عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عصام الياسري

صفحات: [1]
1

نص الرسالة المترجمة عن اللغة الالمانية والمرسلة انفرادا بشكل شخصي مباشر لكل من الجهات التالية:

-   المستشارة الالمانية انجليكا مركل
-   وزير الخارجية الالماني هايكو ماس
-   رئيس البرلمان الالماني فولفكانك شويبلر
-   أمين عام الامم المتحدة آنتونيو كوتيرس
-   رئيس البرلمان الأوروبي دافيد ماريا زازولي
-   ممثل الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمنية السيدة فريدريكا موكريني
-   المفوضية الدولية لحقوق الانسان
-   مكتب الاتصال النسائي التابع للأمم المتحدة
-   العفو الدولية

السيدات والسادة
منذ 1 أكتوبر 2019 ، تظاهر مئات الآلاف من العراقيين ضد الحكومة الحالية في العاصمة بغداد ومدن أخرى في البلاد. لتحسين ظروف معيشتهم.
قُتل بوحشية لحد الآن أكثر من 370 متظاهراً، بمن فيهم نساء واطفال، وجُرح أكثر من 16000 شخص اصبح الكثير منهم معوقين، واحتُجز أو اختُطف مئات آخرون، ولا يُعرف مكان وجودهم.
نحن في منتدى بغداد للثقافة والفنون، ومقره برلين، نشعر بقلق عميق إزاء وحشية الشرطة المحلية والجيش والميليشيات المسلحة ومتخصصون أمنيون إيرانيون بقيادة الجنرال قاسم سليماني بحق مواطنين غير مسلحين في العراق. ندين استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين المسالمين الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير على النحو المنصوص عليه في الدستور العراقي. إنهم يطالبون بتحسين ظروفهم المعيشية والإصلاحات والقضاء على الفساد المالي والاداري والمحسوبية. اذ يعتبر العراق دولياً دولة فاشلة، فهو يحتل المرتبة الرابعة على مستوى الفساد في العالم.
وعلى الرغم من مرور أكثر من 16 عامًا على الغزو الأمريكي للبلاد وتدميرها، لازالت الخدمات الحيوية مثل الكهرباء والمياه النقية والرعاية الصحية غير متوفرة لمعظم قطاعات السكان. بالإضافة إلى معاناة  السكان من ارتفاع معدلات البطالة. فأصبح أكثر من %50 من الشباب عاطلون عن العمل، ونسبة العاطلين بين النساء، تزيد عن %80 ناهيك عن عدم توفر الرعاية العامة للامومة والطفولة.
نناشدكم العمل للدفاع عن المتظاهرين في العراق واتخاذ الاجراءات الكفيلة لحمايتهم، ومطالبة الحكومة العراقية للكف عن الممارسات غير القانونية واحترام مباديء حرية التعبير، والإفراج عن المعتقلين الأبرياء، والمطالبة بمعاقبة المسؤولين الذين تسببوا بقتل المئات وجرح الالآف من المتظاهرين الابرياء، تمشياً مع مبادئ منظمة الأمم المتحدة. كما ندعوكم المطالبة بتشكيل لجنة دولية تحت إشراف الأمم المتحدة للتحقيق في الأحداث وتوضيح مصير الأشخاص المعتقلين والمختطفين.
نشكركم لاهتمامكم ودعمكم
وتقبلوا فائق الشكر
عصام الياسري
رئيس منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين

برلين 24 نوفمبر 2019

2
تضامنوا مع الشعب العراقي في إنتفاضته الكبرى

أنتفض الشعب العراقي مرة أخرى، بعد الإنتفاضات التي حدثت في الأعوام 2011 و2014 و2015 و2018، وعمت المظاهرات كل من بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، مطالباً الفئات الحاكمة بتحسين ظروفه المعيشية وتوفير فرص العمل له. فبعد مرور 16 عاماً على الغزو الأمريكي وسقوط النظام الدكتاتوري السابق، لم يحدث على كافة المستويات اي تغيير أو اصلاح، بل على العكس، فعلى سبيل المثال أصبحت المياه الصالحة للشرب غير متوفرة لقطاعات واسعة من أبناء الشعب. اما الخدمات الصحية فتكاد تكون معدومة. في نفس الوقت تفشت البطالة بشكل رهيب وبالأخص بين الشباب، فصار أكثر من 50% من الشباب عاطلاً عن العمل. أما البطالة بين النساء فتزيد عن 85% . هذا في بلد ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل من النفط يومياً وتصل عائداته الى 100 مليار دولار سنوياً. في الوقت ذاته يزداد ثراء الفئة الحاكمة بشكل لا مثيل له في العالم، نتيجة تفشي الفساد الإداري وسرقة المال العام بشكل علني ومنظم.
والملفت للنظر ان هناك فارقاً بين هذه الإنتفاضة وغيرها من الإنتفاضات السابقة من ناحية شكل الحراك، الذي اتسم بالاستقلالية، والاعداد الهائلة للمشاركين والمشاركات، وحالة رفض المتظاهرين للأحزاب المشاركة بالعملية السياسية واصرارهم بأي ثمن على تحقيق مطالبهم الاجتماعية والسياسية بما فيه التغيير الجذري للنظام السياسي في العراق.
وبدلاً من أن تستجيب الفئات الحاكمة الى المطالب المحقة للمتظاهرين، وجهت الرصاص عليهم، حيث سقط منذ إنطلاق المظاهرات السلمية في مطلع شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019 أكثر من 300 شهيد   وآلاف الجرحى. فيما تم اختطاف المئات من المواطنين من بينهم نساء. وجرى إعتقال الآلاف دون أي مصوغ قانوني، ولا يعرف مصير الغالبية منهم لحد الآن.
لقد أدت التصرفات غير المسؤولة للحكومة الى رفع سقف مطالب الجماهير، وأصبحت لا تكتفي ببعض الإصلاحات الترقيعية، إنما صار مطلبها الآني إلغاء النظام الطائفي بالكامل واحلال مبدأ المواطنة محله في دولة ديمقراطية مدنية دون وصاية أجنبية، أي كان شكلها. واشتد اصرار الجماهير برفع شعارات ذات دلالات موضوعية أهمها شعار اسقاط الحكومة وصياغة دستور جديد واستبدال كافة اللجان والهيئات غير الفاعلة كالهيئة العليا للانتخابات ولجنة النزاهة. وبهذا تحولت المظاهرات المطلبية الى ثورة تحررية.
إن رد فعل الفئات الحاكمة لمواجهة المتظاهرين بالقوة المفرطة لم يكن غير متوقع، فالنظام الطائفي القائم على اساس المحاصصة السياسية ـ التوافقية، الذي أقره الحاكم الأمريكي بريمر أساساً للحكم، هو صمام الامان لبقائها في السلطة والاستئثار بالغنائم والامتيازات. ومما يثير الريبة والقلق لدى المجتمع العراقي، ارتباط قسم كبير من الفئات الحاكمة بإيران أو بالولايات المتحدة الأمريكية. واستغلالها الحرب ضد تنظيم داعش التكفيري لاجل تكوين مليشيات مسلحة مرتبطة بها أو بإيران مباشرة، والتي تدين للمرشد الأعلى الإيراني خامنئي بالولاء وليس للدولة العراقية. وباتت دماء الضحايا في ساحات التظاهر تكشف الدور الحقيقي للتدخل الإيراني في شؤون بلد ذو سيادة. فتصريحات خامنئي الاخيرة بان إنتفاضة الشعب العراقي هي "مؤامرة أمريكية إسرائيلية"، وما نتج عن إجتماعات قاسم سليماني مع أصحاب القرار ومسؤولي المؤسسات الامنية في بغداد خلال المظاهرات ومنعه كما ذكرت وسائل الإعلام، عادل عبد المهدي من الإستقالة، الا دليل واضح على تأثير ايران على القرار السياسي العراقي. الامر الذي جعل المتظاهرين يعبرون عن غضبهم للتدخل السافر في شؤون بلدهم والقيام بمحاصرة القنصلية الإيرانية في كربلاء ومحاولة الزحف على السفارة الإيرانية في بغداد. 
ومن أجل التستر على الأسباب الحقيقية للإنتفاضة لجأت السلطة الحاكمة في العراق وعرابتها إيران الى إستخدام نظرية المؤامرة وإتهمتها بالتبعية، وكأن الملايين التي تخرج الى الشوارع تنصاع الى تعليمات قوى أجنبية، وإنها عبارة عن قطيع مغسول الدماغ فاقد الإرادة، في حين انها، اي الجماهير، قد اعطت مثلا رائعا في كيفية ادارة الحراك بوعي يعبر عن نضج سياسي وفكري غير مسبوق عما يجري على الساحة العراقية. وإستطاعت أن تطرح برنامجاً للتغيير الجذري وأن تفوت الفرصة على من أراد ركوب الموجة من داخل النظام. كما ان موقفها الثابت قد جعل المرجعية الشيعية ان تكون اكثر جرأة للتعبير عن رفضها التدخل الاجنبي بالشأن العراقي، ومن ناحية اخرى تمكنت من تحييد بعض الأطراف من داخل النظام.. كما ان الشعب العراقي يدرك تماما الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في تنصيب الفئة الحاكمة في العراق وكتابة الدستور وتأسيس نظام طائفي. لهذا فهو يرفض أي تدخل أجنبي من اي جهة كانت.
لقد فضحت التظاهرات الاخيرة من موقع الحدث كل اشكال الخداع والمراوغة التي تمارسها الفئات الحاكمة بشكل ممنهج ومكشوف بالدليل القاطع. مما تبيّن ان الحراك على تعدد مظاهره قد خلق حالة من الوعي الجديد لدى المجتمع لا يمكن للفئات المتسلطة التغلب عليها بإستعمال القوة أو ورقة الطائفية وشق وحدة الصف الوطني للشعب العراقي.
إننا في الوقت الذي نعلن فيه عن شجبنا واستنكارنا للعنف المفرط، الذي تمارسه قوى الأمن والمليشيات المسلحة ضد المتظاهرين، ونطالب بمحاسبة من تلطخت أيديهم بدماء المتظاهرين وتقديمهم الى القضاء لينالوا العقاب القانوني، نؤكد بأن حق التظاهر حق مشروع. وندعم، كما كان موقفنا دائماُ، مطالب المنتفضين في التغيير الجذري لنظام الحكم وصياغة دستور جديد يعتمد مبدأ المواطنة وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والقومية وإلغاء الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة ووضع اللبنة الأساس لبناء عراق ديمقراطي ومجتمع مدني يسوده العدل ويضمن حقوق المواطنين وأمن البلاد.

نحو عراق جديد – ألمانيا
الثامن من تشرين الثاني 2019
 


3
في حراكهم .. الشباب وقمع الدولة المضاد؟

عصام الياسري

 
بعد الاحداث المؤسفة التي رافقت مظاهرات مطلع شهر تشرين الاول 2019 احتجاجا على الاوضاع السياسية والاقتصادية التي يشهدها العراق منذ عقد ونصف، وراح ضحيتها عشرات الشهداء والاف الجرحى على نحو مروع، يتكرر المشهد من جديد في المظاهرات التي عادت في 25 اكتوبرـ تشرين أول 2019 للشوارع في العديد من المحافظات لعدم ايفاء السلطة بوعودها الاصلاحية بشكل حازم على الصعيدين الحكومي والمؤسساتي وبطريقة تتناسب مع اولويات تحقيق المطالب العاجلة. بدلا عن ذلك قامت بإجراءات ترقيعية لا صلة لها بتدهور الاوضاع الاقتصادية والسياسية والمجتمعية وهدر الاموال وتفشي الفساد المالي والاداري الذي ينخر مؤسسات الدولة. أيضاً جحود الحكومات المتعاقبة وتسلط أحزابها على مدى أكثر من ستة عشر عاما على مقدرات الدولة والاستهتار بالمجتمع.

من جديد خرج الشباب للتظاهر سلميا في العديد من المدن العراقية للتعبير عن رأيهم ضد نظام حكم طائفي، لا يخدم ولا يقبل اي اصلاح في التركيبة البنيوية لمؤسسات الدولة والدستور، أو لملمة الاوضاع وتأسيس عقد اجتماعي ـ سياسي جديد، معاكس لما هو قائم ومضاد لطبيعته العقائدية والاثنية سيئة الصيت. بمعنى تغيير جاد لطبيعة نظام الحكم الذي لم يحقق طموحات المواطن والمجتمع وينهي الفوضى السياسية. أو أن يضع حدا للميليشيات المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة واخراج الميليشيات والقوى الامنية الايرانية والجيوش الامريكية من أرض العراق. ألا أن قوات الشرطة وعناصر الامن ومكافحة الشغب، وفي أماكن مختلفة، قامت وبأمر من جهات متعددة مسؤولة عليا كما تشير التقارير، بتوجيه السلاح على المتظاهرين العزل مما ادى الى سقوط أكثر من 112 شهيد وجرح اكثرمن 2700 متظاهر منذ 25 اكتوبر بمن فيهم بعض الصحفيين بالاضافة الى عمليات الخطف والاعتقال. ولا نعتقد أنه من الممكن تقييد هذه الممارسات الاجرامية أو التخلي عن مظاهرها مستقبلا ما لم يتم محاسبة المسؤولين عنها وكشف المتسترين عليهم.     
 
لقد عمد قادة الاحزاب، الشيعية والسنية والكردية، منذ استيلائهم على السلطة بطريقة تشوبها الكثير من العيوب القانونية في ظل دستور غير شرعي وضعته أيادي غير عراقية دون استفتاء شعبي عام. الى التظليل واشاعة الفوضى السياسية الخلاقة بشكل منظم جعلت المواطن لان يكون لفترة طويلة مضطرا للقبول بالامر الواقع. وأصبح اقرب لان يوصف بعبد لا سيد نفسه. يحق له ان يقرر مصيره أو يرفض حكماً مستبدأ سلبه مستقبله وقيم الحياة بطريقة تتعارض مع المفاهيم الانسانية والاخلاقية. بل تميز الوضع مع الزمن وفقا لنظرية "التوازن الفعال" التي يتعكز عليها اصحاب السلطة بثلاث اشكال سلبية خطيرة "الطغيان وحكم الاقلية والطائفية".
 
وبات واضحا بأن الفوضى السياسية في العراق هي نتيجة ممارسات متأصلة في عقول طغمة مافيوية فاسدة لا تفهم في السياسة شيئا، وصلت الى دفة الحكم في لحظة لم تتوقعها، وان الاحزاب التي تنتمي اليها ما هي الا شركات عصبوية. بيد أن النظام الطائفي الذي ولد من رحم العملية السياسية الفاشلة، لم يأت لحد اللحظة بمجلس نيابي "برلمان"، يشهد له بالنزاهة والاخلاص والمهنية والروح الوطنية. بل يخضع لارادة طغمة همها الاستئثار بالمقعد النيابي بأي ثمن لتستطيع ممارسة الاحتيال المنظم واستباحة القانون واتهام اي حراك للاصلاح وتشويه سمعة الخصم السياسي حينما يتعلق الامر بالعدالة وحكم القانون وحقوق الانسان بشكل رسمي طالما يتعارص مع مباديء النزاهة واداء القسم.

في فلسفة السياسة لا يهم بأي يد تكون السلطة ما دام الوصول للحكم بطريقة شرعية وفق قانون انتخاب عصري ودستور حضاري يضمن حقوق المواطنين ويلامس مصالح البلد العليا. إنما يجب أن تتضاءل القوة المفرطة بحق المواطنين في أي ناحية وتحت اي ظرف كان.. ان ما حدث خلال أيام التظاهرات من قتل وصدامات دامية راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى لم تهز ضمائر المسؤولين في ادارة الدولة والتحري عن من قام بممارستها طوعا، لا بل تركوا انطباعاً وكأنهم سعداء لسيل الدماء.

في ظل وضع سياسي معقد كالذي يمر به العراق منذ اكثر من ستة عشر عاما حيث لم يحصل المواطن على أبسط حقوقه. فيما يخرج المتظاهرون للشوارع احتجاجا على سوء الاوضاع وإنعدام العدل وغياب دولة المواطنة والسلم الاهلي وحرية التعبير، دون جدوى. لا اعتقد ان هناك سبيلا امام المتظاهرين لتجنب استمرار الثورة، الوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق من يد طغمة فاسدة. وعليهم أن يواجهوا ولا يرتعشوا أمام خطر سكين الجَراح، كما وعليهم ان يدركوا بأن لا عبد المهدي ولا غيره مَن كان في السلطة قادر على الاصلاح او التغيير لانهم جميعا متورطون بالفساد ويتبادلون الابتزاز لاجل مصالحهم المصيرية. ولا يفوتنا كيفية فهم الواقع السياسي الذي تبني عليه بعض القوى مواقفها الطائفية عندما تصف التظاهر: بأنه مشاكل داخل البيت الشيعي وتصفية حسابات لا مصلحة للسنة فيها و " احنا ما عدنا شغل بيهم" كما يقول النجيفي!!.

ان كسر حاجز الخوف ومواجهة نمط حكم غير تقليدي وعقد سياسي سيء في بلد تحكمه رؤوس خاوية لا يهمها الا مصالحها. ومجلس نواب ليس لديه القدرة لان يكون اساساً لبناء الدولة وحل مشاكلها وليس اعادة انتاجها بإستمرار. يفترض ان تكون المرحلة القادمة للمظاهرات مرحلة حاسمة من شأنها ايجاد قيادات فيها من الخبراء والمستشارين الضليعين في علم السياسة والاقتصاد والقانون لتنير الطريق الذي يجب ان تعمل به قوى الحراك لتحقيق أهدافها. واذا كان موعد وأسباب التظاهر في العراق ولبنان مشتركة، لكن اختلاف في التعبير والتداعيات. ينبغي على المتظاهرين العراقيين الشباب تحديد مطالبهم وضبط ايقاعها على نحو مسؤول.

ان اولى المهام التي على المتظاهرين القيام بها: مركزية المطاليب وتوحيدها، أيضا إيجاد آلية إيصالها لاصحاب القرار ووسائل الاعلام عبر ممثلي التنسيقيات في عموم البلاد.. ان ثمة مطاليب آنية ليس من المقبول ترقيعها او المساومة عليها. اذ انها مفصلا هاما في مسيرة الحراك وديمومته لتحقيق هدف التغيير والاصلاح وأهمها: إقالة الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني مصغرة لتصريف الاعمال من شخصيات وطنية كفوءة مشهود بنزاهتها واخلاصها. اقرار قانون "من اين لك هذا" والعمل به فورا ورفع السرية عن ممتلكات موظفي الدولة حنى الدرجة الرابعة ومحاربة الفساد الاداري والمالي وتقديم الفاسدين للقضاء. استرجاع العقارات والاموال المنهوبة في الداخل والخارج. اصلاح القضاء وعزل الفاسدين والمنتفعين والمتحزبين. حل لجنة النزاهة ومسائلة منتسبيها الحاليين والسابقين. تعديل الدستور جذريا واصدار قانون انتخابات وأحزاب جديد. حل المفوضية العليا للانتخابات. خفض رواتب التواب والوزراء ومن الدرجات العليا الى النصف والغاء قانون التقاعد الخاص بهم. حل البرلمان ومسائلة منتسبيه الحاليين والسابقين واستعادة اموال وممتلكات الدولة منهم. والاهم وضع جميع مؤسسات الدولة تحت سلطة الرقابة المشددة قانونيا وقضائيا ومحاسبة من يخل بالتزاماته الوظيفية مهما كان موقعه.

هكذا فقط نستطيع ان نبني الدولة المدنية المعاصرة ونضمن حقوق الشعب ومصالح الوطن.!

4
عرب المهجر بين صراع الايديولوجيا وفك الانتهازية


عصام الياسري
 
لا يُعرف بالضبط نسبة المغتربين العرب، الذين يعيشون في بلدان المهجر، كما لا يُعرف كم من بينهم هي نسبة النساء والشباب والشيوخ، الذين يعانون الكثير من التحديات منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاها من أحداث وصراعات سياسية واجتماعية سيما بعد إنتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الإشتراكي ونتيجة لما يُعرف بـ "الفوضى الخلاقة" التي أدت إلى إنهيار الإستقرار في منطقتنا العربية. أيضاً الأحوال الإجتماعية والقوانين المشددة التي تتعارض مع حقوق الإنسان وكرامته في العديد من البلدان العربية، بالإضافة إلى سوء الأوضاع الإقتصادية وإرتفاع نسبة البطالة والحد من تحقيق طموحات الشباب وحرمانهم من كامل حقوقهم. كلها أدت إلى إتساع فك إرتباط الانسان العربي بموطنه الأصلي وترك آلاف المواطنين مسقط رأسهم والتوجه سبيل الهجرة والرحيل مغامرين بحياتهم لاجل الحرية في بلدان شتى وبشكل خاص الدول الصناعية.       
وعلى قدر أهمية توحيد جهود مؤسسات المجتمع المدني العربية لتيسير شؤون الجالية والدفاع عن مصالحها، إذ لم نقل المصالح الوطنية والقومية على أقل تقدير. فقد باءت جميع المحاولات الفردية بهذا الإتجاه بالفشل سابقاً، بسبب التناقضات العامة وغياب الظروف الموضوعية.. فالفكرة من ناحية المبدأ لا بأس بها، انما واقع التجربة في هذا المجال كما يعلم الكثيرون، كان ولا يزال مريراً وشاقاً للغاية، على الرغم من وجود منظمات مجتمع عربية لا تعد ولا تحصى، ومن كل قطر كذا تجمع، يتنافس داخلها كل من موقعه، على منصب قيادي محسوباً بـ "المثقال". قطعاً جميعها، سواء على مستوى الجمعيات أو "الكومونات" أو الأفراد، لم تستطع تحقيق مشروع كهذا ولا أبسط منه بسبب الولاءات السياسية والحزبية الضيقة والانتماء العرقي والعقائدي ومحاربة البعض للبعض الآخر. وإن وقع في قمقام من الأمر، كما يقال، وإنتقلنا من المحسوس الى المعقول بعيداً عن التمنيات والعواطف، سيبقى "الهدف" بؤرة للتوتر وسيكون عرضة للانتهاك والتمرد لأجل السيطرة والاستحواذ كما جرت العادة داخل الكثير من التجمعات. ويشتد الصراع وميل طرف لهذا الصوب وآخر إلى ذاك. ويتخندق أصحاب المحسوبيات بإتجاه البعثات الدبلوماسية "العربية" ومكافأتها بالتعاون. ويعرف القاصي والداني أن هذه البعثات لم تقدم شيئاً يذكر لمواطنيها، وهي من ساهم بسبب إهمالهم على تراخي مفهوم الانتماء للوطن لدى العديد من أبناء الجاليات المغتربة. وان رمزية هذه البعثات بالمجمل تتلخص بخدمة أنظمة متسلطة فاسدة، هي سبب مغادرة العديد من المواطنين أوطانهم بما في ذلك العقول العلمية والثقافية وأصحاب الخبرة.. نعتقد بأن المعرفة تقود إلى الحقيقة التي يبلغ فيها منسوب المنطق مستواه للفصل بين المتناقضات وكشف المستور دون مجاملة على حساب المبدأ.
ففي ظاهرة جديدة غير مطمئنة يحيطها الكثير من الكتمان وملاباسات واوهام، يجري على "الواتساب" مؤخراً تبادل رسائل حول فكرة تأسيس مركز للجالية، يحلم البعض أن يكون نواة "لوبي عربي" في برلين. تحت مسميات مختلفة، تفتقر للعديد من المباديء والأسس والشروط. ولا يسمح بإبداء الرأي والنقد أو المساءلة كما هو متعارف عليه في البلدان المتحضرة وتكفله النظم السائدة قانونياً. وما لا يجوز عرفاً، ما يقوم به القائمون على الترويج من نشر أرقام هواتف ممن تكرموا بالكتابة من باب الفضول دون إذن منهم، ويحظر من تتعارض أراؤه وتصعب الاجابة على تساؤلاته على أهميتها. مما إضطر الكثيرين إلى إيقاف التواصل دون التمكن تقنياً من حذف أرقام هواتفهم الشخصية.. السؤال: إن كان ثمة اعتقاد بأن هناك حقاً رغبة جامعة بإتجاه هكذا مشروع خيالي.. فكيف لنا أن نتعاطى معه بهذه الطريقة ومنشأ الاستحواذ بات واضحاَ، يشكل الفصل الأول من مسرحية غير مكشوفة معالمها الحقيقية والنوايا التي تقف وراءها؟.
وإن كان البحث عن إطار جديد يتناسب مع حل مشكلة تشتت أبناء الجالية العربية مجتمعياً، هدفاً بحد ذاته. فيقتضي ذلك أولا، إدراك أهمية الحفاظ على التنوع الحضاري، ووضع خطط إنمائية للتجانس بين الثقافة والفكر لنقل المغترب إلى موقع أفضل تجاه مشروع كهذا. إذ أن "الكومونة المجتمعية العربية" من وجهة نظري لا تجد نفسها معنية بما يدور حولها قطعاً، سيما فيما يتعلق بـ "الاندماج الثقافي ـ الاجتماعي" الذي يفهم في أغلب الأحيان بشكل خاطيء. كما أنها منفصلة تماماً عن جوهر قضاياها الموضوعية، المجتمعية والوطنية. وثمة حقيقة تم إغفالها: أن المجتمعات العربية بما في ذلك الوسط الثقافي في المهجر، منفصلة عن بعضها البعض، وكل يبحث عن أبناء ملته منفرداً، بعيداً عن أي مشاركة في الشأن العام كنصرة شعب فلسطين واليمن مثلاً. ومن لا يعلم، أن أي دعوة لفعالية ثقافية أو وطنية متميّزة لا تحظى بإهتمام كبير من قبل أبناء الجالية العربية، فيما يتقاتلون لشراء بطاقة باهظة الثمن لحفل تافه.
ومن المؤسف لم يستوعب الوافدون الجدد من أبناء الجاليات العربية أهمية المفاهيم المتأصلة بعالم غير العالم الذي عاشوا واعتادوا عليه، كالإندماج ومد جسور التبادل المعرفي والثقافي والتفاعل المجتمعي، التي من شأنها إن تكون مصدراً مكتسباً، للتقارب ومد الجسور بين الحضارات والمجتمعات المختلفة الثقافات، لمواجهة التحديات والتكيّف مع الواقع الجديد والدفع به نحو منظومتنا الثقافية والاجتماعية بأساليب إبداعية خلاقة. وهي في واقع الحال آفاق إعتبارية قيمة تتفاعل مع مرور الزمن بشكل طبيعي عند الأجيال، سيكولوجياً ووجدانياً، تنمي ذائقة المغترب نحو جمالية التنوع ومعنى الثقة بنفسه وقدرته على التكيف وجودياً ومجتمعياً وسياسياً، الأمر الذي ييسر عملية تغيير البنية الجماعية بشكل مميّز.   
كما إن طبيعة العلاقة بين مؤسسات المجتمع العربية من جهة، وبينها وبين أبناء الجاليات العربية ومنهم المهاجرون الجدد الى بلاد الإغتراب، لم تنضج. ولا يزال ما كان يتطلب عمله، تأسيس "مجلس تنسيق بين الجمعيات" بعيداً، ودور الجاليات على المستوى العام لم يُفعل. ولم يفكر أحد قطعاً بأهمية صناعة التواصل "المتبادل" بين الأجيال، سيما في المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. أيضاً "التكامل المجتمعي" داخل المنظومة العربية، الذي سيقوّم إرادتها ويؤثر إيجاباً على المسلك السياسي لها في العلاقات الثقافية والعامة داخل المجتمع الجديد. أن ما تقدم من ملاحظات وآراء، هي لسان حال تجارب وعينات بينية امتدت لسنوات طويلة على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي والطلابي والنقابي، وعلاقات غير قصيرة بين أوساط الجالية العربية والمجتمع الألماني. أصبح تشخيص الخلل والتحريض لمواجهته، مسألة جدلية، تجعل تحريك الكفاءات العربية على المستوى الثقافي والسياسي، أمراً مطلوباً. كما يشكل مصدر قوة للبحث عن حلول أفضل وبطريقة عقلانية، بعيداً عن أهواء إرتجالية مبنية على تصورات ساذجة لا تمتلك من المواصفات والنضج.
أتساءل: هل بإستطاعة "فلسفة الرغبة" غير محسوبة النتائج أن تغيّر الواقع وتحقق ما يطمح إليه حقاً أبناء الجالية وفي مقدمها الدفاع عن مصالحهم في بلاد المهجر، ومواجهة الحدث الذي ينال من مصالح الوطن العربي وحقوق شعوبه في اي محفل على الساحة؟. وهل حقاً، "المصالح العامة والوطنية" لها قداستها وموضع إهتمام المغترب العربي؟. الحقيقة بالمطلق لا !!.
إنني أشك بأن هناك قوى فاعلة تمتلك مقومات موضوعية، مؤسسات مجتمع مدني أو كومونات جماعية معنية بموضوع كهذا؟. لكن السؤال المهم، ما الهدف أصلاً من وراء ذلك وفي هذا الظرف تحديداً؟. إذ ليس من المعلوم مَن مِن "النشامى" يقف وراء هكذا مشروع عديم الفائدة، يفتقر للعنصر البشري ويلاقى الاستهجان الواسع. بيد أن هناك بالملموس "لوبيات أجنبية" استطاعت أن تحقق ما تطمح، أثر علاقات سياسية وثقافية ومادية متراكمة، ووجود جهد إعلامي وبحثي ومجتمعي يدعمها، إلى جانب ـ وهو المهم ـ إلتزام أبنائها بمبدأ التكامل الاجتماعي والتمسك بقيم التضامن والانتماء. في الوقت الذي تفتقر الجالية ومؤسسات المجتمع العربية إلى هذه الإمكانيات، ولم تتمكن على قدر تنوعها وتعددها الكمي تحقيق ما تطمح إليه على مدى أجيال، قضى منهم ولم يحصد شيئاً لا هنا ولا هناك على الطرف الآخر من ضفاف الوطن.
إن الإرتباط بالأوطان قضية حساسة، تشكل للجيل الأول من المهاجرين العرب الذين يسميهم أفنان القاسم "بالغرباء" في سياق وصف دراماتيكي دقيق، إلتزاماً أخلاقياً ووطنياً لا جدال فيه:[مقاه شاحبة منعزلة عفنة، يتلاقى فيها غرباء مسافرون أو منفيون فيما بينهم، إنهم ليسوا مشردين ولا مهاجرين بل هم مستلبون ميتافيزيقيون، صاروا غرباء عن أنفسهم من فرط ما انتظروا اللحظة غير المحتملة التي يمكنهم فيها العودة إلى بلدهم]. وصف القاسم تحريض للإنتقال من التقوقع والجمود للوصول إلى صيّغ جديدة من الأنماط في حياة الجالية العربية. وهذا التحدي بالذات يقترن بأي جيل نتحدث عنه بالنسبة لأبناء المهاجرين من الجيل الأول. وعلينا أن نعترف، إن الهجرة والتهجير قسراً نحو الخارج هي مسألة سياسية بإمتياز، ولم يكن الإختيار طواعية، بل نتيجة الصراع الطبقي وقهر الإنسان اقتصادياً وإجتماعياً وملاحقته سياسياً. أيضاً الحروب والاحتلال وفقدان الأمن وإنتزاع الهوية وإقتلاع الشعور بالإنتماء للوطن والتربة من جذورها، اضطرت الكثيرين للهجرة إلى عوالم ومجتمعات بديلة، تحملوا المشاق إلى أن استقر بهم الأمر أو كاد.   
لقد لعب الفكر المعاصر في الغرب، دوراً فلسفياً إيجابياً في مجال التقارب الثقافي والفكري بين الحضارات، لكنه أخفق في أغلب الأحيان إذا ما تناول ذلك من زاوية سياسية بحتة، حيث يغلب طابع الإنحياز حداً مفصلياً على حساب مبدأ الحوار بين الثقافات والتعايش المجتمعي. وإذا كان دور المستشرقين والمستغربين "العلمي لا الأيديولوجي" من حيث النشأة، هاماً ومتنامياً في مجال توأمة التبادل الحضاري ـ الثقافي لا السياسي، إذا جاز القول، فالصورة عندما نتحدث عن مسائل الإندماج والإنتماء أو الهجرة والإغتراب، لاتزال ملتبسة في عقولنا شكلاً ومضموناً حد بتر الشرق عن الغرب حضارياً وتاريخياً. ولا نستطيع على ما يبدو أن نضعها في سياقها المادي والمعنوي، فيما يؤثر على ترسيخ إرادتنا في مجتمعات جديدة علينا. نستوعبها كما نستعد لمواجهة تحدياتها، وليس الهرولة وراء من دأب على المغالاة في الإندماج الكامل دون الربط بين كينونيتنا وتراثنا الحضاري والثقافي كأي شعب وأمة.   
لكنني أرى من حيث إتساع ظاهرة الولاءات الطائفية والعرقية والسياسية والإنحياز الأعمى للتعصب الديني وغياب الوعي عن مواجهته، ومن حيث تحوّل التباين الفكري إلى صراع أيديولوجي من أجل المصالح الخاصة والفئوية. أيضاً، التباين الجنسي بين الذكور والإناث وعبودية الرجل للمرأة داخل منظومتنا الاجتماعية وإنتقالها من الداخل إلى المهجر. ويؤسفني التأكيد على أن هذه الظاهرة قد أصبحت مورثاً في غاية من الإحاطة والكتمان داخل العديد من المجتمعات العربية في بلاد الإغتراب، وتقف حائلاً أمام الإندماج المجتمعي بين أبناء الوطن الواحد والمنظومة المجتمعية العربية أيضاً. أقول علينا تقع مسؤولية كبيرة لمواجهة هذه التحديات وتأثيرها مستقبلاً على الأجيال القادمة. وعلى الأطراف المعنية إن رغبت في تغيير هذا الواقع المرير، عليها أن تتجه بعناية فائقة من خلال حوار موضوعي مشترك، إلى إيجاد آليات متكافئة قابلة للتحقيق دون كلفة باهظة لا تستطيع تحملها، مادياً وتقنياً وبشرياً.. كما يتطلب حسب تقديري التدرج في البناء، أفقياً وعامودياً، وفق معايير واقعية أساسية تتوفر فيها الضمانات اللازمة وأهمها الصدق والمسؤولية والكفاءة والخبرة والتنوع الفكري والبشري. إذ هي المدخل الأساس الذي نستطيع على أساسها رسم المحاور التي ينبغي أن نركن لمعالجتها على أرض الواقع، ننسج ونبني طبيعة العلاقة فيما بيننا دون شروط وإملاءات لنرتقي بمستوى صناعة الحدث الذي نعتقد بأنه جوهر القضية التي يدور في فلكها كل الجماعات والمنظمات.
ما يعنيني موضوعياً في هذا المضمار البحث عن صياغات جديدة تساعد على إيقاظ الأصالة ومبدأ المسؤولية لدى أبناء الجالية في المهجر وجعلهم أشد تعلقاً بإنتمائهم الوطني وأكثر إنجذاباً إلى المنشأ والتأريخ والثقافة واللغة والأعراف والمعتقدات والتقاليد، إذ كلها تشكل موروثاً حضارياً نعتز به ونسعى إلى مغازلته الموروث الحضاري الذي إقتربنا منه حديثاً في مجتمعات جديدة علينا بشكل جذاب. لا البحث عن مجالس وهمية كي نزيد رقماً لما هو قائم من تجمعات فيها من الإشكاليات التي اعتاد عليها أبناء الجالية العربية على كافة الأصعدة والمجالات.   

5

فضاءات سردية في أعمال فنانَيْن عراقييَّن

معرض مشترك في برلين

عصام الياسري



أقام مؤخرا في برلين الفنانان العراقيان الدكتور خليف محمود ومنصور البكري معرضهما التشكيلي المشترك الأول تحت عنوان "المشاعرـ في لوحة مائية" . وقد أثار هذا العنوان جدلا فنيا تمحور حول مفردات أعمالهما المتميزة شكلا ومضمونا، والتي تحمل فضاءات "سيكولوجية" للظواهر الاجتماعية المُعاشة، ولغة بصرية "سيميائية" تقبل التأويل.

وفي كلمة الافتتاح أوجز الفنان والشاعر الألماني المعروف، أستاذ قسم فن الرسم في كلية الهندسة المعمارية في الجامعة التكنولوجيا ببرلين البروفيسور ماتياس كوبل Matthias Koeppel قائلا: كيف يمكن تقويم "المشاعر" لأسفار خارجي عن احساس داخلي غير مرئي او ملموس في عمل فني؟. وكيف يمكن تحسس أو تمعن مشاعر دفينة مجردة مهما تموضعت الألوان والرمزية والأشكال البنيوية والألغاز، في عمل تشكيلي لا يستطيع بصرياً إظهار تلك المشاعر للعيان أو توظيف اوصافها؟. لكنها تبدو، ونحن نتحدث هنا عن "المشاعر ـ في عمل تشكيلي" وكأنها أثر لظواهر "ﺳـﻮﺳيولوجية". ولعل ما كان يعنيه الاستاذ "كوبل" هو أن العنوان الذي يحمله متن الاشهار عن المعرض، خاصة بكلمة "المشاعر"، لا يترتب حرفياً، على القيّم الفنية التي تشكل عادة أعمدة العمل التشكيلي، كالتعبيرية والطاقة والحركة والظل واللون والأسلوب ولغة الفن الجمالية. فمن منظوره النظري الجمالي يرى بأن المفاهيم الأوروبية ومنها ما يتعلق بالأزمنة ما قبل المعاصرة، المصنفة في علم فنون الرسم وجماليتها، لم تعرف على الأقل روحيا وبصرياً، تجسيد مظاهر "المشاعر" أو شكلها السيميائي من ناحية التراتبية والملاءمة في عمل فني تشكيلي. وكل "إِحداث مثالات خياليّة لا وجود لها في الحسِّ" لا تؤدي لرؤية "المشاعر" في الصورة على الاطلاق!

وجاءت أعمال الفنانين تحت شعار "موصل ـ بغداد ـ برلين"، أعمالا فنية واقعية جديرة بالتأمل وتمتاز بالألوان المائية "أكرليك" وبأحجام مختلفة وأنواع ورق رسم راق متقاربة من بعضها ومنسجمة في أسلوبها الفني، كما لو كانت تشكل كلها جدارية لوطن أنهكته الكوارث. كما ان نثر الألوان فوق سطح بعض الرسومات بطريقة مميزة، ينسجم مع ما يعرف بالفن الشعبي الذي يتسم برؤية تعبيرية تعد من ابرز فنون الرسم " الواقعي المعاصر" أو ما يسمى بفن الرسم "التسجيلي". فهي تتحدث عن قهر الانسان وتحاكي وطنا فقد عوالمه الجميلة، وأحداث تشد قبضتها على ارث مجتمعه الحضري الذي يمتد الى أقاصي بلاد ما بين النهرين ـ ها هي الموصل تدنس وتغرق في ظلمة عاتية، وبغداد تتألم من شدة جراحها ـ وبرلين ترسم عشقها "مزار أمل" فوق خطوط العرض الجغرافية.

وكما اراد فاوست ان يستمد في رائعته "غوته" مثلما رسمها المتصوف باراسيلزوس في حكاياته العجيبة من روح العصر، الرغبة في الوصول للمعرفة وامتلاك القدرة ليصل الى الحقيقة، فان خليف ومنصور استطاعا الى ما وراء الحدود، أن يخلدا في أعمالهما التشكيلية الحدث "حسيا ـ بصريا" ليكون جزءاً من أدوات المعرفة لاكتشاف الوقائع.

تجدر الإشارة الى أن خليف ومنصور في سبعينات القرن الماضي كانا يدرسان الفن التشكيلي سوية في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وبسبب الحرب افترقا. ففيما بقيّ الفنان خليف في بغداد ليكمل التعليم في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد حيث حصل في عام 1979على شهادة البكالوريوس وبعدها على الماجستير، ثم انهى الدكتوراه بجامعة دمشق عام 2010. غادر الفنان منصور العراق في عام 1982 متوجها الى القارة الأوروبية، إذ استقر به الأمر في برلين ليكمل الدراسة في أكاديمية برلين للفنون "Hochschule der Künste" بدرجة الماجستير، وهو ما زال يعيش ويواصل عمله الفني فيها.

يصف نوفاليس"Novalis" فلسفة رومانسية الفنون وعلاقة الانسان بها ـ بعلاقة مثالية ساحرة ـ ويعني بذلك رفع كل الحواجز التي تحد من الإبداع وجعل امكانيات المنافسة بينه وبين تنمية اداء الفكرة لدى الفنان في موضعها. الثابت أن خليف ومنصور قد اهتديا بهذه الفكرة لكسر قاعدة "فن الأجيال" التي لا تميّز بين الجودة والوضاعة على حساب الاتقان المرئي والذائقة القيمية والحسية. ويمكن القول بأن منهج "الواقعية المعاصرة" في أعمال الفنانين تحد لنشر "الحداثيون" فكرة "الجمالية النسبية" التي تعني ـ الجمال يوجد في عين الناظرـ دون مراعاة مستوى الجودة والحرفية، المساحة والظل والضوء والأحجام والزوايا، وأيضا عدم مراعاة كيفية التعامل مع المسافة والمحيط والكتل او المادة وجمال الحركة. إن اهم ما يجسد فنياً وجماليا أي ابداع فني فائق الارتقاء بشكل مباشر، غير لغة الكلام سبيل التفاهم والتقارب والحوار، لغة اخرى خارجة عن التعريف والوصف. هي لغة الحركة التي تحيط الرسوم فضاءات بمنتهى الروعة والإيحاء، وتجعل خصائص الشكل Form“" لحظة تكامل بناء الصورة لا ينفصل في مضمونه عن ذهنية العقل وشمولية التعبير. وهذا ما يبدو واضحا حينما تُقرأ لغة الحركة في أعمال الفنانين خليف محمود و منصور البكري.

لقد ارتبطت قيمة اعمال الفنانين خليف ومنصور النموذجية، بقوة امتلاكهما الحرفة والتجربة، بالإضافة إلى الفنتازيا والمواصفات والتفاصيل التعبيرية في " لغة بصرية" اضفى عليها وصف الحدث الكثير من المعاني الخيالية، بحيث تأصلت اشكال وأبجديات في عمق انقاض ذاكرة، تكشف جذورها عن اسطورة العزيمة والتأمل والتكيّف، التعايش مع الحياة والموت، مع الاحزان والأفراح، مع الحب والخوف.. يقول المؤرخ الفني "يايكوب روزنبيرغ " ان الجودة في الفن ليست مجرد رأي شخصي، إنما وبدرجة عالية هي "شيء" يمكن تقصيه بموضوعية. ان ما شاهدناه من اعمال تشكيلية في معرض الفنانين خليف و منصور تعبر عن صياغة الفكرة كما تصوراها وهي تُجاري الحلم والواقع لتجسد " صورة" مرئية تنتج عن لغة الحدث في كل لحظاته.

المؤتمر السنوي الثالث لمنتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين
 
البيان الختامي 
 
تحت شعار احترام الثقافة والفنون والفكر والإبداع، احترام للمثقف. وإن على المثقف تقع مسؤولية الدفاع عن القيّم والمبادئ الإنسانية والحضارية والمجتمعية، وأن لا يسمح بالاعتداء عليها أو الإساءة لها، وأن لا يتجاهل مصالح الشعب والوطن أو عدم الدفاع عنها سيما في ظرف تنتشر في بلادنا منذ عقد ونيف الفوضى السياسية والفكرية والقتل والتدمير والارهاب. وبات المجتمع العراقي يعاني من نظام المحاصصة الطائفية والولاءات الحزبية الذي جعل مصالح الطبقة الحاكمة فوق مصالح الشعب ومجتمعاته، كما أفقد الدولة ومؤسساتها هيبتها وقدرتها على معالجة الاوضاع وتحقيق الامن والرفاهية والعدالة والاعمار في عموم المحافظات، إنعقد في الخامس من تموز 2016 المؤتمر السنوي الثالث لمنتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين.
والمنتدى اذ كان وما زال يؤكد بأنه فردوساً لكل عراقية وعراقي وعربي. وواحة خصبة للأدب والفنون، للشعر والرواية والرسم والمسرح والموسيقى والسينما والإعلام. ودارا للتنوير والحوار والتعايش بين مختلف المجتمعات والحضارات على الساحة الألمانية. فأنه قد حقق الكثير مما كان يطمح إليه، ولم يألُ جهدا في كسب الاصدقاء وتعزيز العلاقة مع العديد من المنظمات خاصة الألمانية منها. وقام خلال فترة قياسية "الـ 24 شهر الأخيرة" بتنظيم العديد من الفعاليات والندوات والأماسي الثقافية المتميزة، الفنية والأدبية والفكرية، التي شارك فيها العديد من المثقفين العراقيين والعرب من داخل ألمانيا وخارجها حضرها جمهور عربي وأجنبي متنوع، تجاوزت الـ 28 موضوعا، فيما بلغ عدد اللقاءات والانشطة الاجتماعية الـ 96 أمسية.. وللارتقاء بمسؤولياته على المستوى التنظيمي والاداري، وضع المنتدى منذ تأسيسه نصب عينيه جملة من القيّم والاعتبارات لاكمال مسيرته وتحقيق مقاصده.
انطلق المؤتمر الثالث لمنتدى بغداد الذي ينعقد عادة كل سنتين بالوقوف دقيقة حداد على ارواح الضحايا اللذين سقطوا جراء الاعمال الارهابية التي تحصل يوميا في العراق. واستنادا لما تنص عليه اللوائح الداخلية للمنتدى قام المؤتمرون بانتخاب هيئة ادارة الجلسة بعد التأكد من إكتمال النصاب وتدقيق الاشتراكات. ودعا رئيس ادارة المؤتمر الهيئة الإدارية لتلاوة التقريرين الاداري والمالي، فقدم رئيس المنتدى التقرير العام مستعرضا كافة الجوانب الإيجابية والسلبية التي رافقت العمل الإداري والأنشطة والفعاليات للفتره ما بين 2014 ـ 2016. ثم استعرض المسؤول المالي في تقريره جدول "الصادرات والواردات" للفترة من 28 / 04 / 2013 حتى غاية 2016.7.5، وبعد مراجعته واجراء التعديلات اللازمة عليه تم التصويت على التقريرين فاقرا بالاجماع.
ومع انتهاء الفقرات المتعلقة بالجوانب التنظيمية للمؤتمر وتقديم الهيئة الإدارية إستقالتها وقبولها، تم إخلاء سبيلها وتبرئة ذمتها وتقديم الشكر لما قامت به خلال الفترة السابقة من انشطة وفعاليات متعددة بصورة متميزة. أعلنت رئاسة إدارة المؤتمر فتح باب الترشيح وتم انتخاب 3 زملاء للهيئة الإدارية الجديدة. قاموا بعد انتهاء أعمال المؤتمر بعقد اجتماع لتوزيع المسؤوليات فيما بينهم.   
 وفي ختام أعماله أعلن المؤتمرون عن ارتياحهم بنجاح المؤتمر وخروجه بقرارات مسؤولة وهامة في اتجاه تحسين ورسم عمل المنتدى. وأكدوا على أن نجاحه خير دليل على جدية جميع الزملاء والاصدقاء وحرصهم على رفع شأن المنتدى والارتقاء بمستوى التواصل والابداع. فيما أكدت الهيئة الإدارية الجديدة على استكمال المسيرة على ذات المبادئ التي انتهجها المنتدى منذ تأسيسه وهي:

-        دعوة الأعضاء والأصدقاء "سيما المرأة والشباب" للمساهمة في عمل المنتدى بشكل مباشر، والتأكيد على ضرورة المشاركة في وضع الخطط والأفكار على اسس حضارية شفافة غايتها رفع شأن الثقافة العراقية والعربية والتعريف بطبيعتها. عملا بمبدأ "المنتدى بحاجة إلى أي جهد"، وان كلٍ له حقوق، وكلٍ عليه تقع المسؤولية.
-        توفير مناخات التعاون مع الجمعيات والمنظمات اللاحزبية التي تؤمن باحترام الرأي والرأي الآخر ولها نفس الاهداف والرغبة بالعمل المشترك في المجالين الثقافي ـ الاجتماعي. وتقديم الخدمات "للقادمين الجدد"  من ابناء الجالية العراقية والعربية.
-        التأكيد على أهمية إعداد المشاريع وتقديمها للمراكز والمؤسسات الألمانية المانحة في وقت مبكر بهدف الحصول على دعم مادي يسهل عمل المنتدى وتطوير نشاطاته على الساحة الألمانية.

المؤتمر الثالث لمنتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين

5 تموز / يوليو 2016

6
في الشأن العراقي...هل يمتلك الإعلام كل أدواته القيمية الضاغطة؟ 
عصام الياسري
"المعرفة" هي القوة ـ التي تقود الى الحقيقة، لكن لا يستطيع ان يحمي الحقيقة إلا من يمتلكها.
واذا ما تحدثنا عن دور وسائل الإعلام في الشأن العراقي، فإننا نتحدث عن الصحافة والإذاعة والتلفزيون. وما يهمنا هنا الإعلام العراقي حصراً، مع التأكيد على:ـ اننا يجب ان ندرك بأن الإعلام الأجنبي الذي دخل بعد غزو العراق ولغاية اليوم، هو عدم المس بالاهداف الاستراتيجية للدول التي ينتمي اليها وشاركت في التحالف الدولي لاحتلال العراق.. لكن على ماذا يرتكز الإعلام العراقي؟ وكيف يحافظ على سلوكه الوطني، ويستمد مصادر قوته او حجم تأثيره؟. في الدول المتطورة يمارس الإعلام نشاطه على أنه احد الاركان الرئيسية لبناء الدولة ونهضتها. ولا تكتمل النظرة النموذجية تجاه الصحافة كمؤسسة رقابية لها القول والفعل، الا بوجود حريات حقيقية ومعطيات قانونية تحميها. ومن جانبه، يصر الإعلام على التمسك باللوائح والمواثيق التي تحفظ مصادر قوته ومنها ـ مباديء العمل الصحفي ـ والتمسك بالقوانين التي ترعاها. كلاهما يشكلان أدوات قيمية ضاغطة، يستطيع من خلالهما أن يمارس تأثيره في الحياة العامة على الدولة والمجتمع. ألا أن الاعلام العراقي يفتقر كل هذه المقومات بسبب انزلاقه سياسيا باتجاه الولاء للحزب أو الطائفة، الأمر الذي جعل منه جهازا غير مستقل ولا تطلعات ريادية له.     
الإعلام العراقي في العهد الملكي، ونعني بذلك الصحافة المستقلة والحزبية العلنية أو الصحافة "السرية" لاحزاب المعارضة غير المرخصة. على الرغم من المضايقات وقلة الامكانيات التي تعاني منها، كانت تمتلك رشدا اخلاقيا وسياسيا نقيا متعدد الآفاق والجوانب ومتناغما مع هموم الشعب ومصالح الوطن. تدافع في كل زاوية من زواياه عن حقوق الناس، ولا تحول عن نقد الاوضاع السلبية وتسلط الساسة وأصحاب القرار. اما في العهد الجمهوري الأول حيث انتشرت وسائل الإعلام المتنوعة الاتجاهات على نطاق واسع. تحولت الصحافة الى منابر لنشر الفكر التنويري والمساهمة الايجابية في مجالات التوعية الجماهيرية، الوطنية والتربوية. مهماً في تلك الفترة ان اغلب وسائل الإعلام، المقروء والمرئي والمسموع، كانت منضبطة تضع مسألة الدفاع عن الحقوق العامة للمواطنين ومصالح العراق وشعبه فوق كل اعتبار. إلا ان الأمر قد تغيّر في عهد صدام، حيث اصبح الإعلام واحدا من الوسائل الدعائية التي تطبل لرأس النظام وحروبه، كما تم إغلاق العديد من الصحف الوطنية التقدمية وتعرض خيرة الصحافيين والكتاب للملاحقة والاعتقال. 
بعد غزو العراق واحتلاله في نيسان 2003 تم حل مؤسسة الأذاعة والتلفزيون العراقية العريقة وتوقفت الصحافة من ممارسة عملها كما واغلقت نقابة الصحافيين أبوابها وتشتت منتسبيها. وفي اواسط 2003 صدرت دون اذن صحيفة "طريق الشعب" أول صحيفة وطنية عراقية بعد الغزو، لتكون آنذاك المصدر الوحيد لنقل الاحداث وهموم الناس على الساحة العراقية. في شهر حزيران بدأت سلطة التحالف المؤقتة "CPA" بتوجيه من رئيسها السفير بول بريمر، وفقاً لاتفاقية السلام الشامل العراقية وخطة التخصص التي وضعها الاتحاد الدولي للاتصالات "ITU" والتي تتضمن معايير تقنية متعلقة بحقوق البث والاتصال بـ (منطقة "1" أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط) بإصدار التراخيص لوسائل الإعلام، المقروء والمرئي والمسموع "بالمناسبة هي منظومة شبكية رقابية معقدة يديرها خبراء لاغراض التنصت بالمنطقة لصالح الولايات المتحدة واسرائيل". وعمل مكتب المستشار الأمريكي الأقدم للاتصالات السلكية واللاسلكية في العراق على تسهيل طلبات المتقدمين من عراقيين وجهات اجنبية وعربية، وتقديم الاموال والمعدات اللوجستيه والفنية لهم، مقابل عدم التعرض لسياسة الولايات المتحدة الامريكية واهدافها في العراق. واوعز بالاضافة الى الشروط العامة للتراخيص، الى ادراج بعض القيود لتوفير بعض السيطرة على المذيعين والصحافيين العراقيين العاملين في وسائل الاعلام التي تم ترخيصها، وبذلك اصبحت سلطة الاحتلال المشرع الاساس لعمل وسائل الإعلام ومراقبتها. 
وفي ظاهرة غير مسبوقة انتشرت في عموم البلاد العديد من وسائل الاعلام "صحف، اذاعات، محطات تلفزة، الخ" بدعم من قوات الاحتلال الامريكية وتمويل جهاز المخابرات المركزية ومؤسسات إعلامية أجنبية وعربية وبشكل خاص قطرية سعودية، مرتبطة باجندات خفية. وسيطر سياسيون جهلة الى جانب مسؤولين في الدولة وقادة احزاب ومنظمات طائفية غير معروفين بين الأوساط العراقية وليس لديهم أي خبرة في العمل الصحفي على أغلب وسائل الاعلام هذه. وانتشرت في طول البلاد وعرضها صحف وفضائيات واذاعات خاصة، حصلت ولاتزال تحصل مجانا على اموال طائلة من خزينة الدولة العراقية.     
في عام 2004 تشكلت شبكة الإعلام العراقي IMN0 التي تشرف على معظم وسائل الأعلام ومن بينها قناة العراقية وجريدة الصباح غير المستقلتين التابعتين للحكومة العراقية. ورغم أن الشبكة ممولة من المال العام إلا أنه لا سلطة للحكومة عليها؛ لا في شأن ادارتها والاشراف على سياستها أو تعيين المسؤول عنها. فيما مورست على العديد من وسائل الإعلام المستقلة والصحافيين العاملين فيها الكثير من الضغوط وبشكل يتنافى مع مباديء حرية الصحافة والإعلام العامة، بالاضافة الى الاضرار التي لحقت بهم وبمستقبلهم المهني والمعاشي جراء ذلك.
يوجد في العراق الآن حسب الاحصائيات المتوفرة حوالي 89 قناة تلفزيونية و 150 محطة اذاعية، وما يزيد على الـ 200 مجلة وصحيفة يومية واسبوعية و400 وكالة انباء وعدد هائل من المواقع الالكترونية والاخبارية. وبسبب الافلاس وعدم الحصول على الاعلانات أو الدعم المالي كنظيراتها غير المستقلة، يهدد الاغلاق مصير العديد منها كما يقول نقيب الصحافيين العراقيين.
وعلى الرغم من مرور اكثر من اثني عشر عاما على غزو العراق، فان أغلب وسائل الإعلام قد فشلت على نحو كبير في رسم استراتيجية إعلامية جريئة. تتناول الأوضاع المتردية في البلاد، وترصد التحديات التي يعاني منها المجتمع بموضوعية. فتحولت بسبب سيطرة مافيات السياسة على العديد منها، الى مشاريع تطبل لقادة الاحزاب في مجتمع يبدو في اكثر الحالات غير مهتم بمستقبله ولا رؤى بديلة لديه.. لكن هناك ثمة وسائل إعلام عراقية مستقلة من صحف وفضائيات قل نظيرها، تحرص على تناول الاوضاع العامة للمجتمع ونقل معاناة الناس للرأي العام بكل حرص ومسؤولية. ان ما تقوم به قناة البغدادية من خلال برامجها وأهمها ستوديو التاسعة وبرنامج مع الناس، ظاهرة مثيرة للغاية. على الرغم من بعض الملاحظات، فانهما من أهم البرامج التي تثير اهتمام المتلقي وتقربه من الواقع العراقي بكل تفاصيله وأحداثه وحيثياته وآلامه دون رتوش أو رقيب. كما ويضعا المواطن بمرأى من المسؤول على الحقيقة ليدرك حجم الماساة التي يمر بها وطنه ومجتمعه فيلعن الزمن والساسة على حد سواء.     
ويبدو ان أغلب وسائل الإعلام العراقية على مختلف مشاربها، لا تجد نفسها معنية بالشأن العام الذي يعاني من القصور والازمات والاخطاء السياسية. بالاضافة الى سوء ادارة الدولة الذي يرافقه عمليات نهب وابتزاز سياسي ودعوات لتقسيم العراق واستئصال مناطق وضمها تحت طائلة التهديد والمساومات الى محافظات اخرى، مثلما يجري من محاولات لتغيير جيوديمغرافي في شمال العراق. وفي منعطف خطير تمر به البلاد، ترهل دور الإعلام في معالجة اسباب ظاهرة الفساد المالي والاداري، وفقدان الأمن وتراجع النهضة العلمية ودور التعليم والصحة، وخراب الاقتصاد والصناعة والزراعة والبيئة وفقدان الماء والكهرباء وتفشي الأمراض الخطيرة وتفكك المجتمع واتساع حالات الطلاق والترمل وانتشار فاقة التسول وازدياد عدد اليتامى والمهجرين والعاطلين عن العمل.
وكسلطة رابعة كما يقال، لم يتحمل الاعلام العراقي مسؤولياته ازاء أجهزة الجيش والشرطة والامن والاستخبارات، والمطالبة بجعلها أجهزة فاعلة، قياداتها من المتخصصين واصحاب الخبرة والكفاءة والنزاهة. ولم يرتق الى مستوى الاحداث كما ينبغي ليؤدي عمله بجدارة، ويواجه الارهاب الذي تمارسه الميليشيات والحركات التكفيرية والطائفية التي عاثت في الارض فسادا وقامت بقتل الناس الأبرياء وهدم المدن وتخريب معالم الحضارة والتراث الوطني العراقي، لا بل راح بعضها بقصد او دون قصد يروج لداعش ويمده بمعلومات خطيرة.     
اكثر من عشرة اعوام ولت والأزمات تنمو والاوضاع العامة تسوء يوما بعد يوم، والاعلام العراقي لازال يراوح مكانه، بعيدا عن ما يمليه عليه ضميره وواجبه الحرفي، ازاء العديد من القضايا التي تعني الوطن والمواطن. اصحاب النفوذ وذويهم تطبعوا على النهب والسرقات ليثروا على حساب الفقراء واليتامى. والدولة بلا رقيب يمارس الضغط على السلطة لتشريع قوانين تحمي مصالحها كما وترعى مصالح المجتمع المصيرية الهامة. كقانون المحكمة الاتحادية، وقانون الاحزاب والانتخابات الذي من شأنهما ترسيخ مباديء انتخابية سليمة لا تسمح للمرشح او الحزب الوصول للبرلمان دون الحصول على نسبة الـ 7% من مجمل اصوات الناخبين لمنع العابثين من الحصول على مقعد في البرلمان. أو قانون الاحصاء والاستفتاء والخدمة الالزامية للقضاء على الهيمنة الطائفية داخل المؤسسة العسكرية.
ووفقا للدراسات البيانية التي نشرتها منظمات مجتمعية وعالمية، بقي الفقراء والعاطلين عن العمل واصحاب الدخل المحدود بعيدين عن نقل وسائل الاعلام العراقية معاناتهم. ورغم اوضاعهم الصعبة، فان التقشف لا يمس غيرهم من الطبقات العليا، كالوزراء والنواب ومن في درجاتهم، الذين يتقاضون رواتب لا مثيل لها في العالم ولا تنسجم مع الدخل العام لباقي شرائح المجتمع. وبقيت الموازنة المالية السنوية للدولة العراقية كما في كل عام، دون رقابة، بعيدة عن انظار الإعلام والخبراء والمتخصصين. ولم يسأل عنها وعن كيفية توزيعها أحد. حيث يتم بطريقة لا تنسجم والحجم الجغرافي ـ السكاني لكل محافظة، ووفق مبدأ "التوافقية الطائفية" الذي يجيز نسب وامتيازات لمحافظات على حساب اخرى كما هو الحال مع محافظات شمال العراق الثلاث، حيث بلغ ما تحصل عليه بالاضافة الى جباية عائدات الكمرك ونفط الشمال ما يفوق جميع محافظات الجنوب أو المناطق الغربية مشتركة. 
اذن نحن امام واقع إعلامي عراقي متهري، زاد من انحطاطه نظام المحاصصة الطائفية والفساد الاداري والمالي المتفشي، امام انهيار كامل للمؤسسات الرقابية ـ التشريعية والتنفيذية والقضائية. ووجود دستور غير كفء يحمل العديد من العيوب والنصوص المثيرة للجدل، التي تستغل لممارسة الضغوط والابتزاز دون أن يحد من شأنها اي قانون أو قضاء. وعلى الرغم من مرور عقد ونيف على فرض الاحتلال لهذا الدستور، بقيت أهم 3 قوانين ـ كقانون الاحزاب والانتخابات والاعلام دون الاقرار. لان لا مصلحة للقوى الطائفية فيها. والسؤال: ما مصلحة الإعلام أن يلتزم الصمت ازاء كل ما يجري؟ ولماذا لا تتحرك القوى والأحزاب لتحريك الشارع والضغط على الحكومة لحلحلة الازمات الخانقة التي يعاني منها المجتمع برمته؟.
لقد نضب دور الصحافة والإعلام العراقي، وأصبح متداعيا ينخره الفساد ويسيطر عليه رؤساء تحرير تابعين لمافيات السياسة والاحزاب، يتلبد خلفهم ثلة من الصحافيين المنتفعين والمتملقين. ولعدم وجود قانون يرعاه ويصون حقوقه، بقي الصحفي غير محمي، قضائيا وسياسيا. ولاعتبارات اخلاقية ومهنية تثنيه عن اداء واجبه، كف عن نقد الاخطاء التي تنشأ عن مؤسسات الدولة وأهمها السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، التي يفترض أن تكون الفيصل في اتخاذ الاجراءات القانونية على اساس العدل ومرعاة الحقوق العامة ومفهوم المواطنة ـ على اعتبار ان الانسان اثمن رأسمال ينبغي أن تصان حياته وتكفل جميع حقوقه.
ان انفعالات الرأي العام بسبب ممارسات الساسة والمتسلطين وانعدام الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والنفسي، متعددة للغاية، وستشتد كلما ضاق افق الأمل بالمستقبل وتعاظمت التحديات والضغوط الاجتماعية والقوانين السلبية. وعندما تبلغ الانفعالات درجة النضوج ستصبحً وسيلة ذات اثر عظيم نحو التغيير والبحث عن بدائل جديدة تضع حدا للقهر والمعاناة على كافة الصعد. كما وتصبح سلوكا لدحض الرأي السائد على ان:ـ الناس تتكيف مع الواقع المفروض، وانهم بسبب التسلط اقل استعدادا للتعبير علنا عن مشاعرهم لتغيير واقع معاناتهم. ان ما يجري في العراق مخطط له ومحسوب، والكتل السياسية وإعلام مافيات احزاب السلطة حصرا، هي من يحرك لخرابه واحداث حالة من الفوضى والرعب داخل المجتمع، لالهائه وبث روح الكراهية والصراع الطائفي بين ابنائه بهدف ضمان مصالحها وأمنها.
لانقاذ مستقبله ومستقبل ابنائه، يحتاج العراق، الى تغيير جذري في هيكلة نظامه السياسي وترميم مؤسسات الدولة واعادة اصلاحها اداريا وبشريا، وعزل تجار السياسة وسراق المال العام الذين تسببوا بخراب البلد وهدر امواله. وكي لا يبقى العراق رهينة بيد العابثين، على الإعلام أن يلعب دورا رياديا لتنوير العقل العراقي وبعث روح المسؤوليه فيه، لتوجيه البوصلة نحو التغيير، ووضع حدٍ لتفاقم الاوضاع وما يجري من خراب ومسخ للانسان. اذ ليس امام العراقيين اي خيار غير مواجهة أصحاب المحاصصة الطائفية الفاسدين والمفسدين.. العراق بلدنا ولا يمكن أن نراه يتدمر ونسكت!!


7
منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين
Bagdad - Forum für Kultur und Kunst e.V.  Berlin

تدمير وسرقة الآثار العراقية جريمة بشعة في حق الحضارة الإنسانية


يمثل تدمير الآثار العراقية في الموصل من قبل التنظيمات التكفيرية الإرهابية جريمة عظمى، ليس بحق الحضارة العراقية فحسب وإنما بحق الحضارة الإنسانية ككل. عبر آلاف السنوات، كان العراق مهداً للحضارة الإنسانية، فقد قدم العديد من الإنجازات الحضارية الرائدة، التي تٌعتبر أساس الحضارة الإنسانية اليوم، مثل إختراع الكتابة والعجلة وإنشاء أول المدن وتأسيس أول أجهزة إدارية في التاريخ البشري.
وهذه ليست أول أعمال تخريبية تصيب آثارنا. فقد بدأت أعمال التخريب والسرقات المنظمة مع غزو العراق عام 2003، فبعد ساعات قليلة من إحتلال بغداد، سمحت القوات الأمريكية بالسطو المنظم على متحف بغداد، حيث سرقت منه آلاف القطع الأثرية النادرة. الى جانب هذا، أدت العمليات العسكرية الأمريكية الى إصابة الآثار العراقية بأضرار جسيمة. وإستمرت عمليات السرقة طيل مدة الإحتلال، وحتى بعد إنسحاب الجيش الأمريكي وإلى يومنا هذا، تشارك في هذه الأعمال المليشيات المشاركة في السلطة، بالتعاون مع منظمات الإجرام الدولي. ويسمح الفساد الإداري المتفشي في كل أجهزة الدولة وضعف السلطة بعمليات نهب منظمة للآثار العراقية من قبل عصابات إجرامية محلية وعالمية. وتقف الحكومة العراقية متفرجة أمام عمليات الإجرام هذه، مكتفية بإصدار بيانات الشجب، متناسية واجبها في حماية معالم التراث العراقي. الى جانب هذا ادى الإهمال المنظم وعدم الحماية للآثار من قبل الحكومة العراقية الى خراب كبير سوف لا يمكن إصلاحه في المستقبل.
أن تدمير وسرقة الآثار العراقية ليس ألا حلقة أخرى من الفشل التام الذي تعاني منه الحكومات المتعاقبة منذ إحتلال العراق وحتى يومنا هذا، كانت قمته إحتلال الموصل من قبل قوات داعش وتهجير مئات الآلاف من العراقيين من بيوتهم، ولا زالت حتى اليوم نفس الفئات المهيمنة تتحكم بمصائر الشعب العراقي وتراثه الخالد.
اننا نطالب الحكومة العراقية بسلطاتها الثلاث، أيضا الوزارات المعنية وعلى وجه الخصوص وزارة السياحة والآثار ووزارة الثقافة والخارجية، باتخاذ كافة الاجراءات التي من شأنها استعادة الآثار العراقية المسروقة، وتحريك على المستوى العالمي وبالتعاون مع منظمة اليونسكو دعاوى قانونية ضد كل من تسبب أو شارك في نهب وتدمير ارثنا الحضاري. كما ندعو أصحاب الفكر والقانون بتحمل مسؤولياتهم الوطنية والاخلاقية ومتابعة استرداد آثارنا التي لا تقدر بثمن وباتت منتشرة حتى في بيوت اصحاب السلطة والنفوذ في العراق. 

منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين
آذار/  مارس 2015

8
في كتابه "في الثقافة السينمائية – مونوغرافيات"  الفنان السينمائي العراقي قيس الزبيدي
يقدم الزاد المعرفى لكل مهتم ومحب لفن السينما





عصام الياسري

على الصفحة الاولى من كتابه الجديد كتب ليّ الصديق الفنان السينمائي العراقي قيس الزبيدي ـ صديقي وأخي عصام الياسري علك تجد في كتابي بعض المتعة ؟ واستطيع ان اقول أن من يقرأ كتاب في الثقافة السينمائية – مونوغرافيات لا يحصل على متعة كاملة فحسب إنما يحصل أيضاً على زاد معرفي كثير لانه كتاب فريد من نوعه ربما ليس في المكتبة العربية إنما في المكتبة العالمية. وكما كتب مقدمه الناقد السوري زياد عبد الله ان الكتاب : "رصد نقدي لاكثر من مئة كتاب صدر في الوطن العربي ليجعل منه مؤلفه قيس الزبيدي نافذة واسعة تطل على الجوانب المختلفة والمتعددة لفن السينما! ونجد "بين في فصوله رصدًا نقديًّا وفنيًّا للعديد من التجارب والظواهر السينمائية فى العالم، ويحتوى على الكتابات التأسيسية التى تلزم لبناء الزاد المعرفى لكل مهتم ومحب لفن السينما".

ينشغل الفصل الاول ببداية اختراع الصورة الفوتوغرافية بدءا من البصريات العربية واختراع الفوتوغراف: الكتابة بالنور الى بداية الصورة المتحركة: السينماتوغرافيا: النحت في الزمن الى اختراع الفونوغراف.

وينشغل الفصل الثاني بأهم كتابين حول نظرية فن السينما صدرا في المانيا وهما: من كاليغاري الى هتلر والشاشة الشيطانية، إضافة إلى  اهم كتاب صدر في مصر في الخمسينيات الى اهم كتاب صدر في فرنسا ـ علم جمال وعلم نفس السينما لميتري ـ هنا يعرفنا المؤلف بمنطق الفيلم ومفارقات الزمن وصورة الفيلم التي تجمع بين الماضي والحاضر.

وسيبدا الفصل الثالث بصباح خير السينما في منهج يتناول منطق البحث عن التجريب لاكتشاف قدرة الصورة المتحركة في خلق الفن السابع: افلام التجريب الاولى ومتعة تذوق السينما كفن وفروقات الاستعارة الشعرية في الادب والسينما، الى دخول السينما عالم الحداثة.

وطريف الفصل الرابع: ما هي السينما؟ انه يتناول طرق واساليب الكتابة والاخراج عند  الموجة الجديدة في السينما وسينما المؤلف الى اساليب الاخراج عند الذين يحبون السينما التي لا تحبهم: وسنقرا كيف يتعرض غودار في فيلم "الصينيون" الى اطفال ماركس والكوكا كولا! ونقرأ في الفصل الخامس عن المختبر الابداعي وعلاقة النقاد بالسينما وكيف يتعرضون في حوارتهم الى الافلام، وكيف يمكن للنقد والتقويم ان يساهم في تدريب الحاسة النقدية ومهمة الناقد السينمائي واسرار النقد في الكتابة عن السينما والافلام وحول المعادلة الصعبة في انجاز ما يُحكى في الرواية وما يُحكى في السينما؟

وبعد قليل من الصبر لن نعود إلى قراءة فصول الكتاب فصلا بعد فصل انما نصل باستمرار في تتابع منهجي الى علم جمال السينما وجماليات الفيلم ومساراته ليس فقط في الافلام التي نشاهدها إنما ايضا في تلك الافلام التي لم تنجز وبالتالي لن يتسنى لنا رؤيتها!
وقد يبدو هنا ان نستمر لنعرف القاريء بمحتويات الكتاب الذي يتعرض ايضا الى مهنة كتابة السيناريو عن الاديب الكبير نجيب محفوظ والى خصائص السينما في العالم الثالث وعن المخرج الايراني والشاعر كريمستاني: يلقب بذئب الشعر والسينما المتربص الذي ورث موهبة غنائية ترى الجمال والحياة وسط حتمية وجود لا يطاق، ويعد أول شاعر بصري وضع السينما الإيرانية على خريطة العالم بعد ان سار في طريق:

من أجل الوصول/ إلى الجنة/ يتحتم العبور/ من طريق الجحيم.

وعلينا ان نذهب الى السينما في رحلة طويلة كما فعل سيد فيلد لنكتشف من جديد ارسطو الذي يعاد  طريقته المدهشة والمثيرة في "التماهي" حيث تعود من المسرح اليوناني الى افلام هوليوود لتخاطبنا لكننا سنكتشف ايضا غريمه المُغترِب والمُغرٍب برتولت بريشت الذي ذهب بدوره الى هوليوود وكتب:

عند كل صباح/ لكي اكسب قُوتي

اذهب الى السوق/ حيث تباع الاكاذيب

وانا/ حافل بالأمل

اصطف بين البائعين

نتعرف أيضا على الكاتب العظيم ماركيز وواقعيته السحرية في السينما الذي ربما لايعرف محبيه الا بعض الافلام التي حولت من رواياته الى السينما مثل «حكاية موت معلن» و«الحب في زمن الكوليرا» لكنه كتب سيناريوهات كثيرة ونظم ورشات لتطوير القصص والحكايات في مدرسة سان انطونيو دي لوس بانيوس الدولية للسينما والتلفزيون، ليتم تحويل الحكايات، بعدئذ، إلى سيناريوهات في ورشة ماركيز الدائمة في المكسيك، والهدف من ورشاته دعم المدرسة مالياً.

وتتوالى الفصول التي يضم كلٍ منها مجموعة من حرفيات السينما، مناهجها ومصطلحاتها وأسرارها،  ونتعرف فيها على اهم التيارات السينمائية والافلام والمخرجين:

الملك أورون ويلز: يؤسس عرش اللقطة/المشهد. الايطالي فيلليني: يرى أن أفلامه السينمائية هي أولاده، أما التلفزيونية فهي أشبه بأبناء إخوته.
بينما نتعرف على انطونيوني اثناء ما يكون في في الصحراء ليرسم قصة عن البحر. ويخبرنا بازوليني انه فضّل غرامشي على ماركس، ولعبت أفكاره كما يقول: „دوراً أساسيا في تكويني... وكان لأصدائها في داخلي تأثير حاسم“. مما جعل بازوليني يعارض ميل حزبه الشيوعي للحكم على الادب من وجهة نظر سياسية ليضع التساؤل التالي: أن أولئك الذين مع اليسار في الأدب، ليسوا دائماً معه في السياسة!

والمسالة اتي تثير الاستغراب التشابه بين إنغمار بيرغمان وارسون ويلز، فإذا ما أخذنا فيلم "الفراولة البرية" لبيرغمان وفيلم "المواطن كين" لويلز، فأين سنجد الصلة الفنية في معالجة الموضوع المتشابه عند الاثنين؟ اي البحث عن الطفولة الضائعة! يكتب بيرغمان:"الحقيقة أني أعيش دائماً وباستمرار في طفولتي، كما أني اسكن باستمرار في حلمي، ومنه أقوم أحياناً بزياراتي للواقع"!

يتابع فايدا في كتابه „الرؤية المزدوجة“ المراحل الأساس في عملية إنتاج الفيلم من ولادة الفكرة إلى السيناريو مروراً بالتصوير والمونتاج وحتى ليلة افتتاح، يجدها فايدا طقساً حزيناً، لأن الفيلم إذا نجح فسيأتيه بالمشكلات مع زملائه، وإذا لم ينجح فستنهال عليه أيضاً المشكلات. في حفل كهذا يتوقع المخرج حدوث كارثة.
وعبر ذات المظهر السياسي الصريح، سعى أنجيلوبولوس وتحت تأثير ماركس وفرويد أيضاً، إلى سبر الأوضاع الاجتماعية والسياسية، عبر تناوله لتلك الفترات التاريخية الهامة التي مرّت بها بلاده اليونان. ففي فيلم "الإسكندر الأعظم" وهو تأمل فلسفي- سياسي في مسألة السلطة ومعضلاتها يقول : "حاولت أن أصور مناضلاً من أجل الحرية ما إن يصل إلى السلطة حتى يتحول إلى طاغية مستبد! لم أكن أشير إلى مثال أو نموذج محدد، بل إلى خطر الفساد الذي يواجه كل شخص في السلطة".

أما بالنسبة إلى التأثير السينمائي وابتكار "ميزا نسين" مكانه الخاص من لقطات كانت غالباً تستغرق عشر دقائق تقريباً، فيعترف ثيو أنجيلوبولوس بأنه مستنبط من أفلام أرسون ويلز، وبالتحديد من استخدامه اللقطة الطويلة وعمق المجال البؤري والمونتاج الداخلي ومن توظيف تلك العلاقة المتزامنة بين الزمان والمكان.

وكما يقول الناقد وولفرام شوت كان، وسط المخرج الشعري هو الزمن، الذي يتيح للمتفرج أن يخلق صوره الخاصة مما يعرض على الشاشة وحول هذا يقول أنجيلوبولوس "أريد من أفلامي أن تعطي المتفرج الإحساس بأنه ذكي ومتقّد الذهن، أن تساعده على فهم وجوده الخاص، أن تمنحه الأمل بمستقبل أفضل، أن تعلّمه كيف يحلم ثانيةً". ويدعونا المخرج اليوناني أخيراً أن لا ننسى أن بعض الأفلام، التي تنجح تجارياً نجاحاً ساحقاً، سرعان ما تتعرّض للنسيان. بينما تترك أفلام أخرى، لا يشاهدها إلا جمهور قليل، بصمتها على تاريخ السينما.

ولعل كتاب شابرول الجديد „كيف يصنع المرء فيلماً“، هو من أطرف ما يمكن أن يُقرأ، لأن آراءه مملوءة بالمعرفة والسخرية في آن: „يستطيع المرء أن يتعلم من أفلام الماضي ويشرحها انطلاقاً من العواطف وصولاً إلى التحليل، لكن من دون أن يقول: هكذا فقط تُصنع الأفلام، فلكل مخرج طريقة خاصة في التصوير، تختلف عن غيرها، والطريقة الصحيحة عند هذا المخرج، تكون خاطئة عند مخرج آخر، بالتالي لا يحق لنا أن نتحدث عن مدارس سينمائية. ويؤكد شابرول: "ما أردت قوله في هذا الكتاب، لا يصح إلا على طريقتي الخاصة في الإخراج". الطريف ايضا أن يجد شابرول نوعين من المخرجين: الحكواتي والشاعري، الحكواتي يحكي حكاية، لا تعبر عن رؤية خاصة للعالم، ولا يريد أن يوصل خطاباً معيناً إلى المشاهد، إنه يريد فقط أن يجد الشكل السينمائي الجذاب للحكاية التي اختلقها غيره. أما الشاعري فعنده رؤية للعالم، وهاجسه أن يعبر عنها ويوصلها إلى المشاهد.
   
كيف تصبح مخرجاً عظيماً؟ وضع اندرو ساريس في كتابه „السينما الأمريكية“ هرماً صنف فيه المخرجين الأمريكيين إلى طبقات، وأطلق على الطبقة العليا „مجمع الآلهة“، وهي الطبقة التي انتمى إليها مخرجون عظام كغرفث وشابلن وأرسون ويلز وجون فورد و... والآن يأتي كين داسنغر، بتصنيف مشابه للمخرجين، يضم مستويات ثلاثة: الأول: مخرج حرفي، متمكن من أدواته التقنية، يحقق نص الفيلم دون أية قراءة للمعاني المتضمنة فيه، وبالتالي لا يضيف عمقاً إلى معانيه أو مضمونه. والثاني: مخرج جيد يستخدم تفسيره للنص، ويضيف إلى معانيه معاني، ليجعلها أكثر عمقاً، ويضفي على سرده تعقيده الواعي. والثالث: مخرج عظيم، يبحث عن معنى عميق متضمن في النص، يفسره بجرأة مدهشة، ويحقق تصوراً سينمائياً، غير مألوف، ويردفه بصوت بصري قوي ورؤية خاصة للعالم.

يستكشف المؤلف، بشكل مفصل، أدوات الإخراج المهنية عند 14 من المخرجين المهمين، ويبحث، بوضوح، في كيفية استخدامها، وهدفه تقديم العون لمن هو محترف ليصبح مخرجاً جيداً، ولمن هو جيد ليصبح مخرجاً عظيماً. ولا يستثني المؤلف الموهوبين الشباب، بل يقدم لهم العون اللازم في تعلّم حرفة الإخراج.

تعرف الموسوعة الروسية المخرج أنه من يترأس المجموعة الفنية ويدرس المواد التاريخية أو المعاصرة ويوحِّد الجهود الإبداعية للفنيين، وينظم كل الأعمال. تبقى مسألة أنه "يَترأس" تَكمن في درجة المسؤولية والمواظبة والصحة والوضوح، وأنه "يَدرس" تَكمن في كشف ما هو جديد في المادة، وأنه "يُوحِّد" تظهر في صدام بين المادة والحياة الخاصة وأنه "يُنظِم" تَتم في صهر أفكار ومشاعر الناس غير المتشابهين في نوعياتهم النفسية. يحاول كوزينتسيف أن يتعرف إلى رأي أربعة مخرجين حول جوهر فن السينما:
رأي الأول، إنه المونتاج إذ ينكشف العالم من خلال حدة نظر العدسة ويتفكك إلى صور منفردة «لقطات» ليَتحد منْ جديد على طاولة المونتاج. ورأي الثاني، إنه شاعرية التصوير الدينامي والشعور بالزمن والتيار الذي يمر عبر الصور. ورأي الثالث، إنه عالم الإنسان الروحي الذي تكشفه الشاشة وتجعل ما يحيط به مرئياً. أما رأي الرابع فإنه التغلب على تسطيح التصوير وتجاوز تسطيح الشاشة وإيجاد «الشاشة العميقة». الطريف أن الأربعة هم شخص واحد هو المخرج السوفييتي غريغوري كوزينتسيف، مؤلف كتاب «الشاشة العميقة»  الذي هو واحد من أفضل المخرجين الذين قدموا هاملت شكسبير في السينما، إلى جانب عمالقة آخرين، بلغت السينما معهم سن الرشد، أولهم، طبعاً، الإنجليزي لورانس اوليفييه.

في كتاب كاتانيان „ثمن العيد الخالد- نقرأ سيرة باراجانوف وحياته الخاصة: مذكرات عن أعماله، أحاديثه ونزواته، غرابة أطواره، إضافة إلى رسائله من السجن. في الرابعة والستين، سمح له، أول مرة، بالسفر إلى روتردام، كواحد من أفضل عشرين مخرجاً في العالم، للمشاركة في احتفال 1988 „أمل القرن الحادي والعشرين“. وبدأ بعدئذٍ ينتقل من بلد إلى آخر، يتلقى الجوائز وتنهال عليه عروض العمل في أوربا وهوليوود: „إنهم يجعلونني قرداً مروّضاً، لا أحب هذه الفنادق الضخمة ولا أعرف أن أقوم بفتح العدد الذي لا ينتهي من صنابير المياه في الحمامات، ولا أن أنام في أسرّة تجعلني أزحف على أربع، لأصل إلى الوسادة.. جذوري ومشاعري وآلامي في بيتي، ولا أريد أن أصور في بلد آخر“. وكتبت عنه „ليبراسيون“: „المايسترو الوحيد، بعد رحيل بازوليني، الذي يجعلنا نصدق الأساطير. محت السلطة من حياته خمسة عشر عاماً، وحرمته من إنجاز أفلامه، ولا تُوجد عقوبة جنائية، لم تُسجل ضده، ولا توجد خطيئة لم تُلصق به“

ويحتوي كتاب الثقافة السينمائية: مونوغرافيات الذي صدر في نهاية عام 2013 في سلسلة افاق سينمائية/ الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة على 192 صفحة واثنا عشر فصلاً هاماً من الناحية الحرفية والفكرية وغلاف بتصميم بسيط ذو مغزى موضوعي ، الى جانب كونه من الناحية الفكرية والحرفية كتاباً مثيراً للنقاش والجدل كما عبر عن ذلك الناقد السوري زياد عبد الله قائلاً : في الإحالة إلى "مونوغرافيات في الثقافة السينمائية"، سيكون "المونوغراف" هنا تتبعاً للسينما من حسن بن الهيثم والفوتوغراف إلى أيامنا هذه، وبين المونتاج والميزان سين نجد مساحة لكل ما له أن يكون على اتصال بمفاصل تاريخ السينما، وليكون الكتاب في مساره السردي مستعيناً بما قرأه الزبيدي من كتب سينمائية صدرت بالعربية سواء المترجمة إليها أو المؤلفة بها، وعليه يمسي الأمر أشبه بكتاب في كتب، مع آلية مونتاجية تمنحها سياقاً زمنياً، وصراعاً درامياً تمارسه تلك الكتب بعضها مع بعض، فتتلاقح الأفكار، وتخرج منه مجتمعة على كل ما يريد قيس الزبيدي قوله لنا، وهو هام وملّح، ولي أن اسمعه أحياناً كنداء دائم وعميق أمام نداءات الاستغاثة التي على الثقافة السينمائية أن تطلقها في عالمنا العربي.

في كتابه الجديد "الثقافة السينمائية: مونوغرافيات" يقربنا الفنان قيس الزبيدي بإبداعه كسينمائي محترف أو ككاتب وخبير في هذا المجال كما في كل مرة من فنون السينما وتفاصيلها، كأنه يريد أن نبحر في جولات مؤنسة في أزقة السينما وثقافتها. لقد تمتعت حقاً بهذا المنجز وألهتني قرائتي له، الابتعاد عن الكثير من الهموم. 

عصام الياسري

9
توضيح من لجنة التضامن مع الشعب العراقي - برلين

تأسست "لجنة التضامن مع الشعب العراقي ـ برلين" قبل عدة سنوات لمناصرة الشعب العراقي في نضاله ضد الإحتلال والطائفية ومبدأ المحاصصة وممارسات المليشيات الطائفية، وأصدرت حتى آذار عام 2013 عدة بيانات بهذا الخصوص. وقد توقف نشاطها منذ ذلك الحين لاسباب معنوية خارجة عن ارادتها. لذلك فاللجنة غير مسؤولة عن بيانات ودعوات لانشطة ومظاهرات صدرت في المدة الأخيرة بإسم "لجنة التضامن مع الشعب العراقي ـ ألمانيا"، ونؤكد بأن تلك البيانات لا تمثل رأي أعضاء لجنتنا ومؤسسيها لا من قريب أو بعيد، ونعلن بهذا حل لجنتا بشكل رسمي، لتفادي أية ملابسات قد تحدث لاحقاً بسبب نشر بيانات ودعوات تحمل اسم اللجنة دون علمنا. وسوف نعلن في المستقبل عن الإطار الذي سوف نعمل من خلاله للإستمرار في مناصرة الشعب العراقي في محنته الحالية والتضامن معه لمواجهة استمرار جره الى صراعات طائفية تؤول إلى تمزيق كيانه الوطني ووحدة نسيجه الاجتماعي والذهاب به نحو حرب أهلية مدمرة.
عن اجتماع اعضاء اللجنة المنحلة
برلين في 16 حزيران / يونيو 2014


10
في أي إتجاه تسير الثقافة في العراق؟

عصام الياسري

أكثر من عشر سنوات مضت على غزو العراق في العام  2003واحتلاله، والخطاب السياسي العراقي "الديمقراطي"؟ لا يزال ملتبساً يراوح في مكانه، ولم يتضح بعد لا المضمون المؤسساتي ولا الإداري للدولة. كما بدأ الشك في ضوء الاحداث السلبية واضحا في عجز صناع القرار الجدد في مختلف مجالات "عصر" التوافق الطائفي، في الحفاظ على الثوابت الوطنية والمواءمة بين الرؤية الواقعية للمجتمع، وامكاناته التقنية والبشرية لتجاوز الأزمات المتعددة التي تمر بها البلاد منذ الاحتلال. إضافة إلى غياب خارطة طريق سياسية واضحة تقنع الرأي العام برغبة "السلطة" في عملية التغيير باتجاه التقدم والبناء وإنشاء مؤسسات "وزارات" كفوءة تخضع لمراقبة القضاء والقانون والمجتمع. ولم يصار لحد الساعة لا تقييم الحقبة الديكتاتورية السابقة بشكل موضوعي، ولا العمل على معالجة آثارها ومنع تكرار مظاهرها السلبية وفق مفاهيم وأهداف وغايات وطنية واضحة المعالم.

وبعد عشر سنوات على تلك الحرب على العراق وشعبه، نسأل: ماذا حصد هذا البلد العريق بحضارته وثقافاته وتنوع طوائف مجتمعه؟ وكيف سيكون مستقبله في ظل تناحرات طائفية وعرقية، تبدو عسيرة على الحل؟.

لكن يبقى ايضا السؤال الكبير: ما المصلحة في خراب ثقافة هذا البلد ونهب آثاره وتدمير حضارته؟.

في عام 2003 قامت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في حلف شمال الأطلسي "الناتو" بمساعدة المنظومة العربية والأقليمية بشن حرب كونية ثانية على بلاد الرافدين "العراق" أستعملت فيها كل أنواع الأسلحة منها "اليورانيوم والكيميائي" المحرم دولياً والذي خلف ولا يزال الكثير من الخراب والضحايا والأمراض والعذابات، وفي ظل تداعيات سياسية وعسكرية غامضة تعرض العراق قبل ذلك الزمن بإثنا عشر عاماً لحرب ما يسمى بـ "تحرير الكويت" بقيادة الولايات المتحدة ومساعدة قوات التحالف الأجنبية والعربية. سلخت هاتين الحربين اللتين خلفتا دمار المدن والمؤسسات والبنى التحتية، العراق لعقود عن مداره المعاصر وجرى عن قصد تدمير هويته الثقافية ونهب إرثه الحضاري. وأصدرت آنذاك المنظمة الدولية "هيئة الأمم المتحدة" قراراً تفرض بموجبه الحصار الأقتصادي والعلمي والثقافي على المجتمع العراقي، لتصبح شريكاً في العدوان وتشجيع الحرب على بلد كالعراق، عضواً في المنظمة الدولية وأحد مؤسسيها، الأمر الذي أدى إلى حرمان أبنائه بمن فيهم الأطفال من الحصول على ابسط وسائل التعليم: الكتاب والدفتر وقلم الرصاص بالإضافة إلى حجر وسائل المعلومات الألكترونية.     

واليوم يواجه المجتمع العراقي أسوأ مسارٍ لا يتناغم مع بصيرة الانسان وعقله، حيث يجري وسط جدل مثير للغاية وبحجة تنمية الفكر والاصلاح الاسلاموي خنق "الثقافة" وتهديم أركانها الهامة في تطور المجتمع وإنماء وعيه. وبواسطة العملية السياسية المترنحة على أطلال هلامية لم تفرخ بعد أحلام السلطة كـ "الديمقراطية و الحرية"، يتعرض أهل العلم والفكر والثقافة والإعلام العراقيين للقتل والملاحقة، الأمر الذي أدى إلى هجرة العديد منهم خارج وطنهم حيث يعانون من مشاكل إنسانية ومجتمعية جمة. ويبدو أن المشروع الثقافي في إطاره العام في العراق تحت رحمة الكتل والأحزاب الطائفية والشوفينية الحاكمة، لن يستطيع إعمار وهيكلة أوضاعه أو المساهمة ببناء كيان مستقل للدولة، ليصبح مشروعاً لا يستطيع في ظل "ثقافة الجهل" أن يتنقل بشكل صحي بين واحات المعاهد والمراكز والمؤسسات الثقافية داخل الوطن وخارجه.

ومع ضجر المجتمع العراقي بمختلف إتجاهاته من سلوك السياسة والسياسيين، تضاءل دور المثقفين وحوصرت الثقافة ووضعت العراقيل أمام تطورها ما تسبب من خراب لعقل الانسان والفكر. واتجهت دوائر الدولة المعنية وبشكل خاص وزارة الثقافة عن عمد لتطويق المؤسسات الثقافية كإتحادات الفنانين أو الأدباء وسواها. وقامت بالإمتناع عن تقديم المساعدات المادية لها أو تأسيس مراكز ثقافية رديفة تتمتع بدعم متعدد الأشكال. ولم يتمحور هذا النشاط حول الأسرة الثقافية في الداخل إنما إتجه نحو الخارج في خطوة لإستهداف نشاط الجمعيات الثقافية العراقية في المهجر، لتصاب بالقطيعة وتحرم من تكافؤ الفرص حالها حال دور الثقافة غير الطائفية في العراق. ففي السنوات الأخيرة رصدت الدولة العراقية مبالغ طائلة لتأسيس مراكز ثقافية في الخارج، لم تعرف لحد الآن اهدافها ولا هوية طواقمها. وبات مكشوفاً بأن هذه المراكز الثقافية التي أنشئت في بعض العواصم كبيروت واستكهولم ولندن وأمستردام وبرلين لاحقاً "والحبل على الجرار"، لم تستطع قياساً بحجم المبالغ التي تصرف لها، القيام بأي مشروع ثقافي جدير بالاستحسان. ولم تصنع مناخات ثقافية عراقية متنوعة تخدم حضارة وادي الرافدين العريقة.

عندما نتحدث هنا عن الثقافة نقصد بذلك إجمالاً "الفن والأدب والإعلام" التي يستقيم نحوها كل إعتبار ومال، كونها وبكل ما تملكه من عناصر ومقومات، قبلة المجتمع في أي ظرف ومقياس.. والأنظمة القائمة في العديد من الدول على أسس ديمقراطية تأخذ برأي المثقف، وتضع له منزلة خاصة في الشأن الاجتماعي السياسي ذاته، لأنها تدرك أن صناعة العقل لا تتحقق إلا بوساطة المثقف والثقافة المتحررة من هيمنة وقيود السلطة. إن احترام الدولة للثقافة والمثقف واجب من صميم مسؤولياتها وإحترامها للمجتمع الذي يجل تراثه ويعتز برواد تقافته ومبدعيها.   

إن انتشار ظاهرة ثقافة "التظليل" التي تمارسها السلطة السياسية عبر وسطاء "الثقافة" يشكل أسلوباً بدائياً متخلفاً ويروج لثقافة العشيرة التي ينبغي مواجهتها بحزم من أجل إرساء مفاهيم تجعل من الثقافة عاملاً مؤثراً في حل الأزمات ومشاكل المجتمع السياسية والإقتصادية والإجتماعية بشكل ينسجم وعناصر الدفاع عن مصالح الأمة الوطنية.. يقول الكاتب والمفكر د. سّيار الجميل: "منذ أن يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والبنيتين التحتية والفوقية وما تبدعه في مجالات الثقافة والفنون، مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به ثم اتباع مصادره".ـ على المثقف العراقي تقع اليوم مهمة الدفاع عن إرثه الثقافي والحضاري كي لا يتعرض العراق وأجياله إلى تداعيات خطيرة غير محسوبة قد تؤدي بمستقبله.   
وعلى ما يبدو فإن المشهد الثقافي سيبقى جزءاً من اللعبة السياسية، وبسببه سيتراجع مضمون الثقافة وتتدنى كثيراً من ناحية انتاج مستوياتها الإبداعية. ففي ظل مفارقة غريبة، رشحت "بغداد" من قبل مجلس الجامعة العربية لأن تكون عاصمة للثقافة العربية لعام 2013. لكن هذه الموافقة كما ورد في وسائل الإعلام لم تكن لتتم إلا بعد أن قدم المسؤولون العراقيون تعهدات لدول عربية وإقليمية، لا تخلو من مقايضات سياسية لها علاقة بما يجري في المنطقة، بالإضافة للأموال التي أغدقتها الخارجية العراقية على شخصيات في مجلس الجامعة لتمرير المشروع بإنسيابية. لكن ما الهدف من ذلك والعراق يعاني من قيد ظلامي شائك، ومن حكم طوائف وميليشيات لا تهمها الثقافة بقدر ما يهمها نهب المال العام وممارسة الابتزاز والتهديد والرشق المتبادل. أزمات كثيرة يعاني منها المجتمع العراقي أكثرها تعقيداً أزمة الثقافة، التي لا يستطيع السياسي دون "المثقف" الحقيقي توفير الشروط اللازمة ليجعل العاصمة "بغداد" تقوم حقا بمثل هذا الدور الحضاري الكبير.

رصدت الدولة العراقية "وزارة الثقافة" لهذا المشروع الذي جاء بعد مشروع "النجف" مدينة للثقافة الإسلامية 2012 والذي شكل فضيحة كبرى في هدر المال العام. "نصف مليار" دولار أمريكي رغم أنه لا يمتلك مقومات مؤسساتية حرفية وفنية وإدارية ومهنية، ويشاع في الأوساط الإعلامية بأن الرقم الحقيقي هو "مليار" دولار. ذهب ثلثين منه لجيوب المسؤولين وأحزابهم وأتباعهم، فيما صرف الثلث المتبقي على أمور الإدارة والتنظيم وتمويل الفعاليات وسفر وإقامة المشاركين. ويبدو أن ميزانية كلا المشروعين قد أقر وفقاً لمبدأ "التوافق"، إذ لابد وأن يتم الاتفاق على حجم الحصص وتوزيعها بين جميع الكتل السياسية قبل الشروع بالتوقيع على اي مشروع حتى وان كان مشروعاً ثقافياً.
   
السؤال لماذا يقوم المسؤولين العراقيين بهدر كل هذه الأموال الطائلة في زمن يعاني العراق من الخراب والمواطن من القهر والارهاب وإنتشار الفوضى والأمراض الخطيرة؟. ولماذا يتم سحق الثقافة والمثقفين، ولا يصرف لأحدهم فلس إلا بالوفاء لهذا الحزب أو تلك الكتلة.
 
لقد آن الأوان لإعادة النظر بعقلانية وموضوعية ليس تجاه الشأن السياسي وحسب، إنما تجاه كل مدارات "الثقافة" وجوهر مفاهيمها الفلسفية والفكرية التي نالها أخطبوط الصراع على السلطة وحول هذا القطاع الهام في حياة الشعب ومستقبله إلى أنماط وتصنيفات هامشية. كما ينبغي ان يكف المسؤولين السياسيين عن إعتبار الثقافة والمثقفين العراقيين مشروعاً ايديولوجياً مؤطراً لصالح هذا الحزب أو ذاك.

سؤال أخير: متى يخرج المثقفون العراقيون من عهد الوصاية للمطالبة بتأسيس مجلس أعلى للثقافة ينتخب من قبلهم على غرار ما هو قائم في أغلب دول العالم وتحويله إلى هيئة مستقلة تدار بشكل ديمقراطى بعيدا عن أي تدخل من قبل السلطة، في سياسته، الثقافية الوطنية؟.




11
الذائقة الأدبية في نصوص الكاتب يحيى علوان
أنساق فنية محكمة وأسلوب درامي..




عصام الياسري
عن دار كنعان صدر مؤخراً للكاتب العراقي المقيم في برلين يحيى علوان كتاب جديد موسوم بـ "تقاسيم على وطن منفرد" (نصوص مفتوحة). والكِتاب مختلف عن غيره من إصدارات المؤلف، من التحرير إلى التصميم. ولإيصال فكرته وجعل القاريء يتمتع لغوياً وأسلوبياً، حرص الكاتب على تطويع أدوات نهجه الأدبي وجعل النصوص والاقتباسات والهوامش في أنساق فنية محكمة وأسلوب موضوعي ولكن درامي أيضا.
ولد الكاتب عام 1946 م ببغداد وتخرّجَ في جامعة بغداد قسم اللغة الأنكليزٌية في العام الدراسي 68 – 69. منذ عام 1968 اشتغل في الصحافة والترجمة ولازال يعمل في مختلف الصحف والدوريات العراقية والعربية والأجنبية .. وللكاتب مجموعة اصدارات متميّزة في الرواية والنثر والترجمات منها: المشط العاج (رواية فيتنامية) تُرجمت عن الإنكليزية وصدرت في بغداد عام 1969 عن "مكتبة ودار النهضة " حوارات المنفيين ( نصوص ساخرة ) لبرتولد بريشت، ترجمت عن الألمانية وصدرت عن" دار كنعان" عام 2002 ، أيها القناع الصغير أعرِفُكَ جيداً (نصوص أدبية) لأوغستو مونتيروسو عن الألمانية وصدرت عن" دار كنعان "، همسْ  كتابة ( أفوريزمات) الجثة لا تسبح ضد التيار 2003 أيضاً عن " دار كنعان ".
يستهل الكاتب يحيى علوان كتابه "تقاسيم على وطن منفرد" الذي يقع بـ 166 صفحة وواحد وعشرين نصاً مختلفاً ، معظمها لا يخلو من الدعابة والواقعية. كما وتحمل مرارة الزقوم في زمن يبدو كل شيء فيه معكوساً ومخالفاً لقوانين الحياة والطبيعة:ـ ليس تمييزاً ضد الأوطان، لكنه الوحيدُ في الكون، حتى اليوم! فَرادتُهُ تَتأتى من كونه "تحرر" محتلاً!! يقصد به العراق طبعاً.. هذه الجملة الصغيرة، الهائجة بمعانيها، تختزل كل مضمون الكتاب ومفرداته القيمة.
نصوص يحيى علوان في "تقاسيم على وطن منفرد" شيء شبيه بعمل "تشكيلي" تتناغم فيه الأماكن والأزمنة، ولا يخلو في الكثير من الأحيان من الرمزية والنثر وإنشاء كائنات مجازية.. الجدير بالاهتمام، أن "النصوص" بمختلف أجناسها من ناحية المعايير الفنية في سياقها الحكاياتي، تحتوي على ثروة من البلاغات، المسؤولية الأخلاقية ازاء مسألة الإنتماء بكل مظاهره، فضلاً عن الأحاسيس والأماني المتعلقة بنظم وظروف الحياة.
سعى الكاتب يحيى علوان على طريقة النظرية الاجتماعية بأسلوب أدبي بليغ، إلى تسليط الضوء على خلفية تغييرات جذرية في الحياة السياسية العامة في وطنه، لتصويب المشاعر نحو التفكير بقضايا المجتمع الهامة.. هذا التقييم لا يعكس أهمية "اللغة" "التعبيرية" كأداة مؤثرة للدفع باتجاه الحدث وحسب، إنما جعل من عناصر النصوص مقومات منسجمة مع نبض الأخلاق والمعايير الفكرية. وقد تحمل سيرة مجازية ملاءمة بشكل تفاعلي مع الذائقة الأدبية، تقنياً وسيميائياً.
وتكتسب "تقاسيم على وطن منفرد" للكاتب يحيى علوان أهمية بنيوية وجمالية أدبية متدفقة فيها الكثير من الاستعارات والرموز والصور والأجناس، غزيرة المذاهب الرومانسية والانطباعية. وبالتالي هي من الناحية المفاهيمية، نصاً وموضوعاً، من الأنماط الجديدة في أدبنا العربي المعاصر. بالإضافة إلى أنها جمعت بين الأدب والسياسة لاستخلاص المفاهيم من بين حدود واضحة.


 



12
الكاتب يحيى علوان
يهمس في أذن الحقيقة من بعيد..

 
عصام الياسري
عن دار كنعان صدر مؤخراً للكاتب العراقي المقيم في برلين يحيى علوان كتاب جديد موسوم بـ "تقاسيم على وطن منفرد" (نصوص مفتوحة). والكِتاب مختلف عن غيره من إصدارات المؤلف، من التحرير إلى التصميم. ولإيصال فكرته وجعل القاريء يتمتع لغوياً وأسلوبياً، حرص الكاتب على تطويع أدوات نهجه الأدبي وجعل النصوص والاقتباسات والهوامش في أنساق فنية محكمة وأسلوب موضوعي ولكن درامي أيضا.
ولد الكاتب عام 1946 م ببغداد وتخرّجَ في جامعة بغداد قسم اللغة الأنكليزٌية في العام الدراسي 68 – 69. منذ عام 1968 اشتغل في الصحافة والترجمة ولازال يعمل في مختلف الصحف والدوريات العراقية والعربية والأجنبية .. وللكاتب مجموعة اصدارات متميّزة في الرواية والنثر والترجمات منها: المشط العاج (رواية فيتنامية) تُرجمت عن الإنكليزية وصدرت في بغداد عام 1969 عن "مكتبة ودار النهضة " حوارات المنفيين ( نصوص ساخرة ) لبرتولد بريشت، ترجمت عن الألمانية وصدرت عن" دار كنعان" عام 2002 ، أيها القناع الصغير أعرِفُكَ جيداً (نصوص أدبية) لأوغستو مونتيروسو عن الألمانية وصدرت عن" دار كنعان "، همسْ  كتابة ( أفوريزمات) الجثة لا تسبح ضد التيار 2003 أيضاً عن " دار كنعان ".
يستهل الكاتب يحيى علوان كتابه "تقاسيم على وطن منفرد" الذي يقع بـ 166 صفحة وواحد وعشرين نصاً مختلفاً ، معظمها لا يخلو من الدعابة والواقعية. كما وتحمل مرارة الزقوم في زمن يبدو كل شيء فيه معكوساً ومخالفاً لقوانين الحياة والطبيعة:ـ ليس تمييزاً ضد الأوطان، لكنه الوحيدُ في الكون، حتى اليوم! فَرادتُهُ تَتأتى من كونه "تحرر" محتلاً!! يقصد به العراق طبعاً.. هذه الجملة الصغيرة، الهائجة بمعانيها، تختزل كل مضمون الكتاب ومفرداته القيمة.
نصوص يحيى علوان في "تقاسيم على وطن منفرد" شيء شبيه بعمل "تشكيلي" تتناغم فيه الأماكن والأزمنة، ولا يخلو في الكثير من الأحيان من الرمزية والنثر وإنشاء كائنات مجازية.. الجدير بالاهتمام، أن "النصوص" بمختلف أجناسها من ناحية المعايير الفنية في سياقها الحكاياتي، تحتوي على ثروة من البلاغات، المسؤولية الأخلاقية ازاء مسألة الإنتماء بكل مظاهره، فضلاً عن الأحاسيس والأماني المتعلقة بنظم وظروف الحياة.
سعى الكاتب يحيى علوان على طريقة النظرية الاجتماعية بأسلوب أدبي بليغ، إلى تسليط الضوء على خلفية تغييرات جذرية في الحياة السياسية العامة في وطنه، لتصويب المشاعر نحو التفكير بقضايا المجتمع الهامة.. هذا التقييم لا يعكس أهمية "اللغة" "التعبيرية" كأداة مؤثرة للدفع باتجاه الحدث وحسب، إنما جعل من عناصر النصوص مقومات منسجمة مع نبض الأخلاق والمعايير الفكرية. وقد تحمل سيرة مجازية ملاءمة بشكل تفاعلي مع الذائقة الأدبية، تقنياً وسيميائياً.
وتكتسب "تقاسيم على وطن منفرد" للكاتب يحيى علوان أهمية بنيوية وجمالية أدبية متدفقة فيها الكثير من الاستعارات والرموز والصور والأجناس، غزيرة المذاهب الرومانسية والانطباعية. وبالتالي هي من الناحية المفاهيمية، نصاً وموضوعاً، من الأنماط الجديدة في أدبنا العربي المعاصر. بالإضافة إلى أنها جمعت بين الأدب والسياسة لاستخلاص المفاهيم من بين حدود واضحة.
 
 
 

13
التراث وبلاغة التراتيل الشعبية في فضاءات رمضانية

منتدى بغداد للثقافة والفنون برلين
الحوار المتمدن-العدد: 3827 - 2012 / 8 / 22 - 02:34
المحور: الادب والفن

www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=320869

السينمائي العراقي قيس الزبيدي
في ضيافة منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين


في إطار برنامجه خلال شهر رمضان ، إستضاف "منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين" يوم الجمعة 17 آب / أغسطس 2012 المخرج السينمائي العراقي الفنان قيس الزبيدي ، وبعد أن رحب رئيس المنتدى الصحفي عصام الياسري به وبالضيوف من الوسط العراقي والعربي والألماني ، تم عرض فيلمين تسجيليين من اخراجه تحت عنوان "رمضان ومدينة" ، امتازا بإعجاب الحضور واتساع رقعة الحوار بينهم وبين المخرج الزبيدي.
تخرج الفنان السينمائي قيس الزبيدي الذي تتصف تجربته السينمائية بالعمق والثراء الفنيين. من معهد الفيلم العالي في بابلسبرغ / ألمانيا ( دبلوم في المونتاج 1964. دبلوم في التصوير 1969). قام بمونتاج وإخراج العديد من الأفلام العربية الهامة في دمشق ولبنان وتونس وفلسطين وألمانيا ، واخرج مجموعة من الأفلام التسجيلية للمؤسسة العامة للسينما في دمشق وفي دائرة الثقافة والأعلام في منظمة التحرير الفلسطينية ، وحازت أفلامه على جوائز قيمة في مهرجانات عربية ودولية عديدة.
وكانت الجزيرة الوثائقية قد أنتجت 29 فيلما تحت عنوان "رمضان ومدينة" لبثها عند حلول شهر رمضان ، اخرج منها قيس الزبيدي فيلمين منفصلين ، احدهما عن مدينة دمشق والثاني عن مدينة طرابلس في لبنان ومدة كل منهما 45 دقيقة. والفيلمان يصوران الحياة اليومية لعائلتين سورية ولبنانية وما يترتب على الحياة اليومية للناس خلال مسيرة يوم رمضاني من الصباح االباكر حتى وقت الفطور وما يرافق ذلك من طقوس رمضانية دينية في ركب النهار الى أن يحل وقت السحور والتي تتشابه وتختلف من مدينة الى أخرى. ويتناول الفيلمان أيضا الطقوس المألوفة والإنشاد الديني وسهرات الحكواتي ورقص الملوي خصوصا في دمشق ، كما يجسدا العادات والطقوس الدينية والاجتماعية التي يمارسها الناس عادة في المدن العربية.
يقترب الفيلمان دون حذر وبشكل فريد من حدود ، التاريخ ، والربط بين الحياة اليومية وتشابك النسيج الاجتماعي ، الذي تعبر عنه التقاليد والعادات المشتركة ، أو المتناقضة. ويطرحان بشكل غير مباشر أسئلة الوجود والانتماء الديني والطبقي إن شئت.. وكان لاسلوب التصوير وايقاع الحركة وطبيعة المؤثرات الصوتية والموسيقية المرافقة ، دلالات متميّزة تشير إلى قدرة الفنان الزبيدي وخبرته.
أحدث العرض ردود فعل متباينة ، ففي الوقت الذي أشاد المخرج قحطان عبدالجليل بإمكانيات الزبيدي السينمائية وتجربته الفنية على المستوى العراقي والعربي ، كان له رأي ثانٍ لخصه بالقول: أتصور أن الفيلمين هما أقرب لعمل يخص مشروع السياحة بدل تناولهما لموضوعة طقوسية رمضانية تأسر المشاهد وتبعث فيه المتعة والاعجاب. أما الدكتور كاظم حبيب فقد أبدى إعجابه بالعملين من الناحية الفنية ، ألا أنه أضاف: يبدو لي أن المؤسسة المنتجة "الجزيرة الوثائقية" كانت تريد كما أجدها في طبيعة هذه الأفلام أن تؤكد على إرتباطها الديني وأضاف قائلاً: أن ما لمسته بأن المخرج قد ركز من خلال إختيار شخصياته ، على الطبقات البرجوازية ، فيما ابتعد عن مظاهر الحياة اليومية الصعبة للطبقات الفقيرة وأسلوبها في إحياء طقوس هذا الشهر المبارك ، التي نعرف أنها أكثر جاذبية ومتعة كونها تمتاز بالبساطة والعفوية والأرث الأصيل.
الجدير بالذكر أن الفنان الزبيدي قد كُلف للمشاركة بإخراج حلقتين تسجيليتين من "رمضان ومدينة" ضمن سلسلة حلقات تم تصويرها في أكثر من ثلاثين دولة قامت "الجزيرة الوثائقية" كمنتج ممول بإنتاجها بعد تعطيل مشروع تلفزيزني آخر كاد أن يؤدي بإلغاء برامج هامة أخرى.. وإذ كان هدف السلسلة التعريف بثقافات الشعوب ، عاداتها وتقاليدها ، وكيف يحتفل كل بطريقته بهذا الشهر ، فإن السيناريست قد خاض طويلاً بالنماذج والسلوكيات والتفاصيل غير الهامة ، مع غض النظر عن الاعتبارات التعبيرية كالأدوات والانفعالات والاحاسيس التي تبعثها هيمنة التراث وبلاغة التراتيل الشعبية مما جعل الكثير من المشاهد عنصرا دخيلا لا تخلو من المطاطية وفضاءات الملل والنفور.


14
صبري هاشم في " لنشوى معبد في الريح "

                                       
عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق ـ سوريا صدرت للشاعر والروائي العراقي المقيم في برلين صبري هاشم ، مجموعة شعرية جديدة بعنوان " لنشوى معبد في الريح " تضم بين دفتيها اثنتين وثلاثين قصيدة كتبت في أزمان مختلفة والجدير بالذكر أن المجموعة الجديدة هي الكتاب الحادي عشر للشاعر والروائي المولود في البصرة 1952 والذي كان قد أصدر روايته الأخيرة " قبيلة الوهم " بداية هذا العام 2012 .. ومن أجواء المجموعة نضعكم أمام هذا المقطع الشعري : 
" ونحن على الريحِ ننفتحُ ولها نُشمِّرُ عن هوى خيامِنا ، فتتلاعب في بطونِها كأهلةِ موجٍ وفي حضرتِها يتنازعنا فوق تربةِ المنافي شجنُ الحديثِ ، ساقت إلينا الريحُ قافلةً فيها مِن الصحبِ الكثير . كنّا نتسرّى خارجَ زمنِ الرملِ وخارجَ زمنِ البحرِ وخارج زمنِ الصحو ونفيضُ بما ازدحمت به خواطرُنا . كنّا في خواتيمِ الزمانِ إنْ لم تشطح بنا ذاكرةٌ أو تتعثر لنا ذكرى أو فينا تخمد جذوةُ العقل . عاماً أقمنا .. عامين ، وفي أَبْيَن لم نجد غيرَ عزاء الحضرميّ . هل عاد بقافلةٍ مِن توابل أم ضاع في مجرى السيلِ ؟ مرّت علينا أيامٌ غارت في تاريخٍ سينسى . ثم مع الصحبِ توادعنا على أملِ أنْ نلتقيَ في الديارِ التي لن نعودَ إليها وإنْ كنّا حطاماً .. أمواتاً ." 

15
قبيلة الوهم .. رواية السيرة المُتَخَيّلة

برلين ـ ألمانيا
عن دار كنعان للدراسات والنشر في دمشق صدرت في نهاية يناير 2012 ، رواية جديدة للشاعر والروائي العراقي صبري هاشم وهي بعنوان " قبيلة الوهم " . ويُذكر أن صبري هاشم المولود في البصرة 1952 والمقيم في برلين كان قد أصدر عدداً من الروايات والمجاميع الشعرية نذكر منها " الخلاسيون " ، " خليج الفيل" ، " رقصة التماثيل " ، "هوركي أرض آشور " ، "حديث الكمأة " ، قيثارة مدين " ، " ليلة ترخم صوت المغني " ، " أطياف الندى " ، " جزيرة الهدهد " ، ويُعدُّ الكاتب مِن الروائيين القلائل الذين يعتمدون على تقنيات غير مطروقة في السرد الروائي بالإضافة إلى استخدامه أُسلوباً شعرياً متميزاً حيث أنه يسخّر لغة الشعر لصالح أعمالِه الروائية ، ومن أجواء الرواية نأخذ هذا المقطع : 

 

" نزلْنا ، مثلَ غجرٍ هبطوا مِن السماء ، على ضفّةِ جدول . في ظاهرِ المدينةِ ، مدينة الغرباء ، نصبْنا الخيامَ نحن القبيلة السمراء ، قبيلة الخمرِ والنساء وعَبْرَ الماء صادفتْنا شجرةُ الكستناء . كانت ضخمةً ، عظيمةً ، مجوّفةَ الجذعِ ، فعملْنا مِن تجويفِها حمّاماً لنا ، فيه ننزعُ وسخَ الأيامِ ونتدثرُ باللذّةِ . أثثنا الجدرانَ ورفعْنا عليها المرايا ثم فرشْنا الأرضَ بحصباءَ ملونةٍ أهداها لنا الجدولُ حين آخيناه وحين ألفَنا واطمأنَّ لنا. كنّا ندخلُ فرادى أو إنْ شئنا ندخلُ أزواجاً ، نساء ورجالاً فتهمس المرأةُ منّا في منتصفِ رجلٍ غيورٍ وينفخُ الرجلُ منّا بمنتصفِ امرأةٍ مِن نارِ . كنّا أزواجاً تحرسُنا المرايا وبعضُ الجذورِ النافرةِ مِن أصلِ الجذعِ . كنّا فرادى نتمرأى خلفَ أستارِ الرِّيحِ . مرّةً دخلتُ وحيداً فرأيتُ المرايا تتعرّى مثلي ورأيتُ المرايا تلهثُ مثلي ورأيتُ المرايا تشتاقني . مرّةً دخلتُ المرايا فرأيتُ الأجنةَ تعبثُ بالحصاةِ وترشقُ برفيفِها وردةَ الماء . مرةً كنّا نتجوّفُ مثلَ جذعِ الكستناء فتدخلنا المرايا كالنساء . نحن القبيلةُ السمراءُ نرتشفُ من عيونِ الليلِ عشقاً ونُدفعُ للنماء . نحن القبيلةُ السمراءُ الهابطةُ مِن السماء كالغجرِ لا نعرفُ إلاّ الرحيل والغناء . "

16
خيارات جديدة في مهرجان برلين السينمائي العالمي 2012

عصام الياسري

في 30 فبراير/ شباط 2012 عقدت اللجنة المنظمة لمهرجان برلين السينمائي العالمي"البرليناله" برئاسة د. ديتير كوسلك، مؤتمراً صحفياً في المركز الصحفي التابع للحكومة الألمانية، والواقع على ضفاف نهر شبريه "Spree" الشهير الذي يخترق العاصمة الألمانية برلين. وقام فريق العمل الخبير بإدارة وتنظيم المهرجان منذ سنوات طويلة، بإستعراض برنامج المهرجان الثاني والستين والذي سينطلق هذا العام من 9 وحتى 19 فبراير 2012 يرافقه "سوق الفيلم الأوروبي EFM" الذي يقام سنوياً وستعرض خلال أيام مهرجان هذا العام بشكل مميّز أكثر من أربعمائة مؤسسة من جميع أنحاء العالم أحدث إنتاجها السينمائي والتلفزيوني والذي يتجاوز الـ 750 فيلماً. أما "سوق البرليناله للإنتاج المشترك" Berlinale Co- Production Market وهو صندوق تمويل صناعة الفيلم في مجال الإنتاج الدولي المشترك تشرف عليه لجنة متخصصة في "أعمال الإنتاج وكتب السيناريو" أُختير لهذا العام 39 مشروع فيلم دولي وتقوم مجموعة متخصصة من المخرجين والمنتجين من 30 بلداً بالحكم عليها.
أعلنت إدارة المهرجان في مؤتمرها الصحفي أسماء لجنة التحكيم المكونة من ثمانية أعضاء على رأسهم رئيس اللجنة: Mike Leigh مايك لي، وهو واحدٌ من أهم السينمائيين البريطانيين، وقد فازت أفلامه بالعديد من الجوائز الدولية وحصل على عدة ترشيحات للاوسكار. المصور والمصمم والمخرج الهولندي Anton Corbijn انطون كوربين. المخرج وكاتب السيناريو الإيرانيAsghar Farhadi أصغر فرهادي، الممثلة الفرنسية البريطانية Charlotte Gainsbourg شارلوت غينسبورغ، الممثل الأمريكي جيك جيلنهال  Jake Gyllenhaalالذي رشح مؤخرا لجائزة الأوسكار من قبل الأكاديمية البريطانية للسينما والتلفزيون "BAFTA"  وفاز عام 2005 بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية، المخرج والسيناريست الفرنسي فرانسوا أوزون François Ozon أحد أبرز صناع الأفلام الإستعراضية وأفلام الكوميديا والقصيرة، الكاتب الجزائري بوعلام صنصال  Boualem الذي له العديد من المؤلفات الفكرية والروائية التي ترجمت إلى لغات عالمية منها الفرنسية والألمانية، وعن روايتهDas Dorf des Deutschen  "قرية الألمان" التي عرضت عام 2011 في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، منحته المؤسسة الألمانية لتسويق الكتاب جائزة للسلام. ممثلة السينما والمسرح، والمغنية الألمانيةBarbara Sukowa  باربارا زوكوفا، التي إكتشف مواهبها المخرج الألماني القدير، الراحل "راينر فيرنر فاسبيندر" الذي قدمها عام 1981 في بطولة فيلمه الثاني الشهير Lola "لولا" وعن دورها الرئيسي في فيلمه "روزا لوكسمبورغ" حازت عام 1986 على جائزة أفضل ممثلة. 
برنامج المهرجان الرئيسي لعام 2012، يتضمن 23 فيلماً، من ثلاثة وعشرين دولة، منها 18 فيلماً تتنافس للحصول على أحد جوائز المسابقة "الدببة" الذهبية والفضية أو البرونزية. وخمسة أفلام خارج المسابقة، من بينها فيلم واحد فقط "صيني" من نوع الأبعاد الثلاثة "D3" طوله ثلاث ساعات ونصف. فيما سيحتفل في البرليناله تسعة عشر فيلماً بعرضه العالمي الأول. وتأتي أفلام المسابقة من البرازيل والدنمارك وألمانيا وجمهورية الصين الشعبية، فرنسا، اليونان، بريطانيا، هونغ كونغ، اندونيسيا، ايطاليا، ايرلندا، كندا، النرويج، الفلبين، البرتغال، الاتحاد الروسي، السويد، سويسرا، السنغال واسبانيا وجمهورية التشيك والمجر والولايات المتحدة.
أما مجموع أفلام مهرجان 2012 التي ستعرض في أكثر من 35 صالة سينما، وصل 395 فيلم "روائي وتسجيلي وقصير" من أكثر من مئة دولة، أي بمعدل زيادة 10 أفلام عن العام الفائت. موزعة على أقسام المهرجان كالفوروم ومهرجان أفلام الأطفال، والفيلم الألماني الحديث والبانوراما "تسجيلي وشبيسيال" بالإضافة إلى أفلام الديكتال وعروض التكريم "Hommage" والرتروسبكتيف وبرسبكتيف. تحظى كلها بإهتمام الجمهور وأكثر من مئة مؤتمر صحفي تشارك فيه مختلف وسائل الإعلام المحلية والدولية.   
يتعرض العديد من أفلام مهرجان هذا العام لمواضيع إجتماعية وسياسية هامة عدة، يغلب على بعضها طابع الإثارة والانفعال أو العنف، فيما يلامس بعضها الآخر مناخات دافئة لا تخلو من الرومانسيه والهوس العاطفي. وستعرض على هامش المهرجان ولأول مرة، أفلام روائية وتسجيلية تتناول موضوعة "الربيع العربي" ضمن عروض الفوروم والبانوراما. كما سيكرم المهرجان أفلام وشخصيات أوروبية وعالمية، من الوسط الفني والسياسي والاجتماعي، جوائز مادية ومعنوية مرموقة كجائزة الدب والكاميرا "الذهبيتين". 
يحظى الإتحاد الروسي هذا العام بإهتمام واسع، حيث سيقدم على هامش المهرجان أكثر من 25 فيلماً "أسود أبيض و ملون" لفنانين ومخرجين عمالقة كان لهم دور كبير في صناعة السينما العالمية وتطورها أنتجت قبل وبعد ثورة أكتوبر الروسية 1917. ولما تحمل من قيمة فنية وتاريخية فريدة، ستكون فرصة ثمينة أمام المهتمين من الأجيال الحديثة. وفي ذات الإتجاه وتحت عنوان عام سعيد "ستوديو بابلسبيرك" وهو من أهم الستديوهات السينمائية ذات الشهرة على المستوى العالمي، في مدينة بوتسدام الشهيرة، والذي كانت تنتج فيه الأفلام الروائية والتسجيلية "للسينما والتلفزيون" في جمهورية ألمانيا الديمقراطية آنذاك. ستعرض مجموعة أفلام هامة أنتجت في هذا الستوديو خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب. كما سيقدم المهرجان عروضاً متميزة إعتاد أن يقدمها سنوياً تحت عنوان "الفيلم الألماني" الذي أصبح واحداً من أهم أقسام المهرجان على المستوى المحلي والأوروبي.
ويبدو أن مهرجان "البرليناله" لهذا العام يكتسب أهمية خاصة، إذ يتزامن إنعقاده مع ما يجري في العديد من البلدان العربية من حراك سياسي وإنشغال وسائل الإعلام والسياسة بما يطلق عليه "الربيع العربي"  إذ إرتقى هذا الإهتمام إلى الإشادة بهبوب رياح التغيير في المنطقة والعالم طلباً "للحرية" ومن أجل العدالة الاجتماعية والسياسية. وهي المرة الأولى التي يكون إنحياز إدارة المهرجان منسجماً مع أهمية العالم العربي، وعرضه كماً من الأفلام التسجيلية والروائية العربية والأجنبية التي تتناول موضوعات حساسة كمسألة الحكم والإصلاح والتغيير. فضلاً عن إقامة العديد من الندوات التي يشارك فيها بعض الفنانين والمفكرين والإعلاميين العرب والأجانب على هامش المهرجان.


17
على هامش أماسٍ للشاعر عبدالكريم كاصد في برلين

عصام الياسري


استضاف منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين، مؤخراً، الشاعر العراقي الكبير عبدالكريم كَاصد ، حيث نظم له أمسيتين شعريتين باللغتين العربية والألمانية في يومي 13 و15 تموز 2011 في جمعية الصداقة الألمانية العربية Deutsch-Arabische Freundschaftsgesellschaft e.V. ومكتبة فلهلم ليبكنخت Wilhelm-Liebknecht  الواقعتين في أشهر مناطق العاصمة الألمانية برلين. وقد قام بترجمة القصائد إلى اللغة الألمانية الدكتور عبد الحليم الحجاج والاكاديمي إبراهيم شريف ، كما قام بترجمة قصيدة " السيد فورد" الشاعر جميل الساعدي مثلما قام الشاعر فؤاد العوّاد بترجمة قصيدة "ذلك الوحش"، فيما قامت السيدتان سوزانه فايس  Susanne Weiß و دومينيك مار Dominique Marr  بمراجعة النصوص الألمانية.

ألقى الشاعر عبدالكريم كَاصد باللغة العربية اثنتين وعشرين قصيدة تراوحت بين الطويلة والقصيرة، وقامت الممثلة مريم عباس بقراءة القصائد باللغة الألمانية بطريقة ممتعة.
 
ولدت الممثلة مريم عباس عام 1970 في بغداد عن أبٍ عراقي وأم ألمانية وعند بلوغها سن الثانية عشرة غادرت العراق إلى برلين حيث ترعرت وتعلمت فيها. أنهت دراسة التمثيل في معهد موتسارت "Mozarteum" في سالزبورغ وشاركت بأدوار تمثيلية عديدة في المسرح والسينما والتلفزيون، كمسرح" بورغ تياتر" Burgtheater في فيينا، وفي فيلم„Nachtgestalten“  " ليلة الأشكال" عام 1999 لاندرياس درَّزن.

يعتبر الشاعر عبدالكريم كَاصد من أهم الشعراء المعاصرين. ولد في مدينة البصرة " العراق" سنة 1946. حصل على ليسانس في الفلسفة من جامعة دمشق سنة 1967 ، وعلى الماجستير في الترجمة من جامعة ويستمنستر – لندن سنة 1993 ، وبكالريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة نورث لندن سنة 1995. عمل مدرساً لعلم النفس واللغة العربية في العراق والجزائر ، وفي عام 1978 غادر العراق إلى الكويت هارباً عبر الصحراء على جملٍ ، ثمّ إلى عدن حيث عمل محرّراً في مجلة الثقافة اليمنية، وفي نهاية 1980 رحل إلى سورية ثمّ إلى لندن أواخر 1990 حيث يقيم حالياً.

تُرجم شعره إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية في أول أنطلوجيا للشعر العربي ، كما أدرج اسمه وأعماله الأدبية في (معجم الكتاب المعاصرين) و (معجم البابطين) له مؤلفات كثيرة في الشعر والمسرح والقصة، وأقيم باسمه مهرجان المربد لسنة 2006.. ومن أهم مؤلفاته الشعرية: الحقائب، النقر على أبواب الطفولة ، الشاهدة، وردة البيكاجي، نزهة الآلام ، سراباد ، دقّات لا يبلغها الضوء ، قفا نبكِ ، زهيريّات، ولائم الحداد ، الديوان المغربيّ و الفصول ليست أربعة. كما أنّ له العديد من المختارات الشعرية و ترجمات عن الفرنسية والإنكليزية بالإضافة إلى النصوص السردية المتميزة منها: جنة أبي العلاء و أحوال ومقامات.

في كلمته لتقديم الشاعر عبد الكريم كَاصد تحدث البروفسور دكتور هازه Prof. Dr. Haase المدير السابق لمتحف الفن الإسلامي في برلين وعضو المجلس الاستشاري في جمعية الصداقة الألمانية العربية DAFG قائلاً: ليس من قبيل الصدف أن تقترب من بعضها ثقافياً ، ثلاثُ مدن مشهورة ، تبدأ أسماؤها بحرف الباء: بغداد المدينة التي يحمل اسمها المنتدى والتي ذاقت على مر العقود الخمسة الأخيرة ويلات الحروب ، ومازال مخزونها الثقافي والحضاري ، الذي نهلت منه كل ثقافات العالم منذ أول ملحمة شعرية "كلكامش" خرجت إلى النور، يعاني من التخريب والنهب ثم برلين المدينة التي لم تسلم هي الأخرى من محنة الحرب في أربعينات القرن الماضي ، بيد أنها جمعت في الذاكرة الانسانية سجلاً ضخماً من المعاناة والنتائج السيئة التي انعكست بدورها على الثقافة العالمية وأخيراً مدينة البصرة ، مسقط رأس الشاعر، التي تطل على الضفة الغربية من الخليج العربي ، مدينة اللغة والعلم التي لم ينقل أبناؤها موروثها الشعري والأدبي والثقافي وحسب، إنما برعوا في فنون الملاحة والإبحار.. هذه المدينة الغنية بتراثها وثرواتها الطبيعية ، مرت عليها جحافل الغزاة والمتسلطين لكنها وقفت صامدة تدافع عن إرثها الحضاري والثقافي على مر العصور.

وذّكَر الأستاذ الدكتور هازه بالشعراء الألمان العظماء ، مَن يعرفهم كل إنسان ، لكن لا يقرأ لهم أحد، في حين أن الشعر في العالم العربي لازال مزدهراً وحيوياً. وقال: هناك في ساحة التحرير في بغداد حاجة للتعبير السياسي والثقافي ، وضعت المعارضة بين "الحقيقة والخيال"، ولا يكاد أي شخص في هذا البلد إلا أن يدرك ما يجري ، فإلى جانب الفعل السياسي ، يتجمهر الناس يتناقشون حول الشعر. وسائل الاعلام المحلية والعالمية تتيح لنا رؤية هذه الأطر من واقع الحياة اليومية في العراق.

أردتُ أن أقفَ على البحر
مثلما أقفُ على اليابسهْ
سائراً فوق حيتانه وطواطمه وقتلاه
لكنني غرقت
وها أنا أقبعُ في زاويةٍ من البحر
تمرّ بي حيتانهُ وطواطمهُ وقتلاه 
لا أرى من السفن
غير أسفلها
ومن الطيور غير ظلالها
ومن البشر
غير أصواتهم
ومن الماء
غير الماء

أما السيدة بريجيت براون Brigit Braun مديرة مكتبة مدينة فريدريش هاين / كرويزبرج فقد تحدثت في كلمة الترحيب بالشاعر مساء يوم الجمعة 15 تموز قائلة: لدينا الليلة قراءة شعرية من الدرجة الأولى، تكتسب أهمية خاصة، كونها ستقدم ولأول مرة في مؤسستنا باللغتين ، العربية والألمانية. وهي محاولة أدبية نادرة ، وبالتأكيد لا شيء يسرنا أكثر من تواجدكم للتعبير عن اهتمامكم. وأود أن أتقدم بجزيل الشكر لـ "منتدى بغداد للثقافة والفنون"، الذي اتصل بنا يقترح تقديم الشاعر العراقي عبد الكريم كَاصد في هذه الدار ، والبحث عن آفاق من التعاون بين المكتبة والمنتدى لجعل الثقافة العربية الغنية في برلين أكثر تألقاً. بهذه الأمسية نعلن نحن اليوم عن هذا الحدث المشترك الأول ، الذي سوف تتبعه نشاطات مقبلة أخرى.. الحقيقة أننا لم نتصور وفي أول نشاط لنا من هذا النوع ، أن نستضيف واحداً من مشاهير الشعراء مثل الشاعر الكبير عبد الكريم كَاصد. إننا نرحب به أجمل ترحيب ، حيث أنه سيقرأ باللغة العربية، حتى وإن لم يفهم البعض مباشرة قصائده ، ولكن جمالية اللغة وإيقاع الصوت سيتكلم عن نفسه. وأود أيضا أن أرحب ترحيبا حارا بالسيد عبد الحليم الحجاج ، الذي سيقوم بقراءة القصائد باللغة الألمانية، ومن الذي يستطيع فعل ذلك أفضل منه ، إذ أنه والسيد إبراهيم شريف قد قاما بترجمة القصائد إلى الألمانية.

أسد بابل
على بعد أمتارٍ من النهر
يجلسُ أسدُ بابل
لا مصاطبَ تحيط به ولا أطفال
لا جنائنَ ولا أبراج
وحين يمرّ به الناس
ولا يلتفتون
يهزّ رأسَهُ أسفاً
مردّداً جملةً واحدةً
لا يسمعها أحدٌ
وإن سمعها لا يعيرها انتباهاً:
"أنا أسدُ بابل
أنا أسدُ بابل"

كثيرون هم الذين لا يستمعون للشعر أو يقرؤونه، و من الناس من لا يجد متعة فيه، ويُعرف عن الشعر بأنه قبلة النخبة في المجتمعات المتحضرة، لكن من أين يستمد الشاعر تحديه لهذه الظاهرة. أعتقد أنّ المسألة بمنتهى السهولة، عندما يلجأ الشاعر إلى الاقتراب من فهم رغبات المتلقي وليس عالمه الخاص. في الشعر الألماني مثلاً، ليس هناك ما يفصل الشاعر عن محيطه ، أنت تقرأ شعراً في السياسة كما في الطبيعة والحيوان والخير والشر ، للمرأة والرجل ، بالشكل الذي يجد كل فيه مبتغاه .. والقصائد الأكثر كثافة في التعبير ، هي تلك القصائد الأكثر تحديا للواقع والأكثر تعبيراً عن الذات حيث يتكلم الشاعر بلسان الآخر وهذا ما أعنيه ، كالتي نجدها في شعر عبد الكريم كَاصد.
 
سراباد
سألنا في الطريق
وقد قرُبنا من سرابادَ البعيدةِ
هل سنقضي الليلَ في هذا العراء ؟
ظلالنا انتشرتْ
وأقبلتِ السماء (= المساء ؟)
ونجمةٌ
أو
نجمتان
تحاذيان السهل
والأشجارُ تُقبلُ
والرواحلُ تستريح
ويعتلي فردوسَك الذهبيّ
طيرٌ صاح :
" شقّ الفجرُ صدركَ
فابتردْ بالفجر "
كان الناس
حولي
والرواحل
في الطريق إليكِ
يحملنا الهواء
قبابُكِ التمعتْ
وجندُكِ من رخامٍ يرقبون الأفق
جندك من نحاسٍ
أيّ أجراسٍ
تهبّ
وأيّ أقواسٍ
تُرى من زرقةِ الشرفات
أين البابُ ندخلهُ ؟
( فنبصر خلفهُ الصحراء )
أين السور ؟
( نلمسهُ فينأى )
أين ذاك البرج ؟
( يلمع بالبياض )
وأين ؟
أين الناس ؟
هل أنتِ المفازة ؟
هل سمعتِ حداءنا
وأنيننا في الليل
قالت نسوةٌ : " سنموت "
قال الميّتون وقد افاقوا : " كم لبثنا ؟ "
صاح جوّابون :
" هل عاد الدهاقنة الكبار
يهيئون رواحلاً أخرى
لرحلتنا ! "
سألنا عن سرابادَ البعيدة
قيل من عامين جزناها
وقيل لعلها البلدُ الدي يأتي
وقيل لعلّها جبلٌ
ومحضُ بحيرةٍ مسحورةِ الأسماك
قيل لعلّها شجرٌ تحجّر
قلعةٌ من صخرةٍ صمّاء
تسكنها التماثيل الغريبة
قيل
لكنا نأينا عن سرابادَ البعيدةِ
هل نعود ؟
أنقطعُ السبلُ العجيبة ؟
أم سنمكثُ
قانعين
نُعدّ أفراساً
وأقمطةً لرحلتنا
وأسماءً
ترى هل تنفعُ الأسماء ؟
هل جئنا لنبني منزلاً
ونقول : " جئنا "
هل نعودُ وقد رمينا للكلاب عظامَنا ؟
ومن الدليلُ إلى المدينة ؟
من سيطرقُ بابَها المهجور؟
ماذا لو دخلناها
فلم نعثرْ على آثارنا
وقبور موتانا
أنرجعُ ؟
أين ؟
هل نمضي كما يمضي الغزاة ؟
نجرّ قافلةً
ونهبط وادياً
ونقولُ : " مثوانا هنا
فلنبتدئ بالسفح "
نصعدُ تلّةً
أو تلّتين
ونحتفي بالليل
اسودَ
أيها النجمُ اقتربْ
إنا سنرقصُ في السلاسل منشدين
" سماؤنا قوسٌ
توهّجَ
والسهامُ نيازكٌ
والأرضُ مرمىً "
مَنْ هناك وراء تلك التّلةِ السوداء
يبكي ؟
من هناك ؟
تهبّ ريحٌ من وراء السفح
تهدم ما بنينا من بيوت أو مقابرَ
تمزج الأحياء بالموتى
وتحملنا
هنالك خلف ذاك الأفق
في لجج المياه
ندور
نَمسكُ قشّة
ونصيحُ : " لم نغرقْ "
سرابٌ ما رأيناهُ
ومن خشبٍ مراكبُنا الخيولُ
سنبتني مدناً ونهدمُها
ونضحكُ مثلما الأطفال
نأتي برجَنا في آخر الصحراء
ندعو أخوة هجروا قوافلنا
ونبصق
ليت أنا  ما نأينا عن سرابادَ القريبةِ
ليت أنا ما قربنا من سرابادَ البعيدةِ
ليت أنّا لم ..

جميلة هي قصائد عبدالكريم كَاصد ، حيث تحمل شحناتها الرومانسية ولغتها الحالمة العذبة ، وإن كانت تعتمد الرمز أحيانا أو تلجأ إليه ، فهي جريئة تخزن في أحشائها مظاهر القلق تارة والإثارة تارة ، حتى في السياسة لا تخلو من انسيابات تعبيرية نقدية مباشرة. كما يمتلك شعره مقتنيات مثيرة خاصة، فقصائده تكتنز سونتات غنائية "Sonette" مختارة، تحتوي الأساطير والحكايات، لكنها تجمع بين حساسية العاطفة وروح الدعابة والتأمل.
 
في السريالية، كما في نقد الواقعية الاشتراكية تحدث أندريه بريتون Andre Breton عن أهمية الشعر ( من تفاصيل الحياة ) بمعنى موقف الشعر من الحياة العامة من أجل هدف له ما يبرره، بول إلوار Paul Eluard عن "المتعمد" و "غير المقصودة" في الشعر، وتعرض جاك بريفير  Jacques Préver لما كان شائعاً بـ "الشعر الملغز". لكن ما أتاحه لنا شعر كَاصد على المدى الحر قد تعدى كل هذه الخيارات، وصاغ معنى القصيدة من الناحية الأدبية بشكل تلقائي، قريباً من النموذج الألماني الذي يطلق عليه "الشعر الملموس" أو المعقول، الذي يدفع في إطار فلسفي محكم "الرمزي" إلى أقصى الحدود. 

ذلك الوحش
ذلك الوحش
من أين جاءَ ؟
وماذا يريدُ ؟
ثلاثين عاماً
يطاردني وأطاردهُ
ويحدّق فيّ كطفلٍ
إذا ما هجرتهُ..
وحشٌ غريبٌ
يطالعني كلّ يومٍ
ويجلسُ بين يديّ
ويبكي
وأوقظهُ حين يغفو ليحرسني
ممّ ؟
وحشٌ
أليفٌ
يروّضني
وأروّضهُ
ونجلسُ معتنقين
ثالثنا السوط
يرقبُه خائفاً
ذلك الوحش
من أين جاء ؟

كثيرا ما يبدو لنا كما لو كان بلاغ اللغة في شعر عبد الكريم كَاصد القصير "الشعر كلمة"، أبدا لا صلة له بالنص الدرامي، لكن ذلك غير صحيح، فهو يحول إنتاج الأنواع "الأدبية" الشعرية التقليدية إلى "لحظة سحرية" وفقاً لشاعرية أرسطو "حتى الكلمة شعر" مصدرها الخيال ، وأنه كما "عظمة الصمت" نوع من أنواع الدراما. في كل الأحوال تبقى القصائد القصيرة عند كَاصد "لحظة شعر" أخصها أدب القرن التاسع عشر أهمية قصوى.

كان ضابطاً بحريّاً
وانحسر عنه البحر
***
وكسبّاحٍ
يحمل أثوابَهُ في كفّ
ويجذف بالأخرى
أعبر نهر حياتي
***
أردت أن أحمل النهر إليك
فلم أستطع
وقد خانني الماء
فاكتفيت بالسمكة

وحسب نظرية "الأنواع الشعرية" كما تعزو إليه المصنفات القديمة والحديثة، منذ كان أرسطو على قيد الحياة وحتى القرن الثامن عشر، الذي امتاز بتقسيمات فرعية للشعر، كالتفصيلية والملحمية والدراما والمأساوي والهزلي والكوميدي الساخر، فأن شعر عبد الكريم كَاصد وما يمتاز به من إيقاعات نغمية، في المفهوم الحديث للأدب، إنتاج شمل جميع الأنواع التي تجد الإثارة، بوصفها التقدير الحاسم، الذي يجسد الرغبة في إيقاظ الذائقة لدى المتلقي وتقريبه من فن الشعر.

ساحة
أشجارٌ لا تسكنها الطيرُ
وبضعُ مصاطبَ
والكشكُ المهجورُ هناك
ونافذةٌ
( هي عينُ الساحة )
يأتيها الناس فرادى
وفرادى يمضون
وتكتظّ سريعاً حين تطلّ الشمس
تُعِدّ لحافاً من ورقٍ أصفرَ في الليل
وتصغي :
تأتيها امرأة
تمرقُ كالطيف وتدخل كشكَ الهاتف
تابوتَ الهاتف
تخرج شبحاً
بغدائرَ بيضاء
وأصواتٍ لا تفهمها حتّى الأشباح 
- أ تسمعني ؟
- هل تبصر ذاك الشبحَ العائدَ في الفجر ؟
- ألا تبصرنافذتي ؟
( تلك العينُ المسحورةُ )
يأتي رجلٌ
من جهة السوق
فتستيقظ من غفوتها الساحةُ وتحدّق :
معطفهُ ينتفخ الآن ولا ريحَ هناك
خطوتهُ تنتقل الآن ولا صوتَ هناك
يداهُ تمرّان على جسد الساحةِ
رجلٌ
يأتي من جهة السوق
بمعطفهِ الإسمنت
ويمضي
( قبّعة حائلة تخفي وجهَهُ )

نافذة تغلقُ ..
نافذة تفتحُ ..
نافذة
وتمرّ جنازتها ( مَنْ ... ؟ )
تحت ظلال الساحة
رجلٌ
يجهش خلف النافذة الآن
ويُصغي
لحفيف الأشجار 

عصام الياسري / برلين



18
عبدالكريم كاصد
يقرأ ـ في أماس برلينية ـ مِن أشعارِه

كان ضابطاً بحريّاً
وانحسر عنه البحر
***
وكسبّاحٍ
يحمل أثوابَهُ في كفّ
ويجذف بالأخرى
أعبر نهر حياتي
***
أردت أن أحمل النهر إليك
فلم أستطع
وقد خانني الماء
فاكتفيت بالسمكة
يحل الشاعر العراقي المعروف عبدالكريم كَاصد ضيفاً على منتدى بغداد للثقافة والفنون ـ برلين، حيث نظم له أمسيتين شعريتين في يومي 13 و15 تموز 2011 في كل من جمعية الصداقة الألمانية العربية Deutsch-Arabische Freundschaftsgesellschaft e.V. ومكتبة فلهلم ليبنخت Wilhelm-Liebknecht- / Namik-Kemal،
الواقعتين في وسط أشهر مناطق العاصمة الألمانية ـ برلين. 
يعتبر الشاعر عبدالكريم كَاصد من أهم الشعراء المعاصرين. ولد في مدينة البصرة " العراق" سنة 1946. حصل على ليسانس في الفلسفة من جامعة دمشق سنة 1967، وعلى الماجستير في الترجمة من جامعة ويستمنستر – لندن سنة 1993، وبكالريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة نورث لندن سنة 1995.
عمل مدرساً لعلم النفس واللغة العربية في العراق والجزائر، وفي عام 1978 غادر العراق إلى الكويت هارباً عبر الصحراء على جملٍ، ثمّ إلى عدن حيث عمل محرّراً في مجلة الثقافة اليمنية، وفي نهاية 1980 رحل إلى سورية ثمّ إلى لندن أواخر 1990 حيث يقيم حالياً.
تُرجم شعره إلى اللغتين الفرنسية والإنجليزية في أول أنطلوجيا للشعر العربي، كما أدرج اسمه وأعماله الأدبية في (معجم الكتاب المعاصرين) و (معجم البابطين) له مؤلفات كثيرة في الشعر والمسرح والقصة، وأقيم باسمه مهرجان المربد لسنة 2006.
ومن أهم مؤلفاته الشعرية صدر: الحقائب، النقر على أبواب الطفولة، الشاهدة، وردة البيكاجي، نزهة الآلام، سراباد، دقّات لا يبلغها الضوء، قفا نبكِ، زهيريّات، ولائم الحداد، الديوان المغربيّ و الفصول ليست أربعة. كما له العديد من المختارات الشعرية و ترجمات عن الفرنسية والإنكليزية بالإضافة إلى النصوص السردية المتميزة منها: جنة أبي العلاء و أحوال ومقامات.
سيلقي الشاعر عبدالكريم كَاصد مجموعةِ قصائدَ باللغة العربية، وستقوم الممثلة مريم عباس بقراءة قصائده باللغة الألمانية.
ولدت مريم عباس عام 1970 في بغداد. بعد بلوغها الثانية عشر، أتت إلى برلين حيث ترعرت وتعلمت فيها. أنهت دراسة التمثيل في معهد موتسارت في سالزبورغ. شاركت بأدوار تمثيلية عديدة في المسرح والسينما والتلفزيون، كمسرح "بورغ تياتر في فيينا" وفي فيلم " ليلة الأشكال" عام 1999 لاندرياس درَّزن.

19
لجنة التضامن مع الشعب العراقي تدين جرائم قتل المتظاهرين في العراق


 

نحن، أعضاء لجنة التضامن مع الشعب العراقي المشكلّة في العاصمة الألمانية برلين، ندين وبشدة الجرائمَ التي ارتكبتها السلطات العراقية يوم الجمعة 25 شباط 2011  في حقّ المتظاهرين والتي ذهب ضحيتها ستة عشر شهيداً ونحو 130 جريحاً. فقد صوبت قوّات الأمن العراقية بنادقها إلى صدور العراقيين المحتجين على ترديّ الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، والمطالبين بحياة إنسانية حرّة وكريمة. ونحن في الوقت الذي نعلن فيه تضامننا التام مع أهداف المتظاهرين المتمثلة بإلغاء المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد السياسي، نطالب بمحاسبة جميع من اشترك في هذه الجرائم البشعة وتقديمهم إلى العدالة. ونطالب أيضاً بعدم تكرار هذه الجرائم المنافية لجميع الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية. ونعاهد شعبنا بأننا سنقف صفّاً واحداً لنصرته ومساندته في مطالبه المشروعة.

 

 

وفي هذه المناسبة تدعو لجنة التضامن مع الشعب العراقي إلى التظاهر يوم السبت المصادف الخامس من آذار/ مارس، وذلك من الساعة الثالثة حتى السادسة مساءً. ومكان المظاهرة هو:


20
معرض الفنان التشكيلي طارق مارستاني في برلين:
الإبداع يكشف عن بيئة جديدة للتسامح والإندماج


عصام الياسري

قبل أكثر من ثلاثة أشهر بدء الفنان التشكيلي طارق مارستاني المقيم في برلين التحضير لإنجاز أعمال معرضه الفني الجديد التي ستبلغ ثلاثين لوحة، تحت عنوان مميز "التسامح والإندماج يحصلان على وجه" Toleranz und Integration bekommen ein Gesicht. واللوحات تشكل علامة فارقة لمعالجة موضوع الهجرة، الذي يثير بين الأوساط الألمانية، الاجتماعية والسياسية، الكثير من النقاش.. وتمتاز أعمال الفنان مارستاني، الذي يقول: إن لفنه وظائف عدة. بالهارموني الذي يراعي تلك الوظائف ويربط بين التوازن البصري والقدرة الفنية في اللون والتكوين. أيضاً الجانب الإنساني والعلاقة مع الإنسان والطبيعة من السمات البارزة في لوحاته. وفي أعماله وهو المهم يتجسد التجديد الذي يعطي شخصية الفنان، وعنده الضوء مصدر الألوان واللوحة ليست هي خطوط أو رسوم وألوان مجردة، إنما هي من حيث الأطر والأشكال والرمزية، نتاج ذو دلالات تعبيرية تفسر ذاتها فنياً وجمالياً.. ومن بين المواضيع الأخرى التي عالجها بهذه الطريقة، تهديد البيئة الطبيعية، والدعوة لعيش مشترك بين البشر، والحفاظ على المواد الطبيعية.. مع إنتقاله الى برلين، وكان أكثر من مجرد تغيير المكان، تعمقت رؤيته تجاه الموقف من المهاجرين المقيمين في ألمانيا، وخاصة جيل الشباب وقطاعات مجتمعية أجنبية واسعة. الميدان الذي شكل لديه دوافع نوعية لمعالجة موضوع التكامل الثقافي بطريقة فنية جديدة، تشكل أنساقاً خطابية متمردة.
 يكتسب مشروع الفنان مارستاني حول التسامح والإندماج أهمية بالغة منذ الإعلان عنه، إذ تناولته وسائل الإعلام بكثافة تجاوزت حتى الآن على صعيد أوروبا المئتين تقرير، بين المرئي والمسموع والمقروء. والمشروع الذي لم يسبق تقديمه بهذا الإطار الفني النوعي، يتناول لقطات إستعارية "لوجوه" Porträt شباب أجانب فضلا عن مهاجرين ألمان من دول مختلفة، تتراوح أعمارهم ما بين 7 و 15 سنة. ويبلغ حجم "الصورة " سم 60 X 70 " ويتم الرسم بالزيت. وسيدعم المشروع لأول مرة كُتاب وسياسيون وشخصيات أخرى من مختلف أنحاء برلين. وبعد عرضه في برلين في الفصل الثالث من العام المقبل سيتنقل بين مختلف المدن الألمانية وحول العالم أيضاً. وبهذه الطريقة، ستسنح الفرصة لإجراء مناقشات تأملية من نوع خاص بين الألمان والناس الأجانب. ويتم التعبير عن مجموعة واسعة من التحليلات والمقترحات من جميع أصحاب المصلحة بصراحة منفتحة تجسد الأمل لمستقبل مشترك.
ويتوقع أن تتجه صور "وجوه من هو الآخر" نحو الشروع في إجراء تغييرات على المفاهيم التقليدية بين الأفراد والثقافات المختلفة. والجدير أن أعمال الفنان مارستاني تنطوي على جمالية الربط بين الإيقاع والحركة وفيها الكثير من الإشارات الحوارية الدافئة ومخضبة بألوان ترمز إلى عنصر الحياة والتفاؤل بالإضافة إلى مظهر الخيال وإرتداء الوجوه إبتسامات عفوية. إنها حديث الحكايات والأساطير في هدوء السكينة.
 ومشروع المعرض على صعيد الشكل والمضمون يشكل علامة غير عادية، ولم يطرق فنان من قبل قضية من هذا النوع بهذه الطريقة الخلابة فنيا. في اللوحة يتجلى العمل البنائي التحفيزي، وإستثمار الفنان كل مساحة لجعل "التكامل والتسامح" شارة بارزة تنم عن رغبة في التصدي للتغيير. فهو لم يتقيد بتسجيل الإنطباعات المرئية وحسب، إنما يجسد بإتقان في لوحاته "الواقعية المعاصرة" ويغرس فيها ايقونات تفرض إتجاه العين لا إرادياً نحوها. إنه يتقن اللعب مع الأشكال والألوان التي تمنح المشاهد واحة من التفكير والإستمتاع.
 في عام 2000 دعت الحكومة الألمانية داخل البرلمان إلى تقديم تقرير سنوي بشأن الهجرة وسبل معالجة الظواهر السلبية التي تعيق عملية الإندماج والتكامل الثقافي بين مجتمعات مختلفة الحضارات والتقاليد والإنتماء البيئي والديني والعرقي. ومواضيع الهجرة والإندماج، من الأمور المثيرة التي تتباين بشأنها وجهات النظر على الصعيد الأوروبي والألماني. وتعود أسباب الإختلاف حول هذه المسائل إلى مجموعة عوامل أهمها: توصيف الأجانب على أنهم "كتلة" في حين أنهم بشر لهم أسماء ومرجعية حضارية، وترسيخ مفهوم إفتقار هذه الكتلة "الغرباء" خلفية ثقافية، أو تفسير مصطلح الإندماج في أحيان كثيرة على أنه دعوة للإنصهار" الذوبان" وهو ما لا يقبله الوافدون الأجانب لهذه الدول، كونه مثيراً للمشاعر ويتناقض مع مفهوم التسامح والتكامل الثقافي والاجتماعي الذي تدعو إلى تحقيقه المؤسسات الأوربية. وتشكل الآراء من "خلفية الهجرة" Migrationshintergrund كواحدة من أكثر المفاهيم الشائعة التي تدعو للريبة من وجهة نظر الكثيرين في ألمانيا، أحد السياقات التي تقف وراء تفشي التطرف والسلوكيات السلبية لدى المواطنين تجاه الأجانب. كمواقف " تيلو زاراتسين" Thilo Sarrazin وزير مالية حكومة برلين ورئيس مجلس إدارة البنك الفيدرالي الألماني السابق المعادية للاجانب، والتي لا تتناسب مع أنساق وأسس الإندماج والتسامح، التي يفترض أن تكون الدعوة لها مسؤولية كل مواطن في ألمانيا، بغض النظر عن جنسه ولونه أو دينه. في هذا الإتجاه سار الفنان التشكيلي السوري المبدع طارق مارستاني ليلامس بريشته المغمسة بألوان غزيرة المعاني قماشة اللوحة الـ "كنفاس"، يرسم وجوه شباب من أجناس مختلفة. جاءوا من أجزاء أخرى من العالم ليجعل من الإستعارة البصرية وسيلة تدفع باتجاه تقويم المشهد، وفهم أفضل للحياة المشتركة والعيش معاً بسلام. وأراد بأدواته التعبيرية ووسائل فنية ذات دلالات رمزية، ملء الكلمات الغامضة لجعل الناس عبر الصورة يقتربون بصرياً من الآخر "المهاجرون الغرباء" بالشكل الذي ينسجم مع مفهوم الإندماج والتعايش الثقافي والاجتماعي.
يحتل الفنان طارق مارستاني شهرة عالمية أسست لها خبرته الفنية الطويلة في هذا المجال، ويمارس عمله الفني الآن من مرسمه الجديد في برلين. ولد في دمشق، وذهب في السبعينات، لإكمال تعليمه في أكاديمية الفنون في فلورنسا، إيطاليا. في مطلع الثمانينيات، انتقل مركز حياته إلى ألمانيا، ومكث سنوات متنقلاً بين براونشفايك، هامبورغ و تسيلله. حاز على جائزة الفن مينو دا فيزولي في فلورنس وجائزة زيكنكن Sickingen للفن لمدينة كايزرس لاوترن في ألمانيا. أقام الكثير من المعارض الفنية منها في: فلورنس، روما، كاتانيا، هامبرك، درسدن، برلين، تسلله، فيينا، دمشق، دسلدورف، لوس أنجلس. كَتب عن فنه عدد كبير من نقاد الفن، وتناولته منشورات المتاحف وأهم الموسوعات والمجلات الفنية العالمية. أقام العديد من المشاريع الفنية الكبيرة، مثل تحية إلى بيرو ديلا فرنثيسكا الفنان الإيطالي العظيم. ومشروع المربع ونظرية آينشتاين في الفن، ومشروع الخلق، ومشروع التوازن والفوضى في الطبيعة. وفي مطلع عام 2010 فتح مرسمه الجديد في العاصمة برلين وواجه الكثير من التحديات الجديدة، الفنية، وأيضا الاجتماعية. الأمر الذي جعله حريصاً على التواصل بين الأفراد والجماعات لنشر رؤى جديدة من الوعي والتسامح بوسائل تعبيرية تحمل قيم حسية مليئة بالإيقاع اللغوي. مشروعه الحالي حول "التسامح والإندماج" يأخذ وجهاً فنياً، يتخطي الظواهر الشاذة، ويلخص القيم الفنية والإنسانية، العنصر الأساس الذي جعل لوحته مميزة في العالم الفني ـ كما يقول الدكتور شتاينباخ Prof. Dr. Udo Steinbach أثناء إفتتاح مرسمه في برلين.
لوحات "وجوه" لمشروع الفنان مارستاني حول التسامح والإندماج، تبعث ألوانها مجموعة متنوعة من الأشكال على نحو كامل من التناغم والإنسجام، وتظهر عن سيماءات خلاقة تعطي المزيد من العمق الروحي، وتستبطن الوجود البشري في بعده الانساني. تناسق فني يتداول إنشاء الكون وفرز حالات التوتر. ومن المعروف بأن أعمال مارستاني تتميز بألوان صوفية معاصرة، وتمتلك لغة بصرية بالغة الجمال والشاعرية.. وإذا كان جديراً بنا أن نسأل: لماذا الشباب؟ فثمة معطيات تقودنا إلى أن: معهم يتم التصميم لصناعة المستقبل، ونحن بحاجة إلى أن يدركوا هذه المهمة كما يقول الفنان طارق مارستاني أثناء حديثنا معه.
عصام الياسري
برلين
 

21
مسرحيون عراقيون في برلين:
عروض تفتقر أدواتها الفنية والروحية.

عصام الياسري

في عددها الصادر يوم 2010.10.19 نشرت صحيفة الزمان موضوعاً تحت عنوان "المسرح العراقي يتنفس الحرية في ألمانيا". كاتب المقال لم يبيّن موضوعياً الهدف الحقيقي من وراء زيارة المسرح العراقي إلى برلين ، ولم يتناوله فنياً ، على إعتبار أن المسرح صورة تجتاح الحياة كما يقول أرفين بيسكاتور Erwin Piscator ، بيد أنه تناول العروض ، فقط ، من زاوية سياسية بعيداً عما ينبغي معالجته حرفياً. لا ضير من أن يحمل المسرح دوراً سياسياً "إنشائياً" يستمد جبروت خطابه من عناصر اللغة كما في مسرح بريشت "الملحمي" لكن رسالته قبل كل شيء " فنية" ، وبالتالي فإن مفاهيم الشكل والمضمون ، نصاً وإداءاً ، تبقى في المسرح متوهجة المعاني ، مثلما في "فاوست" لغوته.. وللأسف لم يعطنا المقال صورة واضحة عن شكل ونوع المشاركة الألمانية التي أشار إليها ، وأقصد المساهمة بعروض وإهتمام الإعلام ، أو الزوار الذين لم يتجاوز عددهم في مجمل العروض على الأربعين مشاهداً في العرض الواحد ، جلهم من المسرحيين الضيوف وأصدقائهم من العراقيين العرب والأكراد المقيمين في ألمانيا.
 بين 6 و 13 أكتوبر 2010 وفِد برلين مجموعة من المسرحيين العراقيين، من العرب والأكراد ، أتوا ليقدموا ، للمرة الرابعة في هذه المدينة التي عُرفت برقي تراثها الثقافي والفني والمسرح على وجه الخصوص ، بعض العروض وصفها المشاركون بأعمال مسرحية متميّزة . لكن خيبة قاتلة ضاق بها صدر كل من كان يطمح رؤية جديدٍ في حياة المسرح العراقي وما يََنقل هذا القادم من بعيد. ولا أعرف ما المميّز الذي كان يريد الفنانون مشاطرتنا إياه ، أهو هشاشة النصوص أم قلة العرض والطلب؟ أم مقاضاة معهد غوته على مدى أكثر من نصف ساعة خلال عرض " قراءة نصوص" وإتهامه في محيط ضيّق لا جدوى منه ، التنصل عن إلتزاماته والإدعاء بأنه تراجع عن دعم المشاريع الكردية منذ أن إستبدل الكرد رسمياً إسم " شمال العراق" بالقول " كردستان". إن المسرح الزائر أضفى على سلوكه الفني صبغة متميّزة تحمل غزل سياسي وديني ، إذ جاء " في العراق يسود الإسلام المعتدل" من باب التودد والدعاية لـ "شرعنة السلطة الدينية" والهرولة وراء الإمتيازات بعد العودة للعراق. بيد أن العروض "إن كانت هناك عروض" أصلاً، بقيت بعيدة عن الإثارة أو المتعة اللغوية والمغامرة الفنية والحسية . ولم نشهد مسرحاً حقيقياً ، يشكل كما هو معروف قطعة من الوعي الذي يدرك المحتوى ويقرأ المعرفة ، نصاً وعملاً ، لا أن يكون مدعاة للرثاء دون تردد. يبقى ، ما هي الرسالة التي كان يريد المسرحيون والمسرح العراقي في دورته الرابعة أن يوصلوها في مدينة تتلألأ في سماء مسارحها الأنوار كل مساء لتبعث في النفوس البهجة وقسطاً من التأمل والمعرفة؟.
في كراسه الموسوم "زمن سارتر" ، الذي أهداني نسخة منه أثناء وجوده في برلين وكان يترأس الوفد المسرحي العراقي ، كتب الصديق الدكتور شفيق المهدي مدير عام السينما والمسرح عن أهمية المسرح قائلاً: لقد إستطاع فن المسرح أن يضاهي في أهميته فن الرواية الحديث. وجاء أيضاً: في عصرنا الحديث لم يتمكن التلفزيون أو السينما تعطيل هذه الفعالية المدهشة للعرض المسرحي.. أو قوله: إن الجماعة تستعين بالمسرح كلما أرادت تأكيد وجودها، أو القيام بعمل حاسم يتعلق عليه مصيرها" . ألا أنه ربط بين كل هذا وما على المسرح مراعاته كواقع حال جدلي ، هو ثنائية: زمن الفعالية أي "العرض" وزمن المتفرج أي "المشاهدة".
من هنا وعلى هذه الأسس القيمة أبني رأيي بإيجاز حول الزيارة وهدف تقديم " المسرح العراقي" في برلين. هذا المشروع الذي ظل طريقه تجاه المشاهد والناقد والمختص على حدٍ سواء ، كما ضاق إقترابه مما أشار إليه الأستاذ المهدي ، فلا المسرحيين ولا المسرح أضاء شعاعه أمام ناظرنا، ولم تُظهر الأعمال جوهر الفعل "قل" من يقرأ مرة أخرى ، ومَن الذي سيكشف عما هو مهم في "المحتوى والمطلوب".. إن ما قدمه المسرحيون العراقيون على قلته، عرض واحد "مع تحفظي على كلمة عرض لعدم توفر الخصائص" لنصوص مبتورة شارك في قراءتها مجموعة من الفنانين بلغات سائدة بين المجتمعات العراقية ، وعمل مسرحي واحد تحت عنوان غامض ترجم عن الألمانية للعربية "إنها سوف تأتي أو". لم يكن مسرحاً يكشف عن محتوى درامي ناضج ، يعلو بناء النص ذروته ليرقى المشهد "الحكاية" مع تنامي الأدوار وإندفاعها ببطء نحو المزيد من إستخدام الأشياء والأحداث كلغة ، ليس فقط لجلاء "الصورة" للناس، ولكن للتعبير عن الأفكار والقضايا العامة كفضح الظلم والتمرد على أوضاع جائرة، وليس "الإنغلاق" أو التركيز على بهرجة الكانتونات السياسية بعد غزو العراق وإحتلاله.. يقول شيللر: المحادثة ، أي الربط بين "النص والإداء والمشهد" وسط الجمهور، مهمة تخيلية صعبة ، مثيرة للاهتمام، وتعتبر شهادة تحدي للممثل. لكن السؤال المطروح، ماذا قدم المسرحيون العراقيون؟ وما هي دوافع المشاركة؟ ومَن هم القائمون على تنظيم هذه التظاهرة المثيرة للجدل والغاية منها؟ أسئلة نطرحها على مؤسسة السينما والمسرح وعلى وزارة الثقافة العراقية.!! 
قبل سقوط النظام بزمن قام المسرحي العراقي المبدع المرحوم عوني كرومي، طرح فكرة هامة على مدير مسرح "الرور" في مولهايم بألمانيا  Theater a.d. Rohr د. روبيرتو جيولي  Dr. Roberto Ciulli زيارة العراق لتقدم فرقته المسرحية بعض الأعمال هناك. مكثت الفرقة في بغداد فترة من الزمن قدمت خلالها أعمالاً مسرحية منفردة وأخرى بمشاركة زملائهم العراقيين ، الأمر الذي جعل جيولي وكرومي لأن يفكرا آنذاك نقل هذه التجربة المتميزة إلى ألمانيا ، وبالفعل جاء بعض المسرحيين العراقيين وقدموا على مسارح ألمانية متنوعة بعض الأعمال المسرحية المشتركة، وكتبت الصحافة الألمانية والعراقية عن هذا النشاط التجريبي الكثير. الذي أريد قوله، أن عوني لعب آنذاك دوراً بالغ الأهمية في تنمية العلاقات الثقافية الألمانية العراقية، وبذلك يكون أول من عمل على التبادل المسرحي ورصد المهارات الفنية بهدف التعريف بالمسرح والمسرحيين العراقيين ، فيما إكتشف بمبادرته ، أسلوباً سياسياً جديداً ، غير مباشر، لفضح المستور مما عانى منه المجتمع، إذ وجهت الصحافة ووسائل الإعلام بهذه المناسبة إنتقاداتها إلى رأس النظام. إلا أن رحيله المفاجيء أثر في تطور هذه العلاقة وميدان نشوئها، ويبدو أن هناك صراعاً يدور من بعده بين أطراف في الوسط الفني العراقي "مع تحفظي على كلمة فني" متعدد الإتجاهات لافراغ هذا المشهد بإتجاه المنفعة الخاصة والاستفادة من الإمتيازات المادية والسلطوية، إن لم تكن أغراض فئوية وطائفية من وراء ذلك.
جوهر المضمون الفعلي للدراما يكمن في مواصفاتها التفصيلية والفنية، كجاهزية التعبير والمؤثرات الحسية والصوتية والإداء، وإلى حد كبير إكتساب المهارة وتطويع الحركة بهدف الإثارة. شيللر يقر بأن كل هذه الأساسيات جزءاً من "ورشة عمل" المسرح. فيما يؤكد واضعي علم أصول تدريس المسرح على أهمية تقنيات العرض وما تتميز من أفكار ومجموعات معقدة، كالنص والمادة التاريخية أو العمل على تحليل السياسات الاجتماعية وما ينبغي أن تتضمن من ملاحظات ومعلومات فاعلة تعالج قضايا جوهرية تقوّم العمل المسرحي فنياً. لكن ما ينبغي أن يكون واضحاً، أن الجمهور وسيطاً حاسم لصناعة المسرح ، وأن مسرحاً ضعيفاً لا تعرف أدواته وكيفية استخدامها سيخسر زواره. 
أعود إلى أراء شفيق المهدي الخصبة لأسأل: هل يُعتبر تقديم أعمال مسرحية عراقية في المهجر "ورشة عمل" ذات مقومات حرفية تدفع عن قصد ووعي نحو الأمام لتوريد سلسلة من الحالات والميزات التي تؤدي إلى الحرية السياسية وبالتالي حرية المسرح ونقله من إداء إلى إداء يربط بين النص وفاعلية الفريق؟. أنا أشك بذلك. بقدر ما يكون مجرد سلسلة مونولوج منفصلة ، لا تشكل الصورة مكتملة ، ولا علاقة لها بالعمل على خشبة المسرح ، بقدر ما تكون من باب الترف لطلب الشهرة عالمياً كما يعتقد.
عصام الياسري / برلين




22
جدل متصاعد في دراسات عن لغة السينما
الحلم يصنع برقائق دوارة



عصام الياسري

أثارت إهتمامي الموضوعات التي نشرت في موقع حياة في السينما على الأنترنيت الذي يحرره الكاتب والناقد أمير العمري. وهي مجموعة دراسات شارك فيها نخبة من المتخصصين في حرفيات السينما من فنانين ونقاد، تتناول أصنافاً فكرية ونظرية وحرفية وما هو هامٍ ومفيد في أمور سينمائية متعددة الجوانب. وتأتي المشاركة بناءً على فكرة فتح حوار في حياة في السينما بين الأجيال حول مسألة طرحها السينمائي قيس الزبيدي على الناقد العمري، إستهلها بدراسة حول مصطلح اللغة السينمائية . وفي دعوته للنقاد والمنظرين المحترفين في مجال السينما للمشاركة في الحوار بهدف الإثراء والمعرفة وتبادل الآراء، كتب أمير العمري: (أنشر هنا هذه الدراسة النظرية القيمة التي كتبها الناقد والمنظر والمخرج السينمائي الصديق قيس الزبيدي خصيصا للنشر هنا آملا أن تفتح الباب أمام مناقشة جادة بين نخبة من النقاد العرب الذين أرسلت إليهم هذه الدراسة للتعقيب أو مناقشة ما مرد فيها من أفكار، لعلنا في ذلك نعمل على تجميع النقاد العرب حول قضية فكرية نقدية بدلا من الانغماس في تلك الصراعات الصغيرة المنتشرة في الساحة، وبعيدا أيضا عن الشللية القاتلة التي تبتعد بنا عن جوهر مهمتنا النقدية.. ونحن في انتظار وصول كتابات الزملاء الأفاضل لكي ننشرها تباعا).. لكن لم يشارك، حتى الان، للأسف إلا أربعة كتاب هم الناقد محمد رضا والناقد د. بدر الدين مصطفي والدكتور ناجي فوزي والكاتب أمين صالح فيما علمت بأن الأستاذ العمري قد وجه الدعوة لأكثر من عشرين ناقداً، تحمسوا للمساهمة في الحوار، إلا انهم لم يفعلوا. على هذا ستختتم الدراسات بتعقيب من قبل العمري، الذي كان يأمل في إصدار الحوارات العديدة في كتاب، ينشره لاحقاً.
 
يتناول الفنان قيس الزبيدي، الذي يتابع اهتمامه بنظرية السينما، إضافة الى عمله في المونتاج والإخراج. وكما نعتقد، فان مجموعة الآراء حول قضية لغة السينما، التي نشرت، هي ذات قيمة "نظرية وفكرية معاصرة" ، جديرة بالإهتمام كما أنها مثيرة للجدل. وفي مقدمته قبل أن يعرج إلى نصه "مقدمة نظرية أولى للنقاش" أشار الزبيدي إلى أن مفهوم مصطلح "لغة السينما" المتداول، هو مصطلح مُضلل ولا يمتلك رؤية واضحة، مستنداً في جوهر تنظيره إلى رأي للناقد عدنان مدانات في الفصل الثالث "إكلاشيهات المصطلح النقدي المضللة" من كتابه "ازمة السينما العربية" الذي انتشر في الادبيات العربية ـ قبل أكثر من نصف قرن ـ نتيجة لصدور كتاب مارسيل مارتين "اللغة السينمائية" وقاد الى استخدام المصطلح وانتشاره، ويعترف الناقد نفسه، بوقوعه في استخدام هذا المصطلح المُضلل، ومن ثم تراجعه عن استعماله، واستخدم بدله، بعدئذ، "وسائل التعبير السينمائية" رغم أن النقاد العرب، ما زالوا يستخدمونه حتى اليوم، دونما أي شعور بالحرج". لكنه أي الزبيدي أجاز أيضاً وفقاً لنظريته، دفع ثلاثة عناصر هامة "الأساليب Techniques و الوسائل Mittel و المناهج التعبيرية Ansatz Expressionismus" التي يؤثر بلاغة قوامها اللغوي فنياً، وجعلها لا ذات أهمية بالعلاقة مع ما يعرف بمصطلح "لغة السينما"، فيما يعتبر الكثيرون من العاملين في مجال السينما بأن هذه العناصر الثلاثة، هي عمود فن السينما، بمعنى أن أي وحدة منها تشكل لغة خاصة بالسينما، مؤثرة ومتواصلة، كما انها مجتمعة تشكل لغة السينما.. ويعود ليتحدث عن ما أورده المخرج الكبير صلاح أبو سيف: "علينا فهم السينما كلغة ذات ابجدية واضحة ومحددة، شأنها في ذلك شان جميع اللغات الحية كاللغة العربية وما تتضمنه من قواعد للنحو والصرف (...) وكلما اتقنا قواعد اللغة كلما استطعنا التعبير عن مرادنا بأبسط وأدق الألفاظ بحيث يفهم حديثنا كل من يستمع إليه. ونتيجة لذلك يرى إن اللغة السينمائية تتألف ابجديتها من ثمانية حروف: خمسة منها تخص الصورة وثلاثة تخص الصوت. ويسمي أبو سيف لطلابه هذه الحروف الخمسة كالتالي: الديكور والممثل والاكسسوار الثابت والمتحرك والاضاءة"
القضايا الجمالية
وينطلق الزبيدي في مقدمته موضحاً: "في منتصف سنوات الستينيات حدث تحول كبير في طبيعة القضايا الجمالية واللغوية السينمائية التي خضعت للدراسة والتحليل من قبل منظرين جدد جاؤوا إلى حقل السينما من حقول معرفية أخرى مثل علم اللغة والبنيوية والسيميائية (سيميولوجي) أو علم نظام العلامات. وقد أغنت مثل هذه الأبحاث نظرية وجمالية السينما عبر عقد الصلة بين أصول وقواعد لغة الكلام وأصول وقواعد لغة السينما. وقد عرّفت السيميائية اللغة والفيلم باعتبارهما ينتميان، من جهة، إلى نظم الاتصال، ويختلفان، من جهة أخرى، في أن اللغة، أية لغة، تملك نظام لغة، أما الفيلم، الذي تجمعه مع اللغة أشياء كثيرة مشتركة، فليس له نظام لغة. ولعل هذه المقارنة توضح ما عناه كريستيان ميتز، حينما اعتبر الفيلم لسانا بدون لغة، أو حينما عقب على ذلك امبيرتو ايكو، وعد الفيلم بمنزلة كلام لا يستند على لغة".
 من طرفنا نعود إلى معنى المصطلح "لغة السينما" في اللغة الألمانية "Filmsprache" أو أدق "Sprache des Films" الى (كرستيان ميتز) الذي يبين ـ تعريب كاتب المقال: إن الفيلم لا يعرف النحو، ومع ذلك، هناك بعض القواعد لاستخدام اللغة السينمائية. بناء الجملة في الفيلم يرتب هذه القواعد ويبين العلاقات بينهما. وبناء الجملة في الفيلم ليس محدد سلفاً، وإنما يتطور بشكل طبيعي، ويخضع لتنمية عضوية. ويضيف أيضاً: في النظم الخطية أو اللغة المحكية، يراعي بناء الجملة من حيث أوجه التركيب الخطي قواعد النحو، وفقاً لمبدأ دمج الكلمات معاً على شكل سلاسل. وفي الفيلم، قد يشمل بناء الجملة التراكيب المكانية. لذلك، يعتمد بناء الجملة في الفيلم تنموياً على كل من الزمان والمكان".
في مطالعته التنظيرية تناول الفنان قيس الزبيدي في أكثر من 6 صفحات A 4 مواضيع هامة تتعلق بمصطلح "لغة السينما"، خضعت للدراسة والتحليل والحقول المعرفية الأخرى مثل علم اللغة والبنيوية والسيميائية Semiotik (سيميولوجي) التي تقوم على التمييز بين الدال والمدلول، أو علم نظام العلامات "لعقد الصلة بين أصول وقواعد لغة الكلام وأصول وقواعد لغة السينما" وقد ساعده في ذلك خبرته الفنية وإطلاعه الواسع على المراجع والبحوث والمقالات الحرفية التي سبق له وإن إعتمدها في تأليف كتابيه التنظيريين "المرئي والمسموع في السينما" الذي صدر عام 2006 وكتابه "مونوغرافيات في تأريخ ونظرية صورة الفيلم" الصادر عام 2010 عن المؤسسة العامة للسينما في دمشق. وأورد الكثير من الأسماء والأمثلة والمراجع والنصوص، واستعمل أسلوباً سردياً ومعلوماتياً مشوقاً لقراءة الاشكالات الطارئة على فنون السينما ومحاولة التعريف بها.
وإستجابة لدعوة الناقد والكاتب أمير العمري التي جاء فيها أنشر هنا ورقة الناقد السينمائي الأستاذ محمد رضا في معرض التعليق على ما طرحه الأستاذ قيس الزبيدي فيما يتعلق بإشكالية "اللغة السينمائية"، هذا المصطلح الذي نسعي من خلال هذا الحوار بين نخبة من النقاد، إلى استجلائه واستبيانه وتحديد معناه ومغزاه، وليس من الضروري أن تكون مداخلات الأساتذة النقاد محصورة بالطبع في مجال التعقيب أو الرد، بل يمكن أن تأتي متحررة، تستمد أفكارها من وحي ما أثاره قيس الزبيدي، على أن تحلق في نفس الفضاء. ونحن في انتظار المزيد من أوراق النقاد الأفاضل ونأمل أن نتمكن من إصدار حصيلة الجدل حول هذه القضية النظرية في كتاب يجمعنا رغم اختلاف الآراء . كتب الناقد السينمائي محمد رضا يقول: حتى يشعر الناقد السينمائي بالحرج لاستخدامه مصطلحاً معيّناً، عليه أن يكون واثقاً، وفي الأساس مدركاً، لما يكمن في هذا المصلح ومصدره كمفهوم ولماذا هو خطأ لا يجب إستخدامه، في الوقت ذاته، فإن تعريف "لغة السينما" بأنها "حرفة الفنان السينمائي ووسيلته لتحقيق رؤيته وتوضيح موقفه بشأنها، شأن اللغة التي يستخدمها الكاتب وفق القواعد والأساليب البلاغية والنحوية" تعريف لا يفي جيّداً بالمفهوم ومضامينه.. ثم يستطرق قائلاً: لكن أغلب ما أورده الزبيدي ، فيه، بالنسبة إليّ، الكثير من المقارنة بين اللغة التي نتحدّث بها بألسنة شتّي حول العالم وباختلاف الشعوب، وبين السينما التي نستقبلها بصور شتّي حول العالم وباختلاف مصادرها، علماً بأن المقارنة تصل مباشرة الى مبدأ نفي أن تكون للسينما لغة خاصّة بها وذلك لكل الأسباب المقنعة التي أوردها الزبيدي، سواء من معرفته ومعرفته او بالإستناد الى المصادر التي أوردها لإيضاح المسألة المختلف حولها".
سياق ابستمولوجي
وفي هذا الحوار عرج الدكتور بدر الدين مصطفي أستاذ علم الجمال بجامعة القاهرة إلى تناول الموضوع من زاوية "إشكالية العلاقة بين ما هو مرئي وما هو مكتوب"، في سياق ابستمولوجي مفيد على شكل تساؤلات هامة حول كيفية السؤال: " التي تتم بها عملية المعرفة واكتساب الوعي هو منطلقها: أيهما يمتلك الأولوية والسيادة على الوعي..اللغة أم المرئي؟ هل التفكير يتم بواسطة اللغة؟ أي هل العقل يترجم كل ما يراه إلى لغة؟ وبدون هذه العملية تفقد الأشياء دلالتها، أم أن المرئي له لغته الخاصة التي تتجاوز وتعلو على أية صياغة لغوية حتى ولو تمت؟ هل اللغة تستوعب ما هو مرئي، بحيث تنوب عنه في غيابه؟ أم أنها مجرد قوالب وصياغات تحفز الذهن على استحضار الصورة والمشهد؟ خاصة مع الوضع في الاعتبار، الأسبقية الأونطولوجية للمرئي، وأن التفكير يتم بالصورة أولا قبل أن يتم باللغة.. وفي مكان آخر جاء: ولعل هذا يدفعني إلى القول ان اللغة السينمائية (وأنا استخدم كلمة لغة هنا للإشارة إلى أن الصورة السينمائية في النهاية تهدف إلى التعبير، أي أنها وسيلة اتصال معبرة، فهي لغة غير كلامية)، هي لغة سابقة على النظام اللغوي الكلامي، أي أنها لا تخاطبنا من خلال الكلام أو اللسان، بل من خلال نظام مختلف نابع من داخل مكونات الصورة السينمائية ذاتها".
وفي معرض موضوعته التأسيس للبحث عن "الجدل" حول "الجدل" عقب الأستاذ الدكتور ناجي فوزي أستاذ النقد السينمائي بمعهد النقد الفني بأكاديمية الفنون بالقاهرة، على ما طرحه قيس الزبيدي حول مفهوم "اللغة السينمائية"، قائلاً: الجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو أمر ظهر بالفعل منذ عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وظل قائما لزمن طويل، مع أن المفهوم الغالب للمصطلح في حقيقته يرمي - بالفعل- إلى فكرة التعبير الفني بمفردات التقنية السينمائية المرئية (الفيلم السينمائي بدون تقنية الصوت) ثم المرئية/ السمعية (الفيلم المصحوب بتقنية الصوت).. " فكل من "اللغة المنطوقة" و"اللغة السينمائية" عبارة عن "مادة اتصال"، الغرض منها توصيل معنى معين، فضلا عن ما تتضمنه من معلومة (أو معلومات). فاللغة المنطوقة هي "مادة اتصال لفظية" تتصل بالحاسة السمعية (مع ملاحظة أن الكتابة هي الشكل الاصطلاحي للغة وليست هي بذاتها اللغة)، واللغة السينمائية هي مادة اتصال مرئية بالدرجة الأولى (وبحكم النشأة التاريخية) تتصل بالحاسة البصرية (ولاحقا بحاستي الإبصار والسمع معا).
اللغة والصورة السينمائية
وفي خضم هذا الجدل حول " لغة السينما" يترك الأستاذ ناجي فوزي الخيارات اللفظية وأساليب تراكيبها، مفتوحة، مقابل القيمة الابداعية للغة السينمائية ومفرداتها (البصرية والسمعية) من خلال تتابعها المونتاجي، قائلاً: والجدل حول مصطلح "اللغة السينمائية" هو بطبيعته، جدل فلسفي صرف، ولكنه يتجاوز حدود "الترف الفلسفي"، وذلك في محاولة للاستقرار حول حدود استخدامه كمصطلح يتعارف عليه كل من يتصل بنشاط الفن السينمائي (الروائي وغير الروائي) من صناع الأفلام ومن باحثين ونقاد لها، باعتباره مصطلحا يعني به "مفردات التعبير السينمائي" التي تشترك مع "النظام الخاص باللغة المنطوقة" (وليست الطبيعية) عن خاصيتها الأساسية وهي "إيصال المعنى".
وعلى الرغم من أهميتها النظرية والفنية فأن الدراسة التي نشرها الأستاذ أمين صالح، والتي تتكون من ثلاثة أجزاء وعلى أكثر من ثلاثة عشر صفحة، لم تكن من وجهة نظري موفقة كونها لا تشكل تحليلاً من منظوره الخاص إنما تشكل ترجمة لنص من كتاب بيتر والين الشهير. وبذلك يكون الأستاذ صالح قد إبتعد وللأسف عن رغبتنا في سماع وجهة نظره سيما في موضوعة هامة من هذا النوع يتناولها نقاد ومفكرون عرب لأول مرة. لكن أمير العمري علق عليها بالقول: "هذه الدراسة تعيدنا مجددا إلى ساحة المقارنة العميقة بين النص الأدبي والفيلم السينمائي" وأردف: "وربما تكون النقاشات حول العلاقة بين اللغة والصورة السينمائية سابقة على ظهور النظريات التي تؤيد أو تعارض مثل هذه العلاقة".
 إن فكرة استقراء آراء النقاد والمفكرين المتخصصين في شئون السينما حول واحدة من القضايا المثيرة للجدل في عالم السينما مثل مصطلح "لغة السينما" محاولة علمية قيمة تكشف عن أنساق قائمة على دلالات ومعاني عديدة. نأمل أن تؤسس هذه الآراء السيميولوجية، لدراسات دقيقة حول مفهوم المصطلح عامة وفي الفن والأدب على وجه الخصوص والمنقولة لنا عن لغات أجنبية، والتي تبدو لنا إختياراً مرادف، لكنه مضطرب، في لغتنا العربية. والجدير أن هنالك ثمة أختلاف فكري وتنظيري كبير يدور حول مصطلح "لغة السينما" بين النقاد والمفكرين، على المستوي العالمي. لكن دولوز رغم انتقاده للتحليل اللغوي للفيلم لا ينفي أن الفيلم هو مجموعة من العلامات، لكنها علامات غير لغوية أو بالأحرى "علامات قبل لغوية" ، كما يذكر الدكتور بدر الدين مصطفي.
عصام الياسري
3 أكتوبر 2010

صفحات: [1]