عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - لويس إقليمس

صفحات: [1]
1


ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2017

الجزء الثاني:
في فترة استعداد المكوّن الكردي للاستفتاء وما بعده، وجّه الشريك الكردي التشكياتِ واللّوم تجاه الحكومة المركزية متهما قيادتها الشيعية في بغداد بالتهميش. وبالرغم من ايماننا بعدم صحة مثل هذه الاتهامات جميعًا لاعتقادنا بتدليل القيادة الكردية ومحافظاتهم أكثر من سائر المحافظات، إلاّ أنّ ما ورد في بعضٍ منها من إشارات سلبية في سياق التكوين الوطنيّ، قد تكون أثرت في انفراط عقد تلك الشراكة في السنوات الأخيرة. ولستُ هنا بصدد التذكير بما كان قائمًا من تعهدات ومصالح ثنائية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب والمواطن بين الشريكين المتصارعين اليوم. ولكنّ الحقيقة والواقع، تضطرّ المواطن العاقل للاعتراف بما يُعدّ معقولاً ومقبولًا ضمن تلك الإشارات السلبية التي تركتها الحكومات الشيعية المتعاقبة لغاية 2014، ولاسيّما فيما يتعلّق بمحاولة أحزاب ومتنفذين من الشريك الشيعيّ الأساس، بتحويل البلاد إلى دولة دينية طائفية تستحوذ على الشارع وتسخّر جهود الدولة ومؤسساتها الهزيلة وجزء من ميزانيتها  للمناسبات الطائفية والدينية الخاصة على حساب المكوّنات الأخرى. وهذا يعدّه الكثير من المواطنين، وليس الكرد وحدهم، نوعًا من الاستفزاز والتفرّد في الشارع والسوق والدائرة. وبالرغم من تنامي الأفكار وتطوّر الرؤى وانقشاع الغيمة عن المضيّ بالتوجه الدينيّ المرفوض، إلاّ أنّ الحكومة والبرلمان والقضاء لم تتوفر فيهم الشجاعة الكافية لمغادرة هذه الفكرة إلى قطار اللاّعودة، بالرغم من الاعترافات الكثيرة بفشل التسويق الدينيّ، الصادرة في مناسبات عديدة من جانب الأحزاب الدينية والطائفية التي بدأت في الآونة الأخيرة بالتشظيّ والانقسام على بعضها وركوب الموجة المدنية التي حرّكها التيار المدنيّ في الشارع العراقي.
لقد كان من ضمن أبجديات حكومة العبادي، تشكيل حكومة "تكنوقراط"، ضمن رؤية التوجه نحو دولة مدنية تساوي بين جميع المواطنين، حكومة قادرة على مواجهة البلاد الغارقة في أزماتٍ عديدة لا حصرَ لها. وبالرغم من موافقة "ظاهرية"، أو بالأحرى موافقة "إعلامية ودعائية" مبطنة بنوايا مشكوكٍ فيها من جانب زعماء الكتل وأتباعهم من المنتفعين من نواب البرلمان، إلاّ أنّ تلك الرغبة من جانب رئيس الوزراء، سواءً كانت صادقة أو مراعية لصوت الشارع ظاهريًا، قد اصطدمت بصخرة الرفض من تحت الكواليس. وجرى ما جرى لإجهاضها ووأدها وهي في التكوين الرحمي. وفي الحقيقة، أنّ صفة التكنوقراط، بعيدة بعض الشيء في وصف الوزارة الحالية، إلاّ في حقائب معدودات يتسم وزراؤُها بالكفاءة التي تدعمُها الشهادة والخبرة معًا. أمّا مَن اعترض أو حاول إجهاض مشروع التكنوقراط، فجلُّهم من الأحزاب والكتل والنواب من غير ذوي الكفاءة والجدارة والأهلية في إيثار مصالحهم الفئوية الضيقة والحزبية والطائفية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب، بسبب أنّ مثل هذا التوجه نحو الكفاءات الوطنية العراقية، ومنها تلك المستقلّة بوجه خاصّ، كان سيضع حدّا لطموحاتهم الشخصية في التسلطّ على الحكم والمال، كما هو قائم حاليّا. فالمؤسسة التشريعية، بسبب بعض الدخلاء من المزوّرين والفاسدين ومن غير ذوي الخبرة والنهج الوطنيّ في التعامل مع السياسات العليا للبلاد، بقيت وماتزال عاجزة عن تمثيل الشعب، إلاّ بنشاطها ما قبل الانتخابات عبر الكمّ الهائل من الوعود والتعهدات التي تُقدّم للناخب المسكين الذي يصدّق كلّ شيء بسبب من هشاشة فكره وعوزِه وضعف توجهه الوطنيّ هو الآخر.
أمّا من حيث تعزيز مبدأ الديمقراطية الذي ينادي به الجميع دون إدراكٍ حقيقي لما يُرتكب من جرم وفساد وخرق باسم هذه المفردة الشائعة التي أضحت شعارًا فضفاضًا للمتسترين على فضائح الفساد وسوء الأداء وضعف الفعّالية في إحداث التغيير المرتقب في الدولة والمجتمع على السواء، كان لابدّ من سيادة مبدأ التوازن في السلطات على ما سواه من سيادة مبدأ المصالح والامتيازات التي أخرجت النظام الديمقراطي عن سكّته المخطَّط لها، كما هو قائم في الدول التي مرّت بتجارب مماثلة واستطاعت اجتياز المحرَّمات التي ماتزال تعشعشُ في معظم الأنظمة العربية، ومنها بلادنا. من هنا، وبسبب سطوة أحزاب السلطة التي ماتزالُ تضع يدَها على كلّ مفاصل الدولة الغارقة في مشاكل لا حصر لها، اعتمادًا على أساس النهج المحاصصي المقيت الذي أغرق البلاد والعباد في دوّامة الفوضى الخلاّقة، كان لابدّ أن يدرك الساسة أن مسألة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تُعدّ من أركان الديمقراطية التي ينشدها جميع المؤمنين بمبدأ الحساب والعقاب من دون تهاون أو تمييز أو امتياز، وكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي ينبغي أن يكون فيه وفقًا لجدارته بعد أن يتمتع الجميع بالفرصة المتاحة للمكان المؤهَّل لكلّ فرد وكلّ مواطن.
إنّ مسألة تداخل السلطات وفرض الإرادات وإجازة القوانين والتعليمات تبعًا للجهة الأقوى، تُعدّ كارثة في بناء أية دولة لا تقيمُ قدرًا للديمقراطية ولحرية الفرد وكفاءة الأشخاص. وهذا دليلٌ إضافيّ آخر على الفوضى وخلط الأوراق بين شركاء العملية السياسية الذين يقيمون في وادٍ ويعيشون في أبراجٍ عاجية، وبين الشعب الذي يقيم بعيدًا عنهم ويعيش في وادٍ آخر مليء بالدموع والكوارث والأحزان ويقوم على الوعود العرقوبية. وهنا، ليسَ مَن يُلام على هذه الإشكالية، هم المسؤولون في السلطات الثلاث وأحزاب السلطة فحسب، بل الشعبُ أيضًا بسبب من سذاجة شرائح واسعة في صفوفه وهشاشة أفكارهم وتبعيتهم واعتيادهم السير وراء الجلاّد من دون مراجعة ولا تفكير ولا تحليل ولا تمييز للأسباب والنتائج والمؤهلات والظروف.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة والمدنية، العلمانية المستقلّة منها على وجه الخصوص، برفع صوتها بالتحذير من الوقوع مجدّدًا، في حبائل وفخاخ ذات الجهات التي أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وتطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بفضل سوء أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، بسبب قيظ الصيف الشديد الحرارة وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر. فهناك دومًا مَن يشعر أنَّ أوراقَه قد احترقت، لذا يلجأُ إلى إيجاد بدائل أو إثارة مشكلات من أجل الحفاظ على الكرسي والسلطة والثروة التي يخشى فقدانَها مع كلّ صحوة جديدة، ولو ضعيفة، للشعب والمجتمع.
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي لانفلات الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة والمشاركة والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة. هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية اليوم بعد الاستفتاء الكردي على تقرير المصير، أشبه بزلزال هزّ وحدة البلاد وشعبها المتنوع الأديان والأعراق والتراث والحضارات. وإن كان هذا قرارُهم الأخير، فليكن هادئًا ومن غير تجاوز على حقوق غيرهم وفرض الأمر الواقع باستقطاع مناطق وأراضٍ لا تمتّ بصلة إلى جغرافية الإقليم التاريخية. فهذا خرقٌ فاضحٌ للوطن والمواطنة، لا يمكن القبول به، حتى لو كانت الحكومة الحالية تعاني وضعًا ضعيفًا لا تُحسدُ عليه بسبب تفاقم أزماتها وانشغالها بمقارعة أعتى عدوّ للإنسانية، كان للكرد دورٌ في تغلغله في المناطق التي كانت تسيطرُ عليها قوات الإقليم. وهذا ما يترتب على الطرفين زيادة الحوار الهادئ والانصياع للمصلحة العليا لكلا المكوّنين من دون الإساءة لسائر المكوّنات التي تأثرت بهذا الصراع الذي يُعدّ عائقًا لتقدم البلاد وفرصة لقيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية. ونحن نعتقد أنّ زيادة الشحن بين الكتل السياسية المتصارعة مع اقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي القادم في 2018، وبروز بوادر انفصال الإقليم الكردي بعد إصرار قيادتهم على إجراء الاستفتاء، كانت من الأسباب التي أبرزت تشكيل هذه الكانتونات والجماعات المسلحة خارج التشكيلة الأمنية الوطنية.فكانت لهذه ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها وتجد طريقَها بين فترة وأخرى. 
لعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة من أزماتها العديدة هذه، وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبار دوليّ صحيح، تكمن بتحقيق حزم إصلاحية كثيرة وأساسية في عدة اتجاهات، من شأنها تعزيز نهج السيادة الوطنية على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سيادية مدنية وسياسية واضحة المعالم مستندة على شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أن لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة، وهي في الغالب غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية ووضع الأشخاص المناسبين من "النخب" وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. والدليل على وجود تخبّط في هذه جميعًا، الفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا.
وسيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، قائمًا حتى تحقيق قدرٍ من الاستقرار في كلّ مفاصل الحياة. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلى في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي التنمية المستدامة وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق الذي فقدَ جلَّ مؤسساته البنيوية وهيبتَه الوطينة، بسبب الفساد والمفسدين والسكوت عن الأخطاء والتجاوزات والسرقات ونهب المال العام، بسبب نهج المحاصصة المقيت.


2
ما بعد الاستفتاء، عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيلول 2017
الجزء الأول:
نال موضوع الإصلاح في الدولة والحكومة بالعراق، قدرًا من التفاعل الرسميّ والمجتمعيّ وإبداء الرأي في الشارع العراقي، مذ تولّي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي رئاسة الحقيبة الوزارية من سلفه الذي لم يصن أمانة الحفاظ على سلامة الأرض والعرض والثروة الوطنية، بل أشعل فتيل الفتنة الطائفية وقاد البلاد إلى شفير الإفلاس والتناحر والتمزّق، وأطاح بأي أملٍ بانتقال البلاد من الفوضى الخلاّقة إلى دارة الدولة المدنية المنشودة من معظم أبناء الوطن الجريح.
 فالمشروعُ الإسلاميّ المشبوه الذي مازال زعيم حزب الدعوة يسعى لتسويقه ضمن برنامجه ليضمن سطوتَه على مقدّرات البلاد، لا يمكن أن يُكتب له النجاح ويجد النور، لأسباب كثيرة وواقعية، منها ما يمسّ ذهنية المواطن العراقي وتطلعاته المدنية المنفتحة على العالم، وأخرى ترجع إلى طبيعة الأرض التي احتضنت حضاراتٍ وشعوبًا وأديانًا متعددة لها تاريخُها وتراثُه وصفحاتُها المشرقة الخالدة في حياة شعوب المنطقة والبلاد على السواء. فهذا المشروع، علاوة على شبهات ارتباطه بدولة الجارة إيران، والذي يتطلع فيه إل تقليدها في مبدأ ولاية الفقيه التي لا تنسجمُ مع ما هو قائم تقليديًا وحضاريًا واجتماعيًا من تعددية في الأديان والأعراق والمذاهب والأجناس، سيكون طعنة مثخنة في خاصرة التوّاقين لرؤية العراق بلدًا مدنيًا متطوّرًا ومتحضّرًا، ليعود إلى حاضنة المجتمع الدولي معافى من أدران الماضي المعفّر بالدم والكراهية والطائفية والحقد والخصام والتمزّق والدكتاتورية المتوارثة عبر الأجيال لدى شعوب المنطقة، ومنها بخاصة الدول الإسلامية على وجه التحديد. من هنا كان الاتفاق على ضرورة استبدال المالكي بعنصرٍ من كتلته ومن حزبه ظاهريًا، كي يقوم بما عليه في ساحة الإصلاح من أجل نقل البلاد وأهلها إلى واحة مختلفة ترفل بالأمن والسلام والرفاهية وإجراء مصالحة مجتمعية لإصلاح ما تمّ التفريط به على عهد سلفه. 
عملية الإصلاح، أيًا كانت بداياتُها أو غاياتُها، لا تخلو البتة من مغامرات وهواجس واختلاجات وإرهاصات على الصعيد الشخصيّ للأفراد، وكذا على صعيد المجتمعات كمكوّنات جامعة ومنضوية تحت لواء دولة موحدة الأطراف والمكوّنات وذات سيادة، على السواء. والعراق كان في غابر السنين ضمن مثل هذه المواصفات التي تحققت وتكوّنت منها هوية أية دولة لها شأن في التاريخ البشري. فبلادُ وادي الرافدين، بتاريخها الموغل في القِدَم والحضارة البشرية، تشهد لها آثارُها وتركتُها الثقافية الغزيرة والسِيَر المأثورة لعلمائها ومفكريها ومثقفيها وما تركه هؤلاء للأجيال. وهذه العملية، لا تتحدّد بهدف معيّن أو شأنٍ محدّد دون غيره، إذا أُريد لها أن تكون شاملة بمفرداتها ومعطياتها وبنودها التي تغطّي سائر مكامن الحياة وشؤون البلاد والعباد. 
بدءًا، يأتي إصلاح النظام السياسي والاقتصادي على رأس الأولويات، لأنه يحفظ للبلد سيادتَه وتحكّمَه بشؤون مقدراته الأمنية، الداخلية والخارجية التي تجعلُ منه قوة تتحكم بمصادر القرار، وتمنحه مَنَعةً وتحصينًا إزاء أية محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار فيه أو تلك التي تسعى لإبقائه رهينة بيد القوة التي تصرف عليه وتوجه أداءَه الداخلي والخارجي وسياستَه السيادية وفقًا لأجنداتها ومصالحها في استهلاك أيّ شيء وكلّ شيء. ومن المهمّ بمكان، الاستفادة من الدروس السابقة والاسترشاد بالخبرات المتراكمة حول نوع النظام الأصلح لسياسة أية بلد، بالوقوف على شكل النظام السياسيّ الذي ينفع ويأتي بالسعادة والاستقرار والرفاهة للمواطنين بغضّ النظر عن تلاوينهم وتشكيلاتهم وخلفياتهم الدينية والعرقية والمذهبية والثقافية والاجتماعية. فهناك النظام البرلماني الذي يُؤمّن نوعًا من الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والتنقل، هذا من حيث المبدأ لا الواقع. وهناك النظام الرئاسيّ، الذي في حالة استغلالِه من قبل هرم السلطة بتحويله إلى أداة لحكم العائلة بالتوريث والقرابة والمحسوبية والمنسوبية، يتحول إلى كابوسٍ لكمّ الأفواه وزجّ الأحرار في الغياهب وقتل أية بادرة للتعبير عن الرأي والحرية في اتخاذ الخيارات الشخصية والاجتماعية وتقرير وسائل العيش الحرّ الكريم. وهذا التوصيف الأخير تعمل به غالبية دول المنطقة، والإسلامية منها بصورة خاصة. ولدينا من أشكال هذا النظام، الكثيرُ من الأمثلة والدروس السلبية، إلاّ في حالة واحدة قد تنفع، وهي أن يكون مثل هذا الحاكم عادلاً بحكمة سليمان الملك وشديدًا بحدّة حمورابي صاحب المسلّة وأول قانون نظاميّ يُطبَّق على الجميع. وهذا من النادر إيجادُه والعثور عليه. فهذا الصنو من الحاكم "الدكتاتور العادل"، سيكون قادرًا على إحلال الطمأنينة في قلب المواطن وفي إرضائِه من حيث حقوقه في التساوي بالمواطنة وتحقيق العدالة وفقًا للدستور الناضج الذي ينبغي أن يتولى كتابتَه ووضعَه أصحابُ الاختصاص وفيه تُرسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية لتنسجم مع طموحات عامة الشعب بجميع مكوّناته، حينما يُكتب بنَفَس مدنيّ حافظ لحقوق الجميع.   
أمّا لماذا فشل النظام البرلمانيّ في العراق، وهو الذي من وظيفته من حيث المبدأ إتاحة فسحة أوسع للحريات العامة، فهو لكون الدستور الذي وضعه مَن أتوا على ظهر الدبابات الغازية أو بدعمٍ من إدارتهم لاحقًا، لم يكن عقدًا وطنيًا ومجتمعيًا متكاملاً بسبب وجود ثغرات عديدة في بنوده وتضمينه ألغامًا كثيرة وتسييسه لجانب فئة على حساب العامة من سائر الشعب. وكذلك باعتماده على مبدأ المحاصصة والسماح للزعامات أو بالأحرى لمافيات الزعامات السياسية لاستغلال هذه وتلك في مسألة انتهاب ثروات البلاد واقتسام موارد الدولة والمناصب الرسمية والحكومية ووضع أيديهم على فعاليات السوق الوطنية التي همّشت دور النخب وأهملت دور القطاع الخاص في بناء دعامات اقتصاد البلاد، وهو الأجدر بقيادة وإدارة هذا الأخير والأكثر نزاهة في توجيه السياسات التجارية والاقتصادية وتطويرها نحو الأفضل.
يُضاف إلى كلّ هذا وغيره، العمل بمبدأ المساومات، وعقد الصفقات، وأشكال الابتزاز، والغض ن التجاوزات على مصالح الوطن العليا، وتفضيل المنافع الضيقة في اتخاذ القرارات وصيانة أمن الدولة، وسنّ القوانين بصيغة التوافق غير المجدية والبعيدة عن رؤية المواطنة والطنية التي خلا منها غالبية السياسيين القائمين على الحكم، إلاّ من استثناءات قليلة جدًا. وهذا ما قاد البلاد إلى كوارث ومشاكل لا حصرَ لها، ومنها ما حصل مؤخرًا من زلزالٍ هزّ الضمير العراقي لكلّ مَن له ضميرٌ وطني أصيلٌ. فإصرار الكورد على الانفصال الذي كانت رئاستُهم الدكتاتورية وحزبُهم القائد تهدّد به في مناسبة أو بدونها استغلالاً للفرص من أجل كسب المزيدٍ من المكاسب والمنافع في صفقات ابتزاز مشبوهة وغير وطنية، هو من صلب ما كان يتخوّف منه المواطن الملتصق بالأرض والمؤمن بسيادة الوطن وصيانة وحدة أراضيه والحفاظ على حدوده. وهكذا عندما سنحت الفرصة للأكراد وانتهت سنوات الاستغلال والحلب المتنامي للثروات ولميزانية الدولة الذي لم يكفّ ولم يتوقف، تعالت أصواتُ الإصرار على الاستفتاء، بالرغم مما حصل عليه طيلة السنوات المنصرمة منذ الغزو الأمريكي في 2003، من قسط وافرٍ من الامتيازات والرفاهة أكثر من سائر المحافظات في البلاد. أمّا حجتُهم في ذلك، فلم تكن مقنعة أو حاضرة، ذلك أنَّ سمةَ التهميش، لمْ تكنْ قطّ مبرّرًا كافيًا للاقناع والإيمان بصحته. فالحقيقة الصارخة، أنّ القيادة الكردية في أربيل، كانت ناوية لتنفيذ مشروع الانفصال في أية لحظة. وتلك حقيقة لا تحتاج إلى تمحيص وتحليل وسؤال. أي أنّ مشروع الاستفتاء وبعده الانفصال الناجز لاحقًا، كان ضمن الرؤى والنوايا الدفينة.       
الآن وقد حصل الاستفتاء فعلاً، بالرغم ممّا شابه من خروقات ومن وسائل لإجبار النازحين بالتوصيت وتهديد المستفيدين من الامتيازات بقطع الأرزاق والمكرمات، وبالرغم من الاعتراضات الكثيرة داخليًا وخارجيًا، وبعكس الصرخات الخائبة التي لا فائدة منها، شرع شركاءُ الأمس وحلفاءُ الكورد بالبكاء والعويل لحدّ اللطم وإعلان الحداد الذي لا فائدة منه بعد. ومن المؤسف، أنَّ التحالفات السابقة بين القوائم الشيعية الكبيرة والكتلة الكردية، جاءت نتيجتُها لغير صالح الوطن والمواطن العربي والكردي وسائر المكونات الأخرى على السواء. ذلك أنَّ تمزيق النسيج الوطني العراقي، يعني التوجه نحو خرابٍ قادم مجهول النوع والكمّ إلى جانب ما قد يخلقه من مطامع من دول إقليمية وخارجية وقوى طاغية أخرى تراقصت لشقّ اللحمة الفسيفسائية التي كانت لها نكهتُها الخاصة التي يقلّ نظيرُها في أيّ بلدٍ آخر. بل هناك مَن يدفع اليوم أيضًا، باتجاه بقاء الشعب بائسًا خائبًا يهرول في كلّ مناسبة دينية لإدامة تقاليد البكاء واللطم، وسط تشجيع من قادة الأحزاب الدينية التي ترى في مثل هذه الممارسات غير الحضارية إبقاء سطوتها على الشعب البائس الذي يصرُّ على التمسّك بسوط جلاّده أملاً بكسب ما يُملى عليهم في هذه المناسبات من تخريفات وحكايات غاية في الخيال مهملين حصةَ الوطن ومصالحَه العليا وتقدّمَه وتطوير أدواته وصيانة سيادته ضمن دولة مدنية متحضّرة لا تقبل بسطوة الثيوقراط على مقاليدها وأفكارها وحريتها.
 مثل هذا الفشل في صيانة الحق الطبيعي للفرد والوطن بسبب تراكم الخروقات والأخطاء، يعني الحاجة لتأكيد النزوع إلى نظام بديلٍ ونزيه ومتطور يحفظ توازن المصالح العليا للبلاد وليس فرض منافع لسلطات حاكمة ومافيات متنفذة ليس بإمكان الحكومة الضعيفة الحالية محاسبة الفاسدين والمفسدين منهم، بسبب ضعف الأداء العدلي والقضائي والجهات الأمنية التنفيذية التي يُفترض توليها حماية البلاد وثرواتها وسيادتها، والحرص على صيانة أمن المواطن على السواء.
في ضوء هذا التوجّه نحو إصلاح الدولة، حكومةً ومؤسسات وأفراد، هناك حاجة ملحة قبل كلّ شيء، لمراجعة دستورية جذرية، بعد هذا الزلزال الكبير. كما ينبغي إعادة التفكير في هذه الفترة الحرجة بإصلاح النظام الانتخابي الذي يمثل إحدى حلقات الفساد عبر التحكّم بطبيعة القانون الانتخابيّ وإخراجه عن الشفافية في طريقة الترشّح وأدواته وشروطه، بموجب الاتفاق التوفيقي على نسخته الأخيرة. فهناك، مَن يسعى دومًا لفرض الذات وأجندة الحزب والكتلة والجهة التي تسند وتدعم وتقدّم المرشَّح "ممثلَ الشعب" المفترض، وتوجهه في حالة الفوز بمقعد برلماني، بالطريقة التي تحفظ عادة مصالح الأحزاب الكبرى ذات الأغلبية، والمتنفذة دومًا في العملية السياسية. فالقانون الانتخابي مازال غير قادرٍ على إتاحة الفرصة لجميع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات والترشح، بسبب غلبة الأحزاب المتسلطة والمتنفذة التي ماتزال تتخاصم وتهدّد وتفرض أدواتها القسرية بصياغة القانون الانتخابي وفق مصالحها، كلّما سعت جهاتٌ وطنية مهمّشة لإجراء تعديلات عليه كي تُتاح فيه الفرصة لمشاركة أوسع، لاسيّما من أوساطٍ مستقلّة ذات توجهات وطنية ومدنية أو من جانب مكوّنات ترى نفسَها خارج العملية السياسية بسببٍ من قلّة أعدادها. وهذا ما يجري حاليًا، حيث هيمنت الكتل والأحزاب الكبيرة فارضة شروطَها في تشريع القانون الانتخابي بنسخته الأخيرة، بالرغم من اعتراض الكثير من الكتل والأحزاب الصغيرة التي ترى نفسَها مغبونة في حقوقها الانتخابية. فقانون سانت ليغو الحالي، سواء بنسخته1,9   أو 1,7 ، لا يلبي طموحات المستقلّين والأحزاب الصغيرة التي تمثلها الأقليات. وما تطالبُ به هذه الأخيرة يقارب المنطق والحق في التعامل العادل والمتساوي بين كافة المواطنين، وبما يتيح لإجراء توازن وفق المصلحة العليا للوطن وبالاستناد إلى مبدأ المواطنة المتساوية للجميع التي تتيح الحق للجميع من دون استثناءات أو امتيازات لفئة دون أخرى.






3
الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2017
يخشى الكثيرون ممّا يجري على الساحة السياسية العراقية من مناورات وتغييرات واتفاقات جديدة وتشظيات لأحزاب وكتل، من أن تتحول كل ّ هذه التحرّكات إلى هاجس يقضّ مضاجع أصحاب الفكر المتلوّع منذ سنين بفعل أجندات الأحزاب الطائفية والإسلامية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع وعدم تلبيتها لطموحات العامّة من الشعب الذي أولاهم الثقة مرّة تلو الأخرى. ومع اقترابنا من موعد استحقاق انتخابيّ وشيك، إنْ سارت الأمور بحسب المخطَّط له، تلوح في الأفق تساؤلات كثيرة ومبرّرة تقتضيهاماجريات المرحلة وخطورة الوضع الساخن والشدّ القائم بين الزعامات ومراجعها، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا إضافة إلى اتساع حيّز الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتقاطعهامع طموحات إقليم كردستان الذي زاد من مكابرته بتهديداته المتواصلة بالانفصال وتقريره إجراء الاستفتاء في مناطق خارج حدوده، وذلك باستخدام سياسة ليّ العنق وفرض الأمر الواقع على مناطق محرّرة لم تكن يومًا جزءًا من المنطقة الكردية المتنامية على حساب المركز، مستغلاً انشغال الدولة وتشكيلاتها الأمنية بتطهير البلاد والأرض والإنسان من خوارجالعصرالمتمثلة بروافض داعش الإرهابي.
إذن، مع تزايد حدّة التوترات بين شركاء العملية السياسية عمومًا، ومنها ما ضربَ أوساط أحزابهم التي نخرتها التحزّبات والخلافات والانقسامات، يبدو المشهد السياسيّ أمام خيارات صعبة، وبسببها وعلى ضوئها تسعى بعض الزعامات التقليدية التي لبست عباءة الدين في بداية مشوارها، للهرولة للحاقبالتيار المدنيّ الذي غزا الشارع العراقي بفعل نشاطه وحراكه الشعبوي والجماهيري، لعلّهم بذلك يسترجعون نزرًا من تعاطف الشعب الذي منح حراكَ هذا التيار العفوي ثقته بعبور محنة الفشل نحو بصيصٍ من برّ الأمان. وسواءً التحق بعضٌ من هؤلاء المتسارعين الفاشلين، نحو القاعدة الشعبية التي التحقت منذ حينبحراك التيار المدني-العلمانيّ وسارت وفق منهاج مخطَّط له بخطى ثابتة، أم اتخذوا لهم خطوطًا ومسارات جانبية محاذية لهذا التيار، فإنهم بهذه الحركة الذكية يكونون قد أدركوا أنّ الشعب قد أصدرَ حكمه على فشلهم وعلى خيبة أمله من سلوكياتهم ومن لهاثهم وراء مصالحهم الضيقة، أيًا كان عنوانُها.فشعار"باسم الدّين باقونا الحرامية"، الذي رفعته جماهير هذا الحراك، ما يزال يرنّ في آذانالشعب ويقضّ مضاجع المعنيّين به. ومن ثمّ، فأيةُ محاولة في هذا الاتجاه لثني الشعب عن مطلبه بضرورة التوجه نحو دولة مدنية متحضّرة سوف لَن يُكتب لها النجاح، حتى لو تخلّى أمثال هؤلاء عن عباءة الدين والطائفة والمذهب والعرق، وانتفضوا أو انقلبوا ضدّ مشاريع أحزابهم الدينية والطائفية والعرقية أو غيّروا من الشعار والهدف والتسميات. والسبب بسيط، لأنّ مثل هذه الألاعيب قد أصبحت مكشوفة، ولا يمكن للبيب أنْ يُلدغ من جحره مرتين. فجزءٌ من الشعب الذي فعلها أكثر من مرة ويريد تكرارها، لا سمح الله، إنّما لأنّه سيبقى مجموعة بائسة و"حفنةً" هشّةمن التوابع بلا غيرة وطنية ولا شعور بالمواطنة الحقيقية أو بالانتماء الأصيل إلى الأرض والوطن.
من هنا، يأتي دور النخبة الواعية في هذا التيار، بعد إجادة دراسة الأسباب والمبرّرات وإحاطتها بطموحات الشعب وطلباته. وهذا ما أتت به ضمن برامجها واستراتيجيتها الملهمة بعد دراسة كلّ هذا وذاك، حيث لم تأتي من فراغ، بل من قدرات وطاقات مفعمة بحب الوطن ومترعة بالفكر النيّر والرؤية الوطنية الواضحةالتي تسعى لتوجيه الدولة نحو بناء ديمقراطي مؤسساتي بكلّ مفاصلها وفق المتغيرات الجيوسياسية والتحولات المادية المتعاقبة وليس الانكفاء على عقيدة أو مذهب أو أيديولوجيا غريبة عن الواقع أو عفا عليها الزمن. ومن ثمّ ينبغي مواصلة المسيرة الظافرة حتى بلوغ المأرب وتحقيق الهدف.
عندما انبرى التيار المدني، "الوطني" في وصفه أكثر من غيره، بسبب رفضه للنهج الدّيني والطائفيّ والمذهبيّالضيّق الذي سلكته أحزاب السلطة واستقوت به سلطة بعض الأحزاب، لاسيّما المحسوبة على تيار الإسلام السياسي وأصحاب المشروع الإسلامي، أقامت هذه الأخيرة الدنيا ولمْ تقعدها، متهمة أتباع التمدّن والتحضّر بالخروج عن نهج تعاليم الدين السمح، وبمحاولة علمنة الدولة وسلطتها، وبإبعاد الحكومة وأساطينها عن تطبيق شريعة الله في الأرض بالطريقة التي يريدها هؤلاء، أو بعض هؤلاء. ومع مرور الأيام، استطاع هذا التيار "الوطني" النشط أن يستقطب الجمهور ويكسب شرائح محسوبة على أتباع السلطة، أو بالأحرى بعضًا من المكوّنات الحزبية المنخرطة في العملية السياسية، ومنها بما لا يقبل الشكّ تيار الأحرار الذي لقي دعمًا ومشاركة من زعيمه الجريء، شريطة بقائه أمينًا للغاية المرجوّة من التحاقه به، ورهنَ مواصلة المشوار مع باقي التنسيقيات المثابرة من دون العبث بالهدف الأسمى الذي يرنو إليه أصحاب الرؤية الوطنية الصادقة.
مثل هذا النجاح المحسوب للتيار المدني "الوطني"، إنْ دلّ على شيء، إنّما يندرج ضمن المكاسب والمآثر التي استحقها الناشطون فيه، بعد إفلاحه بكسب ودّ الشارع الثائر الغاضب المتلوّع، وقد انتخى له متطوّعون وعفويّون اكتووا بنيران أحزاب السلطة الفاشلة، مثل سائر أبناء الشعب الذي مازال يتحمّل وطأة أخطاء السلطات المتعاقبة ويرزح تحت ثقل فسادها وفشلها. من هنا، كانت مساهمة هذا التيار في كشف المستور من فساد السلطة عبر إدامة تظاهرات الجمعة المطالبة بالإصلاح وبالخدمات وبمحاسبة الفسادين الذين مازالوا أحرارًا يديرون امبراطوريات مالية ومشاريع وهمية وسرقات تثقل كاهل ميزانية الدولة، سواءً بمرتباتهم الخيالية أو بالمكارم التقاعدية أم بوضع اليد على تخصيصاتالوزارات التي تُقيّدُ للجهة التي تتولى تسييرَ دفتها وإحكامَ سطوتها عليها.
كلنا نعلم، أنّه لولا تراخي أصحاب السلطة والصراعات المتواصلة المتصلة بالعملية السياسية وبين أحزاب السلطة، لما سقط أكثر من ثلث مساحة البلاد بيد حفنة من العصابات الإجرامية التي لا وطنَ لها. ألمْ تضطرّ الحكومة الحالية تحت تزايد الكثير من هذه الضغوط، لإنقاذ البلد وأهله من مصيبة كادت تنهي حضارة وادي الرافدين ويُقرأ السلام عليه وعلى أهله لفترة غير محسوبة من الزمن؟ إنّ التعجيلبتحرير الأرض، التي تسبّبَت بها زعامات في الحكومة السابقة بتلكؤِّها عنأداء واجبها الوطني، قد قطع الطريق أمام تحقيق حلم عصابات العصر المجنونة بفكرها المتخلّف والمهووسة بأدواتها الجرمية البشعة، لإلغاء حضارة وادي الرافدين وشطب اسم العراق من الخارطة. فما حصل، كان ناجمًا عن صراعات طائفية ومذهبية وفئوية وأحيانًا فردية وشخصية بين أطراف تتشارك الحكم والسلطة والمال. وإزاء ذلك،فقدَ المواطنُتوازنَه ولم يعد يدرك إنْ كانت هذه الأطراف تحكم بحكم الشراكة والتوافق والاتفاق، أمْ إنها تسلك خطّ المعارضة بالاعتراض على كلّ شيء يصدر أو يبدر أو يُنجز من جانب حفنة السلطة، دولة وحكومةً وقضاءً. من هنا، يكون أتباع هذا التيار "الوطني" قدأجادوا الحكمَ لصالح توجيه كل أنشطتهمباتجاه بناء دولة مدنية متحضّرة تساوي بين مواطنيها وتحكم بالعدل ويسودُها دستور متطوّر يتناسب مع تقدّم العصر وتنوّع الفكر، وكذا بتحدّي أية محاولة لشقّ وحدة الأرض وتمزيق أواصر الشعب ومنع تقدّم المواطن أيًا كان،ومن دون تمييز.
ليسَ من السهل إحداث تغيير في ثقافة شعبٍ صادرتْ أحزابُ الإسلام السياسيّ إرادتَه بالطريقة التي عرفناها، وما تزال هذه وموالوها،يبتكرون غيرها من أجل ترويضه وإبقائه أسيرًا لأجنداتها وضمن قفصها العاجيّ بسبب ما أتى ذلك من ثمارٍ مادية وسلطوية على زعاماتها وأفرادها ومَن يقف وراءَهم داعمًا ومشجّعًا ومهدّدًا في أحيانٍ كثيرة. ف"مَن شبَّ على شيء، شابَ عليه". لكنّ روح المثابرة التي اتسم أتباع هذا التيار ومَن التحق به لاحقًا ومازال، كانت خيرَ محفّزٍ للمضيّ قدمًا، مهما كانت الصعاب وبلغت وطأة الاعتراض ولغة التهديد وأدوات التعسّف التي رافقت تظاهرات أيام "الجمعة" التي أصبحت تقليدية، من أجل نشر الوعي الثقافي والدعوة للدولة المدنية التي أضحت ضرورة بعدما شكّلت هاجسًا يتخوّف منه أصحاب المقدرة لدى الزعامات وفي صفوف السلطة التي روّضت القضاء وجعلتْ منه أداة لتأييد توجهاتها المنحرفة. ولو أنّ سلطة القضاء كانت على استقلالية في نهجها، لما استطاع مَن يمسك بزمام السلطة وبأبوابها الاقتصادية ونوافذها المالية أن يظلّ خارج دائرة المساءلة والأحكام العادلة. وهذا واحدٌ من أسباب عدم حصول تقدّم في الوضع المزريّ القائم منذ الغزو الأمريكي في 2003، بعدما خبرنا حكمًا دكتاتوريًا عائليًا دام أكثر من ثلاثة عقود، ولم نتعلّم الدرس. فالفاسدون والمفسدون في الوطن مازالوا أحرارًا طلقاء يتخوّف القضاء من ملاحقتهم ومحاسبتهم.
في الاستحقاق القادم، قد تبدو الطموحات بتحقيق شيءٍ من جزئيات الدولة المدنية، بمثابة ضوء آخر يلمع في أفق المستقبل. وهذا بحدّ ذاته بعضٌ من نجاح يُحسبُ لصالح النشطاء في التيار المدنيّ المتنامي الذي ينطلق ويتحرّك وفق رؤية سياسية واضحة، واسعة، إيجابية في التخطيط والمتابعة والتنسيق. فقد سئم العراقيون وعود الساسة الذين صادروا كلّ شيء، حتى إرادة الناخب وطموحاته في العيش الآمن وتحقيق السلام وراحة البال وبناء ما دمّرته الحروب والنزاعات والخصومات. وهم اليوم، أمام انتصارٍ ثانٍ، إن استطاعوا تحقيقه برفض كلّ فاشلٍ وفاسدٍ وكاذبٍ من الساسة الذين لعبوا بمقدّرات البلاد والعباد وأهانوا الإرادة وخانوا الأمانة، فسيثبتون حقًا أنهم أحفاد حضارات وسليلو أمجاد وبناة بلدان. ولكنْ، إنْ حصل وأعاد هؤلاء الساسة الفاشلون، المفسدون منهم والفاسدون، أو بعضٌ منهم، ذاتَ الدعاية الانتخابية وأفلحوا باستمالة شرائح من الناخبين البسطاء إلى صفوفهم ثانية بأية وسيلة قدرية أو دينية أو أية إرادة قهرية أو ترغيبية، فإنّ الدور الأكبر سيقع على المثقف وصاحب النهج الوطنيّ وحامل الفكر الإنسانيّ الناضج الذي لا يرضى بالظلم ولا يقبل بالوسائل القسرية مهما تنوعت وتشعبت وامتدت. فدور هذه الفعّاليات الثقافية والتنويرية مهمّ في إدامة تنوير العامّة التي يسهل اختراق إرادتها بفعل المغريات على تنوعها، مادية كانت أم بشكل وعود أو على أطباق دينية أو أوتارٍ مذهبية أو دفوفٍ فئوية. فهذه الأخيرة، أي الأحزاب المتجلببة بعباءة الدّين والعرق والمذهب، قد أثبتت الأيام، أنها غير قادرة على بناء وطن موحد جامع لكلّ المواطنين باختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، ولا أن ترسي سلامًا، ولا أن تخلق واحة للأمن وطمأنينة البال وراحة الفكر، بسبب نهجها الطائفي وسلوكياتها في الفساد المستشري في عظام زعاماتها ومَن والاها وناصرها وركبَ مشاريعها الطائفية والفئوية.
إزاء ذلك، ينبغي أن يأخذ هذا التيار ضمن استراتيجيته المستقبلية ودعواته للإصلاح بشيء من الأولوية، تأييد إجراء مراجعة شاملة للدستور ولبعض القوانين المجحفة التي تمّت المساومة عليها بالتوافق، بالرغم من فداحة مضارها وتأثير تطبيقاتها على شرائح واسعة مهمّشة في المجتمع العراقي ومنها تلك القليلة العدد، بسبب من تعالي بعض الزعامات وأحزاب السلطة على هذه الأخيرة وعدّها ثانوية، وعلى هامش الأغلبية الحاكمة. وإنْ كان فات أمرُ تفعيل بعض البنود التي أقرّها الدستور الأعرج الذي كُتب بنهج محاصصة طائفية تؤمّنُ حصص المشاركة في الحكم على أساس مكوّنات طائفية وإتنية، فلا بدّ من الضغط أيضًا قبل التوجه للاستحقاق الانتخابي القادم، باتجاه إعادة مطالبة النظر بهذا الدستور منذ الآن، وتكليف فقهاء ومتخصّصين في القانون لإعادة النظر في الكثير من بنوده التي خلت من سمة المواطنة والوطنية، ومالت أكثر لسياسة التحاصص على حساب المصلحة العليا للوطن ووحدة الأرض وبناء الإنسان وبيته وحفظ ممتلكاته وصيانة فكره وتأمين حرية الاعتقاد لديه.
هنا، لا بدّ من التذكير أيضًا، بضعف دور الجهة التشريعية التي لمْ تأمنْ من نخرها بالفساد وابتعاد ممثلي الشعب عن صيانة عهودهم لناخبيهم واللهاث وراء منافعهم الخاصة عبر مساومات وتشكيل صفقات مشبوهة بالضدّ من إرادة ناخبيهم. ونظرًا لضعف الرقابة على هذه الجهة، ولما يدور في الكواليس في مثل هذه الصفقات والمساومات، حبذا، لو زاد هذا التيار "الوطني" كذلك، من فعّالياته نحو المطالبة بإقرار تشكيل المجلس الاتحادي، الذي قد يكون ذراعًا قويًا في مراقبة الجهة التشريعية، التي زاغت وتلكّأت عن تلبية طموحات الشعب بإقرار القوانين التي تعزّز من قدرة الشعب وتجعلُه صاحب الحق قبل المسؤول في الدولة. فهذا الأخير، يُفترض أن يكون خادمًا للشعب وليسَ تمثيلَهلدور السيّد القابع في البرج العاجيّالمُحاط بالخدم والحشم، والمفعم بتكديس الأموال وبناء مؤسسات عقارية وشركات تجارية وأبراج انبهارية، بعد أن أعانه الدهر على تسلّق منصب واحتلال مسؤولية، غالبًا ما لا يستحقّها. وهذه حال الكثيرين من حديثي النعمة الذين أسقطتهم الأحداث المأساوية بأقدارها ليتسلّقوا على أكتاف غيرهم ويستغلّوا ما يستطيعون لصالحهم بالوسائل التي تعينهم على ذلك أو تلك التي يسعون إليها بوسائلهم الخاصة.
العراقيون اليوم جميعًا، أمام امتحان عسير، إن لم يستطيعوا تجاوز الأسئلة الصعبة فيه والردّ عليها بصورة إيجابية للتخلّص من الورطة التي أوقعتهم فيها الفلسفة الأمريكية الغازية لعقول الساسة الفاشلين ومَن والهم، بإدامة مشروع المشاركة التحاصصية للمكوّنات بدلاً من سيادة دور المؤسسات التي تبني الدولة وتدير شؤونها وفق الدستور والقوانين الوضعية، فإنّ مصيرهم الفشل مثل ساستهم. في هذه الحالة وفي ضوء نتائج الفشل، لا سامح الله والقدر، سيضطرّ الكثير من أتباع الديمقراطية الحقيقية والمنادون بها سبيلاً حيّا لإرساء السلام وعودة اللحمة الوطنية، إلى مغادرة الأرض وتفضيل الغربة حيث الأمن والأمان وسيادة القانون واحترام الإنسان مهما كان لونُه وشكلُه وعرقُه ودينُه ومعتقدُه.
لم يعد بوسع العراقيّ الناضج أن يتحمّل أكثر ممّا لاقاه وما شهده من مآسٍ وتجاوزات، بسبب حالة الفوضى وضعف المؤسسات الخدمية والأمنية والسيادية التي خلت منها الديار العراقية المعروفة بأصالتها وقدراتها. فكلّ يومٍ يمرّ، يطلع علينا البدر والقمر والشمس بمصائب وأعمال قتل ونهب وسلب واحتراب بين الإخوة الأعداء. وإنّه بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية لدور المواطن وحقّه في المواطنة، يدفع الفقير وطالبُ الرزق النزيه حياتَه قربانًا بسبب الانفلات القائم حاليًا في الشارع العراقي، تحت مسميات كثيرة، ومنها بذرائع تطبيق الشرع بحقّ المختلفين عن دين الأغلبية. فهل نحن نعيش في دولة تحكمها شريعة الغاب وفق مفهوم نفرٍ من الفقهاء ضيّقي الأفق وعديمي النظرة الإنسانية وفاقدي البصر والبصيرة في حقوق خلق الله، الذي خلق العالمين مختلفين وفق نظرة ربّانية واسعة الأفق وتحت خيمة إنسانية وارفة الظلال؟ أمْ إننا نسعى لبناء دولة حضارية، عصرية، "مدنية"، ترقى بالإنسان إلى مقام الآلوهة التي حكمتْ بقدرتها بتساوي البشر في الخلق، إلاّ في الكفاءة وجودة الأداء وحبّ الله والإنسان والرحمة للآخرين وبالعبادة الصالحة والنصح بالحق بلا ملامة ولا افتراء ولا نفاق؟
يبقى هذا السؤال، نصب أعين المواطن البسيط والمثقّف على السواء، شاخصًا. ويتحمّل قادة التيار المدنيّ ومناصروهم من المتطوّعين ومن أتباع الأحزاب النظيفة التي تطالب وتسعى لتحقيق بلوغ الدولة المدنية، مسؤولية مواصلة الفعّاليات الوطنية من تظاهر متكرّر وتنسيق عالٍ بين روّاد الفكرة والشارع، وتجييش الأخير وتحشيد كلّ جهوده لصالح هذا المشروع، الذي إنْ جرى تجاوزُه إيجابًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، فذلك يعني، وضع سكّة البلاد على الطريق الصحية الصحيحة. وفي ضوء هذه الأمنيات التي نأمل تحقّقها، سنصل بالبلاد والشعب على السواء إلى برّ الأمان وعودة البلاد وأهلها إلى الرقيّ في كلّ شيء، في الفكر المتنور والخدمة العامة والعلوم المختلفة التي فقدناها بسبب زلّات الساسة وفساد الحكّام والسلاطين.



4
مَن له حق الحديث عن مصير السهل ومستقبله؟
لويس إقليمس
بغداد، في 12 تموز 2017
صدرت الترجمة المعتمدة للبيان الختامي والتوصيات التي أعدّها منظمو مؤتمر بروكسل المنعقد بالعاصمة البلجيكية، للفترة من 29-30 حزيران 2017، وشاركت فيها رئاسات كنسية وزعامات سياسية وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب الحاضرين من نواب وشخصيات غربية رعت وأيدت الحدث.
لستُ هنا بصدد إطلاق هتاف تأييد أو صرخة رفض بخصوص نوعية المشاركة وحجمها والغرض الفعليّ المتوخى من وراء تنظيم المؤتمر الذي يخصّ شريحة متألمة ومهمّشة ومتناقصة باضطراد ممنهج، بسبب الهجرة والنزوح للأسباب التي يعلمها الجميع. إنّما يبقى من حقّ العقلاء والمثقفين ورواد المجتمع، الدلوُ بدلوهم، بالرغم من حرمانهم القسريّ من المشاركة في إبداء الرأي فيما يخصّ شؤونهم ومستقبل أهلهم وأحبائهم ومصير بلداتهم المنكوبة، بسبب استبعادهم من مثل هذا الحق من جانب الزعامات، دينية كانت أم سياسية. فهذه الأخيرة، وبما أوتيت من قوّة وعزم وإرادة ونوايا مدفونة ومعلنة، لا يطيب لها الاستماع دومًا لآراء هذه الشريحة المدنية المستقلّة في فكرها ورؤيتها للواقع المزري، سواء كان ذلك في رحاب الدولة الاتحادية أم في الدولة الفتية القادمة المولودة من طموحات إقليم كردستان الحالي.   
بيان بروكسل، تضمّن من جملة المطالب المشروعة، أفكارًا جانبية مدسوسة قابلة التأويل، يقرأ اللبيبُ من بين سطورها، الغاية الأولوية من تقرير عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت بالذات: الاقتراب من نهاية داعش الإرهابي في مدينة الموصل، عقر دار دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، وإعلان الإقليم قبل أيام عزمه الذي لا تراجع عنه بإجراء الاستفتاء وتضمينه مشاركة ما يُسمّى بالمناطق المتنازع عليها فيه. ومثل هذا التوقيت، جاء للتأكّد من حصول وإيلاء ضمانات شبه أكيدة من المشاركين من مكوّنات الأقليات الرئيسة، ومن المكوّن المسيحي بالذات، الذي ترتب عليه تأكيد مثل هذا الالتزام بما سبق أنْ أقرّه وبصمَ عليه عرّابون آخرون في وقت مضى، سياسيًا وحزبيًا وثقافيًا، بعضهم دفنهم التاريخ وآخرون ما زالوا يلوكون ذات التغريدة. فقد اقتنع العديد من هؤلاء، إنْ لم يكونوا قد ارتضوا صاغرين من ناحية توقيت عقده والنتائج الصادرة عنه بما فيها من دسّ مستتر، نتيجة لما نالوه من منح وبركات ووظائف وهدايا وإكراميات وعمارات وبناء مؤسسات لمختلف الأغراض وكنائس وغيرها كثير. وبالطبع، كلّ هذه الإكراميات لا يمكن أن تكون بغير ثمن. فهذا الأمر، لا غبارَ عليه، مهما جاء أمرُ إنكاره أو تحاشيه أو نقضه أو تكذيبه. ما علينا، كما يقول صاحب الرواية الطويلة وخبير مثل هذه المفاهيم، وهو مجهول الهوية بطبيعة الحال، فالعصفورة اللطيفة لا تكذب ولا تُكذِّبُ ما يجري في الكواليس وما يُدار في أروقة السماسرة من كلام واتفاقات ومجاملات وتعهّدات.
الأمر المهمّ في مثل هذه المؤتمرات، سواءً التي عُقدت في السابق، أو تلك القادمة المنتظر تكرارُها بسبب ما تدرّ على المنظمين من فوائد جمّة لهم ولمواليهم، ومن استغلال هؤلاء لسذاجة بعض المشاركين الذين يرتاحون لتغيير الأجواء المظلمة في عراق الفوازير والعجائب بسبب نقص الكهرباء، والشديدة القيظ بسبب نقمة السماء على أهل الدار السوداء، هو أنْ يعي المنظمون والمشاركون معًا، مَن هي الجهة المخوّلة حقًا بالتحدث باسم المكوّن المسيحي ورسم صورة مستقبلهم في ضوء الوقائع والأحداث والتخبّط، في كلّ من حكومتي المركز والإقليم، حيث اضطرّ غالبية النازحين والمهجّرين من بيوتهم للإقامة في أراضي الإقليم بسبب قربها من مناطقهم التي طُردوا منها، وبعد أن فقدوا أملاكهم وأمانهم، وسُلبوا حرّياتهم بالتعبير عن آرائهم وإبداء تصوّراتهم.
الرئاسات الكنسية التي تحوّلَ بعضُ لاعبيها إلى زعامات وخاضوا مجال التجارة في السياسة وأجادوا في ترويض النفوس الجائعة وفي إقناع أصحاب النفوس المريضة من التي لا حول ولا قوّة لها، لم تُثبت استقلاليتَها ولم تصنْ مجالَ خدمتها للنفوس كما ينبغي، وهي الكفيلة بهذه الرسالة لا غيرُها. وهذا واضح في المناكدات والاعتراضات والثورات التي حصلت من داخل المؤسسة الكنسية نفسها وبين بعضها البعض، سواء داخل الطائفة الواحدة أو الكنيسة الواحدة، أم فيما بين الطوائف نفسها، زعامات وكوادر وقواعد للمؤمنين على حدّ سواء. بل إنّ اتهامات متبادلة تُشاع بين فترة وأخرى، وقلّما تخلو صفحات المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من مثيلاتها. والأنكى من ذلك، ما يرِدُ من ردود التكذيب أو التأكيد وبما يخلق حالات من الشك واليقين فيما يُقال ويُكتب.
بدورها، الأحزاب المسيحية المتواجدة على الساحة السياسية، بالرغم من كون أغلبها، إلا الأصيلة منها التي لا تتجاوز اثنين أو ثلاث على أوسع تقدير من ذوات القاعدة الشعبية الواسعة نسبيًا، هي عبارة عن دكاكين أو مكاتب صغيرة، كما جاز لأحد الزملاء وصفَها، وقد صدق. فهي حقًا مقرّات لنفر قليل من المنتمين الموالين لحكومة الإقليم، والذين لا يُجاز لهم الخروج عن طاعة وليّ النعمة. فهُمُ بمثابة جنود وُدَعاء يأتمرون بأمر وليّ النعمة الذي تكفّل بكلّ المصاريف والمرتبات والمخصصات والهدايا وإيجار المقرّات وعقد المؤتمرات والندوات وسائر النشاطات التي تؤدّي جميعًا إلى تأييد الرغبة بالانضمام المبدئي إلى الإقليم والدولة الكردية القادمة، بموجب فرمانات مصدّقة صدرت عن نفرٍ من شخوص الأحزاب وزعامات الكنائس وتمّ استلام أثمانها. أنا لا أعمّم، بل الحقيقة القائمة لا يمكن نكرانُها أو إخفاؤُها. فهناك من السامعين الجيدين ومن القارئين المجيدين وممن المحلّلين الأكفاء في كلّ هذا وذاك. وذاتُ الوصف الذي ينطبق على المجموعتين المعنيّتين، يمكن قولُه عن الذين استلموا مواقع حزبية ومناصب إدارية متقدّمة في حكومة الإقليم. فهؤلاء ليسوا بأفضل من المجموعتين المذكورتين. فلا استقلالية في اتخاذ القرار ولا حرية في إبداء الرأي. كيف ذلك، وهم بين المطرقة والسندان؟
هنا السؤال والتساؤل: أين موقع النبخة المثقفة من كلّ هذا وذاك؟ وهل من حقّ الكنيسة ورجالاتها، والأحزاب وأزلامها، وأصحاب المناصب ومَن يتودّد إليهم قربًا ومنفعةً، أن يكونوا أوصياء وناطقين باسم الشعب، الذي من حقّه قول كلمته بشأن مصيره ومستقبله عندما يستوفي شروط النطق والاختيار والتقرير؟ وإذا كانت الحرية المنقوصة التي أتى بها الغازي الأمريكي بعد سقوط ما سُمّي بالنظام الدكتاتوري البائد، ومثلُها الديمقراطية غير الناضجة التي طالما تمنيناها وحصلنا عليها بهذه الطريقة المخجلة، هي حادينا ودليلنا وأملنا لمستقبلنا ومصيرنا، فتبًّا لهما كليهما. فالغرب وأدلاّؤُه وعملاؤُه وأزلامُه هم مَن خلقوا هذه المشاكل وأوجدوا الأسباب لكلّ هذه وتلك. ثمّ إنّ "المطالب لا تأتي بالتمنيّ بل تُغتصب وتؤخذُ غلابًا". وهذا ما شنّفت به أسماعَنا إحدى أغنيات الراحلة كوكب الشرق وهي تحثّ شعب الكنانة والعرب على ما قاله الشاعر المبدع أحمد شوقي في إنهاض الهمم وإيقاظ الأمم من سباتها. 
في مناسبات كثيرة، في المؤتمرات كما في الشارع وفي لقاءات المقاهي والنوادي والمراكز الدينية والمدنية ومقرّات الأحزاب والمنظمات، تحدث الكثيرون وسيتحدثون عن جملة مطالب وتصوّرات وطموحات، هي من صلب حاجات أهل المنطقة المنكوبة. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأرض وديمغرافية البلدات والانتماء والهوية الوطنية، فهذا لم يعد شأنًا للمساومة ولصفقات التجار والعرّابين وأصحاب الرهانات، أيًا كان شأنُهم ودينُهم ومذهبُهم وتوجهاتُهم ومواقعُهم في السلطة أو خارجَها. ولكون المرحلة الراهنة فترة حرجة تشهد فيها البلاد فترة من عدم الاستقرار والفوضى الخلاّقة والصراعات الطائفية والعرقيّة والمذهبية، وتدير معركة ضروس ضدّ أعتى تنظيم جهاديّ مسلّح نشأ ونما واستأسدَ وحكمَ وسبى وقتلَ واغتصبَ وطردَ ونشرَ فكرًا متطرّفًا يصعبُ قلع شأفته بسهولة، فهذا يُضاف إلى سائر الأسباب الوجيهة التي تقتضي التروّي في تقرير المصير ومن ثمَّ الكفّ عن المطالب غير المنطقية والبعيدة عن العقلانية والابتعاد عن التسقيط والتخوين، لحين انقشاع الغيمة السوداء التي قد تطول لسنوات أخرى.
 من هنا يكون ترك مسألة تقرير المصير حتى استتباب الأمن والأمان، وعودة المهجَّرين والنازحين بعد تهيئة إجراءاتها وما تتطلبه هذه الفترة من إعادة الخدمات الأساسية وإعمار البنى التحتية وإصلاح البيوت المدمّرة وتعويض المتضرّرين والتأكّد من تجفيف منابع الفكر التكفيري في القرى المجاورة للبلدات المنهوبة والمدمّرة التي داسها أهل هذه القرى ودنّسوها وسلبوها وأعملوا فيها الخراب والدمار بتشجيع من عصابات داعش المسلحة التي احتلتها لأكثر من عامين. 
لستُ هنا أجافي الحقيقة ولا أقول بنتَ عمّها، بل هي الحقيقة القائمة التي يعرفها كلّ مَن يُعملُ الفكر والعقل والضمير. فليس من المعقول أنْ تطلب ممن استجارَ بك أن ينكرَ ما أبديتَ تجاهَه من مساعدة وتكريم وتعاطف. فهو في كلّ الأحوال عندما يجد السيفَ مستلاً على رقبته، لن يكون بمقدوره نفيَ ما تريدُه أو التقاطع مع ما تقوله. وهذا ما خشيناه ونخشاه من نية رئاسة الإقليم وحزبها الحاكم من فرض أجندته على عموم النازحين الذين استجاروا بهم وسكنوا في أرضهم، وهي ما تزال جزءًا من أرض العراق الاتحادي وليستْ ملكًا لأحد.  فلا الحشد الشعبيّ ولا سطوة حكومة الإقليم ولا أية جهة غيرهما حتى لو أتت من جانب الرئاسات الدينية والحزبية، من حقهم فرض أجندتهم على أهل سهل نينوى المنكوبين، سواء كان هؤلاء من المسيحيين أو الإيزيديين أو الشبك أو الكاكائيين أو التركمان أو حتى العرب منهم.
أمّا الطموح بإنشاء محافظة في منطقة سهل نينوى أو منح أجزاء منه نوعًا من إدارة ذاتية، فهذا حق مشروع، ويكفلُه الدستور لسائر المكوّنات. ولا بأس بالتفكير مستقبلاً بإنشاء إقليم على غرار إقليم كردستان. فإذا كان الغربُ المتبجّح وساسةُ البلاد صادقين مع أصحاب الشأن ومع أنفسهم ومع العالم، لماذا لا يدعمون مثل هذه المطالب مستقبلاً عندما تستقرّ الأوضاع ويعود المشرَّدون إلى ديارهم وأملاكهم ومساكنهم ويكونوا سادة أنفسهم من دون إملاءات أو فرض إرادات أو ضغط إدارات. هذا هو عينُ الحق، وهو ما يجدر بأصحاب الأجندات أن يعملوا وفقه وليسَ وفق مخططات وأطماع غيرهم. 
فلا تقاطع إذن، مع قائمة المطالب المشروعة والتوصيات التي خرج بها مؤتمر بروكسل الأخير، بالرغم من المقاطعة من جانب قيادات دينية وحزبية وشخصيات قليلة، إلاّ فيما تُشمّ منه رائحةُ مخطّط لتقسيم الموصل وإلحاق أجزاء من أراضيها بالإقليم بالطرق والوسائل والأدوات التي باتت معروفة للجميع. فمثل هذا السلوك القسريّ بهذه الأدوات، غير مقبول في هذه المرحلة الحرجة، ومثل هذا الرفض والتحذير يتفق تمامًا مع ما أصدره البرلمان العراقي بقراره بتاريخ 26 أيلول 2016 برفض تقسيم محافظة نينوى.
نحن مع المبادئ والأسس التي خرج بها مؤتمر بروكسل على الأسس الأربع: "أساس التمكين للبناء والإعمار، وأساس التمكين الأمني، وأساس التمكين السياسي، وأساس التمكين الإداري". فهذه تنطق بما يحتاجه أتباع الأقليات جميعًا، ومنهم المسيحيون، من تأكيد لضمان العيش المشترك وإدامة السلم الأهليّ وإعادة دمج مكوّنات الأقليات التي تعرّضت للتهجير القسريّ ولإجراءات التكفير، إلى أحضان المجتمع العراقي ونيل حقوقها المشروعة في دولة مدنية متحضّرة تعمل وتحترم الجميع وتسوسهم بالعدل والمساواة والتآخي.
وأنهي الكلام بما لخّصه رئيس الكنيسة الكلدانية من رأي سديد عقب تحرير الموصل بالقول:" يبقى مَنْ له الحق برسم مستقبل خارطة مناطقه وتحديد مصيره، هم أبناء الأرض الأصليون وأصحاب القضية والمأساة، عبر الحوار والتفاهم والتصالح مع جيرانهم من أتباع الديانات والأعراق والمذاهب الأخرى، من مسلمين وغير مسلمين، بعيداً عن الاجندات الخارجية او المصالح الشخصية الضيقة".


5
ما بعد "بريكسيت"، هل ستبقى أوربا قلب العالم؟
بغداد، في شباط 2017
لويس إقليمس
تتشابك الأحداث وتتداخل المصالح وتتعقّد العلاقات يومًا بعد آخر، وكأنّ العالم ليس له شغلٌ شاغل سوى تصاعد غليانه على صفيح ساخن، وزيادة في توتر العلاقات. حتى الدول والأقطار والشعوب التي كانت حتى الأمس القريب بعيدة عن مسمّيات الإرهاب وتقلبات السياسة والاقتصاد، وتفاعلات هذه الأخيرة مجتمعة وانعكاساتها، قد جاءها الدور لتدخل المعمعة الدولية وتصير جزءًا من المشكلة وليس الحل.
أميركا، أكبر قوة عالمية وأكثرها تأثيرًا في السياسة والاقتصاد وفي تقرير مصير الشعوب، تقرّرُ اليوم في العهد الجديد الذي بدأه الرئيس اللغز "دونالد ترامب"، أن تلتزم البيت العائلي وتعيد بناءَه السياسي والاقتصادي على أسس قومية وطنية أمريكية بحتة أكثر من صرفها اهتمامات جانبية وأخرى ترفيهية وغيرها ترقيعية في مناطق ساخنة لا تدرّ على اقتصادها القومي فائدة بل تبقيها أسيرة الفكر الاستعماري الغربيّ (البريطانيّ الأصل)، الذي زاد من قرف الناس وامتعاضهم واستهجانهم من هذه الوسائل التي تقيّد حركة الشعوب المستضعفة وتزيد من بؤسها وشقائها وعوزها وتأخرها. والإدارة الجديدة ضمن استراتيجيتها متوسطة وبعيدة المدى، تنوي خلق معادلة متوازنة بين الفرقاء في منطقة الشرق الأوسط بالذات، وبالتحديد بين حليفتها التقليدية السنّية وحلفائها الخليجيين من جهة، وبين القطب المنافس لها في المنطقة إيران الشيعية، التي تسعى من جانبها لزيادة الاستقطاب والتمدّد خارج الهلال القائم حاليًا، بفضل تهديدها بما تتغنّى به من تسليح متطوّر وقوات عرمرم قادرة على الصمود والإغارة والدفاع. كما أنّ إدارة ترامب كما يبدو، مصرّة أيضًا، على إيقاف المدّ التشيّعي الإيراني في عدد من دول المنطقة والحدّ من نفوذه المتعاظم الذي أرخى حبله رئيس الإدارة السابق، والذي بسببه يجري ما يجري في منطقة الشرق أوسطية الساخنة. وهناك مّن لا يستبعد صدامًا من أيّ نوع، بين إدارة ترامب وخطط الساسة الإيرانيين التوسعية على حساب العنصر العربي.
ومهما يكن من أمرِ القرارات التي اتخذها والتي سيتخذها رئيس أعظم قوّة عالمية مهيمنة لغاية الساعة، فإنها أقلُّ ما يمكن القول فيها أنها وليدة خبرة اقتصادية وفكر رأسمالي وعقل إداري، تمكن "ترامب" من بناء إمبراطوريته المالية على أساسها. وهو وإن يكنْ قد أغاض الكثيرين، ومنهم حكومة الديمقراطيين الذين ساسوا العالم على مدى ولايتي راعي التسامح مع الإرهاب الدولي وعصابات التشدّد، "أوباما"، لأيّ من الأسباب التي يعلمها الكثيرون وغيرها من التي يجهلها غيرُهم، فإنه بحسب الكثير من العقلانيين وأصحاب الفكر النيّر والمتابعين لمسيرة الشعوب وأحوالها وأهوالها، قد وضع ليسَ أمريكا وحدها، بل العالم كلّه على سكّة جديدة تقضي باهتمام كلّ دولة بمستقبل شعوبها وبوضع أولويات مكوّناتها ومصالحها قبل غيرها وبرسم مستقبل أبنائها وبناتها وفق نمط جديد من الحياة التي تحترم الآخر وتقدّر خياراته وطموحاته من دون الانتقاص ممّا للغير من حق امتلاك ناصية هذه جميعًا على أساسٍ وطنيّ خاصٍّ بها دون غيرها. هكذا قال: أمريكا أولاً! ولِما لا؟
روسيا، هي الأخرى، أثبتت جدارَتها وقدرتَها على تحريك المياه بوجه الطاغوت الأمريكي الذي تسيّد المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي في فترة ولاية الديمقراطيين، باختزاله قرار العالم عبر دَور المنظمة الدولية بما كان يقرّرُه هو لها ولمسيرتها الدولية، ومعَ مَن كان يسير في سلكِه وفي خطه الاستعماري، ونعني به أوربا على وجه التحديد، المتمثل بنظامها الاتحادي الذي لم يستطع الحفاظ على تماسكه. فقد تمكن القطب العالمي الثاني من إعادة توازنه وحساباته وفرض أجندته وتصوّراته هو الآخر من خلال إصراره على رأيه ورؤيته للأحداث والأشياء والوقائع، فيما يخصّ الأزمة السورية بصورة خاصة، قافلاً الباب الأوحد الذي صنعته السياسة الأمريكية بعد تفرّدها بقيادة العالم على نمط اللّوبيات المهيمنة على اقتصاد البلاد وتقرير مصيرها. وبهذه العودة القوية إلى المشهد السياسي العالمي، تكون روسيا قد أعادت مجدها، ولكن على طريقة "دائرة المنطق" التي اتبعها زعيمُها القوي المحترف، وصاحب الخبرة المخابراتية "السوفياتية" السابقة وجهازها الأمنيّ الضليع، "فلاديمير بوتين"، في سياسته، نِدّاً سياسيًّا قادرًا على فرض الرأي ونوعية السياسة التي تستجيب للمنطق والواقع والحق في تسيير دورة الأرض السياسية.
لكن، من المؤسف بالمقابل، أنَّ أوربا لم تقوى على تماسك وحدتها التي ظلّت هشة بعض الشيء، كما لم تستطع أن تفرض رؤيتها المستقلّة وتحتفظ بهيبتها المنقوصة أو تقوى على تعزيز عملتها الموحدة التي واصلَ وضعُ قيمتها بالتدهور أمام غيرها من السلّات العالمية، مقارنة مع بدء سريان تداولها الرسمي في 2002 غداة دخولها نظام النقد الدوليّ. ولعلَّ الهيمنة الأمريكية الواضحة أو الباطنة في بعض تفاصيلها، كانت من بين أسباب هذا الضعف، أو هي حالت دون استقلاليتها في الرأي وفي اتخاذ القرار المناسب في قضايا دولية تطلّبت شجاعة ورأيًا سياسيًا مستقلّا عن الراعي الأمريكي. وهذا ما وضعها في خانة التابع لهذا الراعي لغاية اليوم. 
حين كان الرئيس الفرنسي الأسبق "جاك شيراك"، يقف بالمرصاد في بداية الألفية الثالثة بوجه أية محاولة لفرض الرأي والتبعية للسلوك الغربيّ عبر تصدير مبادئ الديمقراطية التي تتقاطع مع قيم منطقة الشرق الأوسط وبلدانها الغنيّة بالثروات، والفقيرة في مجال التنمية والتطوّر والحرية، كانت بريطانيا تتفاوض مع راعي الديمقراطية الأمريكي لفرض نهجهما في إعادة تشكيل خارطة المنطقة على عادة الهيمنة الاستعمارية المعروفة التي اتصفت بها. فكان الربيعُ العربي الذي انقلب خريفًا قاحلاً بل شتاءً قارسًا أغلق أبوابَ الاقتصاد والسلام والعيش الهادئ بثلوج تراكمت مع مرّ السنين لتغلق هذه الأبواب بانتظار ذوبانها، ولتنقشع الصورة النهائية للأرض والبشر والحجر في الزمن الموعود. ولكن، مَن حدّد هذا الزمن، وكيف وإلى متى؟ فذلك هو السؤال اللغز! ومثلُه الرئيس الاشتراكي "فرنسوا ميتران"، الذي ظلّ عنيدًا في انتقاده للخطط والسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بخاصة، وفي النظام الدوليّ عمومًا، بدعمها أنظمة دكتاتورية حمايةً لمصالحها القومية، ممّا لم يأتي ذلك منسجمًا مع ادّعاءاتها بالدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المستضعفين وما إلى ذلك من سياسات خاطئة. وقد أتت الأيام على صدق هذه التوقعات والآراء.
    ألمْ تعترف السيدة الأمريكية الأولى السابقة حين تولّيها حقيبة الدبلوماسية لبلادها على عهد أوباما، أنها سعت لعقد صفقات مع منتمين لتنظيمات إرهابية، وتعيين بعضهم في مراكز وظيفية مهمة في إدارة أوباما، من بينهم أفراد من القاعدة والإخوان المسلمين المعروفين بتوجهاتهم الإرهابية المتطرفة والمغالين في التشدّد الذي برز في فترة رئاسة أوباما على وجه التحديد، وبالسكوت عن مشاريعهم لإنشاء ولاية الخلافة في دول شرق أوسطية، ومنها مصر؟ وإلاّ ما كان سرّ ذلك التزواج المريب بين الإدارة الأمريكية وأتباع هذه التنظيمات الإرهابية، في ذات الوقت الذي كانت تدّعي فيه هي وزوجها ومن بعدهم أوباما، محاربة بلادهم لهذه التنظيمات في وسائل الإعلام ذرًا للرماد في العيون؟ ألمْ تقلْ أيضًا أن ثورة 25 يناير/ كانون ثاني شكّلت لها صدمة، وأيةَ صدمة، مع حليفها الإخوانيّ الذي كان وضعَ بلاده على سكّة دولة الخلافة بقراراته المريبة التي تنافت مع الدستور المصري والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان وبالتعاون مع تركيا التي كانت وتزال تحلم بعودة الخلافة العثمانية تحت جناحيها وبدعم من دول تحريضية أخرى؟ كان ذلك مقابل دعمها في حملتها الانتخابية التي فشلت بها فشلاً ذريعًا، ليبدأ عهد جديد لإدارة تضع حدّا "للإرهاب الإسلاميّ"، بحسب وصف الرئيس الأمريكي الجديد "ترامب".
ومَن يعرف المستشار الألماني "هيلموت كول" أو يقرأ عنه، وكذلك خلفه " غيرهارد شرودر" يدرك سعي بلادهما ضمن الغرب الأوربي المتكامل آنذاك، لتحقيق الوحدة والاستقلالية الأوربية في السياسة الخارجية وتقوية دورها العالميّ بوجه الهيمنة الأمريكية. لكنّ تلك الخطوات التي رصّنت من موقف القارة العجوز طيلة حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ولغاية بدايات الألفية الثالثة، لم تستطع الصمود. لذا لا عجب أن تعرب ألمانيا اليوم على عهد المستشارة "ميركل"، عن صدمتها للخروج المفاجئ لبريطانيا عن منظومة الاتحاد. فهذه بحسب البعض، بدايات انفراط عقد الاتحاد الذي أُريد له أن يوازن بل أو يوازي اقتصاد الكارتلات الاقتصادية التقليدية الكبرى التي هيمنت على الساحة على مدى السنين الغوابر. وميركل في سياستها، كما يبدو، لم تحسب جيدًا ما ستؤول إليه قراراتها الارتجالية بخصوص فتح أبواب بلدها على مصاريعها، ليس لأفراد ومجتمعات من دول أوربية شرقية بل من خارجها أيضًا. كما أنها لم تدرك أيضًا، ما ستخلّفُه هذه السياسة المفتوحة من مشكلات اقتصادية وسياسية ومجتمعية لاحقة. وفي حين تسعى لتبديد مخاوف شركائها في الاتحاد، من خلال اتخاذ ما تعتقد اتخاذه عقوبات على بريطانيا بسبب هذا الخيار الداخلي المفاجئ الذي ينذر بانهيار الاتحاد بين حدث وآخر، فإنّ اليمين البارز على الساحة الأوربية ومعه الشعبويون والقوميون الجدد يقفون لها بالمرصاد، في كلّ خطوة تُقدِم إليها. وبالرغم من حصول المستشارة الألمانية على ما يشبه الموافقة من الإدارة الأمريكية السابقة على ما اتخذته من إجراءات تحصينية ووقائية لمنع مثل هذا الانهيار ومنع إقدام دول أخرى لحذو ما قامت به بريطانيا، حفاظًا على حليف دوليّ خاضع للسياسة الأمريكية التقليدية وتنفيذ ترتيباتها ومخططاتها السياسية منذ سنوات، إلاّ أنّ واقع الحال لا يبشّر بخير. فالأحداث المتلاحقة، تشير إلى صعوبات اقتصادية بدأت تعاني منها ألمانيا نتيجة للتراكمات المتضعضة والمهتزّة في السوق الأوربية المشتركة التي كاد المنتَج الألماني يهيمن على سوقها أكثر من غيرها، لما تشكله المانيا من قوة اقتصادية ضاغطة على دول الاتحاد. وبهذا، فهي من حقها أن تخشى فقدانها سرّ الهيمنة الاقتصادية التي طبعتها طيلة السنوات التي تلت تأسيس الاتحاد والسوق المشتركة.
والسؤال الذي يطرح ذاته، هل ستتمكن أوربا من الاحتفاظ بدورها الريادي، كي تبقى قلب العالم، كما يتصوّر ساستُها وما تبقى من الأحزاب اليسارية الحاكمة؟ هنالك مّن يرى أنّ خروج بريطانيا لن يكون له تأثير كبير، بسبب كون الأخيرة خارج محيط منطقة اليورو كعملة موحدة واحتفاظها بعملتها الخاصة. وقد يكون هذا ضمن المنطق الاقتصادي أكثر منه دخولُه ضمن نطاق السياسة والحراك الدولي لمصالح الكبار. فيما يرى الأوربيون أنّ هذا الطلاق لن تكون له تأثيرات قوية بالرغم ممّا كانت تمثله بريطانيا من قوّة اقتصادية وسياسية لا يُستهانُ بها على الصعيد الدولي. والأيام القادمة هي الكفيلة بالإجابة على هذا التساؤل. فجزء من الردّ قادم مع سلّة الانتخابات التي ستشهدها فرنسا هذا العام ومعها ألمانيا لاحقًا، باعتبارهما أكثر الأعضاء متانة في الاقتصاد والسياسة والإنتاج على السواء.


6
عن الإصلاح والصلاح في العراق
لويس إقليمس
بغداد، في 15 آب 2017
نال موضوع الإصلاح في الدولة والحكومة بالعراق، قدرًا من التفاعل الرسميّ والمجتمعيّ وإبداء الرأي في الشارع العراقي، مذ تولّي رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي رئاسة الحقيبة الوزارية من سلفه الذي لم يصن أمانة الحفاظ على سلامة الأرض والعرض والثروة الوطنية، بل أشعل فتيل الفتنة الطائفية وقاد البلاد إلى شفير الإفلاس وأطاح بأي أملٍ بانتقال البلاد من الفوضى الخلاّقة إلى دارة الدولة المدنية. فالمشروعُ الإسلاميّ المشبوه الذي مازال هذا الأخير يسعى لتسويقه ضمن برنامجه ليضمن سطوتَه على مقدّرات البلاد، لا يمكن أن يُكتب له النجاح ويجد النور، لأسباب كثيرة وواقعية، منها ما يمسّ ذهنية المواطن العراقي وأخرى ترجع إلى طبيعة الأرض التي احتضنت حضاراتٍ وشعوبًا وأديانًا لها تاريخُها وصفحاتُها المشرقة الخالدة في حياة شعوب المنطقة والبلاد على السواء. فهذا المشروع، علاوة على شبهات ارتباطه بدولة الجارة إيران، والذي يتطلع فيه إل تقليدها في مبدأ ولاية الفقيه التي لا تنسجمُ مع ما هو قائم تقليديًا وحضاريًا واجتماعيًا من تعددية في الأديان والأعراق والمذاهب والأجناس، سيكون طعنة مثخنة في خاصرة التوّاقين لرؤية العراق بلدًا متطوّرًا ومتحضّرًا، ليعود إلى حاضنة المجتمع الدولي معافى من أدران الماضي المعفّر بالدم والكراهية والطائفية والحقد والخصام والتمزّق والدكتاتورية المتوارثة عبر الأجيال لدى شعوب المنطقة، ومنها بخاصة الدول الإسلامية على وجه التحديد. من هنا كان الاتفاق على ضرورة استبدال المالكي بعنصرٍ من كتلته ومن حزبه ظاهريًا، كي يقوم بما عليه في ساحة الإصلاح من أجل نقل البلاد وأهلها إلى واحة مختلفة ترفل بالأمن والسلام والرفاهية وإجراء مصالحة مجتمعية لإصلاح ما تمّ التفريط به على عهد سلفه. 
عملية الإصلاح، أيًا كانت بداياتُها أو غاياتُها، لا تخلو البتة من مغامرات وهواجس واختلاجات وإرهاصات على الصعيد الشخصيّ للأفراد، وعلى صعيد المجتمعات كمكوّنات جامعة ومنضوية تحت لواء دولة ذات سيادة، على السواء. والعراق كان في غابر السنين ضمن مثل هذه المواصفات التي تحققت وتكوّنت منها هوية أية دولة لها شأن في التاريخ البشري. فبلادُ وادي الرافدين، بتاريخها الموغل في القِدَم والحضارة البشرية، تشهد لها آثارُها وتركتُها الثقافية الغزيرة والسِيَر المأثورة لعلمائها ومفكريها ومثقفيها وما تركه هؤلاء للأجيال. وهذه العملية، لا تتحدّد بهدف معيّن أو شأنٍ محدّد دون غيره، إذا أُريد لها أن تكون شاملة بمفرداتها ومعطياتها وبنودها التي تغطّي سائر مكامن الحياة وشؤون البلاد والعباد. 
بدءًا، يأتي إصلاح النظام السياسي والاقتصادي على رأس الأولويات، لأنه يحفظ للبلد سيادتَه وتحكّمَه بشؤون مقدراته الداخلية والخارجية التي تجعلُ منه قوة تتحكم بمصادر القرار، وتمنحه مَنَعةً وتحصينًا إزاء أية محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار فيه أو تلك التي تسعى لإبقائه رهينة بيد القوة التي تصرف عليه وتوجه أداءَه الداخلي والخارجي وسياستَه السيادية وفقًا لأجنداتها ومصالحها في استهلاك أيّ شيء وكلّ شيء. ومن المهمّ بمكان، الاستفادة من الدروس السابقة والاسترشاد بالخبرات المتراكمة حول نوع النظام الأصلح لسياسة أية بلد، بالوقوف على شكل النظام السياسيّ الذي ينفع ويأتي بالسعادة والاستقرار والرفاهة للمواطنين بغضّ النظر عن تلاوينهم وتشكيلاتهم وخلفياتهم الدينية والعرقية والمذهبية والثقافية والاجتماعية. فهناك النظام البرلماني الذي يُؤمّن نوعًا من الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والتنقل، هذا من حيث المبدأ لا الواقع. وهناك النظام الرئاسيّ، الذي في حالة استغلالِه من قبل هرم السلطة بتحويله إلى أداة لحكم العائلة والقرابة والمحسوبية والمنسوبية، يتحول إلى كابوسٍ لكمّ الأفواه وزجّ الأحرار في الغياهب وقتل أية بادرة للتعبير عن الرأي والحرية في اتخاذ الخيارات الشخصية والاجتماعية وتقرير وسائل العيش الحرّ الكريم. وهذا الأخير، تتصف به غالبية دول المنطقة، والإسلامية منها بصورة خاصة، ولدينا من أشكاله الكثير من الأمثلة والدروس، إلاّ في حالة واحدة قد تنفع، وهي أن يكون مثل هذا الحاكم عادلاً بحكمة سليمان الملك وشديدًا بحدّة حمورابي صاحب المسلّة وأول قانون نظاميّ يُطبَّق على الجميع. وهذا من النادر إيجادُه والعثور عليه. فهذا الصنو من الحاكم "الدكتاتور العادل"، سيكون قادرًا على إحلال الطمأنينة في قلب المواطن وفي إرضائِه من حيث حقوقه في التساوي بالمواطنة وتحقيق العدالة وفقًا للدستور الناضج الذي ينبغي أن يتولاّه أصحاب الاختصاص وفيه تُرسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية لتنسجم مع طموحات عامة الشعب بجميع مكوّناته، حينما يُكتب بنَفَس مدنيّ حافظ لحقوق الجميع.   
أمّا لماذا فشل النظام البرلمانيّ في العراق، وهو الذي من وظيفته من حيث المبدأ إتاحة فسحة أوسع للحريات العامة، فهو لكون الدستور الذي وضعه مَن أتوا على ظهر الدبابات الغازية أو بدعمٍ من إدارتهم لاحقًا، لم يكن عقدًا وطنيًا ومجتمعيًا متكاملاً بسبب وجود ثغرات عديدة في بنوده وتضمينه ألغامًا كثيرة وتسييسه لجانب فئة على حساب العامة من سائر الشعب. وكذلك باعتماده على مبدأ المحاصصة والسماح للزعامات أو بالأحرى لمافيات الزعامات السياسية لاستغلال هذه وتلك في مسألة انتهاب ثروات البلاد واقتسام موارد الدولة والمناصب الرسمية والحكومية ووضع أيديهم على فعاليات السوق الوطنية التي همّشت دور النخب وأهملت دور القطاع الخاص في بناء دعامات اقتصاد البلاد، وهو الأجدر بقيادة وإدارة هذا الأخير والأكثر نزاهة في توجيه السياسات التجارية والاقتصادية وتطويرها نحو الأفضل.
 مثل هذا الفشل في صيانة الحق الطبيعي للفرد والوطن بسبب تراكم الخروقات والأخطاء، يعني الحاجة لتأكيد النزوع إلى نظام بديلٍ ونزيه ومتطور يحفظ توازن المصالح العليا للبلاد وليس فرض منافع لسلطات حاكمة ومافيات متنفذة ليس بإمكان الحكومة الضعيفة الحالية محاسبة الفاسدين والمفسدين منهم، بسبب ضعف الأداء العدلي والقضائي والجهات الأمنية التنفيذية التي يُفترض توليها حماية البلاد وثرواتها وسيادتها، والحرص على صيانة أمن المواطن على السواء.
في ضوء هذا التوجّه نحو إصلاح الدولة، حكومةً ومؤسسات وأفراد، هناك حاجة ملحة قبل كلّ شيء، لإصلاح النظام الانتخابي الذي يمثل إحدى حلقات الفساد عبر التحكّم بطبيعة القانون الانتخابيّ وإخراجه عن الشفافية في طريقة الترشّح وأدواته وشروطه. فهناك، مَن يسعى دومًا لفرض الذات وأجندة الحزب والكتلة والجهة التي تسند وتدعم وتقدّم المرشَّح "ممثلَ الشعب" المفترض، وتوجهه في حالة الفوز بمقعد برلماني، بالطريقة التي تحفظ عادة مصالح الأحزاب الكبرى ذات الأغلبية، والمتنفذة دومًا في العملية السياسية. فالقانون الانتخابي مازال غير قادرٍ على إتاحة الفرصة لجميع المواطنين بالمشاركة في الانتخابات والترشح، بسبب غلبة الأحزاب المتسلطة والمتنفذة التي ماتزال تتخاصم وتهدّد وتفرض أدواتها القسرية بصياغة القانون الانتخابي وفق مصالحها، كلّما سعت جهاتٌ وطنية مهمّشة لإجراء تعديلات عليه كي تُتاح فيه الفرصة لمشاركة أوسع، لاسيّما من أوساطٍ مستقلّة ذات توجهات وطنية أو من جانب مكوّنات ترى نفسَها خارج العملية السياسية بسببٍ من قلّة أعدادها. وهذا ما يجري حاليًا، حيث هيمنت الكتل والأحزاب الكبيرة فارضة شروطَها في تشريع القانون الانتخابي، بالرغم من اعتراض الكثير من الكتل والأحزاب الصغيرة التي ترى نفسَها مغبونة في حقوقها الانتخابية. فقانون سانت ليغو الحالي، سواء بنسخته1,9   أو 1,7 ، لا يلبي طموحات المستقلّين والأحزاب الصغيرة التي تمثلها الأقليات. وما تطالبُ به هذه الأخيرة يقارب المنطق والحق في التعامل العادل والمتساوي بين كافة المواطنين، وبما يتيح لإجراء توازن وفق المصلحة العليا للوطن وبالاستناد إلى مبدأ المواطنة المتساوية للجميع التي تتيح الحق للجميع من دون استثناءات أو امتيازات لفئة دون أخرى.
كان من ضمن أبجديات حكومة العبادي، تشكيل حكومة "تكنوقراط"، قادرة على مواجهة البلاد الغارقة في أزماتٍ عديدة لا حصرَ لها. وبالرغم من موافقة "ظاهرية"، أو بالأحرى موافقة "إعلامية ودعائية" مبطنة بنوايا مشكوكٍ فيها من جانب زعماء الكتل وأتباعهم من المنتفعين من نواب البرلمان، إلاّ أنّ تلك الرغبة من جانب رئيس الوزراء، سواءً كانت صادقة أو مراعية لصوت الشارع ظاهريًا، قد اصطدمت بصخرة الرفض من تحت الكواليس. وجرى ما جرى لإجهاضها ووأدها وهي في التكوين الرحمي. وفي الحقيقة، أنّ صفة التكنوقراط، بعيدة بعض الشيء في وصف الوزارة الحالية، إلاّ في حقائب معدودات يتسم وزراؤُها بالكفاءة التي تدعمُها الشهادة والخبرة معًا. أمّا مَن اعترض أو حاول إجهاض مشروع التكنوقراط، فجلُّهم من الأحزاب والكتل والنواب من غير ذوي الكفاءة والجدارة والأهلية في إيثار مصالحهم الفئوية الضيقة والحزبية والطائفية على حساب المصلحة العليا للوطن والشعب، بسبب أنّ مثل هذا التوجه نحو الكفاءات الوطنية العراقية، ومنها تلك المستقلّة بوجه خاصّ، كان سيضع حدّا لطموحاتهم الشخصية في التسلطّ على الحكم والمال، كما هو قائم حاليّا. فالمؤسسة التشريعية، بسبب بعض الدخلاء من المزوّرين والفاسدين ومن غير ذوي الخبرة والنهج الوطنيّ في التعامل مع السياسات العليا للبلاد، بقيت وماتزال عاجزة عن تمثيل الشعب، إلاّ بنشاطها ما قبل الانتخابات عبر الكمّ الهائل من الوعود والتعهدات التي تُقدّم للناخب المسكين الذي يصدّق كلّ شيء بسبب من هشاشة فكره وعوزِه وضعف توجهه الوطنيّ هو الآخر.
أمّا من حيث تعزيز مبدأ الديمقراطية الذي ينادي به الجميع دون إدراكٍ حقيقي لما يُرتكب من جرم وفساد وخرق باسم هذه المفردة الشائعة التي أضحت شعارًا فضفاضًا للمتسترين على فضائح الفساد وسوء الأداء وضعف الفعّالية في إحداث التغيير المرتقب في الدولة والمجتمع على السواء، كان لابدّ من سيادة مبدأ التوازن في السلطات على ما سواه من سيادة مبدأ المصالح والامتيازات التي أخرجت النظام الديمقراطي عن سكّته المخطَّط لها، كما هو قائم في الدول التي مرّت بتجارب مماثلة واستطاعت اجتياز المحرَّمات التي ماتزال تعشعشُ في معظم الأنظمة العربية، ومنها بلادنا. من هنا، وبسبب سطوة أحزاب السلطة التي ماتزالُ تضع يدَها على كلّ مفاصل الدولة الغارقة في مشاكل لا حصر لها، اعتمادًا على أساس النهج المحاصصي المقيت الذي أغرق البلاد والعباد في دوّامة الفوضى الخلاّقة، كان لابدّ أن يدرك الساسة أن مسألة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، تُعدّ من أركان الديمقراطية التي ينشدها جميع المؤمنين بمبدأ الحساب والعقاب من دون تهاون أو تمييز أو امتياز، وكذا وضع الرجل المناسب في المكان المناسب الذي ينبغي أن يكون فيه وفقًا لجدارته بعد أن يتمتع الجميع بالفرصة المتاحة للمكان المؤهَّل لكلّ فرد وكلّ مواطن.
إنّ مسألة تداخل السلطات وفرض الإرادات وإجازة القوانين والتعليمات تبعًا للجهة الأقوى، تُعدّ كارثة في بناء أية دولة لا تقيمُ قدرًا للديمقراطية ولحرية الفرد وكفاءة الأشخاص. وهذا دليلٌ إضافيّ آخر على الفوضى وخلط الأوراق بين شركاء العملية السياسية الذين يقيمون في وادٍ ويعيشون في أبراجٍ عاجية، وبين الشعب الذي يقيم بعيدًا عنهم ويعيش في وادٍ آخر مليء بالدموع والكوارث والأحزان ويقوم على الوعود العرقوبية. وهنا، ليسَ مَن يُلام على هذه الإشكالية، هم المسؤولون في السلطات الثلاث وأحزاب السلطة فحسب، بل الشعبُ أيضًا بسبب من سذاجة شرائح واسعة في صفوفه وهشاشة أفكارهم وتبعيتهم واعتيادهم السير وراء الجلاّد من دون مراجعة ولا تفكير ولا تحليل ولا تمييز للأسباب والنتائج والمؤهلات والظروف.
هنا يأتي دور التيارات الوطنية والنخب المثقفة والمدنية، العلمانية المستقلّة منها على وجه الخصوص، برفع صوتها بالتحذير من الوقوع في حبائل وفخاخ ذات الجهات التي أثبتت فشلَها في تمثيل الشعب وفي بناء الوطن وتقديم الخدمات وتطوير البلاد وتأمين سلامة المواطن وصيانة شرفه وعرضه وأمواله وحرية تعبيره وتنقله وحقه في حياة حرة كريمة. فحالة الإحباط القائمة والمتزايدة يومًا بعد آخر بفضل سوء أداء السلطات الثلاث، وفشلها بتحقيق تحوّلات هامة على كافة الأصعدة وكذا في الإصلاح، أصبحت حالة يومية تتشابك مع أحداث الساعة، وفق متغيّرات الشارع الثائر الساخن، بسبب قيظ الصيف الشديد الحرارة وكذا بسبب الأحداث السياسية والتفاعلات البينية والعلائقية بين الكتل السياسية والزعامات وأجندات كلٍّ منها، وما شهدته هذه مؤخرًا من تشظيات وانقسامات واتهامات. والخشية من كلّ هذا الحراك، أن تكون ضمن لعبة سياسية تجيدها أحزاب السلطة لتغيير الوجوه والبقاء في دارة السلطة والواجهة من جديد، ولكن بتسميات جديدة ووجوه تتلاعب بمشاعر الناخب الحائر.
من جانبٍ آخر، ما يمكن تسميتُه بالعجز القائم في السلطة التنفيذية في التصدّي لانفلات الشارع وإصابة الأهداف المتورطة في أعمال خطف وسطو وقتل وتهديد وما شاكلها، تشكّل اليوم تحديًا آخر يُضاف إلى نصاب المشاكل القائمة بين الأطراف الحاكمة والمشاركة والمعارضة، ومن تلك المتهاونة فيها في رصد الجرائم ومتابعة سلوكيات فاعليها والواقفين لها دعمًا وسندًا وتشجيعًا وتستّرًا على فاعليها على السواء. وهذا ينمّ بالتأكيد عن الضعف في مواجهة الحدث الجرميّ والفشل في تقديم الحلول الناجعة التي ينتظرها المواطن البسيط من الدولة. هذه السمة الفوضوية في الإدارة، التنفيذية منها والتشريعية والقضائية، تفضي إلى نتيجة صائبة وهي غياب الرؤية السيادية في البلاد، السياسية منها والإدارية والاقتصادية والمالية والعلمية وحتى المجتمعية التي أضحت فريسة للحكم العشائري وأصحاب الميليشيات المتنفذة في بعض المناطق والأوساط، ما يُبعد الدولة عن تطبيق مبدأ القضاء العادل بحق المخالف والخارج عن القانون وغير المنضبط من المنضوين تحت ألوية مسمّيات كثيرة لا حصرَ لها، بحيث ضاع الخيط ومعه العصفور. وتلكم حالة واضحة لا تحتاج لشرح تفصيليّ أو سند توثيقيّ.
ما يحصل على الساحة العراقية، قيام كانتونات وتنظيمات ومؤسسات أشبه بحكومات موازية للحكومة الرسمية، لها ميزانياتُها وسياساتُها التي تفرضُها بفضل ما تتمتع به من سطوة وباعٍ طويل في شبه الدولة الغائصة في بحورٍ من المشاكل التي لا حصرَ لها، كما أسلفنا. ولعلّ الحلّ الوحيد الذي بإمكانه انتشال شبه الدولة هذه وإيصالها إلى برّ دولة ذات سيادة واعتبار دوليّ صحيح، تكمن بتعزيز نهج السيادة الوطنية على غيرها من السياسات والوصول بها إلى نتيجة قيام إدارة سيادية وسياسية واضحة المعالم مستندة على شرعية الشعب وتتحمّل المسؤولية الوطنية بموجب تخويل حقيقي من الشعب والفعاليات المختلفة التي لها حق المشاركة في الحكم وإبداء الرأي والاعتراض ومراقبة الأداء الحكومي بكلّ جوانبه. وهذا يدعو إلى اعتماد مبدأ فصل السلطات الذي مازال يعاني من تداخلها ومن تسييس في أدائها وسياساتها لشتى الأسباب والأهداف التي تتقاطع مع طموحات التيارات الوطنية والشعبية الرافضة التي ترفع صوتَها، ولكن ما من مجيب إلاّ على خجل. من هنا، نجد أن لا بدّ من رفع مثل هذا الغموض في هذا التداخل غير الحضاريّ والناقص للشفافية في اعتماد مبدأ المساواة وتحقيق العدالة في صفوف العامة والحفنة الخاصة التي استقطبت وسيطرت على مقاليد السلطة، وهي غير أهلٍ لها.
أمّا ما تعانيه البلاد من أزمة مالية واقتصادية، فمردُّها بالتأكيد، سوء التخطيط والإهمال والتقصير وتفضيل المصالح الفئوية والطائفية على العامة والوطنية والفشل في إقرار استراتيجيات بعيدة المدى، واستنزاف الاحتياطيّ من أموال البلاد في مزاد صرف العملة المتزايد يومًا بعد آخر. هذه الأزمة الاقتصادية شكّلت بالأمس وما تزال تشكل اليوم تحديًا كبيرًا شائكًا في خاصرة الوطن وأبنائه ومستقبل الأجيال. وهي إن دلّت على شيء، إنّما هي عنوانٌ على سوء الإدارة وضعف القيادة وغياب الاتساق في الجدارة والأهلية ووضع الأشخاص المناسبين من "النخب" وليس من "حفنات" من الموظفين والمسؤولين من ناقصي الخبرة والرؤية الوطنية والبعد الاستراتيجي في وضع السياسات الناجعة. والدليل على وجود تخبّط في هذه جميعًا، الفشل في تقديم أجوبة أو مقترحات حلولٍ تسهم في ردع المقصّر ومحاسبة الفاسد، وفي توجيه سياسة الدولة نحو برّ الأمان بحيث ينتصر الحق على الباطل، ويسود العدل بدل الظلم، ويُردعُ الفسادُ وصاحبُه وفق القوانين وعدالة السماء، إذا ما اقتضت الضرورة من دون تقاعس. وهذا ما ليس قائمًا في أوساط حكومتنا وسياسيينا وزعاماتنا.
وسيبقى مشروع الإصلاح الحقيقي في بنية الدولة، حكومةً ومؤسساتٍ وقوانين، قائمًا حتى تحقيق قدرٍ من الاستقرار في كلّ مفاصل الحياة. فلا خير في إصلاحٍ لا يجدُ المواطنُ النزيهُ والمستقلّ مكانةً في إدارة البلاد وفي تطبيق الوسائل الفضلة في تسيير دفة الاقتصاد وصيانة الأمانة في الحريات العامة واستخدام ثروات البلاد في البناء الصحيح وفي تحقيق الرفاهية وتسارع الخدمات وصولاً إلى مصاف الدول المتقدّمة التي تعرف كيف تحترم الآدميين لديها وتحاسب لصوص النهار وسرّاق الليل بداعي المواطنة الحقيقية المفقودة في بلدٍ كالعراق فقدَ جلَّ مؤسساته البنيوية بسبب الفساد والمفسدين.

7
الدولة المدنية، هاجس أم ضرورة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 3 آب 2017
يخشى الكثيرون ممّا يجري على الساحة السياسية العراقية من مناورات وتغييرات واتفاقات جديدة وتشظيات لأحزاب وكتل، من أن تتحول كل ّ هذه التحرّكات إلى هاجس يقضّ مضاجع أصحاب الفكر المتلوّع منذ سنين بفعل أجندات الأحزاب الطائفية والإسلامية التي أثبتت الأيام فشلَها الذريع وعدم تلبيتها لطموحات العامّة من الشعب الذي أولاهم الثقة مرّة تلو الأخرى. ومع اقترابنا من موعد استحقاق انتخابيّ وشيك، إنْ سارت الأمور بحسب المخطَّط له، تلوح في الأفق تساؤلات كثيرة ومبرّرة تقتضيها ماجريات المرحلة وخطورة الوضع الساخن والشدّ القائم بين الزعامات ومراجعها، داخليًا وإقليميًا ودوليًا. هذا إضافة إلى اتساع حيّز الخلافات بين الحكومة الاتحادية وتقاطعها مع طموحات إقليم كردستان الذي زاد من مكابرته بتهديداته المتواصلة بالانفصال وتقريره إجراء الاستفتاء في مناطق خارج حدوده، وذلك باستخدام سياسة ليّ العنق وفرض الأمر الواقع على مناطق محرّرة لم تكن يومًا جزءًا من المنطقة الكردية المتنامية على حساب المركز، مستغلاً انشغال الدولة وتشكيلاتها الأمنية بتطهير البلاد والأرض والإنسان من خوارج العصر المتمثلة بروافض داعش الإرهابي.
إذن، مع تزايد حدّة التوترات بين شركاء العملية السياسية عمومًا، ومنها ما ضربَ أوساط أحزابهم التي نخرتها التحزّبات والخلافات والانقسامات، يبدو المشهد السياسيّ أمام خيارات صعبة، وبسببها وعلى ضوئها تسعى بعض الزعامات التقليدية التي لبست عباءة الدين في بداية مشوارها، للهرولة للحاق بالتيار المدنيّ الذي غزا الشارع العراقي بفعل نشاطه وحراكه الشعبوي والجماهيري، لعلّهم بذلك يسترجعون نزرًا من تعاطف الشعب الذي منح حراكَ هذا التيار العفوي ثقته بعبور محنة الفشل نحو بصيصٍ من برّ الأمان. وسواءً التحق بعضٌ من هؤلاء المتسارعين الفاشلين، نحو القاعدة الشعبية التي التحقت منذ حين بحراك التيار المدني-العلمانيّ وسارت وفق منهاج مخطَّط له بخطى ثابتة، أم اتخذوا لهم خطوطًا ومسارات جانبية محاذية لهذا التيار، فإنهم بهذه الحركة الذكية يكونون قد أدركوا أنّ الشعب قد أصدرَ حكمه على فشلهم وعلى خيبة أمله من سلوكياتهم ومن لهاثهم وراء مصالحهم الضيقة، أيًا كان عنوانُها. فشعار"باسم الدّين باقونا الحرامية"، الذي رفعته جماهير هذا الحراك، ما يزال يرنّ في آذان الشعب ويقضّ مضاجع المعنيّين به. ومن ثمّ، فأيةُ محاولة في هذا الاتجاه لثني الشعب عن مطلبه بضرورة التوجه نحو دولة مدنية متحضّرة سوف لَن يُكتب لها النجاح، حتى لو تخلّى أمثال هؤلاء عن عباءة الدين والطائفة والمذهب والعرق، وانتفضوا أو انقلبوا ضدّ مشاريع أحزابهم الدينية والطائفية والعرقية أو غيّروا من الشعار والهدف والتسميات. والسبب بسيط، لأنّ مثل هذه الألاعيب قد أصبحت مكشوفة، ولا يمكن للبيب أنْ يُلدغ من جحره مرتين. فجزءٌ من الشعب الذي فعلها أكثر من مرة ويريد تكرارها، لا سمح الله، إنّما لأنّه سيبقى مجموعة بائسة و"حفنةً" هشّة من التوابع بلا غيرة وطنية ولا شعور بالمواطنة الحقيقية أو بالانتماء الأصيل إلى الأرض والوطن.
من هنا، يأتي دور النخبة الواعية في هذا التيار، بعد إجادة دراسة الأسباب والمبرّرات وإحاطتها بطموحات الشعب وطلباته. وهذا ما أتت به ضمن برامجها واستراتيجيتها الملهمة بعد دراسة كلّ هذا وذاك، حيث لم تأتي من فراغ، بل من قدرات وطاقات مفعمة بحب الوطن ومترعة بالفكر النيّر والرؤية الوطنية الواضحة التي تسعى لتوجيه الدولة نحو بناء ديمقراطي مؤسساتي بكلّ مفاصلها وفق المتغيرات الجيوسياسية والتحولات المادية المتعاقبة وليس الانكفاء على عقيدة أو مذهب أو أيديولوجيا غريبة عن الواقع أو عفا عليها الزمن. ومن ثمّ ينبغي مواصلة المسيرة الظافرة حتى بلوغ المأرب وتحقيق الهدف.
عندما انبرى التيار المدني، "الوطني" في وصفه أكثر من غيره، بسبب رفضه للنهج الدّيني والطائفيّ والمذهبيّ الضيّق الذي سلكته أحزاب السلطة واستقوت به سلطة بعض الأحزاب، لاسيّما المحسوبة على تيار الإسلام السياسي وأصحاب المشروع الإسلامي، أقامت هذه الأخيرة الدنيا ولمْ تقعدها، متهمة أتباع التمدّن والتحضّر بالخروج عن نهج تعاليم الدين السمح، وبمحاولة علمنة الدولة وسلطتها، وبإبعاد الحكومة وأساطينها عن تطبيق شريعة الله في الأرض بالطريقة التي يريدها هؤلاء، أو بعض هؤلاء. ومع مرور الأيام، استطاع هذا التيار "الوطني" النشط أن يستقطب الجمهور ويكسب شرائح محسوبة على أتباع السلطة، أو بالأحرى بعضًا من المكوّنات الحزبية المنخرطة في العملية السياسية، ومنها بما لا يقبل الشكّ تيار الأحرار الذي لقي دعمًا ومشاركة من زعيمه الجريء، شريطة بقائه أمينًا للغاية المرجوّة من التحاقه به، ورهنَ مواصلة المشوار مع باقي التنسيقيات المثابرة من دون العبث بالهدف الأسمى الذي يرنو إليه أصحاب الرؤية الوطنية الصادقة.
مثل هذا النجاح المحسوب للتيار المدني "الوطني"، إنْ دلّ على شيء، إنّما يندرج ضمن المكاسب والمآثر التي استحقها الناشطون فيه، بعد إفلاحه بكسب ودّ الشارع الثائر الغاضب المتلوّع، وقد انتخى له متطوّعون وعفويّون اكتووا بنيران أحزاب السلطة الفاشلة، مثل سائر أبناء الشعب الذي مازال يتحمّل وطأة أخطاء السلطات المتعاقبة ويرزح تحت ثقل فسادها وفشلها. من هنا، كانت مساهمة هذا التيار في كشف المستور من فساد السلطة عبر إدامة تظاهرات الجمعة المطالبة بالإصلاح وبالخدمات وبمحاسبة الفسادين الذين مازالوا أحرارًا يديرون امبراطوريات مالية ومشاريع وهمية وسرقات تثقل كاهل ميزانية الدولة، سواءً بمرتباتهم الخيالية أو بالمكارم التقاعدية أم بوضع اليد على تخصيصات الوزارات التي تُقيّدُ للجهة التي تتولى تسييرَ دفتها وإحكامَ سطوتها عليها.
كلنا نعلم، أنّه لولا تراخي أصحاب السلطة والصراعات المتواصلة المتصلة بالعملية السياسية وبين أحزاب السلطة، لما سقط أكثر من ثلث مساحة البلاد بيد حفنة من العصابات الإجرامية التي لا وطنَ لها. ألمْ تضطرّ الحكومة الحالية تحت تزايد الكثير من هذه الضغوط، لإنقاذ البلد وأهله من مصيبة كادت تنهي حضارة وادي الرافدين ويُقرأ السلام عليه وعلى أهله لفترة غير محسوبة من الزمن؟ إنّ التعجيل بتحرير الأرض، التي تسبّبَت بها زعامات في الحكومة السابقة بتلكؤِّها عن أداء واجبها الوطني، قد قطع الطريق أمام تحقيق حلم عصابات العصر المجنونة بفكرها المتخلّف والمهووسة بأدواتها الجرمية البشعة، لإلغاء حضارة وادي الرافدين وشطب اسم العراق من الخارطة. فما حصل، كان ناجمًا عن صراعات طائفية ومذهبية وفئوية وأحيانًا فردية وشخصية بين أطراف تتشارك الحكم والسلطة والمال. وإزاء ذلك، فقدَ المواطنُ توازنَه ولم يعد يدرك إنْ كانت هذه الأطراف تحكم بحكم الشراكة والتوافق والاتفاق، أمْ إنها تسلك خطّ المعارضة بالاعتراض على كلّ شيء يصدر أو يبدر أو يُنجز من جانب حفنة السلطة، دولة وحكومةً وقضاءً. من هنا، يكون أتباع هذا التيار "الوطني" قد أجادوا الحكمَ لصالح توجيه كل أنشطتهم باتجاه بناء دولة مدنية متحضّرة تساوي بين مواطنيها وتحكم بالعدل ويسودُها دستور متطوّر يتناسب مع تقدّم العصر وتنوّع الفكر، وكذا بتحدّي أية محاولة لشقّ وحدة الأرض وتمزيق أواصر الشعب ومنع تقدّم المواطن أيًا كان، ومن دون تمييز.
ليسَ من السهل إحداث تغيير في ثقافة شعبٍ صادرتْ أحزابُ الإسلام السياسيّ إرادتَه بالطريقة التي عرفناها، وما تزال هذه وموالوها، يبتكرون غيرها من أجل ترويضه وإبقائه أسيرًا لأجنداتها وضمن قفصها العاجيّ بسبب ما أتى ذلك من ثمارٍ مادية وسلطوية على زعاماتها وأفرادها ومَن يقف وراءَهم داعمًا ومشجّعًا ومهدّدًا في أحيانٍ كثيرة. ف"مَن شبَّ على شيء، شابَ عليه". لكنّ روح المثابرة التي اتسم أتباع هذا التيار ومَن التحق به لاحقًا ومازال، كانت خيرَ محفّزٍ للمضيّ قدمًا، مهما كانت الصعاب وبلغت وطأة الاعتراض ولغة التهديد وأدوات التعسّف التي رافقت تظاهرات أيام "الجمعة" التي أصبحت تقليدية، من أجل نشر الوعي الثقافي والدعوة للدولة المدنية التي أضحت ضرورة بعدما شكّلت هاجسًا يتخوّف منه أصحاب المقدرة لدى الزعامات وفي صفوف السلطة التي روّضت القضاء وجعلتْ منه أداة لتأييد توجهاتها المنحرفة. ولو أنّ سلطة القضاء كانت على استقلالية في نهجها، لما استطاع مَن يمسك بزمام السلطة وبأبوابها الاقتصادية ونوافذها المالية أن يظلّ خارج دائرة المساءلة والأحكام العادلة. وهذا واحدٌ من أسباب عدم حصول تقدّم في الوضع المزريّ القائم منذ الغزو الأمريكي في 2003، بعدما خبرنا حكمًا دكتاتوريًا عائليًا دام أكثر من ثلاثة عقود، ولم نتعلّم الدرس. فالفاسدون والمفسدون في الوطن مازالوا أحرارًا طلقاء يتخوّف القضاء من ملاحقتهم ومحاسبتهم.
في الاستحقاق القادم، قد تبدو الطموحات بتحقيق شيءٍ من جزئيات الدولة المدنية، بمثابة ضوء آخر يلمع في أفق المستقبل. وهذا بحدّ ذاته بعضٌ من نجاح يُحسبُ لصالح النشطاء في التيار المدنيّ المتنامي الذي ينطلق ويتحرّك وفق رؤية سياسية واضحة، واسعة، إيجابية في التخطيط والمتابعة والتنسيق. فقد سئم العراقيون وعود الساسة الذين صادروا كلّ شيء، حتى إرادة الناخب وطموحاته في العيش الآمن وتحقيق السلام وراحة البال وبناء ما دمّرته الحروب والنزاعات والخصومات. وهم اليوم، أمام انتصارٍ ثانٍ، إن استطاعوا تحقيقه برفض كلّ فاشلٍ وفاسدٍ وكاذبٍ من الساسة الذين لعبوا بمقدّرات البلاد والعباد وأهانوا الإرادة وخانوا الأمانة، فسيثبتون حقًا أنهم أحفاد حضارات وسليلو أمجاد وبناة بلدان. ولكنْ، إنْ حصل وأعاد هؤلاء الساسة الفاشلون، المفسدون منهم والفاسدون، أو بعضٌ منهم، ذاتَ الدعاية الانتخابية وأفلحوا باستمالة شرائح من الناخبين البسطاء إلى صفوفهم ثانية بأية وسيلة قدرية أو دينية أو أية إرادة قهرية أو ترغيبية، فإنّ الدور الأكبر سيقع على المثقف وصاحب النهج الوطنيّ وحامل الفكر الإنسانيّ الناضج الذي لا يرضى بالظلم ولا يقبل بالوسائل القسرية مهما تنوعت وتشعبت وامتدت. فدور هذه الفعّاليات الثقافية والتنويرية مهمّ في إدامة تنوير العامّة التي يسهل اختراق إرادتها بفعل المغريات على تنوعها، مادية كانت أم بشكل وعود أو على أطباق دينية أو أوتارٍ مذهبية أو دفوفٍ فئوية. فهذه الأخيرة، أي الأحزاب المتجلببة بعباءة الدّين والعرق والمذهب، قد أثبتت الأيام، أنها غير قادرة على بناء وطن موحد جامع لكلّ المواطنين باختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، ولا أن ترسي سلامًا، ولا أن تخلق واحة للأمن وطمأنينة البال وراحة الفكر، بسبب نهجها الطائفي وسلوكياتها في الفساد المستشري في عظام زعاماتها ومَن والاها وناصرها وركبَ مشاريعها الطائفية والفئوية.
إزاء ذلك، ينبغي أن يأخذ هذا التيار ضمن استراتيجيته المستقبلية ودعواته للإصلاح بشيء من الأولوية، تأييد إجراء مراجعة شاملة للدستور ولبعض القوانين المجحفة التي تمّت المساومة عليها بالتوافق، بالرغم من فداحة مضارها وتأثير تطبيقاتها على شرائح واسعة مهمّشة في المجتمع العراقي ومنها تلك القليلة العدد، بسبب من تعالي بعض الزعامات وأحزاب السلطة على هذه الأخيرة وعدّها ثانوية، وعلى هامش الأغلبية الحاكمة. وإنْ كان فات أمرُ تفعيل بعض البنود التي أقرّها الدستور الأعرج الذي كُتب بنهج محاصصة طائفية تؤمّنُ حصص المشاركة في الحكم على أساس مكوّنات طائفية وإتنية، فلا بدّ من الضغط أيضًا قبل التوجه للاستحقاق الانتخابي القادم، باتجاه إعادة مطالبة النظر بهذا الدستور منذ الآن، وتكليف فقهاء ومتخصّصين في القانون لإعادة النظر في الكثير من بنوده التي خلت من سمة المواطنة والوطنية، ومالت أكثر لسياسة التحاصص على حساب المصلحة العليا للوطن ووحدة الأرض وبناء الإنسان وبيته وحفظ ممتلكاته وصيانة فكره وتأمين حرية الاعتقاد لديه.
هنا، لا بدّ من التذكير أيضًا، بضعف دور الجهة التشريعية التي لمْ تأمنْ من نخرها بالفساد وابتعاد ممثلي الشعب عن صيانة عهودهم لناخبيهم واللهاث وراء منافعهم الخاصة عبر مساومات وتشكيل صفقات مشبوهة بالضدّ من إرادة ناخبيهم. ونظرًا لضعف الرقابة على هذه الجهة، ولما يدور في الكواليس في مثل هذه الصفقات والمساومات، حبذا، لو زاد هذا التيار "الوطني" كذلك، من فعّالياته نحو المطالبة بإقرار تشكيل المجلس الاتحادي، الذي قد يكون ذراعًا قويًا في مراقبة الجهة التشريعية، التي زاغت وتلكّأت عن تلبية طموحات الشعب بإقرار القوانين التي تعزّز من قدرة الشعب وتجعلُه صاحب الحق قبل المسؤول في الدولة. فهذا الأخير، يُفترض أن يكون خادمًا للشعب وليسَ تمثيلَه لدور السيّد القابع في البرج العاجيّ المُحاط بالخدم والحشم، والمفعم بتكديس الأموال وبناء مؤسسات عقارية وشركات تجارية وأبراج انبهارية، بعد أن أعانه الدهر على تسلّق منصب واحتلال مسؤولية، غالبًا ما لا يستحقّها. وهذه حال الكثيرين من حديثي النعمة الذين أسقطتهم الأحداث المأساوية بأقدارها ليتسلّقوا على أكتاف غيرهم ويستغلّوا ما يستطيعون لصالحهم بالوسائل التي تعينهم على ذلك أو تلك التي يسعون إليها بوسائلهم الخاصة.
العراقيون اليوم جميعًا، أمام امتحان عسير، إن لم يستطيعوا تجاوز الأسئلة الصعبة فيه والردّ عليها بصورة إيجابية للتخلّص من الورطة التي أوقعتهم فيها الفلسفة الأمريكية الغازية لعقول الساسة الفاشلين ومَن والهم، بإدامة مشروع المشاركة التحاصصية للمكوّنات بدلاً من سيادة دور المؤسسات التي تبني الدولة وتدير شؤونها وفق الدستور والقوانين الوضعية، فإنّ مصيرهم الفشل مثل ساستهم. في هذه الحالة وفي ضوء نتائج الفشل، لا سامح الله والقدر، سيضطرّ الكثير من أتباع الديمقراطية الحقيقية والمنادون بها سبيلاً حيّا لإرساء السلام وعودة اللحمة الوطنية، إلى مغادرة الأرض وتفضيل الغربة حيث الأمن والأمان وسيادة القانون واحترام الإنسان مهما كان لونُه وشكلُه وعرقُه ودينُه ومعتقدُه.
لم يعد بوسع العراقيّ الناضج أن يتحمّل أكثر ممّا لاقاه وما شهده من مآسٍ وتجاوزات، بسبب حالة الفوضى وضعف المؤسسات الخدمية والأمنية والسيادية التي خلت منها الديار العراقية المعروفة بأصالتها وقدراتها. فكلّ يومٍ يمرّ، يطلع علينا البدر والقمر والشمس بمصائب وأعمال قتل ونهب وسلب واحتراب بين الإخوة الأعداء. وإنّه بسبب عدم وضوح الرؤية السياسية لدور المواطن وحقّه في المواطنة، يدفع الفقير وطالبُ الرزق النزيه حياتَه قربانًا بسبب الانفلات القائم حاليًا في الشارع العراقي، تحت مسميات كثيرة، ومنها بذرائع تطبيق الشرع بحقّ المختلفين عن دين الأغلبية. فهل نحن نعيش في دولة تحكمها شريعة الغاب وفق مفهوم نفرٍ من الفقهاء ضيّقي الأفق وعديمي النظرة الإنسانية وفاقدي البصر والبصيرة في حقوق خلق الله، الذي خلق العالمين مختلفين وفق نظرة ربّانية واسعة الأفق وتحت خيمة إنسانية وارفة الظلال؟ أمْ إننا نسعى لبناء دولة حضارية، عصرية، "مدنية"، ترقى بالإنسان إلى مقام الآلوهة التي حكمتْ بقدرتها بتساوي البشر في الخلق، إلاّ في الكفاءة وجودة الأداء وحبّ الله والإنسان والرحمة للآخرين وبالعبادة الصالحة والنصح بالحق بلا ملامة ولا افتراء ولا نفاق؟
يبقى هذا السؤال، نصب أعين المواطن البسيط والمثقّف على السواء، شاخصًا. ويتحمّل قادة التيار المدنيّ ومناصروهم من المتطوّعين ومن أتباع الأحزاب النظيفة التي تطالب وتسعى لتحقيق بلوغ الدولة المدنية، مسؤولية مواصلة الفعّاليات الوطنية من تظاهر متكرّر وتنسيق عالٍ بين روّاد الفكرة والشارع، وتجييش الأخير وتحشيد كلّ جهوده لصالح هذا المشروع، الذي إنْ جرى تجاوزُه إيجابًا في الاستحقاق الانتخابي القادم، فذلك يعني، وضع سكّة البلاد على الطريق الصحية الصحيحة. وفي ضوء هذه الأمنيات التي نأمل تحقّقها، سنصل بالبلاد والشعب على السواء إلى برّ الأمان وعودة البلاد وأهلها إلى الرقيّ في كلّ شيء، في الفكر المتنور والخدمة العامة والعلوم المختلفة التي فقدناها بسبب زلّات الساسة وفساد الحكّام والسلاطين.



8
هواجس الوجود المسيحي في العراق: سيُقال كان في هذه الأرض مسيحيون!
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آب 2017
- الجزء الثاني -
تناولنا في القسم الأول، ما يثير قلق أتباع الأقليات، ومنهم المسيحيين بصورة خاصة، من منغصات ومخاوف حول مستقبل وجودهم وما يرسمه القدر وأرباب السياسات من مصير مجهول يقضّ مضاجعهم ويضعهم هذا المصير على المحك. كما تطرقنا إلى الرسالة المسيحية وتجذّرها في المنطقة وفي المجتمع العراقي بصورة خاصة، والتي من مبادئها زرع بذور المحبة والرحمة من حيث انفتاحها على البشر جميعًا. في الجزء الثاني والأخير، نتناول دور الرعاة الكنسيين عبر التاريخ والتحديات التي تواجه هذا المكوّن الأصيل وهو اليوم في مفترق طرق صعب. ونختم المقال برؤية وطنية، هي أمنية كلّ مواطن نزيه يحب بلده ويضع مصلحتَه فوق أية مصلحة فئوية أو شخصية ضيقة.

دور الراعي في رعيته
كما نعلم، أنه في بدايات المسيحية الأولى وفي أيام انتشارها الرسولي وحتى مطلع القرن السابع عشر، ظلّت العقيدة النسطورية مهيمنة على جزء كبير من مدن العراق وبلداته، إلى جانب المذهب اليعقوبي (الأرثوذكسي) في بعض أجزائه، مع التزام الجماعتين باللغة السريانية التي ألهمت القائمين على كلتا الكنيستين بالسهر الدائم والحرص الرعوي على الرعايا وجماعاتهم. فكان الرئيس الأعلى للكنيسة من كلا الشقين، قائدًا روحيًا وراعيًا إيمانيًا وأبًا ساهرًا على حياة أتباعه وباحثًا عن حلولٍ لمشاكلهم ومدافعًا عنيدًا عن حقوقهم ومؤازِرًا متضامنًا معه في حياتهم اليومية مع بعضهم البعض ومع جيرانهم. أي أنّ الرأس في موقع المسؤولية الكبيرة، كان متهيّبًا من عظم المسؤولية الملقاة في أعناقه. بل كادَ أن يخشى عدم قدرته على مجابهة الصعوبات والتحديات التي يتوقع مواجهتَها بسبب ظاهرة الاضطهادات التي كانت تطال أتباع هذه الديانة على مرّ تاريخها، ليسَ خوفًا على روحه ونفسه وشخصه، بل من هاجس عدم القدرة على تأدية واجب المسؤولية التي تفرض عليه أن يكون خادمًا للجميع في ارتقائه لمسؤولية الجماعة ومستعدًّا للشهادة عن خرافه. فمسؤولية الجماعة كانت تعني، من جملة ما تعنيه، استعداد الراعي للتضحية بنفسه في سبيل الرعية، والقبول بتحمّل الشهادة عوضًا عنها، في أيّ وقت وأي زمنٍ قد يقلب الحاكم أو الملك ظهر المجنّ وينكّل بالأتباع لأيّ سبب كان. والشواهد في التاريخ كثيرة.
لذا لا عجبَ أن نقرأَ مثلاً، تهيّبَ الكثيرين ممّن وقع عليهم الاختيار كي يسوسوا الرعية، وتوجسَهم من تحمّل المسؤولية، بسبب عظم هذه الأخيرة التي كانوا يستشعرون بها، وكذا بسبب ضخامة العمل الذي كان في انتظارهم، الأدبي منه والروحي والأخلاقي والمادّي والجسديّ، على السواء. وهذا ما كان مطلوبًا من الرئيس الكنسيّ في مواجهة الصعاب مع الشارع والدولة والحاكم، بل حتى مع زملائه ومقرّبيه في مواقع الكهنوت المختلفة لأسباب عديدة.
بالمقابل، لا يمكن نكران حصول صراعات واحتدام نزاعات بسبب رغبة البعض بتقلّد مواقع الزعامة لأسباب شخصية وأخرى عائلية أو تحزبّية ضيقة. فقد كان لمثل هذه التصرفات والسلوكيات والنوازع، آثارٌ سلبية على حياة الرعية والجماعة، وعلى سير يوميات الإيمان في الكنائس والأديرة والمراكز الروحية والتثقيفية والعلمية واللاهوتية والأدبية. ولنا من هذه الأمثلة والنماذج، الكثيرُ في تاريخ كنيسة المشرق السريانية بفرعيها، وحتى بعد تحوّل جماعات من أتباعهما إلى الكثلكة بفعل تدخّل الإرساليات التبشيرية المتعددة التي لم تتورّع في إقامة الدسائس ونشر الفتن مع المختلفين والمقاومين لمعتقدهم، من الكاثوليك أو الانكليكان على السواء. ومازال هناك مَن يمنّي النفس ببلوغ السلطة الأسقفية ويسعى إليها بشتى الوسائل والطرق، حبَّا بالظهور وسعيًا للجاه والسلطة وما بين حنايا الأخيرة. وشتّانَ بين اشتهاء الرئاسة من الرعاة الصالحين والخدام الحقيقيين للرعية بالأمس، وما بين نفرٍ ممّن زادت شهوتُهم حدود المقبولية في هذه الأيام المنقلبة!

كنيسة العراق في مفترق طرق صعبة
اليوم، وبعد المآسي الكثيرة التي خبرتها الجماعات المسيحية ورئاستُها غير المتوافقة مع بعضها في العديد من الرؤى والهموم المشتركة في العراق، على تنوع هذه الكنائس، وعلى اختلاف الرؤى التي تتبناها هذه الرئاسات في تسيير دفة الأتباع وفي التفاهم مع الكنائس الشقيقة، يمكننا القول أنَّ كنيسة العراق أمام مفترق طرق يصعب التكهّن بمستقبلها ومصيرها. لقد دقّ الجميع نواقيس الخطر، بعد أن أنذر الكثيرون منذ زمنٍ، بشؤمٍ قادمٍ غير محسوب النتائج. فتراجعُ الوجود المسيحي في هذا البلد لأعداد كارثية، جديرٌ أن يُؤخذ بعين الحساب وبكثيرٍ من جوانب الخطر الذي يكتنف هذا الوجود الذي حافظت عليه أجيالٌ وأبطالٌ وهاماتٌ لغاية اليوم. فالوضعُ يُنذر بمصيرٍ مجهول، بل الوجود ذاتُه متوجه نحو الاختفاء والانقراض، بحسب الأحداث والبيانات أمام الأنظار وعلى أرض الواقع. وهذا ما نخشاه، لا سمح الله. فحقبة ما بعد داعش وما هو مخطَّطٌ له دوليًا في كواليس السياسة وفي مطابخ الساسة وكارتلات الاقتصاد، لا يمكن التنبّؤُ به. فقد تلد الأحداث ما لا تُحمدُ عقباهُ!
من جملة ما يعنيه التراجع القائم في الأعداد، التنصّل بطريقة أو بأخرى، بعدم حفظ الوديعة التي أوكلها الآباء والأجداد لأجيالهم عبر رئاساتهم الكنسية، أوّلًا ومَن يدّعي الدفاع عن الأتباع في دكاكين الأحزاب الفئوية، شأنُها شأن أحزاب الإسلام السياسيّ القائمة وغيرها من الأحزاب الطائفية التي تُحكم قبضتَها على مقاليد السلطة وبوّابات الجاه والمال والاقتصاد. ومن شأن هذا إن حصل، إسدالُ الستار عن أمانةٍ تقع على عاتق أعناق الجميع وضمائرهم، من رئاساتٍ كنسية أولاً، ومن أحزاب "مسيحية" أو "قومية متعصّبة تدّعي المسيحية" وتسعى لاستغلال الكنيسة لمصالحها ثانيًا، ومن مؤمنين ونشطاء مدنيين ومثقفين على السواء ثالثًا، ورابعًا وليسَ آخرًا الدول والكنائس الأخرى والجمعيات والمنظمات المسيحية وغير المسيحية التي تتفرجّ على النتائج الكارثية التي حلّت بواحدٍ من أهمّ البلدان في المنطقة التي دخلت فيها المسيحية ونمت وترعرت عبر كنائس وديارات ومزارات ومراكز ومدارس حملت معها عطورًا طيبة ومناهلَ صافية من ثقافة وتراث وحضارة وأخلاق تميّز بها المؤمنون عن سائر الجماعات في حياتهم الخاصة والعامّة.
خوفي وخوفُ العديدين، أن يُسدلَ التاريخُ والأحداث الأخيرة، الستارَ عن الهوية المسيحية، مرة أخرى، تمامًا كما حصل لها في مناطق ومواقع عراقية كانت بالأمس غنية بوجودهم، عنيدة بمقدرتهم، زاخرة بعطائهم الكبير. واليوم أضحت تلك، آثارًا وبقايا أبنية وخرائب في مناطق مترامية من أرض السواد العراقي. فيما يعمل الآثاريون والمتهمّون على جعلها مواقعَ سياحية جذبًا للأنظار واستدرارًا للحنين للأيام الخوالي، وكأنّي بهم يؤكدون توثيق حقبة تاريخية، كما فعل غيرُهم بتهيئة متاحف تشهد لذلك التاريخ المنقرض. أختام الشمع الأحمر المستقبلية التي يعدُّها التاريخ واللاّعبون الكبار فيه، إعلانًا بانتهاء الدور المسيحي وتاريخ المسيحية في العراق في قوادمِ السنين، ستكون خسارة كبيرة لما تبقى من آثار الهوية المسيحية المشرقية الرسولية وإنهاء دورها الريادي على مدى الأزمان والقرون والأجيال في بناء الأوطان، ومنها العراق. فنحنُ أمام أطرافٍ عديدة: منها من هي قاسية القلب وغير مكترثة دوليًا، ومنها من أثبتت أنها سلطوية ومتعصّبة العمل كنسيًا، وأخرى أنانية بفعلها وممارساتها، وغيرُها محبَطة وخائبة مسيحيًا.

ختامًا:
إننا ندرك تمامًا ما في الأفق وخلف الكواليس، وما يجري في مطابخ السياسة الكبيرة. فالأسياد يعدّون لطبخة صاخبة وقاسية لسيناريوهات جديدة بشأن ما تبقى أو سيتبقى من أتباع المسيحية وسائر الجماعات الدينية والعرقية، التي غدرَ بها الزمن وأحالَها إلى مكوّنات قليلة العدد اصطبغت بتسمية "الأقليات"، كما أرادها الأسياد، للمزيد من الإهانة وبهدف الاستخفاف بحقوقها والمتاجرة بمصيرها ومستقبلها، في الداخل وفي بلدان الشتات. فموجات الهجرة المخيفة التي نشهدها كلّ يوم، نتيجةً للضغوط الكثيرة وخيبات الأمل المتلاحقة والإرهاصات الكثيرة في التعامل مع هذه الجماعات المسالمة جميعًا، والمكوّن المسيحي بالذات على تنوع طقوس أتباعهم ومللهم ورئاساتهم، كلُّها إشارات سلبية لا تبشّر بخير، مهما ثابرَ وصبرَ ودعا الخيّرون والطيبون إلى وقف هذه المنغّصات ووضع حدود لمثيريها ومسبّبيها. فالمشكلة أعظم ممّا يتصوّرُه العديدون، حتى كاتبُ هذه السطور. فالمسألة هي مسألة حياة إنسانية حرّة كريمة وآمنة، أو موت بطيء لا يُعرف شكلُه وأوانُه وطريقتُه، أو انتظار معجزة، وعصر المعجزات ولّى ولن يعود!
لذا، ومن أجل إعطاء قدرٍ وافٍ من بصيص الأمل لما تبقى من هذه الجماعات المتناقصة التي آثرت سلك طريق الهجرة لشديد ما عانت منه من مآسٍ طالت جوهرَها ووجودَه وهويتَها، بالرغم من وطنيتها المشهودة، لا بدّ من بذل المزيد من الجهود لتبيان هذا الأمل حفاضًا على جذورها وأصالتها وتراثها وهويتها المتميّزة. فالعراقيون أمام امتحان عسير: إمّا أن يكونوا أوفياء لمواطنيتهم التي امتازوا بها طيلة تاريخهم المعهود في العيش المشترك الذي تناغم مع تعدديتهم الدينية والمذهبية والعرقية التي شكّلت خارطة البلاد وجغرافيتها وتراثها وهويتها العراقية، أو قراءة الفاتحة على ذلك الجبل الأشمّ الذي أُريد له أن يسقط، تمامًا كما يسقط الفارس من صهوة جواده، فينكسر ويخسر السباق بدل إكمال مسيرة الحياة الحضارية التي عرفه بها التاريخ، وما تزال بعضُ شواخصها قائمة بالرغم من إعمال يد الخراب والدمار بها على أيدي كواسر العصر من خوارج التطرّف المتشدّد الذي شوّه المقدّسات وحطَّ من قدر العفيفات وأراد العودة بالإنسان والبشرية إلى سوداوية عصور القبلية ووأد البنات وإلغاء الآخر المختلف عن ايديولوجيته العفنة والمتخلّفة.
لكنّ الشرفاء سيختارون الأصلح وسوف يعملون قريبًا على إعادة البيت الذي جرى تخريبه من جديد إلى عهد جبروته السابق، زاخرًا بالمجد والأنفة والمواطنة التي تقدّس العيش المشترك وتحترم خيار جميع المكوّنات وأديانها وأعراقها ومذاهبها، في إطار دولة مدنية متحضّرة مبنية على أساس المساواة والعدل والمحبة والاحترام. فالحلّ لن يأتي به الغريب ولا الأسياد الطامعون به ولا الغشاشون ولا اللصوص القادمون من خارج الأسوار الذين نهبوا الخيرات وحطّموا اللحمة المجتمعية وكسروا عصا العزّة الإنسانية وأهانوا هيبة الدولة، بل أبناءُ الوطن الأوفياء من الصابرين النزهاء. فمتى ينفذ الصبر، وقد آن أوانُه في الهجعة التالية من الانتخابات القادمة، سيكون للشعب المظلوم صولةُ وجولة إزاء سرّاق قوته وناهبي ثرواته وكاسري وطنيته. فالحكومة القادمة ينبغي أن تكون حكومةَ مواطنةٍ وليس جزءًا من دولةِ مكوّنات تتخذ من المحاصصة مشروعًا للثراء وتقسيم الثروات بين الحرامية وإلغاء الآخر وإقصاء أتباع الأديان والقوميات الأصيلة القليلة العدد ودفعهم للهجرة إلى المجهول. فالعراق وطن الجميع وسيبقى كذلك.
    

9
هواجس الوجود المسيحي في العراق: سيُقال كان في هذه الأرض مسيحيون!
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آب 2017
- الجزء الأول -
تتوالى الأيام وتمضي الأشهر وتنقضي السنون، ومعها تتراكم المشاكل وتكثر المنغصات والمحن، وسط مستجدّات سياسية واجتماعية وأخرى غيرها، ليس على المسيحيين في العراق فحسب، بل على شعوب المنطقة ككلّ. كتابات كثيرة، ومتابعات مثلُها، وردود أفعال متباينة تتصدر المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وكلّها تستنجد بتوقّع الأسْوَد القاتم القادم حول مصير كنيسة المشرق الرسولية ومسيحيّيها في العراق والمنطقة على السواء، حالُهم حال باقي أتباع الديانات القليلة العدد التاريخية الأصيلة في المجتمع النهرينيّ. ومجملُ هذه، لا تحمل بيانَ رجاء وتطلعاتِ أمل في طياتها وتحليلاتها وقراءتها للواقع المرّ المتدهور، المتجّه من سيّء إلى أسوأ، بل الماضي نحو التراجع والتناقص الكارثيّ المتلاحق، ما يهدّد بآفة الانقراض في الوجود والهوية والبقاء.
تُرى، هل سيأتي يومٌ، فيه ستذكّر أجيالٌ قادمة بوجود جماعات مسيحية أو إيزيدية أو صابئية أو بهائية أو ما كان من أمثال هذه المكوّنات الدينية والعرقية قليلة العدد، في أرض العراق، كما حصل مع اليهود مثلاً؟ وهل سيتحدث التاريخ بصدق عن بقايا أو آثار هذه الجماعات الأصيلة وعن مواقفها الوطنية التي لا شائبة عليه وعن الحضارة والمدنية والثقافة والتراث التي ساهمت ببنائها وتكوينها بكل إخلاص وثقة وأمانة في بناء البلد وتميزت عن الأكثرية الحاكمة والمتسلطة من خارج تشكيلاتها وأديانها وأعراقها؟ وهل ننتظرُ أعجوبة تعيد الحقّ إلى نصابه، وتردّ "ما لقيصر لقيصر وما لله للّه"، وتنصف المظلوم على      الظالم كي تحظى هذه الجماعات بما تستحقه من حياة عادلة ومتساوية دينيًا وماديًا وسياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا وعلميًا وما سواها؟ أم إنَّ زمنَ العجائب قد ولّى، ولم يعد له من وجود ولا ظهور في زمن العصرنة والتأوين والحداثة والخدمات الالكترونية المستنبطة المتكاثرة مع تطوّر العلم واتساع خيال الفكر البشري وطموحات البشر التي ليس لها نهاية ولا حدود؟

رسالة المسيحية
رسالة كنيسة المسيح بعيدة الرؤية، متجذّرة، منفتحة لا تعرف الحدود ولا التقوقع ولا الانكفاء على الذات ولا العزلة في زوايا التخلّف، لأنَّ قوتَها من قوّة مؤسسها، وهي مبنية على الصخرة، صخرة المحبة أولاً، وصخرة الرجاء ثانيًا، وصخرة الإيمان بإله واحد قادر على كلّ شيء ثالثًا وليسَ آخرًا، ومنها اجتراح العجائب في الوقت المناسب. ممّا لا شكّ فيه ونؤمن به، أنّ هذه الثلاث معًا: الإيمان والرجاء والمحبة، هي مفتاح كلّ سعادة وكلّ خير وكلّ مشروع يبدر عن كنيسة المسيح، أينما كانت وكيفما كانت ومهما كان حجمُها وطبيعتُها وشكلُها، ذلك لأنّ من بين ينابيعها الرحمة التي تقدّرها الأديان التوحيدية جميعًا. قد يكون هذا من باب "اليوتوبيا"، أي "الطوباوية" غير ممكنة التحقيق والتطبيق بسبب ما تحمله هذه الرؤية المنفتحة من عناصر فكرية تتجاوز نطاق التفكير البشري وقدرتَه على التفاعل مع المستجدّات ونوازع العصر الكثيرة والترّهات التي تضربُ أطنابَها في كلّ مكان وكلّ حدث وأيّ بلد ومنطقة وجماعة. لكنّ كلمات المسيح "وأبوابُ الجحيم لن تقوى عليها"، تُبقي في حناياها بقايا أملٍ وسلوانٍ بمدى مفعولها وسط التسونامي الظالم الذي يضربُ المسيحية في العراق والمنطقة والعالم.
لستُ هنا بصدد مناقشة تأييد أو رفض ما يُطرح عن إشكالية كنيسة العراق، بالأمس واليوم وغدًا، ومعها مشاكل المسيحيين عمومًا وما سواهم من جماعات تتناقص أعدادُها مأساويًا مع توالي الأيام، في ضوء ما تقرأُه الأحداث وتسرده الوقائع اليومية المستجدّة التي لا تبشّرُ بالخير أبدا. فكثيرة هي الأفكار والنظريات التي تسير في مثل هذا الاتجاه السلبيّ لتَصَوُّر الأحداث في قوادم السنين، التي قد لن تشهدُها أجيالُنا الحالية. ولكنّ الأجيال القادمة، ستكون هي مَن يشهد على الأحداث، مهما حصل واستجدّ. إلاّ أنَّ ما يمكن قولُه وإثارتُه بشيء من الحسرة والخذلان، مدى التذمّر القائم والإحباط الحاصل في صفوف أتباع هذه الديانات الثلاث المهدَّدة أكثر من غيرها بالانقراض.
 هذا ما يخشاه المسيحيون، قبل غيرهم من المكوّنات الأخرى القليلة الأعداد، من أن يأتي يومٌ تقول فيه أجيالٌ قادمة بعد سنوات عجاف: كان في العراق يومًا مسيحيون، وكانت بلداتُهم من أمثال قره قوش وبرطلة وكرمليس وبعشيقة وتلكيف وباقوفا وباطنيايا وتللسقف وألقوش والشرفية وميركه والموصل والبصرة وبغداد والعمارة والحلّة وغيرها، تمامًا كما نتحدث نحن اليوم، في ضوء قراءتنا للتاريخ وفي ضوء تقليبنا لصفحات أحداثه ونبش دُرَرِه ومزاياه التي لا تُحصى ولا تُعدّ. فكُتُبُ الأقدمين خيرُ شاهد على ماجريات الأحداث وما سطّره فيها أتباع هذه الديانة المسالمة بخاصة، منذ قرون خلت قبل أكثر من ألفي سنة، عندما سطعت شمس المسيحية وانتشرت في كلّ ركن وكلّ رقعة، ولم تترك مقاطعة أو منطقة دون أن يكون لهم فيها من شهادة تاريخية زاخرة عبر دير أو كنيسة أو مركز ثقافيّ أو مدرسة تنشر الخير والإيمان والسلام والمحبة. فقد رَسمَ المسيحيون القدامى، شهاداتٍ ساطعة بتدوين شيءٍ من ذلك التاريخ الوفير الزاخر، فيما غيرُهم نَقروا شيئًا من حياتهم الإيمانيّة النابضة آنذاك في صخور الجبال وبواطن السهول وأعالي الروابي والأكمات بأشكالٍ ووسائل مختلفة. فكان هؤلاء جميعًا، مثل غيرهم من ذوي النيات الحسنة والإرادات الطيبة، شهودًا وشهداء للحقيقة للإيمان وللأرض والوطن.

عمق تاريخي في الذاكرة
حين نقرأ تاريخ الآباء الجهابذة والأجداد الأفذاذ، تنتابنا القشعريرة ونُصابُ بالدهشة ويغلبُ علينا الغضب معًا، عندما نحاول معرفة الأسباب والبحث عن المسببات التي قلبت الزمن من ورديّ مزيَّنٍ ببياض الطهارة والنقاوة وصفاء النية إلى أسودٍ قاتم مترَعٍ بحمرة الدم ومصحوبٍ بعلقم المرّ الذي يمسك بالخناق حتى الموت المشؤوم. فذلك التاريخ الزاخر المأسوف عليه، كلّما أمعنّا فيه تحليلًا وتدقيقًا ومذاكرةً، يخطفُنا بألبابنا وأفكارنا وأمنياتنا إلى حقبة شهادة الأيام الخوالي المرصعة ببذرة الإيمان الحقيقية والمطيَّبة ببخور الخير والمحبة والعطاء حيث نبوغ الرؤية وعمق العقيدة ورسوخ الفكر والاستعداد الدائم للشهادة، للحياة والموت على السواء. ليس في هذا التذكير من تجنٍّ بقدر ما هو قراءة للحدث، أتشاركُ فيه مع العقلاء والحكماء والمتنورين من منصفي التاريخ والأحداث، بأيّ شكل كانت أو أيّ نوع أتت.
مقصد التذكير هذا، يحملُنا على الابتعاد عن كلّ توجّس معاكس ومنافٍ للحقيقة والواقع. فهذه إرادة السماء وقدرة الأقدار التي تفوق طاقة البشر أحيانًا، مهما حاولَ واستبسلَ وقاومَ. وبالتالي، نكون نحن بسطاء الشعب، قد اقتنعنا جميعًا، أو بالأحرى أقنعنا أنفسَنا بأنّ الحياة ماضية في طريقها المرسوم، وأنها لن تكون أفضلَ ممّا هي عليه "ما تصير أحسن"، وأننا قد فعلنا ما توجب علينا رصدُه والتحذير منه والخوف عليه، والباقي على الله والأقدار وما يمكن أن تأتي به هذه من نعَم ونقَم.
بالتوازي، بل بالتناقض من موقف البسطاء من أمثالنا من الذين لا سطوة ولا سلطة ولا قدرة على فرض الأشياء وتقرير الأمور وتوجيه الزعامات المختلفة في الدّين والمجتمع والكنيسة، يترتب على الرئاسات الكنسية المالكة سعيدًا، أن تقرأ الأحداث من مناظير مختلفة ومن زوايا عديدة كي تعي حجم المشكلة وتبادر إلى خلق الأجواء التي تتيح لمختلف جماعاتهم وأتباعهم وكنائسهم بتبيان خارطة الطريق لمستقبل أكثر إشراقًا وأفضل حياة وأمنًا وحريةً. وهذه دعوة ملحة كي يتحققوا بالتالي، من الأمانة التي أُوكلت إليهم عندما تدرّعوا بسلاح الرئاسة ولبسوا صليب الجلجلة على صدورهم في قيادتهم للرعايا والكنائس، بنعاجها وكباشها وتيوسها وغنمها وثيرانها (عذرًا على الوصف المتجاوز للأصل)، وكلّ الأشكال والأنواع التي تحويها إبرشياتُهم وكنائسُهم ورعيّاتُهم. وفي هذا الوصف، لن أستثني أحدا، وبدون زعل أو تبجّح. فالمسيحية مثل سائر الجماعات العرقية والدينية المتناقصة باطراد، قد وضعتها الأحداثُ والوقائعُ الأخيرة على المحكّ، وأمام خيارات صعبة، ربّما لا تقوى على حملها بعض الرئاسات الراهنة التي كاد عقدُ بعضها ينفرط، ونحن نشهدُ على تآكلها وهونِها من الداخل بسبب تراكمات التاريخ وأنواع الضغوط ومتاهات المغريات والوقائع الصعبة التي تجاوزت بطبيعتها وقوتها وأدواتها، المقدرةَ البشرية والطاقة الاستيعابية على التحمّل والصمود. ولئن، كنّا نعذر في وصفنا بعضًا من هذه الرئاسات، بسبب ما شهدته المنطقة والبلاد من ضغوطٍ وممارسات وإرهاصات تجاوزت حدود الصبر المقبول والطاقة المحدودة لشخوصها وتأثيراتها، فإنّ ذلك لا يعني من جملة ما يعنيه إعفاءهم من ترتيبات وإجراءات وممارسات وسلوكيات أثارت شكوكًا وزرعت شبهاتٍ وخلقت إحباطًا لدى المؤمنين والأتباع، بغضّ النظر عن تعلّق بعض هؤلاء الأتباع وتمسّكهم بالدين وبالولاء للكنيسة وللمسيحية بشكلٍ عام.
 ما ينبغي أن نتحقق منه وننادي به في السرّ والعلن، أنّ "الكلّ في الهوا سوا"، وما يصيبُ هذه الكنيسة وهذه الطائفة وهذه "الزعامة" وهذا المكوّن سيكون له تأثير على الجميع. إن تداعى عضوٌ في الجسد الواحد، تداعت له سائر الأعضاء!
عندما نتصفح التاريخ ونقلّب أوراقَه العتيقة، يتبادر إلى ذهننا، ذلك الكمّ الهائل من الجماعة المسيحية وأدواتها، التي شملت مختلف مناطق العراق، من شماله إلى جنوبه، مرورًا بوسطه العامر ووصولاً إلى غربه وشرقه. فمن جبال كردستان العراق العصيّة إلى سهوله في السليمانية وأربيل ودهوك، مرورًا بسنجار والموصل وسهله المترامي وبلداته وقراه، عبورًا بكركوك وتكريت وسامراء، ومنها إلى بغداد والمدائن وبعقوبة والحبانية والكوفة والحيرة والنجف وكربلاء، وصولاً إلى واسط والحلة وانتهاءً بالعمارة والبصرة والعشار. فكلّ مناطق العراق وبلداته وقراه المنتشرة في مضارب أرض شنعار (العراق)، كانت تنبض بالتاريخ الزاخر للمسيحية التي سطّر فيها أتباعها صفحاتٍ مشرقة ألهمت البلاد والمنطقة بكلّ آثار الفكر والثقافة والتنوير إلى جانب أثواب الإيمان والزهد والصلاة، وتلابيب الأخلاق والعلم والحكمة على توالي السنين والقرون والأجيال. وكلٌّ من هذه المدن والأصقاع لها حكاياتُها وتاريخُها وشخوصُها وشعراؤُها وملافنتُها وفلاسفتُها وحكماؤُها وملوكُها ووزراؤُها وعلماؤُها وسادتُها وأديرتُها وكنائسُها وجثالقتُها وقسسُها ورهبانُها وأديرتُها وكتّابُها ونقلتُها. ومّن يريد غرف المزيد بصددها، فما عليه سوى العودة إلى كتب التاريخ، على قلّتها واندثارها بسبب عوادي الزمن والتقاعس بالقراءة والعزوف عن النهل من الينابيع الصافية للآباء والأجداد ومن كتاباتهم ولغتهم وتراثهم التي تزخر بها متاحف العالم وتفتقر إليها بيوتُنا وقلوبُنا وأفكارُنا.



10
مَن له حق الحديث عن مصير سهل نينوى وتقرير مستقبل شعوبه؟
لويس إقليمس
بغداد، في 12 تموز 2017
صدرت الترجمة المعتمدة للبيان الختامي والتوصيات التي أعدّها منظمو مؤتمر بروكسل المنعقد بالعاصمة البلجيكية، للفترة من 29-30 حزيران 2017، وشاركت فيها رئاسات كنسية وزعامات سياسية وشخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب الحاضرين من نواب وشخصيات غربية رعت وأيدت الحدث.
لستُ هنا بصدد إطلاق هتاف تأييد أو صرخة رفض بخصوص نوعية المشاركة وحجمها والغرض الفعليّ المتوخى من وراء تنظيم المؤتمر الذي يخصّ شريحة متألمة ومهمّشة ومتناقصة باضطراد ممنهج، بسبب الهجرة والنزوح للأسباب التي يعلمها الجميع. إنّما يبقى من حقّ العقلاء والمثقفين ورواد المجتمع، الدلوُ بدلوهم، بالرغم من حرمانهم القسريّ من المشاركة في إبداء الرأي فيما يخصّ شؤونهم ومستقبل أهلهم وأحبائهم ومصير بلداتهم المنكوبة، بسبب استبعادهم من مثل هذا الحق من جانب الزعامات، دينية كانت أم سياسية، ولسبب بسيط لكونهم من خارج التشكيلات الحزبية أو من خارج دارة القرابة والصداقة والانتفاع. فهذه الأخيرة أي الأحزاب والرئاسات، وبما أوتيت من قوّة وعزم وإرادة ونوايا مدفونة ومعلنة، لا يطيب لها الاستماع دومًا لآراء هذه الشريحة المدنية المستقلّة في فكرها ورؤيتها للواقع المزري، سواء كان ذلك في رحاب الدولة الاتحادية أم في الدولة الفتية القادمة المولودة من طموحات إقليم كردستان الحالي.
بيان بروكسل، تضمّن من جملة المطالب المشروعة، أفكارًا جانبية مدسوسة قابلة التأويل، يقرأ اللبيبُ من بين سطورها، الغاية الأولوية من تقرير عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت بالذات: الاقتراب من نهاية داعش الإرهابي في مدينة الموصل، عقر دار دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، وإعلان الإقليم قبل أيام عزمه الذي لا تراجع عنه بإجراء الاستفتاء وتضمينه مشاركة ما يُسمّى بالمناطق المتنازع عليها فيه. ومثل هذا التوقيت، جاء للتأكّد من حصول وإيلاء ضمانات شبه أكيدة من المشاركين من مكوّنات الأقليات الرئيسة، ومن المكوّن المسيحي بالذات، الذي ترتب عليه تأكيد مثل هذا الالتزام بما سبق أنْ أقرّه وبصمَ عليه عرّابون آخرون في وقت مضى، سياسيًا وحزبيًا وثقافيًا، بعضهم دفنهم التاريخ وآخرون مازالوا يلوكون ذات التغريدة. فقد اقتنع العديد من هؤلاء، إنْ لم يكونوا قد ارتضوا صاغرين من ناحية توقيت عقده والنتائج الصادرة عنه بما فيها من دسّ مستتر، نتيجة لما نالوه من منح وبركات ووظائف وهدايا وإكراميات وعمارات وبناء مؤسسات لمختلف الأغراض وكنائس وغيرها كثير. وبالطبع، كلّ هذه الإكراميات لا يمكن أن تكون بغير ثمن. فهذا الأمر، لا غبارَ عليه، مهما جاء أمرُ إنكاره أو تحاشيه أو نقضه أو تكذيبه. ما علينا، كما يقول صاحب الرواية الطويلة وخبير مثل هذه المفاهيم، وهو مجهول الهوية بطبيعة الحال، فالعصفورة اللطيفة لا تكذب ولا تُكذِّبُ ما يجري في الكواليس وما يُدار في أروقة السماسرة من كلام واتفاقات ومجاملات وتعهّدات. وها هي التصريحات والإعلانات والانبطاحات تتوالى حول حتمية شمول سهل نينوى بقرار الاستفتاء وبضمّه إلى الدولة الكردستانية العتيدة. فهؤلاء المنبطجون واللاّهثون من دون تفكير معمّق وراء هذه الإرادات والرغبات المشبوهة في مجملهم إلاّ النزر اليسير، ليسوا أصحاب الشأن ولا أرباب الأرض ولا أهل الدار ولا أصحاب القضية، بل هم أغراب ممّن يسعون لإحداث تغيير ديمفرافي في مناطق تواجد المسيحيين الذين يتباكون على حالهم ويتاجرون بمأساتهم حتى لو كانوا من ذات المعتقد، لأنّ سموم الدسّ مؤشرة في جميع تصرّفاتهم وتحرّكاتهم.
الأمر المهمّ في مثل هذه المؤتمرات، سواءً التي عُقدت في السابق، أوتلك القادمة المنتظر تكرارُها بسبب ما تدرّ على المنظمين من فوائد جمّة لهم ولمواليهم، ومن استغلال هؤلاء لسذاجة بعض المشاركين الذين يرتاحون لتغيير الأجواء المظلمة في عراق الفوازير والعجائب بسبب نقص الكهرباء، والشديدة القيظ بسبب نقمة السماء على أهل الدار السوداء،هو أنْ يعي المنظمون والمشاركون معًا، مَن هي الجهة المخوّلة حقًا بالتحدث باسم المكوّن المسيحي ورسم صورة مستقبلهم في ضوء الوقائع والأحداث والتخبّط، في كلّ من حكومتي المركز والإقليم، حيث اضطرّ غالبية النازحين والمهجّرين من بيوتهم للإقامة في أراضي الإقليم بسبب قربها من مناطقهم التيطُردوامنها، وبعد أن فقدوا أملاكهم وأمانهم، وسُلبوا حرّياتهم بالتعبير عن آرائهم وإبداء تصوّراتهم.
الرئاسات الكنسية التي تحوّلَ بعضُ لاعبيها إلى زعامات وخاضوا مجال التجارة في السياسة وأجادوا في ترويض النفوس الجائعة وفي إقناع أصحاب النفوس المريضة من التي لا حول ولا قوّة لها، لم تُثبت استقلاليتَها ولم تصنْ مجالَ خدمتها للنفوس كما ينبغي، وهي الكفيلة بهذه الرسالة لا غيرُها. وهذا واضح في المناكدات والاعتراضات والثورات التي حصلت من داخل المؤسسة الكنسية نفسها وبين بعضها البعض، سواء داخل الطائفة الواحدة أو الكنيسة الواحدة، أم فيما بين الطوائف نفسها، زعامات وكوادر وقواعد للمؤمنين على حدّ سواء. بل إنّ اتهامات متبادلة تُشاع بين فترة وأخرى، وقلّما تخلو صفحات المواقع الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من مثيلاتها. والأنكى من ذلك، ما يرِدُ من ردود التكذيب أو التأكيد وبما يخلق حالات من الشك واليقين فيما يُقال ويُكتب.
بدورها، الأحزاب المسيحية المتواجدة على الساحة السياسية، بالرغم من كون أغلبها، إلا الأصيلة منها التيلا تتجاوز اثنين أو ثلاث على أوسع تقدير من ذوات القاعدة الشعبية الواسعة نسبيًا، هي عبارة عن دكاكين أو مكاتب صغيرة، كما جاز لأحد الزملاء وصفَها، وقد صدق. فهي حقًا مقرّات لنفرقليلمنالمنتمين الموالين لحكومة الإقليم، والذين لا يُجاز لهم الخروج عن طاعة وليّ النعمة. فهُمُ بمثابة جنود وُدَعاء يأتمرون بأمر وليّ النعمة الذي تكفّل بكلّ المصاريف والمرتبات والمخصصات والهدايا وإيجار المقرّات وعقد المؤتمرات والندوات وسائر النشاطات التي تؤدّي جميعًا إلى تأييد الرغبة بالانضمام المبدئي إلى الإقليم والدولة الكردية القادمة، بموجب فرمانات مصدّقة صدرت عن نفرٍ من شخوص الأحزاب وزعامات الكنائس وتمّ استلام أثمانها. أنا لا أعمّم، بل الحقيقة القائمة لا يمكن نكرانُها أو إخفاؤُها. فهناك من السامعين الجيدين ومن القارئين المجيدين وممن المحلّلين الأكفاء في كلّ هذا وذاك. وذاتُ الوصف الذي ينطبق على المجموعتين المعنيّتين، يمكن قولُه عن الذين استلموا مواقع حزبية ومناصب إدارية متقدّمة في حكومة الإقليم. فهؤلاء ليسوا بأفضل من المجموعتين المذكورتين.فلا استقلالية في اتخاذ القرار ولا حرية في إبداء الرأي. كيف ذلك، وهم بين المطرقة والسندان؟
 من هنا، لا ينفع من كلّ هؤلاء، ولا يُقبل منهم سوى النصح والمساعدة للخروج من المأزق وتذليل الصعاب من أجل اتخاذ القرار المناسب بمصيرهم، اي بعيدًا عن وصاية الأحزاب الغريبة عن أهل المنطقة، حتى لو ادّعت الانتماء لذات الدين. أمّا التدخل السافر القائم حاليًا من جانب بعض هذه وغيرها من االذوات غير المستقلّة في الرأي، أو المنحازة لجهة لا تجمع ولا تؤمن بوحدة البلاد والأرض، أو ممّن يستسيغون التملّق لجهات طامعة على حساب حق ومصير أصحاب الشأن وأهل الدار والأرض أو يدّعون فرض الوصاية عليهم من دون وجه حق، أو يعلنون النطق باسمهم، فهذا لا يمكن القبول به وينبغي فضحه وردّه ورفضُه من العقلاء والحكماء والمثقفين وأصحاب الشأن.
هنا السؤال والتساؤل: أين موقع النبخة المثقفة من كلّ هذا وذاك؟ وهل من حقّ الكنيسة ورجالاتها، والأحزاب وأزلامها، وأصحاب المناصب ومَن يتودّد إليهم قربًا ومنفعةً، أن يكونوا أوصياء وناطقين باسم الشعب، الذي من حقّه قول كلمته بشأن مصيره ومستقبله عندما يستوفي شروط النطق والاختيار والتقرير؟ وإذا كانت الحرية المنقوصة التي أتى بها الغازي الأمريكي بعد سقوط ما سُمّي بالنظام الدكتاتوري البائد، ومثلُها الديمقراطية غير الناضجة التي طالما تمنيناها وحصلنا عليها بهذه الطريقة المخجلة، هي حادينا ودليلنا وأملنا لمستقبلنا ومصيرنا، فتبًّا لهما كليهما. فالغرب وأدلاّؤُه وعملاؤُه وأزلامُه هم مَن خلقوا هذه المشاكل وأوجدوا الأسباب لكلّ هذه وتلك.ثمّ إنّ "المطالب لا تأتي بالتمنيّ بل تُغتصب وتؤخذُ غلابًا".وهذا ما شنّفت به أسماعَنا إحدى أغنيات الراحلة كوكب الشرق وهي تحثّ شعب الكنانة والعرب على ما قاله الشاعر المبدع أحمد شوقي في إنهاض الهمم وإيقاظ الأمم من سباتها.
في مناسبات كثيرة، في المؤتمرات كما في الشارع وفي لقاءات المقاهي والنوادي والمراكز الدينية والمدنية ومقرّات الأحزاب والمنظمات، تحدث الكثيرون وسيتحدثون عن جملة مطالب وتصوّرات وطموحات، هي من صلب حاجات أهل المنطقة المنكوبة. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأرض وديمغرافية البلدات والانتماء والهوية الوطنية، فهذا لم يعد شأنًا للمساومة ولصفقات التجار والعرّابين وأصحاب الرهانات، أيًا كان شأنُهم ودينُهم ومذهبُهم وتوجهاتُهم ومواقعُهم في السلطة أو خارجَها. ولكون المرحلة الراهنة فترة حرجة تشهد فيها البلاد فترة من عدم الاستقرار والفوضى الخلاّقة والصراعات الطائفية والعرقيّة والمذهبية، وتدير معركة ضروس ضدّ أعتى تنظيم جهاديّ مسلّح نشأ ونما واستأسدَ وحكمَ وسبى وقتلَ واغتصبَ وطردَ ونشرَ فكرًا متطرّفًا يصعبُ قلع شأفته بسهولة، فهذا يُضاف إلى سائر الأسباب الوجيهة التي تقتضيالتروّي في تقرير المصير ومن ثمَّ الكفّ عن المطالب غير المنطقية والبعيدة عن العقلانية والابتعاد عن التسقيط والتخوين، لحين انقشاع الغيمة السوداء التي قد تطول لسنوات أخرى.
 من هنا يكون ترك مسألة تقرير المصير حتى استتباب الأمن والأمان، وعودة المهجَّرين والنازحين بعد تهيئة إجراءاتها وما تتطلبه هذه الفترة من إعادة الخدمات الأساسية وإعمار البنى التحتية وإصلاح البيوت المدمّرة وتعويض المتضرّرين والتأكّد من تجفيف منابع الفكر التكفيري في القرى المجاورة للبلدات المنهوبة والمدمّرة التي داسها أهل هذه القرى ودنّسوها وسلبوها وأعملوا فيها الخراب والدمار بتشجيع من عصابات داعش المسلحة التي احتلتها لأكثر من عامين. أمّا الضغوط الكثيرة التي تُلقى هنا وهناك والتحرّكات المشبوهة لنفرٍ من المرتمين في أحضان أصحاب المطامع والطوحات الكبيرة التي لا حدود لسقوفها، فهي غير مقبولة ولا أخلاقية، بينما لا تزال المأساة قائمة والهاجس الأمني باقٍ وأصحاب الأرض خارج مساكنهم وأملاكُهم في مهبّ الريح وتاريخُهم وتراثُهم وثقافتُهم في خبر كان. تقرير المصير ينبغي التمهّل فيه والتروّي ولا يمكن أن يصير بجرّة قلم أو تحت ضغط سيف مستلّ على الرقاب أو تحت طائلة الانتفاع والتجارة بمستقب شعبٍ مغلوبٍ على أمره لا يملك غير سلال الغذاء التي يتكرّم ويتحكّم بها صانع القرار وفقًا للمزاج والمصلحة والظرف. وهذا لا يتقاطع مع حق الكرد في تقرير مصيرهم لوحدهم وليس زجّ غيرهم فيه من دون وجه حق! أنا مثل غيري أقف مع الشعب الكردي في مسألة تقرير مصيره وحقه في الاستقلال، إنْ كانت هذه هي إرادتُه. فهو أدرى بشعابه. ولكن من دون إقحام شعوب المكوّنات المغلوبة على أمرها في هذه الإرادة والرغبة، التي قد تتحوّل إلى إشكالية شديدة التعقيد، فينقلبُ السحرُ حينئذٍ على الساحر. وهنا الطامة الكبرى!
لستُ هنا أجافي الحقيقة ولا أقول بنتَ عمّها، بل هي الحقيقة القائمة التي يعرفها كلّ مَن يُعملُ الفكر والعقل والضمير. فليس من المعقول أنْ تطلب ممن استجارَ بك أن ينكرَ ما أبديتَ تجاهَه من مساعدة وتكريم وتعاطف. فهو في كلّ الأحوال عندما يجد السيفَ مستلاً على رقبته، لن يكون بمقدوره نفيَ ما تريدُه أو التقاطع مع ما تقوله. وهذا ما خشيناه ونخشاه من نية رئاسة الإقليم وحزبها الحاكم من فرض أجندته على عموم النازحين الذين استجاروا بهم وسكنوا في أرضهم، وهي ما تزال جزءًا من أرض العراق الاتحادي وليستْ ملكًا لأحد.  فلا الحشد الشعبيّ ولا سطوة حكومة الإقليم ولا أية جهة غيرهما حتى لو أتت من جانب الرئاسات الدينية والحزبية، من حقهم فرض أجندتهم على أهل سهل نينوى المنكوبين، سواء كان هؤلاء من المسيحيين أو الإيزيديين أو الشبك أو الكاكائيين أو التركمان أو حتى العرب منهم. وأمّا الذين ينعقون وراء السرب في أبراجهم العاجية من غير رويّة ولا تقدير للمواقف ولا رؤية مستقبلية لما قد تأتي به الأحداث، فعليهم مراجعة الذات ألف مرّة قبل الإقدام على ارتكاب هذه الخطيئة القاتلة في الروح والضمير والعقل والأخلاق.
أمّا الطموح بإنشاء محافظة في منطقة سهل نينوى أو منح أجزاء منه نوعًا من إدارة ذاتية، فهذا حق مشروع، ويكفلُه الدستور لسائر المكوّنات. ولا بأس بالتفكير مستقبلاً بإنشاء إقليم على غرار إقليم كردستان. فإذا كان الغربُ المتبجّح وساسةُ البلاد صادقين مع أصحاب الشأن ومع أنفسهم ومع العالم، لماذا لا يدعمون مثل هذه المطالب مستقبلاً عندما تستقرّ الأوضاع ويعود المشرَّدون إلى ديارهم وأملاكهم ومساكنهم ويكونوا سادة أنفسهم من دون إملاءات أو فرض إرادات أو ضغط إدارات. هذا هو عينُ الحق، وهو ما يجدر بأصحاب الأجندات أن يعملوا وفقه وليسَ وفق مخططات وأطماع غيرهم.
فلا تقاطع إذن، مع قائمة المطالب المشروعة والتوصيات التي خرج بها مؤتمر بروكسل الأخير، بالرغم من المقاطعة من جانب قيادات دينية وحزبية وشخصيات قليلة، إلاّ فيما تُشمّ منه رائحةُ مخطّط لتقسيم الموصل وإلحاق أجزاء من أراضيها بالإقليم بالطرق والوسائل والأدوات التي باتت معروفة للجميع. فمثل هذا السلوك القسريّ بهذه الأدوات، غير مقبول في هذه المرحلة الحرجة، ومثل هذا الرفض والتحذير يتفق تمامًا مع ما أصدره البرلمان العراقي بقراره بتاريخ 26 أيلول 2016 برفض تقسيم محافظة نينوى.
نحن مع المبادئ والأسس التي خرج بها مؤتمر بروكسل على الأسس الأربع: "أساس التمكين للبناء والإعمار، وأساس التمكين الأمني، وأساس التمكين السياسي، وأساسا لتمكين الإداري". فهذه تنطق بما يحتاجه أتباع الأقليات جميعًا، ومنهم المسيحيون، من تأكيد لضمان العيش المشترك وإدامة السلم الأهليّ وإعادة دمج مكوّنات الأقليات التي تعرّضت للتهجير القسريّ ولإجراءات التكفير، إلى أحضان المجتمع العراقي ونيل حقوقها المشروعة في دولة مدنية متحضّرة تعمل وتحترم الجميع وتسوسهم بالعدل والمساواة والتآخي. أي أنَّ ما ينشدُه المسيحيون ينطبق في معظمه على حق سائر الأقليات الأخرى ومكوّناتها في تقرير مستقبلها بنفسها وليس بالإملاء عليها وفرض الإرادات الشيطانية.
وأنهي الكلام بما أتيتُ عليه وقد لخّصه رئيس الكنيسة الكلدانية من رأي سديد عقب تحرير الموصل بالقول: "يبقى مَنْ له الحق برسم مستقبل خارطة مناطقه وتحديد مصيره، هم أبناء الأرض الأصليون وأصحاب القضية والمأساة، عبر الحوار والتفاهم والتصالح مع جيرانهم من أتباع الديانات والأعراق والمذاهب الأخرى، من مسلمين وغير مسلمين، بعيداً عن الاجندات الخارجية او المصالح الشخصية الضيقة".


11
السياسة والنفاق، شراكة مشبوهة!
بغداد، في 27 حزيران 2017
لويس إقليمس
 ليسَ أسوأ من أن تتحول مجتمعاتٌ تقليدية معروفة بتاريخها المتعايش الزاخر بالأخلاق والمبادئ، إلى كتلة من الرذيلة والآفة القاتلة في زمن القتل والنهب والسرقة والفساد، لتسقط بالتالي في جُبّ النفاق الذي يتسيّد المشهد السياسيّ العراقي في هذه الأوقات، منسحبًا بالتالي على المجتمع ككلّ. كما ليسَ بالعجب العجاب أن تسمع وتشهد المتلوّنين في مشهد متكرّر أو مناسبة، ممّن يستمتعون ويتلذذون بالإيغال في منهجية هذا النوع من آفة العصر وممارسته عبر وسائل متنوعة، سمعية وبصرية وخطابية. وحينما تأخذ مثل هذه الآفة وطرَها في أي مجتمع وتتحول إلى شكل ممنهج في ممارسة أشكال النفاق، السياسيّ والاجتماعي، فإنها تصبح ظاهرة. وأية ظاهرة، تعني تطبّع المجتمع أو الجماعة، على شيء يصبحُ جزءًا من الحياة اليومية المعاشة، وإن يكن مثل هذا التوجّه في غاية الرفض والابتذال. أي بمعنى آخر، تضحي هذه الظاهرة شكلاً من أشكال الحياة اليومية المبتذلة التي تتلازم مع هذا الصنف من البشر الذي سمح لنفسه بلبس هذا البرقع. 
هذا السلوك من فئة هذه الرذيلة كانت دومًا حاضرة. ولكنها في العراق ما بعد 2003، طفت إلى السطح وأضحت ظاهرة. بل أصبح منظرُ النفاق أمرًا اعتياديًا في سلوك الحياة اليومية لمعظم السياسيين والعاملين في مؤسسات حكومية أو حتى تلك التابعة لمنظمات مجتمع مدني تدّعي هي الأخرى الحرصَ على إصلاح أحوال المواطن التعبان، المصدِّق كلَّ شيء وأيَّ شيء أحيانًا، ومن دون أن يتحقّقَ من كلّ هذه، أو من دون أنْ يسعى بجهده للتمييز بين الغثّ والسمين لدى محاوريه من سياسيّي آخر زمان ممّن نخر الفسادُ ضمائَرَهم وقلبَ وجوههم وسوّدّ قلوبَهم. لذا لا عجبَ أن تسمع أو تتطّلع أو تشهد بأمّ عينيك، نماذجَ حية وصاخبة من متشحي هذا النوع من الرذيلة التي تسيّدت المشهد. بل إنّ بعضًا من هؤلاء قد أتقنوا الصنعة وأجادوا ترويجها والتعاملَ بها وإقناع الغير بما يعرضونه من أشكال السلوكيات والأفعال، التي تخفى حقيقُتها على البسطاء، فيصدّق هؤلاء بهم ويرضخون لمجاملاتهم الساحرة في سرد ما يحلو لهم من روايات مضللّة ومن إجادة بتتابع الأحداث وصناعة الإقناع عبر طروحاتهم. وما أكثر ما نشهد من مثل هذه السلوكيات.
في إحدى المناسبات، كنتُ مشاركًا في استقبال مهنّئين في مركز دينيّ أصبحت له خصوصية عند أهالي بغداد، خاصة بعد تعرّض كنيسته المتميّزة لجريمة إرهابية بشعة في 31 تشرين أول 2010، وطالما قصده ومازال يقصده السياسيون وأصحاب الجاه والفكر، لأهداف متنوعة. سمعتُ كلامًا معسولاً، ضحكتُ له في سريرتي، ولعنتُ ذلك اليوم الأسود الذي أوصلَنا إلى هذه المساحات من الكذب والنفاق والرياء. كلّ الزوّار أشادوا، بل تفنّنوا بالمديح بالدور الحضاري والريادي للجماعة المسيحية في العراق ونصارى العراق، مؤكدين أصالة هذا المكوّن وتميّزهم في كل المجالات، ولاسيّما في أخلاقهم وأمانتهم وإخلاصهم ومثابرتهم وانتمائهم للوطن والأرض وحبّهم للآخر المختلف عنهم في الدين والمذهب والعرق والفكر والتعبير. وهذه من أسمى سمات الإنسان المتحضّر، بل أفضلُ ما يتمناه المرء العاقل والإنسان المعتدل الباحثُ عن الأمان والسلام والاستقرار في مثل هذا الزمن الصعب الذي اختفت فيه محبة الغير وإكرام الجار، كما توصي به الشرائع والعادات والتقاليد. ومثل هذا الحديث ما زال يتكرّر في كلّ مناسبة.
وبالعودة إلى مطابقة القول مع الفعل، نرى العجب العجاب. فأكثر القرارات والقوانين التي يشارك في وضعها هؤلاء السياسيون وممثلو أحزابهم وكتلهم بالضدّ من حقوق المكوّنات الصغيرة اليوم، تناقض أقوالَهم وتكذّبُ تصريحاتهم. وحين المحاجة بشأن مثل هذه الازدواجية في التعامل وفي اقتراح التشريعات وسنّها وتطبيقها لغير صالح هذا المكوّن وغيره من المكوّنات المظلومة والمهمّشة الأخرى، يخرجون إلينا بذرائع وحجج واهية. ولعلّ آخرها، ما كشف عنه بصراحة، زعيمُ التحالف الوطني حين تقديمه ورقة التسوية وعرضها على نخبة من رؤساء هذا المكوّن وبعضٍ من ممثلي الشعب والمثقفين من العلمانيين والمدنيين في أيار 2017. فقد ردّ على سؤالٍ محرج من قبل أحد الحضور، فيما إذا كان التحالف وشركاؤُه في العملية السياسية يعدّون الأقليات ومنهم المكوّن المسيحي شركاء حقيقيين لهم". وعند إجابته بالإيجاب، وهذا جانبٌ إيجابيّ، أعقبه السائل بسؤال أكثر حراجة، عن الغاية من إعادة البعض بين فترة وأخرى لنصّ قرآني، "يخيّر النصرانيّ بين ثلاث" لا غيرها، وكأنّه تذكيرٌ أو تحذير أو تفعيل لقانون أو دستور قائم مدى الأزمان والدهور. فكان الردّ صاعقًا: "لن نستطيع تغيير كتاب الله وسنّته... هذا شرع الله"، بالرغم من قناعة الكثير من المتنورين والمثقفين بأنّ ما ورد وما جرى وما طُبّق في سالف الأيام الغوابر، لا ينسجم مع مقتضيات العصر وتطوّر الزمان والفكر والأداة. وعليه ينبغي تجديد الفكر والتأويل والتفسير بحسب العصر والحداثة وتطور الزمن. لذا، عبثًا يسعى مَن يسعى لجبر الخواطر وتطييب النفوس وتهدئة القلوب. فما كُتب قد كُتب، ولن يفلح زيدٌ ولا عمرٌ في تغييره أو تحييده أو إلغائه. بل إنّ ما نسمعه في هذا الخصوص من كلام معسول، لن يكون إلاّ ضمن دارة الرياء والنفاق السياسيّ القائم على قدم وساق، ولن يزيغ عن الهدف المرصود أساسًا، بالرغم من تخفيف مفعوله وترطيب لهجته وتعويم غرضه وعدّه "تراثًا" من الماضي غير قابل التطبيق في أيامنا هذه، كما صرّح قياديّ من التحالف الوطني كان حاضرًا، فأجاد وصدق بقوله "مثل هذا القول أصبح من التراث"، وعليه أن يفي بما قال.
على شاكلة هذه الرواية، يتكرّر المشهد عند طغمة سائر الساسة والزعماء والمسؤولين من مختلف الكتل والاتجاهات والتيارات في الدولة العراقية المنهارة. وكلّ ما نشهده لا يعدو سوى ممارسةٍ منافِقة ومراوَغةٍ ذكية و"شطارةٍ أستاذية" ضمن أداة الاستهلاك السياسي الجارية، ونوعٍ من أدوات اللعب بمشاعر العامة بعد كسب ودّ شرائح خاصة رضيت بيعَ ضميرها على حساب العامة ومصلحة الوطن العليا. وهذا ينطلق بطبيعة الحال على حال مَن ركب قطار السياسة حديثًا من أتباع المكوّن المسيحي ومثلهم من سائر الأقليات المهمّشة الأخرى، التي ترفع شعار المدافعة عن حقوق شعويها في العلن، في حين لا يشكّ المتبصّر والعاقل والعارف بارتمائها في أحضان أصحاب النعمة وأولياء الأمر، سواء في الإقليم أو المركز. وهذا جانبٌ خفيٌّ من ممارستها أساليب النفاق والتخبّط. وخير دليل على ما ذهبنا إليه، المشاركة أو المقاطعة لسيل المؤتمرات واللقاءات والندوات العديدة، المحلية منها والإقليمية والدولية التي عُقدت وما تزال تُعقد، حيث تتسابق الأحزاب والشخصيات والمنظمات للمدافعة أو التنديد بها وبمنظميها وبالواقفين خلفها والداعمين والممولين لها، كلّ بحسب الانتماء والولاء ونوع المنفعة التي يرتجيها منها.
ما يمكن التحقق منه اليوم من دون صعوبة، بروز مفهوم سارٍ بين السياسيين، قائمٍ بذاته يتخذ من المواربة والنفاق والكذب على زملائهم وأترابهم كما على بسطاء الناس، منطلقًا في عالم التنافس الذي يشتدّ ويحتدّ لاسيّما إبّان فترة الانتخابات ومع اقترابها، ونحن نقترب من أجوائها. أمثال هؤلاء الساسة لا يمكنهم الاّدعاء ما ليسوا عليه من حملهم للفكر الإقصائيّ لأية جهة منافسة في هذا السلوك الشائن، حتى في صفوف أتباعهم أو أحزابهم أو طوائفهم، كما هي عليه الحال في أحداث العراق. فالتنافس بين شخصيات السياسيين، سواءً المشاركين في الحكم منهم أو المتنفذين في السلطة، واضحة المعالم في الذي يُلاحظ من شعور بالغيرة والتخوين والتسقيط عمومًا. وهذا الشعور أو المفهوم المبنيّ على إرادة داخلية وذاتية نابعة من روح الأنانية وشيء من غطرسة الأنا المتحكمة في ضمير أمثال هؤلاء، يبقى عنصرًا ذاتيًّا معشعشا في ثنايا الصدور المنغلقة التي لا تقبل بالآخر ندّا في ميزان العدل والمساواة والحياة. ومن ثمّ لم ولن يكون ممكنًا لمثل هذا التطبّع بهذا الشعور القاصر أن يخلي الصدور المريضة لساسة يرفضون التعلّم من دروس الشعوب وأحداث البلدان وكوارث الزمان والمكان ونصح الأديان.
في حياتنا العراقية، شهدنا وما زلنا نقارع ونتصدّى لهذا النوع من الآفة المتغلغلة في كلّ خطوة وكلّ مسار في الحياة الصاخبة التي أدخلتنا فيها الفوضى الخلاّقة قبل وما بعد الغزو الغربي الخبيث للبلاد. فالنظام السابق لم يتورّع الأسيادُ الطغاة فيه في استخدام أقصى وسائل الكذب والنفاق السياسيّ والاجتماعي إزاء الشعب الذي لم يكن له لا حول ولا قوّة، سوى العياذ بالله والصبر على الشدّة حتى يأتي الفرج. ومع التغيير الذي انتظره الشعب المظلوم بفارغ الصبر، إلاّ النزر اليسير من حديثي النعمة آنذاك، شاءت الأقدار أن تدفع سفينة البلاد والعباد للرسو بأيدي طبقة جديدة ومن نوعٍ جديد من الفاسدين الذين لم يتورعوا بالإيغال بنهب المال العام والاستيلاء على عقارات الدولة وتهديد السلم المجتمعي بسبب شبه غيابٍ للقانون والعدالة التي أخفقت منذ السقوط بردع مَن سوّلت له نفسُه العبث بمقدّرات البلاد والعباد من دون ذرّة ضمير ولا خجل ولا خوف من حُكم السماء يومَ الدّين. فقد مارس الكثير من أمثال هؤلاء أشباه الساسة الجدد، حديثي العهد والنعمة بفعل السطو المسلّح الذي يمارسونه وبفضل ما تقدّمه إرادة المتنفذين في السلطات الثلاث من دعم وتغطية وشراكة في السرقة والسلب والنهب والضحك على ذقون البسطاء من أبناء الشعب الراضخ لولاية القائمين عليها من دون رادع. والسبب بسيط، لا يقبل الجدال، وهو أنّ الكلّ مثل الكلّ، "في الهوى سوى"، سائرون ومواظبون على ذات النهج "طمطمْ لي وأطمطم لك" فالكعكة كبيرة وستظلّ كذلك إلى أن يأتي المنقذ! ولكن إلى متى الانتظار؟
بل إنّ البعض من أركان الفساد او مَن يسعى للتغطية على الفاسدين والمزوّرين، يعتقد أنّ مثل هذا السلوك في النفاق والكذب على الشعب يبقى في جزءٍ منه ضمن عملية رأى فيها البعض دخولها ضمن عملية "موازنة" أو "توازن" بين القوى المتنافسة التي لا تعير أهمية للانتقادات والرفض الصادر من مواقع ومصادر حريصة على سمعة الوطن ومصالح الشعب والسلوك العام لبلدٍ مثل العراق كان يوضع ضمن الدرجات المتقدمة حضاريًا وعلميًا واجتماعياً وصحيًا واقتصاديًا. إلاّ أن السياسة قد خذلته، وأوقع به مفسدوها في أتون صراعات عقائدية وطائفية وعرقية، كان لها بداية ولا نعرف نهاياتها! فليس أمامنا نحن الصابرين المثابرين الرافضين سوى انتظار حلّ هذه العقدة التي لن تكون ممكنة إلاّ ببروز تيار التغيير المدنيّ المؤدلج بالعصرنة والتمدّن والحضارة والتجديد في الروح والفكر والرؤية. مثل هذا التيار المدني- العلمانيّ، هو المعوَّلُ عليه من أجل تعزيز روح الوطنية والمواطنة والانتماء للوطن الذي يعيد للدولة هيبتَها ويرسم نجاتَها من جديد بعد فرز الزؤان عن الحنطة الأصيلة ورفض السارق ومحاسبة القاتل وإخراج الداعم لكلّ أعمال الشرّ والكراهية والإرهاب من صفوف هذا الشعب الطيّب في عمومه. ولا خيارَ آخرَ لدينا، إن عشقنا طيبَ الحياة، ونَشَدنا حسنَ المعشر، وأردنا إكمال إرادة الخالق في خلقه في أن يكون الجميع متساويين في سلّم الاستحقاق المجتمعي الذي ينصف الجميع من دون تمييز ولا إقصاء ولا عداء.
ما ينطبق على النفاق السياسيّ، ينسحبُ طبيعيًا على النفاق الاجتماعي الذي قد لا يقلّ ضررًا وسوءًا عمّا يقترفه الساسة في ميدان السياسة وإدارة البلاد والعباد. فكما أنّ السياسيّ لا يتورّع بالتلوّن بحسب مزاجه ووفق ما تتطلبُ مصالحُه وتوجهاتُ كتلته أو قوميّته أو حزبه أو طائفته أو الجهة الداعمة لكيانه ولوجوده ضمن الدائرة التي يعمل فيها، هكذا الفرد الذي نزعَ عنه كلّ اشكال الإنسانية والخُلق الحميدة وخرج عن صفاء النصح الذي يأمرُه به دينُه ويوجبُه ضميرُه ويفرضُه واجبُه الوطني والإنسانيّ معًا. ومثل هذا السلوك الاجتماعي بالتالي، ينسحب على سائر المجتمعات، بغض النظر عن طبيعة الشخص، رجلاً كان أم امرأة، صغيرًا أم كبيرًا. فالمجتمع، أيّ مجتمع، من طبيعته أن يخضع هو الآخر، لتجاذبات ومصالح ومنافسات تجسّدُ ما هو عليه في فكره وأخلاقه ونظام حياته، من دون تحديد مجال معيّن أو قطاّع خاصّ بذاته. لكنه يختلف في حجمه ودرجاته بتقمّص هذا السلوك بحسب الظرف، زمانًا ومكانًا وثقافةً واستعدادًا.
لقد تغيّرت المجتمعات هي الأخرى وأخذت تقفل على ذاتها أكثر فأكثرَ، متخذة مسارات معوجّة في التعامل والسلوك غير الحضاري الذي ساد أوساطَها، ولاسيّما التعبانة منها التي أقفلت عليها أنظمة وحكومات فاسدة وسياسيون طغاة لا يعبؤون بمصالح مجتمعاتهم ورفاهتها واستقرارها، تمامًا كما هي الحالة في البلدان الإسلامية بصورة عامة، والعربية ومنها دول الجوار بصورة خاصة. فالكلّ يعيش حالات من النفاق والرياء والكذب على الآخر، حتى في البيت الواحد، والمجتمع الواحد، والحيّ الواحد، والبلد الواحد. وهذه آفة تنذر الإنسانية بانفصام عرى الاحترام والعيش الآمن والحق في الحياة، كلّ وفق ما يراه ويرتئيه. إنها لسعة العصر المارد، آفة المواسم التي أوجبتها الموضة السائرة في ركاب الفساد والمفسدين، في السياسة والمجتمع، في الشارع والعمل، في المدرسة والمعهد والجامعة، في البيت وفي المؤسسات المختلفة الأهداف والمناهج والأغراض، على السواء.
هناك دومًا، أناسٌ يتخفّون تحت ستائر كاذبة وشخصيات منافقة تجيد الرقص على مصالح العامّة وتنجح بالقفز على جروح الآخرين والمتاجرة بمعاناتهم، سواء بالتمويه أو التسلّط أو الكذب الذي يتخذونه سبيلاً لتحقيق المآرب والغايات من دون تحديد الزمان والمكان والنوع والكميّة. فما يهمّهم هو الهدف وبلوغ الأرب حتى لو كان تحقق على رؤوس الجماجم وفقر الفقراء وعوز المعوزين وفاقة المحتاجين. فما يُستخدم من كلام معسول كفيلٌ في أسراره وطياته أن يوصل أمثال هؤلاء إلى الهدف المنشود. من بين هؤلاء مَن يدّعون بُعدَهم عن السياسة والسياسيين، ولكنهم في واقع الحال، لا يختلفون عن الصنف الأول في أكاذيبهم ومراوغاتهم وأساليبهم الملتوية التي بإمكانها إذابة جليد النقمة المتفاقم بشيْ من مثل هذا النفاق المجتمعيّ الصارخ الذي يجيد التعاطي معه نفرٌ ضالٌّ يعيش على هامش الأخلاق، وهو لا يتورّع بضرب كل العناصر الطيبة التي تدعو لها الأديان المؤمنة بإرادة الخالق وقدرته على إدامة حياة البشر وإنهاء كلّ أنواع الشرّ بإشارة منه. فهو القادر الجبار الذي لا يُقهر بالتالي، مهما تجبّر وطغى الطغاة وأفسد المفسدون على الأرض.
في الحياة قيم، ولعلَّ إحداها احترامُ الآخر المختلف، جنسًا ودينًا وطائفة ومجتمعًا وعِرقًا ووضعًا قائمًا، أيًا كان هذا الأخير. ومَن يرفض عناصر هذه القيم، فهو يقيم جبلاً من ثلوج يصعبُ إذابتُها، وكتلاً صلدة من الخرسانة الصمّاء التي لا يسهلُ كسرُها، طالما أنّ ديدنَه الكذب والنفاق والرياء والاستغلال المجتمعي بأبشع صوره. وهذه الأخيرة، بما فيها من أذى وخروجٍ عن الصراط المستقيم الذي رسمه الخالق للبشر جميعًا، لا يمكن أن تُعتمد كشرّ لا بدَّ منه في حياة الإنسان. ببساطة، لأنّ الخالق قد أوصى خليقتَه الجميلة أن تكون بمستوى صداقته لها وعنايته بها وبُنوّتِه تجاهها، بالرغم من علوّ شأنه. فطالما أنه قد خلقَها على صورته وشكله الحسن واستحسن خلقَها، فتلكم إشارة على ضرورة السير وفق إرادة هذا الإله الطيّب، الغيور والمحبّ للبشر جميعًا دون تمييز في الشكل واللون والعرق والزمان والمكان. وهذه مدعاة كافية للسير بموجب قوانين السماء كما رسمتها دساتير الأديان ووصاياها وتعاليمها المستوحاة من كلام الله ومن محبته للبشر، حبًا بالحياة وليس قتلاً وأذيةً وكبحًا لها. أليسَ الدينُ نصحًا وخُلقًا وحبًا للقريب، حتى سابع جار؟
لقد علمتنا الحياة، أنَّ المواقف التي تمرّ بالإنسان كثيرة، وأفضلُها متعة وأشدّها قربًا من رضا الله، تلك التي تحترم الآخر وترضى لغيرها ما تهواه لذاتها: "أحببْ لغيرك ما تحبُ لنفسك". وتلكم هي المصلحة العليا والمنفعة الحقيقية للذات وللغير عندما ينطلق كلّ شيء من حب الآخر المحتاج أولاً وقبل كلّ شيء وينتهي إليه. فهذا الآخر هو صورة الإله الخالق، صنيعتُه الجميلة على الأرض، الصغيرُ المهمَل والفقيرُ المهمَّش: "فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كلّ ما فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الصغارِ، فَبِي فَعَلْتُموه." (إنجيل متى 25: 40).
فهل مِن ناشدٍ للنصح ومتعلّم للدرس الأخلاقي البليغ؟ حينها سيصلح الجزء الكبير من سلوكيات المجتمع المعوجّ بوقفة صادقة وجادّة ضدّ الفاسدين والمفسدين للمجتمعات بسلوكياتهم الخاطئة التي ترفضها الأديان والمجتمعات الصالحة. فالمجتمع الذي لا دينَ له كي يقدّم النصح ويرسم الطريق للإنسان المخلوق باعتدال ووفق معايير إنسانية متحضّرة ومعاصرة، أو لا يحترمُ فيه الأديان والمتديّنين الصادقين مع الله والقريب ومع الذات، يبقى مجتمعًا لا خيرَ فيه يُرتجى. فأفضل المجتمعات وأكثرُها رفاهة وسعادة تلك التي يسودُها القانون والأخلاق قبل المادة والأكل والمشرب، ولا تقبل بالفساد، وتشيد بمساعدة الآخر واحترام خصوصياته وحريته في الفكر والتعبير والمعتقد، وليس بالثروة والعقارات التي يكتنزها الفاسدون ويحصلون عليها بشتى الوسائل الملتوية، ولا في الجاه الذي يتباهى به روّادُه، ولا في السلطة التي تُستخدم للنيل من كيان الآخر وهويته وحريته، ولا بمصادرة حقوق الشعوب وحريات البشر والبلدان، ولا بتشويه المعالم والآثار والتراث، ولا بقتل النفس البريئة.
من هنا، نعتقد أن إنقاذ البلاد والعباد من مثل هذه الآفة ومن غيرها، يكمن بإرساء مبدأ المواطنة واحترام الآخر المختلف والتخلّي عن كلّ ما من شأنه دقّ الأسفين بين المكوّنات التي تشكل فسيفساء المجتمع العراقي منذ قدم التاريخ، وأنّ النفاق مهما استشرى لا يمكنه أن يدوم إلى ما لا نهاية. والحلّ يكمن بالمضيّ في مشروع المصالحة الوطنية الحقيقية التي تبني البلاد وترسي السلام والأمن في المجتمع وتغيّر أخلاق الإنسان وتقوّم المعوجّ فيه فكرًا ونهجًا وتطبيقًا. وبعبارة أخرى، لن تنهض البلاد ولن تستقيم أخلاق الشعب إلاّ في تطبيق دولة المواطنة التي ليس فيها لا غالب ولا مغلوب، لا سيّد ولا تابع، لا أمير ولا خادم، بل الجميع متساوون أمام القانون. وفي ضوء الكفاءة والولاء الخالص للوطن والأرض والشعب يكون الاستحقاق.



12
بابا السلام في مصر السلام
لويس إقليمس
 بغداد، في 1 أيار 2017
رحلة بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، للفترة من 28-29 نيسان 2017، إلى "مصر أمّ الدنيا"، كما أسماها في خطابه الرسمّي ونطقها بلغة الضادّ، مع تحيته للحضور في مؤتمر الأزهر للسلام العالمي بعبارة " السلامُ عليكُم"، ذات معاني روحية غزيرة، وأبعاد إنسانية وسياسية كثيرة، إلى جانب ما تحملُه من تصوّرات وآمال وبشائر رجاء راعوية ومستقبلية لخير المسيحية فيها وفي المنطقة، ولصالح الكنيسة القبطية وشقيقاتها. فهي، إضافة لكونها تأتي بُعَيد أيامٍ لحادثتي الكنيستين القبطتيتين المأساويتين في طنطا والاسكندرية، وما تستحقه من تعاطف أخوي وإنسانيّ وكنسيّ، فهي تحمل أيضًا تباشير خلاص وسلام وانفتاح ورؤية ثاقبة لرأس الكنيسة الكاثوليكية، وهو اليسوعيّ المنهج في الفكر والعطاء، والمسكونيّ التوجُّه في اللقاء والحوار، والإبراهيميّ الطريقة في التقرّب من الخالق ومن خليقتِه، والإنسانيّ في التعاطف مع الفقراء وأصحاب الحاجات الخاصة والمهمَّشين والمحتاجين إلى الرحمة، رحمة الله والبشر معًا.
زيارة البابا لمصر الثقافة والحضارة، لها دلالاتُها أيضًا، في زمن الفوضى الخلاّقة وعمل المفاهيم المتطرّفة والمتعصّبة، المنغلقة والبعيدة عن روح الله ومحبته الكبيرة لخليقته التي تعاني من سكرات الحبّ الإلهي الجَمّ الذي تنكرت له في أوجه قاسية وأحداث عنف دموية غير سارّة تحزّ النفس وتقطع القلب وتصمّ الأذن. لم يعبأ بالهواجس المثارة ولا بهمسات التهديد المتصاعدة. فهو ليسَ بأقلَّ من الشهداء التسعة والعشرين الذين سقطوا يوم الجمعة العظيمة، ولا بغيرهم ممّن سبقوهم على مذبح الشهادة وأضحوا بذارًا للمسيحية ورووا بدمائهم الأرضَ لتزهر في زمن الحقد والكراهية وتنمي ورودًا وزهورًا في الأخوّة والإنسانية وفي التواضع والتنازل عبر الحوار والنقاش، لا عوسجًا وحسكًا من الغلّ والحقد والكراهية والتعصّب الأعمى الذي لا يعرف غير ثقافة الموت والقتل والهمجية والبربرية وإلغاء الآخر.
هذه الزيارة، أضفت أشعة من نور على مصر الصعايدة "والجدعان"، وحاضرة المعادي والسويس والاسكندرية، وبالذات على الكنيسة المرقسية الرائدة ومعها برّية النسك والترهّب المسيحي في سيناء والعريش. انحنى له أصحابُ القلسنوات و"القلّوزات" والعمائم والطرابيش والهامات الكبيرة على السواء.  صفّق له كلُّ مَن أسعدَهُ لقاؤُه، لتكتحل عيونُه بعنفوان رَجُلِ العصر، الكبيرِ بين الإخوة مسكونيًا، والمتميّزِ بين الحشود روحيًا، والعظيم بين الأحبار كنسيًا، والبسيط المتواضع المتنازلِ بشريًا. وكلّ هذا كي ينشرَ عطرَ السلام وسط عواصف العنف الهوجاء التي ضربت مصر الكنانة، "أمّ الدنيا"، تمامًا كما آذتْ وجرحتْ بلدانًا غيرها في المنطقة كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين بسبب الغلّ الأعمى والكراهية الفاشية في نفوس كارهي الحياة من المعتقدين بزنى المحارم ونكاح الحوريات والحكم باسمِه وهو الرحمن الرحيم، محبّ البشر الذي يُروَّجُ نفرٌ ضالٌّ لعبادته والتكبير باسمِه عبر القتل وحزّ الرقاب ونحر الرؤوس البريئة من دون وجه حقّ.

صوتُ صارخ في البرّية
على خطى العائلة المقدسة، حجّ البابا فرنسيس إلى مصر أبي الهول، لتتقدس أرضُها ثانية، كما تقدّست قبل أكثر من ألفي عام، عندما حلّت فيها العائلة المقدسة، يوسف ومريم ومعهما الطفل يسوع، لجوءً وهرَبًا من ظلم وقساوة وعنف هيرودس، الذي تتمثل به اليوم، الأيادي القذرة لجماعات التيار السلفيّ الإخوانيّ، بتكفيرِها كلَّ مختلف عنها، وبعدائها لكلّ مَن لا يسيرُ على هدى أفكارها الخبيثة المنغلقة على الذات وعلى الروح وعلى الإنسان وحقه في الحرية والعيش الآمن ضمن الحدود الإنسانية التي حباه بها الخالق.
في عالم اليوم، حيث اختلطت أوراق العولمة مع تأثيرات التيارات الإسلامية في المصالح القومية لأسياد العالم، لتتلاقى في الكثير من هذه الأخيرة مع سياسات غارقة في الفساد والكراهية وحبّ الثروة، حتى لو كانت خارج الأطر المقبولة في مجمعات سوية. ضمن هذه الأجواء، جاءت مشاركة البابا في مؤتمر الأزهر للسلام، ليعلنَ صرختُه المدويّة بوجه الظلم وبضرورة الحوار بين أتباع الأديان والمذاهب والثقافات والحضارات لتلافي الاصطدام بينها. فالتحديات كثيرة وكبيرة، كما أشار إلى اثنين منها البطريرك لويس ساكو الذي ترأس الجلسة الأولى للمؤتمر. "أول التحديين يتمثل بالسياسة التي تبحث عن المنافع الاقتصادية من دون النظر الى الانسان، فهي غاشمة تحتاج الى أنسنة، والتحدي الثاني وهو أكثر ضراوة على مستوى الفكر الارهابي ويحتاج الى تجفيف منابع التمويل المالي والعسكري وتقديم فكر معتدل ومنفتح يقبل الاخر من خلال المنبر الديني ووسائل الاعلام وإصلاح البرامج التعليمية."
مثل هذا التوجه المنفتح الجديد، لو صدقت نوايا المؤتمرين، سيأخذ بالمنطقة وبشعوبها نحو برّ الأمان والعيش المشترك خارج السياقات العنفية ووصمات الكراهية والحقد وأعمال القتل والتهجير على الهوية والدّين التي تجري في هذه السنوات العجاف. منطقة الشرق الأوسط تحتاج إلى مثل هذه الثورة الحقيقية ضدّ مفاهيم الكراهية التي ضربت مجتمعاتنا الشرقية، وقد ضاقت ذرعًا بحمامات الدمّ الناجمة عن ثقافة إلغاء الآخر، بسبب خروج نفرٍ ضالّ عن التعليم القويم للدين الإسلاميّ الحنيف الذي تأسّس على كلمة "السلام"، حالُه حال الأديان التوحيدية "السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاتُه". فالدّينُ سلامٌ ورحمة وبركة! وأيُّ دين يخرج عن هذه، فهو ليس بدين، ولن يبقى دينًا، بلْ سمِّهِ ما شئتَ من ألقاب الكفر والعنف والقتل ومفرداتٍ كثيرة شاعت عنه كالنكاح وطلب الحوريات عبر تقديس الموت وكراهية الحياة حبًا بهذه الترّهات التي لا وجودَ لها البتّة، إنّما هي من خيلاء مشايخ الحقد والتحريض والكراهية! أيّةُ أيديولوجية فاسدة هذه التي يروّجُ لها هؤلاء؟ ونحن نقول مع أصحاب الفكر المعتدل: لا يمكن الجمع بين الإيمان والسلام وبين الحقد والكراهية، كما لا يمكن تصوّر ما يجري من أعمال قتل وتكفير جارية بسبب الاختلاف في الدّين وفي الرؤية وفي المذهب. فإلهُنا الواحد الأحد، ليس إلهَ موت وقتل ولّذة، بل إله محبة وسلام وفرح. ونحنُ مع إله المحبة هذا، نسير في طريق بناء الإنسان وسعادته من أجل بلوغ الملكوت الأبدي الذي في انتظار الأخيار من البشر. والإنسان القويم هو الذي يبني بيتَه السماوي من على الأرض، بأشكال الخير والمحبة والرحمة وليسَ بالقتل والحقد والكراهية.
كلمات البابا، نداءٌ صارخ "صوتُ صارخٍ في البريّة، أعدّوا طريق الربّ واجعلوا سبلَه قويمة". لا يمكن تقديس الموت بقتل الآخر الذي لا ذنبَ له، إنّما فقط لاختلافه في المنهج والدّين والمعتقد. هذه شريعة الغاب، وليست شريعة دينٍ توحيديّ يدّعي الإيمان بإله واحد رحمن رحيم وجبارّ خالق السماء والأرض والعناصر وما عليهما وما بينهما. إنها أزمة أيديولوجيا بحاجة إلى مراجعة وتقويم وتشذيب الدخيل على ما اعترى الدّين الإسلاميّ من أحاديث وإضافات غير موفقة في أزمنة لاحقة للدعوة الإسلامية، لأغراض دنيوية ومن أجل تثبيت سلطات طارئة. مثل هذه الأعمال وهذه الأفكار الهدّامة، هي لعبٌ بالنار، عندما يتمرّدُ الإنسان ويوغل في قتل أخيه في الإنسانية وينوي إلغاءَه بشتى الوسائل. كيف لمدّعي الدين أن يقيم العدالة، وهو نفسُه ظالمٌ لنفسِه وللغير؟ أليسَ هذا اغتصابًا باسم الدّين؟
بكرٌ بين الإخوة
ضربَ الباب فرنسيس مثالاً آخر في التواضع والغيرة على وحدة كنسية المسيح، عبر التفاهم المسكونيّ مع باب الاسكندرية والكرازة المرقسية، تواضروس الثاني، بابا النسك والترهّب المعاصر. وقمّة هذا التفاهم تصاعدت في الصلاة المسكونية بصحبة أحبار الأرثوذكسية، العنيدين المعاندين تاريخيًا. لكنّ البابا عبر دوائره وإرشاداته كأخٍ "بكرٍ" بين الإخوة، كسرَ حاجزَ الصمت والعجرفة والزعامة كي يثبت وحدة الإخوة في المسيح "نحن مع الرب واحد". ومن هنا كان حرصُه على تلافي أخطاء الماضي والتأكيد على مقررات المجامع الثلاثة الأولى للكنيسة الجامعة التي جمعت المسيحية على مبادئ ثابتة غير متزعزعة بمحاربة السفسطات والبدع التي أرادت تمزيق وحدة الكنيسة في مجامع لاحقة مغرضة متأثرة بمصالح سلطوية دنيوية لنفرٍ من المغترّين المارقين على طريق الرسالة المسيحية الرسولية الأولى.
في هذه الزيارة التاريخية التي تعيد إلى الأذهان زيارة البابا الطوباوي بولس السادس في 10 أيار 1973 ولقائه البابا الراحل شنودة، يعيد البابا فرنسيس النهج المسكوني المتنامي بين الإخوة الذين تجمعُهم شركة واحدة في المسيح في عقيدة اتفقوا عليها وآمنوا بها وساروا على ضوئها في القرون الأولى لانتشار المسيحية، ولم يتفرّقوا إلاّ بُعَيد المجمع الثالث. فأوجهُ الاختلاف في الرأي وفي النهج وفي أسلوب العلاج والعيش، من دون أن يقوّض أساسَ البناء، أمورٌ طبيعية، تمامًا كما حصل من اختلاف بين بطرس هامة الرسل واالرسول بولس في معالجة شؤون المسيحيين الأوائل. قد تتلاقى الأفكار وقد تختلف من دون أن تصل إلى حدّ الخلاف. وهذه ظاهرة إيجابية في التعبير وفي إبداء الرأي والمعالجة. فلقاء "بطرس" الجديد مع أخيه "مرقس"، أضفى على الزيارة بعدًا مسيحيًا ومسكونيًا تاريخيًا، نأمل قطف ثماره من أجل خير الكنيسة وسعادة مصر وسلام المنطقة.
 ولعلّ من نتائج تواصل الانفتاح المسكونيّ بين الكنيستين، ما صدر من وثيقة أو بيان وقّع عليه بابا الفاتيكان وبابا الكنيسة المرقسية ب"السعي" للاعتراف بسرّ العماد بين الطرفين. وقد كان هذا من أدبيات الجهود الرسولية الأولى التي شهدتها المنطقة منذ القرن الأول الميلادي عندما دخلت المسيحية بسواعد الرسل وتلاميذهم الذين جابوا القفار والبراري وتجشموا عناء السفر والتعب والجوع، لحدّ الاستشهاد حبًا بنشر تعاليم المسيحية وإنشاء كنائس وأديرة طغت على المنطقة ونمت وترعرت في ظلّ حراسة الرب ورسلِه وتلاميذهم من بعدهم.
رسولان للسلام
من حق الدموع أن ترسم سيولاً على وجنات المحبين للسلام والمحبة والوفاق. ما أجلَّ وأهيبَ المنظر، حينما تعانق الجبلان، المسيحي والمسلم، ليرسما تباشير فرح وسلام وتفاهم وتوافق بحق الإنسان كي يعيشَ حرًا بمعايير إنسانية تلزمُه احترام الآخر مهما اختلف معه. عناقهما الساخن والمتكرّر وسط ترحيب وتصفيق الحضور، أضفى على اللقاء شعلةً مستديمة من الأمل والرجاء ببدء صفحات جديدة بين مختلف الأديان التي مثَّلَ أكبر دينين منها الرجُلان المبتسمان الطافحان فرَحًا وبهجةً ونيةً صافية لطيّ صفحة الماضي الأسود وإدانة كلّ أشكال العنف والقتل الناجمة عن إساءة البعض للتأويلات غير الموفقة لنصوص دينية.
من هنا كان مؤتمر الأزهر للسلام العالمي، مناسبة للدعوة للانتقال من فكرة تهديم الحضارة وقتل النفس البريئة إلى مفهومٍ آخر للرقيّ بالإنسان وأهدافه في الحياة البشرية القصيرة على الأرض، استعدادًا لرسم مصيرٍ أبديّ يدوم في السماء. قالها" لنكن صانعي سلام" وليسَ رافضين للعنف قط، أو مقاومين لأشكال العنف والقتل والظلم. تلك الصراحة في طرح فكرة رسالة نبذ العنف وتقاسم تباشير الحياة الإنسانية والعيش المشترك على أساس المواطنة المتساوية واحترام الآخر المختلف والقبول به أخًا في الإنسانية وفي الوطن وفي المصلحة المشتركة، كان لها صداها الواسع في أوساط المعتدلين ودعاة السلام والمحبة والتآخي. "طوبى لفاعلي السلام، فإنّهم أبناء الله يدعون".
وإنْ كانت هذه الصرخة قد أغاضت "صفّ الشيوخ والفرّيسيين المعاصرين"، من حاملي الأفكار الهدّامة للإسلام والبشرية ومن دعاة التحريض والكراهية، تمامًا كما اغتاظُ صفُ الشيوخ والفرّيسسن عندما دخل يسوع إلى أورشليم وطردَ الباعة من هيكل الله الذي حوّلوه إلى مغارة لصوص، إلاّ أنها قد لاقت صداها الواسع والعميق وسط الحضور وكذا في الأوساط الإعلامية. فالبابا فرنسيس دخلَ مصر حاملاً غصن الزيتون علامةَ السلام، وشاهرًا سوط الغضب إزاء أعمال القتل والعنف التي تُرتكبُ باسم الدّين، والدينُ كما أشار المؤتمرون، براء من كلّ ما يجري.
لا حضارة وسط العنف
بهذه الكلمات القوية، خاطب البابا جمعًا من السلطات المدنية والمنظمات والسلك الدبلوماسي في فندق الماسة، بحضور رئيس أكبر دولة عربية تشهدُ تحولاً في مفهوم المواطنة وتعزيز الديمقراطية والمساواة. فلا حضارة وسط العنف!
    كيف يمكن بناء حضارة في وسط تعشعشُ فيه أيديولوجية منحرفة تدعو للتطرّف أو في وسط بشرٍ يمارسون شتّى أعمال العنف والقتل الممنهج ضدّ إخوتهم في الوطن وفي الإنسانية؟ تمامًا، كما لا يمكن الجمع بين الإيمان الحقيقي والعنف المستشري كواجب الوجوب بحسب شرع نفرٍ من المتطرّفين الذين يقيمون الحدّ باسم ما يُسمّونه شرع الله، والله بريء من أفعالهم النجسة، براءة الذئب من دم يوسف. إنّه واجب البشر المعتدلين المؤمنين بإله واحد خالق السماء والأرض وما عليهما وما فوقهما وما تحتهما. فهوّ الديّان وحده لاغيرَ سواه. فهو لمْ يُنَصِّبْ حثالةَ البشر كي تنطق باسمه القدّوس. لأنه إله جبار عظيم، وهو أيضًا سلام ومحبة وليس إله قتل وضغينة.
وأخيرًا، السلام الذي تحدث به البابا، هو سلام النفس والإنسانية المتعذبة بسبب أعمال العنف وأدوات القتل والإرهاب التي انتشرت بسبب أيديولوجيات منحرفة زاغت عن السبيل القويم الذي أتت به الأديان السمحة في بادئ الرسالة. وهو هبة من الله للبشر، جميع البشر، كي ينعموا بقوة القانون العادل وليس بقانون القوّة الذي يريد نفرٌ ضالٌّ فرضَه على الغير من دون وجه حق.

13
مصير "الأقليات" والحقيقة المرّة
لويس إقليمس
بغداد، في 12 أيار 2017
مع تواصل عمليات تحرير مدينة الموصل القديمة (أو ما يُعرف بالجانب الأيمن منها) على قدمٍ وساق وبجدارة ملفتة للجيش ومَن تجحفلَ معه من نشامى الوطن ومحبيه، بعد الانتهاء المقتدر من تحرير بلدات سهل نينوى والجانب الأيسر من المدينة، يتكرّر السؤال اللغز عن مصير المكوّنات الوطنية الأصيلة التي أحالَها الزمنُ الغادر إلى أقليات عددية صغيرة، هزيلة القدرة، كثيرة الشجون وفقيرة الأمل الذي تتعلّق به كالنملة بالقشّة النحيفة. فهذه المكوّنات آيلة اليوم إلى الانقراض، بحسب ما تشيرُ إليه الأحداث والوقائع على الأرض، وكما تدور الأحاديث في دكاكين تجار السياسة والمتلاعبين بمصائر البشر والمستضعفين منهم بخاصّة، وهي التي قطنت أرض هذه الولاية التي تُعدّ مناطقها التقليدية منذ مئات بل منذ آلاف السنين. وعليها وانطلاقًا من أراضيها الخصبة بكلّ شيء، بنت هذه الشعوب المستضعفة جزءًا كبيرًا من حضارة العراق وطبعت فيه ثقافتَها وأثرتْ تاريخ البلاد بإرثها وجدارتها وانتمائها الوطني الحر الصادق من دون رتوش ولا تصنّع. وانقراضُها خسارة كبيرة، لن يعوّضها البتة تحوّل العراق إلى كيانٍ بلون شاحبٍ واحد، وبطعمٍ مرُّه كالعلقم، وبرائحة ستفوح جيفتُها وستزكم الأنوف مع توالي الزمن وتتالي الأيام. فالطامعون في هذ المكوّنات الصغيرة، كثروا اليوم، وتنوعوا وتوزعوا بين فاسد ومفسد في الأرض، وبين لصٍّ في الليل وناهب في النهار، وبين مروّج لأيديولوجية تتخذ من الشرع وتجلياته والجهاد وتجنيّاِه في المنطقة والعالم سبيلاً لإعلان قطع الأرحام وكسر الأشكال وتغييب النفوس والأجسام بطريقة فَضّة وهمجية تتناقض مع تطوّر الزمن وعصر الحداثة ورواج الفكر المنفتح الذي يشترط فيه قبول الآخر المختلف، مهما كان لونه وجنسُه ودينُه وملّتُه وعقيدتُه وفكرُه.
لقد واصل وجودُ هذه المكوّنات الأصيلة في النسيج العراقي والإقليمي، وكذا تواجدها في المنطقة ككلّ، واصلَ التدحرج والتراجع والتناقص على مرّ السنين الغوابر التي بقيت على مداها المتعاظم هدفًا سهلاً لتجار السياسة المتضلّعين منهم والهواة على السواء، إلى جانب المراهقين الطامعين الذين فرزتهم الأحزاب الدينية بصورة خاصة ما بعد الغزو الأمريكي في 2003، كي يوجّهوا اهتماماتهم العقارية الجشعة ومشاريعَهم التوسعية باتجاه الأرض الخصبة للآباء والأجداد الغيارى من قاطني هذه المناطق، مستخدمين شتى الوسائل لتحقيق هذا الهدف، ومنها استخامهم أدوات النفاق كسلوك للتخدير والتناسي والتغافل وإظهار أشكال التمييز والاستهانة بحق هوياتهم المختلفة عن دين الأغلبية عن طريق اٌيهام بتقدين مشاريع للتسوية والمصالحة المجتمعية التي إنْ هي إلاّ نتاج منهج سياسيّ معيّن يُراد الترويج له وتصديرُه بأي أدوات متاحة.     
الهجمة الجديدة القديمة، تتخذ اليوم طابعًا ممنهجًا ومنظمًا أكثر من سابقاتها. وآخرها تجريحٌ رُوِّجَ له حديثًا في مواقع التواصل الاجتماعي، لأحد شيوخ الشيعة المتقدّمين والمحسوبين على القيادات الشيعية، في محاضرة أمام أتباعه تطرّق فيها إلى تأييد النصوص القرآنية "المدنية" للجهاد بحق النصارى واليهود، وما ينبغي على أهل الذمّة من الكفّار، بحسب الوصف، من واجب الوجوب تجاه المسلمين من أداء الجزية، أو الإسلام أو القتال، بالرغم من كوننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، وندّعي الشراكة في الوطن وأنّ "إلهَنا وإلهُكم واحد". ومثل هذا المنهج غير السليم الذي يتقاطع مع دعوات وطنية للعيش المشترك وإصلاح اللحمة المجتمعية المنفرطة وتحقيق المصالحة، لا يختلف عمّا يفعله شيوخُ القتل والتحريض الوهابيون والإخوالنيّون وأمثالُهم من المتشدّدين المنغلقين من نماذج الدواعش ومَن على شاكلتهم، الذين يملأون مواقع التواصل الاجتماعي ويغسلون أدمغة العامّة في قاعات المحاضرات والمؤتمرات والمضافات الخاصة. وهذا مردُّه أن العقلية هي هي لا تتغيّر. فلا تغيير مرتقب، كما يبدو، في إصلاح الاجتهادات والتفسيرات المنغلقة التي صلحت أو كادت، في زمن الجاهلية وبداية الدعوة، ولم تعد صالحة في زمن العولمة والتكنلوجيا المتطورة والفضاء. وعند السؤال والاحتجاج على مثل هذه المواقف غير المتزنة والمنافقة، تأتي التبريرات والاستجابة للرفض والاحتجاج من الطرف الآخر، أكثر خجلاً بدلاً من اتخاذ قرارات شجاعة للحدّ من مثل هذه التجاوزات بحق المختلفين في الدّين ومن دون أية إدانة صريحة لأشكال هذا الخطاب التحريضيّ الذي يأخذ شكلاً متجدّدًا بين فترة وأخرى. بل إنَّ مثل هذا السلوك الاستفزازيّ الواضح، يعبّر عن رغبات مستورة ونوايا دفينة مخفية لحينٍ، لأسباب دعائية وانتفاعية مرحلية، كي يتغوّل المتسلّطون على ما تبقى من آثار وجود وبقايا تراث هذه الأقليات التي يزدادُ تكفيرُها ومضايقتُها كلّما تتطلّب أمرُ تناقصها بحسب إرادة الأسياد المتقاولين مع إرادات الشرّ حرصًا على مصالحهم الشخصية والقومية والمرحلية. فاللسان بنطق بما في القلب، "من فضلات القلب يتكلّمُ اللسان"!
وهكذا تبقى الأقليات ومصيرُها، رهن مثل هذه السلوكيات غير الحضارية التي ترنو إلى الماضي التعيس في كلّ شيء، وسط تعالي صيحات البشر من ذوي الإرادة الطيبة والنَّفَس الوطنيّ الصادق بقرع أجراس الإنذار الكثيرة، في كلّ يوم وكلّ ساعة، خوفًا من مستقبل غامض. وهذه من دواعي مخاطر الانقراض الممكن والتراجع في دورها الحضاري والوطني والاختفاء المتنامي لهويتها الوطنية والدينية والقومية.
تشير السير التاريخية والوقائع، عن عناد ودفاع مستميتين للآباء والأجداد على مرّ عقود مضت وقرون ولّت، وهم صامدون ومصمّمون في الدفاع عن مناطقهم التاريخية وحمايتها من غول الأشرار والطماعين والسرّاق واللصوص وسائر المتربصين من كلّ فرصة سانحة على مدى التاريخ الطويل. وما أكثر ما يسردُه هذا الأخير عن أحوال أتباع هذه الشعوب المقهورة والمهمّشة والمضطهدة، ولاسيّما المختلفة في دينها ومعتقدها وأصولها عن دين الأغلبية في عموم البلاد والمنطقة، في سياق حملات تكالبت على البلاد في فترات سوداء من تاريخ الغزوات والغارات والمداهمات المحلية والغريبة على السواء. لقد ظلّت أمثال هذه المكوّنات التي لا تدين بدين الأغلبية، كالمسيحية والإيزيدية والصابئية والكاكائية والبهائية واليهودية، وتلك التي تختلف في العرق كالسريان (الآراميين) والشبك والتركمان والشركس أو في اللّون من ذوي البشرة السوداء الذين اعتاد أهل الجنوب إطلاق تسمية "العبيد" التمييزية عليهم من دون وجه حق، وما سواها إن وُجدت، ظلّت دومًا هدفًا سهلاً للمتجاوزين على حق الشعوب في العيش الكريم، وصيدًا رخيصًا للأقوياء الذين نصبوا أنفسَهم أسياد الشعوب المغلوبة والمقهورة والضعيفة، على مدى التاريخ السحيق. وهذه كلّها وقائع مدعومة بحقائق على الأرض وبشهادات موثقة ومتناقلة، شفاهيةً وكتابةً.
إنها لمناسبة جديرة مع اقتراب النصر المبين على برابرة العصر الذين اتخذوا من جلباب الدين سبيلاً لكلّ أنواع الشرور التي تنأى عنها سائر الأديان وترفضهُا الإنسانية وأصحاب العقول المنفتحة المستنيرة، أن نشدّ الأكفّ ونتسامى في الرؤى والفكر ونتنادى لانتصار وطنيّ حقيقيّ موازٍ. ولكننا نريدُه انتصارًا من نوعٍ آخر، على كلّ التركة الكارثية التي خلّفها ويخلّفها الفكر الداعشيّ المتخلّف ومَن أيّد والتحق بأيديولوجيته المنحرفة في المنطقة والعالم، وفي العراق بالذات. وهذا الصنف الآخر من النصر المنتظَر، ينبغي أن يأخذ مديات عديدة وكثيرة ومتشعبة من مختلف الجهات، الحكومية منها والمجتمعية والدولية، عبر التكثيف في وسائل الإعلام المتنوعة، المرئية منها والمسموعة والمقروءة وكذا في وسائل التواصل الاجتماعي المتنامية، تمامًا كما في المناهج التعليمية التي تتبناها الدولة أو تشرفُ عليها مؤسسات دينية تتمتع بشيء من الحرية المطلقة في التعبير وإطلاق المناهج الخاصة بها. ولا يخفى على أحد، ما تشكله مجالات التثقيف والتربية العامة الأخرى، ولاسيّما إعادة النظر في وضع مجمل المناهج الدراسية السارية لكافة المراحل والتي يتطلب مراجعتها كي تنسجم مع الطموح الأسمى بالوصول لتحقيق دولة مدنية معاصرة تسير وفق الركب المتطوّر والمتمدّن للشعوب الديمقراطية الحرةّ. يُضاف إلى كلّ هذا، ما يمكن أن تحققه وسائل التواصل الاجتماعي المتيسرة حاليًا من تأثير في النفوس والعقول والقلوب، عبر الرسالة الإنسانية والإصلاحية التي يحملُها أصحاب النخب المنفتحة والباحثة عن مجتمعات نموذجية تحترم الإنسان وتقدّرُ خياراته، حتى في حالة الاختلاف.
وهذا أقلُّ ما يمكن أن يرضى به أتباع هذه الجماعات المسالمة وسط الفوضى التي تضربُ أطنابَها في الوسط السياسيّ المراهق المتعثّر من دون بروز ما يمكن أن يشير إلى صحوة حقيقية وسط الشعب الذي اعتاد السير كالخراف وراء مَن فرضَ نفسَه قائدًا، بما يُسمّى بصوت صناديق الاقتراع المسيّسة أو بغيابها. لقد كان على الشعب الذي لدغته لسعات الساسة المتاجرون منذ الغزو الأمريكي-الغربيّ للبلاد، أن يصحو من غفوته اللعينة، ويستفيد من تجربة السنين العجاف التي تراجعَت فيها أحوالُه ورفاهُه وصحتُه وخدماتُه وأمنُه وتعليمُه وشخصيتُه، من دون بيان بصيص أملٍ في النفق المظلم الذي صارَ إليه مذ ذاك.
    من هنا يأتي دور المستنيرين والمثقفين والعقلاء والحكماء في اتخاذ المبادرة، أو بالأحرى في استكمال ما بدأه الأحرار الوطنيون من النخب المدنية التي لم تتدنّس أو تتلطخ أياديهم بالفساد بكلّ أشكاله وألوانه، من سرقة المال العام، ونهب ثروات البلاد بحجة إحلال المحرَّم، وكذا من عمليات السطو والخطف والقتل والتسليب والتهديد التي أزكمت رائحتُها الأنوف. فهذه مجتمعة، كانت وما تزال من الأسباب الدافعة لاتخاذ الأبرياء ومَن لا نصيرَ لهم في الحكومات التنفيذية السلطوية والتشريعية الطائفية والقضائية المسيَّسة، القرار الصعب بمغادرة البلاد والبحث عن الأمن والسلام والاستقرار النفسي والجسماني، والنجاة بجلدهم بسبب ما يجري في البلد منذ الغزو الأمريكي من فوضى في ظل غياب القانون والعدل والمساواة، وتعطيل عمل المؤسسات الرصينة التي كانت تضمن آنفًا، حرية المواطن وأمنَه وحركتَه وطموحاته بعد التغيير الدراماتيكي المشبوه.
إنَّ بازارَ الأحزاب وزعماء الكتل السياسية الطائفية والفئوية من دون تمييز، ما يزال ساخنًا، بل زاد تأجيجُه مع اقتراب القضاء على أدوات الإرهاب ودحره. بل إنّ جزءً من هذا التأجيج الإعلامي بين الكتل السياسية المتصارعة على السلطة والثروة والزعامة، له صلة ببشائر الانتصارات القادمة في لاحق الأيام.، لاسيّما مع اقتراب سوق الانتخابات الساخن. وجميعنُا مدركٌ للأسباب التي تقف وراء التصعيد بين الزعامات الفاشلة التي أوصلت البلاد إلى حالة من الفوضى في كلّ شيء، بل إلى شفير الإفلاس الاقتصادي والمجتمعي والعلمي والصحي والخدمي وفي قطاعات الحياة المتنوعة. كما تشير حالة تبادل الاتهامات بين الإخوة المتصارعين على الكعكة، شركاء الأمس وأعداء اليوم، إلى نتيجة مفادُها مشاركةُ الأحزاب التي تولت السلطة، في قدَر العراق وبلوغه هذه الدرجة من التعاسة والتخلّف عن ركب الدول المتحضّرة، بعد أن كانت بغداد عاصمة العرب وقبلة الزوّار وباحة المشتاقين وأرض الثقافة والعلم والتطوّر بلا منازع.
هناك حقيقة أثبتت واقعَها الذي لا مهرب منه. فمَن همْ قائمون على الحكم الطائفي بعد الغزو الأمريكي للبلاد، لا يريدون بقاء التنوّع الديني والعرقي والمذهبي في عراق عُرف بمثل هذا التنوع الثري منذ القدم. هؤلاء يريدونه أرضًا جدباء بلون الصحراء، لا تنمو فيه خضرةٌ ولا فاكهةٌ ولا شجرةٌ مثمرة. فما يبدر عنهم اليوم من قرارات ومن سنٍّ لقوانين مجحفة بحق مكوّنات قليلة العدد، أي الأقليات مصطلحًا، سواء في مؤسسات الدولة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، تتناقضُ تمامًا مع ما يُصرّحُ به عبر وسائل الإعلام الرائجة بكل أشكالها وفي أدوات التواصل الاجتماعي المختلفة. ولعلّ إحداها، تأجيل التصويت ثلاث مرّات، على مشروع تقدّم به ممثلو هذه المكوّنات في السلطة التشريعية حول اعتبار ما تعرّضت له مناطق هذه المكوّنات من تهجير وقتل وسبي واغتصاب وتدمير ونهب وحرق، جرائم ترقى إلى اكتسابها صفة الإبادة الجماعية. فهل أكثر ممّا حصل أن تُقلع مكوّنات من جذورها وتبقى بلا مأوى ولا مال ولا بشر، وتُشتّت عوائل وأُسر، أو أن ينتهي بها الأمر في متاهات بلدان الاغتراب تستجدي المساعدات والمنظمات، وبلدُهم قابعٌ على بحيرات من الثروة الوطنية التي تُنهب في وضح النهار، سواء من قبل الإرهاب أو أذناب الكتل السياسية المتنفذة؟ فلا فرق بين هذا وذاك. فالاثنان سيّان، يتشاركان في قتل الرفاهة المجتمعية وفي وأد الروح الوطنية وفي سرقة المال العام وفي نهب الثروة الوطنية التي هي ملك الشعب الذي أُريد تهجيرُه واستغلالُه لمصالح فئوية ولحساب شرائح ضيقة أخذت تبني لها مستعمرات طائفية وحزبية وسط الأحياء التقليدية في بغداد وسائر المحافظات.
مَن يقرأ تاريخ هذه الجماعات التي تُسمّى ظلمًا وإجحافًا بالأقليات، يعي صدقًا حقيقةَ تهميش مصيرها ووجودها والاستخفاف بهوياتها وحقها في المواطنة المتساوية والعادلة، حالُها حال المستفيدين من القائمين على السلطة وأتباعهم المتزايدين على حساب شرائح هذه الجماعات الطيبة في المعشر، والمتميزة في السيرة والأخلاق والوطنية. فأتباع القائمين على السلطة، كلّ بسطوة أحزابه وقدرة ميليشياته وما يدرّ عليهم من ثروات ومداخل مالية، سواءً تمويلاً من جهات خارجية أو نهبًا لثروات وطنية من دون وجه حق، هؤلاء تتزايد أرصدتُهم جميعًا وتتنامى ثرواتُهم وعقاراتُهم يومًا بعد يوم، في مصارف محلية وأخرى إقليمية وحتى دولية. بل إنّ المستحوذين على السلطة بدعم الراعي الأمريكي والغربي، بحجة الأكثرية العددية والمظلومية التاريخية، لم يتورعوا في مناسبة ومن غيرها، بتسخير جهد الدولة بكامله لصالح أتباعهم وصرفهم الأموال الطائلة لشعائر موسمية ومناسبات لا حصرَ لها، بالرغم من أنّ مثل هذه الوسائل والأدوات قد أخذت طابع الاستفزاز أحيانًا عندما يتوقف واجب المؤسسات بأداء أعمالها الخدمية اليومية للمواطن، على هزالتها وضعف أدائها. وهذا السلوك الذي يتجاوز في أحيانٍ كثيرة سقف المعقول، يثير السخط والريبة بل والخوف من خروج الأمور عن نصابها، ما يؤدي لانكفاء شرائح "الأقليات" في مواقعها والاكتفاء بحماية موقفها وحياتها بعدم الخروج من المنزل وإيقاف أعمالها التي قد تكون موضع باب رزقها لأيامٍ بل لأسابيع. أليسَ في هذا، شيءٌ من الاضطهاد الممنهج الذي تصرّ عليه جهات متنفذة ومتسلطة في السلطة والشارع؟
أسئلة كثيرة، لا بدّ من توجيهها لأصحاب الشأن وأرباب النخب وكلّ مَن يهمّه شأن العراق، وطنًا وشعبًا وحضارة. وهذه تحتاج إلى معالجات جادّة وعملية لإحقاق الحق ووضع الأمور الوطنية في نصابها، وليس إلى ردود دبلوماسية ومجاملية كما اعتدنا عليه من تلقي مجاملات وسماع تزويق كلاميّ معسول في المناسبات والزيارات واللقاءات والفبركات الإعلامية التي لا تنصف هذه الجماعات، بقدر ما تلصق بها الكثير من صفات الاستخفاف والإهانة والضحك على الذقون، بدل إيجاد حلول جذرية إزاء ما تعانيه من مصاعب وما تنشده من حق وعدل وإنصافٍ. ففي الوقت الذي نسمع فيه كلامًا معسولاً عن دور المسيحيين الحضاري، نرى في المقابل أصواتًا ناشزة وخطابات تحريضية تخرج بين الفينة والفينة من قبل بعض شيوخ التحريض والفتنة من المذهبين بتكفير المختلفين عن دين الأغلبية التي تدّعي عبادة إله الحق. ونحن نعلم أنَّ إله الحق هو صاحب المحبة والرحمة والعدل وليس إله القتل والغصب والسيف! وإن كان تصرّف أو رأي بعض هؤلاء شخصيًا، إلاّ أنّه ينمّ عمّا يضمرُه المقابل في القلب والروح والفكر والمنهج. مثل هذا الخطاب التحريضيّ الذي يثيرُه البعض  تذكيرًا باالأحكام الإسلامية بحق أهل الذمّة، يُعدّ توجهًا لمرحلة خطيرة قادمة، لأنه كلام لا يختلف عمّا يفعله "داعش" وأخواتُها من أمثال القاعدة وبوكو حرام وشباب الصومال ومثيلاتُها، ومَن يدري ما بعدَها. مثل هذا المنهج الجديد، يحتاج إلى وقفة شجاعة وصارمة واعتراض رسميّ، تمامًا كالذي صدر عن الصرح البطريركيّ الكلداني، على أن يلحقه بيان واضح من جميع أركان وزعامات الأديان المختلفة، إلى جانب إدانات واضحة تصدر عن زعامات ورئاسات وقيادات المذهبين الشيعيّ والسنّي ضدّ كلّ مَن يثير مثل هذه الخطابات التي باعتراف المستنيرين من أتباع هذه المذهبين، قد أصبحت هذه من "تراث الماضي"، ولم تعد تصلح لزماننا ولا لبشرنا ولا لشجرنا ولا لحجرنا.
ونحن نتساءل مع غيرنا: كيف يمكن تصوّر بقاء جماعات وطنية أصيلة ومتسمة بكلّ السمات الوطنية والإنسانية، أسيرةَ الاضطهاد في وطنها ووسطَ أبناء جلدتها وفي موطن آبائها وأجدادها، أصحابِ الحضارات التي سادت العالم ورسمت تاريخ البلاد والمنطقة والعالم بأدقّ تفاصيل الصورة الحسنة التي ماتزال تتزينُ بها متاحف البلاد والعالم وتذكّر بها الخلف عن السلَف؟ وهل يُعقل أن يبقى مصير أتباع هذه الجماعات رهن المخططات الأجنبية التي تعمل وفق أجنداتها المصلحية والقومية، ضاربةً عرض الحائط كلَّ الحقوق التاريخية والحضارية والإنسانية التي تتميز بها هذه الجماعات المسالمة والتي لها الحقّ بتفعيلها وترويجها واستغلالها لصدّ أطماع المغرضين وعملاء الأجنبي ومزدوجي الجنسية من الذين تربعوا وسكنوا القصور الرئاسية ونزلوا في الفلل الفخمة واستحوذوا على المنازل والدور الفارهة بالقوة ومن دون وجه حق؟ وكيف لنا أن نتصوّر بروز صراعات واحتدام نزاعات مع اقتراب حسم النصر لصالح الوطن وأهله، بين الفرقاء السياسيين الذين تسببوا هُم، بمعاناة هذه الجماعات حين تعرّضِهم لصفحة الإرهاب المتوحش الذي نجح بقلع شرائح من أتباعهم من جذورهم وفي مواطن سكناهم الأصلية التي قطنوها منذ آلاف السنين؟ وهل يمكن الرضوخ للتجاذبات الجارية من خلف الكواليس وفي مطابخ الساسة العفنة وزعماء الكتل بشأن حق عودة النازحين والمهجَّرين إلى دورهم وبلداتهم وأملاكهم؟ أإلى هذه الدرجة بلغت صفاقة البعض من السياسيين في تقرير مصير العودة من عدمه كي يتسنى لهم إحداث ما ينوون القيام به من تغييرات ديمغرافية ظالمة ومجحفة؟ فالدلائل تشير إلى نوايا سيئة لبعض الساسة والزعماء بالتحكم الديموغرافي في مناطق النزوح وفي مصائر النازحين من أجل تحقيق مصالح قومية وعرقية وفئوية وطائفية ضيقة.
ولكن يبقى القرار الأهمّ في رأيي للشعب نفسه: كي يثور حين تُصدّ بوجهه كلّ الأبواب وتُغلق النوافذ، وكي يصول صولتَه حين يصرُّ البعض على الاستخفاف بحقوقه والاستهانة بوضعه واستدرار عواطفه بالزيف والكذب والنفاق، وليقول كلمتَه بوجه أدعياء "الخير والرحمة والمودّة" الكذابين والمنادين بالحرية غير القائمة وأدعياء الديمقراطية المزيّفة وحرامية الليل والنهار، وكلّ مَن يتشدّق بالدفاع عن المظلوم ضدّ الظالم ويدّعي محاربة الفساد وقلعَ الفاسد، وهو نفسُه غارقٌ في دياميس الفساد ودهاليز الظلام ودياجير الفسق والمجون.
 وأخيرًا، لن يصحَّ إلاّ الصحيح. فالبسطاءُ من الشعب يسعون لحياة آدمية آمنة وإلى سلام وشراكة مع الجميع وللجميع. فيما المتنوّرون والمثقفون يسعون إلى هذا وذاك، عبر تغيير في الخطاب السياسيّ والدينيّ والمجتمعيّ، والابتعاد عن الخطاب التحريضيّ وإدانة كل أشكال العنف والإرهاب والتهديد والتسلّط، وبما تتيحه وسائل التحضّر والتمدّن في إطار دولة مدنية لها دستور جامع شامل إنسانيّ بعيدٍ عن الشرع الظالم وغير المنصف. نريدُها دولة مدنية تطبّق القانون على الجميع ومن أجل مصلحة الجميع بالمساواة والعدالة والاستحقاق والجدارة، بدل فرض واقع المتسلطين عبر منهج المحاصصة المدمّر للبشر والحجر والشجر. ومّن أعلنها "شلع قلع"، يعي حقًا ما يريد وما ينفع للبلاد الغارقة في شتى أنواع الفساد والظلم. وهذا دور النخب والمستنيرين ورواد التواصل الاجتماعي لتحذير الطبقات المستضعفة من مغبة إعادة توليف وإنتاج ذات الوجوه الفاسدة والفاشلة والفئوية والطائفية التي لا يهمّها مصلحة الوطن العليا ومصير أبنائه المتجه نحو التقهقر والتراجع والأفول يومًا بعد آخر.

14

ألدّين والمسؤوليات التاريخية والأخلاقية
لويس إقليمس
بغداد، في 1 أيار 2017
شهدت العقود المتوسطة من القرن العشرين، والأخيرة منه على وجه الظاهرة، موجة من التأسلم والتجلبب بأطراف الدّين وشرعه ، متأثرة بأفكار نفرٍ من المنظّرين السلفيين الذين اتخذوا من تطبيقات الدّين وتفاسيره القديمة الضيقة، كتابًا وأحاديث ونقلاً، منهجًا وتوكيلاً في تطبيق ما بدا لهم شرعَ الله على الأرض. وهذا ممّا كان له أثرٌ بسبب إساءة التأويل أو التفسير المنقوص غير مكتمل الأطر في النصوص الدينية على حياة الإنسان والدول والشعوب. وإنْ كان هذا النهج السلفيّ المائل إلى التشدّد والانغلاق والتعصّب في الفكر والتطبيق والتفسير، لدى أتباع كلا المذهبين السنّي والشيعي على السواء، في أدواته ومناهجه وطرائقه وشخوصه، من السمات التي انساق لها هؤلاء المنظِرون من دون التمحيص بالنتائج المترتبة على أفكارهم المتطرفة في معظمها، إلاّ أنّ إيغالَهم في مسألة تكفير الغير المختلف عنهم منهجًا، أيًا كان دينُه أو مذهبُه أو عرقُه أو مرتبتُه، والدعوة إلى رفض ما لا يتطابق مع أفكارهم وسلوكياتهم وتوجهاتهم، واستخدامَهم شتى أنواع التصدّي لكلّ مَن يرفض هذه كلّها، قد وضعهم في زاوية حرجة، لاسيّما حين خروج الأتباع مؤخرًا عن السيطرة، سيطرة الدين والدولة والحياة الطبيعية الإنسانية كباقي البشر على وجه الأرض. "فمَن شبَّ على الشيء شابَ عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء حُشِر عليه". هكذا أمثالُ مَن يغالون ليس في تفسير ما كُتب، بل في عيش ما قيل وفي ما يقرأون وما يسمعون وما ينسجون في أخيلة مريضة تحتاج إلى العلاج الاجتماعي والفكري والعقائدي المنفتح على الآخر والمستفيد من تجليات العصرنة وفوائدها ومن دروس الحياة عبر التاريخ. فاللهُ حبا بني البشر بعقل لإدراك ما يشعرون، وبروية للتبصّر بما يفعلون، وبعيون لتقييم ما يشهدون.
الشريعة، أية شريعة، لا يمكنها أن تخرج عن أدبيات الحياة الدنيا المتشكلة من جسد وعقل وروح، وأيضًا من رؤية معاصرة تساير تطور الزمن وتسمو بالإنسان وبالبشرية نحو سلّم السلام والرفاه والتقدّم. كما لم يعد مقبولاً الاستغلال الفاحش لما حلّله الخالق للبشر بحق، ولا التجاوز على قوانين الحياة بحجة إكمال وتطبيق شريعة خاصة بشريحة على حساب الغير من البشر، وإنْ كانوا أغلبية والآخرين أقلية. فلا دينَ لنفرٍ يعلو على دين غيرهم مهما كانت الأسباب، ولا شريعة تسمو على غيرها من الشرائع والقوانين التي تتعاطى بها مختلف الشعوب والأمم، ولا شعوبَ مخلوقة بأمر الخالق بأفضلَ من غيرها. فتلك كذبة أطلقها ويحشّدُ عليها ضعافُ النفوس، ويسعى المندسّون كما سعى غيرُهم من قبل، في هذا الدّين أو ذاك، أو في هذا المذهب، أو هذا المعتقد أو ذاك، كي يحصدوا ما في ذواتهم من طمع وخبث واستغلال، ويحققوا من غايات وأهدافٍ ما لم يحلّلُه الخالق الذي خلق الشعوب والأمم والبشر، ذكورًا وإناثًا، متساوين، إلاّ في المودة والرحمة ومحبة الله وحب الغير وإكرام الغريب واحترام الجار والتمنّي للغير أيِّ كانَ، كلَّ خير وفرح وسلام وطمأنينة وراحة بال. ثمّ إن الدّين الذي تخلو مفرداتُه من سمة المحبة الإلهية، لا يمكن أن يندرج ضمن الأديان التوحيدية ولا الإلهية، ذلك أنَّ "الله كلُّه محبة"، ولا يبغي للبشر من مخلوقاته غيرَ المحبة! وهذه الأخيرة إلزامية وليست اختيارية في العُرف الإلهي!
من هنا، يبقى الدين، بل ينبغي أن يكون بالتالي ضمن دارة العلاقة الشخصية بين الله وبني البشر، بين الخالق والمخلوق، بين المعبود والعابد الذي وحده يحقُّ له تقرير مصير البشر وإحلال الحكم السماوي العادل، وهو مسيِّرُ الأكوان والأجرام، والمتحكّمُ بأسماء البشر وأشكالهم، وبالأرض والعناصر بحكمته وقدرته وطيبته ومحبته. فليس الدّين إذن، مجرّد كتاب للحفظ والختم والمهر، بقدر ما هو حياة ونصح وأخلاق، وتطبيق لمبدأ محبة الله لبني البشر، من أي عرق أو جنس أو لون، أم دين او معتقد أو فكر، ومن ثمّ التعبير عن هذه المحبة التي هي من سمات الأديان التوحيدية "السماوية" للغير من البشر مهما كانت الاختلافات البشرية والعرقية والشكلية والفكرية والدينية والمذهبية. حتى أصحابُ الأفكار الملحدة والّلاأدريون والّلادينيون، ليس من حق البشر الحكمَ عليهم أو إدانتَهم. فهذا الخيارُ إنْ هو إلاّ حقٌ لكلّ بشرٍ بعيش نهج الدّين او المعتقد أو المبدأ الذي يختارُه لنفسه ليعيشُه على هواه من دون إكراه "لا إكراهَ في الدّين"، طالما كان ملتزمًا بقوانين الطبيعة في احترام الآخر بكلّ ما في الأديان من إيجابيات أو وصمات وفق الفكرٍ أو المنهج وما سوى ذلك ممّا يختارُه الإنسان بحريته. وليسَ بعيدًا، أن تكون روحانيّة هذا الّلاأدري أو الّلادينيّ أكثر توفيقًا وتطويعًا للنفس إزاء الخالق والبشر معًا من حافظ الكتاب أو من الذي لا ينقطع عن الصلاة ومَن لا تغادر السبحة أناملَه ولا يفوّت ركعة أو شعيرة، فيما قلبُه مليء حقدًا وغلاًّ وخبثًا، وفكرُه متعطّش للسفح والشرّ والقتل والفساد والإفساد وسط خلق الله والوطن والأرض. هذه هي حرية البشر المعقولة، فهي "تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين". وفي نهاية المطاف، يبقى الدّينُ، أيُّ دين، مسؤوليةً اجتماعية وإنسانية وروحانية وتربوية، بل منهجًا للنصح والإيثار والخُلق الحميد، وليسَ أداة للترهيب والتأديب والغصب والسَّوق للصلاة بالسوط وبالجَلد والتهديد.
لقاء بابا الفاتيكان الحار والعناق الأخوي والإنسانيّ معًا مع شيخ الأزهر أحمد الطيّب، ومواجهتَه الحضارية والإنسانية مع المؤتمرين في المؤتمر العالمي للسلام يوم 28 نيسان 2017، من شأنه أن يُحدث ثورة في المفاهيم وفي الحوار وقبول الآخر، للسير معًا في بناء السلام وتحاشي الظلامية وأشكال التخلّف وأدران التعصّب والانغلاق وإدانة ورفض كلّ ما لا ينسجم مع حق الكائن البشري في العيش بسلام في المكان والزمان الذي يبغيهما. كما أنَّ ما طرحه البابا فرنسيس، الذي حيّا مصر ب "أمّ الدنيا" وتحيتُه لشعب مصر بكلمات عربية فصحى "السلامُ عليكم"، له مدلولاته على صعيد الهوية الدينية والمجتمعية لكلّ مجتمع من دون إهمالٍ لصدق النوايا لدى كلّ الأطراف المطلوب منها أن تتحلّى بشجاعة الاعتراف بواقعية الاختلاف وبكون الأخير غنى وليسَ خلافًا أو خروجًا عن المنطق والواقع، وكذا بروحية الإنسان المخلوق متساويًا عند الشعوب، على صورة الخالق ومثاله الحسن. فكلّ ما خلقه الله حسنٌ وينشد باسمه كما يخضع تمامًا لجبروته وليسَ لغيره وفق مقاساتٍ شاذّة دينيًا ومجتمعيًا وروحيًا. كما أنّ هذا الخالق الطيّب، الرحمن الرحيم، لم يوكل أحدًا للحكم بدَلَه أو عوضًا عنه، إلاّ بحسب ما تشرّعُه قوانين الأمم المتحضّرة وفق لائحة حقوق الإنسان، التي اعتمدت وصايا الكتب المقدسة، وعل سبيل الخصوصية ما تضمنه العهد الجديد من الأخلاق المسيحية السمحة التي أتى بها عيسى، المسيح الحيّ.
تلكم هي التربية الأساسية للبشر العاديين، أحباب الله على الأرض بانفتاحهم على سمة احترام الآخر المختلف، مهما كان دينُه أو لونُه أو مذهبُه أو عرقُه. ومن شأن هذه الثقافة أن تزيد من فرص خلق عالم نظيف في كلّ شيء، في السياسة والبيئة والاقتصاد والإنسانية، تمامًا كما في تحقيق الرفاهة للجميع وفي استغلال الثروات لصالح الإنسان والبشرية والأرض قبل أن تجدبَ وتجفّ ثرواتُها بسبب قساوة نفرٍ مغترٍّ أعمتهم الغيرة والغلّ والكبرياء وحبّ الجاه والثروة وإيذاء الآخر من دون مبرّر. فاللهُ قادرٌ أن يقيم لإبراهيم نسلاً جديدًا عتيدًا معجونًا بأطايب المزايا الإلهية الصادقة عوضًا عن آفات غلاظ الرقاب المهووسين بقتل الأبرياء وحزّ الرقاب ونحر الأجساد. فالدّين، كما أشار بابا الفاتيكان فرنسيس، ليس بمشكلة، بل هو جزءٌ أساسيٌّ من الحل، يساعد البشر في بناء مدينتهم الأرضية وفق أسس المساواة والعدالة والاحترام. كما أن الله الخالق، يحب البشر، وقد أعلن هذا الحب مرارًا، عبر أنبيائِه وخدمِه وعمّاله وأئمّته على الأرض، ومنهم مَن يُفترض به من رجال الدين، أن يوجّه الناسَ نحو الخير وبناء الإنسان والمصالحة والحوار، وليس في تهديم ثقافة الحوار وضرب شرعة حقوق الإنسان والتحريض ضدّ الآخر المختلف. وهذا هو طريق الإنسان الحقيقي الناضج والمنطقي في وضع حدّ للصراعات الثقافية والحضارية والدينية واستبداله بمعايير منفتحة من أجل الخير العام وبناء كرامة الإنسان وبيته الأرضيّ، تمامًا كما يريده الخالق. فالبيت السماوي الذي يرنو إليه البشر، ينبغي ألاّ يختلف عن مثيله الأرضي، لأنّ المثوى السماوي يبتدأ من الأرض.
من هنا، لو عدنا عودة لسِيَر المتصوّفة والنسّاك، أحبابِ الله من كلّ الأديان والألوان، تعيدُ إلى اذهاننا ذلك النموذج الناصع لعيش نمط الحياة الزهدية والروحية الصريحة بين الله ومخلوقاته الضعيفة، ليس في شكل التزهد والنسك أو الانقطاع عن المأكل والملبس فحسب، بل في حفظ وصايا الخالق في أمر مخلوقاته وفي إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه وفي تجنّب المعصية وإيذاء الغير وبالتفكير في المصير بعد سحابة السنوات الضئيلة فوق الفانية التي لا تدوم، وفي إدامة ذلك النهج الصحيح والمضيّ في سبيله بكلّ إصرار وعناد كونَه طريق الصواب الذي لا يخالف أمرَ الله. فالصوفيّة في الإسلام كما في المسيحية واليهودية والبوذية والفارسية وما سواها إن وُجدت ولو بأشكالٍ مغايرة، هي الصورة الفضلى لحياة البشر على الأرض وفي تعامل بعضهم مع البعض من دون تحسّسات ولا إيغالاتٍ ولا مراءاة في تبادل العيش المفترض. وهي بحدّ ذاتها نوعٌ من الحكمة التي عرفها قدماء اليونان في تواصلهم وفي غاياتهم في فهم الله وخليقته وفي التعامل وفق هذا المنظور، ضمن إطار تربوي وأخلاقيّ محمود. وكانت هذه الطريقة هي كذلك في بدايات الإسلام، علمًا وعملاً وموهبةً، بل دلالةً على علامة رضى الخالق عن معبوديه في تقويم النفس من الاعوجاج والتقرّب منه بأعمال البرّ والخير والإحسان، وفي مواجهة فساد الحكّام والولاة والملوك بسبب نوازع هؤلاء، الشخصية والفئوية والطائفية. ولنا في التاريخ عبرٌ وأمثلة كثيرة، راح ضحية تلك الفوضى في الحكم، العديدُ من الأئمة الكرام ممّن ذاقوا الأمرّين والعذابات في غياهب سجون أمثال أولئك الحكّام القساة الغلاظ الذين مرقوا وحادوا عن أخلاق الدّين وأركانه الواضحة وأوغلوا في تأنيب الآخر المختلف عنهم وفي تكفيره ونعته بالمروق، وفقًا لمقاساتهم المنحرفة.
 الحياة لم تدم لأحد، كي تدوم للأشرار والفاسدين والمراءين في الدين والمذهب وفي التنظير باتجاه المغالاة والمناهج التي أضحت في زمن كان، ولم تعد صائبة ولا مقبولة ولا محبّذة في عصر العولمة الذي أحالَ العالم إلى قرية صغيرة. كما أنّ "ما زاد عن حدِّه انقلبَ ضدّه"، بالتالي. هكذا في ميزان المزايدات الدينية والتأويلية والتفسيرية، وكذا الشعائرية المذهبية التي نشهد فصولَها اليوم في بلادنا في جميع المناسبات، وما أكثرَها، والتي صارت تخرج عن المعقول وتستغلُّ القائم الموجود لصالح شريحة متسيّدة دون غيرها، مضيفة أشكالاً من لوعة الاستفزاز، الذي بقصدٍ أو بدونه، ينعكس على مجموع البشر المحيطين بمثل هذه المسالك والشعائر والممارسات التي تحوّل مناسباتٍ عديدة في السنة ولأيامٍ طوالٍ، إلى ساحة لجمع القمامة ومناظر بشعة للنفايات التي تفترش الطرقات والشوارع والأزقة وتقطع الكثير منها، وتتلف الحدائق العامة وتوقف مصالح الدولة وتؤخر معاملات وحاجات المواطنين وتتوقف فيها عجلة البناء والصناعة والاقتصاد، مضيفة أعطالاً جمّة على المتراكم منها في الحياة اليومية الرتيبة.
هناك طريقة حسنة مرغوب فيها وأخرى سيّئة مرغوب عنها، للتعبير عن حبّ الناس للخالق وعباده الأولياء من أصحاب الكرامات والقداسة والبرّ. وحبّذا لو يُعاد النظر في وسائل أكثر عصرنة في طرق التعبير عن حبّ الإنسان لمَن يجلّه ويقدّرُه ويسمو بنفسه لبلوغ الأرَب في أسلوب التربية المُجدي الذي ينفع في الزمان والمكان وحسب تطوّر المجتمعات وبما يتوافق مع السلوك اليومي المعاصر والأخلاق الثابتة التي لا تتبدّل، لكنّها ترتبط دومًا بنهج الذوق والتربية المجتمعية التي تأخذ بالعلوم وتتأثر بها مع تقدّم الزمن وتطوّر أدواته.
من هنا، لا يمكن لمجتمع فيه حضارة ولديه مثقفون وأسياد وأصحاب شهادات عليا وخبرات حقيقية أن يقبل بمثل ما يجري في بلدٍ أتعبتهُ عوادي الزمن وأمضى سنيّ عمره في حروب ومعارك ونزاعات داخلية محلية وخارجية، بحيث أضحت ثرواتُه لغير أهلِه، إلاّ مَن ساورَه الطمع والجشع وامتهن الفساد سبيلاً في سلوكه لبلوغ مآربه التقويضية للبلاد والأرض، حجرًا وبشرًا. فمثل هذه الصنو من البشر، ليسَ له وطن، كما أنه لا يتشح بثوب المواطنة التي تفرض فيما تفرضُه، نظافةَ الذيل في الحكم ونزاهةً في العيش مع الغير ومراعاة في احترام الخصوصيات والمشاعر والمصالح العامة.
إنّ ما يجري اليوم من ممارسات ومن مزايدات في مناسك الشعائر للإخوة الشيعة في العراق، قد شابه المزيد من المغالاة والمزايدات في استعراض ما يسعى القائمون على المواكب من تقديمه للزائرين. وأنا في اعتقادي، أنّ مثل هذه المزايدات المتفاقمة سنة بعد أخرى، قد تفقد القائم والزائر معًا من أجرهما السماوي أو "الإلهي" أو "الإمامي" الذي يصبو إليه الطرفان، أو ما يعتقد به هذان الطرفان الحصولَ عليه من خلال هذه الشعيرة التي هي في حدّ ذاتها من دواعي الفخر والطيبة والجودة، إذا ما سارت بعفويّة وبِحُريّة وبدون قطع للطرقات وإيقافٍ للحياة العامة وإجبار مواطنين من إخوتهم في الوطن على تحمّل ما يُرغمون عليه غصبًا وإكراهًا وقسرًا، رغمًا عنهم. ليست هذه من أساسيات الحريات والكرامات والمقدّسات التي لو عاد أصحابُها اليوم، لما رضوا بما يجري وما يُقام من إفراط في كلِّ شيء، في البذخ بالصرف بميزانية مفتوحة على حساب حق سائر المواطنين، وفي إيذاء أصحاب المصالح الذين يضطرون لإيقاف عجلة الحياة اليومية المساهمة في بناء بلدٍ عانى ومازال من آثار التخلّف ومن أزمات متلاحقة ومن حروب خارجية ونزاعات داخلية بين المتصارعين على الجاه والثروة والسلطة.
هذه دعوة للمعنيين والقائمين على تنظيم هذه المناسبات، لمراجعة ذاتية لما اعتادت البلاد أن تشهده في كلّ مناسبة تفرضها قوةٌ مهيمنة على مقدّرات البلاد كي تجعله أسيرًا لمثل هذه السلوكيات التي ليسَ لها مثيلٌ في البلدان المجاورة، ومنها الجارة إيران التي تستغلّ هذه المناسبات للترويج لشتى أنواع الدعايات والعروض واستهلاك المنشورات والصور التي تدرُّ عليها أموالاً طائلة من جرّاء هذه الاستخدامات غير المقيَّدة والمفتوحة من دون تبصّر ولا تحكيم للعقل والرويّة. وعلى مَن يتصوّر أو يخال نفسَه الولاية على الغير بهذه الأساليب التي خرجت عن إطارها التقويّ المتديّن باتجاه المتاجرة وحصد المغانم والمنافع التي تسرف فيها الدولة بلاد رقيب، عليه أن يدرك بالمقابل أنه عاجلاً أم آجلاً، سيصطدم بواقعٍ يرغمُه على التفكير بمصلحة الوطن العليا قبل أن يفوت الأوان وتسقط الصورة الطيبة التي يكنّها سائر أفراد الشعب، ومنهم المثقفون وأصحابُ الفكر المستنير وأتباعُ الحريّة والمؤمنون بالاعتدال في كلّ شيء من أجل البلوغ بالبلاد إلى مرافئ الأمان وبناء الذات وفي إعمار المتهالك والمدمَّر، أرضًا وبشرًا وفكرًا ومؤسسات.
هذه هي الرؤية الوطنية التي ينبغي أن نتصارح بها جميعًا، بالرغم ممّا قد تنطوي عليه من ضربٍ وأذى لمصالح فئة أو شرائح تستغلّ هذه المناسبات، وما أكثرها، لتحقيق منافع ذاتية أو حزبية أو شخصية. وهي تبدأ من مثل هذه الخطوات التي تنكر الذات وتضعُ مصلحة الأمّة والشعب والوطن وبناءَه ورفاهَه وراحة أهلِه في مقدمة كلّ خطوة قبل الإقدام عليها. فالأولى بنا جميعًا أن نحثّ الخطى بإصلاح المنابع التربوية التي تنطلق من مناهج دراسية معتدلة تتحدث عن المواطنة ومحبة القريب واحترام الآخر المختلف بدل الإيغال في شروحات الأزمنة الغابرة التي عفا عليها الزمن ولم تعد تنفع في زمن العولمة والتكنلوجيا المعاصرة والأفكار المستنيرة. ولكن قبل أيّ شيء، لنبدأ العمل من البيت الأسري كي يكون مفتاحًا لثقافة تربوية منهجية في مدارس ومؤسسات الدولة التي نتوقع تغيير مناهجها كي تتعامل مع هذه المبادرة الحضارية. فالعودة إلى الوراء في عيش الماضي بكلّ ترسباته المتخلّفة والانكفائية، من شأنها التراجع في القيم وفي الفكر وفي التطور وفي البناء وفي كلّ شيء. وبعكسها يكون التطلّع نحو تقييم أرفه وأسمى ومتحضّر في فهم ذلك الماضي وما احتواه من فكرٍ كان نافعًا وممكنًا بالأمس في أوانه ومكانه، ولم يعد كذلك وفق حياة اليوم ومتطلباتها وتطورها وتقدمها في العلم والمعرفة والرؤية الشاملة للأشياء والأحداث.
أمّا بعدُ، وقد نضجت الفكرة وتوضحت الصورة وبانَ ما يعكّرُ صفو الأجواء وسط البشر في الوطن الواحد، فلا بدّ من شجاعة ومقدرة حكيمة في أصحاب الشأن، كي يعيدوا التفكير بتغيير المفاهيم العتيقة في التأويل والتفسير والعيش المشترك. كما على الإكليروس الشيعيّ أن يعيد النظر في أسلوب الشعائر الجاري، والتي نأمل بقاءَها وطنية وليسَ مذهبية أو فئوية أو طائفية كي يشارك في إحيائِها مجموع الشعب، ولكن ليسَ بهذه الأساليب وهذ الصيغ "المتخلّفة" وغير الحضارية، وعذرًا على الصراحة في الطرح. فإننا شعبٌ متديّنٌ نحب الله والبشر، وتلكم بركةٌ من السماء أن يكون لنا نصيبٌ في حبّ الله والأئمة والقديسين، ولكن بأسلوبٍ حضاريّ مقبول لا يعيق أحدًا ولا يغيرُ أحدًا ولا يمتعض منه أحدٌ. فالشعب الذي لا متديّنون فيه لا يستحقّ أن يكون وريثًا لأرض الله! والوطن الذي لا يؤمن بحريّة الغير المختلف واحترام خصوصياته وخياراته لا يستحقّ أن يُكنّى بالبيت الجامع لمختلف الأطياف والمكوّنات! والدّينُ والمذهبُ اللذان لا يحترمان حرمة الغير من الأديان والمذاهب لا يستحقّان أن يُسمّيا بالدّين أو المذهب، طالما أنّهما مفترَضٌ بهما أن يسيرا وفق شرع الخالق من دون المساس بحرية الغير المختلف ولا استغلال الظروف لصالح منهجه وفكره ومنفعته! فرقابة الخالق هنا على أداء البشر وسلوكهم، أشدُّ من المخلوق الذي يناطح السحاب للتباهي والمزايدة فيما فعله في هذه المناسبة أو تلك. فلو عاد اليوم أصحابُ الكرامة والقدسية ووجدوا ما يجري بحجتهم، لما صبروا على الكثير من الممارسات التقليدية غير المؤتلفة مع روح العصر والمخالفة لبنود الشرع وأصحاب المنهج، كما كانت في البدايات.
إنّ السلوك الدّيني وحريّة التعبير في تطبيقاته وممارساته، أمرٌ يتطلّبُ قدرًا واسعًا من المسؤولية، الفكرية والروحية والمنهجية والتربوية إلى جانب ما يليق لأصحاب الكرامات والقداسة من أفعال تقويّة في صميم الروح والنفس، وليس في المظهر والتبذير والبذخ غير المسؤول وغير المقبول أو في إعاقة حياة الغير وإيقاف عجلة الحياة العامة بحجة حماية زائر الكرامة. فتلك ينبغي أن تبقى في إطار العلاقة الخاصة والفردية بين الخالق والمخلوق. ومثلها ينبغي على الدولة أن تكون خيمة الجميع ولا تفرّق في تطبيق الدستور والقانون، وكذا في حصّة الثروات العامة كما في ممارسات الحياة اليومية، وترك شؤون العباد الدينية والروحية لأهلها من دون تدخل في النهج والتطبيق والتسيير. ف"ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، لمْ تُلقى على عواهنها ولم تكن مجرّد أقوالٍ، بل ينبغي أن تُعاش في الواقع اليوميّ، كي تبقى سلوكًا لثقافة مجتمعية راسخة جامعة وليسَ غاية للتضليل والاستفزاز وفرض واقع الحال. وهذا جزءٌ من ضرورات العودة الى الأفعال الحضارية التي يفرضُها تطور الزمن المتقدم، تمامًا كما حصل مع سلوكيات التجديد والتطوّر في الأفعال والممارسات الروحية والجهادية في المسيحية عندما انحسر دور الكنيسة ورجالاتُها في التدخل في الأمور الزمنية حينما حان وقتها.
وليكن مؤتمر الأزهر للسلام في العالم، بداية المبادرة التي تكفل العيش المشترك وتتصدى للأفكار الهدّامة والتكفيرية الخاطئة من أجل بناء الإنسان والأوطان وتقريب الشعوب وتحضّرها وقبول بعضها البعض بالاستفادة من أشكال الاختلاف بينها، تمامًا كما في تنوّع أزهار الحدائق وأشجارها وورودها ورياحينها العطرة.

15
رئاساتنا الكنسية: رعاة أم زعامات؟
لويس إقليمس
بغداد، في 18 نيسان 2017
جاءت زيارة وفد عالي المستوى من مجلس "رؤساء الطوائف المسيحية" بالعراق، مساء يوم الاثنين 17 نيسان 2017، لتقديم التهاني لغبطة البطريرك لويس ساكو، رئيس الكنيسة الكلدانية، لمناسبة عيد القيامة، جاءت لتكسر حاجز الجمود والتوتر القائم منذ أشهر بين الطرفين، بعد انسحاب الكنيسة الكلدانية رسميًا من تشكيلة هذا المجلس. وكان الوفد على قدرٍ من الأهمية والثقل ليعطي لمبادرة التقارب والمصالحة بعدًا مسكونيًا آخر، كنّا في انتظاره. وقد اضطررتُ لتعديل مقالتي المسطورة منذ أكثر من شهر، بعد تأجيل نشرها متوقعًا بروز ضوءٍ في هذا الاتجاه الميمون. ضمّ الوفد كلاًّ من اصحاب الغبطة والسيادة: قداسة مار آداي الثاني بطريرك كنيسة المشرق الأشورية القديمة، والمطران يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد السريان الكاثوليك، والمطران آفاك أسادوريان رئيس أساقفة بغداد للأرمن الأرثوذكس، والمطران جان سليمان رئيس أساقفة بغداد للاتين.
وحسنًا فعلها الوفد، بتضمين مناسبة تقديم التهاني بعيد القيامة المجيدة، عيد الانتصار على الموت، طلبًا بضرورة عودة الكنيسة الكلدانية إلى المجلس نظرا لثقلها وامكانياتها. يعني أنّ هذه المناسبة، قد أعادت فتح الأبواب للحوار الهادئ، والعودة إلى الحكمة المسكونية والرؤية الوطنية والاستعداد للتعاون لما فيه مصلحة الجماعة المسيحية، من دون الالتفات إلى المعايير المتآكلة بخصوص الأكثرية والأقلية والزعامة والتبعية. ونفهم من طريقة طرح الموضوع بصيغة بعيدة عن الدبلوماسية والمواربة، أنّ في الأفق نورًا بل أنوارًا ستضيء للمساكين من أبناء هذه الجماعة، من التائهين في ظلمات القهر والتهجير والمصير المجهول.
حالة الجمود القائمة منذ أشهر، بين رئاسة الكنيسة الكلدانية من جهة، وباقي رئاسات كنائس العراق، عبّرت بحق، عن هوّة كانت تتعمّق بمضيّ الأيام، وعلى ضوئها كانت تتباعد فرص التراجع عن المواقف المشروطة والمطروحة مسبقًا لكلّ طرف. لذا تأتي هذه المبادرة، إشارة خير ستلقي بظلالها الإيجابية على مشاريع إعادة إعمار البلدات المستباحة لأكثر من عامين على أيدي عصابات داعش الإرهابية المتطرفة، التي قلعت أبناء هذه البلدات من أصولها وهجّرتهم وشرَّدتهم وأرهبتهم بلا رحمة، في انتظار المصير المجهول!
فمِن مأساة حقبة الانشقاقات والانقسامات والحرومات والنزاعات، إلى فترة الاضطهادات القاسية والهجمات العاتية التي لم تتوقف لحين الساعة، بمختلف أشكالها ووسائلها وتجلياتها، سواءً بسبب سياسات شوفينية، تعصبيّة، طائفية، قومية ودينية، أو بسبب غياب رؤية موحدة لرؤساء الكنائس الذين تحولَ بعضُهم إلى زعماء مادّيين ودنيويين ينشدون الزعامة الدنيوية بدل الرئاسة "الخادمية" و"الراعوية" التي أوصاهم بها رأس الكنيسة الأول عندما أوصى تلاميذه: "مَنْ أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا، ومَنْ أراد أن يكون فيكم أولاً، فليكن لكم عبدًا» (متى 20: 26،27). وهذا كلامٌ لا يقبل الجدال في ما ينبغي أن يكون عليه طالب الرئاسة، ليس من أجل التسلّط وفرض الذات على الغير، بل من أجل الخدمة بالمحبة وطيبة القلب وتسامي النفس وانفتاح الروح والقبول بالحوار الهادئ مع المختلف معه، حتى لو كان من الأقلية المنسية أو التي لا شأنَ لها. فمَن يرغب الرئاسة، يشتهي عملاً صالحًا. فهو كمثل "مَن يشتهي الأسقفية، فقد عملَ عملاً صالحًا"، كما يقول رسول الأمم بولس الرسول في رسالته الأولى إلى طيمثاوس (1:3)، بالرغم من أنّ موقع الأسقفية كان يعني في زمان الأقدمين وفي بدايات الكنيسة الأولى، كما يعلّمنا التاريخ، الاستعداد للشهادة والتضحية من أجل الرعية، وليس للتمتع بالمنصب الدنيوي الذي يقدّمُ الامتيازات ويؤمِّنُ المكاسب ويجعل الموقع دارةً للمقرّبين والعائلة "المالكة".
إننا ندرك تمامًا، سعي البعض من رؤساء كنائس العراق بخاصة، لحصر أعمال الخير والمساعدات والمكاسب السياسية منها والمادية وحتى الإعلامية والدعائية، في ظلّ الفوضى العارمة في كلّ شيء، كلٌّ ضمن أسيجة الطائفة والكنيسة والمنطقة التي تعود ضمن كرسيّه وملّتِه، بسبب ظروف البلاد الاستثنائية الحالية، كونَها حالة شاذة لا يُحتذى بها، وكذا بسبب الإغراءات المادية التي تأتمر بها النفس الأمّارة بالغيرة والحسد وحب الظهور والمال، أو بقصد المتاجرة بمآسي الأتباع.
وهذا جزءٌ من التفاعل والجدال القائمين في جسم تشكيلة مجلس رؤساء الكنائس (الطوائف) الذي أربكَ العمل المسكوني والكثير من أشكال التعاون والتنسيق بين مختلف الرئاسات الكنسية، بغضّ النظر عن حجمها وشكلها، عادّين جميعَ مسمّياتها أعضاءَ فاعلين في جسد الكنيسة، عروسة المسيح، بطريقة أو بأخرى. ومن ثمّ، كان لا ينبغي أن تتحول اختلافاتٌ في وجهات النظر بين القائمين عليها إلى خلافات مستعصية غير قابلة التفاهم والنقاش والحوار، أو إلى انعزال في زاوية حرجة، أو أن تُضحي حجرَ عثرة كأداءَ أمام تضافر جهود العقلاء لرأب الصدع ولمّ الشرخ ومداواته بالمحبة والتواضع والاستعداد للخدمة الرسولية من دون تحزّب ولا تعصّب ولا توظيف موقع لفرض الرأي والهيمنة وفرض الذات.
لقد كان الأجدر منذ البداية، ترك مسألة الرئاسة "الخدمية" وليس "الزعامية" التي نادى بها غبطة رئيس الكنيسة الكلدانية، ذي الكاريزما المتميّزة، أنْ تُقدّرَها عقولُ باقي الرؤساء أنفسهم بحكمتهم وتقييمهم واسترشادهم بنشاط الأجدر فيهم على الساحة الوطنية أولاً والمسيحية ثانيًا، والشخصية ثالثًا وليسَ آخرًا، وهو الأجدر في وسطهم جميعًا في ظلّ المعطيات القائمة الحالية. فما جرى من توسيع للشرخ القديم، بانسحاب رئاسة الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الكنائس بتلك الطريقة غير المقبولة طيلة تلك الفترة، لم يكن أوانُه ولا تبريرُه بالرغم من بروز ضعف واضحٍ في الأداء والتقييم وإصابة الرأي في جسم المجلس. إذ إنّ مثل هذا الإجراء، مع ما فيه من تبريرات ومسوّغات، لمْ يصبّ قط، في خانة مصلحة الشعب المسيحي، بعد أحداث العنف التي ابتدأت منذ الغزو الأمريكي في 2003، وما لحقها في تسونامي الإرهاب الذي طالَه ومازال تأثيرُه وأحداثُه ضاربة في جسم أتباع هذه الجماعة المتناقصة باضطراد شبه يوميّ.
 لستُ هنا أعبأُ بما يثيرُه هذا القول وهذه الصراحة وهذا التحليل وهذه الرؤية في الطرح، من منغصات أو زعل من هذه الجهة أو تلك. فالمصلحة العليا للوطن والكنيسة والشعب، ينبغي أن ترتفع فوق كل الحسابات الخاصة والفئوية والطائفية، وأن تسمو بالنفس فوق المصالح والطموحات والمكاسب الشخصية والخاصة. فكما أنَّ هناك دومًا مَن يسعى لترميم البيت الوطني وتقديم فرص الإصلاح على الفساد والكساد، بالرغم من المصاعب والمشقات والتحديات التي لا حصر لها بسبب الإيغال في آفة الفساد الضارب أطنابَه في كلّ موقع ومؤسسة وفي الشارع، كذلك لا بدّ من بروز أصواتٍ مسيحية وكنسية حريصة على ترميم البيت الكنسيّ والمسيحيّ، بالرغم من تنامي الهوّة بين "خدام" الشعب و"رعاتهم"، ممثلي المسيح على الأرض، بسبب ما جرى من مواقف غير مقبولة في صفوف المجلس الأسقفي المذكور، حتى لو كان أتباع هذه الكنيسة أو تلك أغلبية وأكثرية. فالخدمة "المجانية"، لا تعرف الأغلبية والأقلية ولا تعترف بهما مبدأً وغاية ووسيلةً، بل تقرّ حصرًا بروح الاستعداد للخدمة بالمحبة والتواضع والإيمان، وفق الجدارة واعتراف الآخرين بما لهذه الأخيرة من تأثيرٍ وقدرة على إقناع المتحاورين والمطالبين بضمان حقوق الأتباع والحرص على البناء الكنسي للبلاد من دون تمييز أو تحديد أو تكابر. فإذا كنّا نقيسُ الأشياء وفق هذا المنظور القاصر، فنحن لا نختلف عن الفرقاء السياسيين في البلاد، أصدقاء الأمس وأعداء الساعة، من الذين يُؤثرون مصالحهم الفئوية والطائفية الضيقة ويسعون للزعامة بشتى الوسائل، أو بتخريب الملعب السياسيّ في حالة عدم تلبية مطالبهم وطموحاتهم وإغراءات السلطة والجاه والمال. ونحن نقول، سواءً كان مثل هذا الادّعاء بالأكثرية والأغلبية، دقيقًا من عدمه، إلاّ أنّه في ذات الوقت، يتطلّب موقفًا عاليًا من الحكمة والرزانة بذات الحجم الذي تمثلُه كنيسة ما، وتسعى لزعامة غيرها وفق هذا المنظور أو غيره. 

هل من علامة رجاء؟
كلُنا في هذه البلاد، ندعم توجهات الروح المسكونية التي أتى بها المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، وفيها شدّد على خلق أجواء الروح المسكونية بين الكنائس المختلفة حين قرّر الانفتاح على جميع الكنائس. لم يدعُ المسكوني الثاني للزعامة والتسلّط، بقدر ما وضع وصية المحبة فوق كلّ اعتبار في التعامل بين الكنائس وفي الأوساط المسيحية عامة. وفي غياب هذه المحبة، يُعدّ كل عملٍ باطلاً. ف"الإيمان بدون أعمال باطلٌ"، يقول مار يعقوب (2: 14). لقد كان الهدف الأساس من تشكيل المجالس الحبرية، سواءً من قبل الدوائر الفاتيكانية أو من جانب الكنائس التي لا تخضع لسلطة البابا، تقديم التقارب بين أتباع كنيسة المسيح، والتقليل من الاختلافات والخصومات والفوارق بشأن العقائد وتقريب الأفكار والرؤى في اتجاه تطوير الوحدة المسيحية المنشودة. ومن دون شكّ، كان هذا هو الهدف من تشكيل مجلس أساقفة كنائس العراق، في اتجاه التقارب وليس التباعد بسبب نزعة استعلائية وطلبٍ للزعامة استهجنَ فيها جميع الأعضاء طريقة اشتهائها واعترضوا على عدم مراعاة أصولها، بالرغم من غياب الجدارة والكفاءة والمقدرة في معظم هؤلاء المعترضين على طريقة طرح الموضوع في حينها. وربما تكون الغيرة والهاجس الطائفي معًا، إزاء ما يتمتع به رئيس الكنيسة الكلدانية الحالي من شخصية مرموقة ومقدرة على الإقناع والكلام وإدارة الحوار، من جملة ما ورد في اعتراضات البعض ورفضهم المطلب، في حينه.
إنّ روح الاستعداد التي توضحت في الردّ الإيجابيّ من جانب البطريرك ساكو، بإمكانية عودة الكنيسة الكلدانية إلى تشكيلة المجلس بعد إجراء التعديلات الضرورية عليه، حفاظًا على دوره وأهميته ودعمًا لتفاعله الوطني والجماعي معًا، تعطي بشائر أملٍ كبير في الأفق. فغبطته لا يتوانى دومًا، بوضع إمكانيات كنيسته وقدراته العديدة الخاصة في خدمة "المكون المسيحي" وخدمة الوطن. وتلكم من معاني الرجاء بقيادة أكثر حكمة ورويّة وبعد نظر للمستقبل، مجبولة بروح التفاني وبعطاء المحبة ومواجهة الصعاب والمجهول معًا. وهذا من ضمن ما تحتاج اليه قيادة الجماعة مجتمعةً، عبر توحيد خطابها ومواقفها وصولاً لإيجاد الوسائل الكفيلة لممارسة الضغط المطلوب من أجل تحقيق مطالبها كقوة اصيلة فاعلة في المجتمع العراقي، وليس كمكوّن ضعيف، خانع، خاضع، مستجير، مستجدي أو متلقّف للفتات.

إنني أدعو، من منطلق تقديم علامة شهادة مسيحية نموذجية للخدمة المجانية وعلامة أمل ورجاء بوحدة الصفّ والكنيسة العراقية، لإعادة النظر في شكل الخلاف القائم الحالي في اللقاء القادم المقترح الذي نتج عن هذه المبادرة الأخيرة لوفد المجلس. كما أنادي وبقوّة، بضرورة مقابلة مبادرة حسن النيّة هذه، بروح الغيرة المسيحية من جميع الأطراف لرأب الصدع الذي أوشك بحصول قطيعة. والمراجعة الذاتية اليوم، تكفل ترميمه بالوداعة والتواضع والمحبة وروح الخدمة والتنازل وغسل الأرجل، الواحد منهم للآخر، تمامًا كما فعلها سيدُهم في ليلة العشاء الأخير حين أقدم على غسل أقدام تلاميذه. وكما فعَلَها بعدَه رؤساءُ كنائس عظام وقديسون، ومن أواخرهم البابا القديس يوحنا بولس الثاني والبابا المالك سعيدًا برغوليو (فرنسيس الأول).
وبهذه المناسبة أيضًا، أتمنى من صاحب مبادرة تشكيل "مرجعية مسيحية مستقلّة موحدة" من المدنيين، التي رعاها شخصيًا، غبطة البطريرك الكلداني لويس ساكو قبل أكثر من سنتين، أن يعيد النظر بتجديد فاعلية هذه المبادرة التي تنصّلَ منها في وقت لاحق، ليلقي بثقلِه الجمّ وبكلّ طاقاته على كنيسته من أجل ترتيب أوضاعها لأغراض انتخابية بحتة تحفظ تمثيلاً مريحًا لجماعته. ونحن هنا لسنا نعترض على طموحات أتباع هذه الكنيسة العريقة، بقدر ما يهمّنا مصلحة كنيسة العراق الشاملة ككلّ وبالتنسيق مع الكلّ كي يبرز العمل الجماعي ويتحقق الهدف الأسمى ويعمّ خيرًا على الجميع بعد التفاهم على الخطوات الواجب اتخاذها والتي تضمن تحقيق هدف الجماعة بالاحتفاظ بالأرض والتراث والممتلكات والاستقلالية في تقرير المصير. فنحن ندرك مدى الضغوط التي تلقاها رأس الكنيسة الكلدانية من لوبيات مؤثرة ومن شخصيات مهجرية ومغتربة تدّعي التهميش في الوضع السياسيّ وفي الحصص وكذا في موضوع التسمية القومية التي يسعى نفرٌ لفرضها على غيرهم، نكاية بالطرف الآخر من الكنيسة النسطورية (الآثورية). وهذا مربط الفرس. فغبطتُه من دون شكّ، يمثل اليوم واحدًا من أهمّ مفاتيح اللعبة وألغازها، كنسيًا ووطنيًا وكلدانيًا، ولا ينبغي له الانجراف وراء أفكار تعصّبية لا تليق بكارزميته المتميزة وبثقافته العالية ورزاته دوليًا ووطنيًا وكنسيًا.
أنتظر، ومعي كلّ الطيبين وذوو الإرادة الصالحة، ونحن بعد في أجواء الفصح الكبيرة، مبادرة تنازلية ، أولاً من رئيس الكنيسة الكلدانية البطريرك لويس ساكو بسبب ما حباه الله من مواهب وجدارة وعلم وكاريزما جذابة ومؤثرة، ومن بعده سائر الرؤساء كي يعوا حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع بسبب ما يعتري أتباعَهم من تحوّل في مصيرهم ويهدّد مستقبلهم ومستقبلَ كنائسهم على السواء. وهي دعوة ايضًا، لإعادة النظر بالشكل الحالي للنظام الداخلي لمجلس رؤساء الكنائس، كي يكون أكثر تأثيرًا وقوّة وفاعلية ضمن تراتبية معاصرة تمنحه، ليسَ التسلّط وفرض الرأي، بقدر ما تعطيه زخمًا في الإفادة والاستفادة من موقع البطريرك الكلداني وعلاقاته الواسعة من أجل مصلحة كنيسة العراق قاطبة، وليسَ كنيسته حصرًا في ضوء تركيزه الأخير على إعادة تنظيم صفوف هذه الأخيرة لأغراض انتخابية تكسبّية ضيقة، شأنُهُ فيها شأن باقي الأحزاب والمذاهب والكتل السياسية التي تسعى من دون توقف لترسيخ نظام الطائفية والعرقية والفئوية من أجل إدامة المكاسب والمنافع على حساب الغير الخانع. فإذا كنّا نحن ومعنا الشعب العراقي نرفض مثل هذا التوجه من جانب زعماء الكتل من السياسيين الطائفيين، فكيف بنا نقبل ونوافق ونرضخ لشيء من ذات السمة من قبل جماعة كنسية لها تاريخُها وتأثيرُها وإمكانيتُها؟ وبغير هذا وذاك، فنحن ماضون إلى الاندثار والأفول، لا محالَ، إذا بقينا على نزاعاتنا وخلافاتنا وخصوماتنا الطائفية.
أختم حديثي، بالدعوة كي يتحمّل كلّ رئيس كنيسةٍ مسؤولياته الخدمية والراعوية بما يتوجب عليه، بحسب وصية معلمه الأول عندما دعا الرؤساء كي يكونوا رعاة صالحين لغنمه، وأن يعرفوا خرافَهم بحق، ويحثوا الرعية للتوجه إلى المرعى الصحيح المفيد والمثمر، والاستفادة من دروس الحياة والتعلّم مِن عبر الأحداث والوقائع. ف "الحياة مدرسةٌ تُساهم في تنشئتنا وبناء شخصيتنا، وأحداثُها دروسٌ نتعلم منها العِبرَ لنتقدم ونرتقي فنكتسب عقلاً يقضًا وقلباً سخياً وإرادةً مطواعةً وهدايةً متواصلةً. وجودنا يمكن جعله عبورا دائما إلى فضاءات أكثر رحابة ونضجا وعمقا وروحية… وهذا مطلوب من رجل الدين، ومن الوالدين: الأب والأم ومن المربي المعلم، والمسؤول. كلٌ في مجاله هو راعٍ!"، كلامٌ جميلٌ أخرجه غبطة البطريرك لويس ساكو، ونشره في موقع البطريركية الكلدانية بتاريخ 29 آذار 2017، حيث تعوّدنا مثل هذا الكلام الموزون والحريص والمسؤول منه دومًا. وهي دعوة صادقة لغبطته أولاً ولأخوته ثانيًا، كي يثبتوا هذا القول بأفعالهم الطيبة في الحياة اليومية ووسط الشعب وفي الوطن، بذات الإيمان والرجاء والمحبة وبشيء من التواضع والتنازل، الواحد للآخر إذا اقتضت المصلحة العامة للكنيسة والشعب والوطن.   
ونحن أيضًا نقول: لابدّ من الانفتاح للآخر والتفكير بالخروج من الضبابية القائمة، عبر "حضور تراتبي كنسي رسمي"، وتدارس كل الواقع القائم لما فيه مصلحة الحفاظ على ما تبقى من تعداد المسيحية عبر آليات الحوار والتفاهم بعيدًا عن منغّصات التعصّب وترّهات الأكثرية والأقلية. حينها الرب، سيبارك الجهود الخيّرة، سواء أتت من جانب أتباع الأقلية أو الأكثرية أو من بشرٍ منسيين لا أحدَ يتنبه لهم. وبهذه الروحيّة المستنيرة والمنفتحة، سيبقى الباب مفتوحًا لعودة أعدادٍ مهمّة من المهجَّرين والنازحين إلى بيوتهم ومناطقهم، في حالة رؤية رعاة صالحين يعرفون خرافَهم وينادون الواحدَ منها بأسمائها ولا يتركونَها بأيدي الذئاب والحرّاس غير الأمينين من تجار الأحزاب ودكاكينهم، المسيحية منها أو التابعة لاتجاهات سياسية غير رصينة لا تعترف بقدرة الله وصيانة الوطن وحبّ الشعب ومصلحة الأمّة.
كان اللهُ في عون البؤساء والبسطاء والفقراء ومّنْ لا حيلةَ لهم ولا حولَ ولا شفيعًا!


16
للألم معنى: صناعتُه، هدفُه؟
بغداد، في 11 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
من طبيعة الأديان، التوحيدية منها بقصد الإشارة، تقديمُ مفردات الأمل والرجاء، سلاحًا وحبلاً للضعفاء، يعزّي النفس ويهدّئ الروح وينقل الفكر إلى باحة النسيان، ولكنّه لا يسند القلب المجروح بذلك القدر من الشفقة والرحمة أو يدعم الجسد المنهك أصلاً بسبب عوادي الزمن، وما أكثرها عبر التاريخ. ففي المسيحية مثلاً، تُقَرّ (بضم التاء وفتح القاف وضمّ الراء) فضيلتا الإيمان والرجاء، اللتان بواسطتهما تضحي التعزية اللفظية والروحية معًا، سبيلاً لبلوغ الأمل والهدف والرضا بقبول القدَر المجهول والمقسوم المحتوم. فعندما نقرأ مثلاً، "لا تخف أيها القطيع الصغير" (إنجيل لوقا 12: 32 وما يليها)، فهذا الكلامُ فيه سلوان لفظيّ وسلاحٌ روحيّ وارتقاء رمزيّ سرمديّ، رغمَ أنه لا ينفع في زمن العولمة واقتصاد السوق وتنافس الأقوياء من الأسياد على كلّ شيء، بما فيه البشر والحجر. ومثل هذا القول في كلّ الأحوال، يبقى ساميًا ضمن القياسات البشرية، بحملِه أملاً ورجاءً ناقصَين في عالمٍ متلاطم المصالح والمطامع الذي فيه تُمارس كلّ أشكال الاستغلال.

العهد القديم
في العهد القديم، تعرّض أيوب البارّ لشتى أنواع العذاب والآلام التي ابتلاه بها إلهُه، فتحمّلها راضيًا شاكرًا الرب على نعمته وتجربته التي خرجَ منها بارًّا مبرَّرًا ومعافى من الخطيئة. لم يكن أيوب يتلذّذُ في مدى الألم الذي لحقه وخبرَه وقاساه، كما يفعل الماسوشيون، فيجدون فيه نشوتَهم المنشودة ضمن دارة الانحراف التي تطبّعوا عليها. ولكنَه قبلَه وتعاملَ معه على أساس اختبار من إلهه في قدرته على تحمّل المصيبة وفي استحقاقه للبرّ والتبرير على غيره من البشر.
وعلى مدى التاريخ، نقرأ قصصًا ورواياتٍ تتحدّث عن آلامٍ تحمّلتها شعوبٌ أو أفرادٌ بشتّى الحجج والأسباب والظروف. وفيها، اختبرَ أصحابُها قيمةَ الألم وبركاتِه وما أنعمتْ عليهم من قوّة في التحمّل والمرابطة والمعاندة في البقاء على أمانة الرسالة أو التجربة أو المهمّة التي دخلوها وخرجوا منها بنجاح وكرامة تستحق الثناء والاقتداء. فالمسيح نفسُه تعذّب وأُهين وصُلب. لكنّ اللهَ أباه الذي رضي بتعرّضه لتلك المصيبة، أكرَمَه وأقامَه من بين الأموات في اليوم الثالث، كي يتمجد اسمُ الله، أبي البشرية وخالق الكون وما فيه من عناصر. والحسين نموذجٌ آخر من الأئمة الصالحين والرجال الأبرار والقديسين الذين تعذبوا وقاسوا الآلام المبرحة حبًا بالله أو لهدفٍ في ضمير كلّ منهم. وهؤلاء وآخرون غيرهم، كلٌّ منهم عاشَ وتألّمَ وقاسى وتحمّل، كلٌّ على طريقته وحسب نياته نالَ خيارَه واستحقاقَه وجزاءَه.

الألم سوسيولوجيًا
الألم من منظور سوسيولوجي ونفسيّ، يعني شيئًا من الإحساس بالغبن والشعور بالظلم وعدم السعادة التي تجلب الحزن والغمّ والقلق والتوتر إلى حياة الإنسان. ويختلف استعداد تقبّل الألم وتأثيراته من شخص لآخر، بحسب طبيعة النشأة والانتماء والاستعداد والتهيّؤ الفكري والاجتماعي والدّيني وحتى الوراثيّ. وهناك من الآلام ما طالَ في تأثيره بسبب عمقِ فداحته. لكنّ نعمة النسيان التي حباها الله لخليقته، تساعد في التقليل من آثارها. وهناك مَن يرى أن تأثير الألم عند الأنثى أكثر منه وأطوَل فترة ممّا لدى الرجل، لأسباب بيولوجية وتكوينية في طبيعة الجسد في كلّ منهما. ومنها أنّ الألم العاطفي الذي يخلّفه فشلٌ فيها، يبقى في الذاكرة أكثر من غيره. ونترك ذلك للمختصّين لمزيدٍ من الإيضاح والتوجيه، فهناك من أنواع الألم، ما يحزّ في النفس ويديم الجرح فيها ويأبى المغادرة.
والألم أو المصاب أو المحنة، التي يتعرّض إليها الإنسان في رحلة عمره القصيرة في هذه الدنيا، ينظرُ إليها البعض، سواءً كانت جسدية أو نفسية أو معنوية، بمثابة بَرَكة أو تجربة من الله الخالق، كي تظهر أعمالُ الله في بني البشر خلقِه، وتساعدهم في مسيرتهم نحو الملكوت المرتقب أو الجنّة التي في انتظار الأخيار والصالحين. إنها خلاصة فلسفةٌ روحية للأديان السماوية، ومنها المسيحية بصورة خاصة، تعطي للألم نوعًا من القدسية. وهذه الفلسفة التي لا تخلو من تصوّف وسموّ في الروح تجاه رب الأكوان وفي التعبير عن خضوع المخلوق للخالق، تكتسب صفة النار التي تمحّص أدران النفس البشرية والجسد الهزيل الذي يحمله الإنسان، بالرغم من الجدليّة الصائبة القائمة في الأسباب والأهداف والنتائج.

وجهة نظر علم النفس
في الألم، يجد علماءُ النفس مسارين: الواحد جسديٌّ والآخر نفسيٌّ يقتنص شفاءَه من القبول الإراديّ للأول وبالتغلّب عليه بقدرات الإنسان الطبيعية وبإرادتِه. وهذا الأخير، قد يفوق في تأثيرِه ما يصيبُه الألم الجسديّ أحيانًا، عندما يبقى محفورًا في الذاكرة وغير قابل الزوال على المدى البعيد أو المتوسط أو القريب، وفقًا للمعطيات والأسباب والظروف. وفي عالمنا اليوم وفي زمن العولمة القائم، تكثر أنواع الألم المعاصر، تأسّفًا وحسرةً على ما تقع عليه العين من مظالم تَنهى عنها جميعُ الأديان وترفضُها البشرية وكلّ ذوي الإرادة الصالحة والضمائر الحيّة.
ولمّا كانت العولمة، ليس من بناتِ مفرداتِ أخلاقها الدفاع عن المظلوم ومحاسبة الظالم، والبحث عن حقوق الشعوب المستضعفة وطموحاتها، فقد لفظتها هذه الأخيرة وأصدرت حكمَها على ما يُقترف باسمها من فظائع، ومن أشكال الاستغلال والمتاجرة بالبشر وبحقوقهم وبثروات بلدانهم التي هي من حقّهم وليسَ لغيرهم. وهي بذلك، تشكّلُ آلامًا مضافةً للبشرية، غير قابلة الحدود. من هنا، فالعولمة بالرغم من الأهداف العليا المبدئيّة التي رُسمت لها كي تقرّب البلدان والشعوب والأمم من بعضها البعض وتجعلها أشبه بقرية جامعة للجميع بما أتت به من تكنلوجيا وأدوات ساحرة، إلاّ أنّ من ضمن أهدافها أيضًا، محاولة أساطين السياسة والاقتصاد استغلالَ البشر والأرض والحدّ من مطالباتٍ بالمساواة مع مَن يمسك بزمام المال والاقتصاد وإدارة شؤون الكون. فالعالم اليوم، ليسَ أكثر من غابة لصراع الكبار ووحوش السياسة فيمَن يقتنص أكثر الأموال ويكدّس أعلى الثروات ويستغلّ أفضلَ الشعوب. 

في العراق
السياسيون في عراق اليوم، بحسب ما يبدر من عددٍ كبيرٍ منهم وحسبما تتفاعلُ معه وسائل الإعلام المتعددة ووسائل التواصل الاجتماعي، ليسوا بمنأى عن هذه الصفات في إحداث الألم لمجتمعاتهم وشعبهم بسبب أنانياتهم وتساميهم عن رفع الظلم عن المظلوم. أمّا نكران هذه الحقيقة والهروب من هذا الواقع، فهو بمثابة الاصطفاف مع الظلم والظالم على المظلوم والوقوف مع القاهر المتجبّر على المقهور. والعاقل الصالح ينأى بنفسه عن هذا الفعل الخسيس ويعرضُ عن الأهدافِ والنوايا غير الإنسانية التي تأتي بها هذه كلُّها. واقع اليوم يوحي بوجود كبارٍ وصغار، مستغِلّ (بكسر الغاء) ومستغَلّ (بفتح الغاء). وبهذا السلوك يسوسُ أقوياءُ الغابة مَن في وسطها وبين أشجارها وحناياها.
أمام هذه الحقائق على الأرض التي ضاقت من شدّة الألم والمآسي المتلاحقة، يقف أصحابُ الأمل والرجاء من المستضعفين البسطاء، وهم الغالبية العظمى من البشر، ومعهم كلّ مفردات العزاء الروحية وأشكال السلوان اللفظي الفارغ من نفحة الحقيقة في أغلبه، عاجزين أحيانًا عن لملمة الجراح وطيّ المآسي بشتى أشكال التعازي والمواساة التي لا تنفع في زمن المظالم وسيادة المادة على الروح وسموّها. والسبب بسيط، لا يحتاج إلى تعقيد في التفكير. فالأسياد لا تهمّهم متلازمات الروحانيات وما يعنيها ويتخللُها من صلوات وتضرعات وطلبات الفقراء الذين يشكلون شريحة واسعة في مجتمعات العديد من الدول النامية، بقصد التقليل من الألم الذي يحزّ في نفوسهم وأجسادهم وطموحاتهم. فبقاء مجموع عدد الفقراء المدقعين لغاية الساعة بحدود مليار شخص، عارٌ على البشرية وقادتها وسط رفض الأسياد تقاسم الثروات وتكريس مبدأ إبقاء الشعوب المقهورة في خانة المتلقين للمساعدات والوقوف في طوابير الاستجداء والمذلّة.   
لقد بقي الألم سيّدَ العالم على مدى الأزمان، ينظرُ إليه الأسياد من ثقب إبرة، وسط ابتعاد مترادف لأيّ انفراج يعوّلُ عليه الضعفاء والفقراء والمهمّشون في تطلعهم إلى كلّ ما يمكن أن يقودهم إلى شيءٍ اسمُه الأمل المفقود والرجاء الموعود.

الخاتمة 
في العراق، تقاسمنا ذات المصير مع شعوبٍ بالمنطقة وفي العالم. صورتُنا مازالت مشوّشة لدى غيرنا، حتى من قبل دول الغرب الطامع في ثروات بلدنا وقدرات كفاءاتنا، بالرغم من كبر المعاناة وشدّة ما نحنُ فيه من ويلات متلاحقة عبر حكومات افتقرت لميزان الوطنية والإنسانية وخدمة الشعب. فما زال أشكال الألم والفقر والفاقة تعتصر في طيات غالبية طبقات الشعب بأشكال وصيغ عديدة لا تخلو من مآسٍ متراكمة وأحزان متزايدة في مستويات الحياة اليومية الدنيا. أمن المعقول في بلدٍ يطفو على بحارٍ من ثروات وطنية وأخرى طبيعية تقدّمها أرض السواد هدية لبنيها، أن نجد البؤس والفقر والألم في وجه وقلب ونفس عموم أبنائِه، إلاّ الفاسدين المنغمسين في نهب المال العام وسلب البيوت والعقارات والاستيلاء على أملاك مَن لا حولَ ولا قوّةَ لهم إلاّ الاستعانة بأصحاب النفوذ طلبًا للمساعدة أو لإنقاذ ما يمكن إنقاذُه ممّا استُقطع أو نُهب أو سُلب أو هُدِّدَ. فالدولة سُلخت عنها مؤسساتُها وغاب عنها القانون وأُفرغت من هيبتها. وهي اليوم تعاني من أزمة إدارة في كلّ مفاصلها، تديرُها قوى جانبية موازية تتحكم في قراراتها وفي مصير أبنائها، قوى لا ترحم ولا تخجل ولا تشبع، تنفّذُ ما تُأمرُ به وتلقنُهم إياها قوى خارجية إقليمية ودولية لها أجنداتُه، ما زاد من نوافذ الألم وأبوابه في شتى مجالات الحياة، الاجتماعية والخدمية والعلمية والتربوية والاقتصادية والمالية والإدارية والوظيفية، بل في كلّ شيء.
لم يعد بدّ للخروج من سطوة هذا البؤس المستفحل. فقد طال الانتظار النظري للفرج الوهميّ. ولابدّ من وثبة ثورية في وجه مسبّبات هذا الألم المستفحل بسبب ظلم الزمان وقسوة الأسياد وإهمال صوت الحقّ الذي تنقصه فورة صادقة من الشجاعة ويقظة الضمير وإناء العدل والرحمة والمحبة.



17
مسيحيّون أمْ نصارى؟
الجزء الثالث والأخير
لويس إقليمس

تطرقنا في الجزء الأول من هذه المقالة، إلى المقصود بلفظتي المسيحيين والنصارى وما شكلته هذه التسمية من إشكاليات في الفهم والموقف بسبب التصور الخاطئ لعقيدة أتباع المسيحية وتمسك المقابل بقصور فهمه واستيعابه للمسيحية الحقيقية، وقبول عقيدة البدعة النصرانية التي كانت سارية أيام انتشار الدين الجديد المتمثل بالاسلام. كما تطرقنا إلى المشتركات بين الديانات التوحيدية، وما اقتبسه الإسلام من البدعة النصرانية بما تيسر لصاحب الدبن الجديد من تلقين على يد مصدر الوحي، ورقة بن نوفل، الذي كان بين يديه نصّ الإنجيل العبراني المنقوص.
في الجزء الثاني أتينا على ذكر ما كان سائدًا في الجزيرة العربية من بدع في عهد الإسلام، وتأثير ذلك على الحياة الاجتماعية ومجتمع البداوة فيها.
في هذا الجزء الثالث والأخير، سوف أتطرق إلى مسألة طغيان تسمية النصرانية مذاك ولغاية اليوم، مع خلاصة بشرح المفاهيم غير السليمة التي تم اعتمادُها آنذاك، والتي أضحت من مقدسات الدين الجديد، بالرغم من قصورها وعدم صحتها، ما جعل كل ما يتناقض مع ما ورد في قرآن الإسلام، كفرًا وخروجًا عن دين الحق. أرجو أن أكون قد وفيتُ ونقلتُ ولو جزءً من الحقيقة، بالرغم من صراحتها ومرارتها بالنسبة للبعض غير الملمّ بحقائق التاريخ.

طغيان تسمية النصرانية
من المؤكد، أن كلمة النصرانية طغى استعمالُها على عهد الدين الجديد أي في العصر الإسلامي تحديدًا، للأسباب التي ذكرناها في السطور السابقة. وكما ذهبتُ إليه، مستفيدًا من النتف المتيسر من المعلومات بخصوص هذه البدعة ومثيلاتِها من الشيع الأخرى التي سادت الجزيرة العربية تحديدًا والمناطق المجاورة لها بفعل حركة التجارة ونقل الفكر والفلسفة، فقد كانت أفكارُها هي السائدة في منطقة الجزيرة العربية. والنصارى فيها، كانَ جلُّهم من يهود متنصرين إلى المسيحية، سكنوا المنطقة في يثرب والحجاز وخيبر وتيماء ومكة واليمامة ووادي القرى، إلى جانب أقرانهم من يهود قنيقاع وبني النضير وقريظة وغيرهم من الذين كانوا نزحوا عن ديارهم العبرانية الأصلية وسكنوا الجزيرة. وإنَّ عددًا من هؤلاء تنصروا مع حفاظهم على أغلب تقاليدهم اليهودية السابقة وبقائِهم على أفكارهم الناقصة عن حقيقة المسيح. فبنوا لهم شريعة جديدة مستفيدين من رهبان وقساوسة خارجين عن الطاعة في ذلك الزمن، مّمن تزعموا تلك الفرق. وهذه التسمية، أي النصرانية، لم ترد قبل ذلك الا في القرآن، بإيحاء من القس ورقة بن نوفل الذي صاحبَ رسولَ الإسلام، لكونِه عمّ السيدة خديجة زوجة الرسول محمد آنذاك. وظلَّ "ورقة" مرافقًا للرسول حتى مماته، حيث انقطع الوحي فترة، وبعدها تغيّر مسار الجماعة الجديدة وشرائعُها وطريقة التعامل مع الغير تمامًا، بعد استقوائها والهجرة إلى المدينة.
أمّا لماذا شاع استخدام كلمة "نصرانيّ" و"نصارى" في بلدان عربية وإسلامية بالذات، ذلك لأنّ رسولَ الإسلام لم يعرف مسيحيّين حقيقيين في زمانه ولم يتعامل معهم على كونِهم أتباعَ المسيح، "مخلّصًا وإلهًا ابنَ إله"، بسبب أنَّ الشيعة أو الجماعة التي كانت قائمة آنذاك في الجزيرة العربية كانت فريقًا يهوديًا موسويًا متنصرًا خارجًا عن تعاليم العقيدة المسيحية الصحيحة، كما أسلفنا. وهذه الشيعة لم تكن تؤمن بقيم العقيدة المسيحية الحقيقية، كما أتى بها المسيح وأكملَها تلاميذُه "الحواريون" والرسل من بعدِه. فقد ثبت أتباعُها على الكثير من العادات والقيم اليهودية القديمة بحسب التلمود، ولم يتغيروا في سلوكهم، فاحتفظوا من العقيدة المسيحية بالقشور، فحسب. أي أنهم مازجوا بين اليهودية والمسيحية، بحسب الظرف والزمان. وهناك ما يشير لكون النصرانية، بدعة ناشزة وعالّة عن المسيحية أساسًا حاملةً أفكار الفرقة الأبيونية المذكورة.
إنه وبسبب ظروف المنطقة آنذاك والأرضية الخصبة لتقبّل رياح التغيير، فقد كثر نشاط أهل هذه البدعة واتخذوا لهم منحى مغايرًا، بسبب خلافاتهم الكثيرة حول العقيدة والإيمان والإدارة مع الكنائس الرسولية المعروفة آنذاك في كلّ من أنطاكيا والقسطنطينية والإسكندرية وروما. وقد دخل هذه البدعة يهود كثيرون، كما انضوى إليها نفرٌ من رهبان قمران، بعد خراب هيكل أورشليم، ما اضطروا للهجرة إلى قريش ومكة والحجاز، بعد أن شقوا عصا الطاعة لرؤسائهم وانتهجوا خطَّ العداء والتلفيق والتزوير، حالُهم حال سائر الهرطقات التي ظهرت آنذاك بسبب انشقاقات متتالية في الكنيسة الأولى. وكان من أتباع هذه البدعة، ورقة بن نوفل الذي انتهى به الأمر أسقفًا (كبير قسس) لهذه الجماعة في مكة. فهو الذي شهد، بل قام بتزويج بنت عمه السيدة خديجة من رسول الإسلام محمد بن عبدالله، لقرابةِ عمومةٍ بينهما، وهي كانت تعمل في التجارة. وقد حافظ الزوجان، أي الرسول محمد والسيدة خديجة، على عقيدتهما الأبيونية النصرانية، حتى وفاة السيدة خديجة وابن عمها ورقة. فقد كان الثلاثة على ذات البدعة، حتى تحوّلت إلى حركة جديدة ظهرت في قريش، تنادي بالإسلام دينًا جديدًا. وكان الرسول محمد قد أظهر ذكاءً في التجارة، كما أظهر براعةً في كسب ودّ القبائل إلى جانب دعوتِه، بمساعدة القس ورقة الذي كان يوحي إليه بما في إنجيل متى العبرانيّ المعروف آنذاك في المنطقة، وليس بغيرِه. وساعدته في ذلك أجواء قريش ومكة غير المستقرّة، كي يبرز ويخلف ورقة في زعامة الجماعة، وهو ما كان يهيّئُه لها ورقة حتى وفاتِه. إلاّ أنَّ الأمور سارت بغير ذلك!
نذكر أنه من بين القبائل القريشية المعروفة التي دخلت دينَ النصرانية آنذاك، بحسب كتاب تاريخ اليعقوبي، قبيلة بني أسد بن عبد العزّى، التي ينتمي إليها ورقة وخديجة، وهما من عمومة الرسول محمد. (تاريخ اليعقوبي، 1/257). كما يؤكد بن قتيبة الدينوري في كتاب المعارف أيضًا شيئًا من هذا القبيل، من أن "النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة" (المعارف لابن قتيبة الدينوري ص621). وفي قريش، التحق بهم حشدٌ من قبائل عربية معروفة، سبق سرد بعضٍ منها.
ولعلَّ هذا ما يدعو اليوم العديد من علماء الدين الاسلامي والمسلمين إلى رفض تسمية "المسيحي" والتشبث بكلمة "نصارى"، تعميمًا على المسيحيين، استنادًا إلى ما ورد في القرآن آنذاك. وهذا خطأ بالغ، عرّض المسيحيين ظلمًا ومازال، للكثير من المتاعب والمشكلات والمخاطر، لعدم التمييز بين التسميتين والتطبيق بحقهم، كلّ ما خرج به القرآن وأوردهُ عن أتباع تلك البدعة المنشقّة، على أنهم همْ أتباع المسيحية. فمازالَ المقصود بهم دومًا، هم المسيحيون أمس واليوم وغدًا.
ومع أنه هناك العديد من الآيات التي يذكرهم فيها القرآن بالخير في طلائع الدعوة الإسلامية، كما وردت في الآيات المكية على عهد القس ورقة، إلاّ أنه انقلبَ عليهم بعد وفاة الأخير ووفاة ابنة عمّه خديجة. فقد كان الرسول يعامل الصابئيين والنصارى بمودة وإحسان، إلى حين استقوائِه وجماعتهِ، ونزول آياتٍ قاسية بحقهم، معتبرة إياهم "ذميين". فاختلف التعامل معهم لاحقًا، آخذًا شكلاً مغايرًا بعد الهجرة إلى المدينة وزوال تأثير صاحب الوحي (ورقة)، حيث يعدّهم مشركين يستوجبون القتال أو الجزية أو الإسلام ويحرّم توليتهم في المؤسسات، بل ويشرعنُ استباحةَ أموالهم وحرائرهم وما إلى ذلك.
وهذا ما نشهده اليوم من تطبيقات مضللة لتلك التعاليم المتناقضة أساسًا في القرآن في مواضع عديدة. فمن الآيات التي تذكرهم بالخير والمودة، ما يرد في سورة المائدة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" (سوره البقرة 62). وبعكسها، نجد ما ورد في سورة المائدة أيضًا"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّـهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (سورة المائدة:13). وهذا عين الظلم في دينٍ يدّعي أتباعُه التسامح والرحمة وطاعةَ الرحمن!
ومن المثير، أن بعض البحاثة والمهتمّين، يشيرون إلى أنَّ كلمة "نصراني" في الإسلام، كانت وماتزالُ تُطلق على حاملي الثقافة المسيحية، لغاية اليوم. بل وبسبب الجهل بأصول المسيحية، هناكَ مَن يُطلق كلمة "نصرانيّ" على كلّ صاحب بشرة بيضاء! وليسَ غريبًا أيضًا، أن نسمعَ نعوتًا سلبيةً غيرَها، وفيها شيءٌ من التحريض والرفض من منطلق سياسيٍّ بحت، حينَ نعتِ كلّ ما هو غربيّ ب "الصليبيّ" و"الكافر"، بسبب الجهل بالحقيقة التاريخية. فلو كان المقصود بتسمية المسيحيين بالنصارى تاريخيًا، كونَهم أتباع يسوع الناصري الذي عاش في هذه المدينة، فلا بأس ولا اعتراض عليه. وبعكسه، فإنّ ما قصده القرآن بتسميته المهينة للنصارى (المسيحيين) وحسب تصوّره الناقص لهم ولعقيدتهم الجوهرية كما توردها آيات تنتقص منهم ومن عقيدتهم، فهذا غير مقبول البتة. ولابدّ من إعادة قراءة التاريخ والتفسير بموجب الحقائق والوقائع والكتب الصحيحة وليس المنحولة.

مفاهيم غير سليمة
من المؤكد، هناك حالات تشويه للحقائق التاريخية بسبب الجهل بالماضي أو في تفسير غيرها، سواءً بسبب النقص في الأصول التي تؤمّن الحقائق والمصادر الملتزمة، أو بسبب الفهم الخاطئ والشارد لتلك الحقائق لعدم الاستعانة بالمراجع والكتب القانونية الموثوقة. وهذا التشويه ينسحبُ مثلاً، على الإرباك وعدم الفهم القائم في إشكالية التثليث التي يرى فيها القرآن، ومن ثمَّ المسلمون عامةً، أنها إشراكٌ في الإله الواحد. فيما أنَّ التثليث أو الثالوث القدّوس الذي يؤمن به المسيحيون، أتباع المسيح، لا تنكر وحدانية الّله، بلْ تعدُّ المسيح إلهً وابنَ إله مشاركًا ومساويًا له في الجوهر عبر الروح القدس المنبثق من الآب والابن، كما يشير إلى ذلك قانون الإيمان المسيحي. فالأقانيم الثلاثة هي جوهرٌ متحدٌ واحدٌ في شخص إلهٍ. والمسيحية لا تؤمن بغير إلهٍ واحد قادرٍ على كلِّ شيء وخالقٍ للسماء والأرض وما فيهما.
 وبالرغم من صعوبة إدراك سرّ التثليث، إلاّ أنَّ الإيمان وحدَه كفيلٌ ببلوغ هذا الإدراك العجيب، بسبب عمق العلاقة بين الأقانيم الثلاثة، تمامًا كما أنّ للنار ثلاث خواص: فالنار بوحدتِها وذاتِها، تتولدُ منها حرارة، كما ينبثق منها نور. وهذه ليست ثلاثًا، بل وحدةً واحدة غير منفصلة، كما يرى أحد آباء الكنيسة. هكذا الثالوث الأقدس، بحسب آباء الكنيسة ومفسّري العقيدة.
والإشكالية الثانية تلحق بعبادة سيدتنا مريم العذراء الذي يراه القرآن بمثابة الشرك، بسبب الفهم الخاطئ لصلة العذراء بالمشروع الخلاصيّ ومرتبتِها عند الله وابنها المسيح، الذي شاركته في المشروع الخلاصي من وجهة نظر مسيحية. من الجدير بالذكر، أنه لا يوجد في العقيدة المسيحية أيةُ إشارة إلى آلوهية مريم العذراء، أمّ المسيح، كما يقرأه البعض، أو كما يشاء آخرون الاّدعاء بورودها في بدعٍ ونحلٍ شاعت على عهد نشأة الإسلام أو قبلَه أو وردّ ذكرُها في كتب منحولة لا تعترف بها الكنائس الرسولية. فهذا ما كانت تنادي به بدعة المريمية (المريميين) التي اندثرت تمامًا مع مطلع القرن السابع، والتي تجعل من مريم العذراء أمّ المسيح، مشاركةً له في الآلوهة، تمامًا كما في الأساطير القديمة التي تشارك فيه إلهة إلهًا آخر. وهذا ما ترفضه وتشجبه الكنيسة منذ نشأتها، من دون أن تنتقص من منزلة مريم. فحاشا لله أن يتخذ له صاحبة، كما تورد بعض التفاسير الخاطئة!
بعد هذه الشذرات، وما تشهده المنطقة من غلوّ في التفسير والتطبيق لتعاليم الإسلام، هذه دعوة ملحة لنشر الوعي وتفعيل سبل الحوار بين الأديان والحضارات بمختلف الوسائل والطرق وبنية صافية وإرادة طيبة، سعيًا وراء خلق مجتمعات متحاورة متحابة تقبل الآخر المختلف، كلّ على دينه وتعاليمه وتقاليدِه ومن دون الانتقاص من هذه كلّها. فالمجتمع مختلف الأطياف ومتعدد الأعراق والأديان والمذاهب، هو غنى وليسَ فقرًا أو نقصًا. فهذه جميعًا باختلاف أفكارِها وتراثها وعقائدها ومذاهبها، يمكن أن تشكل دائرة متحابة متجانسة باسم الله الواحد الأحد، الذي يرعى الجميع ويهدي مَن يشاء إلى طريق الخير والقداسة، لمدح اسمِه القدوس وليسَ لتشويهِه والقتل باسمِه وتنصيب الذات حاكمًا بدلاً عنه. فهو الديان الكبير وهو الحافظ للجميع والهادي للجميع دون سواه.

لويس إقليمس
بغداد، في 21 حزيران 2015



18
مسيحيّون أمْ نصارى؟
لويس إقليمس
تطرقنا في الجزء الأول من هذه المقالة، إلى المقصود بلفظتي المسيحيين والنصارى وما شكلته هذه التسمية من إشكاليات في الفهم والموقف بسبب التصور الخاطئ لعقيدة أتباع المسيحية وتمسك المقابل بقصور فهمه واستيعابه للمسيحية الحقيقية، وقبول عقيدة البدعة النصرانية التي كانت سارية أيام انتشار الدين الجديد المتمثل بالاسلام. كما تطرقنا إلى المشتركات بين الديانات التوحيدية، وما اقتبسه الإسلام من البدعة النصرانية بما تيسر لصاحب الدبن الجديد من تلقين على يد مصدر الوحي، ورقة بن نوفل، الذي كان بين يديه نصّ الإنجيل العبراني المنقوص.
في الجزء الثاني نأتي على ما كان سائدًا في الجزيرة العربية من بدع في عهد الإسلام، وتأثير ذلك على الحياة الاجتماعية ومجتمع البداوة فيها. قراءة ممتعة.

شيوع البدع في عهد الإسلام
كانت المنطقة العربية (شبه جزيرة العرب) خاضعة للإمبراطورية الرومانية، وفيها عاش اليهود والمسيحيون والوثنيون من الرومان واليونانيين والعرب قبل الإسلام، وما سواهم من قبائل، معًا ضمن ذات الأجواء الصاخبة. بل إنّ عددًا غير يسير من القبائل العربية كانت قد تنصّرت، مثل تنوخ وحمير وتغلب وغسان وكلب وأياد وبكر وشيبان وطي وتميم وكندة والحارث وغيرها كثيرٌ، إذا ما رجعنا إلى التاريخ المجهول لنا. وقد "تلاقت المسيحية لأول مرّة بالإسلام في جزيرة العرب، لكنها كانت مسيحية غير صحيحة ومشوّهة، كان يمثلها تقليد شفهيّ منطبع انطباعًا قويًا بالأناجيل المنحولة"، بحسب الأب جورج شحاتة قنواتي (أنظر كتابه: المسيحية والحضارة العربية ص 96)، وهو من المؤرخين والباحثين التقاة. ويضيف الكاتب في ذات السياق: " كان للبيئة التي نشأ فيها الإسلام في بداية الدعوة بعض الاطلاع على الكتاب المقدس. لكنَّ هذا الاطلاع تناولَ كتبًا منحولة فقط"، مثل إنجيل متى العبرانيّ المنحول، الذي اعتمده القرآن بحسب إيحاء ورقة بن نوفل.
كانت الأرضية في جزيرة العرب والمنطقة، مرتعًا للعديد من الفلسفات والشيع والبدع والفرق والهرطقات التي كثرت آنذاك. من هنا يمكن عدّ النصرانية مثلاً، بمثابة فلسفة فكرية قائمة إلى جانب غيرها من البدع أو الفلسفات السائدة آنذاك، كالغنّوصية والمرقيونية والآريوسية والمانوية والمريمية والكسائية والأبيونية (وتعني الفقراء-المساكين)، وشهود يهوه والأحناف والداوودية (ذكرها الأب أنستاس ماري الكرملي في إحدى مقالاته في الشرق، ويعودون بها إلى يهودية داود الملك مع اقتباسات عن المسيحية) وغيرِها. فقد تأثر القس ورقة بن نوفل نفسُه مثلاً، ببدعة الأبيونية، كما يبدو، والتي كانت ترى في المسيح نبيًّا عظيمًا كسائر الأنبياء، جاء ليكمل ناموس موسى، لا أكثر. ومعروف عن ورقة، تبحّرُه في العلم وتتبعُه للكتب وتفسيرها مستفيدًا من خلفيته الغنوصية الكسائية التي كانَ متأثرًا بها أيضًا، بحسب البعض. ومنهم مَن يقول إنَّ فرع عبد العزّى بن قصي، ألجدّ الرابع لرسول الإسلام وآخرون أحناف من قريش، كانوا من أتباع هذه الفرقة المؤمنة بالنصرانية، أي المسيحية المنحرفة (أنظر أبو موسى الحريري، قس ونبي).
 لذا، جاء فهمُ أتباع هذه الجماعات وإيمانُهم بالمسيح من منطلق بشري ناقص لا يرى في رسالتِه، قدرتَه الإلهية ومشروعَه الخلاصيّ كابنٍ لله، وُلد وعاشَ وتألمَ وصُلب وقام وصعد إلى السماء. وربّما هذا ما حتّمَ على القرآن أن يتعاملّ مع أتباع هذه البدعة فقط التي كانت سائدة آنذاك في المنطقة أكثرَ من غيرِها، من منطلق بشريّ ومادي لا يتعدّى القبول الحرفيّ بماهيّة المسيح وتشبيهه البشري. وعدَّ كلَ ما جاءَ خلافًا لتعاليمِها بمثابة التحريف والكفر والإشراك، تمامًا كما كان فعَلَ اليهود المتنصرون بقبولِهم للمسيح من وجهة نظر ناقصة وعلى مقاس أفكارهم اليهودية المنحرفة. والقرآن نفسُه يشيرُ إلى تكاثر الأحزاب والشيع والفرق والبدع في مكة والحجاز على أيام الرسول محمد في مواضع عديدة (القرآن 19/37 و43/65، و2/136 و3/84). وقد ظلّ اليهود يناصبون المسيحية العداء ويكيدون الدسائس ضدّهم، تارة مع العرب وتارة مع الفرس وأخرى مع الرومان، ولم يعملوا بالتسمية المسيحية، بل ظلّت التسمية النصرانية على ألسنتِهم، وشايةً بهم وانتقاصًا من سيدهم الذي عاشَ في مدينة الناصرة، ومنها أتت التسمية (ناصري ونصراني).
وعلى ذكر الأبيونية على وجه التحديد، لا الحصر، كانت قد ظهرت في القرن الأول الميلادي، مع اليهود المتنصرين الجدد وخلقت إرباكًا في الرسالة الإنجيلية، ما اقتضى ردعَها وإدانتَها من قبل الرسل وتلاميذهم من بعدهم. ويقول أبيفانوس أسقف قبرص من أواخر القرن الرابع (310-403م) بحقهم، أنهم" ليسوا مسيحيين ولا يهود ولا وثنيين، بل هم يقفون في منتصف الطريق، فليسوا هم شيئًا". ويضيف المؤرخ يوسابيوس القيصري: "لقد دُعوا أبيونيين، لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضعية، فهم اعتبروه إنسانًا بسيطًا عاديًا قد تبرّرَ فقط بسبب فضيلتِه السامية، وكان ثمرةً لاجتماعٍ رجلٍ معيّن مع مريم. وفي اعتقادهم أنّ الاحتفاظ بالناموس الطقسيّ ضرورة جدًّا، على أساس أنهم لا يستطيعون أن يخلصوا بالإيمان بالمسيح فقط وبحياة مماثلة". والقديس إيرونيموس يقول مخاطبًا القديس أغسطينوس في إحدى رسائلِه: " ماذا أقول عن الأبيونيين الذين يدّعون أنهم مسيحيون؟ أرادوا أن يكونوا يهودًا ومسيحيين في وقت واحد، وما استطاعوا لأن يكونوا يهودًا أو مسيحيين". وهذا كلامٌ واضحٌ على ضحالة إيمان أتباع هذه البدعة التي كان عليها القس ورقة بن نوفل وأتباعُه في الجزيرة العربية أيام رسول الإسلام. وقد انقرضت تمامًا.
 مّا لا شكَّ فيه، أن أحد زعماء هذه البدعة كان القس ورقة بن نوفل الذي لعبَ دورًا رائدًا في ظهور الدين الجديد المتمثل بالإسلام. فهذه البدعة التي لم تكن تعترف سوى بإنجيل متى العبرانيّ، كانت تدين هي الأخرى ب "النصرانية" بدعةً وليس عقيدة مسيحية رسولية. أي أنَّ عقيدتُها كانت ناقصة، من حيث خروجها عن تعاليم المسيح والرسل من بعده، كما وردت في الأناجيل الأربعة الصحيحة التي حافظت على مصداقيتها وصحتها من تأثيرات جماعات منتفعة وخارجة عن التعاليم الرسولية الصحيحة. ف"النصرانية"، التي أتت بها الأناجيل المنحولة، هي التي يقصدها ويتحدث عنها القرآن حتمًا، وليس المسيحية الأصيلة في تعاليمها الأولية. وهذا ما يشيرُ إليه أبيفانوس أيضًا في موقع آخر، الذي "يعدّ النصارى في ذلك الزمن، بأنهم هراطقة ينحدرون من أصل يهوديّ، بعد تنصّرهم، مع التأكيد على تمسكهم بعيش الشريعة اليهودية وتطبيقها، معتبرين أن الإيمان ليس كافيًا للخلاص وأنّ المسيح ليس الله!". وهذا ما يؤكده آباء الكنيسة من أنَّ الكثير من نصارى الجزيرة العربية، لم يكونوا مستقيمي العقيدة، وإنّ إيمانَهم كان ناقصًا لعدم اعترافهم بآلوهية المسيح وبكونِه ابنّه الوحيد، إلهًا وإنسانًا في ذات الوقت، ومساوٍ للآب في الجوهر، كما تقول العقيدة المسيحية المستقيمة. ويرى ذات المعنى فيما ذهبنا إليه، الحسنُ البصري، بقوله: "أنهم (أي النصارى) ابتدعوا النصرانية وتسموا بها، ولم يكونوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح في زمانه من الحواريين".
ومع قدوم الفاتح الجديد المتمثل بالإسلام، حاول المسيحيون التأقلم مع الوضع الجديد، ودخلوا فيما بعد، في دواوين الخلفاء وفي الخدمات العامة، وارتقوا مناصب مهمة، ونقلوا حضارة اليونان والفرس والهنود عبر تآليفهم وتراجمهم الكثيرة وعبر التطبيب والعلوم والفلسفة والحكمة التي مارسوها من دون منازع. فكانوا أهل ثقة الخلفاء والولاة والأشراف في العمل والعبادة والأمانة والمحبة، أينما حلّوا وارتحلوا. كما حافظوا على كنائسهم وعباداتهم ومواسمهم في المناسبات والأعياد. بل إنّ الكثير من الخلفاء والوزراء وأتباع الإسلام، كانوا يشاركون في مثل هذه المناسبات، بل صاروا يتقنون السلام بالسريانية، ويقولون (بارخمور، أي بارك يا سيّد)، كما يشير إلى هذا ابن العبري، بل واصبحوا يدركون معاني الديانة المسيحية وأسرارها.
كما قامت مناظرات جدلية صريحة بين الطرفين، مثل المناظرة المشهورة للخليفة المهدي مع البطريرك طيماثاوس الأول الشهيرة. وهذا ما يفسّر التلاقح بين الديانتين المسيحية والإسلام في بطون القرنين الأول والثاني لقدوم الفاتح الجديد للمنطقة. إلاّ أن الحالة الطيبة لعموم المسيحيين، لم تسرْ دومًا ضمن هذا السياق الهادئ المتسامح. بل شهدت اعتراضات وكبوات كثيرة قائمة على تطبيق حرفيّ لما أوردته آياتٌ قرآنية مدنية ناسخة تقلّل من شأن المسيحيين (النصارى بالتعميم) ومن ديانتهم، وترفض توليتهم في مواقع الدولة. بل شهدت المسيحية وماتزال ونحن في الألفية الثالثة، اضطهادات عديدة وتصفياتٍ بحدّ السيف أو أداء الجزية المهينة أو إنكار الدّين والتحول للإسلام، استنادًا لما كان أورده القرآن بحقهم في حقبة غابرة معينة من الزمان، تختلف تمامًا عمّا تعيشه الإنسانية اليوم من تحوّلات ورقيّ وتطور علمي وتكنلوجي، لا يمكن أن يعود بها الزمن إلى أيام الجهل والظلامية والقتل والسيف والفوضى. وليسَ هناكَ من قادرٍ أو شجاعٍ أو مجازف لتبيان أنّ طبيعة الحياة قبل أكثر من خمسة عشر قرنًا وكذا طبيعة الشعوب والوضع الاجتماعي تختلف تمامًا عن أيامنا، بسبب تطور العصر وزيادة القدرات البشرية والعلمية والفكرية هذه، بل وفي نوعيّة البشر.

-   يتبع الجزء الثالث والأخير

19
أوربا: هل هي بحاجة إلى إعادة بناء؟
بغداد، في 28 كانون أول 2106
لويس إقليمس
يبدو أن القارة الأوربية، ستظلّ في مرمى الإرهاب الدولي المتنامي الذي رأى فيها خير حاضنة لمؤيديه، وأفضل أرضية خصبة لتنفيذ عملياته الدموية المتزايدة، طالما بقيت الأسباب والذرائع قائمة. وهناك مَن يعتقد أنها هي التي جنت على نفسها، كما فعلت "براقش"، حين بادرت لاحتضان عددٍ غير منظورٍ من المتسلّلين، بينهم متشدّدون ومتطرّفون، عبر موجات الهجرة الكاسحة، المنظمة منها وغير المنظمة، وإيواء غيرهم من المغضوب عليهم في بلدانهم على يد حكامهم المتسلّطين. فهؤلاء أصبحوا قنابل موقوتة، قد تنذر بالانفجار في أية لحظة حينما تتسنى الفرصة. وأوربا عمومًا، يُؤخذُ عليها، تنفيذُها برامج إعادة توطين عشوائية لم تأخذ في نظر الحسبان خلفياتِ بعض هؤلاء المنغمسين في أعمال الجريمة المنظمة والكراهية المتنامية ضدّ كلّ شيء فيها وفي تركيبتها الغربية الحضارية التي تحملُ بصماتِ أخلاق لا ينتمي إليها أصحاب هذا الفكر المنحرف. فالإرهابيون ضمن منهجهم هذا، يَعدّون القارة العجوز أرضًا صليبية واجبة الجهاد والقضاء عليها وعلى عقيدتها، بالرغم من أنّ معظم بلدانها لا تعير للدين وللمعتقد اهتمامًا في أنظمتها ودساتيرها العلمانية، بحيث يخجل حكامُها أحيانًا أو يتهرّبون أحيانًا أخرى، حتى من ذكر اسم الله في حياتهم العامة والخاصة وفي العمل والشارع. 
إنَّ تنامي المنهجَ التكفيري الذي يحملُه الإرهابيون من أصحاب الفكر المنحرف، ضدّ كلّ مَن يختلف معهم في المنهج والرؤية والتطبيق للعقيدة التي يؤمنون بها، قد جعله في تصاعد متنامٍ بسبب غياب وسائل الردعٍ الدوليّة الصارمة ضدّ انتشاره الواسع وتهيئة الأرضية له من قبل دول كبرى قوية الاقتصاد، لاستخدامه ورقة في شنّ النزاعات من أجل تحقيق مصالح قومية ضيقة تخدم أسياد هذه البلدان الاستكبارية. كما ساهم في جبروته واتساع رقعة عملياته وتوسعة مشاريعه، الدعم اللاّمحدود الذي قدّمته وما تزالُ تقدّمه بعض الدول الراعية والجهات الممولة والساندة له، ومن ضمنها مراجع دينية غير رصينة وشيوخ الكراهية والقتل، الذين يساهمون في غسل أدمغة البسطاء من الشباب المغرَّر بهم بذرائع خرافية بنوال الجنّة وحور العين ومن العذارى ما طابَ لهم ومن حلقات الخمر الطيب، في حلقات الجوامع والمراكز الدينية غير المرصودة التي لا تخضع للرقابة.
ليلة الثلاثاء 20 كانون أول 2016، تكرّرَ ذات الفعل الإرهابي في برلين الألمانية، بطابعه العنصريّ المتنامي، لشبيه الجريمة التي اقترفت في مناطق أخرى من أوربا، ومنها مدينة نيس الفرنسية قبل أشهر، وبالذات في 14 تموز من العام الجاري، ضدّ حشد من المواطنين الأبرياء كانوا يحتفلون بالعيد الوطني لفرنسا. في حينها، راح ضحية ذلك الاعتداء الإجراميّ، 86 قتيلاً وأكثر من 400 جريح، لتضاف إلى قافلة قتلى سبقوهم قبل عام في أحداثٍ شهدتها مدنٌ فرنسية أخرى، لا تقلّ مأساوية حين حصدت أكثر من 230 قتيلاً أيضًا. وبالرغم من ضآلة الضحايا في اعتداء برلين، حيث تتحدث مصادر عن مقتل 12 شخصًا فقط وجرح أكثر من 40 آخرين في عملية دهس بشاحنة اقتحمت سوقًا تحتفل تقليديًا بعيد الميلاد، إلاّ أنَّ الحادثة الجديدة، قد أعادت مرة أخرى، أشكالاً من مشاعر الغضب والرعب والاحتجاج على سياسات بلدان الاتحاد الأوربي غير المنضبطة، ولاسيّما سياستَها في استقبال موجات اللاجئين من دون تمحيص للهوية أو اهتمام بالنوعيّة، من الذين لا تعنيهم فكرةُ الاندماج التي تتوخاها بلدان المنظومة الأوربية في سياساتها وفي توقعاتها الخاطئة. فجلُّ اهتمام أصحاب الفكر المنحرف من المتسللين ما بين اللاجئين االفارّين من بلدانهم التعبانة، غزوةُ بلد الكفّار والعيش فيها أفرادًا وجماعاتٍ على هامش المجتمع ما طابَ لهم، ليكونوا عالّة على دافعي الضرائب وحكوماتهم المهزوزة، اقتناصًا لأية فرصة سانحة للسطو على الحكم فيها متى ما زادت أعدادُهم واستقووا بمواردهم البشرية التي لا تعنى بالنوعية بل بالعدد والكمية.
مثل هذه السياسات المتراخية أحيانًا، وغير المتزنة في أخرى كثيرة، من جانب حكومات بعض الأقطار الأوربية والأحزاب القائمة في السلطة، بحاجة دائمة وجادّة للمراجعة والتغيير بحسب المستجدات والهواجس والأحداث، قراءةً لواقع الحال وفي مواجهة ما يصدر من عربدات ووثائق وتغريدات ومروّجات منشورة، السمعية منها والبصرية والمرئية، عن هذه التنظيمات الإرهابية الدولية. وهذا ما يدعو ساسة وعقلاء هذه البلدان المتحضّرة لإجراء مراجعة شاملة لسياساتها وخططها وبرامجها بهدف احتواء الضعيف منها واتخاذ خطوات جادّة تهتمّ بمصالح شعوبها قبل أي شيء.
صحيحٌ أنّ الأسس القائمة عليها القارة العجوز، تقليدية وقوية وراسخة. لكنّ الأساس الذي لا يُصانُ بعناية في كلّ موجة مطر قوية، وبردٍ قارسٍ، وعاصفة شديدة، يمكن أن يتآكلَ بفعل عوامل التعرية العولمية القائمة والتجريف السياسيّ والاجتماعيّ الذي بإمكانه تقويض أكبر ممالك العالم، مهما تجبّرت واعتدّت وتفاخرت. فإذا كانت بلدان هذه القارة الجميلة ترى في بنائها الديمقراطي "العلماني"، طريقًا آمنًا لمستقبل أجيالها من دون مراعاة ما يُحاك ضدّ تركيبتها وبنيتها المجتمعية من دسائس من قبل الطامعين من أصحاب الأفكار المنحرفة، فهي مخطئة وعليها أن تدرك مدى خطورة هذه كلها. أمّا ما تراه من جانبٍ واحد، من مساهمتها المميزة في تغيير الزمن وتسريع العلوم والتكنلوجيا وفرض العولمة وقوانينها وفق مقاساتها، فهذه جميعًا تصبّ اليوم في خانة مستقبلٍ غامض مشكوك فيه وسط ضبابٍ كثيفٍ أحالَ فكرة سعادتها التقليدية إلى كابوس أمنيّ لن تتوقف آثارُه عند حدود ما تشهدُه من عمليات إرهابية، فحسب. وعليها أن تعي حجم هذه الاثار وتبادر إلى دراسة موجباتها الإشكالية، فتجد لها ما يوازي هذه المشاكل من حلول فاعلة لا تتقيّد بعاملَي الحرية والديمقراطية اللذين أصبحا شمّاعة تعلّق عليهما تراجعها ونهيَها عن اتخاذ ما يلزم بل ما يحتّم من إجراءات احترازية. وهذا ما يوصيها بالعودة إلى الينابيع الأولى التي أُقيمت عليها هذه الأسسُ التقليدية القوية المميَّزة. وإذا اعتقدت جزافًا، أنَّ دارَها مازالَ محتفظًا بصلابته وتماسكه، فإنّ صورتها اليوم، قد اهتزّت، وسقف دارها منذِرٌ بالسقوط فيما لم يعد شكلُها مقبولاً، كما كان بالأمس. فالمواطن الأوربي الأصيل، بدأ يعي حجم التحديات التي تنغّص حياته، وهو أيضًا مثلنا في الشرق بعض الشيء، لم يعد يشعر بالأمان وهو في العمل أو الشارع أو حتى في داره أو مصلحته.
إنّ الإرهاب وأدواتِه قد تمكنوا من اختراق أبواب أوربا من أوسعها عندما رضخ الساسة فيها ومَن في الحكم، لتهديدات مصدّري الإرهاب المعروفين، ومَن على شاكلتهم بفتحهم هذه الأبواب مشرعة، بحجة تفادي صِدامِ معيّن أو حفاظًا على مصالح قومية أو آنية أو شخصية. فنالوا بذلك، موقفًا معارضًا بعض الشيء، بل متشدّدًا أحيانًا، من شرائح في مجتمعاتهم الشعبوية التي زاد قلقُها على مصيرها وحياتها وهويتها الوطنية المهدّدة بفعل مثل هذه التنازلات غير المبرّرة. ومن المؤسف، صدور دعوات من مستويات سياسية عالية في السلطة، تستجدي مواطني بلدانها بعدم النزوع إلى شكوك بمَن تحوم حولهم رعاية الإرهاب وتمويله وتصديره، بالرغم من وضوح الرؤية وبروز الوقائع.
اليوم تقف أوربا أمام تحديات كبيرة، زادت من همومها في مواجهتها، بعد أن تنوعت وتشعبت وأخذت مسارًا ممنهجًا بدقة وعناية. فالهجمة الشرسة التي تضربها بين فترة وأخرى في عقر دارها، في المجال الأمنيّ قبل كلّ شيء، قد دقّت في دوائرها ومؤسساتها المتطورة ناقوسَ الخطر. وهي اليوم في موقف لا يُحسد عليه، بالرغم من التعاطف الدولي الذي يحيطُ بها، حتى من الدول والزعامات التي تخرّجت منها مدارس الإرهاب، تمويلاً وتدريبًا وعقيدة. فعندما يتمكن السارق من دخول بيت آمن ويعبث بممتلكات صاحب الدار ويسرق ويغتصب ويقتل ويختفي من دون رقيب ولا حسيب، فهذه قمّة الضعف وبداية الانحدار نحو الهاوية.
في تفكير الغرب المتقدّم الراسخ على مبادئ إنسانية وأخلاقية تسامحية تربى عليها منذ قرون بفعل التربية المسيحية التقليدية، هناك نوع من اللامبالاة في الأحداث الدراماتيكية التي تحلّ عليها بين فترة وأخرى. أو لنقل بعبارة أكثر دقة، هناك تقليلٌ من وطأة ما يحصل لها بفعل الاختراقات الأمنية، بالرغم من جسامة الفعل والحصيلة وما يترتب على ذلك من هزّة إعلامية تُجنّد لها مؤسسات وتُعقد مؤتمرات واجتماعات وتتوالى لقاءات لكشف الدليل والوقوف على المستور. فالزعاماتُ ومعها دوائرُ دولهم الاستخباراتية، تنفعل وتنشط وتغضبُ حينًا، ثمّ تهدأ مع هدوء العاصفة. ربما، تلكم هي من بركات الخالق الذي منح البشر نعمة النسيان والعفو عمّا سلف!
لقد نعمت أوربا عمومًا، بشيء كبيرٍ من الاستقرار النسبي لسنوات طوال، منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، حيث تعمّرت بعد دمار رهيب، وسادها الرفاه والسعادة بفعل دفع عجلتها الاقتصادية وتطورّ إنتاجها وإصدار قوانين تمتثل لدساتير تأخذ في نظرها القيم الإنسانية العليا في أقصى تجلياتها. وفي السنوات الأخيرة، زادت أزماتُها الاقتصادية، كما ارتفعت فيها أعمال الإرهاب والتخريب والجريمة، بفعل سياسات غير متزنة في معالجة الثغرات والمشاكل. فساهمت بطريقة أو بأخرى، ببروز تنظيمات متطرفة، كان الغربُ نفسُه مسؤولاً عن إخراجها إلى مواقع العمل الحقليّ وإلى تزايدها وتنوعها، ما أدخلَها في حالة إنذار وطوارئ يحتّم عليها اتخاذ المزيد من الحذر ووسائل الدفاع لمواجهة هذه الأدوات الغريبة عنها.
لكن، تبقى الأسس التي بفضلها ما تزال هذه الدول تقود شعوبَها بامتياز حضاري، هي الأساس في تواصل تقدّمها وحضارتها ورسم أبعاد خططها للحياة والسيادة بالرغم من كلّ التحديات والهموم. وهذا هو الأساس في نهاية المطاف. فالديمقراطية التي تنعم بها، على اختلاف خلفياتها ومبادئها وتطبيقاتها، قد مكنتها من تطوّر أنظمتها وتحديث علومها وتقنياتها المتسارعة باستمرار، في كل يوم بل في كلّ ساعة، ومنها تبنّيها سياسة العولمة التي أرادت بها فتح الحدود على مصاريعها وجعل العالم مطواعًا سهلَ الانقياد والمرور في تنقل البشر والمادة والمنتج من مجمل هذه جميعًا. بالمقابل، هذا التطور قد جلب نتائج لم تكن في الحسبان، عندما ازدادت كثبان الصحارى الفكرية المترعة بضباب كثيف زاد من وطأة جمال الرؤية ومديات التفاعل المجتمعي والإنساني التي ارتبكت أسسها هي الأخرى، بسبب تنامي تراجع أركانه، التي من بين أسبابها، فساد الساسة وسطوة دكتاتوريات الجمهوريات والممالك والإمارات التي أعاقت فكرة تطوير ما هو متخلّف.   
    هناك مَن يعتقد، أنَّ بداية الانحدار في سلّم الاستقرار الغربيّ في عمومه، قد أشرتها أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. وحينها دخلت أوربا مثل أمريكا، في غرفة عمليات بالسهر الاضطراري على مصالحها وكياناتها وحكوماتها ومؤسساتها ومواطنيها على السواء. لكنّها لم تستطع قطّ، إحكام قبضتها على مقاليد الأمور، بالرغم من اتساع رقعة المراقبة عندها وتنوّع أدواتها وزيادة ملاكاتها الاستخباراتية وميزانياتها الوطنية في مجال الأمن والمراقبة. والسبب واضح لا غبارَ عليه، وهو تطوّر الأدوات التي يستخدمها العدوّ اللدود الجديد، الإرهاب الدوليّ المتنامي، ردًّا على سياسات غير مقبولة أو على أحقاد دفينة لما اقترفه الغرب إزاء دولٍ سبق له استعمارها واستغلالها ونهب مواردها وسلب حرياتها وحقوق شعوبها لسنوات.
أخيرًا، عندما يتساءل العاقل، هل يمكن إعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه بالأمس؟ هنا، لا يمكن أن نسمع ما هو إيجابيّ في الموضوع، لأنّ إعادة الماضي غير ممكن من جميع النواحي، التاريخية والجغرافية والطبيعية والاجتماعية وحتى الجيوسياسية. وهذا يعني أيضًا، أنّ الفكرة بإعادة البناء، مهما دخلتها جوانب تطويرية واحترازية، فهي تبقى في ضمير المحتمل غير قابلة التطبيق من منطلق التكامل والنجاح، مهما بلغت الجهود والتخصيصات والمروّجات.


20
مسيحيّون أمْ نصارى؟
الجزء الأول 1/ 3
لويس إقليمس

مسيحيون أم نصارى؟ لفظتان تثيران لغطًا كبيرًا وإرباكًا واضحًا في صفوف أتباع الديانة المسيحية وسواهم على السواء. فالنصارى المذكورون في القرآن والمقصود بهم في آياتٍ عديدة، ليسوا البتة من المسيحيين الحقيقيين. بل يُقصد بهم أتباع إحدى البدع التي استفادت من بعض مبادئ المسيحية آنذاك واستغلّت هذه الصفة في تعاملِها مع المحيط الذي ظهرت فيه الرسالة المحمدية، مستفيدة من خلافات إدارية كنسية وديرية لنفرٍ من الرهبان خرجوا عن طاعة تعاليم كنائسهم وأديرتهم ليشكلوا أمثال هذه البدعة في أرضية كانت مهيّأة لتسهيل خروجهم عن عصا الطاعة. ومن ثمّ فالتسمية الشائعة عن المسيحيين بكونهم نصارى، خاطئة. وقد جلبت لهم هذه، مآسي كثيرة وسوء فهمٍ من لدن إخوتِهم المسلمين، حين تفسير الأغلبية للنصوص التي يأتي القرآن على ذكرهم فيها في كيفية التعامل معهم، ولاسيّما في الآيات المدنية الناسخة لسابقاتِها المكّية للأسباب التي سنأتي على ذكرها.
فالحقيقة المخفية، هي في الجهل القائم في التفريق بين نصرانية الأمس أيام نشأة الإسلام وبين المسيحية الرسولية على حقيقتِها المطلقة، كما وردت في الأناجيل الأربعة الرسمية وكما نقلها التقليد وقصص التلاميذ الحواريين والرسل مع بدء انتشار المسيحية. وهذا يقابلُه جهلٌ آخر في الإسلام الذي أتى به الرسول محمد وبين إسلام اليوم، ولاسيما في التطبيق، دون الأخذ بنظر الاعتبار أوضاعَ وطبيعةَ أهلِ الأمس وسيرتَهم وأحوالَهم والظروف التي أحلّت نشأة الإسلام ومصدر الوحي (ونقصد به القس ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى بن قصي، عمّ السيدة خديجة، زوجة الرسول محمد الأولى والوحيدة على أيام عمّها القس)، الذي بانتهائه وموته انقطع الوحي فترةً، وتغير بعده شكلُ نزول الآيات، وغاياتها ومقاصدها. فالإسلام، كما يرى المؤرخون قد نشأ ونما على أنقاض النصرانية التي كانت معروفة في مكّة والجزيرة آنذاك. وهذه كانت ديانة مشوّهة عن المسيحية الحقيقية، أراد بها القس ورقة، وبسبب قرابته من السيدة خديجة، أنْ يجمع شتاتَ أهل مكّة الموزَّعين بين بدع وأحزاب ونحل كثيرة في دين واحد وتحت راية زعيم واحد، هو الرسول محمد، الذي حثَّ وجاهدَ من أجل تهيئتِه لهذه المهمة الصعبة. وهذه حقيقة تاريخية لمن يرغب في البحث عنها في بطون الكتب والمؤلفات التقاة.
 في هذا السرد التوضيحي البسيط، سنحاول أن نكتشف مَنْ همْ المسيحيون، وعلى مَن أُطلقت تسمية النصارى؟ وذلك تفسيرًا للفظتين وتوضيحًا لما قد يفيد في هذا الشأن، تحاشيًا لكلّ سوء فهمٍ وغموض معنى.

من هم المسيحيون؟
ألمسيحيون، ومن دلالة التسمية ذاتها، هم أتباع المسيح، يسوع الناصري (ناصرة الجليل بفلسطين)، التي ينتسب إليها بسبب عيشِه فيها سنوات عديدة. ومن هذه الأخيرة، جاءت تسمية يسوع ب "الناصري" أيضًا، لكونها كانت كورتَه وبلدتًه. وقد كانت هذه التسمية تحمل شيئًا من الاحتقار والدونية في ذلك الوقت، بسبب انتماء الناصرة إلى منطقة الجليل. والمعروف عن الجليليين، أنهم كانوا شعبًا خشنَ المعشر وغير لطفاء. والمسيح الذي عُرف لدى اليهود ب "ماشيحا"، كما تسمّيه الآرامية القديمة و "مشيحا أو مشيحو" بالسريانية، كان يهوديًا، وقد عاش ديانتَه اليهودية بحسب الشريعة وطبّقها كسائر أبناء جلدتِه لحين بلوغِه سنَّ الرسالة في الثلاثين من عمرِه. والمسيح لم يأتي ليحلَّ الناموس والأنبياء، بل ليتمّمَهم (متى5: 17). وكلمة "المسيح" تعني الشخص الممسوح للرب بالدهن المقدّس، والمقتصر على الملوك والكهنة والأنبياء حصرًا، وهي صفاتٌ ثلاث اتسمَ بها المسيح، كما تنبأ بذلك، الأنبياءُ قبلَه وأعلنوا عن قدومِه في ملء الزمان. ومازال اليهود في ضلالتِهم بحسب تلمودِهم، في انتظار هذا "الماشيحا" مخلّصًا لهم، لعدم إيمانهم به حين وافاهم مولودًا في مغارة، بسبب نفاقهم وقساوة قلوبِهم وعماوة عقولِهم وسخافةِ أفكارِهم، ذلك لأنّهم كانوا يريدونه مسيحًا ملكًا دنيويًا يتولى تقويض أركان الإمبراطورية الرومانية ويخلّص الشعب اليهودي من جبروتها وقسوتها وظلمها آنذاك. ومن ثمَّ لم يستوعبوا ما ذُكرَ في كتبهم على أيدي الأنبياء.
المسيحية، ديانة تاريخية، أسسها المسيح. ومن ثمّ فليست أيديولوجيا أو بنية فكرية أو فلسفة دخلت المجتمع من باب التبجّح أو الزوغان عن الطريق الصحيح أو لتحريف دين. بل وُلدت مع ولادة المسيح مؤسِّسها، الذي شاء التجسّد بشخص إنسان لينقذ هذا الإنسان ويصالحَ البشر مع اللّه بهذا التجسد، ومن ثمّ الموت، شرَّ ميتة، مصلوبًا بسبب حبّه الكبير لبني البشر، وفقًا للمشروع الخلاصيّ، وتمامًا كما تنبّأ به الأنبياء في العهد القديم من أجل تأسيس ملكوت سماويّ.
 كانت ولادة المسيح، في بيت لحم أفراطَ باليهودية في مذودٍ وضيع، حينما لم يجد والداهُ، يوسف النجار ومريم العذراء، وهما في طريقهما للاكتتاب العام، مكانًا لتلدَ فيه ابنَها البكر يسوع. وجاءَ في بشارة الولادة أنّ ملوكًا من الشرق رأوا نجمَ وليدٍ عجيبٍ وملكٍ عظيمٍ، فجاؤوا للسجود له في موقع المذود حيث وُلد. وقد شاهدوا وعاينوا بساطة الربّ الإله، "ملك إسرائيل" وليدًا بين حيوانين، ليتمّ ما قيل في الكتاب المقدّس، " الثور والحمارُ عرفا ربَّهما، وأمّا إسرائيل، فلمْ تعرفْهُ"، دليلاً مادّيًا على جحود شعب إسرائيل لربّه الذي رافقه في خروجِه من مصر وأنقذَه من سلطان فرعون وأعانَه في سبيِه في بابل.
عاشَ المسيحُ رسالتَه في فلسطين لثلاث سنوات، أمضاها في التبشير والتعليم. واختارَ اثني عشرَ تلميذًا لمرافقتِه، أغلبُهم من بسطاء الناس، وعلى رأسهم الصيّاد "بطرس"، الذي بشّره المسيحُ أنّه سيصيرُ صيّادًا للناس، وهامةَ الرسل. ولكي يتمّ الكتاب وتتحقّق أقوالُ الأنبياء التي تنبأت به وبالمشروع الخلاصيّ، وكي تكتمل إرادةُ الآب السماويّ أبيه، اتهمَهُ اليهود بنقض شريعتِهم وبالتجديف بكونِه إلهًا، ممّا كان يستوجبُ الموت. فالمسيح، لم يتحمّل أن يتحوّل هيكلُ الله (الهيكل الذي بناه سليمان الملك) المخصَّص لعبادة اليهود لإلههم، إلى مغارة للتجارة واللصوصية في وضح النار. فما كان منه إلاّ أن أعملَ السوط وطردَ الباعة من الهيكل، ما أغاض اليهود ورؤساءَهم.
وبسبب الفوضى هذه التي أتى بها المسيح لتنظيف بيت الّله، والأعاجيب الكبيرة التي اجترحَها في صفوف الشعب اليهوديّ في سنيّ رسالتِه الثلاث، ولما شكّله ذلك من غيضٍ في صفوف الطبقة الحاكمة المتمثلة برؤساء الكهنة والفريسيين والمشايخ الذين رفضوا ما أتى به من شريعة جديدة مكمّلة لسابقتِها، شريعة تنتقد وترفضُ وتكشف أعمالَهم الخبيثة وابتعادَهم عن الوعد والعهد الذي قطعهُ الله، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، لذا اتجهوا لاتهامِه بالتجديف والخروج عن المألوف وبمنافسة القيصر الرومانيّ آنذاك. فوشوا به لدى الحاكم الروماني بيلاطس الذي قضى بموتِه، بالرغم من عدم اقتناعِه بالأسباب التي قدّمها رؤساء اليهود ضدَّه. لم يقتلْهُ بنفسِه، بل سلّمَه إياهُم، غاسلاً أيديَه أمام الشعب اليهوديّ في دار الولاية، دلالةً على براءة المتّهم من ذنبٍ لم يقترفه وتبرئةً لشخصِه من الحكم الذي اضطرّ للنطق به لترضية اليهود. وبعد صلبِه يوم الجمعة العظيمة، اظلمّت السماء وكسفت الشمس، لأنّ ملكًا عظيمًا، هو يسوع المسيح، "إبنُ اللّه" (الأقنوم الثاني)، قد مات! وقد دُفن في قبرٍ جديد، تبرّعَ به أحدُ سادة اليهود من الأشراف. وبعد ثلاثة ايامٍ قامَ من القبر بإرادة الّله أبيه، وظهر للمريمات وللرسل مرارًا، حتى صعودِه إلى السماء في يوم الأربعين. وهنا ظلَّ التلاميذ والرسل في حيرة منكمشين على ذواتِهم ومختفين خائفين، لحين انقضاء اليوم الخمسينيّ الذي فيه نزل الفارقليط (المعزّي)، أي الروح القدس عليهم، كما كانَ وعدَهم المسيح، ليقوّي من إيمانهم ويثبّتَ من عزمهم ويشجّعهم على إكمال رسالتِه على الأرض من بعده. وهكذا، بعد امتلائِهم من الروح القدس والنار التي حلّتْ عليهم، أخذوا يبشرون بالإنجيل وبيسوع المسيح مخلّصًا للبشر. فطافوا في أرجاء فلسطين، حيث مسقط رأسهم وموطن سيدهم، ثمّ تبلبلوا وانتشروا في أرجاء المسكونة كلّها. فنمت المسيحية وانتشرت، بفضلهم، وهم كانوا من أبسط الناس. لكّن الروح القدس حوّلهم إلى دعاة شجعان للإنجيل وأصحابِ حجّة قوية، لهم قضيّة وهي نشر بشارة المحبة والسلام والمسرّة وسط الناس. وكان لاهتداء شاول الطرسوسيّ (بولس الرسول)، ذلك الفرّيسي العنيد، الذي حاربَ المسيح في بداية التبشير الرسوليّ، الأثر الكبير في سرعة انتشار المسيحية خارج المناطق اليهودية، وفي عموم أرجاء الإمبراطورية الرومانية، لأنّه كان مواطنًا رومانيًا ايضًا.
بعد سنواتٍ من التبشير بالدّين الجديد، بدأت تسمية المسيحية (ويقالُ إنّ أول تسمية للمسيحية صدرت من كنيسة أنطاكية)، حيث عُرف أتباعَ المسيح بها وليسَ بغيرِها، تحقيرًا لهم في البداية ونكايةً بمَن كان يهتدي إلى الديانة الجديدة المحظورة آنذاك من الإمبراطورية الرومانية التي ناصبتها العداء في بداية انطلاقِها. ولمْ يكن المسيحيون الأوائل يهابون السلطات ولا الموت، بل عاشوا متآزرين ومتعاضدين لبعضهم البعض. بل إنّهم طبقوا نوعًا من النظام الاشتراكي في حياتِهم المشتركة اليومية على عهد الرسل والتلاميذ الأوائل، كما يشير كتاب أعمال الرسل. ولم يأنفوا أو يخجلوا من هذه التسمية التي كانوا يُنعتون بها بغرض التهكّم والتحقير أحيانًا كثيرة، حيث اعتبروا صليبَ المسيح فخرًا ووسامًا، بحسب قول رسول الأمم بولس الرسول: "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِهِ قَدْ صُلِبَ الْعَالَمُ لِي وَأَنَا لِلْعَالَمِ." (غلاطية 5،14) وكانت السمكة رمزًا لوجودِهم وبقائِهم ورسالتِهم.
واليوم، تُعدّ المسيحية من أكثر الديانات انتشارًا في العالم، ويفتخرُ أتباعُها بكونِهم من المؤمنين بالّله وابنِه الوحيد الذي سُرَّ به، ذبيحةً حيةً من أجل خلاص العالم، ومن حاملي بشرى السلام والمحبة التي هي من أهمّ وصايا ربّهم المسيح التي أوصاهُم بها. فهي تُعدّ أكثر من ملياري ونصف نسمة منتشرة في عموم القارات وبلدانها المترامية.

مشتركات للديانات التوحيدية الثلاث
لم تخرج المسيحية عن الاعتقاد اليهودي بإله واحد، كما تشير إليه نصوص الكتب المعترف بها في العهد القديم، أي التوراة. جاء في سفر تثنية الاشتراع مثلاً "الرب هو الله، وليس إله سواه" (تثنية 4: 35 ). وهذا ما أكدته تعاليم المسيحية التي تُختصر بقانون الإيمان الواحد "نؤمن بإله واحد، آبٍ ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كلّ ما يُرى وما لا يُرى). وهذا ما يؤكّده القديس بولس في رسالتِه إلى أفسس "للجميع رب واحد، ومعمودية واحدة، وإله واحد، وآب واحد هو فوق الجميع ومع الجميع وفي الجميع" (أفسس 4:5-6). وجاء في القرآن في سورة الإخلاص أيضًا، ما يؤكد وحدانية الله " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد" (112: 1-4).
في الديانات الثلاث، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، مشتركات إيمانية عميقة توحي بل تؤكد نفيًا قاطعًا لأية علامات للشرك بالإله الواحد، خالق الكون وما فيه من عناصر. كما تتجسد سمات الحب والرحمة والغفران والقوة والعظمة في سلوك الإله الذي يؤمن به أتباع هذه الثلاث من دون اختلاف، إذا عدنا في الأساس إلى الإيمان الأولي من دون تشويه. فالله "هو الحكم والحاكم، وهو العدل المقسط، يحب البر والعدل"، كما يقول المزمّر داود النبي (سفر المزامير 32:5). هناك إذن إجماع، على عدل الله وحكمه في يوم الدّين، ومن وجودٍ للثواب والعقاب والجنّة والنار، مع اختلاف الرؤية والتصوّر، ربما. وأيًا كان الاختلاف، فالموصى به عدمُ الخروج عن مشيئة الله وعبادته وإطاعة إرادته، لكونه خالق البشر جميعًا أحرارًا ومتساوين في حق الفكر والرأي والحركة. ولاريبَ في المسيحية، أن وصلت الطاعة للمسيح وفي اتّباع تعاليمه حدَّ الاستشهاد، أيامَ الاضطهادات منذ بدء تاريخ المسيحية ولغاية اليوم.
الأديان الثلاثة تتحدث عن مسألة الثواب والعقاب للأعمال التي يستحقها كلّ إنسان في حياته الفانية القصيرة على الأرض، ومنها إيمانُه بالحياة الأبدية وبوجودٍ للآخرة حيث الحاكم الديّان، إله البشر، ينطقُ حكمَه على الأبرار والأشرار. فيذهبُ الأبرار إلى الملكوت والجنة (باختلاف شكلِها لدى أتباع الديانات)، فيما الأشرار يُدفعون إلى النار حيث الهاوية واصطلاؤهم بنيران جهنّم، جزاءَ أعمالِهم.
اليوم، ومن حيث المبدأ، هناك شبه اتفاق بين المتنورين في الديانات الثلاث وخارجها، على ضرورة احترام الآخر وعدم الازراء بالمفاهيم التي أتى بها كلّ دين، من الناحية الإنسانية والاجتماعية، انطلاقًا من حقيقة كون جميع البشر مخلوقين على صورة الله ومثالِه من أجل تمجيد اسمِه القدوس. كما يدعو العقلاء فيها إلى نشر مفاهيم التقارب والتآلف والمحبة والسلام والتعاون بين جميع الأديان وبين جميع البشر، مع الاحتفاظ، كلّ بخصوصياته ومبادئه وعقائدِه وقيمه وطريقة سلوكه باحترام المختلف وعدم التحريض، بل بجعل الحوار والتفاهم قاعدةً للعيش المشترك. فاللهُ واحدٌ للجميع!


-يتبع ج2 و3

21
سيدي البطريرك ساكو: كنيستُنا بحاجة لوحدة الصف والكلمة والموقف لا التشظّي والتشرذم والتباعد
بغداد، في 16 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
لو بحّت الأصوات وخفتت، فإنّ الأقلام الصادقة الشجاعة المؤمنة بمصلحة الشعب والوطن، والأمّة والمواطن، والكنيسة والجماعة، لن تركنَ الحقيقة المطلوبة جانبًا، أو تتخلّى عن الواقع المؤلم القائم، أو تغادر الطموح المرتجى.

 بمناسبة اللقاء الثالث لكهنة العراق الكلدان حول "التنشئة المستدامة" في عينكاوا 23-25/1/2017، كتب غبطة بطريك الكنيسة الكلدانية لويس ساكو، أفكارًا جميلة، "تعبر عن محبته للكنيسة والبلد والناس" بحسب وصفه، "كي يدرك المعنيون أبعادَ هذه الكلمات الجميلة ويتفاعلوا معها بعمق ومسؤوليّة".
ولعلَّ ممّا جاء أيضًأ من كلام منير، أنّ "كنيسة المسيح هي كلُّ المؤمنين الذين يجمعهم الروح الواحد في أخُوّة شاملة، ويجدِّدُهم يوميّاً حتى اكتمال بنوتهم لله أبيهم. الكلُّ أخوة، وتلاميذُ الرب الواحد، ولكلِّ واحدٍ موهبة خاصة للإسهام في بنيان الكنيسة (الجماعة)، مع التأكيد أن الرئاسة هي أبُوّة لضمان الوحدة والتنشئة، ورعاية لتسيير الأمور، لكنْ يبقى "الأكبر فيكم يكون لكم خادماً (متى 20/26). الأنسان ليس عظيمًا لأنه يحتلّ هذا المنصب أو ذاك، بل يبقى متميزاً عندما يرسم ملامحه الخاصة بعمله وجديّته ومثابرته ومحبته وبذل ذاته بفرح."
يسرّني أن أتخذ من هذا الكلام الجميل، مدخلاً لمقالتي بخصوص الحدث المؤلم المتمثل بانسحاب رئاسة الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف (الكنائس)، أيًا كانت الأسباب والحجج والذرائع. فالقرار صادم ووقعُه قاتل ونتائجُه أكثر ضررًا من فوائده. "مَن اشتهى الرئاسة، فقد اشتهى عملاً صالحًا". ولكن لهذه أصول وشروط وسياقات، لاسيّما ونحن نعيش في الزمن الصعب الذي فيه هويتنا ووجودُنا ومسقبلُنا المسيحي أصبح على المحكّ.

مرجعية مسيحية منشودة متعثّرة
أبدأُ حديثي بحقيقة ذي صلة بالقرار الصادم لرأس الكنيسة الكلدانية، ولابدّ أنه كان الخيار الصعب أمام رأسها، تاج رأس الجماعة المسيحية في عموم العراق، وليس للكلدان فحسب، تمامًا كما الجميع يوقّر ويحترم ويلثم أيادي سائر الرئاسات، كلّ حسب مقامه ورتبته وشخصه.
كتب العديدون فيما مضى، عن ضرورة قيام مرجعية مسيحية مستقلّة مدنية موحدة تتبناها الكنيسة ورئاساتُها في العراق، كي تتولّى المطالب الوطنية المشروعة الموحدة لشعبنا المهمَّش، بعد الإدراك بتواصل تهميشه وإذلالِه بفعل الإرادة الشريرة للقائمين على الحكم وأحزابهم الطائفية الجشعة المنتفعة من الوضع القائم والممزّق. ولهذا التوجه كانت له مبررات وحيثيات ودواعٍ ملحة، تكمن في تشرذم مرجعياتنا الكنسية حينًا، وتحسّسها مع بعضها البعض فيما بينها، ما نجم عن عدم اتفاقها على توحيد الخطاب الكنسي والآخر العام بشقيه السياسي والدينيّ.
 وفي مناسبات عديدة، أعربتُ شخصيًا، عن الضرورة الملحة لتشكيل مثل هذه المرجعية (راجع الروابط كما نُشرت في عدة مواقع إلكترونية: في تموز 2016، وفي كانون أول 2016 وفي تموز 2015، وفي أيار 2015 وفي أيلول 2013). وقد ساهمتُ مع غيري من أصحاب النوايا الطيبة بدفع هذه الفكرة إلى الأمام قدر المستطاع، خاصةً من خلال لجنة التنسيق الخماسية التي شرفني أن أكون عضوًا فيها، والتي كانت انبثقت عن هيئة الرأي المشكلة بموجب مبادرة غبطة البطريرك لويس ساكو في صيف 2015، وضمّت آنذاك رؤساء طوائف وكنائس وشخصيات كنسية ومدنية وممثلي أحزاب مسيحية. فقد دأبت هذه اللجنة المصغرة على المثابرة في عملها وكثّفت من لقاءاتها مع رؤساء الكنائس والطوائف. لكنّها حين اقتربت من قطف الثمار بتطويع إرادات الرؤساء الكنسيين جميعًا وإقناعهم بها خدمة للصالح العام، جاءت الصدمة. فقد تفاجأنا على حين غرّة، بقرار ارتجالي من جانب غبطة البطريرك ساكو، يوجّهُنا فيه بالاعتماد على إمكانياتنا وقدراتنا في موضوع تشكيل هذه المرجعية المسيحية المستقلة. وقد أدركنا أنَ مردّ هذا التوجّه المستجدّ بالتنصّل عن دعم المبادرة، أتى انطلاقًا من نية غبطته كرئيس أعلى للكنيسة الكلدانية بالانسحاب من تشكيلة مجلس رؤساء الطوائف المسيحية، بسبب خلافات على رئاسته وبحجة عدم فاعليته، انطلاقًا من واقع الكمّ العددي لأتباع هذه الكنيسة في العراق، وربما بسبب تأثير اللوبي الكلداني في دول الاغتراب، ناهيك عن أسباب ذاتية ظلّت طيّ الكتمان لا يعلمُ دهاليزَها سوى مَن اختبروا الزمنَ وأحداثَه وتأثيراته. ونحن نعلمُ جيدًا، أن الشعب والجماعة ينظرون إلى المراجع الدينية، والكنسية منها بصورة خاصة، كونها رموزًا واجبة الاحترام والإجلال والسمع. وبموجب هذا التوجيه الجديد، أدركنا أنّ الكنيسة قد تنصلت عن هذا المشروع المصيريّ وسلّمت الراية للمصير المجهول مرة أخرى، مسترخية في سراديب النوم والغفو العميق واللامبالاة بشأن ما يحدث ويجري. وحسَبنا أن مثل هذا التنصّل يجري بالتوازي مع آراء وأفكار جهات تدين بالولاء لأحزاب مسيحية متلكئة وهزيلة في الساحة السياسية، ترى في هذه المبادرة، سحبًا للبساط من تحت اقدامها، وصدًّا لمصالحها ومكاسبها ومشاريعها الفئوية الخاصة التي ينعمون بها منذ 2003.

تداعيات انسحاب الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف
كتبَ بعضُ الإخوة في هذا الاتجاه، أي في مسألة انسحاب الكنيسة الكلدانية من مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، كلّ حسب رؤيته للأحداث والهدف الذي يرمي إليه وبحسب قناعاته وموجباتها. وظهرت ردود فعل عديدة متباينة، بين مؤيد ومعترض، بين ناقد وداعم، بين ذاتيّ وموضوعيّ. فيما آثر آخرون السكوت والانتظار والترصّد. وهذا الموقف الأخير، ليس من طبعي. فحاملُ الفكر والرأي والمبدأ، يقول ما يمليه عليه ضميرُه، مهما كان وقعُه على المقابل، صديقًا أم غريمًا أم ندّا أمْ عامًّا، سلبًا كان أم إيجابًا. لكنْ في اعتقادي، يبقى الرأي الأهمّ للجماعة المسيحية بكافة تشكيلات كنائسها للردّ الموضوعي وإبداء الرأي فيما حصل والتحرّك بصدق النوايا كلٌّ من موقعه وشخصه، درءً لطامة كبرى أخشى مع غيري وقوعَها، مع تناقص أعدادنا يومًا بعد آخر.
قد لا يُحمّلُ الفردُ من البشر الضعيف أكثر من طاقته، مهما عظمَ ودافعَ وحاججَ. فالقرار بالانسحاب، بحسب بيان البطريركية الكلدانية المنشور على موقعها الرسميّ، يحملُ الكثير من التجنّي عبر أداة غير مقبولة لفرض الرأي وإملاءِ واقعٍ غير معهود، نَشَرَ الأسى والانزعاج في نفوس الطيبين الحريصين على ما بقي من أتباع كنيسة العراق المتألمة. حيث جزءٌ من هذا الألم الذي يعتصر القلوب والنفوس قادمٌ، بل سببُه عثرات كنسية كارثية ناشئة من رجالات الكنيسة بمختلف درجاتهم. لستُ أتجنّى على أحد. فهذا واقعٌ لا يُنكر وحقيقةٌ لا يمكن تغطيتٌها بغربال المجاملة والنفاق والرياء والسكوت عن الأخطاء التي تتراكم مع تقادم الزمن. فالقرار رأى فيه المنصفون، انفرادًا استعلائيًا من جانب رئاسة الكنيسة الكلدانية ومَن يقف وراء مثل هذه التطلّعات والضغوط والأفكار التي لا تقلّ في بثّها عمّا هو جار بين الكتل السياسية من شحن طائفيّ بموجب لزوم سيادة الأكثرية على الأقلية في هذا الزمن التعس الذي جفّت فيه المحبة الصادقة والإيثار والتواضع، حيث "عظيمُ القوم خادمُهم"(متى 26:20)، والساعي إلى الجلوس في رأس المتّكأ بحثًا عن كرامات، لا يمكن أن يُحسب من أتباع يسوع الذي يوصي الإنسان العاقل المؤمن ب "الاتضاع كي يرتفع." (لوقا 14:11). ما سردتُه ليس وعظًا، بل هو جزءٌ من موجبات تطبيقاتنا لكلام صاحب وصية المحبة والتواضع والطريق والحق والحياة.
هناك سياقات وخطوات وتفاهمات، لا أعتقد بخروجها عن حقيقة مَن يجدرُ أن يكون الأحقَ والأكثر ملاءمة واستحقاقًا لتمثيل الجماعة المسيحية في هذا البلد. وهذا الأمر تعكسُه حقيقة الشخص الأكثر كفاءة وجدارة وتفوّقًا، بل الأكثر كارزميةً وموهبةً واستعدادًا من غيره للعمل والتعبير والمحاجة. وفي هذا لا أرى شخصيًا في غير شخصية صاحب الطلب، أي غبطة البطريرك ساكو، لتمثيل كنيسة المسيح أمام السلطات والعالم. ولكن الاعتراض قائم لكون الطلب جاء بصيغة الفرض والإملاء على سائر الأشقاء المتفقين والمتوافقين على منهاج المجلس المُقَرِّ، بالرغم من الثغرات العديدة القائمة في نظام هذا المجلس.
نحن لا نقف بالضدّ من ضرورة إعادة هيكلة مجلس الطوائف المسيحية، أو بالأحرى "مجلس الكنائس العراقية"، بسبب ما تشكله لفظة الطائفة من قرفٍ واشمئزاز ورفض وطني، لأنها أصل البلاء فيما حصل للبلاد والعباد. بل من الضرورة إعادة هيكلتِه بطريقة أصولية وقانونية كي يكتسب الصفة الرسمية التي يحتاجُها في مؤسسات الدولة العراقية، لاعتماده في المخاطبات الرسمية والحكومية في الداخل والخارج. وهذا ما سيمنحه هيبة وقوة وفاعليةً، لها فعلُها عندما تكون جميع الكنائس مجتمعة على قول واحد وفعل واحد وقرار واحد لعموم الجماعة. فالغاية فيه والهدف، إنما اصطفافُ المكوّن المسيحي، أو ما تبقى من آثاره، حول "خطاب سياسيّ ودينيّ مسكونيّ موحّد ومستقلّ".
عمومًا، أنا لم ولا أرى انحرافًا في مسيرة ما سُمّي بمجلس رؤساء الطوائف المسيحية بالعراق، من حيث الهدف من إنشائه في ظروف استثنائية تطلبتها المرحلة. فبالرغم من هشاشة مرحلة التأسيس وغياب الفعل الحقيقي المرجو منه طيلة هذه السنوات وضعف الأنشطة التي تولاها، إلاّ أنه كان علامة رجاء للمّ الصف المسيحي والتقريب في وجهات النظر بين المختلفين حول طبيعة إدارته التي بقيت مثار جدالات وخصومة، إن كانت معلنة أم غير مرئية. في اعتقادي، أنّ هذا المجلس، كان ينبغي له أن يُصار إلى تسجيله كجمعية أو منظمة مستقلّة بموجب لوائح تسجيل المنظمات غير الحكومية التي تعتمدها الدولة العراقية من أجل أن يكون أكثر فعالية وأشدّ تأثيرًا في المشهد السياسي والوسط المسيحي، على السواء. كما أنّ هذه الخطوة الرسمية كانت ستجعلُه جهة وطنية مسيحية رسمية موحدة أمام الحكومة العراقية والدول والمنظمات الدولية، الرسمية منها والشعبية والإنسانية، لاسيّما لو تمّ تطعيمُ هيئته العامة، بعقلاء من مدنيين وأكاديميين وعلمانيين مشهودٍ لهم بمواقف حيادية مستقلّة لا تخضع لقياسات الأحزاب الطائفية ومغرياتها المادية، التي تدمّر كلّ مشروع وطنيّ مستقلّ لصالح الشعب. وهذا ما كنّا نتأملُه لاحقًا، من وراء تواصل نشاط لجنة التنسيق المشكلة ضمن مبادرة البطريرك لويس ساكو، والمختارة في أول لقاء لهيئة الرأي المجتمعة لمشروع تشكيل المرجعية المسيحية المستقلة بموجب تلك المبادرة حينها.

ظاهرُ المشكلة وباطنُها رئاسة
إن المشكلة وما فيها باختصار، صراع زعامات وخلاف على رئاسات. أنا لستُ مع المنظّرين أو الداعمين لفكرة أحقية أو أسبقية أو أولوية صعود ممثل أو رئيس الأغلبية العددية في كنائس البلد إلى موقع الصدارة والرئاسة، او المطالبة به جهرًا. فالدول الصغيرة والكبيرة لها في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وفي مؤسساتها الدولية نفس الحقوق في التصويت والانتخاب والرئاسة. وكذا هي الحال في المنظمات الدولية والتحالفات، إلا فيما هو خلاف السياق الديمقراطيّ المعهود. وما حصل بشأن مجلس رؤساء الطوائف كان خارج السياقات المعتادة في النهج الديمقراطيّ والكنسيّ، طالما أنَّ الجميع أبناءُ الله، يعملون لخدمة المذبح ولصالح الشعب والوطن على السواء، وليس لفئة معينة أو شريحة مستقطعة من كنيسة العراق. فالبطريرك ساكو نفسُه، قالها مرارًا وصرّح بها، أنه منفتح على الكلّ ويتعاون مع الكلّ ويعمل لصالح الكلّ من دون تمييز في الطائفة والمنطقة. لكنّ مثل هذا التوجّه الغريب بعض الشيء، في طلب الزعامة غير مقبول ولا يليق بمقام صاحب الطلب، إنْ كان صادرًا من غبطته شخصيًا، أو عن قلايته الإعلامية والاستشارية التي تفتقر إلى المرونة وتقدير الأمور والكياسة. فما صدر في البيان الرسمي، هو في كلّ الأحوال، مطالبةٌ لا تعبّر عن روح الانفتاح في الطوية والبساطة في العمل الرسولي، والتواضع المطلوب في شخص الراعي الصالح، واللياقة في الوسط الكنسيّ التي عُرف بها غبطتُه، من كاريزما معهودة أعرفها شخصيًا عنه عن قرب، كما يعرفُها غيري، وهم كثيرون. فما يجعل الشخص يتفوّق في الفعل والعمل، ينعكس من خلال النشاط والكفاءة وحسن الأداء وبعد النظر والرؤية السديدة إلى الأشياء والحياة، للمسؤول عن الرعايا، سواءً على الصعيد الداخلي او الدولي أو الإقليمي، وليس بفرض الرأي وليّ الذراع، كما يقول المثل "ألعب، أو أخرّب الملعب". وكان يمكن للإخوة المجتمعين، بعد فرز الأنشطة وتحكيم العقل وطلب عون الروح القدس وصلاة المؤمنين وتوفر النيات الصافية والرؤية المسيحية الثاقبة، أن يروا في شخص البطريرك ساكو، ما يعزّي ويمنح الثقة له دون غيره، نظرًا للكاريزما التي يتحلّى بها ولجهوده الشخصية ومثابرته في حثّ الدول والمنظمات على وعي دورها في إنصاف المظلومين والمهمّشين والنازحين ومَن اقترف بحقهم جرائم وصلت لحد الإبادة الجماعية. فهو أشدّهم قربًا من الزعامات الروحية والرئاسات الدنيوية والقيادات الحزبية في الوطن، وأكثرُهم قربًا من صنّاع القرار والساسة والأحزاب، بسبب كلمته المسموعة وسمعته المحترمة وإجادته للحوار مع المقابل في التعبير والإقناع والحجّة. ومَنْ يُنكر عليه دوره ومثابرته في تعزيز اللحمة الوطنية والتقريب في وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين؟ وكذا دورُه المرتقب بإمكانية تولّي مبادرة مشروع المصالحة المجتمعية وتعزيز الحوار بين الأديان والشعوب؟ وفي انتقاده البارع لزعماء الدول والأحزاب في الداخل والخارج؟ وكلّ هذا وذاك، سعيًا منه وراء تعديل مناهج هذه الجهات غير الرصينة وتغيير سياساتها غير الأمينة، التي لم ينل من ورائها الشعبُ العراقي وشعوب المنطقة سوى الدمار والخراب والتراجع في كلّ شيء.
لستُ هنا فقط أنتقد ما بدر من موقف صادم وغير رصين من جانب رئاسة البطريركية الكلدانية بالانسحاب من مجلس رؤساء الطوائف بهذه الطريقة التي فاجأتني، كما صدمت الكثيرين من المتابعين لأوضاع كنيسة العراق ومصالح الشعب، ممّن يستبعدون ويمقتون ما هو قائم من أطماع ونوايا لأحزاب قائمة على الساحة السياسية، ومنها الأحزاب المسيحية ذاتُها وزعماؤها ونوابها من التابعين في مجملهم والخاضعين لأجندات غيرهم، إلاّ ما ندر. فقد كان الأجدر بغبطته، كراعٍ صالحٍ لكنيسة وطائفة يعدّها كبيرة عدديًا، المشاركة في الاجتماع الأخير والمصارحة والمكاشفة علنًا، عوض اتخاذ موقف مسبق، تمّ الهمس به في الأروقة واللقاءات منذ فترة ليست بالقصيرة، وأنا شخصيًا على اطلاع بالنية. وكنتُ قد عبّرتُ مع عقلاء آخرين، باعتراضنا على سلوك مثل هذا الطريق الشائك المشكّك، من دون رتوش ولا مجاملة. هذا في ذات الوقت الذي أؤيد ما تمّ طرحه من إعادة النظر في النظام الداخلي للمجلس المذكور وفي التسمية كي تتجانس مع العمل والنشاط والهدف الوطني والروحي معًا.
وبذا، كان يمكن تفادي مثل هذا الانشقاق الذي أقلُّ ما يمكن القول فيه وإشاعتُه، أن رأس الكنيسة الكلدانية بشخص بطريركها الجليل الثاقب البصر وصاحب الرؤية الوطنية والداعي في كلّ تصريحاته ولقاءاته إلى تشكيل دولة مدنية متحضرة تدعم السلم الأهلي وتساوي بين مواطنيها، قد اختارت بشخصه الوقتَ المناسب لاغتصاب رئاسة الكنيسة في العراق بهذه الطريقة، بالرغم من كونه أهلاً لها من دون منافس، للصفات التي أوضحناها في أعلاه. فالأقاويل كثرت والهمسات فاحت رائحتُها من أنّ الكنيسة الكلدانية، بعد تشكيلها للرابطة الكلدانية وزجّ كل طاقاتها وإمكانياتها الإعلامية والشخصية سائرة في تكوّشها وسطوتها على ما يردُ للمسيحيين من مساعدات وأموال ودعم معنوي ومادّي، بسبب سمعة رئيسها الطيبة وعلاقاته الواسعة وتأثيره في الأوساط الكثيرة أكثر من غيره من رؤساء الكنائس. فهذا ما شاع ويُقالُ بين الناس في هذه الأيام، بسبب من شخصية رأس الكنيسة الكلدانية، التي خدمتها الأحداث لتتفوّق على غيرها من رؤساء الطوائف (عفوًا الكنائس الأخرى)، بفعل السمعة الكبيرة التي نالها محليًا ودوليًا، والهالة التي أحاطت بشخصيته الكاريزماتية التي لا تُنكر. أمّا أنا فقد عرفتُه، إنسانًا منفتحًا على الجميع ويعمل مع الجميع ولأجل الوطن وأهله، تمامًا. كما أننا نتشارك أفكارًا كثيرة تصبّ في مصلحة الوطن والأمة المسيحية وكنيسة العراق، إلى جانب وقوفنا الصارم بوجه الانتهازيين حتى لو كانوا من أبناء شعبنا من الخانعين لأجندات الغير.

مجرّد رأي على طريق الصواب
لستُ هنا بصدد تقريب وجهات النظر. فمَن أنا إلاّ عبدٌ ضعيفٌ أكتب ما يملي عليّ ضميري وأنشر ما يحتّم عليّ كمواطن عراقيّ أصيل لا أرضى بالظلم لأحد، ولا أجاملُ على حساب الحق، ولا أقبل ظلمًا عليّ من أحد. فمثل هذا الكلام، قد يقوّض العلاقة بيني وبين غبطته أو أتباعه ومؤيديه. ولكنّي مقتنع في قرارة نفسي، أن غبطتَه سيولي ما ورد في هذه الأسطر البنوية الصادقة، ما يليق بها من همّة وحيادية ورويّة خبرتُها عنه وتعلمتُها منه. فالمكاشفة بيننا قائمة، ورأيُه فيما أكتب وأنشر مقبول بل أضعه فوق رأسي وبين مقلتيّ. فكلانا تشرّبنا من معين رفيع واحد، وتعلّمنا على أيدي أفضل المعلّمين والمرشدين والروحيين، وتثقفنا عبر رجال ونساء عشنا وتعايشنا معًا بروح الأخوّة والاحترام خلال فترة دراستنا في معهد مار يوحنا الحبيب في سنوات الخير والمحبة والاحترام وأدمنا العلاقة الودّية الصريحة حتى هذا اليوم
وهذه مناسبة للعودة للفكرة الأساس الأخرى التي تعثّرت بسبب الشرخ الجديد بين رؤساء الجماعات المسيحية في عراقنا الجريح، والمتمثلة بالسعي لتشكيل مرجعية مسيحية مستقلّة. قلتُ في هذا الصدد، في مقالات وطنية سابقة، أنَّ قيام مرجعيات دينية ومذهبية جامعة في هذا الوقت الحرج من تاريخ العراق المتضعضع وغير المستقرّ، سيخلق نوعًا من وضوح الرؤية باتجاه تقييم الأوضاع وتعديل نهج المسيرة الوطنية، عندما تنصهر الأفكار وتتوحد الإرادات في خطاب موحّد بدل التشظّي وهدر الوقت والجهد وفقدان الثقة بين الشركاء، سواءً في الوطن الواحد أو فيما تتطلبه خصوصيات كل دين أو مذهب أو كنيسة. وبخصوص ما يتعلق بمرجعية كنسية، فهذا كان ومازال الأملَ الأخير، لما تبقى من مسيحيين في هذا البلد التائه بسبب الضياع في الهوية والوطنية والشخصية. في حينها، لم تخرج ورقة العمل التي كان أعدّها غبطة البطريرك لويس ساكو عن هذه الفكرة في مبادرته الطيبة. لكنّ انصباب اهتمام رئاسة الكنيسة الكلدانية في تلك الظروف على تأسيس الرابطة الكلدانية والتسريع بانتشارها والتعريف بها محليًا ودوليًا بتلك الموجة العارمة بسبب ما لقيته من ضغوط من جانب اللوبيات الكلدانية في بلدان الاغتراب ومن أفرادٍ شعروا بالغيرة من غرمائهم وأندادهم القوميين في "الكنيسة المشرقية الآثورية"، قد قلب المشروع وزاغه عن السكّة الجامعة بحججٍ تبقى طيَّ الكتمان لحين إماطة اللثام عن خفاياها وخباياها.
 عمومًا، فقد توسم العراقيون خيرًا بطرح فكرة توحيد المرجعيات في العراق، دينية كانت او سياسية. فالسياسيون من أتباع المرجعية الشيعية كادوا أن يقتربوا من مشروعهم الخاص كي يتهيؤوا لمحاورة أندادهم من مكوّنات تنتمي لمراجع أخرى. تمامًا، كما تبشّر المسيحيون خيرًا بحصول تقارب في لقاءات أربيل نهاية العام المنصرم، بهدف إحياء مشروع المرجعية السياسية الذي ابتدأ مشوارُه قبل أكثر من عام ونصف في أولى خطواته من بغداد، بمبادرة من رأس الكنيسة الكلدانية التي تُعدّ ذات الأغلبية بين شقيقاتها. وما يُفرح اليوم، وجود توجّه من جانب المكوّن الإيزيدي بمرجعيته الروحية الموحدة، للتقارب مع المكوّن المسيحي ومن مرجعيات كنائسه، سعيًا من أجل مزيد من توحيد الكلمة والرؤية والمنهج في الوطن الواحد والمصير الواحد، لاعتبارات عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، سلميّة المكوّنين وتعرّضهما لإبادة جماعية وتهميشٍ وإقصاء ملحوظين على تعاقب الحكومات، والرغبة لدى كلاهما بالعيش بسلام وأمان وعدالة ومساواة، كمواطنين متساوين مثل سائر المكوّنات الأخرى المهيمنة على مقدّرات الدولة وسياستها ومنهجها.
قد يكون العراق، من أكثر البلدان في المنطقة، لم تتوافق فيه الإرادات الدينية والسياسية لتشكيل مرجعيات موحدة لكلٍّ منها لغاية الساعة. فراعي العملية السياسية في العراق والمنطقة، منذ التخطيط لإحداث زلزالٍ عظيم ينسجم ويتوافق مع مصالحه القومية ويتفق مع مخططات اللوبي الدولي الذي يحرّكه، كشّرَ عن أنيابه مرارًا، في السرّ والعلن، من أجل تفتيت ما تبقى من وحدة هذا البلد والمنطقة. فقد رأى فيه أرضيةً خصبة وحاضنة جيدة لمثل هذا التفتيت والتشرذم عبر إحداث صراعٍ في الإرادات والزعامات، المدنية منها والدينية. وشعبنا المسيحي كان طبعًا، ضمن هذا المخطَّط العدواني، بجعله يقع ضحيةً، وسط صراعات لم يكن له فيها لا ناقة ولا جمل. فقد أعطى مَنْ لا يملكُ (الغازي الأمريكي) مَنْ ولاّهم على البلاد (الساسة الجدد)، الجملَ بما حمل، عندما سمح لأشخاصٍ أغرابٍ عنه من مزدوجي الجنسية وغير المشهود لهم بالانتماء الصادق للوطن منهم، كي يصولوا ويجولوا تحت رعاية أميركية وأخرى أوربية تدين للأولى بالطاعة والانحناءة، مهما كان الثمن الذي يمسّ شرف ومصير وممتلكات شرائح مسالمة من الشعب العراقي البسيط الذي كان جلُّ همِه أن يضمن له ولأجياله مستقبلاً آمناً وحياة آدمية هانئة، بعيدًا عن إرادات الأشرار القادمين من خلف الحدود للنهب والسلب والسرقة والقتل والاغتصاب من دون محاسبة ولا رقابة ولا نهي عن المنكر الحاصل على نطاق واسع. 

دور الغازي الأمريكي في شقّ الصفوف
في ضوء الواقع المرير لعموم البلاد، كانت كنيسة العراق في المرمى. فالراعي الأمريكي الغادر، الذي سار وفق مخططاته بخطى خبيثة وحثيثة، كان قد وضع بالتأكيد مصير أبناء المكوّنات الصغيرة الأصيلة المتجذّرة في الهوية العراقية في الحسبان، ومنهم بطبيعة الحال المسيحيون والإيزيديون والصابئيون وما سواهم من أقوام أخرى ظلّت تحت مطارق حكومات ظالمة متعاقبة في عهود الاحتلال السابقة وما بعد تشكيل الدولة العراقية، لغاية الغزو الكافر لهذا البلد في 2003 بحجج واهية. وقد اعترف الرئيس الأمريكي الجديد المنتخب دونالد ترامب مؤخرًا، من أنّ أسوا ما شهدته أميركا في العصر هو غزوُها للعراق من دون وجه حقّ.
 بعد الغزو الأمريكي مثار الجدال للبلاد، كان لا بدّ للرؤساء الروحيين القائمين على رأس الجماعات المسيحية في البلاد، من تسجيل وقفة صارخة لجماعاتهم بوجه الظلم والتهميش والإقصاء والإهمال. وبموجب النفور القائم أصلاً بين كنائس العراق المتعددة وما بينها من حساسيات، كانت هناك مبادرات لرتق الممزّق التقليدي ورأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين العقلاء من أبناء الجماعة مع رجال الكنائس. فتعشّم المسيحيون على اختلاف انتماءاتهم الكنسية حينها خيرًا، بتشكيل مجلس رؤساء الطوائف في 2010. إلاّ أنَّ ما يُؤسف له، فقدانُه لرؤية بعيدة وقرارات مؤثرة إلاّ ما ندر، وفقط حين كانت تشتدّ وطأةُ المآسي ليخرج هذا المجلس ببيان ضبابيّ غير فعّال بسبب فقدانه للصفة الرسمية وافتقاره لوحدة الكلمة والصف خارج نطاقه. وكاد نشاطُه يقتصرُ على لقاءات تقليدية باردة وتبادل التهاني والزيارات في مناسبات ولقاءات للصلاة المظهرية، مثل أسبوع الصلاة لأجل وحدة المسيحيين الذي يفتقر إلى النية الطيبة والإرادة الحسنة لجمع المؤمنين حول كلمة واحدة وراعٍ واحد، كما أرادها الربّ " احفظهم في اسمك الذين أعطيتني، ليكونوا واحدا كما نحن" (يوحنا 17: 11). ففي هذه المناسبة التقليدية التي تقترب منّا هذه الأيام، اعتاد الحضور ترديدَ ذات الأمنية في شفاههم، وسماع ذات الدعوة الملحة إلى وحدة الكلمة ورصّ الصفوف. لكنها بقيت وتبقى كلمات ترددها الشفاه وترفضها القلوب والنفوس المريضة. فما زلنا بعيدين عن تحقيق هذه الأمنية، وأبسطُها توحيد الأعياد الرئيسة.   
سأظلّ أناشد الرئاسات الكنسية في العراق، كي تضع المصلحة العليا للشعب العراقي عامة والمسيحي بخاصة، في بؤبؤ وحدقات عيونهم وعلى رأس أولوياتهم. أمّا المناصب والزعامات، فهي للاهثين وراء السراب الذي يزول والجاه الذي يؤول والمال لا يدوم. وكفانا نفاقًا وضحكًا على الشعب وتلاعبًا بمصيره، وأعدادُنا وحضورُنا في تناقص وزوال، وكنائسنا تُحرق وتفرغ، وبلداتُنا تُدمّر، ومنازلُنا تُنهب وتخرّب، وأهلُنا يتوزعون في دول الشتات لتختفي كلّ حضارتنا ويزول تراثُنا وننسى أسلافنا.
عذرًا، لم أقصد جرح أحد، بل تضميد ما هو قائم من جراح. فأنا الضعيف دومًا، لكوني أحب وطني وأعتزّ برئاسات كنائس بلدي وأفتخر بلقائهم وطلعاتهم البهية، تمامًا كما أعشق كنيستي العراقية المشرقية السريانية!
 



22
رسالة قصيرة: شعورٌ مشترك يجمع العراقيين في 2017
بغداد، في 7 كانون ثاني 2017
لويس إقليمس
استهل العراق عام 2017، بموجة دامية من التفجيرات وأعمال العنف، طالت العاصمة بغداد بصورة خاصة، ومدنًا أخرى، موقِعة العشرات من الضحايا بين قتلى وجرحى، ناهيك عن خسائر شهدائنا الأبرار في حرب الشوارع الضروس الجارية في مدينة الموصل لتحريرها من براثن الدواعش وأعوانهم من أهلها.
 وهذه أولى الرسائل القصيرة والمفيدة التي حملتها لنا السنة الجديدة، ومفادُها أنّ مصيرَ الوطن والمواطن واحدٌ، وأنَّ القواسمُ مشتركةٌ بين الجميع. وهذه إن لم تتعزّز باللحمة الوطنية والمصالحة المجتمعية، فباطلاً يعمل البنّاؤون وذوو الإرادة الطيبة. كما أنّ، من جملة ما نستخلصه، أنَّ أمنَ الوطن والمواطن سيظلُّ يشكّل معضلةً عصيّة، حتى مع دحر الإرهاب. ذلك لأنّ فكرَه وآثارَه ومسبباته، ستبقى قائمة ومؤثرة طالما لم ولا يتمّ التخلص من العناصر والأدوات التي ساهمت بنشأته وتناميه عبر إضعاف أركان الدولة وتفكيك النسيج المجتمعي وزرع أشكال الفساد، وتكريس الطائفية وبالإصرار على تفضيل المصالح الفئوية والحزبية والمذهبية والعرقية الضيقة على مصلحة الوطن العليا. وهذا يعني أيضًا، سريان تأثير كلّ هذا وذاك على الواقع الاقتصادي المتردّي في البلد، وإبقاء شرائح كثيرة ومتنامية من جيوش العاطلين، إلى جانب الزيادة في خانة الفقر والعوز والتهميش والإهمال بسبب ما تخلّفه الأزمة المالية وانشغال الدولة في دحر داعش، وغيرها من دواعي النقص في الخدمات والأمن وتعطيل الإعمار وما سواها. وهذا ما يعني بالتالي، إدامةَ الفرص لزيادة حواضن العنف والنزوع إلى فكر التشدّد والتماهي مع أشباهه واتخاذ وسائل الإرهاب والقتل والانتقام سبيلاً متبقيًا للعيش، بالرغم من كونه ليس سبيل الكرامة والحرية التي ينشدها المواطن العراقي في عيشه التقليدي.
إلى جانب هذه السمة السوداوية، تظهر في الأفق الوطني علامات رجاء وأمل، تتمثل على نطاق متباين بإصرار العراقيين الأوفياء وبعض الساسة والمراجع المستنيرين والمعتدلين، للتفاعل مع خيارات النخب المدنية والديمقراطية النشطة منذ زمن والمطالِبة بالإصلاحات المتعثرة للأسباب ذاتها المشار إليها في أعلاه. كما أنَّ ما شهدته العاصمة بغداد ومدنٌ عراقية غيرُها، ليلة طيّ السنة الفائتة وبدء العام الجديد، وقبلها المشاركة المجتمعية الوجدانية مع المسيحيين في إحياء مناسبة عيد ميلاد رسول المحبة والسلام، فيها إشاراتٌ ودلالاتٌ عديدة على تلاحم النسيج العراقي المتآلف والمتآزر والمتكافل على مرّ السنين والعهود والأزمان. وما أكثر مثل هذه المبادرات الجميلة والمشجعة من جانب شرائح واسعة من المسلمين، بصفاتهم الدينية والسياسية والوظيفية والمجتمعية على السواء، من الذين نصبوا الأشجار التقليدية، رمزَ الميلاد، وهمّوا بتقديم التهاني وحضور الشعائر الاحتفالية من قداديس واحتفالات خاصة. فهذه من "علامات الرجاء بغدٍ أفضل للعيش المشترك"، وترنو لرأب نسيج اللحمة المجتمعية المتمزّقة التي اختلّت وتراجعت صورتُها وفترت أواصرُها بعدَ أنْ قوّضتها الأحداث بفعل الغزو الأمريكي للعراق في 2003. بل في هذه المبادرات، شعرَ المحتفلون المتجذّرون في أرض شنعار (العراق)، من أحفاد سومر وبابل وأكد وآشور من العراقيين المسيحيين بمختلف طوائفهم ومللهم، أنّ العراقيين عادوا إلى رشدهم في تقدير أهمية التعددية واحترام المختلف عنهم، والذي رأوا، بل ينبغي أن يروا فيه، غنى وثراء وزيادة في الثروة الوطنية التي يشارك الجميع في استثمارها واستغلالها لسعادة الإنسان، ولصالح العراق وأهله، ومن أجل رقيّهم ونمائهم وعودة عهده إلى عصور الحضارة والرقيّ والتقدّم. فالشعور، مهما كان وكيفما حصل، إنْ كانَ موصًى به سياسيًا أو بتوجيه من مرجعيات معتدلة أو عفويًا تضامنيًا، فقد بدا شعورًا مشتركًا جامعًا العراقيين في ظلّ خيمته وارفة الظلال، حين استقبال العام الجديد!
كلمةٌ لا بدَّ منها، كي لا تمرّ الإطلالة من دون تعليق ولا تصويب ولا تقويم. فمع بداية الأحداث المتشابكة بالفرح والمآسي بمقدم العام الجديد، هناك مَن يرى أنَ حكومة بغداد بهذه المشاركة العفوية أو المدفوعة، تسعى من جهتها في ظلّ الارتباك الذي يكتنف عملَها والصراع القائم بين الأحزاب والكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية، إلى إقناع دول العالم بسيطرتها على الأوضاع وبعودة اللحمة الوطنية إلى مجتمعاتها وبتغيير فكرها المتجمّد والممتزج بمصالح متناقضة داخلية وإقليمية. أي بعبارة أخرى، قد تكون المشاركة الوجدانية والوطنية الواسعة في صفوف المجتمع العراقي بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية هذا العام، مناسبة لتحريك الساكن في كلّ ما يجري في البلد والارتقاء به نحو الأفضل عندما تتحقّق المصالحة الوطنية الصادقة وليس المظهرية الكاذبة المجامِلة أمام وسائل الإعلام والفضائيات، وبعدها تعود حليمة إلى عادتها القديمة وإلى نفس النهج الطائفي والعرقي والتمييزي بين المواطنين ومكوّناتهم.
وهذا بحدّ ذاته، من شأنه أن يضع دولَ الجوار والعالم الغربيّ أمام حقيقة لا مفرّ منها، هذا إن لم يكن فعلاً قد حصل، وهي حاجة هذا البلد خصوصًا والمنطقة عمومًا، إلى جميع دول العالم كي لا تدّخر جهدًا أو تتراخى بتقديم المزيد من الدعم والمساعدة، المعنوية والمادية والعسكرية والمالية، بقصد مواجهة ظاهرة الإرهاب الذي يهدّد الجميع، والذي عاد في الأيام الأخيرة ليؤكّد وجودَه وقدرتَه على ضرب أهداف ينتخبُها في المكان والزمان الذي يختاره، عبر خلاياه النائمة التي تستيقظ في مثل هذه المناسبات، كما حصل مؤخرًا، في برلين وإسطنبول ومدن عراقية عديدة.
من هنا، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أيضًا إلى العراق وكردستان، ضمن هذه الإشارة التي أعطت زخمًا للعراق ولقواته المسلحة الشجاعة ومَن يتجحفلُ معها، كي تمضي في عملياتها الشاقة بقطع دابر التنظيم الإرهابي ومَن يساندُه ويموله ويدعمه. فقد رأى هولاند، أنّ محاربة داعش في العراق، من شأنه أن يمنع هجمات محتملة ضدّ فرنسا وشعبها.
 في الجانب المقابل، رأت نخبٌ ومراجع دينية وسياسية، أن مثل هذه الزيارة، لم تكن لتعطي ثمارَها لولا إصرار فرنسا على ضرورة تقويض الفكر المتطرّف وأتباعه أينما كانَ وكانوا. وفرنسا، هي إحدى أهمّ دول الاتحاد الأوربي المكتوية بأعمال الإرهاب الناجم عن خلايا تكفيرية ومتطرفة نائمة فيها، كما في غيرها من دول الاتحاد. كما أنها بهذه المبادرة المتميّزة، أثبتت قدرتَها وإرادتَها السياسية والاجتماعية المستقلّة عن القرار الأمريكي. حيث تشير تقارير أنّ الإدارة الأميركية كانت تفضّل بل وتسعى جاهدة لتأخير حسم الصراع مع داعش لسنوات أخرى، بهدف إطالة الحرب معه وبقائه أداة بأيدي "الديمقراطيين"، لاسيّما وأنّ الرئيس المنتهية ولايتُه، "باراك (بارق) حسين أوباما"، يُعدّ الأب الروحي لداعش وأمثاله من التنظيمات الإرهابية التي طفت على السطح أكثر بعد غزوها للعراق، ونشرِها لربيعها الفاشل في دول عربية أخرى، ومنها الجارة سوريا وليبيا، ولاسيّما في فترة ولايته.
إنّ المكوّنات الصغيرة ولاسيّما المسيحية منها، ترى في المبادرة الأخيرة لأركان الدولة والمراجع الدينية العليا، بالمشاركة في الأفراح والمناسبات الدينية الخاصة بها، وكذا في زيارة الرئيس الفرنسي للبلاد، فرصةً للاصطفاف حول الوطن والذود عن مصالحه ومستقبله وإعادة رسم معالمه من جديد، كي يبقى بلدَ الأنبياء والأصفياء والحضارات والتآخي والمساواة، يسوده قانون إنسانيٌ لا تخلو بنودُه من نفحات متديّنة تعطي قيمة للكائن البشري، مهما كان دينُه أو عرقُه أو جنسُه. فالبشر جميعًا متساوون أمام الله خالق الجميع.
 "فلنكتب في القلوب وعلى الجدران: كلُّ البشر إخوان". هكذا تقول أغنية جميلة أجهلُ ناظمَها ومغنّيها. وليعدِ الحمامُ الذي غادر وطنَ التآخي التعايش، إلى عشّه مرفرفًا فوق البلاد الجريحة، كي يضمّد مع الطيبين تقرّحاته الكثيرة وجراحاته المفتوحة بفعل عوادي الزمان وجحود الإنسان. ولنحاصر الأشرار وأصحاب العدوان في جحورهم السوداء الداكنة. فحبُّ الوطن من الإيمان! وتجسيدُه يكون بالعمل المشترك لإنقاذ البلاد والعباد من واقعهم المزري بالتخفيف من الظلم والجهل والفقر والمرض ومعالجة البطالة واحترام حرية الناس وكرامتهم.
عسى أن تضحي كلُّ الأفراح والمناسبات في العراق، مناسبات للعراقيين جميعًا، وأفراحًا دائمة للوطن الغارق في الآلام والجروح والدماء، فيتحوّل العام الجديد إلى سنة نصر وعيد واحتفال. فالقواسم المشتركة كثيرة، والأعراف المتداولة عديدة، والتقاليد المتوارثة التي نحيي الكثير منها معًا من دون أن نفطن لها نتشارك فيها بروح الألفة والجيرة والمحبة.
أمّا الوجود المسيحي في البلد والمنطقة، فقد أضحى أيضًا بعد كلّ هذا الذي خبرناه، قضيةً إسلامية واجبةَ الدفاع عنه، لأنه ببساطة، جزء من الهوية التاريخية والحضارية والبشرية لشعب العراق والمنطقة وليس للمسيحيين فحسب.



23

مانديلا عادل بمواصفات عراقية
بغداد، في  15 كانون أول 2016
لويس إقليمس
لا أحد ينكر ما حققه الحراك النخبوي في الشارع العراقي من تأثير في نفس المواطن على المستوى الوطني منذ انطلاقته الصحيحة بفضل حرص التيار المدني الديمقراطي وأتباعه، ومَن لحقه تباعًا. كان ذلك، انطلاقةً صادقة بانتظار أن تتبعه خطوات أكثر حراجةً للفئة السلطوية التي تأبى مغادرة معاقلها الطائفية والمصلحية الضيقة. فهذه الأخيرة، ولاسيّما القريبة منها من المسوّغ الدينيّ والطائفيّ، كلّما اشتدت نقمة العامّة على أدائها واختراق صفوفها وفضح مفاسدها ومحاجة مآخذها ومبرّراتها الانتهازية، ازدادت تمسكًا وتعلّقًا بمنهجها وسلوكها السلطوي على رقاب البسطاء من الذين يستسلمون من دون وعيِ لتشريع المقدّس في وعظ سلاطين الدين والطائفة والمذهب ضمن الحلقات المشبوهة التي يقيمونها لكسب صوت الناخب وتوجيه يقينه وتصوراته وفق ما تقتضي مصلحة أصحاب الشرع والحلال والحرام. إلاّ أنّ هذا الحراك، بالرغم من أهميته وتاثيره، ما يزال دون المستوى المطلوب، كي يأتي بثمار أكثر وأكبر. فهو بحاجة إلى تطعيمٍ متواصل من وسائل التواصل الاجتماعي وسائر الفعّاليات المجتمعية والمنظماتية، إلى جانب نخبة الأكاديميين والمثقفين والكتاب وأصحاب الغيرة الوطنية التي تقتضي تلاحمًا أوسع في صفوفها، تخطيطًا وتنسيقًا ومنهجًا برؤية قصيرة ومتوسطة وبعيدة على السواء. وهذا هو عمل التنسيقيات النشطة بتنوّعها، من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها.
من شأن تواصل هذا الحراك الوطنيّ، تقييم المسيرة السابقة وتحديد مكامن القوة التي ما يزال السلاطين في قمة الهرم السياسيّ ووعّاظُهم يستقوون بها ويتخذون منها منهجًا واستكمالاً لمشاريعهم الطائفية التي أسسوا لها منذ الغزو الأمريكي الذي أتاح لهم مثل هذه السلطة عن غير وجه حق، حينما جعل الكثير من أمثال هؤلاء يتربعون على عرشها من غير استحقاق وطنيّ ولا جدارة، إلاّ لكونهم أسيادًا في دين وطائفة وحزب وكتلة سكتوا ومازالوا يسكتون عن الضيم الذي لحق بالشعب المقهور وعن الحيف القائم لغاية الساعة بنهب ثروات البلاد وفي التغافل عن المصلحة العليا للوطن، حفاظًا على مكاسبهم ومصالحهم وخوفًا من زوالها ونقصانها وخسارتها.
بعد بلوغ العملية السياسية مرحلة من الكساد والعجز في كلّ خطواتها، اتجهت الأنظار نحو ترقيعات في إصلاح ما تمزّق وتعثر وفشلَ، دون التنبه إلى جذور المشكلة ومن دون الإقرار بالخطيئة الكبيرة التي لم ولن تستطيع أجيالٌ قادمة ولاحقة من محوها والصفح عن مرتكبيها، من جانب ذوي قساة الرقاب وغلاظ الطباع ومتشحي النفاق، في السياسة والدّين والمذهب. حتى حزمة الإصلاحات المفترَض تصريفُها وإخراجُها بالطريقة التي وُعد بها إتيانُ رئيس الحكومة الحالية، لم تأتي بثمارها إلاّ جزئيًا وضمن نطاق محدود، ذرًا للرماد في العيون! فقد تراجعت هذه، هي الأخرى، وهمدت بحجة الانشغال في مقارعة معاقل الإرهاب ودحرِه وإنهاء وجوده على الأرض التي كان للشركاء في حكومته فضلٌ ومساهمة مباشرة أو غير مباشرة في استقدام هذا التنظيم المتوحّش وفي تعزيز قدراته وإطالة وجوده لأكثر من عامين. 
ومن حق السائل أن يستنفر ويستحثّ ضمائر الساسة التي ضعفت بفعل انهماك الكثير منهم في نيل المبتغى وفق شريعته ومنهاجه وبرنامج مرجعيته. فأين كان حماة الوطن بكل فصائلهم، من الذين صرفت الحكومات المتعاقبة على تعيينهم وتدريبهم وتسليحهم ما فاق صرفيات جيوش العديد من الدول لسنوات عديدة؟ جملة استفسارات وتساؤلات غيرها، ترتكض في مخيلة الشرفاء وحتى البسطاء من أبناء الشعب من أجل معرفة الأسرار الكامنة وراء الإخفاقات طيلة السنوات المنصرمة من بناء قدرات الجيش العراقي المتهاوي الذي أنهى الغازي الأمريكي صفحاتِه المشرقة بإشارة وقبول بل بتحريض من مراهقي السياسة القادمين بعد السقوط المأساوي للشرف العراقي، وطنًا وجيشًا وشعبًا وتاريخًا وتقليدًا!
أمام هذه التصورات الوطنية المحقة، كان الأجدر بمن تلطخت أياديهم بفساد المال العام منذ السقوط وبتدمير البنية المجتمعية للشعب، أن يخشوا خيفة الله ويحفظوا ماء الوجه بتغيير السلوك الماكر ومغادرة نهج التشبث الأعمى بالمنهج الذي جلب الوبال والدمار على البشر والحجر في البلاد. فالنوايا ما تزال خبيثة، والإرادة ما تزال قوية للمضي في الطريق الشائك الذي يرسّخ للهوية الطائفية ويحاول إطالة ما أمكن في مشروع المحاصصة في الطروحات الجديدة لبعض القوى، التي اعتقدت مخطئة أنها بهذه الطروحات الحديثة- القديمة لمشروع التسوية مثار الجدال، ستتمكن من إزاحة جدار الغضب من أمام مشاريعها الانتهازية بالإبقاء على المغانم ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وإلى ما شاء القدر وارتضت يد الفساد ومَن يقف في الصفوف الخلفية الداعمة والساندة بغية شرعنته وتعزيز بقائِه. 
إزاء كلّ هذا الكمّ من الفساد المتفاقم الذي تسعى قوى سياسية ودينية وطائفية للإبقاء عليه لدورة قادمة من حكم العراق، بهذه الطريقة المخجلة من توليفة التسوية غير الناجعة المطروحة، لا بدّ من سعي مواطنيّ وشعبيّ ونخبوي على كافة الأصعدة، فيه يتمّ تصعيد المطالب بالإصلاح الجذريّ الحقيقي وليس الترقيعيّ الذي لا فائدة مرجوة منه على المدى المتوسط والبعيد. فموضوعة الاستحقاق الانتخابي التي يعلّق على شمّاعتها بعض الساسة المستفيدين بإبقاء منهج المحاصصة ساريًا، لم تعد مشروعة ولا بدّ من إنهاء أسطورتها في شكل القانون الجديد للانتخابات الذي ينبغي أن يضع حدًا لمثل هذا الطغيان والتسلّط بسبب الوضع السابق الذي تبنته هذه القوى الفاشلة وفق مقاسات مصالحها والطريقة التي تحفظ مكاسبَها لأطول فترة ممكنة من خلال القانون الانتخابي المتحيّز لجانب الكتل الدينية والطائفية صاحبة المشاريع الإسلاموية التي لا تقرّ بمطالب الشارع بإرساء سياسة منفتحة لدولة مدنية متحضّرة تحترم الجميع وفق مبدأ المساواة والعدالة والحقوق المواطنية الكاملة وغير المنقوصة للجميع. وكفى سماعنا لأصوات نشاز تدّعي ما لم يعد يتحملُه الشارع العراقي الثائر المترَع بالمشاكل والمظلّل بضلالات تستقوي شرعًا بطاعة المحكوم للحاكم الظالم في ظلّ يافطات دينية وأخرى طائفية وغيرها عرقية أو تحت رايات استعلائية تتخذ من حاجة الناس وعوزهم عذرًا لفرض أسلوب للحياة وفق مقاسات الأسياد ومصالح مَن في بطانتهم من المستفيدين الفاسدين. لقد أضحت هذه الفئة التي تكاثرت ونمت كالأميبا تحت خيمة شخصيات متنفذة في الحكومة وفي الأحزاب المهيمنة على الحياة السياسية، ظاهرة مقلقة يصعب الخلاص منها في اقتفاء أثر أصحاب الأموال والعقارات وأرباب الشركات بملاحقتهم بغاية الابتزاز والسطو وفرض الإرادة من دون أن تبدر من الجهات الأمنية ردود صارمة ومن الدوائر العدلية إجراءات رادعة.
لا شكّ أنّ إدارة البلاد تتطلب من جميع ذوي الإرادة الطيبة أن يتكاتفوا مع جهود الدولة بجميع مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والرقابية على بطء فهمها ونهجها الوطني، للسير بالبلاد نحو برّ الأمان والاستقرار والطمأنينة. فالسفينة العراقية الكبيرة، تتقاذفها أمواج عاتية داخلية وخارجية تستدعي وقفة مواطنية واحدة موحدة بعيدة عن رؤى ضيقة الأفق، قد تخدم نفرًا أو شريحة على المدى الحاضر، لكنها تضرّ بمصالح شعب وجدارة أمة وحضارة مكوّنات مجتمعية أصيلة تشكّل أعمدة الهيكل الساند للبلاد على مدى الأجيال. وهذا ما يستنفر ويحث الجهات التي ابتدأت بالحراك النخبوي في الشارع العراقي ومَن التحق به لاحقًا، أن يواصلوا المسيرة حتى تحقيق الرؤية الوطنية الصحيحة في بناء دولة المواطنة، الدولة المدنية التي تحترم الجميع باختلاف أطيافهم وتوجهاتهم ومللهم ونحلهم، وتعدّ الجميع مواطنين على قدم المساواة في مقياس التساوي والعدل والإنصاف من دون تمييز في أيّ شيء وفي كلّ شيء.
إنّ الحاجة والضرورة إلى اجراء تغيير فعلي وجوهري في بنيان الدولة العراقية، بات حتميًا غير قابلٍ للطعن أو الرفض، مهما حاولت جهات متنفذة وضع العراقيل امام صحوة كاسحة للفساد والفاسدين، عبر ترقيعات هنا وهناك، لا تغني ولا تسمن. فهذه أضحت من هموم الشارع الثائر، يجري استحثاثُها بمناسبة ومن دونها بالدعوة لفكر جديد في الرؤية البنائية للقدرات الوطنية الصادقة وفي استبعاد مَن وما لا يتوافق مع مطالب التغيير الجذري المطلوب. وهذه الاسترتيجية المطلوبة في إيجاد منهجية متكاملة تسعى لبناء مثل هذه الدولة المدنية، ينبغي مناقشتُها وتداولها من دون خجل ولا تردّد ولا تشكيك. وما يجري الحديث عنه عن استحقاقات دينية وطائفية وحزبية فرضتها ظروف الغزو الأمريكي للبلاد ، كلّما شغرت حقائب وزارية، ليست سوى معوقات على طريق بناء هذه الدولة المدنية المنشودة. فالحديث عن مثل هذه الاستحقاقات المشبوهة وغير المجدية بعد الفشل الذريع في إدارة أصحاب الاستحقاق لشؤون البلاد بكلّ المقاييس، لم يعد مقبولاً في الشارع المنتفض ولدى الشعب المظلوم وكذا في صفوف المتعلمين والمثقفين والأكاديميين بالرغم من تناقص فورة هؤلاء لأسباب معروفة أمنيًا وأخرى مجهولة ضمنيًا.
إنّ ما بات أكيدًا، أنّ الشارع العراقي بمعظمه، رافضٌ لسلوك مبدأ المحاصصة في إدارة الدولة، إلاّ من قبل السياسيين وأصحاب النفوذ في الكتل السياسية، التي تنافِقُ لأجل منافع ومكاسب حصدتها وما تزال تنالُها من جرّاء التشبث بهذا المبدأ الذي دمّر البلاد وفرّق العباد وسوّس العقول وأثقلها جرمًا وغيلة وجرمًا. وما زلنا نتطلّع لجهد وطنيّ مخلص وجامع لأفكار الجميع على اختلافها من أجل تكوين مثل هذه الرؤية الصحيحة الضامنة لمستقبل الوطن وطمأنينة أبنائه وسعادة أجياله بعد زوال الغمّة السوداء. وهذا قد يتوق لبروز شخصية كارزماتية تحمل صفة المدبّر والراعي والرائد في التصورات والإداريات وفي تحقيق العدل وسيادة القانون وإنصاف المقهورين ومحاسبة الفاسدين والمقصّرين. أي أننا، بحاجة إلى "مانديلا عراقي" قويّ وصارم وعادل، بمواصفات وطنية عراقية حضارية، يأمر بنيل كلّ مواطن ما يستحقّه، وينهى عن اية انتهاكات ضدّ أفراد وجماعات وشرائح تشارك في المواطنية وفي الاستحقاق. عراقُنا وأهلُنا ينتظرون زعيمًا وطنيًا مخلصًا للوطن والشعب، لا تأخذه في الحكم سنّة ولا نومٌ، ولا ينجرف وراء الفساد أو يغطّي على الفاسدين ومَن يستقوي بجنسية مزدوجة أو بأسياد من خارج الحدود، ولا يتعالى على القوم أو يستخفّ بقدرات مواطنين ومثقفين وكادحين على السواء.
وإلى أن يأتي هذا الرجل، القائد العادل، السياسيّ المنصف، الإنسان المنفتح في الفكر والرؤية والمنهج، الوسطي المقبول من الشارع البسيط ومن دهاليز السياسة الماكرة، يبقى عزاؤنا الآنيّ في دحر وانتهاء صفحة الإرهاب وفكرِه المدمّر، الذي ضرب أطنابَه في أرض السواد منذ تهيئة ساسة العملية السياسية لتكوينه وتشكيله بفعل سياساتهم الخاطئة، والمساهمة بتسهيل قدومه بفعل سلوكياتهم الطائفية، وفي استفحاله وتأخير دحره بفعل انقساماتهم وعدم وجود الرغبة الصادقة لتسوية خلافاتهم، وكذا بسبب غياب الإرادة الصارمة لمغادرة أسلوب المحاصصة.
فالشعب يترقب بصبر كبير في الأيام القوادم، بروز هذه الشخصية الكاريزماتية مع قرب الدورة الانتخابية القادمة، كي يكون خادمًا للشعب وليس العكس، قائدًا قديرًا يدير مشروع المصالحة المعطَّل ويهيّءُ الطريق للسلم الأهلي الدائم في ربوع البلاد. لكننا، نريده شخصية عراقية أصيلة تزرع الراحة والطمأنينة في القلب والنفس والفكر، وتضع نهاية أكيدة للفساد، وتحاسب الفاسدين والمتلاعبين بثروات البلاد والمتاجرين بمستقبل العباد. وهذا ما يستلزم تعديلات أساسية في القانون الانتخابي الذي ما زال تحت رحمة نفوذ الكتل السياسية المتنفذة والسلطات الحاكمة التي روّضت وتروّض هذا القانون ليتماشى مع طموحاتها واستمرار هيمنتها على صناديق الاقتراع بالصيغة التي أقرّ بها لغاية الساعة.




24
جعبتنا للعام الجديد   2017
بغداد، في 21 كانون أول 2016
لويس إقليمس
قبل أيام قلائل احتفل العالم الإسلامي بعيد مولد رسول الإسلام. وفي هذه الأيام يحتفل العالم المسيحي بعيد ميلاد المسيح، رسول المحبة والسلام، حيث أنشدت الملائكة نشيدَها المشهور: "المجدُ للّه في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرّة الصالحة". وستليها احتفالية العالم أجمع بمقدم عام ميلاديّ جديد آخر 2017، في أجواء صاخبة وسعيدة ومنفتحة كالعادة، ولكن وسط هواجس ومخاوف أمنية قد تعكّر صفو هذه الاحتفالات. وكالعادة، لم يكن العراق، بعيدًا عن هذه الأجواء. فقد اعتلت شجرة عيد ميلاد باسقة بارتفاع 25 مترًا حدائق متنزه الزوراء الجميلة، وقد تكون أكبر شجرة تُنصب في الشرق الأوسط، تضامنًا مع ما تبقى من مسيحيي هذا البلد المغدور من الأصلاء في ولائهم وجدارتهم وأخلاقهم. هذه الاحتفالية الجامعة الأخيرة التي نسّقت لها أمانة بغداد، تأتي إيمانًا من منظميها بتقاسم الأفراح والمشاركة الوجدانية في المناسبات الدينية السعيدة التي اعتاد عليها العراقيون الأصلاء وسط مجتمعاتهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم. وهي دعوة جمعية وطنية بتحويل الأعياد والمناسبات الدينية المسيحية والإسلامية والإيزيدية والصابئية وأخرى غيرها، إلى أعياد وطنية تعزز من الاخوّة وتزيد من العيش المشترك وتفتح صفحات جديدة ناصعة من المحبة والتآخي والتآزر، عندما يلتفّ الجميع تحت خيمة الوطن الواحد، ويتطلّعون لمستقبل زاخر، فيه يرتفع البناء والإعمار من جديد وتعود إليه اللحمة المنفرطة.     
في نهاية كلّ سنة ميلادية، اعتاد الناس تبادل التهاني والهدايا والعطايا لمناسبة طي عام واستقبال عام آخر جديد. وفي كلّ سنة تتكرّر ذات الكلمات والأمنيات المتلونة بالطموحات الوردية لرؤية عام أفضل ممّا سبقه. وفي هذه الكلمات الرائعة، يعيش المرسِل والمتلقي معًا، أجواءً حالمة ممتزجة بالنشوة، قد تدوم وتثمر وتتحقق رغبات أو جزءٌ من أحلام هذه الأمنيات أو تتلكّأُ فتخيب. ولكن بالتأكيد، أياً كان نوعُ ما يتحقق منها وشكلُها، فهي تنزل بلسمًا وشهدًا في قلب العزيز وتمنحه قدرًا من الاستحقاق البشري والإنسانيّ الذي يستحقه، باعتباره خليقة الله الرائعة في جمال الصورة والمنظر، وأقرب إلى القلب في مثل هذه اللحظات المفرحة. وما أروع أن تجتمع في هذه المناسبة العالمية، الكلمةُ الطيبة مع حسن الصورة وجمال الخلق وطيبة النفس والفعل الحسن. لكنّ الرياح العاتية تأبى أحيانًا، إلاّ أن تسيّرَ سفينة هذا العالم المارد بعكس تيار هذه التمنيات والطموحات. 
عندما تحتفل البشرية بمقدم كلّ عام جديد، فهي تقدّم أدوات الشكر اللازمة لخالقها، لأنه بأمرته يسمح لها بإكمال ما بدأتْهُ من حياةٍ يومَ ولادة كلّ كائن بشريّ فيها. وفي مثل هذه المناسبة السنوية، تتنوع الأماني وتكثر الرسائل وتُرفع الصلوات والأدعية من البشر في جميع أرجاء المعمورة من أجل سعادة مفقودة خاصة، أو عودة غائب عزيز أو مهجَّر أو نازح إلى دياره، أو شفاء مريض متألم، أو إعادة حقّ مغتصب، وما إلى ذلك من أمنيات ورغبات ومرامات، منها ما يبدو ممكنًا، وأخرى غيرُها ما لا تطاله اليد مهما تمنّت وسعتْ ودعتْ. وأمثالُ هؤلاء الذين ينتظرون مثل هذه المناسبة العالمية التي لا تتكرّر إلاّ مرةً كلّ بداية عام جديد، هم كثر ولا حدَّ لشوقهم للاحتفال بها بشريًا وإنسانيًا، مقابلَ مَن ينكر مدى الفرح والسعادة التي تجلبه هذه المناسبة على قلوب البشر وتزرع فيهم غرسة الخير والسلام والمحبة التي يفتقر إليها نفرٌ من المغالين والمتشدّدين في الفكر النافق الأجدب الذي لا طعمَ له ولا رائحة ولا لون كي يبتغيه الخيّرون والطيبون على أرض الله الواسعة.
في كلّ عام جديد، تتجدّد المناسبات بتقليدها المتعارف عليه في كلّ بلد ومنطقة ومجتمع، باكتشاف أجواء جديدة وآفاق تستحق المتابعة والتمنّي ببلوغها بنجاح وسعادة. والتقليد بالاحتفال بهذه المناسبة، مختلف من حضارة لأخرى، ومن بلد لآخر ومن مجتمع لآخر. لكنها جميعًا، تلتقي في الأماني الطيبة والأدعية الرائعة والأمل بعام أفضل من سابقه من أجل تحقيق الأماني المتعثرة وسدّ الثغرات والإخفاقات التي رافقت الإنسان والبشرية في السنة الفائتة. فهناك من يجدّ للسفر بعيدًا لاكتشاف بلدان ومدن وأراضٍ جديدة ويقضي أيامًا سعيدة بعيدًا عن صخب العمل وضغوطات المكاتب والمراسلات والالتزامات المتعددة. وغيرُه مَن يسعى لنزع غبار الأحزان عن سيرته ويقرّر شق طريق جديد، يهيئ له ما فقده فيما مضى من مسيرة الركب. في حين، يترقب نفرٌ آخر هذه المناسبة لزيادة العربدة وإفراغ ما في جعبته من متع الحياة التي يحلم بها طيلة الأيام الخوالي عبر الرقص والموسيقى وما تيسر من أدوات الاستمتاع المعاصرة. فيما غيرُهم يحتفلُ عائليًا في بيت العائلة الكبير، حيث يتفنّن المحتفلون ويستمتعون بما يقدّمونه أو يتناولونه من أنواع الأطعمة الطيبة التي لا تعوّض ولا تتكرّر إلاّ نادرًا. وآخرون يتشاركون الأحزان والأحداث والمآسي، وسط أملٍ مهزوز بعودة ميمونة للبسمة على وجوهٍ صبغتها الأيام بسحنات الحزن والألم واليأس.
ونحن في العراق والمنطقة، عشنا وخبرنا الحياة، كما فعلَها غيرُنا قبلَنا. وقلنا كلماتٍ وكتبنا أخرى كثيرة، كما قالَها وكتبها آخرون. تمنينا لأحبتنا ولعراقنا ولأصدقائنا كلَّ خيرٍ في بداية كلّ عام قادم جديد.  واليوم نعيد ذات الأماني لنا ولغيرنا كي تعود البسمة إلى وجوه العراقيين الطيبين المكتحلة عيونُهم والممتلئة أفئدتُهم والعامرة نفوسُهم بطعم الإخاء والعيش المشترك والتكاتف المجتمعيّ الرائع الذي طبعوا عليه منذ عرفهم التاريخ والمجتمع. واليوم مجتمعين، هل من أمنية أفضل وأغلى من إزاحة خطر الإرهاب عن أرضنا المدنّسة، ونزع فكره السيّء عن المجتمعات التي فتك بها وأحالَها إلى أدوات للقتل والسبي والاغتصاب والتهجير والحكم باسم الله البريء من أفعالهم وسلوكياتهم المنحرفة؟ عسانا نحسبُ جميعًا، قيمة كلّ عام قادم، ونعطي حقَّه كما ينبغي في صواب الخير والفعل الحسن والكلمة الطيبة والسيرة الفاضلة والاحترام المتبادل والمحبة من إنسان لأخيه الإنسان ومن جارٍ لجاره في الحياة والحيّ والمنطقة. فالعام الجديد، ونحن نحتفل به بمثل هذه السعادة، محسوبٌ من عمرنا، كلّما تقدمنا في هذا الأخير سنة بعد أخرى، ولا يتبقى منه سوى الأحاديثُ والذكرُ الطيب وحُسن الأفعال.
مع قدوم كلّ عام جديد، ماذا لو افتكر البشر أنَّ نظام الحياة الأزليّ لا يتوقف، ولا مسيرة الأيام تتعثّر لأنها سائرة ضمن منظومة كونية دورية لا يجيد ولا يقوى على تغييرها سوى ربُّ الأكوان، خالق السماء والأرض والعناصر وما فيها من حجر وبشر وماء وثروات أعدّها الخالق الرحمن في خدمة البشر وسائر الكائنات، من أجل سعادتها ورفاهتها وراحتها. إنّما العثرة في إرادة الإنسان الذي لا يجيد الرقص في حفلة مهرجانية يومية لا تعرف الزمن ولا المكان، حفلة يعدّها هذا الخالق الجبار لمتعة خليقته الناكرة الجميل في مواقف كثيرة. فمن الممكن جدًا، أن تتحوّل أيام البشر كلّها إلى أعياد ومناسبات سعيدة، كاحتفالهم بمقدم العام الجديد المتميّز، إذا أحسنوا الفعلَ وعملوا الخير وساروا بموجب شرع الله الصحيح غير المنحرف وقوانين السماء ونظام الأرض من دون مغالاة ولا مجاملة ولا محاباة ولا خرق لحرية المقابل ولا تهميش أو تجاهلٍ لوجوده.
إحتفال العالم في نهاية كلّ سنة وبدء عام جديد، يذكرنا بقوله تعالى: "أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض" (تكوين 1:28)، إيذانًا بحقّ البشرية بالاستمتاع بالزمن وما يدور حوله من تفاصيل الحياة ضمن شروط اللياقة العامة وبما لا يتنافى مع مشروع الخالق في خليقته. لستُ هنا بصدد مناقشة سرّ الخليقة العظيم لمناسبة قدوم العام الجديد. فالمناسبة جديرة أن تتحدث عن نفسها على ألسنة البشر باختلاف أعرافهم ومللهم واعتقاداتهم وأعراقهم. فهؤلاء يشتركون جميعًا بفضل عميم أنعمه عليهم الخالق ليكونوا صورتَه الحسنة أينما حلّوا وارتحلوا في الزمان والمكان، كي ينموا ويكثروا ويعمّروا، لا أن يدمّروا ويقتلوا باسمه بحسب قياسات خائبة خارجة عن قانون الطبيعة والعصر والظرف المتجدّد مع الزمن ومع البشر على السواء. فالّله العظيم الشأن، لا يعرف للزمن حدود، كما ليسَ لمحبته للبشر من سقف زمكانيّ معيّن. وهو يعمل في حياة الإنسان ليجعل منه وعاءً سرمديًا في احترامه لنسمة الحياة هذه ولمَن وهبه إياها من أجل إسعاد هذا الإنسان ورفعه لآيات الشكر والعرفان للخالق بحُسن الأفعال، ما عاش من أيام وسنوات. فهذه الأخيرة مهما طالت أو قصرت، تبقى لحظات معدودات في حسابات الخالق ونظامه الكونيّ الجبّار المليء بالأسرار والحكم. 
في كلّ عام جديد، تشهد الحياة البشرية كما اعتادت على مدى تاريخها، تقييمًا لسلوكيات مختلفة مرّت بها وعليها. والبشرية مدركة أنّ الصالحة منها تكون قد نالت رضا الله الخالق وإعجابَ خليقته وإطراءَها، فيما الزائفة فيها والمارقة والسيّئة والمنحرفة منها أضحى مكانُها مزابلَ التاريخ. وهذه الأخيرة، مهما طغت واستبدّت وتجبّرت، فستلاحقها نقمةُ الشعوب والمدافعون عن القيم الإنسانية وحقوق البشر من أي نوع أو دين أو معتقد أو لون أو عرق. وشتّان ما بين السلوكين والطريقين. أن تكون الشجرة يابسة مجدبة لا ثمرَ منها، شيءٌ. وبعكسه أن تبقى طرية كثيرة الثمر، شيءٌ آخر مختلف تمامًا. ففي الأولى، تنزل لعنة الله وتحرق الروح والقلب، فيبقى الإنسان اليابس بلا قلب ولا روح، كما العنصر الذي بلا طعم ولا رائحة ولا لون. وهذا لا نفع منه سوى للرمي في القمامة أو للحرق، ومصيرُه النار الأزلية وصريرُ الأسنان في الآخرة التي لا نهاية لها، لأنه لم يقدّم في حياته سوى شوكًا وحسكًا وعملاً سيّئًا. أمّا الأخيار الصالحون، الذين يلبون نداء الخير، نداء الله الخالق الرحمن الرحيم الطيب الحكيم، بالفعل الحسن والعمل الصالح وليس بكلمات فضفاضة بالتمتمة الحرفية التي لا تنفع ولا فائدة مرجوة منها لخدمة البشر والإنسانية، فهؤلاء هم أحبابُ الله وأصدقاءُ البشر والمدافعون عن الإنسانية المتألمة بعمق. هؤلاء مَن ينالون بركة الله ورضاه، لأنهم خدموا الإنسان الذي خلقه الله أداة حسنة لتمجيد اسمه المقدس. هؤلاء مَن يرثون الأرض لأنهم شربوا وانتعشوا من مطر السماء، من بركات الخالق الذي رفعهم طيورًا محلِّقة بريئة في فضاء الكون الواسع، بحسب استحقاقهم ومتاجرتهم بالوزنات التي منحهم إياها هذا الخالق، ليقدّموا عنها حسابَهم يوم الحساب، بوزنات إضافية كسبوها بفعلِ جدّهم وسيرتهم الطيبة وأعمالهم الصالحة.
في بداية كلّ عام جديد، يتمنى الحبيب لحبيبته والعزيز لمحبّيه وأصدقائه ومقرّبيه ومَن يتشارك معه العمل والمصير، أيامًا مليئة بالسعادة الغامرة التي لا يحدّها سقفٌ ولا حدود. ومَن منّا ليست له حبيبة أو عزيز أو غالي؟ فعندي أنا، كلّ الشعب العراقي، بل البشرية جمعاء، أحبابي وأعزائي وإخوتي في الإنسانية، باستثناء الأشرار والقتلة وسفّاكي الدماء البريئة والمتاجرين بمصائر الناس وحقوق البشر وناكري الجميل وسرّاق المال العام وناهبي ثروات الشعوب والمنافقين ومَن على شاكلتهم. فأمثال هؤلاء، بفعل أفعالهم الشريرة الخبيثة الماكرة، لم يتركوا مجالاً للبشر والمجتمعات كي تتعاطف معهم وتنساق مع جنوحهم إلى سكّة الشرّ وإيذاء البشر والأوطان والمجتمعات، بل إلى تدمير الإنسانية بكلّ صورها وشرائحها وتقديراتها. ولكنّي مع ذلك، لا أكنّ لأمثال هؤلاء حقدًا أو كراهيةً، ذلك أنهم خليقة الله، وقد يهديهم إلى سواء السبيل يومًا، فيعودوا إلى رشدهم وعقلهم فتطمئن قلوبهم وقلوب مجتمعاتهم وأُسرهم وعوائلهم بفعل رحمة الإله الرحوم الغفور المحبّ لكلّ البشر.
 والعام الجديد، مناسبة أيضًا، للتذكير بكلّ عمل صالح وأيّ فعل خير متاح في جعبة الإنسان المتحضّر العاقل الذي يعرف خيرَه وخيرَ الآخرين من خلائق السماء. هكذا نكون في أجواء الاحتفال بهذه المناسبة التي ينتظرُها الكثيرون، عندما نترك العَبث بمقدّرات البلاد والعباد والشعوب، ونمحو البغض من النفوس، وندفن الكراهية في جبّ النسيان، ونجفّف الدموع من عيون طفل أو طفلة فقدت معيلاً، ونكسو عريانًا ثوبَ حبّ، ونعود مريضًا بائسًا، ونُطعم جائعًا قتله جوع الروح والقلب والفكر، ونسقي عطشانًا كأسَ ماء قراح، ونملأ القلوب بالرجاء والأمل، ونقبّل جارَنا ورفقاءنا من دون غشّ ونفاق، ونضمّد جراح مريض أو غريب كما فعلها السامري الطيب في درب الحياة الشاقّة.             
ليكُن العام الجديد القادم 2017 في عراقنا، مناسبة لربح درجة إضافية في سلّم المواطنة الصالحة وفي درجات الإنسانية وفي أخلاقيات الخير والتقدم والنجاح والسلام، بالتأكيد على إعادة بناء الوطن على أسس مدنية ومؤسساتية، واحترام خيار الآخر المختلف. فالاختلاف، مهما كان حجمُه ولونُه، إنّما هو غنى مضافٌ للوطن والمجتمع، وورقة ملونة أخرى تنشر السعادة والأمل. وهذه من دواعي كل أصحاب الإرادة الطيبة والنوايا الحسنة، بالتأكيد على كرامة الإنسان وحريته وحقوقه التي حبا الله بها جميع البشر وفق سلّم المساواة والعدل والحرية! وليكن فرصة أيضًا، لمزيد من التلاحم والتكاتف والتعايش بين مكوّنات الشعب العراقي، صيانةً لوحدة ترابه وحفاظًا لتراثه وحضارته وخصوصياته وعامًا للسلم الأهلي والمصالحة الحقيقية وسدّ الثغرات الأمنية والخدمية ووقف نشاط الميليشيات غير المنضبطة.
نريدُه عامًا جديدًا بكلّ المقاييس، يندحرُ فيه الإرهابُ إلى الأبد، ومعه شبيهتُه الطائفية المقيتة التي نخرت أساسات المجتمع العراقي المتآلف عبر الدهور، ونشهدُ فيه انسحاب الفاسدين عن المشهد السياسي، وعودة الأمن والأمان والخدمات المفقودة في الشوارع والمؤسسات والأحياء السكنية.
نتمناه عامًا سعيدًا حافلاً بالمسرات والأخبار الطيبة والأماني بعودة النازحين والمهجَّرين إلى ديارهم وقراهم وبلداتهم بعد إعمارها وتعويض المتضررين منهم، وهم كثيرون.
نتمناه عامًا مليئًا بالبهجة والأفراح، تعود فيه البسمة إلى وجوه الأطفال وشفاه الثكالى وقلوب الأرامل واليتامى والمشرّدين وجيوش العاطلين. أللهمّ آمين.
وكلّ عام وعراقنُا وأهلُنا وأحباؤُنا بألف خير

25
المنبر الحر / هواجس ما بعد داعش
« في: 19:03 18/12/2016  »
هواجس ما بعد داعش
بغداد، في 5 كانون أول 2016
لويس إقليمس

مع اقتراب انحسار التنظيم الإرهابي الداعشي من العراق وأفول أسطورته وزوال سطوتِه، بدأ الكثيرون بوضع علامات استفهام حول شكل البلاد ووضعها السياسيّ المرتقب، من خلال وضع سيناريوهات عديدة. في بعض هذه الأخيرة، دلالات وإشارات وتلميحات على قراءة الأحداث من الواقع السياسيّ الراهن والخوف من فرض واقع الحال على المناطق المحرّرة من أطرافٍ في النزاع على طبيعة الأرض ونوع الإنسان. وفي أخرى تصوّرات ضامرة يشوبُها الكثير من التشاؤم والسوداوية، وقد لا تبعث على الارتياح، لاسيّما بعد نجاح الكتلة المستقوية مجتمعيًا بشرعنة قانون الحشد الشعبي الذي خلق هواجس لا تخلو من نبرة طائفية. فيما يرى آخرون أنّ مسألة فرض واقع الحال، فيه استقواء طائفي وإتني قد يعزّز من هوّة هذه الآفة ومن اتخاذها مستقبلاً نهجًا استراتيجيًا ثابتًا في كلّ خطوة وبادرة وسياسة.
بالمقابل، يتوسم فريقٌ مغاير غيرُهم، خيرًا بمفاجآت إيجابية تقف في قافلة الانتظار. وهذه الأخيرة، بالرغم من قلّتها، تعطي أملاً بصحوة وطنية خفية تدعو لطيّ أخطاء الماضي واستقبال صفحة جديدة تعتمد على الشعب والشارع وهمومه. ومثل هذا الأمل على بهاتة أضوائه لغاية الساعة، سيبقى بريق الرجاء بإعادة توظيف التوليفة الدولية الناهضة والساعية إلى محاولة بناء اللحمة الوطنية، وإعادة إعمار ما دمّرته الحملة الدولية على داعش وما خلّفه هذا الأخير وأشباهُه من الداخل من الذين لا يقلّون ضررًا وجرمًا عنه، في الفكر الرجعيّ وفي الشعار وفي الفعل العنفيّ الذي فتك بالمجتمع وأهله وأرضه وبنيانه.
وفي اعتقادي، هذا التوجه الأخير لهذا السيناريو الضعيف المشوب بشكوك محتملة، قد تُتاح له فرصة جيدة قابلة للبروز والتنامي على غيره. ويكفي ظهور تباشير هنا وهناك، وعلامات واضحة أو أضواء لعلامات تبشرُ بصعود صحوة وطنية إيجابية تدعو لبناء دولة مؤسساتية قوية تحترم الإنسان العراقي وتضمن حقَه في العيش الكريم على مبدأ المساواة والعدل. فالأحداث والفعاليات المختلفة، دوليًا ووطنيًا ومنظماتيًا وشارعًا، تتحدث عن مداولات ونقاشات وحوارات من هذا القبيل تجري في أروقة السياسة وما بين السياسيين، إنْ سراًّ أو في العلن.
وما خطوة التحالف الوطنيّ وجهودُه الأخيرة لرتق الصدع مع الشركاء المشكّكين في النيات، إلاّ ضمن سياق هذا الأمل المعقود والمعقول. فالنعرات الاستفزازية والمثيرة التي بدرت وماتزال من أطراف في الكتلة الأكبر، بقصد أو بدونه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، حمل الشعارات والأعلام الطائفية في الحرب ضدّ داعش في المدن المعروفة في وطنيتها، كلها إشارات على التشكيك في النيات المعقودة على مشروع التسوية وشرعنة الحشد الشعبيّ وما في بواطنهما. كما يمكن إضافة مسببات أخرى بعيدة عن الطابع الوطني العراقي الخالص، وهذه تدخل أيضًا، ضمن هذا التشكيك ذاته، بالإبقاء على شعارات شعائرية خاصة في الشوارع والأبنية ودوائر الدولة، بعد غزوها جميعًا من دون رقيب ولا حسيب ولا مراعاة لمشاعر الغير المختلف. هذا إضافة إلى تصريحات استفزازية من جانب مسؤولين ونواب، ومعظمها تصبُّ في تهديدها بحسم الصراع بالذهاب إلى استحقاق الكتلة الأكبر.
   على أنَّ التشكيك الوارد بمشروع التسوية الذي تقدّم به التحالف الشيعيّ، باعتباره الكتلة الأكبر، قد يحمل في طياته احتمالين قابلين للتطبيق أو المواجهة: أولُهما الخوف والحيطة من محاولة إعادته للمشروع الطائفي الفاشل ونظام المحاصصة المرفوض من الجميع مجتمعيًا وإعلاميًا ودوليًا. وهذا ما يُستشفُ في الكثير من بنوده وفي طريقة طرحه وأدواته وتبويبه. وإن صحّت مثل هذه التحوّطات والمخاوف، فتلك ثغرة فاسدة وسلبية في نية القائمين عليه، تخطيطًا وتنفيذًا وهدفًا. فذلك يعني من جملة ما يعنيه، بقاء البلاد أسيرة بيد الجهة والدولة التي ترعى الفصائل المسلحة المنضوية في لواء التنظيم العسكري الجديد الذي اتخذ تسمية الحشد الشعبي، ليكون قوّة موازية للمنظومة العسكرية الرسمية الوطنية في البلاد. وهذا من شأنه خلخلة النظام المجتمعي لما فيه من استقواء واضح بجهة إقليمية راعية تسعى لإبقاء البلاد رهنَ سياستها الخارجية في الانتماء والتوجه والقرار. وفي الثاني، يمكن لهذا المشروع في حالة اصطفافه مع الشعب ومع الشارع المتذمّر الهائج منذ أكثر من عام ضدّ سلوك رجال الدولة من المترعين الغائصين بالفساد، يمكن له أن ينال رضا الشعب، فقط في حالة إيثاره مصلحة الوطن العليا على غيرها من المصالح الفئوية والدينية والطائفية والشخصية الضيقة التي يُتهم بها ساسةٌ منضوون في صفوف هذا التحالف ذاته. وهذا إن صحّت التوقعات، فإنّ نتائجَه مرتبطة بمدى حسن النية لدى ساسة المكوّن الشيعي وقياداته وفي استقلاليتهم للقرار الوطنيّ والمجتمعي العراقي الصرف. ففي حالة إثبات الرؤية الوطنية في تطبيقه انتماءً وتوجهًا وإجراءً، فذلك قد يغيّر من السلوك النمطيّ الطائفي الذي طبع تشكيلة كتلته وجلب عليها النقمة وشتى أنواع النقد والاتهام باصطفافها المعروف لجانب الجهة التي ترعاه وبها يستقوي في سياسته وطروحاته.
على جانبٍ إيجابيّ آخر من أجل حلحلة حالة النفور والريبة والغيرة، تبدو في الأفق بوادر مغايرة صادرة عن بعض الساسة السنّة المعترفين بالفشل في سياستهم ومنهجهم منذ الغزو الأمريكي للبلاد، عبر تصريحات أخيرة لا تخلو من المصداقية والواقعية، بالرغم من فقدان ميزان الثقة بين الحكومة ورجالها مع الشعب الحائر. ومن جملة ما بدر من نفر من بعض هؤلاء، دعوتُهم إلى ضرورة مراجعة الذات والمنهج والأدوات التي تحمي الوطن والمواطن من التلاعب بمصائرهم، بعيدًا عن إملاءات دول الجوار وغيرها من المتربصين بمصير الوطن وأهلِه. وقد ذهب البعض في تعويلهم للاهتمام أكثر بالشارع المجتمعي الغاضب وبالعودة إليه في نهاية المطاف، بسبب ما أصابه من النكبات والمآسي التي تعرّضت لها مختلف شرائح المجتمع. ومثل هذا التوجه الفكري والوطنيّ المعقول، فيما لو اقترن بحسن النية وصلاح الإرادة، سيعني الكثير لمَن يتابع عن كثب مسار العملية السياسية ويحاول إعادة قراءة المسار السياسيّ المضطرب.
إنّ مجرّد بروز مثل هذا الشعور بالفشل والخطأ من جانب هؤلاء الساسة، دليلٌ قبل أي شيء على توجس الأطراف السياسية من تصاعد نقمة الشارع الهائج وعدم رضا هذا الأخير ممّا يجري من أحداث وتراجع في كلّ شيء. بل هو إقرارٌ من أطراف شريكة في العملية السياسية بالسير بعكس التيار الذي يتوخاه الشارع العراقي المناهض في الاستجابة لطموحاته وحقوقه. ناهيك عن كونه إشارة همزْ وغمزْ بضرورة تنحّي الفاشلين ومحاسبة المتسببين بتمزيق النسيج المجتمعي وبروز النَفَس الطائفي وهدر المال العام وسرقة أموال الشعب والاستيلاء على عقارات الدولة والسماح بتكوين وانتشار الميليشيات السائبة بحجج مختلفة لا تخلو من روحٍ طائفية نتنة. هذا إن كان بقي لمثل هؤلاء الساسة الفاشلين شيءٌ من الخجل لحفظ ماء الوجه بسبب وصمة العار التي لحقت ببعضهم وبسلوكياتهم منذ سطوتهم وتسلّطهم على شؤون الوطن، دينًا ودولةً.
قبل أيام حدّثني طويلاً عبر الهاتف، مسؤول حكوميّ يحتلّ موقعًا قياديًا في حزب سنّي متنفذ مشارك في العملية السياسية. ولشدّة ما أسرني به، حديثُه عن شعور قائم وصريح لدى مكوّنهم، باعتراف قياديين في الجهة التي ينتمي إليها، بأخطاء ارتكبها قادتُها منذ الإطاحة بالنظام السابق، حينما رفض بعضهم التعاطي مع الواقع الجديد كما ينبغي والقبول بالمستجدات التي فرزها مشروع الشراكة، ما كانَ له أثرٌ واضحٌ على عقد مسار العملية لجهة دون غيرها حين استفراد الأخيرة بكلّ شيء من غير رقابة. ولعلَّ من جملة ما يبدو قد بدر من مقترحات لبعض العقلاء في هذه الجهة، بحسب محدّثي، هو الإقرار بالظلم الذي نالته الأقليات عامة والمسيحيين خاصةً، بسبب ممارسات استعلائية غير متزنة وعشوائية، إنْ لمْ تكن منتقصة من وجود هذه الجماعات المتأصلة في نسيج الشعب العراقي وفي أرض الوطن. وقد كان متحمّسًا لطورٍ جديد في النهج والفكر والأداء، ومنها ما ارتآهُ نفرٌ ضمن هذه الكتلة بضرورة إيلاء الأقليات ما تستحقه من حقٍ واجب بإدارة مناطقها بنفسها على شاكلة يتمّ الاتفاق عليها، ليسَ منّةً من أحد، بل ضمن إطار وطنيّ يعطي استحقاق هذه المجتمعات من حقوق ومطالب طالما تجاهلتها الأنظمة المتعاقبة، وآخرُها نظام الحكم الطائفي القائم على المحاصصة حاليًا. ولعلَّ ما دعا مثل هذه الأطراف لسلوك هذا النهج الجديد في سياستها وتوجهاتها، ما تعرّضت له مجتمعات هذه الأقليات من غبنٍ وظلم وتهميشٍ وقتلٍ وسبيٍ واغتصاب وتهجيرٍ قسريّ وتشريد ونهبٍ لممتلكات وحرق البيوت والمحلات، وكذا من أعمالٍ عنفٍ إجرامية ترقى إلى الإبادة الجماعية باعتراف منظمات ودولٍ وهيئات عالمية.
وللحقيقة أقول، أنّي توسمتُ بتطرُّق هذا المسؤول الحزبي والحكومي، رؤية وطنية جديدة مختلفة عن سابقاتٍ سطحية وأخرى رافضة لمثل هذا التوجه أو معاندة من دون وجه حقّ. بل إنّ حديثَه المسترسل قد جرّني لتصديق قيام رؤية تبرز للساحة حديثًا، وهي مؤمنة بضرورة رسم خارطة طريق جادّة تقدّمُ صورة مختلفة عن خطابات سابقة متزمتة ومعاندة لمْ يكن لها هدف ولا حدود لسقف المطالب التعجيزية لأجل المضيّ قدمًا في نهج المشاركة في العملية السياسية. أي أنها ذات طابع انفتاحي أكثر للآخر المختلف بحملها بوادر جديدة للتعايش المجتمعي السلميّ بعد انحسار الظاهرة الداعشية.
وحبذا، لو اقتفت أثرَ هذا التصوّر والتوجّه الجديد الذي يستحق الثناء والتأييد من باقي الأحزاب والكتل السياسية المتسلّطة، ولاسيّما تلك الحاملة منها للمشاريع الإسلامية والطائفية، بالإقرار هي الأخرى بضرورة تصويب مسيرتها ولفظ تركة السنوات السوداء من الفساد والتسلّط والطائفية المثيرة للاستفزاز والاشمئزاز والقرف. وهذا ما ينبغي السعي إليه جميعًا، سياسيين ومثقفين ومنظمات وآكاديميين، لإبراز الوجه المختلف في شكل التوجّه الطموح الذي يصوّرُه لنا السيناريو التسامحي الثالث المطروح هذه الأيام عبر مشاريع التسوية، ليُضاف إلى المشاريع الوطنية الصادرة عن شخصيات متزنة ومن عقلاء مجتمع وحكماء ومثقفين مستقّلين في الرأي والمنهج والفكر. وهذا لن يكون قابلَ التطبيق والقبول، إلاّ إذا رست النية لبناء دولة مدنية حديثة ذات سيادة وطنية تحترم حقوق الجميع سواسية، وتتمثّلُ بمؤسسات دستورية رصينة قائمة على حكم الشعب وليس تابعة لجهات إقليمية أو نوازع دينية أو طائفية أو خاضعة لتأثيرات تيارات متطرفة ترفض وجود الآخر المختلف وتختزل حقوقَه بمواطنة دنيا وتذكّرُه بمناسبة ومن دونها بدونيّتِه مقارنة مع الأغلبية المتسلّطة. 
وفق هذا المنظور المعقول، كان الأجدر بممثلية الأمم المتحدة أيضًا، وهي الراعية لإيجاد تسوية سياسية وطنية تحظى بمقبولية لدى جميع مكّونات الشعب، أن تراعي مثل هذا التصوّر النابع من صميم الروح الوطنية للشعب العراقي، وبموازاة تعلّق الأخير بالوطن وبالحرص الشديد على مصيره ومستقبله. إلاّ أنها مارست سياسة ثعلبية حين تغليبها لتسامي مبدأ الأكثرية على الأقلية، بل وإهمالها حق المكونات قليلة العدد التي تسميها بالأقليات، بالتساوي في المواطنة وحقوقها مع المثلث الذي يتولى السلطة. وهذا التغاضي في المشروع المطروح عن مثل هذا الحق الوطني في التأكيد على مبدأ التساوي في المواطنة، تعزيز واضح لمبدأ المحاصصة الذي استنبطه الحاكم المدني بريمر، ومن ورائه جاء الدمار والخراب لغاية الساعة. فالظرف الذي جرى فيه تمرير قانون الحشد الشعبي ورعاية المنظمة الدولية لمشروع التسوية المطروح من الكتلة المتسلطة الذي يتركز أساسًا على أحقية مكونات ثلاث رئيسية في المجتمع العراقي دون غيرها، وما سيلي ذلك من توزيع السلطة والثروة على هذا المثلث، كما اعتدنا خلال الفترة المشؤومة الفاشلة السابقة، كلها إيحاءات بعدم وجود النية للتخلي عن سياسة المحاصصة في الأمد القريب والمتوسط. وبالرغم من صدور تصريحات ودعوات من أطراف متسلطة ومشاركة في السلطة بشأن هذا الآفة، إلاّ أنها جميعًا تخلو من إرادة لمغادرة نوازعها ومكاسبها. بل إنّ مشروع التسوية ذاتُه، الذي ترعاه ممثلية الأمم المتحدة، يكاد يكون صيغة حديثة لنسخة قديمة تشرعنُ مبدأ الطائفية وترسخ لمبدأ المحاصصة المعمول به. لقد عارضته أطراف شريكة ورأت فيه أخرى نسخة مكرّرة لمشاريع تسوية مطروحة سابقة، ولا جديدَ فيها.
إنّ الإنصاف الوطني يكمن بالتروّي في تمرير مشروع التسوية كي يراعي الهاجس الوطني والمجتمعيّ المتمثل بضمان حرية الفرد، أيَا كان، في الدين والمعتقد والفكر والعمل والرأي والملبس والسفر والتنقل والاسترزاق، أي بالعيش الكريم لكل العراقيين من دون استثناء ومن دون تمييز على أساس الدين والطائفة والاستكبار. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ بسيادة الدولة على كلّ مفاصل الحياة، والتعويل على القضاء العادل غير المسيَّس، ووضع حدود وقوانين صارمة لمحاسبة المقصّرين والفاسدين والجلاّدين والمستقوين باسم الدين والطائفة من المكوّن المتسلّط قبل غيره، عبر الكيانات الميلشياوية غير المنضبطة التي تصول وتجول وتؤدي دور الرقيب والحسيب والحاكم والجلاّد وتقرير مصائر الناس والحكم على الأشخاص وتولّي معالجة الحالات والظروف وفق ما تتلقنه من مصادرها ومراجعها في غيابٍ واضح للدولة وأجهزتها الأمنية والرقابية والقضائية.
في هذا السياق عينه، نكرّر الأسف المشوب بالحذر، للدور المتخبّط والانتهازيّ والمتحيّز للأمم المتحدة بالوقوف مجدّدًا إلى جانب مثلّث المكوّنات المتسلّط الذي أوجده الغازي الأمريكي، والذي تسبب بدمار اللحمة المجتمعية والحضارية والنفسية لعموم الشعب بالقفز على حقوق الغير من هويات ومكوّنات لم تعرف في تاريخها معنى للتعصّب والعنف والإرهاب والقتل والاعتداء على الغير وعلى الممتلكات العامة والخاصةّ، كما هي حال البعض من أتباع المتسلطين من هذا المثلّث الحاكم. وبطبيعة الحال، لا نقصد في هذه الملاحظة الواقعية، نخبة العقلاء والمثقفين والمواطنين الأبرياء من الذين تجري في عروقهم دماءٌ وطنية خالصة وممّن تهتزُّ قلوبُهم حبًا للوطن وأهلِه الأصلاء. 
إن لحظات الشعور بالنصر على الآخر المهزوم ملحميًا واجتماعيًا وواقعيًا، ليسَ مدعاةً لنسف السلم الأهلي وفرض شروط المنتصر على القائمين على مجتمعاتهم سياسيًا، أي فرض الواقع على الأرض، مهما كان الإنجاز ومهما كانت التضحيات. فهؤلاء ليسَ بالضرورة أن يكونوا في موقف صحيح لتمثيل شعوبهم. بل الأحرى بمَن استفاق لتوه واكتشف قدرات نصره المدعوم خارجيًا، أن يتعلّم من دروس الماضي ومن الضرر العام الحاصل بسبب إهمال الأنظمة المتعاقبة لحقوق الشعوب ومصالحها وتاريخها. فالسياسة الخاطئة تولد من بعدها سياسات أكثر تعاسة وأعظم خرابًا وأشدَّ ضررًا من سابقاتها، عندما لا يرعوي المتسلّط ولا يريد الاستفادة من دروس الشعوب والأمم.
لقد عانت المجتمعات العراقية من اهتزاز وانهيار وتشتّت في رؤيتها الوطنية وفي سلوكها اليوميّ، بسبب انعدام الثقة بين الإخوة الأعداء. وهذا هو الخوف، كلّ الخوف من مشروع المصالحة الوطنية الذي بدأت أولى تباشير فشله في الأفق بإقرار قانون الحشد الشعبي بهذه التوليفة وبمشروع التسوية غير الناضج الذي يعيد العملية السياسية وفق منظور المحاصصة اللعين. بل إن هذين الحدثين، من شأنهما الإطاحة بكلّ الجهود الرامية لرأب الصدع بين مكوّنات الشعب العراقي كافة، والمتشبث بأمل بناء دولة مدنية تراعي حقوق الجميع وتُبنى على أساس حضاري متمدّن وبمؤسسات دستورية قوية يسودها النظام والقانون والاحترام من الجميع وللجميع.
وأخيرًا، ضمن سياق التصحيح والإصلاح المتعثّر، لا بدّ من حسم ملف الخلافات بين حكومة المركز والإقليم، عبر بناء علاقات وطنية وعقلانية قائمة على مراعاة وتنفيذ حقوق كلّ طرف، من غير غالب ولا مغلوب، ولا مجاملة على حساب حقوق باقي المحافظات. فالنقاط الخلافية مثار الجدال العقيم بين الطرفين، سببُها الدستور وبنودُه غير الواضحة التي تحمل تفاسير متباينة لحساب طرف على آخر. كما تنتظر المكوّنات الأخرى من خارج المثلّث الحاكم، إنصافَها على أساسٍ التساوي الوطني الذي لا جدالَ فيه ولا مجالَ للتأويل فيه خارج النطاق الوطنيّ. وهي في انتظار إقرار ما يثبت حُسن النية، بمنحها إدارة ذاتية بعد استكمال صفحة تحرير مناطقها وإعمار بنيتها التحتية وتعويض أهلِها جرّاء عمليات النهب والسلب والحرق والتدمير الذي تعرضت له من قبل التنظيم الإرهابي، وكذا من قبل قوات التحالف جرّاء العمليات العسكرية ضدّ داعش.
إنَّ جلَّ ما تخشاه شرائح الأقليات اليوم، التأخيرُ في إعادة إعمار مناطقها وغياب البرنامج الحكومي الذي يؤمّن دفع التعويضات المستحقة جرّاء تدمير المساكن والبنية التحتية، إضافة إلى استمرار عمليات النهب والسلب والحرق حتى بعد دحر التنظيم الإرهابي منها. والسبب واضح لا يقبل الشك: ثنيُها عن العودة إلى مناطقها التاريخية، ومن ثمّ وجود نيات شاخصة بإجراء تغييرات ديمغرافية فيها، بحسب الهواجس القائمة في هذه الأيام.



26
في أحدث صحوة عراقية: عودة المرجعيات الموحدة، هل تقود الوطن إلى برّ الأمان؟
بغداد، في 10 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
جميلٌ جدًا أن تنال مبادرتان "وطنيتان" بتوحيد الكلمة، صدرتا لغاية الساعة، ما تستحقّان من اهتمام شعبي وإعلامي وسياسيّ، لكونهما تبثان نوعًا من بصيص أملٍ بتسوية وطنية في نهاية النفق المظلم. ومثل بصيص الأمل هذا، بالرغم من التشبث به فكرًا عقائديًا وهاجسًا لا شعوريًا في آنٍ معًا، إلاّ أنه بالتالي، يبقى عنوانًا محفوفًا بشيء مختلطٍ من الرجاء والخيبة والحذر والريبة، أيضًا. فالمبادرات السابقة، ولا سّيما الصادرة عن الكتل السياسية المنتفعة من العملية السياسية، ما أحوجنا للتذكير بركاكتها وعدم وضوح رؤيتها وفقدانها للمصداقية الوطنية وقصر نظرها في رسم سياسة متزنة ومستقرّة لبلدٍ عانى طويلاً من ويلات كثيرة ومن حروبٍ مدمّرة للبشر والحجر، للفكر والحضارة، للثروة الوطنية والتنمية البشرية. كما أنّ العديد من تلك المبادرات المنقوصة، على العموم، لم يُكتب لها النجاح بسبب أزمة التقة القائمة بين الشركاء الفرقاء، وتجاهل معظمها إيثارَ المصالح العليا للوطن والشعب، وتشبثها بأنانية المكاسب الدينية والطائفية والمذهبية والفئوية والحزبية والشخصية الضيقة التي كانت السبب وراء تفاقم آلام العباد وتأزم أحوال البلاد وتعرّض مصالحها لأزمات متلاحقة أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وزراعيًا وعلميًا وتربويًا وفكريًا وتعليميًا واجتماعيًا وكل ما له صلة ببناء الأوطان ورفاهة الشعوب وحقها بالعيش الآمن.
ويأتي طرح مشروعي المبادرتين "الصحوتين الحديثتين"، الشيعية والمسيحية، في هذا الوقت الحرج من تاريخ البلاد المتأرجح بين الفوضى في العمل والصحوة بضرورة التغيير، بمثابة إشارة واضحة ببلوغ أزمة مصير العراق مفترقَ طرق صعبة: إمّا التكاتف والتصالح وتصحيح مسار العملية السياسية الأعوج بالقضاء على مكامن الفساد والفاسدين وطيّ صفحتهم وصفحة أحزابهم المتاجِرة (بكسر الياء) بالوطن وبالشعب المقهور، أو بقراءة الفاتحة على شيء كان يُسمّى العراق (شنعار)، بلدًا للحضارات التي دوّخت العالم وسادت المنطقة وأعطت من العلم والعلماء ومن القوانين ومن الأدب والشعر وما سواها ما انحنت له الرقابُ إجلالاً وما تزالُ تتذكره الأمم والبلدان وشعوبُ العالم بشيء كثير من الفخر والاعتزاز والإجلال.
من هنا، نحن نعتقد أنّ "مبادرة التحالف الوطني للتسوية الوطنية" -هذا إنْ كان الأخير صادقًا في أساريره- والباحثة عن تسوية وطنية لا تغفل في تطرقها لمجمل التحديات الرئيسية في البلاد، ومنها السياسية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية وحتى الأمنية التي تقضّ مضاجع المواطن البسيط، فهي تعطي إشارة واضحة بالشعور بخطر داهم. وعسى أن تكون ردٌّا شافعًا للباحثين الحقيقيين عن حلول للسلم الأهلي المفقود ولمشاكل الوطن والمواطن التي تفاقمت بسبب صراعات الأحزاب والكتل، جرّاء توجهها الطائفي الذي تبنته أحزاب الإسلام السياسيّ المتجلببة بالدين وأذيالِه بخاصة، وذلك بدعمٍ وتغطية  من الغازي الأمريكي منذ بداية الغزو في 2003. فهذا المنهج الشيطاني في زرع نار الفتنة الطائفية قد نجح فيه الغزاة كالعادة وبجدارة، إلاّ أنّ البلد بالنتيجة، غرق بسببه في عواصف هوجاء من نيران الطائفية والمذهبية والعرقية وفي الفساد الذي نما وطغى وتأصلّ في مفاصل الدولة ومؤسساتها. ومن ثمّ، لم يحصد المواطن البسيط، ولاسيّما من أبناء المكوّنات الأصيلة، العرقية والدينية القليلة العدد، سوى الكراهية والتهميش والإقصاء. لا بل جرى استخدامُهم واستغلالُهم بأبشع الأساليب في صفقات ومساوات بين الكتل والأحزاب عبر التآمر من خلف الكواليس مع الغزاة ومَن معهم مِن داعمي العملية السياسية العرجاء الآخرين. وهذه هي الحقيقة التي يحاول راعي العملية السياسية ومعه الساسة المعنيون، تحويرَها وإنكارها ودفعَ التهم عنهم، كالعادة.
وبالتوازي، جاء طرح مشروع مبادرة المراجع المسيحية، كخطوة استباقية للتحذير من مغبة تجاهل المكوّن المسيحي الذي لم يحظى كغيره من المكوّنات القليلة العدد الأخرى، إلاّ بجزئيات من حقوق مواطنية من الدرجات الثانوية في سلّم الحكم بالعراق، سواء بالأمس البعيد أم القريب. فحكومة التغيير الدراماتيكي الأخير، بساستها "المراهقين" من مزدوجي الجنسية ومن أصحاب المصالح الخاصة، ومن الملتحفين بجلباب الدّين وبطانته ومن المصرّين على تكرار روزناماتهم الطائفية، والمتاجرين بآلام شعوبهم وفقرهم، والمتجاهلين أوضاعَهم المأساوية بل وكيانَهم إلاّ في أوقات الانتخابات كسبًا للأصوات، لم تقوى هذه الحكومة على إحداث تغيير في منهجها الإصلاحي المتعثّر وإنصاف هذه المكوّنات الصغيرة منذ انفجر الشعبُ وثار واحتلّ منصات التظاهر وجالَ الشوارع مطالِبًا بمقاصصة الفاسدين واستبعادهم، وإيكال العملية السياسية إلى أناس تكنوقراط ومتخصصين ووطنيين مستقلّين بعد فشل الفريق الحاكم برمّته لبناء دولة مدنية متمدنة. والسبب واضح، وهو عدم وجود نية حسنة وإرادة طيبة للتفاعل مع مطالب الشعب عامة، ومع حقوق أبناء المكوّنات الصغيرة ومساواتهم في المواطنية والحقوق على أساس مبدأ المساواة والعدل والحق مع غيرهم من أبناء الوطن. كما أنّ الدستور الذي صارَ شماعة متهرّئة للكتل والأحزاب المتنفذة في التشبث به وعدم وجود رغبة في تعديل الكثير من بنوده المجحفة بحق هذه المكوّنات المقهورة والمهمَّشة، لم ينصفها لدى كتابته بسبب سطوة الكتل الكبيرة وقادة الأحزاب على مقاليد السلطة وأدوات التشريع. يُضاف إلى هذا، تركُ الغازي الأمريكي راعي العملية السياسية، الحبلَ على الغارب عندما لم يجهد النفسَ بردع فساد الساسة وسطوتهم، وعدم فرضه الرأيَ التشاركي في العملية السياسية لجميع المكوّنات من دون تمييز من خلال تقديم المنطق الإنساني والوطنيّ في كتابة بنوده، ما قد أسهم هو الآخر بتهميش هؤلاء "المقهورين". وهذا من ضمن أسباب أزمة الثقة المتنامية من طرف العقلاء والبسطاء من عموم الشعب إزاء السلوكيات المشبوهة للغازي الأمريكي والسائرين في ركابه من دول وشعوب ممّن لم يجهدوا النفس بردع أساطين الحكم ونهيهم عن الفساد والاستئثار بكلّ شيء وحثّهم للابتعاد عن آفة المحاصصة القاتلة بسبب توجهاتهم الدينية والطائفية والعرقيّة، وتركهم يتقاسمون الكعكة بين ثلاثيّة متلازمة لغاية الساعة: العرب الشيعة والعرب السنّة والأكراد، حصرًا.  لذا، لا يصحّ التركيز في رسم مبادرة التسوية الجديدة المقترحة للتحالف الوطني، على أساس خيارات سابقة أثبتت فشلَها حينما تجاهلَت أحقية مكوّنات أخرى من خارج المثلث الحاكم في الشراكة الكاملة بالوطن وسلطانه وثرواته وسياساته. وما على ذوي الشأن والدراية والسلطة إلاّ أن يصححوا الخطأ السابق، ويضمنوا الوجود التاريخي والإنساني والحضور البشريّ للمكوّنات الدينية والعرقية المختلفة عن هذا المثلث الحاكم الذي لم ينصفها فيما مضى.
وللتذكير فقط، كانت هناك قبل أكثر من عامٍ، مبادرةٌ سابقة لمراجع مسيحية معتدلة ومنفتحة للمّ وحدة الكلمة وتوحيد الخطاب المسيحي بمرجعية مسيحية سياسية مستقلّة جامعة لأحزاب متواجدة على المشهد السياسيّ ولنشطاء مدنيين مستقلّين ومثقفين وأكاديميين وأصحاب فكر. لكنّها اصطدمت بإرادات أنانية، كنسية ومدنية، وكذا من جانب أحزاب وممثليهم ممّن يعرفون فقط قولَ ما يُلقَّنون إياه من مرجعياتهم والتمسّك به بأسنانهم وبكعبِ أرجلهم خوفًا من فقدان مواقعهم ومكاسبهم وامتيازاتهم الطائفية والخاصة. وتأتي مبادرة البطريرك لويس ساكو في عينكاوا، في الأيام الخوالي، بجمع الرؤساء الروحيين لكنائس العراق وبمشاركة رؤساء الأحزاب المسيحية، للتباحث بشأن مستقبل المسيحيين، كخطوة متكررة ومؤكِّدة (بكسر الياء) لمبادرته السابقة التي استجاب لها آنذاك ذوو النوايا الطيبة، وكادت ترقى إلى مستوى تحقيق الهدف بتشكيل مرجعية مسيحية سياسية جامعة مستقلّة، تأخذ على عاتقها تسيير دفّة المكوّن المسيحي وتوحيد خطابه ومطالبه. فذات الفكرة التي سعت إلى تحقيقها لجنة هيئة الرأي سابقًا، وكاتب هذه السطور كان من بين أعضائها، ها هي تتبلور من جديد للترويج لتشكيل هذه المرجعية، تماشيًا مع مقتضيات الظرف المصيري الحالك الذي من شأنه رسم مستقبل "هوية المكوّن المسيحي" في هذا البلد، لاسيّما بعد تحرير المناطق االمغتصَبة من قبل داعش الإرهابي التي كان استولى عليها قبل أكثر من عامين في الموصل وسهل نينوى حيث التواجد الأكبر لأتباع هذا "المكوّن" المسالم. ونظرًا للأجواء المشحونة و"التكَأكُؤ" والتكالُب الباديين من جهات عديدة متنافسة تسعى للانقضاض على مناطق هذه المكوّنات، باستغلالها للظروف الأمنية وفراغ السلطة وهشاشة المواقف السياسية لدى شرائح أخرى تجهل التعامل مع حقوقها كما يجب، فقد جاءت هذه المبادرة من رئاسة الكنيسة في العراق، كي تسعى لإنقاذ ما يمكن وتضع حدودًا للصعوبات والمناكفات والسجالات بسبب تقاطع مصالح أطراف تحاول الاستئثار بالواقع الراهن. ونأمل أن تتوصل اللقاءات الأخيرة، إلى اتفاق مشترك ومقبول يسهّل التفاهم والتحاور مع شركاء الوطن الآخرين على أساس المواطنة الكاملة وغير المنقوصة وفرض وجود "المكوّن المسيحي" قبل غيرِه من التسميات، فعلاً وليسَ قولاً، فحسب.
ومع ترقب صدور اتفاق حاسم يرسم ملامح مصير هذا المكوّن الأصيل في نسيج الشعب العراقي، لينضمّ إلى مشروع مبادرة التسوية الوطنية المطروح للتحالف الوطني، يتطلّع العقلاء، مبادرةً من باقي المكوّنات الأخرى التي لم تحسمْ تشكيل مرجعياتِها بعدُ، تسهيلاً للتفاهم والتحاور وبلوغ مأرب التسوية الوطنية الشاملة والمصالحة المجتمعية الصادقة، إنْ صدقت النوايا وحسنت الأفعال لا الأقوال. فما زال المكوّنُ السنّي منشقًّا على ذاته، غيرَ جامعٍ لكلمتِه، متأرجحًا بين الردّ والصدّ، غارقًا في أحلام فقدان الحكم وعدم قبول الواقع الحاضر. فالحاضر هو الذي يبني المستقبل وليسَ الماضي القديم الذي فات وماتَ. فهذا الأخير قد أفلَ ولن يعود كما كان بصيغته السابقة. بل من الممكن عودتُه بحلّة قشيبة وهيئة عصرية مجدِّدة للفكر والروح والذهن من خلال الشراكة الكاملة، إنْ صلحت الإرادات واجتمعت الآراء حول فكرة البناء والإعمار ورأب الصدع القاتل وزوال أزمة الثقة القائمة بكلّ قوتها. وهذا ما هو مطلوب من باقي المكوّنات الأخرى التي يتشكّلُ منها نسيج المجتمع العراقي، كي يعود فاعلاً متجدّدًا قاهِرًا لكلّ العوارض القديمة التي أعاقت تقدّمَه وقطعت طريقَ تطوّره بسبب الأنانيات المقيتة وتنامي الغيرة والنفاق والرياء. علّ المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة التي تعهدت بضمان أي اتفاق وطنيّ يدعم السلم الأهلي والمصالحة، تحافظُ على وعودها، وتسعى من جهتها لتذليل الصعوبات التي تعترض ممرّات هذا الطريق الشائك.
وهذه مناسبة جديرة بدعوة أصحاب المبادرات التصالحية الحديثة، للبحث عن تسوية سياسية وطنية جامعة حقيقية وغير مرحلية، تتضمن إصلاحات جادّة تؤثر المصالح العليا للوطن والشعب على غيرها من المكاسب الطائفية والحزبية والخاصة التي تربّوا عليها وتشبثوا بها ويصرّ البعض على المضيّ فيها، بالرغم من فشلها الذريع. لقد آن الأوان أيضًا، وجدَّ الجِّدّ في هذه المرحلة المصيرية التي تقترب فيها البلاد من القضاء على أعتى تنظيم إرهابيّ أحكمَ سطوتَه على أكثر من ثلث الأراضي العراقية، للابتعاد عن البكاء على المظلوميّات الحصرية السابقة، التي أصبحت من الماضي. فمَن كان بالأمس خارج السلطة مظلومًا، قد تهيّأت له فرصة الحكم، وعليه إثبات الجدارة فيها وليسَ البكاء وزيادة وسائل اللطم والإيغال في الأدوات التي تصاحب هذه الممارسات الاستفزازية وما سواها، ممّا يزيد التخلّف والتأخر في تقدّم البلاد وتطوّرها ونمائها وكذلك في إبقائها في دائرة الفكر المتأخر عن ركب العصرنة والتمدّن. فمثل هذه الأفعال والمظاهر التي أُفرغت من محتواها العقائدي ومن قيمها الشعائرية المقدسة، لم تعد تستقيم مع ظروف البلد المصيرية، ولا تتجانس مع الحاجة لرصّ الصفوف وحشد الطاقات اللاّزمة من أجل البناء والإعمار التي تحتاجها البلاد المجروحة والغارقة في الفوضى التنفيذية لمؤسسات الدولة وغياب القانون. وهذا ما يشير إليه فراغُ المشروعات والمبادرات التقليدية المقدمة من الأحزاب والكتل الحاكمة من نفحة وطنية ثاقبة للبناء ومن غياب بُعد الرؤية لمستقبل وطن وشعب فقدا الثقة بمَن أتى بهم الغازي الأمريكي كي يحكموا بغير جدارة ولا كفاءة ولا حرص على البلاد والعباد. 
هي فرصة أيضًا، للكفّ عن النفاق ووسائله المستهجنة، والابتعاد عن المزايدات الماكرة وتزايدها، والاستحياء من ممارسات صبيانية بمسح الجلابيب وإطالة الصلوات الباطلة والتنافس في المناسبات الدينية والمذهبية التي أخذت طابعًا دعائيًا لتحقيق مكاسب ضيقة وطائفية وفئوية على حساب قدسية هذه المناسبات. لقد قالت الكثير من المرجعيات الدينية المتزنة كلمتَها وأبدت رأيها فيما يجري أمام الأنظار، بل واستهجنت بعضُها مثل هذه الممارسات والطريقة التي تحاول بها أطرافٌ سياسية انتهازية توظيفَها لصالح مصالحها الخاصة على حساب الوطن والشعب. لقد كان الأجدر بالساسة بعد السقوط ومَن يقف وراءَهم، أن يكفّوا النحيب والبكاء بسبب شمّاعة المظلومية. فالجميع كان مظلومًا، هذا إنْ لمْ يكن مثلُ هذا النفر من الباكين اللاّطمين على مدار السنة، هو نفسُه قد ظلمَ نفسَه وجارَ عليها بفعل تصرّفات بالية ومتخلفة وطائفية لا تُؤكل ولا تسمّن.
 كفى تذكيرًا بالماضي؟ ولنعش الحاضر ونفكر بالمستقبل. فإلى متى يبقى زعماءُ الشعب وحكّامُه يتغنون بالمظلومية وينتحبون، فيما الحكمُ والمال والجاه والثروات كلّها بأيديهم، وشعبُهم خالي الوفاض من خدمات أساسية ومن أمن واستقرار وراحة بال؟
هي فرصة بالتالي، للمكوّنات السائرة في ركاب المثلّث الحاكم أو خارجه، كي يقولوا كلمة حق بوجه الظالمين والفاسدين وناهبي الثروات الوطنية أمام أعين الشعب والمرجعيات، من دون أن ينال القضاءُ من واحدٍ كبير ومتنفذٍ من بين صفوفهم، بسبب ضعف موقفه وعدم استقلاليته والضغوط التي تُمارس عليه. فهل نترقب سياسة جديدة للأحزاب الحاكمة تُؤسّس لعصرنة "دولة مدنية" بإمكانها الخروج من النفق المظلم الذي وقعت فيه وغرقت بسببه في فوضى خلاّقة اكتنفها العنف والظلم والقهر والتهميش والقتل على الهوية والتزوير والتهديد والاستيلاء على عقارات الدولة وعلى منازل المواطن البسيط بشتى الطرق والوسائل؟ وهذا لن يحصل إلاّ بشراكة حقيقية وفاعلة لجميع الفعّاليات الاجتماعية ومكوّنات الشعب بغض النظر عن دينها وعرقها ومذاهبها وطوائفها ومسمّياتها الأخرى. فالمعادلةَ السياسيةَ للبلاد والسلمُ الأهليّ لم يكن ليكتبَ لها الانهيار إلى المدى الذي شهدناه بعد السقوط ولغاية اليوم، لولا ما حصل من اختلالٍ في العملية السياسية وسوء احترامٍ في العلاقةِ بينَ السلطةِ الفاسدة وأحزابها الانتهازية إزاء الشعبِ المقهور، وخاصة تلك التي انتهجت خطً الأيديولوجيا الدينية أو تجلببت بنهج طائفيّ مقيت كسبًا للأصوات وتقرّبًا من المرجعيات ذات التأثير الواضح في العملية السياسية.


27
القومية الشعوبية تهدد حقوق الإنسان والأمن في أوروبا
بغداد، في 20 أيار 2016
لويس إقليمس
دخلت أوربا بعد عام 2015، مرحلة حرجة من حياتها "الغربية" التي تطبعت عليها منذ تشكيل هيئتها تحت ظلّ مسمّى الاتحاد الأوربي في 9 ايار من عام 1951 والسنوات التكميلية اللاحقة بمؤسساتها، كقوة سياسية واقتصادية ونقدية لها وزنُها وثقلُها على صعيد الأسرة الدولية. فقد شهدت مرحلة التأسيس، محطات كثيرة من الاندفاع حينًا والتأنّي حينًا آخر، ومن التقدم والتراجع في غيرها، لغاية بلوغها ما وصلت إليه، حين توحيد وحدتها النقدية "اليورو" في عام 1999 والتي تعمل بها تسع عشرة دولة عضوًا في هذا الوقت. ونتيجة لنوع الحياة المستقرّة في معظم أراضيها، إلى جانب الرفاهة والحرية الشخصية والمعتقداتية والفكرية التي تتمسك بها عنوانًا لسياستها العلمانية -المدنية من حيث المبدأ، فقد أصبحت دولُها مناطق جذبٍ مستثارة وحلمًا  ورديًا لطلاّب الراحة والاستقرار بالنسبة لمواطني بلدان تزايدت فيها المظالم واشتدت الحروب وكثرت أعمال القتل والتهميش، ما دفع جيوشًا من اليائسين والناقمين على حكام السلطة في هذه البلدان "التعبانة"، كي يديروا ظهورهم لأوطانهم المثقلة بالمشاكل والأزمات وينشدوا أرض الحرية والديمقراطية ونظارة الأرض وتسامح البشر واللقمة النظيفة.
يعبّرُ السكرتير العام للمجلس الأوربي جاغلاند، في تقريره السنوي الصادر مؤخرًا، عن مخاوف متزايدة من تعرّض قاعدة حقوق الإنسان والديمقراطية والأمن في القارة الأوربية إلى تهديدات خطيرة قائمة على أصعدة عديدة. فدول الاتحاد الأوربي مجتمعةً، وجدت نفسَها واقعة في دوّامة جدلية حول مستقبلها ومصير اتحادها وأراضيها وبشرها على السواء، حيث تشير أحداث السنة الماضية التي مرّت على عموم أوربا، إلى تفاقم مشاكلها المتعددة، ومنها تلك الأمنية التي أخذت مديات متفاقمة ومقلقة للغاية، بعد الهجمات الإرهابية التي ضربتها في عقر دارها وفي مؤسساتها ومراكز فنونها ومواقعها التربوية والفكرية والحضارية والدينية والاقتصادية، من دون استثناء. وبالتأكيد، فإنَّ من نتائج ما أحدثته تلك الأحداث الدامية من بلبلة ورعب وخوف مبرّر وسط العامة، جعلت بعض زعامات أوربية وحكوماتها ومنظماتها تلجأ لإعادة حساباتها بسببٍ من ضغوط شعوبها الأصيلة التي انحازت لأوطانها قوميًا ووطنيًا ودينيًا بعض الشيء، ومنها ضغط الشعوبيين واليمينيين.
قصارى القول، أنّ القارة العجوز، قد دخلت غبّ تلك الأحداث في معركة من نوعٍ جديد في مقارعة أزمات ومشاكل عديدة، ومنها تلك التي أُقحمت بها، سواءً بفعل سياساتها بين الشعوب ومع الدول والحكومات أو من دون رغبتها. فقد أُضيف إلى شبح الإرهاب الذي طالها وأصبح من أكثر الهواجس لديها، كابوسُ الهجرة الشرعية وغير الشرعية الذي غزاها على شكل موجات بشرية هائلة غير قابلة السيطرة والتنظيم قبل عام وما زال قائمًا بوتيرة أخفّ. وفي مراجعة دقيقة للحدث، يبدو للعيان أنّ ذلك وقع وفق فعلٍ ممنهج من خلال تدفق طالبي اللجوء وبتحريض من جهات دولية ودول إقليمية، بالرغم من عدم خلوّ هذا الغزو البشري الهائل من إشكالات واندساس لعناصر أرادت الانسلال بهدف إلحاق تغييرات في الديمغرافيا والواقع والفكر والمعتقد، على السواء. فما أُعلن على لسان بعض مَن اقتحموا حدود الاتحاد عبر الممر الرسميّ في تركيا مثلاً، كفيلٌ بشرح ما في جعبة هؤلاء وفي كشف النوايا والرغبات والطموحات، سواءً بدراية من دول الاتحاد أم بغفلةٍ منها ومن دون أن تعي حجم الكارثة التي ستتعرّض لها لاحقًا.
من دون شكّ، هؤلاء الهاربون من جحيم بلدانهم، هم بشرٌ في نهاية المطاف، ومن حقهم اللجوء وطلب الأمان إلى الأرض التي تحترم خصوصياتهم وأمنياتهم وتؤكلُهم وتشربهم وتحنو عليهم كبشر، وليسَ مثل حثالة البشر والمهمّشين وفاقدي الحقوق، وهي الصفة التي يُعاملون بها في أوطانهم الأصلية. فهذه الحشود المهاجرة قسرًا، قد أدركت بما لا يقبل الشكّ، أنَّ البلد الذي لا يحفظ لهم كرامتَهم ويمنحهم حقوقًا آدمية وإنسانية، لم يعد لهم أرضًا صالحة ولا وطنًا يستحق الاحترام، طالما أنه غير قادر على الدفاع عنهم ومنحهم الحقوق المترتبة عليه كبشر. بل هؤلاء يكونون قد وجدوا ضالّتَهم في هذه الأرض الأخيرة التي ضمنت لهم الأمان والحرية والكرامة ولقمة العيش الرغيد. من هنا، توجب هذه لهم هذه الحقوق واجبات الضيافة الدنيا، بالتصرف وفق مبدأ احترام مَن فتح لهم الأبواب وقدّم لهم المأوى ومنحهم المأكل والملبس والحرية والكرامة التي فقدوها في بلدانهم الأمّ. لكنّ واقع الحال، يشير إلى استغلال هذا الوضع المتسامح وسياسة فتح الأبواب والحدود من جانب نفرٍ من المهاجرين المغرضين، من أجل تحقيق ما يعتقدهُ هذا النفر الضالّ من مآرب وغايات دينية وطائفية وشعوبية وقومية "نازية" بنسختها المعاصرة التي يسعى إليها أصحاب الأيديولوجيات المتشدّدة ودعاة التطرّف في الدين والمعتقد والقومية على السواء. وهذا من شأنه أن يضعف الثقة في المؤسسات الوطنية والأوروبية، إن لم تعي خطورة الموقف وتضع الاستراتيجيات الضرورية لمعالجة مواقع الخلل في سياساتها إزاء الهجرة غير النظامية في الأسلوب والاختيار والتوطين.
ربما، شرعت مؤخرًا، بعض الدول التي شملتها موجات الهجرة واكتوت بنشاطات إرهابية، شارك فيها نفرٌ من المهاجرين الذين تم استقبالُهم بغفلة ودون تمحيص، بكشف الثغرات وفي معالجةٍ، ربما لا تتفق مع المعايير الدولية التي تنشدُ المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ومنها ما يشتمل على حرية التعبير والفكر والتنقل وحرية التجمع واحترام الخصوصيات. والهدف واضح ومبرّر، وهو الحدّ من محاولات تعكير صفو الأمن العام والحياة المسالمة لشعوب بلدانها، في محاولة للتهدئة والتطمين، مقابل صيحات الغضب والرفض من الشعوب الأصيلة إزاء موجات الهجرة الجارفة التي غزت الأرض والاقتصاد والفكر وطبيعة الحياة المنفتحة.
لكنّ راصدين للموجة ومسبباتها وحيثياتها وبسبب من المعالجات غير الحريصة وغير المطمئنة من جانب بعض دول الاتحاد في بعض الأحيان، من جهة أخرى، يرون أنّ بعضًا من هذه المعالجات غير الرصينة، إنما هي من علامات الانحلال والضعف في النظام الأوربي. وبحسب غيرهم، فهي تشير إلى قصر نظر في رؤية المشكلة وفي المعالجة، لكونها لا ترى المشكلة في بُعدها الأبعد والأوسع وفي نتائجها الكارثية لاحقًا. بل إنّ البعض يرى في القوانين الأوربية التي تتطرّق إلى هذه المعضلة، خطورة وعلاجًا غير مقبول، في حالة عدم الأخذ بكامل حيثياتها والتوقعات في نتائجها. وهي بالتالي، أي هذه المعالجات، لا ينبغي أن تخرج عن إطار الرؤية الواضحة في كيفية احترامها لخصوصيات شعوبها الأصيلة وبما لا يتناقض ولا ينعكس سلبًا على موضوعة حقوق الإنسان، الذي ينبغي التطلّع إليه والالتزام به بمقدار ٍ من الحذر الواجب، بالرغم من كلّ ما يعتري هذا الموضوع من منغّصات ومزالق ومخاطر. وهي بالتالي تتطلب معالجة مجتمعة وموحدة في الموقف والرؤية والسياسة التي تحقق المصلحة العليا لبلدان الاتحاد، كي لا يفقد هذا الأخير توازنَه وثقلَه الدولي ومصداقيتَه لدى شعوبه الأصيلة، فيخسر بالتالي دورَه الريادي في تطبيق مبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية، الحلم الذي ينجذبُ إليه المهاجرون، من دون تحديد المواقف والأهداف.
في المجمل، بروز هذه المشاكل وما لحقها من نتائج، قد استدعت إصدار حزمة من القوانين والتعليمات بهدف المعالجة الآنية، ولكنها لم تحلّ المشكلة تمامًا، ولن تستطيع ذلك. والسبب ببساطة، لأنّ الأحداث الدامية والرهاب المتكوّن بسببها قد شكّل أرضية خصبة لتنظيمات قومية شعوبية ويمينية ترفض ما حصل وتقف بالضدّ من تغلغل الغرباء في مجتمعات كانت حتى الأمس القريب محافظة على سلميتها وحضارتها وعاداتها وتقاليدها وعلمانيتها ونظامها المدني الذي أُريدَ ضربُه في العمق بهدف الإلغاء والقضاء عليه لأسباب متباينة. وهذا استدعى أيضًا، استحثاث النظام القضائي ليأخذ دورَه في إيجاد معالجة وسطية بين ما حصل وما يريدُه شعبٌ آمنٌ تطبَّعَ على حياة الديمقراطية المفتوحة والحرية والفنّ والجمال والرفاه واحترام الآخر.
نقول مثلاً، لا مجال للشكّ في قدرة النظام القضائي في أوربا، بالبقاء ضمن خانة الحيادية والاستقلالية، باعتبار المبدأين من الأقطاب الأساسية التي تكشف وتسلط الضوء على أشكال التدخلات السياسية غير المقبولة وأنواع الفساد الموجود وحالات عدم احترام للأعراف التقليدية، التي هي من بين العديد من الهموم ومصادر القلق التي تحيق بدول الاتحاد. ولعلّ من بين النقاط مثار الجدل، وممّا طفا على السطح في نموّ متزايد، ما يسمّى بظاهرة "القومية التشريعية" التي تحاول اجتياز المعايير المتعارف عليها دوليًا، إزاء معالجة موضوع اللاجئين والمهاجرين بصورة أكثر استحثاثًا. فهذه، من وجهة نظر البعض، تتعارض جزئيًا مع معايير المبادئ التي عُرفت بها دول وشعوب القارة، بالرغم من كون الأسباب والهواجس تمنح لها مثل هذه الإجراءات الاستثنائية بعض الشيء.
في جانبٍ آخر لا يقلّ أهمية عن سابقه، تشير مراكز الرصد للحريات الصحفية والإعلامية، أن هذه الأخيرة قد تراجعت بعض الشيء في العام المنصرم في أكثر من نصف دول الاتحاد الأوربي (47 دولة)، من حيث تزايد أساليب القمع وإلحاق الأذى بالأسرة الصحفية بوسائل متنوعة. إضافة إلى حشر جهات منتفعة، سياسية واقتصادية وسلطات حاكمة، لنفسها في عمل الأوساط الإعلامية وبتدخلها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عملها وفي عرض ما تراه من أحداث وفق رؤياها على الأرض. ولم تخلُ مواقع التواصل الاجتماعي من بعضٍ من هذه المنغصات في المراقبة والملاحقة والمصادرة والمحاسبة!
بالتالي، عندما يحصل التأكيد على دور القضاء المستقلّ في النظر إلى هذه المسائل المقلقة، فلكون هذا القطاع هو الضامن للاستقلالية والحيادية في الحكم على ما يجري بعد اختلال التوازن في سلسلة من الممارسات اليومية التي غيّرت في واقع حال دول الاتحاد. من هنا، ترتب على المجلس الأوربي أن تتضامن دولُه وتضع حكوماتُه خططًا ثاقبة وشفافة من أجل تعزيز دور القضاء وسلطاته في الحياة اليومية لشعوبه المتنوعة دينيًا وإتنيًا ولغويًا. إذ لا بدّ من التعاون مجتمعين من أجل إزالة هواجس الخوف والرهاب والتمييز والتعصب التي احتلت مكانَها بدلاً من التماسك والتسامح والتضامن والانسجام والاندماج، نتيجة لصعوبة تطبيق هذه الأخيرة، أو لعدم إيمان القادمين الجدد بهذا السلوك في الحياة المختلف عمّا خبره المهاجرون المختلفون في الأصول والمبادئ والاستعداد للاندماج المطلوب مع المجتمعات الجديدة.
باختصار الكلام، هناك ثغراتٌ كثيرة قد خلقتها الأحداث الأخيرة منذ عام، وماتزال وتيرتُها ومعالجاتُها غير مستوفية للقدرات وغير متمكنة من احتواء جلّ المشكلات التي تحيط القارة الأوربية. وهي تستدعي سيلاً من العلاجات التضامنية والتعاون على أصعدة عديدة، من دون أن تنتهك هذه الأخيرة نظام الحياة الخاصّ الذي تطبّعت عليه شعوبُها، أو أن تخرج عن القيم الدينية والإنسانية المعروفة بها، بحجة الالتزام بمعاهدات حقوق الإنسان على حساب شعوبها الأصيلة ومصيرها ومستقبلها. وإلاّ، فإنّ تيارات اليمين المتطرف والقوميين الشعوبيين سيكون لهم كلمتُهم الفصل في مستقبل ومصير القارة.

28
دائمًا، من أجل بيئة نظيفة
بغداد، في 20 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
أنهت قمّة المناخ العالمية السنويةCOP22 ، المنعقدة للفترة من 7-18 تشرين ثاني 2016، في مراكش العاصمة المغربية، أنهتْ أعمالَها بإشرافٍ من المنظمة الدولية. وقد وصفها وزير البيئة المغربي بقمّة تنفيذ قرارات قمّة باريس، من خلال التوصل لإقرار خطة عمل لتطبيق الاتفاق المذكور، والهادف لتقليل نسبة الاحتباس الحراري على الكرة الأرضية دون درجتين مئويتين، من أجل خلق بيئة نظيفة للبشر على الأرض حتى عام 2018. 
ويأتي هذا الحدث المهمّ على الصعيد الدوليّ، تتمّة ومتابعة لقمّة باريس الناجحة بكلّ المقاييس 1COP2، التي عُقدت قبل عامٍ من ذات الشهر، والتي اختتمت آنذاك في 12 كانون أول 2015، بتوقيع 175 دولة من مجموع الدول ال 195 المشاركة، على الاتفاقية التاريخية إجماعًا وإقرارًا. ونصت الاتفاقية الموقعة آنذاك، على احتواء ظاهرة الاحتباس الحراري دون معدّل 2 درجة مئوية عمّا كانت عليه قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة تكثيف الجهود للوصول إلى تحديد وتقليل ارتفاع درجات الحرارة دون 1,5 درجة مئوية. ومع نجاح المفاوضات المكثفة بين الدول المشاركة فيها آنذاك، فقد تُرك لكل دولة وضمن حدود إمكانياتها، بذلَ جهود للعمل على التقليل من نسبة الانبعاثات الحرارية ومن مصادرها. 
في الواقع، وعلى الصعيد الدوليّ، تكون قمة باريس، قد وضعت حدّا لأشكال المراوغة والمماطلة والتردّد التي سادت القمم السابقة من غير نتيجة حاسمة وواضحة للمشاركين بسبب خلافات وتقاطعات. لذا كان دخول اتفاقية باريس للمناخ حيّز التنفيذ في 4 تشرين ثاني 2016، انتصارًا كبيرًا لأنصار البيئة وللكرة الأرضية في مواجهة التحديات المناخية التي تهدّدها بسبب التكنلوجيا الملوّثة وأدواتها ومصادرها الكاربونية التقليدية القديمة التي تنتظر التجديد والابتكار، إلى جانب الحروب المدمّرة للحجر والبشر، التي تستخدم شتى انواع الأسلحة التي من شأنها إصدار الإشعاعات وتلويث البيئة من دون حسيب ولا رقيب ولا رادع.
السلطات المغربية المعنية التي استضافت القمة الجديدة بنسختها 22، أشارت في حينها إلى أنَّ من بين أهدافها، متابعة العمل على التخفيف من آثار التغيير المناخي السالبة وتقليل الاحتباس الحراري، وأيضًا البحث عن ابتكارات جديدة تتعاطى مع ضرورات التكيف للتطورات المناخية السائدة والمتوقعة. هذا، إضافة إلى سعيها لتطوير أدوات عملية قابلة التنفيذ تمّ الاتفاق عليها في القمتين المناخيتين السابقتين: في ليما، عاصمة بيرو 0COP2 عام 2014، وفي باريس 1COP2 عام 2015.
يذكر أنّ مراكش، العاصمة المغربية، كانت قد استضافت القمّة السابعة أيضًا، في عام 2001. والمغرب يُحصى من بين الدول الأربع الأولى عالميًا في تحلّيه بصفات النقاوة البيئية إلى جانب كلّ من كوستاريكا والبوتان وأثيوبيا، من حيث التخطيط لاستخدام الطاقة المتجددة على مراحل لغاية 2030، ومنها الاستفادة من الطاقة الشمسية في مشاريع البلاد المتنامية. 
إزاء هذه الإشكالية البيئية العالمية، التي يبقى البتّ قائمًا بوضع حدودٍ لأدواتها ومصادرها، لا بدّ للقوى الكبرى المهيمنة على صناعة القرار، أن تعي حجم الدمار الذي تلحقه ماكنتُها العسكرية والصناعية ضدّ إنسان اليوم والأرض التي تضمُّه، باستخدام هذه الأدوات وغيرها من المصادر غير النظيفة، ما أرَّقّ حياتَه ووضعَ صحتَه والهواء الذي يستنشقُه والطعامَ الذي يتناولُه على المحكّ. فزادت الأمراض وتعسرّت غيرُها وظهرت أخرى لم تكن في الحسبان. وهذا ما يتطلبُ تكاتفًا وتنسيقًا دوليّين للحدّ من مثل هذه الظواهر القاتلة، كما حصل تمامًا في قمّة باريس للمناخ، التي عُدت قمّة القرارات. 
لقد ترقب العالم ومعه جميع أنصار البيئة أن تتولى قمة مراكش وضع ما تمّ الاتفاق عليه في نسختها السابقة، حيّز التنفيذ، تمامًا كما كانت تطلّعت إليه الدولة المضيفة، فرنسا، وكما طمحَ منظمو هذه النسخة الجديدة كي تكون قمّة الأفعال والتنفيذ والتطبيق للاتفاق التاريخي الموقع في 2015. وبحسب مصدر في برنامج الأمم المتحدة للتنمية، أنّ باريس التي تولّت التصميم والتخطيط، وجدت مراكش تشمّر عن ساعدها لتطبيق الاتفاق وتنفيذه بالإجماع لصالح الجميع. وهذه إشارة مهمّة لبروز نضج ٍ دوليّ بخطورة التصاعد المخيف في درجات الحرارة بصورة مطّردة، ما أصبح يهدّد الكون وما فيه من ماء ونبات وأرض وبشر. ومثل هذا التخوّف والتحذير من تفاقم خطورة المناخ العالمي، يأتي عبر الإجماع الدولي على تنفيذ اتفاق باريس الذي توسّم فيه الجميع خيرًا، بعدِّه قرارًا دوليًا صائبًا لا رجعةَ فيه، وأنّه آخِذٌ طريقَه إلى التنفيذ بعد إكمال جميع فصوله في القمة المناخية الأخيرة في مراكش. حيث من المؤمَّل الانتهاء من تفاصيل تقنين اتفاق باريس في 2018، الذي تحدّدَ فيه إكمالُ الإجراءات الوقائية للجولة الأولى من تطبيق الاتفاق المذكور الذي دخل حيّز التنفيذ بداية تشرين ثاني 2016 بترجمة الأقوال إلى أفعال واقعة. 
من هنا، تكون خارطة الطريق قد ضمنت للعامين المقبلين فترة من الاستعداد الكلّي لما يترقبه الجميع في القمة بنسختها ال 24، التي ستعُقد بعد عامين، والتي ستشهد تنفيذ الآليات المتفق عليها في قمّة باريس بكلّ تفاصيلها وإجراءاتها، عندما ينبري الجميع للضغط على اتخاذ ما يلزم من أجل تقليل نسبة الارتفاع في درجات الحرارة، كلّ حسب مقدرته وما يسمح به الظرف. وإنَّ أيَّ تقاعس في هذه الجهود، سوف يحيل مشروع الاتفاق الموقع عليه إلى كارثة بيئية تنذر بالخطر الداهم الذي قد يرفع درجات الحرارة إلى 5 درجات مئوية، كما يتوقعه خبراء البيئة، انطلاقًا من واقع حال النشاط الصناعي المتنامي للدول والشركات التي تتبارى وتتنافس صناعيًا من أجل المزيد من الأرباح والتفوّق.
إنّ هذه المعركة البيئية، تواجه اليوم تحديات كبيرة من جانب الدول النامية بسبب قلّة الأموال المخصصة لمشاريع التخفيف من الاحتباس الحراري، وبسبب عدم قدرة بعضها على تمويل هذه المشاريع الضرورية. كما أنّ الأزمة الاقتصادية العالمية، قد تقف حائلاً دون تنفيذ جميع بنود الاتفاقية، في حال تواصلت هذه الأزمة وتخفيض الميزانيات المخصصة التي تحتاجُها الدول الفقيرة التي ستتأثّر بسبب تعطيل ماكينتها الصناعية للمشاريع التي تعتمد على الوسائل التي من شأنها التأثير على المناخ وأدواته، والتي تشكل مصدرًا مهمًّا في ميزانياتها. فالتمويل، من أهمّ أدوات هذه المعركة، لا بل هو عصبُها الرئيسيّ، من دون شكّ. 
وللتذكير فقط، فقد كانت قمّة كوبنهاغن المنعقدة في 2009، قد وعدت بتقديم مبلغ 100 مليار دولارًا تُصرف سنويًا لغاية 2020، من قبل الدول المتقدمة في الشمال لتشجيع الدول النامية في الجنوب، بهدف التعاطي الإيجابيّ مع تأثيرات تطبيق الاتفاقات المناخية وما قد تلحقه هذه باقتصاد الدول الفقيرة من نقص في الموارد وفي الإنتاج الصناعي البدائيّ فيها وفي تحوّلها التدريجي المنتظّر إلى مشاريع الطاقة المتجدّدة. إلاّ أنّ الأزمة العالمية التي يمرّ بها اقتصاد العالم، ولاسيّما في الدول المانحة، تثير الشكوك بإمكانية جمع مثل هذه التخصيصات. فما تزال جهود المنظمة الدولية والجهات الساندة متعثرة في جمع الأموال الّلازمة. هذا إلى جانب بروز خلافات حول ضرورة صرف الأموال الموعودة بالتساوي في مجالين يحتلان الأولوية، أي في التكيّف أولاً، مع مسألة الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري والثاني في التخفيف من تأثيراتها. وهاتان الجزئيتان ما تزالان موضوع خلاف بين الشمال والجنوب، حيث تشكو الدول النامية من انخفاض التخصيصات بشأن موضوعة التكيّف مع المشكلة، بحيث لا تتعدّى هذه ما معدلُه 16% من التمويل الإجمالي الموعود للاتفاقية.
ويبدو أن الأزمة الاقتصادية العالمية وما يمرّ به العالم ومناطق عديدة من صراعات وحروب وانخفاض الواردات بسبب تهاوي أسعار النفط العالمية منذ أكثر من عام، قد ألقت بظلالها على قمة مراكش. فقد تميزت القمّة، كما لاحظت أوساط مطّلعة، بأنّ ممثلي الدول الصناعية الكبرى المعنية بموضوع أزمة المناخ أكثر من غيرها، قد شاركوا فيها خالي الجيوب ومن غير إعلانات برّاقة وواضحة تحمل مشاريع للتمويل. وإذا كانت بعض دول الشمال تتطلّع في تقديراتها بمساهمات قادمة من جهات غير حكومية أو من شركات كبيرة أو أفراد أو منظمات، فإنّ التقديرات في هذا الجانب غير مشجعة. ذلك أنّ مثل هذا المشروع العالميّ الكبير يتطلب زجَّ ثقل دولٍ كبرى وأخرى غنية للمساهمة في تحقيقه من جميع أوجهه. فمسألة الانتقال إلى عالمٍ بمصادر طاقة متجددة بنسبة 100%، من اختصاص الدول والحكومات، نظرًا لضخامته وحاجته إلى وضعه في إطار قانون أمميّ قابل التنفيذ والتطبيق برعاية المنظمة الدولية، الساهرة والمتابعة للتطبيق والتنفيذ والإخراج.
لقد حرص العراق، بالرغم من انشغاله في وضع نهاية للإرهاب في آخر معاقله بالموصل، أن يكون حاضرًا في هذه القمّة بشخص الرئيس العراقي فؤاد معصوم، الذي شارك في أعمالها يوم الثلاثاء 15 تشرين ثاني 2016، على رأس وفد حكومي مهمّ. وكانت مناسبة لإعلان انضمام العراق إلى اتفاقية باريس حول التغييرات المناخية. في ذات السياق، يكون البلد قد حقق خطوات متقدمة في اتجاه التقليل من التلوث البيئي في جنوبه بإحياء مناطق الأهوار وزيادة الاهتمام بالرقعة المائية والأحياء فيها، بعد فوزه بتسجيل الأهوار ضمن التراث العالمي لليونسكو. إلاّ أنّ تقنين حصصه المائية وتحديدها من قبل دول الجوار، ستكون له آثارٌ سلبية على إمكانياته الوضيعة أصلاً، في إحراز تقدّم في مجال مكافحة التصحّر وتحوّل مناطق خضراء وأخرى صالحة للزراعة إلى أراضي بور بسبب النقص في المياه وغياب الخطط الجادّة للاستفادة من مياه الأمطار. وكلّ هذا ناجم عن ضعف الإمكانيات الوطنية وتضاؤل خبرة الكوادر وضعف الشعور الوطني والّلامبالاة وانتشار الفساد، إضافةً إلى انخفاض التمويل الوطني للمشاريع الإروائية والزراعية.
وإلى القمةّ المقبلة التي اعتذرت فيجي عن استضافتها في بلدها الصغير في العام المقبل لأسبابٍ لوجستية، ستكون مدينة "بون" الألمانية التي اتخذتها بديلاً لرئاستها، محطَّ الأنظار في تقييم مدى الالتزام بقرارات قمة مراكش التي اتصفت بتنفيذ ما أقرّته قمّة باريس.


29
شمائيل ننو مناضل من طراز خاص
بغداد، في 17 تشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
عرفتُه متأخرًا بعد السقوط المأساوي في 2003، عندما زرت لأول مرّة مقرّ الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)، واستقبلني ببسمته التي اعتدته فيها كلّما تلاقينا، وبشاربيه الكثّين اللذين بدا لي أول مرة أنّي أقف أمام مناضلٍ صنديد من طرازٍ خاصّ. ومنذ اللقاء الأول، توسمتُ فيه القوة والصلابة والعناد في النزال القوميّ لأمته الآشورية. وتتالت اللقاءات بعدها في مناسبات وطنية وخاصة، فيها كنتُ أعُدّ ما تقوم به زوعا، يمثّل بداية لنشوء صحوة مسيحية تركز على الهوية المسيحية قبل التأكيد على غيرها من الأولويات الثانوية الأخرى، ومنها القومية، التي أثبتت عدم فاعليتها بل وفشلَها، بالرغم من أهميتها. ذلك أنّ هوية المسيحيين المهمَّشين والمستغلّين (بفتح الفاء) طيلة العقود السالفة من حكومات العراق المتلاحقة بعد تشكيل الدولة العراقية، لم تحظى بما كان يتناسب مع قدراتهم وحضارتهم وأخلاقهم وفعّالياتهم. ومثل هذا التشبث العنيد في تقديم الفكرة القومية من جانب فصائل مسيحية جبلية (نسبة إلى شمال الوطن) على حساب هوية الكيان المسيحي الجامع للطوائف والكنائس من دون تمييز، قد ساهم لغاية الساعة في ضياع رصّ الصفوف وتوحيد الخطاب والظهور كقوّة فاعلة وليس خانعة، خاضعة، تابعة للغير، كما اعتادت.
وشمائيل ننو، رحمه الله على طيبته الكبيرة، كان ضمن سياق هذا الصنف من المناضلين الذين أولَوا الهمَّ القوميّ أولى أولوياته قبل غيره من الاهتمامات. كان حين حديثه عن الشأن القوميّ، يجعلُ محاورَه ينجذبُ لكلماته رغمًا عنه، ويندمجُ مع طروحاته النابعة من صميم كيانه المتسربل ب"المقدَّس الآشوري" الذي لا غنى عنه في مسيرة النضال، بالرغم من العثرات التي تحيق به. كنتُ أحترمُ رأيَه ورؤيتَه التي يحملُها تنظيمُه  وتنظيماتٌ شبيهة منطلقة من طموحات قومية لهذه الفئة من الجماعة التي عرفت فنّ السياسة قبل غيرها من الجماعات التي بقيت في سباتٍ بسبب الظروف المختلفة لهذه عن تلك التي خبرها أهل الجبل، كما كنّا نطلقُ على إخوتنا هؤلاء الذين عانوا عسر المعيشة وتهديد النظام السابق  وقسوة الحياة وشرّ الخيانة من الإنكليز الذين خذلوهم، شرّ خذلان أيام الحرب الكونية الأولى. وهذا ما جعلَ عودَهم صلبًا، فكان منهم أن خبروا سنوات من النضال التي طبعتهم ضمن الفكر المحصور بأمّة مفقودة يجري البحثُ عنها في كواليس الفوضى الخلاقة التي أتى بها الغازي الأمريكي في 2003. وهذا ربما، ماكنتُ أتقاطعُ فيه مع التنظيم الذي كان ينتمي إليه، ومع تنظيمات غيره لم أشأ التقرّب منها والتوغل في كواليسها المتاهية. وما أزالُ أعتقد كذلك، في هذه المرحلة الحرجة من مشروع بناء الدولة العراقية على أساس دولة عراقية مدنية بعيدة عن الكانتونات القومية والطائفية التي لم تأتي إلاّ بالخراب والدمار، حتى على صعيد المكوّن المسيحي المتشرذم بسبب أولوية التسميات لدى بعض المعاندين، التي أضاعت الحقوق والوجود والجهود والهوية على السواء.
شكّل المرحوم ننو مع خيرة زملائه المناضلين الحاليين في الحركة، ومنهم مَن سبقه إلى الأخدار الخالدة، حلقة متكاملة في عشق النضال لغاية التضحية بالمصلحة الشخصية، وربما الكنسية على حساب الهمّ القوميّ. وحتى حين اختلف مع زملاء المسيرة الزوعاوية، حافظ على طيبته ورزانة انفعالاته إزاء ما كان يعتقد به مع غيره، زوغانًا عن الخطّ الأصيل لمسيرة الحركة. فأثبتَ وفاءَه للمبادئ التي تربى عليها وحصد منها بعضًا من أمنيته. وحين شقّ عليه التلوّن الحزبيّ الجهاديّ على حساب تلك المبادئ، لم يترك المسيرة النضالية، بل أكملَها وفق منظوره الذي شاركه فيها رفاقٌ حملوا ذات الفكرة وذات الرؤية من دون لفّس ولا دوران ولا مجاملة.
والرفيق (لويا شمائيل)، كما كان يناديه رفاق الدرب، ظلّ على ابتسامته المعهودة وطيبته وصراحته في العمل، في موقعه الجديد. والدليل على ذلك، احتفاظُه بعلاقات الطيبة والذكريات الجميلة حتى مع المختلَف معهم. وبالرغم من ابتعاده عن بغداد، لم تنقطع اتصالاتُنا وسؤالاتُنا عن بعضنا. كيف لي أن أنسى اتصالَه وأنا في محنة الاحتجاز القسري في مأساة كنيسة سيدة النجاة ليلة 31 تشرين أول 2010، واللقاء للتهنئة بالسلامة، وقد عانقني عناق الأخوّة والوفاء للهدف المشترك الذي جمعنا من غير ميعاد، بالرغم من تقاطعنا في التفاصيل وفي الأولويات؟
آخر ذكريات لي معه، كانت عبر الهاتف قبل أشهر عديدات، للسؤال عن صحته ورؤيته بشأن ما يبدر على الساحة العراقية والمسيحية (القومية من وجهة نظره) بصورة خاصة. رحمه الله وألهمَ عائلته وذويه وأصدقاءَه الصبر والسلوان.

30
زرتُها بعد التحرير، واعِراقاه!
بغداد، في 15 نشرين ثاني 2016
لويس إقليمس
في الطريق المتعثّر بين منطقة الخازر الفاصلة بين أربيل عاصمة إقليم كردستان، ومفرق برطلة -الحمدانية، الذي يبعد عن الموصل مسافة لا تتجاوز 20 كيلومترًا شمالاً، لا تتلقف العين على مرأى البصر، غير الخرائب وآثار الدمار وأدوات الحرب والتحصينات التي تركها تنظيم داعش الإرهابيّ الذي أحكمَ سيطرتَه على محافظة نينوى بأكملها واستماتَ في احتلالها لأكثر من سنتين منذ اجتياَحها في حزيران 2014 بشراذم قليلة من مقاتلين لا تجمعُهم سوى صفة التنظيم المتشدّد وأيديولوجية الانتقام والفكر المنحرف  الداعي للقتل والغلّ والكراهية تجاه مَن يقف أو يخالف أفكارَه وتوجهاتِه السلفية المتشددة.
ولأنّ موطنَ أيّ عراقيّ صادق في عراقيته ووطنيته، تبقى نافذة في ضميرِه ومحفورة في كيانِه ومغروزة في فؤاده، تمامًا مثل وطنه الأكبر، العراق، لذا لمْ يكن بدٌّ من القيام بزيارة بلدتي قره قوش، بعد أيام معدودات على تحريرها على أيدي القوات العراقية الوطنية الشجاعة، بالرغم من عدم انتهاء العمليات العسكرية في بعض أركانها بعدُ، وبالتحديد يوم الجمعة المصادف 4 تشرين ثاني 2016. وبلدة قرقوش، المعروفة تاريخيًا بالتسمية الآرامية "باخديدا" (الأصل من بيث خديدي)، أو كما اعتاد عليها الأهالي بلفظها" بغديدا"، فهي تعني "بيت الشباب". أما التسمية الحديثة "قره قوش"، فقد طالتها على زمن حكم السلاطين العثمانيين، وهي تعني "الطائر الأسود"، استنادًا إلى تسمية آرامية ثانية عرفتها البلدة (بيث ديتا) التي تعني (بيت الحدأة) بحسب البعض، ويُعتقد أنّه انطلاقًا من هذه اللفظة جاءتها التسمية الحديثة على زمن العصملّية.
وهناك مَن يعتقد أنّ باخديدا هي ذاتُها مدينة "راسن" المذكورة في كتاب العهد القديم المقدس، أي التوراة، بحسب البحاثة الفرنسي أوبيرت، أو أنها قريبة من موقع آشوريّ قديم آخر يحمل نفس الاسم ويتبع البلدة إداريًا. ذكرها ياقوت الحموي في كتابه الشهير "معجم البلدان"، وقال فيها: "باخديدا قرية كبيرة كالمدينة، ومن أعمال نينوى، في شرقيّ مدينة الموصل، والغالب على أهلها النصرانية". تقع هذه البلدة المسالمة جنوب شرقيّ الموصل وعلى مبعدة 32 كيلومترًا منها تقريبًا. تحيطُها بلدتا كرمليس وبرطلة المسيحيتان وقرى شبكية وعربية كثيرة. واعتاد أهلُها العيش بسلام مع جيرانهم منذ أجيال وقرون وفي جوّ من الألفة والتفاهم والتعايش السلميّ إلاّ ما ندر. وحين احتلالها في 6 حزيران 2014، كان تعدادُها يربو على خمسين ألف نسمة. وهذا يُعدّ أكبر تجمّع مسيحيّ في العراق والشرق على الإطلاق. بل كانت قلعة السريان وقبلة جميع المسيحيين، وعليها جرت بالأمس، وتجري اليوم المراهنات والمساومات وقصص بيعها واقتطاعها مع جيرانها في البلدات المجاورة في سهل نينوى المانازَع عليه.
اليوم هي أشبه بمدينة أشباح، تبكي حظَّها العاثر وتعيد في ذاكرتها ما تعرّضت له عبر التاريخ منذ قرون خلت، من حملات وهجمات وغارات من جيرانها المحليين والإقليميين من عرب المنطقة، وأكراد شمال العراق، وأتراكٍ على عهد الدولة العثمانية سيئة الصيت، والأسيويين المغيرين الغزاة من المغول على أيام جنكيزخان وهولاكو. هجرها سكّانُها قسرًا وتشتتوا في الداخل وفي بلدان الاغتراب، أملاً بعودة سريعة وميمونة، إلى أرض الآباء والأجداد، حيث ذكريات الأمس الجميل وقهقهات قهاويها النابضة بالحركة الدؤوبة اليومية، ومراكزها الأدبية والفنية المتميّزة، وكنائسها الممتلئة بالمصلّين أيام الآحاد والمناسبات، تمامًا كما في الأيام الاعتيادية من الأسبوع. أصبحت بعد السقوط، لقمة سائغة للفرقاء السياسيين وبضاعة للمتاجرة والمساومات بين الكتل السياسية والسياسيين والمتنفذين فيها بحسب الأجندات التي يوالون لها ويتلقون منها التمويل والتلقين والمقسوم. فهي عراقية سريانية في هويتها، ولا تمتّ بصلة إلى أصلٍ فرضَه ويسعى لفرضه الأسطونُ الكرديّ بشتى الوسائل، لا لغة ولا توجهًا ولا فكرًا ولا سياسة، بل هي أقرب إلى العربية منها إلى الكردية. فاللغتان السريانية والعربية من اللغات السامية، وفيهما تداخلٌ في اللفظ والطعم وعذوبة الكلام وفي التعبير وفي مختلف الفنون. لكنّ عربَ الجوار، قد خانوا الخبز والملح وأصول الجيرة وأغاروا عليها وشاركوا في سلبها ونهبها وتدميرها حالَ اجتياحها من قبل تنظيم "داعش" الإرهابي الذي أحالَها إلى مصيرٍ مجهول، بعد تخلّي حارسها الدّعيَ وتسليمها لقمة سائغة لمَن سالَ لعابُه لها ووجدَ فيها ضالَّتَه المنشودة، انتقامًا وقهرًا ونهبًا وسلبًا وحقدًا وكراهيةً وحرقًا وتجريفًا. بل، وراح يسمّي حتى الشوارع فيها والأحياء التي تدنّست بأقدامهم بأسماء مجرميها وقيادييها الأغراب.
لستُ هنا بصدد وصف هذه البلدة العراقية الأصيلة التي تعرّضت مثل غيرها من قرى ومدن وقصبات محافظات عراقية عديدة على أيدي تنظيم داعش الإرهابي الذي عاث في الأرض فسادًا وتحطيمًا وتدميرًا وقتلاً وذبحًا وسبيًا واغتصابًا وتشريدًا وتهجيرًا لمواطنين وبشر لا ذنبَ لهم سوى اختلافُهم في الرؤية والفكر والأيديولوجية المتخلّفة التي يحملُها أتباع هذا التنظيم الدوليّ المجرم. فالجرائم التي اقترفها أفرادُه المقاتلون الذين لا تجمعُهم سوى سمات القتل والدمار والحقد والكراهية ضدّ المختلفين عنهم، ترقى إلى الإبادة الجماعية والفصل العرقيّ والدينيّ معًا، كما ورد هذا الوصف في قرار مجلس الوزراء العراقي بجلسته العاشرة في 18 تشرين ثاني 2014، وفيها عدّ ما تعرض له أتباع الأقليات من آيزيديين وشبك ومسيحيين وكاكائيين في سهل نينوى وسنجار، جرائم إبادة جماعية. 
وما يحزّ في النفس، أنّ التنظيم وأتباعَه من قرى الجوار، لم يتركوا بابًا مغلقًا في جميع المنازل والمؤسسات من دون استثناء، إلا وفتحوه بشتى أدوات التخريب والتدمير. بل زادوا من شدّة الغلّ والكراهية بقيامهم بحرق الدور ومؤسسات الدولة على تنوّعها، وتدنيس مساكن الله وتحطيم وتكسير رموزها التي تستغيث بالخالق الطيب الذي يدّعي هؤلاء الأوباش عبادتَه والتلفّظ بصفته الجلالية كلّما اقترفوا إثمًا بقتل النفس البريئة التي حرّمها: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة ـ الآية 32] و(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [سورة النساء ـ الآية 93]. فالنصارى (المسيحيون) مؤمنون بالله الواحد الأحد، هذا الذي يدّعي عبادته هؤلاء وأمثالُهم. لقد ضرب هؤلاء المغالون في الدّين وتطبيقاته، أعداءُ الإنسانية، كلّ نداء إنسانيّ وإيحاء قرآنيّ يدعو للرحمة عرضَ الحائط. بل وأنكروا كلّ التعاليم السمحة التي نادى بها الدّينُ الحنيف أيامَ نشأته الأولى في مكّة، دينًا صحيحًا للإسلام المعتدل وللمسالمة والعدل والمحبة والتعايش والأخلاق، وتشبثوا في غيّهم بالناسخ منه الذي ورد في المدينة فقط، تاركين الأصل كما ورد في أيام "الوحي" المدّعى. وراحوا ينتقون ما يحلو لأفكارهم المنحرفة مستندين إلى أحاديث منقولة مشكوك في صحة نقلها وشخوصها ومواقعها وأسبابها وظروفها. وكلّ ذلك ضمن اجتهادات انتقائية لا تخلو من كراهية في عمومها، تجاه الغير المختلف عنهم. بل إنّ بعضًا منها تناقلتها شخوصٌ متأخرة، وزيد عليها ما يتفق مع ظروف الحاكم والمحكوم، ما يحيلُها إلى مادة تفتقر للرصانة والمعقولية.
 لقد كانت صدمة الزيارة للقاطع والبلدة كبيرة، بهولها وفي بشاعة الجرم ومدى الدمار والخراب الذي لاحظتُه على مرمى البصر، حين تجوالي في هذه البلدة المعروفة بأصالتها التاريخية المتجذّرة في حضارة نينوى الآشورية، وبهويتها العراقية المعاصرة، وبتراثها المتميّز وتاريخها الزاخر، شأنها شأن أية قرية أو بلدة في نينوى العريقة، تمامًا كما بتميّزها في مختلف فنون الإبداع، ثقافةً وأدبًا وشعرًا وكتابةً ومسرحًا وما سواها. ولا أكتمكم الوصف، أنّي لم أعد قادرًا للتحقق من الكثير من ملامحها التي غارت واختفت، وغيرها التي افترشتها كومُ الخرائب وأبدان السيارات المحترقة، وانتشرت فيها السواتر الترابية في الشوارع الرئيسة والفرعية وفي أحيائها المتقطعة بشتى العوارض. مناظر مأساوية بحقّ، تحكي قصة بلدة منكوبة، هي مثالٌ لكثير من أمثالها التي نالت قسطَها من الدمار على أيدي غول العصر، كارهي الحياة والإنسانية، نعمةً وحجرًا وبشرًا. 
تلكم كانت فألَ سيّء بما سألقاه من دمار ومآسٍ من نوعٍ آخر حين تفحصّي مساكن ودور وبنايات كانت بالأمس آهلة ببشرٍ مسالمين يحبون الوطن، أرضًا وشعبًا، واليوم وجدتُها ركامًا أو هياكل عارية وفارغة تعاني من آثار نيران حديثة الاحتراق، أشعلَها أعداء الإنسانية زيادةً في غلّهم وحقدهم وكراهيتهم، بعد أن سكنوها طيلة فترة اجتياحهم لها. وكلّ هذا بسبب انتماء أبناء هذه المدينة وما حواليها إلى دينٍ مختلف عن المعتقد الذي يتبنّونه ويعدّونه الأصحّ والأولى بالاتباع دون غيره. وحين تفقدي لداري، لم يساورني الشك أني سألقاه منهوبًا ومسلوبًا ومحترقًا، إلا من هيكله وبعض جنباتِه التي كُتب لها الخلاص من الحقد الأسود.   
أهكذا يقرأ السلفيون المغالون المدّعون عبادة الله الواحد الأحد، ويفهمون تعاليم الدّين الذي يدّعون تنزيلَه من السماء حكرًا وحصرًا دون غيرِه؟ حتى بيوت الله لم تسلم من فضاعة مسلّحي هذا التنظيم الإجراميّ الأسود في ضميره وقلبه، هذا إن كان لأتباعه الأوباش ومَن يواليهم ويمولهم ويساندهم من صفةٍ لضمير وقلب وبشر! لقد حوّلوا باحة أكبر كنيسة في العراق وربما في الشرق، كنيسة الطاهرة الكبرى، إلى ميدان للرمي والتدريب، فتحطمت الجدران وسقطت الأعمدة وزالت المعالم. أما داخل هذه الكنيسة، فحدّث ولا حرج. فقد تمّ حرقُها بالكامل بما فيها وتفحمت الجدران، فتعالت أدخنة السُخام الأسود بين جنباتها لغاية سقفها العالي الذي يرتفع لأكثر من خمسة عشر مترًا وسط أعمدة رخامية هائلة تم تشويهّها بكتابات وعبارات تريد القول: "لا كنائس بعد اليوم". فيما تمّ تحطيم الصلبان وتدنيس الرموز الكنسية بطريقة ملفتة، ومنها المجرسة الكبيرة، عنوان البلدة التي كانت تضاهي ساعة كنيسة الإباء الدومنيكان في منطقة الساعة بالموصل، التي سبق أن حوّلها التنظيم في وقت سابق إلى ركام وجرفها ومسحها مع الأرض، دلالة على مدى الكراهية والغلّ والحقد ضدّ النصارى/ المسيحيين، الذين بهم وبغيرهم من اليهود والصابئة، أوصى الرسول خيرًا، وبعده الخلفاء الراشدون ساروا على ذات النهج التسامحي.
 والأنكى من هذا وذاك، حين تطال يد الحقد الأسود التراثَ والثقافة والعلم. فلم يتورّعوا إذ حوّلوا وسط باحة الكنيسة الكبرى التي فيها يجري احتفال شعلة سهرة عيد الميلاد سنويًا، إلى محرقة للكتب المقدسة وكراريس الصلوات والمخطوطات الثمينة التي لا تقدّر بثمن، من سريانية وعربية. وقد تمكنتُ من نبش الركام المحترق لأعثر على بقايا كلمات نيّرة تنطبق على أمثال هؤلاء وممّا فيه القول: "بل تجاهلتَ فأطبقتَ عينيك وسددتَ أذنيكَ وأغلقتَ قلبَك لئلا تبصر بعينيك، وتسمع بأذنيك، وتفهم بقلبكَ وتتوب. واحسرتاه! لقد خسرتَ الحياة من حيث ظننتَ ربحتُها". وسوف أحافظ على بقايا هذه الوريقات المحترقة شهادة للذكرى لأجيالٍ قادمة، كي لا تُنسى آثار الجريمة.
أية إشكاليّة في الفكر والمنهج والتطبيق، هذه التي يعتقد بها هذا التنظيم المجرم وأشباهُه بكلّ القياسات، في زمن العولمة والعصرنة والحداثة والتطوّر؟ وأيّ فكرٍ منحرفٍ هذا الذي ينوي إلحاق الأذى بكلّ ما تقع عليه أعينُهم العمياء وقلوبُهم السوداء وآذانُهم الصمّاء، في سلوكياتهم الإجرامية اليومية، وبسببه يصرّون على إلغاء الآخر المختلف، ورفض لغة الحوار والتفاهم والإنصات لصوت العقل والحكمة والرويّة؟ فمن أين أتى هؤلاء الأغراب عن الإسلام وايّ معتقد يعتنقون وأية أفكار بالية يحملون؟
نحن اليوم على مفترق طرق، إمّا الحياة الشريفة ولغة الحوار والتفاهم والتعايش والرفاه وبناء دولة مدنية خالية من الأفكار الظلامية في المناهج الدراسية وفي سلوك الحياة اليومية ومن ثقافة إلغاء الآخر المختلف، أو الموت الزؤام على أيدي غول العصر وأمثالهم، من الذين فاقوا المغول في وحشيتهم وكراهيتهم وحقدهم. إنها دعوة صريحة لمراجعة مكامن الخلل وتحليل الأسباب التي أتت بأمثال هذا الوحش الكاسر ليقتل الفكر ويغسل الدماغ ويحطّم العقل ويغيّب العلم والثقافة والفنّ والحضارة بأفكار بالية وخرافات دينية لا تمتُّ للعقل والحكمة والمنطق والإنسانية بصلة. وهذا يستدعي ضرورة تبني نظام مدني يحترم القيم الدينية والإنسانية والمجتمعية المختلفة من غير أن يقحم الشأن الديني ويقرنها في السياسة.
            ولهؤلاء أوجه نصحي، وأقول لهم: أنا ما أزال أحبكم كما أوصاني معلّمي وربّي، رسول الإنسانية والمحبة منقذ البشرية، المسيح الذي شوّهتُم رموزَه وكسرتم صلبانَه وحرقتم كتبَه بكثيرٍ من الحقد الأسود. فقد أوصى: "أحبوا أعداءَكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مَن يبغضكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، "، وهذا بالرغم مما اقترفتموه من جرائم، كونكم خليقة الله الجميلة التي لوّثتموها بأفكاركم وشوّهتموها بأعمالكم ودنّستموها بأرجلكم. لا لشيء، بل لأنّي أرثي لحالكم المهلهل وأبكي لفكركم الخائب وأترجى لكم عودة إلى الرشد والعقل والمنطق والحق، تجانسًا مع تقدّم العصر وتطوّر الزمن ورجاحة الفكر. ولكنّي أوصيكم بهذا:
-   إن الإله الذي أعبده ويشاركني في عبادته أهلي وأصدقائي ومواطنو بلدي وفي العالم، والمعتدلون والناضجون والمثقفون والقارئون لدروس التاريخ وعبرِه والمؤمنون برحمة الأديان واعتدالها في العالم أجمع، لا صلةَ له بالإله الذي تدّعون عبادته، وتقتلون تحت رايته المثيرة للشفقة، وتحزّون الرؤوس حين التكبير باسمه العليّ، وتغتصبون الحرائر بحجج وأحاديث مضى على تاريخها قرونٌ من التخلف والقبلية والبداوة، وتسبون نساء غيركم بحجة تسويغ ذلك بحقوق الغزوة، كذبًا وبهتانًا كما يحلو لكم ولشيوخكم المنغمسين في الرذيلة والتفسير الأسود القاتم والتحريض والفتنة.
-   سيدي وإلهي الطيب، الرحمن الرحيم، والعليم الحكيم، يحبّ البشر، كلَّ البشر الذين خلقهم أسوياء متساوين، ذكرًا وأنثى، في العرق والدين واللون والشكل، ولا سموَّ لدينٍ أو لفردٍ على غيره إلاّ بالتقوى ومحبة الناس وفعل الخير وغوث المحتاج واحترام الجيرة والإبداع والتطوّر والإخلاص في المنزل والعمل والمكتب والدائرة ودعم الدولة ومؤسساتها في الوعي والنظافة واحترام القانون وسيادة الدستور.
-   سيدي وإلهي الحنون المارد في آنٍ معًا، لا يرضى بإذلال خليقته الجميلة التي خلقها على صورته ومثاله، كما يرفض قتل النفس التي نفح فيها الحياة كي تسبحه وتعبدَه وتمجد باسمه آناء الليل وأطراف النهار.
-   سيدي وإلهي المحبوب، الغفار الرحيم، يفرح بعودة الابن الضالّ وبتائب واحد وآثمٍ فاضحٍ من أمثالكم المغرَّر بهم، أكثر من الخراف التسعة والتسعين التي بحوزتِه وتحت جنحيه من الذين يتبعونه بالهداية الحقيقية، ويعبدونه خفيةً وظاهرًا ليلاً ونهارًا وفقًا لقوانين الكون الإلهية التي توصي باحترام النفس والفكر والرأي والعقيدة والأرض التي فرشها لهم هذا الإله العظيم ليتمتعوا بجمالها ويأكلوا من ثمارها ويطوّروا نظامَها نحو الأفضل وليس بالتراجع قرونًا متخلّفةً إلى الوراء.
-   سيدي وإلهي الجبار، يوصي بني الإنسان وأتباعَه الأوفياء، ألاّ يخافوا ممّن يقتل الجسد، بل ممّن هو قادر على قتل النفس والروح التي تأتمر بالسوء بسبب نزعات البشر البغيضة وحقد الجماعات المتزمتة والمنغلقة على الذات وعلى العقل والفكر والرؤية. ف"الجسد فانٍ، فيما الروح تبقى: "إنْ خيرًا فلها الجنّة، وإنْ شرّا فمصيرُها النار وصريرُ الأسنان".
-   سيدي وإلهي الذي أُجلُّهُ احترامًا أبويًا وخوفًا سماويًا، يوصي بتعاون جميع الأمم والشعوب على البرّ والتقوى، وعلى حفظ نواميس الأديان من دون تمييز أو استعلاء بعضها على بعض، وبالتسامح والمحبة، حتى بمحبة الأعداء كي يعود هؤلاء إلى رشدهم وإلى سواء السبيل واعتدال الشرائع وتطبيقها بحسب الظرف والزمان توافقًا مع تطور العصر.
-   سيدي وإلهي العطوف، قدوسٌ وكلّيُ القداسة، لا تأخذه سنّة نوم ولا يسأم أو يغتاظ إلاّ من الفاسدين والظالمين والطماعين والفاسقين والمفسدين في الأرض والطاعنين في العرض. فهو دائم السهر على خليقتِه ورعاياه، لا يرضى بالتجارة بالبشر على حساب سعادة الإنسان والإنسانية.
-   سيدي وإلهي العادل، مرتب في خليقته وفي تدبير شؤونها، وهو يدعو البشرية لفرز الزؤان وحرق الشوك من البيدر الذي يريدُه نظيفًا معافىً كما أراده.
-   سيدي وإلهي قد أوصانا من ضمن وصاياه للبشرية المتألّمة:" أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله للّه"، تمامًا كما أوصانا جميعًا بنشد السلام والمحبة والغفران "طوبى لفاعلي السلام، فإنهم أبناء الله يُدعون".
وهذا مسكُ الختام!



31
حياتنا الالكترونية، مرض العصر
بغداد، في 15 أيلول 2016
لويس إقليمس
رأيتُه قبالتي جالسًا متأبطًا جهازه "المحمول" أو كما يطيب للبعض تسميته ب"الجوّال" أو "الهاتف الذكيّ"، وكأنَّه حبيبةٌ أو وصيفةٌ يصعب فراقُها. سئمتُ المشهد وشقَّ عليَّ عدمُ اهتمامِه بما كنتُ وددتُ الحديثَ عنه ومناقشتَه معه، بعد أن حَرمتُ نفسي من لقاءٍ آخر عزفتُ عنه نظرًا لاعتقادي بأهميته الدنيا مقارنة بلقاء نديمي. عدتُ إلى نفسي، وقد تذكرتُ صورة شبيهة لما تلمحُهُ عيناي من مشهدٍ يتكرّرُ كلّ يومٍ تقريبًا في منزلي. فجهاز المحمول، قلّما يغيب عن أنامل أفراد العائلة عندي. حتى حفيداي يزعقان ويسعيان بحثًا عن هذه الأجهزة المتناثرة في أرجاء الدار كي يغوصا في أسرارها ويستمتعا بالنقر على أزرار لوحة المفاتيح. وبالرغم من صغر سنّهما الذي كاد يتجاوز السنة بقليل، إلاّ أنّهما يدركان تمامًا أنّ انطفاءَ الجهاز يعني التعمّد بحرمانهما من اللعب بالأزرار التي تشغّل الجهاز بقصد حملهما للعزوف عنها ونسيانها.
 وربّما المنظرُ ذاتُه، لا تغيبُ أو تختلفُ صورتُه عن غيري، في الشارع أو المنزل أو العمل أو السيارة أو المدرسة. فقد انتشر استخدامُه في كلّ مكان، حيث يمكن أن تجده لدى الكبار والصغار ومن كلا الجنسين بدون استثناء، وتلاحظ استخدامه في أي مكان وأيّ زمان. بل أصبح مدعاةً للتباهي من حيث الشكل واللون والحجم والبرمجة والمواصفات وبأشكالٍ تجارية غزت الأسواق. 
    باختصار الكلام، لم تعد استخدامات الهاتف النقّال في الزمان والمكان مشكلة، بقدر ما أضحت ظاهرة سلبية مجتمعيًا، بسبب الإدمان عليه وانشغال مستخدميه بوسائل اتصالهم المتنوعة الكثيرة التي لم تترك مجالاً للحياة الاجتماعية في الأسرة والعائلة كي تأخذ مداها. وحيث إنَّ لغة الالكترونيات والتكنلوجيا قد سطت على ذهنية الإنسان فجعلته أسيرَ الحياة الالكترونية الحديثة من حيث يدري أو لا يدري، فقد ضعفت بسببها بالتالي، آليةُ التواصل والتفاهم بين أفراد العائلة الواحدة في المنزل، حينما ينشغلُ هؤلاء كلّ بجهازه مستغرقًا ومنكبًّا على هاتفه ينبش ما فيه من برامج وتسالي ورسائل واتصالات تأخذُ بعقلِه ووقته وكلّ فكرِه وكيانه، ولا تبقي للحديث العائلي الودّي مجالاً.
بقدرِ ما لا ننكر أهمية الاكتشاف الحديث في حياة البشر المعاصرة الذي قصّر المسافات وقلّلَ الجهود ووفّر الأموال والأتعاب والتنقلات، لكنّ واقع الحال فيه مؤشرات سلبية في استخدامات هذه التقنية الحديثة للاتصالات حينما تخرج عن إطار فائدتها وتغالي في طرق استخدامها والوقت المصروف فيها وما يلحقه ذلك من نتائج غير محمودة في بعض الأحيان.
 صحيحٌ أنه أصبحَ حاجة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها. بل أصبح رفيقَ الإنسان الدائم، أينما حلّ وارتحل، ينقل الخبر ويقرّب الصورة ويقدّم المعلومة الجديدة وكلَّ ما في نفس الكائن البشريّ من مستجدّات ومتع وانغماسات. بل هناك مَن شبّه هذا الجهاز بالطير الزاجل الذي كانت مهمتُه نقل الرسائل بين الأفراد، بما فيها ما يدخل ضمن ممارسات الأمم والدول والشؤون العسكرية وتحرّكات الجيوش الغازية، وما إلى سواها من أسرار تخصّ حالات السلم والحرب. وهناك مَن يدخل إلى تفاصيل جانبية أخرى تتعلّق بطبيعة الجهاز وتفسير الرؤى والأحلام التي تثقل دماغ الإنسان ليلاً ولا تفارقُه نهارًا. فهذه لها تفاسيرها لدى البعض، وقد يُستخرجُ منها معانٍ ودلالات، أو قد تحيطُها هالات من الخوف أو الفرح أو الحيطة والحذر معًا.
وحيث إنّ فوائد الجوّال كثيرة كما أسلفنا، بل يُعدّ نعمة للإنسان حينما تقتضي الحاجة والظرف، من حيث تقريبه للمسافات وتسهيله للاتصالات وتوفيره للجهد والمال والوقت في التنقل غير الضروري، كما أسلفنا، إلاّ أنّ هناك مَن يسيء استخدامه في الكثير من المفردات، ومنها المبالغة بإطالة المكالمة، والإفراط في الاستخدام غير المبرّر، وانتهاك الخصوصيات، والخروج عن اللياقة والآداب العامة في الكثير من الأحيان. أمّا الخروج عن السياق المرسوم ضمن حدود اللياقة في الاستخدام الأمثل، فهو يدخل ضمن نوعٍ جديد من الأمراض التي أصابت المجتمعات البشرية بسبب سوء استخدام التكنلوجيا الحديثة. وما أشدّ الحرج حينما لا يتورع البعض من إبقاء هواتفهم الجوّالة مفتوحة أثناء لقاء عام أو اجتماع أو مؤتمر أو في أثناء الصلاة في الكنيسة أو الجامع أو المعبد أو المدرسة أو المركز الديني أو التعليمي. فتتجّه الأنظار الغاضبة نحو صاحب الرنّة مؤنِّبةً ومعاتبةً دلالةً على عدم الرضا بسبب التشويش على خشوعهم وقطع توجّه أفكارهم وقلوبهم إلى صاحب الأرض والسماء في لحظة شغف متميزة. حتى سوّاق سيارات التاكسي داخل المدن وخارجها، لا يتورعون باستخدام أجهزتهم، بالرغم ممّا قد يحملُه استخدامُها أثناء السوق من مخاطر ومضايقات للركاب أو للمقابل من سالكي الطرق.
ولن أتطرّق إلى قائمة الأضرار الأخرى الكثيرة والعديدة التي يمكن لمستخدمي الجوّالات إلحاقَها بأنفسهم وصحتهم أولاً، وبالغير أيضًا، سواءً برصد المكالمات أو تسجيلها أو تصوير لقطات ومحادثات خارج أصول اللياقة والآداب، لاسيّما من دون علم أصحابها. فهذه من أنواع الخيانة التي لا تقلّ شناعة وبذاءةً في الأذى والضرر. وما أتعس المشهد الذي يتكرّر في المجالس العامة حينما يسمح الشخص بتقليب أزرار هاتفه يمنة ويسرة مستعرضًا برامج وصورًا وقوائم في حضرة الجالسين، غيرَ عابئٍ بحرمة المجلس الذي يتواجد فيه ولا بنوعية الحضور وظروفهم والمناسبة التي تجمعهم. فهذا من الأمور التي تقع خارج اللياقة الأدبية وتضع المستخدِمَ المسيءَ في خانة أجواء التندّر والاستهجان والاستخفاف واللوم.
فلنرحم أنفسَنا قليلاً ولنرحم غيرَنا كثيرًا باستخدامنا الأمثل للهاتف الذكيّ الذي قدّمته لنا التكنلوجيا الحديثة على طبق من ذهب كي نستمتع به وبالفائدة التي يقدّمها للبشرية، ونتجنب ما يسيءُ إلى أنفسنا وصحتنا وما يمكن أن يزعجَ غيرَنا وأفرادَ أسرنا ومجتمعنا. فالحفاظ على نعمة الرفاهة والمتعة وكلّ ما يجلب السعادة للإنسان من هواءٍ وماءٍ وأدوات وتكنلوجيا، مسألة أدبية وأخلاقية ومجتمعية، على المستخدمِ صونَها قبل أن تنقلبَ عليه وبالاً ووصمة شيطانية وأداةً لأذى النفس والناس على السواء.
من هنا، لا ينبغي القبول باحتلال هذا الجهاز "النعمة"، صدارةَ أعمالنا وقوةَ شخصيتنا وديناميكيةَ علاقاتنا الأسرية والاجتماعية وتركيبتنا الإنسانية. فحينها سنتحول إلى عبيدٍ بطالين كسالى، وعبدة آلة خُلقت للتفاعل الإيجابي والتواصل الودّي من أجل استقصاء المعلومة حين الضرورة لخدمة الإنسان وتمجيد الله في خلقه المبدعين.


32
مشهد ومشاهد: استذكارًا لفاجعة كنيسة سيدة النجاة في ذكراها السادسة!
بغداد، في 20 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
مع حلول الذكرى السنوية السادسة لحادثة كنيسة سيدة النجاة المفجعة التي اقترفت في 31 تشرين أول 2010 من قبل زمر الإرهاب المتطرفة والمتزمتة حدّ النخاع، وبالتعاون مع أدوات فاقدة للوطنية وللضمير الإنساني، أقفُ حائرًا متسمّرًا كيف خرجتُ سالمًا مع غيري من الناجين من تلك الكارثة.  وما زال السؤالُ لم يختمر بعدُ في أذهاني ولا يريد المغادرة، مثل غيري من عباد الله، الملتزمين بحدود العقائد وحرياتها وتعاليمها السماوية، صافيةً غير مخترَقة، والمؤمنين بحرية الرأي والفكر والإبداع من دون ضغوط ولا رتوش، والمصرّين على التمسك بسِمة الالتزام الوطني والتمنيّ بعودة بنيان البلد شامخًا وبتراصّ نسيجه الاجتماعي وبقاء فسيفساء تنوعه الاثني والديني والمذهبي فيه سالمًا ومتعايشًا.

ديمقراطية الفوضى
أتساءل اليوم في خضمّ فوضى الديمقراطية الخلاّقة التي أوجدتها التغييرات الدراماتيكية في 2003، ومن حقّ كلّ مَن يحمل هذا الصنو من الأفكار المنفتحة والمفاهيم التنويرية والمنطلقات الوطنية والإنسانية أن يوجّه ذات السؤال: إلى متى يبقى العراق رهينة بيد أعدائه والطامعين فيه، وفريسة للدخلاء والفاسدين والمفسدين، ومطيةً لكلّ مَن هبَّ ودبَّ من دون رقيب ولا سلطة رادعة، غائبًا في وجدانه الوطني، خاليًا إلاّ ما ندر من سمات الوطنيين الأحرار الذين يؤثرون المصلحة العليا فيه على ما سواها من منافع ومكاسب شخصية ودينية وطائفية وحزبية وإقليمية؟ ألا يكفي ما حصل من عبث بمقدّراته ومن تدمير في مؤسساته وسلبٍ لهويته الحضارية والوطنية والاستهانة بهيبته العربية ونزوله إلى الدركات السفلى في الإنسانية، ليقف في الدرجات الأخيرة في سلّم العطاء والتطوّر والتنمية، وأولاها في استشراء الفساد واللصوصية وهدر المال العام والاستحواذ على عقارات الدولة والسطو على حقوق الأجيال القادمة من الثروات الوطنية الطبيعية التي يتمّ سرقتها واستغلالُها بأبشع الوسائل والطرق؟ جملة طويلة، لكنّها نابعة من كيان مجروح، وقلبٍ مفطور، وصدرٍ مفجوع بما يرى ويجري ويصير.
وتهرول الأيام متراكضةً من شدّة العسر والخوف والهلع المتلازم حول المصير والمستقبل، لتعيد على الملأ ذكرى الفاجعة، بل حقيقة تلك القصة التي أعيدَ ويُعاد سيناريوهاتها ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة مع تسارع الزمن الغادر في كلّ يومٍ وفي كلّ شبرٍ من أرض السواد في الوطن المغدور. وآخرُها مشاهد الجريمة البشعة التي ضربت العمق الإنساني والنسيج "المواطنيّ المدنيّ" في الكرّادة، أقدم حيّ سكنيّ عرفته بغداد، عاصمة الرشيد الأبيّة، ومدينة الأنس النؤاسية، وحاضرة الجمال العربية التي كانت حتى الأمس القريب عصيّة على أعدائها، أبيّة في مبادئها وقاهرةً في ردود أفعالها حينما كان يُحسب لها ألف حساب وحساب، "قلعةَ للأسود"، و"منارةً للمجد والخلود"!
في هذه الأيام الرتيبة المربكة في مسيرة "شبه الدولة" العراقية، وهي تخوض معركة مصيرية لتحرير أعرق مدينة عراقية، الموصل الحدباء، من دنس حثالة المجتمع، داعش الإرهابي، تعود تلك الذكرى الأليمة لفاجعة كنيسة سيدة النجاة بحسراتها وتنهداتها وانفعالاتها. فبضربتها القاسية تلك، قوّضت تلك الحادثة من دون شكّ، عمقَ الجماعة المسيحيّة وقصمت ظهرَ أتباعها وأربكت هويتَها وأضعفت من وجودها التاريخي والجغرافي والديمغرافي، وهي التي كانت تحظى حتى عقود متأخرة من الألفية الثانية، بحقيقة كونها من المكوّنات الأصيلة والجامعة والمهمّة، عددًا وفعلاً ونوعًا، في نسيج المجتمع العراقي. عيوننا جميعًا، مواطنون أصلاء من جميع شرائح المجتمع العراقي، ترنو هذه الأيام، إلى هذه المدينة وسهلها المطعون في الظهر، حينما تمّ تسليم المدينة وسهلها، بتلك الطريقة المشبوهة والمشينة بأيادي عصابات ملوثة بالجرائم البشعة، والتي لم ولا تعرف غير لغة الدم والقتل والسبي والاغتصاب والنهج التكفيري سبيلاً لفرض أيديولوجية منحرفة لا تمتّ بصلة لأيّ دين أو مجتمع إنساني يعترف بربٍّ خالق الكون، وهو وحده الديّان العظيم، وليس بحاجة لبشرٍ ضعيف للدفاع عنه وعن قدراته العظيمة.
ليسَ هناك أدنى شكوك، من أنّ تسليم الموصل وبلداتها مثل غيرها من المناطق التي تدنست بأرجل داعش وأفكارهم المسخ، كانت ضمن سيناريو مخطَّط له ومعَدّ من قبل الأسياد، رعاة البقر، الذين نشروا الفوضى الخلاّقة في أرجاء المنطقة، ومنها العراق، من أجل تسهيل تنفيذ المخطط بإجراء تغييرات ديمغرافية بحسب الأهواء والمصالح الضيقة لراعي العملية السياسية الأول. فالأسياد قلّما يعبؤون بأحوال البشر وقناعاتهم وطموحاتهم وحقوقهم، إلاّ إنْ حصلَ ذلك ضمن إطار المصالح العليا، وتناسقَ مع الرغبات والإرادات. فهُم يقتلون القتيلَ ويمشون في جنازته، يعتذرون أو لا، ثمّ يقدّمون المعونة والحسنة بحجة العطف والتضامن والتعويض! والعتب في كلّ هذا، يقع على مَن ائتمنهم الشعب الخائب والبائس ليكونوا أمناء للمبادئ والشعارات التي رفعوها والوعود التي قطعوها قبل الانتخابات، ونسوها أو تناسوها بعد جلوسهم على الكراسي واقتسامهم الكعكة مع الفاسدين والمفسدين في الدولة وأركانها على السواء.

    سقوط ورقة التوت
     اليوم، كلّما أمعنتُ التفكير فيما جرى ويجري في أرضنا الآيلة للجدب والقفر، ومدننا الجريحة التي تنزف في كلّ يوم وكلّ ساعة، دماءً حمراء تسقي الأرض شهادةً ووفاءً، أكاد لا أصدّق أنَّ مشروع الدمقرطة الذي ارتهنت له بلادُ الحضارات وموطنُ المسلّة الحمورابيّة العريقة، كان مجرّدَ مشروع ٍ تآمريّ واستثماري وتجاريّ، ليسَ إلاّ. فقد أثبت تقرير تشيلكوت البريطانيّ، وهي إحدى الدول الأكثر تحمّسًا لغزو العراق، والأشدّ تبعية لصاحبة القطب الواحد، والحالمة دومًا بإهانة أرض "شنعار" وقطعِ أوصاله، أثبت هذا التقرير أنّ الحرب التي شنّها الغزاة الطامعون بقيادة أمريكا عدوّة الشعوب وحليفتِها المتلونة بريطانيا، وبدعم من اللوبي اليهوديّ الخفيّ، لم تكن شرعيّة. وبذلك تسقط كلّ الحجج المفبركة والأعذار المهيّأة سلفًا، ما يترتب عليه بالتالي بطلانُ قرار مجلس الأمن الذي سوّغَ الغزو والتدخل الهمجيّ للتحالف الدولي في عام 2003. فالواقعة قرائنُها باطلة، ومن ثمّ يستوجب ذلك محاسبة القوى التي اخترقت القانون الدوليّ بغزوها وتدنيسها لأرض الوطن، وبالسماح لسيول الدماء كي تجري مدرارًا، لمجرّد رغبة الأسياد بكسر شوكة أمّة عريقة ودقّ الأسفين في أوصالها وتقسيمها ضمن مشروع استعماريّ قديم-جديد، لا يستند إلاّ لمصالح قومية للمستعمر الطاغي. "فما يُبنى على باطل، يكون باطلاً ويبقى كذلك، مهما طال الزمن وتوالت الأيام والسنين". والأيام حبلى بأنباء سقوط الجبابرة مهما تجبروا وطغوا وعاثوا في الأرض فسادًا وقتلاً ونهبًا واستغلالاً.
من هنا، يدرك الكثير من المراقبين وأرباب الفكر، اليوم في الوطن والعالم أكثر من أي وقت مضى، أنَّ الغربَ الاستعماريّ الجديد بقيادة أمريكا، بكلّ ما أوتيت هذه من طغيانٍ وتبجّح وكذب ورياء ونفاق، لا يمكن أن تسلم مشاريعُه أو فعّالياتُه السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، من نفحة استغلاليّة واضحة تُؤثر المصالحَ القومية لبلدانه على أيّ شيء آخر، حتى لو حصل ذلك بالدوس على الرؤوس الثائرة وقمع الحركات التحررية وتصفية أصحابها وقطع شرايين الحياة عن الأحرار فيها.
إلاّ أنَّ مصيبة العراقيين، انقسامُهم حول فحوى الرسالة التي حملها الغازي الأمريكي منذ بدء الغزو، والتي تمثلت بالقرارات المجحفة لرئيس الإدارة المدنية المؤقت بول بريمر، الذي استحق بجدارة تلقّي حذائين من الصحفي المغمور، تمامًا مثل سيده جورج بوش الابن. فإصرارُه على حلّ الجيش السابق، وهو جيشٌ عقائديّ مدرَّب وفاعل، بدعوى انتمائِه إلى العقيدة البعثيّة الصدّامية، والذي جاءَ بحسب بريمر نفسه، باستشارة من طرفين سياسيين محلّيين يحملان أجندات طائفية (الشيعة) وإتنية (الكرد) واضحة لا لبسَ فيهما، هذا الإصرار على هذه الفعلة القذرة من الأطراف جميعًا، قد أسقط ورقة التوت وكشف عورة الغزاة ومَن تحالفَ معهم من ساسة الصدفة الذين ركبوا موجة التغيير العبثية وانتقلوا مع الغزاة على ظهور دباباتهم الزاحفة، وذلك حينما جرى فتحُ الحدود وتحوّلتْ أرضَ العراق مشاعًا وساحة لقوى وتنظيمات ومنظمات إجرامية وتدخلات سياسية مشبوهة من دول الجوار وأخرى إقليمية وأجنبية عاثت في الأرض فسادًا، كلّ وفق مصالحها وأجنداتها. وقد حصدنا ما زرعه الساسة وزعماءُ كتلهم!
وفي الحقيقة، إنَّ ما شهدته البلاد بعد فتح الحدود على مصاريعها، وغبّة حلّ المؤسسة العسكرية وهي الضامن المفروض لحماية البلاد والعباد، وكذلك ما حصل من إرباكٍ عام بعد عمليات سلب ونهب الوزارات ومؤسسات الدولة التي تمثلُ هيبتَها وفيما عُرف ب"الفرهود"، وما خلّفته هذه كلّها من حالة فلتان شوارعيّ ومناطقيّ وطائفيّ شاعت وتعززت وتواصلت لغاية يومنا هذا، إلى جانب القصور الواضح في تحديد الأهداف، سواءً من الطرف الغازي أو من الشلّة الطامحة للجاه والسلطة والمال، وغياب المشروع الوطنيّ لدى الحكّام والسياسيّين "المراهقين" ، وإيثار المصالح الطائفية والمنافع الشخصية على المصلحة العليا للوطن، والجشع الشديد للغَرف من المال العام، وسيادة الفساد في مفاصل الدولة فيما بعد، هذه بأجمعها كانت خيرَ عنوان وأطيبَ فرصة وأتعس بشيرٍ لبروز تنظيمات إرهابية قفزت على الساحة بين ليلة وضحاها لتشكّل سلسلة في طوابير انتحارية استخدمت معها كلّ وسائل الإجرام من مفخخات وأدوات وبشر وفكر متطرّف نما بفضل دعاة الشرّ والقتل والإرهاب والجهاد وبتمويل عالميّ ومحلّي وإقليمي على السواء. طرفٌ يهندس ويخطّط، وآخر يموّل ويشجّع، وغيرُه يدعم ويسوّق، فيما جهات أخرى تُغسل أدمغة السذّج من عباد الله كي ينفّذوا ما لا يرضي الله بجرمهم الفاضح، قصدًا للقاء الرسول والاستمتاع بصحبة الحوريات اللاّئي يستعدن جمالهنَّ وقدراتهنّ أفضل من السابق في كلّ مرّة يحظى الانتحاريّ المغمور بنكاحهنّ، بحسب ما يزرعه شيوخ القتل والفتنة والتحريض في صدور هؤلاء السذّج الذين يتم التغرير بهم بهذه الترّهات والتلفيقات على الدين الحنيف.

الغرب مَن أيقظ التكفيريين وشجّعَ الفكر المتطرّف
لقد ساهم الغرب بقيادة أمريكا، في ظهور الظلاميين من الجماعات المتطرفة وفي بروز تنظيمات إرهابية تحمل أيديولوجيات ديماغوجية متشددة لا تقبل بالآخر المختلف عن خطّ تفكيرها المنغلق على الذات وعلى الدّين وتفاسيره القبلية المتخلّفة في بداوتها وبداءتها وقصور فهمها لدورة الحياة المتطورة والمتجددة مع الزمن والفكر والعلم. فقد فعل الغربُ ذلك، سواءً مع سبق الإصرار أو من غير إدراكه للنتائج المترتبة على تلك الخطوة الشنيعة، باستغلاله الأرضية المهيَّأة لمثل تلك الأفكار الظلامية بوجود حاضنات عديدة وكثيرة لها في دول الشرق الأوسط ولاسيّما العربية منها والإسلامية، كي يلعب دور المحرّض باستخدام دعاة الفتنة إرضاءً لله والدّين، والأخير بريء براءة الذئب من دم يوسف البار! لقد كشفت اتهامات وردت على ألسنة شخصيات مرموقة في وزنها، تشير صراحة ووجاهة وتلميحًا إلى الدور القذر الذي لعبته الدولة الغازية، أمريكا، قائدة الشرّ في العالم، برعايتها لإخراج تنظيم الدولة الخرافية إلى الوجود. وآخرها اتهام المرشح الجمهوري دونالد ترامب، لإدارة أوباما بتأسيس هذا التنظيم وزجّه في صراعات إقليمية في المنطقة بهدف تسهيل السطو على مقدّرات بلدانها وإعادة تقسيم أوصالها وفقًا لأجنداتها ومصالحها وحبًا بثرواتها وليسَ لنشر مبادئ الإنسانية والديمقراطية كما تتبجّح.
مجمل هذه الظروف والقرارات والإجراءات، قادت البلاد والعباد إلى حافة الهاوية، وجعلت من أبناء الجماعات المتنوعة في النسيج العراقي التقليديّ المتعايش من دون استثناء، لقمةً سائغة بيد هذا الإرهاب وأدواته التي تعددت وانتشرت وتفاقمت، إلى جانب الصيت السيّء لمَن أتى بهم الغزاةُ لحكم العراق من دون خبرة ودراية واستراتيجية وهدف وطنيّ. والطامة الكبرى، كانت في تنصّل الغازي الأمريكي من تطبيق استراتيجيته في بناء السلم الأهلي وتعزيز الديمقراطية وبناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة، بعد الاتفاق على انسحاب قواته في الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية في نهاية 2011. وقد خلق ذلك الخرق ثغرات كبيرة وكثيرة زادت من انتهاك سيادته واستقلاله السياسي ووحدة أراضيه ومياهه وأجوائه. كما تهدّد نظامُه الديمقراطي الحديث الولادة، وتفتّتت وضعفت مؤسساته وهيئاتُه بسبب تعزيز مبدأ المحاصصة وبروز النعرة الطائفية والمذهبية التي غذّاها الغزاة وزرعوها في عقول وقلوب ونفوس الساسة المراهقين الذين لم يتورعوا بالتملّق لراعي العملية السياسية الخرقاء، إن ظاهرًا أو في الباطن، تاركين مصلحة البلاد والشعب على كفّ عفريت نتيجة للفساد الذي استشرى في جميع مؤسسات الدولة، بسلطاته الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. ولولا هذه السياسة الخرقاء والتواطؤ الفاضح من جميع اللاعبين على المسرح العراقي، لما تمكن الإرهاب من بسط نفوذه على مناطق شاسعة من الوطن والتحكم بمقدّرات مدن وبلدات وقرى كثيرة امتدت على أكثر من ثلث أراضي البلاد بين عامي 2014-2016 على أيدي دولة الخرافة الإسلامية.

مَن ينصفُ الأٌقليات؟
لقد شكلت حادثة كنيسة سيدة النجاة الإجرامية مثل مثيلاتها التي ضربت كلّ شبرٍ من أرض العراق، حين بلغت هذه أوجَها بفعل ما اقترفته التنظيمات الظلامية لاحقًا من أعمال ترقى للإبادة الجماعية في مناطق عديدة من العراق وفي المنطقة بعد سيطرة دولة الخرافة على مناطق شاسعة من البلاد، شكّلت هذه نقطةً سوداء في جبين الإنسانية ودول الغرب، نتيجة لسياسات هذه الأخيرة العبثية الكارثية اللاّمبالية بمصالح الشعوب المقهورة والمستضعفة. والأنكى من هذا كلّه، استمرار زجّ البلاد في أتون صراعات داخلية متناقضة المصالح ومتعددة المفاسد في أوساط الكتل السياسية وأحزابها وشخوصها الذين اعتادوا تبادل التهم بالفساد والقتل والتآمر، من دون تعرّض معظمهم للحساب والقصاص والمقاضاة، بسبب تسييس القضاء وخضوعه لنظام المحاصصة الطائفي الذي يمنح نظامَ التوافق سلطةً فوق بنود الدستور وتطبيقاته. فالذين يحكمون البلاد، مازالوا خالو الوفاض من شيءٍ اسمُه "بناء الوطن"، و"سيادة القانون"، و"المساواة والعدالة، و"الأمن والخدمات" و"وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وحسب الاستحقاق الوطني وليس الانتخابي المشبوه"، تطبيقًا لدستور توافقيّ وُلد أساسًا معاقًا بعملية قيصرية. ومثل هذا المشهد السياسيّ المتأزّم ما يزال قابل الانفجار في أية لحظة، بسبب "لعبة جرّ الحبل" المتفاقمة بين الشركاء الفرقاء، أصدقاء الأمس وأعداء اليوم.
واليوم، استذكارًا للذكرى السادسة لفاجعة كنيسة سيدة النجاة، نتذكّر وبكثيرٍ من الحسرة واللوعة، شلّة الشهداء الخالدين ال 46 من المصلّين الأبرياء من الجماعة المسيحية، بينهم كاهنان شابان عرفتهم كنيسة العراق ومنطقة الكرادة بالذات، بغيرتهما الرسولية ومواقفهما الوطنية وطيبتهما وسط سكان الحيّ، بشهادة مسلمي الحيّ أنفسهم. والخطيئة الكبرى لهؤلاء المصلّين والمسالمين من عباد الله، من الشهداء الذين أضحت دماؤُهم بذارًا لأرض الوطن، والجرحى الذين نجوا بأعجوبة، أنّهم كانوا عصر ذلك الأحد المقدس، يبتهلون إلى الباري، إله الحق والمحبة والتسامح والطيبة والرحمة، كي يزيل الغمّة عن الأمةّ الجريحة، ويهدي الحكّامَ وأصحابَ الجاه والقوى المستحكمة في العملية السياسية إلى سواء السبيل والعودة للاحتكام إلى العقل ونزع بذور الطائفية التي نخرت جسد الوطن ونهشت أحشاءَه وأثخنت جراحاته. فقد توالت بعدها النكبات وتعددت المصائب وساءت الأحوال في المال والاقتصاد والخدمات والأمن، وكثرت الضغائن والأحقاد بين أبناء الأديان والطوائف، واشتدت الصراعات بين الأحزاب والكتل والعشائر بسبب تناقض المصالح وفظاعاتها. وكان فيها الشعب المغلوب على أمره دومًا الضحية الكبرى، فيما الباحثون واللاهثون وراء الجاه والمال والسلطة يقبعون في أخدار المنطقة الخضراء ويتسامرون في أروقة الفنادق الفخمة وصالاتها ومنشغلون في تهيئة ومراجعة صفقاتٍ ليسَ للوطن فيها ولأبنائِه من مصلحة.
ومذ ذاك، والجماعة المسيحية، مثل غيرها من الأقليات الاتنية والدينية المهمَّشة في الحكومات المتعاقبة، تشهد انحسارًا في الوجود وتناقصًا في العدد بسبب نزيف الهجرة القاتل ومواقف الغرب الصادمة ممّا يجري ويحصل أمام أنظار الملأ. فقد فتح هذا الموقف اللاّمبالي بما حصل ويحصل، للفئات المكوّناتية القليلة العدد في البلاد، ومنهم المسيحيون، فتحَ جراحًا عميقة في جسد البلاد المثقل بالطعنات الداخلية والخارجية والإقليمية على السواء، عندما سمح بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحقّ مواطنين آمنين جرى تهجيرُهم وطردهم من بلداتهم وقراهم وسلب ممتلكاتهم وأموالهم وحلالهم في أبشع كارثة شهدتها الإنسانية على أيدي جماعات إرهابية متطرفة وظلاميين استخدمهم الغرب وأمريكا أداةً لتحقيق أجندة إعادة خارطة البلاد والمنطقة وفق منهج مشبوه، اشتركت فيه عناصر مشاركة في العملية السياسية، تجاذبت فرضَ مصالح دينية وإثنية وطائفية فيما بينها.
وما يزال المشروع الأمريكي في طور الإنجاز والحركة والتفاعل. والخوف الذي تحتاط منه هذه الأقليات الدينية والإثنية يكمن في وقائع ما بعد تحرير مناطقها المغتصبة التي يُخشى تغييرُ ديمغرافيتها، لاسيّما بسبب فقدان الثقة بالراعي الدولي وضعف الإحساس الوطنيّ لدى صنّاع القرار وحكّام السلطة الفاسدين حتى الثمالة وصعوبة عودة المهجّرين والنازحين إلى مناطقهم من دون ضمانات دولية، وأخرى محلية، وطنية وأمنية وخدمية. فهلْ يكفّرُ الغرب باعتباره المتهم الأول بالجريمة، عن الذنب ويعيد تلك المناطق إلى أصحابها الشرعيين، ويعوّض المواطنين ما فقدوه؟ وهل ستبادر الدولة إلى اتخاذ خطوات وإجراءات وطنية خالصة لتعويض الناس بعدالة، وفي بسط الأمن والأمان وإعادة دورة الحياة إلى هذه المناطق بعد تحريرها المؤمَّل قريبًا، وتكفّر هي الأخرى عمّا اقترفه الشركاء السياسيون فيها بحق مواطنيهم حين تخلّوا عنهم وفق مساومات وصفقات تقتضي استقدام داعش الإرهابيّ لتنفيذ المخطّط الشيطاني الذي يضمن لكلّ فريقٍ حصتَه من الكعكة؟
إلى ذلك اليوم المنتظَر بالعودة الميمونة إلى الديار المسلوبة، نسأل الرحمة لشهداء كنيسة سيدة النجاة بهذه الذكرى المؤلمة، ولشهداء العراق جميعًا الذين خلّدوا أسماءَهم في سفر التاريخ. ولتكن عودة نينوى وبلداتها إلى حياض الوطن مدعاة للوحدة الوطنية، والنازحين عنها والمهجَّرين منها قسرًا دليلًا لوحدة الصفّ ونهجًا للساسة والحكومة ومؤسسات الدولة الأخرى على السواء، من أجل إعادة ترتيب البيت الوطنيّ ووضع الأمور في نصابها العراقي الخالص وتطبيق الديمقراطية والعدالة والمساواة بعيدًا عن الأنانية الطائفية والتوجهات الدينية والمذهبية التمييزية بين المكوّنات. الّلهمَّ آمين.





33
غزوة المشروبات الكحولية في كواليس البرلمان الخفية
بغداد، في 25 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
أثار القانون الغريب والمثير للجدل الذي أقرّه البرلمان مؤخرًا ضمن فقرة واردات البلديات، حول منع إنتاج وتوريد وبيع المشروبات الروحية، العديد من التساؤلات والاستفهامات حول توقيت طرحه وفرضه في هذه الظروف بالذات التي تشهد فيها البلاد آمالاً بانفراج سياسي وأمني ومجتمعيّ وربّما تصالحيّ، حين تكاتفت كلّ قوى الخير الوطنية ضدّ قوى الظلام والشرّ المتمثلة بالسرطان الخبيث "داعش"، الذي استفحل فكريًا وعسكريًا وأمنيًا واجتماعيًا لأكثر من عامين بين ظهرانينا. فقد نال هذا الحدث الذي طفا على الساحة العراقية وتفاعلت معه مختلف وسائل التواصل الاجتماعي التي جرّمت مثيريه مجدّدًا، نال القسط الوافر من النقد والتهكم والاتهام بفضح المستور وما كان أعظم، سواء في التعاطي بهذه المادة أم باحتسائها أو بمحاولة احتكارها، ومع ما يساعد على ترويجها في صالات الملاهي الليلية ال 72، التي كشف عنها أحد النواب الجريئين والصادقين والمنتقدين لمَن يرعوها ويتقاضون مقابل حمايتها المقسومَ المزعوم. ليس هذا من عندي، بل هذا ما عرضته إحدى قنوات الشعب وتناول بالتعليق والمداخلة فيه بالتفصيل نوابٌ وأكاديميون وسياسيون.   
لا يخفى على أحد، هناك قوى ظلامية من داخل قبة البرلمان حامي اللصوص والفاسدين، والذي يفترض تمثيلُه للشعب كلّ الشعب وليسَ جزءًا طائفيًا منه، هذه القوى تسير على ذات المنهج الذي سار عليه تنظيم دولة الخرافة الآيلة للسقوط والزوال إلى مزبلة التاريخ. وهذه تعتقد من جانب أحاديّ واحد، أنها بغزوتِها هذه، قد حققت بها إنجازًا كبيرًا واحتارت برفع آيات الشكر لمَن صوّتَ لصالح القانون وبرفع التهاني للمرجعيات. وهي واهمة إن اعتقدت تحقيقها مثل هذا الانجاز الطائفي الحاقد بهذا التصرّف وهذا السلوك التمييزي المخالف للدستور والرأي العام والمناقض للحريات، حيث مع الثوابت الإسلامية لا تقاطع مع الحريات والدمقراطية. هكذا يقول الدستور الأعرج.
إنّ الوطنية لا تُقاس بالانغلاق على الذات وبتهميش الغير من شركاء الوطن، مهما كانوا عددًا وحجمًا، أو بفرض ما تعتقد به الأغلبية المتسلطة على المختلفين عن أتباعها دينًا ومذهبًا وقومية وعرقًا. فأمثال هؤلاء المنافقين بفعلتهم التمييزية الفاضحة هذه، لا يقلّون بشاعة وفداحة عن "الدواعش"، الذين عاثوا في الأرض فسادًا وهجّروا المختلفين عن منهجهم وفكرهم ولاسيّما من أتباع المكوّنات غير المسلمة، كما أفصح ذلك أحد النواب المسيحيين الذي طاله تهديد مباشر من معمّم داخل قبة البرلمان. فيما اعتقد أحد النواب المخضرمين والعقلاء أنَّ مثل هذا الفعل غير الموفَّق لا يساعد على تعزيز أسس الديمقراطية وترسيخ أركان الحريات الفردية والمجتمعية وأعمال التنمية والتقدّم وفتح آفاق للاستثمار وتشجيع السياحة. فالبلد الذي يكمّم الأفواه ويخنق الحريات ويحدّ من الإبداع والتعبير لا يشجع أن يكون جديرًا بجذب رؤوس الأموال والاستثمار وتفعيل المرافق السياحية وتنويع المداخيل لصالح الشعب والتنمية. بل بعكس ذلك كلّه، مثل هذا الإصرار على تقييد حرية المواطن يساهم باستمرارِ بكسرِ اللحمة الوطنية والمجتمعية بمثل هذه الأفعالٍ الطائفية التي "ترقى إلى آفة التعسّف"، كما وصفتها شخصية آكاديمية وسياسية فاعلة.
 لكن يبدو، أنّ مَن أثار هذا الموضوع مجدّدًا، بعد محاولات يائسة سابقة وفاشلة، قد فعلها بداعي المزايدات الدينية والطائفية، وتقرّبًا من قيادات دينية وسياسية ترعى الطائفية وتسعى إلى تكريسها بمشروع إسلاميّ طائفيّ، بدلَ قيام دولة مدنية متطورة "تعطي ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه". وهذا ما تطالبُ به قواعد المجتمع المتنورة والمتطلعة إلى عراقٍ جامع لجميع الجماعات والمكوّنات والأديان والمذاهب والأعراق من دون تمييز. هكذا كان العراق ولن يقبل بغير هذا النهج بديلاً لبنائِه وتطوّره ورقيّه وسعادته وسلامه وأمنه. فوحدة الصف وسعادة المجتمع ورفاهه واحترام الآخر المختلف هي الضامن الوحيد لاستقراره وأمنه ورقّيه. 
مَن يعود إلى الوراء قليلاً، ومع بدء التغيير في الأحداث السياسية في العراق، قامت ميليشيات مشبوهة تنتمي لأحزابٍ دينية متنفذة في العملية السياسية بعدة حملات، أسموها ب "الغزوات" ضدّ مرتادي مخازن بيع الخمور وأصحابها وبشكل منهجيّ في عموم محافظات العراق، ومنها بالذات بغداد العاصمة والبصرة والموصل بصورة خاصة. بل كانت تلك الحملات مقرونة بدعم من جهات حكومية وسلطات محلية يقودها أشخاص متنفذون من الأحزاب الدينية ومدعومة بقوات من الجيش والشرطة كي تأخذ تلك "الغزوات" مفهومًا رسميًا ودينيًا ومنهجًا طائفيًا ضدّ الجماعات التي تتعامل في عمليات المتاجرة الرسمية والتقليدية بأنواع المشروبات الروحية وفق القانون والتعليمات النافذة.  وقد راح ضحية تلك الحملات المتكرّرة والمتلاحقة في فترات متعاقبة، العديد من الضحايا، من كسبة الرزق اليومي الشريف بعد أن سطت أحزاب دينية وأخرى طائفية وغيرُها ذات مصالح فئوية ضيقة على مقادير الأمور في البلاد وسط ضياع القانون، وفراغ السلطة وضعفها إن وجدت، وغياب القضاء المستقلّ، وشحة فرص العمل التي تؤمّن الخبز اليومي للمقهورين والمظلومين والمهمَّشين لمواطنين شرفاء وأصلاء من أتباع الديانات الأخرى، وأخصّ منها بالذكر الآزيديين والمسيحيين والصابئيين. وهذه الجماعات الثلاث حصرًا، أكثر من اية جماعات سواها، كانت وما تزال الأكثر تضرّرًا على جميع الأصعدة، ومنها أنَّ أتباعها قد ألصقت بهم تهم التصنيع والمتاجرة والاحتساء، دون سواهم.
ما حدث في البصرة مثلاً، ولحقها في بغداد والموصل ودهوك بصورة خاصة، مع بداية التغيير الدراماتيكي في البلد، من هجمات متكررة على باعة الخمور فيها، وجلّهم من هذه الطوائف والجماعات المسالمة، كان وصمةَ عار في جبين السياسيين الذين يقف بعضهم وراء تلك الحملة الظالمة والخسيسة. فقد تمّ الاستيلاء على كميات هائلة من المشروبات في حينها، بالسطو على المخازن وسرقتها وإعادة بيعها في السوق السوداء بأثمانٍ مضاعفة، درّت على قادة الميليشيات في هذه المحافظة حصرًا، مبالغ سال لها لُعابُهم، فتفنّنوا في كيفية السطو والسرقة والبيع واستقدام المزيد منها من مناطق أخرى لتأخذ طريقَها إلى السوق السوداء. ومّن لا يتذكر حادثة الإغارة على جمعية آشور بانيال الثقافية بالمسبح في بغداد، وما تركته من تخريب بالممتلكات وإهانة للجمعية وأدارتها التي كانت من المنابر التي يُشهد لها في مجال الثقافة والتعبير عن الرأي والرأي الآخر وفي التنوير؟ 
اليوم، يعود أصحاب الفكر الضيّق والأفق المحدود ليكرّروا ذات الخطأ بالاعتداء على خيار المواطن وحريته في العيش بالطريقة التي يرى فيها صلاحَه وراحتَه ويعبّر فيها عن تفاعله مع محيطه من دون أن يؤثر سلبًا على عامة المجتمع. في الوقت عينه، يرى الكثيرون، ومنهم برلمانيون سرًا، أن هذا القانون الذي جاء من لجنة الخدمات، غير دستوري ويتنافى مع الحقوق والحريات العامة ويتناقض مع مبادئ الديمقراطية التي ضربها المشرّع العراقي مجدّدًا عرض الحائط، إنْ مجاملةً أو مسايرةً أو إرضاءً لجهات سياسية ومراجع إسلامية وطائفية، على شكل مزايدات دينية وطائفية وولائية لهذه أو تلك. كما أنّ هذا القانون التمييزي الواضح، يتعارض أساسًا، مع الفقرة الثانية من الدستور الضامن لحقوق جميع العراقيين من دون تمييز، حيث تتضمن هذه المادة عدم جواز تشريع أي قانون يتناقض مع الحقوق والحريات الفردية ومبادئ الديمقراطية. وهذا ما حدا بأحد النواب عن المكوّن المسيحي بعزمه رفعَ طعنٍ في المحكمة الاتحادية، وأيّده العديد من النواب المتنورين والعقلاء، لردّ هذا القانون الظالم والمجحف بحقّ كلّ العراقيين، إلاّ المنافقين الذين يبحثون عن مطامع خاصة ويتفاخرون بالتقرّب من المرجعيات وقادة الأحزاب الدينية التي ترفع شعار مشروعٍ إسلاميّ طائفيّ واضح، إنْ تودّدًا أو خنوعًا أو بحثًا عن رضا وجاه فارغين. وأمثال هؤلاء الأقوياء طائفيًا، والضعفاء مجتمعيًا ووطنيًا، بهذا النهج يشبهون أنفسَهم ب"كهنة" السلاطين والمراجع، الذين اعتادوا بمختلف أنواعهم ومشاربهم، العيش في جلباب الغير وتلويث الحياة بأكاذيب ودجل ونفاق لا تقلّ مفسدةً وتعسفًا عمَا اقترفه "داعش" وأشباهُه ضدّ جماعات عراقية أصيلة، تعرّضت وماتزالُ لذات الظلم وذات التعسّف بسبب أفكار متخلّفة وعقليات متزمتة لا ترقى إلى مستوى مفهوم "الدولة المدنية" الذي يتطلّع إليه جميع العراقيين. وهذا المفهوم عينُه، قد أكده في مناسبات عديدة معظم هؤلاء النواب الذي خالفوا آراءَهم الاستعراضية الكثيرة بخصوص "الدولة المدنية" المنشودة التي ينبغي أن تُبنى عليها سياسة البلد الغارق في مفاسد وسرقات الفاسدين من السياسيين ما بعد التغيير!
 إنّ العراق لا يمكن أن يكون مشروعًا لدولة ثيوقراطية يتحكم بها دينٌ معيّن أو طائفة معينة. ف "الدّينُ يبقى في أصلِه وشريعتِه وفي مفهومِه الأوسع للّه، فيما الوطن خيمةٌ وجنينةٌ للجميع". أمّا ما كان غيرَ ذلك، فهو منافٍ لأصول الحرية والديمقراطية والإنسانية التي ارتضى بها البلد وساستُه يوم القبول بغزوه من قبل الغرب، صانع الديمقراطية ومصدّرُها على طريقته الخاصة.   
لذا، فإنّ مَن تعذّر من نواب الشعب بحجة تطبيق شريعة السماء، عليه أن يعيد قراءة ما كُتب والتفسيرات المتناقضة والكثيرة التي شابت هذا الذي كُتب ونُقل ورويَ منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا خلت، حينما كانت عادات الصحراء وتقاليد البداوة وقوانين القبيلة وشريعة وأد البنات تتحكم بالعباد وسلوكهم اليوميّ. وما هذا الإصرار المتعاظم من قبل البعض للعودة إلى الزمن الغابر في لحظة نفاق ومكر وكراهية، سوى للتعبير عن الرفض المبيّت الواضح لكلّ مختلف عنهم في الفكر والمنهج والسيرة والدين والمذهب. فقد أثبت الكثير من النواب أنهم مجرّد أدوات، قد استخدموا ليقولوا ما يُلقنون إياهُ من جانب رؤساء كتل وزعامات دينية تسعى لفرض "شريعة دين ودولة" على مواطنيهم، بالرغم من تعدد أديان البلاد وتنوع القوميّات واختلاف الثقافات والعادات والتقاليد والمناهج في الحياة. أمّا ما يقوله هؤلاء وزعاماتُهم علنًا، وما يعدون ويصرّحون به للشعب المقهور ولزعامات وممثلي هذه الجماعات في المؤتمرات واللقاءات وعلى الفضائيات عبر التسابق والتبجح باحترامهم وتقديرهم لأتباع الديانات الأخرى والإشادة بأصالتهم في الأرض، فليس ذلك إلاّ رياءً ونفاقًا وضحكًا على الذقون وتخديرًا لمَن يصدّق الأكاذيب المتكرّرة. فهم يضمرون ما لا يقولون، ويقولون ما لا يفعلون. وكلّ ذلك، طمعًا بكسب الأصوات والتأييد، وتودّدًا للغرب الذي يصدّق كلَّ ما يقولون في وسائل الإعلام المختلفة وفي اللقاءات والمفاوضات والمؤتمرات الرسمية والدولية والمنظماتية.
من هنا، فإننا نعتقد أنّ جزءًا كبيرًا من مفهوم الديمقراطية والحرية يقوم على سياسة التسامح والتصالح والرحمة التي نردّد لفظتها ملايينَ المرات في كلّ يوم. وما أحوج الشعب العراقي اليوم أكثر من ايّ وقت مضى لهذا المفهوم وهذه السمة التي كانت تطبع معظم طبقات الشعب قبل اختلال الموازين وصعود تيارات الإسلام السياسيّ إلى السطح منذ ثمانينات القرن الماضي وعبثها بمقدّرات الشعوب والأمم والدول، لاسيّما في منطقتنا الشرق أوسطية، والعراق من ضمنها، والتي استغلّت كحاضنة جاهزة لتقبّل مثل هذا الفكر التكفيريّ المتخلّف والترويج له في ضوء تصارع مذهبين غريمين، يحاول كلّ منهما إثبات أولويته وشرعنته وجبروته. ثمّ إنّ جرّ البلاد والعباد إلى معارك جانبية وصراعات طائفية ومذهبية في هذا الوقت بالذات، كما صرّح أحد عقلاء البرلمان، ليس من مصلحة الشعب والبلد الذي يخوض معركة مصيرية مع أعتى تنظيم إرهابيّ سطا على ثلث مساحة البلد قبل أكثر من عامين. وكان ذلك بفضل مثل هذه الصراعات الطائفية التي أوجدتها وحرّكتها وأيدتها حكومة طائفية لفترتين برلمانيتين، وبهما ساد الفساد وطغى الظلم ونُهبت ثروات الوطن وحصل القتل والدمار ونقص الخدمات وفرغت الخزينة وانهار الاقتصاد وهُجرت جماعات وسبيت نساء واغتصبت غيرهنّ.
ولو نظرنا إلى دول الجوار، وبعضها تنتهج نهج الشريعة الاسلامية، لعرفنا أنّ تقدّمها واستقرارَها حصلا بفضل انفتاحها وعدم تعرّضها للحريات العامة ولمنافذ الديمقراطية، ومنها حرية السلوك والمتاجرة بأنواع الخمور، وفق قوانين مرعية تحافظ على الذوق العام والنظام ولا تخلّ بحرية الآخر وخياراته. وهذا ما ساعد كي تنهض سياحيًا ويتعزز اقتصادُها بفضل مثل هذا الفكر وهذه السياسة الانفتاحية التي لا تتقاطع مع الحريات العامة ومع الديمقراطية وحرية الفرد. ومن حقنا أن نتساءل: أيهما أفضل، أن ينعم الفرد بحريته في تناول الخمر من دونه أم زجّ الشباب في أتون تعاطي المخدّرات التي كادت تغزو الشارع العراقي من إحدى دول الجوار، كما تشير إحصائيات أمنية ومخابراتية وجهات نفسانية وطبية؟ وأيهما أفضل: شاربو الخمر الذين ينتشون في دُورِهم وفي صالات ليلية مسيطَر عليها وفق القانون والضوابط الرسمية، أم الفاسدون في البرلمان ومؤسسات الدولة التي غزتها الطائفية والمحسوبية، وغذّاها أمثال هؤلاء النواب المنافقين الذين صوّتوا لصالح حظر المشروبات من دون التحسّب للأسباب والنتائج؟ دروسٌ بليغة للتعلّم، فهل من سامع أو مجيب؟
من هذا المنبر الحرّ، ندعو بدورنا، المحكمة الاتحادية كي تأخذ دورها القضائي الوطني وتردّ هذا القانون الظالم وتضع حدًّا لأمثال هذا السلوك الذي لا يريد الاعتراف بحرية الآخر، ويسعى في مناسبة وبدونها للإيغال في تهميش الآخر المختلف واستبعاده والاستخفاف بحجمه ودينه وطائفته وإنسانيته. كما ندعو أصحاب الأفكار المنغلقة في السلطات الثلاث، كي تتعظ من دروس الماضي والحاضر، وتتطلّع عوض ذلك للمستقبل، وتعيد رسمَ الأولويات الوطنية التي تجمع ولا تفرّق، وتضع في منهاجها عناوين الحرية جميعها من دون استثناء، ومنها عنوان الانفتاح والسماح للفرد بالانتشاء بما يعتقدُ أنه يوفرُ له السعادة والارتياح والراحة حين احتسائه الخمر بتعقّل ومن دون فقدانٍ للوعي والإرادة. فسواءً قبلت الأغلبية المتسلطة أو رفضت، وسواءً امتعضت الأقلية المقهورة أم رضخت للأمر الواقع، يبقى المبدأ المطروح من قبل هذه الشلّة من النواب المنغلقين، مغلوطًا يشوبه الكثير من التعسف والظلم والتخلّف والتراجع في الحريات وفي الأفكار والآراء. وليس من المعقول، أن يبقى البرلمان في وادٍ والحكومة في آخر والشعب بين هذا وذاك يجرّ أذيال الخيبة فاقدًا الأمل في الراحة والاستقرار والسلام والطمأنينة والإنسانية.
 وسيبقى عرق بعشيقة وخمرة ألقوش وقره قوش، بعد عودتها إلى حضن الوطن وعودة أهلها إلى دورهم وأملاكهم، عنوانًا آخر للحرية والديمقراطية التي حاول التنظيم الإرهابي المتشدّد وأشباهُه، حرمانَهم ومعهم كلّ العراقيين، من نشوتها ومتعتها وإيجابياتها التي تزيد كثيرًا عن سلبياتها.
 


34
قيم الشكّ واليقين في سلّة السياسة والسياسيين
بغداد، في  8 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
ليس هناك ميزانٌ واضح أو ثابت بين ما يشكله مفهوم الشكّ، سلبًا أو إيجابًا، مقارنة مع نظيره شبه المستقرّ "اليقين". فالشكّ قد يكون سمة أخلاقيّة واجتماعية بالدرجة الأولى. وهو بذلك يدلّ على موقف عقلانيّ حرّ وواعٍ يتخذه الإنسان اتجاهَ حالة معينة. أي بمعنى أكثر سعة، وكما يرى البعض، هو نوع من الاتجاهات الفلسفية التي تتطلب التفكير والتمحيص، ومن ثمّ اتخاذ القرار المناسب وفق الظرف القائم. والشكّ في جزءٍ كبيرٍ منه مردُّه الظنون والتخيّل، التي بمجملها، قد تجعلُ الإنسان يتيه في فضاءاتها الكثيرة والكبيرة. فمنه ما هو إيجابيّ حينما يدفع الأمور باتجاه الأفضل والأحسن. وهذا من شأنه أن يقود صاحبَه للتفاعل إيجابيًا مع الأحداث والأشياء، كلّما اختمرت عنده بذرة البحث نحو الأفضل ضمن دارة الإيمان بإيجابية الإصلاح في كلّ ما حواليه.
عندما يبحث الإنسان عن حلول لمعضلة معينة قائمة يصعبُ تفكيكُ رموزها، فهذا شيءٌ جيّد وحسن، لأنّه يعملُ خيالَه وفكرَه من أجل بلوغ الأفضل. وهذه قيمة إيجابية بحدّ ذاتها. وكلّما أمعنَ الإنسان في اكتشاف أدواتٍ تسهلُ الحصول على حلول إيجابية، زادت قيمةُ الشكّ عنده إيجابًا، بسبب اكتشافه مقوّمات جديدة في البحث عن شيءٍ اسمُه الإبداع الفكريّ والدقّة في التعامل مع الأشياء. ومثل هذا الإبداع الفكري والسرحان في الخيال لن يكون بمستطاع كائنٍ مَن كان، بل هي البيئة النخبوية التي تخرجه إلى البيان بانتظار مَن يطبّق ومَن ينفّذ. وعكس ذلك، يصبح الشكّ ذا قيمة سلبية عندما يقود إلى التشاؤم والسوداوية في الحياة. حينئذٍ يصبح كلّ مشهد أو حدث أو أداة، غير نافعة وغير ذي قيمة لديه، فيسلّمُ الراية ويدلف جانبًا كالغراب الذي ينعق.
وبين الظاهرتين، الإيجابية منها والسلبية، يبرز دور التفاعل اليومي في الحياة عند الإنسان السويّ، وما يقوم به الفرد الاعتيادي من عملٍ يحرّكهُ فيه اليقينُ الثابت، نوعًا ما، في النظر إلى المسائل والأحداث. ولابدّ من اعتماد هذا اليقين الظاهر، على فكر قويم وصلد ضمن المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان. وهذا هو السلوك الآمن الذي يمكن أن يُكتب له التوفيق ويقود إلى الصالح العام الأفضل خارج دارة الشكوك التي يمكن أن تحوم حوله بغير ذلك أو حينما تغلقُ عليه المنافذ. ومن الشكّ ما يقود إلى اليقين بعد التأكد من القرائن والبراهين والإثباتات الحاضرة والمستنبطة من الخبرات والأحداث والوقائع. وهذا ما ذهب إليه كلٌّ من الفيلسوفين الفرنسي ديكارت والعربي أبو حامد الغزالي في مخرجاتهما الفلسفية حول السمتين المتلازمتين.
سأضرب ثلاثة أمثلة قريبة من واقعنا ضمن هذا السياق، في الأسطر التالية.
كما نرى ونشهد، التقويم العالميّ القائم اليوم، مليء بالثغرات الكثيرة والكبيرة من هذا النوع الذي يتراوح بين الشكّ واليقين. من أحدث الأمثلة الماثلة أمامنا على صعيد السياسة الدولية الفوضوية هذه الأيام، قائمة الشكوك المتراكمة بين القطبين الرئيسيين، أمريكا وروسيا، والتوترات المتواترة التي تنمّ عن شكوك متراكمة ومتجدّدة بين فترة وأخرى بين العملاقين اللذين يديران دفة النزاعات والصراعات في العالم، ومنها منطقتنا الشرق أوسطية المبتلاة بمصالح هاتين الدولتين الندّيتين. إذ كلّما اقترب الطرفان من إنجاز اتفاق دوليّ مهمَ، أو أصبحا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق السلم الأهلي في منطقة ساخنة والإتيان بالوفاق المنتظَر، تبرز شكوكٌ بينهما لاعتبارات عدّة تنسف كلّ مقّومات تلك المشاريع التي ينتظرها المجتمع الدولي بفارغ الصبر.
العالمُ بأسره، يدرك اليوم أنَّ الحلّ والربط، كلاًّ وليسَ جزءً بأيدي هذين اللاّعبَين الكبيرين في توجيه السياسة الدولية وتقرير مصير الشعوب. مثلاً، حديثًا بعد الاتفاق على وضع حدّ للنزاع السوريّ، الذي أغرق البلدَ بدوّامة دماءٍ نازفة من دون رحمة بفضل ما تقدّمه الدولتان من جديد الأسلحة الفتاكة ودعمٍ للأطراف التي تخدم مصالح كلّ من العملاقين، برزت شكوك بين الأخيرَين في مدى التزام أيّ من الطرفين ببنود الاتفاقات التي يتقاسم فيها الطرفان المسؤولية السياسية والأخلاقية، ومردُّها عدم الثقة الدائمة في مسارهما منذ الحرب الباردة ولغاية الساعة. وهذا ما دفع الطرف الروسي من جانبٍ واحد، لاستعراض تاريخ غريمه الأمريكي ووضعه في قفص الاتهام بنكله مثلاً، باتفاقات سابقة يعدّها الأول مهمة وخطيرة. وعلى ضوء هذا الخلاف، أقدَمَ هو الآخر، بل هدَّدَ بنسف اتفاق قديم سارٍ يلزم الطرفين بالتخلّص من كمياتٍ من البلوتونيوم الذي يدخل في مجال صناعة القنبلة النووية، وذلك كردّة فعل لأساليب التحايل التي تستخدمها الإدارة الأمريكية بدعمها أدواتِ الإرهاب المتمثلة ببعض تنظيمات ما يُسمّى بالمعارضة، وهي في الحقيقة ميليشيات تستخدمها أمريكا لتنفيذ خططها في المنطقة. فالجانبُ الروسيّ في استعراضه لشكوكه المراودة حيال عدم التزام الأمريكان بتنفيذ بنود هذا الاتفاق بكلّ حذافيره من خلال الإبقاء على شيءٍ احتياطيّ منه، يرى في هذا التحايل خرقًا للاتفاقية ولروح الانفراج الدولي وتهديدًا للسلم العالميّ. بالمقابل، فقد رفض الأمريكان مثل هذه الاتهامات ووجهوا خطاباتهم اللاّذعة والصاروخية كالعادة ضدّ غرمائهم الروس الذين بطبيعتهم، لن يقبلوا بالإذلال أمام سطوة الإدارة الأمريكية التي سعت وما تزال كي تكون أداة القطب الواحد تديرُ العالم كما تشاء بقبضة حديدية وبكلمة من اللّوبي الذي يُحرق الكون ويشعلُ النزاعات في كلّ مكان تحقيقًا لمصالحه القومية وما وراءَها. أي أنّ الشكوك هنا، ليست إيجابية، بقدر ما هي سلبية من حيث إنها لا تتعاطى مع معطيات مصالح البشرية، بقدر ما ترى أنها ترسم للقويّ مصلحة ضيقة وتتيح لهُ إدارة الملعب بحسب أهواء اللوبي الذي يمسك بمرساة السفينة الهائجة وسط المحيطات الساخنة.
على صعيدٍ آخر، ما يجري في القارة الأوربية من تنامي خطوط الريبة والشك بين أعضائها، يثير الاهتمام. فقد بدأت الشكوك بين الدول والشعوب التي تنتمي إليها تترامى وتتسع وتأخذ مديات لم تعتدْ عليها، لاسيّما بعد خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد، وموجات الهجرة الشرعية وغير الشرعية التي تفاقمت وشكلت كابوسًا للقارة المنهكة. وهذه بطبيعة الحال قد تكون نتيجة ما يحصل في العالم من سياسة الكيل بمكيالين بين الكبار، لصالح الأسياد حصرًا. والأسياد التقليديون هنا، هم البريطانيون والأمريكان، ذوو الأصول الإنكليزية حتمًا. فهُؤلاء يَعدّون ما سواهم، بيادق في لوحة الشطرنج، أو رعايا يقتادهم الراعي ذي العصا الغليظة حيث يشاء وكيفما يشاء، حتى لو كان من بين هؤلاء أسيادٌ من نوعٍ آخر ممّن يقودون القارة العجوز اليوم. فهذه الأخيرة، لم تقوى على الوقوف فوق رجليها بسهولة، بلْ لم يُسمح لها ذلك، عندما سعت لانتهاج سياسة مستقلّة خاصة بها حين تقريرِها تشكيلَ اتحادِها الخاص وبعملتها الموحدة كي تكون قوّة اقتصادية متينة منافسة لأمريكا. فالأخيرة لم تسمح لها تجاوز الحدود التي تخرج عن طاعة القطب الواحد. وبالنتيجة، اضطرّ رؤساؤُها وقادتُها للزحف زحفًا نحو البيت الأبيض لينالوا رضا العم سام واللوبي الذي يقوده، من دون سؤال أو استرحام.
وها هي أوربا اليوم، غارقة في موجات من الأزمات، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وصناعيًا وتنمويًا، وتلفُّها تحديات جديدة أثقلت كاهلَ مواطنيها الذين نالهم ما نال المناطق الساخنة التي أحرقها الأسياد من إرهاب وعنف وبطالة وتمزيق للنسيج الاجتماعيّ. لقد سرت الشكوك بين مواطنيها أيضًا، حين فقدوا الأمنَ والأمان وحين بدأت مسيرة حياتهم وأسلوبُ عيشهم يكتنفها الغموض بسبب السياسة التي يتبعها قادة الاتحاد الذي بدأت أركانُه تتخلخل وتضعف. كما لم يخفي ساستُها وقادتُها ما ساورَ بلدانَهم واتحادَهم من حصة هذه الشكوك بسبب ما خلقته موجات الهجرة الشرعية والخفية وما صاحب ذلك من اتفاقات مريبة زاحفة مع دولٍ شريكة مثل تركيا التي فرضت صوتَها وإرادتَها رغمًا عن قوة الاتحاد وبالضدّ من إرادة شعوبه التي استسمجت الاتفاق المبرم مع هذه الدولة السائرة في تصدير أيديولوجيتها المتطرفة في المنطقة كما في صفوف دول الاتحاد على السواء. ومن الغريب أن قادة الاتحاد وساسَته لا يريدون أن يدركوا أو يقرّوا باليقين وليس بالشكوك، بالنوايا الخفية السلبية وراء إصرار تركيا على تنفيذ الاتفاق وفتح أبواب أوربا على مصاريعها لمواطنيها من غير سؤال أو تحديد، كي يكملوا غزوَ بلدانها ضمن هذه الصفقة المريبة التي تقف وراءَها دواعٍ سياسية في بعض دول الاتحاد المهمة ومكاسب انتخابية في صفوف أحزابه التي تحكمُ بلدانه، ومنها ألمانيا تحديدًا.
إنّ عودة الشكّ بين دول الاتحاد الأوربي، ما هي إلاّ تعزيز لأصوات الحيطة والحذر ومَن قرعوا أجراس الخطر في وجه سياسة الاتحاد الأوربي المتزعزعة التي تنفذ روزنامة البيت الأبيض وإدارتَه، كما يبدو. فمروجّو العلمانية حدّ النخاع الذين يرفضون حتى ذكرَ الله الخالق على ألسنتهم، والانتهازيون الذين قرروا الخروج والفسحة خارج قفص الاتحاد، والمتهالكون على فتح الحدود من دون رقابة ولا تمييز، والآخرون من أصحاب المواقف المتذبذبة والضبابية والسلبية في القرارات السياسية وغيرُهم من المنتفعين ممّا يجري، هؤلاء جميعًا قد أضفوا على سلوك قارتهم أكوامًا من الشكوك حول أصالة بلدان الاتحاد والنوايا الاقتحامية ضدَّ خصوصياتها وبهدف تغيير مسارات عيشِ شعوبها التقليدية وأسلوبِها الديمقراطيّ في الحياة. وهذا بحدّ ذاته، من أكبر التحديات التي تواجهها القارة العجوز اليوم أكثر من أي وقت. ولعلّ من أولويات هذه التحديات المرافقة لهذه السلوكيات، هو الهاجس الأمني الذي أيقظ العقول وحرّك الأفكار وخلطَ الأبعاد باتجاه ضرورة تحقيق قدرٍ وافٍ من التضامن بين دول الاتحاد وشعوبه من أجل إعادة الأمور إلى نصابها والحفاظ على نظافة القارة من الأتربة الغريبة والموجات الهجومية المتعمَّدة لأراضيها المصحوبة بأيديولوجيات غريبة عن أخلاقها وعن طبيعة عيشها بهدف تغيير ديمغرافيتها وشكلها وأصولها.
نضيف على ذلك مثالَنا الثالث، وهو ما تتصف به منطقتنا الشرق أوسطية والإسلامية تحديدًا، من التصاق سمة الشكّ في صفوف بلدانها، شعوبًا وسياسة ونوايا. فالمفهوم الطائفيّ لبعض الأطراف، المصاحب لأيديولوجيات يُراد فرضُها على الغير بأية وسيلة كانت، قد فتحت الأبواب مشرعة لتنامي بذرات من الشكك الغالب واليقين المبطن بين الدول الإقليمية بالمنطقة سلبًا أو إيجابًا، بحيث كاد الصراع المناطقيّ ينحصر في كونه طائفيًا بين ندّين تعمّق عداؤُهما، وراح كلّ طرف كأنّه يدعو لدينٍ آخر بمفهومٍ مختلف، طابعُه طائفيّ وعنصريّ ومغالٍ في الانتماء والتطبيق. وهذا بطبيعة الحال، حصل بسبب تنامي الشكوك بين أقطاب السياسة في البلدين المتصارعين مذهبيًا، وضمن المعسكر الذي شكّلَه كلّ منهما في المنطقة للتأييد للمذهب الذي ذهب إليه وراح يروّجُ له ويجنّد ما استطاع من قوى وبشر ومال. 
لذا، لا عجب أن نسمع مثلاً، أصواتًا تنادي علانية بمشاريعَ ل"تشييع" دول المنطقة وما يترتب على ذلك من فرض شعائر وتقاليد وممارسات مظهرية غريبة وانتماءات مرجعية، ردّاً على اتساع رقعة البلدان المؤيدة والداعمة لنهج التنظيمات والمجاميع السلفية المتشدّدة من أمثال القاعدة وداعش وشباب الصومال والنصرة وأمثالها، من التي تحكم قبضتَها على حكومات تؤكّد التزامها بالأحاديث والسنّة النبوية أكثر من تطبيقها للشرع القرآنيّ. وهذه الشكوك بين الأطراف جميعًا، قد جلبت الوبال على شعوب المنطقة بإثارة صراعات جانبية، ظاهرُها سياسيّ وجوهرُها طائفيّ ومذهبي ومرجعيّ لا يخلو من أيديولوجيا متطرفة في أحيانٍ كثيرة.
من المعلوم، أنَّ طابع الشكّ المخفيّ والكامن بين أصحاب المذهبين في المنطقة، قد أخذ مداه الواسع في نهاية حقبة السبعينيات من القرن الماضي، عندما تخلّت أمريكا عن أقدم حليفٍ أصيلٍ لها في المنطقة، ونقصد بها النظام الشاهنشاهي. وبتلك الخطوة، تكون قد أغرقت المنطقة في بحارٍ من الشكوك والنزاعات الدينية والصراعات المذهبية التي، ربّما لن تكون لها نهاية على المدى المتوسط. فقد أدت تلك الشكوك في النوايا بين القطبين المسلمين، إيران والسعودية وأتباع كلّ منهما معًا، إلى يقين باستحالة التعايش بين مذهبين مختلفين ومتباعدين مع توالي الأيام، ويحملُ كلٌ منهما فكرًا واتجاهًا ورؤىً مختلفة وذات مصالح متباينة.
وحتى تُتاح الفرصة للقاء وتفاهم الإخوة الأعداء في أرض الله الواسعة، بعيدًا عن الشكوك السلبية، لا بدّ من تبييض الصفحات السوداء التي طبعتها هذه الشكوك، لدى الواحد ضدّ الآخر. وبإزالتها، يتوصل العالم إلى يقين قاطع يحمل معه مفاهيمَ إنسانية خالصة وأخرى دينية صافية وثالثة سياسية متزنة تضع في أعالي ميزانها البشري عظمةَ الله الخالق وجمالَ خلقه وتساويهم جميعًا أمام منبره. فلا جاحد ولا كافر ولا مؤمن ولا كاذب ولا مارق ولا شاكّ ولا موقِن، يمكن أن يتعرّض في ضوء الميزان السماوي للرفض أو التوبيخ أو إقامة الحدّ، سواء كان من ذات الدّين أو المذهب أو الفكر، أو من سواها من أتباع الأديان والمذاهب الأخرى أو من حملة الأفكار الحداثوية والفلسفات المعاصرة، مهما كانت صفاتُها ومشاربُها. بل فقط، هو الخالق الديان الذي يحكم ويقضي بالعدل ويوصي خليقتَه بالحسنى والرحمة والعبادة والصدقة، وليس بالقتل والشك والذمّ والنفاق والاغتصاب والسلب والنهب والفساد. فهو لمْ يوكِل أحدًا قط ليحكمَ بدلَ مقامه، أو سمحَ له ليشكَّ بقدرته على إدارة الكون أو إدانة البشر خلقه، ليقينِه أنه يعلم ما لا يعلم البشر ويستطيع ما هو غير مستطاع لديهم.


35
وللتاريخ كلمة في شأن السريان والسريانية!
بغداد، في 13 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
-   الجزء الثاني-

كثر العتب وزاد الغضب والشجب والاتهام بين دوائر وجهات ومراجع كثيرة في الوسط المسيحي في الآونة الأخيرة بشأن الغبن والإجحاف الذي لحقَ بمكوّن "السريان" الذي أهملته لجنة كتابة الدستور، لأسباب تمييزية دامغة، كان المتسببُ فيها في الأساس، نوابًا مسيحيين يحملُ كلّ منهم أجندةَ طائفته المتعصّبة. وقد تنادت مؤخرًا، رئاسات كنائس شقيقة ومراجع ومنظمات وجمعيات وروابط وشخصيات دينية ومدنية ونشطاء ونواب وسياسيون متعاطفون، في الداخل والخارج، وكلّها تدعم تحقيق العدل والمساواة ورفع الحيف الذي طال هذا المكوّن، بسبب زلّة اقترفتها أيادي غير أمينة في غفلة من الزمن. وقد افتضح أمرُ هذه الجهات المراوغة بعد كشف الحقائق وعرض المستور، وما خفي كان أعظم! فالجهل بحقائق الأمور وبالتاريخ، قد ساهم هو الآخر في تجاهل وتغافل وإهمال لجنة كتابة الدستور ورئاسات الأحزاب والكتل التي أقرّته، بتضمينه مكوّنات دون أخرى، بالرغم من أصالة تسمية "السريان" و"السريانية"، عبر التاريخ. وذلك كانَ نتيجة تأثيراتٍ شخصية وكتلوية وحزبية، مارسها نوابٌ مسيحيون ومَن لقّنهم تعليماته وتوجيهاته، إيغالاً في التعصّب. بالمقابل، فقد طربَ لها غيرُهم من الأحزاب العراقية وزعمائهم، تشفيًا بزيادة التشرذم والانقسام في صفوف المكوّن المسيحي.

تسميات قومية بإرادات طائفية
ما حصل مؤخرًا، قد يكون صحوة لنصارى (مسيحيّي) العراق والمنطقة جميعًا، للعودة إلى روح العقل وترجيح الحكمة بدل التعصّب والتعنّت بتسميات طائفية حديثة تعود لطوائف وكنائس وطقوس وليسَ لقوميات أو هويات متميزة لشعوب، تمامًا وانسياقًا وراء موجات الطائفية التي تعصف بالوطن الجريح. وعفا اللّه عمّا سلف وجازى مَن كان السبب. وهذه وإن كنّا نعتقد أنها صحوة متأخرة، ولكن لا بأس،      ف"المؤمن لا يُلدغ من جحرٍ مرتين "كما يقول المثل. إن مثل هذه التسميات الجديدة التي طفت على الساحة السياسة العراقية بعد الفوضى التي دمّرت بنيتَه ونسيجَه وعقلَه وخلقت جيوشًا من الفاسدين والجهلة ليقودوا البلاد، لم يرد ذكرُها قط كما يدّعيه أبطالُها ودعاتُها، في بطون الكتب والتاريخ والسير، إلاّ حديثًا. بل كانت تسمية "السريانية" والشعب "السرياني" والهوية "السريانية" واللغة "السريانية"، هي المرجحة والمتداولة طيلة تلك الحقب الزمنية الغابرة. لذا أصبح من حقّ "السريان" الحاليين، بل من واجبهم المقدّس، هم أيضًا، المطالبة بإدراجهم في الدستور وفي البطاقة الموحدة، بعد تهميشهم وإقصائهم عن سابق إصرار وترصّد. ونريد أن يحصل هذا، ليس بدوافع الانتماء إلى طوائفهم وكنائسهم التي تحمل ذات الاسم، بل عودة إلى التاريخ والحقائق والوقائع من حيث تسمية جميع مسيحيّي الشرق منذ تنصيرهم في بدايات القرن الأول ب"السريان" وبلغتهم "السريانية" التي تحدّث بها أسلافهُم وما زالَ البعضُ منهم يفعل ذلك في سهل نينوى وفي شمال العراق. فكلمة "سورايا"، التي تعني المسيحي، "وسوريتوثا" أو "سوريوتوثا" التي تعني المسيحية أيضًا مجازًا، هي مفردات مقتبسة ومحرَّفة عن تسمية "السريان" و"السريانية"، والتي أخذت تفسيرًا عامًا متداولاً لتعني المسيحيين، دينيًا وقوميًا في آنٍ معًا. وهذه كان ينبغي أن تكون منذ البداية، تسمية تاريخية لجميع المسيحيين المشرقيين من دون استثناء. 
إننا نرى، أنّ إصرار الأحزاب الآشورية التابعة للكنيسة النسطورية بشطريها، مردّه ادّعاءٌ تفاخريٌّ بالانتماء إلى أصالة الحضارة الآشورية، من دون دلائل تاريخية أو ماديّة واضحة، ذلك أن الشعوب القديمة تزاوجت وتصاهرت وسُبيت واغتصبت وهُجّرت وهاجرت وطُردت واختلطت وامتزجت مع غيرها من الشعوب. وكان ذلك قبل أكثر من سبعة آلاف سنة ولّت، ولم يبقى للجنس البشري في المنطقة من دماء آشورية أو أكدية أو سومرية أو بابلية أو كلدية (كلدانية) أو حتى آرامية نقية. هذه مسيرة الشعوب وحركة الأمم، لا ثباتَ لدماءٍ صافية نقية فيها. ودليلُنا على ذلك، الحركة الديموغرافية الحالية في العراق والتوزيع السكاني القائم، ومنهم الكثير من أهلنا وأبناء عشائرنا وعائلاتنا وبني جلدتنا الذين قصدوا بلدان الشتات وتشرذموا، حيث ستأتي أجيال قد تنسى ماضيها وتاريخها وأصلها وفصلها، تمامًا كما حصل هذا مع جهلة التاريخ في صفوف نوابنا ومسؤولي حكوماتنا الكارتونية الفاسدة، اللاّهثين وراء مصالح طائفية ودينية وفئوية وشخصية ضيقة، ما أوقعهم في مثل هذا الخطأ الجسيم، عمدًا أو من دون قصد.
وهنا، يطيب لي التذكير بمعلومة تاريخية، قد تفيد بمراجعة المواقف والارتكان إلى العقل والحكمة والمعرفة غير الزائفة. من المعروف، أنه بعد دخول المسيحية إلى المنطقة عبر أنطاكية منذ القرن الأول الميلادي، تسمّى الآراميون من أسلاف الحضارات القديمة المعروفة، من الذين كانوا يسكنون المنطقة، تسمّوا "سريانًا"، لتمييزهم عن شعوب "الآراميين" الذين كانوا عبدة أصنام وأوثان. وهذه التسمية أضحت رسمية منذ ذلك التاريخ ولغاية الساعة. حتى إنّ أعرق الجامعات الغربية التي تتفاخر بتعليمها للغات الشرقية القديمة، مازالت متمسكة بتعليم اللغة الآرامية وآدابها، تحت مسمّى اللغة "السريانية"، وليس "الآشورية" أو "الكلدانية". وهذا كان واقعُ الحال إبّان اعتراف النظام البائد بالحقوق الثقافية لمَن أسماهم بالناطقين باللغة "السريانية" من الآثوريين والكلدان والسريان، في نيسان 1972. وعلى ضوء ذلك القرار، تمّ تشكيل مجمع اللغة "السريانية"، بهذه التسمية وليس بتسمية أخرى.
أمّا النعرة التعصبية التي انتقلت إلى جماعات هاتين الطائفتين، أي الآشورية والكلدانية، فهي حديثة العهد ترقى في بداياتها بالنسبة للجماعات النسطورية "الآشورية"، إلى تأثير الإرساليات التبشيرية الانكليكانية وبدء علاقتهم مع بطريرك الكنيسة النسطورية آنذاك في قواجانس بجبال حكاري، حيث كان البطريرك رمزًا ورئيسًا دينيًا ومدنيًا في آنِ معًا. وكان ذلك في أواسط القرن التاسع عشر، حيث تاريخ قدوم البعثات الأنكليكانية والبروتستانتية الى الشرق عامة، للعمل بأهدافٍ مزدوجة: سياسية منها لإيجاد أرضية في مناطق المسيحيين الجبلية الفقيرة التي كانت ترزح تحت سطوة السلطات العثمانية، والأخرى مذهبية كان الغرض منها منافسة المدّ الرومانيّ الكاثوليكي الذي تسارع إليه مسيحيو المنطقة للاهتداء إلى هذا المذهب لأسباب كثيرة لا يسعنا التطرّق إليها.
فيما الكلدان من أتباع النساطرة قديمًا، من الذين تحوّلوا إلى المذهب الكاثوليكي على عهد البطريرك يوحنا سولاقا في عام 1553، بسبب اعتراضهم على نظام توريث الكرسي البطريركي لدى كنيسة المشرق النسطورية، فقد التهبت عندهم نار الغيرة السياسية والقومية حديثًا جدًا، لاسيّما بعد التطورات الأخيرة للمشهد السياسي في المنطقة، وفي العراق تحديدًا. وهُمْ لم يتسمّوا كلدانًا من قبل بابا الفاتيكان في وقتها، إلا بعد تحوّل البطريرك سولاقا مع أتباعه إلى الكثلكة، وذلك بهدف تمييزهم عن أتباع طائفتهم القديمة من الكنيسة النسطورية. وقد برز التوجّه السياسيّ لدى المحدثين من الكلدان، مع بروز أحزاب بدائية تدّعي الكلدانية قومية، محاكاة لأندادهم النساطرة "الآشوريين" الذين صار لهم باعٌ في السياسة قبل غيرهم من المسيحيين في المنطقة وفي العراق تحديدًا، لاسيّما في مطلع القرن العشرين مع وثبة الفكر الوطني وارتفاع الأصوات بالاستقلالية وبوطنٍ مستقلّ أو إدارة ذاتية في مناطق تواجد المسيحيين في شمال الوطن وفي كردستان، تحديدًا. لكنّ إرادة الأسياد غير ما تتمناه الشعوب المغلوبة. فقد اصطدمت تلك الأمنية وذلك النضال آنذاك، بصخرةِ مخطّط الأسياد البريطانيين الذين نكثوا الوعود المقطوعة "للآثوريين" وعرّضوا مصيرهم وطموحاتهم للقهر والذبح والتنكيل والطرد، بين اغتيال وتطهير وخيانة. وهذا ديدنُ الأسياد. مخططاتُهم وأجنداتُهم قبل مصلحة الشركاء وفوق حقوقهم وأمنياتهم وبالضدّ من طموحاتهم دومًا.

مصارحة ومعاتبة
على أية حال، في هذا الاستعراض، الذي ليس الغرض منه إنقاص وزنِ طرف أو جهةٍ من مدّعي التسميتين، الآشورية والكلدانية معًا، بقدر ما هو التذكير بأنّ المصلحة العليا لكلّ الأطراف المعنية بالتسمية "المسيحية" وهويتها، تقتضي رصّ الصفوف وإجماع الكلمة من أجل بلوغ خطاب سياسيّ موحّد بكوننا شعبًا واحدًا وأمةً واحدة بلغة واحدة مع تعدّد التسميات إن شاء البعض، وهذا ما يطالبُ به العقلاء منذ بروز الأزمة. وقد أكّد عليه بطريرك الكنيسة الكلدانية، رمز كنيسة العراق، بالرغم من الضغوط التي مارسها عليه أدعياء القومية الكلدانية من أبناء كنيسته، والتي اضطرّته في نهاية المطاف، لتشكيل "الرابطة الكلدانية" مؤخرًا، إرضاءً لهذه الأصوات التي تغرّد من خارج أرض الوطن وتخطّط لداخله وهي قابعة في علياء برجها العاجيّ، بعد نفورها من أرض الوطن وغضبها من سلوك حكوماته الطائفية ورفضها البقاء فيه بسبب التهميش والإقصاء والمخاطر الكثيرة المتنوعة بحقهم. فبعض هذه الأطراف بخطاب نبرتها التعصبية، قد زادت من حنق الداخل على أهل الخارج، ووسّعت الهوّة بين أبناء الكنائس المختلفة والجماعات التي تنتمي إليها. بل، تسرّب هذا الهوس واتسعت الهوّة حتى بين رؤساء الكنائس الذين انقطع حبلُ لقاءاتهم المتعارف عليه منذ فترة وانفرط عقدهم منذ حين، عندما تمّ حلّ مجلس طوائف "كنائس" العراق ولم يعد له من وجود. ويبقى من حق أية جماعة أن تسمّي نفسها ما تشاء من التسميات، شريطة عدم تجاوزها على التاريخ وحقائقه. فمن شأن مثل هذا التجاوز أن تكون له تأثيرات سلبية معاكسة على مصالح **الغير، سواء مَن كانوا مِن صلب الجماعة أو من خارجها.
لستُ هنا بدافع النقد والتذكير، بما أحدثه تشرذم الاتجاهات وتعدّد الأحزاب وتنوّع الحركات والتنظيمات والجمعيات والروابط التي انتشرت في بلدان الاغتراب وراحت تتاجر بحياة المسيحيين المشرقيين الأصلاء الذين آثروا البقاء في أرض الآباء والأجداد، أيًا كانت الأسباب والتبريرات. فليسَ من المعهود ولا من المنطق ولا من العدل، أن يصيغ كلّ طرف من هؤلاء القابعين في دول الاغتراب مقاسات لأبناء الداخل، وفق أجندتهم ورؤاهم ومنافعهم. كان من الأجدر بهم، الصلاة من أجل مَن بقي في أرض الوطن يناضل ويدافع ويتفاخر بأصالته المشرقية "السريانية" وسط الكمّ الهائل من "الدواعش" المتعددين في المنهج والمذهب والفكر والمصلحة والسلوك، من سلفيين ومتشددين وسياسيين وفاسدين وحاقدين وكارهين للحق وللبشر وللحياة.
من هذا المنبر، وانطلاقًا من حرص العقلاء، ندعوهم أن يزيدوا الدعاء والطلبات لأجل أهل الداخل، وأن يكفّوا أو يقللّوا من التدخل المتكرّر وغير المبرّر في شؤونهم، بادّعاء الحرص على مستقبل المسيحية والمسيحيين في البلاد. فليس من المعقول أن يوجد المحارب خارج ساحة القتال ومنها يوجه سلاحَه إلى مَن يعتقد أنه المذنب والمقصّر والعدوّ والمنافس له أو للمذهب أو للهوية التي يتفاخر بها. كما نؤكد دعواتنا لأمثال هؤلاء، بديمومة تقديم أوجه المساعدة، ومنها المعنوية والدعم السياسي من خلال تشكيل لوبيات سياسية ومجتمعية فاعلة، والعمل بالتدخل لدى حكومات الأسياد كي تقبل بالاستماع إلى صوت المظلوم والدفاع عنه والعمل على مساواته مع باقي أبناء الوطن في الوظيفة والمنصب والحقوق المواطنية أسوة بالغير ومن دون تمييز ولا منّة ولا فضل، إلا بفعل الكفاءة والجدارة والعلمية والولاء للوطن والأرض وليس للمرجعيات الغريبة والدول الإقليمية صاحبة المصالح القومية والطائفية والمذهبية الضيقة.
 مطلوب من أهل الخارج في الشتات وبلدان الاغتراب، ألاّ يملّوا من الدعاء كي يشرح الله قلوب الساسة والمراجع كي لا يغدروا بأهل الداخل من مواطنيهم، تحت أية ذريعة، مستفيدين من وحدة الصفّ "الشعبية" و"المجتمعية" القائمة وسط أهل الداخل الذين باستطاعتهم ترتيب بيتهم الداخلي، إذا رفع أهلُ الخارج يدَ الوصاية عنهم وتكرارَ التحدّث باسمهم في المنابر الدولية والمحلية، وكأنه لا وجود لعقلاء وحكماء ومثقفين وأكاديميين ومفكرين بين أهل الداخل.
 هذه حكايتُنا، وذلك أصل تشرذمنا وسجالاتنا وتفرقتنا. فأهلنا في الخارج، قد أصبحوا جزءًا كبيرًا من المشكلة، وليس حلاً، كما يبدو ويتضح هذا من استعراض المشهد السياسيّ، كلّما برزت أزمة وطفى على السطح جديد. وجديد هذه المرّة، هو الإصرارُ على مواصلة تهميش تسمية "السريان" في الدستور وفي البطاقة الوطنية الموحدة. ومَن يعرف قد يطال هذا الأمر تجاهلَ ذكرهم في استمارة الإحصاء السكاني، إذا شاءت الأقدار وحصل هذا المشروع المركون منذ سنوات. فهل يعي العقلاءُ حجمَ المشكلة ويعودوا إلى إيحاء العقل والمنطق والحكمة بإعادة اللحمة المسيحية "السريانية" إلى هويتهم، لتغدو التسمية السياسية الأكثر قبولاً لعموم المسيحيين المشرقيين، بعيدًا عن كلّ عناد وتعنّت وتعصّب للطائفة والمذهب والمرجعية؟
ف"السريانية"، ستظل تُشرف من علياء تاريخها، وستبقى لغتُها أساس كلّ توافق عندما تعود العقول والأذهانُ إلى رشدها ويتمنطق لاعبوها بالحكمة. فاللغة أساسًا، تنطق باسم الشعوب التي تتحدث بها، والشعوب في هويتها، تنتمي إلى اللغة التي تتحدث وتكتب وتبدع بها.


36
وللتاريخ كلمة في شأن السريان والسريانية!
بغداد، في 13 تشرين أول 2016
لويس إقليمس
-الجزء الأول-
كثر العتب وزاد الغضب والشجب والاتهام بين دوائر وجهات ومراجع كثيرة في الوسط المسيحي في الآونة الأخيرة بشأن الغبن والإجحاف الذي لحقَ بمكوّن "السريان" الذي أهملته لجنة كتابة الدستور، لأسباب تمييزية دامغة، كان المتسببُ فيها في الأساس، نوابًا مسيحيين يحملُ كلّ منهم أجندةَ طائفته المتعصّبة. وقد تنادت مؤخرًا، رئاسات كنائس شقيقة ومراجع ومنظمات وجمعيات وروابط وشخصيات دينية ومدنية ونشطاء ونواب وسياسيون متعاطفون، في الداخل والخارج، وكلّها تدعم تحقيق العدل والمساواة ورفع الحيف الذي طال هذا المكوّن، بسبب زلّة اقترفتها أيادي غير أمينة في غفلة من الزمن. وقد افتضح أمرُ هذه الجهات المراوغة بعد كشف الحقائق وعرض المستور، وما خفي كان أعظم! فالجهل بحقائق الأمور وبالتاريخ، قد ساهم هو الآخر في تجاهل وتغافل وإهمال لجنة كتابة الدستور ورئاسات الأحزاب والكتل التي أقرّته، بتضمينه مكوّنات دون أخرى، بالرغم من أصالة تسمية "السريان" و"السريانية"، عبر التاريخ. وذلك كانَ نتيجة تأثيراتٍ شخصية وكتلوية وحزبية، مارسها نوابٌ مسيحيون ومَن لقّنهم تعليماته وتوجيهاته، إيغالاً في التعصّب. بالمقابل، فقد طربَ لها غيرُهم من الأحزاب العراقية وزعمائهم، تشفيًا بزيادة التشرذم والانقسام في صفوف المكوّن المسيحي.

السريانية هوية المسيحيين المشرقيين
بعد مطالبات كثيرة في الداخل والخارج، وضغوط متعددة مارسها أصحاب الحق، آن الأوان كي تتولى الجهات الحكومية والبرلمان وأخرى ذات العلاقة، الردّ إيجابًا على ضرورة تضمين تسمية هذا المكوّن في الدستور وفي البطاقة الوطنية الموحدة، وذلك بالعودة عن الخطأ الذي اقترفته اللجنة في 2005 من دون تدقيق وتمحيص فيما تعنيه تسمية "السريان". وهذا بطبيعة الحل، لن يكون لمصلحة ضيقة تخصّ جماعات مسيحية تحمل طائفتان منها ذاتَ الاسم. بل هو تكريمٌ للحضارة العراقية ولتاريخ هذا المكوّن الشامل لجميع المسيحيين المشرقيين الأصلاء من دون استثناء. فتاريخُهم حافل بالإنجازات والكتابات والكفاءات منذ فجر المسيحية في القرن الأول، ومرورًا بالعصور المتلاحقة، حيث ما تزال رفوف المكتبات العالمية وكتبُهم ومؤلفاتُهم تُعدّ من أنفس ما قدّمته حضارةُ "السريان" وروّادُها للأمم والشعوب وللعالم وللبشرية.
وزيادة في التدقيق بالوقائع والبحث في التاريخ وفي كواليسه وثناياه، سيكتشف القارئ والباحث والسامع معًا، أنّ تسمية "السريان" واللغة "السريانية" في أساس الأمر، هي ذات الأحقية باعتبارها قومية يعود إليها جميع المسيحيين المشرقيين من كنائس متعددة المذاهب، من نسطورية جاثيليقية، وقديمة "آثورية" (آشورية)، وكلدانية كاثوليكية، وسريانية يعقوبية " أرثوكسية" وكاثوليكية، وروم ملكية/ يونانية، بحسب تبعية أتباع كلٍّ من هذه الطوائف للكنيسة التي ينتمي إليها. وهذه من الحقائق التي يجهلُها الكثيرون، ومنهم المسيحيون أنفسُهم الذين لا يهمّهم التاريخ ولا مسيرة أسلافهم الجبابرة، إلى جانب جهل السياسيين بهذا التاريخ العريق. لكنّ التاريخ لا يمكن تغييرُه بجرّة قلم، أو بكلمة من شراذم متعصّبة من هذه الطائفة أو هذا الدين أو هذه العقيدة أو تلك الأيديولوجية المنغلقة على الذات والرافضة للآخر. 
ففي الوقت الذي نجح فيه النساطرة الآثوريون (الآشوريون) والكلدان من إقناع جهات حكومية وتشريعية بتضمين تسميتيهما في الدستور وفي البطاقة الموحدة آنذاك واليوم، نتيجة لتأثيرات مرجعيات دينية وأخرى سياسية، فقد رُكنت بالمقابل، مطالباتُ أتباع "السريان"، حينها واليوم على الرفوف، لأسباب عديدة، منها ما بقي مجهولاً، ومنها ما هو محسوس، بسبب ضعف تأثيرهم في الوسط السياسيّ وخفتُ صوت مرجعياتهم الكنسية في الوسط التنفيذي والمجتمعي والمنظماتي. هذا إلى جانب عدم فاعلية مَن كانوا يُعدّون سياسيّين مبتدئين، لا يفقهون كواليس السياسة وكياستَها وبراعتَها ومنحدراتها وأبوابَها الكثيرة التي لم تتح لهم طَرقَها بعد.

التاريخ يتحدّث
لمَن يجهل التاريخ ويكتفي بالمطروح القائم والمسموع السياسيّ غير الدقيق، نجيز هذه الأسطر التي تخفى حتى على الساسة وبعض "المتثقفين" وضحلي المعرفة، ليس بالتاريخ القديم فحسب، بل حتى الحديث منه والجديد فيه. ونحن إذ نذكُر هذا ونذكّر ببعض معارفه وأصوله وحيثياته، فليسَ ذلك تجنيًا ونكلاً واستصغارًا وحسدًا وغيرةً، كما قد يتصوّر البعض، عمّا استطاعت مكونات عراقية أصيلة، ومنها إخوتنا النساطرة "الآثوريون" (الآشوريون) والكلدان من تحقيقه بشأن نجاح تضمين تسميتهم في الدستور الأعرج وفي البطاقة الموحدة. بل يأتي هذا التذكير بحقائق غافلة عن البعض، حان الوقت لكشفها وتبيانها للرأي العام وللحكومة العراقية وللبرلمان، أعلى سلطة تشريعية في البلاد. فالذين كتبوا الدستور، لم يكونوا على دراية كافية بحقيقة كون المسيحيين المشرقيين (الشرقيين) منذ تنصيرهم، شعبًا واحدًا وأمة واحدة وذات أصل "آرامي" (سرياني) واحد، وتسمّوا "سريانًا" بعد اهتدائهم من الوثنية (حيثُ كانوا شعوبًا يُسمّون ب "الآراميين" التي تعني بالآرامية القديمة عابد الوثن) إلى المسيحية في بدايات القرن الأول الميلاديّ حينما اهتدت أنطاكية السورية إلى المسيحية في ذلك الوقت قبل غيرها. حتى إنّ كلمة "السريان"، بحسب مراجع رصينة عديدة ومؤرخين ثقات وأمّهات الكتب، كانت تشيرُ إلى وضع المسيحيين وحالهم بهذه التسمية، دينًا وقومية، انطلاقًا من سوريا، بحسب التسمية اليونانية لهم.  ومَن حاولَ في لجنة كتابة الدستور، ممثلاً للمكوّن المسيحي في حينها، أو غيرُه، من إيهام سائر النواب ولجنة الرئاسة بغير "السريان" و"السريانية" تسمية للمسيحيين المشرقيين، فقد جنى قبل كلّ شيء على طائفته قبل تجنّيه على غيره من العراقيين الأصلاء من أبناء الطوائف والمذاهب المسيحية المشرقية الأخرى. وهو اليوم لا بدّ أن يخجل من فعلته الدنيئة بعد فضح سرّه وكشف المستور من الحقائق بالوثائق الدامغة. وإن لمْ يفعل ذلك ويندم على جريرته، ستظلّ تلاحقُه لعنة "السريان"، فلا بدّ أن يكون لقوم السريان من مواقف حاسمة وحازمة من الفعلة الخسيسة هذه. ولابدّ للجهات ذات العلاقة في الدولة العراقية أن تأخذ كلّ هذه المطالب بالحسبان، وتنصف هذا المكوّن أسوةً بغيره. والأيام القادمة حبلى بالوقائع والإجراءات والتحرّكات. أمّا ما حصل في حينها من اتفاق سياسيّ غير منصف يقضي بقبول تسمية جماعات مسيحية محددة كقوميات وبتسميات طوائفهم دون غيرهم، وبإمرار النواب ومّن يقف خلفهم للسريانية لغةً رسمية للمسيحيين المشرقيين جميعًا، بسبب جهلٍ أو بقصد أم لأيّ سبب آخر، فهو لم يكن سوى ذرّ للرماد ولإسكات أصوات السريان التي لم تخفت وتسكت من حينها.
فبعد تفرّد الكنيستين النسطورية الآثورية (الاشورية) والكلدانية وتسيّدهما على المشهد السياسيّ في حزيران 2003، وكان ذلك بعد السقوط مباشرة، إبّان انعقاد المؤتمر الأول للكنائس المسيحية في فندق عشتار-شيراتون، وجدَ "السريان" أنفسَهم وقد ألقى بهم المؤتمرون في زاوية النسيان. فقد قرّر رعاة المؤتمر تقرير التسمية المركبة (كلدو-آثور) التي استهجنها العقلاء من المشاركين فيه، ورأوا فيها استغفالاً واستغلالاً للوضع، حين إسقاط اسم "السريان" منها، وكأنّ اللعبة كانت مكشوفة ومتعمَّدة منذ البداية. حينها نعترف، أنه لم يكن للسريان نهجٌ سياسي واضح ولا برنامج سياسي مستقلّ ولا حزب سياسيّ معتمد أو حركة تنظيمية متمكنة أو صوت يعلو في المنابر، بسبب حداثة عهدهم بالتغييرات الدراماتيكية في الوطن، والظروف السياسية المستجّدة التي تختلف كلّيًا عن تلك التي أبعدتهم عن كلّ طموح سياسيّ استقلالي أو نزعة قومية. وحينها، ارتفعت أصوات الاعتراض من أتباع السريان الحاضرين في المؤتمر المذكور، ومنهم كاتب هذه السطور ومعه السيدان بشير الطورلي وباهر بطّي، طيبي الذكر. فما جرى في ذلك المؤتمر الذي لم يتكرّر عقد أمثالِه لاحقًا، كان تزاوجًا وتلاقحًا مشبوهًا بين طرفي نقيض، كلٌّ منهما متعصّب لطائفته ومذهبه والجهة التي يميلُ إليها أو تلقنُه القول، وما زالا كذلك.
 في لجنة صياغة الدستور غير المنصفة، أثبتت تسريبات سابقة وتصريحات لاحقة وحديثة، إصرار ممثل الكلدان على التسمية "الكلدانية". في حين حصلت مراوغة من جانب ممثل الآثوريين (الآشوريين) في خيارين: حينًا بالتأكيد على تسمية "الآشورية" كضرورة قومية، وحينًا آخر بالمزاوجة بين مصطلح توفيقي يجمع التسميتين معًا، في تسمية "كلدو-آثور" القديمة. وهذه التسمية التي حاول زعيم الحركة الديمقراطية الآشورية، صاحب النفوذ الأكبر آنذاك، إخراجَها في سيناريو سياسيّ ودبلوماسيّ ماكر بطريقة توفيقية، إن تعصّبًا، أو تودّدًا لنفر من الطائفة الكلدانية أو ترغيبًا بوحدة الصفّ بحسب الادّعاء والدعوات، إلاّ أنّها في واقعها، عمّقت التجزئة والانقسام وزادت النقمة والاتهام. ولمزيد من المعلومات، فإنّ هذه التسمية المركبة الأخيرة، قد استنسخت من كتابات الراحل المطران أدّي شير، مطران سعرت الشهيد، والمتعصّب للكلدانية حتى النخاع!
إنّ المتتبع، لتاريخ نصارى (مسيحيي) العراق، وأحوالهم ووزرائهم وملافنتهم وعلمائهم وأطبائهم وفلاسفتهم، يدرك القيمة الحقيقية لمسيحيي المشرق (الشرق) الذين لا يخفى دورُهم المتميّز في تاريخ وحضارة العراق والمنطقة على حدّ سواء. فهؤلاء المسيحيون الذين عاشوا أصحابَ مبادئ وحضارة وأخلاق وتميّز في طريقة عيشهم وسلوكهم اليومي، والذين عُرفوا بالنصارى في التاريخ الإسلامي، وعلى مدى تتابع الخلافات حتى وقتنا الحالي، ينحدرون أصلاً في غالبيتهم (إلاّ العرب منهم من منحدري الجزيرة العربية)، عن أسلافهم المشرقيين القدامى المعروفين آنذاك ب"السريان-الآراميين" حصرًا، على مدى التاريخ، وبلغتهم السريانية وبالعلماء والأطباء والملافنة والكتاب "السريان". لذا، وانطلاقًا من هذه الأهمية، كان الأجدر بمَن أولوا مسؤولية جسيمة لكتابة دستور العراق الدائم، أن يقرّوا بأهمية التسمية "السريانية"، أساسًا للهوية المسيحية، الدينية والقومية، للمسيحيين في العراق والمنطقة قاطبة، لا أن يتجهوا إلى الفروع الطائفية التي تعني وتعنى بالطقوس، ليسَ إلاّ.

دعوة للعودة عن الخطأ
ونحن اليوم كما بالأمس، إذ نعزو السبب في حصول هذا الخلل، إلى قلّة معرفة المواطن، ومنهم مَن تولّوا مسؤولية في الدولة العراقية الديمقراطية الفتية، وإلى جهلٍ وتقصيرٍ في معرفتهم بثنايا التاريخ وتقلّباته وحقائقه، ندعو الجميع وبقوّة للعودة عن الخطأ الذي اقترفه نفرٌ غير مسؤول، وطنيًا وأخلاقيًا وقوميًا ومذهبيًا. فقد أحدث مثل هذا الخطأ الجسيم في كتابة الدستور على عجالة، تمييزًا وبلبلة وتشرذمًا في صفوف المواطنين المسيحيين عامة، وزاد من الشرخ الطائفيّ التقليديّ القائم، حتى فتحِه سجالات ومناكدات في صفوفهم. فهؤلاء الجهلة بحقائق التاريخ، أيًا كانت مواردُهم ومراجعُهم، قد أوقعوا الأذى والظلم والحيف، من حيث يدرون أو لا يدرون، بقصد أو بغير تقصد، بشرائح واسعة تنتمي إلى الجماعتين المسيحيتين الأخريين المهمَّشتين، من أتباع الكنيستين السريانيتين التقليديتين، الأرثوذكسية والكاثوليكية. فقد جرى إقصاءُ أتباعهما في غفلة منهم في ذلك المؤتمر الذي لم يدم فيه الزواج التوفيقي بين الآشورية والكلدانية، إذ سرعان ما فاحت رائحة الخلافات بين الطرفين، في أيّ منهما ينبغي أن يعلو على الآخر في أصل التسمية القومية، التي ادّعى ويدّعي فيها الطرفان المتعصّبان أحقية أحدهما على الآخر. بل وراح أفرادٌ متعصبون من الجانبين في مغالاتهم، بفرض تسميته على الواقع المسيحي برمّته، والتي عدّها كلٌّ منهما شأنًا مقدّسًا لا يمكن التجاوز عليه أو استبدالُه أو المسّ به. لكنّ ما يُبنى على باطل، يبقى باطلاً. وهذا سبب العنجهية والتعصّب الفاضح لكلّ من الطرفين المتصارعين لغاية الساعة.
وقد زاد منه ثقلاً وتعصّبًا، تشكيل الرابطة الكلدانية مؤخرًا، مستفيدة من موقع رئيس كنيستها غبطة البطريرك لويس ساكو، ذي الكاريزما والكلمة المسموعة والخطاب الرعوي المنفتح على الجميع، والذي وضع نفسَه مضطرًا، بين فكّي كمّاشة المتعصبين قوميًا في الداخل والخارج، ووسط نيران اشتعلت بسبب الهوية القومية ولا يريدُ البعض انطفاءَها. وهذا حصل له مكرَهًا، بالرغم من محاولاته التوفيقية الكثيرة ودعواته المتعددة لجميع الأطراف للتوافق على "تسمية توافقية موحدة تحترم الجميع وتحافظ على حقوق جميع المسيحيين وتمثيلهم، خصوصاً في هذه الظروف الصعبة حيث بدأت تكثر أصوات الانقسام والتعنت والتشرذم"، بحسب ما أدلى به غبطتُه مؤخرًا، في لقائه مع وزيرة الإعمار والإسكان والبلديات، العراقية المسيحية "السريانية" الأصيلة، آن أوسي، يوم الأحد 9 تشرين أول 2016.
وبصدد هذا التصريح حول ارتفاع أصوات الانقسام والتعنت والتشرذم، لا بدّ من كلمة وتوضيح، أرجو قبولَه بكل رحابة صدر من الجميع. فقد سبقَ غبطتَه، جهاتٌ أخرى أقحمت نفسَها في الإدلاء برأيها وبامتعاضها من مطالبة جماعة "السريان" بحقهم في تضمين وذكر مكوّنِهم في الدستور وفي البطاقة الموحدة، أسوة بأشقائهم من الكلدان والنساطرة "الآثوريين". وفي هذا حقٌّ ينبغي على الجميع دعمَه، تمامًا كما فعلَ ذلك في مقدمتهم أصحابُ الغبطة لويس ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية نفسُه، ومار كوركيس صليوا بطريك كنيسة المشرق الآشورية، عطفًا على مطالبات سينودسي الكنيستين السريانيتين في العراق وسوريا ولبنان عبر رسائل رسمية وجهها بطاركتُها للرئاسات الثلاث بالعراق بهذا الخصوص، وتلبية لما قام به نشطاء في روابط وجمعيات ومنظمات سريانية، في الداخل والخارج، تصبّ كلّها بضرورة إنصاف مكوّن "السريان" وتضمين تسميتهم في الدستور وفي البطاقة الموحدة.
وللتذكير فقط، فقد سعت شخصيات سريانية في ذات الاتجاه منذ بروز التحزّب والتعصّب بعد السقوط الدراماتيكي مباشرة، ولكن من دون جدوى، بسبب مواقف ثابتة وإقصائية ومتعنتة من أطراف مسيحية ونواب آنذاك، بطرح كلّ من أتباع الاتجاهين، الكلداني والنسطوري "الآثوري" لما يصرُّ عليه. وللتذكير فقط، فقد طالني شخصيًا، تهديد كلاميّ من واحدٍ من أعضاء الجمعية الوطنية في عام 2004، بسبب إصراري على التسمية "السريانية" وعلى ذكر "السريان" في جميع اللقاءات التي شاركتُ فيها ضمن نشاطي في صفوف المنظمة التي كنتُ واحدًا من مؤسسيها والقياديّين فها. كما لم نغفل عن هذا الخطأ الحاصل عندما كنّا نشطاء في مجلس إدارة "المجلس القومي الكلدو-آثوري" المنبثق عن المؤتمر الخائب الأول في 2003، وتمكنا حينها من إضافة تسمية "السرياني" إليه، كخطوة متقدمة باتجاه تضمينه في الدستور لاحقًا. لكنّ إصرار النواب المسيحيين الذين كنا نستضيفهم حينذاك لهذا الغرض في مقر المجلس المنحلّ في بغداد، على الخطأ وتعصّب كل طرف لطائفته وجماعته، لم يفضي إلى نتيجة.  وحسنًا، فعل النائب الكلداني نوري بطرس عطو، وهو واحد من أعضاء لجنة صياغة دستور العراق بالجمعية الوطنية في 2005، باعترافه بالغبن الذي طالَ مكوّنَ السريان، وكان هو أحد الأسباب في حصوله بطريقة أو بأخرى. وكنتُ قد التقيتُه مراتٍ عديدة في فترة عضويته، وتناقشنا بهذا الصدد من دون نتيجة، لأنه كما اعترف لاحقًا، كان يجيد قولَ ما يُلقّنُ عليه من الجهة التي ينتمي إليها ويصرُّ عليه في وجه غريمه الآثوري.

-   يتبع الجزء الثاني-




37
نافذة على المثقف والثقافة
بغداد، في 7 أيلول 2016
لويس إقليمس
ليس للثقافة والمثقف من حدود، تمامًا كما في العلم. فالعالم مَن لا يرضى بما حصل عليه من تعليم أولّي أو لنقل أساسيّ في تربية نفسه وعقله ومختلف جوانب حياته. فهو شخصٌ غير اعتياديّ يغوص في شغفه بالنهل ممّا يتيسرُ تحت أياديه وبما يستنير عقلُه وترتاح له نفسُه من علوم وبحوث ومستجّدات. فيمضي في مشواره سابرًا غورَ بطون الكتب، محلّلًا ومقارنًا وكاشفًا ومقدِّمًا زبدة ما يصل إليه، للقارئ والمستمع والمطالع والباحث. 
صنوُه الآخر، إنْ لمْ يكن أكثرَ منه التصاقًا بالمجتمع والإنسان والنظام العام، المثقّفُ الذي لا يرضى بما حصل عليه من ثقافة عامّة، مجتمعية ودينية وأخلاقية وأدبية وحتى سياسية واقتصادية، بل يتعمّق في هذه جميعًا ويقدّم طروحاتٍ وأفكارًا ويستعرضُ آراءً للمناقشة والمقارنة والمقاربة بهدف إيجاد أرضية جيدة للحوار والنقاش والتفاهم من أجل خلق مجتمع متوازن ومتزن وقابل للتعايش بين المجموعات التي قد تختلف في الدين والمعتقد والمذهب والرأي، لكنها ينبغي أن يجمعَها حبُ الوطن واحترام الآخر وتقبّل النفس البشرية مهما كان نوع الاختلاف معها ومع منهجها الشخصي والمجتمعي والديني والفكريّ. فالمثقف دارسٌ موضوعيٌّ وباحثٌ وكاتبٌ وناشرٌ، لا يقبل المجاملة والمواربة والمسايَرة على حساب حقوق المجتمع الذي يعيشُ فيه والنظام السياسيّ والاجتماعيّ الذي يسيّرُ الحياة، بهدى الله الخالق أم برفض قوانين السماء السمحاء. وهذه من أهمّ ما يمكن أن يكون عليها المثقف المخلص لمبادئه والأمين على ما يعتقدُ به من سلوكيات صائبة تفيد المجتمع والدولة. وإلاّ ما فائدة ثقافته، إذا سايرَ اشكالَ الفسادَ وسكتَ عن الجرم والمجرمين، وتغاضى عن أخطاء المجتمع والسياسة، وامتدح فلانًا تكسبًا غيرَ مسوَّغٍ، أو قدحَ آخرَ انتقامًا وتهتّكًا من غير مبرّر. وهو يفعل هذا في أكثر الأحيان، في غياب أية حصانة أو حماية سياسية أو اجتماعية. فهناكَ مّن يستطيع تحمّلَ وزرَ فعلِه الجَسور حينَ يكشف عن مواقع الخلل أو الفساد أو يعطي رأيًا يخالفُ السائدَ في حكم السياسة والمجتمع والدّين والمعتقد. وبالعكس، هناكَ مَن لا طاقةَ له بما يلقاهُ من لومٍ وتعرِّضٍ لشتى المضارّ والتهديدات التي قد تستهدف حياتَه أو أفرادَ عائلته أو مصالحَه أو وجودَه كمواطن وكإنسان له كلّ الحق في التعبير عن نفسه وفكره ورأيه، مهما اختلف مع الآخرين الذين لا يستحبّون النقد ولا يقبلون بالإشارة لأفعالهم الشائنة أو سلوكياتهم الشاذّة وسط المجتمع.
قد يذهب تركيزي نحو ما يمكن للمثقف السياسيّ أن يحملَه من معطيات وآراء وأفكار في هذه الأيام الحرجة الصعبة والمليئة بالمعاناة والخبرات المتعددة، السلبية المؤلمة منها أكثر من الإيجابية المفرحة. فمن شأن هذا النوع من أركان الحياة، يمكن أن يكون له تأثيرُه المباشر في مجرى الحياة اليومية للمواطن. لكنَّ ذلك لا يسدّ الطريق أمام النتاجات الأدبية أيضًا التي لا تقلّ أهميةً، شعرًا ونثرًا وقصة وروايةً، للنخبة التي بإمكانها هي الأخرى معالجة مواقع الخلل في المجتمع ونظامه السياسيّ الذي يسعى جاهدًا لأسرِ هذه الفئة المثقفة في خانة قوقعة المنافع الضيقة والمصالح الطائفية والفئوية.
ممّا لاشكَّ فيه، أنَّ الكثيرين يرون في المثقف، مرآةً للمجتمع وانعكاسًا لصورته، أيًّا كان نتاجُه الفكري أو الأدبيّ أو السياسيّ أو الإعلاميّ. فلا حضارة لمجتمع أو لكيان دولة من دون ثقافة ومثقفين يعكسون صورتَه، سلبًا أو إيجابًا. فالجانب السيّء أو السالب يزولُ ولا يبقى ولا يدوم. بينما الإيجابيّ منه هو الذي يُتحدّث عنه على المنابر وفي الساحات والأزقة، حتى لو كانَ قاسيًا وفيه نبرة نقد للإصلاح والتنبيه من خطورة المضيّ في دهاليز السيّئات والمفاسد والسلبيّات. وهذا دور المثقّف الحقيقيّ الذي ينبغي أن يأخذَ دورَه في البلد والمجتمع، وسطَ أصوات الهرج والمرج وطغيان الفساد في الصفوة السياسية الحاكمة ومَن لبسوا عباءة الدّين لتحصين النفس ونيل شيءٍ من القدسية على أفعالهم التي يشوبها الكثير من الفساد، وذلك سعيًا وراء التغطية عليها وعلى ما يتصرّف به الأتباع ضمن ذات الدائرة. وبالرغم من كلّ ما يحصل وما يجري، فأصوات المثقفين عندنا، ما تزال غافية وليست على قدر المسؤولية الوطنية والاجتماعية والإنسانية والأخلاقية التي ينبغي أن تكون عليها.
قد تكون أشكال الخوف والتهديد والحيطة والحذر احيانًا، من بين ما يحاول أن يستتر به المثقّف الحريص، حفاظًا على حياته ولقمة عيشِه وأمانِ أهله وعائلته. وفي هذا قد يكون على حقّ في جانب من جزئيات الحيطة والحذر هذه، في بلد فقدَ الأمنَ والوئام والعيش السلميّ، وباتَ مرتعًا لعصاباتٍ وأنواعِ الميليشيات التي استقوت بمؤسساتها الحزبية والعشائرية ومن داعميها من متنفذين في الدولة وممّن تسربلوا بالإسلام السياسيّ لإضفاء هالة من القدسية والتحصين على سلوكياتهم الصارخة والمتناقضة مع أقوالهم ونصائحهم. فهؤلاء لم يتركوا مجالاً للمؤسسات المجتمعية الرصينة كي تحقّق الوفاق والإخاء والوئام في صفوف المجتمع المتناقض الشخصية، ولا أجازوا فسحةً للقضاء والعدل ليأخذا مجراهما بسبب حالة الفلتان الأمنيّ واستقواء الكثير من الأحزاب والتنظيمات غير القانونية وغير الشرعية وغير الدستورية على الساحة العراقية. فالفصل العشائريّ مثلاً، أصبحَ ركنًا أساسيًا في حلّ النزاعات وفي عقد صفقاتٍ لمساومات مشبوهة. والسبب في ذلك كلّه، ضعف الدولة ومؤسّساتُها وفقدان الثقة بالقضاء الخاضع للتوافق بين الكتل السياسية، ما جعلَه أسيرًا لهذه التوافقات وتحت رحمة خانة المحاصصة التي تسيّدت الموقف العدليّ وطغت مساوماتُها على الدستور والقانون.
وبالتالي يقف المثقف أمامَ خيارات ثلاث: إمّا اقتحامَ مسرح السياسة والمجتمع من أبوابه الواسعة وعرض ما لديه من رؤية وفكر وحلول وتحليل لواقع حياة الناس ومصيرهم. أو لجم الفكر والكلمة وكسر القلم خوفًا على حياته ومستقبله ولقمة عيشه مع أهله. أمّا الثالث، وهو الأخطر، مسايرة الجانب السلبيّ في حياة الناس والنظام السياسيّ ومجاملة الساسة ومَن في السلطة على حساب الحق والكلمة الرصينة والرؤية السديدة، أي ببساطة المساومة على هيبة الوطن وحقوق مواطنيه من دون تمييز.
هذه الرؤية وهذه الحال قد تسري على عموم منطقة الشرق والبلدان الإسلامية التي تفتقر إلى وسائل الديمقراطية البنّاءة الحقيقة، وترفض منح مساحة الحرية لمواطنيها، بسبب طبيعة الاستبداد وأساليب القمع والترهيب التي تتبعها أنظمة المنطقة من دون استثناء. كما أنّ الأنظمة الثيوقراطية التي ولّدتها الظروف الجيوسياسية بدعم من أيادي دول كبرى وأدواتها بهدف الإبقاء على تخلّف شعوب المنطقة ضمن دائرة المحرّم والمقدّس، ليس لها الاستعداد الحقيقي للقبول بالحوار وتقبّل الآخر المختلف، حتى لو كان من نفس الدّين والمذهب، فكم بالأحرى إذا كان خارجَ هذه الدائرة؟
مشكلة المثقف إذن اليوم، عويصة وكبيرة، لكونها مسؤولية أخلاقية أيضًا، إضافةً لكونها مسألة تخصّ مجتمع وناس ونظام ومصير ومستقبل شعوب. هناك مَن سلّمَ أمرَه للأقدار غير مكترثٍ بما قد ينتج عن أفكاره وكتاباته وطروحاته الاقتحامية الشجاعة وسط الفوضى التي يعيشها البلد والمجتمع. فالنظام السياسيّ القائم على الطائفية والمذهبية في البلد لا يتيح دومًا للمثقف الحرّ الصادق كي يعبّر عن آرائه بحرية وواقعية وبصدق المواطنة المطلوبة، بسبب من ثقافة القهر والتملّك والتخلّف عن الجاهلية المتوارثة عبر الأجيال والتي لا تقبل الحوار والرأي الآخر. فتغييبُ هذه الطبقة من المفكرين وسط المجتمع، فيه الكثير من الظلم والضرر على المجتمع ونظامه السياسيّ. فهي صمّام الأمان في حياة المجتمعات، ولا تقلّ أهمية عن الدور الذي تقوم به المؤسسات الأمنية في أيّ نظام، والتي من أولى مهماتها الحفاظ على أمن الوطن والمواطن من عبث العابثين وفساد المفسدين. ذلك لأنَّ تأمين الفكر المجتمعي التعايشي الصحيح لدى الإنسان السويّ، هو بحدّ ذاته من أكبر التحديات المعاصرة التي تواجه مجتمعاتنا التراثية الملتزمة بالميراث الديني والمعتقديّ والمواسميّ المذهبي أكثر من العصرنة والحداثة والتطوّر بسبب طبيعة هذه المجتمعات التقليدية التي تأبى الانسلاخ عن جِلد الدّين والتديّن التقليديّ الذي يقدّس العمامة ومُرتَديها وملتحف عباءة الإسلام السياسيّ والدعويّ لتحقيق منافع حزبية وشخصية وفئوية وطائفية. فهؤلاء على دومًا على حق وإنْ أخطأوا، ولا يسمحُ أتباعُهم ومقلّدوهم بتوجيه اللّوم والانتقاد إليهم لاكتسابهم درجة العصمة بحسب اعتقادهم، حتى لو اصطفّوا في خانة الفساد والخطأ والمراءاة أمام الله والناس.
لذا، ومن منطلق الإيمان بدور الثقافة والمثقف التنويري للمجتمع، لا بدّ من كسر حاجز عدم الثقة والتشكيك بقدرة هذا النوع من المثقف الوطنيّ على توجيه المجتمع وفق ما تتطلبه الحياة اليومية العادية والمتزنة للمواطن كما يراها بعين متفائلة وبرؤية إصلاحية، والمساهمة برسم مستقبله ضمن مجتمع منفتح قابل للتطوير والإبداع الفكري والاجتماعي والدينيّ الذي يقبل باختلاف الآخر عنه وباختلاف فكره وعقيدته ورؤيته للأمور. ومن دون الإيمان بقدرة المثقف على خلق بيئة سليمة مشهودٍ لها بالانفتاح الإيجابيّ على كلّ تطوّر فكريّ وعلميّ واجتماعيّ، تبقى الجهود متعثرة والدوائر المعنية تدور في فلك الإداريات والتوجيهات السياسية التي لا تخرج عن نطاق المنافع الضيقة لفئات بعيدة عن أوجه الثقافة، التي جلُّ همّها الامتيازات وتكميم الأفواه وجرّ المثقّف نحو الترّهات بدلاً من تهيئة كلّ أنوان الإبداع في وجهه ورسالته.
واليوم، إضافة للأنشطة الكثيرة التي تتعاطاها الثقافة والمثقفون في الحياة اليومية والإجرائية للمواطن بالتصدّي لكلّ السلبيات التي تعصف بالمجتمع، يبرز دورهما في كيفية محاربة آفة التخلّف الحديثة – القديمة، المتمثلة بالفكر الأصوليّ المتطرّف الذي ينخر مجتمعاتنا منذ الثمانينات من القرن الماضي، بسبب تنامي المدّ الأصوليّ نتيجة للسلبيات الكثيرة التي تركتها العولمة وما يدور في دوائرها المشبوهة، والتي ساهمت في جزءٍ منها المناهج التعليمية المتخلفة. فقد ساهمت هذه الأخيرة بمحدودية الثقافة في الفكر وغذّت الأصوليات وخلقت طبقاتٍ واسعة من حاملي الفكر المتطرّف الذين تحرّكوا بكلّ حرية في حواضن جاهزة لها، هيّأتها في معظمها دوائرُ خارجية لأهداف معروفة سلفًا. فهذه ترفض أيَّ انفتاح نحو التغيير في السلوكيات والإجراءات اليومية في الحياة. بل، إنّها المحرّض الأساس لرفض أية مبادرة لإصلاح المجتمعات بسبب حالة الانكفاء والنزعة الدينية المنعزلة والطائفية المتزمّتة التي حصرت الفكر والحركة والرؤية في سلّة متهرّئة من قيمٍ وتقاليد وأحاديث مشكوكٍ في صحّة ورودها بل في وجودها أصلاً. والفكر التدميريّ الذي تحملُه منظمات متشددة في عصر العولمة والحداثة والعصرنة وفق هذا الأساسة ، ليس من السهل القضاءُ عليه ومصادر تمويله إلاّ بتوحيد الجهود الدولية للتعريف بأضرارِه وخطورة اتساعه، باعتباره سرطانًا سريع الانتشار، لو طالَ بقاؤُه واشتدّ عزمُه وقويت أدواته صعبَ معالجتُه وتقويضُه وتحجيمُه.
من هنا، لا بدّ أن تحظى المناهج عمومًا، بثقافة تجيزُ تقييم ومراجعة وتحليل البالي منها والذي يقتل ولا يحيي، يجرح ولا يضمّد، يكسر ولا يُصلح. فالفكر الذي تزرعُه المناهج في معظم بلدان المنطقة، ومنها بلدنا العراق، فكرٌ تدميريّ لبنيان الإنسان والوطن والمجتمعات التي تتهافت أحيانًا مرغمة على قبول الموجود والمطروح بسبب تأثيرات مدارس منغلقة على الفكر ومراجع تقليدية لا تقبل بالتطوّر ومراجعة الذات من أجل إدراك الحقيقة والوقوف على الصحيح منها دون المشكوك بها. وقد ساهمت في جزءٍ كبيرٍ من هذه الثقافة التدميرية، أحزاب الإسلام السياسيّ التي استأثرت بالسلطة في عدد من دول المنطقة، باستغلالها للدّين وتأثير المراجع من أجل كسب الأتباع وإبقاء الصورة القاتمة للدّين الحنيف وحصرِه بالأسلوب المنحرف والشاذّ الذي قدّمه الإرهاب وتنظيماتُه للمجتمع. بل تحومُ شكوكٌ عملية وفعلية بمشاركة عناصر من هذه الأحزاب في جزئيات من الأعمال الإرهابية التي طالت شعوبًا ومكوّناتٍ وأشخاصًا فيها. وسوف تكشف الأيام والتاريخ الشيءَ الكثير من هذه الاتهامات التي ترد بين الفينة والفينة على لسان مشاركين في السلطة وشخصيات سياسية وأركان نافذة في الأحزاب والتنظيمات.
والمطلوب من المثقف اليوم، تواصله مع المجتمع واستمرار روح التنوير والتثوير والرفض لكلّ أشكال الاستغلال وكشف مفاصل الفساد من دون خوفٍ أو تردّد أو مجاملة. فالرسالة التي يحملُها، ليسَ أسمى وأجلَّ منها، لكونها موهبةً ورسالة سامية حباه الله بها كي يتاجر بها إيجابيًا لصالح المجتمع والوطن، لا أن يدفنَها في التراب لتخيسَ وتُنسى بلا فائدة. فالمجتمعات الحيّة، تعوّل كثيرًا على الثقافة وروّادها، لأنهم جزءٌ من صنّاع الحياة وتشكيلها في حياة هذه المجتمعات وأوطانها. فهُم وحدهم، ومَن يؤمن بقدراتهم، المعبّرون الحقيقيون عن هموم شعوبهم ومجتمعاتهم وأوطانهم.

38
سهل نينوى: قرار أمريكي يحسم المصير
بغداد، في 30 آب 2016
لويس إقليمس
تزايدت في الأيام الأخيرة، تصريحات ومطالبات ومداخلات ولقاءات حول مصير سهل نينوى ما بعد داعش، بالرغم من بعد المسافة بينه وبين عمليات التحرير المتعثرة. والجميع يدرك أنّ الصراع بشأنه، سياسيّ بحت وليس اجتماعيًا، وهو يتعلّق بمصالح أطراف تسعى لاستغلال المواقف واستدرار العواطف واستخدام ضغوط في اتجاهات عديدة، بما فيها من وعود عرقوبية غير ذات قيمة في الوقت الراهن، أو تلميحاتٍ بتهديدات معينة أو حتى تهديدات صريحة ضدّ مَن يقف متحديًا مصالح هذا الطرف أو ذاك في تحديد هيكلية محافظة نينوى وإدارة ملفها، ولاسيّما سهلها الداخل في إشكالية المناطق المتنازَع عليها، بالرغم من كونه بعيدًا كلَّ البعد عن شيء يدخلُ مناطقَه في مثل هذا النزاع غير المتكافئ. فمنطقة السهل بعمومها خليطٌ متجانسٌ، من أقوام ومكوّنات عربية وسريانية مسيحية وإيزيدية وشبكية وكاكائية وصارلية وتركمانية وشيءٍ قليلٍ من الكردية. ومَن يتبجّح بانتمائِه الكرديّ عاطفيًا بكلّيتِه من دون قرائن ملموسة، ومنها اللغة التي هي أساس الهوية لأيّ مكوّن، فهو كمَن لبسَ البرذعة وحطَّها على ظهرِه تحاشيًا لحرّ الصيف وبرد الشتاء، أو كالبقرة التي أُلبسَتْ سرجًا ووُضع على خاصرتِها تهريجًا وتلميحًا للسخرية منها بمناسبة وبدون مناسبة.
نظريًا، بل منطقيًا، ليسَ من المنصف ولا من المعقول أن تطالبَ جهاتٌ محددة منتفعة من العملية السياسية، أيًا كانت وجهاتُها ومصالحُها، من أبناء السهل وهم بعدُ في الأسر أو في مناطق النزوح الكارثية خارج بلداتهم، مطرودين من منازلِهم، ومحرومين من حلالِهم، ومسلوبين من إرادتهم، أن يقرّروا مصيرَهم ويعلنوا زواجَهم المبكر، بل زواج الغصب والإكراه، من شريكٍ لم يثبت جدّيتَه في التعامل مع مشاكلِهم ومع هوياتهم ووجودهم وحقوقهم وكيانهم ومصيرهم المعوَّم. فالصفقة المثيرة للجدل التي تمّ بموجبها تسليم مناطقهم للدواعش وأعوانهم ومَن لفَّ لفَّهم، بعد 6 آب 2014، وما سبقها من حرمانهم حتى من أسلحتهم الشخصية الخفيفة، وما رافقها من وسائل تمويه وتشويه ووعود لسادة القوم ومراجعهم الدينية "السذّج" أحيانًا، المصدّقين والمؤمنين بالكلام المعسول الذي بلغهم ويبلغهم سواءً من الجانب الكرديّ الذي كان يحكم سطوتَه على مناطقهم، أو من جانب إدارة المحافظة على السواء، أثارت في حينها تساؤلات كثيرة ومريبة. فهذه كلّها تتطلّب تحكيم العقل وسداد الرؤية وبعد النظر في التعاطي مع مصير شعب، بل شعوب السهل المبتلى بمصالح أطراف متناقضة دينيًا ومذهبيًا وإتنيًا وفئويًا ومناطقيًا ولغويًا ووجوديًا وكلّ ما له صلة بالهوية التي تطبع شعوب السهل التقليديّ.
من حقّ الأطراف المشمولة بهذا المصير والحريصين من أبناء الوطن والمتعاطفين المتزنين مع حقوق شعوب السهل جميعًا، أن يدلوا بدلوهم ويكون لهم وقفة وطنية، خارجًا عن هفوات التماهي والعاطفة والتعاطف والمجاملة التي تتغلّبُ عادةً على قرارات وآراء وأحكام أصحاب القرار ومَن بيدهم اليد الطولى لتقرير ما يتحتّم عليه الظرف القائم كواقع حال، وما يراه مواطنوهم، من دون خجل ولا مواربة ولا مجاملة. فمَن حمَّلَ أميركا، وأخصّ به بطريرك الكنسية الكلدانية لويس ساكو مؤخرًا، راعيَة العملية السياسية التي تتحكم بمجريات الأمور، "مسؤولية أخلاقية" في مساعدة الشعب العراقي وفي التعاطي مع هذا الملف الشائك الذي يتعلّق بمصير شعوبٍ أصيلة طالها الهوان والتشريد والقتل والاغتصاب والسبي والتهميش والإقصاء، يدركُ تمامًا ما معنى أن يتهجّرُ أتباعُه بين ليلة وضحاها ويصبحوا خارج منازلهم مشرَّدين يعتاشون على مساعدات إنسانية تغدقها دول ومنظمات وجهات خيرية، أو أن يكونوا مشتتين في دول الاغتراب بعد أن لفظهم بلدُهم وضحّى بهم السياسيون الفرقاء المتصارعون على المال والجاه والسلطة والأرض والمتنافسون من دون خجل لارتقاء السلّم العليا في الفساد والإفساد بالأرض، بشرًا وحجرًا وثروةً.
أما السياسيون من أتباع هذه الشعوب المهجّرة ومسلوبة الإرادة، فجلُّ ما يهمُّهم، هو الواقع السياسي الذي يضمن لهم مكانةً ويديمُ ولأحزابهم موقعًا في العملية السياسية، حتى لو حصلَ ذلك متاجرةً بحقوق شعوبهم وعلى حساب معاناتهم وفوق آلامهم. فالموقف برمّته لا يرضى بالمساومة على المصير، كما لم يعد يتحمّل المزيد من الصبر والتعلّق بقشّة أمل غير مقبولة ولا أمينة في ظلّ الأجواء المشحونة بين طرفي النزاع، حكومة بغداد المركزية وحكومة إقليم كردستان الماضية في مشروع الاستقلال الأكيد. فالأطراف جميعًا، منتفعة من الواقع المزري الذي آلَ إليه واقع حال البلد. والأطراف جميعًا تتحمّلُ وزرَ خطاياها بحق الشعب العراقي عمومًا وشعوب الأقليات الدينية والإتنية بخاصة. فقد تمّت المتاجرة بمصير هذه الأخيرة، حينما آلتْ حقلاً مفتوحًا لصفقات سياسية بين المتورطين في جريمة التهجير، عسى الأيام تكشفها للملأ وتتولى حكومة وطنية قادمة محاسبة كلّ متورّط وفاسد ومفسدٍ بحق شعب العراق وإتنياته. وهذا لن يحصل إلاّ في ظلّ سلطة قضائية مستقلّة وغير مسيّسة، لا تقبل العمل بتوافق السياسيين الفاسدين، الذين يسوّقون المحاصصة ويجعلونها فوق الدستور والقانون.
 لقد طالب الكثيرون ب"ضمانات دولية لحماية المكونات الإتنية والدينية، ومنهم المسيحيون، في سهل نينوى لضمان عودتهم إلى مناطقهم، وإبعاد مناطقهم عن الصراعات القائمة بين بغداد وأربيل". فيما آخرون، ارتأوا أن يتمّ هيكلة المحافظة والسعي لإقامة نظام إدارة ذاتية للمكوّنات المعنية، أو حتى تشكيل محافظات أخرى تقف إلى جانب محافظة الموصل بموجب المادة 125 من الدستور، وتشكيل إقليم بالمحافظة، على غرار إقليم كردستان، كما يسمح به الدستور الأعرج القائم. وهذا ما كشفته اللقاءات المكثّفة الأخيرة من جانب دبلوماسيين دوليين وأمريكان وغربيين مع قيادات دينية وسياسية وشخصيات اجتماعية، عززتها تصريحات سياسية من كلّ من حكومتي المركز والإقليم. ويُستشفّ من هذا الحراك السياسي والدبلوماسيّ وجودُ مشروعٍ قائمٍ على الرفوف تسعى الإدارة الأمريكية لحبكِه ونسجه وتهيئتِه بعد تحرير الموصل ومناطق السهل التي تعود لشعوب الأقليات المهجَّرة، موضوعِ النزاع بين أطرافٍ عديدة. وجميع هذه اللقاءات تضمنت مناقشة رؤى ووسائل وأفكار، كما تطرقت إلى الوضع العام في البلاد والصراعات القائمة وأفضل السبل لمواجهة الإرهاب وأدواته والمرحلة ما بعد داعش.
إننا نرى، أنّ الكلمة الأولى والأخيرة، ستكون لراعي العملية السياسية، أميركا، التي تديرها عن بعد وتنفذها أدواتُها بالنيابة عنها. وأميركا، وحدها عبر أدواتها هذه من دبلوماسيّيها وسياسيّين وزعماء كتل وأحزاب، هي مَن تتحكم بمقاليد الأمور في العراق والمنطقة، وفقًا لمخططاتها الجهنّمية ومشروعها القومي الكبير لإعادة هيكلية دول المنطقة وفق ساكس - بيكو جديد، والتي ابتدأتها بحجة دمقرطة بلدان الشرق الأوسط وخلاص شعوبها من نير أنظمة دكتاتورية. لقد بدأتها انطلاقًا من العراق في 2003، بحجج واهية أثبتت الوقائع فراغَها من أية نسمة مشروعة، وامتدت لغيره، ولا نعرفُ متى ستكتمل وأينَ ستصل ومن ستطال لاحقًا! فالغربُ بقيادة أمريكا، ينفذ مشاريعه برويّة ويشنّ حروبَه بعيدًا عن أراضيه كما يطيبُ له وفقًا لمصالحه، طالما يجدُ مِن سذّج الساسة والزعماء في المنطقة مَن يضمن منهم التمويل ويديم إشعال الحطب في نارٍ متأججة منذ سنوات، ليسَ لشعوب المنطقة أيةُ منفعة في تواصل أوارها. وأميركا وحدها مع أتباعها الغربيين، هي التي تقرّر مصير الشعوب والقضاء على الإرهاب من بقاء فلوله لاستخدامها وفقًا لمصالحها القومية متى اقتضت الحاجة وأينما توفرت الفرصة.
 لذا، لم يعد من المقبول، ولا من العدل بقاء هذه المناطق ضحية صراعات ونزاعات أحزاب وكتل سياسية وعشائر من جهة، وفريسةً سهلة أو لقمةً سائغة دائمة بين مطرقة الكورد حينًا وسندان العرب حينًا آخر. كما ليسَ من الإنصاف أن تتحولَ الضحية إلى جلاّد بعد أن كانت شاركتها شعوبُ المنطقة المتضررة ذاتَ المصير وذاتَ الظلم وذاتَ الظروف القاسية أيامَ النضال ضدّ الدكتاتوريات والطغيان.
من هنا، لا بدّ من تهيئة الأرضية المقبولة والكفيلة كي تتولى شعوب سهل نينوى بدون تمييز ولا تحديد، وبكلّ حريتها، إدارة شؤونها وتقرير مصيرها ومسك الأرض، بعد تهيئة الظروف المناسبة بعد تحريرها من قبضة داعش الإرهابية وإخراجها عن سطوة الميليشيات والأطراف المتاجِرة بمصيرها. وهذا الأمر، في اعتقادنا، لن تستطيع أية قوة رادعة، سوى أميركا ذاتُها، من فرضِه على الأطراف المتنازعة بكلمة منها على الطاولة السياسية. وهذا مطلب الجميع وأمنيتهم، كي تعود المنطقة إلى صيغة التعايش السلميّ سابق العهد، ويسود السلام والمحبة بدل الاحتقان والكراهية. وبذلك ينعم الوطن وأهلُه بما يستحقونه من كرامة وحقوق وعدل ومساواة في وطنهم وأرضهم ووسط مواطنيهم وجيرانهم. فأمريكا التي قلبت الموازين وذرّت الغبار وافتتنت هنا وهناك، هي صاحبة الكلمة الطولى وهي أيضًا صاحبة القرار في ترويض الثوار وتهدئة الفتن وكبح جماح الميليشيات وشبكات الفساد ومافيات السطو والسرقة والقتل، بل وأصحاب الأيديولوجيات الأصولية التي تتاجر بالناس وتستغلّهم لخدمة مصالحها القومية، كلّما رغبت في ذلك وفقًا لحاجة الظرف، مكانًا وزمانًا.
في الحصيلة، لا نعتقد أنّ ما يجري على الساحة السياسية بهذا الخصوص، من عملية استعراض للعضلات نتيجة للتشنجات القائمة بين المركز والإقليم، وما بينهما من جهات منتفعة ممّا يجري بدون مسوّغ أخلاقيّ، يخدم العملية السياسية لهذه الشعوب ويساعد في الحفاظ على مستقبل حياتها وتقرير مصيرها، بعيدًا عن كلّ هذا وذاك. فليس من المقبول ولا من الحق أن يُسلّطَ سيفٌ على رقاب شعبٍ، ويُطلبُ منه تقرير مصيرِه تحت التهديد. فهذه سياسة مَن يعيشُ في الغاب ولا يقبل بحرية الغير في التعبير عن الذات والموقف والمصير. فلا التصعيد الكلامي ولا المهاترات ولا التجاذبات السياسية غير الناضجة ولا التحدّث باطلاً باسم الشعوب المقهورة والمغلوبة يمكن أن تنصف أصحاب الحق والقرار والمستقبل. أمّا مَن يسعون للاحتكام إلى الدستور الأعرج، فهُم شلّة ضالّة لا يعنيهم مَن وكيفَ كتبه ولمصلحة مَن بالدرجة الأولى. من هنا، كان الأجدر بالسياسيين، لو كان بقي لدى بعضهم ولو النزر اليسير من الوطنية وحب الأرض والشعب والوطن، أن يلقوا تناقضاتهم السياسية جانبًا ويوقفوا العمل بالدستور القائم ويعملوا على درج تعديلاتٍ أساسية فيه، تضمن رسم المصائر وتكفل الحقوق والواجبات وحفظ ما بقي من ماء الوجه أمام الشعب المتمزّق نسيجُه بسببهم وبسبب أفعالهم الشائنة وفسادهم اللامحدود ونجاتهم من القانون بسبب مبدأ التوافق والمحاصصة الذي ضمن لهم امتيازات وحصانات.
    إنّ كلَّ مَن يتحدث عن تفاهمات مسبقة قبل التحرير حول مستقبل الموصل وبلدات السهل بعيدًا عن رؤى أهل البلدة والسهل وتطلعاتهم وانقشاع الغيوم السوداء عن غشاوة عيونهم، عليه أن يتذكر أنه يلعبُ بالنار التي قد تحرقُه قبل أن يتنعم بما يهواه ويخطّط له. فالموصل وبلدات سهل نينوى ستكون عصيّةً على الطامعين وشوكة في عيون العملاء، مهما طغا هؤلاء وقدّموا من خدمة جاهزة للغريب الطامع والمنفِّذ للإملاءات الخارجية التي لا تخدم أهلَ السهل المحترق بنيران هذا الغريب الماكرة وبأساليبه الشيطانية ووعوده العرقوبية التي لا تؤكل ولا تسمّن. فاستغلال الظروف لتحقيق مكاسب ضيقة، لا تنسجم مع المصلحة الوطنية العليا، كما تتنافى مع احترام هوية المناطق المحتلة من قبل داعش ومع رسم مستقبل شعوبها وخياراتها وإرادتها. وما يدور في الكواليس من مشاريع تقسيمية لمحافظة نينوى إلى عدة محافظات، هو في الحقيقة تحقيق لرغبة الأسياد، "الأمريكان والغرب قدمًا بفكّ ارتباط أراضٍ عراقية خالصة تاريخيًا وتقليديًا وديمغرافيًا ومنحها هدية للدولة الكردية الماضية في مشروع الاستقلال، الذي نؤيده جميعًا من حيث كونه حق مشروع لتقرير مصير شعبٍ عانى كثيرًا، ليس وحده بل وقد شاركته جماعات أخرى في ذات المصير وذات النضال، من ديانات وإتنيات لأقليات لم تُنصف على مدى التاريخ.
ألحراك الأخير للإدارة الأمريكية والنشاط الذي تقوم به المنظمة الدولية وغيرُها ومعها دول الغرب في لقاءاتها وتخرّصاتها الإعلامية وتصريحاتها السياسية في محاولة لجسّ نبض الشارع العراقي، وبصورة خاصة شارع المكوّنات في سهل نينوى ومراجعها الدينية والسياسية، كلُّها تصبّ في ذات المنحى، كي تكوّن صورة عن رؤية مستقبلية للمنطقة بعد التحرير. وأعتقد أنَّ ما أدلى به غبطة البطريرك ساكو مؤخرًا، يكفي أن يكون الجواب الأكثر شمولاً وحرصًا ومحبة لشعبه ولشعب العراق بأجمعه، بل للعملية السياسية ككلّ.
والمهمّ في هذه المرحلة الحرجة، دعم جهود الدولة العراقية موحدةً من أجل القضاء على السرطان الداعشي الخبيث قبل استفحالِه، ومن ثمّ التفكير في مرحلة لاحقة لوضع الأسس التي تدعم إعادة ترتيب البيت الداخلي لهذه البلدات عبر الحوار والدراسة الواقعية لمستجدّات الأحداث ووفق السبل التي تؤمّنها الدول الراعية لإعادة ترتيب البيت العراقي بعد زوال الأسباب والظروف الشاذة جميعًا. وبغير هذه الترتيبات المتأنّية، لن تشهد المنطقة استقرارًا وسلامًا وتعايشًا بين مختلف مكوّناتها، طالما هناك فكر مختلف ومصالح متناقضة وارتباطات مع أطراف خارجية طامعة.


39
داعش وشبيهاتُها، فكرٌ منحرف وبضاعة فاسدة!
بغداد، في 31 أب 2016
لويس إقليمس
في زمن العولمة والحداثة والنضج الفكريّ والعصرنة، يبرز السؤال المحيّر: هل من قراءة معاصرة ممكنة لمفاهيم الإسلام المتشدّد والمتصاعد بوتائر مرعبة كخلايا السرطان القاتل منذ الثمانينات؟
الجزء الثاني:
فكرٌ وسطيّ متزن يقبلُ بالآخر المختلف

تلاحقت المؤتمرات محليًا وإقليميًا ودوليًا، تلك التي كانت بقصد محاربة الإرهاب وقطع دابره وأدوات تمويله. فقد عدّه العقلاء وبالإجماع، آفة تنبغي محاربتُها، لكونها تسيءُ إلى الإسلام قبل التأثير على غيرِه بسبب البضاعة الفاسدة التي يتاجرُ بها من دون وازع، والتي ليسَ له بها من هدف آخر سوى الاقتصاص مِن كلّ مختلفٍ عما يعتقد به فكرًا ودينًا ومنهجًا. من هنا، جاء تبنّي الفكر "الوسطيّ المعتدل" البارز مؤخرًا، والداعي لسلوك منهج معاصر متزن وعقلانيّ في تفسير روحيّة الإسلام المتسامية، كما يطيب للبعض وصفه، وفي تبيان سماحة هذا الدّين كما ظهر في بداية انتشاره في ظلّ الوحي الذي حصل زمنَ الأجواء "النصرانية"، حينَ برزَ دينًا قابلاً للتعايش السلميّ مع شعوب العالم ضمن أسس وقوانين وأعراف متفق عليها. فمنطقة الجزيرة التي عرفت البداوة والجهل والعرف القبليّ، كانت بحاجة آنذاك لبروز عبقرية اجتماعية تعمل على إصلاح المجتمع المتفكّك آنذاك في تلك الأزمنة الجاهلية، من دون المساس بالتركيبة الاجتماعية والدينية القائمة، التي ظلّت متماسكة طيلة فترة الوحي في مكّة، إلى أن تغيّرت الحال بتغيّر الموازين والشخصيات والظروف في المدينة. ولسنا هنا بصدد التطرّق إلى تلك الحقبة التي شابها التنكر لوعود مقطوعة لشعوب المنطقة وأتباع دياناتها حين انقلبت الموازين.
ما يهمنا اليوم، كيفية التخلّص من آفة التنظيمات الإرهابية وأدواتها، في العراق والمنطقة والعالم. فهذه تتطلب جهودًا صادقة من العمل الجماعيّ وإنكارَ الذات باتجاه إعادة لحمة النسيج الوطنيّ المتشظّي والممزّق بسبب تقاطع المصالح بين الفرقاء السياسيين الذين ساهموا بدق الأسفين بين شعوب ومكوّنات البلاد، وفسحوا المجالَ لتنظيمات إرهابية بالتغلغل وسط المجتمع واقتراف جرائم يندى لها جبينُ الإنسانية. فقد كان المجتمع العراقي دومًا، بلدًا طيبًا وكريمًا للتعايش وأرضًا قديمة خصبة تجمع التعددية الجميلة في الأديان والمذاهب والطوائف. وبغداد دار السلام بالذات، كانت دومًا معروفةً بمدينة الاعتدال والتسامح والانفتاح، سيّما وأنّها عاصمة بلد الحضارات ومنبع الرسالات وواحة الأصالات، ومثلُها لا تقلُّ عنها باقي المدن الأخرى وبلداتُها. كما تربع العراق الحديث عمومًا، ولسنوات طويلة، ليكون قبلة العرب في انفتاحه وتقدّمه وثرواته عندما كانت غيرُه من بلدان المنطقة في سباتٍ عميق يحلم أهلوها أن يكون لهم جزءٌ ممّا فيه من نعمة ورقيّ وعلوم ومدنية وشعب متكافل متسامح. لذا لا غرابة، إنْ كانت عيون الأجنبيّ ترنو إليه لما يتسم به من غنى متميّز في التنوّع الدينيّ والمذهبيّ والعرقيّ على السواء، وفي التراث والعلم والمعرفة والآثار، إلى جانب الشعر والفنون والكلمة والثروات الكثيرة، ما أضفى عليه صفات متقدمة على غيره بالمنطقة.
ففي العراق، كما يتحدث التاريخ، كانت أول مدرسة لجميع العراقيين على عهد حمورابي، دليلاً على أهمية العلم في تعليم البشر منذ القدم. وقبل انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين كما في عهوده المختلفة فيما بعد، كان للسريان المسيحيين من العراقيين وغيرهم، ريادتُهم لأروع المدارس وأكثرها أهمية في البلاد والمنطقة. فعملوا على رفد الثقافة العربية وعلومها وعملوا في دواوين الخلفاء والحكام، وساهموا في تعزيز مكانة الخلافة بين الشعوب من خلال تراجمهم وتأليفاتهم ومساهماتهم في شتى الأصعدة والحقول. في حين كان لبغداد مع انتشار الدين الإسلاميّ، قصب السبق على غيره من الأمصار في تأسيس أول مدرسة للإمام أبي حنيفة بالأعظمية، فالنظامية بعدها في بداية القرن الحادي عشر، بحسب العلامة مصطفى جواد. ثمّ تلتها مثيلاتُها كالمستنصرية وأخريات كثيرات في عهود الخلافة المختلفة لاحقًا.
ونشير أيضًا للتذكير فقط، أنه في العصر الحديث، تأسست أول جامعة في بغداد في سنة 1957 ووضع الحجر الأساس لها في نهاية 1959، وتولى رئاستَها على التوالي كلٌّ من العالم العراقي المسيحي متي عقراوي والدكتور الصابئي المندائي عبدالجبار عبدالله، وكلاهما عراقيان ومن غير المسلمين. وتلك الالتفاتة في اختيار الأصلح لإدارة هذا الصرح الفتيّ آنذاك على أساس الكفاءة والجدارة، دلالة على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في تلك العهود ومن دون تمييز، حينما وقع الاختيار على هاتين الشخصيتين العراقيتين الوطنيتين العلميتين المتميزتين. وكلّ هذه المدارس والجهات والمرافق العلمية والشخوص شكّلت بدورها، منارات إشعاعٍ للأوطان والعباد من أبناء العراق ودول الجوار على السواء، بحيث كان الأشقاء العرب وسواهم يمنّون النفس بزيارة الوطن للترفيه عن النفس على أنغام وفنون ضفاف شط البصرة وأبي نؤاس، والاستجمام في ربوع شمالِه الجميل، فضلاً عن الرغبة بالاطلاع على معالمه الثقافية والتراثية والتاريخية والغَرفِ من مؤسساته التعليمية الرصينة لأصالتها وريادتها وفاعليتِها آنذاك، في أجواءٍ من التسامح والانفتاح وقبول الآخر.
أعود للفكرة الأساس في موضوعي الذي يصبّ في أهمية الفكر المنفتح والمتسامح الذي اتسمت به المؤسسات التعليمية والمرجعيات الدينية بالعراق ومعها الشارع العراقي عمومًا، واتخذته نهجًا في إشاعة روح الألفة والتعايش المجتمعيّ وفي نشر الثقافة والعلوم والفنون المتعددة في فترات متعاقبة من تاريخه بطريقة منهجية وغير متعصّبة ومن دون الإخلال بالتوازن في النقل والطرح والتقييم، إلاّ ما ندر، حينما كانت تعلو المصلحة الشخصية أو الطائفية أو الفئوية فقط على حساب ضرورات الحياد في العلم واستقلاليته وفي الدّين وأدواته والسياسة ورجالها المتلوّنين من غير المؤمنين بوحدة الوطن وترابه ونسيجه المتآلف! فقد عُرف عن العراق تقليديًا، وعن خطابه الدّيني والمجتمعيّ على السواء، احترامُه للّحمة الوطنية وإيمانُه بوحدة نسيجه الاجتماعيّ، في حدود تعدّدية أديانه وأعراقه وطوائفه ومذاهبه، التي عدّها العراقيون دومًا مصدر غنى وثراء في تنميته وتمدّنه وتقدّمه. وعندما توارت هذه السمة في السنوات الأخيرة بعد الغزو الأمريكي الماكر، بسبب تدخلات خارجية، إقليمية ودولية، انهارَ معها السلمُ الأهليّ وتمزّقَ النسيج المجتمعيّ المتلاحم وبرزت النعرات المتعصّبة وظهر التشدّد في المفهوم الدّيني الإسلاميّ بل الغلوّ لدى البعض في تقديم هذا الأخير وتطبيقه في المجتمع المتناغم تاريخيًا.
حدث هذا، بسبب فراغ الساحة من مرجعيات سياسية ودينية واجتماعية قوية وفاعلة تجمع الكلمة وتوحّد الفكر وتوجّه التشتّت الحاصل في التفسير وفي الغايات وفي الولاء للوطن، نتيجة للتقاطع في المصالح المذهبية والطائفية للفرقاء، ما أدى إلى الانهيار المفاجئ في روحية التسامح وتراجع التكافل التي جُبل عليها العراقيون بطبيعتهم. ومن هنا، كثرت الفتاوى العشوائية التي تدعو للقتل وأشكال العنف والتكفير على غرار مفسّري العهود المظلمة على أيدي مَن يُسمّون اليوم بأئمة الفتنة المعاصرين وشيوخ القتل كارهي الحياة والمنظّرين الذين انساقوا وراء الفكر الأصوليّ المتطرّف الذي يقرأ ويفسّرَ بحسب زمانٍ عفا عليه الزمن ووفق مصالح ورؤى قاصرة للحياة تختلف بالتأكيد عن الحقبة الزمنية التي عاشَها أولئك المحرّضون في عصور الجهل والظلام!
هذه هي طبيعة الشعوب. فهي تخضع بين الحين والآخر، إلى قاعدةٍ تصعد في منحنياتها إلى أوج الألفة في سماتها التعايشية حين تكون العقول مستنيرة والقلوب منفتحة والنفوس عامرة بالمحبة وحب الآخر المختلف، فيما تنزل بالواقع إلى الحضيض عندما تنغلق على ذاتها وعلى تعاليمها وتوجهاتها، منكفئةً على فكرٍ متزمّت يرفض وجود الآخر المختلف ولا يريد قبولَه لا ندًّا متكافئًا في الجدارة والأهلية، ولا مواطنًا متساويًا في الحقوق والواجبات، بحسب ما تتطلّبُها حقوق المواطنة المشار إليها في الدساتير وتؤكد عليها المواثيق والعهود الدولية. فالذين يصرّون على قراءات وتفاسير عفا عليها الزمن وصارت من الماضي في تقديمها لحلول اجتماعية في مرحلة تاريخية معينة جبلت شعوب المنطقة حينذاك بسبب ضرورات اقتضها تلك الحقبة التي ظهر فيها الإسلام في أجواء البداوة والقبلية، فإنّ هؤلاء كَمَن يضعون مسامير في نعش هذا المعتقد الذي يتحدث عنه عقلاءُ اليوم ومعتدلو الفكر المستنير والوسطيون الحكماء بشيء كببرٍ من المنطق والروية والفطنة. ولكنْ، هل مِن سامع لهم أو مَن يقبلُ بطرحهم المعاصر وسط الفوضى القائمة وأدوات التكفير المتصاعدة من فرق الغلاة والمتشدّدين الجدد الذين يكفّرون كلَّ شيء؟
لكنَّ دورة التاريخ مستمرّة في عولمتِها وفي تقصيرها للمسافات بين الشعوب والأمم، وهي تسيرُ حثيثًا بعكس تيار الانغلاق والانكفاء على الذات. ومن ثمّ، من المستحيل وقفُها في منتصف الطريق أو إعادةُ عجلتها إلى الوراء، طالما هناكَ مَن يؤمن بقدرة السماء على فعل المعجزات، وبفاعلية العلوم والفنون وتمازج الأفكار وعناصرِها التي تتطوّر وتتبدّل وتتغيّر مع حاجات الإنسان وواقعه المعاش على الأرض ووسط البشر. ف "مَن وضع يدهُ على المحراث، لا يرجع أو يتراجع إلى الوراء"! وهذه تتطلب الوفاق والتعاون والتآزر في الحياة اليومية، وليس الانعزال وراء حجابات مظهرية لا ترضى إلاّ بأسوَد اللون وراياتِه. فاللهُ خالقٌ للجميع أسوياء متساوين أحرارًا ليعيشوا متحابين متآزرين في فردوسه الواسع الذي يسعى أصحابُ الفتن لتمريغه بالأعمال المشينة وتكفير كلّ مَن يختلف عن رؤيتهم ومنهجهم المشوّش الذي يستبيح القتل والنبذ والرفض لأبسط الأمور. ولا أدري كيف يعطي البعض الحق لأنفسهم بفرض ما يعتقدون به على غيرهم من المختلفين معهم في العقيدة والفكر أو المنهج، والمتساوين أساسًا في المواطنة والإنسانية وكذا في القاعدة البشرية للحرية الشخصية التي أنعمَ بها الله على البشر من دون تمييز. فهو الوحيد "فاحصُ الكلى والقلوب"، ولم يخوّل أو يُجزْ أحدًا قط بالدفاع عنه، فهو الجبّار العظيم القهّار!
ولنا في حياة العراقيين لغاية الساعة أمثلة كثيرة لا حصر لها، تتجدّد فيها روح التعايش والألفة والمحبة التي عرفوها، سواءً بتبادلهم الزيارات لأضرحة الأئمة وأصحاب الكرامات وللمساجد والمعابد والكنائس بمناسبة أو من دونها، أو بالمشاركة الوجدانية في المناسبات الدينية والموسمية والعائلية بعضهم للبعض من دون حرج، أم بالسهر على مصالح ومحرّمات بعضهم البعض، تلك النابعة من الشعور الأخوي والوطني والإنساني وحسن الجوار معًا. وكلّ هذه الأعمال والأفعال والأنشطة، دلائل على روح الانفتاح التي طُبع عليها المجتمع العراقي منذ القدم. فلم يكن الاختلاف في الدين أو المذهب أو العرق أو الطائفة أو اللون أو اللغة عائقًا أمام السلم الأهلي والتعايش المجتمعيّ والتطوّر الحضاريّ، بل كان ذلك مدعاةً للفخر بتنوّع أزهار حديقة العراق الكبرى وثراء تراث أبنائه وعاداتهم وتقاليدهم الجميلة التي يعشقُها القاصي والداني. ومن المؤسف، أنَّ الكثير من هذه السلوكيات الإيجابية قد ضاعت أو اختفت أو اندثرت بسبب تنامي الفكر المتشدّد وتأثير تفاسير روّاده الموغلين في التطرّف على عقول العامةّ وحتى على النخب المثقفة في المجتمع، سواءً خوفًا من سطوة أصحاب هذا الفكر المنحرف وتهديداتهم، أو تظاهرًا بالسير مع المدّ الجارف أو نفاقًا، وهي سمة بارزة في مجتمعات اليوم.
إنّ ما يحصل اليوم، من خروجٍ فئاتٍ ضالّة في المجتمع العراقيّ والعربي والإسلاميّ، متأثرين بفتاوى شيوخ القتل والتكفير، هو بمثابة دعوة ملحّة لأصحاب الأفكار المستنيرة والمراجع الرشيدة والنخب الثقافية للتآزر معًا، والتعامل الشديد مع أصحاب الأفكار المريضة بجدّية أكثر من أجل إيقاف هذا المدّ التفسيري التكفيريّ في الغلوّ الدينيّ والتطرّف، من خلال الدعوة الصادقة لتطهير الأفئدة والعقول والنفوس من مثل هذا المرض القاتل، سرطان العصر، ومن دنس الاعتقاد المغالي في تكفير المختلف. كما تتطلب المرحلة الراهنة، رصد ما يُقدّم من مناهج أساسية بدءًا من رياض الأطفال ووصولاً إلى المراحل المتقدمة بالمؤسسات العلمية. في حين، لا يمكن تجاهل الدَورِ المؤثر الذي يمكن أن تؤديه دُورِ العبادة من مساجد وجوامع وكنائس ومعابد ومراكز دينية واجتماعية في نصح المجتمع وتقويمه وتوجيهه نحو الخير وأعمالِه ونحو الرحمة التي تفوق أيَّ شيء وكلَّ شيء! فالله رحومٌ غفورٌ، طويل الأناة، لا يقبل هلاك النفس البشرية التي خلقَها ونفخ فيها من روحه وقدرتِه وعظمته. كما أنَّ "الدّين نصحٌ وأخلاق"، قبل أن يكون كلمات رنانة وعبارات فضفاضة وآياتٍ جامدات قاتلاتٍ!
من هنا، فإنَّ إصلاح المجتمع لا يأتي بأشكال العنف والقتل والتكفير واستباحة حقوق الآخرين، بل بالروية والتفكير السليم والحوار العقلانيّ الهادئ والمنهج الوسطيّ الذي ينفع الناس ويرضي الله والعباد معًا. وتبقى المراكز الدينية الثقافية التقليدية المهمة في كافة الدول الإسلامية، من أمثال الأزهر والمراجع القمّية والروابط الإسلامية والجامعات والحوزات العلمية التي تعلّم الشرع وأصول الدين، وكذا المؤتمرات الإسلامية المختلفة، هي التي تُعلّق عليها آمال العالم المتحضّر الذي يتوق للسلام وللتعايش وللتكافل ولاحترام القيم الإنسانية للكائن البشري، أيًّا كان لونُه أو جنسُه أو دينُه أو مرجعُه أو مذهبُه. فمثلُ هذا التنوع غنى وثراء أينما وُجد وترعرعَ ونما. والعراقُ نموذجٌ متميّزٌ منه وله.
وأختم حديثي بما وردَ على لسان عضو البرلمان التركي محمد علي أصلان، عن حزب الشعوب الديمقراطي، على هامش المؤتمر الإسلامي المنعقد في بغداد في كانون ثاني 2016، بالقول: «إنّ بلاد الرافدين كانت منذ القدم بيئة الاعتدال التي نشأت وتعايشت في أجوائها جميعُ المذاهب الإسلامية، وأنّ العتبات المقدسة المنتشرة في أغلب مدن ومحافظات البلاد دليل آخر على التنوع الثري».
فهل لنا في العراق أولاً، وفي البلدان العربية والإسلامية اليوم، من وقفة إستدراكية إستغرابية علنية لما يحصل من أعمال عنف وتكفيرٍ مدانة بكلّ الأعراف بسبب خطاب الكراهية القائم؟ وهل لنا أيضًا، من شجاعة رجولية وإنسانية بمراجعة مدنية شاملة تعود بالعراقيين إلى ثرائهم الروحي الأصيل وتنقلهم إلى ديار الألفة والتعاضد والتكافل وفق ميزان أخلاقي، كانوا يتسابقون في سابق الأيام لتجسيده جميعًا؟ فصفاتُ القدوة الحسنة، ليس لها زمان ولا مكان، لا دين ولا طائفة، لا لغة ولا عرق، حين تتجسّد في بوتقة المصالحة العراقية والوطنية على السواء، والتي تعني من جملة ما تعنيه الألفة والتسامح ومحبة الآخر وتقويم المعوجّ والالتقاء حول ما يجمع وليس الانجراف حول ما يفرّق.
 فما يجمع أكثر ممّا يفرّق!

40
داعش وشبيهاتُها، فكرٌ منحرف وبضاعة فاسدة!
بغداد، في 31 أب 2016
لويس إقليمس
في زمن العولمة والحداثة والنضج الفكريّ والعصرنة، يبرز السؤال المحيّر: هل من قراءة معاصرة ممكنة لمفاهيم الإسلام المتشدّد والمتصاعد بوتائر مرعبة كخلايا السرطان القاتل منذ الثمانينات؟
الجزء الأول:
سرطان داعش واجب الرفض والنبذ

كتب بطريرك الكنيسة الكلدانية لويس ساكو، مقالةً في موقع البطريركية يوم السبت الموافق 27 آب 2016 بعنوان: " آن الأوان لكي يوقَف سرطان داعش وأشباهها". ولما للأفكار القيّمة والعقلانية التي أوردها، بسبب "مفاجأة العالم بما قامت وتقوم به داعش وأشباهُها من أفعال شنيعة، ومن ضرب للحريات باسم الإسلام، مثل تهجير وقتل المدنيين أو حرقهم أحياء وسبي النساء وهدم المعالم الدينية والحضارية وتشويه للعلاقات بين أبناء البلد الواحد". وها نحن نذكّرُ بتساؤله إزاء كلّ هذا: "أما آن الأوان لكي يتبادر المسلمون في العالم والغالبية منهم معتدلون ويريدون الخير، وغيرُ المسلمين من ذوي الإرادة الطيبة للخروج بموقف واضح ومحدد للتعامل بجديّة وليس بسطحية، مع موضوع التطرف والإرهاب الذي يشكل خطراً على الكل، وأن يشكلوا جبهة موحدة لمواجهة الانغلاق والتطرف والكراهية ووقف هذا السرطان الرافض للعيش المشترك والمواطنة والحداثة؟".
إننا نرى في مثل هذه الكلمات المعبّرة المليئة بالرجاء والوطنية الصادقة، ذاتَ الرغبة والأمنية المستنيرة لدى المعتدلين من رجال الدّين والمتديّنين من العامّة والمثقفين وأصحاب الأقلام الوطنية التي تضع المعيار الإنسانيّ والوطنيّ فوق أية اعتبارات فرعية، ب"إعطاء ما لله لله وما للإنسان خليقة الله الجميلة من مكانة يرضاها له هذا الإله الحقيقيّ محب البشر". هي بدون شكّ، بمثابة دعوة وطنية وإنسانية من رجل دين مسيحيّ وطنيّ عراقيّ منفتح على الأديان، دفعته الكاريزما التي يتحلّى بها، كي يوقظ الضمير الإنسانيّ لمَن غفى ضميرُه وسايرَ ترّهاتِ الزمن الغادر وضلالاته، ومَن تاه في دياميس وخرافات شيوخ الفتنة والقتل والتحريض والتخلّف التي تكفّر وترفض وتنبذ كلّ فكرٍ مخالف لا يتجانسُ مع ما تعتقد وتتشدّد به هذه الفئات الضالّة في الإيغال بالتنكر لكّل ما هو معاصر وعقلانيّ ومتزن ومعقول ومنفتح ومفيد، يخدم البشرية ويجعل العالم أكثر أمانًا واستقرارًا وسلامًا وتحابًا. فغولُ العصر، وكلّ مَن سار على شاكلة فكرهم الأصوليّ المتزمّت المتشدّد حتى النخاع، تمويلاً وتخطيطًا وتشجيعًا وخوفًا ومسايرةً ومجاملةً، يعتقدون، وبئسَ ما يعتقدون، "أنَّ الجنة تُضْمَن بقتل الأبرياء بحزام ناسف أو عربة مفخخة، أو عبوة، أو بسكين"! "هذا دمار فكري"، به يتمّ غسل أدمغة بشر أبرياء خلقهم الله ليعيشوا ويتنعموا وينموا ويكثروا وفق إرادته الطيبة ويقدسوا الحياة، لا لكي يقتلوها ويدمروها باسمه باستغلال أفكار خاطئة للترويج لمعتقدات خاطئة.
إزاء هذه الآفة، التي تفتك بالبشرية جمعاء، وتسيء إلى الإسلام والمسلمين عامة قبل أيّ شيء، وتهدّد وجودَه وكيانَه ومستقبلَه من حيث يدرون أو لا يدرون ومن دون أن يعي أصحابُ "الفكر المنحرف" فيه للنتائج المترتبة على اتّباع هذا المنهج المتشدّد الغائص في ظلمات زمن البداوة والصحراء والسيف والتخلّف واستباحة الحرمات بأشكال وحجج وتأويلات غريبة عجيبة، لا بدّ من وقفة صريحة شجاعة ورافضة لمثل هذا السلوك غير الحضاريّ الذي يقوّض إرادة الإله الخالق الحقيقي الذي خصَّ الإنسانَ والبشرية باستغلال الأرض وما فيها وما عليها من أجل رفاهتِه وراحته وتفاعلِه مع جميع البشر بذات المحبة التي أحبه بها هذا الإله. وهذا يستدعي أساسًا، إرادة صلدة صارخة ترفض مثل هذا الفكر المخالف لروحية الدّين الذي يأمر بالرحمة والتسامح والمحبة، لو عادوا به في قراءة روحية معمّقة بالأخذ بروحية النصّ القرآني ودلالاتِه، وليسَ التشبّث بتلابيب حرفيّتِه التي شابها الكثير من التلاعب والتغيير والتبديل، بحسب مؤرخين وخبراء ودارسين وباحثين في الشأن الإسلاميّ. ف"الحرف قد يقتل، فيما الروحُ يحيي ويجدّد وجه الأرض". وحسب علمنا، حتى الأحاديث وما ورد في السنّة، لم تنجُ من تدخلات ومزيدات وإضافات بهواجس طائفية وأهداف سياسية. وقد اشار إلى هذه الواقعة، الدكتور رفعت السعيد، وهو واحد من أبرز المهتمّين بالشؤون الإسلامية، في سلسلة مقالاته التي خصّ بها جريدة المدى، تحت عنوان" قراءة جديدة في تاريخ قديم". وهو يرى مثل غيره أنّه، "مع تجدد الأزمان وتغير الأعراف ونضج العقول، يجوز بالطبع للمسلم أن يعمل عقله وفق ما استجد من أعراف ومعلومات في تدقيق الأحاديث والاختيار من بينها خاصة مع تضارب الرواة بل وتضارب ما ينسب إلى الراوي الواحد في الموضوع الواحد". وبحسب الدارقطني، كما ينقل السعيد: "لم يُجمع الحديث إلا في عهد المأمون وبعد أن أصبح الحديث الصحيح في الحديث الكاذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود". وبعد أن فشت بدعة ابتداع الأحاديث واستخدام الأحاديث المصطنعة في الصراعات السياسية، كتلك الأحاديث التي وضعها معاوية كلما أراد أن يبرر فعلة من أفعاله التي لا يرضاها الإسلام. (انتهى الاقتباس).
إنّ ما يُسمع على رؤوس الأشهاد من خطب دينية تحريضية إقصائية تكفيرية بين الحين والآخر ضدّ مختلفين في الدين والرؤية، وما يُنشر من فتاوى بذات المنهجية السلبية من قبل أطراف تزيد من تعميق الانحراف لدى نفرٍ لا يرى أمامه غير الدائرة المغلقة في الفكر والفعل والتنفيذ، يُعدّ كارثة إنسانية لا يمكن أن تتساهل معها البشرية المجروحة إزاء الأعراف والقوانين والنظم الأخلاقية والإنسانية المعروفة. فالبشر جميعًا، خُلقوا ليتعايشوا ويتكاتفوا وينموا ويكثروا ويملؤوا الأرض سلامًا وبهجة ومحبة، وليس كي يحيلوها سواقي من دماءٍ ليسَ لنزيفها توقف ولا رحمة، بسبب البضاعة الفاسدة التي يروّج لها أصحاب الأفكار الأصولية المنغلقة. فاللهُ كما نعلم، خلقَ البشر متساوين وأجازَ لهم حرية العقيدة والتفكير والإيمان الذي يكفل وصولَهم إلى سواء السبيل، كلّ على طريقته ومنهجه. ومن ثمّ، ليسَ من حقّ هذا النفر المنحرف أن يحكمَ على المختلف معه، بالكفر وإنزال ما لم يجزه الله الخالق من قتل وسبي واندثار وإقصاءٍ. فهذه إنْ هي إلاّ شريعة الغاب، مثيرة للاشمئزاز، لكون هذه الفئة الضالّة تريد العودة بالبشرية قرونًا للوراء نحو زمن التخلّف وركوب الدواب وسبي الحرائر ونكاح المحارم وسيادة الأعراف العشائرية والقبلية وسنن الغاب بدلاً عن سيادة القانون وعيش أركان العصرنة التي تتطلبُها الظروف المتمدنة والمتطورة للبشر والأرض على السواء. وتتحمّل اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية ومَن في صفّها، وهي مصدر الشرّ والكراهية والبغضاء فيما يجري، تتحمّلُ هذه الهيئة نتائجَ كلّ ما يصدر من فتاوى ضدَّ كلِّ ما ليسَ مسلمًا. وإنّ المضيّ في هذه الطريق الوعرة، يسيء اليوم للإسلام والمسلمين أكثر من ذي قبل. ولعلَّ من نماذج فتاواها، تلك المرقمة 21413 التي تقضي بأن "كلَّ دينٍ غيرِ دين الإسلام فهو كفر وضلال، وكل مكان يعدّ للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال"، وأنَّ "شريعة الإسلام خاتمة الشرائع، عامة للثقلين الجن والإنس وناسخة لما قبلها".   
لقد سبق الإسلام دياناتٌ كثيرة، بعضُها بادت وأخرى تواصلت. وعندما قدمَ الإسلام كانت هناك ديانتان أساسيتان ومهمتان في المنطقة، اليهودية والمسيحية، وقد ولدتا من رحم الشرق. وبالتالي، فأتباع هاتين الديانتين، أي اليهود والمسيحيون هم أصحاب الأرض الأصلاء، ولا يمكن استثناؤُهما أو إخراجُهما بخطابٍ منحرف عن سياق الحياة الطبيعية لأهل المنطقة. فقدوم دينٍ جديد ليسَ مدعاةً لنفي وطمسِ معالم غيرِه. فهذه سننُ شريعة الغاب، التي لا يمكن أن تستوي في عصر النهضة والتطور والحداثة والتفاعل المجتمعي الذي يستمتع اليوم بنتائج تقدّم التكنلوجيا وابتكاراتها التي لا تتوقف وتنامي الفلسفات المحدّثة وتطوّر البشر وتقنياتُهم في شتى ميادين الحياة. 
واليوم، تشهد العديد من المراكز الإسلامية، والمكاتب المرتبطة بمرجعيات دينية مستنيرة مجتهدة باختلاف عائديتها، مدعومةً بأفكار وآراء عقلانية ومتزنة لشخصيات سياسية وثقافية متمدنة وفقهاء منفتحين، تشهد اليوم أكثر من ذي قبل حراكًا ثقافيًا ودينيًا ودفاعيًا وحواريًا. والهدف الأسمى من كلّ هذه التحرّكات والحوارات والنقاشات، العمل على وقف حالة الفوضى القائمة في تفسير مفاهيم الدين وتطبيق جوهرِه والحدّ من خطاب الكراهية القائم الذي أتت به تنظيمات متطرفة غريبة متشدّدة مغالية في تطبيقها لمفاهيم الشريعة الإسلامية، مستندة إلى تفاسير متأخرة أصبحت من الماضي ولم تعد تصلح في زمن التطور والتقدّم والعولمة التي اختصرت المسافات وقاربت بين الأمم والشعوب وجعلت العالم قرية صغيرة يمكن التنزه فيها متى شاء الإنسان العاقل. ولم يكن العراق خارجًا عن هذه الأنشطة، حين استضاف مؤتمرًا لبرلمانات الدول الإسلامية قبل أشهر. فالمسألة بعد قدوم داعش الإرهابي وما اقترفه من جرائم ترقى لحدّ الإبادة الجماعية ومن فظائع كبيرة وقبيحة بحق الإنسانية وضدّ شعوبٍ أصيلة آمنة، أصبحت معقدة والأمور لا تتحمّل أكثر ممّا صار، والعالم لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي إزاء الانفلات القائم والتمدّد الجارف. والإصلاحُ في السيرة والحكم والعلاج باتَ واجبًا شرعيًّا. كما أنَّ النصحَ جزءٌ من رسالة الدّين وواجبات رجالِه، حينما يستنير بهدى العقل والفكر والقلب والروح المتسامية بعبادة الله، وكلُّها أدواتٌ راقية وهبها الله الخالق للبشرية كي تنعم بالحياة وليس لتدميرها. فثقافة الحياة تبقى دومًا أرقى من ثقافة الموت وأجلَّ شأنًا وأكثرَ أمانًا!
- يتبع- ج2

41

رؤية مسيحية عراقية في هموم الوطن والمواطن
بغداد، في 14 آب 2016
لويس إقليمس
قبل أيّ شيء، من البديهيّ أن تظهر بين فترة وأخرى، مؤشرات وطنية متجددة صادقة ونابعة عن وجدان مجروح لشريحة مواطنية تحتفظ بكل المحبة والوفاء والإخلاص للوطن، كي تدلي بدلوها في الأحداث، أيًا كانت. بل إنّ مثل هذه التسريبات أو الآراء أو الرؤى، مهما كانت مقاصدُها وحيثياتُها وتوجهاتُها، ضرورية من أجل تفاعل نسيج الوطن بجميع انتماءاته مع ما يحصل على الأرض. فما تتعرّض له البلاد وأهلوها عمومًا منذ عقود وخصوصًا بعد دراما 2003، من مهانة وقساوة واستخفافٍ باستحقاقات فردية وجماعية بحقّ شرائح أصيلة ووفية للأرض وتاريخها وتراثها، يقتضي من الأمناء والأصلاء وضع حدود لشتى مثل هذه التجاوزات الحاصلة من دون وازع ضمير، بسبب الرؤية القاصرة لمَن قادتهم مصالحُ الغزاة كي يحكموا ويتسلطوا ويفسدوا في الأرض. وإنّي أجد أنَّ مثل هذه الملاحظات أو الرؤى التي تصدر عن عقلاء، هي أساسًا من ضمن الحقوق المواطنية للشرائح المهمّشة، وليسَ منّةً أو عطفًا أو سمّي ما شئتَ من عبارات جارحة تنخس الضمير والوجدان وتزيد الحسرة بسبب عوادي الزمن الغادر وتسلّط فئاتٍ عاثت فسادًا في أرض العراق الطاهرة وسلبت ثرواته ظلمًا وحرمتْ أجيالَه القادمة من حصصها ومن حقّها في التمتّع بثرواته الوطنية، حتى قبل رؤيتِهم النور. هكذا يقول دستور العراق: ثروات الوطن، هي ملك الشعب وليس ملك الطغمات الحاكمة، التي جعلت ثرواته الغزيرة أسيرة بأيدي مصالحها الطائفية والكتلوية والحزبية!
والمواطن المسيحي مثل غيره من العراقيين، له أصالتُه في أرض الرافدين. بل أصولُه متجذّرة عبر آلاف السنين، كما يشاء البعض وصفه، منذ عهد سومر وبابل وأكد وآشور، مرورًا بحضارات كبيرة وكثيرة، سادت ثمّ بادت. ومن حظّ العراق، أنَّ تلك الأصالة لم تندثر، طالما وجد بين ظهرانينا مَن يحرسها ويحرص على تفعيلها وتجديد فاعليتها، بالرغم من كبر المشاكل وتأثير ما جرى ويجري على أيدي أدوات وأفرادٍ أغرابٍ لا يمتّون بصلة إلى الأرض التي سارت فوقها أقدامُ الأنبياء وباركها الأولياء وعمّذها القدّيسون والأصفياء والشهداء بدمائهم الزكية حبًا بالوطن وأهلِه الطيبين. ومن المؤسف أنَّ مَن يسوس البلاد والعباد هذه الأيام خالو الوفاض من شيء اسمُه الضمير والوفاء والتسامح والرحمة والمحبة والإرادة الطيبة للمصالحة وجبر المكسور بين الإخوة الأعداء. 
كثيرًا ما يطرق أسماعَنا ويتكرّر كلامٌ معسول، بعضُه نابع من قلوبٍ عامرة بالمحبة والرغبة في الجيرة الطيبة، في الإشارة إلى سمة التجذّر والأصالة والطيبة التي يُنعت بها المسيحيون بصورة خاصة "أنتم الأصلاء في البلاد، ونحن ضيوفكم". وبالرغم من الإيمان المطلق بالعزاء والراحة والانتعاش التي تبدو على ملامح المسيحيين بفضل تباشير هذا الكلام الطيّب، فهو بالتالي، تعبير نابعٌ عن الرحمة وصفاء الأفق ونقاوة الروح حينما تسمو مثل هذه الكلمات بفعالها نحن الأجواء العليا الصافية الخالية من دنس الفكر الضيّق القذر، والرؤية المريضة في الحكم على الأشياء، بشرًا وحجرًا. ف "الكلمة الطيبة صدقة" بل و"رحمة" تُحدثُ فعلَها لدى السامع والمتلقّي وتشفي النفوس المتعبة، وتفتح أبوابًا للخير وتغلق أخرى للشرّ. ومن ثمَّ، فمفردة الرحمة، وما أدراك ما تعنيه هذه في القاموسين المسيحي والإسلامي على السواء حينما كان هذا الأخير يعيش بعدُ في أجواء المشورة النصرانية في مكّة، كريمةٌ في عطائها، أثيرةٌ في سموّها، أبيّةٌ في تطبيقها. ولأهمية هذه الفضيلة العليا، جاء إعلان بابا الفاتيكان، كي تكون سنة 2016، سنةً للرحمة وتصافي النيات وفرصة للمصالحة. ومن ثمة بالتالي، إنْ هي إلاّ دعوة ربّانية للتفكير والعيش بموجب مفاعيلها، وطنيًا ودينيًا وفكريًا واجتماعيًا، بل وحتى سياسيًا. ولما لا تكون كذلك في أجواء العراق المتلبدة، حينما تنقشع غيوم الدواعش قريبًا وتزول إلى الهاوية، وبئس المصير، لها ولكلّ مَن ساندَها وموّلَها ودعا لها وحشّدَ واقترفَ المنكرات باسمها وقتلَ ونكّلَ واختطفَ واغتصبَ وسبى وحزّ الرؤوس وهجّرَ ظلمًا وبهتانًا باسم الدّين؟
والرحمة، أولاً وآخرًا، هي الأخرى، أداة لبناء للإنسان والمجتمع والدولة على السواء من خلال روحية التفاهم العقلانيّ والحوار المتجدّد البعيد عن أية تأثيرات هرطوقية ومغالطات تطرّفية وتفسيرات متخلّفة عن الواقع والعصر في شدّة تشدّدها وبُعدها عن متطلبات الوعي والفكر والإدراك المعاصر والمتجدّد مع الزمان والمكان والرؤية. كما أنَّ مفردة الرحمة عظيمة في مدلولاتها، وهي الموازية لوصية المحبة التي أوصى بها المسيح أتباعَه والعالم كي يحفظوها ويطبقوها مثل السلسلة في أعناقهم، حتى في محبة الأعداء!
والرحمة، كما الصدقة والمحبة، سمات وفضائل متلازمة للبشر من أجل بنيان مجتمع صالحٍ متفاهم متعايشٍ تُطبق فيه كلّ معايير الإنسانية التي أرادها الله الخالق حينما خلق البشر متساوين، ذكرًا وأنثى، لينميا ويكثرا ويملآ الأرض ويأكلا مع ذراريهم من خيراتها. ومن ثمّ، فخيراتُ الأرض والأوطان، ليست ملكَ أحد ولا طابو مسجلّة بأسماء مَن يدّعون استملاكَها من دون وجه حق بشتى الوسائل والسبل.
والمؤمن الحقيقي، أيًا كان، لابدّ من وضع نصب عينيه التماهي مع هذه السمات والفضائل وغيرها مما يمكن أن يأتي من تفرّعاتها الطيبة، والتي يدعو لها الأبرار والأئمة الصالحون والطيبون من أبناء الله لدى عموم الأديان والملل والنحل. وهذه نفسُها، هي التي تقوده إلى الخلوة مع النفس والصلاة بالحوار مع الخالق، باعتبار هذه الأخيرة هي الزوادة الضرورية التي ترافقه عندما يبحث عن راحة الفكر والعقل والضمير في حضرة هذا الخالق الجبار، وعن الأمان الذي ينشدُه حينما يقصد الواحدُ بيوتَ الله، أكثر من أي مكان آخر. وهذه طبيعة الشرقيين، ونحن منهم في العراق، حيث نحنُّ إلى هذه الدور، كنائسَ ومساجدَ وجوامع وحسينيات ومعابد لمختلف الأديان والنحل، لنلقي بهمومنا وأثقالِنا وأتعابِنا عند أقدام الله الخالق، القادر على كلّ شيء، مالك الدنيا وما فيها وعليها، وفي حضرة الأنبياء والأئمة والقدّيسين، ونطلبَ الصفح والغفران من الله الطيّب خالق هذا الكون العجيب، ونسألُه الرحمة ببني البشر والسلام في الأرض التي دنّسها الإرهاب وأشكال الفساد بسبب نزوات وخطايا الحكّام الأثمة الذين يزوّرون مشيئته الأبوية ويلوون أعناق الأبرياء كثيرًا باسم الدّين والمذهب والطائفة. حتّى السياسيّون عندما تَسْودُّ الدنيا في وجوههم ويفقدون بوصلة الراحة الفكرية والنفسية المتزنة، نراهم يتراكضون نحو مصادر الدّين ومراجعه، تودّدًا وطلبًا لما يرضي أنفسَهم وقناعاتهم. فبالرغم من إيغالهم في الشرّ والفساد وهموم الدنيا الكثيرة، من سلطة زائلة وجاه باطل ومالٍ آيل، يتوقون لأن يكونوا أفضلَ. ولكنَّ النفسَ البشرية أمّارةٌ بالسوء! فمّن تربّى على الشرّ وفتاتِه وترّهاتِه، لا يمكن أن يعدلَ به الزمن. فهيهاتِ أن ينال أمثال هذه الفئات الاستغلاليّة، خاوية الضمير والأخلاق، راحةَ البال والنفس تكليلاً لفعالهم الخبيثة ومحاولاتهم الماكرة في كسب ودّ المراجع الصادقة الأمينة على الدّين والأرض والبلاد والعباد! فقد تكرّر انزعاجُ هذه المراجع ممّا جرى ويجري، بل بحّ صوتُها من النصح والإشارة والتأنيب مرارًا وتكرارًا! 
    ما سبق أعلاه، وغيرُه ممّا لا يمكن المرورُ عليه عجالةً، خيرُ إشارة على عدم إمكانية فصل المجتمع المتديّن تقليديًا، مثل حالة العراق، عن شؤون السياسة والفكر والاقتصاد. فهو مختبر حقيقيٌّ ومثاليٌّ للأديان والطوائف والملل والنحل بمجمل جماعاتِه. بل إنّ الوطن بتنوّعه الخلاّق هذا، دينيًا وإتنيًا، لهو خيرُ فأل لحياة أفضل، وأعظمُ غنى بقيمِه العليا الكثيرة التي ترتبط أواصرُها بجميع أبنائِه الطيبين. ففي هذه الأرض، التحمت عناصر التاريخ والجغرافية والدّين وترابطت معًا لتشكل فسيفساءً قلّ نظيرُها في دول ومجتمعات أخرى. وممّا زادها عنفوانًا وجمالاً وأصالة في الحضارة والتراث والتنوّع، بل وفي الفكر والرؤى التي أخذت في النضوج، هو استعداد نسيجها الاجتماعي للتآلف والعيش المشترك بعيدًا عن متاهات الساسة الجهلاء قاصري النظر، وأصحاب العقول المريضة، والمرائين من مرتادي "المساجد الديمقراطية" و"دور العبادة المزركشة" لأجل التباهي والتظاهر وممارسة طقوس مظهرية لا تغني ولا تسمّن، أو في تمرير خرزات السبح أينما حلّوا وارتحلوا بكلّ أنواعها وألوانها.
فيما تُؤشّرُ على المسيحي بالذات، سماتٌ متميزة ومتفرّدة في العيش والأداء والعمل والسلوك، أنا لا أدّعي توريدها، إنّما نستقيها جميعًا من عمق الحياة ومن خبرتها اليومية المعاشة. أسلوب المسيحي في الحياة، بل برنامجُه اليومي، يستقيه من وحي تعليمات معلّمه "المسيح"، أي في ضوء وحي الإنجيل وتعاليمه التسامحية التي تضع سمات "المحبة، والصفح، والعفو، والتواضع والعبادة الصادقة" ضمن الموجبات. كما أنّ البشارة الإنجيلية توصي بوحدة الجماعة ضمن المجتمع الواحد الذي تتواجد فيه. بمعنى أنّ الحياة، لا تقتصر على ما يؤمن ويعتقد به المسيحي ضمن كنيسته وجماعته وملّته، بل تشمل حياتَه في وسط المجتمع الشامل، أي أنها تطال الوضع السياسيّ والاقتصادي والعلمي والفكري على السواء. وقد اتضحت الصورة الأخيرة في امتحان المسيح من قبل حاسديه والمغرضين من قوم الهيرودسيين والفريسيّين عندما أفحَمَهُم بالقول" أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ" (انجيل مرقس 12:12-17). وبهذا الكلام أسكتهم ولم تنجح حيلُهم. وهذه الحادثة، تبشّر بدعوة رصينة وجادّة لاحترام الواجبات الوطنية التي تُعدّ من المقدَّسات في احترام السلطات المدنية، على ألاّ تتناقض وتتخالف مع واجبات الخضوع للّه. وهذا ما نقرأه في تعاليم إسلامية رصينة أيضًا، "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وهذا من الدلائل على ضرورة رفض الفساد ومحاسبة الفاسدين ومَن يعيثون في الأرض استخفافًا واستهتارًا بحقوق العباد. والمسيحي، شانُه شأن أصحاب الأفكار النيّرة من المعتدلين والجادّين في رصد ما يغيض الخالق ويخرج عن الصواب في هداية البشرية ورفاهة المجتمعات وفي ضمان مصالحها في إطار الحق والعدل، وفقًا لما توصي به الأديان المعروفة منذ القدم في هذه الأرض الطيبة. وهذه الآصرة المشتركة بين الشعوب والمجتمعات على أرض الرافدين الخالدين، لابدّ لها من التغيير والتجديد والتفاعل في تفاصيل أحكام أديانها وقوانينها ونظمها طبقا لما تشهده البشرية في هذا العصر من أنواع التطور في الفكر والإدراك ونوع الثقافة، وبالاستناد إلى طبيعة ما مرّت به حضاراتها وتشابكًها مع المعنويات والمستجدّات والماديات، ومع مشاكل هذه جميعًا وتعقيداتها.
أخيرًا، وليسَ آخرًا، فالأديان التي عرفتها المنطقة وبلاد الرافدين، تنجلي تجلياتُها في مسألة مهمة ذات قيمة كبرى، وهي إسعاد البشرية في العيش الكريم، كما في تفويض الحكم وفي أدوات التقنين، عبر احترام جميع المواطنين وفق معيارية المواطنية وما تمليه هذه من واجبات الولاء للوطن والأرض، بشرًا وحجرًا، حتى لو كان فيه اختلافٌ في الفكر واللون والعرق والعقيدة عن طبيعة الحاكم أو الأغلبية العامّة الحاكمة. وهنا يأتي دور العقلاء في وضع موازين وضوابط وطنية تعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه، من دون المساس بأوجه الاختلاف المقصودة بين أبناء الوطن الواحد والمجتمع الواحد. فالمسيحية ترى في عقيدتها وفي تعاليمها لأتباعها أنها بشرى الفرح للجميع، الذين يستحقون صفة الأخوة مع بعضهم والبنوّة لله الخالق "أنتم جميعُكم إخوة" (انجيل متى 23:8)، يقول المسيح مخاطبًا الجموع والتلاميذ الذين كانوا احتشدوا لسماع كلامه. وبهذا الحديث، يكون المسيح قد شملَ الناسَ، وكلَّ العالم بهذه البشرى الطيبة، في أن يكونوا "جماعة واحدة"، كلّ حسب إيمانه وقناعته من دون استعلاءٍ أو تكبّر أو سموّ الواحد على الآخر، إلاّ بطيب الأعمال الصالحة ونقاوة القلوب وطهارة النيات. فالله هو الذي يحاسب البشر خليقته، ولمْ يخوّل قط أحدًا بذلك، لأنه ليسَ فيه قصورٌ ولا نقصٌ كي يفعلَ هذا. فهو قد أتى بتعاليمه خالية من ثنائية التناقض في المغزى والهدف، "أتيتُ لكي تكون الحياة للناس وبوفرة" (إنجيل يوحنا 10:10)، من دون الدخول في تحديدات للهدف في الحياة.
وفي ضوء هذا الكلام الواضح، يتطلّبَ من المراجع المسيحية أن يكون لها موقفُها في شؤون الحياة الكثيرة ومنها السياسية أيضًا. فما جرى منذ 2003، وما بعد التهجير في 2014 بسبب استقدام داعش وفكره الإرهابي، وما يحصل اليوم على الساحة السياسية العراقية، لم يكن ليتحمّل السكوت، انطلاقًا من كون الرعايا من مسؤولية الرؤساء والحكّام. ولا يمكن استثناء الرئاسات المسيحية من هذه المسؤولية الكبيرة. فقد تحمّلت مراجعها مسؤولية الدفاع عن كلّ أشكال المظلومية التي طالت مواطنين عراقيين، وليسَ ما ضربَ ابناءَها وأتباعَها في الأعماق، فحسب. كما أنّ تهجير أكثر من 120 ألف مواطن عراقيّ مسيحيّ من مناطق سكناهم التاريخية في سهل نينوى في 2014، لم يكن بالأمر الهيّن، حينما لم تتمكن السلطات العراقية من معالجة الحاجة والعوز والفاقة والمشاكل المترتبة على ذلك، لأسباب عديدة، لا نودّ التطرّق إلى مجملها. بل كان دور الرعاة المسيحيين ورؤساء الكنائس بمختلف طوائفهم، على قدرٍ عالٍ من المسؤولية، بالرغم ممّا شابَ بعض فقرات المساعدات والبرامج من إشكاليات وشجون ومخالفات شخصية من بعض ضعاف النفوس.
واليوم، المصيبةُ ماتزال قائمة ونزيفُ الهجرة ما يزال ساخنًا والأمل بالعودة إلى الوطن والبلدة والقرية والبيت ما يزال يشوبه الضبابية، وسط توقعات كبيرة وصريحة باحتمال نشوب صراعاتٍ ما بعد التحرير، بين الإخوة الأعداء هواة السلطة والجاه والمال، بين طرفين متصارعين على الأرض والبشر، بين حكومة المركز الضعيفة المنهكة بهواجسها ومشاكلها وفسادها، وحكومة الإقليم التي تنزع لفرض سطوتها وأجندة أحزابها بشتى السبل والطرق والمحاولات، خارجًا عن المألوف. نأمل أن تأخذ المراجع المسيحية دورها في التصدّي لأية محاولات تسعى لاستغلال المواقف، أيًا كانت الجهة صاحبة المسعى. فقد أن أوان النطق بضرورة المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية والسعي لها بكلّ الوسائل المتاحة، والتأكيد على مبدأ المساواة في المواطنية، حقوقًا وواجبات ومصيرًا، كونها الضمانة الحقيقية لبناء الأوطان وتعزيز نسيج المجتمعات وترسيخ السلم الأهلي فيما بينها، بعيدًا عن عورات الطائفية التي نخرت المجتمع العراقي بتشجيع من الغزاة قساة الرقاب، وبوتيرة لا تعرف الشبع والنهم من جانب ضعاف النفوس من سياسيّينا المراهقين والموغلين في الفساد وفي نهب المال العامّ.
 وإلى ذلك اليوم الذي تتطهّر فيه أرض العراق وتتحرّر المدن والقرى والبلدات المسلوبة من سلطة داعش الإرهابي المتطرّف، نقول: نعم لتشكيل مرجعية سياسية مسيحية وطنية عراقية مستقلّة تتولى إلى جانب الرئاسات المسيحية الروحية ومثيلاتها في الأديان الأخرى، متابعة حقوق أتباع جماعاتهم والمساهمة الفاعلة في تعزيز المصالحة الوطنية في عموم البلاد ومن دون استثناء إلاّ فيمن تلوثت أياديهم بدماء الأبرياء، وترسيخ القيم الإنسانية والوطنية التي تبني الأوطان وتُصلح الأرض وتعمّر المدن وتنمّي الثروات وتمدّ الجسور مع أبناء الوطن كافة. فلأجل الوصول إلى هدف إعادة بناء الإنسان العراقي من جديد بموجب القيم التي عهدها نسيجُه الاجتماعي، ومن أجل بناء الدولة العراقية على أساسٍ مؤسساتيّ صحيح، لابدّ من الإقرار بإقامة دولة مدنية ديمقراطية يسودها دستور مدنيّ وطنيّ غير منحاز، يحفظ حقوق الجميع في القوانين التي تسنها سلطة تشريعية رصينة غير متحزبة أو طائفية، تفكّر بعقلانية ووفق مبادئ عابرة لهوس الطائفية والحزبية والعرقية المعمول به لغاية الساعة. وهذا هو السبيل الأسلم للحفاظ على التعددية والتنوع عندما تُحفظ كرامة المواطن من أيّ دين أو طائفة أو ملّة أو عرقٍ، تحقيقًا لميثاق الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان وإعلاءً للسمة الإنسانية العليا.




42
أوربا: تحديات وشكوك

بغداد، في 17 تموز 2016
لويس إقليمس


تقف القارة الأوربية اليوم أمام تحديات كبيرة، زادت من شكوكها في مواجهتها مجتمعةً، بعد أن تنوعت وتشعبت وأخذت مسارًا ممنهجًا بدقة وعناية. فالهجمة الشرسة التي تضربها في عقر دارها، في المجال الأمنيّ قبل كلّ شيء، وآخرها في نيس الفرنسية ليلة الاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا، قد دقّت في دوائرها المتطورة نواقيس الخطر. فهي اليوم في موقف لا يُحسد عليه، بالرغم من التعاطف الدولي الذي أحاطَ بها، حتى من الدول والزعامات التي تخرّجت منها مدارس الإرهاب، تمويلاً وتدريبًا وعقيدة. فعندما يتمكن السارق من دخول بيت آمن ويعبث بممتلكات صاحب الدار ويسرق ويغتصب ويختفي ويقتل من دون رقيب ولا حسيب، فهذه قمّة الضعف وبداية الانحدار نحو الهاوية.
في تفكير الغرب المتقدّم تقنيًا وعلميا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا كما نشهد، والراسخ في الطرف الآخر على مبادئ إنسانية وأخلاقية تسامحية تربى عليها منذ قرون بفعل التربية المسيحية التقليدية، هناك نوع من اللامبالاة في الأحداث الدراماتيكية التي تحلّ على شعوبه بين فترة وأخرى. أو لنقل بعبارة أكثر دقة، هناك تقليلٌ من أهمية ما يحصل مرارًا وتكرارًا، وكذا من وطأة ما يجري بفعل الاختراقات الأمنية، بالرغم من جسامة الفعل والحصيلة والهدف وما يترتب على ذلك من هزّة إعلامية تُجنّد لها مؤسسات وتُعقد مؤتمرات واجتماعات وتتوالى لقاءات لكشف الدليل والوقوف على المستور، لنأتي بالتالي إلى تبرير الأفعال البربرية للعنف الضارب في عقر الدار، وكأنَّ شيئًا لم يكن. فالزعاماتُ ومعها دوائرُ دولهم الاستخباراتية، تنفعل وتنشط وتغضبُ حينًا، ثمّ تهدأ مع هدوء العاصفة، بل قد تتعاطف مع الجاني ومع مَن يقف وراءَه لحدّ وصفه بالمضطرب نفسيًا، كما اعتدنا سماعَه. ربما، تلكم هي من بركات الخالق الذي منح البشر نعمة النسيان والعفو عمّا سلف!
نعمت أوربا عمومًا بشيء من الاستقرار النسبي لسنوات طوال منذ نهاية الحرب الكونية الثانية، حيث تعمّرت بعد دمار رهيب، وسادها الرفاه والسعادة بفعل دفع عجلتها الاقتصادية وتطورّ إنتاجها وإصدار قوانين تمتثل لدساتير تأخذ في نظرها القيم الإنسانية العليا في أقصى تجلياتها. وهذا ما أنعم عليها بالاستقرار مذ ذاك لغاية السنوات الأخيرة التي ارتفعت فيها أعمال الإرهاب بفعل الأفكار المتطرفة والغلوّ الدينيّ الذي أنتجته دول شرق أوسطية منغلقة على ذاتها، لا تحتكم إلى قيمة الإنسان، بل إلى سُننٍ ولّى زمانُها وإلى نقلٍ مشكوك في صحة ورودها. ومع بروز تنظيمات متطرفة، كان الغربُ نفسُه مسؤولاً عن إخراجها إلى مواقع العمل الحقليّ وإلى تزايدها وتنوعها بفعل سياساته الدولية غير الحكيمة في معالجة الثغرات والمشاكل. وبذلك، تكون أوربا، بسبب عدم استقلاليتها عن صاحبة القطب الواحد أميركا، قد دخلت في حالة إنذار وطوارئ يحتّم عليها اتخاذ المزيد من الحذر ووسائل الدفاع لمواجهة أدوات التطرّف والغلوّ التي توغلت في عقر دارها، بمعزلٍ عن مصالح أميركا القومية الخاصة التي جلبت وماتزال تجلب الويلات للأمم والشعوب والدول بسبب فرض جبروتها وقوانينها ورؤاها حول مصير العالم وشكل تقويمه وتركيبته.
 لقد أشرت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، بداية الانحدار في سلّم الاستقرار الغربيّ في عمومه. وحينها دخلت أوربا مثل أمريكا، في غرفة عمليات بالسهر الاضطراري على مصالحها وكياناتها وحكوماتها ومؤسساتها ومواطنيها على السواء. لكنّها لم تستطع قطّ، إحكام قبضتها على مقاليد الأمور، بالرغم من اتساع رقعة المراقبة عندها وتنوّع أدواتها في السيطرة وزيادة ملاكها الاستخباراتي. والسبب واضح لا غبارَ عليه، وهو تطوّر الأدوات التي يستخدمها العدوّ اللدود الجديد، الإرهاب الدوليّ المتنامي هو الآخر، ردًّا على سياسات غير مقبولة أو نتيجة أحقاد دفينة لما اقترفه الغرب إزاء دول سبق له استعمارها واستغلالها ونهب مواردها وسلب حرياتها وحقوقها لسنوات. فالعالم اليوم محاط بتحديات كبيرة وكثيرة، وعلى رأسها الشاغل الأمنيّ المؤرّق، إلى جانب تنامي الصراعات وانتشار الإرهاب وأدواته وتطوّر تكتيكاته ووسائله. أضف إلى ذلك، ما خلقته التدخلات العسكرية في مناطق صراع متعددة من العالم، ولاسيّما في منطقة الشرق الأوسط بحجةّ تغيير أنظمة وفرض سياسات تستجيب لمصالح الأسياد، وما أنتجته هذه السياسة من تشريد شعوب وقلع أخرى من جذورها في مناطقها التاريخية بحيث خلقت أزمات جديدة تمثلت بقواقل اللاجئين والمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، ما ساهم في خلق أزمات جانبية إنسانية واقتصادية واجتماعية وديمغرافية.
كان الغرب يعتقد، أنه باستقراره في أعقاب الحرب الكونية الأولى وتمتعه بسلام نسبيّ، سيقدّم نموذجًا للحرية والديمقراطية على طبق من ذهب لغيره من الشعوب المبتلاة بالانغلاق على الذات وبتخلّف أنظمتها الحاكمة. ولكنّ المراكب أبحرت بغير تلك الرغبة، عندما انقلب عليها روادُها المنافسون من داخل مجموعتها وسار كلّ فريق باتجاه تحقيق مصالحه القومية على حساب غيره. فتقاطع المصالح قد خلق نوعًا من الفوضى وعدم الانسجام بين المتنافسين، حتى على مستوى الغرب الأوربي الذي لمْ يفلح باتباع سياسة مستقلّة عن صاحبة القطب الواحد في رسم السياسة الدولية. وهكذا مضى كلّ فريق في توجهاته القومية والإقليمية، غير مكترث لمصالح جيرانه، ما أشعل حرارة المحاور وأثقل كاهلَ الباحثين عن مريدين وأصدقاء لصالح صفوفه.
 وضمن ذات السياسة، برزت دول عُرفت بانتهازيتها للأوضاع والأحداث، كي تخطّ لها طريقًا فريدًا على حساب جيرانها. فقد دافعت فرنسا مثلاً، عن سياسة بلدها في تطبيق مبدأ العلمانية حتى الثمالة متعرّضة لتحديات ومشاكل في خطّها المستميت من دون أن تعي حجم تلك المخاطر التي قد تواجهها نتيجة تمهلها وتساهلها والتخفيف من وطأة الدخلاء في صفوفها والتقليل من مخاطرهم ومن نتائجهم الكارثية بسبب تصرفات الكثير منهم الغريبة والعدوانية وغير قابلة الاندماجية في مجتمعات أوربية منفتحة تختلف عقلياتُها وذهنياتُها وعاداتُها وتراثُها ومنهجية حياتها المدنية اليومية. ومثلها ألمانيا وبلجيكا وهولندا واليونان والدانمارك والسويد والنرويج وكندا وأستراليا وحتى أمريكا، التي ابتليت هي الأخرى بذات النيران وحصول أعمال عنف غير مبررة على أراضيها. في حين سارت بريطانيا ضمن سياستها المعروفة عنها بالانتهازية وسط الشعوب والدول. فيما غيرُها وقفت موقف المتفرّج أو المراقب السلبيّ من دون تبيان وجهة نظرها حيال أحداث الساعة أو تجاه أسباب ونتائج ما يحصل حواليها.
هذه المواقف قد خلقت شكوكًا لدى البعض من دول الغرب الأوربي. وإني أعتقد أنّ مجرّد تكوين شك حيال وسيلة أو قرار أو نيّة معينة، يُعدّ أمرًا إيجابيًا، ويقتضي البحث في تفاصيله ونتائجه وما ينبغي اتخاذه من مواقف وإجراءات، لاسيّما حين يكون الهدف السعي لتقديم الأفضل وإيجاد حلول إيجابية تخدم المجتمعات والشعوب والأمم. فيما يبقى الشك ضمن قيمه السلبية عندما لا يجد غير التشاؤم طريقًا للحكم على الأحداث وقطع السبل أمام البحث عن حلول للمشاكل. لكنْ، يبقى العمل ضمن قناعات صلبة ترى في التفكير الاستراتيجي لمعالجة الأمور وفي اتخاذ سياسات بعيدة الرؤية وواسعة المدى في النظر إلى الأشياء والأحداث، هي الحلّ الأمثل الذي يمكن أن يقرّب المسافات بين المختلفين باتجاه خلق شكل الفرد الأوربي أي المواطن الذي يجد في شخصه كلّ مقوّمات الإنسان من حيث شعوره بالتمتع بكامل الحقوق. ومن هذه الأخيرة، الحرص على رعايته من الناحية الأمنية وتوجيهه على حبّ الأرض التي استضافته واحترام قوانينها والامتثال لكل المقوّمات التي تمّ توظيفُها لصالح أنسنتِه وراحته وكرامته بعد أن لاقى المرّ والحنظل في بلده على أيدي جلاّديه من حكّام الصدفة والطغيان ودهاقنة الفساد وسرقة المال العام. فهذه حالُ الدول الشرق أوسطية جميعًا المبتلاة بديدن دعاة الإسلام الانتهازيّ المنحرف الذي أخلاه قادتُه وأفرغه شيوخ القتل والتكفير، من نفحات الإيمان النقيّ والتسامح السماوي، ولاسيّما الذين اتخذوا صبغة الإسلام السياسيّ مأربًا وسبيلاً لبلوغ المطامع والإيغال في إفساد البلاد والعباد بشتى الطرق والوسائل.
وإذا كانت عدد من دول أوربا، قد لجأت بعد 2007 إلى بعض الإجراءات التي من شأنها، بحسب خبراء الأمن فيها، الحدّ من عمليات إرهابية وأعمال تحريضية عبر تفعيل قانون إصدار مذكرات اعتقال سابق صادر في 2002، بحق مشاغبين ومشبوهين ومطلوبين، إلاّ أنَّ مسألة متابعة مصادر التمويل لم تكن بتلك القوة والنضج والجدّية في متابعة ملف الكثير من عمليات توظيف الأموال وتبييضها بطرق غير شرعية وغير قانونية. وربما الأسباب كثيرة لا يحق لنا الولوج في أعماقها لحساسية المعلومات والمواقف والوقائع. وتأمل هذه الدول عبر برنامج مراقبة مصادر التمويل الذي تمّ التوقيع عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية في 2010 والمعروف ببرنامج ملاحقة تمويل الإرهاب (TFTP)، الحدّ من تدفق رؤوس الأموال غير النظيفة إلى جهات مشبوهة بغاية العنف والتطهير العرقي والديني وتصفية الحسابات، والتي تدخل إلى أراضيها بحجج الاستثمار والدعم الإنساني وعبر منظمات وجمعيات تُستخدم واجهةً لمثل هذه الأعمال غير السليمة والمشبوهة.
    كما أنّه، وبالرغم من التعديلات التي أُجريت على نظام تأشيرات الشنغن في مراقبة الحدود بين دول الغرب الأوربي المنضوية تحت لوائه عبر سرعة تسويق وتسريع استلام وتسليم المعطيات فيما بينها، إلاّ أنّ واقع ا لحال يشير إلى تقاعس النظام وعدم فاعليته في الصدّ لمكامن الخلل وتأشير المشتبه بهم والسرعة في اتخاذ الإجراءات الضرورية لمعالجة الموقف. ومن أسباب عدم تطبيقه بصرامة وفاعلية، التراخي وتبريرات حماية حقوق الإنسان والديمقراطية، وما إلى ذلك من مبررات لا تنمّ عن حرص قوميّ منطقيّ ومدرك لمسيرة الأحداث وسخونتها ممّا يحصل على أراضي دول الاتحاد. واقتضى ذلك تقديم مقترح جديد بخصوصه في نهاية العام 2015. كما تضمن جدول أعمال المجموعة الأوربية حول الأمن للسنوات 2016-2020، والمقدمة في اجتماعاتها الدورية في 28 من نيسان 2015، وضع مهمة معالجة الإرهاب والأصولية والتعصّب ضمن الأولويات في استراتيجياتها، إلى جانب تشجيع وتشديد التعاون في موضوعة ما يُسمى باتفاقية "فرونتكس  Frontex-"، أي الوكالة الأوربية للإدارة والتعاون العملياتي على الحدود الخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، مع فتح الأبواب للتشاور وتبادل المعلومات والمعطيات والمستجدّات مع أطراف أخرى ذات العلاقة.
إزاء كلّ هذه التحديات، تبرز شكوك في مدى وجود إرادة حقيقية في دول الاتحاد الأوربي لتحقيق أمنها والتفاعل مع الأحداث المتسارعة بجدّية أكبر وفاعلية تضمن حدودها وحضارتَها وقيمَها الإنسانية العليا التي تقدّس حرية الفرد وتصون حقوقه وتلبي حاجاته بغض النظر عن دينه ولونه وقوميته وطائفته ورؤيته وفكره وانتمائه. وهذا يتطلب الردّ بقوّة وبسرعة عبر شتى الوسائل الإعلامية والدعائية المتيسرة إزاء تلك التي توظفها التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها داعش، بإثارة النعرة العنفية المتشدّدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت التي فاقت التصورات وأفلحت في توظيفها وترويج بضاعتها الفاسدة وفي استخدامها وكسب التأييد لها، ماديًا وبشريًا ومعنويًا. إلى جانب هذا النشاط الحيوي، لا بدّ من التأسيس لمركز أو جهة تتولى جدّيًا الترتيب للوصل إلى مستوى متقدّم من حماية شبكات المعلومات ومراقبة مستخدميها بهدف الوصول إلى مرحة نهائية في استئصال شأفة التعصّب والتطرّف من أي شكلٍ ونمطٍ كان، وتحت أيّ مسمّى.
من هنا، مطلوب من دول الاتحاد الأوربي، التعاضد والتكاتف إزاء الهجمة الشرسة التي تتعرّض لها أراضيها بهدف تخريب مكتسباتها الإنسانية أولاً وإعاقة تمدنها وتقدّمها ووضع العراقيل أمام صحوة جديدة قادمة تعطي دفقًا من التضامن مع تراثها وتاريخها الديني والحضاري معًا. فالسياسة وحدها، لا تُصلح المكسور، لاسيّما عندما يعترضها سوء الاقتصاد ومشاكلُه وما يحيط به من جوانب كثيرة. وإنّ ايّ تراجع في الصف الموحد لشعوبها، يعني فتح جرح في مقدراتها مجتمعةً. فهي كالجسم المتكامل، إن مرض عضوٌ فيه أو أُعيق، تنادت له سائر الأعضاء، وإلاّ فإنه سيجد نفسَه في طريقه إلى مقبرة الموت المحتّم، إن عاجلاً أم آجلاً.
 لذا، لا تتوارى الشكوك وتختفي، إلاّ عندما يفشل الإرهاب العالمي والعدوّ الأكبر المتربص بالمكتسبات القومية والوطنية المتأصلة لعموم الغرب الأوربي، في إحداثه ثغرات في صفوف هذا الأخير، إزاء حالة بقائه متضامنًا موحدًا وليس منفردًا. فمثل هذه التحديات والهجمات والصولات المتكررة، على قوتها وخطورتها، إلاّ أنها تصطدم بإرادة موحدة لدول الاتحاد، وهي القادرة على تحقيق الاستقرار والسلم ودفع عجلة التطوّر نحو الأمام. وهذا ما يؤشر تنادي دول الاتحاد لكفالة الأعضاء الذين تعرضوا لأزمات شديدة، سياسية واقتصادية ومالية. لكنّ إرادة الاتحاد ككل، وقفت إلى جانب هذه الدول في محنها وأزماتها، كتلك الخانقة التي تعرّضت لها اليونان، وقبلها مع البرتغال وإسبانيا وآخرين.
وفي هذه وتلك، العقل السياسي الراجح هو الذي ينبغي له أن يتحكّم في دفة الأحداث، من خلال وضع حدود صارمة لأيّ خرق أمنيّ أو مجتمعيّ أو سياسيّ غير محمود النتائج. إلى جانب، اتخاذ ما يلزم من حيطة وحذر ومن إجراءات رادعة واحترازية ضدّ أيّ منهج تكفيريّ طارئ أو منتظَر قابل التحسّس به قبل وقوعه، من شأنه المساس بحقوق وحرية الغير المختلف، دولةً ومجتمعاتٍ وأديانًا وأفرادًا.


43

إصلاح اقتصادي في ظل سيادة القانون

لويس إقليمس
بغداد، في 4 تموز 2016

كان العراق وما زال مصنعًا للكفاءات الوطنية وأصحاب العقول المستنيرة في كلّ الميادين، برفده والعالم أجمع، بخبرات يقلّ نظيرُها في بلدان المنطقة ولدى شعوبٍ أخرى فيها. ربّما في جزء من الأسباب، يعود هذا أحيانًا إلى طبيعة العراقيين الجادّة في التفاعل مع الأحداث والتناغم مع مختلف العلوم والفعاليات والظروف ومع كلّ مستجدٍّ في الحياة. فالذكاء والخبرة والغيرة والعقل والعمل وطلب العلم والجدّ في اٌلإبداع، كلّها من ضمن خصائصه، إلى جانب سلبيات لا يخلو منها بطبيعة الحال، ومنها الازدواجية في تركيبة شخصيته. من هنا كان التكالبُ على كفاءاتِ أبنائِه، سحابةَ السنين الغوابر من تاريخه الحديث، من أجل إفراغِه منها وجعلِه قريةً بائسة أو ضيعة موحشة بلا طعمٍ ولا رائحة، وفي حاجة دائمة لغيرِه. من هنا، وضمن فورة الشعب والقوى المدنية والنخبة المستنيرة المنادية بالإصلاح، وتنادي رأس الحكومة انسياقًا عفويًا وتجاوبًا مهزوزًا وراء هذه المطالبة الحثيثة، يقتضي كلّ هذا وجود أرضية صلبة لسيادة القانون الذي بدونه لامجالَ لتطبيق أية إصلاحات ومحاسبة الفاسدين ومَن أساء استخدام السلطة وهدرَ المالَ العام. وهذا بدوره لن يكون من السهل تطبيقُه في حالة بقاء القضاء العراقي خاضعًا لأطوار الساسة وموجَهًا وفقًا لمصالحهم الحزبية والفئوية والطائفية، كما هو عليه اليوم من دون رتوش.
وزارة الصناعة العراقية، تسعى اليوم جاهدة لتفعيل مؤسساتها بما ينسجم وخدمة الأهداف الاقتصادية للبلاد في ظلّ الظروف الصعبة القائمة حاليًا. ولا بأس ما حققته لغاية الساعة من إعادة تفعيل عمل شركاتها عبر دمج بعضها وإحالة البعض الآخر إلى التقاعد مجبرة. كما يُسجل لها تفعيل عمل شركات صناعة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة انطلاقًا ممّا تبقى من مخزون وخبرات شركات التصنيع العسكري سابقًا. وهذا جهدٌ وطنيٌ مضاف إلى نشاطها في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة القائمة حاليًا.
 من جانبها، تسعى منظمات واتحادات وجمعيات تعنى بالشأن الاقتصادي، تجمعُهم أهداف مشتركة، في الأقلّ هذا ما خبرتُه وسمعتُه، تسعى لإعادة تدوير دولاب الحياة الاقتصادية المنهك للبلد من خلال مقترحات لا تخلو من المنطق والواقع والرؤية والجدوى. بل وأكثر من ذلك، اتضح أن جهودها لا تخلو من نبض وطنيّ وعمق تجاريّ ندّي ومنافس وفاعل للسوق العراقية، باعتبارها شريكًا ضروريًا في بناء الاقتصاد، ويسير جنبًا إلى جنب مع جهد الدولة الموجَّه في معظمه في الآونة الأخيرة نحو مكافحة آفة الإرهاب المتمكّن منذ سنوات والمتنامي من دون حسيب ولا رقيب ولا حدود، لغاية الساعة.
جهود هذه الفعاليات المتواترة بين فترة وأخرى، وما تطرحه في لقاءاتها الاقتصادية من نقاشات وطروحات، كلها تعبّر عن رغبة صادقة في دعم جهود الحكومة الفاشلة والعاجزة عن تحقيق الإصلاحات المرتقبة والتي طال انتظارُها وبقيت طيّ التمنيات والتصريحات الفارغة التي لا تغني ولا تسمّن. فالأفكار المطروحة في هذه اللقاءات والمقترحات والأبحاث "لا تمثل ترفًا فكريًا بل تنشد حرصًا ورغبة في الاستفادة من تجارب دول أخرى"، كما أعرب عنه أحد خبراء الاقتصاد في إحداها. فالعراق الذي حضي بالديمقراطية، بحسب الخبير الباحث، قد خسر سيادة القانون ووسائل دعمه. من هنا يكون قد فقدَ أهمَّ مرتكز في حياة المواطن الذي استفزّته تصرفات الساسة وإيغالُهم في الفساد وفشلُهم في إدارة مؤسسات الدولة التي أُفرغت من قوامها. فوقعت البلاد والعباد في متاهات السلطة وجبروت الأحزاب والكتل السياسية التي هيمنت على المشهد السياسيّ في ظلّ غياب سيادة القانون الذي من دونه لا يمكن تحقيق أية إصلاحات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نهضوية وأية وثبات مرتقبة للتطور والتقدم.
في اللقاء الحواري الأخير للمجلس الاقتصادي العراقي المنعقد قبل أيام في بغداد، واستضاف فيه مسؤولين في الدولة وفي الجهاز التشريعي والمصرفي، وحضرته نخبة متميزة من سيدات ورجال الأعمال، جرى التصارح حول ضرورة تفعيل جهود القطاع الخاص الذي ما يزال يتبع بيروقراطيًا مؤسسات الدولة وتوجهاتها، بالرغم من الأخطاء الفادحة لهذه الأخيرة في طريقة إدارتها للملف الاقتصادي، ما شابها من عورات وفساد وعجز وتراجع وفشل. فيما العقل الاقتصادي الصائب يشير بضرورة إدخال صيغٍ فعّالة في العملية الاقتصادية من أجل تنشيط اقتصاد السوق وانتشال البلد من هوّة الاقتصاد الريعي الذي يعتمد عليه في معظم تفاعلاته ومدخولاته وموارده.
جميلٌ أن يرى المجتمعون بضرورة قبول الدولة شراكة القطاع الخاص لإيجاد سبل دعم متزنة وفاعلة للاقتصاد المنهك وكيفية النهوض به عبر تعدد الموارد وإعادة الحياة لمصانع الدولة المتاحة وخصخصة غيرها من الخاسرة أو تلك التي يصعب إحياؤها بسبب التركة الثقيلة واستنزافها لموارد غير مجدية. وهذا من الأمور التي تبشّر بالتفاؤل وصولاً إلى الشراكة المنصفة المبتغاة بين القطاعين على السواء. ثم إن تشخيص الخبراء الاقتصاديين لمكامن الخلل في العملية الاقتصادية وعدم وجود استراتيجية واضحة للحكومات المتعاقبة لإدارة هذا الملف المهم، يشير إلى وعي بالأزمة التي تستحكم بالأوضاع الاقتصادية منذ السقوط في 2003 وضياع مليارات الدولارات في مشاريع وهمية وإجراءات اقتصادية تفتقر إلى أبسط سبل الخطط الرصينة للحفاظ على المال العام وعلى موارد الدولة التي اختفت بطرق شيطانية، ولا إمكانية لمعرفة طريقة الصرف والتبذير والاختفاء فيها.
بطبيعة الحال، مثل هذه الندوات المهمة، تجتذب أرباب العمل وروّاد الاقتصاد الطموحين. وهذا حق للجميع. فالبلاد وقعت بأيدي ذئاب جياع وساسة صدفة ينهشون موارد الدولة من دون أن يصاحب ذلك خطوات لرفع قدرات البلاد الخدمية وبناء البنى التحتية المهلهلة أصلاً وإصلاح المؤسسات التي انهارت بفعل الجهل في إدارة موارد الدولة واقتصادها وتخلّف القادمين الجدد في استيعاب مفهوم الدولة والأركان التي تقف عليها، والاقتصاد أحد أعصابها. ومن الأسباب الكامنة وراء هذا التخلّف عديدة، لعلَّ من أهمها الروح البيروقراطية والروتين وغياب الرؤية في تحديد الاستراتيجيات الاقتصادية والإبقاء على الفساد سيّدَ الكلمة من دون معالجة أدواته بحزم، إضافة إلى التخبط في اتخاذ القرارات والإجراءات التي تصون ثروة البلاد وتحافظ على الاحتياطي النقدي ثابتًا كإشارة لقوة اقتصاد الدولة، علاوةً على عدم أهلية بعض القائمين على إدارة المؤسسات الاقتصادية والمالية لحقب متعاقبة. فالخطوات ما تزال متعثرة، وهي بحاجة إلى تفعيل وجرأة في اتخاذ قرارات صائبة وفورية لتنشيط اقتصاد البلد وتفعيل دور هذا القطاع الخاص المهمّ لما له من تأثير وفاعلية في دفع عجلة الاقتصاد نحو الأمام، لكونه من الدعائم الأساسية في بناء قاعدة اقتصادية قوية ومتينة مبنية على الشراكة الحقيقية وليس الكاذبة مع قطاع الدولة.
 إنّ الأزمة الاقتصادية الراهنة، نتيجة لاعتماد البلد في أكثر من 92% من اقتصاده الريعيّ على عائدات النفط، فيما القطاعات الأخرى ولاسيّما الزراعية منها والتصنيعية ما تزال تراوح في مكانها إنْ لم تتراجع إلى حدودها الدنيا، قد جعلت اقتصادَه ضعيفًا لا يستطيع مجاراة نفقاته الكثيرة التي اعتادَ عليها. علاوةً على ما يعانيه من فساد ٍ مستشرٍ في معظم مؤسساته الحكومية التي بقيت أسيرة تأثيرات ساسة وزعماء كتل لتنفيذ منافع ضيقة الأفق لا ترقى إلى مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم لتمثيل الشعب. فهذا الأخير، يشعر اليوم أكثر من ايّ وقت آخر، بأنّ مَن ائتمنهم على ثروات البلاد الغزيرة ورعاية مصالحها عوضًا عنه، قد خاب فيهم ظنُّه وخذلوه في غفلة من الزمن، ولم يعد يطيق احتمال القادم الأسود المجهول!
في مثل هذه الندوات الحوارية عادة، يتفاعلَ الحضور مع الحيثيات والانتقادات والمقترحات بكلّ أريحية وسلاسة. ولكن تبقى الردود كما الأسئلة والاستفسارات في حدود التمنيات والرغبات أكثر من إعطاء أملٍ بإصلاحات فاعلة، بالرغم من حديث الشارع والسوق عن إصلاحات متعثرة، على الصعد السياسية والاقتصاديّة والماليّة على السواء. فالحديث يطول ويتكرّر عن شراكة اقتصادية مأمولة ومرهونة بتفاعل الدولة بكلّ قطاعاتها مع القطاع الخاصّ الذي لم تُتح له الفرصة لأخذ مكانته في السياسة الاقتصادية ووضع الاستراتيجيات التي تحتاجُها البلاد للنهوض بأداء السوق على أفضل وجه. فالدولة تعاني من تحديات كبيرة في إدارة مواردها وفي صيانة سيولتها النقدية التي تتربص بها أعين الطامعين ويسيل لها لعابُ الانتهازيين الأغراب، حتى في هذه المرحلة الحرجة من الأزمة المالية الخانقة التي تعاني منها مؤسساتُ البلاد المصرفية والنقدية.
ومن المنطق مثلاً، أنّ خروج العملة الصعبة من البلاد في مثل هذه المعركة المصيرية في محاربة داعش الإرهابي والمترافقة مع كساد أسعار النفط، المورد الأساس في اقتصاد البلد، تعني أيضًا تعريض مستقبل هذا الأخير لأزمات إضافية، حيث ضربت قطاعات أخرى وتوقفت تتمة ومتابعة مشاريع متلكئة عديدة بحجة نقص السيولة أو بغيرها. بل حصل أن تخوّف البعض في بدء الأزمة حينها، من احتمالية إشهار الدولة إفلاسَها. وهذا أسوأ الحظوظ! فبحسب البعض، هناك خللٌ واضح في سياسة التعامل مع مسألة الحفاظ على العملة الصعبة. فإنّ ما يُباع من عملة صعبة مثلاً من قبل البنك المركزي أحيانًا، يفوق واردات العراق من النفط خلال نفس الفترة. وهذه مفارقة غريبة، إن لم تكن خللًا واضحًا في ميزان الاقتصاد لأيّ بلد.
لقد أثار انتباهي مقترح لأحد الحاضرين في ندوات مماثلة سابقة، حين لام الجهات المختصة المعنية بالسماح باستمرار استيراد مواد وأجهزة ومكائن ومعدّات وسيارات، تعجّ بها أسواق العراق وتتخم بها المخازن والمعارض والساحات. والعقلاء يتساءلون: لِماذا لم تأخذ الدولة بمثل هذا المقترح وتحدّ من مثل هذه الاستيرادات فترة حتى انفراج الأزمة؟ إنّ السائل يعتقد، وفي سؤاله منطق ورؤية اقتصادية معقولة، أنه بمثل هذا الإجراء الاستثنائي، وكذلك بتحديد خروج العملة الصعبة عبر مزادات البنك المركزي العراقي اليومية من خلال مراقبة دقيقة لعمليات التحويل المالي والنقدي التي لم تخلو من تحايل وعمليات غسل الأموال، سوف يحافظ البلد على بقاء العملة الصعبة وعدم خروجها، لا سيّما وأنّ مثل هذه السلع موجودة وبكميات تكفي البلد، ليسَ لسنة واحدة فحسب، بل لسنوات قادمات، بحسب خبراء وعاملين في السوق. كما أنّ المناشئ التي أغرقت بها السوق العراقية، ليست رصينة ولا تقوى على الصمود أمام نظيراتها ذات المناشيء العالمية المعروفة لفترة طويلة.
عمومًا، يمكننا استشفاف بروز إجماع على دور القطاع الخاص في العملية الاقتصادية للبلاد، وكذلك في معالجة الأزمة الخانقة في هذه المرحلة الصعبة. فهذا القطاع الواسع والمهمّ مازال خارج أروقة صياغة شراكة حقيقية مرتقبة بينه وبين العام، في مجال المال والاقتصاد والمشاريع، إلاّ ما ندر وفي حدود ضيقة لغاية الساعة. كما يتطلع روّادُه إلى إصدار قوانين واتخاذ قرارات جريئة وواقعية تنظم العلاقة بين الدولة وبينه لكونه أموالًا معطلة خارج بناء العملية الاقتصادية. وهناك مَن يقدّر أن الكمّ النقديّ المتوفر والمعطّل في خزائن البيوت، قد يتجاوز 70% من الإصدار النقدي للبنك المركزي، رغم ما في هذه الممارسة الشخصية من مساوئ ومخاطر، تعرّض الأفراد ومساكنهم لاحتمالات السرقة والسطو والتهديد وما إلى ذلك. فالمواطن بعد أن فقد ثقته بمصداقية المؤسسات النقدية والإدارية والاقتصادية، ومثلُها بالسياسيين الفاشلين الذين يمسكون بمقدّرات الدولة من دون استراتيجيات وطنية وفي ظلّ غياب الخوف والحرص على الوطن وعلى حلال المواطن، قد اضطرَّ مُكرَهًا لحجب التعامل مع المؤسسات الاقتصادية الحكومية منها والخاصّة. فاللوبيات والمافيات عند بعض العاملين في الخاص والعام، هي ذاتُها التي تسيّر عجلة الاقتصاد، وهي ذاتُها التي تتحيّن الفرص لسرقة الوطن والمواطن بشتى الوسائل والحيل وعمليات التزوير.
لذا ربما يكون أحد أبرز اللوائح أو الاستراتيجيات التنموية المنتظرة، تقديم التسهيلات اللازمة لرجال الأعمال الوطنيين والحريصين على بناء قاعدة اقتصادية وطنية، إنتاجية وصناعية وتسويقية معًا، عبر تعديلات جوهرية في قانون الاستثمار الوطني الذي لم يرقى إلى التفعيل المطلوب، بالرغم من تعديلاته المتتالية. كما لابدّ من تفعيل عمل المصارف الحكومية والأهلية التي تمتلك قدرات وافية من السيل النقدي تجيزها في دفع عملية التنمية وتنشيط الاقتصاد عبر مشاريع مشتركة أو منفردة تزيد من قدرات العمليات الخدمية والإنتاجية. فالقطاع الخاص، بيده مفاتيح التنمية التي تمكنه عبر شراكته مع العام من تحقيق الجدوى الاقتصادية بفضل المقوّمات القائمة للنهوض باقتصاد البلاد بأفضل الطرق لو تسنّت لهم مثل هذه الفرصة. وبذلك، في حالة تنشيط قطاع المصارف وتعديل قانونه وكذلك قانون الاستثمار وتعديلاته وإدخال أدوات متطورة للنظام الضريبيّ، من شأنه خلق بيئة حقيقية لتوظيف التسهيلات الحقيقية المتزنة والرصينة من أجل بناء قاعدة اقتصادية قوية للبلد وتنشيط مساهمات رجال الأعمال في تنفيذ المشاريع حينما تعجز الدولة عن تحقيق ذلك. وهذا هو الوقت المناسب لمثل هذا التوظيف. فالموارد البشرية متوفرة، وكذا الثروات والموارد الاقتصادية كفيلة بتحقيق مثل هذا الطموح.
وفي ظلّ هذه المعادلة المترنّحة، برزت أفكار قوية لتأييد تنشيط عملية الإنتاج الوطنيّ التي تبقى عمادَ أي اقتصاد قويّ. فالناتج الوطني هو الذي يحمي الاقتصاد ويحرّك عجلتَه ويحافظ على بقاء العملة الصعبة داخل البلد ويعزّزها بزيادة الإنتاج وتطويره لغاية بلوغ الاكتفاء الذاتيّ. وهذا ما ينادي به أرباب العمل عمومًا، بضرورة تشجيعه ودعمه لحين العودة إلى طبيعتِه واتخاذ موقعه في عملية البناء والتقدم، وصولاً إلى الاكتفاء الذاتيّ وتصدير الفائض منه في مرحلة لاحقة. وحين يتحقق هذا الحلم، بالرغم من عدم كونه طوباويًا بعيد َ المنال، حينذاك تنتعش قطاعات صناعية وزراعية وتحويلية وإنتاجية كثيرة تسدّ حاجة البلد، لتنتقل الدولة من كيانٍ مستورد ومستهلك إلى مرحلة تعدّد الموارد والتنوع في العملية الإنتاجية وفي توريد العملة وتعزيز الاحتياطيّ النقديّ منها. ولن يتمّ ذلك إلاّ عبر مشاركات متكاملة تضمن توظيف الموارد البشرية في تطوير العملية الإنتاجية وإضفاء طابع التصنيع الوطني فيها بامتياز.
ومن الركائز الأخرى المهمّة في تنشيط هذه العملية، ما تقدمه المصارف الوطنية والخاصة في عملية التنمية المستدامة وفي تنشيط السوق الاقتصادية، سواء من خلال القروض الميسرة لأرباب العمل، أو من خلال ضمان مصالحهم وأموالهم من عبث العابثين وطمع الطامعين من خارج الأسرة الاقتصادية والإنتاجية الحقيقية. فمصارف الدولة ونظيراتُها من القطاع الخاص، يمكن أن تؤدّي دورًا رياديًا في فتح شراكات مع أرباب العمل من خلال تسهيل عمليات الصيرفة وتحويل الأموال وضمان سهولة استغلالها في المكان والظرف المناسبين.
إننا نعتقد، أنّ المؤسسات الاقتصادية والتجارية الناشطة اليوم بامتياز، من خلال الكفاءات المتوفرة منها في الداخل والخارج من الأصيلة وغير الطارئة، يمكن أن يكون لهم باعٌ طويلٌ في إعادة انتعاش اقتصاد البلاد وتدوير عجلة العملية الصناعية والإنتاجية، إذا ما تلقت أجهزتُهم وأعضاؤُهم دعمًا وتشجيعًا وتسهيلاتٍ من الحكومة ومؤسساتها. فالقطاع الخاص يبقى أداة فعالة في خلق تنمية اقتصادية شاملة، جنبًا إلى جنب مع مؤسسات الدولة المتعثرة في المرحلة الراهنة، من خلال زج طاقات أعضائه في عملية البناء والتنمية وتنفيذ المشاريع وفتح آفاق العملية الاستثمارية على مصاريعها. فحيثُ يسود الشك بالشريك ويفقد الأمان في السوق وتغيب الثقة بالدولة، حكومةً ومؤسساتٍ ضعيفة، تختلّ العلاقة أيضًا بين أصحاب رؤوس الأموال وأرباب العمل، ما يدفعهم لغضّ الطرف عن عملية التقدم والتنمية التي يحتاجُها البلد بسبب غياب هذه العناصر والعوامل التي على أساسها يصير العمل.
 وأخيرًا، على الدولة العراقية أن تعي أنَّ هناك رغبة كبيرة واستعدادًا دائمًا من هذا القطاع، للمساهمة بقوة في إعادة الاعمار ودعم مشاريعها، وصولاً لبلوغ مرحلة متطورة من الأداء والشراكة الحقيقية بين الطرفين. ومن شأن هذه الشراكة فقط، أن تنقل البلاد من وضعها الاقتصادي المثقل إلى برّ الأمان، بإخراج الطارئين على العملية الاقتصادية والمالية والصناعية. كما أنَّ السماح للكفاءات وأصحاب الاستراتيجيات والخبرات بقيادة العملية الاقتصادية وسوق المال، سيعني الكثير ويغيّر الصورة النمطية الفاشلة التي مازالت تقود العملية الاقتصادية والمالية والنقدية طيلة السنوات المنصرمة ما بعد الغزو الأمريكي. وقد آن الأوان، أن تقبل الدولة بمشروع العمل الذي تقدمت به نخب الكفاءات الاقتصادية مؤخرًا، والهادف لتعشيق النشاط الاقتصاديّ الاستشاري لهذه النخب مع نظيراتها ممّا تبقّى منها في الحكومة. فأحد المقترحات يسعى الى مشاركة نقابات ومؤسسات مهنية ومنظمات مجتمع مدني وجهات مهتمّة في مجال المال والأعمال والاقتصاد من أجل إعطاء فريق الكفاءات هذا زخما إضافيا تنعكس صورتُه إيجابيًا على رؤية المواطن في الداخل وتعطي جهاتٍ دولية مؤشرات إيجابية للبلد. وليكن هذا جزءًا من الاصلاحات الحكومية، وبشيْ من الجدّية هذه المرّة.
فعلى عاتق أصحاب الخبرات والكفاءات، تقع اليوم مسؤولية نقل خبرة اقتصادات العالم على الواقع العراقي. فهو يمتلك من المقوّمات ومن المرونة والواقعية في العمل في الاقتصاد والتجارة والمال، ما يمكنه من مواجهة التحديات والتعقيدات والصعوبات وتقديم الحلول الناجعة بفضل هذه الخبرات. فالقطاع الخاص باختصار، يمتلك اليوم واحدًا من مفاتيح الحل للأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العراق حاليا.


44
ماذا بعد تفجير الكرادة؟
لويس إقليمس
بغداد، في 5 تموز 2016

لم يكن التفجير الأهوج الذي ضرب حي الكرادة فجر الأحد 3 تموز، الأولَ من نوعه، ولكنه كان الأعنف والأسوأ من حيث الحصيلة وحجم الدمار الذي ألحقه بشريًا وماديًا ونفسيًا وربما سياسيًا. صرخة الألم كانت كبيرة ومفجعة ومؤلمة. أكثر من مائتي ضحية أبرياء سقطوا صرعى صراعات المصالح وتناقضات الرؤى وتباينات المكاسب لسياسيي الصدفة الذين هيّأت لهم أمريكا المحتلة كراسي الحكم على طبقٍ من ذهب بالتعاون مع قوى ودول وزعامات إقليمية رأت في العراق وشعبه خيرَ مختبرٍ لتصريف الأسلحة وتصفية حسابات إقليمية بينية لا ناقة للبلاد فيها ولا جمل. والأنكى من ذلك كله، توزيع الغازي الأمريكي للأدوار وفقًا لمصالح الدول المجاورة له والإقليمية في المنطقة كلّ بحسب مصالحه لتلتقي مع المصالح القومية العليا لأمريكا ومَن يسيرُ في سياقها ومن يقف خلف كلّ هذا وذاك.
هذه الفاجعة الكبيرة في نوعها وحجمها أجّجت المشاعر وأدمت العيون التي سكبت عبرات حمراء مصبوغة بالدماء، حزنًا وألمًا على الضحايا الأبرياء، ومواساةً لأهاليهم وأقربائهم وأحبائهم وأصدقائهم. كما ولّدت حالة شديدة من الإحباط لدى أهالي الحيّ المنكوب، تمامًا كما فتحت غطاء القِدر السياسيّ من جديد لتفوح منه الرائحة النتنة لصفقة أجهزة فحص المتفجرات الشهيرة "المعروفة فكاهة بأجهزة فحص الزاهي"، التي يتولى مسؤولية توريدها رئيس الوزراء السابق وبطانيتُه الفاسدة التي ظلّت من دون حساب ولا محاكمة ولا عقاب بسبب مسؤوليتها عن مئات بل آلاف الحوادث المشابهة التي لم تكتشفها هذه الأجهزة التي لا تصلح سوى للكشف عن أنواع المنظفات والعطور، ليس إلاّ.
فاجعة الكرادة، كشفت الكثير عن متناقضات بين الساسة ورجال الدولة، "هذا إن صحّ تسميتُهم بها، لأنهم لا يستحقونها فعلاً"، من الذين ظهر تقصيرُهم الواضح بغيابهم عن تقديم يد العون ومدّ المساعدة ساعة حصول الانفجار حيث الحاجة لإخماد الحرائق التي خلّفها الانفجار الآثم وحجم الدمار الذي طالَ مبانٍ ومحلاّت وأتى على الأخضر واليابس فيها. صرخات وصيحات إغاثة ولا من مجيب. فأجهزة الدفاع المدنيّ لم ترقى إلى مستوى الفاجعة ولا أفرادُها ولا الأجهزة الصحية من عربات إسعاف وبعض المشافي التي اعتذرت بحسب البعض عن استقبال حالات الضحايا من قتلى وجرحى. كما غاب المسؤولون في الميدان ولم يكلّفوا أنفسَهم واجبَ التضامن مع أهالي الضحايا أو حتى في معاينة آثار الجريمة البشعة التي أثارت الشجون والألم والحسرة في نفوس عامة الشعب. فلليوم الثالث على التوالي، نقلت قنوات متلفزة جهودًا لمتطوّعين مدنيين تركوا بيوتهم وأشغالَهم ومحلاتهم وهم ما زالوا مستمرين بالنبش في ركام الأبنية وفي السراديب بحثًا عن أشلاء وبقايا لضحايا احترقوا وقُبروا تحت الأنقاض بفعل التهامهم بنيران التفجير الأهوج من شدة هول العصف وقوة المواد المستخدمة وكميتها.
فاجعة الكرادة هي بحق نقطة تماس ساخن بين عاطفة الأهالي المشدودين تقليديًا لمنهجية المرجعيات الشيعية والمشدوهين بالموقف المخجل والهزيل من زعمائها وسياسييها وممثليها بسبب عجزهم عن مواكبة الحدث الجلل وتقديم يد العون بانتشال الضحايا وإخماد الحرائق وتسهيل استقدام وسائل الدفاع المدنيّ والمتطوعين وغيرها وكلّ ما تقتضيه مثل هذه الحوادث الكبيرة، نظرًا لجسامة الضرر وفداحة الخسائر وبيانًا للموقف. وإلاّ كيف يُعقل أن يتمّ إيقاف شاحنة كبيرة تجلب الأنظار في مكان مزدحم مثل شوارع الكرادة من دون أن تتأكد الأجهزة "غير الساهرة" على حياة الناس في ليالي رمضانية متوهجة وعاجّة بالحركة والحياة وأنوار انتظار العيد، من هوية صاحبها وتفحّص ما بداخلها درءً لأية احتمالات مترقبة ومحتملة في هذه المنطقة الاستراتيجية بالذات؟
لكن جواب الكرّاديين جاء قاطعًا رادعًا مشوبًا بانفعالٍ معذور عبروا عنه في نوع "الحفاوة" التي أظهرتها قلوبهم ونفوسهم عبر مشاعر الغضب الشديد والاستياء من الأداء الحكومي لأجهزة الدولة حينما رشقوا موكب رئيس الوزراء بالحجارة والقناني وقطع الطوب المتيسرة، ما حدا به للمغادرة فورًا وتجنيب عواقب غير محتملة. ذات الغضب وذات الاستياء، وردَ من صفوف الشعب، إنْ علنًا أو من وراء الكواليس. فالفاجعة الكبيرة لو تكن لتحصل لو كانت عيون أجهزة الدولة ساهرة وإجراءات فحص ومراقبة العجلات والأفراد يقظة. وهذه الأخيرة قد لزمت ملاحظات عديدة، منها عدم جدّية أفراد نقاط التفتيش الثابتة في المراقبة والرصد، ولهو العديدين بالسوالف غير الضرورية والمحظورة، وانشغال بعض هؤلاء باستخدام أجهزة الموبايل، وغياب الحس الاستخباراتي في التفاعل مع الأحداث ومع غليان الشارع الساخن بالشمس القاتلة، علاوة على انتفاء فائدة الأجهزة المستخدمة في رصد العجلات الذي أثبتت الأحداث فشلها، وإصرار الأجهزة الأمنية بالداخلية وقيادة العمليات على استخدامها ذرَا للرماد في العيون وضحكًا على الذقون وعدم الاهتمام باستبدالها بأجهزة فحص حديثة ورصينة. يُضاف إلى ذلك، غياب الجهد الرقابي لأجهزة الأمن في رصد الأحياء التي تحولت فيها دور وبنايات بالكامل لخزن البضائع ولمقرّات مشبوهة للأحزاب والميليشيات، ما جعلها مواقع حامية لكلّ أنواع المحظورات. فحالة الفلتان في نظام السكن والإيجار التي غضّت أمانة بغداد بشكل خاص ومجموع المحافظات العراقية في هذا الجانب، قد شكّل حلقة أخرى من التساهل في عمليات الإرهاب والاختفاء خلف هذه السلسلة من الإجراءات والممارسات التي نالت، ليسَ من جماليات الأحياء السكنية فحسب، بل أيضًا من راحة المواطن ومن أمنه ونقاوة علاقاته التي عمّقها فضُّ النسيج الاجتماعي وتمزّقُ لحمته الوطنية بفعل اللامبالاة والتغاضي والترهّل نتيجة الصراعات السياسية المتنامية التي ليسَ لها نهاية ولن يكون لها ذلك إلاّ بمعاول "القلع والشلع" التي نادى وما زال ينادي به الشعب المتظاهر كلّ يوم جمعة علنًا ووجاهةً.
إنّ الحالة الأمنية المتدهورة في العاصمة، بغداد، بخاصة تستدعي الوقوف والتأمل. فهذا إن دلّ على شيء، إنما يشير في مجمله وبكلّ بساطة، إلى كون الهاجس الأمنيّ خطير وقابل التهديد في أية لحظة. وهو يعني أيضًا، أنَّ الإرهاب الداعشي قادرٌ على الضرب في أيّ مكان وكلّ زمان بعيدًا عن أنظار الأجهزة الأمنية التي تقف عاجزة عن تحديد مكامن الخطر ومواقع الخلايا النائمة التي تستيقظ وسط عيون الغافلين اللاّهين في أمورٍ لا تمتّ بصلة للواجب الأمني والوطنيّ الملقى على كاهلها. فهي بدت منذ زمن، غير جديرة بثقة الشعب المنكوب منذ السقوط ولغاية الساعة. فلا استراتيجيات أمنية مبنية وفق السلوك الاستخباراتي ومدعومة بالقيم العسكرية العقائدية قد تحققت، ولا حس وطنيّ بدَرَ من قيادات أمنية وسياسية وحزبية للتعاطف مع أصحاب الفواجع، ولا شعورٌ مجتمعي استصرخَ ويستصرخُ لحالات التضامن والاعتداء والعنف المتزايد في كلّ مكان.
أمّا الأعذار بتعويض تنظيم "دولة الخرافة" خسائره عبر الخلايا النائمة، مجرّد أوهام واهية لتخدير العامة من الناس ولامتصاص غضب الشارع الساخن الذي يغلي على صفيح من نار. فهذا الكمّ الهائل من رجال الشرطة الاتحادية ومن أفراد الجيش وباقي الأجهزة الأمنية الوطنية المنتشرين في الشوارع والطرقات، كان الأجدر بالمسؤولين عنهم زجّهم على الحدود منذ السقوط الدراماتيكي لحمايتها ومنع تسلّل الإرهابيين عوضًا عن توزيعهم في الشوارع يتسكعون ويرصدون المارة شزرًا بغياب الحسّ العسكري وشرف المهنة، أو يوقفون عجلات المواطنين في نقاط التفتيش، وما أكثرها، رصدًا للوجوه بغاية اللهو وإعاقة السير والاستمتاع بتضييق الخناق على السالكين من خلال فتح مسار واحد في نقاط السيطرة إيغالاً بالاستهتار بوقت المواطن وتلاعبًا بنفسيته المتعبة أصلاً، بحيث يضطرّ لإمضاء ساعات من الانتظار أحيانًا من أجل الوصول إلى مقرّ عمله أو العودة إلى بيته وأهله وعائلته.
ألم يكن من الأولى، زجّ القسم الأكبر من هذه العناصر في مواقع ساخنة كانت تستدعي تعزيزات عسكرية قبل دخول الدواعش وتدنيسها للأرض والعرض؟ فلو كانت هذه العناصر مؤهلة حقًا ومستقلّة في ولائها، لأمكنها تجنّب الكثير من النوائب والهجمات التي حصلت العديد منها بالقرب من تواجدها في نقاط التفتيش، وبعضها بسيارات مفخخة رُكنت بالقرب منها أو بعبوات ناسفة انفجرت على المارة أو مستخدمي السيارات الذين لقوا حتفهم، إمّا نتيجة لتقاعس العناصر الأمنية أو تواطؤهم مع منفذي الهجمات. وهذا مؤشر خطير في سلوك الجهاز الأمني الوطني في الجيش والشرطة والمخابرات، والمفترض استقلاليتُه وولاؤُه للوطن والشعب وليس للأحزاب والطوائف والأفراد والمرجعيات.
فالصراع على المناصب والمواقع من أدناها إلى أعلاها في الأجهزة الأمنية، خضعت هي الأخرى، في معظمها لسياسة المحاصصة والتوافق بعيدًا عن الكفاءة والجدارة في السلوك والعلوم العسكرية ونظام الترقية المعمول به في الجيوش العقائدية. وهذا ممّا أضعف الحسّ الاستخباراتي وغيّب منهج العقيدة العسكرية والأمنية في السلوك اليوميّ لسائر الأجهزة، ومنه جاءت الثغرات والهفوات والأخطاء الكبيرة التي انتهزها أعداء العراق وأعداء الشعب للنيل من لحمته ومن نسيجه ومن راحته وأمنه واستقراره، نتيجة غياب هذه الاستراتيجيات البديهية.
 لقد كان الأجدر بالقيادات الأمنية والحكومة أن تكون بمستوى المسؤولية في أخذ الملف الأمني بجدّية أكبر، بعيدًا عن صراعات الفرقاء التي انعكست بالتالي على الوضع الأمنيّ، بسبب ولاء الأجهزة الأمنية لأحزاب وكتل متنافسة ومتناحرة ومتصارعة على الكراسي بسبب الرغبة المتزايدة بانتهاز فرص لنهب المال العام وفرض كل واحدة منها للأجندة التي تقتضيها مصالحُها ومصالح مَن يمولها ويرعاها. فالراعي الأكبر الأمريكي المحتل، له اجندتُه عبر أدواته الاستخباراتية والسياسية والمنظماتية وحتى الفردية. وإيران صاحبة السعادة التي حظيت بضوء أخضر من الغازي الأمريكي لتحقيق مصالحها في ولايتها الجديدة بالعراق، هي الأخرى لها أجندتُها عبر الأحزاب والميليشيات التي ملأت أرض السواد وراحت تسرح وتمرح بطولها وعرضها. والدول اٌلإقليمية والجارة، تتعكز هي الأخرى كلٌّ على أدواتها ومنفذي خططها وبرامجها التي لا تتوخى البناء والإخاء بقدر ما تزجّ هذه الأدوات في أتون نيران مستعرة، وهي دائمة السعي لتأجيجها بلا هوادة من أجل إبقاء البلاد مضطربة وفي حالة غليان وعدم استقرار سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ذلك لأنّ استقرار أرض الرافدين يعني ضرب كل المصالح الأجنبية والإقليمية الطامعة بالبلاد وبأهلها وبثرواتهم الوطنية.
لا إضافة على ما تقدّم. فالصورة كانت وما تزال واضحة لا لبسَ فيها: قصورٌ في البعد الاستخباراتي، تهاونٌ في أداء الواجب الأمني، إهمالٌ في رصد الحالات الشاذة ومراقبة المشبوهين، تمسّك أعمى بأجهزة ثبت فشلُها، غضّ الطرف عن مخالفات في مجال السكن والإيجار تستوجب الرصد والمتابعة والمحاسبة، إصرارٌ على عدم استخدام أجهزة رصد حديثة من مناشيء رصينة، السكوت عن مخالفات عناصر أمنية، غياب المحاسبة والعقوبة بسبب المحسوبية والمنسوبية والانتماء الدينيّ والطائفي والعرقيّ، عدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، استبعاد العناصر الوطنية الكفوءة من مواقع المسؤولية والإتيان بعناصر ضعيفة  غير مستوفية الشروط، إفراغ مؤسسات الدولة الأمنية من قيادات علمية جديرة بصناعة الاستراتيجيات ووضع الخطط، التخبط في وضع الخطط والقفز من خطة لأخرى بشكل ارتجالي ووفق مزاج "القائد الضرورة" الميداني أو الحكوميّ، وغيرُها كثيرٌ مما لا مجال يسعُه.   
هذه وغيرُها كثيرٌ من السلبيات المؤشرة في وسائل الإعلام ومن جانب النخب الوطنية المثقفة ومن الخبراء في ميادين العمل، جديرة بأن يُعاد فيها النظر، وأن يتحلى المسؤولون الأمنيون والحكوميون بالشجاعة باعتزال العمل وترك الشأن لمَن هو أجدر، قبل أن يحظوا بما لا يرضيهم من الشعب الغاضب. فالتاريخ لا يرحم، والسيل الجارف قادم لا محالة. شعارُ الوطنيين الجديد: "مدنيون"، ولا خيار لغير التيار المدني الديمقراطي الذي ينادي بدولة مدنية من خلال فصل السياسة عن الدين. فقد أفسد الإسلامُ السياسي الدّينَ، وآن الأوان كي يتولى الأكفاء من الوطنيين المدنيين العلمانيين من النخب ومن خارج أحزاب الإسلام السياسيّ المبادرةَ الوطنية والسلطة بعد أن أثبت الأخير فشلَه وانتشر فسادُه وزكّم الأنوف وأزعج المرجعيات التي بحّ صوتُها وأغضب الشعب الذي ملّ الوعود والضحكَ على الذقون والتخديرَ بجرعات الولاء للطائفة والمراسيم الموسمية الكثيرة التي تُستغلُّ لاستعطاف البسطاء في المناسبات الدينية وتجييرها لصالح الدين والطائفة والمذهب والشخص. فقد أضحى الدّين لدى هؤلاء الانتهازيين من أحزاب الإسلام السياسيّ، لدى السنّة والشيعة على السواء، دين جماعات وأشخاص وطوائف وليسَ دينَ إيمان وتقوى ومحبة ورحمة.
رحم الله شهداء الكرادة وشهداء الوطن جميعًا ومَن وقع ويقع للدفاع عن حياضه وكرامته وهيبته، وألهم أهلهم وذويهم وأحباءَهم الصبر والسلوان. ولنا في الإله الرحمن الرحيم الحقيقي، إله المحبة والخير والرحمة وليس إله القتل والسيف والانتقام والثأر، خير الساندين وأطيب الراحمين وأفضل الحامين.

45
 
مرة أخرى، هل من حديث بعدُ عن مرجعية سياسية مسيحية مستقلة؟
بغداد، في 10 تموز 2016
لويس إقليمس

في صيف 2015، عندما أقدم غبطة البطريرك لويس ساكو لطرح مبادرته حول فكرة تشكيل مرجعية سياسية مسيحية، لم يتردّد الحريصون على مصير ما تبقى من الجماعة المسيحية بالعراق بالالتفاف حول المبادرة. تعاون الكثيرون معه، ومنهم كاتب السطور، كي تخرج المبادرة إلى حيّز الوجود. والمتابعون للمشروع، يعلمون جيدًا بفحوى اللقاءين اللذين جمعا رجال دين ونواب ومسؤولين مسيحيين بالدولة ومثقفين نخبويين وناشطين مدنيين وعلمانيين. كما دأبت اللجنة الخماسية التي تشكلت بإجماع آراء المجتمعين على مثابرتها، من أجل إكمال الشوط الملقى على عاتقها بمتابعة التطورات والأمور التنظيمية بهدف تقريب وجهات النظر وتحقيق التنسيق والانسجام في الطروحات التي سادت اللقاءين وإكمال المشوار لاحقًا. وبالرغم من خروج بعض طروحات بعض المشاركين الذين تمت إضافتُهم في اللقاء الثاني بطريقة غير مدروسة، إلاّ أنّ اللجنة الخماسية قد تابعت موضوع التنسيق مع جميع الجهات الكنسية بهدف الحفاظ على نوعٍ مقبول من الانسجام، خدمةً لهدف المبادرة.
وللحقيقة أقول، أنّ اللجنة التنظيمية، بمثابرتها التطوعية، قد أكملت ما عليها من مسؤولية ومن عمل تنظيمي بدفع الأمور إلى الأمام. فقد كانت لقاءاتُها متواصلة طيلة الفترة بين آب وكانون أول 2015، حيث التقت صاحب المبادرة لمرات عديدة وناقشت معه أفكارًا متجددة مرفقة بتوصيات وخبرات من الذي يُسمع أم يُقال. والغاية من ذلك كله، كان باتجاه دفع المبادرة إلى الأمام وتحقيق الإجماع في اتخاذ القرار الذي ترقبه المجتمع المسيحي بجميع طوائفه وكنائسه. إلاّ أنّ انشغال السادة رؤساء الكنائس وسفرهم المتكرّر في فترة الصيف وارتباط آخرين بالتزامات خارج بغداد والعراق لاحقًا، قد أعاق عمل اللجنة التنظيمية. وبسبب ذلك، لم يكن من المتيسر والسهل تحقيق لقاء ثالث، كنّا تمنيناه حاسمًا لوضع النقاط على الحروف وتحقيق وحدة الصف والخطاب السياسي عبر إقرار تشكيل نواة لمرجعية سياسية مسيحية علمانية مستقلّة، تتولى مسؤولية الدفاع عن حقوق عموم المسيحيين ومتابعة همومهم الكثيرة، وتقف سندًا لمطالبهم، من حيث تمثيلهم في المنابر السياسية الوطنية، المحلية منها والدولية، وفي المؤتمرات والندوات وأية محافل دولية ذات العلاقة. أي بمعنى آخر، أنّ هذه المرجعية المرتقبة أُريد لها أن تكون ناطقَة بحال الجماعة المسيحية وممثلةً سياسية لهم في الدولة العراقية وخارجَ اسوارِها، على السواء.
مع بدء العام الجديد 2016، عاودت اللجنة الخماسية نشاطَها، وحققت لقاءً تشاوريًا مع صاحب المبادرة الذي أبدى كلّ تفهّمٍ للنقاط التي أثارَها أعضاؤُها، ومنها المرونة المطلوبة في طرح الأفكار والابتعاد عن التشنّج ورفض مبدأ التفرّد بالقرار المسيحي ونبذ فكرة الأكثرية والأقلية التي أوقعت البلاد والعباد في العراق في أزمات متلاحقة بسبب ما تحمله هي الأخرى من مفهوم طائفيّ. وعقد الأعضاء الخمسة للجنة التنظيمية، العزم على إكمال المهمة التطوعية بروح العمل الجماعي وبفكر الفريق الواحد. وبعد سلسلة زيارات لأصحاب الشأن، رؤساء الطوائف الكنسية، أصحاب الغبطة البطاركة، مار أدي وما لويس ساكو (واتفاق لقائي مصادفةً بصورة شخصية مع غبطة البطريرك كوركيس صليوا في مطار بغداد الدولي)، وأصحاب النيافة الأساقفة، مار سيويريوس حاوا (للسريان الأرثوذكس) ومار أفرام يوسف عبا (للسريان الكاثوليك) ومار عمانويل دباغيان (للأرمن الكاثوليك) ومار آفاك أسادوريان (للأرمن الأرثوذكس) ومار شليمون وردوني (للكلدان) وجان سليمان (لللاتين)، والقمص مينا الأورشليمي (للأقباط)، تحقق لدينا قيام نية سليمة وتأكدت رغبة كاملة لجميع مَن تمّ اللقاء معهم لمتابعة مشوار المبادرة وإمكانية تحقيق الهدف من دون تردّد.
بعد هذا كلّه، وغبةَ أنجاز المطلوب، توجب على أعضاء اللجنة الخماسية المكلفة بمتابعة هذا الملف للتنسيق بين جميع المعنيين، أن يضمّوا أصواتهم إلى أصوات الشعب المسيحي الذي ينتظر اللحظات الحاسمة، للقاء التوافق والموافقة العملية والفعلية بعد التصريح بمنح الموافقة الشفهية التي تمّ الحصول عليها، موثقةً بالصورة والكلمة. من هنا، كانت خطوتُنا التالية تكمن بتوجيه دعوات لأصحاب الشأن بتحقيق لقاء مرتقب يجمع رؤساء الكنائس حصرًا، مع أعضاء اللجنة الخماسية، كخطوة أولية، من أجل إقرار إجماع بإمكانية المضي قدمًا بالمبادرة أو بالتوقف، على أن يعقب تلك الخطوة تحقيق لقاء لاحق يجمع رؤساء الكنائس والنخب من السياسيين وممثلي الأحزاب والمسؤولين والفعاليات المدنية والمثقفين، الذين سبق أن شاركوا في اللقاءين الأخيرين، ويمكن إضافة عناصر وطنية رصينة وغيورة غيرها.
في هذه المرحلة الحرجة، لا ننكر بروز خلافات في الفترة الأخيرة، في صفوف مجلس رؤساء الطوائف المسيحية الذي سمعنا بحلّه وانتهاء أعماله، ما يُؤسف عليه. لكننا نعتقد، أن الخلافات التي أُثيرت لا يمكنها أن تقف عائقًا أمام رغبة الجماعة المسيحية وأملها بتحقيق هذا الإجماع السياسي الذي هو أمل جميع المسيحيين والعلمانيين منهم بصورة خاصة، كي تبقى المؤسسة الكنسية بعيدة عن تعاطي السياسة ودهاليزها وترك الشأن المدني والسياسي للعلمانيين، مع إبقاء رعاية الكنيسة ومباركتها لمثل هذا التجمّع الضرورة. ولا شكّ أنَّ مثل هذا الإجماع يتطلّب شيئًا من الإيثار والتواضع والتنازل المجبولة بالغيرة الرسولية والمحبة المسيحية والشعور بالمسؤولية الراعوية إزاء القطيع الصغير الذي ينشد الوحدة الحقيقية، فيما رؤساؤُه يتنازعون على الزعامة، تمامًا كحال العراقيين اليوم!
 لذا، ودفعًا لإتمام مشروع المبادرة الرامي لتشكيل مرجعية مسيحية مستقلّة نابعة من القيم المسيحية المتوارثة، وانطلاقًا من الغيرة الوطنية على حقوق الجماعة المسيحية المتبقية، وعملاً بالحرص على بقاء الصف الأسقفي بالعراق موحد التوجه ومرصوصَ الجانب ورائدَ الكلمة وسط جميع الكنائس، أقترح الأخذ بما معمول به في كلّ من الجماعات المسيحية في لبنان ومصر والأردن. أي أن يبادر مجلس الأساقفة المنحلّ لإعادة هيكلتِه بطريقة أصولية وقانونية ويكتسب صفة رسمية في الدولة العراقية. وهذا يتطلب انتخاب رئيس له ونائب للرئيس وسكرتير وأمين مالي وناطق رسميّ، وما إلى ذلك بحسب المقترحات التي يرونها مقبولة وضرورية في هذه المرحلة، على أن يحصل ذلك من دون تشنّج في المواقف وإصرار على الرأي المنفرد من قبل المراجع الكنسية التي نأمل أن تبدي حرصًا أوفر على رغبة أبنائها.
لستُ أفرضُ رأيًا مغايرًا، لما هو معمول به وما هو مطلوب في ضوء الحاجة والظرف والمرحلة. فقوتنا لن تأتي بفرقتنا على معسكرين، كلّ منهما يسعى للظهور بأحقية تمثيل المجتمع المسيحي أو التقليل من شأن الآخر، في مناسبة وفي غيرها. فالمطالبات الرسمية والآنية والمجتمعية من أركان الدولة، برئاساتها الثلاث واللقاءات مع المسؤولين في الوزارات والمؤسسات، كلّما كانت بروح الفريق الواحد، الموحد، المجتمع على كلمة الإجماع، كانت أكثر قوة وأكبر وقعًا وأوسع صدى. وهناك حقيقة، تتمثل بكاريزما يمكن أن تتصف بها شخصية دينية دون غيرها. فهناك مراجع مسيحية لا تمتلك القدرة الكافية ولا الشجاعة الكاملة ولا تلك الكاريزما المطلوبة ولا القدرة على الكلام والإفصاح والتحدّث في طَرق أبواب الساسة والدول والمحافل. فهذه مسألة إمكانيات فردية لا ينبغي أن تقف حائلاً أمام مَن لا يمتلك مثل هذه القدرات وهذه الكاريزما. ولكن هذا لا يعني، تفرّد جهة دون غيرها، كما أشرنا، في مسألة تمثيل الجماعة، كلّما استجدّت ظروف وبرزت الحاجة وتطلبت الأحداث. فمبدأ المشاركة في هذه الأنشطة والحراك بجميع انواعه واشكاله مكفولٌ وحقّ لجميع ممثلي الكنائس حتى لو حصل ذلك بطريقة تمثيلية وحسب الظرف والمكان والوقت. فهذا من شأنه أن يزيد من قوة المجتمع المسيحي ويعطيه زخمًا وفورة وطاقة لتحقيق المزيد من أماني وتطلعات ومطالب أبناء الجماعة الرازحة في معظمها تحت نير القهر والدونية والتهميش. والسبب في ذلك في معظمه، يعود إلى غياب وحدة الصف وتشظّي الخطاب السياسي بسبب التشنّج في التوجهات أو تأييد بعض المرجعيات الكنسية لهذا الحزب أو ذاك وهذا الطرف أو ذاك، ما يجعلها تابعة هي الأخرى للجهة التي تقف خلف أحزاب هزيلة أخفقت في مهماتها بشكل كبير، تمامًا مثل سياسيّي البلد، من خلال عجزها برفع الغبن عن أتباعها ومؤيديها وتحقيق مطالب الشعب في تأمين لقمة العيش والخدمات الآدمية والأمن والسلم الأهلي.
إنني أترقب راجيًا من أصحاب الشأن، المرجعيات الكنسية كافة وأعضاء اللجنة التنظيمية بهيئة الرأي، أن يكملوا المشوار والمهمّة التي تعهدوا بتحقيقها خدمةً للمصلحة الوطنية العليا وفائدة أتباعهم. فهذه الأمنية بحسب اعتقادي، لن تجد طريقها للتحقيق إلاّ إذا نالت مباركتَها العلنية من المرجعيات الكنسية كافة من أصحاب الغبطة والنيافة والسيادة رؤساء الكنائس. والدليل على ذلك فشل محاولات عديدة لجهات حريصة في الشأن المسيحي الوطني. أمّا ما تلقته اللجنة التنظيمية في حينها في اللقاء الأخير مع صاحب المبادرة من إيعاز أو مباركة شفهية مقترحة للمضي قدمًا في المشروع المتعثّر، انطلاقًا من مبادرة جدبدة تصدر عن قاعدة علمانية بحتة، فهو مجرّد ذرّ الرماد في العيون وتنصّل من مسؤولية الراعي الحريص على قطيعه.
من هنا، كلام "ليكونوا واحدًا"، يقتضي توضيب البيت الأسقفي وعودة نشاطه بشكل أكثر إيجابية وبإيثار مصلحة الشعب المسيحي على مصالح طائفية ورئاسية وفردية. وفي حال تحقيق هذه الأمنية، نكون قد أعدنا القطار المسيحي إلى سكته الصحيحة التي أرادها المسيح. أمّا الخلافات مهما كانت، شخصية أم ملّية، سوف لن تنفع المكسور ولا تضمّد الجراح ولا تحلّ المشاكل.
 وفي انتظار تحرير مناطقنا من دنس الإرهاب الماحق، نتأمّل لقاءً مرتقبًا شافيًا بإذن الرب وقوته وبمشورة الروح القدس ودعاء العذراء مريم وجميع القديسين، لدراسة مرحلة ما بعد داعش. فهذه لن تكون سهلة. فالضبابية تشوب المناطق المنتهكة وسط صفقات مشبوهة حول مستقبلها ومصير أبنائها وإدارتها. فليكن الجميع على قدر المسؤولية!



46
أمريكا : سياسة تسليح الشعوب، فعلُ عسكرة وتعزيز للطائفية والتشرذم
بغداد، في 5 حزيران 2016
لويس إقليمس
أمريكا اليوم، هي سيدة العالم، شئنا أم أبينا. بإحدى يديها تدير مفاتيح إحلال السلام واستقرار الحياة وكرامة الشعوب، وبالأخرى توجّه أدواتها وقدراتها لقتل الشعوب وتمزيق الأمم وزرع الفتن والحروب. وكلّ هذا وفقًا لمصالحها القومية، أو بالأحرى لصالح اللوبي الصهيوني العالميّ الذي يتحكم باقتصاد العالم الذي منه وبه تتأثر الدول والشعوب. فمَن يملك المال، يملك العالم وله القدرة على توجيهه لصالحه.
في الربيع العربي، الذي استعجلَه الغرب ومعه أمريكا طاغية العالم، وتتطلّعوا إليه معًا بنتائج سريعة تؤتي بثمارها عليها أولاً، ومن بعدها على شعوب المتوسطي ومنها منطقتنا العربية، خاب ظنُّهم فيه وبنتائجه العكسية. فهذا الربيع الذي أرادوه بابًا لدمقرطة المنطقة وفق تصوراتهم المغلوطة، انقلبَ خريفًا هائجًا وعاصفًا قلب الموازين عليهم ودمّرَ بلدانًا وفتَّتَ نسيجَ شعوبٍ وكسرَ الجسور العامرة. وعوض أن ينجب كرامةً وبردًا وسلامًا لأهل بلدان المنطقة، تعسّرت الولادة فجاء الوليد مشوّهًا مثل أفكار الغرب الخائبة التي تميزت بالسفاهة والغباء على السواء. وهذه لم تكن بسبب حجم الوليد بل لنوعية القادم الجديد، الفأر النحيف الهزيل المريض المحمَّل بكل العاهات زيادةً في أمراضِه المناطقية. ففي كلّ بلدٍ عربيّ متوسطيّ، خطّط له الغرب بقيادة أمريكا كي تطاله يد التغيير وفق البرنامج المخطَّط له، تمزّقت فيه اللحمة الاجتماعية وانفرط عقُده ودُمر فكرُه وفسدتْ أخلاقُه وآلَ إلى شراذم وطوائف تتقاتل وتتصارع وتتذابح على الجاه والمال والسلطة. ولم أكن أعتقد أن يكون الغرب بهذه السذاجة كي لا يعي ذهنية أهل المنطقة وتصوراتهم واستعداداتهم لأيّ تغيير في المنهج والفكر وفي أساس الحياة. أليسَ ما يحصل في العراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن لبنان وفي غيرها من دول المنطقة خير دليلٍ على هذه الخيبة؟
إذا أخذنا في الحسبان، الفترة التي استغرقها الغرب، وأمريكا بالذات، من أجل حصولها على استقرار نسبيّ في أصول الحياة، اقتصادًا وسياسة وعقدًا اجتماعيًا واستقرارًا وديمقراطية كمنهج، لرأينا أنها أخذت منها عقودًا من الزمن ونضالاً مجبولًا بالدم والتضحيات. فكيف بها تسلّم أن تفرضَ التغيير في هذه المجتمعات المنغلقة أساسًا، بين ليلة وضحاه، أو في غضون أسابيع أو أشهر أو سنين قلائل؟ أرادوها معجزة، والمعجزات في هذه الأيام قليلة وشحيحة، شحة العاشق الصادق في انتظار معشوقته التي غدر بها الزمن وطال انتظارُها من غير أمل. وفي اعتقادي مهما طالَ، فلن يأتي هذا، طالما بقيت مجتمعاتُنا في أجوائها المنغلقة دينيًا ومذهبيًا وطائفيًا وعرقيًا، وتابعًا خنوعًا للغير! فهلاّ يدرك الغرب هذه الحقيقة؟
هذه المقدمة، يمكن أن تقدّم جوابًا لقرار الكونغرس الأمريكي الأخير المعدَّل، والذي يتيح للإدارة الأمريكية تسليح فصائل من مكونات الإيزيديين والمسيحيين، وربما أخرى غيرها، بحجة مواجهة الإرهاب وأدواته والدفاع عن النفس. ولنا السؤال: إذا كانت أمريكا ومَن التحق في صفها من دول الغرب، قد أنتجوا بفعل سياساتهم الخاطئة فصائل إرهابية تنوعت وتعددت بدءًا من القاعدة، مرورًا ببوكو حرام وشباب الصومال وداعش وأخواتها، مضافًا إليها التشكيلات الميليشياوية من السنّة والشيعة على السواء، إذا كانت بقوتها وقدراتها التسليحية والمالية لم تستطع احتواءَها وقطع دابرها، فكيف بمئات من المتطوعين المسيحيين والإيزيديين أن يقاوموا هذا الأخطبوبط المتشعب الذي يفرض سطوتَه وأفكارَه المتشددة في وسط حاضن وقابل ومستعدّ لها بفعل انغلاقه الدينيّ القائم؟
لاعتبارات عديدة، لا يُعقل أن يُزجّ بمئات متحفزة من أبناء هذه المجتمعات في أتون نار غير متكافئة العدد والعدّة، مهما كانت استماتتُها وهدفُها السامي. ففي هذا شيءٌ كثير من قبيل الانتحار الطوعيّ غير المبرّر لعدم التكافؤ. فهذه الحرب الطاحنة من مهمة الدولة وأجهزتها الوطنية، من الجيش والشرطة وما يلحق بهذه من فصائل ساندة مدربة وفق السياقات العسكرية والتعبوية المتبعة.  فالحكومات المتتالية هي التي فرّطت بهذه المناطق وبشعوبها، ومن ثمّ فهي التي عليها تولّي مهمة تحريرها وعودة ساكنيها إلى دورهم وممتلكاتهم آمنين!
وحسنًا، صرّح رئيس الكنيسة الكلدانية البطريرك ساكو، بوصفه للقرار الأمريكي بغير الحكيم وغير البريء وغير المبارك. فالرجل قد انطلق من مفهوم "الوطنيّ" الحريص ومن عمق مسؤوليته الراعوية والدينية والأخلاقية، وليس السياسية، ومن منظوره واسع الأفق في قراءة التاريخ والأحداث. وفي تصوّره الناضج هذا، يكون قد قرأ الواقع وقلّبَ صفحاته قبل أن ينطق بمثل هذا التصريح الذي شكّل شكوكًا للبسطاء من أتباع مختلف الكنائس ولأصحاب الأجندات الضيقة والمنافع الشخصية وأشباه المثقفين بسبب ثقافتهم السطحية وعدم قدرتهم على استيعاب دروس التاريخ، وما أكثرها! فالدول الداعمة، ومنها أمريكا والغرب عمومًا، ليست "جمعيات خيرية"، كما صرّح غبطته. فهي بالتالي تبحث عن مصالحها في كوم المكوّنات العرقية والدينية، تمامًا كما استباحت ضمائر السياسيين وزعامات الأحزاب من أجل تنفيذ أجنداتها وفق المخطَّط المدروس.
 ونحن في هذا، لا ننكر مدى حاجة مجتمعنا المسيحي، ومثلنا سائر المجتمعات الدينية والإتنية من أبناء الأقليات المهمّشة ومهضومة الحقوق، إلى قوّات مدربة تدريبًا حسنًا ضمن تشكيلات الدولة العسكرية والدفاعية، وليس بهيئات أو تشكيلات منفصلة ومستقلّة عنها. فمثل هذا المشروع، سيزيد من تعقيد المشهد السياسي على ما هو قائم. والعقلاء يدركون جيدًا، أنّ الحلّ لن يكون سوى بتعزيز القدرات العسكرية والدفاعية الوطنية عبر إعادة تشكيل القوات المسلحة العراقية على أساس وطنيّ وعقائديّ محايد، خلافًا لما هو قائم حاليًا من واقع حالٍ بتسييس الجيش وقياداته على أسس دينية وطائفية ومذهبية وإتنية. ومن هنا تكون الدعوة الصحيحة بالانخراط في صفوف القوات المسلحة وأجهزتها الوطنية على اختلاف صنوفها، بحيث يكون هذا متاحًا للجميع.
ومن حقنا التساؤل: إذا كانت أمريكا ومعها الغرب التابع لها، قد شعروا بالذنب الذي اقترفوه بترك أتباع الأقليات في العراق وعموم الشعب العراقي بالأحرى، لقمة سائغة بيد الدواعش ومَن في حواضنهم، كي يهين هؤلاء كرامة أبنائهم ويهتكوا أعراض نسائهم ويعملوا على تهجيرهم وقلعهم من مناطقهم، فهذا الفعل الأخير لن يغفر لهم خطيئتهم المميتة هذه. ومهما فعلوا ومهما قدموا وغيروا من قوانين لصالح هذه الأقليات، فهي لن تفيَهم حقهم ولا تزيل من همومهم ولا تخفّف عن كاهلهم قيدَ أنملة. فالجرح عميق وصعبٌ دملُه، وتداويه يتطلب أجيالاً وقرونًا. فهذه الصحوة المتأخرة لأمريكا والغرب التابع لها، إن صحّت، فهي غير قادرة على إعادة ما فُقد وما كُسر وما هُتك. فالمسألة تتعدى الأقليات وحقوقهم وممتلكاتهم، عندما تصل إلى حقوق العراقيين جميعًا، الذين سلَّمتهم أمريكا ومعها الغرب، أسرى لحيتان الفساد وسارقي المال العام ومنتهكي حقوق الوطن والمواطن بإتيان أمثال هؤلاء اللصوص لحكم العراق، وفي جعبة كلّ حزب وكلّ طائفة وكلّ كتلة مشروعٌ لأسلمة المجتمع وحكمه بالطريقة التي تناسب مَن يدعم توجهاتهم من الدول المجاورة والإقليمية والخارجية. فكلّ جهة تسعى لتوجيه بوصلة الحكم نحو مموليها وسياساتهم ومصالحهم التي تنمّي مكاسبهم وتديمُها.
وبهذا، لا يمكن القبول بفكرة تسليح عناصر مسيحية، من منطلق عدم تشجيع تكاثر الميليشيات الطائفية لكل ّ جهة ولكلّ طائفة ولكلّ حزب. فهذه الأخيرة، أي الميليشيات، بتجاوزها الأهداف المخطط لها، تشكل اليوم عبئًا آخر على الدولة العراقية وتحدّ من قدراتها الوطنية. والسبب، ببساطة، لأنها تقف بالموازاة مع قدرات الدولة التي بدأت تتراجع بفعل تنامي هذه الميليشيات وسطوتها وفرض أجنداتها غير الوطنية في أغلب الظن، لكونها تنفذ أجندات دول وجهات إقليمية. لذا لا سبيل، سوى الحدّ من تكوينات هذه الجماعات المسلحة التي بدأت تغزو الشوارع والساحات وتخلق الرعب والاستفزاز والسأم لدى عامة الشعب. فكيف بنا نقبل زيادة تعقيد المشهد العراقي على ما هو عليه من منغصات ومشاكل؟
من المعروف أنَّ المسيحيين، بسببٍ من طبيعة تكوينهم الديني المتميّز وتربيتهم وأخلاقهم المشهود لها بالولاء للوطن وليس لغيرِه، مقارنة مع حال سائر المكوّنات من أبناء الشيعة والسنّة والكرد، الذين يشكلون المثلث الطائفي الحاكم والجاثم على صدور العراقيين منذ 2003، فهم يرفضون فكرة أن يكونوا حطبًا لنار وصراع وقتال غير متكافئ بين الجماعيات الإرهابية وأصحاب المثلث الحاكم. والسبب ببساطة، لأنهم لا ناقة لهم ولا جمل في هذه المعركة الشرسة بين الطرفين المتصارعين من أجل اجاه والمال والسلطة، بل هم من ضحاياها ومن أكبر الخاسرين. والحقائق تشير إلى أنَّ فعلَ تهجيرهم وقلعهم من مناطقهم، تمّت بصفقات بين سياسيّي المثلث الحاكم وبسببهم، وليس لذنب اقترفوه. فلأيّ سبب توافق الإدارة الأمريكية على تسليح فصائل منهم، تُضاف إلى قائمة الميليشيات القائمة وتزجّ بهم أو تشجعهم على دخول هذا النفق المظلم من الصراع؟ وهل هناك مَن سأل نفسَه، لماذا لم تشعر هذه الإدارة التي أنتجت وأخرجت الجماعات الإرهابية التي هجّرت وقتلت وهتكت واستولت على ممتلكات أبناء الأقليات، لماذا لم يصحو ضميرُها وتشعر بحاجة أتباع هذه الأقليات في وقت سابق بعد السقوط المأساوي غير المبرّر بتلك الطريقة الشنيعة، إلى مثل هذا التسليح، لاسيّما وقد تمّ تسليمُ بلداتهم ومناطقهم للكورد الذين تعهدوا برعايتها والمحافظة عليها، بحسب وعود رئاسية وتطمينات حزبية، وبعلم الراعي الأمريكي المخادع؟ بل، حتى ما كان في حوزتهم من أدوات تسليحية خفيفة قد تمّ انتزاعُه منهم قبل أيام من دخول داعش لمناطقهم قبل عامين تمامًا.
في هذا الزمن الغادر، لسنا بحاجة إلى رفع السلاح بهذه الطريقة التي ستفرّق وتمزّق وتشرذم الصف المسيحي بين مبارِكٍ مستفيدٍ ورافضٍ لاعِنٍ. وما كنّا بحاجة إلى حصول مثل هذه الفرقة بين صفوفنا، كي تضيف شرخًا آخر على ما هو قائم من انقسام وتشرذم وانفراط توافق بين الرئاسات الكنسية، ومن سكوت وصمت مطبقين أو موافقة تنافسية من جانب أحزاب كارتونية موالية لجهات لها مصالحُها في صفوف المجتمع المسيحي وفوق أراضيه لأغراض توسعية.
 ولا يخفى على أحد، أنّ مثل هذا التوجه الأجنبي يُعدّ أيضًا تدخلاً سافرًا في الشأن العراقي، كما أنه يساهم بطريقة أو بأخرى بإبقاء النهج التحاصصي الطائفيّ واﻹثني لجماعات دينية وعرقية كي تزيد من قدراتها وتطيل في بقائها صاحية وبعافية. ثمَّ إنَّ مثل هذا الفعل غير البريء، يتعارض مع ما يدعو إليه عقلاء الأمة من الوطنيين المثقفين والسياسيين والتكنوقراط من الذين يرون في عسكرة الشعب، تعزيزًا لمنهج الطائفية وأسفينًا يُدقّ في بناء الدولة المدنية المرتقبة التي يتطلّع إليها الجميع.
 ومن دون الجهود المطلوبة لتعزيز العلمانية في مثل هذه الدولة المدنية المرتقبة التي يشعر الجميع بحاجتها اليوم أكثر من أي وقت مضى، لا يمكن الاحتكام إلى إعادة كتابة دستور جديد ضمن هذه المقاييس التي تتفق مع المعايير الدولية للدول المتقدمة التي تنتهج العلمانية والمدنية طريقًا معبَّدًا لها في تقدّمها. بعكس ما يدعو إليه أصحاب المشروع الإسلامي الذين يوغلون في غيّهم ويسعون لتفكيك اللحمة المجتمعية بسبب دعواتهم لتشكيل ميليشيات من أجل ضمان تنفيذ مشروعهم الطائفيّ الملتحف بالدّين أساسًا لأدلجة مصالحهم. فكيف بنا نحن المسيحيين، أن نقبل بمثل هذا المبدأ وهذه الفكرة غير الوطنية التي لا تلبي طموحات الشعب العراقي برمته، ولا تتناغم مع تضحياته على مرّ العقود المنصرمة من الاقتتال الأخوي والتي عانى الشعب فيها من براثن الدكتاتورية والحكم الشعوبي والإقطاعيّ والطائفيّ الذي يريد ساسة اليوم اتباعَه منهجًا، لولا صحوة النجباء والوطنيين في الوطن؟
نقول لأمريكا، ومَن في خطّها، إذا كنتم تريدون التكفير عن آثامكم وأخطائكم، وما أكثرها، سارعوا لزجّ قدراتكم العسكرية وخلّصونا من شرّ الجماعات الإرهابية والجماعات الدينية على السواء، بأسرع وقت ممكن كي يعود أهلونا وأحباؤُنا وعوائلُنا إلى ديارهم بدل المأساة التي عاشوها ومازالوا، سواءً في دول الاغتراب الصعبة عليهم أو في الداخل وهم يعانون من ضغوطات الكتل والأحزاب والجهات القائمة على نزوحهم. وبعد الانتهاء من هذه الكارثة، عليكم بمعالجة أوضاعهم ما بعد التهجير والنزوح والهجرة، وما يترتب على ذلك من أعادة إعمار وتعويض وخلق حالة من الاستقرار والسلم الأهلي. وهذه لن تتحقق، إلا بإعطاء أوامركم إلى حكّام السلطة المتحاصصين وغير المبالين بمصير الوطن ومستقبله ومستقبل أبنائه إلا بما يتناغم مع أطماعهم وضمان مكاسبهم، كي يرحلوا ويتركوا الحكم لمَن هم أولى به وأكثر وطنية وأشدّ حرصًا على بنائه وإعادة أمجاده، كي تعود بغداد قلعةً للأسود ومنارة للمجد والخلود.
 وضمن هذه المعالجة أيضًا، يأتي التوجيه لأدواتكم في السلطة، بإنهاء كلّ المظاهر المسلحة خارج سلطة الدولة، وفرض هيبة الأخيرة، والتسريع بإعادة كتابة دستور يؤسس لدولة مدنية علمانية بعيدًا عن المحاصصة والتأثيرات الدينية والمذهبية، عبر سنّ قوانين في ذات الاتجاه والتي من شأنها احتكام المواطن إليها في الاحتفاظ بكامل حقوقه المدنية. حينها فقط، سنعطي لكم الحلّة النهائية، بعد اعترافكم بكل ذنب وخطيئة اقترفتموها، تمامًا كما يفعل القساوسة مع المؤمن التائب عن ذنبه، كي يتصالح مع ربه ويعود صافي الذهن وقرير العين والضمير إلى ذاته وأهله وكنيسته.
من هنا، نؤكد أنّ هذه الخطوة، هي فعلاً غير بريئة وغير مباركة، مهما حصلت من قبول من فئات منتفعة، ومهما كانت نوايا اللوبي المسيحي في الداخل والخارج طيبة بالسعي لإضفاء شيء من الحق على مثل هذا المطلب، من منطلق أنّ تسليحها في سابق العهد، كان يمكن أن يخلق معادلة مقاومة للشرّ والاغتصاب والتهجير. أمّا اليوم، فالتسليح المطروح، لن يكون مقبولاً إلاّ في حدود الدولة وتشكيلاتها الرسمية في الجيش والشرطة وسائر الأجهزة، مع إعطاء نوع من الاستثناء بحيازة مناطق تواجد المسيحيين وغيرهم من الأقليات المضطهدة والمهمّشة، لأنواع من التدريب العسكري الإضافي والتجهيزات الضرورية التي لا تستطيع الدولة توفيرها في هذه الفترة الحرجة من أزمتها السياسية والاقتصادية الخانقة، وذلك من أجل مسك الأرض بعد التحرير.

47
متى وكيف يصلح حالُ العراق؟


بغداد، في 10 أيار 2016
لويس إقليمس

في شيعة العراق:
-   إذا أرادوا تكوين شخصيتهم الوطنية المستقلّة، عليهم الابتعاد عن فعل الخنوع القائم تجاه الجارة إيران، مع احتفاظهم باحترامهم لرموزها الدينية ولدورها الإيجابي والإبقاء على مبادئ حسن الجيرة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين من الطرفين، احترامًا للوطن وللتعددية القائمة في الأديان والشعوب والأعراق في العراق، التي يقلّ نظيرُها في بلد آخر. كما عليهم التخلّص من عقدة الشعور باستمرار مظلوميتهم، بعد أنْ أتتهم فرصة الحكم على طبق من ذهب.
-   إذا أرادوا تجاوز أخطاء الماضي ووضع حدود لسلوك الاستفزاز الشعائري القائم في المناسبات الشيعية، وما أكثرها منذ السقوط، والتي كرستها وأحيتها وخصّت لها الحكومات الشيعية الطائفية المتلاحقة مواسم وأيامًا لا حصر لها، وبأساليب جامحة وغير حضارية في أغلب الأحيان بحيث تُسَخَّرُ لها الدولة بكاملها وتُعطّلُ مؤسساتٌ منتجة وتقف الحركة وتشلّ الحياة، ويُجبر الناس على ملازمة المنازل والتخفّي والابتعاد عن المظاهر التي يرونها غير حضارية...، فما عليهم والحالة هذه إلاّ التفكير بتطوير فكرة الزيارات الدينية والمناسبات الشعائرية والحج بطريقة أكثر تحضّرًا وتمدّنًا وعصرنةً، بحيث تواصل مؤسسات الدولة أعمالَها  وتبقى الطرق والشوارع سالكة. فعبادُ الله، كلٌّ على نياته يحصل مرادَه ويرضي إلهَه وإمامَه، أيًّا كان. ويبقى التديّن من عدمه والحجّ لمَن سعى إليه والزيارة لمَن استحبّها، ممارسة فردية وعلاقة شخصية بين الخاق والمخلوق، وتفاهمًا بين العابد والمعبود. فلا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال، أن تكون الدولة جزءًا من هذه جميعًا إلاّ في تأمين الحماية الكافية لهم حصرًا. كما من غير المعقول أن تواصل الحكومات المتسلطة صرف أموال جنونية من خزينة الدولة، هي من حق جميع المواطنين وليس لطائفة معينة.
-   إذا أرادوا تصحيح ذات البين وإنهاء التجافي مع مجتمعات مختلفة عنهم دينًا ومذهبًا ومنهجًا، عليهم بالمصالحة الوطنية الحقيقية والمصافحة العراقية الصادقة التي تنهي كلّ الضغائن وتفتح الأبواب على مصاريعها بين أبناء الوطن الواحد، ليعودوا كما كانوا بالأمس يتسامرون ويتصاهرون ويقيمون الولائم والمآتم معًا من دون تفرقة ولا حدود ولا سؤال عن أصل هذا وفصل ذاك وعن دين هذا وطائفة ذاك. ومَن لا يقوى أو يقبل بها منهجًا لوحدة البلاد والتراب، وأداةً لرتق الممزّق في اللحمة المجتمعية، يمكنه المغادرة بسلام طالما بقي مصرًّا على فتق الثوب الوطني وإبقاء التميّز والاستعلاء لشريحة دون غيرها بعيدًا عن حقوق المواطنة في المساواة والعدالة والمصير.
-   إذا أرادوا الحفاظ على وحدة الصف والدار والتمسك بنظافة اليد منهاجًا للأئمّة والصالحين، عليهم بترك نوافذ الفساد جميعًا، ومنها سرقة المال العام ووضع اليد على عقارات الدولة والمواطنين الأبرياء بوسائل وطرق جهنّمية وتهديدية وترويعية أحيانًا، ونهب أموال البلاد بحجج تعويض المتضررين ومكافأة المضطهدين من أنظمة سابقة، وذلك عبر مؤسسات تمييزية موازية للدولة ومنافسة لها مثل مؤسسات الشهداء والسجناء السياسيين وغيرها من المؤسسات الطائفية والميليشياوية والجمعيات الخيرية متنوعة الأسماء والمراجع والأهداف. فهذه جميعًا وغيرُها تخريجات ونوافذ للفساد. وبإمكان الدولة ضمن مؤسساتها الرسمية القائمة من القيام برعاية المشمولين بها وتنفيذ المهام المفترضة وفقًا لقواعد وقوانين وأنظمة تثبت حقوق المتضرّر حقًا، وليس بطريقة عشوائية تمنح مكاسب وامتيازات ومناصب لمجرّد الانتماء لطائفة متنفذة دون غيرها. فكَمْ من مواطنين متضررين من النظام السابق، ضُربت طلباتُهم عرضَ الحائط لعدم انتمائهم الكتلوي والفئوي والحزبي والديني والطائفي، ولم يحصلوا حتى على مستحقاتهم بحسب أنظمة سارية، ومنهم صاحب القلم؟؟؟
-   إذا أراد قادة الشيعة في العراق، أن يساهموا في بناء دولة مدنية حضارية تحفظ حقوق جميع المكوّنات على أساس وطنيّ ووفق مبدأ الاستحقاق الوطني الفرديّ – الشخصيّ والكفاءة في المقدرات العلمية والمؤهلات المهنية، عليهم بترك عباءة الدّين الذي يتسترون به سياسةً وتسييسًا، والذي يستغلونه غطاءً لتحقيق مكاسب طائفية وفئوية وشخصية، ويضحكون به على ذقون البسطاء من الشعب الذي يريدونه صاغرًا تابعًا باكيًا لاطمًا، ليس لسنين بل لقرون، ضمانًا لطاعتهم وولائهم والخنوع الدائم لأمثالهم. ذلك لأنّ تطورَ فكرِ هذا الشعب الذي اعتاد الإنصات لخطب رنانة تثير المشاعر وتؤجج العواطف وتفتح اللواعج الدفينة، إلى جانب استرداده لرجاحة عقله حول ما يُجبرُ على سماعه في المواسم والشعائر، وكذا حكمُه بعينِ الفكر الناضج على ما يجري، كلّ هذه التطور في فكر العامّة لن يكون من صالح أيديولوجية أرباب الإسلام السياسي، بشقيه الشيعيّ والسنّي، اللذين يريدان إبقاءَه أسيرَ مواسم التطبير والمواكب بالنسبة للشيعة وفتاوى شيوخ الموت وأقوال ابن تيمية ومَن في شاكلته بالنسبة للسنّة.
-   إذا أراد شيعة العراق المساهمة في بناء دولة مؤسساتية قائمة على قيم وطنية تمتلك جيشًا عقائديًا وقوات أمنية وطنية جاهزة للدفاع عن حياض الوطن وعرضه وأهله وسمائه ومياهه، فما عليهم إلاّ التخلّي عن سياسة تشكيل الميليشيات الطائفية التي تكاثرت وتوسعت وأصبحت موازية لقوّة الدولة وقدراتها، لها ميزانياتُها التي تستنفذ اليوم جهد الدولة واقتصادَها من خلال الفساد المستشري فيها أيضًا، ونتيجة للسلوكيات القائمة على سياسة الضعيف تجاه القويّ خارجًا عن سلطة الدولة والدستور والقوانين. وفي هذا، يقدّر الشعب العراقي تضحيات الأوفياء والوطنيين الصادقين من الملبّين والمتنادين لصوت المرجعية في الدفاع عن حياض الوطن وتطهير الأرض والعرض من دنس الغرباء الأشرار، والتي لولا جهادهم الكفائي، لكانت العديد من مناطق العراق في خبر كان. وانطلاقًا من الحسّ الوطنيّ، يُؤمّل دمج هذه المجاميع في جسم التشكيلات الأمنية والعسكرية والاستخبارية الوطنية المتعددة، حفاظًا على وحدة الصفّ وتعزيزًا للروح الجهادية المطلوبة في شكل الأجهزة الأمنية جميعًا.
-   باختصار، إذا أرادوا التفاعل مع باقي المجتمعات الدينية والإتنية المختلفة عنهم، عليهم بقبول مبدأ الدولة المدنية بالحق والحقيقة، وأن يسدلوا الستار عمّا أسماه البعض من قادتهم بالمشروع الإسلامي الذي يربط مصير العراق بمصير أتباعهم في الجارة إيران، سواءً بتشيّع البلاد أو بأسلمتها على طريقتهم، غير مكترثين للتنوع الإتنيّ والدينيّ الذي يشكّل جمالَ بستان الوطن وديكورَه في الواجهة الدولية.

في الكورد
-   إذا شاءوا البقاء مع وحدة العراق وربط مصيرهم بمستقبل البلاد وأطيافه، أرضًا وشعبًا وسماءً وثروات باطنية وخارجية، عليهم إسدالُ الستار عن اسطوانتهم المشروخة بالتهديد بتقرير المصير وإعلان الاستقلال وحسم أمرهم. فإن شاءوا ذلك، فهذا حقُهم، والشعبُ والدولة سيحترمون خيارَهم المصيري تمامًا كما نالوا التأييد للحكم الذاتي في أوانه، ولكن، وفق أصول وإجراءات هادئة، وأن يحصل ذلك من دون ابتزاز أو مساومات تعجيزية على الأرض والثروات والمغانم.
-   في حالة خيارهم البقاء ضمن عراق فيدراليّ موحّد، عليهم الكفّ عن المطالبات التعجيزية والاستهلاكية التي لا تنتهي، واحترام صوت الشعب، والتماهي مع نبض الشارع المنتفض، ودعم مطالب الفقراء والمهمّشين، من خلال الإنصات لمطلب إلغاء المحاصصة الذي يصرّ عليه الشعب وأكدته الأحداث الأخيرة، بما فيها أصوات النواب المنتفضين والمعتصمين والمصرّين على تشكيل جبهة معارضة أو كتلة عابرة للمحاصصة الطائفية، وليس بالتصريح " بغداد، إلى جهنّم"، أو التلويح ب"الخطّ الأحمر" لأيّ مسعى حكومي بالتغيير!
-   بعكس ذلك، إذا شاءوا الانفصال، عليهم إثبات حسن نيتهم في التعامل مع مصير العراق بروح الوطنية وليس بالعنترية والعنجهية والتكابر، باستغلالهم لدعم الراعي الأمريكي والأوربي اللاّمحدود إلى جانبهم، من خلال استخدام سياسة ليّ ذراع الحكومة المركزية الضعيفة الغارقة في أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة، عالمين أنهم كانوا ولازالوا جزءًا في شراكة العملية السياسية في الفساد والإقطاعيات الحزبية والفئوية والعرقية منذ 2003.
-   إذا حصلوا على استقلالهم الموعود، هنّأناهم وطالبناهم بحفظ حقوق الجماعات المتآخية المختلفة في الدّين والعرق، ومنها حق الحكم الذاتيّ للمناطق التي يتواجدون فيها. فهذه الجماعات قد ناضلت إلى جانبهم طيلة عقود النضال المنصرمة. ومن حقها أن تحتفظ بقوامها الإتنيّ والدينيّ وهوياتها القومية المستقلّة من دون ضغوط وإكراه وتهديد وشراء ذمم، وكذلك التمتع بحقوق مواطنية متساوية، بعد تحوّل الحكم الذاتي في شمال الوطن إلى حكومة كردية عرقية تُحكم عشائريًا وعائليًا وتتحكم بجميع مخارج الإقليم ومداخله السياسية والاقتصادية والمجتمعية.
-   إذا شاءوا المساهمة في بناء الوطن وفي تعزيز مؤسساته الحكومية وبناء قدراته العلمية والإدارية والاجتماعية، عليهم احترام العاملين في إداراتهم الذين يتعرّضون لاستغلال قلَّ نظيرُه في التعامل، لكونهم مختلفين في الإتنية عن مواطني الإقليم من الأكراد الذين يحقّ لهم حصرًا وليس لسواهم تبوّأ مراكز وظيفية متقدمة ومواقع تعليمية. فما يقع من تمييز على مواطنين من غير الكورد، من الذين لجأوا للإقليم قبل أحداث 2003 وما بعدها بصورة خاصة، يقزّز النفس ويندى لها الجبين. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما يحصل في مؤسسات إدارية وتربوية وتعليمية من استقطاعات مرتبات وفرض ساعات إضافية لتدريسيين من دون مخصصات وتسريح البعض من دون أسباب وحرمان أمهات من إجازات أمومة وطفولة من دون مرتب واستهتار طلبة بأساتذة محترمين، والقائمة طويلة.

في المكوّنات المهمّشة
-   لغرض نيل حقوقهم، كمواطنين أصلاء في الوطن، مختلفين في الدين و/أو العرق، ومشاركين في بنائه وترميم مؤسساته المتهالكة، عليهم بلمّ شمل الكلمة ووحدة الخطاب السياسيّ والتوجّه بقوّة طاقاتهم الدينية والقومية وبقدراتهم العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال الوقوف بوجه موجات الصدّ وأدوات الرفض وإرادات التهميش والاستخفاف والتغافل المتواصلة التي طبعت عليها الحكومات المتعاقبة منذ السقوط في 2003. فالفرقة والتمزّق من مخرجات الخوف واليأس والعجز، فيما أتباع هذه المكوّنات لهم عمقٌ في التاريخ ولديهم تجذّرٌ في الأرض ولهم لغاتهم وتراثُهم وعاداتُهم الجميلة الباقية، ما يعزّز من هويتها الخاصة بها.
-   بهدف تشكيل لوبيّ وطني مستقلّ في الداخل والخارج، عليهم الكفّ عن التبعية لأحزاب وزعامات سياسية تفرض أجنداتها القومية والحزبية من خلال شراء الذمم والرشاوى التي يجري تمريرُها من خلف الكواليس طمعًا بكسب مواقف لصالح هذه الكتل والأحزاب ومن أجل تعزيز مكاسبها على حساب مصير ومستقبل هذه المجتمعات المسالمة أصلاً.
-   بهدف إعلاء صوتهم وإسماعه لأصحاب القرار وللمجتمع الدولي، عليهم بحراك سياسيّ ومجتمعي وإعلاميّ وثقافيّ مكثّف، بدلاً من الاسترخاء واليأس وقطع الرجاء. فنضال الشعوب المنكوبة لا يُستحصلُ بالركون على الأرائك ولعب الدومينو والطاولة في "القهاوي" ومراكز التسلية. فللإعلام الوطني الصادق وللمثقّف والوطني الناشط، دورُه البارز في صحوة النائمين وفي نقل الحقيقة وتنوير الجهلة بما يجري من خلف الكواليس وما يُحاك في الأروقة في فنادق خمس نجوم وفي دواخل فلل الرشاوى والاستراحات الخاصة.
-   لغرض فرض وجودهم، وهوياتهم الوطنية المتميزة بتراثهم ولغاتهم وتقاليدهم، عليهم المثابرة على تواصل حضاراتهم وإبراز انفتاحهم الدائم على الغير وبسط قدراتهم حيثما يتواجدون، من دون خنوع ولا خوف ولا مجاملة ولا تنازل عن الحقّ. فإنّ أيَّ خضوعٍ غير مبرّر، قد يعدُّه المقابل المقتدر ضعفًا قابلَ الابتزاز وليسَ تحضّرًا ومدنية وعصرنة في بلدان منغلقة على ذاتها، دينيًا وقوميًا ومذهبيًا وطائفيًا!

... وبعد، هل يمكن أن يصلح حالُ العراق بعد هذا الاستعراض بالمآسي والمشاكل والمتناقضات والتعقيدات والتخوينات وانعدام الثقة والمصداقية وحسن النية بين الإخوة المتصارعين والغرماء العنيدين، حلفاء الأمس وأعداء اليوم، ليفتحوا صفحة جديدة من الانفتاح والاحترام والبناء والإعمار والمصالحة الوطنية تحت رباط وطن واحد وخيمة وارفة الظلال تحتضن جميع المكّونات والجماعات والفعّاليات من دون تمييز ولا تهميش ولا إقصاء؟
مازال الأملُ معقودًا على عودة الوطن إلى سابق عهدِه، واحدًا موحّدًا بأهله وأرضه، عصيّا قويًا على الأعداء، رافضًا محاسِبًا كلَّ فاسدٍ ومتجبّر بغير حق، ومحتضنًا أبناءَه وكفاءاتِهم من دون تمييز ولا ظلم ولا تعسّف. فالغيمة السوداء التي ما تزال تضرب أرض الوطن، لا بدّ أن تزول ومعها سيختفي كلُّ الفاسدين والسارقين وحيتانُهم، ومعهم لصوصُ الليل والنهار، ومتهتّكو الأعراض، ومثيرو الشغب والطائفيون وأصحاب الأجندات الشخصية والفئوية المشبوهة.