عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - Habib Mrad

صفحات: [1]
1
الرقم: 12/أس/2015
التاريخ: 22/2/2015

بيان إعلامي
      احتفلت الكنيسة السريانية الكاثوليكية بافتتاح السنة اليوبيلية بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لشهداء مجازر الإبادة بحق السريان "سيفو ـ السوقيات"، وبعيد مار أفرام السرياني، بقداس رسمي مساء يوم السبت 21 شباط 2015، في كاتدرائية سيّدة البشارة ـ المتحف ـ بيروت، وجرى نقله مباشرةً على الهواء عبر شاشتَي "أو تي في" و"تيلي لوميار ـ نورسات"، وصباح اليوم التالي عبر شاشتَي "أل بي سي" و "أم تي في".
      ترأس الإحتفال غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، يعاونه رئيس أساقفة حلب مار ديونوسيوس أنطوان شهدا، ورئيس أساقفة بغداد ورئيس اللجنة البطريركية لإحياء ذكرى الشهداء مار أفرام يوسف عبّا، وأمين سرّ البطريركية الأب حبيب مراد، وكاهن الرعية الأب شارل مراد.
      حضر القداس أصحاب القداسة والغبطة والنيافة: الكردينال مار بشارة بطرس الراعي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وغريغوريوس الثالث لحّام بطريرك أنطاكية وسائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك، ومار اغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، والسفير البابوي في لبنان المطران كبريالي كاتشا، وممثّل بطريرك أنطاكية للروم الأرثوذكس يوحنّا العاشر اليازجي، المطران الياس كفوري، وممثّل كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس آرام الأوّل كيشيشيان، المطران شاهيه بانوسيان، وعدد كبير من الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات من مختلف الكنائس، وجموع غفيرة من المؤمنين.
      ومن الحضور الرسمي: معالي الوزير ميشال فرعون ممثّلاً دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ تمّام سلام، والسفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسيبكين، وتوماس واكيم ممثّلاً الرئيس أمين الجميّل، والنائب عاطف مجدلاني ممثّلاً الرئيس سعد الحريري، والنائب حكمت ديب ممثّلاً الرئيس العماد ميشال عون، ومارون مارون ممثّلاً الدكتور سمير جعجع، والعميد هادي أوسي ممثّلاً قائد الجيش العماد جان قهوجي، والعميد حاتم شحود ممثّلاً مدير المخابرات العميد الركن إدمون فاضل، والعميد بشارة جبّور ممثّلاً مدير عام الأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، والعميد جورج حدّاد ممثّلاً مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء ابراهيم بصبوص، والمقدّم بشارة الحدّاد ممثّلاً مدير عام أمن الدولة اللواء جورج قرعة، والنقيب غطاس موسى ممثّلاً قائد الدرك العميد الياس سعادة، وممثّلو سفراء، ورؤساء وأعضاء بلديات، وفعاليات.
      وفي موعظته، تحدّث غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان عن "وطننا الحبيب لبنان، فليس من يجهل أو يتجاهل الأزمات السياسية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية التي تعصف به من كلّ حدبٍ وصوب. فها هم المسؤولون يتهاونون بالدستور فلا ينتخبون رئيساً للجمهورية، والخاطفون لا يزالون يحتجزون جنودنا الأبطال، مهدّدين أهلهم يومياً بذبحهم. ناهيك عن تردّي الأوضاع على مختلف الصعد، وليس آخرها الفضائح المتنقّلة في الفساد الغذائي، ممّا يضعف ثفة المواطنين ويضرّ بسمعة لبنان حول العالم. ولا ننسى المآسي التي يعيشها الملايين من النازحين على أرضه، سيّما الأطفال الأبرياء، وذلك بسبب الصراعات المتفاقمة في سوريا والعراق. وما يزيد في الطين بلّة، التهديدات الإرهابية المتّشحة بلباس المذهبية المكفِّرة، والتي جاءت تهزّ كيان وطننا لبنان المميَّز بين بلدان المنطقة بالإنفتاح والتعدُّدية والمساواة والحرّية. نضمّ صوتنا إلى أصوات إخوتنا البطاركة، وندعو الجميع إلى رصّ الصفوف، للحفاظ على لبناننا الغالي صيغةً وميثاقاً ودستوراً، وندعم جيشه الأبي وقواه الأمنية دون قيدٍ أو شرط، مقدّرين تضحياتهم الجسام في سبيل الدفاع عن الوطن. عندئذ فقط يحق لنا أن نعترف بلبنان الرسالة الفريدة لمحيطه وللعالم، في العيش الواحد، وفي قبول الآخر دون تمييزٍ ديني أو مذهبي".

      وأشار يونان إلى "الأوضاع في شرقنا الرازح تحت وطأة الحروب والنزاعات والذي تتآكله المصالح والصراعات، نرى كم يشبه يومُنا الحاضر الأمسَ القريب والبعيد. فمن العراق إلى سوريا، ومن الأراضي المقدّسة إلى مصر، بلادنا المشرقية تنزف دماً ودماراً وخراباً".
      وتطرّق يونان إلى ما يجري في العراق حيث "المجموعات الإرهابية التكفيرية تعيث الفساد من حولها وتفتك بالبشر والحجر، وتعود بنا إلى عصر الظلمات، وتحكم بقتل الناس وذبحهم لمجرّد أنّهم لا يقرّون بما تؤمن به. هذه الجماعات غريبةٌ عن منطقتنا رغم تخلّف الأنظمة في غالبيتها القصوى عن اللحاق بركب التمدُّن ونشر مساواة المواطنة الكاملة بين الجميع، على اختلاف إنتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية. وكان من حقّ المسيحيين أن يعيشوا بروح المواطنة العادلة، وقد تفاعلوا دون مركّب نقصٍ مع إخوتهم المنتمين إلى الأغلبية الدينية".
      ونوّه يونان بحزنٍ شديدٍ إلى اقتلاع أبناء الموصل وسهل نينوى من أراضيهم وتهجيرهم "إثرَ غزواتٍ بربريةٍ في حزيران وآب المنصرمين، فساحوا هائمين على وجوهم تحت كل سماء... بسبب همجية الإرهابيين التكفيريين، التي صبّت زيتاً على نار الصراعات المذهبية العبثية في بلاد الرافدين، والتي لا تزال تلقى الدعم من أنظمةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تستغبي شعوبنا باستنكاراتٍ جوفاء!".
      وكرّر البطريرك يونان باسمه وباسم البطاركة دعوة "المسؤولين من ذوي الإرادات الصالحة محلّياً وإقليمياً وعالمياً، للعمل الجادّ والدؤوب بغية تحرير مناطق شعبنا المغتصَبة، ليعود المهجَّرون قسراً دون ذنبَ، إلى قراهم وبلداتهم وكنائسهم. وندعو الحكومات المعنيّة إلى إحقاق العدل بالتعويض عن نتائج الغزو والسرقات والدمار، وتفعيلٍ جديّ للمصالحة بين المكوّنات المظلومة والجيران المعتدين".
      وتناول يونان ما يصيب سوريا من "نزاعاتٍ وخضّات عنفٍ وحربٍ مدمّرةٍ منذ أربع سنوات. صراعاتٌ بين الأشقّاء غذّاها الحاقدون، دماراً للحجر وتنكيلاً بالبشر. والعالم إمّا متغافلٌ وغارقٌ في سُباتٍ عميقٍ، وإمّا متآمرٌ وساعٍ لزرع بذار الشقاق وتأجيج نار الفتن المذهبية، بحجّة البلوغ إلى أنظمة ما تسمّى "اليمقراطية العددية"، حيث هدف الأغلبية أن تسود ديناً وقانوناً وفعلاً، دون الإعتراف بحقوق المكوّنات الصغرى وتطمينها. هل من عاقلٍ يقرّ بأنّ ما تسمّيه قوى المعارضة ثورةً شعبيةً سلميةً، يبشّر بإطلالة سوريا حرّة أبية وديمقراطية بعد هذا الدمار والقتل والإجرام؟ ألم يحن الوقت كي يتحرّك المجتمع الدولي ويقوم بمبادراتٍ إيجابيةٍ تنهي مأساة هذا الشعب؟!"، مطالباً السوريين أن "يحكّموا العقل والضمير، فيتواكبوا مع ذوي النيّات الحسنة والإرادات الصالحة في مسيرة المصالحة والحوار والتآخي رحمةً ببلدهم وبحضارته الإنسانية العريقة". وناشد يونان "الضمير العالمي، ببذل الجهود الحثيثة لإطلاق سراح جميع المخطوفين، وبخاصّةٍ أخوينا المطرانَين يوحنّا ابراهيم وبولس اليازجي، والكهنة، وكلّ المخطوفين".
      وجدّد يونان "استنكارنا وإدانتنا للعمل الإرهابي الهمجي الذي أدّى إلى استشهاد 21 مؤمناً من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وقد عزّينا رئيسها قداسة البابا تواضروس الثاني وشعب مصر بكل أطيافه".
      وتكلّم يونان عن مجازر "الإبادة ـ المجزرة الذي نكّلت بشعبنا بجناحيه الأرثوذكسي والكاثوليكي، في جنوب شرق الدولة العثمانية، لم تقم به شعوبٌ تتصارع فيما بينها في غياهب أزمنة الجهل، بل تمّ في العصور الحديثة على مرأى من العالم المعروف آنذاك. تلك مجازرٌ يندى لها جبين الإنسانية المتلهّية آنذاك بصراعات بسط النفوذ واكتساب الغنائم. فهناك المجرمون الذين خطّطوا لها والبرابرة الهمجيون الذين نفّذوها، هناك من شارك بالتحريض أو بالفعل أو بالصمت المطبَق".
      وأكّد يونان أنّ "هذا الشعب البريء والمسالم لم يحمل سلاحاً ليعتدي به على أحد أو لينتقم من الذين ينوون له شرّاً. وما اتُّهم بجرمٍ أو جريرة، بثورةٍ أو خيانةٍ إلا كذباً وتلفيقاً..! جريمته الوحيدة بل خطيئته التي لا تُغتفر، أنه لم يكن يدين بدين الأغلبية التي أعمى قلبها الحقد والتكفير"، منوّهاً إلى "أنّنا نصلّي اليوم في ذكرى شهدائنا، الذين بذلوا كلّ شيءٍ شهادةً لإيمانهم البطولي حتى سفك الدم على خطى الرب يسوع مثالنا في الحب والفداء"، مطالباً "باستعادة ما اغتُصب من أملاك كنيستنا، وهذا من أبسط حقوقنا، وفي مقدّمة هذه كلّها مقرّ كرسينا البطريركي في ماردين الذي تحوّل الآن إلى متحف حكومي".
      وذكّر يونان الجميع "بأنّنا، نحن السريان، إنطلاقاً من هذا المشرق المعذَّب عبرَ تاريخه القديم والحديث والمعاصر، أنرنا العالم بالعلم والمعرفة، ونثرنا مواهبنا شعراً وفكراً وترجمة. وقد جاءت شهادتنا لإنجيل المحبّة والسلام، معمَّدةً بالدم ومكلَّلةً بغار الإستشهاد... أهدينا الشعوب حضارةً ورُقيّاً، ولم نسلب أحداً، ولم نعتدِ على غيرنا، ولا طمعنا بسلطةٍ وحكمٍ، ولا اغتصبنا أرضاً، ولا شرّدنا شعباً، وستبقى حضارتنا السريانية الآرامية الأمّ نبراساً لتلاقي الأمم والأعراق والديانات".
      ونوّه يونان إلى أنّ السريان ليسوا "دعاة عنفٍ أو انتقام، إنّما دعاة سلامٍ ومحبّةٍ وتسامُح. نستذكر شهداءنا للعبرة والصلاة والتشجيع على التمسّك بالإيمان، إذ أضحت دماؤهم الزكية بذاراً لإيمان الخلاص وشهادةً لإنجيل المحبّة والسلام في منطقةٍ مشرقيةٍ لا تزال ترزح تحت ثقل الإرهاب والتطرّف والتعصّب الديني الهمجي والأعمى. نذكُرهم طالبين شفاعتهم كي نتطلّع نحو مستقبلٍ أفضل، برجاءٍ ثابتٍ بربّنا الفادي إله السلام، آملين أن يقتنع جميع المواطنين في بلدان الشرق الأوسط بهذه المقولة التي تردّدها غالبيتهم: الدين لله والوطن للجميع!".
      وختم البطريرك يونان بالتوجّه إلى أبناء الكنيسة السريانية في بلاد الشرق وعالم الإنتشار، في أوروبا وأميركا وأستراليا، قائلاً: "أنتم أولاد الشهداء والشهيدات وأحفادهم، حافظوا على مَعين الرجاء تستقونه من إيمانكم. وتمسّكوا بكنيستكم الأمّ ولغتها السريانية التي باركها الرب والعذراء مريم والدته والرسل والعديدون من الآباء والقديسين والقديسات. لا تنسوا جذوركم في أرض شرقنا ذي الحضارة العريقة. عهدُنا لكم أنّنا معكم سنحافظ على الأمانة لهويتنا ورسالتنا. والله نسأل أن يؤهّلنا لنكون شهوداً لمحبّته، ومبشّرين بسلامه على الدوام. آمين".
      وكان المطران مار أفرام يوسف عبّا رئيس اللجنة البطريركية المكلّفة إعداد احتفالات الذكرى المئوية، قد ألقى كلمة في بداية القداس، تحدّث فيها ذكرى شهداء الإبادة، داعياً في ختامها غبطةَ البطريرك يونان إلى إيقاد الشعلة إعلاناً عن بدء احتفالات الذكرى المئوية.
                                                          أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية

2

الرقم: 10/أس/2015
التاريخ: 16/2/2015

بيان إعلامي
صدر عن أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان التالي:
البطريرك يونان في زيارة راعوية ورسمية لكنيسة العراق
لن نفقد الرجاء بالرغم من هول النكبة والآلام، فنحن أبناء الأرض الأصيلون

قام غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي بزيارة راعوية ورسمية لتفقُّد أبنائه وبناته في العراق، وتشديد عزيمتهم في هذه الأزمنة العصيبة، وذلك في الفترة الممتدّة من ظهر الجمعة 6 شباط حتّى مساء السبت 14 شباط الجاري 2015، وقد رافقَه في هذه الزيارة المطران باسيليوس جرجس القس موسى المعاون البطريركي والزائر الرسولي على أوروبا، والأب حبيب مراد أمين سرّ البطريركية.
توجّهنا غبطته أوّلاً إلى بغداد، حيث استقبلَه في المطار المطرانان أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد، ويوحنّا بطرس موشي رئيس أساقفة الموصل وكركوك وكردستان، وعدد من الكهنة والأستاذ جورج باكوس مستشار رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي.
في بغداد، ومن 6 حتى 9 شباط، زار فخامة رئيس جمهورية العراق فؤاد معصوم، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري، ووزير الهجرة والمهجَّرين محمّد جاسم، والسفير الأميركي ستيوارت جونز، وكان بمعيّته الأستاذ يونادم كنّا عضو البرلمان العراقي، والسيّد رعد جليل كجه جي رئيس ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى.
كما تفقّد دار بيت عنيا للمرضى والمسنّين، واحتفل بيوم المريض العالمي في كاتدرائية سيّدة النجاة بالكرّادة، وزار النازحين في مركز الحركة الديمقراطية الآشورية، ومدرسة المكاسب، ورعيتَي مار يوسف بالمنصور، ومار بهنام بالغدير.
ثمّ انتقل غبطته إلى أربيل حيث زار أبناءه النازحين والمهجَّرين من الموصل وسهل نينوى إلى إقليم كردستان، من 9 حتى 14 شباط. فنفقّد النازحين في زاخو ودهوك وبيرسيفي وليفو والسليمانية وكويسنجق وأرموته وكركوك وعنكاوا وفي نشتيمان وجيهان بأربيل وسواها.
وأعلن تسميةً جديدةً لأبرشية الموصل وتوابعها، هي "أبرشية الموصل وكركوك وكردستان"، وعقد اجتماعاً عاماً لكهنة الأبرشية، ولقاءً موسّعاً لممثّلي العشائر والأحزاب من أبناء شعبنا، تداول في كلٍّ منهما أوضاع شعبنا في الظروف العصيبة الراهنة والآفاق المستقبلية، ودعا "أبناءنا الكهنة والعلمانيين إلى توحيد الجهود لما فيه تأمين فرص الحياة الكريمة الآمنة لأبنائنا بعد تحرير أراضينا بإذنه تعالى".
وزار غبطته وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان كريم سنجاري، ومحافظ دهوك فرهاد الأتروشي، وزاره في مقرّ إقامته في عنكاوا محافظ الموصل أثيل النجيفي، والتقى محافظ أربيل نوزات هادي.
كما التقى البطريرك يونان لعدّة مرات بغبطة مار لويس روفائيل الأوّل ساكو بطريرك بابل على الكلدان، وسيادة السفير البابوي في العراق المطران جورجيو لينغوا، وعددٍ من أصحاب السيادة والنيافة مطارنة الكنائس الشقيقة الكلدانية والسريانية الأرثوذكسية والمشرق الآشورية في بغداد وفي إقليم كردستان. 
وفي كلّ لقاءاته ومواعظه وأحاديثه، شدّد غبطته أبناءه وشجّعهم على "الثبات والصبر وانتظار الفرج من الرب الذي لا يخيّب المتّكلين عليه". وأثنى على جهود المخلصين والخيّرين من أساقفة وكهنة وعلمانيين ومحسنين في دعم صمود أبناء شعبنا رغم هول المحنة العصيبة التي ألمّت بهم، مؤكّداً "وقوفنا إلى جانب أبنائنا وبناتنا الراسخين والصامدين في العراق"، ومجدّداً "تضامننا معهم وسعينا إلى تأمين خدمتهم مع رعاتهم الروحيين من أساقفة وكهنة بكلّ ما أوتينا من طاقات وإمكانيات، رغم صعوبة الظروف".
كما أكّد غبطته أنّ "ما أصاب أبناء شعبنا في الموصل وسهل نينوى ليس أحداثاً عادية، وإنّما نكبة عظيمة ومحنة عصيبة نصلّي أن ينهيها الرب بأسرع ما يكون". وطالب "المسؤولين في بغداد وفي إقليم كردستان بالعمل الحثيث وبذل الجهود لتحرير أراضينا وتأمين عودة أبنائنا إليها بعيشٍ كريم وحماية وضمانات". ووجّه "نصيحةً ودعوةً أبويةً لأبنائنا النازحين والمهجَّرين ألا يفقدوا الأمل، إذ إنّنا نتشبّه بمعلّمنا الإلهي الذي قاسى الآلام، وانتصر عليها". وناشد "أبناء شعبنا ألا ييأسوا، بل أن يبقوا أبناء الرجاء"، وذكّرهم أنّ "آباءنا عانوا على مرّ العصور الإضطهاد والآلام وتناقص عددهم في بلدان الشرق، لكنّنا لن نفقد ثقتنا بالغلبة بربّنا يسوع بالرغم من كلّ ما حلّ بنا".
كما أعلن غبطته على الملأ أنّنا "لسنا أهل ذمّة ولا نستجدي وجودنا وحياتنا من الآخرين، بل نحن أبناء الأرض الأصليون". وطالب "المسؤولين في حكومة إقليم كردستان أن يساعدونا، بعد تحرير أراضينا إن شاء الله، كي نقيم إدارةً ذاتيةً لشعبنا في مناطقنا وأراضينا". واستذكر بفخرٍ وعزاءٍ "قداسةَ البابا فرنسيس الذي لا يألو جهداً للتحدّث عن أوضاعنا في الشرق والدعوة إلى حلّ هذه الأوضاع المتأزّمة على أساس العدالة والمساواة والدفاع عن الحقوق الإنسانية المدنية للجميع، حتى يشعر كلّ مواطنٍ بكرامته الإنسانية في وطنه".
كما أشار غبطته إلى أنّنا "لسنا طلاب حكمٍ أو امتيازات، وإنما نطالب بحقوقنا الإنسانية الطبيعية كمواطنين أصيلين في الشرق الأوسط". وناشد "جميع المسؤولين توجيه المعنيين بضرورة الإبتعاد عن التطرّف في الخطاب الديني وإعمال مبدأ الفصل بين الدين والدولة، فالدين لله والوطن للجميع".
وذكر غبطته عمله الدؤوب كي يخفّف آلام النازحين، إذ طرق ولا يزال يطرق كلّ الأبواب، من محسنين محلّيين وكنائس ومؤسّسات عالمية، كما لم يفّوت فرصةً للمشاركة في مؤتمراتٍ عالميةٍ لإعلاء صوت شعبنا المسيحي في الشرق، مؤكّداً أنّ على الغرب أن يدافع عن حقوق مسيحيي الشرق إن أرادوا لهم أن يبقوا في الشرق، لا أن يُشتروا بالبترول ويغطّوا ببعض الكلمات المنمّقة أهداف مموّليهم. لذلك لا نفوّت غبطته فرصةً في الموتمرات للمناداة بهذا الموضوع، ولا يسكت عن ذلك أبداً. ونوّه أمام رؤساء الكنائس الشقيقة إلى أنّنا "نحن الكنائس المشرقية السريان الكاثوليك والسريان الأرثوذكس والكلدان والمشرق الآشوريون لم يعد لدينا ما نخسره، لذا علينا أن نطالب ونجاهر بحقوقنا على الملأ معلنين قضيتنا أمام العالم كلّه".

                                        أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية

3
الرقم: 7/أس/2015
التاريخ: 5/2/2015
بيان إعلامي
البطريرك يونان يعقد مؤتمر صحفياً
لإطلاق السنة اليوبيلية إحياءً للذكرى المئوية لمجارز الإبادة بحق السريان "سيفو ـ السوقيات"

صباح يوم الخميس 5 شباط 2015، عقد غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي الكلي الطوبى، مؤتمراً صحفياً أطلق فيه احتفالات السنة اليوبيلية بمناسبة الذكرى المئوية لشهداء مجازر الإبادة التي ارتُكبت بحق شعبنا السرياني عام 1915، وهو ما تمّ التعارف عليه بتسمية "سيفو ـ السوقيات"، وذلك للإستذكار وأخذ العبرة وطلب شفاعة هؤلاء الذين قدّموا ذواتهم ذبائح محرقة على مذبح الشهادة دفاعاً عن إيمانهم المسيحي وهويّتهم وأرض آبائهم وأجدادهم.
وحملت الإحتفالات شعار: "دماء الشهداء بذار الإيمان" (ترتليانوس)، وآية القديس بولس الرسول في رسالته إلى أهل روما: "من أجلك نُمات كلّ النهار، وقد حُسِبنا مثل غنمٍ للذبح".
وفي كلمته خلال المؤتمر قال غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان:
مشروع الإبادة ـ المجزرة الذي نكّل بشعبنا السرياني بجناحيه الأرثوذكسي والكاثوليكي، كما بإخوتنا من كلدان وآشوريين وأرمن لمئة عامٍ خلت في دولة الخلافة العثمانية، لهو وصمة عارٍ ستلاحق، ليس فقط الأشرار الذين خطّطوا لها والبرابرة الهمجيين الذين ارتكبوها، بل العالم المعروف آنذاك لصمته المطبَق ولغيابه المتآمر. جموعٌ من المواطنين الأبرياء في المقاطعات الشرقية للدولة العثمانية آنذاك، أحبار وكهنة وشمامسة، رهبان وراهبات، رجال ونساء، شبّان وشابّات، أطفال ورضّع، مئات الألوف من مختلف الأعمار والطبقات الإجتماعية والحرفية، أُهينوا وضُربوا، عُذِّبوا وسيقوا سوق الخراف للذبح، زُجُّوا في الوديان والأنهار، وماتوا تائهين في الجبال والبراري، عطاش، جائعين... لم يحملوا سلاحاً ليعتدوا على أحد، وما جال في خاطرهم أن ينقلبوا على حكومة وما سمعوا بـ "طوابير خامسة" ليتآمروا على وطنهم... تهمتهم الوحيدة، وخطيئتهم المعهودة أنهم من "الكفّار" في نظر الأغلبية التي لا يشاطرونها العقيدة الدينية، من عثمانيين متزمّتين ومن عشائر متخلّفة غلب عليها التعصّب الأعمى وأطبق من حولها الجهل. اضطُهد أجدادنا وجدّاتنا من أجل إيمانهم المسيحي لا غير. ولأنهم ظلّوا أمناء للرب معلّمهم الإلهي الذي قال: "أحبوا أعداءكم وأحسنوا لمن يبغضكم...". ولأنّهم عشقوه فادياً تحمّل العذابات وضحّى بذاته حبّاً بالإنسان، ليرفع الإنسان نحو الله خالقه ينبوع المحبّة والحنان والعدل. ولكن ويا للفظاعة! لا يزال هذا الإنسان الذي تعتبره الأديان زينة الخَلق، يتمرّد على خالقه ويتفنّن بضروب التنكيل بأقرانه، أين منه وحوش الغاب..! 
ظنّ الذين تهافتوا على قتل أهلنا الأبرياء وتهجيرهم والعالم المتمدّن غافل، أنّها النهاية لشعبنا، وأنّ جرائمهم ستُطمَر في غياهيب التاريخ! خاب أملك يا موت! لقد تناسوا أنّنا أولاد القيامة والحياة. بالإيمان والقيم بنينا الأوطان، فشيّدنا قبب الكنائس، وشرّعنا أبواب الأديرة والمدارس. وكنّا نجهد بالصبر والتضحية تائقين إلى الإرتقاء بالإنسان السليم والمسالم... ولكنّ التعصّب المقيت والجهل الدفين شوّها الدين والأخلاق لدى الذين استقووا على الضعفاء الأبرياء، فاستباحوا وأهانوا واضطهدوا ونكّلوا وشرّدوا... مرتكبين جرائم يندى لها جبين الإنسانية على مرّ العصور. لقد غدت دماء شهدائنا بذار الإيمان الذي به نحيا، (ترتيليانوس). ولأنّنا من أجل إله المحبّة والسلام والغفران رضينا أن: "نُمات كلّ النهار، وقد حُسبنا مثل غنمٍٍ للذبح" (بولس رسول الأمم).
إنّ التاريخ خير شاهدٍ على المجازر المتكرّرة التي ارتكبها حكّامٌ ظالمون بحق شعبنا السرياني الأعزل، وكانت أكثرها ظلماً وهولاً ما جرى التعارف على تسميتها "مجازر سيفو"، عام 1915. لذا أردنا أن نحيي الذكرى المئوية لهذه المجزرة ـ الإبادة، لكي نبرهن عن فخرنا واعتزازنا بشهدائنا الأبرار الذين سفكوا دماءهم ذبائح محرقة ذوداً على إيمانهم وتراثهم والقيم التي حملها لهم إنجيل المحبّة والسلام. لقد أضحوا بخوراً عطراً على مذبح الشهادة، وكواكب مضيئةً في عتمة الليل الطويل، حيث شاءت العناية الإلهية أن نبقى صامدين ومتجذّرين. فمن شهادتهم نستقي العِبَر ومن شفاعتهم ننال المعونة من الرب، كي نجابه أمواج الشرّ والتكفير والأحقاد بنعمة من الربّ فادينا يسوع المسيح الذي وعدنا أن يبقى معنا حتى انقضاء الدهر.
من لبنان وسوريا والعراق وتركيا، من الأراضي المقدّسة والأردن ومصر، من شرقنا الحبيب، إلى أبنائنا في أوروبا وأميركا وأستراليا وبلدان الإنتشار كافةً، يا من حملوا مشعل الشهادة ووديعة الإيمان، أجملَ تحيةٍ أنقلها لكم. ما أشبه اليوم بالأمس، فها هو شرقنا ينزف دماً ودماراً وخراباً، وها نحن نعيش مجدّداً في زمن المحن والنكبات، في العراق منذ أكثر من عقدين، وفي سوريا منذ أربعة أعوام. لكن رغم الآلام التي تحلّ بنا، نحن على ثقةٍ بأنّ الله "يوجِد من المحنة خلاصاً"، فهو الراعي الصالح الذي يسهر على القطيع ويشجّعه للإنطلاق في جدّة الحياة بإيمانٍ ثابتٍ لا تزعزعه الأنواء ولا تنال منه الشدائد.
ليس بوسعنا بعد أن نتغافل عن هول ما أصابنا من نكباتٍ هدّدت وجودنا في أرض الأجداد، وفي كنيسة أنطاكية التي شاءت العناية الإلهية أن تكون كنيسةً شاهدةً وشهيدةً منذ قديم الأزمان، ليس لأنّنا نريد أن نتميّز عن غيرنا من الكنائس، ولكن لأنّ النكبة التي حلّت بأبرشية الموصل وتوابعها منذ ثمانية أشهرٍ، هي حدثٌ مخيفٌ بل مروِّعٌ إلى أقصى حدّ. في أيّام بل ساعات، تمّ اقتلاع عشرات الآلاف من المؤمنين مع مطرانهم وإكليروسهم والعديد من الراهبات والمكرَّسين، من بيوتهم ورعاياهم. وإذا أجرينا إحصاءاتٍ موضوعيةً، نستطيع القول بأنّ أكثر من ثلث طائفتنا الموجودة في الشرق قد تشرّد، ولا أحد يعلم سوى الله، متى يعود هؤلاء المهجَّرون قسراً! أليست هذه الجرائم مشروع إبادةٍ لشعبٍ بريءٍ مسالم؟
وماذا نقول عن مآسي القتل والخطف والتشريد التي عرفَتْها سوريا منذ ما يقرب من أربعة أعوام؟ وهل هناك من يجهل أو يتجاهل النتائج الوخيمة لتلك الصراعات الدامية، من دمارٍ مرعبٍ لبُنى هذا البلد، ومن قتل مئات الآلاف ونزوح الملايين؟ وكما في بلاد الرافدين، مَن له المصداقية، داخل الوطن وخارجه، كي يطمئن شعب سوريا، بما فيه أهلنا، أنّ السلام سيعود يوماً، سلام المصالحة الحقيقية وقبول الآخر، فتزول الأحقاد، وتُدفن الضغائن، ويعود المواطنون للتآلف والتآخي بروح المواطنة الحقّة؟!، وهلاّ يستفيق العالم فيطالب بأن يُطلَق سراح المخطوفين، وفي مقدّمتهم المطرانان يوحنّا ابراهيم وبولس اليازجي والكهنة! نقولها وقلوبنا مدماة، فكما حصل بُعيد نكبة السيفو، سنواتٌ معدودةٌ تمرّ، ثم ندركُ هول ما جرى لنا من تشريدٍ لأبنائنا وبناتنا في أقطار المسكونة الأربعة! إنّها خسارةٌ وللأسف الشديد لن تُعوَّض، لأنّنا عارفون بنتائج الهجرة إلى ما وراء البحار!
ولا يفوتنا أن نحيّي لبنان، موئل الحضارات والحرّيات، هذا البلد الغالي الذي فتح قلبه وذراعيه فاستقبل أولئك الذين قست عليهم ظروف الحياة، بالرغم من صغر المساحة وضآلة الموارد.  ندعو له بالإستقرار والإزدهار، وبتضامن جميع مكوّناته لتفعيل المحبّة والألفة والعدالة، فيبقى نبراساً حضارياً لبلدان الشرق. ونأسف بشدّةٍ لتهاوُن المسؤولين بمقدّراته، واستخفاف ذوي الشأن بدستوره وقوانينه، بإحجامهم عن انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية، وهو رمز وحدة الوطن، وندعوهم إلى تحمّل مسؤولياتهم الوطنية أمام الله والشعب والتاريخ، مثمّنين التضحيات الجسام التي يبذلها الجيش اللبناني وجميع القوى الأمنية، قياداتٍ وأفراد، في سبيل حماية هذا الوطن الأبيّ من خطر العنف والتطرّف والإرهاب الذي يتربّص به.
ما هو موقفنا من هذه النكبات والمآسي التي حلّت بنا؟ من الواجب أن نقتنع ونُقنِع الآخرين بأنّنا لسنا من الذين يلجأون إلى النوح والتباكي كما قد يتّهمنا البعض! ولسنا من هواة الإنتفاع من المآسي التي حلّت بمواكب الجدود والجدّات فنطالب بتعويضٍ مادّي، ولن نكون أبداً من الذين يسوّقون التشاؤم. بل من واجبنا أن نستطلع "علامات الأزمنة"، ونكتشف تدبير العناية الإلهية في زمن الضيق، كي نحوّله إلى زمن النعمة. وفي الوقت ذاته نطالب حكّام دولةٍ لم تعرف أن تحافظ على حقوق مواطنيها في الماضي، أن يحكموا بالعدل والحق ويعيدوا لنا ما اغتُصِب في زمنٍ لم يسمَح لأهلنا أن يطالبوا بحقوقهم ليحموا كنائسهم وأديرتهم وممتلكاتهم في المقاطعات الوسطى والشرقية من الدولة العثمانية.
الكلّ يعلم بأنّنا، نحن السريان، إنطلاقاً من هذا المشرق المعذَّب عبرَ تاريخه القديم والحديث والمعاصر، أنرنا العالم بالعلم والمعرفة، ونثرنا مواهبنا شعراً وفكراً وترجمة. ولقد جاءت شهادتنا لإنجيل المحبّة والسلام، معمَّدةً بالدم ومكلَّلةً بغار الإستشهاد... أهدينا الشعوب حضارةً ورقيّاً، ولم نسلب أحداً، ولم نعتدِ على غيرنا، ولا طمعنا بسلطةٍ وحكمٍ، ولا اغتصبنا أرضاً، ولا شرّدنا شعباً، وستبقى حضارتنا الآرامية الأمّ نبراساً لتلاقي الأمم والأعراق والديانات. ألا يحق لنا أن نتساءل: أين الضمير العالمي؟ أين أصحاب النوايا الصالحة؟ أين دعاة الحفاظ على حقوق الإنسان والمتبجّحون بالدفاع عن قضايا الشعوب المستضعَفة؟ ألم يحن الوقت بعد ما نقرأ ونسمع ونشاهد من الفظائع التي تُرتَكب باسم الدين، أن نقف معاً لنرفض تسييسه، ونمدّن خطابه، ولا نميّز بين مذهبٍ وعرقٍ ولون، نفوساً ونصوصاً؟
نحن لسنا دعاة عنفٍ أو انتقام، إنما دعاة سلامٍ ومحبّةٍ وتسامُح. نستذكر شهداءنا للعبرة والصلاة والتشجيع على التمسّك بالإيمان، وعلى المضيّ نحو المستقبل برجاءٍ ثابتٍ بالرب إله السلام، آملين أن يقتنع جميع المواطنين في بلدان الشرق الأوسط بهذه المقولة التي تردّدها غالبيتهم: "الدين لله والوطن للجميع!".
إليكم نتوجّه يا أحبّاءنا في بلاد الشرق وعالم الإنتشار، أنتم أولاد الشهداء والشهيدات وأحفادهم، حافظوا على مَعين الرجاء تستقونه من إيمانكم. وتمسّكوا بكنيستكم الأمّ ولغتها السريانية العظيمة، لا تنسوا جذوركم في أرض شرقنا ذي الحضارة العريقة. عهدُنا لكم أنّنا معكم سنحافظ على الأمانة لهويتنا ورسالتنا.
والله نسأل أن يؤهّلنا لنكون شهوداً لمحبّته، ومبشّرين بسلامه على الدوام. آمين.

هذا وقد تكلّم أيضاً كلُّ من سيادة المطران بولس مطر رئيس أساقفة بيروت للموارنة ورئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، والأب عبدو أبو كسم مدير المركز الكاثوليكي للإعلام، والدكتورة جويل درغام، وقدّم المتكلّمين الإعلامي الدكتور كريستيان أوسي، وغطّت وقائع المؤتمر مختلف وسائل الإعلام من مرئية ومكتوبة ومسموعة.
الأب عبدو أبو كسم، تحدّث عن معنى مجازر الإبادة وأثرها على الكنيسة الجامعة، مذكّراً بالأحداث الجارية في الشرق، داعياً إلى الوحدة سبيلاً للخلاص، ومنوّهاً بما يقوم به بطاركة الشرق لهذه الغاية. ودعا إلى تطبيق ما ورد في بيان الأزهر، وأن يعود المسيحيون إلى أرضهم في العراق وسوريا وسواهما من بلاد الشرق.
المطران بولس مطر، قال مخاطباً غبطة البطريرك يوسف يونان وأبناء الكنيسة السريانية: "يشرّفنا أن ينتقل المركز الكاثوليكي للإعلام إلى صرحكم البطريركي ليصغي إلى صوتكم، وقد استمعنا إليكم في كلّ ساحة تدافعون عن كنيستكم ومواطنيكم في هذا الشرق، ونحن في ذكرى مرور مئة سنة على مجازر الإبادة".
وأضاف المطران مطر: "نحن متضامنون في هذا الظرف الحزين مع الكنيسة الشهيدة والمنتصرة بإذن الله، لأنّنا كنيسة قيامية، وكنيسة أنطاكية قدرها أن تكمل عذابات السيّد المسيح على هذه الأرض. أنتم الكنيسة الشقيقة لكنيستنا المارونية، وما يؤلمها يؤلمنا. نتألّم لتجدُّد هذه الآلام في الموصل وسهل نينوى، لكنّنا أهل رجاء، نصرخ أمام العالم علّه يرعوي".
أمّا الدكتورة جويل درغام، عضوة اللجنة البطريركية المكلَّفة إحياء احتفالات السنة اليوبيلية، فأعلنت عن أبرز النشاطات التي ستقيمها بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية بهذه المناسبة، وهي:
ـ القداس الإفتتاحي للذكرى المئوية والسنة اليوبيلية برئاسة غبطته، في تمام الساعة الخامسة من مساء يوم السبت 21 شباط الجاري، في كاتدرائية سيّدة البشارة ـ بيروت.
1ـ مؤتمر علمي فكري بعنوان "مذابح السريان بين الشهادة والإيمان"، يتمحور حول تاريخ السريان في المنطقة الشرقية للمتوسّط وأوضاعهم داخل السلطنة العثمانية، ويلقي الضوء على مذابح سيفو، وانتشار السريان حول العالم، مبرزاً قضيتهم، في الفترة الممتدّة من 14 حتى 16 أيّار في جامعة الروح القدس الكسليك
2ـ قداس إحياءً لذكرى الشهداء، في تمام الساعة السادسة والنصف من مساء يوم السبت 29 آب، في دير سيدة النجاة البطريركي الشرفة ـ درعون ـ حريصا
3ـ فعاليات ونشاطات في أبرشية سيّدة النجاة في الولايات المتّحدة الأميركية وكندا، وفي السويد، وفي أبرشيات سوريا والعراق
4ـ أمسية مرتّلة تشاركنا بها جوقات من الكنائس الشقيقة التي امتزحت دماء أبنائها بدماء شهدائنا، ومعرض للمخطوطات والمتحف، وإزاحة الستار عن نصب تذكاري ضخم يخلّد ذكرى المجازر، خلال فترة انعقاد المجمع الأسقفي لكنيستنا السريانية الكاثوليكية في الفترة الممتدّة من 26 حتلى 31 تشرين الأول، في دير سيّدة النجاة البطريركي الشرفة ـ درعون ـ حريصا
أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية

4


الرقم: 1/أس/2015
التاريخ: 9/1/2015

بيان إعلامي

صدر عن أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان التالي:

البطريرك يونان يعزّي السفير الفرنسي بضحايا الإعتداءات الإرهابية في باريس

وجّه صاحب الغبطة مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، باسمه الشخصي وباسم الكنيسة السريانية الكاثوليكية الأنطاكية، سينودساً وإكليروساً ومؤمنين، التعازي الحارّة لسعادة السفير الفرنسي في لبنان باتريس باولي، بضحايا الجريمة التي تعرّضت لها جريدة Charlie Hebdo في باريس، إثر اعتداءٍ إرهابي مشين، وما لحقه من اعتداءاتٍ وأعمالٍ إرهابيةٍ في العاصمة الفرنسية هذين اليومين.
وإذ صلّى غبطته من أجل شفاء الجرحى وتعزية أهالي ضحايا هذه الجرائم الإرهابية وذويهم، أكّد أنّ مواجهة هذه الجرائم ومثيلاتها تكون بالعمل الدؤوب على توطيد دعائم المحبّة والسلام والأخوّة والعيش معاً بين جميع مكوّنات الأوطان على اخلاف انتماءاتهم.


5


الرقم: 79/أس/2014
التاريخ: 30/12/2014

بيان إعلامي
صدر عن أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان الإعلامي التالي:
البطريرك يونان يستقبل سفير إيران الجديد
استقبل البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية الجديد محمد فتح علي ومرافقيه في البطريركية. وكانت زيارة تعارُف وتهاني بعيد الميلاد وحلول العام الجديد، وذلك صباح اليوم الثلاثاء 30/12/2014.
وتمنّى غبطته لضيفه التوفيق في مهامه الجديدة، والتعاون مع جميع ممثّلي لبنان لما فيه خيره واستقراره. ونوّه البطريرك إلى الدور الذي تلعبه جمهورية إيران في سبيل إحلال الأمن والدفاع عن المكوّنات الصغيرة المستضعَفة في العراق، حيث أصاب التهجير والتنكيل مئات الآلاف من المسيحيين والإيزيديين المهجَّرين من الموصل وبلدات سهل نينوى وجبل سنجار. وأعرب عن شكره لما تقدّمه الجمهورية الإيرانية من جهودٍ في الدفاع عن الشعب السوري، والعمل على إيجاد الحلول السياسية لإنهاء الصراعات الدامية، وإحلال السلام والأمن في سوريا. كما جرى الحديث عن واجب جميع الدول والمسؤولين في نشر ثقافة التسامح والتعدّدية في الدين والتفكير، وفي محاربة الإرهاب والتكفير باسم الدين، وهي ظاهرة مخيفة ومقيتة في أيّامنا. وقد ودّع البطريرك ضيفه بجملة فارسية داعياً له ببركات الله: "رحمت وبرکات خدا".



6
الرقم: 78/أس/2014
التاريخ: 23/12/2014
بيان إعلامي
صدر عن أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان الإعلامي التالي:

رسالة عيد الميلاد لغبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان

توجّه صاحب الغبطة مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي الكلّي الطوبى، بالرسالة السنوية لمناسبة عيد القيامة المجيدة، بعنوان "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر"، جدّد فيها التأكيد على أنّ ميلاد الرب يسوع هو بشرى الفرح، وبداية الخلاص بالمسيح الممجَّد، وأساس السلام الشامل المبني على روح التضامن والعدالة، وهو يبعث الرجاء بين الناس حتّى في خضمّ المحن والإخفاقات.
وتناول غبطته الأوضاع المأساوية في منطقة الشرق الأوسط، فقال: ".. وعلى الأرض السلام..!، ومَن منّا لا يتساءل أين ذاك السلام الذي حمله المسيح الرب، كم يحتاج عالمنا اليوم إلى روح السلام لتحلّ على أوطاننا، وقادتنا وحكّامنا، فيفيض السلام في بلادنا، فأين هو السلام العادل والشامل الذي أراده الله لكلّ الناس؟ عندما نرى الصراعات الأهلية تتكرّر وتزداد همجيةً في بلدانٍ عديدةٍ من منطقتنا، وعندما تطالعنا الأخبار عن قمع الحرّيات واضطهاد الضعفاء وتهجير الأبرياء، وعن مسلسلات العنف والقتل ودوس الكرامات..!
وتابع غبطته: "ألا يحقّ لنا التساؤل أين بقيت كرامة الإنسان في عددٍ كبيرٍ من بلدان شرقنا المتوسّط؟ وإلى متى يبقى العالم صامتاً إزاء الجرائم التي تُرتكَب باسم الدين، إذ يقع الملايين من المواطنين المسالمين ضحايا التكفير والتعصّب والجهل والكراهية!". 
واستعرض غبطته معاناة شعوب الشرق "من لبنان إلى العراق، مروراً بسوريا وفلسطين، شعوبنا تعاني من الحروب والإضطهاد والقتل والتشريد". وأردف قائلاً: "تدمع عيوننا وتتفطّر قلوبنا عندما نعاين، رغم أنّنا في الألفية الثالثة، تلك المجموعات الإرهابية التكفيرية تعيث الفساد من حولها وتفتك بالبشر والحجر، وتعود بنا إلى عصر الظلمات، وتحكم بقتل الناس وذبحهم لمجرّد أنّهم لا يقرّون بما تؤمن به. هذه الجماعات غريبةٌ عن تاريخ منطقتنا حيث عاش المسيحيون والمسلمون منذ مئات السنين جنباً إلى جنبٍ في القرى والمدن والبلدان، رغم تخلّف الأنظمة في غالبيتها القصوى عن اللحاق بركب التمدُّن ونشر مساواة المواطنة الكاملة بين الجميع على اختلاف إنتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية".

وتطرّق غبطته إلى الوضع العام في "وطننا الحبيب لبنان، حيث الأزمات السياسية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية تعصف به من كلّ حدبٍ وصوبٍ وتكاد تنسي الشعب أنّنا في زمن العيد. فلا رئيس للجمهورية قد انتُخِب، ولا جنودنا الأبطال قد حُرِّروا، والخاطفون يهدّدون أهلهم يومياً بذبحهم. كما أنّ فضيحة الفساد الغذائي، إن لم يتداركها المسؤولون قد تنذر بالوبال على صحّة المواطن وسمعة لبنان السياحية. وكأنّ لبنان، هذا الوطن الكبير في صغر مساحته والمميَّز بين بلدان المنطقة بالإنفتاح والتعدُّدية والمساواة والحرّية، لم تكفِهِ الأزمات الإقتصادية المتتابعة، والتي زادها تعقيداً وجود ملايين النازحين، فجاء مَن يهزّ كيانه وميثاقه بالتهديدات المذهبية المكفّرة، وبالإعتداءات الإجرامية من قتلٍ وخطفٍ لقواه الأمنية وتفجيراتٍ في ساحاته وشوارعه".
وتوجّه بالصلاة إلى الله "كي تجلب السنة الجديدة تجديداً للسلطة الدستورية، فيُصار إلى انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية، ويُقَرُّ قانونٌ جديدٌ للإنتخابات النيابية لا يهمّش أيّ مكوّنٍ من مكوّنات الوطن، وتحصل الإنتخابات وهي من التجلّيات الأساسية للديمقراطية، بحيث تساهم في الحفاظ على المصلحة الوطنية العليا، وعلى الإستقرار الإجتماعي والتآخي الوطني".

وحول ما يجري في العراق، قال غبطته: "إنّنا ننظر إلى مكوّنات الشعب العراقي الممزّق، ونبكي مع الباكين من أعضاء كنيستنا المتألّمة في أرض الرافدين. عشرات الآلاف من المشرَّدين والمهجَّرين داخل وطنهم، وأمثالهم من النازحين طلباً للجوء في البلدان المجاورة، فكيف لا تدمى قلوبنا وأجراس كنائسنا في الموصل وقرى وبلدات سهل نينوى، وللمرّة الأولى منذ فجر المسيحية، لا تقرع فرحاً بولادة المخلّص، إذ أُرغم المطران والعشرات من الإكليروس والراهبات والرهبان مع الآلاف المؤلّفة من المؤمنين على النزوح إلى العراء بسبب ظلم الإرهابيين التكفيريين من غريبٍ وقريب!". 
ودعا غبطته "المسؤولين من ذوي الإرادات الصالحة محلّياً وإقليمياً وعالمياً، للعمل الجادّ والدؤوب بغية تحرير هذه المناطق المغتصَبة، ليعود المسيحيون الذين لا ذنبَ لهم، إلى قراهم وبلداتهم وكنائسهم. ومع أنّنا ندرك أوضاع أهلنا المأساوية، نقول لهم: لا تخافوا، فإنّ الفجر قريبٌ، والخلاص آتٍ، ولا بدّ لإله الخير أن يقهر إبليس وجنوده، فتعودوا إلى أرض الآباء والأجداد. إنّها أرضكم، أرضٌ مقدَّسةٌ تستأهل أن تعودوا إليها، رغم هول الخيانات التي حلّت بكم وفداحة الآلام والمآسي التي ألمّت بكم ظلماً، لتعيشوا فيها الشهادة لإنجيل المحبّة والسلام".

وعن الأحداث الدائرة في سوريا، توجّه غبطته إلى الشعب السوري المتألّم، مشاركاً إيّاه "من أعماق القلب لما أصابه ويصيبه من نزاعاتٍ وخضّات عنفٍ وحربٍ مدمّرةٍ منذ أربع سنوات. صراعاتٌ بين الأشقّاء غذّاها الحاقدون، فلم تُبقِ ولم تذر، دماراً للحجر وتنكيلاً بالبشر. والعالم بعضه محرِّضٌ متآمرٌ، وبعضه متفرِّجٌ جبان، حتّى لم تعد سوريا ذاك الوطن الذي عهدناه، ألم يحن الوقت كي يتحرّك المجتمع الدولي ويقوم بمبادراتٍ إيجابيةٍ تنهي مأساة هذا الشعب!"
وصلّى غبطته في زمن الميلاد مع الشعب السوري متضرّعاً "إلى طفل بيتَ لحمَ الإلهي، أن يشفق على الملايين من الابرياء، من مقيمين ونازحين، كي يعودوا إلى ضمائرهم ويتواكبوا مع ذوي النوايا الحسنة والإرادات الصالحة في مسيرة المصالحة والحوار والتآخي رحمةً ببلدهم وبحضارته الإنسانية العريقة".
وناشد غبطته "الضمير العالمي ببذل الجهود لإطلاق سراح جميع المخطوفين، وبخاصة المطرانين يوحنّا ابراهيم وبولس اليازجي، والكهنة".
وتقدّم غبطته بالتهاني بمناسبة عيد الميلاد المجيد وحلول العام الجديد إلى أبناء الكنيسة السريانية في الأراضي المقدّسة والأردن ومصر وتركيا وفي بلاد الإنتشار، أوروبا وأميركا وأستراليا، متمنّياً للعالم بأسره وبخاصة للشرق المعذَّب، سلاماً وأماناً نابعاً من الطفل الإلهي أمير السلام.


نص الرسالة




الرقم: 220/2014
التاريخ: 23/12/2014

إلى إخوتنا الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الإحترام، وأولادنا الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل، وجميع أبنائنا وبناتنا المؤمنين المبارَكين بالرب،
اللائذين بالكرسي البطريركي الأنطاكي في بلاد الشرق وعالم الإنتشار

نهديكم البركة الرسولية والمحبّة والدعاء والسلام بالرب يسوع، ملتمسين لكم فيض النِّعَم والبركات:
يحتفل العالم المسيحي في مشارق الأرض ومغاربها بعيد ميلاد الرب يسوع بالجسد، عيد الإله المتأنّس، عيد المحبّة اللامتناهية، عيد الفرح ومصدر السلام وينبوع الرجاء بمستقبلٍ أفضل.
جاء الملائكة في هدأة الليل يبشّرون رعاةً في جوار قريةٍ صغيرةٍ وديعةٍ من فلسطين، هي بيت لحم أن: "ولد لكم اليوم مخلّص.."، وختموا بشارتهم يسبّحون الله، وينشدون قائلين: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" (لو 2: 14). إنّه نشيدٌ تردّده ليتورجيا الأرض في كنائسها كافّةً، وها هو الطقس السرياني يعلنه صباح كلّ يومٍ ليرفع المؤمنين إلى الله، مستذكرين ليلة ميلاد ابنه الكلمة الذي "صارَ بشراً وحلّ بيننا".
بمناسبة عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الجديدة، نعرب عن أطيب التهاني والتمنّيات لجميع أبناء كنيستنا السريانية وبناتها وإخوتنا وأخواتنا من الكنائس الأخرى والجماعات الكنسية، ومن سائر الطوائف والأديان، وكلّ مواطنٍ صالحٍ يسعى إلى السلام، في لبنان والشرق الأوسط وبلدان الإنتشار، راجين منه تعالى، ينبوع النعم والمراحم، أن يحمل هذا العيد مواسم خيرٍ وسعادةٍ لجميع الذين يتّقونه بروح المحبّة والسلام، وأن يحلّ عليهم العام الجديد 2015 باليمن والبركات.
تتوجّه قلوبنا وأفكارنا في هذا العيد إلى أبنائنا وبناتنا الذين يعانون آلام الحرب والإضطهاد في العراق الممزّق وفي سوريا المتألمة من النزاعات وخضّات العنف والحرب المدمّرة، وبخاصةٍ أولئك المقتلَعين من ديارهم قسراً في الموصل وبلدات سهل نينوى، وقد حُرموا بهجة العيد لتحلّ مكانها المآسي والدموع والخوف إزاء المستقبل.. إنّنا نشجّعهم وندعوهم ألا يخافوا، فإنّ الفجر قريبٌ والخلاص آتٍ، ولا بدّ لإله الخير أن يقهر إبليس وجنوده، ليعودوا إلى أرض الآباء والأجداد رغم هول الخيانات وفداحة الآلام، كي يعيشوا فيها متّكلين على الرب ويقدّموا شهادتهم الشجاعة لإنجيل المحبّة والسلام.

كما نهنّئ أبناءنا وبناتنا في الأبرشية البطريركية في لبنان بهذا العيد، متضرّعين إلى الطفل الإلهي مولود بيت لحم، كي يحمل إلى لبنان انفراجاً من الأزمات الداخلية المتعدّدة، ومن اعتداءات الغرباء المتربّصين بأمنه وبصيغته الحضارية.
كما نعايد أبناءنا وبناتنا في الأراضي المقدّسة الأردن وتركيا ومصر، وكذلك أبناء كنيستنا الذين غادروا بلاد المنشأ واستقرّوا في بلدان الإنتشار، أوروبا وأميركا واستراليا، مصلّين من أجل ثباتهم بإيمانهم وأمانتهم لانتمائهم الكنسي.
ولا يفوتنا أن نذكر الذين أجبرتهم الأوضاع المؤلمة والإضطرابات والحروب في العراق وسوريا على النزوح والهجرة، وجميع المعوَزين والمهمَّشين والمستضعَفين، وكلّ عائلةٍ غابت عن أعضائها فرحة العيد لفقدانها أحد أفرادها أو أحبّائها، سائلين لهم جميعاً فيض البركات والنعم السماوية.
أيّها الربّ يسوع مخلّصنا، يا أمير السلام، قوِّ فينا الإيمان بحضورك الخلاصي بيننا، وثبّت فينا الرجاء بأنّ السلام الحقيقي ممكنٌ، لأنّ البشر الذين خلَقْتَهم على صورتك ومثالك هم في أعماقهم صالحون. وأعطنا يا ربّ أن نعيش المحبّة كما أوصيتنا، فنضحي فاعلي سلامٍ، نبنيه على الحقيقة والعدالة والحرّية والمحبّة.
وفي الختام، نمنحكم أيّها الإخوة والأبناء والبنات الروحيون الأعزّاء، بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية. ولتشملكم جميعاً نعمة الثالوث الأقدس وبركته: الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
كلّ عام وأنتم بألف خير.

ܡܫܺܝܚܳܐ ܐܶܬܺܝܠܶܕ... ܗܰܠܶܠܽܘܝܰܗ           وُلد المسيح... هلّلويا
                                                                           


                                                             
                                                اغناطيوس يوسف الثالث يونان
                                               بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي



_____________________
ܐܓܪܬܐ ܕܥܐܕܐ ܕܡܘܠܕܐ
ܫܢܬ ܒ̱ܝܕ
رسالة عيد الميلاد المجيد
عام 2014


ܒܫܡ ܐܝܬܝܐ ܡܬܘܡܝܐ ܐܠܨܝ ܐܝܬܘܬܐ ܐܚܝܕ ܟܠ
ܐܝܓܢܛܝܘܣ ܝܘܣܦ ܬܠܝܬܝܐ ܕܒܝܬ ܝܘܢܐܢ
ܕܒܪ̈ܚܡܘܗܝ ܕܐܠܗܐ
ܦܛܪܝܪܟܐ ܕܟܘܪܣܝܐ ܫܠܝܚܝܐ ܕܐܢܛܝܘܟܝܐ ܕܣܘܪ̈ܝܝܐ ܩܬܘܠܝܩܝ̈ܐ


باسم الأزلي السرمدي الواجب الوجود الضابط الكل

اغناطيوس يوسف الثالث يونان
بنعمة الله
بطريرك الكرسي الرسولي الأنطاكي للسريان الكاثوليك


إلى إخوتنا الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الاحترام
وأولادنا الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل
وجميع أبنائنا وبناتنا المؤمنين المبارَكين بالرب
اللائذين بالكرسي البطريركي الأنطاكي في لبنان وبلاد الشرق وعالم الإنتشار
نهديكم البركة الرسولية والمحبّة والدعاء والسلام بالرب يسوع، ملتمسين لكم فيض النِّعَم والبركات والخيرات:
"ܬܶܫܒܽܘܚܬܳܐ ܠܰܐܠܳܗܳܐ ܒܰܡܪ̈ܰܘܡܶܐ ܘܥܰܠ ܐܰܪܥܳܐ ܫܠܳܡܳܐ ܘܣܰܒܪܳܐ ܛܳܒܳܐ ܠܰܒܢܰܝ̈ܢܳܫܳܐ"
"المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" (لوقا 2: 14)


1. مقدّمة: الميلاد عيد الفرح والسلام والرجاء

في بداية رسالتنا لعيد الميلاد المجيد، نعرب عن أطيب التهاني والتمنّيات لجميع أبناء كنيستنا السريانية وبناتها وإخوتنا وأخواتنا من الكنائس الأخرى والجماعات الكنسية، ومن سائر الطوائف والأديان، وكلّ مواطنٍ صالحٍ يسعى إلى السلام، في لبنان والشرق الأوسط وبلدان الإنتشار، راجين منه تعالى، ينبوع النعم والمراحم، أن يحمل هذا العيد مواسم خيرٍ وسعادةٍ لجميع الذين يتّقونه بروح المحبّة والسلام، وأن يحلّ عليهم العام الجديد 2015 باليمن والبركات.
يحتفل العالم المسيحي في مشارق الأرض ومغاربها بعيد ميلاد الرب يسوع بالجسد، عيد الإله المتأنّس، عيد المحبّة اللامتناهية، عيد الفرح ومصدر السلام وينبوع الرجاء بمستقبلٍ أفضل.
لقد وُلد المخلّص بالجسد في هدأة الليل، في قريةٍ صغيرةٍ وديعةٍ من فلسطين، هي بيت لحم. وجاءت الملائكة تبشّر رعاةً كانوا هناك، يسبّحون الله، وينشدون قائلين: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر" (لو 2: 14). إنّه نشيدٌ تردّده ليتورجيا الأرض في كنائسها كافّةً، وها هو الطقس السرياني يعلنه صباح كلّ يومٍ ليرفع المؤمنين إلى الله، مستذكرين ليلة ميلاد ابنه الكلمة الذي أضحى بشراً، متّخذاً في التاريخ اسم يسوع.

2. الميلاد مجد الله بيسوع وبشرى الفرح
ظهر مجد الله بشخص يسوع المسيح، على أن يظهر في كلّ إنسانٍ حيٍّ مستنيرٍ بسرّ الكلمة المتجسّد. لكنّ هذا المجد وهذه الإستنارة لن يتمّا، ما لم "يملأ سلام المسيح قلوب البشر" (كول 3: 15)، فيستعيد الإنسان بهاء صورة الله فيه، ويسطع من خلاله مجد الله في العالم، على رجاء التمتُّع به وجهاً لوجه في ملكوته السماوي.
مجد الله في السماء هو الإنسان الحيّ على الأرض، المخلوق على صورة الله ومثاله. يسوع ابن الله وكلمته المتأنّس، هو الإنسان الكامل في إنسانيته، الذي بتجسُّده، وبموته فداءً عن البشر، وبقيامته لتبريرهم ومنحهم عربون الحياة الجديدة، أتمّ تدبير الله الخلاصي الشامل للبشرية جمعاء، وحقّق مجد الله. وجاءته الشهادة من الأعالي، يوم معموديته في نهر الأردن على يد يوحنّا المعمدان، ويوم تجلّيه على جبل طابور بأبهى مجد ألوهته: "هذا هو ابني الحبيب، الذي عنه رضيت، فله اسمعوا" (متى 3: 17).
لقد بلغ خبر ميلاد الرب يسوع رعاة بيت لحم الفقراء البسطاء بلسان الملاك: "إنّي أبشّركم بفرحٍ عظيمٍ، يكون للعالم كلّه: لقد وُلد لكم المخلّص، هو المسيح الرب" (لو2: 10 و11). فصدّقوا وأسرعوا إلى حيث وُلد، وآمنوا وسجدوا له. المسيح خبرٌ مفرحٌ نحمله لجميع الناس: "إذهبوا في الأرض كلّها وأعلنوا بشارتي إلى الخلق أجمعين" (مر 16: 15). وعادوا يمجّدون الله ويهلّلون، مواصلين بدورهم الأنشودة الملائكية.
هكذا أصبح الرعاة، وقد أشرق عليهم مجد الربّ، أوّل من استودعهم الله بشرى الخلاص، وأوّل المشاهدين المتأمّلين سرّ الكلمة، وأوّل المبشّرين بالفرح العظيم، وأوّل الممجّدين لله في ليتورجية العهد الجديد.
وقد أجاد الطقس السرياني بالتعبير عن اختلاط تسابيح الملائكة بتهاليل الرعاة يوم الميلاد:
"ܙܳܚܘ ܬܶܓܡ̈ܶܐ ܕܢܽܘܪ̈ܳܢܶܐ ܡܶܢ ܪ̈ܰܘܡܶܐ ܕܰܠܥܶܠ܆ ܘܥܰܡ ܟܶܢܫ̈ܶܐ ܥܰܦܪ̈ܳܢܶܐ ܒܰܪܘܳܙܳܐ ܗܰܠܶܠܘ. ܠܰܡܫܺܝܚܳܐ ܡܶܣܬܰܟܝܳܢܳܐ܆ ܡܶܠܬܶܗ ܕܰܐܒܳܐ ܫܡܰܝܳܢܳܐ܆ ܕܰܨܒܳܐ ܘܶܐܬܺܝܠܶܕ ܒܓܰܘ ܐܳܦܰܪܬܳܐ: ܬܶܫܒܽܘܚܬܳܐ ܠܰܐܠܳܗܳܐ ܒܪܰܘܡܳܐ ܘܒܰܐܪܥܳܐ ܫܰܝܢܳܐ ܘܰܫܠܳܡܳܐ ܘܣܰܒܪܳܐ ܠܐ̱ܢܳܫܽܘܬܳܐ".
وترجمته: "تحرّكت طغمات النورانيين منحدرةً من الأعالي، ورنّمت بابتهاجٍ مع جموع الترابيين، للمسيح المنتظَر، كلمة الآب السماوي، الذي شاء ووُلد في أفراثا: المجد لله في العلى وفي الأرض الأمان والسلام والرجاء للبشرية".

3. الميلاد تمجيدٌ للمسيح الإله بالإنسان

بلغ خبر ميلاد يسوع مجوس المشرق الأغنياء العلماء من خلال نجمٍ ظهر في سماء بلاد فارس، فقرأوا فيه ميلاد ملك الأزمنة الجديدة. صدّقوا وساروا على هدي النجم حتى بيت لحم، فرأوا وآمنوا وسجدوا وقدّموا له هداياهم، الذهب لأنّه هو الملك، والمرّ إذ هو الفادي، واللبان أي البخور لكونه الإله والكاهن. وبهذا احتفلوا مع يوسف ومريم  بحلول "ملء الزمان" (غلا 4: 4) لإتمام عمل الله الخلاصي.
وها نحن هنا اليوم نواصل هذه المسيرة، كما سوانا في كلّ كنائس الأرض، فنحتفل بعيد ميلاد الرب يسوع، معلنين إيماننا، راجين أن يكون لقاؤنا بالمسيح، لقاء إيمانٍ وتجدُّدٍ في العيش والسلوك، مثل الرعاة والمجوس، لا مجرّد ذكرى سطحية. وهكذا نواصل السماع والرؤية ونقل الخبر ورفع آيات التسبيح والتمجيد، من أجل عالمٍ يتخبّط في الظلمات، وقد وافاه "الشارق من العلى" (لو 1: 78).
يتمجّد المسيح الإله بالإنسان، فكلّ إنسانٍ حيٍّ مدعوٌّ ليحقّق ذاته بكلّ أبعادها الروحية والمادّية، الثقافية والإجتماعية، الإقتصادية والوطنية، فيكون مجدَ الله. الإنسان، كلّ إنسانٍ، هو غاية الخلق، وبالتالي غاية الدولة ومؤسّساتها. ولهذا، تفرض السلطة العامّة على الذين يتولّونها مسؤولية ممارسة سلطتهم ضمن حدود القيم الأخلاقية التي رتّبها الله، وعلى أساس احترام الشخص البشري بحدّ ذاته، وفي دعوته وحقوقه الأساسية وحرّياته الطبيعية، مع حمايتها والدفاع عنها، فيتمكّن من تحقيق ذاته كقيمةٍ مضافةٍ لعائلته ومجتمعه ووطنه. ومن واجب الكنيسة والدولة الإهتمام بتربية جيلٍ مستنيرٍ وملتزمٍ، يكون بنوه وبناته مؤمنين صالحين ومواطنين صالحين ذوي حسٍّ وطني راسخٍ، وبُعدٍ إجتماعي منفتحٍ، وإيمانٍ ثابت.
4. الميلاد بداية الخلاص بالمسيح الممجَّد

تحقّق مجد الله بولادة المخلّص: "اليوم وُلد لكم المخلّص" (لو 1: 11)، هو يوم مجد الله الذي يصبح يوم الإنسان. إنّه بداية زمن الخلاص، ونهاية الأزمنة السابقة واكتمالها، والزمن الأخير الحاسم لخلاص جميع الناس. كلّ يومٍ من حياتنا هو صدى لهذا اليوم: هو عمّانوئيل "الله معنا" (مت 1: 23) لخلاصنا. هذه هي رسالة الكنيسة، تواصلها كلّ يومٍ بإعلان إنجيل الخلاص والتحرير.
هذا المخلّص الممجَّد في الأعالي هو "المسيح الربّ" (لو 1: 11) الذي مسحه الروح القدس في طبيعته البشرية، المتّحدة بالشخص الإلهي، نبيّاً وكاهناً وملكاً، والذي يُشرك في مسحة الروح شعب الله الجديد، جاعلاً إيّاه شعب الأنبياء والكهنة والملوك، على ما كتب بطرس الرسول: "أمّا أنتم فإنّكم ذرّيةٌ مختارةٌ وجماعةٌ ملوكيةٌ كهنوتيةٌ، وأمّةٌ مقدّسةٌ، وشعبٌ اقتناه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب (1 بط 2: 9). هو الربّ الذي يخلّص بقدرته الإلهية، يعطي الخيرات ويحرّر من الشرور.
لقد أراد الرب يسوع منذ الدقيقة الأولى لحضوره بيننا، أن يعلن مجده بالتواضع والكفر بمقتنى الدنيا وغناها. فوُلد في مذودٍ، وشعر بما نشعر به من عوامل الطبيعة. لُفّ بأقمطةٍ اتّقاءً من البرد في هذه الأيّام في بيت لحم، وأُضجع في مذودٍ، وهو سيّد الكون، وما فيه من كائنات.

5. الميلاد أساس السلام الشامل

بميلاد الله إنساناً في بيت لحم، كانت للعالم رسالةٌ من السماء تؤكّد أنّ الله يحبّ جميع البشر ويمنحهم الرجاء بزمنٍ جديدٍ، هو زمن السلام، وأنّ حبّه الذي تجلّى بملئه في الإبن المتأنّس، الذي هو "الله ظهر في الجسد" (1 تيم 3: 16)، هو أساس السلام الشامل. فمن يقبل الإبن بكلّ قلبه، يصالحه الإبن مع الله الآب السماوي ومع ذاته، ويجدّد العلاقات بين الناس، ويذكي العطش إلى الأخوّة القادرة على تجاوُز تجربة الكبرياء والعنف. هذه الرسالة السماوية تدعو البشرية كي تؤلّف عائلةً واحدةً على قاعدة العلاقات المتناغمة بين الأشخاص والشعوب، والإنفتاح على الله المتسامي، وتعزيز كرامة الإنسان، واحترام الطبيعة.
لكنّ البشرية تُصاب بخسارةٍ كبرى بسبب الحروب المتتالية والنزاعات وموجات القتل والتهجير التي تزرع وراءها البؤس والجوع والأمراض والتقهقر الإجتماعي والإقتصادي، وقد ولّدت هذه المآسي منطق الظلم والإستضعاف، الذي تغذّيه رغبةٌ جامحةٌ في التسلّط على الآخرين واستغلالهم. وإذا بالحروب تتسبّب غالباً بحروبٍ أخرى، لأنّها تشعل أحقاداً عميقةً، وتخلق أوضاعاً من الظلم، وتدوس كرامة الأشخاص وحقوقهم. ومن البديهي أنّ من ينتهك الحقوق الإنسانية إنّما ينتهك الضمير الإنساني، بل البشرية ذاتها.
ومع ذلك لنا بالميلاد رجاءٌ أنّ السلام ممكنٌ، ويجب التماسه كعطيّةٍ من الله، وبناؤه يوماً بعد يومٍ بأعمال عدالةٍ ومحبّةٍ، وبمعونة الله وهدي روحه القدّوس. وسيكون سلامٌ بمقدار ما تكتشف البشرية بأسرها دعوتها الأصلية لتكون عائلةً واحدةً تُحترَم فيها كرامة الأشخاص وحقوقهم، أيّاً كان عرقهم ودينهم وحالتهم. هذا ما تؤمن به الكنيسة، وتدعو إليه بلسان الحبر الروماني، خليفة بطرس، في اليوم الأوّل من كلّ سنةٍ، عبر رسالته وندائه بمناسبة اليوم العالمي للسلام.

6. الميلاد يمنح العالم عطيّة السلام المبني على روح التضامن

إنّ السلام الذي منحه الرب يسوع للعالم بميلاده يستوجب اقتناع الأفراد والجماعات بأنّهم عائلةٌ واحدةٌ بانتمائهم إلى البشرية الواحدة. فالتضامن الذي يجعل من البشرية عائلةً واحدة، هو روح التضامن الذي يجد نقطة الإرتكاز في مبدأ شمولية خيرات الأرض التي أعدّها الله لجميع الناس. هذا المبدأ لا ينتزع شيئاً من شرعية الملكية الخاصّة، بل يكشف وظيفتها الإجتماعية. لا سلام بدون تضامنٍ وبدون إنماءٍ شاملٍ للإنسان والمجتمع، وهذا الإنماء يقتضي وعياً للقيم الخلقيّة الشاملة، التي بدونها لا مجال لحلّ النزاعات ولتأمين مستقبلٍ أفضل للبشرية. والتضامن الصادق هو قائمٌ على العيش معاً وفق مقاصد الله، وعلى الحوار والتعاون بين الشعوب والثقافات والأديان، وعلى اللقاء بين العقل والإيمان، وبين الحسّ الديني والحسّ الخلقي.
ولأنّ السلام عطيّةٌ من الله لأرضنا، فقد بات الإلتزام به عملاً جوهرياً. فهو كالمبنى في طور بناءٍ دائمٍ، والكلّ مدعوٌّ للإلتزام به: الأهل في العائلة ليعيشوا السلام ويشهدوا له ويربّوا أولادهم عليه، المعلّمون في المدارس والجامعات لينقلوا قيم المعرفة وتراث البشرية التاريخي والثقافي، الرجال والنساء في عالم العمل ليناضلوا في سبيل كرامة العمل البشري على أساس العدالة والمساواة، حكّام الدول لكي يضعوا في قلب عملهم السياسي العزم الثابت على الإلتزام بالنزاهة في ممارسة مسؤولياتهم، العاملون في المنظَّمات الدولية لكي يواصلوا عملهم كفاعلي السلام بالرغم من المخاطر التي تهدّد سلامتهم الشخصية، المؤمنون لكي يعزّزوا بالحوار المسكوني بين معتنقي الأديان قضية المجاهرة بالحقيقة في المحبّة، فيرتقوا معاً نحو حضارة الحياة في العيش الواحد المشترَك.

7. الميلاد سلام العدالة
سلام الميلاد الذي أنشدته ونادت به الملائكة هو "ثمرة العدالة" كما يقول أشعيا النبي (32: 17)، وهو سلامٌ يتحقّق ويتجلّى بعلاقة الإنسان مع ذاته ومع الله والناس.
في حياتنا الإيمانية يبدأ تحقيق السلام من الذات، من السلام الشخصي مع الله والناس، بالتوبة والمصالحة. كلّ واحدٍ منّا يلتزم بتجديد ذاته، سيّما مع بداية كلّ عامٍ جديد. فالأساس هو تجديد الذات بسلام الضمير الآتي من سماع صوت الله في أعماق النفس، وبالسلام مع حالة الإنسان الشخصية الناتج عن الأمانة لدعوته الخاصّة ولواجباته، وبالسلام مع الله بالرجوع إليه من حالة الخطيئة عبر سرّ التوبة والمصالحة ونيل الغذاء من الحياة الجديدة في سرّ الإفخارستيا.
كما أنّ لقاء الجماعة، في الأسرة والمدرسة والجامعة والعمل والرعية وما شابهها، يخلق جوّاً ملائماً ليساعد كلّ شخصٍ في إلقاء نظرةٍ وجدانيةٍ على ذاته، واستخراج ما يجب تغييره وتجديده. ثمّ يُصار إلى تبادُل الأفكار والخبرات، ومن بعدها إلى رسم خطّةٍ مشتركةٍ لبناء السلام الداخلي.
ولا ننسى ما للبُعد الإجتماعي من دورٍ محوري في بناء السلام على مستوى الشخص البشري والمجتمع، على قاعدة المحبّة والعدالة والخير العام، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً. وهذا يقتضي السعي الجادّ لاكتشاف الحلول لمشاكل المجتمع، وتأمين حقّ الإنسان بالحرّية والعدالة والإستقرار والعيش الكريم والمساهمة في الحياة العامّة.
يتحدّث قداسة البابا فرنسيس في مستهلّ رسالته لمناسبة اليوم العالمي الثامن والأربعين للسلام في 1/1/2015، بعنوان "لا عبيد بعد الآن بل إخوة"، عن أهمّية البُعد الإجتماعي العلائقي في حياة الإنسان لبناء مجتمعٍ يسوده السلام الأخوي:
"بما أنّ الإنسان هو كائنٌ علائقي، مدعوٌّ ليحقّق ذاته في إطار علاقاتٍ شخصيةٍ تلهمها العدالة والمحبّة، لذا من الأهمّية بمكانٍ لتطوُّره أن يُعترَف بكرامته وحرّيته واستقلاليته التي تستحقّ أن تُحترَم. ولكن للأسف، لأنّ الآفة المنتشرة على الدوام لاستغلال الإنسان من قبل الإنسان تجرح بشكلٍ خطيرٍ حياة الشركة والدعوة لنسج علاقاتٍ شخصيةٍ يطبعها الإحترام والعدالة والمحبّة... لذا يجب العمل في ضوء كلمة الله، لاعتبار جميع البشر إخوةً لا عبيداً بعد الآن".

8. الميلاد يبعث الرجاء بين الناس

ميلاد الرب يسوع نشر الرجاء بين الناس، فالمسيح هو رجاؤنا كما يقول القديس بولس: "أذكروا أنّكم كنتم من دون المسيح... ليس لكم رجاء" (أف 2: 12). لقد كان البشر مكبَّلين بالخطايا قبل مجيء المسيح الذي منحهم الخلاص بحلوله بينهم، وفتح أمامهم مستقبلاً زاهراً. ولا يمكننا نحن البشر أن نرجو هذا الخلاص من أيّ شخصٍ آخر، "فالمسيح يسوع هو رجاؤنا" (1 تيم 1: 1).
إنّ الرجاء المسيحي مرتبطٌ بشوق الإنسان الفطري إلى السعادة، لأنّ المرء يحمل في أعماق ذاته توقاً نحو سعادةٍ لا حدّ لها، لا يمكن إشباعه بواسطة خيرات هذه الدنيا التي تمنح سعادةً آنيّةً وقتيّة. المسيح وحده بإمكانه أن يقدّم الأمل والرجاء لإرواء هذا العطش إلى ملء السعادة.
ونظراً لأهمّية هذا الموضوع، فقد كرّس المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني دستوراً رعوياً سمّاه "فرح الرجاء أو الكنيسة في عالم اليوم"، وهو الوثيقة المجمعية التي نقيم ذكراها الخمسينية. إنّ الرجاء فضيلةٌ إلهيةٌ تحيي إيماننا المسيحي، إذ إنه ميزة شعب الله السائر نحو سعادة السماء. كما أصدر قداسة البابا بندكتوس السادس عشر رسالتين حبريتين: الرسالة الأولى في شهر كانون الثاني عام 2006، بعنوان "الله محبّة". وكرّس قداسته رسالته الحبرية الثانية لموضوع الرجاء، التي أصدرها بتاريخ 1/12/2007، تحت عنوان "مخلََّصون بالرجاء"، وفيها قدّم تأمّلاً رائعاً عن الرجاء المسيحي إزاء أوهام زماننا الحاضر، الذي يعتمد على التقدّم المادّي وحده، وإزاء الإحباط الذي يشعر به البشر من جرّاء إخفاق التقدُّم العلمي في توفير السعادة للإنسان.



9. في الميلاد يتلازم الرجاء والإيمان

عيد ميلاد الرب يسوع عطيّة رجاءٍ لبشريةٍ ادلهمّت في سمائها الغيوم وتكاد تطغى عليها الظلمة، مع أنّ المؤمنين يدركون أنّه لا يحدث أمرٌ في الدنيا بدون إذن الله. والقدّيس بولس يقول: "أمينٌ هو الله، فلن يسمح أن تُجرَّبوا بما يفوق طاقتكم، بل يجعل مع التجربة مخرجاً، لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كور 10: 13) . والرسول متّى في إنجيله يقول مستشهداً بأشعيا النبي: "الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في بقعة الموت وظلاله، أشرق عليهم نور" (مت 4: 16). إنّ الله أقرب ما يكون من المؤمنين، عندما يشعرون بأنّه قد ابتعد عنهم واختفى. هذا ما كان يردّده الكثيرون من القدّيسين الذين اختبروا الحياة الروحية.
لا رجاء دون إيمانٍ، ولا إيمان دون رجاءٍ، فهما فضيلتان متلازمتان. الإيمان هو هبةٌ من الله للإنسان، ومن الممكن أن نفقد هذه الهبة التي تفوق كلّ قيمةٍ إذا حصرنا مداركنا وقناعاتنا بالأرضيات. هذا ما حذّر القدّيس بولس تلميذه تيموتاوس منه بقوله له: "جاهد الجهاد الحسن، متمسّكاً بالإيمان والضمير الصالح، وقد رفضهما أناسٌ فتحطّمت سفينة إيمانهم" (1 تيم 1: 18ـ19).
بالرغم من كلّ النكبات التي حلّت بمجتمعاتنا اليوم، فالرجاء بالمسيح يشعّ في الوسط، ليؤكّد أنّه بإمكان الإنسان أن يرجو، حتّى في خضمّ كلّ الصعوبات والضيقات، كما يقول رسول الأمم: "نفتخر بالرجاء لمجد الله، لا بل نفتخر بشدائدنا نفسها، لعلْمنا أنّ الشدّة تلد الثبات، والثبات يلد فضيلة الإختبار، وفضيلة الإختبار تلد الرجاء، والرجاء لا يخيّب صاحبه، لأنّ محبّة الله أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وُهِبَ لنا" (رو 5: 2ـ5). فالرجاء المسيحي مؤسَّسٌ على محبّة الله غير المحدودة لنا: "إن كان الله معنا، فمن علينا؟ الله الذي لم يبخل بابنه نفسه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعاً، كيف لا يهبنا معه كلّ شيء" (رو 8: 31ـ32). يستند الرجاء المسيحي على حقيقة أنّ الله قادرٌ على كلّ شيء، ولكونه ينبوع الرحمة والحنان يحبّنا محبّةً والديةً جمّة. لقد وعدَنا الله أن يمنحنا نِعَمَه التي نحتاجها، وهو أمينٌ في تنفيذ وعوده.

10. الميلاد يبشّر بالرجاء في خضمّ المحن والإخفاقات

إنّ روح الميلاد لا تدعنا أبداً نفقد الرجاء والأمل كي لا نستسلم لليأس، فاليأس طريقٌ إلى الموت والفناء. ومع قطع الرجاء، لا يعود الإنسان يرجو من الله خلاصه، والمعونة التي تمكّنه من بلوغ هذا الخلاص، أو مغفرة خطاياه، بل يقاوم جود الله وعدالته. وهذا هو خطأ التلميذ الذي خان معلّمه الإلهي وأسلمه بثلاثين من الفضّة لأعدائه كي يصلبوه. قد يكون المرض أو الحرب أو التهجير مدعاة يأسٍ، وسبباً للإنطواء على الذات، وقد يشعر الأبرياء بثقل الظلم وعبثية الشرّ فتساورهم الثورة على الله الخالق والمدبّر... ولكنّ الحقيقة الراهنة التي لا تقبل الجدل، هي أنّ الإنسان المؤمن يعرف كيف يستمدّ من الضعف قوّةً، وكيف يحوّل اليأس إلى رجاءٍ خلاصي، بنعمة  الروح القدّوس ومواهبه التي تنالها الصلاة الشخصية التي لا تملّ، وبالإبتهال الحارّ الذي لا يعرف الكلل.  كما أنّ المشاركة العميقة في صلوات أمّنا الكنيسة ورُتَبِها في زمن الميلاد، لا بدّ وأن تغذّي رجاءنا نحن الذين اقتبلْنا البشرى ووضعْنا ثقتنا كاملةً في مولود بيت لحم الإلهي، مردّدين مع منشد المزامير: "رجوتُ الرب رجاءً، فحنا عليّ وسمع صراخي" (مز 40: 2).
لذا ندعو الله على الدوام أن يقوّي إيماننا ورجاءنا به، مدركين أنّه مهما تأزّمت الأمور، وتعقّدت الأحداث، فهو ينتظرنا ليمدّ يده إلينا، كما فعل مع التلاميذ الذين كانوا في السفينة، وأوشكوا على الغرق، وصرخوا جميعاً، فيما كان يسوع نائماً في مؤخّرة السفينة، قائلين: "يا ربّ نجّنا! فنحن نهلك!"، فقال لهم: "ما بالكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟". حينئذٍ قام يسوع وزجر الرياح والبحر، فحدث هدوءٌ عظيم. فتعجّب الناس وقالوا: "من هو هذا حتى يطيعه البحر نفسه والرياح؟" (مت 8: 23ـ27). إنّ ما فعله يسوع مع التلاميذ، بمقدوره أن يفاجئنا به في كلّ حين، فهو هو دائماً "أمس واليوم وإلى الأبد" (عب 13: 8)، شرط ألا يتزعزع إيماننا ورجاؤنا به وبقدرته على إسكات كلّ العواصف التي تهبّ علينا من أنّى أتت.
وها هو قداسة البابا فرنسيس يختم رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام في 1/1/2015، بالتشديد على أهمّية بثّ الرجاء من خلال التضامن وعيش الأخوّة، بغية العبور والغلبة على معوقات هذا الدهر ومجابهة تحدّياته:
"إنّ اللامبالاة التي تُرخي بثقلها اليوم على حياة العديد من الإخوة والأخوات، تتطلّب منّا جميعاً أن نكون صانعي التضامن والأخوّة القادرين على إعطائهم الرجاء مجدّداً، وتمكينهم من استعادة السير بشجاعةٍ عبر مشاكل زمننا وأزماته والرؤى الجديدة التي يحملها معه والتي يضعها الله بين أيدينا".

11. إطلالة العيد هذا العام

".. وعلى الأرض السلام..!" ومَن منّا لا يتساءل أين ذاك السلام الذي حمله المسيح الرب، كلمة الله المتأنّس وبشّر به الملائكة رعاة بيت لحم؟  كم يحتاج عالمنا اليوم إلى روح السلام لتحلّ على أوطاننا، وقادتنا وحكّامنا، فيفيض السلام في بلادنا، ويؤمن الصالحون بملك السلام!. فأين هو السلام العادل والشامل الذي أراده الله لكلّ الناس؟ عندما نرى الصراعات الأهلية تتكرّر وتزداد همجيةً في بلدانٍ عديدةٍ من منطقتنا، وعندما تطالعنا الأخبار عن قمع الحرّيات واضطهاد الضعفاء وتهجير الأبرياء، وعن مسلسلات العنف والقتل ودوس الكرامات..! ألا يحقّ لنا التساؤل أين بقيت كرامة الإنسان في عددٍ كبيرٍ من بلدان شرقنا المتوسّط؟ وإلى متى يبقى العالم صامتاً إزاء الجرائم التي تُرتكَب باسم الدين، إذ يقع الملايين من المواطنين المسالمين ضحايا التكفير والتعصّب والجهل والكراهية! 
فمن لبنان إلى العراق، مروراً بسوريا وفلسطين، شعوبنا تعاني من الحروب والإضطهاد والقتل والتشريد. تدمع عيوننا وتتفطّر قلوبنا عندما نعاين، رغم أنّنا في الألفية الثالثة، تلك المجموعات الإرهابية التكفيرية تعيث الفساد من حولها وتفتك بالبشر والحجر، وتعود بنا إلى عصر الظلمات، وتحكم بقتل الناس وذبحهم لمجرّد أنّهم لا يقرّون بما تؤمن به. هذه الجماعات غريبةٌ عن تاريخ منطقتنا حيث عاش المسيحيون والمسلمون منذ مئات السنين جنباً إلى جنبٍ في القرى والمدن والبلدان، رغم تخلّف الأنظمة في غالبيتها القصوى عن اللحاق بركب التمدُّن ونشر مساواة المواطنة الكاملة بين الجميع على اختلاف إنتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية.

إنّنا ننظر إلى مكوّنات الشعب العراقي الممزّق، ونبكي مع الباكين من أعضاء كنيستنا المتألّمة في أرض الرافدين. عشرات الآلاف من المشرَّدين والمهجَّرين داخل وطنهم، وأمثالهم من النازحين طلباً للجوء في البلدان المجاورة، أو الهائمين على وجوههم تحت كلّ سماء. كيف لا تدمى قلوبنا وأجراس كنائسنا في الموصل وقرى وبلدات سهل نينوى، وللمرّة الأولى منذ فجر المسيحية، لا تقرع فرحاً بولادة المخلّص..! وكيف نسكتُ فلا نثور للنكبة التي حلّت بكامل أبرشيتنا هناك، إذ أُرغم المطران والعشرات من الإكليروس والراهبات والرهبان مع الآلاف المؤلّفة من المؤمنين على النزوح إلى العراء بسبب ظلم الإرهابيين التكفيريين من غريبٍ وقريب! 
إنّنا ندعو المسؤولين من ذوي الإرادات الصالحة محلّياً وإقليمياً وعالمياً، للعمل الجادّ والدؤوب بغية تحرير هذه المناطق المغتصَبة، ليعود المسيحيون الذين لا ذنبَ لهم، إلى قراهم وبلداتهم وكنائسهم، فتُقرَع الأجراس مرنِّمةً أنشودة الميلاد، داعيةً الضمائر إلى إحقاق العدل وتفعيل المصالحة والسلام. ومع أنّنا ندرك أوضاع أهلنا المأساوية، نقول لهم: "لا تخافوا، فإنّ الفجر قريبٌ، والخلاص آتٍ، ولا بدّ لإله الخير أن يقهر إبليس وجنوده، فتعودوا إلى أرض الآباء والأجداد. إنّها أرضكم، أرضٌ مقدَّسةٌ تستأهل أن تعودوا إليها، رغم هول الخيانات التي حلّت بكم وفداحة الآلام والمآسي التي ألمّت بكم ظلماً، لتعيشوا فيها الشهادة لإنجيل المحبّة والسلام".
إنّنا نتوجّه بشكلٍ خاص إلى أبنائنا وبناتنا في بغداد والبصرة وإقليم كردستان، وإلى المقتلَعين من ديارهم قسراً في مدينة الموصل وقرى وبلدات سهل نينوى، إكليروساً ومؤمنين، معربين لهم عن عمق محبّتنا وصدق تضامننا. لقد زرناهم مراراً، ولم نألُ جهداً في إعلاء الصوت أمام المسؤولين المحلّيين وفي المحافل الدولية، لنصرة قضيتهم الحقّة التي نحملها ونطالب بها مع جميع إخوتنا البطاركة رؤساء الكنائس الشرقية الشقيقة. ونؤكّد لهم أنّ فجر القيامة لا بدّ وأن يبزغ، فيضيء درب بلادهم الحبيبة بضياء الحقّ المكلَّل بالعدالة.
ونتوجّه بفكرنا إلى شعب سوريا المتألّمة، نشاركُه من أعماق القلب لما أصابه ويصيبه من نزاعاتٍ وخضّات عنفٍ وحربٍ مدمّرةٍ منذ أربع سنوات. صراعاتٌ بين الأشقّاء غذّاها الحاقدون، فلم تُبقِ ولم تذر، دماراً للحجر وتنكيلاً بالبشر. والعالم بعضه محرِّضٌ متآمرٌ، وبعضه متفرِّجٌ جبان، حتّى لم تعد سوريا ذاك الوطن الذي عهدناه، وهل من يحاسب المسؤولين عن هذا الدمار والقتل والإجرام!!! ألم يحن الوقت كي يتحرّك المجتمع الدولي ويقوم بمبادراتٍ إيجابيةٍ تنهي مأساة هذا الشعب؟!
ولأنّنا في زمن الميلاد، زمن المغفرة والرحمة والتسامح، نصلّي مع الشعب السوري ونتضرّع إلى طفل بيتَ لحمَ الإلهي، أن يشفق على الملايين من الأبرياء، من مقيمين ونازحين، كي يعودوا إلى ضمائرهم ويتواكبوا مع ذوي النيات الحسنة والإرادات الصالحة في مسيرة المصالحة والحوار والتآخي رحمةً ببلدهم وبحضارته الإنسانية العريقة. كما أنّنا نناشد الضمير العالمي، ببذل الجهود الحثيثة لإطلاق سراح جميع المخطوفين، وبخاصّةٍ أخوينا المطرانَين يوحنّا ابراهيم بولس اليازجي، والكهنة، وكلّ المخطوفين بسبب هذه الحرب العبثية التي هدّمت سوريا وبنيتها التحتية وتاريخها وحضارتها.
إنّنا نؤكّد بشكلٍ خاص محبّتنا الأبوية وتضامننا الكامل وصلاتنا الحارّة من أجل أبنائنا وبناتنا في أبرشياتنا السريانية الأربع في سوريا، في دمشق وحمص وحلب والجزيرة، إكليروساً ومؤمنين، كي تزول المحنة عن بلدهم، فيشرق فيه نور القيامة الذي طال انتظاره، لينعموا مع إخوتهم في الوطن بالطمأنينة والإستقرار.

أمّا وطننا الحبيب لبنان، فإنّ الأزمات السياسية والأمنية والإجتماعية والإقتصادية التي تعصف به من كلّ حدبٍ وصوبٍ كادت تنسي الشعب أنّنا في زمن العيد. فلا رئيس للجمهورية قد انتُخِب، ولا جنودنا الأبطال قد حُرِّروا، والخاطفون يهدّدون أهلهم يومياً بذبحهم. كما أنّ فضيحة الفساد الغذائي، إن لم يتداركها المسؤولون قد تنذر بالوبال على صحّة المواطن وسمعة لبنان السياحية. وكأنّ لبنان، هذا الوطن الكبير في صغر مساحته والمميَّز بين بلدان المنطقة بالإنفتاح والتعدُّدية والمساواة والحرّية، لم تكفِهِ الأزمات الإقتصادية المتتابعة التي ورثها في العقود الأخيرة، والتي زادها تعقيداً وجود ملايين النازحين بسبب الصراعات في سوريا والعراق، فجاء مَن يهزّ كيانه وميثاقه بالتهديدات المذهبية المكفّرة، وبالإعتداءات الإجرامية من قتلٍ وخطفٍ لقواه الأمنية وتفجيراتٍ في ساحاته وشوارعه.
حقّاً نحن بحاجةٍ ماسّةٍ للصلاة والرجاء كي يحمل ميلاد الرب يسوع أملاً وانفراجاً في الأزمات اللبنانية المتعدّدة. ونصلّي بشكلٍ خاص كي تجلب السنة الجديدة تجديداً للسلطة الدستورية، فيُصار إلى انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية، ويُقَرُّ قانونٌ جديدٌ للإنتخابات النيابية لا يهمّش أيّ مكوّنٍ من مكوّنات الوطن، وتحصل الإنتخابات وهي من التجلّيات الأساسية للديمقراطية، بحيث تساهم في الحفاظ على المصلحة الوطنية العليا، وعلى الإستقرار الإجتماعي والتآخي الوطني.
ويسرّنا أن نتقدّم بالتهنئة الأبوية من أبنائنا وبناتنا في أبرشية لبنان البطريركية، إكليروساً ومؤمنين، ومعهم جميع اللبنانيين واللبنانيات، بعيد الميلاد المجيد، وبحلول العام الجديد، سائلين الطفل الإلهي، مولود المغارة، أن يعيد عليهم هذا الزمن المبارك بالخير والصحّة وفيض النِّعَم والبركات.

نهنّئ أبناءنا وبناتنا في الأراضي المقدّسة، مردّدين عبارة القدّيس البابا يوحنّا بولس الثاني "وكيف لا أنظر بقلقٍ أيضاً لكن بثقةٍ لا تتزعزع إلى الأرض التي وُلد فيها يسوع المسيح"، ونحثّهم على الثبات في تلك الأرض حيث وُلِدَ الرب يسوع وأتمّ سرّ تدبيره الإلهي من أجل خلاصنا.

كما نهنّئ أبناءنا وبناتنا في الأردن، سائلين الله أن يوفّقهم في أعمالهم، لما فيه خيرهم وسعادتهم.

ونعايد أعزّاءنا في النيابة البطريركية في تركيا، داعين لهم بالنجاح وفيض النِّعَم وأسعد الأيّام.

ونهنّئ أبناء كنيستنا في مصر، سائلين الرب يسوع أن ينشر أمنه وسلامه في ربوعها، وأن يحيا مواطنوها بالمحبّة والوئام، ويتعاضدوا من أجل ازدهار وطنهم، مهما اختلفت انتماءاتهم وتوجّهاتهم. ونثني على ما جاء في بيان مؤتمر الأزهر من تأكيدٍ لعمق العلاقات المشتركة بين المسيحيين والمسلمين في العالم العربي.

ولا يغيب عن بالنا أن نهنّئ أبناءنا وبناتنا في كنائسنا وأبرشياتنا وإرسالياتنا السريانية في بلاد الإنتشار، في أوروبا وأميركا وأستراليا، أمل مستقبل كنيستنا، وها هو عددهم يزداد باطّرادٍ نتيجة الهجرة من بلاد المنشأ في العراق وسوريا إثر الحروب والمحن التي تعصف بها، متوجّهين إليهم بالمحبّة الأبوية والتمنّيات القلبية. وفيما نثني على تعلّقهم بإيمانهم وتراثهم الكنسي الأصيل ولغتهم السريانية المقدّسة، نحثّهم على تنشئة أجيالهم الصاعدة وفق مبادئ الإيمان والعادات والتقاليد الشرقية السريانية العريقة، التي تربّوا عليها في أوطانهم الأمّ، كي يحافظوا على أصالة هويّتهم وحضارتهم، مولين الإهتمام لزرع روح المحبّة والإخلاص للبلاد التي فتحت لهم ذراعيها واستقبلَتْهم بعد أن قست عليهم ظروف الحياة. ويهمّنا أن نؤكّد لهم أنّنا نعمل جاهدين كي نؤمّن لهم الخدمة الكنسية والرعاية الروحية الضرورية اللائقة والواجبة لهم، ليبقوا مرتبطين بكنيستهم السريانية. ويشاركنا في سعينا الدائم لتحقيق هذه الغاية، إخوتنا المطارنة وأبناؤنا الكهنة الذين يسهرون على خدمتهم.
كما نتوجّه بمحبّة أبوية إلى أبنائنا وبناتنا الذين أجبرَتْهم الأوضاع المؤلمة والإضطرابات والحروب في العراق وسوريا على النزوح والهجرة، ونؤكّد لهم تضامننا الأبوي الدائم، وسعينا الحثيث لبذل كلّ جهدٍ ممكنٍ في سبيل مساعدتهم ومؤازرتهم روحياً ومعنوياً ومادّياً، داعين جميع ذوي الأريحية والحميّة أن يهبّوا إلى معاونتنا لتأمين حياةٍ كريمةٍ لهم، ريثما تستقرّ أوضاعهم، شاكرين جميع الذين ساهموا ويساهمون في مدّ يد العون لإخوة المسيح الصغار هؤلاء. ونحثّهم هم أيضاً على ضرورة التمسّك بإيمانهم وانتمائهم الكنسي، مهما اشتدّت المعاناة، طالبين لهم وفور النِّعَم وراحة البال.
وفي هذا الزمن الميلادي، لا ننسى أن نذكر جميع المعوَزين والمهمَّشين والمستضعَفين، وكلّ عائلةٍ غابت عن أعضائها فرحة العيد لفقدانها أحد أفرادها أو أحبّائها، فلا تجده في حلقة العائلة أثناء الإحتفال ببهجة هذه الأيّام المباركة، سائلين لهم فيض البركات والتعزيات السماوية.

12. أفراحٌ وبركاتٌ تستعدّ كنيستنا السريانية لنيلها

بفرحٍ واعتزازٍ عظيمين، قمنا بزيارة الأعتاب المقدّسة في الفاتيكان، حيث توّجناها بلقاء قداسة البابا فرنسيس يوم الجمعة 12 كانون الأوّل الحالي، بمشاركة آباء سينودس كنيستنا السريانية، ووفودٍ من أبناء كنيستنا في مختلف بلدان العالم، إكليروساً وعلمانيين، بلغ عددهم 400 شخصاً. وبعد أن ألقينا كلمتنا مذكّرين قداسة الحبر الأعظم بعراقة كنيستنا السريانية الأنطاكية وجذورها الرسولية الأولى، وبرسالتها قديماً وحديثاً أن تكون الكنيسة الشاهدة لإنجيل الخلاص والشهيدة حبّاً بالمخلّص الإلهي، أجابنا قداسته بكلمةٍ مفعمةٍ حبّاً بنفحاتٍ من الإيمان الراسخ  والرجاء الذي لا يخيب. أقرّ قداسته بحنوٍّ أبوي بعظم النكبة التي حلّت بكنيستنا حديثاً في العراق وسوريا. وأكّد تضامنه الكلّي وصلاته الأبوية من أجل انتهاء المحن والآلام في الشرق، مذكّراً إيّانا بما أعلنه للعالم أجمع خلال زيارته إلى تركيا، بأنّ وجود المسيحيين في الشرق هو ضرورةٌ واجبةٌ وليس صدفة

7
الرقم: 77/أس/2014
التاريخ: 8/12/2014
بيان من أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية
السينودس العام السنوي للكنيسة السريانية الكاثوليكية يبدأ أعماله




بدعوة من غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الأنطاكي الكلي الطوبى، يُعقد السينودس العام السنوي لأساقفة كنيسة السريان الكاثوليك الأنطاكية، من 8 حتّى 10كانون الأوّل 2014، في Casa del clero - Via della scrofa 70 - Roma .
ففي تمام الساعة الثامنة من صباح يوم الإثنين 8 كانون الأوّل، ترأس غبطة البطريرك يونان القداس الإلهي الإفتتاحي للسينودس، بحضور الآباء أعضاء السينودس، وبعض الكهنة السريان الذين يتابعون دراساتهم الكنسية العليا في جامعات روما.
وخلال القداس، ألقى غبطته كلمة أبوية توجيهية حدّد فيها أهداف السينودس، طالباً بركة الرب وحماية العذراء مريم سيّدة الحبل بلا دنس للكنيسة السريانية سينودساً وإكليروساً ومؤمنين، سيّما في هذه الأيّام الصعبة العصيبة التي تمرّ فيها بلدان الشرق الأوسط، متضرّعاً إليه تعالى أن يمنّ على العراق وسوريا بالأمن والسلام، خاصةً وقد نُكِبت أبرشية الموصل وسهل نينوى باقتلاع أبنائها من جذورهم وأرضهم.
وعند التاسعة والنصف من صباح اليوم نفسه، ترأس غبطته الجلسة الإفتتاحية للسينودس، التي استُهلّت بصلاة للروح القدس، ثم ألقى غبطته الكلمة الإفتتاحية للسينودس، وجّه فيها تحيّة إكبار إلى "لبنان، موئل الحضارات والحريات"، داعياً "لهذا البلد الغالي بالإستقرار والإزدهار، وبتفعيل المحبّة والألفة والتضامن بين مختلف مكوّناته، ليبقى نبراساً حضارياً لبلدان الشرق". وأسف غبطته بشدّة "لتهاوُن المسؤولين بمقدّراته، واستخفاف ذوي الشأن بدستوره وقوانينه بإحجامهم عن انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية، وهو رمز وحدة الوطن وحامي أبنائه"، داعياً إيّاهم "إلى تحمّل مسؤولياتهم الوطنية أمام الله والشعب والتاريخ".
وأثنى على عطاءات "الجيش اللبناني وجميع القوى الأمنية، قياداتٍ وأفراد"، مثمّناً "التضحيات الجسام التي يبذلونها"،. وإذ ترحّم على أرواح الشهداء، دعا "إلى العمل الحثيث لتحرير المخطوفين بالسرعة الممكنة، ليعاودوا عملهم المتفاني في حماية الوطن وأهله".
وتحدّث غبطته عن الأوضاع المأساوية الدامية في العراق وسوريا، مشيراً خاصةً إلى المحنة القاسية التي ألمّت بالموصل وسهل نينوى التي اضطرّ أبناء شعبنا فيها وسواهم من المسيحيين إلى مغادرتها قسراً، مؤكّداً أننا أبناء الرجاء ونضع ثقتنا بإله كل تعزية وأبو المراحم الذي يعزينا وسيحقق لنا الفرج القريب.
وتطرّق إلى أبرز المواضيع التي سيعالجها السينودس، من أوضاع الأبرشيات السريانية في سوريا والعراق، إلى موضوع الإعداد لاحتفالات البطريركية بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لشهداء السريان، ودراسة أوضاع الكهنة والخدمة الكهنوتية، وتفعيل وتمتين العلاقات الأخوية مع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية الشقيقة، وسواها من مواضيع إدارية تخصّ بعض الابرشيات والإرساليات السريانية، معبّراً عن فرحه باجتماع الكنيسة السريانية الكاثوليكية، بطريركاً وسينودساً وإكليروساً ومؤمنين، في زيارة الأعتاب الرسولية في الفاتيكان ونيل بركة قداسة البابا فرنسيس في الزيارة التي سيقومون بها إلى قداسته يوم الجمعة القادم إن شاء الله.
هذا وتستمر أعمال السينودس بجلسات يومية مغلقة، صباحاً ومساءً، وتُختَتم ببيان ختامي يتضمّن خلاصة أعمال السينودس وما سينتج عنه من مقرّرات.   


الكلمة الإفتتاحية لسينودس أساقفة الكنيسة السريانية الكاثوليكية الأنطاكية
Casa del clero - Via della scrofa 70 - Roma 
8ـ10 كانون الأوّل 2014

مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريرك السريان الأنطاكي

الإخوة الأجلاء أصحاب السيادة آباء سينودس كنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية الجزيلي الإحترام،
حضرات الخوارنة، والآباء الكهنة الأفاضل

ܚܽܘܒܳܐ ܘܰܫܠܳܡܳܐ ܒܡܳܪܰܢ ܝܶܫܽܘܥ ܡܫܺܝܚܳܐ، ܕܒܰܫܡܶܗ ܡܶܬܟܰܢܫܺܝܢܰܢ ܐܰܟ̣ܚܰܕ ܒܗܳܕܶܐ ܣܽܘܢܳܗ̱ܕܽܘܣ ܩܰܕܺܝܫܬܳܐ

نرحّب بكم جميعاً أجمل ترحيب، ونودّ أن نخصّ بالترحيب، حضرة الخوراسقف فيليب بركات الموقّر، بصفته المدبّر البطريركي لأبرشية حمص وحماه والنبك، والذي يشاركنا في الأعمال السينودسية لأوّل مرّة، بعد نياحة أخينا المثلّث الرحمات المطران مار ثيوفيلوس جورج كسّاب، الذي نرفع الصلاة والدعاء راحةً لنفسه، سائلين له ميراث ملكوت السماء مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء.
نشكركم لتلبيتكم دعوتنا للمشاركة في أعمال سينودسنا العادي السنوي هذا، للتعرّف على أحوال كنيستنا، وتدارُس الإختيارات والقرارات التي نصل اليها، مبرهنين عن استعدادنا لتحمُّل أعباء مسؤولياتنا  لخدمة هذه الكنيسة المبتلاة حديثاً بمصائب وأهوال لا مثيل لها، وذلك بروحٍ من التضامن والإتّحاد، حسب قلب المعلّم الإلهي راعينا ومثالنا.
كنّا في السنوات الماضية نسعى بقوّة الروح القدّوس إلى استكشاف دعوتنا وخدمتنا، في كلٍّ من الحقول الروحية والراعوية والإجتماعية. كما أنّه لا بدّ لنا أن نعترف بمحدوديتنا ونحن نسعى لخدمة أبرشياتنا ورعايانا بأمانة، إذ لم تأتِ الإنجازات دوماً حسب ما كنّا ننويه أو نطمح له. وهذا ما يحثّنا كي نتابع المسعى، متجاوبين مع النعمة الإلهية التي تملأ نقائصنا، ومتّكلين على الرب الذي يذكّرنا من خلال ضعفنا ونقائصنا أنه "بدوني لستم تستطيعون أن تفعلوا شيئاً!".
في زمن المحن التي ألمّت بكنيستنا السريانية، لا سيّما في العراق منذ أكثر من عقدين، وفي سوريا منذ أربعة أعوام، يجدر بنا أن نستلهم نفحةً من الرجاء والعزاء خصّ بها بولس رسول الأمم، أهل كورنثس، مشجّعاً إيّاهم في شدائدهم: "تبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح، أبو المراحم وإله كلّ تعزية، الذي يعزّينا في ضيقتنا، كي نستطيع أن نعزّي مَن هم في كلّ ضيقة، بالتعزية التي نتعزّى نحن بها من الله. لأنّه كما تكثر آلامُ المسيح فينا، كذلك بالمسيح تكثر تعزيتُنا أيضاً" (2 كور 1: 3ـ5). ونحن على ثقة بأنّ الله "يوجِد من المحنة خلاصاً"، فهو الراعي الصالح الذي يسهر على القطيع ويشجّعه للإنطلاق في جدّة الحياة بإيمانٍ ثابتٍ لا تزعزعه الأنواء ولا تنال منه الشدائد.
ليس بوسعنا بعد أن نتغافل عن هول ما أصابنا من نكبات هدّدت وجودنا في أرض الأجداد، وفي كنيسة أنطاكية التي شاءت العناية الإلهية أن تكون كنيسةً شاهدةً وشهيدةً منذ قديم الأزمان، ليس لأنّنا نريد أن نتميّز عن غيرنا من الكنائس، ولكن لأنّ النكبة التي حلّت بأبرشية الموصل وتوابعها منذ ستّة اشهر، هي حدثٌ مخيفٌ بل مروِّعٌ إلى أقصى حدّ. حدثٌ ما عرفته كنيسة مشرقية منذ مئة عام، إذ يذكّرنا بنكبة "السوقيات". في أيّام بل ساعات، تمّ اقتلاع عشرات الآلاف من المؤمنين مع مطرانهم وإكليروسهم والعديد من الراهبات والمكرَّسين، من بيوتهم ورعاياهم. وإذا أجرينا إحصاءاتٍ موضوعيةً، نستطيع القول بأنّ أكثر من ثلث طائفتنا الموجودة في المشرق قد تشرّد، ولا أحد يعلم سوى الله، متى يعود هؤلاء المهجَّرون قسراً، إن هم عادوا..!
ماذا نقول عن مآسي القتل والخطف والتشريد التي عرفتها سوريا منذ ما يقرب من أربعة أعوام؟ وهل هناك من يجهل أو يتجاهل النتائج الوخيمة لتلك الصراعات الدامية، من دمارٍ مرعبٍ لبنى هذا البلد، ومن قتل مئات الألوف ونزوح الملايين؟ وكما في بلاد الرافدين، مَن له المصداقية، داخل الوطن وخارجه، كي يطمئن شعب سوريا، بما فيه أهلنا، أنّ السلام سيعود يوماً، سلام المصالحة الحقيقية وقبول الآخر، فتزول الأحقاد، وتُدفن الضغائن، ويعود المواطنون للتآلف والتآخي بروح المواطنة الحقّة؟!، ويُطلَق سراح المخطوفين، وفي مقدّمتهم المطرانان يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي والكهنة!.
نقولها وقلوبنا مدماة، وكما حصل بُعيد نكبة ما تعارفْنا على تسميته "السوقيات"، سنواتٌ معدودةٌ تمرّ، ثم ندركُ هول ما جرى لنا من تشريدٍ لأبنائنا وبناتنا في أقطار المسكونة الأربعة! أي إنّها خسارةٌ وللأسف الشديد لن تعوَّض، لأنّنا عارفون بنتائج الهجرة إلى ما وراء البحار!.
ما هو موقفنا من هذه النكبات والمآسي التي حلّت بنا؟ من الواجب أن نقتنع ونقنع الآخرين بأنّنا لسنا من الذين يلجأون إلى النوح والتباكي كما قد يتّهمنا البعض! ولن نكون أبداً من الذين يسوّقون التشاؤم، بل من واجبنا أن نستطلع "علامات الأزمنة"، ونكتشف تدبير العناية الإلهية في زمن الضيق، كي نحوّله الى زمن النعمة.
ولا يفوتنا أن نحيّي لبنان، موئل الحضارات والحريات، وندعو لهذا البلد الغالي بالإستقرار والإزدهار، وبتفعيل المحبّة والألفة والتضامن بين مختلف مكوّناته، ليبقى نبراساً حضارياً لبلدان الشرق. ونأسف بشدّة لتهاوُن المسؤولين بمقدّراته، واستخفاف ذوي الشأن بدستوره وقوانينه بإحجامهم عن انتخاب رئيسٍ جديدٍ للجمهورية، وهو رمز وحدة الوطن وحامي أبنائه، وندعوهم إلى تحمّل مسؤولياتهم الوطنية أمام الله والشعب والتاريخ.
كما لا يسعنا إلا أن نشدّ على أيدي الجيش اللبناني وجميع القوى الأمنية، قياداتٍ وأفراد، مثمّنين التضحيات الجسام التي يبذلونها. وإذ نترحّم على أرواح الشهداء، ندعو بشدّة إلى العمل الحثيث لتحرير المخطوفين بالسرعة الممكنة، ليعاودوا عملهم المتفاني في حماية الوطن وأهله.
ولا ننسى أن نتوجّه بقلبنا ونظرنا إلى أبنائنا وبناتنا في مصر والأردن والأراضي المقدّسة وتركيا، كما في بلاد الإنتشار حيثما وُجِد السريان، من أوروبا إلى الأميركتين وأستراليا، شاكرين الله الذي يحفط مؤمنيه والمتّكلين عليه في كلّ مكان وكلّ حين، ومؤكّدين استعدادنا لبذل كلّ الجهود في سبيل خدمتهم الروحية.

سنناقش في سينودسنا هذا موضوع الخدمة الكهنوتية: طبيعتها، روحانيتها، الجهد الراعوي، والناحية الإدارية، والعلاقة بين المطران وكهنته، ودور العلمانيين في حياة الكنيسة.
وكما هو محدَّدٌ في جدول أعمال السينودس، سنستمع إلى تقارير تتناول شؤون أبرشياتنا وإرسالياتنا في الشرق وعالم الإنتشار، وسواها من المواضيع التي سيطرحها آباء السينودس.
كما سندرس موضوع تشكيل لجنة سينودسية من مختلف بلداننا للإشراف على إحياء السنة اليوبيلية المئوية الأولى للمجازر التي ارتُكبت بحق شعبنا السرياني في القرن الماضي، لتكون الذكرى للعبرة ولإكرام هؤلاء الشهداء الذين قدّموا ذواتهم ذبائح محرقة للدفاع عن إيمانهم المسيحي القويم.
وسنقوم بتكليف لجنة سينودسية تُعنى بالإتصال بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية الشقيقة، لتفعيل التقارب وتمتين أواصر العلاقة الأخوية بين الكنيستين، بالتنسيق مع قداسة أخينا البطريرك أفرام الثاني، تأكيداً على أنّنا بحق كنيسة واحدة وشعب واحد موحَّد بالتقليد والتراث وباللغة السريانية المقدّسة. وإنّ الأمل يغمرنا بغدٍ مشرقٍ تسرّع فيه كنيستانا الخطى وصولاً إلى الوحدة الكاملة المنشودة بينهما، وهي أمنية إكليروس الكنيستين والمكرَّسين والمؤمنين فيهما.
ولا ننسى أن نوجز أبرز الأعمال والنشاطات التي قام بها كرسينا البطريركي منذ انتهاء السينودس السنوي الماضي في تشرين الأوّل من العام المنصرم حتّى اليوم، ولعلّ من أبرزها وأهمّها:
المشاركة في أعمال الجمعية العامّة لسينودس الأساقفة حول العائلة، في الفاتيكان.
المشاركة في إعلان تقديس البابوين يوحنّا الثالث والعشرين ويوحنّا بولس الثاني، وإعلان تطويب البابا بولس السادس في الفاتيكان، وفي زيارات قداسة البابا فرنسيس للأراضي المقدّسة والأردن وتركيا.
المشاركة في مراسم جنازة المثلّث الرحمات البطريرك مار اغناطيوس زكّا الأوّل عيواص، وتولية قداسة بطريرك السريان الأرثوذكس الجديد مار اغناطيوس أفرام الثاني، في دمشق ولبنان.
تكريس وتدشين أوّل كنيسة سريانية كاثوليكية في أوروبا تعود ملكيتها لبطريركيتنا السريانية، في مدينة أرنهايم ـ هولندا.
القيام بالزيارة البطريركية الرسمية الأولى إلى روسيا، حيث زرنا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
زيارات أبوية راعوية ورسمية إلى أبناء كنيستنا وبناتها في العراق وحمص، والوكالة البطريركية في روما، وفرنسا، وهولندا، وألمانيا، والولايات المتّحدة الأميركية، وكندا، واسطنبول. وفي هذه الزيارات كلّها، تفقّدنا شؤون الأبرشيات والإرساليات السريانية، فشجّعنا الكهنة في خدمتهم، وثبّتنا المؤمنين، مستمعين إلى همومهم ومطّلعين على حاجاتهم، وقمنا بزيارات إلى بعض المسؤولين الرسميين، وفي طليعتهم الرئيس الأميركي باراك أوباما، وملك الأردن عبدالله بن الحسين، وعدد من الوزراء والنواب، ومن أبرزهم وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وإلى عدد من الإخوة الأساقفة رعاة الكنائس الشقيقة.
ألقينا كلماتٍ ومحاضراتٍ عن الحضور المسيحي في الشرق، أمام مجلس رؤساء المؤتمرات الأسقفية الأوروبية المنعقد في براتيسلافا ـ سلوفاكيا، وأمام البرلمان الإيطالي في روما، وفي مقرّ المنظّمة الدولية لحقوق الإنسان في جنيف ـ سويسرا، بدعوة من السفارة البابوية لدى المجلس، وفي سالزبورغ ولينز ـ النمسا، بدعوة من منظّمة برو أورينتي، وفي مؤتمر لمركز الملك عبدالله الدولي لحوار الحضارات والأديان في فيينا ـ النمسا، وشاركنا في صلوات ولقاءات في باريس وانجيه وفي مؤتمر عن حضور المسيحيين في الشرق والدفاع عن الحريات الدينية بمدينة لا روش سير يون بفرنسا.
قمنا برسامة كاهنين جديدين لكنيستنا السريانية خلال شهر تشرين الثاني الماضي، أحدهما أمين السرّ في البطريركية، والآخر كاهن لكنيستنا في اسطنبول
تابعنا الإعداد لمشروع مار يوسف السكني في الفنار ـ لبنان، والذي يجري فيه العمل على قدم وساق للشروع ببناء مئةٍ وأربع وأربعين شقّة سكنية لشبابنا.
وها نحن نستعدّ للقيام بزيارة الأعتاب المقدّسة التي سنتوّجها بلقاء قداسة البابا فرنسيس يوم الجمعة القادم بإذنه تعالى، بمشاركة وفودٍ من أبناء كنيستنا السريانية في مختلف بلدان العالم. كما سيقوم آباء السينودس بزيارة عدد من المجالس الحبرية في الفاتيكان: اتحاد المسيحيين، وحوار الأديان، ودعاوى القدّيسين، ومجمع الكنائس الشرقية، وكور أونوم.
أيّها الإخوة الأجلاء:
صرخات مرنّم سفر المزامير قد تنطبق على واقعنا اليوم حينما نصرخ في ضيقاتنا:   
"لأنّنا من أجلك نُمات اليوم كلّه. قد حُسبنا مثل غنمٍ للذبح...لماذا تحجب وجهك وتنسى مذلّتنا وضيقنا... استيقظ يا ربّ، لماذا تنام؟ أعناّ" (مز 44: 23، 26).
تماماً كما أيقظ التلاميذُ الربَّ في السفينة، صارخين: "يا ربّ نجِّنا، إنّنا نهلك" (مت 8: 25).
قد نكون من الذين فقدوا الرجاء، فلا نرى أملاً بعودة أهلنا إلى منازلهم وقراهم، إلى كنائسهم ورعاياهم! فهل ندعوهم كي يرحلوا..!؟
وقد نكون من الذين يشدّدون على التجذُّر في الأرض... فهل نوبّخ الذين يطلبون الهجرة؟
وقد نكون بين القائلين، كما اعتدنا أن نسمع: نحترم قرار العائلات المنكوبة في الهجرة أو البقاء!
  ـ صلاة ختامية:
      أيّها الربّ القدير الضابط الكلّ، أبو المراحم وإله كلّ تعزية، لقد اجتمعنا اليوم لنصلّي ونلقي بين يديك همومنا وآلامنا ومعاناتنا. أتينا لكي نستلهم منك النعمة والقوّة لتحمُّل هذه الهموم والآلام والمعاناة. إنّنا اليوم نجدّد ثقتنا بتدبيرك الإلهي، ونقبل أحكامك غير المدركة في مسيرة حياتنا وعائلاتنا ووطننا. ونضرع إليك بجاه حنانك الأبوي على خليقتك، أن تشفق علينا وأن تحمي أهلنا ومعارفنا وجميع الذين عانوا أنواع الظلم والتشرّد وظلّوا صامدين في العراق وفي سوريا، رغم تعرُّضهم لأنواع العنف والبغض والجوع والفاقة، والتهجير والعزلة المخيفة. لا تسمح، يا ربّ، أن نشكّ بقدرتك على قهر الشرور المحيطة بنا وبأوطاننا. ثبّتنا بالإيمان، وأنعش في قلوبنا نعمة الرجاء، وألهمنا لنعيش المحبّة التي تدعونا اليها في كلّ وقت، حتى نراك في الغريب، والمحتاج والمظلوم. أنتَ كنز المراحم، وإليك نرفع صلاتنا بشفاعة السيّدة العذراء المحبول بها بلا دنس الخطيئة الأصلية، سيّدة النجاة، أمّ الرحمة، ومعزّية الحزانى، ومعونتنا وحاميتنا جميعاً، وجميع القدّيسين والشهداء، آمين.

8
الرقم: 74/أس/2014
التاريخ: 9/11/2014               
بيان إعلامي من أمانة سرّ بطريركية أنطاكية للسريان الكاثوليك
زيارة البطريركَين يوسف يونان وأفرام كريم لتفقّد النازحين في إقليم كردستان ـ العراق
اقتلاع المسيحيين: وصمة عار على جبين المدّعين بالديمقراطية والحريات!
   قام البطريركان مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك أنطاكية للسريان الكاثوليك، ومار اغناطيوس أفرام الثاني كريم بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس، من 6 حتى 8 تشرين الثاني الجاري، بزيارة جمعتهُما وبعض الأساقفة والإكليروس، تفقّدا خلالها آلاف العائلات المسيحية، التي طُردت من بيوتها في الموصل وبلدات سهل نينوى في ليل السادس والسابع من آب المنصرم، ولجأت إلى كردستان، هرباً من الإرهاب المبرمَج "لدولة العراق والشام الإسلامية". غلبت على الزيارة سمات الأسى، ليس فقط لكون هؤلاء المسيحيين الأبرياء المنتمين بغالبيتهم إلى الكنيستين السريانيتين الشقيقتين، قد أضحوا بين ليلة وضحاها لاجئين بؤساء في بلدهم، عاجزين عن الرجوع إلى أرضهم، مع أنّهم أصحاب حق في بلدهم، وكان واجباً على حكومتهم أن تحميهم من هجمات التكفيريين، وتحقّق لهم عيشاً آمناً على أرض أجدادهم. ولكن لأنّ بوادر القنوط شرعت تتغلغل بين جميع اللاجئين لصمت العالم وتجاهُله هذه النكبة المريعة، التي وصمت جبين العالم المتحضّر بالعار، إذ أنّ الجميع من وسائل إعلام وحكومات وشعوب علمت بهذه الكارثة الإنسانية التي حلّت بالمسيحيين والمكوّنات الصغيرة بشمال العراق كالأزيديين والشبك!
   عاين البطريركان بأمّ العين ولمسا لمس اليد الأوضاع اللا إنسانية التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، بسبب شروط العيش غير اللائق والمهدّد بانتشار الأوبئة بحلول فصل الشتاء القارس المعروف في تلك الأصقاع. وبدا وكأنّ عودة هؤلاء النازحين إلى بيوتهم وبلداتهم أضحت سراباً، عسيرةً بل ومستحيلة! وممّا زاد حزنهم مرارةّ أنّهما (أي البطريركين) سمعا الشيء الكثير من هؤلاء المشرَّدين في بلدهم، والذين لم يتخيّلوا قطّ أن ينالوا الجزاء الذي تلقّوه من جيرانهم، الذين نكسوا بعهد الجيرة وانساقوا إلى غرائزهم، يغزون ويسلبون ويهدمون ويقتلون! طردوهم بالأساليب الإرهابية ليحتلّوا بيوتهم وكنائسهم ومدارسهم ومؤسّساتهم... ويحّرموا عليهم العودة... على مرأى من عالمٍ يعدو لاهثاً وراء مصالحه وأنانيته.
   وفي إحدى مراحل هذه الزيارة المؤثّرة، حيث تعيش مئتا عائلة في شقق غير مكتملة مؤجَّرة من قبل الكنيسة، استقبل المئات من الاطفال البطريركين بترنيمة "ما أحلى أن نجتمع معاً"، ورافقوهما إلى خيمة بطول يفوق الستّين متراً، نُصبت حديثاً لإقامة الصلوات والأنشطة الروحية والثقافية والإجتماعية.
   وفي كلّ محطّة من هذه الزيارة، شدّد البطريرك يوسف يونان على أهمّية حضوره مع أخيه البطريرك أفرام كريم وتفقُّدهما الأوضاع المأساوية للمؤمنين المقتلَعين من أرضهم، منوّهاً إلى التحدّيات الجمّة التي تواجه تنظيم المساعدات، ومشيداً بأهمّية الجهود التي يبذلها "الجنود المجهولون"، من إكليروس وراهبات وعلمانيين ملتزمين، لتخفيف المحنة المريعة التي ألمّت بالآلاف من عائلاتنا. وأكّد يونان العمل الجدّي لإيصال صوتهم إلى العالم، فصوتهم هو صوت المضطهَدين الذي سيحملانه كبطريركين  أينما كانا، مشيراً إلى أنّ العالم بدأ يتحسّس المعاناة أكثر، على أمل عودة النازحين إلى بيوتهم.
   أما البطريرك أفرام كريم، فلفت إلى أنّ فرح الأطفال يمنحهم الأمل، مشدّداً على أهمّية حمل الصليب الذي أصبح علامة فرح، لا شعاراً للمجرمين. كما أشار إلى عملية التهجير التي أصابت العراقيين في القرن الحادي والعشرين، لافتاً إلى أنّ العالم يرى كلّ شيء، لكنه يبقى صامتاً! فعليه أن يستفيق لأنّه ذاهبٌ نحو الهلاك.

9
غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان وبطاركة الشرق، يقابلون الرئيس الأميركي باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس في البيت الأبيض
واشنطن ـ الولايات المتّحدة الأميركية
ظهر يوم الخميس 11 أيلول 2014، وفي أعقاب مشاركتهم في قمّة "الدفاع عن المسيحيين" التي عُقدت في واشنطن ـ الولايات المتّحدة الأميركية، قابل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي الكلّي الطوبى، وبطاركة الشرق، الرئيس الأميركي باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس، في البيت الأبيض ـ واشنطن ـ الولايات المتّحدة الأميركية.
شارك في المقابلة غبطة أبينا البطريرك يوسف الثالث يونان، والبطاركة: البطريرك الماروني الكردينال بشارة بطرس الراعي، بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحّام، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس مار اغناطيوس أفرام الثاني، وكاثوليكوس بيت كيليكيا الكبير للأرمن الأرثوذكس آرام الأوّل كيشيشيان، والمطران ابراهيم ابراهيم ممثّل بطريرك بابل على الكلدان لويس روفائيل الأوّل ساكو، والمطران جوزف زحلاوي ممثّل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس يوحنّا العاشر اليازجي.
طلب غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان من الرئيس أوباما خلال المقابلة معه، أن تهتمّ الولايات المتّحدة الأميركية بشؤون الشرق الأوسط وفقاً لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان التي تنادي بها، لأنّ ثقة الشعوب في بلدان الشرق قد حفّت كثيراً بمصداقية الولايات المتّحدة. وعبّر غبطته عن أمله أن تدافع الولايات المتّحدة عن حقوق الجميع، بما فيها الحرّيات والحقوق الدينية، والعمل على فصل الدين عن الدولة والنظام، كما هو الحال في لبنان.
كما ذكّر غبطته بالدور الذي يجب على الدول الكبرى أن تلعبه فيما يخصّ الوجود المسيحي في الشرق برمّته، خاصةً بالنسبة لما جرى في شمال العراق في مدينة الموصل وقرى وبلدات سهل نينوى من تهجير قسري للمسيحيين، محدّداً الأولويات بوجوب الإهتمام والعناية بالوضع الإنساني لمئات الألوف من المشرَّدين الذين لا يزالون يعانون من ظروف التهجير القاسية، وتحرير قراهم، وتأمين الحماية الدولية لهم ليعودوا إلى ديارهم ويستعيدوا الثقة ببلدهم وأرض آبائهم وأجدادهم.
كما طالب غبطته بالعمل على حلّ الأزمة في سوريا بالطرق السلمية والدعوة إلى المصالحة، وشدّد على ضرورة المحافظة على الإستقرار في لبنان وحمايته من انعكاسات الأزمة السورية عليه، وعلى الضرورة الملحّة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية بأسرع وقت ممكن.
وكانت لكلّ واحد من البطاركة والمطارنة مداخلة حول موضوع الحضور المسيحي في الشرق. وقدّموا التعازي للرئيس أوباما بأحداث الحادي عشر من أيلول لمناسبة الذكرى السنوية الثالثة عشرة لهذه الأحداث الإرهابية المأساوية.
وقد وعد الرئيس أوباما البطاركة كلّ خير، مؤكّداً العزم الثابت لدى الولايات المتّحدة لمكافحة الإرهاب ومحاربته. هذا وقد سلّمه البطاركة رسالة موقّعة منهم جميعاً ومن كلّ بطاركة الشرق تشرح بالتفصيل أوضاع المسيحيين في الشرق.
أما السيّدة رايس، فقد استمعت إلى مداخلات البطاركة ومطالبهم، وعرضت معهم الأوضاع الصعبة التي يعانيها المسيحيون في الشرق، والتوصيات التي يقترحونها لحلّ الأزمات وتحسين وضع المسيحيين هناك.



10
الرقم:64/أس/2014
التاريخ: 26/7/2014
بيان إعلامي صادر عن أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية

البطريرك يونان يرفع صوت الحق عمّا يجري في الشرق
خلال زيارته إلى واشنطن ونيوجرسي في الولايات المتّحدة
لقاءات رسمية ومقابلات إعلامية وزيارات راعوية

يوم الثلاثاء 22 تمّوز 2014، ما أن وصل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، إلى مطار نوارك ـ نيوجرسي، قادماً من روما، يرافقه صاحبا السيادة مار باسيليوس جرجس القس موسى المعاون البطريركي والزائر الرسولي في أوروبا، ومار أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد، وأمين سرّ البطريركية الشمّاس حبيب مراد، حتى تراكمت النداءات الهاتفية طالبةً من غبطته أن يجيب على مقابلاتٍ هاتفيةٍ وتلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ حول أوضاع المسيحيين في العراق وسوريا بشكلٍ عام، وفي مدينة الموصل والجوار بشكلٍ خاص.
كان في استقبال غبطته في المطار سيادة المطران مار برنابا يوسف حبش راعي أبرشية سيّدة النجاة للسريان الكاثوليك في الولايات المتّحدة الأميركية وكندا، والأبوان أفرام موشي ونعمة الله عجم، كاهنا الرعية في نيوجرسي، مع وفدٍ من المؤمنين، وفي مقدّمتهم السادة عاطف عيد وجوزيف الحكيم وشربل عطية، الذين اهتمّوا بتسريع معاملات الدخول للوفد البطريركي الزائر.
وفجر اليوم التالي الأربعاء 23 تمّوز، توجّه غبطته إلى استوديوهات "فوكس نيوز" في مانهاتن ـ نيويورك، وهي من أهمّ قنوات الكابل التلفزيونية، حيث شارك غبطته في البرنامج اليومي الشهير: “FOXNEWS AND FRIENDS” (فوكس نيوز والأصدقاء). وقدّم غبطته في هذا البرنامج صورةً واقعيةً عن الأحداث المأساوية التي عرفَتْها الموصل والبلدات المجاورة في سهل نينوى، سيّما بلدة قره قوش السريانية، متسائلاً عن "معنى الصمت المريب التي تتّخذه الدول ذات الشأن، إزاء التعرّض الهمجي الذي يطال المسيحيين، والذي من الحق أن نسمّيه تطهيراً دينياً يجري على مرأى من الجميع، في قرننا الحادي والعشرين!". ولقد كان لهذه المقابلة على البرنامج المذكور صدى كبير، ممّا دفع العديد من وسائل الإعلام إلى طلب المقابلات مع غبطته.
وظهراً، قدّم غبطته مقابلةً تلفزيونيةً على التلفزيون الكاثوليكي لأبرشية نيويورك، مجيباً على أسئلة مدير البرامج الأب جوناثان موريس. وكانت مقابلة مستفيضة في المعلومات عن "تاريخ المسيحية العريق في بلاد الرافدين، وعن مساهمتهم الحضارية فيها، وعن التهديد الحقيقي لوجودهم وطردهم المجرم العنيف من أرض آبائهم وأجدادهم، على يد مجموعاتٍ تكفيريةٍ لا يهمّها شرعٌ دولي ولا تخاف من العقاب، لأنّها مموّلةٌ بطرق غير شرعية، وتعتبر ذاتها مغطّاة من قِبَل دولٍ وجماعاتٍ تسعى لنشر الإسلام عن طريق العنف والتخويف، وتكتفي بإدانةٍ جوفاء لتغطّي جرائمها إزاء الإستنكار الدولي".
ثم زار غبطته سيادة رئيس أساقفة نوارك جان جوزف مايرز، وتبادل معه الأحاديث عن الأوضاع في الشرق، حيث أسهب غبطته في شرح ما يجري حالياً خاصةً في العراق وسوريا، والدور الذي يمكن أن تؤدّيه الكنيسة في الولايات المتّحدة في إيصال حقيقة ما يحدث إلى مراكز القرار السياسي.   
ومساءً دُعي البطريرك يونان لمقابلةٍ على تلفزيون أبرشية بروكلين، حيث تعدّ ما يقرب من مليونين ونصف من المؤمنين، وفيها كرّر غبطته التعبير عن ألمه "لما جرى ويجري للمسيحيين في الموصل والجوار وفي سوريا، سيّما مدينة حلب". وركّز على أنّ "الأقليات الدينية والعرقية، سيّما المكوّن المسيحي، ظلّت لسنين عديدة خلت، عرضةً للإبتزاز والقتل والخطف والتهجير من قِبَل جماعاتٍ إرهابيةٍ تستقوي بأكثريةٍ لا تعرف فصل الدين عن أمور الدولة والشؤون العامة". وعلى سؤالٍ إن كانت جماعاتٌ أخرى تلقى المظالم، أجاب غبطته، بأنّ "علينا أن نأخذ بعين الإعتبار النسبة العددية للمسيحيين في بلادهم كالعراق مثلاً، والتخوّف إزاء مستقبلهم، إذ يكاد اليأس يستولي عليهم، وهم يرون تواطؤ بعض الحكومات في المنطقة ودولياً، والتدخّل اللا فعّال لبعضٍ من المرجعيات الإسلامية، التي غالباً ما تكتفي بالإستنكار والإدانة اللفظيين، معلّلةً اقتراف المظالم التي تطال المسيحيين وسائر الأقلّيات في بلادنا المشرقية، بالإجحاف في حقوق المسلمين في العالم!".
وهذه الأفكار والتخوّفات تابع غبطته شرحها لسيادة مطران الأبرشية نيكولا دي مارسيو، وهو صديقٌ كبيرٌ لغبطته منذ سنواتٍ طويلة، وقد دعاه لتناول العشاء مع مرافقيه وبحضور بعضٍ من مساعدي سيادته وهم من المعتبَرين بين رجالات الأبرشية.
أمّا يوم الخميس 24 تمّوز، فكان يوم عملٍ ماراتونياً بامتياز، من الفجر وحتى المساء. فقد توجّه غبطته إلى العاصمة واشنطن، وهناك التقى بعددٍ من أعضاء الكونغرس، وبالمسؤولين عن لجنة الدفاع عن الحرّيات الدينية في وزارة الخارجية، وأقيمت له عدّة مقابلاتٍ تلفزيونيةٍ وإذاعيةٍ وصحفية.
من بين أعضاء الكونغرس، التقى غبطته بالنواب التالية أسماؤهم: جفّ فورتنبري (ولاية نبراسكا)، وفرانك وولف (فيرجينيا)، والنائبة آنا ايشو (كاليفورنيا)، وتيموثي والبرغ (ميشيغن). وقد التقى غبطته مع كلٍّ من هؤلاء النواب الأربعة على انفرادٍ في مكاتبهم، وناقش وإيّاهم بوضوحٍ وحزمٍ الأوضاع المأساوية التي تجابهها الأقلّيات الدينية، سيّما المسيحيون في بلدان الشرق الأوسط، وبشكلٍ خاص في العراق وسوريا. وقد أصغوا باهتمامٍ إلى حديث غبطته، سيّما ما قاله عن "وجوب أن يتّخذ المسؤولون في الولايات المتّحدة بمشاركة المراجع الدولية الأهمّ، الإجراءات الضرورية والمستعجلة، لوقف التعرُّض للمسيحيين للقتل والخطف والتهجير، لا لسببٍ آخر سوى اختلافهم الديني عن معتقد الغالبية التي يعيشون معها". وقد أبدى النواب المذكورون اهتمامهم الموجَّه بشكلٍ مستعجلٍ للتخفيف عن معاناة المهجَّرين قسراً عن مناطق سكنهم، ووعدوا أنهم سيسعون مع زملائهم في الكونغرس لسنّ قانونٍ يدين التطهير العرقي الذي تعرّض له مسيحيو الموصل، وما زالوا يعانون منه وهم في وضعٍ مأساوي في اللجوء والنزوح.
كذلك أجريت لغبطته مقابلاتٌ تلفزيونيةٌ وإذاعيةٌ، على القنوات العامّة PBS، وعلى قنوات الهيريتاج:   “THE HERITAGE FOUNDATION” وغيرهما من وسائل الإعلام في العاصمة واشنطن.
ومساء يوم الخميس 24 تمّوز عينه، عاد غبطته إلى مطرانية السريان الكاثوليك في نيوجرسي، حيث احتفل بالذبيحة الإلهية في الكاتدرائية على نيّة السلام في الشرق الأوسط ولتخفيف المعاناة عن المسيحيين في العراق وسوريا. وحضر القداس الأساقفة والكهنة السريان الكاثوليك، والمطران المساعد في أبرشية نوارك اللاتينية توماس دوناتو.
وفي الموعظة، أكّد غبطته أنّ "كنيسة الإنتشار مدعوّة للحفاظ على وديعة الإيمان وتراث الآباء والأجداد وعاداتهم وتقاليدهم، وبخاصة اللغة السريانية، مع التعلّق ببلاد المنشأ في الشرق، سواء لبنان أو سوريا أو العراق وسواها"، مثنياً على "التزام أبناء الرعية في نيوجرسي ومحبّتهم وتعلّقهم بكنيستهم". كما دعا غبطته الجميع أن "يصلّوا بحرارة إلى الله كي يحلّ أمنه وسلامه في بلاد الشرق، لينعم جميع المواطنين فيها بالعيش باستقرار وطمأنينة، بحرّية وكرامة إنسانية"، منوّهاً إلى أنه سيبذل قصارى جهده "لإيصال صوت الحق عمّا يجري في الشرق، وبخاصة في العراق وسوريا، إلى مراكز القرار في أهمّ المحافل الدولية، والسعي مع جميع أصحاب النيّات الحسنة لإيجاد الحلّ الضروري الملائم للمآسي والإضطرابات في هذه البقعة العزيزة التي فيها وُلد وترعرع الرب يسوع، ومنها نشر البشارة بإنجيل المحبّة والسلام إلى أقاصي الأرض".
هذا وسيتوجّه غبطته إلى ديترويت ـ ميشيغن في محطّته القادمة ضمن جولته الراعوية في أبرشية سيدة النجاة في الولايات المتحدة وكندا.

11
الرقم: 163/2014
التاريخ: 21/7/2014


إلى إخوتنا الأحبار الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة
آباء السينودس المقدّس لكنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية الجزيلي الإحترام،
وأبنائنا الروحيين الخوارنة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات الأفاضل
وجميع المؤمنين المبارَكين أبناء كنيستنا السريانية الكاثوليكية وبناتها في بلاد الشرق وعالم الإنتشار

نهديكم البركة الرسولية والنعمة والمحبّة والسلام بالرب يسوع إلهنا ومخلّصنا ومرشدنا ومصدر عزائنا:
نكتب إليكم في هذه الظروف العصيبة التي يمرّ بها شرقنا الغالي المتخبّط في بحرٍ هائجٍ متلاطم الأمواج التي تكاد أن تصرعه، وقلوبنا تدمى من جراء ما أصاب ويصيب أبناء شعبنا المسيحي في الشرق، خاصةً في سوريا والعراق والأراضي المقدّسة، من اضطهادٍ وعنفٍ منقطعَي النظير لم نشهد مثلهما منذ بداية القرن الماضي.
فها هم أبناؤنا في الموصل يُهجَّرون قسراً بعملٍ لا إنساني هو تطهير ديني فاضح لم يعرفه المسيحيون منذ مئة عامٍ، ترتكبه ما تُسمّى الدولة الإسلامية، بعدما أنذرَتْهم بوجوب اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، وإلا نصيبهم التهجير أو القتل! وها هي أجزاءٌ من مطرانيتنا في الموصل تُستباح وتُحرَق على يد مجموعاتٍ من الإرهابيين التكفيريين، ودير مار بهنام الأشمّ يُستولى عليه، وكذلك مطرانيتنا في حلب تُصاب بقذائف هدّامة.
أمام هذا الواقع المأساوي الأليم، وخلال تواجُدنا هنا في مقرّ وكالتنا البطريركية في كامبو مارسيو بروما، تابعْنا باهتمامٍ بالغٍ وتأثُّرٍ عميقٍ وصلاةٍ حارّةٍ، ما يصلنا من أخبارٍ عن الأوضاع في العراق وسوريا، وبخاصة في الموصل وحلب. وقد آلينا على نفسنا المتابعة الشخصية لهذه الأحداث المفجعة مع الكرسي الرسولي، بغيةَ القيام بأقصى ما يمكن فعله حفاظاً على وجودنا المسيحي العريق والموغل في القدم في الشرق منذ أقدم العصور المسيحية، سيّما بعد أن فرغت الموصل من أيّ وجودٍ مسيحي لأوّل مرّةٍ في تاريخها، وازدادت المخاطر وتعاظمت المعاناة لسكّان حلب الأبرياء طوال عامين.
وبمعونة الرب وبركته، فاجأَنا قداسةُ البابا فرنسيس بمكالمةٍ هاتفيةٍ دامت تسع دقائق، بعد ظهر يوم أمس الأحد 20 تمّوز، أكّد لنا قداسته خلالها أنه يشعر بالقلق الشديد لما يجري للمكوّنات المسيحية في العراق، بعد أن اقتحم الإرهابيون التكفيريون مدينة الموصل وجزءاً من البلدات المحيطة. وتمّ تهجير مَن تبقّى من مسيحيي هذه المدينة على أعين العالم، إضافةً إلى ما يجري من أعمال عنفٍ دموي في سوريا والأراضي المقدّسة.

فشكرْنا قداستَه على لفتته الأبوية، وشرحْنا له معاناة المسيحيين، لشعورهم ليس فقط بأنّهم مستهدَفون من قِبَل التكفيريين، بل لأنّ العالم يبدو وكأنه غافلٌ أو متجاهلٌ لهذا الإجرام الذي يُرتكَب باسم الدين، ويطال جماعةً دينيةً عريقةً، ارتبطت حضارة الرافدين بها أصلاً. إذ ليس الأفراد والجماعات وحدهم المستهدَفين، بل هي أيضاً تلك الحضارة الشهيرة التي عرفَتْها خزائن الكتب والمخطوطات في الأديرة ودور العبادة، وهي إرثٌ للعالم أجمع.
وبعد التداول مع قداسته في الأوضاع في الشرق وضرورة التحرّك من قِبَل الكرسي الرسولي، منحَ قداسته بركته الأبوية لجميع مسيحيي الشرق، مؤكّداً أنهم جميعاً حاضرون في قلبه وفكره وصلاته على الدوام، وأنه سيبذل قصارى جهده في سبيل إنهاء هذه المحنة في أقرب وقت، متّحداً معنا ومع أبناء الكنيسة في الشرق برباط الرجاء الذي لا يخيب، بأنّ الأيّام الصعبة ستنتهي وتزول لا محالة، ليعود الأمان والسلام والطمأنينة والإستقرار.
كما زرنا سيادة رئيس الأساقفة دومينيك مامبيرتي وزير خارجية الفاتيكان، واقترحنا على سيادته التنسيق مع سفراء الكرسي الرسولي في بلاد الشرق الأوسط، ودعوة السفراء المعتمَدين لدى حاضرة الفاتيكان، والتعاون مع الكنائس الأخرى سيّما الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، لحثّ المراجع الدولية والمرجعيات الإسلامية المعتدلة، لشجب ما يحصل حالياً بحق المسيحيين في الشرق وسائر المكوّنات الأقلّية الأخرى، والعمل الجادّ والفعّال لحلّ هذا الوضع الخطير المتأزّم، ولكي تُحفَظ الحقوق المدنية والحرّيات الدينية لجميع المكوّنات الدينية والمذهبية والعرقية في بلاد الشرق، سيّما العراق وسوريا. وأبدى سيادته تفهُّمه الكامل لما طرحناه من هواجس وما قدّمناه من أفكار، مشاطراًَ إيّانا القلق على مصير الوجود المسيحي في بلدان الشرق، ومؤكّداً أنه سيسعى بكلّ الإمكانيات المتاحة لإطلاق صرخة الحق والعدالة، ومشيراً إلى السعي الحثيث لقداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس، وتوجيهاته الحازمة لكي تُحترَم إنسانية جميع المكوّنات البشرية في البلاد المذكورة.
وأجرينا مقابلاتٍ صحفيةً عدّة، خاصةً مع راديو الفاتيكان، وناشدْنا منظّماتٍ دوليةً عدّة، حكومية وغير حكومية، رافعين الصوت عالياً لشجب واستنكار ما يجري في الشرق، خاصةً في العراق وسوريا.
إنّنا نؤكّد تضامننا الكامل مع أبنائنا وبناتنا الروحيين في الشرق، سيّما في سوريا والعراق، ونجدّد ثقتنا بمخلّصنا الذي أكّد لنا أنه "في وسط كنيسته فلن تتزعزع أبداً"، و"أبواب الجحيم لن تقوى عليها". وندعو جميع أبنائنا إلى رصّ الصفوف والإتّحاد بالصلاة والتضرّع إلى الرب ليخفّف هذه المحنة ويقصّر الأيّام الصعبة، فيلاشي ظلام ليل الآلام والضيقات، ليشرق فجر القيامة والرجاء، فوق كلّ رجاء، بمعلّمنا الإلهي الذي يمنحنا النصر بقوله: "ثقوا، إني قد غلبتُ العالم".




وها نحن نستعدّ للقيام بزيارةٍ أبويةٍ إلى عددٍ من رعايا أبرشية سيّدة النجاة في الولايات المتّحدة الأميركية وكندا، اعتباراً من صباح يوم غدٍ الثلاثاء 22 تمّوز، يرافقنا فيها صاحبا السيادة مار باسيليوس جرجس القس موسى المعاون البطريركي والزائر الرسولي في أوروبا، ومار أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد، والشمّاس حبيب مراد أمين سرّنا، متوخّين أن نثبّت كنيسة الإنتشار في تلك القارّة في الإيمان الأصيل والتمسّك بتعاليم كنيستنا السريانية وتقاليدها ولغتها وتراث الآباء والأجداد في بلاد المنشأ في الشرق. كذلك نأمل أن نقوم بمقابلة عددٍ من الشخصيات المؤثّرة على اتّحاذ القرارات المصيرية العادلة دفاعاً عن حقوق جميع الشعوب، سيّما مكوّنات الأقلّيات المهمَّشة.
نختم بإهدائكم بركتنا الرسولية عربون محبّتنا الأبوية، ولنبقَ متّحدين بالصلاة، لأنّ الصلاة بإيمان تنقل الجبال. ولتشملكم جميعاً بركة الثالوث الأقدس، الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد، إلى الأبد. والنعمة معكم.

                                               


                                                        اغناطيوس يوسف الثالث يونان
                                                           بطريرك السريان الأنطاكي 
     

12

اعلام بطريركية السريان الكاثوليك

فاجأ قداسةُ البابا فرنسيس غبطةَ البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان الموجود في روما، بمكالمة هاتفية دامت تسع دقائق، بعد ظهر يوم الأحد 20 تمّوز 2014، مؤكّداً له بأنه يشعر بالقلق الشديد لما يجري للمكوّنات المسيحية في العراق، بعد أن اقتحم الإرهابيون التكفيريون مدينة الموصل وجزءاً من البلدات المحيطة. ولقد تمّ تهجير مَن تبقّى من مسيحيي هذه المدينة على أعين العالم، وهذا العمل اللا إنساني هو تطهيرٌ ديني فاضح لم يعرفه المسيحيون منذ مئة عامٍ، ترتكبه ما تسمّى الدولة الإسلامية، بعدما أنذرَتْهم بوجوب اعتناق الإسلام، أو دفع الجزية، وإلا نصيبهم التهجير أو القتل!
شكر غبطةُ البطريرك يونان قداستَه على لفتته الأبوية، وشرح له معاناة المسيحيين، لشعورهم ليس فقط بأنهم مستهدَفون من قبل التكفيريين، بل لأنّ العالم يبدو وكأنه غافلٌ أو متجاهلٌ لهذا الإجرام الذي يُرتكَب باسم الدين، ويطال جماعةً دينيةً عريقةً، ارتبطت حضارة الرافدين بها أصلاً. إذ ليس الأفراد والجماعات وحدهم المستهدَفون، بل هي ايضاً تلك الحضارة الشهيرة التي عرفَتْها خزائن الكتب والمخطوطات في الأديرة ودور العبادة، وهي إرثٌ للعالم أجمع.
وتداول غبطته مع قداسته في آخر المستجدّات والأوضاع المأساوية في سوريا والعراق والأراضي المقدّسة ولبنان، وقد اقترح غبطته على قداسته دعوة السفراء المعتمَدين لدى حاضرة الفاتيكان، لحثّ المراجع الدولية والمرجعيات الإسلامية المعتدلة، لشجب ما يحصل حالياً بحق المسيحيين في الشرق وسائر المكوّنات الأقلية الأخرى، والعمل الجادّ والفعّال لحلّ هذا الوضع الخطير المتأزّم، ولكي تُحفَظ الحقوق المدنية والحريات الدينية لجميع المكوّنات الدينية والمذهبية والعرقية في بلاد الشرق الأوسط، سيّما العراق وسوريا.
وفي نهاية المكالمة، منح قداسته بركته الأبوية لجميع مسيحيي الشرق، مؤكّداً أنهم جميعاً حاضرون في قلبه وفكره وصلاته على الدوام، وأنه سيبذل قصارى جهده في سبيل إنهاء هذه المحنة في أقرب وقت، متّحداً مع غبطته وأبناء الكنيسة في الشرق برباط الرجاء الذي لا يخيب، فوق كلّ رجاء، بأنّ الأيام الصعبة ستنتهي وتزول لا محالة، ليعود الأمان والسلام والطمأنينة والإستقرار.

13

الرقم: 55/أس/2014
التاريخ: 2/7/2014               

بيان إعلامي صادر عن أمانة سر بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية

البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان
يتفقّد أبناءه السريان العراقيين النازحين من بلدة بغديده ـ  قره قوش (شمال العراق)
ويحثّهم على العودة إلى ديارهم

 إثر تعرّض بلدة بخديده ـ قره قوش السريانية (من سهل نينوى، شمال العراق) لقصفٍ عشوائي من قبل مسلّحين جرّاء الأحوال المتردّية في مدينة الموصل وجوارها، اضطرّ عدد كبير من أهالي هذه البلدة الآمنة إلى نزوح مفاجئ وجماعي لم يسبق له مثيل، متوخّين الأمن في مدن إقليم كردستان، سيّما مدينة عنكاوا، وألقوش ودهوك.
 وفور ورود هذا النبأ الأليم، توجّه غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي، إلى أربيل حيث استقبله في مطارها الدولي وزير الداخلية في حكومة كردستان كريم سنجاري، ووزير النقل والإتصالات جونسون سياويش، وعدد من الأساقفة والمسؤولين، انتقل غبطته حالاً إلى زيارة عددٍ من المراكز المخصصة لإيواء النازحين في عينكاوا ـ أربيل، فحثّهم على "العودة إلى بلدتهم وبالأخص الشباب بينهم رغم التحدّيات، فيكونوا على قدر المسؤولية في الدفاع عن أرضهم والتمسُّك بها". وأشاد "بالجهود الجبّارة التي قُدِّمت للآلاف من العائلات النازحة من قبل المطران بشار وردة رئيس أساقفة أربيل للكلدان، وجمعية الرحمة وسائر الأخويات والمنظّمات المدنية والمؤسسات والأهالي أفراداً وجماعات".
 وبثّت زيارة غبطته روح الحياة في هؤلاء المؤمنين الذين هلّلوا لقدوم أبيهم الروحي العام إليهم، رسولاً للمحبّة والسلام والرجاء والأمل بمستقبل أفضل.
 احتفل غبطته صباح الأحد 29/6/2014 بالقداس في كاتدرائية مار يوسف للكلدان بعينكاوا، وجدّد في الموعظة دعوته النازحين "بتحمّل هذه المحنة الأليمة بالصبر والإيمان"، داعياً إيّاهم "للتغلّب عليها بشجاعة وروح وطنية متأصّلة في تاريخ أجدادهم الممزوج بالشهادة"، حاثّاً "القادرين على العودة إلى بلدتهم ومنازلهم وأعمالهم".
 ومن هناك، تفقّد غبطته بلدة برطلة السريانية، حيث احتشد المؤمنون للقاء أبيهم الروحي، حاملين أغصان الزيتون. فشجّعهم وشدّ أزرهم، ممتدحاً إيمانهم وثباتهم، ومتفقّداً النازحين إلى هذه البلدة من قره قوش.


 ثمّ انتقل غبطته إلى بلدة بغديده ـ قره قوش، المحطّة الرئيسية في زيارته الأبوية. وكانت المفاجأة في القداس المسائي الذي أقامه في كنيسة الطاهرة الكبرى، التي احتشد فيها ألوف المومنين، في مشهدٍ أشبه بالأعياد الكبرى. ها هم أبناء هذه البلدة يلبّون نداء الرب على لسان غبطة أبيهم البطريرك، فيعودون إلى أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم، والقلّة الباقية على طريق العودة في غضون ساعات. وهناك ارتجل غبطته موعظةً أبويةً، امتدح فيها "أصالة وعراقة أبناء هذة البلدة الذين يتحلّون بالإيمان والرجاء والمحبّة، وقد استقبلوا في السنوات الأخيرة النازحين من بغداد والموصل وسواها من المدن". وحيّا غبطته صمودهم، مثبّتاً عزيمتهم في "التشبّث بالأرض، والذود عنها بكلّ ما أوتوا من قوّة وعزم ومحبّة وإخلاص". كما أكّد غبطته "بأننا شعب لا يطالب بامتيازات بل بالمساواة في المواطنة مع سائر مكوّنات بلاد الرافدين، وأنّنا دعاة سلامٍ وتآخٍ لا عنف ولا تصادُم".
 وقدّم غبطته جزيل الشكر لرئيس إقليم كردستان وحكومته وجيشه على "كلّ المساعدة التي قدّموها للنازحين وللبلدة، لتخطّي الظروف الراهنة، وكلّ ما سيقومون به مع جميع النزيهين والمخلصين لتأمين الخدمات للمواطنين كي يعيشوا بكرامة في بلدتهم".
 وحثّ غبطته أبناء البلدة على "توحيد كلمتهم ورصّ صفوفهم للنهوض ببلدتهم"، معلناً رسالته لهم: "أن يجعلوا بلدتهم بخديده ـ قره قوش الأولى في همومهم وأفكارهم ومشاريعهم، مقدّمينها على كل انتماء وموالاة. فتنهض من كبوتها وتعود إلى سابق عهدها، مشعّةً في هذه المنطقة بالخير والسلام". وكان غبطته قد عبّر عن شكره وتقديره لسيادة راعي الأبرشية المطران مار يوحنّا بطرس موشي وكهنته الذين صمدوا في بلدتهم رغم الأخطار التي أحدقت بهم، مقدّمين أنصع الأمثلة عن الراعي الصالح الذي "لا يهرب... بل يبقى مع القطيع".
 قبل عودته إلى لبنان، تفقّد غبطته يوم الإثنين 30/ 6 العائلات التي كانت نزحت إلى بلدتي دهوك وألقوش، وحثّهم على العودة سريعاً. ثمّ زار وزير الداخلية في حكومة كردستان لشكره، وتأكيد مطالبة أبناء قره قوش بتأمين الخدمات للبلدة بأسرع وقت، ولمس منه كلّ تجاوب واحتضان للبلدة وسكّانها.
 والتقى غبطته بغبطة مار لويس روفائيل الأوّل ساكو بطريرك بابل على الكلدان، وتداولا في أوضاع المسيحيين وحضورهم في العراق، بحضور مطارنة من الكنيستين السريانية والكلدانية.

14
نداء من غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بخصوص الأوضاع في الموصل وسهل نينوى

من مطار سانت بيترسبرغ في روسيا حيث يعود غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الأنطاكي إلى مقر كرسيه البطريركي في بيروت، بعد أن أنهى زيارة كنسية إلى روسيا، يتوجّه غبطته إلى أبناء الكنيسة السريانية الكاثوليكية في أبرشيتي الموصل وتوابعها وبغداد بما يلي:

أيها الأبناء والبنات الأعزاء
في ظل الظروف العصيبة التي تعصف بمدينة الموصل الحدباء وبسهل نينوى برمّته، نتضرّغ إلى الله تعالى، ومعنا أخوانا الحبيبان المطران مار يوحنا بطرس موشي رئيس أساقفة الموصل وتوابعها، والمطران مار أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد، سائلينه تعالى أن يعيد الأمن والسلام والإستقرار إلى مدينة الموصل الحدباء وإلى كل أرجاء سهل نينوى وبغداد، بل إلى العراق الحبيب بأسره.
كما نتوجّه إليكم أيها الأبناء الأحباء، إكليروساً ومؤمنين، ونناشدكم أن تتحلّوا بالصبر، ويتمسّكوا بالإيمان بربّهم وكنيستهم. فالرب الإله لا يترك خائفيه ومحبّيه أبداً، والذي يتّكل على الله لا يخيب وبه ينجو من كلّ الشرور. وإنّ الرب أمين أن يوجد من المحنة خلاصاً. إنه السميع المجيب، له المجد وعليه الإتكال، بشفاعة والدته القديسة مريم العذراء الطاهرة سيّدة النجاة، ومار بهنام وسارة، وجميع القديسين والشهداء، آمين.
اغناطيوس يوسف الثالث يونان
بطريرك السريان الأنطاكي
مطار سانت بيترسبرغ ـ روسيا 10/6/2014

15
نبذة عن حياة
المثلّث الرحمات المطران مار ثيوفيلوس جورج كسّاب
رئيس أساقفة أبرشية حمص وحماه والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك
(1946 ـ 2013)




ـ وُلد في زيدل ـ حمص في 17/1/1946، وهو ابن الياس كسّاب ومريم بنت عيسى محيسن
ـ تلقّى علومه الإبتدائية في مدرسة زيدل الرسمية
ـ قصد دير الشرفة عام 1960، وفيه أكبّ على تحصيل العلوم الثانوية، ثمّ الفلسفة واللاهوت
ـ عام 1973 انتقل إلى أبرشيته في حمص، وقضى فيها سنة اختبار، حيث عمل في مختلف الحقول الرسولية والرعوية، متنقّلاً بين حمص وزيدل
ـ في 6/10/1974، سيم كاهناً بوضع يد المطران يوسف أبيض، في كنيسة مريم العذراء بزيدل، وعمل في خدمة النفوس في رعيته زيدل
ـ ثابر ناشطاً في خدمته الرعوية مدّة ستّ وعشرين سنةً متواصلة، وكان موضع تقدير من أبناء رعيته، لما حقّقه من تطوّر اجتماعياً ودينياً، وما سجّله من مواقف، لا سيّما في حقل الوحدة والحوار
ـ أولى اهتماماً بالغاً بتطوير الكنيسة وبيت الكاهن، مضيفاً إليهما بناءً للمدرسة وآخر للنادي، وشيّد مدافن لأبناء الطائفة
ـ اهتمّ بنوع خاص بالفتوّة والشبيبة، وأقام دورات منتظمة للتعليم المسيحي وجوقة تراتيل كنسية
ـ عام 1995 رسمه المطران موسى داود خوراسقفاً، وأقامه نائباً عاماً له على أبرشية حمص وحماة والنبك، فقام الخوري جورج بمهام النيابة علاوةً على مهامه الرعوية خير قيام
ـ على أثر انتخاب مطران أبرشية حمص وحماة والنبك مار باسيليوس موسى داود بطريركاً في 15/10/1998، أقام البطريرك الجديد نائبه العام الخوراسقف جورج كسّاب، مدبّراً بطريركياً على أبرشية حمص، ريثما يُنتخَب مطران جديد لها
ـ في السينودس المقدس المنعقد في 8/5/1999، انتخب آباء السينودس الخوراسقف جورج كسّاب مطراناً رئيساً لأساقفة أبرشية حمص وحماة والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك، وأيّد قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني هذا الإنتخاب
ـ في 3/3/2000، رُقَّي إلى الدرجة الأسقفية بوضع يد البطريرك مار اغناطيوس موسى الأول داود، في كاتدرائية الروح القدس في حمص، واتّخذ شعاراً أسقفياً قول مار بولس الرسول: "أنا قويّ بالمسيح الذي يقوّيني (2 قور 13: 24)
ـ قام بأعمال جليلة، ورفع مستوى أبرشية حمص من الناحية الروحية والإدارية والرعوية، وطوّر أوقافها حتى تؤمّن الأبرشية حاجاتها المادية بذاتها دون مساعدات خارجية
ـ اهتمّ بحياة الكهنة وخدمتهم، ورعاهم رعاية الأب الحنون، ووفّر لهم التأمين الصحي، وأنشأ صندوق تقاعد الكهنة
ـ جدّد الكنائس والرعايا، وقام خاصةً بترميم وتجديد مبنى المطرانية في الحميدية ـ حمص، ورمّم كاتدرائية الروح القدس التي جاءت تحفة فنّية كنسية تراثية، قبل أن تنال منها يد الخراب والدمار التي تعبث بحمص وسوريا، فدُمِّر جزءٌ مهمٌّ منها ومن مبنى دار المطرانية ومن أوقاف الأبرشية
ـ في السينودس المقدّس المنعقد في حزيران عام 2009، انتُخب عضواً في السينودس الدائم للكنيسة السريانية الكاثوليكية  
ـ انتقل إلى بيت الآب السماوي مساء يوم الثلاثاء 22/10/2013، أثناء خضوعه للعلاج في مستشفى سان جورج ـ عجلتون ـ كسروان ـ لبنان
رحمه الله وأسكنه في ملكوته السماوي مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء، وليكن ذكره مؤبّداً.


ܟܗܢ̈ܝܟ ܢܠܒܫܘܢ ܙܕܝܩܘܬܐ ܘܙܕ̈ܝܩܝܟ ܫܘܒܚܐ
كهنتك يلبسون البر وأبرارك المجد
غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الأنطاكي
أصحاب السيادة المطارنة آباء السينودس السرياني الأنطاكي المقدّس
الآباء الكهنة والشمامسة والراهبات والمؤمنون في أبرشية حمص وحماة والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك
عائلة كسّاب وأنسباؤهم في الوطن والمهجر
ينعون المثلّث الرحمات
المطران مار ثيوفيلوس جورج كسّاب
رئيس أساقفة حمص وحماة والنبك وتوابعها للسريان الكاثوليك
الذي انتقل إلى رحمته تعالى في كسروان ـ لبنان، مساء يوم الثلاثاء الواقع في 22 تشرين الأوّل 2013
     يُنقل جثمانه إلى دير سيّدة النجاة البطريركي ـ الشرفة ـ درعون ـ حريصا، حيث تُقام الصلاة من أجل راحة نفسه في كنيسة الدير في تمام الساعة السادسة من مساء يوم الأربعاء 23/10/2013، ويُسجَّى في الكنيسة حتى صباح اليوم التالي ليُنقَل إلى أبرشيته في حمص ـ سوريا.
    في لبنان: يتقبّل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان وأساقفة الكرسي البطريركي السرياني التعازي يوم الخميس 24/10/2013 في الكرسي البطريركي في بيروت، المتحف، شارع طريق الشام، من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى السابعة مساءً، ويوم الجمعة 25/10/2013 في الكرسي البطريركي في دير الشرفة، من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى السابعة مساءً.
    في حمص ـ سوريا: يُسجّى جثمانه في كنيسة سيّدة النجاة في زيدل ليلقى عليه المؤمنون نظرة الوداع، أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد في 24 و25 و26 و27/10/2013، من العاشرة صباحاً حتى الواحدة ظهراً، ومن الرابعة بعد الظهر حتى السابعة مساءً.
    تُقام رتبة الجنّاز والدفن في تمام الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم الإثنين 28/10/2013 في كنيسة سيّدة النجاة للسريان الكاثوليك في زيدل ـ حمص، وتُقبَل التعازي يومي الثلاثاء والأربعاء في 29 و30/10/2013 في صالة الكنيسة في زيدل، من الساعة الرابعة بعد الظهر حتى السابعة مساءً.
     رحمه الله وأسكنه في ملكوته السماوي مع الرعاة الصالحين والوكلاء الأمناء، وليكن ذكره مؤبّداً.



16
مؤتمر عمان
 برعاية جلالة الملك عبدالله الثاني ودعوة سمو الأمير غازي بن محمد 3-4 ايلول  2013

كلمة المطران جرجس القس موسى
ممثل غبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان


التحديات التي تواجه المسيحيين العرب

   صاحب السمو الملكي الأمير غازي بن محمد المبعوث الشخصي
لصاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، شاكرين مبادرته الملكية الكريمة
   أصحاب القداسة والغبطة والنيافة الكرادلة والبطاركة واساقفة الشرق
   أصحاب السماحة والفضيلة
   ايها الحضور الكرام من كهنة وراهبات وارباب فكر وعلم

   يشرفني أن أنقل اليكم تحيات وأمنيات صاحب الغبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الكاثوليك الذي كلفني بتمثيله في هذا الحفل والمؤتمر العالمي الذي يتمحور حول موضوع من أخطر المواضيع، بل التحديات التي يواجهها شرقنا العربي، ألا وهو مصير المسيحيين في هذه البقعة التي شهدت ولادة المسيحية وازدهارها عبر التاريخ وصارت اليوم تتعرض لمخاطر الأنطفاء.
•   ليس غريبا أن تهبّ النخوة الهاشمية لاستنفار الأمة واستصراخ العالم لما يهدد كيان ووجود ومستقبل المسيحية في هذا الشرق الحبيب. فلقد دابت الأسرة الهاشمية على حماية الأماكن المقدسة وخدمة شعبها والذود عنها ذودها عن كل مظلوم مهدد، وها هي اليوم تدعو الى تجاوز جدار الصمت، لأن الصمت لم يعد مقبولا.
•   لو لم يكن ثمة تحديات حقيقية لما دعينا الى هذا المؤتمر؛ ولو لم يرغب الداعون اليه في التوصل الى رسم معالم حراك عالمي وعربي حقيقي وفاعل، لما جمع الداعون كل هذا الجمع من اطراف العالم العربي والأمم؛ ولو لم يكن في قصد الداعين اتاحة الفرصة امام "قادة جميع الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط للتعبير عن أنفسهم عبر هذه المنصة والأنطلاق باصواتهم وتحليلاتهم الى أفق دولية" لمعالجة قضيتهم، كما جاء في مقدمة كراس المؤتمر، لما دعونا الى الحديث.
   فما نريد اسماعه اليوم هو الآتي:
1.   لا يختلف اثنان في أن القوى العالمية، بإثارتها الفتن والحروب والضغائن والصراعات في بلادنا، لا يهمها امر الأقليات، ومنها المسيحية، بقدر ما تهمها مصالحها السياسية والأقتصادية والستراتيجية.
2.   كما لا يختلف اثنان في أن التيارات الدينية المتطرفة والسلفية والتكفيرية تزج بمنطقتنا وبلادنا في اتون حرب دينية للأستيلاء على الحكم ومقاليد الحياة ومحو اي وجود غير وجودها هي، وتشنّ حملة مركّزة لإقامة دولة إسلامية لا مكان لغيرها في "دار الأيمان". وقد ذهب الألاف من المسيحيين ضحية هذا التيار قتلا وتهجيرا وتهويلا بحيث اصبحنا نخاف على غد ما تبقى منا.
3.   لا ننكر أن عامل الهجرة صار ينخر بين صفوف المسيحيين من جراء العوامل المذكورة وغيرها، في العراق وسوريا والأراضي المقدسة وحتى لبنان.
ولا ننسى ما اصاب المسيحيين من قتل وتهجير وتحقير في جنوب تركيا في الحرب العالمية الأولى.
4.   ان الأركان الأساسية الأربعة لكل حياة انسانية هي :
1)   الأمان
2)   الحرية
3)   الكرامة
4)   العمل
اذا لم توفر اوطاننا هذه الركائز الأربعة للوجود الإنساني، سيلجأ المواطنون الى اقطار اخرى للبحث عنها، مع الأسف.
5.   أخيرا لقد ملّ المسيحيون العرب من الخطابات وكلمات الشفقة والإستهجان لدى كل ضربة تلمّ  بهم.. وينتظرون الأفعال. والأفعال هي :
•   المساواة في الحقوق كما في الواجبات؛   
•   تعديل القوانين والدساتير التي تضعهم في مرتبة أدنى؛
•   اقامة برامج اعلامية هادفة ذات شمولية لبث حضارة المحبة والتسامح والشراكة والأحترام المتبادل؛
•   المضي نحو دولة مدنية تنظر الى جميع المواطنين بعين القانون، وليس بميزامين؛
•   الدعوة الى أخوّة حقيقية بين المسيحيين والمسلمين وسائر الأقليات... وترتكز على امثلة التاريخ ووحدة المصير أمام أنفسنا، وأمام العالم.
فنحن كلنا، مسلمين ومسيحيين، في سفينة واحدة، ونودّ أن نبقى، وأن نبقى سوية، في أرض أجدادنا وتاريخنا...
ولسموكم شكرنا وتقديرنا
والسلام عليكم
عمان في 3/9/2013
      



17
موعظة "العنصرة" الأحد 19 أيار 2013، كاتدرائية سيدة الشارة للسريان الكاثوليك، بيروت
قداس تيلي لوميير ـ نورسات ـ نور الشباب
******
"وهذا كلّه يعمله الروح الواحد نفسه، موزّعاً مواهبه على كلّ واحدٍ كما يشاء"
(1 كورنثس 12: 11)

ترحيب بالمشاركين والحضور...

أتينا اليوم للمشاركة كإخوة وأخوات في ذبيحة القداس الإلهية، لنشكر الرب بنوع خاص على عطيته السامية لنا التي وعد بها التلاميذ: الروح القدوس، وهو الأقنوم الثالث المتّحد مع الآب والإبن لتقديسنا... وكما يقول المزمور: "ما أجمل أن يجتمع الإخوة معاً...".
-   تُحدِّثنا القراءات التي سمعناها من الكتاب المقدس عن معنى هذا العيد العظيم، الذي ندعوه باللغات السامية "العنصرة"، وبحسب اللغة اليونانية "الفينطيكوستي" أي عيد اليوم الخمسين للقيامة. وهو عيد حلول الروح القدّوس على التلاميذ المجتمعين حول العذراء الطوباوية مريم في العلّية.
-   في ختام الإنجيل بحسب متى الرسول، استمعنا إلى الرب القائم ظافراً من بين الأموات يرسل تلاميذه أن: "إذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلّموهم أن يعملوا كلّ ما أوصيتكم به...". فالروح المعزيّ الذي كان قد وعدهم به، هو عينه الروح القدّوس، الأقنوم المتّحد والمساوي للآب الخالق، والإبن المخلّص في سرّ وحدة الثالوث. هذا السرّ الخفيّ من الدهور الأكثر عمقاً وسموّاً في إيماننا المسيحي، والذي يستحيل أن يفقه كنهه أيُّ عقل بشري...
-   في القراءة الأولى، يُحدِّثنا سفر أعمال الرسل الذي كتبه لوقا الأنطاكي، بأنّ الروح القدّوس، قد حلّ على التلاميذ المجتمعين في أورشليم حول العذراء مريم، "بدويٍّ كريح عاصفة"، وبشكل "ألسنة من نار"، فامتلأوا منه. ووقف سمعان كيفا رئيس الرسل يكرز جهراً للآلاف من البشر الآتين من الشَتات، يذكّرهم باكتمال النبوءات بسرّ الفداء الذي أتمّه المسيح الرب، بآلامه وموته وقيامته. وبعد أن كان التلاميذ الجليليون قد تشتّتوا خائفين، نراهم ينطلقون ليحملوا البشرى السارّة إلى العالم أجمع دون عنف أو مَكر، بل بقوّة الروح وحده، حتى الاستشهاد من أجل معلّمهم المحبوب.
-   وفي القراءة الثانية، يذكّرنا بولس رسول الأمم حسبما كتب لكنيسة كورنثس، أنه هو الروح القدّوس عينه الذي يوزّع "مواهبه على كلّ واحد كما يشاء". ويوضح بأنّ هذه المواهب المتنوّعة قد جُعلت لبناء الكنيسة جسد المسيح السرّي. ويتابع الرسول ويقول: "فارغبوا بالمواهب الفضلى... وأنا أدلّكم على أفضل الطرق": المحبة..!
لذا نستطيع القول إنّ عيد العنصرة هو عيد انطلاقة الكنيسة بامتياز. الروح يرافق خطوات  الجماعة المسيحية الأولى ويوحّدها، ليعدّها كي تكون العروس التي تتألّق بجمال حبّها لعريسها المسيح الفادي، والتي ستُبرهن عن الأمانة لعريسها الإلهي، بالمحبة التي تجمع أولادها بعضهم مع بعض، محبة تبني دون غشّ ولا رياء..!
العنصرة، يقول البابا بنديكتوس الذي باركنا بزيارته التاريخية في أيلول الماضي، هي انطلاقة
"الكرازة الجديدة". والكرازة لفظة سريانية ܟܳܪܽܘܙܽܘܬܳܐ تعني إعلان البشرى السارة. فهي لا تعني الكرازة بإنجيل جديد، بل هي المتجدّدة أسلوباً، كي تعطي جواباً يناسب علامات الأزمنة وحاجات البشر والشعوب اليوم... لأنّ يسوع المسيح "هو هو أمسِ واليوم وإلى الأبد" (عبرانيين 13: 8).

-   وعيد "العنصرة" هو كما تعلمون العيد السنوي لمؤسسة ذات رسالة إعلامية فريدة ومميّزة، مؤسسة نحبّها جميعاً، وغالباً ما استيقظنا لنصلّي معها أو نتأمّل معها بأسرار إيماننا. لقد عرفناها وتابعناها وهي تضيء نفوس المؤمنين في بلدان المشرق وسائر أصقاع العالم. هي المؤسسة الإعلامية التي نفخر بها وندين لها بالشكر العميق، المتمثّلة بالقنوات الرائدة حاملة النور: "تيلي لوميير" وقد مرّت 23 سنة على انطلاقتها، وفضائية العائلة "نور سات" التي تعيّد ميلادها العاشر، وفضائية الشباب "نور الشباب" التي تطوي عامين من عمرها الفتيّ الواعد...

-   هذه القنوات الثلاث إنما هي إطلالاتٌ سماويةٌ انطلقت من لبنان، لتبارك لبنان أرضاً وشعباً، وتقرّب بين كنائسنا، وتعرّف عن تراثنا العريق والغنيّ بتنوّعه، وتربّي أطفالنا، وترافق  شبابنا، وتدافع عن قيم العائلة المسيحية المهدَّدة كياناً وأخلاقاً...

-   لقد سعت تيلي لوميير ونورسات ونور الشباب، وما زالت تجهد كي تكون في عصرنا اليوم شاهدةً للبشارة المحيية، وللوحدة المسيحية، وللمحبة الشاملة.

•   بشهادتها للبشارة المحيية، عرفت أن تكرز بكلام الله الموحى في الكتاب المقدس، وقدّمت البرامج الكتابية التي تتلائم وأعمار المشاهدين، أبحاثاً وأفلاماً، وبالتقنيات العصرية المتوفّرة، بالرغم من قلّة الموارد نسبةً لقنوات شبيهة. فجاءت كرازتها ثمرةً من أعمال الروح القدس، ترشدنا إلى المعلّم الإلهي، وتحثّنا على تذوّق كلمة الحياة، كبشرى سارّة لخلاص بشريتنا المعذّبة. تلك هي خبرة الجماعة المسيحية الأولى التي رأت كلام الله ينتشر بالوعظ والشهادة (أعمال 6/7).


•   وبشهادتها للوحدة المسيحية، برهنت على أنها تجمع ولا تفرّق بين المسيحيين والكنائس، وقدّمت بمساواة قدر المستطاع، إرثَنا الليتورجي العريق والغنيّ بتنوُّعه، بنقلها الاحتفالات الدينية، لا سيّما ذبيحة القداس الإلهية. كذلك العبادات والصلوات والترانيم من طقسية قديمة وحديثة، وزيارات لدور العبادة والأماكن الأثرية، في لبنان وسائر بلادنا المشرقية. لقد حقّقت نجاحاً منقطع النظير على درب الوحدة المسيحية، إذ كرّست برامج مطوَّلة ومتنوّعة لإكرام أمّنا الطوباوية مريم والدة الله وأمّ الكنيسة، إن في تلاوة الوردية، وإن في الترانيم والصلوات الخاصة بها. وهي الأمّ السماوية، "أمّ النور"، التي رافقت ولا تزال تضيء طريق قنوات النور.

•   ولقد برعت هذه القنوات الثلاث، ومَن سار بوحيها، بالشهادة للمحبة الشاملة، التي لا تعرف تمييزاً ولا إقصاءً. والمحبة هي أفضل المواهب التي يغمرنا بها الروح القدّوس، تعرف كيف: "تصبر وترفق... وتفرح بالحق، وهي لن تزول أبداً"، كما يذكّرنا بولس الرسول. ونقولها بكلّ اعتزاز، دون الإنتقاص من فضلٍ لآخرين، إنّ المحبة ستظلّ هويتنا المسيحية بامتياز، لأننا بها عُرفنا تلاميذاً للمسيح بدايةً في أنطاكية... وإلى أقاصي المعمورة. لذا لم يتوانَ المسؤولون والعاملون في "تيلي لوميير"، عن تجسيد المحبة الفاعلة، ففتحوا قلوبهم وبسطوا أيديهم لمن طرق بابهم، للمحتاج والمهجّر، للغريب كما للقريب... مجسّدين أعمال الرحمة التي ترضي قلب المعلّم الإلهي.

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                           
-   نثمّن الجهود الرائعة التي جعلت تيلي لوميير ونورسات ونور الشباب، شبكاتِ إعلام مسيحي يؤدّي رسالة المحبة والسلام، بأسلوب حضاري يترفّع عن المماحكات والاحتكار الأناني لدينٍ أو طائفة أو نظام سياسي. وإقراراً بالحقيقة والتزاماً بالحق، نرى واجباً علينا أن نشكر جميع الذين ساهموا في إطلاق هذه المؤسّسة الإعلامية، من روّادٍ مؤسّسين، إكليروساً ومؤمنين ومؤمنات، ومن داعمين متبرّعين، إن بأوقاتهم، أو كفاءاتهم أو أموالهم. كذلك نقدّر جهود مقدّمي البرامج، والمشاركين والعاملين في مختلف جوانب الإعلام الديني المرئي والمسموع. إننا نفخر بهم، وغالبيتهم من المتطوّعين، ما زالوا يقاسمون وقتهم، ويكرّسون كفاءاتهم، ويتبرّعون بسخاءٍ من مالهم. لقد آلوا على أنفسهم أن يحملوا هذه الرسالة الرائعة بلغة عالمنا المعاصر، التي تكاد تكون حصراً لأصحاب النفوذ والأموال، الذين يتبنّون عولمةً تؤلّه البشر وتعطي الأولوية للمادّة. وبينهم مَن يحثّ على كراهية الآخر واستبعاده، ومن يشحن النفوس ويغتال الأمل في قلوب أجيالنا الصاعدة.

-   وبالرغم من الضغوط، والحاجة الماسّة للدعم المالي، لم تكن هذه القنوات الإرسالية يوماً خانعةً لسلاطين المال، ولا ابتغت ربحاً مادّياً. ولأنها مُغرَمةٌ بربح النفوس للمسيح، ظلّت أمينةً لرسالتها، كما أرادها مؤسّسها المعتكف والحاضر دوماً، الزاهد في حطام الدنيا، الذي يتوخّى درب الكمال، كما خطّه له معلّمه الإلهي، الذي لم يكن له حجر يسند اليه رأسه!!

-   وإذ نتابع احتفالنا بسر المحبة على مذبح الفداء، لا يجوز لنا أن نتناسى ما حلّ بإخوةٍ وأخواتٍ لنا من نكباتٍ وتهجير، في سوريا والعراق البلدين الغاليين، فحلّوا ضيوفاً بيننا، وفتحنا لهم قلوبنا وبيوتنا ومؤسّساتنا. لنصلِّ بحرارةٍ وإيمانٍ كي تعود الألفة بين جميع مكوّنات البلد الواحد، فيحلّ السلام والأمان شرطاً ضرورياً لبناء البشر والحجر. ولنضاعف الإبتهال لله أبي المراحم كي يُفرَج عن المطرانين الجليلين يوحنا وبولس المخطوفين في حلب. ونطالب من هذا المنبر القوى الإقليمية والدولية التي تدعم الفئات الخاطفة ألا يكتفوا بالتنديد والتحسّر، بل يقوموا بخطواتٍ جدّية لإطلاق سراح الحبرين المذكورين، اللذين لا ذنب ولا انتماء سياسياً لهما في الصراع الدائر في سوريا الجريحة.

-   ويشهد التاريخ بأنّ لبناننا الحبيب، قياساً لمساحته الصغيرة وموارده الطبيعية الضئيلة، كان على مدى تاريخه وما يزال، البلد الأكثر ضيافةً والمحطّة الأكبر وسعاً للاجئين. ولكي لا تتفاقم الأمور سوءاً، من الضروري أن نرتّب البيت، ونشعر مع المواطنين الذين يئنّون من الضائقة المادّية التي نقلتهم إلى ما  دون مستوى الفقر. لذا فالمطلوب من الذين أؤتُمنوا على الشؤون السياسية أن يكفّوا عن النظر شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فيتّفقوا فيما بينهم لكي يؤدّوا واجباتهم، وأوّلها اليوم، هو التوافق على قانونٍ انتخابي يؤمّن التمثيل الصحيح والعادل لجميع المكوّنات، أكثريةً كانوا أم أقلية، فيتساوى الجميع في الواجبات كما في الحقوق.

"تعال أيّها الروح القدس واملأنا من مواهبك، وأشعِل فينا نعمة حبّك!"
ولتشملكم جميعاً بركة الثالوث الأقدس، الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد،
له المجد إلى الأبد، آمين.

18
الرقم: 41/أس/2013
التاريخ: 6/5/2013
صدر عن أمانة سر بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان التالي:
بيان إعلامي
احتفال مسكوني غير عادي
بطريركا السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك
 يحتفلان معاً برتبة السجدة للصليب يوم الجمعة العظيمة




في خطوة تاريخية فريدة على درب العلاقات المسكونية المميّزة التي تجمع الكنيستين الشقيقتين السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية، ترأس قداسة بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس مار اغناطيوس زكا الأول عيواص، يشاركه غبطة بطريرك أنطاكية للسريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، رتبة السجدة للصليب يوم الجمعة العظيمة، بدعوة من نيافة المطران مار ثيوفيلوس جورج صليبا مطران جبل لبنان للسريان الأرثوذكس، عند الخامسة من مساء الجمعة 3 أيار 2013، في كاتدرائية مار يعقوب السروجي ـ البوشرية ـ جبل لبنان.
شارك في الرتبة عدد من أصحاب النيافة والسيادة المطارنة من الكنيستين الشقيقتين، وكهنة ورهبان وراهبات، وشمامسة منهم بعض شمامسة إكليريكية دير الشرفة للسريان الكاثوليك.
وخلال الرتبة، أنشد الأساقفة والكهنة والشمامسة الترانيم والأناشيد والمراثي الخاصة بلحن الآلام، بالتناوب مع جوقة الكاتدرائية. وأدّى الجميع السجود للصليب على أنغام الترنيمة السريانية الشهيرة "سوغدينان لصليبوخ" (فلنسجد للصليب الذي به تمّ لنا الخلاص، ومع لص اليمين نهتف: أذكرنا في ملكوتك).
وألقى غبطة البطريرك يونان موعظة الآلام، استهلّها بالتأمّل بصلوات هذا الأسبوع بحسب الطقس السرياني، مشيراً إلى "أننا لسنا عشّاق الألم، ولكنّنا نقدّس آلام المسيح الخلاصية التي جسّدت أعجوبة الحب الإلهي".
   ثم انتقل إلى الحديث عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط، فقال: "نعيش اليوم وقلوبنا يعصرها الحزن والأسى لما جرى ويجري لإخوة وأخوات لنا في سوريا والعراق يعانون من الأحداث المريعة التي حلّت بهم منذ سنوات، ومنهم العديدون الذين أُرغِموا على التهجير، فنزحوا إلى لبنان وسكنوا فيما بيننا. سماتُ الخوف ما زالت ترتسم على وجوههم، والقلق حول المستقبل المجهول يلاحقهم ويقضّ مضاجعهم...".
   واعتبر البطريرك يونان أنه لا يجوز الاكتفاء "بالتنديد والتشكّي والندب، يكفينا فخراً وعزاءً أننا، نحن المسيحيين، نحن السريان، قد جُبلت حياتنا بالألم على ممرّ القرون وفي أرضنا بالذات، ولكننا لم نستسلم لليأس ولا لجأنا إلى الانتقام".
   ودعا غبطته إلى تذكُّر قول المعلّم الإلهي "كما اضطهدوني، سيضطهدونكم... طوبى للمضطهَدين من أجل البرّ.."، منوّهاً إلى أننا "جميعنا مدعوون اليوم لتفهّم أوضاع أهلنا المأسوية، فنفتح لهم قلوبنا كما بيوتنا، لنخفّف عنهم هول المأساة التي ألمّت بهم. كما وعلينا أن نشاركهم في التضرّع إلى الرب مخلّصنا لكي يساعدهم على حمل صليبهم لأجل اسمه القدوس، ولكي ينتهي درب آلامهم النفسية والجسدية، فلا يتحوّل إيمانهم إلى شك ولا تتزعزع ثقتهم بعنايته تعالى".
   وحثّ البطريرك يونان المؤمنين على ضرورة "أن نجدّد إيماننا بالعناية الالهية رغم كل ما يسبّب لنا شكوكاً في قدرة الله على قهر الشرور في عالمنا. وعلينا أن نستلهم من هذا الإيمان منبعاً للرجاء، فوق كل رجاء، وأن نفعّل هذا الايمان عينه بأعمال الرحمة والمحبة التي هي وحدها تميّزنا عن الآخرين الذين أرادوا أن يُقنعوا أنفسهم بأنّ اقتناء هذه الأرض الفانية هو هدفهم الوحيد وسعادتهم الخادعة... ولنتذكّر بأنّ خشبة الصليب التي رأى فيها الآخرون عاراً وشكّاً، ستبقى لنا رمز فخرٍ وخلاص!".
وختم البطريرك يونان موعظته بالدعوة إلى الصلاة "بخشوع وإيمان من أجل إطلاق سراح المطرانين المخطوفين مار غريغويوس يوحنا ابراهيم مطران حلب للسريان الأرثوذكس، وبولس يازجي مطران حلب للروم الأرثوذكس، فيعودا إلى خدمة أبرشيتيهما، إنّ الرب هو السميع المجيب".
وبعد أن بارك البطريركان عيواص ويونان النعش حيث وُضع المصلوب، عُلِّق النعش على باب الكاتدرائية، وتقدّم المؤمنون من البطريركين لنيل بركتهما في جوّ عابق بالإيمان، وقد طابت نفوس المشاركين بالرتبة من إكليروس ومؤمنين إذ رأوا بأمّ العين روح الوحدة والمحبة الأخوية التي تجمع الكنيستين. فشكراً لله على عطيّته التي لا يُعَبَّر عنها.


19




الرقم: 9/أس/2013
التاريخ: 24/2/2013
بيان إعلامي
صدر عن أمانة سر بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية البيان الإعلامي التالي:
البطريرك يونان في قداس عيد مار أفرام يوجّه نداءً إلى فخامة الرئيس والمسؤولين بالحكومة ومجلس النواب
نطالب بإحقاق الحق وتمثيل طائفتنا السريانية الكاثوليكية بمقعد نيابي في منطقة الأشرفية في بيروت
السريان الكاثوليك طائفة مؤسِّسة من طوائف لبنان ووجودها متجذّر وأصيل فيه منذ ثلاثمئة عام

      اعتبر صاحب الغبطة البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الأنطاكي الكلي الطوبى بأنّ "طائفة السريان الكاثوليك طائفة مؤسِّسة من طوائف لبنان ووجودها متجذّر وأصيل فيه منذ ثلاثمئة عام"، موجّهاً نداءً "إلى فخامة رئيس الجمهورية والمسؤولين في الحكومة والمجلس النيابي" مطالباً "بإحقاق الحق وتمثيل الطائفة السريانية الكاثوليكية بمقعد نيابي في الأشرفية في بيروت حيث يتواجد أكبر تجمُّع من أبنائها"، داعياً المسؤولين إلى "تغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة"، ومنوّهاً بأنّ "النظامَ اللبنانيَّ المتوافَقَ عليه من الجميع، والذي يؤمّن التوازنَ بين مختلف مكوّنات الوطن، هو الأنسبُ في المنطقة التي لم تصل بعد إلى تطبيق النظام المدني الذي يفصل بين الدين والدولة".
   كلام البطريرك يونان جاء خلال الموعظة التي ألقاها بمناسبة احتفال الكنيسة السريانية الكاثوليكية في لبنان بعيد شفيعها القديس مار أفرام السرياني، صباح الأحد 24 شباط 2013، في كاتدرائية سيدة البشارة ـ كورنيش النهر ـ المتحف ـ بيروت، يعاونه سيادة المطران مار يوحنا جهاد بطّاح النائب البطريركي على أبرشية بيروت، وعدد من الكهنة والشمامسة، بحضور السفير البابوي في لبنان المطران كبريالي كاتشا ممثّلاً قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، المطران بولس صيّاح ممثّلاً البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، المطران ماسيس جوبيان ممثّلاً كاثوليكوس الأرمن الأرثوذكس آرام الأول كيشيشيان، الأرشمندريت نقولا حكيم ممثّلاً بطريرك الروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحّام، وعدد من الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات وحشود من المؤمنين.

   وقد حضر معالي وزير الصناعة الأستاذ فريج صابونجيان ممثّلاً فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ودولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ودولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي، الدكتور برنار جرباقة ممثّلاً فخامة رئيس حزب الكتائب الشيخ أمين الجميّل، النائب حكمت ديب ممثّلاً دولة رئيس التيّار الوطني الحرّ وتكتّل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، النائب نبيل دو فريج ممثّلاً دولة رئيس تيّار المستقبل الشيخ سعد الحريري، العميد وهبة قاطيشا ممثّلاً رئيس حزب القوّات الدكتور سمير جعجع، النائب نديم الجميّل، الوزير السابق الشيخ فريد هيكل الخازن، النائب السابق منصور غانم البون، العقيد ناصر حيدر ممثّلاً قائد الجيش العماد جان قهوجي، العميد بشارة جبّور ممثّلاً المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، العقيد ميلاد خوري ممثّلاً المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، النقيب إيلي وهبة ممثّلاً المدير العام لأمن الدولة اللواء جورج قرعة، السفير المصري الأستاذ أشرف حمدي، السيد محمد حسن جاويد ممثّلاً السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي، ممثّل عن السفير الفرنسي باتريك باولي، السفير السابق الأستاذ جورج سيام، السيد جورج خوري ممثّلاً رئيس بلدية بيروت الدكتور بلال حمد، رئيس بلدية الجديدة البوشرية السدّ الأستاذ أنطوان جبارة، رئيس بلدية الفنار الأستاذ كمال غصوب، المهندس عماد واكيم، الدكتور توفيق الهندي، وعدد من الفاعليات، والمجلس الاستشاري ومؤسسات الطائفة. 
   وخلال الموعظة التي ألقاها بعد الانجيل المقدس، دعا غبطته "القيّمين على شؤون المواطنين في لبنان إلى الحوار والتكاتف والتعاون لإيصال البلاد إلى برّ الأمان، فلا يلغي أحدٌ الآخر، بل يغلّب الكلّ المصلحة العامة على المصالح الخاصة، سيّما على المستوى المعيشي الاقتصادي والاجتماعي".
   وشدد غبطته على "أنّ النظام اللبناني المتوافَق عليه من الجميع، والذي يؤمّن التوازن بين مختلف مكوّنات الوطن، هو الأنسب في المنطقة التي لم تصل بعد إلى تطبيق النظام المدني الذي يفصل بين الدين والدولة".
      وتطرّق غبطته إلى قانون الإنتخابات المقترَح، وذكّر بأنّ "طائفة السريان الكاثوليك، طائفة مؤسِّسة من طوائف لبنان"، وأنه "ليس من العدل تسميتها بالأقليات"، خاصةً وأنّ "الدستور اللبناني ينصّ على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، نسبياً بين الطوائف".
وتوجّه بنداءٍ "إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان المؤتمَن على دستور البلاد"، طالب فيه "بمنح السريان الكاثوليك حقّهم بمقعد نيابي مخصَّص لطائفة السريان الكاثوليك في الدائرة التي لهم فيها التواجد الديمغرافي والإجتماعي الأبرز أي منطقة الأشرفية"، واضعاً ثقته وثقة طائفة السريان الكاثوليك "بفخامته وبكل القيّمين على شؤون البلد بأنهم لن يتأخروا عن إحقاق الحق".
   ورفض غبطته بشدة الأصوات التي تدعو الى "إعطاء مقعد نيابي للسريان"، مؤكّداً بأنّ هذا الأمر فيه "مخالفة لأحكام الدستور اللبناني، إذ لا وجود لما يُسمّى "سريان" في النظام اللبناني، إنما هناك طائفتان: سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس".
   وعن الأحداث في سوريا والعراق تطرّق إلى معاناة هذين البلدين من الحروب والصراعات والنزاعات التي تهدّد وجودهما ومستقبل مواطنيهما.
   وشجب غبطته وأدان "استعمال العنف والسلاح بحجّة نشر الديمقراطية وأفكار الإصلاح"، إذ أنّ "مفهوم الديمقراطية، أي ممارسة الشعب حقَّه في تنظيم حياته المدنية، يعني مسيرةً حضاريةً هدفها حياة الإنسان وليس موته. فلا سبيل لنشر الديمقراطية الحقّة إلا بالحوار، وانتهاج لغة العقل بالاحترام المتبادل والمساواة الحقة في المواطنة بين الجميع في البلد الواحد، بغضّ النظر عن العدد أو العرق أو الدين".
   وشدد غبطته تضامنه وصلاته من أجل جميع المواطنين في سوريا، وبخاصة أبناء وبنات الأبرشيات السريانية الأربع هناك: دمشق وحمص وحلب والجزيرة. وأهاب بجميع الأطراف المتنازعين "أن يحكّموا ضميرهم الأخلاقي وحسّهم الوطني، فلا يتأثّروا بأيّ ضغطٍ أو إملاء من أيّ جهةٍ أتى، بل يعتمدوا جميعاً لغة الحوار والتفاهم والمصالحة، نابذين لغة السلاح والعنف والتطرّف التي لن تؤدّي إلا إلى المزيد من القتل والدمار وتفتيت الوطن".          
   وحيّا غبطته لبنان، "هذا البلد المضياف، آملاً أن يستقبل جميع اللاجئين إليه بصدرٍ رحب ومحبةٍ أخوية"، متأسّفاً لأنّ النازحين من سوريا أفراداً وعائلات، أصبحوا كإخوتهم العراقيين مهجَّرين خارج وطنهم.
   ثمّ تطرّق إلى الأوضاع في العراق، حاثّاً مكوّناته على "التعاضد وشبك الأيدي للنهوض به وإحلال الأمن والسلام فيه". 
   وفي كلمته الروحية، انطلق غبطته من عبارة "لأنّ كلّ من يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع"، فتحدث عن التواضع الذي دعا إليه السيد المسيح كل المؤمنين به، مذكّراً أنّ المسيح، ومن أجل خلاص أحبائه، تواضع فترك عرشه السماوي واتخذ صورة إنسان وأطاع أباه السماوي حتى الموت. وحثّ المؤمنين على الإلتزام بتعاليم السيد المسيح أي المحبة والتواضع والتسليم الكلّي للإرادة الإلهية، لأنّ في هذه وحدها الخلاص.
   كما دعا غبطته المؤمنين إلى التأمّل ما بين مار أفرام السرياني المتواضع الذي مارس أعمال الرحمة والمحبة، متفانياً في خدمة الفقراء والمرضى، وشارك الضعفاء والمهجَّرين والنازحين معاناتهم وآلامهم، وبين ما يحصل ويحدث اليوم في الجزيرة وسائر المناطق السورية من معاناة تشبه زمن مار أفرام.
   كما ودعا غبطته إلى التأمّل في مسيرة الحبر الأعظم قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر الذي أضحى المثال، مقدّماً للعالم كلّه "أمثولةً عظيمةً عن أنّ الإيمان فعل حبٍّ كبير للمسيح وكنيسته، وفعل تسليمٍ مطلق لإرادة الله، وفعل تواضعٍ وتجرّدٍ عميق من الذات، وهو المتسامي فضيلةً وعلماً"، إذ أنه بإعلانه استقالته، قد "بلغ الذروة في مفهوم المسؤولية وفي الشجاعة على ممارستها".
   وختم غبطته موعظته متوجّهاً بالمعايدة إلى كلّ أبنائه وبناته في بلاد الشرق وعالم الانتشار في أوروبا وأميركا وأستراليا.

                                                       

                                                          أمانة سرّ بطريركية السريان الكاثوليك الأنطاكية


20
موعظة عيد مار أفرام السرياني
كاتدرائية سيدة البشارة ـ المتحف ـ بيروت
الأحد 24 شباط 2013
أصحاب السيادة رؤساء الأساقفة والأساقفة ممثلي أصحاب الغبطة البطاركة
قدس الآباء والأمهات رؤساء ورئيسات الرهبانيات
حضرات الآباء الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة الإكليريكيين، والمؤمنين المباركين،
أتوجّه أولاً باسمكم بكلمات شكر للرسميين الحاضرين معنا في هذا الاحتفال:
معالي الأستاذ فريج صابونجيان وزير الصناعة الأكرم، ممثّل فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وصاحبي الدولة رئيس المجلس النيابي الأستاذ نبيه بري، ورئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي
أصحاب المعالي والسعادة الوزراء والنواب والسفراء والقيادات المدنية والعسكرية وممثلي الأحزاب والفعاليات
لأنّ كلّ من يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع (لوقا 18: 14)
يدعونا الرب يسوع، من خلال المثل الذي سمعناه من إنجيل لوقا، إلى التواضع القائم على التسليم الكلّي للرب ولمشيئته الإلهية، والاعتراف بأنّ ما لدينا من نِعَم، لا فضل لنا فيه، إنما نلناه بعطية من لدن الله القدوس. فتتجدّد حياتنا وتتكلّل بخدمة إخوتنا بدافع المحبة، ليتمجّد الله من خلالنا، ويرفعنا إلى مراقي الفرح الدائم، فحيا معه دوماً، إذ أنّ "ثواب التواضع مخافة الرب، وهو غنى ومجد وحياة" (أمثال 22: 4).
لقد نهج الرب يسوع خلال تدبيره العلني بالجسد نهج التواضع، فهو قال عن ذاته "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم وتعلّموا مني، لأني وديعٌ ومتواضع القلب، فتجدوا راحةً لنفوسكم، لأنّ نيري هيّن وحملي خفيف" (متى 11: 28 ـ 29).
جاء يسوع ليخلّصنا متّخذاً طبعنا البشري ما عدا الخطيئة، متجرّداً من ذاته الإلهية، آخذاً صورة العبد، فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب، ليفتدي البشرية بأسرها، على ما قرأنا في رسالة القديس بولس رسول الأمم إلى مؤمني كنيسة فيلبي (2: 6 ـ 8). ففي يسوع، لا تتجلى القدرة الإلهية فقط، إنما المحبة الإلهية أيضاً. فكما أنه بدون القدرة الإلهية لما كان هناك وجود، فكذلك أيضاً لولا أعجوبة المحبة الإلهية لمَا نلنا الخلاص.
في مثل الفريسي والعشّار الذي ضربه الرب يسوع، نجد الفرق بين الثقة بالذات والثقة بالرب. فالفريسي يتغنّى بقواه الذاتية ويفتخر بأعماله، أما العشّار، فيتقرّب من الرب بتواضع وانسحاق قلب وتوبة صادقة سائلاً إياه الرحمة، واضعاً ملء ثقته ورجائه بربه الذي لا يهمل الانسان المتواضع ولا يتركه. لذا يمنح الرب يسوع العشّار نعمة التبرير، أما الفريسي فيرسله فارغ اليدين.
يضع القديس بولس التواضع إلى جنب الإيمان في قائمة ثمار الروح (غلاطية 5: 22 ـ 23)، فهاتان الفضيلتان مرتبطتان إحداهما بالأخرى، وكلاهما تعبّران عن الاستعداد للانفتاح نحو الله والخضوع الكلّي لنعمته وكلمته بثقة تامة ورجاء وطيد.
إنّ "كلمة الله" صار بشراً، ليقود الإنسان إلى أوج التواضع، الذي يقوم على خدمة الله من خلال خدمة البشر بمحبة وطواعية في سبيل مجد الله. والله لا يحلّ إلا في المتواضعين والودعاء، حسبما تعلّمنا طلبة (باعوث) مار يعقوب في الطقس الكنسي السرياني: "ܒܡܰܢ ܠܰܡ ܐܶܥܡܰܪ ܐܶܠܳܐ ܒܢܺܝ̈ܚܶܐ ܘܰܒܡܰܟܺܝ̈ܟ̣ܶܐ"، "بمن أحلّ إذاً إلا بالودعاء والمتواضعين".

أيها الأحباء
نتأمّل هذا الصباح منارتين أضاءتا سماء الكنيسة وأرضنا: المنارة الأولى لمعت قديماً في القرن الرابع، وبالتحديد في شخص القديس العظيم مار أفرام السرياني، ملفان الكنيسة الجامعة، الراهب الشماس، من روّاد الكتّاب والشعراء في المسيحية. ولفصاحة لسانه وبلاغة أدبه وطهارة سيرة حياته، لُقِّب بألقابٍ عدّة في الشرق والغرب، منها "كنّارة الروح القدس" و"شمس السريان".
أفرام، ابن نصيبين وتلميذ أسقفها الشهير مار يعقوب، لم يشأ أن يُرسَم كاهناً لشدّة تواضعه، بل مكث شماساً، أي خادماً بالقول والفعل حتى وفاته.
قام بتأسيس مدرسة لاهوتية في نصيبين، ذاع صيتها. ثم انتقل مرغَماً مهجَّراً إلى مدينة الرها حيث أسّس أيضاً مدرسة لاهوتية، وتوفّي هناك.
مارس أعمال الرحمة والمحبة، متفانياً في خدمة الفقراء والمرضى، وشارك الضعفاء والمهجَّرين والنازحين معاناتهم وآلامهم. وكم يذكّرنا حاضرنا وما يحدث اليوم في الجزيرة وسائر المناطق السورية بزمن هذا الشماس الوديع المتفاني.
برع القديس أفرام السرياني بتفسير الكتاب المقدس وعقائد الإيمان القويم، حيث أبدع أجمل ما كُتب في شرح وإيضاح المعاني الروحية لكلمة الله، حتى قيل: إذا فُقدَت نُسَحُ الكتاب المقدس كلُّها، لأمكن جمعُها من مؤلّفات مار أفرام. كتب جميع مؤلفاته باللغة السريانية، وتُرجمت إلى مختلف لغات العالم، وتُعدُّ من روائع الأدب المسيحي، وتمتاز بالرقة وبجمال التفكير والتعبير، وما زالت تُتلى حتى اليوم كجزءٍ من ليتورجيات الكنائس السريانية المختلفة. كتب الكثير في مدح السيدة العذراء، وأغنى المكتبة المسيحية بكتاباته المنظومة شعراً ونثراً، ميامر ومداريش.
أما المنارة الثانية، وهي تلك التي ملأت أجواء لبنان الحبيب بالبركة والوداعة، قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، الذي أضحى لنا المثال، مقدّماً للعالم كلّه أمثولةً عظيمةً عن أنّ الإيمانَ فعلُ حبٍّ كبير للمسيح وكنيسته، وفعلُ تسليمٍ مطلق لإرادة الله، وفعلُ تواضعٍ وتجرّدٍ عميق من الذات، وهو المتسامي فضيلةً وعلماً.  
إنّ الأب الأقدس، بإعلانه استقالته، بلغ الذروة في مفهوم المسؤولية وفي الشجاعة على ممارستها. فقد قال: "إنّ قراري ذو أهمية كبيرة لحياة الكنيسة... لأنّ إدارة سفينة القديس بطرس وإعلان الإنجيل يقتضيان حيويّة الجسد والروح. هذه القدرة تناقصت فيّ، في هذه الأيّام الأخيرة، بحيث أنّي أعتبر نفسي غيرَ قادرٍ على حُسن القيام بالخدمة التي أوكلت إليّ".
ويرتقي قداسته إلى ذروة التواضع في المسؤولية، إذ ينهي إعلانه هذا "بشكر الكرادلة على كلّ المحبة والعمل، وقد حملوا بهما معه ثقل خدمته، وبالتماس المغفرة عن كلّ نواقصه".

أيها الأحباء
تعيش منطقتنا الشرق أوسطية هذه الأيام حالةً من عدم الاستقرار والقلق، إذ تعاني دولٌ عدّة فيها من حروب وصراعات ونزاعات تهدّد وجودها ومستقبل مواطنيها.
إننا، ومن هذا المكان المقدس، نؤكّد شجبنا وإدانتنا لاستعمال العنف والسلاح بحجّة نشر الديمقراطية وأفكار الإصلاح. إنّ مفهوم الديمقراطية، أي ممارسة الشعب حقَّه في تنظيم حياته المدنية، يعني مسيرةً حضاريةً هدفها حياة الإنسان وليس موته. فلا سبيل لنشر الديمقراطية الحقّة إلا بالحوار، وانتهاج لغة العقل بالاحترام المتبادل والمساواة الحقة في المواطنة بين الجميع في البلد الواحد، بغضّ النظر عن العدد أو العرق أو الدين.
وهنا نتوجّه خصوصاً بأفكارنا إلى سوريا الجريحة، وقلوبنا تتفطّر حزناً على ما أصاب هذا البلد من خراب ودمار وعبث بمقدّراته، بعد أن شهد في العقد الأخير إنجازاً في التطوّر والحداثة. وها هو اليوم ينزف ويئنّ تحت وطأة نزاعٍ وحربٍ تودي يومياً بحياة العشرات من الأبرياء، هذا فضلاً عمّا تُلحقه من أضرارٍ فادحة باقتصاد البلاد ومؤسسات الدولة والمجتمع الأهلي.
      لا يسعنا إلا أن نجدّد تضامننا ومشاركتنا الصلاة الحارة من أجل جميع المواطنين في سوريا، وبخاصة أبنائنا وبناتنا في أبرشياتنا السريانية الأربع في دمشق وحمص وحلب والجزيرة، رعاةً روحيين وإكليروساً ومؤمنين. كما نهيب بجميع الأطراف المتنازعين، أن يحكّموا ضميرهم الأخلاقي وحسّهم الوطني، فلا يتأثّروا بأيّ ضغطٍ أو إملاء من أيّ جهةٍ أتى، بل يعتمدوا جميعاً لغة الحوار والتفاهم والمصالحة، نابذين لغة السلاح والعنف والتطرّف التي لن تؤدّي إلا إلى المزيد من القتل والدمار وتفتيت الوطن.          
      رحم الله الشهداء، ومنح الجرحى والمصابين نعمة الشفاء، وسكب على القلوب المفجوعة بلسم الصبر والعزاء.
      ولا ننسى أن نحيّي العائلات والأفراد الذين اضطرّوا إلى النزوح والهجرة وترك ديارهم وممتلكاتهم، ومنهم من التجأ إلى لبنان، ونحن نحاول مساعدتهم في تأمين الخدمات الأساسية لهم، ليعيشوا بكرامة خلال هذه الأزمة ـ المأساة التي يمرّون بها. وبكلّ أسى، نشهد أنّ هؤلاء النازحين السوريين ينضمّون إلى إخوتهم العراقيين، إذ أضحوا مهجَّرين بيننا، ونأمل أن يستقبل لبنان، هذا البلد المضياف، جميع اللاجئين إليه بصدرٍ رحب ومحبةٍ أخوية.
      ولا يغيب عن بالنا العراق، بلاد الرافدين، البلد الأمّ لعددٍ كبيرٍ من المواطنين المعذَّبين، الذي لا يزال يعاني ويتألّم، ونحثّ جميع مكوّناته على التعاضد وشبك الأيدي للنهوض به وإحلال الأمن والسلام في ربوعه. ونوجّه محبتنا وصلاتنا بشكلٍ خاص إلى أبناء أبرشياتنا هناك، ونشجّعهم على مواصلة الشهادة للرب في هذا البلد العزيز.
      أما لبنان، وطننا الحبيب، فهو لا يزال يعاني الآثارَ السلبيةَ للإنقساماتِ والتشنّجات، وسط ما يحيط به وما يتهدّده من أخطار، نتيجة حالة الغليان التي تعيشها المنطقة.
      ندعو جميع القيّمين على شؤون المواطنين إلى الحوار والتكاتف والتعاون لإيصال البلاد إلى برّ الأمان، فلا يلغي أحدٌ الآخر، بل يغلّب الكلّ المصلحة العامة على المصالح الخاصة، مخلصين الولاءَ للوطن دون سواه. فله وحده الانتماء، ولا هدف سوى تطوّرِه وازدهارِه ورقيِّ مواطنيه، سيّما على المستوى المعيشي الاقتصادي والاجتماعي. وننوّه إلى أنّ النظامَ اللبنانيَّ المتوافَقَ عليه من الجميع، والذي يؤمّن التوازنَ بين مختلف مكوّنات الوطن، هو الأنسبُ في المنطقة التي لم تصل بعد إلى تطبيق النظام المدني الذي يفصل بين الدين والدولة.
ولا بدّ لنا من التأكيد، كما فعلنا مراراً وتكراراً، بأننا نحن طائفة السريان الكاثوليك، طائفة مؤسِّسة من طوائف لبنان، بموجب القرار 60 ل ر الصادر في 13 آذار 1936. ومنذ الإستقلال، وحتى يومنا هذا، أي خلال سبعين سنةً، حُرم السريان الكاثوليك من أن يُمثَّلوا بنائبٍ أو وزير. بالإضافة إلى الغبن الكبير الذي لحق بهم في تبوُّء مركزٍ مسؤول في الإدارة اللبنانية، كما لم تُتَح لهم الفرصة للمشاركة في طاولات الحوار الوطني، كلّ هذا بحجّة أنّ طائفتنا هي واحدة من طوائف تمّ التعارف على تسميتها بـ "أقليات".
إنّ الدستور اللبناني ينصّ على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، نسبياً بين الطوائف. لذا، ليس من العدل أن نُسمّى أقليات. كما نشير إلى أنّ وجود السريان الكاثوليك قديم وعريق وأصيل ومتجذّر في لبنان، منذ نشأتهم وحتى يومنا هذا، وخير شاهدٍ على ذلك أنّ حضورنا فيه يعود إلى ثلاثة قرون، كما أنّ كرسينا البطريركي انتقل إليه منذ أكثر من مئتين وثلاثين عاماً. ولا حاجة إلى ذكر مشاهير السريان الكاثوليك الذين أغنوا الوطنَ بالعلم والفكر السياسي والدبلوماسية والاقتصاد والأعمال. فالطائفة السريانية الكاثوليكية تزخر بالطاقات، على مستوى الثقافة والقانون والاقتصاد والعلوم على أنواعها، وقد قدّمت للبنان ولا تزال تقدّم الغالي والنفيس، كما ضحّت من أجل وجوده وحريته بأرواح عددٍ وفيرٍ من أبنائها سفكوا دماءهم على مذبح الوطن.
اليوم، وفي غمرة النقاشات الدائرة بصورةٍ علنية حول اعتماد قانونٍ انتخابي يؤمّن صحّة التمثيل، من غير المقبول تجاهُل حقوق طائفة السريان الكاثوليك البتّة. أمّا القول بإعطاء مقعدٍ للسريان، فهذا مخالفٌ لأحكام الدستور اللبناني، إذ لا وجودَ لما يُسمّى "سريان" في النظام اللبناني، إنما هناك طائفتان: سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس.
ونحن إذ لا نبغي امتيازاً على غيرنا، نطالب بإنصافنا وإزالة الغبن اللاحق بنا، عبر منح طائفتنا السريانية الكاثوليكية مقعداً نيابياً حيث يتركّز أكبر تجمّع لأبنائها في بيروت، وتحديداً هنا في منطقة الأشرفية.
من هنا، نتوجّه بشكلٍ خاص إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، حامي الدستور، من خلال ممثّله بيننا معالي الوزير فريج صابونجيان، واضعين هذه الأمانة بين يديه:
نطالب بمنح السريان الكاثوليك حقَّهم بمقعد نيابي، ولنا ملء الثقة بأنّ فخامته، وهو المؤتمن على دستور البلاد، ومعه جميع المسؤولين في الحكومة والمجلس النيابي، لن يتأخّروا أبداً في إحقاق الحق.

ختاماً، لا يغيب عن بالنا في هذه المناسبة، أن نتوجّه بالمعايدة إلى أبنائنا وبناتنا في بلاد الشرق وعالم الانتشار في أوروبا وأميركا وأستراليا، شاكرين جميع الذين تعبوا في إعداد هذا الاحتفال وتنظيمه، وبخاصة الكهنة والشمامسة والمجلس الاستشاري والأخويات والحركات الشبابية والجوقة، خاصّين بالشكر كلّ الوسائل الإعلامية، سيّما تلفزيون تيلي لوميار ـ نورسات الذي ينقل وقائع القداس مباشرةً على الهواء.
نكرّر التهنئة للجميع، وبخاصة لكلّ من يحمل اسم أفرام، وليكن صومكم مقبولاً ببركة الثالوث الأقدس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.


21
الكلمة التابينية التي ألقاها المطران باسيليوس جرجس القس موسى
عن المطران  ميخائيل الجميل يوم دفنته في قره قوش في كنيسة الطاهرة
 يوم الأثنين 10/12/2012 

"صلاحا وتدبيرا وحكمة علمني" (مز 119: 66)
غبطة أبينا البطريرك مار أغناطيوس يوسف الثالث يونان الكلي الطوبى
أخوتي السادة الأساقفة الأجلاء
السادة الرسميون والأداريون والمسؤولون في الدولة والأحزاب والمنظمات
أخوتي الكهنة .. أخواتي الراهبات والرهبان
وأنتم جميعا أيها المؤمنون والمؤمنات وآل الجميل الأكارم وسائر أهل الفقيد وأصدقائه وتلامذته ومحبيه
                                                 *   
        في عزّ جريانه وعنفوانه كبا حصان الفارس المطران ميخائيل  الجميل كبوة حاسمة وهو في وسط الميدان يهلهل... وتوقفت فجأة تلك الحركة الدائبة، الغادية المقبلة، التي لم تعرف الكلل على مدى 48 عاما من الكهنوت والشهادة والعطاء الثر. في عام واحد تفقد كنيستنا السريانية وابرشية الموصل وبخديدا اثنين من أعلامها وأبنائها: المطران مار يوليوس ميخائيل الجميل، المعتمد البطريركي لدى الكرسي الرسولي والزائر الرسولي لسريان اوربا، والخوراسقف فرنسيس جحولا رئيس دير مار بهنام الشهيد.
    الذي أحبها حتى النخاع            وتستحق بخديدا أن يعود اليها ابنها البار
      وتغنى بلسانها وامثالها وتراثها ومثّلها حيثما كان بتألق، تستحق أن يعود اليها ليضمّ رأسه للمرة الأخيرة الى صدرها الحنون، وتضمه بحنان الأم الرؤوم اليها ليغذي ارثها ويثري عطاءها وغدها بما أعطى ولا يزال يعطي أبناؤها وبناتها، البارحة واليوم، من علم وفضيلة وفكر وطاقة خلاقة لمستقبل أفضل. ويستحق الفارس أن تستقبله جماهيرها، شيبها وشبابها وأطفالها، في شبه أوشعنا لا ينقطع من الهلاهل والتصفيق والترانيم. ومن البركة والشرف لبخديدا أن يتراس الموكب غبطة ابينا البطريرك، أبو آباء سينودس كنيستنا السريانية الأنطاكية، شخصيا، ولبخديدا مكانة متميزة في قلب غبطته. كما كان يكنّ للفقيد الغالي تقديرا خاصا لصفاته الشخصية وجدارته كعضو في السينودس العام وفي السينودس الدائم.
           يوم الخميس 29 تشرين الثاني المنصرم، وفي نحو الساعة الثانية ظهرا، صعقت جلطة دماغية فجائية حادّة المطران ميخائيل الجميل  وهو في مكتبه في الوكالة البطريركية بروما، فصرعته على أديم غرفة عمله فاقد الوعي، وأخذته غيبوبة لم يفق منها أبدا. ولحسن الحظ سمع جار مكتبه السيناتور الأيطالي صوت السقوط، وباب المكتب مفتوح، فهرع ليجد جسد المطران هاويا على وجهه، مضرجا بدمه. فما كان منه الا أن استدعى الأسعاف ونقله الى المستشفى الأقرب، مستشفى الروح القدس، ومن ثم نقل الى مستشفى الأخوة الرهبان في جزرة التيبر، غير بعيد عن كنيسة القديس بطرس. وهنا أجريت له كل الأسعافات الطبية اللازمة وبقيت الأجهزة والعلاجات الخاصة تقتصر على تنشيط التنفس والقلب وحدهما. ولم يفلح الأطباء الأخصائيون على مدى اربعة أيام في ايقاظ أية ومضة استجابة في الدماغ: هكذا رايته ظهر الأحد الماضي عندما أوفدني غبطة أبينا البطريرك الى روما على عجل، ووقفت عند راسه والطبيب يشرح لي أن لا بصيص أمل بشري سوى بأعجوبة ربانية. وتوقف القلب الكبير الشهم العارم دوما بالحيوية، توقف تماما عن الحركة في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الأثنين 3/12. وانتشر الخبر في أوساط روما، ابتداء من مجمع الكنائس الشرقية وراديو الفاتيكان، ومن روما الى العالم. وللفقيد أصدقاء ومعارف وعلاقات واسعة، رسمية وشخصية، لا في روما وحدها بل في لبنان والعراق وأقطار كثيرة من العالم. لا أنسى هذا الصوت الذي جاءني من بلد اوربي في موبايل الفقيد ذاته ونحن نرتب غرفته كيف أجهش في البكاء وقطع المكالمة اذ علم بالخبر المباغت. ولا هذا الصوت الذي كلمني بالأيطالية في الموبايل ذاته من مكتب دعاوى القديسين، حيث كان الفقيد قد عينه قداسة البابا مؤخرا عضوا فاعلا فيه، وهو يخبره بموعد اجتماع قادم للمكتب...وعندما أنبأته بما جرى: هل حقا ما تقول؟ وكيف حدث ذلك؟
      كيف حدث ذلك يا أخي ميخائيل؟ قل لنا كيف خمدت فجأة حيويتك العارمة وحركتك الدائمة وجلجلة ضحكتك الصاخبة ؟ كيف توقفت دون سابق انذار وبغتة عن كيل هذه التعليقات الحاذقة والدعابات الخفيفة المصحوبة بدندنة موسيقية أو مقطع من أغنية ذكية، مما كنت معتادا عليه لتلطيف الجو؟  ماذا تقول لأشقائك وشقيقاتك ولأبنائهم وبناتهم ولكل ذويك في البلدة المحبوبة، ولأحبابك ومعارفك الذين يملأون الدنيا وقد تركتهم على حين غرّة من دون سلام ولا وداع؟ كيف هان عليك أن تغلق ملفات مسوداتك والصور التراثية والتاريخية ومراجع التآليف القادمة المكدسة في غرفتك؟ اين سنجد ابتسامتك الدائمة التي كانت احدى علامات تفاؤلك المعدي وحرارة لقائك مما كان يضفي الفرح والبهجة في أي مجلس أنت فيه، ويفرج عن كرب كل من يأتيك مهموما في منفاه، أو طالبا عونك، او سائلا أن تدله على طبيب او مستشفى، أو لمجرد السلام عليك في مقرك الروماني ؟  هذا كنت في روما وهذا كنت في لبنان وهذا كنت في العراق وهذا كنت حيثما حللت ... ولم نلق أحدا ممن عرفك أو قصدك الا وأشاد بعنفوانك وسرعة بديهيتك وخفة دمك.  وأضيف الى هذا كله: بساطة عيشك وشبه نسكك في قلايتك في روما وأنت الحاضر في كل المحافل والدواووين والمناسبات. حتى أهل الحي والمطاعم في كامبو مارزيو بروما صرت جزءا لا يتجزا من مشهدهم، غير ناسين اذ كنت تقود في تلك الأزقة التراثية الضيقة فريقك المحبوب من الكهنة والطلبة الدراسين في المدينة الأبدية. وهل ينسى أحد صوتك الرخيم العذب الذي وظّفته لتمجيد الرب في الأحتفالات الليتورجية وترنيم المزامير والتخشفتات، بل أحيانا لطرب من يطرب؟
         ولد المثل الرحمة المطران يوليوس ميخائيل الجميل في بـلـدة قره قوش ( العراق)في 18  تشرين الثاني 1938. والده باكوس توفي قبل أن يتعرف عليه ميخائيل الصغير، ووالدته أمينة موشي كانت غاية في اللطف والطيبة. بعد المرحلة الأبتدائية اختار التوجه نحو الكهنوت فقصد دير مار بهنام في ك1 /11951، وبعد سنتين دخل معهد مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكان في الموصل. سيم كاهنا على يدي المثلث الرحمة المطران عمانوئيل بني في 7 حزيران 1964. وفي ايلول من السنة عينها انضم الى جماعة كهنة يسوع الملك وصار مسؤولا عاما لها لفترة.
   في آذار 1967 عين كاهنا لخدمة رعية الطاهرة الكاتدرائية بالموصل. والى جانب العمل الرعوي اضطلع القس ميخائيل بعدة أوجه للرسالة: التعليم في معهد مار يوحنا الحبيب، ارشاد الأخويات ومنها الأخوية المريمية التي صار مرشدها العام لفترة، التعليم المسيحي في المدارس الرسمية والمراكز الكنسية، مواعظ الرياضات الروحية للراهبات، زيارات منتظمة للمرضى في المستشفى الحكومي وللسجون من 1965-1972. خدم رعية سنجار من 1970- 1972 يقصدها الجمعة ويعود الأثنين. وفي 1971 كلفه الآباء الدومنيكيون بتسلم ادارة قسم الفلسفة واللاهوت لمعهد مار يوحنا الحبيب الكهنوتي في الموصل.
         في 1974 قصد الجامعة الكاثوليكية في تولوز بفرنسا للتخصص في الفلسفة وعلم النفس فنال شهادة الماجستر في الفلسفة. ثم نال لاحقا شهادة الدكتورا في القانون من جامعة اللاتران بروما سنة 1998عن أطروحته "الأحوال الشخصية لأهل الكتاب في الدولة الأسلامية"
         في ايلول 1977 تغيرت مسيرة القس ميخائيل اذ التحق للخدمة في أمانة سر البطريركية في بيروت الى جانب المثلث الرحمات البطريرك أنطون الثاني حايك. ومع ذلك استمر في عطائه بارشاد الكشاف السرياني اللبناني، وتدريس الدين المسيحي للصفوف الثانوية في مدرسة سيدة الرحمة، واعداد موعظة الأحد للكنائس السريانية لعموم لبنان. وفي 1979- 1986 عين مسجلا، ثم قاضيا في المحكمة الكنسية.
         في آب 1981 منحه البطريرك حايك درجة الخوراسقفية مع انعام لبس الصليب والخاتم. وفي 1984 أسس "مركز البحوث والدراسات السريانية" بهدف احياء التراث السرياني. وفي آب 1986 انتخب مطرانا معاونا بطريركيا، واقتبل الرسامة الأسقفية في 9 تشرين الثاني باسم "يوليوس رئيس اساقفة تكريت شرفا" ليكون أحد أكثر اساقفة السريان شبابا. وبين 1989- 1990عيّن نائبا عاما على الأبرشية البطريركية في لبنان. ومذذاك رشح لمناصب او عضوية هيئات او لجان كنسية عدة منها: لجنة العلاقات المسكونية ولجنة المدارس الكاثوليكية في لبنان؛ اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط؛ لجنة السينودس من أجل لبنان؛ ممثلا عن الكنيسة السريانية في منظمة برو اورينتي - فيينا.
         وجاء المنعطف الكبير الثالث في حياة المطران ميخائيل عندما عينه السينودس سنة 1997 معتمدا بطريركيا لدى الكرسي الرسولي، وفي نيسان 2002 عينه البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني زائرا رسوليا لسريان أوربا. وقبل أسابيع عدة فقط من وفاته كان قد عينه البابا بندكتس السادس عشر عضوا في مكتب تطويب القديسين، سيما وأن بطريركيتنا قد رفعت الى الكرسي الرسولي دعوى تطويب الشهيد المطران فلابيانس ميخائيل ملكي الذي استشهد في الحرب العالمية الأولى سنة 1915.
         النشاط العلمي والثقافي الذي زاوله فقيدنا ليس بأقل أهمية من المواقع الكنسية والأدارية التي اضطلع فيها. فقد نشر مجموعة من الكتب والأبحاث، منها:
1.   كتاب تاريخ وسير كهنة السريان الكاثوليك من 1750- 1985
2.   صلوات الفرض السرياني لأيام الأسبوع البسيطة
3.   السلاسل التاريخية للمطارنة السريان الكاثوليك من 1900- 2003
4.   الأحوال الشخصية لأهل الكتاب في الدولة الأسلامية
وله كتب أخرى جاهزة للطبع أو ملفات جاهزة لمؤلفات جديدة.
ولأنشطته المتعددة الوجوه، وعلاقاته الواسعة وعلى أرفع المستويات، فقد أنعم عليه بعدة أوسمة، من ايطاليا وفرنسا والنمسا ولبنان.   
            لقد عشنا سوية منذ سنواتنا الأولى في المعهد الكهنوتي ثم في نطاق الحياة المشتركة لكهنة يسوع الملك في الموصل، وكنت وبقيت قريبا جدا منه، اضافة الى كوننا أبناء قرية واحدة، وانطباعي عنه في الأكليركية: تلميذ مرح، مجدّ، نظامي، وطائع، ذو صوت رخيم، ومعشره مريح ودمث. وفي الكهنوت: كاهن غيور، روحاني، سعيد، وممتلىء حيوية ونشاطا، لا يمسك نفسه عن أية خدمة يستطيع اداءها. وفي الأسقفية: رجل تحرر من حدود القولبة الى اثبات الذات، رجل علاقات واسعة وتواصل وأمانة في الصداقة، مشتغل كبير يعرف أن يسجن نفسه لساعات للفكر والكتابة، الى جانب قدرة للتاقلم والأختلاط وزرع المرح، فلا يمر طيفه بأحد دون أن يترك عبيرا منعشا ورغبة لتكرار لقائه. اليس في هذا كله شيء مما ابتغاه فقيدنا الغالي عندما اختار شعارا كهنوتيا له هذا المزمور: "صلاحا وتدبيرا وحكمة علّمني" ؟.
   فاذهب بسلام يا أخا عزيزا طالما صلينا وتأملنا معا، ضحكنا وتألمنا، تسامرنا ونظرنا الى الحاضر والمستقبل سوية! "اذهب يا أخانا في طريقك ولا تحزن، فاذا فصلك الموت عنا، فالحنّان الذي اقتادك من بيننا، هو يسعدك في النور مع الأبرار، وفمك الذي صمت الان عن الخدمة، لن يهدأ من بعد بتسبحة الملائكة، ورجلاك اللتان كفّتا عن ارتياد المذابح، ستطوفان مع الصدّيقين أمام الرب"(صلاة الدفنة).
   وأسمعك تجيبنا بنغمات صوتك الشجي، وبكل الرجاء الذي سكن قلبك: "امضوا بسلام يا أخوتي وأحبائي، ها قد دنت ساعة الفراق، فلا تنسوا ذكري من محبتكم. واذا تغربت عن صفوفكم، التمس منكم يا أحبائي أن تصلوا من أجلي. امضوا بسلام يا بني رتبتي"(الدفنة).
         ان المطران ميخائيل الجميل ثروة كنسية وشخصية وعراقية ذات حضور متميز ومتعدد الآفاق والثراء في المجتمع وفي العالم الثقافي والفكري والكنسي، وبفقدانه خسارة فادحة لكنيستنا السريانية ولأبرشيتنا ولبخديدا. فالى أبي كنيستنا السريانية الحاضر معنا هنا، غبطة ابينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، والى الأبرشية الموصلية العزيزة المتمثلة براعيها الجليل المطران يوحنا بطرس موشي، والى بخديدا البلدة الحبيبة ومهد طفولة الفقيد الغالي ومرجع اعتزازه الدائم، والى كنيسة العراق بكل طوائفها وأحبارها، فالمطران ميخائيل الجميل كان ابن كنيسة العراق جمعاء، نرفع المواساة والتعزية. ولكم أنتم يا اخوته عبدالله وجميل، وأخواته امامة وحنة وسائر آل الجميل وآل القس توما وموشي وكل أصدقاء الفقيد ومحبيه حيثما أنتم،  صلاتنا وتضامننا في الألم وتعزياتنا برجاء القيامة الذي رقد عليه حبيبكم وحبيبنا جميعا. باسم الأب والأبن والروح القدس آمين.   
 

               
               
           
         
 



   

23
خلال ترؤسه رتبة دفن شقيقته المرحومة تيريز في الحسكة ـ سوريا
البطريرك يونان: نصلّي من أجل سوريا قوية ومنيعة وآمنة بالحوار والتآخي والمحبة

سأل غبطة أبينا البطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان بطريرك السريان الأنطاكي الكلي الطوبى اللهَ أن يتغمّد شهداء سوريا جميعاً بفيض مراحمه، داعياً أبناء هذا الوطن إلى التعاون لما فيه خيره وقوته ومنعته وازدهاره. وحيّا القيّمين عليه وفي مقدّمتهم سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد.
وكان غبطته قد غادر مقر كرسيه البطريركي في بيروت بعد ظهر يوم الأحد 29/1/2012، إثر عودته من زيارة رسولية إلى كيرالا ـ الهند, وتوجّه إلى مدينة الحسكة في سوريا لترؤس رتبة دفن شقيقته المرحومة تيريز زوجة السيد سمير مهران عيسى والتي توفّيت يوم السبت 28/1/2012 بعد صراع طويل مع المرض، يرافقه سيادة المطران مار رابولا أنطوان بيلوني والشماس حبيب مراد أمين السر. فمرّوا بدمشق حيث استقبلهم سيادة المطران مار غريغوريوس الياس طبي رئيس أساقفة دمشق في دار المطرانية، ومن هناك انتقل غبطته ومرافقاه إلى مطار دمشق ليستقلّوا الطائرة ليلاً إلى القامشلي، فالحسكة.
وفي صباح اليوم التالي، الإثنين 30/1، انضمَّ إليهم قادماً من لبنان الأب أفرام سمعان أمين سر البطريركية وبعض الأخوات الراهبات الأفراميات. وبعد القداس الإلهي الصباحي في كابيلا دير مار بهنام ـ بيت المحبة للراهبات الأفراميات في الحسكة، أدّى غبطته ومرافقوه مع العائلة الصلاة أمام جثمان شقيقته المسجّى داخل الكاتدرائية.
وعند الثانية والنصف بعد الظهر، ترأس غبطته رتبة دفن شقيقته المرحومة تيريز، في كاتدرائية سيدة الانتقال للسريان الكاثوليك في الحسكة، يعاونه سيادة المطران أنطوان بيلوني، وحضرة المونسنيور حنا قواق ممثلاً سيادة مطران أبرشية الحسكة ونصيبين مار يعقوب بهنان هندو الموجود خارج البلاد في زيارة خاصة لإجراء بعض الفحوصات الطبية في الهند.
كما شارك في الرتبة نيافة المطران مار ديونوسيوس بهنام ججاوي ممثلاً نيافة مطران الجزيرة والفرات للسريان الأرثوذكس مار أوسطاثيوس متى روهم, وكهنة وشمامسة أبرشية الحسكة ونصيبين، وعدد من الكهنة من مختلف الكنائس الشقيقة في الجزيرة, بحضور حشود غفيرة من الأهل والأصدقاء وأبناء المنطقة.
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى غبطته كلمة روحية شدَّد فيها على أهميّة الرجاء في حياة المؤمنين بالرب يسوع, إله الرجاء والتعزية، "فلا نحزن على الراقدين كالذين لا رجاء لهم, إنّما نتعزّى بكلام الرب الذي وعد مختاريه بالسعادة وميراث الملكوت السماوي".
ثمّ عدَّد غبطته المزايا والخصال التي تحلّت بها شقيقته المرحومة تيريز صاحبة الأيادي البيض في التعليم في مدارس الحسكة, بمثالها الصالح وقدوتها ومحبتها لزوجها وعائلتها وطلابها.
بعد ذلك تطرّق غبطته إلى ما يجري حالياً على أرض سوريا الحبيبة، سائلاً الله "أن يرحم شهداء الوطن جميعاً ويملأ قلوب أبنائه بالرجاء والمحبة, فيتكاتفوا ويتعاونوا في سبيل رقيّ بلدهم، ليعودَ إلى قوته ومنعته وازدهاره، وينعمَ الجميع بالسلام والأمان والطمأنينة". وحثّ غبطته المواطنين كافةً على "الحوار والتآخي وشبك الأيدي, فيتعاضد ذوو الإرادة الصالحة لما فيه خير الوطن"، داعياً لهم بالتوفيق، وفي طليعتهم سيادة رئيس البلاد الدكتور بشار الأسد.
وبعد انتهاء الرتبة، تقبَّل غبطته تعازي الحضور، يحيط به الوفد المرافق وأفراد عائلته. ثمّ انتقل إلى صالة الكاتدرائية حيث قَدِمَ عددٌ كبير من المؤمنين للتبارك من غبطته وتقديم التعازي حتى المساء.
هذا وسيتابع غبطته زيارته الخاصة إلى الحسكة حتى عودته إلى بيروت ظهر يوم الأربعاء 1 شباط.


24



ܐܓܪܬܐ ܕܥܐܕܐ ܕܡܘܠܕܗ ܕܡܪܢ ܝܫܘܥ ܡܫܝܚܐ ܕܒܒܣܪ
ܫܢܬ ܒ̱ܝܐ
رسالة عيد ميلاد ربنا يسوع المسيح بالجسد
عام 2011


ܒܫܡ ܐܝܬܝܐ ܡܬܘܡܝܐ ܐܠܨܝ ܐܝܬܘܬܐ ܐܚܝܕ ܟܠ
ܐܝܓܢܐܛܝܘܣ ܝܘܣܦ ܬܠܝܬܝܐ ܕܒܝܬ ܝܘܢܐܢ
ܕܒܪ̈ܚܡܘܗܝ ܕܐܠܗܐ
ܦܛܪܝܪܟܐ ܕܟܘܪܣܝܐ ܫܠܝܚܝܐ ܕܐܢܛܝܘܟܝܐ ܕܣܘܪ̈ܝܝܐ

باسم الأزلي السرمدي الواجب الوجود الضابط الكل
اغناطيوس يوسف الثالث يونان
بمراحم الله
بطريرك الكرسي الرسولي الأنطاكي للسريان

إلى إخوتنا الأجلاء رؤساء الأساقفة والأساقفة الجزيلي الاحترام
وأولادنا الخوارنة والكهنة والراهبات والرهبان والشمامسة الأفاضل
وجميع أبنائنا وبناتنا المؤمنين المباركين بالرب
   نهديكم البركة الرسولية والنعمة والمحبة والسلام بمخلّصنا يسوع المسيح
"فلمّا تمّ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة،
ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، فنحظى بالتبني" (غلا 4: 4 ـ 5)

   في ملء الزمان، أضحت البشرية على استعدادٍ لتقبّل البادرة الإلهية الفريدة، فانحنى الله بعظيم رحمته على خليقته، وارتضى أن يتأنّس كلمته الأزلي من مريم العذراء بقوة الروح القدس. لقد بلغت محبة الله للإنسان أنه أرسل ابنه الوحيد ليخلّص العالم المتخبّط والمثقل بالخطايا، والمتبرّر بشرائع تثنيه عن جوهر العلاقة الحبية بخالقه. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول بقوله: "فلمّا تمّ ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة، ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، فنحظى بالتبني" (غلا 4: 4 ـ 5).
   اتخذ كلمة الله، "الإله من الإله، والنور من النور"، طبيعتنا البشرية بفعل تواضعٍ عجيب. "الخالق صار خليقة، الذي لا نهاية له وُسع في أحشاء البتول"، كما يعلّمنا ملافنتنا السريان، متأمّلين بإعلان الرسول يوحنا الحبيب في مستهلّ إنجيله: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، والكلمة هو الله ... والكلمة صار بشراً فسكن بيننا" (يو 1 : 1 و14).
   قد يتساءل البعض عن دقة التوقيت لتأنّس كلمة الله، معجزة المعجزات، الذي غيّر العالم كلّه وحوّل مجرى التاريخ البشري المعروف إلى: قبل الميلاد وبعد الميلاد. هذا التوقيت هو ما أطلق عليه الرسول بولس في رسالته إلى المؤمنين في غلاطية "ملء الزمان"، فميلاد يسوع المسيح لم يكن صدفةً، لا من حيث الزمان أو المكان أو حتى طبيعة البشر وأحوالهم، لأنّ عند الله "لكل أمرٍ أوان، ولكل غرضٍ تحت السماء وقت" (جامعة 3: 1).
   وها نحن نرى دقة اختيار التوقيت الإلهي لميلاد المخلّص وإتمام نبوءات العهد القديم فيه، بدءاً من البشارة إلى زكريا الكاهن بولادة يوحنا المعمدان الذي سيُعدّ الطريق أمام السيد المسيح، كما تنبّأ عنه أشعيا النبي بقوله: "صوت منادٍ في البرية: أعدّوا طريق الرب، واجعلوا سبل إلهنا في الصحراء قويمة" (أش40: 3). وتلتها بشارة الملاك إلى العذراء مريم، ليتمّ ما قيل بالنبي أشعيا عينه: "فلذلك يؤتيكم السيدُ نفسُه آيةً: ها إنّ الصبية تحمل فتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل" (أش 7: 14). ثم نرى الملاك يطمئن يوسف خطيب العذراء، "يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك، فإنّ الذي كُوِّن فيها هو من الروح القدس، وستلد ابناً فسمِّهِ يسوع، لأنه هو الذي يخلّص شعبه من خطاياهم" (مت 1: 20 ـ21).
    لقد شاء الله منذ البدء أن يولد في بيت لحم أفراتة ليخلّص البشرية بأسرها، لذلك سخّر أوغسطس قيصر ليصدر أمراً لإحصاء الشعوب الخاضعة لسلطة الدولة الرومانية، مجرياً الاكتتاب بحسب التقليد المتّبع، وهو أن يذهب كل شخص إلى مدينة آبائه ليكتتب فيها، مدوّناً اسمه في سجلات الدولة. فصعد يوسف مع مريم إلى بيت لحم، كونهما من تلك المدينة، مدينة داود، كما تنبّأ ميخا النبي: "وأنتِ يا بيت لحم أفراتة، إنك أصغر عشائر يهوذا، ولكن منكِ يخرج لي من يكون متسلّطاً على إسرائيل، وأصوله منذ القديم، منذ أيام الأزل" (ميخا 5: 1). وهناك حان الزمان المحدّد من الله، وإذ أُوصدت الأبواب بوجهيهما، نراهما يلتجئان إلى مكانٍ وضيعٍ حيث "ولدت مريم ابنها البكر، وقمّطته وأضجعته في مذود لأنه لم يكن لهما موضعٌ في المنزل" (لو 2: 7).
   أجل، في ملء الزمان وُلد كلمة الإله من عذراء، وُلد تحت حكم الناموس، ليفتدي الذين هم في حكم الناموس، ويمنحنا نعمة البنوّة الإلهية. سُجّل اسمه في سجلات المملكة كسائر البشر، ودخل التاريخ، وأعلن للملأ وعلى رؤوس الأشهاد حقيقة تجسّده "إلهاً تاماً وإنساناً تاماً". فقد جاء المسيح الموعود به من نسل داود، وشرّع ميلاده عهد النعمة والرحمة والحق، وفوق هذه كلها عهد شريعة المحبة التي تبذل دون حدود أو شروط، "فإنّ الله أحبّ العالم حتى إنه جادَ بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16). 
   في الميلاد هتفت الملائكة مبشّرةً رعاة بيت لحم المتناوبين على حراسة قطعانهم في الليل أنه "وُلد لكم اليوم مخلّصٌ في مدينة داود وهو المسيح الرب" (لو 2: 11)، وأردفت مترنّمةً بالأنشودة الميلادية: "المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، والرجاء الصالح لبني البشر" (لو2: 14). واهتدى حكماء المشرق بالنجم إلى المولود الإلهي، فقرّبوا له هداياهم ذهباً ولباناً ومراً.
   وُلد المسيح متواضعاً، مخلياً ذاته، واشترك معنا في كل شيء ما عدا الخطيئة، ليمنحنا نعمة التبني للآب السماوي، "أما الذين قبلوه وهم الذين يؤمنون باسمه، فقد مكّنهم أن يصيروا أبناء الله، فهم الذين لا من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل بل من الله وُلدوا" (يو 1: 12ـ13). وكما سُجّل اسم يسوع في سجلات المملكة على الأرض، كذلك سُجّلت أسماؤنا في سجلات ملكوته السماوي وميراثه الأبدي. فالرب يسوع بشّر تلاميذه بذلك بقوله لهم "بل افرحوا بأنّ أسماءكم مكتوبةٌ في السموات" (لو 10: 20). ويتغنّى أحد ابتهالات الفرض السرياني بهذه الشركة المتبادلة، بل هذا الاتحاد بين الله والإنسان بقوله: "أخذ ممّا لنا وأعطانا ممّا له، والكنيسة التي قبلته تترنّم بمجده ليل نهار".
   وفي تأمّلاتٍ مدهشة بسرّ ميلاد الإله الكلمة، يحلّق مار يعقوب السروجي (+521 م) في سماء الروح، واصفاً في إحدى مواعظه المولود الإلهي بعباراتٍ تدلّ على تواضعه الذي لا يوصف، إذ وهو الإله الملتحف بالمجد والمتسربل العظمة يأتي إلى الأرض وديعاً متواضعاً، فيقول: "ܬܶܕܡܘܪܬܐ ܚܕܰܬܐ: ܡܳܪܶܐ ܫܡܰܝܐ ܒܰܡܥܰܪܬܐ، ܢܘܪܐ ܒܥܰܙܪܘܪ̈ܐ، ܓܰܘܙܰܠܬܐ ܕܡܶܬܚܰܒܒܐ ܥܰܠ ܚܰܕܝܐ، ܛܥܝܢ ܠܰܟܪ̈ܘܒܐ ܕܰܫܩܝܠܝܢ ܠܗ ܕܪ̈ܳܥܐ، ܡܳܪܗ̇ ܕܡܰܪܟܰܒܬܐ ܕܰܡܙܰܝܚܐ ܠܗ ܛܠܝܬܐ". وترجمتها: "إنها لأعجوبةٌ جديدةٌ أن نرى رب السماء في المغارة، فها النار حالّةٌ في المذود، اللهيب المتّقد يضمّه الصدر، حامل الكاروبيم يحمله الذراعان، سيد المركبة تزيّحه الصبية".
   إنّ المولود الإلهي لهو مثالنا الأسمى، به نقتدي ونحن نقوم اليوم بخدمتنا في الرعاية والتدبير، بطريركاً ورؤساء أساقفة وأساقفة وخوارنة وكهنة، إذ دُعينا لنبني كنيسته المقدسة التي اقتناها بدمه وهي جسده السرّي. فنسير على خطاه في خدمتنا لشعب الله بروح الصدق والتجرّد والتضحية وبذل الذات، حتى نضحي تلاميذ حقيقيين للمعلّم الصالح الذي "تجرّد من ذاته متّخذاً صورة العبد، وصار على مثال البشر ... فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب" (في 2: 7 ـ 8).
   هكذا تزهو الكنيسة وتنتعش الأبرشيات والرعايا والإرساليات والرهبانيات والإكليريكيات، ويزداد تعلّق المؤمنين برعاتهم الروحيين الذين يبذلون ذواتهم عن الرعية. فنحيا جميعاً الشهادة لإيماننا بأعمق معانيها، عملاً بوصية الرب يسوع القائل في موعظته على الجبل: "هكذا فليضىء نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجّدوا أباكم الذي في السموات" (مت 5: 16). 
   إنّ ميلاد الرب بالجسد في نظرنا نحن المؤمنين بسرّ محبة الله، هو السرّ العجيب والأعظم في تاريخ البشرية، فيه زال الخوف الذي خيّم على علاقة الخليقة بباريها، ونُقض سياج العداوة بين الله والإنسان، وتمّت المصالحة بين السماء والأرض. فالمسيح المولود في بيت لحم هو مسيح العالم كلّه، لا فرق بين أمّة وأخرى، ولا بين رجل وامرأة، عجوز وطفل، غني وفقير، كبير وصغير، فالمسيح هو "الكلّ في الكلّ" (كو 3: 11). هو للكلّ على اختلاف أجناسهم وحضاراتهم وطبقاتهم الاجتماعية ومذاهبهم الدينية، لأنه جاء ليزيل الحواجز ويحطّم الأنانية والعنصرية والتعصّب، وينشر البهجة في قلوب الناس والأمل في نفوسهم، ويمنح الراحة والسلام لضمائرهم. وهكذا يقدّم له المؤمنون باسمه قلوبهم نقيةً طاهرة، معترفةً به ملكاً أبدياً للحبّ والسلام.
   أيها الأحباء
   يطلّ علينا عيد الميلاد المجيد هذا العام وشرقنا الغالي يعاني من غليانٍ وتخبُّطٍ في المجهول، ويشهد نزاعاتٍ وصراعاتٍ داخليةً وإقليمية، إلا أننا على يقينٍ بأنّ بشرى الرجاء والأمل التي يحملها لنا مولود بيت لحم ستظلّ مشعّةً فيه، فتتلاقى شعوبه على تنوّع أديانها وخلفياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية في الألفة والإخاء بروح الحوار وقبول الآخر. ورجاؤنا أن تتضافر الجهود في بناء المجتمعات المدنية التي تجمع ولا تفرّق، والتي تساوي ولا تميّز. فالديمقراطية الحقّة تستمدّ شرعيتها من الروح التوافقية بين جميع فئات الوطن، وهي ليست مرهونة بأكثرية ساحقة إزاء أقليات مهمَّشة.
   وهنا نتوجّه على وجه الخصوص إلى أبنائنا وبناتنا في العراق الجريح الذي طالت محنته وقدّم الشهداء والشهيدات الذين نفتخر بهم. إننا ندعو أن يتلاقى المسؤولون فيه ويتعاونوا بغية تحقيق الخير العام للجميع، كما نحثّ المواطنين على التسامح والغفران، فتتصافى القلوب والنيات، وتتشابك الأيادي في ورشة بناء وطنهم واستقراره، بعيداً عن منطق إلغاء الآخر، سيّما المسيحيين الذين هم مكوّنٌ أصيلٌ في نسيج بلاد الرافدين منذ أقدم العصور، وهم لا يرضون بديلاً عن وطنهم أبداً.
   وتتّجه أنظارنا اليوم إلى سوريا الحبيبة، التي تمرّ منذ أشهرٍ بمحنةٍ لم تشهد لها مثيلاً في الماضي القريب. إننا نتألّم مع ذوي الضمائر الحية لما يجري على أقسامٍ من أراضيها من هيجانٍ مخيفٍ وأعمال عنفٍ تطال العديد من الأبرياء والمستضعَفين. وإذ نطلب الرحمة للضحايا التي سقطت والتعزية للعائلات والأفراد المفجوعين بعزيز، نناشد الجميع أن يبتعدوا عن العنف بكل أشكاله، ويعودوا إلى أصالتهم الوطنية، ويحقّقوا الإصلاحات المنشودة، متوخّين حلّ الخلافات بطرق السلم الحضارية التي تؤمن بكرامة المواطنين وحريتهم والمساواة بينهم، وتحافظ على دور وطنهم الطليعي في وجه كل إغراءٍ وتدخُّل. كما نصلي مع جميع المؤمنين ومحبي هذا البلد حتى تستعيد سوريا حالة الطمأنينة والازدهار في وحدة جميع المواطنين فيها.
   أما لبنان، هذا الوطن الغالي على قلوبنا جميعاً، فإننا نجدّد الدعوة لأبنائه وبناته كافةً، مسيحيين ومسلمين، على تنوّع انتماءاتهم السياسية والاجتماعية، إلى التكاتف والتعاضد لما فيه خير هذا البلد الحبيب. ومع جميع الرعاة الروحيين، نحثّهم بقلبٍ أبوي كي يحافظوا على شهادة الوحدة في التنوّع والغنى في التعدّدية، فيعود لبنان مركزاً للإشعاع و"رسالة الشرق للعالم".
   وبروح المسؤولية، نطلب من جميع القيّمين على الشؤون العامة فيه أن يعوا ويدركوا أنهم مدعوون لخدمة المواطنين بتجرّدٍ وأمانةٍ ونزاهة، وأنّ عليهم أن يحكّموا ضميرهم الوطني مغلّبين المصلحة العامة على كل مصلحة شخصية، سيّما ونحن نشهد الأزمات المعيشية التي تكاد تصبح خانقةً لغالبية فئات المجتمع وبخاصةٍ للشباب، فيؤمّنوا العيش الكريم واللائق للجميع، ممّا يعزّز الثقة بالوطن.
   وهنا لا بدّ لنا من التأكيد على أنّنا نحن السريان كنّا وما زلنا وسنبقى مكوّناً مؤسّساً وعاملاً وفاعلاً في هذا الوطن، فقد قدّمنا الشهداء الكُثُر قرابين تضحيةٍ في سبيل لبناننا الحبيب، وساهم عددٌ من مفكّرينا في إغناء ثقافته. ومن هنا نعلي الصوت بوجوب إحقاق الحق وتأمين التمثيل العادل لنا بما يتوافق مع تاريخنا وحضورنا، عملاً بمبدأ المساواة بين كل المواطنين.   
ولا يفوتنا أن نوجّه أنظارنا وقلوبنا بشكلٍ خاص إلى أبرشياتنا ورعايانا وإرسالياتنا وجميع أبنائنا وبناتنا في بلدان الانتشار، مجدّدين محبتنا الأبوية لهم، ومؤكّدين أنهم دائماً في صلاتنا. إننا نشجّعهم على التمسّك بالشهادة لإيمانهم بالرب يسوع المخلّص، والتعلّق بكنيستهم السريانية الأنطاكية والأمانة لتراثها العريق، والحفاظ على تجذّرهم ببلادهم الأمّ في الشرق، مع الإخلاص التام والمحبة الكاملة لأوطانهم الجديدة، وأن يوثّقوا رباط الوحدة بين بعضهم البعض، رعاةً ومؤمنين.
   أيها المبارَكون
   اليوم، وإذ نسير معكم في حجٍّ روحي للقاء المخلّص في بيت لحم، لا بدّ لنا من عيش التلمذة للطفل الإلهي، فنتعلّم رسالته السامية ونحملها زوّادةً لحياتنا. وهل من وسيلةٍ أنجع من أن نبادل المخلّص حباً بحبّ، وأن نعيش المحبة الصادقة نحو الجميع، بدءاً من أقرب المقرّبين إلينا في عائلاتنا، وصولاً إلى من لا يشاركنا إيماننا وقناعتنا، فالمحبة هي الينبوع الصافي الذي منه نرتشف كل فضيلةٍ وطهرٍ ونقاوة. كما نتمثّل بالتواضع العظيم الذي نهجه لنا يسوع بميلاده، فرفعَنا إليه، وقد افتقر وهو الغني ليغني فقرنا.
   فلنفرحنّ إذاً بميلاد مخلّصنا في هذا اليوم المبارك وفي كل يوم، ولا ندع العالم ومغرياته ومنغّصاته تشغلنا عن الفرح الروحي بالمسيح يسوع ربنا. ومهما اشتدّت العواصف والرياح من حولنا، فلا ندع الخوف ينال منّا، ولا تقلق قلوبنا، لأنّ الرب شدّد عزائمنا ووعدنا قائلاً: "ثقوا، أنا هو، لا تخافوا" (مت 14: 27)، ووعوده صادقةٌ لا تقبل أيّ شك.
   في هذا العيد المبارك، يطيب لنا أن نهنّئكم جميعاً، سائلين الطفل الإلهي مولود المغارة أن يجعلنا نحيا التزامنا المسيحي بأمانةٍ وتجرّدٍ وإخلاص، فنكون أبناءً وبناتٍ حقيقيين له، ليس بالاسم فقط، بل بالروح والحق، على حدّ قول القديس الشهيد اغناطيوس النوراني ثالث بطاركة أنطاكية (+107م): "صلاتي إلى الله، لا أن أُدعى مسيحياً فحسب، بل أن أكون بالفعل مسيحياً".   
   نعايدكم بأطيب التمنيات لعامٍ جديدٍ يفيض بالنعم والخيرات والبركات، ونختم بالتهنئة الميلادية:
ܡܫܝܚܐ ܐܶܬܝܠܶܕ ... ܗܰܠܠܘܝܰܗ                              وُلد المسيح ... هللويا

صدر عن كرسينا البطريركي في بيروت ـ لبنان
في اليوم العشرين من شهر كانون الأول عام 2011،
وهي السنة الثالثة لبطريركيتنا

25
رسالة عيد القيامة 2011
"ليس هو ههنا، لكنه قام كما قال ... ونحن شهودٌ على ذلك"

           إلى إخوتنا رؤساء الأساقفة والأساقفة الأجلاء
   والآباء الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة الأفاضل
   وأحبائنا المؤمنين أبناء شعب الله وبناته المباركين

   نهديكم البركة الرسولية والنعمة والمحبة والسلام باسم ربنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات، منتصراً على الخطيئة وعلى الموت ثمرتها، مصالحاً البشرية مع الله خالقها، ومبشّراً الخليقة جمعاء بالسلام والخلاص.
   في هذه الأيام المباركة، يحتفل العالم المسيحي بأسره في مشارق الأرض ومغاربها بفرح عيد القيامة سويةً، فصح العهد الجديد، الذي يقيم ذكراه الخلاصية المسيحيون حيثما وُجدوا، رافعين آيات الشكر للآب السماوي، إذ أنعم عليهم بعيدٍ مشتركٍ للسنة الثانية على التوالي.
   يخبرنا الإنجيل المقدس بأنّه في فجر يوم الأحد، وهو أول الأسبوع، أشرق نور قيامة المسيح الفادي من بين الأموات، وتبدّدت ظلمة الموت. فالصخرة الكبيرة التي دُحرجت ما زالت على باب القبر، والأكفان والمنديل الذي كان على رأسه داخل القبر وُجدت كلّها ملفوفة ومرتّبة، ولكنّ القبر كان فارغاً من جسد الرب! لذلك قال الملاك للنسوة: "أنتنّ تطلبنَ يسوع الناصري المصلوب، إنه قام وليس ههنا، وهذا هو المكان الذي كانوا قد وضعوه فيه" (مر 16: 6). لقد قام المسيح من القبر كما قال ووعد، مجلَّلاً بالنور والبهاء والمجد والكرامة!
   ولأنّ إيماننا مؤسَّسٌ على شخصٍ وليس على مجرّد مبادىء أو إيديولوجيات أو عقائد نظرية، فصحّته مرتبطةٌ بشكلٍ وثيق بقيامة الرب التي أضحت الحجر الأساس لهذا الإيمان، حسب تأكيد مار بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: "وإن كان المسيح لم يقم، فتبشيرنا باطل وإيمانكم أيضاً باطل" (1 كور 15: 14). وهكذا انطلق التلاميذ يجاهرون بالبشرى السارة، قيامة الفادي، بقوّة الروح، وختموا شهاداتهم بدمائهم، ورجاؤهم الأوحد أن يتّحدوا بالرب معلّمهم الإلهي إلى الأبد.  
   قيامة الرب يسوع إذن، هي إثباتٌ للاهوته وصدق رسالته، بل هي أهمّ حدثٍ نؤمن به، إذ يوثق علاقتنا مع الكلمة الإلهي المتجسّد والفادي. فلو تمكّنت الهاوية من الإحتفاظ بجسد فادينا الطاهر مدفوناً في القبر، ولو استطاع الموت إبقاءه تحت سلطانه، لزالت المسيحية واندثرت. لكنّ المسيح أبطل الموت بموته وقيامته، ودكّ أركان الهاوية بنزوله إليها، ومنح العالم حياةً جديدةً منفتحةً على الأبدية، عاقداً عهد الحرية "والسلام للقريبين كما للبعيدين" (من رتبة السلام، عيد القيامة).
   لقد تنبّأ الفادي عن سرّ آلامه وموته وقيامته خلال حياته العلنية، وكشف ذاته لخاصته: إنه والآب واحد، وهو "القيامة والحياة" (يو 11: 25)، وهو "الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6). ومثّل سرّ موته وقيامته أيضاً بالحدث المعجزة الذي جاء في سفر يونان النبي الذي كان في جوف الحوت ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ، إذ مكث المسيح في القبر إلى أن خرج منه ظافراً في اليوم الثالث (مت 12: 40).
   وفي طقسنا السرياني ابتهالٌ لمار شمعون الفخّاري (+514 م)، ننشده على لحن ܩܽܘܩܳܝܳܐ (قوقويو). وهو إذ يتأمّل القيامة محلّقاً بشاعريته، يقول على لسان الرب: "ܡܰܥܨܰܪܬܳܐ ܕܳܫܶܬ ܒܰܫܝܽܘܠ ܓܰܢ̱ܒܳܪܐܝܬ܆ ܘܩܺܐܪܣܳܐ ܐܰܪܥܶܬ ܒܰܠܚܽܘܕܰܝ ܘܒܰܕܡܳܐ ܐܶܬܦܰܠܦܠܶܬ܆ ܘܩܳܡܶܬ ܒܙܳܟ̣ܘܬܳܐ". وترجمتها: "لقد دستُ المعصرة في الهاوية بقوةٍ وجبروت، وخضتُ المعركة وحدي وتضرّجتُ بالدم، وقمتُ من القبر ظافراً".    
   وقيامة الرب تتوّج الآيات التي صنعها، سيّما عندما أقام الموتى برهاناً عن سلطانه الإلهي على الخطيئة والموت. لقد أقام الفتاة ابنة يائيرس بقوله لها: "طليثا قومي" (مر 5: 41)، فعادت إليها الحياة ونهضت معافاة. كذلك أقام ابن أرملة نائين: "يا فتى، أقول لك: قم!" (لو 7: 14)، وسلّمه إلى أمه حيّاً. وقبيل صعوده الأخير إلى أورشليم، أقام لعازر بعد أربعة أيام من موته ودفنه: "يا لعازر، هلمَّ فاخرج" (يو 11: 43)، فخرج حيّاً.  
   قام يسوع من القبر وظهر لتلاميذه بعد قيامته، منفردين ومجتمعين، لمدة أربعين يوماً يعلّمهم ويرشدهم. ظهر أولاً لمريم المجدلية وللنسوة ولتلميذَي عماوس، وقد خفيت أولاً عن أعين هذين التلميذين الحائرين معرفة الرب، ثم ما لبثا أن عرفاه، فعادا ليلتهما تلك إلى أورشليم يبشّران الإخوة بقيامة المعلّم. وظهر يسوع للتلاميذ في العلّية والأبواب مغلقة ولم يكن توما معهم. وظهر لهم مرة أخرى وتوما معهم، وأراهم آثار جراح الصليب ظاهرةً في يديه ورجليه وجنبه، ليثبّتهم في الإيمان. لقد امتلأت قلوب التلاميذ بهجةً وسروراً بعد القيامة، فتحوّلوا من ضعفاء خائفين ومشكّكين إلى رجالٍ شجعان ثابتين في الإيمان، يعترفون بالمسيح ربّاً وإلهاً، ببساطة وبسالة وجسارة أمام الملوك والرؤساء والولاة: "وكان الرسل يؤدّون الشهادة بقيامة الرب يسوع تصحبها قوةٌ عظيمةٌ، وعليهم جميعاً نعمةٌ وافرة" (أع 4: 33). ما أروع الشهادة التي قدّمها هؤلاء الرسل! فبطرس مثلاً الذي ارتعد أمام امرأةٍ ونكر المعلّم ثلاثاً، نراه يؤكّد دون خوفٍ أو تردّد في خطابه يوم الخمسين، يوم العنصرة أي حلول الروح القدس الذي صار يوم ولادة المسيحية، ويعلن على الملأ أمام الجموع قائلاً: "فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن بأجمعنا شهودٌ على ذلك" (أع 2: 32). كما تراءى الرب يسوع لشاول (بولس)، فحوّله من مضطهِدٍ للمؤمنين "بيسوع الناصري" إلى رسولٍ للأمم.  
    أيها الأحباء، في خضمّ الحياة المعاصرة، وفي هذا الزمن الذي يبدو وكأنه يزداد تعقيداً عمّا عاشته البشرية ماضياً، نرى التحديات تجابهنا من كل حدبٍ وصوب، وأمواج العالم المتلاطمة تتقاذفنا وتكاد تحيد بنا عن جادة الإيمان الحق، إذ تبثّ في نفوسنا سموم الشك وتلهينا عن عمل خلاصنا وغاية وجودنا. نحن اليوم مدعوون أكثر من أيّ يومٍ مضى، لأن نعود فنتأمّل بإيمانٍ عميق بسرّ قيامة الرب، بغلبة النور على قوى الظلمة، وانتصار الحياة على الموت. نعود باستسلامٍ لتدبير الرب الخلاصي، فنؤكّد مشدّدين على أهمية الرجوع إلى الرب يسوع بصلاتنا الفردية والجماعية في حضن أمّنا الكنيسة المقدسة، متّكلين على نعمته وقوّته التي تشدّد ضعفنا وتنشلنا من كبوتنا. هكذا نصبح شهوداً حقيقيين لذاك المعلّم الصالح الذي أحبنا وبذل نفسه دوننا، ونشهد له في حياتنا اليومية، عاملين بحسب تعاليمه ووصاياه، سائرين على درب آلامه نحو القيامة. وإننا نتعزّى إذ نجد القدوة المثلى لنا في "رسل القيامة الحقيقيين"، إنهم أولئك القديسون والقديسات والشهداء والشهيدات الذين هم روّادنا في الإيمان وفي عيش بشرى الإنجيل. وفي يومنا هذا، لنا مثالٌ في فهم معنى الفداء والقيامة، أولئك المتطوّعون الذين يضحّون بسلامتهم الشخصية في سبيل حياة الناس عبر معالجة أضرار المفاعل النووي في فوكوشيما ـ اليابان.
   إنّ تعزيتنا الكبرى، بل رجاءنا الذي لا يخيب، أن نحيا حياة التسليم الكلي للحب الإلهي المتجسّد في ربنا وفادينا يسوع المسيح، الذي يحفظنا من كل سوءٍ ويحيطنا بعطفه وحنانه ورعايته، وهو لنا ترس الخلاص والنجاة مهما اعترض دربنا من صعوبات. أجل، إنّ المسؤولية الملقاة على عاتقنا، إكليروساً كنّا أو مكرّسين أو مؤمنين نحيا في العالم، هي اليوم كبيرة لا بل خطيرة جداً!، إذ علينا أن نكون حقّاً وحقيقةً "نور العالم وملح الأرض"، تعكس أعمالنا دوماً، قبل الأقوال والنصائح، عمل الرب وقوّة قيامته فينا.
أحبائي، إنّ السلام الذي بشّر به الرب تلاميذَه بعد قيامته من بين الأموات هو اليومَ خير عطيةٍ ربانيةٍ يحتاج إليها الأفراد كما العائلات والمجتمعات. هذا السلام الذي نتوق إليه كما سائر البشر في أيامنا، سيبقى هبة الرب القائم من بين الأموات: "السلام أستودعكم وسلامي أعطيكم، لا أعطي أنا كما يعطي العالم" (يو 14: 27). يكفي ما نرى ونسمع عن التحوّلات العنيفة والأوجاع التي يئنّ بسببها عالمنا، لا سيّما في بلدان مشرقنا المتوسطي، التي فُرض عليها أن تجتاز آلام المخاض نحو ولادة المجتمع المدني الحرّ والكريم. وقد عرف آباء كنيستنا الأقدمون كم هي عظيمةٌ حاجة الإنسانية إلى السلام، فجعلوا من السلام محوراً لرتبة القيامة في طقسنا السرياني. فهو السلام النابع من ثقتنا التامّة بعناية الرب بنا وبحبّه غير المشروط لنا. سلام القيامة، وحده، ينير لنا طريق الحياة. فما أحوجنا إليه في أيامنا هذه، لا سيّما في شرقنا الغالي!
   لنضرع جميعاً إلى فادينا القائم من بين الأموات، كي يحمي العالم من كل مكروه، ويهدي بلادنا المشرقية إلى طريق الخير والعدل والسلام. لنصلِّ ولا نملّ، كي يعي جميع المواطنين في بلادنا مسؤولياتهم المدنية والأخلاقية تجاه وطنهم، فيمارسوا واجباتهم، إذ هم يطالبون بحقوقهم المشروعة. كما نصلّي من أجل الذين هم في موقع المسؤولية، كي يفهموا أنّ السلطة هي خدمة، وأنهم وصلوا إلى موقع المسؤولية ليعملوا على إحقاق العدل والمساواة بين جميع المواطنين، فينصروا المظلوم ويساعدوا المعوز، ويعملوا بنزاهةٍ وجدّيةٍ على إحلال الأمن والسلام.
   ولا بدّ لنا من التوقّف عند أوضاع أبنائنا وبناتنا المسيحيين في العراق الذين لا تزال أيدي الإرهاب والغدر متربّصةً بهم، وتضمر لهم الشر والأذية. لا أحد ينكر أنّ جذور المسيحيين في بلاد ما بين النهرين تعود إلى آلاف السنين، متأصلة في نسيج الوطن الذي يفخر بتنوّعه. هم ليسوا إذن غرباء ولا مستورَدين، وقد عُرفوا بحبّهم لوطنهم وبعطاءاتهم المميّزة لرفع شأنه وازدهاره. ونقولها صراحةً وللأسف الشديد: لأنهم المكوّن الأكثر سلماً ومسالمة، ما زالوا، رُغم كل التطمينات والوعود، يُستضعَفون ويُنكَّل بهم بغيةَ النيل من عزيمتهم وتهجيرهم قسراً.
   إننا نحثّ أحبّاءنا أبناء حضارة ما بين النهرين وبناتها، وقد مرّوا وما زالوا في درب الآلام، على التمسّك بإيمانهم والتشبّث بأرضهم بروح الأخوّة والسلام وبالوعي لحاجتهم إلى التضامن والوحدة. ونذكّرهم ألا يخافوا، بل أن يثقوا بالرب فاديهم، الذي بقيامته المجيدة غلب العالم وخطيئة العالم. كما نبتهل رافعين الصلوات والأدعية إليه سبحانه وتعالى، كي يجمع قلوب جميع العراقيين، إلى أيّ دينٍ أو قوميةٍ أو لغةٍ انتموا، بروح الإلفة والتآخي، فتتشابك أيديهم بالأخوّة الصادقة، لتضميد جراح العراق والعمل على قيامته عزيزاً ومزدهراً.
   ونرى واجباً علينا أن ندعو المسؤولين في الدولة العراقية والمجتمع العربي والدولي، كما فعلنا سابقاً ومراراً، أن يبذلوا كلّ جهدٍ لهم لضمان حقوق المسيحيين أسوةً بسائر المواطنين، وطمأنتهم بالعمل الجادّ والصريح على تأمين الحماية التي يحتاجون إليها، فيثقوا بالمسؤولين ويبقوا متجذّرين في وطنهم.
   إننا نتألّم إذ نعاين لبناننا اليوم، تكاد الإنقسامات تتآكله، والخلافات المضمَرة تتعارك، بينما الخطاب السياسي المعلَن يزداد كلّ يومٍ تباعداً عن السلوكية المدنية التي بها تُبنى المجتمعات الحضارية. إلى الرب نضرع كي يهدي المسؤولين ليعوا واجبات خدمتهم بروح الشراكة والنزاهة، فيبقى لبنان وطناً حرّاً وسيّداً يتّسع لجميع أبنائه وبناته، دون تمييزٍ على أساس الدين أو المذهب أو الإنتماء السياسي أو الحزبي. فلبنان، عطية الله لنا، "هو أصغر من أن يُقسَّم وأكبر من أن يُبتلَع". وعلى جميع الذين يعتزّون بالإنتماء إليه، أن يقدّروا قيمته الحضارية بين شعوب المنطقة وفي العالم، بالرغم من محدودية إمكانياته، وحاجة نظامه إلى التطوّر، وزلات الذين يحكمونه. وليتنافس الجميع في الدفاع الجادّ عن هذا الوطن الذي نُحسَد عليه، متّحدين ومقتنعين بديمقراطية توافقية يضمنها الدستور والاتفاقيات المشتركة والمصدَّقة.  
   كما يطيب لنا أن نحيّي مباركين أبناءنا وبناتنا في أبرشياتنا ورعايانا في بلاد الإنتشار، ونشجّعهم على التمسّك بإيمان الآباء والأجداد، فيظلّوا متجذّرين بتراثهم المشرقي، محافظين على طقوس كنيستهم السريانية الأمّ، فخورين بانتمائهم إلى الكنيسة الأنطاكية العريقة. كما ندعوهم أن يخلصوا للأوطان الجديدة التي استقروا فيها، دون أن ينسوا واجب التضامن مع إخوةٍ وأخواتٍ لهم في الأوطان التي نشأوا فيها.
   أيها الأحباء، لنجدّد ثقتنا بالرب القائم من بين الأموات، الذي يمنحنا الغلبة. إنه يحيا معنا وفينا، إذ هو يرافقنا في دروب هذه الحياة الوعرة.
   حقاً لقد قام المسيح "وأقامنا معه"، فلنحيَ معه حياة البنوّة الإلهية.

ܡܫܝܚܳܐ ܩܳܡ ܡܶܢ ܒܶܝܬ ܡܺܝ̈ܬܐ܆ ܫܰܪܝܪܐܝܬ ܩܳܡ
مشيحو قوم من بيت ميثيه، شاريروإيث قوم             المسيح قام من بين الأموات، حقاً قام


صدر عن كرسينا البطريركي في بيروت، في اليوم العاشر من شهر نيسان عام 2011،
وهي السنة الثالثة لبطريركيتنا.

  
                                                            
                                                                  
  
محبكم بقلب الرب الممجّد
اغناطيوس يوسف الثالث يونان
بطريرك السريان الأنطاكي

26

الرقم: 230/2010
التاريخ: 23/12/2010

رسالة عيد الميلاد 2010

"لا تخافوا، ها إني أبشّركم بفرح عظيم يكون فرحاً للشعب كله:
اليوم وُلدَ لكم مخلّص في مدينة داود، وهو المسيح الرب" (لوقا 2: 10ـ11)

           إلى إخوتنا الأساقفة الأجلاء
   والآباء الكهنة والرهبان والراهبات الأفاضل
   وأحبائنا المؤمنين والمؤمنات، لكم بركة الرب

   اليوم، ونحن نحتفل مع جميع المؤمنين بعيد الميلاد، تجسُّد كلمة الآب الأزلي بقوّة الروح القدس في أحشاء البتول مريم، نتذكّر كيف أنّ الله افتقد شعبه والبشرية جمعاء بنوع عجيب. إنّ مولود بيت لحم الذي جئنا نتأمّله يشعُّ نوراً وسلاماً. هذا الطفل الضعيف عنوان البراءة، المحدود ظاهرياً بشروط طبعه البشري، هو لنا، بأعين الإيمان ودون تهرّب أو مواربة، معجزة الحب اللا محدود في لقاء الله مع خليقته. لأنّ عظمة سرّ التأنس تكمن في اتحاد الإله الحقّ والإنسان الحقّ: "... والكلمة صار بشراً وحلّ بيننا، فرأينا مجده " (يوحنا 1: 14).
   عيد الميلاد دعوة لنا كي نتأمّل في هذا السرّ غير المدرك، سرّ اتحاد الخالق بخليقته، "عمانوئيل أي الله معنا" (متى1: 23). حقيقة إيمانية تسمو على كل عقل بشري، لا يقبلها إلا مَن آمن بأعجوبة المحبة. وما عناه الملاك في تبشيره للرعاة: "وُلد لكم اليوم مخلّص" (لوقا 2: 11)، تذكيرٌ لنا بأنّ اسم يسوع بالعبرية، وهو اسمٌ لا نرضى عنه بديلاً، يعني "الله مخلّص".
يتجلّى عيد الميلاد في كل عام، وبين غالبية شعوب العالم، بزينة من ألوان وأنوار متميّزة تبعث جواً من البهجة والفرح والشعور بالسلام، يكاد يطغي على كل عيد أو احتفال أو مناسبة. وكم تغمرنا السعادة لحماس أطفالنا وتلهّفهم لمعرفة الهدايا التي ستُغدق عليهم! هذه المظاهر هي دون شك معبّرة عن فرادة عيد الميلاد، واختصاصه في إثارة الفرح في مجتمعاتنا التي طالما احتاجت إلى متنفَّسٍ عن همومها وتطمينٍ في مخاوفها، بحثاً عن نفحة أمل ورجاء في عيشٍ أكثر أمناً وسعادة.  
ولكننا، كمؤمنين دُعوا كي يعيشوا بقناعة كاملة هذا السرّ الذي أخفي عن العقلاء المتغطرسين وأوحي إلى الأطفال، نعلم أنّ عيد الميلاد هو أعظم بكثير من أن يُختزل بالمظاهر البرّاقة، وأسمى من أن نقضيه بوثنية الذين يعتبرونه عطلة شتوية. فالذكرى السنوية لولادة مخلّصنا، تعني لنا الإنطلاقة الأولى لسرّ فدائنا، وهي احتفال الفرح ثمرة المحبة، وتجديد دعوتنا لنتجاوب وهدية السماء، فنضحي رسل السلام.
   والميلاد، احتفال الفرح والتسامح، فيه تلتقي الجماعة المسيحية لتعيش جواً روحياً يبدّد كل خوف. هي تستقبل مخلّصها، تنحني إليه طفلاً عجيباً، شاكرةً ومعترفةً بعظمة العطاء الإلهي الذي يفوق كل هدايا البشر، لأنّ الرب "افتقد شعبه وافتداه" (لوقا 1: 68). كما أنها تؤمن بأنّ النور الذي أشرق فوق بيت لحم لا بُدّ وأن يبدّد ظلمة الخطيئة، وأنّ يسوع الوديع والمتواضع الراقد في مذود، قادرٌ أن يليّن أكثر القلوب قساوةً ونفوراً. لطالما حنّ إلى الميلاد أصدقاءٌ متباعدون، وتاقت إليه عائلاتٌ تمزّقت لأتفه الأمور، فقاموا بفعل تسامح شجاع وطووا صفحة من الماضي مؤلمة ومشكّكة.
   
   أحبائي، كان من المفترض أن تأتي احتفالاتنا بعيد الميلاد في لبنان عنواناً للفرح للأفراد والعائلات وشعوراً بالطمأنينة في البلد الواحد. ولكن هي الحقيقة عليها أن تقال: لا زلنا نتوجّه بأفكارنا نحو إخوةٍ وأخواتٍ كانوا هدفاً لمجزرةٍ في كنيستنا، كاتدرائية سيدة النجاة في الكرادة ـ بغداد. وصدى هذه الفاجعة لا يزال، بعد ما يقرب من شهرين، يرنّ في آذاننا، يبكينا ويدمي قلوبنا. نشارك كنيستنا في بغداد، أسقفاً وكهنةً، راهباتٍ ورهباناً وشمامسةً والمؤمنين كافةً في أوجاعهم، كما نشاركهم في تساؤلاتهم الكثيرة: كيف تمّت هذه الجريمة النكراء؟ ولماذا؟ من وراءها وما تعليلها؟ ولكننا في الوقت عينه إذ نعزّيهم، نعزّي ذواتنا، ومعهم يحقّ لنا بل واجبٌ علينا أن نقف فخورين باعتزاز وإجلال أمام شهدائنا الأبرياء. إنّ الكاهنين المحبوبين ثائر ووسيم، والأخوات والإخوة الذين فقدناهم جسدياً، قد مزجوا دمهم بدم الحمل الفادي. وهذا الحمل الإلهي الحامل خطايا العالم هو الذي تلقّاهم مكلَّلين في دار الخلود، وأضحوا لنا فيها شفعاء أبرار!
   وإذ نريد أن نشاطر إخوةً وأخواتٍ لنا في المكوّن المسيحي العراقي مشاعر خوفهم وقلقهم وألمهم، علينا أن نضرع إلى المولود الإلهي في بيت لحم ونستلهمه الطرق الفضلى لعيش التضامن الفاعل معهم. من واجبنا أولاً أن نداوم على الصلوات والأدعية كي يبقى المسيحيون في العراق ثابتين في الإيمان وراسخين في الرجاء رغم كل ما يحيطهم من أهوال التهديد والرعب، والقتل والتهجير... نصلي من أجلهم كي يعملوا على توحيد القلوب وتنقية النوايا في إيجاد أفضل السبل للصمود في وطنهم، والتشبّث بأرضهم الطيّبة والحضارية. والله هو الذي يلهمهم كي يجابهوا بعزيمة واحدة كل أنواع الإرهاب ووسائله المقيتة.
   ولكي يأتي تضامننا فاعلاً، لا بدّ وأن نمدّ يد العون إلى الكنيسة المتألمة في العراق، شعباً وإكليروساً، فنقدّم التبرّعات، بروح عيد الميلاد الذي يحثّنا على العطاء السخي لكل من هم أكثر حاجةٍ منّا، والذين حُرموا بهجة العيد. وذاك هو التعبير الأفضل والأكثر مصداقية عن عرفاننا بالجميل نحوه تعالى، الذي يغدق علينا وعلى عائلاتنا ووطننا نعمه وخيراته. وهنا نودّ أن نذكر البادرة الطيّبة التي قام بها عشرةٌ من أبناء أبرشية حلب الذين تنادوا فقدّموا مساعدةً لإخوتهم المنكوبين في بغداد.
   ولكي نساعد إخوتنا المتألمين في العراق حتى يتغلّبوا على محنتهم ومعاناتهم، سيّما تجربة الاستسلام واليأس، من واجبنا اليوم ألا ندّخر جهداً، فنضمّ صوتنا إلى صوتهم، نطلقه عالياً لإحقاق الحق. علينا أن نتجاوز مرحلة الاستنكار والتنديد، فنطالب من دون كلل أو تخاذل وبكل الوسائل الحضارية، أن تستيقظ شعوب العالم الحرّ وحكوماته، ليتحسّسوا الوضع المأساوي الذي تعيشه المكوّنات المستضعفة في بلاد الرافدين، لا سيّما المسيحيون منهم، ويحثّوا المسؤولين والمراجع المخوّلة لديهم، كي يعملوا بفعالية على تأمين الحقوق المدنية لجميع المواطنين، وعلى ضمان الحريات الدينية للجميع، بما فيها حرية الضمير التي نادت بها شرعة حقوق الإنسان العالمية.  
   كم نريد أن نصدّق ما نسمعه في المحافل والندوات ونقرأه في البيانات والتوصيات، من تردادٍ مملّ أنّ من ارتكب تلك الجريمة الشنيعة في كنيسة سيدة النجاة في بغداد، ومن يقترف مثيلاتها في أماكن أخرى، أفراد قلائل غُسلت أدمغتهم على يد جماعات إرهابية ليست لها صلة بالدين. وكم نحاول أن نفهم أولئك الذين يزوّدوننا بنظرياتهم عن مؤامرات خارجية تبغي تفرقة أبناء الوطن الواحد وتدمير المنطقة. ألا يحق لنا أن نتساءل: ما ذنب أولئك الأبرياء المصلّين في كنيستهم؟ وماذا قطف المتآمرون الغرباء من سفك دمائهم؟ ألم يحن الوقت بعد كي يقتنع القيّمون على الدين والمخوَّلون بتقديم العظات والخطب الدينية، أن يوجّهوا المؤمنين ويربّوهم على ثقافة القبول بالتعددية، والإبتعاد عن كل ما يدعو إلى التفرقة والتشهير والتكفير، فيقطعوا الطريق على المتآمرين الأجانب؟
   كثيرٌ منا يعتبر أنّ على الحوار، كي يأتي بالثمار المرجوّة، أن يتجنّب الثوابت اللاهوتية التي تخص الأديان وتميّزها، ويركّز اهتمامه بالأحرى على قيم العيش المشترك والمصلحة العليا للشعوب والأوطان، وقبول الآخر واحترامه في الإنسانية الواحدة. أجل، وحده التمسّك بقيم الإنسانية التي نفحها الخالق وزيّن بها النفس البشرية، قادرٌ على أن يجمع ويوحّد، فلا يباعد ويفرّق بين المواطنين. هناك العديد من المواضيع ذات الآفاق الإنسانية، بوسعها أن تكوّن خطاباً دينياً إيجابياً، يُبرز الفضائل التي تبني الذات والأفراد والمجتمع: كالرحمة، والعفاف، والأمانة، والحرية المسؤولة، والإحسان، والتكافل، والتعاضد... كما أنّ هناك تحديات تجابه مجتمعات اليوم، مثل تربية النشء، وتوجيه الشبيبة، وحماية العائلة، وكرامة المرأة وحقوقها، وبناء الوطن وتقديم مصلحته على المصلحة الخاصة، واحترام القوانين المدنية، والتفاعل الإيجابي والمنفتح بين مختلف مكوّنات الوطن الواحد، وإبراز الوجه الحضاري للوطن بين سائر الأمم...
   "إذا كانت الحرية الدينية درباً للسلام، فإنّ التربية الدينية هي طريق مميّز لتأهيل الأجيال الناشئة، كي ترى في الآخر أخاً وأختاً لها للسير معاً والتعاون، عندئذٍ يشعر الجميع بأنهم أعضاء حية في الأسرة البشرية نفسها بدون استثناء أحد" (البابا بينيدكتوس السادس عشر، رسالة يوم السلام العالمي، 2011).

   ونودّ في هذا المقام أن نعبّر عن شكرنا الخالص وامتناننا الكامل إلى اللبنانيين الذين شعروا ويشعرون بآلام ومعانيات إخوانهم العراقيين. كما ندعو جميع اللبنانيين المخلصين لوطنهم "الرسالة" أن يحافظوا على وحدتهم الوطنية برصّ الصفوف وتشابك الأيدي وتلاقي القلوب بالمحبة والإلفة، فيصونوا لبنان العزيز الذي يفاخر العالم بحضارته، ليبقى شامخاً كالأرز بنسيجه الفريد جوهرةً ترصّع تاج المنطقة. ونحثّ اللبنانيين جميعاً على اختلاف انتماءاتهم السياسية والحزبية أن يلتفّوا حول رئيس البلاد مجدّدين الثقة التي أولوه إياها لما فيه خير ورفعة لبناننا الغالي الحبيب.
   
   أيها الأحباء، بالرغم من كل ما ينتابنا في هذه الأيام من حزنٍ وأسى وشعور بالمرارة، لما تعرّض له إخوتنا وأخواتنا في العراق، يذكّرنا إيماننا بألا نستسلم لليأس أو القنوط، لا سمح الله، إزاء عبثية الظلم وما تبدو من جولاتٍ غالبةٍ لقوى الشرّ في عالمنا. فتلك، وإن حاولت تشويه إنسانيتنا وصورة الخالق فينا، لا بدّ وأن تندحر بتكاتفنا في نشر الحقيقة والدفاع عن الحق بالمحبة دون زيف. لنستلهم روحانية الميلاد كي نعيش هذه الروحية بتميّز، وننشر رسالة الميلاد السامية، أي: روح العطاء بفرح، والسلام بعدل، والمحبة دون تمييز.
   "المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، للناس ذوي المسرّة الصالحة" (لوقا 2: 14)        
                                            
                                      
صدر عن كرسينا البطريركي في بيروت، في اليوم الثالث والعشرين من شهر كانون الأول عام 2010، وهي السنة الثانية لبطريركيتنا.


                                        
                                              محبكم بقلب الرب يسوع المخلّص
                                             اغناطيوس يوسف الثالث يونان
                                                  بطريرك السريان الأنطاكي



صفحات: [1]