطلق الذي يطبق نفس مباديء حسني مبارك في مصر
كان يجب أن يطبق القانون والعدالة منذ اللحظة الأولى لأستلام الجيش السلطة وتشكيل الحكومة . فمبارك لم يطبق القانون والمجلس العسكري الحالي   ايضا لم يطبق القانون بل استمر القانون العرفي(القانون العشائري الذي يتم المصالحة بالتراضي) هو السائد.يسأل أحدهم فيقول" عامل مصري  يطالب بحقه ويتظاهر فيسجن خمسة سنوات والذي يقتل الأقباط ويحرق كنيسة يصافح باليد ".
المجلس العسكري الحالي يعتبر نفسه موقت  ولكن في عهده  تم تعديل الدستور وعلقوا العمل بالدستور. وفي عهدهم يتم صياغة دستور يحافظ على الدستور القديم في مجمل مواده ,وخاصة المادة الثانية منه, التي تنص ,انَّ قوانين الدولة المصرية مستمدة من الشريعة الأسلامية ,وهذا يكفي ليضع المسيحيين الأقباط (كما في العراق) لكي يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية بل أكثر من ذلك يمكن اعتبارهم أهل ذمة .
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=22158

108



مصر ما بعد ثورة 25 ينايرهل ستتحول الى جمهورية أسلامية ؟

نافع البرواري

 
انَّ من يتابع أخبار واحداث ما يجري في مصر بعد ثورة 25 يناير سيصل الى نتيجة مفادها أنَّ الثورة في مفترق الطريق بين أن تكون مصر دولة مدنية أو دولة دينية اسلامية سلفية.
لقد نوهنا في مقالتنا السابقة (كما في الموقع أدناه) الى خطورة الألتفاف على الثورة. واليوم وبعد مرور حوالي أربعة أشهر منذ أنطلاقة الثورة في مصر نلمس حقائق في ارض الواقع تؤكد على ما كنا نخاف حدوثه في مصر .ولنستعرض بعض الشواهد التاريخية ما قبل الثورة وبعدها للتاكيد على ما نقوله. 
بعد سقوط الدولة العثمانية(الرجل المريض )سقط معها دستورها التي كانت بموجبه تحكم على الدول العربية التي كانت تحت حكمها الأستعماري ولكن للأسف فمصر ومنذ فرمان الخديوي سعيد 1856 لا زال هذا الفرمان يطبق على الأقباط المصريين بعدم السماح لهم ببناء الكنائس أو صيانتها ولا يحق للقبطي برئاسة المؤسسات الأمنية والقضائية وحتى لا يحق له الترشيح كنائب في الأنتخابات البرلمانية!!!!!!!!!!!!! فمنذ ثورة يوليو1952 الى يومنا تم القيام بسلسلة اعتداءات على الرموز المسيحية وقتل ناس ابرياء وحرق كنائس وعدم السماح ببناء كنائس جديدة لمسيحيي الأقباط لا بل تم الأعتداء على المسيحيين خلال هذه الفترة الطويلة دون محاسبة المجرمين بل كان القضاء المصري يفرج عنهم بحجج واهية اما ان يقولوا ان المتهمين هم مختلين عقليا او كانت هناك ثار وغيرها من الحجج التي لا يقبلها العقل والمنطق.نعم فمنذ ثورة يوليو 1952 وسقوط الملكية اختفى القانون والغيت الديمقراطية والتنافس السياسي, وملامح الدولة الدينية بدات بالسادات واستمرت في عهد حسني مبارك,وادى ذلك الى الأنغلاق الديني والطائفي والعرقي  بسبب غياب القانون وتم تدريجيا اسلمة مصر أو تديين المجتمع والسياسة والدولة  وتطبيق النظام العرفي .ومنذ ايام السادات تم تشجيع الأفكار الدينية لمحاربة الشيوعية في مصر(وكما حدث في باقي الدول العربية والأسلامية) وكان السادات  نفسه هو الضحية لهذا النهج الخاطئ عندما قتل من قبل السلفيين, وبالمناسبة اطلق سراح القاتل في عهد الثورة المصرية 25 ولقب بالشيخ وهو يسرح ويمرح مع السلفيين.
ها هي بداية ثورة  25 يناير تبدأ بحرق الكنائس وقتل المسيحيين  ألأقباط
قبل ايام من حرق الكنيستين في أمبابة في  القاهرة, هدّد شيخ السلفيين المصريين الزغبي أقباط مصر بالأفراج عن كاميليا شحاتة بحجة انها اسلمت وتم خطفها من قبل المسيحيين   وقد ارعد وتوعد  واقسم بالله العظيم بالأنتقام بحرق الأديرة والكنائس  خلال ايام اذا لم يتم ارجاعها الى دينها الأسلامي!!!!!!!!! لقد هدد هذا الأرهابي بزحف مليون سلفي لحرق الكنائس بحجة وجود فتاة اسمها كاميليا وهذا ما تم فعلا بعد أيام من تهديده بحرق كنيستين في أمبابة وقتل العشرات وجرح المئات من الأقباط المدافعين عن كنائسهم.  والغريب وكما يعرف الجميع انّ كاميليا شحاتة أعلنت عبر وسائل ألأعلام والقنواة الفضائية وعبر محاميها قبل أيام من تهديدات شيوخ السلفيين انها متمسكة بدينها المسيحي ولم تتحول عن الدين المسيحي وهي تفضل الموت على اسلامها. وليس هذا فقط بل ان شيخ الأزهر وعلماء الأزهر يقولون ان كاميليا لم تشهر اسلامها  فهل نحن نصد ق السلفيين ونكذب كاميليا  صاحبة العلاقة ؟ام هل نصدق جامعة الأزهر وشيوخها ام نصدق السلفيين؟
أنَّ قضية كاميليا شحاتة اصبحت مسمار جحا للسلفيين المسلمين لا بل لقطاع كبير من المسلمين وكانت ولا تزال حجة باهتة واسطوانة مشروخة  لا يقبلها حتى المختل عقليا في دولة لها سمعتها العالمية  مثل مصر .فكيف يقبل العقل والمنطق ان يطالبوا المسلمين بشخص واحد لنفرض أنَّه اعلن اسلامه وتراجع بعد ان ندم على فعله  بينما الاف المسيحيين والمسيحييات يتحولوا الى الأسلام ولا يستطيعوا الرجوع الى المسيحية بعد ان يكتشفوا خطأ اختيارهم؟ اين حقوق الأنسان؟ أين حرية الفرد؟ أين حرية العقيدة؟ اليست هذه شريعة الغابة, حيث القوي يفرض على الأخرين ما يريده ؟ اين حقوق المواطنة؟ أين أهداف مباديء الثورة التي رفعت في ساحة التحرير ؟ أين هيبة الحكومة وعلى رأسها القادة العسكريين الذين وقفوا متفرجين لا بل أصطفوا مع السلفيين؟لماذا لا تطبق القوانين والعدالة عندما يكون الضحايا مسسيحيين؟ اسئلة كثيرة تطر ح وهي تحتاج الى اجوبة من قبل  حكومة مصر ما بعد الثورة وحكومات الدول العربية والأسلامية  حيث مصر هي مثال اخذناه وينطبق على كل الدول العربية والأسلامية.
يقول ألأستاذ أدوارد بيباوي في مقابلة على أحدى القنواة الفضائية  ردا على سؤال  بماذا يختلف السلفيين عن الأخوان المسلمين؟ فيجيب "السلفيين في عهد الثورة (ثورة 25 يناير) رفعوا القران والصليب ولكن أنظر اليوم ماذا يفعلون
بالأقباط وحرق كنائسهم  انّهم يطبقون تكتيك مرحلي  بينما ألأخوان المسلمين يلعبون لعبة خطيرة بالتحالف مع السلفيين ومع المجلس العسكري الحاكم  أي مع الشارع الأرهابي ومع العسكر  انهم يطبقون شريعةالتقية حرفيا"
المجتمع المصري اليوم اصبح منقسم (كما في العراق) بين من يريد دولة دينية ودولة مدنية.اليوم الأحكام العرفية في ظل الثورة الفتية هي السائدة
المسيحييين في العراق قد شردوا وقتلوا وهاجروا ولم يبقى الا من ضاقت به الدنيا
فهل نحن في طريقنا الى الأبادة الجماعية والقضاء على المسيحيين في الشرق الأوسط ؟ حتى المسلمين المسالمون هم في حالة خطر وقد يحترق اليابس والأخضر عندما يسيطر الفكر السلفي ألأرهابي على المجتمعات العربية والأسلامية.
يقول احدهم نحن أمة  في حالة خطر.أين هيبة الدولة؟ مجرمين يخرجون عن القانون ويسرحون ويمرحون ويحتفلون بقتل المسيحين والجيش والشرطة يهنئونهم ويصافحونهم
نعم هؤلاء المرتزقة الوهابية هم دولة داخل دولة يتصرفون ويعتدون ويقتلون ويحرقون الكنائس والدولة  عاجزة متفرجة بل قد تكون متواطئة مع الأرهابيين الى أن تثبت العكس.
اليوم ثورة 25 يناير اصبحت في مفترق الطرق أمّا يتم تطبيق العدالة والقانون بحق المجرمين  أو فقدان الأمن والعدالة والحق والحرية ودخول مصر في نفق مظلم قد لا يكون المسيحيين هم الضحية الوحيدة بل يطال المسلمين ايضا لأن السلفيين سيعتدون على كل من يخالف رايهم  لأنها مجموعة تريد احراق مصر بالطائفية ,هذا التيار الوهابي الذي دخل مصر والدول العربية والأسلامية والممول من قبل شيوخ البترول سيقضي ليس على المسيحيين فقط بل سيحارب المسلمين المعتدلين ايضا.
يقول الكاتب المصري المشهور محمد حسنين هيكل في مقابلة مع برنامج"مصر النهاردة"اننا أمام ثورة هو أول خطوة للعلاج وعندها تبدأ المرحلة الثانية وهي الانتقال من وضع قديم إلى وضع آخر جديد ، وهناك بين المرحلتين اللحظة الراهنة والتي تتطلب حكومة قوية جدا تكون الأقوى من نوعها في تاريخ مصر لمعالجة ما فسد في عهد مبارك ، أحمد شفيق(رئيس الحكومة الحالية) مع احترامي له إلا أنه أكد أكثر من مرة أنه من تلاميذ مبارك".
وفي رده(هيكل) على سؤال حول النظام السياسي الأمثل لمصر في المرحلة المقبلة ، قال هيكل " النظام البرلماني بالطبع ، أنا اقترحت تأسيس مجلس أمناء الثورة والدستور ، ما يحدث حاليا يرهق المجلس العسكري ، أثق جدا في طارق البشري ، لكن لابد من دستور جديد ، لا أحد يتحجج بالوقت ، تلك لحظة مؤسسية ولذا يجب أن يكون هناك خطة ورؤية للمستقبل ونظاما واضحا ومحدد المعالم يقنع الناس بدلا من رؤى هنا وهناك وجهات متفرقة ، شباب ثورة 25 يناير أفضل بكثير من الأجيال السابقة ولذا لابد أن يكونوا في الطليعة دائما"انتهى الأقتباس.
انَّ الثورات التي قامت في الدول العربية( والتي ستقوم) كانت بدون قيادة ولا منهج وعليه سوف تعيش المجتمعات العربية في حالة قلق وهشاشة في مؤسات الدولة و قد تطول هذه الحالة سنين بل  عقود , والمسيحيين هم الأكثر تضررا من هذه الثورات لأنّ الفراغ الحاصل في مؤسسات الدولة سيستغل للأعتداء على المسيحيين في هذه الدول كما حدث لمسيحيي العراق وقد يتم سيطرة ألأحزاب الأسلامية( المنظمة والمدعومة من جهات معروفة ) على مؤسسات الدولة بل قد تنجح في الوصول الى السلطة وتشكل دولة دينية كما حدث في ايران بعد أن استغلت ثورة الشباب الأيراني ضد الحكم الدكتاتوري لشاه ايران ,حيث سميت الثورة الأسلامية وأطلقت على ايران اسم جمهورية ايران الأسلامية ,وما اشبه اليوم بالبارحة في مصر حيث بوادر الثورة الأسلامية وبروز الأخوان المسلمين واستقبال القرضاوي من قبل الحكومة ما بعد الثورة والمجلس العسكري (علما انَّ القرضاوي كان قد ابعد من مصر بسبب ارائه المتطرفة) واطلاق سراح المجرمين والقتلة من السلفيين والأخوان المسلمين وخروجهم من السجون والمعتقلات خير دليل على مانقوله,.
أنَّ الواقع اليوم في مصر يؤكد لنا وجود تراخي من قبل الحكومة والمجلس العسكري بحق المجرمين السلفيين الذين يعيثون فسادا أمام أنظار الجيش والشرطة والشعب والعالم كُلَهُ شهد كنائس الأقباط وهي تحترق وعشرات القتلى ومئات الجرحى والى هذه الساعة لم نسمع أو نشهد اجراءات رادعة  ضد هؤلاء  الشيوخ المجرمين المحرضين على القتل والتخريب و الذين يصرِّحون ومن خلال منابر القنواة الفضائية المصرية الرسمية بكل صلافة ووقاحة بأنّهم سيواصلون عملهم ألأجرامي ولن يقف أمامهم حتى القانون لتنفيذ خططهم الشيطانية.
 ألأسئلة المطروحة اليوم
 ماهو مصير الأقباط المسيحيين في مصر بل ماهو مستقبل المسيحيين في الدول العربية والأسلامية بعد ما شاهدنا مشاهد دموية ضد المسيحيين في هذه الدول ورموزهم ومقدساتهم الدينية؟
والسؤال الأخطر والذي يجب التأمل في الأجابة عليه وهو هل هناك أجندات خارجية لأحداث هذه البلبلة وعدم الأستقرار( بعد نجاح الثورات الشبابية) لأشعال الحرب الطائفية  كما حدث في العراق لتطبيق مبدا الفوضى العارمة؟
لماذا هذه السياسات العربية العنصرية بحق المسيحيين ولماذا سياسة الأفلات من العقاب للمجرمين المعتدين على المسيحيين؟اليس هذا يدعونا الى وضع عشرات علامات الأستفهام؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هل كل ما يجري في البلدان العربية من الأعتدائات بحق المسيحيين هي صدفة,أم هناك تحريض على ارهاب المسيحيين  لأخلاء هذا الشرق من المسيحيين وافساح المجال لتاسيس دول وأمارات اسلامية في المنطقة؟
هل هناك تحالف بين الأجهزة الأمنية والمجلس العسكري والحكومة مع قيادات السلفيين والأخوان المسلمون في مصر؟,والا بماذا نفسر حدوث اكثر من 60 حالة أعتداء على الأقباط والرموز المسيحة وحرق ثلاثة كنائس في مصر بعد ثورة 25 يناير فقط ؟ وكيف تسمح الدولة للمؤسسات الأعلامية والقنواة الفضائية بالتحريض على المسيحيين وفي وضح النهار ؟ماذا نفسِّر قول أحد الجنرالات في الجيش "اننا كلنا سلفيين وحتى الجيش"؟
 
هل من المعقول ونحن في القرن الواحد والعشرين ان تقوم دولة كانت معروفة بحضارتها التاريخية,مثل مصر, بعدم السماح لشعبها ألأصيل(الأقباط) أن يقوم ببناء معابده وكنائسه, وعدم الأعتراف بحقوقه كمواطن له حقوق وعليه واجبات؟ نحن نحتاج الى اجابات شافية الى كل هذه الأسئلة, والآ على رجال الدين ورئاسات الكنائس المحلية والعالمية أن يعترفوا بهذه الحقيقة المرة ويطالبوا العالم ومنظمات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الأنسان والمحكمة الدولية بأتخاذ الأجرائات الردعية بحق المسؤولين الحكوميين  في هذه الدول العربية والأسلامية قبل فوات الأوان
 
 
 
 
خامنئي (خليفة الله على ألأرض) يقول انَّ الثورات التي حدثت وتحدث في العالم العربي هي أمتداد للثورة الأسلامية  الأيرانية!!!!!!
القاعدة تقول انها ثورات تؤكد انتصار القاعدة !!!!!
باكستان ظهرت انها كانت تحمي بن لادن وهي العمق الستراتيجي للطالبان والمجاهدين المسلمين في الماضي والحاضر!!!!!!!!
تقرير يقول ان المسيحيين في باكستان في خطر بعد مقتل بن لادن !!!!!!!!!
احراق الكنائس في اثيوبيا واندنوسيا والعراق  هل هي ايضا صدفة؟!!!!!!!
انها مسالة فكرية مستشرية في المجتمعات العربية والأسلامية, وعقول تؤمن بالعنف والأرهاب,أنَّه فكر ينكر الدولة المدنية فيها تطبق العدالة والمساوات بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين والعقيدة
اليوم نحن بحاجة ليس الى ثورات تطالب بالحرية والديمقراطية فقط  بل نحن بحاجة أيضا الى ثورات ثقافية وثورات حداثة لا بل الى ثورات تقلب الكثير من المفاهيم والأفكار الخاطئة في المجتمعات العربية والأسلامية, وثورات ضد الفكر العنصري والكراهية للأخر وثورات اجتماعية  تغيَّر الكثير من العادات والتقاليد والموروثات المتخلفة.
لايوجد ما يظهر ايجابية النظام الحالي العسكري بقيادة الطنطاوي الحاكم العسكري المطلق الذي يطبق نفس مباديء حسني مبارك في مصر
كان يجب أن يطبق القانون والعدالة منذ اللحظة الأولى لأستلام الجيش السلطة وتشكيل الحكومة . فمبارك لم يطبق القانون والمجلس العسكري الحالي   ايضا لم يطبق القانون بل استمر القانون العرفي(القانون العشائري الذي يتم المصالحة بالتراضي) هو السائد.يسأل أحدهم فيقول" عامل مصري  يطالب بحقه ويتظاهر فيسجن خمسة سنوات والذي يقتل الأقباط ويحرق كنيسة يصافح باليد ".
المجلس العسكري الحالي يعتبر نفسه موقت  ولكن في عهده  تم تعديل الدستور وعلقوا العمل بالدستور. وفي عهدهم يتم صياغة دستور يحافظ على الدستور القديم في مجمل مواده ,وخاصة المادة الثانية منه, التي تنص ,انَّ قوانين الدولة المصرية مستمدة من الشريعة الأسلامية ,وهذا يكفي ليضع المسيحيين الأقباط (كما في العراق) لكي يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية بل أكثر من ذلك يمكن اعتبارهم أهل ذمة .
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=22158

109
الحكمة في العهد القديم
الجزء الثاني
نافع البرواري
من دراسة لعالِم الكتاب المقدس الأب بولص الفغالي عن الحكمة في العهد القديم نقتبس بعضاً مِمّا قاله: إن الحكمة في شعب الله اتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الإلهي. وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادًا للأدب الشرائعي والأدب النبوي، وضوءًا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة.
ألأدب الحكمي أسم تضع تحته اسفار ايوب(الذي هو نظرة انسان الى المصير البشري) وسفر ألأمثال(اي مجموعات أقوال حكمية) وسفر الجامعة ( الذي يقدم أعتبارات عن أحداث الحياة البشرية) وبعض المزامير (التي تسمّى مزامير حكمية مزمور 1,37,49,73,91,112) وسفرنشيد ألأناشيد(الذي يقدّم في الحب البشري مثلا عن حب الله لشعبه) وسفرالحكمة(الذي يفلسف مشاكل القلب البشري ويفتحها على عالم الخلود) وسفر يشوع بن سيراخ (الذي يقدم لنا أقوال أحد المعلمين في كلّ نواحي الحياة).
يحتل هذا ألأدب مكانة هامة بجانب ألأدب الشرائعي والأدب النبوي, وهو ثمرة حركة فكرية ودينية وأخلاقية. ولقد ترك الحكماء عند الشعب في مدى تاريخية اثرا عميقا يوازي أثر الكهنة والأنبياء.
وعن الحكمة يقول :
"الحكمة صفة تجعل ألأنسان يعرف كيف يتَّخذ قراراته, كيف يعمل أعماله, يعرف أن يسيطر على الأمور من أجل حياة سعيدة لا يكون فيها تفاخر بين ما يقول وما يفعل. الحكمة في اللغة هي الكلام الموافق للحق, وهي الفلسفة وصواب ألأمر وسداده, وهي العدل والحِلم والحُكم. والحكيم هو صاحب الحكمة والعلم, ومن عجّنته التجارب ومن أتقن ألأمور وتمكن منها, وترتبط الحكمة بالحاكم الذي يقضي بالأمر بين الناس, والذي يتولى ادارة شؤون البلاد". والحاكم يحتاج الى الحكمة ليسوّوس أُمور العبّاد والى أن يمنع نفسه ويردّها عن المزالق ليستحق أن يفوّض اليه الناس.
الحكم في أمورهم. هكذا أحتكمت المرأتان الى سليمان الحكيم(راجع 1ملوك3:16) فحكم لصاحبة الحق وحكم على الثانية بان تُعيد الولد الى أمّه. كان سليمان ذاك القاضي الحكيم الذي فصل الخصومة فهابه جميع بني اسرائيل (لأنّهم راوا حكمة الله فيه في أجراء الحكم)(1ملوك 3:28).
كان لأسرائيل, كما لشعوب الشرق القديم حكمته(امثال أحيقار الحكيم السرياني), وهي جهود الفكرالبشري الذي يلاحظ ألأمور بعقله فيحاول أن يلج في سر الكون لمعرفته ويتكيّف معه ويتسلط عليه حسب كلمة الرب في البداية: "أخضعوا ألأرض وتسلطواعلى سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوانات الدابَّ على الأرض "تكوين 1:28". وهناك مفاهيم كثيرة للحكمة في العهد القديم منها مهارة اليدين ومعرفة ألألغاز والأحاجي وفن أدارة ألأمورالخاصة والتجاريّة والسياسية وحس داخلي وفطرة طبيعية تروي الأنسان الخير والشر مع نتائجهما.
والحكمة في العهد القديم هي معلّمة الفضائل: تعلِّم اللباقة والتبصر والصبر والعفة وهي تجنبنا الأفراط في كل شيئ بالأبتعاد عن الرذائل ونتائجها التعيسة. نبتعد عن الزنى والكسل والسكر والشراهة. والحكمة تعلمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء ويحالفنا النجاح. ولكن مع الحكمة تسير الحيلة والدهاء وتصرُّف غير خلقي .
الحكمة موهبة شبيهة بالعهد والشريعة "يشوع بن سيراخ24:22" وتصبح مبدأ كُلِّ فكر وكُلِّ خير. وتماثل الحكمة روح الله والشريعة والعهد. لن يكون تماثلها تماثلا مطلقا, لأنّها لا تقدر أن تتحرّر من أصلها البشري. أجل, لن تكون ينبوع حياة مثل روح الله, ولن تكون قوّة الهية تحفظ حياة الأنسان في الوجود وتجدُّد حياة الشعب الخُلقية والدينية"اشعيا32:15". هذه التصورات عن الحكمة ستحل في الوحي الجديد فتعبّر عن أسرار ألأيمان والرجاء والمحبّة في العهد الجديد. فيسوع أبن الله هو الحكمة المتجسّدة. الحكمة في شعب الله أتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الألهي .وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادا للأدب الشارئعي والأدب النبوي, وضوءا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحق والحياة." انتهى الأقتباس".
انَّ الحكمة في الكتاب المقدس أمراً رئيسياً وجوهرياً في الأساس التي تُبنى عليه الحياة كُلَّها, فهي تعني أكثر جدا من معرفة الكثير, هي موقف اساسي يؤثرفي كُلِّ جوانب الحياة, هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثُمَّ معرفة أفضل السبل للتصرف, وتبدأ الحكمة بمعرفة الله, فهو يعطي بصيرة في الحياة لأنّه هو الذي خلق الحياة  فعندما نريد الحصول عليها يجب أحترام الله ومخافته فالحكمة هي نتيجة معرفة الله الذي يفتح عيوننا للفهم ومشاركة الآخرين في معرفته "راجع سفر الأمثال 9:10" ومن غير المجدي لنا أن نحاول أن نكون حكماء من ملاحظاتنا الشخصية ومجهوداتنا الذاتية في المعارف والمعلومات, لأنَّ الله وحده يرى الغاية العظمى لعالمه: وقد توصل ايوب وبعد المحن والآلام الى هذه النتيجة عندما يقول:"ليتَ الشهور السالفة تعود, ايام كان الله حارسي, يضيء سراجهُ فوق رأسي"ايوب29:2,3".
سليمان الحكيم, عندما منح فرصة لأختيار أيُّ شيءفي العالم, طلب من الله الحكمة ليحكم بالعدل وليصدر قرارات صائبة لشعبه, لأنَّ الحكمة هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثم معرفة أفضل السبل للتصرف"1ملوكك3:6,7,8,9" هكذا نحن أيضا علينا أن نطلب الحكمة منه لنعرف ماذا نعمل وكيف نسلك في حياتنا حسب مشيئة الله "يعقوب1:5".
سليمان الحكيم بحث عن اشياء وأمور في هذا العالم ولكنها لم تمنحه الشبع الذي كان يسعى اليه, فبعض المتع التي كان يسعى ورائها كانت خاطئة, وكان بعضها جديرا بالسعي. ولكن حتى ما كان جديرا بالسعي ورائه كان باطلا لأنّه أعتبره غاية في ذاته. ولكن الحكيم هو أن يؤمن بأنَّ راس الحكمة هي مخافة الله"امثال9:10", ولكن سليمان الملك  يُذكر لحكمته, وليس لأمانته لله. الأنسان (وكذلك المجتمعات البشرية )بحاجة أكثر الى علاقة ثابة بالله نبع كلِّ حكمة, وأن ينظر الى ما وراء نشاطه وسعيه أي الى اسباب قيامه بها. سليمان بنى بيتا ضخما وهيكلا ومملكة وعائلة "انظر 1ملوك 3-11" ولكن على مدى التاريخ أصبحت هذه خرابا, ولهذا يقول سليمان الملك"ان لم يبني الرب البيت فباطلا يتعب البنائون....ان لم يحرس الرب المدينة فباطلا يسهر الحارس "مزمور127". نعم انَّ الملوك والسلاطين الذين ينسون الله ولا يطلبوا حكمته فأنّ مصيرهم ومصير ما شيدوه وأنجزوه هو خراب واطلال, وحده يسوع المسيح هو الصخرة التي على العالم أن يبنوا حضارتهم وعلومهم ومنجزاتهم عليه وهو حجر الزاوية الذي يربط البناء(بناء الحضارات) لكي لا ينهدم وكذلك هو الذي يتحمل جميع الأحمال للبناية( اساس الحضارات).
لقد انتهى سليمان في آخر حياته الى انّه اذا كانت الحياة نفسها دون جدوى فالأفضل أن يكون ألأنسان حكيما لا جاهلا"الجامعة2:12,13", ولمّا التَفتُّ لأنظر في الحكمة والجنون والحماقة ......رأيتُ أنَّ الحكمة أفضل من الظلام: الحكيم عيناه في رأسه, أمّا الجاهل  فيسيرُ في الظلام".
وينصح الحكيم الحكام والملوك العاشقين للحكم  أن يكرموا الحكمة فيقول:"فاذا كُنتُم ياملوك الشعوب تعشقون العرش والصولجان فما عليكم الاّ أن تكرموا الحكمة فيدوم مُلكُكم الى الأبد"الحكمة5:21".
يخبرنا كاتب سفر التثنية أن يكون الحاكم أو السلطان نزيها عادلا لايقبل الرشوة فيقول: "لا تجوروا في الحكم ,ولا تُحابوا أحدا, ولا تاخذوا رشوة لأنَّ الرشوة تُعمي أبصار الحُكماء وتُحرفُ أقوال الصادقين "تثنية16:1.
أمَا يشوع بن سيراخ يقول عن الرشوة: "الهدايا والرشوى تُعمي حتى أعين الحُكماء"20:29".ويقول سليمان الحكيم عن الحكّام الحكماء "في كثرة الحكماء خلاص العالم والملك الحكيم يؤيّد خير الشعب, فتعلَّموا من أقوالي لأن فيها خيرلكم "الحكمة 6:24" ويقول يشوع بين سيراخ عن لجم اللسان فيقول "الخير أو الشر, الحياة أو الموت, وما يؤدي الى أيُّ منها هو اللسان"يشوع بن سيراخ 37:18".
أمّا عن الكذب فيقول يشوع بن سيراخ: "....وكما يميّزُ الذوق مختلف ألأطعمة هكذا يكشفُ الفهيم كلام الكذب"36:19" ."من النجاسة لا تخرج الطهارةُ ومن الكذب لا يخرج الصدق"34:4". أمّا كاتب سفر الأمثال فيقارن بين الصدق والكذب فيقول:"القول الصادق يثبتُ الى الأبد, أمَا الكذب فحبلهُ قصير"أمثال 12:19".
 ويقول يشوع بن سيراخ عن أنَّ الأنسان يُعرف من أعماله واقواله فيقول "الشجرة تُعرف من ثمارها, وخواطر الأنسان من كلامهِ" 27:6". أمّا عن الساعين الى أذية الآخرين فيقول"من حفر حفرة وقع فيها, ومن نصب فخّا صادهُ الفخ"27:26".
الكتاب المقدس يصف الشخص الذي عنده الحكمة بانّه شخص وفي رحيم, يتكل على الرب يضع الله أولا ويحوّل ظهره للشر ويعرف الصواب من الخطأ, يجد المعرفة والفهم لايحب الكبرياء والغرور, يكرم الله ويخافه, ويكره الفساد والخداع, ويعطي مشورة صالحة للآخرين, له فطرة حسنة, قابل للتعلم ويعرف الله وعن ذلك يقول يشوع بن سيراخ:
"الحكمة كُلّها في كتاب العهد الذي قطعه الله العلي معنا, لا الأنسان القديم اتقن الحكمة  ولا ألأخير يقدر ادراكها. لأنها أوسع من البحر وأسرارها أعمق من الغمر"24:28,29"..........أنا كساقية من النهر سحبتُ الماء الى الحديقة قلتُ "أسقي حديقتي وأروي تُراب أزهاري, فأذا ساقيتي صارت نهرا, ونهري صار بحرا, والآن أُريدُ أن أنشُر ما تعلمتُ وكالصباحِ أجعلهُ بعيدا يضيء, أمنحه بما يُماثل النبوّة, وأُرثهُ الى مدى ألأجيال تعبي لم يكن من أجلي أنا وحدي, بل لكلِّ من يطلب الحكمة"24:30,31,32,33,34"....من يتأمّل في شريعة العُليّ(الله), يتفحَّص حكمة ألأقدمين, ويتفرَّغ لدراسة النبؤات, يوجّه قلبه مبكرا ال الله العليّ ومنه يطلب الغفران. فأن شاء الربُّ العلي العظيم يملأه من الفهم, فيفيض بأقوال حكمته. يمتلك المشورة والمعرفة ويتأمل في أسرار الله"39:5,6,7,". "تاجُ الحكماء غنى معرفتهم, وزينة البُلداء حماقتُهم"أمثال 14:24".
وينصح سليمان الحكيم الأنسان للبحث عن الحكمة وطلبها من الله لأنّها معلِّمة الفضائل, فقد صلّى لله  ليعطيه قلبا حكيما مميزا  فيقول:
"لذلك صلّيتُ من أجل الفهم, فنلتهُ ودعوتُ الله فحلَّ عليَّ روحُ الحكمة ......  وأخترتها لي نورا لايغيب أبدا "الحكمة 7:7"  فلمّا جاءتني الحكمة جاء معها كُلُّ خير"الحكمة 7:7,11". "......لأنَّ الله هو الهادي الى الحكمة ومرشد الحكماء" الحكمة 7:16  ". "فأمنحني(ياالله) عقلا مُدركا لأحكُم شعبكَ وأُميِّز الخير عن الشرِّ"1ملوك3:9""من يسعى ورائها باكرا لايلقي صعوبة, لأنَّه يجدها جالسة عند بابه "الحكمة 5:14". والحكمة تكتسب بقراءة الكتاب المقدس والتأمُّل فيه وعن ذلك يقول كاتب المزمر"كَم أُحِّبُ شريعتُك, أتأمَّلها  نهارا وليلا وصيَّتُك التي جعلتني أحكم من أعدائي"مزمور119:97,98".
نعم الحكمة موهبة من الله"الحكمة9:5" وفي نفس الوقت وليدة السعي الجاد اليها فالسبيل اليها شاق واننا لانستطيع أن نخلقها بجهودنا الذاتية, وحكمة الله تُخفى على العصاة والحمقى, والحكمة هي عملية نمو مستمر"امثال2:9,10" وانَّ طلب الحكمة واستخدامها يحتاج الى جهد, هي كنز "المعرفة والفهم"أمثال2:6" فاقتناء الحكمة خيرٌ من الذهب والفطنة خير من الفضة "أمثال16:16" فتاج الحكماء غنى معرفتهم"امثال13:25".
الحكمة تخاطب العقل أولا أمّا الحماقة فتخاطب الحواس. شبّه الكتاب المقدس الحكمة بأمراة مسؤولة ذات خلق تدعو الناس الى وليمة, بينما الحماقة أمراة عاهرة تقدم طعاما مسروقا"امثال9:1".
و يقول كاتب سفر الجامعة عن ألأنسان الحكيم الذي يستطيع معرفة الألغاز وتفسير الأمور الحياتية فيقول:" من كالحكيم يعرف تفسير الأمور؟ حكمة ألأنسان تنير وتضيئ جبهته"الجامعة8:1".
الحكمة ترتبط بالعدالة  أيضا"من خاف الرب تبيّن عدله يرى أعماله الصالحة كالنور"يشوع بن سيراخ32:16 " وهكذا يقول الحكيم" فالحكمة تُعلِّم الفضائل كُلَها, العفَّة والعدل والشجاعة والفهم "الحكمة8:7".
معرفة الحكمة يعني معرفة الحياة الحقيقية, التبصّر والصبر والعفة  وتعلّمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء, ويعلمنا كاتب سفر باروك, انَّ الحكمة والفهم سر قوة الأنسان لمعرفة كيف يعيش الحياة بسلام: "تعلّموا أين الحكمة وأينَ القوّة وأين الفهم حتى تعرفوا أين الحياة وأين النور لعيونكم وأين السلام وطوال البقاء "باروك3:14".
أمَّا كاتب سفر الجامعة فقد توصل الى حقيقة أنَّ الحكمة خير من القوّة والات الحرب وانَّ الحاكم (الحكيم) هو الذي يتصرف بهدوء وهو افضل من ا الحاكم الجاهل الذي يصرخ بين الجُهال.
"...فقلت انَّ الحكمة خير من القوّة ...كلام الحكماء المسموع في الهدوء أفضل من صُراخ  الحاكم بين الجُهّال. والحكمة خيرٌ من الات الحرب"الجامعة9:16,17".
"لا تسلك طريق المخاطر لئلا تسقط على الحجارة"يشوع بن سيراخ 32:20".
"ببركة المستقيمين تعلوا المدينة, وبكلام ألأشرار تَنهَدمُ"أمثال 11:11".
"هنيئا لمن لايسلك في مشورة ألأشرار وفي طريق الخاطئين لا يقفُ"مزمور1:1".
الحكمة والمعرفة:
تبدأ الحكمة بمعرفة الله ,فهو يُعطي بصيرة في الحياة لأنَّه هو الذي خلقَ الحياة, وهذا لا يعني التقليل من أهمية الدراسة والتعلم والأستفادة من خبرات الآخرين وسماع  نصائح الوالدين والأستماع الى أقوالهم والأصغاء لهم, فالحياة نفسها تعطينا دروسا وعبر تتراكم عبر السنين, ولهذا يشدد الكتاب المقدس (سواء في العهد القديم أو العهد الجديد)على طاعة الشيوخ والآباء لأنّهم اكتسبوا الحكمة خلال سنين حياتهم, ولكن الحكمة الحقيقية ليست تكديس المعرفة, بل تطبيق المعرفة بطريقة تُغيِّر الحياة, ومن أكثر الشخصيات ازعاجا, النوع الَّذي يدَّعي معرفة كُلُّ شيء, والشخص صاحب الرأي المتزمّت من جهة كُلِّ شيء والمنغلق أمام كُلِّ شيء جديد, ويطلق سليمان الحكيم على هذا النوع من الناس صفة "الجاهل"راجع امثال 1:22"فبينما الحكيم يفتش عن المعرفة  نرى الجاهل ينطق بالحماقة" قلب الحكيم يلتمس المعرفة, وفم الجاهل يرعى حماقة"أمثال15:14". وينصح الحكيم أبنائه فيقول: "اسمع يا ابني مشورة ابيك ولا تهمل نصيحة أُمِّكَ أكليك نعمةٍ هما لرأسِك . "أمثال1:1". ويقول كاتب سفر الأمثال:"تاجُ الحكماء غنى معرفتهم وزينة البُلُداء حماقتهم"أمثال14:24".
أنّ الأنسان الطبيعي والغاطس في الأمور الجسدية لا يستطيع ألأرتفاع بجهوده للحصول على حكمة الله بل الله هو الذي يمنح حكمته (أي روحه القدوس) للأنسان الذي يُريد أن يفهم ما يرضي الله ولهذا يقول الله على لسان حزقيال النبي"أجعل روحي فيهم"حزقيال 36:27"وفي"ارميا 31:34"فيعرفني" هذا الروح الذي يعمل في الأنسان هو روح القوَّة  لعمل مشيئة الله ومعرفته. وهذا ما سيتحقق في العهد الجديد للمؤمنين بيسوع المسيح, لأنَّه يرسل روحه القدوس لينوّرالحياة للمؤمنين به ويعطيهم القوة والحكمة .
والى اللقاء في الجزء الثالث الذي سنتكلم فيه عن"الحكمة في العهد الجديد".
لمن يريد قراءة الجزء الأول كما في الموقع أدناه
http://www.ishtartv.com/viewarticle,35308.html

110
الحكمة في العهد القديم
الجزء الثاني
نافع البرواري
من دراسة لعالِم الكتاب المقدس الأب بولص الفغالي عن الحكمة في العهد القديم نقتبس بعضاً مِمّا قاله: إن الحكمة في شعب الله اتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الإلهي. وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادًا للأدب الشرائعي والأدب النبوي، وضوءًا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة.
ألأدب الحكمي أسم تضع تحته اسفار ايوب(الذي هو نظرة انسان الى المصير البشري) وسفر ألأمثال(اي مجموعات أقوال حكمية) وسفر الجامعة ( الذي يقدم أعتبارات عن أحداث الحياة البشرية) وبعض المزامير (التي تسمّى مزامير حكمية مزمور 1,37,49,73,91,112) وسفرنشيد ألأناشيد(الذي يقدّم في الحب البشري مثلا عن حب الله لشعبه) وسفرالحكمة(الذي يفلسف مشاكل القلب البشري ويفتحها على عالم الخلود) وسفر يشوع بن سيراخ (الذي يقدم لنا أقوال أحد المعلمين في كلّ نواحي الحياة).
يحتل هذا ألأدب مكانة هامة بجانب ألأدب الشرائعي والأدب النبوي, وهو ثمرة حركة فكرية ودينية وأخلاقية. ولقد ترك الحكماء عند الشعب في مدى تاريخية اثرا عميقا يوازي أثر الكهنة والأنبياء.
وعن الحكمة يقول :
"الحكمة صفة تجعل ألأنسان يعرف كيف يتَّخذ قراراته, كيف يعمل أعماله, يعرف أن يسيطر على الأمور من أجل حياة سعيدة لا يكون فيها تفاخر بين ما يقول وما يفعل. الحكمة في اللغة هي الكلام الموافق للحق, وهي الفلسفة وصواب ألأمر وسداده, وهي العدل والحِلم والحُكم. والحكيم هو صاحب الحكمة والعلم, ومن عجّنته التجارب ومن أتقن ألأمور وتمكن منها, وترتبط الحكمة بالحاكم الذي يقضي بالأمر بين الناس, والذي يتولى ادارة شؤون البلاد". والحاكم يحتاج الى الحكمة ليسوّوس أُمور العبّاد والى أن يمنع نفسه ويردّها عن المزالق ليستحق أن يفوّض اليه الناس.
الحكم في أمورهم. هكذا أحتكمت المرأتان الى سليمان الحكيم(راجع 1ملوك3:16) فحكم لصاحبة الحق وحكم على الثانية بان تُعيد الولد الى أمّه. كان سليمان ذاك القاضي الحكيم الذي فصل الخصومة فهابه جميع بني اسرائيل (لأنّهم راوا حكمة الله فيه في أجراء الحكم)(1ملوك 3:28).
كان لأسرائيل, كما لشعوب الشرق القديم حكمته(امثال أحيقار الحكيم السرياني), وهي جهود الفكرالبشري الذي يلاحظ ألأمور بعقله فيحاول أن يلج في سر الكون لمعرفته ويتكيّف معه ويتسلط عليه حسب كلمة الرب في البداية: "أخضعوا ألأرض وتسلطواعلى سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوانات الدابَّ على الأرض "تكوين 1:28". وهناك مفاهيم كثيرة للحكمة في العهد القديم منها مهارة اليدين ومعرفة ألألغاز والأحاجي وفن أدارة ألأمورالخاصة والتجاريّة والسياسية وحس داخلي وفطرة طبيعية تروي الأنسان الخير والشر مع نتائجهما.
والحكمة في العهد القديم هي معلّمة الفضائل: تعلِّم اللباقة والتبصر والصبر والعفة وهي تجنبنا الأفراط في كل شيئ بالأبتعاد عن الرذائل ونتائجها التعيسة. نبتعد عن الزنى والكسل والسكر والشراهة. والحكمة تعلمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء ويحالفنا النجاح. ولكن مع الحكمة تسير الحيلة والدهاء وتصرُّف غير خلقي .
الحكمة موهبة شبيهة بالعهد والشريعة "يشوع بن سيراخ24:22" وتصبح مبدأ كُلِّ فكر وكُلِّ خير. وتماثل الحكمة روح الله والشريعة والعهد. لن يكون تماثلها تماثلا مطلقا, لأنّها لا تقدر أن تتحرّر من أصلها البشري. أجل, لن تكون ينبوع حياة مثل روح الله, ولن تكون قوّة الهية تحفظ حياة الأنسان في الوجود وتجدُّد حياة الشعب الخُلقية والدينية"اشعيا32:15". هذه التصورات عن الحكمة ستحل في الوحي الجديد فتعبّر عن أسرار ألأيمان والرجاء والمحبّة في العهد الجديد. فيسوع أبن الله هو الحكمة المتجسّدة. الحكمة في شعب الله أتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الألهي .وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادا للأدب الشارئعي والأدب النبوي, وضوءا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحق والحياة." انتهى الأقتباس".
انَّ الحكمة في الكتاب المقدس أمراً رئيسياً وجوهرياً في الأساس التي تُبنى عليه الحياة كُلَّها, فهي تعني أكثر جدا من معرفة الكثير, هي موقف اساسي يؤثرفي كُلِّ جوانب الحياة, هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثُمَّ معرفة أفضل السبل للتصرف, وتبدأ الحكمة بمعرفة الله, فهو يعطي بصيرة في الحياة لأنّه هو الذي خلق الحياة  فعندما نريد الحصول عليها يجب أحترام الله ومخافته فالحكمة هي نتيجة معرفة الله الذي يفتح عيوننا للفهم ومشاركة الآخرين في معرفته "راجع سفر الأمثال 9:10" ومن غير المجدي لنا أن نحاول أن نكون حكماء من ملاحظاتنا الشخصية ومجهوداتنا الذاتية في المعارف والمعلومات, لأنَّ الله وحده يرى الغاية العظمى لعالمه: وقد توصل ايوب وبعد المحن والآلام الى هذه النتيجة عندما يقول:"ليتَ الشهور السالفة تعود, ايام كان الله حارسي, يضيء سراجهُ فوق رأسي"ايوب29:2,3".
سليمان الحكيم, عندما منح فرصة لأختيار أيُّ شيءفي العالم, طلب من الله الحكمة ليحكم بالعدل وليصدر قرارات صائبة لشعبه, لأنَّ الحكمة هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثم معرفة أفضل السبل للتصرف"1ملوكك3:6,7,8,9" هكذا نحن أيضا علينا أن نطلب الحكمة منه لنعرف ماذا نعمل وكيف نسلك في حياتنا حسب مشيئة الله "يعقوب1:5".
سليمان الحكيم بحث عن اشياء وأمور في هذا العالم ولكنها لم تمنحه الشبع الذي كان يسعى اليه, فبعض المتع التي كان يسعى ورائها كانت خاطئة, وكان بعضها جديرا بالسعي. ولكن حتى ما كان جديرا بالسعي ورائه كان باطلا لأنّه أعتبره غاية في ذاته. ولكن الحكيم هو أن يؤمن بأنَّ راس الحكمة هي مخافة الله"امثال9:10", ولكن سليمان الملك  يُذكر لحكمته, وليس لأمانته لله. الأنسان (وكذلك المجتمعات البشرية )بحاجة أكثر الى علاقة ثابة بالله نبع كلِّ حكمة, وأن ينظر الى ما وراء نشاطه وسعيه أي الى اسباب قيامه بها. سليمان بنى بيتا ضخما وهيكلا ومملكة وعائلة "انظر 1ملوك 3-11" ولكن على مدى التاريخ أصبحت هذه خرابا, ولهذا يقول سليمان الملك"ان لم يبني الرب البيت فباطلا يتعب البنائون....ان لم يحرس الرب المدينة فباطلا يسهر الحارس "مزمور127". نعم انَّ الملوك والسلاطين الذين ينسون الله ولا يطلبوا حكمته فأنّ مصيرهم ومصير ما شيدوه وأنجزوه هو خراب واطلال, وحده يسوع المسيح هو الصخرة التي على العالم أن يبنوا حضارتهم وعلومهم ومنجزاتهم عليه وهو حجر الزاوية الذي يربط البناء(بناء الحضارات) لكي لا ينهدم وكذلك هو الذي يتحمل جميع الأحمال للبناية( اساس الحضارات).
لقد انتهى سليمان في آخر حياته الى انّه اذا كانت الحياة نفسها دون جدوى فالأفضل أن يكون ألأنسان حكيما لا جاهلا"الجامعة2:12,13", ولمّا التَفتُّ لأنظر في الحكمة والجنون والحماقة ......رأيتُ أنَّ الحكمة أفضل من الظلام: الحكيم عيناه في رأسه, أمّا الجاهل  فيسيرُ في الظلام".
وينصح الحكيم الحكام والملوك العاشقين للحكم  أن يكرموا الحكمة فيقول:"فاذا كُنتُم ياملوك الشعوب تعشقون العرش والصولجان فما عليكم الاّ أن تكرموا الحكمة فيدوم مُلكُكم الى الأبد"الحكمة5:21".
يخبرنا كاتب سفر التثنية أن يكون الحاكم أو السلطان نزيها عادلا لايقبل الرشوة فيقول: "لا تجوروا في الحكم ,ولا تُحابوا أحدا, ولا تاخذوا رشوة لأنَّ الرشوة تُعمي أبصار الحُكماء وتُحرفُ أقوال الصادقين "تثنية16:1.
أمَا يشوع بن سيراخ يقول عن الرشوة: "الهدايا والرشوى تُعمي حتى أعين الحُكماء"20:29".ويقول سليمان الحكيم عن الحكّام الحكماء "في كثرة الحكماء خلاص العالم والملك الحكيم يؤيّد خير الشعب, فتعلَّموا من أقوالي لأن فيها خيرلكم "الحكمة 6:24" ويقول يشوع بين سيراخ عن لجم اللسان فيقول "الخير أو الشر, الحياة أو الموت, وما يؤدي الى أيُّ منها هو اللسان"يشوع بن سيراخ 37:18".
أمّا عن الكذب فيقول يشوع بن سيراخ: "....وكما يميّزُ الذوق مختلف ألأطعمة هكذا يكشفُ الفهيم كلام الكذب"36:19" ."من النجاسة لا تخرج الطهارةُ ومن الكذب لا يخرج الصدق"34:4". أمّا كاتب سفر الأمثال فيقارن بين الصدق والكذب فيقول:"القول الصادق يثبتُ الى الأبد, أمَا الكذب فحبلهُ قصير"أمثال 12:19".
 ويقول يشوع بن سيراخ عن أنَّ الأنسان يُعرف من أعماله واقواله فيقول "الشجرة تُعرف من ثمارها, وخواطر الأنسان من كلامهِ" 27:6". أمّا عن الساعين الى أذية الآخرين فيقول"من حفر حفرة وقع فيها, ومن نصب فخّا صادهُ الفخ"27:26".
الكتاب المقدس يصف الشخص الذي عنده الحكمة بانّه شخص وفي رحيم, يتكل على الرب يضع الله أولا ويحوّل ظهره للشر ويعرف الصواب من الخطأ, يجد المعرفة والفهم لايحب الكبرياء والغرور, يكرم الله ويخافه, ويكره الفساد والخداع, ويعطي مشورة صالحة للآخرين, له فطرة حسنة, قابل للتعلم ويعرف الله وعن ذلك يقول يشوع بن سيراخ:
"الحكمة كُلّها في كتاب العهد الذي قطعه الله العلي معنا, لا الأنسان القديم اتقن الحكمة  ولا ألأخير يقدر ادراكها. لأنها أوسع من البحر وأسرارها أعمق من الغمر"24:28,29"..........أنا كساقية من النهر سحبتُ الماء الى الحديقة قلتُ "أسقي حديقتي وأروي تُراب أزهاري, فأذا ساقيتي صارت نهرا, ونهري صار بحرا, والآن أُريدُ أن أنشُر ما تعلمتُ وكالصباحِ أجعلهُ بعيدا يضيء, أمنحه بما يُماثل النبوّة, وأُرثهُ الى مدى ألأجيال تعبي لم يكن من أجلي أنا وحدي, بل لكلِّ من يطلب الحكمة"24:30,31,32,33,34"....من يتأمّل في شريعة العُليّ(الله), يتفحَّص حكمة ألأقدمين, ويتفرَّغ لدراسة النبؤات, يوجّه قلبه مبكرا ال الله العليّ ومنه يطلب الغفران. فأن شاء الربُّ العلي العظيم يملأه من الفهم, فيفيض بأقوال حكمته. يمتلك المشورة والمعرفة ويتأمل في أسرار الله"39:5,6,7,". "تاجُ الحكماء غنى معرفتهم, وزينة البُلداء حماقتُهم"أمثال 14:24".
وينصح سليمان الحكيم الأنسان للبحث عن الحكمة وطلبها من الله لأنّها معلِّمة الفضائل, فقد صلّى لله  ليعطيه قلبا حكيما مميزا  فيقول:
"لذلك صلّيتُ من أجل الفهم, فنلتهُ ودعوتُ الله فحلَّ عليَّ روحُ الحكمة ......  وأخترتها لي نورا لايغيب أبدا "الحكمة 7:7"  فلمّا جاءتني الحكمة جاء معها كُلُّ خير"الحكمة 7:7,11". "......لأنَّ الله هو الهادي الى الحكمة ومرشد الحكماء" الحكمة 7:16  ". "فأمنحني(ياالله) عقلا مُدركا لأحكُم شعبكَ وأُميِّز الخير عن الشرِّ"1ملوك3:9""من يسعى ورائها باكرا لايلقي صعوبة, لأنَّه يجدها جالسة عند بابه "الحكمة 5:14". والحكمة تكتسب بقراءة الكتاب المقدس والتأمُّل فيه وعن ذلك يقول كاتب المزمر"كَم أُحِّبُ شريعتُك, أتأمَّلها  نهارا وليلا وصيَّتُك التي جعلتني أحكم من أعدائي"مزمور119:97,98".
نعم الحكمة موهبة من الله"الحكمة9:5" وفي نفس الوقت وليدة السعي الجاد اليها فالسبيل اليها شاق واننا لانستطيع أن نخلقها بجهودنا الذاتية, وحكمة الله تُخفى على العصاة والحمقى, والحكمة هي عملية نمو مستمر"امثال2:9,10" وانَّ طلب الحكمة واستخدامها يحتاج الى جهد, هي كنز "المعرفة والفهم"أمثال2:6" فاقتناء الحكمة خيرٌ من الذهب والفطنة خير من الفضة "أمثال16:16" فتاج الحكماء غنى معرفتهم"امثال13:25".
الحكمة تخاطب العقل أولا أمّا الحماقة فتخاطب الحواس. شبّه الكتاب المقدس الحكمة بأمراة مسؤولة ذات خلق تدعو الناس الى وليمة, بينما الحماقة أمراة عاهرة تقدم طعاما مسروقا"امثال9:1".
و يقول كاتب سفر الجامعة عن ألأنسان الحكيم الذي يستطيع معرفة الألغاز وتفسير الأمور الحياتية فيقول:" من كالحكيم يعرف تفسير الأمور؟ حكمة ألأنسان تنير وتضيئ جبهته"الجامعة8:1".
الحكمة ترتبط بالعدالة  أيضا"من خاف الرب تبيّن عدله يرى أعماله الصالحة كالنور"يشوع بن سيراخ32:16 " وهكذا يقول الحكيم" فالحكمة تُعلِّم الفضائل كُلَها, العفَّة والعدل والشجاعة والفهم "الحكمة8:7".
معرفة الحكمة يعني معرفة الحياة الحقيقية, التبصّر والصبر والعفة  وتعلّمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء, ويعلمنا كاتب سفر باروك, انَّ الحكمة والفهم سر قوة الأنسان لمعرفة كيف يعيش الحياة بسلام: "تعلّموا أين الحكمة وأينَ القوّة وأين الفهم حتى تعرفوا أين الحياة وأين النور لعيونكم وأين السلام وطوال البقاء "باروك3:14".
أمَّا كاتب سفر الجامعة فقد توصل الى حقيقة أنَّ الحكمة خير من القوّة والات الحرب وانَّ الحاكم (الحكيم) هو الذي يتصرف بهدوء وهو افضل من ا الحاكم الجاهل الذي يصرخ بين الجُهال.
"...فقلت انَّ الحكمة خير من القوّة ...كلام الحكماء المسموع في الهدوء أفضل من صُراخ  الحاكم بين الجُهّال. والحكمة خيرٌ من الات الحرب"الجامعة9:16,17".
"لا تسلك طريق المخاطر لئلا تسقط على الحجارة"يشوع بن سيراخ 32:20".
"ببركة المستقيمين تعلوا المدينة, وبكلام ألأشرار تَنهَدمُ"أمثال 11:11".
"هنيئا لمن لايسلك في مشورة ألأشرار وفي طريق الخاطئين لا يقفُ"مزمور1:1".
الحكمة والمعرفة:
تبدأ الحكمة بمعرفة الله ,فهو يُعطي بصيرة في الحياة لأنَّه هو الذي خلقَ الحياة, وهذا لا يعني التقليل من أهمية الدراسة والتعلم والأستفادة من خبرات الآخرين وسماع  نصائح الوالدين والأستماع الى أقوالهم والأصغاء لهم, فالحياة نفسها تعطينا دروسا وعبر تتراكم عبر السنين, ولهذا يشدد الكتاب المقدس (سواء في العهد القديم أو العهد الجديد)على طاعة الشيوخ والآباء لأنّهم اكتسبوا الحكمة خلال سنين حياتهم, ولكن الحكمة الحقيقية ليست تكديس المعرفة, بل تطبيق المعرفة بطريقة تُغيِّر الحياة, ومن أكثر الشخصيات ازعاجا, النوع الَّذي يدَّعي معرفة كُلُّ شيء, والشخص صاحب الرأي المتزمّت من جهة كُلِّ شيء والمنغلق أمام كُلِّ شيء جديد, ويطلق سليمان الحكيم على هذا النوع من الناس صفة "الجاهل"راجع امثال 1:22"فبينما الحكيم يفتش عن المعرفة  نرى الجاهل ينطق بالحماقة" قلب الحكيم يلتمس المعرفة, وفم الجاهل يرعى حماقة"أمثال15:14". وينصح الحكيم أبنائه فيقول: "اسمع يا ابني مشورة ابيك ولا تهمل نصيحة أُمِّكَ أكليك نعمةٍ هما لرأسِك . "أمثال1:1". ويقول كاتب سفر الأمثال:"تاجُ الحكماء غنى معرفتهم وزينة البُلُداء حماقتهم"أمثال14:24".
أنّ الأنسان الطبيعي والغاطس في الأمور الجسدية لا يستطيع ألأرتفاع بجهوده للحصول على حكمة الله بل الله هو الذي يمنح حكمته (أي روحه القدوس) للأنسان الذي يُريد أن يفهم ما يرضي الله ولهذا يقول الله على لسان حزقيال النبي"أجعل روحي فيهم"حزقيال 36:27"وفي"ارميا 31:34"فيعرفني" هذا الروح الذي يعمل في الأنسان هو روح القوَّة  لعمل مشيئة الله ومعرفته. وهذا ما سيتحقق في العهد الجديد للمؤمنين بيسوع المسيح, لأنَّه يرسل روحه القدوس لينوّرالحياة للمؤمنين به ويعطيهم القوة والحكمة .
والى اللقاء في الجزء الثالث الذي سنتكلم فيه عن"الحكمة في العهد الجديد".
لمن يريد قراءة الجزء الأول كما في الموقع أدناه
http://www.ishtartv.com/viewarticle,35308.html

111
الحكمة في العهد القديم
الجزء الثاني
نافع البرواري
من دراسة لعالِم الكتاب المقدس الأب بولص الفغالي عن الحكمة في العهد القديم نقتبس بعضاً مِمّا قاله: إن الحكمة في شعب الله اتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الإلهي. وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادًا للأدب الشرائعي والأدب النبوي، وضوءًا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحقّ والحياة.
ألأدب الحكمي أسم تضع تحته اسفار ايوب(الذي هو نظرة انسان الى المصير البشري) وسفر ألأمثال(اي مجموعات أقوال حكمية) وسفر الجامعة ( الذي يقدم أعتبارات عن أحداث الحياة البشرية) وبعض المزامير (التي تسمّى مزامير حكمية مزمور 1,37,49,73,91,112) وسفرنشيد ألأناشيد(الذي يقدّم في الحب البشري مثلا عن حب الله لشعبه) وسفرالحكمة(الذي يفلسف مشاكل القلب البشري ويفتحها على عالم الخلود) وسفر يشوع بن سيراخ (الذي يقدم لنا أقوال أحد المعلمين في كلّ نواحي الحياة).
يحتل هذا ألأدب مكانة هامة بجانب ألأدب الشرائعي والأدب النبوي, وهو ثمرة حركة فكرية ودينية وأخلاقية. ولقد ترك الحكماء عند الشعب في مدى تاريخية اثرا عميقا يوازي أثر الكهنة والأنبياء.
وعن الحكمة يقول :
"الحكمة صفة تجعل ألأنسان يعرف كيف يتَّخذ قراراته, كيف يعمل أعماله, يعرف أن يسيطر على الأمور من أجل حياة سعيدة لا يكون فيها تفاخر بين ما يقول وما يفعل. الحكمة في اللغة هي الكلام الموافق للحق, وهي الفلسفة وصواب ألأمر وسداده, وهي العدل والحِلم والحُكم. والحكيم هو صاحب الحكمة والعلم, ومن عجّنته التجارب ومن أتقن ألأمور وتمكن منها, وترتبط الحكمة بالحاكم الذي يقضي بالأمر بين الناس, والذي يتولى ادارة شؤون البلاد". والحاكم يحتاج الى الحكمة ليسوّوس أُمور العبّاد والى أن يمنع نفسه ويردّها عن المزالق ليستحق أن يفوّض اليه الناس.
الحكم في أمورهم. هكذا أحتكمت المرأتان الى سليمان الحكيم(راجع 1ملوك3:16) فحكم لصاحبة الحق وحكم على الثانية بان تُعيد الولد الى أمّه. كان سليمان ذاك القاضي الحكيم الذي فصل الخصومة فهابه جميع بني اسرائيل (لأنّهم راوا حكمة الله فيه في أجراء الحكم)(1ملوك 3:28).
كان لأسرائيل, كما لشعوب الشرق القديم حكمته(امثال أحيقار الحكيم السرياني), وهي جهود الفكرالبشري الذي يلاحظ ألأمور بعقله فيحاول أن يلج في سر الكون لمعرفته ويتكيّف معه ويتسلط عليه حسب كلمة الرب في البداية: "أخضعوا ألأرض وتسلطواعلى سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوانات الدابَّ على الأرض "تكوين 1:28". وهناك مفاهيم كثيرة للحكمة في العهد القديم منها مهارة اليدين ومعرفة ألألغاز والأحاجي وفن أدارة ألأمورالخاصة والتجاريّة والسياسية وحس داخلي وفطرة طبيعية تروي الأنسان الخير والشر مع نتائجهما.
والحكمة في العهد القديم هي معلّمة الفضائل: تعلِّم اللباقة والتبصر والصبر والعفة وهي تجنبنا الأفراط في كل شيئ بالأبتعاد عن الرذائل ونتائجها التعيسة. نبتعد عن الزنى والكسل والسكر والشراهة. والحكمة تعلمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء ويحالفنا النجاح. ولكن مع الحكمة تسير الحيلة والدهاء وتصرُّف غير خلقي .
الحكمة موهبة شبيهة بالعهد والشريعة "يشوع بن سيراخ24:22" وتصبح مبدأ كُلِّ فكر وكُلِّ خير. وتماثل الحكمة روح الله والشريعة والعهد. لن يكون تماثلها تماثلا مطلقا, لأنّها لا تقدر أن تتحرّر من أصلها البشري. أجل, لن تكون ينبوع حياة مثل روح الله, ولن تكون قوّة الهية تحفظ حياة الأنسان في الوجود وتجدُّد حياة الشعب الخُلقية والدينية"اشعيا32:15". هذه التصورات عن الحكمة ستحل في الوحي الجديد فتعبّر عن أسرار ألأيمان والرجاء والمحبّة في العهد الجديد. فيسوع أبن الله هو الحكمة المتجسّدة. الحكمة في شعب الله أتبعت خطها الخاص. أخذت من الكنز الشرقي العريق وأعطته حياة بالوحي الألهي .وهكذا صار الأدب الحكمي امتدادا للأدب الشارئعي والأدب النبوي, وضوءا ينير درب شعب الله المنتظر ذاك الذي هو الطريق والحق والحياة." انتهى الأقتباس".
انَّ الحكمة في الكتاب المقدس أمراً رئيسياً وجوهرياً في الأساس التي تُبنى عليه الحياة كُلَّها, فهي تعني أكثر جدا من معرفة الكثير, هي موقف اساسي يؤثرفي كُلِّ جوانب الحياة, هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثُمَّ معرفة أفضل السبل للتصرف, وتبدأ الحكمة بمعرفة الله, فهو يعطي بصيرة في الحياة لأنّه هو الذي خلق الحياة  فعندما نريد الحصول عليها يجب أحترام الله ومخافته فالحكمة هي نتيجة معرفة الله الذي يفتح عيوننا للفهم ومشاركة الآخرين في معرفته "راجع سفر الأمثال 9:10" ومن غير المجدي لنا أن نحاول أن نكون حكماء من ملاحظاتنا الشخصية ومجهوداتنا الذاتية في المعارف والمعلومات, لأنَّ الله وحده يرى الغاية العظمى لعالمه: وقد توصل ايوب وبعد المحن والآلام الى هذه النتيجة عندما يقول:"ليتَ الشهور السالفة تعود, ايام كان الله حارسي, يضيء سراجهُ فوق رأسي"ايوب29:2,3".
سليمان الحكيم, عندما منح فرصة لأختيار أيُّ شيءفي العالم, طلب من الله الحكمة ليحكم بالعدل وليصدر قرارات صائبة لشعبه, لأنَّ الحكمة هي القدرة على رؤية الحياة من وجهة نظر الله ومن ثم معرفة أفضل السبل للتصرف"1ملوكك3:6,7,8,9" هكذا نحن أيضا علينا أن نطلب الحكمة منه لنعرف ماذا نعمل وكيف نسلك في حياتنا حسب مشيئة الله "يعقوب1:5".
سليمان الحكيم بحث عن اشياء وأمور في هذا العالم ولكنها لم تمنحه الشبع الذي كان يسعى اليه, فبعض المتع التي كان يسعى ورائها كانت خاطئة, وكان بعضها جديرا بالسعي. ولكن حتى ما كان جديرا بالسعي ورائه كان باطلا لأنّه أعتبره غاية في ذاته. ولكن الحكيم هو أن يؤمن بأنَّ راس الحكمة هي مخافة الله"امثال9:10", ولكن سليمان الملك  يُذكر لحكمته, وليس لأمانته لله. الأنسان (وكذلك المجتمعات البشرية )بحاجة أكثر الى علاقة ثابة بالله نبع كلِّ حكمة, وأن ينظر الى ما وراء نشاطه وسعيه أي الى اسباب قيامه بها. سليمان بنى بيتا ضخما وهيكلا ومملكة وعائلة "انظر 1ملوك 3-11" ولكن على مدى التاريخ أصبحت هذه خرابا, ولهذا يقول سليمان الملك"ان لم يبني الرب البيت فباطلا يتعب البنائون....ان لم يحرس الرب المدينة فباطلا يسهر الحارس "مزمور127". نعم انَّ الملوك والسلاطين الذين ينسون الله ولا يطلبوا حكمته فأنّ مصيرهم ومصير ما شيدوه وأنجزوه هو خراب واطلال, وحده يسوع المسيح هو الصخرة التي على العالم أن يبنوا حضارتهم وعلومهم ومنجزاتهم عليه وهو حجر الزاوية الذي يربط البناء(بناء الحضارات) لكي لا ينهدم وكذلك هو الذي يتحمل جميع الأحمال للبناية( اساس الحضارات).
لقد انتهى سليمان في آخر حياته الى انّه اذا كانت الحياة نفسها دون جدوى فالأفضل أن يكون ألأنسان حكيما لا جاهلا"الجامعة2:12,13", ولمّا التَفتُّ لأنظر في الحكمة والجنون والحماقة ......رأيتُ أنَّ الحكمة أفضل من الظلام: الحكيم عيناه في رأسه, أمّا الجاهل  فيسيرُ في الظلام".
وينصح الحكيم الحكام والملوك العاشقين للحكم  أن يكرموا الحكمة فيقول:"فاذا كُنتُم ياملوك الشعوب تعشقون العرش والصولجان فما عليكم الاّ أن تكرموا الحكمة فيدوم مُلكُكم الى الأبد"الحكمة5:21".
يخبرنا كاتب سفر التثنية أن يكون الحاكم أو السلطان نزيها عادلا لايقبل الرشوة فيقول: "لا تجوروا في الحكم ,ولا تُحابوا أحدا, ولا تاخذوا رشوة لأنَّ الرشوة تُعمي أبصار الحُكماء وتُحرفُ أقوال الصادقين "تثنية16:1.
أمَا يشوع بن سيراخ يقول عن الرشوة: "الهدايا والرشوى تُعمي حتى أعين الحُكماء"20:29".ويقول سليمان الحكيم عن الحكّام الحكماء "في كثرة الحكماء خلاص العالم والملك الحكيم يؤيّد خير الشعب, فتعلَّموا من أقوالي لأن فيها خيرلكم "الحكمة 6:24" ويقول يشوع بين سيراخ عن لجم اللسان فيقول "الخير أو الشر, الحياة أو الموت, وما يؤدي الى أيُّ منها هو اللسان"يشوع بن سيراخ 37:18".
أمّا عن الكذب فيقول يشوع بن سيراخ: "....وكما يميّزُ الذوق مختلف ألأطعمة هكذا يكشفُ الفهيم كلام الكذب"36:19" ."من النجاسة لا تخرج الطهارةُ ومن الكذب لا يخرج الصدق"34:4". أمّا كاتب سفر الأمثال فيقارن بين الصدق والكذب فيقول:"القول الصادق يثبتُ الى الأبد, أمَا الكذب فحبلهُ قصير"أمثال 12:19".
 ويقول يشوع بن سيراخ عن أنَّ الأنسان يُعرف من أعماله واقواله فيقول "الشجرة تُعرف من ثمارها, وخواطر الأنسان من كلامهِ" 27:6". أمّا عن الساعين الى أذية الآخرين فيقول"من حفر حفرة وقع فيها, ومن نصب فخّا صادهُ الفخ"27:26".
الكتاب المقدس يصف الشخص الذي عنده الحكمة بانّه شخص وفي رحيم, يتكل على الرب يضع الله أولا ويحوّل ظهره للشر ويعرف الصواب من الخطأ, يجد المعرفة والفهم لايحب الكبرياء والغرور, يكرم الله ويخافه, ويكره الفساد والخداع, ويعطي مشورة صالحة للآخرين, له فطرة حسنة, قابل للتعلم ويعرف الله وعن ذلك يقول يشوع بن سيراخ:
"الحكمة كُلّها في كتاب العهد الذي قطعه الله العلي معنا, لا الأنسان القديم اتقن الحكمة  ولا ألأخير يقدر ادراكها. لأنها أوسع من البحر وأسرارها أعمق من الغمر"24:28,29"..........أنا كساقية من النهر سحبتُ الماء الى الحديقة قلتُ "أسقي حديقتي وأروي تُراب أزهاري, فأذا ساقيتي صارت نهرا, ونهري صار بحرا, والآن أُريدُ أن أنشُر ما تعلمتُ وكالصباحِ أجعلهُ بعيدا يضيء, أمنحه بما يُماثل النبوّة, وأُرثهُ الى مدى ألأجيال تعبي لم يكن من أجلي أنا وحدي, بل لكلِّ من يطلب الحكمة"24:30,31,32,33,34"....من يتأمّل في شريعة العُليّ(الله), يتفحَّص حكمة ألأقدمين, ويتفرَّغ لدراسة النبؤات, يوجّه قلبه مبكرا ال الله العليّ ومنه يطلب الغفران. فأن شاء الربُّ العلي العظيم يملأه من الفهم, فيفيض بأقوال حكمته. يمتلك المشورة والمعرفة ويتأمل في أسرار الله"39:5,6,7,". "تاجُ الحكماء غنى معرفتهم, وزينة البُلداء حماقتُهم"أمثال 14:24".
وينصح سليمان الحكيم الأنسان للبحث عن الحكمة وطلبها من الله لأنّها معلِّمة الفضائل, فقد صلّى لله  ليعطيه قلبا حكيما مميزا  فيقول:
"لذلك صلّيتُ من أجل الفهم, فنلتهُ ودعوتُ الله فحلَّ عليَّ روحُ الحكمة ......  وأخترتها لي نورا لايغيب أبدا "الحكمة 7:7"  فلمّا جاءتني الحكمة جاء معها كُلُّ خير"الحكمة 7:7,11". "......لأنَّ الله هو الهادي الى الحكمة ومرشد الحكماء" الحكمة 7:16  ". "فأمنحني(ياالله) عقلا مُدركا لأحكُم شعبكَ وأُميِّز الخير عن الشرِّ"1ملوك3:9""من يسعى ورائها باكرا لايلقي صعوبة, لأنَّه يجدها جالسة عند بابه "الحكمة 5:14". والحكمة تكتسب بقراءة الكتاب المقدس والتأمُّل فيه وعن ذلك يقول كاتب المزمر"كَم أُحِّبُ شريعتُك, أتأمَّلها  نهارا وليلا وصيَّتُك التي جعلتني أحكم من أعدائي"مزمور119:97,98".
نعم الحكمة موهبة من الله"الحكمة9:5" وفي نفس الوقت وليدة السعي الجاد اليها فالسبيل اليها شاق واننا لانستطيع أن نخلقها بجهودنا الذاتية, وحكمة الله تُخفى على العصاة والحمقى, والحكمة هي عملية نمو مستمر"امثال2:9,10" وانَّ طلب الحكمة واستخدامها يحتاج الى جهد, هي كنز "المعرفة والفهم"أمثال2:6" فاقتناء الحكمة خيرٌ من الذهب والفطنة خير من الفضة "أمثال16:16" فتاج الحكماء غنى معرفتهم"امثال13:25".
الحكمة تخاطب العقل أولا أمّا الحماقة فتخاطب الحواس. شبّه الكتاب المقدس الحكمة بأمراة مسؤولة ذات خلق تدعو الناس الى وليمة, بينما الحماقة أمراة عاهرة تقدم طعاما مسروقا"امثال9:1".
و يقول كاتب سفر الجامعة عن ألأنسان الحكيم الذي يستطيع معرفة الألغاز وتفسير الأمور الحياتية فيقول:" من كالحكيم يعرف تفسير الأمور؟ حكمة ألأنسان تنير وتضيئ جبهته"الجامعة8:1".
الحكمة ترتبط بالعدالة  أيضا"من خاف الرب تبيّن عدله يرى أعماله الصالحة كالنور"يشوع بن سيراخ32:16 " وهكذا يقول الحكيم" فالحكمة تُعلِّم الفضائل كُلَها, العفَّة والعدل والشجاعة والفهم "الحكمة8:7".
معرفة الحكمة يعني معرفة الحياة الحقيقية, التبصّر والصبر والعفة  وتعلّمنا فن تنظيم حياتنا لنكون سعداء, ويعلمنا كاتب سفر باروك, انَّ الحكمة والفهم سر قوة الأنسان لمعرفة كيف يعيش الحياة بسلام: "تعلّموا أين الحكمة وأينَ القوّة وأين الفهم حتى تعرفوا أين الحياة وأين النور لعيونكم وأين السلام وطوال البقاء "باروك3:14".
أمَّا كاتب سفر الجامعة فقد توصل الى حقيقة أنَّ الحكمة خير من القوّة والات الحرب وانَّ الحاكم (الحكيم) هو الذي يتصرف بهدوء وهو افضل من ا الحاكم الجاهل الذي يصرخ بين الجُهال.
"...فقلت انَّ الحكمة خير من القوّة ...كلام الحكماء المسموع في الهدوء أفضل من صُراخ  الحاكم بين الجُهّال. والحكمة خيرٌ من الات الحرب"الجامعة9:16,17".
"لا تسلك طريق المخاطر لئلا تسقط على الحجارة"يشوع بن سيراخ 32:20".
"ببركة المستقيمين تعلوا المدينة, وبكلام ألأشرار تَنهَدمُ"أمثال 11:11".
"هنيئا لمن لايسلك في مشورة ألأشرار وفي طريق الخاطئين لا يقفُ"مزمور1:1".
الحكمة والمعرفة:
تبدأ الحكمة بمعرفة الله ,فهو يُعطي بصيرة في الحياة لأنَّه هو الذي خلقَ الحياة, وهذا لا يعني التقليل من أهمية الدراسة والتعلم والأستفادة من خبرات الآخرين وسماع  نصائح الوالدين والأستماع الى أقوالهم والأصغاء لهم, فالحياة نفسها تعطينا دروسا وعبر تتراكم عبر السنين, ولهذا يشدد الكتاب المقدس (سواء في العهد القديم أو العهد الجديد)على طاعة الشيوخ والآباء لأنّهم اكتسبوا الحكمة خلال سنين حياتهم, ولكن الحكمة الحقيقية ليست تكديس المعرفة, بل تطبيق المعرفة بطريقة تُغيِّر الحياة, ومن أكثر الشخصيات ازعاجا, النوع الَّذي يدَّعي معرفة كُلُّ شيء, والشخص صاحب الرأي المتزمّت من جهة كُلِّ شيء والمنغلق أمام كُلِّ شيء جديد, ويطلق سليمان الحكيم على هذا النوع من الناس صفة "الجاهل"راجع امثال 1:22"فبينما الحكيم يفتش عن المعرفة  نرى الجاهل ينطق بالحماقة" قلب الحكيم يلتمس المعرفة, وفم الجاهل يرعى حماقة"أمثال15:14". وينصح الحكيم أبنائه فيقول: "اسمع يا ابني مشورة ابيك ولا تهمل نصيحة أُمِّكَ أكليك نعمةٍ هما لرأسِك . "أمثال1:1". ويقول كاتب سفر الأمثال:"تاجُ الحكماء غنى معرفتهم وزينة البُلُداء حماقتهم"أمثال14:24".
أنّ الأنسان الطبيعي والغاطس في الأمور الجسدية لا يستطيع ألأرتفاع بجهوده للحصول على حكمة الله بل الله هو الذي يمنح حكمته (أي روحه القدوس) للأنسان الذي يُريد أن يفهم ما يرضي الله ولهذا يقول الله على لسان حزقيال النبي"أجعل روحي فيهم"حزقيال 36:27"وفي"ارميا 31:34"فيعرفني" هذا الروح الذي يعمل في الأنسان هو روح القوَّة  لعمل مشيئة الله ومعرفته. وهذا ما سيتحقق في العهد الجديد للمؤمنين بيسوع المسيح, لأنَّه يرسل روحه القدوس لينوّرالحياة للمؤمنين به ويعطيهم القوة والحكمة .
والى اللقاء في الجزء الثالث الذي سنتكلم فيه عن"الحكمة في العهد الجديد".
لمن يريد قراءة الجزء الأول كما في الموقع أدناه
http://www.ishtartv.com/viewarticle,35308.html

112
مفهوم الموت و القيامة في المسيحية

نافع البرواري

      الغالبية من الناس يصيبهم الخوف والهلع من الموت وتصبح حياتهم كابوسا وتراهم يعيشون في حالة الذعر والخوف والكآبة, لأنهم لايستطيعون أن يسيطروا على خوفهم هذا ولا أن يفهموه, أما المؤمنين بالمسيح فهم على يقين أنّهم سيهزمون الموت بقيامتهم مرة ثانية لحياة أبدية مع المسيح, وما الموت الا جسرا به يعبرون من الحياة المادية الى الحياة الروحية"1كورنثوس15:20 " .

     قد يختلف المسيحيون الواحد عن الآخر اختلافا كبيرا, فقد يتمسكون بمعتقدات شديدة التباين حول السياسة وأسلوب الحياة بل وحتى الأفكار اللاهوتية, ولكن هناك عقيدة واحدة, وهي أنّ يسوع المسيح قام من بين الأموات ، انّ القيامة هي عقيدة فريدة  ومحور التاريخ للمسيحية فعليها تُبنى الكنيسة وبدونها لن يكون هناك كنيسة للمسيح, فقيامة يسوع فريدة ومتميّزة وهي لب الأيمان المسيحي, فكل العبادات الأخرى قد يكون لديها نظم أدبية أخلاقية قوية ومفاهيم عن الفردوس, كما أن لها كتُبها المقدسة الخاصة بها, لكن ليس أحد من هذه العقائد تقول انّ الله صار جسدا, ومات بالحقيقة لأجل البشر, وقام من بين الأموات في قوة ومجد ليملك على كنيسته, فقيامة يسوع المسيح من بين الأموات هي مفتاح الأيمان المسيحي والقيامة هي تاج المعجزات ومحور كرازتنا في المسيحية لأنّ القيامة هي رجاء الحياة الأبدية "واذ كان رجائنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن أشقى الناس"1كورنثوس 15:19" .

ويذكر أيوب  قبل مجيء المسيح بمئات السنين وهو يصوّر الفداء الذي سيكون بيسوع المسيح فيقول:

"أعرف أنّ شفيعي حيٌّ وسأقوم آجلا من التراب ، فتلبس هذه الأعضاء جلدي وبجسدي أُعاين الله "أيوب 19:25" ، فما أعظم الأيمان الذي كان لأيوب حتى عرف ان الله لن يتركه وسيفديه ويقيمه من الموت الى الحياة الأبدية. العالم الغير المؤمن بقيامة المسيح  يبحث عن الحي وسط الأموات "لماذا تطلُبنَّ الحي بين الأموات؟"لوقا 24:5".

ولكننا نحن المؤمنون نبحث عن الحي بين القائمين من الموت, فالذين يبحثون وسط الأموات  فهم أموات روحيا وأدبيا أمّا الذين يبحثون عن الحي فهم احياء لأنّ القوّة التي أعادت يسوع المسيح للحياة اصبحت متاحة لجميع الذين يقبلون يسوع المسيح الحي القائم من الأموات والذي ازاح الحجر الذي كان موضوعا على قبره وهو, أي الحجر, رمز الحاجز الذي كان بين الموت(بسبب الخطية) والحياة الجديدة, وهوأيضا رمز الذي كان يفصل بين ظلمة القبر ونور الحياة, فبالقيامة انفتحت عيوننا لنرى الحياة بمنظار اخر لنفهم كلّ ما يقوله الكتاب المقدس عن مشروع الله الخلاصي لبني البشر بعد أن اختبرنا القيامة(الروحية) من بين الأموات, فمن يؤمن بيسوع المسيح القائم من بين الأموات ويؤمن برسالته الخلاصية فهو قد انتقل (الآن) من الموت الى الحياة الأبدية, لأنّ الحياة تصبح أقوى من الموت, فالقيامة هي التحدي لمفهوم الموت والزوال  بالأنتصار على الموت بقوة الحياة التي يعطيها المسيح للمؤمنين به. ويقول بولس الرسول: (عن الذين يؤمنون بالمسيح والذين لا يؤمنون بالمسيح ).

"فنحن لله رائحة المسيح الذكيّة ُ بين الذين يخلصون َ أو الذين يَهلكون . فهي للذين يَهلكون رائحةُ موت ِتُميتُ, وللذين يَخلصون رائحةُ حياةِ تُحيي"2كورنثوس2:15,16" .

كانت غاية الرسول بولس أن يعرف المسيح  وأن يعرف قوّة قيامته ليتشبه به على رجاء القيامة من بين الأموات"فيلبي 3:10" فمعرفة الرب يسوع المسيح كقدوة لنا يعطينا قوّة من روحه القدوس لنشارك موته وقيامته ، القيامة هي شهادة تاريخية حية على ان يسوع المسيح حي ويملك على ملكوته وانّه ليس أسطورة أو خرافة, والقيامة تؤكد لنا عن لغز طالما حيّر الأنسان وهو كيف سيكون مصيره مابعد الموت فكان يسوع المسيح البكر القائم من بين الأموات ، فهو يقول أذهبوا وبشروا العالم بهذا الفرح العظيم  فرح قيامتنا نحن ايضا ، تحررنا من حكم الموت( بسبب الخطية) الى الحياة الجديدة, فرح السعادة الحقيقية, فرح الأتحاد مع الأبن ومشاركته ملكوته الأبدية "متى 28:5,6,7". فبالقيامة نجد معنى وأهمية لحياتنا حتى وسط الآلام والماسي والأضطهادات ، القيامة هي رجاء الأنسان وهدف الحياة "واذا كان رجاؤنا في المسيح لا يتعدّى هذه الحياة, فنحن اشقى الناس جميعا"1كورنثوس 15:19" .

القيامة هي محور الأيمان المسيحي الذي يختلف عن كُل الديانات بشهادة حيّة هي قيامة المسيح من بين الأموات بدليل القبر الفارغ, فالمسيح قام حقا قام, ونحن اصبحنا أبناء النور ولسنا أبناء الظُلمة ، فقيامة المسيح تعني أنّ البشريّة صار لها رجاء  القيامة الأبدية, فبدون القيامة  يظل تبشيرنا باطل فالقيامة تجيبُ على كافة اسئلة الأنسان الوجودية وهي لماذا خُلقنا والى أين نحن سائرون ، فلولا القيامة ويقين الحياة الأبدية لكان كُلُّ شيء محللِّل للأنسان طالما الموت هو نهاية الطريق وختام كُلّ شيء ، بسبب قيامة المسيح من الأموات غيّر ملكوت السموات تاريخ الأرض, فبالقيامة انهزم الموت لنحيا مع المسيح ، انّ القيامة تظمن أنّ من سيملك في ملكوت الله الأبدي هو المسيح الحي, وليس مجرّد فكرة أو أمل أو حلم, وهذا لانجده في العقائد الأخرى الغير المسيحية,  فنحن المؤمنين بالمسيح المخلّص لنا اليقين بأننا سنُقام من الأموات أيضا ، ولأنّه قام فهو حي ويشفع فينا ، انّ تجسّد  المسيح واخذه صورة بشريّتنا كان ليكمّل ثلاثة مهمّات رئيسية وهي:

1- هزيمة الخطيئة : فهو جاء لينقذنا من نتائج الخطيئة (وهي الموت) التي اصبحت متأصّلة في طبيعة الأنسان منذ أن سقط أبوينا ادم وحواء بعصيانهما الله في الفردوس"والخطيئةُ دخلت في العالم بانسان واحد , وبالخطيئة دخل الموت. وسرى الموتُ الى جميع البشر لأنّهمُ كُلّهم خطئوا"روميا 5:12" .

فالقضاء على الخطيئة لن يتم الا بالموت الكفاري والتضحية  لفداء الجنس البشري بفدية عظيمة وهكذا قدّم يسوع المسيح نفسه فدية للجميع ولكن المسيح الذي تواضع وأخلى ذاته حتى الموت موت الصليب ولكنه قام في اليوم الثالث, ولأنّ المسيح قام " فهو بكرُ من قام من رُقاد الموت"1كورثوس15:20".

هكذا ثبت ثبوتا قاطعا موته من أجل خطايانا وأصبح ممكناً لنا أن ننال نعمة التبرير من الخطيئة والحصول على الغفران ونقوم نحن المؤمنين ايضا من بين الأموات (الأموات روحيا بسبب الخطيئة)لنصبح أبناء الله بالتبنّي"و كما يموتُ جميع الناس في ادم, فكذلك هم  في المسيح سيحيون"1كورنثوس15:22 ".

2- هزيمة الموت:

وكما دخلت الخطيئة بشخص واحد هكذا "فالموت كان على يد انسان, وعلى يد انسان تكون قيامة الأموات "1كورنثوس15:21".

بعد ان دخلت الخطيئة العالم( نتيجة لخطيئة ادم وحواء) دخل الموت ايضا الى العالم هكذا اجتازت الخطيئة والموت الى كلّ الجنس البشري بسبب هذه الخطيئة الأولى, ولكن شكرا للرب يسوع المسيح الذي افتدانا بموته على الصليب وبررّنا من الخطيئة وسحق الموت بالموت ليخلق فينا انسانا جديدا ويعطينا حياتا جديدة بعد أن كنّا نعيش في ظلمة الخطيئة والموت .

"والخطيئة دخلت في العالم بانسان واحد(ادم), وبالخطيئة دخل الموت (الأنفصال عن الله). وسرى الموت الى جميع البشر لأنّهم كُلّهم خطئوا....ولكن هبة الله غيرُ خطيئة ادم ....فكما أن خطيئة انسان واحد قادت البشر جميعا الى الهلاك ، فكذلك برُّ انسان واحدٍ (يسوع المسيح)  يُبرّر البشر جميعا فينالون الحياة " روميا5:12,15,18  ".

الأيمان المسيحي قائم على أساس لايتزحزح هو القبر الفارغ, فلأنه  قام وغلب الموت, نعلم يقينا أننا سنقوم أيضا.  فكما يقول الرسول بولس: "واذا كان المسيح ما قام , فأيمانكم باطل ٌ وأنتم بعدُ في خطاياكم , وكذلك الذين ماتوا في المسيح هلكوا"1كورنثوس 15:17" فأيماننا هو انّ هناك حياة فيما وراء القبر وانّ حياتنا الأرضية ماهي الا أعداد لتلك الحياة , فلأنّ المسيح قام جسديا من الأموات نعلم أنّ ماقاله هو حق وانّه هو الله الذي يقيم الأموات فهو حي وليس نبيا كاذبا أو مظلّلا بل هو المسيح الذي قهر الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور, فنستطيع أن نثق من أننا ايضا سنقوم الى الحياة, لأنّه قد قام , فليس الموت هو النهاية بل هناك حياة مستقبلية, وانّ القوّة التي أعادت يسوع للحياة متاحة لنا ايضاً لتعيد نفوسنا المائتة روحيا(بسبب الخطية) الى الحياة."أنا هو القيامة والحياة. من امن بيّ يحيا وان مات"يوحنا 11:25" نعم الهنا هو اله الأحياء وليس اله الأموات ، فلم يعد الموت مصدرا للرعب أو الخوف, فقد غلبه المسيح , وسنغلبه نحنُ أيضا يوما ما . لقد أنهزم الموت فيما وراء القبر"الموت  أبتلعه النصر, فأين نصرك ياموت ُ؟ وأين شوكتُك ياموت ؟ "كورنثوس ألأولى 15:54".

3- هزيمة الشيطان والقوات الشريرة:

كان الشيطان ظافرا في جنة عدن (تكوين 3) وكذلك عندما مات الرب يسوع المسيح على الصليب ، وكما أغوى الشيطان ادم هكذا دخل الشيطان والقوات الشريرة في هذا العالم المفصول عن الله ، لكن الله حوّل نصرة الشيطان الظاهرة الى هزيمة ساحقة عندما قام يسوع المسيح من ألأموات وبدأت ملكوت الله تؤسس على صخرة المسيح , فرأى الشيطان أنّ مملكته وسيادته على الأرض قد تزحزحت بل أنّ تجسد المسيح وفدائه وقيامته هزّ أركان مملكة الشيطان, فبدأ الشيطان يفقد قلاعه واحدة بعد أخرى وبدأ يدرك الشيطان أنّه يعيش أيّامه الأخيرة.

جاء المسيح ليسحق رأس "الحيّة القديمة" الشيطان ويغلبه وينتصر عليه. لقد هزم المسيح الخطيئة والموت أولا على الصليب وأخيرا هزم الشيطان وكلّ القوات الشريرة بقيامته, وكلُّ الذين قبلوا المسيح وامنوا به كمخلّص لحياتهم ، لم يعد للشيطان سلطة عليهم بل هم اصبحوا جنودا في جيش الرب يسوع المسيح ،

"ثُمَّ سمعتُ صوتا عظيما في السماء يقول:"اليوم تمّ النصرُ والعزّة والمُلكُ لالهنا والسلطان لمسيحه, لأنّ الذي يتَّهم(الشيطان) أخوتنا أُلقي الى الأرض"رؤيا 12:10 .

الخلاصة:

بالأيمان بقيامة الرب يسوع المسيح اصبحنا ننظر الى العالم نظرة جديدة  فنحمن نعيش في هذا العالم ولكننا نصبح في عالم ملكوت الله فنسموا من الحياة المادية الى الحياة الروحية التي ترفعنا عن التعلق بشهوات هذا العالم الزائل, فعندما نتعمّذ يعني أننا قد مُتنا مع المسيح (بالغطس في الماء) وقمنا معه, فالمعمودية هي رمز الموت والقيامة, فان عشنا فبالمسيح نعيش وان متنا فبالمسيح نحيا, فحياتنا  (كما يقول الرسول بولس)هي للمسيح ولأجل المسيح وبالمسيح , فالمؤمنون الذين يعيشون مع الرب يموتون ويقومون وهي خبرة روحية يختبرها المؤمنون , وهذا ما اختبره الرسول بولس عندما يقول "انا ميّت ولكن المسيح يحيا فيّ" ، هكذا اليوم يقول الرب "ها أنا واقفٌ على الباب أطرقُ"الرؤية3:20" ، فكل من يفتح قلبه للمسيح ,  فان المسيح سيدخل في حياته الميتة ويقيمه من الموت ليعيش حياة الفرح والسعادة الحقيقية ،

فالمسيح يغيّر قلب الأنسان العتيق ليولد انسانا جديدا(الولادة الروحية) ويوقضه من نوم الموت ليعيش حياةً جديدة في مملكة الله الغير فانية ، فحتى الموت بالنسبة للمؤمن هو باب القيامة لحياة جديدة فلا نتوقف عند الآلام والأضطهادات, لأن الموت لنا هو باب للقيامة بالتأكيد .

"تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح لأنُّه شملنا بفائق رحمته, فولدنا بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات ولادة ثانية لرجاءٍ حيّ ولميراثٍ لايفسد ولا يتدنّس ولا يضمحلُّ"1بطرس 1:3". آمين .

113

هل فقد عالم اليوم" الحكمة" في حياته؟
نافع البرواري
 
يقول الله على لسان اشعيا النبي:"فها أنا أصنعُ مرَّة أُخرى عجباً عُجاباً بهذا الشعب, فتبيدُ حكمة ُ حُكُمائهِ وينكسِفُ عقلُ عُقلائه "اشعيا 29:14".
في هذا العصر,عصر المعلومات, أصبحت المعرفة كثيرة ولكن على حساب الحكمة, حيث اصبحت الحكمة نادرة. يقول العالم "ألكسيس كاربل" في كتابه"ألأنسان ذلك المجهول":
"انَّ الدول التي تبنّت بغير تبصُّر روح الحضارة الصناعية وفنونها, مثل روسيا وأنكلترا وفرنسا والمانيا مُعَّرضة للأخطار ذاتها التي تتعرض لها الولايات المتحدة, ومن الواجب أن يتحوّل اهتمام ألأنسانية من دنيا الآلات وعالم الجماد الى جسم ألأنسان وروحه,
الكاتب يقول انّ هذه الدول تسعى من أجل الثراء بأية وسيلة "على قول ميكافيلي الغاية تبرر الوسيلة".
هكذا ليس فقط العالم الغربي بل غالبية دول العالم أصبحت لها فكر مادي على حساب القيم الروحية والحكمة السماوية. حكمة العالم في هذه الأيام هي الحصول على العلوم والمعارف والأختراعات ,ونشهد ثورة تقنية في جميع فروع العلوم والمعارف ولكن يفتقر عالمنا اليوم الى الحكمة التي على رأسها ألألتزام بمباديء أخلاقية والتأمُّل والتفكير في الحياة للأعتراف بقدرة الخالق والأنصياع لتعاليمه والتناغم بين العقل والخلق.يقول سفر الأمثال"فرأس المعرِفةِ مخافة الربَِ,والحمقى يحتقرون الحِكمة والفهمَ"أمثال 1:7"   فعندما لا يضع الأنسان مخافة الله على راس أولوياته  عندها تصبح الثروة والقوّة والسلطة والصحة عديمة الجدوى لأنّ الأنسان لن يعرف كيف يستخدمها بصورة جيّدة . يقول كاتب سفر الحكمة عن هؤلاء الذين يفتخرون بجبروتهم وانجازاتهم البشرية الفانية:"فأسمعوا أيُّها الملوك وتعقَّلوا. وأتعظوا ياحكّام الأرض. اصغوا أيّها المتسلطون على الجماهير, أيُّها المفتخرون بكثرة الخاضعين لكم من الأمم. جبروتكم من الربِّ, ومن العليَّ سلطانكم"الحكمة 6:1,2,3". انَّ ألأنسان يصبح خاويا وجاهلا عندما يسعى فقط للأمور الشخصية ومصالحه الذاتية الأنانية.امّا اذا كان الهدف هو الله والآخرين فسيستمتع ألأنسان بحياته كاملة ,حياة لايشعر فيها ألأنسان بالمرارة  بل بفرح الحياة وحلاوتها.فالحياة بدون وضع الله على رأس أولوياتنا  لاتعطينا حلولا لمشاكلنا .
 ماهي الحكمة؟
نظرت الحضارة ألأغريقية  للفلسفة على أنّها محبّة الحكمة, وقد عرّف سقراط الحكمة على أنّها مزيج من الفضيلة والمعرفة ويقول:"نحن مجانين اذا لم نستطع أن نفكِّر ومتعصّبون اذا لم نرد أن نفكر, وعبيد اذا لم نجرؤ أن نُفكّر, وهو القائل أيضا "أيُّها ألأنسان أعرف نفسك بنفسك". وسُئلَ هذا الفيلسوف: لماذا أُختير أحكم حكماء اليونان؟ فاجاب:"رُبَّما لأنني الرجل الوحيد الذي يعرف أنَّه لايعرف" وهذا ما يوافق ما كتبه كاتب سفر الحكمة عندما يقول"ولكن من يَعلم أفكارك ايُّها الربُّ الأله أو يدرك ُ مشيئتكَ؟ فالعقل البشري قاصر, ووسائله عاجزة كُلِّ العجز"الحكمة9:13".
أمّا الحكمة عند  افلاطون فتأخذ ثلاثة أشكال. أولا الحكمة الفلسفية, ثانيا الحكمة العملية, وثالثا الحكمة العلمية.
 أمّا أرسطو فيعتقد أنَّ الحكمة رئيسة العلوم, لأنّها تقوم على التامّل في حقيقة العلوم, ويشير الى أنَّ الحكيم هو من يعرف عن كلِّ ألأشياء قدر معقول, ويكون قادرا على تعلُّم كلِّ ألأشياء الصعبة, وأن يُعلّم تلك المعارف للآخرين.
أمّا المفاهيم المعاصرة للحكمة فهي كثيرة ومتشعبة ولكن يمكن تلخيصها كما جاءت في قواميس مشهورة فحين نستقرئ التعريف القاموسي للحكمة في  قاموس"أوكسفورد"سنجده يُعرّفها بأنها " القدرة على الحكم الصحيح في الأمور المتعلقة بالحياة، واختيار أنسب الوسائل لبلوغ الغايات المعتبرة لدى الإنسان.
أما قاموس "ويستر" فيتفق على أن جوهر الحكمة إصدار حكم صائب فيما يتصل بشؤون الحياة العملية فضلاً عن السعي إلى إسباغ معنى هام على الحياة والوجود الإنساني فيها. وهي ايضا تعني القدرة على الإنصات، والتقويم، وإسداء النصح، والقدرة المرتفعة على الحكم، والوعي بحدود المعرفة، ومعنى الحياة، وفهم العلاقة بين الجسم والعقل، والكون والله، وتوظيف تلك المعرفة لحسن حال الفرد.
 
يشير "كانت" الى أنَّ الحكمة تتمثّل في ألأنتباه الى غايات الطبيعة والأهداف الكامنة خلف ما بها من ظواهر. فثمة قناعة أنَّ العلوم الجزئية لن توصلنا لفهم الحقيقة النهائية, بل الحكمة هي القادرة على الربط بين تلك الفروع للوصول للحقيقة, أي أنَّ الحكمة علم الكُل.
أمّأ  الروائي "تولستوي في روايته الحرب والسلام, يقول على لسان أحد أبطاله ":
"انَّ الحكمة العليا لا توجد في العقل والمنطق وحدهُ, ولا في علوم الفيزياء والكيمياء فقط, انّها موضوع في علم واحد, علم الكلّ,علم تفسير كُلِّ الوجود والأنسان, أي أنّها تعني الحقيقة العامة.
يشير القديس توما ألأكويني, الى أنَّ جوهر الحكمة يكمن في ألأتساق بين الفكر والعقل. ويميّز بين ثلاثة مستويات للحكمة:
ألأول: هو البصيرة العملية بالحياة المستمدّة من التأمل الفلسفي.
الثاني: والناشيء عن العقيدة والمعرفة الدينية وهو أعلى لأنَّه يُنظِّم كُلِّ ألأشياء في السماء وألأرض في ضوء القوَّة فوق الطبيعية.
والثالث: حيث الحكمة تعد منحة من الروح القدس وتكمن قوَّتها في الرجل الحكيم الذي يحب الرب ويستمد قوَّته من الرب .
انّ الحكمة عند ألأكويني تكمن في معرفة غايات الوجود ألأنساني, والتأمُّل والحكم على كلِّ ما هو أرضي في ضوء ما هو سرمدي(ابدي).
أمّا القديس أوغسطينوس فيقسم الحكمة الى قسمين:
أولا: المعرفة بالعالم المادي, وهي مفيدة في تحقيقه أهداف عملية في العالم المادي.
ثانيا: المعرفة بالله, والتي تبصّر الناس بالحكمة اللانهائية للرب, فالحكمة مُلك الرب الخالق.
عندما نفتخر بعقولنا وانجازاتنا العلمية والتكنولوجية مستبعدين نور الله وحكمة الله في حياتنا فنحن اشقى الناس واجهل الناس واغبى الناس "قال الجاهل في قلبه : لا إله!"مزمور14:1". انَّ رأس الحكمة هي معرفة الله, كما يقول الكتاب المقدس, لأنَّ الله هو الخالق. يستطيع ألأنسان أن يقوم بجميع انواع المعجزات التكنولوجية, فيستطيع اكتشاف نجوم لاتراها العين وأن يرتداد الفضاء ويكتشف مجرات, كما يستطيع خزن كمّا هائلا من المعلومات على رقاقة ميكروسكوبية, ولكن اعظم العلماء لا يستطيعون من ذواتهم أن يكتشفوا الحكمة لحياتهم اليومية. انَّ تاريخ البشرية وتاريخ الحضارت يؤكِّد على هذه الحقيقة ولكن الكتاب المقدس وحده يخبرنا انّ الله وحدهُ هو الذي يستطيع أن يُري ألأنسان أين يتطلع ليجد الحكمة, لأنَّهُ هو المصدرالوحيد للحكمة"أيوب28:227".
   علينا أن نتذكر دائما أن الله هو مصدر الحياة وهو مصدر الحكمة ومصدر النور الذي ينوِّر عقولنا لنختار الطريق المؤدي الى الحق والحياة فهو القائل "ليكن نور, فكان نور"تكوين1,3", وهو صانعنا معطيا لنا العقل, والحرية, وألأرادة, ولكن وضع الله لهذه النعم الثلاثة حدودا ومسؤولية علينا عدم تجاوزها فنكون  حكماء في تصرفاتنا وسلوكنا في هذه الحياة. علينا أن نتذكر دائما أن وجودنا نعمة مجانية وحياتنا هي ليست ملكنا فلا نفتخر بعقولنا أو أنجازاتنا, لأنّنا صنعة يد الله الخالق وعندما نبتعد  عنه فسوف نعيش في ظلمة وتعاسة وقد يقودنا هذا الأنفصال عن الله الى الدمار والفناء وخير دليل على ما نقوله هو عندما نتذكر الحربين العالميتين التي اودت بحياة أكثر من 100 مليون انسان بالأضافة الى الحرب الباردة التي كانت كابوسا مخيفا عانى منه العالم حوالي 70سنة ولازال العالم تحت سلطة الخوف من الأسلحة الذرية التي صنعها الأنسان وما انفجار محطة تشيرنوبل الروسية وما خلفته من موت وتسرب اشعاعات نووية خير دليل على مانقوله  لابل ماحصل ويحصل اليوم في المحطة النووية فوكوشيما في اليابان هذه الأيام والتسرب الذري لهو كابوس يؤرق جميع البشر فنحن نواجه كارثة نووية غير مسبوقة. هذا بالأضافة الى ماحصل في القرن الماضي وبداية القرن الحالي من الحروب وما نشهده هذه الأيام من المآسي حيث العنف والأرهاب وغياب الحكمة لدى الحكام والسلاطين الذين يحكمون شعوبهم. ولا ننسى التغيير في المناخ بسبب تكالب الدول في استهلاك الطاقة على حساب الطبيعة والمخلوقات وتلوث البيئة, بينما الله  قد اسند مسؤولية الخليقة للأنسان"راجع سفر التكوين1:28". ولكن ألأنسان لم يستغل عقله وحريته وارادته  بحسب حكمة الله وارادته بصورة صحيحة الى يومنا هذا " من كان منكُم يعتقد أنَّه رجل حكيم بمقياس هذه الدنيا, فليكن أحمق ليصير في الحقيقة حكيما "1كورثوس 3:18".
الحكمة هي معرفة تتسم بالعمق والشمول والنظرة الشبكية أو النظرة التلسكوبية الى أمور الحياة,والحكيم يحب رؤية واستبصار الذات والاخرين والطبيعة وألأحداث وطبيعة العلاقات فيما بينها جميعا  ,فالحكمة تساعد ألأنسان على فهم ذاته واحداث حالة من التوازن داخلها (بين العقل والعاطفة) وهذا ما يمكِّن الأنسان من فهم نفسه والتناغم معها والسيطرة عليها بعدم أصدار ردود أفعال انفعالية أو متهوِّرة أو عنيفة أو مستعجلة  فالنار لا تُطفى بالنار .والحكمة تتضمن أيضا التوازن بين العقل والوجدان والعقل والسلوك .
وفي الجزء الثاني والثالث  سنتكلم عن الحكمة في الكتاب المقدس حيث يعطينا كتاب الله الحلول لمشاكلنا اليومية وكيف نتصرف في هذا العالم بحكمة وفطنة .
وشكرا

114
ثمن اتباع يسوع المسيح
 
نافع البرواري
يقول المثل "كُلِّ شيء له قيمة لا بُدَّ أن يُكلِّف".
"وما دمنا أبناء الله, فنحن الورثة: ورثة الله وشركاء المسيح في الميراث, نشاركه في الامه لنشاركه ايضا في مجده"روما 8:17".
ان وحدتنا مع المسيح لها ثمن, كما أنَّ للحرية ثمن, فعلينا نحن المؤمنون اليوم وفي كل زمان ومكان وكما في عهد الرسل أن ندفع ثمن اتباعنا ليسوع المسيح. ففي الكثير من جهات العالم اليوم وخاصة في مصر والعراق والشرق الأوسط عموما, يواجه المسيحييون ضغوطا لا تقلُّ عن الضغوط التي عاناها أتباع المسيح في القرون الأولى للمسيحية, ولكن مهما كانت هذه الضغوطات, علينا أن لا نشاكل هذا العالم وهذا يقتضي ثمنا قد يكون غاليا ولكن علينا أن نتذكر أنَّ لا شيء يقارن بالثمن الفادح الذي دفعه المسيح ليخلصنا, ولا بالمجد الذي ينتظرنا فعلينا أن لاننظر الى الأشياء التي نراها, بل الى الأشياء التي لانراها "2كورنثوس4:17,18 ". انَّ يسوع المسيح لم ياتي الى العالم ليكسب جاها أو سلطة سياسية, لكن بالحري ليعيش الامنا ويموت حتى نحيا نحن"لأنّهُ أحتمل ألم الموت, وكان عليه أن يذوق الموت بنعمة الله لخير كُلِّ انسان"عبرانيين2:9", فهل نحن نهتم بألأخذ أم بالعطاء هل نحن نهتم بالحياة الأرضية الزائلة ام نسلط نظرنا الى الهدف الأسمى؟" يقول الرب يسوع المسيح"ويشبه ملكوتُ السماوات كنزا مدفونا  في حقل, وجده رجلٌ فخبَّأهُ, ومن فرحهِ مضى فباع كُلُّ شيء وأشترى الحقل"متى 13:14 .
قد يضن الكثيرين ان المحبة تتناقض مع الموت! الا أنَّ هؤلاء الناس لايعرفون المحبّة الحقيقية, لأنَّ المحبَّة يمكن أن تتضمن, بل وغالبا ما تتضمن, التضحية والألم, لقد عَلِمَ التلاميذ بألأخطار المحيطة بيسوع عند ذهابه الى اورشليم فحاولوا ايضاح هذه المخاطر له. وعندما فشلت أعتراضاتهم على ذهابه, كانوا مستعدين ومرحبين بالذهاب معه بل والموت معه ايضا"يوحنا 11:16". ولعلَّهم لم يفهموا سبب موت يسوع لكنهم كانوا أوفياء له. وهناك أخطار مجهولة في القيام بعمل الله ومن الحكمة حساب أعلى تكلفة للتلمذة ليسوع المسيح. وعلى المؤمنين تقديم ألأيمان للآخرين مهما بلغ الثمن "راجع أعمال5:40".
فعلينا أن نفكر مثل المسيح لنتشبه به في الخدمة المضحية وعلينا أن نعرف رسالتنا ومثالنا التي لهما تأثيرهما, وان الله يحسبنا أهلا لأن نمثِّلهُ "أعمال5:41".
 
"من أراد أن يُخلِّص حياتَهُ يخسرها, ومن خَسَرَ حياتَهُ في سبيلي يُخلصُها فماذا ينتفعُ الأنسان لو ربح العالم كُلَّهُ وخسِرَ نفسهُ أو أهلكها"لوقا 9:24,25" وهو القائل"وكُلُّ من ترك بيوتا , او اخوة أو أخوات, او أبا, او أمّا,او أبناء, أو حقولا من أجل أسمي, ينال مئة ضعف ويرثُ الحياة ألأبدية"متى 19:39".
كان يسوع المسيح يعلم كم يُكلِّفه عمل مشيئة الآب, كان يدرك ألآلام التي سيعانيها, هكذا بالنسبة للمؤمنين به, فالألتزام بالأيمان المسيحي مُكلف وله ثمن مكلف يُدفع للفوز في النهاية بما هو أثمن, فليس أتباع الرب يسوع المسيح طريقا سهلا أو مريحا دائما, بل انَّه يقتضي كُلفة باهضة وتضحية عظيمة, بلا جزاء أرضي مضمون وبلا أمن في هذا العالم"راجع متى8:18,19", لا بل قد يكون ثمن اتباع المسيح يكلِّف الشهرة وألأصدقاء وأوقات الراحة بل حتى فقدان الحياة, ولكن قيمة كوننا تلاميذ للمسيح هي استثمار سيدوم الى ألأبد ومكافئات لا يمكن ان نصفها "انَّ ما لم تراه العين ولم تسمع به الأُذن أعده الله لمحبيه".
فأتباع المسيح يعني الولاء الكامل, والأولوية المطلقة حتى ان كان ذلك يؤدي الى انقسام العائلة أو حتى اذا واجه العالم كُلَّهُ"لا تَظنِّنوا أنّي جئتُ لأحمل السلام الى العالم, ما جئتُ لأحمل سلاما بل سيفا جئتُ لأُفرّق بين ألأبن وأبيه, والبنت وأُمُّها والكنة وحماتها, ويكون أعداء الأنسان أهل بيتهِ"متى 10:34,45,36" .
 وهكذا حتى دفن الموتى لم يكن له ألأولوية في نظر المسيح على مطالب الطاعة. فلا يعلوا اي هدف أو شيء عن الألتزام الكامل بالحياة لأجل المسيح.
"وقال له واحد من تلاميذه :"ياسيِّد دعني أذهب أولا وأدفن أبي". فقال له يسوع:"اتبعني  وأترك الموتى يَدفنون موتاهم!"متى 8:21,22".
الرب يسوع يريد منا التكريس الكامل له فيجب على المؤمن ان يقبل الصليب مع ألأكليل ".....ومن لايحمل صليبه ويتبعني فلا يستحِقُّني"متى 10:38", كما يجب على المؤمن أن يحسب حساب التكلفة ويكون مستعدا للتنازل عن كُلُّ شيء اخر يعتمد عليه ليعطيه الأمان , وهذا ما نقرأه عن أبونا ابراهيم حيث ترك أهله وعشيرته وارضه ووطنه وتبع الله في رحلة حياته, لابل تنازل عن حقه في الأرض لأبن أخيه لوط, فعندما ركّزَ ابراهيم عيونه على الرب لم يسمح لأيُّ شيء اخر أن يمنعه من العيش كما أراد الله منه, هكذا نقرأ في سفرأعمال الرسل وتاريخ الكنيسة عن سيرة الرسل والقديسين الذين تركوا كُلِّ شيء خلفهم وتبعوا يسوع المسيح. ويسوع المسيح يقول لنا"ما من أحد يضع يده على المحراث ويلتفت الى الوراء , يصلحُ لملكوت الله"لوقا9:62".
على الذي يتبع المسيح أن يتنازل عن كبريائه وأن يصبح خادما للآخرين وأن يأخذ المكانة الأخيرة بين الآخرين وأن ينكر ذاته ويضحي في وقته وبعمله واصدقائه ووطنه وبارضه وحتى كرامته اذا تطلب الأمر من أجل المسيح. هناك ناس مثل الشاب الغني كما ورد في قصة الشاب الغني في انجيل "متى 19" كان يتقيّد بحفض الشريعة ولكن عندما تطلب ألأمر أن يبيع أملاكه ويتبع المسيح حزن بسبب كونه كان غنيا ولم يشأ ان يترك أمواله الكثيرة
هناك تناقض بين المؤمنين المسيحيين وبين العالم  فقيم العالم غالبا ما تكون على الضد من قيم الله, وقد يسبب هذا للمسيحيين ألأحساس بعدم الأنسجام مع هذا العالم, ولكن يسوع المسيح يقول لنا" انتم لستم من هذا العالم". فعندما لا يكون هناك من يفهم تمسك المسيحي بمبادئه السماوية والتي قد تبدو غريبة وشاذة عند الآخرين فهذا لا يعني ان المؤمن المسيحي على خطأ بل هو قد يكون دليلا على أنّ ما يقوله المسيح لنا حقيقة فهو يقول "قد يستهزئون بكم ويعيرونكم ....الخ.
 "الحق الحق أقول لكم: ستبكون وتندبون, وأما العالم فسيفرح. ستحزنون, ولكن حزنكم يصير فرحا  .....لا ينتزعه منكم أحد"يوحنا16:20,22", "وها أنا أرسلكم مثل الخراف بين الذئاب فكونوا حذرين كالحيّات, ودُعاءَ كالحمام "متى 10:16".  يقول احد ألآباء " انَّ يسوع المسيح يقول لنا ارفعوا رؤوسكم حتى في اثناء الآلام لأنَّ الرب معنا وهو يحمل صليبنا".
. "يشتَدَ علينا الضيقُ من كُلِّ جانب ٍولا ننسحقُ, نَحارُ في أمرنا ولا نيأَس, يضطهدنا الناس ولا يتخلّى عنا الله, نسقطُ في الصراع ولا نهلكُ, نحملُ في أجسادنا كُلَّ حين الام موتِ يسوع لتَظهر حياتُهُ أيضا في أجسادنا "2كورنثوس4:8,9,10" انَّ كل رغباتنا وطموحاتنا الأرضية يجب أن تصلب حتى تكون لنا حياة جديدة في المسيح  وأن هذه الحياة الجديدة أعظم وأغلى من أى شيء يمكن أن نحققه فى العالم.
"  ......ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي. والذي يثبت الى النهاية يخلص. واذا أضطهدوكم في مدينة, فاهربوا الى غيرها.....لاتلميذَ أعظم من مُعلَمُهُ ولا خادم أعظم من سيِّدَهُ" متى10:22,23". نعم فالألم في الجسد يتحول على الصليب مع يسوع المسيح من العار الى الأفتخار. قال الرب لتلميذي عمّاوس"أما كان يجب على المسيح أن يعاين هذه الآلام , فيدخل في مجده؟"لوقا 24:26".

115

   

 

هل حدث انقلاب على ثورة 25 يناير المصرية؟

 

نافع البرواري

 

عندما نستعرض الأحداث الدراماتيكية لثورة الشباب المصري, واصرار رئيس النظام السابق على التشبُّث بالسلطة مقابل تنازلات على شاكلة تعديلات ترقيعية في بعض مواد الدستور القديم, وكانت جميع محاولاته تواجه بالرفض من قبل ملايين الشباب, لأن َ الشباب كان قد حسم امره وقدّم دستوره الجديد الذي هو عبارة عن مبادئ طرحها في ساحة التحرير والتي  تعتبر نواة للدستور الجديد الذي يطالب به هؤلاء الشباب وعلى رأس هذه المطالب ان تكون الدولة حرة ديمقراطية مدنية, ولكن وبعد  سقوط رأس النظام وتسليمه القيادة لرئيس جهاز المخابرات العامة المصرية ,عمر سليمان ,وبدوره تسليم القيادة للجيش المصري حدثت مساومات واتفاقيات  وصفقات مشبوهة في دهاليز واروقة النظام السابق بين هذا النظام وبين الأحزاب ألأسلامية وعلى راسها ألأخوان المسلمين وبين العسكر, كقوى  مهيمنة على السلطة حينها ولا زالت, وسوف تثبت الأشهر أو السنين القادمة ما تم الأتفاق عليه بين هذا الثلاثي المشبوه

هذا النظام الذي أذلّ المصريين لم يصنعه حسني مبارك‏,‏ بل هو الذي صنع حسني مبارك وجعله طاغية‏,‏ وإذا كان كل شيء قد فسد في ظل حسني مبارك فالذين سبقوا حسني مبارك هم الذين أسسوا لهذا الفساد‏.‏

يقول احد الكُتاب :
"حسني مبارك بقي في السلطة ثلاثين عاما لأن أنور السادات غيّر الدستور ليفتح لنفسه باب التمديد علي مصراعيه‏,‏ وفي مقابل ذلك رشا الجماعات الدينية بالمادة الثانية التي جعلت الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للقوانين فوقفت هذه الجماعات إلى جانبه في الحرب التي أعلنها على المثقفين الذين تصدوا له‏,‏ لكن هذه الجماعات هي التي أفرزت من تآمروا عليه وقاموا باغتياله‏,‏ والذي صنعه السادات في الدستور صنعه من قبله جمال عبدالناصر الذي حل الأحزاب‏,‏ وأوقف العمل بالدستور الديمقراطي الذي صدر عن ثورة‏1919"‏

وقد ظهرت بوادر هذه الأتفاقيات ايضا في الأيام التي تلت ثورة 25 يناير, بدأت تظهر على ارض الواقع بجملة من الحقائق الملموسة عن تعاون الجيش مع ألأخوان المسلمين وكذلك سكوت الأخوان عن ما جرى من نهب أموال الشعب المصري من قبل النظام السابق وعلى راسهم حسني مبارك والذي كشف الأعلام العالمي عن سرقته لمليارات الدولارات من خزينة الدولة عدا ما تم كشفه من الأنتهاكات لحقوق ألأنسان لما قامت به مؤسسات أمن الدولة.

ولكي نعيد شريط ألأحداث ونسلط الضوء على ايام ماقبل سقوط النظام سنستخلص نتيجة واحدة وهي أنّ هناك انقلابا قد حدث على ثورة 25يناير التي قادها الشباب المصري الذي بذل الكثيريين منهم انفسهم من أجل نجاح هذه الثورة لتكون ثورة حقيقية من أجل الحرية والديمقراطية والمساواة ولكن جاء الأخوان المسلمون ليركبوا الموجة ويستغلوا ,كعادتهم عبر تاريخهم المعروف بالمكر والخداع, الفراغ السياسي والأمني لصالحهم لتمرير مشاريعهم الظلامية.

لقد أثبتت أحداث حرق(كنيسة الشهيدين في حلوان ) واطلاق النار من قبل قواة الجيش على المتظاهرين القبطيين وهم يسيرون في مظاهرات سلمية لأستنكار جريمة حرق الكنيسة, أثبت بدون شك ما توصلنا اليه من ألأستنتاجات, والدليل قيام شيوخ المسلمين المتطرفين بالدفاع عن هذا العمل الأجرامي بحجج شيطانية لا يقبلها العقل والمنطق.

والحدث ألأهم هو التزويرات المنظمة والمنسقة للأنتخابات المصرية على ألأستفتاء من أجل تعديل الدستورالقديم لسنة 1971 حيث تم تطبيق ما توصلنا اليه من نتائج تلك الأتفاقيات المشبوهة بين هذه القوى الثلاثة ضد الثورة التي خاضها الشباب المصري والتي قدَّم فيها الشباب أغلى  ما يمتلكونه وهي أرواحهم ودمائهم من أجل الحصول على الحرية والديمقراطية.

انَّ دستور1971 فيه 51 مادة تختص بصلاحيات رئيس الجمهورية، ولأن هذا الدستور أبطل العمل به بقرار من المجلس الأعلي للقوات المسلحة فإن فكرة ترقيع الدستور وحصار الثورة  بالوقت الضيق لإجراء أربع انتخابات في ستة أشهر فيه عشرات علامات ألأستفهام

وقد ادرك الكثيرون من المثقفين والشباب المصري هذا الأنقلاب على الثورة فقد قام الشباب والمثقفون المصريون وتحت شعار «الشعب يريد كتابة دستوره» أقيمت ندوة بميدان التحرير قبل الأستفتاء على الدستور حضرها آلاف من شباب الثورة تحدث فيها الدكتور حسام عيسي استاذ القانون بجامعة القاهرة، مؤكدا أن التعديلات الدستورية المقترحة هي انقلاب علي الثورة ومطالبها، خاصة أن الرئيس المخلوع هو أول من رأى إجراء تعديلات فقط على الدستور وليس عمل دستور جديد وشكَّل لجنة لإجراء هذا التعديل، ثم سار المجلس العسكري على نفس المنهج وتساءل عيسي: هل من المعقول أن نجعل مبارك يرسم لنا مستقبلنا؟ وأشار في حديثه إلى أن الدستور الحالي يعطي لرئيس الجمهورية صلاحيات تجعله يتحكم في الأرض المصرية ومن عليها واضاف قائلا "ولذلك  نريد أن يكتب الشعب دستوره. وبالتالي فإننا لانريد الاستفتاء القادم بل نريد إعلانا دستوريا جديدا وأن تمتد الفترة الانتقالية لمدة عام حتى نستطيع اقامة مجتمع ديمقراطي حر يسمح بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية".

وقال الفقيه الدستوري ثروت بدوي إن تعديل دستور مبارك الفاسد استمرار لنظامه الفاسد لأن الدستور القديم يحمي الحرامية لذلك لا نريد استفتاءاً على التعديلات المقترحة. وشدد أمين اسكندر أحد مؤسسي حزب الكرامة على أن البلاد في حاجة إلي دستور جديد مع انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور يستند للمبادئ التي قامت من أجلها الثورة.

كتب احدهم قبل الأستفتاء عل الدستور المصري بعد ثورة 25فبراير مايلي:

لماذا يجب ان نقول( لا )لتلك التعديلات المشبوهة:

لان مصلحة السلفيين و الاخوانجيه الاولى في الموافقه على تلك التعديلات تكمن في استفادتهم الرهيبة من الغاء الماده الخاصه بقانون مكافحة الارهاب حتى تصير البلد مرتعا لهم يفعلوا فيها ما يريدون دون رادع.

أن الدستور القديم سقط بسقوط مبارك ونظامه وكان على المجلس الأعلي للقوات المسلحة أن يعلن مبادئ دستورية جديدة(موقَّت) تحكم المرحلة القادمة حتى وضع دستور جديد, وها هو ما كنا نتوقعَّه قد حدث في أول اختبار اجتازته ثورة الشباب عندما تم الأستفتاء على (نعم) لترقيع الدستور القديم وبنسبة حوالي   77% .

و(لا) لترقيع الدستور القديم(بل اجراء دستور جديد يلائم طموحات شباب الثورة ) وبنسبة حوالي 23% .

انَّ كل المؤشرات والمعطيات تؤكد حصول تزوير منظم  للأستفتاء على الدستور والذي تم تحت ضغوط الأحزاب الأسلامية وخاصة الأخوان المسلمون الذين شحنوا الشعب بفكرة دينية مفادها اذا اراد الشعب المصري المسلم  بقاء مصر اسلامية فعلى الشعب أن يقول( نعم) لترقيع الدستور, ولكون الشباب الذي قاد الثورة لم ينظم نفسه تحت الوية الأحزاب حاليا لأنَّ ذلك يتطلب وقتا وجهوداً, فقد استغل الأخوان المشهورين بتنظيمهم الجيد وتمويلهم لكي يشتروا ذمم الناس وبساطتهم وخاصة الغير المتعلمين والفلاحين والنساء 

لقد خُدعَ الشعب المصري مرتين, مرّة عندما اختيرت لجنة الأستفتاء من قبل هذا الثلاثي المشبوه  ودون ان يكون بين اعضاء اللجنة ولو امراة واحدة وهذا يؤكد كون اللجنة وضعت بمباركة الأخوان .

وخدع الشعب مرة ثانية عندما تم تزوير والتلاعب بورقة الأستفتاء حيث بطاقة الأستفتاء قد صُممت لتكون عبارة عن دائرتين اولها خضراء وهي اشارة الى (نعم)  وهي اشارة الى العلم الأخضر للأخوان والدائرة الثانية سودا هي(لا) اشارة الى السواد والوحشة.

هذا اضافة الى حالات كثيرة من التزوير في استخدام سجلات واوراق غير مختومة وكذلك فتاوى الشيوخ التابعين للأخوان المسلمون بالأستفتاء على ( نعم) كواجب ديني وشرعي على كل مسلم ومسلمة بالأضافة الى عشرات من الطرق التزويرية التي ابدع فيها الأخوان وتعلموها من النظام السابق بل اضافوا اليها طرق مستحدثة تم اختراعها من قبل المبدعين فيهم. ولا ننسى حقيقة فاضحة لهذا التزوير وهو ان النتيجة غير منطقية بهذه النسبة أي 77% اذا عرفنا انّ الأقباط لوحدهم يشكلون حوالي 15-20% من السكان وهم في الغالب قد استفتوا على (لا) لترقيع الدستور.

وختاما أن هذا الأستفتاء يضع ثورة الشباب في مفترق الطرق فأمّا أن يرفضوا نتائج هذا الأستفتاء ويعيدوا تصحيح مسار الثورة لتسير كما ارادها الثوار وقدموا دمائهم قرابين لتحقيق طموحاتهم المشروعة, او يقبلوا بهذا الألتفاف والأنقلاب على الثورة وعندها ستذهب لا سمح الله كُلِّ تضحياتهم وطموحاتهم ومطالباتهم بالحرية والديمقراطية  في ادراج الريح

وقد سبق ان حذرنا من تداعيات الألتفاف على الثورة المصرية بصورة خاصة والثورات في البلدان العربية بصورة عامة في مقال كتبته سابقاً في الموقع المذكور ادناه.


http://www.ishtartv.com/articles_print.php?id=34246

116
 
نظرة تاريخية على العقلية العربية وجذور العنف في القبائل والمجتمعات العربية
 
نافع البرواري

عندما نلقي نظرة تاريخية سريعة على جذورالعنف في المجتمعات العربية عامة, والقبائل العربية خاصة, منذ تدوين التاريخ العربي(حوالي 500م) وصولا الى يومنا هذا, وتسليط الضوء على ألأحداث التاريخية وألأجتماعية والأقتصادية والسياسية لهذه المجتمعات سنتوصل الى نتيجة واحدة خلاصتها: أنَّ هذه القبائل والمجتمعات كانت ولا تزال تعيش في حالة عنف وحروب وعدم الأستقرار المستمر, منذ أن كان العرب قبائل رحل تجوب الصحراء لشبه الجزيرة العربية وحتى بعد استقرار هذه القبائل وسط الشعوب المتحضرة التي قامت تلك القبائل بغزوها واستعمارها وانشاء خلافة اسلامية فيها, وصولا الى يومنا هذا. ولن نخوض في حيثيات التاريخ العربي ولكن لنقرأ ما كتبه بعض المؤرخين العرب والمستشرقين عن طبيعة الشخصية العربية  وما رافقها من العنف منذ أن كان العرب يجوبون صحراء الجزيرة العربية كبدو رحل وصولا الى يومنا هذا, وخير دليل على ما نقوله ما تشهد الأحداث التي يعيشها اليوم معظم الشعوب  العربية, حيث ظاهرة العنف متماثلة ومتشابه في معظم هذه الدول من المغرب العربي الى المشرق العربي حيث الحاكم عندما يتسلط على شعبه لن يتنازل عن عرشه حيث يعتقد انّ حكمه هو من الله بل احيانا كثيرة يأله نفسه ويضرب كُل من يحاول الوقوف حجر عثرة في طريقه حتى لو كان شعبه ورعيته فليس لديه اي مانع من سحق شعبه  الذي أوصله الى السلطة. واذا ما تأملنا في ما كتبه المؤرخون عن طبيعة ونفسية وعقلية العربي عندها نستطيع تحليل الأحداث والثورات الهائجة هذه الأيام في الدول العربية. ألمؤرخون العرب والمستشرقون الذين كتبوا عن طبيعة المجتمعات العربية بصورة عامة والفرد العربي بصورة خاصة, يؤكّدون لنا هذه الحقيقة التي لايمكن للمختصين الدارسين للشؤون الأجتماعية والسياسية والتراثية الاّ رصدها وتحليلها وتشخيصها لمعالجة هذه الظاهرة أي ظاهرة العنف في المجتمعات العربية.


يقول الدكتور جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب ص55 باب طبيعة العقلية العربية", لكل أُمة عقلية خاصة بها, تُظهر في تعامل أفرادها بعضهم مع بعض وفي تعامل تلك الأمة مع ألأمم ألأخرى ,كما أنّ لكل أمة نفسية تميّزها عن نفسيات ألأمم ألأخرى. وعن العرب يقول(نقلا عن أبن خلدون)": العربي عصبي المزاج, سريع الغضب, يهيج للشيء التافه, ثم لايقف في هياجه عند حد, وهو اشد هيجانا, اذا جُرحت كرامته, أو انتهكت حُرمة قبيلته, واذا أهتاج أسرع الى السيف, وأحكم اليه, حتى صارت الحرب نظامهم المالوف وحياتهم اليومية المعتادة .....العرب ميَالون الى الغزو وألأخذ بالثأر, وعاطفيّون تتحكّم العواطف في حياتهم ويغضبون لأتفه ألأمور ويرضون بسرعة.  
ويضيف قائلا:
خياله(خيال العربي) محدود وغير متنوع, فقلّما يرسم خياله عيشة خيرا من عيشته, وحياة خيرا من حياتهِ يسعى ورائها, لذلك لم يعرف "المثل ألأعلى" لأنَّه وليد الخيال......وقلّما يسبح خياله في عالم جديد يستقي منه معنى جديدا, ولكنه في دائرته الضيقة استطاع أن يذهب كُلِّ مذهب.....والعرب لايدينون بالطاعة لرئيس ولا حاكم, تاريخهم في الجاهلية – حتى وفي ألأسلام- سلسلة حروب داخلية وعهد عمر بن الخطّاب كان عصرهم الذهبي, لأنّه شغلهم عن حروبهم الداخلية بحروب خارجية, ولأنّه, رضي الله عنه مُنح فهما عميقا ممتازا لنفسية العرب.............., العربي متعصّب لقبيلته (ولا زال الى يومنا هذا) يعتز بها ثم بجنسه يشعر في أعماق نفسه بأنّه من دم ممتاز, لم يؤمن بعظمة الفرس والروم...حتى أذا فتح بلادهم نظر اليهم نظرة السيد الى المسود".
 
ويضيف المؤرخ جواد علي قائلا: "انَّ الحديث عن العقلية العربية حديث قديم, ففي التوراة شيء عن صفاتهم, أوصافهم, كوّن من علاقات ألأسرائيليين بهم, ومن تعاملهم وأختلاطهم بالعرب النازلين في فلسطين وطور سيناء أو في البوادي المتصلة بفلسطين, ومن أوصافهم :"أنَّهم متنابذون يغزون بعضهم  بعضا, مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضا "يدَهُ على الكل, ويد الكل عليه"يغيرون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها اسرى, يبيعونهم في اسواق النخاسة أو يسترقونهم فيتَّخذونهم خدما ورقيقا يقومون بما يؤمرون به من أعمال, الى غير ذلك من نعوت وصفات".
ويقول هذا المؤرخ "نقلا عن ما نُسِبَ الى كسرى ملك الفرس بعد وصفه لطبائع الأمم فوصف العرب قائلا":اذا عاهدوا فغير وافين, سلامهم كلامهم, به يتفنّنون وبكلامهم يتلاعبون...ليس لهم ميل الى صنعة أو عمل ولا فن, لا صبر لهم, أذا حاربوا ووجدوا قوّة أمامهم, حاولوا جهدهم التغلب عليها, أمّا اذا وجّسوها قوّة منظمة هربوا مشتتين متبعثرين شراذم, يخضعون للغريب, ويهابونه ويأخذون برأيه فيهم, ما دام قويا, ويقبلون بمن ينصبه عليهم ولا يقبلون بحكم واحد منهم, اذا اراد أن يفرض سلطانه عليهم.
ويورد الدكتورجواد علي في نفس الصفحة ص56 مستشهدا برأي أحد ملوك الهند الذي كتب رسالة الى "عمر بن عبدالعزيز" وصف فيهاالحضارات القائمة في حينها وتميّزها في الصناعات والعلوم والمعارف والفلسفة  فيقول عن العرب:"..ولم يكن للعرب ملك يجمع سوادها ويضم قواصيها ويقمع ظلمها وينهي سفيهها, ولا كان لها قط نتيجة في صناعة ولا أثر في فلسفة الاّ ما كان من الشعر.,.......فما الذي تفتخر به العرب على العجم فأنَّما هي كالذئاب العادية والوحوش النافرة يأكل بعضها ويغير بعضها على بعض".
امَا الدكتور علي الوردي( المؤرخ العراقي الشهير) فيقول في كتابه "طبيعة المجتمع العراقي ص22"نقلا عن ابن خلدون:
 
"وصف أبن خلدون العرب بأنّهم أشد ألأمم بداوة, وبعدا عن الحضارة. ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما أشبه ". ويعترف علي الوردي, بالرغم من تحفُّظاته على ابن خلدون, بأنَّ القبائل العربية قد خربت بلاد المغرب تخريبا فظيعا ويقول"يمكن أن نقول نحن العرب بوجه عام أنَّ البداوة فيهم أقل توغلا وشدة مما هي في المغول والتتر ومن لفَّ لفَّهم, والسبب حسب رأيه, هم أنَّ العرب قد تصارعت فيهم البداوة والحضارة منذ أقدم ألأزمان .
وعن البداوة يقول علي الوردي (نقلا عن المؤرخ ارنولد توينبي ) هي"حضارة مجمّدة" (ص34). فالبداوة لا تتغيّر أو تختلف اختلافا كثيرا بأختلاف الزمان والمكان. فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة سنة, أو قبل عدة مئات من السنين, فهي في المناطق المختلفة. متشابه
وعن راي المستشرقين(عن العرب), "يقول (لامانس)"انَ العربي نموذج الديمقراطية, ولكنها ديمقراطية مبالغ فيها الى حد بعيد. وان ثورته على كل سلطة تحاول أن تحدد من حريّته ولو كانت في مصلحته, وهذا هو السر الذي يفسر لنا سلسلة الجرائم والخيانات التي شغلت أكبر جزء من تاريخ العرب!!!!!!!!!!!!....... وجهل هذا السر هو الذي قاد ألأوربيين في ايّامنا هذه الى الكثير من الأخطاء وحملهم كثيرا من الضحايا كان يمكنهم ألأستغناء عنها, وصعوبة قيادة العرب وعدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم وبين سيره في سبيل الحضارة الغربية
ويلخص على الوردي طبيعة البداوة هي "التغالب"ويوضح ذلك بالقول انّ مركبات الثقافة البدوية هي ثلاث 1-العصبية2-الغزو3-المروءة.
فالرجل البدوي منذ قديم الزمان "نهاب وهّاب" ومن خلال الشعر الجاهلي نتوصل الى أنّ هذا الشعر يغلب عليه النزعة الشديدة المسيطرة على نفسية الرجل البدوي والتي تدفعه دائما نحو القوة, ولأبن خلدون رأي معروف في العرب خلاصته "انّ العربي متوحش نهّاب سلاّب وأذا أخضع مملكة اسرع اليها الخراب(يصحّرها), يصعب انقياده لرئيس, لايجيد صناعة ولا يحسن علما ولا عنده استعداد للأجادة فيهما, سليم الطباع, مستعد للخير شجاع".
ويخلص دكتور علي الوردي الى نتيجة: "أنّ نزعة التغالب قد سيطرت على شخصية البدوي والتي تجعله ينظر في كل ألأمور حسبما توحي اليه, أنّه يود أن يكون ناهبا لامنهوبا, معتديا لا معتدى عليه ..........مفتاح الشخصية البدوية وشعارها هو"اليد العليا خير من اليد السفلى" وفي ص45 يقول نستطيع أن نقول على ألأجمال, انّ الثقافة البدوية فيها جانبان متناقضان ولكنّهما متوازيان  فهو يود أن يغزو وينهب ويقتل ويعتدي, وهو في نفس الوقت يود أن ينكرم ويحمي ويغيث ويميل بمروئته هل من يأتي اليه قاصدا حاجة". ويقول خليل عبدالكريم في كتابه ألأسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية(ص57)مايلي:.
"كان رزق العربي السابق على الرسالة المحمدية ياتيه من سيفه ورمحه عن طريق الغارات التي يشنها, أتخذوها وسيلة من وسائل العيش وهو الغارة والسلب على قبيلة معادية وكثيرا ماتكون المعاداة, فيأخذون جمالهم ويسلبون نسائهم وأولادهم وتتربص بهم القبائل ألأخرى ذلك فتفعل ما فعلوا.... ويضيف قائلا( ص58):
...وأطلق العرب على الفلاحين ألأعاجم (العلوج) جمع( علج) وهو ألأعجمي الذي لم يعتنق ألأسلام بل ظل على دينه وهي (قلب) لكلمة (عجل) وهي كلمة توحي بالتعالي والتسلط من جانب أطلقها وبالدونية على من سمى بها, وعملية (القلب) معروفة في اللغة العربية وهي:تغيير ترتيب حروف الكلمة مع بقاء وزنها ومعناها".
نستخلص من كل هذا: أنّ الثقافة العربية الى يومنا هذا لازالت متأثرة بالثقافة البدوية ولم تترقى الى مستوى الحضارت التي يعيشها عالم اليوم طالما هناك العصبية القبلية والتي اضيفت اليها اليوم العصبية الطائفية الدينية, وهذا الكم من العنف الشعوري والمادي الموروث, فلن يكون هناك تقدم في الدول العربية ثقافيا وفكريا وديمقراطيا ولن تتحقق الحريات المنشودة ولن يكون هناك احترام لحقوق ألأنسان ولن تكون هناك الحرية بالمفهموم الحضاري لكلمة الحرية في هذه الدول في المنظور القريب ألاّ اذا تم تشخيص جذور العنف  ومن ثم يتم معالجته. وعلى الثوار الذين اسقطوا الأنظمة الحاكمة المستبدة أن يقوموا بثورات داخل مجتمعاتهم لبناء انسان جديد يبدا بتربية اجيال على مفهوم حب الوطن واحترام حقوق المواطنين مهما كانت اعراقهم او معتقداتهم او اديانهم, وذلك  بتشريع دساتير مدنية وابعاد كافة ألأحزاب الدينية  من المشهد السياسي وتثقيف ألأنسان العربي بثقافة اللاعنف وثقافة تفضيل المصلحة العامة على المصالح الآنية اوالعشائرية أوالطائفية وتسخير وسائل الأعلام لثقيف الأنسان العربي على تقبل الآخر في التنوع الفكري والعقائدي وعدم النظر الى الآخر من منطلق الفوقية والتسلط ,وعدم التمييز بين المواطنين, وكذلك  نشر ثقافة الأنتماء الشامل للأنسانية وتكامل الحضارات وازالة فكرة نظرية المؤامرة في ذهنية العربي لأنها نضرية تدميرية مرضية وكذلك معالجة النرجسية التي تعاني منها اغلب الشعوب العربية وأعطاء الدور الريادي لطبقة المثقفين والعلماء وتغيير المناهج الدراسية التي تغذي العنف ولاتراعي التقدم العلمي والتكنولوجي ,كذلك يجب فصل السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية في دساتير هذه الدول وتطبيقها في الواقع.

117

وعلى اسمه رجاء الشعوب

نافع البرواري

 

لقد خاب رجاء الكثيرين ومنهم تلاميذ المسيح عندما مات المسيح على خشبة الصليب "لوقا 24:18". فعندما ظهرالمسيح لتلميذي عمّاوس, بعد قيامته من بين ألأموات, سألهما قائلا: "بماذا تتحدّثان وأنتما ماشيان؟ "أجاباه " ما حدث ليسوع الناصري وكان نبيَا قديرا في القول والعمل عند الله والشعب كُلَّه "لوقا24:19".

كانا التلميذان يائسان يتجادلان عمَّا حصل من الأحداث في ايامهما, وهما في طريقهما الى قرية أسمها عماوسُ. كان رجائهما وأملهما متعلقا في شخص يسوع المسيح كمخلص لأنقاذ اسرائيل من حكم الرومان, حيث كان معظم الشعب اليهودي يؤمن بان نبوات العهد القديم تشير الى المسيح, بانه سيكون قائدا سياسيا عسكريا لشعب اسرائيل"لوقا 24:21 ", وعندما صُلب الرب يسوع المسيح ومات على الصليب خاب أملهما ورجائهما, وها هما يرجعان الى قريتهما ترافقهما خيبة أمل وياس. ولم يدركا أنَّ المسيح جاء ليخلِّص نفوس البشر فهو رجاء جميع الأمم"متى 12:21" ولذلك فعندما مات يسوع فقدوا كُلِّ رجاء. ولم يفهموا أنَّ موت يسوع قدَّم لهم أعظم رجاء. هكذا فشلا التلميذان, برغم معرفتهما بنبوات الكتاب المقدس, في أن يفهما أنَّ الام المسيح هي طريقه الى المجد الا بعد أن تمسكا بالمسيح  وقالا "أقم معنا" لوقا24:30" وبعد أن كسر المسيح الخبز وناولهما انفتحت عيونهما وعرفاه "لوقا 24:30,31" فتذكروا خميس الفصح وقول المسيح للتلاميذ "كم اشتهيت أن أتناول عشاء الفصح معكم قبل أن أتألم "لوقا22:15". هكذا نحن ايضا سنفقد رجائنا ان لم نتمسك بالمسيح الحي الذي هو نفسه رجائنا ومُخلصنا.

يقول البابا الحالي بيندكتس السادس عشر, في رسالة بابوية لمنح العالم الرجاء: "لأننا في الرجاء نلنا الخلاص .... والعالم دون الله هو عالم دون رجاء ...... ويسوع المسيح حمل لنا  اللقاء مع الإله الحيّ، وبالتالي اللقاء مع   الرجاء ....ومريم امنا نجمة الرجاء لأنها هي التي فتحت لنا باب الرجاء بقولها "نعم" للملاك جبرائيل".

ولكن للأسف اليوم الكثير من الناس الذين لم يتعرفوا على المسيح وضعوا ثقتهم ورجائهم على القوّة والمال والصحة والعلوم المعاصرة والرفاهية الزائلة ولم يتعرفوا على يسوع المسيح  المنتصر على الموت ليسلِّموا حياتهم ورجائهم وثقتهم له ليكون لهم رجاء الحياة الأبدية. لقد أغلق اليهود اذانهم عن أقوال أنبيائهم وأعموا عيونهم عن ارسالية الرب يسوع الحقيقية, وعندما صار واضحا جليا أنَّ يسوع لن يُحقق امالهم القومية تحّول الكثيرون ضده. ويعبّر الرب يسوع عن هذا الموقف لليهود بقوله: "وكان هذا ليتِمَّ ما جاء في شريعتهم : ابغضوني بلا سبب ٍ"يوحنا 25:25 .

انَّ الرب يسوع المسيح وحده رجاء الشعوب والأمم المتكلين عليه وهو وحده اساس سلامهم "روميا 8:38", ومحبة المسيح تُولَد الفرح النابع من ألأيمان به وهذا الفرح هو عطية الروح القدس "غلاطية5:22".

نعم ثقة المسيحي ورجائه لا تعتمد على البشر, مهما بدا البشر من الصلاح او السلام, بل ثقة المؤمن هي على الرب يسوع المسيح لأنّه قال على لسان النبي ارميا "أنا أعرف ما نويتُ لكم من خير لامن شرِّ, فيكون لكم الغدُ الذي تَرجون" ارميا28:11" .

  فالرب يسوع المسيح يعطي الرجاء, وبقوة الروح القدس يعطي القوَّة لتحمل البغضة والشر والكراهية والعداء الذي يحمله الكثيرون للمسيح وللمسيحيين, هذه هي تعزية المسيحي المؤمن وخاصة الذي يواجه ألأضطهادات. فالروح القدس له اسمين يحملان معنيين هما "المعزِّي"و"روح الحق" وتحمل كلمة "المعين أو المعزّي" في طيّاتها عمل التشجيع وعمل التقوية من الروح. يقول داود الملك "رأيت الربَّ معي في كّل حين فهو عن يميني لئلاّ اضطرب, لذلك فرح قلبي وهلّل لساني , وجسدي سيرقد على رجاء "أعمال 2:25".

انَّ الرجاء هو مفتاح الحياة المسيحية لأنَّ المسيحي لم يعد تحت حكم سلطة الجسد بل تحت حكم سلطة المسيح بالروح القدس الساكن في داخل المؤمن "روميا 8:9" وأنَّ رجاء المؤمن هو انتظاره على رجاء أنَّ الله يبررّه بالأيمان بقدرة الروح القدس "روميا 5:5" وهو, أي المؤمن, يفتخر برجائه في التمتع بمجد الله, ليس هذا فقط  بل يفتخر في وسط الضيقات كما يقول بولص الرسول في رسالته الى مؤمني روما اذ يقول"...ونفتخر على رجاء المشاركة في مجد الله. بل نحن نفتخر بها في الشدائد لعلمنا أنَّ الشدة تلد الصبر. والصبر أمتحان لنا. والأمتحان يلدُ الرجاء, ورجاؤنا لايخيبُ" روما 5:3,4". ويقول الرسول بولص في كورنثوس الثانية "لأننا لا ننظر الى ألأشياء التي نراها, بل الى ألأشياء التي لانراها. فالذي نراه هو الى حين وأمَّا الذي لانراه فهو الى ألأبد "2كورنثوس 4:18".

ان َّ تعزية المؤمنين عندما يموت احبائهم هي المحبّة التي تربط المؤمنين في هذه الحياة وهي نفسها التي ستربط المؤمنين عندما يأتي المسيح ثانية ويملك طوال الحياة الأبدية "تسالونيكي4:9". انَّ مواجهة المجهول تدعو الى القلق, وفراق ألأحباء يدفع الى الأسى العميق, فما بالك من مواجهة الموت وجها لوجه. نعم انَّ الموت يخيف الكثيرين من الناس لأنَّه غامض ومجهول, ولكن  الرسول بولس لم يكن يخشى الموت لأنَّه كان واثقا من أنَّه سيكون طيلة حياته في ألأبدية مع المسيح, فالموت ليس هو نهاية كل شيء (عند المؤمنين) بالمسيح, فهم لايرون في الموت الاّ مدخلا للحياة ألأبدية مع الله, ولهذا المسيحيّون يكتبون على قبور موتاهم مايلي"هنا يرقد على رجاء القيامة...".يقول بطرس الرسول على لسان داود الملك"رأيتُ الربَّ معي في كُلِّ حين فهوعن يميني لئّلا أضطرب لذلك فرح قلبي وهلَّل لساني, وجسدي سيرقد على رجاء "أعمال2: 28-

 فالحياة تنبع من الموت, فحبة الحنطة لن تعطي الثمر اذا لم تدفن في الأرض وتموت. ولم يفهما أنَّ انتصار الرب يسوع المسيح على الموت هو بالموت. لأنَّ الله حوّل نصرة الشيطان الظاهرة على الصليب الى هزيمة ساحقة عندما قام المسيح من ألأموات وهكذا انهزم الموت وفتح للبشرية رجاء القيامة فيما وراء القبر "كو2:15"عبرانيين 12:14,15 فعلاقتنا بالله قد بدأت بالأيمان الذي يعيننا على أدراك أننا قد نجونا من ماضينا بموت المسيح وقيامته, فبه تمَّ لنا الدخول بالأيمان الى هذه النعمة التي نُقيم فيها الآن, ونحن نفتخر برجائنا في التمتع بمجد الله . نعم حياة المؤمنين تستمر روحا وجسدا معا وهذا ما يُحفّز المؤمين لأن يعيشوا بسلام ويخدموا ويضحّوا وينتجوا ويفرحوا في حياتهم هنا على هذه الأرض لأنَّ الموت الجسدي ليس الاّ عبورا الى الحياة الأبدية "2كو5:6,7,8" فلولا القيامة فنحن اشقى الناس" كما يقول بولص الرسول.

فرجائنا نحن المؤمنين هي أنَّ الله سيحوَّل مآسينا الى أنتصارات, وفقرنا الى غنى, وألمنا الى مجد وهزيمتنا الى نصر وموتنا الى قيامة, كما انّ الرجاء يحفظ المؤمن من أن يشعر بالملل والبلادة والخوف والكابة والقلق لا بل المحبة وألأيمان والرجاء تطرد الخوف وتحوَّل حياة المؤمنين الى فرح وسلام, لأنّ المؤمن يتطلَّع الى حياة أكثر ملئا وأعمق معنى بسبب الرجاء الذي فيه وهكذا يؤكد بولص الرسول أنَّ ألأيمان والرجاء والمحبّة هي لُبْ الحياة المسيحية "والآن يبقى ألأيمان والرجاء والمحبة, وأعظمُ هذه الثلاثة هي المحبّة"1كورثوس 25

وحيث إن الإيمان يعمل بالمحبة (غلا6:5)، فإن الإيمان والمحبة والرجاء يشكّلون علامات المؤمن الحقيقي, كما يقول الرسول بولص في الرسالة الأولى الى مؤمني تسالونيكي"1 تسالونيكي 1:3 .

يقول داود الملك في" المزمور 62:6" الى الله ترتاح نفسي ومنه وحدهُ رجائي" ويقول اشعيا النبي"والآن انت يا الله مُخلَّصي, أطمئن اليك ولا أفزعُ الرب قوَّتي وتسبيحي وبه كان خلاصي "اشعيا 12:4". ويقول ايضا "هذا الهنا انتظرناهُ وهو يخلِّصنا. هذا هو الربُّ انتظرناه فلنبتهج ونفرح بخلاصهِ "اشعيا 25:9".

في الحقيقة هناك علاقة بين الرجاء والخلاص في المسيحية, فلا رجاء دون الخلاص الذي قدّمه لنا المسيح في موته وقيامته, فالرجاء لن يكون اذا لم نتمتع  بيقين الخلاص بيسوع المسيح الذي لايمكن أن يخلف وعدا قد أعطاه, فالخلاص حاضر ومستقبل. فهو حاضر لأننا نخلص في اللحظة التي نؤمن فيها بالرب يسوع مخلصا لنا, وتبدأ حياتنا الجديدة (الحياة ألأبدية). فمع أنه لنا اليقين من جهة خلاصنا, فأننا مازلنا نتطلع في رجاء ويقين الى ما وراء هذه الحياة "روما8:24,25" ففي الرجاء كان خلاصنا, ولكن الرجاء المنظور لا يكون رجاء, وكيف يرجو ألأنسان ما ينتظرهُ؟

انّ انتظار مجيء المسيح بشوق هو رجاء المسيحيين "مارن اثا" اي "ربِّنا تعال" والحياة تبقى قاصرة بدون هذا الرجاء, فكما قدّم المسيح يقينا بقيامته من بين الأموات وصعد الى السماء, هكذا نحن المؤمنين على يقين لا يتزحزح في رجاء مجيئه ثانية ليأخذنا لنبقى معه الى الأبد "أعمال1:11". انَّ المؤمن الذي تعرّف على يسوع المسيح الحي واختبره ويختبره في حياته فهو قد تحرر من الخوف والقلق من ما سيأتي في المستقبل, لأنَّه على ثقة ورجاء لايخيب بأنَّ يسوع المسيح لن يتركه مهما كانت الظروف المحيطة به. انَّ المسيحي كالشخص الرياضي, يتمرن بجدية, ولا ينسى الجائزة الموضوعة أمامه فهو يسعى الى الهدف وينسى ما هو ورائه فيتقدم الى ألأمام لنيل تلك الجائزة التي يدعوه الله اليها, دعوة عليا في المسيح يسوع. ان الحياة ليس لها هدف بدون الله, وبدون هدف ليس للحياة معنى, والحياة بلا معنى ليس لها مغزى ولا رجاء.

يقول ريك وارين (مؤلف كتاب الحياة المنطلقة نحو الهدف):

"انَّ أعظم مأسات ليست هي الموت وانما الحياة بدون هدف. فالرجاء ضروري لحياتك مثل الهواء والماء, انّك تحتاج اليه كي تتعايش مع المشكلات ".

يقول الله "أنا أعرف ما نويت لكم من خير لا من شرِّ, فيكون لكم الغد الذي ترجون "ارميا29:11".

عندما يعيش المؤمن المسيحي على ضوء الرجاء بالحياة الأبدية تتغيير قيمه وعلاقاته مع الأشخاص وسوف يعيد النظر في استخدام وقته وماله وجهوده والأهم يعيد النظر في أولوياته في هذه الحياة فلن يُهمُّه فيما بعد مسايرة ألأعراف والتقاليد السائدة ولا كلام الناس وكذلك لن يكون نظره مقتصرا على اهداف يتم تحقيقها في هذا العالم, ولن يصبح الموت هو النهاية لكنه مرحلة انتقالية نحوة الحياة الأبدية.

118
"من قَبِلَ باسمي ولدا صغيرا مثل هذا ,فقد قبلني"


نافع البرواري


هناك فرق بين أن يمارس ألأنسان ويتصرف بحركات صبيانية وبين بساطة وتواضع ألأطفال الصغار,الرب يسوع المسيح استخدم ولدا لكي يُفهم ويُوعي  تلاميذه ألأنانيّون الدروس عندما تقدم التلاميذ اليه يسألونه:"من هو ألأعظم , في ملكوت السماوات؟"
فدعى يسوع طفلا وأقامه في وسطهم وقال:"الحقَّ أقول لكم :ان كُنتكم لا تتغيّرون وتصيرون مثل ألأطفال ,فلن تدخلوا ملكوت السماوات,من اتَّضعَ وصار مثل هذا الطفل ,فهو ألأعظم في ملكوت السَّماوات,ومن قبل طفلا مثله باسمي يكون قبلني"متى 18"
التواضع والوداعة والبساطة ونقاء القلب والطهارة هي شروط أساسية من شروط الدخول الى ملكوت الرب يسوع المسيح "متى 5" .التلاميذ انشغلوا بشدة بتنظيم ملكوت الرب يسوع على ألأرض,حتى فاتهم غرضه الألهي وهدفه في التجسد
انّ رسالة الرب يسوع المسيح للبشرية هي أنّ ملكوت الله لا يدخلها المتكبرون والمتشامخون والباحثون عن السلطة والمال والقوة  بل يدخلها المساكين بالروح والودعاء وجماعة المطرودين من أجل البر.
اتذكر عندما كنت طفلا صغيرا أنني كنت اجلس صاغيا  بكل احاسيسي الى التعليم المسيحي والأيمان بما يقوله لنا والدينا وراعي كنيستنا عن المسيح ومريم العذراء  وقصص عن القديسين, وعن الجنة والنار وكان ايماني هذا يقينيّا ونقيا صافيا وخاليا من اي شك .هكذا الطفل البريئ يصدق كُلِّ  ما يقال له لأنّ  قلبه  الصغير نقي و لا يعرف الشك 
"أفواه ألأطفال والرضع تعزَّزتَ في وجه خصومكَ وأخرست العدوَّ والمنتقم"مزمور8:3" .انَّ ألأطفال الصغار يمكنهم ألأتكال على الله وتسبيحه بدون أي شك أو تحفظات,ولكن عندما نكبر,نجد أنَّ ذلك يزداد صعوبة    .
انَّ انقياء القلوب يعاينون الله لأنّ الروح القدس يكشف لهم حقيقة الله  في نور المسيح فيرون ويختبرون طهارة وجمال يسوع المسيح فيعكسون صورته.يقول الرب يسوع المسيح, "هنيئا لأنقياء القلوب لأنّهم يشاهدون الله"متي 5:8" الكتاب المقدس يخبرنا أنَّ ملكوت الله لن يدخله شيء دنس ,فكل الذين يدخلون ملكوت الله يجب أن يصيروا أنقياء القلب  وطاهرين, وطهارة القلب لا يعني فقط الطهارة من الشهوة بل هي أعمق من ذلك ,فعندما يدخل المسيح في قلوبنا وينقي أفكارنا, نكون عند ذلك أمينين ومخلصين  في نوايا النفس ومتحررين من الكبرياء ومتواضعين مثل بساطة ألأطفال. انَّ الحقائق الألهية تخفى عن الحكماء والفهماء وتعلن للأطفال البسطاء,لأنَّ حكماء وعلماء هذا العالم لا يرون حكمة الله وحقائقه الألهية, فقط تنكشف للذين عندهم الرغبة الواثقة كالأطفال لمعرفة مشيئة الله وأتمامها ,فالأنقياء القلب هم يعيشون في محضر الله وهم في هذا العالم.
لقد أعطى الصبي ,الوارد اسمه في انجيل يوحنا,درسا في العطاء للتلاميذ عندما قدّم مالديه من الطعام ليسوع المسيح بينما التلاميذ الذين كانت لديهم موارد أكثر مما لدى الصبي قالوا"من اين نشتري خبزا لنطعم هؤلاء كلهم ؟" يوحنا 6:5" لقد استخدم يسوع المسيح عطاء الولد الصغير لصنع أعظم معجزة مسجلة في الأناجيل"يوحنا 6:8,9"لقد قدم ولد صغير "خمسة ارغفة شعير وسمكتان صغيرتان" وعطاء الصبي كان دون غش أو مصلحة بل قدمه بقلب منفتح ,ويسوع المسيح يأخذ القليل الذي لدينا ويكثره جدا لأنّ الله يعطي بوفرة وفيض,وهو يأخذ مهما قدمنا به من وقت أو قدرة أو موارد ويضاعفه بوفرة تفوق أقصى توقعاتنا
   .الوالدين لهم تأثير على الصغار ,مسئولون أمام الله عن كيفية تأثيرهم في قدرة هؤلاء الصغارعلى الثقة ,هكذا يحذرنا يسوع المسيح حتى لا نكون حجر عثرة لهؤلاء الصغار والآ سننال عقابا صارما"متى18:6" ويجب أن يكون أهتمامنا بالصغار في مستوى معاملة الله لهم فهناك ملائكة معيَّنون لرعاية ألأطفال ,ولهم حق المثول أمام الله.ان ألأطفال هم أمانة عند الوالدين ,وتربيتهم وتنشأتهم هي مسئولية جسيمة وخطيرة لأن تأثير الوالدين على أخلاق وسلوكية ألأطفال هي ألأساس في تشكيل شخصية ألأنسان ,فالأسرة هي المدرسة ألاولى والأساسية والكنيسة المصغَّرة. يمكن تشبيه دور الوالدين بالفلاح الذي يزرع نبتة صغيرة ويرعاها ويسقيها ماء حتى تنمو وتكبر ,وعندها من الصعب التأثير على هذه النبتة عندما تصبح شجرة, لأن جذورها قد تعمقت في الأرض ومن الصعب أقلاعها هكذا دور الآباء والأمهات في زرع الأيمان وتنميته في الأطفال فيترسخ فيهم وينموا بنموهم . يقول البشير لوقا عن الطفل يسوع المسيح"وكان يسوع ينموا في القامة والحكمة والنعمة عند الله والناس"لوقا 3:52"

.لقد حذر الرب يسوع تلاميذه من ثلاثة طرق يمكن أن تُعثر "الصغار",وهذا التحذير هو قائم ويشملنا أيضا فيه تحُّل بين ألأطفال والأيمان وكذلك حتى البالغين الذين لم ينضج ايمانهم :
أولا تجربتهم (متى 18:7,8,9)"الويل للعالم مما يوقع في الخطية !....ولكن الويل لمن يسبب حدوثه"
ثانيا اهمالهم أو الحط من قدرتهم
"اياكم أن تحتقروا أحدا من هؤلاء الصغار أقول لكم :انَّ ملائكتهم في السَّماوات يشاهدون كُلِّ حين وجه أبي الذي في السَّماوات " (متى 18:   10-14). يسوع المسيح ومنذ الفين سنة أعطى دروسا للمجتمعات البشرية عن كيفية التعامل مع ألأطفال ولكن للأسف لا زال الكثير من الدول في العالم لا يفهمون كلمات الرب يسوع المسيح  عن محبته للأطفال الصغار وتحذيره من ألأستهانة بهم أو تجاهلهم,  فاذا كان لملائكتهم حق المثول أمام الله باستمرار ,فأقل ما نعمله  هو أن نسمح للأطفال بالأقتراب من حياتنا البالغة ألأزدحام .
ثالثا تعليمهم تعاليم كاذبة"متى 18 :15-26
ألأخطر في تنشأة الأطفال هو تعليمهم تعاليم باطلة كاذبة ,لأنَّ الطفل يتعلم ما يلقِّنه له الوالدين فيسمع وتنطبع الكلمة في عقله "كالنقش على الحجر "كما يقول المثل
ويقول الكتاب المقدس "ما يزرعه ألأنسان ايّاه يحصد"
الطفل يثق بوالديه في انهم لن يتركوه بلا طعام او شراب هكذا الذين لهم ثقة بالرب يسوع المسيح في حياتهم لهم الثقة في أنّ الرب معهم ولن يتركهم "لوقا 12:29,30"
 وعلى الأنسان أن يتقدم الى يسوع المسيح بنفس اتجاهات الطفولة والثقة والتواضع ليكون ألأعظم في ملكوت السماء"متى 18:3"
ما أصعب علينا لنكون مثل "ألأطفال الصغار"ضعافا ومتواضعين لانعتمد على ذواتنا .فالأطفال ليس لهم مناصب أو نفوذ ولكنهم يعتمدون على والديهم ويحبّون من دون رياء
على المؤمنين وقادة رجال الدين والمبشرين والواعظين والمرسلين أن يساعدوا الصفار(الأطفال وحديثي الأيمان من ألمؤمنين الجدد)لتجنب شيء أو أي شخص يمكن أن يسبب لهم عثرة في أيمانهم ويقودهم الى الخطية. انَّ الأنانية والكبرياء والسلطة والتعصب هي الحواجز الكبيرة بين الأنسان وخالقه فأن لم تزول هذه الحواجز لن نستطيع الدخول في محضر ابينا السماوي, هذا ما نتعلمه من الحوار الذي دار بين رجل فريسي من رؤساء اليهود أسمه نيقاديمس والرب يسوع المسيح في انجيل البشير يوحنا, عندما قال الرب لنيقاديمس"ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله ألآ اذا وُلد ثانية"يوحنا 3:3".فدخول ملكوت الله يتطلب التوبة والتواضع وانسحاق القلب
لقد ظنَّ التلاميذ أنّ الأطفال لايستحقون أن يقضي الرب يسوع المسيح وقتا معهم فأرادوا أبعادهم عن الرب لأنَ أهميَّة ألأطفال ,حسب نظر التلاميذ ,أقل من أيِّ عمل يعمله يسوع.لكن الرب يسوع قَبِل الأطفال  الصغار لأنَّ لديهم نوع ألأيمان والثقة المطلوبين لدخول ملكوت الله فهم يثقون في الكبار ومن خلال هذه الثقة تنمو قدرتهم على الثقة بالله وهكذا قلبَ الرب يسوع المسيح مفاهيم اليهود  عن الأطفال راسا على عقب وكان هذا المفهوم الجديد ثورة على المفهوم اليهودي الذي كان يقلل من قيمة الطفل والمرأة  في المجتمع اليهودي. علينا أن نصير كالأطفال الذين يطلبون الخبز أو الطعام من ابيهم او امهاتهم هكذا يعلمنا الرب يسوع المسيح في الصلاة الربية أبانا الذي في السماوات..... اعطنا خبزنا كفافنا اليوم ".
نطلب من الرب يسوع المسيح أن يجعلنا شبيهين بالأطفال ويرفع عنا حواجز الشك والكبرياء وكل الحواجز التي تحول دون سيرنا معه بصورة أكثر قربا لنقيم معه علاقة شخصية لنستطيع أن نختبر حبه وحنان قلبه العجيب امين

119
خارطة الشرق الأوسط الجديد وتداعياتها على الدول العربية والأسلامية
 
نافع البرواري
لم تخفي امريكا يوما ما ومنذ زمن الرئيس السابق بوش عن نيتها في تنفيذ مشروع " الشرق الأوسط  الجديد ", وقد بدتْ ملامح هذا المشروع الجديد تظهر في التغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط بقيام المعارضة الأيرانية بمحاولة الثورة على النظام الديني في ايران ولا زالت هذه الثورة مدعومة من امريكا, والكل يعرف ما قامت به امريكا من تسهيل الأتصالات الفضائية عبر القنواة الأذاعية والأنترنت وغيرها من وسائل الأتصالات للشباب الثائر في ايران, ولا ننسى ما قامت به امريكا في اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق ونظام الطالبان في افغانستان وقيام حكومة مدعومة من امريكا في باكستان وازاحة دور العسكر في تركيا ودعمها ومباركتها لتأسيس دولة جديدة في جنوب السودان .
وها هي امريكا تدعم الثورات الشعبية في الدول العربية باعطائها الضوء الأخضر لأحداث التغييرات في الوطن العربي بدءاً من لبنان حيث قامت ثورة الأرز في 14 اذار 2005  عندما نزل مئات الآلاف من اللبنانيين للثورة ضد التبعية لسورية البعثية وضد الأغتيالات السياسية التي طالت رموز اللبنانيين الأحرار .
وها هي ثورة الشباب التونسي والمصري تنفجر في تونس ومصر للتخلص من أنظمتها الدكتاترية, وقد ازداد يقيننا في كون امريكا وراء هذه التغييرات بعد ما تابعنا ايام الثورة في مصر منذ 25 يناير الماضي الى يوم سقوط رأس النظام في 11 شباط فيبراير الحالي حيث كانت أمريكا وبصريح العبارات تدعو الى التغيير( تغيير الأنظمة الدكتاتورية السابقة وترسيخ الديمقراطية والحرية في البلدان العربية) وكانت ولا تزال على اتصالات مباشرة مع قوات الجيش والثوار والأحزاب المعارضة في مصر, ولا تخفي امريكا هذه الرغبة في التغيير بل اصبحت سياسة معلنة في زمن الرئيس السابق جورج بوش والرئيس الحالي اوباما وخاصة بعد سيطرة الحزب الجمهوري على اغلبية المقاعد البرلمانية في الكونكرس الأمريكي.
انَّ امريكا كانت تحمي الدكتاتوريين في الدول العربية والأسلامية في مرحلة من مراحل الهيمنة
على الشرق الأوسط من أجل مصالحها ألأقتصادية, لا وبل هي التي اوجدت هذه الدكتاتوريات في الشرق الأوسط وكانت تساعدها لقمع شعوبها وعدم السماح لقيام الثورات الشعبية ضد هذه الأنظمة القمعية, ولكن وبعد  احداث 11  سبتمبر2001تغير كل شيئ واصبحت أمريكا تطارد اشباح الأرهابيين في الدول العربية والأسلامية مما خلقت لنفسها أعداء كثيرين في هذه الدول وأصبحت سمعتها مهزوزة بنظرالشعوب العربية, وبدل ان تكسب ود هذه الشعوب المستعبدة من قبل انظمتها الدكتاتورية, وبدل أن تجري حوارات بين الحضارات الغربية والشرقية قامت امريكا بأرتكاب أخطاء تاريخية في عهد الجمهوريين وعلى رأسهم جورج بوش, والمحيطين به من شلة المتطرفين اليمينيين, حيث قامت امريكا بغزو أفغانستان واسقاط النظام الدكتاتوري في العراق بحجة  امتلاك  النظام الدكتاتوري في العراق للأسلحة التدميرية, فكان ذلك خطأ لا يمكن تبرأته, بالأضة الى ذلك استمرت السياسة الأمريكية في العراق بارتكاب سلسلة من الأخطاء المتلاحقة بحق الشعب العراقي بتشجيع الطائفية المقيتة والسماح بالتدخل الأيراني في شؤون العراق الداخلية مما خلق ذلك الكراهية لأمريكا من قبل الشعوب العربية (السنية) والأسلامية عامة والشعب العراقي خاصة .
لقد احسَّت أمريكا ولو متأخرا في أواخر حكم جورج بوش باخطائها المتكررة ( خاصة بعد سقوط رموز ما يسمى بصقور المحافظين الجدد) ولكن بعد فوات الأوان حيث يتطلب اصلاح هذه الأخطاء سنوات طويلة, والخطوات الاولى في ذلك هي المساهمةفي دعم شعوب الدول العربية وايران للتخلص من انظمتها الدكتاتورية, لأنَّ امريكا تعرف اين نقاط الضعف لدى هذه الأنظمة القمعية, فالذي يصنع الدكتاتوريين يعرف كيف يزيحهم ويزيلهم .
وهكذا نستطيع ان نقول أنَّ امريكا كانت عاملا مساعدا في اسقاط نظامي الحكم في تونس ومصر كما كانت عاملا مساعدا لصنع تلك الأنظمة الدكتاتورية, مع عدم التقليل من أهمية الشباب وارادتهم القوية في التخلص من هذه الأنظمة القمعية بأيمانهم العميق بقضيتهم الأنسانية ومطالبهم المشروعة بحقهم في الحياة الكريمة والمطالبة بالحرية والديمقراطية التي طال جوعهم وعطشهم للحصول عليها وخاصة والعالم يعيش في القرن الواحد والعشرون حيث اصبح هذا العالم قرية صغيرة يتأثر الكل فيما يجري حولهم من الأحداث والتغييرات الحاصلة بسرعة. وها هي الشعوب العربية بدأت تنتفظ وتثور على انظمتها المستبدة التي غاصت في وحل الفساد الأخلاقي, وها هو الشعب التونسي والشعب المصري يُسقط رؤوس هذه الأنظمة ويدخل في مرحلة التغيير التي ستؤول حتما لخير هذه الشعوب مهما كانت عواقب هذه الثورات التي لا نعرف نتائجها الحالية طالما لم ينفض الشعب التونسي والمصري غبار الزلزال الكبير الذي حدث في الدولتين ولا زالت اثار الأرتداد نسمع بها في البلدان العربية وهي ايضا مرشحة لحدوث زلازل الثورات فيها .
 لم نقرأ ولم نسمع في التاريخ العربي الحديث والقديم  ثورات شعبية كالتي شاهدناها في تونس ومصر, وكل الذي حدث والذي عشناه وقرأنا عنه كان عبارة عن إنقلابات عسكرية واحيانا كثيرة كانت هذه الثورات دموية .
ولكن تبقى اسئلة مطروحة ومشروعة ومهمة وهي:
 ماذا بعد هذه الثورات في الدول العربية؟ هل قيام هذه الثوراة بالأطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الحاكمة في بلدانها ستؤول الى التغيير الجذري في تلك المجتمعات ؟
وما هي السيناريوهات المتوقعة لخارطة الشرق الأوسط الجديد ودور أمريكا في رسم هذه الخارطة؟
 كيف  تبني الثورات الفتية ما خرَّبته الأنظمة الدكتاتورية لعشرات السنين ونشرت جذور فسادها في مؤسسات الدول والمجتمعات العربية؟
ماهو موقف الأحزاب الأسلامية العربية, التي ساهمت وتساهم  مع ثورة الشباب, بالمعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الأنسان, آخذين بنظر الأعتبار الخلافات الأيديولوجية بين من يريد تاسيس نظام دستوري مدني حيث الديمقراطية والحرية, وحيث الوطن للجميع, وبين الأحزاب الأسلامية التي لا تؤمن الا بأنَّ الأسلام هو الحل ولا تؤمن بحرية الرأي وحرية المعتقد وتريد تطبيق الشريعة الأسلامية في بلدانها؟
 والسؤال الأهم بالنسبة لنا نحن مسيحيي الشرق الأوسط هو مادور المسيحيين في مساهماتهم في هذه الثورات وكيف نتوقع مستقبل المسيحيين في الوطن العربي عندما تسيطر الأحزاب الأسلامية وخاصة الأخوان المسلمين في مصر واستئثارهم بالسلطة في المستقبل القريب خاصة اذا عرفنا أنهم أكثرتنظيما من بقية الأحزاب العلمانية وأكثر تمويلا وليس لهم الشفافية في العمل وحتى ليس لهم منهجاً ثابتاً يعلنونه على الملاْ فهم يعملون في الخفاء ولا يمكن أن نتصور كيف تسير الأمور السياسية والأجتماعية والأقتصادية في ظل حكم الأحزاب الأسلامية وعلى رأسهم ألأخوان المسلمون؟
في الحقيقة هذه الأسئلة وغيرها قد تكون الشغل الشاغل لنا وننتظر ألأجابة عليها بعد ان تزيل الشعوب العربية غبار الزلازل العاتية التي لحقت وتلحق بانظمتها الهاوية بقّوة ثورات شعوبها الغاضبة والهائجة والتي لم يخطط لها سابقا بل هي ثورات عاطفية تلقائية يؤكد التاريخ وجود سلبيات كبيرة في هكذا ثورات, كما حدث لثورة فرنسا عندما قامت لأول مرة في التاريخ باسقاط النظام الملكي وكانت بداية التحرر من الأنظمة ألأقطاعية والملكية وكانت ثورة فرنسا(ابتدأت الثورة عام 1789 وانتهت تقريباً عام 1799 ) .
بمثابة الشرارة ألاولى لثورات العالم أجمع ولكن كلنا نعرف كيف قامت تلك الثورة بالأنتقام من النظام الملكي السابق الحاكم آنذاك وقتلت الآلاف من الذين عارضوا مسيرتها الجديدة, فقضت تلك الثورة حتى على ثوّارها الجُدد بالمقصلة. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة ومتنوعة
يمكن ان تقضي هكذا ثورات على طموحات وآمال شعوبها وخاصة عندما تلتف الأنظمة الحاكمة على هذه الثورات الفتية ويتم استدراج قادتها في فخ الرشاوى وشراء الذمم وبالتالي يتم القضاء على مكتسبات هذه الثورات, لأنَّ الأنظمة الدكتاتورية لها خبرات كبيرة في تفريق وتشتيت الأحزاب المعارضة تارة بالترهيب وتارة اخرى بالترغيب, وكذلك علينا أن لا ننسى أنَّ الأحزاب المعارضة وخاصة الأحزاب الأسلامية كألأخوان المسلمون قد تُحاول قطف ثمار الثورة الشبابية في مصر وتونس وغيرها من الدول العربية وذلك كما حدث في ايران عندما قطف رجال الدين الشيعة في ايران ثمار الثورة على الشاه بأسم الدين والشريعة الأسلامية
 وأسسوا نظام دكتاتوري شمولي(ولاية الفقيه) الذي حارب ويحارب الأحزاب العلمانية وخاصة الشباب وقام بتزوير نتائج الأنتخابات كما فعل النظام المصري السابق, وهكذا أيضاً كما قطف حزب الله الموالي لأيران, ثورة الأرز في 14 آذار 2005 . 
ان العالم العربي لم ينضج بعد لأستيعاب قيم الحرية والديمقراطية وتطبيق القوانين ولم يصل الى مرحلة استيعاب الفصل بين الحزب والسلطة وبين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، فهناك أهمية كبيرة للفصل بينهما وهذا الخلط ساهم وسيساهم في اضعاف الاحزاب المعارضة (كما حدث في ثورة الجمهورية الأسلامية في ايران وكما يحدث الآن في العراق وسنتوقع حدوثه في الدول العربية بعد الأطاحة بأنظمة الحكم الدكتاتورية الشمولية ) .
ولكن في جميع الأحوال هناك تغيير قادم لا محالة وهو من صالح الشعوب بالتأكيد, وسوف لن ترضخ الشعوب العربية للسلطات الدكتاتورية مرة اخرى, فعجلة التاريخ لا يمكن أن ترجعنا الى الوراء وأصبح العالم المتحضر لا يقبل بوجود انظمة دكتاتورية تسحق شعوبها لأن تاثير ذلك ينعكس على تلك البلدان المتحضرة بسبب هجرة الشعوب المضطهدة من بلدانها الى تلك الدول الحرّة .

 
نافع البرواري
لم تخفي امريكا يوما ما ومنذ زمن الرئيس السابق بوش عن نيتها في تنفيذ مشروع " الشرق الأوسط  الجديد ", وقد بدتْ ملامح هذا المشروع الجديد تظهر في التغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط بقيام المعارضة الأيرانية بمحاولة الثورة على النظام الديني في ايران ولا زالت هذه الثورة مدعومة من امريكا, والكل يعرف ما قامت به امريكا من تسهيل الأتصالات الفضائية عبر القنواة الأذاعية والأنترنت وغيرها من وسائل الأتصالات للشباب الثائر في ايران, ولا ننسى ما قامت به امريكا في اسقاط النظام الدكتاتوري في العراق ونظام الطالبان في افغانستان وقيام حكومة مدعومة من امريكا في باكستان وازاحة دور العسكر في تركيا ودعمها ومباركتها لتأسيس دولة جديدة في جنوب السودان .
وها هي امريكا تدعم الثورات الشعبية في الدول العربية باعطائها الضوء الأخضر لأحداث التغييرات في الوطن العربي بدءاً من لبنان حيث قامت ثورة الأرز في 14 اذار 2005  عندما نزل مئات الآلاف من اللبنانيين للثورة ضد التبعية لسورية البعثية وضد الأغتيالات السياسية التي طالت رموز اللبنانيين الأحرار .
وها هي ثورة الشباب التونسي والمصري تنفجر في تونس ومصر للتخلص من أنظمتها الدكتاترية, وقد ازداد يقيننا في كون امريكا وراء هذه التغييرات بعد ما تابعنا ايام الثورة في مصر منذ 25 يناير الماضي الى يوم سقوط رأس النظام في 11 شباط فيبراير الحالي حيث كانت أمريكا وبصريح العبارات تدعو الى التغيير( تغيير الأنظمة الدكتاتورية السابقة وترسيخ الديمقراطية والحرية في البلدان العربية) وكانت ولا تزال على اتصالات مباشرة مع قوات الجيش والثوار والأحزاب المعارضة في مصر, ولا تخفي امريكا هذه الرغبة في التغيير بل اصبحت سياسة معلنة في زمن الرئيس السابق جورج بوش والرئيس الحالي اوباما وخاصة بعد سيطرة الحزب الجمهوري على اغلبية المقاعد البرلمانية في الكونكرس الأمريكي.
انَّ امريكا كانت تحمي الدكتاتوريين في الدول العربية والأسلامية في مرحلة من مراحل الهيمنة
على الشرق الأوسط من أجل مصالحها ألأقتصادية, لا وبل هي التي اوجدت هذه الدكتاتوريات في الشرق الأوسط وكانت تساعدها لقمع شعوبها وعدم السماح لقيام الثورات الشعبية ضد هذه الأنظمة القمعية, ولكن وبعد  احداث 11  سبتمبر2001تغير كل شيئ واصبحت أمريكا تطارد اشباح الأرهابيين في الدول العربية والأسلامية مما خلقت لنفسها أعداء كثيرين في هذه الدول وأصبحت سمعتها مهزوزة بنظرالشعوب العربية, وبدل ان تكسب ود هذه الشعوب المستعبدة من قبل انظمتها الدكتاتورية, وبدل أن تجري حوارات بين الحضارات الغربية والشرقية قامت امريكا بأرتكاب أخطاء تاريخية في عهد الجمهوريين وعلى رأسهم جورج بوش, والمحيطين به من شلة المتطرفين اليمينيين, حيث قامت امريكا بغزو أفغانستان واسقاط النظام الدكتاتوري في العراق بحجة  امتلاك  النظام الدكتاتوري في العراق للأسلحة التدميرية, فكان ذلك خطأ لا يمكن تبرأته, بالأضة الى ذلك استمرت السياسة الأمريكية في العراق بارتكاب سلسلة من الأخطاء المتلاحقة بحق الشعب العراقي بتشجيع الطائفية المقيتة والسماح بالتدخل الأيراني في شؤون العراق الداخلية مما خلق ذلك الكراهية لأمريكا من قبل الشعوب العربية (السنية) والأسلامية عامة والشعب العراقي خاصة .
لقد احسَّت أمريكا ولو متأخرا في أواخر حكم جورج بوش باخطائها المتكررة ( خاصة بعد سقوط رموز ما يسمى بصقور المحافظين الجدد) ولكن بعد فوات الأوان حيث يتطلب اصلاح هذه الأخطاء سنوات طويلة, والخطوات الاولى في ذلك هي المساهمةفي دعم شعوب الدول العربية وايران للتخلص من انظمتها الدكتاتورية, لأنَّ امريكا تعرف اين نقاط الضعف لدى هذه الأنظمة القمعية, فالذي يصنع الدكتاتوريين يعرف كيف يزيحهم ويزيلهم .
وهكذا نستطيع ان نقول أنَّ امريكا كانت عاملا مساعدا في اسقاط نظامي الحكم في تونس ومصر كما كانت عاملا مساعدا لصنع تلك الأنظمة الدكتاتورية, مع عدم التقليل من أهمية الشباب وارادتهم القوية في التخلص من هذه الأنظمة القمعية بأيمانهم العميق بقضيتهم الأنسانية ومطالبهم المشروعة بحقهم في الحياة الكريمة والمطالبة بالحرية والديمقراطية التي طال جوعهم وعطشهم للحصول عليها وخاصة والعالم يعيش في القرن الواحد والعشرون حيث اصبح هذا العالم قرية صغيرة يتأثر الكل فيما يجري حولهم من الأحداث والتغييرات الحاصلة بسرعة. وها هي الشعوب العربية بدأت تنتفظ وتثور على انظمتها المستبدة التي غاصت في وحل الفساد الأخلاقي, وها هو الشعب التونسي والشعب المصري يُسقط رؤوس هذه الأنظمة ويدخل في مرحلة التغيير التي ستؤول حتما لخير هذه الشعوب مهما كانت عواقب هذه الثورات التي لا نعرف نتائجها الحالية طالما لم ينفض الشعب التونسي والمصري غبار الزلزال الكبير الذي حدث في الدولتين ولا زالت اثار الأرتداد نسمع بها في البلدان العربية وهي ايضا مرشحة لحدوث زلازل الثورات فيها .
 لم نقرأ ولم نسمع في التاريخ العربي الحديث والقديم  ثورات شعبية كالتي شاهدناها في تونس ومصر, وكل الذي حدث والذي عشناه وقرأنا عنه كان عبارة عن إنقلابات عسكرية واحيانا كثيرة كانت هذه الثورات دموية .
ولكن تبقى اسئلة مطروحة ومشروعة ومهمة وهي:
 ماذا بعد هذه الثورات في الدول العربية؟ هل قيام هذه الثوراة بالأطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الحاكمة في بلدانها ستؤول الى التغيير الجذري في تلك المجتمعات ؟
وما هي السيناريوهات المتوقعة لخارطة الشرق الأوسط الجديد ودور أمريكا في رسم هذه الخارطة؟
 كيف  تبني الثورات الفتية ما خرَّبته الأنظمة الدكتاتورية لعشرات السنين ونشرت جذور فسادها في مؤسسات الدول والمجتمعات العربية؟
ماهو موقف الأحزاب الأسلامية العربية, التي ساهمت وتساهم  مع ثورة الشباب, بالمعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الأنسان, آخذين بنظر الأعتبار الخلافات الأيديولوجية بين من يريد تاسيس نظام دستوري مدني حيث الديمقراطية والحرية, وحيث الوطن للجميع, وبين الأحزاب الأسلامية التي لا تؤمن الا بأنَّ الأسلام هو الحل ولا تؤمن بحرية الرأي وحرية المعتقد وتريد تطبيق الشريعة الأسلامية في بلدانها؟
 والسؤال الأهم بالنسبة لنا نحن مسيحيي الشرق الأوسط هو مادور المسيحيين في مساهماتهم في هذه الثورات وكيف نتوقع مستقبل المسيحيين في الوطن العربي عندما تسيطر الأحزاب الأسلامية وخاصة الأخوان المسلمين في مصر واستئثارهم بالسلطة في المستقبل القريب خاصة اذا عرفنا أنهم أكثرتنظيما من بقية الأحزاب العلمانية وأكثر تمويلا وليس لهم الشفافية في العمل وحتى ليس لهم منهجاً ثابتاً يعلنونه على الملاْ فهم يعملون في الخفاء ولا يمكن أن نتصور كيف تسير الأمور السياسية والأجتماعية والأقتصادية في ظل حكم الأحزاب الأسلامية وعلى رأسهم ألأخوان المسلمون؟
في الحقيقة هذه الأسئلة وغيرها قد تكون الشغل الشاغل لنا وننتظر ألأجابة عليها بعد ان تزيل الشعوب العربية غبار الزلازل العاتية التي لحقت وتلحق بانظمتها الهاوية بقّوة ثورات شعوبها الغاضبة والهائجة والتي لم يخطط لها سابقا بل هي ثورات عاطفية تلقائية يؤكد التاريخ وجود سلبيات كبيرة في هكذا ثورات, كما حدث لثورة فرنسا عندما قامت لأول مرة في التاريخ باسقاط النظام الملكي وكانت بداية التحرر من الأنظمة ألأقطاعية والملكية وكانت ثورة فرنسا(ابتدأت الثورة عام 1789 وانتهت تقريباً عام 1799 ) .
بمثابة الشرارة ألاولى لثورات العالم أجمع ولكن كلنا نعرف كيف قامت تلك الثورة بالأنتقام من النظام الملكي السابق الحاكم آنذاك وقتلت الآلاف من الذين عارضوا مسيرتها الجديدة, فقضت تلك الثورة حتى على ثوّارها الجُدد بالمقصلة. ولهذا السبب ولأسباب أخرى كثيرة ومتنوعة
يمكن ان تقضي هكذا ثورات على طموحات وآمال شعوبها وخاصة عندما تلتف الأنظمة الحاكمة على هذه الثورات الفتية ويتم استدراج قادتها في فخ الرشاوى وشراء الذمم وبالتالي يتم القضاء على مكتسبات هذه الثورات, لأنَّ الأنظمة الدكتاتورية لها خبرات كبيرة في تفريق وتشتيت الأحزاب المعارضة تارة بالترهيب وتارة اخرى بالترغيب, وكذلك علينا أن لا ننسى أنَّ الأحزاب المعارضة وخاصة الأحزاب الأسلامية كألأخوان المسلمون قد تُحاول قطف ثمار الثورة الشبابية في مصر وتونس وغيرها من الدول العربية وذلك كما حدث في ايران عندما قطف رجال الدين الشيعة في ايران ثمار الثورة على الشاه بأسم الدين والشريعة الأسلامية
 وأسسوا نظام دكتاتوري شمولي(ولاية الفقيه) الذي حارب ويحارب الأحزاب العلمانية وخاصة الشباب وقام بتزوير نتائج الأنتخابات كما فعل النظام المصري السابق, وهكذا أيضاً كما قطف حزب الله الموالي لأيران, ثورة الأرز في 14 آذار 2005 . 
ان العالم العربي لم ينضج بعد لأستيعاب قيم الحرية والديمقراطية وتطبيق القوانين ولم يصل الى مرحلة استيعاب الفصل بين الحزب والسلطة وبين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، فهناك أهمية كبيرة للفصل بينهما وهذا الخلط ساهم وسيساهم في اضعاف الاحزاب المعارضة (كما حدث في ثورة الجمهورية الأسلامية في ايران وكما يحدث الآن في العراق وسنتوقع حدوثه في الدول العربية بعد الأطاحة بأنظمة الحكم الدكتاتورية الشمولية ) .
ولكن في جميع الأحوال هناك تغيير قادم لا محالة وهو من صالح الشعوب بالتأكيد, وسوف لن ترضخ الشعوب العربية للسلطات الدكتاتورية مرة اخرى, فعجلة التاريخ لا يمكن أن ترجعنا الى الوراء وأصبح العالم المتحضر لا يقبل بوجود انظمة دكتاتورية تسحق شعوبها لأن تاثير ذلك ينعكس على تلك البلدان المتحضرة بسبب هجرة الشعوب المضطهدة من بلدانها الى تلك الدول الحرّة .

120

أين يكمن سر قوّة المسيحيين؟
نافع البرواري
انّ القوّة البشرية التي يؤمن بها هذا العالم, كالقوة العسكرية والقوة الأقتصادية والقوة السياسية وغيرها من الأنواع, هي قوة خدّاعة وسرعان ما تضمحل وتزول لأنّها وقتية تعتمد على ضرف المكان والزمان المواتيين, والتاريخ شاهد على ما نقوله عن امبراطوريات وممالك عبر التاريخ سيطرت على شعوب مغلوبة على امرها واستعبدتها و ازالت هوية تلك الشعوب (القومية والعرقية) وقضت على حضارتها لتسجل هذه القوّة الغاشمة المسيطرة تاريخ جديد مبني على الحقائق الجديدة على الأرض. نعم ان فكرة التربع على القمة يمكن أن تكون اسرة. ولكن القوة خادعة ولا يجب على المسيحيين أن يخططوا للحصول عليها أو التمسك بها. لأن الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع الأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ ومنها الأمبراطورية الكلدانية والآشورية والفارسية والرومانية والأمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. ونحن في القرن الواحد والعشرون نسمع ونشاهد الكثيرون من الدول تستعرض قوّتها العسكرية والتدميرية أمام الكاميرات ليقول لنا ساسة هذه الدول أن قوتنا  تكمن في هذه الالات التدميرية للبشرية .
الكتاب المقدس يعلِّمنا الحكمة والدروس والعبر عن الشعب الأسرائيلي وكيف أصبح هذا الشعب في مهب الريح عندما أتكل على قوته العسكرية  بدل اتكاله على الله. في سفر الملوك  يخبرنا الكاتب أنّه  لم تمضي على موت سليمان سوى خمس سنوات حتى كان الغزاة ألأجانب قد نهبوا الهيكل (هيكل سليمان) والقصر, فما أسرعْ زوال المجد الأرضي والقوة والثراء ! فعندما فسد الشعب الأسرائيلي روحيا وأنحطوا أخلاقيا لم يمضي الاّ القليل حتى فقدوا كُلِّ  شيء(1ملوك 14:24). كانت مملكاتهم وثروتهم قد أصبحت عندهم أهم من الله. وعندما نبعد الله عن حياتنا يصبح كل شيء اخر بلا جدوى وفي مهب الريح, مهما بدا لنا ثمينا. لقد أنجرف الشعب الأسرائيلي وراء أهوائهم وأرادوا التحرر من سلطة الله وسلطة الكهنة والأنبياء الروحية. وهكذا يقول الله على لسان النبي هوشع"أنا أهلكُكم يابني اسرائيل, فمن ياتُرى يُعينكم؟ أين ملوكُكُم فيخلِّصونكم ؟..."هوشع 12:9".
لقد تم تدمير اسرائيل بواسطة القوة الحربية, لأنّها وضعت ثقتها في القوة الحربية بدلا من الله. بينما الرب يقول في الكتاب المقدس "...لأنّكم اتّكلتم على مركباتكم وعلى كثرة محاربيكم الجبابرة"!.
ولكن في نفس الوقت نقرأ في العهد القديم اشخاص كانت لهم قوة غير طبيعية لا يمكن أن تكون قوة بشرية بها أستطاعوا أن يغيروا الناس لا بل شعوب (أمثال ابراهيم ويوسف و موسى وداود وسليمان ودانيال النبي وجدعون وأستير ومردخاي ووو... الخ), وواجهوا أعتى القوات الشريرة والسلاطين والملوك وأستطاعوا بمفردهم أن يقفوا ويسيروا ضد التيار, وقد واجهوا الخوف وأنتصروا على ضعفهم.
انّ القوة (الفانية) واللذة والهوى والتعطش للسلطة والمدح والشهرة هي من اسباب سقوط الأنسان ويأتي الكبرياء على رأس كل الأسباب, فعندما نقيّم القوة أكثر من الله عندها نصبح اتعس التعساء والضعفاء والمهزومين والخنوعين ويستعبدنا الشيطان فعندها يسكن فينا الخوف والرعب. لقد حاول الشيطان أن يحوِّل يسوع المسيح عن هدفه, لخلاص العالم, بجعله يركِّز بصره على السلطة العالمية وليس على خطط الله, فقد حاول الشيطان أغراء يسوع بأعطائه ممالك العالم ليحكمها بقوة مستمدة من قوة الشيطان ولكنه فشل(متى 4:8,9). وما زال الشيطان الى اليوم يقدم لنا العالم بمحاولة أغرائنا بالماديات والقوة والسلطة, بينما ربنا يسوع المسيح تخلّى عن الكثير من قوته ليصير انسانا ولم يشأ أن يستخدم قوته الألهية حتى للذين القوا القبض عليه وصلبوه. علما أن للرب يسوع سلطان على الحجارة وعلى ممالك العالم وعلى الملائكة, ولكنه لم يرد أن يستخدم سلطانه بغض النظر عن ارساليته ومهمته. الكتاب المقدس يخبرنا أنّ لا المال ولا الجاه ولا ألسلطة تعطينا القوة الثابة والدائمة لأنّه عندما يزول المال والجاه والسلطة نرجع الى حقيقتنا, بينما قوة الله ثابة تمنح المؤمن قدرة على فعل أعمال قد تكون تعجيزية. يقول أحد المبشرين" قوتي هي صفر ولكن عندما أقف بجانت رقم 1(يقصد المسيح) أصبح رقم عشرة وتصبح لي قيمة وقوة "ولا زال هذا المبشر يعمل معجزات كبيرة باسم الرب يسوع المسيح  في افريقيا.
فالقوة الغاشمة هي ضد الله وضد الأنسان, هي تمرد واهانة لله, فحينما نثق في قدراتنا الذاتية نحسُّ بعدم الحاجة الى الله. والقوة الغاشمة  تطعن وتجرح ايضا مشاعر الأنسان وكرامته وانَّ الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع ألأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ.
السؤال هو اذن أين يكمن سر قّوَّةالمسيحيين, وخاصة مسيحيي العراق الذين ليس لهم جيش أو قوات او مدرعات أو أسلحة حتى لحماية انفسهم من الأعداء الذين لهم سطوة وقوة غاشمة؟
في الحقيقة علينا أن نرجع الى دستورنا الكتاب المقدس كلمة الله الحية ليكون هو دليلنا ومرشدنا ويكون الرب يسوع المسيح قدوة لنا والروح القدس قوة لنا. فما دمنا قد أتحدنا بالمسيح وصرنا أعضائه فهو الذي يدافع عنا ونحن  صامتون ولكن عندما ننقسم نحن المسيحيون على بعضنا فعندها لسنا مسيحيين حقيقيين وسوف تأتي القوات الشريرة وتتسلل بيننا وتزرع الخوف والرعب فينا وتمزقنا.
انَّ الذين يظنون أنَّهم يستطيعون القيام بكل شيء, معتمدين على قدراتهم الذاتية, فانهم في أعظم خطر, يقول بولس الرسول بأن المسيح(في رؤية) قال له :"تكفيك نعمتي في الضعف يَظهر كمال قدرتي" كورنثوس 12:9", فلا جدوى لنا نحن المسيحيين من الجهد البشري بدون معونة الرب ومشيئته, وهكذا رضي الرسول بولص بأن يفتخر مسرورا بالضعفات والأهانات والضيقات والأضطهادات من الأعداء"لأني عندما أكون ضعيفا أكون قويا"كورنثوس 12:10"
نعم قوتنا نستمدها من الرب يسوع المسيح لأنّ ضعفنا لا يعمل على تنمية شخصيتنا المسيحية فحسب, بل يعمل أيضا على تعميق عبادتنا لأننا بأعترافنا بضعفنا نثبّت قوة الله. يقول كاتب المزمور" يتكل هؤلاء على مركبات الحرب, واولئك على الخيل, أما نحن فنتكل على أسم الرب الهنا, هم فروا وسقطوا, أما نحن فنهضنا وانتصبنا".
لقد عرف داود النبي أن ّ القوة الحقيقية لأمته, لم تكن في السلاح بل في العبادة, ليست في قوة النيران والأسلحة بل في قوة الله .
أما الرب يسوع المسيح فقد غير مفهوم الحروب والمعارك باستخدام سلاح الكلمة والروح ويحارب بالحق ليس البشرية فقط بل قوات الشر الروحية.
قوتنا نحن المسيحيين هي في رجائنا, فعندما يكون لحياتنا معنى مع المسيح  فنحن سنحتمل جميع الصعاب والمشاكل وحتى الأضطهادات.
 قوَّتنا تكمن في الروح القدس الذي يمنحنا الشجاعة والتعزية والجرئة لمواجهة جميع ألأخطار والمواقف الصعبة"ولكن الروح القدس يحلِّ عليكم ويهبكم القوّة, وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية كلها والسامرة حتى أقاصي الأرض"اعمال 1:8"ويقول الرب على لسان النبي يوئيل:
"أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنباون كُلًّهم وأعمل معجزات فوق السماء ومعجزات تحت في الأرض"أعمال 2:18,19".
قوتنا في وحدتنا كأعضاء في جسد المسيح " ....ليكونوا واحدا مثلما أنت (الآب) وأنا واحد ....أنا فيهم وأنت فيَّ لتكن وحدتهم كاملة" يوحنا 17:21,23" فالمسيح هو كما يقول الرسول بولس هو سلامنا"افسس2:14" والرب يسوع هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان وأن لم نثبت فيه فنحن في خطر فهو الذي يقول"..أمّا بدوني فلا تقدرون على شيء"يوحنا 15:5" .
قوّتنا في أن نكون متحدين بعضنا مع البعض بالمحبة ألأخوية "وكان المؤمنون كُلُّهم مُتَّحدين, يجعلون كُلِّ ما عندهم مشتركا بينهم...وكانوا يلتقون كُلِّ يوم في الهيكل بقلب واحد, ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب"أعمال 2:44,45 ,46"ويقول الرسول بولس "فأنتم (أي المؤمنين) جسدٌ واحد وروحٌ واحد مثلما دعاكم الله الى رجاء واحد" أفسس4:4".
قوتنا في صلواتنا الجماعية, حيث الصلاة هي أقوى سلاح نواجه به قوى الشر الروحية "وفيما هم يصلَّون أرتج المكان الذي كانوا مجتمعين فيه, وأمتلأُوا جميعا بالروح القدس, فأخذوا يعلنون كلمة الله بكلِّ جرأة!"أعمال 4:31".
ويقول بولس الرسول "لله القادر بقوّته العاملة فينا أن يفعل أكثر جدا مما نطلبه أو نتصوره" أفسس3:20".
قوَّتنا في كلمة الله الحيّة التي هي أمضى من كُلِّ سيف له حدّان"عبرانيين4:12", وجهادنا هو جهاد روحي"فنحن لا نحارب أعداء من لحم ودم, بل أصحاب الرئاسة والسلطان والسيادة على هذا العالم, عالم الظلام وألأرواح الشريرة في ألأجواء السماوية"أفسس 6:12".
يقول بولس الرسول في دعوته للسلام"أنتبهوا أن لا يجازي أحدٌ شرّا بشرِّ, بل أعملوا الخير دائما, بعضكم لبعض ولجميع الناس"1تسالونيكي5:15".
 يسوع المسيح هوالصخرة التي نبني عليها حياتنا وعندما تواجهنا جيوش الأعداء وتحيط بنا قوات الشر, وعندما تتلاطم الأمواج وتهب العواصف وتجري السيول لن تستطيع أن تهزَّ البناء لأنّ الأساس من الصخر.

121

أين يكمن سر قوّة المسيحيين ؟
نافع البرواري
انّ القوّة البشرية التي يؤمن بها هذا العالم, كالقوة العسكرية والقوة الأقتصادية والقوة السياسية وغيرها من الأنواع, هي قوة خدّاعة وسرعان ما تضمحل وتزول لأنّها وقتية تعتمد على ضرف المكان والزمان المواتيين, والتاريخ شاهد على ما نقوله عن امبراطوريات وممالك عبر التاريخ سيطرت على شعوب مغلوبة على امرها واستعبدتها و ازالت هوية تلك الشعوب (القومية والعرقية) وقضت على حضارتها لتسجل هذه القوّة الغاشمة المسيطرة تاريخ جديد مبني على الحقائق الجديدة على الأرض. نعم ان فكرة التربع على القمة يمكن أن تكون اسرة. ولكن القوة خادعة ولا يجب على المسيحيين أن يخططوا للحصول عليها أو التمسك بها. لأن الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع الأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ ومنها الأمبراطورية الكلدانية والآشورية والفارسية والرومانية والأمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. ونحن في القرن الواحد والعشرون نسمع ونشاهد الكثيرون من الدول تستعرض قوّتها العسكرية والتدميرية أمام الكاميرات ليقول لنا ساسة هذه الدول أن قوتنا  تكمن في هذه الالات التدميرية للبشرية .
الكتاب المقدس يعلِّمنا الحكمة والدروس والعبر عن الشعب الأسرائيلي وكيف أصبح هذا الشعب في مهب الريح عندما أتكل على قوته العسكرية  بدل اتكاله على الله. في سفر الملوك  يخبرنا الكاتب أنّه  لم تمضي على موت سليمان سوى خمس سنوات حتى كان الغزاة ألأجانب قد نهبوا الهيكل (هيكل سليمان) والقصر, فما أسرعْ زوال المجد الأرضي والقوة والثراء ! فعندما فسد الشعب الأسرائيلي روحيا وأنحطوا أخلاقيا لم يمضي الاّ القليل حتى فقدوا كُلِّ  شيء(1ملوك 14:24). كانت مملكاتهم وثروتهم قد أصبحت عندهم أهم من الله. وعندما نبعد الله عن حياتنا يصبح كل شيء اخر بلا جدوى وفي مهب الريح, مهما بدا لنا ثمينا. لقد أنجرف الشعب الأسرائيلي وراء أهوائهم وأرادوا التحرر من سلطة الله وسلطة الكهنة والأنبياء الروحية. وهكذا يقول الله على لسان النبي هوشع"أنا أهلكُكم يابني اسرائيل, فمن ياتُرى يُعينكم؟ أين ملوكُكُم فيخلِّصونكم ؟..."هوشع 12:9".
لقد تم تدمير اسرائيل بواسطة القوة الحربية, لأنّها وضعت ثقتها في القوة الحربية بدلا من الله. بينما الرب يقول في الكتاب المقدس "...لأنّكم اتّكلتم على مركباتكم وعلى كثرة محاربيكم الجبابرة"!.
ولكن في نفس الوقت نقرأ في العهد القديم اشخاص كانت لهم قوة غير طبيعية لا يمكن أن تكون قوة بشرية بها أستطاعوا أن يغيروا الناس لا بل شعوب (أمثال ابراهيم ويوسف و موسى وداود وسليمان ودانيال النبي وجدعون وأستير ومردخاي ووو... الخ), وواجهوا أعتى القوات الشريرة والسلاطين والملوك وأستطاعوا بمفردهم أن يقفوا ويسيروا ضد التيار, وقد واجهوا الخوف وأنتصروا على ضعفهم.
انّ القوة (الفانية) واللذة والهوى والتعطش للسلطة والمدح والشهرة هي من اسباب سقوط الأنسان ويأتي الكبرياء على رأس كل الأسباب, فعندما نقيّم القوة أكثر من الله عندها نصبح اتعس التعساء والضعفاء والمهزومين والخنوعين ويستعبدنا الشيطان فعندها يسكن فينا الخوف والرعب. لقد حاول الشيطان أن يحوِّل يسوع المسيح عن هدفه, لخلاص العالم, بجعله يركِّز بصره على السلطة العالمية وليس على خطط الله, فقد حاول الشيطان أغراء يسوع بأعطائه ممالك العالم ليحكمها بقوة مستمدة من قوة الشيطان ولكنه فشل(متى 4:8,9). وما زال الشيطان الى اليوم يقدم لنا العالم بمحاولة أغرائنا بالماديات والقوة والسلطة, بينما ربنا يسوع المسيح تخلّى عن الكثير من قوته ليصير انسانا ولم يشأ أن يستخدم قوته الألهية حتى للذين القوا القبض عليه وصلبوه. علما أن للرب يسوع سلطان على الحجارة وعلى ممالك العالم وعلى الملائكة, ولكنه لم يرد أن يستخدم سلطانه بغض النظر عن ارساليته ومهمته. الكتاب المقدس يخبرنا أنّ لا المال ولا الجاه ولا ألسلطة تعطينا القوة الثابة والدائمة لأنّه عندما يزول المال والجاه والسلطة نرجع الى حقيقتنا, بينما قوة الله ثابة تمنح المؤمن قدرة على فعل أعمال قد تكون تعجيزية. يقول أحد المبشرين" قوتي هي صفر ولكن عندما أقف بجانت رقم 1(يقصد المسيح) أصبح رقم عشرة وتصبح لي قيمة وقوة "ولا زال هذا المبشر يعمل معجزات كبيرة باسم الرب يسوع المسيح  في افريقيا.
فالقوة الغاشمة هي ضد الله وضد الأنسان, هي تمرد واهانة لله, فحينما نثق في قدراتنا الذاتية نحسُّ بعدم الحاجة الى الله. والقوة الغاشمة  تطعن وتجرح ايضا مشاعر الأنسان وكرامته وانَّ الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع ألأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ.
السؤال هو اذن أين يكمن سر قّوَّةالمسيحيين, وخاصة مسيحيي العراق الذين ليس لهم جيش أو قوات او مدرعات أو أسلحة حتى لحماية انفسهم من الأعداء الذين لهم سطوة وقوة غاشمة؟
في الحقيقة علينا أن نرجع الى دستورنا الكتاب المقدس كلمة الله الحية ليكون هو دليلنا ومرشدنا ويكون الرب يسوع المسيح قدوة لنا والروح القدس قوة لنا. فما دمنا قد أتحدنا بالمسيح وصرنا أعضائه فهو الذي يدافع عنا ونحن  صامتون ولكن عندما ننقسم نحن المسيحيون على بعضنا فعندها لسنا مسيحيين حقيقيين وسوف تأتي القوات الشريرة وتتسلل بيننا وتزرع الخوف والرعب فينا وتمزقنا.
انَّ الذين يظنون أنَّهم يستطيعون القيام بكل شيء, معتمدين على قدراتهم الذاتية, فانهم في أعظم خطر, يقول بولس الرسول بأن المسيح(في رؤية) قال له :"تكفيك نعمتي في الضعف يَظهر كمال قدرتي" كورنثوس 12:9", فلا جدوى لنا نحن المسيحيين من الجهد البشري بدون معونة الرب ومشيئته, وهكذا رضي الرسول بولص بأن يفتخر مسرورا بالضعفات والأهانات والضيقات والأضطهادات من الأعداء"لأني عندما أكون ضعيفا أكون قويا"كورنثوس 12:10"
نعم قوتنا نستمدها من الرب يسوع المسيح لأنّ ضعفنا لا يعمل على تنمية شخصيتنا المسيحية فحسب, بل يعمل أيضا على تعميق عبادتنا لأننا بأعترافنا بضعفنا نثبّت قوة الله. يقول كاتب المزمور" يتكل هؤلاء على مركبات الحرب, واولئك على الخيل, أما نحن فنتكل على أسم الرب الهنا, هم فروا وسقطوا, أما نحن فنهضنا وانتصبنا".
لقد عرف داود النبي أن ّ القوة الحقيقية لأمته, لم تكن في السلاح بل في العبادة, ليست في قوة النيران والأسلحة بل في قوة الله .
أما الرب يسوع المسيح فقد غير مفهوم الحروب والمعارك باستخدام سلاح الكلمة والروح ويحارب بالحق ليس البشرية فقط بل قوات الشر الروحية.
قوتنا نحن المسيحيين هي في رجائنا, فعندما يكون لحياتنا معنى مع المسيح  فنحن سنحتمل جميع الصعاب والمشاكل وحتى الأضطهادات.
 قوَّتنا تكمن في الروح القدس الذي يمنحنا الشجاعة والتعزية والجرئة لمواجهة جميع ألأخطار والمواقف الصعبة"ولكن الروح القدس يحلِّ عليكم ويهبكم القوّة, وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية كلها والسامرة حتى أقاصي الأرض"اعمال 1:8"ويقول الرب على لسان النبي يوئيل:
"أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنباون كُلًّهم وأعمل معجزات فوق السماء ومعجزات تحت في الأرض"أعمال 2:18,19".
قوتنا في وحدتنا كأعضاء في جسد المسيح " ....ليكونوا واحدا مثلما أنت (الآب) وأنا واحد ....أنا فيهم وأنت فيَّ لتكن وحدتهم كاملة" يوحنا 17:21,23" فالمسيح هو كما يقول الرسول بولس هو سلامنا"افسس2:14" والرب يسوع هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان وأن لم نثبت فيه فنحن في خطر فهو الذي يقول"..أمّا بدوني فلا تقدرون على شيء"يوحنا 15:5" .
قوّتنا في أن نكون متحدين بعضنا مع البعض بالمحبة ألأخوية "وكان المؤمنون كُلُّهم مُتَّحدين, يجعلون كُلِّ ما عندهم مشتركا بينهم...وكانوا يلتقون كُلِّ يوم في الهيكل بقلب واحد, ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب"أعمال 2:44,45 ,46"ويقول الرسول بولس "فأنتم (أي المؤمنين) جسدٌ واحد وروحٌ واحد مثلما دعاكم الله الى رجاء واحد" أفسس4:4".
قوتنا في صلواتنا الجماعية, حيث الصلاة هي أقوى سلاح نواجه به قوى الشر الروحية "وفيما هم يصلَّون أرتج المكان الذي كانوا مجتمعين فيه, وأمتلأُوا جميعا بالروح القدس, فأخذوا يعلنون كلمة الله بكلِّ جرأة!"أعمال 4:31".
ويقول بولس الرسول "لله القادر بقوّته العاملة فينا أن يفعل أكثر جدا مما نطلبه أو نتصوره" أفسس3:20".
قوَّتنا في كلمة الله الحيّة التي هي أمضى من كُلِّ سيف له حدّان"عبرانيين4:12", وجهادنا هو جهاد روحي"فنحن لا نحارب أعداء من لحم ودم, بل أصحاب الرئاسة والسلطان والسيادة على هذا العالم, عالم الظلام وألأرواح الشريرة في ألأجواء السماوية"أفسس 6:12".
يقول بولس الرسول في دعوته للسلام"أنتبهوا أن لا يجازي أحدٌ شرّا بشرِّ, بل أعملوا الخير دائما, بعضكم لبعض ولجميع الناس"1تسالونيكي5:15".
 يسوع المسيح هوالصخرة التي نبني عليها حياتنا وعندما تواجهنا جيوش الأعداء وتحيط بنا قوات الشر, وعندما تتلاطم الأمواج وتهب العواصف وتجري السيول لن تستطيع أن تهزَّ البناء لأنّ الأساس من الصخر.

122

أين يكمن سر قوّة المسيحيين ؟
نافع البرواري
انّ القوّة البشرية التي يؤمن بها هذا العالم, كالقوة العسكرية والقوة الأقتصادية والقوة السياسية وغيرها من الأنواع, هي قوة خدّاعة وسرعان ما تضمحل وتزول لأنّها وقتية تعتمد على ضرف المكان والزمان المواتيين, والتاريخ شاهد على ما نقوله عن امبراطوريات وممالك عبر التاريخ سيطرت على شعوب مغلوبة على امرها واستعبدتها و ازالت هوية تلك الشعوب (القومية والعرقية) وقضت على حضارتها لتسجل هذه القوّة الغاشمة المسيطرة تاريخ جديد مبني على الحقائق الجديدة على الأرض. نعم ان فكرة التربع على القمة يمكن أن تكون اسرة. ولكن القوة خادعة ولا يجب على المسيحيين أن يخططوا للحصول عليها أو التمسك بها. لأن الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع الأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ ومنها الأمبراطورية الكلدانية والآشورية والفارسية والرومانية والأمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس. ونحن في القرن الواحد والعشرون نسمع ونشاهد الكثيرون من الدول تستعرض قوّتها العسكرية والتدميرية أمام الكاميرات ليقول لنا ساسة هذه الدول أن قوتنا  تكمن في هذه الالات التدميرية للبشرية .
الكتاب المقدس يعلِّمنا الحكمة والدروس والعبر عن الشعب الأسرائيلي وكيف أصبح هذا الشعب في مهب الريح عندما أتكل على قوته العسكرية  بدل اتكاله على الله. في سفر الملوك  يخبرنا الكاتب أنّه  لم تمضي على موت سليمان سوى خمس سنوات حتى كان الغزاة ألأجانب قد نهبوا الهيكل (هيكل سليمان) والقصر, فما أسرعْ زوال المجد الأرضي والقوة والثراء ! فعندما فسد الشعب الأسرائيلي روحيا وأنحطوا أخلاقيا لم يمضي الاّ القليل حتى فقدوا كُلِّ  شيء(1ملوك 14:24). كانت مملكاتهم وثروتهم قد أصبحت عندهم أهم من الله. وعندما نبعد الله عن حياتنا يصبح كل شيء اخر بلا جدوى وفي مهب الريح, مهما بدا لنا ثمينا. لقد أنجرف الشعب الأسرائيلي وراء أهوائهم وأرادوا التحرر من سلطة الله وسلطة الكهنة والأنبياء الروحية. وهكذا يقول الله على لسان النبي هوشع"أنا أهلكُكم يابني اسرائيل, فمن ياتُرى يُعينكم؟ أين ملوكُكُم فيخلِّصونكم ؟..."هوشع 12:9".
لقد تم تدمير اسرائيل بواسطة القوة الحربية, لأنّها وضعت ثقتها في القوة الحربية بدلا من الله. بينما الرب يقول في الكتاب المقدس "...لأنّكم اتّكلتم على مركباتكم وعلى كثرة محاربيكم الجبابرة"!.
ولكن في نفس الوقت نقرأ في العهد القديم اشخاص كانت لهم قوة غير طبيعية لا يمكن أن تكون قوة بشرية بها أستطاعوا أن يغيروا الناس لا بل شعوب (أمثال ابراهيم ويوسف و موسى وداود وسليمان ودانيال النبي وجدعون وأستير ومردخاي ووو... الخ), وواجهوا أعتى القوات الشريرة والسلاطين والملوك وأستطاعوا بمفردهم أن يقفوا ويسيروا ضد التيار, وقد واجهوا الخوف وأنتصروا على ضعفهم.
انّ القوة (الفانية) واللذة والهوى والتعطش للسلطة والمدح والشهرة هي من اسباب سقوط الأنسان ويأتي الكبرياء على رأس كل الأسباب, فعندما نقيّم القوة أكثر من الله عندها نصبح اتعس التعساء والضعفاء والمهزومين والخنوعين ويستعبدنا الشيطان فعندها يسكن فينا الخوف والرعب. لقد حاول الشيطان أن يحوِّل يسوع المسيح عن هدفه, لخلاص العالم, بجعله يركِّز بصره على السلطة العالمية وليس على خطط الله, فقد حاول الشيطان أغراء يسوع بأعطائه ممالك العالم ليحكمها بقوة مستمدة من قوة الشيطان ولكنه فشل(متى 4:8,9). وما زال الشيطان الى اليوم يقدم لنا العالم بمحاولة أغرائنا بالماديات والقوة والسلطة, بينما ربنا يسوع المسيح تخلّى عن الكثير من قوته ليصير انسانا ولم يشأ أن يستخدم قوته الألهية حتى للذين القوا القبض عليه وصلبوه. علما أن للرب يسوع سلطان على الحجارة وعلى ممالك العالم وعلى الملائكة, ولكنه لم يرد أن يستخدم سلطانه بغض النظر عن ارساليته ومهمته. الكتاب المقدس يخبرنا أنّ لا المال ولا الجاه ولا ألسلطة تعطينا القوة الثابة والدائمة لأنّه عندما يزول المال والجاه والسلطة نرجع الى حقيقتنا, بينما قوة الله ثابة تمنح المؤمن قدرة على فعل أعمال قد تكون تعجيزية. يقول أحد المبشرين" قوتي هي صفر ولكن عندما أقف بجانت رقم 1(يقصد المسيح) أصبح رقم عشرة وتصبح لي قيمة وقوة "ولا زال هذا المبشر يعمل معجزات كبيرة باسم الرب يسوع المسيح  في افريقيا.
فالقوة الغاشمة هي ضد الله وضد الأنسان, هي تمرد واهانة لله, فحينما نثق في قدراتنا الذاتية نحسُّ بعدم الحاجة الى الله. والقوة الغاشمة  تطعن وتجرح ايضا مشاعر الأنسان وكرامته وانَّ الذين يشتهون القوة سينالهم خراب شديد كما حدث لجميع ألأمبراطوريات الغاشمة عبر التاريخ.
السؤال هو اذن أين يكمن سر قّوَّةالمسيحيين, وخاصة مسيحيي العراق الذين ليس لهم جيش أو قوات او مدرعات أو أسلحة حتى لحماية انفسهم من الأعداء الذين لهم سطوة وقوة غاشمة؟
في الحقيقة علينا أن نرجع الى دستورنا الكتاب المقدس كلمة الله الحية ليكون هو دليلنا ومرشدنا ويكون الرب يسوع المسيح قدوة لنا والروح القدس قوة لنا. فما دمنا قد أتحدنا بالمسيح وصرنا أعضائه فهو الذي يدافع عنا ونحن  صامتون ولكن عندما ننقسم نحن المسيحيون على بعضنا فعندها لسنا مسيحيين حقيقيين وسوف تأتي القوات الشريرة وتتسلل بيننا وتزرع الخوف والرعب فينا وتمزقنا.
انَّ الذين يظنون أنَّهم يستطيعون القيام بكل شيء, معتمدين على قدراتهم الذاتية, فانهم في أعظم خطر, يقول بولس الرسول بأن المسيح(في رؤية) قال له :"تكفيك نعمتي في الضعف يَظهر كمال قدرتي" كورنثوس 12:9", فلا جدوى لنا نحن المسيحيين من الجهد البشري بدون معونة الرب ومشيئته, وهكذا رضي الرسول بولص بأن يفتخر مسرورا بالضعفات والأهانات والضيقات والأضطهادات من الأعداء"لأني عندما أكون ضعيفا أكون قويا"كورنثوس 12:10"
نعم قوتنا نستمدها من الرب يسوع المسيح لأنّ ضعفنا لا يعمل على تنمية شخصيتنا المسيحية فحسب, بل يعمل أيضا على تعميق عبادتنا لأننا بأعترافنا بضعفنا نثبّت قوة الله. يقول كاتب المزمور" يتكل هؤلاء على مركبات الحرب, واولئك على الخيل, أما نحن فنتكل على أسم الرب الهنا, هم فروا وسقطوا, أما نحن فنهضنا وانتصبنا".
لقد عرف داود النبي أن ّ القوة الحقيقية لأمته, لم تكن في السلاح بل في العبادة, ليست في قوة النيران والأسلحة بل في قوة الله .
أما الرب يسوع المسيح فقد غير مفهوم الحروب والمعارك باستخدام سلاح الكلمة والروح ويحارب بالحق ليس البشرية فقط بل قوات الشر الروحية.
قوتنا نحن المسيحيين هي في رجائنا, فعندما يكون لحياتنا معنى مع المسيح  فنحن سنحتمل جميع الصعاب والمشاكل وحتى الأضطهادات.
 قوَّتنا تكمن في الروح القدس الذي يمنحنا الشجاعة والتعزية والجرئة لمواجهة جميع ألأخطار والمواقف الصعبة"ولكن الروح القدس يحلِّ عليكم ويهبكم القوّة, وتكونون لي شهودا في أورشليم واليهودية كلها والسامرة حتى أقاصي الأرض"اعمال 1:8"ويقول الرب على لسان النبي يوئيل:
"أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنباون كُلًّهم وأعمل معجزات فوق السماء ومعجزات تحت في الأرض"أعمال 2:18,19".
قوتنا في وحدتنا كأعضاء في جسد المسيح " ....ليكونوا واحدا مثلما أنت (الآب) وأنا واحد ....أنا فيهم وأنت فيَّ لتكن وحدتهم كاملة" يوحنا 17:21,23" فالمسيح هو كما يقول الرسول بولس هو سلامنا"افسس2:14" والرب يسوع هو الكرمة الحقيقية ونحن الأغصان وأن لم نثبت فيه فنحن في خطر فهو الذي يقول"..أمّا بدوني فلا تقدرون على شيء"يوحنا 15:5" .
قوّتنا في أن نكون متحدين بعضنا مع البعض بالمحبة ألأخوية "وكان المؤمنون كُلُّهم مُتَّحدين, يجعلون كُلِّ ما عندهم مشتركا بينهم...وكانوا يلتقون كُلِّ يوم في الهيكل بقلب واحد, ويكسرون الخبز في البيوت ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب"أعمال 2:44,45 ,46"ويقول الرسول بولس "فأنتم (أي المؤمنين) جسدٌ واحد وروحٌ واحد مثلما دعاكم الله الى رجاء واحد" أفسس4:4".
قوتنا في صلواتنا الجماعية, حيث الصلاة هي أقوى سلاح نواجه به قوى الشر الروحية "وفيما هم يصلَّون أرتج المكان الذي كانوا مجتمعين فيه, وأمتلأُوا جميعا بالروح القدس, فأخذوا يعلنون كلمة الله بكلِّ جرأة!"أعمال 4:31".
ويقول بولس الرسول "لله القادر بقوّته العاملة فينا أن يفعل أكثر جدا مما نطلبه أو نتصوره" أفسس3:20".
قوَّتنا في كلمة الله الحيّة التي هي أمضى من كُلِّ سيف له حدّان"عبرانيين4:12", وجهادنا هو جهاد روحي"فنحن لا نحارب أعداء من لحم ودم, بل أصحاب الرئاسة والسلطان والسيادة على هذا العالم, عالم الظلام وألأرواح الشريرة في ألأجواء السماوية"أفسس 6:12".
يقول بولس الرسول في دعوته للسلام"أنتبهوا أن لا يجازي أحدٌ شرّا بشرِّ, بل أعملوا الخير دائما, بعضكم لبعض ولجميع الناس"1تسالونيكي5:15".
 يسوع المسيح هوالصخرة التي نبني عليها حياتنا وعندما تواجهنا جيوش الأعداء وتحيط بنا قوات الشر, وعندما تتلاطم الأمواج وتهب العواصف وتجري السيول لن تستطيع أن تهزَّ البناء لأنّ الأساس من الصخر.

123

نداء الى جميع ألأخوة   (الكلدان السريان الاشوريين)

نافع البرواري

في ظل النقاشات والمجادلات التي نقرأها في مقالات بعض الأخوة عن "التسميات القومية"   لشعبنا "السورايي "وتضارب الآراء والأقتراحات ,نرجو من جميع ألأخوة  الكف عن هذا الجدل العقيم الذي ثبتت ألأيام أن هذا الجدل حول التسمية قد أوصلنا الى طريق مسدود  وفرَّق  وحدتنا بدل أن يجمعنا ويوحِّدنا كشعب واحد ودم واحد وهدف واحد وايمان واحد ومصير واحد وخاصة ونحن نواجه تحدي كبير للحفاظ على وجودنا في هذا الشرق بصورة عامة  وفي بلاد ما بين النهرين والعراق بصورة خاصة.

نحن اليوم في مفترق الطريق فأمّا أن نوحد اصواتنا وافكارنا واهدافنا وسياساتنا لنقف موقف واحد أمام جميع التحديات التي نواجهها  ,واما أن يختار كل واحد منا طريقا يفترق عن أخيه الآخر ويقودنا الى بحر الظلمات لاسمح الله

 ندائي لكل الأخوة والأخوات أن نكف عن  أتهامات بعضنا البعض بما يجرح مشاعرنا ويعمّق جروحاتنا ويزيد من انقساماتنا ,ولنفتح صفحة جديدة  ناصعة البياض ولنغفر بعضنا للبعض ونتكاتف لمواجهة ما يحيط بنا من الأعداء من كل الجهات .

وشكرا لكم

124
 
لمن تدُقُّ الأجراس في الدول العربية ؟
نافع البرواري
يقول الكاتب الشهير ارنست همنغواي في كتابه "لمن تدق الأجراس", وهو يقتبس من رواية لجون دون(1624) :"لسنا جزر مستقلة بذاتها, كلنا جزء من القارة, جزء من كل, فأن جرف البحر حفنة من التراب نقصت اوربا ..... موت أي  كائن ينتقص مني, فأنا معني بالبشرية, ولذا لا تراسلني أبدا لتسألني لمن تقرع ألأجراس, انَّها تقرع من أجلك".
لألقاء مزيدا من الأضواء على مايجري حاليا من المظاهرات والأحتجاجات في ساحات الدول العربية في الوطن العربي عامة والثورة الفتية في تونس خاصة, هذه الثورة الشعبية التي قام بها الشعب التونسي والذي فيها أطاح بالدكتاتور ونظام الحكم الشمولي وكانت أول شرارأنطلقت من هذا البلد وسوف لن ينطفي لهيبها الا بحرق كلِّ الأرث البالي للأنظمة الحاكمة في الدول العربية التي لا تريد أن تواكب التغييرات الشمولية التي حدثت في العالم, فحتى الدول الأفريقية هب عليها رياح الديمقراطية و تنفست شعوبها هواء الحرية والديمقراطية  بينما بقيت الدول العربية مغِّيبة عن العالم المتسارع الى التغييرات الشاملة في كل مجالات الحياة ألسياسية والأجتماعية والثقافية والأعلامية والأقتصادية .
أن عالم اليوم قد تغيّر وأن ما يحصل من التغييرات السياسية  والأجتماعية والثقافية في أية دولة في العالم  سيؤثر على بقية دول العالم, وأن التظخم المالي والآثار الأقتصادية في العالم يؤثر كثيرا في الأقتصاد والمال  للدول العربية وحتى الحروب والزلازل وتغيّر المناخ  وتلوُّث البيئة في اية دولة له نتائج على الدول الأخرى وكذلك الأعلام اليوم اصبح اعلاما عالميا حيث أصبح بمقدور كل فرد أن يشارك في ايصال صوته الى الآخرين عبر ألأنترنت ووسائل الأتصالات السريعة وما يحدث في أي بلد أو اي شارع في تونس أو مصر أو يمن أو.....الخ, يستطيع الأنسان وعبر القارات أن يشاهده, وهكذا لا تستطيع الدول التي يحكمها الدكتاتوريين ان يمنعوا ما يجري في العالم الأخر عالم الديمقراطية والحرية وخير شاهد على ما نقوله هي الأنتفاضة الأصلاحية في ايران ضد ولاية الفقيه التي شاهدها العالم كُلُّه عبر الشاشات الفضائية, وبعبارة مختصرة فان عالم اليوم أصبح قرية صغيرة واحدة وتظم هذه القرية بيوتا وعندما تحدث مشكلة في بيت واحد ظمن هذه القرية قد تؤثر على بقية البيوت. فمنذ سقوط جدار برلين سنة 1989 الى يومنا هذا حدث الكثير من التغييرات في العالم المعاصر وخاصة بعد انهيار الأتحاد السوفيتي واستقلال الدول الأشتراكية لأوربا الشرقية والتخلص من الحكم الشيوعي الشمولي الذي كان يحكم هذه الدول بقبضة من الحديد. وهكذا تغيّر العالم منذ ذلك الحين ولا زال في حالة التغيير بعد أن توقفت الحرب الباردة بين الدول الراسمالية الغربية وبين الأتحاد السوفيتي والتي أستمرت منذ الحرب العالمية الثانية, ولكن للأسف لم يتعظ حكام الدول العربية من هذه التغييرات الدراماتيكية في العالم وأصروا على الحفاظ على كراسيهم واستعباد شعوبهم وخنق الحريات وقمع كل الأسواط المنادية بالتغيير بأجراء انتخابات نزيهة في هذه البلدان. وعلى العكس من ذلك قامت هذه الأنظمة باجراءات صورية للأنتخابات لذر الرماد في عيون شعوبها وهكذا كشفت هذه الأنظمة عن مدى سقوطها الأخلاقي عندما كانت النتائج تظهر لصالح هذه الأنظمة والأحزاب الحاكمة والتي لا يعقلها حتى السذج من الناس, فقد كانت النتائج لصالح هذه الأنظمة الدكتاتورية تتجاوز احيانا 90%  وكأنَّ  هذه الأنظمة عازمة على الضحك بعقول شعوبها والأستهزاء بمشاعرها من خلال ممارسة لعبة الأنتاخابات (الديمقراطية) القذرة .
انَّ الحكومات الدكتاتورية العربية تمادت في ظلمها لشعوبها حتى وصلت الى حالة التجويع وقطع الأرزاق لشريحة كبيرة من المجتمع  وخاصة بعد الزيادات العالية لأسعار السلع الغذائية والأستهلاكية بعد الأزمة المالية العالمية في العام الماضي, وهو ما زاد الطين بلّة وسارع في تمرد الشعب التونسي وشعب مصر واليمن والجزائر على انظمتها الدكتاتورية الفاسدة والغارقة في التخمة على حساب شعوبها الجائعة, والمثل يقول "قطع الأعناق ولا قطع ألأرزاق" وهذا لا يقلل من العوامل ألأخرى التي ساهمت في تصعيد  الغضب الجماهيري بسبب سنوات القمع والبطش والتهميش وخنق الحريات وغياب الديمقراطية و العدالة الأجتماعية في هذه الدول, ولا زلنا في بداية فوران الغضب وقد نشهد المزيد من المظاهرات الغاضبة في معظم الدول العربية  في الأيام والأشهر القادمة طالما الفكر السائد لهذه الأنظمة الديكتاتورية يؤمن بأن الشعوب العربية ما هي الاّ قطعان من الغنم يقودونها كيفما شائوا, ولكن الحكام وألأنظمة الدكتاتورية في الدول العربية لم يتعلموا دروسا وعبر من التاريخ القريب والبعيد وظلّوا يخفون رؤوسهم في الرمال كالنعامة فلم يتحركوا للقيام بأصلاحات جوهرية في مجتمعاتهم ولم يعطوا الفرص لشعوبهم المقهورة وخاصة الشباب منهم لكي يساهموا ويشاركوا في بناء بلدانهم بل حدث ما هو العكس من ذلك تماما, وهذا ما تبين في الثورة التونسية حيث كان خريجوا المعاهد والكليات هم ألأكثر تضررا لعدم توفير فرص عمل لأصحاب الشهادات في تونس وقد اشعل محمد بوعزيز النار في نفسه ليموت بعد أن ضاقت الحياة به, فحرّك, الموت المأساوي لهذا الشاب, ضمائر وعقول وطاقات الشعب التونسي ليقوم بأكبر تظاهرة يشهدها العالم العربي ضد الدكتاتور الحاكم, وأصبحت ثورة الشعب التونسي النموذج الذي يقتدى بها  الشعوب في الوطن العربي. وهكذا نرى اليوم في الشوارع تمرد الطبقة المثقفة والطبقات المسحوقة على الوضع المزري الذي يعيشونه بالأنتفاضة على أنظمتهم الدكتاتورية, وبهذا تم كسر هواجس الخوف والرعب وتحرَّرَ الشعب التونسي والمصري واليمني والسوداني من أقوى عدو يمكن أن يشل  حركتهم وهو الخوف من المجهول الذي كان يشُلُّ حركتهم وأصواتهم المنادية بتحقيق امالهم ومستقبلهم, وعندما يزاح الخوف من قلوب الشعوب عندها لا تستطيع أي قوى في العالم أن توقف هذه الشعوب من الثورةعلى انظمتها الدكتاتورية  واجراء التغييرات  للحصول على مطاليبها .   
ولكن يبقى هناك سؤال يحتاج الى الأجابة وهو: ماذا بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية في الدول العربية؟ للأجابة على هذا السؤال السابق لأوانه علينا أن نرجع الى التاريخ لنستخلص منه الدروس والعبر لكي نستشف المستقبل وتكون لنا رؤية لما سوف يحدث بعد هذه التغييرات الدراماتيكية التي حدثت و تحدث هذه الأيام في الدول العربية.
عندما سقط النظام الدكتاتوري في العراق سنة 2003 راهن الكثيرون على أن النظام الدكتاتوري ولّّى الى الأبد وأنَّ امام الشعب العراقي مرحلة جديدة من الديمقراطية والحرية والمساواة والعدالة الأجتماعية وتحقيق امال الشعب في بناء دولة مدنية علمانية لتحقيق طموحات جميع الفئات في المجتمع العراقي ولكن في الحقيقة خاب امل الشعب وكان ما كان حيث الحروب الطائفية والصراع على السلطة والتصفيات الجسدية والفلتان ألأمني والفساد المالي والأخلاقي, هذه كانت نتائج انهيار النظام الدكتاتوري في العراق ولا زال العراق الى يومنا هذا غير مستقر وهناك صراعا على السلطة والمناصب والكراسي والفلتان الأمني. ولا يمكن بطبيعة الحال أن نقارن حالة العراق بما جرى ويجري في تونس, فالثورة الجماهيرية العارمة التي اسقطت النظام الدكتاتوري الشمولي في تونس وغيّر ت الكثير من النظريات السياسية التي كانت تؤكد استحالة الأطاحة بالأنظمة الدتاتورية دون ثورات دموية أو انقلابات عسكرية.
 أن سقوط النظام الدكتاتوري في العراق تم بفعل خارجي وليس بفعل شعبي بينما في تونس كان السقوط بسبب تصميم الشعب التونسي واصراره على كسر قيود العبودية والحكم الظالم .
ولكن مع كل هذه الحقائق التي ذكرناها, لا ننسى محاولات قمع الثورة التونسية في مهدها باصرار النظام السابق في تونس بالأستحواذ على المناصب المهمة مثل وزارة الدفاع والداخلية وغيرها, وكذلك لا ننسى أن الثورة كانت غير منظمة ولم تكن لها منهج أو قيادة ومثل هذه الحالات قد تتعرض الى الأجهاض لأسباب كثيرة منها عدم التنسيق بين الأحزاب المعارضة في ما يتم اجرائه بعد الثورة وهذا ما أوقع الثورة في مأزق تشكيل  الحكومة الجديدة حيث البعض من المعارضين انضموا الى الحكومة السابقة وحصلوا على بعض المناصب الوزارية الغير المهمة بينما انسحب الكثير من الأحزاب المعارضة ولا يعترفون بحكومة فيها عناصر تابعين للدكتاتور.
هذا من جهة, ومن جهة ثانية فان انتفاضة الشعوب العربية ليس معناها الحصول على الحرية والديمقراطية على طبق من ذهب, فكل الثورات العربية قامت وازالت الحكومات المستبدة وخاصة في العهود الأستعمارية حيث قام الثوار بثورات حصلوا على استقلالهم من الأستعمار ولكن نفس الثوار تحوّلوا الى دكتاتوريين وحكموا الشعب بالحديد والنار وجعلوا الحكم وراثي ومدى الحياة!!!
فعلينا أن لانسبق الأحداث لأن الظاهرة لا زالت موجودة في الدول العربية وهي ظاهرة الكتاتورية المزروعة في كل فرد من أفراد الشعوب العربية, ولكن باختلاف هذه الدول, وهي ظاهرة تربوية وتاريخية يتربى فيها ألأجيال بعد أجيال حيث الطفل وهو في البيت ينشأ ويتربى على دكتاتورية الأب وبعدها في المدرسة يتعود على دكتاتورية المعلم والمدرس وحتى الجيوش العربية فيها درجات من الدكتاتورية التي فيها يحكم الضابط الضباط الذين هم ادنى مرتبة منه كأنه دكتاتور فما بالنا بحكم هذا الضابط للجنود, فأحيانا كثيرة الجندي في الجيوش العربية يعرِّف "بأنه هو المكان المحصور بين البوسطال والخوذة" فبالحقيقة العسكر في الدول العربية هو عالم يسحق الأنسان ويهين كرامته وانسانيته وأحيانا يتعامل الضباط مع الجنود كتعاملهم مع الحيوانات واحيانا أدنى من الحيوانات.
ولا ننسى أنّ غالبية الشعوب العربية قد تعوّدت على العيش في ظل ألأنظمة الدتكاتورية القمعية, وكيّفت نفسها بالقبول بالأمر الواقع, ولو على مضض, والكثيرون تعودوا الخضوع والخنوع والعبودية للحكام المستبدون وهم  يشعرون بالأهانة والذل والظلم, ولكن ليس في عقلية غالبية الشعوب العربية ادنى فكرة حقيقية عن الحياة الديمقراطية والحرية لأنّها لم تعشها ولم تتذوقها ولا تعرف قيمتها وافاقها وأحيانا كثيرة ترفضها خاصة عند الذين لا زالوا يؤمنون بالعشائرية والعصبية القبلية وكذلك الأحزاب الدينية التي اصلا لا تؤمن بالديمقراطية والحرية, فلا يبقى الآ الطبقة العلمانية والنخبة المثقفة التي تؤمن بالديمقراطية والحرية وحقوق الأنسان ولكنها حتى هذه النخبة ونتيجة الضغوطات الكثيرة عليها وعبر الزمن دُّجِّنت ليصبح الكثيرون من هذه الفئة يخضعون للأمر الواقع وينصهرون في المجتمع ذات الأكثرية التي ذكرناها, لا بل الكثيرون من المثقفين والأعلاميين اصبحوا بوقا للأنظمة الدكتاتورية في بلدانهم.
ومها حصل فأنَّ التغيير في البلدان العربية  قادم لا محالة  وعجلة التاريخ لا يمكن ارجاعها الى الوراء, وقد ولّى زمن الأنظمة الشمولية ونحن في  القرن الواحد والعشرون, ومسألة بقاء الأنظمة الدكتاتورية الشمولية, في العالم بصورة عامة والوطن العربية بصورة خاصة, هي مسألة وقت  وآن الأوان للأنسان العربي أن يعيد النظر في الكثير من المفاهيم والمعتقدات الخاطئة  لبناء انسان جديد ونظام جديد ونظرة جديدة للحياة, نعم صدق الشاعر التونسي أبو قاسم الشابي عندما قال:
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ للّيـــل أن ينجـــلي ولا بــــدّ للقيـــدِ أن ينكســـرْ
ومــن لــم يعانقْـه شـوْقُ الحيـاة تبخَّـــرَ فــي جوِّهــا واندثــرْ

125
لماذا هذه الحملات الأعلامية العربية والأسلامية على بابا الفاتيكان؟

نافع البرواري

في عشية عيد الميلاد المجيد وبداية السنة الجديدة صرّح البابا بيندكتس السادس عشر بتصريح يطالب فيه الحكومات العربية والأسلامية في الشرق ألأوسط وكذلك طالب العالم بالضغط على هذه البلدان بحماية المسيحيين في بلدانهم بسب الأرهاب والأضطهاد والتهجير الذي يُعاني منه المسيحيين في هذه البلدان وكانت آخرها مجزرة كنيستي "سيدة النجاة " في العراق وكنيسة "الرسولين" في مصر.

كثيرا ما ركز قداسة البابا بيندكتس السادس عشر, قبل رسامته البابوية وبعدها, على الحوار بين الآديان, وخاصة بين الديانتين المسيحية والأسلامية, وهو البابا الأكثر نشاطا في ترسيخ هذا الحوار, وحرية العقيدة والضمير, وهو الأكثر حماسا للمطالبة بحقوق الفلسطينيين لتكون لهم دولتهم المستقلة, ودولة الفاتيكان كانت ولاتزال دائما من أكثر الدول صراحة ووضوحا ووقوفا بجانب الشعب الفلسطيني وحقه المشروع باقامة دولته الفلسطينية ، وقد كان الفاتيكان من آخر الدول التي اعترف بدولة إسرائيل بعد اعتراف بعض الدول العربية بها، وبعد أن أقامت "منظمة التحرير الفلسطينية" علاقات منتظمة معه. ولازالت مواقف الفاتيكان بخصوص القدس ودولة فلسطين من أهم أسباب الهجوم الشرس الذي تتعرض له دولة الفاتيكان من الصهيونية العالمية, والبابا الحالي, بيندكتس السادس عشر, من أكثر البابوات دفاعا عن المهاجرين الى اوربا, وغالبيتهم من العرب المسلمين, لتأمين الحق لهم بالعيش الكريم ومطالبته الدول الغربية بأحترام عقيدتهم وحقوقهم الأنسانية والسماح لهم ببناء بيوت الصلاة في اروبا , وكان من الرافضين للتشريعات الغربية لمنع النساء المسلمات في لبس الحجاب, بينما شيخ الأزهر الراحل قال من حق فرنسا أن تمنع الحجاب لأنها مسألة تخص شؤون فرنسا الداخلية. وهو البابا الوحيد الذي يدعو الغرب والدول الشمالية الغنية برفع الحاجز بين هذه الدول والدول الجنوبية الفقيرة, ومن ضمنها الدول العربية, بعد أن كان البابا السابق يوحنا بولس الثاني, المساهم الرئيسي في ازالة الحواجز بين الشرق والغرب, بين الشيوعية والدول الغربية والمساهم الرئيسي في اسقاط الشيوعية في الأتحاد السوفيتي السابق والدول الأوربية الشرقية, وكان سقوط جدار برلين في فترة ترأسه الكنيسة الكاثوليكية, حيث أنتهت في عهده ما تسمّى الحرب الباردة.

البابا الحالي كان ولا يزال يدعو العالم الى أزالة العنف بجميع اشكاله وهو الذي يحث الدول الغربية في كل مناسبة للرجوع الى جذورها المسيحية في التسامح وصنع السلام والتعامل الأخلاقي والأنساني مع جميع شعوب الأرض. وهو البابا المشهور بكونه من كبار اللاهوتيين المعاصرين وله كتب كثيرة تستمد منها الكنيسة الكاثوليكية في قراءآتها الفلسفية واللاهوتية المعاصرة, وخصوصا تركيزه على العقل والأيمان ونبذ ألأصولية الدينية والعنف أينما كانت, فهو الذي القى محاضرة سنة 2005 في احدى الجامعات الألمانية, وكانت بعنوان"العلاقة بين العقل والعنف في المسيحية والأسلام",  وأثارت موجة من ردود الفعل الغاضبة في العالم الإسلامي في حينها, حيث أُخرجت من سياقها وأعطيت بعداً سياسياً لم يكن له في واقع الأمر, وكانت هذه المحاضرة بمثابة الشرارة الأولى التي فيها انطلق المسلمون الأصوليّون ليحاربوا ويطعنوا ويجرحوا لا بل يشتموا البابا الحالي, بحجّة أنَّ البابا قد أساء الى الأسلام ورسول المسلمين, ولا زلنا نتذكر تلك الأساءآت التي صدرت من كبار شيوخ ورجال الدين المسلمين بحق البابا والكنيسة الكاثوليكية لا بل طالت هذه الأساءآت مسيحيي الشرق وتم قتل بعظهم وحرق عدة كنائس ومظاهرات عاصفة في الشارع العربي والأسلامي وحرق الصور والتماثيل  للرموز المسيحية ووووالخ. وهكذا هدموا كُلِّ ما قام به الفاتيكان عبر السنين من المبادرات للحوار بين الديانتين المسيحية والأسلامية والتي كانت أغلبها من أفكارالبابا الراحل يوحنا بولص الثاني و هذا البابا الحالي الذي قال: "منذ أربعين  سنة أنا أدعو  للحوار بين الديانات والحضارات ولكن أسفي الكبير سوء فهم الآخرين" وفعلا بدأ يتكلم عن ضرورة الحوار في أول خطابه, بعد تنصيبه على رأس الكنيسة الكاثوليكية, مع التجمع  الشبابي في مدينة كولون الألمانية. ان ما أراد البابا قوله يمكن أن نختصره في خلاصة قصيرة وهي: مطالبته المجتمعات الغربية التي تدّعي بأنها صاحبة الحضارة المعاصرة والتي تعتمد على العقل, الى الرجوع الى جذور أيمانها المسيحي, فهذه المجتمعات والدول التي تعتمد على  العقل لوحده, دون الأيمان, في صنع الحضارات الأنسانية, قد تجر العالم الى ظلم الآخرين من اخوتهم في الأنسانية, لا بل قد يستغلّوا العالم الثالث ويستعبدونه. بينما في المقابل هناك من الأصوليين والمغالين في الدين, وخاصة في الأسلام, ممن يعتمدون على أيمانهم الأصولي المنافي للعقل, ويحاربون العقائد الأخرى التي لاتؤمن بما تؤمن به تلك الأصوليات الأسلامية.  وبجملة قصيرة" يجب أن يلتقي ألأيمان والعقل في الديانات السماوية, والاّ لن يكن هناك حوار حقيقي للحضارات".

اليس ما يُطالب به هذا البابا هو عين الحقيقة؟ وما الغريب فيما قاله هذا البابا ؟ أليس من المفروض من جميع الشرائع السماوية, مسيحيين ومسلمين ويهود أن يكون هذا من صلب عقيدتهم؟ انّ محاضرة البابا كانت أصلا موجهة للعالم للتحاور بين الحضارات, وخاصة بين المسيحية والأسلام, للعودة الى الأيمان والعقل, وهو استشهد في هذه المحاضرة بالحوار الذي جرى في القرون الوسطى بين أمبراطور بيزنطي (مسيحي) ومثقّف مسلم, كُلِّ واحد يعتقد بأن عقيدته هي الأصح فاستشهد بكلام الماضي في تلك الفترة التاريخية, وهذا لا يعني أنّ ارائهم هي اراء البابا. والحقيقة هي أنَّ تلك المحاضرة لو أُلقيت على مثقفين وذوي العقول النيّرة لأستوعبوا ما قاله البابا في تلك المحاضرة, ولكن للأسف اليوم أصوات الأصوليّون وأصوات المتزمتين من رجال الدين هي السائدة في المجتمعات العربية خاصة والمجتمعات الأسلامية عامة حيث غياب العقل وعدم قبول نقد النصوص الكتابية والهجوم على كل من يختلف عن مناهجهم وأفكارهم المتخلفة.

يقول البابا بندكتس السادس عشر"من خلال تلاقي العقل والأيمان يمكننا أن نكون مؤهلين لحوار حقيقي بين الحضارات وألأديان الذي نحن في أمس الحاجة اليه".

لقد ركز في محاضرته (وهو يكررها  دائما في مناسبات كثيرة) أن الله الخالق هو ضد العنف والقتل لأنهما ضدّ طبيعته, لأنَّه هو واهب الحياة, وعلى الديانات أن لا تحارب بأسم الله أو تستغل مشاعر الأنسان  للأيمان بالجهاد المقدس الذي يعارض ارادة الله .

ونأتي الى ماصرّح به البابا بيندكتس بخصوص الأرهاب ضد المسيحيين في الشرق الأوسط في عشية عيد ميلاد سيدنا يسوع المسيح في 1_1_2011 , بعد المجزرة الرهيبة بحق أخوتنا الأقباط المسيحيين في كنيسة "القديسين" في ألأسكندرية, عندما قال ما معناه "يجب على الحكومات العربية والأسلامية أن تلتزم بمسؤوليتها في حماية مواطنيهم المسيحيين في بلدانهم وعلى دول العالم السعي لحماية هذه الأقليات المضطهدة".

وسوف نسمع غضب البلدان العربية والأسلامية على تصريح البابا هذا بحجة تدخله في شؤون الدول العربية وخاصة في شؤون مصر كما صرح بذلك مسؤولي الدولة في مصر وكذلك شيخ الأزهر أحمد الطيب وغيره كثيرون.

السؤال المطروح: أليس من الطبيعي أن يتدخل البابا بيندكتس السادس عشر, بأعتباره رأس الكنيسة الكاثوليكية, ويدعو الجميع لحماية ألأقليات المسيحية المضطهدة في الشرق الأوسط, بعد أن تيقَّن من سكوت وصمت معظم ألأنظمة الحاكمة ورجال الدين المسلمين خاصة ؟

ألا يحق لشخصية معروفة بمكانتها عالميا ومشهود لها بالدفاع عن حقوق الأنسان أينما كان ومن أي خلفية كان ومن اي دين كان هذا الأنسان؟ نقول أليس من حق بابا الفاتيكان الذي يرعى مليار ونصف المليار انسان, وهو ايضا كرئيس دولة ان يطالب بحماية المسيحيين من ارهاب الحكومات العربية و الاسلامية؟

لماذا هذا الزعيق والتشنج والعصبية والضغينة التي عبّرت عنها الكثير من الأنظمة العربية والأسلامية والكثير من رجال الدين بحق هذا البابا الذي دافع ويدافع عن المهاجرين الى الغرب, وغالبيتهم من العرب والمسلمين, ويقول لأوربا افتحوا ألأبواب للمهاجرين  بينما عقيد ليبيا عمل معسكرات أعتقال للمهاجرين العرب المسلمين والأفارقة, الذين يريدون العبور الى أوربا عبر ليبيا؟

يقول الدكتور فيصل القاسم مقدم برنامج ألأتجاه المعاكس في قناة الجزيرة:

"ماذا فعل البابا سوى أنه قال علناً ما يقترفه، سراً وجهراً، معظم حكام العالم الإسلامي بحق الدين الحنيف؟ تعالوا نحاسب أنفسنا أولاً قبل أن نستل سيوفنا الصدئة وسكاكينا الخشبية التي نخرها السوس في وجه هذا الناقد الغربي أو ذاك. ما الجديد، بربكم، في هذا الكلام؟ لماذا ندين الأقوال ونبارك الأفعال، أو على الأقل نتغاضى عنها؟ ألم تسخّر الكثير من الأنظمة العربية والإسلامية المزعومة كل طاقاتها الإعلامية والثقافية والدعائية والفقهية لتجريم المجاهدين، وكسر شوكتهم، واقتلاع مفهوم الجهاد من عقول المسلمين؟ لماذا أطلق رعاة الإسلام والمسلمين المزعومون مئات القنوات الفضائية الهابطة " .

لقد خرج شيخ الأزهر ووزير خارجية مصر ليشنوا حملة عاتية ضد بابا الفاتيكان،ويجمد الأزهرحوارالديانات, رغم أنهم هم أنفسهم من أعطوا لأنفسهم الحق فى التدخل لدى ألمانيا وأرسلوا فرق الدفاع من مصر ومن خزانة مصر لضمان حق مروة الشربينى, المرأة التي قتلها أحد المتعصبين الألمان, فقامت الدنيا ولم تقعد في العالم الأسلامي والعربي. اليس هذه من سمات التناقضات الكثيرة وازدواجية المعايير والكيل بمكيالين التي تستعملها الأنظمة العربية والكثير من المراجع الأسلامية سواء الشيعية أو السنية ؟ فعندما يقتل مواطن عربي او مسلم في اي بقعة من العالم الغير الأسلامي ينتفظ العالم العربي والأسلامي بينما يقتل يوميا مسيحيين في البلاد العربية والأسلامية وتغتصب أموالهم وأعراضهم ويُهجِّرون ويعتقلون كرهائن, ولا ترف جفون هذه الأنظمة ولا المراجع السنية والشيعية؟

لنقرأ ماقاله العلامة يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في برنامج الشريعة والحياة من على منبر قناة الجزيرة .

يقول: "على بابا الفاتيكان, بأن يلتزم الصمت تجاه قضايا الدول العربية وألأقليات في الشرق ألأوسط ...و أقول  للبابا اكفينا شرّك انت بس, وأتركنا نعيش مع بعضنا البعض وسيبنا في حالنا".

وقد ذهب البعض الى أبعد من هذه التصريحات بقولهم أنّ البابا يريد حربا صليبية جديدة,

إنّ من يُعلن الحرب الأعلامية الغير الأ خلاقية على الآخرين هم هؤلاء المتسلطين الفاسدين من الأنظمة العربية, والمستأجرين من بعض رجال الدين المسلمين وليس بابا الفاتيكان كما يزعم الذين هم بوق لهذه الأنظمة, هؤلاء المتشددين المتعصبين الذين ابتلى بهم العالم العربي والأسلامي لا بل العالم كلُّه. المشكلة ليست في هذه الأنظمة الغارقة في الفساد الأخلاقي بل المشكلة الكبيرة هي في الشعوب العربية والأسلامية التي هي ايضا أصابها عدوى هذا الفساد  فأصبحت لا تعرف ولا تُمّيز بين العدو والصديق, بين من يريد لهم الحرية والديمقراطية وحقوق ألأنسان وبين الذي يكبّلهم بقيود العبودية وسحق انسانيتهم والأستهزاء بعقولهم .

126
ثقافة الكراهية والأرهاب وتأثيرها على مستقبل المسيحيين ووجودهم في الدول العربية والأسلامية
نافع البرواري
 
بعد جريمتي كنيستي" سيدة النجاة "و"القديسين", ماهي الرسالة التي تحملَهُما؟
قد يتبادر الى الذهن لأولّ مرة أنّ جريمة قتل ناس ابرياء في كنيستي "سيدة النجاة"و"القديسين" هي حال جميع الجرائم الأرهابية  التي ارتكبت بحق المسيحيين في العراق ومصر على مر السنين القليلة الماضية, ولكن الحقيقة هي غير ذلك بل هي نقلة نوعية للأرهابيين بعد أن تشجعوا وتمادوا في جرائمهم بسبب عدم وجود ردع ومقاومة ورفض أو محاسبة  لهؤلاء الأرهابيين من قبل الحكومات والسلطات في مصر والعراق, وسكوت مريب ومخيف, لابل تحريض وتشجيع من رجال الدين المسلمين لما يقومُ به الأرهابيون من الجرائم بحق مسيحيي العراق ومصر والتي لا يمكن تبرئة هذه ألأعمال الوحشية ولا يمكن السكوت عنها الا اذا كان هناك تواطئ  مباشر وغير مباشر بين مرتكبي هذه الأعمال الشائنة والأجرامية, وبين أنظمة الحكم في البلدان العربية والأسلامية عامة وبين نظام العراق ونظام مصر بصورة خاصة بمباركة وتأييد الكثيرين من  رجال الدين المسلمين ومُآزرَة الغالبية من شعوب هذه الدول (ونستثني, طبعا جميع الخيرين ودعاة المحبة والسلام من أخوتنا العرب والمسلمين من هذه القائمة).
فلو استعرضنا جميع الأعمال الأرهابية في العراق ومصر منذ سنوات قليلة ماضية لم نقرأ ولم نسمع (الا في الفترة الأخيرة في حالة فردية في العراق) بالقاء القبض على مرتكبي هذه الأعمال الأرهابية الأجرامية, لا بل لمسنا التستر وألأهمال والسكوت عن كُلِ ماجرى من التهجير والترويع والقتل للمسيحيين في العراق وقتل ابرياء في مصر في وضح النهار وعلى مسمع ومرأى السلطات الحاكمة دون أي ردع أو محاسبة مرتكبي هذه الجرائم لا بل كان التبرير لهذه الجرائم في حالة مصر مضحكة وهزيلة حيث كانت السلطات والأجهزة الأعلامية في مصر تصرُّ على أنّ هناك رجل مجنون أو بلطجي قام بقتل المسيحيين أو وجود ثأر بين القتلة والمسيحيين بسبب أمور شخصية, أو قيام أقباط مصر ببناء كنيسة في أماكن غير مُجازة وغير قانونية الى آخره من ألأسباب الغير الواقعية والغير المُقنعة والتي لا يمكن تبرئتها أو قبولها بل هي مُضحكة ومُبكية على قول المثل "شرُّ البليّة ما يُضحك", ولكن الحقيقة الساطعة كانوا يخفونها عن العالم المتحضر, وهي وجود ثقافة أرهاب في جسد المجتمعات العربية والأسلامية وأنَّ هذه الثقافة قد طالت الحكام ومؤسسات الدولة في تلك الدول, وبمباركة المؤسسات الدينية وشيوخ ورجال الدين المسلمين, وكذلك سرت هذه الثقافة في المدارس والشوارع ودوائر الدولة, لا بل بدت هذه الثقافة (ثقافة الكراهية للمسيحيين) نسمعها على شفاه ألأطفال الصغار عندما يقول طفل صغير مسلم لطفل مسيحي بعمره "أنت كافر" أو عندما نسمع صيحة "الله أكبر" من مسلمين وهم يرون بشر مثلهم مضرجين بدمائهم في جريمة كنيسة "القديسين" في الأسكندرية وشهود مسيحيين يشاهدون توزيع الحلوى بين المسلمين بعد فاجعة كنيسة "القديسين" في الأسكندرية. اليس علينا, نحن المسيحيين, التوقف عند هذه الحالات ومئات الحالات الأخرى, لكي نتأمَّل في حجم الخطورة المُحدقة بنا نحن مسيحيي الشرق الأوسط بسبب ثقافة الكراهية السائدة في المجتمعات العربية والأسلامية ؟ اليس من حقنا نحن المسيحيين أن نتسائل عن دور حكومات هذه الدول, والتي تقع عليهم مسؤولية حماية مواطنيهم مهما كانت ديانتهم, في تشجيع هذه الثقافة لا بل وفي أحيان كثيرة دعمها لأرضاء الأحزاب الأسلامية المتطرفة لكسب ودها وتحقيق أهدافها  السياسية القذرة على حساب دماء الأبرياء من شعبنا المسيحي؟ هل يمكن السكوت على ما نسمعه عبر القنواة الفضائية لرجال دين وشيوخ ذوي مراكز عالية أمثال الشيخ سليم العوّى,وعلى قناة الجزيرة, الذي حرض الدولة لأقتحام الكنائس في مصر بحجة وجود اسلحة مخزونة فيها؟ والشيخ يوسف القرضاوي الذي يعتبر المسيحيين أهل الذمة ويفتي  بمقاومة استقلال جنوب السودان, ذات الغالبية المسيحية, عن شمال السودان (حيث كان تطبيق الشريعة الأسلامية  على الشعوب الغير ألأسلامية هي السبب الرئيسي في مطالبةهذه الشعوب,  ومنهم المسيحيين الجنوبيين, بالأستقلال)؟, وهل نسينا ما قاله العالم العربي المسلم زغلول النجار وعلى منبر قناة فضائية عربية رسمية, ليقول عن الكتاب المقدس هو "الكتاب المكدَّس", وشيخ الأزهر الحالي أحمد الطيب, الذي أهان المسيحيين عندما أدَّعى أنّ الكتاب المقدس مُحرّف وعلى منبر قناة مصرية رسمية, وها هو يشجبّ ما صرح به بابا الفاتيكان  في 1 يناير واعتبره تدخُّل في شؤؤن مصر الداخلية, (لأنّ صرخة البابا كانت لحماية مسيحيي الشرق ألأوسط وهذا من صميم واجبه كرجل دين يحمي رعيّته من المسيحيين اينما كانوا) عندما قال البابا "أنَّ الكلام لم يُجدي نفعا مع الدول العربية في المحافظة على أرواح المسيحيين وعلى المجتمع الدولي التدخل لوقف هذه الأعمال الأرهابية بحق المسيحيين".
 اليس خطاب يوم الجمعة الدوري في غالبية الدول العربية والأسلامية يتضمن التحريض على ألأرهاب ضد المسيحيين واليهود ؟
لماذا تتهرب الأنظمة العربية من المسؤولية؟ الم يوقّعوا على قوانين حقوق ألأنسان وعلى حق ألأنسان في الحياة الكريمة؟ الم يوقّعوا على قوانين حماية الأقليات ؟ ألم يوقّعوا على حرية المعتقدات ؟ أليسوا هم المسؤولين على حياة مواطنيهم المسيحيين؟ أين التحقيقات والمحاسبات القانونية لجرائم أرتكبت بحق المسيحيين الأبرياء خلال السنوات الماضية ؟ لماذا لا يتم الكشف عن هذه الملفات ولو لمرة واحدة؟
الأسئلة الكثيرة التي لم ولن نحصل ألأجابة عليها تجعلنا في شكٍ مُريب في أنّ المسؤولية الرئيسية تقع على ألأنظمة الحاكمة للدول العربية والأسلامية وهي التي يجب محاسبتها في النهاية لأنّها المسؤولة الرئيسية لحماية حياة المواطنين المسيحيين ألأبرياء, ولأنّ المسيحيين لم يدخلوا في لعبة الصراع الطائفي كما هي حاليا منتشرة بين الطوائف الأسلامية, ولأنّ المسيحيين لم يحملوا السلاح أو يخزنوه في كنائسهم كما فعل المسلمون  حتى في الدول الغربية, ولانّ المسيحيين لم يُكفّروا الآخرين في كنائسهم ولم يحرّضوا الناس على الكراهية كما يفعل شيوخ ورجال الدين المسلمون ,بل كان شعارهم ولا يزال هو محبة الآخر والصلاة من أجل الآخر والدعوى الى السلام في جميع المناسبات, ولأنّ المسيحيين في هذه البلدان لم يثبت عليهم خيانة أوطانهم بالأرتماء في أحضان الغرب كما يدعي المسلمين زورا وبهتانا وقولهم عن المسيحيين بأنّهم الطابور الخامس, ليس الاّ كذبة لا يقولها الاّ الجاهل بتاريخ هذه البلدان, فالمسيحيّون كانوا دائما الرواد في مقاومة الأحتلال ألأجنبي وقدموا الاف الشهداء عبر التاريخ.
ماهي الخطوات التي يجب علينا نحن مسيحيي الشرق ألأوسط, أتخاذها لدرء الأخطار المحدقة بنا؟
1_علينا نحن المسيحيين أن نتعلم دروس ونتعض لما يجري حاليا من مخطط رهيب يجري تنفيذه لأرهاب المسيحيين وطردهم من بلدانهم الأصلية وفرض الشريعة الأسلامية على الباقين منهم بأعتبارهم أهل الذمة, فعلينا عدم الثقة بالعهود والتنديد بالأرهاب الذي نسمعه هنا أو هناك من قبل المسؤولين في الدول العربية والأسلامية, دون وجود خطوات ملموسة من قبل أنظمة هذه الدول لردع الخطر المحدق بالمسيحيين, فقد فقدنا الثقة بالأنظمة الحالية ولا يمكن أن نقبل بعد اليوم وعودهم بحماية المسيحيين وهم مشتركين مع القتلة الأرهابيين في التخطيط لهذه الجرائم.
2_على الشعب المسيحي والمنظَّمات والأحزاب المسيحية ورجال الدين المسيحيين وجميع الكنائس في البلدان العربية أن يوحّدوا جهودهم لمواجهة هذا الخطر الذي كُلّ الدلائل تشير الى أنّ ما سوف يحدث قد يكون اسوء بكثير عما شاهدناه من الجرائم المرتكبة بحق المسيحيين في الماضي القريب.
3_علينانحن المسيحيين المطالبة بتدويل  قضيّتنا بالطلب من مجلس الأمن, كونها  الجهة المسؤولة لتطبيق حقوق ألأنسان التي وقّعت جميع الحكومات العربية على وثائقها لحماية ألأقليات في هذه البلدان, ويتم ذلك بالتنسيق بين المنظمات العالمية لحقوق ألأنسان وأيصال اصواتنا الى المحافل الدولية.
4_على ألأحزاب والمسؤولين والمنظمات المسيحية وممثليهم في البرلمان الأعتصام والدعوة
لمظاهرات سلمية يشارك فيها المواطنون المسيحيون في كلٍ من مصر والعراق وكل مسيحيي الشرق المتوسط لأيصال اصواتنا الى العالم أجمع وعلى المسؤولين المسيحين الذين يرون أنَّ منصبهم لا يخدم أخوتهم المسيحيين عليهم بتقديم ألأستقالة أو التقاعد كما فعل أحد أخوتنا وهو في منصب مرموق, بعد أن توصل الى نتيجة بأن منصبه قد يضر أكثر مما ينفع اخوته.
5_ المطالبة بتغيير المناهج الدراسية في الدول العربية ورفع كافة المناهج التحريضية التي تزرع الكراهية للمسيحيين, وتبديلها بمناهج تدعو الى محبة الآخر مهما كان لونه ودينه أو خلفيته وبهذا سيتم أجتثاث ثقافة الأرهاب من الأجيال القادمة والآ سوف لن تستطيع هذه الدول القضاء على الأرهاب طالما يتغذى الأرهاب من ثقافة وفكر الأجيال القادمة .
6_المطالبة بمنع الخطاب التحريضي ضد المسيحيين من على منابر الجوامع والقنواة الفضائية وجميع وسائل الأعلام وذلك بأصدار فتاوى تحاسب كُل من يخالف تلك الفتاوى.
7_ مطالبة الجامعة العربية ورئاسة المؤتمر ألأسلامي وجميع المنظمات ألأسلامية والمراكز الدينية الأسلامية بأتخاذ خطوات عملية لشجب وأستنكار وتجريم كُلّ ألأعمال الأرهابية بحق المسيحيين في بلدانهم.
8_ المطالبة بجعل دستور الدول العربية والأسلامية دستورا مدنيا علمانيا يراعي فيه حق المواطن بغض النظرعن ماهية عقيدته الدينية أو هويّته القومية, والأ سيكون المواطن المسيحي خاصة مواطنا من الدرجة الثانية, وسوف يُطبق عليه قوانين أهل الذمة كما يحدث الآن في بعض الدول العربية . 
9_أيجاد حلول لمشاكل المهاجرين وتعويض المتضررين وخاصة الذين فقدوا أرضهم وبيوتهم وممتلكاتهم, والمطالبة بحكم ذاتي لمسيحيي العراق في سهل نينوى تحت حماية دولية في المرحلة الأولى, وذلك لأننا حاليا متشتتين ويسهل على الأرهابيين الوصول الينا بكل سهولة, فالحكم الذاتي سيحمينا من الهجرة وترك الوطن ويشجع الكثيرين من المسيحيين بالعودة الى الوطن.

127
هاهُم ألأرهابيِّون يُحققون وعودهم والبداية هي كنيسة"القديسين"في الأسكندرية
نافع البرواري
لو راجعنا تهديدات الأرهابيين الذين فجّروا كنيسة "سيدة الرجاء" في بغداد, لما تفاجأنا بما  جرى لأخوتنا مسيحيي مصر بانفجار كنيسة "القديسين " في ألأسكندرية ليلة عيد ميلاد ربنا يسوع المسيح. لقد ذهب ضحيّة هذه الجريمة أكثر من 20 قتيلا وحوالي 100 جريح, فالبصمات تحمل نفس بصمات جريمة كنيسة" سيدة النجاة". كان تنظيم القاعدة في العراق قد وجّه في شهر تشرين الثاني الماضي, إنذاراً إلى مسيحيي المشرق عموما والأقباط خصوصا, وهدّد بشن هجمات في حال لم يتم إطلاق نساء قال التنظيم إن الكنيسة القبطية تحتجزهن بعد إشهار إسلامهن.
ولكن ماذا يعني هذا الأعلان الصريح  للقتلة بتنفيذ جريمتهم بهذه الثقة قبل ارتكاب الجريمة بحوالي شهرين؟ ولماذا  يتحدى الأرهابيون السلطات الأمنية العراقية والمصرية بقولهم أنَّ ايديهم تصل الى مسيحيي الأقباط في مصر وهدّدوا بالأنتقام بشكل يتحدى القوات الأمنية المصرية ووزارة داخليتها؟
لو قلنا أنَّ الحكومة العراقية ضعيفة وهناك أختراق أمني في المؤسسة ألأمنية, كما يدعي المسؤولين في الحكومة العراقية بصورة مستمرة حتى اصبحت اسطوانة مشروخة لا يمكن أن يقبلها الأنسان العاقل ويُصدّقها أبداً, ومع الأسف الكثيرون وبصورة خاصة نحن المسيحيّين نصدق ذلك.
في الحقيقة المشكلة أكبر مما نتصورها فليست جريمة"كنيسة القديسين"في الأسكندرية في ليلة  الميلاد31_12_2010 هي الأولى ولن تكون ألأخيرة في مصر أو في البلدان ألعربية والأسلامية  طالما هناك ظاهرة الأرهاب المتفشيّة في هذه البلدان وطالما هناك من يدعم ويُغذي هذه الظاهرة لتصنع أشباح الموت للناس الأبرياء وقتلهم وترويعهم لكي يتركوا بلدانهم. هذه الظاهرة تُذكِّرنا بشيئاً مريراً من تاريخ العهد العثماني وخاصة بين أعوام 1915_1918 حيث تم ترهيب مسيحيي تركيا من الأرمن واليونانيين والسريان والآشوريين وطردهم من تركيا بعد أن تم ابادة ما لا يقل عن مليونين مسيحي حيث كان اكثرية شهدائنا من الأرمن بالأضافة الى الآشوريين والسريان واليونانيين.
 يؤكد المراقبون والمختصون بشؤون الأرهاب, الذين يرصدون الأحداث الأرهابية في العالم ويدرسون جذورها وأسبابها, انَّ هذه الجرائم بحق "المسيحيين" في الدول العربية والدول ألأسلامية ليست فقط ظاهرة ارهابية لجهة معيّنة تسمّى"القاعدة" فقط, بل هذه الظاهرة عامة وشاملة في كافة الدول العربية والأسلامية, وهي نتاج فكري لهذه المرحلة التاريخية للعالم العربي خاصة والعالم الأسلامي عامة, ونحن لسنا في صدد الدخول في تفاصيل جذور وأسباب نشوء هذه الظاهرة في هذه المقالة, ولكن نود أن نقول انَّ على جميع المسيحيين سواء رجال الدين او المسؤولين أو المؤمنين العاديين, أن يعرفوا هذه الحقيقة وأن يتم عمل ما يمكن عمله لمواجهة هذه الظاهرة, والاّ, لا سمح الله, قد يصيبنا ما هو أشنع وأسوء وأكبر بكثير مما قدَّمناه من الشهداء الى الآن, ولنتعلم  دروسا وعبر مما حدث في تركيا, قبل  حوالي مائة عام, بحق شعبنا المسيحي. ومن يقول, من رجال الدين أو المسؤولين المسيحيين وغيرهم, عكس ما نقوله فهؤلاء كمن يخفي رأسه في الرمل كالنعامة, وهم بهذا أمّأ يقللون من هذه المخاطر وهذه مصيبة, أو يجهلون هذه المخاطر وهي المصيبة الكبرى. على العالم كُلِّه أن يدرس هذه الظاهرة ومعالجتها قبل أن يصل الى نقطة اللاعودة وعندها لن تستطيع الدول السيطرة على أطفاء سعير نار الأرهاب, الذي قد يحرق اليابس والأخضر ويطال العالم كُلّه.
 هناك شواهد واضحة للظاهرة الأرهابية  يمكن تلخيصها ببعض النقاط الرئيسية التالية:
 1- بروز تيارات  دينية أصولية متشددة في جميع البلدان ألأسلامية لاتعترف بالديانات الأخرى وخاصة المسيحية, بل تكفِّرها وتحلل هدر دمائها وكذلك هدر دماء حتّى المسلمين الذين يختلفون عن توجهات تلك التيارات المتشددة الراديكالية.
2- وجود تنسيق وتخطيط مباشر وغير مباشر بين هذه التيارات والكثير من ألأنظمة الحاكمة في البلدان العربية والأسلامية, وتقوم هذه الأنظمة في أحيان كثيرة بدعم تلك التيارات الأصولية ماديا ومعنويا لكي توجه أنظار شعوبها الى عدوِّ وهمي وبهذا تستطيع هذه الأنظمة السيطرة على شعوبها المتمردة على أوضاعها البائسة في هذه المجتمعات, وتستطيع كبح جماح غضب  شعوبها, بتوجيه هذا الغضب الى عدو وهمي, وغالبا يكون الضحية المسيحيين, سواء في داخل هذه البلدان أو خارجها.
3- يقوم رجال الدين المنسوبين لهذه التيارات الأصولية, وحتى غير المنتسبين لهذه التيارات بصورة مباشرة, بشحن عقول الناس (وخاصة الشباب ) بالكراهية والحقد وتكفير الأخرين المختلفين عنهم في الدين(وخاصة المسيحيين), وكذلك المختلفين عنهم في الفكر الديني من المسلمين ايضا, ويحدث هذا كُلِّه عبر خطب يوم الجمعة وعشرات القنواة الفضائية والوسائل الأعلامية بمرأى من حكومات الدول الأسلامية.
 وأحيانا كثيرة بمباركة منهم, مما خلق ويخلق أجيال من الأصوليين الذين قد يتحوَّلوا الى ارهابيين, اذا توفرت ألأجواء المناسبة لهم, في اية لحظة.
4- ظاهرة الأصولية الطائفية أصبحت منتشرة في كل الدول العربية والأسلامية, وهذا ما نلاحظه من الكم الهائل في أعمال العنف والأرهاب بين المسلمين أنفسهم, وعلى سبيل المثال بين الشيعة والسنة, وحتى بين مذهب واخر من نفس الطائفة, والحقائق على الأرض تؤكد ما نقوله, كما حدث ويحدث في باكستان, وايران والعراق وغيرها من الدول الأسلامية.

128
العراق بين الدولة الدينية والدولة المدنية
 
نافع البرواري
 
هل هناك صراع على السلطة في العراق لمن يريد دولة دينية ومن يريد دولة مدنية علمانية؟
هل يتجه العراق ليحذو حذو ايران وافغانستان والسودان في تطبيق الأفكار الدينية الشيعية والسنية في حياة المجتمع العراقي؟
التاريخ "عبرة لمن يُعتبر"ولكن قلة من يعتبر. والتاريخ نفسه يشهد بان ألأنسان قلَّما استفاد من تاريخه. والذين لا يقرؤون التاريخ ويستفادون منه كدروس وعِبر فهم يسقطون في نفس الأخطاء التي وقع فيها من سبقوهم, وهكذا يعيد التاريخ نفسه.
الم يكن ولا زال شعار الثورة ألأيرانية ألأسلامية هو "تصدير الثورة الى الخارج"؟ وهل هناك مانع اليوم لتصدير هذه الثورة وتطبيق ولاية الفقيه في دولة العراق وان يتم ذلك بطرق ووسائل اخرى نلمسها ونحس بها عندما تصبح المرجعية الدينية هي التي تقرر توجهات الحكومة وعلى الوزراء مراجعتها واخذ بركاتها وتوجهاتها قبل أن يستلم هذا الوزيرأو ذاك منصبه بصورة رسمية؟
يقول "على الوردي" في كتابه (دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ) نقلا عن ابن خلدون:
"يبدو أن البلاد العربية متشابهة تقريبا, في انَّ السلطة الحكومية المركزية اذا قويت, ضعفت العصبية القبلية, واذا ضعفت سلطة الحكومة, قويت العصبية " هذا القول كان في الماضي البعيد ويشهد التاريخ على ذلك, ونحن بدورنا نضيف الى ما قاله علي الوردي مقولة مشابهة, وهي من واقع المجتمعات العربية الحالية وهي:"اذا انتشر الجهل والمرض في المجتمعات العربية وانتشر الفساد والتخلف الفكري, وتم  خنق الحريات وابتلت الشعوب بماسي الحروب في هذه المجتمعات, وضعفت مؤسسات الدولة, عندها تبرز الأحزاب الدينية الأصولية التي تستغل هذه الضروف للتلاعب بمشاعر شعوبها الدينية وتستغلها لاغراضها السياسية ومآربها ومصالحها الخاصة.
منذ فترة ليست بقصيرة كنا نسمع عن قصص خيالية في العراق عن تصرفات الأحزاب الأسلامية في منع الأغاني والموسيقى والشعر والفن  والرسم  وقمع النساء واجبارهن على لبس الحجاب وووو....الخ.
ولكن اليوم وفي ظل الحكومة المنتخبة (ديمقراطياً) نسمع ونقرا ما يأكد ذلك واقعيا, فمنذ فترة  قصيرة ارتأ مجلس محافظة الحلة  بمنع الفرق الغنائية والموسيقية القادمة للأشتراك في مهرجان بابل من تقديم عروضها وها هي محافظة النجف الأشرف تمنع عرض مسرحيات غير دينية في مسارحها, وكلنا سمعنا ايضا قرار وزارة التربية والتعليم بمنع تدريس الرسم والموسيقى في معهد الفنون الجميلة ورفع التماثيل التي تزين المدخل لهذا المعهد العريق والذي تخرج منه معظم الفنانين والرسامين والموسيقيين المشهورين, وكذلك قرأنا وسمعنا عن غلق النوادي االترفيهية والليلية, وهناك بوادر لتقييد الحريات الآعلامية ومنها غلق قناة بغداد الفضائية ووو...الخ, " وغدا لناظره قريب" سنسمع المزيد من هذه الممارسات التي ستجعل العراق يعيش في بحر الظلمات ان لم يستيقظ المتنورون والمثقفون في الخارج والداخل لفضح هذه الممارسات القمعية الظلامية والتي كل المأشرات تدل على انها خطة منهجية ومبرمجة ومعدة سابقا من قبل أهل العمائم في قم وطهران بالتناغم والتشجيع من قبل الأحزاب الأسلامية في الدول العربية, ومن المعروف أن الديمقراطية والحرية تتقاطع مع هذه الأحزاب الدينية.
في مقابلة خاصة على القناة العربية, يقول أياد جمال الدين رئيس قائمة ألأحرار (المنشق من القائمة العراقية):
"نحن نحتاج الى دكتاتور مؤقت ليحكمنا اربعة أو ثمانية سنين لأنَّ كُلِّ وزير يشكل دولة لطائفته ولا يستطيع رئيس الوزراء بل ليس له صلاحية حتى تبديل الوزير...العراق أصبح دولة بدون مؤسسات ودستور دون تنفيذ....نحن مُتمزقين بين الشريعة (الأسلامية) وبين القانون المدني, فنحن لا ناخذ بالشريعة ولا نأخذ القانون المدني...مشكلة الأزدواجية ليست في العراق فقط (يقصد المشكلة في كل الدول العربية) ...المشكلة في تطبيق الأسلام الذي يصطدم مع العصر ...لايمكن على سبيل المثال, أن نزجُّ القوانين الفرنسية في الشريعة الأسلامية...الشرع ليس له علاقة بالوطنية لأنّ فكرة الوطن فكرة حديثة...الدين شيء والتطبيق شيء اخر...النظام العلماني يحافظ على حرية الجميع وهو الضمان للأحزاب...أنا ارى أنَّ الأسلاميين يعبدون الدين ولا يعبدون رب الدين...ماذا بشأن أهل الكتاب عندما نطبق الشريعة الأسلامية؟".
نعم ونحن بدورنا كمسيحيين نتسائل(كما يتسائل اياد جمال الدين) كيف يكون حالنا عندما تُطبق الشريعة الأسلامية في العراق؟ وسأترك ألأجابة على هذا السؤال للمسوؤلين في القيادة العراقية والأحزاب السياسية العلمانية ورجال الدين في الكنيسة المشرقية والأحزاب والمنظمات الشعبية المسيحية.
هناك صراع  بين الذين يريدون نهضة العراق علميا وفنيا وتربويا وحضاريا وبين الذين يريدون ارجاع العراق الى القرون المظلمة, هناك صراع بين من يريدون ان ينهض العراق من كبوته ويلم جراحه ليلتحق بالمجتمعات المتحضّرة ويواصل مسيرته بسرعة ليلتحق بمواكب الذين سبقوه في مضمار العلم والمعرفة, وبين من يريد له ان يبقى نائماً مشلول الفكر والآرادة والحياة  ويطلبون من مواطنيهم جلد الذات ولبس المسوح ونبش القبور والبكاء على اطلال ماضي سحيق, فيما اصحاب هذا الفكر يشترون "القصور" والفلل" في دول "الكفرة" ويسرقون ويُهرّبون اموال الشعب الى تلك الدول ويرسلون ابنائهم وبناتهم للتعلم في جامعات تلك الدول"المشركة".
هناك من يحارب الفن والشعر والموسيقى والمسرح التي بها تقاس الدول المتحضرة, ويريد هؤلاء توجيه الثقافة دينيا وباتجاه واحد والغاء جميع  مظاهر الحياة ألأجتماعية والفكرية والثقافية  وازالة التنوع الموجود في العراق عبر الاف السنين. هناك صراع رهيب بين طبقات المجتمع" الأصيلة" التي تناضل من اجل القيم والمبادي الأخلاقية للمجتمع العراقي الذي يحب الحياة والرقي والتنوع, ويحب أن يخرج من الظلام الى النور ليتنفس الحرية ويشتَم رائحة الحياة, وبين افكار لطبقة غريبة عن هذا المجتمع ودخيلة عليه, تريد تطبيق مايؤمنون به من الخرافات والأباطيل الدينية التي استوردوها من الدول المجاورة التي عاشوا فيها او تاثروا بها وهي لا يمكن تطبيقها حتى في تلك البلدان وترفضها شعوبها جملة وتفصيلا. هناك اليوم احزاب دينية يتسترون بمظاهر وقشور الدين ليستغلوا عواطف ومشاعر الناس البسطاء لالغاء الآخرين الذين يختلفون عنهم  في الرؤية والفكر والمنهج, بينما هناك احزاب تريد أن تتخلص من تدخل رجال الدين في الشؤون السياسية والحريات الشخصية  وخاصة بعد التجربة المريرة منذ 2003 تاكدت لديهم وبقناعة تامة أنّ ما حصل للشعب العراقي من الماسي في اراقة الدماء كان سببه الرئيسي هو التوجهات الدينية الطائفية المقيتة التي كان فيها يتم قتل المواطنين على الهوية وكانت نتيجة هذه الممارسات الأجرامية زرع الفتن والأحقاد والأفكار الجهنمية والظلامية في عقول الناس وترهيبهم وبالتالي لجوء الناس الى التدين والتمسك برجال الدين هربا من هذا الواقع المرير, شهدنا حربا اهلية دموية  بشعة لم تحدث سابقا في تاريخ البشرية.
يقول احد الأساتذة في أحدى الجامعات العربية :" دولة الأسلام, وعبر التاريخ, لم يكن لها مؤسسات, بل كان الدين هو المشكِّل ألأساسي للثقافة العربية ورجل الدين يملك سلطة الجنة والنار" وفي استفتاء على القناة العربية الفضائية بتاريخ 4_11_2010  أكثر من 70% من المشاهدين قالوا أنَّ السلطة الدينية هي عثرة لقيام دولة عصرية في الدول العربية.       
هناك اليوم أيضا, ونتيجة ضعف الدولة وتضعضع مؤساستها وانهيار الأمن, من يريد ارجاع العراق الى حكم قبلي عشائري وتقديس شيخ القبيلة وبهذا الفكر يريدون هؤلاء ارجاع العراق الى العصور العصبية القبلية حيث يصبح العراق عبارة عن امارات  تحكمها رؤساء العشائر كل في منطقته الجغرافية.
ألسؤال المطروح اين موقعنا نحن المسيحين من هذا الصراع ؟
في الحقيقة بعض رجال الدين في كنيستنا لم يكونوا بعيدين عن هذا الصراع الفكري, بالرغم من عدم مرافقة هذا التوجه بالعنف, فها هو رجل دين مسيحي, وهو يعتلي مركز مرموق في رئاسة الكنيسة في العراق, يظهر على شاشات احدى القنواة الفضائية  يؤيد زميله رجل الدين المسلم في أنّ العولمة هي السبب في عدم وجود مصلين في الجوامع والكنائس ويؤيد تدخل الدين في السياسة بطريقة غير مباشرة!!!!, وهناك الكثيرين من رجال الدين حتى بين مسيحيي العراق يحاولون كسب المسيحيين الى جانبهم لتمرير أفكارهم السياسية لكي يُظهروا أنَّهم المنقذين لشعبهم المسيحي مستغلين معانات هذا الشعب ومصائبه لتمرير أفكارهم وميولهم السياسية, مما أدى الى ظهور شبه أحزاب دينية مسيحية تتدخل في الشؤون السياسية للأحزاب والمنظمات الشعبية لمسيحي العراق مما خلق بلبلة عند المسيحيين بين ما يقوله رجال الدين وما يقوله ممثلي الأحزاب والمنظمات الشعبية المسيحية. وهكذا اليوم يعاني أخوتنا المسيحيين في العراق الأمرّين, فهم بين مطرقة الطائفية الدينية للأحزاب السياسية الأسلامية وبين سندان سياسات رجال الدين في الكنيسة, والأغرب من كُلِّ هذا هو عدم وجود تنسيق أو اتفاق أو حوار بين رجال الدين أنفسهم, لمختلف الطوائف المسيحية, مما أصبح هناك شبه احزاب طائفية بين المسيحيين العراقيين انفسهم, وهذا أدى الى المزيد من ألأنقسامات بين المسيحيين وزاد وضعهم سوءاً وتعقّدت قضيّتهم بهذه الأنقسامات داخل الكنيسة التي كان من المفروض أن تكون هذه الكنيسة جامعة لكافة طوائفها المسيحية كالدجاجة التي تجمع افراخها, بدل أن تكون السبب في انقسامها, فكأنَّ مسيحيي العراق لا يكفي انقساماتهم الحزبية والسياسية لتضاف اليها انقسامات طائفية تحاول تسييس الدين.
وهكذا يبقى المسيحييون هم كبش الفداء للأزمة الحالية التي تواجهها الحكومة الحالية اي تسييس الدين لحساب الطوائف الدينية الأقوى وتهميش المسيحيين بل أحيانا كثيرة تكفيرهم واقصائهم عن دورهم  التاريخي الرائد في نهضة العراق عبر التاريخ القديم والمعاصر.
وكُلِّ عام وأنتم بخير

129
أُمَّنا العذراء مريم ودورها في تاريخ الخلاص
 نافع البرواري
 من خلال الكتاب المقدس وسيرة القديسين وتاريخ الكنيسة, ومن خلال ظهورات مريم العذراء عبر التاريخ لأشخاص معيَّنين أو لمجموعة من الناس ورسائلها للبشرية يتأكّد لنا دور أمنا مريم في مشروع الله الخلاصي وكيف أنَّها بقبولها أن تكون ام الله حاملة في احشائها رب المجد يسوع المسيح, قد أهدت البشرية أعظم خبر, وهو بشرى مجيئ المُخلص الذي سيخلص ويُنقذ جميع الذين يقبلوه بأيمان صادق في حياتهم .
ان الكنائس الشرقية منذ القِدم تكرم العذراء مريم في الطقوس الكنسية والصلوات الليتورجية، والاباء الشرقيون يشيدون بقداسة العذراء مريم، حيث يقول القديس مار افرام السرياني (+373) ان العذراء مريم هي التابوت المقدّس، والمرأة التي سحقت رأس إبليس، والطاهرة وحدها نفسًا وجسدًا، والكاملة القداسة، وإذ يقابل بينها وبين ": حوّاء، يقول:" كلتاهما بريئتان، وكلتاهما قد صنعتا متشابهتين من كل وجه، ولكنّ إحداهما صارت من بعد سبب موتنا والأخرى سبب حياتنا""في الحقيقة، أنت، يا ربّ، وأمّك جميلان وحدكما من كل وجه وعلى كل صعيد، إذ ليس فيك، يا ربّ، ولا وصمة، وليس في أمّك دنس ما البتة" .
والقدّيس يوحنا الدمشقي (+ 749) يعلن أنّ مريم قدّيسة طاهرة البشارة "إذ إنّها حرصت على نقاوة النفس والجسد كما يليق بمن كانت معدّة لتتقبّل الله في أحشائها." واعتصامها بالقداسة مكنّها أن تصير هيكلاً مقدّسًا رائعًا جديرًا بالله العليّ". ومريم طاهرة منذ الحبل بها: "يا لغبطة يواكيم الذي ألقى زرعًا طاهرًا! ويا لعظمة حنّة التي نمت في أحشائها شيئًا فشيئًا ابنة كاملة القداسة". ويؤكّد أنّ "سهام العدوّ الناريّة لم تقو على النفاذ إليها"، "ولا الشهوة وجدت إليها سبيلاً " .
أمّا المجمع الفاتيكاني الثاني ، يحثّ المؤمنين على تكريم مريم العذراء تكريمًا خاصًّا، موضحًا طبيعة هذا التكريم وأساسه، والاختلاف الجوهري بين هذا التكريم وعبادة الله، فيقول :
""إنّ مريم قد رُفعت بنعمة الله، وإنّما دون ابنها، فوق جميع الملائكة وجميع البشر بكونها والدة الإله الكلّية القداسة الحاضرة في أسرار المسيح. لذلك تكرّمها الكنيسة بحقّ بشعائر خاصّة. والواقع أنّ العذراء الطوباويّة، منذ أبعد الأزمنة، قد أكرمت بلقب والدة الإله" .
ان المؤمنين يلجأون الى حمايتها مبتهلين إليها في كلّ مخاطرهم وحاجاتهم. وقد ازداد تكريم شعب الله لمريم ازديادًا عجيبًا، خصوصًا منذ مجمع أفسس، بأنواع الإجلال والمحبّة والتوسّل اليها والاقتداء بها، محقّقًا بذلك كلماتها النبويّة"جميع ألأجيال ستهنِّئني  لأنّ القدير صنع ليَّ عظائم "لو 1: 48 " .
مريم امّ المسيح هي "كالسوسنة بين الشوك" نشيد ألأنشاد"2:2" مريم العذراء هي "الجنّة المقفلة" نشيد 4:12" ومن تستطيع سواها ان تتلقى هذا المديح بحقّ: أليست هي "المباركة في النساء، الممتلئة نعمة؟" (لوقا 1: 28) انّ ما يجعلها زنبقة وسط بنات حوّاء عفاف كامل شامل وبراءة دائمة من المهد الى اللحد وسلامة من خطيئة الابوين .
وهذا ما قالته بتواضع في نفسها
"لان القدير عطف على امته الوضيعة، فها منذ الآن تطوّبني جميع الاجيال: " (لوقا 1: 48). وقد اشارت احدى الانتيفونات(لحن كنسي يسمّى المرابعة) في طقوس عيد الميلاد المجيد الى السيدة مريم العذراء بكلمات مؤثّرة: "ولدت الوالدة ملِكا  أزليَّ الاسم ابديَّ الوجود، وانشرح صدرها بأفراح الامومة مع احتفاظها بشرف البتوليّة. لا، ما كان لها قطّ من شبيهة ولن يكون "
مريم العذراء هي السيدة "التي لا عيب فيها، كلّها جميلة والجمال ليس جمال المظهر فحسب بل هو أولا جمال الاخلاق"أيَتُها الجميلة في النساء"نشيد 5:9" .
ومَن غيرُ "المباركة بين النساء" هل تستطيع ان تدّعي الخلوّ من أيّ عيب أو نقص أو ميل إلى الشّرّ؟
قالت لشخص اسمه خوان في أحد ظهوراتها في المكسيك سنة 1531 عندما سألها من أنتِ قالت " أنا البتول العذراء مريم الدائمة البتولية البريئة والكاملة الأوصاف، والدة الإله الحق، باعث الحياة في الخلائق وسيد الأشياء القاصية والدانية، ورب السماوات والأرض  .
مريم العذراء هي المرأة المحمولة بها بلا دنس, أي منذُ حبل بها في رحم امها  كانت نقية وطاهرة من الخطيئة, وقد أعلنت مريم العذراء هذه الحقيقة في احد ظهوراتها في مدينة لورد الفرنسية. وفي سنة 1854 أعلنها البابا عقيدة ايمانيّة للكاثوليك, عقيدة الحبل بلا دنس .يقول الرب على لسان النبي ملاخي, عن ولادة
 الطفل العجيب يسوع المسيح, في بيت لحم من أمرأة  "لكن يابيت لحم افراتة, صغرى مدن يهوذا, منك يخرج لي سيِّد على بني اسرائيل يكون منذُ القديم, منذُ أيّام الأزل لذلك يترك الرب شعبه الى حين تلدُ الوالدة "ملاخي5:2,3", فمريم هي ام المسيح وأم الكنيسة بشهادة ابنها عندما قال للتلميذ الآخر (يوحنا البشير) "هذه امُّك " يوحنا 19:27".
مريم أم المخلص يسوع المسيح لها مكانة خاصة عند الله بشهادة الملاك جبرائيل عندما بشَّرها بالميلاد العجيب فهي المختارة المميزة الممتلئة نعمة "لاتخافي يامريم ُ, نلتِ حظوة عند الله  .....فالقدوس المولود منك يدعى أبن الله"لوقا 1:30,35".
مريم هي عروسة الله على الأرض وهي هيكل الروح القدس الممتلئة نعمة الله"الروح القدس يحلُّ عليك, وقدرة العلي تُظَلِّلُكِ, لذلك فالقدوس الذي يولدُ منكِ  يُدعى أبن الله"لوقا1:35".
يسوع المسيح أخذ حياته من مريم العذراء فعظمة مريم هي من عظمة المسيح وهي التي تعطي يسوع وتُقَدِّمهُ ذبيحة لخلاص البشرية. البابا يوحنا بولص الثاني قال :مريم هي القُربانية, وعاشت القربانية عندما قالت" نعم"أنا خادمة الربِّ: فليكن لي كما تقول : "لوقا1:38", هي ملئ الطهارة والنقاوة فهي تستحق لأن تُدعى أم الله, ولهذا هتفت اليصابات قائلة لمريم العذراء, بالهام من الروح القدس, قائلة: "مباركة أنت في النساء ومباركٌ أبنكِ ثمرةُ بطنكِ! من أنا حتى تجيئُ اليَّ أُمُّ ربِّي؟"لوقا 1:42,43".
عندما نرجع الى الكتاب المقدس نقرا عند أعلان مولد طفل كان يقابل بردود أفعال متباينة, امّا مريم العذراء فقد كانت مختلفة عن كل نساء العهد القديم لأنّها تحدَّت الأفكار البشرية وواجهت كل التحديات في زمانها وقبلت فكر الله وخضعت للأرادة الألهية ومشيئته, فقد ضحكت سارة أمرأة ابراهيم عندما بشَرالملاك ابراهيم بولادة اسحاق"تكوين18". امّا متوح, والد شمشون فقد ذُعر "قضاة 13:22" بينما شكّ زكريا"لوقا 1:18".
أما مريم العذراء, فعلى العكس من ذلك, فانها خضعت بكل تواضع, اذ امنت بكلمات الملاك وقبلت أن تحمل الطفل حتى في ظروف بشرية مستحيلة, لأنها آمنت أن ليس هناك مستحيل عند الله, فهي تجاوبت مع البشارة بدون أي شك وهذا ما يظهر كُلّه في نشيدها المشهور   " تعظُّم نفسي الرب "لوقا :46_55 :1" .
"هناك عند صليب يسوع، وقفت أُمه(أم يسوع)، وأخت أمّه مريم امرأة قلوبا، ومريم المجدليّة، فرأى يسوع أمّه، وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. ثمّ قال للتلميذ: "هذه أمّك".  فقال لأمّه: أيتها المرأة، هذا أبنكِ ومنذ تلك الساعة استقبلها التلميذ في بيته "يوحنا 19,25,27" . يقول الأب بولص الفغالي عن مشهد المسيح وهو على الصليب يتنازع مع الموت ومشهد أمه العذراء مريم وهي تحت الصليب تنظر
الى ابنها الوحيد, فيقول:"ومريم، هي الحاضرة عند الصليب بينما الرسل غائبون ماعدا يوحنا. ولكنّ حضورها هو حضور الألم،  حضور الصمت، هي واقفة تنظر إلى يسوع كما ينظر إليها ولغة العيون خيرٌ من لغة اللسان .... مريم هي الحاضرة دومًا، الصاغية دومًا، المتنبّهـة دومًا... وتبقى مريم "أمّ يسوع" حاضرةً بين التلاميذ بعد ارتفاعه، كما يذكرها كتاب أعمال الرسل "مواظبةً معهم على الصلاة بقلب واحد في انتظار نزول الروح القدس" (راجع سفر ألأعمال1:14)، ولا تزال حاضرةً في الكنيسة. إنّها "هناك" حيث تجتمع الكنيسة للصلاة، وهي "هناك" في قلب كلّ مؤمن، وهي في انتظار أن نلقاها"هناك" في ملكوت السماوات.
أنَّ الكتاب المقدّس كلّه يبدأ بوعد الخلاص "للمرأة" في سفر التكوين إذ قال الربّ الإله للحيّة: "وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، فهو يسحق رأسك وأنت تصيبين عقبه" (3: 15)، وينتهي بصورة "المرأة" الملتحفة بالشمس في سفر الرؤيا: "ثمّ ظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة ملتحفة بالشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا، حامل تصرخ من ألم المخاض... فوضعت إبنًا ذكرًا، وهو الذي سوف يرعى جميع الأمم بعصًا من حديد" (2:12-17) .
وكأنّ مريم العذراء هي الحواء الجديدة في الجنة الجديدة, كما لقّبها آباء الكنيسة العظام. الله بني أسرائيل لنفسه"روم9:4,5"ومنهم جاء المسيح المذكور في "رؤيا 12:5"والصبي المذكور هنا هو يسوع المولود من مريم اليهودية المختارة من الله "لوقا1: 26_33" .
تمثّل المرأة في سفر التكوين, شعب الله ألأمين الذي ظلَّ ينتظر المسيح أمّأ التنين فهو يرمز الى هيرودس الملك (رمز العالم الذي يتبع الشيطان)الذي حاول أن يهلك الطفل يسوع المسيح المولود من مريم العذراء, لأنّ هذا الطفل يشكل تهديدا لعرش الشيطان (التنين ألأحمر رؤيا 12). نعم مريم العذراء التي بنعمة خاصة من الروح القدس"يامن أنعم الله عليها,"لوقا 1:28", تجاوبت مع نعمة الله فحققت مخطط الله الخلاصي بابنها يسوع المسيح, ومريم عندما قبلت المسيح المولود منها فهي تمثل البشرية جمعاء فبقولها للمخلص يعني أنّ الله سيقيم مع البشرية "عمانوئيل", اي الله معنا, وهي التي أصطفاها الله منذ ألأزل في مشروعه الخلاصي وطهّرها, فمريم العذراء تمثل الحياة الجديدة, فبحواء دخلت الخطيئة الى
الجنس البشري وبالخطيئة دخل الموت أمّا بمريم العذراء دخلت الحياة (الخلاص) الى العالم.
وكُلِّ عام وانتم بخير تحت حماية وشفاعة أُمِّنا العذراء مريم .

130
أُمَّنا العذراء مريم ودورها في تاريخ الخلاص
 نافع البرواري
 من خلال الكتاب المقدس وسيرة القديسين وتاريخ الكنيسة, ومن خلال ظهورات مريم العذراء عبر التاريخ لأشخاص معيَّنين أو لمجموعة من الناس ورسائلها للبشرية يتأكّد لنا دور أمنا مريم في مشروع الله الخلاصي وكيف أنَّها بقبولها أن تكون ام الله حاملة في احشائها رب المجد يسوع المسيح, قد أهدت البشرية أعظم خبر, وهو بشرى مجيئ المُخلص الذي سيخلص ويُنقذ جميع الذين يقبلوه بأيمان صادق في حياتهم .
ان الكنائس الشرقية منذ القِدم تكرم العذراء مريم في الطقوس الكنسية والصلوات الليتورجية، والاباء الشرقيون يشيدون بقداسة العذراء مريم، حيث يقول القديس مار افرام السرياني (+373) ان العذراء مريم هي التابوت المقدّس، والمرأة التي سحقت رأس إبليس، والطاهرة وحدها نفسًا وجسدًا، والكاملة القداسة، وإذ يقابل بينها وبين ": حوّاء، يقول:" كلتاهما بريئتان، وكلتاهما قد صنعتا متشابهتين من كل وجه، ولكنّ إحداهما صارت من بعد سبب موتنا والأخرى سبب حياتنا""في الحقيقة، أنت، يا ربّ، وأمّك جميلان وحدكما من كل وجه وعلى كل صعيد، إذ ليس فيك، يا ربّ، ولا وصمة، وليس في أمّك دنس ما البتة" .
والقدّيس يوحنا الدمشقي (+ 749) يعلن أنّ مريم قدّيسة طاهرة البشارة "إذ إنّها حرصت على نقاوة النفس والجسد كما يليق بمن كانت معدّة لتتقبّل الله في أحشائها." واعتصامها بالقداسة مكنّها أن تصير هيكلاً مقدّسًا رائعًا جديرًا بالله العليّ". ومريم طاهرة منذ الحبل بها: "يا لغبطة يواكيم الذي ألقى زرعًا طاهرًا! ويا لعظمة حنّة التي نمت في أحشائها شيئًا فشيئًا ابنة كاملة القداسة". ويؤكّد أنّ "سهام العدوّ الناريّة لم تقو على النفاذ إليها"، "ولا الشهوة وجدت إليها سبيلاً " .
أمّا المجمع الفاتيكاني الثاني ، يحثّ المؤمنين على تكريم مريم العذراء تكريمًا خاصًّا، موضحًا طبيعة هذا التكريم وأساسه، والاختلاف الجوهري بين هذا التكريم وعبادة الله، فيقول :
""إنّ مريم قد رُفعت بنعمة الله، وإنّما دون ابنها، فوق جميع الملائكة وجميع البشر بكونها والدة الإله الكلّية القداسة الحاضرة في أسرار المسيح. لذلك تكرّمها الكنيسة بحقّ بشعائر خاصّة. والواقع أنّ العذراء الطوباويّة، منذ أبعد الأزمنة، قد أكرمت بلقب والدة الإله" .
ان المؤمنين يلجأون الى حمايتها مبتهلين إليها في كلّ مخاطرهم وحاجاتهم. وقد ازداد تكريم شعب الله لمريم ازديادًا عجيبًا، خصوصًا منذ مجمع أفسس، بأنواع الإجلال والمحبّة والتوسّل اليها والاقتداء بها، محقّقًا بذلك كلماتها النبويّة"جميع ألأجيال ستهنِّئني  لأنّ القدير صنع ليَّ عظائم "لو 1: 48 " .
مريم امّ المسيح هي "كالسوسنة بين الشوك" نشيد ألأنشاد"2:2" مريم العذراء هي "الجنّة المقفلة" نشيد 4:12" ومن تستطيع سواها ان تتلقى هذا المديح بحقّ: أليست هي "المباركة في النساء، الممتلئة نعمة؟" (لوقا 1: 28) انّ ما يجعلها زنبقة وسط بنات حوّاء عفاف كامل شامل وبراءة دائمة من المهد الى اللحد وسلامة من خطيئة الابوين .
وهذا ما قالته بتواضع في نفسها
"لان القدير عطف على امته الوضيعة، فها منذ الآن تطوّبني جميع الاجيال: " (لوقا 1: 48). وقد اشارت احدى الانتيفونات(لحن كنسي يسمّى المرابعة) في طقوس عيد الميلاد المجيد الى السيدة مريم العذراء بكلمات مؤثّرة: "ولدت الوالدة ملِكا  أزليَّ الاسم ابديَّ الوجود، وانشرح صدرها بأفراح الامومة مع احتفاظها بشرف البتوليّة. لا، ما كان لها قطّ من شبيهة ولن يكون "
مريم العذراء هي السيدة "التي لا عيب فيها، كلّها جميلة والجمال ليس جمال المظهر فحسب بل هو أولا جمال الاخلاق"أيَتُها الجميلة في النساء"نشيد 5:9" .
ومَن غيرُ "المباركة بين النساء" هل تستطيع ان تدّعي الخلوّ من أيّ عيب أو نقص أو ميل إلى الشّرّ؟
قالت لشخص اسمه خوان في أحد ظهوراتها في المكسيك سنة 1531 عندما سألها من أنتِ قالت " أنا البتول العذراء مريم الدائمة البتولية البريئة والكاملة الأوصاف، والدة الإله الحق، باعث الحياة في الخلائق وسيد الأشياء القاصية والدانية، ورب السماوات والأرض  .
مريم العذراء هي المرأة المحمولة بها بلا دنس, أي منذُ حبل بها في رحم امها  كانت نقية وطاهرة من الخطيئة, وقد أعلنت مريم العذراء هذه الحقيقة في احد ظهوراتها في مدينة لورد الفرنسية. وفي سنة 1854 أعلنها البابا عقيدة ايمانيّة للكاثوليك, عقيدة الحبل بلا دنس .يقول الرب على لسان النبي ملاخي, عن ولادة
 الطفل العجيب يسوع المسيح, في بيت لحم من أمرأة  "لكن يابيت لحم افراتة, صغرى مدن يهوذا, منك يخرج لي سيِّد على بني اسرائيل يكون منذُ القديم, منذُ أيّام الأزل لذلك يترك الرب شعبه الى حين تلدُ الوالدة "ملاخي5:2,3", فمريم هي ام المسيح وأم الكنيسة بشهادة ابنها عندما قال للتلميذ الآخر (يوحنا البشير) "هذه امُّك " يوحنا 19:27".
مريم أم المخلص يسوع المسيح لها مكانة خاصة عند الله بشهادة الملاك جبرائيل عندما بشَّرها بالميلاد العجيب فهي المختارة المميزة الممتلئة نعمة "لاتخافي يامريم ُ, نلتِ حظوة عند الله  .....فالقدوس المولود منك يدعى أبن الله"لوقا 1:30,35".
مريم هي عروسة الله على الأرض وهي هيكل الروح القدس الممتلئة نعمة الله"الروح القدس يحلُّ عليك, وقدرة العلي تُظَلِّلُكِ, لذلك فالقدوس الذي يولدُ منكِ  يُدعى أبن الله"لوقا1:35".
يسوع المسيح أخذ حياته من مريم العذراء فعظمة مريم هي من عظمة المسيح وهي التي تعطي يسوع وتُقَدِّمهُ ذبيحة لخلاص البشرية. البابا يوحنا بولص الثاني قال :مريم هي القُربانية, وعاشت القربانية عندما قالت" نعم"أنا خادمة الربِّ: فليكن لي كما تقول : "لوقا1:38", هي ملئ الطهارة والنقاوة فهي تستحق لأن تُدعى أم الله, ولهذا هتفت اليصابات قائلة لمريم العذراء, بالهام من الروح القدس, قائلة: "مباركة أنت في النساء ومباركٌ أبنكِ ثمرةُ بطنكِ! من أنا حتى تجيئُ اليَّ أُمُّ ربِّي؟"لوقا 1:42,43".
عندما نرجع الى الكتاب المقدس نقرا عند أعلان مولد طفل كان يقابل بردود أفعال متباينة, امّا مريم العذراء فقد كانت مختلفة عن كل نساء العهد القديم لأنّها تحدَّت الأفكار البشرية وواجهت كل التحديات في زمانها وقبلت فكر الله وخضعت للأرادة الألهية ومشيئته, فقد ضحكت سارة أمرأة ابراهيم عندما بشَرالملاك ابراهيم بولادة اسحاق"تكوين18". امّا متوح, والد شمشون فقد ذُعر "قضاة 13:22" بينما شكّ زكريا"لوقا 1:18".
أما مريم العذراء, فعلى العكس من ذلك, فانها خضعت بكل تواضع, اذ امنت بكلمات الملاك وقبلت أن تحمل الطفل حتى في ظروف بشرية مستحيلة, لأنها آمنت أن ليس هناك مستحيل عند الله, فهي تجاوبت مع البشارة بدون أي شك وهذا ما يظهر كُلّه في نشيدها المشهور   " تعظُّم نفسي الرب "لوقا :46_55 :1" .
"هناك عند صليب يسوع، وقفت أُمه(أم يسوع)، وأخت أمّه مريم امرأة قلوبا، ومريم المجدليّة، فرأى يسوع أمّه، وإلى جانبها التلميذ الحبيب إليه. ثمّ قال للتلميذ: "هذه أمّك".  فقال لأمّه: أيتها المرأة، هذا أبنكِ ومنذ تلك الساعة استقبلها التلميذ في بيته "يوحنا 19,25,27" . يقول الأب بولص الفغالي عن مشهد المسيح وهو على الصليب يتنازع مع الموت ومشهد أمه العذراء مريم وهي تحت الصليب تنظر
الى ابنها الوحيد, فيقول:"ومريم، هي الحاضرة عند الصليب بينما الرسل غائبون ماعدا يوحنا. ولكنّ حضورها هو حضور الألم،  حضور الصمت، هي واقفة تنظر إلى يسوع كما ينظر إليها ولغة العيون خيرٌ من لغة اللسان .... مريم هي الحاضرة دومًا، الصاغية دومًا، المتنبّهـة دومًا... وتبقى مريم "أمّ يسوع" حاضرةً بين التلاميذ بعد ارتفاعه، كما يذكرها كتاب أعمال الرسل "مواظبةً معهم على الصلاة بقلب واحد في انتظار نزول الروح القدس" (راجع سفر ألأعمال1:14)، ولا تزال حاضرةً في الكنيسة. إنّها "هناك" حيث تجتمع الكنيسة للصلاة، وهي "هناك" في قلب كلّ مؤمن، وهي في انتظار أن نلقاها"هناك" في ملكوت السماوات.
أنَّ الكتاب المقدّس كلّه يبدأ بوعد الخلاص "للمرأة" في سفر التكوين إذ قال الربّ الإله للحيّة: "وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، فهو يسحق رأسك وأنت تصيبين عقبه" (3: 15)، وينتهي بصورة "المرأة" الملتحفة بالشمس في سفر الرؤيا: "ثمّ ظهرت آية عظيمة في السماء: امرأة ملتحفة بالشمس، والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا، حامل تصرخ من ألم المخاض... فوضعت إبنًا ذكرًا، وهو الذي سوف يرعى جميع الأمم بعصًا من حديد" (2:12-17) .
وكأنّ مريم العذراء هي الحواء الجديدة في الجنة الجديدة, كما لقّبها آباء الكنيسة العظام. الله بني أسرائيل لنفسه"روم9:4,5"ومنهم جاء المسيح المذكور في "رؤيا 12:5"والصبي المذكور هنا هو يسوع المولود من مريم اليهودية المختارة من الله "لوقا1: 26_33" .
تمثّل المرأة في سفر التكوين, شعب الله ألأمين الذي ظلَّ ينتظر المسيح أمّأ التنين فهو يرمز الى هيرودس الملك (رمز العالم الذي يتبع الشيطان)الذي حاول أن يهلك الطفل يسوع المسيح المولود من مريم العذراء, لأنّ هذا الطفل يشكل تهديدا لعرش الشيطان (التنين ألأحمر رؤيا 12). نعم مريم العذراء التي بنعمة خاصة من الروح القدس"يامن أنعم الله عليها,"لوقا 1:28", تجاوبت مع نعمة الله فحققت مخطط الله الخلاصي بابنها يسوع المسيح, ومريم عندما قبلت المسيح المولود منها فهي تمثل البشرية جمعاء فبقولها للمخلص يعني أنّ الله سيقيم مع البشرية "عمانوئيل", اي الله معنا, وهي التي أصطفاها الله منذ ألأزل في مشروعه الخلاصي وطهّرها, فمريم العذراء تمثل الحياة الجديدة, فبحواء دخلت الخطيئة الى
الجنس البشري وبالخطيئة دخل الموت أمّا بمريم العذراء دخلت الحياة (الخلاص) الى العالم.
وكُلِّ عام وانتم بخير تحت حماية وشفاعة أُمِّنا العذراء مريم .

131
التجسد هو: أعظم حدث في الكون

نافع البرواري

"المجد لله في العلى وفي ألأرض السلام للحائزين رضاهُ "لوقا 2:14"

اليوم ونحن نتهيأ لذكرى ولادة الرب يسوع المسيح نرى العالم بأجمعهِ يترقب هذا الحدث التاريخي ويحتفل بهذه المناسبة العظيمة كُلاً على طريقته الخاصة والمتميزة في التعبير, فمنهم

من يعتقد بأن هذا اليوم هو مناسبة لبداية سنة جديدة ولاجل ذلك سيحتفل بها لأنهم سيستقبلون سنة جديدة وحياة جديدة ولهذا أصبح هذا الأحتفال تقليدا معروفاً لدى الملايين من البشر حيث نراهم يصرفون ألأموال الطائلة في هذه المناسبة لشراء الهدايا الثمينة والملابس والأطعمة والمشروبات بكل انواعها ويُزيِّنون الأشجار والمحلات والشوارع , والكثيرون منهم لا يعرفون المغزى الحقيقي لهذا ألأحتفال وهو تجسد الله وولادته من مريم العذراء ليعيش معنا وفينا ونعيش معه ونتحد به .

انّها مأساة حقيقية عندما ينسى ألأنسان مغزى العيد الحقيقي بقدوم الرب ليعيش بيننا ونستقبله في قلوبنا والأكثر مرارة عندما نرى هذا البذخ وصرف المبالغ الطائلة للبهرجة والفرح الزائف بينما الملايين من الفقراء والمساكين والأطفال المُشرّدين لا يحصلون في هذه المناسبة حتى على أبسط شروط الحياة من المأكل والمشرب والمأوى او دواء يشفي مرضهم. هناك مؤمنين بالرب عرفوا ماذا يعني تجسد المسيح, الذي هو فرح البُشرى الألهية لبني البشر حيث ألسلام ورجاء الحياة الأبدية, فحدث التجسد هو أعظم نعمة يمنحها الله للأنسان (نعمة الخلاص) ليشارك الأنسان خالقه في  ملكوته الأبدية .

يقول أحد الاباء :

"الكتاب(المقدس) يحمل الينا حدثا فريدا لم يحدث مثله في الكون. ولن يحدث مثله الاّ في نهاية الكون. هذا الحدث هو مجيئ يسوع في الجسد. مجيئ يسوع في التاريخ. لقد جاء ابن الله بالذات وأقام بين البشر. اخذ جسدا وسكن بيننا فكان حضور الله المتجسِّد في العالم. ولهذا شاهدنا الله على ألأرض حينما رأينا يسوع. راينا مجد الله على ألأرض من خلال حياة يسوع وأعماله وأقواله .... لقد عبَّر الله عن نفسه, بلغُة البشر كما نقرأها في فم يسوع المسيح.....الله كلّمنا منذُ القديم. وجاءنا كلامهُ في كتاب هو الكتاب المقدس أو البيبيليا, بعهديه القديم والجديد. وبعد أن تجسَّد يسوع, صار لله فم ويُكلِّم به البشر. صار لله جسم به يقيم وسط البشر. بعد أن تجسَّد يسوع وصار انسانا مثلنا, دعانا الى أن نكون مثله فنحمل كلام الله الى اقاصي ألأرض".

قبل الفي سنة كان أدرك الشعب الأسرائيلي, وبعد معاناة حقيقية مع الشعوب الأخرى الوثنية, حجم الخطر والكوارث التي اصابهم نتيجة ابتعادهم عن الله وعصيانهم له ( كما ابتعدت الملايين من الناس في أيامنا عن ألأيمان بخالق هذا الكون الذي تجسّد وجسّدَ محبته للبشرية جمعاء) ولكن هذا الشعب أكتشف, بعد حوالي أربعمائة عام من اخر الأنبياء, أنّ الله قد أدار ظهره لهم ولم يظهر نبي بعد النبي ملاخي, فرجع الشعب ألأسرائيلي يتأمل في الكتاب المقدس ليقرأ النبوات عن الرجاء والخلاص الموعود المذكور في أسفار الكتاب المقدس فجاء يوحنا المعمذان لينذر هذا الشعب بالهلاك اذا لم يرجعوا ويتوبوا عن خطاياهم "لوقا 3:3" .

أدرك الشعب الأسرائيلي ألألم الناتج عن أبتعادهم عن محضر الله وشبَّه النبي اشعيا ذلك مثل أمراة في حالة مخاض, فيقول عن هذا ألألم "فكنّا أمامك يارب, كأمرأة قاربت الولادة, تتوجع وتصرخ في مخاضها لكننا حبلنا بوجعنا وولدنا ريحا "أشعيا 26:17,18" لقد حوّل الله ظهره لشعبه عندما تمرد عليه, ولكن عددا قليلا لم يفقد رجاءه, وها هو أشعيا النبي من ضمن هؤلاء الناس لم يفقد الرجاء عندما تنبأ بولادة الطفل يسوع المسيح مخلص البشرية كُلّها "اشعيا 7:14" ولكن ولادة هذا الطفل العجائبية هو فوق الطبيعة ولا تدركه العقول, حيث يولد  من عذراء  ويدعى اسمهُ "عمّانوئيل" أي الله معنا .

نعم كُانت البشرية كُلُّها تمرُّ في مخاض الآلام ولمّا جاء الرب يسوع المسيح المخلِّص شاركنا في الامنا وموتنا واعطانا الرجاء بقيامته وصعوده الى السماء وبهذا فتح لنا الباب للدخول في ملكوت الله الأبدية, وارسل روحه القدوس ليعزينا ويشجعنا ويدافع عنا ويرشدنا الى هذا الخلاص وقد تنبأ اشعيا أن يرسل الله نبي ليُهيء الطريق أمام الأتي باسم الرب يسوع المسيح الذي يعني اسمه "المخلّص" صوت صارخ في البرية هيئوا طريق الرب مهدوا في البادية دربا قويما لألهنا"اشعيا 4:3".

وها هو الله يتكلم بلسان النبي ملاخي أيضا فيقول"ها أنا أرسل رسولي فيهيء الطريق أمامي ,وسرعان ما يأتي الى هيكله الربُّ الذي تطلبونه ورسول العهد الذي به تُسّرون ها هو اتِ "ملاخي 3:1" .

وقد تحققت هذه النبوّات بمجيء يوحنا المعمذان الذي أعترف قائلا  "ما انا المسيح"يوحنا1:20" بل قال: انا كما قال النبي اشعيا:"صوت صارخ في البرية: قوِّموا طريق الرب"يوحنا1:23".    وقال أيضا "أنا أُعمِّدُكم بالماء, ويجيئ ألآن من هو اقوى مني ..فيعمدكم بالروح القدس والنار "يوحنا 1:26,27".

كان الشعب الأسرائيلي في ايام المسيح ينتظر على رجاء مجيء المسيح "وكان الناس ينتظرون المسيح "," لوقا  3:15 "  وهم يسألون أنفسهم عن يوحنا: هل هو المسيح؟ لأنهم يعرفون أن الله  قد وعد شعبه بلسان ألأنبياء أن يرسل لهم "المخلّص" ينقذهم من معاناتهم والظلم الذي كانوا يعانون منه تحت حكم الأمم الوثنية(الرومان), وشهد يوحنا المعمذان ليسوع المسيح مناديا:"هذا هو الذي قُلتُ فيه, يجيئ بعدي ويكون أعظم منّي, لأنَّهُ كان قبلي"يوحنا 1:15".

تجسُّدُ الكلمة (اللوغوس) كان لها أهمية عظمى للكون كُلّه وللبشرية جمعاء"جاء الى العالم  لينير كُلِّ أنسان. وكان في العالم وما عرفه العالم  .....والكلمة صار بشرا وعاش بيننا فرأينا مجدهُ "يوحنا 1:9,10,14".

 فعند ولادة يسوع المسيح من مريم العذراء ظهر الملاك للرعاة "وأضاء مجد الربِّ حولهم فخافوا خوفا شديدا. فقال لهم الملاك:" لا تخافوا !ها أنا أُبشِّركُم بخبرٍ عظيم يفرحُ لهُ جميع الشَّعب :ولدَ لكمُ اليوم في مدينة داودَ مُخلَّص هو المسيح الربُّ ""لوقا 2:8,9" وبهذه الولادة العجيبة وبتجسّد الله صائرا بشرا مثلنا تكتمل جميع مواعيد الله في العهد القديم بشخص يسوع المسيح وبولادة الرب يسوع المسيح أصبح الخلاص مُتاحا لجميع شعوب العالم لانّ الرب أزاح الظلام الدامس التي كانت تتخبّط فيه البشرية بسبب الخطيئة وعصيان الله, و بمجيئ نور العالم  يسوع المسيح تتحقق نبوّة اشعيا النبي الذي يقول:

"الشعب السالك في الظلام رأى نورا ساطعا, والجالسون في ارض الموت وظلاله أشرق عليهم النور.......لأنَّه يولد لنا ولدٌ ويُعطى لنا أبنٌ وتكون الرئاسة على كتفه يسمّى باسم عجيب, ويكونُ مشيرا والها قديرا وابا أبديا ورئيس السلام"اشعيا9 .

الله كان قد التزم بعهوده ومواعيده  مع ابائنا, لأبراهيم ونسله الى ألأبد, ولم يتنازل عن وعده بمجيء من "يخلص شعبه" وينقذ ليس فقط شعبه بل كُل من يؤمن به من ألأمم فمجد الرب سيشرق على شعبه وتسير ألأمم في أشراقة هذا النور"اشعيا 60:2,3" وها هو سمعان الشيخ يقول بوحي من الروح القدس, وهو حامل يسوع الطفل بين ذراعيه  فيقول : "يارب ُّ تمّمتَ الآن وعدك لي فاطلق عبدك بسلام. عيناي رأت الخلاص الذي هيأتهُ للشعوب كُلّها  نوراً لهدايا الأمم ومجداً لشعبك اسرائيل"لوقا 2 .

كل عام وانتم بخير والرب الذي تجسد وأصبح بيننا يحفظكم بسلام .

132






التجسد هو: أعظم حدث في الكون
نافع البرواري
"المجد لله في العلى وفي ألأرض السلام للحائزين رضاهُ "لوقا 2:14"
اليوم ونحن نتهيأ لذكرى ولادة الرب يسوع المسيح نرى العالم بأجمعهِ يترقب هذا الحدث التاريخي ويحتفل بهذه المناسبة العظيمة كُلاً على طريقته الخاصة والمتميزة في التعبير, فمنهم
من يعتقد بأن هذا اليوم هو مناسبة لبداية سنة جديدة ولاجل ذلك سيحتفل بها لأنهم سيستقبلون سنة جديدة وحياة جديدة ولهذا أصبح هذا الأحتفال تقليدا معروفاً لدى الملايين من البشر حيث نراهم يصرفون ألأموال الطائلة في هذه المناسبة لشراء الهدايا الثمينة والملابس والأطعمة والمشروبات بكل انواعها ويُزيِّنون الأشجار والمحلات والشوارع , والكثيرون منهم لا يعرفون المغزى الحقيقي لهذا ألأحتفال وهو تجسد الله وولادته من مريم العذراء ليعيش معنا وفينا ونعيش معه ونتحد به .
انّها مأساة حقيقية عندما ينسى ألأنسان مغزى العيد الحقيقي بقدوم الرب ليعيش بيننا ونستقبله في قلوبنا والأكثر مرارة عندما نرى هذا البذخ وصرف المبالغ الطائلة للبهرجة والفرح الزائف بينما الملايين من الفقراء والمساكين والأطفال المُشرّدين لا يحصلون في هذه المناسبة حتى على أبسط شروط الحياة من المأكل والمشرب والمأوى او دواء يشفي مرضهم. هناك مؤمنين بالرب عرفوا ماذا يعني تجسد المسيح, الذي هو فرح البُشرى الألهية لبني البشر حيث ألسلام ورجاء الحياة الأبدية, فحدث التجسد هو أعظم نعمة يمنحها الله للأنسان (نعمة الخلاص) ليشارك الأنسان خالقه في  ملكوته الأبدية .
يقول أحد الاباء :
"الكتاب(المقدس) يحمل الينا حدثا فريدا لم يحدث مثله في الكون. ولن يحدث مثله الاّ في نهاية الكون. هذا الحدث هو مجيئ يسوع في الجسد. مجيئ يسوع في التاريخ. لقد جاء ابن الله بالذات وأقام بين البشر. اخذ جسدا وسكن بيننا فكان حضور الله المتجسِّد في العالم. ولهذا شاهدنا الله على ألأرض حينما رأينا يسوع. راينا مجد الله على ألأرض من خلال حياة يسوع وأعماله وأقواله .... لقد عبَّر الله عن نفسه, بلغُة البشر كما نقرأها في فم يسوع المسيح.....الله كلّمنا منذُ القديم. وجاءنا كلامهُ في كتاب هو الكتاب المقدس أو البيبيليا, بعهديه القديم والجديد. وبعد أن تجسَّد يسوع, صار لله فم ويُكلِّم به البشر. صار لله جسم به يقيم وسط البشر. بعد أن تجسَّد يسوع وصار انسانا مثلنا, دعانا الى أن نكون مثله فنحمل كلام الله الى اقاصي ألأرض".
قبل الفي سنة كان أدرك الشعب الأسرائيلي, وبعد معاناة حقيقية مع الشعوب الأخرى الوثنية, حجم الخطر والكوارث التي اصابهم نتيجة ابتعادهم عن الله وعصيانهم له ( كما ابتعدت الملايين من الناس في أيامنا عن ألأيمان بخالق هذا الكون الذي تجسّد وجسّدَ محبته للبشرية جمعاء) ولكن هذا الشعب أكتشف, بعد حوالي أربعمائة عام من اخر الأنبياء, أنّ الله قد أدار ظهره لهم ولم يظهر نبي بعد النبي ملاخي, فرجع الشعب ألأسرائيلي يتأمل في الكتاب المقدس ليقرأ النبوات عن الرجاء والخلاص الموعود المذكور في أسفار الكتاب المقدس فجاء يوحنا المعمذان لينذر هذا الشعب بالهلاك اذا لم يرجعوا ويتوبوا عن خطاياهم "لوقا 3:3" .
أدرك الشعب الأسرائيلي ألألم الناتج عن أبتعادهم عن محضر الله وشبَّه النبي اشعيا ذلك مثل أمراة في حالة مخاض, فيقول عن هذا ألألم "فكنّا أمامك يارب, كأمرأة قاربت الولادة, تتوجع وتصرخ في مخاضها لكننا حبلنا بوجعنا وولدنا ريحا "أشعيا 26:17,18" لقد حوّل الله ظهره لشعبه عندما تمرد عليه, ولكن عددا قليلا لم يفقد رجاءه, وها هو أشعيا النبي من ضمن هؤلاء الناس لم يفقد الرجاء عندما تنبأ بولادة الطفل يسوع المسيح مخلص البشرية كُلّها "اشعيا 7:14" ولكن ولادة هذا الطفل العجائبية هو فوق الطبيعة ولا تدركه العقول, حيث يولد  من عذراء  ويدعى اسمهُ "عمّانوئيل" أي الله معنا .
نعم كُانت البشرية كُلُّها تمرُّ في مخاض الآلام ولمّا جاء الرب يسوع المسيح المخلِّص شاركنا في الامنا وموتنا واعطانا الرجاء بقيامته وصعوده الى السماء وبهذا فتح لنا الباب للدخول في ملكوت الله الأبدية, وارسل روحه القدوس ليعزينا ويشجعنا ويدافع عنا ويرشدنا الى هذا الخلاص وقد تنبأ اشعيا أن يرسل الله نبي ليُهيء الطريق أمام الأتي باسم الرب يسوع المسيح الذي يعني اسمه "المخلّص" صوت صارخ في البرية هيئوا طريق الرب مهدوا في البادية دربا قويما لألهنا"اشعيا 4:3".
وها هو الله يتكلم بلسان النبي ملاخي أيضا فيقول"ها أنا أرسل رسولي فيهيء الطريق أمامي ,وسرعان ما يأتي الى هيكله الربُّ الذي تطلبونه ورسول العهد الذي به تُسّرون ها هو اتِ "ملاخي 3:1" .
وقد تحققت هذه النبوّات بمجيء يوحنا المعمذان الذي أعترف قائلا  "ما انا المسيح"يوحنا1:20" بل قال: انا كما قال النبي اشعيا:"صوت صارخ في البرية: قوِّموا طريق الرب"يوحنا1:23".    وقال أيضا "أنا أُعمِّدُكم بالماء, ويجيئ ألآن من هو اقوى مني ..فيعمدكم بالروح القدس والنار "يوحنا 1:26,27".
كان الشعب الأسرائيلي في ايام المسيح ينتظر على رجاء مجيء المسيح "وكان الناس ينتظرون المسيح "," لوقا  3:15 "  وهم يسألون أنفسهم عن يوحنا: هل هو المسيح؟ لأنهم يعرفون أن الله  قد وعد شعبه بلسان ألأنبياء أن يرسل لهم "المخلّص" ينقذهم من معاناتهم والظلم الذي كانوا يعانون منه تحت حكم الأمم الوثنية(الرومان), وشهد يوحنا المعمذان ليسوع المسيح مناديا:"هذا هو الذي قُلتُ فيه, يجيئ بعدي ويكون أعظم منّي, لأنَّهُ كان قبلي"يوحنا 1:15".
تجسُّدُ الكلمة (اللوغوس) كان لها أهمية عظمى للكون كُلّه وللبشرية جمعاء"جاء الى العالم  لينير كُلِّ أنسان. وكان في العالم وما عرفه العالم  .....والكلمة صار بشرا وعاش بيننا فرأينا مجدهُ "يوحنا 1:9,10,14".
 فعند ولادة يسوع المسيح من مريم العذراء ظهر الملاك للرعاة "وأضاء مجد الربِّ حولهم فخافوا خوفا شديدا. فقال لهم الملاك:" لا تخافوا !ها أنا أُبشِّركُم بخبرٍ عظيم يفرحُ لهُ جميع الشَّعب :ولدَ لكمُ اليوم في مدينة داودَ مُخلَّص هو المسيح الربُّ ""لوقا 2:8,9" وبهذه الولادة العجيبة وبتجسّد الله صائرا بشرا مثلنا تكتمل جميع مواعيد الله في العهد القديم بشخص يسوع المسيح وبولادة الرب يسوع المسيح أصبح الخلاص مُتاحا لجميع شعوب العالم لانّ الرب أزاح الظلام الدامس التي كانت تتخبّط فيه البشرية بسبب الخطيئة وعصيان الله, و بمجيئ نور العالم  يسوع المسيح تتحقق نبوّة اشعيا النبي الذي يقول:
"الشعب السالك في الظلام رأى نورا ساطعا, والجالسون في ارض الموت وظلاله أشرق عليهم النور.......لأنَّه يولد لنا ولدٌ ويُعطى لنا أبنٌ وتكون الرئاسة على كتفه يسمّى باسم عجيب, ويكونُ مشيرا والها قديرا وابا أبديا ورئيس السلام"اشعيا9 .
الله كان قد التزم بعهوده ومواعيده  مع ابائنا, لأبراهيم ونسله الى ألأبد, ولم يتنازل عن وعده بمجيء من "يخلص شعبه" وينقذ ليس فقط شعبه بل كُل من يؤمن به من ألأمم فمجد الرب سيشرق على شعبه وتسير ألأمم في أشراقة هذا النور"اشعيا 60:2,3" وها هو سمعان الشيخ يقول بوحي من الروح القدس, وهو حامل يسوع الطفل بين ذراعيه  فيقول : "يارب ُّ تمّمتَ الآن وعدك لي فاطلق عبدك بسلام. عيناي رأت الخلاص الذي هيأتهُ للشعوب كُلّها  نوراً لهدايا الأمم ومجداً لشعبك اسرائيل"لوقا 2 .
كل عام وانتم بخير والرب الذي تجسد وأصبح بيننا يحفظكم بسلام .

133
البشارة في شبه الجزيرة العربية
 
الجزء الرابع: وقفة قصيرة على ما قيل عن أنتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام .
نافع البرواري
تكلَّمنا في المقالات الأربع السابقة عن السريانية كلغة وثقافة وحضارة, وتكلّمنا عن نقل البشارة الى العالم منذ القرون ألأولى للمسيحية, ودور الكنيسة الشرقية السريانية (كنيسة المشرق المسمّاة نسطورية والكنيسة السريانية ألأرثوذكسية, من دون أن ننسى الكنيسة اليونانية الملكية) في نقل هذه البشارة الى الشرق كُله .
وقلنا أن َّ الكنيستان ألأولى (النسطورية) والكنيسة (السريانية ألأرثوذكسية ) كانتا نشيطتان خصوصا في شبه الجزيرة العربية واليمن والحبشة جنوبا ومصر وفلسطين وقبرص غربا وايران وأفغانستان وباكستان وصولا الى الهند والصين شرقا, وتركيا الحالية وروسيا وصولا الى سيبيريا شمالا. وفي سلسلة مقالاتنا القادمة سنتكّلم عن نقل البشارة (الخبر السار) الى شبه الجزيرة العربية (شمالا وشرقا وغربا وجنوبا وفي قلب الجزيرة) .
 قبل أن نتكلم عن انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام (وحتى بعد ظهور ألأسلام) علينا أن نتوقف قليلا في هذه المقالة عن ما تم تدوينه من قبل بعض المؤرخين والكتبة وألأدباء العرب والمستشرقين الغرب, عن فترة ما قبل ظهور ألأسلام في شبه الجزيرة العربية ليكون أساساً لمقالاتنا القادمة .
ماذا يقول المؤرخون العرب والمستشرقون الغرب عن انتشار المسيحية قبل الأسلام في شبه الجزيرة العربية؟
يقول الدكتور جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب الجزء الرابع) :
"قد يكونوا المؤرخين المسلمين تعمّدوا بطمس التاريخ ما قبل ألأسلام, وأعتمدوا على اساطير وخرافات وقصص ألأولين بعد دخولهم ألأسلام, فلم يعتمدوا على ألأسس العلمية لكتابة التاريخ الاّ في وقتٍ لاحقٍ بعد ألأسلام بمائتين سنة..... وبعد القرن التاسع عشر أستنتج المؤرخون المستشرقون أنّ هناك فجوات وأخطاء في التاريخ ما قبل ألأسلام . ويضيف هذا المؤرخ  العربي المشهور قائلا:
انَّ المصادر اليونانية والرومانية والسريانية هي ألأصح , وقد كتبوا عن الجزيرة العربية قبل ألأسلام لأنتشار النصارى فيها, وبهذا هم الذين فتحوا الباب للوصول الى التاريخ الجاهلي الصحيح".ويضيف (ج5 ص434) قائلا:"فالدعوة الكتابية"اليهودية والنصرانية) كانت مسيطرةعلى الجزيرة العربية كُلَّها وعلى الحجاز نفسه.......ونرى صدى ذلك في القران نفسه,فقد خلَّد في سورة البروج ذكرى شهداء نجران المسيحيين عام 423م
أمّا الكاتب خليل عبدالكريم في كتابه (قريش من القبيلة الى الدولة المركزية) يقول: ,وهو ينقل ذلك من اراء باحثين انتهوا فيها الى أنَّ الديانتين الساميتين التوحيديّتين بأنتشارهما في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت الى تفسيخ الوثنيةالعربية لصالح عقيدة التوحيد..ولاشكَّ كانت النصرانية النصيب ألأوفر ذلك لأنها كانت أشدُّ ذيوعا وأكثر أنتشارا من  الموسوية(اليهودية).

ويقول غسان المنير كاتب كتاب"يوم قبل وفاة محمد" في مقدمة كتابه:
"من العبث أن يقول المرء اليوم بأن "الإسلام" فكرة دينية محضة وإنها نبتت في فراغ روحي . وثمة كثير من الباحثين كتبوا في نشأة الإسلام، والقرآن، بأن محمدا (عليه السلام) دعا إلى إصلاح مجتمع فاسد متصدع، وذهب بعضهم إلى أنه دعم دعوته بتعاليم إنجيلية في الفقر وعمل البر والإحسان. وما يبرر ضحالة مثل هذه الأبحاث أن كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، أغفلت ذكر الكثير من أخبار النصرانية قبيل وإبان ظهور الإسلام "وكل علم ليس في القرطاس ضاع". وعلى سبيل المثال فإن ما قيل في آثار الخطابة بين نصارى العرب في الجاهلية قليل جدا ، وكذلك شأن شعر النصارى. وكأن مؤرخي العرب تعمدوا أن يصوِّروا العرب وكأنهم عاشوا شبه عزلة عن المسيحية فلم يعرفوا منها شيئا .
واقع الأمر أن كتب التاريخ والتراث لم تصور لنا بدقة وضع اليهودية والبدع النصرانية في إبان ظهور الإسلام. ويقينا لا يمكن فهم اتصال نبي العرب محمد عليه السلام باليهودية والبدع النصرانية دون رسم لوحة للحياة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية. ومن هنا مبلغ الحاحي أن أبحث في الظروف اليهودية والنصرانية لنشأة الإسلام ، إسهاما مني في تظهير الصورة المطلوبة". ويضيف في مكان اخر قائلا: لايمكن فهم ألأسلام دون دراسة معمّقة للديانات السابقة للأسلام, وطالما كُتب التراث لا تُعطي الا القليل من التفاصيل عن النصرانية واليهودية .
"يقينا انّ ذلك يقتضي دراسة معمّقة وشاملة وبدون ذلك لايمكن فهم الأسلام وظروف نشأته وسيّما وأنَّ القرآن نظرية خاصة جامعة في الأديان الموحّدة...واذا أغفلنا ذلك فكيف نُفسِّر للقارئ أنّ في ألأسلام قاسما مشتركا يجمع بين الديانات كُلَّها .....
ولقد انكشف مبلغ حرج بعض الباحثين عند الخوض في شعر نصارى العرب في الجاهلية ، وذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم جاءت في الكثير منها مطابقة لبعض أبياتهم ، ومشابهة لها في النص غالبا. والمُرجّح أن ابتعاد الباحثين عن ولوج هذا المدخل سببه الخوف من أن المقابلات والمقارنات بين القرآن والمصادر البشرية تقود إلى تقرير واقع ما. وهذا الواقع بنظر المتدينين قد يكون شتيمة وكفرا. كما أن المتعصبين من المسلمين لا يقبلون أن يكون القرآن الكريم خاضعا للبحث التاريخي. أو أن يكون له أي مصدر غير الله مباشرة. فالقرآن عندهم يعتمد كليا على اللوح المحفوظ" .... ـ وكلمة الله لا تكون فاعلة إلا إذا كانت مفهومة. وحتى تكون مفهومة يجب أن تكون هي نفسها كلمة البشر. فلماذا الخوف إذا من مقابلة كلام الله مع كلام البشر. ثم إن الخطاب القرآني نفسه يؤكد هذه الحقيقة: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخزون للأذقان سجدا (السراء ـ 107). وكذلك: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك"(النساء 162 ) ."
يقول أحد الكتّاب المسيحيين :"يبدوأنَّ العلاقة بين ألأسلام والوحي السابق لم تكن موضوع دراسة المسلمين ألأولين, ولا أعرف سببا لذلك فمن البديهي أن يسأل المرء: ان لم يكن القرآن قد نسخ أوامر التوراة وألأنجيل فهل تلك ألأوامر تضلُّ ملزمة للمسلم؟
أمّا  الدكتور طه حسين ,عميد ألأدب العربي, يقول في كتابه "في الشعر الجاهلي":
"يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ ألأمم القديمة التي قدّر لها أن تقوم بشيء من جلال ألأعمال , وما أعترض حياتها من الصعاب والمحن والوان الخطوب والصروف, ليفهم تاريخ ألأمة العربية على وجهه ويرُدُ كُلِّ شيء الى أصله (جذوره) . واذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفِّقوا الى الحق فيه, فهو انهم لم يلمّوا الماما كافيا بتاريخ هذه ألأمم القديمة , أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها, وانّما نظروا الى هذه الأمّة العربية كأنّها أمَّةٌ فذَّة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحدٌ, لم يشبهُها أحد, لم تؤثر في أحد ولم يؤثر فيها أحد, قبل قيام الحضارة العربية وأنبساط سلطانها على العالم القديم. والحق أنّهم لو درسوا تاريخ هذه ألأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيّر رأيهم في ألأمة العربية, ولتغيَّر بذلك تاريخ العرب أنفسهم, ولستُ أذكر من هذه ألأمم القديمة الاّ أُمّتين ألأمَّة اليونانية والأمّة الرومانية" .
هنا يضع الكاتب وعميد ألأدب العربي, طه حسين, يده على حقيقة طالما يخفيها القسم ألأكبر من  المؤرخين العرب وعلمائهم, وهي الرجوع الى الجذور التاريخية للحضارات السابقة (ومنها بالطبع جذور الديانات السابقة ) للحضارة العربية ليكون أساس اي حضارة تليها. وأحب أن أُضيف الى ما قاله طه حسين أمراً اخر كان على الباحثين وعلماء الدين والمؤرخين العرب والمسلمين أن يركّزوا في بحوثم  في الديانات السابقة للأسلام ليفهموا ويعرفوا الأسلام بشكل أفضل مما يعرفوه ويفهموه اليوم . ويضيف طه حسين قائلا (في ص78) من كتابه أعلاه:
"وليس من اليسير بل قُل ليس من الممكن أن نُصدّق أنَّ القران كان جديدا كُلّهِ على العرب, فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم وناهضه وجادل فيه بعضهم ألآخر" ويقول في مكان اخر من نفس الكتاب: "أنَّ قراءة القرآن بتعمُّق يظهر لنا أنَّ جزءً كبيرا من اياته قد نزلت بحسب المفهوم ألأسلامي في الجدال والخصام والحوار في الدين.....فلم يكن القوم الذين كانوا يتجادلون ويحاورون ويخاصمون محمد بالجُهّال والغباوة والغلظة والخشونة, وانَّما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" .
ويقول العلاّمة بولس فغالي (عالم في الكتاب المقدس ولغات الشرق القديمة) :
"حين نقرا الكتاب المقدس, ونبدأ بالعهد القديم, نطرح السؤال على نفوسنا : ماهو الكتاب المقدس ؟ نقول هو كتاب جوهري في حياة المؤمن, هو كتاب ليس كسائر الكتب . فالديانة اليهودية ولِدت منه والديانة المسيحية تجذَّرت فيه والعالم ألأسلامي استقى الكثير من نصوصه, هكذا  حينما نقرا الكتاب المقدس نعود الى جذورنا, نعود الى اساس حضارة هي جزء من حضارتنا, فالكتاب المقدس هو موضع أُصولنا وتاريخنا.....وهكذا فعندما نريد أن نعرف مسيرة ايمان أجدادنا علينا أن لاننسى تاريخهم الطويل ومسيرتهم في الرحلة ألأيمانية, مثال على ذلك ابراهيم ".أي علينا العودة الى الجذور ألأصلية لكي نصل الى ما نحن عليه اليوم .
ويؤيد هذا القول الكاتب موسى الحريري (مؤلف كتاب القس والنبي) اذ يقول:
"أنّنا لانفهم من تعاليم القرآن شيئا ان غابت عنا تعاليم "ألأنجيل العبراني"(كتاب منحول كان متداول بين اليهود المتنصرين وسوف نتكلم عنه في المقالات القادمة) .
الذي كان القس (يقصد ورقة بن نوفل) يعمل على نقله من لغته العبرانية الى اللغة العربية, كما أننا لا نفهم من قصص الأنبياء ألأقدمين, ولا من تعاليم التوراة والأنجيل, الواردة في القران ان لم نردها الى أصلها(جذورها)" .
السؤال المطروح على العرب المسلمين أين هم من جذورهم التاريخية قبل ألأسلام؟ ولماذا العرب  يقطعون جذورهم النصرانية ويتحاشون ذكرها بينما يركزون على العصر الجاهلي كون العرب فيه كانوا يعبدون ألأصنام في حين الحقيقة مشوَّهة حيث كان هناك أكثر من 60 قبيلة عربية نصرانية(راجع كتاب الديانات في شبه الجزيرة العربية للمؤلف لويس شيخو),والنصرانية كانت منتشرة في كُلِّ أنحاء الجزيرة العربية حتى في الحجاز؟ فهل ألأسلام نشأ دون وجود اثراً يُذكر للديانتين السماويّتين  قبل بروز ألأسلام ؟
وماعلاقة النصرانية بالأسلام وعلاقة القران بالكتاب المقدس وغيرها من الكتب ؟ وهل ألأسلام له جذور دينية ما قبل نشوء الأسلام ؟ ولماذا العرب المسلمون لايقبلون بالبحوث النقدية وتاريخية النصوص القرانية ولا يقبلون بدراسة  مقارنة  للديانات الكتابية السابقة للأسلام؟ أسئلة وجيهة ويحتاج المسلم البسيط  الحصول على ألأجابات من شيوخ  وعلماء الدين المسلمين وخاصة أذا عرفنا من خلال "السيرة الحلبية لأبن هشام ج1ص25" عن ورقة بن نوفل الذي سأل رسول الأسلام قائلا له:"ماذا ترى "أشارة الى ما يراه في الوحي: فأخبره (الرسول) ما رأى.فقال ورقة بن نوفل للرسول"هذا هو الناموس الذي أُنزل على موسى"  أي أنّ ما أوحي الى الرسول هو موجود في العهد القديم (التوراة) الذي كتبه موسى بوحي من الروح القدس. راجع ايضا سورة البقرة 2:40,41"وسورة المائدة5:43,44" حيث تؤكدان على وجوب الأعتراف بالكتاب المقدس بعهديه.
نعم الديانة اليهودية والمسيحية لم تكن طارئة على الديانة ألأسلامية بل كانت موجودة (بحسب النصوص القرانية أكثر من 117 آية) لا بل هناك أدلة على تأثيرهما على الديانة ألأسلامية التي لا يمكن أغفالها (وسنتأكد من ذلك في المقالات التالية انشاء الله) كما يفعل اليوم الكثيرون من شيوخ وعلماء الدين المسلمين عندما يصنّفون اليهود والمسيحيين بالكُفار والمشركين وينسون أو يتناسون جذورهم المسيحية. في الحقيقة عندما يُقطع شعب ما من جذوره التاريخية فهوشعب ميت مثل الشجرة التي تُقطع من جذورها, هذا ما يخبرنا به علماء الأجتماع وعلماء النفس واليوم حان الوقت للعرب المسلمين الى العودة الى جذورهم ليستقوا من نبع الماء الصافي ليلتحقوا بالحضارة المسيحية التي شعّت الى العالم كُلَه بمبادئها السماوية السامية.
انَّ ألأيمان بالكتاب المنزل دون حريّة الأنسان في البحث  عن الحقيقة فهو تعصُّب يُجرح كرامة ألأنسان وحُرِّيَتهُ,فالله لا يسلب حريّة ألأنسان ويترك ألأنسان يتدبَّر في التاريخ أمرهُ
وفيما يلي مواقع المقالات السابقة للذين يريدون العودة اليها .
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=11203
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27355.html
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30963.html
 http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=2400&PHPSESSID=6eb38c5bd52c32e11c7e67e87ffab93a

134


تجسُّد المسيح : هو اعلان الذات ألإلهية للبشرية
نافع البرواري
في هذه ألأيام المباركة وإذ نقترب من ذكرى ميلاد ربنا يسوع المسيح, سنتأمَّل في سرِّ هذا التجسد وكيف أنّ يسوع المسيح الكلمة ألأزلية ألأقنوم الثاني أبن الله ألآب تنازل عن عرشه ونزل الى ألأرض ليصبح بشرا مثلنا ويولد من العذراء مريم "والكلمة صار بشرا وعاش بيننا, فرأينا مجدهُ, مجدٌ يفيضُ بالنعمة والحق"يوحنا 1:14" .
أعطى الله العبرانيين عمود سحاب ونار ليعلموا أنَّ الله معهم  نهارا وليلا, فكُلّما تطلَّع العبرانييون الى عمود السحاب والنار كانوا يطمئنّون على مرافقة الله لهم وهم سائرون في البرية الى أرض الميعاد, هكذا نحن اليوم كُلّما نتطلّع الى كلمة الله (يسوع المسيح المتجسد ) نعرف أنّ الله معنا في مسيرة حياتنا على هذه الأرض وقد تنبّئا بقدومه ألأنبياء أمثال النبي اشعيا بوحي من الروح القدس عندما قال "ولكن السيد الرب نفسَهُ يُعطيكم هذه الآية: ها هي العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل (وبالآرامية, الله معنا)"اشعيا 7:14" .
اشتاق موسى أن يُستعلن له مجد الله, كان يريد تأكيدا لحضور الله معه لمعرفة هذا الحضور اختباريا, فبسبب محدوديّتنا وخطايانا فأننا لا نقدر أن نرى الله كما هو ونعيش"فقال موسى (لله) "أرني مجدك". فقال الرب: سأعرض كُلَّ جلالي أمامك وأُنادي باسمي أنا الرب على مسمعك......أمّا وجهي فلا تقدر أن تراه لأنَّ الذي يراني لايعيش"خروج33:19,20" .
موسى لم يستطع رؤية وجه الله ولكن الله سمح له أن ينظر موسى الى ظهرالله" خروج33:21 _23" فالأنسان لا يقدر أن يرى الاّ اثار الله أو ما يحدث بعد أن يمر بنا ونستطيع فقط أن نعرفه من خلال ما يفعله معنا أي ما نختبر وجود الله في حياتنا, لأننا لا نقدر أن نستوعب طبيعة الله وشخصه بدون يسوع المسيح المتجسّد" أنا معكم كُلِّ هذا الوقت, وما عرفتني بعد يافيلبس ؟ من رآني راى الآب "يوحنا 14:9" ويقول الرب أيضا : "من امن بي لايؤمن بي أنا, بل يؤمن بالذي ارسلني, ومن رآني راى الذي ارسلني" يوحنا 12:45" .
لقد كتب يوحنا البشير الأنجيل الرابع ليعلن للناس حقيقة تجسد" الكلمة "في الجسد صائرا بشرا مثلنا, ليؤمن الناس بهذه الحقيقة, فأن لم نؤمن أو لا نستطيع أن نؤمن بهذه الحقيقة ألأساسية في المسيحية, فلن يكن لدينا ايماناً كافياً أن نُسلم ابديتنا اليه. نعم التجسُّد سر يبقى لغزا للذين لا يعترفوا بأنّ الله العلي تنازل وأصبح طفلا صغيرا متواضعا ليعيش بيننا بينما المؤمنون بالتجسد الألهي يعرفون ومن خلال الكتاب المقدس والنبوات في العهد القديم أنَّ غاية ومقاصد الله لنا هي موجِّه دائما لأعلان ذاته للبشرية( راجع سفر التكوين 17 والعهد مع ابراهيم), فكيف نعرف الله ان لم يُعلن ذاته لنا؟ وفعلا كان هذا الأعلان لمّا أكتمل الزمان لتدخل الله في تاريخ البشرية ويعلن ذاته بشخص أبنه "كلمة الله" يسوع المسيح. وعن هذا ألأعلان العجيب يقول كاتب الرسالة الى العبرانيين" كلَّم اللهُ ابائنا من قديم الزمان بلسان ألأنبياء مرّاتٍ كثيرة وبمختلف الوسائل , ولكنَّهُ في هذه ألأيّام الأخيرة كلّمنا بابنهِ الذي جعله وارثا لكُلِّ شيئ وبه خلقَ العالم. هو بهاء مجد الله وصورة جوهره "عبرانيين 1:1,2" .
لقد جاء الرب الأله الى هذه الأرض ليهب البشرية رجاء الحياة الأبدية, وبولادة المسيح صار الله  بشرا, وهكذا فهو اله كامل وانسان كامل  يوحنا1:1_18" .
للأسف  هناك اليوم الملايين من الناس لا تؤمن بتجسد الله أي أن يتخذ الله صورتنا البشرية لأن ذلك صعب الفهم بالعقل والمنطق البشري, وهذا الجهل وعدم الأيمان بالتجسد هو ما يتكلم عنه كاتب الأنجيل الرابع يوحنا الحبيب عندما يقول"وكان في العالم, وبه كان العالم, وما عرفه العالم الى بيته جاء, فما قبله أهل بيته"يوحنا 1:10,11". انّ  الكثيرين من اليهود كانوا ينتظرون مجيء المسيح, ولكن للأسف لم يعرفوه, بينما وجده الكثيرون من ألأمم الذين لم يعرفوا شيئا عن المسيح ومنهم المجوس الذين جاؤا من الشرق البعيد وهم يتبعون النجمة التي ارشدتهم الى موضع ولادة المسيح"متى 2:11" .
ماذا يعني تجسد الله؟ ولماذا تجسّد؟ ولماذا يعد ميلاد يسوع المسيح من العذراء مريم  رُكنا هاما من أركان ألأيمان المسيحي؟
"ولا خلافَ أنَّ سِرَّ التقوى عظيمٌ: الذي ظهر في الجسد وتبرَّر في الروح "1تيموثاوس3:14",
التجسد يعني أنّ الله أختار أن ينزل الى مستوى بشريتنا ليجسِّد لنا حقيقة محبّته اللامتناهية ليشاركنا في آلامنا ومعاناتنا وموتنا لا بل ليرفع عنا الخطيئة التي ابعدتنا عن الله الخالق وشوّهت صورتنا أمامه وكانت حاجزا بيننا وبين واهب الحياة "والحياة تجلَّت فرأيناها والان نشهد لها ونبشركم بالحياة ألأبدية التي كانت عند ألآب وتجلَّت لنا."1يوحنا1:1,2" .
وليس هذا هو الهدف الرئيسي للتجسد بل كان مشروع الله ألأزلي قبل خلق الأنسان أن يرفعنا الى العلى لنتحد بالوهيته ونشاركه ملكوته "وأنتم تعرفون نعمة ربّنا يسوع المسيح: كيف افتقر لأجلكم, وهو الغني ُّ لتغتنوا أنتم بفقره"عبرانيين 8:9"  فالتجسد هو دلالة على شمولية الخلاص, فليس الهدف فقط التبرير من الخطيئة ولكن تاليه ألأنسان, فكما أنّ الله أتحد بالأنسان هكذا اصبح ألأنسان مهيئا للأتحاد بالله, فبدون سر التجسد لما كنا عرفنا الله الحقيقي ولا عرفنا قيمة انسانيتنا عند الله "سأُخبر باسمك أخوتي, وبين الجماعة أُهلِّلُ لكَ"مزمور22:23" .
فبالتجسد عرفنا طبيعة الله  بشخص يسوع المسيح كأنسان كامل(كمال الناسوت) واله كامل(كمال اللاهوت) هكذا صار عندنا شخص يسوع المسيح  كمعيار حقيقي أو كمصدر حقيقي ووسيط وحيد  بين السماء والأرض (بين ألأنسان والآب السماوي )"هذا هو أبني الحبيب الذي به رضيتُ, فلهُ اسمعوا"متى 17:5 "فلولا أعلان الله عن نفسه لما استطاع الأنسان أن يعرفه بصورة شخصية. نعم به استطعنا أن نعرف أنَّ الأنسان مدعو الى الصيرورة نحو الكمال بالأقتداء بيسوع المسيح كأنسان كامل, وايضا عن طريق لاهوت الرب يسوع المسيح عرفنا طبيعة الله وصفاته, لأنّ المسيح جسّد هذه الطبيعة(طبيعة الله) بأعماله ومعجزاته وقوة سلطته, ومحبته وفدائه وموته وقيامته وصعوده الى السماء وبهذا فهو الوحيد الذي فتح لنا باب ملكوت الله وأصبح بكر الخليقة الجديدة وباكورة القائمين من بين ألأموات, ولأنَّ يسوع المسيح أخذ بشريّتنا فهو بهذا اصبح أخ البشرية بولادته  من أمرأة (مريم العذراء) التي أختارها وأصطفاها وطهَّرها الله لتكون منزِّهةً عن الخطيئة ( العذراء المحبولة بلا دنس) وعاش انسانا وعرف تماما اختباراتنا في الحياة وكفاحنا فيها دون أن يشترك في الطبيعة الخاطئة للبشرية (الجنس البشري)...هو الذي خضع مثلنا لكلِّ تجربة ما عدا الخطيئة" عبرانيين4:15,16 "  .
ومن الناحية الثانية لأنّه الله, فله القوّة والسلطان ان يخلِّصنا من الخطيئة "كولوسي2:11_15" وأن نقيم علاقة معه وننقل له كُلَّ افكارنا ومشاريعنا وأحتياجاتنا ومشاكلنا, فهو اصبح قريبا منا بل يسكن في قلوبنا وهو معنا"عمانوئيل"اشعيا 7:14", هكذا يسوع المسيح بتجسده أصبح أبن ألأنسان كما هو ابن الله, واستحق أن يكون الشخص الوحيد الذي صالح السماء والأرض أي صالح بين الله وبين ألأنسان لأنّه حمل الطبيعتين الطبيعة ألألهية والطبيعة البشرية .
يحُثُّنا  بولس الرسول على التواضع والأقتداء  بفكر المسيح  فيقول عن المسيح "هو في صورة الله, ما أعتبر مساواتهُ لله غنيمة لهُ, بل اخلى ذاته وأتّخذَ صورة العبد صار شبيها بالبشر وظهر في صورة ألأنسان "فيلبي2:6,7" .
فبدون سر التجسد لما عرفنا الله ولا حقيقة انسانيتنا لأنَّ يسوع المسيح, بولادته البشرية مثلنا, عكس انسانيتنا واعاد صورتنا المشوّهة بسبب الخطيئة الى صورتها الأصليّة, لأنّ الله خلقنا على صورته كمثاله"التكوين1:26" فلنا  قيمة كبيرة عنده وهو الذي كشَف باقواله وأعماله للبشرية أسرار ملكوت الله والحياة.
الأبدية "والحياة ألأبدية هي أن يعرفوك أنت الاله الحق ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلتهُ"يوحنا17:3" .

135
البشارة في شبه الجزيرة العربية
 
الجزء الرابع: وقفة قصيرة على ما قيل عن أنتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام .
نافع البرواري
تكلَّمنا في المقالات الأربع السابقة عن السريانية كلغة وثقافة وحضارة, وتكلّمنا عن نقل البشارة الى العالم منذ القرون ألأولى للمسيحية, ودور الكنيسة الشرقية السريانية (كنيسة المشرق المسمّاة نسطورية والكنيسة السريانية ألأرثوذكسية, من دون أن ننسى الكنيسة اليونانية الملكية) في نقل هذه البشارة الى الشرق كُله .
وقلنا أن َّ الكنيستان ألأولى (النسطورية) والكنيسة (السريانية ألأرثوذكسية ) كانتا نشيطتان خصوصا في شبه الجزيرة العربية واليمن والحبشة جنوبا ومصر وفلسطين وقبرص غربا وايران وأفغانستان وباكستان وصولا الى الهند والصين شرقا, وتركيا الحالية وروسيا وصولا الى سيبيريا شمالا. وفي سلسلة مقالاتنا القادمة سنتكّلم عن نقل البشارة (الخبر السار) الى شبه الجزيرة العربية (شمالا وشرقا وغربا وجنوبا وفي قلب الجزيرة) .
 قبل أن نتكلم عن انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام (وحتى بعد ظهور ألأسلام) علينا أن نتوقف قليلا في هذه المقالة عن ما تم تدوينه من قبل بعض المؤرخين والكتبة وألأدباء العرب والمستشرقين الغرب, عن فترة ما قبل ظهور ألأسلام في شبه الجزيرة العربية ليكون أساساً لمقالاتنا القادمة .
ماذا يقول المؤرخون العرب والمستشرقون الغرب عن انتشار المسيحية قبل الأسلام في شبه الجزيرة العربية؟
يقول الدكتور جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب الجزء الرابع) :
"قد يكونوا المؤرخين المسلمين تعمّدوا بطمس التاريخ ما قبل ألأسلام, وأعتمدوا على اساطير وخرافات وقصص ألأولين بعد دخولهم ألأسلام, فلم يعتمدوا على ألأسس العلمية لكتابة التاريخ الاّ في وقتٍ لاحقٍ بعد ألأسلام بمائتين سنة..... وبعد القرن التاسع عشر أستنتج المؤرخون المستشرقون أنّ هناك فجوات وأخطاء في التاريخ ما قبل ألأسلام . ويضيف هذا المؤرخ  العربي المشهور قائلا:
انَّ المصادر اليونانية والرومانية والسريانية هي ألأصح , وقد كتبوا عن الجزيرة العربية قبل ألأسلام لأنتشار النصارى فيها, وبهذا هم الذين فتحوا الباب للوصول الى التاريخ الجاهلي الصحيح".ويضيف (ج5 ص434) قائلا:"فالدعوة الكتابية"اليهودية والنصرانية) كانت مسيطرةعلى الجزيرة العربية كُلَّها وعلى الحجاز نفسه.......ونرى صدى ذلك في القران نفسه,فقد خلَّد في سورة البروج ذكرى شهداء نجران المسيحيين عام 423م
أمّا الكاتب خليل عبدالكريم في كتابه (قريش من القبيلة الى الدولة المركزية) يقول: ,وهو ينقل ذلك من اراء باحثين انتهوا فيها الى أنَّ الديانتين الساميتين التوحيديّتين بأنتشارهما في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت الى تفسيخ الوثنيةالعربية لصالح عقيدة التوحيد..ولاشكَّ كانت النصرانية النصيب ألأوفر ذلك لأنها كانت أشدُّ ذيوعا وأكثر أنتشارا من  الموسوية(اليهودية).

ويقول غسان المنير كاتب كتاب"يوم قبل وفاة محمد" في مقدمة كتابه:
"من العبث أن يقول المرء اليوم بأن "الإسلام" فكرة دينية محضة وإنها نبتت في فراغ روحي . وثمة كثير من الباحثين كتبوا في نشأة الإسلام، والقرآن، بأن محمدا (عليه السلام) دعا إلى إصلاح مجتمع فاسد متصدع، وذهب بعضهم إلى أنه دعم دعوته بتعاليم إنجيلية في الفقر وعمل البر والإحسان. وما يبرر ضحالة مثل هذه الأبحاث أن كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، أغفلت ذكر الكثير من أخبار النصرانية قبيل وإبان ظهور الإسلام "وكل علم ليس في القرطاس ضاع". وعلى سبيل المثال فإن ما قيل في آثار الخطابة بين نصارى العرب في الجاهلية قليل جدا ، وكذلك شأن شعر النصارى. وكأن مؤرخي العرب تعمدوا أن يصوِّروا العرب وكأنهم عاشوا شبه عزلة عن المسيحية فلم يعرفوا منها شيئا .
واقع الأمر أن كتب التاريخ والتراث لم تصور لنا بدقة وضع اليهودية والبدع النصرانية في إبان ظهور الإسلام. ويقينا لا يمكن فهم اتصال نبي العرب محمد عليه السلام باليهودية والبدع النصرانية دون رسم لوحة للحياة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية. ومن هنا مبلغ الحاحي أن أبحث في الظروف اليهودية والنصرانية لنشأة الإسلام ، إسهاما مني في تظهير الصورة المطلوبة". ويضيف في مكان اخر قائلا: لايمكن فهم ألأسلام دون دراسة معمّقة للديانات السابقة للأسلام, وطالما كُتب التراث لا تُعطي الا القليل من التفاصيل عن النصرانية واليهودية .
"يقينا انّ ذلك يقتضي دراسة معمّقة وشاملة وبدون ذلك لايمكن فهم الأسلام وظروف نشأته وسيّما وأنَّ القرآن نظرية خاصة جامعة في الأديان الموحّدة...واذا أغفلنا ذلك فكيف نُفسِّر للقارئ أنّ في ألأسلام قاسما مشتركا يجمع بين الديانات كُلَّها .....
ولقد انكشف مبلغ حرج بعض الباحثين عند الخوض في شعر نصارى العرب في الجاهلية ، وذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم جاءت في الكثير منها مطابقة لبعض أبياتهم ، ومشابهة لها في النص غالبا. والمُرجّح أن ابتعاد الباحثين عن ولوج هذا المدخل سببه الخوف من أن المقابلات والمقارنات بين القرآن والمصادر البشرية تقود إلى تقرير واقع ما. وهذا الواقع بنظر المتدينين قد يكون شتيمة وكفرا. كما أن المتعصبين من المسلمين لا يقبلون أن يكون القرآن الكريم خاضعا للبحث التاريخي. أو أن يكون له أي مصدر غير الله مباشرة. فالقرآن عندهم يعتمد كليا على اللوح المحفوظ" .... ـ وكلمة الله لا تكون فاعلة إلا إذا كانت مفهومة. وحتى تكون مفهومة يجب أن تكون هي نفسها كلمة البشر. فلماذا الخوف إذا من مقابلة كلام الله مع كلام البشر. ثم إن الخطاب القرآني نفسه يؤكد هذه الحقيقة: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخزون للأذقان سجدا (السراء ـ 107). وكذلك: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك"(النساء 162 ) ."
يقول أحد الكتّاب المسيحيين :"يبدوأنَّ العلاقة بين ألأسلام والوحي السابق لم تكن موضوع دراسة المسلمين ألأولين, ولا أعرف سببا لذلك فمن البديهي أن يسأل المرء: ان لم يكن القرآن قد نسخ أوامر التوراة وألأنجيل فهل تلك ألأوامر تضلُّ ملزمة للمسلم؟
أمّا  الدكتور طه حسين ,عميد ألأدب العربي, يقول في كتابه "في الشعر الجاهلي":
"يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ ألأمم القديمة التي قدّر لها أن تقوم بشيء من جلال ألأعمال , وما أعترض حياتها من الصعاب والمحن والوان الخطوب والصروف, ليفهم تاريخ ألأمة العربية على وجهه ويرُدُ كُلِّ شيء الى أصله (جذوره) . واذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفِّقوا الى الحق فيه, فهو انهم لم يلمّوا الماما كافيا بتاريخ هذه ألأمم القديمة , أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها, وانّما نظروا الى هذه الأمّة العربية كأنّها أمَّةٌ فذَّة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحدٌ, لم يشبهُها أحد, لم تؤثر في أحد ولم يؤثر فيها أحد, قبل قيام الحضارة العربية وأنبساط سلطانها على العالم القديم. والحق أنّهم لو درسوا تاريخ هذه ألأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيّر رأيهم في ألأمة العربية, ولتغيَّر بذلك تاريخ العرب أنفسهم, ولستُ أذكر من هذه ألأمم القديمة الاّ أُمّتين ألأمَّة اليونانية والأمّة الرومانية" .
هنا يضع الكاتب وعميد ألأدب العربي, طه حسين, يده على حقيقة طالما يخفيها القسم ألأكبر من  المؤرخين العرب وعلمائهم, وهي الرجوع الى الجذور التاريخية للحضارات السابقة (ومنها بالطبع جذور الديانات السابقة ) للحضارة العربية ليكون أساس اي حضارة تليها. وأحب أن أُضيف الى ما قاله طه حسين أمراً اخر كان على الباحثين وعلماء الدين والمؤرخين العرب والمسلمين أن يركّزوا في بحوثم  في الديانات السابقة للأسلام ليفهموا ويعرفوا الأسلام بشكل أفضل مما يعرفوه ويفهموه اليوم . ويضيف طه حسين قائلا (في ص78) من كتابه أعلاه:
"وليس من اليسير بل قُل ليس من الممكن أن نُصدّق أنَّ القران كان جديدا كُلّهِ على العرب, فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم وناهضه وجادل فيه بعضهم ألآخر" ويقول في مكان اخر من نفس الكتاب: "أنَّ قراءة القرآن بتعمُّق يظهر لنا أنَّ جزءً كبيرا من اياته قد نزلت بحسب المفهوم ألأسلامي في الجدال والخصام والحوار في الدين.....فلم يكن القوم الذين كانوا يتجادلون ويحاورون ويخاصمون محمد بالجُهّال والغباوة والغلظة والخشونة, وانَّما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" .
ويقول العلاّمة بولس فغالي (عالم في الكتاب المقدس ولغات الشرق القديمة) :
"حين نقرا الكتاب المقدس, ونبدأ بالعهد القديم, نطرح السؤال على نفوسنا : ماهو الكتاب المقدس ؟ نقول هو كتاب جوهري في حياة المؤمن, هو كتاب ليس كسائر الكتب . فالديانة اليهودية ولِدت منه والديانة المسيحية تجذَّرت فيه والعالم ألأسلامي استقى الكثير من نصوصه, هكذا  حينما نقرا الكتاب المقدس نعود الى جذورنا, نعود الى اساس حضارة هي جزء من حضارتنا, فالكتاب المقدس هو موضع أُصولنا وتاريخنا.....وهكذا فعندما نريد أن نعرف مسيرة ايمان أجدادنا علينا أن لاننسى تاريخهم الطويل ومسيرتهم في الرحلة ألأيمانية, مثال على ذلك ابراهيم ".أي علينا العودة الى الجذور ألأصلية لكي نصل الى ما نحن عليه اليوم .
ويؤيد هذا القول الكاتب موسى الحريري (مؤلف كتاب القس والنبي) اذ يقول:
"أنّنا لانفهم من تعاليم القرآن شيئا ان غابت عنا تعاليم "ألأنجيل العبراني"(كتاب منحول كان متداول بين اليهود المتنصرين وسوف نتكلم عنه في المقالات القادمة) .
الذي كان القس (يقصد ورقة بن نوفل) يعمل على نقله من لغته العبرانية الى اللغة العربية, كما أننا لا نفهم من قصص الأنبياء ألأقدمين, ولا من تعاليم التوراة والأنجيل, الواردة في القران ان لم نردها الى أصلها(جذورها)" .
السؤال المطروح على العرب المسلمين أين هم من جذورهم التاريخية قبل ألأسلام؟ ولماذا العرب  يقطعون جذورهم النصرانية ويتحاشون ذكرها بينما يركزون على العصر الجاهلي كون العرب فيه كانوا يعبدون ألأصنام في حين الحقيقة مشوَّهة حيث كان هناك أكثر من 60 قبيلة عربية نصرانية(راجع كتاب الديانات في شبه الجزيرة العربية للمؤلف لويس شيخو),والنصرانية كانت منتشرة في كُلِّ أنحاء الجزيرة العربية حتى في الحجاز؟ فهل ألأسلام نشأ دون وجود اثراً يُذكر للديانتين السماويّتين  قبل بروز ألأسلام ؟
وماعلاقة النصرانية بالأسلام وعلاقة القران بالكتاب المقدس وغيرها من الكتب ؟ وهل ألأسلام له جذور دينية ما قبل نشوء الأسلام ؟ ولماذا العرب المسلمون لايقبلون بالبحوث النقدية وتاريخية النصوص القرانية ولا يقبلون بدراسة  مقارنة  للديانات الكتابية السابقة للأسلام؟ أسئلة وجيهة ويحتاج المسلم البسيط  الحصول على ألأجابات من شيوخ  وعلماء الدين المسلمين وخاصة أذا عرفنا من خلال "السيرة الحلبية لأبن هشام ج1ص25" عن ورقة بن نوفل الذي سأل رسول الأسلام قائلا له:"ماذا ترى "أشارة الى ما يراه في الوحي: فأخبره (الرسول) ما رأى.فقال ورقة بن نوفل للرسول"هذا هو الناموس الذي أُنزل على موسى"  أي أنّ ما أوحي الى الرسول هو موجود في العهد القديم (التوراة) الذي كتبه موسى بوحي من الروح القدس. راجع ايضا سورة البقرة 2:40,41"وسورة المائدة5:43,44" حيث تؤكدان على وجوب الأعتراف بالكتاب المقدس بعهديه.
نعم الديانة اليهودية والمسيحية لم تكن طارئة على الديانة ألأسلامية بل كانت موجودة (بحسب النصوص القرانية أكثر من 117 آية) لا بل هناك أدلة على تأثيرهما على الديانة ألأسلامية التي لا يمكن أغفالها (وسنتأكد من ذلك في المقالات التالية انشاء الله) كما يفعل اليوم الكثيرون من شيوخ وعلماء الدين المسلمين عندما يصنّفون اليهود والمسيحيين بالكُفار والمشركين وينسون أو يتناسون جذورهم المسيحية. في الحقيقة عندما يُقطع شعب ما من جذوره التاريخية فهوشعب ميت مثل الشجرة التي تُقطع من جذورها, هذا ما يخبرنا به علماء الأجتماع وعلماء النفس واليوم حان الوقت للعرب المسلمين الى العودة الى جذورهم ليستقوا من نبع الماء الصافي ليلتحقوا بالحضارة المسيحية التي شعّت الى العالم كُلَه بمبادئها السماوية السامية.
انَّ ألأيمان بالكتاب المنزل دون حريّة الأنسان في البحث  عن الحقيقة فهو تعصُّب يُجرح كرامة ألأنسان وحُرِّيَتهُ,فالله لا يسلب حريّة ألأنسان ويترك ألأنسان يتدبَّر في التاريخ أمرهُ
وفيما يلي مواقع المقالات السابقة للذين يريدون العودة اليها .
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=11203
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27355.html
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30963.html
 http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=2400&PHPSESSID=6eb38c5bd52c32e11c7e67e87ffab93a

136
معرفة الله والمعرفة عن الله
 
الجزء الثاني
نافع الرواري
"هذا الشعب يُكرِّمني بشفتيهِ, وأمّا قلبه فبعيدٌ عنّي. وهو باطلا يَعبُدني بتعاليم وضعها البشرُ"متى 15:8,9" .
 الشعب اليهودي وكذلك الكثيرون من القادة الدينيين في زمن اشعيا وفي زمن يسوع المسيح (وكما في زماننا ايضا) كانوا يدَّعون أنهم يكرّمون الله ويعبدونه ويتصرفون دينيا كما لو أنّهم يُطبّقون الفرائض والواجبات الدينية (حرفيا) ولكن كانت قلوبهم بعيدة عن الله, فالعبادة عندما تصبح عبادة خارجية وروتينية بلا حقيقة فهذا يعني أنّ ألأنسان قد أبتعد عن معرفة الله ولم تصبح العبادة لله سوى تقليد يمارسه ألأنسان كما مارسه ابائه وأجداده. هكذا خاطب الرب يسوع المسيح الفريسيين ورجال الدين في أيّامه وكشف ريائهم. فالعبادة الخالية من المحبة والتكريس لله هي عبادة بعيدة عن طاعة الله بأمانة واخلاص.
يقول كاتب سفر الأمثال"من وجدني (أي عرف الله) وجد الحياة ونال رضى من الربّ "أمثال 8:35" .
المسيحية تؤمن أنّ الله يكشف حقيقته للساعين الى معرفته مهما كانت خلفياتهم الأجتماعية والدينية, فليس هناك حواجز بين ألأنسان المشتاق الى معرفة الله عندما يطلب هذا ألأنسان الله بكل تواضع وتوبة وخشوع وروح منكسرة وارادة حقيقية, لأنَّ "الله يريد جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يأتون", بينما يعتقد الكثير من الناس وبعض المعتقدات و الديانات ألأخرى أنّ الله يكشف نفسه فقط للمتبحرين في العلوم والمعارف فهم  نخبة قليلة وأمّا الباقين من الناس فما عليهم الاّ أن يؤمنوا بما تؤمن به هذه النخبة ويطبّق ما يقولونه لهُ أو ما يفتون بهِ, لكن يسوع المسيح يقول لتلاميذه "البسطاء "أنتم (اي التلاميذ) أُعطيتُم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات , وأمّا هم (أي الذين لايؤمنون بالمسيح) فما أُعطوا"متى 13:10" فلا نستطيع بالعقل وحده أن نأتي الى الله بل بالأيمان الذي ينور العقل ليكون في خدمة هذا الأيمان .
كان المعلّمون الكذبة في كنيسة كولوسي يعتقدون أنَّ الكمال الروحي"سر" وتدبيره مخبوء لا يستطيع أن يعرفه الآّ القليلون من المحظوظين, أي أنَّه ليس للجميع, ويسمّي الرسول بولس تدبير الله "سرَّا" ليس بمعنى أنّ القليلين فقط هم الذين يستطيعون فهمه (كما يدَّعي الغنوصيين أصحاب المعرفة السريَة), بل لأنَّه ظلّ هذا السر مخبوءاً الى مجيء المسيح, ومن كان يستطيع أن يتصوّر أنَّ تدبير الله السرِّي هو أن يجعل ابنه يسوع المسيح يحيا في قلوب كلِّ الذين يؤمنون به؟ وبعبارة أخرى السر ينكشف (بعد أن كان مخبوءا) لكُلِّ انسان يؤمن بيسوع المسيح وليس لفئة من الناس, ولكن اذا رفضه الناس فهو لا يكشف سرَّه لهم الآ للذين يعترفوا به كمخلّص وابن الله (راجع كولوسي 1:26,27") .
ويقول بولس الرسول"..الا أنَّ الله أختار ما يعتبره العالم حماقة ليُخزي الحكماء"1كورنثوس 1:27" , نعم اليوم ايضا الملايين يريدون أن يصدِّق الله على افكارهم وخططهم بدل أن يطلبوا نعمة الله ومشيئته في حياتهم, فمعرفة الله وحكمته أعظم جدا من معرفة وحكمة الأنسان "ولأنّهم (أي الناس الذين لهم حكمة هذا العالم) رفضوا أن يحتفظوا بمعرفة الله, أسلمهم الى فساد عقولهم يقودهم الى كُلِّ عمل شائن"روميا1:28" .
قد نعرف أنّ الله موجود (بالعقل) ولكن فكرتنا عنه قد تكون خاطئة (يوحنا 12:16) .
فالأيمان ليس ما تعرف بل من تعرف, ومعرفة المسيح هي معرفة الله وهذه المعرفة تتم من خلال التأمل والأصغاء لكلمة الله أي الكتاب المقدس"الحكمة كُلُّها في كتاب العهد الذي قطعه الله العُلّي معنا "يشوع بن سيراخ24:23" فالكتاب المقدس ليس كتاب جمع معلومات نضيفها الى معلوماتنا السابقة بل فيها قوّة (الروح القدس) مغيَّرة لنفوسنا وسلوكنا وطريقة  تفكيرنا وعيشنا في هذا العالم, فقد ندرك أنّ الله موجود وأنّه يصنع عجائب مدهشة, لكن الله لن يُغيِّرنا حتى نعترف به سيدا وربّا لحياتنا, فعندما سأل يسوع المسيح تلاميذه ماذا تقولون عني؟ من أنا؟ فأجاب واحدٌ منهم فقط وهو سمعان بطرس قائلا "أنت المسيح أبن الله الحي" في حين أنَّ بقية التلاميذ, وبالرغم من المعجزات التي صنعها الرب أمامهم لم يعرفوا حقيقة الرب يسوع المسيح , لأنّهم كانوا لا يزالون يفكِّرون عقليا ومنطقيا ولم يطلبوا الروح القدس ليكشف لهم حقيقة كون الرب يسوع هو أبن الله الحي, ولكن بعد حلول الروح القدس عليهم في يوم العنصرة تغيّروا وأصبحت لديهم قناعة تامة بيسوع المسيح ربا والها, وها هُم ( بعدما كانوا ناس بسطاء وشكّاكين) يقلبون العالم رأسا على عقب ويقلبون موازين هذا العالم (ليس بالسيف بل بقوّة الكلمة), لأنهم أمتلئوا من الروح القدس الذي منحهم قوّة لا تُقهر (أعمال 2) .
فالمعرفة يجب أن توجِّه الحياة, لقد اثبت الرسول بولس أنَّ المعرفة في حد ذاتها فارغة, ولكي تصبح لها قيمة, يجب أن تؤدي الى تغيير في الحياة والعيشة باستقامة والنمو في معرفة الله "اكولوسي1:10" لأنّ الذي يقيم علاقة مع الرب يسوع المسيح تتغير حياته الى الأبد فيصبح انسانا جديدا وخليقة جديدة بالولادة الثانية (الولادة الروحية), (وليس كما يقول المثل أن يبدا ألأنسان بصفحة جديدة نحو ألأفضل ), عندها يتغيَّر  فيها هدف ألحياة للأنسان, فيفكر ليس لأرضاء نفسه بل يعيش من أجل خدمة الله ومحبّته ومحبة الآخرين من أخوته والعمل بما يريده الله منه (لتكن مشيئتكَ يارب). ما يتميّز المسيحي الحقيقي عن الآخرين هو أنَّه يتكلَّم بما سمعه وقرأهُ والأهم هو خبرته وعلاقته مع يسوع المسيح "أذا ثبتُّم في كلامي صرتم في الحقيقة تلاميذي: تعرفون الحق َّ(الله) والحقُّ يُحرِّرُكُم"يوحنا8:31" .
فالله لا يريد كلمات رنّانة بل كلمات صادقة نابعة من قلب محب "لو تكلّمتُ بلغات الناس والملائكة, ولا محبّة عندي, فما أنا الاّ نُحّاس يطُنُّ أو صنج يَرُنُّ"1كورنثوس13:1 .
نعم على ألأنسان أن يشحن ذهنه بالمباديء الكتابية, كلمة الله وروحه القدوس "الروح هو الذي يُحيي, وأمّا الجسد فلا نفع منهُ. والكلام الذي كلّمتُكُم به هو روحٌ وحياة "يوحنا6:63" فالوحي في الكتاب المقدس لا يتعارض مع ضروف الناس وعقولهم, "فالكتاب كُلُّهُ من وحي الله, يُفيدُ في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر, ليكون رجل الله كاملا مستعدا لكُلِّ عمل  صالحٍ "2تيموثاوس 3:16,17 .
فبقراءة الكتاب المقدس ندرك مخافة الله ونَعثُر على معرفة الله .
ولكن للأسف الكثيرون من الناس بدل أن يركِّزوا أهتمامهم بمعرفة الله والعلاقة معه فأنّهم يحاولون الأحاطة بالسماء وبالله بعبارات بشرية, وبدل أن يكون الله هو الهدف والتركيز عليه باعتباره مصدر الحياة, يركّز الكثيرون من الناس أفكارهم على مصالحهم في علاقتهم مع هذا ألأله, ويحوِّلون تركيزهم عن هذا الله ويشتِّتون أفكارهم في ما ينتظرهم من ألأمجاد والشهوات الجسدية والسلطة والمراكز والقوّة البعيدة كُلِّ البعد عن الحياة الروحية مع الله"متى 22:29"
يقول أحد المؤمنين الذي أختبر الله في حياته:"قد تكون الفردوس قطعة من صحراء ولكن بحضور الله تصبح فردوس ,لأنَّ الفردوس(الملكوت)في المفهوم المسيحي هي فكرة روحية , فعندما نكون بقرب الله ويملئ حياتنا تصبح حياتنا فردوس, بينما عندما نبتعد عن الله تصبح حياتنا جحيم, فالفردوس ألأرضي هي صورة للفردوس السماوي الذي هو"ليس أكلا وشربا بل برّا وسلاما" .
أنَّ حالة الفساد في مجتمعاتنا اليوم تشجّع على التشويش في القيم السماوية, فنحنُ نتعرّض لسيل من الكتب والوسائل ألأعلامية المتطوّرة التي تُركز على الحياة ألأرضية والأغرائات المادية والشهوات الجسدية التي توصلنا الى الرضى والسعادة المزيّفة والمشوّه لأنّ ألأنسان روح وجسد فلا يمكن أن يشبع بالأمور الجسدية بل يحتاج الى غذاء للروح وعندما يفقد حياته الروحية مع الله فهو لا يعرف معنى السعادة والفرح الحقيقيتين بل يضلُّ في شوق وجوع وعطش روحي لا يستطيع هذا العالم أن يعطيه له سوى الرب يسوع المسيح الذي يقول "أنا هو خبز الحياة...من يأكل هذا الخبز النازل من السماء لايموت "يوحنا6:48,50".. من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا, فلن يعطش أبدا"يوحنا 4:14." يقول الله على لسان النبي عاموس"ستأتي أيّام أقول أنا السيد الربُّ, أرسلُ فيها الجوع على ألأرض, لا الجوع الى الخبز ولا العطش الى الماء, بل الى ألأستماع الى كلمة الربِّ"عاموس8:11 .
فمعرفة الله لا تُعطى للذين يقفون في منطقة وسطى بين الحق والباطل, بل يكون ألأنسان في هذه المنطقة مشوّشا, فمثلا لايمكن أن نعترف بالمسيح كنبي عظيم وننكر الوهيّته وصلبه وقيامته ولا نؤمن بالخلاص الذي وهبهُ الرب يسوع ( بالنعمة المجانية عندما بذل نفسه من أجل البشرية جمعاء) لكلّ الذين قبلوه مخلِّصا لحياتهم. الحواجز تبقى كبيرة بين العالم الذي لم يعرف المسيح وبين المؤمنين المسيحيين الذين عرفوا شخص يسوع المسيح واختبروه في حياتهم"راجع الحوار بين المسيح ونيقاديمس في انجيل البشير يوحنا".
 يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه "هم يفعلون بكم هذا كُلِّه لأنّهم لا يعرفون الذي أرسلني "يوحنا 15:21".
لقد أنكر الشعب اليهودي, وعلماءالشريعة اليهود, يسوع المسيح ولم يؤمنوا به لأنّهم أعتبروه ضعيف ومتواضع, وارادوه أن يكون ملكا محررا لهم بقوة السيف, وأستغلال قوَّته ومعجزاته ليبطش بأعدائهم (الرومان), ولكن كَم هو بعيد فكر ألأنسان عن فكر الله الحقيقي وكم هو بعيد ألأنسان عن معرفة الله الذي هو كُلّه محبة وحنان ورحمة وسلام, الذي أرسل أبنه لا ليهلك الناس بل ليخلِّصهم .
اليوم كما في أيّام المسيح الكثيرون لا يعرفون الله الحقيقي بل بعيدون عن معرفة طبيعة الله "المحبة" فيتصوّرون الله رافع سيفه ليقطع أعناق وارزاق كُلِّ من لا يتبع فكرهم ومعتقدهم البعيد كُلِّ البعد عن الله الحقيقي, بينما يسوع المسيح بيّن لنا طبيعة الله"المحبة" وهو على خشبة الصليب عندما غفر لأعدائه الذين صلبوه  وطبّق قوله عن محبّة حتى ألأعداء عندما يقول "سمعتم أنّه قيل: أحبَّ قريبُكَ وأبغض عدوِّكَ. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم, وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم. فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات. فهو يُطلع شمسُهُ على ألأشرار والصالحين ويُمطر على ألأبراروالظالمين"متى 5:43,44,45" ", نعم هذا هو الأله الحقيقي الذي نعرفه ونختبر قوّته في حياتنا, وغيرهُ ليس الا صنم لا قلب له ولا رحمة ولا شفقة ولايسمع ولا يحسُّ ولا يرى ولا يكشف نفسه بمعجزة للذين يتبعونه فهو اله لا حول له ولا قوّة  فيطلب من الذين يؤمنون به أن يقاتلوا الناس عوضا عنه,  بينما يقول لنا الهنا الحقيقي "أنا أُدافع عنكم وأنتم تصمتون".
__________________________________________
للذين يريدون ألأطلاع على الجزء ألأول من المقالة مراجعة الموقع التالي:
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=43391

137
معرفة الله والمعرفة عن الله
 
الجزء الثاني
نافع الرواري
"هذا الشعب يُكرِّمني بشفتيهِ, وأمّا قلبه فبعيدٌ عنّي. وهو باطلا يَعبُدني بتعاليم وضعها البشرُ"متى 15:8,9" .
 الشعب اليهودي وكذلك الكثيرون من القادة الدينيين في زمن اشعيا وفي زمن يسوع المسيح (وكما في زماننا ايضا) كانوا يدَّعون أنهم يكرّمون الله ويعبدونه ويتصرفون دينيا كما لو أنّهم يُطبّقون الفرائض والواجبات الدينية (حرفيا) ولكن كانت قلوبهم بعيدة عن الله, فالعبادة عندما تصبح عبادة خارجية وروتينية بلا حقيقة فهذا يعني أنّ ألأنسان قد أبتعد عن معرفة الله ولم تصبح العبادة لله سوى تقليد يمارسه ألأنسان كما مارسه ابائه وأجداده. هكذا خاطب الرب يسوع المسيح الفريسيين ورجال الدين في أيّامه وكشف ريائهم. فالعبادة الخالية من المحبة والتكريس لله هي عبادة بعيدة عن طاعة الله بأمانة واخلاص.
يقول كاتب سفر الأمثال"من وجدني (أي عرف الله) وجد الحياة ونال رضى من الربّ "أمثال 8:35" .
المسيحية تؤمن أنّ الله يكشف حقيقته للساعين الى معرفته مهما كانت خلفياتهم الأجتماعية والدينية, فليس هناك حواجز بين ألأنسان المشتاق الى معرفة الله عندما يطلب هذا ألأنسان الله بكل تواضع وتوبة وخشوع وروح منكسرة وارادة حقيقية, لأنَّ "الله يريد جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يأتون", بينما يعتقد الكثير من الناس وبعض المعتقدات و الديانات ألأخرى أنّ الله يكشف نفسه فقط للمتبحرين في العلوم والمعارف فهم  نخبة قليلة وأمّا الباقين من الناس فما عليهم الاّ أن يؤمنوا بما تؤمن به هذه النخبة ويطبّق ما يقولونه لهُ أو ما يفتون بهِ, لكن يسوع المسيح يقول لتلاميذه "البسطاء "أنتم (اي التلاميذ) أُعطيتُم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات , وأمّا هم (أي الذين لايؤمنون بالمسيح) فما أُعطوا"متى 13:10" فلا نستطيع بالعقل وحده أن نأتي الى الله بل بالأيمان الذي ينور العقل ليكون في خدمة هذا الأيمان .
كان المعلّمون الكذبة في كنيسة كولوسي يعتقدون أنَّ الكمال الروحي"سر" وتدبيره مخبوء لا يستطيع أن يعرفه الآّ القليلون من المحظوظين, أي أنَّه ليس للجميع, ويسمّي الرسول بولس تدبير الله "سرَّا" ليس بمعنى أنّ القليلين فقط هم الذين يستطيعون فهمه (كما يدَّعي الغنوصيين أصحاب المعرفة السريَة), بل لأنَّه ظلّ هذا السر مخبوءاً الى مجيء المسيح, ومن كان يستطيع أن يتصوّر أنَّ تدبير الله السرِّي هو أن يجعل ابنه يسوع المسيح يحيا في قلوب كلِّ الذين يؤمنون به؟ وبعبارة أخرى السر ينكشف (بعد أن كان مخبوءا) لكُلِّ انسان يؤمن بيسوع المسيح وليس لفئة من الناس, ولكن اذا رفضه الناس فهو لا يكشف سرَّه لهم الآ للذين يعترفوا به كمخلّص وابن الله (راجع كولوسي 1:26,27") .
ويقول بولس الرسول"..الا أنَّ الله أختار ما يعتبره العالم حماقة ليُخزي الحكماء"1كورنثوس 1:27" , نعم اليوم ايضا الملايين يريدون أن يصدِّق الله على افكارهم وخططهم بدل أن يطلبوا نعمة الله ومشيئته في حياتهم, فمعرفة الله وحكمته أعظم جدا من معرفة وحكمة الأنسان "ولأنّهم (أي الناس الذين لهم حكمة هذا العالم) رفضوا أن يحتفظوا بمعرفة الله, أسلمهم الى فساد عقولهم يقودهم الى كُلِّ عمل شائن"روميا1:28" .
قد نعرف أنّ الله موجود (بالعقل) ولكن فكرتنا عنه قد تكون خاطئة (يوحنا 12:16) .
فالأيمان ليس ما تعرف بل من تعرف, ومعرفة المسيح هي معرفة الله وهذه المعرفة تتم من خلال التأمل والأصغاء لكلمة الله أي الكتاب المقدس"الحكمة كُلُّها في كتاب العهد الذي قطعه الله العُلّي معنا "يشوع بن سيراخ24:23" فالكتاب المقدس ليس كتاب جمع معلومات نضيفها الى معلوماتنا السابقة بل فيها قوّة (الروح القدس) مغيَّرة لنفوسنا وسلوكنا وطريقة  تفكيرنا وعيشنا في هذا العالم, فقد ندرك أنّ الله موجود وأنّه يصنع عجائب مدهشة, لكن الله لن يُغيِّرنا حتى نعترف به سيدا وربّا لحياتنا, فعندما سأل يسوع المسيح تلاميذه ماذا تقولون عني؟ من أنا؟ فأجاب واحدٌ منهم فقط وهو سمعان بطرس قائلا "أنت المسيح أبن الله الحي" في حين أنَّ بقية التلاميذ, وبالرغم من المعجزات التي صنعها الرب أمامهم لم يعرفوا حقيقة الرب يسوع المسيح , لأنّهم كانوا لا يزالون يفكِّرون عقليا ومنطقيا ولم يطلبوا الروح القدس ليكشف لهم حقيقة كون الرب يسوع هو أبن الله الحي, ولكن بعد حلول الروح القدس عليهم في يوم العنصرة تغيّروا وأصبحت لديهم قناعة تامة بيسوع المسيح ربا والها, وها هُم ( بعدما كانوا ناس بسطاء وشكّاكين) يقلبون العالم رأسا على عقب ويقلبون موازين هذا العالم (ليس بالسيف بل بقوّة الكلمة), لأنهم أمتلئوا من الروح القدس الذي منحهم قوّة لا تُقهر (أعمال 2) .
فالمعرفة يجب أن توجِّه الحياة, لقد اثبت الرسول بولس أنَّ المعرفة في حد ذاتها فارغة, ولكي تصبح لها قيمة, يجب أن تؤدي الى تغيير في الحياة والعيشة باستقامة والنمو في معرفة الله "اكولوسي1:10" لأنّ الذي يقيم علاقة مع الرب يسوع المسيح تتغير حياته الى الأبد فيصبح انسانا جديدا وخليقة جديدة بالولادة الثانية (الولادة الروحية), (وليس كما يقول المثل أن يبدا ألأنسان بصفحة جديدة نحو ألأفضل ), عندها يتغيَّر  فيها هدف ألحياة للأنسان, فيفكر ليس لأرضاء نفسه بل يعيش من أجل خدمة الله ومحبّته ومحبة الآخرين من أخوته والعمل بما يريده الله منه (لتكن مشيئتكَ يارب). ما يتميّز المسيحي الحقيقي عن الآخرين هو أنَّه يتكلَّم بما سمعه وقرأهُ والأهم هو خبرته وعلاقته مع يسوع المسيح "أذا ثبتُّم في كلامي صرتم في الحقيقة تلاميذي: تعرفون الحق َّ(الله) والحقُّ يُحرِّرُكُم"يوحنا8:31" .
فالله لا يريد كلمات رنّانة بل كلمات صادقة نابعة من قلب محب "لو تكلّمتُ بلغات الناس والملائكة, ولا محبّة عندي, فما أنا الاّ نُحّاس يطُنُّ أو صنج يَرُنُّ"1كورنثوس13:1 .
نعم على ألأنسان أن يشحن ذهنه بالمباديء الكتابية, كلمة الله وروحه القدوس "الروح هو الذي يُحيي, وأمّا الجسد فلا نفع منهُ. والكلام الذي كلّمتُكُم به هو روحٌ وحياة "يوحنا6:63" فالوحي في الكتاب المقدس لا يتعارض مع ضروف الناس وعقولهم, "فالكتاب كُلُّهُ من وحي الله, يُفيدُ في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البر, ليكون رجل الله كاملا مستعدا لكُلِّ عمل  صالحٍ "2تيموثاوس 3:16,17 .
فبقراءة الكتاب المقدس ندرك مخافة الله ونَعثُر على معرفة الله .
ولكن للأسف الكثيرون من الناس بدل أن يركِّزوا أهتمامهم بمعرفة الله والعلاقة معه فأنّهم يحاولون الأحاطة بالسماء وبالله بعبارات بشرية, وبدل أن يكون الله هو الهدف والتركيز عليه باعتباره مصدر الحياة, يركّز الكثيرون من الناس أفكارهم على مصالحهم في علاقتهم مع هذا ألأله, ويحوِّلون تركيزهم عن هذا الله ويشتِّتون أفكارهم في ما ينتظرهم من ألأمجاد والشهوات الجسدية والسلطة والمراكز والقوّة البعيدة كُلِّ البعد عن الحياة الروحية مع الله"متى 22:29"
يقول أحد المؤمنين الذي أختبر الله في حياته:"قد تكون الفردوس قطعة من صحراء ولكن بحضور الله تصبح فردوس ,لأنَّ الفردوس(الملكوت)في المفهوم المسيحي هي فكرة روحية , فعندما نكون بقرب الله ويملئ حياتنا تصبح حياتنا فردوس, بينما عندما نبتعد عن الله تصبح حياتنا جحيم, فالفردوس ألأرضي هي صورة للفردوس السماوي الذي هو"ليس أكلا وشربا بل برّا وسلاما" .
أنَّ حالة الفساد في مجتمعاتنا اليوم تشجّع على التشويش في القيم السماوية, فنحنُ نتعرّض لسيل من الكتب والوسائل ألأعلامية المتطوّرة التي تُركز على الحياة ألأرضية والأغرائات المادية والشهوات الجسدية التي توصلنا الى الرضى والسعادة المزيّفة والمشوّه لأنّ ألأنسان روح وجسد فلا يمكن أن يشبع بالأمور الجسدية بل يحتاج الى غذاء للروح وعندما يفقد حياته الروحية مع الله فهو لا يعرف معنى السعادة والفرح الحقيقيتين بل يضلُّ في شوق وجوع وعطش روحي لا يستطيع هذا العالم أن يعطيه له سوى الرب يسوع المسيح الذي يقول "أنا هو خبز الحياة...من يأكل هذا الخبز النازل من السماء لايموت "يوحنا6:48,50".. من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا, فلن يعطش أبدا"يوحنا 4:14." يقول الله على لسان النبي عاموس"ستأتي أيّام أقول أنا السيد الربُّ, أرسلُ فيها الجوع على ألأرض, لا الجوع الى الخبز ولا العطش الى الماء, بل الى ألأستماع الى كلمة الربِّ"عاموس8:11 .
فمعرفة الله لا تُعطى للذين يقفون في منطقة وسطى بين الحق والباطل, بل يكون ألأنسان في هذه المنطقة مشوّشا, فمثلا لايمكن أن نعترف بالمسيح كنبي عظيم وننكر الوهيّته وصلبه وقيامته ولا نؤمن بالخلاص الذي وهبهُ الرب يسوع ( بالنعمة المجانية عندما بذل نفسه من أجل البشرية جمعاء) لكلّ الذين قبلوه مخلِّصا لحياتهم. الحواجز تبقى كبيرة بين العالم الذي لم يعرف المسيح وبين المؤمنين المسيحيين الذين عرفوا شخص يسوع المسيح واختبروه في حياتهم"راجع الحوار بين المسيح ونيقاديمس في انجيل البشير يوحنا".
 يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه "هم يفعلون بكم هذا كُلِّه لأنّهم لا يعرفون الذي أرسلني "يوحنا 15:21".
لقد أنكر الشعب اليهودي, وعلماءالشريعة اليهود, يسوع المسيح ولم يؤمنوا به لأنّهم أعتبروه ضعيف ومتواضع, وارادوه أن يكون ملكا محررا لهم بقوة السيف, وأستغلال قوَّته ومعجزاته ليبطش بأعدائهم (الرومان), ولكن كَم هو بعيد فكر ألأنسان عن فكر الله الحقيقي وكم هو بعيد ألأنسان عن معرفة الله الذي هو كُلّه محبة وحنان ورحمة وسلام, الذي أرسل أبنه لا ليهلك الناس بل ليخلِّصهم .
اليوم كما في أيّام المسيح الكثيرون لا يعرفون الله الحقيقي بل بعيدون عن معرفة طبيعة الله "المحبة" فيتصوّرون الله رافع سيفه ليقطع أعناق وارزاق كُلِّ من لا يتبع فكرهم ومعتقدهم البعيد كُلِّ البعد عن الله الحقيقي, بينما يسوع المسيح بيّن لنا طبيعة الله"المحبة" وهو على خشبة الصليب عندما غفر لأعدائه الذين صلبوه  وطبّق قوله عن محبّة حتى ألأعداء عندما يقول "سمعتم أنّه قيل: أحبَّ قريبُكَ وأبغض عدوِّكَ. أمّا أنا فأقول لكم: أحبوا أعدائكم, وصلّوا لأجل الذين يضطهدونكم. فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات. فهو يُطلع شمسُهُ على ألأشرار والصالحين ويُمطر على ألأبراروالظالمين"متى 5:43,44,45" ", نعم هذا هو الأله الحقيقي الذي نعرفه ونختبر قوّته في حياتنا, وغيرهُ ليس الا صنم لا قلب له ولا رحمة ولا شفقة ولايسمع ولا يحسُّ ولا يرى ولا يكشف نفسه بمعجزة للذين يتبعونه فهو اله لا حول له ولا قوّة  فيطلب من الذين يؤمنون به أن يقاتلوا الناس عوضا عنه,  بينما يقول لنا الهنا الحقيقي "أنا أُدافع عنكم وأنتم تصمتون".
__________________________________________
للذين يريدون ألأطلاع على الجزء ألأول من المقالة مراجعة الموقع التالي:
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=43391

138
البشارة في شبه الجزيرة العربية
 
الجزء الرابع: وقفة قصيرة على ما قيل عن أنتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام .
نافع البرواري
تكلَّمنا في المقالات الأربع السابقة عن السريانية كلغة وثقافة وحضارة, وتكلّمنا عن نقل البشارة الى العالم منذ القرون ألأولى للمسيحية, ودور الكنيسة الشرقية السريانية (كنيسة المشرق المسمّاة نسطورية والكنيسة السريانية ألأرثوذكسية, من دون أن ننسى الكنيسة اليونانية الملكية) في نقل هذه البشارة الى الشرق كُله .
وقلنا أن َّ الكنيستان ألأولى (النسطورية) والكنيسة (السريانية ألأرثوذكسية ) كانتا نشيطتان خصوصا في شبه الجزيرة العربية واليمن والحبشة جنوبا ومصر وفلسطين وقبرص غربا وايران وأفغانستان وباكستان وصولا الى الهند والصين شرقا, وتركيا الحالية وروسيا وصولا الى سيبيريا شمالا. وفي سلسلة مقالاتنا القادمة سنتكّلم عن نقل البشارة (الخبر السار) الى شبه الجزيرة العربية (شمالا وشرقا وغربا وجنوبا وفي قلب الجزيرة) .
 قبل أن نتكلم عن انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ألأسلام (وحتى بعد ظهور ألأسلام) علينا أن نتوقف قليلا في هذه المقالة عن ما تم تدوينه من قبل بعض المؤرخين والكتبة وألأدباء العرب والمستشرقين الغرب, عن فترة ما قبل ظهور ألأسلام في شبه الجزيرة العربية ليكون أساساً لمقالاتنا القادمة .
ماذا يقول المؤرخون العرب والمستشرقون الغرب عن انتشار المسيحية قبل الأسلام في شبه الجزيرة العربية؟
يقول الدكتور جواد علي في كتابه (المفصل في تاريخ العرب الجزء الرابع) :
"قد يكونوا المؤرخين المسلمين تعمّدوا بطمس التاريخ ما قبل ألأسلام, وأعتمدوا على اساطير وخرافات وقصص ألأولين بعد دخولهم ألأسلام, فلم يعتمدوا على ألأسس العلمية لكتابة التاريخ الاّ في وقتٍ لاحقٍ بعد ألأسلام بمائتين سنة..... وبعد القرن التاسع عشر أستنتج المؤرخون المستشرقون أنّ هناك فجوات وأخطاء في التاريخ ما قبل ألأسلام . ويضيف هذا المؤرخ  العربي المشهور قائلا:
انَّ المصادر اليونانية والرومانية والسريانية هي ألأصح , وقد كتبوا عن الجزيرة العربية قبل ألأسلام لأنتشار النصارى فيها, وبهذا هم الذين فتحوا الباب للوصول الى التاريخ الجاهلي الصحيح".ويضيف (ج5 ص434) قائلا:"فالدعوة الكتابية"اليهودية والنصرانية) كانت مسيطرةعلى الجزيرة العربية كُلَّها وعلى الحجاز نفسه.......ونرى صدى ذلك في القران نفسه,فقد خلَّد في سورة البروج ذكرى شهداء نجران المسيحيين عام 423م
أمّا الكاتب خليل عبدالكريم في كتابه (قريش من القبيلة الى الدولة المركزية) يقول: ,وهو ينقل ذلك من اراء باحثين انتهوا فيها الى أنَّ الديانتين الساميتين التوحيديّتين بأنتشارهما في القبائل العربية كانتا من أوائل العوامل التي دفعت الى تفسيخ الوثنيةالعربية لصالح عقيدة التوحيد..ولاشكَّ كانت النصرانية النصيب ألأوفر ذلك لأنها كانت أشدُّ ذيوعا وأكثر أنتشارا من  الموسوية(اليهودية).

ويقول غسان المنير كاتب كتاب"يوم قبل وفاة محمد" في مقدمة كتابه:
"من العبث أن يقول المرء اليوم بأن "الإسلام" فكرة دينية محضة وإنها نبتت في فراغ روحي . وثمة كثير من الباحثين كتبوا في نشأة الإسلام، والقرآن، بأن محمدا (عليه السلام) دعا إلى إصلاح مجتمع فاسد متصدع، وذهب بعضهم إلى أنه دعم دعوته بتعاليم إنجيلية في الفقر وعمل البر والإحسان. وما يبرر ضحالة مثل هذه الأبحاث أن كتب السيرة والتاريخ الإسلامي، أغفلت ذكر الكثير من أخبار النصرانية قبيل وإبان ظهور الإسلام "وكل علم ليس في القرطاس ضاع". وعلى سبيل المثال فإن ما قيل في آثار الخطابة بين نصارى العرب في الجاهلية قليل جدا ، وكذلك شأن شعر النصارى. وكأن مؤرخي العرب تعمدوا أن يصوِّروا العرب وكأنهم عاشوا شبه عزلة عن المسيحية فلم يعرفوا منها شيئا .
واقع الأمر أن كتب التاريخ والتراث لم تصور لنا بدقة وضع اليهودية والبدع النصرانية في إبان ظهور الإسلام. ويقينا لا يمكن فهم اتصال نبي العرب محمد عليه السلام باليهودية والبدع النصرانية دون رسم لوحة للحياة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية. ومن هنا مبلغ الحاحي أن أبحث في الظروف اليهودية والنصرانية لنشأة الإسلام ، إسهاما مني في تظهير الصورة المطلوبة". ويضيف في مكان اخر قائلا: لايمكن فهم ألأسلام دون دراسة معمّقة للديانات السابقة للأسلام, وطالما كُتب التراث لا تُعطي الا القليل من التفاصيل عن النصرانية واليهودية .
"يقينا انّ ذلك يقتضي دراسة معمّقة وشاملة وبدون ذلك لايمكن فهم الأسلام وظروف نشأته وسيّما وأنَّ القرآن نظرية خاصة جامعة في الأديان الموحّدة...واذا أغفلنا ذلك فكيف نُفسِّر للقارئ أنّ في ألأسلام قاسما مشتركا يجمع بين الديانات كُلَّها .....
ولقد انكشف مبلغ حرج بعض الباحثين عند الخوض في شعر نصارى العرب في الجاهلية ، وذلك أن كثيرا من آيات القرآن الكريم جاءت في الكثير منها مطابقة لبعض أبياتهم ، ومشابهة لها في النص غالبا. والمُرجّح أن ابتعاد الباحثين عن ولوج هذا المدخل سببه الخوف من أن المقابلات والمقارنات بين القرآن والمصادر البشرية تقود إلى تقرير واقع ما. وهذا الواقع بنظر المتدينين قد يكون شتيمة وكفرا. كما أن المتعصبين من المسلمين لا يقبلون أن يكون القرآن الكريم خاضعا للبحث التاريخي. أو أن يكون له أي مصدر غير الله مباشرة. فالقرآن عندهم يعتمد كليا على اللوح المحفوظ" .... ـ وكلمة الله لا تكون فاعلة إلا إذا كانت مفهومة. وحتى تكون مفهومة يجب أن تكون هي نفسها كلمة البشر. فلماذا الخوف إذا من مقابلة كلام الله مع كلام البشر. ثم إن الخطاب القرآني نفسه يؤكد هذه الحقيقة: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخزون للأذقان سجدا (السراء ـ 107). وكذلك: "الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك"(النساء 162 ) ."
يقول أحد الكتّاب المسيحيين :"يبدوأنَّ العلاقة بين ألأسلام والوحي السابق لم تكن موضوع دراسة المسلمين ألأولين, ولا أعرف سببا لذلك فمن البديهي أن يسأل المرء: ان لم يكن القرآن قد نسخ أوامر التوراة وألأنجيل فهل تلك ألأوامر تضلُّ ملزمة للمسلم؟
أمّا  الدكتور طه حسين ,عميد ألأدب العربي, يقول في كتابه "في الشعر الجاهلي":
"يجب أن يتعوَّد الباحث درس تاريخ ألأمم القديمة التي قدّر لها أن تقوم بشيء من جلال ألأعمال , وما أعترض حياتها من الصعاب والمحن والوان الخطوب والصروف, ليفهم تاريخ ألأمة العربية على وجهه ويرُدُ كُلِّ شيء الى أصله (جذوره) . واذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفِّقوا الى الحق فيه, فهو انهم لم يلمّوا الماما كافيا بتاريخ هذه ألأمم القديمة , أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها, وانّما نظروا الى هذه الأمّة العربية كأنّها أمَّةٌ فذَّة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحدٌ, لم يشبهُها أحد, لم تؤثر في أحد ولم يؤثر فيها أحد, قبل قيام الحضارة العربية وأنبساط سلطانها على العالم القديم. والحق أنّهم لو درسوا تاريخ هذه ألأمم القديمة وقارنوا بينه وبين تاريخ العرب لتغيّر رأيهم في ألأمة العربية, ولتغيَّر بذلك تاريخ العرب أنفسهم, ولستُ أذكر من هذه ألأمم القديمة الاّ أُمّتين ألأمَّة اليونانية والأمّة الرومانية" .
هنا يضع الكاتب وعميد ألأدب العربي, طه حسين, يده على حقيقة طالما يخفيها القسم ألأكبر من  المؤرخين العرب وعلمائهم, وهي الرجوع الى الجذور التاريخية للحضارات السابقة (ومنها بالطبع جذور الديانات السابقة ) للحضارة العربية ليكون أساس اي حضارة تليها. وأحب أن أُضيف الى ما قاله طه حسين أمراً اخر كان على الباحثين وعلماء الدين والمؤرخين العرب والمسلمين أن يركّزوا في بحوثم  في الديانات السابقة للأسلام ليفهموا ويعرفوا الأسلام بشكل أفضل مما يعرفوه ويفهموه اليوم . ويضيف طه حسين قائلا (في ص78) من كتابه أعلاه:
"وليس من اليسير بل قُل ليس من الممكن أن نُصدّق أنَّ القران كان جديدا كُلّهِ على العرب, فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم وناهضه وجادل فيه بعضهم ألآخر" ويقول في مكان اخر من نفس الكتاب: "أنَّ قراءة القرآن بتعمُّق يظهر لنا أنَّ جزءً كبيرا من اياته قد نزلت بحسب المفهوم ألأسلامي في الجدال والخصام والحوار في الدين.....فلم يكن القوم الذين كانوا يتجادلون ويحاورون ويخاصمون محمد بالجُهّال والغباوة والغلظة والخشونة, وانَّما كانوا أصحاب علم وذكاء وأصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة" .
ويقول العلاّمة بولس فغالي (عالم في الكتاب المقدس ولغات الشرق القديمة) :
"حين نقرا الكتاب المقدس, ونبدأ بالعهد القديم, نطرح السؤال على نفوسنا : ماهو الكتاب المقدس ؟ نقول هو كتاب جوهري في حياة المؤمن, هو كتاب ليس كسائر الكتب . فالديانة اليهودية ولِدت منه والديانة المسيحية تجذَّرت فيه والعالم ألأسلامي استقى الكثير من نصوصه, هكذا  حينما نقرا الكتاب المقدس نعود الى جذورنا, نعود الى اساس حضارة هي جزء من حضارتنا, فالكتاب المقدس هو موضع أُصولنا وتاريخنا.....وهكذا فعندما نريد أن نعرف مسيرة ايمان أجدادنا علينا أن لاننسى تاريخهم الطويل ومسيرتهم في الرحلة ألأيمانية, مثال على ذلك ابراهيم ".أي علينا العودة الى الجذور ألأصلية لكي نصل الى ما نحن عليه اليوم .
ويؤيد هذا القول الكاتب موسى الحريري (مؤلف كتاب القس والنبي) اذ يقول:
"أنّنا لانفهم من تعاليم القرآن شيئا ان غابت عنا تعاليم "ألأنجيل العبراني"(كتاب منحول كان متداول بين اليهود المتنصرين وسوف نتكلم عنه في المقالات القادمة) .
الذي كان القس (يقصد ورقة بن نوفل) يعمل على نقله من لغته العبرانية الى اللغة العربية, كما أننا لا نفهم من قصص الأنبياء ألأقدمين, ولا من تعاليم التوراة والأنجيل, الواردة في القران ان لم نردها الى أصلها(جذورها)" .
السؤال المطروح على العرب المسلمين أين هم من جذورهم التاريخية قبل ألأسلام؟ ولماذا العرب  يقطعون جذورهم النصرانية ويتحاشون ذكرها بينما يركزون على العصر الجاهلي كون العرب فيه كانوا يعبدون ألأصنام في حين الحقيقة مشوَّهة حيث كان هناك أكثر من 60 قبيلة عربية نصرانية(راجع كتاب الديانات في شبه الجزيرة العربية للمؤلف لويس شيخو),والنصرانية كانت منتشرة في كُلِّ أنحاء الجزيرة العربية حتى في الحجاز؟ فهل ألأسلام نشأ دون وجود اثراً يُذكر للديانتين السماويّتين  قبل بروز ألأسلام ؟
وماعلاقة النصرانية بالأسلام وعلاقة القران بالكتاب المقدس وغيرها من الكتب ؟ وهل ألأسلام له جذور دينية ما قبل نشوء الأسلام ؟ ولماذا العرب المسلمون لايقبلون بالبحوث النقدية وتاريخية النصوص القرانية ولا يقبلون بدراسة  مقارنة  للديانات الكتابية السابقة للأسلام؟ أسئلة وجيهة ويحتاج المسلم البسيط  الحصول على ألأجابات من شيوخ  وعلماء الدين المسلمين وخاصة أذا عرفنا من خلال "السيرة الحلبية لأبن هشام ج1ص25" عن ورقة بن نوفل الذي سأل رسول الأسلام قائلا له:"ماذا ترى "أشارة الى ما يراه في الوحي: فأخبره (الرسول) ما رأى.فقال ورقة بن نوفل للرسول"هذا هو الناموس الذي أُنزل على موسى"  أي أنّ ما أوحي الى الرسول هو موجود في العهد القديم (التوراة) الذي كتبه موسى بوحي من الروح القدس. راجع ايضا سورة البقرة 2:40,41"وسورة المائدة5:43,44" حيث تؤكدان على وجوب الأعتراف بالكتاب المقدس بعهديه.
نعم الديانة اليهودية والمسيحية لم تكن طارئة على الديانة ألأسلامية بل كانت موجودة (بحسب النصوص القرانية أكثر من 117 آية) لا بل هناك أدلة على تأثيرهما على الديانة ألأسلامية التي لا يمكن أغفالها (وسنتأكد من ذلك في المقالات التالية انشاء الله) كما يفعل اليوم الكثيرون من شيوخ وعلماء الدين المسلمين عندما يصنّفون اليهود والمسيحيين بالكُفار والمشركين وينسون أو يتناسون جذورهم المسيحية. في الحقيقة عندما يُقطع شعب ما من جذوره التاريخية فهوشعب ميت مثل الشجرة التي تُقطع من جذورها, هذا ما يخبرنا به علماء الأجتماع وعلماء النفس واليوم حان الوقت للعرب المسلمين الى العودة الى جذورهم ليستقوا من نبع الماء الصافي ليلتحقوا بالحضارة المسيحية التي شعّت الى العالم كُلَه بمبادئها السماوية السامية.
انَّ ألأيمان بالكتاب المنزل دون حريّة الأنسان في البحث  عن الحقيقة فهو تعصُّب يُجرح كرامة ألأنسان وحُرِّيَتهُ,فالله لا يسلب حريّة ألأنسان ويترك ألأنسان يتدبَّر في التاريخ أمرهُ
وفيما يلي مواقع المقالات السابقة للذين يريدون العودة اليها .
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=11203
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27355.html
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30963.html
 http://www.mangish.com/forum.php?action=view&id=2400&PHPSESSID=6eb38c5bd52c32e11c7e67e87ffab93a

139
محنة العقل في المجتمعات العربية وألأسلامية 
 
نافع البرواري
 
بعض الشيوخ وعلماء الدين المسلمين وكذلك أنظمة الدول العربية وألأسلامية والكثيرون من المثقّفين وحتى معظم الشعوب العربية وألأسلامية مُتّفقين على وجود ما يسمّى"بنظرية المُآمرة" على الشعوب والدول ألأسلامية, ويقولون بوجود هجمة شرسة على ألأسلام وهناك من يؤمن بصراع وصدام الحضارات, وحرب غير معلنة ضد الدول العربية والأسلامية, ويتكلمون عن أنَّ الغرب يريد شرق أوسط جديد وهناك حرب صليبية على العرب والمسلمين وهناك تصدير للفساد والسقوط ألأخلاقي من الغرب الى الدول ألأسلامية والعربية عن طريق وسائل ألأعلام والقنوات الفضائية والعولمة التي تهدم القيم ألأجتماعية والأخلاقية للمجتمعات ألأسلامية ووووو...الخ.
لو فرضنا جدلا أنَّ كُلّ هذه ألأدعاءات صحيحة ومقبولة وحقيقية, علما أننا نشكُّ في ذلك لعدم وجود براهين ملموسة, فيما يوجد لدينا مئات بل آلاف البراهين الملموسة والفاضحة, التي تؤكّد لنا أنّ أنظمة وحكام الدول العربية وألأسلامية هي التي تقوم بتصفيات جسدية لمواطنيها, وخنق الحريات لشعوبها وتدوس على حقوق ألأنسان وكرامته, وخاصة المرأة التي هي أداة للأستمتاع وسلعة استهلاكية في هذه البلدان, لا بل تشجع هذه ألأنظمة الأرهاب  وتصدّره الى العالم, وجميع ألأحصائيات وتقارير ألأمم المتحدة تضع الدول العربية وألأسلامية على رأس قائمة الدول التي تضطهد شعوبها وتخنق حرّياتها وتقمع شعوبها بلا رحمة وتقوم بتعذيب سجنائها وأحيانا كثيرة التخلص منهم. ولا ننسى أنتشار ألأمية والجهل حيث أكثر من 50% من شعوب الدول العربية غير متعلّمة وتعيش في الظلمة والفقر والجهل, ولا ننسى المناهج التعليمية السيئة الصيت(حسب تقارير ألأمم المتحدة) والمشحونة بالكراهية والخرافية والبعيدة كُلِّ البعد عن المناهج التعليمية المعاصرة بل هي مجرَّد حشو للأدمغة (كما يقول أحد المسؤولين التعليميين في هذه الدول).
ونحن نتسائل ونريد أن نحصل على ألأجابات لأسئلتنا التالية لنعرف الحقائق التي يجب أن يعرفها كُلِّ أنسان مهما كان بسيطا ولا يعرف لعبة السياسة والسياسيين, وخلط ألأوراق التي تجيد أستعمالها حكومات ورجال الدين المسلمين للتغطية على عيوبهم وأفعالهم الشنيعة, وهذه ألأسئلة هي":
هل الحلول(لمواجهة ألأعداء كما يقولون) هي باللجوء الى الخرافات والأرتداد الى الماضي السحيق(بالأفكار السلفية  وألأرهابية) بدل مواجهة العدو(سواء كانت أمريكا أو الغرب أو الصهيونية) بالعقل والمنطق والعلم والمعرفة التي هي أسلحة القرن الواحد والعشرون؟
هل الحلول تتم بتفجيرالقطارات والباصات والطائرات وتفخيخ السيارات وأبنية المدارس والمستشفيات ومقرات ألأمم المتحدة وقتل المدنيين ألأبرياء من ألأطفال والنساء والشيوخ؟
هل أسرائيل هي التي أنزلت الشرطة في شوارع طهران وقتلت المُحتجين على النظام الثيوقراطي (ألألهي) في ايران؟
هل التفجيرات التي حصلت و تحصل, في جوامع الشيعة في باكستان والعراق وجوامع السنة في العراق (والتي هي بمثابة بيوت الله ) ويذهب ضحية هذا الأرهاب مئات بل آلاف ألأبرياء هي من صناعة أمريكا أو أسرائيل؟
هل أمريكا هي التي تكمّم أفواه المواطنين في طهران (وغيرها من الدول العربية وألأسلامية) وتقمع الشعب بكل الوسائل الشيطانية وخاصة الطلبة والمثقفين الذين ينادون بالحرية  والديمقراطية وتغيير نظام ولاية الفقيه في أيران منذ أكثر من ثلاثون سنة, وأزاحة حكام الدول العربية التي ينتقل الحكم وراثيا الى أبناء هؤلاء الحكام؟
هل أمريكا أو أسرائيل هما الذان عذبوا وقتلوا آلاف السجناء في سجون ليبيا والعراق وايران وسوريا  وغيرها من الدول العربية والأسلامية؟
هل الدول الغربية (الصليبية) هي التي ذبحت شعب جنوب السودان وقامت بأسلمة مئات ألآلاف منهم بالترهيب والترغيب وكانت هناك مذابح جماعية راح ضحيّتها حوالي مليونين من المسيحيين ولا زال النظام السوداني (الذي يطبق الشريعة ألأسلامية يقوم بابادة شعب دارفور؟) ولا ننسى المذابح التي ارتكبت بحق أكثر من مائتين وخمسون الف جزائري من قبل ألأحزاب ألأسلامية الجزائرية في أواخر القرن العشرين.
هل يوجد في الدول العربية وألأسلامية ابسط  حقوق للمراة عندما تسمح هذه الدول للرجل بالزواج بأكثر من أمرأة ويسمح بزواجات غير شرعية مثل زواج المتعة وزواج المسيار  وووووالخ؟ . 
هل الحلول هي بذبح ألأطفال ومهاجمة وقتل المواطنين  المسالمين من المسيحيين الساكنين في الدول العربية و ألأسلامية  الذين لايحملون السلاح وكُلِّ ذنبهم هو أنّهم ينادون بالسلام والمحبة والصلاة  لترسيخ السلام وهم الشعوب ألأصلية  بينما العرب جاءوا من شبه الجزيرة العربية محتلين؟.
هل عدم حصول شعوب الدول العربية وألأسلامية على ابسط حقوق ألأنسان (مثل حرية الرأي وحرية العقيدة وحرية الفكرالتي سنّتها ألأمم المتحدة وصادقت عليها أغلب الدول ألعربية وألأسلامية) هي سببها أمريكا أو الصهيونية؟
هل الفساد المالي والسقوط ألأخلاقي المستشري في الدول العربية وألأسلامية سببها الغرب؟
لو كانت أجابات كُلِّ هذه ألأسئلة (وغيرها كثيرة لا نريد الخوض فيها)هي بنعم فهنا المصيبة وذل لأنَّ العقل في المجتمعات العربية والأسلامية يمر في محنة ويحتاج الى أعادة التأهيل. وأذا كانت الأجابة سلبية ب" كلاّ"  أي لا يوجد "نظرية المؤامرة", بل هي دعاية أعلامية للأنظمة الحاكمة الدكتاتورية التي تستعمر عقول الشعوب العربية والأسلامية, وكذلك دعاة السلفية والأرهاب من رجال الدين المسلمين الذين يغسلون أدمغة وعقول شعوبهم "المتديّنة" وهؤلاء (رجال الدين) يتاجرون بالدين وهم لا يخدمون الا ألأنظمة الدكتاتورية شائوا أم أبوا وهنا أيضا المصيبة تكون أكبر لأنّ ذلك يعني أنّ الشعوب العربية والأسلامية قد خُدعوا بسبب قبولهم لنظرية المؤامرة وهي من نسج خيال الحكام الظالمين ورجال الدين المتاجرون بالدين, وهكذا أستطاعت ألأنظمة الحاكمة (بوسائل أعلامها المدعومة بأموال هذه الشعوب وكذلك عن طريق رجال الدين ألمأجورين وعبر خُطب يوم الجمعة على منابر الجوامع ) أن توجِّه أنضارهذه الشعوب والمجتمعات الغلبانة على أمرها الى عدوٍّ وهم (الغرب وأمريكا واليهود والمسيحيين), فيما الحقيقة هي: أنّ ألأعداء الحقيقيين ّلهذه الشعوب هم بالدرجة ألأولى حُكامهم الذين يسحقون كرامة شعوبهم الأنسانية بكلِّ معنى الكلمة ويستهزئون بعقولهم ويدوسون على أبسط حقوقهم ألأنسانية ويقودونهم الى طريق مظلم يؤدي الى الهلاك لامحالة, ورجال الدين(نسبة كبيرة من رجال الدين وليس معظمهم) الذين أصبحوا بوقا لتشجيع ألأرهاب وزرع ألأفكار الظلامية التي تجعل المستمع لهذه الخطب يصاب بالأحباط واليأس من تبديل الواقع المر الذي تعيشه تلك الشعوب فيضطروا الى الهروب من هذا الواقع الى العالم الآخر, (عالم فيه ما يشبع جوعهم وكبتهم وحرمانهم, عالم الجنة الخيالية التي فيها كُلِّ ما طاب ولذَّ) وخلق عدو وهمي للأنتقام منه مهما كان الثمن  كحل لمشاكلهم التي لا يستطيعون أحتمالها.
هكذا تحوّلت منابر الجوامع الى  بؤر للأرهاب وتغييب لعقول المسلمين باللجوء الى الخرافات والبكاء على أطلال الحضارة ألأسلامية وزرع بذور الفتن الطائفية (داخليا)وتصدير الحقد والكراهية للغرب (خارجيا) بصورة عامة وللمسيحيين بصورة خاصة, أجواءتعيشها المجتمعات الأسلامية مشحونة بالكراهية ضد الغرب وضد المسيحيين واليهود.
هذا كُلَّهُ نتاج عدم وجود منابر للحريات وألأفكار الحرة والمبدعة (كما توجد في الدول الديمقراطية الحُرّة) فيها يستطيع من خلالها المواطن التعبير والتنفيس عن ارائه وما يعاني منه من الأزمات والمشاكل وألأطلاع على ثقافات ومعتقدات ألآخرين. 
يقول المفكر نبيل فيّاض:
"في ظلِّ الخرافية العمياء التي يعيشها المجتمع العربي ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين, هل ردّة فعل على جنون التقدم التقني والحضاري في دول العالم ألأول صار رجال الدين المسلمون مرجع العامة في كُلِّ ألأمور. فلو أراد العاميُّ السؤال في الطب, رجع الى شيخهُ , ولو أراد التفقُّه في الفلسفة, سأل شيخه, ولو اراد التبحّر في علوم الفلك, عاد الى شيخه, بل لقد تفاجأنا بتزاحم الشيوخ وكأنَّهم على أبواب الجنة ورضوان يحاول تنظيمهم.
للأدلاء بارائهم في مسألة ألأستنساخ: تحوَّلوا كُلّهم بقدرة قادرالى مراجع في الهندسة الوراثية. بكافة ضروبها وفروعها.......مادام رجل الدين هو المعيار في مسألة الصح والخطأ لن تكون هناك أمكانية لمعرفة الأجابة على سؤال: ماهي الحقيقة؟"
نعم البعض من الشيوخ وعلماء الدين المسلمين وحتى المثقفين لا بل وحتى معظم الشعوب العربية والأسلامية وضعوا جميع مشاكلهم وحروبهم وكذبهم وغشّهم ونفاقهم وتخلُّفهم ومصائبهم ومعاناتهم ومأساتهم وأرهابهم على الغرب والمسيحيين والصهيونية العالمية انّها اسقاطات نفسية لا بل مرض نفسي مزمن تعاني منه الدول العربية والأسلامية.
انّ أزمة العقل وحتى أزمة القيم الأخلاقية التي تعاني منها هذه الدول لها جذور تاريخية في الماضي السحيق ولن يكون شفاء لهذا المرض الا بالعودة الى التاريخ الذي تمّ تزويره ليكون القاتل والأرهابي في أحيان كثيرة بطل تمجِّده هذه الشعوب بينما الضحايا ألأبرياء هم اعداء والى الجحيم وبئس المصير. نعم جعلوا في أحيانٍ كثيرة الخير شرا والشر خيراً وهذا ما نقرأه في صفحات التاريخ العربي وألأسلامي, ولا زالت هذه الشعوب تؤمن بهذه الحقائق المزيّفة, أنّهم عدو ما يجهلون .أنَّ مشكلة العرب والمسلمين هو عدم قبولهم للنقد بل لايعرفون أنَّ النقد هو لأزالة الشوائب والترسبات التاريخية والأستفادة من أخطاء الماضي لبناء المستقبل, فمن شروط تقدم الدول وازدهارها هو في قراءة صحيحة للماضي وتاريخه لتصحيح الحاضر ولبناء المستقبل السعيد .
في هذا الصدد يقول أحد المفكرين العرب :
"يقينا لن يكون هذا ألأنقاذ (قصده أنقاذ الفكر العربي ألأسلامي من السلفية التي تقتل الحياة) ممكنا الآّ أذا  بدأنا بنبش الماضي, لكشف كل الحيل المسرحية التي أنطلت على ابائنا وبدون ذلك ستبقى الحياة غير مبررة, ومن هنا ضرورة أعادة النظر في كُلِّ شيء, التدقيق في "المقدسات" دون مبالات بكل هالات القدسية, الى أن يتم التاكُد مما هو مقدَّس فعلا.
نعم أنني أدعو الى توجيه أبصارنا نحو الماضي, لا لنعيشه (كما يفعل السلفيون), انّما بغية نقده, وردم الهوة السحيقة بينه وبين حاضرنا. وبدون ذلك سنبقى نواجه عصرا لم نولد فيه حتى الآن.... آن ألأوان ليحل التاريخ مكان المأثور, ذلك أنَّ مُجمل البناء الذي أنتهى الى المسلمين قد بدأ يتآكل ... أليس عملا شيطانيا أن ننزلق بشكل طفولي نحو الأصل؟ نحو ماضي مخدّر؟ ننزلق كبهلوان على حبل مشدود الى زمن سيئ .......زمن يتجهُ صوب ألأموات لا ألأحياء ........صوب القبور في أعماق ألأرض وليس نحو السماء.. أو هل يستحق المسلم المعاصر أن نبكي عليه وهو يضع القاتل والمقتول معا تحت رضوان الله؟
أزمة المجتمع ألأسلامي هي أيضا مُشكلة "القيم", أو بمعنى اخر أزمة في تعامله مع الواقع. وأيضا أزمة فكر ومفكرين بآنٍ معاً. وأهم ما يؤخذ على الفكر ألأسلامي هو "التناقض" في تعاليمه و"التعارض" في مقولاته, فيما يؤخذ على المفكرين أنَّهم _في غالبيتهم_نافقوا وما زالوا ينافقون الحاكم ورجال الدين ولذلك كان طبيعيا أن تنبع أزمة"القيم"في المجتمع ألأسلامي من"أزمة الفكر ألأسلامي نفسه"...القيم الهابطة في الواقع هي أنعكاس لفشل الفكر وخوائه. ذلك أنّ الضروف ألأجتماعية نفسها محكومة بهذا الفكر. والفكر ألأسلامي نفسه ينتج في كثير من الحالات للقيم الهابطة التي تتحول الى قيم يتم ألأيمان بها وقوننتها يوما بعد يوم, كما هي مسألة حجاب المرأة. والمشكلة أنّه لا سبيل الى تحقيق المناعة ضد فساد القيم, والحد من تيارات القيم السلفية في ظل فكر يؤمن بضرورة التسليم المطلق, ولا يتيح أحترام الراي والرأي ألآخر. وهكذا فأن فرض هذه القيم من ألأعلى, كثيرا ما شاع الرياء والنفاق والفوضى".
وتقول الكاتبة التونسية" رجاء سلامة ": "نحنُ (أي العرب) نحمل وطنية الموروث فلا زال موروثنا شبحاً لا هو ميّت ولا هو حي فنحنُ نُقلِّد الموتى في موتهم ونرفض الحياة...فنحن لا نقبل تشييع الموتى الى مثواهم"والدليل على ما تقوله هذه الكاتبة هو ما قاله نضال حسن (الذي قتل 13 جندياً من رفاقه في قاعدة عسكرية أمريكية ):"نحن نحب الموت كما أنتم (أي الأمريكيين) تُحبّون الحياة".
انّ لغة العرب الحالية للأسف سلبية ممزوجة بالعنصرية وهي غلبت العقل وأصبحت العاطفة هي التي تقود العرب, وكُلِّ شيء يسير بالعاطفة ودغدغة المشاعر ولا مكان للعقل.
 نعم المجتمعات العربية والأسلامية في مفترق الطرق أمّا الهلاك أو النجاح, وعلى شعوب هذه الدول أن تصحوا من سبات الموت وأن تكسر حواجز الخوف واليأس والأحباط والتحرر من العبودية واللجوء الى العقل والمنطق وألأنفتاح على الآخر بتحطيم أبواب السجون الكبيرة التي يعيشون فيها, والاّ فأن هذه الشعوب لن تستطيع أن تلتحق بركب الحضارات المتقدمة لابل ستعيش خارخ التاريخ وخارج هذا الكوكب الذي أصبح قرية صغيرة, وعليهم أن يؤمنوا أنَّ الحضارات تتكامل (وليس كما يدَّعون بتصادم الحضارات), فعلى الأنسان الذي يعيش في هذه الدول أن لا يقبل مالا يوافق عقله وضميره وعليه أن يختار الحياة بدل الموت والحرية بدل العبودية والأرادة الحُرّة بدل الخنوع وقبول ألأمر الواقع كقدر لا مفر منه, والعيش الكريم بدل المذلة, والحوار مع الآخر بدل أقصاء ألآخر.
والأهم من كُلِّ هذا هو التصالح مع الذات قبل التصالح مع الآخر.

140
معرفة الله والمعرفة عن الله
الجزء ألأول
نافع البرواري
يقول الرسول بولس"كُلِّ شيء نفاية من أجل معرفة الله" .
الحياة لا تنفع بدون علاقات أنسانية ولكن الحياة تبقى بلا معنى وبلا رجاء وخاوية دون العلاقة المباشرة مع الله الخالق . يقول الرب يسوع المسيح عن المؤمين به والذين عرفوه وأختبروه في حياتهم "أعرفُ خرافي وخرافي تعرفني , مثلما يعرفُني ألآب وأعرف أنا ألآب "يوحنا 10:14,15".
لن نستطيع أن نعرف حقيقة أيُّ أنسان من مجرد رؤية وجهه أو صورته ولن نعرفه من خلال رؤيته شخصيا الاّ اذا أقمنا علاقة قريبة من هذا الشخص لنعرف المزيد عن شخصيّته من خلال : 1- سلوكه ، 2- أعماله ، 3- كلامه ، 4- الشركة معه (اقامة علاقة معه) أي أن أعرفه كشخص وليس فقط أن أعرف عنه كمعلومات , لأنّ المعرفة نوعان :
1- معرفة معلوماتية أي أن أعرف أشياء حدثت أو معلومات عن أشخاص ولكنها ليست الاّ معرفة معلوماتية ، هكذا لن نستطيع معرفة الله الاّ أذا أقمنا رحلة مع طرقه (سلوكه) وعرفنا عن أعماله , فنستمتع  بحضوره في حياتنا عن قرب ونختبرها فعليا .
2- المعرفة (أنا أعرف) باللغة اليونانية تعني أنا "أختَبَرتُ" .
يقول بولس فغالي (عالم في دراسة الكتاب المقدس) :
"ويعرفون أنّي أنا الرب" هذا التعبير يتكرّر خمسا واربعين مرة في سفر حزقيال وهناك ثماني عشرة مرة أُخرى يردُّ فيها التعبيري ذاته في الكتاب المقدس . انَّ هذا التعبيري , كما هو يحمل أهمية لها مغزاها , انَّهُ يلمح الى الهدف الذي ينبغي أن يبلغهُ الشعب (الأسرائيلي) , وهوَ معرفة يهوه من خلال أفعاله (أفعال الله) , وهو تعبير عن علاقة وجودية ( حسب اللغة العبرية) , حيث "علِمَ بشيئ ما , يعني أنّهُ أختبره , يُقال عرف فلان فلانا , أي دخلَ معهُ في علاقة ما. ويستعمل الكلمة للدلالة على التضامن العائلي , والعلاقة الزوجية وحتى العلاقة  (الجنسية) الحميمية , بهذا التعبير التصويري يُعلن حزقيال عودة علاقة العهد بين الشعب والههِ (وهذا ما تم في العهد الجديد) .
وهنا الفرق بين من يقول أنا أعرف الله (معلوماتيا) وبين من يقول أنا أعرف الله (أختباريا) أي بتكوين علاقة شخصية مع الله , والمسيحي "المؤمن الحقيقي" يجب أن يختبر معرفة الله وذلك من خلال العيش والعشرة مع الله والتألم معه والفرح معه وأختبار تدخلات الله في حياته وشعور المؤمن بلمسات الله وكيف أنّ الله كان دائما يرافق حياته في كُلّ الحالات سواء عند المرض أو موت عزيز على القلب , في الضيقات والشدائد , في أ لآلام والمصائب , في السعادة والنجاح أو في ألأفراح والمسرات....الخ انّها حياة معاشة مع الرب .
يقول أحد الآباء "انّه ما من ماساة أكبرمن عدم أكتشاف محبّة الله" .
كثيرون من المسيحيين يعتقدون أنّ المسيحية ديانة وعقيدة تتبع تعليمات وردت في الكتاب المقدس ويؤمنون بيسوع المسيح ربا والها , وتراهم غيورين على مسيحيّتهم ويقومون بتطبيق الشعائر الدينية والذهاب الى الكنيسة وترديد صلوات حفظوها عن ظهر قلب ويمارسون الطقوس والفرائض الدينية , ولكن للأسف الكثيرون منهم ليست لهم علاقة شخصية مع الله ولم يختبروا هذه العلاقة في حياتهم اليومية والمؤسف حقا هو أنّ الكنيسة وخاصة كنيستنا الشرقية لم تُركز على تعليم الناس المؤمنين أنّ المسيحية ليست ديانة ولاعقيدة , لأنّ العقيدة تعني الأعتقاد بوجود الله بينما المسيحية هي يقين تام وأختبار حقيقي بعلاقة شخصية بشخص يسوع المسيح أبن الله الذي تجسّد وأصبح أنسانا مثلنا . رأيناه وسمعناه ولمسناه , كما يقول يوحنا البشير , لأنّ الأبن يسوع المسيح هو الوحيد والفريد الذي أخبرنا عن طبيعة أبيه السماوي وأعطانا روحه القدوس ليسكن فينا ومعنا وهو بدوره يكشف لنا ألأبن وهكذا أصبحنا نعرفه ونتذوقه ونتحاور معه في كُلِّ حين لابل أصبح يسكن معنا وينوّر حياتنا بحيث أصبحت حياتنا كُلَّها حياة صلاة وعشرة ومعرفة الله عن قرب , وهذا ما يشعر به كُلِّ من أختبر تدخلات الله في حياته بل أصبحت حياته معجزات يصنعها هذا الأله المحب , فيكتشف أنّ الله معه في السراء والضراء , في المحن والمشاكل , في الألآم والمصائب , حتى يرى ألأنسان المؤمن , الذي يختبر هذه العلاقة الحميمة , أنَّ حياته أصبحت فرحا وسعادة وشكر وتسبيح بسبب هذه العشرة , فيُسلِّم حياته كُلّها لهذا الأله في طاعة كاملة لايشوبها أي شك , ولا يتزحزح هذا اليقين مهما كانت الضروف أو الحالات التي يمُرُّ فيها ألأنسان المخلوق لكي يشترك مع خالقه بعلاقة ولا يمكن أن تكون هذه العلاقة حميمة  دون أن يتعَّرف على هذا الخالق . كثيرون يقولون انّنا نعبد الله الواحد ولكن قليلون يعرفون انَّ حقيقة الله وطبيعته وصفاته لايمكن أن تُعلن الآّ اذا عرفوا ألأبن "يسوع المسيح" فهو وحدهُ عرَّفنا ويعرِّفنا على حقيقة أبيه السماوي . انّها حقيقة مُرّة أن يدعي أحدُ أنَّه يعرف الله ولكنه لم يتعرّف على أبنه يسوع المسيح الذي هو الوحيد الذي أخبرنا عن أبيه وكشف لنا بسرَّ التجسُّد طبيعة هذا الله "يوحنا 17:25,26".فيسوع المسيح هو الدليل والمرشد الذي يقودنا الى حقيقة الله , وهذه الحقيقة هي أنّ الله" محبَّة". وكُلِّ من يقول انَّه يعرف الله دون أن يعترف أنَّ الله محبّة فهو لم يعرف الله . وكُلِّ من يقول أنّه لوحده عرف الله وأقامَ معه علاقة بدون" الولادة الجديدة" بالروح القدس فهو يكذب"يوحنا 14:17".
الذي لايسكن الروح القدس في قلبه بالأيمان فهو لا يعرف الله , والذي لايعرف طبيعة الله "المحبة" التي تجلّت في أبنه يسوع المسيح فهو لم يذق ولا يعرف طعم محبة الله "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب" .
الذي لم يتأصَّل فيه روح المسيح فهو لن يعرف طعم "غذاء الروح النازل من السماء" وهو يسوع المسيح خبز الحياة .
الذي لايفتح قلبه للمسيح ليسكن المسيح فيه فهو تعيس وبائس ومسكين .
فالمؤمن المسيحي الحقيقي هو من يعرف وقادر ويختبر ويدرك محبة المسيح فيصبح مثل العضو في الجسد ومثل الغصن في شجرة العنب ومثل شجرة دائمة الخضرة لأنّ جذورها تستمد مياهها من النبع الصافي(يسوع المسيح).
لو أنّ العالم عرف الله لأتَّبع يسوع المسيح وتعرّف على شخصه كأنسان وكإله .
يقول يوحنا البشيرعن يسوع المسيح الكلمة المتجسّدة " ...وكان في العالم , وبه كان العالم , وما عرفه العالم...أمّا الذين قبلوهُ , المؤمنون باسمه , فأعطاهم سُلطانا أن يصيروا أبناء الله , وهم الذين وُلِدوا لا من دمٍ ولا من رغبة جسد ولا من رغبة رجلٍ , بل من الله"يوحنا 1:10,12" .
من هذه الآيات نستنتج أنّ العالم لايعرف الله الحقيقي الا من خلال يسوع المسيح ألأبن , وهذا واضح من خلال الديانات أو المعتقدات حيث الناس يعتقدون بوجود الله ولكنهم في الحقيقة لا يعرفون الله (لأنّهم لا يقتدون بأعماله واقواله ) , لأنّ معرفة الله تأتي من معرفة يسوع المسيح ألأبن , وبالروح القدس وحده يستطيع ألأنسان معرفة ألأبن لأنّه هو(الروح القدس) الذي يكشف لنا حقيقة يسوع المسيح كانسان وكإله وهذا لن يتم الاّ بالولادة الجديدة , أي الولادة الروحية ( ليصبحوا خليقة جديدة) , لأنّ الولادة الجديدة (الثانية) تُعطي ألأنسان الجديد حياة روحية وتضعه في عائلة الله وهكذا يتعرَّف على الله عن قرب , فلا يستطيع أحد معرفة الله الاّ بالروح والحق لأنَّ"الله روح ُ, وبالروحِ والحق يَجِبُ على العابدين أن يعبدوهُ"يوحنا4:24" , وهنا ألأختلاف بين المسيحية والديانات والمعتقدات ألأُخرى , فالمسيحية ليست شرائع ولا نظريات ولا فلسفة بل هي علاقة مباشرة مع الله , وكُلِّ الذين يعترفون ويقبلون الوهية المسيح و تجسُّدهُ , عندها المسيح يُعلن لهم ذاته ، فالذين ولدوا بالجسد (الولادة الطبيعية)  هم لا زالوا عبيدا للشهوات والرغبات الجسدية (الخطية) , بينما الذين ولدوا بالروح القدس فقد أعطاهم الله الحق ليصبحوا أبنائه , وكما نعرف أنَّ ألأبن له علاقة مباشرة مع الأب ويستطيع أن يعرف أبيه عن قرب ويحصل على جميع حقوق البنوّة , بينما العبد ليس له الحق أن يعرف أسرار سيِّده ولا يرث ملكوته.
نعم قبل المسيح كان الناس لا يعرفون الله الاّ جزئيا , أمّا بعد المسيح فقد أمكن للناس أن يعرفوا الله الكامل , لأنّه صار ملموسا ومرئيا لهم في المسيح "الذي كان من البدء , الذي تأمَّلناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة , والحياة تجّلت فرايناها "1يوحنا 1:1,2", فالمسيح هو التعبير الكامل لله في صورة بشرية "عظيم هو سر التقوى ,الله ظهر في الجسد"  ويقول لنا البشير يوحنا" ....ونعرف أنَّ أبن اللهِ جاء وأنَّهُ أعطانا فهما نُدركُ به الحق(الله)". ونحنُ في الحق , في أبنهِ يسوع المسيح"1يوحنا5:19,20: اليوم هناك الكثيرون لايفهمون ولايعرفون الله الحقيقي لأنَّ العالم منجرف وراء المنجزات ومعجب بالسلطة السياسية والقوّة العسكرية وبالشهوات الجسدية . فبالرغم من نبوات الأنبياء وشهادة الرسل وشهادة تاريخ الكنيسة وشهادات المنتصرين على الموت بالقيامة وشهادات لناس أجرى الله معهم معجزات كثيرة وأختبروا الله في حياتهم , أقول رغم كُلِّ هذه الشهادات فهناك الملايين من الناس لايستوعبون الخبر السار (خبر الخلاص بالأبن يسوع المسيح) الذي ضحَّى من أجلنا بعد أن عاش بيننا ورأينا مجده وهو الوحيد الفريد الذي نزل من السماء لأنّه كان في السماء , وهو الوحيد الفريد الذي أخبرنا عن طبيعة وجوهر الله الآب  "ما من أحدٍ رأى الله . ألأله ألأوحد الذي في حضن ألآب هو الذي أخبر عنهُ "يوحنا 1:18" ، نعم يسوع المسيح كشف لنا هذه الطبيعة (طبيعة الله) بطريقة يُمكن رؤيتها ولمسها وأحساسها , ففي المسيح صار الله أنسانا يحيا على الأرض وهو(أي الأبن) هو الذي جعل النور يُشرق ُفي قلوبنا , لأشعاء معرفة مجدُ الله المُتَجلّي في وجه المسيح الذي هو ألأعلان الكامل لله"يوحنا 14:9" فرحلة البحث عن الله تنتهي بمعرفة المسيح"كلَّمَ الله ابائنا من قديم الزمان بلسان ألأنبياء مرّات ٍ كثيرة وبمُختَلِف الوسائل , ولكنَّه في هذه الأيّام ألأخيرة كَلَّمنا بِأِبنِهِ الذي جَعَلَهُ وارثا لكُلِّ شيء وبهِ خَلَقَ العالم"عبرانيين1:1,2" .
 والى اللقاء في الجزء الثاني 

141
زيارة خاطفة لشمال الوطن
نافع البرواري
كانت رحلة سريعة وخاطفة للوطن بعد غياب استغرق حوالي عشرة أعوام عشتها في الغربة وفراق الأهل والأصدقاء والأرض والذكريات , كانت رحلتي الى الوطن كحلم جميل لم يدم طويلا وكأنها زيارة لزمنٍ مضى وعودة الى ذكريات نقشت في ذاكرة الزمن وأحلام الطفولة .
زرت قريتي , مسقط رأسي وذكريات طفولتي , حيث عادت ذكريات الماضي , كشريط سينمائي , لأحداث عشتها في خمسينات وستينات القرن الماضي مع أصدقاء الطفولة وألأهل والأقارب واهل القرية الطيبين , وبكيت عندما رأيت القرية قد صارت أطلالا وتغيّر الكثير من معالمها ولا آثار سوى بعض الأحجار لكنيسة القرية التي ذكرتني بأيام الطفولة ونقاء الأيمان وبراءة الطفولة ودقات الناقوس وألألحان والتراتيل والأناشيد الدينية التي كنا ننشدها ونحن أطفال كالملائكة وسط طبيعة نادرة حيث المروج والبساتين والأشجار والجبال وزقازيق الطيور وخرير المياه وعبيق الورود والأزهار التي كانت تعطي رونقا وجمالا خلابا وخاصة في فصل الربيع من كل سنة , ذكريات حلوة ومُرّة عادت لتوقض في نفسي وروحي الحنين الى تلك الأيام والسنين التي فيها قضيت أجمل ايام عمري حيث نقشت في ذاكرة طفولتي صورة قريتي الجميلة وصورة الطبيعة الخلابة واثار أقدام طفل يلهو ويلعب في تلك الروابي  .
مشيت في شوارع مدينة دهوك وأنا مشدوه ومذهول بسبب ما رأيته من التقدم العمراني والتوسع الأفقي والعمودي في هذه المدينة , مدينتي التي قضيت فيها جزء من طفولتي ومراهقتي حيث أكملت دراستي المتوسطة فيها قبل ان اشد الرحيل الى بغداد لأكمال دراستي الثانوية والجامعية . أمّا مدينة أربيل عاصمة أقليم كردستان فهي تظاهي بعض المدن الغربية من حيث التطور في البنية التحتية ومشاريع العمران ووجود عشرات الشركات العربية والعالمية بالأضافة الى مطار معاصر فيها , هذا عدا المشاريع التنموية والصحية والتربوية والتعليمية والأدارية ....الخ .
أعود الى الواقع لأكتب مشاهداتي وملاحظاتي والمعلومات التي أستقيتها من بعض ألأصدقاء والمعارف وشهود عيان والمسؤولين الحزبيين ورجال الدين المسيحيين , لأنقل صورة قد تكون قريبة عن الحقيقة , حقيقة الوضع ألأجتماعي والسياسي والديني والأخلاقي لما هو عليه وضع المسيحييين في ضل حكومة اقليم كردستان , وأنقل همومهم ومشاكلهم وتمنياتهم وآمالهم وأخبارهم واحوالهم المعيشية والأجتماعية  ليتسنى لنا رؤية مستقبل المسيحيين القاطنيين في سهل نينوى (المتنازع عليه بين الحكومة المركزية واقليم كردستان) والساكنين في المناطق الجبلية( تحت ظل حكومة أقليم كردستان ) .
هناك من يقول أنَّ المسيحيين في اقليم كردسان العراق لهم نفس حقوق الأكثرية الكردية لا بل ذهب البعض الآخر الى القول: بأنّ لهم ألأفضلية في الحصول على المراكز الوضيفية والخدمية والطبيّة والتعليمية , ويستشهدون بخير دليل على ذلك , ما تم انجازه من البناء لعشرات القرى المسيحية في مختلف أنحاءأقليم كردستان( وحتّى في سهل نينوى) وحالة الأستقرار والحرية (النسبية) التي يتمتع بها جميع المواطنين في هذه المنطقة ومن ضمنهم شعبنا المسيحي ولمست شيئا مهما يجب معرفته الا وهو ألأحترام الشديد للمسيحيين وخاصة عند نقاط التفتيش حيث مجرّد معرفة أنَّ الركاب هم مسيحيين يتم الترحيب بهم ونادرا ما يطلب أبراز هويّتهم من قبل مراقبي التفتيش .
وهناك من يقول أنّ هذه الحقوق (للمسيحيين) هي مرحلة تكتيكية سياسية لغرض ضم أصوات المسيحيين الى أصوات الحزب الديمقراطي الكردستاني لتقوية سلطة الحكومة الحالية بقيادة هذا الحزب والدليل على ذلك هو استحواذ هذا الحزب على القرارات السياسية والحزبية والأهم من ذلك كون الخزينة والمال بيد حكومة الأقليم وهي التي تتصرف بها دون أن يكون للمسيحيين قرار سياسي أو حصة مالية خاصة بهم لتنفيذ مشاريع التنمية وتشغيل ألأيدي العاملة (المسيحية) وهذا ادّى الى ترك الكثيرين من المسيحيين ارضهم وفضّلوا الهجرة الى خارج الوطن في السنوات القليلة الماضية , هذا بالأضافة الى مشكلة التجاوزات على اراضي والقرى المسيحية , مما خلق نوع من فقدان الثقة للكثيرين من المسيحيين باسترداد أراضيهم وحقوقهم المهدورة.
وفي لقاء حميم وصريح وهاديء مع أحد الأخوة في المجلس الشعبي ( الكلداني السرياني الآشوري) دار حديثا صريحا عن الهموم والمشاكل التي يواجهها المسيحيّون في اقليم كردستان وسهل نينوى , ورؤية المجلس  لمستقبل المسيحيين وما هي برامج وخطط المجلس , للقيام بها , للسنوات  القادمة . لقاء اخر كان مع أعضاء من أخوتنا حزب الزوعا في عنكاوة ودار الحديث عن مواضيع مختلفة ومنها التركيز على وحدة الشعب المسيحي وتوحيد أهداف مختلف الأحزاب المسيحية وذلك بتكثيف الجهود بعمل لقائات مع جميع ألأحزاب لتوحيد الآراء والأصوات والمطاليب وأزالة كافة الخلافات بين ألأحزاب المسيحية وخاصة في ظل الواقع المرير والتهميش الذي يطال كُلِّ أحزابنا بسبب الصراع الحالي الذي يشهده العراق حول تقسيم الحصص بين الشيعة والسنة والأكراد دون النظر الى مطالب الشعب المسيحي الذي عانى ويعاني من الأضطهادات والتهجير والتهميش وأحد هذه الأسباب الرئيسية هو أنقسام البيت المسيحي على بعضه وأنقسام الكنيسة الواحدة وغياب قيادات حكيمة في هذه الضروف الصعبة

من أهم القضايا التي يحاول المجلس الشعبي التركيز عليها هي :
تحقيق امال المسيحيين  بحكم ذاتي في سهل نينوى وما يعترض  تحقيق هذا الحلم من المشاكل والعراقيل خاصة بعد سلسلة من التجاوزات على القرى والمدن المسيحية , وتغيير الديموغرافية والمعالم المسيحية لهذه المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي واستمرار ذلك بصورة منهجية الى يومنا هذا .
والغريب أعتراض بعض الأحزاب المسيحية  والدينية على تحقيق الحكم الذاتي للمسيحيين في سهل نينوى مما يؤدي الى الشعور بالأحباط لدى الكثيرين من المخلصين الذين يناضلون في سبيل تحقيق هذا الحلم .
وضع حلول  لمشاكل الهجرة والتهجير التي تستنزف أعداد المسيحيين في العراق عامة والقاطنين في سهل نينوى ومناطق أقليم الحكم الذاتي خاصة. هناك مشكلة كبيرة يواجهها المسيحيون في منطقة سهل نينوى حالياً , بسبب عدم الأستقرار السياسي والمصير المجهول لهذه المنطقة في تبعيّتها لحكومة اقليم كردستان أو الحكومة المركزية مما خلق نوع من عدم الأستقرار وغياب خدمات الدولة والأهمال الذي طال جميع مرافق الحياة , ألأجتماعية والتربوية والصحية والتعليمية .....الخ , والأنقطاع المزمن في الطاقة الكهربائية والمياه والأهمال للمرافق الخدمية في المدن والقرى لهذه المنطقة والتقصير (المتعمد أحيانا كثيرة) في أيجاد فرص العمل لسكان هذه المنطقة بسبب غياب المشاريع التنموية مما أدّى الى هجرة الكثيرين (وخاصة المسيحيين) الى خارج الوطن أو النزوح الى مناطق أخرى .
هناك أكثر من 150 قرية مسيحية تم التجاوز عليها في المناطق الشمالية التابعة لأقليم كردستان(بالأضافة الى مدن وقرى سهل نينوى) , وتختلف نسبة التجاوزات لهذه القرى من قرية الى قرية (ونعني بالتجاوزات  على القرى المسيحية  هو تواجد سكان من أخوتنا الأكراد في أراضي هذه القرى بعد هجرة غالبية المسيحيين من قراهم بسبب الحروب التي شنتها الحكومات الدكتاتورية البائدة على شمال الوطن منذ سنة 1961 الى سنة 1989) وقد بذل ويبذل المجلس الشعبي (الكلداني السرياني الآشوري) وحزب الزوعا وغيرها من المنظمات والأحزاب و بالتعاون مع أخوتنا المسؤولين في حكومة أقليم كردستان , جهودا كبيرة لأسترداد اراضي هذه القرى وتسليمها الى سكانها(المسيحيين) الشرعيين , والعملية ليست سهلة بل تحتاج الى جهود مضنية لأنّ المتجاوزين يُطالبون بالتعويضات والحكومة الحالية في أقليم كردستان , وفي  وضعها الحالي , لا تستطيع تحمّل ألأعباء المالية لتعويض المتجاوزين , (علما أنّ قرية كاتب المقالة هذهِ من ضمن القرى التي تم التجاوز عليها 100%) .

انتشار ظاهرة المحسوبية والمنسوبية والعشائرية مما أدّى ويؤدّي الى انتشار الفساد الأداري والمالي ليطال جسد المجتمع العراقي بصورة عامة ولا يستثنى عن ذلك المنطقة الشمالية (أقليم كردستان العراق وسهل نينوى) ولو بنسبة أقل .
وهناك ظاهرة سلبية لمستها خلال زيارتي القصيرة للوطن وهي اللهث وراء الماديات على حساب القيم والمباديء ألأخلاقية والروحية , التي تأثَّرت بسبب الحروب والماسي التي مرّ بها المجتع العراقي عامة والمجتمع المسيحي خاصة فظهر جيل يلهث وراء وسائل التكنلوجيا الحديثة دون أن يستوعب اثارها السلبية , فأنحسرت الثقافة الأدبية والروحية , ونادرا ما يكون هناك أهتمام  بالوسائل التربوية والثقافية وليس هناك أهتمام ببناء البنية التحتية للأنسان ( الذي يجب أن يسبق بناء البنية التحية للمشاريع ألأنمائية) , وللأسف الشديد  حتّى الكنيسة والكثيرين من رجال الدين أنساقوا وراء التيار المادي وأصبحوا يتاجرون بالقيم السماوية كما كان يفعل علماء الشريعة اليهود في ايام ربنا يسوع المسيح فتركوا رعاياهم وأنساق الكثيرين منهم وراء أغراءآت العصر والشهوات الزمنية , ففتر ألأيمان , لابل أصبح الكثيرون من المسيحيين يحملون هويتهم المسيحية زورا وبهتانا.
رغم كلّ هذه الأحباطات والمشاكل والسلبيات التي لمستها  خلال زيارتي القصيرة يبقى أملنا ورجائنا لا يخيب في المستقبل المشرق الذي ننشده لأخوتنا المسيحيين في أن تعود لهم جميع حقوقهم المسلوبة و تحقيق امالهم وطموحاتهم في العيش في وطنهم والتشبّث بارضهم ومقدساتهم , والأنتماء الى جذورهم التاريخية والدينية , وتحقيق حلمهم المنشود في وحدة (السورايي) ووحدة كنيستهم المشرقية , وعلينا جميعا , وخاصة الأحزاب السياسية والمثقفين ورجال الدين الغيورين , أن نقف مع هؤلاء المسيحيين  المتشبثين بارضهم ونرفع من معنوياتهم وننقل أصواتهم ومطالبهم الى المحافل الدولية بكلَ أمانة ، وعلى مسيحيي المهجر أن لا يتخلّوا عن جذورهم وهويّتهم القومية والدينية وأن يتم التواصل بين مسيحيي الخارج والداخل حتى لا تنقطع هذه الجذور المشتركة .
وشكرا

142

ماهي ألأسباب الرئيسية لأضطهاد المسيحيين ؟
 
نافع البرواري
لم تُحارب أيِّة عقيدة عبر التاريخ كما حوربت العقيدة المسيحية , وكان الشهداء بالملايين يروون بدمائهم الأرض ولا زالوا , لم يتعرض العالم عبر التاريخ كالأضطهاد الذي جرى ويجري للمسيحيين , لم يتعرّض للنقد والطعن ومحاولة تشويه الحقائق الألهية لأيّ كتاب عبر التاريخ كما تعرض الكتاب المقدس , هل هذا كُلُّه صدفة ؟ ولماذا هذا الحشد الهائل لقوات العالم لمحاربة المسيح والمسيحيين وكتابهم المقدس "بشرى الخلاص".
"شاول شاول لماذا تضطهِدُني؟"أعمال 9:4"
هذا ما قاله الرب يسوع المسيح لشاول الطرسوسي (الذي أصبح أسمه بولس , بعد أهتدائه الى المسيحية) , الذي اراد هدم المسيحية ومحاربتها , ولكنه صار من أعظم الرسل في العهد الجديد يبشِّر بالمسيح القائم من بين ألأموات .
لقد كان شاول متديّنا وكان غيورا على عقيدته اليهودية حتى وصل الى مرحلة "الأصولية " والحقد والكراهية للمسيحيين ( قبل دخوله المسيحية) وهكذا اليوم أصبح التدين الظاهري ألأصولي سببا رئيسيا لأضطهاد المسيحيين في الدول العربية والأسلامية .
ألسؤال المطروح لماذا يُضطهد المسيحي؟
عندما نستطيع ألأجابة على هذا السؤال عندها نستطيع نحن مسيحيي العراق خاصة ومسيحييي الشرق عامة أن نضع يدنا على حقيقة طالما تمَّ أخفائها , بتعمّد , أو جهلها من قبل الكثيرين ولكننا أذا راجعنا قراءة الكتاب المقدس بتأني ومراجعتنا لقراءة تاريخ الكنيسة (وحتى تاريخ البشرية) الزاخر بقصص الشهداء سنحصل على الأجابات الشافية لهذا السؤال . انّ طريق المسيحية ليس مفروشا بالورود وليس نزهة في مُرج من الزهور بل هو طريق مليء بالأشواك والآلام , لأنّ هناك تعارض بين عالمين ,العالم السفلي(عالم الشيطان) وعالم السماء (العلوي)" أنتم من أسفل أمَا أنا فمن فوق"يوحنا 8:28" هذا ماقاله يسوع المسيح لليهود الذين كانوا يكرهونه لأنّه كان يفضح أعمالهم وسلوكهم الشرير . يسوع المسيح جاء الى هذا العالم فلم يقبله العالم ويقول لنا نحن المؤمنون به" ان أبغضكم العالم , فتذكروا أنّه ابغضني قبل أن يُبغضكم" يوحنا15:18 .
من أكثر ألأسباب الحقيقية والمنطقية لأضطهاد المسيحيين هي:
1_لأنَّ المسيحية تتبع حقائق الهية لا يستطيع العالم الخاضع لمملكة الشيطان أن يسمع أو يقبل  أو يسمح لهذه الحقائق التي تفضح أعماله (العالم) الشريرة . انّ رفض سماع الحق , وأضطهاد  الذين يحملون شعلة الحق , بدون أسباب مقنعة , ورفض الحوار بالكلمة والحجة بالحجة , ورفض الجلوس على طاولة واحدة وعلى الهواء مباشرة  للتحاور من أجل أرساء المحبة والسلام وألأخوة الأنسانية هي من شيمة الذين يعملون في جنح الظلام ولا يستطيعون الخروج الى النور , ولا يحتملون الحقيقة الساطعة , لأنَّ نور المسيح يكشف الظلام الذي هم فيه ويعرّي حقيقتهم الشريرة . يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه موضحا لماذا يبغضه العالم فيقول:
" ......ولكنه(أي العالم) يبغضني لأنّي أشهد على فساد أعماله"يوحنا 7:7",  فلذلك لا يستطيعون مواجهة الحق وجها لوجه فيلجأون الى كُلِّ الوسائل الخسيسة والدنيئة والجبانة والمقيتة وهي الغدر والخيانة والكذب والنفاق والطعن من الخلف بخنجر ألسنتهم المسمومة واياديهم الملطخة بدم ألأبرياء لأنهم يفشلون في أقناع ألناس بالعقل والمنطق والكلمة الحرة , والغريب أن الكثيرين الذين يؤيدين هذا الفكر الشيطاني , ويسكتون أو يتعاطفون مع هذه القوات الظلامية , فهم يشاركونهم هذه الصفات الرذيلة بسكوتهم المطبق شاءوا أم ابوا بل هم من المنافقين الذين يخافون من مراكزهم المهزوزة ويساهمون في استمرار هذه الأعمال . انَّ الذين لا يريدون سماع الحق , والذين يخفون الشر في داخلهم وهم في اية لحظة يتحوّلون الى ذئاب مفترسة اذا سنحت لهم الفرصة وكانت الضروف مواتية , فهم في الحقيقة خلايا أرهابية نائمة كما في المصطلح الدارج في هذه ألأيام .
انَّ الشيطان وأعوانه يعلنون الحرب على أتباع المسيح في كُلِّ زمان ومكان (رؤيا 11) فقد كره الناس الرب يسوع المسيح كما كرهوا أيضا أتباعه وتلاميذه ("يوحنا3:13") .
2_أنّ العالم يريد صياغة الله حسب قالبه الخاص , وحسب مايريدون هؤلاء ( من الله) وليس ما يريده الله منهم فألعالم يريد أن يُفصِّل الله على مقاييسه ويريد من الله ان يتبع نزوات هذا العالم وشهواته , ولهذا حارب رجال الدين اليهود (الذين كانون يتاجرون بالدين كما يتاجر اليوم الكثيرون من رجال الدين بالدين) , يسوع المسيح لأنّه قلب موازين هذا العالم عندما غير الكثير من القوانين والشرائع التي كانت تحكم الشعوب قبل مجيئه الى هذا العالم.
جاء المسيح ليضع القاعدة الذهبية (ألأيجابية ) التي تقول".., كُلِّ ما تُريدون أن يُعاملكم الناس بهِ فعاملوهم أنتم به ايضا" بينما كانت القاعدة (السلبية) عند اليهود ولا زالت عند الكثير من الديانات ألأخرى والعالم (الذي يتعامل بالمصالح) تقول"لا تفعل بالآخرين ما لاتُريدُ أن يفعل بكَ", ولكن الرب يسوع المسيح وضعها في صيغة ايجابية , فاضفى عليها معنى أقوى , فليس من الصعوبة أن نمتنع عن أذى ألآخرين , ولكن ألأصعب جدا أن نأخذ المبادرة في عمل شيئ صالح لهم , فهذه المبادرة هي اساس أعمال الخير والرحمة وهذا ما يصنعه الله معنا كُلِّ يوم (وهذا ما يفعله الكثيرون من المؤمنون والمنظمات ألأنسانية المسيحية) .
يقول الرب يسوع المسيح :
"هنيئا لصانعي السلام , لأنَّهم ابناء الله يُدعون"متى 5:9"
هنيئا للمضطهدين من أجل الحق , لأنَّ لهم ملكوت السماوات"متى"5:10
"أحبّوا أعدائكم , وصلّوا لأجل الذين يضطهدونُكم" متى 5:43"" هذه الآيات وغيرها هي تعكس طبيعة وصفات الله "محبة" لو طُبقت لعاش ألأنسان في ملكوت الله وهو على الأرض .
 ولكن عبر تاريخ البشرية نشهد عن حروب وسفك دماء ودموع وأضطهادات ومآسي من أجل شهوات هذا العالم (المال السلطة الجنس) بينما الرب يسوع المسيح جاء ليقلب المعادلة (معادلة الشيطان) رأسا على عقب فبدأت منذ ذلك الوقت الحرب بين قوات الشر الروحية ورئيسها الأبليس وبين الرب يسوع المسيح وقواته والمؤمنون به والملائكة (رؤية 13 ) . فالحياة المسيحية هي جهاد روحي وحرب مستمرة ليس ضد الأخوة في الجسد والدم بل ضدّ قوات الشر الروحية.
انّ الله الذي أصبح عند الكثيرين من الناس (مع ألأسف) يتاجر بدماء خليقته لهو اله سادي مريض لا يرتاح الا بمشاهد الدم ولا يرتوي الا بدماء الأبرياء فهو كمصاص الدم (دراكولا) هذا هو اله الذين تجسّد فيهم الشيطان بكلّ معنى الكلمة , لأنّ الشيطان أستغلَّ عنادهم وكبريائهم وغرورهم وتحيّزاتهم ليمنعهم من معرفة الحقيقة . فعندما يعميه ألأنسان الحسد والكراهية فهو لا يرى أفعاله الشنيعة ضدَّ الله وضدَّ أخوته في ألأنسانية, اليوم أيضا هناك الملايين الذين لايقبلون النصيحة التي لا تتفق مع رغباتهم , وكُلِّ ما يعتقدون انّه ألأفضل لهم , فألأنانية والكراهية والحسد متى تُركت بدون أنضباط في حياة ألأنسان قد تؤدي الى أعظم الشرور وهي ألأنتقام والحقد والكراهية .
لقد حارب اليهود المسيحيين في بدايات انتشار المسيحية , وكذلك الوثنيون ولا زال العالم يحارب المسيحيون في أغلب بلدان العالم وخاصة في  الشرق الأوسط بسبب مناخ ديني وأيدلوجيات وعقائد لا تعرف التسامح والحرية الدينية ولا تُقيم وزنا لحرية التعبير والراي والرأي الآخر.
3_ يسوع المسيح يقول للمؤمنين به أنّ العالم سيحاربهم لأنّهم ليسوا من هذا العالم "لو كنتم من العالم , لأحبكم العالم كُلِّهِ . ولأنّي أخترتُكم من هذا العالم وما أنتم منهُ, لذلك أبغضكم العالم "يوحنا 15ك18,19".
أليس اليوم ونحن نعيش في مناخ ديني لا يستطيع ألأنسان الذي يعيش في الظلام أن  يتعايش مع ألآخر , الذي يعيش في النور , لأنَّه لا يتحمّل وهج النور وسطوعه المنبعث من الآخر فيحاول اطفائه حتّى لا تنكشف أعماله القبيحة فالآخر هو مرات له تكشف جميع عيوبه , فيختار البقاء والعيش في عتمة الليل المظلم بدل الخروج من هذا الظلام ليتطهِّر بمصدر النور (يسوع المسيح) . لقد أختار الكثيرون بملء ارادتهم , أن  يخضعوا لسلطان الظلمة (الشيطان) بدل الخضوع لسلطان النور(يسوع المسيح) . اليوم الكثيرون أنغلقوا على ذاتهم وعلى مصالحهم ألأنانية , فهم لا يعترفون الآ بالذين يسيرون في الخط الذي رسموه لنفوسمهم , فهم لم يقدروا أن يتعرَّفوا على العطيّة السخية الكبرى التي  منحها الله للبشرية جمعاء الا وهي عطية الحياة ونعمة التمتع بها بسلام وفرح ومحبة , ولكن الكثيرون أختاروا الموت بدل الحياة والعيش في الظلمة بدل النور .
نعم  لا زال هناك في هذا  العالم من يصلبون المسيح في كُلّ يوم عندما يقتلون ويضطهدون المؤمنين به "فاذا أضطهدوني , يضطهدونكم , وأذا سمعوا كلامي , يسمعون كلامكم . هم يفعلون هذا كُلَّه من أجل أسمي"يوحنا 15:19".
4_ السبب المهم أيضا لأضطهاد المسيحيين كما يُخبرنا الكتاب المقدس (وحتى علم النفس الحديث) هو الغيرة من المؤمنين (راجع سفر ألأعمال5:17,18" , بما يرونه فيهم من السلام الداخلي والمحبة والأخوَة والفرح والأمانة والصدق والأخلاص والرجاء الذي فيهم بالأضافة الى أعمال الخير التي يقومون بها دون النظر الى الدين أو اللون أو الجنس , هذا بالأضافة أنّ المسيحيين (في الغالب) يتميّزون عن الآخرين بالتفوق العلمي والأبداع في جميع وسائل المعرفة بالأضافة الى السمو الأخلاقي ومحبة الحياة والثقة بالنفس والأنفتاح على الآخر , بينما الذين أختاروا السير في طريق فرض فكرهم ومبادئهم وعقيدتهم على الآخرين بالقوة فهم يشعرون بعقدة النقص والأحباط ويحملون أمراضا نفسية وعقد تربوية ينشأون ويترعرعون في بيئة تفوح منها رائحة الكراهية والحقد واليأس والأحباط  , فيلجأون الى من يزرع فيهم أمل اخر (وخاصة لجوئهم الى رجال الدين) في الحياة الأخرى لتعويضهم عما يفتقدون اليه في هذه الحياة أنّهم كالمدمنين على المخدرات لا يستطيعون مقاومة الشر بل هم يغوصون أكثر فأكثر في وحل الخطيئة .
الكتاب المقدس يعلِّمنا دروساً عن نتائج البغض والحقد والمرارة والكراهية تتجسسّد بالكراهية للناس والجماعات التي تختلف عنهم في العقيدة أو الثقافة , وهكذا ظهر عبر التاريخ أشخاص وشعوب عنصرية تميل الى فرض العقيدة على ألآخرين بقوة السيف .
لقد كَره الناس الرب يسوع المسيح , كما كرهوا أيضا اتباعه وتلاميذه (1يوحنا3:13") .
فقايين كره أخاه هابيل لأنَّ أعماله هو كانت شريرة فالحسد جرَّ قابيل الى أن يمارس ابشع جريمة وهي القتل , وهكذا الناس الذين يَحْيُون حياة الصلاح ونعيشونها يكشفون الآخرين ويخجلونهم , فأن كنّا نحيا لله فسيكرهنا العالم على الدوام لأننا نجعلهُ (أي العالم) مدركا دائما لطريقة حياته الفاسدة .
ماذا علينا نحن المسيحيين فعله؟
ألأضطهادات كبيرة , أيّام فيها نضعف ولا نستطيع التعامل مع الضروف وقد نحتاج الى أجابات لأسئلتنا والى قيادات روحية وتوجيهاً واضحاً , وفي صلواتنا نحصل على الكثير من ألأجابات لأنَّ الكلمة الحيَّة , كلمة الله تبدأ في هذه ألأوقات  الحرجة , وأذا تمسّكنا بايماننا  فأنَّ هذه المحن والتجارب تجعلنا أقوى , فنصبح راسخين في هذه ألأختبارات وأكثر ألتصاقا بالرب يسوع المسيح "ستبكون وتندبون وأمّا العالم فسيفرح . ستحزنون , ولكن حزنكم يصيرُ فرحا.... لا ينزعه منكم أحد "يوحنا 16:20,22". نعم المستقبل قد لايكون كما يريده ألأنسان المؤمن , ولكن هناك الوعد العظيم بالرجاء للمؤمنين الحقيقيين يلطِّف ويخفف من الضيقات والألام.
التاريخ يعلِّمنا دروسا في الرجاء , ونحن المؤمنين ننظر الى الماضي وخاصة الى أحداث الكتاب المقدس , فتصبح لنا رؤية ووضوح وكشف عندما نبقى أُمناء على مبادئنا المسيحي
 وكُلّما ضاقت بنا ألأرض وكثُر الأعداء علينا أن نقرا ونتأمّل في مزمور 142
"نظرتُ الى اليمين ورأيتُ فما وجدتُ من يعرفُني . لا مكان ألوذُ به , ولا أحد يسأل عنّي فصرختُ اليك ياربُّ , وقُلتُ أنت حَمايَ , وأنت نصيبي في أرض ألأحياء"مزمور142:5,6"

143

ماهي ألأسباب الرئيسية لأضطهاد المسيحيين ؟
 
نافع البرواري
لم تُحارب أيِّة عقيدة عبر التاريخ كما حوربت العقيدة المسيحية , وكان الشهداء بالملايين يروون بدمائهم الأرض ولا زالوا , لم يتعرض العالم عبر التاريخ كالأضطهاد الذي جرى ويجري للمسيحيين , لم يتعرّض للنقد والطعن ومحاولة تشويه الحقائق الألهية لأيّ كتاب عبر التاريخ كما تعرض الكتاب المقدس , هل هذا كُلُّه صدفة ؟ ولماذا هذا الحشد الهائل لقوات العالم لمحاربة المسيح والمسيحيين وكتابهم المقدس "بشرى الخلاص".
"شاول شاول لماذا تضطهِدُني؟"أعمال 9:4"
هذا ما قاله الرب يسوع المسيح لشاول الطرسوسي (الذي أصبح أسمه بولس , بعد أهتدائه الى المسيحية) , الذي اراد هدم المسيحية ومحاربتها , ولكنه صار من أعظم الرسل في العهد الجديد يبشِّر بالمسيح القائم من بين ألأموات .
لقد كان شاول متديّنا وكان غيورا على عقيدته اليهودية حتى وصل الى مرحلة "الأصولية " والحقد والكراهية للمسيحيين ( قبل دخوله المسيحية) وهكذا اليوم أصبح التدين الظاهري ألأصولي سببا رئيسيا لأضطهاد المسيحيين في الدول العربية والأسلامية .
ألسؤال المطروح لماذا يُضطهد المسيحي؟
عندما نستطيع ألأجابة على هذا السؤال عندها نستطيع نحن مسيحيي العراق خاصة ومسيحييي الشرق عامة أن نضع يدنا على حقيقة طالما تمَّ أخفائها , بتعمّد , أو جهلها من قبل الكثيرين ولكننا أذا راجعنا قراءة الكتاب المقدس بتأني ومراجعتنا لقراءة تاريخ الكنيسة (وحتى تاريخ البشرية) الزاخر بقصص الشهداء سنحصل على الأجابات الشافية لهذا السؤال . انّ طريق المسيحية ليس مفروشا بالورود وليس نزهة في مُرج من الزهور بل هو طريق مليء بالأشواك والآلام , لأنّ هناك تعارض بين عالمين ,العالم السفلي(عالم الشيطان) وعالم السماء (العلوي)" أنتم من أسفل أمَا أنا فمن فوق"يوحنا 8:28" هذا ماقاله يسوع المسيح لليهود الذين كانوا يكرهونه لأنّه كان يفضح أعمالهم وسلوكهم الشرير . يسوع المسيح جاء الى هذا العالم فلم يقبله العالم ويقول لنا نحن المؤمنون به" ان أبغضكم العالم , فتذكروا أنّه ابغضني قبل أن يُبغضكم" يوحنا15:18 .
من أكثر ألأسباب الحقيقية والمنطقية لأضطهاد المسيحيين هي:
1_لأنَّ المسيحية تتبع حقائق الهية لا يستطيع العالم الخاضع لمملكة الشيطان أن يسمع أو يقبل  أو يسمح لهذه الحقائق التي تفضح أعماله (العالم) الشريرة . انّ رفض سماع الحق , وأضطهاد  الذين يحملون شعلة الحق , بدون أسباب مقنعة , ورفض الحوار بالكلمة والحجة بالحجة , ورفض الجلوس على طاولة واحدة وعلى الهواء مباشرة  للتحاور من أجل أرساء المحبة والسلام وألأخوة الأنسانية هي من شيمة الذين يعملون في جنح الظلام ولا يستطيعون الخروج الى النور , ولا يحتملون الحقيقة الساطعة , لأنَّ نور المسيح يكشف الظلام الذي هم فيه ويعرّي حقيقتهم الشريرة . يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه موضحا لماذا يبغضه العالم فيقول:
" ......ولكنه(أي العالم) يبغضني لأنّي أشهد على فساد أعماله"يوحنا 7:7",  فلذلك لا يستطيعون مواجهة الحق وجها لوجه فيلجأون الى كُلِّ الوسائل الخسيسة والدنيئة والجبانة والمقيتة وهي الغدر والخيانة والكذب والنفاق والطعن من الخلف بخنجر ألسنتهم المسمومة واياديهم الملطخة بدم ألأبرياء لأنهم يفشلون في أقناع ألناس بالعقل والمنطق والكلمة الحرة , والغريب أن الكثيرين الذين يؤيدين هذا الفكر الشيطاني , ويسكتون أو يتعاطفون مع هذه القوات الظلامية , فهم يشاركونهم هذه الصفات الرذيلة بسكوتهم المطبق شاءوا أم ابوا بل هم من المنافقين الذين يخافون من مراكزهم المهزوزة ويساهمون في استمرار هذه الأعمال . انَّ الذين لا يريدون سماع الحق , والذين يخفون الشر في داخلهم وهم في اية لحظة يتحوّلون الى ذئاب مفترسة اذا سنحت لهم الفرصة وكانت الضروف مواتية , فهم في الحقيقة خلايا أرهابية نائمة كما في المصطلح الدارج في هذه ألأيام .
انَّ الشيطان وأعوانه يعلنون الحرب على أتباع المسيح في كُلِّ زمان ومكان (رؤيا 11) فقد كره الناس الرب يسوع المسيح كما كرهوا أيضا أتباعه وتلاميذه ("يوحنا3:13") .
2_أنّ العالم يريد صياغة الله حسب قالبه الخاص , وحسب مايريدون هؤلاء ( من الله) وليس ما يريده الله منهم فألعالم يريد أن يُفصِّل الله على مقاييسه ويريد من الله ان يتبع نزوات هذا العالم وشهواته , ولهذا حارب رجال الدين اليهود (الذين كانون يتاجرون بالدين كما يتاجر اليوم الكثيرون من رجال الدين بالدين) , يسوع المسيح لأنّه قلب موازين هذا العالم عندما غير الكثير من القوانين والشرائع التي كانت تحكم الشعوب قبل مجيئه الى هذا العالم.
جاء المسيح ليضع القاعدة الذهبية (ألأيجابية ) التي تقول".., كُلِّ ما تُريدون أن يُعاملكم الناس بهِ فعاملوهم أنتم به ايضا" بينما كانت القاعدة (السلبية) عند اليهود ولا زالت عند الكثير من الديانات ألأخرى والعالم (الذي يتعامل بالمصالح) تقول"لا تفعل بالآخرين ما لاتُريدُ أن يفعل بكَ", ولكن الرب يسوع المسيح وضعها في صيغة ايجابية , فاضفى عليها معنى أقوى , فليس من الصعوبة أن نمتنع عن أذى ألآخرين , ولكن ألأصعب جدا أن نأخذ المبادرة في عمل شيئ صالح لهم , فهذه المبادرة هي اساس أعمال الخير والرحمة وهذا ما يصنعه الله معنا كُلِّ يوم (وهذا ما يفعله الكثيرون من المؤمنون والمنظمات ألأنسانية المسيحية) .
يقول الرب يسوع المسيح :
"هنيئا لصانعي السلام , لأنَّهم ابناء الله يُدعون"متى 5:9"
هنيئا للمضطهدين من أجل الحق , لأنَّ لهم ملكوت السماوات"متى"5:10
"أحبّوا أعدائكم , وصلّوا لأجل الذين يضطهدونُكم" متى 5:43"" هذه الآيات وغيرها هي تعكس طبيعة وصفات الله "محبة" لو طُبقت لعاش ألأنسان في ملكوت الله وهو على الأرض .
 ولكن عبر تاريخ البشرية نشهد عن حروب وسفك دماء ودموع وأضطهادات ومآسي من أجل شهوات هذا العالم (المال السلطة الجنس) بينما الرب يسوع المسيح جاء ليقلب المعادلة (معادلة الشيطان) رأسا على عقب فبدأت منذ ذلك الوقت الحرب بين قوات الشر الروحية ورئيسها الأبليس وبين الرب يسوع المسيح وقواته والمؤمنون به والملائكة (رؤية 13 ) . فالحياة المسيحية هي جهاد روحي وحرب مستمرة ليس ضد الأخوة في الجسد والدم بل ضدّ قوات الشر الروحية.
انّ الله الذي أصبح عند الكثيرين من الناس (مع ألأسف) يتاجر بدماء خليقته لهو اله سادي مريض لا يرتاح الا بمشاهد الدم ولا يرتوي الا بدماء الأبرياء فهو كمصاص الدم (دراكولا) هذا هو اله الذين تجسّد فيهم الشيطان بكلّ معنى الكلمة , لأنّ الشيطان أستغلَّ عنادهم وكبريائهم وغرورهم وتحيّزاتهم ليمنعهم من معرفة الحقيقة . فعندما يعميه ألأنسان الحسد والكراهية فهو لا يرى أفعاله الشنيعة ضدَّ الله وضدَّ أخوته في ألأنسانية, اليوم أيضا هناك الملايين الذين لايقبلون النصيحة التي لا تتفق مع رغباتهم , وكُلِّ ما يعتقدون انّه ألأفضل لهم , فألأنانية والكراهية والحسد متى تُركت بدون أنضباط في حياة ألأنسان قد تؤدي الى أعظم الشرور وهي ألأنتقام والحقد والكراهية .
لقد حارب اليهود المسيحيين في بدايات انتشار المسيحية , وكذلك الوثنيون ولا زال العالم يحارب المسيحيون في أغلب بلدان العالم وخاصة في  الشرق الأوسط بسبب مناخ ديني وأيدلوجيات وعقائد لا تعرف التسامح والحرية الدينية ولا تُقيم وزنا لحرية التعبير والراي والرأي الآخر.
3_ يسوع المسيح يقول للمؤمنين به أنّ العالم سيحاربهم لأنّهم ليسوا من هذا العالم "لو كنتم من العالم , لأحبكم العالم كُلِّهِ . ولأنّي أخترتُكم من هذا العالم وما أنتم منهُ, لذلك أبغضكم العالم "يوحنا 15ك18,19".
أليس اليوم ونحن نعيش في مناخ ديني لا يستطيع ألأنسان الذي يعيش في الظلام أن  يتعايش مع ألآخر , الذي يعيش في النور , لأنَّه لا يتحمّل وهج النور وسطوعه المنبعث من الآخر فيحاول اطفائه حتّى لا تنكشف أعماله القبيحة فالآخر هو مرات له تكشف جميع عيوبه , فيختار البقاء والعيش في عتمة الليل المظلم بدل الخروج من هذا الظلام ليتطهِّر بمصدر النور (يسوع المسيح) . لقد أختار الكثيرون بملء ارادتهم , أن  يخضعوا لسلطان الظلمة (الشيطان) بدل الخضوع لسلطان النور(يسوع المسيح) . اليوم الكثيرون أنغلقوا على ذاتهم وعلى مصالحهم ألأنانية , فهم لا يعترفون الآ بالذين يسيرون في الخط الذي رسموه لنفوسمهم , فهم لم يقدروا أن يتعرَّفوا على العطيّة السخية الكبرى التي  منحها الله للبشرية جمعاء الا وهي عطية الحياة ونعمة التمتع بها بسلام وفرح ومحبة , ولكن الكثيرون أختاروا الموت بدل الحياة والعيش في الظلمة بدل النور .
نعم  لا زال هناك في هذا  العالم من يصلبون المسيح في كُلّ يوم عندما يقتلون ويضطهدون المؤمنين به "فاذا أضطهدوني , يضطهدونكم , وأذا سمعوا كلامي , يسمعون كلامكم . هم يفعلون هذا كُلَّه من أجل أسمي"يوحنا 15:19".
4_ السبب المهم أيضا لأضطهاد المسيحيين كما يُخبرنا الكتاب المقدس (وحتى علم النفس الحديث) هو الغيرة من المؤمنين (راجع سفر ألأعمال5:17,18" , بما يرونه فيهم من السلام الداخلي والمحبة والأخوَة والفرح والأمانة والصدق والأخلاص والرجاء الذي فيهم بالأضافة الى أعمال الخير التي يقومون بها دون النظر الى الدين أو اللون أو الجنس , هذا بالأضافة أنّ المسيحيين (في الغالب) يتميّزون عن الآخرين بالتفوق العلمي والأبداع في جميع وسائل المعرفة بالأضافة الى السمو الأخلاقي ومحبة الحياة والثقة بالنفس والأنفتاح على الآخر , بينما الذين أختاروا السير في طريق فرض فكرهم ومبادئهم وعقيدتهم على الآخرين بالقوة فهم يشعرون بعقدة النقص والأحباط ويحملون أمراضا نفسية وعقد تربوية ينشأون ويترعرعون في بيئة تفوح منها رائحة الكراهية والحقد واليأس والأحباط  , فيلجأون الى من يزرع فيهم أمل اخر (وخاصة لجوئهم الى رجال الدين) في الحياة الأخرى لتعويضهم عما يفتقدون اليه في هذه الحياة أنّهم كالمدمنين على المخدرات لا يستطيعون مقاومة الشر بل هم يغوصون أكثر فأكثر في وحل الخطيئة .
الكتاب المقدس يعلِّمنا دروساً عن نتائج البغض والحقد والمرارة والكراهية تتجسسّد بالكراهية للناس والجماعات التي تختلف عنهم في العقيدة أو الثقافة , وهكذا ظهر عبر التاريخ أشخاص وشعوب عنصرية تميل الى فرض العقيدة على ألآخرين بقوة السيف .
لقد كَره الناس الرب يسوع المسيح , كما كرهوا أيضا اتباعه وتلاميذه (1يوحنا3:13") .
فقايين كره أخاه هابيل لأنَّ أعماله هو كانت شريرة فالحسد جرَّ قابيل الى أن يمارس ابشع جريمة وهي القتل , وهكذا الناس الذين يَحْيُون حياة الصلاح ونعيشونها يكشفون الآخرين ويخجلونهم , فأن كنّا نحيا لله فسيكرهنا العالم على الدوام لأننا نجعلهُ (أي العالم) مدركا دائما لطريقة حياته الفاسدة .
ماذا علينا نحن المسيحيين فعله؟
ألأضطهادات كبيرة , أيّام فيها نضعف ولا نستطيع التعامل مع الضروف وقد نحتاج الى أجابات لأسئلتنا والى قيادات روحية وتوجيهاً واضحاً , وفي صلواتنا نحصل على الكثير من ألأجابات لأنَّ الكلمة الحيَّة , كلمة الله تبدأ في هذه ألأوقات  الحرجة , وأذا تمسّكنا بايماننا  فأنَّ هذه المحن والتجارب تجعلنا أقوى , فنصبح راسخين في هذه ألأختبارات وأكثر ألتصاقا بالرب يسوع المسيح "ستبكون وتندبون وأمّا العالم فسيفرح . ستحزنون , ولكن حزنكم يصيرُ فرحا.... لا ينزعه منكم أحد "يوحنا 16:20,22". نعم المستقبل قد لايكون كما يريده ألأنسان المؤمن , ولكن هناك الوعد العظيم بالرجاء للمؤمنين الحقيقيين يلطِّف ويخفف من الضيقات والألام.
التاريخ يعلِّمنا دروسا في الرجاء , ونحن المؤمنين ننظر الى الماضي وخاصة الى أحداث الكتاب المقدس , فتصبح لنا رؤية ووضوح وكشف عندما نبقى أُمناء على مبادئنا المسيحي
 وكُلّما ضاقت بنا ألأرض وكثُر الأعداء علينا أن نقرا ونتأمّل في مزمور 142
"نظرتُ الى اليمين ورأيتُ فما وجدتُ من يعرفُني . لا مكان ألوذُ به , ولا أحد يسأل عنّي فصرختُ اليك ياربُّ , وقُلتُ أنت حَمايَ , وأنت نصيبي في أرض ألأحياء"مزمور142:5,6"

144
ماذا بعد مذبحة المسيحيين في كنيسة سيدة النجاة؟
       
نافع البرواري
يعتقد الكثيرون مع الأسف , ومنهم القسم الأكبر من المسيحيين , انّ ما يجري في الشرق الأوسط عامة وفي العراق خاصة , من ألأعمال ألأرهابية ضد المسيحيين ,هو وضع عام يتزامن مع ظاهرة الأرهاب الذي يشهدها العالم كُلّه منذ 11ستمبر2001 .
ولكن الحقيقة هي غير ذلك , فقد بدأ الأرهاب ضد المسيحيين منذ الحرب العالمية الأولى( لا بل قبل ذلك بمئات السنين )حيث كانت الأمبراطورية العثمانية(التركية) تحكم العالم الأسلامي , الذي كان يعيش فيه المسيحيين مع الشعوب ألأسلامية , وكانت سياستها (سياسة الأمبراطورية ألعثمانية) ضرب المسيحيين , بتحريض من الشعوب والحكومات العربية والأسلامية ضدهم . وكلنا يعرف ما قام به ألأتراك بين سنة 1915_1919 من جرائم بحق ألأرمن والأشوريين والسريان حيث كانت هناك ابادة جماعية( راح ضحيّتها مئات الآلاف ) وتصفية عرقية وأحتلال أراضي ومقدسات المسيحيين , وبعد سقوط هذه ألأمبراطورية (الملقبة بالرجل المريض) وتقسيم مستعمارتها بين الحلفاء (ومن ضمنها البلدان العربية) ظهر جيلاً جديداً من الأسلاميين المتشددين الذين اعتبروا الأستعمار الغربي لبلدانهم بمثابة حملة صليبية ضد المسلمين وانتشرت حركات اسلامية وخاصة حركة ألأخوان المسلمين في مصر وغيرها من البلدان العربية , وكذلك انتشار الفكر السلفي الوهابي في الجزيرة العربية وتصدير هذا الفكر الى خارج الجزيرة في الدول العربية والأسلامية (بتمويل من أموال البترول) . ومن المعروف أنّ هذه الأفكار(السلفية) سادت على ألأفكارالقومية(العربية) والأشتراكية والأحزاب العلمانية خاصة بعد نكسة حزيران 1967 عندما انهزم العرب أمام القوات الأسرائيلية . فظهرت افكار اسلامية راديكالية سلفية متطرفة تعادي ليس اليهود والمسيحيين فقط  , بل كُلّ من يقف في طريقها أو يخالف منهجها , فكانت الشعوب المسيحية واليهودية التي تعيش في هذه الدول الضحية الأكبر بسبب تكفير ألأحزاب ألأسلامية لها وتحليل سفك دمها , وقد شهد اليهود في العراق خاصة وبقية الدول العربية والأسلامية الكثير من العمليات الأرهابية وراح ضحيّة ذلك ألأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ وكذلك شهد مسيحييوا ايران والعراق ولبنان وسودان وتركيا اضطهادات مباشرة وغير مباشرة لا بل اشتعلت حرب اهلية في لبنان في سبعينيات القرن الماضي , بين المسيحيين والمسلمين  وأستمرت حوالي خمسة عشر سنة  فهاجر القسم الأكبر من مسيحيي لبنان واصبحوا الآن أقلية بعد أن كانوا الغالبية . أمّا في العراق فقد دمّرت مئات القرى والكنائس المسيحية في ستينات وسبعينات القرن الماضي بسبب الحرب بين العرب والأكراد فكانوا المسيحييون الضحية قبل غيرهم وهذا سبّبَ نزوح الكثيرين منهم الى المدن والبعض منهم ترك العراق وهاجر الى الغرب . ثم أصبحوا وقوداً للنار في الحرب التي نشبت بين العراق وبين أيران سنة 1981( بسبب ما كانت الجمهورية الأسلامية ألأيرانية تعلن علنا عن تصدير ثورتها ألأسلامية الى العالم الأسلامي) والتي استمرت ثمانية سنوات , وهكذا زجَّ المسيحييون  في حروب فرضت عليهم واخرها حرب الخليج الأولى حيث غزا النظام العراقي دولة الكويت سنة 1991) والثانية التي شنتها أمريكا على العراق سنة 2003 فأصبح المسيحييون بين مطرقة المتشددين الشيعة وسندان المتطرفين السنة ونيران المحتل الأمريكي , وليس هناك من يحميهم أو يسمع أنينهم في ظل التكالب على السلطة والتنافس بين الأحزاب والأرهاب السلفي الذي أستغّل  ضعف الدولة , فكان يبتز المسيحيين ويستولي على بيوتهم أو يتم أختطاف المسيحيين وطلب الفدية , هذا عدا العمليات الأرهابية التي راح ضحيّتها حتى الكهنة ورجال الدين من مختلف الطوائف , وأخرها "أمُّ المذابح" في كنيسة سيدة النجاة في يوم القديسيين المصادف يوم الأحد 31أكتوبر 2010 .
لكلِّ هذه ألأسباب وغيرها الكثير , لا نستطيع حاليا الخوض فيه ا, فأنّ الهجرة مستمرة وسوف تستمر ولن تنتهي في المدى القريب , وكل من يقول عكس ذلك(كما نسمع الآن من بعض رجال الدين المسيحيين وبعض الذين يمثلون المسيحيين في البرلمان والدولة) فهو ليس له رؤية صحيحة ودقيقة لأرض الواقع وليس له بعد نظر , فالأرقام هي التي تشهد على ما نقوله حيث بلغت نسبة المسيحيين المهاجرين خارج العراق 000 500 أي بنسبة 50%(منذ 2003) أمّا السكان المهاجرين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والمصريين  فلا تحضرني الأرقام الخاصة بهجرة المسيحيين ولكنها مخيفة .
 وبصورة عامة نستطيع أن نقول أن نسبة المسيحيين في الدول العربية الحالية كانوا حوالي 70% بعد انتشار المسيحية (القرون الأولى لأنتشار المسيحية) في هذه البلدان أما ألان فنسبتهم تتراوح بين 3_10%.  فطالما هناك ظاهرة التطرف الديني السائد  في الدول العربية والأسلامية , فلا يستطيع المسيحييون أن يعيشوا في جزيرة صغيرة وسط بحر مترامي وهائج وخاصة أذا أستمر موقف العالم العربي المتفرج , لا بل  في أحيان كثيرة مشجّع لهذا ألأرهاب . حيث لم نسمع , الاّ نادرا , من وسائل الأعلام  العربية والأسلامية شجبا واستنكارا , وأذا حدث ذلك فلا يُترجم على أرض الواقع بالمظاهرات أو أية وسيلة أخرى كي توصّل أنين ومعانات مواطنيهم وأخوتهم المسيحيين الى المحافل العربية والدولية , في حين عندما يقتل  مواطن عربي مسلم في أحدى الدول الغربية على يد مجرم , كما حدث ل "مروى الشربيني" عندما قتلها أحد العنصريين الروس العائش في المانيا , قام العرب والمسلمون ولم يقعدوا , وقام مئات ألالاف بمظاهرات وأتهام المانيا بالدولة العنصرية وأوكلوا المحامين للدفاع عن الضحية ولم يقبلوا بالقضاء الألماني المعروف بنزاهته . أنّ ا لعرب والمسلمون يكيلون بمكيالين وكما قال الرب يسوع المسيح "ينظرون الى القشة في عين صاحبهم ولكنهم لا يزيلوا الخشبة من عيونهم".
أنّ مسار الخط التصاعدي لزيادة الهجرة  زاد بعد سيادة الفكر السلفي في الدول العربية التي تحكمها الغالبية السنية , وفكر ولاية الفقيه ( بعد الثورة ألأسلامية في ايران) في الدول التي تحكمها الغالبية الشيعية .
فكل المؤشرات تؤكد لنا أنّ المسيحيين سوف يستمرون بالهجرة الى الدول الغربية  تحت هذه الضغوط التي تشترك فيها الحكومات العربية والأسلامية  أضافة الى المراجع السنية والشيعية وسطوة رجال الدين والفتاوى التكفيرية والمؤتمرات ألأسلامية التي تغض الطرف عن هذا الأضطهاد لا بل في أحيانا كثيرة ومن وراء الكواليس تشجّع  هذه المراجع ألأعمال ألأرهابية بحق المسيحيين . ويساهم الأعلام المأجور والقنواة الفضائية التي تحمل الأفكار الأسلامية المتطرفة في تأجيج مشاعر المسلمين وتحريضهم ضدّ المسيحيين المسالمين في حين أنّهم(أي المسيحيين) ليس لهم سلاح ولا سطوة ولا جيوش , سوى سلاح كلمة الحق والمحبة والسلام .
 لم يظهر المسلمون محبّتهم  لأخوتهم المسيحيين الذين وقفوا معهم في السراء والضراء عبر أكثر من الف وأربعمائة سنة في حين فتح المسيحييون بلدانهم للعرب المسلمين القادمين من الجزيرة العربية وحاربوا معهم جيوش الفرس والروم وساهموا في نشر الحضارة العربية ,
لم نسمع من شيخ ألأزهر ولا من المرجع الشيعى ألأعلى , ولا من امام الحرم المكي , كلمة أعتذار على ما يقوم به المتطرفون من المجازر بحق المسيحيين المسالمين ,
لم نسمع في كُلّ المؤتمرات الأسلامية التي أنعقدت عبر السنوات الماضية كلمات وقرارات تُطمئن المسيحيين وتعزّيهم في محنتهم .
يقول أحد ألأخوة العرب:"المشكلة فينا , فنحن(العرب) لا نعرف الحب..الآ حب أنفسنا المبالغ فيه الى ابعد الحدود وأكثرها التباسا مرضيا!!!) بعضنا يعتقد أنّ العالم يكرهنا(نظرية المُآمرة) ..هذا خطأ كبير , فنحن لانُظهر للعالم أننا نحب غيرنا , كما هو يحب بعضه بعضا ..نتسابق على أن نقدم اليه صورة عنا مشحونة بامارات الغضب , وعلامات الكراهية , ونتنافس في تبرير أعمال ألأرهاب , ولا نقدّم في مناسبات المحنة والكارثة لمسة حنان تقول اننا انسانيّون مثل الآخرين .

145
هل مسيحييوا العراق هم مشروع دائم للأستشهاد؟

 

نافع البرواري

الأحد 31 أكتوبر2010 يجب أن يسمّى بحق يوم الشهداء لمسيحيي العراق ،

حيث في عصر هذا اليوم وأثناء الأحتفال بالقداس الألهي في كنيسة سيدة النجاة  في الكرادة في بغداد , تم حدوث اكبر مجزرة لمسيحيي العراق منذ عقود , فقد فجّر الأرهابييون أنفسهم وسط مصلين مسالمين لا ذنب لهم سوى كونهم مسيحيين يؤمنون بالمحبة والسلام , وهذا الأيمان هو عدو الشيطان وقواته , حيث حرّكت هذه القوى الشيطانية مريديها ليقتلوا هذا السلام  في بيت  الله .

ألأسئلة التي تطرح وسوف تطرح على الدولة والحكومة الحالية وعلى كل الدول الأسلامية , ونريد الأجابة عليها بأقرب وقت ممكن هي:

كيف أستطاع الأرهابييون الوصول الى هدفهم  بكل هذه السهولة علما بأن المنطقة محصّنة وهناك حواجز أمنية؟ سؤال يلقي بظلاله على ماجرى ويجري للمسيحيين من ارتكاب مذابح جماعية عبر السنوات الماضية .

هناك تعتيم واضح ومتعمد من قبل الحكومة وقوات الأمن حول طريقة الأقتحام للقوات الأمنية للكنيسة ولماذا لم يتم التحقق من مطالب الأرهابيين وأعلانها للشعب والعالم؟

لماذا تم أعتقال صحفيين من القناة البغدادية ومن ثم تم تطويق القناة في اليوم التالي للمجزرة ودخول القوات ألأمنية في مركزالقناة للبث دون أعطاء أي سبب او مبرر مهم لذلك علما أن القناة البغدادية سبق وأن حذرت القيادة العامة لقوات بغداد بوجود تهديد للكنائس من مصادر خاصة ؟

أين هي مصداقية الدولة في حماية الأقليات عامة والمسيحيين خاصة علما أن الحكومة الحالية لم تكشف عن أيّ تحقيقات عن الجرائم السابقة بحق المسيحيين وظلت الملفات مغلقة وسرية وطي الكتمان لا بل تثير تسائلات كثيرة عن وضع المسيحيين ومصيرهم مستقبلا ؟

لماذا هذا الصمت الرهيب من قبل الدول الأسلامية خاصة والدول العربية عامة , بحكوماتها ووسائل أعلامها عن ما يجري من المذابح والمجازر بحق المسيحيين في العراق , في حين تلك الدول والحكومات ووسائل اعلامها المأجورة تطبل وتزمّر وتهدد وتعربد عندما يقتل مسلم واحد في دولة اوربية محسوبة جزافا على المسيحية؟ لماذا هذه المعايير المزدوجة والعدالة المفقودة والكيل بالمكيالين؟

لماذا لا يتم , وعلى مستوى الدول الأسلامية , وضع قوانين ومبادئ لحماية الأقليات المسيحية في  هذه الدول , في حين يحصل  المسلمون على حرياتهم الدينية وحقوقهم كاملة في البلدان الغربية( المسيحية) ؟

لماذا لا يشجب  شيوخ وأمة المسلمين في مؤتمراتهم الأسلامية ما يجري من المذابح والقتل للمسيحيين المسالمين في بلدانهم , وأن حصل ذلك لماذا لايطبقون أقوالهم في ألأرض ويعتذرون للمسيحيين في دولهم عن الأعمال الأرهابية بحق المسيحيين ليبرروا أنفسهم من هذه الجرائم ؟

السؤال الأخطر الذي نريد الأجابة عليه من قبل الحكومة الحالية وكل الذين وقعوا على الدستور الحالي للعراق وهو:

أذا لم يكن هناك مشروع لتفريغ العراق من المسيحيين وانتم لستم  شركاء في هذا المشروع الجهنمي فلماذا وضعتم دستورا دينيا اسلاميا يظلم شعوب الديانات الغير ألأسلامية وينتهك حقوقها الأنسانية والدينية طالما يستمد هذا الدستور قوانينه من الشريعة ألأسلامية؟

من كل هذه الأسئلة المطروحة وغيرها الكثير والتي لم ولن نحصل ألأجابة عليها نقترح مايلي:

نطالب جميع ممثلي الشعب المسيحي في البرلمان العراقي وأقليم كردستان أن يعلقوا تمثيلهم في البرلمان لأشعار اخر حتى يتم الأجابة على كل اسئلتنا المشروعة وهي اسئلة غالبية المسيحيين الذين أعطوكم الثقة الكاملة لتمثلونهم في البرلمان والمحافل الدولية ،

وعلى المسيحيين العراقيين ومسيحيي الشرق ألأوسط جميعا في الداخل والمهجر ألأعتصام أمام  مقرات ألأمم المتحدة في العراق والعالم لتدويل قضيتهم وأعتبار ماجرى ويجري في العراق هو مشروع منظم لترهيب وتهجير وحتى ابادة جماعية للمسيحيين , وقد سبق أخوتنا الأقباط أن قاموا بهذا العمل وأستطاعوا توصيل أصواتهم الى المحافل الدولية .

146
المنبر الحر / ذكرى عيد الصليب
« في: 21:57 14/09/2010  »
ذكرى عيد الصليب
نافع البرواري
يصادف 14 أيلول من كلِّ سنة ذكرى عيد الصليب ويحتفل مسيحيوا المشرق بهذه المناسبة بأقامة الصلوات وأشعال النار على سطوح الكنائس والتلال والجبال, ولا نريد أن ندخل في تفاصيل تاريخية هذا العيد ولكن ما يهمُّنا هو رمز الصليب وأهميّته عندنا نحنُ المسيحيين. كيف كان يصلب الأنسان في عهد الرومان؟ ماذا يرمز صليب المسيح؟ لماذا مطلوب منا أن نحمل صليبنا ونتبع المسيح؟ لماذا نحن نفتخر بصليب المسيح ؟هذه ألأسئلة وغيرها علينا نحن المؤمنين ألأجابة عليها لكي نعرف معنى ورمز الصليب الذي نحمله على صدورنا أو نعلّقه على جدران بيوتنا أو كنائسنا
كان الصليب صورة مرعبة ومخزية لتنفيذ حكم ألأعدام ,فكان على المحكوم عليه أن يحمل صليبه على أكتافه طيلة الطريق الى مكان الصلب كعبرة للشعب وتعبيرا عن الخضوع لسلطات روما.(وهكذا فعل الرومان عندما فشلت ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس,فعندما فشلت ثورة تحرير العبيد قام الرومان بصلب مئات العبيد على الطرقات لكي يكونوا عبرة لمن تسوّل نفسه القيام بثورة ضد الأمبراطورية الرومانية).كانت هناك أشكال عديدة للصلبان ,وكذلك طرق عديدة للصلب.لقد سُمّرَ يسوع على الصليب ,بينما كان المحكوم عليهم يُربطون أحيانا بالحبال على الصليب,وفي كلتا الحالتين ,كان يحدث الموت نتيجة ألأختناق,لأنّ ثقل الجسم ,يجعل التنفُّس يزداد صعوبة مع فقدان قوّة الشخص.
فلنتصور حجم الآلام التي تحمّلها يسوع المسيح وهو في طريق الآلام للوصول الى الجلجلة حيث وضع الصليب على أكتافه بعد أن جُلد وعُذّبَ وأُستهزءَ به قبل أن يُرفع على خشبة الصليب وهو في طريقه الى الجلجلة( راجع مرقس15:16,17,18).نعم كان الموت على الصليب موتا بطيئا وأليما ومرعبا ,ولكن ألأكثر الما عندما يموت أنسان بريئ مُتّهم بجريمة لم يرتكبها ,ولكن الأكثر الما وهولا هو ثقل الخطيئة للبشرية جمعاء التي حمّلها يسوع في موته على الصليب .
كانت تُعلّق أحيانا على الصليب لوحة بجريمة المحكوم عليهم تحذيرا للناس ,ولأنَّ يسوع لم يكن مذنبا ,كانت التهمة الوحيدة المكتوبة على تلك اللوحة هي "أنّه ملك اليهود"
ما معنى حمل الصليب؟
وكما أنّ روما كانت تُحمِّل المصلوب أن يحمل صليبه على أكتافه تعبيرا عن الخضوع لسلطات روما هكذا يسوع المسيح يطلب من اتباعه أن يحملوا الصليب في مسيرة حياتهم على هذه الأرض فيقول ."من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني "متى 16:24"  ..ومن لا يحمل صليبه ويتبعني,فلا يستحقُني"متى 10"38" .أستخدم يسوع المسيح تشبيهه حمل الصليب ليصوِّر غاية الخضوع المطلوب من أتباعه ,ولكن يسوع المسيح ليس ضدِّ السرور والفرح في هذه الحياة ,كما أنّه لا يقول لنا أن نسعى الى الألم عندما لا تكون هناك ضرورة ولكن اذا كان لا بُدّ لللالام فعلينا أن نواجهها مهما كان شاقا ومؤلما ,فلا شيئ حتّى حياتنا يمكن أن يُقارن بما سنربحه مع يسوع المسيح.فلا يمكننا أن نكون تلاميذ المسيح أذا لم نتحمّل الصلبان في حياتنا في هذه الأرض"لوقا14:27" نعم هناك كُلفة للذين يتبعون المسيح وعليهم أن يحسبوا ثمن أتباعه.
لكي نحمل صليبنا ونتبع المسيح يلزم أن نطرح عنّا كلِّ الهموم وألأولويات ألأخرى ,يجب أن نُسِّلم تماما لله في استعداد كامل لمواجهة أيُّ شيئ ولو كان ألألم والموت من أجله,فالتمسُّك بهذه الحياة يمكن أن يجعلنا نخسر المسيح في هذا العالم والعالم الآتي
لماذا طلب اليهود أن يموت يسوع على الصليب؟
أنّ قادة اليهود أرادوا تحقيق هدف رئيسي من صلب المسيح على( خشبة الصليب) وهو
لأنَّ المصلوب (حسب أعتقادهم) ملعون من الله"تثنية 21:23" وهكذا أرادوا أن يقنعوا الشعب أنَّ يسوع ملعونا من الله وليس مُباركا.
لماذا وضعت اللافتة على الصليب؟
وعلَّقَ بيلاطس على الصليب لوحة مكتوبا فيها :"يسوع الناصري ملك اليهود"يوحنا 19:19" كُتِبت هذه اللافتة  بثلاثة لغات :بالعبرية للمواطنين اليهود,وباللاتينية للرومان الذين في المنطقة ,وباليونانية للغرباء ولليهود الزائرين الآتين من بلاد أخرى.   يقصد من هذه اللافتة السخرية ,فأنّ ملكا عاريا جُرِّد من ثيابه وصُلِبَ على مرأى من الشعب من الواضح أنّه قد فقد مملكته الى ألأبد, (وهذا ماقاله احد الفلاسفة الوجوديين عندما قال : لقد مات اله المسيحيين فبماذا يفتخرون؟ونسى هذا الفيلسوف قيامة المسيح وأنتصاره على الموت)
كان الجنود الرومان يستهزئون ويسخرون من الرب يسوع المسيح بأن البسوه ثوبا قرمزيا ( رمز ثوب الملوكية) وضفروا اكليلا من الشوك ووضعوه على راسه (رمز تاج الملوك) وجعلوا في يمينه قصبة (رمز صولجان الملوك) ثم ركعوا أمامه (كما يركع الناس أمام الملوك حينذاك) قائلين "السلام عليك يا ملك اليهود"متى 27:27,28,29.أمّا الرب يسوع الذي يقلب حكمة هذا العالم ويغيّرها فكان على وشك أستلام مملكته .فبموت الرب يسوع وقيّامته سدد ضربة الى حكم الشيطان وأقام سلطانه الأبدي على ألأرض .انّ القَِلّة الذين
قرأوا هذه اللافتة  فكانت صادقة وحقيقية تماما فكتابة بيلاطس هي أعتراف( دون أن يقصد ذلك) بكون المسيح ملك لآ بل ملك الملوك ورب الأرباب,فها هو اليوم يسوع المسيح ملك على اليهود وعلى ألأُمميين وعلى كل الكون باكمله.
أنّ علامة الصليب يرمز الى العمل الكفاري الذي قام به يسوع المسيح أذ قدّم نفسه ذبيحة على خشبة الصليب ليحمل عنا خطايانا وليصالحنا مع ابيه السماوي حيث كنا أمواتا بسبب الخطيئة التي كانت حاجزا بين البشرية وبين الله, وبذبيحة المسيح رفع هذا الحاجز  لأنّ المسيح حمل خطايانا وسمّرها على خشبة الصليب ,فالمسيح كما قال عنه يوحنا المعمذان: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم"يوحنا1:29"
نعم فكما يقول الرسول بولس:"فالبشارة بالصليب "حماقة" عند الذين يسلكون طريق الهلاك.وأمّا عندنا نحن الذين يسلكون طريق الخلاص,فهو قدرة الله"1كورنثوس1:18"
"....وأذا كان اليهود يطلبون المعجزات ,واليونانيّون يبحثون عن الحكمة ,فنحنُ ننادي بالمسيح مصلوبا"1كورنثوس1:22".الصليب هو محور ألأيمان المسيحي فبموت المسيح كذبيحة كفارية , تم خلاص العالم من الخطيئة التي كانت سائدة على الجنس البشري فصار الخلاص متاحا للأنسان المؤمن بالفداء الذي قدّمه يسوع المسيح بسفك دمه البريء على خشبة الصليب.ويمكن أن نفهم عمل الله لخلاص العالم بأختصار كما ورد في الفصل 53 من نبوات اشعيا النبي الذي يقول:
"حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا ,حسبناه مصابا مضروبا من الله ومنكوبا وهو مجروح لأجل معاصينا ,مسحوقٌ لأجل خطايانا,سلاما أعدَّه لنا ,وبجراحه شُفينا....كُلُّنا كغنم ضَللنا,مال كُلِّ واحدِ الى طريقه ,فألقى عليه الرب أثم جميعنا......وضُرب لأجل معصية شعبه....وبوداعته يبرّر عبدي الصديق كثيرين من الناس ويحمل خطاياهم"اشعيا 53"
نعم" هكذا أحب الله العالم حتى وهب أبنه ألأوحد,فلا يهلك كل من يؤمن به ,بل تكون له الحياة ألأبدية"يوحنا 3:16"

147
ذكرى عيد الصليب
نافع البرواري
يصادف 14 أيلول من كلِّ سنة ذكرى عيد الصليب ويحتفل مسيحيوا المشرق بهذه المناسبة بأقامة الصلوات وأشعال النار على سطوح الكنائس والتلال والجبال, ولا نريد أن ندخل في تفاصيل تاريخية هذا العيد ولكن ما يهمُّنا هو رمز الصليب وأهميّته عندنا نحنُ المسيحيين. كيف كان يصلب الأنسان في عهد الرومان؟ ماذا يرمز صليب المسيح؟ لماذا مطلوب منا أن نحمل صليبنا ونتبع المسيح؟ لماذا نحن نفتخر بصليب المسيح ؟هذه ألأسئلة وغيرها علينا نحن المؤمنين ألأجابة عليها لكي نعرف معنى ورمز الصليب الذي نحمله على صدورنا أو نعلّقه على جدران بيوتنا أو كنائسنا
كان الصليب صورة مرعبة ومخزية لتنفيذ حكم ألأعدام ,فكان على المحكوم عليه أن يحمل صليبه على أكتافه طيلة الطريق الى مكان الصلب كعبرة للشعب وتعبيرا عن الخضوع لسلطات روما.(وهكذا فعل الرومان عندما فشلت ثورة العبيد بقيادة سبارتاكوس,فعندما فشلت ثورة تحرير العبيد قام الرومان بصلب مئات العبيد على الطرقات لكي يكونوا عبرة لمن تسوّل نفسه القيام بثورة ضد الأمبراطورية الرومانية).كانت هناك أشكال عديدة للصلبان ,وكذلك طرق عديدة للصلب.لقد سُمّرَ يسوع على الصليب ,بينما كان المحكوم عليهم يُربطون أحيانا بالحبال على الصليب,وفي كلتا الحالتين ,كان يحدث الموت نتيجة ألأختناق,لأنّ ثقل الجسم ,يجعل التنفُّس يزداد صعوبة مع فقدان قوّة الشخص.
فلنتصور حجم الآلام التي تحمّلها يسوع المسيح وهو في طريق الآلام للوصول الى الجلجلة حيث وضع الصليب على أكتافه بعد أن جُلد وعُذّبَ وأُستهزءَ به قبل أن يُرفع على خشبة الصليب وهو في طريقه الى الجلجلة( راجع مرقس15:16,17,18).نعم كان الموت على الصليب موتا بطيئا وأليما ومرعبا ,ولكن ألأكثر الما عندما يموت أنسان بريئ مُتّهم بجريمة لم يرتكبها ,ولكن الأكثر الما وهولا هو ثقل الخطيئة للبشرية جمعاء التي حمّلها يسوع في موته على الصليب .
كانت تُعلّق أحيانا على الصليب لوحة بجريمة المحكوم عليهم تحذيرا للناس ,ولأنَّ يسوع لم يكن مذنبا ,كانت التهمة الوحيدة المكتوبة على تلك اللوحة هي "أنّه ملك اليهود"
ما معنى حمل الصليب؟
وكما أنّ روما كانت تُحمِّل المصلوب أن يحمل صليبه على أكتافه تعبيرا عن الخضوع لسلطات روما هكذا يسوع المسيح يطلب من اتباعه أن يحملوا الصليب في مسيرة حياتهم على هذه الأرض فيقول ."من أراد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني "متى 16:24"  ..ومن لا يحمل صليبه ويتبعني,فلا يستحقُني"متى 10"38" .أستخدم يسوع المسيح تشبيهه حمل الصليب ليصوِّر غاية الخضوع المطلوب من أتباعه ,ولكن يسوع المسيح ليس ضدِّ السرور والفرح في هذه الحياة ,كما أنّه لا يقول لنا أن نسعى الى الألم عندما لا تكون هناك ضرورة ولكن اذا كان لا بُدّ لللالام فعلينا أن نواجهها مهما كان شاقا ومؤلما ,فلا شيئ حتّى حياتنا يمكن أن يُقارن بما سنربحه مع يسوع المسيح.فلا يمكننا أن نكون تلاميذ المسيح أذا لم نتحمّل الصلبان في حياتنا في هذه الأرض"لوقا14:27" نعم هناك كُلفة للذين يتبعون المسيح وعليهم أن يحسبوا ثمن أتباعه.
لكي نحمل صليبنا ونتبع المسيح يلزم أن نطرح عنّا كلِّ الهموم وألأولويات ألأخرى ,يجب أن نُسِّلم تماما لله في استعداد كامل لمواجهة أيُّ شيئ ولو كان ألألم والموت من أجله,فالتمسُّك بهذه الحياة يمكن أن يجعلنا نخسر المسيح في هذا العالم والعالم الآتي
لماذا طلب اليهود أن يموت يسوع على الصليب؟
أنّ قادة اليهود أرادوا تحقيق هدف رئيسي من صلب المسيح على( خشبة الصليب) وهو
لأنَّ المصلوب (حسب أعتقادهم) ملعون من الله"تثنية 21:23" وهكذا أرادوا أن يقنعوا الشعب أنَّ يسوع ملعونا من الله وليس مُباركا.
لماذا وضعت اللافتة على الصليب؟
وعلَّقَ بيلاطس على الصليب لوحة مكتوبا فيها :"يسوع الناصري ملك اليهود"يوحنا 19:19" كُتِبت هذه اللافتة  بثلاثة لغات :بالعبرية للمواطنين اليهود,وباللاتينية للرومان الذين في المنطقة ,وباليونانية للغرباء ولليهود الزائرين الآتين من بلاد أخرى.   يقصد من هذه اللافتة السخرية ,فأنّ ملكا عاريا جُرِّد من ثيابه وصُلِبَ على مرأى من الشعب من الواضح أنّه قد فقد مملكته الى ألأبد, (وهذا ماقاله احد الفلاسفة الوجوديين عندما قال : لقد مات اله المسيحيين فبماذا يفتخرون؟ونسى هذا الفيلسوف قيامة المسيح وأنتصاره على الموت)
كان الجنود الرومان يستهزئون ويسخرون من الرب يسوع المسيح بأن البسوه ثوبا قرمزيا ( رمز ثوب الملوكية) وضفروا اكليلا من الشوك ووضعوه على راسه (رمز تاج الملوك) وجعلوا في يمينه قصبة (رمز صولجان الملوك) ثم ركعوا أمامه (كما يركع الناس أمام الملوك حينذاك) قائلين "السلام عليك يا ملك اليهود"متى 27:27,28,29.أمّا الرب يسوع الذي يقلب حكمة هذا العالم ويغيّرها فكان على وشك أستلام مملكته .فبموت الرب يسوع وقيّامته سدد ضربة الى حكم الشيطان وأقام سلطانه الأبدي على ألأرض .انّ القَِلّة الذين
قرأوا هذه اللافتة  فكانت صادقة وحقيقية تماما فكتابة بيلاطس هي أعتراف( دون أن يقصد ذلك) بكون المسيح ملك لآ بل ملك الملوك ورب الأرباب,فها هو اليوم يسوع المسيح ملك على اليهود وعلى ألأُمميين وعلى كل الكون باكمله.
أنّ علامة الصليب يرمز الى العمل الكفاري الذي قام به يسوع المسيح أذ قدّم نفسه ذبيحة على خشبة الصليب ليحمل عنا خطايانا وليصالحنا مع ابيه السماوي حيث كنا أمواتا بسبب الخطيئة التي كانت حاجزا بين البشرية وبين الله, وبذبيحة المسيح رفع هذا الحاجز  لأنّ المسيح حمل خطايانا وسمّرها على خشبة الصليب ,فالمسيح كما قال عنه يوحنا المعمذان: "هذا هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم"يوحنا1:29"
نعم فكما يقول الرسول بولس:"فالبشارة بالصليب "حماقة" عند الذين يسلكون طريق الهلاك.وأمّا عندنا نحن الذين يسلكون طريق الخلاص,فهو قدرة الله"1كورنثوس1:18"
"....وأذا كان اليهود يطلبون المعجزات ,واليونانيّون يبحثون عن الحكمة ,فنحنُ ننادي بالمسيح مصلوبا"1كورنثوس1:22".الصليب هو محور ألأيمان المسيحي فبموت المسيح كذبيحة كفارية , تم خلاص العالم من الخطيئة التي كانت سائدة على الجنس البشري فصار الخلاص متاحا للأنسان المؤمن بالفداء الذي قدّمه يسوع المسيح بسفك دمه البريء على خشبة الصليب.ويمكن أن نفهم عمل الله لخلاص العالم بأختصار كما ورد في الفصل 53 من نبوات اشعيا النبي الذي يقول:
"حمل عاهاتنا وتحمَّل أوجاعنا ,حسبناه مصابا مضروبا من الله ومنكوبا وهو مجروح لأجل معاصينا ,مسحوقٌ لأجل خطايانا,سلاما أعدَّه لنا ,وبجراحه شُفينا....كُلُّنا كغنم ضَللنا,مال كُلِّ واحدِ الى طريقه ,فألقى عليه الرب أثم جميعنا......وضُرب لأجل معصية شعبه....وبوداعته يبرّر عبدي الصديق كثيرين من الناس ويحمل خطاياهم"اشعيا 53"
نعم" هكذا أحب الله العالم حتى وهب أبنه ألأوحد,فلا يهلك كل من يؤمن به ,بل تكون له الحياة ألأبدية"يوحنا 3:16"


148
يسوع المسيح هو" الخبز الحي النازل من السماء"
نافع البرواري
لماذا دعى يسوع المسيح نفسه خُبزَ الحياة؟ وكيف يُمكن ليسوع المسيح أن يعطينا جسده خُبزاً لناكلُه؟
يقول الرب يسوع المسيح: "أنا هو الخبز الحيُّ الذي نزل من السماء من أكَل هذا الخبز يحيا الى ألأبد والخبز الذي أعطيه هو جسدي أبذله من أجل حياة العالم "يوحنا 6:51" أنه كلاماً صعباً من الرب حتى أنّ بعض تلاميذه تركوه عندما قال لهم هذا الكلام .
نعم الكتاب المقدس يبقى لغزاً للكثيرين عندما لا يريدون ألأيمان بيسوع المسيح فيبقوا خارجين عن ملكوت الله ولا يستطيعون الدخول الى مائدة الرب ليتمتعوا ويأكلوا غذاء الروح الذي يهبه الرب يسوع المسيح لكُلّ الذين يقبلوه .
كان رؤساء اليهود يطلبون من يسوع على الدوام أن يُثبِت لهم سبب كونه أفضل من ألأنبياء الذين عندهم , مثل موسى , فيوضّح الرب يسوع المسيح الفرق بينه وبين ألأنبياء السابقين بمقارنة بسيطة يأتي على ذكر حادثة نزول الخبز (المن) من السماء (قارن عدد11:7,8,9) الذي أعطاه موسى لأجدادهم الذي كان خبزا جسديا ووقتيا , فكان الناس يأكلونه ليوم واحد, وكان عليهم أن يحصلوا المزيد منه  كُلِّ يوم, ولم يقدر هذا الخبز أن يمنعهم من الموت أو يمنع الموت عنهم. أمّا الرب يسوع , ألأعظم من موسى وبقية الأنبياء السابقين بما لا يقاس , فيقدّم ذاته خبزاً روحيا نازلا من السماء يُشبع بالتمام , ويقودنا الى الحياة ألأبدية. فيسوع المسيح يقول لليهود, عن نفسه " هذا هو الخبز النازل من السماء , لا المَن الذي أكّلهُ ابائكم ثم ماتوا. من أكل هذا الخبز يحيا الى الأبد"يوحنا 6:59" نعم ألأنبياء لم يستطيعوا أو يتجرّأوا بنطق هذا الكلام الآ الذي أتى من فوق وهو فقط الذي يُشبعنا بالخبز الحي النازل من السماء, بينما ألأنبياء لم يستطيعوا اشباع الناس لا بالطعام المادي ولا بالأقوال , كلام الرب يسوع المسيح هو فوق أدراك الكثيرين من الناس حتى أن علماء الشريعة اليهود لم يستوعبوه, وهو صعب الفهم حتى للكثيرين من المسيحيين الذين لا يؤمنون بسر الأفخارستية عندما يقدم الرب يسوع المسيح نفسه ذبيحة حيّة لنأكله ونشرب دمه في رمز الخبز والخمر الذي ثبّتته الكنيسة كسِّرٍ من أسرارها لأن الرب يسوع قال"أعملوا هذا لذكري" . الأفخارستية هو الشكر لله لأنّه قدّم جسده كذبيحة حيّة لخلاص العالم, وهو سر الثبات في الأيمان لأنّ الرب يعطينا الخبز الحي النازل من السماء وهو القوت الذي يساعدنا في الحياة والعيش مع المسيح , وهو ليس كالخبز(المن ) الذي نزل من السماء حيث العبرانيين ماتوا بعد حين من أكله, بينما يسوع المسيح يقول لنا انَّ حياته ينبغي أن تصير حياتنا فبتناول القربان المقدس هو رمز الأتحاد بيننا وبين الرب يسوع المسيح لأنّه الخبز الحي الذي يسري في عروقنا فيهبنا الحياة الأبدية وبهذا الخبز نتّحد نحن ألأخوة لنكون أعضاء في جسد المسيح . هناك صراع بين ألأنتماء المادي للأنسان والصراع الروحي, بين من يركّز على الشهوات الجسدية فقط وبين الذين يركّزون على الحياة الروحية , فما أتعس هؤلاء الناس الذين يركزّون فقط على الحياة الجسدية الفانية , بينما الحياة الروحية تبقى الى الأبد .
العبرانيّون وهم في صحراء سيناء , ركّزوا على الغذاء الجسدي , فتذكورا تلك الأيام التي كانوا في مصر يأكلون اللحم والسمك ووو... ولكنّهم نسوا أنّهم كانوا عبيداً للمصريين (الفراعنة) وجاء موسى بأمر من الرب ليحرّرهم من هذه العبودية , كانوا عبيدا لشهواتهم الجسدية, للطعام الفاني, بينما ها هو الرب يسوع المسيح يتكلّم معنا عن أنّه  الخبز الحي الروحي النازل من السماء لكي يهبنا الحياة ألأبدية, أمّا اليهود(وعالم اليوم) يتكلّمون بلغة الجسد أي بالأشباع الجسدي دون أن يقيموا أية أهمية للخبز الروحي ألأبدي الذي عندما نأكل منه لا نجوع"لأنَّ خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم الحياة" يوحنا 6:33" فالذي يأكل من الخبز المادي فهو يجوع ومن يشرب من الماء يعطش مرة ثانية, ولهذا قال الرب للمرأة السامرية ( التي أعطت الماء من البئر ليشرب منه الرب يسوع) : "كُلِّ من يشرب من هذا الماء يعطش ثانية , أمّا من يشرب من الماء الذي أُعطيه يصير فيه نبعا يفيض بالحياة الأبدية "يوحنا 4:13" . يسوع يدعونا الى العمل من أجل الخبز الذي يبقى ويصبح حياة ابدية. كيف نعمل وماذا نعمل؟ يسوع يقول :عملُ الله ان تؤمنوا بمن أرسلَ" يوحنا6:29". يسوع المسيح يريد منا العبور من ألأفكار الجسدية , الى ما هو أسمى وأطيب  بكثير , الى التمتع بكلّ كلمة يقولها الرب , فكلامه أشهى من العسل وأطيب من الشهد, وهوغذاء الروح , يقول كاتب المزمور"ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب". نحن لا نقلل من أهمية الغذاء الجسدي للقوت اليومي فالمسيح علمنا في صلاته الربانية أن نطلب من الآب في صلواتنا أن يعطينا" خبزنا كفافنا اليومي" فهو الخبز الجسدي الذي يوصلنا الى الخبز الروحي .
الرب يسوع المسيح يقول لتلاميذه في العشاء الأخير (العشاء الفصحي) "شهوة أشتهيت أن آكل الفصح معكم..."وهو بهذا العمل أراد أن يذكرهم بمحبّته لهم حتى المنتهى , وبرمز الفصح (القربان) قدّمَ جسده كخبز حي لخلاص العالم"والخبز الذي أُعطيه هو جسدي , أبذله من أجل حياة العالم"يوحنا 6:51". فعلى الأنسان العاقل , الذي هو جسد ورح, أن يفتش عن يسوع المسيح الذي هو طعام  روحي لايفنى"لا تعملوا للقوت الفاني, بل أعملوا للقوتِ الباقي للحياة ألأبديّة. هذا القوتُ يهبهُ لكم أبن ألأنسان , لأنَّ الآب ختمه بختمه"يوحنا6:27".
يسوع المسيح جاء  ليحرّك فينا "الرغبة " (ولكن ليست هذه الرغبة للشهوات الجسدية كالأكل والشرب والمال والسلطة ..الخ , كما يريد الشيطان أن يحرّك هذه الرغبة فينا, وكما يفعل الأنبياء الكذبة, ولكن الرغبة التي يريد الرب أن يحرّكها فينا هي التحرر من العبودية للشهوات الجسدية بالتفتيش عن الحياة الروحية , ولهذا قال الرب يسوع  للشيطان في التجربة في البريّة "ليس بالخبزِ وحده يحيا الأنسان بل بكُلِّ كلمة تخرج من فم الله"متى4:4".
يسوع المسيح يريد أن يحرّك فينا الشهوة الى ما هو فوق الجسديات , الى ما هو أسمى , الى التمتع معه بالحياة ألأبدية , فهو يريد منا أن نشارك ابيه السماوي بملكوته الروحية هو يريد منا أن نعبر من الماديات (الموت) الى الروحانيات (الحياة ألأبدية) بالولادة الروحية, بينما الشيطان يريدنا أن نستسلم للموت وعبودية الشهوات الجسدية .
يسوع المسيح يريد أن يحرّك فينا الجوع الى الله, بينما اليهود (والكثيرين منا اليوم) يفكّرون بالخبز المادي وقالوا للرب "أعطنا هذا الخبز (المادي) فهم لم يفهموا قصد الرب وهكذا المرأة السامرية .
 يسوع المسيح يريد منا أن نصغي الى كلمته (ونأكلها مجازا) لأنّ كلمته حيّة وفعالة وديناميكية وتغيّر الحياة أذ تعمل فينا وهي تُعلن ما لنا وما علينا بنفس حدّة مشرط الجرّاح "راجع : عبرانيين4:12,13"فبدون الطعام الروحي سنتضوَّر جوعا ولن تُشبعنا شهوات هذا العالم. فلكي نُغذّي نفوسنا, علينا أن نأخذ كلمة الله باشتياق كغذاء روحي .يقول الله على لسان اشعيا النبي:" لماذا تصرفون فضَّة لغير الخُبزِ وتتعبون في عملكم من غير شَبعِ ؟اسمعوا لي وكُلوا الطيِّبات وتلذَّذوا في طعامكم بالدسِّمِ  أَميلوا اذانكم وتعالوا اليَّ اسمعوا فتحيا نفوسكم..."اشعيا55:2,3".
ويقول الله على لسان النبي عاموس"ستأتي أيّام أقول أنا السيد الربُّ, أُرسِل فيها الجوع على ألأرض ,لا الجوع الى الخبز ولا العطش الى الماء بل الى ألأستماع الى كلمة الربَ. عاموس8:11 اليوم الكثيرون يدّعون أنتمائهم للمسيح ولكنهم, في الحقيقة, تركوا ربّنا يسوع المسيح" خبز الحياة" ونبع الماء الحي" وأخذوا يفتّشون عن الخبز الفاني وينقّبون عن مياه الآبار ألآسنة بينما الرب يقول , "أنا هو خُبز الحياة . من جاء اليَّ لايجوع ومن امن بي لا يعطش أبدا"يوحنا6:35: اليوم الغالبية من شعبنا, للأسف, وبسبب  الضروف الصعبة التي مرّوا بها, أنهارت قوّتهم وفتر ايمانهم وتزعز أساس بنائهم, لأنّهم لم يعتمدوا على الرب يسوع المسيح" خبز الحياة " وسدّوا اذانهم لسماع كلمة الله . وأصبحوا يبحثون عن مكان اخر لحل مشاكلهم الحياتية ووضعوا الكتاب المقدس على رفوف مكتباتهم ليغطيه التراب , بينما أخذوا يفتّشون عن المال والسلطة والشهوات الزائلة , وتركوا محبّتهم القديمة وطيبتهم وصدقهم الذي ورثوه من ابائهم وأجدادهم  وأنقسموا على بعضهم وتشتتوا لأنّهم تركوا الراعي الصالح وظلّوا طريقهم وأصبحوا فريسة سهلة للذئاب الخاطفة .
سألتُ أحد الآباء, الذي كان يكرّس حياته لخدمة أحدى القرى المسيحية في شمال العراق , لماذا تركتَ العراق وهاجرت الى الغرب بينما المسيحيين في العراق يُضطهدون ويُهجِّرون ويُقتلون وهم في أشّد الحاجة الى أب روحي  وراعي للكنيسة  يعزّيهم ويشدُّ أزرهم ويقوّي ايمانهم ويقوم بخدمتهم ويقيم قداس الذبيحة الحيّة ليعترفوا ويتناولوا القربان (خبز الحياة)؟
فكان جوابه لي صدمة كبيرة وهو يدعو الى الحزن والأحباط والألم عندما قال (ولم أستوعبه الاّ بعد التأكد من ذلك من عدّة مصادر لأنّي تركت الوطن منذ سنين لأسباب ليست في صلب موضوعنا) .
أبني : انّ المسيحيين اليوم, في العراق, ليسوا نفس مسيحيي الأمس!!! فقلت له كيف؟ فأجابني أنّ الكثيرين من مسيحيي اليوم فقدوا محبّتهم وأيمانهم وأصبحوا يلهثون وراء المال والجاه وأصابهم الكسل والخمول وتركوا أعمالهم وأصبحوا يُفتّشون عن كُلِ ما هو جديد وسلكوا الطريق الواسع والمفتوح وتركوا كنائسهم ومقدّساتهم وحتّى أرض ابائهم وأجدادهم.
في الحقيقة لم يقنعني هذا الأب بجوابه , فهو راعي , والراعي يجب أن لا يترك رعيّته مهما كانت الأسباب والظروف , ولكن لا ألوم هذا الراعي فقط  بل اللوم أيضا علينا نحن الذين تركنا المسيح الراعي الصالح وأصبح لكلّ منا راعي مزيّف ماجور نتبعه وللأسف هذا الراعي المأجور يقودنا الى حيث هناك ذئاب مفترسة فتمزّقنا وتُشتتنا .
صدق الرب يسوع المسيح عندما يقول "لا يجيءُ السارق الآّ ليسرق ويقتل ويهدم .أمّا أنا فجئتُ لتكون لهم الحياة , بل ملءُ الحياة"يوحنا 10:10".
انّ احد ألأسباب الرئيسية للحالة التي وصلنا اليها , نحنُ مسيحيي العراق, هي فتور ايماننا بشخص يسوع المسيح ابن الله الذي بذل نفسه من أجلنا ودعانا الى مائدته ليشاركنا في ملكوته ولكننا رفضنا هذا العرض السخي بحجج واهية كما فعل المدعوّين الى وليمة الملك في أنجيل "متى22" وكانت النتيجة كما يخبرنا البشير متى :"...الوليمة مُهيّأةٌ ولكن المدعوّين غير مستحقين".
اليوم كنيستنا المشرقية منقسمة على نفسها وحتى الرعاة أصبح الكثيرون منهم يفتشون عن الطعام الفاني وتعلّقوا بالمال والسلطة والكراسي والنتيجة صار هناك تشويش وتهميش لدور الرعاة الحقيقيين فتشتت الرعية بانقسام الكنيسة الواحدة على نفسها وهذا يُذكّرنا بكلام الرب يسوع المسيح "كُلِّ بيت ينقسم على نفسه يخرب".
ولكن يبقى أملنا كبيرا ورجائنا لن يخيب بيسوع المسيح الذي لن يتركنا على هذه الحالة مهما أشتدَّ الظلام ومهما كانت الظروف صعبة ومهما حاول الشيطان تقسيم وحدتنا المسيحية , فيسوع سيتدخّل ويعيد الى كنيسته وشعبه الوجه الناصع ويجدد بروحه القدوس حياتنا ويلم شملنا ويداوي جراحاتنا ويغفر لنا بعد أن نتوب ونرجع اليه قائلين , كما قال الرسول بطرس"الى من نذهب يارب وعندك كلام الحياة الأبدية" .

149
السريانية لغة وثقافة وحضارة
 

نافع البرواري
تكلمنا في  المقالة السابقة عن السريان ونقل البشارة (كما ورد نصا في كتاب "ينابيع سريانية") من بلاد الرافدين الى بلاد فارس واسية الوسطى, وسنستعرض في هذه المقالة تتمة المقالة السابقة عن السريان ونقل البشارة الى"اسيا الوسطى نحو الصين وبلاد شرق آسيا والأراضي الهندية والسيلانية.
لقد سلك رُسلْ كنيسة المشرق في حماستهم التبشيرية طرق القوافل التجارية ألآتية بالحرائر والبهارات من الصين, وحققوا أهتداءات عند الويغور والكيرخيز والمركيت والأتراك والتتار والهون والنايمان وألأُويرات(على شواطئ بحيرة بايكال في سيبيريا الشرقية) والكاراخيتاي والخيتان والتانغوت التيبيتيّين . كانوا يسمّون التيبت بيث توبتاتي , وكان لها في القرن الثامن متروبوليت يرئس عدّة أساقفة, وقد بدأ تبشيرها قبل قرن .
من يراجع خارطة العالم يلاحظ ألأمتداد الجغرافي , في أتجاه الشمال الشرقيّ, من هضبة التيبت الى جنوب سيبريا الى بلاد المغول ثمّ الى منشورية فشمال كوريا . واذا كان الوجود المشرقي في منشوريا قد ثبت خلال القرون ألأربعة (من العاشر الى الثالث عشر), فهذا يعني أنّه تركّز في المناطق المغولية والسيبيرية الجنوبية . وتفيد الوثائق أنّ ألأمير المسيحي نايان الذي كان يحكم بجيش معضمه من المسيحيين , منغوليا ومنشوريا, كان يضع الصليب على راياته قبل أن يثور على قوبيلاي خان ويموت في المعركة سنة 1287م. وفي منغوليا الداخلية , وتحديدا في أولون سومايينتور وجد أوين لاتيمورسنة 1933م بقايا كنيسة مشرقية تبعد 20 كلم شمال شرق بالينغ – مياو , وأكتشفت , من جهة أخرى , ذخائر مشرقية في اليابان . فخلال غزو الجيش المغولي , الذي هزمه اليابانيّون سنة 1281 خلال المعركة الكبرى في خليج هاكاتا عند أرخبيل كيوشو, كان جنود الجيش المغولي , ولاسيّما الوغور, يضعون صلبانا على خوذهم الفولاذية. وفي القرن الثاث عشر أمتازت ابرشيات كاراكوروم, وخان باليق والماليغ, وهي ثلاثة متروبوليتات مشرقية, بأمتدادها . ولقد وجدت نقوش محفورة في قبور مشرقية في مدينة الماليغ . وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر كان لا يزال يوجد مسيحييون في كانتون (عاصمة مقاطعة غواندونغ الصينية). وكان ألأكليروس المسيحي معفيّا من الضرائب وتوزع عليه حبوب بأمر ألأمبراطور. وفي عودة الى قوبلاي خان , كانت أمّة بايغي مشرقية , وقد أسس سنة 1289 مكتبا لتنظيم شؤون العبادة المسيحية في الأمبراطورية كُلّها(الصينية التي حكمتها السلالة المغولية من 1260-1367م). 
 Xian مسلّة كسي – ان
دعا المشرقيّون الصين بيت شينايي أو شينستان , وقد بدأ حضورهم فيها قبل استقرار سلالة تانغ عام 520 . لقد سبقوا الفرنسيسكان والدومنيكان واليسوعيّين بالف سنة تقريبا. ومركز ألأشعاع المسيحي في الصين لم يكن رومة بل سلوقية قطيسفون . والرهبان المثقّفون ألأوائل الذين بشّروها باركهم البطريرك المشرقي على بلاد اشور وكلدو أيشوعياب الثاني الجدالي سنة 630م . انّ عاصمة سلالة تانغ الصينية (618-906) كانت كسي – أن , وهي الآن عاصمة مقاطعة شانكسي حيث حوض واي هي الذي كان يدعى شانغ – أن . في عام 781 م شُيّد نصب تذكاري في كسي- أن عليه كتابات محفورة بالصينية وألآرامية . موقع النصب حرم دير تا تسين المؤسّس سنة 638م , ما يدلُّ على نشاطاتهم الرسولية انذاك . وقد أُكتشف النصب سنة 1623م ألآباء اليسوعيّون , فأحدث أكتشافهم أنذاك ضجّة في أوروبا كصدى لهذا الحدث المهم , حتى أنّ فولتير الشكّاك أعتبر النصب قطعة مثيرة للفضول بل "للشعوذة النسطورية الهرطوقيّة ". وما كتبهُ :"لكنّ هؤلاء المعلّقين لا يفقهون أنّ مسيحيّي بلاد ما بين النهرين كانوا نساطرة لايؤمنون بالعذراء القدّيسة والدة الآله. وبالتالي , اذا أعتبرنا أولوبوين كلدانيّا أرسله الغمام ألأزرق لهداية الصين , نفترض أنّ الله أرسل عمدا هرطوقيّا لأفساد هذه المملكة الجميلة".
تُسمّي كتابات النصب أوّل مرسل كلداني الى المدينة الصينية ألوبن (ابراهيم أو لابان), وتقول أنّه أصطحب معه سبعين راهبا . وتُقسم المسلة الى خمسة أقسام , قسمها ألأهم مختصر عقيدي لأيمان كنيسة المشرق , وقد حرّره الكاهن الصغدي ادم المقيم في دير تا تسين , وهو شخصية كفوءة في اللغات الصينية والويغورية والصغدية. يعالج المختصر مسائل الله ,والثالوث ألأقدس , والخلق , والعدالة ألأصلية , والسقطة والتجسّد والفداء , والصعود....
وتروي المسلة مراحل أنتشار كنيسة المشرق في الصين , وما لاقته من ترحيب مؤات من قبل سلالة تانغ (التي حكمت من 618حتى 907)...ويظهر على المسلة اسم مار خينانيشو الثاني , الجثليق سنة 774م. وهذه "الديانة المشّعة"سيحامي عنها بفضل مرسوم أمبراطوريِّ لأحد ملوك سلالة ثانغ, المدعو تأي – تسونغ وقد أعلنه سنة 638 وسمح بموجبه لهؤلاء المرسلين أن يبنوا كنائس ويفتحوا أكليريكيّات ...في عهد هذا الأمبراطور ارسل جاثليق كنيسة المشرق مار ايشوعياب الثاي الجدالي (628-683)الى الصين مبشّرين استقبلهم وزيره فانغ- هيون لينغ المحفور اسمه على المسّلة. ووسع خليفة تاي تسونغ , ألأمبراطور الجديد كاوتسونغ ألأنعامات المعطاة, وأطلق على ألوبين لقب"حارس العقيدة الكبيرة"وحافظ على السياسة عينها ألأمبراطوران هيوان تسونغ (712-754) وسوتسونغ (756-762). وهكذا أنتشرت كنيسة المشرق في ستّ مقاطعات , وشُيّد عدّة أديار في البلاد . وفي مثل هذه الظروف الملائمة , أستطاعت كنيسة المشرق أن تمتد الى عدّة مقاطعات صينية , ولا سيّما في شمال البلاد وشيّدت عدّة أماكن عبادة . والجاثليق مار تيموتاوس الأول المعاصر للمسلّة , رفع أسقف الصين الى مرتبة متروبوليت ياتمر بامره عدّة اساقفة مساعدين , وقد حلّ هذا المتروبوليت في المنزلة الرابعة عشرة بين الناخبين البطريركيّين .
في جنوب شرق اسية
كذلك أنتشر مبشّروا كنيسة المشرق في البنغال , وفي بيغو  عاصمة بيرمانيا القديمة (القرن 16) , وفي ايوتيا عاصمة مملكة سيام (تايلند) وفي جزيرة بورنيو. وبحسب القس الأسكندري جون ستيوارت , كان ثلثا جزر الملوك (أندنوسيا) وجزر الفليليبين من رعايا كنيسة المشرق . والمرسل الفرنسيسكانيّ دجيوفانّي دي ماريغنولي , صد البابا انذاك في بكّين , ذهب في سنة 1348-1349 الى بلاد "سابا" , وزار سومطرا سنة 1347 واعلن عن وجود عدد صغير من المسيحيين في تلك البلاد. وثابرت كنيسة المشرق , بدءا من العام 1503, على سيامة مطارين , واساقفة في الهند وفي جزر البحر الواقعة بين دبهاغ وسين وماسين .
في ألأراضي الهنديّة والسيلانيّة
تؤكّد المراجع منذ القرون ألأولى وجود جماعات مهمّة من المسيحيّين في الهند, وخصوصا على شواطئ المالبار والكوروماندل, وفي أرخبيل المالديف . وكان لهذه الجماعات سدّة متروبوليتية بين عامي 714-724.في ذلك العهد كانت تنشأ ممالك في جنوب الهند, وكانت سلالة بالافا تهيمن على المنطقة . ولقد أزدهرت الكنيسة الهنديّة في القرن التاسع , وأنعم عليها بأمتيازات عديدة ملك مالابار سرام برومال . بل انَّ المسيحيين شكّلوا مملكة , ودعي باليارِتس, أوّل ملك في المالابار, ملك مسيحيّي مار توما. وبحسب جون ستيوارت , كان يوجد في كُلِّ الهند رعايا لكنيسة المشرق (مالبار , مادراس , البنجاب, تلغو, كالايام).
لكن القرنين الخامس والسادس عشر قد طُبعا بوصول البرتغاليّين , والمرسلين اللاتين الى هذه المنطقة. وبعد سينودس ديامبر(حزيران 1599) بدأ تفكُّك كنيسة المشرق في الهند. فالاكليروس البرتغالي أمر بحرق كُلِّ الكتب المشتبه بأنّها نسطوريّة, وفرض الطقوس اللاتينية على هذه الجماعات ألأصلية. لكنَّ قضيّة المالابار عادت الى الظهور عندما توجّه كهنة هذه الكنيسة السريانيّة وأساقفتها الى جاثليق كنيسة بابل , يوسف السادس أودو(1847-1878) ليرسم لهم أُسقُفا . فرفضت رومة واستدعت الجاثليق. ويُفهم هذا الحدث في سياق اطاره لدى عقد كنيسة بلاد ما بين النهرين سينودس 1853 وعقد الكنيسة الكاثوليكية مجمع الفاتيكان ألأول , وما تلاهما من نتائج.
ولقد استُتبع مسيحيو أيوتهيّا وبغو بمتروبوليتيّة الهند . وفي ما خصَ هذا البلد الأخير كتب الرحّالة جيروم دي سان ستيفانو سنة 1496 , أنّه دفن رفيق سفره في مدينة بغو وفي كنيسة خربة لم يقصدها أحد.
وثمّة أبرشية تؤكّد الوثائق وجودها في سيلان منذ القرن السادس . فالجغرافي النسطوري كوزماس انديكوبلوستس الذي عاش في القرن السادس ويذكر في "طوبوغرافيّته المسيحية "مايلي:"في تابروبان الجزيرة في الهند الداخليّة (عند الشاطئ الشرقي) حيث يوجد البحر الهندي , يوجد كنيسة مسيحية , مع أكليروس ومؤمنين , وأجهل وجود كنيسة في مكان ابعد. وكذلك في البقعة المسمّات ماليه, حيث ينمو البهار , وفي المكان المسمّى كاليانا , يوجد ايضا أسقف سيّم في بلاد فارس ". وبحسب المؤلف نفسه , كان يوجد في القرن السادس, في جزيرة ديوسقوريدس (سقطرة في اليمن), أكليريكيّون مرسلون من بلاد ما بين النهرين :"وعلى نحو مماثل, في الجزيرة المسمّاة ديوسقوريدس , الواقعة في البحر الهنديّ ذاته والتي يقطنها مستوطنون أتى بهم البطالسة خلفاء الأسكندر المقدوني ويتكلّمون باليونانية ,يوجد اكليريكيّون مرسلون في بلاد فارس وقد أُرسلوا الى هذه المناطق مع جمع من المسيحيين . لقد مخر مركبنا البرّ في محاذاة هذه الجزيرة , لكنَّه لم يَرسُ فيها , غيرُ أنّني تحادثتُ مع سُكّان من البلاد يتكلّمون اليونانية وقد جاؤا من الحبشة".
مصدر المقالة السابقة على الرابط ادناه:
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30963.html

150
السريانية لغة وثقافة وحضارة
 
تتمة الجزء الثالث:" السريان ونقل البشارة"
نافع البرواري
تكلمنا في  المقالة السابقة عن السريان ونقل البشارة (كما ورد نصا في كتاب "ينابيع سريانية") من بلاد الرافدين الى بلاد فارس واسية الوسطى, وسنستعرض في هذه المقالة تتمة المقالة السابقة عن السريان ونقل البشارة الى"اسيا الوسطى نحو الصين وبلاد شرق آسيا والأراضي الهندية والسيلانية.
لقد سلك رُسلْ كنيسة المشرق في حماستهم التبشيرية طرق القوافل التجارية ألآتية بالحرائر والبهارات من الصين, وحققوا أهتداءات عند الويغور والكيرخيز والمركيت والأتراك والتتار والهون والنايمان وألأُويرات(على شواطئ بحيرة بايكال في سيبيريا الشرقية) والكاراخيتاي والخيتان والتانغوت التيبيتيّين . كانوا يسمّون التيبت بيث توبتاتي , وكان لها في القرن الثامن متروبوليت يرئس عدّة أساقفة, وقد بدأ تبشيرها قبل قرن .
من يراجع خارطة العالم يلاحظ ألأمتداد الجغرافي , في أتجاه الشمال الشرقيّ, من هضبة التيبت الى جنوب سيبريا الى بلاد المغول ثمّ الى منشورية فشمال كوريا . واذا كان الوجود المشرقي في منشوريا قد ثبت خلال القرون ألأربعة (من العاشر الى الثالث عشر), فهذا يعني أنّه تركّز في المناطق المغولية والسيبيرية الجنوبية . وتفيد الوثائق أنّ ألأمير المسيحي نايان الذي كان يحكم بجيش معضمه من المسيحيين , منغوليا ومنشوريا, كان يضع الصليب على راياته قبل أن يثور على قوبيلاي خان ويموت في المعركة سنة 1287م. وفي منغوليا الداخلية , وتحديدا في أولون سومايينتور وجد أوين لاتيمورسنة 1933م بقايا كنيسة مشرقية تبعد 20 كلم شمال شرق بالينغ – مياو , وأكتشفت , من جهة أخرى , ذخائر مشرقية في اليابان . فخلال غزو الجيش المغولي , الذي هزمه اليابانيّون سنة 1281 خلال المعركة الكبرى في خليج هاكاتا عند أرخبيل كيوشو, كان جنود الجيش المغولي , ولاسيّما الوغور, يضعون صلبانا على خوذهم الفولاذية. وفي القرن الثاث عشر أمتازت ابرشيات كاراكوروم, وخان باليق والماليغ, وهي ثلاثة متروبوليتات مشرقية, بأمتدادها . ولقد وجدت نقوش محفورة في قبور مشرقية في مدينة الماليغ . وفي النصف الثاني من القرن الحادي عشر كان لا يزال يوجد مسيحييون في كانتون (عاصمة مقاطعة غواندونغ الصينية). وكان ألأكليروس المسيحي معفيّا من الضرائب وتوزع عليه حبوب بأمر ألأمبراطور. وفي عودة الى قوبلاي خان , كانت أمّة بايغي مشرقية , وقد أسس سنة 1289 مكتبا لتنظيم شؤون العبادة المسيحية في الأمبراطورية كُلّها(الصينية التي حكمتها السلالة المغولية من 1260-1367م). 
 Xian مسلّة كسي – ان
دعا المشرقيّون الصين بيت شينايي أو شينستان , وقد بدأ حضورهم فيها قبل استقرار سلالة تانغ عام 520 . لقد سبقوا الفرنسيسكان والدومنيكان واليسوعيّين بالف سنة تقريبا. ومركز ألأشعاع المسيحي في الصين لم يكن رومة بل سلوقية قطيسفون . والرهبان المثقّفون ألأوائل الذين بشّروها باركهم البطريرك المشرقي على بلاد اشور وكلدو أيشوعياب الثاني الجدالي سنة 630م . انّ عاصمة سلالة تانغ الصينية (618-906) كانت كسي – أن , وهي الآن عاصمة مقاطعة شانكسي حيث حوض واي هي الذي كان يدعى شانغ – أن . في عام 781 م شُيّد نصب تذكاري في كسي- أن عليه كتابات محفورة بالصينية وألآرامية . موقع النصب حرم دير تا تسين المؤسّس سنة 638م , ما يدلُّ على نشاطاتهم الرسولية انذاك . وقد أُكتشف النصب سنة 1623م ألآباء اليسوعيّون , فأحدث أكتشافهم أنذاك ضجّة في أوروبا كصدى لهذا الحدث المهم , حتى أنّ فولتير الشكّاك أعتبر النصب قطعة مثيرة للفضول بل "للشعوذة النسطورية الهرطوقيّة ". وما كتبهُ :"لكنّ هؤلاء المعلّقين لا يفقهون أنّ مسيحيّي بلاد ما بين النهرين كانوا نساطرة لايؤمنون بالعذراء القدّيسة والدة الآله. وبالتالي , اذا أعتبرنا أولوبوين كلدانيّا أرسله الغمام ألأزرق لهداية الصين , نفترض أنّ الله أرسل عمدا هرطوقيّا لأفساد هذه المملكة الجميلة".
تُسمّي كتابات النصب أوّل مرسل كلداني الى المدينة الصينية ألوبن (ابراهيم أو لابان), وتقول أنّه أصطحب معه سبعين راهبا . وتُقسم المسلة الى خمسة أقسام , قسمها ألأهم مختصر عقيدي لأيمان كنيسة المشرق , وقد حرّره الكاهن الصغدي ادم المقيم في دير تا تسين , وهو شخصية كفوءة في اللغات الصينية والويغورية والصغدية. يعالج المختصر مسائل الله ,والثالوث ألأقدس , والخلق , والعدالة ألأصلية , والسقطة والتجسّد والفداء , والصعود....
وتروي المسلة مراحل أنتشار كنيسة المشرق في الصين , وما لاقته من ترحيب مؤات من قبل سلالة تانغ (التي حكمت من 618حتى 907)...ويظهر على المسلة اسم مار خينانيشو الثاني , الجثليق سنة 774م. وهذه "الديانة المشّعة"سيحامي عنها بفضل مرسوم أمبراطوريِّ لأحد ملوك سلالة ثانغ, المدعو تأي – تسونغ وقد أعلنه سنة 638 وسمح بموجبه لهؤلاء المرسلين أن يبنوا كنائس ويفتحوا أكليريكيّات ...في عهد هذا الأمبراطور ارسل جاثليق كنيسة المشرق مار ايشوعياب الثاي الجدالي (628-683)الى الصين مبشّرين استقبلهم وزيره فانغ- هيون لينغ المحفور اسمه على المسّلة. ووسع خليفة تاي تسونغ , ألأمبراطور الجديد كاوتسونغ ألأنعامات المعطاة, وأطلق على ألوبين لقب"حارس العقيدة الكبيرة"وحافظ على السياسة عينها ألأمبراطوران هيوان تسونغ (712-754) وسوتسونغ (756-762). وهكذا أنتشرت كنيسة المشرق في ستّ مقاطعات , وشُيّد عدّة أديار في البلاد . وفي مثل هذه الظروف الملائمة , أستطاعت كنيسة المشرق أن تمتد الى عدّة مقاطعات صينية , ولا سيّما في شمال البلاد وشيّدت عدّة أماكن عبادة . والجاثليق مار تيموتاوس الأول المعاصر للمسلّة , رفع أسقف الصين الى مرتبة متروبوليت ياتمر بامره عدّة اساقفة مساعدين , وقد حلّ هذا المتروبوليت في المنزلة الرابعة عشرة بين الناخبين البطريركيّين .
في جنوب شرق اسية
كذلك أنتشر مبشّروا كنيسة المشرق في البنغال , وفي بيغو  عاصمة بيرمانيا القديمة (القرن 16) , وفي ايوتيا عاصمة مملكة سيام (تايلند) وفي جزيرة بورنيو. وبحسب القس الأسكندري جون ستيوارت , كان ثلثا جزر الملوك (أندنوسيا) وجزر الفليليبين من رعايا كنيسة المشرق . والمرسل الفرنسيسكانيّ دجيوفانّي دي ماريغنولي , صد البابا انذاك في بكّين , ذهب في سنة 1348-1349 الى بلاد "سابا" , وزار سومطرا سنة 1347 واعلن عن وجود عدد صغير من المسيحيين في تلك البلاد. وثابرت كنيسة المشرق , بدءا من العام 1503, على سيامة مطارين , واساقفة في الهند وفي جزر البحر الواقعة بين دبهاغ وسين وماسين .
في ألأراضي الهنديّة والسيلانيّة
تؤكّد المراجع منذ القرون ألأولى وجود جماعات مهمّة من المسيحيّين في الهند, وخصوصا على شواطئ المالبار والكوروماندل, وفي أرخبيل المالديف . وكان لهذه الجماعات سدّة متروبوليتية بين عامي 714-724.في ذلك العهد كانت تنشأ ممالك في جنوب الهند, وكانت سلالة بالافا تهيمن على المنطقة . ولقد أزدهرت الكنيسة الهنديّة في القرن التاسع , وأنعم عليها بأمتيازات عديدة ملك مالابار سرام برومال . بل انَّ المسيحيين شكّلوا مملكة , ودعي باليارِتس, أوّل ملك في المالابار, ملك مسيحيّي مار توما. وبحسب جون ستيوارت , كان يوجد في كُلِّ الهند رعايا لكنيسة المشرق (مالبار , مادراس , البنجاب, تلغو, كالايام).
لكن القرنين الخامس والسادس عشر قد طُبعا بوصول البرتغاليّين , والمرسلين اللاتين الى هذه المنطقة. وبعد سينودس ديامبر(حزيران 1599) بدأ تفكُّك كنيسة المشرق في الهند. فالاكليروس البرتغالي أمر بحرق كُلِّ الكتب المشتبه بأنّها نسطوريّة, وفرض الطقوس اللاتينية على هذه الجماعات ألأصلية. لكنَّ قضيّة المالابار عادت الى الظهور عندما توجّه كهنة هذه الكنيسة السريانيّة وأساقفتها الى جاثليق كنيسة بابل , يوسف السادس أودو(1847-1878) ليرسم لهم أُسقُفا . فرفضت رومة واستدعت الجاثليق. ويُفهم هذا الحدث في سياق اطاره لدى عقد كنيسة بلاد ما بين النهرين سينودس 1853 وعقد الكنيسة الكاثوليكية مجمع الفاتيكان ألأول , وما تلاهما من نتائج.
ولقد استُتبع مسيحيو أيوتهيّا وبغو بمتروبوليتيّة الهند . وفي ما خصَ هذا البلد الأخير كتب الرحّالة جيروم دي سان ستيفانو سنة 1496 , أنّه دفن رفيق سفره في مدينة بغو وفي كنيسة خربة لم يقصدها أحد.
وثمّة أبرشية تؤكّد الوثائق وجودها في سيلان منذ القرن السادس . فالجغرافي النسطوري كوزماس انديكوبلوستس الذي عاش في القرن السادس ويذكر في "طوبوغرافيّته المسيحية "مايلي:"في تابروبان الجزيرة في الهند الداخليّة (عند الشاطئ الشرقي) حيث يوجد البحر الهندي , يوجد كنيسة مسيحية , مع أكليروس ومؤمنين , وأجهل وجود كنيسة في مكان ابعد. وكذلك في البقعة المسمّات ماليه, حيث ينمو البهار , وفي المكان المسمّى كاليانا , يوجد ايضا أسقف سيّم في بلاد فارس ". وبحسب المؤلف نفسه , كان يوجد في القرن السادس, في جزيرة ديوسقوريدس (سقطرة في اليمن), أكليريكيّون مرسلون من بلاد ما بين النهرين :"وعلى نحو مماثل, في الجزيرة المسمّاة ديوسقوريدس , الواقعة في البحر الهنديّ ذاته والتي يقطنها مستوطنون أتى بهم البطالسة خلفاء الأسكندر المقدوني ويتكلّمون باليونانية ,يوجد اكليريكيّون مرسلون في بلاد فارس وقد أُرسلوا الى هذه المناطق مع جمع من المسيحيين . لقد مخر مركبنا البرّ في محاذاة هذه الجزيرة , لكنَّه لم يَرسُ فيها , غيرُ أنّني تحادثتُ مع سُكّان من البلاد يتكلّمون اليونانية وقد جاؤا من الحبشة".
مصدر المقالة السابقة على الرابط ادناه:
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30963.html

151
الى الأستاذ الدكتور ليون برخو مع خالص تحياتي
عزيزي الأستاذ برخو المحترم
أنا أُتابع معظم مقالاتك المنشورة في بعض المواقع , وإنني من المعجبين باسلوبك الأكاديمي العلمي في الطرح وعدم الخضوع للأفكار المسبقة أو للعواطف والمشاعر(كما يفعل الآخرون مع الأسف) , بل كُلّ ما تكتبه هو بنظرة موضوعية بعيدة كُلِّ البعد عن التعصّب الأعمى لهذه الجهة أو تلك , وأُقدر كُل التقدير مواقفك وسعيك الحثيث لتوحيد المسيحيين ليكون لهم صوتاً واحداً وموقفاً واحداً وراياً واحداً لمواجهة التحديّات التي هي من الخطورة ولا يمكن السكوت عنها أو أهمالها لانّها تعقرر مصير وجودنا وبقائنا في أرض الأباء والأجداد , ويعجبني طرحك الخاص في تشخيصك للماضي والحاضر ورؤيتك للمستقبل .
ولكن مع شديد الأسف , وأنا أقولها بألم وحزن شديدين , لم اقرأ الا لعدد قليل من الكتاب المثقفون الذين يؤيدون طرحك المتكرر في العودة الى جذورنا وينابيعنا السريانية دون القفز في متاهات التاريخ  القديم الذي لم يكن فيه التدوين الصحيح للأحداث بل كانت الأمبراطوريات المنتصرة هي التي تدوّن تاريخ فتوحاتها وأنتصاراتها على حساب الحقيقة , وكُلّ ما نعرفه من هذه الأمبراطوريات الوثنية, سواء كانت الأمبراطورية الكلدانية أو الأمبراطورية الآشورية وغيرها التي سبقت الحضارة السريانية , لا يمكن الأستناد اليها كمصادر لمعرفة قومية الشعوب التي عاشت في بلاد وادي الرافدين والسبب بسيط وأكيد هو لأنّ هذه الأمبراطوريات كانت تتألف من عدة قوميات وشعوب خاضعة لحكم هذه الأمبراطوريات , ولا يمكن لأيّ دارس أو باحث في الشؤون القومية وألأجتماعية والتاريخية أن يعطينا الجواب الشافي عن القومية الكدانية أو القومية الآشورية أو القومية الآرامية , لأنها أنصهرت في بودقة واحدة (كما تفضلت في أحدى مقالاتك) , وهناك أسباب كثيرة أخرى يمكن أن نضيفها الى ما قلته وهي : عدم وجود كتابة مدوّنة لتاريخ الأحداث بصورة علمية وتسلسل تاريخي يمكن الأعتماد عليها وما لدينا اليوم هو بعض الآثار التي تخبرنا ببعض المعلومات وليس كُلّ المعلومات وهي لا تخبرنا عن أصل وفصل هذه الشعوب , والسبب الأهم برأيي الشخصي هو أنّ هذه القوميات والشعوب كانت "متحركة" وبمعنى اخر كانت شعوب وادي الرافدين (بيث نهرين) غير مستقرة فأحياناً كثيرة وبسبب الحروب والمحن والأضطهادات وبسبب المناخ وغضب الطبيعة , كانت هذه الشعوب تهاجر من أماكن بعيدة مثل شبه الجزيرة العربية لتستقر في بلاد مابين النهرين , أو تُجلب شعوب من أماكن أخرى كأسرى حروب لتعيش في وادي الرافدين أو شعوب تأتي من خارج بلاد وادي الرافدين كمحتلين , وهذا قد حدث كثيرا كما يخبرنا التاريخ وكذلك الكتاب المقدس الذي لايمكن أن ننكر كونه مصدر مهم من مصادر التاريخ بالرغم من وجود بعض ألأحداث المدونة فيه لأمور روحية وليس قصدها أحداث تاريخية .
لنرجع الى موضوعنا الأهم وهو كيف نستطيع أن نتَّحد بشراكة موحَّدة لوضع خطط  لمنهاج عمل مشترك لمواجهة ألأخطار التي تحيط بنا ونحن منقسمين؟
كيف يتم أنقاذ ما يمكن أنقاذه فيما البعض منا يحاول تعريض وحدتنا ووجودنا وبقائنا الى الخطر؟
كيف يتم التوافق في الاراء والكثيرون منّا يحاولون بقصد وبنيّة سيئة أحيانا أو بدون قصد أحيانا أخرى , بجرّنا الى جدالات ومماحكات بعيدة كُل البعد عن أهدافنا الرئيسية وأولويات وحدتنا , فيبعدوننا عن الواقع الذي نعيشه اليوم باللجوء الى الأفكار السلفية للقومية والطائفية بأرجاعنا الى الاف السنين الى الوراء بينما نحن نواجه واقع مرير يتطلب الآن وليس غدا أن نقرر أين نتّجه, فنحن واقفين في مفترق الطريق فأما الى الزوال والفناء لا سمح الله أو السير في الطريق المؤدي الى الأهداف المنشودة وتحقيق امالنا في العيش الكريم في ارض ابائنا واجدادنا.
السؤال الذي يطرح نفسه أيضا لنقول: ما هو برنامج العمل لدى دُعات القومية سواء القوميين الكلدانيين أو الاشوريين أو السريان , وكيف يمكن أن يعملوا في ظل هذه الأنقسامات ونحن اليوم في أوج الحاجة الى الوحدة في البيت الواحد وترتيب أوضاعنا الداخلية لنستطيع مواجه الأخطار من الخارج ؟
أذا سألنا دعاة القومية سواء(الكلدانيين أوالآشوريين أوالسريان): ما هو مشروعكم لخلاص شعبنا من الكارثة التي هو فيها ؟ فسيقولون لنا الآشوريين أن يتنازل الكلدانييون والسريان من أدعاءآتهم القومية لأنهم هم أشوريين وينكرون قوميّتهم وأصلهم الآشوري , وهكذا قد يقول الكلداني والسرياني . في الحقيقة أننا سندور في حلقة مفرغة ودوّامة لا نستطيع الخروج منها بسبب هذه الأفكار القصيرة النظر والتي ليست لها رؤية للحاضر(سوى الغوص في الماضي والقفز فوق التاريخ والبكاء على الأطلال) , فكيف تكون لها رؤية لمستقبل وجودنا ومصيرنا الذي , كما قلت , يقف على كف عفريت , اليس حال هؤلاء القوميين , حال القوميين العرب الذين جلبوا الدمار والخراب لدولهم العربية بطرحهم مشروع الوطن العربي الكبير( لأنّ الارض بنظر هؤلاء القوميين  تتكلّم عربي) ونسوا هؤلاء (دعات القومية العربية) أنّ الوطن العربي خليط من الكردي والتركماني والآشوري والكلداني والسرياني والماروني والقبطي والأعجمي والدرزي واليهودي والأمازوري وغيرهم.
لماذا لا نتعلم دروسا من التاريخ المعاصر عندما حاول النازيون , ذوي الفكر العنصري بقيادة هتلر , أن يفرضوا على العالم العرق الآري بكونه العرق الأفضل والأعرق والأذكى , وهل نسينا ما يدعيه البعض من أخوتنا العرب بأنّهم خير أمّة أخرجت للناس؟
 هناك تخلّف في المجتمعات والدول وخاصة دول العالم الثالث بسبب النظام القبلي والعشائري والعرقي والطائفي والمذهبي وخير نموذج هو عراق اليوم , فكيف نريد نحن (السورايي) أن نكرر نفس اخطاء الماضي والحاضر فيما الدول والبلدان الحديثة (المتقدّمة) تخلّت وتفككت من الفكر القبلي أو القومي أو الطائفي أو المذهبي وتجاوزت هذه المفاهيم العنصرية وأصبحت تركز على الفرد والمواطن بغض النظر عن دينه وقوميته وعقيدته أوالحزب الذي ينتمي اليه , 
أيُّ عاقل يقبل بهذا المنطق وهذا التفكير القاصر وأيُّة حكمة لهؤلاء القوميين الذين يُسببون بطروحاتهم الغير المنطقية في زيادة الهوّة بين الشعب الواحد (الكلدان السريان الآشوريين)؟ الذي وصفته كالسبيكة التي لا تقبل الأنصهار , اليس من الغباء الخوض في متاهات التاريخ قبل آلاف السنين للبحث عن جذورنا وأصولنا الغائرة في القدم والمتشابكة في الجذور المختلفة في الأعراق والجنسيات , بينما لدينا تاريخ أكيد وحضارة معروفة هي الحضارة "السريانية"التي جمعت الكلدانيين والآشوريين والسريان تحت جناحيها , كما يجمع النسر فراخه , فشعت هذه الحضارة في كُلَ الشرق القديم , فكانت بحق لغة وثقافة وحضارة لجميع شعوب بلاد ما بين النهرين ولا زالت الى يومنا هذا حيّة بالرغم مِمّا تعرضت له شعوب هذه الحضارة من الأندثار والتراجع عبر السنيين , بسبب القمع والظلم والقهر والتهميش والتهديد والحروب والتهجير والقتل والتعريب .
نحن اليوم مجموعة اشخاص , وحضرتك واحداً مِنّا , ندعو وننادي بالوحدة (الكلدانية الأشورية السريانية) ومشروعنا منطقي وعملي وواقعي ومعقول , ألا وهو أن نعترف جميعنا بالحقيقة التي لا يستطيع أحد نكرانها وهي اننا "سورايي" وكُلِّ واحدٍ منا يطلق على أخيه سواء كان كلداني أواشوري أو سرياني هذه الكلمة"سورايا" لأننا نتكلم لغة الأم "سورث" وهي اللغة التي تجمعنا كأخوة في الدم (لأنها لغة الأم) هذا بالأضافة الى التاريخ المشترك والجغرافية المشتركة والتراث المشترك والأرث المشترك والأماني المشتركة والعادات المشتركة والثقافة المشتركة والعقيدة المشتركة والهدف المشترك , ومن لايعترف بهذه الحقيقة عليه أن يبرهن لنا أنّ لغة الكلدانيين قبل حوالي 2500 سنة , هل كانت نفس اللغة التي نتكلم بها الآن أي لغة"السورث"؟ وهكذا نسأل الآشوري والسرياني , ماذا نريد أكثر من هذه العوامل المشتركة , التي ذكرتَها في مقالاتكَ , للعيش سويّة بأرض الآباء والأجداد؟ للأسف هناك من يدقُّ الأسفين في وحدة " السورايي" مدفوعين بأهداف شخصية أنانية بحتة ليجعلوننا منقسمين على بعضنا البعض ومتمزقين ومتناحرين ومتشتتين الفكر والهدف والرؤية , فيما نحن وبكل سهولة , إذا كانت النيّات صافية , يمكننا أن نتّحد لنشكل وحدة قويّة متماسكة بسبب جميع العوامل التي ذكرناها أعلاه فنشكّل أُمّة قويّة متَّحدة متراصة (يمكن أن نُشبّه هذا الأتحاد بمثلث متساوي الأضلاع أو نجمة ثلاثية الأبعاد لنكتب في  داخلها كلمة "سورايي") اليست هذه الوحدة الجامعة أسهل تحقيقا وأقوى من كُلّ محاولات التقسيم التي يحاول البعض ترويجها لمصالح آنيّة وأنانية؟ اليست قوّتنا في اتحادنا وأنضوائنا تحت علم واحد وراية واحدة , فنفتخر بحضارتنا السريانية فنعيد الأعتبار لها وهي تعتبر من الحضارات السامية التي لم تستعمل السيف أو وسائل الموت في بسط نفوذها , بل كانت حضارة الفكر والقلم والعلم والأدب والفن والتبشير بالسلام وبشارة الخلاص ورسالة المحبة , بينما يفتخر الآخرون ومنهم أخوتنا دعاة القومية بحضارات وثنية كانت تفرض نفسها بقوّة السيف والسيطرة والأحتلال وشريعتها كانت شريعة الغابة؟
أتمنى أن يحفظكم الرب لخدمة الشعب الواحد المتألم وأن يُسدد خطاكم وشكراً لك.

152
اليوم العالمي لثقافة السلام


نافع البرواري

يصادف 21 سبتمبر أيلول من كل عام اليوم الدولي للسلام العالمي. وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتّحدة هذا اليوم بوصفه يوما لوقف أطلاق النار وعدم العنف في العالم , ونظرا الى الاهمية المركزية لثقافة السلام في ترسيخ السلام والتسامح في كل بقاع العالم , فقد اعلنت الجمعية العامة للامم المتحدة سنة 2000 سنة دولية لثقافة السلام واللاعنف . وقام مجموعة من الحائزين على جائزة نوبل للسلام بمناسبة احياء الذكرى الخمسين للاعلان العالمي لحقوق الانسان بصياغة البيان 2000 لثقافة السلام والذي يؤكد على: (لأنيّ واعي المسؤولية أزاء مستقبل ألأنسانية , وخصوصا أطفال اليوم بأن احترم الحياة : احترم حياة وكرامة كل كائن انساني من دون تمييز او حكم مسبق وأن التزم في حياتي اليومية , اسرتي , عملي , جماعتي , بلدي , ارفض العنف : اطبق اللا عنف الايجابي برفض العنف بكل اشكاله , الجسدي والنفسي والاقتصادي والاجتماعي , وبخاصة تجاه الافراد الاكثر فقرا وضعفا كالأطفال والمراهقين , اتعامل بكرم : اقسم وقتي ومواردي المادية بسخاء للقضاء على التهميش والظلم والقمع السياسي والأقتصادي , أنصت من أجل التفاهم , أُدافع عن حرية التعبير والتنوع الثقافي عبر تشجيع الحوار وألأنصات بدون ألأستسلام للتعصّب والنميمة وأقصاء الآخر). هذا بألأضافة الى ما يحتويه البيان من أمور أخرى لسنا بصددها في هذه المقالة .
من المعلوم أنّ ألأمم المتحدة والمنظمات العالمية للسلام أعتبرت هذا العقد (العقد ألأول للألفية الثالثة أعتبارا من 2001-2010م ) وسمّته العقد الدولي  لثقافة السلام واللاعنف لأطفال العالم . وقد أعتبرت ألأمم المتّحدة عام 2010 هو عام لحث جميع أصحاب العقائد والثقافات على الدخول في حوار فيما بينهم وداخلهم "التصالح في العالم" وتم تكليف اليونسكو للقيام برعاية لجنة عالمية للحوار فيما بين العقائد من أجل بناء وتعليم ثقافة السلام وذلك بتنفيذ مشروعات للمناهج ألدراسية ولتعليم المدرسين ودمج الحوار بين المعتقدات وأسهام العقيدة والتقاليد الروحيّة في توفير حل دائم للمنازعات التي تلجأ للعنف بزيادة الوعي بالعناصر التي تساعد على تحقيق مجتمعات سلمية ووقف أنتشار كُلِّ ما هو سلبي (ثقافة العنف) , وأنشاء قنوات فضائية لنشر ثقافة السلام وتسخير الأعلام لترسيخ هذه الثقافة . والأمم المتّحدة كلّفت اليونسكو لتكون المُروّجة لثقافة السلام , والمنفّذ المسؤول عن هذه الحملة وتكون أهداف
اليونسكو هو بناء السلام في عقول البشر (وهذا ما يريده الرب يسوع المسيح الذي جاء لتغيير القلوب والعقول وبناء أنسان جديد وخليقة جديدة يحمل فيها الجنس البشري ثقافة السلام راجع سلسلة مقالات نشرتها عن السلام كما في الموقعين ادناه). وهدف الأمم المتحدة والمنظمات العالمية للسلام هو:
أنقاذ ألأجيال المقبلة من ويلات الحرب , وحل المشاكل بالحوار والتفاوض , فهو الطريق ألأمثل لنبذ العنف والقضاء عليه , وبناء اُسس مباديء الحرية والعدالة والديمقراطية , ومنع نشوب المنازعات عن طريق معالجة أسبابها الجذرية , وأعتبار كرامة الأنسان فوق كُلّ أعتبار , وألأعتراف بقيمة الغير وقبول ألأختلاف معه (راجع سفر التكوين حيث الله خلقنا على صورته كمثاله) .
وفي اليوم العالمي للسلام تصدر تقارير عن المنظمات العالمية للسلام تزامنا مع هذا اليوم , تعكس تقارير ألأمم المتّحدة بوضوح تعريف ثقافة السلام : بالتحوّل من ثقافة الحرب والعنف الى ثقافة السلام ونبذ العنف ورفض أستخدام القوّة في فرض الأمر الواقع وأكراه الشعوب ضدَّ خياراتها التاريخية , وأنّ ثقافة السلام تتضمن قيّما ومواقف وسلوكا تعكُس وتدفع الى التضامن ألأجتماعي والمشاركة التي تقوم على أساس المباديء التي هي الحريّة , والعدالة , والديمقراطية , والتسامح , والتضامن , وكافة حقوق الأنسان التي ترفض العنف وتسعى الى منع الصراعات عن طريق معالجة أسبابها ألجذرية لحل كافة المشاكل من خلال الحوار والتفاوض والتي تكفل الممارسة الكاملة لجميع الحقوق وسبل المشاركة الكاملة في عملية تنمية المجتمع . كما يتضمن التعليم مساواة ألمرأة بالرجل والمشاركة ألديمقراطية والتنمية المستدامة . والتفاهم والتضامن , وحرية تدفّق المعلومات والمعرفة وألأمن والسلام في جميع مناطق العالم .
ثقافة السلام هي : عملية تتّسم بتنمية أجتماعية غير عنيفة ولكنها مرتبطة بالعدالة وبحقوق ألأنسان والديمقراطية والتنمية . وثقافة السلام لا تُقام ألآ بمشاركة وتعاون كُلِّ ألأفراد وذلك على جميع ألأصعدة . انّ السلام هو أصل كُلِّ حضارة , فلا حضارة تستطيع أن تبني والآخر يهدم , فالسلام الحقيقي هو السلام الذي يستنكر سفك الدم ويرفض التدمير , والسلام تُعزُّزه المحبة , فلا سلام أذا كانت هناك كراهيّة ولا محبّة وسلام بدون غفران , وعلى كُلّ البشرية أن تخضع لمملكة رئيس السلام ربنا يسوع المسيح الذي هو رئيس وملك السلام وهو الذي يمنحنا السلام الداخي (التصالح مع الذات) والسلام مع ألآخرين (التصالح مع الآخرين) والسلام مع الله(التصالح مع الله خالقنا). فقبل ظهور الرب يسوع المسيح كان قانون الغابة هو السائد في المجتمعات البشرية , وجاء المسيح ليضع حدّا لهذا المفهوم الحيواني. وقد أستمدت الأمم المتّحدة أغلب قوانينها من العهد الجديد لتُأسس على ضوئها قوانين ومبادئ حقوق ألأنسان والسلام العالمي . فعندما يؤمن الكل أنّ الحياة حق للجميع بالتساوي عندها فقط نستطيع أن نعيش في  سلام , والرب يسوع المسيح يقول "جئتُ لتكون لهم الحياة ألأفضل" فمملكة يسوع المسيح تشمل الأمم والشعوب قاطبة , وهو الذي منحنا سلام يفوق الوصف ,
يقول غاندي" لقد أعطتني ألأناجيل الراحة والفرح غير المحدود...وأنّ مثال يسوع تُشكِّل عاملا أساسيا في أيماني الذي لايموت بمبدأ اللاعنف.....فيسوع عندي هو واحد من كبار المعلّمين الذين عرفتهم ألأنسانية....انّي أرى في حياة يسوع مفتاح قربه من الله . لقد عبَّر , كما لم يستطيع أحد غيره ,عن روح الله وأرادته . بهذا المعنى ومن هذا المنظور , أراه وأتعرَّف اليه كأبن الله".
يقول مثل صيني:"أذا اردت أن  تزرع وتخطط  لسنة فأزرع القمح , وأذا أردّتَ أن تستثمر لمدّة عشرة سنين فازرع الشجر , وأذا أردّتَ أن تستثمر لمدّة مائة سنة ثقِّف الناس وأبني الناس".
السلام يبدأ في كُلّ واحدٍ فينا , وننظر الى الآخرين نظرتنا لأنفسنا , فأذا لم يعمُّ السلام بين أفراد (العائلة الواحدة) فكيف يعم السلام في المجتمع والوطن الواحد أو الدول والشعوب؟
 التربية هي الاداة الاكثر فعالية للوقاية من التعصب , واول خطورة في هذا الاطار تكمن في تعليم الافراد معرفة حقوقهم وحرياتهم لضمان احترامها ولحماية حقوق وحريات الاخرين . التربية على التسامح ينبغي اعتبارها واجبا اوليا لذلك من الضروري تطوير مناهج نظامية عقلانية لتعليم التسامح على اساس التركيز على المصادر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية بلا تعصب , والتي تشكل الاسباب العميقة للعنف والاقصاء , وسياسات وبرامج التربية يجب ان تساهم في تنمية التفاهم , والتضامن , والتسامح بين الافراد وكذا بين الجماعات الاثنية , والاجتماعية , والثقافية , والدينية واللغوية وبين الامم ... والهدف هو تكوين مواطنين متضامنين ومسؤولين , منفتحين على الثقافات الاخرى ... قادرين على اتقاء النزاعات او حلها بوسائل سليمة , هناك فرق بين السلام  وثقافةالسلام , فالسلام كان في السابق يعني أبطال الحرب أو عقد معاهدة سلام (مثلا سلام بين دولتين خرجتا من الحرب ) ولكن ثقافة السلام هي زرع مفاهيم السلام في عقول ألأجيال (وخاصة ألأطفال) في المناهج الدراسية والثقافية والتربوية , وتعليم الأجيال على أحترام الحياة وكرامة ألأنسان , وبناء أسس مباديء الحرية والعدالة والديمقراطية وترسيخ مبدأ الحوار وأحترام رأي الآخر وقبول ألأختلاف ونبذ العنف والقضاء عليه لأنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب.
السلام لايتحقق الآ أذا تمَّ توفير وضمان الحاجيات ألأساسية للأنسان وهي ألأمان والحق في البقاءوالحياة والعيش الكريم , والحريّة والهويّة.
السلام لن يتحقق أذا لم نراجع الماضي وأخطاء الماضي وأعادة قراءة تاريخ وذاكرة مختلف الشعوب بقراءة نقدية لأجتناب الوقوع في أخطاء الماضي وأعادة ألأعتبار للشعوب المهمّشة في التاريخ لأنهاء جراح الماضي وأزالة ألأحقاد وتحقيق التصالح مع التاريخ بين مختلف الشعوب , فلا سلام بدون العدالة , السلام لن يتم عندما يهّمش وتمسح ذاكرة الشعوب المسحوقة بالعنف والقمع وألأرهاب , السلام لن يتم الا بحرية الرأي وحرية التعبير وحريّة ألأعتقاد والتنوّع الثفافي عبر تشجيع ألأنصات والحوار بدون ألأستسلام للتعصّب وتهميش وأقصاء ألآخر .
السؤال الذي يطرح نفسه وهو موجّه الى كُلّ المسؤولين وأصحاب الشأن في عراقنا الجريح:
ألا نحتاج الى التوقّف والتأمل بألأسباب التي أوصلتنا الى ما نحن فيه من ثقافة" صناعة الموت" بدل أن نصنع" السلام"؟
والسؤال موجه الى أخوتي "الكلدان السريان الآشوريين" وهو: هل فقدتم أنتم أيضا سلام المسيح الذي يمنحهُ لكل مؤمن , وأخترتم أن تسيروا مع تيار العنف , وهنا ليس قصدي العنف الجسدي بل كُلّ أشكال العنف الثقافي والأقتصادي والعنف المعنوي , حتى أصبح الكثيرون منّا كحملان وديعة من الخارج ولكنها ذئاب مفترسة من الداخل؟
أليس رسالة المسيحيين الحقيقيين أن يكونوا مثل الحملان الوديعة وسط الذئاب المفترسة ليجعلوا من هذه الذئاب حملانا وديعة كما يقول الرب يسوع المسيح؟ "ها أنا أُرسلكم مثل الخراف بين الذئاب فكونوا حذرين كالحيّات , وُدعاءِ كالحمام "متى 10:16"رسالة المسيحي هو أن يكون كالحَمل الوديع بأن يحارب الذئاب بوداعته , فسرُّ قوّة المسيحي هي في تواضعه ووداعته , لأنّ الوداعة تعني أن تُحارب الشر بروح المسيح"الوديع" الذي فيكَ , فالمسيح كان وديعا ولكنه أنتصر على قوى الشر وها هو اليوم أكثر من نصف العالم مسيحيين .
للأسف فقد الكثيرون منا أيمانهم  ففقدوا السلام الذي كانوا يحملونه وفقدوا وداعتهم , وبدل أن يساهموا في صنع السلام في وطنهم أصبحوا يساهمون في صنع الكراهية والحقد والعنف حتّى ضد أخوتهم المسيحيين الذين يختلفون عنهم في الرؤى , كيف نطالب بالوحدة المسيحية ووحدة الهويّة القومية وفي وسطنا من يهدم البيت من الداخل , وفي نفس الوقت الأعداء يحيطون بنا من كُلّ الجهات كالذئاب التي تنتظر الفريسة الضعيفة لتنقض عليها؟ اليس ألأجدر بنا أن نتصالح مع أنفسنا ومع أخوتنا في ألأيمان أولا لنستطيع أن نواجه تلك الذئاب المفترسة بقوة السلام والحق والمحبة وبقوّة الكلمة الحيّة ويكون الروح القدس هو المحامي الذي يدافع عنا ,عندها قد نساهم في تهديم مصانع الموت وبناء مصانع الحياة والسلام ؟ أليس من ألأجدر علينا أولا أن نطالب بالحوار المسيحي المسيحي قبل أن نطالب الحوار مع الديانات ألأخرى؟ اليس من ألأجدر أولا أن يتحاور الكلداني مع أخيه ألآشوري والسرياني للوصول الى الوحدة المنشودة قبل أن نلوم ألآخرين بما يمارسوه ضدنا من العنف بكل اشكاله؟
يقول الرب يسوع مخاطبا تلاميذه وكُل الذين قبلوه :"أنتم ملح الأرض فأذا فسد الملح فبماذا يُملّحهُ؟ لأيَصلح الآّ لأن يُرمى في الخارج فيدوسه الناس؟ متى5:13".
"أنتم نور العالم . لا تَخفى مدينةٌ على جبل , ولا يوقد سِراجٌ ويوضع تحتَ المكيال , ولكن على مكان مرتفع حتّى يضيئ لجميع الذّين هم في البيت . فليضيء نوركم هكذا قدّام الناس ليُشاهدوا أعمالكم الصالحة ويُمجِّدوا أباكم الذي في السَّماوات ."متى 5:14,15,16" .
فهل نحن كذلك؟ ليراجع كُلّ واحد نفسه ويجاوب على هذه الأسئلة بكل أمانة .
المصادر:
1-
http://abdullahnaufali.ahlamontada.com/montada-f19/topic-t1216.htm
.2-
http://www.baqofa.com/forum/forum_posts.asp?TID=34379&PID=2
06043

153
المنظّمات ألأنسانية والعالم العربي والأسلامي
" شرُّ البليّةِ ما يُبكي"
بقلم نافع البرواري
قبل سنوات كنتُ أشاهد احدى القنوات الفضائية العربية وكانت نشرة الأخبار عن خبر الزلزال في الجزائر ، حيث مات الكثيرون ولجأ الآلاف منهم الى مناطق اغاثة حيث وفرت لهم المنظمات ألأنسانية العالمية خيم وطعام ومياه وأدوية. كُلِّ هذا ليس فيه شيء غريب ولكن العجب العجاب هو ما سمعته من مراسل قناة العربية عندما سُألَ لماذا هناك العدد الكثير من الشرطة حول مخيّم المنكوبين, فكان جواب المراسل صدمة لي, عندما أجاب "خوفا من المنظمات ألأسلامية "ألأرهابية" التي تريد السطو على المخيّم وقتل عمّال الأغاثة للمنظمات الأنسانية. لم استوعب الخبر الآ بعد فترة طويلة عندما عرفتُ أنّ الكثيرين من المنظّمات ألأسلامية لايقبلون المساعدات ألأنسانية من الكُفّار(أي المسيحيين) ويهدّدون المنظمات الأنسانية بحجة التبشير تارة وبأنّهم كُفار تارة أخرى.
وها هُم طالبان باكستان (وقبلهم طالبان أفغان) يهدّدون عمال ألأغاثة (هؤلاء الّذين كرّسوا حياتهم للمساعداد الأنسانية عند الكوارث, سواء الكوارث الطبيعية أو بسبب الحروب والمجاعة) الذين قدموا من أنحاء العالم متطوعين لأغاثة الملايين من الشعب الباكستاني "المسلم " الذي يواجه كوارث الفيضانات في هذه الآيّام حيث غرقت الاف القرى والمدن وشُرّد الملايين من أراضيهم وطمست الاف الهكتارات الزراعية .
انّهم يستغلّون مصائب شعبهم وأخوتهم بحجج لايقبلها العقل ولا الضمير الأنساني أننا كنّا نسمع منذ سنين كيف أنّ ألأخوان المسلمون كانوا يقتلون السياح الأجانب في مصر لنفس السبب, بينما الشعب المصري يعتمد في  الجزء الكبير من دخله الوطني على السياح الأجانب. ونحن نسمع بين فترة وأخرى كيف يتم قتل وأختطاف العاملين في المنظّمات الأنسانية لشعب دارفور المنكوب, وبتحريض من الحكومة السودانية التي قتلت وشرّدت شعبها واغتُصبت الآلاف من النساء لا بل كانت هناك ابادة جماعية لهذا الشعب الذي يعاني من ويلات الحرب منذ زمن طويل (كما حدث أيضا لشعب جنوب السودان منذ سنوات حيث قُتل أكثر من مليونين وكان الغالبية منهم المدنين بسبب الحرب التي شنتها الحكومة السودانية على الجنوب السوداني), وقدأصدرت, الحكومة السودانية في الرابع من شهر مارس 2009, قرارا بحل ثلاثة منظمات وطنية والغاء تسجيل ثلاثة عشر منظمة أجنبية غير حكومية بحجة"ألأمن القومي". هكذا الحال في الصومال حيث لا مكان للمنظمات
ألأنسانية والشعب الصومالي يعاني عشرات السنين من الحروب والماسي ألأنسانية من قبل المنظمات ألأسلامية المتطرفة. اليوم نسمع عن أنّ الأمم المُتّحدة تغلق مخابزها في أفغانستان بعد أن فشلت كُلّ الجهود المبذولة لأقناع طالبان أفغان بتوضيف النساء للقيام بالمسوحات اللازمة لتحديد المستحقين للأعانات التي توزّعها الهيئة الدولية.
في أفغانستان كُلّ المنظمات ألأنسانية التي تقوم بتوزيع الطعام والكساء وتوفير المدارس لأطفال الأفغان مهدّدون بالقتل والأختطاف وفعلا تمّ قتل" غايل وليامز34سنة" التي كانت تعمل في منظمة "خدمة ألأفغان" وهي منظّمة نسائية غير حكوميّة. في اليمن قُتل ثلاثة أطباء أجانب من قبل الأرهابيين, هؤلاء ألأطباء عاشوا ثلاثون سنة في خدمة الشعب اليمني وقضوا سنين حياتهم في معالجة الفقراء والمساكين في اليمن. وكُلُّنا يعرف كيف فجّر ألأرهابيون مقر ألأمم المتحدة في العراق وراح ضحية هذا العمل ألأرهابي, سيرجيو ديميلوا و21 من رفاقه.
المنظمات ألأرهابية تتغذّى من معانات شعوبها لغرض نشر سمومها وسيطرتها على هذه  الشعوب المغلوبة على امرها.
لنقرأ بعض ما كتبه السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله, الذي قضى فترة من سنين عمره في الأمم المتّحدة وسجّل ملاحظاته حول مخاطر العمل الإنسانى!!(نشر هذا التقرير في أحد مواقع ألأنترنت):

لا شك أن المتابع لأخبار النشاط الإنسانى للأمم المتحده فى شتى أنحاء العالم، بما فيها السودان، يسمع بين الحين والآخر عن أحداث مؤسفه يروح ضحيتها عاملون بالأمم المتحده، من جراء الإختطاف أوالإصابة وحتى القتل فى مواقع العمل الإنسانى، بينما هم يؤدون أعمالآ تهدف إلى حماية ومساعدة ضحايا الحروب أو ضحايا الكوارث الطبيعيه أو غيرها من حالات الفوضى وانهيار السلطة المدنيه. وقد فقدت الأمم المتحده المئات من موظفيها خلال السنوات الماضيه، فى مواقع مختلفة فى آسيا وإفريقيا وأروبا، الأمر الذى أثار الكثير من الجدل والإهتمام بهذه الظاهره المؤسفه، سواء كان ذلك فى أوساط وقيادة المنظمة الدوليه أو لدى الدول الأعضاء . كما أن سلامة العاملين فى المجال الإنسانى ليست بالأمر القاصر على موظفى الأمم المتحده، بل هو شأن يشمل أيضآ المنظمات غير الحكوميه التى تنتشر فى مواقع العمل الإنسانى فى كل أنحاء العالم.
ومما يعكس قلق الأمم المتحده واهتمامها الكبير بهذه الظاهره المؤرقه، قرارها الذى اتخذته فى  شهر ديسمبر من عام  2008  وجعلت بمقتضاه اليوم التاسع عشر من شهر أغسطس من كل عام، يومآ لإحياء ذكرى العاملين بها والذين فقدوا حياتهم وهم يؤدون واجبهم الإنسانى، كما جعلته يومآ لتذكير العالم بمضمون وأهمية العمل الإنسانى الذى تتصدى له المنظمه، وكذلك توعية الشعوب بهذا الدور وتذكير الجميع بدورهم فى حماية العاملين بالمنظمه وهم يقومون بهذه الأعمال الإنسانيه التى تهدف إلى إ نقاذ الأرواح وتقديم العون الإنسانى للمتضررين فى الحالات التى تقتضى ذلك النشاط.
وبنظرة سريعه للإحصاءات التى قدمتها الأمم المتحده، يتبين للمرء أن 278 شخصآ من العاملين فى المجال الإنسانى قد تعرضوا لأحداث تتعلق بأمنهم فى العام المنصرم 2009 ، وقد كان معظم هؤلاء من الموظفين المحليين الذين يعملون فى المنظمات الإنسانية الدوليه. وقد بلغ عدد القتلى بين هؤلاء 102 موظفآ  ( بينهم 88 موظفآ محليآ و14 موظفآ دوليآ ). أما عدد المختطفين فى نفس الفتره (عام 2009 ) فقد بلغ 92  موظفآ ( منهم 59 موظفآ محليآ و 33 موظفآ دوليآ). و لاشك أن هذه الحوادث المؤسفه لها تأثيرها البالغ على العمل الدولى الإنسانى ، وهى تعوق فى كثير من الأحيان جهود المجتمع الدولى فى الوصول إلى المتضررين.
  ونحن نضيف الى ماقاله السفير أحمد بن عبدالوهاب هو أنّ غالبية ضحايا المنظمات ألأنسانية قتلوا أو أُختطفوا في الدول العربية والأسلامية.
تُذكرني حالات كثيرة عن الأعمال ألأنسانية للدول والمنظمات الغير الحكومية لما قاموا به من أعمال أنسانية لللاجئين والمنكوبين, ولكن كانت تجابه في الكثير من ألأحيان بنكران الجميل والرفض لا بل التهديد لهذه المنظمات خاصة في الدول العربية والأسلامية .
ألم تستقبل الدول ألأوربية وأمريكا وكندا واسترالية اللاجئين العرب والمسلمين الفارين من ألأضطهادات في بلدانهم ألأصلية بسبب الحروب أو لأسباب سياسية أو أنسانية؟ ولكن للأسف الشديد الكثيرين من العرب والمسلمين عندما يلجؤون الى الدول, الغربية, يكفّرون بالنعمة التي يعيشون فيها فيحاولون التمرّد وعدم ألأنسجام مع المجتمعات الأوربية وينكرون الجميل التي قامت بها تلك الدول بضيافتهم ومساعدتهم ماديا ومعنويا وتوفير السكن لهم والعيش أحرارا بعد أن كانوا مستعبدين من حكّامهم في بلدانهم؟
أليس الغالبية الساحقة من المنظّمات الأنسانية ومنظمات السلام العالمية من الدول والمجتمعات الغربية (المسيحية) والذين كرّسوا حياتهم للأعمال ألأنسانية؟
ألم تقم المنظّمات ألأنسانية (المسحية) بكسر الحصار المفروض على غزّة وكانوا السبّاقين في نصرة الشعب الفلسطيني وأستشهد عدد من ا لصحفيّون والصحفيات (المسيحيين) ضحايا ألأرهاب الصهيوني ؟
أليوم, وأنا أُتابع المأسات التي حدثت وتحدث لأكثر من 24 مليون أنسان في باكستان بسبب الفيضانات, أسمع عبر القنواة الفضائية الغربية"المسيحية" عن أعلانات للتبرع للشعب الباكستاني المنكوب  وفتحت عدّدة قنوات للتبرع من قبل الشعوب في هذه الدول ،
وأقيمت الصلواة في جميع الكنائس الكاثولوكية  في يوم ألأحد الموافق 29-8-2010
للأبتهال الى الله ليحفظ أخوتنا في باكستان وينجيهم الله من كل شر. وطالبت الكنيسة شعبها بالمساعدات المادية والمعنوية لأخوتهم في باكستان ، بالمقابل كم من الدول العربية والأسلامية عاملت اللاجئين للدول العربية والأسلامية بنفس المعاملة الأنسانية  التي يتعامل معها الغرب (المسيحيّ )؟ 
كم من أئمة الجوامع العربية والأسلامية اقاموا الصلواة ودعوا لمساعدة, أخوتهم في الدين , في باكستان وغيرها من الدول التي تعرّضت للكوارث الطبيعية أو بسبب ألأضطهادات أو النازحين بسبب ألحروب؟
لنترك ألأجابة لشاهد من أهله وهو عدنان حسين, الذي نشر مقالة بعنوان (لسنا مكروهين ..انّما لا نعرف الحب) فيقول ".....كارثة الزلزال ألأخيرة في هاييتي تُقدّم لنا مراة أُخرى نرى فيها أنفسنا, كُلِّ ألأمم المتحضّرة هبَّت لنجدة شعب هذه الجزيرة المنكوبة ..الحكومات , والمؤسّسات الدينية(يقصد المسيحية) وهيئات المجتمع المدني, والشخصيات ألأجتماعية , وبخاصة نجوم السينما والموسيقى والمسرح, أنخرطت في حملة تلقائيّة لجمع التبرعات ..كبار السياسيين والفنّانين أطلقوا الندائات, وبادروا الى التبرّع بالملايين, بل أنّ بعضهم ذهب الى ميدان الكارثة لتضميد الجراح, وتقديم المأكل والملابس والأفرشة الى الضحايا الذين لم يسأل المبادرون الى الحملة والمنخرطون فيها عن دينهم (الضحايا) , ولا عن مذهبهم ولا عن اللغة التي يتكلّمون بها, ولا عن لون بشرتهم, فهم بالنسبة اليهم بشر فحسب. ما من صحيفة, وما من قناة تلفزيونية, أوربية,أو أمريكية, لم تُبادر الى أطلاق النداء.
" Haiti Apeal"
"لكن ماذا عنّا, نحن العرب والمسلمين, أخير ألأمم وأعلاها درجة وأسماها مقاما وأرفعها شرفا....والفرقة الناجية والجماعة الموعودة بالمستقبل وبالجنة؟..بعض حكوماتنا أعلنت عن تقديم تبرعات محدودة فقط, لكن لا شيء خارج الحكومات. لم نسمع من شيخ ألأزهر , ولا من مرجع الشيعة ألأعلى, ولا من أمام الحرم المكي, كلمة تعزية, أو عبارة تأسّف, أو نداء أغاثة ..لم نرى على واحدة من محطّاتنا التلفزيونية, التي تعُدُّ بالمئات, فنّانا أو رجل دين, أو عالما, أو أديبا, أو طبيبا يبادر الى التبرع ويحثُّ عليه !!
مُنذُ ست سنوات(ديسمبر2003), عندما ضرب زلزال قوي منطقة بام ألأيرانية ودمّرها على نحو مروّع, وقتل أكثر من ثلاثين ألفا من سكانها, تداعى المجتمع الدولي, الرسمي والشعبي , الى أغاثة الضحايا, ومعاونة الحكومة الأيرانية على تجاوز المحنة. حتى الولايات المتحدة حرصت على المساعدة, على رغم العداوة المتأصلة مع النظام اليراني وأنقطاع العلاقات.
وعندما حدث التسونامي, قبل خمس سنوات, لم يُفرّق المغيثون والمتبرعون وغالبيّتهم من العالم المسيحي, بين مسلمي أندونيسيا والمالديف والمسيحيين والهندوس والبوذيين في الهند وسريلانكا وسائر دول جنوب شرق اسيا التي تضررت...التبرعات ذهبت الى الجميع دونما تمييز بين دين واخر وقومية وثانية.
ويضيف هذا الكاتب في نهاية مقالته ما هو خطير ويجب التامُل فيه طويلا عندما يقول:
"بعضنا يعتقد أنّ العالم يكرهنا(نظرية المُآمرة)..هذا خطأ كبير, فنحن لانُظهر للعالم أننا نحب غيرنا, كما هو يحب بعضه بعضا..نتسابق على أن نقدم اليه صورة عنا مشحونة بامارات الغضب, وعلامات الكراهية, ونتنافس في تبرير أعمال ألأرهاب, ولا نقدّم في مناسبات المحنة والكارثة لمسة حنان تقول اننا انسانيّون مثل الآخرين, المشكلة فينا فنحن لا نعرف الحب.. الآ حُبْ أنفسنا المبالغ فيه الى أبعد الحدود وأكثرها التباسا مرضياً.
بالمناسبة ذكرتني هذه المقالة للأخ عدنان حسين بأمرأة ألمانية(أعرفها شخصيا) ومن خلال عملها كمعلمة لأحدى المدارس في المانية جَمعت, وعبر سنوات من خدمتها, مبلغ من المال لتشتري بها سيّارة متواضعة, ولكن عندما حدثت ماسات تسونامي تأثرت هذه المرأة بما جرى لآلاف الناس من فقدان بيوتهم وأعزائهم وأحبتهم فتبرعت كلّ ما جمعته للشعب المنكوب, هذه احدى الحالات النموذجية للشعب الذي يصفه البعض "بالكافر" ولكن الحقيقة غير ذلك أبدا حيث الأعلام العربي والأسلامي يشوّهون الحقائق للأسف أمام شعوبهم .
هناك قصة قصيرة قرأتُها "عن عدم الوفاء" منذ سنين:
خلاصة القصة هي انَّ رجلا كان يسير في غابة  فرأى من بعيد حريقا نشب في جزء من الغابة فأقترب هذا الرجل من مكان الحريق وشاهد حيّة ملتفة على غصن من شجرة كانت النيران تحاصرها من جميع ألأتجاهات فترقّق قلب الرجل على الحيّة وفكّر بوسيلة لخلاصها من الموت الأكيد, فأخذ عصا طويلة ومدّها باتجاه الحيّة فالتفَّت الحية على هذا العصى وسحب الرجل العصى والحيّة ملتفة حولها وهكذا خلّصها من الحريق. ولكن الحيّة المعروفة بمكرها ألتفّت حول رقبة الرجل وكشّرت عن أنيابها السامة لتلدُغه, فأستغرب الرجل من تصرفات الحيّة وقال لها أهذا جزاء ما فعلته لكِ؟ فردّت الحيّة قائلة له, الآ تعرف انّني حيّة؟.
هذه القصة التي تحمل معاني كثيرة عن عدم الوفاء تُذكّرنا نحن مسيحيي العراق كيف  تمّ ترهيبنا وتهجيرنا وكيف تمّ ألأستيلاء على أراضينا من قبل الأخوة الذين نزلوا ضيوفا عندنا فأويناهم وقدّمنا لهم كُل ما هو خير وسلام وأمان وتعاملنا معهم بكُلِّ محبّة وأحترام ومنحناهم ارض ابائنا وأجدادنا, ولكن أُنظروا ماذا كان جزائنا, فنحنً اليوم أصبحنا غُرباء في أرضنا ومقدّساتنا وتم تهجيرنا الى بلدان غريبة وأستولوا على ما تبقّى من أرضنا ووطننا, وليس هذا فقط بل هناك من يعتبرنا كفرة يجب التخلّص منهم بكل الوسائل .

154
السريانية لغة وثقافة وحضارة
الجزء الثالث :السريان ونقل البشارة
نافع البرواري
لقد كتبتُ مقالتين عن "السريانية لغة وثقافة وحضارة – الجزء ألأول والجزء الثاني"(يُمكنكم الأطلاع عليها بالرجوع الى الرابط 1و2 أدناه ):
http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=11203
http://www.ishtartv.com/viewarticle,27355.html
 وفي هذه المقالة والمقالة اللاحقة, أنشاء الله, سنتكلم عن السريان ونقل البشارة(الخبر السار) كما جاء في دراسة منشورة في كتاب "ينابيع سريانية"(يحتوي هذا الكتاب على دراسات كُتبت بأقلام نُخبة من العلماء والباحثين الذين أفرغوا عُصارة أفكارهم ومعرفتهم وعطائاتهم) .
لتسليط المزيد من ألأضواءعلى دور كنيسة السريان (بفرعيها ، الغربي والشرقي) في نشر البشارة (الخبر السار) في الشرق قاطبة ، علينا نحن مسيحيي اليوم"مشيحايي", أن نفهم جذورنا التاريخية وينابيعنا السريانية"سورايي" سواء كُنا تابعين اليوم للكنيسة الكلدانية أو السريانية ألأرثوذوكسية والسريانية الكاثوليكية أو الآشورية الشرقية. فنحن اليوم لا نستطيع أن نفصل بين هويتنا كأمة شعت حضارتها ألأنسانية في العالم عامة وفي الشرق خاصة, وبين جذورنا وأصولنا المسيحية وذلك لنستطيع قراءة الماضي على ضوء الحاضر لأعادة قراءة مسكونية للجذور نفسها لنتجاوز الصراعات وألأنشقاقات وأنفصالات الماضي, لأن الذي يفقد هويته وجذوره التاريخية يكون كالشجرة التي تُقلع من جذورها فتذبل وتموت, وعندما نعود الى ينابيعنا وجذورنا ، عندها نستطيع ألأهتمام بحاضرنا ومستقبلنا ونحافظ على أيماننا وهويتنا و تاريخنا وتراثنا وتقاليدنا ووحدتنا في تحقيق أهدافنا وامالنا, فنحن ورثة حضارة قدمت للعالم من العلوم والمعارف ألأنسانية ما لا يمكن أخفائه أو أنكاره, لا بل أنّ السريان كانوا من السبّاقين الأوائل في نشر المسيحية في العالم أجمع منذ القرن الأول الميلادي وخاصة في الشرقين ألأوسط وألأدنى.
يقول الكاردنال موسى داوود(1):
"ان نموذج (التاريخ الكنسي) لأوسابيوس هو مُجتزئ, لأنّ ألأتجاه الذي تطّورت ضمنه الرسالة المسيحية ليس فقط ذاك الذي قاد من أورشليم الى روما. فالأنجلة (التبشير) أتَّبعت أيضا طريقا آخراً قادها نحو المشرق والهند والصين حيث نشأت جماعات مسيحيّة تطورت خارج حماية ألأمبراطورية الرومانية, في سياق تاريخي من الصراع بين تلك ألأمبراطورية وألأمبراطورية الساسانية, وفي منطقة حدودية وصدامية بين هاتين القوّتين العظيمتين في ذلك الزمان. غير أنّ كُلّ هذا لم يُمنع الكنيسة السريانية الشرقية خصوصا من أن تمتلك أنطلاقة شبيهة بأنطلاقة الغرب, قادتها الى تحقيق عمل تبشيري كبير في ألألفية ألأولى. لقد تعدّت كنيسة المشرق التقليد الذي يُنسب الى يهوذا التوأم (توما) الوصول الى الهند, فانتشر مرسلوها في الصين, كما تشهد على ذلك مسلّة كسي- ان سنة 781م."
وسنتناول في هذه المقالة ما نشر في كتاب "ينابيع سريانية "دراسة بعنوان:
"السريان ونقل البشارة " عن دور مُبشروا الكنيسة المشرقية في نشر بشارة الخلاص الى الجزء الكبير من العالم الشرقي قبل الحملات التبشيرية الغربية بعدّة قرون (2).
يقول الرب يسوع المسيح :" وكما أنّ البرق يخرج من المشرق ويلمع حتى المغرب, كذلك يكون مجيء ابن ألأنسان"متى 24:27" هكذا كان اندفاع الرسل بطريقة خارقة للعادة لتأسيس كنيسة ألشرق الممتدّة من البحر المتوسط ومصر غربا الى الصين شرقا, ومن أرمينيا وسمرقند وأذربيجان (قرب باكو) شمالا الى الجزيرة العربية واليمن والخليج العربي جنوبا.
فمنذ بدء المسيحية أهتمت كنيستان سريانيّتان بنشر البشارة الطيّبة :
1- كنيسة المشرق المسمّاة نسطورية.
2- والكنيسة السريانية ألأرثوذكسية, من دون أن ننسى الكنيسة اليونانية الملكية.
الكنيستان ألأولى (النسطورية) والكنيسة السريانية ألأرثودكسية  كانتا نشيطتان خصوصا في شبه الجزيرة العربية واليمن والحبشة ومصر وفلسطين وحتى الهند (سنتكلم عن البشارة في الجزيرة العربية باسهاب, في مقالاتنا القادمة انشاء الله ومن مختلف المصادر), بل أنّ الكنيسة الشرقية كانت لها بصمات في الغرب منذ بداية المسيحية وخاصة في بلاد الغال (فرنسا حاليا) وبما أنّ الديانات تحمل معها دائما لغاتها فأِنَّ ألأبجدية السريانية التي نقلها الى آسيا رهبان دير بيت عابي (بيت الغابات يقع شمال العراق في منطقة كانت تسمّى المرجا) أُستخدمت في الماضى كأداة كتابية لنسخ ثقافات عدّة شعوب اسيوية كانت الكنيسة الشرقية تأخذ في عين ألأعتبار ثقافة ألشعوب وتندمج في اصالتها, وكانت لها القدرة على التكيّف مع ألأوساط ألأجتماعية والثقافات والمدنيات وتولي أنتباها للعادات ألأهلية وكان أكليروسها ينحدر في معظمه من الوسط المحلي, والمرسلون كانوا يحافظون على اللغة ألآرامية و يقبلون أن تتم القراءات والأناشيد الكنسية باللغات المحلية ، كتب عبد يشوع بربريخا (1318م) على لسان الرسل(ألأولين) الذين بشَّروا بلاد ما بين النهرين يقول:
قال توما الرسول:"أنا رسول الهنود والصينيين".
وقال أداي (وهو تلميذ الرسول توما): "أنا رسول كُلّ بلاد فارس.
انطلقت كنيسة المشرق من بغداد (سلوقية – قطيسفون القديمة - ووسعت حلقة من بشّرتهم, على الصُعد الدينية والثقافية واللغوية, بين القرن الثاني والثالث عشر, من المتوسط الى الهادي. ففي عهد الجثليق مار ابا ألأول (540-552م), تكثّفت حركة ألأنتشار وأمتدت انذاك في كُلِّ آسية. وكانت حاضرة على نحو ناشط في حوض المتوسط وفي الشرقين الأدنى والأوسط, وفي اسيا الوسطى وفي الشرق ألأقصى, ومن غرب بلاد الرافدين حتى شواطيء المتوسط, وفي أرمينيا وفلسطين وقبرص, ولكنها أيضا وصلت الى الجنوب الشرقي لشبه جزيرة الدكّان, أي شاطئ المالبار في غرب الهند, وجزر بورنيو وسومطرة وجاوا, وجزر الملوك (سرام...)في ماليزيا الحالية, وتوجّهت شرقا حتّى جنوب شرق سيبيريا, وحتى قلب ألأمبراطورية الصينية. ولقد وجدت اثار للأنتشار السرياني حتى في البنغال. ففي عام 1506م ألتقى الرحالة لوي دي فارتيما في تلك البلاد تجّارا نساطرة قادمين من سارنام, العاصمة القديمة لسيام (تايلند الحالية), قادوه الى بيغو (عاصمة بيرمانيا القديمة ) حيث كان للملك ألف مسيحي في خدمته. وهؤلاء التجار أصطحبوا لوي دي فارتيما معهم عندما ذهبوا الى بورنيو وجاؤا الى جزر الملوك للمتاجرة .
من بلاد الرافدين الى بلاد فارس وآسيا الوسطى.
  ما أن أشرف القرن الثاني على نهايته حتى وُجد مسيحيُّون في باكتريان (في شمال أفغانستان , وحاليا منطقة بلح ). وكنيسة المشرق أسست بفضل مبشّريها ومنذ القرن الثالث, مقاطعات كنسية وأقامت اساقفة في فارس, وعيلام, وخراسان, وسجستان, وما وراء نهر أوكسوس(أمور داريا حاليا) وشبه الجزيرة العربية, وعلى أمتداد الخليج الفارسي من الكويت حتى مضيق هرمز, وفي بلاد الصغد, وفي جنوب العراق (الحيرة, الكوفة ...), وفي جزر بيت قطرايي (قطر) مسقط رأس اسحق النينوي, وفي بيث ماديا (بلاد الماديين شمال غرب ايران), وفي بيث رازيقايا (طهران) وقم وقاشان, وفي منطقة ابراشهر (في خراسان) وفي جزر ارداي (داري ) وفي تودور (البحرين) .
وفي عام 410 م خلال سينودس مار اسحق, كانت كنيسة المشرق تحوي ستّة متروبوليّات  وقرابة أربعين أسقفية.
بلاد كردو(كردستان) بُشّرت أيضا في وقت مبكّر. وتشير الوثائق الى وجود مرسلين قادمين من بلاد ما بين النهرين ومنتشرين في وقت مُبكّر في أواسط الشعب الكردي.
وهناك كنائس قديمة جدا تعود لنهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس,على أسم مار ماما (أُرامار) ومار زايا ومار بيشو في حقّاري (أو هكاري جنوب شرق تركيا ). والقس مار بتيّون الذي أُستشهد سنة 446م, كان رسولا في تلك المنطقة. وفي نهاية القرن السادس, قدَم مار سبريشوع (596-604م) للتبشير في هذه المناطق الجبلية الجرديّة قبل أن يصير جاثاليقا سنة 596م. وقد حضر مار ماروتا, أسقف كُردو, سينودس مار غيوارغيس(جرجس) سنة 605م. في العام 334م, كان برسابا أول أسقف لمدينة مرو في شمال خراسان ..... وكانت منطقة تركستان الشرقية تضمُّ عدّة سُدّات مترو بوليتيّة ديناميّة في تنغوت وكاشغر (كاشي الصينية, في مقاطعة هسين – كيانغ) ونافيكات (في قيرغستان) والماليغ في هسين كيانغ في الصين. وقد وجد في بداية القرن العشرين مزمورٌ مكتوب باللغة الفهلوية في القرن السابع في واحة طُرفان الواقعة على طريق الحرير. وكان يوجد مسيحيون مشارقة في استانا عاصمة كازاخستان الحالية.
وفي القرن الثامن كان أمير كاشغر ألأوويغوريّ مسيحيا مشرقيا باسم سرجيانُس, مثله كمثل أمير سارتاغ المغوليّ, وأمبراطور الصين المغولي نفسه, الخان الكبير مونغكة (1251-1259) ربّته أمُّه المشرقية, كما كان وزير خارجيّته الكاراييتيّ بولغي مشرقي العقيدة. ويستفاد من كُتب التاريخ أنّ اربعة أباطرة مغول في القرن الثالث عشر, وهم أوغوداي (1229-1241), وغويوك(1246-1248) ومونغكة (1251-1259م) وقوبيلاي خان (1260-1294م) , منحوا المشرقيين امتيازات مختلفة.
كان غويوك مسيحيا بحسب المرسل يوحنّا دي بلان كاربين, والمؤرخ السرياني ابن العبريّ كذلك كان خان الفرس أرغون في القرن نفسه يحب المشارقة ويعاملهم بعطف, حتى أنّه عمّد أبنه الثالث خاربندة في اب 1289م واسماه نقولا.
نعرف من وثائق سينودس مار داديشو, المنعقد في مركبتا في منطقة طاياي سنة 424, أنّ كنيسة المشرق انتشرت شمال بلاد فارس وشرقها, من مرو الى سمرقند وابراشهر وحراة في شمال غرب افغانستان, كما وصلت الى أذربيجان وأستقرت في مدينة الريّ (طهران القديمة) وامتدت الى ارمينيا التي كانت كنيستها تستعمل السريانيّة في طقوسها في القرون المسيحيّة الأولى, وأزدهرت في نيهارغور ونيسابور وأصفهان. بل تكوّنت مممالك مشرقية في اسية الورسطى. فنجد في العام 498م مسيحيين مشرقيين عند قبائل الهون البيض على ضفتي نهر أمو- داريا. هؤلاء طلبوا سنة 549م من البطريرك مار ابا ألأول أن يرسم له أسقفا من شعبهم ففعل. ونصل الى منتصف القرن الرابع عشر لنجد أنَّ قبائل ألخالاتش المتحدِّرة من الهون البيض كانت تكّون متروبوليتيّة مشرقية في شمال أفعانستان(لا نستغرب عندما نسمع اليوم عن طورا بورا والتي تعني بالسريانية الجبال الجرداء في أفغانستان). وكانت أحدى قبائل الهون قد اهتدت منذ525م وحذت حذوها أحدى قبائل الألين وفي عام 1007م أهتدى مئتا الف من الكارييت, مع ملكهم, وتبعهم ألأنغوت في القرن 12, وكان عددد كبير من أمرائهم مشرقيين. هؤلاء القوم في الواقع يعيشون حوالي سنة 1000م في صحراء غوبي, في منطقة أرخون. وبحيرة بايكال, وكانوا قد أهتدوا على يد متروبوليت مرو عبد يشوع. ويروي المؤرخ (السرياني) ابن العبريّ في "تاريخه الكنسي" هذا ألأخير طلب من بطريرك المشرق, في رسالة مؤرخة سنة 1009م, تخفيف قوانين الصيام عند هؤلاء المهتدين الجدد.
وسوف نكمّل هذا البحث(كما ورد في كتاب ينابيع سريانية نصا) في المقالة القادمة انشاء الله .
----------------------------------------------------------------------------------
(1) كتاب الينابيع السريانية ص 9-19 دراسة بعنوان "أهمية المراجع والنصوص السريانية معنى المجموعة السريانية الجديدة".
 (2) نقلا عن نفس المصدر السابق ص333 - 351 دراسة بعنوان "السريان ونقل البشارة " بقلم جوزيف يعقوب أستاذ العلوم السياسية جامعة ليون الكاثوليكية, معهد حقوق ألأنسان , وأختصاصيّ في ألأقليات وفي مسيحيي المشرق.

155
وأخيرا سقط القناع وبانت حقيقة المتسترين وراء الشعارات الزائفة
نافع البرواري
يقول المثل "ألأناء ينضح بما فيه "ويقول الكتاب المقدس "من فيض القلب يتكلم اللسان" و"من أثمارهم تعرفونهم".
في الآونة ألأخيرة أنتشرت ظاهرة غريبة وغير معتادة وغير مقبولة وغير لائقة, وكأن هناك أتفاق بين البعض لشن حملة من المقالات المتضمنة كلمات بذيئة بعيدة كُلّ البعد عن اللياقة الأدبية والتحاور النزيه ومصحوبة بتشنجّات واسقاطات نفسية مريضة وفاقدة لأبسط شروط الأدب ولا يمكن السكوت عنها ، بل يجب أن لا تنشر في صفحات مواقع معروفة بنزاهتها وحياديتها. لقد سقط قناع البعض الذين طالما ستروا بهِ حقيقة قلوبهم المريضة وشعاراتهم الزائفة بالتخفّي وراء شعارات القومية أو الطائفية أو الحزبية. فبعد فشلهم في أقناع الشعب المسيحي بحجَجَهُم الواهية وشعاراتهم البراّقة ومخططاتهم الهدّامة سقطوا في نفس الفخ الذي نصبوه للآخرين من أخوتهم في الدين والدم .
نعم هناك حملة تشن على الأخوة الغيورين ألمنادين بوحدة المسيحيين سواء كانوا(كلدان أو سريان أو آشوريين)هؤلاء ألأخوة كشفوا زيف شعارات الكثيرين وأحبطوا مخططات الذين كانوا يلبسون قناعاً يخفي حقيقتهم, ولكن بعد أن تم أزاحة قناعهم من وجوههم ظهرت حقيقتهم فكشروا عن أنيابهم كالذئاب وبدأوا كالمسعورين يريدون ألأنقضاض على كُلِّ من كان سبب فشلهم وسقوطهم وكشف شعاراتهم وتجارتهم بقضيّتنا المصيرية.
نعم هؤلاء أعلنوا أفلاسهم في الدفاع عن ارائهم ومعتقداتهم وشعاراتهم البعيدة عن الحقيقة فلجأوا الى وسائل بعيدة كُلِّ البعد عن أبسط المباديء وشروط الحوار والأقناع بالحجة فلجأوا الى سلاح لا يستعمله الا المفلسين وهو سلاح الشتم وقذف الأخرين من أخوتهم  بكلمات جارحة وغير لائقة وخارجة عن أبسط شروط الحوار والأدب والتفاهم للوصول الى الحقائق .
 فها هو أحدهم يتهم أخيه ألأخر وينعته" بالعنجهية" ويصفه مثل تلك المرأة العربية المعروفة بالمثل القائل "عرب وين وطمبورة وين" ومرة يصفه في مقالته مستهزئاً به فيصفه ب"بطل زمانه".
ومرة يتهم نفس الشخص( كاتب هذه المقالة) ب"المسيحجي"والغريب أن هذا الشخص يدعو نفسه شماّسا ً!!!!!!!!
أما الآخر فيذهب أبعد من ذلك فيصف أحد ألأخوة(المعروف بنزاهته الشخصية وغيرته النابعة عن المحبة ) بكلام لايليق فيقول: " عجبآ لماذا التهرب من نشر صورة لغلاف الكتاب ، هل لأنه لا يمتلك الكتاب كما يدعي وانما ينشر ما يملي عليه من قبل ألاخرين ، أم ان في غلاف الكتاب ما يفضح ويكشف عورات الحاقدين على الكلدان .
اليس هذا القول مزايدة على الآخرين عن كلدانيتهم المشهودة؟ وأين قرأتَ أو سمعت عن هذا الشخص الذي تتهمه بالحاقد على الكلدانين؟عليك بأثبات أقوالك يا أخي العزيز قبل أن تكشف "عورات الأخرين" لانّ هذا الكلام خطير وستحاسب عليه يوم القيامة.
هل تعلم أن في بداية الكتاب الذي تتحدث عنه هناك صورة الرب يسوع حاملاً الخروف وبيده عكازة؟ هل تريدنا أن نرمي هكذا كتاب تراثي وبلُغتنا السورث وصورة الرب معه في سلّة المهملات؟ ما هذه الكبرياء من عندك؟ إصحى يا أخي إصحى. وفي مكان ثاني يقول :" الفصل المضحك في مسرحية كتاب المتأشور مسعود النوفلي" .
تعليقي: هل صارت كليشة عندكم كلمة "المتأشور" حتى أنّ كُلُّ من يريد البحث عن الحقيقة تنعتوه بهذه الصفة؟
وفي مكان ثالث يقول: فهل بامكان النوفلي ان يذكر لنا علم واحد ينسب الى الاشوريين عدا علم سلخ جلود الأسرى وسبيهم الى ديارهم وحرق المدن بما فيها كما فعل المجرم سنحاريب بمدينة بابل؟.
أخونا العزيز يتهم الآشوريين بانهم كانوا متخصصين بسلخ جلود ألأسرى وحرق المدن ويتهم ملكهم سنحاريب بالمجرم .
السؤال المطروح للأخ العزيز اليس هذا أجحاف بحق الآشوريين الذين أعطوا للعالم أكبر مكتبة قديمة عرفها التاريخ القديم وهي مكتبة اشور بانيبال؟ الم تقرأ عن مشاريع الري التي لا زال العالم كُلّه حائرا بتلك الأساليب المتقدمة في فن الري؟
الم تقرأ عن أول أكتشاف للعجلة على يد ألآشوريين وكانت قوّتهم وأسلحتهم العسكرية متطورة جدا حتى كانوا يرعبون ألأعداء بها؟ وووو...الخ .
أنا أشك في قرائتك للتاريخ ، ولكن بالمقابل لماذا لا تذكر ما فعله الكلدان بحق الشعب اليهودي في ارضهم وكيف قتلوا اليهود وسرق نبوخذ نصر كؤوس وأواني الهيكل (الهيكل الذي بناه سليمان لتمجيد اسم الله)؟ وكيف حرقوا نينوى التاريخية ووو..... وهل قرأت قصة دانيال وأصدقائه ماذا فعل بهم الكلدان الوثنيون؟
يقول الرب يسوع المسيح "لا تُدينوا لكي لا تُدانوا" فأخرج الخشبة من عينك قبل أن تُخرج القشّة من عين صاحبك".
 نأتي الى ما  تلفض به أخينا كاتب المقالة ليكشف حقيقة ما وراء القناع المزيف, الذي طالما أخفاه عن ألآخرين, من الحقد والكراهية لكلّ من يخالفه في الرايء فينفث بما فيه من المرارة  والسموم والحقد والكراهية حتى وصل به ألأمر بنعت الآخرين"بالأرذال " كما جاء في مقالته ما نصه: " اقول لكل من خرج من صلب الكلدانيين وجعل من نفسه اداة رخيصة وبوق ثرثار ليتهجم على الكلدانيين وعلى التسمية القومية الكلدانية ، عار ثم عار ثم عار أن يكون افتخار المرء في تسمية ما قبل الافتخار بهويته وتسميته الأصلية لذلك ، لأن التنكر للأصل وتغيير الهوية القومية هي صفة الأراذل".
أنها مقالة  تفوح منها رائحة الشتائم والأحقاد والمرارة والألفاض الغير اللائقة بحق ألآخرين لا يمكن أن تخرج من قلب المؤمن المسيحي الحقيقي, لأنّ الرب يسوع المسيح يقول "...أمّا أنا فأقول لكم : من غضب على أخيه أستوجب حُكم القاضي, ومن قال لأخيه : ياجاهل أستوجب حُكم المجلس, ومن قال له: يا أحمق أستوجب نار جهنّم"متى 5:22".
للأسف أخوتي ألأعزاء نحن لا نستحق أن ندعوا مسيحيين عندما نتبادل بعضنا البعض بالفاض الشتائم بدل أن نتبادل السلام والمحبة ونكران الذات والتنازل عن كبريائنا ، كيف نتهم الآخرين حتى ألأعداء ونصفهم بهذه النعوت المخجلة ؟ كيف تريدون أن تتوحّد قلوبنا وتتحقق وحدتنا المسيحية وأنتم تسكتون عن هؤلاء الذين يهدمون ما بناه الخيّرين؟ ألا تشاركون هؤلاء الأخوة بالذنب عندما تسكتون عن قول الحق ؟
وختاما أقرأوا بماذا ختم هذا الأخ مقالته عندما يقول :  واخيرآ إذا كانت تهمة التنكر للعائلة او العشيرة او المدينة او الوطن تجلب العار وفقدان الكرامة للشخص الناكر لها فكم يكون عارآ وعديم الكرامة الشخص الذي يتخلى عن هويته وأصله وانتماءه القومي ؟، اللهم إلا إذا ...
السؤال الذي يخطر على بالي الآن هو :
هل أستطاع الشيطان أن يقسّمنا ويمزّقنا ويرمينا ويطرحنا في هاوية لا مخرج لها ؟
الم يقل الرب يسوع المسيح" كلّ مملكةٍ تنقسم تخرب وتنهار ُبيوتها بيتا على بيتٍ .
نطلب من الرب يسوع المسيح أن يصفي قلوبنا جميعا ويزيل من دواخلنا كُلّ الأحقاد والمرارة ويخلق فينا قلوبا جديدة  طاهرة وروحا جديدا لنستطيع الرجوع الى منابع أيماننا فتكون كلمتك يارب نورا تنّور طرقنا لنستطيع السير في طريق الحق والحياة ..آمين.

156
أُريد حلاّ  ..."ماهي هويتي"؟

نافع البرواري

في الحقيقة وبعد مطالعتي لبعض كُتب التاريخ والمقالات المنشورة في بعض المواقع المسيحية من قبل ألأخوة الباحثين في تاريخ أرضنا بين النهرين والتي سكنها شعوب مختلفة منهم "السومريّون وألأكديّون والأمورّيون والآراميّون والكيشيّون والبابليّون والميديين واليهود والأشوريّون والعيلاميّون والفرس والعرب وألأتراك وألأكراد", صرتُ أشُكَّ في هويتي التي هي تعبير عن العِرق والجِنس والتُراث الثقافي وجذوري التاريخية  والقومية التي انتمي اليها وأصبحتُ في حيرة وزادت تسائلاتي عن مدى أنتمائي لأحدى هذه القوميات والشعوب, وأُرجو من كُلِّ ألأخوة الذين يقرأون هذه المقالة أن يُعطوني ألأجابة الشافية والوافية التي لا تقبل الشك عن هويّتي وقوميّتي وجذوري التاريخية بعد أن يقرأوا المعلومات التالية:

ولدتُّ في عائلة "كلدانية " في أحد القرى المسيحية في شمال العراق وكان أبي وجدي وجد جدي" كلدانيون" ولكن قبل ذلك كانوا أجدادي "اشوريّون" حيث أجدادي قدموا من تركيا من عشيرة "بنَي رومتا " ألآشورية, وبالتأكيد سبب تحوّل أجدادي الى الكلدانية بعد أن كانوا اشوريين هو سبب ديني لأنتماء البعض من الآشوريين الى الكنيسة الكاثوليكية الذين أعطيت لهم تسمية الكلدان بينما ألآشوريين ينتمون الى الكنيسة المشرقية القديمة.

اليوم أنا أتكلم بلغة السورث وهي مزيج بين اللهجة" التي تسمّى "الكلدانية والآشورية " ولكنني لا أُجيد قراءة وكتابة اللغة لهاتين القوميتين ان صحّ التعبير, لكن أُجيد قراءة وكتابة اللغة العربية والدليل مقالاتي كُلّها أكتبها باللغة العربية حالي حال الكثيرين من ألأخوة الكلدان الآشوريين السريان.

أحبّائي وأخوتي وأخواتي .انّ مأساتنا هي جهلنا أننا شعباً واحداً أختلطت دمائنا مع بعضنا البعض وأصبحنا "مثل السبيكة" كما قال أحد ألأخوة واصفا الشعوب الكلدانية وألآشورية والسريانية ، حيث تمازجت وتداخلت وأختلطت دمائنا مع بعضها البعض وأصبح من المستحيل معرفة لمن مِنْ هذه القوميات تنتمي جذورنا وعروقنا التاريخية, (وخاصة بعد دخولنا الى الديانة المسيحية ) التاريخ يؤكد على الحقائق التالية:

1- ألاشوريون أحتلوا بابل وأخذوا الكثيرين من الكلدانيين سبايا الى ديراهم ألآشورية كما فعلوا باليهود ايضا عندما جلبوهم من السامرة وشمال فلسطين الى مناطق شمال العراق وكما فعل الكلدانيون نفس الشيئ مع اليهود عندما غزوا أورشليم وجلبوا اليهود الى بابل كما يخبرنا التاريخ والكتاب المقدس.

2- التاريخ  يخبرنا أيضا عن أنّ الآراميين كانوا قد تغلغلوا في ألأمبراطوريتين ألآشورية والكلدانية حيث كان جنوب العراق يسمى "بيث ارامايا" وليس هذا فقط بل أن الشعوب بين النهرين قد أخذت الكتابة الآرامية التي أصبحت بعد ذلك السريانية "سورث" بعد دخول أكثرية الكلدان وألأشوريين والسريان في الديانة المسيحية.

3- التاريخ يخبرنا أيضا أنّ عاصمة الكلدانيين سقطت بيد الفرس وكذلك نينوى وصار هناك تغييرا ديموغرافيا وخاصة بعد دخول العرب الى بلدان الشرق الأوسط فأندثرت لغات الشعوب ألأصيلة بعد سيطرة اللغة العربية لتصبح اللغة الرسمية لسكان بين النهرين, وأذا قلنا أنّ الكلدانيين وجدوا في المحافظات الجنوبية وخاصة بغداد فأنّهم كانوا يتكلمون باللغة العربية والكثيرين منهم أصلهم عرب كانوا قد تنصّروا في القرون ألأولى للمسيحية. أمّا الذين يتكلمون لغة السورث في هذه المحافظات فهم من المهجّرين من شمال العراق وتركيا منذ الحرب العالمية الأولى وحروب الستينات من القرن الماضي بين ألعرب وألأكراد, ونزحوا الى هذه المحافظات سواء كانوا اشورييون أو كلدان أو سريان .

أمّا السريان سواء السريان الشرقيين والسريان الغربيين(شرق الفرات وغربه) فقد عانوا هم أيضا من الحروب والأضطهادات من قبل الأتراك وخاصة في الحرب العالمية الأولى وتشتت الكثيرين منهم في الدول المجاورة كالعراق وشرق سوريا وهاجر الكثيرون منهم الى الغرب والكثيرين منهم أستعربوا فأصبحوا يتكلمون اللغة العربية أو أصبحوا يتكلمون اللغة التركية بسبب ألأضطهادات .

من خلال كُلّ هذه المعطيات وغيرها (لانريد أن نغوص في عمق التاريخ وما حدث من ألآبادات والأضطهادات ولا زالت مستمرة الى يومنا هذا بل زاد وتيرها ضد السكان ألأصليين من الكلدان والسريان والآشوريين ) نستطيع أن نتوصل الى النتائج التالية:

1- اننا ككلدان أو سريان أو اشوريين تجمعنا تسمية واحدة ومنذ دخول هذه الشعوب الى الديانة المسيحية ولا تزال هذه التسمية التى تطلق على هذه الشعوب الى يومنا هذا وهي "سورايي" , وهي تسمية نعترف بها جميعنا وهي متداولة بين الكدان والسريان والآشوريين ، وهذه التسمية لها خصائص تميزنا عن الشعوب ألأخرى سواء كانوا عربا أوأكراد أو فرس أو أتراك...ألخ  وهي تسمية لها جذور قديمة تزيد عن الف وخمسمائة سنة من ألآن فلماذا نرجع الى جذور غائرة في القدم ولا أحد يستطيع في أيّامنا هذه أن يثبت هويته القومية سواء من أدعى كونه كلداني أو سرياني أو اشوري لأختلاط وانصهار وذوبان هذه الشعوب الأصيلة مع بعضها البعض ومع الشعوب المحتلة من الفرس والعرب والأتراك وغيرهم أضافة الى أختلاط دم الكلداني والسرياني والأشوري  مع اليهود المسبيين من فلسطين وغيرها من الشعوب التي جلبت من بلدان أخرى الى ارض الرافدين وأعتنقوا المسيحية.

انّ التسمية المقترحة "سورايي" تعني:

 أولا: أننا نتكلم بلغة خاصة بنا نحن "الكلدان والسريان والآشوريين" وهي لغة "السورث", فمها كان أصل  جذور هذه اللغة "سواء كلدانية أو سريانية أو اشورية" فهي لغة حيّة نعتز بها لأنها تجمعنا وتؤكد لنا أنتمائنا الأصيل الى وادي الرافدين كموطن عاشت وتعيش فيه هذه القوميات, فهذه اللغة تجمع القوميات الثلاثة بغض النظر عن أصلها .

ثانيا: هذه التسمية سورايي تعني ايمان مشترك للقوميات الثلاثة وهذا الأيمان المشترك(كوننا نؤمن بيسوع المسيح ربا ومخلصا) يجمعنا ويوحدنا بفكر واحد ويدعونا الى أن نكون أخوة وأعضاء في جسد المسيح, وهذا يعطينا القوّة والزخم ومصير مشترك ويعطينا أمكانية غير محدودة لمواجهة كل المظالم والأضطهادات بقلب واحد وروحا واحدة كما فعل شهدائنا ألأبرار خلال فترات الأضطهادات عبر العصور. أمّا الذين يُطلق عليهم تسمية "سورايي" وهم غير مؤمنين "علمانيين وملحدين" فهم أيضا تشملهم هذه التسمية باعتبارهم يؤمنون بنفس القضية وألأهداف ويشتركون مع ال"سورايي" باللغة والدم والتاريخ المشترك والثقافة المشتركة والوطن المشترك, لا بل كُلّنا نشترك في مصير واحد بل انّ بقائنا ووجودنا يعتمد على مدى أعترافنا بهذه الحقائق المشتركة والتنازل عن الصراعات القومية والتحزبات التي أثبتت ألأيام أنّها شتت جهودنا ومزقت وحدتنا وتلاشت امالنا في أن يكون لنا صوت واحد وقوّة واحدة وجهد موحد للتصدي لقوى الظلام من ألأرهاب وصولا الى القوى السياسية والدولية التي تستغل هذا ألأنقسام للقضاء على وجودنا في هذا الشرق.

2- أنّ التاريخ يذكرنا بكنيستنا المشرقية عندما كانت كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية فلماذا لا نرجع نحن اليوم ك"سورايي" لأعادة هذه التسمية مع أحتفاظ كُلّ الطوائف والمذاهب بخصوصيّتها التي تعتز بها, كما يعتز كلّ واحد بقوميّته ولهجته المحكية  فالتنوع يغنينا ويثرينا بتنوع تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا وطرق عبادتنا طالما لا نخرج عن الحقائق الجوهرية لأيماننا.

157
 

السريان ونقل البشارة

الجزء الثاني

نافع البرواري

لقد كتبتُ مقالة عن "السريانية لغة وثقافة وحضارة – الجزء ألأول"(يُمكنكم الأطلاع عليها بالرجوع الى الرابط ):

http://www.ishtartv.com/viewarticle,27355.html

 وفي هذه المقالة والمقالة اللاحقة, أنشاء الله, سنتكلم عن السريان ونقل البشارة(الخبر السار) كما جاء في دراسة منشورة في كتاب "ينابيع سريانية"(يحتوي هذا الكتاب على دراسات كُتبت بأقلام نُخبة من العلماء والباحثين الذين أفرغوا عُصارة أفكارهم ومعرفتهم وعطائاتهم) .

لتسليط المزيد من ألأضواءعلى دور كنيسة السريان (بفرعيها ، الغربي والشرقي) في نشر البشارة (الخبر السار) في الشرق قاطبة ، علينا نحن مسيحيي اليوم"مشيحايي", أن نفهم جذورنا التاريخية وينابيعنا السريانية"سورايي" سواء كُنا تابعين اليوم للكنيسة الكلدانية أو السريانية ألأرثوذوكسية والسريانية الكاثوليكية أو الآشورية الشرقية. فنحن اليوم لا نستطيع أن نفصل بين هويتنا كأمة شعت حضارتها ألأنسانية في العالم عامة وفي الشرق خاصة, وبين جذورنا وأصولنا المسيحية وذلك لنستطيع قراءة الماضي على ضوء الحاضر لأعادة قراءة مسكونية للجذور نفسها لنتجاوز الصراعات وألأنشقاقات وأنفصالات الماضي, لأن الذي يفقد هويته وجذوره التاريخية يكون كالشجرة التي تُقلع من جذورها فتذبل وتموت, وعندما نعود الى ينابيعنا وجذورنا ، عندها نستطيع ألأهتمام بحاضرنا ومستقبلنا ونحافظ على أيماننا وهويتنا و تاريخنا وتراثنا وتقاليدنا ووحدتنا في تحقيق أهدافنا وامالنا, فنحن ورثة حضارة قدمت للعالم من العلوم والمعارف ألأنسانية ما لا يمكن أخفائه أو أنكاره, لا بل أنّ السريان كانوا من السبّاقين الأوائل في نشر المسيحية في العالم أجمع منذ القرن الأول الميلادي وخاصة في الشرقين ألأوسط وألأدنى.

يقول الكاردنال موسى داوود(1):

"ان نموذج (التاريخ الكنسي) لأوسابيوس هو مُجتزئ, لأنّ ألأتجاه الذي تطّورت ضمنه الرسالة المسيحية ليس فقط ذاك الذي قاد من أورشليم الى روما. فالأنجلة (التبشير) أتَّبعت أيضا طريقا آخراً قادها نحو المشرق والهند والصين حيث نشأت جماعات مسيحيّة تطورت خارج حماية ألأمبراطورية الرومانية, في سياق تاريخي من الصراع بين تلك ألأمبراطورية وألأمبراطورية الساسانية, وفي منطقة حدودية وصدامية بين هاتين القوّتين العظيمتين في ذلك الزمان. غير أنّ كُلّ هذا لم يُمنع الكنيسة السريانية الشرقية خصوصا من أن تمتلك أنطلاقة شبيهة بأنطلاقة الغرب, قادتها الى تحقيق عمل تبشيري كبير في ألألفية ألأولى. لقد تعدّت كنيسة المشرق التقليد الذي يُنسب الى يهوذا التوأم (توما) الوصول الى الهند, فانتشر مرسلوها في الصين, كما تشهد على ذلك مسلّة كسي- ان سنة 781م."

وسنتناول في هذه المقالة ما نشر في كتاب "ينابيع سريانية "دراسة بعنوان:

"السريان ونقل البشارة " عن دور مُبشروا الكنيسة المشرقية في نشر بشارة الخلاص الى الجزء الكبير من العالم الشرقي قبل الحملات التبشيرية الغربية بعدّة قرون (2).

يقول الرب يسوع المسيح :" وكما أنّ البرق يخرج من المشرق ويلمع حتى المغرب, كذلك يكون مجيء ابن ألأنسان"متى 24:27" هكذا كان اندفاع الرسل بطريقة خارقة للعادة لتأسيس كنيسة ألشرق الممتدّة من البحر المتوسط ومصر غربا الى الصين شرقا, ومن أرمينيا وسمرقند وأذربيجان (قرب باكو) شمالا الى الجزيرة العربية واليمن والخليج العربي جنوبا.

فمنذ بدء المسيحية أهتمت كنيستان سريانيّتان بنشر البشارة الطيّبة :

1- كنيسة المشرق المسمّاة نسطورية.

2- والكنيسة السريانية ألأرثوذكسية, من دون أن ننسى الكنيسة اليونانية الملكية.

الكنيستان ألأولى (النسطورية) والكنيسة السريانية ألأرثودكسية  كانتا نشيطتان خصوصا في شبه الجزيرة العربية واليمن والحبشة ومصر وفلسطين وحتى الهند (سنتكلم عن البشارة في الجزيرة العربية باسهاب, في مقالاتنا القادمة انشاء الله ومن مختلف المصادر), بل أنّ الكنيسة الشرقية كانت لها بصمات في الغرب منذ بداية المسيحية وخاصة في بلاد الغال (فرنسا حاليا) وبما أنّ الديانات تحمل معها دائما لغاتها فأِنَّ ألأبجدية السريانية التي نقلها الى آسيا رهبان دير بيت عابي (بيت الغابات يقع شمال العراق في منطقة كانت تسمّى المرجا) أُستخدمت في الماضى كأداة كتابية لنسخ ثقافات عدّة شعوب اسيوية كانت الكنيسة الشرقية تأخذ في عين ألأعتبار ثقافة ألشعوب وتندمج في اصالتها, وكانت لها القدرة على التكيّف مع ألأوساط ألأجتماعية والثقافات والمدنيات وتولي أنتباها للعادات ألأهلية وكان أكليروسها ينحدر في معظمه من الوسط المحلي, والمرسلون كانوا يحافظون على اللغة ألآرامية و يقبلون أن تتم القراءات والأناشيد الكنسية باللغات المحلية ، كتب عبد يشوع بربريخا (1318م) على لسان الرسل(ألأولين) الذين بشَّروا بلاد ما بين النهرين يقول:

قال توما الرسول:"أنا رسول الهنود والصينيين".

وقال أداي (وهو تلميذ الرسول توما): "أنا رسول كُلّ بلاد فارس.

انطلقت كنيسة المشرق من بغداد (سلوقية – قطيسفون القديمة - ووسعت حلقة من بشّرتهم, على الصُعد الدينية والثقافية واللغوية, بين القرن الثاني والثالث عشر, من المتوسط الى الهادي. ففي عهد الجثليق مار ابا ألأول (540-552م), تكثّفت حركة ألأنتشار وأمتدت انذاك في كُلِّ آسية. وكانت حاضرة على نحو ناشط في حوض المتوسط وفي الشرقين الأدنى والأوسط, وفي اسيا الوسطى وفي الشرق ألأقصى, ومن غرب بلاد الرافدين حتى شواطيء المتوسط, وفي أرمينيا وفلسطين وقبرص, ولكنها أيضا وصلت الى الجنوب الشرقي لشبه جزيرة الدكّان, أي شاطئ المالبار في غرب الهند, وجزر بورنيو وسومطرة وجاوا, وجزر الملوك (سرام...)في ماليزيا الحالية, وتوجّهت شرقا حتّى جنوب شرق سيبيريا, وحتى قلب ألأمبراطورية الصينية. ولقد وجدت اثار للأنتشار السرياني حتى في البنغال. ففي عام 1506م ألتقى الرحالة لوي دي فارتيما في تلك البلاد تجّارا نساطرة قادمين من سارنام, العاصمة القديمة لسيام (تايلند الحالية), قادوه الى بيغو (عاصمة بيرمانيا القديمة ) حيث كان للملك ألف مسيحي في خدمته. وهؤلاء التجار أصطحبوا لوي دي فارتيما معهم عندما ذهبوا الى بورنيو وجاؤا الى جزر الملوك للمتاجرة .

من بلاد الرافدين الى بلاد فارس وآسيا الوسطى.

  ما أن أشرف القرن الثاني على نهايته حتى وُجد مسيحيُّون في باكتريان (في شمال أفغانستان , وحاليا منطقة بلح ). وكنيسة المشرق أسست بفضل مبشّريها ومنذ القرن الثالث, مقاطعات كنسية وأقامت اساقفة في فارس (2) , وعيلام(3), وخراسان(4), وسجستان(5), وما وراء نهر أوكسوس(أمور داريا حاليا) وشبه الجزيرة العربية, وعلى أمتداد الخليج الفارسي من الكويت حتى مضيق هرمز, وفي بلاد الصغد, وفي جنوب العراق (الحيرة, الكوفة ...), وفي جزر بيت قطرايي (قطر) مسقط رأس اسحق النينوي, وفي بيث ماديا (بلاد الماديين شمال غرب ايران), وفي بيث رازيقايا (طهران) وقم وقاشان, وفي منطقة ابراشهر (في خراسان) وفي جزر ارداي (داري ) وفي تودور (البحرين) .

وفي عام 410 م خلال سينودس مار اسحق, كانت كنيسة المشرق تحوي ستّة متروبوليّات  وقرابة أربعين أسقفية.

بلاد كردو(كردستان) بُشّرت أيضا في وقت مبكّر. وتشير الوثائق الى وجود مرسلين قادمين من بلاد ما بين النهرين ومنتشرين في وقت مُبكّر في أواسط الشعب الكردي.

وهناك كنائس قديمة جدا تعود لنهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس,على أسم مار ماما (أُرامار) ومار زايا ومار بيشو في حقّاري (أو هكاري جنوب شرق تركيا ). والقس مار بتيّون الذي أُستشهد سنة 446م, كان رسولا في تلك المنطقة. وفي نهاية القرن السادس, قدَم مار سبريشوع (596-604م) للتبشير في هذه المناطق الجبلية الجرديّة قبل أن يصير جاثاليقا سنة 596م. وقد حضر مار ماروتا, أسقف كُردو, سينودس مار غيوارغيس(جرجس) سنة 605م. في العام 334م, كان برسابا أول أسقف لمدينة مرو في شمال خراسان ..... وكانت منطقة تركستان الشرقية تضمُّ عدّة سُدّات مترو بوليتيّة ديناميّة في تنغوت وكاشغر (كاشي الصينية, في مقاطعة هسين – كيانغ) ونافيكات (في قيرغستان) والماليغ في هسين كيانغ في الصين. وقد وجد في بداية القرن العشرين مزمورٌ مكتوب باللغة الفهلوية في القرن السابع في واحة طُرفان الواقعة على طريق الحرير. وكان يوجد مسيحيون مشارقة في استانا عاصمة كازاخستان الحالية.

وفي القرن الثامن كان أمير كاشغر ألأوويغوريّ مسيحيا مشرقيا باسم سرجيانُس, مثله كمثل أمير سارتاغ المغوليّ, وأمبراطور الصين المغولي نفسه, الخان الكبير مونغكة (1251-1259) ربّته أمُّه المشرقية, كما كان وزير خارجيّته الكاراييتيّ بولغي مشرقي العقيدة. ويستفاد من كُتب التاريخ أنّ اربعة أباطرة مغول في القرن الثالث عشر, وهم أوغوداي (1229-1241), وغويوك(1246-1248) ومونغكة (1251-1259م) وقوبيلاي خان (1260-1294م) , منحوا المشرقيين امتيازات مختلفة.

كان غويوك مسيحيا بحسب المرسل يوحنّا دي بلان كاربين, والمؤرخ السرياني ابن العبريّ كذلك كان خان الفرس أرغون في القرن نفسه يحب المشارقة ويعاملهم بعطف, حتى أنّه عمّد أبنه الثالث خاربندة في اب 1289م واسماه نقولا.

نعرف من وثائق سينودس مار داديشو, المنعقد في مركبتا في منطقة طاياي سنة 424, أنّ كنيسة المشرق انتشرت شمال بلاد فارس وشرقها, من مرو الى سمرقند وابراشهر وحراة في شمال غرب افغانستان, كما وصلت الى أذربيجان وأستقرت في مدينة الريّ (طهران القديمة) وامتدت الى ارمينيا التي كانت كنيستها تستعمل السريانيّة في طقوسها في القرون المسيحيّة الأولى, وأزدهرت في نيهارغور ونيسابور وأصفهان. بل تكوّنت مممالك مشرقية في اسية الورسطى. فنجد في العام 498م مسيحيين مشرقيين عند قبائل الهون البيض على ضفتي نهر أمو- داريا. هؤلاء طلبوا سنة 549م من البطريرك مار ابا ألأول أن يرسم له أسقفا من شعبهم ففعل. ونصل الى منتصف القرن الرابع عشر لنجد أنَّ قبائل ألخالاتش المتحدِّرة من الهون البيض كانت تكّون متروبوليتيّة مشرقية في شمال أفعانستان(لا نستغرب عندما نسمع اليوم عن طورا بورا والتي تعني بالسريانية الجبال الجرداء في أفغانستان). وكانت أحدى قبائل الهون قد اهتدت منذ525م وحذت حذوها أحدى قبائل الألين وفي عام 1007م أهتدى مئتا الف من الكارييت, مع ملكهم, وتبعهم ألأنغوت في القرن 12, وكان عددد كبير من أمرائهم مشرقيين. هؤلاء القوم في الواقع يعيشون حوالي سنة 1000م في صحراء غوبي, في منطقة أرخون. وبحيرة بايكال, وكانوا قد أهتدوا على يد متروبوليت مرو عبد يشوع. ويروي المؤرخ (السرياني) ابن العبريّ في "تاريخه الكنسي" هذا ألأخير طلب من بطريرك المشرق, في رسالة مؤرخة سنة 1009م, تخفيف قوانين الصيام عند هؤلاء المهتدين الجدد.

وسوف نكمّل هذا البحث(كما ورد في كتاب ينابيع سريانية نصا) في المقالة القادمة انشاء الله .

----------------------------------------------------------------------------------

(1) كتاب الينابيع السريانية ص 9-19 دراسة بعنوان "أهمية المراجع والنصوص السريانية معنى المجموعة السريانية الجديدة".

 (2) نقلا عن نفس المصدر السابق ص333 - 351 دراسة بعنوان "السريان ونقل البشارة " بقلم جوزيف يعقوب أستاذ العلوم السياسية جامعة ليون الكاثوليكية, معهد حقوق ألأنسان , وأختصاصيّ في ألأقليات وفي مسيحيي المشرق.

158
 رد لما كتبه أحد ألأخوة من المتطرفين القوميين في مقالته
 
بقلم نافع البرواري
 
في متابعتي للأحداث لما جرى ويجري في العراق من التطرف الطائفي والقومي والمذهبي والعرقي الذي أصبح واقعا لا يستطيع أحدٌ أنكاره ، ألاحظ أستشراء هذا المرض ليفتك حتى بين ألأخوة المسيحيين أنفسهم ، فأصابنا مرض الحنين الى السلف والبكاء على أطلال الحضارات الكلدانية والسريانية والاشورية ونسينا حاضرنا ومشاكلنا ومآسينا وقضايانا المصيرية ، بل حتى ايماننا أصبح موضع شك ، وبات وجودنا وبقائنا وحتى هويتنا في محكّ .
يمكننا أن نستخدم الكلمات كأسلحة أو كادوات للأسائة للعلاقات أو لبنائها. وللأسف كثيراً ما يكون الهدم اسهل بكثير من البناء( حتى في مشاريع البناء). فقد نقضي سنوات لتشييد بناية ضخمة ولكن ما أسهل تدمير وهدم هذه البناية. وكُلِّ شخص نقابله اليوم , أمّا أن يكون مجالا للهدم, أو فرصة للبناء, وكلماتنا هي التي تحدث الفرق. فهل نكون معولا للهدم أو أداة للبناء. يقول كاتب سفر الأمثال"كلام النفاق يُفسِد صاحبهُ. وبالمعرفة يخلص ُ الصدِّيقون"أمثال 11:9"
عندما يتهم (أحدهم ) أخيه الاخر بتهمة جارحة و بأستهزاء, لانّه لا يشاركه هذا التعصب الأعمى, و ليقول عنه" عرب وين وطمبورة وين" فهذه هي مأساة حقيقية, فأما لا يعرف هذا الأخ ما يقصده المثل فتلك مصيبة, وان عرف هذا ألأخ ما يرمز اليه المثل فالمصيبة أكبر. في الحقيقة هذا المثل ينطبق على كُلّ متعصب لقوميّته فيرى خراب بيوت وماسي تحّل بالمسيحيين في العراق, ولكنه لا يهمّه هذا كُلّه سوى التغني بأمجاد القومية والبكاء على أطلال تلك لحضارة التي لم يشترك أخينا في صنعها. فإذا هذا المثل ينطبق على أخينا هذا والسائرين معه في نهجه, فهو غائب عن ما يُعانيه شعبه ويعيش في عالم آخر في دولة تقع  في أقصى الكرة الأرضية ولا يعيش مأساة شعبه الذي أشمئز من التحزبّات القومية والطائفية التي مزّقت امالهم في توحيد كُل الجهود الرامية الى وحدة (السريان والكلدان والآشوريين).
أنّها لمأسات ما وصلنا اليه نحن مسيحيي العراق بسبب التعصّب القومي والطائفي حتى وصل ألأمر ان يكتب واحداً من هؤلاء المتعصبّين , مقالة تطعن في شخص يمقت التعصب القومي والطائفي و مشهود بنزاهته ومحبّته وأخلاصه لوحدة المسيحيين سواء كانوا (سريان أو كلدان أو أشوريين) .
يريد منّا هذا الشخص (القومجي) أن نكتب عن عظمة حضارة الكلدان وما قدموه للبشرية من العلوم والمعارف وكأن مشاكلنا ومآسينا الحالية لا يمكن حلّها الاّ بالرجوع الى سالف الحضارات المندثرة ونُنقِّب في أطلالها (كالذي يبحث عن ابرة وسط كوماً كبيراً من القش) عن حل لمشاكلنا ومعاناتنا (اليوم) مما نعانيه من ألأضطهاد والظلم والتهجير القسري والتمزّق ألأخلاقي والفتور ألأيماني, والتشرذم والتحزب والتعصب, الذي أصاب وحدتنا المسيحية. نعم نحن لاننكر حضارة الكلدانيين ولا حضارة الاشوريين أوحضارة السريانيين(الاراميين) , ولكن نحن ابناء اليوم علينا أن لا نبكي على الأطلال بل أن ننهظ ونستفيق من أحلام اليقظة التي نحن فيها. لأنّ الرجوع الى الماظي السحيق لجلد الذات والتهرب من الواقع الحالي هو كالذي يهرب من مشاكله باللجوء الى المخدرات.
نحن ليست مشكلتنا مع الكلدان, أيّها ألأخ العزيز, وليست مشكلتنا مع ألاشوريين وليست مشكلتنا مع السريان , فنحن نحترم أعتزازهم بقوميتهم وهويتهم وجذورهم التاريخية, ولكن مشكلتنا هي مع الذين ينظرون من زاوية محدودة من هؤلاء الناس دون النظر الى جميع الزوايا, وهذا ما يسبب تفّرُقنا ويزيد من تمزُّقنا كشعب واحد عاش في وطن واحد ويشترك بلغة واحدة وتراث واحد لابل دم واحد ومرتبط بمصير واحد والأكثر من ذلك يؤمن بايمان واحد. وهذا ما يُركّز عليه الخيرون من أبنائنا (الكلدان السريان الآشوريين) ومنهم هذا الشخص الذي أتّهمته في مقالتك, التي تفوح منها رائحة التعصب حتى قذف الاخرين بكلمات غير لائقة, عندما تقول عنه ما نصّه"...راجع النصوص التي كَتَبتَبها وتَرجَمتَها في تَبَجُّحُكَ في مقالتُكَ".
 السؤال موجّه لك أخي العزيز وهو: هل يتطلب هذا القول عن شخص مؤمن بالله ومحب لشعبه المسيحي سواء كان( سرياني أو كلداني اوآشوري) تنعته بصفة غير لائقة وهو شمّاس معروف من قبل غالبية الكلدان والسريان والاشوريين ولا يستطيع أحد أنكار محبّته للكُل وغيرته على كنيسته المشرقية وتفانيه في محاولة وحدة المسيحيين ولا فرق عنده بين التسميات ويشهد له حتّى الذين يخالفونه الرأي؟ وبعد أن شاهدنا صور الكتاب المترجم للأب المرحوم تبقى مُصِراً على رأيك مع شديد الأسف.
ألم يشرح لك هذا الشخص في ألأجابة على اسئلتك وبأسلوب البحث العلمي وبالمنطق وألأدلة  الكثيرة , ولكنك مع كُل ذلك تصرُّ على رأيك وعنادكَ؟ هل هذا هو أُسلوب شماس مؤمن ومثقف يكتب في موقع كلداني ويقرأ مقالته آلاف المؤمنين؟ .أليس هذا دليلا على ألأفلاس لأقناع الناس بمشاريعكم القوميّة وتجارتكم بهذه الشعارت الخدّاعة فأنفجر نار غضبكم على الذين كشفوا للشعب زيف هذه الشعارت وعرف الشعب المسيحي حقيقتكم التي طالما حاولتم أخفائها وراء الشعارات الزائفة؟
أليس هذا الغضب يعبّر عن مشاعر الكثيرين من أخوتنا أصحاب (الأصوليين القوميين)الذين يتعصبّون لقوميتهم وينظرون الى من يخالف نظرتهم فيتهمونهم بشتى ألأتهامات كما نقرا في الكثير من المقالات ؟ لقد بُذلت جهود خيّرة عبر سنوات لتوحيد شملنا وتوحيد اهدافنا لتحقيق وحدة حقيقية تَجمع عليها كُلّ هذه القوميات الثلاث المنصهرة مع بعضها البعض عبر التاريخ, ويقف على رأس هؤلاء الخيّرين ذاك الشخص الذي نعتّهُ ( بالعُنجهية ) دون وجه حق ودون سبب معقول سوى لأنَّ هذا الشخص يختلف معك في النظر الى الأمور من منظارأشمل, وهو وأن كان هذا الشخص كلداني ولكنه غير متعصّب لكلدانيته وينظر الى هذا التعصب الذي جعل الكثيرين من أمثالكم يفقدون التصرف اللائق والكتابة بحكمة بحيث أصبحتم  سبباً رئيسياً لما آلت اليه أوضاعنا المسيحية اليوم والواقع المؤلم يشهد على ذلك بدون نقاش.
لنفرض أنّ الشخص الذي ذكرته في مقالتك قد نقل عن كتاب مترجم عن الكلدان بوصفهم كانوا وثنيين أو (حنبي) وهو كذلك ، لأنَّ الوثنيين يعني من لايعبدون الله أو يشركون به ، وكذلك كلمة حمبي تعني ما تعنيه ، الذين لا يؤمنون باله اليهود (يهوه) علماً بأن آبائنا كانوا يلقّبون الذين غيّروا دينهم المسيحي بِ (الحمبي).
أنّ ما ورد في مقالتك عن الشعب اليهودي بانه أحفاد قتلة المسيح فيه نوع من الحق ولكن ليس كُل الحق لأن الكثيرين من اليهود آمنوا بالمسيح ، لا بل كانوا هم أساس المسيحية فتلاميذ المسيح جميعهم كانوا يهوداً ، كتبوا الأنجيل وبشّروا العالم بالأيمان الحق.
بينما لا تذكر ما فعله الكلدانيين(الوثنيين) في زمن الملك  نبوخذ نصر والملك بلشصّر, فالأول اراد أحراق أصدقاء دانيال( شدرخ وميشع وعبدنغو) في اتون النار بينما الثاني أخرج آنيّة الذهب والفضة التي أخرجها نبوخذ نصر أبوه من الهيكل(هيكل سليمان في أورشليم ) ليشرب بها هو وعظمائه ونسائه وجواريه في احتفال مهيب فيها تم شرب الخمر من هذه الكؤوس وألأواني فتنجّست, وقد دفع الكلدان ثمناً غاليا لهذا التصرف الأهوج بانتصار الماديين عليهم وسقوط بابل في نفس  ليلة ألأحتفال والقصة يمكن أن تقراها في سفر دانيال النبي الأصحاح الخامس. وأُحب أن أُضيف الى معلوماتك اخي العزيز أنّ  الكلدانيون في فترة السبي البابلي كانوا يعبدون مئات الآله وقد أضافوا اله يهوه الى قائمة تلك الآلهه في زمن نبوخذ نصر والدليل أنّ نبو خذ نصر آمن بيهوه اله اليهود ثم عاد ونُسيَ اله دانيال مرة ثانية من بعده في زمن بلشصّر ابنه وهذا دليل على وثنية الكلدانيين وأشراكهم بيهوه اله اسرائيل.
تقول في مقالتك :"إذن المسألة لم تـكـن إضـطـهاداً أربعـينياً ولا تسعـينياً ولا في زمن القـرن الرابع ولا العاشـر ، ولا مسيحـيّـين  ولا هـم يـحـزنـون ، وإنما كانـت تـشبـيهاً لِما حـدث في زمن نـبوخـذنـصّـر ، وإحـياءاً لذكـرى اليهـود المسبـيّـين وإلهـهـم يـهـوه ، وذكـرى شَـدْرَخ وميشَـخ وعـبدَ نـَغـو وسراويلهم والنار".
السؤال المطروح لك وأنت شمّاس : هل اله اليهود(يهوة) ليس الهنا, عندما تقول (والههم يهوه)؟ ولنترك ألأجابة للقارئ المؤمن ولا نريد أن نتشعب في هذا الموضوع فقد أوضح ذلك الأب حبيب هرمز في مقالته الرائعة والمنشورة في بعض المواقع لتوضيح الألتباس الذي وقعتَ فيه , وأرجو الرجوع الى هذه المقالة وأدناه أقتبس بعض ما كتَبه ألأب حبيب في الفقرة رقم(5) من مقالته:
"خامسا: إن الرب جاء ليكمل لا لينقض. العديد من المسيحيين في كنيسة المشرق كانوا يهودا يعيشون في وادي الرافدين جنبا الى جنب مع اخوتهم المسيحيين من اصل كلداني وآخرون من اصل آشوري ومعهم الفرس المتنصرين والمسبيين الروم المسيحيين اصلا والعرب المهاجرين من الجزيرة وغيرهم. هؤلاء كانت قصص شهداء العهد القديم (مثل قصة الإضطهاد المذكورة في سفر دانيال ل شدرخ وميشخ وعبد نغو) نصب اعينهم استخدموها كرموز كلما استشهد احد بسبب اضطهاد الفرس. فالشهداء في العهدين لهم نفس الهدف وهو الشهادة بعلاقتهم ووفائهم لمخلصهم الذي كان ايام السبي البابلي يهوه الحي الى الأبد والغير منظور، وايام القرن الرابع كان الإيمان بالرب المسيح الحي الى الأبد الغير منظور ايضاً.
 راجع الموقع التالي:
http://www.ishtartv.com/viewarticle,30605.html
وأحب أن أضيف على ما قاله ألأب حبيب في الفقرة السادسة والسابعة من مقالته بأنّ الذي يريد معرفة ما ترمز اليه أية قصة من القصص في الكتاب المقدس عليه أن لا يأخذها حرفيا بل هي أحيانا كثيرة ترمزالى مقاصد روحية وعلى الباحث أن يعرف الرموز والمقاصد للكتاب المقدس  من خلال الدراية بعلم النقد ألأدبي والتاريخي والفلسفي , بمعرفة لغة ذلك العصر ومسيرة المجتمع الذي تم تدوين النص فيه ومعرفة الشخص الذي كتب النص والظروف التي دفعته للكتابة (راجع كتابات بولس الفغالي في النقد الكتابي للكتاب المقدس).
"ألأبن الحكيم ُ يقبلُ مشورة أبيه وأمّا الساخرُ فلا يسمعُ التأنيبَ"أمثال 13"1" ، فهل تقبل مشورة ألآباء أخي العزيز أم تتمسّك برأيك؟ ولكل حادث حديث.
السؤال ألأهم الموجه للأخوة, لماذا يسكت الكثيرون من المفكرين وكتبة المقالات عن هؤلاء الناس فيقرأؤن مقالاتهم دون أن يميزوا بين من يهدم البناء ومن يبني على هذا البناء, فأصبح الذي يطالب بوحدة (السريان والكلدان والآشورين) تحت مسمّى واحد هو "سورايي" لمصلحة المسيحيين ومستقبلهم ووحدتهم وتحقيق آمالهم يتم ألأستهزاء والسخرية به فيقول عنه كاتب المقالة  " بطل زمانه", بينما الذي يريد التعصب لقوميته أصبح  "البطل المنقذ"؟
 مع الأسف اليوم أختلطت الأوراق على الكثيرين واصبحوا لايعرفون الحق من الباطل, ولكن في نفس الوقت  أنكشفت أوراق الكثيرين من دعات  القومية والطائفية من العرب المسلمين وكذلك من أخوتنا المسيحيين, فقد سبّبوا في تمزيق العراق وسوف لن ينفعهم اللعب على أوتار القومية والطائفية, بعد(اليوم), لأن الشعب العراقي (مسيحيين ومسلمين) عرف انّه خُدِع بالمشاعر القومية والطائفية التي نادى بها هؤلاء المتعصبون للقومية والطائفية, فأنكشفت حقيقة تجارتهم بهذه الشعارات وما علينا الآن إلا أن نستفيد دروسا وعِبَر من التاريخ, لأن التاريخ يخبرنا عن مآسات التعصب القومي والطائفي عبر العصور.

159
دروس وعبر من الكتاب المقدس عن "الثبات والفشل في ألأيمان"
 
نافع البرواري
يقول الرب يسوع المسيح في مثل الكرمة الحقيقية :
"أنا الكرمة الحقيقيّة وأبي الكرّام....أثبتوا فيّ وأنا فيكم. وكما أنّ الغُصنَ لايثمر من ذاته الآ اذا ثبت في الكرمة, فكذلك انتم: لاتثمرون الاّ أذا ثبتُّم فيَّ.....منْ لا يثبت فيَّ  يُرمى كالغُصنِ فَيَيبَس"يوحنا 15:1,4,5". كثيرا ما يستخدم الكتاب المقدس ألأشجار والزرع (مثلا) لتمثيل النمو في الحياة الروحية والثبات في الرب, فالجذع هو مجرى القوّة من الله (الروح القدس) والأغصان هم الناس الذين يخدمونه, وأحيانا كثيرة تهتز ألأغصان وتطير في الريح, هكذا هو ألأنسان الذي لا يثبت في الله"أشعيا 27:11" .
المسيح في مثل "الكرمة الحقيقية" يقول "أنا هو الكرمة  الحقيقية وأبي هو الكرام"يوحنا 15:1" فالآب هو الذي يعتني بالأغصان حتى تثمر. والأغصان هي كُلّ انسان يتبع المسيح. والغصن المثمر هو المؤمن الحقيقي الذي بأتحاده الحي بالمسيح ينتج ثمرا أكثر. أمّا من لايثمر أو الذي لا يثبت في المسيح  فسيُقطع من الكرمة, وذلك مثل ألأنسان الذي يرتد عن المسيح بعد أن يَقطع هذا ألأنسان على نفسه تعهّدا سطحيا. والأتباع غير المثمرين وغير الثابتين في ايمانهم المسيحي هم كالموتى يُفصلون ويلقون خارجا.
وقد وضّحَ الرب يسوع في صلاته من أجل تلاميذه في "يوحنا 17" المقصود من الثبات فيقول عن تلاميذه (وكُل المؤمنين عبر التاريخ):"أنا فيهم وأنت(الآب) فيَّ لتكون وحدتهم كاملة "يوحنا 17:23" فالثبات هو أن يبقى ألمؤمنين متحدين وثابتين مع بعضهم ومع الرب يسوع المسيح كأعضاء في جسده حتى يكون ايمانهم ثابتا وقويا وراسخا.
و في مَثل" الزارع "يفسر لنا ربنا يسوع المسيح مغزى هذا المثل في أنجيل" متى :13" عن عدّة أمور عن الذين لايعطون الثمر ولا تثبت كلمة الله فيهم, فهناك ناس يسمعون كلام الملكوت ولكنهم لا يفهمونه, فيأتي الشرير وينتزع ماهو مزروع في قلوبهم"متى 13:19".
وهناك ناس يسمعون كلام الملكوت"كلام الله ويتقبّلونه في الحال فرحين ولكن لا جذور له في أنفسهم فيكون الى حين. فأذا حدث ضيقٌ أو أضطهادٌ من أجل كلام الملكوت, أرتدوا عنه في الحال"متى 13:20,21".
وهناك ناس يسمعون كلام الملكوت ولكنهم لا يعطون ثمرا, لأنّ هموم هذه الدُّنيا ومحبّة الغنى ما يخنق الثمر الذي فيهم"متى 13:22". أمّا الذين يسمعون كلام الملكوت ويفهمونه فيُثمر فيهم ويعطي بعضه مئة, وبعضه ستين , وبعضه ثلاثين"متى 13:23".
ألأنسان الذي يثبت في أيمانه يشبّهُهُ كاتب المزمور مثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه تُعطي ثمرها في أوانه وورقها لايذبل "مزمور 1:3".
أمّا ألأنسان المتذبذب ايمانه, يشبّهه الكتاب المقدس كموج البحر لا يستقر على حال وكالبيت المبني على أساس رملي.
هناك الكثيرون ابتعدوا عن الله ,واصبحوا لا يتمسكون(يثبتون) الآ بصورة التقوى, وكثيرا ما يحاول الناس أن يعيشوا على ذكريات بركات الله عندما كانوا يعيشون سابقا في حالة افضل مما هم عليه الآن رغم أنّهم قد ظلوا عن الله ولم يتمسكوا به, كما فعل بني اسارئيل عندما ظلّ الكثيرون وعبدوا الأوثان وألأصنام, هكذا اليوم الكثيرون يتزحزح ايمانهم لأسباب كثيرة منها, مغريات هذا العالم, مثل المال والشهرة وعصر السرعة حيث لا مجال للرجوع الى الذات أو التوقف في محطات الحياة للتأمل في الحقائق ألألهية, ولا ننسى أيضا أنّ ألأنبهار بالعولمة وعالم ألأنترنت زاد في أبتعاد الكثيرين عن أيمانهم بل أنجرف الكثيرون" حتى رجال الدين" وسقطوا في أغراءآت عالمنا المعاصر للحصول على الأشياء الكمالية والأنجذاب الى شتّى أنواع من المغريات, ففتر ايمانهم لابل الكثيرون تركوا رسالتهم وخدمتهم الكهنوتية وانساقوا وراء شهوات هذا العالم ، أنّ خطة الله تثبت الى الأبد وانّ مقاصده لاتتغيير ابدا والذي يثق به عليه أن يثبت فيه. يقول الرب يسوع المسيح: "من يأكل جسدي ويشرب دمي، يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو6:56) .
نعم يجب أن يصبح دم وجسد المسيح الحي حياة تسري في عروق المؤمن فيتّحد مع حياة المسيح فعندها  المسيح يحيا فيه بالروح القدس, وهذا لن يكون الاّ بقراءة يومية للكتاب المقدس كغذاء روحي, وتناول القربان المقدس والعمل بموجب وصايا الله "سراج لرجلي كلامك ونورٌ لسبيلي", لأن ألأنسان جسد وروح وعندما تغيب الحياة الروحية عند المؤمنين عندها أيمانهم يفتُر ويتزحزح فكلمة الله مثل المطر الذي ينزل على الزرع فينمو هذا الزرع ويعطي ثمر, والآ فالزرع يذبل ويموت عندما لا يكون هناك ماء, هكذا ألأنسان الذي لا يتغذّى بكلمة الله, والروح القدس هو الذي يمنح المؤمن قوّة لأن يحيا حياة روحية, وسرّ تناول القربان المقدس هو لتثبيت وترسيخ هذا الأيمان وأحيائه وتجديده ونموّه .
يقول داود الملك:" رأيتُ الرب معي في كُلِّ حين فهو عن يميني لئلاّ أضطرب"مزمور 16:8". ألأيمان الثابت لا يساوم عن المبادئ السماوية ولا يقبل التنازل أو المسايرة على حساب القيم الروحية السماوية ولا السير وراء الرغبات الجسدية في لحظات ألأحتياج أو بسبب الحروب أو المحن أو بسبب الأضطهادات , أو لأجل ارضاء الآخرين, بل الأيمان الحقيقي يجب أن يكون ثابتا لا يهتز ولا يتزعزع بالمؤثرات الخارجية   وقد اعطانا الرب يسوع المسيح مثل ذلك الأنسان العاقل الذي بنى بيتا, فحفر وعمّق ووضع الأساس على الصخرة"لوقا 6:48" ليكون اساسه متين وثابت مهما تعرض للسيول الجارفة والعواصف وعندما نعرف من هو الهنا الحقيقي, عندئذٍ سندرك أنّه يسيطر على عواصف الطبيعة كما على عواصف وأضطرابات حياتنا " متى 8:35", فعلينا أن لا نستبعده في ايِّ مجال من مجالات حياتنا، الأيمان الراسخ  ينتج شخصية ثابة يقول كاتب المزمور"المتوكِّلون على الرب هم كجبل صهيون ,لا يتزعزع بل يثبت ُ الى ألأبد "مزمور125:1 ألأيمان  الثابت لا يستمر الاّ في المحبة "من ثبت في المحبّة ثبتَ في الله وثبت الله فيه "1يوحنا :16"ومن أحبّ أخاه ثبتَ في النور"1يوحنا 2:10".
ألأيمان الثابت يأتي بأعترافنا بيسوع المسيح كونه أبن الله"من أعترف أنّ يسوع هو ابن الله ثبت الله فيه وثبت هو في الله"1يوحنا 4:15" .
يسوع المسيح لا يريد منا أيماناً سطحياً بل يريد منا أن يكون ايماننا عميقا, وقد حث يسوع المسيح السطحيين أمّا أن يتعمّقوا ويعرفوا أنّ هناك تكلفة لأتباعه أو أن يرجعوا عنه ويسوع يريد من ألأنسان المؤمن  أن يترك كُلِّ شيئ "اذا تطلب الأمر" وحمل الصليب وأتباع الرب يسوع المسيح "لوقا 14:26,27".
الثبات يعني عدم النظر الى الوراء بل يكون النظر مركّزا على السماء حيث" من هناك ياتي عوني " كما يقول كاتب المزمور فالمؤمن الثابت أيمانه هو كمن يعيش في السماء روحيا بالرغم من كونه جسديا يعيش في هذه الأرض. الثبات في الأيمان يترسخ أكثر فأكثر بالخبرة الأيمانية بالعشرة والشركة مع الرب وأختبار حقائق ملموسة عن تدخلات الرب في حياة المؤمن "أذا ثبتُّم فيَّ وثبت كلامي فيكم, تطلبون ما تشاؤون فتنالونهُ"يوحنا 15:7".
وتاريخ شهدائنا القديسين خير مثال على تمسكهم وثباتهم في ايمانهم حتى الشهادة. يقول بولس الرسول"لذلك يجب أن نتمسّك جيدا بالتعاليم التي سمعناها لئلاّ نضلَّ .....فكيف ننجو نحنُ أذا أهملنا مثل هذا الخلاص العظيم؟"عبرانيين 2:1,3".
لو راجعنا حياة بعض شخصيات العهد القديم وتأملنا في قصة حياتهم لتعلّمنا دروسا وعبر عن معنى الثبات في الأيمان لدى بعضهم وتأرجح أيمان البعض الآخر يقول يعقوب عن أبنه يوسف"يوسف غُصنٌ مثمر على عين ماء, فروعه صعدت على سور, هاجمهُ أصحاب السِّهام, وخاصموه وضايقوه كثيرا. ولكنَّ قوسه بقيت ثابتة "تكوين 49:23,24" ولكن يعقوب يقول عن أبنه البكر رأوبين " فاضل في الرفعة. فاضلٌ في العزّ. هائجٌ كالسيل لا تُفضّلُ"تكوين 49:3,4".نعم ثبت يوسف في ايمانه وسط شعب لايؤمن بالههُ وسُجن وأضطُهد ولكنه كان راسخا في ايمانه وقاوم أغرائات زوجة فوطيفار"تكوين 39", ولكن رأوبين (أخوه البكر) كان متقلّب بين الحياة الخاصة والعامة فكان مثل ألأمواج الصخبة, لم يستطع الثبات في وجه الجماعة , مما جعل من الصعب الثقة فيه وتمادى في مسايرة أخوته في موضوع يوسف، و يُخبرنا الكتاب المقدس أنَّ شاول كان أول ملوك بني اسرائيل, يتصف بالتقلب والعصيان وألأرادة الذاتية. لم يكن قلبه مع الله. بينما كان صموئيل القاضي يتصف بالثبات والطاعة والرغبة العميقة في عمل ارادة الله. وعندما دعى الله صموئيل, قال صموئيل:"تكلّم( يارب) لأنّ عبدك سامع"1صموئيل3:10". ولكن عندما دعا الله شاول , قال شاول :"لماذا تُحدّثني بمثل هذا الكلام"1صموئيل 9:21" كان شاول مكرِّسا لذاته, بينما كان صموئيل مكرّسا لله. حاول شاول أن يرضي الله بلحظات من التديُّن, لكن الروحانية الحقيقية تتطلب وتستلزم الطاعة المستمرة طيلة الحياة. وهذا ما حصل أيضا لسُليمان الحكيم عندما مال قلبه عن الله وتزوج من نساء وثنيات وعبد أصنامهنَّ فأنهار صرح أيمانه في أواخرسنوات عمره, كما ينهار البيت المبني بحجارة فوق حجارة بسبب ميل الحجارة عن موضعها في البناء, هكذا حال كُلِّ انسان لا يثبت في ايمانه على صخرة المسيح. "فغضب الرب ُّ على سليمان لأنَّ قلبهُ مال عن الرب اله أسرائيل الذي تجلّى له مرتين وأمره أن لايعبُدَ الهة أُخرى ,فلم يعمل بما أمره به الرب"1ملوك11:9,10 .
و نقرأ في الكتاب المقدس عن شخصيات كرّست حياتها لله وتمسكت به الى النهاية, أمثال أبينا ابراهيم ويوسف وموسى ودانيال وأصدقائه وأيّوب وراعوث ونعمي واستير ومردخاي وعزرا  ونحميا وصموئيل النبي...الخ  في العهد القديم , ومريم العذراء ويوسف الصديق ومريم المجدلية ومريم أخت لعازر و سمعان الشيخ ويوحنا المعمذان, وتلاميذ المسيح(عدا يهوذا الأسخريوطي) واسطيفانوس الشهيد وبولس الرسول...الخ في العهد الجديد, والملايين من الشهداء عبر التاريخ  ماتوا وهم متمسكين راسخين في ايمانهم ولم يتزحزح هذا ألأيمان بالرغم من  المغريات الكثيرة تارة والأضطهادات والآلام والمصائب والمصاعب تارة أخرى .
علينا نحن شعب الرب أن لا ننسى أنّ اليهود كانوا شعب الله المختار,  فالرسول بولس يحذرنا أن لا نفتخر لأنّ الله قد رفض البعض من شعبه القديم ويقول لنا أنّ الديانة اليهودية كجذر شجرة, والشعب القديم هم اغصان الشجرة الطبيعية, وقد طُعّم فيها نحن المؤمنون (من الأُمم) كأغصان لشجرة بريّة فنحن لا نحمل الأصل بل ألأصل يحملنا فأشتركنا في التغذية بعُصّارتها فأصبحنا في حياتنا نعتمد على المسيح"روميا 11:17,18" . يقول الرب يسوع المسيح للذين امنوا به من اليهود"أذا ثبتُّم في كلامي, صرتم في الحقيقة تلاميذي: تعرفون الحقَّ , والحق يُحرّركم"يوحنا8:31".
ويضيف قائلا في نفس ألأصحاح عن اليهود الذين لم يقبلوا كلامه فيقول عنهم".....لأنَّ كلامي لامحلَّ له فيكم"يوحنا 8:37".
نعم المسيح حرّرنا لنكون أحرارا ونثبت في هذه الحرية ولا نعود الى العبودية كما يقول الرسول بولص"غلاطية 5:1".
يقول الكتاب المقدس أنّ بعض الناس يرتدّون عن ألأيمان في ألأزمنة ألأخيرة, ويتبعون أرواحا مضلّلة وتعاليم شيطانية"1تيموثاوس 4:1".ويقول  الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس "...وأثبت في ألأيمان والمحبة التي في المسيح يسوع"2تيموثاوس1:13......شارك في أحتمال الآلام كجندي صالح في المسيح"2:3"
السؤال المطروح هو: هل نحن مسيحيي العراق( في الداخل والخارج), وبسبب الحروب والأضطهادات والهجرة والمعانات, حافظنا على ثبات أيماننا و ترسّخ هذا الأيمان( لدى البعض) أكثر فأكثر وتنقى كما ينقي الذهب بالنار, أم تزحزح هذا ألأيمان (لدى البعض الآخر) لأنّ جذوره لم تكن عميقة  لتستقي من ينبوع الماء الحي يسوع المسيح؟ سؤال يجب أن نتأمل فيه قبل ألأجابة عليه بعد أن يفحص كُلّ واحدٍ منا ذاته وخاصة ونحن متمزقين ايمانيا وروحيا وبعيدين كل البعد عن تعاليم الرب يسوع المسيح الذي به وحده يتم أتحادنا ووحدتنا وسلامنا وتوحيد ارائنا, محتملين بعضنا البعض بمحبة ومحافظين على وحدة الروح برباط السلام , لأنّ لنا رجاء واحد ورب واحد وأيمان واحد ومعمودية واحدة , فنحن أخوة المسيح وأبناء الاب بالتبني "راجع رسالة بولس الرسول الى مؤمني أفسس 4" وأنجيل يوحنا:1".
لماذا لا نرجع الى ينابيع ايماننا نحن "السورايي" ليكون هذا الأيمان هو الذي يجمعنا بعد أن تفرّقنا وكُلِّ واحدٍ منا يعمل من أجل مصلحته الأنانية وذهبت كُلّ جهود الخيرين لمحاولة الوحدة أدراج الرياح؟
لماذا لا نحاول أن نجرّب هذا الأتحاد بالأيمان الواحد, الذي أعتقد ومن وجهة نطري, أنّه سفينة ألأنقاذ لتقودنا الى شاطيء الأمان, بعد أن فشلنا في محاولة جمعنا قوميا وحزبيا وسياسيا؟
أسئلة  تحتاج الى أجوبة.
شكرا والى اللقاء

160
جدليّة "الخلاص" بين ألأيمان والأعمال"
نافع البرواري
كانت نتيجة سقوط أبوينا ألأولين (ادم وحواء) في الخطيئة هي الموت الأدبي(الروحي) للبشرية بسبب ألأنفصال عن الله بارادة الأنسان "يوم تأكل منها(من الشجرة) موتا تموت"تكوين2:17" فلا يمكن أرضاء الله بألأعمال الصالحة بعد أن أصبح الجنس البشري يحمل الطبيعة الخاطئة, ولا يمكن للأنسان أن يستطيع تطبيق االشريعة وأرضاء الله وهو في حالة الخطية (النجاسة) وفي العهد القديم يُخبرنا أشعيا النبي كيف شعر وهو في محضر الله فصرخ قائلا"ويلٌ لي! هَلَكتُ لأنّي رجلٌ دنس ُ الشفتين ومقيم ٌ بين شعبٍ دنس الشِّفاه "أشعيا 6:5" ، وفي العهد الجديد يقول بولس الرسول:"ما من أحد بارٍّ, لا أحد َ...ضلّوا كُلّلهم وفسدوا معا. ما من أحد يعمل الخيرَ, لا أحد"روما 3:11,12" وهكذا  وبعد عجز الأنسان أن يفي الدين الثقيل الذي عليه والذي لا يستطيع ايفائه لله ، جاء الرب يسوع المسيح ليقول لنا "هكذا أحب الله العالم حتى وهب  ابنه ألأوحد, فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به, بل تكون له الحياة ألأبدية "يوحنا 3:16" أي يجب أن نقبل(نؤمن) بعمل الرب الخلاصي في حياتنا إذ نزل من السماء وتجسّد ليموت نيابة عن البشرية كُلّها  ويفديها بدمه المهراق على الصليب, فالكتاب يقول"لاخلاص الا بسفك دم" ليمحي (بدمه) الدَين الذي على الأنسان والذي لايستطيع ايفائه, الأنسان, مهما عمل من الأعمال الصالحة فهو لا يستطيع تبرير نفسه أمام محكمة الله العادلة الا اذا تم فداء الأنسان بواسطة الله .
فأيماننا بيسوع المسيح كمخلص  البشرية, (العالم كله بلا أستثناء مهما كانت جنسياتهم), من الموت الأدبي (الموت الروحي), هو الحل الوحيد والمسيح هو الوسيط الوحيد الذي يستطيع أن يرجّع العلاقة السابقة مع الله قبل السقوط , لأنّ الخطيئة أقامت حاجزا بين الأنسان والله الخالق,وعجز الأنسان من أرضاء الله  لأنّه  لم يستطع  العمل بشريعة الله وهو في الطبيعة الساقطة(النجاسة). وعن هذا الخلاص يقول الرسول بولس:"فأذا كان الموت بخطيئة أنسان واحد(ادم) ساد البشر بسبب ذلك الأنسان الواحد, فبالأولى أن تسود الحياة بواحدِ هو يسوع المسيح أولئك الّذين ينالون فيض النعمةِ وهبة التبرير"روميا 5:17" هكذا تم تنفيذ عدالة الله بالفداء وسفك دم ابنه يسوع المسيح, فتجسّدت محبته اللامتناهية للبشرية وبيّن لنا فيض مراحمه , عندما فاض علينا النعمة وهبة التبرير (أي حرّرنا من حكم الموت والخطيئة وقيود الشيطان) وأعطانا الحياة الجديدة في الخليقة الجديدة ، ولكن الأشكالية والألتباس عند الكثيرين هي أنّه طالما الخلاص بالأيمان قد تم فلماذا نقوم بالأعمال الصالحة ؟
هذا السؤال في الحقيقة كان موضوع خلاف واشكال والتباس بين الكثيرين من المؤمنين عبر التاريخ ولا يزال قائما هذا الخلاف بالرغم من أنّ الكتاب المقدس واضح وصريح وقاطع  من خلال نصوص العهد القديم والعهد الجديد, أي أنّ الأيمان والأعمال متلازمان لا ينفصلان فلا ايمان دون أعمال مثمرة ولا أعمال مثمرة دون ألأيمان بعمل الله الخلاصي ، الذين يقولون أنّ الخلاص دون الأعمال الصالحة يستندون الى أقوال الرسول بولص في رسالته الى مؤمني روما عندما يقول"وأنا لا أستحي بأنجيل(بشرى الخلاص)المسيح , فهو قدرة الله لخلاص كُلِّ من امن, لليهودي أولا ثم لليوناني, لأنّ فيه أعلن الله كيف يبرّر ألأنسان: من أيمان الى أيمان, كما جاء في ألآية "البار بالأيمان يحيا"روميا 1:16,17"  .
الرسول بولس والتلاميذ راؤوا في الرب يسوع أثمن عطية منحها الله للجنس البشري,لأنّ الله لايلاحظ ما نعمله من أجله, ولكن على أساس قبولنا أولا لعطية (أي نعمة )الله المجانية للخلاص وليس بحفظ الشرائع :"فبنعمة الله نِلتم الخلاص بألأيمان. فما هذا منكم بل هو هبة من الله, ولا فضل فيه للأعمال حتى لا يحق لأحد أن يفاخر "أفسس2:8" .
فما يخلصنا ليس هو أيماننا وأعمالنا, بل تم تبريرنا  بنعمة الله المجانية بعمل  الفداء الذي قام به يسوع المسيح " ولا فرق بين البشر. فهم كُلُّهم خطئوا وحُرموا مجد الله, ولكن الله برّرهم مجانا بنعمته بالمسيح يسوع الذي أفتداهم" ، "وعندما يُخلّصنا الله, يمنحنا ألأيمان علاقة مع ابنه تعيننا على أن نصبح مثله, وعن طريق هذا ألأيمان الذي يمنحنا أيّاهُ, ينقلنا من الموت الى الحياة "يوحنا 5:24" .
فسابقا سقطت الخليقة القديمة بسبب الخطيئة وكانت نتائج هذا السقوط هو الموت ألأدبي( الموت الروحي ) ولم تستطع الشريعة انقاذنا(خلاصنا)لأنّ الشريعة هي كمرآة ترينا حقيقتنا الساقطة ولكن لاتستطيع انقاذنا (ويمكن تشبيه ذلك بالمريض يتم كشف مرضه عن طريق أخذ عينة من دمه وتحليها فيتم كشف نوع المرض ولكن لايكفي ذلك بل عليه ان يذهب الى الطبيب ليعالج مرضه. هكذا يسوع المسيح هو الطبيب الأعظم الذي شفانا من مرض الخطيئة " ..فلو أعطى الله شريعة قادرة أن تحيي, لكان التبرير حقا يتم بالشريعة. لكن الكتاب حبس كُلِّ شيء تحت سلطان الخطيئة حتى ينال المؤمنون الوعد لأيمانهم بيسوع المسيح"غلاطية 3:21,22" ويوضح الرسول بولس ذلك قاطعا الشك باليقين عندما يقول"ولو كان ألأنسان يتبرر بالشريعة, لكان موت المسيح عبثا"غلاطية 2:21"  .
الآن( وبعدالأيمان بيسوع المسيح وعمله الخلاصي)  فقد أراد الله أن يخلق خليقة جديدة وروحا جديدة للأنسان(أي الولادة الروحية بسر المعمودية), وهذا ما قاله الرب يسوع المسيح لرجل الشريعة اليهودية نيقوديموس" الحق الحق أقول لك: ما من أحد يمكنه أن يرى ملكوت الله الآَّ اذا وُلِد ثانية"يوحنا3:3" .
في العهد القديم,كانت النعمة, لا ألأعمال هي اساس الخلاص "عبرانيين 10:4"فقصد الله في العهد القديم ليس ما يقدمه شعبه له من الذبائح بل أن ينظر هذا الشعب الى ما وراء الذبائح الحيوانية,الى ذبيحة ابنه الوحيد, وهكذا نقرأ في سفر التكوين أنّ ابراهيم( امن) ولتصديق ايمانه أراد ان يقدم ابنه ذبيحة لله (عمل )ولكن الله منعه لأنّ غاية الله ليس تقديم ابراهيم لأبنه كضحية(ذبيحة) بل أراد الله (الذي قدّم الكبش لأبراهيم ليكون الضحية بدل ابنه اسحاق, وهو رمز الحمل الوديع يسوع المسيح الحامل خطايا العالم ) أن يقدم أبنه ذبيحة حيّة لخلاص كُلّ من يؤمن به,فما علينا الا قبول نعمته مع الشكر والتسبيح له, فعندما يقدم أحدهم هديّة لك, فهل تقول له :"حسنٌ, ولكن بكم أنا مدين لك؟" فهذا ليس الجواب الصحيح والمناسب للرد الجميل بل علينا أن نقول له"شكرا" .
ولكن ما أكثر,ما يحاول المسيحييون, وغير المسيحييون, بعد أن وهبوا عطية الخلاص, أن يكتسبوا بجهودهم القبول لدى الله بينما خلاصنا بل وأيماننا هما هبة من الله ، نعم أننا نصبح مسيحيين بعطية الله التي لا نستحقها وليس لأيّ جهد ذاتي أو عمل خدمة للآخرين, بل أعترافا منا بفضله وشكرا على عطيّته المجانية "فكان لنا فيه الفداء بدمه, أي غفران الخطايا, على مقدار غنى نعمته"أفسس1,7,8" .

وهو أيضا يحمّلنا مسؤولية هذه العطيّة المجانية بأن نأتي بالآخرين الى الخلاص ليتمتعوا هم أيضا بهذه النعمة "مجانا أخذتم مجانا تعطوا". نعم أنّ أيماننا يجب أن نُقرنه بالعمل فشهادة حياتنا هي خير دليل وأفضل نتيجة للأيمان ولا بد لأعضاء الكنيسة أن يخدموا بشفقة, وأن يتكلموا بمحبة وثقة, وأن يحيوا في طاعة الله ووصاياه, فلا بدّ أن تكون جماعة المؤمنين مثالا للسماء على الأرض, ولا بُدَّ للأيمان أن يتجسّد بالأعمال الصالحة والتي هي ثمرة المحبة والأيمان بأقوال وأفعال وحياة وموت وقيامة الرب يسوع المسيح
بولس الرسول نعم  يشدّد على ألأيمان للخلاص والأنتقال الى الحياة الأبدية, ولكن الرسول أيضا يتكلّم ويشدّد على ألأعمال في نفس الرسالة الى مؤمني روما فيقول"فيجازي (الله) كُلِّ واحد بأعماله, أمّا بالحياة ألأدبية لمن يواظبون على العمل الصالح ويسعون الى المجد والكرامة والبقاء وأمّا بالغضب والسخط على المتمردين الذين يرفضون الحق وينقادون للباطل"روميا 2:6,7" فالأعمال الصالحة هي أستجابة العرفان لما فعله الله وليست شرطا لنوال نعمته ، أما الرسول يعقوب فهو يشدّد على ضرورة ألأعمال الصالحة واضعا أمامنا حقيقتين وهما:
1- التسليم جزء اساسي من ألأيمان, فلا يمكن أن تكون مسيحيا لمجرد التأكيد على التعاليم الصحيحة أو ألأتفاق مع الحقائق الكتابية, بل يشدّدالرسول على أن تخضع العقل والقلب معا للمسيح ويستشهد باية جميلة ومشهورة فيقول"أنت تؤمن أنّ الله واحد ؟حسنا تفعل. وكذلك الشياطين تؤمن به وترتعد" .
2- ألأعمال الصالحة هي الدليل على ألأيمان الحقيقي, فالمؤمن الحقيقي تتجدّد حياته, والأيمان الحقيقي دائما ما يثمر حياة متغييرة وأعمالا صالحة, أي أنّ الأعمال (ألأثمار) هي نتيجة ألأيمان الحقيقي. ألأيمان بدون أعمال لاينفع"يعقوب 2:14" بل أنّ ألأيمان بغير ألأعمال في حدّ ذاته ميت"يعقوب 2:17" فأيماننا يجب أن يذهب أبعد من مجرّد ألأعتقاد, ينبغي أن يصبح جزءا فعّالا في حياتنا يؤدي الى الأعمال الصالحة, فالأعمال الصالحة هي نتيجة ألأيمان بشخص المخلص يسوع المسيح ,ومن يزعم أنّه نال الخلاص بينما يظلُّ بلا تغيير أو تجديد ربما لم يفهم ألأيمان على الأطلاق, لأنّ الأيمان هو مايراه الآخرون فينا من التغيير في سلوكنا وأخلاقنا وأعمالنا. ويشرح بطرس الرسول هذا التغيير وهذا التجديد في رسالته الثانية "2بطرس 1" فهو يسجّل لنا نتائج ألأيمان:1- معرفة الله أفضل,2 - الصبر 3- عمل ارادة الله4- محبة الآخرين .
ألخلاصة :
يبين البحث المتعمق أنّ تعاليم الرسول بولس لا تتناقض مع تعاليم الرسول يعقوب, فمع أنه صحيح أنّ ألأعمال الصالحة لا تعطي خلاصا الآ أنّ ألأيمان الحقيقي دائما ما يثمر حياة متغييرة متجددة واعمالا صالحة. فبولس الرسول يتحدّث الى من يحاولون أن يخلصوا باعمالهم وليس بالأيمان الحقيقي. أما يعقوب فيخاطب من يخلطون بين التصديق الفعلي وألأيمان الحقيقي, فحتى الشياطين يعرفون من هو يسوع لكنهم لا يطيعونه"يعقوب 2:19" فالأيمان الحقيقي يعني تسليم الذات بالكامل لله. فبالأيمان ننال الخلاص. بينما توضح الطاعة العاملة صدق ايماننا ، يجب أن نعي جيدا ما يعنيه بولس الرسول "بالأيمان" لأنّه يربط ربطا وثيقا بين ألأيمان والخلاص, فليس ألأيمان شيئا يجب أن نقوم به لنكتسب ألخلاص, فلو كان هذا صحيحا لكان ألأيمان مجرد عمل اخر, بينما يقرر بولس بكل جلاء أن أعمالنا لايمكن أن تُخلصنا, ولكن ألأيمان هو عطية يمنحها الله لنا لأنه هو مخلصنا "افسس 2:8". فما يخلصنا ليس هو أيماننا, بل نعمة الله التي تخلصنا في رحمته ولا نستطيع أن نشتري هذه النعمة بأي ثمن ، بولس الرسول يريد التأكيد (للمسيحيين المتهودين, الذين أرادوا أرجاعنا الى شريعة العهد القديم ) على حقيقة هامة وهي أنّ ألأعمال ليست ثمنا للخلاص"غلاطية 2:6", فالخلاص بحد ذاته هو نعمة من الله, فلا يمكن أن نأتي الى الله بواسطة الذبائح(كما كان اليهود يمارسونه في العهد القديم) أو عن طريق ايماننا الذاتي, كما لم يستطع شعب العهد القديم أن يأتي الى الله بواسطة الذبائح, ولكن علينا أن نقبل عطية نعمته مع الشكر , وأن نسمح له بان يغرس بذرة ألأيمان في داخلينا, ولكن هذا ألأمر لايلغي أهمية ألأعمال كوسيلة لنوال الخلاص, وعندما يخلصنا الله, يمنحنا الأيمان علاقة مع ابنه تعيننا على أن نصبح مثله, وعن طريق ألأيمان الذي يمنحنا اياه  ينقلنا من الموت الى الحياة"يوحنا5:24" . أما الرسول يعقوب فهو يريد أن يقول لنا انّ ألأدعاء بالأيمان لايمكن قبوله الا اذا نتج عنه ثمر وهي الأعمال فيستشهد بأبينا ابراهم فيقول:"أنظر الى ابينا ابراهيم , أما برّره الله بالأعمال حين قدّم ابنه اسحق على المذبح؟ فأنت ترى أنّ أيمانهُ رافق أعماله, فصار أيمانه كاملا بألأعمال"يعقوب 2:21".
 ليس هناك أذن تعارض ما بين ما يقوله الرسول بولس والرسول يعقوب ، بل يكمِّل أحدهما الآخر (أي ألأيمان يكمِّل بالأعمال) , فبألأيمان ننال الخلاص , بينما توضّح الطاعة العاملة صدق ايماننا, أي أنَّ ألأعمال تُصادق على حقيقة أيماننا , ولهذا يقول الرسول يعقوب"وربَّما قال أحدكم :"أنت لك أيمان ٌ وأنا لي أعمال", فاقولُ له :"أرني كيف يكون أيمانك من غير اعمال , وأنا أُريك كيف يكون ُ أيماني بأعمالي"يعقوب 2:18" .
غاية ألأعمال هي لتمجيد أسم الله القدوس , كما يقول الرب يسوع المسيح :"فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات"متى 5:16".

161
علاقة الدين بالعلم والمعرفة  في المجتمعات  المسيحية والأسلامية عبر التاريخ

بقلم نافع البرواري

قبل مئات السنين (وخاصة في القرون الوسطى المتأخرة 1100-1400م) وعندما كانت الكنيسة (وخاصة الكنيسة الغربية) تتدخل بالسياسة والعلم والمعرفة وانشغال الإكليروس بمصالحهم وأهمالهم لواجباتهم الرعوية وكان الوعظ في الكنائس نادرا ، فقد أدى كل هذا الى جهل الشعب بتعاليم الله والكنيسة، فالقداس كان يُتلى باللغة اللاتينية التي كانت غير مفهومة لدى العامة، بل كان معظم رجال الدين يجهلونها أيضاً ويرددوها كالببغاوات دون أن يعرفوا ماذا يقولون، لكنهم كانوا قد حفظوا القداس نتيجة تكرار تلاوته. في ذلك الوقت ظهر عجز الكنيسة وفشلها في عدم قدرتها على مواجهة حاجات الشعب المتزايدة والذي كان يزيد بمعدلات كبيرة، لقد تراجع العلم وتراجعت المعرفة الأنسانية لا بل تراجعت تفاسير الكتاب المقدس لتتخذ النصوص الكتابية تفاسير حرفية تقتل روح النص للكتاب المقدس (كما يحدث اليوم في الكثير من الدول الأسلامية لكون القران باللغة العربية ولا يقبل من المسلمين معرفة مظمون القران الآ بمراجعة رجل الدين). تنامت سلطة البابوات مع تنامي سلطة الملوك، الأمر الذي أدى إلى ظهور نزاعات مريرة بين قادة الكنيسة وحكام الدولة, وأدى رجال الكنيسة دورًا متزايدًا في الشؤون السياسية، وكثر تدخل الملوك في شؤون الكنيسة. وكان البابوات يتنازلون أحيانًا عن استقلالهم ويستسلمون للملوك. وقد حدث هذا بصورة خاصة ما بين سنة 1309م وسنة 1377م, وفي بدايات العصر التنويري القرن 16 تدخلت الكنيسة
(المسيّسة) في أضطهاد العلماء وملاحقة رجال الفكر ومؤلفاتهم " وكلنا يعلم قصة موقف الكنيسة من العالم "غاليلو"عندما أكتشف كروية ألأرض ودورانها حول الشمس, والذي يناقض التفسير الحرفي لنصوص الكتاب المقدس التي كانت تفسرها الكنيسة حينها على أن الأرض مسطحة وهي مركز الكون (1), فكانت الكنيسة تحرّم كل العلوم المكتشفة التي تخالف تفاسيرها للنصوص الكتابية, وتقيم المحاكم التفتيشية لمحاربة العلماء والمبدعين بسبب تدخل السياسة في الدين والدين بالسياسة  .
وأعاد الاحتكاك المتزايد مع الحضارتين الإسلامية والبيزنطية قدرًا كبيرًا من المعرفة، التي كانت قد فقدتها أوروبا منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية؛ فقد ترجم بعض العلماء كتابات عربية وإغريقية إلى اللغة اللاتينية ودرسوا معانيها. وغدا الكثير من العلماء على دراية بمؤلفات الفيلسوف الإغريقي أرسطو بفضل شروح الفيلسوف العربي ابن رشد وغيره من العلماء العرب والمسلمين. وتناقش العلماء فيما إذا كانت تعاليم أرسطو تعارض تعاليم الكنيسة. وقد ظهر من جراء مناقشات هؤلاء العلماء وكتاباتهم ميدان فكري أطلق عليه اسم المدرسية, وكان من بين كبار الأساتذة والكتاب في تلك الفترة كلاً من بيتر أبيلارد، وألبرت الكبير، وتوما الأكويني .
فسحت أوروبا, في العصور  الوسطى المتاخرة, تدريجياً الطريق لظهور أوروبا الحديثة، وذلك ما بين 1300 و1500م. وتداخلت العصور الوسطى، خلال هذه الفترة، مع فترة من التاريخ الأوروبي المعروفة بعصر النهضة ، أما في في العالم العربي والأسلامي, فكان هناك نوع من الحرية في المعارف الأنسانية, خاصة في عهدي العباسيين والأموين في ألأندلس(اسبانيا الحالية), ،, فالعلم  تطوّر وتطورت المعرفة الأنسانية وظهر مفكرين بارزين (من مختلف الديانات السماوية) في عهد الخلافة الأسلامية ينادون بحرية الفكر في العلوم والمعارف الأنسانية والتسائلات الوجودية والفلسفية وظهر في ألأسلام علماء ومترجمين للعلوم الأغريقية (وكان الرواد غالبيّتهم من البلدان الأصلية ، مثل السريان والفرس واليهود والأقباط) وكان المفكرين المسلمين ينادون بأستخدام العقل لتفسير نصوص الآيات القرانية للوصول الى الحقائق الآلهية أمثال, الزنادقة, والمتصوفة المتاملين في سر الوجود, وغيرهم), وبدأ ذلك في فترة قصيرة جدا وكأنّ هناك تناغم وأنسجام بين هذا الثالوث (العلم والمعرفة مع *الدين*) ولكن لم يستمر ذلك طويلا,"فالأسلام قاطعوا الحضارات الفكرية منذُ القرن الثالث عشر بعد أن ضربوا الزنادقة والمتصوفة وكُلّ من ينتقد الدين والسياسة, وبدأ من بعد ذلك يتراجع وينحسر العقل الأسلامي ومعه انحسر الفكر المعرفي والديني وسيطرت حفنة من الجهلة على المجتمعات العربية الأسلامية, فاليوم لايوجد في الأسلام علم النفس وعلم الأجتماع والعلوم الأنسانية ودراسة الفلسفة واللاهوت(أي دراسة الأديان )كما تم خنق الحريات وعدم الأنفتاح على الحضارات الأنسانية "(2)".
ومرت المجتمعات الأسلامية خاصة والعربية عامة في فترة مظلمة دامت مئات السنين, فمنذ سقوط بغداد, عاصمة الخلافة العباسية, بيد هولاكو سنة(1258م) ومن ثم سقوط  عاصمة الأمبراطورية البيزنطية (القسطنطينية سنة 1453م) على يد العثمانيين بقيادة محمد الفاتح, وسقوط  الأندلس(سقطت غرناطة سنة 1492م) مرّ العالم الأسلامي عامة والعالم العربي خاصة في قرون مظلمة وخاصة في فترة الأستعمار العثماني(التركي) الذي دام أكثر من أربعمائة سنة (منذ حوالي القرن السادس عشر الى بدايات القرن العشرين) . وأستمرت الدول العربية في هذا الظلام الدامس الى القرن التاسع عشر عندما أحتلّ نابليون بونابارت مصرسنة(1798م) وجلب معه علماء ومفكرين كان لهم الدور الأساسي للنهضة العربية المعاصرة في كُلّ مجالات العلوم والمعارف(3). وبالرغم من أنّ العالم العربي شهد  أحتلالا جديدا ( أُحتُلّ العالم العربي  من قبل الأستعمار البريطاني والفرنسي والأيطالي بعد خروجهم منتصرين في الحرب العالمية الأولى فقسّموا الأرث العثماني بينهم) الآ انّ النهضة استمرت, ( بعد سقوط الأمبراطرية العثمانية سنة 1919 ) وبتلاقح الحضارات الشرقية والغربية وأستعادة العالم العربي هويته و وعيه القومي في عهد الأستعمار الغربي الذي لم يطول الا فترة قصيرة لم تتجاوز 50 الى 70سنة وأستعادت الدول العربية أستقلالها لأول مرة بعد مئات السنين وبدأت النهضة العربية المعاصرة, بمساعدة المثقفين  وكبار العلماء والمفكرين, وتكرر دور المسيحيين واليهود والأقباط ليكونوا رواد هذه النهضة ليشكلوا جسرا بين الغرب (المسيحي) والشرق(الأسلامي) , وأنطلق العرب لمواكبة العلوم والمعارف الأنسانية المعاصرة, ولكن كانت خيبة الأمل عندما تراجع هذا الزخم من مواصلة التقدم بسبب رد الفعل تجاه الحضارة الغربية نتيجة تأسيس دولة اليهود في فلسطين سنة 1948 والحروب التي أنهكت الدول العربية وخاصة بعد ما يسمى بنكسة 5 حزيران 1967 وكذلك ألأنقلابات الدموية وسيطرة الدكتاتوريات على أنظمة الحكم لهذه البلدان مما ادى الى أنهزام داخلي والأنكماش على الذات فكان هناك تقلص ثقافي وعلمي ومعرفي وأرتداد ديني  وعودة الأفكار السلفية نتيجة الكثير من الأسقاطات ونتج عن هذه الهزيمة (المادية والمعنوية) سيطرة الفكر الديني على الأفكار العلمية والمعرفية فأصبح الدين والسياسة وجهان لعملة واحدة في المجتمعات الأسلامية بصورة عامة وفي المجتمعات العربية بصورة خاصة وسيطر الفكر الديني السلفي  ليقود التفسير الحرفي للنصوص القرانية (كما حدث للكنيسة قبل ذلك بخمسمائة سنة) .
على ضوء ذلك تقلص دور العلم والمعرفة  بعد أنزواء "العقل"  بسبب ردود الأفعال ضد المجتمعات الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودخلت الدول العربية في النفق المظلم مرة ثانية بدلا من أن تتعلم من التاريخ دروسا وعبر لتتجاوز ألأزمات بالبحث عن الحلول بأستخدام العقل’ فلجأؤا الى الأساطير والخرافات, والتعصب الفكري والديني وأختراع ما يسمى نظرية المؤامرة وتكفير الآخرين وأنتشر الفكر القمعي ومحاربة العقل على حساب الخرافات والشعوذة, وظهر فكر يدعي بان القران هو نبع جميع المعارف الأنسانية والعلمية, نتيجة ألأسقاطات المتتالية لهذه الدول , فالقران , بحسب الكثير من علماء الدين المسلمين المعاصرين, فيه أعجاز علمي وأعجاز لغوي فلا يحتاج المسلمون الى علوم الغرب ومعارفها, وكثُرت الفتاوى الدينية  المتناقضة في هذه المجتمعات تُحرّم وتحلل وتكفّر وتبجّل هذا وتحتقر ذاك, تُفتي حتى بالأمور الشخصية للرجل والمرأة, لا بل أصبح رجل الدين هو يقرر مصير ألأنسان وحياته, فهو المرجع القضائي والمستشار القانوني وبيده السلطة التشريعية والتنفيذية, لا بل أصبحت, أحيانا كثيرة فتاوى الشيوخ, وليس قوانين الدولة, هي التي تتحكم في مصير الشعوب ألأسلامية  وخاصة في قوانين الأحوال الشخصية, حيث  شرّعت في الكثير من هذه البلدان مثلا قانون السماح بزواج المتعة على مختلف انواعها وغيرها ليس لنا المجال لذكرها, بل يمكن أن نقول أنّ دساتير الدول الأسلامية خُضِعت للشريعة الأسلامية التي اصبحت قيدا بل حجر عثرة لتقدم هذه الدول, بما يناسب افكارها السياسية والدينية, ليس هذا فقط بل أنَّ الشريعة ألأسلامية لا تساير عصر التنوير والعلوم والمعارف ولا يمكن تطبيقها حتى على المسلمين, فهي تخالف أبسط  حقوق الأنسان مثل حرية أختيار العقيدة  والدين وحقوق المرأة...الخ, ونتيجة ألأرتداد الى الدين( كنتيجة لهذه ألأسقاطات وليس كاختيار حر ) لهذا ظهرت ألأصولية ألدينية (ألأيمان المتزمت)  فظهرت على السطح الخلافات الطائفية بين الشيعة والسنة التي كانت مدفونة تحت الرماد لمئات السنين , وزادت نسبة الجهل وخاصة بين النساء, ولعدم الأهتمام بالعلم والمعرفة هاجرت الكثير من العقول الى الغرب فصارت هذه الدول تصدر العقول الى الغرب وتستورد التكنولوجية الجاهزة منها, فأصبحت المجتمعات العربية خاصة مجتمعات مستهلكة ومترهّلة وخاملة, وخاوية, ومنخورة من الداخل وطفيلية وأتكالية, وبدت تترنح من هول المشاكل الأقتصادية والأخلاقية والعقد النفسية والأزدواجية (الشيزوفرينيا) في التعامل مع العالم المتحضر والكيل بمكيالين وأصبحت مستسلمة لعبودية أنظمتها الدكتاتورية وسحر رجال الدين الذين استطاعوا غسل أدمغة غالبية هذه الشعوب فاصبح الأنسان العربي المسلم محروم من أبسط حقوقه الأنسانية, وترنح ألأنسان  كجثّة هامدة لا حول له ولا قوة فاصبح عاجزا عن تحرير نفسه من كُل هذه القيود التي أصبحت أحمالاً  يأنُّ تحت ثقلها .
وعلى العكس من البلدان الأسلامية ازدهرت أوربا في الفترة التي سميت بالفترة التنويرية (منذ القرن الخامس عشر) ولا زال الغرب يتقدم في العلم والمعارف الأنسانية والحريات الفردية والتحرر من حكم الدكتاتوريات بأنظمة ديمرقراطية, فاصبح الأنسان هو الهدف في هذه الدول وشرعت قوانين لحقوق الأنسان  مستمدة من  جذورها المسيحية. أما الدين فقد تطور فيه تأوين النصوص الكتابية وظهر علم النقد للكتاب المقدس ومراجعة عامة لمواقف الكنيسة عبر التاريخ وفصل الدين عن الدولة والسياسة واعتراف الكنيسة بالأخطاء التي أُرتكبت بحق اليهود والعلماء عبر التاريخ وتم طبع و ترجمة و توزيع الكتاب المقدس الى جميع لغات العالم فلم يصبح حكرا لرجال الدين, وظهرت في الغرب خاصة  صحوة دينية وأصلاحات لتواكب التطورات العلمية والمعرفية في العالم, وتوّجت  هذه الأنطلاقة  خاصة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة ( 1962 - 1965م).
انَّ التاريخ يخبرنا أنّ الحضارات تتقدم عندما تكون هناك رؤية للداخل (رؤية وحدة المجتمع من الداخل  ) ورؤية خارجية للعالم (رؤية للحضارات الأخرى والتفاعل معها للتكامل الحضاري ) فلا يمكن أستمرار حضارة تعتمد على فكر واحد وايدولوجية واحدة وحتى دين واحد فالحضارات تتكامل وتتمازج, فيجب أن تكون عين على الداخل وعين على الخارج كما يقول العالم الجزائري الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء" لابد من المقارنة الدائمة بين رؤيتنا للعالم (خارج أنفسنا وأنفسنا) أي ما يسميه الصوفيين ذو عينين ,عين على الوحدة(الداخلية) وعين في الكثرة (فهم الآخرين)أي الحضارات الأخرى(4).
أنّ التاريخ يعلّمنا دروساً وعبر عن أنّ تسييس الدين أو تدخل الدين بالسياسة يؤديان الى ردود معاكسة  حيث يسبب عثرة للأيمان بدل أن يزيد الأيمان ويقويّه, ولهذا قال الرب يسوع المسيح "أعطو ما لقيصر لقيصر وما لله لله" أي يجب فصل الدين عن السياسة وعدم جعل الكتب السماوية كمواضيع للعلوم الطبيعية , لأن غاية الكتاب المقدس هو لأقامة علاقة روحية بين الأنسان والخالق أما العلم ، بالمفهوم الشامل للكلمة، هو كل نوع من المعارف أو التطبيقات, أو"إدراك الشيءِ على ما هو عليه إدراكًا جازما؟"المعرفة لا تعارض علاقتنا بالله بل العكس هو الصحيح, فكلما كان الله حاضراً فينا كُلّما تعلقنا بالمعرفة, الله حضوره في القلب ولا يبرهن عليه بالعقل .
الهوامش:
(1)( ففي 22 حزيران 1633 ، أقتيد هذا العالم الشهير ، كمتهم بالهرطقة والخروج على نصوص ونظريات الدين المسيحي وتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، في أسوء فترة في تاريخ المسيحية وهي فترة محاكم التفتيش).
(2) الدكتور محمد اركون كاتب ومفكر واستاذ في الأنسنة(جزائري).
(3) حملة نابليون على مصرسنة 1798 والتي أستمرت حوالي ثلاثة سنوات فقط.
(4) العالم الجزائري  نضال قسوم(مقابلة على قناة الجزيرة في31-5-2008 ).

162
مفهوم ألأيمان المسيحي

بقلم نافع البرواري
ماهو الأيمان بالمفهوم المسيحي؟
الأيمان ليس شيئا ملموسا يمكن تناوله كالدواء ولكنه موقف الثقة واليقين،"الأيمان هو الوثوق بما نرجوه وتصديق ما لانراه  ....وبغير ألأيمان يستحيل إرضاء الله "عبرانيين 11:1,6"، بل أنّ قدرتنا على الأيمان أنما هي عطية من الله "فبنعمة الله نِلتم الخلاص بالأيمان. فما هو هذا منكم بل هبة من الله "أفسس 2:8"، ان الأيمان ليس هدف نصل اليه ونكتفي, فمهما بلغ ايماننا لا يمكن أن نصل الى نقطة الأكتفاء ذاتيا بل هو ينمو مع حياتنا المسيحية, فالنمو في الأيمان عملية مستمرة  بتجديد ثقتنا في المسيح يوميا وعندما يتعمق هذا الأيمان نغوص في عُمقه بدون الوصول الى قعره, ولا نستطيع أن نكتنز هذا الأيمان مثلما نكتنز ألأموال في البنك مثلاً.
ألأيمان في مفهوم المسيحية قائمٌ على حقيقة الغفران والخلاص التي لم تستطِع الديانات أن  تؤكّدها، بينما نحن المسيحيين نؤمن بحقيقة الغفران والخلاص فقد أنتقلنا من الظلمة الى النور  "كنتُ أعمى والآن أبصر" ، والمسيح يقول "أنا نور العالم" وهو الذي حرّرنا من العبودية الى الحرية "تعرفون الحق والحق يحرركم", ومن الشعور بالأثم الى يقين الغفران "إذ كُنا سابقا أمواتا بخطايانا....أما الآن بيسوع المسيح فنحن نؤمن أنّه فدانا بدمه فمسح خطايانا".
الأيمان(المسيحي) هو أتجاه من القلب, هو قرارٌ وأختيار حُر يتخذه الأنسان بكامل عقله وعلمه ووجدانه  ويصدّق على هذا القرار, العمل الذي يشهد  شهادة حيّة على ما يؤمن به الأنسان  فالأيمان المسيحي يسير أبعد من أتخاذ القرار, هو عيش علاقة (بمعرفة وأدراك وحريةالأرادة ) مع شخص حي يؤمن به كمخلّص لحياته المضطربة في بحر الظلمات لكي يعيش في نوره ويستمتع بالسلام والمحبة معه, وهذا الشخص أسمه يسوع المسيح الذي عرِفنا الله من خلاله ففيه أعلن البرُّ الذي يمنحه الله لنا على اساس الأيمان "روميا 1:17"، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس تألّم ومات من أجل خلاصنا وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد الى السماء وجلس عن يمين الله الأب وأيضا سياتي بمجده العظيم ليدين الأحياء والأموات...فهذا هو قانون أيماننا المسيحي, فيسوع المسيح بتجسّده وموته على الصليب وبُرهان قيامته قد أعطانا بُرهانا قويا على قهره للموت بالقيامة وهذا هو جوهر الأيمان المسيحي كما يقول الرسول بولس" فلولا القيامة فأيماننا باطلٌ", وليس هذا فقط بل نؤمن  بأنه  ما زال معنا بروحه القدوس الذي ارسله في يوم العنصرة, ومازال الروح القدس يعمل في جماعة  المؤمنين(الكنيسة) بطرق شتّى, فنختبره في حياتنا وفي حياة الآخرين عندما نرى تغييرا حقيقيا في حياتهم، عندما يقبلون يسوع المسيح رباً ومٌخلّصا لهم. نعم ألأيمان المسيحي هو مستمد من شخص المسيح الذي أختبر الآلام ومات على الصليب من أجل خلاص النفوس وهو يقول لنا أحملوا الصليب وأتبعونني, فالأيمان هو أكثر من مجرد الأعتقاد، هو تطبيق الحق الذي نعرفه وإلا يبقى ايماننا مجرد شعار نرفعه, بل يُمتحن هذا الأيمان  بالتطبيق في سلوكنا مع الآخرين ومع الله الذي نؤمن به, لقد شبّه مفسروا الكتاب المقدس ألأيمان المسيحي, مثل بهلوان يمشي على حبل رفيع عبر هاوية لا ينظر الى اليمين أو الى اليسار أو تحت بل يركز نظره الى الأمام مركزا على الهدف للعبور الى الجهة الثانية, هكذا يجب أن يكون ايماننا نحن المؤمنين فنجتاز كُلّ الصعوبات فلا نخاف عندما نُركّز على الهدف وهو يسوع المسيح المصلوب من أجل خلاصنا, فلو كان الله ينقذ دائما المُتمسكين به لما أحتاج المؤمن الى الأيمان, فالأيمان هو الثقة والتصديق بما لا نراه وألآ يمكن أن يكون الدين عبارة عن وثيقة تأمين, يقول الرب لتلاميذه :" تشجّعوا . أنا هو لاتخافوا" راجع متى 14:27" وكذلك هذا الأيمان ليس قائما على جهلٍ أصولي مُتزمت دون حقائق, بل هو ايمان يستند الى العقل والمنطق والبراهين مدوّنة ومُدرجة في الكتاب المقدس وفي تاريخ الكنيسة (حياة القديسن) وأختبارات وشهادات المؤمنين عبر التاريخ وحتى يومنا هذا، ان الأيمان المسيحي له علاقة حيّة بشخص المسيح المخلص، نتشبه به بكل شيء ونسير في الطريق الذي سار فيه ونشهد له أمام الآخرين كي يتعرفوا عليه ليختبروا مثلنا المحبة والسلام والرجاء الذي نحن فيه, فالمسيحية ليست ديانة تؤمن بأساطير أو فلسفات أو نظريات أو إله مجرّد لايهمه ما تعاني منه البشرية من الآلام ولا يستطيع الأنسان معرفته عن قرب "فما أتّبعنا نحن ُ خُرافات ِمُلفّقةِ حين أطلعناكم على قوّة ربنا يسوع المسيح, وعلى مجيئه, لأنّنا بعيوننا راينا عظمتهِ" "راجع رسالة بطرس الأولى1:16"، لكن المسيحية هي الأيمان بشخص نختبره عن قرب ونحس بدفئ حنانه ومحبته وطيبته ونتذوّقها ونلمسها ونستمتع بها ونشم رائحتها الطيبة الزكية (ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب) ونلمس محبته اللامتناهية لنا فيزدادُ (ينمو) في كُلِّ يوم تعلقنا به ونسمع في عمق اعماقنا ندائه لنا ( أنتم ابنائي) وما علينا الآ التجاوب مع هذا النداء ونتمتع بصحبته كأبناء ملوك لأنه هو ملك على قلوبنا وفي نفس الوقت علينا واجبات عبيد, هذا كُلُّه نختبره في حياتنا كمؤمنين في هذه الأرض مع رجاء وثقة في التمتع بمجده بعد الأنتقال من هذه الحياة"وبه دخلنا بالأيمان الى هذه النعمة التي نُقيم ُ فيها ونفتخر على رجاء المشاركة في مجد الله "روميا 5:2", ونحن نرى أعمال هذا الإله الحي في الطبيعة، في الحياة، في الكون، في معجزة الخلق، في الزهرة، في الكائنات الحيّة حولنا، في هذا الكائن البشري الذي هو صورة لله, وليس هذا فقط بل نختبر هذا الوجود, أي الله معنا (عمانوئيل ), لأنّه يسكن بروحه القدوس فينا بعد أن ولدنا الولادة الجديدة (الولادة الروحية ) بالمعموذية. فعندما نحيا في المسيح فنحن خليقة جديدة " فلمّا برّرنا الله بالأيمان نعِمْنا بسلام معه بربنا يسوع المسيح"روميا 5:1" فنحن الآن نختلف في الطبيعة الجديدة عن ما كنا فيه سابقا (الأنسان العتيق), فلنا الآن اليقين والأمان والثقة لأننا تصالحنا مع الله عندما دفع المسيح أجرة خطيّتنا بموته على الصليب وأصبحنا نتمتع بصحبته, ومن الجانب الآخر نحن ننمو في المسيح (أي نصبح أكثر فأكثر مثله) نتشبه به ننمو في الأيمان ونغوص في العمق لنكتشف كنوز النعمة التي يعطيها لنا الرب يسوع في كُلِّ لحظة وفي كُلّ يوم عندما نتجدّد بالروح القدس ونقترب منه أكثر فأكثر بل صرنا أبنائه "يوحنا 15:15"، فأيماننا ينمو بمعرفتنا كُلّ ما في فكر الله من نحونا. الأيمان مثل حبة الخردل, كما يقول الرب يسوع المسيح, تزرع في الأرض ولكن يخرج من هذه البذرة شجرة صغيرة تنمو وتكبر وتتفرع منها أغصان كبيرة وتثمر, هكذا يكون المؤمن في نموٍ دائم في الأيمان بل أن الأيمان يرافق الحياة في النمو والنضوج وأعطاء الثمر. ألأيمان المسيحي ينمو بالأستخدام  وبالخبرات الشخصية مع الله وشهادة حياة ويرتبط الأيمان بالصبر حتى النهاية وهو الثقة في تحقيق المستحيل وهو يرتبط بالنظرة المتفائلة للحياة والمشاركة ألأيجابية مع الآخرين.

سألت الملكة فكتوريا ملكة أنجلترا, التي عُرف عصرها بأسم العصر الذهبي, هل يمكن لمن يؤمن أيمانا قلبيا بالرب يسوع المسيح وعمله الكفاري الذي أتمه على صليب الجلجثة أن يتأكد تماما أنّه ذاهبٌ الى السماء طالما هو عائش على الأرض..أو ينتظر الأنسان حتى يقف أمام الله ويحدّد الله مصيره؟
ظهر هذا السؤال في النشرة الملكية, وقرأه رجل أسمه "يوحنا تونسند", كان مؤمتلئا بالروح القدس, وله خبرة ودراية بالكتاب المقدس, وبعد صلوات وتأملات كتب "يوحنا تونسند" للملكة "فكتوريا"خطابا هذاجزء منه :".....أُؤكد لكِ ياصاحبة الجلالة أننا نقدر أن نتأكد تماما ونحن في هذه الحياة من خلاصنا الأبدي وذهابنا الى السماء, وهذا واضح يا صاحبة الجلالة في كلمات العهد الجديد الصريحة, وأرجو من جلالتك أن تقرأئي معي هذه ألأجزاء الثمينة."يقول الرب يسوع المسيح: "الحق الحقَّ أقول لكم : من يسمع لي ويؤمن بمن أرسلني فله الحياة ألأبدية, ولا يحضر الدينونة, لأنّه أنتقل من الموت الى الحياة "يوحنا5:24" أي أنّ الأنسان الذي يؤمن أيمانا حقيقيا بيسوع المسيح فهو قد انتقل من الحياة الجسدية الى الحياة الروحية في ملكوت الله وهو في هذا العالم"من يؤمن بالأبن, فله الحياة الأبدية, ومن لا يؤمن بالأبن, فلا يرى الحياة بل يحلُّ عليه غضب الله "يوحنا 3:36".....  وهذه هي شهادة الله التي شهدها لأبنه : من يؤمن بأبن الله, فله تلك الشهادة. ومن لا يصدّق الله جعله كاذبا"1يوحنا 5:9,10" .
"فلا حُكم بعد الآن على الذين هم في المسيح يسوع "روميا 8:1" لماذا؟ يجاوب الرسول بولس على هذا السؤال فيقول:"لأنيّ عالمٌ بمن آمنتُ وموقن أنّه قادر أن يحفظ  وديعتي الى ذلك اليوم  "2تيموثاوس 1:12 .
 فالأيمان المسيحي ليس وقتي أو خاضع للظروف والمؤثرات الخارجية (كما يحدث أحيانا عندما ينحني الكثيرين أمام العواصف والرياح التي يواجهونها في حياتهم فيضعف ايمانهم ويتزعزع) بل هو يتحدى كافة الظروف والمحن, فالمؤمن يسعى لبناء صداقة دائمة مع الله , وليس اللجوء اليه وقت الحاجة, لينجو من الضيق  بل التمسك بالأيمان في كل الظروف لأنّ الأيمان عهد والتزام وأمانة مهما كانت العواقب, فقد يتطلب السير عكس التيار ومواجهة المصاعب وقد يتحمل المؤمن  أحيانا كثيرة عواقب وخيمة والام وأضطهادات وحتى الشهادة وهكذا تمسك دانيال النبي وأصدقائه بالأيمان وهم في الغربة وتحت ضغوط الحياة مع غير المؤمنين الا أنهم لم ينكروا الله "دانيال 3:16", وكذلك أيوب الذي خسر أبنائه وممتلكاته وصحّته, وخضع لأقسى أمتحان يسجله لنا الكتاب المقدس ولكنه بقى أمينا على ايمانه بالرب وزاد تعلقه به فيقول:"الشامتون بي هم أصدقائي, ولكن الى الله تفيضُ عينايَ "أيوب  16:20" أعرف أنَّ شفيعي حي ٌّ وسأقومُ آجلا من التراب...وبجسدي أُعاين الله"أيوب 19:25" فيسوع المسيح يقول "لا تخف, آمن فقط "مرقس 5:36" فكلمات ومواعيد الرب يسوع المسيح لنا تشجعنا وتقوي ايماننا بل تزيده كُلّما تاملنا في كلماته الرائعة لنا والمليئة بالرجاء والمحبة والتشجيع, ولكن للأسف اليوم العالم يعيش في حالة الضياع والغربة وفقدان الأمل والرجاء  و يعيش في وسط بحر هائج لا رجاء له فهو عالم مضطرب يتعرض الى ألأزمات تلو الأزمات والأضطرابات والخوف واليأس والمرارة وفقدان الرجاء لأنّ الكثيرين لم يتعرّفوا الى يسوع المسيح الذي به فقط تستطيع الأمم أن تعلّق رجائها. بينما الأيمان المسيحي  يشبه بناء مستمر على صخرة المسيح الحي لا تُزحزحه العواصف والفيضانات ولا الزلازل  ومادة هذا البناء  المترابط هو الأيمان (كالسمنت التي تربط الحجارة مع بعظها لتعطي للبناء قوّة) ، ولكنه ليس معناه عدم التفكير بالمستقبل والتخطيط له وحساب كلفته كما فعل موسى عندما كان أمامه أما أختيار الأيمان بالله (اله ابائه وأجداده) أو التمسك بالكرسي كملك للأمبراطورية المصرية الفرعونية وكأيمان أبينا أبراهيم الذي تطلب أيمانه قرار مصيري وهو أمّا أن يبقى في وطنه وأرضه وعائلته وشعبه الوثني أو يرحل الى حيث يرسله الله الذي آمن به, يقول الرب يسوع المسيح عن الأنسان عندما يبني البيت,عليه ان يحسب الكلفة قبل البناء, وكذلك الرجل العاقل هو الذي يبنى بيته على الصخرة (صخرة يسوع  الذي هو أحد ألقابه) فلنتأمل في حياة شخصيات الكتاب المقدس ونتعلم منهم دروس الأيمان أمثال نوح و أبينا ابراهيم ويعقوب ويوسف ودانيال واستير وموسى وداود وايوب ....الخ في العهد القديم , وأيمان التلاميذ وايمان بولس الرسول وأمنا مريم العذراء التي أمنت ببشارة الملاك جبرائيل فصارت أمٌّاً للمؤمنين ويوسف خطيبها صدّق على هذا الأيمان وزكريا الذي شهد لهذا الأيمان بيقين أنّ الله أرسل ابنه من اجل خلاصنا.

163
علاقة المحبة بين الأنسان وأخيه الأنسان ما تتميّز بها المسيحية عن بقية الديانات
الجزء الرابع
بقلم نافع البرواري
 كيف أعرف من أنا إذا لم أعرف من أنت؟ فأنا بدونك لا أعرف نفسي. فمن خلال الآخر (أنت) أعرف حقيقة كياني وهويّتي وجنسي, لأنَّك نظيري ومثالي. فالمحبة لايمكن أن تسمى محبة الآ بوجود الآخر لأنّ المحبة هي أنبثاق مشاعر جيّاشة من شخص يَعطي وآخر يَستقبل هذا العطاء ، المحبّة وفاء وعملية تجرّد من الذات من أجل الآخر, وقمة السعادة الحقيقية هي في العطاء وليس في ما أحصل عليه, وللأسف الكثيرون يستغلّون المحبة لحالة النفع فتصبح سلبية, وعلاقة المحبة ناجحة عندما نُطبّق القاعدة الذهبية الورادة في الكتاب المقدس التي تقول"مثلما تُريد لنفسك هكذا أحب لأخيك"."لأنّ  الله سكب محبّته في قلوبنا بالروح القدس الذي وهبه لنا"روميا 5:5" هكذا يجب على المسيحي أن تنبثق منه المحبة التي هي  رائحة المسيح الطيبة المرتفعة الى الله, فلا يخطئ الآخرون ملاحظتها، (2كورنثوس2:15").
فرسالة المسيحي هي أنّه طالما أستقى محبته" من ينبوع الماء الحي" يسوع المسيح معطي الحياة فلا بد لهذا المسيحي أن يسقي الآخرين بهذا الماء الحي "المحبة" الفائضة منه. لأن الكتاب يقول" مجانا أخذتم مجانا تعطوا".
فالمجتمع المسيحي رسالته هي جذب الناس للمسيح بالمحبة التي يراها الناس فيهم فتنتقل الى الآخرين, فكما هناك قوة جاذبية بين الأجسام في الكون هكذا تكون الجاذبية بين الناس بالمحبة المستقاة من يسوع المسيح الذي هو مصدر هذه المحبة، فالمسيحية تنفرد عن بقية الديانات بهذه المحبة, فهي مفتاح الحياة المسيحية بل مفتاح ملكوت السماء، عندما يمتلأ المؤمن من محبة الله, فلا بد أن تفيض على الآخرين, انها محبة التضحية ومحبة فيها نشارك الآخرين أفراحهم وأتراحهم وأن نصل الى قلوبهم ونمسح دموعهم ونساعدهم في أجتياز كلّ مشاكلهم. يخبرنا سفر أعمال الرسل كيف كان المؤمنين يشاركون الخبز مع بعضهم البعض وكيف كانوا يداومون في الصلاة في  الهيكل بقلب واحد "أعمال 2:46,47".
المحبّة هي العطش الى الآخر والأحتياج الى الآخر وبذل الذات من أجل الآخر, فقمة المحبة هي العطاء والبذل، والمسيح أحبنا حتى النهاية وهو على الصليب حيث صاح "أنا عطشان" أنّه عطش "المحبة" وهي تنبع من الداخل الى الخارج, فهي تتدفق كما يتدفق الماء من الينبوع الصافي, وهكذا كان الماء والدم الذي تدفق من قلب المسيح وهو على الصليب رمزا لهذه المحبة النابعة من قلب الله لنا نحن العاجزين عن ادراك هذه المحبة الغير المشروطة والمضحية. فمحبة المسيح لنا هي مثل الماء الحي الذي يروي عطش كل انسان فيرتوي ولن يعطش بعد ذلك ابدا، وهي الخبز الروحي النازل من السماء الذي وحده يشبعنا فمحبته تنعش النفس والروح و تشفي الجراح وتحّول الجحيم الى جنة, فالمحبة  هي علاج النفس والروح والجسد، الحب هو جوهر الوحي المسيحي. ووحده حبُّ الله للبشر يدل على دافع الخلاص للبشرية. هذا الحب, الذي كشفه يسوع المسيح, يحرّك الحب فينا والذي يدفعنا الى التحدي حتى الموت, لأنّ المحبة أقوى من الموت, وهذا ما تشهد له تاريخ الكنيسة عبر الأجيال(وخاصة الكنيسة الأولى), ولكن للأسف صار الأيمان اليوم متزعزع  وبدوره زعزع المحبة, واصبح الأنسان المؤمن يستسلم لتأثير المحيطين به, خاصة وقت الأضطهادات والمحن, وبسبب الأنقسامات بين المسيحييّن أنفسهم ضَعُفَ أو انتكس الحماس الذي عرفته الكنيسة الأولى مع الأسف, لقد حلّت  الديانة الروتينية (ديانة الطقوس ومظاهر التدين) محل العلاقة(الحميمية) بين الله والأنسان وبين الأنسان وأخيه الأنسان, ونتيجة لفتور الأيمان تدهورت أواصر المحبة بين البشر، فنشاهد اليوم في الكثير من الكنائس في العالم فتوراً وخمولاً, فاصبحت هذه الكنائس تمارس الشعائر الدينية كوظيفة (واجبات) طقسية يؤديها الناس دون تحريك قوّة الروح القدس ليشعل نار الأيمان ويلهب المحبة في قلوب المؤمنين, فأصبح ينطبق علينا قول المسيح عن ملاك كنيسة لاودكيَّة:"أنا أعرف أعمالك, وأعرف أنّك لا بارد ولا حارٌ, وليتُكَ كُنتَ باردا أو حارا! سأتقيّؤكَ من فمي لأنّك فاتِرٌ, لا حارٌ ولا باردٌ"رؤيا 3:15" المحبة هي: أن تبيّن للآخرين مدى أهتمامك العميق بهم, المحبة تؤدي الى الصدق والأمان, المحبة تأسر القلوب, المحبة تستر الأخطاء ، يقول بولس الرسول في رسالته الثانية الى كورنثوس:
,"المحبة تصبر وترفُق, المحبة لاتعرف الحسد ولا التفاخر ولا الكبرياء. المحبة لا تسيء التصرف, ولا تطلب منفعتها, ولا تحتدُّ ولا تظنُّ  السوء. المحبة لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق, المحبة تصفحُ عن كُلّ شئ, وترجو كُلِّ شيء, وتصبرُ على كل شيء, المحبة لا تزول أبدا "2كورنثوس13" .
فالمحبة الحقيقية ليس فيها انانية وهي على النقيظ من الشهوة, لأن المحبة التي هي من الله تتجه الى الخارج، الى الآخرين وليس الى الداخل, الى أنفسنا, وكُلما أقتربنا من المسيح نُظهر محبتنا للآخرين, فأنا لا أستطيع أن أقول لأنسان أن يكون منعزلا عن الناس والعالم كليّا أنه يُحبُّ, لأنَّ المحبّة هي فعل متجسّد (كما جسّد يسوع المسيح محبة الله للعالم على خشبة الصليب) فالمحبة تعني العمل, عمل شيء من أجل من نحبهم( كما كان يسوع المسيح يطبق أقواله بأعمال الخير) , وذلك ببذل الجهد والمال والأهتمام, المحبة تقاس بكيفية التعامل مع الآخرين بالخدمة الخالية من الأنانية وقد شبه الرب يسوع المسيح هذه المحبة بمحبة الطفل الصغير الذي لا يستطيع أن يردّ الجميل "متى 10:42". من الصعب أن يحب الأنسان لو فكّر في ذاته فقط.
بماذا تتمييز المسيحية عن بقية الديانات والمعتقدات؟
 الأجابة بكل بساطة لهذا السؤال هو" المحبة". فكلّ الديانات التي جاءت قبل المسيح وبعد المسيح لم تشفي غليل الأنسان المتعطّش, ليس الى شرائع وقوانين النهي وفرائض للعقاب والثواب, بل كان الأنسان ولازال متعطش الى شئ أسمى من الأوامر والشرائع , كان ولا يزال متعطشا الى من يحبُّه ويبادله المحبة وهذه كانت غاية جميع الشرائع الألهية, لأن الله زرع فينا هذا الشوق الى المحبة ، "المحبة" هي شريعة المسيحية "أي العلاقة بين الله والأنسان وبين الأنسان وأخيه الأنسان" ففي المسيح يسوع لا الختان ولا عدمهِ ينفع شيئا, بل الأيمان العامل بالمحبة"غلاطية 5:6". يقول الأديب عباس العقّاد"المسيح أتى بشيء لم يأتي به قبله ولا بعده  لأنّه أتى بشريعة الحب" ، يقول يوحنا البشير:"اذا كان العالم لايعرفنا, فلأنّه لايعرف الله....نحن أبناء الله"يوحنا 3:1,2" من خلال المسيح عرفنا عظمة ومحبة الله الغير المحدودة للبشر, فقد كشف الله عن طبيعته وجوهره بطريقة يمكن رؤيتها ولمسها وأحساسها "يوحنا 1:18".
ويقول الرسول بولس في مكان آخر بما معناه أنّ شهوات هذا العالم أعمت عيون الأمم (أي غير المؤمنين بالمسيح) فلا يستطيعوا أن يميزوا بين الخير والشر بين المحبة والشهوة, فهناك المحبة الحقيقية الصافية النقية التي هي عطاء وهناك الشهوة الشريرة التي هي الأمتلاك ، ألاولى سماوية والثانية هي من الشرير.
أعظم شيء يحتاجه الأنسان على الأطلاق في حياته هو أن يُبدي الناس له محبتِهم , وأتعس شيء للأنسان أن يعيش محروما من محبّة الآخرين له فهو سيعيش في تعاسة, وحتى علم النفس يؤكّد أقوال الكتاب المقدس عن هذه الحقيقة, فالطفل المحروم من المحبة والحنان قد يتحول الى وحش كاسر في حياته بسبب حرمانه من حنان ومحبة الوالدين أو المحيطين به, والأنسان في داخله طفلٌ يحتاج الى دُفئ المحبة, لأنّ المحبة تُعطينا الفرح والسلام, فكلُّ البشرية تبحث عن المحبة لأنّها أجمل وأرقى علاقة بين البشرية وهي سرُّ(الحياة) لا يعرفه الاّ الذين يختبرون نتائج هذه المحبة, ويركز البشير يوحنا على المحبة كطريق للحياة الحقيقية, فيقول عن الذين لا يسلكون في المحبة ".....ولكن من يكره أخاه فهو في الظلام , وفي الظلام يسلك ولا يعرف طريقه, لأنّ الظلام أعمى عينيه"1يوحنا 2:11". وحتى تأديب الله لنا فغايته تقويمنا لأنّه يحبنا, فالمحبة هي السبب وراء اللوم والتوبيخ والتأديب للرجوع والعودة الى الله. يسوع المسيح جاء ليضع لنا شريعة المحبة الحقيقية وهي أن نحبُّ حتى أعدائنا مهما كانت الأسباب "سمعتم أنّه قيل : أحِبَّ قريبُك وأبغض عدوّكَ. أما أنا أقول لكم : أحبّوا أعدائكم"متى 5:13". المحبة تتجلّى عندما نغفر ونصفح حتى لأعدائنا "لا تنتقموا لأنفسكم, أيُّها الأحباء, بل دعوا هذا لغضب الله . فالكتاب يقول : ليَ الأنتقام, يقول الرب, وأنا الذي يجازي ولكن : اذا جاع عدوُّك فأطعمه, وأذا عطش فأسقه"روميا12:19,20 . 
الغفران قد يكسر حلقة الأنتقام ويؤدي الى المصالحة المتبادلة. وقد يخجل العدو فيغيّر من أساليبه, فمقابلة الشر بالشر (كما في بعض الديانات والمعتقدات) سيُسبب لنا من الضرر مثل ما يسببه للعدو, ولكن الصفح عنه سيحررنا من عبء ثقيل من المرارة. المحبة تجمع كلِّ الأديان وتربطنا باله المحبة (المسيحي – اليهودي – المسلم...الخ ) "حيث الأيمان أحيانا يُفرّق" ولكن لايستطيع أن يحب الأنسان اذا كان خاضعا للعبودية (عبودية الخطيئة), فقط بالحرية (بعد معرفة الحق) يتحرر الأنسان ليستطيع أن يحب ويتحرر من كُلِّ المعتقدات التي تفصل الأنسان عن أخيه الأنسان (مثل السامري الصالح في انجيل لوقا يؤكد فيه الرب يسوع أنّ المحبة تتجاوز العقائد والفواصل الطبقية والحواجز التي يضعها البشر)" راجع لوقا 10" .
فالقريب (بالمفهوم المسيحي) هو أي انسان محتاج الى المساعدة, من أي جنس كان, ومن أي عقيدة ومن أي لون, ومن أي خلفية أجتماعية, فالله أحب كُلِّ العالم "اذا كان العالم لا يعرفُنا, فلأنّه لا يعرف الله.....ولا يكون من الله من لايحبُّ أخاهُ"1يوحنا 3:1,10" فيسوع المسيح جاء لخلاص العالم, وتحرير الأنسان من العبودية للخطيئة, فهو ليس لفئة معينة من البشر بل للعالم كله "أذهبوا الى العالم كُله وأعلنوا البشارة الى جميع الناس" مرقس 16: 15"، يسوع المسيح في مثل السامري الصالح يعطينا أربعة نماذج من الناس في تعاملهم مع القريب (أي الأنسان)
1- علماء الشريعة يتعاملون مع المواضيع المطروحة عن البائسين والمشردين والفقراء والمجروحين....الخ , كموضوع للجدال والمناقشات فقط كما فعل عالم الشريعة اليهودية مع المسيح ليحرجه "لوقا 10:25".
2- ويتعامل اللصوص (سارقي أموال الناس وتجار الحروب....الخ) مع هؤلاء الناس كموضوع للنهب والسرقة, كما تعامل اللصوص مع  الرجل السامري في مثل قصة السامري الصالح.
3- أما الكاهن في مثل السامري الصالح يمثّل لنا الكثيرين من رجال الدين الذين يتجنّبون مواجهة المشاكل للآخرين لانّها مشاكل لا تتعلق بهم فهؤلاء يعتبرون مركزهم الديني مجرّد لغرض الأرشاد وتعليم الناس شريعة الله ولكنهم في الحقيقة قلوبهم بعيدة عن محبة الله وأخوتهم في الأنسانية, الذين يعانون شتّى أنواع الآلام والظلم والفقر والجوع والمرض, بل هم بعيدين عن وصية الله الأولى التي تقول"أحب الرب الهك من كلّ قلبك, وبكلّ نفسك, وبكل قوتك, وبكل فكرك, وأحب قريبك مثلما تُحبُّ نفسك"لوقا10:27" انّ الرب يسوع المسيح يقول لهؤلاء المتديّنين والذين يحسبون أنفسهم علماء الشريعة "أبتعدوا عنّي, ياملاعين, الى النار الأبدية المهيّأة لأبليس وأعوانه :لأنّي جعتُ فما أطعمتموني , وعطشتُ فما أسقيتموني , وكنتُ غريبا فما اويتموني, وعُريانا فما كسوتموني, ومريضا وسجينا فما زرتموني "متى 25:41,42,43" نعم أنّ مانفعله للآخرين يبين حقيقة محبتنا, ويسوع المسيح يريد أثمار ايماننا وخاصة مع أخوتنا المجروحين جسديا ونفسيا وروحيا .
4- أما السامري الصالح الذي(كان بحسب المفهوم اليهودي وثنيا), تعامل مع المجروح, كأنسان يستحق الحب والرحمة, فهو يمثل كلِّ انسان صالح يساعد المحتاجين ويعمل على تخفيف معاناتهم معنويا وماديا, قد تكون بكلمة طيبة أو محبة صادرة عن القلب التي تكفي لضماد جروح الآخرين, أو القيام بأعمال الرحمة ومساعدة المحتاجين حوله, وعن هؤلاء يقول الرب يسوع المسيح"تعالوا يا من باركهم أبي, رثوا الملكوت الذي هيّأهُ لكم منذ منذُ انشاء العالم, لأني جعت فأطعمتموني وعطشتُ فسقيتموني, وكنتُ غريبا فاويتموني وعريانا فكسيتموني, ومريضا فزرتموني, وسجينا فجئتم اليَّ"متى 25:34,35,36".
ويقول يوحنا البشير هذا هو الشاهد الذي عاش المحبة ورأى الحق "فالوصية التي سمعتموها من البدءِ هي أن يُحبَّ بعضنا بعضا, لا أن نكونَ مثل قايين الذي كان من الشرّير فقتل أخاهُ....نحنُ نعرف أننا أنتقلنا من الموت الى الحياة لأنّنا نُحبُ أخوتنا. من لايحبُّ بقي في الموت"1يوحنا 3:12,14" .
 آدم لم يستطع أن يعيش سعيدا وهو في الفردوس بالرغم من كُلّ المميزات التي أنفرد بها عن بقية المخلوقات حيث أعطاه الله السلطة ليكون سيد الكائنات والخليقة, الا أنه كان مهموما هائما, فقال الله "ليس مستحسنا أن يبقى ادم وحيدا, سأصنع له معينا نظيره "تكوين 2:18" هكذا خلق الله من ضلع ادم حواء نظيرة له ليبادلها المحبة .
انها لمأساة بشرية حقيقية أن يفكر(لمجرد التفكير) الأنسان بكراهية أخيه الأنسان ، فماذا نستطيع أن نصف مُعتقد أو دين يؤمن بقتل أخيه الأنسان، هذا الذي يمثل صورة الله على هذه الأرض ، وهو أيضا انعكاس لصورة أخيه الأنسان ونظيره ؟
سؤال يحتاج الى الأجابة.

164
محبة الأنسان لله
الجزء الثالث
نافع شابو البرواري
انَّ الذين عرفوا محبة الله وأقاموا علاقة حُب معه يعرفون كيف كان داود النبي في عطش روحي الى الله عندما يقول :
"كما يشتاق الأيلُ الى مجاري المياه ، كذلك تشتاقُ نفسي اليك يا اللهُ ، اليك ، الى الإله الحيّ عطشت نفسي"مزمور 42:1" ، فمن عرف محبة المسيح يعرف أنّ الحياة بدون المسيح الذي جسّد محبة الله لنا ليس لها معنى ، بل فيها فراغ وعطش وجوع وملل وخواء وعدم الراحة وفقدان السلام. لا يستطيع ايّ كائن أو أيُّة عقيدة أو أيُّ دين أو أيُّ فكر أو أيُّ حزب اشباع هذا العطش والجوع الروحي سوى الذي وهبنا الحياة ونفخ من روحهِ في أعماقنا وهو الإله الحي الذي يروي ويشبع حياتنا الروحية. فكما أنّ الطفل يشتاق الى حنان ومحبة أمِّه وهو لا يستطيع الأستغناء عن هذا الحب والحنان هكذا في أعماق كُل انسان شوق وجوع وفراغ لا يُشبعهُ الاّ محبة الله وحنانه مهما بلغت معرفته وتعليمه وحكمته الأرضية ، وكم يكون مسرّة الأنسان وبهجته مع خالقه الذي هو غير محدود ومحبته لنا غير محدودة. فالمحبة هي الحياة ، فلا يمكن أن نفصل الحياة عن المحبة لأنّ الذي أحبنا أعطانا الحياة. الكتاب المقدّس يبيّن لنا أن الله غيور يريد من الأنسان أن يحبّه أيضا فيقول الله في سفر التثنية: "الربُّ الهنا ربٌّ واحد. فأحبوا الرب الهكم بكلِّ قلوبكم وكُلِّ نفوسكم وكُلِّ قدرتكم "تثنية 6:4". هنا الله يريد أن نستغل جميع ملكاتنا الجسدية والروحية (الفكر، المشاعر ، المعرفة ، الحكمة ، القدرة.....الخ) من أجل تكريس حياتنا لتكون في كُلِّ لحظة في علاقة حب معه. وها هو يسوع المسيح يُركّز على وصية المحبة في العهد الجديد ليقول لنا بأنّ المحبة (محبة الله ومحبة الأنسان) هي محور وخلاصة الكتاب المقدس . فعندما سأل أحد الفريسيين يسوع المسيح ليحرجه:"ماهي أعظم وصيّة في الشريعة؟ "فأجابه يسوع :"أحب الربَّ الهُكَ بكلِّ قلبكَ، وبكلِّ نفسك َ، وبكل عقلك. هذه هي الوصية الأوُلى والعظمى. والوصيّة الثانية مثلها "أحب قريبك مثلما تُحبُّ نفسك. على هاتين الوصيّتين تقوم الشريعة ُ كُلّها وتعاليم الأنبياء"متى22" ، هاتان الوصيتان هما خلاصة وصايا الله العشرة وكلِّ الشرائع الأدبية في العهد القديم ، فعندما نحب الله ونهتم بالآخرين  فاننا نتمِّم الغرض من الوصايا العشرة وسائر شرائع العهد القديم. فمن الصعب أن نحب لو فكرنا في ذواتنا فقط ، فالخطية تجعل محبتنا لله وللآخرين تبرُد ، عندما نُحوِّل كُلِّ أهتماماتنا الى ذواتنا، فنحنُ لن نستطيع أن نُحب عندما نُفكِّر فقط في أنفسنا، وللأسف في هذا الزمن فترت المحبة في قلوب الكثيرين بسبب ظهور أنبياء كذبة وأفكار ماديّة وتعلّق قلوب الناس بالشهوات الزائلة ، وصدق الرب يسوع المسيح عندما تنبّا عن المستقبل وفتور المحبة في قلوب الناس وحتّى المؤمنين عندما قال:"ويرتد عن الأيمان كثيرٌ من الناس ، ويخون بعظهم بعضا ويبغض واحدهم الآخر ، ويظهر أنبياء كذّابون كثيرون ويظلّلون الكثير من الناس، ويعم الفساد ، فتبرد المحبة في أكثر القلوب "متى 12و11 و10 :24 " .
للأسف الكثيرين اليوم أصبحوا مثل الشعب الأسرائيلي في الماضي، عندما اختاروا لأنفسهم اباراً متشقٌقة بتحّولهم عن محبّة الله، ينبوع الماء الحي، ليختاروا محبّة الأصنام (المال السلطة الشهرة المركز....الخ) وهي(كما يقول الرسول بولس) مثل النحاس الذي يطنُّ أو صنج  يرنُّ، فهي لاحياة فيها مثل بركة الماء الآسنة الراكدة ، بينما يسوع المسيح يقول عن نفسه أنّه ينبوع الماء الحي. يقول الله على لسان أرميا النبي: "تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة وحفروا لهم ابار مشقّقةً لاتُمسِكُ الماء"ارميا 2:13" .
أنّ محبة الله تملأ حياتنا وتمنحنا القوّة للوصول الى الآخرين، ومع محبة الله سينجذب الأنسان الى المحبة الكاملة للكيان الأنساني . تقول رابعة العدويّة (التي لُقِّبت بأميرة الحب وكانت من المتصوفين ):
"ان أحببتُكَ طمعا في جنّتُكَ فأحرمني منها وان أحببتك خوفا من نارك فأطرحني فيها ، ولكني أحببتُ ذاتك ، فأسكني في جنتك وأبعدني من نارك".
الله في المسيحية ليس غايته تخويفنا  ولكنه يُظهر لنا عبر التاريخ عظمته وقدرته لكي ننتبه ونتأمّل ونعيد مراجعة حياتنا معه ولا ننسى أنّه غيور على هذه المحبّة، ولا يقبل أن نخون هذه المحبة بل علينا أن نُبادله المحبة، فهويريد أن نتبعه عن محبة لا عن خوف"1يوحنا 4:18" فهناك عبادة خوف في بعض الديانات أما في المسيحية ، المحبة تطرد الخوف"لا خوف في المحبة ، بل المحبة الكاملة تنفي كُلّ خوف"1يوحنا 4:18" بينما نجد في بعض المعتقدات والديانات الآخرى عدم ايمانها بهذه المحبة بين الله والأنسان وبين الأنسان وأخيه الأنسان فهناك حواجز بين الله كسيد الكون جالس على العرش بينما الخليقة ومنهم الأنسان هو عبد مطيع وما عليه الاّ أن يقوم بفرائض وأعمال لكي يكسب ودّ الله ويتجنب غضبه ، أي انها علاقة بين سيد وعبد بينما جاء المسيح ليعطينا الحق أن نصبح أبناء الله( عندما حررنا من العبودية للخطية )"يوحنا 1:12" . المحبّة "في  مفهوم المسيحية" هي دين وأيمان ، والعبادة في المسيحية هي تعبير عن المحبة وليس خوفا والمسيح لايسمينا عبيدا بل أبناء الله ، سادة أحرار ، فقصْدْ الله من خلقنا لم يكن لكي نعبده( والا كان هذا الإله أناني وحاشى لله أن يكون كذلك) بل أنه لم يرى أجمل من صورته  فخلقنا على صورته كمثاله ليحبنا وما علينا الا أن نقيم علاقة محبة معه وهذه العلاقة تصل الى حد العبادة وتمجيد أسم الله والتمتع بملكوته ونحن في الأرض. يقول الأب هوفلان مرشد القديس شارل دي فوكو: لقد جعل (يقصد القديس شارل فوكو)الديانة حُبّا عندما يقول "الحب ديني وأيماني".
يمكن تشبيه(مجازي) علاقة المحبة بين الله والأنسان وعلاقة الأنسان بأخيه الأنسان كعلاقة العائلة الواحدة ، فعندما  تكون  علاقة المحبة والحنان  هي السائدة في العائلة الواحدة، عندما يحب الزوج زوجته ويضحي من أجلها  كذلك الزوجة والأثنان يعكسوا هذا الحب لأبنائهم  ، عندها يترعرع الأبناء ويرضعون بفيض المحبة والحنان الذي شبّوا عليه، وسوف تنعكس هذه العلاقة مع الناس الآخرين في المستقبل، فسيكون(في الغالب) هؤلاء الأبناء محبوبين ويحبّون الآخرين من الناس ، هذا مايقوله حتّى علم النفس الحديث. بينما العائلة المتفككة من الصعب(في الغالب) على الأولاد الذين شبّوا في كنف هذه العائلة أن يحبّوا وهم أصلا حُرموا من محبة الوالدين لهم، فكيف يستطيعوا أن يحبّوا الله والآخرين أذا كانت صورة العائلة، متمثّلة بالأب والأم، مشوّه ومشوشة في هذه العائلة( التي تمثل علاقة الله بالأنسان)، يقول المثل(فاقد الشيء لا يعطيه). الله في العهد القديم يصوّر علاقته بشعبه كالعلاقة الزوجية(راجع سفر النبي هوشع) فعندما يعبد شعب اسرائيل الهة الوثنيين ويخون الله المرتبط معهم بعهد مقدس ، فيشبّه  الله هذا العمل كخيانة الزوجة (رمز للشعب ألأسرائيلي) لزوجها (رمز  الله) ، أي الزنى، لأنّ الزواج هو عهد وسر مقدس ، وأحيانا يرمز لهذه العلاقة  كالعرّيس والعروسة (راجع سفر نشيد الأنشاد).
انّ المؤمنين( الحقيقيين )الذين بنوا ايمانهم على صخرة المسيح وأختبروا محبة يسوع المسيح وعاشوا متمسكين وراسخين في محبتهم وايمانهم ،عندها لا تستطيع قوات الشر ولا الظروف الصعبة  ولا الحروب ولا الضيقات ولا الموت أن يفصلهم عن محبة المسيح ، وهذا ما أختبره بولس الرسول  فينقل لنا هذا الأختبار في أروع صورة اذ يقول:
"فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أتفصلنا الشدّة أم الضيق أم الأضطهاد ُ أم الجوع ُ أم العُري أم الخطر أم السيف؟ فالكتاب يقول :"من أجلكَ نحنُ نعاني الموت طوال النهار، ونُحسب كغنم للذبح "رومة 8:35,36" .
أنّ تعزية المؤمنين هو يقينهم أنّ المسيح لن يتركهم ولن يتخلّى عنهم مهما كانت الظروف صعبة ، فلا شيء يمكن أن يمنع حضوره الدائم معهم ، وهكذا نرى المؤمنين وسط كُل هذه الضيقات يعيشون بسلام روحي وهدوء لا يستطيع العدو أن ينتزعهُ منهم أو يسلب ارادتهم ، لأنّهُم يتّكلون على الذي مات من أجلهم ، فمحبّته لا تُقهر فهي أقوى من الموت. فالآلام يجب أن لا تُبعدنا عن محبة الله ، بل تُساعدنا على الألتصاق أكثر بيسوع المسيح ، وأن تغمرنا محبّته وتُشفينا .
السؤال الذي نريدُ أن نوجّهُهُ لأخوتنا المسيحيين في العراق الذين عانوا الأضطهاد والتهجير والضيقات والجوع والمخاطر وحتى الموت ، هل تمسّكوا  بايمانهم ومحبتهم وسط كُل تلك الظروف الصعبة كما تمسّك ابائهم من قبلهم وكما تمسّك الرسل الأولين كما يخبرنا سفر أعمال الرسل، أم تزحزح هذا الأيمان بسبب فتور المحبة وعدم رسوخ ايمانهم؟
يسوع المسيح هو الشخص الوحيد به نستطيع أن نحصل على التمتع بمحبة الله وملكوته ويجب أن تكون محبّتنا ثابة مهما كانت الظروف وعلينا أن نراجع أنفسنا ونرجع الى مصدر المحبة ليغمرنا بمحبّته الغير المشروطة كما فعل الأبن الظال عندما ضاقت به الحياة وهو بعيدا عن أبيه، فقال في نفسه أقوم وارجع الى أبي وكان الأب ينتظر رجوع ابنه وعندما رأهُ قادما من بعيد أشفق عليه وعانقه وقبّله "لوقا 15:20".
 حياة المؤمنين لها أولويات ويجب أن يكون في مقدمة أولويات الحياة هي التمتع بمحبة يسوع المسيح الذي هو مصدر المحبة وواهب الحياة "من يكون له ألأبن فله الحياة ُ، من لا يكون له أبن الله ، فلا تكون له الحياة"1يوحنا 5:12" وهو الذي يشغل قلوب العطاشى الى حنانه وحبه وعشرته وهو الخبز الحقيقي النازل من السماء الذي يعطي العالم الحياة ، وهذا ما فعلته مريم ، أخت مرتا ولعازر ، عندما زارها يسوع المسيح في بيتها فجلست تحت أقدام يسوع المسيح وهي تستمتع  بكلامه وتنظر الى وجهه المشرق وهي تذكر قول صاحب المزمورالذي يقول "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب". نقرأ في بشارة لوقا ما قاله يسوع المسيح لمرتا عندما جاءت وقالت ليسوع :"يارب ، أما تُبالي أن تَترُكني أُختي (مريم) أخدُمُ وحدي؟ قُل لها أن تُساعدني !" فأجابها الربُّ :"مرتا ، أنتِ تقلقين وتهتمين بأُمور كثيرة ، مع أنّ الحاجة الى شيء واحد. فمريم أختارت النصيب الأفضل ، ولن ينزعهُ أحدٌ منها"لوقا "10:40,41 .
نعم عالمنا اليوم منشغلٌ بأمور الحياة المادية واصبح هم الأنسان اللهث وراء كُلِّ ما هو جديد وما هو مريح وماهو مُبهر ومغري ، وكأنّه في صحراء وهو عطشان فيلهث وراء السراب ظنّا منه أنه الماء ، ونسى هذا الأنسان أنّ ينبوع الماء الحي هو يسوع المسيح وحده الذي يستطيع أن يروي عطشه وجوعه الأبدي الى المحبة الألهية . انّ الله سيدين الذين لا يقبلون اليه كمخلص وفادي البشرية ، وها هو يقول : "وهذه الدينونة هي أنَّ النور جاء الى العالم ، فأحبَّ الناس الظَّلام بدلا من النور لأنّهم يعملون الشر"يوحنا 3:19".
 انّ الراعي لا يستطيع أن يكون راعيا صالحا الآ اذا كان متعلقا بحبه للرب يسوع المسيح عندها يستطيع أن يخدم المؤمنين ويحبهم ويبذل نفسه عنهم ، فعندما أراد يسوع المسيح أن يبني كنيسته بعد القيامة قال لبطرس :"يا سمعان بن يونا أتُحبُّني أكثر مما يُحبُّني هؤلاء (يقصد التلاميذ الآخرين )؟ " فأجابه (بطرس) نعم يار ربُّ . أنت تعرف أنيّ أحبُّك" فقال له (الرب): أرعي خرافي "يوحنا 21:15" وهكذا سأله الرب مرة ثانية وثالثة  وفي الأخير قال الرب يسوع له أتبعني ، هكذا وكما أنكر بطرس يسوع المسيح ثلاثة مرات هكذا يسوع المسيح يريد أن يزيل منه سحابة الأنكار ، وعندما أجاب بطرس "نعم" طلب منه الرب أن يتبعه أي أن يضعه في المحك الحقيقي  قائلا له أرعِ خرافي أي تكريس حياة بطرس للآخرين ، هكذا لا يمكن أن نقول اننا نحب الله ولكن في الحقيقة نحن بعيدين عن أخوتنا ، فحياتنا هي شهادة للأخرين تعكس مدى التزامنا بمحبتنا لله ولهم. يقول اسحاق النينوي: "انّ هدف الصلاة هو أن نكتسب فيها محبّة الله ، لأنّه توجد في الصلاة كلِّ الأسباب الداعية الى محبة الله....، ومع محبّة الله سينجذب الشخص الى المحبّة الكاملة للكيان الأنساني ، فلا يستطيع أحدا أن يكون قادرا على المحبّة الجاذبة للأنسانية بدون أن يكون قد أمتلك بجدارة محبّة الله المفرحة.

165
البحث عن الحقيقة ج3
نافع شابو البرواري




قال أحدهم : لو لم يكن هناك الحق فنحن سنعيش في تخبّط ولا نستطيع أن نتصور العالم بدون الحق ، واذا كان الحق موجود فنحن كلنأ (البشرية كلها) مسؤولين عن سلوكنا ، ومن وجهة نظرنا ، نحن كمسيحيين ، فنحن نؤمن أننا مسؤولين عن تصرفاتنا وأعتقادنا لأنّ الروح القدس الساكن فينا يبكتنا على الخطيئة, وهو يرشدنا الى ما هو خير وما هو حق وينبهنا كلّما انحرفنا في سلوكنا ليعيدنا الى طريق الحق فلا مجاملة مطلقا في حق كلمة الله, فعلينا أن نقول الحقائق الألهية حتى لو نعرف أنّ ذلك قد يؤدي بنا الى الموت في الظروف التي تتطلب قرارا صعبا أو في ظروف الأختيار بين الحق والباطل, انّ التهاون أو الحل الوسط هو مزج شيئين متباينين, فعند مزج الخير بالشر أو الحق بالباطل لايعود الخير أو الحق نقيّان بعد.
أمّا المحرومين من الروح القدس فهم قد يسلكوا طريقا يبدو لهم أنّه طريق الحق ولكنه في الحقيقة قد يقودهم هذا الطريق الى الهلاك, وخير مثال على ذلك هو قصة حياة الرسول بولس قبل اهتدائه الى المسيحية كان يضطهد المسيحيين بل كان يطاردهم لكي يقتلهم وهو كان على قناعة انّه يفعل الصواب وما هو حق ، بينما بعد أن ظهر له المسيح وهو في طريقه الى دمشق تغيّرت حياته واصبح أعظم المبشرين بالمسيح وكتب اعترافاته في رسائله التي اصبحت جزءا من كتاب العهد الجديد. يقول هذا الرسول:"كُلّ ما كان حقّا........فاشغلوا أفكاركم به وأعملوا بما تعلّمتم وتلقيتم وسمعتم مني وما رأيتم فيّ"وينقل لنا هذا الرسول العظيم اختباره مع الحق فيقول:
"أقول الصدق(الحق) في المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس"روميا 9:1" .
فعلى الأنسان أن يملأ أفكاره بكلّ ما هو حق بالتدريب على الصلاة  وقراءة كلمة الله, والا سوف تتشتت الأفكار فلن يستطيع حينئذ أن يركز على كل ما هو حق وطاهر وشريف وعادل
أنّ الحق يشبه جوهرة ثمينة صافية تتلألأ, وكنزاً ثميناً ولكن الذين يسعون الى الوصول اليه عليهم أن يُقدّموا ثمنا باهضا "متى 13:46", فالحقيقة هي أثمن من كل شئ في هذه الحياة , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان باغلى شئ عنده من أجل الحصول عليها ويقول يسوع المسيح "حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك" فالحقيقة التي نفتش عنها أهم من كل شيء في حياة الدنيا , فهي أهم من المناصب والأموال والغنى والشهرة والمعارف , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان في كُلّ شيء من أجل الحصول عليها ، يقول الرسول بولس:
"ما كان لي من ربح فقد أعتبرته خسارة, من أجل المسيح , بل اني أعتبر كل شيء خسارة من أجل أمتياز معرفة المسيح يسوع ربي"فيلبي 3:7". العالم يعتبر الحقيقة نسبية (مثال بيلاطس)، في العالم المجرد من القيم ، تصبح كل الأمور متساوية ومن ثم نسبية وعندئذ يصعب الحكم على أي شيء ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر ، الأنسان الذي يبحث عن حقيقة الله فلابدّ أن يُظهر الله حقيقته له ، والكتاب المقدس هو الطريق الذي يساعد الأنسان ليقوده الى هذه الحقيقة ، يقول الرب يسوع المسيح  الى لذين شكّوا فيه من اليهود"تفحصون الكُتب المقدّسة, حاسبين أنّ لكم فيها الحياة الأبديّة, هي التي تشهد لي "يوحنا 5:39".
 لوقا البشير (كاتب الأنجيل وسفر أعمال الرسل), كان طبيبا ومؤرخا سجّل لنا قوّة الكلمة(الحق) التي ظهرت في حياة يسوع المسيح , فقد كان لوقا مهتما بالحق وبحث عنه وكان دقيقا يتحدّث بتفاصيل دقيقة عن حياة الرب يسوع المسيح وحقيقة شخصيته وقوة الحق التي فيه ، فهو قد تتبّع احداث ولادة المسيح وبشارته وموته وقيامته بالأستناد الى شهود الحدث(مريم العذراء والتلاميذ ) وبحث في جميع أعمال يسوع وتعاليمه منذُ بدأ رسالته حتى اليوم الذي ارتفع الى السماء, حتى عرف الحقيقة , أي حقيقة يسوع المسيح ربا والها"لوقا 1:1-4""أعمال 1:1,2 .
وهكذا يصدمنا ويُدهشنا ويهّز مشاعرنا لا بل يشجّعنا أن نتبع خطواته في البحث عن الحق, فالمسيحيّة لا تقول للأنسان "آمن ايمانا أعمى": بل بالحري"أختبر بنفسك ما يُقال لك "فالكتاب المقدس يشجّعنا أن نمتحن ما ينادي به "فتّشوا الكتب ، أسألوا تُعطوا , أطلبوا تجدوا, دقوا الباب يُفتح لكم "متى7:7" كلِّ أنسان يحمل شريعة الرب في داخله(الضمير) والأنسان قادر عادة على أكتشافها وحده لو كان واعيا بما فيه الكفاية, وشفّافا وصادقا مع نفسه "روميا 2"14,15"لأنّ الكلمة ساكن فيه"النور الذّي يُنير كُلِّ أنسان ٍ آتٍ الى العالم"يوحنا 1:9" .
فنحن لانولد مسيحيين بل نصبح مسيحيين ببحثنا عن الحق , فالمسيحية هي صيرورة دائمة نحو الكمال في المحبة والحرية والعدالة للوصول الى الحق , انها رحلة حياة نحو النمو في الأيمان والنضوج وأعطاء الثمر, وكل أنسان مدعو الى التفتيش عن الحقيقة ، انّ الظلال تختفي عندما تاتي الحقيقة, لانّ الحقيقة هي نور العالم "جئتُ الى العالم نورا"يوحنا 12:46"ولم يتجرأ ايُّ انسان ولا حتى الأنبياء ان يقولوا كما قال المسيح انّه نور العالم, لقد
سطع نور المسيح على العالم ولكن الكثيرين لا يستطيعون تحمّل سطوع وتلألأ نور المسيح فأختاروا ان يعيشوا في عتمة الليل الدامس ، فهم كما قال الرب يسوع عنهم "انهم يرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يفهمون لأنهم قسّوا قلوبهم" ، انّ النتائج التي نتوصل اليها عن شخص الرب يسوع هي مسألة موت أو حياة  بالنسبة لنا"لأنّ الله بموسى أعطانا الشريعة وأمّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق "يوحنا1:17" فيسوع المسيح كلامه هو الحق ،
في المحاكمة الظالمة أجاب الرب يسوع المسيح بيلاطس, الحاكم الروماني في أورشليم, عن سؤال طرحه بيلاطس على المسيح :أملكٌ أنتَ؟ أجابه يسوع : "أنت تقول أني ملكٌ, أنا وُلِدتُ وجئتُ الى العالم حتّى أشهد للحق فمن كان من أبناء الحق يستمعُ الى صوتي "يوحنا 18:37" فقال له بيلاطس :"ما هو الحق؟"يوحنا 18:38" .
عندما سأل بيلاطس يسوع المسيح هذا السؤال "ما هو الحق "لم يجاوبه الرب بصورة مباشرة ولكن صمته كان الجواب, وقد يسأل البعض, لماذا لم يجاوب الرب على سؤال بيلاطس؟ علينا أن نرجع الى قول المسيح قبل هذا السؤال مباشرة عندما قال "من كان من أبناء الحق يستمع الى صوتي ...." أي الذي لايعرف المسيح (الحق) لن يستطيع معرفة الحق.
لم يكن في ذهن بيلاطس ايُّ شك في نطق يسوع بالحق وفي براءته من أيّة جريمة , فبينما بيلاطس يعترف بالحق فأنّه اختار أن يرفضهُ ، انحنى بيلاطس امام الضغوط السياسية فتخلّى عمّا يراه صوابا لأنّه فكّر بمصلحته الذاتية على حساب الحق والعدالة والقيم وحتى القوانين الرومانية لم يلتزم بها بل راعى مصلحته الشخصية واعتبرها فوق كل اعتبار اخر ، هناك اليوم في العالم كُلِّه من يعرفون الحق مثل بيلاطس ولكنهم يرفضونه, انّها لمأساة أن نفشل في معرفة الحق والأعتراف به. والمأساة الأفضع أن نعرف الحق لكن نخفقُ في الأنتباه اليه.
أنّ مقاومة الحق تجعل الأنسان بلا هدف أو اتجاه  فيعيش بافكار مشوّشة ينحرف عن الحق فلن يستطيع أن يميّز بين الصح والخطأ, فبيلاطس سعى وراء منفعته الذاتية , والحلول الوسطى , والأستجابة للضغوط مع أنّه عرف براءة يسوع المسيح, فعندما تعلو المراكز يصعب على الأنسان أن يناصر الحق, وهكذا رجال الدين اليهود اتّهموا يسوع المسيح زورا وبهتانا , لأنّه كشف أعمالهم ونواياهم الخبيثة , وعارض تقاليدهم ومظاهر التدين الفارغة روحيا والبعيدة عن جوهر الحقيقة. هكذا اليوم أيضا الكثيرون من الناس يتّفقون مع بعضهم بالرغم, من خلافاتهم, ضدَّ الحق , كما فعل اليهود مع بيلاطس. فبالرغم من العداوة والكراهية بين اليهود وبيلاطس لكنهم ذهبوا اليه طالبين أن يُسدي اليهم جميلا بالحكم على يسوع بالصلب وكذلك كان هناك ايضا قطيعة بين هيرودس الملك وبين بيلاطس, الحاكم الروماني, ولكن تصالحوا في يوم محاكمة المسيح بالصلب ، أمّا زكّى العشّار(كما وردت قصته في أنجيل لوقا البشيرالأصحاح 19) وبالرغم من ثقل الخطيئة التي كان يإنّ بسببها, فلم يخضع لأنتقادات رجال الدين ولا للأتهامات الموجهة له لكونه يتعامل مع المستعمر الروماني ولم يهتم لكونه منبوذا من الشعب اليهودي لكونه جابي الضرائب ولم تهمّه انتقادات أهله وأقاربه فبالرغم من كل ذلك يقول الكتاب المقدس أنّه سعى أن يرى يسوع المسيح, فبالرغم من قصر قامته شقّ طريقه وسط الزحام ولقصر قامته صعد الى الشجرة  لكي يرى من هو يسوع المسيح, فلم تثنيه كل هذه العراقيل لمعرفة يسوع المسيح فكان ما أراد فقد دخل المسيح في بيته وتغيّرت حياة زكا الى الأبد , هكذا من يبحث عن الحق فلا بدّ أن يستجيب الله له فيصبح أنسانا جديدا وسيتمتّع بحياة جديدة ولن تستطيع أية قوّة أن تفصله عن الله الحق .
فالبحث عن الحق قد يحتاج السير عكس التيار وقد يكون مُكلفا ويكون الثمن باهضا , لأنّ يسوع المسيح يقول لنا أنّ الطريق المؤدي الى الحياة الأبدية ضيّق وصعب والقليلون يسلكونه .
انّ محاكمة المسيح تؤكد لنا قول المسيح أنّ مملكته ليست من هذا العالم وكل من يتبع الحق سيواجه الكثير من المشاكل والأضطهادات والآلام . فكم من الأبرياء ماتوا بسبب قولهم الحق ولكنهم في الحقيقة كانوا أحرارا لانّ الحق حرّرهم كما يقول الرب يسوع المسيح "تعرفون الحق والحق يحرّركم".
كم من الشهداء القديسين أُستشهدوا لأنّهم تعلّقوا بيسوع المسيح مصدر الحق .
كم من الناس اُنتزعت منهم حقوقهم وسجنوا وعذبوا لقولهم الحق .
كم من الناس ماتوا متمسكين بمبادئهم ودفاعهم عن الحق .
 هناك الكثيرون من الناس والبدع والهرطقات يقاومون الله (الحق) والمؤمنون به محرّفين حق الله ويسعون لخداع الغافلين وهدم المتكاسلين , الآّ أنَّ حق الله لايُبطل بل يستمر يَحمِلُهُ ويُدافع عنه كُلِّ من سلَّمَ حياته لأبن الله . وهي مُهمّة مُتَميّزة ومسؤولية مُرعبة كما أنّها أمتياز عظيمٌ . فلا بُدَّ أن يظهر معلمون أشرار , وأنبياء كذبة , لكن على المؤمنين واجب الدفاع عن الحق ببسالة برفض كُلِّ زيف وكذب وفساد ورذيلة "راجع رسالة يهوذا".
انّ من لا يسعى الى معرفة الحق في كلمة الله (حتّى بين المؤمنين)  فهو مُعرّض للأرتداد لأنّ أفكاره قد تتشوّه فينحرف عن حق الله, فالله حق ومستقيم , فكيف نتخيّل رجال الدين في الكنيسة لا يراعون في أختيارهم كونهم رجال الحق, لأنّ الكنيسة هي كنيسة (شعب) الله الحي , ويجب أن لا  ننتخب القادة في الكنيسة لأجل شعبيّتهم , ويجب ألا يُسمح لهم بشق طريقهم الى القمة, بل يجب أختيارهم لأحترامهم للحق سواء في التعليم أو في حياتهم الخاصة لأنّ الكنيسة "ركن الله الحقِّ ودعامتهِ"تيموثاوس3:15 .
الكنيسة هي العمود الذي يحمل الحق وليست الكنيسة هي الحق ولكننا نلتقي بالحق الموجود في يسوع المسيح .
الأسئلة المهمة التي  قد يطرحها الكثيرون من الذين بحثوا عن الحق ووجدوه هي: لماذا لا يتفهَّم الناس حق الله؟ ولماذا يحارب الكثيرون من الناس من يقول الحق؟ وكيف نستطيع نحن المؤمنين ان نوصل كلمة الحق الى الآخرين ؟
قبل الأجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعرف دور الشيطان في محاربة الباحثين عن الحق , والذين يقولون الحق ويدحضون الأكاذيب والأوهام , فهو يوهم الناس بأنصاف الحقائق الألهية مستندا حتى على كلام الله من الكتاب المقدس ولكنه في الحقيقة هو يُلبس الحق على ثوب الباطل ويلوي الحقائق الألهية, كما فعل مع حواء في الجنة"أحقا قال الله لا تأكلا من شجرة معرفة الخير والشر؟"وكما قال ليسوع المسيح في التجربة على الجبل مُستشهدا من الكتاب المقدس ليجرّب الرب يسوع المسيح"لوقا 4" .
فالشيطان ايضا يحفظ الكتاب المقدس ولكنه لايطيعه. انّ كلمة الله سلاحاً قوياً ذو حدّين  للأستخدام في الحرب الروحية"أفسس 6:17", فمعرفة آيات من الكتاب المقدس خطوة في مساعدتنا على مقاومة هجمات الشيطان , ولكن علينا أن نطيع كلمة الله , ونثبت في الحق ليبقى الحق معنا وهذه الحقيقة لا تظهر الآ اذا تعرضنا للأمتحان"2يوحنا 1:2" فالحق هو الحزام الذي يشدّنا الى الأستمرار في مواجهة الشيطان و الأرواح الشريرة "أفسس 6:14" .واخيرا الكتاب المقدس يخبرنا انّ "االله يريد الخلاص للجميع والى معرفة الحق يقبلون"
والى اللقاء في مقالات اخرى وشكرا لكم. (الى الذين فاتهم قراءة الجزء الأول والثاني لموضوع "البحث عن الحقيقة" ادناه المواقع التي يمكن الرجوع اليها )
. http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=12550 http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1579:2010-05-04-17-48-54&catid=32:mqalat&Itemid=45


166
البحث عن الحقيقة ج3
نافع شابو البرواري




قال أحدهم : لو لم يكن هناك الحق فنحن سنعيش في تخبّط ولا نستطيع أن نتصور العالم بدون الحق ، واذا كان الحق موجود فنحن كلنأ (البشرية كلها) مسؤولين عن سلوكنا ، ومن وجهة نظرنا ، نحن كمسيحيين ، فنحن نؤمن أننا مسؤولين عن تصرفاتنا وأعتقادنا لأنّ الروح القدس الساكن فينا يبكتنا على الخطيئة, وهو يرشدنا الى ما هو خير وما هو حق وينبهنا كلّما انحرفنا في سلوكنا ليعيدنا الى طريق الحق فلا مجاملة مطلقا في حق كلمة الله, فعلينا أن نقول الحقائق الألهية حتى لو نعرف أنّ ذلك قد يؤدي بنا الى الموت في الظروف التي تتطلب قرارا صعبا أو في ظروف الأختيار بين الحق والباطل, انّ التهاون أو الحل الوسط هو مزج شيئين متباينين, فعند مزج الخير بالشر أو الحق بالباطل لايعود الخير أو الحق نقيّان بعد.
أمّا المحرومين من الروح القدس فهم قد يسلكوا طريقا يبدو لهم أنّه طريق الحق ولكنه في الحقيقة قد يقودهم هذا الطريق الى الهلاك, وخير مثال على ذلك هو قصة حياة الرسول بولس قبل اهتدائه الى المسيحية كان يضطهد المسيحيين بل كان يطاردهم لكي يقتلهم وهو كان على قناعة انّه يفعل الصواب وما هو حق ، بينما بعد أن ظهر له المسيح وهو في طريقه الى دمشق تغيّرت حياته واصبح أعظم المبشرين بالمسيح وكتب اعترافاته في رسائله التي اصبحت جزءا من كتاب العهد الجديد. يقول هذا الرسول:"كُلّ ما كان حقّا........فاشغلوا أفكاركم به وأعملوا بما تعلّمتم وتلقيتم وسمعتم مني وما رأيتم فيّ"وينقل لنا هذا الرسول العظيم اختباره مع الحق فيقول:
"أقول الصدق(الحق) في المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس"روميا 9:1" .
فعلى الأنسان أن يملأ أفكاره بكلّ ما هو حق بالتدريب على الصلاة  وقراءة كلمة الله, والا سوف تتشتت الأفكار فلن يستطيع حينئذ أن يركز على كل ما هو حق وطاهر وشريف وعادل
أنّ الحق يشبه جوهرة ثمينة صافية تتلألأ, وكنزاً ثميناً ولكن الذين يسعون الى الوصول اليه عليهم أن يُقدّموا ثمنا باهضا "متى 13:46", فالحقيقة هي أثمن من كل شئ في هذه الحياة , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان باغلى شئ عنده من أجل الحصول عليها ويقول يسوع المسيح "حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك" فالحقيقة التي نفتش عنها أهم من كل شيء في حياة الدنيا , فهي أهم من المناصب والأموال والغنى والشهرة والمعارف , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان في كُلّ شيء من أجل الحصول عليها ، يقول الرسول بولس:
"ما كان لي من ربح فقد أعتبرته خسارة, من أجل المسيح , بل اني أعتبر كل شيء خسارة من أجل أمتياز معرفة المسيح يسوع ربي"فيلبي 3:7". العالم يعتبر الحقيقة نسبية (مثال بيلاطس)، في العالم المجرد من القيم ، تصبح كل الأمور متساوية ومن ثم نسبية وعندئذ يصعب الحكم على أي شيء ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر ، الأنسان الذي يبحث عن حقيقة الله فلابدّ أن يُظهر الله حقيقته له ، والكتاب المقدس هو الطريق الذي يساعد الأنسان ليقوده الى هذه الحقيقة ، يقول الرب يسوع المسيح  الى لذين شكّوا فيه من اليهود"تفحصون الكُتب المقدّسة, حاسبين أنّ لكم فيها الحياة الأبديّة, هي التي تشهد لي "يوحنا 5:39".
 لوقا البشير (كاتب الأنجيل وسفر أعمال الرسل), كان طبيبا ومؤرخا سجّل لنا قوّة الكلمة(الحق) التي ظهرت في حياة يسوع المسيح , فقد كان لوقا مهتما بالحق وبحث عنه وكان دقيقا يتحدّث بتفاصيل دقيقة عن حياة الرب يسوع المسيح وحقيقة شخصيته وقوة الحق التي فيه ، فهو قد تتبّع احداث ولادة المسيح وبشارته وموته وقيامته بالأستناد الى شهود الحدث(مريم العذراء والتلاميذ ) وبحث في جميع أعمال يسوع وتعاليمه منذُ بدأ رسالته حتى اليوم الذي ارتفع الى السماء, حتى عرف الحقيقة , أي حقيقة يسوع المسيح ربا والها"لوقا 1:1-4""أعمال 1:1,2 .
وهكذا يصدمنا ويُدهشنا ويهّز مشاعرنا لا بل يشجّعنا أن نتبع خطواته في البحث عن الحق, فالمسيحيّة لا تقول للأنسان "آمن ايمانا أعمى": بل بالحري"أختبر بنفسك ما يُقال لك "فالكتاب المقدس يشجّعنا أن نمتحن ما ينادي به "فتّشوا الكتب ، أسألوا تُعطوا , أطلبوا تجدوا, دقوا الباب يُفتح لكم "متى7:7" كلِّ أنسان يحمل شريعة الرب في داخله(الضمير) والأنسان قادر عادة على أكتشافها وحده لو كان واعيا بما فيه الكفاية, وشفّافا وصادقا مع نفسه "روميا 2"14,15"لأنّ الكلمة ساكن فيه"النور الذّي يُنير كُلِّ أنسان ٍ آتٍ الى العالم"يوحنا 1:9" .
فنحن لانولد مسيحيين بل نصبح مسيحيين ببحثنا عن الحق , فالمسيحية هي صيرورة دائمة نحو الكمال في المحبة والحرية والعدالة للوصول الى الحق , انها رحلة حياة نحو النمو في الأيمان والنضوج وأعطاء الثمر, وكل أنسان مدعو الى التفتيش عن الحقيقة ، انّ الظلال تختفي عندما تاتي الحقيقة, لانّ الحقيقة هي نور العالم "جئتُ الى العالم نورا"يوحنا 12:46"ولم يتجرأ ايُّ انسان ولا حتى الأنبياء ان يقولوا كما قال المسيح انّه نور العالم, لقد
سطع نور المسيح على العالم ولكن الكثيرين لا يستطيعون تحمّل سطوع وتلألأ نور المسيح فأختاروا ان يعيشوا في عتمة الليل الدامس ، فهم كما قال الرب يسوع عنهم "انهم يرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يفهمون لأنهم قسّوا قلوبهم" ، انّ النتائج التي نتوصل اليها عن شخص الرب يسوع هي مسألة موت أو حياة  بالنسبة لنا"لأنّ الله بموسى أعطانا الشريعة وأمّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق "يوحنا1:17" فيسوع المسيح كلامه هو الحق ،
في المحاكمة الظالمة أجاب الرب يسوع المسيح بيلاطس, الحاكم الروماني في أورشليم, عن سؤال طرحه بيلاطس على المسيح :أملكٌ أنتَ؟ أجابه يسوع : "أنت تقول أني ملكٌ, أنا وُلِدتُ وجئتُ الى العالم حتّى أشهد للحق فمن كان من أبناء الحق يستمعُ الى صوتي "يوحنا 18:37" فقال له بيلاطس :"ما هو الحق؟"يوحنا 18:38" .
عندما سأل بيلاطس يسوع المسيح هذا السؤال "ما هو الحق "لم يجاوبه الرب بصورة مباشرة ولكن صمته كان الجواب, وقد يسأل البعض, لماذا لم يجاوب الرب على سؤال بيلاطس؟ علينا أن نرجع الى قول المسيح قبل هذا السؤال مباشرة عندما قال "من كان من أبناء الحق يستمع الى صوتي ...." أي الذي لايعرف المسيح (الحق) لن يستطيع معرفة الحق.
لم يكن في ذهن بيلاطس ايُّ شك في نطق يسوع بالحق وفي براءته من أيّة جريمة , فبينما بيلاطس يعترف بالحق فأنّه اختار أن يرفضهُ ، انحنى بيلاطس امام الضغوط السياسية فتخلّى عمّا يراه صوابا لأنّه فكّر بمصلحته الذاتية على حساب الحق والعدالة والقيم وحتى القوانين الرومانية لم يلتزم بها بل راعى مصلحته الشخصية واعتبرها فوق كل اعتبار اخر ، هناك اليوم في العالم كُلِّه من يعرفون الحق مثل بيلاطس ولكنهم يرفضونه, انّها لمأساة أن نفشل في معرفة الحق والأعتراف به. والمأساة الأفضع أن نعرف الحق لكن نخفقُ في الأنتباه اليه.
أنّ مقاومة الحق تجعل الأنسان بلا هدف أو اتجاه  فيعيش بافكار مشوّشة ينحرف عن الحق فلن يستطيع أن يميّز بين الصح والخطأ, فبيلاطس سعى وراء منفعته الذاتية , والحلول الوسطى , والأستجابة للضغوط مع أنّه عرف براءة يسوع المسيح, فعندما تعلو المراكز يصعب على الأنسان أن يناصر الحق, وهكذا رجال الدين اليهود اتّهموا يسوع المسيح زورا وبهتانا , لأنّه كشف أعمالهم ونواياهم الخبيثة , وعارض تقاليدهم ومظاهر التدين الفارغة روحيا والبعيدة عن جوهر الحقيقة. هكذا اليوم أيضا الكثيرون من الناس يتّفقون مع بعضهم بالرغم, من خلافاتهم, ضدَّ الحق , كما فعل اليهود مع بيلاطس. فبالرغم من العداوة والكراهية بين اليهود وبيلاطس لكنهم ذهبوا اليه طالبين أن يُسدي اليهم جميلا بالحكم على يسوع بالصلب وكذلك كان هناك ايضا قطيعة بين هيرودس الملك وبين بيلاطس, الحاكم الروماني, ولكن تصالحوا في يوم محاكمة المسيح بالصلب ، أمّا زكّى العشّار(كما وردت قصته في أنجيل لوقا البشيرالأصحاح 19) وبالرغم من ثقل الخطيئة التي كان يإنّ بسببها, فلم يخضع لأنتقادات رجال الدين ولا للأتهامات الموجهة له لكونه يتعامل مع المستعمر الروماني ولم يهتم لكونه منبوذا من الشعب اليهودي لكونه جابي الضرائب ولم تهمّه انتقادات أهله وأقاربه فبالرغم من كل ذلك يقول الكتاب المقدس أنّه سعى أن يرى يسوع المسيح, فبالرغم من قصر قامته شقّ طريقه وسط الزحام ولقصر قامته صعد الى الشجرة  لكي يرى من هو يسوع المسيح, فلم تثنيه كل هذه العراقيل لمعرفة يسوع المسيح فكان ما أراد فقد دخل المسيح في بيته وتغيّرت حياة زكا الى الأبد , هكذا من يبحث عن الحق فلا بدّ أن يستجيب الله له فيصبح أنسانا جديدا وسيتمتّع بحياة جديدة ولن تستطيع أية قوّة أن تفصله عن الله الحق .
فالبحث عن الحق قد يحتاج السير عكس التيار وقد يكون مُكلفا ويكون الثمن باهضا , لأنّ يسوع المسيح يقول لنا أنّ الطريق المؤدي الى الحياة الأبدية ضيّق وصعب والقليلون يسلكونه .
انّ محاكمة المسيح تؤكد لنا قول المسيح أنّ مملكته ليست من هذا العالم وكل من يتبع الحق سيواجه الكثير من المشاكل والأضطهادات والآلام . فكم من الأبرياء ماتوا بسبب قولهم الحق ولكنهم في الحقيقة كانوا أحرارا لانّ الحق حرّرهم كما يقول الرب يسوع المسيح "تعرفون الحق والحق يحرّركم".
كم من الشهداء القديسين أُستشهدوا لأنّهم تعلّقوا بيسوع المسيح مصدر الحق .
كم من الناس اُنتزعت منهم حقوقهم وسجنوا وعذبوا لقولهم الحق .
كم من الناس ماتوا متمسكين بمبادئهم ودفاعهم عن الحق .
 هناك الكثيرون من الناس والبدع والهرطقات يقاومون الله (الحق) والمؤمنون به محرّفين حق الله ويسعون لخداع الغافلين وهدم المتكاسلين , الآّ أنَّ حق الله لايُبطل بل يستمر يَحمِلُهُ ويُدافع عنه كُلِّ من سلَّمَ حياته لأبن الله . وهي مُهمّة مُتَميّزة ومسؤولية مُرعبة كما أنّها أمتياز عظيمٌ . فلا بُدَّ أن يظهر معلمون أشرار , وأنبياء كذبة , لكن على المؤمنين واجب الدفاع عن الحق ببسالة برفض كُلِّ زيف وكذب وفساد ورذيلة "راجع رسالة يهوذا".
انّ من لا يسعى الى معرفة الحق في كلمة الله (حتّى بين المؤمنين)  فهو مُعرّض للأرتداد لأنّ أفكاره قد تتشوّه فينحرف عن حق الله, فالله حق ومستقيم , فكيف نتخيّل رجال الدين في الكنيسة لا يراعون في أختيارهم كونهم رجال الحق, لأنّ الكنيسة هي كنيسة (شعب) الله الحي , ويجب أن لا  ننتخب القادة في الكنيسة لأجل شعبيّتهم , ويجب ألا يُسمح لهم بشق طريقهم الى القمة, بل يجب أختيارهم لأحترامهم للحق سواء في التعليم أو في حياتهم الخاصة لأنّ الكنيسة "ركن الله الحقِّ ودعامتهِ"تيموثاوس3:15 .
الكنيسة هي العمود الذي يحمل الحق وليست الكنيسة هي الحق ولكننا نلتقي بالحق الموجود في يسوع المسيح .
الأسئلة المهمة التي  قد يطرحها الكثيرون من الذين بحثوا عن الحق ووجدوه هي: لماذا لا يتفهَّم الناس حق الله؟ ولماذا يحارب الكثيرون من الناس من يقول الحق؟ وكيف نستطيع نحن المؤمنين ان نوصل كلمة الحق الى الآخرين ؟
قبل الأجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعرف دور الشيطان في محاربة الباحثين عن الحق , والذين يقولون الحق ويدحضون الأكاذيب والأوهام , فهو يوهم الناس بأنصاف الحقائق الألهية مستندا حتى على كلام الله من الكتاب المقدس ولكنه في الحقيقة هو يُلبس الحق على ثوب الباطل ويلوي الحقائق الألهية, كما فعل مع حواء في الجنة"أحقا قال الله لا تأكلا من شجرة معرفة الخير والشر؟"وكما قال ليسوع المسيح في التجربة على الجبل مُستشهدا من الكتاب المقدس ليجرّب الرب يسوع المسيح"لوقا 4" .
فالشيطان ايضا يحفظ الكتاب المقدس ولكنه لايطيعه. انّ كلمة الله سلاحاً قوياً ذو حدّين  للأستخدام في الحرب الروحية"أفسس 6:17", فمعرفة آيات من الكتاب المقدس خطوة في مساعدتنا على مقاومة هجمات الشيطان , ولكن علينا أن نطيع كلمة الله , ونثبت في الحق ليبقى الحق معنا وهذه الحقيقة لا تظهر الآ اذا تعرضنا للأمتحان"2يوحنا 1:2" فالحق هو الحزام الذي يشدّنا الى الأستمرار في مواجهة الشيطان و الأرواح الشريرة "أفسس 6:14" .واخيرا الكتاب المقدس يخبرنا انّ "االله يريد الخلاص للجميع والى معرفة الحق يقبلون"
والى اللقاء في مقالات اخرى وشكرا لكم. (الى الذين فاتهم قراءة الجزء الأول والثاني لموضوع "البحث عن الحقيقة" ادناه المواقع التي يمكن الرجوع اليها )
. http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=12550 http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1579:2010-05-04-17-48-54&catid=32:mqalat&Itemid=45


167
المنبر الحر / البحث عن الحقيقة ج3
« في: 23:00 27/05/2010  »
البحث عن الحقيقة ج3
نافع شابو البرواري




قال أحدهم : لو لم يكن هناك الحق فنحن سنعيش في تخبّط ولا نستطيع أن نتصور العالم بدون الحق ، واذا كان الحق موجود فنحن كلنأ (البشرية كلها) مسؤولين عن سلوكنا ، ومن وجهة نظرنا ، نحن كمسيحيين ، فنحن نؤمن أننا مسؤولين عن تصرفاتنا وأعتقادنا لأنّ الروح القدس الساكن فينا يبكتنا على الخطيئة, وهو يرشدنا الى ما هو خير وما هو حق وينبهنا كلّما انحرفنا في سلوكنا ليعيدنا الى طريق الحق فلا مجاملة مطلقا في حق كلمة الله, فعلينا أن نقول الحقائق الألهية حتى لو نعرف أنّ ذلك قد يؤدي بنا الى الموت في الظروف التي تتطلب قرارا صعبا أو في ظروف الأختيار بين الحق والباطل, انّ التهاون أو الحل الوسط هو مزج شيئين متباينين, فعند مزج الخير بالشر أو الحق بالباطل لايعود الخير أو الحق نقيّان بعد.
أمّا المحرومين من الروح القدس فهم قد يسلكوا طريقا يبدو لهم أنّه طريق الحق ولكنه في الحقيقة قد يقودهم هذا الطريق الى الهلاك, وخير مثال على ذلك هو قصة حياة الرسول بولس قبل اهتدائه الى المسيحية كان يضطهد المسيحيين بل كان يطاردهم لكي يقتلهم وهو كان على قناعة انّه يفعل الصواب وما هو حق ، بينما بعد أن ظهر له المسيح وهو في طريقه الى دمشق تغيّرت حياته واصبح أعظم المبشرين بالمسيح وكتب اعترافاته في رسائله التي اصبحت جزءا من كتاب العهد الجديد. يقول هذا الرسول:"كُلّ ما كان حقّا........فاشغلوا أفكاركم به وأعملوا بما تعلّمتم وتلقيتم وسمعتم مني وما رأيتم فيّ"وينقل لنا هذا الرسول العظيم اختباره مع الحق فيقول:
"أقول الصدق(الحق) في المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس"روميا 9:1" .
فعلى الأنسان أن يملأ أفكاره بكلّ ما هو حق بالتدريب على الصلاة  وقراءة كلمة الله, والا سوف تتشتت الأفكار فلن يستطيع حينئذ أن يركز على كل ما هو حق وطاهر وشريف وعادل
أنّ الحق يشبه جوهرة ثمينة صافية تتلألأ, وكنزاً ثميناً ولكن الذين يسعون الى الوصول اليه عليهم أن يُقدّموا ثمنا باهضا "متى 13:46", فالحقيقة هي أثمن من كل شئ في هذه الحياة , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان باغلى شئ عنده من أجل الحصول عليها ويقول يسوع المسيح "حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك" فالحقيقة التي نفتش عنها أهم من كل شيء في حياة الدنيا , فهي أهم من المناصب والأموال والغنى والشهرة والمعارف , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان في كُلّ شيء من أجل الحصول عليها ، يقول الرسول بولس:
"ما كان لي من ربح فقد أعتبرته خسارة, من أجل المسيح , بل اني أعتبر كل شيء خسارة من أجل أمتياز معرفة المسيح يسوع ربي"فيلبي 3:7". العالم يعتبر الحقيقة نسبية (مثال بيلاطس)، في العالم المجرد من القيم ، تصبح كل الأمور متساوية ومن ثم نسبية وعندئذ يصعب الحكم على أي شيء ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر ، الأنسان الذي يبحث عن حقيقة الله فلابدّ أن يُظهر الله حقيقته له ، والكتاب المقدس هو الطريق الذي يساعد الأنسان ليقوده الى هذه الحقيقة ، يقول الرب يسوع المسيح  الى لذين شكّوا فيه من اليهود"تفحصون الكُتب المقدّسة, حاسبين أنّ لكم فيها الحياة الأبديّة, هي التي تشهد لي "يوحنا 5:39".
 لوقا البشير (كاتب الأنجيل وسفر أعمال الرسل), كان طبيبا ومؤرخا سجّل لنا قوّة الكلمة(الحق) التي ظهرت في حياة يسوع المسيح , فقد كان لوقا مهتما بالحق وبحث عنه وكان دقيقا يتحدّث بتفاصيل دقيقة عن حياة الرب يسوع المسيح وحقيقة شخصيته وقوة الحق التي فيه ، فهو قد تتبّع احداث ولادة المسيح وبشارته وموته وقيامته بالأستناد الى شهود الحدث(مريم العذراء والتلاميذ ) وبحث في جميع أعمال يسوع وتعاليمه منذُ بدأ رسالته حتى اليوم الذي ارتفع الى السماء, حتى عرف الحقيقة , أي حقيقة يسوع المسيح ربا والها"لوقا 1:1-4""أعمال 1:1,2 .
وهكذا يصدمنا ويُدهشنا ويهّز مشاعرنا لا بل يشجّعنا أن نتبع خطواته في البحث عن الحق, فالمسيحيّة لا تقول للأنسان "آمن ايمانا أعمى": بل بالحري"أختبر بنفسك ما يُقال لك "فالكتاب المقدس يشجّعنا أن نمتحن ما ينادي به "فتّشوا الكتب ، أسألوا تُعطوا , أطلبوا تجدوا, دقوا الباب يُفتح لكم "متى7:7" كلِّ أنسان يحمل شريعة الرب في داخله(الضمير) والأنسان قادر عادة على أكتشافها وحده لو كان واعيا بما فيه الكفاية, وشفّافا وصادقا مع نفسه "روميا 2"14,15"لأنّ الكلمة ساكن فيه"النور الذّي يُنير كُلِّ أنسان ٍ آتٍ الى العالم"يوحنا 1:9" .
فنحن لانولد مسيحيين بل نصبح مسيحيين ببحثنا عن الحق , فالمسيحية هي صيرورة دائمة نحو الكمال في المحبة والحرية والعدالة للوصول الى الحق , انها رحلة حياة نحو النمو في الأيمان والنضوج وأعطاء الثمر, وكل أنسان مدعو الى التفتيش عن الحقيقة ، انّ الظلال تختفي عندما تاتي الحقيقة, لانّ الحقيقة هي نور العالم "جئتُ الى العالم نورا"يوحنا 12:46"ولم يتجرأ ايُّ انسان ولا حتى الأنبياء ان يقولوا كما قال المسيح انّه نور العالم, لقد
سطع نور المسيح على العالم ولكن الكثيرين لا يستطيعون تحمّل سطوع وتلألأ نور المسيح فأختاروا ان يعيشوا في عتمة الليل الدامس ، فهم كما قال الرب يسوع عنهم "انهم يرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يفهمون لأنهم قسّوا قلوبهم" ، انّ النتائج التي نتوصل اليها عن شخص الرب يسوع هي مسألة موت أو حياة  بالنسبة لنا"لأنّ الله بموسى أعطانا الشريعة وأمّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق "يوحنا1:17" فيسوع المسيح كلامه هو الحق ،
في المحاكمة الظالمة أجاب الرب يسوع المسيح بيلاطس, الحاكم الروماني في أورشليم, عن سؤال طرحه بيلاطس على المسيح :أملكٌ أنتَ؟ أجابه يسوع : "أنت تقول أني ملكٌ, أنا وُلِدتُ وجئتُ الى العالم حتّى أشهد للحق فمن كان من أبناء الحق يستمعُ الى صوتي "يوحنا 18:37" فقال له بيلاطس :"ما هو الحق؟"يوحنا 18:38" .
عندما سأل بيلاطس يسوع المسيح هذا السؤال "ما هو الحق "لم يجاوبه الرب بصورة مباشرة ولكن صمته كان الجواب, وقد يسأل البعض, لماذا لم يجاوب الرب على سؤال بيلاطس؟ علينا أن نرجع الى قول المسيح قبل هذا السؤال مباشرة عندما قال "من كان من أبناء الحق يستمع الى صوتي ...." أي الذي لايعرف المسيح (الحق) لن يستطيع معرفة الحق.
لم يكن في ذهن بيلاطس ايُّ شك في نطق يسوع بالحق وفي براءته من أيّة جريمة , فبينما بيلاطس يعترف بالحق فأنّه اختار أن يرفضهُ ، انحنى بيلاطس امام الضغوط السياسية فتخلّى عمّا يراه صوابا لأنّه فكّر بمصلحته الذاتية على حساب الحق والعدالة والقيم وحتى القوانين الرومانية لم يلتزم بها بل راعى مصلحته الشخصية واعتبرها فوق كل اعتبار اخر ، هناك اليوم في العالم كُلِّه من يعرفون الحق مثل بيلاطس ولكنهم يرفضونه, انّها لمأساة أن نفشل في معرفة الحق والأعتراف به. والمأساة الأفضع أن نعرف الحق لكن نخفقُ في الأنتباه اليه.
أنّ مقاومة الحق تجعل الأنسان بلا هدف أو اتجاه  فيعيش بافكار مشوّشة ينحرف عن الحق فلن يستطيع أن يميّز بين الصح والخطأ, فبيلاطس سعى وراء منفعته الذاتية , والحلول الوسطى , والأستجابة للضغوط مع أنّه عرف براءة يسوع المسيح, فعندما تعلو المراكز يصعب على الأنسان أن يناصر الحق, وهكذا رجال الدين اليهود اتّهموا يسوع المسيح زورا وبهتانا , لأنّه كشف أعمالهم ونواياهم الخبيثة , وعارض تقاليدهم ومظاهر التدين الفارغة روحيا والبعيدة عن جوهر الحقيقة. هكذا اليوم أيضا الكثيرون من الناس يتّفقون مع بعضهم بالرغم, من خلافاتهم, ضدَّ الحق , كما فعل اليهود مع بيلاطس. فبالرغم من العداوة والكراهية بين اليهود وبيلاطس لكنهم ذهبوا اليه طالبين أن يُسدي اليهم جميلا بالحكم على يسوع بالصلب وكذلك كان هناك ايضا قطيعة بين هيرودس الملك وبين بيلاطس, الحاكم الروماني, ولكن تصالحوا في يوم محاكمة المسيح بالصلب ، أمّا زكّى العشّار(كما وردت قصته في أنجيل لوقا البشيرالأصحاح 19) وبالرغم من ثقل الخطيئة التي كان يإنّ بسببها, فلم يخضع لأنتقادات رجال الدين ولا للأتهامات الموجهة له لكونه يتعامل مع المستعمر الروماني ولم يهتم لكونه منبوذا من الشعب اليهودي لكونه جابي الضرائب ولم تهمّه انتقادات أهله وأقاربه فبالرغم من كل ذلك يقول الكتاب المقدس أنّه سعى أن يرى يسوع المسيح, فبالرغم من قصر قامته شقّ طريقه وسط الزحام ولقصر قامته صعد الى الشجرة  لكي يرى من هو يسوع المسيح, فلم تثنيه كل هذه العراقيل لمعرفة يسوع المسيح فكان ما أراد فقد دخل المسيح في بيته وتغيّرت حياة زكا الى الأبد , هكذا من يبحث عن الحق فلا بدّ أن يستجيب الله له فيصبح أنسانا جديدا وسيتمتّع بحياة جديدة ولن تستطيع أية قوّة أن تفصله عن الله الحق .
فالبحث عن الحق قد يحتاج السير عكس التيار وقد يكون مُكلفا ويكون الثمن باهضا , لأنّ يسوع المسيح يقول لنا أنّ الطريق المؤدي الى الحياة الأبدية ضيّق وصعب والقليلون يسلكونه .
انّ محاكمة المسيح تؤكد لنا قول المسيح أنّ مملكته ليست من هذا العالم وكل من يتبع الحق سيواجه الكثير من المشاكل والأضطهادات والآلام . فكم من الأبرياء ماتوا بسبب قولهم الحق ولكنهم في الحقيقة كانوا أحرارا لانّ الحق حرّرهم كما يقول الرب يسوع المسيح "تعرفون الحق والحق يحرّركم".
كم من الشهداء القديسين أُستشهدوا لأنّهم تعلّقوا بيسوع المسيح مصدر الحق .
كم من الناس اُنتزعت منهم حقوقهم وسجنوا وعذبوا لقولهم الحق .
كم من الناس ماتوا متمسكين بمبادئهم ودفاعهم عن الحق .
 هناك الكثيرون من الناس والبدع والهرطقات يقاومون الله (الحق) والمؤمنون به محرّفين حق الله ويسعون لخداع الغافلين وهدم المتكاسلين , الآّ أنَّ حق الله لايُبطل بل يستمر يَحمِلُهُ ويُدافع عنه كُلِّ من سلَّمَ حياته لأبن الله . وهي مُهمّة مُتَميّزة ومسؤولية مُرعبة كما أنّها أمتياز عظيمٌ . فلا بُدَّ أن يظهر معلمون أشرار , وأنبياء كذبة , لكن على المؤمنين واجب الدفاع عن الحق ببسالة برفض كُلِّ زيف وكذب وفساد ورذيلة "راجع رسالة يهوذا".
انّ من لا يسعى الى معرفة الحق في كلمة الله (حتّى بين المؤمنين)  فهو مُعرّض للأرتداد لأنّ أفكاره قد تتشوّه فينحرف عن حق الله, فالله حق ومستقيم , فكيف نتخيّل رجال الدين في الكنيسة لا يراعون في أختيارهم كونهم رجال الحق, لأنّ الكنيسة هي كنيسة (شعب) الله الحي , ويجب أن لا  ننتخب القادة في الكنيسة لأجل شعبيّتهم , ويجب ألا يُسمح لهم بشق طريقهم الى القمة, بل يجب أختيارهم لأحترامهم للحق سواء في التعليم أو في حياتهم الخاصة لأنّ الكنيسة "ركن الله الحقِّ ودعامتهِ"تيموثاوس3:15 .
الكنيسة هي العمود الذي يحمل الحق وليست الكنيسة هي الحق ولكننا نلتقي بالحق الموجود في يسوع المسيح .
الأسئلة المهمة التي  قد يطرحها الكثيرون من الذين بحثوا عن الحق ووجدوه هي: لماذا لا يتفهَّم الناس حق الله؟ ولماذا يحارب الكثيرون من الناس من يقول الحق؟ وكيف نستطيع نحن المؤمنين ان نوصل كلمة الحق الى الآخرين ؟
قبل الأجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعرف دور الشيطان في محاربة الباحثين عن الحق , والذين يقولون الحق ويدحضون الأكاذيب والأوهام , فهو يوهم الناس بأنصاف الحقائق الألهية مستندا حتى على كلام الله من الكتاب المقدس ولكنه في الحقيقة هو يُلبس الحق على ثوب الباطل ويلوي الحقائق الألهية, كما فعل مع حواء في الجنة"أحقا قال الله لا تأكلا من شجرة معرفة الخير والشر؟"وكما قال ليسوع المسيح في التجربة على الجبل مُستشهدا من الكتاب المقدس ليجرّب الرب يسوع المسيح"لوقا 4" .
فالشيطان ايضا يحفظ الكتاب المقدس ولكنه لايطيعه. انّ كلمة الله سلاحاً قوياً ذو حدّين  للأستخدام في الحرب الروحية"أفسس 6:17", فمعرفة آيات من الكتاب المقدس خطوة في مساعدتنا على مقاومة هجمات الشيطان , ولكن علينا أن نطيع كلمة الله , ونثبت في الحق ليبقى الحق معنا وهذه الحقيقة لا تظهر الآ اذا تعرضنا للأمتحان"2يوحنا 1:2" فالحق هو الحزام الذي يشدّنا الى الأستمرار في مواجهة الشيطان و الأرواح الشريرة "أفسس 6:14" .واخيرا الكتاب المقدس يخبرنا انّ "االله يريد الخلاص للجميع والى معرفة الحق يقبلون"
والى اللقاء في مقالات اخرى وشكرا لكم. (الى الذين فاتهم قراءة الجزء الأول والثاني لموضوع "البحث عن الحقيقة" ادناه المواقع التي يمكن الرجوع اليها )
. http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=12550 http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1579:2010-05-04-17-48-54&catid=32:mqalat&Itemid=45


168
محبة الله للأنسان
الجزء الثاني
نافع البرواري.
تكلّمنا في الجزء الأول من مقالتنا عن مفهوم المحبة في المسيحية وفي هذه المقالة  سنتكلم عن محبة الله للأنسان.
ماذا يخبرنا الكتاب المقدس( العهد القديم) عن محبة الله لشعبه؟
أنّ طبيعة الله "محبة" هي طبيعة جوهرية أزلية قبل أن يخلق (الله) العالم , فهي علاقة موجودة تربط الآب بالأبن ، والأبن بالآب بالروح القدس , فلا يمكن أن يكون الله" مجرد" أو فكرة فلسفية كما يعتقد الكثيرون بل هو مصدر ومنبع المحبة , فبدون المحبة لا توجد حياة , بل المحبة هي الحياة.
الله خلق الكون كلُّه فلا شيء يصعب عليه فهمه. لقد خلقنا الله لمحبته لنا , فنحن مع الله لنا قيمة خاصة وعندما نكون بعيدين عنه فنحن لاشيء , بل أموات, لأننا بذلك لا نتمِّمْ القصد الذي صَنَعنا من أجله "وكانت الأرض خاوية خالية ًوعلى وجه الغمر ظلام , وروح الله يَرِفُّ على وجه المياه"تكوين 1:2" هناك تفسير رائع لقول كاتب سفر التكوين لروح الله الذي يرفرف على وجه المياه ويشبّهه بطائر النسر الذي يرفرف على فراخه ليحميها ويفرش جناحيه ليأخذ صغاره ويحملهم على ريشه "تثنية 32:11"اشعيا 31:5" هكذا يهتم بنا الله ، 
الله يحبنا , وليس لمحبته بداية , كما أنها متأنية لحدود لاتُصدق , وكل ما نحن في حاجة اليه هوأن نتجاوب معه أنّ محبة الله لنا تتجلى بنعمة الحياة التي منحنا وبها نتمتع بجمال الله وجمال الخليقة والعشرة مع أخوتنا البشر أنّ هذه المحبة تحررنا من كل قيود الخطيئة , وعندما نعرف أننا محبوبين فعندها نتحرر ولا يستطيع الخوف ولا الموت أن يزحزح علاقتنا مع الله لأنّ المحبة أقوى من الموت وانّ السلام والفرح هما ثمار محبة الله لنا, فلا فرح أو سلام بدون محبة , ولهذا يقول الرب "سلامي أعطيعكم ليس كما يعطي العالم" ، الله يحب شعبه حتى وهو في حالة الخطيئة ولكنه يكره الخطيئة , الله عاش قصة حبِّ فاشلة مع شعبه اسرائيل , هذا الشعب الذي خان الله ولكن الله كان أمينا على محبته وعهده الذي قطعه مع أبينا ابراهيم وموسى والأنبياء بأن يُرسل ابنه الوحيد ليكون وسيطا للصلح بين الله وشعبه المتمرد ليعيد تلك العلاقة (علاقة المحبة) , ولكن هذا الشعب بدل أن يرجع الى عهده مع الله بقي متمسكاً بعنادهِ وتمردهِ ، بل ان هذا الشعب قام بصلب ابنه الوحيد . اليست هذه القصة المختصرة للكتاب المقدس تُعطي لنا خلاصة موضوع الكتاب المقدس عن محبة الله الفائقة لشعبه حتى الموت ، انّ الله كان مع شعب أسرائيل باستمرار كالأب الذي يحنُّ على أبنائه ويعوّلهم ويرعاهم ويحميهم ومع ذلك رفض هذا الشعب النعم الكثيرة التي أنعم الله لهم وأنكروا الجميل الذي صنعه لهم , ويعبّر الله عن محبّته على لسان النبي هوشع بأروع تعبير فيقول:
"وأنا الذي علّمهم المشي وحمَلَهم على ذراعه...جذبتهم اليَّ بحبال الرحمة وروابط المحبة, وكنتُ لهم كأب يرفعُ طفلا على ذراعهِ ويحنو عليهم ويطعمهم"هوشع 11:3,4" ويقول على لسان النبي اشعيا"أتنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ثمرة بطنها ؟ لكن ولو أنّها نسيت , فأنا لا أنساكِ يا أورشليم. ها على كفَّيَّ رسمتُك واسوارك أمامي في كلِّ حين"اشعيا 49:15,16" يقول الله ايضا"أبسط السلام عليها(على اؤرشليم) كالنهر وغنى الشعوب كجدول فائض ,فترضعون وتحملون في الأحضان , وتدللون كالطفل على الركبتين , كمن تعزّيه أُمّه أُعزيكم أنا"اشعيا 66:12,13".                                         
كُلنا يعرف حنان الأم على طفلها وسهرها الليالي في أرضاعه والأهتمام به بحنانها المعهود , ولكن قد تغفوالأم أحيانا وقد تنشغل بهموم الحياة أحيانا أخرى فلا تستطيع أن تبقى مع طفلها في كُلّ حين , ولكن الله يقول لشعبه أنّه لا ينساهم مطلقا , ولكن أحيانا كثيرة نشعر بأنّ الله قد تركنا , ولكن في الحقيقة هو لم يتركنا ولكننا نحنُ الذين تركناه (راجع الأبن الظال في أنجيل لوقا) . ويقول  أيضا عن شعبه"كيف أتخلّى عنكم يا بيت أفرايم؟ كيف أهجركم يا بني أسرائيل ؟...قلبي يضطربُ في صدري, وكُلِّ مراحمي تتقدُ"هوشع 11:8" فالله يقول "لأني الله لا انسان"وافكاري ليست أفكاركم"  فهو أعظم منا بما لايقاس.
فمعزّة الله لشعبه ومحبته لهم جائت في أجمل تعبير على لسان النبي زكريا اذ يقول الله"من يمسُّكم(يمس شعبه المؤمن) يمسُّ حدقة عينهِ"زكريا 2:8". ويقول على لسان ارميا النبي "وأعاهدهم عهدا أبديا اني لا أتحول عنهم ...وأفرح بأن أُحسن اليهم وأغرسهم في هذه الأرض بكُلّ قلبي وكُلِّ نفسي وأكون أمينا لهم"ارميا32:40,41 .
ماذا يُخبرنا العهد الجديد عن محبة الله للأنسان؟
في العهد الجديد سوف نقرأ ونلمس تجسّد محبة الله للعالم كُلّه حتى التضحية والموت من أجل كُلّ الذين يقبلون يسوع المسيح أبنه الوحيد"هكذا أحبّ الله العالم حتّى وهب أبنه الأوحد, فلا يهلك كُلِّ من يؤمن به , بل تكون له الحياة ألأبدية"يوحنا 3:16". أنّ محبة الله للأنسان تجلّت في يسوع المسيح , فهو أظهر للبشرية محبّة غير محدودة وغير مشروطة , بل أعطانا المحبة الحقيقية التي ليس فيها غش ولا مصلحة , انّها محبة بذل الذات والتضحية بحياته من أجل العالم كُلّه , وهذه التضحية تجسّدت على خشبة الصليب , فصليب المسيح هو رمز لمحبة الله للبشرية كُلّها, ومن يريد أن يتأمّل في محبة الله له فعليه أن يسجد تحت الصليب ويتأمّل يسوع المسيح المصلوب من أجله. أنّ محبّة الله هي لكلّ انسان حتى الخطاة , فكان يسوع المسيح يحنُّ على الفقراء والأغنياء ويغفر بمحته اللامتناهية خطايا الناس ويشفي المرضى ويشبع الجياع ويحضن الأطفال بحنانه فيقول "أن لم تصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت الله", وقد برهن يسوع المسيح أقواله بأعماله فهو على الصليب طلب من أبيه السماوي أن يغفر للذين كانوا يصلبونه وهو في قمة الآلام طلب من الآب قائلا:"يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون" . أنّ محبة الله لنا هي اساس لقيمة الأنسان , فقيمتنا الحقيقية تنبع من تقدير الله لنا وليس من تقدير الناس , فالناس يقدّروننا حسب عملنا ونجاحنا وأنجازاتنا ومظهرنا , أمّا محبة الله فتعطينا ألأساس الحقيقي الفعلي لقيمتنا وأستحقاقنا , وهو أننا ننتمي اليه, فمحبة الله عظيمة  لكل أنسان"ولكنّ الله برهن عن محبّته لنا بأن َّ المسيح مات من أجلنا ونحن بعدُ خاطئون"روميا 5:8"و يقول الرسول بولس: "فلمّا تم الزمان , أرسل الله أبنه مولودا لأمرأة , وعاش في حكم الشريعة, ليفتدي الذين في حكم الشريعة, حتى نصير نحن أبناء الله, والدليل على أنّكم  أبناؤه هو أنّه أرسل روح أبنه الى قلوبنا هاتفا "أبي, ياأبي ".  فما أنتَ بعد الآن عبدٌ, بل أبنٌ, وأذا كُنت أبنا فأنت وارث بفضل الله"غلاطية4:4,5,6,7" فيسوع المسيح  جاء لخلاص العالم, وتحرير الأنسان من عبودية الخطيئة, فهوليس لفئة معينة من البشر بل للعالم كله"أذهبوا الى العالم كُله وأعلُنوا البشارة الى الناس أجمعين "مرقس 16:15" ويقول بولس الرسول أيضا  كما ورد في سفر أعمال الرسل"هو(الله) غير بعيد عن كُلّ واحد منا فنحن فيه نحيا ونتحرك ونوجد . ونحن أيضا أبناؤه"أعمال 17:27,28".
"...ولكن الله بواسع رحمته وفائق محبّته لنا أحيانا مع المسيح بعدما كنّا أمواتا بزلاّتنا "أفسس 2:4"  .
و قد شهد يوحنا "الحبيب"عن محبة الله الآب لنا  بقوله"أنظروا كم أحبّنا الآب حتّى نُدعى أبناء الله"1يوحنا 3:1" وفي سفر الرؤيا يخبرنا البشير يوحنا عن سكن الله مع شعبه في الحياة ألأبدية "ها هو مسكن الله والناس: يسكن معهم ويكونون له شعوبا. الله نفسه يكون معهم ويكون لهم الها, يمسح كلّ دمعة تسيل من عيونهم"رؤيا 21:3,4 .
كُلِّ هذه الآيات (وغيرها) تؤكد لنا نحن المؤمنين بيسوع المسيح أنّ الله ومنذ أن خلقنا فهو يريد منا أن نشاركه في ملكوته كأبناء وليس كعبيد وأن نستمتع بمحبته وحنانه الذي لا يمكن أن يدركها العقل ولانستطيع أن نصل الى أعماقها . انّ محبة الله لنا تفوق المعرفة  فهي محبة كاملة وشاملة , فهي تمتد الى كل ركن في كياننا, فهي طويلة تمتد طيلة حياتنا , وهي عميقة لأنّها تصل الى أعماق فشلنا ويأسنا , وهي واسعة تُغطّي كُلّ أختباراتنا وتمتد الى كلّ العالم , وهي عالية تصل الى قمة أفراحنا وأعجابنا فمحبة الله لنا ليس لها حدود ولا تُستقصى وتفوق المعرفة "أفسس 3:18,19" . فيسوع المسيح يهتم بكل أحتياجاتنا , ولا يمكن أن نسقط من حسابه, فلا نخشى التهديدات ولا التجارب العسيرة , فكل هذه لايمكن أن تنزع محبة الله أو روحه من داخلنا, فلا شيء يقدر أن يحرمنا من حب الله  ويقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه (وكُل المؤمنين به) " أمّا أنتم , فشعرُ رؤوسكم نفسه معدود كُلّه"متى 10:30", فالهنا اله حي غيور, وحبّه أكبر من أيّ مشكلة تواجهنا , والحياة الأبدية في المسيح أبنه هي نورا لكل البشرية, لأنّ الموت يجلب الظمة الأبدية بينما يسوع المسيح هو نورالحياة الذي يزيل ظلام الموت , وليس سوى حياة المسيح ألأبدية المغروسة فينا ، يمكن أن تبقينا أحياء في ملكوته الجديد الى الأبد"به كان كُلُّ شيء , وبغيره ماكان شيء مما كان . فيه كانت الحياة , وحياته كانت نور الناس . والنور يشرق في الظلمة . والظلمة لاتقوى عليه"يوحنا 1:3,4,5" ."من كان عطشانا فلياتي , ومن شاء فليأخذ ماء الحياة"رؤيا 22:17" .
نعم المسيح يحبنا ويريد أن يسكن في قلوبنا , لأنّ أسمه هو عمّانوئيل (أي الله معنا) , وها هو يقول, لكل أنسان محروم من محبّته"ها أنا واقف على الباب أدقُّه , فأن سمع أحدٌ بصوتي وفتح الباب دخلتُ اليه وتعشيّتُ معه وتعشّى هو معي "رؤيا 3:20" .
نعم يسوع المسيح يريد أن يمتلك قلوبنا ليغمرنا بمحبته وحنانه وسلامه , لهذا صلّى في بستان جسيماني من أجل تلاميذه, حيث قال:"أنا فيهم وأنتّ فيَّ لتكون وحدتهم كاملة ويعرف العالم أنّك أرسلتني وأنَّك تُحبّهم مثلما تُحبُّني"يوحنا 17:23" ولكن ها هو الرب يسوع المسيح يبكي على أورشليم (رمز شعب اسرائيل المتمرّد ورمز كُل الناس الذين لا يأتون الى المسيح المخلّص) فيقول: "أورشليم  أورشليم  ! ياقاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين اليها!  كم مرة أردت أن أجمع أبناءَك , مثلما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها , فما أردتم"لوقا 13:34" فهل نقبل الرب يسوع المسيح ليكون ملكا على قلوبنا ويأسرنا بحبه اللامحدود  لتكون لنا حياة أبدية أم نرفضه من حياتنا ليبكي على قساوة قلوبنا كما بكى على أورشليم (رمز شعب أسرائيل)؟ سؤال يجب على كُلّ واحد له قلب نابض بالحياة أن يُفكر للأجابة عليه. ونختتم مقالتنا بقول أنسان شاهد  أختبر محبة المسيح له وهو التلميذ الذي أحبّه يسوع المسيح , يقول هذا الشاهد"أنظروا كم أحبنا الآب حتى نُدعى أبناء الله ...أذا كان العالم لا يعرفنا, فلأنّه لايعرف الله...لأنّ الله "محبّة   .......نحنُ ما أحببنا الله, بل هو الذي أحبنا وأرسل أبنه كفّارة لخطايانا"1يوحن 3 .
وفي مكان اخر  يقول الرب :
"ما من حبِّ أعظم من أن يفدي أبن الأنسان نفسه من أجل أحبائه" .
والى اللقاء في الجزء الثالث من مقالتنا بعنوان"محبّة الأنسان لله ومحبة الأنسان لأخيه الأنسان" .

169
المنبر الحر / البحث عن الحقيقة ج3
« في: 20:04 26/05/2010  »
البحث عن الحقيقة ج3
نافع شابو البرواري




قال أحدهم : لو لم يكن هناك الحق فنحن سنعيش في تخبّط ولا نستطيع أن نتصور العالم بدون الحق ، واذا كان الحق موجود فنحن كلنأ (البشرية كلها) مسؤولين عن سلوكنا ، ومن وجهة نظرنا ، نحن كمسيحيين ، فنحن نؤمن أننا مسؤولين عن تصرفاتنا وأعتقادنا لأنّ الروح القدس الساكن فينا يبكتنا على الخطيئة, وهو يرشدنا الى ما هو خير وما هو حق وينبهنا كلّما انحرفنا في سلوكنا ليعيدنا الى طريق الحق فلا مجاملة مطلقا في حق كلمة الله, فعلينا أن نقول الحقائق الألهية حتى لو نعرف أنّ ذلك قد يؤدي بنا الى الموت في الظروف التي تتطلب قرارا صعبا أو في ظروف الأختيار بين الحق والباطل, انّ التهاون أو الحل الوسط هو مزج شيئين متباينين, فعند مزج الخير بالشر أو الحق بالباطل لايعود الخير أو الحق نقيّان بعد.
أمّا المحرومين من الروح القدس فهم قد يسلكوا طريقا يبدو لهم أنّه طريق الحق ولكنه في الحقيقة قد يقودهم هذا الطريق الى الهلاك, وخير مثال على ذلك هو قصة حياة الرسول بولس قبل اهتدائه الى المسيحية كان يضطهد المسيحيين بل كان يطاردهم لكي يقتلهم وهو كان على قناعة انّه يفعل الصواب وما هو حق ، بينما بعد أن ظهر له المسيح وهو في طريقه الى دمشق تغيّرت حياته واصبح أعظم المبشرين بالمسيح وكتب اعترافاته في رسائله التي اصبحت جزءا من كتاب العهد الجديد. يقول هذا الرسول:"كُلّ ما كان حقّا........فاشغلوا أفكاركم به وأعملوا بما تعلّمتم وتلقيتم وسمعتم مني وما رأيتم فيّ"وينقل لنا هذا الرسول العظيم اختباره مع الحق فيقول:
"أقول الصدق(الحق) في المسيح لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس"روميا 9:1" .
فعلى الأنسان أن يملأ أفكاره بكلّ ما هو حق بالتدريب على الصلاة  وقراءة كلمة الله, والا سوف تتشتت الأفكار فلن يستطيع حينئذ أن يركز على كل ما هو حق وطاهر وشريف وعادل
أنّ الحق يشبه جوهرة ثمينة صافية تتلألأ, وكنزاً ثميناً ولكن الذين يسعون الى الوصول اليه عليهم أن يُقدّموا ثمنا باهضا "متى 13:46", فالحقيقة هي أثمن من كل شئ في هذه الحياة , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان باغلى شئ عنده من أجل الحصول عليها ويقول يسوع المسيح "حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك" فالحقيقة التي نفتش عنها أهم من كل شيء في حياة الدنيا , فهي أهم من المناصب والأموال والغنى والشهرة والمعارف , ولهذا تستحق أن يضحي الأنسان في كُلّ شيء من أجل الحصول عليها ، يقول الرسول بولس:
"ما كان لي من ربح فقد أعتبرته خسارة, من أجل المسيح , بل اني أعتبر كل شيء خسارة من أجل أمتياز معرفة المسيح يسوع ربي"فيلبي 3:7". العالم يعتبر الحقيقة نسبية (مثال بيلاطس)، في العالم المجرد من القيم ، تصبح كل الأمور متساوية ومن ثم نسبية وعندئذ يصعب الحكم على أي شيء ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر ، الأنسان الذي يبحث عن حقيقة الله فلابدّ أن يُظهر الله حقيقته له ، والكتاب المقدس هو الطريق الذي يساعد الأنسان ليقوده الى هذه الحقيقة ، يقول الرب يسوع المسيح  الى لذين شكّوا فيه من اليهود"تفحصون الكُتب المقدّسة, حاسبين أنّ لكم فيها الحياة الأبديّة, هي التي تشهد لي "يوحنا 5:39".
 لوقا البشير (كاتب الأنجيل وسفر أعمال الرسل), كان طبيبا ومؤرخا سجّل لنا قوّة الكلمة(الحق) التي ظهرت في حياة يسوع المسيح , فقد كان لوقا مهتما بالحق وبحث عنه وكان دقيقا يتحدّث بتفاصيل دقيقة عن حياة الرب يسوع المسيح وحقيقة شخصيته وقوة الحق التي فيه ، فهو قد تتبّع احداث ولادة المسيح وبشارته وموته وقيامته بالأستناد الى شهود الحدث(مريم العذراء والتلاميذ ) وبحث في جميع أعمال يسوع وتعاليمه منذُ بدأ رسالته حتى اليوم الذي ارتفع الى السماء, حتى عرف الحقيقة , أي حقيقة يسوع المسيح ربا والها"لوقا 1:1-4""أعمال 1:1,2 .
وهكذا يصدمنا ويُدهشنا ويهّز مشاعرنا لا بل يشجّعنا أن نتبع خطواته في البحث عن الحق, فالمسيحيّة لا تقول للأنسان "آمن ايمانا أعمى": بل بالحري"أختبر بنفسك ما يُقال لك "فالكتاب المقدس يشجّعنا أن نمتحن ما ينادي به "فتّشوا الكتب ، أسألوا تُعطوا , أطلبوا تجدوا, دقوا الباب يُفتح لكم "متى7:7" كلِّ أنسان يحمل شريعة الرب في داخله(الضمير) والأنسان قادر عادة على أكتشافها وحده لو كان واعيا بما فيه الكفاية, وشفّافا وصادقا مع نفسه "روميا 2"14,15"لأنّ الكلمة ساكن فيه"النور الذّي يُنير كُلِّ أنسان ٍ آتٍ الى العالم"يوحنا 1:9" .
فنحن لانولد مسيحيين بل نصبح مسيحيين ببحثنا عن الحق , فالمسيحية هي صيرورة دائمة نحو الكمال في المحبة والحرية والعدالة للوصول الى الحق , انها رحلة حياة نحو النمو في الأيمان والنضوج وأعطاء الثمر, وكل أنسان مدعو الى التفتيش عن الحقيقة ، انّ الظلال تختفي عندما تاتي الحقيقة, لانّ الحقيقة هي نور العالم "جئتُ الى العالم نورا"يوحنا 12:46"ولم يتجرأ ايُّ انسان ولا حتى الأنبياء ان يقولوا كما قال المسيح انّه نور العالم, لقد
سطع نور المسيح على العالم ولكن الكثيرين لا يستطيعون تحمّل سطوع وتلألأ نور المسيح فأختاروا ان يعيشوا في عتمة الليل الدامس ، فهم كما قال الرب يسوع عنهم "انهم يرون ولا يبصرون ويسمعون ولا يفهمون لأنهم قسّوا قلوبهم" ، انّ النتائج التي نتوصل اليها عن شخص الرب يسوع هي مسألة موت أو حياة  بالنسبة لنا"لأنّ الله بموسى أعطانا الشريعة وأمّا بيسوع المسيح فوهبنا النعمة والحق "يوحنا1:17" فيسوع المسيح كلامه هو الحق ،
في المحاكمة الظالمة أجاب الرب يسوع المسيح بيلاطس, الحاكم الروماني في أورشليم, عن سؤال طرحه بيلاطس على المسيح :أملكٌ أنتَ؟ أجابه يسوع : "أنت تقول أني ملكٌ, أنا وُلِدتُ وجئتُ الى العالم حتّى أشهد للحق فمن كان من أبناء الحق يستمعُ الى صوتي "يوحنا 18:37" فقال له بيلاطس :"ما هو الحق؟"يوحنا 18:38" .
عندما سأل بيلاطس يسوع المسيح هذا السؤال "ما هو الحق "لم يجاوبه الرب بصورة مباشرة ولكن صمته كان الجواب, وقد يسأل البعض, لماذا لم يجاوب الرب على سؤال بيلاطس؟ علينا أن نرجع الى قول المسيح قبل هذا السؤال مباشرة عندما قال "من كان من أبناء الحق يستمع الى صوتي ...." أي الذي لايعرف المسيح (الحق) لن يستطيع معرفة الحق.
لم يكن في ذهن بيلاطس ايُّ شك في نطق يسوع بالحق وفي براءته من أيّة جريمة , فبينما بيلاطس يعترف بالحق فأنّه اختار أن يرفضهُ ، انحنى بيلاطس امام الضغوط السياسية فتخلّى عمّا يراه صوابا لأنّه فكّر بمصلحته الذاتية على حساب الحق والعدالة والقيم وحتى القوانين الرومانية لم يلتزم بها بل راعى مصلحته الشخصية واعتبرها فوق كل اعتبار اخر ، هناك اليوم في العالم كُلِّه من يعرفون الحق مثل بيلاطس ولكنهم يرفضونه, انّها لمأساة أن نفشل في معرفة الحق والأعتراف به. والمأساة الأفضع أن نعرف الحق لكن نخفقُ في الأنتباه اليه.
أنّ مقاومة الحق تجعل الأنسان بلا هدف أو اتجاه  فيعيش بافكار مشوّشة ينحرف عن الحق فلن يستطيع أن يميّز بين الصح والخطأ, فبيلاطس سعى وراء منفعته الذاتية , والحلول الوسطى , والأستجابة للضغوط مع أنّه عرف براءة يسوع المسيح, فعندما تعلو المراكز يصعب على الأنسان أن يناصر الحق, وهكذا رجال الدين اليهود اتّهموا يسوع المسيح زورا وبهتانا , لأنّه كشف أعمالهم ونواياهم الخبيثة , وعارض تقاليدهم ومظاهر التدين الفارغة روحيا والبعيدة عن جوهر الحقيقة. هكذا اليوم أيضا الكثيرون من الناس يتّفقون مع بعضهم بالرغم, من خلافاتهم, ضدَّ الحق , كما فعل اليهود مع بيلاطس. فبالرغم من العداوة والكراهية بين اليهود وبيلاطس لكنهم ذهبوا اليه طالبين أن يُسدي اليهم جميلا بالحكم على يسوع بالصلب وكذلك كان هناك ايضا قطيعة بين هيرودس الملك وبين بيلاطس, الحاكم الروماني, ولكن تصالحوا في يوم محاكمة المسيح بالصلب ، أمّا زكّى العشّار(كما وردت قصته في أنجيل لوقا البشيرالأصحاح 19) وبالرغم من ثقل الخطيئة التي كان يإنّ بسببها, فلم يخضع لأنتقادات رجال الدين ولا للأتهامات الموجهة له لكونه يتعامل مع المستعمر الروماني ولم يهتم لكونه منبوذا من الشعب اليهودي لكونه جابي الضرائب ولم تهمّه انتقادات أهله وأقاربه فبالرغم من كل ذلك يقول الكتاب المقدس أنّه سعى أن يرى يسوع المسيح, فبالرغم من قصر قامته شقّ طريقه وسط الزحام ولقصر قامته صعد الى الشجرة  لكي يرى من هو يسوع المسيح, فلم تثنيه كل هذه العراقيل لمعرفة يسوع المسيح فكان ما أراد فقد دخل المسيح في بيته وتغيّرت حياة زكا الى الأبد , هكذا من يبحث عن الحق فلا بدّ أن يستجيب الله له فيصبح أنسانا جديدا وسيتمتّع بحياة جديدة ولن تستطيع أية قوّة أن تفصله عن الله الحق .
فالبحث عن الحق قد يحتاج السير عكس التيار وقد يكون مُكلفا ويكون الثمن باهضا , لأنّ يسوع المسيح يقول لنا أنّ الطريق المؤدي الى الحياة الأبدية ضيّق وصعب والقليلون يسلكونه .
انّ محاكمة المسيح تؤكد لنا قول المسيح أنّ مملكته ليست من هذا العالم وكل من يتبع الحق سيواجه الكثير من المشاكل والأضطهادات والآلام . فكم من الأبرياء ماتوا بسبب قولهم الحق ولكنهم في الحقيقة كانوا أحرارا لانّ الحق حرّرهم كما يقول الرب يسوع المسيح "تعرفون الحق والحق يحرّركم".
كم من الشهداء القديسين أُستشهدوا لأنّهم تعلّقوا بيسوع المسيح مصدر الحق .
كم من الناس اُنتزعت منهم حقوقهم وسجنوا وعذبوا لقولهم الحق .
كم من الناس ماتوا متمسكين بمبادئهم ودفاعهم عن الحق .
 هناك الكثيرون من الناس والبدع والهرطقات يقاومون الله (الحق) والمؤمنون به محرّفين حق الله ويسعون لخداع الغافلين وهدم المتكاسلين , الآّ أنَّ حق الله لايُبطل بل يستمر يَحمِلُهُ ويُدافع عنه كُلِّ من سلَّمَ حياته لأبن الله . وهي مُهمّة مُتَميّزة ومسؤولية مُرعبة كما أنّها أمتياز عظيمٌ . فلا بُدَّ أن يظهر معلمون أشرار , وأنبياء كذبة , لكن على المؤمنين واجب الدفاع عن الحق ببسالة برفض كُلِّ زيف وكذب وفساد ورذيلة "راجع رسالة يهوذا".
انّ من لا يسعى الى معرفة الحق في كلمة الله (حتّى بين المؤمنين)  فهو مُعرّض للأرتداد لأنّ أفكاره قد تتشوّه فينحرف عن حق الله, فالله حق ومستقيم , فكيف نتخيّل رجال الدين في الكنيسة لا يراعون في أختيارهم كونهم رجال الحق, لأنّ الكنيسة هي كنيسة (شعب) الله الحي , ويجب أن لا  ننتخب القادة في الكنيسة لأجل شعبيّتهم , ويجب ألا يُسمح لهم بشق طريقهم الى القمة, بل يجب أختيارهم لأحترامهم للحق سواء في التعليم أو في حياتهم الخاصة لأنّ الكنيسة "ركن الله الحقِّ ودعامتهِ"تيموثاوس3:15 .
الكنيسة هي العمود الذي يحمل الحق وليست الكنيسة هي الحق ولكننا نلتقي بالحق الموجود في يسوع المسيح .
الأسئلة المهمة التي  قد يطرحها الكثيرون من الذين بحثوا عن الحق ووجدوه هي: لماذا لا يتفهَّم الناس حق الله؟ ولماذا يحارب الكثيرون من الناس من يقول الحق؟ وكيف نستطيع نحن المؤمنين ان نوصل كلمة الحق الى الآخرين ؟
قبل الأجابة على هذه الأسئلة يجب أن نعرف دور الشيطان في محاربة الباحثين عن الحق , والذين يقولون الحق ويدحضون الأكاذيب والأوهام , فهو يوهم الناس بأنصاف الحقائق الألهية مستندا حتى على كلام الله من الكتاب المقدس ولكنه في الحقيقة هو يُلبس الحق على ثوب الباطل ويلوي الحقائق الألهية, كما فعل مع حواء في الجنة"أحقا قال الله لا تأكلا من شجرة معرفة الخير والشر؟"وكما قال ليسوع المسيح في التجربة على الجبل مُستشهدا من الكتاب المقدس ليجرّب الرب يسوع المسيح"لوقا 4" .
فالشيطان ايضا يحفظ الكتاب المقدس ولكنه لايطيعه. انّ كلمة الله سلاحاً قوياً ذو حدّين  للأستخدام في الحرب الروحية"أفسس 6:17", فمعرفة آيات من الكتاب المقدس خطوة في مساعدتنا على مقاومة هجمات الشيطان , ولكن علينا أن نطيع كلمة الله , ونثبت في الحق ليبقى الحق معنا وهذه الحقيقة لا تظهر الآ اذا تعرضنا للأمتحان"2يوحنا 1:2" فالحق هو الحزام الذي يشدّنا الى الأستمرار في مواجهة الشيطان و الأرواح الشريرة "أفسس 6:14" .واخيرا الكتاب المقدس يخبرنا انّ "االله يريد الخلاص للجميع والى معرفة الحق يقبلون"
والى اللقاء في مقالات اخرى وشكرا لكم. (الى الذين فاتهم قراءة الجزء الأول والثاني لموضوع "البحث عن الحقيقة" ادناه المواقع التي يمكن الرجوع اليها )
. http://forum.iraqchurch.com/showthread.php?t=12550 http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1579:2010-05-04-17-48-54&catid=32:mqalat&Itemid=45


170
 
المحبّة في مفهوم المسيحية
الجزء الأول
بقلم نافع البرواري
المسيحية قائمة على ثلاثة أركان هي : ألأيمان ، الرجاء، المحبة. وأعظم هذه الثلاثة هي المحبّة. فنحنُ مُخَلِّصون بالأيمان ، ولكن المحبة للآخرين والله ، هي ردة الفعل عند من غفر الله لهم ، وغفران الله كامل . قال الرب يسوع المسيح انّ من يُغفر لهم كثيرا يحبّون كثيرا "لوقا 7:47" وحيث انّ الأيمان يُظهر في المحبّة ، فيمكننا أن نفحص ونختبر محبّتنا لنعرف حقيقة أيماننا"غلاطية 5:6" وهكذا ومع أنه لنا اليقين من جهة خلاصنا ، فأننا مازلنا نتطلّع في رجاء ويقين الى ما وراء الحياة ، الى مالا نستطيع رؤيته الآن ولكننا نعلم أنه أعجب من كلّ ما ندرك أو نتصوّر الأيمان هو طريق للوصول الى الملكوت، وهو أساس ومحتوى رسالة الله ، أمّا المحبة فهي العمل والتطبيق لترجمة هذا الأيمان وهي مفتاح الملكوت ، وأمّا الرجاء فهو التركيز على الهدف الأسمى للحياة في اليقين مما سنحصل عليه في ما وراء هذه الحياة. وسنخصص مقالاتنا في هذه المواضيع الثلاثة أنشاء الله وهي (المحبة والأيمان والرجاء).
أولا : المحبّة
قبل أن نخوض في فهم مفهوم المحبة في الكتاب المقدس يجب ان نعرف ما هو هدف ومقصد وجودنا في هذه الحياة : يقول ريك وارين مؤلف كتاب "لماذا أنا موجود هنا على هذه الأرض" أنّ أسهل الطرق لأكتشاف الهدف من أختراع ما ، هو سؤال صاحب الأختراع. ويصح ذلك أيضا على أكتشاف الهدف من حياتك : اسأل الله" ، من خلال الكتاب المقدس ، سنعرف من نحنُ ولماذا خُلقنا والى أين نحن ذاهبون ، بينما عجز الفلاسفة والعلماء والمفكرين عبر التاريخ أن يُجيبوا على هذه الأسئلة الوجودية . أنّ دافع الله لخلقنا هو محبته لنا فنحن (كبشر) مركز محبّته والأكثر قيمة في كلِّ خليقته . يقول بولس الرسول "فأختارنا(الله) فيه قبل انشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبة"أفس 1:4، اننا خُلقنا على صورة الله كمثاله ، يقول الله: "لنصنع الأنسان على صورتنا كمثالنا"تكوين 1:26"  فنحن نطمح في أن نعكس طبيعة الله عن طريق محبتنا وصبرنا ولطفنا وصفحنا وأمانتنا ونشاركه الكثير من صفاته وعواطفه . وأدراكنا لهذا هو أساس قيمتنا . فقيمة الأنسان ليس في الشهرة أو الجمال أو مايملكه من المال أو المنصب أو الأنجازات أو النجاح التي يحقّقها في حياته ، بل قيمته هي في أدراكه أنّ الله خلقه على صورته ، وغاية الله أساسها المحبة لأن الله "محبة"، والكتاب المقدس لايقول انَّ الله لديه محبة ، بل انّهُ محبة! وانّ المحبة هي جوهر صفات الله ، وان هناك محبّة كاملة في شركة الثالوث . وعندما نَدرك أنّ لنا قيمة غير محدودة عند الله عندها يمنحنا هذا الأدراك ، الحرية أن نحب الله وأن نعرفه معرفة شخصية وأن نحب أخوتنا في البشرية ، والله الذي أعطانا هذه القيمة وأحبنا فلا بد له هدف عظيم لحياتنا ، لأنّ الله لا يفعل شيئا مصادفة  بل له سببا لكل شيء يخلقه ، وأنَّ سبب خلقه للكون والأنسان هو لأظهار مجده"السموات تنطُق بمجد الله والفلك يُخبر بعمل يديه "مزمور19:1" ، لا نستطيع أن نتصور ما أعده الله لنا سواء في هذا العالم أو في الأبدية  " الذي ما رأته عين ولا سمعت به أذن ٌ ولا خطر على قلب بشر أعدّه الله للذين يحبّونه "1كورنثوس 2:9".
الله أعد لنا الحياة الأبدية لنشاركه في ملكوته ولكن للأسف الكثيرين حتى من المسيحيين أحبوا هذا العالم وخانوا الذي احبهم  ونسوا هدفهم الحقيقي وتعلقوا بما هو زائل .
ماهي المحبة؟
 يقول العلاّمة بولص الفغالي(وهو عالم مختص بشرح الكتاب المقدس) في أعلان الله ، أنه "محبّة"1يوحنا4:8" فيقول عن معنى  المحبة ، وكيفية وجود المحبة في الله(الثالوث)" الحُب هو الحياة في سبيل الآخر(للعطاء)، والحياة بالآخر(القبول).الحب هو الكف ّ عن الحياة في النفس وبالنفس وفي سبيل النفس". من هنا تبرز حقيقتان جوهريّتان في المحبة ، وهما : القبول والعطاء . فالحب المتوجّه نحو النفس هو أنانية لا محبة ، ولا يَفيض منه شيء. أمّا الحب المتوجه نحو الآخر فهو خروج من النفس وعطاء.عطاء ماذا ؟ لا أشياء بل الجوهر "هذا هو جوهر سر الثالوث. أن كان الحب عطاء وقبولا ، فلا بد أن يكون هناك عدّة أشخاص في الله(وهذا ما تؤمن به المسيحية). لا يعطي الأنسان نفسه لنفسه ، ولا يقبل الأنسان نفسه بنفسه. وحياة الله هي حياة القبول والعطاء هذه" وهكذا عندما نقول الله محبة ، نقول أنّه عطاء وقبول ، وكمال المحبة هي بذل الذات من أجل المحبوب، وهكذا نرى تجسد المحبة في شخص يسوع المسيح الذي بذل ذاته من أجل العالم كُلِّه "هكذا أحب الله العالم، حتى وهب أبنه ألأوحد ، فلا يهلك كُلّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية"يوحنا 3:16" هذه هي المحبة بأسمى درجاتها "وقلّما يموت ُأحدٌ من أجل أنسان بار ، أمّا من أجل أنسان صالح فرُبّما جرُؤ َواحدٌ أن يموت . ولكن الله برهن عن محبته لنا بأنِّ المسيح مات من أجلنا ونحنُ بعدُ خاطئون "روميا 5:7,8" يسوع المسيح هو القدوة لنا في محبته لله الآب ومحبته للبشرية فهو المعيار والمقياس للعطاء والحب المضحي من أجل الآخر وقد توّج وتجلّى هذا الحب في قمة الجلجلة عندما مات من أجل العالم كله ولكن حبه كان أقوى من الموت فقام من بين الأموات ليقول لنا نحن أيضا عندما نحب الله ونحب الآخرين نستطيع نحن أيضا أن ننتصر على الموت بقوة محبتنا انّ مشهد الصليب هو تجسد للمحبة الحقيقية، اذ نرى المسيح باسطا  يديه ليحضن العالم بيديه الممدودتين  وطالبا من أبيه السماوي ان يغفر للذين صلبوه، ومشهد أمّه مريم وهي واقفة تحت الصليب تنظر الى أبنها الوحيد وهو يعاني من تلك الآلام الرهيبة لهو مشهد اخر لأم تتمزق أحشائها في كُلّ مسمار يدق في يدي ورجلي أبنها فقد كانت تحس بنبظات قلب أبنها المحبوب وهو يتألم فكان قلبها ينزف دما لأوجاع ابنها ، هذا المشهد هو قمة تجسد العطاء حتى بذل الذات والتضحية التي لاحدود لها، انها كالنار التي تحرق سهام الموت لتنتصر الحياة ، وهكذا فالذي يحب عليه أن يحمل صليبه ويسير في درب الآلام لينتصر على الموت ، في هذه الأيام أصبحت كلمة "المحبة" مشوّشة ضحلة المعنى بل هناك ، في الكثير من المجتمعات المنحلّة ادبيا ، من  الذين لا يعرفون معنى المحبة الحقيقية ويختلط مفهوم المحبة والشهوة عند الكثيرين من الناس، ولكن عندما يسير الأيمان والرجاء جنبا الى جنب عندها يستطيع الأنسان أن يحب حقيقة لأنّ الأيمان هو أدراك أنّ الله محبة، فكُلّما أقتربنا من المسيح ، نظهر محبة أكثر للآخرين ، فعندما نفقد هذا الأيمان تبرد محبتنا، أمّا الرجاء فهو التركيز على الهدف، وعندما تتشتت الأفكار وتكثر الأهداف يصبح ألأنسان يدور في حلقة  مفرغة ودوّامة لا يستطيع الخروج منها ويفقد الهدف الرئيسي في حياته ألا وهو التركيز على حياته الأبدية  يقول بولس الرسول"فالوصايا التي تقول :لا تزنِ، لا تقتل ، لا تسرق، لا تشتهِ وسواها من الوصايا ، تتلخّص في هذه الوصيّة:"أحب قريبك مثلما تحب نفسك ". فمن أحبَّ قريبه لا يسيءُالى أحد ، فالمحبة هي بتمام العمل بالشريعة"روميا 13:9,10"المحبة هي العمل والممارسة وهي أعظم المواهب(الفضائل) الروحية ، فالمحبة هي أعظم السجايا البشرية ، فهي تعني الخدمة الخالية من الأنانية للآخرين ، ومن الممتع أن علم النفس(المستمد أصلا من الكتاب المقدس ) يؤكّد على أنّ الناس الذين يهتمّون بالآخرين أكثر مما على أنفسهم يندر أن يعانوا من الأحساس بقلة تقدريهم لأنفسهم وهم يشعرون بسعادة وفرح داخلي المحبة هي ثمر الروح القدس ولا يستطيع الأنسان أن يُحب الاّ بالولادة الجديدة (الولادة الروحية) عندها تتغيّر نظرة الأنسان الى الحياة فينظر الى الناس بنظرة المحبة وينظر الى الله نظرة الأبن للآب وليس نظرة العبد الى السيد  فعندما تسيطر علينا قوة الروح القدس  فلا بدَّ أن نثمر ثمار المحبة أمّا في حفظ الناموس فلن نسطيع أن نُحب لانّ هناك قوى خارجية، نتيجة الخطيئة، هي التي تسيطر علينا فنعجز عن حفظ الناموس وبالتالي فالناموس يديننا "غلاطية 5:22(راجع قصة الشاب الغني في انجيل لوقا حيث لم يستطع أن يتبع المسيح لتعلق قلبه بالمال بالرغم من حفظه للناموس ، لكن فشل في اول أمتحان مع السيد المسيح ). فالمحبة هي خلاصة الناموس والشرائع، فهي تسمو فوق القوانين الدينية والمدنية، فعلى المؤمنين أن يذهبوا الى ما هو أبعد من مطاليب العدالة البشرية متى أقتضت المحبة ذلك متمثلين بمحبة الله ، المحبة ليست أحساسا بل أختبارا ، فهي ليست مشاعر وعواطف  بل عزم على عمل الخير للآخرين فيسوع المسيح كان يقول ويفعل (يطبق مايقوله في أعمال الخير )"كان يجول ويفعل خيرا "يصف الرسول بولس المحبة في اروع صورها في رسالته الى مؤمني كورنثس الأولى فيقول: "المحبة تصبر وترفق ، المحبة لا تعرف الحسد ولا التفاخر ولا الكبرياء، المحبة لاتسيء التصرف ، ولا تطلب منفعتها ، ولا تحتدُّ ولا تظنُّنُ السوء . المحبة لا تفرح بالظلم ، بل تفرح بالحق . المحبة تصفح عن كُلِّ شيء ، وتُصدِّق كُلُّ شيء ، وترجو كُلّ شيء، وتصبر على كلِّ شيء ، المحبة لا تزول ابدا"كورنثوس13:4,5,6,7,8"انها أنشودة المحبة التي يستلهم منها الشعراء والعشاق عبر التاريخ ، فهي كلمات نابعة من قلب هذا الرسول الذي أحب المسيح حتى الموت واحب الناس حتى كان يتمنى الموت من أجل خلاصهم ، العالم يخلط بين المحبة والشهوة، ولكن على النقيض من الشهوة ، نجد أن المحبة ، التي هي من الله ، تتجه الى الخارج ، الى الآخرين وليس الى الداخل، الى أنفسنا ، فلا أنانية فيها بالمرة. أما الشهوة فهي الرغبة الشرهة وغير الطبيعية لأي شيء ، وليس الجنس فقط، تجعل العين أقل حساسية، بل وتعمي من نور وجود المسيح"سراج الجسد هو العين . فان كانت عينك سليمة ، كان جسدك كله منيرا ، وان كانت عينك مريضة ، كان جسدك كله مُظلما"لوقا 11:34"هناك أمثلة(عن المحبة) ، ولو ضعيفة ، أمام العلاقة مع يسوع المسيح ، يمكن أن نراها في العلاقات الأنسانية: فمثلا علاقة المحبة بين الرجل والمرأة وعلاقة المحبة بين الوالدين والأولاد وعلاقة المحبة بين الأصدقاء الحميمين هناك تدرُّج للمحبة ، من حب مصلحي الى حب متبادل ، الى أسمى حب هو الحب المطلق وهذا الأخير لايخضع لشروط ولا لحدود فهو حب حتى لللأعداء والخطاة لأنّ الله "محبة" فلا يستطيع الآ أن يحب وهذا ما نراه قد تجسد في شخص يسوع المسيح  أذ هو على الصليب أحب حتى الذين كانوا يصلبونه فقال قولا لايستطيع الأنسان( في طبيعته الخاطئة) أن يقول ما قاله يسوع المسيح الآ من له محبة غير محدودة"يا أبتاه أغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون"الحب الحقيقي ليس ساكنا ولا ذاتي التمركز ، لكنه يسعى الى الآخرين ويصل اليهم ويجذبهم يوحنا البشير هو يمثل البشرية كُلها لأنّ يسوع المسيح وهو على الصليب سلّم أُمِّه(مريم العذراء) لهذا التلميذ عندما قال لأمّه مريم "هذا هو أبنك "وكانه يقول لنا أنتم أصبحتم أخوتي وأنا لن أدعوكم من الآن عبيدا بل أخوة ترثون ملكوت الآب معي ، وهذا التلميذ هو نفسه من قال على لسان يسوع المسيح "أمّا الذين قبلوه(أي يسوع المسيح) ، المؤمنين باسمه فأعطاهم سُلطانا أن يصيروا أبناء الله "يوحنا 1:12"في أنجيل يوحنا يُقدم يسوع لنا الحياة الأبدية . وكُلنا مدعوون الى أن نبدأ الحياة في علاقة شخصية وابدية معه تبدأ من الآن"و لحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الآله الحق وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسته"يوحنا 17:3ويقول هذا الشاهد (الذي كان  يتكيء على صدر يسوع  وكان يسوع يحبه):"من يكون له الأبن فله الحياة . من لايكون له أبن الله، فلا تكون له الحياة"1يوحنا 5:12" ويقول أيضا"وكُلُّ محب مولود من الله ويعرف الله من لا يحب لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة"يوحنا 4:7,8وقمّة أسفار العهد القديم هو نشيد الأناشيد الذي وصف المحبة بانها قويّة  كالموت"الحبُّ قويّ كالموت .....الحبُّ لا تُطفئهُ المياه الغزيرة ولا تغمره ُ الأنهار"نشيد الأناشيد7:6,7". المحبّة مثل ينبوع يتدفّق ويسوع المسيح هو مصدر هذا الينبوع ونحن نرتوي من هذه المحبة الطاهرة يسوع المسيح يقول جئت لكي أعطي لكم الحياة(اي المحبة). المحبّة أهم من المواهب الروحية ، فالأيمان العظيم والتكلم بالألسنة والقدرة على المعجزات بلا محبة لاتجدي كثيرا. اذ يقول الرسول بولس: "لو تكلَّمتُ بلغات الناس والملائكة ، ولا محبّة عندي ، فما أنا الاّ نُحاسٌ يَطُنُّ أو صنج يرنُّ ولو وهبني الله النبوّة وكنتُ عارفا كلّ سرّ وكل علم ، ولي الأيمان الكامل أنقل به الجبال ، ولا محبة عندي فما أنا بشيء  ....الخ"1كورنثوس 13:1"بهذه الآية الرائعة لخّص بولس الرسول معنى أن يفقد الأنسان المحبة ، أي المحبة لله والمحبة لأخيه الأنسان، فالأنسان يفقد أنسانيّته بفقدان غذاء الروح أي المحبّة ، فالكتاب المقدس  موضوعه  يُلخّص بكلمة واحدة هي"المحبّة" ، فهو يتكلم عن أعظم قصة حبِّ عرفتها البشرية ، بين الله  وبين الأنسان ، حتى وصلت هذه القصة ببذل الآب أبنه من أجل محبوبه"الأنسان"يوحنا 3:16" الله هو"محبّة" وهو مصدر المحبة،  كاالشمس التي هي مصدر النور ، فلا يُمكن أن نعيش بغير محبّة الله لنا، كما لا يستطيع الأنسان أن يعيش دون الماء والغذاء ، ولكن الطعام والماء لا يسدّان الاّ أحتياجاتنا  الجسدية  الفانية ، أما محبة الله لنا فهو غذاء الروح ، فبدون الطعام الروحي سوف نتضور جوعا وعطشا ، كما نتضور جوعا وعطشا اذا لم نحصل على طعامنا اليومي الجسدي ، انّ المحبّة التي تربط الآب بالأبن هي كالشمس التي تتفجر كلِّ لحظة نتيجة الحرارة والنار المشتعلة فيها ولكننا نحن أيضا نحصل من هذا الحب على شكل شعاء منبثق من هذا الأنفجار فنحصل على دفئ وحرارة المحبة في حياتنا، فكما أنّ الكائنات ومنها الأنسان لا يعيش دون نور وحرارة الشمس هكذا نحنُ نصبح أمواتا دون محبة الله لنا . ادم الأوّل أختار الموت وحجب عن نفسه نور الحياة(الله) أمّا ادم الثاني يسوع المسيح  جاء ليجعل في داخلنا نورا(الروح القدس ) يتفجّربنار المحبة ، فمحبة الله لنا هي مصدر كُلِّ محبة بشرية وهي تنتشر كالنار في الهشيم والقش ، وبمحبة الله لأبنائه يشعل جذوة المحبة في قلوبهم وهم بدورهم يحبون الآخرين الذين يستدفئون بحب الله وحنانه من خلال أولاده . الله يرغب في علاقة شخصية لنشاركه قداسته ، الله يريد الأرتباط بنا ، ويسوع المسيح قال للمرأة السامرية " "كُلُّ من يشرب من هذا الماء (ماء البئر ) يعطش ثانية ، أمّا من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش أبدا ، فالماء الذي أعطيه يصيرُ نبعا يَفيض ُ بالحياة الأبديّة "يوحنا 4:13". نعم يسوع المسيح هو نبع الحياة الذي يشبعنا بحبه فيصير فينا نبعا للحياة الأبدية يقول اسحاق النينوي: عندما نكون قد أكتشفنا المحبة ونأكل الخبز السماوي ، ونستلم غذاء بدون عمل أو تعب ، لأنّ الخبز السماوي هو النازل من السماء والواهب الحياة للعالم "يوحنا 6:33"فهذا هو طعام الملائكة "مزمور 78:25" انّ الذي اكتشف المحبة ، هو ذلك الذي يأكل السيد المسيح في كل الأوقات ويصبح خالدا من ذلك الحين فصاعدا. فما أعظم تأثير المحبّة في قصة حياتنا مع الله وما أعظم محبة الله لنا حتّى أنه بذل حياة أبنه يسوع المسيح من أجلنا . الى اللقاء في الجزء الثاني من مقالتنا عن المحبة وشكرا.

171
 
المحبّة في مفهوم المسيحية
الجزء الأول
بقلم نافع البرواري
المسيحية قائمة على ثلاثة أركان هي : ألأيمان ، الرجاء، المحبة. وأعظم هذه الثلاثة هي المحبّة. فنحنُ مُخَلِّصون بالأيمان ، ولكن المحبة للآخرين والله ، هي ردة الفعل عند من غفر الله لهم ، وغفران الله كامل . قال الرب يسوع المسيح انّ من يُغفر لهم كثيرا يحبّون كثيرا "لوقا 7:47" وحيث انّ الأيمان يُظهر في المحبّة ، فيمكننا أن نفحص ونختبر محبّتنا لنعرف حقيقة أيماننا"غلاطية 5:6" وهكذا ومع أنه لنا اليقين من جهة خلاصنا ، فأننا مازلنا نتطلّع في رجاء ويقين الى ما وراء الحياة ، الى مالا نستطيع رؤيته الآن ولكننا نعلم أنه أعجب من كلّ ما ندرك أو نتصوّر الأيمان هو طريق للوصول الى الملكوت، وهو أساس ومحتوى رسالة الله ، أمّا المحبة فهي العمل والتطبيق لترجمة هذا الأيمان وهي مفتاح الملكوت ، وأمّا الرجاء فهو التركيز على الهدف الأسمى للحياة في اليقين مما سنحصل عليه في ما وراء هذه الحياة. وسنخصص مقالاتنا في هذه المواضيع الثلاثة أنشاء الله وهي (المحبة والأيمان والرجاء).
أولا : المحبّة
قبل أن نخوض في فهم مفهوم المحبة في الكتاب المقدس يجب ان نعرف ما هو هدف ومقصد وجودنا في هذه الحياة : يقول ريك وارين مؤلف كتاب "لماذا أنا موجود هنا على هذه الأرض" أنّ أسهل الطرق لأكتشاف الهدف من أختراع ما ، هو سؤال صاحب الأختراع. ويصح ذلك أيضا على أكتشاف الهدف من حياتك : اسأل الله" ، من خلال الكتاب المقدس ، سنعرف من نحنُ ولماذا خُلقنا والى أين نحن ذاهبون ، بينما عجز الفلاسفة والعلماء والمفكرين عبر التاريخ أن يُجيبوا على هذه الأسئلة الوجودية . أنّ دافع الله لخلقنا هو محبته لنا فنحن (كبشر) مركز محبّته والأكثر قيمة في كلِّ خليقته . يقول بولس الرسول "فأختارنا(الله) فيه قبل انشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبة"أفس 1:4، اننا خُلقنا على صورة الله كمثاله ، يقول الله: "لنصنع الأنسان على صورتنا كمثالنا"تكوين 1:26"  فنحن نطمح في أن نعكس طبيعة الله عن طريق محبتنا وصبرنا ولطفنا وصفحنا وأمانتنا ونشاركه الكثير من صفاته وعواطفه . وأدراكنا لهذا هو أساس قيمتنا . فقيمة الأنسان ليس في الشهرة أو الجمال أو مايملكه من المال أو المنصب أو الأنجازات أو النجاح التي يحقّقها في حياته ، بل قيمته هي في أدراكه أنّ الله خلقه على صورته ، وغاية الله أساسها المحبة لأن الله "محبة"، والكتاب المقدس لايقول انَّ الله لديه محبة ، بل انّهُ محبة! وانّ المحبة هي جوهر صفات الله ، وان هناك محبّة كاملة في شركة الثالوث . وعندما نَدرك أنّ لنا قيمة غير محدودة عند الله عندها يمنحنا هذا الأدراك ، الحرية أن نحب الله وأن نعرفه معرفة شخصية وأن نحب أخوتنا في البشرية ، والله الذي أعطانا هذه القيمة وأحبنا فلا بد له هدف عظيم لحياتنا ، لأنّ الله لا يفعل شيئا مصادفة  بل له سببا لكل شيء يخلقه ، وأنَّ سبب خلقه للكون والأنسان هو لأظهار مجده"السموات تنطُق بمجد الله والفلك يُخبر بعمل يديه "مزمور19:1" ، لا نستطيع أن نتصور ما أعده الله لنا سواء في هذا العالم أو في الأبدية  " الذي ما رأته عين ولا سمعت به أذن ٌ ولا خطر على قلب بشر أعدّه الله للذين يحبّونه "1كورنثوس 2:9".
الله أعد لنا الحياة الأبدية لنشاركه في ملكوته ولكن للأسف الكثيرين حتى من المسيحيين أحبوا هذا العالم وخانوا الذي احبهم  ونسوا هدفهم الحقيقي وتعلقوا بما هو زائل .
ماهي المحبة؟
 يقول العلاّمة بولص الفغالي(وهو عالم مختص بشرح الكتاب المقدس) في أعلان الله ، أنه "محبّة"1يوحنا4:8" فيقول عن معنى  المحبة ، وكيفية وجود المحبة في الله(الثالوث)" الحُب هو الحياة في سبيل الآخر(للعطاء)، والحياة بالآخر(القبول).الحب هو الكف ّ عن الحياة في النفس وبالنفس وفي سبيل النفس". من هنا تبرز حقيقتان جوهريّتان في المحبة ، وهما : القبول والعطاء . فالحب المتوجّه نحو النفس هو أنانية لا محبة ، ولا يَفيض منه شيء. أمّا الحب المتوجه نحو الآخر فهو خروج من النفس وعطاء.عطاء ماذا ؟ لا أشياء بل الجوهر "هذا هو جوهر سر الثالوث. أن كان الحب عطاء وقبولا ، فلا بد أن يكون هناك عدّة أشخاص في الله(وهذا ما تؤمن به المسيحية). لا يعطي الأنسان نفسه لنفسه ، ولا يقبل الأنسان نفسه بنفسه. وحياة الله هي حياة القبول والعطاء هذه" وهكذا عندما نقول الله محبة ، نقول أنّه عطاء وقبول ، وكمال المحبة هي بذل الذات من أجل المحبوب، وهكذا نرى تجسد المحبة في شخص يسوع المسيح الذي بذل ذاته من أجل العالم كُلِّه "هكذا أحب الله العالم، حتى وهب أبنه ألأوحد ، فلا يهلك كُلّ من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية"يوحنا 3:16" هذه هي المحبة بأسمى درجاتها "وقلّما يموت ُأحدٌ من أجل أنسان بار ، أمّا من أجل أنسان صالح فرُبّما جرُؤ َواحدٌ أن يموت . ولكن الله برهن عن محبته لنا بأنِّ المسيح مات من أجلنا ونحنُ بعدُ خاطئون "روميا 5:7,8" يسوع المسيح هو القدوة لنا في محبته لله الآب ومحبته للبشرية فهو المعيار والمقياس للعطاء والحب المضحي من أجل الآخر وقد توّج وتجلّى هذا الحب في قمة الجلجلة عندما مات من أجل العالم كله ولكن حبه كان أقوى من الموت فقام من بين الأموات ليقول لنا نحن أيضا عندما نحب الله ونحب الآخرين نستطيع نحن أيضا أن ننتصر على الموت بقوة محبتنا انّ مشهد الصليب هو تجسد للمحبة الحقيقية، اذ نرى المسيح باسطا  يديه ليحضن العالم بيديه الممدودتين  وطالبا من أبيه السماوي ان يغفر للذين صلبوه، ومشهد أمّه مريم وهي واقفة تحت الصليب تنظر الى أبنها الوحيد وهو يعاني من تلك الآلام الرهيبة لهو مشهد اخر لأم تتمزق أحشائها في كُلّ مسمار يدق في يدي ورجلي أبنها فقد كانت تحس بنبظات قلب أبنها المحبوب وهو يتألم فكان قلبها ينزف دما لأوجاع ابنها ، هذا المشهد هو قمة تجسد العطاء حتى بذل الذات والتضحية التي لاحدود لها، انها كالنار التي تحرق سهام الموت لتنتصر الحياة ، وهكذا فالذي يحب عليه أن يحمل صليبه ويسير في درب الآلام لينتصر على الموت ، في هذه الأيام أصبحت كلمة "المحبة" مشوّشة ضحلة المعنى بل هناك ، في الكثير من المجتمعات المنحلّة ادبيا ، من  الذين لا يعرفون معنى المحبة الحقيقية ويختلط مفهوم المحبة والشهوة عند الكثيرين من الناس، ولكن عندما يسير الأيمان والرجاء جنبا الى جنب عندها يستطيع الأنسان أن يحب حقيقة لأنّ الأيمان هو أدراك أنّ الله محبة، فكُلّما أقتربنا من المسيح ، نظهر محبة أكثر للآخرين ، فعندما نفقد هذا الأيمان تبرد محبتنا، أمّا الرجاء فهو التركيز على الهدف، وعندما تتشتت الأفكار وتكثر الأهداف يصبح ألأنسان يدور في حلقة  مفرغة ودوّامة لا يستطيع الخروج منها ويفقد الهدف الرئيسي في حياته ألا وهو التركيز على حياته الأبدية  يقول بولس الرسول"فالوصايا التي تقول :لا تزنِ، لا تقتل ، لا تسرق، لا تشتهِ وسواها من الوصايا ، تتلخّص في هذه الوصيّة:"أحب قريبك مثلما تحب نفسك ". فمن أحبَّ قريبه لا يسيءُالى أحد ، فالمحبة هي بتمام العمل بالشريعة"روميا 13:9,10"المحبة هي العمل والممارسة وهي أعظم المواهب(الفضائل) الروحية ، فالمحبة هي أعظم السجايا البشرية ، فهي تعني الخدمة الخالية من الأنانية للآخرين ، ومن الممتع أن علم النفس(المستمد أصلا من الكتاب المقدس ) يؤكّد على أنّ الناس الذين يهتمّون بالآخرين أكثر مما على أنفسهم يندر أن يعانوا من الأحساس بقلة تقدريهم لأنفسهم وهم يشعرون بسعادة وفرح داخلي المحبة هي ثمر الروح القدس ولا يستطيع الأنسان أن يُحب الاّ بالولادة الجديدة (الولادة الروحية) عندها تتغيّر نظرة الأنسان الى الحياة فينظر الى الناس بنظرة المحبة وينظر الى الله نظرة الأبن للآب وليس نظرة العبد الى السيد  فعندما تسيطر علينا قوة الروح القدس  فلا بدَّ أن نثمر ثمار المحبة أمّا في حفظ الناموس فلن نسطيع أن نُحب لانّ هناك قوى خارجية، نتيجة الخطيئة، هي التي تسيطر علينا فنعجز عن حفظ الناموس وبالتالي فالناموس يديننا "غلاطية 5:22(راجع قصة الشاب الغني في انجيل لوقا حيث لم يستطع أن يتبع المسيح لتعلق قلبه بالمال بالرغم من حفظه للناموس ، لكن فشل في اول أمتحان مع السيد المسيح ). فالمحبة هي خلاصة الناموس والشرائع، فهي تسمو فوق القوانين الدينية والمدنية، فعلى المؤمنين أن يذهبوا الى ما هو أبعد من مطاليب العدالة البشرية متى أقتضت المحبة ذلك متمثلين بمحبة الله ، المحبة ليست أحساسا بل أختبارا ، فهي ليست مشاعر وعواطف  بل عزم على عمل الخير للآخرين فيسوع المسيح كان يقول ويفعل (يطبق مايقوله في أعمال الخير )"كان يجول ويفعل خيرا "يصف الرسول بولس المحبة في اروع صورها في رسالته الى مؤمني كورنثس الأولى فيقول: "المحبة تصبر وترفق ، المحبة لا تعرف الحسد ولا التفاخر ولا الكبرياء، المحبة لاتسيء التصرف ، ولا تطلب منفعتها ، ولا تحتدُّ ولا تظنُّنُ السوء . المحبة لا تفرح بالظلم ، بل تفرح بالحق . المحبة تصفح عن كُلِّ شيء ، وتُصدِّق كُلُّ شيء ، وترجو كُلّ شيء، وتصبر على كلِّ شيء ، المحبة لا تزول ابدا"كورنثوس13:4,5,6,7,8"انها أنشودة المحبة التي يستلهم منها الشعراء والعشاق عبر التاريخ ، فهي كلمات نابعة من قلب هذا الرسول الذي أحب المسيح حتى الموت واحب الناس حتى كان يتمنى الموت من أجل خلاصهم ، العالم يخلط بين المحبة والشهوة، ولكن على النقيض من الشهوة ، نجد أن المحبة ، التي هي من الله ، تتجه الى الخارج ، الى الآخرين وليس الى الداخل، الى أنفسنا ، فلا أنانية فيها بالمرة. أما الشهوة فهي الرغبة الشرهة وغير الطبيعية لأي شيء ، وليس الجنس فقط، تجعل العين أقل حساسية، بل وتعمي من نور وجود المسيح"سراج الجسد هو العين . فان كانت عينك سليمة ، كان جسدك كله منيرا ، وان كانت عينك مريضة ، كان جسدك كله مُظلما"لوقا 11:34"هناك أمثلة(عن المحبة) ، ولو ضعيفة ، أمام العلاقة مع يسوع المسيح ، يمكن أن نراها في العلاقات الأنسانية: فمثلا علاقة المحبة بين الرجل والمرأة وعلاقة المحبة بين الوالدين والأولاد وعلاقة المحبة بين الأصدقاء الحميمين هناك تدرُّج للمحبة ، من حب مصلحي الى حب متبادل ، الى أسمى حب هو الحب المطلق وهذا الأخير لايخضع لشروط ولا لحدود فهو حب حتى لللأعداء والخطاة لأنّ الله "محبة" فلا يستطيع الآ أن يحب وهذا ما نراه قد تجسد في شخص يسوع المسيح  أذ هو على الصليب أحب حتى الذين كانوا يصلبونه فقال قولا لايستطيع الأنسان( في طبيعته الخاطئة) أن يقول ما قاله يسوع المسيح الآ من له محبة غير محدودة"يا أبتاه أغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يفعلون"الحب الحقيقي ليس ساكنا ولا ذاتي التمركز ، لكنه يسعى الى الآخرين ويصل اليهم ويجذبهم يوحنا البشير هو يمثل البشرية كُلها لأنّ يسوع المسيح وهو على الصليب سلّم أُمِّه(مريم العذراء) لهذا التلميذ عندما قال لأمّه مريم "هذا هو أبنك "وكانه يقول لنا أنتم أصبحتم أخوتي وأنا لن أدعوكم من الآن عبيدا بل أخوة ترثون ملكوت الآب معي ، وهذا التلميذ هو نفسه من قال على لسان يسوع المسيح "أمّا الذين قبلوه(أي يسوع المسيح) ، المؤمنين باسمه فأعطاهم سُلطانا أن يصيروا أبناء الله "يوحنا 1:12"في أنجيل يوحنا يُقدم يسوع لنا الحياة الأبدية . وكُلنا مدعوون الى أن نبدأ الحياة في علاقة شخصية وابدية معه تبدأ من الآن"و لحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الآله الحق وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسته"يوحنا 17:3ويقول هذا الشاهد (الذي كان  يتكيء على صدر يسوع  وكان يسوع يحبه):"من يكون له الأبن فله الحياة . من لايكون له أبن الله، فلا تكون له الحياة"1يوحنا 5:12" ويقول أيضا"وكُلُّ محب مولود من الله ويعرف الله من لا يحب لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة"يوحنا 4:7,8وقمّة أسفار العهد القديم هو نشيد الأناشيد الذي وصف المحبة بانها قويّة  كالموت"الحبُّ قويّ كالموت .....الحبُّ لا تُطفئهُ المياه الغزيرة ولا تغمره ُ الأنهار"نشيد الأناشيد7:6,7". المحبّة مثل ينبوع يتدفّق ويسوع المسيح هو مصدر هذا الينبوع ونحن نرتوي من هذه المحبة الطاهرة يسوع المسيح يقول جئت لكي أعطي لكم الحياة(اي المحبة). المحبّة أهم من المواهب الروحية ، فالأيمان العظيم والتكلم بالألسنة والقدرة على المعجزات بلا محبة لاتجدي كثيرا. اذ يقول الرسول بولس: "لو تكلَّمتُ بلغات الناس والملائكة ، ولا محبّة عندي ، فما أنا الاّ نُحاسٌ يَطُنُّ أو صنج يرنُّ ولو وهبني الله النبوّة وكنتُ عارفا كلّ سرّ وكل علم ، ولي الأيمان الكامل أنقل به الجبال ، ولا محبة عندي فما أنا بشيء  ....الخ"1كورنثوس 13:1"بهذه الآية الرائعة لخّص بولس الرسول معنى أن يفقد الأنسان المحبة ، أي المحبة لله والمحبة لأخيه الأنسان، فالأنسان يفقد أنسانيّته بفقدان غذاء الروح أي المحبّة ، فالكتاب المقدس  موضوعه  يُلخّص بكلمة واحدة هي"المحبّة" ، فهو يتكلم عن أعظم قصة حبِّ عرفتها البشرية ، بين الله  وبين الأنسان ، حتى وصلت هذه القصة ببذل الآب أبنه من أجل محبوبه"الأنسان"يوحنا 3:16" الله هو"محبّة" وهو مصدر المحبة،  كاالشمس التي هي مصدر النور ، فلا يُمكن أن نعيش بغير محبّة الله لنا، كما لا يستطيع الأنسان أن يعيش دون الماء والغذاء ، ولكن الطعام والماء لا يسدّان الاّ أحتياجاتنا  الجسدية  الفانية ، أما محبة الله لنا فهو غذاء الروح ، فبدون الطعام الروحي سوف نتضور جوعا وعطشا ، كما نتضور جوعا وعطشا اذا لم نحصل على طعامنا اليومي الجسدي ، انّ المحبّة التي تربط الآب بالأبن هي كالشمس التي تتفجر كلِّ لحظة نتيجة الحرارة والنار المشتعلة فيها ولكننا نحن أيضا نحصل من هذا الحب على شكل شعاء منبثق من هذا الأنفجار فنحصل على دفئ وحرارة المحبة في حياتنا، فكما أنّ الكائنات ومنها الأنسان لا يعيش دون نور وحرارة الشمس هكذا نحنُ نصبح أمواتا دون محبة الله لنا . ادم الأوّل أختار الموت وحجب عن نفسه نور الحياة(الله) أمّا ادم الثاني يسوع المسيح  جاء ليجعل في داخلنا نورا(الروح القدس ) يتفجّربنار المحبة ، فمحبة الله لنا هي مصدر كُلِّ محبة بشرية وهي تنتشر كالنار في الهشيم والقش ، وبمحبة الله لأبنائه يشعل جذوة المحبة في قلوبهم وهم بدورهم يحبون الآخرين الذين يستدفئون بحب الله وحنانه من خلال أولاده . الله يرغب في علاقة شخصية لنشاركه قداسته ، الله يريد الأرتباط بنا ، ويسوع المسيح قال للمرأة السامرية " "كُلُّ من يشرب من هذا الماء (ماء البئر ) يعطش ثانية ، أمّا من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش أبدا ، فالماء الذي أعطيه يصيرُ نبعا يَفيض ُ بالحياة الأبديّة "يوحنا 4:13". نعم يسوع المسيح هو نبع الحياة الذي يشبعنا بحبه فيصير فينا نبعا للحياة الأبدية يقول اسحاق النينوي: عندما نكون قد أكتشفنا المحبة ونأكل الخبز السماوي ، ونستلم غذاء بدون عمل أو تعب ، لأنّ الخبز السماوي هو النازل من السماء والواهب الحياة للعالم "يوحنا 6:33"فهذا هو طعام الملائكة "مزمور 78:25" انّ الذي اكتشف المحبة ، هو ذلك الذي يأكل السيد المسيح في كل الأوقات ويصبح خالدا من ذلك الحين فصاعدا. فما أعظم تأثير المحبّة في قصة حياتنا مع الله وما أعظم محبة الله لنا حتّى أنه بذل حياة أبنه يسوع المسيح من أجلنا . الى اللقاء في الجزء الثاني من مقالتنا عن المحبة وشكرا.

172
نافع البرواري

 

               البحث عن الحقيقة - الجزء الثاني

 

انّ يسوع المسيح في كثير من الأحيان يبدأ كلامه بالقول :"الحق الحق أقول لكم" فهو يقول الحق ومن يريد أن يعرف الحق عليه أن ياتي الى المسيح فهو يكشف هذا الحق لكل الناس الذين يبحثون عنه"أشعيا 65:1"بل هو الحقيقة المعلنة ، يقول الرسول بولس عن الله "الذي يريد أن يخلص جميع الناس ويبلغوا الى معرفة الحق"1تيماثاوس 2:4"فالله يحب كل العالم وأرسل أبنه ليعرف العالم طبيعة الله ، من خلال أبنه يسوع المسيح أختصر كل الفلسفات والعقائد والديانات عندما قال "أنا هو الطريق والحق والحياة لا يجيء احدٌ الى الأب الاّ بيَّ"يوحنا 14:32" فيسوع هو الطريق لأنّه هو سبيلنا الى الآب, وهو الحق لأنّ بهِ يتم تحقيق كلّ وعود الله , وهو الحياة لأنهه يربط حياته الألهية بحياتنا الآن وأبديّا ، فهو بهذا القول برهن قولا وفعلا(من خلال مسيرة حياته على الأرض) أنّه مصدر الحق والحياة وهو الطريق (المستقيم) دونه لن يستطيع الأنسان الوصول الى الحقيقة الرب يسوع نفسه هو الحق , فمعرفة يسوع المسيح يعني التحرر , هو الحق الذي يحرّرنا وهو مصدر الحق والمقياس الكامل لما هو حق وصائب , لأنّه انسان كامل واله كامل, هو بهاء مجد الله وصورة جوهره"أفسس1:11" , أنّه يحرّرنا من تبعات الخطيئة ونتائجها , ومن خداع النفس ومن خداع الشيطان ومكره , ويحرّرنا من الخوف من الموت , وهو يرينا بوضوح , الطريق الى الحياة الأبدية مع الله, وهكذا فانّ الرب يسوع لا يعطينا الحرية لنفعل ما نريد ولكنه يعطينا الحرية لنتبع الله . وفي سعينا للحياة مع الله يحرّرنا حق يسوع الكامل لنصير ما أراده الله لنا " وأذا ثبتم في كلامي . صرتم في الحقيقة تلاميذي : تعرفون الحقَّ والحقُّ يحرّركم"يوحنا 8:32".

يسوع المسيح هو الطريق الذي يقود الى الله, فالذي يبحث عن الحقيقة بصدق دون أفكار مُسبقة, فبحثه يقوده الى الأيمان بيسوع المسيح (مصدرالحق) فالتكوين البشري هو مصمم ليقود الأنسان الى الكمال , الى الله . يقول أحد المؤمنين : الأنسان بدون المسيح مثل الأرض بدون نور وماء ، ويقول القديس أوغسطينوس:"يارب أنت خلقتنا ونحن لن نرتاح الآّ بين راحة يديك" وحياة هذا القديس هي خير مثال لمن يبحث عن الحق , فنحن الذين لا نستطيع أن نعرف من الله الآ ما ندركه عبر خلائقه حيث ينعكس كيانه , قد أُعطينا وحياً يكشفُ لنا عن سر هذا الكيان ويُدخلنا في حياة الله.

الحقيقة حُرّة وتزرع بحريّة مزيد من الحريات , فالحقيقة مرتبطة بالحريّة والضمير واتجاه القلب وكل انسان لا يخلو من هذه الخصائل في كيانه , فلن نكون أحرارا اذا لم نعرف الحق لأنّ الحق هو الذي يحرّرنا (من  الداخل) وكذلك لن نستطيع الوصول الى الحقيقة الآ بحريتنا , لأنّ أحد أثمار النعمة هي الحرية أي لا يستطيع دين أو معتقد أن يُكرهني على أعتناقه دون أن يمنحني الحرية للأيمان, فالأنسان لن يكون حرا الا أذا أُحتُرِم حقه بحسب ما يُمليه عليه ضميره , فالشريعة الألهية لا تجبر الأنسان على الطاعة العمياء دون الأرادة الحرّة, كما يؤمن وتدعو بذلك  بعض الديانات والمعتقدات, فحرية البحث عن الحق هي التي تميّز العقل في المسيحية, وحريّة هذا العقل هي حرية الأنسان . المسيحية لاتصادر حرّية الآخرين, المسيحية لاتقيد فكر الآخرين , المسيحيّة لاتمنع الأنسان من حقه في الأختيار وحقه في الرفض, حقه في العقيدة التي يختارها أو الحزب أو المعتقد أو الوطن أو طريقة العبادة أو طريق الحياة لكل أنسان , فنحن لا ندين العالم ، وحده يسوع المسيح هو الديّان, ولكن يجب أن لا نتهاون عن الحق ونحارب بسيف الحق من أجل كشف الحقائق ومحاربة قوات الشر , فالحريّة في المسيحية متاحة للجميع وانّ الأنسان دون الحرية ليس له حقيقة وأنّ المسيحي لا يدافع عن يسوع المسيح أو الكتاب المقدس , بل الرب يسوع المسيح هو الذي يدافع عن نفسه بنفسه ، يقول الأديب والكاتب المشهور نجيب محفوظ الحاصل على جائزة نوبل للآداب :"أنّ تاج الأنسان هو الحرية فأن فقد الحرية فقد انسانيته" ، غاية الشريعة الألهية هي الأرشاد لتجعل الأنسان يعي ضميره العميق, وتساعده على تحقيق ذاته, فعلينا أن لا نحمّل الدين أو المعتقد أو العائلة أو المجتمع مسؤولية أفعالنا والاّ فنحن غير أحرار (أي مستعبدين لغيرنا الذين يفرضون علينا مسبقا ما يعتقدون به دون أن يكون لنا حرية الفكر وتحقيق الذات) ، كل انسان يجب أن يكون له حق التفكير ويعمل بحسب ضميره ويكون له حرية البحث عن الحق واختيار الدين والمعتقد وأن يكون حازما أمام حريّة أعتقاده , فالحريّة مرتبطة بالحق والعدل والآ أصبح الأنسان مستعبدا وفاقدا لحريّته وحقه كأنسان خُلق حرّا فلا يمكن لأي فكر أو معتقد أو دين أن يحتكر الحقيقة ويجعل الآخرين تابعين له ، لايمكن لعقيدة تحترم عقل الأنسان, أن لا تحترم حريّته, فالعقل من دون حرية هو عقل ملغى ومعطل وكرامة الأنسان مهانة الحرية أزاء المطلق هي التي تميز العقل في المسيحية , وحرية هذا العقل هي حرية الأنسان , ان الحرية الحقيقية هي في الأنسان هي علامة مميزة عن صورة الله فيه, لأنّ الله اراد أن يترك الأنسان الى مشورته الخاصة , حتى يتمكن بذاته من أن يبحث عن الحقيقة , هكذا يبلغ الى تمام سعادته لكاملة , فالأنسان مدعو الى كمال انسانيته ولن يحقق ذلك الا أن يكون حُرا, فبقدر ما يحقق حريّته بقدر ما يحقق صورة الله فيه , هكذا أعطى الله الحرية للأنسان , حتى يتمكن بذاته , من البحث عن الله بذاته"فالبحث عن الله في الأيمان المسيحي , هو رائد الحرية الأنسانية الحقة, وبالتالي رائد حرية العقل الحقة, لكن اختلاف المسيحي عن مفهوم الحريّة عن بقية المعتقدات والديانات الأخرى هي أنّ الأنسان محدود قد يسيء رؤيته الى الحرية ويحتاج الى المربي الحكيم (الله )الذي يتولّى تربيته نحو النمو والرقي فيكتسب الحرية (الحقيقية) المسؤولة , فلن يستمد الأنسان(بالمفهوم المسيحي)حريّته الأ من الله (الروح القدس )وبالنسبة اليه وبمشيئته فالمسيحي(الحقيقي) أختصر الطريق للوصول الى الحق بعد أن تعرّف على شخص يسوع المسيح مباشرة , فالمسيحية ليست ديانة وتشريعات, بل هي علاقة حية مع شخص المسيح الذي يقيم بروحه القدوس في قلب المؤمن فتصبح الشريعة (شريعة المحبة) في داخل المؤمن وتتغير حياته الى الأبد لأنّه تحرّر وأصبح أبنا لله, والأبن ليس مثل العبد . صلاح الله وحنوّه على البشر ومحبته  لهم , فأنّه خلق الأنسان على صورته لأجل مجده , وكلّله بقوى عقلية سامية ومواهب سماوية ليميّز بين الخير والشر , الحق والباطل, وجعله أهلا لنوال الحياة الخالدة , أيضا ميز البشر عن الخلائق الأخرى بأن منحه حريّة الأرادة ونفخ فيه من روحه (وهوما يسمى أحيانا الضمير ) الذي هو قبس من روح الله ، والأنسان أعطاه الله الحواس الخمسة فهو يستطيع أن ينظر ليرى جمال ما خلقه الله ليعرف كم الله جميل ويسمع نداء الله من خلال عمق أعماقه(الضمير) ويذوق خبز الحياة كلمة الله الحيّة(ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب) ويلمس حنان الله ومحبته من خلال فداء أبنه من أجله على الصليب(هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل أبنه الوحيد من أجل  خلاص كل من يؤمن به) ويشمُّ رائحة المسيح الطيّبة, ولما سقط الأنسان وتوغّل في الجهل والخطيّة وصار تحت حكم الهلاك, أراد الخالق المحب الرؤوف الجوّاد أن يُخلّصه, فمدّ له يد المعونة , وأعطاه الوحي لهدايته وأرشاده, وقد توّج الوحي الآلهي (كما يخبرنا الكتاب المقدس)بشخص المسيح الذي هو  تمام وقمة أعلانات الله العديدة عبر القرون , حيث يخبرنا الكتاب المقدس أنّ أقوال المسيح وأعماله , تُظهر لنا بأنّ المسيح هو أسمى اعلانات الله للبشر وأوضحها, بل هو الله منظورا, وأقواله هي أقوال الله وكذلك أعماله."راجع رسالة بولس الرسول" العبرانيين1:1,2" لا بل هو مصدر الحق والحياة وقد شهد الله الآب على الأبن عندما تعمذَّ(الأبن)على يد يوحنا المعمذان حيث صادق الآب على الأبن, فمن  لا يصدّق الله فهو يجعله كاذبا وحاشا لله أن يكون كاذبا, ولم يجد الأنسان صورة لله أوضح من أن يتطلع الى يسوع المسيح فهو التجسد الكامل لله الحق , وهو النور الذي يضيء لأنارة العقل وأيقاض الضمير لكي لا يفعل الأنسان أعمالا مناقضة للحق, وأصلاح ألأعتقاد ليكون الأنسان مسؤولا عن أعتقاده أمام الله , وبعد أن قام المسيح من الأموات أرسل للمؤمنين به الروح القدس الذي يرشدهم الى الحق , فمجده يُفيض بالنعمة والحق. "فمتى جاء روح الحق أرشدكم الى الحق كُلّهُ"يوحنا16:3".

يسوع المسيح يرسل الينا روحه الذي يساعدنا من الداخل على أن ننمو , وحثنا على النضج , ويعيد ألينا حرّيتنا المسلوبة , ويرجّعنا الى أنسانيّتنا المشّوهة, وينهضنا , ويدفعنا الى الأنخراط في مغامرة الحريّة الكبرى ، أي الحريّة التي حرّرتنا من الخطية لنفعل البر ونمجد أسم الله "غلاطية 5:15" . لقد غامر يسوع هذه المفامرة بنفسه قبل أن يدعونا اليها , لأنّه تجرّأ أن يُعلن كلمة حق في وجه جميع التسويات والألتباسات , وكلمة  العدل , وكلمة الحرية, وبهذا أصبح القوّة

الثورية الكبرى في التاريخ, لقد دفع حياته ثمنا لذلك . السؤال المطروح هل نحن المؤمنون بيسوع المسيح نتبع معلّمنا وقدوتنا ومخلّصنا يسوع المسيح في الجهاد الروحي من أجل تحقيق العدالة والحق والحرية في هذا العالم المليء بالمتناقضات والذي أغواه الشيطان وقوات الشر الروحية؟ أترك الأجابة للقاريْ المسيحي لأنّ مسؤوليه مقاومة الشيطان بالحقائق الألهية هي من صلب الأيمان المسيحي.

173
البحث عن الحقيقة
الجزء الأول
نافع البرواري
يقول الله على لسان النبي ارميا"قفوا في الطُرق وأنظُروا, وأسألوا عن السبل القديمة, أين الطريق الصالح وسيروا فيه, فتجدوا الراحة لنفوسكم "أرميا 6:16".
هناك طريقين يسلكهما جميع الناس في هذه الحياة, امّا طريق الله المستقيم الذي يوصلنا الى الراحة والسلام أو طريق يختاره الأنسان على هواه, فالله أعطى الحرية للأنسان لكي يختار أما الطريق المؤدي الى الحق والحياة أو سلوك الطريق الذي يقوده الى الموت والهلاك ، انّ الناس في هذه الأيام( كما في أيام المسيح ) مضطربون وفي خضم هذه الحياة الصاخبة وعلى ضوء الأيقاع السريع لهذه الحياة لا يتمتع الأنسان بالوقت للتأمُّل والرجوع الى الذات فهم ضائعون ، أذهانهم متشتتة وليس لهم هدف سوى اللهث وراء الماديات وكل ما هو جسدي لا يُشبع جوعهم الى ما يحتاجوه من غذاء الروح" كلمة الله الحق "فهم اليوم في أمس الحاجة الى معرفة الحقائق الألهية . انّ الناس تميل الى تصديق الأكاذيب التي تعزز أحاسيسهم بالذات, وتدعم عقائدهم الشخصية, وخاصة عصر الهرطقات والبدع والموسيقى والسينما وسائر الوسائل التي تقدّم معظم الأحيان أشياء لاتتفق مع القيّم الصحيحة, فهناك اليوم الكثير من الفلسفات والمزاعم تتعارض مع كلمة الله الحقّة في الكتاب المقدس. وعن هؤلاء الناس يقول الرسول بولس:
"اتخذوا الباطل بدلا من الحق الألهي"روميا 1:25.
عجبني قول أحدهم في أحدى القنواة الفضائية عندما قال:"الأنسان هذا الكائن الذي خلقه الله على صورته فانّه لا يرضى بالمحدود لكنه يحاول دائما النظر الى اللامحدود الى الكمال ويضعه في هدفه النهائي , ولكن يا للأسف هناك الكثيرون يحاولون التركيز على الأشياء والأهداف المحدودة لكي يحصلون عليها فيتعبوا ويسهروا وقد يفقدوا صحّتهم وسنوات شبابهم للوصول الى تلك الأهداف ولكن ما أن يحققوا هدف حتى يفكرون بهدف اخر وينتهي عمرهم دون أن يشبعوا أو يكتفوا أو يستقروا أو يسعدوا في حياتهم على هذه الأرض فتراهم كمن يجري وراء السراب فسرعان ما يصابون بالأحباط والمرارة والكآبة وأحيانا الأنتحار.
انّ السبب الحقيقي لذلك كُله لا يعرفه الا الذين ينظرون الى الهدف الأسمى وكرّسوا حياتهم لتحقيقه وهو السعي الى ما هو وراء هذه الحياة القصيرة الى الهدف الحقيقي ألا وهو التطلع الى خالق هذا الكون وهذه الحياة, الذي يغمرنا بمحبته اللامحدودة والفائقة الأدراك, وهؤلاء الناس هم اسعد الناس فتراهم يعيشون في فرح وسعادة وسكينة وراحة البال لأنهم حصلوا على أغلى وأثمن كنز , انّه كنز"الحقيقة والحياة"يسوع المسيح , وهو القائل "حيثما يكون كنزك هناك يكون قلبك".
يقول أحد متسلقي الجبال المشهورين (والذي حصل على عدة جوائز والقاب نتيجة تسلقه لأعالي قمم الجبال التي لم تطأها قدم أنسان قبله):"أنّني أُخطط وأتدرّب وأفكر وأُجازف في كل خطوة أقوم بها قبل وأثناء تسلّقي الجبل من أجل الوصول الى الهدف ألا وهو الوصول الى قمة الجبل , وأثناء وصولي الى القمة أشعر بالسعادة والفرح تغمرانني لأنّي حقّقت هدفي هذا .....ولكن سرعان ما ينتابني شعور من الحزن والكآبة والملل لأني حققت هذا الهدف والآن ليس لي هدف اخر, اذن ماذا بعد هذا؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يطرحه كل انسان يعيش على هامش هذه الحياة ومصير الأنسان يتوقف على الأجابة, فهل يكون هدفه مجرّد تحقيق أهداف في هذه الحياة القصيرة أم ينقصه الهدف الحقيقي للحياة وهذا الهدف هو السعي للوصول الى الحقيقة ، وعندما يصل الى الحقيقة فهو يتحرر من كُل ما يقيّده ويستعبده من ألأهداف الزائلة والسعادة الزائفة والشهرة الخدّاعة ، انّ ألعقل بحاجة الى الحقيقة وحاجة الأرادة الى الخير وجميع الناس يصبون الى السعادة ويتوقون اليها, حاجة الى شيء غير متناه وهذا الشعور زرعه فينا كائن غير متناه هو الله الخالق, فالبحث عن الحقيقة ضرورة كالخبز والماء ولا يجدها الأنسان الآ بعلاقة مباشرة مع الله, وكل دين أو معتقد لا يلبي هذه الحاجة في الأنسان ولا يقبل بحرية الأعتقاد والبحث عن الحقيقة هو دين يخالف ما يريده الله من البشرية ، يظنُّ بعظ الناس أنّ كُلّ الديانات, على حد سواء, طرق صالحة توصل الى الله, ولكن ليس هذا ما يقوله الله,فقد أعدّ طريقا واحدا, هو الرب يسوع المسيح "يوحنا 14:6". ليس ثمّة شخص اخر أو طريق اخر أو طقوس وفرائض يمكن أن تهب حياة أبدية, فليس غير طريق واحد لنكون مع الله في الأبدية ذلك بالأيمان بيسوع المسيح ربا ومُخلصا ,هو القوّة التي يربط الخليقة معا, هو الأبدي الأزلي الكائن على الدوام وخالق الكون كُله, وكُلُّ من لا يؤمن بهذا فقد ظلّ الحق"يوحنا 1:1". جاء المسيح ليقول للعالم انّه هو نفسه الطريق والحق والحياة ويمنح الأنسان السلام الذي يفوق الوصف ويمنحه الفرح والسعادة في الحياة مهما كانت الضروف حوله . أنّ المسيحية ليست مجموعة من الحقائق المهمّة, لكنها قوّة الله للخلاص التي يؤكدها حق الأنجيل , فحياة المؤمنين هي شهادة حيّة انّ ما يقوله الأنجيل هو حق , فالروح القدس يؤكّد لهم حق الأنجيل, لأنّ قوة الروح القدس تغيّر الأنسان وتنقله من الظلام الى نور المسيح ، يقول أحد الذين التقوا بالمسيح (بعد جهد جهيد وصراع مرير وصعوبات هائلة واجهته في هذا البحث الطويل تطلبت تضحيات كبيرة منها أنه خسر أهله وأحبائه واصدقائه وحتى وطنه):
"بحثتُ عن الحقيقة ثم وجدتها بعد جهود ومثابرة, فوجدت الهي الحقيقي الذي غيّر قلبي لأحب الآخرين وأُصالح ذاتي ويصالحني مع الاخرين الأحباء منهم والأعداء فهو مخلّصي والهي وتاج راسي وعزّي وسيّدي وقضيّتي ونضالي ... هو يسوع المسيح" ، أنّنا يجب أن نعرف الحق حتى يُمكننا الدفاع عنه, والذين يتبعون المسيح من المؤمنين عرفوا الحق وهذا الحق حرّرهم لأن أقوال المسيح كانت مثل السيف الذي يفصل الحق عن الباطل فيستطيع الأنسان عندما يبحث عن الحق أن يعرف أن يميّز بين ماهو حق وما هو باطل, ما هو من الله وما هو من الشيطان أما في العالم فهناك التباس وتداخل بين الحق والباطل وهذا ما يفعله الشيطان عندما يلبس قناع الحق ولكنه في حقيقته باطل وكذّاب وقاتل "عبرانيين 4:12" ، يسوع المسيح يُعلن لنا الحق, ثم يحيا فينا بالروح القدس أذ نستجيب لذلك الحق, فهو جاء ليخبرنا بالحقيقة وليس بأنصاف الحقائق"الكلام الذي كلمتًكم به هو روح وحياة"يوحنا 6:36".
هناك على الدوام أُناس يحوّرون حق الأنجيل, امّا لأنهم لا يفهمون الكتاب المقدس, أو لأنّهم لايستريحون للحق كما يُعلنه, فاذا كان تعليمهم لايتفق مع الحق المعلن في كلمة الله, فهو اذن تعليم غير صحيح بالنسبة لهم"غلاطية 1:7" ، ويطلب الرسول بطرس منا أن نستتخدم حق الله في الكلمة لمحاربة المعلمين الكذبة , فمقياس الحق هو أن نختبر كلِّ الرسائل على ضوء الكتاب المقدس "2بطرس 1:19"فكل ما لايوافق "أنجيل المحبة"يجب أن نستغنى عنه, بل أنّ قراءة الكتاب المقدس ودراسته دون علاقة شخصية مع يسوع المسيح هو كمن يبني بيت على الرمل . فيسوع المسيح هو معيار ومقياس الحق وعلى ضوء هذه الحقيقة يجب أن تُقاس كُلّ الأقوال والمبادئ والقوانين والشرائع السماوية فعلى الأنسان الباحث عن الحق أن يمتحن أقوال الآخرين بأقوال كلمة الله في الكتاب المقدس فقد يقولون أشياء صحيحة ولكنهم يقودون الأنسان الى الأتجاه الخاطئ وقد يقولون ما لا يفعلونه في حياتهم الخاصة فالكتاب المقدس يخبرنا أنّ الحكيم هو من يمتحن أفكارهم بدقّة على ضوء كلمة الله"تثنية13:1".
بهذه الحقيقة يصبح المؤمن قادرا على تقييم كُلِّ التعاليم الأخرى في ضوء الحق الأساسي المختص بالرب يسوع المسيح الذي هو الحقيقة المُعلنة فهو وحده له السلطة المطلقة على الحياة والموت والشيطان وهو الوحيد من بين كل الأنبياء الذي يغفر الخطايا وهو وحده الذي يعيننا على رؤية الحياة في وجهة نظر ابدية , فهو الوحيد الذي يضمن لنا الحياة الأبدية لأنّه غلب الموت بالقيامة وأعطانا الحياة الجديدة وهو وحده الذي أعطى القيمة الحقيقية للأنسان وكيف أنّ الله أحبّه حتى مات ابنه من أجل هذا الأنسان ليخلّصه من حكم الموت والخطية والشيطان "تيموثاوس 6:3".
قرأت كتاب لأحد الكتاب المؤمنين كان عنوانه "بحثت فوجدتُ"وكان يقصد في بحثه عن الله(الحق) وهو كتاب يردُّ على كاتب ملحد ، الّف كتاب بعنوان"بحثتُ فلم أجد". يعلّق الكاتب المؤمن, بعد قرائته لكتاب الملحد فيقول:انَّ صاحبي الذي يقول أنّه بحث عن الله(الحق) فلم يجده فهو كمن يغطس في نهر ويخرج منه فيقول لم احّس بوجود الماء أو كمن يتنفس الهواء ويقول لا وجود للهواء لأني لا أراه"، هناك ناس وضعوا عُصّابة على عيونهم وقسّوا قلوبهم وسدّوا اذانهم لكي لايروا نور الحق أو يسمعوا قول الحق. كما قال عنهم الرب يسوع المسيح "متي 13:14" . انهم يعرفون وجود الله ولكنهم لايفهمون حق الله لأنهم غير مستعدين له , فعندما نتحدّث مع هؤلاء الناس عن الله الحق فهم لن يفهمونه لأنهم غير مستعدين له وهؤلاء ما أكثرهم, (والكتاب المقدس يعطينا فرعون كمثال على قساوة القلب بالرغم من المعجزات والضربات لشعب مصر ومع ذلك لم يتب ولم يقبل فرعون الأعتراف بالحقائق الألهية راجع سفر الخروج) وهكذا عمل المسيح الكثير من المعجزات مع اليهود وأثبت للعالم كُله بقيامته من بين الأموات ومع ذلك لا زال الملايين لايؤمنون به ، يقول يسوع المسيح لتلاميذه انّ العالم لايقدر أن يقبل روح الحق(أي الروح القدس )لأنّه لايراه ولا يعرفه "يوحنا 14:15,16,17" ، بينما يقول الرب يسوع لتلاميذه أن الروح القدس الذي سيرسله هو يرشدهم على الحق. "يوحنا 16:12,13"، هناك من الناس تُفصّل الحق على مقياسها, أي أن يكون الحق يلائم مزاجهم الشخصي ، وهناك ناس يُسيئون فهم الحق لأنهم لا يدركون الأبعاد الحقيقية لرسالة المسيح "متى 20:16-18".
وهناك ناس يبطئون في فهم الحق ويحتاجون الى فترة قد تطول, فهم يصلون الى معرفة الحق بالتدريج "متى 17:22,23" ، وهناك من يعترف بالحق ولكن لا يعمل به (مثل بيلاطس الذي حاكم المسيح وهو يعرف ببرائته كما سنشرح ذلك أدناه) ، هناك ناس يواجهون الحق ويهربون منه رافضين سماع صوت الحق, فقد طرد رؤساء اليهود الرسولين بولس وبرنابا"أعمال 13:15"، هناك من يسمع بالحق ولكنه ينسى الحق " راجع مثل الزارع "متى 13:10,11"، فالمثل يقارن بين شيئ مألوف واخر غير مألوف , فهو يساعدنا على فهم الحق الروحي باستخدام أشياء مألوفة ,فالمثل يضطر السامع لأكتشاف الحق , وفي نفس الوقت يُخفي الحق عن الكسالى المعاندين الذين لا يريدون معرفة الحق , أمّا الذين يبحثون عنه فأن الحق يصبح جليّا أمامهم .
فعندما كان الرب يسوع المسيح يتكلّم بأمثال لم يكن يخفي الحق عمّن يطلبونه بأخلاص, فالذين تقبّلوا الحق الروحي, فهموا هذه التشبيهات, وخاصة كان يسوع المسيح يستشهد من الطبيعة لأيصال الحق وتقديم الطعام الروحي للمحتاجين اليه, حتى للمزارعين البسطاء, أما للآخرين فلم تكن هذه الأمثال سوى قصص بلا معنى ولهذا أجاب يسوع المسيح تلاميذه عندما سألوه "لماذا تخاطبهم(أي الناس )بأمثال؟" فكان جوابه مدهشا حتى لتلاميذه وهو يدهشنا حتى نحن المؤمنين اليوم ونقف متأملين في سر هذا الأعلان العجيب عن ملكوت الله للمؤمنين به عندما يقول:"أنتُم اُعطيتُم أن تعرفوا أسرار ملكوت السّماوات, وأمّا هم فما أَعطوا"متى13:10 ، وهناك ناس لا أباليين حياتهم هي أكل وشرب ونوم وكما قال أحد الشعراء"اليوم خمر وغدا أمرٌ"هؤلاء الناس مساكين يصح عليهم قول الرسول بولس"هؤلاء عاقبتهم الهلاك , والههم بطنهم , ومجدهم عارهم , وهمّهم أمور الدنيا "فيلبي 3:19" ، هناك ناس يُخفون الحق المختص بيسوع المسيح الذي هو مصدر الحق , والمثال على ذلك رؤساء وقادة اليهود , فهم رفضوا مجرّد التفكير في أنّ كلمات يسوع المسيح قد تكون هي الحقيقة"متى 26:65,66"، واليوم أيضا هناك من يتّهم المسيحيين بأنّهم يجدّفوا عندما يقولوا أنّ يسوع المسيح هو أبن الله الحق, دون أن يُفكّروا أو يبحثوا عن هذه الحقيقة , لأنّ الحقائق الدامغة تعرّي تفكيرهم وأنانيّتهم ويقول الرسول بولس عن هؤلاء الناس :"يحجبون الحق بالأثم وهم لا عذر لهم"روميا 1:18"، وهناك ناس يقولون انهم يملكون الحقيقة وتقوقعوا داخل نظامهم الديني ورفضوا ويرفضون أن يغيّروا ما يؤمنون به وأصبح الدين حجر عثرة لمعرفة الحقيقة والألتقاء بيسوع المسيح الذي يغيّر الأنسان ويحرّره , فهم لا يقبلون ما يخالف أعتقادهم بل يفرضون أعتقادهم هذا على الاخرين بالأكراه والترهيب وهذا ما يخبرنا عنه سفر أعمال الرسل عن اليهود الذين كانوا يظطهدون المسيحيين وهكذا العالم الوثني ممثلا بالأمبراطورية الرومانية , ولا زال هذا الأضطهاد مستمرا الى يومنا هذا للذين يبشّرون بيسوع المسيح المخلص .
هناك من الناس ظلوا الحق وهم مشتاقين الى من يرشدهم ويقودهم الى طريق الحق وهم لهم أشتياق ورغبة وفراغ روحي ، لن يملأه الآ الله الحق لأنه مصدر الحياة . وعلى المؤمنين واجب أن يجذبوا هؤلاء الناس الى المسيح"روميا 10:18,19,20" ، هناك ناس يشكّون في حقيقة المسيح ولكن هذا الشك قد يقودهم الى أعادة التفكير كما فعل أحد الملحدين الذي أراد الطعن بحقيقة يسوع المسيح وبحث في مكتبات العالم الرئيسية لدحض المسيحية ودفن الحقيقة , ولكنه وبعد سنتين من بحوثه ودراساته سجد أمام الرب يسوع المسيح وقال قول توما "الشكاك" :"ربي والهي" وأصبح هذا الأنسان من اشهر الوعاظ في العالم المسيحي, فالشك هو أذكاء العقل لا تغييره , فبالشك يمكن أن نطرح اسئلة والبحث للحصول على الأجابة لأتخاذ القرار السليم ، كذلك الكثيرين من المجرمين والأرهابيين والخطاة بحثوا فوجدوا الحق والحق حرّرهم ، لكن هناك ناس تسمع لنداء الحق فيبحثون عن الحق "متى 2:1,2"فقد قطع المجوس الاف الأميال ليشاهدوا الطفل يسوع المسيح , وعندما رأؤوه فرحوا وقدموا له الهدايا , لقد وصلتهم رسالة خاصة من الله قادتهم الى المسيح أو قد قرأوا النبوات في الكتاب المقدس عن مجيء المسيح المخلص. وسفر أعمال الرسل يخبرنا أنّ كيرنيليوس مثالا يُظهر "أنّ الله يكافئ الذين يسعون اليه " "عبرانيين 11:6"فالخبر السار متاح لجميع الناس , فالمسيح جاء لكل العالم لأنّه أحب العالم كُله فهنيئا لكل انسان يبحث عن الحق فتنفتح عيونه, فيبصر نور يسوع المسيح, واذانه فيسمع كلمة الحق ويعمل بها فيسوع المسيح يكافي الذين يسعون اليه(أي يبحثون عن الحق)"عبرانيين 11:6" ويمنحُهم الحقَّ في أن يصيروا أبناء الله"يوحنا 1:12,13 ويعطي للذين يبحثون عن الحق "روح الحق ليرشدهم الى الحق كُلَّهُ"يوحنا 16:12,13" والحق يحررهم من سلطة الخطيئة والموت والشيطان "يوحنا 8:31".
الى اللقاء في الجزء الثاني وشكراً .

صفحات: [1]