عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - سامان سوراني

صفحات: [1]
1
إقلیم كوردستان بین حکمة الرئیس بارزاني وخطط قاسم سلیماني
ماحدث بالأمس في مدینة كركوك الكوردستانیة کان مخطط تم تطبیقه من قبل أطراف في القیادة العراقیة الواقعة منذ سنوات تحت إمرة قاسم سلیماني والمنفذة لأوامر الحشد الشعبي الموالي لولایة الفقیه بهدف تغییر العراق الی دولة دینیة طائفیة و كسر إرادة شعب كوردستان بعد إعلان نتائج الإستفتاء من أجل الإستقلال والتي كانت بمثابة تسونامي جیوسیاسي وقرار تاریخي هام في رفض المخططات الإیرانیة في المنطقة، تلك المخططات التي نفذت في السنوات الماضیة علی أرض الواقع بمساعدة نوري المالكي، الحلیف الإستراتیجي لسیاسة إیران، وأنتجت وللأسف کل من داعش والقاعدة بغرض تفكیك العراق.
نعم بالأمس سقطت مدینة كركوك شکلیاً بتصمیم قاسم سلیماني، الذي یدیر مجامیع من المیلیشیات الدینیة المسلحة العابرة للحدود والقائمة ضمن فكر نظام دولي مخالف لنظام الفكر الدولي السائد في القرن الواحد والعشرین. هذا وقد دفع قرار إنفرادي إتخده أفراد تابعین لجهة سیاسیة في كوردستان الی إنسحاب قوات البیشمركة مما أدی الی قبول الرجوع الی خط التماس و آلیة نشر القوات الإتحادیة و قوات الإقلیم، تلك التي تم الاتفاق عليها بین بغداد و أربیل قبل عملية تحرير الموصل في ١٧-١٠-٢٠١٧.
لقد بقیت كركوك بسبب جغرافیتها و دیموغرافیتها و ثرواتها وتاریخها الكوردستاني منذ عام ٢٠٠٥ دون إنتخابات ولم تنفذ فیها المادة ١٤٠ من الدستور لحل عقدتها وخلع رداء التنازع علیها . وبعد إنسحاب القوات الأمریکیة منها في حام ٢٠١١ أشعل الضوء الأخضر للمالكي والموالین الی ولایة الفقیه لإستهداف كركوك و محاصرة كوردستان و خلق أزمات متتالیة فیها، لکن حنكة القیادة الکوردیة وحکمة الرئیس بارزاني أفشل تلك المخططات لصالح إیقاف الفوضی و نشر الإستقرار فیها.
لقد کان الهدف الأول والأخیر للرئیس مسعود بارزاني هو المحافظة علی مکتسبات الإقلیم وحمایة الأمن والإستقرار فيە، لأنه یعرف وکما ذُکر أكثر من مرة بأن الحشد الشعبي ماهو إلا ظاهرة خطیرة مماثلة لظاهرة داعش الإرهابیة، تهدد الیوم إقلیم كوردستان. لقد ظهر جلیاً بأن دیمومة الحشد علی شاکلة الحرس الثوري الإیراني مكّن مشروع التابع لولایة الفقیه بشكل أكبر و مدّد هیمنة الجمهوریة الإسلامیة علی الدولة العراقیة ومقدراتها بشكل أوسع ووضعها علی المحك. إن قیام المالكي وحاشیته بنسف التحالف الكوردستاني الشیعي وإنتهاکاته المستمرة للدستور و ضربه الإتفاقیات عرض الحائط مع إرسال تصریحات وتهدیدات ناریة ضد شعب كوردستان وقطعه حقوقهم من الموازنة العامة وبروز قوة الحشد الشعبي في العراق كل هذا دفع قادة إقلیم كوردستان وشعبه باللجوء الی الإستفتاء كمخرج لمحافظة نفسه من إستهتارات قاسم سلیماني و سیاسات إیران في المنطقة.
الیوم نراه من الضروري العمل الجاد مع القوی المحلیة والإقلیمیة والدولیة المخالفة لفکر النظام الدولي الإیراني علی بناء تحالف یواجه ویعالج خطر ظاهرة المیلیشیات الممتدة من طهران الی بیروت، تحالف یردع سیاسة إیران التوسعیة في العراق والمنطقة.
ولضمان الأمن والإستقرار في المنطقة علی المجتمع الدولي إحترام رأي شعب كوردستان ودعم تفعیل الدستور العراقي، الذي أنتهك لمرات وممارسة الضغط علی القوی الفاعلة المؤمنة بالتجربة الدیمقراطیة في العراق لتفکیك میلیشیات الحشد الشعبي اللادستوریة وإفشال المشروع الطائفي الإقصائي ورفع وصایة إیران عن العراق وتحجیم وجودها فیها وحث الإقلیم وبغداد للجلوس علی طاولة المفاوضات من أجل الوصول الی حل سیاسي سلمي مدني یصب في مصلحة الطرفین.
کفی إستخدام العراق من قبل إیران كوسیلة ضغط في التفاوض مع الولایات المتحدة علی المشاکلة النوویة والنفوذ الإقلیمي. علی القوی السیاسیة في بغداد المؤمنة بالحل السلمي لخلافات والقضایا العالقة بین بغداد وأربیل أن تطمئن بأن القیادة السیاسیة في كوردستان تعمل علی حفظ الأمن والإستقرار كوردستان والمنطقة، فهي تؤمن ببناء علاقاتها على أساس المصالح المشتركة وترید لشعبه أن یلعب دور فعال  وإیجابي في صناعة السلام وإیقاف الفكر الطائفي ومکافحة المد الإرهابي.
ولإنجاح سیاسة التعایش السلمي یجب أن تبدأ الحوار بین بغداد وأربیل لبحث جمیع النقاط العالقة وإزالة جمیع القضایا المتنازع علیها وإیجاد الحلول العملیة الوسطی ذات المنفعة المشتركة حفاظاً علی السلام والأمن و توفیر الرخاء الإقتصادي، علیه بناء علاقات قائمة علی التفاهم والثقة المتبادلة تخدم الطرفین. وإذا كانت صناعة الواقع و المشاركة في إدارة العالم مهمة تشترط القدرة علی الإبداع والتحول بخلق الوقائع وإنتاج الحقائق، فإن الحوار هي أحوج ما یحتاج الیه شعب كوردستان والعراق لكي یتحملوا تکالیف الحیاة السیاسیة والإجتماعیة بالحد الأدنی، المعقول أو المقبول.
وختاماً: نحن نستنکر الحرب كوسیلة من وسائل السیاسة القومیة أو الطائفیة لتدوم العلاقات السلمیة وأواصر الصداقة الکائنة بین الشعوب، وبالتأكید قوة شعب كوردستان الصامد و وحدة صفه یوصله الی حقوقه المشروعة.
الدکتور سامان سوراني

2
من یرفض نتائج الإستفتاء في كوردستان لا یؤمن بمبادیء الحوار
من الواضح بأن التعاطي مع الآخرين فن وعلم قائم بذاته فهو مبني علی فلسفة الأخذ والعطاء. وفي حالة حدوث تعارض في المصالح نری بأن العقل الموضوعي المتجرّد من الآراء المسبقة والافتراضات السائدة ومن جميع العوامل التي تحجب البصيرة عن رؤية الحقيقة یلتجأ الی الطریق الأمثل، طریق الحوار أو الحدیث البناء والمثمر للتوصل مع الطرف الآخر إلى حلّ مقنع أو الی التفاهم. إذنْ العقل الموضوعي يحصّن صاحبه من الانجراف مع تيارات الأهواء والميول والرغبات.
الحوار هو أساساً وسیلة ولیس غایة، أما ترکیز الإنتباه لما يقوله الطرف الآخر ومحاولة فهمه فهماً جيداً فسیقدم للمحاور الفاعل مفاتيح الحل والإدارة بشكل فعّال وبهذا یكون أقدرعلى سد أبواب الخلاف أو ممارسة الضغوط عليه لإقناعه أو لإثبات أن الحق كلّه أو بعضه مع أي طرف.
لقد ظهر في فترة ماقبل عملیة إستفتاء كوردستان من أجل الإستقلال والی الیوم عدد غیر قلیل من الشخصیات القیادیة والسیاسیة في العراق بأسلوب "المعلِّم" أو "الناصح الأول" لقیادة شعب كوردستان تضمّن کلامهم الكثير من التجریح والتهدید والإستعلاء بهدف إستفراز من یهمه الأمر بغیة منع التواصل مع بغداد أو لسدّ أبواب الحوار ومنع الوصول إلى حل.
هؤلاء یتناسون بأن لصوت الشعب في كوردستان قیمة كبیرة لا یمکن لأحد التفریط به، مع أنّە واضح للكثير بأن هذا الشعب ناضل طوال عقود من الزمن في سبیل الحریة و مورس ضده حروب الإبادة الجماعیة وضحی بالغالي والنفیس من أجل الوصول الی حقه الشرعي في تقریر مصیرە.
من یرید محاورة ممثلي شعب كوردستان، علیه أن یعتمد علی العقل والإقناع بالأدلة العلمية والحجج المنطقية ويبتعد عن التعصب والترهيب والتهديد والانفعال العاطفي، فهذا الشعب الأبي المبتكر لعناوین جدیدة للحیاة والتطور، تلك التي أتاحت لمجتمعاتها أن تصنع ذاتها، لایهاب من الموجات اللاحضاریة الهدّامة و لا یفزع من ردود فعل سلبیة أو عدمیة مدمرة و لا یتوّجس من إستخدام الحصار الإقتصادي الظالم وأسلحة الدمار الشامل ضده.
بإقتراب موعد الإنتخابات المقبلة عام ٢٠١٨ في العراق یتجلی مرة أخری لدی أصحاب عقلیة الاتباع والتقلید هاجس القبض علی السلطة والحفاظ علیها بأسالیب التشبیح الإستراتیجي وسیاسة الغطرسة والإستكبار علی هذه الساحة أو تلك، کما فعلت الحکومات الدکتاتوریة الفاشلة من قبل، والتأكید بالسیر بعکس البوصلة بعد هدر ثروات البلاد و حرق ورقة التعایش السلمي المشترك.   
من السذاجة والغفلة أن یطمئن شعب كوردستان الی ما یقوله أصحاب المشاریع والدعوات الی بناء عراق إتحادي لا یُنتهَك فیها مایدّعون الیه، فأصحاب العیون النقدیة في كوردستان لا يُخدعون أو يُؤخذون بالإطروحات والتصریحات والبیانات، بعد كل هذا الإخفاق والإحباط في المشاریع والشعارات، التي ترجمت بأضدادها لدی الحاكم العروبي والطائفي، الذي لعب علی الورقة الطائفیة من أجل زعامته وساهم في تغذیة المخاوف المتبادلة بین الکیانات والجماعات، بإعتباره حارس أمین للیقینیات المطلقة والحقائق المتعالیة والأصنام المقدسة المسيئة لقضیة شعب كوردستان العادلة.
نحن نعلم بأن للدول العظمی المهیمنة علی الإستراتیجیات في الشرق الأوسط و للدول الإقلیمیة المجاورة  الهاضمة لحقوق الكیانات المتواجدة في إطار جغرافیتها السیاسیة مصالح كثیرة في قیام دولة كوردستان من عدمها، لكن ما یؤسفنا هو أن شركاء لنا تقرّ وتعتبر الإستفتاء باطلاً من أساسه ولاترید رفع الظلم التاریخي عن شعبنا لتحقیق الإستقلال والسیادة لە. أن ما یسعی الیه العقول الوحدویة من رفع شعار المحافظة علی عراق موحد هو ما يشکو منه شعب كوردستان من البربریة، فالهوية الكوردستانیة هي منتوج اجتماعي ثقافي تاريخي، يتفرد بها شعب كوردستان من أجل أن يتميز عن باقي المجتمعات، فمن لا هویة أو فكرة عنده یصنع بها نفسه وواقعه، بإستثمارها في مجال من المجالات أو مستوی من المستویات، یشهد علی عجزه و یخسر فاعلیته وسلطتە بقدر ما یعطي الفرصة لسواه لكي یسیطر علیه أو یقرر عنه.
مایریده شعب كوردستان مع العراق و الدول المجاورة هو بناء علاقات الوساطة والشراكة والمسؤولیة المتبادلة في عملیات الخلق والإنتاج أو في أفعال التنمیة والبناء بالتواصل والتعاون أو بالتبادل والتفاعل ولا يقبل من أیة جهة علاقات النخبة والوصایة والأستذة وإعادة خلق المركزیة الفوقیة ومظاهر البربریة المعاصرة.
وختاماً: "ما نحتاج الیه لیس الدخول في التاریخ، كما یحسب أهل العجز والسبات، بل الخروج من التاریخ بکهوفه وسرادیبه من أجل صناعة حاضر كوردستان الذي یهيء لمستقبل یعدّ بالأحسن."
الدكتور سامان سوراني

3
رحیل القطب الهادئ في الشرق الأوسط الرئیس جلال طالباني
بعد صراع لسنوات عدیدة مع المرض رحل عنّا الیوم السید جلال طالباني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً. کان الراحل أحد أبرز الشخصیات السیاسیة في التاریخ الكوردستاني المعاصر، عمل في مجال الفکر  مع شعوره بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري وأن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة، كان يفيد من التجارب و ينفتح علی الحقائق و يشتغل علی التراثات والهويات و يفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم ومن خلال الوقائع الفكرية السیاسیة التي کان يخلقها، مارس أمیر الدبلوماسیة الكوردستانیة جلال طالباني فاعليته علی ساحته وفي بيئته و في المدی الإقليمي والعالمي.
كل منّا یعلم بأن كوردستان یمرّ الیوم بعد أسبوع من إستفتاء الإستقلال بمرحلة صعبة، حیث تشهد الساحة الإقلیمیة والعراقية أزمة سياسية حادة، تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الضغوط التي تمارسها دول الجوار علی الأقلیم و الممارسات اللادستورية واللاقانونیة من قبل بغداد و محاولات فرض أنواع الحصار علی كوردستان بحجة الدفاع عن وحدة العراق، ناهیك عن الهجمات الکلامیة المتدنیة من قبل بعض اللامسؤولین من الساسة والنواب في العراق للنیل من ممارسة شعب كوردستان حقه في تقریر المصێر والتجربة الدیمقراطیة الناجحة في كوردستان.
في هذه المرحلة المتشنجة یرحل عنّا وللأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق.
بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة وقيامه كصمام أمان بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس جلال طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.
نعم رحیله أصبح اليوم مدار الكلام و محور الإهتمام و ها نحن نسمع من الرئیس مسعود بارزاني بعد ساعات من نبأ رحیل طالباني یقول، "خسارة قائد كـ مام جلال خسارة كبيرة لشعبنا لايمكن تعويضه بسهولة"، معلناً الحداد العام في كوردستان لمدة أسبوع.
كان السید مام جلال (العم جلال) یعرُف كيف تُلعب اللعبة السياسية وكیف تُبنی القوة وكيف تُنتج الحقيقة وتُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، رآه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ و كصمام أمان، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة كرئیس لدولة العراق.
مارس الرئیس طالباني السياسة بأسس روحية صافية و واصل العمل السياسي طيلة أكثر من ٦٠ عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات و منعت التعبير عن الأفكار والآراء و أعتقلت المفكرين و المثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة و لتبقی أماكن وجودهم و مصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين و تجلب لهم الحريات و الحكم الذاتي وغيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية و وحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، لذا یمکن إعتبارە واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة و جربة عميقة و أکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن وفاته سوف يعود بنتائج سلبية على العراق، لکنها تصبح فرصة للجهات السیاسیة المختلفة في كوردستان لرص الصفوف وتوحید الرؤی والکلمة للوصول الی الهدف المنشود و هو إعلان دولة كوردستان.
کان الرئيس جلال طالباني یهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة و يساهم في حقل الإنتاج الرمزي، وکان بحق رجل دولة من الطراز الرفيع و عنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا و الجمع بين المتناقضات و رفض التحدي و عمل بسبب كونه كوردستانياً أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني و دوره السياسي و فضّل كداعية وفاق و محبة أن يدفع من أعصابه و صحته علی أن يدفع العراق من سلمه و إستقراره، نقيضاً لمن یحکم العراق الیوم ويؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها و فشلها أو الغامها و إنفجاراتها والذي لا يتورع عن دفع المنطقة نحو الهاوية في سبيل مصالح تهدف وللأسف في بناء السلطة الشمولیة.
برحیل السید جلال طالباني فقد شعب كوردستان أحد رموز النضال والتحریر وهو اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.
ختامان نقول: وداعاً وأنت المغادر جسداً والحي فكراً و روحاً بين شعبك ومحبيك.
الدکتور سامان سوراني

4
الرئیس مسعود بارزاني و مسألة إستقلال كوردستان
القیادة کعامل مهم من عوامل التماسك والتضامن والتنظیم في المجتمع هي ظاهرة إجتماعیة منبثقة من وجود الفرد داخل الجماعة.
هذه الظاهرة کانت موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ زمن كونفوشیوس الصیني (٥٥١ ق. م - ٤٧٩ ق. م) حتی عصر الفیلسوف البریطاني برتراند راسل (١٨٧٢-١٩٧٠) بهدف معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
وإذا أردنا أن نعرّف القیادة، نستنتج بأنه دور سلوکي لإسهامات الفرد والنسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي. بکلام آخر، هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین، بل هي العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
الیوم يمرّ إقليم كوردستان بمنعطف مصيري هو الأهم في تاريخه حتى اللحظة، حيث یتم إجراء استفتاء شعبي بخصوص استقلاله بعد أسبوعین، أي في الخامس والعشرين من شهر سبتمر ٢٠١٧ بهدف تشكيل دولة كوردستان المستقلّة، التي سوف تکون مصدر للإستقرار في المنطقة، بعد أن صار حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني حتمية مطلقة.
إذن نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. القائد مسعود بارزاني کرائد لموضوع الإستفتاء قرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مع إیمانه بطموحات شعبه في الإستقلال وإدراکه العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، یستلخص العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة، یؤکد في کافة لقاءاته مع کبار الدبلوماسیین الأجانب ووفود رفیعة للحکومات بإجراء عملیة الإستفاء من أجل الإستقلال ولایهاب من المجاهرة أمام الملأ والإصرارعلی یوم الإستفاء لتحقیق الهدف الإنساني النبیل والأعلی، ألا وهو ضمان مستقبل شعبه في دولة حرة أبیة. 
رئیس الإقلیم یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.  لکنه مع هذا لم یدعي بأنه منقذ للبشریة، بل یعیش وسط الطبیعة الكوردستانیة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
الرئیس مسعود بارزاني تبنی مشروء إستقلال الشعب الكوردستاني لأنە لا یرید لشعبه الرجوع الی المربع الأول، أي البقاء داخل تجربة فاشلة عاشها شعب كوردستان طوال قرن من الزمان مع حکومات بغداد المختلفة، تلك الحکومات القومیة والدکتاتوریة والشوفینیة التي قتلت مایقارب ربع ملیون ملیون كوردستاني من خلال تنفیذ حملات الإبادة الجماعیة ضدهم، بدأً بالقصف الکیمیاوي وقنابل النابالم وعملیات الأنفال ضد المدنیین العزل و إنتهاءاً بتدمیر المدن والقصبات والقری الكوردستانیة.   
لماذا الإستقلال، لأن الشعب الكوردستاني یرید أن یصنع واقعه و یحضر زمنه بحضور فعال و مزدهر. لقد تمکن هذا الشعب من خلال حکومته تقدیم خدمات عظیمة للعالم والإنسانیة جمعاء، منها ترسیخ مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي وتعزیز فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان وتحفيز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وما إنتصار مقاتلیه من البیشمركة الغیاری علی قوی الظلام أعداء الإنسانیة من الإرهابیین إلا صفحة مشرقة في تاریخ هذا الشعب.
إن الإستقلال فرصة ثمینة یحررنا من وهم العراق الموحد والغول الدیني، یسنح لنا الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
نرید هنا أن نقول للجزئیة الصغیرة وأقـزام ونكرات ھذا الشعب، الذین یتناغمون مع البقاء في حاضنة العراق، إیقاف ھجومھم الغیر مبرر نھائیا على رئیس الإقلیم، علیهم أن یعودوا لرشدھم ویختاروا مصلحة كوردستان على مصالحھم الخاصة، كما نتمنی منھم العودة إلى حضن الوطن والأم كوردستان والوقوف بجانب رائد الإستقلال كي یواصل المسیرة الوطنیة نحو اقامة دولة كوردستان الحبیبة.
وختاماً: "الإنسان الوسیط العددي أو الكوكبي أو المعولم والخالق هو من یتغیر عما هو علیه لكي یحسن إدارة العلاقة بینه وبین سواه، علی سبیل الخلق والإبداع، وبلغة الحوار والمفاوضة والتسویة، أو بعلقیة المشارکة الفعالة والمسؤولیة المتبادلة. بعقله التواصلي و منطقه التحویلي و حسه العملي یتجاوز نرجسیته المدمرة نحو الكوننة المسؤولة السمحة والمسالمة، بها یتصرف بوصفه مؤتمنا علی نفسه وعلی بني نوعه، مسؤولاً عن الطبیعة وكائناتها."
الدکتور سامان سوراني

5
قطار إقلیم كوردستان یسیر نحو الإستقلال
لقد مهدت الثورة الكوبرنیکیة (نسبة الی الفلكي المشهور نیکولاس کوبرنیکوس ١٤٧٢-١٥٤٣)، التي قوت وضع الإنسان بإعتباره ذاتاً مشرعة، للكانطیة (نسبة الی الفیلسوف الألماني إمانوئیل كانط ١٧٢٤-١٨٠٤) بتأسیس أخلاق غیریة، تقوم علی الإعتراف بوجود الغیر بإعتباره كیاناً إنسانیاً مستقلاً. فبحسب كانط لیس هناك ماهو أكثر قداسة في العالم من حقوق الناس الآخرین.
بعد أن أصبح مسار إقلیم كوردستان نحو الإستقلال واضح المعالم لتقدیم نموذج مثالي للدولة المدنیة بكافة معاییرها في المنطقة والعالم، یتهيء شعب كوردستان قیادةً و أحزاباً للإرتقاء الی مقام یسنح له ترتیب البیت الداخلي وإستقلال المجتمع المدني و تحقیق النظام البرلماني و توحید المؤسسات العسکریة والأمنیة و تقویة مقومات التواصل بعیداً عن التجاذبات والكیدیات والهویات المتنافیة.
إن أخطر مایتضمنه إقصاء الآخر هو إنبثاق العبودیة وإمحاء الحریة. هذا الإنبثاق یكشف سیادة نظام شمولي یطمس كل إنفتاح للذات تجاه العالم. فعدم إقرار الحق التاریخي لشعب كوردستان دون إنتقاء في العراق والإجحاف بالواقع الإجتماعي الكوردستاني علی مدی قرن من الزمان أدی في النهایة الی إستفحال القضیة الكوردستانیة و سعي قیادات شعب كوردستان في إیجاد صیغ أخری لتحقیق الهدف المنشود.
الكثير من المهتمين بقضیة شعب كوردستان یتجاهلون نقطة جوهریة مهمة، ألا وهي رأي شعب كوردستان في أحوالهم.
نحن الیوم نعیش في القرن الواحد والعشرین، هناك حق لتقریر مصیر الشعوب مدون في إتفاقیات دولیة، موقعة من قبل الدول الأعضاء في المجتمع الدولي.
إن تأسیس الکونیة هو نتاج لإستقلالیة الشعب الذي یرتهن بالحریة من حیث هي شرط وجودي وأخلاقي للأنا والآخر معاً.
وإذا کانت الکونیة الکونیة قاعدة شرطیة للمساواة بین الشعوب بإعتبار طبیعتهم المستقلة، فإنها لاتعني غیاب الخاصیة الفردیة، التي تجعل الشعب یعیش وفق کیفیته الخاصة.
إن أمراض التعصب اللامتسامح والشوفینیة المقیتة تقود الی الإنسلاخ عن الماهیة الإنسانیة، بوجودها تحل الهویة المصبوغة بالإستعلائیة و إقصاء الآخر المختلف محل الهویة الإنسانیة فتحول الرؤی الثقافیة المؤدلجة طائفیاً والأحکام القومویة دون فهم الآخر وإقامة علاقات مسؤولة مبنیة علی الإحترام تجاهه. 
إن الإختیار الطوعي لإقلیم كوردستان في الشراكة مع بغداد لتشکیل عراق حُرّ دیمقراطي فدرالي لا یمنع الإقلیم في الإستغناء عن هذه الشراکة بعد أن تبیّن لە بأن الشریك لایکنّ أقل إحترام لحقوقه المشروعة في إختیار سبیله في الحیاة.
کیف یطالب من شعب كوردستان أن یتخلی عن خاصیته الثقافیة والتاریخیة و غیریّته الممیّزة و میولاته الخاصة التي تملیها علیه إرادته الحرة لکي یکون خاضعاً لأوامر ونوایا تیارات نكوصیة تعجز عن استیعاب ثقافة التقدیر وإحترام الآخر و تهدد بإستمرار أمن أفراده و فلسفة التعایش السلمي لمجتمعه المدني المسؤول بالإعتراف بكل الإختلافات والإعلاء من كل ممارسة دینیة كانت أو مدنیة تحترم القانون؟
إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
لاینفع المجتمع الدولي إهمال إرادة وحق شعب كوردستان في الإستقلال وهو الذە یأخذ التطور الميثولوجي، أو ما يمكن تسميته (السوسيومودرنية) المعتمد علی المعايير العالمية الموحدة للحقوق السياسية والمدنية والشخصية للإنسان بجدیة ولا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية، یقرر بالإستفتاء إستقلاله ولا یرید أن یکون شریكاً مع کیانات و جهات داخلیة وخارجیة تروّج للطائفیة والمذهبیة الدینیة .
و ختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة و الجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب. 
الدکتور سامان سوراني




6
الرئیس مسعود بارزاني و مسألة إستقلال كوردستان
القیادة کعامل مهم من عوامل التماسك والتضامن والتنظیم في المجتمع هي ظاهرة إجتماعیة منبثقة من وجود الفرد داخل الجماعة.
هذه الظاهرة کانت موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ زمن كونفوشیوس الصیني (٥٥١ ق. م - ٤٧٩ ق. م) حتی عصر الفیلسوف البریطاني برتراند راسل (١٨٧٢-١٩٧٠) بهدف معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
وإذا أردنا أن نعرّف القیادة، نستنتج بأنه دور سلوکي لإسهامات الفرد والنسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي. بکلام آخر، هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین، بل هي العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
الیوم يمرّ إقليم كوردستان بمنعطف مصيري هو الأهم في تاريخه حتى اللحظة، حيث یتم إجراء استفتاء شعبي بخصوص استقلاله بعد أسبوعین، أي في الخامس والعشرين من شهر سبتمر ٢٠١٧ بهدف تشكيل دولة كوردستان المستقلّة، التي سوف تکون مصدر للإستقرار في المنطقة، بعد أن صار حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني حتمية مطلقة.
إذن نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. القائد مسعود بارزاني کرائد لموضوع الإستفتاء قرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مع إیمانه بطموحات شعبه في الإستقلال وإدراکه العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، یستلخص العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة، یؤکد في کافة لقاءاته مع کبار الدبلوماسیین الأجانب ووفود رفیعة للحکومات بإجراء عملیة الإستفاء من أجل الإستقلال ولایهاب من المجاهرة أمام الملأ والإصرارعلی یوم الإستفاء لتحقیق الهدف الإنساني النبیل والأعلی، ألا وهو ضمان مستقبل شعبه في دولة حرة أبیة. 
رئیس الإقلیم یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.  لکنه مع هذا لم یدعي بأنه منقذ للبشریة، بل یعیش وسط الطبیعة الكوردستانیة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
الرئیس مسعود بارزاني تبنی مشروء إستقلال الشعب الكوردستاني لأنە لا یرید لشعبه الرجوع الی المربع الأول، أي البقاء داخل تجربة فاشلة عاشها شعب كوردستان طوال قرن من الزمان مع حکومات بغداد المختلفة، تلك الحکومات القومیة والدکتاتوریة والشوفینیة التي قتلت مایقارب ربع ملیون ملیون كوردستاني من خلال تنفیذ حملات الإبادة الجماعیة ضدهم، بدأً بالقصف الکیمیاوي وقنابل النابالم وعملیات الأنفال ضد المدنیین العزل و إنتهاءاً بتدمیر المدن والقصبات والقری الكوردستانیة.   
لماذا الإستقلال، لأن الشعب الكوردستاني یرید أن یصنع واقعه و یحضر زمنه بحضور فعال و مزدهر. لقد تمکن هذا الشعب من خلال حکومته تقدیم خدمات عظیمة للعالم والإنسانیة جمعاء، منها ترسیخ مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي وتعزیز فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان وتحفيز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وما إنتصار مقاتلیه من البیشمركة الغیاری علی قوی الظلام أعداء الإنسانیة من الإرهابیین إلا صفحة مشرقة في تاریخ هذا الشعب.
إن الإستقلال فرصة ثمینة یحررنا من وهم العراق الموحد والغول الدیني، یسنح لنا الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
نرید هنا أن نقول للجزئیة الصغیرة وأقـزام ونكرات ھذا الشعب، الذین یتناغمون مع البقاء في حاضنة العراق، إیقاف ھجومھم الغیر مبرر نھائیا على رئیس الإقلیم، علیهم أن یعودوا لرشدھم ویختاروا مصلحة كوردستان على مصالحھم الخاصة، كما نتمنی منھم العودة إلى حضن الوطن والأم كوردستان والوقوف بجانب رائد الإستقلال كي یواصل المسیرة الوطنیة نحو اقامة دولة كوردستان الحبیبة.
وختاماً: "الإنسان الوسیط العددي أو الكوكبي أو المعولم والخالق هو من یتغیر عما هو علیه لكي یحسن إدارة العلاقة بینه وبین سواه، علی سبیل الخلق والإبداع، وبلغة الحوار والمفاوضة والتسویة، أو بعلقیة المشارکة الفعالة والمسؤولیة المتبادلة. بعقله التواصلي و منطقه التحویلي و حسه العملي یتجاوز نرجسیته المدمرة نحو الكوننة المسؤولة السمحة والمسالمة، بها یتصرف بوصفه مؤتمنا علی نفسه وعلی بني نوعه، مسؤولاً عن الطبیعة وكائناتها."
الدکتور سامان سوراني

7
دولة كوردستان بعد خریف الإستقلال
نعم جدلیة التاریخ ترشدنا بأنە في النهایة سوف یکون الإستقلال قدر الأوطان وأنّ الشعوب الساعیة لإرساء الحقوق الدیمقراطیة یتمکن بعد تقریر مصیر مناطقه و حقوقه خلق السلام والأمان والإستقرار. ومن یعتقد بأن إستقلال شعب محب للسلام، شعب یمد ید التآخي والوئام الی شعوب المنطقة، لاینهي المشاکل التاریخیة فهو أكثر من واهم. واقع الحال یثبت لنا بأنه بعد كل هذه التحولات الجذرية في المنطقة والتي شكلت فرصة وجودية أمام شعب كوردستان لیدلي في یوم ٢٥ من شهر أیلول عام ٢٠١٧ بصوته في استفتاء تاريخي يمهّد لتأسیس دولة كوردستانية لها کافة المقومات الأساسیة. دولة تُبنی علی أسس الفدرالیة والدیمقراطیة والمدنیة و الحریة والتعایش المشترك وفق إرادة شعب.
هذا الإنجاز المرتقب هو مکان إعتزاز و فخر لشعبنا، الذي شقّ طریقاً طویلاً محفوفاً بالصعوبات والتحدیات و سوف یکون لإستقلالنا أثر إيجابي علی السلام والإستقرار الدولي والإنساني.
شعب كوردستان یعیش وللأسف منذ قرن من الزمان، أي منذ إنیهار الإمبراطوریة العثمانیة الفاسدة والمریضة عام ١٩١٨ وبعد تطبیق إتفاقیة سایكس-بیکو المشؤومة إجحاف دولي لا مثیل لە. ففي أطراف كوردستان أجیز إنشاء دول قومیة علی حساب جغرافیتها السیاسیة، حکومات وأنظمة تلك الدول كانت ومازالت الی الیوم دکتاتوریة، قومیة، شوفینیة، فاشستیة و طائفیة.
نحن لا نرید تکرار التجارب المریرة التي مرّ بها شعبنا خلال مئة عام. نرید أن نطبق حقوقنا في تحقیق الذات لنقدم للإنسانیة جمعاء تجربتنا في العیش المشترك وصون حقوق الكیانات وتأصیل التعددیة الثقافیة.
عجبي کل العجب من رؤوساء وقیادات الأحزاب السیاسیة الدینیة الشمولیة الفاشلة في العراق العربي الطائفي بشقّیه الشیعي والسني أن یستخدموا لغة التهدید والوعید یحذرون بها شعب كوردستان من عواقب إصرارهم علی الإستفتاء نحو الإستقلال.
قیادات تلك الأحزاب والتیارات التي تعیش خارج قوامیس الثقافة والحضارة یطالبون شعب كوردستان بالبقاء في إطار شراکة مزیفة بإعتبارهم أشقاء في الوطن، لکنهم جمیعاً وطوال مایقارب ١٤ سنة بعد سقوط الطاغیة في بغداد لم یتحركوا ولا لبرهة الی العمل في كشف المقابر الجماعیة لأكثر من ١٨٠ الف إنسان كوردستاني مؤنفل في المناطق الصحراویة من وسط و جنوب العراق. هذه طبعاً هي خصوصية وجودية تؤهل شعبنا للتمايز والاستقلال. ماذا یعني لتلك الأحزاب الطائفیة الأخوة والشراكة وهي لا تهتم قید أنملة بمتابعة ملفات الاستبداد والطغيان والإجرام وجرائم تاريخية حصلت ضد الأخ الشریك في "الوطن"؟
لقد فقد شعب كوردستان الأمل بحکومات بغداد، التي ترید للطائفیة الشیعیة أن تكون سردية كبرى معادية لکل تطلع نحو الحریة والإستقلال، داعیة لاستنهاض أهل التشّیع تحقيقاً لعزّتهم، من خلال التأكيد على ما يجمع أهل العراق ويميزها عن غيرها. علماً بأن صیغـة الطائفیة لا تنجح في تحديد مقنع وواضح لما هو مشترك بين الشعب الكوردستاني وشعب تحمل أفکار ونعرات طائفیة مقیتة. لقد أصبح الكورد في اقلیم کوردستان وكذلك الكورد والعرب والتركمان وسائر المكوّنات الأخری الساکنة في المناطق الكوردستانیة الخارجة عن إدارة الإقلیم ضحایا عدم التزام حکومات بغداد ببنود دستور عام ٢٠٠٥.
بإختصار، إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف مایسمی الیوم طوباویاً بالعراق الاتحادي الفدرالي التعددي الموحد. استقلال الدولة يعني سيادتها واستقلالها فعلياً وقانونياً في ممارسة قرارها الدولي بعيداً عن سيطرة أية دولة أخرى أو توجيهها واعتراف الدول الأخرى بها وحقها في التمثيل الدبلوماسي وعضوية المنظمات الدولية وحريتها في اتخاذ القرارات الدولية على الصعيد الخارجي وعلى صعيد العلاقات الدولية من دون قيد أو تردد أو إكراه أو ضغط إلا الالتزامات التي يقرها القانون الدولي والمعاهدات الدولية الثنائية والإقليمية في نطاق الندية والاحترام المتبادل. الإستقلال والسيادة توأمان لايفترقان، فالسيادة كالإستقلال يعني ممارسة الدولة لقرارها السياسي داخلياً وخارجياً وفق إرادتها الحرة أو عدم خضوعها لأي سلطة داخلية كانت أو خارجية ، حيث لا يحق لأي جهة أن تفرض قوتها على الدولة في منطقة نفوذها. صحیح بأن الاستقلال بسبب الظروف المحلیة والإقلیمیة ليس بسهولة الاستفتاء، لکن إیماننا بحقنا في الحریة وحق بلادنا في الحیاة أقوی من كل سلاح وعلی الشعب الكوردستاني، إذا أراد تحقیق حلمه، الإتحاد  و توحید الصفوف والإستجابة للقدر.
وختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة والجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب.  رهاننا هو أن تتحول طاقاتنا إلى قوة مجتمعية فاعلة تفتح الابواب والفرص لبناء دولة كوردستان ، متحرّرة من وهم العراق الموحد  والغول الدیني، قوامها الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
الدکتور سامان سوراني

8
إسرائیلیات نوري المالكي و فلسفة الحقد علی كوردستان
بحسب الفیلسوف الألماني فریدیك نیتشه یمکن للقوی الإرتکاسیة أن تتغلب على القوى الفاعلة عندما يحل الأثر محل الإثارة داخل الجهاز النفسي، ويحل ردّ الفعل محل الفعل ويتغلب عليه. بهذه الطریقة البسیطة یعبر الفیلسوف العظیم  عن الحقد، بإعتباره ردّ فعل يصير محسوساً ويكف في الوقت ذاته أن يكون مفعولاً به، بل إن هذا الحقد في تصور نيتشه هو الذي یحدد المرض بصفة عامة. الحقد إذن هو: اكتساح اللاوعي للوعي، وصعود الذاكرة الأثرية إلى الوعي، بالذات.
وفي علم التفسیر تنقسم الإسرائیلیات الی ثلاث أقسام، منها ما يُعلَم صحته بالنقل وهو صحيح مقبول. وكذا إذا كان له شاهد من الشرع يؤيده. ومنها ما يُعلَم كَذِبه فلا يصح قبوله ولا روايته وأخیراً منها ما یسکت عنه لا هو من الأول ولا من الثاني.
وفي علم التفسیر لنوري المالکي الكثير من الهوامات الأصولیة التراجعیة والخیال المخترع ، نشك في صحة کل ما یقدمه ، رغم أننا علی علم مسبق بأن هذا الشخص مصاب بمرض  الميغالومانيا والبارانويا.
لقد أسهم المالکي بسبب نهجه الطائفي بشکل فعال في تدمیر العراق وأنتج خلال فترة حكمه الدكتاتورية ، مستخدماً سیاسة الإقصاء تجاه الكورد والسنة، حیث جعل دورهما هامشیاً وقام أخیرا ًبتسليم مدينة الموصل ومدن أخری الى تنظيم مایعرف بـ”داعش”. ها هو الآن یأتي بأحادیث جدیدة كاذبة یزعم بأن "كوردستان أصبحت منبتاً لكل الشركات والمخابرات الإسرائيلية" و یتجرأ بالتطاول علی مسألة إستقلال كوردستان بالقول بأن "الشعب الكوردي لایرید الإستقلال" ویقول "إذا اقتضى الأمر يجب أن يُردع نوایا قیاداتهم بالقوة".
هذا السیاسي الفاشل هدر الملیارات من المال العام من أجل تمکین أناس هم أعداء للفهم، درّبهم علی إتقان لغة التصديق و التصفيق والتهليل، كي یستخدموا کأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر، وهذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
إن هروبه من مجابهة الذات و ممارسته لأقصی درجات المكيافيلية في التهاجم علی الكورد و كوردستان بثنائيات لا يمكن أن تترجم سوی في أعمال القمع والعنف والإرهاب. فهدف المالكي واضح، وهو العمل علی تنفیذ الأجندة الخارجیة وإقامة نظام شمولي نظیر ولایة الفقیه،  يقوض عن طریقه بحزبه و معسكراته العقائدية حيوية الكيانات المختلفة في العراق، التي يريدها هو أن تدين و تنتسب أو تتبع للمرشد الأعلی والزعيم الحاكم بأمره.
فلیعلم المالکي ومن یدور حول أفکاره بأن الشعب الكوردستاني منذ سقوط الإمبراطوریة العثمانیة والی الآن یناضل بکافة الوسائل المدنیة والثوریة دون هوادة من أجل إستقلاله ووحدها قوات البیشمرکة ترسم الیوم حدود کوردستان بالدم.
من الواضح بأن صناعة التاریخ فعل مشترك أسهم فیه کل من له عین تری، وأذن تسمع و عقل یعي وقلب یخفق ممن أثر بصورة أو بأخری في خلق الظروف المناسبة لتغيير مجری التاریخ.
أما محرك التاریخ الحقیقي فهو القلق الدائم والجهد المثابر ، إذا إنطفأ هذا المحرك لم یکن ثمة علم ولم تکن ثمة حضارة. فالحركة تعبر عن الصیرورة التاریخیة المتجهة الی المستقبل "المصیر".
لایمکن إهمال (العامل الشخصي) – الذاتي - في تعلیل الحوادث أو في صناعة التاریخ ولا سیما "للقادة والأبطال" الذین أثروا في مجری التاریخ لامتلاکهم مواصفات القایادة التاریخیة  من جهة وإعتمادهم علی "الجماهیر" في إحداث التغيير التاریخي- العقلاني من جهة أخری. فمکانة رئیس الإقلیم مسعود بارزاني کقائد کوردستاني تترسخ بشكل أكبر يوماً إثر يوم و موقع الإقلیم تزداد قوة في المعادلة الإقلیمیة.
شعب كوردستان وقوات البيشمركه المناضلة يحاربون الیوم بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقتربت من أراضيه أو أرادت النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
عن قریب سوف یتم القضاء علی تنظیم داعش المسلح في العراق و سوف تظهر ولحسن الحظ تغییرات جذریة في الجغرافیة السیاسیة في المنطقة.
نحن نری الیوم ضرورة تجزئة العراق إلى ثلاثة كيانات منفصلة للشيعة والسنة والکورد للحيلولة دون المزيد من إراقة الدماء ولحلّ الازمة السياسية.
إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف مایسمی الیوم طوباویاً بالعراق الإتحادي الفدرالي التعددي الموحد.
إن لهجة التهديد التي یستخدمها المالکي و التنبؤ بالفوضى بعقل استئصالي إستيطاني لا تنفع ولا تقلل من عزم حكومة الإقليم علی اﻟﻤﻀﻲ ﻗدﻤﺎﹰﻓﻲ ﻤﺸروعها حول الأستفتاء العام بهدف الإستقلال.
فالوجود التاریخي لایمکن أن یکون حقیقیاً إلا إذا کان حالیاً  أي "معاصراً" و لندع التاریخ یتحرك بلا عائق وتسترد الطاقات الحیویة کامل قدرتها و لینشط الفکر بلا قید و لنعرف إتجاه حرکة تاریخنا.
نقول للمالکي ولمن على شاكلته بأن شعب كوردستان  یأخذ التطور الميثولوجي، أو ما يمكن تسميته (السوسيومودرنية) المعتمد علی المعايير العالمية الموحدة للحقوق السياسية والمدنية والشخصية للإنسان بجدیة ولا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزي ولا یرید أن یکون شریكاً مع کیانات و جهات داخلیة وخارجیة تروج للطائفیة والمذهبیة الدینیة .
و ختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة و الجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب.   
الدکتور سامان سوراني


9
الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان لاتقبل المساومة علی كوردستانیة كركوك
بما أن الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان أصبحت اليوم جداراً صلباً ومنيعاً لصد جميع المحاولات الإرهابية البشعة لداعش وقوی شوفينية خارجية أخری، ترغب النيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع الكوردستاني وتعمل من أجل هدم إستقرارە وأمنه وإيقاف نهضته الإقتصادية والعمرانية والمدنية، نری التطورات الأخیرة في العراق تثبت لنا مرة أخری وبکل وضوح بأن التاریخ في الشرق الأوسط یعید نفسه وللمرة الألف. هناك قوی تعادي التأقلم مع العالم المتحضر و ترید العیش في الماضي، أي الإستمرار في سیاسة السلب و النهب والأنفال والتعریب والترهیب. 
إن رفع علم كوردستان على المؤسسات الحكومية والرسمية في مدینة كركوك ، التي هي خط التماس والدفاعي لكوردستان، جاءت متأخرة لکنها خطوة مهمة نحو الأمام.
شعب كوردستان يحب بلدە ويتمنى له الأمن والإستقرار ومسألة كوردستانية المناطق الكوردستانية التي كانت خارجە عن إدارة إقليم كوردستان ، كالمدينة التاريخية كركوك ، بالنسبة له فهي محسومة من النواحي التاريخية والجغرافية والواقعية ولايحتاج في ظل الواقع الجديد وبعد دخول قوات البيشمركة الیها لحمايتها ومنع سقوطها بأيدي الإرهابيين والبعثيين ، بعد إنسحاب القوات الحكومية منها ، أن يحل وفق المادة 140 من الدستور العراقي ، التي بقيت لمدة ١١ سنوات دون جدوی. و يعتبرون هذه المادة اليوم منجزة و منتهية و لن يتحدثون عنها مستقبلاً.  الكورد لایساومون علی كوردستانیة كرکوك و علی الجهات الرسمیة الإسراع لإجراء إستفتاء لإلحاق كركوك بإقليم كوردستان بشكل قانوني.
الهوية الكوردستانية كوعاء وطني كبير يعترف ويوثق ويستوعب كل الطوائف ومكونات المجتمع الكوردستاني ، بهدف خلق كيان كبير وقوي يمثل الجميع ولايقصي أو يلغي أحداً ،  بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكوناته ويهدف الی صنع نقطة تلاق وارتكاز وانطلاق واحدة للمجتمع لينطلق منها لتحقيق أهدافه العليا.
إن تصميـم الهوية الكوردستانية الواحدة والجامعة للمجتمع الكوردستاني الموحد ضرورة تاريخية ملحة للمرحلة التأسيسية وكذلك لباقي مراحل وعمليات بناء الدولة الكوردستانية الحديثة المسكونة بروح العصر والمطبوعة بالمدنية والديمقراطية والتي تملك العلاقة التفاعلية بين ثلاث مكونات وهي الإقليم كمجال حيوي لوجود الدولة وتحديد وجودها القانوني والسكان ، الذين يتغيرون من ناحية أشكال وجودهم الإجتماعية والسلطة ، التي تتغير باستمرار ومن نواحي عديدة وبإتجاهات مختلفة. هنا نستطيع أن نأتي بتجربة الولايات المتحدة الأمريکية  المستوعبة لأضخم تعدد وتنوع بشري عرفته البشرية لمزجه في كيان واحد موحد ومنظم وموجه لتحقيق المصالح العليا لتلك الدولة ، حالها حال الأمة البريطانية والفرنسية والماليزية وغيرها.
 فالهوية الوطنية الكوردستانية كدستور ضمني غير مكتوب وغير معلن تتشكل من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية ، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة ، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمع
 وختاماً: نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرین، نعرف جیداً بأن عولمة الهوية الوطنیة لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدکتور سامان سوراني



10
الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان لاتقبل المساومة علی كوردستانیة كركوك
بما أن الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان أصبحت اليوم جداراً صلباً ومنيعاً لصد جميع المحاولات الإرهابية البشعة لداعش وقوی شوفينية خارجية أخری، ترغب النيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع الكوردستاني وتعمل من أجل هدم إستقرارە وأمنه وإيقاف نهضته الإقتصادية والعمرانية والمدنية، نری التطورات الأخیرة في العراق تثبت لنا مرة أخری وبکل وضوح بأن التاریخ في الشرق الأوسط یعید نفسه وللمرة الألف. هناك قوی تعادي التأقلم مع العالم المتحضر و ترید العیش في الماضي، أي الإستمرار في سیاسة السلب و النهب والأنفال والتعریب والترهیب. 
إن رفع علم كوردستان على المؤسسات الحكومية والرسمية في مدینة كركوك ، التي هي خط التماس والدفاعي لكوردستان، جاءت متأخرة لکنها خطوة مهمة نحو الأمام.
شعب كوردستان يحب بلدە ويتمنى له الأمن والإستقرار ومسألة كوردستانية المناطق الكوردستانية التي كانت خارجە عن إدارة إقليم كوردستان ، كالمدينة التاريخية كركوك ، بالنسبة له فهي محسومة من النواحي التاريخية والجغرافية والواقعية ولايحتاج في ظل الواقع الجديد وبعد دخول قوات البيشمركة الیها لحمايتها ومنع سقوطها بأيدي الإرهابيين والبعثيين ، بعد إنسحاب القوات الحكومية منها ، أن يحل وفق المادة 140 من الدستور العراقي ، التي بقيت لمدة ١١ سنوات دون جدوی. و يعتبرون هذه المادة اليوم منجزة و منتهية و لن يتحدثون عنها مستقبلاً.  الكورد لایساومون علی كوردستانیة كرکوك و علی الجهات الرسمیة الإسراع لإجراء إستفتاء لإلحاق كركوك بإقليم كوردستان بشكل قانوني.
الهوية الكوردستانية كوعاء وطني كبير يعترف ويوثق ويستوعب كل الطوائف ومكونات المجتمع الكوردستاني ، بهدف خلق كيان كبير وقوي يمثل الجميع ولايقصي أو يلغي أحداً ،  بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكوناته ويهدف الی صنع نقطة تلاق وارتكاز وانطلاق واحدة للمجتمع لينطلق منها لتحقيق أهدافه العليا.
إن تصميـم الهوية الكوردستانية الواحدة والجامعة للمجتمع الكوردستاني الموحد ضرورة تاريخية ملحة للمرحلة التأسيسية وكذلك لباقي مراحل وعمليات بناء الدولة الكوردستانية الحديثة المسكونة بروح العصر والمطبوعة بالمدنية والديمقراطية والتي تملك العلاقة التفاعلية بين ثلاث مكونات وهي الإقليم كمجال حيوي لوجود الدولة وتحديد وجودها القانوني والسكان ، الذين يتغيرون من ناحية أشكال وجودهم الإجتماعية والسلطة ، التي تتغير باستمرار ومن نواحي عديدة وبإتجاهات مختلفة. هنا نستطيع أن نأتي بتجربة الولايات المتحدة الأمريکية  المستوعبة لأضخم تعدد وتنوع بشري عرفته البشرية لمزجه في كيان واحد موحد ومنظم وموجه لتحقيق المصالح العليا لتلك الدولة ، حالها حال الأمة البريطانية والفرنسية والماليزية وغيرها.
 فالهوية الوطنية الكوردستانية كدستور ضمني غير مكتوب وغير معلن تتشكل من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية ، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة ، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمع
 وختاماً: نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرین، نعرف جیداً بأن عولمة الهوية الوطنیة لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدکتور سامان سوراني



11
داعش هي ثمرة الجينات الثقافية وأوهام الإستراتیجیات الأصولیة
ما أکتشفناه من التاریخ هو أن الهويات الثقافية تتغير و تتحول بفعل صروف الزمن و بحكم التفاعل مع الحضارات السابقة و ديمومتها، منها الحضارة الفارسية، الهندية، الصينية و اليونانية.
أما التفاعل مع الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية، التي إنشق عنها الإسلام و حاول نسخها أو تطويرها، فله تأثير كبير علی تلك الهوية.
 لقد أصبح من المسلّمات بأن الذي يدّعي التطابق مع الهوية الثابتة لا يمارس إلا زيف وجودي و تهويم عقائدي، لأنه بات في سلعه و أدواته أو في لغته و مفردات وجوده، بمعنی من المعاني أوروبي، أمريكي أو الماني أو ياباني أو شرق أوسطي.
فمن لا يحسن أن يتغير بالرغم من الفرص المتاحة له، فسوف تهمشه التحولات، فيغدو هو آلة لها أو يزداد تبعيته للغير، وهكذا يهدر موارده و ينخرط في دعوات مستحيلة مآلها الهلاك والدمار.
داعش، أو ما يسمی بالوحش الإرهابي، الذي يجد مسوغاته في ثنائية الإيمان والإلحاد أو في عقلية التكفير، التي تقسّم الناس بين مؤمن يراعی حقوقه و يحترم و غير مؤمن يرفض و يقصی لكي يدان و يتهم، يفاجئنا من حيث لا نحتسب. من هو الداعشي؟ إنه نتاج العقول و ثمرات الأفكار.
تربية هذا التنين و رعايته كانت و لا تزال في العقول والنفوس، سوّقت من قبل الصحافة والشاشة و الديسكتوب بعقائد و مقدسات و شرائع و فتاوی وهويات عنصرية و إستراتيجيات أصولية مبنية علی الإستبعاد والإستئصال.
إبراهيم السامرائي "أبو بكر البغدادي"، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، يشدّ بعد کل الهزائم التي تلحق به و بعصاباته المجرمين "عزيمة" مقاتليه، یستنهض قطیع الانتحاريين و یدعو من یسمّیهم "قوافل الاستشهاديين" إلى تحويل الدماء أنهاراً، وكأن العراق قد عاش طيلة السنوات السابقة بعيداً عن الإرهاب الحروب والدمار و أنهار من الدماء.
أبو بكر البغدادي و غيره ، الذين أعلنوا حربهم ضد الإنسانية و الحضارة و التعايش السلمي، هم من صنع الدعاة الجدد الذين إحتلوا المنابر والشاشات منذ أكثر من ربع قرن، تحت لافتات الحكومات الشرعية و الصفات اللاهوتية والمهمات الإلهية، وهم ثمار المفسّرين المشّعوذين، الذين يزعمون دوماً، بأن التجارب والأبحاث العلمية في ميادين العلم من المبادیء والنظريات، لا تعطي بالجديد، لأن كتاب الله المقدّس ينطوي علی العلم بكل شيء.
إنهم ثمار الأبله الثقافي، الذي سلّم أوراقه و شهاداته الی مرجعه أو شيخه أو أميره، الذي بدوره يختم علی عقله و يعمل علی قولبته، لكي يخلق و يمارس بعملياته الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية. وهم ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، و سوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران.
لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في البلاد من اجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.
على حكام المنطقة تغيیر اسالیب  تعاملهم مع شعوبهم، ففي العراق وسوریا مثلاً شاهدنا کیفیة إقصاء کیانات مهمة، لم يسمح لهم بالمشاركة السياسية، حیث صار التمييز بين الافراد والطوائف علی أساس المذهب والعرق بعیداً عن تطبیق الشفافية والحكم الرشيد أو العدالة.
إن إحترام إرادة الشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم قضایا أساسية لمن یرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.
من الضروري بعد دحر الدواعش معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية و توفير فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل، لأن البطالة مدعاة للجريمة ولا سيما إذا كان صاحبها عرضة للدعاية والحث على ذلك وليس له من الوازع الديني والعلمي ما يحصنه. علینا ترسيخ مفهوم الوسطية واشاعة ثقافة الاختلاف و الحوار، إنه سلوك حضاري. ونعني بالوسطية والاعتدال التوسط في التعامل مع النصوص وفي التعامل مع الناس. إن مكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزلة أو مقدسة أو نهائية. التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة ولايمكن وصفها بالحل.

إن بناء العلاقة بالحقيقة علی أساس الحجب والتعتيم تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفحشاء والمنكر والفساد، و تجعل علاقاتنا بالحرية مبنية علی المفاضلة و الإستبعاد والطعن والإنتهاك.
و سوف تظل محاولات التقريب والحوار غير ناجحة طالما هناك مفردات كالشرك والكفر أوالبدعة والضلالة، التي هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره، لكي يدينه و ينزّه نفسه و يؤول العمل بموجب ثنائية الضال والمهتدي أو المحق والمخطیء والتشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة الی خلق الخداع والضلال و تقلص الأمور الجامعة والمساحات المشتركة من القيم والمعايير والقواعد أو من اللغات والتوسطات والأدوات.
الأنظمة المبنية أساساً علی الخطأ والخلل أو إعتقادات و تصورات و قناعات و سياسات قد إستنفدت نفسها، لا تولد سوی المساویء والمخاطر والكوارث.
فلنبدأ بنقد ذواتنا و نتحدث عن أخطاءنا بشفافية لكي نستطيع أن نولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة و خجولة، علی صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية. 
وختاماً: "النسبية والإختلاف، هو الذي يفتح الإمكان أمام محاولات التقريب والإتفاق، بعقلية الشراكة الفعالة والبناءة، بما هي محاورة و محاججة أو مداولة و مواكلة أو مبادلة ومعاونة."
الدكتور سامان سوراني
 



12
إستقلال كوردستان وهذيانات نوري المالكي المَرَضية
في فيلم إنغمار برغمان الختم السابع، الذي بات علامةً فارقة في تاريخ السينما العالمية، حين يواجه البطل نهايته، يدعو ملك الموت إلى مباراة شطرنج بلا أمل! هناك هذيانات أنيقة تأتي من غور الدروب الطويلة وتمضي إلى نهاياتٍ مفتوحة، لکن الأمر هنا مختلف تماماً، فشخصیة نوري المالکي السیاسیة یذکرنا بأفلام سینمائیة بعض أبطالها مصابون بحالة من "جنون العظمة" أو مایسمی باللغة الإغريقية بالـ"ميغالومانيا"، (بالإنجليزية: Megalomania ). الجمیل هو أن الأفلام تبقی أفلام، لکن إذا کان المصاب شخص موجود في الواقع، تسلم مقالید السطة في العراق لسنوات أو یقود حزب كبیر، فسوف تتغیر المعادلات و النتائج. المصاب الحقیقي بهذا المرض يمكن إعتباره مريض عقلي يعيش في حالة ذهانية تتميز بالهذيان الواضح والمستمر أو يعيش أفكاراً متسلطة تسبب له الهذيان. أما الإعتقاد الجازم بفكرة خاطئة يوصف بالبارانويا ، لأن المصاب بهذه الحالة المرضؔية النفسية يملك جهازاً عقائدياً معقّداً وتفصيلياً يتمركز حول أوهام واقعية لها ، هذه الأوهام تقنعه بأنه يُضطهد من قبل الآخرين ، وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاده من قبلهم هو كونه شخص عظيم ومهمّ للغاية.
هذا الشخص المصاب بالمرض المذکور أعلاه  أسهم في تدمیر العراق بسبب نهجه الطائفي وأنتج الدكتاتورية خلال فترة حكمه، مستخدماً سیاسة الإقصاء تجاه الكورد والسنة، حیث جعل دورهما هامشیاً وقام أخیرا ًبتسليم مدينة الموصل ومدن أخری الى تنظيم مایعرف بـ"داعش"، نراه یصف في تصریح لە بأن مسألة استقلال كوردستان مجرد إبتزاز السياسي، ویقول أن "الشعب الكوردي لا يريد الاستقلال ".
فلیعلم المالکي بأن الشعب الكوردستاني منذ سقوط الإمبراطوریة العثمانیة والی الآن یناضل بکافة الوسائل المدنیة والثوریة دون هوادة من أجل إستقلاله ووحدها قوات البیشمرکة ترسم الیوم حدود کوردستان بالدم. وليعرف المالکي جيداً بأنه سيفشل من أراد أن يقف أمام إرادة هذا الشعب. إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
بعد ظهور تنظیم داعش المسلح في العراق و إکتساحه مناطق واسعة و بعد محاولته الزحف نحو بغداد العاصمة طرأت علی العراق تغییرات جذریة سوف تظهر بعد إلحاق الهزیمة به. نعم هناك الیوم ضرورة لتجزئة العراق إلى ثلاثة كيانات منفصلة للشيعة والسنة والکورد للحيلولة دون المزيد من إراقة الدماء ولحلّ الازمة السياسية. إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف ما یسمی الیوم طوباویاً بالعراق الإتحادي الفدرالي التعددي الموحد. في السابق تعامل نوري المالكي مع الديمقراطية والفدرالية بعقل أحادي وقام بالجزم بعقل أصولي أقنومي. لقد رأینا مآل عمله حیث أوصل العراق الی المزيد من الفوضى والفشل والإفلاس والخراب.
كوردستان كان في السابق ملاذاً لحماية المعارضة، بما فیهم المالکي، ضد هجوم وحملات النظام الدكتاتوري الصدامي وهو اليوم صار ملاذ آمن لأكثر من ملیون ونصف مليون مواطن هربوا بسبب فشل سیاسات المالكي و إنعدام الأمن والعدالة والمساواة أوالحرب من مدن الموصل وبغداد ووسط وجنوبي العراق ليصبحوا لاجئين في دولة كوردستان المستقرة.
لنعترف بالحقائق لكي نحسن صنع حقيقتنا، فلکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته و تراكيبه أو تجاوزاته‌ و تراكباته ومن لايعترف بالحقائق لا يستطيع المساهمة في خلق وصناعة الحقيقة.
المالكي بحیله المكشوفة و تحالفاته الفاشلة لم یتمکن من هدم التجربة الكوردستانية أو كسر إرادة شعب كوردستان، رغم قیامه بحرمان هذا الشعب الأبي من حصته من الموازنة وسعيه في ضرب وجرؔ العملية السياسية في إقلیم كوردستان الی الطريق المسدود.
شعب كوردستان وقوات البيشمركه المناضلة يحاربون الیوم بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقتربت من أراضيه أو أرادت النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
ختاماً نقول للمالکي ولمن على شاكلته بأن شعب كوردستان لا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية.
شعب كوردستان لایرید العیش في ثنايا الإرث الدكتاتوري أو يسير نحو إحياء الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي. شعب كوردستان يرفض السباحة في بحر السبات القومي والحصن الديني ولا یرید أن يعيش مرة أخری في جمهورية الخوف ونهایاتها الكارثية أو يتنفس تحت رحمة القوقعة الإصطفائية والوكالة الحصرية ، التي تجلب الجور والتعسف والتعريب والتهجير والأنفال والإبادة الجماعية ، لذا يقرر مصيره بيده و ينتخب الإستقلال.
الدکتور سامان سوراني

13
أهمیة مشاركة الرئيس مسعود بارزاني في الإجتماع السنوي للمنتدی الإقتصادي العالمي (دافوس ٢٠١٧)
منتدی دافوس الإقتصادي ، الذي إجتذب علی مدی تاريخه أسماء لامعة من عالم الأعمال و الأكاديميين و السياسة والفن، منهم نيلسون مانديلا، بيل كلينتون، أنجيلا ميركل، بيل غيتس، توني بلير، مسعود بارزاني، منظمة غير ربحية، تمول نفسها بالإشتراكات التي يدفعها أعضاؤها، تأسس من قبل كلاوس شفاب، رجل أعمال الماني الأصل، بهدف ربط الصلة بين زعماء المال والأعمال الأوروبيين ونظرائهم في الولايات المتحدة لإيجاد طرق تعزيز التعاون وحل المشاكل.
بدأ المنتدی أعماله عام ١٩٧١ تحت عنوان "منتدى التسيير الاقتصادي الأوروبي". أما المشرفون علی المنتدی يدّعون بأن منتداهم ساهم في الماضي بشكل فعّال في تهدئة الخلافات بين تركيا واليونان، وبين الكوريتين، وبين ألمانيا الشرقية والغربية، وفي جنوب إفريقيا أثناء نظام التمييز العنصري.
یعتبر المنتدی لهذا العام، ٢٠١٧،  للکثیر من المشارکین حدث مزدوج، ففي البدایة هناك برنامج رسمي تناقش فیها القضایا الإقتصادیة والإجتماعیة العالمیة بشکل عام و بعده تسنح الفرص للقاءات فردیة بین رؤساء الدول و أصحاب الشرکات الصناعیة العالمیة لتبادل الآراء في مجموعات صغیرة وإجراء مفاوضات حول قضایا راهنة ومهمة.
بالتأکید سوف یتم الحدیث بین المشارکین، الذین تصل عددهم الی حوالي ثلاثة آلاف شخص ، أكثرهم من الولایات المتحدة الأمریکیة، حول التحولات في منطقة الشرق الأوسط وإعادة الإعمار بعد القضاء علی "الدولة الإسلامیة" المسمی بداعش والمسار الذي تتبعه الإدراة الجدیدة المنتخبة في أمریکا.
ولأول مرة نرئ حضور صیني فعّال في هذا الحدث المهم، حیث یشارك الرئیس الصیني، شي جين بينج، شخصیاً، علی خلاف کل من المستشارة الألمانیة ، أنجیلا میرکل، والرئیس الفرنسي، فرانسوا هولاند، حیث أعلن عدم مشارکتهما لأسباب لم تذکر.
أما الرئیس الأمریکي ، باراك أوباما، المنتهية ولایته فلا یحضر الإجتماع، بالمقابل سوف یحضر کل من نائبه جو بایدن و وزیر خارجیته جون کیري. رئیسة حکومة بریطانیا، تيریزا ماي، فسوف تحسب من الحاضرین في إجتماع المنتدی لهذه السنة.
بالتأکید سوف تکون مواضیع مثل النمو الإقتصادي والشکوك المتزایدة حول تشابك المخاطر الأمنیة التقلیدیة والعولمة الإقتصادیة و التعاون الدولي و التحولات الرقمیة و تأثیرها علی المجتمعات في العالم علی جدول الأعمال.
إن مشاركة الرئيس مسعود بارزاني، الذي يكون ضمن مجموعة من رؤساء دول و حكومات، في منتدی إقتصادي عالمي يحمل عنوان «قیادة مسؤولة و قابلة للتکیف» دليل علی إهتمام حکومة الإقليم بالفلسفة الجديدة للإقتصاد و سعيها الدٶوب في الدخول الی منظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق مكاسب علی أرض الواقع و يقينها بأن الشعوب أصبحت تقيّم النظم الإقتصادية من خلال المكاسب، لا من خلال الإنغلاق السياسي والإقتصادي أو من خلال نظريات طوباوية و كلمات منمقة و رفع شعارات زائفة.
فمع تفجير أطر الزمان والمكان بسبب ظهور الإنسان الرقمي و العمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و إنتهاء زمن العقل الإمبراطوري، نری اليوم صدارة الإستثمارات الأجنبية في قضايا الإقتصاد المعاصر، التي كانت قبل عقود قليلة موضع الشك والريبة، بإعتبارها كانت تفسر كأداة للتجنيد وممارسة أنشطة مناهضة للإيديولوجيات والنظريات القومية الضيقة، التي إحتلت زهاء نصف قرن عقول النخب السياسية الضالة في العالمين العربي والشرقي و ساهمت مساهمة سلبية في تأخر المجتمع و الإقتصاد القومي. إن فكرة تشجيع الإستثمار الأجنبي لا فقط في نقل رأس المال، كما يتخيله سذجة علوم الإقتصاد، بل في نقل التكنولوجيا والإدارة الحديثة و تطوير ثقافة العمل و الإشراك في النهضة العلمية الحديثة أمر مهم.
حكومة إقليم كوردستان بادرت في السابق  لجذب الاستثمارات الأجنبية و منحها إمتيازات وعرضت مجموعة من الفرص الاستثمارية في الاقليم وتم بفضل هذه المبادرة تنفيذ مشاريع سكنية وفندقية عظيمة و إنشاء عدد من الجامعات الخاصة مثل الجامعة الأمريكية في کل من المحافظتین السلیمانیة و دهوك و مصافي للمشتقات النفطیة ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية ومجموعة أخرى من المشاريع الصناعية.
وسوف يسمح هذا المحفل للوفد الكوردستاني المشارك بالإلتقاء بالأوروبيين والأمريكيين وإبرام صفقات تجارية و طرح مشاكل آنية والبحث عن حلول لما بعد "داعش" و إنهاء الأزمة الإقتصادیة في الإقلیم و إنهاض البنیة التحتیة.   
نتمنی أن يحصل رئیس  الإقلیم، المٶمن بالسياسة الديمقراطية و الحداثة و الإقتصاد الليبرالي المعولم، المزيد من الدعم العالمي لقضية شعبه العادلة وتعزيز وتثبيت المكانة الإقتصادية للأقليم دولياً من أجل ترسيخ مبادیء الديمقراطية الجذرية فيە، لیکون الإقلیم نموذجاً حیاً في المنطقة یحتذی به.
وختاماً: "لا سبيل اليوم لمجتمع أن ينمو و يتطور أو أن يتقدم و يزدهر من غير أن يمارس حيويته الإقتصادية، فالهوية هي صيرورة تصنعها العلاقة مع الغير، كما الدين هو المعاملة و العقل هو المداولة و السياسة هي الشراكة."
الدكتور سامان سوراني






 





14
نوري المالکي و محاکم التفتیش في جمهورية الفساد
رغم أن تاریخ محاکم التفیش أو مایسمی باللاتینیة بـ " Inquisitio Haereticae Pravitatis" یرجع الی أكثر من ستة قرون، محاکم أنشئت أصلاً من قبل الکنیسة الکاثولیکیة لقمع ومحاربة الهراطقة وأصحاب البدع والردة أو المؤمنین بالسحر، إلّا أنها أستخدمت وخاصة في فرنسا كأداة سیاسیة ضد المناوئین لحکم الملك فیلیب الرابع المعروف بـ "Philippe Le Bel" (١٢٦٨-١٣١٤).
هذه الوسیلة إذن لیست من إبداعات نوري المالكي، الذي لا یمُت بصلة الی الإصلاح ، رغم أنه یصرّ بأنه مالك مفاتیح الإصلاح في البلاد ، وظیفته ومهمته الأساسیة هو بناء "العراق الموحد" و إخراجه من براثن الجوع والفقر والبطالة والجهل.
لقد حکم شخصه العراق فترة ثمانیة أعوام (٢٠٠٦-٢٠١٤). أما مدة حکمه فقد کانت ملیئة بالفساد المالي و الاداري وحتى العسکري، إستخدم هو خلالها شبکة مافیویة تنشر ثقافة الفساد في جسد المجتمع العراقي لتسیر أخیراً في شریانە سریان النار في الهشیم. إن سیاسة إستجواب وزراء کفوئین في الحکومة بتهمة الفساد من قبل مجلس الوزراء في بغداد مبرمجة ومدعومة من قبل تلك الشبکة العنکبوتیة للمالکي ، مآلها ضرب الکیانات التي تقف حجر عثرة أمام ستراتیجیتها بغیة تغلیب المصالح الفئویة الضیقة لحزب الدعوة وضمان بقاء سلطتها وإستمرارها. إن الغریب في أمر العراق هو إصدار المجلس الوطني قانون العفو الذي قرر العفو العام عن جمیع جرائم الفساد المالي والإداري في نفس الیوم ، الذي قام فیه المجلس بسحب الثقة من وزیر المالیة و إقالته برلمانیاً.  إن إختیار وزیر المالیة المنتمي الی قیادة الحزب الدیمقراطي الکوردستاني الحامل لرایة إستقلال کوردستان لم یکن ولید الصدفة، فالهدف معلوم للعیان. إنه سعي غير ناجح من أجل إحداث شرخ في وحدة الصف الکوردي المتواضع و توجیه ضربة الی ذلك الحزب المناضل الذي وقف أمام تمدید الولایة الثالثة لنوري المالکي.
ولیعلم القاریء بأن أصحاب المحاکم التفتیشیة في العراق هم من قاموا بإفراغ الخزينة العراقية وهم من سلّموا ثلث العراق لداعش وهم من استوردوأ اجهزة كشف المتفجرات الفاشلة وهم من كانوا وراء عقود وصفقات محطات توليد الكهرباء الغیر منتجة للکهرباء. هؤلاء العصابات قاموا مدة ثمانیة أعوام بالاستحواذ على كل السلطات الثلاث وحتی على المال العام والإعلام، وكذلك على المجتمع، وهم من همشوا الأطراف الکوردستانية والسنية وإحتقرا الدستور والقوانين والأعراف والتقاليد وأهتموا بالعناصر الانتهازية ووعاظ السلاطين والمدّاحين.
ما إستنتجناه من المالکي خلال حکمە هو رغبته القوية في التخلص من کل مناهض له و لحکمه. فهو الذي واجه الحرکات الشعبیة المطلبیة بالغضب والعنف و بدأ یشوه سمعة تلك الحركات و قام بالإساءة الیها و ملاحقة قیادییها. 
أما تحرکاتە السیاسیة الأخيرة ومعه الحشد الشعبي المدعوم عدةً وعتاداً من إیران والفاعل بأمر من إيران أیضاً، لأن مرجعيتهم الدينية ليست بالعراق وليست بالحوزة الدينية بالنجف، ولي، بل بالحوز الدينية بمدينة قم بإيران ، فهي تأتي بعد إعطاه الضوء الأخضر من قبل ولایة الفقیه في طهران. هذه التحرکات الجدیدة محاولات عقیمة لتبییض وجهه الأسود أمام الشعب العراقي بشکل عام والشعب الکوردي بشکل خاص، یهدف المالکي من خلالها ترشيح نفسه مجدداً لدورة جديدة لرئاسة وزراء العراق.
إن الإصلاح في جمهوریة الفساد يقتضي إعادة النظر في مسألة المصداقية المعرفية، بعيدة عن التعامل مع المعرفة بصورة أحادية نخبوية و هو يقتضي أيضا أن تشكل ثقافة مضادة للهدر، تفتح الإمكان لاستغلال الموارد بصورة مثمرة و فعالة، بالإضافة الی خلق الفرص لأفراد المجتمع للمشاركة في إغناء و تطوير صيغ العقلنة وقيم التواصل و قواعد الشراكة الحقيقية. فقولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية والسلطة أولی من الحقيقة والعدالة.
وختاماُ نقول: من کان قادراً علی إلقاء خطب مليئة بالتهديد والإتهامات الباطلة والشعارات القوموية المستهلكة و من کان مبدعاً في خلق العداء بين الكيانات الرئیسية في العراق و من شنّ في خطبه حرباً ضد حكومة وشعب كوردستان ومن لم یکن خلال ثمانیة أعوام من القیادة والسلطة المطلقة علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته ، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن أتی في السابق بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء ، متهماً الغير لفشله السياسي و العسکري ، حاملاً المسؤولية عليه ، هارباً من استحقاقات الكيانات وإيجاد الحلول للمآزق والكوارث والحروب والويلات ، بإختراع أعداء ، سوف یهدف في المستقبل الی دفع عجلة تفاقم المشكلات واستعصاء الحلول نحو الأمام ، فهمّهُ هو إنتاج أناس مدرّبین علی إتقان لغة التصديق والتصفيق والتهليل ، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. إنها الثمرة الوحیدة و ما ینتظر من عراق المالکي تحت ظل محاکم التفتیش.
الدکتور سامان سوراني


15
الرئیس مسعود بارزاني و فلسفة القیادة


الدکتور سامان سوراني

بما أن القیادة ظاهرة إجتماعیة تنبثق من وجود الفرد داخل الجماعة وعامل مهم من عوامل تماسكها وتضامنها و تنظیمها ، أصبح هذا الأمر موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ كونفوشیوس الصیني حتی الفیلسوف البریطاني برتراند راسل وکان الهدف من ذلك معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
رغم هذا الإهتمام بالموضوع المذکور إلا أنه لم یکن حتی نهایة القرن التاسع عشر أي کتاب علمي یتناول هذه الظاهرة خلال مناهج تجریبیة أو ملاحظات علمیة أو شخصیة منظّمة.
لو أردنا تعریف القیادة بإختصار، دون التعمق في نظریات أمثال ما قدمه الفیلسوف توماس کارلیل في القرن التاسع عشر أو ما طرحه علماء آخرون بعد الحرب العالمیة الثانیة ، نقول بأن القیادة هو دور سلوکي لإسهامات الفرد و النسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي، أو هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین. إنها العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
وإذا أردنا ذکر السمات الشخصیة للقائد بتعبیر علماء الإجتماع والنفس ، نری بأن القائد یجب أن یحظی بالسمات التالیة:
الثقة بالنفس والإتزان الإنفعالي والسیطرة والذکاء والمبادءة والطموح والمرونة والحماس والبشاشة والمرح والحساسیة الإجتماعیة والشجاعة والإبتكار والابداع واللباقة والموضوعیة. 
اللذین حالفهم الحظ أو سنحت لهم فرصة التعرف بالرئیس مسعود بارزاني عن كثب یؤیدونني بأنە کقیادي یمتلك السمات المذکورة أعلاه وبالإضافة الی تلك السمات الشخصیة ، فإنه یحمل في داخله منذ مرحلة  مبکرة من عمله کبیشمرکة والی حین تمسکه زمام القیادة رؤیة وهدف إنساني نبیل ألا وهو الوصول الی الحریة التامة لشعبه وإستقلال دولة کوردستان بعد الإعلان عن تأسیسها.
نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. بارزاني یدرك جیدا بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته ، فهو یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك نراه یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع ، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة. أما فیما یخص طموحاتە، فإنه یؤمن أكثر من غیره بطموحات شعبه في الإستقلال ، لا یهاب من مجاهرة تحقيق هذا الهدف المرجو أمام الملأ ، لذا نراه یؤكد علیه في کل مناسبة و مناسبة.
وما زیاراته المیدانیة الی جبهات القتال و المشارکة الفاعلة مع قوات البیشمرکة في صد هجوم قوی الظلام من أمثال "الدواعش" إلا دلیل واضح علی الحماسة والغیرة النابعة من ذاته کقائد و بیشمركة وهذه الحماسة ینعکس بشکل إیجابي علی المقاتلین في الجبهات وعلی قوات حفظ الأمن في الداخل.
إن إدراكه لشعور الآخرین وحرصه علی عدم إهانة أفراد شعبه أو القسوة علیهم هو بعد من أبعاد الحساسیة الإجتماعیة ، التي تلعب دوراً هاماً في الروح المعنویة للشعب الکوردستاني للوصول الی غایاته الأسمی.
هو الذي أكد غیر مرة علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان.
هذه القدرة مكنه من أن یکون واسع الأفق لیتنبأ بنتائج أعمال شعبه وإنتصارات مقاتلیه علی أعداء الإنسانیة من الإرهابیین.
وفیما یخص موضوعیته ، نراه یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة ، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.
وختاما نقول: القيادة الناجحة تتطلب إذن أشخاصاً ذوي مواهب نادرة تجعلهم صالحين للقيادة ، لا یدعون بأنهم ینقذون البشریة ولا یعتبرون نفسهم أفضل من بقیة الكائنات، بل یعیشون وسط الطبیعة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
"ومن لا یصنع واقعه و لایحضر في زمنه، الحضور الفعال والمزدهر، لایحسن الإفادة من ماضیه ، کما لا یحسن إستقبال آتیه".

الدکتور سامان سوراني

16
السیادة الكوردستانیة و موقع العراق الموحد في الإعراب السیاسي
بما أن السيادة الکوردستانیة لا تعني إلا سلطة عليا ومطلقة وإفرادها بالإلزام وشمولها بالحكم لكل الأمور والعلاقات سواء التي تجري داخل الدولة أو خارجها ، فإن فکرة السيادة مرتبطة إرتباطاً وثیقاً بالفیلسوف السیاسي والمفکر الفرنسي جان بودان (١٥٣٠-١٥٩٦) ، الذي کان مستشاراً لهنري الرابع ومن المعجبین بحکمە ، وهو صاحب "الکتب الستة للجمهوریة" ، نشر من خلالها فلسفته لعالم مضطرب معتل يتلهف على النظام والسلام.
وفي العلاقات الدولیة تعني السیادة الوطنیة الحق المطلق علی الأرض والثروة والموارد بعد الإیمان الواثق نسبیاً بإستمداد سلطة الحاکم من الشعب المتحرر من کل قیود وأسوار القمع المسوغ بالإطروحات الإیدیولوجیة المتزمة والقادرة علی ممارسة حقوق التعبیر والتنظیم وإختیار ممثلین لها للحکم.
 وقد قرر ميثاق الأمم المتحدة مبدأ المساواة في السيادة بأن تكون كل دولة متساوية من حيث التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات مع الدول الأخرى الأعضاء في الأمم بغض النظر عن أصلها ومساحتها وشكل حكومتها، رغم إحتفاظ الدول الخمس العظمی لنفسها بسلطات ، ناقضة بذلك مبدأ المساواة في السیادة ، أما العُرف الحدیث فلا تعرف للسیادة معنیً سوی لفظ إستقلال الدولة.
ومن يتمحص وينظر في الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ یری بأنە یسمح لكوردستان بحق تقرير المصير، کما یعترف بحكومة  و برلمان إقليم كوردستان وجميع مؤسساتە الرسمية الأخرى ، وبالشكل ذاته يعترف بالبيشمركة كقوة شرعية لحماية حدود إقليم كوردستان باسم ( حرس الاقليم).
لکن الاستقلال يعني تحقيق الحلم التاريخي لشعب كوردستان ، ذلك الحلم الذي قدم الآلاف من ابناءه الغیاری حياتهم لتحقيقه. شعب ناضل و كافح على مرّ السنين و تجرّع أقسى أنواع الظلم والإضطهاد والدكتاتورية والابادة الجماعية لاستقلاله یرید أن یکون فاعلاً علی الساحة الدولیة ومساهماً في إغناء الحضارة الإنسانیة. الیوم یمتلك إقلیم کوردستان کمیات کبیرة من الثروات الطبیعیة ، إذا ماتم مقارنتها بعدد سکانه،  فما لدیه من إحتياطي نفطي يقدر بـ ٤٥مليار برميل و احتياطي الغاز الطبيعي  يبلغ (٥،٧ ترليون متر مكعب )  حيث تشكل نسبة ٣% من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي، بالإضافة الی الأراضي الزراعیة الخصبة والسدود القابلة لتخزين المياه والتي تستطیع أن تخزن أكثر من ١٠،٠٠٠مليار متر مكعب. علی القیادة الکوردستانیة ، رغم معارضة بعض من الدول المجاورة لقیام الدولة الكوردستانیة ومخاوف حرب داعش والجماعات الإرهابیة الموجودة علی حدود الإقلیم ، القیام بالتفکیر الجديّ في قضیة تحديد إسم ونظام الحکم في الدولة المستقبلیة وحسم مصير المناطق الکوردستانیة خارج إدارة الإقلیم وتحديد حدوده أخيراً.
نحن نعرف بأن العلّة ليست دوماً في الخارج، بل إنـّها بالأحرى كامنة داخل العقول، أي في بنـية الثقافة ومنطـق الفكر ، لذا نراه لزاماً علی شعب كوردستان إنهاء العیش تحت رایة خرافة العراق الموحد، فالإختلاف لا الخلاف هو الاصل في يقظة الوعي وتجدد الفكر وتطور الحياة ونحن نؤمن بالإختلاف.
ففي السنوات الماضیة قام الإقليم ومن خلال مؤسساته الفعالة بإتباع سياسة براغماتية نجحت الی حد كبیر في نسج علاقات مع أميركا وأوروبا، وعلى المستوى الإقليمي مع تركيا والأردن ودول الخليج العربي وإلى حد ما مع إيران وبهذه السیاسة تمکن من خلق إستقرار و بیئة هادئة لإحتضان أكثر من ملیون لاجیء ونازح ، ممن فرّوا ونجوا من أیادي الظلم والإضطهاد والإرهاب.
الكثير منّا یعلم بأن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه إنتهی بعد الحروب والتطورات الدراماتيكية التي شهدها وأن المنطقة الجغرافیة التي کانت تسمی بالعراق والتي تواصل وجودها من الناحية القانونيَّة الان عبارة عن ثلاثة مناطق مختلفة للکورد والشیعة والسنة.  بالأمس بعد أن خلقت الدیمقراطیة التوافقیة إشکالات وعمقت الإنقسامات مهّد رئیس الوزراء الشیعي السابق نوري المالکي  ، الذي لم یف في الماضي بوعوده للکوردستانیین، بسياساته الخاطئة الأرضیة لداعش لإستیلاء الموصل و مناطق أخری في الرمادي بعد أن أزاح منافسیه من السنّة جانبا وقام بمقاضاتِهم في المحاكم باتهامات باطلة و دفع البعض منهم لمغادرة العراق وقام بمعاداة الکوردستانین وقطع حصتهم من الموازنة العامة بهدف تجویعهم.
أما الیوم فنری المالکي یلعب دور المحتضن لبعض التیارات السیاسیة في كوردستان والناصح لشعب كوردستان ، الذي يری نفسه أمام فرصة تاریخیة قد لاتتکرر لتحقیق حلمه القدیم الجديد، بأن لایخطوا خطواته الجریئة نحو الإستقلال ، بل یظل تحت رحمة بغداد و إن أمکن تحت رحمة حزبه القابض علی الحکم في "العراق الفدرالي". في ضوء قراءة التطورات في العراق نری بأنه لا أمل في أن تتحسن الاحوال، ما دام الذین یحکمون في بغداد يديرون الشؤون بالمقولات والمعايير أو الأساليب والنماذج نفسها ، دون مراجعة شاملة لفتح  ملف إنسانیتهم ، التي هي مصدر المشكلات والكوارث ومصنع الآفات والفضائح ، من غير ذلك، ستزداد الأمور سوءاً وتدهوراً وتتأجج الصراعات وتتوسع رقعة الحروب وتتفاقم أعمال القتل والابادة والتطهير والتهجير والتدمير، التي ذقناها و شاهدناها في السابق. فحصيلة سياساتهم في هذا العصر الرقمي وسط هيمنة الاحزاب الدينية وتسلط الميليشيات الطائفية کانت الكذب والنفاق والتزوير والإستقواء وانتهاك الدستور والقوانين، وبيع البلد والوطن بثمن بخس. وهل مـن تجاربنا  نتعلم دون الوقوع في أسرها؟
وختاماً: إن الهوية ليست ما نرثه، بل ما نحسن إنجازه وأداءه، نحن لا نرید العودة الی الوراء ، رهاننا هو أن تتحول طاقاتنا إلى قوة مجتمعية فاعلة تفتح الابواب والفرص لبناء دولة كوردستان ، متحرّرة من وهم العراق الموحد  والغول الدیني، قوامها الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
الدکتور سامان سوراني

18
حکومة إقلیم كوردستان والخیارات الصعبة

عند الحدیث عن إقلیم كوردستان الیوم یخطر بأذهاننا مباشرة جملة من التحدیات، التي تواجهە ، منها خطورة تعثر حکومة الإقلیم إقتصادیاً، بعد أن إستنزفت أعباء الحرب ضد تنظيم "داعش" لأكثر من ١٩ شهراً الحد الأقصی من أموالها.
والخلاف المستمر مع الحکومة الإتحادیة في بغداد والتي حرمت الإقلیم من حصته من الموازنة العراقیة والأستحـقاقات المالية للبيشمركة فهو تحدٍ ثانٍ، أنتج الأزمة المالیة و ظروف معاشية قاسية و ولّد ظاهرة البطالة و موجة رکودٍ تضربُ مختلف الأسواق دون إستثناء.
أما التحدي والأزمة الثالثة فهي ناتجة عن إنخفاض أسعار النفط  العالمیة و إرتفاع عدد سکان الإقلیم بنسبة ٣٠% أو أكثر بسبب تدفق عدد هائل من اللاجئین السوریین و إیواء النازحین العراقیین.
إن هذه التحدیات الجسیمة تحتاج الی إرادة قویة لمجابهتها وتحتاج أیضاً الی دعم قوي و فاعل من قبل أصدقاء شعب كوردستان لدی الأسرة الدولیة والمجتمع الدولي.
لکن الموضوع الأساسي لمقالنا هذا لیس الوقوف عند وصف تلك التحدیات الجوهریة ، بل التطرق الی قضیة أهم، ألا وهي عملیة الإصلاحات الإدارية في حکومة إقلیم کوردستان وکیفیة معالجة الفساد المستشري في الإقلیم.
الفساد الإداري في الحکومة هي وللأسف ولیدة السیاسة الفاشلة لبعض الکتل والأحزاب المتواجدة في الساحة السیاسیة، تلك الأحزاب التي تسنمت مراکز التسلط و قامت دون هوادة بالتصید في عکر المیاه ، إذ تری ولحد الآن بعین المصلحة الفئویة والأنانیة ، أما عین المسؤولیة والمهنیة ، خاصة و شعب الإقلیم یخطو خطوات نحو الإستفتاء العام من أجل الإستقلال والحق في تقریر مصیره ، فقد عمیت ولم تعد تری ما یفترض رؤیته من الأسویاء والأصحاء.
الإصلاح لیس عبارة عن نموذج جاهز أو مسبق ننصاع لأطیافه أو لمعاییره، لکي نقوم بتطبیقه، وإنما هو فکرة نشتغل علیها ونصبح ثمرتها، بحیث نتحول معها ونتخلّق بها، بقدر ما نسهم في إغناءها وإعادة إبتکارها، بصورة لایبقی معها شيء ما هو علیه، سواء من جهة الفکرة أو الفاعل أو الواقع.
إن عملية الإصلاح السياسي والإداري والتخلص من الفساد والرشوة في دوائر حکومة الإقلیم ، ليست سهلة ، خاصة في ظل سیادة أفكار مثل التحزب والتعصب والتبعیة العمیاء و المناطقیة لدی الكثیرین.
أما القرارات الإصلاحیة الجریئة التي أصدرها الرئیس مسعود بارزاني بدءاً بحزبه الدیمقراطي الكوردستاني فقد جاءت ولو بشيء من التأخير لصد و مواجهة المخاطر علی الإستقرار والأمن ومستقبل الإقلیم بسبب تنامي الفساد و هدر الثروات العامة.
نحن لا نشك قید أنملة بأن مواجهة الفساد والقیام بالإصلاحات باتت مطلباً شرعياً لجمیع شعب كوردستان وتحضی بالمساندة القوية من قبل الشعب الكوردستاني وهي ليست ترفاً فكرياً ولا مادة للشعارات أو المزايدات. ورئیس الإقلیم جاد في أمر تمکین السلطة القضائیة و هیئات الرقابة في كوردستان من انجاز العملية الاصلاحية.
فهو یعرف جیداً بأن مصير وارادة الشعب، الذي يريد العدالة والاصلاح ، أهم من أي شخص لذا یصرّ الرئیس بارزاني علی إجراء إصلاحات ومواجهة أي شخص يحاول وضع العراقيل امام عملية الاصلاح او لا يخضع للقرارات و یقر علی عدم إستثناء أیة جهة أو شخص مهما کانت منصبه ومکانته في المساءلة والمعاقبة بسبب الکسب غير المشروع علی حساب المال العام داخل الحکومة. فكثرة الحشرات الثاقبة تؤدي الی كسر الخشب و توسع ثغرة یؤدي الی إنهیار الجدران.
نحن على يقين بأنە لا مجال لإصلاح سياسي وإداري بمعزل عن إصلاح اجتماعي واقتصادي يسير في خطوط موازية. يجب أن يعالج المسائل المتعلقة بـكفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية.
نحن نری بأن تفعیل دور البرلمان ضرورة ملحة لإقرار الإصلاحات و إلزام حکومة الإقلیم بتطبیقها، فمن خلال التطبيق تستطیع الحکومة إن تثبت نوایاها الجادة من أجل تخفیف معاناة الشعب وإعادة الثقة الیهم.
یجب القیام بتعزيز التوعیة الخاصة بمکافحة الفساد والدعوة الی النزاهة ودعم بناء ثقافة النزاهة وإكمال نظام التقييد والرقابة علی عملیة ممارسة السلطة ودعم التشریعات الوطنیة المختصة بمکافحة الفساد و تعمیق الإصلاح في المجالات والحلقات التي تكثر فیها مشاکل الفساد، لضمان ممارسة الدوائر الحکومیة لسلطاتها وفقا للصلاحیة القانونیة والإجراءات الشرعیة.
یجب تعزیز الإنصاف و العدالة الإجتماعیین کقیم جوهریة والسعي وراءها، لکي یشعر الفرد في المجتمع الكوردستاني  بأن حقوقه في الإقلیم تراعی وکرامته تصان وأن القوانین لا تنتهك ولا تکون هناك تمييز في المعاملة بین مواطن وآخر وأن بلده لا تفتقر الی المصداقیة والمشروعیة في نظر العالم. یجب أن لا تمارس الحکومة والنظام إستئثار أو إحتکار و مصادرة وإهانة، سواء في مایخص السلطة والثروة أو الحقيقة والحریة والکرامة. یجب أن تکون الأحزاب الحاکمة رائداً في الإلتزام بالقوانین
لقد اصلحت بلداناً كثيرة اوضاعها، وتجاوزت صعوبات ومشاكل شبيهة بالتي نعيشها باللجوء للعمل المؤسساتي والخطط الجدية المدروسة لمکافحة الفساد و العمل علی التحقيق ومعاقبة الفاسد ومواصلة "صید النمر والذباب معا".
فالمجتمع الكوردستاني یملك غنیً في المعطیات کما یملك فائضاً في الموارد، ولکن مقابل هُزالٍ في الإنجازات، مرده النقص الفادح في الأفکار الحیّة والخصبة والخلاقة. ولهذا فإن أحوج ما یحتاج الیه هو أن یمارس حیوته الفکریة ، بالتحرر من جملة من العقد والحساسیات الحزبیة والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي عرقلت مشاریع التقدم والرفاه و حضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة. یجب ترسیخ ممارسات الإصلاح السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي، بتعاون کافة الجهات وتكامل جهود الجميع بعيداً عن الفردية الهدامة والشخصنة المؤلمة وسلوكيات الاتهامية والعدمية والتشكيك.
علینا أن نتغير لکي نسهم في تغيير سوانا، أو في تحویل واقعنا، بقدر ما ننجح في تغذیة العناوین المطروحة وتحویل المفاهیم السائدة في ضوء التحدیات والمستجدات.   
وختاما نقول: "إذا أراد إقلیم کوردستان التنمیة والإزدهار ، لابد أن تتمسك بالإتجاه الکبير للتنمیة العالمیة و یتقدم معه و إلا سیترکە التاریخ."
الدکتور سامان سوراني

19

الحیاة والموت و ظاهرة الخوف من الشیخوخة

من الملاحظ أیضا أن الکثیرین یتشاکون قصر الحیاة، لأنهم یشعرون بأن أیامهم محدودات، وأن لحظات حیاتهم قطرات في محیط، في حین أنهم یتطلّعون الی الحیاة الطویلة ویطمعون في البقاء المستمر، وفات هؤلاء أنه لیست العبرة بطول الحیاة أو قصرها، بل العبرة بعمق الحیاة أو ضحالتها، وإذا ثمة حیاة تحمل دلالة أو معنی، فتلك هي الحیاة العمیقة الحافلة باللحظات الکبار.
أنا لا أُقاسم رأي الذي یصرّ علی القول بأن الحیاة لا تستحق أن تُعاش وهو لا یرید في قرارةِ نفسهِ سوی المزید من الحیاة. صحیح أن الحیاة لا تخلو من آلام، وشرور، و مخاوف، ومخاطر، وفشل، وعذاب، وشیخوخة، وموت، ولکن کله هذا لم یمنع الکاتب الروسي الکبیر تولستوي (1828-1910) من أن یقول:"ما أمتع الحیاة بین قلوب التي عرفت الحب...ولکن أین الحب؟ إنه في کل شيء حيّ حولي! فأنا أکره الموت، وأکره کل شيء لا ینبض الحیاة." أو قوله بأن "كسب الحياة يكون بخدمة الناس لا باعتزالهم".
ولیس من المستحیل علی إنسان القرن الواحد والعشرین أن ینمي حواسه، ویرهن عواطفه، ویرقي قدراته العقلیة، ویربي فهي نفسه‌ الملکات الیدویة والعملیة، ولکن مثل هذه‌ "التربیة التکاملیة" قد تقتضي منا - أولا وقبل کل شيء- العمل علی إزالة الحواجز التي مازالت تفصل مناحي المعرفة البشریة وعلینا التحرر من الوهم الخادع بأن الأشیاء والذوات تبقی علی ماهي علیه وعلینا القول بأن الحریة، شأنها شأن سائر المسائل. لیست شیئا یکتسب بصورة نهائیة، وإنما هي مراس دائم بقدر ماهي عمل تحویلي متواصل علی الذات والمعطیات.
وربما تکمن الخوف من الشیخوخة في جوهره‌ في تعبیر عن إحساس المرء بأنه لم یستطیع أن یحیا حیاة منتجة، وبالتالي فانه رد فعل یقوم به ضمیر الفرد ضد عملیة التشویه الذاتي التي مارسها في نفسه.
نری في الآونة الأخیرة ثمة ظاهرة غريبة ومستهجنة اخذت في الانتشار في المجتمع الشرقي تستدعي الدراسة وهي ظاهرة إهتمام الرجال وعلی وجه‌ الخصوص السیاسیون منهم بتغییر الشیب بالأسود القاتم، أي تسوید الشعر، من أجل طمس حقیقة معالم الشیخوخة والبحث من دون جدوی عن إكسير للشباب الدائم و أتباع نصائح تجاریة زائفة تساعد علی منع ظهورعلامات الشیخوخة.
من المعلوم بأن الشیخوخة لاتمس الشخصیة، والشخص الذي یحیا حیاة مثمرة منتجة، قبل بلوغه سن الشیخوخة، لن یصاب بأيّ إنحلال نفساني أو أيّ إضطراب عام في بناء الشخصیة، لأن السمات الذهنیة والوجدانیة التي عمل علی تنمیتها في نفسه خلال تطوره‌ الحیوي عبر حیاة مثمرة منتجة لابد من أن تستمر في النمو والترقي، علی رغم من کل وهن جسمي. والشعور بالشیخوخة لدی المرء یقترن في أغلب الأحیان برؤیة صورته في المرآة، وکأن الإنسان لا یهرم إلا من الخارج دون أن یکون قد شعر بذلك من الباطن أو دون أن یکون قد إستشعر ذلك التغیّر في صمیم حیاته الباطنیة. إن رفض الأنسان شهادة المرآة هو في إعتقادي نابع من شعوره بهویته عبر تجاربه الوجودیة السابقة، فیخیل الیه أنه مازال ذلك "الشاب" القوي المتین المتوثب الجبار الذي کان في مرحلة سابقة من مراحل العمر، وکأن من شأن الشعور بالهویة أن یجعله یری نفسه عبر "الذاکرة" لا "المرآة". فالقوة البدنیة أو الجسمانیة لاتخلوا تماما من کل أثر من آثار القوة النفسیة أو الروحیة. والتجربة تشهد بأنه لیس ثمة إنسان - علی ظهر هذه‌ البسیطة - هو بمنجی تماما عن کل إصابة أو فشل. والأشخاص الذین یهرمون بسرعة إنما هم أولئك الذین فقدوا مبررات وجودهم وإن ما یتعب المخلوق البشري ویضنیه إنما هو التکاسل والتقاعد والجمود والرکود، لا الحیاة الملیئة المضطربة، والإنفعالات العنیفة الصاخبة والجهود الشاقة المتواصلة والدراسات الطویلة المستمرة والأعمال المنتجة المثمرة.
أما الحریة ففي نظري لا تعنی سوی فهم الإنسان لنفسه وبذله للجهد الجهید في سبیل الوصول الی ماهو میسّر له‌ بالقوة (والمقصود من القوة، هي القدرة علی تحقیق الذات لا السیطرة).
والإنسان القوي لیعلم إنه لیس مرکز العالم، وإنه لایمثل "المطلق" ولکنه واثق - مع ذلك- من إنه- عن طریق الثقة - بالنفس- أن یزحزح الجبال، وقوة الإنسان نابعة من تواضعه "أو علی حد قول المعلم الیوناني سقراط (469 ـ 399 ق.م) ، إعترافه بنقصه". فالإنسان القوي هو أعرف الناس بنقاط ضعفه وهو أکثرهم إعترافا بعجزه و قصوره، ولکنه في الوقت نفسه أشدهم إیماناً بقوة الصراع من أجل الحقیقة، کما إنه أعرفهم بضرورة العمل من أجل تحقیق المستحیل. وقد صدق الكاتب الروماني وخطيب روما المميز شیشرون (ولد سنة 106 ق.م) قدیما الی حد ما عندما قال بأن "جلائل الأعمال لم تکن في یوم من الأیام ولیدة القوة الجسمیة، أو الرشاقة البدنیة، بل هي قد کانت ولیدة المشورة، والسلطة والخبرة والحکمة الرزینة، وکل هذه‌ المزایا لا تجي‌ء إلا مع الشیخوخة." فنری الفیلسوف الألماني الکبیر إیمانويل كانت أو كانط (1724-1804) یکتب أجل کتبه (نقد مملکة الحکم) في سن السادسة والستین، ویقدم لنا المفکر الفرنسي هنري برجسون (1859-1941)، الذي حظي ابان حياته بشهرة منقطعة النظير، درته الثمینة (منبعا الأخلاق والدین) في الثالثة والسبعین ویطالعنا الفیلسوف الأمریکي وأحد مؤسسي الفلسفة البرغماتیة، جون دیوي (1859-1952)، کتابه الهائل (المنطق أو نظریة البحث) في التاسعة والسبعین وقدم الفیلسوف الكوردي جمیل صدقي الزهاوي (1863-1935) ملحمته الخالدة (ثورة في الجحیم) في الخامسة والستین.
وقد روی عن الرسام والنحات الإیطالي مایکل أنجیلو (1475-1564) أنه رُئی یوما -وکان في ختام حیاته تقریبا- یحث الخطی الی مرسمه، فقال له أحدهم: "الی أین تمض سریعا، وقد غطت الثلوج شوارع المدینة؟" فما کان منه سوی أن أجاب قائلا: "إنني ذاهب الی المدرسة، فلابد لي من أن أحاول تعلم شيء قبل فوات الأوان..!"
وختاماً نقول: لن تکون "إنساناً" إلا إذا عرفت کیف تقضي کل یوم من أیام حیاتك في إجتلاء الجمال والبحث عن الحقیقة والمضي في طریق الخیر والسعي نحو الکمال والتعجب لما في الوجود من أسرار.
د. سامان سوراني

20
هل تنهض عنقاء إقلیم کوردستان من الرماد الإقتصادي؟
بما أن الإصلاح الإقتصادي أو مایسمی بـ "Economic Reform" هو مجموعة أو حزمة من السیاسات ، التي تستهدف إزالة الاختلالات الاقتصادية الداخلية والخارجية بالإضافة الی إتباع مجموعة من السياسات التي تستهدف الى إعادة تخصيص الموارد لرفع الكفاءة الانتاجية ، في إطار تحرير الاقتصاد المحلي وإعتماده على آليات السوق والحد من دور الدولة في الحياة الاقتصادية ، یمکن القل بأن الإصلاح یتکون من جناحین:
الجناح الأول هو عملیة التثبیت الإقتصادي " Economic Stabilization Policies" الهادف الی إنجاز شروط حالة الاستقرار الاقتصادي في الأمد الزمني القصير ، أي أقل من سنتین ، مع البدء بخفض عجز كل من ميزان المدفوعات والموازنة العامة ، وخفض الانفاق العام وكبح معدلات نموه، وخفض معدلات التضخم بتقييد التوسع في حجم الائتمان المحلي.
 الجناح الثاني یتمثل بعملية التكييف الهيكلي للاقتصاد " Structural Adjustment Policies" الهادف الی إعادة تخصيص الموارد الاقتصادية لانجاز النمو المستدام أزاء بيئة خارجية أكثر سلبية، وهي ترتبط بالأمد الزمني الطويل المتراوح بین ثلاث الی خمس سنوات. وهذه العملیة تشمل أیضاً تعزيز ميزان المدفوعات وإستقرار الأسعار وأداء النمو السليم ، وإعادة التوازن العام الداخلي والخارجي في غضون مدة زمنية معينة لتأهیل الاقتصاد المحلي في نهاية المطاف الى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
لقد تناول واضعي السياسات الاقتصادية والباحثين موضوع الإصلاح الإقتصادي بإعتباره إجراء لازم للوصول الی مستوى مرتفع من الكفاءة والتنافسية من خلال تحقيق علاقة متوازنة بين الموارد المتاحة للمجتمع ومتطلباته في سبیل تصحيح الاختلالات الأساسية في الأقتصاد وإستعادة التوازن الاقتصادي العام.
ما یشهده إقتصاد اقلیم كوردستان الیوم من من قصور في الإيرادات وزيادة في النفقات العامة وجمود إقتصادي وحالة قلق و تململ من تدهور الأوضاع الإقتصادية وهبوط القوی الشرائیة وتراجع أجور موظفي القطاع الخاص وتأخير صرف رواتب منتسبي القطاع العام لأشهر بسبب قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية العامة وإنخفاض أسعار البترول وإستضافة الإقلیم مایقارب ملیوني نازح عراقي ، بالإضافة الی مصاريف الحرب ضد تنظیم "الدولة الإسلامیة" الإرهابي ، کل هذا ولّد لدی عدد غير قلیل من رجال الأعمال والمستثمرين المحلیین في القطاعين السیاحي والتجاري نوع من التشاؤم من المستقبل وحالة من اللایقین لدی المجتمع ، مما جعل الكثير منهم يتخلون عن العقلانیة ویتصرفون بشكل عاطفي بإتخاذهم العديد من القرارات اللاعقلانیة من دون التفكير في العواقب.
من یدرس الجانب الإقتصادي في الإقلیم بشكل منهجي یری بکل سهولة ظاهرة التخلف الإقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي المتميز بسبب السیاسات التي كانت تنتهج من قبل الأنظمة القمعیة الحاکمة في العراق. فبنیة الإقتصاد في الإقلیم إعتمدت كما في العراق بشكل أساسي علی موارد النفط الخام كإقتصاد إستخراجي ريعي وإنتهجت سیاسة الباب المفتوح أمام إستیراد بضائع إستهلاکية ذات نوعیة هابطة وسلع زراعیة تؤثر بشكل سلبي علی ضرورة التصنیع و تحدیث الزراعة من أجل تنمیة الدخل القومي.
أما فيما یخص البطالة المقنعة المكشوفة ، المتراوح عددها تخمینیاً بین ٥٠ الی ٦٠ في المئة ،  فإن إقلیم كوردستان لم یسعی في السابق حل هذه المعضلة الإقتصادية بوضع حلول و برامج إقتصادية تقلل من بروز هذه الظاهرة ، التي تستنزف الدخل القومي وخزینة الإقلیم بشكل واضح. وهي نتیجة لسیاسة التدخل الحزبي في شؤون توظیف المنتسبين في القطاع العام، مما أنتجت عدم تطبيق فلسفة "الشخص المناسب في المكان المناسب". وما شهده الإقلیم في السنوات الماضیة هو عدم سعي القطاع الخاص نحو الإستثمار في القطاعین الصناعي والزراعي وفي الخدمات الإنتاجية والدراسات الفنية والمهنية والبحث العلمي ، رغم وضع حکومة الإقلیم شکلیاً الإهتمام بالصناعة والزراعة والسیاحة من أولویات أجندة عملها ، کإستراتیجیة تنمیة غير دقيقة الی حد ما.
إن تبني حکومة الإقلیم سیاسة التقشف المالي بهدف معالجة العجز في الموازنة العامة و تخفيض معدلات التضخم أمر ضروري. وهي ترتبط بشكل مباشر بتخفيض النفقات العامة ذات الطابع الاجتماعي، مثل نفقات الدعم للسلع التموينية وتعيين الخريجين والتعليم والصحة ومحاولة تحصيل رسوم عن هذه الخدمات وهذه السیاسة یجب أن يتضمن رفع أسعار خدمات المرافق العامة كالمياه والكهرباء وذلك من أجل زيادة الإيرادات العامة بالرغم من أن الخطوة الأخير سوف تضرّ بفئات واسعة من الشعب الكوردستاني ، لأنه یقلل من الإنفاق الإستثماري والإستهلاکي  ویؤدي بالنتیجة الی مزید من البطالة و یقلل من حصة الفئات ذات الدخل المحدود من الحاجات الأساسیة.
الحکومة قامت بإعادة النظر في الأجور والرواتب من أجل رفع كفاءة إنتاجية النفقة العامة و خفض الأجور الحقيقية للعاملين.
لابد في هذه الظروف الإقتصادية الصعبة من تقلیص دور القطاع العام أیضاً و بیع بعض أجزائه الی القطاع الخاص، لان عملية الخصخصة هي جزء أصيل من برامج الإصلاح الاقتصادي ، فهي تمثل تغييراً جذرياً للسياسات الاقتصادية من اجل المشاركة في تعبئة الموارد المحلية اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن السیر نحو سیاسة زیادة الطاقة الإنتاجية في الأمد الطويل في القطاع الخاص وإضعاف العوامل المعیقة لنشاط هذا القطاع وتشجيع الإستثمار الأجنبي الخاص والدعایة لە من خلال المزايا والإعفاءات والتيسيرات الضريبية والجمركية بالتزامن مع تطوير السياسات الضريبية وتوسيع الوعاء الضريبي، والحد من الإعفاءات الضريبية أمر ضروري أیضاً.
ولکي تنهض عنقاء إقلیم کوردستان من الرماد الإقتصادي علی حکومة الإقلیم السعي الجدي في التخفيف من الاعباء التي تتحملها ميزانية حکومة الإقلیم نتيجة استمرار دعمها للمشاريع والشركات التي اثبتت التجربة عدم جدواها اقتصادياً، وتوجيه الإنفاق العام نحو دعم البنى الاساسية والمنشآت الاقتصادية ذات الاهمية الاستراتيجية. علیه تمويل برامج العمل العامة لخلق فرص عمل للشباب وتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتقديم الدعم المالي لها وتدريب وتأهيل الشباب للعمل في القطاع الخاص.
ولابد للإصلاح أن یشمل القطاع المالي والمصرفي بهدف إيجاد انظمة مالية ومصرفية سليمة وتنافسية من اجل تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي والاسراع في وتيرة النمو الاقتصادي وتمكين الاقتصاد من التكيف مع الصدمات الخارجية. لابد من تقدير العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسیاسية من جراء الإصلاحات الإقتصادیة بصورة دقيقة لأن الوضع العام في الإقلیم مازال مثقل باعباء ومخاطر سياسية وأمنية واقتصادية.
وختاماً علی حکومة الإقلیم أن تتعامل وفق إستراتیجیة مدروسة وذکیة مع ثروة كوردستان لإستخدامها كأداة فاعلة من أجل الوصول الی الأهداف المرجوة كالإستقلال ، فالثروة كما یقال تأتي كالسلحفاة وتذهب كالغزال.
الدکتور سامان سوراني



21
رحیل "هلموت شمیدت" المفکر والأوروبي الكبير ورجل الدولة الألماني والمرجعیة السیاسیة


بالأمس رحل عنّا شخص فذ مولود في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 1918 في مدينة هامبورغ عن عمر ناهز الـ ٩٦ سنة. هذا الشخص کان نابع من أحضان أسرة بسيطة ، عاش من أجل السیاسة بعد أن تدرج في مناصب حزبية و سياسية ووصل في عام ١٩٧٤ الی أعلی منصب سياسي في المانیا ألا وهو منصب المستشار ، فصار بعد أستقالة السياسي الإنساني المشهور في الحزب الدیمقراطي الإشتراکي والحاصل علی جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧١ فيلي برانت (13 ديسمبر 1913 - 8 أكتوبر 1992) المستشار الخامس لجمهورية ألمانيا الاتحادية حتی عام ١٩٨٢.
هلموت شمیدت الطموح الی الشهرة لا الی السلطة کان صاحب العقل الإقتصادي الأول في بلده وهو صاحب نظريات مستقبلية في السياسة العالمية وأحد رواد الوحدة الأوروبية المسالمة. ترك بصماته الواضحة في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و ترك خلفه بالأخص ثقافة السیاسة بعد زرعه سیاسة التسامح في المانیا والإنفتاح علی العالم.
في فترة حکمە کان الصراع الإیدیولوجي بين الرأسمالیة والإشتراکیة في أوجه ، تمکن هو بحنکته السیاسیة أن یبرز قدرته في التفاوض وإیجاد حلول سلمیة للصراع الدائر بین الشرق والغرب أیام الحرب الباردة.
کان هذا القيادي الاشتراكي الديموقراطي السابق  مفرطاً في التدخين إلا أنە بقی رجل المواقف الصعبة، ففي كارثة فيضان هامبورغ في فيبرایر ١٩٦٢ استطاع کوزير للداخلية بخبرته الاقتصادية والسياسية والعسکرية أن يلعب دوراً هاماً في عملية الإنقاذ وتلافي أثار الكارثة التي هددت حياة ما يقارب ثلاثمائة ألف شخص.
في فترة حکمه واجهت المانیا أزمات أمنیة كبيرة ، منها بروز جماعة أطلقت علی نفسها "جماعة الجیش الأحمر" ، کانت تعرف أیضا بمجموعة بادر ماینهوف ، إحدى أبرز وأنشط الجماعات اليسارية المسلحة بألمانيا الغربية ما بعد الحرب وکانت تسمی تلك الفترة بـ"الخريف الألماني". وقد أستطاع هو بحکم فطنته السیاسیة الخروج من أزمة السبعینیات بذكاء و بأقل خسارة وقد أعلن هو عن عزمه في التنحي عن منصبه فيما إذا أخفقت جهود حكومته في حلّ أزمة اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الألمانية لوفتهانزا من قبل إحدى الفصائل الفلسطينية والتي هبط بها في مطار مقديشو عام ١٩٧٧.
إنسحب هلموت شمیدت قبل ثلاثة عقود من السیاسة ، لکنه كان خير مساهم في النقاشات السیاسیة والثقافية علی المستویین الأوروبي والعالمي.
هنا بعض من أفکاره مستقاة من خطاب لە القاه بتاريخ 2012.09.22 بمناسبة تكريمه لحصوله علی جائزة ويستفاليا الألمانية للسلام:
"الألمان فهموا أخيراً بأنهم أوروبيين ولا يجوز لهم الرجوع الى  اللعبة القديمة، أي لعبة ميزان القوى  في أوروبا، بل عليهم أيّاً كانت النوايا والاستراتيجيات العمل بجدية في إستخلاص النتائج الإيجابية اللازمة من تجارب القرون الأربعة الماضية، وهي كما يلي:
أولاً: تجارب التاريخ علّمت الأمم الأوروبية وبالأخص قياداتها، بأن نتائج كل المحاولات السابقة في بناء قوة مركزية أحادي القطب في أوربا كانت فاشلة، لذا لا يمكن أن يكون نصيب المحاولات المستقبلية في هذا الأمر غير الفشل. والمساعي الرامية من قبل الأتحاد الأوروبي لتعزيز قدرته في مجالات السياسة الخارجية، الإقتصادية ، المالية والأمنية عن طريق عقد معاهدات وسن قوانين تبقى  دون فرصة كبير.
 ثانياً: على  الألمان أن يتذكروا في هذه الحالة كل من ونستون تشرشل، شارل ديغول، جورج مارشال، هنري ترومان وجورج بوش الأب لتسديد ما عليهم، لأن هؤلاء كانوا رجال دولة وقاموا بمساعدة الألمان في ظروفهم الصعبة. وهذا يعني أن على  الألمان أن يدعموا الإتحاد الأوروبي بجدية وتكون مبادراتهم في سبيله هي الأولى . فالمادة 23، فقرة1 من الدستور الألماني تبسط الطريق لهذا الأمر، لأنها تسمح بالتعمق والإعتصام بحبل الإندماج  بالطبع يحتاج تبنّي هذا المشروع الى  أموال طائلة وعلى  الألمان البدء به، وإلا كيف تمكنت دولة المانيا الإتحادية بأن تكون المستفيد الرئيسي من قضية الإندماج الأوروبي؟     
ثالثاً: بغض النظر عن الدروس المستخلصة من تجارب القرون الماضية، يجب أن لا يكون الألمان سبب ولادة الجمود والتراجع أو إضمحلال مشروع الإتحاد الأوروبي. فالدول في القارات الأخرى  تنتظر بفارغ الصبر كي يتصرف هذا الإتحاد أخيراً بصوت وحدوي وهذا يحتاج الى الإرادة الكاملة للعمل المشترك مع الفرنسيين والإرادة في العمل مع البولنديين بجدية أكثر. والإرادة في التعاون مع دول الأخرى  الجوار تعتبر من الضروريات. فالألمان تغيّروا من حيث علاقاتهم بالعالم وتعلموا من ماضيهم. فهم يستطيعون إثبات ذلك بعد دراسة العواقب عن كثب وبإمعان بعيداً عن الاطروحات الطوباوي.
 ومن البديهي بأن القارة القديمة تعيش اليوم صراع فكري، كما تشهد المناقشات الخصبة والسجالات الصاخبة حول القضايا الأوروبية المطروحة والأزمات الإقتصادية في بعض بلدانها، لكن كل ذلك لا ينقص من الحقيقة بإن تلك المجتمعات قامت بتغيير عدتها الفكرية ومهماتها الوجودية وعملت بشكل مثابر على إختلافاتها وحولّت فكرة الإتحاد الأوروبي الى واقع تداولي معاش  أثّر في الحياة اليومية لجميع الناس وتجسّد ذلك بشكل خاص في العملة الموحدة، التي تسمى اليورو."
لقد بقی هذا الرجل رغم صراحته الموجعه‌ لخصومه دیمقراطياً الی آخر نفس من سیکارته. ألف شميت نحو ثلاثين كتاباً وكان ناشراً (1983) ثم مديراً (1985- 1989) لصحيفة "Die Zeit" الأسبوعية الألمانية.
وختاما نقول: "هناك شيئين يفعلهما العظماء دائماً، وهو أنهم يُقررون ما يُريدون ثمّ يفعلوا ما يرُيدون، لأنهم يُدركون أهمية حياتهم على كوكب الأرض وأنّ لديهم رسالة خالدة لإسعاد أنفسهم والبشرية كلّها."
الدكتور سامان سوراني

22
إقلیم كوردستان وضرورة الإصلاح السياسي
 

بما أن الإصلاح السياسي هو عکس مفهوم الثورة ويعني تعدیل غير جذري في شکل الحکم أو العلاقات الإجتماعية دون المساس بأسسها ، أي العمل علی تحسين النظام السياسي الإجتماعي القائم ، دون المساس بأسس هذا النظام ، يری بعض المنظرين أمثال الأميركي المعروف صاموئیل هانتغنتون صاحب أطروحة صِدام الحضارات بأن الإصلاح السیاسي ليس إلا "تغيير في القيم وأنماط السلوك التقليدية ، وتوسيع نطاق الولاء ليصل أخيراً إلى الأمة ، أساس هذا الإصلاح هو العمل علی عقلنة الحياة العامة وعقلنة البنى في السلطة وتعزيز التنظيمات المتخصصة ، وإعتماد مقاييس الكفاءة." بموجب هذا التعريف يعني الإصلاح السياسي إذن تطوير كفاءة وفاعلية النظام السياسي في بيئته المحيطة داخلياً وإقليمياً ودولياً.
عملية الإصلاح السياسي يجب أن يمس جوانب عديدة و إيجابية للنظام لإعادة هیکلته عن طريق خلق فاعلين جدد ویجب أن يتم بموازاة مع التغيير الحاصل في المجتمع. إذا أردنا أن نبني دیمقراطية تشارکية حقيقية ، یتحول فیە المجتمع الکوردستاني الی إقلیم القانون وليقوم أعضاءه بواجباتهم ویتمتعون بحقوقهم، فما علینا إلا إحضار الإصلاح السياسي ، ففي غيابه لایمکننا التطرق عن إصلاح اقتصادي واجتماعي وتنمية اقتصادية ، بإعتباره جزء جوهري في الإصلاح الشامل.     
المجتمع الذي يسعی الی تعدیل واقع نظامه السياسي لینتقل من مرحلة مقيدة ببنی تقليدیة نحو مرحلة تؤمن ببنی محدثة لمواکبة العصر ومتغيراته من مضامین تدفع نحو الحرية المستندة الی الإختیار کأساس الدیمقراطية وجوهرها الحقيقي ، يحتاج الی مؤسسات تخضع الی معاییر قانونیة تحکم عملها بمنأی عن الجمود والشخصانية والتحكم أو التسلط. إن وجود المعیار القانوني ضروري لفهم المطالب والقدرة على إدراك التوقعات التي يحدثها الإصلاح، وفي ظل غیابە ینهار النظام السياسي أو يتعرض لحالات انعدام الاستقرار السياسي.
الشرعیة السياسية تبدأ من حیث مراعاة المتطلبات والاحتياجات المادية والمعنوية للمكونات الاجتماعية بعد الوصول الی تطابق قيم النظام السياسي مع قيم الناس وإلا ما الجدوی من الإصلاح.
إن بناء المواطنة القانوني المرتبط بالإنتماء الی إقلیم كوردستان والولاء لنظام الحکم فیه يبدأ بخلق ربط المواطن بالإقلیم من خلال قنوات تواصل تلبي الاحتياجات والمتطلبات السياسية والاقتصادية.
الإصلاح السياسي في الإقلیم يجب أن يكون ذاتياً من الداخل شاملاً لمختلف مناحي الحياة السياسية "البنّوية والتشريعية" وينحى منحى التدرج والشفافية ويركز فيه على المضمون "الجوهر" وليس الشكل.
فالإنفتاح الكامل علی الشعب الكوردستاني في كل السياسات والممارسات ، لإبداء الرأي بتلك السياسات هو من أهم الخطوات نحو الديمقراطية ، بە يولد الشفافية والمساءلة.
نحن اليوم أحوج مانکون الی القيام بإصلاحات شاملة في بنیة الواقع الكوردستاني وذلك لتجسيد روح المواطنة واشاعة العدل والمساواة بين مواطني كوردستان دون تمايز. علینا استئصال الفوارق القائمة على اساس الانتماءات الحزبية او القومية او الدينية او الطائفية او العشائرية. لقد سارت عجلة التحديث والتطوير في كوردستان بسبب الظروف السياسية المفروضة علیه ببطء. إن بلوغ الغایات والأهداف التي من أجلها ناضلنا مایقارب قرن من الزمان يفرض علینا أن نفعل قدرتنا علی التوحد والتنسيق المشترك  لإغتنام الفرصة التاريخية والفرص السانحة لتغيير فعلي ونقلة نوعية في حیاة شعب الإقلیم وإعادة صياغة الإنسان الكوردستاني  على اسس حديثة تستجيب للقيم الحضارية الانسانية التي تعتمد العقلانية والمنهجية والعلاقات الانسانية بين ابناء المجتمع.
علی الأحزاب الكوردستانیة التي تشکل الخارطة السياسية العمل علی إنهاء الإنقسامات والشروخات في المجتمع والسعي نحو مغادرة أفكار التجزئة والتشرذم بما يقوي حب الإقلیم ويعزز الخطاب الكوردستاني لتنمية الوعي الكوردستاني بعد أن عانی هذا الوعي التسلط والإرهاب والمحاربة الدائمة لأكثر من ثلاثة عقود من قبل النظام الدیکتاتوري البعثي المقبور.
علیها نشر ثقافة الدیمقراطية بين أفراد المجتمع الكوردستاني والتي تعني احترام آراء الاخرين  وحقوقهم في التعبير عنها في اطار من المساواة والتكافؤ ومکافحة العصبية کرابطة إجتماعیة سیکولوجیة ، شعورية ولاشعورية وعلی الأحزاب السياسية الفاعلة أن تتخلی عن السعي الی دفع المجتمع الكوردستاني نحو خضم صراعات ومواجهات تضعف قدراته على مواجهة التحديات الجسیمة كحربنا ضد التنظيم الإرهابي الدولي داعش والتصدي للعوامل الأخری المؤخرة لتقدمه وتطوره. التنمية لا تحصل بالتمني بل لابد من أن تتوفر الإرادة لدی الجهات المسؤولة لإصلاح الوضع الراهن و لابد من أن تتضافر الجهود للنهوض بالمجتمع إلی مکانة تقتضيها طبيعة العصر الحديث.
وختاماً نقول: "لإجتیاز إمتحان المعرفة والديموقراطية والتنمية ماعلینا إلا أن نمارس هويات عابرة وأن نتعامل مع معدننا كتراث لا كمتراس وأن نتصرف على مستوى إقلیمنا الکوردستاني لكي تكون هويتنا عابرة منتجة مبدعة خلاقة حتى نتمكن من المساهمة فى منجزات الحضارة الحديثة."
الدکتور سامان سوراني


23
داعش وإرهاب الجماعات الإسلامية الظلامية المجرمة

تشهد باريس اليوم حضوراً كبيراً لرؤساء دول وحكومات العالم ومنها حکومة إقليم كوردستان، للمشاركة إلى جانب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في "المسيرة الجمهورية" للتنديد بالهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا في الأيام الأخيرة والتي خلفت 17 قتيلاً.
فالعملية الإرهابية التي قادها جماعة إسلامية متطرفة علی مقر الصحيفة الأسبوعية الساخرة ذات التوجه اليساري في السابع من كانون الثاني ٢٠١٥ والتي أودت بحياة ثمانية من الصحفيين ورجل إقتصاد واحد و إثنين من الحراسة الخاص والإستقبال ورجل من الأمن وجرح عشرة آخرين ، كانت بداية دموية مفجعة، إنها هجوم علی حرية التعبير في مجتمع مفتوح.
أما عوائل الضحايا وكذلك الصحفيين والكتاب والفنانين المناضلين بفكرهم من أجل إعلاء الكلمة الحرة هم اليوم بأشد الحاجة الی دعمنا ومساندتنا.
هذه العمليات الجبانة هي ثمرة العنصرية والنرجسية الدينية المقيتة ونتاج تحجر عقلية الأصولية الجهادية أمام جدلية الفكر ودلیل قاطع علی الضحالة الثقافية والخواء الفكري لديهم في عدم تمكنهم بالرد علی الأفكار الحرة بالمنطق الأرسطي أو البراغماتي وآليات العقل.
نحن نعرف بأن العقلية السلفية الجهادية تعيش بیننا وفي مجتمعنا وهي ترفع شعار: "أنا أو الطوفان، أنا أو أحرق الأخضر واليابس". ولغرض كسب الحرب ضد لذا ومن أجل القضاء علی بذور الإرهاب وضمان تأمين العالم من التدمير والتخريب نطالب من الحكومات والأحزاب والمؤسسات المؤمنة بالديمقراطية وحقوق الإنسان القیام بالتنسيق بینهم لمحاربة الإرهاب الذي اصبح خطره لا يكمن فقط في منطقة واحدة بل في العالم أجمع ونطالب تلك الجهات أيضاً العمل بجد في مكافحة جميع أنواع الخطابات الدينية التحريضية ، التي تولد العقل التكفيري الإرهابي. فوباء الإرهاب في عصر الطفرة المعلوماتية خطير جداً فهو اليوم ظاهرة دولية يعبر بسرعة الضوء من مكان الی آخر. إن بشاعة العمليات الإرهابية الجديدة تزداد و تتصاد في كل مرة كماً ونوعاً ، كالعملية الهمجية التي قام بها الطالبانيون (طلاب العلوم الدينية) ، أصحاب الهويات المفخخة والمشاريع المستحيلة في كانون الأول من عام ٢٠١٤ في مدرسة باكستانیة ، راح ضحيتها أكثر من 140 تلميذاً. قتلوا برصاصة في الرأس.
التعليم الديني ، الذي أقتصر علی نشر فنون الحجب والخداع والنفاق والزيف ، أنجب المنظمات السياسية والجهادية ، تلك التي اتخذت من الإسلام عنواناً لعملها بهاجس الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها بأي ثمن ، بعد طعن المقدسات والخروج على الثوابت وكان الحصاد هذا العنف وهذا القتل وهذا الدمار.
التاريخ يقول لنا بأن الأديان تأسست علی عنف رمزي إلهي أو قدسي ، أصحابها مارسوها كحد أو رادع ، كتقی أو تحريم أو تسليم ، لکن أصحابها اليوم يمارسون عنفاً فاحشاً ، ينتهكون من خلاله كل الحرمات والحدود والقيم ، كما تشهد حروب آلهة داعش بجنونها وفضاعتها وذبحبها الأبرياء من علی الشاشة بإسم الدين. نسأل أنفسنا ، كيف تبقی ثقتنا بالأديان كمرجع للمعنی؟
شعب كوردستان يقف اليوم مع حکومة فرنسا ويدين هذا العمل اللاإنساني الجبان. أما قواته من البيشمركة الشجاعة ، فهي تمارِس دوراً بطولياً رائعاً جدّاً ونموذجاً تاريخياً عالياً في حربها نیابة عن المجتمع الدولي ضد التنظيم الوحشي المسمی بداعش ، المنتج بدولته المبنية علی الدمار والقمع والتهجير والتنکيل والسبي والإغتصاب وقتل كل من يخالفهم الرأي والمعتقد، أكانوا مسلمين أو غير مسلمين للتخلف والإستبداد والفقر والفكر الإرهابي.
وختاماً: لقد خرج التنين الديني والمذهبي بنزعته التدميرية من دهاليز الذاكرة وكواليس الوعي ، فأنفجر عنفاً وتخريباً ، فلكي لايتحول الدين الی فایروس قاتل والأصولية الی جرثومة مضرّة ولكي لا يغرق الشرق الأوسط  في السكونية المطلقة أو يتحرك عکس حركة الزمن والتاريخ ، علینا محاربة الفكر الأصولي الجهادي أينما كان ونبذ العقلية الإصطفائية القديمة ومنطق التقديس و عبادة الأصول والنصوص وعلينا العمل الجاد علی تطوير مفاهيم المشترك العمومي أو العالمي بين الناس، سواء على مستوى مجتمع معين أو العالم بمجموعه ، فلا مجال في هذا العالم المعولم للتمترس وراء الهويات المغلقة أو الجامدة.
الدكتور سامان سوراني

24
إقليم كوردستان بعد إنهيار الدولة الإسلامية في العراق والشام

صناعة الخراب الذي يتباكی الآن علی أنقاضه من أسهموا في إنتاجه بعقول ملغمة ومسلمات عمياء و توجّهات مقلوبة تتحول بعد الإنتصارات النوعية والمتتالية لقوات البيشمرگة الكوردستانية في أكثر من مكان علی ميليشيات الدولة الإسلامية ، عبدة الأقانيم الوهمية المقدسة ، الی عملة قديمة بعد أن كانت قبل فترة وجيزة أداة للقهر والإستبداد والإرهاب والإستئصال. الكوردستانيون أثبتوا بأن تنظيم داعش ليس غولاً، بل تحدٍّ يمكن لقوات البيشمرگة التصدي له.
هذا التنظيم الذي صار سبب في زعزعة الإستقرار في مناطق واسعة من الشرق الأوسط بتهديها علی كل من سوريا والعراق ولبنان والأردن وأماكن أخری جذب في الماضي آلاف المقاتلين من الغرب الذين إستمدوا وحيهم من الدولة الإسلامية والذين سوف يكونون بعد هزائمهم في كوردستان مصدر تهديد لبلدانهم بعد عودتهم الیها.
نحن مع الرأي القائل بأن الإرهاب سيستمر ، لذا يجب العمل علی إستراتيجية طويلة الأمد لتحديد خطورتها والتصدي لمخططاتها أينما نشأت.
إقليم كوردستان يمارس اليوم مجموعة من الأدوات السياسية بطريقة تكمل بعضها البعض  من أجل خلق الظروف المؤاتية لإرساء الأمن والإستقرار في المنطقة ويشارك بشكل فعال في صياغة إستراجية لتغيير وإضعاف الديناميات التي تنشط المد الإرهابي . ولإعاقة تدفق المقاتلين من مناطق الحرب مع داعش واليها يجب إستهداف الممولين والميسرين والوقوف ضد التحدي الذي يخلقه التنظيم والمؤدي إلى تسرّب عدم الاستقرار عبر الحدود الإقليمية. أما فيما يخص ملاحقة وضرب هذا التنظيم في خارج حدود كوردستان ومكافحة دفع الشباب إلى الأصولية فهذا أمر يحتاج الی التعاون مع الدول المحاذية لكوردستان والتحالف الدولي الداعم للعمليات العسكرية الكوردية.
إن صناعة الموت بإسم الإسلام والقومية هو ماقام به داعش بغزواتە وحروبە وممارساتە الإرهابية ومذابحه الجماعية في الكثير من المناطق الكوردستانية وهو ما أثبت بأن الإنسانية التي يدعونها توّلد الفقر والتفاوت والإستبداد ، بقدر ماتولد النزاع والعنف والإختلاف الوحشي.
العنف الذي أصدمنا بإرهابه ورعبه وقتله وتخريبه ليس مجرد تجسيد لصدام الثقافات ، أو مجرد تعبير عن فشل المجتمعات الإسلامية في ممارشن الديمقراطية والتحديث ، ولا الفاعلون هم مجرد حفنة من الإرهابيين يهددون مصير الشرق والغرب. إنها معضلة إنسانية ، التي باتت عاجزة عن معالجة دائها الأعظم ومشكلة المسلم الحداثي مع نفسه. المسلم الذي لايتعلم من أخطاءه ولايحسن صنع حياته أو إختراع مستقبله. فجذور العنف الداعشي يتجسد في نماذج الثقافة وقيمها وفي مسبقات الفكر ومؤسساته ، إنه يكمن في منطق المطابقة التامة وديكتاتورية الحقيقة النهائية  وفي الحقول المفخخة بالتصنيفات العنصرية والمفاضلات الإصطفائية وكذلك في الخطابات الملغمة من منابر المساجد الملغمة بالإدعاءات المثالية والمزاعم اللاإنسانية. وفوضى الديموقراطية المعبّرة عن مصالح ضيقة والمسيّرة من القوى الخارجية، المتنازعة أصلاً، يجب أن تزول ، كي لا تسمح لنمو العقل الداعشي ، لإن الإحساس بالإحباط يدفع الفرد نحو العـودة إلى صـورة سلفيّة أسطـوريّة مغلـقة من الدين. علی الإقليم الإستمرار في سياسة تعزيز أسس المساواة الفرديّة والاجتماعيّة، أي المواطنة المتساوية والعدالة في التوزيع، وحتّى بعض أسس الإنسانيّة الشاملة.
ويجب التحضير لمرحلة ما بعد إنهيار الدولة الإسلامية والعمل علی تشجيع إيقاف خروج جيل من المتطرفين أكثر وحشية وبربريةً من خلال عدم تهميش التطرف في الإقليم والمناطق الكوردستانية الأخری.
لقد خلق داعش عقل إرهابي مبني  علی الفوضوية وحوّل هذا العقل من مرحلة التنظيم الشبكي المبني على مرجعية شرعية مستقرة نسبياً ترفع شعارات ذات طابع ديني الی مرحلة الإنفصال والإستقلالية المحلية وخرج هذا التنظيم بفعله عن السيطرة الرمزية للمنظرين، الذين لم يكونوا أيضاً معتدلين في الفكر أو منطقيين في تزوير المفاهيم الدينية ، وتحول دولته الإسلامية بخروجها إلى ما يشبه الميليشيات أو عصابات من المرتزقة الخارجة عن القانون.
هذا الخروج يصعب علينا التنبؤ بخطوات العقل الإرهابي القادمة وحدود العنف الوحشي الذي قد يبذره في المنطقة ،  حيث لا قيود ولا شروط ولا انتظار لرؤية شرعية ولا تأييد من قبل المتعاطفين في الخارج. مع كل ذلك علينا العمل علی تغيير "الفكرة العنفية المسيطرة" لتغيير الواقع واستبداله بواقع متخيّل يراد تحقيقه على الأرض قسراً.
وختاماً: مشروع الدولة الإسلامية فقد مصداقيته علی أرض الواقع وفي ضوء التجارب المدمرة. فهذه هي مصائره علی إختلاف نسخه ومنظماته التي تشهد علی أهله، يعني تحويل الفكرة الی مؤسسة للقتل والذبح والترهيب والهوية الی محمية فاشية عنصرية والخلافة الی إستراتيجية قاتلة وكلمة "لا إله إلا الله" الی فتن وحروب ودمار ووحشية.
الدكتور سامان سوراني



25
فلسفة داعش وإنتقال العالم العربي من التاريخ الی ماقبل التاريخ

بالرغم من أن هناك أسئلة كبيرة يمکن للإنسان أن يطرحها علی نفسه اليوم كالسٶال عن الإنسان والوجود والمجتمع الی أين ، إلا أن السٶال الأهم يبقی كما هو ، نحن نعيش اليوم إنفجارات  وتحولات جذرية متسارعة وثورات وصدمات متلاحقة علی كافة الأصعدة منها الحضارية والتقنية والثقافية أو المعرفية والسياسية والإجتماعية ، أما يحدث ويتشكل هو عکس الإدعاءات ، فاليقينيات تنهار والمثاليات تبتلع والأمر يخلق وعياً حاداً بوجود أزمة تطال أشكال المشروعية الخلقية بقدر ما تشمل مختلف مناحي الحياة ، لماذا سقوط مجتمعات العالم العربي في إمتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني وتراجعها عما كانت علیه قبل عقود ، بالرغم الدساتیر والقوانين والأنظمة ذات المسميات الجمهورية أو الديمقراطية؟
الدولة الإسلامية في العراق والشام أو مايسمی بـ"داعش" الحاملة نواتها أيديولوجية فاشية دينية هو تعبير عن الأزمات القصوی في الوقت الحاضر ، تضافرت فيها عوامل داخلية وخارجية كثيرة. وهي تعبير عن معاني كثيرة وإرث كبير وواقع سياسي وعسكري موجود في شتی مجالات الحياة بعد فهم الواجب بشكل معكوس و بطريقة مقلوبة وبعد التظاهر بمثاليات وقيم قد تنطبق علی أي شخص إلا هم. داعش كمشکلة كانت موجودة في التاريخ ولايزال وإن لم تكن متبلورة تحت هذا المسمی.
ففي الغرب تمكن العقل الغربي من إحداث ثورة في البنية التحتية للفكر فشهد عصر الميتافيزيقيا و عصر فلسفات العلوم و عاش الحداثة و مابعدها وهو الآن يسعی الی الحفاظ علی الوجود بعد أن صرف وقتاً في دراسته وهكذا تمكن من الإنتقال من الكليات والمطلق البحت الی جمع الأجزاء في إطار كلي واحد.
أما في العالم العربي فنری العقل العربي المتقوقع في عصور الخرافة  وزمن إغتيال الفلسفة بإسم الدين والسياسة خوفاً من النقد والحرية ، الكامن في الجزئیات الشيطانية ، يطلّق التأمل ويهجر التفكير وهكذا تغيب الأسئلة الكبرى عند هذا العقل وهو في حالة اندهاش دائم.
فالمنتمي الی العقلية الداعشية لايعترف بحدود لمكان وتاريخ لزمان وقدسية لأحد ، يسقط الكل تحت المطرقة ولا كرامة لأحد عنده. مذاق المٶسسة الدينية الداعشية ، إن كانت هناك مٶسسة ، يولّد إيديولوجيات مقفلة مناسبة لهوس الزعيم الأوحد ، الخليفة ، الساعي الی تهديد السلام العالمي وتخريب العمران البشري. فجرثومة داعش الإصطفائية تصنع اليوم كل الكوارث والممارسات البربرية.
صحيح بأن الانسان لا يولد داعشياً بالفطرة ، فالفطرة السليمة تتنافى مع مفاهيم وسلوكيات داعش، وأن ظاهرة داعش ظاهرة مؤقتة تصل الى ذروتها  لتنتهي في الهاوية ، لکن ظهور داعش هيأ بيئة خصبة لكل مأزوم نفسي وكل حاقد وسادي ومتنطع يحب البروز وكل منبوذ اجتماعي وكل فاشل في حياته ، يری في التنظيم فرصة ليعوض تكرار فشله وإختيار هذا الطريق، وصار هذا الظهور مكة لزیارة الذين عانوا أزمات الهوية والانتماء والثقافة والتهميش الاقتصادي والفقر. أما الحركات السلفية بدعواتها الی الجهاد القائم علی العنف فهي الأخری شكلت من جابنها أرضية حاضنة للجهادية التكفيرية.
في العالم العربي لاوجود للعمل الدائم علی الإنتماءات والقيود والضغوط لتحسين شروط الوجود أو تغير ظروف العيش ، لأن ذلك يحتاج الی كسر منطق الفرديات المنعزلة والجماعات المغلقة والهويات المتوحدة أو الذوات الوحدانية ، فمنذ زمن بعيد ولی مسألة الخيار بين الفردنة والجمعنة ، أي بين التوحد مع الذات والذوبان في الجماعة.
وختاماً نقول: كفاكم الأمل بحل إسلامي بعد حروب الجوامع ومراقد الأنبياء وغزوات لهتك العروض وقتل الأبرياء، التي فضحت هذا المشروع الكاذب وعلی العالم العربي المنتقل الی ماقبل التاريخ الإعتراف بالواقع ، إذا أرادت أن تبقی في التاريخ ، التشخيص والإعتراف والتعقل والتدبر. ففي ضوء تجارب داعش المريرة والمدمرة فقدت المشاریع الإسلامية مصداقيتها علی أرض الواقع ، لأن دعوتهم كما نعیشها اليوم أصبحت إستراتيجية قاتلة و كلمة "لا إله إلا الله" الجامعة الی غزوات وفتن أهلية وخلافات وحشية ودمار شامل والصحوة الی عتمة دامسة والهوية الی محمية عنصرية شوفينية.
الدكتور سامان سوراني

26
باتريك موديانو بين البحث عن الهوية وفقدان الأمل

الروائي العالمي باتريك موديانو (Patrick Modiano) المولود عام ١٩٤٥ في بولون- بیانكور الواقعة في شمال فرنسا ، الذي يعد أهم كاتب فرنسي منذ التسعينيات القرن الماضي وحتی الآن والذي حصل علی العديد من الجوائز الأدبية القيمة داخل وخارج فرنسا يحصل اليوم علی جائزة نوبل للآداب. فضاءات ومسارح أعمال هذا الروائي هي باريس مكة الحب بشوارعها وحاناتها وحدائقها ومواصلاتها فهي إحدى أكبر مراكز الفن في العالم الحاضنة لبرج إيفل وقوس النصر ومتحف اللوفر وقصر فيرساي ، التي كانت المقر الرئیسي للثورة الفرنسية.
حياته نسيج من أنين الذات وخيال كثير الظل يبحث فیها زمنياً عن سيرته الشخصية الشبه قاتمة والمضطربة وخاصة في فترة طفولتە ومراهقته ومكانياً عن باريس ، باريس الستینات من القرن الماضي ، حيث العتمة السياسية والأمنية. يمکن هنا أن نقول بأن طيف والده الإيطالي من أصول يهودية والذي كان مشتبها به في قضية إضطهاد اليهود في فترة فرنسا الفيشية (١٩٤٠-١٩٤٤) ، الحكومة العميلة للنازية ، قد وسم سيرته الشخصية. كان الوالد يعيش بسبب هذه التهمة في نوع من الإختفاء والهروب المستمر ، الی أن مات بطريقة غامضة لم يعلن بعد ذلك مكان دفنه. وغياب الوالد كان يعني لباتريك غياب الأم لويزا كولبن ، الممثلة من أصول بلجيكية ، أيضاً.
قطع باتريك علاقته بوالده في سن السابعة عشرة ولازم شقيقه الصغير رودي ، الذي مات وهو في العاشرة من عمره وكان لموته أثر شديد علی نفسه. عاش طفولته ما بين الجدة ، والمربيات، وصديقات الوالدة، والمدارس الداخلية و نشأ مفتقداً العاطفة والحضن العائلي. إذن طفولته ومراهقته وحياته كانت مليئة بالحزن والتفرد. وهو القائل بأن الحياة عبارة عن باقة من الصور القديمة في صندوق الذاكرة.
نشر موديانو خلال السنوات الأربعين الماضية قرابة عشرين رواية منها "سيرك يمر، محلب الربيع، بعيداً عن النسيان، مجهولون، الجوهرة الصغيرة، حادث مرير، مسألة نسب، وفى مقهى الشباب" وغيرها من الروايات. ترجمت الكثير منها الی ٣٦ لغة ومنها أربعة روايات "شارع الحوانيت المعتمة، مقهی الشباب الضائع ، مجهولات ، الأفق" ترجمت الی العربية. 
التوحد ، التوحش ، الإنغلاق النفسي ، الحب الضائع، فقدان الذاكرة ، ضياع ، جنوح ، ألم، البحث عن الجذور والهوية ، إخفاء الإسم والهوية ، العذابات الشخصية ، الماضي ، الحرب ، المطاردة ، البحث عن الأماكن والساحات التاريخية منها والحاضرة ، النبش في الماضي والصور لإعادة تركيبها في مشروع عبثي يهدف الى معاودة رسم الحياة هي المواضيع الرئيسية في روايات هذا الكاتب العظيم. إنها معالجة فنية رائعة لفترة الأربعينات من القرن الماضي وأحداث الحرب العالمية الثانية بأبعادها الاجتماعية وتأثيراتها العبثية والفوضوية.
عالم باتريك موديانو حقاً رائع وكتبه حسب قول بيتر إنغلند السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية "تتحاور بعضاً مع بعض ، حيث تتكرر فيها مواضيع الهوية وفقدان الأمل". أما نزعته الروائية فهي تميل الى الشك اصلاً في هوية الكائن والافراد والسعي الی البحث عن الهوية المفقودة والمنسية.
أما لجنة جائزة نوبل للآداب في ستوكهولم فقد أعلنت بأن باتريك موديانو استحق الجائزة بفضل "تمكنه من فن الذاكرة وإنتاجه أعمالاً تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم ، وكشف العوالم الخفية للاحتلال". صوت الذاكرة عنده يعلو فوق كل الأصوات ، صوت تغوص في التاريخ والسوسيولوجيا والتحليل النفسي  ، لذا يلقب وبحق بمارسيل بروست (١٨٧١-١٩٢٢) العصر ، الباحث عن الزمن المفقود. بحصوله علی هذا التتويج العالمي تمكن موديانو من تسجيل الفوز رقم 15 لبلاده بنوبل في مجال الأدب.
الدكتور سامان سوراني


27
صفحة جديدة من العلاقات الخارجية بين كوردستان والعالم الغربي

بما أن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها المدركة الواسعة ومصالحها في الفعل الصحيح لتحقيق هذه الأهداف والحفاظ علی تلك المصالح ، فالسياسة الخارجية هي جزء من السياسة الوطنية. أما الدولة فيجب أن تختار ماينبغي علیها أن تقوم به فیما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها و واقع بیئتها الخارجية.
حكومة إقليم كردستان نجحت في السنوات الأخيرة بصورة فائقة وبخلاف توقعات الكثير من النقاد المحليين والغربيين وفي خضم الفوضى التي يغرق فيها العراق و سوريا والمنطقة برمتها في تكوين واحة آمنة ومنطقة سلمية ديمقراطية مزدهرة اقتصادياً ومستقرة سياسياً بالمقارنة مع غيرها في تلك البقعة ذات التقلبات المتزايدة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ورغم كل المحاولات الدنیئة لحكومة بغداد تحت إمرة رئیسها السابق نوري المالكي في إيقاف هذا الإزدهار الإقتصادي وصعود خطر ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية بعد استيلاءه على مساحة واسعة من الأراضي العراقية وهجومه علی كوردستان لهدم التجربة الديمقراطية اليانعة فيە أو لتحطيم الإنجاز المثالي لحکومة الإقليم ، التي تحتضن اليوم ، رغم الحصار الإقتصادي الظالم علیها من قبل حكومة بغداد ، أكثر من مليون ونصف المليون لاجيء من النازحين والمضطهدين من مناطق العراق و من سوريا وهم من أعراق وأديان و مذاهب مختلفة ، وهذا مثال يجب أن يحتذی به في المنطقة ويستحق كل الثناء والتقدير من الداخل والخارج.
فالقيم التي يٶمن بها حكومة إقليم كوردستان كالتسامح و الديمقراطية و التعايش السلمي المشترك هي تلك القيم التي يٶمن بها المجتمعات المتحضرة ومن هذا المنطلق قامت قوات البيشمرگە ونيابة عن العالم بأسره بالتصدي لهجوم وإرهاب مسلحي تنظيم (داعش) ، أحدی أخطر وأقوی وأغنی التنظيمات الإرهابية العالمية وردعهم عن المساس بأمن وحرية كوردستان.
هذا الصمود وهذه الإرادة الصارمة و الحكيمة لدی القيادة الكوردستانية أدت الی تسارع الدول الديمقراطية العريقة وبهدف حماية الأمن الجماعي والسلم الدولي الى نجدة الشعب الكوردستاني وقوات البيشمرگە في صراعه الدامي مع التنظيم الإرهابي المسمی بالدولة الإسلامية.
داعش ، الذي حشر المنطقة في المأزق الخانق و خلق حالة طارئة إقليمية جعلت المنطقة في غاية التوتر والإضطراب.
أما المجريات فقد فضحت الدعوات و النتائج نقضت المقدمات والوسائل دمرت الغايات و إنفضح مزاعم هذا لاتنظيم الإرهابي في السيادة والسيطرة علی المقدرات والمصائر.
نحن نعرف بأن مصير الشرق الأوسط يتوقف علی نتائج هذا الصراع وأن النصر القريب سيكون للمنطق العقلاني الكوني والمنهج التركيبي التعددي ، الذي يمارسه حكومة إقليم كوردستان. أما الدعم الدولي للإقليم فهو أيضاً من أجل إثبات أنّ بناء مجتمع مستقر، حتى وسط منطقة ينعدم فيها الاستقرار إلى حد كبير، أمرٌ ممكن.
النظام العالمي المعاصر تفسح المجال أكثر من الماضي لتداخل المصالح وتشابكها القائم علی التماييز بين دول كبرى مالكة لقرارها السياسي ومتمتعة بسيادتها ومتحكمة في السياسات الدولية وبين دول صغيرة وضعيفة وغير مالكة لقرارها ولسيادتها ، بالرغم من زوال زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية ، التي كانت في الماضي شعار إختزل الی مجرد عقيدة لا غير. حکومة إقليم كوردستان المنتهجة لسياسة الإنفتاح والتوازن المرن والمدروس في التعامل مع الجارتين الكبيرتين تركيا وايران مع الحفاظ على استقلالية القرار الكوردستاني  ، استطاعت تأسيس علاقات متعددة الجوانب مع عدد غير قليل من دول العالم والدليل علی مانقولە هو وجود أكثر من 30   ممثلية دبلوماسية في العاصمة أربيل و ١٤ عشر ممثلية للإقليم في العالم و بالأخص في الدول التي تحتضن أكبر عدد من الجالية الكوردستانية كألمانيا والنمسا والسويد وفرنسا وإيطاليا والولایات المتحدة الأمريكية وروسيا والمملکة المتحدة وأستراليا وغيرها من الدول. 
ومن الواضح بأن الأهتمام الدولي المتزايد بأقليم كوردستان الناهض هو بجانب سياسة الباب المفتوح كوسيلة الإتصال وبناء العلاقات مع العالم الخارجي بناءاً علی المنفعة المتبادلة موقعه الجيوستراتيجي في قلب الشرق الأوسط وإمتلاكه لموارد طبيعية ثمينة كالنفط والغاز معادن نادرة أخری.
أما بالنسبة لإتخاذ الولايات المتحدة الأمريکية بتوجيه ضربات جوية فعالة الى مواقع تنظيم داعش الإرهابي بعد أقل من 36 ساعة من هجومهم علی حدود كوردستان دون الرجوع الی قرار مجلس الأمن الدولي فهو رد فعل إنساني أكثر مما هو سياسي بعد أن تعرض الإيزيديون الکورد في مدينة سنجار الی تراجيديا إنسانية وحملة إبادة جماعية لامثيل لها في التاريخ المعاصر وبعد أن قامت وسائل الأعلام الأميركية والرأي العام الأميركي بلفت الأنظار الی الأعمال الوحشية لداعش والضغط علی البيت الأبيض للإسراع في إصدار قرار للحد من تلك الحملة البربرية. وقد حذت ولحسن الحظ دول الأتحاد الأوروبي حذو الولايات المتحدة الأميركية في تقديم الدعم العسكري المباشر لقوات البيشمركة والمساعدة الأنسانية العاجلة لمنكوبي  سنجار.
لقد تمكنت حکومة إقليم كوردستان بممارستها سياسة الإنفتاح علی الخارج عبر المٶسسات الإقليمية والهيئات الدولية ، السلمية والمدنية ، التي تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحريات الديمقراطية ، أن تضع بصمتها علی التغيير الإيجابي الحاصل في علاقاتها الخارجية  وإستطاعت أن تٶمؔن بالديمقراطية آفاق جديدة ‌أمام الفكر السياسي في ميادين الممارسة أفقياً وعمودياً ، داخلياً وخارجياً ، مما يتيح للديمقراطية أن تغني وتتحدؔد أو تتعزؔز وتتطور وتنفتح ، سواء بالإنفتاح علی الفضاء الإجتماعي المحلي أو الخارجي أو عبر المشاركة في المناقشات العالمية وفي الهيئات والمٶسسات الإقليمية والدولية وكل هذا يفتح المجال للتحوؔل نحو ديمقراطية نوعية ، غير منمؔطة ، جديدة وأكثر فاعلية وديناميكية.
وختاماً: "من يعمل في مايخص العلاقة مع الخارج بعقلية التهويل العقائدي ، كما يفعل أصحاب المشاريع القوموية والدينية والشمولية والأصولية في العراق والمنطقة ، الذين يجعلون شغلهم الشاغل ، الثقافي والسياسي ، مهاجمة الغربنة والعولمة والأمركة ، لتغطية فشهلم وإخفاقهم في داخل بلدانهم ، يهرب من التحديات الجسيمة والإستحقاقات الداهـن  ويخلق أعداء في الداخل والخارج ، لكي يحمل علیهم لغة التكفير والتخوين ، أو لكي يحملهم التبعة عن الأخطاء والمساویء أو عن الهزائم والكواث."
الدكتور سامان سوراني 


28
السلفية الجهادية التكفيرية والصمت العربي ونهایة الحضارة الإنسانية
قبل مدة قصيرة تمكنت التنظيم الإرهابي التي خرجت من جلباب القاعدة والمسمی بـ"الدولة الإسلامية" أو "داعش" سابقاً بالإستيلاء علی المشهد العالمي وتداول هذه الظاهرة بشكل لم يسبق له مثيل بعد عرض مجازرها وأعمالها الهمجية والبربرية في العالم السبراني ، منها قطع الرٶوس و هتك الأعراض والقتل الجماعي وتهجير الأقليات والطوائف و سرقة البنوك وإقامة الحدود.
تلك المشاهد والأعمال الإرهابية الحاملة لأفكار السلفية الجهادية التكفيرية تثير عند الإنسان المتحضر القشعريرة والرعب في آن واحد وهذا ما تهدف اليه هذە المجاميع المنظمة والممولة بشكل مادي ومعنوي من جهات داخلية وخارجية لضمان المصالح اللاإنسانية لأطراف تتاجرعلناً بأسم القيم والديانة والحضارة.   
العقل الإرهابي الراديكالي المنتمي الی العصور الوسطی لا يرى في سبيل تحقيق غايته الدنيئة أي حرج في إراقة الدماء ، سواء كان الطرف الآخر أخذ بالإسلام ديناً أم آمن بديانة أخرى.
أما الشخصيات التي ترسم الأفكار في هذا التنظيم فهي تستنسخ آليات التنظيمات الجهادية التي ظهرت بعد الحرب الأفغانية السوفيتية ، ففي إدارة أدوات الإعلام علی مواقع التواصل الإجتماعي يمکن مشاهدة الشبه بين عمل هذا التنظيم و بين تنظيم القاعدة الإرهابي. فهناك إقتباسات لكتب سيد قطب تستخدم لتطويع الواقع ، كتكفير المجتمعات المسلمة بأعتبار أنها تعيش الجاهلية بإرتدادها الی عبادة العباد وإلی جور الأديان والنكوص عن كلمة "لا إله إلا الله" ، هكذا يٶمن المنتمين الی أفكار سيد قطب والتنظيم بأنهم آخر المسلمين وأن كل من على وجه الأرض كافر حتى ولو نطق الشهادة.
هذا التنظيم الغارق في الغلو والتشدد والحاضن للجيل الثالث من السلفية الجهادية التكفيرية لايستطيع أن يدوم في صيغته الحالية "الدولة الإسلامية" ، بل سيسقط بعد الإنتصار العسكري علیه كما سقطت "الإمارة الطالبانية الإسلامية" في أفغانستان بعد معركة طويلة أم قصيرة ، أما الفكرة المدمرة للحركة فسوف تستمر في الخفاء لتختمر و تنتشر في أمكان أخری بعد عقود.
أما ماكنة تفريخ السلفية الجهادية التكفيرية فهي لاتزال تنتج بشكل نشيط وفعؔال. والعناصر الأجنبية التي التحقت كمقاتلين ضمن هذا التنظيم في سوريا تقدؔر بخمسة وعشرين ألف مقاتل ، أتت من بقاع مختلفة من العالم لتولد بإستهداف الإيزديين الكورد والأقليات الأخری صدمة جديدة.
الصمت العربي المريب والشامل تجاه الهجمات الوحشية واللاإنسانية لداعش علی الأراضي الكوردستانية واقتلاع المسيحيين أهل التاريخ والجغرافيا من الموصل والإيزديين الكورد من سنجار وذبحهم وقتلهم جماعياً وعدم إصدار كلمة أو رسالة إدانة من قبل أية دولة عربية لهذه الجرائم التي تمارس بإسم الإسلام والعروبة مخزٍ الی درجة ، إذ يمكن تفسيره بأنهم مع إنتشار هذا السرطان ، لايريدون المشاركة في إستئصاله أو مكافحتە وإبعاده.
علی الحکومة الكوردستانية دعم فكرة تأسيس مركز علمي كوردستاني لمحاربة الإرهاب لكي لا يکسب الفكر الإرهابي ، الذي لا مكان له في القرن الـ21، أرض خصب في المنطقة ولكي لا يستقر لە مقام وحتی يتم إيضاح خريطته الوراثية DNA والكشف عن الخلايا النائمة ، من الذين يحمون الإرهابيين ويٶيدونهم سراً ويقومون بتعبئة أتباعهم بثقافة الكراهية والحقد المستندة علی التكفير والطائفية المقيتة ، من أجل إلقاء القبض علیهم وتقديمهم للمحاكمة لينالوا جزاءهم العادل والرادع.
هل إنتهت الحضارة الإنسانية ، أم علینا القيام بالتحرر من التعصب وبناء الأرض وتأسيس قيم مشتركة توحد بني البشر في وحدة إنسانية حضارية والسعي نحو الإعلاء من شأن قيمة الفرد على المستوى الكوني لتحقيق وعى أكثر راقيا وأكثر رحابة وشمولاً مما نحن عليه الآن؟
الوحش الإرهابي يتغذى من ثقافتنا ، فهناك علبة سوداء تعشش في العقول بعقدها ومتحجراتها وتهويماتها وخرافاتها وتصنيفاتها العنصرية. علینا بالتحرر من القيود الدينية المتزمتة ، التى تفرضها الجماعات السلفية التكفيرية ، من الذين يدعون بأنهم علی صراط مستقيم ، رسالتهم هذه تتسم بالتعصب وتسعى إلى فرض تعصبها على جميع البشر فى أنحاء الأرض. إذا أردنا نجاة الحضارة الإنسانية من الإنقراض فما علينا إلا إستلهام العقول التنويرية للفلاسفة العظام أمثال الأندلسي إبن رشد (١١٢٦-١١٩٨م) والفرنسي بيير تیلار دی شاردان (١٨٨١-١٩٥٥م) وغيرهم من رسل التعايش السلمي و فلاسفة الإنسانية.
وختاماً: من يريد أن ينتمي إلى حضارة القرن 21، فعليه المشاركة في ثورة ثقافية تفتح آفاقاً جديدة أمام إلإبداع وتعزز إحضار العقل السجالي التناظري ، لمكافحة العقل التكفيري الجهادي عدو الإنسانية  ، الذي أصبح اليوم فيروس قاتل.
الدكتور سامان سوراني

29
عزيمة شعب كوردستان وإحتراق أوراق الطابور الخامس
بالرغم من أن الهجمات والمخططات الدنيئة للمجموعات الإرهابية التي تسمي نفسها بـ"داعش" فشلت فشلاً ذريعاً أمام الإرادة الصلبة لقوات البيشمرگە وصمود شعب كوردستان إلا أن هناك شخصيات صغيرة في نفوسها ومريضة في عقولها وانتهازية في طموحاتها تسمی بالطابور الخامس قامت بنشر إشاعات وأكاذيب حول إنتصارات وهمية للتنظيم التكفيري الوهابي علی القوات الحديدية للبيشمرگه ، التي عقد العزم علی مواجهة كل المخاطر الكبيرة ، بهدف النيل من قامات أبطال كوردستان إرضاءً لعطش الرذيلة عند أسياد الشرؔ أو لتحقيق  أهداف صغيرة مقاس شخصيات كاريتورية دونكیشوتية هذا الطابور. للأسف عملت بعض الجهات الاعلامية مع عدد غير قليل من القنوات الفضائیة وإذاعات وصحف وشبكات التواصل الإجتماعي المناهضة لهذا التنظيم الإرهابي لصالح التنظيم تتمثل في تكرار وعرض دعايات التنظيم وإدعائاتها المزيفة وتظهر مدی وحشية وبربرية وقسوة تنظيم داعش ، التي لا ترحم حتی لاترحم حتی بحلفائها من التنظيمات التكفيرية الأخری ، بشكل بعيد كل البعد عن المهنية والحرفية. 
ماهو الطابور الخامس؟
يطلق مصطلح "الطابور الخامس" على جماعة من الناس تقوم بتقويض أى نظام أو دولة بصورة سرية من الداخل وترجع نشأة هذا التعبير إلى أيام الحرب الأهلية الإسبانية التى نشبت عام 1936عندما أعلنت محطة إذاعية أن قائد قوات القوميين "الجنرال إميليو مولا" يقترب من مدريد بأربعة طوابير من قواته العسكرية ، وأنه سيحظى بالدعم من طابور خامس موجود داخل المدينة بعد الحرب العالمية الثانية اتسع مفهوم الطابور الخامس ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية وفي الوقت الحاضر اتسع المفهوم أكثر ليشمل بعض القنوات الإعلامية وبعض القيادات البارزة فسار تعبير "الطابور الخامس" يستخدم للدلالة على أى جماعة تقوم بالتخريب فى دولة ما لمصلحة دولة أخرى.
علی الاعلام الكوردستانية المخلصة العمل علی تحسيس الرأي العام الوطني بالتحدّيات والمؤامرات التي تحاك ضد إستقرار وأمن كوردستان وتماسكها وتقدّمها لحساب جهات داخليّة ذات مصالح ضيّقة و/أو جهات خارجية لها مصالح تتصادم مع المصالح العليا الكوردستانية والقيام بكشف المغالطات و النظريات التي يروّج لها من له مصلحة في التضليل أو نشر البلبلة والفرقة والكراهية بين الناس واعتماد الحرب النفسية لتمرير أجندات معينة أو الانحياز لمصالح أطراف معيّنة داخليّة و/أو خارجيّة على حساب المصلحة العامة.
فحكومة إقليم كوردستان تقوم اليوم بجدية و مثابرة في مراقبة وكشف أشخاص الطابور الخامس ومعرفة ارضيته وجذوره ومنشأه وأسلوب تفكيره وغاياته ومن وراءه  وتحاسب كل من يريد النيل من الأمن القومي وسيادة كوردستان وقضاياه العادلة ومصالحه المشتركة وهويّته الكوردستانية والذين يقومون بأساليبهم المريضة بالتحريض ضد البيشمرگە والرموز الوطنية.
وبعزيمة شعب الكوردستاني وإرداته وحماس البيشمرگه والإصرار علی "إما كوردستان أو الموت" في الحرب ضد القوة الإرهابية السلفية الشوفينية الغاشمة ، أعداء الوطن والديمقراطية وحرية شعب كوردستان أثبتت للمنطقة والعالم بأن الكوردستانيين قادرين وحدهم بالدفاع عن أرضهم ومقداستهم وحماية الأمن والإستقرار والتعايش السلمي. والحكومة الكوردستانية بقواتها الدفاعية والهجومية سوف تستمر مع حلفائها وأصدقائها في الحرب ضد الإرهاب العابر لحدود دول عديدية من أجل تفكيك وحدة الصف الكوردستاني وإفشال طموحات شعبنا في الإستقلال والعيش في الحرية بهدف إسقاط رايات الحکم الداعشي السوداء الغادرة وقلع جذورها في المنطقة  وإعادة الأمان والإستقرار الی كافة المناطق الكوردستانية.
وختاماً: إن سلفيو داعش الإرهابي تمسكوا بكل ما هو ضيق وعسير أو متشدد ومتطرف وسلبي وعدواني في التراث وقاموا بتحويل العلاقة بالهوية الدينية الى محكمة جهنمية تحرم وتعاقب بقدر ما تعمل بمفردات الحقد والثأر والانتقام ، على سبيل الإقصاء أو الاستئصال للآخر، ورفض كل ما أنجزته المجتمعات الإنسانية قديماً وحديثاً ، على الأصعدة الحضارية والمدنية والثقافية. هذا ما تشهد به أعمالهم من تدمير الصروح والمعالم الأثرية في نینوی ، الى منع البنات من التعلّم بسجنهن أو بخطفهن والاعتداء عليهن في غير مكان ، الى التفجيرات الانتحارية التي دمرت الممتلكات وأزهقت أرواح الآمنين على هذا النحو الوحشي والعدمي.
ليعلم الداعشيون و جنود الطابور الخامس المحترقة أوراقهم بأن مجتمع كوردستان المتحد سوف يقف خلف قوات البشيمرگە و يواصل مسيرته في النهوض والإصلاح والتقدم ليشارك في صناعة الحضارة القائمة ، علی سبيل التطوير والإضافة و حكومة الإقليم سوف يقاوم بکل قوة فايروس التطرف والجرثومة الأصولية الغارقة في السكونية المطلقة والسائرة عکس التاريخ و عکس حركة الزمن والمستقيلة من التفكير الحي الخلاق المبتكر. 
الدكتور سامان سوراني

30
سباحة نوري المالکي في بحر الميغالومانيا والبارانويا

المصطلح التاريخي "جنون العظمة" أو ما يسمي باللغة الإغريقية بالـ"ميغالومانيا" ، (بالإنجليزية: Megalomania) توصف حالة من وهم إعتقاد الإنسان بامتلاك قابليات إستثنائية وقدرات خارقة وجبارة أو مواهب مميزة أو قوة عظيمة ليس لها وجود حقيقي. والشخص المصاب بهذه الحالة يمكن إعتباره مريض عقلي يعيش في حالة ذهانية تتميز بالهذيان الواضح والمستمر أو يعيش أفكارا متسلطة تسبب له الهذيان. أما الإعتقاد الجازم بفكرة خاطئة يوصف بالبارانويا ، لأن المصاب بهذه الحالة المرضؔية النفسية يملك جهازاً عقائدياً معقّداً وتفصيلياً يتمركز حول أوهام واقعية لها ، هذه الأوهام تقنعه بأنه يُضطهد من قبل الآخرين ، وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاده من قبلهم هو كونه شخص عظيم ومهمّ للغاية.
بداية نقول ، لکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه ، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته وتراكيبه أو تجاوزاته‌ وتراكباته. ومن لايعترف بالحقائق لا يستطيع المساهمة في خلق وصناعة الحقيقة.
فبعد تاريخ ٩/٦/٢٠١٤ والتغييرات التي طرأت علی العراق ، حيث تمكن مسلحي تنظيم داعش السيطرة علی الموصل ثاني اكبر المدن العراقية وعلی الرمادي والفلوجة وتكريت وبعد محاولاتهم الزحف نحو بغداد العاصمة ظهرت أعراض مرض رئيس الوزراء العراقي الفيدرالي المنتهية ولايته السيد نوري المالكي بشکل واضح للعيان. فنراه يردد يومياً رغم هزيمة عساكره وجيوشه بأنه هو المنتصر، إذ لاغالب عليه وهو المقتدر. وما خطابه الاخير وتهديداته اللاشرعية ضد دولة كوردستان، واتهاماته التي لا أساس لها ، إلا دليل آخر علی إصابته بمرض جنون العظمة والبارانويا.
السيد نوري المالكي وضع بسياساته الخاطئة ونرجسيته وتفرده في الحكم والقرار وحدة العراق في مهب الريح ، بعد سعيه بفرض الوحدة بالقوة وتجاهلە مطالب وقضايا المكونات الأساسية الأخری في العراق وحقوق شعب كوردستان في تقرير مصيره ، والذي لم يفهم من المتغيرات والثورات والمفاجآت إلا القليل ، كونه يعيش ولحد الآن في سبات سياسي وجمود عقائدي بعيد عن الثورة المعلوماتية والتقنية الرقمية والتواصل عبر الشبكات الإجتماعية وغيرها يريد اليوم بلغة التهديد والوعيد والاتهامات الباطلة والتصريحات اللامسٶولة كالقول ، بأن عاصمة كوردستان ، " أربيل تحولت الی ملاذ آمن للإرهابيين و الدواعش"، التغطية على فشله وهشاشة دوره وقصوره في السنوات الثمان الماضية.
لقد قام برلمان كوردستان باسم شعبە كما قبله رئیس دولة كوردستان بإدانة تهديدات السيد المالكي ، معتبرا أياها بمحاولة یائسة "للتغطية على فشله السياسي والجماهيري والعسكري الذي تعرض له".
السيد نوري المالكي نسي بأن كوردستان كان في السابق ملاذاً لحماية المعارضة ضد هجوم وحملات النظام الدكتاتوري الصدامي وهو اليوم ملاذ آمن لأكثر من نصف مليون مواطن هربوا بسبب إنعدام الأمن والعدالة والمساواة أوالحرب من مدن الموصل وبغداد ووسط وجنوبي العراق ليصبحوا لاجئين في دولة كوردستان المستقرة. شعب كوردستان الپيشمرگه المناضل يدين بشدة كل عملية إرهابية و يواجه ويكافح بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقترب من أراضيه أو أراد النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
السيد المالکي سعی في السابق بلا هوادة الی قولبة المجتمع العراقي لإطاعته و أراد أن يملي أفعاله علی كوردستان ، بإعتبار أقواله وأفعاله نبوغ و إبداع والهام ، ليبرهن سلطته المطلقة ، التي لا تقيده قيود قانونية أو دستورية أو عرفية ، لكن القيادة الكوردستانية جاهرت بالعدل والحق ووقفت في وجه المستبد وأعوانه وبطانته ، وسعت بسحب الشرعية منه ، بعد أن كشفت نوایاه في الحرب علی الشعب الكوردستاني و رأت بأنه تراجع عن المسار الديمقراطي والنظام الإتحادي محاولاً بشكل عدواني هدم التجربة الكوردستانية وكسر إرادة شعب كوردستان بقطع وإيقاف رواتب موظفي كوردستان وسعيه في ضرب وجرؔ العملية السياسية الی الطريق المسدود. 
السيد المالكي ، الذي يعيش أنفاسه السياسية الأخيرة ، يحمل في طيات معتقده الإصطفائي نظرية ولاية الفقيه فهو يری بعد هزائمە السياسية والعسكرية الأخيرة بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس يأتي بالفرج والسعادة لكافة العراقيين وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
شعب كوردستان لا يريد بعد اليوم أن يعيش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية ويرفض السباحة في بحر السبات القومي والحصن الديني أو يعيش مرة أخری في جمهورية الخوف ونهایاتها الكارثية أو يتنفس تحت رحمة القوقعة الإصطفائية والوكالة الحصرية ، التي تجلب الجور والتعسف والتعريب والتهجير والأنفال والإبادة الجماعية ، لذا يقرر مصيره بيده و ينتخب الإستقلال.
السيد المالكي الذي لم يلتزم بإتفاقياته مع حلفائه في العملية السياسية وبالأخص مع التحالف الكوردستاني ، التي ساعدت علی تشكيل الحكومة العراقية ، أعاد بفعلته عقارب الساعة الی الوراء و وأكمل الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد والقائد الأسطوري المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال.
في هذا الزمن ، زمن الإنفجارات التقنية والطفرات المعرفية ، يسعی حکومة كوردستان الی العمل علی خلق لغة مشتركة ووسط للمداولة أو مساحة للمبادلة ويرفض الشراكة مع كل من يحاول أن يستغرق في الإستبداد ويعيش في ثنايا الإرث الدكتاتوري أو يسير نحو إحياء الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي.
وختاماُ نقول:
من يکون قادراً علی إلقاء خطب مليئة بالتهديد والإتهامات الباطلة والشعارات القوموية المستهلكة لكي يخلق العداء بين الكيانات الرئیسية في العراق ويشنّ في خطبه حرباً ضد حكومة وشعب كوردستان و لا يقدر علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته ، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن يأتي بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء ، بإتهام الغير لفشله السياسي و حمل المسؤولية عليه ، و ذلك للهروب من استحقاقات الكيانات وإيجاد الحلول للمآزق والكوارث والحروب والويلات ، بإختراع أعداء ، هدفه دفع عجلة تفاقم المشكلات واستعصاء الحلول نحو الأمام وهمّهُ إنتاج أناس هم أعداء للفهم ، يدرّبهم علی إتقان لغة التصديق والتصفيق والتهليل ، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. وهذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
الدكتور سامان سوراني

31
نعم الإستفتاءات الشعبية إرادة كوردستانية وحق إنساني مشروع

بما أن الإستفتاء هو تصويت لجميع المواطنين المٶهلين علی مشروع أو مسودة وضعت من قبل البرلمان أو الحكومة أو أية سلطة حكومية ، فهي إذن آلية من آليات الديمقراطية المباشرة ، عن طريقها يبدي المواطن الناخب وبكل شفافية رأيه في مسألة سياسية أو مصيرية. ولنتائج التصويت علی الصعيدين الدولي والوطني درجة عالية من الشرعية.
صحيح بأن شعب كوردستان إختار وبشكل طوعي ان يكون جزءاً من العراق شرط أن يكون فيه شريكاً حقيقياً وفاعلاً و شرط أن يكون النظام في العراق ديمقراطي تعددي إتحادي فدرالي ، لكن الذي رأە هذا الشعب المناضل هو السياسة الفاشلة للسيد المالكي المصبوغة بالرفض والإلغاء والجهل والخداع ، الذي حكم کرئیس للوزراء مدة ٨ سنوات عجاف ، بعد تحويله الهوية الی فخ وعصاب والعراق الی مصنع للإرهاب و اللاإسستقرار بعد ممارسته  الحكم الفردي والإستبداد بعقليته الإصفائية و ثنائيته الحصرية و منهجه الأحادي و شعاراته المقدسة وإدعاءاته المركزية حول السلطة والحكم ، مهملاً قيم المساواة والعدالة والعقلانية ، مولداً بذلك الحروب الأهلية والإختلافات الوحشية بين عناصر المجتمع وفئاته. 
فالهاجس الوحيد لنوري المالكي في السابق وللآن هو الحفاظ علی الولاية والسلطة والإستمرارعلی العمل في سبيل قولبة وتدجين وتعبئة وعسكرة المجتمع و رفضه لحفظ كرامة الإنسان العراقي إحتكاره للسلطة وممارسته الوكالة الحصرية و خروقاته المتكررة للدستور الإتحادي أنجبت الأزمة الحالية.
من جانبنا لانخفيە علی أحد ، هدف شعب كوردستان هو الاستقلال و هو حق طبيعي لهذا الشعب ، الذي كان في الماضي ضحية السياسات القمعية والوحشية للحكومات المتعاقبة في العراق المصطنع وهو لايستطيع بعد الآن أن يبقی مدی الدهر رهينة مستقبل مجهول ، بل يعزم وبكل جرأة على إجراء استفتاء شعبي على خيار الاستقلال بعد فترة قصيرة من الآن بعد موافقة برلمان كوردستان على ذلك.
في السابق كررنا أكثر من مرة بأننا نريد ممارسة حيویتنا الفكرية و حرياتنا الديمقراطية لنحتل موقع علی خارطة العالم ولانريد أن نمارس علاقتنا بهويتنا علی سبيل العجز والتخلف والضعف والهشاشة. عراق اليوم.
أما التصريحات الأخيرة الغير مسٶولة  لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، الذي لم يتخذ سياسات كفيلة بوضع حد لحالة الفوضى والعنف التي أغرق العراق على صعيد يومي وبمباركة ودعم واضح لحكومته للنهج الطائفي والإقصائي ضد المكونات الأخری للشعب العراقي ، فهي تحمل في طياتها العدوانية ، خلالها يتهم هو إقليم كوردستان جزافاً وإفتراءً ويقول بأن شعب كوردستان يستغل الأوضاع للسيطرة علی الأراضي ، المسمی بـ"المتنازع علیها".
فالسيد نوري المالكي الذي عاش في كوردستان وأكمل دروسه في جامعاتها يعلم علم اليقين بأن تلك المناطق كوردستانية بحتة وأن الكورد لم ولن يتمددوا أو يتحركو أو يتوسعوا في يوم ما علی حساب الآخر ولم يسيطروا علی أراضٍ غير كوردستانية خارج إقليمهم. فهو بعمله هذه يريد قلب الحقائق وإلقاء اللوم على الآخرين ، لتغطية إخفاقاتە الكبيرة في الداخل ، تلك الإخفاقات التي وضعت العراق تحت خدمة أطراف إقليمية أسهـمت في إذكاء نار الفتنة الطائفية بشكل لم يعهده العراق في تاريخه.
لو كان المالكي مهتماً بالأدب والفن لأقترحنا له أن يشاهد مسرحية «أنريكو الرابع» للكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو ، كي يكشف إزدواجيته في الشخصية و تماهیه بين الممثل ودوره.
نقوله هنا وبكل صراحة أيضاً بأن سياسة المالكي أنتجت كل هذا الخطرعلى العراق وعلى المنطقة. فالعقلية والأيديولوجية المتطرفة والسياسة الأحادية المتهورة هندست مآسي العراقيين والاضطرابات في المنطقة. لو قام هو بتوظيف قدرات الدولة العراقية ، وثرواتها لخدمة تنمية العراق ومصالح مواطنيه ، ولو لم يقم هو بإقصاء السنة و تهميشم أو بقطع ميزانية إقليم كوردستان و لم يفرض علی الكورد والسنة الحصار لكان العراق والمنطقة بألف خير وسلام.
شعب كوردستان يريد أن يساهم مع إخوانە السنة والشيعة في معالجة الأزمة ، التي تمر بها العراق ، لکن التطورات الأخيرة في العراق أثبتت بأن هذا البلد لا يستطيع أن يبقی علی ماكان علیه في السابق. فهو مقسم حالياً وللشعب الكوردستاني الحق أن لايتخلی عن هدفه ومشروعه الأساس المٶدي الی استقلالية إقليم كوردستان. وما علی القيادة الكوردستانية إلا إحترام قرار الشعب والإلتزام بە ، علی أمل أن يحترم الآخرون ودول الجوار والمجتمع الدولي قرار شعب كوردستان.
وختاماً نقول: لا أحد يستطيع هدم التجربة الكوردستانية و كسر إرادة شعب كوردستان أو جرؔهم الی  الطريق المسدود ، فلا يمكن بعد اليوم أن يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي في كوردستان ولا عقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل. ففي عالم ينهض فیها الشعوب ضد الحکومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني الأبيؔ أبداً أن يقبل بأن يحكمه طغاة غرباء كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. فأهلاً بالإستفتاء ومرحباً بالإستقلال.
الدکتور سامان سوراني


32
دولة کوردستان الحقيقة التاريخية

بالرغم من أن التطورات الحديثة في المنطق الصوري تلقي كثيراً من الضوء على طريقة استعمال مصطلح "حقيقة" في الأنساق الصورية (المنطق والرياضيات) وفي اللغات الطبيعية (الألسن المستعملة في التداول اليومي) ومع أن الحقيقة هي أحد الإشكالات الكبرى في مجال نظرية المعرفة وفلسفة العلم وأن فلسفة المعرفة تهتم إهتماماً بالغاً بالبحث عن حلول للعديد من المسائل الفلسفية المتعلقة بموضوع "الحقيقة" ، إلا أن الحقيقة كما نراها تدل على عدة معان ، منها الواقع في تعارضه مع الوهم.
من المعلوم بأن إعادة تعريف ما هو تاريخي وما هو سياسي في اللحظة الراهنة أمر ضروري، لإن الإستمرار في إنكار الحقوق المشروعة للشعب الكوردي دليل علی عدم تمكن الكثير من النخب الحاكمة والأطياف السياسية في العراق هضم المتغييرات وعدم استخلاصهم العبر و الإستفادة منها و عدم إدراكهم بعد بأن الدلائل کلها تشير الی ان وجوب الدولة الخاصة بالشعب الكوردستاني هو الحل لليوم و المستقبل. أما الواقع فأنه يثبت لنا بأن الدولة الكوردستانية باتت حقيقة دامغة ومٶكدة ، فللكوردستانيين في الإقليم بعد سيطرة قوات الجيش المتمثل بالبيشمرگه علی كافة المناط‌ق الكوردستانية التي كانت خارجة عن إدارة حكومة إقليم كوردستان  دولة قائمة بمٶسساتها ومصادرها الإقتصادية  المستقلة ، بعد أن قامت أخيراً بتصدير نفطها و الحفاظ علی عائداتها لصالح مواطني إقليم كوردستان. كما يأتمر جيش هذه الدولة بأوامر سلطة الإقليم و يرفع علمه فقط. أما رئیس الإقليم ، فله دور في السياسية الخارجية يماثل دور رٶساء الدول.
عقب الأحداث الأخيرة في المحافظات السنية وإنسحاب الجيش العراقي منها نمت هناك فرصة تاريخية للكورد لإعادة المناطق الكوردستانية المقتطعة الی حضن كوردستان و إكتمال خريطة الإقليم. يجب الإقرار بأنها فرصة تاريخية لترسيخ المسؤولية الكوردية في المنطقة. فالكورد هم اليوم جزء من الحل لا المشكلة وسوف يكونوا في وقت قريب عنصراً مهماً لتقدم المسيرة الديمقراطية في المنطقة.
 حكومة إقليم كوردستان المهيئة لتحديات العصر المتفاقمة أثبتت إتقانها للغة الشراكة والمداولة والتحول عما هي عليها للتعايش بأقل كلفة ممكنة ، تسلطاً وعنفاً وتفاوتاً وهي تعمل اليوم رغم كل الصعاب جاهداً علی إعلاء شأن "الهوية المفتوحة والغنية" لتمارس الصداقة مع جميع شعوب المنطقة و تستمر في تفعيل العملية السياسية والحل السلمي في العراق وهي رسمت وخططت سياسة جدية و أخوية تجاه الأقليات المتواجدة علی أرض كوردستان ووجدت آلية جديدة وعصرية للتعامل معهم كمواطنين يمتلكون كافة الحقوق السياسية والثقافية.
إن نشر الوعي السياسي لە أهمية كبيرة في بناء الأنظمة الديمقراطية واعتماد العقلانية والتفكير العلمي أساسا منهجياً لتنظيم التعايش في المجتمع وقبول الآخر. فالمسٶولية التاريخية تفرض علی المخلصين لكوردستان أن يلعبوا دوراً أساسياً في متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع وايجاد الحلول والمعالجات الضرورية والبدائل لتلك الظواهر وفقاً لمعيار ومحددات المجتمع. وأن ضعف الوعي المجتمعي والسياسي تخلق أزمة الهوية و الإندماج الإجتماعي وأزمة العزوف عن المشاركة السياسية مما يٶدي في النتيجة الي عدم نضوج التجربة الديمقراطية والتخلف في بناء الدولة.
إن هوية دولة كوردستان المعاصرة ينعكس ويدل علی قدرة أبنائها علي الإبداع والتقدم والانفتاح علي العالم وثقافاته وعلومه وليس العودة إلي الوراء. فالجهاز الإداري اليوم يخضع لقانون موحد والمؤسسة العسكرية أو الجيش أثبتت بأنها مؤسسة ديمقراطية، و البيشمرگه برهنوا بأنهم يدافعون عن الوطن أو التراب وهذا ما بيؔن "الحس الوطني" لديهم.
لقد دمؔرت طروادة بخدعة لعبة من خشب ، ولم يلق أعداٶها فيها خائناً واحداً يفتح لهم أبوابها ، لأن مجتمعها كان مجتمع أناس يحبون الحياة ويتعاونون لأجلها. وشعب كوردستان اليوم هو مصدر مهم للسلطة وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في المجلس الوطني للإقليم. والهدف من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود الجمهوريات العسكرية جور الحکومات المستبدة ورضا الشعب الكوردستاني هو الحجر الأساس لشرعية سلطة الإقليم الكوردستاني.
لقد تغير وجه العراق والرهان هو إبتكار أساليب و وسائل ونماذج تستجيب للتحديات الجسيمة وتمؔكن من إيجاد أجوبة أو حلول أو مخارج ، فيما يخص المسائل والقضايا العالقة والمشكلات التي تستأثر بإهتمام كافة الأطراف والكيانات في المنطقة علی السواء ، لکي تكون إيجابية بناءة وفعالة ، بقدر ماتكون راهنة ، عالمية و كوكبية ، لتشكل إضافة قيمة علی الرصيد البشري.
وختاماً: "الشعب الكوردستاني المعاصر في أمس الحاجة التاريخية لقيم مطلقة جديدة لا يحدها زمان ومكان. وهذه القيم لم يعد بالإمكان أن تأتیه إلا من عالمه نفسه."
الدكتور سامان سوراني



33
كوردستان ومفهوم استقلال الدولة من منظور الفكر السياسي المعاصر

اليوم وفي ظل النظام العالمي الجديد وفي زمن العولمة يمكننا أن نتحدث بكل سهولة عن "الإنسان العالمي"، الذي لا يسدل الستار علی عقله ، بل يستفيد من كل تلك الإمكانيات الحديثة ، ليتشكل لديه مساحات وأمداء جديدة للفكر والقول والعمل. وعلاقة العولمة مع الواقع هي غير النظرة ، التي كانت تتجسم في زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية.
فهي لا تحول العالم الی شعار ولا تختزله الی مجرد عقيدة. كما هي ليست تجسيد لفكرة أو إنعكاس لصيغة ، بل هي صناعة واقع جديد عبر الحواسيب وبنوك المعلومات ، التي يتحول معها كل معطی عيني أو ذهني الی كائن رقمي. وهذا الكائن الرقمي العامل عبر الشبكات يشعر وكأنه سائح جوّال عبر كل الأمكنة دون أن يبرح من مكانه.
الفكر السياسي الحديث والمعاصر تهتم بشكل بليغ بمفهوم السيادة وإستقلالية الدولة وسيادتها علی أقاليمها وبما أن لإستقلال الدولة أثر إيجابي علی السلام والإستقرار الدولي والإنساني علینا معرفة شروط ومقومات استقلال الدولة في الفكر السياسي المعاصر.
فالنظام العالمي المعاصر تفسح المجال أكثر من الماضي لتداخل المصالح وتشابكها القائم علی التماييز بين دول كبرى مالكة لقرارها السياسي ومتمتعة بسيادتها ومتحكمة في السياسات الدولية وبين دول صغيرة وضعيفة وغير مالكة لقرارها ولسيادتها ، بالرغم من زوال زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية ، التي حولت كما ذكرنا أعلاه العالم في الماضي الی شعار وإختزلته الی مجرد عقيدة لا غير. يمكن القل وبكل صراحة بأن المدارس والنماذج ، التي كانت رائجة استهلكت والنظريات ، التي كانت في يوم من الأيام آيات بيؔنات ، أخفقت في تشخيص الواقع العالمي لإيجاد مخارج من الأفخاخ والمآزق. فمن أجل إدارة المصلحة العمومية وصناعة حياة مشتركة نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضی الی تغيير يطال الأفكار والأدوار والمهمات وصور الحياة وأساليب العيش وقواعد المعاملة ، بعيداً عن العيش والممات داخل مقولات مثل الأحادية والقداسة والتأله والنخبة والبطولة والإحتكار والقوقعة والمعسكر.
بالطبع "الإنسان العالمي" ينحو نحو مفاهيم تعكس الإعتراف والتعدد والنسبية والمداولة والشراكة والقوة الناعمة ، يتعامل مع الآخر كشريك فاعل في إدارة المصالح وصنع المصائر . هذا ما تسعی اليه دول الإتحاد الأوروبي بسياساتها وإقتصادها وعلومها الأخری. 
من منظور القانون الدولي يمکن إعتبار استقلال الدولة شرط ضروري للاعتراف بشرعية الدولة بل هو شرط أساسي في تعريف الدولة ، فبعض من أساتذة القانون الدولي يعرؔفون الدولة كـ"وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطة قانونية معينة في مواجهة أمة مستقرة على إقليم محدد. من الواضح بأن الدولة تباشر حقوق السيادة بإرادتها المنفردة ، وذلك عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها. لحسن الحظ هذا الشرط متوفر في حالة إقليم كوردستان بفضل الجهود الجبارة للقيادة السياسية الحكيمة الواعية والساعية الی حفظ الإستقرار فيه ودفعه نحو إزدهار وتقدم أكثر.
الإستقلال والسيادة توأمان لايفترقان ، فالسيادة كالإستقلال يعني ممارسة الدولة لقرارها السياسي داخلياً وخارجياً وفق إرادتها الحرة أو عدم خضوعها لأي سلطة داخلية كانت أو خارجية ، حیث لا يحق لأي جهة أن تفرض قوتها على الدولة في منطقة نفوذها.
داخلياً تمتلك الدولة امتلاكها السلطة المطلقة على جميع الأفراد والجماعات والمناطق الداخلة تحت حكمها وتستمد شرعيتها من التعاقد بين الحكام والمحكومين وصناديق الإقتراع هي التي تثبت شرعية الدولة وتخولها لتشريع القوانين والنظم وإلزام الناس بها حفظاً لمصالِحهم وصوناً لهيبةِ الدولة كما تخول لها تدبير شؤون البلاد سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتعليمياً وقضائياً. وقوة الدولة و نموها الإقتصادي فتبنی بحكم القانون لا بالخصخصة ، كما يتصوره الكثير من دعاة الإقتصاد الحر.
أما خارجياً فمبدأ استقلال الدولة يعني سيادتها واستقلالها فعلياً وقانونياً في ممارسة قرارها الدولي بعيداً عن سيطرة أية دولة أخرى أو توجيهها واعتراف الدول الأخرى بها ، وحقها في التمثيل الدبلوماسي ، وعضوية المنظمات الدولية ، وحريتها في اتخاذ القرارات الدولية على الصعيد الخارجي وعلى صعيد العلاقات الدولية من دون قيد أو تردد أو إكراه أو ضغط إلا الالتزامات التي يقرها القانون الدولي والمعاهدات الدولية الثنائية والإقليمية في نطاق الندية والاحترام المتبادل.
 مفهوم الدولة يتربع عرش الفلسفة السياسية ، لما يحمله من أهمية قصوى سواء اعتبرناه كياناً بشرياً ذو خصائص تاريخية ، جغرافية، لغوية ، أو ثقافية مشتركة ، أو مجموعة من الأجهزة المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع. والدول لها فلسفة تنطلق منها في بناء مستقبلها السياسي والفكري والإقتصادي والإجتماعي ، وهذه الفلسفة هي التي تحدد مسار الدولة أومدى نجاحها وتقدمها. ولكل دولة أهداف يمكنها الوصول اليها من خلال عملها علی تقييم مسارها في كل مرحلة من المراحل التي تمر بها  أو تعديل مسارها وتحديد نقاط الضعف والقوة، تلك أساليب يمكن إستخدامها لزيادة قوة الدولة إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وفكرياً.
إن فن بناء الدولة سيكون مستقبلاً المكون الرئيسي للسلطة القومية ، وأهميته كأهمية القدرة على نشر القوات العسكرية التقليدية من أجل المحافظة على النظام في العالم. هنا يسعی إقليم كوردستان الی الحصول علی إعترافات دولية للحصول علی التكافٶ في الإستقلال والتساوي في ممارسة سيادته الداخلية والخارجية وإحتلال المكانة اللائقة بين الأمم ، فهو حق من حقوق الشعب الكوردستاني بعد كل هذه التحولات الجذرية في المنطقة والتي شكلت فرصة وجودية أمامه ، ليشارك بروابطه الأفقية وهويته المفتوحة علی التعدد والإختلاف وإتقانه للغة الشراكة والمسٶولية المتبادلة مع الغير الركب العالمي ويمارس حيوته و يصنع نفسه ويشارك أخيراً في صناعة العالم بصورة إيجابية وبناءة.
وختاماً يقول الخالد نیلسون مانديلا: "إنني أٶمن بحقي في الحرية وحق بلادي في الحياة وهذا الإيمان أقوی من كل سلاح".
الدكتور سامان سوراني 

34
وفاة "غابو" خالق "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا"

بالأمس فاجئنا نبأ رحيل الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز، الملقب بـ"غابو" ، صاحب الرواية الأشهر في القرن العشرين "مئة عام من العزلة" ، المولود في اراكاتاكا التابعة لمقاطعة ماجدالينا الكولومبية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، في مكسيكو سيتي عن عمر يناهز 87 عاماً.
روايات ماركيز التي أثرت تأثيراً قوياً علی الكتاب في أكثر من موقع جغرافي حملت في طياتها جماليات وخامات سردية قديمة نابعة من التراث الكولومبي الفالتة من الواقع المعيش و ينابيع الأسطورة وطفولة العقل البشري الخارقة لآفاق عجائبية سحرية ميتافيزيقية.
هذا الكاتب العالمي بدأ عمله مراسلاً لصحيفة إلإسبكتادور الكولومبية اليومية (El Espectador) قبل أن يساهم بدوره العظيم في إغناء فن السرد الروائي في العالم الدافع لأدب أمريكا اللاتينية نحو القمة.
في روايته "مئة عام من العزلة" (١٩٦٧) الرائعة ، التي إستغرت مني شخصياً سنوات لقرأتها بسبب (خوسيه اركاديو بوينديا) وهو شخصية رئيسة في الرواية يخلق ماكيز عالم يسبح بين الواقع والخيال ، بشخصيات تتكرر في اسمائها واقدارها ويسافر بنا مع قريته (ماكوندو) ليزرع الاحداث والشخصيات بمنطقية وعبثية ممزوجة ورائعة ثم يمحيها ويقتلها.
الهدف من روايته "مئة عام من العزلة" بنظري هو تعرية الكائن البشري وكشف حقيقتة الباطنه ومشاعره المهيجه الثائرة مهما كان منصبه وجنسه امراة كانت أو رجلاً. أراد الكاتب إيصال القاریء فكرة تقول بأن الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة ، فكلما تلاشت الاحداث من ذاكرتنا اعادها الكون لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة وأن الماضي لم يكن سوى كذبة وأن لا عودة للذاكرة وأن كل ربيع يمضي لا يمكن أن يستعاد وأن أعنف حب وأطوله وأبقاه لم يكن في النهاية سوى حقيقة عابرة. غابريل ماركيز كان يردد دوماً بأنه متعلق بشخصيات روایاته حد التعلق ويعزؔ عليه ان يميت شخصية محاولاً أن يبقيها عمر لا ينتهي لتغلبه الشخصية أخيراً وتختار قدرها. رغم أن "مئة عام من العزلة" رائعة مكتوبة بأسلوب بسيط تقودنا نحو نسيان الذات لساعات  وساعات لكنها تمتاز بسمتان لايمكن أن لانراهما ، إحداها هي سمة العزلة التي اتخذها الكاتب عنوانا لروايته والثانية هي حتمية الاحداث. لكن هل ياتری بأن الانسان في هذه الدنيا مسير بالمطلق أو مخير بالمطلق ، أم أنه يعيش بين الاثنين؟ وهل ياتری بأن إشباع الغزائز بلا كبح لايٶثرعلی حياة الإنسان ونجاحه‌ أو أنه بالفعل أمر مقبول من المجتمع؟ 
ماركيز إستمد قوته من الواقع بطريقة غرائبية مشوقة أظهر فيها كمن يمارس الهروب من الواقع نحو واقعية من نوع آخر.
أما روایته "الحب في زمن الكوليرا" بالإسبانية (El amor en los tiempos del cólera)  (١٩٨٥) المليئة بالزخم والأحداث فإنها تربط التباعد بالتنافر. يقدم فیها التحولات في بلده كولومبيا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مكان لا يسميه قرب نهر ماغدالينا. هنا لايسعنا إلا أن نعيد قول الشاعر الإسباني الشهير وعضو الأكاديمية الملكية للفنون، خوسيه كارثيا نيثيو: "إن أهم ما فى رواية الحب فى زمن الكوليرا هو تلك الحيرة التى نجد أنفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها، والدهشة التى أصابتنا فى رواية مائة عام من العزلة لكفاءتها العالية تصيبنا مجدداً عند قراءة هذه الرواية بالرغم من إنها قادمة من طرق أخرى، هنا كل شىء ممكن، كل شىء يتحرك إلى الممكن ، ويظهر بعد معرفة الأحداث بأنه لم يكن بالإمكان حدوثها بشكل آخر".
روایتە التي تعد واحدة من أفتن ما كتب الإنسان فى تاريخ الأدب عبر كل العصور، تنقل لنا قصة حزينة في وسط حزين ، قصة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين ، استلهمها الكاتب من قصة حب أبيه لأمه ووضع فيها عصارة موهبته وخبرته ومدرسته الأديبة التى أسس لها في النصف الثاني من القرن العشرين.
وختاماً يقول ماركيز: "تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه".
الدكتور سامان سوراني




35
العراق بين الخروج من السجن الديكتاتوري والدخول الی سجن الفكر الشمولي

مع نهاية الحكم القمعي لنظام البعث في العراق في التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003 كنا نظن بأن بأن العراقيين سوف يتجاوزون مرحلة الإيديولجيات الشمولية و الأصولية ، التي إستمرت لعقود وأن النموذج النخبوي الفاشل ، الذي يشتغل أصحابه بتلفيق النظريات وفبركة الأوهام ونموذج البيروقراطية العاجزة ، الذي يستخدم أصحابه في الإدارة أساليب مستهلكة بائدة تولد إهدار الجهود والأوقات والثروات و النموذج الجهادي القاتل ، التي تصنعه وتصدره الحركات الأصولية الدينية لتحويل المجتمعات الی سجون أو مسالخ ومقابر ، سوف ينطوي و يرمی في مزبلة النسيان ، لكن بعد مرور إحدی عشر عاماً على نهاية حكم الطاغي صدام حسين ، الـدكتاتور الأكثر دموية في الشرق الأوسط الذي حكم العراق لخمس وثلاثين سنة ، نری بأن المكتسبات الأساسية لحقوق الإنسان ، التي كان ينبغي تحقيقها خلال العقد المنصرم ، فشلت بسبب السياسة الهوجاء للطبقة السياسية العراقية الماسكة بزمام السلطة فشلاً ذريعاً وأن العراق تراجع و تخلف وعاد القهقري الی الوراء في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغير المتسارع.
السياسة الإقصائية الفاشلة للسيد نوري المالكي ، الذي يحكم بعقلية التمسك بالسلطة والاستحواذ عليها بالوسائل المشروعة وغير المشروعة ، أوقفت عجلة السير نحو الديمقراطية والإزدهار والإستقرار ونشر الحرية والعدالة وأدخلت العراق في دوامة عنف لم تنته بعد. علی المستوی البشري نری بأن أعمال العنف المتواصلة أدت الی مقتل أكثر من 2400 شخص منذ بداية 2014. أما عدد ضحايا أعمال العنف منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق في 19 مارس/آذار 2003 حسب إحصائية قامت بها منظمة "إيراك بادي كاونت" البريطانية المختصة بالإحصائيات فإنها تبلغ نحو 112 ألف مدني على الأقل قتلوا. إن ظاهرة العنف والهجمات المميتة التي تظهر إزدراءاً لحياة المدنيين مازالت قائمة وأن التدخلات الإقليمية مستباحة ومستمرة وعمل الأجهزة الأمنية القائمة علی أساس العدد وليس الكفاءة مازال يتم وفقاً للإرادات السياسية التي تخضع للعديد من قادة الأحزاب. أما إدارة بعض من الملفات الأمنية العرضة للفساد المالي والرشوة وانعدام المهنية فإنها بيد قيادات من حزب البعث المقبور.
لقد مرؔ عقد من الزمن دون أن يرى العراقيون خدمات عامة ترقى إلى مستوى الطموح الذي شعروا به إثر سقوط النظام البعثي وهم حالمين بأن يصبح العراق الولاية الأميركية الـ51 من حيث الخدمات الأساسية للعيش وتطور البنى التحتية وقطاعات المال والتجارة ليصبح نموذجاً للإزدهار والرقي في المنطقة أسوة بالإمارات وبلدان أخری متطورة. لكن عراق اليوم أشبه بالاتحاد السوفيتي السابق قبيل انهياره وهو اليوم أمام خيار التقسيم أو الحرب الأهلية أو الاتفاق السياسي الشامل الذي لا تؤمن به الكثير من القوى السياسية.
الأحزاب الإسلامية التي عاشت في إيران طيلة ٣٠ عاماً والمتمسكة اليوم بالسلطة ترسخ فكرة الطائفية السياسية ، تعمل تحت المظلة الإيرانية وتمارس المنهج الذي يتوافق مع سياسات إيران في المنطقة وأخری قومية شوفينية لا تحتكم الی الفهم الصحيح للمعادلات القائمة في الوضع السياسي الإقليمي والعالمي.
فغياب دولة المواطنة وإستمرار عمليات التهميش والإقصاء وعدم الإلتزام بقواعد اللعبة الديموقراطية والتخلّـي عن سیاسیة تأزيم الأمور لصالح البحث عن لغة التفاهم والحوار أو الإرتكان الی الدستور لأجل حل المشاكل العالقة مع إقليم كوردستان ينتج بالتأكيد سيناريوهات لمستقبل العراق قد تكون ثورة عارمة علی غرار ثورات الربيع العربي أو إنقلاب عسكري بموافقات دولية ، ناهيك عن حق الإقليم في إعلان إستقلاليتها من تلك الشراكة الملغومة. 
وختاماً: النظر الی العالم ومتغيراته بعين السلب والعداء والغرق في النرجسية الثقافية والتعلق بزعماء وآلهة ليسوا من بناة الحضارة ولا من صناع المعرفة والحداثة والتقدم والتشبث بأفكار و سياسات وعقائد إصطفائية والتفكير بمنطق الإقصاء والإستئصال للمختلف والآخر أو بعقلية الثأر والإنتقام مما هو حديث و وافد خوفاً علی هويات مزورة و ثوابت متحجرة وإحتكار الوصاية علی العدالة والتنمية والحرية وإدعاء إمتلاك الأجوبة النهائية والحلول القصوی للمشكلات يحول المجتمع العراقي الی مجتمع غير منتج ، هزيل ، غير ديمقراطي ويقود العراق مرة أخری الی الدكتاتورية وسجن الفكر الشمولي. 
الدكتور سامان سوراني
 

36
المالكي بين صناعة الأزمات السياسية وبناء الأسس الدكتاتورية

علم النفس السياسي كمجال أكاديمي قائم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي يوصف لنا الدكتاتور أو الحاكم المستبد كشخص مريض يری نفسه فوق الناس ، معتبرا نفسه أعلمهم وأفهمهم والناس رعیته وجنده ، يقوم بإستغلال حاجتهم ليلبي حاجته. هدفه هو قولبة الشعب لإطاعته بأفواه مفتوحة أمام كلماته العبقرية المصبوغة بالديماغوغية. والدكتاتور حاكم يملي أفعاله علی الغير ، بإعتبار أقواله وأفعاله نبوغ و إبداع والهام ، ليبرهن سلطته المطلقة ، التي لا تقيده قيود قانونية أو دستورية أو عرفية.
نحن نعرف أيضاً بأن جبن الشعب وميله الی الركون والإنزواء الی الراحة وطلب الأمان علی المجاهرة بالعدل والحق والوقوف في وجه المستبد وأعوانه و بطانته هو الذي يخلق الدكتاتور والشخص المستبد ، الذي يدعي فهم التعليم والسياسة والإقتصاد و الثقافة والأخلاق والأمن.
بالأمس سمعنا المالكي في كلمته الاسبوعية وهو يخاطب البرلمان العراقي بلغة التهديد والوعيد قائلاً بأن "البرلمان ورئیسە خرجوا عن الدستور بتعطيلهم إقرار القوانين" ، لذا يسحب الشرعية عنه. هذا الخطاب يضمن في طياته تدخل في عمل البرلمان ، يعتبره المراقبون السياسيون في المنطقة وأوربا خطوة تمهيدية مكشوفة بإتجاه الدكتاتورية والإستبدادية وضربة قاضية للعملية السياسية في العراق.
أما سياسته العدوانية تجاه شعب كوردستان وتهديداته المستمرة وقيامه بقطع وإيقاف رواتب موظفي إقليم كوردستان فهي من نظر القيادة الكوردستانية بمثابة حرب علی الشعب الكوردستاني وتراجع في المسار الديمقراطي والنظام الإتحادي ومحاولة مكشوفة لهدم التجربة الكوردستانية كسر إرادة شعب كوردستان و سعي في جر العملية السياسية الی الطريق المسدود. 
سیاسة المالكي أو معتقده الإصطفائي يحمل في طياته نظرية ولاية الفقيه فهو يری بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس بعد القيام بعسكرة المجتمع وتخصيص ميزانية ضخمة لوزارتي الدفاع والداخلية إذا طبّق فسوف يأتي بالفرج والسعادة لكافة العراقيين وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
أما فيما يرتبط بالحملات الإعلامية الأخيرة التي يقودها السيد المالكي بمساعدة مستشاريه البعثيين القدامی ضد إقليم حكومة كوردستان وبالأخص سعيهم لتعبئة الرأي العام العراقي ضد رئيس الإقليم بغية تحجيم دور الإقليم فهي تحولات سلبية تهدف العودة الی ترويض الأفكار و تهيئة الأذهان نحو السبات القومي و الحصون الدينية. هذه التحولات جرّبت في الماضي و كانت محصلتها قيادة حروب ضد شعب كوردستان المسالم و شعوب دول الجوار وصناعة جمهورية الخوف بنهایاتها الكارثية.
نقول في هذا العصر الرقمي المعلوماتي بمعطياته الجديدة و بعد كل هذه التغييرات التي طرأت في العالم العربي و نهوض شعوب المنطقة ضد الحكومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني أن يقبل بأن يحكمه طغاة كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. القيادة الكوردستانية تسعی اليوم في سبيل ترشيد السلطة في العراق وعقلنتها وطرد القوقعة الإصطفائية فيها تلك القوقعة التي تخفي في أعماقها أسرار إحتكار السلطة وممارسة الوكالة الحصرية لأنها تدرك كل الإدراك بأن فيها تكمن الضمانة المثلی من الجور والتعسف و التعريب والتهجير و الأنفلة. فالحكومات التي لا تنزع الی السلم مع كوردستان والی المصلحة العامة في العراق تبقی حكومات أمر واقع أي غير شرعية ظالمة مغتصبة هدفها تذويب المواطنين في ما يشبه بالقطيع بعد ممارسة الرفض والإقصاء ضدهم بهدف إستئصالهم مادياً و إلغاءهم رمزياً ، أما إقليم كوردستان فيری بأنه في عصر تدويل الديمقراطية والإعتراف بحق الشعوب المتساوي في تقرير المصير لا مكان لعقليات وحكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية وسوف يكون له بسبب هذه السياسات الشوفينية فصل المقال.
وختاما نقول: إن قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية والسلطة أولی من الحقيقة والعدالة.
الدكتور سامان سوراني

37
سياسة التفرد والحرب اللاإنساني للمالكي على إقليم كوردستان

 في عام ٢٠٠٣ سقط أحد أصنام الفكر القومي العروبي في المنطقة ، تصورنا بأنه إنقشع حقبة الحكم الشمولي في العراق و تفاءلنا  بتغيير خارطة العلاقات بالمفاهيم والأشياء وقلنا في نفسنا ، لقد حان الوقت لكي تتأنسن الذوات وتذهب الهويات العنصرية المصبوغة بالأصولية المقيتة الی غير رجعة. كنؔا ننتظر من الأحزاب والتيارات السياسية التي تريد أن تكون لاعباً أساسياً علی المسرح العراقي وفاعلاً قوياً في المشهد السياسي  أن تجرّد فلسفتها في الحكم و الإجتماع من كافة الأفكار والعقائد و الصفات والشعائر و الشعارات الميتة أو المستهلكة التي تبقی دوماً عائقاً أمام بلورة صيغة جديدة للوجود أو مشروع للحياة.
أما من الأحزاب والتيارات السياسية التي ذاقت الإضطهاد والممارسات التعسفية اللإنسانية من قبل أيادي الغدر البعثي فكنؔا ننتظر دعم التركيبة الجديدة للعراق ومساندة القضية العادلة لشعب كوردستان و حقه في تقرير المصير أو بناء دولته الكوردستانية المستقلة أسوة بالشعوب الأخری في العالم والعمل علی إنماء الشراكة والمبادلة والتعاون والتضامن في مواجهة القوی التي تنوي خلق الإنسان الأمبريالي الساعي الی نشر أسمائه وصوره أو سلطته بهدف فتح الإمكان أمام الحرب الأهلية المذهبية والقومية و بناء حكومة الشراكة الملغومة.
كل هذه التصورات إصطدمت بالواقع المرير ، فما نراه هو تحرك العراق نحو إنهاض المشاريع الإنفرادية لتشكيل النموذج الديكتاتوري الفردوي و قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع العراقي لتحويل الناس الی شهداء و ضحايا لدعوات مستحيلة أو لاستراتيجيات لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد بدافع ردع التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان و إزالة الآخر المخلتف المخالف لهذا النهج و إن أمكن سلب حقوقه. إنها حكومة بغداد التي تطبق فقه نوري المالكي. فما يحصل الآن في العراق هو العمل بعقل تقوده القوة الصرفة والمآل هو إما الحمق أو الجنون.  دولة حکومة المالکي تعمل علی إبتزاز حکومة أقلیم کوردستان وتمارس بأساليب غير دستورية حرب إقتصادية ضد حكومة و شعب كوردستان بعد قطع رواتب الموظفين منذ أكثر من شهرين.
فالحصار الإقتصادي وحجب الأموال هي ليست فقط محاولات للضغط علی الإقليم للتخلي عن خطط تصدير النفط من حقوله الی الأسواق العالمية عبر خط أنابيب جديد يمتد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط ، بل إنها عقوبة تجويع شعب بأكمله ومقدمة لحرب عبثية عدوانية. في السابق عزم المالكي أيضاً خلال التحالف الوطني طرح قانون لتعديل الفدرالية بما يضر باقليم كردستان، مع التنويه بأن القانون الجيد سيقلل من فرص الاقليم ويزيد من صلاحية "المركز"، هذا هو الاستغراق الاستبدادي بعینه والعيش في ثنايا الإرث الدكتاتوري ، الذي يتفق العراقيون جميعاً على رفضه ومحاربته بكونه علامة سوداء من زمن السلطة المطلقة والعدوانية العنصرية للنظام الفاشستي الذي اسقطته الإرادة الدولية قبل أكثر من عشر سنوات.
كيف يمکن بناء الدولة المتحضرة إذا ما لم يحترم أسس الديمقراطية وبنود الدستور من قبل دولة القانون ورئيس الوزراء  والسيد الشهرستاني ، نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن الملف النفطي ، الذي يجب أن يکون قدوة للآخرين. إذ من المعلوم بأن ولادة الاستبداد والدكتاتورية مرتبط بانتهاء سلطة القانون . ومن أُعجب برأيه ضلّ وإن خصال المتفرد في الحكم في غير مكان من العالم هو، إنه لا يحسن سوی الخراب والدمار بثوابته المطلقة و أقانيمه المقدسة ، لأن الوحدة لا تقام إلا علی أساس التعددية. والسيد المالكي إذا لا يغير شاشة رؤيته السياسية و لايوقف قراره المجحف الصادر بحق الشعب الكُردي ولا يعيد النظر بالمسلمات والبداهات و لا يعود بأسئلته الی البداية ، ينتج في النهاية بسياستە هذه إستراتيجيات الرفض والإستبعاد وإستئصال الشريك في الحكم التي تترجم عداءً و بغضاً أو نزعات و حروب بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم.
إن محاولة إشاعة عدم الاستقرار بالإقليم لن تخدم الوضع العام بالعراق، كما إن محاولة إثارة المتاعب في طريق تشكيل الحكومة الجديدة بالإقليم وابتزازها لن يقود إلى توطيد الأمن والسلم الداخلي.
شعب إقليم كوردستان يرفض لغة "حافة الحرب" ضد الاقليم وسكانه وسوف يكون له موقفاً صارماً تجاه القرارت والمحاولات الفاشلة لرئیس حکومة بغداد ، لكنه يعرف بأن السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان ، الذي يتمتع بخبرة وحنكة سياسية واحترام وتقدير علی الصعيدين الداخلي والإقليمي والدولي والذي يساهم في ابتكار صيغ حضارية جديدة لإدارة مجتمعتنا الكوردستاني على قاعدة الديمقراطية ، قادرعلی حل الأزمة الحالية والمواضيع العالقة مع الحکومة الاتحادية بأسلوبه الموضوعي الفريد والرافض لعودة حکم الفرد في السلطة. 
و ختاما نقول : الحدث العراقي عام 2003 كان فرصة وجودية فتحت أمام شعب العراق الذي يری نفسه الی الآن أمام التحدي الكبير لكي يثبت جدارته في إعادة بناء بلده بعقل حضاري مدني ومنطق تواصلي تداولي لكن محاولات الديناصورات التي تريد ممارسة وكالتها السياسية و العسكرية والدينية علی العراق الفدرالي بصورة إمبريالية و تعمل علی طغيان العقل الأمني علی الدولة والمجتمع والناس هي المانع الأكبر أمام بناء عراق فيدرلي إتحادي تعددي يصان فيه الدستور ويطبق بنوده. أفكارهم و ممارساتهم تتجلّی جهلاً و نفاقاً و تسلطاً و تخريباً.
الدكتور سامان سوراني


38
وظائف بنوك التفكير (Think Tanks) والتخطيط الاستراتيجي وأهمیتها

إن ما ماتدرج تحت إسم الثينك تانكس أو مراكز البحوث والدراسات السياسية ماهي إلا منظمات غير حكومية أو غير ربحية وفي بعض الأحيان شبه حكومية تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام ، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص.
وليس من الضروري أن تركز بنوك التفكير فقط علی أمور تتعلق بالسياسات الخارجية أو قضايا عالمية  قوم بالبحث في أمور مرتبطة بالسياسات المحلية منها إقتصادية أو بیئیة أو قضايا الطاقة والزراعة.
في مقال سابق لنا تحت عنوان "إقليم كوردستان و دور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي" سردنا تاريخ نشٶء مٶسسات الفكر في الولايات المتحدة الأمريكية وذكرنا الدور الفاعل لبعض مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة ، التي تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء.
هناك مٶسسات غربية تناولت في السابق وهي مستمرة الی الیوم في تناول القضايا المتعلقة بإقليم كوردستان. لكنە آن الأوان للباحثين الكورد بصفتهم مراقبين مشاركين ، وبالأخص الذين يعيشون في كوردستان ، أن يتناولوا الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الإقليم وينتجوا البحوث المعمّقة الأكثر موضوعية ، كونهم لايعانون أوجه القصور المنهجيّ والثقافيّ واللغويّ التي تعاني منها المؤسّسات الغربيّة. نری من الضروري الإهتمام بمواضيع عامة تشمل الإصلاح السياسي والإداري، والعلاقات الخارجية للأنظمة والقوّة الفاعلة ، وقضايا الأمن ، والأمن القومي ، والاقتصاد و علیهم بالأخص التركيز علی الأزمة السورية و مشكلة الملف النووي الإيراني والدور المستقبلي لكل من تركيا وإيران في المنطقة وكذلك دراسة التغييرات التي تطرأ علی المجتمع والقضايا السكانية والتعليم والصحة والوفيات والجندر، وقضايا الهويّة ، وفرص العمل للخريجين وغيرهم وأسباب البطالة والحركات الاجتماعيّة ودور المجتمع المدني والتّنظيمات المدنية ، والسّياسات الاجتماعية المتكاملة والاندماج الاجتماعي ، والسّياسات الدولية للتّنمية ، ودور المؤسّسات الدوليّة والإسقاطات السكّانية العالميّة. 
أما من ناحية السياسة والدراسة الإعلامية ودورها واستقلاليّتها وملكيّتها ، وصناعة الرّأي العام وتكنولوجيا المعلومات ، فعلیه إجراء دراسات حول كيفية تناول الغرب لقضايا كوردستان وتقييم أداء الإعلام الأقليمي والمحلي. وفي المجال الإقتصادي يجب متابعة الإقتصاد السياسي للإقليم والعراق والمنطقة وفرص التعاون الإقتصادي المشترك ودراسة سياسات البك الدولي و صندوق النقد الدولي و تدفق الرأسمال الأجنبي والاستثمار والتكنولوجيا وتنمية المشاريع والهياكل الأساسيّة الخدميّة.
مراكز البحث يجب أن تهتم بالقضايا البیئية  لحماية الموارد الطبيعية والأمن الغذائي وتقوم أيضا بتقييم سياسات التربية والتعليم بما في ذلك التعليم العالي وأسباب عدم تطوير مستوی التعليم ومناهج التدريس ولغة التدريس.
فالمجتمع الذي يأخذ مسألة الوعي بالتغيير بعين الإعتبار و يحاول زرع هذا الوعي ويعتنی به بشكل مطلق يستطيع الوصول إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل. أما البحث والإستقصاء في القضاء على عوامل التردي التي خلقتها قوى مضادة متغلغلة في دواخل مجتمعاتنا ، وتجد غذاءها من قوى إقليمية و كبرى، فهو سينقذ مجتمعاتنا من ورطاتها التي يتفاقم خطرها يوما بعد آخر. المعلوم هو أنە من الممكن من خلال بنوك الفكر العمل علی خطط تتعلق بالمستقبل ورٶی من أجل المستقبل ومشروع عمل أو خارطة طريق ، لأننا نعيش زمن يتحرك حركة قوية. علینا معرفة المسار والنطاق القيمي ، فنحن بحاجة عمليّة ونظريّة ماسّةٌ للتدقيق في معاني معظم، وربّما كلّ المفاهيم المستخدمة في التعبير عن المعرفة الإنسانيّة عموماً ، وعن تلك المتعلّقة بالشأن السياسي خصوصاً.  ولابد ترك التباكي علی القيم المنهارة أو علی الحداثة الآفلة ، فالإنسانية تشهد اليوم ولادة جديدة مع العصر الرقمي ومن الواضح بأن لكل عصر تقني شكله البشري ونمطه الوجودي، إذن لابد من ظهور فاعل بشري جديد علی المسرح ، الذي يروع الكتل الدينية بتیاراتها ومعسكراتها ويقلل من بريق شعاراتها ورموزها وقيمها.
وللتأكيد علی الأهمية العظمى لدور المعرفة والعلم والعقلانية في عالم السياسة وفي التجارب السياسية الناجحة والمثمرة والمفيدة نعيد هنا قول الحكيم اليوناني أفلاطون (427-428 ق.م \ 347-348 ق.م) في جمهوريته: 
"يا عزيزي غلوكون ، لا يمكن زوال تعاسة الدول ، و شقاء النوع الإنساني ، ما لم يملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك و الحكام ، فلسفة صحيحة تامة. أي ما لم تتحد القوتان السياسية والفلسفية في شخص واحد ، وما لم ينسحب من حلقة الحكم الأشخاص الذين يقتصرون على إحدى هاتين القوتين ، فلا تبرز الجمهورية ... إلى حيز الوجود و لا ترى نور الشمس. والذي حملني على التردد في إبداء الرأي هو شعوري انه يضاد الرأي العام كل المضادة ، لأنه يعسر الاقتناع بأنه وسيلة لحصول الفرد والدولة على السعادة."
الدكتور سامان سوراني

39
تشكيل حزب سياسي جديد في مدينة كركوك الكوردستانية

بداية لابد أن أذكر الأسباب والدواعي التي أدت الی الكتابة حول فكرة تشكيل حزب سياسي في المدينة الكوردستانية كركوك. ففي العديد من لقاءاتي مع مجموعة من الأصدقاء الكركوكيين القدامی ، أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة المهتمين بالفكر والسياسة ، يتم طرح الموضوع المعنون وبحث جوانبە الجدؔية.
فهم يبدون دوماً رغبتهم الشديدة في الدعم المادي والمعنوي لتلك الفكرة ، فيما إذا تم التنظير لە. بعضهم يجاملني ، مادحين مؤهلاتي العلمية القاعدية المتواضعة وقدرتي على التعامل مع العلم والثقافة والسياسة بروح علمية تخضع للعقل والمنطق والتأمل ومازحين بالقول: "لماذا لا تقوم بالتنظير لتشكيل حزب سياسي؟"
إن تشكيل حزب سياسي يمتلك القدرة الفكرية علی قراءة الواقع الكركوكي بإستقلالية تامة والإلمام بالزمانية وإستیعاب المفاعیل الإجتماعية والسياسية وتجنب التعثر والإخفاق في مواجهة المشكلات المزمنة والمتراكمة في مجالات التنمية والمعرفة والسياسة ، بإعتبار المجتمع الكركوكي مٶسسة ثقافية تبنی وتتطور من خلال إنتاج المعاني والقيم والأفكار ومعاصرة هذا العصر الكائن بعد أن تبدل نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ماتغير نظام العالم ومنطق الأشياء، بالطبع هو قضية مهمة.
فالحزب السياسي الحي ، الذي يعيش في جو واقعي ويفهم مختلف التيارات التي تعترك في كركوك ويكون قادراً علی التوافق بين حيويته كحزب والجوهر الثابت من الأمور ويٶمن بحرية التعبير، والاجتماع ، والاعتقاد ، ومنح الفرص للمواطنين بشكل متكافئ ، والتوزيع العادل للثروات ، ومحاربة الجهل والأمية ، وطلب العلم والمعرفة ، ومجانية التعليم والعلاج ، وإستفادة الشعب بشكل مباشر من ثروات المدينة ، وإرجاع الأراضي الكوردستانية المستقطعة الی حضن الإقليم ، والعمل على وحدتها مهمة إنسانية أولاً وواجب وطني ثانیاً. فليكن حزب سياسي يحترم مبادیء الدیمقراطية ولايحتضن أعضاء يعيشون في الماضي بعقائد سياسية تقليدية أو نخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة ، بل يحکتم الی المٶسسات ويكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم ويستطيع تشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته وخططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات.
من الواضح بأن الدستور العراق الفدرالي المستفتي علیه في ١٥ تشرین الثاني عام ٢٠٠٥ قد نص في المادة ٣٧ علی كفالة حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام إليها دون فرض شروط أو قيود قوية وفعلية على تأسيس الأحزاب السياسية ومن ثم على نشاطاتها ، مما ينعكس على دورها الفاعل في حماية القواعد الدستورية من موقعي الحكم أو المعارضة. إذن تشكيل حزب أو تنظيم سياسي ضمن الشروط المذكورة في الدستور مسألة غير معقدة ، يمكن تحقيقها في فترة قصيرة.
والمادة ٧ - أولاً من هذا الدستور لايحد من تلك الحرية بل يحظر تبني أي كيان لأي نهج عنصري أو إرهابي أو تكفيري أو طائفي أو يحرض أو يروج له. نحن نعتبر هذا الحظر موضوعي و واقعي ، لأنه يفعؔل و ينشؔط دور الأحزاب السياسية ولا يشكل قيداً علی نشاطهم. 
الهدف من تشكيل الحزب السياسي هو فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف.
ولكي يتمتع الحزب أو التنظيم السياسي بالشخصية الاعتبارية من الناحية القانونية فمن المستحسن أن لايقل عدد طالبي العضوية عن ألفين وخمسمائة عضو كحد أدنى عند تقديم طلب التأسيس ، وعلی ان يكون الأعضاء للمرحلة الحالية من محافظة كركوك.
أما مبادئ واهداف الحزب السياسي الجديد فيجب أن لاتتعارض مع الدستور ويجب أن يتم إختيار قادته على اساس الكفاءة ، لا علی أساس تمييزي للدين او العرق او اللون و أن لا يهدف الحزب ببناء تشكيل عسكري ، وعلیه السعي في سبيل الوصول الی الموقف الواحد بعد رص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية.
إذن نحن هنا إزاء مشروع ، فكراً وعملاً ، يسلط الضوء علی الإمكانات التي تبثق مع العقل التواصلي والعمل المعرفي ، سبراً واستغلالاً ، من أجل التحول من مجتمع النخبة والخاصة أو الرعايا والعامة الی مجتمع المهن والإختصاصات والقطاعات المنتجة والفاعلة ، حيث الأفراد والمجموعات يفكرون ويعملون كفاعلین یتحملون المسٶولية عن تشخيص المشكلات ومعالجتها بقدر ما يسهمون في أعمال التنمية والبناء. والذي يٶمن بالتنوع والإختلاف ويرتهن علی المستقبل و يسعی بجهوده الذاتية لترقية مصلحة كركوك علی أساس مبدأ متفق علیه بين المجتمع الكركوكي للإحتفاظ بالإدارة الشرعية والخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ينجح في مهامه.
فالخروج ينقل المجتمع الكركوكي الی مستوی العصر و يقربه من صناعة الوحدة الكوردستانية وتدبير المصلحة العمومية. إن تحقيق العدالة الاجتماعية بتوفير الحد الادنى للحياة الكريمة التي تلبي كل الحاجيات والرغبات الانسانية الضرورية من غذاء ورعاية صحية وتأهيل تعليمي وسكن إنساني وفرص عمل كريمة يجب أن تكون من أولويات عمل الحزب السياسي بعد تعزيز ثقافة الديموقراطية بين المواطنين وطرح التصورات الواقعية لحل مشكلات المجتمع فى كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإستراتيجية انطلاقاً من رؤية كركوكية. وهكذا يقع علی عاتق الحزب مسؤوليات جدية في تعرف مشكلات المجتمع الفعلية على نحو موضوعي وتفصيلي ، وتعرف اتجاهات الرأي العام إزاء كل منها، وسبل معالجتها.
الحزب السياسي المعاصر يجب أن يتبنى مفهوم الديمقراطية بأوسع معنى لها، ويعني هذا بصفة خاصة أن الديمقراطية ، حكم الشعب ونفاذ إرادته ، هي القيمة السياسية العليا التي لا تخضع لأية قيود ، والعمل على بناء مؤسسات تضمن سلامة ومشروعية الحكم ، والإنتقال الآمن للسلطة ، وتحقق استقرار العمل العام بما يحقق التداول الطبيعي للسلطة بين التيارات والأحزاب.
ومن المعلوم بأن حيادية مؤسسات الحكومية هي الصمام الرئيسي لسير العملية الديمقراطية بشكل سليم. فالتوجه نحو اللامركزية في إدارة المؤسسات مع المرونة اللازمة لتنوع برامجها ومساعدة المواطنين على إتخاذ القرارات و تعليمهم أساليب أبداء الرأي في كل قضية تحتاج إلى آرائهم حتى يتم إتخاذ قرار سليم بشأنها ، یجب أن يدخل في إطار برامج الحزب.
بالطبع هناك نقاط ومحاور أساسية أخری يمكن أن تطرح بالتفصيل كرؤية الحزب الشاملة وبرنامجه وخاصة محاور السياسة الخارجية والأمن القومي والقضايا الداخلية والإقتصاد والإجتماع والتربية والتعليم والإعلام ومسائل إحترام حقوق الإنسان والحفاظ علی البیئة من التلوث وغيرها ، لكننا هنا أردنا بإختصار أن نشير الی طرح موضوع ضرورة تشكيل حزب سياسي معاصر يخدم قضية كركوك. 
وختاماً: "الحزب السياسي هو البرنامج لا العقيدة. البرنامج الذي يستمد قيمته ومشروعيته ومصداقيته من الجدوى والإنجاز؛ أي من إجابته عن أسئلة الواقع ، بخلاف الحزب الأيديولوجي الذي هو عقيدة ثابتة تستمد قيمتها ومشروعيتها ومصداقيتها من ذاتها فحسب. وفي البرنامج لا شيء ثابت ولا شيء نهائي ولا شيء مطلق ولا شيء يقيني ولا شيء مقدس؛ كل شيء قابل للنقد والمراجعة والتدقيق والتصويب والحذف والتعديل ، بخلاف الأيديولوجية على خط مستقيم."
الدكتور سامان سوراني




40
جذور الإرهاب الفكري والنزعة الإرهابية في الشرق الأوسط

من الواضح بأن العامل الذي يحد من عملية الإبداع الفكري و يقوي سلطة الرقيب عند الفرد الشرق الأوسطي ، الذي يقضي في أغلب الأحيان طول أو نصف عمرە في بلد ما بشكل إجباري لا يتمتع بالحرية والوعي بل يعيش الظلم والإستبداد والإرهاب الفكري الهادف الی إفساد كل معتقد أو سلوك باستخدام الوسائل والأساليب المعنوية التي تخلّ بأمن واستقرار البلد و تؤثر بشكل سلبي على المواطنين ، هو بذور التخلف والتردي التي يحمله الإنسان تحت طيات جلده وفي جيناته الوراثية. فإذا بالشخصية تنجب التقوقع والنزوع الی الباطنية وبالنهاية الی التخلف من الناحيتين الثقافية والحضارية.
دول شرق أوسطية تنظم وتقاد من قبل عناصر ومٶسسات ديكتاتورية لا ينشغل معظمها بحقوق الانسان والديموقراطية الا بالمقدار نفسه الذي يشغل الإرهابي السلفي ، الذي لايملك معنى ثابت او جدول عمل أو محتوى سياسي. فكيف بتحقيق أحلام الفيلسوف التنوير الألماني إيمانوئیل كانت (١٧٢٤-١٨٠٤) ، الذي جاهد بأفكاره في سبيل المواطنة العالمية والحق العالمي الشامل ومفهوم "الجماعة الكونية" و تطبيق أدوات دبلوماسية كالحوار السياسي أو الفلسفي ، التي هي في صميم كل استراتيجية دبلوماسية؟
وكم من مرات شاهدنا فيها محاولات من قبل جهات قمعية لتدجين صاحب الرأي الآخر وتحويله الی ببغاء يردد مايقال له من كلام غير مفيد أو يصلي خلف "الإمام" ، يقوم و يرکع و يسجد مثله ويكرر ما يقوله ، كالروبوت (إنترنسينالسم) أو ما يسمى بالعربية بالإنسان الآلي. وهنا لا أريد أن أدخل في المٶثرات الجانبية للإرهاب الدموي اليومي المتجسد بمشاهد القتل والاغتيال والإبادة والتّفجير والتّخريب والتّدمير والاعتقال والإذلال والظّلم ، التي تزرع الخوف والهلع في النفوس وتجعل الإحساس المستمر بالقلق وإنعدام الأمن والأمان صاحباً ملازماً للإنسان. والمآل هو دوماً بعكس الإدعاء ، فالمجريات تفضح الدعوات و النتائج تنقض المقدمارت ، والحصاد هو تخريب البیئة الإنسانية وقطع العلاقة مع الأرض والتاريخ والذاكرة.
إن عدم إتاحة الفرصة للتعبير عن الفكر دون تردد أو قلق يجعل التربة خصبة لنشوء كل أنواع الإرهاب بدءاً بإرهاب الدولة وإنتهاءاً بالإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري. إن المدافعة عن الهوية والثوابت أو عن الحقيقة والعقلانية والحرية بعقلية المناضلة تٶدي الی الفشل في النضال والی خسارة القضايا.
والسذاجة هنا تكمن في أن الفرد الشرق الأوسطي ينتظر الخلاص والإنقاذ ممن لا يحسن الإنتصار إلا علی شعبه و مواطنيه ، كما أثبتت التجارب ، حيث كان الشعب ينتظر من هذا القائد أو ذاك النصر والظفر ، فإذا النتيجة أنظمة للسيطرة ومجتمعات معسكرة ونماذج للتنمية غير فعالة. ومن يحسب الهزيمة نصراً والمشكلة حلاً يقفز فوق جذور المشكلات والأزمات ، لكي يمارس طقوس الإستنكار للعدوان ولكي يصنع قيود الفقر وأدوات الرعب والملاحقة.
الفرد الغربي علی العكس منؔا يخضع أفكاره وثوابته للدرس والتحليل وبه يخلق لغات مفهومية وأطر نظرية أو مباديء إستراتيجية ، يجدد معها الوجهة والعدة أو المهمة والطريقة ، يتغير و يسهم في تغيير العالم. أين الفرد الشرق الأوسطي من كل هذا؟ 
من المعلوم من أن زوال الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان مرتبط جوهرياً بزوال الإرهاب نفسه ، لذا نری من الضروري أن تتضافر كافة الجهود للتّخلّص منه وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع ، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين ، والبيت ، والشارع ، والجامعة ، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر ، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد و إكراه الذي يريد العيش بكرامة و الحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره.
وختاماً: "الأفكار ليست أيقونات للتعبد ولا هي متحجرات نعود بها إلى الوراء ، من ينظر الیها بهذا الشكل يساهم في إنتاج البٶس والوحشية والدمار. علينا إذن في عصر العولمة والوسائط ترسيخ مبادیء تربوية تٶدي الی التخلي من دور الإنسان المتأله أو الوصي أو صاحب الدور الرسولي النبوي، نحو الفرد البشري الذي يتعامل مع نفسه بوصفه وسيطاً لا أكثر، وذلك من منطق المسؤولية المتبادلة والشراكة في صناعة الحياة والحفاظ على المصير."
الدكتور سامان سوراني

41
سياسة حكومة إقليم كوردستان وخصائص السياسة الأمريكية 

للسياسة الأمريكية خصائص تستند إلى نظريات تشتق من الواقع الجيو-استراتيجي والمصالح الحيوية في أقليم أو منطقة جغرافية ما. ومن أهم هذه الخصائص أنها تعتمد على الحلفاء الإقليميين والمحليين في تأمين مصالحها. وعندما يتحول حليف من حلفاءها إلى حالة مستعصية ، أو عندما يصبح عبئاً عليها سواء لأنه فقد دوره أو لأنه يتعرض لخطر الإسقاط ، فأنها تغدر به و تتخلی عنه بسرعة البرق لصالح البديل الجديد والقوي.
وفيما يخص حكومة إقليم كوردستان ، فإنها تمثل الشعب الكوردستاني وهي منتخبة من قبلها ، لذلك فهي لاتملك المغامرة بمستقبلها السياسي بتفاهمات خاصة مع الولايات المتحدة بعيداً عن مصالح الشعب الكوردستاني وبعيداً عن الشفافية وهذا ما يوجه صانع القرار الأمريكي إلى تغيير فلسفة التعامل والتفاوض مع القيادة الكوردستانية لتكون تفاهمات بين شعوب وليس بين حكام. فنشر الديمقراطية يجب أن يتم عبر الدبلوماسية ، مثل تنظيم شراكات مٶيدة للديمقراطية ، وعبر دبلوماسية الرأي العام.
في إقليم كوردستان نری بأن الطلب علی الديمقراطية و الإصلاح هو طلب داخلي ، لأن الشعب يری بأن العالم المليء بالديمقراطية هو عالم الأكثر إحتمالاً ليكون عالم إزدهار إقتصادي و سلام من عالم مليء بالديكتاتوريات.
أما العمل علی نشر الديمقراطية فهو عمل طويل الأمد ويعتمد علی الفرص ويتعين علیه أن ينتظر النضج التدريجي لتكون الظروف السياسية والاقتصادية مٶثرة.
والعمل من أجل إنجاح التجارب المستقبلية وولادة الإنسجام المصيري بين حكومة الإقليم والمجتمع الكوردستاني يحتاج الی التضامن والتكتل لرسم خريطة إتحادية معاصرة وصناعة إرادة كوردستانية قادرة علی إعادة الهیكلة السياسية.
المجتمع الكوردستاني أنتابه في السابق تیارات الإنقسام والصراعات المحلية والخلافات الجهوية والعشائرية ، التي كانت عوامل أساسية في فتح ثغرات خطيرة ، ينفُذ من خلالها العدو الرافض لحقوق الكورد المسلوبة. والتحرك الرسمي من أجل التغيير نحو المستقبل، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة الوعي بذلك التغيير، ومحاولة زرعه ، والعناية به عناية مطلقة، كي يصل هذا المجتمع إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل.

من الواضح بأن أمريكا غير قادرة على منع حركة التاريخ باتجاه التغيير في المنطقة ، ما يدفعها إلى التفكير ببرنامج التعايش والتعاون بدل الصدام مع الحكومات الجديدة وقواها السياسية. ودبلوماسية التغيير و التحول الديمقراطي جاءت في مقدمة سياسات البيت الأبيض، على الأقل على مستوى الأقوال. بالرغم من أن الكورد عانوا الظلم و الإستبداد والإقصاء علی أيدي الذين  موطنهم و ساندوا الغير ليحکمونهم إحتلالاً ، و بالرغم من أن الكورد هم المجموعة العرقية الأعظم عدداً بغير دولة مستقلة معترفة بها دولياً تجمعهم ، فأن القيادة الكوردستانية تسعی ببرنامجها السياسي السلمي جاهداً لتثبت للمنطقة والعالم بأن خطواتها تتسم بالحكمة تنیر درب الديمقراطية علی أرضها.
الشعب الكوردستاني يتمتع بفضل هذه السياسة بأعلى مستويات المعيشة وإقليم كوردستان يتمتع بأفضل معدلات الاستثمار الأجنبي والاستقرار الأمني في العراق والمنطقة.
لقد تمكنت حكومة إقليم كوردستان رغم التجربة الغير طويلة في إدارة الحكم استخدام اسلوب القوة الناعمة في التعامل مع جميع الاطراف وتجنب التصعيد والمواجهات و إستطاعت رغم التحديات الجسيمة اضفاء الطابع الديمقراطي على الحكم من خلال تأسيس عقد اجتماعي جديد بينها وبین المجتمع لتكون فيه المواطنة محور الرابطة  بين الإقليم ومواطنيها ، إستناداً علی احترام حقوق الانسان ، واقرار التعددية السياسية والفكرية ومبدأ الفصل بين السلطات ، والسماح لمختلف القوى والتكوينات الاجتماعية من التعبير عن مصالحها وايصال مطالبها عبر القنوات الشرعية ، وضمان مشاركتها في مؤسسات الأقليم وهياكلها بصورة فعالة ، وافساح المجال امام نمو المجتمع المدني وتوفير متطلبات المشاركة السياسية ، واحترام استقلال السلطة القضائية و إقرار التداول السلمي للسلطة بحسب الارادة الشعبية.
وما المحاولات الماراثونية من قبل الأحزاب السياسية الرئیسیة الفائزة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لتشكيل حكومة ذات قاعدة موسعة تضم جميع القوى ليكون بمقدروها تقديم خدمات افضل وتعكس ارادة جميع مكونات الشعب ، بالإضافة الی اتخاذ القرارات الوطنية المصيرية و الحفاظ علی المصلحة الوطنية والنسيج السياسي والاجتماعي للمجتمع عن طريق حوار بناء ومثمر إلا دلیل علی مانقول.
وختاماً: "إن هویتنا ليست مانتذكرە ونحافظ علیه أو ندافع عنه. إنها بالأحری ما ننجزه و نحسن أداءه ، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم ، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير."
الدكتور سامان سوراني

42
الأختام الأصولية واللامعقول الديني في العراق والشام

لقد بات الإرهاب ، الذي إتخذ اليوم طابعاً يضيف الى القدرة على الظلم النزعة الى الإذلال ، ظلؔ يلازم الأنظمة بعد أن إنتشرعالمياً وتوغل الی أعماق الثقافات التي تحاربه. فهو مشكلة معقدة ونزعة تدميرية ومرض فتاك لايكفي لمكافحته وإخماد ناره الإكتفاء بالإدانة الأخلاقية ونشر بيانات الشجب عن طريق الوسائل الإعلامية المزدوجة ، التي تغازل الدعوة الی اللاأنسنة بإسم الدعوة الی المثل العليا والقيم السامية ، بل بإيجاد تدابير تجتثه من جذوره ، كإنهاء المركزيات الإثنية والدينية والإيديولوجيات التي تهمش تضامن الأفراد و حسن التعايش ضمن منظور ايكولوجي ايطيقي. أصحاب المواقف القصوی والثنائیات العقيمة والخانقة والتنظيمات الباطنية المسلحة لاتحترم الخصوصيات القومية والثقافات المغايرة ، بل تنادي بالإنغلاق الديني والعقل الأحادي الی الإستبعاد والتضاد وتعمل من أجل تطور لامتكافیء بين الدول والشعوب والثقافات.
في عالم الصيرورة والتحوؔل وعصر الإعتماد المتبادل لايمكن أن يتم تشكيل الهوية البشرية بالتعسف والشطط أو بهدم التوازن بين الروح والجسد وبين الفكر والمادة وبين الأخلاق والسياسة أو بإحالة الجماعات الی أدوات وأرقام ، أو الی قطعان بشرية تجري تعبئتها وقولبتها لممارسة العدوان وشن الحروب ، تحت شعارات دينية أو مشاريع التحرر. 
الأسلمة ليست الحل أو المخرج كما تدعي الجماعات الإرهابية ، بل هي المأزق والعائق وهذا ما يمكن قرأته وإستنتاجه من عمل الداعية التراثي أو الجهادي الأصولي ، الذي يتعامل مع الشأن الديني من زاوية التوظيف السياسي ويعمل بذهنية التحريم و يميل الی تغليب الحقيقة الواحدة على نسبية المعرفة أو إقصاء المغايرين وتكفير المخالفين ولايتسامح مع الآراء المتعددة ويرفض التنوع في الأفكار.
للتحرر من الإرهاب ، الذي لايميز بین مذنب وبريء أو بین مدني وعسكري أو بين آمن ومحارب ، علینا أن ندرك الحدود الفاصلة بين المعرفة والمصلحة والقيام بإيجاد علاقة ضرورية بين التلعليم والتربية و بناء مشروع فلسفي لعقلنة الواقع وإدراك حدود هذه العقلنة. أما الحوار السلمي شرط امكان قيام سلم دائم بالنسبة للدول والشعوب والخضوع الی الخيار العقلاني وحكمة المنطق والفعل التواصلي في الفضاءات العمومية من الشروط الضرورية لتجاوز العنف ، ومن لا يقدر علی الحوار ولايجعل من العلاقة التعادلية المنفتحة أساس للإنطلاق ، ينحو نحو منطق الإقصاء الذي لايولد إلا المعارض العدو اللدود.
الأختام الأصولية واللامعقول الديني هي آفة أو ظاهرة متفشية وثمرة من ثمرات الثقافة الدينية الرائجة بمرجعیاتها ورموزها وتعالیمها ، كما بفتاواها وأخطاباتها وأحكامها. فالذي يدين سواه بوصفه غير متديؔن أو لاينطلق من منطلقات دينية ، إنما يفكر بعقلية إرهابية ، هي نفس العقلية التي يعمل أصحابها علی تفجير المدارس أو المطاعم أو المساجد أو الأسواق المكتظة بأجساد الآمنين والأبرياء وهي نفس العقلية التي تسعی في كل من العراق وسوريا الی تعزيز مناطق النفوذ وإقامة دولة تسمی بـ"الإسلامية" علی جانبي الحدود العراقية -السورية.
هٶلاء بدعاواهم المزيفة يزعمون بأنهم يسعون مخلصين الی خدمة دين الله وشريعته ، دعاوی تخرقها وتخرمها دوماً الوسواس والهواجس والشبه والشكوك والأهواء والأطماع. هٶلاء ينتهكون القيم والمبادیء والأحكام التي تتعلق بالعدل والحق. أمراء تلك الجماعات الإرهابية نصبوا أنفسهم وكلاء علی سواهم ، يدعون أنهم وحدهم دون سواهم ينطقون بإسم الله ويسيرون علی الصراط المستقيم. إنهم بحق أسلحة الدمار الشامل ، التي صنعتها الثقافات الدينية المزدوجة علی مدی عقود من الزمن. إنهم من صنع الوهم القاتل المزروع في العقول ، يعتبرون أنفسهم أهل الفرقة الناجية ، الذين أصطفاهم ربهم لكي يختم الوحي علی يدهم وبلغهم آخر ماعنده من رسائل وتعاليم وقرارات. وهكذا أصبحوا آلهة فعلية لارمزية ، مفردات قوامیسهم لاتحتوي علی الإهمال والتمهل ، العفو والغفران ، إنهم يعاقبون قبل اليوم الموعود ، بإستخدام وسائل الرعب وآليات الدمار، لكي تحيل الحياة في العراق والشام الی جحيم لايطاق أو لكي تتحول هواجس الهوية الی فخ يلغم العيش المشترك ويزيد المسلمين عزلة.
وختاماً: "التعصب لايمارس من خارج الدين أو ضد مبادئه ، بل هو صناعة دينية تماماً كما الإرهاب ليس خططاً شيطانية ، بقدر ماهو صناعة بشرية.
الدكتور سامان سوراني


43
إقليم كوردستان ودور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي

من الواضح بأن للمعرفة كقوة تأثيرعلى السلطة وأن السلطة من جانبها توظف المعرفة لتحقيق السيطرة وضمان المصالح. وهذا ما قاد الدول و جهات إلى الاهتمام بإقامة مراكز الأبحاث القادرة على إنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة علی المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية ،  بل وحتی الإجتماعية والثقافية ، تُستخدم لصنع السياسة والتأثير علی الرأي العام وصناع السياسة. هذه المراكز أصبحت اليوم من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها ، من الأبحاث والمؤتمرات والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تنشرها واحدة من المرتكزات الأساسية لإنتاج المعرفة والتفكير العام في الدولة ، تعطي للمختصين وصانعي القرار في الدولة أو في القطاع الخاص بدائل يمكن أن يختاروا أفضلها و تقدم في بعض الأحيان البديل الوحيد ، الذي لابد من الاعتماد عليه في مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة.   
في بعض البلدان كالولایات المتحدة الأمريكية مثلاً نری أن مراكز الأبحاث أو مايسمی ببنوك التفكير أو think – tanks هي في الغالب مٶسسات تعلن عن نفسها علی أنها منظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية ، تحمل أسماء و تعريفات مختلفة و تطلق في بعض الأحيان على نفسها اسم (مؤسسة foundation) أو (معهد institute) أو (الصندوق fund) أو (الوقف endowment) تقع تحت قطاع ذو نفوذ يتمتع بدور أساس في عملية صنع القرار ، وهي غير مؤسسات اللوبي. 
من منؔا لا يتذكر مدی دور وتأثير نظریتين سياسيتين نشرتا في نهايات القرن العشرين وهما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما و "صدام الحضارات" لصاموئيل هنتنجتون، كانتا نتاج الثقافة والفكر الأمريكي النابعة من مراكز الأبحاث والأفكار والمعارف المدعومة من قبل قوة الدولة الأمريكية. 
في إقليم كوردستان هناك عدد قليل من مراكز للبحوث والدراسات الإستراتيجية ، لانعرف إن كانت فاعلة أم لا ولا نعرف أيضا إن كانت هذه المراكز تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء ، فيما يتعلق بمصالح إقليم كوردستان ومكانتها الإقليمية الخاصةً؟
سٶالنا بالتحديد هو ، هل هذه المراكز تقوم بطرح أفكار وآراء جديدة ، وتقترح السياسات البديلة ، خلال المدة التي تسبق مباشرة انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى ، أو بعد حدوث حوادث إقليمية أو بروز ظواهر جديدة أو مستجدات كقضايا الإرهاب مثلاً ، لكي تكون تلك الأفكار والمقترحات تحت تصرف صانعي القرار السياسي الجدد ، و هل تقوم بتزويد الإدارات المتتابعة والأجهزة المختلفة بالخبراء أو تقدم المشورة والنصح لأجهزة مؤسسات الدولة أحياناً بناءً على طلب تلك الأجهزة وهل تفتح دورات تدريبية للجيل الصاعد من القيادات الفكرية والسياسية ليكون جاهزاً لتسلم الإدارات السياسية العامة للدولة؟
فمن خلال عقد الندوات والمٶتمرات ونشر الكتب والدرسات وإصدار النشرات والمجلات أو التقارير وتقديم التحليلات عن طريق الإنترنت لتبرير سياسات معينة أو نقدها أو لترويچ أفكار عصرية سوف تكون لها تأثير في الرأي العام وفي صنع السياسة والقرار السياسي.
إن تنمية القدرات التراكمية في مجالات الفكر والسياسة والإعلام سوف تجسد الذاکرة الجماعية لشعب كوردستان و تبلور مواقفها ومصالحها. 
لايخفی أن مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة لها تاريخ المائة عام في البلدان المتطورة ، فمثلا مٶسسة "بروكينغز" ، التي أنشأت عام ١٩٢٧ بعد إندماج مٶسسات فكرية أمثال "معهد الأبحاث الحكومية" لتصبح أيقونة في واشطن أو مؤسسة “راند كوربوريشن” لتعزيز وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمنية خلال العصر الذري.
هذه المٶسسات الفكرية كانت ملتزمة بتطبيق خبراتها العلمية على حشد من القضايا السياسية ومع ذلك كانت ترغب في البقاء بعيداً عن العملية السياسية انطلاقاً من التزامها الاحتفاظ باستقلاليتها الفكرية والمؤسساتية. فهدفهم الأول لم يكن التأثير المباشر على القرارات السياسية، بل مساعدة وإعلام صانعي السياسة والجمهور بخصوص العواقب المحتملة عن طريق إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للبرامج والسياسات الرئيسة لاتباع مجموعة من الخيارات في السياسة الخارجية.
الأجدی في زمن الأعداد والعلامات و تضاعف العالم المحسوس من خلال الشبكات والبيات الإلكترونية ، التي هي أوهن من خيط العنكبوت أن نرحب بجهود القطاعات النشطة والواعية والمثقفة في إقليم كوردستان ، التي تنوي إنشاء مراكز التفكير والأبحاث بعيداً عن الإرتجالية في الأداء أو الأحادية في النظرة والتناول ، بعد تحليل الواقع المعاش ، انطلاقاً نحو تقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو بتطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل بما يخدم أهداف ومصالح إقليم كوردستان وأمنه القومي ، وفق مرجعيات أكاديمية راسخة ، لتشارك من خلالها في صنع السياسة العامة للإقليم بعيداً عن الأطر حكومية.
وختاماً: من لايقرأ مايحدث لا يحسن التعامل معه والمشاركة في صنعه. فالعولمة كحدث كوني ذو بعد وجودي خلقت واقعاً تغير معه العالم عما كان علیه بجغرافيته وحركته ، بنظامه وآليات إشتغاله ، بإمكاناته و آفاقه المحتملة. فالإهتمام بجمع البيانات والمعلومات وتوثيقها وتخزينها وتحلیلها بالطرق العلمية الحديثة ، والتعاون مع أجهزة إقليم كوردستان ومٶسساته المختلفة في مجالات الدراسات والبحوث المعرفية سوف تساهم بشكل فعال في دفع العملية التنموية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية في الإقليم .
الدكتور سامان سوراني


44
أفخاخ النوايا وشروخات وحدة الأحزاب الكوردستانية في كركوك

قبل أيام أفرحنا نبأ وصول الكتل الكوردستانية الی إتفاق علی خوض الانتخابات البرلمانية (انتخابات مجلس النواب العراقي) في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان بقائمة واحدة. لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً بسبب فشل ممثلي تلك الکتل أمام التجربة الأولی وإعلان البعض منهم بالإنسحاب من "قائمة كركوك كوردستانية" لأسباب قد لاترضي ولا تقنع الفرد الكوردستاني الحالم بإتحاد المناطق المستقطعة من كوردستان مع الإقليم ، إتحاد من الممكن أن تٶدي في المستقبل القريب  الی بناء الدولة الكوردستانية المستقلة. 
بالرغم من تنامي الإحتكام الی المٶسسات وكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم في إقليم كوردستان والسعي الدٶوب من قبل أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة الی إضعاف تقاليد الفردية والمزاجية في إدارة السلطة لتكوين الرأي العام الفاعل والقوي علی نحو تدريجي وتزايد المشاركة السياسية مع تزايد السلطة المادية والرمزية للصحافة وقوی المجتمع المدني في مختلف قضايا الشأن العام ، نری وللأسف عدم قدرة ممثلي الأحزاب الكوردية في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان في قراءة المجريات وتشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته و خططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات. رهانهم هو الإستمرار علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج في السابق العجز والفقر أو أفضی الی المآسي والكوارث.
العارف بتاريخه السياسي يفهم ما نعنیه هنا. لأنه إذا لم نشأ تفويت الفرص كما فعلنا في التجارب السابقة ، فالفرصة هي الآن سانحة أمامنا للخروج من المأزق ، بالإنخراط في موجة الإستراتيجيات السياسية الجديدة. علينا الآن إذن إطلاق وتشغيل قوانا الحية والخلاقة التي تكبحها عقائد سياسية تقليدية ونخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة. والتركيز علی الفرد يستبعد العمل المٶسسي و يستبعد الحوار الديمقراطي والسلوك العقلاني. 
نحن لا نقرأ السياسة من خلال أخبار اليوم ولا نتهیج بتصريحات مفتعلة من قبل من يدؔعون بأنهم يمتلكون مفاتيح الحلول السياسية ، فإختلاق الارتزاق السياسي والرغبة السلطوية الجامحة تزج بالعصبيات في العمل السياسي وتخرج السياسة عن قواعدها الطبيعية ، لتتحول إلى حرب إفناء ، وإلغاء واستنزاف متبادل ، وتشتيت لجهود أفراد المجتمع، وإحداث التفرقة فيما بينهم.
نحن نری في التنوع والإختلاف قوة وسرؔ تقدم المجتمعات. فالأمم التي تقبل حالة الاختلاف  والتنوع تستطيع أن تؤسس أوطاناً وشعوباً قادرة على صناعة حاضرها ومستقبلها. نحن لسنا ضد الإختلاف والتنوع ومهمتنا تكمن في تخليص مجتمعنا الكوردستاني من الإرتهان للماضي الی الإرتهان علی المستقبل.  والسباحة في المياه العكرة بإفخاخ النوايا وشروخات في الصف الوحدوي لا تجدي نفعاً ، علیه الخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ، لأن الخروج ينقلنا الی مستوی العصر.
إن عقلنة السياسة يعني إتاحة الفرصة لأهل السياسة أن يديروا خلافاتهم بطريقة عقلانية سلمية تفاوضية مثمرة بعيداً عن التحاور بلغة التخوين والمٶامرة ، فمن لا يقوم بإخضاع هويته الوجودية ، سواء أكانت تلك الهوية سياسية أم ثقافية ، للنقد والتشريح والتفكيك والتعرية لا يستطيع أن يخرج من مأزقه الوجودي أو يبتكر إمكانيات وجودية يتغير بها عن ما هوعليه أويغير قواعد اللعبة بينه وبين الآخر.
علی الكتل السياسية الكوردستانية التي تعمل في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم أن تعلم بأن السياسة يجب أن تٶدي الی فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف. الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة يجب التمسك بها في مواجهة التحديات المستقبلية وعلی النخبة المثقفة الحزبية والمستقلة في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم تشكيل لجان عمل مشتركة من أجل إتحاد الكيانات الكوردستانية ودفعهم نحو معترك الإنتخابات بقائمة تعکس وحدة وإرادة الشعب الكوردستاني في تلك المناطق.
وختاماً: الرهان وسط كل المخاوف والمخاطر المحدقة بمصير ومستقبل المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم هو كيف نصنع الوحدة الکوردستانية وندبر المصلحة العمومية ، لأنه لا وجود لإدارة أو تدبير من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الوجوه ، سواء تعلق الأمر بالإنتخابات والنهوض أو التحديث والتطوير في سبيل الإستقلال.
الدکتور سامان سوراني


45
الفلسفة الوجودية بين إقتحام المجال السياسي ومكافحة الشمولية

بالرغم من أن الوجودية ولدت في ذروة التمثل والتمرس الفلسفيين ، إلا أنها باتت أكثر قبولاً لدی عامة الناس مما هي لدی الفلاسفة وصارت كتیار تحمل عناصر وجوانب عدة تمس مطالب الناس وحاجاتهم وهمومهم وهكذا إبتعدت عن المذهب الفلسفي وغدت موقفاً بلا ضفاف يصعب تحديده.
وقد لعب الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي والناقد الأدبي والناشط السياسي الفرنسي جان بول شارل ايمارد سارتر (1905- 198٠) في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي دوراً كبيراً في تفعيل "شعبية" الوجودية ، فصياغاته الأدبية الرائعة والبالغة القوة توفرت للوجودية صيغ سلكت الی الناس طريقاً أكثر يسراً ووضوحاً لم تكن متوفرة من قبل. 
أما الحرب العالمية الأولی فكانت لها كصدمة أسقطت تفاٶلية القرن التاسع عشر وكلياته الإجتماعية والسياسية والنظرية أثر بليغ في ذلك. إن شيوعها خارج إطار المتخصصين أدی الی ضياع حدودها المميزة وبات من الصعب تعين حد الوجودية بتعريف وافٍ يكون موضع إتفاق أو إجماع. وهذا ما أجبر الأديب الفرنسي غابرييل مارسيل (١٨٨٩-١٩٧٣) ، الذي صُنّف لاحقاً رغماً عنه ضمن التيار الوجودي بالقول: "يكاد لايمضي نهار دون أن يسألني واحد من الناس ، ماهي الوجودية؟...فأقول إنه يطول ويصعب شرحها. كل مايمكنني فعله هو أن أقدم بعض مفاتيحها ، لا صياغة تعريف لها".
وبما أن الوجودية تضرب عمقاً في تاريخ الوعي البشري ، في بدايات تفلسفه مع الإغريق و سقراط بالذات ، لكنها وجدت تجلیاتها الحديثة ، معبراً عن أزمة الإنسان في وجوده ومواجهته وجوده ومصيره كفرد ، أو کـ"أنا" خارج مطلة المجتمع والتاريخ والمٶسسات والمطلق ، منذ سورين كيركغارد (١٨١٣-١٨٥٥) في أواسط القرن التاسع عشر ، مروراً بفردريك نیتشه (١٨٤٤-١٩٠٠) ومارتين هيدغر (١٨٨٩-١٩٧٦) و كارل تیودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) وصولاً الی سارتر.
هٶلاء يمكن أن نصفهم بمحبي الحكمة لا بممتهنیها ، أستطاعوا توجیه الناس و إنارة دروبهم. فسقراط مثلاً لم يقم في يوم من الأيام بإملاء أحكاماً وطروحات علی الناس ولم يمنع عنهم أشرعة التفكير ، بل حثؔهم علی التفكير ونزع حجب الإستكانة والتقليد ودعاهم لأن يكتشفوا الحقيقة بأنفسهم.
إن بعض من الفلاسفة الوجوديين إقتحموا المجال السياسي لا من أجل أدلجة المعرفة وتسييس الفلسفة ، بل بهدف الاحتكام الى العقل في الخلافات بين وجهات النظر المتصارعة وإعطاء الكلمة الى الفلسفة لفصل المقال بين المخالفين وتحديد وجهة المجتمع عند المنعطفات ووضع برنامج عمل للمستقبل و السعي من أجل المساهمة في البناء. 

من المعلوم بأن الأنظمة شمولية في العالم تصادر الحقوق والقيم وخاصة العدالة والمساواة وتداهم البنية الأخلاقية للمجتمعات والثقافات وتزرع رؤية جديدة للكون تقوم على الأنانية والعنف.
من الواضح أيضاً بأن الصراع ضد الشمولية يقتضي الإقبال علی الوجود بجرأة والسعي لتشكيل رأي عام مضاد متعدد ومختلف جذرياً عن الثقافة السائدة ، رأي يحمل في داخله إبتداءات ممكنة على جميع أصعدة الحياة ، لايتوقف فقط عند إصدار بيانات وخطابات شعرية أو ترديد شعارات تمجيد للحرية والعدالة.  الإنسان قادر علی الإبتداء ، بل هو نفسه الإبتداء والانسان كما يقول اسبیوزا لا يولد مواطناً بل هو يتربى على المواطنة. فالمواطن هو الدولة في الانسان الفرد ، لهذا السبب تشغل التربية مكاناً هاماً في اقتصاد هذا النظام. أما قيم المواطنة فيمكن تفعيلها من خلال رسالة تربوية تٶمن بتنمية البشر من الناحية الفيزيائية والاخلاقية وتدفع المواطنين الی إحترام بعضهم البعض وحسن تدبير الكون وتحملهم مسٶولية الوجود علی الأرض. هذه رسالة يجب أن تخلو من هيمنة ثقافة الميوعة وعقلية الإستهلاك ، لترفض تعليم يركز علی اللغات والمواد الدينية أو يروؔج لأفكار حزبية مغشوشة وآراء الأيديولوجيات الضيقة ومعتقدات ماضوية ودعاوی دينية مطلقة. الفلسفة الوجودية تحاول إعادة الثقة الضمنية لأهل العصر الحاضر في البحث بجدية عن الذات والحقيقة الإنسانية. وكل جهد يبذل في سبيل استرجاع الإيمان الفلسفي الحقيقي ، إنما هو جهد إنساني يحقق للبشرية وحدة حقلية شاملة.
المجتمعات الشرق الأوسطية أحوج ماتكون الی إتجاه عقلاني أصيل. نحن نعرف بأن نزعات عاطفية متطرفة وإتجاهات وجدانية هوجاء سيطرت علی نفوسنا منذ عهد بعيد ، حتی أصبح المحرك الأوحد لكل أفكارنا وأفعالنا وسائر مظاهر نشاطنا. نحن لاننکر دور الوجدان في تحديد الكثير من مظاهر السلوك لدی البشر ، منها الحياة الخلقية ، لكن المواقف الوجدانية غير كافية لخلق روح فلسفية أو إرساء دعائم أية عقلية علمية.  لذا نری بأن الكثير من الأحكام الصادرة من قبلنا ، سواء كانت أحكام تصدر في مجال الفكر ، أم في مجال السياسة والاستراتيجيات، أم في مجال التنظيم الإجتماعي ، أم في مجال التخطەط الاقتصادي، أم في غير ذلک من المجالات ، أحكام عاطفية تغلب علیها صفة الإندفاع الوجداني. النزعة العقلانية ليست هبة تختص بها شعب دون آخر ، بل هي عادة مكتسبة يمكن أن تصبح لدی أي شعب من الشعوب ، تحت تأثير التربية والتدريب والممارسة.
ولابد هنا أن نذكر دور التفكير المنهجي والتحليل المنطقي في كل عمل ودراسة علمية جادة. فعندما لا نتوخی الدقة في إستخدام المصطلحات ولانراعي التسلسل المنطقي في تنظيم الأفكار ولانلتزم قواعد البحث العلمي في التفكير ، فإننا بالتأكيد نبقی نستخرج من المقدمات مايلزم عنها بالضرورة من نتائج و نترك في الإستدلالات العقلية فجوات وثغور وذلك بسبب عدم التزامنا بقواعد البحث الرياضي، تلك التي أشاد بها كل من رينيه ديكارت (1596 –1650) و غوتفريد فلهيلم ليبنتس (1646-1716) و إدموند هوسرل (1859 - 1938) وغيرهم.
الفلسفة الوجودية تهدف الی خلق الشعور بالحرية وإيقان بأن الحق فوق القوة والإعتراف بأن العلاقات البشرية ينبغي أن تقوم علی التفاهم والتسامح ، لا علی التخاصم والتنازع. فالحرية لايعني الإنطواء علی النفس أو قطع وشائج التواصل مع الآخر ، بل تعني الحوار مع الآخر لتحقيق المزيد من أسباب التفاهم بين بني البشر. الوجودية تضع كل الآراء المسبقة موضع البحث وتواجه الشكوك والأكاذيب والخرافات بكلمة "لا" كالمتمرد للفيلسوف الوجودي ألبرت كامو (١٩١٣-١٩٦٠)، فالرفض هنا ليس الهدم لمجرد الهدم  ولا الإنكار لمجرد الإنكار ، بل هو القضاء علی الأساطير الوهمية الكاذبة التي مايزال الناس يرون فيها "حقائق" واضحة بينة. إن مواجهة التفلسف للأشخاص والأشياء تقوم علی احترام حق كل إنسان في التفكير ، لا علی فرض الحقيقة الذاتية فرضاً علی الآخرين. فالإنسان في نظر سارتر هو خالق لنفسه لأنه وحده متصور لها ، فهو مشروع يعيش بذاته ولذاته وهو لايوجد إلا بمقدار مايحقق ذلك المشروع وهو حرؔ يمتلك زمام وجوده ومصيره. فالوجودية هي في النهاية ثورة الأشياء الذاتية الصغيرة ضد كل الشعارات والأسماء الكبری والمذاهب التي تدؔعي الشمول.
وختاماً يقول الفيلسوف الفرنسي شارل لوي دي سيكوندا المعروف بمونتسكيو (١٢٦٨٩-١٧٥٥) صاحب نظرية الفصل بين السلطات: " لا تستفلح البلدان تبعاً لخصوبتها ، بل لحريتها". وإن جاز الإضافة فنقول ، تستفلح البلدان تبعاً لممارسة الأفراد لحرية الرأي والتعبير.
الدكتور سامان سوراني

46
هل الفلسفة مشكلة في عصر الإنسان الرقمي وعالم الإستهلاك؟

بالرغم من أن الفيلسوف الفرنسي رینیه دیكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) يری أنه لاجرم أن تكون الحكمة هي القوت الصحيح للعقول ، لأن الذهن حسب رأیه هو أهم جزء فينا وطلب الحكمة لابدؔ بالضرورة أن يكون همنا الأكبر ومع أن حضارة شعب وثقافته تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فیها ، فالمرء الذي يحيا دون تفلسف لهو حقاً كمن يظل مغمضاً عینیه لايحاول أن يفتحهما ، إلا أن للفلسفة في زمن فتوحات العولمة وثورات القوة الناعمة خصوم كثيرون ، يعملون بكل جد ومثابرة من أجل منع الإعلاء من شأنها والإشادة بها أو الثناء علیها. صحيح أن النظام الذي يراد تغييره يترك أثره فينا دون وعي منا، بحيث نستعيد طبائعه الاستبدادية ، لكننا نری بأن تاريخ الفلسفة مدرسة حقيقية يتلقن فیها المفكر دروس الأخاء الفكري والوصال العقلي والتسامح المذهبي وأن هذا التاريخ تقرير لحقيقة عليا تٶكد قيمة الإنسان وحقه في التفكير. فتاريخ الفلسفة لم يكن يوم من الأيام مجرد مقبرة للأوهام البشرية أو مجرد سجل للأخطاء الإنسانية. الفلسفة حوار وجدال ومواجهة والفيلسوف تلميذ قبل أن يكون أستاذاً و علی المفكر أن يتذكر دوماً أن تفكيره هو في صميمه إجابة أو إستجابة. ومن يريد فتح آفاق المستقبل ، علیه أن يخلع الإيديولجيات المقدسة و يكسر عقلية النخبة والبيروقراطية ليمهد الطريق أمام الإنتقال الی الشبكات الآنية والمعلومات العابرة والسيالة للوصول الی مجتمع تداولي فاعل. المقارعة بالحجج و تبادل الآراء أمر ضروري للإستمرار في الحكمة ، فالحقيقة كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ثيودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) ليست ملكاً لأحد ، بل البشر جميعاً ملك للحقيقة. أما الوجود فهو حقيقة غامضة متناقضة ، لايمكن أن ينصاع في قوالب جامدة متحجرة. إذن التعقيد ليس في ذهن الفيلسوف ، بل في قرارة الوجود نفسە. ولو كان الوجود حقيقة بیؔنة متجانسة لما استحال علی الفيلسوف أن يصوغه في قالب محدد. ما نراه هو أن مشكلة الحقيقة تتخذ عند الإنسان وخاصة في عالمنا الیوم ، عالم الإستهلاك ، طابعاً درامياً فيظل الإنسان في صراع دائم ضد الأكاذيب والأضاليل والخرافات والأوهام وأخطاء الحس والعقل ، أملاً أن يصل يوماً الی الكشف عن ذلك النور الأسمی الذي يضيء طريق حياته. ما نستنتجه من الحياة هو أن الكثير من البشر يشغلون أنفسهم ، إن لم نقل طوال حياتهم ، بالعمل علی إكتشاف "راسئلهم" والحرص علی أدائها. المشكلة تكمن في أنهم يشعرون بأن حياتهم "وجوب" أكثر مما هي "وجود". أي بمعنی أنها واجب يدخل في نطاق ماينبغي أن يكون ، أكثر مما هي واقعة تدخل في نطاق ماها كائن. والحق أن الإنسان يشعر بأنه لم يوجد بعد ، وأنە مايزال علیه أن يوجد. هذا الشعور الارستقراطي يحفز صاحبه الی التسامی بحياته الخاصة فوق مستوی الحياة العامة المبتذلة وهذا مايدفعه بالتمسك برسالته ، التي هي في الأساس مشكلة.
أما تجربة الحب ، الذي يدخل ضمن مباهج الحياة والذي يرقي الينابيع الروحية الدفينة الی مستوی الوعي أوالشعور ، فهي حاجة إنسانية ، لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم فيلسوف التشاٶمية الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨-١٨٦٠) ، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مؤسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي ألفرد آدلر (١٨٧٠-١٩٣٧).
هناك من يحمل علی عصر العولمة التقنية والإنفوميديا والشبكات الإجتماعية كالفيس بوك أو التويتر أو الماي سبيس وغيرها من شبكات بدعوی أنه أفسد العلاقات الشخصية بين الأفراد. إننا مهما زعمنا أن الآلة والبرامج الكترونية هي المسٶولة عن تزايد شقة الخلاف بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فإننا لن نستطيع أن ننكر أهمية تلك "الوظيفة الحضارية" التي أصبح "التكنيك" يلعبها في صميم الحياة البشرية ، بوصفه ذلك العنصر اللاشخصي ، الذي ينظم العلاقات بين الأفراد في العالم الخارجي. فالإنترنت والآلة الذكية ليست بدعة دخيلة أقحمها الإنسان علی الحياة، بل هي عنصر مكمل للوجود البشري ، الذە هو في جوهره طبيعي وإصطناعي معاً. الإنسان كموجود زئبقي يفلت من بين أصابع الفنان والفيلسوف هو المشكلة. إنە موجود مفارق متعالي ، يواجه دوماً كل ما حققە في نفسه وفي عالمه بكلمة :لا" كبيرة. إنه يستطيع أن يثبت مرة تلو مرة بأن هناك علی الأرض من الأشياء أكثر من كل ما استطاعت أن تحلم به يوماً فلسفة من الفلسفات.
وختاماً: الفلسفة ليست مشكلة ولا تقدم لنا مفتاح الوجود ولا تروي لنا قصة المطلق ، بل هي تظهرنا علی أن الإنسان يَنِدُؔ بحريته عن التاريخ. والحرية الإنسانية تنحصر أولاً وبالذات في إختیارنا لغایاتنا ، فهي ليست خلقاً من العدم أو القدرة الإبداعية المطلقة. أما الفلسفة العملية فهي تقرر أن الحرية هي التي تدخل في الكون كل طرافة وجدة ، لأنها هي التي تمنع الأشياء المتشابهة من أن تتكرر باستمرار.
الدكتور سامان سوراني



47
سياسة الطاقة لإقليم كوردستان من منظور سياسي وفلسفي

ماحصدناه من المٶتمر السنوي الثالث للنفط والغاز في إقليم كوردستان ، الذي إنعقد قبل أيام في أربيل أنه في نهاية هذا العام وبدایة عام ٢٠١٤ يدخل إقليم كوردستان في قائمة الدول الرئيسية المنتجة للنفط والغاز في المنطقة وعلی المستوی العالمي ليلعب دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمي من خلال السياسة الإيجابية المتوازنة التي تمارسها حكومة الإقليم. وترتكز سياسة الإقليم في مجال النفط والطاقة بشكل عام على مجموعة ثوابت أساسية تقوم على تسخير الثروة النفطية في البلاد لتحقيق التنمية الشاملة في الإقليم وهو ما تحقق خلال السنوات الماضية وبرز بشكل واضح في النهضة الواسعة التي تحققت في مختلف المجالات .
صحيح بأن الإقليم يسعی الی رفع إنتاج الطاقة الكهربائية ويخطط من أجل إستغلال مصادر بديلة كالطاقة المتجددة وطاقة الرياح الإقليم وإن تطوير البنية التحتية بحاجة إلى أكثر من 30 مليار دولار ، لكن صناع القرار في الإقليم ، الذين يريدون أن يجعلوا من إقليم كوردستان مفتاحاً رئیسياً للطاقة في الشرق الأوسط و تحویلە الى لاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي خلال السنوات القليلة القادمة ، يجب أن يقوموا باستغلال الثروة النفطية بشكل علمي مدروس لبناء شبكة واسعة من البنى التحتية المتقدمة تكون أساساً لتنمية اقتصادية ونهضة حضارية شاملة ويفكروا في الوقت نفسه في إعداد دراسات وإنشاء مراكز للإبحاث النووية والتهيء لإنشاء مفاعل لانتاج الطاقة النووية والتي تعتبر من البدائل النظيفة والاقل تلوثاً اذا ما قورنت بالنفط ، فإن تنوع مصادر الطاقة أمر حيوي للإقليم. إن الإنجازات العظيمة التي تحققت خلال الفترة التي أعقبت اكتشاف النفط وإنتاجه والتي انتقلت بالإقليم بسرعة هائلة الێ أخذ مکانه بين المناطق الأكثر نمواً في العالم تشير الی أن مستقبلاً مشرقاً ينتظر قطاع النفط والغاز في الإقليم وأن مسيرة وتطور الاقليم مرتبط بمسيرة وتطور البترول ، وسوف يكون لهذا الارتباط أثر هائل في دفع عجلة التنمية في كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
إن التعامل مع هذه الثروة الطبيعية ، التي تعتبر من أكثر الثروات الطبيعية في العالم قيمة ، لذلك سماه بعض الناس بالذهب الأسود ، بتوجیهات سديدة ومتابعة متواصلة من قبل القيادة الكوردستانية وإستغلالها يجب أن يكون متمشياً مع القدرة على الإنتاج بكميات تتناسب مع طبيعة الحقول النفطية والحافظة عليها الحقول ، بما لا يرهقها أو يضرها من الناحية الفنية ، وتوفير التكنولوجيا المتقدمة في صناعة النفط ، وذلك من خلال التوصل إلى شراكات مع الشركات النفطية العالمية ، والمساهمة في توفير كميات مناسبة من النفط الخام والغاز کمساهمة من الإقليم في خدمة الاقتصاد العالمي ، لأن هذه الثروة هي ملك لهذا الوطن بجميع أبنائه وخصوصاً للأجيال القادمة.
أما فلسفتنا فيجب أن تقوم في توظيف الثروة البترولية لتحقيق التنمية على حسن استخدامها ورشاد إدارتها بحيث يخرج آخر برميل بترول ينتج في العالم من الإقليم. ولتستهدف هذه الفلسفة بناء صرح للرخاء فوق أرضنا تحقيقاً لحياة أفضل للإنسان الكوردستاني.
من نافل القول أن الصناعة البترولية تشمل الی جانب عمليات الإنتاج والتصدير ، عمليات أخری كالحفر والإنشاءات ومد الأنابيب والنقل والتكرير والصناعة البتروكيماوية. فيجب علی الحکومة الكوردستانية وضع إستراتيجية للدخول في مختلف عمليات هذه الصناعة لتكفل لثروتنا القومية قدراً من الكفاءة و لتحقق عوائد مجزية من أجل أبناء كوردستان وتنفيذ مشاريع مستقبلية عملاقة.
أننا نعيش اليوم عصر رقمي يحمل في طياته الإنفجار المعلوماتي والاقتصاد المعرفي والعولمة مشروع كوني قوي و مصائر البلدان باتت اليوم مصائر عولمية بحتة والحلول لم تبقی محلية كما في السابق ، بل دخلت في دوائر محلية، إقليمية ، عالمية. أما التعاليم الاقتصادية الأكاديمية فهي دين قائم على مسلمّات و تعاريف بالية يجب إعادة صياغتها فلسفيّاً و مفهوميّاً ، لکننا مع هذا نٶمن بأن الاقتصاد السليم يجب أن يستمد قوانينه من الأعراف الطبيعية والقواعد البيئية المنسجمة مع قوانين الهندسة و الطاقة ليكون قادراً علی توحيد الإنسان في رؤيا واضحة تنظّم أداءه و تهذب أعماله للسير بمهمته التطورية نحو الكمال ، بعيداً عن نزواته كمخلوق اعتبر أن الطبيعة سُخّرت لرغباته ليسخر منها كما يحلو له. علی حكومة الإقليم العمل على الإهتمام بالعلوم النفطية و التطبيقية ذات الصلة بتنمية تكنولوجيا الثروات الطبيعية بشكل خاص ، لأن هذا المجال يمكن أن يكون العامل الأهم بين العوامل الأساسية للنهضة الكوردستانية ، والاستثمار فيه هو احد العناصر الحاسمة في تحديد مستقبل المجتمع الكوردستاني. فدون وجود مؤسسات تربوية و نظام تعليمي متطور ومتجدد حسب حاجات المجتمع ، لا يمكن بروز كوادر قادرة على أن تصعد سلالم الرقي وتنافس غيرها على تنفيذ برامج التنمية بكفاءة. والإنفاق بسخاء على التعليم والتدريب والتأهيل العملي ، أي الاستثمار في مجال الموارد البشرية هو الاستثمار الأمثل و الأنجع. ولتكن فلسفتنا قائمة علی تنقية المناهج وتطويرها من حين إلى أخر ، مع تركيز شديد على دور المعلم ، والمواءمة الدقيقة ما بين مفردات التعليم واحتياجات المرحلة ، وتشجيع القطاع الخاص على استثمار جزء من أرباحه وموارده في التعليم و التدريب ، وإعادة القوى العاملة المتخرجة إلى مقاعد الدراسة من وقت إلى أخر لتحديث معارفها والتزود بما استجد عالمياً في حقول تخصصها ، مع التركيز  على علوم العصر ، لاسيما المعلوماتية ، التي تعتبر أساس عملية التنمية الاقتصادية.
أما إنتعاش الصناعة النفطية بأفكار وأيادي محلية فسوف تمهد الطريق لأنتعاش الصناعات الاخرى وتنهض بأقتصاد الإقليم وتحقق الرفاه الاقتصادي فيه. وهذا بدوره سوف يؤثر بشكل إيجابي على كافة النشاطات الانسانية الاخرى. فبالقاعدة الأقتصادية القوية والأرضية الصلبة يمكن بناء مؤسسات أجتماعية و خلق مشاريع تنموية تساهم في تغيير المجتمع وتحقيق النهوض الحضاري.
وختاماً: من يريد أن يشارك في صناعة العالم بوصفه المدی الحيوي والفضاء الكوكبي في عصر تتعولم فيه الهويات والأفكار بقدر ماتتجسد وحدة المصير البشري علیه أن يجدد عدته الفكرية و يتقن التداول العقلاني ويجترح سياسة فكرية جديدة معاصرة لإدارة المصائر.
الدكتور سامان سوراني
   


48
الإرهاب وفلسفة الموت في المدينة الكوردستانية كركوك


شهدت مدینة کرکوك الیوم ٤-١٢-٢٠١٣ هجوماً إرهابیاً جهنمیاً وحشیاً أعمی مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات ، مستهدفاً مبنی دائرة استخبارات المحافظة ، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بأهالي هذه المدينة وإفساد التعايش السلمي فيها. إنها فلسفة الموت ، التي تفضل الموت على الحياة. وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم ، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم. انها فلسفة مجرمي الحرب  وغايتها قتل اشخاص أبرياء.
ماهي الرسالة التي يريدون توجيهها من خلال هذه العملیة اللاإنسانیة؟ هؤلاء کما هو واضح للعیان یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع ، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم ، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها و محاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المدينة وضرب الأخوة والتعايش السلمي.
 نحن نعرف بأن لهذه‌ الأحداث دلالتها الرمزیة وأبعادها الثقافیة ، والذین یقفون وراء هذه‌ العملیة الشرسة واللاإنسانیة یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء ، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة ، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض ، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا ، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات. یتصور أصحاب الارهاب وأتباعه انفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم ، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان ، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم ، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زورا و تشبیحاً ، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم و أرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم. إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم ، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب ، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً و انتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة ، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العراق ، هدفهم تغییرالحیاة في مدینة متأخیة ککرکوك الی جحیم ، قتلاً وحرقاً وتدمیراً بصورة عشوائیة ، عبثیة مجانیة.
الأفكار الأصولية والسلفية بتصديرها مارکة الحجاب والدم والتضحية عملت وتعمل ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة.
إن إستراتيجية الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد و بعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.
فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافته في مواجهة کتاب نهاية التاريخ لفکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.
لقد حان الوقت لیعلن علماء المنابر أمام الملأ، أولئك الذین ینطقون بإسم مذاهبهم ویؤثرون في الجمهور الواسع من المتدینین، بأنه لیس کل ماجاء في کتبهم صحیحاً أو صالحاً للتربیة الدینیة ، فبدون إلغاء النصوص والأحکام والفتاوی ، التي تولد الاقصاء المتبادل وتبث العداوة والکره بین الشیعة والسنة من کلیات الشریعة وبرامج التعلیم الدیني، وبدون إستبعاد النصوص والأحکام التي تتعامل مع الیزیدیین والمسیحیین والصابئة المندائیة والیهود، کمشرکین أو ضالین وبدون إطلاق حریة الإعتقاد بإلغاء قاعدة الارتداد لایمکن مواجهة الذات و لایمکن مکافحة ممارسة التشبیح أو الشعوذة و نشر الفتن ولایمکن صناعة مجتمع مدني تتعدد فیه الثقافات والإعتقادات ، التي تمحي التحجر الإجتماعي والسکون الثقافي. فالخروج من المأزق هو العمل علی التمرس بإستراتیجیة فکریة جدیدة من مفرداتها: الإعتراف المتبادل، لغة التسویة، عقلیة الشراکة، البعد المتعدد، ثقافة التهجین والعقلانیة المرکبة ومعالجة الإرهاب تحتاج الی إجراءات أمنیة بقدر ماتحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعلیمها.
وختاماً: علینا ببناء هذه المدينة الكوردستانية المتآخية حتی وإذا أصر الآخرون علی هدمها.
الدكتور سامان سوراني


49
هل المرأة مقياس حضاري في زمن سقوط الحضارات؟

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني ٢٠١٣ بدأ في إقليم كوردستان برنامج حملة الـ16 يوماً الوطنية والعالمية المخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة رغم استمرار شكاوى الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة  من مشكلة عدم تطبيق الاستراتيجيات الحكومية أو تنفيذ القوانين الصادرة من برلمان الاقليم ورغم بقاء هذه الحملة داخل قاعة المٶتمرات بعيداً عن إطار الشارع والميدان اليومي.
لا محاجة في أن ثقافة العنف نابعة أصلاً من العُقَد الاجتماعية، كفقدان القدرة علی المواجهة والخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي والخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان وكذلك من عقدة العار. ففي ظلِّ تلك الثقافة نری الإنسان يخجل من ذاته، يعيش حياته عاراً وجودياً متأصلاً ونشاهده في حال دفاع دائم من إحتمال إفتضاح أمره وعجزه وبؤسه، إذ يخشى أن ينكشف ولا يصمد في النهاية أمام الحقيقة. فالعنف أمسی وللأسف خبزاً يومياً للإنسان المعاصر والذي يرتبط بالأفراد حيناً وترعاه المؤسسات أحياناً أخری هو رذيلة وهمجية أتعبت العالم ولم تُفِد الإنسانية في شيء.
مقالنا هذا يتناول موضوع المرأة كمقياس حضاري في عالم مليء بالإنهيار في القيم والنظم وإنكسار لنماذج التفكير والعمل ، عالم يشهد النزاعات والحروب والكوارث الإجتماعية ويتعامل مع الأفكار معاملة ماورائية مآله العودة الی الوراء والغرق في السبات.
يقال بأن الضياع الحضاري يكون عندما يعيش دون رغبة ويموتون دون أن تبقی لهم إرادات للعيش من أجل ماهو أبعد منهم. فالضياع يبدأ عندما يبدأ الفرد بالتساٶل عن معنی حضارته ومجتمعه ، ومعنی أعماله وسلوكه وعقائده ، عندئذ تنشط فلسفات التقييم ويكثر التساٶل عن معنی الحياة وقيمة الروابط الإجتماعية.
الوقائع تٶکد بأن إنحلال الحضارات يكون دوماً مواكباً بنشاط العقل ويقظته للتقييم وحك العقائد والأفكارعلی محكه  ، وكأن العقل عدو الحضارة والإزدهار الإجتماعي.
إن إسهام المرأة الحيوي في المجتمع المعاصر المعتمد علی الآلة والأجهزة الإلكترونية المتطورة لە دلالة في روح المجتمع. فالمجتمع الذي يری في الجنس المتنفس الوحيد للرغبة وفي المرأة الأنثی فقط ، دون أن ترفعها الی المثل ، يبقی متحجر ومغلق وجامد ، يعيش في عزلته الحضارية والتاريخية.
من المعلوم بأن المجتمعات البشرية تتطور وتتغير ، وهي تتطور اليوم بسرعة فائقة ، خصوصاً في مجال المعلومات وتقنيات الإتصال ، لكن التقدم لايجري علی مثال سبق أو وفقاً لصيغة جاهزة ، ومن يعتقد ذلك فهو لايحسن سوی التأخر. نحن نری بأنه مع المجتمعات المتحضرة الناشطة بتطورها الإبداعي تكون المرأة المحرك الأول الذي يدفع المجتمع الی التخلي عن الجمود في التقاليد والأفكار والمُثل.
ففي الحضارة الفرعونية الأولی نجد للمرأة شأناً عظيماً وأعمالاً إبداعية كبری صنعت لإجلها ، فقد كانت في ذلك المجتمع ترث كالرجل ، ولها حرية التصرف بأملاك أسلافها ، مما جعل لها شخصية إجتماعية متميزة سعی الرجل لإسترضائها وإحترام وجودها. فالآثار الفنية المنحوتة التي وصلتنا من تلك الحضارة تظهر لنا مقامها ، كما أن الكثير من النصوص التعليمية توصي بمعاملتها كالرجل نداً لند.
فالمرأة في الحضارات القديمة كانت تحفظ للمجتمع قیمه الأخلاقية الطبيعية وبفضل سلوكها ووعيها لمسٶولیتها أمام ذاتها وأمام مجتمعها وقوة شخصيتها كان لها أمر مصيرها مع خطابها ولها أن ترفض أو تقبل وتعمل بكل وسيلة لكسب النصر.
مع هذا لاننسی بأن رحلة التاريخ كانت بأمرة سلطان القوة ومشيئة العنف التي هي من خصائص الرجل. وذلك ما جعل المرأة ، هذا النصف الآخر من الإنسانية، تعيش في كيانها وفعاليتها حركة مد وجذر وتراوح خاضع ، بين مهانة ماحقة لمعنی الإنسان وكرامة مثلی للمشاركة في حياة المجتمع.
وبفضل حركة التمرد علی الأعراف والتقاليد والموروثات التاريخية ، التي لاتزال في حضارتنا ، أخذت المرأة تنشط لتخرج من الجمود. فالتطور والبناء الحضاري لأي مجتمع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور ثقافة ووعي المرأة ومساهمتها الفعالة بهذا البناء ، ليكون المجتمع مدني قائم على أسس ديمقراطية کالمواطنة وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والمبادئ الانسانية.
المرأة لاتقل عن الرجل في شيء ، وقد أنصف جون ستيوارت مل (1806-1873) نصير الليبرالية علی الساحة الفكرية المرأة عندما حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن وإعادة الإعتبار للمرأة و ناقش في منتصف القرن التاسع عشر قضية المرأة في كتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
المرأة هي مقياس حضاري وقلب الإنسانية وأبهج شيء في الحياة ، كما يراه المعلم الكبير "كونفوشيوس". وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي وإنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها ، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه.
وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان ، من أجل إثبات الجدارة وبناء مجتمع حيّ وخلاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.
وختاماً نقول: علی التاريخ الإنتظار ليحفظ للمرأة رسالتها الجديدة ، في عالم المستقبل الجديد ، فأول الغيث قطرة.
الدكتور سامان سوراني


50
الرئیس مسعود بارزاني ورسالة السلام الإقليمي


الفيلسوف ومهندس السلم واللاعنف مهاتما غاندي ، الذي كان مستعداً ليموت في سبيل قضيته دون أن يقتل أحداً من أجله ، قال ذات مرة: " لا أريد لبيتي ان يكون محاطاً بالاسوار ولا أن تكون نوافذه مغلقة ، بل أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الامم." 
اليوم وفي هذا العصر الذي يتبدل معه نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ما يتغير نظام العالم ومنطق الأشياء يمارس الرئيس مسعود بارزاني هذه الفلسفة. فزیارته التاريخية الی مدينة "دياربكر" آمد الكوردستانية ولقاءه مع رئیس حكومة تركيا السيد رجب طيب أردوغان وخطابه الإنساني تدخل ضمن إطار محاولاته المستمرة من أجل حفظ السلام وحل القضية الكوردية بالشكل السلمي. فقضية شعب كوردستان في تركيا كانت و ماتزال من أهم القضايا التي واجهتها الحكومات التركية المتتالية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923. إذ مارست الحكومة التركية في السابق سياسة الإنكار والتهميش والإقصاء ضد المكون الكوردستاني ، من دون أن تعترف بالهوية الكوردية دستورياً وتمنح الكورد حكماً ذاتياً في مناطقهم الكوردستانية. هذه القضية التي أصبحت بسبب كفاح ومقاومة الشعب الكوردستاني و العنف العسكري من قبل الحكومة مصدر تهديد لأمن الدولة و إرهاق للإقتصاد وإعاقة للتنمية الشاملة.     
إن مبادارت الحكيمة للقيادة الكوردستانية وعلی رأسها مبادرة الرئيس مسعود بارزاني من خلال التواصل حوؔلت لغة العنف السياسي الی لغة إنسانية للحوار. فاللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة. واللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم والنصر الناتج عن العنف كما يقول الزعيم الروحي للهند غاندي هو مساوي للهزيمة ، إذ انه سريع الانقضاء.
الرئيس مسعود بارزاني ، الذي حمل شعلة السلام الكوردية الی مدينة آمد يٶمن بأن السلام هو الطريق وأن العنف هو من صنع البشر، لذا يٶكد دوماً في خطبه ومناقشاته العلنية بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء ، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة. هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات ومن يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.
هناك حقيقة لا بد منها وهي أن السلام الداخلي الكوردستاني اليوم ليس بحاجة الی إثبات وتأكيد لأنه يرتكز على معادلة طبيعية عناصرها واضحة وجلية وتكمن أولاً في القيادة السياسية التي تحمل رسالة قومية وتنثر المحبة بين افراد الشعب وتشيع التفاهم مع محيطنا الإقليمي وتخاطب العالم بلغة انسانية بليغة. هذه المعادلة خلقت الاستقرار السياسي وبفضلها تمكن إقليم كوردستان أن يواجه التحديات التي تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا بشكل مستمر. وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة قدمت القيادة السياسية في إقليم كوردستان وما يزال الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية السلام في تركيا وحل القضية الكوردية ، التي أخذت في السنوات الأخيرة بعداً إقليمياً  ودولياً.
السلام الداخلي في الإقليم خلق لشعب كوردستان أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ، من خلالها إستطاع أن  يكون فاعلاً وحيوياً في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد وحافظ على الوحدة الوطنية الكوردستانية.
وهنا يجب أن نشير أيضاً الی السياسة المعتدلة التي تمارسها حزب العدالة والتنمية والإصلاحات وخطة الإنفتاح الديمقراطي التي بدأه السيد رجب طيب أردوغان منذ عام ٢٠٠٩ ، التي أدت الی تحولات إجتماعية و سياسية إيجابية تجاه القضية الكوردستانية في تركيا. فالسيد أردوغان قال خلال زيارته الی آمد بأن الديمقراطية في تركيا تمر عبر القضية الكردية و تعهد بتحقيقها من خلال وضع القضية الكردية على سكة الحل السلمي ، وإدراجها في الدستور الجديد الذي يجري إعداده.
نحن نعرف بأن التوصل إلى حل تاريخي للقضية الكوردستانية في تركيا يحتاج إلى قرارات تاريخية ، وإرادة حقيقة ونية صادقة. والحوار لايرمي الی التطابق في وجهات النظر بين المختلفين ، بل يرمي الی خلق مناخ للتعايش والسلام الأهلي.
إذن فالشعار يجب أن يكون: التفكير والعمل معاً ، أو فن العيش معاً ، بحسب منطق التبادل وفلسفة التعايش والتواصل أو التعارف والتفاهم. ففي هذا الزمن المعولم لم يعد من الممكن تأجيل القضايا الكبری والمزمنة ونحن نعيش ثورات شعوب المنطقة من أجل الحرية والكرامة.
وختاماً  نقول مع الكاتب والناقد والشاعر البريطاني صمويل جونسون (١٧٠٩-١٧٨٤):
"المثابرة لا القوة ، هي التي تصنع الاعمال العظيمة."
الدکتور سامان سوراني
 



51
سيمفونيّة الوداع الأمريكية للسيد نوري المالكي والعزف المنفرد

يقال بأن جوزيف هايدن قام بتلحين سيمفونيّة الوداع (رقم 45) لسيده الأمير نيكولاوس استيرهاز إحتجاجاً على إطالة بقاء عازفي الفرقة بعيداً عن عائلاتهم بهدف ترفيهه في بيته الصيفي. يظهر الاحتجاج في الحركة الأخيرة من السيمفونيّة ، والتي تبدأ بطريقة تقليديّة لنهايات سيمفونيّات هايدن بإيقاع سريع (Presto) وبمبنى السوناتا، ومن ثم وبطريقة مفاجئة تنقطع نهاية الحركة ليبدأ قسم جديد ذو إيقاع بطيء (Adagio). ويعتبر هذا الانتقال الفجائي وتقسيم الحركة الأخيرة لقسمين، خطوة غير اعتياديّة بتاتاً في الموسيقى الكلاسيكيّة. ويتضمّن القسم الثاني فقرات صولو- يقوم كل موسيقي بعزفها، ومن ثم إطفاء الشمعة التي تضيء منصّة ورقة النوتة ويغادر. وهكذا يغادر جميع العازفين حتى يبقى هايدين، الذي يعزف الكمان في السيمفونيّة، مع عازف الكمان الأول ألُويْس لويجي توماسيني لوحدهما. حتى يفهم الأمير الرسالة، ويسمح لأعضاء الفرقة بالمغادرة إلى منازلهم في اليوم التالي.
بالرغم من ذكر هذه‌ القصة كمقدمة ، إلا أننا علی يقين كامل بأن الفرق بين النية الإنسانية لهايدن من عزفه المنفرد والنوايا الخفية للسيد نوري المالكي كبير جداً. فالأخير ذهب قبل أيام الی واشنطن حاملاً جعبة مليئة بالخطايا والذنوب لكسب الثقة والدعم الأمريكي ، متناسياً بأنه هو الذي قام بحمولاته الأيديولوجية و ثنائیاته الخلقية بهدم قدسية الوصايا التسعة لإتفا‌قية أربيل عارض بكل ما لديه من قوة وإيمان الشراكة الحقيقية والمشاركة الوطنية واستهدف معارضيه وخصومه السياسيين بآليات النفي والاستبعاد والإقصاء والإزدراء. أعماله تكشف لنا بأنه لم يتعلم من تاريخ الحكم في العراق أو من أخطاء حكام المنطقة شيئاً. السيد المالكي لم يصل بعد دورتين من الحكم الی النتيجة القائلة بأن مصدر قوة الحكومة يجب أن يكون الشعب في الداخل لا الأنوار القدسية الآتية من دول الخارج. وفيما يخص التقارب بين الولایات المتحدة الأمريكية و جمهورية إيران الإسلامية فإنه سوف لايكون لصالح تخميناتە الغير واقعية والمتعلقة ببقاءه في سدة الحكم في العراق.
العالم يتغير الآن بأفكار وآليات وفاعليات جديدة يعاد معها ترتيب العلاقة بين عناصر القوة الثلاثة: المعرفة والثروة والسلطة ، لکن ما يريد السيد المالكي صرفه في التسليح العسكري كشراء طائرات الأباتشي أو طائرات بلا طيار أو الأجهزة المخابراتية الفاشلة بحجة مواجهة ومكافحة الإرهاب هو هدر للثروات الطبيعية والإنتاج النفطي ، التي هي ملك لجميع أفراد المجتمع والتي يمكن إذا صرفت في البناء المدني والعلمي ببعد إستراتيجي وإجتماعي معاصر سوف تقود البلد الی الإستقرار والأمان. رهانه من أجل الحصول علی الدعم الأمريكي لدورة ثالثة يكون من غير جدوی ، طالما هو بعقلە الأونولوجي ومنطق الإستلاب لا يستطيع قراءة المستجدات المحلية والدولية و واقع المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق.   
إن تبني رئيس الحكومة الأساليب التفردية كمشروع في إدارة السلطة في العراق هو كإعادة عقارب الساعة الی الوراء و سعي لإعادة الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد والقائد الأسطوري المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال. 
إن عدم إلتزامه بإتفاقياته مع حلفائه في العملية السياسية وبالأخص مع التحالف الكوردستاني ، التي ساعدت علی تشكيل الحكومة العراقية ، عقؔد عملية إدارة العراق بشكل يهدد الآن وحدتهم الوطنية المشودة. ومن غير تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي ومن غير العمل علی خلق لغة مشتركة أو وسط للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و ذلك باحياء النصوص الدستورية وتنفيذ موادها وخاصة المادة ١٤٠المهملة حالياً  من قبل بغداد ، لا يمكن الخروج من عنق الزجاجة و لايمكن جعل الحياة في هذه البقعة المليئة بالخلافات المبنية علی أسس الطائفية وامبراطورية المذاهب والعقل القوموي العروبي أقل بؤساً وفقراً أو أقل توتراً وعنفاً. فإدعاءات التأله والقبض في زمن الإنفجارات التقنية والطفرات المعرفية لا تثمر شيئاً والشعارات  تحيل أخيراً الی تنانين فكرية تولد الاستبداد والفساد و تنتج التوحش والخراب. فالعزف المنفرد للسيد المالكي علی أوتار التسلح ، التي تعيد إنتاج النزاع والحروب لا يعني سوی الإعداد لتقديم سيمفونيّة الوداع والإنتخابات القادمة سوف تشهد علی مانقول. 
وختاماً: السياسة هي صناعة شريفة إذا ما أحسن أصحابها سوس البشر علی قانون مقبول أو مجمع علیه ، أو إذا ما أحسنوا تدبير شٶون المجتمع وقودهم نحو الأصلح. لكن هناك من يری فیها مجال لإنتاج القوة والهيمنة والتفاوت أو أداة لإنتهاك الحريات وغصب الحقوق وسوق البشر الی الطائفية أو ومعسكرات الإعتقال أو الی خطف الأبرياء أو البدء في الإستعداد والتجهيز لحروب بأسم الوحدة الوطنية يمكن أن يقع ضحاياها القائمون بها، كما دلؔت التجارب في العراق ماضياً وحاضراً.
الدكتور سامان سوراني





52
دكتور سامان سوراني رجل هذا الزمن وذاك التاريخ ...ثقافة فلسفية يتخللها أنتماء للأرض والحب والدار ...

الحوار دائما مع من تبحر في علم الفلسفة صعب جداً ...لأنه الضيف ..يأتي من خًلجات الحياة والفلسفة والعلم وهنا يكون خصماَ قوياَ في حلبة الحوار ...هذا هو ضيفي الدكتور الاكاديمي سامان سوراني أبن كردستان العراق ..

شيرين : دكتور سوراني درس علم الفلسفة وهذا مجال شاق وطويل ...هل تعتقدون أن المجتمع الأنساني لديه تدرجات معينة في تفسير القيم الاجتماعي ؟؟؟؟
د. سامان : لاشك أن مجتمعاتنا هي محصلة تواريخها ، لكن بداية أود أن أشير الی دور الفلسفة وأثرها العظيم في تطور حياتنا وتقدم البشرية. فلو قمنا بإستقراء الكثير من النهضات الإجتماعية والعلمية في عالمنا نجد أن الفلسفة قد قامت بجانب قيامها بتفسير الحقائق وتعليلها بدور التوجيه المستنير الذي ساعده على النهوض والتقدم في الأسرة الإنسانية وسارت جنباً الى جنب مع الحضارة الإنسانية تضيء لها الطريق وترسم الأهداف والخطوط .
المجتمع الإنساني يتكوّن من عدد من الأنساق كالنسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الديني... ولكلّ نسق احتياجاته الضرورية التي يجب إشباعها وإلّا فإنّە سوف يفنى أو يتغيّر تغيّراً جوهرياً. يختلف مدلول كلمة قيمة لدى الناس باختلاف استخدامها وحسب استخدامهم لها. فالفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم ، وهو أحد مٶسسي علم الإجتماع الحديث ، يؤكّد على أنّ القيم تماثل كلّ الظواهر الإنسانية ، فهي في نظره من صنع المجتمع وتصدرعن إتفاق إجتماعي ، لذا فهي تتميّز بالعمومية والجبرية ، ولها قوة الإلزام.
الفلسفة الماركسية إعتبرت القيم والأخلاق السائدة في المجتمع إنعكاساً لقيم وأخلاقيات الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع ، علی إعتبار أن طابع العلاقات الاجتماعية يحدّد مضمون القيم والأخلاق. وهناك إتّجاه فينومينولوجي أسسه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل يؤكّد على أنّ القيم عبارة عن معاني أو مقاصد توجد في عقول الأفراد ، يتمّ إدراكها من خلال الوعي وعن طريق الخبرة بالعالم. والوعي كما نعلم لايوجد في رأس الفرد "الفاعل" بل أيضاً في العلاقات بين الفاعل والأشياء في العالم.
شيرين : هل تعتقدون أن الدولة الكوردستانية باتت ضرورة من ضرورات المجتمع الدولي ولماذا؟؟؟؟؟
د . سامان : إذا كان القصد من "المجتمع الدولي" الدول ذات النفوذ الدولي ، تختار المشاركة في المناقشات العالمية وصنع القرار العالمي ، نعم. فالبعض يری بأن المجتمع الدولي لا وجود له وآخرون يرون في هذا المصطلح إشارة الی جميع الدول عندما تقرر العمل معاً. في السابق كانت الدول ذات السيادة حريصة على تنظيم علاقاتها ، من إنهاء الحروب وترسيم الحدود إلى إنشاء الامتيازات الدبلوماسية وإدارة التجارة ، من خلال المعاهدات. اليوم نری بأن موازين العلاقات والسياسات قد تغيرت. فبعد سيادة سياسة توازن القوی و ظهور الواقعية الجديدة نری لزاماً علی الدولة المستقبلية أن تستوفي مطلبين: إستخدام الجهود الداخلية لزيادة القدرات الاقتصادية وتطوير الاستراتيجيات الذكية وزيادة القوة العسكرية من جهة و إتخاذ تدابير خارجية لزيادة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات مع دول أخرى. المسألة الكوردستانية أصبحت مطروحة علی المشهد السیاسي والاجتماعي لا فقط في المنطقة بل في جغرافية أوسع. التحولات والتغيرات السياسية والإقتصادية وبالأخص بعد سقوط نظام الدكتاتوري في العراق والتغیرات الاجتماعیة والاقتصادیة في ترکیا، ساهمت في فتح الباب امام الحرکة القومیة الکوردستانية کي تجد أمامها فرصة للاندماج في المعادلات السیاسیة والعلاقات الاقتصادیة في المنطقة. صحيح بأن هدف شعب كوردستان ليس الفدرالية بل الحق في تقرير مصير، الذي هو حق تاريخي لا يمكن نكرانه. ومن حق شعب كوردستان بعد العيش في ثورات معرفية و اكتشاف قيمة الحرية والكرامة أن يسعی في رسم مسارات الحياة الشخصية والقومية ، مدركاً بالإنتماء الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته. إن العمل علی اجهاض قيام الدولة الكوردستانية في عصر تتعولم فيه العلاقات بين البشر و تقوم علی الإعتماد المتبادل لا يخدم فكرة التعايش السلمي وقيم التعارف بين الشعوب بل يفقر تقوية الأواصر بين الأمم. الاستقلال هو الهدف المطلوب الذي ترجو الشعوب تحقيقه وهي تمارس الحق في تقرير المصير، الذي يعتبر حقاً مشروعاً كرسته وأقرته كل أحكام ومبادئ القانون الدولي العام المعاصر.

شيرين : نعيش اليوم وسط توترات سياسية مهولة الا تثير هذة التقلبات شكوكاً على الاقل لدى المفكريين أن أحداث اليوم مكملة لسيناريو الأمس؟؟؟؟
سامان : برأيى أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداث التاريخ قد تتشابه. صحيح بأننا في وضعية وجودية تضع الإنسان أمام مأزقه ، ذلك ان إنسانيتنا التي ندافع عنها تولؔد ما نشكو منه ، أي البربرية بالذات ، إذا أردنا أن نری الی وجهنا الآخر الذي نحاول إخفاوءه والتستؔر علیە والعقل السائد ، بأشكاله اللاهوتية المقنعة أو بأنماطه الناسوتية السافرة، قد أمسی لا يعقل وأن العقلانيات بدأت تفقد مصداقيتها في مقاومة العوامل التي تولؔد الفوضی والفساد و الرعب والدمار ، أو تبدوا عاجزة عن مكافحة المرض والفقر والجهل و الحد من آليات الإستبداد و أعمال العنف ، لكن مع هذا أری أن بوسع المستبعد والمهمش والأقل حظاً أن يجري تحويلات علی ذاته و واقعه بالإنتاج والإبتكار بحيث يصنع إمكانا أو يخلق وقائع تتيح له تغيير ظرفه أو تغيير واقعه ، بقدر ما تتيح لە ممارسة فاعلیته و أثره. 
شيرين : هل نعتبر أحداث العراق والشرق الاوسط الجديد هي نتائج للاسلام السياسي؟؟؟
سامان : إن مايحدث في العراق والشرق الأوسط الجديد هي نتاج عدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف. وطالما لا وجود لأرضية التدرؔب علی عقل جديد يتجاوز الفكر الآحادي والعقل الماورائي تبقی الهوية أزمة غير قادرة علی صياغة روابط واضحة وثابتة أو المحافظة علی العلاقات البينية الإجتماعية ، بمعنی آخر ، تنعدم الثقة و تعلوا ظاهرة التخّوين والتكّفير و تبقی بنية المجتمع الشرق الأوسطي كما هي غير مبنية بالطريق الصحيح لا يسمح له بسبب وجوده في منطقة غير مستقرة سياسياً ببناء قواعد إجتماعية ثابتة و متماسكة. أن فرض الهوية الواحدة "المقدسة" عن طريق القوة سيكون دوماً مآله نفور الأقليات الدينية والقومية من هذه الهوية ، لأنها لم تأخذ بالاعتبار الحقوق الثقافية والدينية لباقي أطياف المجتمع. أما فيما يخص الإرهاب الوحشي الذي يستفحل يوما بعد يوم ، فهو ترجمة للمبادیء الوحدانية والنصوص المقدسة والعقلية الإصطفائیة والمشاريع الدينية الشمولية ، كالحاكمية الإلهية أو الحکومة الإسلامية أو الدعوة الی أسلمة الحياة والثقافة.
شيرين : متى تتحول الثورات من حديث وحق وحقوق الى دم ونزاع وهتك أوطان
سامان : هناك مثل فرنسي يقول " من السهل ان تبتدئ الثورات ولكن من الصعب ان تنهيها بسلام ". من الواضح بأن العمل على وتر الاستقطاب الطائفي والمذهبي والفكري يحول الحراك الشعبي الذي يحمل في برنامجه وطياته مطالب ديمقراطية شعبية مشروعة وتقف من وراءها الاكثرية الساحقة من الشعب بغض النظر عن المذهب او الطائفة او الدين الی دم ونزاع وهتك للأوطان.

شيرين : هل نعتبر التصوف حالة أجتماعية ام سياسية دخيلة على المجتمع العربي الاسلامي
سامان :  لاريب في أن التصوف نتاج مشرقي لايخلو من الغاية وغايته دائماً روحية ،  أصلە هو العكوف علی العبادة والإنقطاع الی الملأ الأعلی والاتصال به و الفناء فيه والإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها. فهو أيضاً فلسفة الإسلام الدينية ، والباحثين في التصوف عرؔفوه بإدراك الحقائق الإلهية. والتصوف شاع قبل الإسلام في الأديان والأمم كلها ، في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية ، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون والعرب والعجم، بل وحتی بعض الأمم الفطرية. التصوف الاسلامي ظهر ونما بصورة متداخلة و متوازية مع سائر فروع الثقافية كالفقه والكلام والفلسفة والعلوم ، لايجوز أن يٶخذ كنقيض للعلوم العقلية أو الفلسفة النظرية ، بل هو يتمفصل معها ضمن مجال معرفي واحد. فلو بحثنا التصوف عن كثب نری أنه كان في القرن الثالث الهجري علماً مستقلاً عن العلوم الأخری من فقه وحديث وكلام. والصوفية في أصلها رياضة نفسية تخلق في الإنسان إرادة فعالة وتخلق للمجموع المتصوف شخصية ثابتة. وهي ترمي الی إثبات الناحية الإجتماعية في وجه القوی الإجتماعية والطبيعية أحياناً، لذا يمكن أعتبارها ناحية جليلة من نواحي علم النفس. 

شيرين ..دكتور سوراني أيهما يغير الاخر الذات ...أم الحياة هي من تغير الذات وكيف ؟؟؟؟

سامان : من يريد أن يتغير و يساهم في التغيير ، علیه أن یعترف ، بأن الأزمة ليس مصدرها الغير ، بل الذات والفكر. والفرد كفاعل إجتماعي يعتمدعلی تشغيل قواه الذهنية وإستثمار طاقته الإبداعية ويفكر ويتصرف بصفته مسٶولاً عن نفسه أو صانعاً لحياته ، من غير وصاية نبوية أو وكالة نخبوية أو سيطرة بيروقراطية يستطيع أن يغير. إنني أوافق الرأي القائل بأن المجتمع لا يغيره الساسة والمثقفون وحدهم ، بل يغيره كل المنخرطين فيه ، علی هذا الوجه أو ذاك، سلباً أو إيجاباً ، تخلفاً أو تنمية ، خراباً أو عمراناً. هناك أكاديمات علم النفس تقوم بإعداد خطوات ذاتية لتغيير نمط الحياة والعيش بسعادة.   
شيرين : دكتور سامان كلنا يعلم أن القوانين البشرية هي تجليات من قانون الاله الواحد واعني هي أنحدار ...لماذا نجد هناك تغالطات في تفسير هذة القوانين الالهية من البشر ؟؟؟؟
د سامان :  إن الإدعاءات المثالية والتبجحات المتعالية والمزاعم الإلهية والغطرسة الحضارية والعربدة التقنية في غير مكان كلها نابعة من عدم مسألتنا لمفهوم الإنسان. الإنسان بالوكالة عن الله ، صاحب الدور النبوي يفسر القوانية الإلهية كيفما يشاء ، يبيح لنفسه كل شيء بقدر ما يعتبر نفسه غاية كل شيء. وهكذا نجعل علاقتنا بالحقيقة تقوم علی الحجب والتعتيم بقدر ما نجعل علاقتنا بالعدالة تبی علی الفحشاء والفساد ، أما علاقتنا بالحرية فتقوم علی المفاضلة والإستبعاد بقدر ما نجعل علاقتنا بالعقل تٶول الی كل هذا العبث والجنون والهلاك والخراب. إن الإعتراف بدونیتنا علی المستوی الوجودي هو أساس للأعتراف بحقوق بعضنا البعض علی الصعد السياسية والمجتمعية والثقافية أو حتی المعرفية.

شيرين : مرحلة التفكير هي العبور الى الذات مع خرق المعقول والغير معقول ..من المسؤول عن هذه المرحلة العقل أم القلب ؟؟؟؟
د. سوراني : هناك من يقول بأن الخيال والبداهة قد خلقا قبل أن يخلق العقل ،لكن الذي أعرفه عن الفيلسوف هو تحريه للحقائق المستورة عند الأكثرية بنظره النافذ ليكشف أسرار الطبيعة و يستفيد من قوانينها ويفيد غيره. عندما أعلن داروين نظريته في النشوء والإرتقاء وأهتدی بعقله الی مذهبه الذي الهب الأفكار وأحدث فيها ثورة و إنقلاباً وذكر أصلنا الحيواني خالفه أهله ومقتوە وعادوه ، لأنه خالف عواطفهم. ولكن في النهاية كان هو الفيلسوف ومعارضوە بقوا ذوي عواطف لاغير. أنا لا ألغي ماهو فطري في الإنسان ، لكنني لاأعطيهما تلك القيمة في كشف الحقائق. فلو كانت العاطفة أو القلب هي التي دفعت الحياة الی خلق الحواس ، فمن ذا الذي خلق العاطفة؟ 

شيرين:.الطريقة النقشبندية هل نعتبرها أعلى مراحل التصوف الديني ؟؟؟؟؟

د. سوراني : هناك طرق متعددة في التصوف والنقشبندية طريقة بين هذه الطرق لايمكن وصفها بمرحلة. فمن المعلوم بأن الزهد الإسلامي الذي كان مزدهراً في القرن الأول الهجري قد تحول شيئاً فشيئاً الی مدرسة لها قواعدها ونظمها وأسسها التي يفرضها الشيوخ علی السالكين. وسرعان ماعرف العالم الإسلامي أنواعاً متعددة من الطرق الصوفية ، فمنهم من التزم بالكتاب والسنة و منهم من تفلسف و نادی بنظريات وحدة الوجود ، (أي القول بأن هذا العالم المختلف في الأشكال ليس سوی مظهر من مظاهر متعددة لحقيقة واحدة هي الوجود الالهي) والحلول (أي نزول اله في شخص من الاشخاص) والاتحاد (أي شيوع الالوهية في العالم كله) والشطحيات وذلك في القرنين السادس والسابع الهجريين. أما لفظة الطريقة فهي تطلق علی مجموعة أفراد من الصوفية ينتسبون الی شيخ معين ويخضعون لنظام دقيق في السلوك الروحي. الأسماء تختلف بإختلاف أسماء مٶسسيها والخلافات التي كانت ولاتزال بين الطرق تنحصر في الرسوم العملية فقط.

شيرين : حرية الفرد في العالم العربي لم تكن متاحة كماهي اليوم قبل قرن من الزمن ...لحقتها حرية العلم والمعرفة هل تمكن الأنسان العربي الخروج من بودقة الغفلة العلمية والجهل؟؟؟

د. سامان : مفهوم الحرية هو من إبتكار المحدثين وإن كانت هذه المفردة ترد في الخطابات والمٶلفات قبل الأزمنة الحديثة ، فالمفكر السياسي المحدث اسبینوزا يقرر، أنه كلما زاد قدر مايتمتع به الأفراد في الدولة من حرية و مساواة ، زاد حظ الدولة نفسها من الاتحاد والقوة. هذا الإتحاد وهذه القوة لا نراه في الدول العربية. أما مشكلة الحرية هي مشكلة الوجود الإنساني بأسره. نحن نحيا في عالم ملیء بالعوائق ، ولابد للحرية من أن تصطدم بالعائق حتی تستحيل الی قيمة. والحرية هي كسب لابد لنا من أن نعمل علی إحرازه والكالم هو شكل من أشكال التعبير عن الحرية، بقدر ماهو نمط من أنماط الفعل والتأثير في المجريات ،علی مستوی من المستويات. الإنسان لايتمكن أن يخرج من بودقة الغفلة العلمية والجهل إذا لم يعمل علی تفكيك آليات عجزه ، لتغيير قواعد اللعبة بتشكيل عوالم ومجالات أو فبتكار أساليب ولغات أو إختراع وسائل وأدوات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع وإمتلاك الوقائع ، هكذا يستطيع أن يمارس حريته. حرية الفرد يعني إستقلالية الشخص النسبية تجاه الأطر والقواعد والقيود الخلقية والاجتماعية والسياسية ،كيف هذا والعالم العربي يعيش الی الآن في فضاء الجبرية اللاهوتية.

شيرين : هل نحمل غياب الديمقراطية في المجتمعات العربية على عاتق الشعوب أم السلطات ؟؟؟
د. سامان : الديمقراطية لاتولد من العدم ، بل هي عملية وصيرورة تراكمية ، تنمو مع الزمن و عبر النضال الدٶوب للمجتمعات. النهضة والتنوير ضرورية لخلق الفضاءات الديمقراطية. وهذا المطلب الإنساني بحاجة الی بنية تحتية كخطوة أولی لتسد وتشبع الإحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع. نحن نعيش اليوم في قرية كونية صغيرة ، هناك ترابط وتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها ، وهذا بدوره يساعد في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي للوقوف ضد الأنظمة المستبدة التي لاتحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير والتطلع الی حياة أفضل. نحن نعرف بأن التطور هو سنة الحياة والديمقراطية تنمو عبر نضال الشعوب من أجل التخلص من القيم التقليدية الموروثة ، التي تبقی كحجر عثرة أمام التطور والتغيير. الأنظمة الجمهورية والملكية في البدان العربية مازالت أبوية المشرب ومطلقة في سلطاتها. أما "وعاظ السلاطين" كما تم تسمیتهم من قبل عالم الإجتماع الكبير علي الوردي فهٶلاء يوجهون المجتمع العربي- الإسلامي كما يشاؤون ، ووفق ما يريد منهم الحكام المستبدون. إذن مسألة غياب الديمقراطية هي مسألة جدلية بحتة وللإسلام السياسي و رفع شعار "الإسلام هو الحل" دور في إعاقة حتمية الديمقراطية. أما منظمات المجتمع المدني ، التي يجب أن تلعب خارج هيمنة السلطة دور الوسيط بين السلطة والشعب بعيدة عن العمل كشبكات تجسس علی الشعب فهي ضعيفة الی حد العدم ، لاتقوم بواجباتها الفعلية لدفع عجلة الديمقراطية نحو الأمام.     

شيرين : الانتماء للوطن والارض من يزرع بذرتها ؟؟؟؟
د. سامان : لامراء أن مسألة الإنتماء للوطن من أهم القيم الواجب غرسها من قبل المٶسسات التربوية في نفوس الناشئة والضروري تنمیتها لدی الطلاب. طبعاً هناك علاقة جدلية حميمة بين المواطن ووطنه ، لكن للأسرة دور مهم في غرس قيم الإنتماء للوطن ، بحكم أن كلاًّ منا يولد ويعيش ويتربى داخل الأسرة أولاً وأخيراً، بل ويتعلم ويتشرب كثيراً من القيم والعادات والسلوكيات من داخل الأسرة. في عالمنا اليوم تلعب وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة دور مٶثر ومهم في عملية التنشئة الإجتماعية وخاصة نحن نعيش عالم الأقمار الصناعية والشبكات العنكبوتية ، والحاسبات الآلية ، ووسائل الاتصال المختلفة كالجوَّالات وغيرها. فللإذاعة والتلفزيون والإنترنت وصحافة الفضائيات تأثير قوي في صناعة الفرد ، بل هي الموجِّه الأول لفكر الفرد. وبالتأكيد إذا سارت العلاقة الجدلية بين المواطن والوطن علی مسار حيوي و صحيح فإن المواطن سوف يكون مستعدا للدفاع عن وطنه مهما كانت مشاربه و توجهاته الفكرية والثقافية والسياسية. علی الإنسان أن ينتمي أولا لنفسه من خلال سعيه ليكون الأفضل وذلك بتنمية مهاراته وقدراتە وبعدها يسعی الی إثبات نجاحه و تفوقه. لأن النجاح والتفوق هما وسيلة من وسائل التواصل مع الغير. وعن طريق الإنتماء الی الاسرة تولد الإحساس بالمسٶولية الجماعية وهكذا تتدرج هذا الإنتماء تصاعديآ من خلال المدرسة والجامعة أو حيز العمل الی  أن يصل الی الإنتماء للوطن. 

شيرين : في فترة الاحتلال الأميركي للعراق ظهرت جماعة صوفية مقاتلة انخرطت في العمل المقاوم للوجود الأميركي عبر كيان سمى نفسه جيش رجال الطريقة النقشبندية.... هل نعتبر هؤلاء  متطرفين على النقشبندية الحقيقة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
د. سامان: بما أن للطريقة النقشبندية كغيرها من الطرق الصوفية أتباع من جنسيات و قومیات متعددة ، فأنه من الطبيعي أن تكون بعض من أتباعها عرب عراقيين. بعضهم قاموا بأدلجة الطريقة و إستغلوها لإقامة علاقات سياسية وتجارية أو تأسيس حركات إرهابية كـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" التي لاتربطها شيء بالصوفية ولا بشيوخ الطريقة النقشبدية. هذه الحركة الإرهابية تهدف أساساً الی إعادة حزب البعث المقبور الى الحكم أو تأسيس نظام اسلامي أشبه بنظام طالبان في أفغانستان بعد أن أفلست أيديولجية حزب البعث القومية. من صفات المتصوف أن يتخلص من عقدة الامتلاك لكي يحرر نفسه الأمارة بالسوء وتزكيتها بالعمل الصالح ، وهل يمكن إعتبار قتل الأبرياء من قبل هٶلاء المتطرفين عمل صالح؟ من يمارس التقديس لمطلق من المطلقات فهو لايحسن سوی إنتهاكه علی أرض الواقع البشري المنسوج من الأهواء والمطامع أو من الوساوس والهواجس. بصراحة أنا لا أری وجود للصوفية من دون محبة والمحبة هي أصل الموجودات.

شيرين : أي حديث لانمر به على العراق هو حديث ناقص لانه الوضع فرض نفسه علينا هل نعتبر العراق مجتمع تعرجات سياسية هشة

سامان : في العراق لا وجود لمجتمع سياسي واحد. سٶالنا هو ، ما الذي يجمع بين الجماعات الاجتماعية أو المجتمعات المحلية في العراق؟ هل قامت الحكومات التي تعاقبت السلطة في العراق والی الآن بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها. هل الغيت مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما؟ هل سعت الحكومات العراقية في يوم من الأيام بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع؟ الإنقسام المجتمعي موجود طبعا. أما حقوق المواطنة فهي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين وحقوق سـياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشٶون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لكن المواطنة في مجتمع العراق كانت ومن وجهة نظر الحكام في أنظمة الحكم المتعاقبة للدولة الراحلة ، صفة للجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء الحكام. وحتی الملك غازي تطرف في ميوله الإثنية العربية علی حساب الكورد ، لذا أنا أعتبر السٶال المطروح من قبل حضرتك واقعي. 
شيرين :..هل نعتبر الفكر الحر الاهوج هو نتاج لناتج في المعترك العراقي ..ولماذا

د. سامان : الفكر الحر أو التفكير الحر هي وجهة نظر فلسفية ترى أن الأراء ينبغي أن تشكل على أساس العلم، المنطق والعقل ولاينبغي لها أن تتأثر بسلطة أو عادات أو أي من أشكال الدوغما. لكن الذي نراه في العراق هو عدم وجود مراكز علمية للأبحاث والتخطيط الاستراتيجي ومن غير تلك المراكز لايمكن أن تكون هناك تطور معرفي أو تنموي أو نهضوي. بالتأكيد تكون وظيفة هذە مؤسسات العمل علی إعداد دراسات وبحوث موجهة لصانعي القرار، والتي تتضمن توجيهات أو توصيات معينة حول القضايا المحلية والدولية، بهدف ترشيد أو عقلنة القرار السياسي للمسئولين وصناع القرار وتمكين صانعي القرار والمواطنين لصياغة سياسات حول قضايا السياسة العامة. أما احتكار صنع القرار السياسي والأمني من قبل شخص واحد وضرب مبدأ الشراكة عرض الحائط دون الإهتمام بنظام فصل السلطات يجعل من الشراكة حديث خرافة ومن العراق ساحة مفتوحة أو أرض مستابحة للنزوات الاستبدادية و الخطط الجهنمية.
 
شيرين: من لايتفوق على معلمه يكون تلميذ فاشل مقولة دافنشي ...من هو معلم سامان سوراني

د. سامان: من منا ليس له في هذه الحياة مُعلم، يستفيد منه ويتعلم من تجاربه وأفكاره؟ من منا لا يحيا بدون مَثَل، يستوحي منه القيمة ويستلهم منه المنهج الذي يطبقه في عالم الحياة؟
للفيلسوف الوجودي الألماني بيتر فوست رأي حول الإنسان فهو يقول : "الإنسان هو الموجود المتوسط الذي يتراوح وجوده بين الحياة (Bios)  والعقل (Logos) ، أنه لايجد الإشباع التام في الحياة ، ولكنه لايجد الراحة النهائية في العقل." هناك الكثيرون ممن أعتبرهم قدوة ومنار للفكر والإنسانية أمثال فيثاغورس الذي حدد معنی الفلسفة لأول مرة و سقراط الذي قام بدراسة الإنسان وله القول المأثور "أيها لاإنسان: أعرف نفسك" و اسبينوزا و ديكارت الذي مارس قواعد المنهج والشك والقائل: "أنا أفكر فأنا إذن موجود" و كيركجارد الذي ربط الفكر بالوجود و يسبرز الذي اهتم بالتأمل الفلسفي واصطدم بجدران "اللامعقول" وماركوس آوريليوس وباسكال و هيجل و نيتشه و سارتر وكامو و جاكومو ليوباردي وفيتجنشتاين ومن الفنانين العظام أمثال دوناتيلو و ميكيل انجلو و روبنس و ريناتو كاسارو و فان كوخ و سيزان و كليمت و مودلياني ماکس بكمان و اوتو دكس وغيرهم ، لكنني وقعت وأنا شاب يانع تحت تأثير الآراء الإنسانية لفلاح كوردي بسيط ، أراه معلماً لي  والذي كان يردد دوماً القول: "لن تكون إنساناً ، اللهم إلا إذا عرفت كيف تقضي كل يوم من أيام حياتك في اجتلاء جمال الطبيعة والبحث عن الحقيقة والمضي قدماً في طريق الخير و السعي نحو الکمال."

شيرين : كيف يصف دكتور سوراني القائد المستبد هل هناك معايير له ...؟؟؟

د. سامان : يقول الفيلسوف جون لوك بأن الطغيان يبدأ عندما تنتهي سلطة القانون. والقائد المستبد أو الطاغي يقترب دوماً من "التأليه"، يرهب الناس بالتعالي والتعاظم ويسعی في توحد الدولة في شخصه، معتبراً نفسه مصدر الإلهام ، يذل شعبە بالقهر وبالقوة ويسلب أموالهم. فهو لا يعترف بقانون أو دستور للبلاد ، إرادته هي القانون والدستور وما يقوله واجب التنفيذ وما على الناس الا السمع والطاعة. يقوم بتسخير وسائل الإعلام من اجل الإثارة والترغيب والترهيب وتطويع وتخدير الجماهير لإرادته. القائد المستبد يمكن تصنيفه من الناحية النفسية والإجتماعية بكل بساطة بشخصية بارانوية ملوثة بسمات نرجسية وسيكوباتية المستهينة بالمجتمع. لايعرف الإخلاص ولا الصداقة ، فهو دائماً شديد الحسد، شديد الغيرة، لا يطيق أن ينافسه أو يطاوله أحد. وهو يبالغ كثيراً في تقدير ذاته ويسخر كل شئ لتضخيم ذاته وقدراته ولديه شعور بالعظمة والأهمية والتفرد، وفي المقابل يحط كثيراً من قيمة الآخرين ويسفههم ويميل إلى لومهم وإلصاق الدوافع الشريرة بهم.

شيرين : هل من الممكن ان تحكم التعددية المجتمع الصامت الثائر؟؟
د. سامان: انّ فلسفة التعددية هو التنوع، وانّ جوهرها هو التميز عن بعض، ولو تشابهت لانتفت الحاجة للتعددية من الأساس. ما فائدة التعددية الحزبية إذا تشابهت أهداف كل الأحزاب وأدواتها ووسائلها؟ و التكاملية في المجتمع لا يخلقها التطابق. فسيادة قوانين غيرعادلة او سواد افكار سلطوية وشمولية حاكمة تفضل جزء من مكونات شعوبها على الآخر وتلغي وجود الآخر لايمكن أن تزرع بذور التعددية. إن تشجيع الحوار المجتمعي أمر ضروري لإتاحة الفرصة أمام القاعدة الشعبية للتعبيرعن نفسها وبلورة أمثلة لعملية التشاور ، يقوم المجتمع المدني من خلالها بمساعدة القادة والمسئولين على التعرف على ما يجب القيام به ، لضمان التأثير على عملية الإصلاح وتطوير السياسة العامة. الأحادية في التفكير والعمل تحت شعار أوحد ، هي بمثابة أفخاخ تلغم الحريات وتخنق التعددية و تٶول الی عسكرة المجتمعات والسلطات وتختزل الواقع.   
 
شيرين: أقرء لي سياسيا تميز اقليم كردستان وطفرته الحضارية ..
د. سامان : لقد عانى شعب كوردستان من الحکومات العراقية المتعاقبة في السابق الكثير من المآسي المتلاحقة، وكان أبرزها ضرب قوات المقبور صدام حسين لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية عام 1988 مخلفاً ما بين 5 إلى 10 آلاف قتيل. أما "حملة الأنفال" (1986-1989) السيئة الصيت ، التي قام بها المجرم علي حسن المجيد، والشهير باسم "علي الكيماوي" ضد شعب کوردستان مستخدما الأسلحة الكيماوية ضد الكورد، مزيلا أكثر من 4 آلاف قرية كردية من على الخارطة ، إذ يقدر عدد ضحايا هذه الحملة بنحو 185 ألف شخص ، فهو مثال آخر لسياسة التمييز العنصري للحكومات المركزية العراقية ضد أهل كوردستان.
لكننا ومنذ عام1991 ، أي بعد بعد إبعاد نظام البعث من بعض المناطق الكوردستانية شاهدنا تطور تدريجي في الإقليم بالشكل الذي اصبح فيه الإقليم اليوم قبلة لكل ابناء العراق والمنطقة في سياحتهم اليه بكمال الحرية واقامتهم فيه. هناك إستقرار أمني و تطور إقتصادي و سعي من قبل حكومة الإقليم المنتخب بشكل شرعي في إفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية. لقد تبلورت الهوية الكوردستانية و تحولت اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية والفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمٶمنة بالمساوات الجندرية من جانب و من جانب آخر الثورة الإعلامية الجديدة بكافة قنواتها التقنية. هذه الطفرة الحضارية تغضب بالتأكيد الاعداء وتسر الاصدقاء. من الواضح بأن الإقليم واجه أزمات سياسية و إجتماعية في علاقته مع دول الجوار علی مدار الأثنين والعشرين سنة الماضية ، إلا أنه تمكن من الاستمرار وتدعيم سيادته، ومن ثم يمكن القول أن استراتيجية الكورد للبقاء كانت ناجحة. فقد ركزت السياسة الخارجية للإقليم على تحقيق بعض أهدافه بالإعتماد علی الدبلوماسية الاقتصادية وتطوير أجندة قوية لتحقيق الأمن القومي و فتح باب الإقليم أمام المستثمرين والاستفادة من وفرة مواردها الطبيعية واستخدامها كأداة دبلوماسية لممارسة النفوذ على جيرانها، والذين كانوا معادين للإقليم. لقد تمكن الإقليم بحكم سياستها الذكية القضاء علی مشكلة التطرف الإسلامي و قام بدمج القوی الإسلامية المعتدلة في النظام السياسي للإقليم. هذه بعض من النقاط التي يمكن أن نأخذها بعين الإعتبار إذا ما أردنا أن نميز طفرة الإقليم سياسا.   

شيرين :: المجهر السياسي  السوري  هل نعتبر دمشق عين الشرق فيه وأين نضع الموقف كردستان من محنة الشام

د. سامان : إذا كنت تقصدين بالشرق المحاور الثلاثة إيران  و روسيا والصين ، فهذا أمر لايقبل الجدل ، فلهذه الدول مصالح إستراتيجية في سوريا و بالأخص لإيران. موقف إقليم كوردستان من التطورات السياسية في سوريا واضح وجليؔ. صحيح بأن الكورد يهدفون الی تأسيس خطاب قومي موحد وترتيب بيتهم بعد أن تمكنوا بفضل الهزة التي تعرضت لها دولة سوريا منذ بداية ٢٠١١ ولأول مرة في تاريخهم من طرح أنفسهم في الخارطة السياسية في سورية.، لكن حكومة الإقليم تأمل في  بناء دولة ديمقراطية تعددية تضمن حقوق الشعب الكردي وجميع المكونات الأخرى في سوريا.

شيرين : الاقصاء السياسي في العملية السياسية لاي دولة هل من الممكن ان يهز اكبر تاريخ لتلك الدولة كالعراق؟
د. سامان : إن أخطر ما يتضمنه إقصاء الآخر هو إنبثاق العبودية وإنمحاء الحرية. وهذا يكشف نظام شمولي يطمس كل إنفتاح للذات تجاه العالم. بمعنی آخر ، إن ثقافة الإقصاء يعني عدم رؤية الآخر وعدم تقدير مواقفه وآرائه أو التعامل معه وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله ، هذە السياسة التي مورست من قبل نظام البعث بمنطق حصري ضدي عنصري عدواني إرهابي لعقود طويلة جلب معها الكوارث والآفات والمحن المعنوية والمجازر البشرية. إنه عين السخرية عندما نشاهد في العراق محاولة من قبل الحكومة في تأثيث المشهد السياسي الشمولي بديكور "حداثي" و "ديمقراطي" يغلف علاقات القمع والإقصاء السياسيؔيْن ، ويسبغ بعض أردية الشرعية علی نظام سياسي يفتقر الی أية شرعية. النرجسية المدمرة والاستقواء بالخارج فى مواجهة الداخل خطأ جسيم وإذا استمرت الحکومة الحالية علی السياسة القديمة ، فبالتأكيد سوف يكون تاريخ العراق قراءة الماضي علی قبر كلمات مطوية.

شيرين : دكتور سامان لنترك ضفاف السياسية ونخترق براكين المرأة والحياة لكن بنسمة هادئة الا وهي الجنس ..
  الا تعتقد أن الجنس هو الوسيلة لتحقيق الحياة ...؟؟؟
د. سامان : من المعلوم بأن الحياة تتولد وتتحقق في الوصال الجنسي الذي يتم بين الرجل والمرأة على نحو حبٍّ ومحبة. يهدف كلُّ دافع إلى تحقيق غاية والجنس في الإنسان تعبيرعن فعل الكيان ككل ، يتأثر في الإنسان بعوامل نفسية واجتماعية. الجنس محبة ، فهي الصلة بين قطبي الحياة لتوليد الحياة أو للتعبير عنها ، بها يدرك الإنسان بعده اللامتناهي أو الإلهي. الجنس الإنساني يتكون من عواطف ومشاعر وأفكار ومُثُل وتصورات ، فهو فريد من نوعه ، ذلك لأنه يتجاوز الحاجة البيولوجية ، بواسطته تلتحم أجزاء الكون وتأتلف وتتناغم. بنظري الجنس هو لقاء مع الآخر و تعبيرعن الكيان الواحد و تحقيق للحياة من خلال قطبي الحياة: الرجل والمرأة.
شيرين : أختلفت الاراء الى تفسير عملية الجنس بين الفلاسفة لبني الانسان انتم درستم الفلسفة هل تجدون هناك تفسير معين لوصول البشر للذروة الجنسية؟ الكثير يفسرها على انها شهوة وتنقضي والبعض يفسرها وخصوصا عند العرب على انه شىء مخجل ...أنا ارها هي مرحلة انتقال الى عالم الروح ...فلسفيا كيف وجد د. سامان سوراني هذا المنحى الفلسفي؟

د. سامان: لاجدال في أن الجنس هو أهم شيء في حياتنا ، لكننا عندما نفتح لە الباب علی مصراعيه فسيأتي علی الفحوی والمغزی العميق لوجودنا. وبالمقابل فإننا عندما نضيق الخناق علیه أو نثقله بتصورات الخطیئة والرذيلة فسنشوهه و سنفقد نحن أشياء جميلة ومجيدة، بمعنی آخر، ينبغي للجنس أن ينتظم في مجمل علاقاتنا. الحب والإنسجام هما حصيلة الإحترام المتبادل والمساعدة القائمة في كل نواحي الحياة. بالتأكيد كلما ارتفعت درجة التطور للكائن الحي أصبح كل من الحياة الجنسية والتجاذب بين الجنسين مرتبطا بالإيحائات العصبية. القواعد أو المعايير الأخلاقية لم تكن في يوم من الأيام قانوناً أبدياً وإنما كانت دوماً مختلفة و متغيرة ، لقد وجدت لخدمة مصالح فئات المجتمع المختلفة. الوصال الناجح أو ما تسمینه أنت بمرحلة الإنتقال الی عالم الروح يكسب المرأة سعادة طويلة الاجل ، لذا نجدها راضية حتی وإن أخفقت في مرات لاحقة في بلوغ قمة النشوة أو الذروة الجنسية. أما الشراكة الجنسية فهي في نظري ليست هدية وأنما وظيفة مستمرة  وحلها يتعلق بالتربية وبالمجتمع وبالتالي وقبل كل شيء بالناس الذين يريدون أن يتعايشوا مع بعضهم بعضاً سعداء.

شيرين : ماالفرق بين المحبة والحب من خلال قراءاتي للكثير من الكتب وجدت ان الفرق شاسع بين الاثنين وكبير فلسفيا مثلا الحب يجرنا للشهوة لكن المحبة تردعنا بوجود الله والشريعة واحترام الاخر كيف تجده حضرتكم؟
د. سامان : لو أننا فهمنا الحب علی أنه اهتمام بحياة الآخرين وشعور بأننا جزء من كلؔ وإسهام بنصيبنا من أجل رفاهية البشرية ، لكان في وسعنا القول ، إن الحب هو المعنی الحقيقي للوجود البشري بأسره. الإنسانية في حاجة الی الحب ،لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مٶسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي الفرد أدلر ذات مرة. صحيح بأنه في الحب أو الايروس شيء من المحبة لأنه وجهها المادي ، لكنه مع ذلك يشير إلى التجاذب ، إلى الحنين والتوق التلقائي الذي يخلو من الوعي. الحب الحقيقي هو تلك العلاقة الثنائية التي لايستأثر فيها أحد الطرفية بمركز الثقل ، بل يعد كل منهما نفسه مجرد جزء من كلؔ. هنا يمكن القول بأن الحب خـاص والمحبـة عامـة . المحبة هي القوة الواعية الدافعة باتجاه المعرفة والإبداع ، فهي عطاء لاينتهي وأساس التفاعل بين الذات ومايحيط بها. المحبة في اقترانها بالحب وبالقناعة والتجاوب المنطقي مع الفكر والوعي  تمثل قيمة أخلاقية ثابتة و تعكس سمو الروح وكرامة الجسد. فهي جاذبية وانسجام متناغمين ، أداتهما العاطفة ونتاجهما الإبداع.

شيرين : في سورة النساء،الاية 34 "الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا".
انتم من الذين عاشوا في بلد متقدم كالمانيا درستم وتشعبتم في المجتمع الغير عربي ..واكيد لاحظتم الفوارق الجمة بين المجتمع العربي والاوربي ...الرجال قوامون على النساء .. الاية صريحة ولم يقل أولياء ..والقوامة والولاية امر مختلف تماما فالقوامة تعني الرعاية والحماية أما الولاية فهي أثر من آثار نقص الأهلية في الشخص الذي تسري الولاية عليه..
لماذا نجد المجتمع العربي والاسلامي معتقلاً  نفسه والمراة وفق أنها ناقصة عقل ودين ...هل نستطيع ان نقول ان الرجل العربي رجل اناني متسلط ...ام هو ضحية مجتمع مازال يرى من ثقب ابرة ..

د. سامان : بدایة أود أن أشير الی المادة الأولی من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص: "تولد الكائنات البشرية جميعها حرة ومتساوية في الكرامة والحقوق"، لكن الرجل في المجتمعات العربية المحافظة وبسبب رسفه في أغلال التقاليد الرجعية الموروثة التي تسوّغ له ممارسة الاستبداد بالمرأة والتحكم في مصيرها وحريتها لا يستطيع أن يهضم مضمون هذه المادة.   
لقد أشار عالم الإجتماع الكبير علي الوردي بأن العالم العربي هو موطن البداوة و أكثر المناطق في العالم تأثرا ومعاناة بين قيم البداوة وقيم الحضارة. للأسف يٶثر هذا الصراع الی یومنا هذا علی البنية الثقافية وسمات الشخصية العربية. المجتمع العربي هو مجتمع أبوي ذكوري وعلی المرأة في هذا النوع من المجتمع أن تخضع وتنصاع الی أوامر الذكر ونواهيه. الرجل في الشرق الأوسط لايعترف بأنه بدون المرأة قياس عقيم لاينتج. أما المرأة فهي مثل الرجل إنسان یعقل، إنسان له عواطف وإحساسات، یشترك معه في العمل. ولو أردنا أن نقدر الدرجة التي وصل الیها أي شعب من الشعوب في الحریة فعلینا أن نبحث في الحریة التي یتمتع بها النساء فیه ، یعني أن مقدار التحرر الذي تحصل علیه المرأة من العبودیة السالفة في أي مجتمع هو أضبط مقیاس لتحرر هذا المجتمع.

شيرين : دكتور سامان هل نعتبر الفلسفة الوجودية هي رحلة البحث عن الله؟؟؟؟

سامان : الفلسفة الوجودية تتناول مشكلات وجودية ، مثل مشكلة معنى الحياة، مشكلة الموت، ومشكلة الألم ، لكنها لاتقف عند حد تناول هذه المشكلات. قرأت وأنا إبن العشرين إعترافات اوريليوس أغسطينوس هيبونيسيس أو من يسمی عندنا بالقديس أوغسطين المٶمن بالجبرية و خواطر للفرنسي باليز باسكال و إدراكات الفيلسوف الإسباني الباسكي ميکويل دي أونامونو و روايات الروسي دوستويفسكي وخاصة روايته المشهورة "الإخوة كارامازوف" وأشعار النمساوي المجري راينر ماريا ريلکه ، هٶلاء تناولوا في أعمالهم موضوع الخالق لكن لا بعمق الأب الروحي للفسلفة الوجودية الدنماركي سورين كيرکجارد أو الطلاب المنتسبين له أمثال الفرنسيين غابريل مارسيل و جان بول سارتر و الفلاسفة الألمان أمثال كارل ياسبرز و مارتين هايدغر  ونیتشه والروسي نيکولاس بريانيف. إن معالجة المشكلات الميتافييقية من قبل هٶلاء لعبت دور مهم في نشأة الفلسفة الوجودية. سورين كيركجارد يٶكد في فلسفته أولوية الوجود علی الماهية وهو علی ما أظن أول من أعطى كلمة “وجود” معناها “الوجودي”، فهو بمعارضته للعقل يری أنه لايمكن الوصول الی الإله بوسيلة طرائق الفكر وإن اللحظة هي تركيب يجمع بين الزمان والخلود والوجود يتماشی تماماً ويتطابق مع الزمانية. إن محاولات الوجوديين للوصول الی الوجود في ذاته بإختلاف تجاربهم الشخصية يتم بالتغلب علی النزعة المثالية و تعديها ، فالإنسان أو مايسمونه "الموجود" كحقيقة ناقصة و مفتوحة ومربوطة أوثق إرتباط الی العالم وخاصة الی البشر الآخرين ، يخلق نفسه بنفسه ، أي إنه هو هو حريته هو.
بالرغم من أن مارسيل و كيركجارد أعلنو إيمانهم بالألوهية ، إلا أن هذا لا ينطبق علی ياسبرز ، الذي قال بوجود التعالي  أو المتعالي أو علی الفيلسوف هيدغر الذي أنكر الألوهية . أما سارتر فوضع مذهب صريح ومتسق الأركان في إنكار الألوهية. بصراحة سٶالك هذا عام ويحتاج الی دراسة خاصة. 

شيرين : هل تعتبرون بداية اي وجود  هو الفكر...
د. سامان : لو أخذنا بمذهب الفيلسوف الفرنسي رينيە ديكارت في الـ"كوجيتو" "أنا أفكر إذاً أنا موجود" نری بأن الفكر يسبق الوجود ، لأنه من غير التفكير لا أستطيع القول بوجودي ، بمعنی أن الفكر هو الذي یكشف لي حقيقة الوجود. صحيح بأن الوجود ككيان مادي شاخص كائن ، لكن بدون الفكر لا أحد يستطيع إثبات هذا الوجود المادي الكائن. هل يمکن الفصل بينهما؟
إن مقولة ديكارت شكلت إعلاناً بالتحرر من أطر الفكر المدرسي و خروجاً من قوالب المنطق الشكلي ، فالكوجيتو الديكارتي هو يقظة من سبات الفكر اللاهوتي ونقلة من التمركز حول الله الی التمركز حول الإنسان ، إنە إعلاناً بلغة الفلسفة عن تشكل الإنسان ذاتاً مفكرة تخلق وتبدع بعد أن كان مخلوقاً مترهنا بفكره وإرادته لقوی الغيب ومشيئة اللامرئي. أنا أری أن حال الفكر والوجود، كما هو حال الروح والجسد، فلا الروح قادرة على أن تنفصل عن الجسد إلا بالعدم، ولا الجسد قادراً على أن ينفصل عن الروح إلا بالعدم، فهما في النهاية محكومان بوحدة لا تنفصم، وكذا الفكر والوجود. أما الإدراك والعقل والفكر وآليات الدماغ فهي وسائل للتعاطي مع الوجود والحياة. والبحث في الوجود يعني البحث عن رٶية الإنسان وإحساسه وإدراكه وإنفعالاته. الفكر عندي هو حركة الواقع وقد إنتقل لذهن الإنسان فلو لم يكن هناك حركة للواقع المادي ما كان هناك فكر ولا حياة. بالتأكيد لاتفكير بلا غاية. والفكرة تنشأ من صور مادية تترتب بعدها لتخدم حاجة وجودية سواء مادية أو معنوية تتمثل فى الأمان والسلام.

شيرين : لغة الخطاب السياسي تتحمل جزء كبير من كاهل الامة فالعراق مثلا دولة تفقد الى لغة الخطاب السياسي بسبب النزاع على العروش ...الى اي مدى تحتاج الشعوب ...لتخرج من قوقعة التهتر الواقعي ..واعني العراق

د. سامان : بما أن الخطاب السياسي حقل للتعبير عن الآراء واقتراح الأفكار والمواقف حول القضايا السياسية من قبيل شكل الحكم كالديمقراطية واقتسام السلطة والفصل بين أنواعها ، إلا أننا لانری أن في العراق أحزاب تمتلك لغة الخطاب السياسي المقنع والهادف إلى حمل المخاطب على القبول والتسليم بصدقية الدعوى عن طريق توظيف حجج وبراهين. الخروج من قوقعة التهتر الواقعي يتم إذا ترك المجتمع عقلية الإعتماد علی زعيم أوحد أو قائد ملهم أو مهدي منتظر ، يختزل مجتمعاً بكامله أو يستبد بلد بأسره بهدف تشكيل حشود بشرية أو قطعان عمياء تصفق وتطرب و تعد وتتوعد ، لكي تقع في النهاية ضحية من تقدسه وتبجله من زعماء وأئمة وآيات الله وحجج المسلمين. وللعراقيين تجارب في هذا المجال.
   
شيرين : يمر العالم العربي في مرحلة خطرة وهي نتاج لسيناريو لابد ان يكون هذه التغيرات ، هل نستطيع ان نضع ضمن اطار الثورة الوجودية ؟؟؟؟؟
سامان : هناك رأي للكاتب الجيكي القدير فاتسلاف هافل حول الثورة الوجودية، فهو يقول بأن الثورة الوجودية عبارة عن إمكانية إعادة هيكلة المجتمع أخلاقيا ، بمعنى تجديد جذري لعلاقة الإنسان بما أطلقت عليه "النظام البشري". إن الأمر يتعلق بهذا المسار، خبرة وجودية جديدة،  تجديد الارتباط بالعالم، الالتزام المتجدد بالمسؤولية العليا، إعادة اكتشاف العلاقة بالآخر والتضامن مع المجتمع.
العالم العربي والإسلامي تواجه أزمات ومآزق ، فهو يحتاج الی إعادة النظر في الكثير من المسائل الجوهرية ، منها القوة وفي مصدرها و أوجه إستخدامها. في الواقع الکوني الجديد لم تعد القوة هي قوة عسكرية محضة ، كما يراها السيد نوري المالكي وأمثاله من الكلاسيكين العرب، أصحاب عقلية ماقبل الزراعة، بل قد تكون إقتصادية  عبر إنتاج السلع والتقنيات والمواد الصلبة ، وقد تكون ناعمة عبر إنتاج الثقافة والرموز من الأفكار والقيم والمثل والمعارف والمعلومات. أين العالم العربي من كل هذا؟ المجتمعات العربية سقطت للمرة الثانية في إمتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني ، وتراجعت وللأسف عما كانت علیه قبل عقود.
شيرين : هل توجد في الحب فلسفة؟؟؟
د. سامان: موضوع الحب أثير في كل الثقافات وعند كل الأمم، وأصبح في حياتنا المعاصرة ثقافة ودواء لعلاج أمراض الإنسان المعاصر من الوحدة، ومن أمراضه العضوية وهناك ثمة مقولة صوفية مفادها أن الحب "لا يكون موجوداً، حتى تخاطب الـ أنت بـ ألـ أنا". بما أن الحب هو المعنی الأسمی لكل ما يحيط بنا، فأن مفهوم الحب وتعريفاته قضية أثارت منذ البدء جدالاً وإختلافاً لدی المفكرين والفلاسفة. الحب فلسفة وهو كشعور أسمی للإنسانية ونور يفتح كنوز العالم لايمكن جمعه وتفسيره وتحديده بمقال. لقد أشار أفلاطون علی لسان أرسطوفان الی أن  الحُبّ جاء ليعيدنا إلى نشأتنا الأولى التي خرجنا منها، إنه يفعل كل شيء في سبيل إعادة وصل النصفين المشطورين واستعادة تلك اللُحمة الأصلية التي جسدَّت كمالنا الحقيقي. جوهر الحب هو البراءة والبساطة ، فهو بداية المعرفة رغم أنه يجلب لنا بجانب الغرق في  بحر العواطف والأحاسيس الجراح والآلام، وفي التعبير عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة يمكن القول بأن الحب هو كيمياء متبادلة بين أثنين وهو حالة قصوى من حالات الشرط الإنساني كالخوف والقلق والموت.
شيرين : يراودني شعور ان قلم سامان سوراني يجيد العوم في دنيا الانثى  واعني القوافي كما هو في زوبعة الفلسفة
سامان : أنا لا أری بأن دنيا القوافي رفاهية أوغياباً عن الواقع ، بل هو الحضور الأعمق فى قلب العالم. الشعر في

53
هل العلاقات بين تركيا واقليم كوردستان هي حصيلة السياسة الحكيمة؟ 

شكل العام ١٩٢٣ تحولاً تاريخياً هزؔ أركان الخلافة العثمانية بعد أن تم خلع آخر السلاطين محمد السادس والغي السلطنة وأعلن بقيادة مصطفی كمال الجمهورية. التجربة الكمالية ، التي  تأسست على خلفية قيادة فردية ، وحزب أوحد ، ونظام جمهوري لكنه تسلطي توتاليتاري حوؔلت السلطنة العثمانية إلى تراث ماضوي ، لكنها أثبتت قدرتها ، رغم معارضة الكورد والأرمن لها ، علی الصمود لقرابة المئة عام.
اليوم تعيش تركيا في زمن الحقبة الأردوغانية ، تنتهج خطاب سياسي ذو حدين. من طرف تنادي بسياسة إحياء الوحدة العثمانية والتمجيد بتاريخ السلاجقة الأتراك ، بعد تبني شعارات إسلامية دوغمائية تجعل من الإسلام السياسي مقولة سحرية ، ومن طرف آخر تنحو في اتجاه تأسيس وترسيخ السلام وزيادة الاستقرار والسلام في العالم وخاصة في محيطها القريب. صحيح بأن التحول السياسي العالمي السريع، الذي بدأ في أوائل التسعينات من القرن الماضي، أدی إلى إنعاش أمل سلام دائم في العالم ، لكنه جلب معه أيضاً بعض الغموض بشأن المستقبل ، لذا تحاول تركيا رسم صورة قوية يزداد تأثيرها باستمرار في مجال السياسة الخارجية عن طريق انفتاحات جديدة تقتضيها المشاكل الإقليمية وإسهامات هامة لتطوير الحوار.
فيما يخص العلاقات بين تركيا وإقليم كوردستان فإنها تعيش اليوم مرحلة لم تكن متوقعة أن تصل اليها قبل عام ٢٠١٠.  إقليم كوردستان خطت ، كحصيلة للأستقرار الذي يتمتع به على المستويين السياسي والديمقراطي و كنتيجة لممارسة سياسة حكيمة مطلية بالدبلوماسية والشفافية والإيمان الكامل بالسلام والتعايش وإحترام حسن الجوار بينه وبين تركيا ، خطوات كبيرة نحو بناء نوع من التكامل الأقتصادي والتجاري مع الرغبة المتبادلة في الاستفادة بعد توافق المصالح السياسية والإقتصادية و بروز رٶی مشتركة لقضايا وتطوات سياسية في المنطقة.
حكومة تركيا لاتری الآن بأن تغير التركيبة الفدرالية الحالية التي يعيشها إقليم كوردستان الى الكونفدرالية تهديد علی أمنها وسيادتها ، بل تقرأها كسبيل لتنظيم الأمور وإدارتها بشكل أنجع. فهي مستمرة في سياسة تقديم الدعم المالي والفني والسياسي للشركات الترکية التي ترغب في الاستثمار في إقليم كوردستان ، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والإقليم أكثر من ١١ ملیار دولار أمريكي و حجم الشركات التركية العاملة في الإقليم تبلغ أكثر من 50% من بين الشركات الأجنبية العاملة فيه. مع هذا لا يمكن معرفة مدی قدرة الإقتصاد التركي على النمو والتوسع والوقوف أمام الأزمات الإقتصادية التي تلازم بعض البلدان الأوروبية منذ سنوات.
أما فيما يخص حل القضية الكوردية في تركيا ،  فلا يمكن لتركيا أنْ تتحول الى نموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط أو تدعو لها مالم تحل القضية الكوردية حلاً جذرياً واقليم كوردستان سوف يكون العامل المساعد في حل القضية سلمياً من غير التدخل في شؤون تركيا الداخلية.
إقليم كوردستان المتمسك الی حدٍ ما بفصل الدين عن السياسة يسعی الی لأم الشروخ و دعم التعاون داخل المجتمعات الكوردستانية لإجتياز الحدود و رفع القيود المصطنعة علی شعب كوردستان. والشعب الكوردستاني بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية و بشكل عام واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة. لکن السياسة الحکيمة التي تمارس من قبل القيادة الكوردستانية استطاعت أن تحوّل الكورد الی لاعب نشط وديناميكي من شأنه أن يغير الخارطة الجيو- سياسية في الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين.
وختاماً: أن إرادة الشعوب في الحياة وفي العيش بحرية وشرف وكرامة هي التي ستسود في النهاية والتاريخ يٶكد أن إرادة الشعوب لاتقهر ولاتهزم ولاتخدع ولو بعد حين.
الدكتور سامان سوراني


54
إقليم كوردستان وتحولاته في زمن عولمة الهوية

في العقدين الماضيين شهدت البشرية الكثير من التطورات والتحولات التي طالت كل شيء تقريباً ، بحيث دخلت الإنسانية في مرحلة تاريخية جديدة على مختلف الصعد والمستويات.
السٶال هو، هل يمكننا أن نستوعب تلك التطورات والتحولات أو نستفيد منها إذا بقيت أوضاعنا الداخلية غير موحدة ؟
فعصر العولمة يتطلب منا إرادة إنسانية مستديمة وثقافة تعلي من شأن الإنسان وحقوقه، وتصون كرامته ومكتسباته، وتجذر وتعمق خيارات الحوار والتعددية والتسامح ونظاماً سياسياً، يستند في إِدارته وحكمه على مبدأِ المشاركة وتداول السلطة وإرساء دعائم الديمقراطية في الحياة العامة.
بالرغم من أن إقليم كوردستان يعيش حقبة آفاق مفتوحة لايزال هناك نقص القدرات الإنسانية في المعرفة ونقص في تمكين المرأة ومازالت حرية تكوين الروابط المدنية وجمعيات النفع العام ضعيفة و أنساق الحکم الإداري الطابع مركزية والمشاركة السياسية تدار بأسلوب مركزي جزئي خاضع لتنظيم شديد لايشمل جميع المواطنين.
العمل الجاد من أجل الوصول الی نموذج الحكم الصالح "Good Governance" من أجل تعزيز ودعم وصون رفاه الإنسان وتوسيع قدرات البشر وخياراتهم وحرياتهم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية يجب أن تبدأ بتفكيك آليات وأساليب قديمة متحجرة سائدة. فإدارة البشر في عصر العولمة يحتاج الی إبتكار سياسي ومٶسسي جديد يتلائم مع التغير في نمط السلطة.
إن مواجهة تحديات العولمة علی صعدها المختلفة والمتعددة تبوح بالفشل إذا كنا عاجزين عن خلق الأفكار وفتح المجالات أو قمنا بالهروب من المواجهة والإبتعاد عن إبتكار المهام وتغيير الأدوار. فالهوية هي ما ننجزه ونحسن أداءه ، أي مانصنعه بأنفسنا وبالعالم ، لا ما نتذكره ونحافظ علیه أو ندافع عنه. 
أما الماضي فيتحول الی عائق يصرفنا عن فهم الواقع وصناعة العلم إذا لم نستثمره بصرفه الی أعمال ومنجزات. فالماضي يقودنا الی مانحن علیه في حاضرنا ، بالرغم من أن البعض مازال يظن بأننا لم ندخل بعد عالم الحداثة ، مع أننا ننتمي الی الزمن الحديث منذ صدور أول جريدة كوردستانية في الثاني والعشرين من ابريل 1898.
من المعلوم بأن الديمقراطية لاتأتي من الباب الخلفي كما يسعی الیها البعض ، بل يجب أن تبنع من قرار سياسي واع و مقصود بتأسيس الديمقراطية ، والتحول والتغير الديمقراطي لا يأتيان إلا من خلال إصلاح واع و جريء. أما فيما يخص إصلاح الأخلاق الوظيفية فهذا لايتم برفع الرواتب ولا حتی بمجرد تطبيق نظام صارم من العقوبات والمحاسبة. علی الرغم من حتمية وبداهة هاتين الناحيتين في قطاع أي عمل ، إلا أن الأهم من هما هو إحترام التميز الفردي والإفساح في المجال للإبداع والإبتكار ومكافأة وتقدير المتفوقين عن طريق إفساح المجال لتحقيق الذات.
فالعمل علی إعطاء المواطن حقه الأخلاقي الطبيعي في تحقيق ذاته هو الأساس الناجح والصحيح لنظام لايعمل بعقلية فوقية تقول: "إن الدولة أهم من أفرادها وإن الأمة أهم من مواطنيها". 
إن حب شعب كوردستان لقياداتها السياسية يزداد كلما كانت هذه القيادات قادرة على تحمل مسؤولياتها بما فى ذلك أشراك الشعب الكوردستاني معها في إدارتها لأزماتها.
الديقراطية ليست عقيدة والعبرة بالنتائج والحوار قيمة إنسانية وحضارية كبرى تتجلى في الدوائر والمجالات كافة ، والاجتهاد وتطوير مؤسسات البحث والتفكير وصياغة ثقافة سياسية جديدة لا تنحبس في قوالب ماضوية ولا تلقي خصوصية أوضاعنا، ولا تقفز في المجهول وإنما تبني حياة سياسية جديدة ترتكز على إطلاق الحريات السياسية لكل القوى والمكونات لكل القوى والمكونات، وإدارة الاختلاف والتنوع بعقلية الحوار والاستيعاب ، لا بعقلية الصمت والإلغاء . أما المجتمع الذي تضمحل فيه إمكانية ممارسة النقد والمساءلة ، فليس بإمكانه استيعاب التحولات والإفادة القصوى من منجزات العصر والتقنية الحديثة.
وختاماً: إن عولمة الهوية لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدكتور سامان سوراني


55
دور الوعي المجتمعي والسياسي في بناء الدولة الكوردستانية

يمثل الوعي إدراك الإنسان العاقل للواقع والأشياء و للتجارب والمتغيرات المحيطة والقدرة علی تحديد موقف تجاه الواقع والأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء.
الوعي المجتمعي والسياسي هي رٶية ومعرفة عقلية لما يحيط بأفراد المجتمع السياسي من أفكار وممارسات واختلافات سياسية وركيزة أساسية لبناء النظام السياسي والإجتماعي الذي تشمله سلطة الدولة ، بدونها لايمکن لأي نظام أن يصمد أمام أزمات قد تمر بها الدولة أو المجتمع مهما كان حجم البناء السياسي أو العمراني.
فالوعي السياسي لە أهمية كبيرة في بناء الأنظمة الديمقراطية واعتماد العقلانية والتفكير العلمي أساساً منهجياً لتنظيم التعايش في المجتمع وقبول الآخر.
المسٶولية التاريخية تفرض علی النخبة المثقفة ، التي تمثل القيم العليا لثقافة المجتمع والتي علیها أن تلعب دوراً أساسياً في  متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع وايجاد الحلول والمعالجات الضرورية والبدائل لتلك الظواهر وفقاً لمعيار ومحددات المجتمع.
إن إشاعة الوعي المجتمعي والسياسي تتم عن طريق مشاريع نهضوية تتوجه الی المواطنين بقدر ما تتوجه الی السلطة والقيادات الحاكمة دون إنحياز وتملق علی حساب الشعب. المرحلة التاريخية التي يمر بها إقليم كوردستان تجاوزت طرح أسئلة بسياقها الإجتماعي والسياسي مرهونة بفكر وثقافة فترة النضال المسلح ضد الدكتاتورية والأنظمة الشمولية المستبدة والبائدة التي هضمت كافة الحقوق المشروعة لشعب کوردستان.
إن قراءة الواقع الكوردستاني الجديد باستقلالية تامة والقدرة علی إجتراح الحلول والمخارج إنطلاقاً من لحظة توصيفنا الحاضرة والمستقلة لذاتنا ، بغض النظر عما تنبأ بها أسلافنا أو ما أبدعه قياداتنا الوطنية الخالدة في الماضي ، تكشف لنا مدی حاجة المجتمع الی العدالة وتأمين الحريات الفردية للتعمق في الثقافة السياسية كالدستور والحقوق والواجبات وصلاحية السلطة الی جانب الأمن والغذاء لبروز أسس الوعي السياسي ومحو حالة الإستغفال والتخلف والإتكالية وسياسة التجويع فيه. فضعف الوعي المجتمعي والسياسي تخلق أزمة الهوية و الإندماج الإجتماعي وأزمة العزوف عن المشاركة السياسية مما يٶدي في النتيجة الی عدم نضوج التجربة الديمقراطية والتخلف في بناء الدولة.
إن العمل علی نشر الوعي المجتمعي والسياسي بين أفراد الشعب الكوردستاني بعيداً عن التعصب المذهبي أو القبلي أو القومي وبعيداً عن ربط المواطنة بأشخاص أو أحزاب أو عن المصالح الضيقة والأهداف الآنية ، يٶدي الی ترسيخ مفهموم المواطنة ويعزز ثقة المواطن بالقوى الفاعلة ويخلق التوازن في المجتمع بعد تشريع قوانين عادلة تحقق المصلحة المشتركة للدولة والفرد و يسهل أخيراً عملية الاستعداد النفسي والفكري للالتصاق بالوطن تاريخاً وأرضاً وشعباً وقيماً.
المجتمع الكوردستاني يجب أن يبدأ رحلة بناء الدولة الديمقراطية للوصول الی مكاسب برلمانية علی حساب سلطة الأحزاب المطلقة ونضوج الفكر الديمقراطي بجهود مفكرين يعملون من أجله لتقييد حركة السلطة وعدم السماح لها بان تعمل بشكل مطلق في الساحة الداخلية وحتى على المستوى الدولي ، بعد إشاعة مبدأ العدالة الاقتصادية من خلال حل المشاكل المعيشية للمجتمع كالبطالة والفقر والعدالة في توزيع الثروة ، تلك الرحلة التي ساعدت الشعوب الغربية في التخلص من قيود الظلام والاستبداد والسلطة المطلقة وكل ما يتعلق بغلق الفكر والحرية الإنسانية.
من الواضح بأن الإستبداد السياسي هو السبب الرئيسي وراء التخلف في المجالات الاجتماعية، والثقافية ، والاقتصادية. والطريق الأمثل للتخلص منه هو معرفة الشعب لما له وما عليه، أي لحقوقه وواجباته وليس معرفة ما عليه فقط دون التفكير فيما له، وان الشعوب المتقدمة قد تغيرت وتطورت نتيجة لنمو الوعي السياسي.
الدولة الكوردستانية الحديثة هي الواقعية الروحية التي يتعين فيها حقوق الأفراد وحرياتهم و واجباتهم ، لذا نراه من الواجب أن تكون عقلانية ، مرتكزة علی العلمانية والمواطنة والديمقراطية ، أي مدنية ومٶسسة علی فصل الدين بالسياسة رافضاً استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية ، وإقحام الدين في عالم المصالح الدنيوية الضيقة ، فالدين في الدولة المدنية ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح.
الإعلاء من شأن الانتماء للدين على حساب الانتماء للوطن فمآله التقليل من شأن مفهوم قيم المواطنة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام القانون وسيادته. فـ"الدولة"، بوصفها العقلي الكلي، لا تستمد وجودها من ، "التصور الديني" ، و "العاطفة الإيمانية" ، كما يعتقد البعض ، ذلك أن "الدولة" ، هي" الروح الضاربة بجذورها في العالم" قاعدتها ومبدأها العقلي ، هو "الحرية"، على خلاف "الدولة الدينية" ، اللامبالية حيال العالم الدنيوي.
إن هوية دولة كوردستان المعاصرة ينبغي ان تكون انعكاساً ودليلاً علی قدرة أبنائها علی الإبداع والتقدم والانفتاح علي العالم وثقافاته وعلومه وليس العودة إلی الوراء. فالجهاز الإداري يجب أن يخضع لقانون موحد والمؤسسة العسكرية أو الجيش ، يجب أن تكون مؤسسة ديمقراطية، وعلی البيشمرگه الدفاع عن الوطن أو التراب مما يُبين "الحس الوطني"  لديه.
أما الموظفين في الدولة فيجب إنتخابهم علی أساس مباراة مفتوحة ، تعتمد على مفهوم "الإستحقاق"، من شأنه أن يخلق تكافٶ لافرص والجهاز التعليمي يجب أن يكون مٶمم و تطبيقي النوع  يعتمد علی اللغة الموحدة وإقتصاد السوق الموحد يعتمد علی الإنتاج. أما أيديولوجية الدولة فيجب أن تكون في عالم تتعدد فيه النزعات العقائدية دولوية لضمان الإستقرار. بإختصار يجب أن تكون الدولة الكوردستانية مبنية على منطق الإنسان الإجتماعي الذي يحاور ويناقش ويصوت في شؤون الجماعة مقيداً فقط ببنود والبعد التنموي يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً كمكونات سياسية وثقافية لشعب الدولة الكوردستانية الحديثة وليس مجرد شعارات جوفاء.
وختاماً: الإنسان لا يولد مواطناً، بل هو يتربى على المواطنة وإن أفضل دولة هي تلك التي يقضي فيها الناس حياتهم في وئام و تبقى فيها القوانين محفوظة من كل تجاوز.
الدكتور سامان سوراني



56
الأدوات السياسية المعاصرة للتفاوض و خفايا النجاح الدبلوماسي

بالرغم من أن  ثنائية الحوار والتفاوض تشكل المكوؔن الأساسي للحل السياسي وهي قديمة قدم التاريخ
يظل التفاوض مسٶولية من مسٶولیات العمل الدبلوماسي في السياسة الخارجية للدول. فالتاريخ البشري عبارة عن مشاكل و قضايا و سعي نحو حلها.
الهدف الأساسي للدبلوماسية هو التوفيق بين المصالح المتعارضة وخدمة المصلحة البشرية بالطرق والأدوات السلمية والسعي الی تجنب التوتر أو تخفيفە. والتفاوض هو فن لحل الخلافات الدولية بالطرق السلمية، بل هو علم التعرؔف على أفضل وسائل تكوين الأرضيات المشتركة والتفاهم الفعؔال بين بني البشر، رغم اختلافاتهم وثقافاتهم وعقائدهم، يحكمه قواعد تطورت مع تطور العلوم السياسية والاجتماعية.
البعض يعتبر التفاوض وظيفة شكلية بإعتبار أن وراء كل تسوية قوی موضوعية وهذه الوظيفة الشكلية ماهي إلان تغليف الأوضاع بالغلاف القانوني. وهناك آخرين يعتبرون بأن للمفاوض تأثير علی محصلة التسوية ، لأن قدرة المفاوض علی إقناع الطرف المقابل وإدراكه ومهارته في حل مسائل الصراع المتشابكة لتحقيق أفضل عائد ممكن من المفاوضة تلعب دوراً مهماً في مسألة التلاقي أو التنافر بين المفاوضين. فالتفاوض اداة نلجأ اليها للمحافظة على المصالح المشتركة ولكن وجود تلك المصالح من الاصل او الامل في تحقيقها شرط في نشأة الحاجة الى التقاوض واستمرارها.
صحيح أن معرفة استراتيجيات ومهارات التفاوض في المجال الدبلوماسي والإتصال بالآخرين أمر لابد منه ، لكن دور التفاوض يجب أن لا يقتصر مجرد علی كسب الوقت أو جمع المعلومات عن الخصم أو إستعمال المبادیء التقليدية كـ"خذ ثم طالب" مثلا أو "أطلب المزيد تحصل علی ماتريد أو يزيد" أو "إستخدم ورقة الضغط الداخلي والخارجي" فهذا كلها لاتنفع ونحن نعيش عصر المعلومة والإنسان الكوكبي بعد أن ولؔی زمن الفحولة السياسية والحنكة المغلؔفة بالتحايل والخدعة. 
من يؤمن بأن إدارة الصراع السياسي والاجتماعي لا تحتمل حلولاً وسطاً ، بحاجة إلى دروس إضافية في ثقافة التفاوض، وقبلها ثقافة الحوار وقبول الآخر. فالتفاوض يجب أن يبنی علی أساس التعاون بين الأطراف لا باستخدام أساليب التحايل والغبن والشخص المفاوض يجب أن يكون على مستوى عالي من دماثة الخلق، وعذوبة ‏البيان، وبراعة اليراع، وغزارة العلم، والصبر وسعة الصدر ونابذ للتمسك بيقينيات كاذبة.
أما نجاح الدبلوماسية ، التي هي أداة سلام ، فهو يكمن في السير وفق مبادئ قويمة تضمن لها تحقيق الغايات السامية التي وجدت من اجلها، كالإيمان بالتفاهم مع المختلف و إمكانية التعايش السلمي مع الأطراف الأخری المختلفة . 
إن تعيين الهدف وإدراجه في قائمة الأولويات ، التي يجب ‏الاعتماد عليها بوصفها أساساً للتواصل والتقارب‏ والحوار ، هو من الأمور الملحة التي يجب عدم تجاهلها في مسألة الحوار. أما التعارف المسبق بين طرفي التفاوض وحسن الظن المتبادل ، التي لا يمكن الحصول‏ عليها الا بعد ان يعرف كل طرف من طرفي الحوار الطرف الآخر معرفة دقيقة ، يبسط من أمر التسوية.
ومن الشروط الأساسية الواجب تواجدها في الشخص المفاوض أيضا هو تحري الموضوعية وتجنب الشخصانية أو التقوقع داخل الذات ، هذا بالإضافة الی تنمية حاسة الاستماع الجيد للآخرين، بلا افتراضات مسبقة والاعتراف بالخطأ في حال الوقوع فيه ، واستيعاب ما يقال وتخزينه في الذاكرة لاسترجاعه في الوقت المناسب في الحوار ومقاومة قابلية تصديق أفكار الآخرين بتسرع دون برهان قوي والقدرة علی إقامة الحجج، واستخدامها إيجابياً لصالح التفاوض، لا لصالح هزيمة الخصم وتجنب التفكير الأحادي أو عدم التكييف مع المستجدات. الحوار مع الآخر يتطلب الحوار مع النفس أولاً بعد التحرر من اليقينيات والهويات الماضوية والمسلّمات المُسبَقة، التي لا تقبل الشك و المراجعة و الاستبدال. والتجارب تكشف لنا بأن ترك الانطباع الأخير طيباً قد تكون له نفس دلالة الانطباع الأول.
إن إيجاد الجو التفاوضي المناسب و تحريك الأطراف للتطور في المفاوضات وكسر الحاجز النفسي بعد التعرف علی مواقف الآخرين وعرض الموقف المطلوب بوضوح مع التحلي بهدوء الأعصاب والتنازل عن بعض الأهداف لغرض الوصول الی تسوية مع الآخر كخطوة أولى نحو تحقيق أهدافنا كافة في وقت لاحق. أما الفلسفة القائلة بأن "لا نتفاوض أفضل من أن نتفاوض بدليل أن التفاوض والحوار قد يصل بنا إلى تغيير مواقفنا ، والتغير عندنا أمر غير مرغوب"، تٶدي بالنتيجة الی اغتيال التفاوض والحوار ، لكن اغتيال التفاوض والحوار ليس سوى قتل إنسانية الإنسان.
وختاماً: التفاوض هو تفاعل بين الأفراد و اختبار الحوار مع الآخرين. و التفاوض الناجح هو التفاوض الإنساني والتفاوض الإنساني هو الذي يعتمد على اعتبار الآخر ليس سوى الذات و الأنا.     
الدكتور سامان سوراني

57
التصوف والفن والقدرة علی توليد المتعة الاستيطيقية (الجمالية)

في كتابه "سيكولوجية الفن" يقول عالم الجمال الألماني المشهور ريشارد مولر- فراينفلس (١٨٨٢-١٩٤٩) بأن الفن هو شتی ضروب النشاط أو الإنتاج التي يجوز أو "ينبغي" أحيانا أن تتولد منها آثار جمالية (استيطيقية) وإن كان هذا الأثر ليس هو بالضرورة المعيار الأوحد. أما عالم النفس الفرنسي الكبير هنري دولاكروا (١٨٧٣-١٩٣٧) فهو يری بأن الفن لايبدأ إلا في اللحظة التي يتمكن فيها المرء من الإنصراف عن الطابع النفعي للحياة العملية ، لكي يحرر نفسه من حضارة المنفعة وإرادة الحياة.
في التصوف كما في الفن يحاول الإنسان أن يرحل في عالم متغير و محاصر بحدود الزمان والمكان بذاتیته الی السعادة المطلقة ليعيش تجربته الفنية أو الصوفية أو ليصل الی المتعة الجمالية. فالجمال عند الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون هو موضوع محبة النفس لأنه من طبيعتها فنراه يقول في كتابه حوارية فيليبوس: “عندما تصادف النفس ما هو جميل تندفع نحوه لأنها تتعرف إليه إذ إنه من طبيعة مشابهة لطبيعتها أما حين تصادف القبيح هي تنصرف عنه وتنكمش على نفسها لأنه مغاير لطبيعتها." سٶالنا هو ، كيف يستطيع الفنان إدراك الجمال المثالي والمتصوف إدراك الكشف الربؔاني؟
المذاهب الصوفية والفنية المعاصرة في مجموعها تجتمع في مفاهيم روحية وعناصر شكلية مشتركة ، تعمل للوصول في أدائها الى تحقيق الشكل الجوهري الذي يمثل المضمون دون ذلك الشكل السطحي الذي يعبر عن عالم الظواهر القابلة للتحويل والتغير والزوال. المضمون إذن هو الحقيقة الميتافيزيقية الخالدة المتمثلة في الشکل الجوهري. والجانب الحسي هنا يجتمع مع الجانب العقلي في توليد اللذة الجمالية وتذوق العمل الفني أو التجربة الصوفية ليترك الأثر الملموس على الاداء التكويني والروحي.
فالباحث في الشعر المقطعي والفن الغنائي والموسيقي الأندلسي يری بأن التصوف لە أثره الأول والأخير في فن الموشحات والزجل وأن المتصوف والشيخ الأكبر محي الدين بن عربي الأندلسي (١١٦٤-١٢٤٠) الذي رسم مناهج بلوغ السعادة المطلقة وسعی من أجل إلتقاء النسبي بالمطلق كان أول من إستعمل كلا الفنين معاً.
التصوف كما الفن ظاهرة جمالية وعملية مركبة يتناول المسائل النفسية والإجتماعية  ويمثل ظاهرة فلسفية معبرة عن رٶية فلسفية معينة ويستوعب جوانب الفكر والإجتماع والدين الأدب والفن ، تعد الأبعاد الروحية من عمدها الرئيسية ، ومن توابعها التدريب عليها في شعاب الحياة.
وسيبقی في الفن والتصوف تذوق الجمال هو الهدف ، جمال الخالق وتجليات المطلق في المخلوق، والإعتناء بجمال القول وجمال اللحن وجمال الصورة و كذلك الخروج من عبثية النظر إلى الجمال لأنه جمال. والجمال بهذه الصفة لغة مشتركة بين جميع أفراد الأسرة الإنسانية ، وبهذا يمكن أن تكون لغة الجمال والنظر الجمالي جسراً للتواصل الإنساني، ذلك أن العقلاء مشتركون في النظر الإجمالي للجمال وإن اختلفوا في وظائف النظر الجمالي. فالتداخل واضح وكبير بين الفن والتصوف لكونهما يعتمدان على العقل والقلب كوسيلة لتوليد الجمال والأخذ بالذوقيات والوجدانيات والاشتراك في مباحث اللذة بالرغم من أن تلقي المعرفة الشهودية وإستجلاء الحقيقة عند المتصوفة يعتمد علی القلب أولاً كوسيلة ولا يقف عند حدود العقل. يذكر شيخ الافلوطينية الفيلسوف الرواقي المشائي نومينيوس (ولد في أفاميا عام 135 ق.م) بأن الوصول الی الجمال لا يأتي إلا عبر المعرفة ، معرفة النفس وأصلها، والانفصال عن كل شيء والتحرر من كل شيء ، المعرفة التي هي عبارة عن رؤية مباشرة يتحد فيها الرائي والمرئي إتحاداً تاماً. العبقري كما يراه الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (١٧٧٠-١٨٣١) هو من يملك المقدرة العامة علی الخلق الفني ، وكذلك الطاقة الضرورية لممارسة هذه المقدرة بأقصی النجع والفعالية. والعبقري الحقيقي هو من يتمكن من تقنية فنه الخارجية في وقت مبكر ويتعلم كيف يرغم أفقر المواد وأقلها مطاوعة في الظاهر علی تجسيد إبداعات تخيله الباطنة وتمثيلها. والسهولة المكتسبة بالممارسة وحدها لاتنجب أبداً عملا فنيا حياً.
الفن والتصوف يستحثان قوانا علی التسامی وكلاهما درس رائع في الإخلاص والفنان أو المتصوف الحقيقي يعبر دائماً عما يجول في ذهنه حتی ولو أدی به الأمر الی أن يطيح بشتی الآراء الذائعة، وهو بذلك يلقن أشباهه من الناس درساً في الصراحة. وللموضوع الجمالي المنبثق من أحضان الموجود البشري قدرة هائلة علی الترقي بالناس الی مستوی "الإنسانية". الصوفية هم الذين إختصوا أكثر من غيرهم بالتأول والغوص علی الباطن. الفكر الحق ينحو دوماً الی إعادة تعريف الأشياء ، لذا نأسف حينما نری البناء النظري في فكرنا لايزال غير محكم و المعارف المشتركة مشوشة و المصطلحات العلمية مختلطة في الأذهان، فعلی العقل في محيطنا القائم الوصول الی مرحلة التجلي والإشراق والتجديد في الرٶية الأصلية ، فمن غير ذلك لا يمكن إستخدام العقل في توليد اللذة الاستيطيقية ، بل يظل إستخدامه قاصر علی إستعماله كأداة استبدادية لرفض المغاير والمختلف أو كنسق مغلق يضيق إستيعاب الجديد. فمع العرفان والفن يتقاطع البيان والبرهان والحدس والإستدلال والوحي والنظر وبهما يتصالح الرمزي والواقعي ويطل الظاهر علی الباطن ويظهر الحق في الحقائق في عالم ثار فيه العقل علی الوجدان وتمرد علی المكان والزمان وصار القانون ضد المصير والحقائق غير الواقع والطبيعة في مقابل التاريخ.
وختاماً: "لن يكون أروع من ذلك التقدم الذي لابد من أن تحرزه الإنسانية لو قدر للصدق أن يسود بين الناس".
الدكتور سامان سوراني

58
خطوات نحو تشكيل حکومة الكفاءات والوحدة الوطنية الكوردستانية


في عالم سمته السيولة والتسارع باتت الأزمات تحصل علي إيقاع سريع وعلي غير صعيد كما تشهد الحروب والإنتفاضات في الشرق الأوسط والفضائع الإرهابية في غير مكان.
بالرغم من أن إقليم كوردستان الآمن والمستقر محاط بمناطق ساخنة أو بعواصف بركانية، لكن هذا لا يمنعنا بأن نٶمن بالنظرية القائلة "أن المجتمعات تبني قطعة قطعة ، في كل قطاع أو حقل بحيث ينخرط جميع الفاعلين في أعمال التنمية والبناء". أي أن الإدارة الفعؔالة هي التي تدير مجتمعاً ، يتصرف فيه أفراده ومجموعاته ، کفاعلين ومسٶولين بقدر ماهم مختصون ومنتجون للثروة أو المعلومة أوالخدمة أو السلطة، بحيث تكون القرارات حصيلة التداولات والتأثيرات المتبادلة. فالسلطة السياسية إذن لاتصنع المواطنين ، بل المجتمع هو الذي يصنع سلطته ، سواء أكانت هذه السلطة تعمل بثوابت متحجرة و معيقة ملئها الإستبداد أم  بعقلانية راشدة متوازنة وتقنيات فائقة  تزرع ثقافات ديمقراطية خلؔاقة.
هناك وللأسف تيارات وجهات تريد تشويه مسار العمل السياسي والحكومي في الإقليم وتركز كل جهودها كمعارضة حزبية أو مستقلة أو ثقافية علي مهمة وحيدة وهي خلق الأزمات والنيل من الوحدة الوطنية أو التقدم المزدهر الذي يشهده الإقليم في الكثير من المجالات. 
نتائج الإنتخابات البرلمانية في إقليم كوردستان أتاحت الفرصة للأحزاب السياسية التي تعيش لحد الآن في تحالف إستراتيجي أن تشكل حکومة الأغلبية السياسية لكن الذي يراه الكثيرون هو اللجوء الي الخيار الوطني للمرحلة التي تمر بها كوردستان اليوم وذلك لإحتواء أحداث ، قد تهدد بقاء المجتمع والحکومة معاً ، والتوافق بين معادلة الديموقراطية وتحقيق تغليب المصلحة الوطنية.
نحن نري بأن من أهم مسٶوليات الحکومة التي تتشكل هي تثبيت سيادة الأقليم و بسط الشرعية علي كافة الأراضي  الكوردستانية وتعزيز القدرات العسكرية والأمنية الرسمية وتحقيق العدالة الإجتماعية و الإنماء المتوازن وبسط اللامركزية الإدارية الغير متعارضة مع القانون. السياسة العامة للإقليم يجب أن تتجه نحو بت المشكلات والأمور العادية دون الرجوع الي الإدارة المركزية ، أي لامركزية الإدارة ، وترسيخ الوحدة الوطنية والتركيز علي تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي من قبل الحکومة الإتحادية.
أما المعارضة التي ترفع سقف مطالبها للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية فعليها أن تدرك بأن الحکومة الجديدة ستواجه ملفات مهمة و ساخنة منها العلاقة مع حكومة بغداد ، التطورات التي تحدث علي الساحة السياسية السورية ، الملف المالي والإسراع في تنفيذ إصلاحات جذرية في هذا المجال والمحافظة علي الإستقرار الأمني والوحدة الوطنية، التي بدورها تٶدي الي تحريك عجلة الإقتصاد وإنعاش السياحة والإستثمارات وتوفير فرص عمل جديدة وعودة بعض الكفاءات الي الإقليم لتساعد في تقدمه وإزدهارە وتقوية البنية التحتية وتحسين الأوضاع الإجتماعية و تفعيل التأمين الصحي والضمان الإجتماعي ومكافحة البطالة ورفع مستوي جامعات الإقليم والإهتمام بالبيئة ، التي لم نسمع عنها شيء في فترة الدعاية الإنتخابية رغم تزايد عدد المصطافين والسواح العرب والإيرانيين ، الأمر الذي يتطلب تشريع قوانين مختصة بالبيئة وتطبيقها للحفاظ علي البيئة النظيفة بشدة وصرامة.
إن تحقيق المشاركة السياسية و تفعيلها في إقليم كوردستان هو شرط تحقيقها للتنمية الشاملة وأن النقد البنؔاء من قبل الجهات الغير مشاركة في السلطة هو المنهچ الفعؔال. وبناء الثقة وتحويل الاستشارات المسهبة الي طاولات الحوار وملتقيات النقاش ومنتديات المكاشفة ضروري لإظهار المشكلات في الملفات الأساسية و مكامن الحلول العملية لها وإيجاد القواسم الجامعة بين القوي السياسية والحزبية.
إن الرهانات كبيرة والتحديات قائمة، لذا عليه اللجوء الي حكومة تكنوقراط من شخصيات ذات ثقة و كفاءة وإختصاص ، تهتم بالقضايآ الملحة التي يعانيها المواطنون، خصوصاً في مجال الخدمات وتحفيز الإقتصاد ، حكومة ذات قاعدة موسعة في الإقليم تلزم جميع الأطراف السياسية التعاون والعمل معاً من أجل ترتيب البيت الكوردستاني من الداخل وإجراء مزيد من الإصلاحات في الإقليم لتحقيق التنمية والتطور. فبدون التنمية والإرادة القوية في العمل علي توسيع القدرة على استثمار الموارد البشرية والطبيعية في إقليم كوردستان وتهيئة ممارسة ثقافية فكرية تشتغل على مشاريع الإصلاح والتغيير النهضوية لايمكن أن يكون هناك ديمقراطية. الديمقراطية التكاملية، التي تعبر عن إستراتيجية في إدارة النزاعات من خلال التعاون والوفاق بين مختلف النخب بدلاً من التنافس واتخاذ القرارات بالأكثرية تحتاج الي جهد ومثابرة.
أما العمل علي استراتيجيات دفاعية مطلوبة لحماية الإقليم من محاولات النيل من مكتسباتها و تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية علي الساحة الداخلية وطرق حمايتها من التدخلات الأجنبية فيجب أن تكون من أولويات الحكومة المستقبلية.
وختاماً: المتغيرات هي فرصة لا كارثة والجديد هو غني لا فزاعة والشباب طاقة لا عبء. ومن لايتقدم يتراجع لامحالة و من لا يحسن أن يتغير يهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.
الدكتور سامان سوراني

59
الثورة المنهجية في السياسة وتخليص المجتمع الكوردستاني من الإرتهان للماضي

بالرغم من أن بعض الفلاسفة أمثال الإنكليزي الفرد نورث وايتهد (١٨٦١-١٩٤٧) يقارنون نتائج التفكير الفلسفي بأعمال بعض رجالات السياسة ويضعون أفلاطون وأرسطو وديكارت وهيجل في مصاف رجال من أمثال الاسكندر وقيصر ونابليون وغيرهم مع إعترافهم في الوقت نفسه بأن كل نجاح يحرزه الفيلسوف لايمكن مطلقاً أن يبدو في الظاهر جليل الشأن واسع المدی ، كالنجاح الذي يحرزه رجل الدولة أو القائد الحربي ، لكن هل يمكن أن ننسی الأثر الضخم الذي خلفه المذهب السياسي للفلسفة الهجلية علی حركات سياسية متباينة أمثال الفاشية والاشتراكية الوطنية والشيوعية بل وحتی علی القوی التاريخية التي تصنع المستقبل وتوجه البشرية.
بكلام آخر إن التفكير الفلسفي هو قوة جبارة وحاسمة تقترن بكل تغير يطرأ علی الحضارة وتكمن وراء شتی الانقلابات الاجتماعية الهائلة والتغييرات الحاسمة. وما يتمخض عنه الغد من تطورات تمهد دوماً عن طريق النظريات الفلسفية والمذاهب السياسية.
التفكير الفلسفي يعمل علی تفكيك الأصول والماهيات ، لا للوصول الی الفراغ ، بل لفتح الإمكان الذي يتيح فهم المآزق وتسليط الضوء علی الأزمات والعوائق. ومهمة الفيلسوف هي شق توجه وجودي يتيح بلورة مفهوم جديد للإنسان ينفتح علی معاني الشراكة والوساطة أو المداولة والمبادلة.
سياستنا اليوم بحاجة الى ثورة منهجية في نظرتنا وممارستنا لها. ومهمة السياسي الحداثي والليبرالي المعاصر هو تخليص مجتمعه من الإرتهان للماضي الی الرهان علی المستقبل وإخراجه من الماضي البائس المليء بالشك من الآخر ومن نوایاه الإيجابية ونقله الی مستوی العصر. فالشك والبٶس المجتمعي متأت من العيش في بٶس الماضي وفي بٶس المجتمع التقليدي، أما تغيير المجتمع بشكل جذري وواقعي هو مايمكن إخراج المجتمع الكوردستاني من التخلف الی التقدم ومن عالم الأحلام والخيالات الی عالم الواقع والرهانات.
إن حماية مكتسبات شعب كوردستان من الإنتكاسة والإنحراف عن الهدف الأسمی وهو بناء دولة كوردستان عصرية نموذجية في المنطقة والسير بالإقليم الی بر الأمان لا يتأسس دون بناء ديمقراطية حقيقية تقوم على تحديد مسؤولية كل من المواطنين والسلطات لإرساء قواعدها ، في تجربة يمكن أن تعمم على العراق والبلدان المجاورة. نحن لا نستطيع أن نتحدث عن أي مشروع سياسي يسعى لبناء مجتمع أكثر ديموقراطية دون الخوض في فكرة تعزيز وتفعيل دور المواطنة التي تعتبر الأرضية الخصبة لقيام مجتمع تقدمي.  فالمواطنة التي تعتبر المبدأ الأساسي يجب أن لايغيب عن المشاريع السياسية ولو للحظات وأن مشاركة الشعب في الممارسة السياسية ورسم المستقبل السياسي للبلاد حاجة ضرورية وملحة أكثر من أي وقت مضی. فلا وجود للمواطنة دون ديمقراطية تمنح للشعب حق المشاركة السياسية واختيار ممثليه في الحكومة والبرلمان والتعبير عن رأيه بشكل حر، ليمارس مسؤوليته تجاه وطن عبر المشاركة في رسم معالم الديموقراطية. والقادة السياسيين هم اليوم أفراد من المجتمع يتم إختيارهم في انتخابات عامة شبه مفتوحة. وبقاءهم او ذهابهم رهينان الی حد ما بارادة الشعب الكوردستاني. ويتوجب علی الأحزاب ان تمارس السياسة ممارسة ايجابية ولا يجوز  استنكرر فسادها باتخاذ موقف سلبي منها وبالدعوة للابتعاد عنها لان هذه الدعوة الى السلبية هي التي تحول الديمقراطية الى استبدادية. فتفادي المشاركة العامة في السياسة يتيح للاقلية المتفرغة لها ان تتصرف بها كما تشاء.
صحيح بأننا نعيش اليوم في عصر إضطراب فكري من صفاته عدم الإهتمام بالعمل علی مناقشة آلأفكار أو تعقل المذاهب أو مواجهة الفلسفات بعضها البعض الآخر كما في الماضي ، لكن الذي يجدر الإشارة إليه هنا هو عدم إهتمام الأحزاب السياسية بمناقشة آراء الخصوم بل القيام قبل كل شيء و بالإستناد الی تحليل المصالح وحدە والإستعانة بالتفسير النفعي الضيق بالطعن فيها والإنتقاص من قيمتها وهذا ما يجرؔ العملية السياسية الی هاوية المحال أو الی دائرة اللامعقول. إن الخروج من النفق الأزلي الذي استراح اليه الأحزاب السياسية ضروري لتواءم اللغة السياسية مع مفاهيم العصر بعد خوض صراع بناء مع الذوات واللغة بهدف عدم التشرنق في كهوف الأزمنة الغابرة أو الوقوع في هوة الثيوقراطية السحيقة أو الإتيان بالماضي الشمولي.
إن النقد بناء للإمكان و أن كسر التعارضات الخانقة وإتقان صناعة التنمية وهندسة العلاقات الإجتماعية بفتح خطوط التعايش والتواصل يجب أن تكون من أولويات عمل الأحزاب السياسية لخلق قيم للتداول والتبادل لكي يتيح لنا إخراج اختلافاتنا وإدارة واقعنا علی سبيل المساهمة في إنتاج المعرفة والثروة والقيمة. ومن يعتقد بأن هناك فرداً متنوراً أو نخبة متقدمة تصنع للشعب الكوردستاني تقدمه و حريته يعيش في خرافة يسهم في تدمير مشروعات التقدم والتحرير والإستقلال. وختاماً يقال: "تاريخ التفكير الفلسفي هو مرآة صادقة لتطور المجتمع البشري وترقي الروح الإنسانية في صيرورتها المستمرة. والرهان هو اختراع سياسة معرفية تتگير معها خارطة الواقع بقدر ما تتغير خارطة الفكر حتی لانظل نفكر بالمقلوب ونعود الی الوراء."
الدكتور سامان سوراني

60
هذيان الأحزاب السياسية الكلاسيكية أمام سلطة المعلومة في عصر الوسائط

من المعلوم بأن المشروعية السياسية المتعلقة بممارسة الحرية لاتتحقق من خلال التمثيل الديمقراطي ، بل بقدرة كل فرد علی تشكيل سلطته وممارسة فاعلیته علی مسرح وجودە. العالم يعيش اليوم تراجع العقل الأكاديمي الحديث أمام العقل المُحَوْسَب أو المُعَولم بعد أن تم ردم الفجوة بين الإنسان والآلة وبعد أن ازدادت التغييرات وتراجع العقل النخبوي أمام العقل الميديائي لنشطاء الإعلام المرئي والمسموع و المختصين علی الشبكات الإلكترونية والآلات الإفتراضية. 
في ظل المتغيرات الجديدة كما تشهد الخريطة السياسية في غير مكان بدأ حق الاختلاف والاجتهاد والتمايز بين القوی السياسية والاجتماعية المختلفة يتجلؔی لإنهاء مبدأ التنظيم الواحد وحقبة الصوت الواحد أو الزعيم الأوحد وتدريم أظافر وسائل التنشئة بأساليب التعبئة والحشد الخالي من الاختيار الطوعي والإقناع السياسي والتي كانت تعتبر التعددية نوعاً من الإنقسام والشرذمة والفرقة والحريات الفردية والعامة مسألة غير مشروعة بإعتبارها لاتخدم الهدف القومي الأسمی أو الأكبر.
الأحزاب القديمة أو الکلاسيكية تعيش اليوم في قمقم الماضي المتخلف وفي عزلة عن التطورات ، بداخلها خوف نابع من الموروث القديم والتقاليد المعتادة والأساليب المجربة ، بغض النظر عن مستوی صحتها أو فعاليتها أو حتی تكيفها مع الواقع المعاصر المتجدد ، بعيدة عن التواصل مع الشارع ناهيك عن التواصل مع القوة الثقافية الطليعية الشابة أو القدرة علی إقتحام أي جديد أو تجربة ما هو مخلتف.
إن مراجعة القواعد الثابتة المستقرة بشكل مستمر وكسر حاجز التقاليد القديمة في عصر الوسائط أمر ضروري للتقدم والأحزاب التي لا تخضع أفعالها وتاريخها السياسي للمراجعة والمحاسبة أو للجدال والمناقشة ولا تستطيع أن تتحر من قيود الماضي تكون مصيرها بشكلها و تكوينها الغير متحول إما التفكك والضمور والزوال و دخول متاحف التاريخ أو التحول الی أرصفة تجارية للقيادة والحاشية أو الی زوايا وصومعات يتجمع فيها المخضرمين من كوادرها لإستذكار الماضي التليد والحاضر المأزوم.
التاريخ لن يعيد نفسه وإرث الماضي مهما ثقل لايستطيع أن يتحكم في صياغة الحاضر ولا في سجنه أو تقييده ، لذا نراه من الضروري أن تلعب الأحزاب السياسية التقليدية دوراً فاعلاً في عمليات الإصلاح والتحديث والتطوير الديمقراطي والتي تستوجب تغيير أو مراجعة الكثير من المنطلقات الفكرية والسياسية وكذلك التنظيمية والمؤسسية. فالعمل علی إدماج أجيال جديدة من الناحية العمرية لا تعني شيئاً إذا لم تكن تلك الأجيال مجهزة بأفكار نيرة وإختيارات وبدائل جديدة عصرية لكي يكتسب التجديد الی جانب محتواه الجيلي معناه الفكري والسياسي. الحزب الذي يفكر بالمشكلات بعد إستحكامها و يأتي الی المسرح بعد فوات الأوان ويستخدام العدة المستهلكة لمعالجة قضايا راهنة وينفي الوقائع ويتحجر ويذعر من المتغيؔرات و يبرأ ذاته ليرمي المسٶولية علی الغير يهمشه التحولات والتغيؔرات.
نحن نعلم بأن الأحزاب السياسية في العالم الغربي كانت الوليد الطبيعي للمرحلة الصناعية وللحداثة ، عاشت الثورة الصناعية والتغيرات الإجتماعية والإقتصادية الجذرية التي رافقتها بجانب التكوين المٶسساتي الحديث والمتين للدولة مما أدت الی تزايد أسباب و عوامل المشاركة السياسية بعد إجتياز وحدات الانتماء الأولية مثل العائلة أو القبيلة أو العشيرة أو المذهب والطائفة ، بعد ترسيخ الإنتماء السياسي وإنتشار الثقافة الليبرالية والدستورية القانونية ومبادئ الحقوق والحريات المدنية وهذا من جانبه عزز البنية المؤسسية للدولة. إن العبور الی مرحلة حزبية جديدة يحتاج الی رٶية جديدة متكاملة ترسم معالم الطريق القادم بخطاب سياسي جديد يعبر عنها.
المتغيرات علی المسرح الدولي والإقليمي والمحلي تطورت واختلفت جوهرياً في شكلها ومضمونها ونظمها وقوعدها عما ساد من قبل ، اليوم مع إزدياد سلطة المعلومة لا يمكن تعامل مع القضايا الاقليمية بالمنطق القديم أو عدم التواءم مع روح العصر الجديد. حتی الصورة الداخلية تغيرت الكثير من ملامحها ولم تعد هي ذات الصورة الساكنة أو الباهتة التي تجمدت لسنوات في الماضي سواء القريب أو البعيد فالمرونة والقدرة علی التكيف مع الواقع المتغير والتجدد تضمن نجاح الحزب السياسي وتفتح الآفاق للإنطلاق نحو مستقبل أفضل. 
وختاماً: هناك دوماً فرص سانحة أمام الأحزاب الكلاسيكية لدرس أزماتهم للإسهام في تجديد شبكات الفهم وصياغة العقلنة بعد التحرر من خرافة المماهاة وعقيدة الإصطفاء وعقدة الضحية وعقلية المٶامرة أو من جرثومة التضاد.
علی الأحزاب التقليدية التي تريد الإستفاقة من سباتها تشكيل علاقات تكون أقل عنفاً وتسلطاً وتفاوتاً بل أقل عبثاً وجنوناً. فالإنفراد والطغيان والإستقواء لا تعالج شيئاً ، لأن المعالجة تكمن في عقلية المشاركة ومنطق المداولة وسياسة الإعتراف ، إنطلاقا من الوعي بالمسٶولية المتبادلة عن الحياة والمستقبل والمصائر.
الدكتور سامان سوراني.





61
إتجاهات إقليم كوردستان نحو العلاقات الدولية و سيادة الدولة

بما أن السياسة الخارجية هي جزء مهم من النشاط الحكومي نحو الخارج و جزء من السياسة الوطنية  الناتجة من قرارات وأفعال صادرة من أصحاب القرار لمعالجة مشاکل تطرح ماوراء الحدود بهدف تحقيق أهداف بعيدة أو قريبة المدی يمكن القول بأن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها ومصالحها بعد أختيار ماينبغي علیها أن تقوم بە فيما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها و واقع بیئتها الخارجية.
والعلاقات الدولية هي تفاعل بين وحدات المجتمع الدولي لدفع الدولة حتی تصبح فاعل نشيط علی المسرح الدولي. أما السيادة كرمز لوجود الدولة وهیبتها فهي تعني بأن للدولة الكلمة العليا واليد الطولي على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه ، أي إستقلاليته وهذا يجعلها تسمو على الجميع وتفرض نفسها عليهم باعتبارها سلطة آمرة عليا و منبع للسل0طات الأخری ، أي مِسبارٌ لە حق الشرعية في ‬الحكم وفرض السيطرة أو السلطة الشرعية على السكان أو الشعب.
إن الثورة في وسائل الإتصال والتطور المُذهل في وسائل الاعلام صَغؔر من حجم العالم وجعله قزماً يمكن مشاهدته من فوق رأسە وإن معرفة خصائص ودور الوحدات المعنية في العلاقات الدولية ودور الأخلاق والقانون والأيديولوجية والقوة وكذلك معرفة العلاقة بين الأهداف الآنية والمتوسطة المدی ، التي من الواجب الحفاظ علیها ، أمر ضروري جداً. فصانع القرار يجب أن يكون علی دراية وعمق واسع بالمعرفة والمهارة العالية في صياغة و تنفيذ سياسة الدولة الخارجية ليتمکن من إنتقاء الخيار الملائم من بين البدائل المختلفة في سبيل تحقيق وحماية الأهداف الوطنية النبيلة.
فيما يخص اقليم كوردستان فهناك أحزاب سياسية ، هي بمثابة العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي وأداة ربط المواطنين بالحكومة ، تمارس عملها بحرية كاملة وتمتلك الی درجة الصوت في تكوين السياسات الخارجية. نحن نری بأن الخلافات يجب أن تكون متواجدة أو قائمة بين الأحزاب المختلفة حول قضايا داخلية مع إحترام المنهج الديمقراطي لكن السياسة الخارجية الفعؔالة تطلب أن یكون الشعب متحد حول سياسة خارجية متحدة وصانع القرار يجب أن يعمل علی حل الخلافات الداخلية قبل الدخول في المسرح الدولي. السياسة الخارجية يجب أن تعبر عن الإرادة الشعبية ، فهذا يثير مسألة الديمقراطية والمساهمة الشعبية في صنع القرارات.
بالرغم من أن التناقضات والتساؤلات وعدم اليقين أصبحت ميزة المسرح الدولي "الوليد" وأن التمييز بين الداخل والخارج أصبح نسبياً، إلا أننا نری أنه من حق الإقليم أن تبرم علی الصعيد الدولي معاهدات في سبيل تطوير وتطور الإقليم وتقوم بعملية تبادل التمثيل الدبلوماسي للغرض نفسه وإثارة المسؤولية الدولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابتها إبان حكم الأنظمة الدكتاتورية المتتالية في العراق والتي سعت بسياساتها الفاشية والقوموية وأعمالها الإجرامية وبدعم من بعض البلدان لها لوجستیاً إبادة الشعب الكوردستاني من علی الخارطة الكونية. على المستوى الداخلي فللإقليم حق التصرف في مواردها الأولية وثرواتها الطبيعية ، كما يمكنها اتخاذ التدابير التي تراها مناسبة حيال الأشخاص المتواجدين على إقليمها بغض النظر عن صفتهم كمواطنين أو أجانب.
رغم أن مرحلة نمو الاعتماد المتبادل الشامل والتي معها برزت التدفقات العبر- قومية المعرؔف من قبل النظام الدولي الراهن بظاهرة العولمة تنزع معها رويداً رويداً سيادة الدولة الوطنية لصالح كيانات جديدة فوق وطنية أو تقوم بتفكيكها إلى كيانات إثنية عصبوية دون وطنية  ورغم تفقد الدولة في ظلها طابعها كممثل حقيقي للقوى الاجتماعية المتجددة ، إلا أن الحقيقة تكشف لنا بأن قیام الدولة الكوردستانية بات من ضروريات هذا العصر وخاصة بعد أن بدأت حكومة إقليم كوردستان تأخذ بسبب سیاستها العصرية والمتزنة وتزايد نمو الإقتصادي السريع للإقليم تلعب دوراً سیاسياً فعالاً لا فقط علی المسرح الإقليمي بل العالمي أيضاً. وما إحتضان وإيواء حكومة الإقليم لربع ملیون لاجئ سوري وتعاملها المتحضر والنبيل معم إلا مثال بسيط لما تظهرها من الإحتراف في التشخيص لركوب الإمكانيات و إجتراح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل المشكلات، حيث تدار الشٶون بعقل مركب يجمع بين التقليد الديني والتحديث الاقتصادي أو بين الهوية القومية والبعد العالمي.
حکومة إقليم كوردستان تۆمن بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة و الإرادات الفوقية المتعالية ، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها و كوراثها وإن تأمين المصالح و صنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيها كل مواطن كوردستاني من موقعه و حقل عمله.  فالقوة يصنعها القادرون علی خلق ما تحتاج اليه من مشاريع النهوض والإصلاح والتحديث والتنمية والسلم من اجتراح المعادلات و الصيغ والأطر والشبكات والأسواق والأدوات.
علينا أن نقرأ الواقع الكوني الجديد، فالتجارب المريرة والأزمات المتلاحقة في العراق أثبتت بأن القوة والهيمة والإحتكار والصدام والغزو والعقلانيات القاصرة والفاشيات القومية لم تجلب أمناً لهذا البلد و لم تصنع سلاماً ولم تصن هوية بل سحقت في سعيها وراء الأحلام المستحيلة الشعوب و دمرت المجتمعات. فلا توجد شراكة حقيقية علی هذه السكينة من غير الإعتراف الكامل بالآخر المختلف.
وختاماً: إن الإصرار علی الفضاء العالمي ، الذي هو مدی حيوي لإقليم كوردستان وإتقان فن التعايش والتبادل لإزالة العوائق و حلحلة العُقد يصنع السوق ويُنمي الإقتصاد،  فهو عنوان الحضارة وأساس بناء العلاقات الدولية وسيادة الدولة.
الدكتور سامان سوراني

62
إقليم كوردستان بين رهانات التحديث وتحديات المستقبل

الحکومات الدكتاتورية السابقة التي حکمت علی العراق بسياسة الحديد والنار والأرض المحروقة قوؔضت فكرة المواطنة و ألغمت المٶسسات الديمقراطية بإفراغها من مضمونها و تحویلها الی نظام إستبدادي أو الی جهاز مخابراتي مارست التفاوت والإقصاء بعد أن آمنت بأن التنمية لا تعني سوی النهب والسلب وأن حرية التعبير يجب أن تحجب وتضلل و تقمع بآليات مدروسة ومنظمة.
والدولة العراقية المصطنعة التي تشكلت بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولی و زوال الحكم العثماني وبداية الإحتلال والإنتداب ورثت نظام ديمقراطي طبؔق بعض التطبيق في ظل الحکومة الملكية ، لكنها لم تكن قادرة لخلق وبناء الأشكال والطرز والمهمات المٶسساتية العادلة أو لفتح مجالات وآفاق ديمقراطية تضمن الحرية والعدالة وتصون الهوية والذاكرة. وهكذا بدأت بعد سقوط الملكية و هيمنة العسكر تلعب نظرية الوصاية دورها ليمارس كيان معين وصايته علی الآخر المخلتف غير مهتم بمبدأ المسٶولية المشتركة في البناء والحکم وتشكيل مجتمع مفتوح ومرن يٶمن بالتعدد والتنوع بقدر ما يعمل علی الإستيعاب والدمج لتفعيل الوحدة. وهكذا لم تسنح للإختلافات أن تتجلؔی علی نحو تواصلي أو بصورة فعؔالة و مثمرة ، فوضع المجتمع أمام خيارين أحلاهما مرؔ: إمؔا نظام فاشي أو مجتمع طائفي ، إمؔا وحدة القطيع أو الإرهاب القومي العقائدي.
لقد أصبح شعب كوردستان في الماضي ضحية هذا المنطق الأحادي التبسيطي المغلق وعاش أشد أنواع الإرهاب من قبل السلطة الحاكمة ، التي مارست بحقهم سياسات فاشية  وقامت بتهجيرهم و تعريبهم وإبادتهم جماعياً.
اليوم وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمان يعيش شعب اقليم كوردستان حريته بعيداً عن سياسات الإستبعاد والإستبداد والإرهاب والبربرية ، تمكن بفضل قيادة حکيمة بعد فترة قصيرة أن يشتغل علی ذاته و يبتكر إنسانيته من جديد، من خلال التمرس بأخلاقية الحقيقة و صناعة الحدث وتجاوز المشروطية وممارسة الإنفتاح الحضاري والتعايش الفكري.
الحرية لاتعني عند هذا الشعب مجرؔد الخلاص من قيود المركزية الفوقية التي كانت تجربة مرؔة أو العيش في عقدة الضحية بل تعني سوس الذات وصناعة الحياة عبر خلق الوقائع وصناعة الحقائق في المجالات المعرفية والتقنية و الإقتصادية والسياسية بل وحتی الجمالية.
ممارسة الحرية يعني للفرد الكوردستاني تفكيك آليات العجز لتغيير قواعد اللعبة ، بتشكيل عوالم ومجالات و إبتكار أساليب ولغات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع الكوردستاني نحو الأفضل لاإمتلاك وقائعيتها.  أما التقدم العمراني و إرتفاع المستوی المعيشي في الإقليم والسعي الأكثر من قبل الحكومة الكوردستانية لإستثمار الموارد الطبيعية لغرض بناء البنية التحتية و إيجاد فرص العمل للجميع وتحقيق العدالة الإجتماعية وصنع المعجزة التنموية من غير تقليد وإحتذاء بنماذج ناجحة مسبقة ، بل لإستثمار تلك الأعمال كإمكانات خصبة لإنتاج صيغ ومفاهيم جديدة فحـدِّث ولاحرج. لا يمكن اليوم بناء الوطن أو تدبير الدولة العصرية عن طريق مشاريع أصولية خانقة و مسبقات معيقة و ثقافات عاجزة وحداثات هشؔة وشعارات مستهلكة وتقسيمات فقيرة وخادعة. فمن يريد ممارسة الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وبنؔاء علیه أن يتحمل المسٶولية المتبادلة ويتؔقن لغة الشراكة والمداولة برٶی ومفاهيم ومفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون ويتجاوز النرجسية والمكابرة والمحافظة والتقليد والتحجر والذُعر من المتغيرات وتبرئة الذات لرمي المسٶولية علی الغير ، فمن دون ذلك لا يمكن مجابهة الفوضی والإرهاب أو نشر قيم الحضارة والمدنية والديمقراطية.
فسياسة الإنفتاح علی الخارج التي تمارسها إقليم كوردستان عبر المٶسسات الإقليمية والهيئات الدولية ، السلمية والمدنية ، التي تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحريات الديمقراطية ، تفتح للأحزاب الكوردستانية التي تٶمن بالديمقراطية آفاق جديدة ‌أمام الفكر السياسي في ميادين الممارسة أفقياً وعمودياً ، داخلياً وخارجياً ، مما يتيح للديمقراطية أن تغني وتتحدؔد أو تتعزؔز  وتتطور وتنفتح، سواء بالإنفتاح علی الفضاء الإجتماعي المحلي أو الخارجي عبر المشاركة في المناقشآت العالمية في الهيئات والمٶسسات الإقليمية والدولية . وهكذا ينفتح المجال للتحوؔل نحو ديمقراطية نوعية ، غير منمؔطة ، جديدة وأكثر فاعلية وديناميكية. مادام من المستحيل إلغاء الفروق الفكرية في السياسة إذن علی الأحزاب الكوردستانية أن تبحث عن الوسط الجامع ، کفضاء للمباحثة والمحاورة أو المداولة والمبادلة لتشكيل صيغة للتعايش أو لغة جامعة أو مساحة مشتركة أكبر للوصول الی تحقيق الأهداف السامية لشعب كوردستان و لتتشكل حكومة وحدة وطنية تعكس كالمرآة الوجه الجميل لهذا الاقليم النموذجي وتغذي التواصل والتعايش بين الأطراف المختلفة لإطلاق طاقات و تحريك قوی وإستثمار رموز مبدعة و نماذج متفوقة في أعمال و مشروعات تعود بالنفع والنماء علی عموم المجتمع الكوردستاني بفئاته وشرائحه. إن تعامل الأحزاب الكوردستانية مع الواقع الكوردستاني الجديد بمنطق الجدؔ والإجتهاد والنقد بعيداً عن العُقَد والهواجس بات من الأمور والمُسَلمات الضرورية للخروج من السُبات الفكري والقوقعة التراثية. من غير ذلك لايمكن أن نصل الی حقؔنا في تقرير المصير أو نواكب الجديد والعصري في هذا العالم الرقمي المعولم.  وختاماً: "الواقع السيؔال لا يواجه بأسلوب المحافظة والتقليد ، بل بمنطق التحويل الخلاق والإستثمار البناء"
الدكتور سامان سوراني

63
إرادة شعب اقلیم كوردستان أقوی من مخططات الإرهاب وآلهة الدمار

شهدت مدینة السلام والتعايش السلمي أربيل الیوم ٢٩-٩-٢٠١٣  في الساعة ١:٢٤ دقيقة بعد الظهر هجوماً إرهابیاً جهنمیاً وحشیاً مدبؔر و مخطط ومبرمج من قبل جماعات اسلامية إرهابية متطرفة تسمي نفسها "الدولة الإسلامية في العراق والشام" استهدف دائرتي الأمن والأمن العامة في عاصمة إقليم كوردستان  أودی بحياة ستة أشخاص من منتسبي الأجهزة الأمنية و الی جرح أثني أربعين شخصاً من رجال الأمن و الشرطة والدفاع المدني. 
هذه العملية الوحشية التي يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالشعب الكوردستاني وإفساد الوحدة الكوردستانية والتعايش السلمي في أربيل. إنها فلسفة الموت ، التي تفضل الموت على الحياة. وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء، مواطنین یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم. انها فلسفة مجرمي الحرب ، وغايتها قتل اشخاص يعملون ليل نهار في سبيل حفظ الأمن في بلدهم و أناس أبرياء يسيرون ببراءة في الشوارع أو يٶدون واجبهم كمواطنين في أماكن عملهم.
بالأمس كانت الإنتخابات البرلمانية في كوردستان التي أجريت في أجواء مليئة بالأمان والفرح وفضاء يفوح منه عبير الديمقراطية ونفح الحرية وهذا ما يريد التيارات الإسلامية المتطرفة حرماننا منه بإعتبار الديمقراطية والقانون الوضعي و سيادة الشعب نوع من أنواع الكفر الأكبر.
یتصور أصحاب الارهاب وأتباعه انفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم ، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم ، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر ، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زوراً و تشبیحاً ، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم و أرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم.
إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم و شكل حكوماتهم ، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین الخ... فهُم یستخدمون العنف والإرهاب ، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً و انتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعاوی سخیفة و مزیفة، منها إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العراق و سوريا ،هدفهم تغییرالحیاة في مدینة المحبة والسلام أربيل الی جحیم، قتلاً وحرقاً وتدمیراً بصورة وحشية و مدروسة، لإستحالة الحياة الی جحيم لايطاق.
نحن نعرف بأن إرادة شعب كوردستان الأبيؔ في البناء وترسيخ الديمقراطية والتعايش السلمي لممارسة الحقوق والحريات الفردية أو الجمعية بصورة مدنية عقلانية تداولية أقوی من كل تلك المحاولات الفاشلة التي تمارس من قبل القوی الظلامية وأصحاب فلسفة الجُبن ، الذين لايٶمنون بمنطق الحوار ولا بالشراكة.
لهذه العملية الشرسة واللاإنسانية دلالتها الرمزیة وأبعادها الثقافیة. والذین یقفون وراءها والذين يٶيدونها سرؔاً ، وهُم للأسف غير قليل في العدد ، یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی حدود الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر ، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء ، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة ، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض ، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا ، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات.
إنهم یریدون برسالتهم "الجهادیة" هذه‌ أن ینصاع المواطنین المدنیین المسالمین و مأموري الحکومة إلی أوامرهم ویتخلوا عن کونهم أُناس عاقلین مستقلین، قادرین بالفکر الحي والعمل الصالح أن یفعلوا ویؤثروا في صناعة كوردستان نموذجي وآمن في المنطقة ومجتمع كوردستاني متقدم بصورة خلاقة و ایجابیة. إنهم یریدون إدخال الناس الی سجنهم العقائدي وضّمهم الی القطیع البشري، کي ینفذوا بصورة آلیة مایملي علیهم من الفتاوی والأحکام، إنهم مع العماء والإرهاب.
فهل هناك أکثر عدوانیة وجهنمیة أو أشد ظلماً وجُحوداً و کفراً من مجموعات یدّعي افرادها الإیمان ، وینصّبون أنفسهم وکلاء علی الأکثریة الساحقة من بني البشر، لکي یدینوا ویعاقبوا ویذبحوا الأبریاء بإسم شرع الله أو للفوز برضوانه وجنته؟
أتمنی من أهالي أربيل والمدن الكوردستانية الأخری بمختلف بقومياتها وطوائفها الدينية المتعددة التضامن مع البعض والوقوف صفاً واحداً ضد الإرهاب والفتنة و تقف بالمرصاد لكل المحاولات الفاشلة من طرف القوی الغاشمة التي تريد النيل من تجربتنا الفتية للحفاظ على أمن كوردستاننا الغالي.
الدكتور سامان سوراني   

64
الطريقة النقشبندية بين الظاهر والباطن أو الممنوع والممتنع

إذا إنطلقنا من فهم للحقيقة مبنية علی التطابق بين الفكر والواقع ، بين العقل والمعقول ، بين الكلمات والأشياء فسوف نقع في أفخاخ اللغة ، لأن الحق يمتلك فوق الدلالة المنطقية الإبستمولوجية (المعرفية) دلالة أنطولوجية (وجودية) و دلالة حقوقية أيضاً ، لأنه هو الوجود الذاتي واليقين العقلي والحكم العادل. المعنی الانطولوجي يجرنا للقول بأن الحق يُشهد و لا يُعلم ، ينكشف ولا يُثؔبت، يتأول ولا يُبرهن، أي أنه يعرف بالكشف والمشاهدة ، لا بالبحث والنظر.
الباحث في التصوف يدهش كثيراً عندما يری النهج الذي يسلكه المتصوفون للوصول الی الحقيقة العليا دون أن يعرفوا ماهو التصوف ومتی نشأت هذه العبادة. فالتصوف يشبه الی حد كبير الصورة الروحانية التي إنفردت بها الروحانية الهندية. وهي مرتبطة أحكم ارتباط بمذهب "الفيدا" ، كتاب الهند المقدس ، و بمذاهب الهنود المختلفة في تلك العصور. للأسف هنا لا مجال للبحث العميق في الأصول الغربية والشرقية للتصوف وكيفية إنتقاله الی المجتمع الإسلامي وأسباب تطرفه. مايهمنا ذكره هنا هو مجاهدة الإنسان الهوی و الإشتغال علی الذات لتغير نمط الحياة وإستثمار الطاقات الإبداعية للتحول من كون الإنسان مجرد ذات أو موضوع نفساني الی كونه ذاتاً راغبة تفحص عن الحقيقة والإنتقال الی الصعيد الحقاني والتحول من لذة الجنس الی لذة الفكر والنص ومن متع الايروس الی متع اللوغوس للتخفيف من المركزية و النرجسية والإدعاءات المثالية والمتعالية بنزع عباءة القداسة والعصمة والألوهة والكف عن ممارسة الوحدانية والوصاية وإحتكار المعنی.
نحن نعرف بأن المجتمعات المعاصرة لاتعاني اليوم من نقص في القيم المتعالية والمبادیء الروحانية ولا تعاني من غياب الله وبقية المقدسات الأخری كالتراث والوطن والهوية، التي تكاد تحول الحياة في أكثر من مكان الی أفخاخ و كمائن إن لم نقل الی مصائب و كوارث. والعملات العقائدية التي هي مصدر مصائبنا وكوارثنا تباع و تشتری وتتاجر في أسواق البورصة والهرج ، فما علینا إلا أن نفكر بطريقة مغايرة لمعالجة أزماتنا.
فما نظنه هو الحل نراه هو العلة والمشكلة. فنحن اليوم أحوج من أي زمن مضی الی عدة فكرية و روحية جديدة ، بمفاهيمها و طرقها و حقولها واستراتيجياتها. ومن غير إهتزاز في البنی الفوقية والمنظومات الرمزية والقواعد الخلقية لايمكن أن ننتظر أي تغير لأسباب الحياة وطرق المعاش وأنظمة التواصل المجتمعي.
تعرؔف النقشبندية من قبل مشايخها بأم الطرائق ومعدن الأسرار والحقائق ، تضع هذه الطريقة، التي هي من أكثر الطرق الصوفية إنتشاراً في الوقت الحاضر، أمام سالكیها أصول جامعة ، علیهم ممارستها للوصول الی درجات التوحيد بدعوات الی العبودية التامة ظاهراً و باطناً. من الأصول مثلاً إطلاع المُريد علی إستمرار الزمن وعلمه بالأحوال التي يمرؔ بها من حضور مستوجب للشُكر و غفلة مستوجبة للمعذرة. وشعور الذاكر عند ذكره بعدد الذكر و توجه قلبه الی المذكور و الإستمرار في المراقبة من دون الإلتفاف الی الغير وعدم النظر الی الآفاق أثناء السير وحفظ النفس عن الغفلة والتخلؔي عن الخلق للتوجؔه بسفر ظاهري وباطني الی الحق والإنعزال مع الذكر المستمر بالنفي الإثبات وملاحظته والرجوع الی المذكور حتی يتمكن القلب أن يحضر مع المذكور و مشاهدة الأنوار الأحدية. أما عن الطريق المراقبة فيستطيع قلب السالك أن يلازم معنی اسم الذات الالهية فبفضلها يتمكن من تنوير باطنه بنور الهداية. وبدون المراقبة، التي هي علی شکل درجات، لا يصح الكشف حسب رأیهم. فالنقشبندي، الذي ينقش الذات والصفات والأسماء والأفعال والأحكام ، يتوق الی معانقة الحق لأنه يری فیه الوسيلة الوحيدة لخلاصه من الواقع المرفوض وغاية الطريقة هي الوصول الی الفناء.
التفكير يبقی دوما إختراق للحدود وإجتراح للإمكان بالطرق علی أبواب الممنوع و إقتحام مناطق الممتنع. فالممنوع هو في نظرنا خارجي متمثل في القيود المفروضة من قبل جهات أو سلطات سواء كانت سياسية أم دينية ، مادية أو رمزية. أما فيما يخص الممتنع فهو علی شكل عوائق متمثلة بعادات الذهن وآليات التفكير وقوالب المعرفة. فالتحرر من سلطة الأفكار تتحقق بممارسة إختراق "الممتنع الذاتي" وهكذا يستطيع الفرد أن يمتلك حرية الفكر. والمقاومة التي تمارس ضد "الممنوع الخارجي" تولد الحرية التي تنجب التحرر من علاقات السيطرة. نحن نعرف بأنه لا يمكن أن تمارس شیئاً من غير نظرية ولا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجة. لا يصح النظر الی الطريقة النقشبندية علی أنها نقيض للعقل، فهي محاولة للتعبير عن مأزق هذا العقل الذي لم يتح له إمكانية أن يتعقل مايحصل و يُحس و يرغب، فمجال العقل هو المجال المحسوس والعيني فقط ولا يمكن الخلاص من مأزق العقل حسب تعاليم الطريقة إلا بالفناء عن الذات أو الإنفلات من عالم الواقع. للإنسان إرادة كما للخالق إرادة والعقل علیه أن يبرر الرغبة البشرية مادام لايستطيع أن يقهر رغبة السلطان القادر.
وختاماُ نقول: لاتلغی الإرادة فهي بحسب تعاليم العالم والمحلل النفساني النمساوي سيغموند فرويد (١٨٥٦-١٩٣٩) تتسامی و ترغب في الخلود والأبدية والخروج من زمن الأشياء. وهذا هو معنی التوحد مع الحق والجمع به. وما العارف إلا ذلك الإنسان الذي ينطق عن سرؔك وأنت ساكت.
الدكتور سامان سوراني


65
المرأة الحديدية الجديدة و نتائج الانتخابات البرلمانية في المانيا

بالرغم من أن حق الإنتخاب علی حد تعبير الفيلسوف الألماني إيمانویل كانط (١٧٢٤-١٨٠٤) يمكن أن يٶدي الی التعبير من خلال ممارسة الاقتراع العام الی إرادة عامة تقريبية ، إلا أن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو (١٧١٢-١٧٧٨) يخالف هذا الرأي بحجة أن شعباً من الآلهة قادرعلی أن يحكم نفسه بصفة ديمقراطية وحكم كامل لا يتلاءم مع البشر. مع هذا عليه العمل في سبيل المزيد من التطور نحو إحترام أفضل للإرادة العامة لأنه به تقاس الديمقراطية.
في يوم ٢٢-٩-٢٠١٣ توجه نحو 62 مليون ناخب ألماني إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات التشريعية. نتائج هذه الإنتخابات تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشرعلى مستقبل دول أوروبية أمثال بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا واليونان والكثير من الدول الاوروبية الأخرى ، وإن كانت هذه الدول لا تملك حق التصويت بالطبع في هذه الانتخابات، نظرا لكونها انتخابات ألمانية صرفة وسوف نشاهد في المستقبل القريب هذا التأثير علی تلك الدول ، لأن بعضها لم تتعافی بعد من الأزمة المالية التي مرؔت بها ، وكيفية تناول حكومة المانیا للمرحلة التالية من تلك الأزمة.
السيدة التي حظيت بإهتمام سياسي بارز خلال هذا الحدث التاريخي هي المستشارة انجيلا دوروتیا ميركل (المولودة عام ١٩٥٤ في مدينة هامبورغ) أو ماتسمی عند البعض بـ"المرأة الحديدية الجديدة" والتي فازت بولایة ثالثة من أربع سنوات علی رأس أكبر اقتصاد أوروبي.
هذه المرأة الصعبة المراس و الكتومة علی نحو غير معتاد حاصلة علی شهادة الدكتوراه في الفيزياء ، تمتاز بذكاء و دینامیكية ، تنخرط دوماً في صناعة الواقع و تقوم بتواظب بخلق وقائع تخرق الحدود المرسومة والشروط الموضوعة وتكسر القوالب الجامدة والنماذج المستهلكة، التي تشل طاقة الفكرعلى ابتكار الحلول بصورة غير مسبوقة.
بدأت نجمة هذه السياسية الأهم في العالم تتصاعد عام ١٩٨٩بعد هدم جدار برلين الذي كان الحد الفاصل بين دولة المانيا المقسمة الی الشرقية الإشتراكية والغربية الرأسمالية وكان عمرها آنداك ٣٥ عاماً.   
انضمت ميركل عام ١٩٨٩ لحزب نهضة الديمقراطية (بالألمانية: Demokratischer Aufbruch) وبعد أول انتخابات حرة جرت في المانیا الشرقية أصبحت هي المتحدثة باسم الحكومة المنتخبة تحت رئاسة لوثر دي ميزيير.
أما بعد الوحدة الألمانية فانضمت ميركل بسرعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والذي ترأسها منذ عام ٢٠٠٠ لتصبح بعد ذلك أول سيدة و بروتستانتیة ترأس حزب مٶسس عام ١٩٤٥ من الكاثوليك بهدف تجميع قواهم المسيحية الخارجة من أتون الحرب العالمية الثانية في كیان واحد ، الحزب الذي طالما اشتهر بكونه عالماً للذكور و للعلم تشغل ميركل منذ عام ٢٠٠٥ منصب المستشار في بلاد الشعراء الفلاسفة أمثال يوهان فولفغانغ فون غوته (١٧٤٩-١٨٣٢) و يوهان كريستوف فريدريش فون شيلر (١٧٥٩-١٨٠٥). 
الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يشدد في مقدمة قانونه الأساسي على أنه حزب ديمقراطي ليبرالي ومحافظ يلتزم بقيم عصر التنوير الأوروبي تقدم في الإنتخابات علی الحزب الإشتراكي الديمقراطي يريد بعد تشكيل حكومة إئتلافية، لأنە لم يحصل علی الأكثرية المطلقة ، تنفيذ برنامج إصلاحي. 
انجيلا ميركل ، المنتصرة الآن في موقع قوة للتفاوض حول ائتلاف ، بعد حصول حزبها علی (٤٢،٣) في المئة من الأصوات أي (٣٠٢) مقعداً من أصل (٦٠٦) مقاعد برلمانية، و علی الأكثر مع الاشتراكيين الديموقراطيين (25,7 في المئة) كما في ولايتها الاولى بين 2005 و 2009.
أما حلیفها السابق، الحزب الديموقراطي الحر أو الليبرالي، فخرج من البرلمان بعد فشله للمرة الاولى ما بعد الحرب في الحصول على نسبة الـ 5 بالمئة اللازمة حيث لم يحصد سوى 4,8 في المئة.
والحزبين الخضر واليسار المتشدد ، الذين تراجعا بحصولهما علی (8,4 في المئة للخضر) و (٨،٦ لليسار المتشدد) بسبب سوء استراتیجية حملتهما الإنتخابية ، فيأخذان لا محالة دور المعارضة لمدة أربع سنوات.
وهنا لابد من ذكر حزب جديد معارض لليورو يحمل إسم "البديل من أجل المانيا" تأسس قبل أشهر قليلة من الإنتخابات يٶكد علی الخروج من منطقة اليورو لينقذ الألمان حسب إدعائه من "خطر الأزمات الإقتصادية" التي تلازم العديد من الدول الأوروبية، الذي أثار بسبب قفزته النوعية والكبيرة بحصوله علی ( 4,7  في المئة) من الاصوات حالة من الإندهاش والتساٶل لدی الكثيرين. 
فهذا الحزب تمكن في خضون ٤٨ ساعة من جمع مايقارب ٤٣٢،٦٧١ یورو من تبرعات المٶيدين لبرنامجه ، منه ١٣٦،٢٢٧ يورو جمع بواسطة نظام PayPal الإلكتروني. "البديل من أجل المانيا" يعمل من أجل الخروج في انتخابات برلمان أوروبا ، التي تجری في مايس ٢٠١٤، برصيد مرموق رغم إستخدامه لبعض مصلحات سلبية تعود الی زمن الرايخ الثالث و رغم تحفيزه المشاعر القومية لدی شريحة معينة من الشعب الألماني المخالف لفكرة الإتحاد الأوروبي.
هنا نری بأن القوی والكيانات المتعثرة في هذه الإنتخابات سوف تتوجه منذ الآن نحو بناء الذات السياسية و تقوم بتجهيز کيانها الحزبي للإستحقاقات الإنتخابية القادمة.
إن دمقرطة البلدان تتم بتنشيط الفضاء المواطني والمساهمة البناءة ، لا بهجر النزاهة والإبتعاد عن التواضع الوجودي وعدم إحترام الرأي المعارض. فمن دون الإختلاف في عصر الاعتماد المتبادل والتشابك في المصالح والمصائرلا وجود للتحالف والوحدة و العقل التواصلي والتبادلي يمهد الطريق للإنتقال بسلام و تعايش نحو المستقبل.
وختاماً قالت هذه القيادية الحكيمة الفائزة في الإنتخابات ، بعد أن عم الفرح والسرور أرجاء صالة حفل حزبها "المنتصر": "كما ترون من حقنا ان نحتفل ، لكن كفانا إحتفالاً بهذه المناسبة العظيمة فأمامنا الكثيرمن العمل غداً."
الدكتور سامان سوراني

66
رحيل عميد الأدب الألماني مارسيل رايش - رانیتسكي

بالأمس (١٨-٩-٢٠١٣) رحل سيد الكتب و "بوب ستار" الأدب ، المٶلف والناقد الألماني مارسيل رايش - رانيتسكي (١٩٢٠-٢٠٠٣) عن عمر ناهز الـ ٩٣ سنة. 
تعامل هذا الناقد البارع والحصيف مع اللغة كوسيلة الی غاية بغض النظر الی الطريقة المستخدمة كونها غاية بذاتها، نصوصه كانت تخاطب ذكاءنا وتحسسنا بالتناقض الإنساني الظاهري وكيف لا وهو الذي كان معجباً حد الإفراط بالفنان وعبقري اللغة الألمانية توماس مان. وهو القائل عن رواية "الجبل السحري" التي نشره توماس مان بعد نحو ربع قرن من نشر روايته "آل برودنبروك"  بـ"إنها قمة لم يصل إليها أحد من قبل في تاريخ الأدب والفكر والثقافة بألمانيا".
تقيمه لتوماس مان موضوعي لا مبالغة فيه، لأن هذا الكاتب البارع هو صاحب الروایات العالمية المهمة مثل "الموت في البندقية"، "الدكتور فاوستوس"، "لوته في فايمار"، "يوسف واخوته" (بأربعة أجزاء)، "طونيو كروجر"، "البطة السوداء"، "فيلكس كرول"، "ماريو والساحر" وغيرها.
عمل مارسيل رايش - رانتسكي في العديد من كبريات الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعية المتخصصة ودار لعقدين من الزمان “ الرباعية الأدبية” وهو برنامج تلفزيوني شعبي جداً و حصل بسبب مٶلفاته و بحوثه الأدبية والنقدية الغزيرة و مساهماته في إدارة العديد من الانطولوجيات الأدبية علی الكثير من الجوائز الأدبية المرموقة في داخل و خارج المانيا.
لم يكن مارسيل رايش - رانتسكي ، الذي عاش و مات من أجل الأدب ، يرفع صوته عالياً مدافعاً عنها، هاباً لنصرتها، عندما تهددها قوى الجهل والبطش والبربرية ، صاحب نظرية جديدة في الأدب ولم تكن كتبه فتحاً مبيناً في النقد الأدبي، لكن براهينه النقدية و لغته التهكمية كانت رقيقة و دقيقة التكوين ، رصينة التعبير ، مصونة في جمل ثورية تعليمية و هادئة في آن واحد و متينة البنيان وواضحة بوضوح يجانف المعميات بفهم يتعارض مع الإبهام و تخرج علی یدیه غالبية مسؤولي الصفحات الثقافية الألمانية اليوم.
كان يكره النازيين بشكل قاتل ، لأنه فقد أقارب له في معسكرات الإبادة النازية ، لكنه يحب الشعراء الألمان أمثال غوته و شيلر حد الجنون. أما هجماته وأحكامه النقدية علی كتاب و شعراء كبار أمثال غونتر غراس الحاصل علی جائزة نوبل للآداب (١٩٩٩) بسبب روايته المشهورة "الطبل الصفيح" أو رولف ديتر برنكمان المجدد الأدبي الثوري فقد كانت بمثابة طلقات مسدس يجرح بها من طرف المعنيين و يجذب من الطرف الآخر مئات الألوف من القرؔاء.
لذا قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في نعيها له ، "بوفاتك نفتقدك  أيها لاصديق، الذي لا شبيه له في الادب ولا في الدعوة للحرية والديمقراطية".
إذن سيبقی مارسيل رايش - رانتسكي ، الذي أشادت كبار الشخصيات العامة في ألمانيا بمناقبه ، حتی بعد رحيله لدهر طويل أسطورة النقد في المانيا و صحراء النار في الأدب الألماني ، لأنه استطاع ببحوثه النقدية أن يصهر الكتب الأدبية والحياة في بوتقة واحدة، بوتقة الأدب والحياة.
و ختاماً لكم مثله الشهير القائل: "المال لا يجلب السعادة، ولكني حين أكون حزيناً أفضل البكاء في التاكسي وليس في المترو."
الدكتور سامان سوراني

 

67
السلطة و المعارضة السياسية و غياب المشروع السياسي

من النافل القول أن هدف كل معارضة سياسية في كل مكان و في كل الأزمان هو الوصول الی السلطة أي سلطة الدولة ، فلا وجود لحزب أو تيار سياسي هدفه الحصري التبشير بفكرة علیا أو الدفاع عن مبدأ أجتماعي أو ثقافي إلا بمقدار مايكون هذا التبشير و هذا الدفاع جزءاً من عملية سياسية مشدودة الی الهدف النهائي وهو السلطة.
السياسة هي مرآة المجتمع ، لا يمكن أن ينظر اليها كفاعلية سلطوية و سلطانية أو حزبية فقط بل هي قبل كل شيء فاعلية اجتماعية ومجتمعية. أن نشأة المعارضة في المجتمعات الإنسانية ، كأداة من خلالها يتم كبح جماح اي سلطة ما ، مرتبطة بنشأة السلطة. وللمعارضة السياسية علاقة وثيقة بالديمقراطية فهي تُعد جزء أساسي وشرعي من النظام السياسي الديمقراطي.
ففي الديمقراطيات الغربية، التي تجاوزت الی حدؔ ما الديمقراطية التمثيلية نحو الديمقراطية الميديائية، نری بأن السلطة والمعارضة هما قطبان جدليان في وحدة تناقضية يحمل كل منهما إمكانية أن يصير الآخر. فهما تنتميان إلى مجال سياسي مشترك ، هو المجال الذي ينتجه المجتمع ، ويعبر عن فاعليته السياسية الحرة الواعية والهادفة. وهناك طلب متزايد ومستمر علی دور المعارضة وفاعلیتها. الهدف منه هو صون الحياة السياسية من الإضطراب و مدؔها بأسباب الإستقرار. فوجود المعارضة يعني قوة توازن ضرورية في الحيز السياسي أو المجال العمومي لأنها لا تصبح عبء أو مصدر إزعاج لإستقرار السلطة. فالسياسة كالطبيعة في المنظور الأرسطي تخشی الفراغ والمعارضة هي الأثير الذي يملي هذا الفراغ الناجم من وجود سلطة منفصلة عن المجتمع و لو بشكل جزئي، لذا علیها بوصفها البديل السياسي للسلطة القائمة أن تصون الصورة الإعتبارية التي لديها عن نفسها أو لدی الجمهور عنها.
أما فيما يخص السلطة و أحزابها فإنها إن عجزت عن التأقلم مع تحولات الفكر والسياسة والواقع في عالم إعتاد علی التحول المستمر فسوف تنكمش بالنتيجة علی نفسها و تجترؔ بداهتها دون مراجعة و تدقيق وكأنها حقائق مطلقة منزؔلة أو مسطورة في كتاب مبين وهكذا تعجز عن التأقلم مع التحولات المجتمعية وموجات أجيالها الجديدة لاخارجة من رحم حقبة من المآسي والكوارث. وهنا نری استمرار خطاب المعارضة الشعاراتي في ترديد أوراده و أذكاره الغير منسقة حول التغيير الشامل و الأهداف الكبری تُزيد من هربها نحو الأمام في مفارقة صارخة تشبه مفارقة التلازم بين الهزيمة والبطولة في الوعي المجتمعي، كأنه التوازن بين ما يجب ، فيدعو للفيل إن حوصِرَت النملة.
إن تكرؔس البيروقراطية والتسلط الإداري وإنعدام آلية التداول الديمقراطي للمسٶولية داخل الأحزاب تمنع إمكان تجدد الدورة الدموية في شرايين الأجهزة الحزبية.  و بهذا لا يصل الغذاء الكافي الی أعضاء تلك الأجهزة فيقع مايشبه التصلب القاتل في شرایینها. و المآل هو غياب الديمقراطية في الحياة الحزبية الداخلية لتلك القوی.
ففي ظل غياب الديمقراطية تتعرض الوحدة الحزبية الی خطر التمزيق و الإنشقاق ، بعد أن لا يجد الرأي المعارض إمكانية التعبيرعن نفسه في الأجهزة التنظيمية و في الإعلام الحزبي أو حين يتعرض أصحابه الی التهميش أو التعتيم أو الإبعاد أو الطرد أحياناً و یبقی الملاذ الوحيد كما ينتظر الإستقلال التنظيمي أو الإنشقاق عن الحزب. أما فيما يخص الإستتباع السياسي فمن الضروري أن يمتلك الحزب قراره السياسي المستقل وهنا لا نعني بالإستقلال إمتلاك الحزب استقلاله التنظيمي فقط بل تمثيله السياسي الصادق لمصالح قسم أو جزء كبير من المجتمع ، فبدون صون الإستقلال السياسي يفقد الحزب المعارض والمتواجد في السلطة مصداقية التعبير عن القاعدة الإجتماعية التي يفترض أن يمثلها ، و هكذا ينحو بإتجاه تزوير وظيفته السياسية-الإجتماعية و يسقط في آلية من الإستبدال الوظيفي ليتحول الی قوة تعبر عن مركز أو موقف خارج عن التمثيل الأصلي الخاص به.
علینا أن لا نستسلم للتفسيرات التي تحجب و لا تفسر بثوابتها القديمة و عناوينها الحديثة، لأن بناء الوحدة الوطنية و إنهاض الخطاب الوطني الموحد ينظم بمشروع سياسي ذو رٶية متماسكة يقلل من أهمية الشعارات السياسية الخاوية ويزيد من نظرية النظام الديمقراطي. فالعمل السياسي لا يملك أن يكتسب أسباب الفاعلية والتأثير إلا إذا كان مستنداً الی مشروع سياسي و إجتماعي يبرؔره و يٶسؔس له عوامل النجاح. لنعترف بالواقع إذا شئنا معالجته أو تدبيره ، فطريق التغيير الديمقراطي لايمكن أن يقتصر من خلال ركوب موجة الضغط المنطلقة من حماسات الجهات المعارضة والمركبة علی حوامل خارجية تشتغل ببطاريات أجنبية  والنضال الديمقراطي يقتضي نفس طويل و ماعداه يجلب الإنتكاس و الإخفاق. الديمقراطية ليست الترياق الشافي من جميع الآفات بل هي نظام من بين الأنظمة داخل الفضاء الاجتماعي المركب ، قد لايصلح لمختلف دوائر المجتمع و مٶسساته، فهو نظام لإنتاج الفاعلية السياسية و لممارسة السلطة و إن نجاح الديمقراطية رهن بتوفير ميزان قوی يرفده و يحميه و يفتح المسارب و الأنفاق أمام تدفق حركاته. والنظام الديمقراطي يستحيل الی الضد مالم يتعامل الناس، أفراداً و جماعات ، مع أنفسهم بوصفهم فاعلين إجتماعيين يعبرون عن فاعلیتهم السياسية عبر التفكير الحي والعمل المتقن.
وختاماً يقال: إن فاقد الشيء لا يعطيه وأن الحزب المطعون في ديمقراطيته الداخلية لا تملك أن تقدم للمجتمع بديلاً ولا مشروعاً ديمقراطياً.
الدكتور سامان سوراني

68
مستقبل الفلسفة بين المراجعة التاريخية والسياجات الدغمائية

عندما سئل الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859 - 1941) ذات یوم عن أحسن كتاب سيصدر بعد عشر سنوات ، كان جوابه كما ينتظر من فيلسوف، "لو كنت عرفته لكتبته أنا". هذا ما يدفعني أن أقول، لو كنت أعرف مستقبل الفلسفة بالشرق الأوسط لسعيت اليوم في تهیئة الجو لها، لكن هیهات، فمستقبل الفلسفة في هذه البقعة من السكينة المليئة بالحروب والصراعات العقائدية والطائفية والنفسية الدنيئة مرتبط بمستقبل الثقافة والتطورات السياسية  والإقتصادية والإجتماعية.   
بما أن الفلسفة هي الفكر الذي يجلب نفسه الى الوعي و يجعل نفسه موضوعا لنفسه ، بل هي عرض لتطور الفكر كما هو في ذاته لذاته ، دون أية إضافة ، وأن تاريخ الفلسفة مع الجهود التي بذلت آلاف السنين وما أنتج فيها ، هي محصلة كل ما حدث في الماضي ونتيجة ما سبقها إلا أننا نراها كبحث عقلي عن حقائق الموجودات لمعرفة البداية والنهاية والحاجة إليها اليوم أشد من أي وقت آخر. هذه الحاجة مرتبطة طردياً بالأسئلة التي تواجه الفكر والعقل.
يری الفيلسوف الألماني جورج ويلهلم فريدريش هيجل (١٧٧٠-١٨٣١)، أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، أن أساس الحاجة إلى الفلسفة هو حاجة الحداثة إلى الوعي بذاتها وبمظاهر حدتها وبأسسها المعيارية.
 فالفلسفة مدعوة إلى أن تتعقل زمنها Penser son temps وأن تترجم عصرها وزمنها إلى أفكار.
أما المعرفة الفلسفية هي معرفة شمولية تسعى باستمرار لتصور القضايا بكل مظاهرها و أبعادها. في الشرق الأوسط نری بأن التخلف كمشكلة متجذرة یغطي جميع مناحي الحياة والفكر لا يمكن حله من دون السعي الی إيجاد حل قطعي للتزيف الايديولوجي الساعي الی قصر مشاكل التخلف بإستمرار والتردي في بعد واحد.
التفكير الفلسفي لا يعرف مناطق محرمة فهو منفتح علی كل المنافذ والأسئلة و يرفض الإخفاء والتستر و جمود الإجابات أو قمع الأسئلة أو المكابرة المرضية التي تعانیها الثقافة في الشرق الأوسط، تلك الثقافة التي منعت المنطقة من التطور في العلوم والبحوث و جعلتها منطقة فكر ديني ولغوي دفاعي تكراري واجتراري قائم على التلخيصات والتهميشات.
ولم يشذ تلك الثقافة الشمولية عن هذا الإطار طيلة قرون من الزمن بحيث جعلت غياب الحكمة من أبرز سماتها و أدت في النهاية الی سيادة نمط واحد محدد من أنماط التفكير أو شيوع التفكير اللاعقلاني وغياب المنطق وحضور الخرافة  المٶدية الی منع تغلغل التفكير العلمي السليم في أذهان الناس وحياتهم العامة على المستويات والطبقات كافة والمعمِّقة لمشاعر الإستنقاص ونزعات الفرار من الذات.
 إن نشر الفكر الحديث وإشاعة الحداثة الثقافية و وعي حداثي مبني علی أسس فلسفية للإنتقال من فكر التكرار والإجترار والنقل والتذكر والسرد الی فكر التحليل والتعليل والنقد و هجر الدغمائیات والحقائق القبلية الجاهزة والمسلمات الفكرية والثوابت الظلامية‏ ‏يمهد الطريق لتبنؔي التفكير النقدي المعتمد علی المناهج والمفاهيم الحديثة للوصول الی باب توسيع دائرة المفكر فيه لا دائرة المهمش والمنسي والمقموع فقط ، بعد مسح السياجات الدغمائیة التي تحرسها قوی التقليد والمحافظة الواعية بذاتها.
إن توجيه التفكير إلى الماضي و العيش في النهج الأبوي التقليدي القديم لا تفيد في حل قضايا العصر المستجدة. علینا بالدعوة إلى الاهتمام بالحاضر والآني والمتحول أو بما أسماه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926 ـ 1984) أنطولوجيا الحاضر أو الراهن  وهو الذي تتبع في دراسة له حول فلسفة الأنوار (سنة 1983) جذور فكرة ارتباط الفلسفة بالآن، لأنه كان مٶمن بأن العالم الجديد يبنی بالتفكيك و يستمد مشروعیته من ذاته. 
وأن تنازل الإنسان عن أستخدام عقله في بناء المجتمع والدولة و المٶسسات يتحتم علیه العيش في ظل وصاية من يقوم بالأشياء بدله فلا عجب من أن يتحول هذا الإنسان الی شخص تابع، عديم الإرادة والحرية . فالعقل هو مرادف للحرية والإرادة والذي يستخدم عقله صاحب إرادة حرة، أما مهامه فيجب أن يتعدی المهام الكلاسيكية لتكون عالمية و إنسانية و خاصة في المجالات المرتبطة والمختصة بالقيم  والغايات الأخلاقية والمثل والأحلام والأهداف المستقبلية التي يمكن الإجماع علیها ليستطيع المحافظة علی عریته والدفاع عنها وإلا سيكون المآل السقوط في الهاوية كسقوط فلسفات سيئة الحظ التي تبنتها سلطات ارهابية في ظل النظم الأيديولوجية المتحجرة والنظم الطاغية المتخلفة.
وختاما نقول مع المفكر المصري الدکتور فٶاد زكریا (١٩٢٧-٢٠١٠)، الذي كان متحصناً بالعقل النقدي‏ و عاش ومات مناضلاً من أجل سلطة العقل:
«العقول لا تتغير من فراغ، فلا معنى لدعوة تغيير طرق التفكير عند الناس أولاً، ثم بعد ذلك تغيير الظروف والأوضاع، لأن الدعوة بهذا الشكل دعوة معكوسة، فالعقول لا يعاد تشكيلها بقرار فوقي أو خطة طويلة المدى، العقول لا تبدأ التغير إلا بعد أن تتغير الأوضاع من حولها».
الدکتور سامان سوراني

69

المٶتمر القومي الكوردستاني في زمن الفيروسات المعلوماتية والحروب السيبرانية

ما نلاحظه اليوم هو وقوف منطقة الشرق الأوسط بسبب الأحداث المتلاحقة مع الربيع العربي والمشاهد المتوترة علی مفترق طرق و تواجدها أمام حالة من السيولة السياسية غير مسبوقة.
الولايات المتحدة التي انتعشت آمالها في دور جديد بسبب تلك التغيرات لا تستطيع أن تحدد دورها بسبب غياب إستراتيجية واضحة المعالم و العجز الظاهر في تقييم المجريات بشكل دقيق ، لذا نراها تتبع سياسة خارجية متمثلة في عمل لاشيء و انتظار ما قد تقدمه التفاعلات الداخلية من نتائج. بالرغم من سعيها الدائم الی التربع على زعامة وقيادة العالم كما تشاء من دون أن يشاركها أحد في ذلك و إدعاء الی توجيه
ضربات ضد نظام الاسد المتهم بتنفيذ هجوم فتاك بالسلاح الكيميائي ضد مواطنين أبرياء.
أما روسيا و حلفاٶها فتأثيرهم واضح في المناطق الشبه مفككة من الشرق الأوسط، يعملون لیل نهار بجدية و فعالية لرفع ثمن تعاونهم التكتيكي. 
الی جانب كل هذا هناك بلدان تسعی في التأثير علی الفضاء الإلكتروني ، الذي يمثل التهديد الأكبر في المستقبل، بعد أن أصبح هذا الفضاء ميداناً جديداً للحرب والوعيد. فالولايات المتحدة تسير نحو استراتيجية تمكنها بواسطة الفيروسات المعلوماتية من شل البنية التحتية لبلد ما بشكل يفوق ما تحققه القنابل وهناك هجمات تقودها الصين الشعبية تسمی بالقرصة الحاسوبية تهدف التجسس واكتشاف الثغرات ومواطن الضعف عند الآخر أو التخريب. ولقد قامت في الآونة الأخيرة ما لا يقل عن ثلاثين دولة بتشكيل وحدات متخصصة مهمتها التصدي للهجمات وأيضا القيام بشن هجمات الكترونية مماثلة. وهناك دول تشارك بعضها البعض المعلومات للحد من المخاطر و التهديدات، وبالإضافة إلى الصين والولايات المتحدة، هناك أيضاً روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وإسرائيل والهند، كلها تقوم بأنشطة في المجال.
أين كوردستان و "المٶتمر القومي الكوردي الأول" من كل هذه التطورات علی الساحة السيبرانية؟ 
بداية نقول: من يقف ضد مفهوم الدولة في الفكر الكوردستاني يفتقر الی المصداقية والمشروعية والفاعلية في ما يرفعه من الشعارات، إذ هو لا يحسن سوی طعن الديمقراطية ولا ينجح في الاسهام الايجابي في الحداثة، فضلاً عن كونه أبعد ما يكون عن العالمي.
فبعد الاجتماع الموسع بتاريخ 22 تموز ٢٠١٣ تم تشكيل لجنة تحضيرية متضمنة ٢١ عضواً للمٶتمر القومي الكوردي بهدف تهیئة الأرضية المناسبة للعمل علی مشروع يتضمن التخطيط الاستراتيجي الدقيق لإسترجاع كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والتراثية واللغوية والثقافية المسلوبة للشعب الكوردستاني و طرح حلول ديمقراطية عصرية هادفة الی بناء مجتمع كوردستاني مدني ، حرّ و ديمقراطي للوصول الی الإعتراف بتلك الحقوق من قبل القانون والمجتمع الدولي. ما لا يجوز أن يكون له حضور في المٶتمر هو السعي الی مكاسب و مصالح حزبية ضيقة.
فالشعب الكوردي الآمن بوحدته والمٶمن بالتعايش السلمي بين شعوب الشرق الأوسط والنظام الديمقراطي كبديل للأنظمة الشمولية ينظر الی ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة السائدة عند بعض القوى السياسية بعين الذلّ والعار و يتطلع كباقي الشعوب الی خطوات بناءة للتخلص من الحيف التاريخي والاعتراف بهویته و التمتع بحريته. ومن اجل الوصول الی تفاهم حضاري علیه التعالي عن الصغائر، فالتحديات المستقبلية لا يمكن مواجهتها من غير السعي الی الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية.
ومن لا ينهض من تخلّفە الفكري و من لا يشخص الواقع ولا يكسر عقليات البيروقراطية الفوقية لإدارة شؤونه بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي لا يستطيع أن يجد مخارج من الأفخاخ والمآزق.
المٶتمر يجب أن يصب جلّ إهتمامه علی شخصية الفرد الكوردستاني ذاته و المجتمع من جميع النواحي لغرض تحقيق العزة و الكرامة و السعادة و الرفاهية لشعبه ولشعوب المنطقة و يجعلها دائماً تعيش في أمن و اطمئنان و رخاء و عيشٍ رغد. وكذلك توفير المناخ الديمقراطي و الأسس العلمية لدعم مشاركة المواطنين و توجهاتهم في أمور حياتهم، بالإضافة الی التخطيط الواعي و إلتزام القيادات بالأهداف الإستراتيجية المٶدية الی كسر التعارضات الخانقة، لإتقان صناعة التنمية و هندسة العلاقات السياسية والدبلوماسية بشكل يٶمن حق تقرير مصير الشعب الكوردستاني ، بعد فتح خطوط للشراكة الإستراتيجية المٶدية الی الحرية و الإستنارة والعقلانية.
نحن كشعب نعرف بأن الماضي هو زمن من أزمنتنا المتداخلة والمتعاصرة بشكل إهليلجي، بل هو طبقة من طبقات وعينا المركب الذي يمكن قراءته علی نحو جيولوجي، نمتلك إرادة التضحية والتاريخ شاهد علی مانقول. لكن الذي نحتاجه اليوم في عصر التغيير هو خلق إرادة المجازفة، لمواجهة التحولات والإستحقاقات و الإشتغال علی الهوية والذاكرة والتراث من أجل تحويل ذلك الی عمل منتج أو الی ممارسة إبداعية تتجسد في صناعة الإستقلال و نسج علاقة مع العالم راهنة و فاعلة، سيما أن العالم لم يعد كما كان عليه، بل هو يتغير بصورة جذرية و بنيوية متسارعة.
علينا بتثوير الإدراك وحرية الفرد الكوردستاني وإمتحان القِيَم قبل تبنِّيها، فثورة الإنسان على داخله، كما يراه الفيلسوف والكاتب الياباني المعاصر (Daisaku Ikeda)، هي الشرط الضروري للتقدم والمساهمة الفعالة في سبيل بناء الوطن.
أما قضايانا الوطنية والمصالح العمومية فيجب أن تدار بسياسة جديدة من مفرداتها ومفاهيمها و قواعدها الخلق والتحويل والتجاوز بعد أن سجلت نهاية لنظرية المؤامرة والأجندات الخارجية. علينا بشحذ العقول الكوردستانية و إنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد و الفحص.
الضرورة تدفعنا الی الإعتراف بالقوة الناعمة و إنشاء مراكز دراسات ومعاهد بحوث ومتابعة ، التي هي بمثابة مفاتيح الفكر وصناعة القرار المتخصص في المجالات الاستراتيجية ، لإنتاج دراسات و بحوث علمية رصينة لمعالجة الأزمات والمواقف وفق منظور علمي ومنطقي وموضوعي بهدف تجنب المفاجئة والأزمات.
وختاماً يقال: "إذا طعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة."
الدكتور سامان سوراني



70
سقوط إخوان المسلمين و انقشاع عهد الشعارات الدينية السياسية الخاوية

 من الواضح بأن الدولة العصرية و تنمية المجتمع العصري لا يمكن أن تبنی بأفكار الماضين و نماذجهم و أدواتهم. فالحكم بالإستناد الی الشريعة الدينية بغض النظر الی المصدر للوصول الی الحاكمية الإلهية أو الخلافة الإسلامية وسلطة المرشد الآمن بوجود طليعة إسلامية تقود البشرية إلى الخلاص، يٶدي الی عجز الإدعاء و مآله الفشل. 
"حزب الحرية والعدالة" الذي إدّعی بأن وراءه حشد بشري كـ"خميس بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أُذن الجوزاء منه زمازم تجمع فيه كل لسن وأمةٍ" بدأ بالتهويل و رفع الشعارات الإسلامية و طرح المفاهيم و الأفكار والأنماط المستقاة من نظريات سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي و هدد بسيفه بدايةً غرق في سحر السلطة من غير أن يقدر حجمه الحقيقي ووزنە السياسي. فإذا به مكون من مكونات المجتمع المصري لا غير وإذا ببطلان شعارات المشروع الأصولي الفارغة والخادعة حول شرعية الرئيس المنتخب بالأكثرية عبر الوسيلة الديمقراطية. فالفكر الأصولي القابع في عقول هدامة لا يمكن أن ينجح في تجارب المعرفة والديمقراطية والتنمية.
بعد ثورة ٢٥ ینایر ٢٠١١، التي جرت من غير قائد تاريخي أو بطل ملهم أو زعيم أوحد، يمارس الوصاية على الثورة ويحتكر السلطة ، تم مشاهدة أداء نواب جماعة الإخوان وسلوك قادتها ورموزها وتنصلهم من وعودهم التي أطلقوها أو اتفاقات أجروها مع قوی وأطراف أخری بالإضافة الی إعتماد الإخوان تحالفاً مع جماعات سلفية جهادية أو راديكالية و تعظيمهم مصالح الجماعة على مقدرات الدولة و فشلهم في إدارة أمور أكبر بلد عربي لمدة سنة.
إن بقاء "الإخوان" في واجهة المشهد سوف يٶثر فیه سلباً و المهتم بأوضاع مصر أو مايسمی بأرض الكنانة يعلم جيداً بأن عودة الجماعة مرتبطة بإنهيار الدولة و مٶسسات الجيش والشرطة أو عبر تدخل خارجي عسكري يأتي بها إلى القصور والبرلمان وهذا ما لا يمكن تصوره في المستقبل القريب.
من لا يريد أن يخدع نفسه يعرف بأن فشل تجربة "الإخوان"  لە آثاره و تداعياته علی الأحزاب الإسلامية في البلدان الأخری و حتی علی الأحزاب الاسلامية في کوردستان، التي لا تهتم بمصير أبناء جلدتها في غرب كوردستان أو ما يسمی بكوردستان سوريا بل تبكي علی عزل الرئيس محمد مرسي و سقوط نظامه ، الذي أراد أن يقبض علی الأمر في مصر ، فهي بذلك فقدت مصداقيتها و شعبيتها و أخفقت في حمل الأمانة و إدارة الدفة لتكون مرجعاً ومثالاً ومع هذا يعاند قادتها و رموزها و يستخدم الأساليب المتنوعة تحدياً للفشل الذي وقعوا فيه ومارسوه.
في تصورنا هناك قواعد حاكمة يجب أن يخضع لها الجميع و خاصة إخوان المسلمين والذي يسعي متطرفوهم وراء شهوة إقصاء كل طرف آخر إلا الحلفاء من دعاة العنف وأصحابه لفرض قواعد شاذة من خلال العنف والإرهاب في مواجهة النقاش المتعقل والحوار الصريح البناء و كلام قادتهم يعيدنا إلى ما قبل الثورة، أي إلى نظام الاستبداد الذي طوت صفحته ثورة يناير.
و مشروع إقامة الدولة الثيولوجية ، الذي سعی الیە الدكتور محمد مرسي والذي ركؔز على «الأخونة» من دون التنمية وخلق المشاكل وفجؔرها بدلاً عن حلها، و يسعی اليه آخرون في غير مكان من غير جدوی ، فانه يحمل الإسلام ما لا طاقة له على حمله، ويسيء إليه بقدر ما يؤدي إلى انتهاك القيم الدينية على يد حراسه وحماته.
الرصاصة التي خرجت من السلاح بعد بيان الفريق عبد الفتاح السيسيوإقرار عزل الرئيس مرسي لن تعود اليه، لذا من المستبعد أن ننتظر عودة الرئيس المخلوع مرسي الی سدة الحكم في مصر، فالعجلة تدور ولاتتوقف حتی وأن أصرؔ الجماعة علی الموت في سبيل الشرعية، كما جاء علی لسان المرشد محمد بديع.
وختاماً يقال: "إن من يملك حساً نقدياً وعقلاً منفتحاً، لا يركن إلى ما يطرح من الشعارات، سيما من جانب الذين يمارسون الوصاية على الناس بوصفهم ملاك الحقيقة وحراس القضايا والأوطان والبلدان، فضلاً عن ملاك الدين الذين يوظفون الاسم والرمز والفكرة، لأهوائهم وأحقادهم، أو لنفاقهم وفسادهم، أو لإرهابهم ووحشيتهم."
الدكتور سامان سوراني

71
موقفنا من بربرية أعمال الجماعات الإسلامية المتطرفة في غرب كوردستان

من الواضح بأن الهجمات البربرية التي تقودها الجماعات الإسلامية التكفيرية الإرهابية منذ العام الماضي في بعض مدن غرب كوردستان أو ما يسمی سهواً بـ"كوردستان سوريا" ضد المدنية والمجتمع الكوردستاني والتي اشتدت في الأيام الأخيرة لتتحول الی مجازر دموية رهيبة بحق مدنيين عزل من أطفال ونساء وهدم منازل و بيوت لأناس مسالمين بعد سلب و نهب أموالهم وممتلكاتهم ماهي إلا إرهاب أعمی بإسم الدين و عنف فاحش ذو طابع عدمي يدّمر كل ما يدعو اليه و يريد بعمله هذا ترك الأثر الأقوی والأبلغ في‌ نفوس المواطنین.
هٶلاء هم اعداء الحرية والديمقراطية ، اعداء الحضارة والانسانية ، یمارسون دیکتاتوریة الحقیقة و یشتغلون بوصم الآخر من خلال تُهم الکفر والارتداد أو التحریف والرجعیة والعمالة أو الخیانة، یریدون إدخال الناس في السجن العقائدي والایدیولوجي المستهلك ، لإنضمامهم الی القطیع البشري، حیث کل واحد هو نسخة عن سواه، لتنفیذ ما یملي علیهم من الفتاوی والاحکام و المناهج الشوفینیة بصورة آلیة لتدمیر الحیاة والعمران.
الشعب الكوردستاني عاش بسبب شمولية الحكم في سوريا واستبدادية النظام طوال عقود من الزمن مسلوب ومنتهك الحقوق والحرية. اليوم نراه يتوحد في سبيل حقه في حياة حرة كريمة ويتمرد في وجه الظلم والقسوة ويناضل من أجل التخلص من كل أشكال العبودية، التي مورست في السابق وتمارس اليوم ضده ويسعی من أجل الحرية ، حريته و حرية الآخرين علی دروب التكاتف الإنساني.
الكوردستانيون هم مسئولون عن مستقبلهم و مصيرهم وعليهم ان يقرروا ويختاروها بأنفسهم وهذه هي الحرية المسئولة. أما من الناحية الإنسانية فنراه من حق إقليم كوردستان / العراق كعمق استراتيجي وحيد أن يدعم الكوردستانيين والتشكيلات الكوردستانية في سوريا التي تقوم بإدارة المناطق المحررة والمدن الواقعة تحت تصرفها لتسيير حياة الناس وحماية أرواحهم وممتلكاتهم لوجستياً و عملياتیاً ، لأن الكورد اليوم يواجهون أبشع أنواع حملات الإبادة المنظمة من قبل تلك الجماعات الإرهابية الجهادية.
الجماعات الاسلامية تعيش منذ فترة غير قصيرة أزمة الهوية والمعنی المصابة في قيمها و ثوابتها ومألوفاتها وفتاواها لاتمتلك صيغة للعيش المشترك و حياة بعيدة عن العنف و الإرهاب. تريد بشعاراتها الأحادية و ثوابتها الأبدية و عقل مغلق أن تأخذ زمام تسيير أمور البشر بيدها و تملأ علیهم نوع العيش و لون الحياة. فهي تتغذی من عقدة المماهاة مع الذات و جرثومة التضاد مع الغير.
وهذا الخرق من جانب الجماعات الاسلامية الإرهابیة التي تعمل بمنطق متحجر وتصدر الفتوی والتکفیر ضد کل منطق یملك قدرة النقد والتنویر وهذا البروز بالشكل الحالي علی الساحة السورية هو ثمرة من ثمار الصراعات السیاسیة العقیمة بین القوی والأطراف الأنانیة التي تعتبر نفسها معارضة للنظام السوري والتي ترید أخذ زمام الحکم بالقوة ولاتتکاتف مع نظائرها من أجل البناء والتطور.
نحن نری بأن المشروع الإسلامي فقد مصداقيته علی أرض الواقع ، فعلی القوی الوطنية الكوردستانية في كافة أجزائها أن تتوحد أكثر من ذي قبل و تقف صفاً واحداً و تعترف بأن مصائرنا و مصالحنا مشترکة ومسؤولیتنا باتت متبادلة و جسیمة في مواجهة سفاکي الدماء وبیت الداء. الديمقراطية و الفدرالية هي الحل في سوريا و نشر ثقافة الاحترام والتعايش المدني المشترك وفق مباديء الاعتراف والقبول بالآخر وتشجیع الطاقة الشبابیة الكوردستانية علی المشارکة في الخدمات الانسانیة والأنشطة البنائیة، هو الطريق العصري للوصول الی الحلم الكوردستاني، لأن المحك هو تدبیر أمر العیش سویاً وخلق لغة مشرکة ووسط للمداولة وساحة للمبادلة في مجالات مختلفة ولیس ممارسة الرعب والنرجسیة والتأله بشن هجمات أرهابیة جهنمية و حملات بقصد الابادة الجماعية. ولكي ندفع مركب الحكم الذاتي في غرب كوردستان الی بّر الأمان علینا بفتح نوافذ المشاركة السياسية او التعبير السلمي ، فالكيان الكوردستاني القائم في المنطقة سيكون كياناً فاعلاً و مفيداً، لأنه یريد البناء في حين الآخرون يصرون علی الهدم.
وختاماً: إن تحويل الدين الذي يسميه البعض بـفيتامين الضعفاء من صيغته المركبة والمزدوجة التي كانت تٶمّن نوعاً من التوازن بين التقی والإنتهاك و الوازع الخلقي والسلوك الهمجي وبين الرحمن الرحيم والجبار المنتقم الی مٶسسة لإطلاق الوعيد والتهديد أو الی إستراتيجية قاتلة تنتهك كل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتكافل وتقتل الديمقراطية و تحجب العقلانية أثبتت اليوم في سوريا وفي غير مكان بأنها لا تساعد علی خلق مساحات و لغات و آليات للتعايش والتبادل علی نحو إيجابي و بناء.
الدكتور سامان سوراني
فرانكفورت / المانيا في ٧-٨-٢٠١٣

72
سكوت شاعر الحرية و بركان الشعر الكوردستاني شيركو بيكەس


يقال بأن الشعراء هم "جهاز الحس في الجنس البشري، ومن مخاوفهم وشكوكهم نستطيع أن نحكم بأن العالم لا يسير في طريق الإنسانية، وإنما في طريق اغتراب إنسان واستلاب إنسانيته."
شيركو بيكەس هذا الشاعر الكوردستاني الذي سعی الی السهل الممتنع ووصل و الذي رسم جمال جبال كوردستان وتمكّن. أما كلماته الجميلة المشبعة بالبوح و الرٶی المعرَّفة بالسرمدية و المليئة بالقيم النبيلة  وكل ما هو بهيّ وإنساني في هذه الحياة فهي بمثابة بركان يحمل في طياته سمفونيات شعرية تبرز فيها فلسفة الحياة بأشكالها الإنطباعية والواقعية و الرمزية والسريالية والمستقبلية وتجريد المجسّد بكل أدواتها وإلماحاتها الفنية و إيحائاتها الزمانية والمكانية ، التي وظفها هذا الشاعر المناضل البيشمركه لخدمة شعبه ووطنه المجزء بأفضل و أعلی أشكالها.
أمضى شيركو بيكەس ، المولود عام ١٩٤٢في مدينة السليمانية ، العاصمة الثقافية لجنوب كوردستان ، سنوات من عمره في الجبل والسجن والمنفی والغربة. مارس الترجمة والسياسة وتقلّد المناصب العامّة حيث عين كوزير للثقافة وغيره ولكن قصائده هي التي يعوّل عليها في معرفة مواقفه المختلفة أكثر من الخطب والمقالات.
أعماله التي أتسمت في بدایة رحلته الشعرية بالرومانسية تحولت فيما بعد الی رسم فضاءات مليئة بالدخان والبارود والنابالم ودوي قصف الطائرات والكيمياوي بعيداً عن عهد العشق تحت وميض الليالي المقمرة والهدوء والإستقرار و حطّمت جليد الستينيات واستطاعت أن تتوّج اللغة وتصبح صرخة تمرّد و دفاع عن الوجود. 
شارك شيركو شعبه أفراحهم و أحزانهم كل هذا بأكثر من ١٨ مجموعة شعرية تجريبية متنوعة بسيطة الأسلوب و بعيدة الرٶی وله نثر ثوريّ جميل ومميّز جداً ولكنه لا يُعدّ أداته لممارسة الحياة بطولها وعرضها ، فملاحمه الشعرية في حلبجة والأنفال ‌ماهي إلا نصب تذكاري مشيّد للشهداء وضحايا جرائم الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني.
لقد تأسست حركة "المرصد" في السبعينيات علی یده وتمكنت تلك الحركة أن تمثل بداية الحداثة الفنية والشعرية في الثقافة الكوردستانية بعد أن عجزت الأساليب والقوالب القديمة في التعبير الإبداعي أمام الواقع الكوردستاني الجديد المتمثل بتعقيداته السياسية والإجتماعية وثوراته الغارقة في الإنكسارات والخيبات أمام النظام الإستبدادي الظالم والصمت الإقليمي والدولي عما كان يجري في كوردستان.
السياسة أغنت أدبه و كيف لا وهو ابن الشاعر الفيلسوف الوجودي الوطني و الليبرالي فائق بيكەس ، الذي كان من الشعراء الوطنيين الكورد في الثلاثينات و الأربعينات من القرن الماضي. احب الحرية وعشقها ودافع عنها بالكلمة.
وهو القائل:
"وضعت أذني على قلب الأرض
حدثني عن حبه للمطر
وضعت أذني على قلب الماء
حدثني عن حبه للينابيع
وضعت أذني على قلب الشجر
حدثني عن حبه للأوراق
عندما وضعت أذني على قلب حبيبتي حدثني عن الحرية".
لقد نال شيركو بيكەس عام ١٩٨٨ جائزة "كورت توخولسكي" السويدية الأدبية العالمية و تُرجمت منتخبات من قصائده فيما بعد على شكل دواوين إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والسويدية و الدانماركية والمجرية والفارسية والتركية والعربية.
بالأمس سكت نسر جبال كوردستان شيرکو بيكەس أما بركان شعره فهو خالد كنيران باباكوركور الأزلية.
الدكتور سامان سوراني
السويد في ٥-٨-٢٠١٣

73
فلك الدين كاكائي و حلاجيات كوردستانیة

يقال بأن الأديب يفترض أن يكون لديه مبدأ يؤمن به يحلق به يميناً وشمالاً باحثاً عن الحكمة مؤصلاً لها في موروثه الأدبي و الأدب أداة مثلى لمعرفة أحوال المجتمع ،  تقيس بدقة التحوّلات الإجتماعية مهما كانت محدودة ، لأن نصوصه يكتبها مبدعون من رحم تلك المجتمعات، يعبّرون من خلالها عما تشاهده أعينهم وتسجّله مشاعرهم ، وتلتقطه آذانهم. هكذا كان المثقف والسياسي الكوردستاني البارز فلك الدين كاكائي ، الذي رحل أمس الأربعاء في أربيل عن عمر يناهز الـ 70 عاماً، إثر مرض مفاجئ لم يمهله وللأسف أن يستمر في حلاجياته. هذا الكركوكي الكوردستاني بدأ حياته الثقافي ضمن حركة اليسار و أنتمی في مطلع الستينيات للحزب الديمقراطي الكوردستاني ليصبح قيادياً فيه ، مساهماً عبر أسلوبه الواضح ذو النهج الهادف بفاعلية و نشاط في تأسيس إعلام الحركة الكوردستانية التحررية وإثراء الثقافة والفكر والسياسة الكوردستانية ليصبح فيما بعد إسماً في الوسط الثقافي الكوردستاني و العراقي والعربي. وهو الذي ترأس تحرير صحيفة "التآخي" منذ صدورها ولسنوات متأخرة.
التصوف هو إشراق في القلب و الصوفي هو من يتعامل مع عصره من خلال تفاعله مع واقعه و فلك الدين كاكائي الزرادشتي كان معروفاً بتواضعه الوجودي و نزعته الصوفية و بحثه الدائم في أحوال العقل الواعي وفي ماهية الوجود وفلسفته ، مٶمناً بالإنقلاب الروحي ، قائلاً بأن الإنسان أدنی شأناً بكثير ممّا يدّعي ، سواء من حيث علاقته بالمبادئ والقيم والمثل، أو من حيث قدرته على السيطرة والتحكم في الأهواء والأشياء والأحداث ، مقارناً محنة شعب كوردستان بمحنة الحسين بن منصور الحلاج ، الذي ذهب ضحية المظالم والالتباسات والافتراءات كما كان حال الثورات الكوردستانية وقادتها الخالدين.
لقد طبع فلك الدين كاكائي أسمه في ذاكرة الزمن الكوردستاني بأحرف ذهبية مضاءة بالمحبة والنضال و الإصرار علی التسامح والتعايش و البناء وكان يحاسب نفسه بإستمرار لتقويم أعماله و يغذيه بالفضائل ليجعل حياته معتدلة. التقيت به لأول مرة عام ١٩٨٦ مع قيادي كوردستاني في غرفة ضيقة  في أحدی "مسافرخانات" طهران القديمة وهو جالس علی أرض مرطوبة وحوله أوراق مبعثرة ، يكتب في السياسة والنضال.
هذا العارف  المجاهد أفنی كل زهرات عمره و شبابه بالنضال و ترك بصمة و تاريخ ناصع بياض. كان الراحل الخالد يٶمن بعدالة قضية شعبه وحقه بمقاومة الطغيان والدكتاتورية و يبحث  بناصية اللغة الرمزية الممزوجة في بیانها بين التعبير والمعنی الی حدّ التماهي ويكتب في معنى الجسد والظلام و معنى النفس والروح والنور ومعنى الموت والتجرّد والحياة لينتج نصوصاً كأجنحة الملائكة ساعياً في بيان المعرفة الحسية.
حاورته في مسائل أدبية و سياسية، أثبت لي من خلالها أنه مثقف إجتماعي متواضع صانع تاريخه بنضاله وإنسانيته و مٶلفاته و ثقافته ، يحب التواصل بعيداً عن الحواجز التي قد يصطنعها البعض ، شجاعاً في الإدلاء بآرائه و أفكاره يقول الحق ولا تأخذه فيه لومة لائم.
وختاما نقول: أن البعض قد ينسی هذا الحلاجي الثائر لكن التاريخ لن ينسی مواقف الثوار والمناضلين.
أتمنی لأهله وإخوانه في النضال الصبر والسلوان ولنفسه المطمئنة السعادة الأبدية.
الدكتور سامان سوراني


74
الوحدة الكوردستانية بين عولمة الهوية و عقلنة السياسة

من الواضح بأن الهوية هي ما ينجزه الإنسان و يحسن أداءه ، أي ما يصنعه بنفسه و بالعالم ، من خلال علاقاته ومبادلاته مع الغير ، لا ما يتذكره أو يدافع عنه. ومن المعلوم بأن اللاوعي والوهم أو الخداع لها دورها في تشكيل الوعي وقرارات العقل وسير التاريخ وأن المنظومات الإيديولوجية و فلسفات التاريخ قد تكون مصدراً للوعي أو أداة للتثقيف و التنوير ، لكنها قد تكون أداة للتزييف و التضليل.
أما الوحدة الكوردستانية والوفاق الكوردستاني فلا تأتي من العدم ، بل هي نتاج موضوعي وضروري لتكامل الشعب والدولة والمؤسسات الحقوقية والشرعية الهادفة الی بناء الهوية الوطنية ، لا ربط لها بلعبة الوفاق السياسي أو المساومة السياسية. ومن أجل تحقيق الهوية الوطنية الكوردستانية ، لابد من العمل علی مشروع وطني للوحدة و الاتفاق على عقد اجتماعي يتجاوز ويذلل ذهنية التجزئة ونفسية الغنيمة السائدة عند بعض القوى السياسية ولابد من تطوير البعد الثقافي لهذه الهوية في مجال الوطنية والقومية والدين والاجتماع.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان ، الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية و بشكل عام واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة. أما اليوم فيقوم هذا الشعب بتظهير صورة جديدة للهوية ، معنی و معاشاً ، نظرية وممارسة ، يسهم في إخراجها مخرجين مٶمنين بالوحدة الكوردستانية والعيش المشترك و السلم الدائم ، يملكون قوة و فاعلية غنية ، يكرسونها في سبيل الإنبناء والتكوين والتنمية والتواصل بعيداً عن علاقات مبنية علی النفي والإستبعاد والإزدراء أو مطلقات يقينية أو كليات مجردة و مليئة بمبادیء المفارقة و الأقانيم المقدسة. إنهم لا يهدفون التعامل مع الواقع كنسق محكم أو كرسالة متعالية ، بل يستخدمون التحاور والتفاهم كوسط  و التدوال و التواصل كمجال بعيداً عن التعبد للأسماء والنصوص ، يٶمنون بضرورة الأخذ بالخيار الديمقراطي و إحترام قواعد النظام الفدرالي.
الشعب الكوردستاني بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية  ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك ، علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها  بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
إن عولمة الهوية لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية واليوم نری بأن الشأن العام لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات ، بإختصار يمكننا القول بأن الأحزاب السياسية ليسوا أولی من غيرهم بشأن المجتمع أو الهوية المجتمعية.
بعد عقلنة السياسة نری بأن الفرد يكون قادراً علی تحمل المسٶولية عن نفسه و حريصاً علی استقلالیته بحيث يصنع نفسه عبر المشاركة في تدبر مشكلاته وهذا الفرد لا يقبل الوصاية علیه وعلی حقوقه من قبل أحزاب تريد ممارستها باسم قيم علیا و ضرورات تاريخية.
وعقلنة السياسة يعني إتاحة الفرصة لأهل السياسة أن يديروا خلافاتهم بطريقة عقلانية سلمية تفاوضية مثمرة بعيداً عن التحاور بلغة السيف والمدفع، فمن لا يقوم بإخضاع هويته الوجودية ، سواء أكانت تلك الهوية سياسية أم ثقافية، للنقد و التشريح والتفكيك والتعرية لا يستطيع أن يخرج من مأزقه الوجودي أو يبتكر إمكانیات وجودية يتغير بها عن ما هو عليه أو يغير قواعد اللعبة بینه و بين الآخر.
التحولات في عصرنا هذا هائلة و جذرية وهي شاملة و متسارعة والشبكات الاجتماعية والأسواق الحرة والهجرات الطوعية تعولم الهويات والمجتمعات والأوطان وهي كما تكشفه التطورات الحاصلة في السنوات العشر الأخيرة تبدو أقوی و أولی من العقائد والايديولوجيات. وهكذا نری أنفسنا أمام واقع بلا حدود نهائیة أو هويات متميزة. 
وختاماً نقول: من يريد الوحدة الكوردستانية وترسيخ صيغة التعايش والسلم الأهلي بين الكوردستانيين فعليه تشكيل حكومة شراكة ووحدة وطنية ، بعد التعالي عن الصغائر من أجل الوصول إلى تفاهم حضاري، فالموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة يجب التمسك بها في حفاظ الأمن و مواجهة التحديات المستقبلية.
الدكتور سامان سوراني


75
سقوط أقنعة الإخوان في عصر الثورات غير المنتهية في الشرق الأوسط

عندما قلد الرئيس المصري محمد مرسي في شهر أكتوبر من العام الماضي الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات "وسام النيل" بمناسبة حرب تشرين الأول /أكتوبر 1973 ، أو ما عرفت "بحرب العبور" فيها استطاع الجيش المصري أن يحطم خط بارليف الحاجز ، الذي أقامته إسرائيل بعد انتصارها في حرب 1967 ، تساءلت في قرارة نفسي ، هل من المعقول أن يتجلّی معنی المثل العربي السائد " قتل القتيل ومشى في جنازته" بهذا الوضوح؟
فالذي يعرفه الرأي العام والذي نقل علی شاشات التلفاز في حينه هو أن محمد أنور السادات قتل في السادس من اكتوبر ١٩٨١ في عرض عسكري متعلق بالمناسبة المذكوره أعلاه بيد خالد الاسلامبولي ، أحد أعضاء حركة الإخوان المسلمين، التي دبرت حسب ما جاء في الإعلام المصرية آنذاك تلك العملية الشنعاء.
قبل أیام قام الجيش بإطاحة محمد مرسي من رئاسة الجمهورية الذي إستشاط غضباً بعد أن علت أصوات الثورة والتغيير مرة أخری و بعد أن استمرت التحركات الشعبية ضده للدفاع عن مكاسب ثورة ٢٥ ینایر والوصول الی تحقيق الأهداف الاجتماعية التي قامت أصلاً من أجلها.
محمد مرسي الإخواني رفض فكرة الدولة المدنية كما رفض الاتفاق على الدستور الذي انفرد هو و جماعته بكتابته و سعی بعد أشهر من الحكم الی فرض سيطرته علی القوات المسلحة والمخابرات و تصرف خلال السنة الماضية و كأنه هو الزعيم الأوحد و القائد الأعلى للبلاد و  وارث الأرض و العباد و خارج عن دائرة المساءلة السياسية أو القانونية.
صحيح بأن حياة البشر و أوضاعهم تتغير وتتبدل بفعل أحداث و تطورات تنبثق من داخل المجتمعات وأن الاعتدال والعدالة سمة الديمومة في الحكم في القرن الواحد والعشرين و أن أكثریة شعب مصر اليوم ترغب في بناء نظام سياسي يهدف إلى رفع مستوى المعيشة وتحقيق الرخاء ، في ظل مجتمع مدني ديمقراطي يحمي الحرية ويسمح بالتعددية لكن السٶال هو ، هل يخضع الإخوان لإرادة الشعب وينضمون إلى صفوف المعارضة ليشاركوا في صنع مستقبل هذا البلد؟
اليوم و بعد ظهور ميليشیات مسلحة من شباب الإخوان المسلمين - التي ينتمي الیها الرئيس المطيح - المتحالفة مع جماعات جهادية والتي تقوم حسب الأخبار بإسم الدفاع عن الشرعية و الرئیس بالقتل والخطف في صفوف المدنيين ،  وصلت مصر الی مرحلة حرجة يصعب التنبؤ بتاریخ انتهائها ، مع العلم بأن الوضع الأمني الغير مستقر يجلب معه انهيار الاقتصاد و تفكيك النسيج الاجتماعي و ولادة حروب أهلية تفتك بالمجتمع المصري و غيره من المجتمعات. فالأصولية هي موجة إرتدادية تحكمها الذاكرة الموتورة والعقيدة الإصطفائیة يفكر صاحبه بعقلية الثأر والإنتقام أو بمنطق الإقصاء والإستئصال للمختلف و الآخر.   
صحيح بأنه لا يجدي اللعب علی المخاوف والهواجس لكن الإخوان عجزوا عن المشاركة الفعالة في بناء مصر ما بعد مبارك وإن فلسفتهم السياسية المبنية علی استغلال الفرص للقضاء علی الخصوم و إقصاء المنافسين و الشركاء و سعیهم الدؤوب بعقلیتهم البرجماتية النفعية الی السلطة دون مراعاة قواعد اللعبة الديمقراطية أنجبت الديكتاتورية بعد وقت قصير من تسنمهم زمام الحكم و إغتصابهم سلطات الله و تنزیههم للقرارات و منعهم الطعن فیها بحجة "حماية الثورة" وهكذا أحرقو لفظ "المدنية" بعد أن رفعوا شعارهم الداعي الی "مدنية ذي مرجعية اسلامية".
بالرغم من أن أقنعة الإخوان قد سقطت في مصر، إلا أنها لا تريد أن تقتنع بالحقيقة الجلية كل الجلاء بأن ثورات "الربيع العربي" لم تأت من العقائد الدينية و لا من الإيديولوجيات العلمانية، بل هي ابنة العصر الرقمي بتقنیاته و معلوماته، بقدر ما هي صنيعة فاعلين جدد هم الشباب والمدوّنون من عمال المعرفة الذين يشتغلون بقراءة المعلومات و بث الصورة علی الشبكة في هذا العصر عصر الحداثة الفائقة والسيّالة.
بالأمس كان الصراع في مصر بين الشعب والنظام و بالأخص الرئيس أو الزعيم، الذي أعتدی علی مصالح شعبه ببرامجه الداعية الی الدكتاتورية و حكم الزعيم الأوحد. أما الحدث الأخير فهو يترك بالتأكيد أصداءه المدوية و آثاره العميقة في النفوس و يشعل الفكر المتكلس و يحرر العقل المستعبد في ظل الحضارة الكونية الواحدة.   
وختاماً نقول: "الايديولجيات الاسمنتية و المنظمات الجهادية الارهابية لا تستطيع أن توقف الثورات في الشرق الأوسط و تخطف الرؤی والمصالح الإنسانية المشتركة من الجيل الجديد الصاعد الشاب الفتي الذي يتعاطی مع النماذج والتجارب بلغة الخلق والتحويل والتجاوز لتوليد نماذج جديدة، وفقاً لسيناریوهات مغايرة." 
الدكتور سامان سوراني
 

76
الشرق الأوسط الجديد بين الفردوس السماوي و الجحيم الأرضي

في الرواية الجديدة للكاتب الأمريكي دان براون تحت عنوان "انفرنو" يعيش البطل في صراع بين الخير والشر، نمط حياة مستوحاة من رائعة دانتي العالمية "الكوميديا لالهية" فصل "جهنم" ، التي تعتبر من أهم الملاحم الشعرية في تاريخ الأدب الايطالي.
بالرغم من أن كتاب دانتي عرف تأويلات عديدة من قبل النقاد ورجال الدين وذلك انه يصوّر بأسلوب مجازي الحياة بعد الموت في إطار جمع الديانة المسيحية الى فلسفة القرون الوسطى، ذهب البعض الى اعتباره النسخة الأوروبية لكتاب "رسالة الغفران" لضرير معرَّة النعْمان، أبي العلاء وفي النهاية لا شيء، سوى الظلمة.
لقد مضی أكثر من عامين علی الربيع العربي، الذي بدأ حسب رأي المفكر اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، لأول مرة في نوفمبر عام 2010 بالصحراء في المغرب، عندما انتفض سكانها بسبب أحداث "اكديم إزيك" قرب العيون، لكن الآراء الأخری تقول بأن نار الثورة إمتد من جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي المحترق بهدف التخلص من الظلم والإستبداد و الفساد المطبق علی المجتمع منذ عقود من الزمن.
لقد شاهدنا نزول الناس في أكثر من بلد إلى الشارع للتنديد بالأنظمة والعمل على إسقاطها و في النهاية أسقطت الأنظمة لتٶسس أنظمة دينية أخطبوطية جديدة غير واضحة الموقف من الديمقراطية على غرار مختلف الأحزاب الدينية في المنطقة التي لم تصل بعد إلى مرحلة تقبّل الديمقراطية، فكيف إذن بفصل الدين عن الدولة أو الوصول الی الحرية الحقيقية؟
من الواضح بأن مسألة إعادة البناء ليس بالأمر السهل، فهي مسار متعثر و معرض دوماً للإنتكاسات. أما الثورات فهي كانت في الأصل ثورات للحرية أكثر من أن تكون للديمقراطية، أي أنها كانت تشكل تمهيداً لانفلات الآراء من القيود وأشكال القمع للدخول في نقاش سياسي حقيقي، لكننا وللأسف لم نری بعدها أیة منافسة شريفة بين نخب لإنتاج البرامج السياسية من أجل إلى الديمقراطية.
إن دخول الإسلاميين إلى ميادين الثورة و لعبهم بأوتار الولاءات المذهبية ليكونوا بعدها النماذج المسيطرة علی الساحة الثقافية أو السياسية أعادت الی الحياة نظريات المطلق و المقدس و الثابت و الكامل و الأحادي و النهائي لتحويل فئات كبيرة من المجتمعات الی الآت عمياء و اتخاذهم رهائن لبرامج و مشاريع تتحول معها الأفكار والقضايا الی أدوات لممارسة الحجب و الاستبعاد أو المصادرة و الاحتكار أو الاستئصال والخراب و محت بلعبتها مساحات و صيغ و قواعد التعايش السلمي، بعد إعلانها أمام الملأ بأن الأفكار محاريب مقدسة علیه أن نضحي من أجلها. وهكذا بدأت وصاية المٶسسة الدينية علی عمل التشريع و التنظيم الذي يعود للدولة لتترجم أفخاخاً و مآزق و تنتج مزيداً من الاستبداد و الفساد والفقر والتخلف والبٶس. 
الأحزاب الدينية لا يعاملون الفرد كفاعل بشري له أبعاده المحلية والوطنية أو الاقليمية والعالمية، بل یعاملونه كقاصر لا يستطيع أن يفكر و يتصرف كمسٶول عن نفسه بقدر ما يساهم مع سواه في صياغة المصائر.   
فما تشهده المنطقة من إراقة الدماء وما تحدث من خراب بسبب حروب الأسماء والرموز والأفكار والهويات حول قضايا العقيدة والإيمان للحصول علی مقعد في الفردوس السماوي تدخل في باب المفارقات لأنها تخلق جحيم أرضي و هي من صناعة أصحاب المشاريع و الدعوات بشعاراتهم الدينية القديمة و عناوينهم السلفية الحديثة و ليست من صنيعة المرتدين والزنادقة أو من إنتهاك المارقين والخارجين. فالعنف المتصاعد أعاد الشرق الأوسط الی نقطة الصفر و أطاح بمنجزات الحضارة والمدنية، إن كانت هناك حضارة أو مدنية من قبل.
الأصوليات الدينية التي تعمل بلغة التحريم والتأثيم و حراس الإيمان، عباد النزوات والأهواء والأحلام المجنونة والخطط الجهنمية و نواب الله و خلفائه والناطقون بأسمه و أصحاب الأحزاب الشمولية الفاشية المتمترسة وراء الهويات المغلقة أو الجامدة، التي تقود الحروب في سوريا علی سبيل المثال أو في أماكن أخری، تقاوم كل واقع جديد و تعمل علی نفيه و تسعی الی تعميم العنف و تحويله الی ظاهرة معولمة لإدخال البشرية في نوع من الحرب الأهلية الكونية. فكيف نستطيع إذن أن نٶسس في ظل هذه الفضاءات الإرادة الحرة للاعتراف بالكينونة الإنسانية و بحقها في أن تكون كينونة مغايرة، لا مماثلة مع ما يقابلها من ذوات أخر وفق نمطيتها الخاصة في الحياة؟
وختاماً: "ما لا يختلف لا ينفتح و كل حياة مشتركة خلاقة هي التعايش الأصيل الضامن للوجود الإنساني في الكون".
الدكتور سامان سوراني   

77
الشرق المتوسط بين آفة الإستبداد و آفات الأصولية الدينية

بما أن الإستبداد هو إستعباد للعقول والسيطرة علی الأفكار نری الأصول الغير عقلانية، التي لا تخضع للجدل والنقاش، هي أمر و تسليم و إمتثال بقدر ما هي نص و إيمان و إعتقاد.
في الإستبداد هناك إدعاء للحاكم بأمره للألوهية يمارس المصادرة والإستكبار و الإنتقام كيفما يشاء و متی ما يشاء، بصورة تحول المجتممعات الی معسكرات و العكومات الی أنظمة شمولية تهیمن علی العياة في مختلف مجالاتها. أما فيما يخص الأصولية الدينية فهناك شعار يطرح مفاده الحاكمية الإلهية أو الحكومة الإسلامية. هذا يعني إقامة حكومات أو أنظمة علی أساس ديني تجمع فيها السلطة السياسية و الدينية أو المادية والرمزية و لنا في المنطقة أمثلة علی ذلك. و الحصيلة في كلتا الحالتين هي إستبداد مضاعف و حجب مركب يمارسه أصحاب السلطة، يدّعون بأنهم حملة صفات أو مهمات إلهية أو أنهم ناطقون بإسمه بها ينتهكون الثوابت بتغيير الإتجاهات من النقيض الی النقيض وهكذا يتستطيعون تنفيذ مشاريع مستحيلة تعود عليهم وعلی المجتمع ضرراً ووبالاً أو قهراً و ظلماً أو خراباً و دماراً، كما شاهدناه بالأمس في كل من افغانستان و السودان و ليبيا و دول أخری ونشاهده اليوم في سوريا.
في عالمنا الحديث بفلسفاته العلمانية و رواياته العقلانية أو بأدلوجاته العالمية و تهويماته الإنسانوية لايمكن للحكومات ممارسة السلطة بإستخدام أقنعة مزورة فقدت المصداقية و المشروعية بالأخص في إطار مواجهة التحديات الداخلية أو في إدارة العلاقات و الصراعات مع الخارج.
فعندما يشعر الفرد في مجتمع ما، بأن كرامته لا تراعی و لا تصان ليس فقط بسبب الفقر و العوز، بل بسبب إنتهاك القوانين والتمييز في المعاملة بين مواطن و آخر و الشعور الدائم بالإنتماء الی بلد يفتقر الی المصداقية والمشروعية في نظر المجتمع الدولي ينبثق في داخله إحساس بالمهانة يدفعه للثوران و الإنتفاضة و هكذا يكسر عقدة الخوف و جدار الصمت ليطالب بالحد الأقصی من حقوقه، الأمر الذي يفسر ميلاد ثورات في أكثر من بلد عربي يسميه البعض جهلاً بـ"الربيع". بالثورة يستعيد المرء ثقته في نظر نفسه و يمارس جدارته لينتزع الإعتراف بمشروعيته في نظر الآخر والعالم.
الكائن العاقل يقيم في حاضره و يعيش واقعه، بقدر ما يتوجه نحو المستقبل. إن استخدام هويات مغلقة و ثوابت معيقة لبناء جدران الأنظمة السياسية المبنية علی أفكار أحادية، إستبدادية، شمولية و أصولية هو العمل علی إعادة الأنظمة الديكتاتورية المغطاة بعباءة الإيديولوجيات المقدسة لممارسة البيروقراطية المركزية الفوقية من جديد التي لا تؤمن بقواعد الشراكة والتوأمة والحماية والرعاية، فكيف بممارسة التقی والتواضع و الإعتراف والزهد.
الحركات الأصولية بدعاواها المزيفة بأنها تتماهی مع السلف و زعمها الباطل بأنها تسعی بإخلاص الی خدمة دين الله و شريعته لا تقتنع بالإستنارة واللبرالية في مجال القيم والحريات و لا التشابك والتواطؤ بالرغم من الفتح الكوني المتجسد بثورة الأرقام والإتصالات، التي تغيرت معها شيفرات التفكير و برامج العقول و خرائط المعرفة وقواعد المداولة.
كيف يمكننا تفسير كل هذا الخراب و الإفلاس في الشرق المتوسط، مادامت مبادیء الأصوليين و المستبدين مثلی وقيمهم سامية و زعاماتهم ملهمة و قياداتهم فذة؟
الأولی أن يحملون المسؤولية عن أنفسهم، بعيداً عن التهويمات اللاهوتية والتشبيحات الغيبية، للتعامل مع الماضي بوصفه تجارب و خبرات بشرية يمكن العمل عليها و إستثمارها، لا كسلطات تمارس الأحادية والإحتكار أوالوصاية و المصادرة أوالهيمنة و الإلغاء، تلغم و تسمّم صيغ التعايش بين الناس لإعادة المجتمع الی الوراء بعد قرن و نيف من الإندراج في عصر النهضة و رفع شعارات التحديث والتنوير والتقدم.
وختاماً: لكي لا تذهب مصالح العباد والبلاد الی الجحيم ولكي لا تتواطأ الأنداد علی صناعة الدمار لحصد المآزق و الخسائر و الكوارث علی أفراد المجتمع أن لا تذوب في حشود تؤله الزعماء و تتعبد القادة علی سبيل التحزب والتعصب و لاتدعم التفكير الطائفي الكاريكاتوري المتحجر و العقيم، التي تنصب جدران الكره و الحقد فيما بين المجتمع وتصوغ قواعد الفكر العنصري الفاشي والعدواني. فالإنفتاح والتعدد والديمقراطية تفتح الفرص والآفاق أمام القوی الحية والديناميكيات الخلاقة وتؤدي الی كسر الحدود بين المجتمعات والقارات والثقافات لتنتج أخيراً نظام سياسي عصري قادر علی قيادة المجتمع نحو برّ الأمان.
الدكتور سامان سوراني       



78
العراق بين سباق اللامعقول في السياسة و السقوط الثقافي

من الواضح بأن الثقافة الغربية المعاصرة تمكنت بفضل علاقتها النقدية بذاتها من ممارسة حيويتها و تفوقها من خلال قدرتها الفائقة علی نزع جلدها و تغيير ذاتها باستمرار، فأتاحت لها قابلية توليد الصيغ والنماذج و الأطر و القوالب أو الطرق والمناهج أو الأساليب والأنماط أو الأنظمة والأنساق وحتی القوانين والتشريعات.
أما الحقيقة المرة فهي، أن العراق قد تأخر و للأسف عن الإنخراط في العالم الجديد لفتح آفاق المستقبل الدينامیكي. فلا النخبة السياسية، التي لم تخرج و ليومنا هذا من سجونها العقائدية والقوموية أو الطائفية، تمكنت من بناء مجتمع فاعل و غني بإنتاجه أو قوي بأقتصاده أو ديمقراطي بحكومته أو سلمي بتوجهه أو مزدهر بإنجازاته الحضارية و لا التيارات السياسية التي تدعي بأنها العلمانية استطاعت فصل مجالي الإيمان و العقل أو مجالي السياسة و اللاهوت، لكي يحقق من خلاله المزيد من الحرية. أما فيما يخص المجال العلمي فلا يمكننا أن نصفه إلا بما أشار اليه أحد الفلاسفة في القرن الثاني عشر ويدعى بيتر أبلار Peter Ablard في أسوء حالاته بقوله " إن العلم من دون ضمير هو موت الروح". وإن البحوث العلمية تكمن أساساً في بعث الأمن والسلم لدى المجتمع، لكن ماالنفع من تشكيل دولة فدرالية دون استغلال نبراس العلم والمعرفة في الطريق المرسوم له علمياً وتقنياً وفنياً؟
إن السباق نحو اللامعقول في السياسة بعيداً عن قواعد الشراكة والتوأمة والحماية والرعاية بعقليات بيروقراطية مركزية فوقية غريباً عن قيم التقی والتواضع و الإعتراف يحمي عقلية النخبة المتقوقعة لكي لا يصل الی المجتمع التداولي، حيث كل الناس هم فاعلون و مشاركون في أعمال البناء والإنماء.
الثورة المعلوماتية، التي بزغت في أواخر القرن العشرين المنصرم و الدولة الكوكبية المفترضة التي تفجرت و التجارة الرقمية المتعددة الجنسيات التي شاعت شكلت ظواهر إجتماعية جديدة من قبيل العولمة وصراع الحضارات والاستنساخ والهندسة الوراثية بقت بعيدة عن الفضاء الفكري للمجتمع العراقي، الذي كان و لايزال محاصراً بثقافة الإستهلاك الديني، التي أعطت للعمل الديني مهام ممارسة حكومة إلهية ترجمت أفخاخاً و مآزق، بقدر ما أنتجت الكثير من الإستبداد والفساد والفقر و التخلف والبؤس. ما نشاهده يومياً من كوارث علی شاشات التلفاز ماهي إلا صورة من السياسات البربرية الإنتقامية، التي تثبت لنا غلبة ثقافة الإصطفاء والإقصاء و الإستعداء والشحن و الإنتقام و الإستئصال في هذا البلد، الذي يدعي بأنه مهد للحضارة الإنسانية.
و من أجل إيجاد منهج علمي و عقلاني قادر علی التمحيص والتفسير الدقيق لإختلال المعايير الإجتماعية، التي لا تتجاوب مع العقل و التقليل من الإنحراف الغالب في هذا المجتمع علينا الرجوع الی علوم السوسيولوجية المعاصرة وإستخدام أدواتها بغية فهم الصيرورة الاجتماعية والتحديات المستقبلية وأنماط التداخل التاريخية و هدم إمبراطورية الفوضى المجتمعي.
إن إنتهاج سياسة إعلامية تكيل بمكيالين علی ما يجري علی الساحة العراقية‌ والترويج لمنطق العنف والإرهاب و نصب المتاريس و خلق الأعداء لا يغير الأوضاع و لا يؤدي الی تحسين الأحوال، بل توّلد الحروب الأهلية و العجز والهشاشة. إن إحتكام البعض الی الغرائز و المصلحة القوموية أو الطائفية أو الفردية يؤدي الی إنهيار المصلحة العامة، التي يجد في ظلها كل واحد أمنه و سعادته. فالحياة الاجتماعية بما هي امتداد للحياة الأخلاقية لا تتحقق إلا داخل الدولة كإطار يتحقق فيه التضامن ويسود فيه الأمن و الفضيلة. يقول لنا سبينوزا في الحق الطبيعي، "إن المسؤولية المباشرة للدولة على المستوى الاجتماعي و السياسي، هي ضمان أمن الأفراد و حريتهم" و " الهدف النهائي للحكم ليس السيطرة على الأفراد و قمعهم بالخوف و ليس فرض الطاعة عليهم، و إنما هو بالعكس من ذلك تحرير كل شخص من الخوف حتى يعيش في اطمئنان تام و بعبارة أخرى تأكيد حقه الطبيعي في أن يعيش و يعمل دون أن يلحق غيره ضرر."
وختاماً نوجه كلامنا الی النخبة "السياسية المثقفة" بالقول: "واقعنا الحي و عالمنا المعاش من حيث الحركة والصيرورة أو من حيث الزمن والتراكم أو من حيث البنية والتشابك هو في غاية التعقيد والإلتباس، لذا علينا مواجهته والتعامل معه بفكر مرن و عقل متحرك يفيد من تعدد الإختصاصات و فروع المعرفة و ينفتح علی التجربة الوجودية بعيدا عن الإقصاء والإستبعاد."
د. سامان سوراني

79
حديث دستور إقليم كوردستان و آفة القصور

يقال بأن الأفكار ليست مجرد صور أو مرايا، بقدر ماهي إستراتيجيات معرفية لفهم العالم والتعاطي معه وأن كل فكرة هي عبارة عن قرأءة، لتفسير الواقع، أو تأويل حدث، أو صرف لفظ، أو شرح ظاهرة، أو تحليل تجربة، أو فك شيفرة، أو تفكيك بنية، أو صوغ مشكلة، أو معالجة قضية، أو تحويل علاقة، أو ترتیب صلة.
والأفكار تختلف و تتفاوت من حيث معقوليتها و مصداقيتها، أو من حيث أهميتها و فاعليتها، كذلك من حيث القدرة علی النفوذ والإنتشار.
فالدستور لا يكتب إلا لدولة وطنية، والدولة الوطنية بطبيعة الحال بحاجة الی المواطنة والمشاركة الفاعلة في كافة الميادين. فهو إذن وثيقة خالصة من صنع البشر لتحديد طبيعة العلاقة وكيفية التعامل بين مؤسسات الدولة الوطنية بعضها بعضاً وبين الحكام والمحكومين على وجه الخصوص. فالوثيقة الدستورية لا تمتلك أية قيمة إذا لم تتوفر شروط ثلاث: الدولة الوطنية، المواطنة، والمشاركة.
الذي نعرفه بأن الدستور يكتب بالتزامن مع تشكل وترسخ الدولة الوطنية كهيكل سياسي مستقل ليعکس المساواة الكاملة بين المواطنين بصرف النظر عن الاختلاف في العرق أو لون البشرة أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي في الحكم. و مواد الدستور تصميم معماري يجب أن تتسق مع بعضها البعض لتبنى معا كياناً متكاملاً له فلسفة أو رؤية تعكس تصور الشعب لنفسها في هذه المرحلة المحورية من تاريخ كوردستان و مشواره الديمقراطي. الهدف الرئيسي من كتابة دستور إقليم كوردستان كان الإسراع في بناء كيان وطني مستقل و تنظيم و حماية و تطوير هذا الكيان.
نحن نأمل أن يحضی موضوع نظام الحكم فيما يخص صلاحيات سلطات الدولة الثلاث وتوزيعها واستقلالها وتقاطعها وتعارضها بالإهتمام الكامل من قبل النخبة المثقفة في الإقليم لإغناء هذا النظام بفكرة "التوازنات والمراجعات" علی غرار النظام الذي تبناه الدستور الأمريكي من أجل منع تغول أي سلطة علی الأخری بهدف عدم التفرد بالسلطة من قبل طرف واحد يحكم البلد بقبضة حديدية.
في النهاية يجب أن تكون عمل السلطات الثلاث في ظل تناغم و رضا عن بعضها البعض لمنع الطغيان أو حدوث شلل في أحدها، لكن هذا لا يعني أبداً دعم فكرة بعض الجهات المعارضة، التي تريد النيل من الدستور و نظام الحكم الحالي في الإقليم من أجل مصالح سياسية ضيقة تفوق المصلحة العليا لكوردستان و الهدف الذي من أجله سُطّر بنود الدستور الكوردستاني. 
النظام الأمريكي هو نظام رئاسي بامتياز فللرئيس سلطة تعيين الحكومة ولكن هذا لا يعنى بتاتاً أن يتمتع الرئيس بصلاحيات تسمح له بالتحكم فى البرلمان أو القضاء أو حتى اختيار من لا يرضى عنهم البرلمان والقضاء لأسباب موضوعية تتعلق بالصالح العام وللسلطة التنفيذية في هذا النظام حق الإعتراض على القوانين، كمنع إقرار أية ميزانية و تعيين القضاة وكل المناصب الرسمية و إبرام المعاهدات و للسلطة التشريعية حق سن القوانين و تعيين قضاة المحاكم ما عدا المحكمة و حقوق أخری.
أما السلطة القضائية فهي تفسر القوانين الصادرة من البرلمان و لها حق اعتبار أى قانون أو قرار تنفيذى باطل دستورياً و التأكد من حسن سلوك أعضاء البرلمان و حقوق أخری.
المادة 117 من الدستور الدائم للعراق الفدرالي تقول بأن لسلطات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتعديل تطبيق القانون الاتحادي.
في الثقافات الديمقراطية نری بأن الشعب هو الأصل في كلّ السلطات و لشعب كوردستان حق اختيار رئيس الاقليم عن طريق الاقتراع المباشر و أن شعب كوردستان بتجربتها الجديدة (21 عاماً) صاحب الكلمة الأخيرة بشأن الدستور عندما يعرض على الاستفتاء الشعبي.
الأطراف التي تعارض هذه الفكرة لاتهتم بالتشنجات الإقليمية علی المستوی السياسي والعسكري و تنسی موقع الإقليم الجغرافي علی الخارطة السياسية.
هذا دأبهم، إنهم يحسبون المشكلات حلاً، ولا يحسنون سوی التستر علی الأخطاء والمساویء لكي تفعل فعلها بصورة مضاعفة، هذا ما تشهد به مآلات المشاريع والشعارات التي تقدمها تلك الجهات في المعارضة، لذا نراها تطالب لمصالح حزبية في اتخاذ القرار بدلاً من المواطنين حول مسودة الدستور- التي صوغت بحضور و موافقة أكثر من 20 حزباً سياسياً من قبل لجنة لترسم مستقبل كوردستان- من أجل التقليل من الوحدة الوطنية، التي نحن اليوم بأشد الحاجة اليها. 
علینا أن ندرك بأن عملية تغيير المجتمعات والعالم، أيا كان الشعار والعنوان هي مصير مشترك. فلكل فاعل الحق في المشاركة بفكره و عمله أو بمعرفته و درايته أو بمبادرته و إقتراعه، فالإنسان كما يقال هو فاعل فكري بالدرجة الأولی، أيا كانت التجليات و القطاعات أو المهن والأعمال والصناعات.
إن عملية إعادة البناء هي عمل نقدي تحويلي و إيجابي، علی الذات، يمس شكل الوعي والتوجه الوجودي، كما يمس منطق التفكير فضلاً عن الأسماء و منطوق الخطابات وأن إعتقاد تلك الجهات في المعارضة بأنها تمتلك وحدها الحقيقة لإحتكار المشروعية هو نوع من الإلتفاف علی الحقيقة أو لفلفة القضايا لإنتاج الفتن عبر تعبئة النفوس ضد الحكم أو الغير، بدلاً عن تغذية اللغة و الخطاب بمقاصد و مفاهيم و قيم تدعم الوحدة في دولة وطنية لها دستور يضمن المواطنة والمشاركة.
وختاماً: "علينا أن نعترف بواقع التداخل و التشابك بيننا و بين الآخرين، لكي نندرج في حركة العصر و نتقن لغة التواصل مع العالم و فيما بیننا."
الدكتور سامان سوراني 

80
إعادة تعريف العلاقات الأمريكية تجاه إقليم كوردستان

صحيح بأن تبني "القوة الناعمة" في التعامل مع القضايا الدولية أصبح من مسلمات القرن الـ٢١، لأن القوة العارية بعنفها و حروبها و أبطالها وكوارثها لم تعد تغري العقلاء أو الذين أفادوا من دروس الحروب، التي لا تنتج في هذا الزمن المعولم سوی الدمار المتبادل.
ومن المعلوم بأن الشراكة في ظل عصر المعلومات الذي نعيشه يعتمد الی جانب سياسات الحکومات علی القوة المدنية و مواقف الناس أيضاً، لكي تستطيع أن تصمد و تحافظ علی متانتها. والدبلوماسية هي بمثابة العمود الفقري للسياسة الخارجية والعمل بالجهود الدبلوماسية الفعالة لمعالجة التحديات والأزمات هو من الأمور التي تمهد الطريق أمام الاستقرار.
جورج بوش الابن حاول أن يضع أساس فلسفي لـ"إستراتيجية الحرية المستقبلية" في الشرق الأوسط و أعتقد هو كـ"مناصر" للديمقراطية بأن الديمقراطية ليست السبيل الی عالم مثالي، لكنها السبيل الوحيد الی النجاح والكرامة الوطنيين، أما الإدارة الأمريكية  فقد كانت و لا تزال متناقضة السلوك في بعض المسائل، منها القضية الكوردية. فهي للأسف لا تشدّد علی تعميم التجربة الكوردستانية في الديمقراطية في كل أنحاء العراق من دون إستثناء. فقضية حقوق الإنسان و التمثيل السياسي و تقبل الآخر و حكم القانون و حقوق المرأة و شفافية صنع القرارات الحكومية ، كلها أمور يجب أن تدعم من قبل الولایات المتحدة الأمريکية لتثبت من خلالها عمق التزامها بقضية الإصلاح والتغيير في المنطقة. والتكتيك التي تستخدمه الولايات المتحدة لتعزيز دور المالكي وترددها في إنتقاد سياساته السلبية تجاه إقليم كوردستان لن يكون لصالح الفدرالية أو لصالح المدّ الديمقراطي في العراق.
واشطن تعلم جيداً بأن الجغرافية السياسية للشرق الأوسط تقف اليوم الی جانب الكوردستانيين و إن إقليم كوردستان من الناحية الأمنية هو القطب الهادیء في المنطقة وإن فرض سلطة المالكي علی الإقليم سوف يٶدي الی زحزحة كل من الإستقرار و الأمن فيە و يكون حجر عثرة أمام التقدم و النمو الإقتصادي. 
نحن نعرف بأن السياسة الخارجية تصنع في البيت الأبيض  والولايات المتحدة تجاهد في سبيل منع ظهور منافس عالمي آخر في المنطقة ، لكنها في الوقت نفسه تهمل فرصة القيام بتحالفات مع منطقة حيوية تحتوي علی موارد إقتصادية و بشرية كإقليم كوردستان لتمنع الهيمنة المعادية علی هذه المنطقة الحساسة أو لتكسب التأييد المحلي لزعامتها و لا تحثّ بغداد علی تطبيق بنود الدستور و إرساء حكم القانون و إستقلال القضاء و إحترام  مبادیء الشراكة أو عدم السماح لإستخدام المحكمة العليا كمجرد أداة  تعمل علی ترسيخ سلطة الفرد. إن محاولات بغداد في السير نحو الهاوية ولدت معضلات أدت الى تعقيد العملية السياسية وبروز الاحتجاجات في أغلب المناطق بالعراق.
وإن تمرس أمريكا الدور الاستشاري بعد انسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق وعدم سعي إدارة أوباما بجدية في حل اخلافات بين الحكومة الإتحادية و الإقليم الفدرالي دليل آخر علی ممارسة الإزدواجية في السياسة، مآل هذه السياسة هو إفشال  مشروع الشرق الأوسط الكبير للمحافظة على الأمن القومي الغربي و على التقدم الحضاري العالمي.
حكومة الإقليم تعمل في سبيل ربط استقلاليتها الاقتصادية بالفكر الديمقراطي و الإنساني المتسامح و المنفتح ، الذي يعترف بالآخر و يقبل الرأي المختلف ، لأن حرية و رفاهية الإنسان هي الهدف من الإستقلال و التقدم. هذه الحكومة هي اليوم عامل إستقرار في المنطقة و سياستها تدعم وحدة العراق و تساهم في تثبیت الفدرالية، لذا نری بأن عقود الشراکة الاستراتیجیة بین واشنطن و أربيل يجب أن تبنی علی أساس المنفعة المشتركة ، لا أن تبقی الأخيرة اسیراً في دائرة المصالح الامیرکیة الاقلیمیة.
وختاماً: "ما نحتاجه بعد كل تلك الطفرات المعرفية والتحولات الفكرية هو إعادة تعريف علاقاتنا و كسر التعارضات الخانقة، لإتقان صناعة التنمية و هندسة العلاقات السياسية بشكل يٶمن حق تقرير مصير الشعوب بعد فتح خطوط للشراكة الإستراتيجية المٶدية الی الحرية و الإستنارة والعقلانية."
الدكتور سامان سوراني
كاتب سياسي و باحث أكاديمي







81
العراق بعد عشر سنوات على كسر العقليات الدكتاتورية والمركزية الفوقية

قد تكون المنظومات الإيديولوجية و فلسفات التاريخ مصدراً مهماً من مصادر الوعي و أداة للتثقيف والتنوير، لكنها قد تكون في المقابل أداة للتزييف والتضليل، خاصة عندما نعرف بأن اللاوعي والوهم أو الخداع لها دورها في تشكيل الوعي وقرارات العقل و سير التاريخ.
فقبل عشر سنوات كانت النرجسية العقائدية والإيديولوجية القوموية طاغية علی ممارسة الهوية في العراق. تلك الإيديولوجية التي كانت مبنية علی منطق العنف والإرهاب والقتل والدمار، لا تؤمن بسبب عقليتها المركزية الفوقية و لو بشكل نظري علی قواعد الشراكة و التوأمة والحماية والرعاية.
و بعد سقوط الطاغية في التاسع من نيسان 2003 كانت هناك محاولات للتوصل الی تسوية مقبولة من جميع المكونات في هذا البلد المصطنع (العراق)، لكنها ضعفت و وصلت الی حد الشلل والإنسداد بعد أن نهض البعض في بغداد من سباته الديني ليعلن  الدكتاتورية من جديد. إنها سياسة مآلها إزدياد حدة الأزمة بدءاً بأعمال العنف و إنتهاءاً بعدم الإستقرار السياسي، إن لم نقل الی السير نحو الحرب و الإقتتال داخلي، فبدلاً عن السعي في سبيل دمقرطة حقيقية جذرية للمجتمع العراقي وترسيخ العدالة الإجتماعية وسيادة القانون ودولة المؤسسات عوضاً عن دولة الشخص والعين يعمل رئيس الحكومة في بغداد من أجل أجندات شخصية ومصالح ضيقة ضارباً عرض الحائط مستقبل الشعب العراقي والشراكة والدستور.
إن بناء الديمقراطيات هو من أجل بناء البلدان وسعادة الشعوب، بعد تثبيت ثقافة أحترام كل بند من بنود الدستور، أما التغيير فيجب أن يشمل البنية السياسية القائمة واستئصال رموز الفساد المهيمنين على مراكز القرار في بغداد.
ومن المعلوم بأن الحرية هي صراع و محرك الوجود، التي تبدأ بالإعتراف المتبادل  و أن الشخص المستبد أو الدكتاتور لا يؤمن بالحرية، لأنه يبقی أسير ضرب من الأنا و حدية من العزلة والإنغلاق النرجسي حول ذات، لايمكن أن تتواجد إلا من خلال الآخر. فبروحه السيكوباثية المضادة للمجتمع يريد هو أن يملي بشكل جبري سياساته و مواقفه علی الآخرين و يعيد إستعمال الترهيب والتصفية والترغيب بعد نشر الفساد في كل مرافق الدولة و جمع المتملقين والمتسلقين حوله، لإستخدامهم كمادة خام في سبيل إنجاح مهامه و مشروعه الإستبداي، الذي تتمعن في تفكيك البنى والروابط المجتمعية وتسعی في تدمير جميع الفئات الاجتماعية ولا سيما المنتجة منها لمصلحة أوليغارشية طائفة عسكرية تستأثر بقوة عمل الجميع.
"دولة القانون" برئيسه و هو رئيس مجلس للوزراء و قائد عام للقوات المسلحة و المسؤول الوحيد عن الأمن في العراق بعد أن أخضع جميع المؤسسات العسكرية والأمينة والاستخباراتية مباشرة لسلطته تريد اليوم إذابة الشعب العراقي في بوتقة فكرية واحدة أي إذابة الأفراد والمؤسسات والجماعات في كل اجتماعي واحد حيث الشعب والدولة والمجتمع المتجانس و هذا يعني بأن توجهات حزب الدعوة المقولبة في دولة القانون ستكون لها كلمة الفصل في التوجه العام للدولة والمجتمع.
فبدلاً عن نسج علاقات صداقة ومصالح مشتركة متوازنة تخدم قضية السلم والتعايش القومي والعملية الديموقراطية وحل الخلافات العالقة بين الإقليم والحكومة الإتحادية بشكل سلمي عن طريق الحوار البناء، تسعی رموز بارزة في "دولة القانون" في تقليص موقع الكوردستانيين ككتلة قومية ثانية الى جانب كتلة القومية العربية و تعمل بجدية علی إفشال التجربة الديمقراطية اليانعة في الاقليم الكوردستاني الفدرالي الآمن. فالذي يشتغل علی تغيير مواد الدستور و الإنقلاب علی النظام الديمقراطي الفدرالي يقوم بجرّ العراق نحو العباءة الخمينية، لكي لا تتأهل المجتمعات العراقية لممارسة الديمقراطية و لكي تنضج بنيتها و ثقافتها.
إن المراهنة علی المنطق الشمولي و فتح جبهات سياسية أخری على طريقة التدخل السيادي للدول إقليمية بهدف تجييش الحالة السياسية هي نوع من أنواع العمل علی إفشال التجربة الفدرالية السعي لتقليل إستحقاقات الشريك الأساسي في العراق. 
نقول بأن الثقافة الديمقراطية هو حق الجميع في النقد و طرح مشاریع بديلة. والحريات الديمقراطية تقوم على أساس المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون وهي تكسب معناها ووظيفتها العضوية عندما ينتمي المواطنون إلى جماعات تمثلهم. و التعددية السياسية كما التعددية الثقافية والاجتماعية لها أهميتها. أين نحن اليوم من تلك الثقافة بعد عشر سنوات من سقوط الدكتاتور صدام. 
وختاماً لقد صدق من قال: "أعدنا بناء العراق على أساس مبادئ ثلاثة وهي  الشراكة، واالتوافق، والمشاركة في القرار السياسي، ولم نتفق علی أن يذهب ديكتاتور ليأتي آخر محله."
الدكتور سامان سوراني

82
أسطورة الإسلام السياسي بين التشبيح الثوري و وهم النصر الإلهي

بالرغم من أن الإنسان حقق علی صعيد العلوم و التقنيات، التي فتحت أمامه أبواب المستحيل في غير مجال و ميدان، كما في الجينة والذرة أو في الفضاء والمجرة أو في الإتصال العابر لحواجز المكان و حدود الزمان، تشهد البشرية علی عجزها عن معالجة أوهامها التاريخية ومعضلات الإستبداد والعنف النابع من الأصولية والتطرف الديني والوعي الأحادي. صحيح بأنه لا انفكاك للعقل عن الوهم و أنه لا شيء يعود كما كان عليه، بحرفيته أو بحذافيره، إلا علی النحو الأردأ والأخطر أو الأرهب، لکن الإنخراط في ممارسة فكرية نقدية هو مصدر إغناء وتوسيع للمفاهيم و مفتاح نسج علاقات جديدة مع العقل والتنوير.
إنها الطوبی التي تجعل أصحاب التشبيحات الثورية يقفزون فوق الواقع البشري بما ينطوي علیها من التعقيدات و الإلتباسات والمفارقات. الأصوليون الدينيون يحلمون بالفردوس الموعود و يمارسون في الوقت نفسه أعمال مضادة للقانون والدستور والحقوق والقيم الجامعة و يمارسون في غير مكان الوصايا علی شؤون القضايا المجتمعية و يتدخلون حيث أمكنهم ذلك. أما تهويمهم الإلهي ووصاياتهم النبوية فيتجسد في إعتقادهم بأنه إذا تمكنوا من أخذ زمام الحكم في غير مكان فسوف يعود للمسلمين مجدهم و تستعاد مبادرتهم التاريخية لإقامة دولتهم أو خلافتهم وعندها سوف تنقذ البشرية و يكون رفع الظلم و إحقاق الحق، أي تحقيق ما عجز عنه "الأنبياء والرسل" عن تحقيقه وهم كانوا استثناء. ولا عجب أن تكون الحصيلة المزيد من الأزمات والمحن والكوارث ، مادام قادة فكر الإسلام السياسي يفكرون و يعملون علی هذا النحو. وإن عدم قدرتهم في معرفة إستغلال تراثهم و تعلقهم به تعلقاً أعمی ينتهي بهم في إستعادة الماضي بشكل هزلي كاريكاتوري لكي يمارسوا علاقتهم به فقراً و مسخاً و تشويهاً.
إن الخضوع لمنطق الفتوی الأعمی والتخلي عن الطاقة الفكرية والقدرة علی الخلق والإبتكار أو علی التجديد والتغيير، التي هي ميزة مهمة من مميزات الإنسان، يفسر لنا أسباب تراجع العلم والتعليم في بلدان الشرق الأوسط و الباعث لنشر الوباء بعد إجتياح الثقافة الدينية بشاشاتها و معارفها الميتة و نماذجها المتحجرة لمؤسسات التعليمية في المدرسة والجامعة.
من لا يتعامل مع الدين كوازع معنوي أو سلطة رمزية أو مهنة خلقية لا غير، هدفه تفعيل تلك العلبة السوداء التي تعشعش في عقله، بعقدها و متحجراتها و تهويماتها و خرافاتها و تصنیفاتها العنصرية لإجبار الدولة علی العمل في قضايا التشريع والتنظيم  بوصاية المؤسسة الدينية. لكن الدولة العادلة والفعالة يجب أن تعمل بقوانين و خطط و سياسات قادرة في أن تكون حصيلة المجتمع بمختلف قطاعاته و فاعلياته و مشروعياته. فالمهام التي أعطيت للدين تُرجمت في العالم العربي والإسلامي أفخاخاً و مآزق، إذا لم نقل بأنها قامت بشحن النفوس و تعبئتها بمشاعر العداء والكره.
لقد علمنا الثورات الجديدة، التي لا تزال تسعی في إزالة آثار ما خلفته الثورات السابقة من المساوێء والمفاسد و الكوارث، بأنه‌ من الممكن أن يتحرر المجتمع من خلال الثورة السلمية والمدنية من ديكتاتورية الشعارات و المقولات و عبادة الأشخاص والأبطال، لأن تقديس الثورة لا يعني سوی قتل أهدافها و عبادة الأشخاص تفسدهم. أما الإنسداد فإنه يولد الإنفجار و الشعارات المقدسة والأيديولجيات الحديدية تعمل علی تقويض الحريات و إستعباد العقول.
نحن رأینا تغيرات طرأت في مشهد العالم و خريطته، وهذه بدورها جلبت تغيرات في جغرافية العقل و شبكات الفهم و صيغ العقلنة و قواعد المداولة. فهل من المعقول أن تبقی الترسانة الفكرية القديمة المستهلكة و الصدئة و المتجسدة في أفكار و برامج الأحزاب الإسلامية، التي أكتشف في الدين فيتاميناً تحول الی داء فتاك و سلاح قاتل، كما هي من غير تفكيك ثقافتها و أنماط تفكيرها؟
إن تشبيحاتهم الثورية الهامشية المتخلفة و الرجعية و سياساتهم الإلهية الإنتقامية ليست إلا أحابيل جهنمية تتردد بين أساطير الأولين و أقانيم المحدثين، بين الشعوذة الفكرية والتفكير الحي، بين فتاوی الشريعة و كهنة الإستنارة، بين الأشباح الأنتروبولوجية و أطياف الأيديولوجية، تشهد علی جهلهم و عجزهم. أصحاب إدعاءات التأله والعصمة والرشد ينسون بأنهم ينمون الی أصناف البشر المصاب بالجهل والنسيان والنقص والخطأ والحمق والجنون. ماالنفع من رمي التهم علی الغرب و تحميلهم مسؤولية المصائب والفشل و التحصن وراء متاريس العقائد والقناعات والهويات الثقافية والمنظومات الفکرية، إذا لم نعتبرها مجرد معلومات أو معارف أو وجهات نظر تشكل مقترحات للحوار و المباحثة من أجل الوصول الی الأمر الجامع أو الشيء المشترك؟
وختاماً نقول: لا تنجح محاولات التقريب والحوار، طالما هناك مفردات مثل "الشرك والكفر" أو "البدعة والضلالة" تشكل صُلب العقيدة والعدسة، التي من خلالها يری الواحد الی الآخر المختلف، لكي يدينه و ينزّه نفسه.
الدكتور سامان سوراني









83
أربيل و المؤتمر الدولي حول الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان

في عالمنا اليوم كما الأمس تتواطأ الأضداد لتسهم بعقول ملغمة و مُسلّمات عمياء و توجهات مقلوبة في صناعة الخراب، فيا لفضيحة الأفكار والمشاريع و منطق العداء، الذي ينتهك بالعنف والدمار و البربرية كل الحقوق والحرمات.   
في الـ 14-3-2013 إحتضنت أربيل، عاصمة كوردستان – العراق، مؤتمر دولي حول الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان بحضور جمع غفير من شخصيات سياسية، دبلوماسية، عالمية ومحلية و ذلك بمناسبة مرور 25 عاماً علی القصف الكيمياوي علی مدينة حلبجة الكوردستانية وإحياء ذكری عمليات الأنفال البربرية، التي لا تقل من ناحية الفظاعة والهمجية عن جرائم الهولوكوست. المؤتمر هدفَ الی جمع طاقات قوی محلية و عالمية لتعمل علی إستراتيجية فكرية جديدة و مساحات عقلية و مفهومية جديدة و مغايرة بتوجهاتها و أولوياتها و مفرداتها و تراكيبها لگرض الوقوف يد بيد ضد كل جريمة بربرية، لاإنسانية تمارس ضد البشر. إن تدويل جريمة الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان كان أحد أهم مواضيع المؤتمر، بعد أن دخل هذا الموضوع مرحلة المناقشة الجدية والتأييد اللازم لدی عدد من البرلمانات الأوروبية لكي تغيّر و تؤثّر وتحارب و تقلص مساحات قدرة الطاغية والمفسدين أو المخربين و العنصريين و البربريين الذين هدموا و يهدمون جدران التعايش السلمي ويمارسون العنف الوحشي ضد من لا يتماثل معهم.
جريمة إبادة الجنس البشري Genocide، التي مورست عن قصد التدمير الكلي و بشكل منظم من قبل نظام البعث الفاشي في نهاية الستينات و أواسط السبعينات و أواخر الثمانینات و بداية التسعينات من القرم الماضي ضد ابناء شعب كوردستان بسبب أصلهم العرقي، هي من نمط الجرائم ضد الإنسانية، تخضع للمسؤولية القانونية، لم تنحصر آثارها على الوضع الداخلي للعراق و إنما إمتدت حتى الى الأسرة الدولية بسبب أثارها الشاملة، فهناك دول و أنظمة مهدت طريق تنفيد تلك الأعمال الوحشية و الجرائم الشنيعة و غضت الطرف عن كل تلك الجرائم الوحشية، التي إرتكبها أجهزة صدام خلال تسلطه لأكثر من ثلاثة عقود.
نحن نعلم بأن مجلس النواب العراقي أقرّ في عام 2008 بأن عمليات الأنفال و جريمة قصف حلبجة، التي نفذتها القوات العراقية في العام 1988 ماهي إلا جريمة إبادة بشرية ضد الشعب الكوردستاني و نحسب التوجه الدولي و إقرار برلمانات كل من السويد والنرويج و بريطانيا والمانيا بأن الشعب الكوردستاني تعرض بالفعل لحملات الإبادة الجماعية، بخطوة جبارة نحو إنتزاع إعتراف دولي شامل بتعرض هذا الشعب الأبي الی الجينوسايد، تلك الخطوات تمهد الطريق للعمل على اعتماده وتعميمه على الصعيد الدولي العام.
من هنا أرای أنه من واجب الأطراف الكوردستانية الرسمية والخاصة العمل الدٶوب و تقديم الدعم المالي اللازم في سبيل تحقيق هذا الهدف الإنساني. أما ممثلي حكومة إقليم كوردستان في الخارج فعليهم وضع هذه القضية في مقدمة أعمالهم والبدء في إعلام الرأي العام في الدول الموفدة اليها و الترويج لها و جمع التواقيع و الإتصال بمراكز القرار و إشراك منظمات دولية و الإتحاد الأوروبي و المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ومنظمات ومراكز معنية بالإبادة الجماعية في العمل علی تعريف جرائم الأنفال كونها جرائم إبادة جماعية. وعلی الفرد الكوردستاني أينما كان بذل قصاری جهده من أجل دعم كافة المبادرات الرامية الی إدراج جرائم الوحشية، التي مورست ضد شعب كوردستان كجريمة إبادة جماعية ضد الإنسانية.   
فالحكومة في بغداد، تعمل بمنطق الرفض، الذي يٶدي دوماً الی تضييع الفرص وحصول الأسوأ، فهي تحيا دوماً علی نحو خرافي تكشف اليوم بأفعالها الماورائية و منطقوها اللاعقلاني بأنها دخلت حقل الألغام و تعدت الخطوت الحمرو لا تنوي تعويض ذوي الشهداء والمٶنفلين ولا تهتم بالتعاون مع المجتمع الدولي لتعريف جريمة حلبجة بالجينوسايد، فكيف ننتظر منها أن تجعل من يوم 16/3 مناسبة رسمية في العراق الفدرالي. فهي بتعامیها المستمرة علی الحقائق و ممارستها سياسة التجاهل تنوي التقليل من شأن هذه الجريمة النكراء، التي مورست من قبل النظام السابق ضد شعب كوردستان.
الشعب الذي ينوي بناء نفسه، عليه بتفجير طاقاته المعطلة و إطلاق قواه الحيّة أو استثمار مقدّراتها المهدورة. أما من أراد العمل بشكل أحادي فعمله يتحول إلى لغم، سيما في بلد ذات التركيب المتعدد الطائفي أو المذهبي، سواء تعلق الشعار بالتنمية أم بالوحدة، لأن العمل العام، على المستوى الوطني، يتم بمنطق التعدد وقواعد المداولة والشراكة، لا بمنطق الاحتكار أو الاستئثار والانفراد.
وختاماً: "من أراد فرض الوصاية على القضايا و إحتكار الشعارات للسيطرة علی المجتمع أو لقمع الشعب و تهديدهم، فمنطقه هذا لا يحقق الغاية المرجوة، بل يرتدّ ضده و مشاريع حكومة بغداد المدمّرة واستراتيجياتها القاتلة شاهد علی مانقول."
الدكتور سامان سوراني


84
الكرادلة والكونكلاف، أزمة الفاتيكان و العقيدة في زمن العولمة

لا يهمنا هنا فشل أو نجاح الكرادلة الكاثوليك الـ115  في جولتهم الأولی للتصويت السري في المجمع المغلق (الكونكلاف) في الفاتيكان علی إنتخاب بابا جديد، بعد أن إستقال بنديكتوس السادس عشر في موقف مفاجيء من منصبه، فإنهم أكثر تجربة ووعياً من الحكومة العراقية المنتخبة و يستطيعون إجتياز جمرة عقبتهم هذه بتحضر، دون إنتصاح، بالرغم من إنتظار الملايين من الكاثوليك في العالم مشاهدة تصاعد الدخان الأبيض من مرجل كنيسة سيستين و سماع دوي أجراس كنيسة القديس بطرس إيذاناً بإعلان إنتخاب الحبر الأعظم الجديد للفاتيكان.
لنتصفح المرحلة التي سبقت إنتخاب خلف للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني كي نتعرف عن كثب كيف بدأت الصحافة والاعلام بتردد إسم الكاردينال الألماني جوزيف راتسنغر كخلف محتمل له، و كيفية القيام بشكل منظم في تصنيفه بسبب بعض آرائه و مواقفه في مجموعة من القضايا الدينية والإجتماعية و السياسية في خانة المحافظ المتشدد و كيف أن البعض وصفه بـ "بابا الردة" بسبب إختلافهم معه في المعتقد و الإجتهاد والرأي.
لكن بندكتوس المٶمن بعمل الفرد علی نفسه، ليخطو نحو الآخر علی سبيل الإنصات و التعلم والإفادة بصورة متبادلة، تمكن من دحض آراء معارضيه من خلال إعترافه بالحدود، بمعنی الوعي بالتناهي و هذا يثبت بأنه لا صداقة بلا حرية، حرية الاخرين في أن يحتفظوا بغيريتهم.
وهو الذي قام بإنتقاد الذات و خضع الأزمات، التي مر بها لمبضع النقد والتشريح، بحثاً عن المخارج و إعترف بأن الحوار هو السبيل الناجع نحو كسر الحواجز و تعدی الخطوط الحمر، علی نحو يتيح لكل واحد أن يتحول عما هو عليه، لكي يسهم في تحويل الآخر.
أقول أين "بابا الردة"، الذي اتخذ القرار التاريخي بالاستقالة وأدخل شرخاً في  التقليد المتبع بتولي منصب أي بابا يتم إختياره مدى الحياة، وهو أول حبر أعظم يقرر بملء حريته الاستقالة خلال سبعة قرون، من الساسة و الحكام في منطقتنا، الذين لا يٶمنون بالإستقالة أو التنحي و يتعاملون بصورة لاهوتية أو قوموية مع الديمقراطية والعلمانية والحداثة والذين لا يملكون الجرأة من نقد الذات علی نحو يكسر السياجات الشوفينية أو العقائدية، من أجل العبور نحو الآخر، بل يهربون من المواجهة النقدية والمحصلة هي، كما الآن في العراق، تفاقم المشكلات و تراكم الأزمات.
قبل تسلمه سدة البابوية دخل الكاردينال راتسنغر عام ٢٠٠٤ في مناظرة فلسفية مع يورغن هابرماس، فيلسوف عصر مابعد الماورائیات، وكان عنوان موضوعهم "في ما يسبق الأسس السياسية للدولة الديمقراطية"، تبین من خلال مناظرته بأنه ناقد للأديان، بقدر ماهو ناقد للعقل، مدرك لحدوده، كونه ينتمي الی العالم الغربي، معترف بمنابع الثقافات الأخری كالهندوسية والبوذية والإسلام و الأفريقية. لقد تمحورت مناظرته حول قضايا فكرية مثل "الديمقراطية والحق والدين" و هنا أثبت إنتماءه الی جماعات التنوير و قدرته علی تفكيك آليات عجزه، علی نحو يتيح أن يفهم ما كان يمتنع عن الفهم. فبعد إستعراضه لنظريات حول الحق الطبيعي، والحق العقلي و حقوق الشعوب أو مايسمی بالحق الثقافي و حقوق الإنسان، إعترف راتسنغر بوجود أزمة تطاول العقل بقدر ما تطاول الدين و لاحظ بأن الدين يعاني من أمراض هي في غاية الخطورة، كما تتجسم في إنتشار الإرهاب، الذي يتغذی من التعصب الديني.
فالتحاور عند بندكتوس في هذا الزمن المعولم لا يعني أبداً السعي لمعرفة من المخطیء ومن المصيب، أو من الضال ومن المهتدي، بل هو لكسر الحواجز و تعدي الخطوط الحمر.
الدين ليس البديل ولا الحل، كما يطرحه دعاته وكما يعتقد الكثيرون من الذين يبشروننا بأن القرن الحادي والعشرين سوف يكون قرناً دينياً بإمتياز ونحن نعيش كل يوم تحول الدين علی ید دعاته وحماته من الجهاديين و الأصوليين المتطرفين الی سياسة للإستئصال وآلة للخراب.
"بابا الردة"، الفيلسوف المستقيل، تعهد بإظهاره الطاعة والاحترام الغير مشروطين لخليفته في الكرسي الرسولي، تخلی عن حذائه الأحمر الشهير وعن الخاتم الممهور بإسمه، ليقضي وقته في سماع الموسيقى الكلاسيكية والعزف على البيانو. فهو يری بأن التعبير الفني الأصيل هو خبرة مؤثرة تحمل القلب إلى الجمال الحقيقي.
وختاماً: "من لا يدافع عن أشكال العيش المشترك علی الأرض لا يساهم في مواجهة الأخطار والكوارث التي تكاد تهدد الأرض بمن عليها و ما عليها". و ما المنفع من التصارع علی حطام البيض الذي لا وجود له؟
الدكتور سامان سوراني







   


85
أفخاخ النوايا و منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني 

التاريخ بجدليته العلمية أثبت بأن مآل كل حدّ أقصی هو إنتاج الضد وإن الأنظمة التي كانت ترعب شعوبها أصبحت هي الخائفة و المرعوبة من التظاهرات السلمية علی ممارساتها من الإستئثار و الإحتكار للسلطة و الثروة أو المصادرة و الإهانة للحرية، بعد أن إنتقلت تلك التظاهرات أو الإحتجاجات في أكثر من مكان من مجرد حشود بشرية الی ثورات تهدد أنظمة الحكم و تؤول الی سقوطهم. 
في عصر تشابك المصائر و المصالح لا يمکن ترجمة السياسة، التي تسمح لحكومة ما عملية إبادة جماعية ضد شعب آمن، بفن الممكنات و لا يمكن التحدث عن الإنسان و إنسانیته، ذلك الكائن الذي يبقی أسير أفخاخ النوايا ليفاجئه بربريته و يبعده عن التطابق مع ذاته، لينتج إنتهاك ما يدعو اليه.
ما الفائدة إذن من تقدمه في مجالات أشواطاً، لكي يتراجع في مجالات أخری عصوراً الی الوراء؟
نظام صدام حسين، الذي حرق البلاد و العباد تحت شعار "أنا أو لا أحد" و مارس العنف المنظّم و سفك الدماء كأي نموذج ديكتاتوري آخر، بدأ بالحروب ثم بعمليات الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان و قام بتدمير البنية الإقتصادية و النسق الإيكولوجي في کوردستان، ليجبرنا أن نعيش اليوم ذكری مرور ربع قرن علی فاجعة مدينة حلبجة الكوردستانية و مذابح الأنفال و التجارب اللاإنسانية، التي كانت مدعومة من قبل الكثير من رؤوساء العرب و خصوصاً الأمين العام للجامعة العربية و بعض الدول الأخری، التي ساهمت في الدعم اللوجستي و كذلك من قبل أحزاب و منظمات و حركات أصولية و ظلامية، التي أيدت و شجعت بعمائها الفكري النظام المقبور في تنفيد تلك الأعمال الوحشية و الجرائم الشنيعة و غضت الطرف عن كل تلك الجرائم الوحشية، التي إرتكبها أجهزة صدام خلال تسلطه لأكثر من ثلاثة عقود.
حكومة بغداد، بهشاشتها الفكرية و الحمل المفهومي الخادع تدّعي الشراكة الوطنية مع إقليم كوردستان و تطلب دعمه لتستمر في سياساتها الخاطئة، لم ولن تكن مستعدة و لو بشكل نظري أن تولي الإهتمام بضاحايا الأنفال و حلبجة و لم و لا تنوي أن تنطق بكلمة الإعتذار عن ما تعرضوا له من المآسي. 
هل يعقل أن نستغفل بعد كل هذه التجارب المريرة مع الحكومة "الفدرالية" مرة أخری بالشعارات والوعود الكاذبة و نتخلی عن إرادتنا الحرة وحقنا في الإستقلال الكامل أو علی الأقل في الإستقلال الإقتصادي في هذه المرحلة لتنمية و تطوير إقليمنا؟
وما تمرير الموازنة الإتحادية من قبل مجلس النواب دون موافقة كتلة التحالف الكوردستاني إلا دليل آخر علی إمرار نهج التسلط وتكريس سياسة الانفراد والاقصاء و النوايا الخفية لحكومة بغداد للعودة الی أيام الحكم الشمولي.
والذي يزيد الأزمة السياسية الحالية أكثر تعقيداً هو الدور الكبير للماكنة الإعلامية لرئيس الوزراء بممارسة تزييف وعي الإنسان العراقي والعربي وتحريف الحقائق والعمل علی تشويه وجه السياسة المعتدلة في الإقليم و التقليل من أهمية الإنفتاح الكوردستاني علی التجارب الدولية الناجحة في الحكم الرشيد و الإقتصاد الحر و أهمية تحفيز الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحقيق إقتصاد مزدهر، وغرس روح المبادرة والمنافسة وتشجيع وجذب الاستثمارات من خلال هذا المجال الهام.   
فما نلمسه من الحكومة الحالية في بغداد هو التعامل مع الإقليم و قضایاه بعقل إستعلائي، تارة بإسم العروبة و أخری بإسم الإسلام، بعد رفضها دعم و تطبيق الحقوق‌ الدستورية. لقد آن للإقليم كسر هذه الدائرة الخانقة، التي يحبسنا فيها دعاة الشمولية وأصحاب إمبريالية المبدأ الواحد و فاشية العقيدة المغلقة و كهنة الرجوع الی ثقافة الجمود، التي لا تريد أن نتمكن من تفكيك الحاضر أو أن نتحرر من المسبقات و إستباق المجهولات.
من يفكر علی هذا النحو لا يغير واقعاً و لا يصنع وحدة بين المكونات المختلفة في العراق، بل ترتطم أفكاره المثالية و نظراته التبسيطية علی أرض الواقع العنيد، لكي ترتد علیه، كما ترتد الكرة عندما تصطدم بأرض صلبة ملساء. والمآل هو إنتاج واقع أسوأ و أكثر كارثة مما أنتجه نظام البعث و علّامة التفرّد و الدكتاتورية، صدام حسين.
من هنا لا تجدي معالجة الأزمات بما هو مسبق أو محقق أو سائد من الصيغ والقواعد والأنظمة والنماذج و لا حلول بإستكمال ما لم يستكمل بعد. الأجدی هو عدم نفي الواقع بإسم ماض مزعوم أو مستقبل موهوم و التمرس بسياسة فكرية جديدة تتعامل مع المعالجات والحلول بصفتها تخييلات خلاقة و تراكيب جديدة، لكن أين رئيس الحكومة في بغداد من كل هذا وهو الذي يٶمن الی اليوم بالمسبقات المعيقة و الدغمائیات الخانقة و التقديس والتسبيح للذوات والأشخاص والشعارات الخاوية، التي كانت منبع من منابع سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعب الكوردستاني.
و ختاماً: "من لا يعمل علی تفكيك الممتنعات من الداخل، يدعم أفراد أو جماعات من الناس يدّعون بأنهم يجسدون قيمة القيم، لإنتاج آليات المصادرة و منطق السيطرة علی النفوس و الوصاية علی العقول".   
الدكتور سامان سوراني




86
التعايش السلمي بين الأديان في إقليم كوردستان و النوايا الخفية للجماعات الدينية المتطرفة

من المعلوم بأن التعايش هو ضربٌ من التعاون القائم على أساس الثقة والاحترام المتبادلين و الرغبة في التعاون لخير الإنسانية، الهادف الی غايات يتفق عليها الأطراف التي ترغب في التعايش بشكل طوعي و بإختيار كامل بعيداً كل البعد عن خلط الأوراق ومزج العقائد وتذويبها وصبّها في قالب واحد.
والتعايش الذي يهدف الی سلب الهويات و يٶدي الی إختلال توازن الأفراد و إهتزاز كيانهم و يخدم أهدافاً سياسية خطيرة تتعارض مع الأهداف الإنسانية النبيلة، لا يمكن تسميته بالتعايش، بل هو ضرب من الغشّ والإحتيال والتضليل. إذ لا يمكن أن يطالب فئة من فئة أخری بالتصديق علی إيمانها هي، جاهلاً الأختلافات بين الأديان.
أما المواثيق الدولية الإنسانية التي تعكس عالمية القيم و خصوصية الثقافة والعقائد الإيمانية والتطور والرقي و وحدة الضمير الإنساني و التي ترفع من شأن قبول الحوار الخارج عن الاحتفال البروتوكولي والمبني علی قضايا أساسية ومحاور حاكمة، فيجب أن تعامل كدستور يملأ فضاءات التعايش والحوار و العقلانية من أجل ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة و معالجة المتناقضات السلبية و الخلافات الدينية والمذهبية بين المكونات المختلفة.
نحن نظن بأن لكل مواطن كما لكل رجل دين رسالة في الحياة. فالذي يؤمن بالتعددية بشكل عام له رسالة، يستطيع أن يعلن عنها بالقول والعمل و يؤكد على الوحدة في التعددية. والمحاولات التي تجري بإتجاه تقويض وتجريد المواثيق الحقوقية من مضمونها و محتواها فيما يتعلق بالحريات الدينية وحقوق المرأة و الأقليات، مآلها كسب الشهرة و الترويج لثقافة السياسات المتهافتة و اليقينيات المطلقة.
هناك وللأسف في الإقليم جماعات دينية تؤمن بالدولة الشمولية، التي تنوي الهيمنة علی المقدّرات و إحصاء الأنفس و إخضاع البشر بالقوة العارية من أجل تجنيد المواطن و تسخيره لدعوات مستحيلة أو عقائد مدمرة تحوّل الوعود بالفردوس أعراساً للدم.  تلك الجماعات المتطرفة لا تؤمن بعمل منظمات المجتمع المدني ولا وجود للحوار السلمي مكانة في قواميسها العملية،  لكنها تنوي تحت يافطة تأصيل القيم الدينية في وجدان الأفراد والجماعات في وضع السياسات العامة والخطط والبرامج بما يقلل من ترسيخ قيم المواطنة الكوردستانية والحكم الرشيد في العمل الحكومي و يزيد من نشر بذور العنف الفكري و إشاعة روح العداء بين المواطنين بعد السيطرة علی المؤسسات الدينية و دور العبادة بدافع الإشراف عليها. و صونها من العناصر الثقافية الغريبة.
المجتمع الكوردستاني اليوم بأشد الحاجة الی كسر وحدانية الذات علی نحو يفتح الإمكان لقبول الآخر بوصفه مختلف عنه باالدين والمذهب و لكنه مساو له‌ في الحقوق والكرامة والهوية.  من يريد التعايش في ظل دولة راعية أو وطن جامع أو بلد آمن أو مجتمع مفتوح أو عالم أوسع فما عليه سوی الخروج من المأزق. لقد حان الوقت لیعلن علماء المنابر أمام الملأ، أولئك الذین ینطقون بإسم مذاهبهم ویؤثرون في الجمهور الواسع من المتدینین، بأنه لیس کل ماجاء في کتبهم صحیحا أو صالحا للتربیة الدینیة، فبدون إلغاء النصوص والأحکام والفتاوی، التي تولد الاقصاء المتبادل وتبث العداوة والکره بین المذاهب و الأديان من کلیات الشریعة وبرامج التعلیم الدیني، وبدون إستبعاد النصوص والأحکام التي تتعامل مع الإيزدیین والمسیحیین الكاثوليك منهم و الأرثودوكس والصابئة المندائیة والیهود، کمشرکین أو ضالین وبدون إطلاق حریة الإعتقاد بإلغاء قاعدة الارتداد لایمکن مواجهة الذات و لایمکن مکافحة ممارسة التشبیح أو الشعوذة و نشر الفتن ولایمکن صناعة مجتمع مدني تتعدد فیه الثقافات والإعتقادات، التي تمحي التحجر الإجتماعي والسکون الثقافي. الخروج من المأزق هو العمل علی التمرس بإستراتیجیة فکریة جدیدة من مفرداتها: الإعتراف المتبادل، لغة التسویة، عقلیة الشراکة، البعد المتعدد، ثقافة التهجین والعقلانیة المرکبة.
و ختاماً: "لكل عصر شكله في النضال و مفهومه للتغيير. فمن لا يعترف بما يقع تهمشه الوقائع ومن لا يقوم بتشخيص الواقع لا يقاومه ومن لا يستخدم لغة مفهومية جديدة لا يساهم بشكل إيجابي في تغييره."
الدكتور سامان سوراني
 

 



87
الإتحاد الأوروبي و إمكانية التوصّل إلى حل للأزمة السياسية في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن الأزمة السياسة المزمنة في العراق ليست وليدة اليوم بل هي ثمرة تراكمات و ترسبات السياسة الإتكالية العقيمة، التي أنجبت الديكتاتورية العسكرية المٶمنة بالحروب و المدافعة عن العقلية القوموية الكامنة في ظلال العتمة الفكرية المتسمة بالشوفينية تارة و بالعنصرية المقيتة تارة أخری و التي أدت الی هدم الثقة بين كيانات المجتمع العراقي المختلفة و تهشيم نوافذ المواطنة.
صحيح بأن العراق مرّت بسبب تلك السياسات العوجاء بمآسي و صعوبات تخصها مثل حرب الخليج الأولی والثانية و الإقتتال الداخلي الدموي بين جهات شيعية و سنية بعد سقوط الطاغية في بغداد والتي أستمرت لسنوات عديدة، لكننا لم نری أيّة إرادة سياسية قوية من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة في إنهاض هذه الدولة و إعادة بناءها بعد نشر فلسفة المواطنة و تطبيق بنود الدستور الفدرالي لتتضائل الفوارق الإستراتيجية القديمة التي كانت تهتدي بها سياسات الحقبة الماضية. ما لمسناه هو هيمنة الفكر الطائفي العروبي علی مٶسسات الدولة و إحتكار السلطة من قبل رئيس الحكومة بصفته الشخصية و إنتهاج سياسة التفرّد في إصدار القرارات و إهمال نصوص الدستور و تجميد عمل المٶسسات الرقابية الأخری و توظيف بعضها كأداة مجندة لتعزف أناشيد الرضی لرئيس الحكومة و تروّج لإستيراد عدم الإستقرار و تصدير الديكتاتورية من جديد.
قبل أيام زار وفد الإتحاد الأوروبي متكون من سفراء كل من بولونيا والتشيك واسبانيا والسويد وسلوفاكيا ورومانيا وبريطانيا والمانيا واليونان وفرنسا وايطاليا وهولندا و سفيرة الإتحاد الأوروبي لدی العراق الی إقليم كوردستان لـ "يراقب من كثب" تطور الوضع  المتأزم في العراق و يبحث العلاقات الثنائية والتوترات السياسية التي يعيشها العراق، كيف يصل الی معرفة السبيل في مساعدة جميع الأطراف للتوصل إلى معالجة الأزمة الحالية.
نحن نعرف بأنّ ألمانيا و بريطانيا وفرنسا تشكل القوى العظمى في الاتحاد الأوروبي وأنّ لكل دولة من تلك الدول رؤية ومصالح مختلفة في دول الشرق الأوسط و بالأخص في العراق و إن هذا الإتحاد يريد دوماً الجلوس في المقعد الخلفي فيما يتعلق بالشأن السياسي في المنطقة، لكن هذا لا يعني بأنه لا يريد أن يلعب الدور الريادي في الترويج لإقتصاد ليبرالي وتعددي يساهم في بناء الفضاء الديمقراطي و ترسيخ مبادیء الفدرالية و سيادة القانون و الديمقراطية البرلمانية الضامنة للتعايش السلمي. بكلام أخر إن جلّ إهتمامات الاتحاد الأوروبي اليوم هي اقتصادية و أمنية  أكثر من كونها سياسية.
ما نريده من الإتحاد الأوروبي هو إتخاذ موقف أقوى سياسياً  في المنطقة ، لأنه من الصعب فصل السياسة عن الاقتصاد كلياً.
واليوم يحظی إقليم كوردستان بجانب علاقاته مع شركات عملاقة متعددة الجنسية، التي تعتمد بالإضافة الی السياسات الإقتصادية، الی سياسات مالية و إجتماعية و أحياناً أمنية تفضي الی زيادة نفوذها الدولي، بالوضع المتقدم في علاقاته مع الإتحاد الأوروبي و هناك نوايا جديّة و رصينة من قبل الإتحاد الأوروبي لدعم الإقليم في المجالات الإقتصادية والتقنية.
ما يفرح الإتحاد الأوروبي هو طلب الأطراف السياسية العراقية من الرئيس مسعود بارزاني شخصياً، الذي ينطلق دوماً من نظرية الديبلوماسية الوقائية، تفادياً لوقوع إقتتال داخلي و تهديد الأمن والسلم في المنطقة، ليبدأ بمبادرة تاريخية ثانية و إستعداد أربيل، عاصمة إقليم كوردستان، إحتضان مٶتمر موسع لقادة الكتل السياسية العراقية نهاية شباط ٢٠١٣ لدراسة الوضع و إتخاذ الخطوات اللازمة للدخول في حوار جديّ و الوصول الی حلول سليمة لإحتواء الأزمة الراهنة. هناك ملفات ساخنة كثيرة، لكن الذي يهم الطرف الكوردستاني هو حسم النقاط الجوهرية و وضع حد لسياسة التأجيل والمماطلة المتكررة، التي تمارسها حکومة بغداد مع سبق الإصرار والترصد.
فمن حق إقليم كوردستان وضع شروط للحصول على ضمانات تنفيذ مقررات المؤتمر قبل الشروع به، إذ انه لا يريد أن يلدغ من جُحرٍ مرّتين  ليتكرر ما حصل في اتفاقية اربيل بعد تنصل بغداد و هروب السيد المالكي من تنفيذ موادها. يتطلب صوغ أساس منطقي واضح للعلاقات بين الكيانات الرئيسية مبنيّ علی الشراكة الحقيقية والإحترام المتبادل، إذ لا يحتمل أن يسود السلام و الإستقرار الدائمان في العراق دون إيجاد تسوية مقبولة للنقاط الساخنة.   
وختاماً: إن تعاملنا مع السلطة السياسية كمحصلة قانونية أو إجرائية للحراك الإجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين في مختلف القطاعات والحقول و إخضاعها للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية، شأنها شأن أي حكومة ديمقراطية فعالة، يعزز تجربتنا في الديمقراطية، فالديمقراطية ليست نموذجاً يُنقل عن بعض الدول، ولكنها هدف ينبغي أن تحققه كافة الشعوب.
الدكتور سامان سوراني

88
فلسفة الاستقلال الإقتصادي و مستقبل إقليم كوردستان

من المعلوم بأن فلسفة الاستقلال الاقتصادي المبنية علی أساس العقل والتعقل و الفكر والتفكير تلعب دوراً مهماً في زمن التواصل والعولمة والتحولات المجتمعية الكبرى و الانتشار التدريجي لثقافة "ميركانتيلية" قوامها تحويل كل "شيء" إلى بضاعة، أي إلى شيء معروض في السوق قابل للبيع والشراء. 
ما يفرحنا اليوم في عصر التعدد، تعدد المناهج والنماذج، أو الأقطاب والمراكز، سواء على صعيد العلاقات بين الدول، أو داخل كل دولة، هو مشاهدة الحضور القوي لإقليم كوردستان علی الساحة الإقتصادية العالمية، بعد أن قامت حکومته بعقلنة التدبير الإقتصادي و بعد أن قام المجتمع الكوردستاني بالعمل علی نفسه في مختلف الحقول والقطاعات و بمختلف قواه و فاعليته لإجراء التحولات البنيوية يطال اللغات والعقليات والشيفرات و أنظمة الحقوق وقواعد المعاملة و التي ينتقل معها إلى وضع جديد و بعد إجتياز الكثير من العيوب والمساویء والتناقضات التي إنكشفت بعد سقوط النظام الديكتاتوري في العراق و إنهيار سلطته القمعية و بعد تحرره من المفاهيم والنماذج والقيم والأساليب التي كانت متأصلة و راسخة لعقود من الزمن، تلك المفاهيم و النماذج التي كانت مبنية على حجب الوقائع وتزييف الحقائق، بقدر ما كانت تمارس الخداع والتضليل للذات وللغير و التي كانت تٶمن بأن المجتمعات العراقية يجب أن تتغير من خلال ذوبانها في فكرة العروبة و الثورة القومية و قائد الضرورة، لا عن طريق الإبتكارات الخلّاقة و الإستعارة بالأفكار المعاصرة لصنع الحياة و المشاركة في صناعة الحضارة.
إن عمل الإقليم علی فلسفة إقتصادية تمهد الطريق لإستقلاله و تٶثر بشكل إيجابي علی مستقبل و أمن المنطقة و تطور العملية الديمقراطية فيها و تضمن في الوقت نفسه أهداف حكومته في الحرية والعدالة والكرامة من أجل إقامة مجتمع تعدّدي، مدني، تداولي، ديمقراطي، هو الذي جهّز لشعب كوردستان هذه الرفاهية و هذا التقدم الملحوظ، بعد سنوات من النضال ضد الجرثومة السرطانية البعثية الفتّاكة و القوی القوموية، التي مارست الإستبداد والفساد والتخلف و سعت في تشليل طاقات شعب كوردستان الحيّة والخلاّقة على تحديث أبنيته واستغلال مقدّراته، لمنع ضمان نجاحه في صنع نموذجه في التنمية. عالمنا اليوم والعالم المستقبلي هو عالم التكتلات، عالم الشركات والاستثمارات الكبرى، عالم الثقافة والمعلوماتية والمتغيرات الإقتصادية للعولمة، تتركز فيە نظرية 'الليبرالية الجديدة"، التي تری في رفع الحواجز والحدود أمام انتقال رأس المال وتحرير التجارة وخصخصة المشروعات الحكومية والتقليل من شأن الدولة من التدخل في النشاطات الاقتصادية تمهيدَ طريقٍ أمام الإنتقال من منطق القرار الاقتصادي لسلطة الدولة المركزية إلى منطق القرار الاقتصادي المعولم، الذي تديره المؤسسات والشركات العابرة للقومية.
بالرغم من ظهور ملامح (دولة الإقليم) التي تتشكل من منطقة اقتصادية تربط بين أجزاء من بلدان مختلفة تهمش الولاءات الوطنية، نری السيد المالكي، رئيس الحكومة في العراق الفدرالي، يمارس الی الآن وللأسف منطق القرار المركزي و يحاول بشكل بائس الی إعادة تطبيق نظام مركزية القرار بإعتبار أن الأحقية والمشروعية تابعة للمركز، بعد أن تغلب عندە الاعتبارات الايديولوجية والاستراتيجية المذهبية على هموم الإقتصاد ومشاغل البنية التحتية. فهو يرفع من شأن منطق "المنظومة" الأيديولوجية الحديدية التي تشتغل بالقولبة والتطويع والتدجين أو بالشحن والتعبئة و يرفض فكرة إقامة هيئات إستشارية ثنائية "كوردستانية-عراقية" في مجالات السياسة و الإقتصاد والإجتماع، مهمتها تقييم واقتراح السياسات المستقبلية في هذا المجال و تحديد الاختلافات وسبل معالجتها، أو وضع استراتيجية بناء القدرة التنافسية والتي تعد من أهم عناصر الاستراتيجية العليا للتنمية الشاملة، بعد تبني اللامركزية الإدارية من أجل تفعيل الديمقراطية المحلية. إذ لا نفع في الكلامي و التهديدات لمنع حكومة الإقليم في الاستمرار بالتعاقد مع شركات الطاقة العالمية أو منع الشركات النفطية العالمية للتعامل مع إقليم كوردستان والسعي في مقاضاتهم.
و إنه من التبسيط والغفلة أن نصدّق برنامجه الإقتصادي و سياسته النفطية العقيمة، التي تٶول الی الإخفاق، بعد صنع كل هذه الأزمات و ممارسة الانتهاكات و الدعوات التي تشدّد من رٶاه الخاصة و تفسيراته القاصرة علی الوحدة الوطنية المزيفة و بناء الترسانة العسكرية، تلك العملة، التي تعيدنا إلى الوراء ولا تصنع نمواً أو ازدهاراً، بل تحول القوة إلى غطرسة. إن دينامية الحداثة وفّرت شروط سوسيولوجية متربطة باستقلالية أكبر للفرد و لوعيه بذاته و بمسؤوليته و لتمتعه بقسط أكبر من حرية الاختيار، لينبثق كذات فاعلة في كل المجالات وبخاصة في المجال السياسي كمواطن فاعل، ذي حقوق. ففي ظل العراقيل التي تضعها الحكومة الفدرالية أمام جهود شعب كوردستان في تعزيز بنية و فاعلية مؤسساته الكوردستانية سوف يرقی و يعزز الحكم الرشيد و يرسخ الی منزلة الهدف الوطني في حد ذاته. 
وختاماً يقال بأن "المشروع الذي لا ينتج مؤسسة ينتهي بوفاة صاحبه و المشروع الذي لا يبدع منهجاً لا يستحق أن ينعت بالفلسفي". 
الدكتور سامان سوراني

89
الرئيس مسعود بارزاني و المنتدی الإقتصادي العالمي في دافوس

مع تفجير أطر الزمان والمكان بسبب ظهور الإنسان الرقمي و العمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و إنتهاء زمن العقل الإمبراطوري، نری اليوم صدارة الإستثمارات الأجنبية في قضايا الإقتصاد المعاصر، التي كانت قبل عقود قليلة موضع الشك والريبة، بإعتبارها كانت تفسر كأداة للتجنيد وممارسة أنشطة مناهضة للإيديولوجيات والنظريات القومية الضيقة، التي إحتلت زهاء نصف قرن عقول النخب السياسية الضالة في العالمين العربي والشرقي و ساهمت مساهمة سلبية في تأخر المجتمع و الإقتصاد القومي. 
بعد سقوط نظام الجمود العقائدي و الفكر الإستبدادي في العراق، نمت فكرة تشجيع الإستثمار الأجنبي لا فقط في نقل رأس المال، كما يتخيله سذجة علوم الإقتصاد، بل في نقل التكنولوجيا والإدارة الحديثة و تطوير ثقافة العمل و الإشراك في النهضة العلمية الحديثة. حكومة إقليم كوردستان بادرت في إصدار قانون الإستثمار، کخطوة مهمة لجذب الاستثمارات الأجنبية و منحها إمتيازات وعرضت مجموعة من الفرص الاستثمارية في الاقليم وتم بفضل هذه المبادرة تنفيذ مشاريع سكنية وفندقية عظيمة و إنشاء عدد من الجامعات الخاصة مثل الجامعة الأمريكية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ومجموعة أخرى من المشاريع الصناعية.
في هذا الزمن الكوكبي لا مجال للفصل بين الداخل والخارج، فهناك تداخل في الأنشطة الإقتصادية و تشابك بين الميادين والحقول المختلفة و ترابط في المصالح و مشاركة فاعلة بين الأطراف المختلفة بعيدة عن فكرة الطرف القوي والطرف الضعيف، بل هناك مفاوض ضعيف و مفاوض قوي. فآراء الجهات المختلفة تٶخذ بعين الإعتبار لكي لا تخلق إختلال في البنية الإقتصادية المشتركة ولكي تتحقق أهداف الأنشطة الإقتصادية بشكل كلي.
إن مشاركة الرئيس مسعود بارزاني، الذي يكون ضمن ٥٠ رئيس دولة و حكومة، في منتدی إقتصادي عالمي يحمل عنوان «الدينامية المثابرة» دليل علی إهتمام حکومة الإقليم بالفلسفة الجديدة للإقتصاد و سعيها الدٶوب في الدخول الی منظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق مكاسب علی أرض الواقع و يقينها بأن الشعوب أصبحت تقيّم النظم الإقتصادية من خلال المكاسب، لا من خلال الإنغلاق السياسي والإقتصادي أو من خلال نظريات طوباوية و كلمات منمقة و رفع شعارات زائفة. 
اليوم، ٢٣-١-٢٠١٣، سوف تبدأ دورة المنتدى الاقتصادي العالمي في منتجع دافوس السياحي شرق سويسرا، التي تحولت من مجرد ملتقى مصغر لمسيري مؤسسات اقتصادية غربية كبرى، إلى محفل دولي بارز لكبار قادة العالم، اضطر للإنفتاح شيئاً فشيئاً على حكومات دول الجنوب والإقتصاديات الصاعدة. ومن المتوقع أن ينصب التركيز هذا العام على عدد من القطاعات الإجتماعية، وفي مقدمتها القطاع الصحي بعد تقييم التطورات والتغيرات الحادثة في العالم. وسوف يسمح هذا المحفل للوفد الكوردستاني المشارك بالإلتقاء بالأوروبيين والأمريكيين وإبرام صفقات تجارية و طرح مشاكل آنية والبحث عن حل للصراعات القائمة في المنطقة. ففي المجتمعات التي تنوي التنمية و البناء، تكون القرارات علی المستوی الأعلی حصيلة التداولات و التأثيرات المتبادلة، علی مختلف المستويات و في كل الإتجاهات.
أما المنتدی، الذي إجتذب علی مدی تاريخه أسماء لامعة من عالم الأعمال و الأكاديميين و السياسة والفن، منهم نيلسون مانديلا، بيل كلينتون، أجيلا ميركل، بيل غيتس، توني بلير، مسعود بارزاني، فهو منظمة غير ربحية، تمول نفسها  بالإشتراكات التي يدفعها أعضاؤها، تأسس من قبل كلاوس شفاب، رجل أعمال الماني الأصل، بهدف ربط الصلة بين زعماء المال والأعمال الأوروبيين ونظرائهم في الولايات المتحدة لإيجاد طرق تعزيز التعاون وحل المشاكل بدأ أعماله عام ١٩٧١ تحت عنوان "منتدى التسيير الاقتصادي الأوروبي". المشرفون علی المنتدی يدّعون بأن منتداهم ساهم في الماضي بشكل فعّال في تهدئة الخلافات بين تركيا واليونان، وبين الكوريتين، وبين ألمانيا الشرقية والغربية، وفي جنوب إفريقيا أثناء نظام التمييز العنصري.
نتمنی أن يحصل الوفد الكوردستاني، المٶمن بالسياسة الديمقراطية و الحداثة و الإقتصاد الليبرالي المعولم، المزيد من الدعم العالمي لقضية شعبه العادلة و تعزيز و تثبيت المكانة الإقتصادية للأقليم دولياً من أجل ترسيخ مبادیء الديمقراطية الجذرية في العراق و إستدعاء مفهوم التعددية وإستبعاد مفهوم المطابقة والإنفراد و منع ظهور فكرة الزعيم الأوحد و القائد الملهم أو المهدي المنتظر، الذي يهوی حراسة ثوابت معيقة و مقولات مستهلكة و نماذج بائدة أو يريد أن يختزل المجتمع بأكمله و يستبد العراق بأسره، لأن الهدف وراء هذه الفكرة هو تشكيل حشود بشرية و قطعان عمياء تصفق وتطرب و تعد و تتوعّد، لكي تقع في النهاية ضحية من تقدسه و تبجّله.
وختاماً: "لا سبيل اليوم لمجتمع أن ينمو و يتطور أو أن يتقدم و يزدهر من غير أن يمارس حيويته الإقتصادية، فالهوية هي صيرورة تصنعها العلاقة مع الغير، كما الدين هو المعاملة و العقل هو المداولة و السياسة هي الشراكة."
الدكتور سامان سوراني
 

90
كركوك بين عمليات دجلة اللادستورية والعمليات الإرهابية الجبانة


شهدت مدینة کرکوك وقضاء طوزخورماتو صباح یوم 2013.01.16 هجمات إرهابیة جهنمیة وحشیة عمياء مزّقت الأجساد ودمّرت الممتلکات، راح ضحیتها ما لايقل العشرات من المواطنين المسالمين و أعضاء لمنظمات مدنية كوردستانية فاعلة في المدينة وأصيب أكثر من 200 آخرين بجروح، يعجز اللسان عن إيجاد كلمات تناسب شجبها، بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالشعب الكوردستاني وإفساد الوحدة الوطنية والتعايش السلمي في كركوك. إنها بحق فلسفة عنصرية صادرة من عقول مجرمي الحروب، التي تفضل الموت على الحياة والتي تستند أساساً الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبرياء و تعريفهم بالأعداء الألداء والنيل منهم، لمجرد عدم إنتمائهم الی حضيرتهم و رفضهم قرارات خاطئة صادرة من قبل القائد العام للقوات المسلحة، مثل تواجد قوات عمليات دجلة اللادستورية في مناطقهم والتي أدت تمركزها الی تأزيم الوضع السياسي و ساعدت تحركاتها العدمية الی إحياء الفوضی الأمني في المنطقة.
من المعلوم بأن العنف لم یقُد یو‌م من الأیام الی تحقیق الأهداف الطوباویة والمشاریع المستحیلة، إذن ماهي الرسالة التي يريدون توجيهها من خلال هذه العملیة اللاإنسانیة؟
لا المسؤولين الأمنيين في الحكومة الإتحادية و لا رئيس الوزراء الإتحادي، الحائك لخيوط الدكتاتورية و لغة العنف، أبدوا إهتمامهم بهذه الفاجعة اللاإنسانية أو إتصلوا بالجهات الحكومية في كركوك أو قاموا بزيارة الجرحی للإطمئنان علی أوضاعهم الصحية أو لإعلان الأسف و إدانة هذه العملية الوحشية، التي تهدف أساساً الی تغییرالحیاة في كركوك من التآخي الی الجحیم، قتلاً وحرقاً وتدمیراً. هذه هي و للأسف فلسفة الحكومة الإتحادية، التي لا تضع للمواطن، ذلك العنصر الأساسي المساهم في تحویل العراق الی مجتمع مدني ديمقراطي تعددي متحضر، أي إعتبار يذكر.
الحكومة الإتحادية تعمدت طوال مدة حكمها عن سبق إصرار في تنفيذ المادة 140 من الدستور المتعلقة بالحل السلمي لقضية كركوك والمناطق الكوردستانية الأخری الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان. فهي تسعی الی إقناح الرأي العام في العراق، بأن القوات الأمنية الكوردستانية ضعيفة، لا تستطيع حماية مواطني كوردستان ولكن رؤيتها الإسترجاعية هذه لا تقودها الی النجاح، بل تنتهي بها الی القعود ولیس الی النهوض.
لقد مارس النظام السابق في العراق أعنف أنواع العمليات الوحشية و الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان ولم يتمكن من التقليل من إرادتها في الحرية والإستقلال، لذا نقول للجهات التي لم تستفد بعد من دروس الماضي والتي تمارس اليوم الترويج لجحيم الآلة العسكرية، بأنه مع كل محاولة يائسة للنيل من شعب كوردستان يزداد إيمان الكوردستانيين في تلك المناطق بكوردستانية مدنهم و أقضيتهم وسوف يستمرون في الحوار كقاعدة للعيش و يستخدمون كافة الوسائل السلمية لإسترجاع حقوقهم المهضومة، بعد إدانتهم لكل فکر شوفیني بعثوي إسلاموي إستعلائي، تروّج ثقافات العروبیة الفاشلة وأساطیر السردیات الکبری، التي ستؤول الى الإنتهاء قريباً بفعل حركة حضارة الانسان.
ولا جدوی بعد الآن من التشبث والإحتماء بالهويات المسيّجة و السيادات المصطنعة، إذا كانت تفضي الی تقويض معاني الآصرة والرابط بين النظراء والشركاء و الأجدی هو ما يسهم في بناء علاقات التعايش والتواصل أو التعلم والإفادة علی سبيل التداول والتبادل.
أصحاب الثقافات المتحجرة الأحادية العدوانية والإستبدادية لا تؤمن ببناء المؤسسات، التي تستطيع أن تكافح داء الإرهاب أو أن تجمع القوی المتحضرة لتسهم في بناء دولة مبنية علی أساس الشراكة الحقيقية، دولة تؤمن بالدستور و القانون و تعزز الفدرالیة الدیمقراطیة و التعددیة الإتحادیة.
ومعالجة الإرهاب تحتاج الی إجراءات أمنیة بقدر ماتحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعلیمها. أما نحن كإنسان، فمن واجبنا محاربة كل تطرف ديني أو قوموي للتخلص من فلسفة الارهابيين الخاطئة. و لتعمل المؤسسات الأمنية الكوردستانية علی تفکیك مفهوم هذه الفلسفة، لکشف بنیته‌ الفکریة وتبیان آلیات عمله، من أجل قلع جذور المعتقد الإصطفائي الشوفيني، الذي یزّین لأصحابه أنهم ملاك الحقیقة و خیر أمة و سادة الخلائق، المعصومون عن الخطأ، أهل الفرقة الناجیة.
وختاماً نقول: لا للإرهاب و لا للعنف و لا لعقلیة الثأر والأنتقام تحت يافطات سخیفة و مزیفة، مثل إنقاذ "الوطن من التقسيم والوحدة الوطنية" و لا للسعي إلی نفي الآخر و محو خصوصيته. فلتتضامن أهالي مدینتي، بکورده‌ وعربه وترکمانه و کلدانه وآشوره وأرمنه، مع البعض و تقف صفاً واحداً ضد الإرهاب و العنف للحفاظ على أمن كركوك المجروحة و أرواح مواطنيها المسالمين.
الدكتور سامان سوراني



91
أوهام الثورة الإسلامية الشمولية في باكستان و أعطال الديمقراطية

ظاهرة تفاقم المشكلات علی المسرح الكوني، في غير مكان و علی غير صعيد و توالي الدعوات و إصطراع الهويات و صعود أنبياء جدد بين ليلة و ضحاها، يدعون بأنهم أصحاب مهمات إلهية و منازع إسلامية تهدف الی إحتكار المشروعية و ممارسة الوصاية علی الشأن الكوني أو إدارة الشأن الإسلامي بمنطق الدين، دليل علی إنهيار المشاريع الديمقراطية الكارتونية السطحية، التي صادرت حرية التفكير و أنتجت الأخطاء و الأوهام و الأصنام و المحرمات أو المقدسات.
الحل هو المشكلة، فقبل فترة وجيزة ظهر نجم "محمد طاهر القادري" في سماء السياسة الباكستانية، الذي يلقب نفسه بـ"شيخ الإسلام" و الذي إكتسب شعبية فور عودته من كندا إلى بلاده منذ أسابيع، فهو مٶسس منظمة إسلامية كبيرة في بداية الثمانينات من القرن الماضي تسمی "منهاج القرآن العالمية"، تملك فروعاً في أكثر من تسعين دولة في العالم.
صحيح بأن محمد القادري، الداعي "للسلام العالمي"، قام في الماضي بإصدار فتاوی عديدة منها فتوی ضد الإرهاب و المتورطين في العمليات الإرهابية، معتبراً إيّاهم بالخارجين عن "الملة القويمة" أو بـ"كفار"، واصفاً تنظيم القاعدة بـ"شرّ قديم بإسم جديد"، لكنه اليوم يريد أن يحول إسلام آباد الی "ميدان التحرير"، بعد أن أعلن بشن حرب على الفساد و سوء الإدارة، داعياً الی تنفيذ إصلاحات انتخابية، منادياً الی تظاهرات مليونية ضد الحکومة الحالية، تشارك فيها أتباعه "القادريين" ومن النشطاء في "حركة منهج القرآن" التي تضم شبكة من المؤسسات الدينية والتعليمية في باكستان والعالم، لخلق "ثورة ديمقراطية" و حل البرلمان الحالي المنتخب من قبل الشعب الباكستاني بشکل ديمقراطي.
لكن من هو محمد طاهر القادري؟ هذا الرجل ذو اللحية البيضاء و النظارات المطلية بماء الذهب، عاش في السنوات الماضية في أمريكا الشمالية، يحمل بالإضافة الی الجنسية الباكستانية، جواز سفر كندي. رجع القادري في شهر كانون الأول عام ٢٠١٢ الی باكستان، قام بعده بجمع الآلاف من أتباعه في مدينة لاهور ليطالب معهم بالإصلاحات الإنتخابية و إنتخابات جديدة يسمح فقط لمرشحين يثبتون بأنهم دفعوا ضرائبهم الی الحكومة، لكي يحتل، علی حد قوله، "أناس أمناء و نزهاء" مقاعد البرلمان.
المعروف بأن هناك إنتخابات يحتمل إجراءها في الربيع من هذا العام و إذا تمت الإنتخابات، فإنها سوف تكون أول إنتخابات تجري بشكل ديمقراطي بعد ٦٦ عام من تاريخ هذا البلد. لكن بسبب مطالبته من الجيش تقديم المشورة لتشكيل حكومة إنتقالية، يعتقد الكثيرون بأنه يدعم من قبل الجيش و بالأخص من قبل الدكتاتور العسكري السابق برويز مشرّف.
السٶال الذي يطرح نفسه و الذي يدعوا الی الإستغراب، هو من أين لـ"شيخ الإسلام" محمد القادري            كل هذا التمويل المالي للقيام بحملته الانتخابية، وهو الذي تحول في غضون أسابيع قليلة من لا أحد الی هذا النجم السياسي الساطع؟
أتباعه يقولون بأن مٶسسته، "منهاج القرآن" هي التي تقوم بتمويله مادياً لهذه الحملة بعد حصولها علی تبرعات من قنوات مختلفة و هي التي أجّرت أكثر من أربعين الف حافلة لنقل المتظاهرين ولها رجال أمنها الخاص والتي تعمي المشاركين في التظاهرات. و هو كإنتهازي يلعب بحبل المدافع لآراء المحافظين تارةً و يقبل الرجم كحد شرعي من الحدود الشرعية و يدعم تارة أخری مساواة المرأة في حقوقها المتعلقة بديتها.
سٶالنا، هل يملك محمد القادري القدرة الكافية لتحريض الشارع في عموم باكستان للقيام بالثورة هناك وهل تكون هذه الثورة إسلامية، أم إنها تبقی أقرب الی التهويم والتشبيح أو الی الشعوذة والهذيان؟
المآل هو دوماً عكس الإدعاء والوسائل تدمر الغايات والمشروع الإسلامي يفقد مصداقيته و يحرق الأوراق التي يلعب بها، لذا يمكن الإدعاء بأن منطق التقديس والتسبيح للأشياء والذوات والأشخاص أو للأفكار الشعارات، التي يرفعها "شيخ الإسلام" اليوم هو الذي سوف يولد الإستبداد والإستلاب و العماء والإرهاب أو الفساد والخراب. أما التسبيح بحمد الحقيقة والحق أو الحرية والديمقراطية فلا يقود باكستان الی برّ الأمان. فالأجدی لهم، خاصة و أننا نلج الی عصر كوكبي تتعولم فيه الهويات والثقافات، كما تتعولم المشكلات والكوارث، أن يصنعوا صور جديدة عن أنفسهم و عن علاقاتهم بسواهم و عن مكانتهم في العالم، لا أن يعمل نعض منهم تحت یافطة ما هو مطلق و مقدس و ثابت و كامل و أحادي و نهائي، لتحويل البشر هناك الی آلات عمياء أو إتخاذهم كرهائن لبرامج و مشاريع "شيخ الإسلام" الشمولية لتطهير الأرض من المخالفين في العقيدة والحصيلة سوف تكون دوماً إستحكام الأزمات و إعادة إنتاج المآزق. 
وختاماً: إن تحويل الدين، الذي يسميه البعض بـ"فيتامين الضعفاء"، من صيغته المركبة والمزدوجة التي كانت تٶمّن نوعاً من التوازن بين التقی والإنتهاك و الوازع الخلقي والسلوك الهمجي وبين الرحمن الرحيم والجبار المنتقم، الی مٶسسة لإطلاق الوعيد والتهديد أو الی إستراتيجية قاتلة تنتهك كل قيم التواصل والتعارف و التراحم والتكافل، سوف تقبر الديمقراطية و تحجب العقلانية، لا تساعد علی خلق مساحات و لغات و آليات للتعايش والتبادل علی نحو إيجابي و بناء.     
الدكتور سامان سوراني

.

92
مخيلة آلهة القتل و التصفية الوحشية لرموز سياسية كوردستانية


لا شك أن جريمة الإغتيال والتصفية الوحشية التي ارتكبتها أيادي الغدر والهمجية المحرضة الصفراء ضد ثلاثة ناشطات كوردستانیات نهار التاسع من شهر كانون الثاني 2013، في إحدی مراكز الإعلام الكوردستاني في قلب العاصمة الفرنسية باريس شأنها شأن سائر الجرائم التي تقام منذ عقود بحق الشعب الكوردستاني و رموزه السياسية نابعة من عقليات فاشية إصطفائية دغمائية ثبوتية لاإنسانية تؤمن بعمائها الإيديولوجي بالتطهير العرقي و الإستئصال الإرهابي.
هذه الجريمة ارتكبتها أطراف تسعى لعرقلة مرحلة الحل الراهنة، مرحلة المفاوضات المباشرة بين الحكومة التركية و حزب العمال الكوردستاني و الحوار من أجل الحل السلمي لقضية أكبر شعب يناضل بوسائله الدفاعية ويسعی إلی تحديث الدول التي تمارس العنف ضده لعصرنة قوانينها و تحويلها من دول تحكمها الأجهزة العسكرية والأمنية الی دول تحكمها القانون وتسود فيها الديمقراطية والتعددية، و ذلك من أجل إرجاع حقوقه الأساسية في العيش علی هذه البسيطة.
إن التصفية الدموية التي تعرضت لها كل من ليلی سويلميز، فيدان دوغان و ساكينه جانسيز لا تقلل من  عزيمة الكفاح التحرري السلمي و ثبات الشعب الكوردستاني المؤمن بمستقبله المشرق و حريته و إستقلاله بعد هذه المحنة الخطيرة، بل تجلب معها صفحة و شعلة جديدة من النضال التحرري الدؤوب والمشروع.
ساكينه جانسيز (55 عاماً)، كانت ضمن مجموعة صغيرة من الناشطين الكوردستانيين، الذين أسسوا "الحزب العمال الكوردستاني". تعرضت هذه المناضلة في الثمانينات من القرن الماضي للتعذيب في سجون دياربكر (آمد) بتهمة ميولها "الإنفصالية". إستردت حريتها عام 1991 و توجهت أواخر عام 1992 بتعليمات من رئيس حزبها الی المانيا بهدف تنظيم أنشطة حزب العمال الكوردستاني هناك.   
وبمرور الزمن اصبحت ساكينه كادراً مهماً لحزبها في أوروبا،  خصوصا لقربها من القائد العسكري الأساسي لحزب العمال الكردستاني مراد "قره ايلان" الذي كان متمركزاً مع نحو الفي مقاتل كوردستاني في جبال قنديل. والأخير أصبح رمزاً لـ"حزب العمال الكوردستاني" تم إعتقال مؤسس الحزب عبد الله اوجلان عام 1999 المتواجد ولحد الآن في سجن جزيرة إيمرالي، شمال شرق تركيا.
التعامل مع القضية الكوردستانية بلغة التهديد والوعيد للتخلي عن الحقوق المشروعة في تقرير المصير و الإنصياع الی أوامر الشوفينيين رسالة تحمل في طياتها ثقافة التحجر و العدوانية و الإستبدادية، لايمكن أن يقبلها شعب يعيش في عصر كوكبي من سماته الإعتماد المتبادل و التأثير المتبادل.
القتلة هم من صنيعة العقلية العنصرية المقيتة التي عشعشت لعقود في الذاكرة التركية بسبب فرض أيديولوجيات عمياء و ممارسات تعصب فاشية رفضت وجود الكورد علی أرض أجدادها و لم تكن مستعدة لمجابهة ظاهرة نشوء حزب العمال الكوردستاني و فاعليتها بعقلية التعددية الفكرية والثقافية أو بإستخدام لغة وسيطة و هوية مفتوحة و هجينة، تؤمن بالحرية في الإعتقاد والتعبير و الإختلاف.
و ليعلم أصحاب العقل الإمبراطوري بأن زمنهم قد ولی في عصرنا هذا، عصر الإنسان الرقمي والعمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و لابد الإعتراف بكامل حقوق شعب كوردستان السياسية  و الإقتصادية والثقافية و فك الوصاية علی القيم والحقوق والحريات.
نحن نرفض العنف والإرهاب أياً كان مصدره و ندين و نفضح تلك الممارسات اللاإنسانية. وعلی الجهات التي تؤمن بالحل السلمي للقضية الكوردستانية نزع الألغام التي تفجر مشاريع التقريب والحوار والتوحيد والإهتمام ببناء المعادلات و خلق الصيغ الحضارية التي تتيح للمجتمع التركي والكوردستاني التعايش والتواصل أو التعارف والتبادل، بعقلية الشراكة والوساطة و بصورة مدنية تداولية.
وختاماً: نقول لديناصورات الفكر العنصري الشوفيني، التي تفبرك الأوهام الخادعة أو الأحلام المستحيلة علی حساب الشعب الكوردستاني لإنتاج مزيد من الكوارث، بأن حصيلة أعمالهم الإرهابية الهمجية هي مضاعفة الأزمة والورقة الأخيرة بأيديهم، التي هي في طريقها الی الإحتراق.
الدكتور سامان سوراني



93
لماذا التحوّل نحو الحكم التسلّطي أو حكم الفساد والاستبداد في العراق الفدرالي؟

لقد كان سقوط نظام الطاغية في بغداد عام 2003 علامة تاريخية فارقة للعراق، بعدها بد‌أت عملية سياسية مركّبة ومعقّدة، كنا نظن بأنها قد تسجل إنتصار للشعب العراقي بمكوناته المخلتفة لا يحتمل التعثر والتراجع، بعد أن إنكسرت شوكة تجربة المدّ التحرري عام 1991 في نيل غاياتها في الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.
اليوم و بعد مرور مايقارب 10 سنوات من هذا الحدث الفريد، نری تحول ديكتاتورية فوضی التوافق والمحاصصة الی ديكتاتوريّة العسكر المصبوغة بالصبغة الدينيّة تارة و لدغة الشوفينية تارة أخری يوحي بأنّ البلد إندفع مرة أخری نحو حكم تسلّطي جهوي فاسد و مستبد يهدف الی تهميش الكيانات و الشعب و إرادته النبيلة و يمارس العداء للحريّة في الداخل وفي المحيطين الإقليمي والعالمي، بعد أن جثم هذا النوع من الحكم على صدر العراق طوال عقود و قام بالأنفال و الإبادة الجماعية و مارس جرائم كبری ضد الإنسانية لا يعد و لا يحصی.
بعد فشل عملية سحب الثقة من رئيس الوزراء، الذي يمكن إرجاعه الی أسباب مختلفة، لا مجال هنا لذكرها، والتي كانت حسب رأينا من أنجع الطرق السلمية لحل الأزمة الحالية علی الأقل و قطع الطريق أمام معضلة الحكم الفاسد المائل نحو الإستبدادية، ترتفع بسبب التسويف والمماطلة المتنطعة في تنفيذ مواد دستورية و تحقيق مطالب الكيانات أصوات متظاهرين في محافظات مختلفة و تتصاعد المطالب الی سقف "إستقالة رئيس الحكومة" لرفع الحيف و الخيمة الطائفية و تقليل الترهیب والإعتقالات العشوائية والأساليب القهرية، فهل ياتری بدء المتسلّط  بالفكاك و إستيعاب الدرس من الأنظمة السابقة أو يكون عقله خال من التعسف كي لا يفسد الضمير أو أن لا يضمر العنصر الأخلاقي في السلطة أو يغيب؟
كالعادة يبدأ الاستبداد بسيطرة السلطة السياسية على المجال الثقافي و كذلك سيطرتها على مجالات الإنتاج الاجتماعي بعد استتباع المثقفين واستمالتهم أو تهميشهم والتنكيل بهم. لماذا يجب أن تسيطر السياسة على الثقافة وتستتبعها، ولماذا يجب أن ينظر رئيس الحكومة إلى المثقفين و حتی المتحالفين معه على أنهم فائضون عن الحاجة، سوى المنضوين منهم في مؤسساته الطائفية والعسكرية والأمنية.  لماذا يجب أن يكون الولاء الخالص له هو المعيار للوطنية و الإخلاص لا الكفاية العلمية والثقافية، ولا الجدارة الأخلاقية. إنها الفضيحة والكارثة بل الخديعة و الأكذوبة، التي تهدف الی تعطيل الدستور و إن أمكن الی تجريد المخالفين من المناصب والسيادة لكي يتألّه رئيس الحكومة، الذي يری نفسه بأنه أكبر من بلده و لكي يمارس سلطته المطلقة، لا يسأل فيها عما يفعل. أدواته تريد حل البرلمان، لأن سيادته لا يطيق أعواناً يناقشونه أو يتبادلون معه الرأي ولأن البرلمان لم يعد مجرد عبد ينفذ أوامره و يستجيب لنزواته، كما القضاء الأعلی في العراق.
فالإنسداد يولد الإنفجار وأن النوم علی الهدنة و الإفاقة علی الفتنة والترجح بين موجات من العنف الكلامي و جولات من الإضطراب الأمني دليل علی أن عوامل الإحتراب الطائفي والقومي و الفاشية المذهبية والشعوذة العقائدية مازالت شغالة و لم تنتف.
ولا شيء يلغم المشاريع والسياسات أكثر من أحادية التفكير، كما يمارسه اليوم رئيس الحكومة لينتقض من شأن الآخر المختلف، فإدعائه إحتكار مفاتيح الحلول و أبجدية الوطنية بفضل تملك حزبه الثروة والسلاح، الذي يغدو مشكلة و لغم ينتظر ساعة الإنفجار، يعود ضررٌ علیه و علی دولة القانون وعلی العراق و المجتمع. من لا يعمل علی فتح ممكنات جديدة أمام العمل الوطني، العابر لحدود الطوائف، والمستوعب لحراك المجتمع ومتغيرات العالم يظل غارقاً في عالم الشعارات و يفقد مع مرور الزمن مصداقيته.
علينا أن لا ننتظر حلولاً قصوی من المساعي العاجزة، بعد كل هذه التطورات علی الساحة السياسية في العراق الفدرالي، كي لا نصطدم و نفجع بالواقع، فالفيدرالية، كما الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي صيرورة مفهومها علی مستوی الفكر، بقدر ما هي ثمرة التجارب الفذة والغنية، علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل والنسيان. و الرهان هو أن لا تسمتر الحكومة في هذا البلد علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج العجز والفقر و الحروب و أفضی الی المآسي والكوارث بعد إستخدام القوالب والآليات الفكرية القائمة علی البعد الأحادي والمعتقد الإصطفائي و الإستبداد السياسي والتهويل الأيديولوجي و قصة المؤامرة و عقلية التهمة التي تستعدي المختلف والآخر هنا وهناك. 
وختاماً: "علينا أن نتعامل مع السلطة السياسية كمحصلة قانونية أو إجرائية للحراك الإجتماعي والنشاط الإنتاجي أو الإبداعي لكل الفاعلين الإجتماعيين في مختلف القطاعات والحقول و نخضعها للمناقشة العمومية والمداولة العقلانية والمراجعة النقدية، شأنها شأن أي حكومة ديمقراطية فعالة."
الدكتور سامان سوراني



94
رئاسة إقليـم كوردستان ولغة التفاوض الدبلوماسي

من المعلوم بأن التفاوض الدبلوماسي هو وسيلة من  وسائل تسوية النزاعات بهدف صياغة إتفاق مشترك بين أطراف النزاع في إطار رعاية المصالح المتبادلة سواء علی المستوی الداخلي، الإقليمي أو الدولي.
و هناك فرق بين الحوار و المفاوضة. فالحوار يسبق التفاوض و يمهد له الطريق و تلعب الثقة المتبادلة دور مهم في توفير فرص جيدة لحل الخلافات  بشكل جذري بعيداً عن حشد القوات العسكرية و ذلك من أجل تعزيز التوافق.
لقد آمن رئاسة إقليم كوردستان بنظام توزيع السلطات و مؤسسات دستورية تمارس الحكم الديمقراطي في العراق، لكي‌ تبتعد بغداد عن الشمولية في الحكم. وما الفدرالية، التي ينادي بها الإقليم إلا حق ثابت لشعب كوردستان. ذلك الشعب الذي عانی الكثير من الويلات بسبب الحكم المركزي، الفردي و حكم الحزب الواحد، بعد أن غاب الدستور والقانون و صارت حقوق الإنسان مفردة ممنوعة و بعد أن أصبحت لغة الحرب، اللغة الوحيدة والسائدة لعقود من الزمن في العراق. 
لقد مضی وقت طغت علی الخطاب السياسي في العراق مصطلحات عروبية كالوحدة والحرية والإشتراكية، لا من خلال تصور تعددي و إختلافي، بل في سبيل تهميش و إقصاء و لغو الآخر المختلف وتطبيق نظريات الإصطفاء العقائدي والفرز العنصري و التطهير العرقي.
فلكي لا تعني السياسة في العراق من اليوم فصاعداً السيطرة علی قول و أعمال الآخرين، بسبب تعارض الإتجاهات حول قضايا مهمة، و لكي لا تكثر التهديدات و تحشد و تجند و تنحصر إمكانات الدولة في سبيل الهجوم علی الآخر المختلف، علی الحکومة الإتحادية العمل في سبيل توظيف طاقات هذا البلد البشرية نحو البناء و التنمية الإقتصادية والإجتماعية المنتجة و القيام بنبذ فلسفة عسكرة المجتمع و الإسراع في إيقاف إستقدام ضباط الاركان والحركات في الجيش العراقي السابق، الذين يتمتعون بخبرات عسكرية نجومية في مجال حروب فاشلة مضت، لدفعهم في حروب مستقبلية فاشلة أيضاً، تخطط لها في السر و العلانية.
سياسة الإقليم تؤمن بأن المؤسسة العسكرية يجب أن تستخدم للأغراض الدفاعية فقط، لا الهجومية و تری بأن إنخراط العسكر في العمل السياسي والحزبي هو تهديد علی النظام الديمقراطي الفدرالي التعددي. وما الإقرار بحقوق الشعب الكوردستاني المشروعة في الاتحاد الفيدرالي إلا السعي لتلبية المطالب الدستورية لهذا الشعب والإلتزام بالمادة 140 من الدستور تطبيقاً لحقه في تقرير مصيره، بعد أن صار شعب كوردستان عامل الاستقرار في العراق و المنطقة.
علی الحكومة الإتحادية أن تعرف بأن التصورات والنماذج والخيارات و الرهانات تتعدد و لا وجود لحل واحد من قبل الجهة الإتحادية و إن الأفراد والجماعات مختلفون في أذواقهم و ميولهم و بيئاتهم و رغباتهم و مشاريعهم و إن زمن إستخدام آليات التمايز والتفاوت و إستراتيجيات التوسع والسيطرة أو ممارسات العنف والتوحش ووسائل الحجب والآليات التمويه أو التلاعب قد ولّی وإنّ الآمال والأحلام الجماعية لم تنتج سوی قطعان بشرية و أنتجت أنظمة تعمل علی قهر البشر و جعلهم رهينة المشاريع المستحيلة والأحلام المدمرة.
فالمفهوم الإختلافي يتيح قيام وحدة مركبة تجمع المفترق وتؤلف بين المختلف، أما المفهوم الأحادي فلا ينتج سوی الإختلاف والشرذمة، بل هو ينتج وحدة مجتمعية مفخخة تنتظر دوماً لحظة الإنفجار.  وعلی هذا الأساس قام وفد إقليم كوردستان بزيارة بغداد، حاملاً معه منهاج عمل تحريري حدد فيه خطط و أسس العمل المشترك مع وفد الحكومة الإتحادية و الذي أكد خلال لقاءه بالوفد الإتحادي بأنه من الضروري تنفيذ نقاط هذا المنهاج، للوصول الی  إنهاء السياسات الإستفزازية ضد إقليم كوردستان، التي مورست وللأسف من قبل السيد رئيس وزراء العراق الإتحادي، لکن كيف لنا أن نؤمن اليوم بأن الحكومة الإتحادية تعمل علی التعديل من سياستها التصعيدية، إذا لم تتسرع في سحب قوات دجلة اللادستورية من محافظة كركوك و مناطق كوردستانية أخری خارج الإقليم، لكي نطمئن و يطمئن معنا شعب كوردستان بأنها مع المبادرة السلمية.
الرهان أمام الحكومة الإتحادية هو الإنتقال من سياسة الإستثمار في التجهيزات و المعدات العسكرية و الحروب و سفك الدماء و تخريب العمران، للإستثمار في الموارد والطاقات، بخلق ما يحتاج اليه الإنماء والبناء والتقدم والإزدهار، من النماذج و الصيغ والوسائل والأدوات، بعد محاربة الفساد و لجم الأهواء والنزوات. فلا يمكن للحكومة الإتحادية أن تسحق أمال شعب كوردستان مهما طال أمدها أو تقف كحجر عثرة أمام قرار شعب كوردستان في المناطق الكوردستانية خارج الإقليم الی مالا نهاية. 
وختاماً: لا أحد يستطيع تحرير سواه. إذ الحرية هي أن يخلق كل فرد من أفراد المجتمع عالمه و مداه، لكي يظهر إبداعه و يمارس حضوره، أو لكي يلعب لعبته و يُشكّل سلطته."
الدكتور سامان سوراني
 
 

 




95
الرئيس جلال طالباني القطب الهادئ في العراق الفدرالي

من المعلوم بأن السياسي العامل في مجال الفكر، هو من يشعر بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري و أن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة. فهو يفيد من التجارب و ينفتح علی الحقائق و يشتغل علی التراثات والهويات و يفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم. ومن خلال الوقائع الفكرية التي يخلقها، يمارس السياسي المفكر فاعليته علی ساحته وفي بيئته و في المدی الإقليمي والعالمي.
في حين تشهد الساحة العراقية أزمة سياسية حادة و تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الممارسات اللادستورية لرئيس الحكومة في بغداد و الهجمات الشرسة لرجال دولة القانون علی المخالفين لسياسته التفردية و تحشد قواته العسكرية في مناطق كوردستانية للنيل من التجربة الديمقراطية، يمر الرئيس طالباني بنكسة صحية خطيرة و ينقل الی دولة المانيا الإتحادية بغية العلاج وبذلك تبتعد و للأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق الفدرالي. بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة و قيامه بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.
السيد جلال طالباني، الذي أصبح اليوم مدار الكلام و محور الإهتمام والذي عرف كيف تُلعب اللعبة السياسية و تُبنی القوة و كيف تُنتج الحقيقة و تُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، يراه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ أو كصمام أمان لهذا البلد، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة. مارس السياسة بأسس روحية صافية و واصل العمل السياسي طيلة 50 عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات و منعت التعبير عن الأفكار والآراء و أعتقلت المفكرين و المثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة و لتبقی أماكن وجودهم و مصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين و تجلب لهم الحريات و الحكم الذاتي و غيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية و وحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، هو واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة و تجربة عميقة و أکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن غيابه سوف يعود بنتائج سلبية على العراق.
الرئيس جلال طالباني المهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة و يساهم في حقل الإنتاج الرمزي، هو بحق رجل دولة من الطراز الرفيع و عنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا و الجمع بين المتناقضات و رفض التحدي و عمل بسبب كونه كوردستانيا أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني و دوره السياسي و فضّل كداعية وفاق و محبة أن يدفع من أعصابه و صحته علی أن يدفع العراق من سلمه و إستقراره، نقيضاً لرئيس الحكومة الحالي، الذي يؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها و فشلها أو الغامها و إنفجاراتها و الذه‌ لا يتورع عن دفع العراق نحو الهاوية في سبيل مصالحه الفردية الضيقة. 
علی الساسة العرب في العراق، لإكتساب المصداقية السياسية و ممارسة الفاعلية المجتمعية، تسليط الضوء علی المناطق المستبعدة من نطاق التفكير السياسي و التکلم علی العلاقات اللاديمقراطية و الممارسات المعتمة داخل القطاع السياسي و بين النخب السياسية و الأخذ من هذه‌ الشخصية الكوردستانية نموذجاً للعمل السياسي و عليهم عدم إعتبار أنفسهم متماثلين تمام التماثل، بمعنی عدم قبولهم التنوع و الإختلاف في الرأي والموقف، بإستخدامهم منطق الإستبعاد و إستراتيجية الرفض المتبادل، بهدف تجميع البشر والسيطرة علیهم. 
و أخيراً نتمنی أن يعيد إقامة الرئيس طالباني في المانيا له الصحة ويشافيه بأسرع وقت ممكن من مرضه ويعيده الى وطنه ومسؤولياته وأهله وشعبه، فهم اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.
الدكتور سامان سوراني

96
الرئيس مسعود بارزاني و بداية العصر الكوردستاني الجديد

لا مراء بأن المشهد المتشنج في كركوك اليوم، علی ما شاع صورته، ينفتح علی خيارين كبيرين لكل منهما ثمنه و ثمراته‌: التبسيط والتطرف والإقصاء لصنع الحروب والكوارث و إستعداء العالم و عدم الإعتراف بالآخر، كما يعمل له السيد المالكي، صاحب الأفكار المستهلكة و المحالات العقائدية والحتميات المعيقة  مع نفر من رعاع غثرة متكونة من بقايا نظام البعث المنقرض، أو تحمل المسؤولية المتبادلة و إتقان لغة الشراكة و الحوار و المداولة في معالجة المشكلات و إدارة العراق، كما يسعی له السيد مسعود بارزاني، من أجل تشكيل مرجعية ديمقراطية مختلفة بعيدة عن التفرد، بفتح آفاق أمام العمل الحضاري والتنمية البشرية في العراق الفدرالي، تكون أقل كلفةً و وطأةً أو أقل تسلطاً و عنفاً، بل أقل عبثاً و جنوناً.
من المؤسف أن نری بدل بذل جهود ترمي الی تحقيق الأمن و التنمية والإزدهار، إنغماس حكومة بغداد في لعبة سياسية، مآلها إضعاف العيش المشترك و الإستقرار الأمني. علاقة السيد المالكي بمحيطه، هي من أسباب الأزمة السياسية في العراق، فهو يعمل في سبيل إرتباط أزمة حكومته بأزمة المنطقة، لتصبح الساحة الداخلية في العراق ساحة للصراعات الإقليمية و هو لا يهدف الی تنفيذ برامج إنمائية و إصلاحية و إجتماعية برفع الغطاء السياسي عن العناصر المتقاعسة الفاسدة داخل حكومته و إرساء علاقات متوازنة تراعي مصالح العراق و العراقيين مع إقليم كوردستان الفدرالي و دول الجوار، بل يدلي بخلاف ذلك بتصريحات تعزز إقتناعنا بأن بغداد تعمل اليوم أكثر من أي وقت مضی لتمييع كل ما تم التوافق عليه في أربيل، من خلالها يكرر فشله‌ في تحقيق الوفاق و يحوّل سلطته التنفيذية الی طاولة للمناكفات السياسية و تبادل الحملات و وسيلة لتعطيل العمل بالدستور و سلب الحريات العامة.   
مواطني كوردستان يعيشون اليوم عصرهم الذهبي بعيداً عن الحكومات الدكتاتورية و حكومة إقليم كوردستان تعمل الی تقوية اللحمة الكوردستانية و إنتعاش الاقتصاد و إزدهار السياحة و تعزيز الإستثمارات و توفير فرص عمل جديدة و عودة الكفاءات الی الوطن لتساهم في تقدمه و إزدهاره، لذا لا تسمح قيادة الأقليم، التي تعمل بنفس الحماسة في سبيل ترسيخ أواصر المحبة والوئام بين الشعبين الشقيقين، أن يجرها المالكي بسياسته الإستفزازية الفاشلة الی حرب تهدد بتخريب منجزاته الإعمارية والإنمائية و تعيد مشاريعها التطويرية والتحديثية الی نقطة الصفر. لتصل الی هدم السلم الأهلي و الإستقرار الأمني.
إن قبول القيادات الكوردستانية بالمادة 140 من الدستور العراقي لم يكن في يوم من الأيام من باب الشك في كوردستانية المناطق المستقطعة من كوردستان، بل كان من أجل معالجة القضايا العالقة مع الحكومة الإتحادية عن طريق الدستور، لكن تهرب السيد المالكي من تطبيق هذا الدستور و رفضه القاطع بكوردستانية تلك المناطق و إستعراضه القوة و توسله الإستقواء بالسلاح و إتباعه سياسة التهديد المسلح و الترهيب لتغيير خارطة تلك المناطق، بعد بسط سلطته علی أكثرية مفاصل الحكومة في بغداد و تهميشه للشركاء  بفرديته الإستئثارية أجبر رئاسة الإقليم حفاظا للطابع الكوردستاني السكاني و الارث الثقافي المتنوع لهذه المناطق، من إصدار قرار رسمي باستخدام عبارة (المناطق الكوردستانية خارج الاقليم) من الآن و صاعداً للدلالة على المناطق الكوردستانية المشمولة بالمادة 140 من دستور جمهورية العراق.  علی السيد المالكي أن يعلم، بأن عهد الإدعاء بالوطنیة علی حساب حملات الابادة والتهجیر والتعریب التي قام بها الطاغي صدام قد ولیّ الی غير رجعة.
کوردستانیة کرکوك تعني إثراء العراق، لا التقسیم أبداً، لأن الذي قسّم العراق هو السياسات الطائفية والعنصرية التي مارستها الانظمة السابقة. شعب كوردستان ومن خلال برلمانه المنتخب أقر بأن ممارسة حقوقه يكمن في عراق ديمقراطي إتحادي فدرالي، لذا وجب علی المشروع الوطني في العراق اتباع سياسة المساواة وخدمة الكل، لا سیاسة التهمیش و إثارة الأحداث، التي يعمل من أجلها‌ السيد المالكي ليل نهار، بهدف حجب الأبصار عن الحقائق التاريخية و تغليفها بالأفكار السوداء، التي لا تنتج سوی نشر رائحة العنصرية البغيضة والتعصب و الإنغلاق والتطرف و الإشتغال بمنطق الرفض والصدام. إنّ الممارسات الصبیانیة من قبل بغداد لا تقود العراق نحو الأفضل و إنّ عسکرة المجتمع وتسلیح الجیش بالطائرات الأمریکیة لا تبشر بالخیر لدولة ترید أن تطبق النظام المدني لا الشمولي الدیکتاتوري. أما الإنشداد الی الماضي فیقود العراق الی التراجع والتهرب من الواقع وعلی الساسة العراقيين، الذين يدعمون اليوم سياسة السيد المالكي، الترجل من صهوة الغرور القومي وأمتطاء صهوة التعددیة الفکریة وإحترام مطالب الكوردستانيين، شرکائهم في الوطن، ولیعلموا بأن بعد سقوط الطاغي صدام إنتهی عصر یقدّر فیه لفرد أو حزب أو معتقد أن یقهر شعباً بکامله و لتعل حكومة بغداد بأن الكوردستانيين لم ولن يتحاوروا حول كوردستانية كركوك، لانها بالنسبة اليهم مسألة محسومة تاريخياً وجغرافياً و واقعياً.
وختاماً: المجاهدة في سبیل إنکار کوردستانية کرکوك والإنشداد الی الوراء، بدلاً من التوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل، بالسعي للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية و المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية، كل ذلك لا تورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للعراق. و الإعتراف بحق آلآخر و بالفيدرالية والديمقراطية هي لغة العصر والحلول لا تقوم علی نفي الواقع في کرکوك. سؤالنا هو،  الی متی القفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات؟
الدكتور سامان سوراني 

97
العودة المرعبة للدکتاتورية في العراق والنهايات الكارثية

من ينظر الی العالم يراه يتغير بمحركاته و نوابضه و أدواته و خريطته‌ و الفاعلين علی مسرحه‌، فيما يجد الإتجاه السياسي الحاكم في بغداد ما زال ثابت أو جامد أو متحجر، بل مدمّر أو مرعب. هذا الإتجاه الذي يسعی باللف والدوران الی دفن روح الوطنية العراقية و إحياء الإستبداد الطائفي أو المذهبي والتعالي القومي. خير دليل علی ما نعنيه‌ هنا هو قيامهم بحشد قوات عسكرية بإسم "عمليات دجلة" في مناطق مستقطعة من إقليم كوردستان بهدف النيل من التجربة الديمقراطية و التطور الإقتصادي والعمراني في الإقليم الفدرالي. ومن الواضح بأن عقلية القطيع البشري، التي تعجز عن رفع "لا" بوجه الديكتاتور بقول أو بفعل يشهد علی إرادة التغيير، تصنع دوماً حكومات إستبدادية و أنظمة شمولية أو فاشية، لأن الجماهير تتماهی مع القادة الملهمين و تفنی في شخص الزعيم الأوحد الذي يحول الناس الی مشاريع قتلی في زمن الحرب أو عبيد لتألهه و جبروته و عذابه في زمن السلم.
صحيح بأننا نقف ضد الحرب، سواء جرت بطائرات الـ 16 أو بالصواريخ الروسية والدبابات أو في قصور النهاية و أقبية الخطف والتعذيب والتصفية، لأن ما عانيناه جراء الحروب المدمرة ضدنا طوال أكثر من 100 عام لا يمكن وصفها بالقلم، لكننا مع كل ذلك لا نقف ضدها لكي نتخلی عن التفكير المستقل و ننخرط في القطيع دونما رؤية أو تمييز. هدفنا بناء المستقبل لأبنائنا بعيداً عن لغة السلاح والحروب، التي أشعلت نيرانها ضدنا لينتصر "القائد الملهم" علی شعبه و ينهزم أمام أعدائه. لقد بدأنا بتعليم الجيل الصاعد في كوردستان لغة الحوار والتفاهم لحل مشاكلهم مع الآخرين، ليتواصلوا و يتفاهموا و يتعايشوا و يتبادلوا بين البشر بعيداً عن منازع العنف و ظروفه ووسائله. 
لا شيء يحيي العظام و هي رميم، دعونا نستمر علی خطانا ولا تجلبوا لنا أمراء الظلام الذين يعيشون فساداً في العراق مع كل الحصانة والرعاية و وجوه إنتخبتموه كقادة لقواتكم المحتشدة في مناطقنا الكوردستانية، لتذكرنا بأياديهم الملطخة بدماء أباءنا و أمهاتنا في عمليات القتل الجماعي و التهجير القسري والأنفال السيئة الصيت.
نحن لسنا سذجة، كي ننتظر الخلاص والإنقاذ ممن لا يحسنون الإنتصار إلا علی شعوبهم و مواطنيهم. و التجارب السابقة أثبتت بأن نتيجة أفعالهم لا تصنع سوی أنظمة للسيطرة و مجتمعات معسكرة و نماذج للتنمية غير فعّالة. فالقفز فوق جذور المشكلات و الأزمات، التي استفحلت الى درجة المرض العضال،  لممارسة طقوس الإستعداء ضد الكوردستانيين، كما كان يفعله نظام صدام المقبور طوال عقود بعقلية شوفينية و بربرية، معتبراً الهزيمة نصراً والمشكلة حلاً، تاركاً وراءه قيوده وفقره و أدوات رعبه أو حتفه، لا يفتح الفرص والإمكانات لتشكيل قوی و فاعليات تفكر و تعمل لبناء مجتمعات مدنية بعقول تداولية، عراقية و لا يبني جسراً نسير فوقه نحو فضاءات مغايرة نتجاوز فيها ما يعمل علی إنتاج المآزق والكوارث.
نقوله بكل صراحة، بأنه ليس هناك أمل في بناء دولة مدنية، طالما الصوت الاول في ادارة الدولة العراقية يدعم فكرة إعادة بناء الجيش والسماح لحمل السلاح تكريساً لعسكرة الشارع العراقي أو لإنهاء الحرية الفردية للمواطن بعد إحياء النزعة العشائرية وتكريسها عرفاً، بعد جعل شيوخ العشائر العربية والوجهاء موظفين بدون دوام لدى الحكومة الحالية، لدعم رئيسها في الانتخابات وتسخير طاقات تلك العشائر للمصالح الذاتية و بعد أن إختزل السيد المالكي الحكومة و مسك بيده الوزارات الأمنية كالداخلية والدفاع والإستخبارات و بعد أن تجاوز هو علی القضاء و جرده من حياديته و صار مالك القرار السياسي و المالي و استغل الهيئات المستقلة بالرغم من حماية الدستور لها، فهل يعيش هذا السيد في الخوف و إنعدام الثقة و جنون الإرتياب؟
الإتجاه السياسي الحاكم في العراق يجب تتخطی عوائقها الايديولجية المستهلكة و أن تتمرّس بعقلانية جديدة مرنة و مفتوحة، مركّبة و متحرّكة، تصدر عن الإحساس بالمسؤولية المتبادلة بقدر ما تشتغل بلغة الحوار والتسوية و منطق الشراكة والمداولة، لا بلغة العنف و السلاح والعسكر وبخلاف ذلك ليس لديه الحق في إنتقاد المواقف المضادة للصف الكوردستاني الموحد تجاه تلك السياسة اللاواقعية، التي تعكس علی أرض الواقع الحي والمعاش أوهام و مهاوٍ أو عن أفخاخ و كوراث.
وختاماً: "لا يمكن لنا أن نحضر في هذا العالم الحضور القوي الفاعل الخلاق، إلا إذا نجحنا في تغيير أنفسنا و قمنا ببناء العراق الفدرالي علی أسس ديمقراطية جذرية تضمن حقوق الآخر المختلف و تحترم كيانه و تؤمن بالشراكة الحقيقية. فالديمقراطية هي تجربة سياسية تُعانی و تُبْتَدع بإبتكار ممارسات سياسية جديدة أو بتشكيل واقع جديد أو بخلق مناخ فكري مؤات."
الدكتور سامان سوراني


98
حكومة إقليم كوردستان و حملة مناهضة العنف ضد المرأة

لا محاجة في أن العنف، الذي أمسی و للأسف خبزاً يومياً للإنسان المعاصر والذي يرتبط بالأفراد حيناً و ترعاه المؤسسات أحياناً أخری رذيلة وهمجية أتعبت العالم ولم تُفِد الإنسانية في شيء، فهو يتجسد في إستعمال القوة بشكل غير مشروع لإلحاق الضرر و الأذی بشخص ما أو جماعة من الأشخاص.
العنف، الذي كان يُنظر اليه في الماضي كصفة غريزية أو مكتسبة والذي نقسمه اليوم علی أساس التحليل النفسي الفردي أو علم النفس التحليلي التجريبي الی العنف الدفاعي أو التدميري ما هو إلا قانون يحكم النوع الحيواني لا الإنساني و ثقافة العنف تقوم على منظومة فكرية مركزية عقائدية وأخلاقية تستند إليها، لذا يمكن مناهضته بإستعمال العقل في الإقناع الحجاجي والبرهاني و تفعيل قيم الفلسفة والحوار، إبتداءً من الأسرة ثم من قاعة الدرس، بعد إعداد الأساتذة والمعلمين بقيم العقل والتفكير المنطقي و الإنفتاح علی الآخر، ليقوموا هم بدورهم لإيصال تلك الثقافة الی الطالبات والطلاب، كي يستطيعوا من خلالها أن ينظروا بشفافية و علمية الی ذواتهم لإكتشافها، ثم إلى واقعهم المهووس بقيم الخرافة والتفكير اللامنطقي. فالمجتمع الذي يربِّي أطفاله على العنف، ولو لجيل واحد، بحجة البناء أو بذريعة الدفاع ضدَّ العدوان، لا يستطيع، فيما بعد، تلافي توريث هذا العنف للأجيال اللاحقة إلا بجهود شاقة وكبيرة.
اليوم 2012.11.26 وبحضور السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة اقليم كوردستان وأعضاء من برلمان كوردستان وعدد من الوزراء وممثلي الأمم المتحدة و المكاتب والقنصليات الأجنبية في إقليم كوردستان إنطلقت حملة مناهضة العنف ضد المرأة في أربيل العاصمة، التي تستمر 16 يوماً تقام خلالها العديد من النشاطات والفعاليات لتوعية المجتمع في هذا المجال. و ما أسعدني بعد هذه الإنطلاقة كلمة السيد رئيس حكومة إقليم كوردستان، الذي أكد فيها دعم حكومته لكل عمل يناهض العنف ضد المرأة، معرّفاً المجتمع الذي يدعوا الی العنف ضد المرأة بمجتمع خالٍ من الأسس و القواعد الديمقراطية و معتبراً عدم المساواة الحقيقية بين الرجل والمراة في المجتمع بمصدر من مصادر العنف ضد المرأة. و الذي نعرفه بأن حكومة إقليم كوردستان تشارك منذ عام 2007 في الحملة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة و ذلك من أجل توعية و زيادة الوعي الاجتماعي للوقوف ضد كافة أنواع العنف وهي من ضمن الدول الـ 122 المتقدمة في العالم، من حيث مكافحة العنف ضد المرأة وقانون العنف الاسري.
ثقافة العنف نابعة أصلاً من العُقَد الاجتماعية، كفقدان القدرة علی المواجهة والخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي والخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان و كذلك من عقدة العار. ففي ظلِّ تلك الثقافة نری الإنسان يخجل من ذاته، يعيش حياته عاراً وجودياً متأصلاً و نشاهده في حال دفاع دائم من إحتمال إفتضاح أمره وعجزه وبؤسه، إذ يخشى أن ينكشف و لا يصمد في النهاية أمام الحقيقة.
أما الأطر الثقافية التي تقوم على التمترُس الماضوي و العقيدة المركزية التوتاليتارية و النرجسية، ورفض الآخر، والانغلاق، والارتداد إلى السلف، القريب أو البعيد و تقدم دعماً و تبريراً للعنف ضد المرأة يمكن حصرها في العادات والتقاليد والقيم الإجتماعية البالية، بالإضافة الی القيم العشائرية، التي تساند الثقافة الذكورية و ترفع من شأن الرجل، الذي يتعامل مع المرأة بشكل دوني إقصائي عدواني لتكون هي عبداً لنزواته و نرجسيته أحاديته و إصطفائيته. و بممارسة هذه الثقافة في المجتمع تُسلب حقوق و دور المرأة في الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية و تنتزع منها مكانتها الإنسانية، مما تؤدي الی تقوية سلطة الرجل و تعطيه التبريرات في ممارسة العنف ضدها.
نحن نعرف بأن الاعلان العالمي لحقوق الانسان أكد عام 1948 في مادته الثانية رفضه الكامل للتمييز على أساس الجنس و في مادته الرابعة ترفض الإسترقاق والاستعباد. أما مادته الخامسة فترفض التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية و في المادة 16 إشارة على سن الزواج، الذي هو سن البلوغ، والتساوي في الحقوق لدى التزوج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.
أما المادة الثانية عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فتنص: لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.
فعلينا اليوم بتطوير التشريعات والإجراءات في الإقليم أكثر و أكثر و تشجيع إجراء الدراسات والبحوث المتعلقة بالعنف ضد المرأة لنبذ منطق الإحتكار والمصادرة الذكورية أو الإستئثار للهيمنة وأن لا نتعامل مع العناوين الوجودية والحضارية بمنطق الثبات والجمود وعلی المؤسسات التربوية و الثقافية و الإعلامية أن تلعب دوراً أكثر بروزاً في  مواجهة العنف و الحد منه بتفعيل مراكز الإرشاد القانوني و مكاتب شكاوی المرأة وتنشيط وترويج ثقافة عدم التسامح مع العنف ضد المرأة في الاسرة والمدرسة وفي المجتمع و علی المجلس القضاء الأعلی و وزارة العدل في الإقليم تفعيل دور القضاء و أعضاء الإدعاء العام للحد من ظاهرة الإفلات من القضاء  والتسليم باحتياجات الضحايا والتجاوب معها، وتعزيز التعبئة الاجتماعية والتحول الثقافي وعدم جواز في أن يكون العرف أو الدين أو التقاليد تبريراً للعنف المرتكب ضد المرأة. و علی الجهات الحكومية العمل برسالة السيد رئيس الحكومة في تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة في القيمة والكرامة الأصيلة، لكي تستطيع المرأة أن تتمتع بكامل حقوقها كإنسان ولكي تمارس دورها في في التنمية علی أحسن وجه. فإن القيمة العميقة لأية حضارة تكمن في المكانة التي تعطيها لكرامة الإنسان و ليکن الهدف ممارسة السلام في الأسرة للوصول الی السلام في المجتمع.   
وختاماً نراه من الضروري إعادة كلمات العظيم مهاتما غاندي في إستهجان العنف لنقول: "إن اللاعنف هو القانون الذي يحكم النوع الانساني و سيظل العنف ذلك القانون الذي يحكم النوع الحيواني."
الدكتور سامان سوراني



99
العراق الفدرالي بين الدولة المدنية و عسكرة المجتمع

ما نعرفه بأن فكرة إنشاء دولة مدنية قائمة علی مبادئ المساواة و رعاية الحقوق إنطلاقاً من قيم أخلاقية في الحكم و السيادة بدأت بعد محاولات من قبل فلاسفة التنوير.
فالدولة هي إرادة المجتمع و مدنيتها يجب أن تنبع من إجماع المواطنين ومن إرادتهم المشتركة في إرساء مبادئ العدل و عدم خضوع الأفراد الی إتهاكات لحقوقهم من قبل أطراف أخری أو سلطة عليا، المتمثلة بالدولة، التي عليها تأسيس أجهزة سياسية وقانونية خارجة عن تأثير القوى والنزعات الفردية أو المذهبية لتطبيق القانون و البنود الدستورية.
والدولة التي لا تؤسس علی نظام مدني من التبادلات، التي تقوم أساساً علی السلام و التعايش السلمي و قبول الآخر المختلف والمساواة في الحقوق والواجبات و الثقة في التعاقد والتبادل، لا يمكن أن توصف بالدولة المدنية.
في العراق الفدرالي نشاهد "دولة القانون" و رئيسه "المنتخب" في سعي مستمر الی تحديد صور التبادل قائم علی الفوضی و العنف كأسلوب ووسيلة لتحقيق الأهداف الطوباوية والمشاريع المستحيلة و العيش الفردي والقيم المبنية علی إستراتيجية الرفض والإقصاء للمختلف، بالعمل علی إتهامه و نبذه أو استبعاده و إلغائه والنزعة المتطرفة، لا النظام والسلام و العيش المشترك و القيم الإنسانية العامة، ناهيك عن العمل في سبيل الحقوق المهضومة لشعب كوردستان في المناطق المستقطعة منه.
وما الديمقراطية، التي هي سمة من سمات الدولة المدنية، إلا الوسيلة، التي تتبعها الدولة المدنية، البعيدة عن خلط الدين بالسياسة، لتحقيق الإتفاق العام والصالح العام للكيانات المختلفة، كما إنها الوسيلة الأنجع للحكم العقلاني الرشيد وتفويض السلطة وانتقالها. والديمقراطية جسر لإلتئام الأفكار والتوجهات السياسية المختلفة بهدف إيصال المجتمع الی الرقي وتحسين ظروف المعيشة فيه و تعزيز نوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد وتفاعلاتهم نحو الأحسن. أين نحن من ذلك. إن السير في سلوك الجانب العسكري المشدد و العمل علی خضوع الدولة بسائر مؤسساتها لقرار المنظومة العسكرية تخطيطاً وتنفيذاً، لتغييب الواقع المدني و الإستعداد لخوض حروب داخلية من أجل جعل المجتمع عجلة تدور في فلكها، دليل آخر علی أن سياسة الحكومة الحالية غير منضبطة وغير محسوبة.
الشعب العراقي عانی الكثير من الظلم و الإستبداد من جراء العسكرة، التي شكلت حالة من الكبت النفسي لديه‌ و طوقته بأسوار متعددة إبتداءً من مرحلة التنصت السري و المتابعة الظلية و إنتهاءاً بالقتل الجماعي و الأنفلة، لذا يرفض القوی الديمقراطية المؤمنة بالفدرالية و التعددية من هذا الشعب نظرية عسكرة المجتمع جملةً و تفصيلا ويعمل علی عزل  وإبعاد أصحاب هذه النظرية من علی السلطة و مراكز القرار بأسلوب مدني متحضر. فالعنف والسلاح و لغة الطائرات الحربية و المدفع أو الحشد المرصوص والجمهور الأعمی و نشر "قوات عمليات دجلة" والتحركات العسكرية في المناطق المستقطعة لم يعد يثمر في هذا العصر، بعد أن أصبحت المصالح والمصائر متشابكة و متداخلة. أصحاب الهويات المغلقة و العقول المفخخة، الذين يستنكفون من ممارسة التقی والتواضع بالثورة علی الذات للتخفيف من أمراضهم النرجسية و مركزيتهم الإصفائية و إستبداديتهم يهدفون دوماً تمزيق الوحدة الوطنية و تخريب العمران محاولة وتصدير أزماتهم الداخلية نحو اقليم كوردستان.
ولكي لا نبقی علی الهامش أو في مؤخرة الركب العالمي علينا العمل علی إيقاف محاولات خرق الدستور من قبل رئيس الحكومة الإتحادية و دفع مخاطر التفرد ومنع عودة الدكتاتورية ، التي تخنق الشراكة الوطنية.
ولا يمكن البحث عن حلول جذرية للمشاكل القائمة بين الإقليم والحكومة الإتحادية عند دول لم تنجح هي علی أرضها في تحسين شروط العيش لمواطنيها و إحراز التقدم والإزدهار.
الدول المتقدمة أثبتت بأن الولاء للدولة لا يمكن أن يأتي بالتسلح والعنف و نشر الخوف والرعب و إستخدام الجيش في الصراع السياسي والحملات الشوفينية وتجسيد إرادة الشطب والإلغاء و بناء مصانع سلطوية لا تنفك عن إنتاج التفاوت والتفاضل أو الإنتهاكات و الإرتكابات المضادة للقوانين والحقوق، بل بنشر الأمن والأمان والإستقرار، كما الحال في إقليم كوردستان. أما شؤون البلاد فيجب أن تدار بالدستور والقانون، لأنهما المظلة التي يستظل بها كل مواطن.
وختاماً: يقول المفكر الأمريكي جورج هربرت ميد (1863-1931)، صاحب نظرية التفاعل الرمزي،"لا يمكن أن نطور وعي الذات بدون الاعتراف بالأخر"، فالمكابرة والغطرسة والإستكبار هي التي تولد العنف و تنتج الفتن و الحروب الأهلية و الإعتراف المتبادل يعزز و يبلور قيم التقی والتواضع أو التبادل والتضامن.
الدكتور سامان سوراني


100
سياسة السيد مسعود بارزاني و مسألة تلغيم المشروع الفدرالي في العراق

من الواضح بأن "والعصر إن الإنسان لفي خسر" هي ثمرة الإيمان بالإنسان بشکليه اللاهوتي أو الناسوتي، فما ذكره‌ السيد رئيس إقليم كوردستان في خطابه الأخير، من أن "دماء كل فرد عراقي، بإعتباره إنسان، هي غالية مهما كانت قوميته أو ديانته أو مذهبه" نابع من القناعة التامة بمركزية الإنسان و علو مقامه ورفيع درجته. فالأطراف الكوردستانية تری في ممارسة سياسة ضبط النفس والتهدئة والعمل علی تعزيز أواصر الصداقة بين الكورد والعرب بشكل عام والكورد والشيعة علی وجه الخصوص و تثبيت أسس الشراكة الوطنية بروح المساواة من أجل إفشال المخططات التي تستهدف الكورد في المناطق المستقطعة من كوردستان وحسم موضوع المناطق المستقطعة من كوردستان وفق المادة 140 من دون مزيد تأخير ضمان للسلم في العراق و من أولويات العمل السياسي في هذه المرحلة.
إن غزو الحقل السياسي و التحكم بالقرارات من قبل رئيس مجلس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي و المواقف السياسية عن طريق زرع النزعات الطائفية والقومية و الترويج لسياسة الإحتراب و الإقتتال و الأنفراد بالسلطة  بعد إحتكار المواقع الرئيسية للدولة، فهو العمل علی تهيئة مخاطر بنيوية لتتغلب لغة التهديد والوعيد علی لغة الحوار.
و التجربة التاريخية في العراق كشفت لنا المآسي النكراء لإستخدام هذا السلاح، الذي لايجلب معه سوی المزيد من الهزائم و الخسائر والكوراث. أما التصرفات الاستفزازاية لمديري قوات عمليات دجلة، التي تشكلت أساساً خارج الأسس الدستورية بعيداً عن مبدأ الشراكة والاتفاقات الرسمية المعقودة، فهي ناتجة عن فقدان البوصلة، لذا نری أصابحها الغارقين في تهويمات السلطة لا يسيرون إلا في الإتجاه المعاكس لسير العالم و مجری الأشياء و منطق العصر، الذي يؤمن بالسلام والديمقراطية والتعايش السلمي و يرفض الاستبداد والتحشدات العسكرية. ممارساتهم الأمنية الشرطوية أو العسكرية المرفوضة في المناطق المستقطعة من كوردستان سوف تلغم المشاريع السلمية بقدر ما تعيد إنتاج الأفخاخ و المآزق و تكون في النهاية ضربة مدمرة للمشروع الفدرالي في العراق، الذي لا يمكن أن يُدار بعد اليوم إلا بالشراكة الحقيقية. 
نقوله بكل صراحة، أنّ من يريد اليوم أن يضرب شريكه السياسي عسكرياً و يسعی الی هضم حقوق شعب كوردستان، الذي هو مكون رئيسي في العراق، فسوف لن يتوقف غداً من إحالة الهويات الی سجون فكرية و لا يقف فقط عند تلغيم العقول المقفلة لإستبداد المكونات الأخری بطوطمات لاهوتية و مواقف قوموية، التي دمرت علی مر العصور صيغ التعايش و حرقت مشاريع الحوار، التي لن تصل اليوم إلا الی الباب المسدود، طالما هناك نفوس تقوم علی بناء سدود منيعة من الحقد والبغض بين المكونات بقدر ما تسهم في صنع ذاكرة عدائية موتورة تحوّل الهويات الی محميات عنصرية بأسمائها و رموزها و طقوسها و أحكامها.   
تداعيات هذه السياسة العوجاء و الغير سليمة للسيد نوري المالكي سوف تخلق حالة عدم الإستقرار في المنطقة و تؤدي الی فقدان الثقة لدی القوی الديمقراطية الكوردستانية بالعملية السياسية في العراق مما يفضي كل ذلك وغيره الى نهايات ليست في صالح الجغرافية السياسية لعموم العراق.
إن إهمال الدستور الذي كان وسيطاً و ضماناً بين الشركاء و العمل بنهج التصعيد العبثي و إطلاق التصريحات النارية من قبل ممثلي رئاسة الحكومة ببغداد ومن قبل أمراء مايسمی بـ"قوات دجلة" لإشعال نيران حرب بين إقليم كوردستان المسالم والحكومة الفدرالية و لدعم مشاريع التمحور الأقليمي لا تقلل من ضبط النفس لدى قوات البيشمركة أو مثابرة الكوردستانيين في سبيل حقوقهم المصيرية.
فشعب كوردستان، الذي ساهم بشكل فاعل في تشكيل و بناء دولة ديمقراطية حديثة، تؤمن بالتمثيل السياسي والمناطقي المتوازن في العراق و تدعم حق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره، يری نفسه اليوم أكثر من ذي قبل على أهبة الاستعداد للدفاع عن مكتسباته‌ التي تحققت بدماء الشهداء.
في عصر الإعتماد المتبادل تكون المسؤولية متبادلة. فالكوردستانيون يشتغلون اليوم علی وقائع حياتهم بإستثمار طاقاتهم الذهنية و إطلاق قواهم الحية علی نحو مبتكر، هادفين بذلك دفع عجلة الديمقراطية في العراق الی الأمام، فهم لا يريدون أن يعيشوا زمن الإستبداد و نصب المتاريس مرة أخری، لأن يعرفون بأن من يقع في أسر الماضي و كهوفه، لا يستعد لمواجهة المستقبل بمفاجآته و تحدّياته الجسيمة.
وختاماً: من يفكر بعقلية التهمة و الإدانة يعطل لغن الفهم الخلاق والحوار و ويشل إرادة المعرفة الحية الثمية و يعرقل الأعمال المفيدة الصالحة، فلا يعترف بالخطأ و الفشل والهزيـمة، ولا يستفيد الدرس و لا يتعلم كيف يخرج من المأزق، فتراه يتهرب من حمل المسؤولية و يرمي التهمة علی إقليم كوردستان، فيشهد بذلك علی مكابرته و معاندته و يرسف في عجزه و يغط في سباته الحضاري بأوهام الهوية الخاوية والسيادة المصطنعة. 
الدكتور سامان سوراني 




101
الحكومة الاتحادية و ممارسة التهويل الايديولوجي ضد إقليم كوردستان
الدكتور سامان سوراني
من المعلوم بأن ممارسة التهويل الإيديولوجي هي من مفاعيل التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف. هذا التعامل هو الوجه الآخر للداء السياسي في العراق، المتجسد في تجنيس الإعلام المدفوع من خلال أجندات خاصة تعمل لصالح أصحاب الدعوات الدينية القوموية، مدّعياً إمتلاك الحقيقة والعدالة والمثابرة في الدفاع عن مصالح "الجماهير" الشعب بالوسيلة و التمثل و العمل من أجل العراق الوحدوي، هذا يجلب معه التمترس وراء الهويات الدينية القوموية وعسكرة المجتمعات العراقية، علی نحو يعزز العداء القومي وصدام الثقافات المختلفة أصلاً بشكل سلبي.
صحيح بأن إستخدام سياسة التقسيم المنهجي يطوّل مدی حكم الذين يمارسون السلطة في العراق، السائر حسب قراءاتنا نحو المركزية، و يمهّد الطريق أمامهم للإستقواء علی الشعب العراقي بكياناته المختلفة بدافع الوصول الی الإستبدادية و إعلان الحرب علی المخالف والمعارض للمذهب الموالي والمطبّل للسلطة. 
إن قاموس الحكومة الحالية في العراق الإتحادي لا يحتوي بعد الآن علی مفردات مثل التنمية والبناء والتطور والبحث عن حلول للمشاكل العالقة وتبادل أفكار و أخذ البنود الدستورية والإتفاقيات السياسية بجدية، واضعاً جلّ إهتماماتها في محاولات یائسة لإيجاد منافذ لتوجيه التهم الباطلة ضد حكومة إقليم كوردستان بكثير من السطحية و الديماغوغية و ملقيةً سبب فشل تجاربها علی عاتق الكوردستانيين، بعد أن حاولت إحراق دفاترها اليومية المليئة بأوصاف كالفساد والسرقة والإختلاس، كي لا يتمكن أية جهة معارضة لا الآن و لا في المستقبل من إستجوابها و معاقبتها و كي لا تُمارس هي التقی والتواضع الوجودي للإبتعاد عن دفة السلطة.   
حكومة السيد نوري المالكي أعلنت نواياها في إحتكار المشروعية لممارسة الوكالة الحصرية علی شؤون الشعب العراقي، لأنها تعتقد بإمتلاك مفاتيح الحلول، التي تكمن في عسكرة المجتمع و رفض الآخر المختلف و إقصاءه و إلغائه بشكل رمزي و إستئصاله إن أمكن بشكل مادي، كي تنتهي دوره الإيجابي، الذي مارسه بشكل فعّال في بناء عراق ما بعد غياب العملة الدكتاتورية عام 2003 و أخيراً في مبادرته التاريخية في تشكيل الحكومة الإتحادية.
إن إستخدام سياسة القواقع الفكرية الخانقة و نشر فيروس المركزية من قبل حكومة السيد نوري المالكي من أجل تغليب الإعتبارات المذهبية أو القوموية علی الصناعة المفهومية والمشاغل المعرفية و سلب الهوية والإرادة بعد تشعب أذرع رأس تيار التفرّد كالأخطبوط لا يبشر للعراق والعراقيين بخير. و ما نلمسه اليوم في العراق هو مراكمة المشكلات المزمنة كالمماطلة في تطبيق بنود المادة 140 من الدستور، بهدف التهوّن لعدم إنجاز شيء إيجابي يذكر والتهوّل بالمشكلات للقعود عن المطالبة و الهروب من حمل المسؤولية. الحكومة الحالية متفق مع الأطراف السياسية الأخری فيما لا يحتاج الی تنفيذ، فكيف بالمطالب الإصلاحية والتحديثية.
إن العمل علی قتل الروحية المتحركة والفكر المتطور في الكيانات العراقية و إحاطة النفس بهالة من الحصانة والعصمة هي من مميزات هذه الحکومة، التي تقف حجر عثرة أمام التوجه نحو الديمقراطية و بناء الدولة وفق مؤسسات مستقلة و تضرب الفدرالية عرض الحائط. وإن الغفاء على أمجاد التاريخ المعتق بالأساطير والمخترق بالخرافات و عدم التجرأ علی كسر هذه النرجسية سوف يعيد العراق الی المركزية وإن التجارب السابقة برهنت بأن القوة العمياء والهيمنة الفئوية وإحتكار السلطة، کل ذلك لم يجلب أمناً أو يصنع تعايشاً سلمياً بين المكونات الأساسية في هذا البلد أو يصون حرية و كرامة الفرد.
فالسعي في تنفيذ الخطة الجهنمية و تحقيق الحلم المجنون مآله كسب حماقات تاريخية ترتد دوماً علی العراق خراباً و دماراً. المجتمعات العراقية اليوم بأشد الحاجة الی ساسة يعملون علی إنتاج ثقافة جديدة، منفتحة، مدنية و سلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية، لا علی الدعوة و الترويج لعقلية الضد و منطق الإقصاء. 
لقد ولیّ زمن سماح الشعب الكوردستاني  للحكومات في العراق الإتحادي ببسط الهيمنة بعد لبس جلباب ديني كان أم قوموي و التعمد إلی تفتيت ديموغرافيته علی أساس أقوام لإستغلال نزاعاتها و طوائف لتوظيف صراعاتها أو قبائل لإستثمار نعراتها، بهدف إبقاءها خاضعة سياسياً وعليلة إجتماعياً، للترويض بإرادتها و نهب ثرواتها و توزيع أسلابها وتعطيل ديناميات الارتقاء الحضاري عندها، وكبح تطلعات التواصل الإنساني لديها.
ختاماً: من لا يعمل علی تحرير الوعي الثقافي السياسي من كل تصور دوغمائي قوموي، الذي يبقی دوماً حجر عثرة أمام الإنفتاح والتلاقح الخصب والمنتج، بعيداً عن كل وصاية مسبقة تمنع تطوره وارتقاءه نحو فضاءات أغنى وأرحب، لا يستطيع أن يستقبل كل ما هو جديد في مضامير الفكريات والثقافات والحضارات والديانات والهويات، فكيف ننتظر منه أن يقوم بإستدخال كل ما هو مستحدث في حقول المؤسسات والممارسات والعلاقات والتشريعات؟ 

 


102
الفلسفة السياسية للرئيس باراك أوباما و تحقيق الحلم الأمريكي

لا جدال أنه مع إنتخاب باراك أوباما للمرة الثانية كرئيس لقيادة أقوى دولة في العالم تحقق ذلك الحلم الذي تحدث عنه الزعيم التاريخي لحركة الحقوق المدنية الأمريكية والحائز على جائزة نوبل للسلام مارتن لوثر كينج (1929-1968).
لقد أثبت بذلك بأن الناخب الأمريكي لا يمكن إخضاعه وكسب صوته إلا بالإقناع الفعلي و تطبيق الوعود الإنتخابية. فالولايات المتحدة الأمريكية، التي يعتبرها البعض "الشيطان الأكبر"، هي بلد التعدد الأول من حيث تنوع الأعراق والألوان والأديان واللغات وهي التي اخترعت أصلاً مفهوم التعددية من أجل تشخيص الظاهرة والسيطرة عليها أو الإفادة منها و حسن توظيفها. فالذي يتعامل مع التعدد بعقل تداولي و فكر تركيبي ومنهج وسطي، يستطيع أن يجعل منه مصدر تنوعٍ وغنی، بعد أفول العصر الايديولوجي بعقائده و مدارسه و خططه‌ و إستراتيجياته و أحزابه‌ و مؤتمراته.
إنتخاب شخصية من أصول أفريقية للبيت الأبيض كرئيس و للمرة الثانية على أساس شخصيته وكفاءته ورسالته يثبت أيضاً إفلاس العدة القديمة والمنظومة الأيديولوجية، التي تبنی علی أساس الفكر الأحادي العنصري والسجن العقلي والتصنيف البربري. 
والذي نعرفه عن السياسة الخارجية بأنها مجموعة من الأهداف السياسية لبلد ما تحدد كيفية تواصل هذا البلد مع البلدان الأخرى في العالم، ساعياً عبر تلك السياسة حماية مصالحه الوطنية وأمنه الداخلي وأهدافه الفكرية الأيديولوجية وإزدهاره الاقتصادي. أما فيما يخص حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية، فإنها تسير في سياستها الخارجية علی خطوط إستراتيجية مدروسة لا تتغير بتغير الرئيس، وهذا ما يعکس قوة أمريكا السياسية في العالم.
هذا الرئيس الناشط و الحاصل علی جائزة نوبل للسلام، العامل بتواضعه الوجودي علی إستلهام و إستثمار مقولات الفلاسفة و أساطين حقوق الإنسان في السلم والحرية والديمقراطية علی نحو جديد، تمكّن من كسب النخبة من الطبقة المتوسطة والبسيطة و إنتشالهم من شبح البطالة والكارثة الإقتصادية التي واجهت الولايات المتحدة الی الفضاء الوظيفي و قيادتهم بعد الإنتعاش الإقتصادي نحو الأحسن. فله‌ يعود الفضل أيضاً في تنفيذ قرارات حاسمة و مصيرية تصب في مصلحة الداخل وذلك بتنفيذ قوانين تحمل بصمته لاصلاح الرعاية الصحية والقطاع المالي وقد يؤدي إصلاحه الی زيادة الضرائب على الأثرياء في إطار الجهود الرامية لتقليص العجز. وكان له‌ الدور الأول في إنجاح العملية الجراحية لتعديل ما قام به الجمهوريون من سياسات خاطئة لسنين عديدة في كل من أفغانستان والعراق، بالطبع من منظور أمريكي. لعل هذا ما جعله يفوز بفارق كبير من الأصوات قبل أن تعلن النتائج النهائية للإنتخابات.
أوباما واصل مكافحة تنظيم القاعدة، دون عنونة تلك الوظيفة بالحرب على الإرهاب و ركز في الوقت نفسه على تحسين علاقة بلده بالعالم الإسلامي، إذ قام بتنشيط الدور الأمريكي في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين والاستجابة للربيع العربي بأشكال متنوعة، منها قيادة الجهد العسكري الدولي ضد الطاغي المقبور "معمر" قذافي وسعی في إقناع كل من سوريا وإيران بتغيير سلوكهما و كان الی حدٍ ما ماهراً في حشد الضغوط الدولية على إيران، متفادياً التورّط في تدخل عسكري في سوريا وفيما يخص اليمن فأكتفی هو بالمساعدة في نقل السلطة فيه.
أما إعادة النشاط لمجموعة الدول العشرين واستخدامها للإفلات من ركود اقتصادي محدق في عام  2009 و إنفتاحه علی آسيا و إجتذابه للصين للتعاون في القضايا الإقليمية والعالمية وضبط علاقاته مع روسيا فتلك الخطوات كانت نقاط إيجابية أخری تمكَّـن هو من خلالها إقناع الرأي العام الأمريكي بأنه قادر على إدارة دفّـة السياسة الخارجية الأمريكية بجدية و معقولية أو أنه‌ مساهم فعّال في تجديد شبكات الفهم و صيغ العقلنة و بفلسفته السياسية يستطيع أن يكون منقذاً لأمريكا من جرثومة التضاد و منطق الصدام و حامياً جيداً للمصالح الأمريكية.
صحيح بأن لفظة التغيير تحمل في طياتها سحر و بديع خادع يخلب و يستأثر و لايدع مجالاً للخيار، لذا ينطلق أكثرية الساسة من هذه اللفظة باعتبارها أفعل الألفاظ توظيفاً في كسب المعارك وبلوغ ذروة السلطة، لكن هل يسعی أوباما الی إعطاء هذه اللفظة معنی عالٍ و هو الذي يتفكر في معطيات الواقع و يقيس إمكانية التغيير بأهلية التغيير؟ 
إن توليه مقاليد السلطة في أمريكا للمرة الثانية يمثل فتح آخر لأولئك الذين يتوسمون بإنتهاج واشنطن نمط سياسات مغايراً لذلك الذي كان، فهم يرغبون في إحتواء كيمياء السياسة الأميركية علی الكثير من عناصر القوة الناعمة، والتي تتجسد في اللعبة الدبلوماسية بدلاً عن القوة الصلبة التي تنبع من الثقل العسكري. فالعسكرية والحروب ماعادت تنتج اليوم سوی الدمار المتبادل وتواطؤ الضد مع الضد.
سياسة أوباما تعمل لمصلحة البُنيات المفتوحة و اللغات المطعّمة والوحدات المركبة والهويات الهجينة والتحوّلات المستمرة والعلاقات الأفقية وسياسة الإعتراف المتبادل، بعيداً عن العدة القديمة و المتقادمة أو الصدئة والمفلسة و بعيداً عن السياسة، التي يتعامل أصحابها مع الحاكم بصفته النبي المخلّص أو البطل المحرر أو الأب القائد أو الزعيم الأوحد.
وختاماً:  علی المكفلين بإدارة دفة الحكم في العراق أن يبتعبدوا عن القوة الغاشمة و الطغيان و التسلط و يحتذوا بسياسة أوباما في الحكم و أن يقفوا موقف الإعتراف و الإحترام والرعاية والحماية إزاء كل مواطن و كل كائن. إذ لكل شيء حقيقته و قسطه و مشروعيته ولكل كائن قوّته و جماله وأثره. من غير ذلك ترد عليهم نرجسيتهم و مرکزيتهم البشرية، لكي تنتقم منهم الأشياء والكائنات و من لا يعترف بنا، الآخر المختلف، فكيف ينتظر منّا، الآخر المختلف، أن نعترف به؟   
الدكتور سامان سوراني 


103
سياسة المجتمع الكوردستاني في البحث عن جذور العنف من منظور سايكولوجي


من المعلوم بأن الوجود الإنساني هو إختيار لماهيته، أي توصله الی إختيار "الشخصية" التي يريد أن يكونها، لذا يمكننا القول بأن الماهية لاحقة للوجود، لأنه لكي نختار لابد أولاً من أن نكون "موجودين".
والوجود يعني حمل المسؤولية والأمانة لإعادة البناء بالتفكير والتصرف كبشر، بإستخدام الطاقة الفكرية والقوة الذهنية للفهم والتشخيص أو للتعقل والتدبير في النطاق الكوردستاني وعلی المستوی العالمي، لأن من ينجح في إصلاح نفسه و يعيد بناء ذاته، إنما ينفع نفسه بقدر ما يفيد غيره.
و من الواضح بأن العنف يبدأ في الرؤوس قبل إستخدام الفؤوس، هذا ما علّمنا المنظّر و عالم النفس السلوكي بوروس فريدريك سْكِنر (1904- 1990). وهناك حقيقة سيكولوجية تقول، بأن ما وراء الإرهاب هو فكر الإرهاب و مايحصل للمجتمع هو من صناعته، لذا علينا أن نكف عن الحديث بعقلية التهمة والمؤامرة والإدانة وأن نعمل بكسر ثنائية الداخل والخارج، لأنه لا إنفصال بين الأنا والآخر، كما لا إنفصال بعد الآن بين المحلي والكوني، بدليل أن ما يعني الغير يقع في صلب إهتمامنا، وأن ما يهمنا يستأثر بأهتمام العالم الأكبر. العنف هو سلوك بعيد عن التحضر والتمدن تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية إستثماراً بدائياً لإكراه الخصم وقهره. وللعنف اتجاهه‌ الإجتماعي و المادي الجدلي و الوظيفي و التفاعلي الرمزي وقد يختلف كل اتجاه في تفسيره للعنف انطلاقاً من الأرضية التي يعتمدها في تفسيره. وهناك إتجاه سوسيولوجي يفسر العنف کحالة اختلال التوازن التي قد تصيب المجتمع أو الجماعة حيث تتحطم المعايير وتسود الفوضى فيندفع الأفراد نحو العنف. و يمكن أن نری في جوهر القيم الروحية والمادية المستخدمة في الحرب مثلاً ، بما فيها الأشعار والقصائد الحربية والتماثيل واللوحات والرقصات كنسيج فكري ومادي متكامل، العنف والتدمير. و لايمكن أن نضع العنف تحت مفهوم و مصطلح الثقافة، لأن الثقافة تبقی دوماً علی خلاف تام مع الغرائز العدوانية التدميرية. لكن هناك من يفسر العنف بنسيج ثقافي سلبي عظيم الحيلة والمهارة والمقدرة على التكييف والابتكار والتجدد بديناميكية مبدعة و عالية في صناعة ذاته وإنتاجه وترقية فاعليته على نحو يجعل اللاعنف عاجزاً و مرتجفاً كطفل خائف. لكننا نحصرالثقافة في الجانب الإيجابي، في الحياة، في اللاعنف، رافضين كل النوازع التدميرية والعدوانية و لاندعم أفكار الفلاسفة المسلمون القدامی، الذين وقفوا أمام هذه المعضلة حائرين و أرجعوا مسألة صدوره‌ الی الخير المطلق و خلقوا ثنائية ماورائية شبيهة بإزدواج الشخصية أو الإزدواج الثقافي، بإعتبار العنف موجود عرضيّ، يؤدّي وظيفة ما في خدمة اللاعنف و هذا ما لا يقبله اللوغوس أو المنطق. 
في مراسلة كتابية بين العالم النفساني الشهير سيغموند فرويد (1856-1939) الی الفيزيائي البارع البرت أينشتاين (1879-1955) نستطيع أن نحصل علی بعض التأملات، التي يمكن وصفها بفرضيات أو مبادیء أولية حول ظاهرة العنف يری فرويد بأن لجوء البعض الی إستخدام العنف يهدف الی حل النزاع بين الأطراف المتنازعة حول مصالح معينة. اليوم و بعد التفوق الفكري علی القوة العضلية البهيمية، نری إستخدام القدرات العسكرية المتطورة لحل النزاعات و سيادة عنف الجماعات علی الأفراد. و بالمقابل بإمكان الأفراد الضعفاء صنع القوة عن طريق الوحدة و بناء وقوة الجماعة للوصول الی الحق، الذي ينظر اليه كعدالة طالما هناك شرط سايكولوجي، ألا وهو ثبات و دوام وحدة الأكثرية. و إن الجدلية القائمة بين التحريض والكبح تثمر العدوان و بالتالي العنف. فالعنف إذن وللأسف هو قدر البشر، يجسد غريزة العدوان و منطق التفاضل أو إرادة التسلط و عقلية الإقصاء والإستئصال والساحة العالمية يشهد بأن العنف يزداد و يتصاعد كمّاً ونوعاً، كما تفاجئنا المنظمات الإرهابية و السلطات القمعية، بأعمالها الهمجية في غير عاصمة و مكان.
فتزايد الأصولية الدينية بمناهجها الايديولوجية السلبية القاطنة بين أنياب الإيمان الأعمی و جحيم الحلول القصوی يزيد من القوقعة العقائدية بتناسب طردي و لا يسمح للفرد الكوردستاني أن يعمل علی تكوين ذاته أو إعادة بناء الثقة واليقين بـمعناه المعرفي مع سواه في عالم دائم التحول.
نحن نعلم بأن الدين هو في أعلی السُلم من منظومات القيم، لكن لا ينبغي أن ننخدع بهذا‌ التزايد. ففي الماضي تم ممارسة الدين كحدٍ أو رادعٍ، أو كتقی أو تحريم أو تسليم، لكننا نری اليوم بأن الأصولية الدينية تمارس عنفاً فاحشاً تنتهك كل الحرمات والحدود والقيم، كما تشهد حروب الآلهة والنصوص بجنونها و فظائعها. يكفي أن يشاهد مؤمن متدين تقي إنساناً يذبح من علی شاشة التلفاز أو علی شريط اليوتيوب بإسم الدين، أو التمييز ضد المرأة وتدمير روحها وجسدها و قتلها وإستباحة الأطفال باسم الدين، حتی تنهار ثقته بالأديان، كمرجع للمعنی. علی المجتمع الكوردستاني العمل علی عدم عودة الأصولية لتمارس بعقول ملغمة و مُسَلمات عمياء و توجهات مقلوبة ذرورة العدمية أو الهمجية، ولا يفسح المجال لدعاته و حماته ليمارسوا التأله أو لكي يصبحو عبيداً لنزواتهم أو أهوائهم و أحلامهم المجنونة أو خططهم الجهنمية.
ومن الواضح بأن تدبر الشأن البشري اليوم بحاجة ماسة الی إستراتيجية فكرية جديدة في إدارة الهويات والقضايا و الدول والعلاقات، بالإستعصاء علی القولبة والمصادرة والتجسد في القدرة الفائقة علی الفهم الخارق والتخيل الخلاق والعمل المثمر، بصورة تؤدي الی تغيير في مرجعيات المعنی و صيغ العقلنة أو في قواعد المعاملة ونماذج التنمية، فلنبدأ في بناء هذه الإستراتيجية العصرية.
وختاماً يقول مارتن لوثر كنج جونيور (1929-1968): "لم يعد الأمر اختياراً بين العنف واللاعنف في هذا العالم؛ بل بين اللاعنف واللاوجود."
الدكتور سامان سوراني 

104
سياسة دولة المانيا الإتحادية و مستقبل الإتحاد الأوروبي

من المعلوم بأنه‌ لا وجود لمعايير ثابتة أو لحلول حتمية و نهائية، فكل نموذج يشكل تجربة حية تبقی قيد الدرس والبناء والإستكمال، علی سبيل التعديل والتحسين. فما حصل في السنوات الأخيرة من تقلبات وإنهيارات إقتصادية بل و حتی سياسية شكل مدعاة لإعادة النظر في منظومة التعاريف المتعلقة بالإقتصاد بشكل خاص و الحرية والعدالة و المساواة علی وجه العموم، بعيداً عن لاهوت التحرير الذي يجعلنا نقفز فوق واقع الإجتماع والعالم المعاش و بعيداً عن التعامل مع الديمقراطية كمدافع و مناضل يستخدم المفاهيم التقليدية المستهلكة.
إن ما نطرحه هنا من الأفكار مستقاة من خطاب للمستشار الألماني السابق، هلموت شميت، القاه بتاريخ 2012.09.22 بمناسبة تكريمه لحصوله علی جائزة ويستفاليا الألمانية للسلام، فهو العقل الإقتصادي الأول في بلده و صاحب نظريات مستقبلية في السياسة العالمية و أحد رواد الوحدة الأوروبية المسالمة.   
كما نعلم بأن الأفكار ليست إيقونات للعبادة والتقديس ولا هي قيم مفارقة تعلو علی الظرف والشرط، بل هي عوالم من العلاقات ننشئها علی أرض الصراع وفي بوتقة المواجهة، بعقلية المداولة والمفاوضة، لإنتاج صياغات ومواقف جديدة، عبر المساهمة في إنتاج المعلومة والمعرفة.
لو أخذنا الإتحاد الأوروبي كمثال لما نطرحه، لرأينا بأنه يعمل منذ أكثر من نصف قرن علی تنمية تشكيلته. ففي الثامن عشر من نيسان عام 1951 إجتمعت ست دول أوروبية، هي فرنسا و ألمانيا و بلجيكا و لوكسمبورغ وهولندا و إيطاليا، لتضع حجر الأساس في بناء الاتحاد الأوروبي و بعد أربعين عاماً من تأسيس هذا الإتحاد وصل عدد أعضاءه في إجتماع بهولندا الی أثنتي عشر دولة أوروبية. وفي السابع من من شباط عام 1992 تم التوقيع علی معاهدة ماستريخت والتي تم بمقتضاها تم تجميع مختلف الهيئات الأوروبية ضمن إطار واحد هو الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح فيما بعد التسمية الرسمية للمجموعة. واليوم وبعد إنضمام كل من  رومانيا و بلغاريا عام 2007 يبلغ عدد أعضاءه 27 دولة متخذاً العاصمة البلجيكية بروكسل مقراً دائماً لأمانته العامة والمفوضية الأوروبية، ومدينة ستراسبورغ الفرنسية مقراً لبرلمانه الأوروبي.
بالرغم من كل هذا لم يكن بإمكان الإتحاد لا عن طريق معاهدة ماستريخت و لا بالمحاولات الغير ناجحة لوضع دستور أوروبي دائم و لا بواسطة معاهدات لشبونة أن يخطو خطوات مؤسساتية مؤثرة نحو الأمام. نحن نعرف بأن للمفوضية في بروكسل 20000 منتسبين، يعملون بجدية في إدارتها، لكنهم علی ما يبدو منشغلين بوظائف ثانوية.
والجهة الوحيدة التي يمكن أن يقال بأنها تعمل بشكل مُرضٍ هو البنك المركزي الأوروبي، ولكن الی متی يمكن لهذه الجهة أن يرضي الجميع؟
لذا نستطيع أن نتحدث اليوم بشكل واضح و صريح عن إمكانية فشل هذا الإتحاد ويمكن أن يعود سبب هذا الفشل الی الألمان أنفسهم، لأن دولة المانيا الأتحادية برهنت للجميع بأنها أكبر قوة إقتصادية في القارة الأوربية، وهذا موضوع يثير الإستغراب حتی لدی الكثير من الألمان قبل الآخرين. و المانيا الإتحادية تمارس هذا الدور و تعمل علی إيقاظ هذا الشعور لدی البلدان الأخری.
لذا نری بأن المحكمة الإتحادية الألمانية العليا و البنك المركزي الألماني و المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يتعاملون بتعالٍ و حضورٍ و تطابقٍ وقصدٍ و سيادةٍ و كأنهم هم المركز والثقل الأكبر في أوروبا. أما الرأي العام الألماني فهو وللأسف مصبوغ بصبغة قومية- أنانية، يحمل في طياته فلسفة "أنا قبل كل شيء و لا أحد غيري". وإذا أخذنا فترة أطول بعين الإعتبار فإننا نستنتج بأن هناك إمكانية رجوع الدول الأوروبية الی اللعبة القديمة، أي لعبة المركز والأطراف، من غير الوعي بأنهم يتحركون نحو الحافة الخارجية للسياسة العالمية والاقتصاد العالمي. فدولتان من دول الأعضاء، تمتلكان مثل كوريا الشمالية القوة النووية.
والسلاح الذرّي اليوم هو القدرة و الشارة، و هو أيضاً أداة يمكن إستخدامها للتهديد و في الحرب. أما إذا نظرنا اليه من الناحية الإقتصادية والإجتماعية، فأن السلاح الذرّي مضيعة للإنتاجية. ومن الناحية الأخری يمكن إعتبار عدم السماح لدولة المانيا الإتحادية بأن تمتلك أسطول الغواصات المجهزة بالأسلحة النووية إحدی أهم الأسباب التي أدت الی الإزدهار النسبي في هذا البلد. الألمان فهموا أخيراً بأنهم أوروبيين و لا يجوز لهم الرجوع الی اللعبة القديمة، أي لعبة ميزان القوی في أوروبا، بل عليهم أيّاً كانت النوايا والاستراتيجيات العمل بجدية في إستخلاص النتائج الإيجابية اللازمة من تجارب القرون الأربعة الماضية، وهي كما يلي:
أولاً: تجارب التاريخ علّمت الأمم الأوروبية و بالأخص قياداتها، بأن نتائج كل المحاولات السابقة في بناء قوة مركزية أحادي القطب في أوربا كانت فاشلة، لذا لا يمكن أن يكون نصيب المحاولات المستقبلية في هذا الأمر غير الفشل. والمساعي الرامية من قبل الأتحاد الأوروبي لتعزيز قدرته في مجالات السياسة الخارجية، الإقتصادية ، المالية والأمنية عن طريق عقد معاهدات و سن قوانين تبقی دون فرصة كبيرة.
ثانياً: علی الألمان أن يتذكروا في هذه الحالة كل من ونستون تشرشل، شارل ديغول، جورج مارشال، هنري ترومان و جورج بوش الأب لتسديد ما عليهم، لأن هؤلاء كانوا رجال دولة و قاموا بمساعدة الألمان في ظروفهم الصعبة. وهذا يعني أن علی الألمان أن يدعموا الإتحاد الأوروبي بجدية و تكون مبادراتهم في سبيله هي الأولی. فالمادة 23، فقرة1 من الدستور الألماني تبسط الطريق لهذا الأمر، لأنها تسمح بالتعمق و الإعتصام بحبل الإندماج.  بالطبع يحتاج تبنّي هذا المشروع الی أموال طائلة وعلی الألمان البدء به، وإلا كيف تمكنت دولة المانيا الإتحادية بأن تكون المستفيد الرئيسي من قضية الإندماج الأوروبي؟
ثالثاً: بغض النظر عن الدروس المستخلصة من تجارب القرون الماضية، يجب أن لا يكون الألمان سبب ولادة الجمود والتراجع أو إضمحلال مشروع الإتحاد الأوروبي. فالدول في القارات الأخری تنتظر بفارغ الصبر كي يتصرف هذا الإتحاد أخيراً بصوت وحدوي وهذا يحتاج الی الإرادة الكاملة للعمل المشترك مع الفرنسيين و الإرادة في العمل مع البولنديين بجدية أكثر. و الإرادة في التعاون مع دول الأخری الجوار تعتبر من الضروريات. فالألمان تغيّروا من حيث علاقاتهم بالعالم وتعلموا من ماضيهم. فهم يستطيعون إثبات ذلك بعد دراسة العواقب عن كثب و بإمعان بعيداً عن الاطروحات الطوباوية.
ومن البديهي بأن القارة القديمة تعيش اليوم صراع فكري، كما تشهد المناقشات الخصبة والسجالات الصاخبة حول القضايا الأوروبية المطروحة و الأزمات الإقتصادية في بعض بلدانها، لكن كل ذلك لا ينقص من الحقيقة بإن تلك المجتمعات قامت بتغيير عدتها الفكرية و مهماتها الوجودية وعملت بشكل مثابر علی إختلافاتها و حولّت فكرة الإتحاد الأوروبي الی واقع تداولي معاش، أثّر في الحياة اليومية لجميع الناس و تجسّد ذلك بشكل خاص في العملة الموحدة، التي تسمی "اليورو". 
وختاماً نقول: لا مكان من بعد اليوم لعقليات و حكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية، فدكتاتورية المركز تلوث الفضاء الفكري و تبتلع المجتمع المتفتح الساعي الی تثبيت التعددية و توسيع مدارات الفدرالية و تشجيع الاستثمار في العقل البشري و التخلص من الوصاية النبوية عن كل ما يمكن أن يضيف شيئا جديد.
الدكتور سامان سوراني


105
متاريس الأصولية الدينية بين التحجر العقائدي والفقر المعرفي

من المعلوم بأن عبادة الأصول، أيّ كانت منابعها، مآلها تحويل الأفكار الی أصنام و شعارات خاوية و ثنائيات خانقة و تدمير إرادة الخلق و مصادر القوة، بعد الوقوع في فخ العقل التقليدي بكل رؤاه الرافضة والمتزمتة. وأن إحتكار المعنی و المشروعية والتمثيل و تأليه الذات لا تولد إلّا الإستبداد أو الإقصاء والأرهاب.
قبل فترة وجيزة ظهرت في إقليم كوردستان مرة أخری أصوات متعصبة، تری بأن طريق الحراك قد سدّت أمامها و أن آمالها قد أحبطت في مسعی للعودة الی طريق الحياة الطهرانية المساواتية، لذا بدأت تنادي الی حجب مقدمي البرامج من النساء و المذيعات الجميلات في القنوات التفزيونية، لأن التجمّل حسب تفسيرها محرّم و جمالهن تؤدي الی ثوران شهوات الرجال، أولئك الذين لا يرون في المرأة إلا الجانب الجنسي فقط. هذه الأصوات تواصل دعواتها للتحريض على العنف والتمييز ضد النساء تحت راية الدين والسنة والأخلاق وتحاول تسييد أنماط معينة من الملابس ومنح صاحباتها فرص أكبر للعمل والظهور الإعلامي.
أما في ما يخص الديمقراطية والأنظمة البرلمانية فإنهم ينظرون اليهما كبدعة محرّمة لا تقلص الفجوة الإجتماعية. عقلهم التقليدي هذا هو الذي يمهد الطريق، برأي رائد حركة ما بعد الحداثة الفيلسوف الفرنسي جان بودرّيار (1929-1997)، لنشأة العقل الإرهابي بين الجماعات المتأسلمة، الذي يدفع صاحبه للعنف، فهو يری بأن عنف الخطاب لا يعادله إلا عنف الإرهاب.
الإنسان في عقله و إنسانيته الحرة و كرامته و الأخلاق المتربطة بها و إختيار الغيتو النفسي و الذهني والفكري كبرنامج للتعامل اليومي و قيادة المجتمع ينتج النّظر إلى النّفس و إلى الآخر  المغاير باستعلاء مضمر أو إحتقار.  ولغة التحريض علی العنف ضد كل من لا يريد أن يبقی داخل إطار الثوابت و القوالب و النماذج الدينية الموروثة هي نوع من أسلحة الدمار الشامل، مآلها تلويث فضاءات التعايش السلمي و الأفكار والممارسات الحية، التي تعمل علی كسر الأيقونات المقدسة والأصنام النظرية.
الأصوليون الدينيون يريدون بهرطقتهم و مواقفهم المصبوغة بالتبريرية الذرائعية التلفيقية أن يصبحوا ملوكاً علی حقول من الجثث بعد تحويل الحياة بأساليب غير متوقعة الی جحيم لا يطاق ولنا في الحركات الأصولية الدينية المتطرفة في أكثر من مكان من هذا العالم نماذج بارزة ليصبحوا لنا خير دليل و أعظم برهان. أصوليتهم الدينية يمكن تحليله ثقافياً من خلال تعريف مفهوم رؤيتهم للعالم. ولا يمكن إخترال أسباب ظهورهم فقط في الفقر والقهر السياسي، بل في تحجرهم العقائدي و فقرهم المعرفي وتزّمتهم الفكري، لأن من لا يعمل في تحقيق مصالحة وإنسجام مع مفهوم الحداثة من خلال قيم الحرية و أصالة حقوق الإنسان و قبول الاختلاف و التعددية لا يستطيع أن يساهم في نشر مفاهيم منفتحة عقلانية أو إنسانية. نحن لا نأمل بأن يعود الدين ليمارس ذروة العدمية والهمجية أو ليتأله دعاته و حماته، لكي يصبحوا عبيداً لنزواتهم و أحلامهم المجنونة و خططهم الجهنمية أو لكي ينتهج أصحابه الهيمنة الشمولية على تفكير الرأي العام والسيطرة على ردود افعاله. إن الخروج من القوقعة العقائدية يفتح الإمكان لملاقاة الآخرين و يتيح للإنسان تكوين ذاته و إعادة بناء الثقة مع سواه و هذا بدوره يتيح التعارف الوجودي أو التعايش السلمي أو التبادل المتكافیء من المساحات واللغات و الأدوات أو الصيغ والأطر.
فمن يؤله رموزه‌ فقط و يجحد رموز الآخرين يعيش في تكاذب مشترك و يتحول كلامه الذي يعلنه عن الوحدة الكوردستانية مجرد خداع، يكون مآله الخلاف والإنشقاق. نهجه‌ الآيديولوجي السلبي القاطن بين أنياب الإيمان الأعمی و جحيم الحلول القصوی يسعى لنصرة معتنقيه وحمايتهم على اساس استثارة معاداتهم.
أما حكومة إقليم كوردستان الفعّالة فهي تسعی اليوم الی تنظيم الإقتصاد و الإنفتاح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع بمختلف قواه و مستوياته و هيئاته و عناصره، بهدف بناء معادلة مركبة تؤلّف، علی نحو خلاق و مثمر، بين الأهلي والمدني أو بين الخصوصي والعمومي، أو بين الوطني والإقليمي، أو بين المحلي و الكوكبي، وهذا هو الرهان، تحويل عدم الثقة والخوف الی مجالات و مساحات و أسواق للتعايش السلمي والتبادل الغني. 
نحن نعرف بأن وراء كل منظومة تقدم قيماً ومبادئ، كالتربية على الحرية والمساواة، وحق الشعب في إختيار حكامه، وحرية التعبير والصحافة، وسيادة القانون والمساواة، وهذا ما نناضل من أجله، فلا مجال بعد اليوم للجُبن الثقافي، الذي كان وللأسف تحت ظل النظام الشمولي الدكتاتوري في العراق التخصص الأساسي.
وختاماً نقول، بأن من يريد بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل علی نحو سلمي تبادلي في إطار إقليم كوردستان هو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته و يقوم بتغيير عدّته الفكرية، سواء من حيث التوجه الفكري أو من حيث شبكة المفاهيم وقواعد المداولة، بتركه العقليات السائدة والمقولات المستهلكة ولا يستخدم المنابر والساحات والشاشات لإعادة عباءة الفقيه و الحجاب والبرقع و لنصب جدران الكره و العداء للتمترس في المعقل الأصولي أو لتحويل الدين الی أداة أو محاكم للإدانة و الإقصاء.
الدكتور سامان سوراني

106
إعلان الدولة الكوردستانية  بين طبول حرب المالكي و جغرافية السياسة الكونية

من المعلوم بأن حياة البشر و أوضاعهم تتغيّر أو تتبدّل بفعل أحداث و تطورات تنبثق من داخل المجتمعات التي تتجاوز واقعها و تغيير شرطها الوجودي أو الحضاري، قد تكون علی شكل دعوات أو ثورات و لنا في الثورة الفرنسية العظمی خير شاهد وبيان.
في عهد الدكتاتورية كان هناك  وللأسف "مثقفين" يعملون كأبواق تسبّح بحمد المستبدّ والطاغي صدام حسين، وتبرّر استكباره وبشاعاته بمختلف الذرائع القوموية و الدينية، و تنفي وجود حروبه الهمجية ضد شعب كوردستان المسالم، بالرغم من أنها كانت تعلم بيقين بأن أهل كوردستان تتعرض طوال سنين لكل أنواع التنكيل و التعذيب، إذ قام النظام البعثي الهمجي بزجّ مئات الألوف من الكوردستانيين في غياهب السجون والمعتقلات و قتل آلاف منهم و طمر جثثهم في مقابر جماعية بقيت أماكن الکثير منهم مجهولة لأهاليهم.
و بعد بزوغ فجر عصر تعميم المعلومات، الذي صار أكبر زلزال يدّمر أركان سياسات الاستبداد والإقصاء والإلغاء و بعد أن تحرر العراق من قبضة صدام و أبناء القتلة و مليشياته الأمنية المجرمة، كنا نؤمن بأن المؤسسة الجديدة سوف تنظر الی نهاية صدام الدموي كرسالة موجهة الی كل مستبد متمسك بالسلطة و رافض تداولها، الذي يقهر شعبه و يعتقل أحراره و يكبل بهم و يقمع المحتجين المنادين بالحرية والكرامة والتغيير، لذا ساهمنا في تشكيل و بناء دولة ديمقراطية حديثة، علی أمل إنها تؤمن بالتمثيل السياسي والمناطقي المتوازن و تدعم حق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره، لكن للأسف لم يعمل رئيس الوزراء الحالي، الذي كان أحد المعارضين للنظام الدكتاتوري، منذ تسنمه الرئاسة الی يومنا هذا لإزالة التشنجات الطائفية والمذهبية من النفوس قبل النصوص و ذلك لإخراج العراق من هذا النفق المظلم، و ما محاولاته في تشكيل هيئة وطنية شاملة لإلغاء الطائفية السياسية إلا مناورة منه هدفها التغطية عن أهدافه الطائفية، فكيف ننتظر منه أن يساهم في بناء دولة مدنية حرة مستقلة باسطة شرعيتها علی العراق الفدرالي ويكون له‌ مكان في صنع تاريخ هذا البلد، بعد أن أصبح أسلوب الضغط و الترهيب والتهديد جزء من سياسته الفاشلة؟ نسأله متی كانت المطالبة بالحقوق الدستورية والعدالة تنذر بالفتنة و التفرقة؟ لماذا السعي وراء ممارسة الهيمنة والقهر والإستبداد والعنصرية واللاعقلانية و الأحادية و جعل هذه الآفات تصبح خبزاً للمجتمعات العراقية و أبجدية لثقافاتها؟
نحن نعرف بأن مكونات الشعب العراقي ما يزال عازم على بناء دولته على أسس الحداثة ودولة المواطن، لكن نقوله بصراحة بأن قيادات بعض الأحزاب الدينية لا تؤمن بمبدأ الديمقراطية وممارستها و لا تضع مصلحة العراق وسيادته وقراره الوطني المستقل في مقدمة أولويات عملها السياسي و يعطي لورقة الإصلاح أهمية و لا ترغب في الأنفتاح على المكونات الأخرى.
لذا نستنتج اليوم بأنه لم تعد للشراكة الحكومية في العراق الإتحادي معنیً، بعد أن أصبح الدستور الذي كان وسيطاً و ضماناً بين الشركاء، مهملاً و بعد أن أصبح خرق الدستور أمر طبيعي يعيد نفسه بإستمرار و بعد أن دخلت إتفاقية أربيل في زمن النسيان و بعد أن قرر رئيس الوزراء نوري المالكي بتمحوره الإقليمي البدء في تنفيذ مخططاته‌ و هجماته الغير مشروعة ضد إقليم كوردستان و دئبه‌ بعد تفرده بالسلطة و فرض نفسه عنوة في العاصمة العراقية لإحداث الثغرات في صفوف القوى الكردستانية و في النهاية جرّ العراق بإتجاه الدكتاتورية ودفعه نحو الهاوية. من سيدفع الثمن؟
إن تداعيات سياسات المالكي الغير سليمة أوجدت حالة من غير الاستقرار والقلق ومخاوف حقيقية لدی القوی الديمقراطية الكوردستانية بحيث يفضي كل ذلك وغيره الى نهايات ليست في صالح الجغرافية السياسية لعموم العراق.
الحكومة الإتحادية يجب أن تعرف بأن الكوردستانيين اليوم يعيشون ثورات معرفية، ثورات اكتشاف قيمة الحرية والكرامة، يلتزمون بالدستور و بإنسانيتهم، يمتلكون الإنسانية و يدافعون عنها و بقدر إمتلاكهم لإنسانيتهم يمتلكون الحرية في إصدار القرار، يسعون في رسم مسارات حياتهم الشخصية والقومية، مدركين إنتماءهم الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته، لا يتقبّلون بعد اليوم ساسة مستبدين، يخدعونهم بأبواقهم و ترّهاتهم و تهوراتهم المتخلفة.  نقول لا جدوی من إنقضاض خريجي المعاهد الشمولية علی تطلعات و آمال الشعب الكوردستاني و أخيراً لن يصمد أصحاب الفكر الأحادي والنزعة الشمولية أمام إرادة شعب كوردستان.
وختاماً يقول فيلسوف الإرادة الألماني فردريش نيتشه (1844-1900): "لا تمشِ في طريق من طرق الحياة إلا ومعك سوط عزيمتك وإرادتك لتلهب به كل عقبة تعترض طريقك."
الدكتور سامان سوراني


107
ما هي التداعيات الإيجابية من المؤتمر العلمي الكوردستاني العالمي؟

من المعلوم بأن الحداثة بموروثها الإجتماعي، إبتداءً من العناصر الإيجابية والفاعلة في المجتمع، تعني ديناميكية إجتماعية يمكن توظيفها في حركة مستمرة لتطوير المجتمع بكل فئاته وطبقاته ومناطقه وقواه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والإدارية وغيرها. و من غير الممكن أن تكون الحداثة نوع من التقليد أو الإستعارة أو الإنغلاق علی الذات و رفض الآخر بغرض الحفاظ علی الهوية والأصالة أو عقائد ما ورائية جوهرانية ثابتة أو أوهام التوافق الفكري و جدلية التماثل.
ففي الخامس عشر من هذا الشهر إنتهت أعمال المؤتمر الكوردستاني العلمي العالمي الثاني بعد أن أفتتح بتاريخ 2012.10.12 من قبل رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود بارزاني، الذي أكد أمام الباحثين و الاكاديميين الحاضرين مدی حاجة الإقليم الی أعمال و إختصاصات المشاركين لسد الثغرات والنواقص الموجودة و مدی جديّة الحكومة للإستماع اليهم و العمل بنصائحهم، لأن العلم في نظره يلعب اليوم دور الفاعل الأساسي في حياة هذه الحضارة، التي نعيشها على كل المستويات و يفتح آفاقاً لم تكن الإنسانية تحلم بها من قبل. سيادته‌ يؤمن بأن للعلوم أثر إيجابي على الأفكار والتقنيات والأنظمة السياسية والاجتماعية و أن شيوع العلم في إقليم كوردستان ضرورة ملحة لتخطي الحروب و التأخر والجهل.
شارك في هذا المؤتمر العلمي مايقارب 600 أكاديمي و باحث كوردستاني من المقيمين في الخارج وكذلك من الفاعلين في جامعات اقليم كردستان ومؤسساته الحكومي بهدف تطوير كوردستان بالعلم والتراث، وكانت الأكثرية منهم قادمة من الدول الغربية و أمريكا الشمالية و القارة الأسترالية قدموا بحوث ومحاضرات قيمة حول طرق تطوير تطوير البنية التحتية لإقليم كوردستان في المجالات المختلفة منها التربية و التعليم العالي والبحث العلمي والزارعة والصحة.
العلم كما يصفه الشخصية التنورية البارزة والمصلح الإجتماعي فرانسوا ماري أرويه المعروف بإسم فولتير (1694-1778) كالأرض لا يمكننا أن نمتلك منه سوى القليل، لكن المؤتمر كان بداية جيدة لاقامة جسر للتواصل مع الخبرات الكوردستانين و القابليات المبعثرة والمفيدة الموجودة في الخارج و القادرة علی نقل الخبرات والتجارب من الدول المتقدمة الی إقليم كوردستان.
إن تعاطي الكوردستانيين مع التراث والحداثة بطريقة عصرية يفسح لهم الطريق للإنخراط في المشكلات الفكرية والعلمية لهذا العصر و فهم الحياة المعاصرة. فالحداثة هي جهد و إجتهاد، مراكمة و تكديس، عمل و مراس، صناعة و تحويل، بناء و تركيب، علی نحو متواصل، بصورة نتغير بها بتغير صورتنا علی أنفسنا والعالم، عبر المشاركة في ورشة الخلق والإنتاج.
فلكي ننخرط في أعمال التحديث و التطوير و نزداد إنتاجية و إستهلاكا و قدرة و فاعلية، علينا بالإبتعاد عن الحريات الشخصية، التي يمارسها الفرد في المجتمع الكوردستاني، بصورة إستبدادية أو عشوائية أو عقيمة أو كسولة.
أما النماذج الأصولية الدينية، التي كانت تهدف في إقحام الدين بطريقة فجة وملتوية وقسرية في كل مفاصل الحياة العصرية والتي إتجهت في التسعينيات من القرن الماضي بكامل طاقاتها وأدبياتها إلى شرعنة الحياة وأصلنتها في كل مفاصلها، تركت بنفيها الوقائع و قفزها فوق الحقائق أصداء سلبية، ساعدت علی سد الكثير من الخطوط للمساهمة في ورشة الإنتاج و صوغ المصائر.
من جملة البحوث التي قدمت في المؤتمر، كان بحث أكاديمي كوردستاني حول اللغة الكوردية و مسألة توحيد اللهجات المختلفة. معلوم بأن اللغة الكوردية تكون قادرة علی هضم و إمتصاص العلوم الحديثة، إذا تم تبسيطها و تقريبها من الحياة المعاصرة و إذا تمكنت من مسايرة إتجاهات العلوم الحديثة و إتجاهات التطور الحديث. من غير ذلك تصبح اللغة وسيلة متحفية لا تصلح للتفاعل مع الحياة بإنسيابية ومرونة مطلقة. و لكي نحرر اللغة من قيود الماضي، حتی يقوم الأصوب بإحتلال العقل لا الأسبق ولكي تنطلق الإنتاج الثقافي للتفاعل مع الحداثة، عليه أن ينفتح الفرد الكوردستاني و يتحرر من أسر التفاسير الدوغمائية المنغلقة ويتعاطی بعقلية إنفتاحية عصرية مع صيرورة الثقافات وتموجاتها المتحركة، بحيث يكون قادر علی على التجاذب الحي والمرن مع كافة التداخلات الفكرية التي أصبحت اليوم سمة العصر الرقمي، الذي نعيشه.
إن تشكيل قواعد جديدة للعمل العلمي الكوردستاني المشترك تسهل الطريق أمام الإنخراط في المناقشات العالمية و تساهم في بلورة قيم جديدة للشراكة البشرية.
و ما القدرة علی الخلق والإبتكار في مجالات العمل والإنتاج، العلمية و التقنية، أو السياسية والإقتصادية، أو الإعلامية و المجتمعية، أو الأدبية والثقافي، إلا نوع من الإصلاح، الذي يؤدي الی ممارسة سياسة الإعتراف و إتقان لغة التوسط و فن التعايش و ممارسة الهوية علی سبيل التنوع و التفرّد. إذن علينا بشحذ العقول الكوردستانية و إنشاء مراكز البحث والإشتغال علی الذات بالمراجعة والمحاسبة أو بالنقد و الفحص. 
و ختاماً: الحياة ليست نظريات ثابتة وأقاويل مقدسة غير قابلة للتغيير، لكن لا تدع غيرك يلون حياتك فربما لا يملك بيده سوى قلم أسود.
الدكتور سامان سوراني 

108
آراء كوردستانية في زمن ثورات القوة الناعمة و سباق العقول

من المعلوم بأن التفكير هو ميزة الإنسان ورأسماله الأول، الذي يستثمره في مساعيه ومشاريعه و أعماله و سائر أنشطته‌، فما توصل اليه العالمان الفرنسي سارج اروش والأمريكي ديفيد واينلاند هو الوصول الی قياس جسيمات الكم المراوغة دون تدميرها، وهذا يعني التلاعب بالجزيئات الأحادية دون التأثير على الطبيعة الميكانيكية للمادة، مما يسهل الأمر في صنع نوع جديد من أجهزة الحاسوب أقوى بفارق أكبر من كل الأجهزة السابقة و بسبب إكتشافهم النادر هذا فازوا بجائزة نوبل للفيزياء لعام 2012.
نحن نری في أدوات العولمة الفائقة و الشبكات العنكبوتية والوقائع الإفتراضية معطيات لا غنی عنها في فهم الواقع و إدارته و تغييره، فهي، إن شئنا أم أبينا، قد غيّرت نظرتنا الی أنفسنا و بدّلت موقعنا في العالم.
بعد هذه التحولات الجذرية، التي هي بمثابة فرصة وجودية أمامنا، علينا في كوردستان بالتقدم و نخطوا خطوات كبيرة نحو الأمام و نتخلی عن قصورنا الثقافي و ننهض من تخلّفنا الفكري و نكسر عقليات البيروقراطية الفوقية لإدارة شؤوننا بعقل أفقي، تواصلي، تبادلي، ومن لا يشخص الواقع لا يجد مخارج من الأفخاخ والمآزق.
أما في العراق فنحن لا نعرف متی يخرج "شركائنا" في هذه الدولة "الإتحادية الفدرالية" من سجونهم العقائدية القومومية، لينخرطوا في تغيير واقعهم و يشاركوا في التحولات العالمية علی غير مستویً و صعيد.
فبعد سقوط الطاغوت الأكبر في المنطقة عام 2003 كنّا نأمل بأن التحولات في هذا البلد سوف تتجه نحو الدولة الديمقراطية، التي تحافظ علی الإرادة العامة و تنهض بفيدرالية عادلة و حرّة، بعد أن إنتهی من دكتاتورية البعث،. ما لا يفاجئنا بالمرّة هو المحاولة الجديدة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في التقارب العسكري مع موسكو و تعزيز تنسيقه معها لتشكيل محور للتعاون الامني والعسكري الإستراتيجي المستقبلي مع بلدان ديكتاتورية أخری في المنطقة.
رئيس مجلس الوزراء ينظر الی الدستور الإرضائي، الذي يعطي الشيء و نقيضه، من زاوية أفكاره وعقائده ومرجعياته ومصالحه الشخصية، لذا نراه يقوم بالتجهيز و شراء أسلحة ثقيلة، منها طائرات مقاتلة. هدفه هو استعباد العقول والسيطرة علی الأفكار و قمع كل من لا يرقص علی تصنيفاته الموسيقية المزخرفة بتقاسيم الحروب.
السيد نوري المالكي، الذي يريد بنزعته الإنفرادية الإستئثارية أن يتحول من ضحية الی مستبد، يسعی اليوم علی تقوية الحكومة الإتحادية وقراراته على حساب الإقليم الى الدرجة التي تصبح فيها عدد غير قليل من هذه القرارات إستبدادية، يشحن الأجواء و لا يترك مجالاً لتنامي صفاء النيات والتفاهم بما يعزز الشعور لدی الكوردستانيين بأنه‌ عليهم السعي في سبيل إنجاح التجربة الفيدرالية. و في ظل غياب الإرادة الوطنية عنده في حل الأزمات الفيدرالية و المماطلة في تطبيق بنود الدستور يخسر العراق فرص كثيرة للبناء والتقدم، فكيف بتفهّم المشكلات وإجتراح الحلول الجذرية المناسبة لها.
نقول للذين يشهرون سيف الدفاع عن الهويات والمذاهب بعقلية القوقعة والمحافظة، أنتم بزيفكم الوجودي جنود تقاتلون من أجل أسوأ التقاليد و أكثرها عمقاً، لا تستطيعون تحقيق تنمية أو تغير واقع، بل تتجهون نحو التراجع و تنتهكون ما تدعون اليه، مآل عملكم هو تدمير الحاضر وإفتراس المستقبل.
زمننا هو زمن ثورات القوة الناعمة، تتعولم الأفكار و الثقافات و تتغير شيفرات التفكير و برامج العقول و خرائط المعرفة وقواعد المداولة، لذا نراه من الأولی ممارسة التقی والتواضع بالثورة علی الذات للتخفيف من أمراضها النرجسية والمركزية الإصطفائية والإمبريالية والإستبدادية. فالتأله والتقديس ينشر الشعوذة و يزرع الخراب و يولّد البربرية.
فالثورات الحاضرة لا تلغي مكتسبات الثورات التنويرية والسياسية والتحررية، لكنها تتجاوز ما استهلك منها، تختلف عما سبقها في رموزها و لغتها و عناوينها، فهي تحمل في طياتها أدوات تقلل من سلطة الأنظمة الشمولية بقدر ما هي تفضح المحاولات العسكرية الفوقية، التي لا تنتج سوی التخلف و الإستبداد. 
و حكومة إقليم كوردستان و أحزابها الوطنية تعمل بوثوق في سبيل الحصول علی درجات جيدة في إمتحانات الديمقراطية والتنمية والعدالة والكرامة، لكي تصنع مستقبلاً جديداً، بحيث تنكسر الصور النمطية السلبية، التي ترسمه أعداءهم و أعداء الديمقراطية لهم. أما شعب كوردستان فهو يأمل في أن يكون فاعل قوي في بناء الحضارة و صناعة المعرفة والحداثة والتقدم، لكي ينخرط و يشارك مع بقية الجماعات و الأمم في رسم مستقبل أفضل للمنطقة. 
و ختاماً نقول، لا لديكتاتورية السلاح و لا للاستقواء علی الدولة و إذا كان إقليم كوردستان حسب تفسير رئيس مجلس الوزراء العراقي جزء من العراق الفدرالي فإن الدفاع هو أمر مشترك، وما هو مشترك يخضع دوماً للمناقشة المفتوحة، العلنية والعمومية.
الدكتور سامان سوراني

109
دولة كوردستان المستقلة بين التحدي والإستجابة

المؤرخ و الفيلسوف البريطاني المشهور أرنولد جوزف تُوينبي ( 1889-1975)، الذي إستلهم نظريته في "التحدي والإستجابة" من عِلم النَفس السلوكيّ لمؤسس علم النفس التحليلي السويسري كارل غوستاف يونغ (1875-1961) والذي كان متأثراً في فكرته حول دور الاقلية المبدعة في بناء التقدم الحضاري بمفاهيم الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون (1859-1941) يقول:
"إنَّ الفَرد الذي يتعرَّضُ لصدمةٍ قد يفقدُ توازُنَه لفترةٍ ما، ثمَّ قد يستجيبُ لها بنوعَين من الاستجابة: الأُولى النكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسُّك به تعويضًا عن واقعه المُرّ، فيُصبح إنطوائيّاً؛ والثانية، تقبُّل هذه الصدمة والاعتراف بها ثمَّ مُحاولة التغلُّب عليها، فيكون في هذه الحالة انبساطيّاً. فالحالة الأولى تُعتَبرُ استجابةً سلبيَّة، والثانية إيجابيَّة بالنسبة لعلم النفس".
الكوردستانيون، الذين يمثلون كيان تاريخي، له هويته القومية الواضحة، يربو عددهم الآن أكثر من 40 مليوناً، هُم حسب منطوق نظرية تقرير المصير أكبر شعب في العالم ليس لديهم دولة، تعرضوا الی أقسی المجازر وحشية وأعنف قصف بالغازات السامة و مورس ضدهم أساليب لاإنسانية في تهجيرهم بشكل جماعي قسري من مناطقهم الجغرافية و سياسة التمييز اللغوي لكسر شوكتهم وحسهم الوطني، لكنهم و بحكم إمتلاكهم لحركات قومية قوية باتوا في الآونة الأخيرة أحد العوامل الأساسية في السياسة الداخلية والخارجية لتلك الدول التي تحتل الی يومنا هذا أجزاء كبيرة من وطنهم كوردستان.
بناء الدولة الكوردستانية ليست مجرد فكرة تقتبس أو صيغة تطبق، وإنما هو عمل شاق ومتواصل يقوم به كل فرد من أفراد المجتمع الكوردستاني علی نفسه، علی غير مستوی أو صعيد، من أجل تحويل الإختلافات الفطرية أو العصبيات الجمعية أو التكتلات الفئوية الغير مسؤولة الی علاقات وطنية تتيح التعامل مع السلطة الوطنية في جميع دوائرها و مستوياتها.
فالقوَّة الخلاَّقة و الوعي بالذات تصنع الوحدة في كيان المُجتمع، الذي هو بمثابة وسط للتعدد و فضاء للمداولة بقدر ماهو شبكة من التأثيرات المتبادلة والعلائق المتحوّلة. الوعي بالذات يسهم في تكوين طبيعة الدولة المستقلة، و من ثم الانتماء إلى إشارات ثقافية و جغرافية. 
لقد ولّی زمن المثل القائل، بأنه ليس للكورد صديق غير جباله، أو ذكر ححج واهية من قبل المثقف الأبله، الذي يُرجع أسباب عدم بناء الدولة الكوردستانية الی التضاريس الأرضية، كون معظم أراضي كوردستان جبال و سهول أوالموقع الجغرافي والظروف الإقليمية والدولية. فالذي لايعرف الرقص يقول دوماً بأن الارض ليست معتدلة.
نحن كشعب نعرف بأن الماضي هو زمن من أزمنتنا المتداخلة والمتعاصرة، بل هو طبقة من طبقات وعينا المركب الذي يمكن قراءته علی نحو جيولوجي، نمتلك إرادة التضحية والتاريخ شاهد علی مانقول. لكن الذي نحتاجه اليوم في عصر التغيير هو خلق إرادة المجازفة، لمواجهة التحولات والإستحقاقات و الإشتغال علی الهوية والذاكرة والتراث من أجل تحويل ذلك الی عمل منتج أو الی ممارسة إبداعية تتجسد في صناعة الإستقلال و نسج علاقة مع العالم راهة و فاعلة، سيما أن العالم لم يعد كما كان عليه، بل هو يتغير بصورة جذرية و بنيوية متسارعة. علينا بتثوير الإدراك وحرية الإنسان وإمتحان القِيَم قبل تبنِّيها، فثورة الإنسان على داخله، كما يراه الفيلسوف الياباني المعاصر دايساكو إكيدا، هي الشرط الضروري للتقدم والمساهمة الفعالة في سبيل بناء الوطن. فالقضايا الوطنية والمصالح العمومية يجب أن تدار بسياسة جديدة من مفرداتها ومفاهيمها و قواعدها الخلق والتحويل والتجاوز بعد أن سجلت نهاية لنظرية المؤامرة والأجندات الخارجية.
ومن المعلوم بأنه لا ينهض و لا يتقدم من لا تفضي به تجاربه إلی تغيير مفاهيمه عن النهوض والتقدم ولا ممارسة بلا نظرية، و لا فاعلية من دون شكل من أشكال العقلنة، للنشاطات والتصرفات، يتيح الحصر والضبط والتنظيم، نمذجةً أو قولبةً أو برمجةً. وعقلية العصر الرقمي تطلب منّا بناء أفراد لهم الإيمان الكامل بذواتهم، أحرار قادرين علی بناء مجتمع قوي قادر، أفراد لا يؤمنون بالإقصاء الذي يلازم كل فكر ضعيف أو متستر أو مداهن، ليستمد قوته من تهميش الآخرين.
الهدف من بناء الدولة الكوردستانية المستقلة، التي هي حقيقة وسلطة الواحد علی الآخر والتي نبنيه اليوم بجهودنا و عقولنا ليعترف بها الآخرون غداً، هو تحرير الأفراد و الحفاظ على أمنهم و تمكنهم من ممارسة حقوقهم الطبيعية ممارسة عقلية و حمايتهم من كل أشكال العنف و التسلط و تنمية قدراتهم الجسدية و الذهنية، شريطة عدم إلحاق الضرر بالآخرين. لنصرف الإنتباه إلى عالم ما تحت الوعي الكامن وراء الأعمال والأفكار والرغائب البشرية و لنعشق السلام و نناضل من أجله  ولنجعل القرن الحادي والعشرين فضاء للأمل والسلام والحياة الحرة الكريمة لشعوب كوردستان والمنطقة ولنخرج من قوقعتنا الفكرية و نهتم بكل ما يجري في هذا العالم من تغييرات و أحداث ونصنع حداثتنا و حقيقتنا من خلال خلقنا ما نتفرد به من التجارب التاريخية ونجدد أدواتنا في الفهم و التفكيك و نقتحم العالم بفكرنا الجديد. الفرد الكوردستاني قادر علی هذا، لأنه صاحب إرادة، عليه أن لا يهاب المجازفة، من غير ذلك يسهم الواحد في إنتهاك شعاراته و إعادة إنتاج مأزقه و خسارة قضايا والتواطؤ مع ضده، لإنتاج المساویء والتهم المتبادلة أو الدمار المتبادل. وختاماً: " إن الثورة العظيمة في حياة فرد واحد قادرة على تحويل مصير مجتمع بأسره، لا وبل على تغيير قدر البشرية جمعاء."
الدكتور سامان سوراني

110
الرئيس مسعود بارزاني  والدعوة الصادقة الی إنتهاج سياسة اللاعنف

من المعلوم بأن العنف يرجئ الإيجابية إلى زمن مجهول و يضيف إلى الخسارات خسارات جديدة و يقطع جسور السلام والمحبة و يخلق جدران الحقد والكراهية. الفيلسوف و المؤلف الشهير و مؤسس حركة الإيكولوجيا الأمريكي Henry David Thoreau (1817 - 1862)، الذي إستخدم فلسفة اللاعنف كمنهج لحياته، كونه يبني غايته عبر أنشطته ذاتها، كان أول من حرّض على العمل بأسلوب العصيان المدني، لإنتزاع الحقوق ورفض الظلم. وكان لأعماله و كتبه في اللاعنف أثر بليغ علی شخصيات معروفة أمثال الروائي العالمي الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي (1828-1910) و معجزة السلم الأسطوري موهانداس كرمشاند غاندي (1869-1948) و الخطيب التاريخي، قائد مناهضة التمييز العنصري مارتن لوثر كنج جونيور (1929-1968).
شهدت الآونة الأخيرة زيادة ملحوظة حول العالم في حركات اللاعنف، التي أثبتت بأنها إرادة الشعب وقوته في إستهداف تعزيز حقوق الإنسان و التحرر من أسر التاريخ و حتمياته و تفكيك الديكتاتوريات والأصوليات و الإطاحة بالأنظمة المستبدة الغاشمة. 
اللاعنف هو قديم قدم البشرية، لكنه السلاح الأقدر على بناء المجتمع المدني المتحضر، الذي تُحترم فيه إنسانية الانسان وتُحفظ كرامته وحقوقه من خلال اعتماد المسؤولين علی سياسة التفاهم والتواؤم والانسجام ومعالجة التناقضات عبر المنافذ التحاورية المتحضرة التي غالباً ما تضع الأمور في نصابها وتتعاطى مع الإشكالات بحكمة وروية وهدوء.
ومن الواضح بأن فتح ممكنات جديدة أمام العمل في سبيل حق شعب كوردستان العابر لحدود الإقليم و المستوعب لحراك المجتمع الكوردستاني و متغييرات العالم يحتاج الی فكر جديد تتغيّر معه المفاهيم والمواقف والممارسات. ففي الخطاب التاريخي الذي القاه الرئيس مسعود بارزاني باللغة الكوردية بتاريخ 2012.09.30 في المؤتمر الرابع لحزب العدالة والتنمية التركي، بحضور جمع غفير من أعضاء هذا الحزب الحاكم في تركيا و وأمام وفود أكثر من 90 دولة مشاركة، تم إستعراض الوضع الراهن في اقليم كوردستان وتأريخ العلاقة بين تركيا والاقليم ومختلف الشؤون المحلية والاقليمية والدولية.
لكن الذي نحن هنا بصدده، هو تأكيد سيادته علی أن اللاعنف هو الطريق الأمثل لإدارة المصالح العمومية بعقلية السياسي المحترف و للوصول الی اﻟﻬدف اﻟﻤﺒﺘﻐﯽ وإستعمال فن الحوار الهادیء كوسيلة للتواصل و منها نستنبط قناعته‌ التامة بسياسة اللاعنف، كأداة للوصول الی حل القضايا الكوردستانية مع الدول التي تحتل اليوم وللأسف أجزاء من أراضي كوردستان و تسلب من هذا الشعب الخالد الحقوق الشرعية في تقرير مصيره و تنكر بسبب التفكير بمنطق الضد و الإقصاء في بعض من مناطقه وجوده. هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات.
بديهي بأن العنف من صنع البشر و الرئيس مسعود بارزاني يؤكد بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء و لنا القدرة علی إعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة. ففلسفة السلم تحمل في طياتها السلام الظاهري وتری في تثبيت الديمقراطية الحقيقية طريق معبّد لضمان النفس والجماعة.
في عصر تشابك المصائر والمصالح وعولمة الحروب والهويات تثبت التجارب بأن من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق و يتمكن من أن يقرأ و يشخص لكي يركب الإمكانات و يجترح الوسائل لتحسين الأوضاع أو لحل المشكلات. فالأفكار الخصبة والتجارب الفذة والنماذج الناجحة في مكان ما، تغدو ملك البشرية جمعاء، أياً كان مصدرها، كما يشهد التفاعل بين الحضارات منذ أقدم الأزمنة، فلتنسج العلاقات في المنطقة بعقلية السلم والشراكة و لغة التسوية و ثقافة التعدد والتنوع، علی نحو يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل.
و السلم مرتبط بسعادة الجماعة الراهنة التي تبحث عن العيش في سلام، أما الحرب والعنف والتطرف فهي سلوك يعكس ضعف الإنسان في ضبط تعامله وانفعالاته و من الممكن أن تكون الحرب ضرورة حتمية لكنها تبقی حتمية محزنة تبرز ضعف ديناميكية الفكر الإنساني و قصور عقله.
علينا إذن بتبني سياسة اللاعنف للإنخراط في المناقشة العالمية، وللمساهمة بشكل بناء و مثمر في تطوير مفهوم الديمقراطية و فتح ممكنات جديدة أمام العمل الديمقراطي.
و ختاماً: فإن الديمقراطية تبقی دوماً رهناً لما نفكر فيه و نصنعه، فهي صيرورة مفهومها علی مستوی الفكر و ثمرة التجارب الفذة والغنية علی أرض الواقع البشري الملغم دوماً بالأهواء والمطامع أو بالجهل و النسيان أو بالخداع والأوهام ومن لا يتقدم يتراجع لا محالة ومن لا يتغير تهمشه المتغيرات أو تنتقم منه الوقائع.
الدكتور سامان سوراني


111
جرائم النظام البعثي في سوريا و سكوت الآلهة!