عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حسن العاصي

صفحات: [1]
1
أدب / سلام عليك يا قدس
« في: 18:44 07/12/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


سلام عليك يا قدس


يتهادى صباح القدس
على بساط من سندس وديباج
يرقّ من ثغرها البنفسج
للعصافير حين تصدح
أزهار النارنج باكورة الصلاة
 والمآذن آيات الخالق تنسدل
 على الكروم وبساتين التين
 بالأسماء الحسنى
 وأكواب القهوة شراب البنٌ
 موٌال يعانق الشرفات العتيقة
 والخلخال أزهار الرمٌان

 على ضفاف القدس كًتب التاريخ
 وغًرست أشلاء الكون
 من هنا مر الآراميون والكنعانيون والإغريق
 وظلٌت القدس وجه طاهر
 معتٌق بفضة القمر
 القدس لسان الكون
 فيها صكٌت الأبجدية المسمارية والآرامية والسٌامية
 همس ينمو على أصابع الصوت
 وعند عتبات القدس تًنبت الكرامات
 فهي توأم الشام وشقيقة المسيح
 يحرسها الرحمن

 القدس بسبعة أبواب
 مدينة مفتوحة على السماء
 والنرجس أقراط القبّة
 تغفو عليها الملائكة
 جبل الزيتون عروس فوق هودج مخملي
 والأقصى مسمار الله في القدس
 والكنيسة مليحة حسناء بجدائل
 تمتد بين صرختين
بئر أيوب بتلات بماء يغسل الذنوب
 وجبل المكبّر صدقة جارية
كأنٌه مزمار الراعي
 ووادي قدرون سحر البيان

القدس سيدة المدائن
 حدائقها خطىً بلا تعب
 كأنها سجادة صلاة
 دروبها وسائد الروح تزيٌنها الحواري
 كأنٌها قبضة من نور
 القدس ريم القبائل وشامتها
 هي القمر العائم لحظة الغروب
 بدر أخضر
 القدسزهرة العيد براعم خمرية
 وخلف أسوارها تتمايل
 أغصان التين والتوت
مثل وتر أثملته الألحان

 كأنٌها إنجيل الفقراء
 مرصٌعة بطيور الجنة
القدس  قصيدة لا تكتمل بتفٌاح أو محراب
 هي وحدها ترسم المطر ربيعاً
 القدس عروس فاتنة بتاج من زنبق
 وقلادتها ماء القلب
 سلام على تلك الأرض ونسغها الطاهر
 وًلدت لتظل نبوءة الشرف
 وللإباء إيوان

 منذ نيٌف هاجرت أمواج القدس بحرها
 بكت النوارس
 احتضر النهار والضوء رحل
 وتجرٌعت القصيدة قبرها
 خلف أسوار الزوال
المبعدون وحدهم خطىً تائهة
 يقين يحتضر
 وأثواب معلقة في السماء
 والنساء تكابد الوجع
 ويمرٌغهن الأنين فوق خطوط الوحل
 ينامون وهن يمضغن
 الحسرة والأحزان

 خلف عباءة البياض
 تتوارى مآثر التراب المتوقٌد
 يجتث أغصان الماء
 كأنما المسجد لا عاصم له
 كالشرفات المهجورة
 عناكب بلٌلورية تنزف حمماً
 أضغطوا على الرّيح أيها المسلمون
 يدخل الملح الأسود جوقة الموتى
 أبكوا كفكم وألقوا حزنكم
 جهات للإيمان

 أضحت المدينة قلب حزين
 بضفائر من عصافير
 وشراع مبعثر يمتد جدائل من دم
 عند حافة الوقت المشروخ
 تتقشٌر الجدران في وحشة الضياء
 ويغفو الظل على وشم الماء
 عناقيد ملح تصافح الموت
 في جبٌ الظلام
 تفر الدروب تلفظ يهوه
 تسيل أسفار الذبح من الثقوب السوداء
 كالثوب الضرير يلتحفه الشيطان

2
أدب / كثيرة هي حماقاتي
« في: 19:08 28/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


كثيرة هي حماقاتي


لا أحد ينجو في مسار الغفلة
كثيرة هي حماقاتي
تتواتر كما السيل المنفلت
موجة بكماء وأخرى أوصدت أهدابها
بدءًا من مخاض ضرير
في حقل النعناع
حين وهبتني الأقدار قلباً أخضر
يصبح ساقية إذ استيقظت الغابة
وقنديلاً إذا نامت عصافيرها
أنثر السوسن في وجه الربيع
تزحف على الفصول رائحة لا تصل
أعتلي جدران المدينة مثل قط الأسواق
تتعثّر بي عربات الباعة
أشتهي قضم الرحيل
 مثل درب أعيته الخطى 
في العيد نسيت يدي عند بائع البالونات
وأنا أبحث عن آخر خيط كان يلهو هناك
فكان نصيبي فرساً ورقياً هزيلاً ومبتسماً
عدتُ مرّة من أقدام الشاطئ دون رأس
حين أيقظتني أمي صباحاً
وجدت نورساً لا يطاوعه الرمل مكانه
قالت: ابني ابتلع البحر
ومرّة تسلّقت لوحة الأولياء
فسقط بي جسر المطر
لملم السور جسده المنهك
وتوارى في أعباء القلق
كبرتُ وكبرتْ الحماقات
صرت مرجاً من العشب
ينصبون فوقه ألعاب المواسم
ويرقص على أطرافه التائهون
صرت شيئاً من لهاث المسافة
تصرخ أصابعي ولا أعرف القراءة
وفي الشتاء السابع
أخرجتُ عيني من أنفي
حين ضمرَ الغيم الماء في هبوط الملح
تذكروا أنني حلّقت مع فراشات النار
لم يكن زهواً ولا بهجةً
ولا برعماً
كان أنيناً منسكباً وجناحاً وعراً
أكبر حماقاتي كانت في الحب
صدّقتُ ذات وهم
قالوا لي ما الحب إن لم تفيض به روحك نغماً
فرابطتُ في روضة العشق وتراً
أطعتُ مقاماته وأنهكني الهوى
حتى ذرفت قلبي
وشيّعت جنازته وحدي
أغلقتُ الانتظار وقلتُ
ما أعذب عثرات الصبا
لو أن قدري يغادرني
ويبعثني مرة أخرى غصناً من الماء
يجتث التراب المتوقّد
كنتُ خلعت قلبي ووجهي ويداي
وكتبت جنوني ونوبات اغترابي
واكتشفت سرّ الحماقة
إنما يتلاشى وقتي
 مثل ضوء خجول يفرّ بعيداً
و قوارير الرمل تتنهّد باسترخاء
يوشك الطفل أن يرتبك
فوق العشب الأبيض
حالك وجه هذا العالم أسحم
ما زال الكثير في احتدام القصيدة لم يقال
أفترش وردتي وأنام
وحماقاتي تمضي حيث عيد الله
 يهب نزق الصبيان أرجوحة

3
أدب / أنتظر قلبي أن يكبر
« في: 16:49 24/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


أنتظر قلبي أن يكبر


بعناد باتر أمها ترفضني بشدّة
الفتاة التي أحب
تقول ابنتي غصن من أهزوجة
حسناء مليحة بجدائل تمتد بين هودجين
خدّها معتق بفضة القمر
وخلخالها من زهر الرمان
أنت شاعر أشعث بقلب صغير
وتمرك لا يؤكل
قلت خذي فرحي وساعة الشروق
 حدقة صراخي ولون نخيلي
خذي قصائدي ونكهة أصابعي
لو شئتِ ما أرقت وجهي
قالت عند عتباتنا تُقرع الكرامات
أنا أَهبُ الفصول ولادتها
لا ينفع معي مطر ولا بشر
فلا فرح لكَ ولا شجر
احترت في التأويل استشرت وسألت
أما من كوة تفضي خارج هذه المشنقة؟
قالوا بلا أمل تُبحر أشرعتكَ
كل الجهات تشهق حمماً
سيظلّ حزنك جاثماً كشرنقة فقدت أجنحتها
سألوني ما بالك والنساء تصدح
 أريم القبائل هي؟
أجبتُ بل شامتها
لا تشبهها القصائد المعلّقة
ولا جداول النرجس
هي وجه العيد العائم لحظة الغروب
منذ نيّف وسبعة مواسم
 صدفة التقيتها
امرأة ببراعم خمرية
حبّة خزامى تلاحقها البساتين
همتُ بوجدها
ونامت غيمة على نهر قلبي
في جنون التفاح سقطت
وأنا أنتظرها
ذات رمق يحترق
وأنا على بعد خسف أنتفض في وقتي المغلق
لا فرار للخطى من دربها
احتجبتْ في بهجة البياض
امتشقت الحبيبة من جوف الهاوية رمحاً
وأمعنت في خاصرتي
تقول أحبكَ يا وليفي ولكن
ينتظرني رجل آخر
وأنا أسقط تحت اللحاف آخر الليل
كل يوم لاصطياد الغفوة
يخرج قلبي من تُرعته فوق الغطاء
يرتدي برقعاً من أسلاك شائكة
 خلف السائل الأحمر يسترق النظر
بعينين تكبلهما خدوش رطبة
وأقدام تتعلّم الفطام
يبحث عن لبّادة العشب
أغطّي يقظتي وأُغمض فراشي
كي تغفو فوق الهوّة شِدّتي
لكن أرق الفراش يرميني كل ليلة
من أين يأتي كل هذا الحب؟
من أين لقلبي هذا الطفل العاشق؟
لو أن شغف الإبحار يعود
انتهى العرض
داهمتني الألوان البالية
لا تنسوا ترتيب التفاصيل الراكدة
في الخفق النازف جرحاً متوثباً
أنا وحدي وهذه الأضلاع نتلوّى
مثل قطعة وجع في سلّة ملح
 بلا سبيل بلا تمر
وبلا حبيبة
أنتظرُ قلبي أن يكبر




4
أدب / أحدثك عن وجع الحقيبة
« في: 10:53 19/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


أحدثك عن وجع الحقيبة


لم أكن أحب معلم الرياضيات
لأنه يكْسر صور الأحبة
ويعادل أجنحة المراكب بأشرعة البجع
يدسّ جذر الريح الشارد
ثم يضع أسماء الموتى  في جداول
يبتدع نظريات بفوهات صمّاء
 تضيق على عيون الصغار
ويحمل مسطرة طويلة
تصل إلى رؤوس التلاميذ
يشرح لنا عن مثلثات
برؤوس متجردة من حقولها
أضلاعها مثل شجرة هرمة
وفمها طوابير من الجراد
كان يقيس المسافة بين الكرّاسة وتعب القلم
بوتد من رحم كسيح
ولا أحب أستاذ الجغرافيا
يرسم بحوراً لا ماء فيها
ولا أغصان حانية
يخبرنا عن مدن تعوم فوق شقائق النعمان
وعن فصول ممزقة الأسمال
تستجدي حزمة من مطر
يقول لنا حين تسقط أوراق النهر
يجن الخريف ويموت الخبز
حينها يقضم الغيم وجه النهار
لا تخافوا إن ألقت العاصفة في صلب الكثبان
قمحاً بلا قوافل
ولا مدرس العلوم العجوز
يخلط بالقارورة صوت الضوء المتربّص بالنهر
 برائحة التوت المثقوب
وفي كل مرة تختنق شرنقة الماء
كانت يده مبتورة
قال مرة لا داع للعجلة
الطحلب الأصفر سيزاحم الشمس البكر
إذا ما نضج السور
وغفى النور على كفّ الأفق
أكثر ما كرهت معلم الرسم
وهو يصوّر في الأعشاش أسماك بأجنحة
ويرسم ستائر بلا نوافذ
حين رسمت عربة نقل الموتى
وضعت فيها صناديق من التفاح الأبيض
صفعني على مؤخرة رأسي
شاهدني مرة أرسم رجلاً يصلّي
عارياً بلا ملامح
 صاح يا عبد السوء
وطردني من الحصة
أستاذ اللغة العربية كان يخيفنا
يصرخ دون مقدمات
لم يكن من حاجة لهذا المعول
هذا الحطّاب لا اسم له
ورأسه سادر بلا حول
معتقلين كنّا لا طلّاب ولا أطفال
لم يكن أبي يصدّق إني كسول
وإني لا أحب المدرسة
حين يسألني عن أسماء الأولياء
أعدّد له  أغصان المدينة
أقول الحروف مصابة بنضح من وجعها
أصبحتم تعلمون ما كان يفعل
وأنت لا تطلب مني كتابة قصائد عن الحب
ولا عن الحبيبة الوفيّة
لم أكن أبداً أتحدث عن المدرسة
ولا عن أبي
كنت أحدثك هنا فقط عن وجع الحقيبة

5
أدب / يعود الشجر إلى البحر
« في: 20:20 14/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


يعود الشجر إلى البحر

أبداً لم يكن والدي رجلاً رومانسياً
لم نراه يحضر يوماً وردة لأمي
لكنّه يحضر الكثير من اللحم
أمّي تصنع بوفرة الخبز والكعك
تظلّ ترقب درب المدرسة
حتى لم تعد ترى المسافة
والصغار ينتظرون صباح العيد
تتوضأ أمي بالطحين وتعصر أكمام القِدِر
تمسح أشلاء النهار بأطراف ثوبها
تفرش تعبها وتصلي
وتعود إلى الصكوك العسيرة
ترتّل أورادها وتتهيّأ للظمأ
ونحن مثل كرات زجاجية صغيرة
نتدحرج بين أكياس السكّر وأقدام العمّات
وأكوام اللحم
والدي رجل ضخم البنيان والقلب والإيمان
يشبه طاحونة قديمة
يحلّق مثل أذكار الخشوع
كلّما أكل لحاء القمح نيئاَ
يطوف مثل قائد حربي
كلّما علا صوت المئذنة
ويحصي أطراف العباد
يُحبّ طهي اللحم وإطعامه
يهبُ الأسماء وريد الخبز
ويقرض كفّ اليتيم
تضيق السلال على المواسم
وتتوهّج عيون القوم
اللحم وافر
 تفيض الغِلال على المريدين
يبتسم أبي مثل وجه النهر
تمعن الأفواه في افتراس اللحم
يبتسم والدي أكثر
وكلّما تنسّم جارنا الرائحة
يأتي ليلقي التحية
والقوم لا يخرجون إلّا ويعودون
لم أرث حبّ اللحم
أورثني وحشة بأنياب
وأرق الاتجاهات
أبي لم يكن رجلاً رومانسياً
بل رجلاً شيخاً عنيداً ً
وكان يضربني كثيراً
لكنّه رجل جَوَّادٌ معطاء
بقلب يشبه ورق الورد
يُطعم كرز عينيه لمن يشاء
كان يناديني من حيث لا أرى
ويراني من حيث لا أسمع
وهكذا ظلّ هو كفاً بارداً
 على حدود الوجع
وبقيت أنا أطوي المسافات
لا يستقيم اليراع مع أنامل الراعي
يقولون حين تهرم الغابة
يعود الشجر إلى البحر
ما زلت أقف على فوهة الرمل
لا يطاوعني قاربي
لكنّني أحرّك الماء المرتبك
وأوْصد تقاطيع الشراع
كلّما سمعتُ دبيباً أو ثغاء


6
أدب / وجهي نافذة هرمة
« في: 19:45 08/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وجهي نافذة هرمة

ونحن صغار
كنت أصنع مصائد للضوء
أنصب المرايا الضريرة
وأستدرج الشمس للسور الكحلي
أمزّق من صلب السواد ورقة ورقة
كي يتبعني رأس النور
يستنهض قلبي ألوان الضياء
فتتراقص العتمة دون زهر يذكر
حين يمتد من الكوة الضيقة
 صوت الجناح وعداً
وتسقط قامة الضوء في الشرك
أُغلق العصافير على قلبي
أعصر ضحكتي فوق ظلّي
وأترك يدي فوق ريش التعب
كي ينضج وجهي في قوارير الوقت
الساعة تمام العتمة من كل ليلة
أتسلل خلف السور
 وأوقد مزاجي الحنطي
أُحرر الضوء وأُطلق وجهي من سباته
في الصباح أعود لأنصب الشراك
وأتحايل من جديد على الضوء
أصطاده مرة أخرى
وبنزق الصبيان أرفع مصيدتي
كي يهرب الضوء ويتلاشى
مثل كسرة ضحك ابتلعها الحزن
كنّا أطفالاً نتقاسم الطرائد وبستان التين
نُفرط في نصب المرايا
نتشارك القبور ويوحّدنا البكاء
كل شيء يعود لأصله
قادتني فطرتي إلى صفصاف القرية
لم يعد البستان كما كان
بلا حول تقبع المرايا الصدئة
في بيتي مرآة عمياء كبيرة
كثيراً كبيرة
بحجم السور الكحلي للمقبرة
لكن قلبي الآن أكثر رشداً
من الماء الخشن
كلما فتحت عليه مطري
على حين غيمة
وأمسى وجهي نافذة هرمة الدرب
يبتكر للغياب خيلاً
لتدوسني حوافر الراحلين
يا الله كم يحب المسافرين هذه القبور
مثل حَمَل صغير استيقظ متأخراً
في المرج الشرقي
دون أمه
أكبو مرتبكاً أستجدي وجهي
ينفطر صدري زهرة وعصفوراً
ولا يفلح الضوء في الانبلاج




7
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

حركة التحرر العربية .. أسئلة التراجع والنهوض



إن تفقدت بموضوعية وأمانة فكرية دور ومكانة قوى حركة التحرر الوطني العربية خلال ما يقارب العقود الأربعة الماضية، تكشف عن إفلاس فكري وسياسي وثقافي، وعجز حتى الشلل. ولن تجد من تلك القوى منفردة ومجتمعة سوى شعارات غوغائية باهتة، لم تعد تنطلي على أي مواطن بسيط من الشارع العربي.
سوف تجد قوى وأحزاب باتت فاقدة الأهلية الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، لانها أصبحت أسيرة سياسات الانظمة العربية البوليسية والثيوقراطية، ليس هذا فحسب، بل انها أصبحت جزءا من عملية التشرذم والانقسام الديني والطائفي والمذهبي في المنطقة.
 وحتى مؤتمراتها بمستوياتها المحلية والعربية، لم تعد تحمل أية دلالة بالنهوض، وانما تحمل معنى واحد يتمثل في المزيد من تصلب الشرايين الذي سوف يؤدي إلى الموت الإكلينيكي والتحنط، لانها تلوك ذات البرامج الفاشلة، وتنتج ذات القيادات، وتكرر نفس الخطاب بلغته الحطبية، تراها وهي تحاول تعيد إنتاج نفسها، أشبه بالعجوز المتصابية التي لا ينفع مع فسادها عطّار.
هذا لا يعني بالضرورة أن موت حركة التحرر العربية قدراً محتوماً، وأنه آن الأوان لإعلان وفاتها وتشييعها، ولكن كيف نستطيع إيجاد الرافعة السياسية والاقتصادية والثقافية، وبلورة مرجعية فكرية وتحويلها إلى مرجعية شعبية، تستطيع تحشيد وتوحيد جهود كافة شرائح المجتمعات العربية، ووضعها أمام التحديات الكبيرة التي تواجه العرب في الألفية الثالثة.
أن الإشكالية الأساسية في واقعنا العربي الراهن  تكمن في الفراغ، فراغ فكري ومعرفي وحضاري، إذ لا يوجد مشروع للأنظمة السياسية القائمة ولا للقوى الوطنية على حد سواء، ولا للمعارضات أيضاً التي يقتصر دورها في إعلان الرفض، ترفض ماهو قائم، وترفض اي قادم، وترفض المبادرات المختلفة.
يزداد الوضع سوءًا حين مقاربة المشكلة العربية بدخول البشرية مرحلة الثورة التكنولوجية، والموقف العربي لايزال يتراوح بين الخوف والتهميش وافتقاد الرؤية والبرنامج. كما يترافق عجزنا مع الشكل الجديد للعولمة التي من أبرز سماتها توحيد الاقتصاد والسياسة، أو ما يطلق عليه «إمبراطورية العولمة»، وهذا ما تحاول حضارات شرقية مثل الصين واليابان والهند وبعض الدول الأوروبية تطويرها وتغييرها إلى شعار «العولمة الإنسانية».
أضف إلى ذلك النظام الدولي الجديد قيد الإنشاء، إذ يطل على المنطقة العربية بصفتها «رجل العالم المريض»، الذي يهدد العالم بسبب الإرهاب والانفجارات الديمغرافية والفقر والاستبداد ويشكل خطرا على الأمن العالمي ولابد من إخضاعه وإدماجه عبر مبادرة «الشرق الأوسط الكبير»، ولن تتراجع القوى الغربية عن هذا الهدف حتى لو أخضع مشروع الادماج بالقوة عبر تحويل الحلف الأطلسي إلى شرطي العالم العربي.
لقد أثبتت كافة التطورات التي شهدتها المنطقة العربية خلال أكثر من ستين عاماً، أي خلال ما بعد نيل الدول العربية استقلالها السياسي عجز الدولة - الأمة (القطرية) ونظامها الإقليمي على مواجهة التحديات الجدية، فلا قدرة لهما على بناء الدولة «الأمة» القطرية المتطابقة مع الدولة القطرية، في زمن بدأ مفهوم الدولة - الأمة ينهار، كما يفتقدا القدرة على حماية شعوبهما من مخاطر التهميش الاقتصادي والتفكك السياسي والاستعباد الاستعماري، وافتقاد القدرة على بلورة عمل عربي مشترك ومستقل قادر على فرض الإرادة العربية.
 وتطل إلى جانب ذلك أزمات المجتمع العربي القطري ومن أبرزها سلطة الاستبداد التي أدت إلى انقسام المجتمع على أسس مذهبية وطائفية وقبلية، علاوة على بروز الإسلام السياسي المنقسم ما بين شيعي وسني إضافة إلى التفتيت والتمذهبات الخطيرة غير القادرة على طرح مشروع نهضوي - وحدوي - وسياسي أضف إليها انعدام أي برنامج لتحرير الإنسان العربي وإطلاق حرياته وحقوقه وإمكاناته الإبداعية والاقتصادية، ناهيك عن الاعتراف بحقوق المرأة.
وبرز وجهان آخران للمشكلة لا يمكن القفز فوقهما، الأول غياب عنصري العقل والحرية في الاجتماع العربي والثقافة العربية والحاجة الماسة لتحرير العقل العربي عبر تضييق مساحة المقدسات والايديولوجيات المغلقة، وإطلاق عصر أنوار عربي جديد، والثانية، حال الاحباط والاكتئاب الجماعيين وخصوصا عند الشباب، ما يستوجب إحياء الأمل بالغد وبعث التفاؤل بإمكان التغيير.
نحن أحوج ما نكون إلى طرح العديد من الأسئلة التي تفتح مغاليق الواقع من أجل التفكير بإمكان تحقيق الحلم الرومانسي الواقعي للشعوب العربية في، وهي ما إذا كانت الدولة القطرية الحالية قادرة على التنمية بشكل مستقل؟ وهل هي قادرة على الدفاع عن الاجتياح وحماية الشعب؟ أو قادرة على انقاذنا من الفقر والتخلف؟ أو ستساعدنا على إمكان ولوج عصر الحداثة وما بعدها؟
كل هذه الأسئلة لا شك تدعو للتفكير بصوت عال وتتطلب تغييرا جذريا في منهجية التفكير.
إذا كان هذا حال معظم الدول العربية من البؤس والشقاء والتبعية، فما البرنامج الذي يشكل استجابة للتحديات التي تواجه أمتنا العربية وشعوب المنطقة في الألفية الثالثة، لتحقيق تطلعاتها الحالمة باشراك الأمة في الثورة التكنولوجية، ومقاومة العولمة المتوحشة، والإنتقال إلى وضع تكون فيه الأمة مؤثرة على النظام الدولي خلال لحظات تشكله الحاسمة، والخارجة من ورطة الدول - الأمم وحروبها الأهلية، والقادرة على انقاذ المجتمعات العربية من الانقسامات ما بعد الحداثة المدمرة.
هل هناك وثفة سحرية للخروج من هذا المأزق؟ بالطبع لا، لكن البدء في إيجاد حلول يكمن في إعادة ترتيب الأولويات الفكرية وأساسها السياسي، حيث تجديد الفكرة العربية وتنقيتها من الشوائب التي لحقت بها جراء الفكر القومي، الذي أثبت أنه فاشي واستبدادي ودكتاتوري وحالم وخيالي وأسطوري، وتقدير قوة الهوية العربية وتجذر وحدة المشاعر العربية، فالثورة الفكرية تتطلب ثورة في النظرية على الصعيد السياسي من دون الاضطرار إلى الاعتماد على الأسطورة أو المدمرة، وذلك اعتمادا على المجتمعات المدنية العربية إذ تكتشف الطريق إلى مواجهة الفقر والتهميش عبر الاستخدام الأمثل للطاقات والثروات العربية ووضعها في خدمة خطط التنمية والتطويرات العلمية والتكنولوجية.
 وكذلك العمل على تخطي مخاطر الحروب الأهلية ومآزق الدول القطرية العربية والانتقال إلى حال الفعل السياسي والابداع الثقافي والمساهمة الفكرية والعلمية في إنتاج النظام العالمي الجديد، وانقاذ الشعوب العربية الصغيرة منها والثروات العربية كذلك من عمليات الالحاق والهيمنة وتحويل فكرة العروبة الديمقراطية إلى نظام سياسي ديمقراطي عربي يحقق العدالة والمساواة للجميع، وإعادة صياغة قضية فلسطين بصورة جديدة وبلورة حل عربي عادل للشعب الفلسطيني خارج إطار المشروع الاستسلامي، وإعادة الاعتبار لمفاهيم الكرامة العربية والسيادة والاستقلال العربي بعيدا عن الفكر «الواقعي» الإنهزامي الداعي لقبول إملاءات القوة الامبراطورية الأميركية.
من غير تحليل علمي وموضوعي وصادق لاسباب الهزيمة ومسبباتها، وإن لم نعلم لماذا خسر القوميون والماركسيون معركة التنمية والتطور، ولماذا غابت وغيبت حركة التحرر العربي عن المشهد طوال نصف قرن، ولماذا لم تتمكن الدولة الوطنية من إنجاز مهامها في الاستقلال الاقتصادي وتحقيق التنمية لشعوبها، فإن من ذلك يعني الاستمرار في هذا الوضع الخطير المهدد للكيانات وللدول، ويؤدي إلى انفراط الوحدة القطرية وانتصار أصحاب الكيانات العصبوية، ومن شأن ذلك تحويل الدول العربية إلى كيانات طائفية ومذهبية متصارعة، وهذه الحالة السوداوية سيناريو يحمل قابلية التطبيق في عدد من الدول العربية.
سايكس بيكو جديد يتم تداول تفاصيله في الغرف السوداء، لرسم ملامح خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط لن يفلت من أذيتها أحد، ما لم تتصالح النظم السياسية مع شعوبها، و لم تشفى حركة التحرر العربية من حالة الموت السريري.


8
أدب / يؤلمني ما زال خدّي
« في: 18:36 05/11/2017  »


يؤلمني ما زال خدّي


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وأنا طفل
كان والدي يضربني بيديه
كلّما عانقتُ في سفر الحكاية
خلخال سندريلا
وكتابي المدرسي مغلق
يضربني حين أجري خلف حلقات الضوء
أو حين أغسلُ وجه الصباح
من اكتظاظ العسف
يضربني أكثر إن نسيتُ وجهي معلق
على النافذة
وكلّما لمستُ ذيل الصلصال المولود
معلّمي في المدرسة ضربني
حين أيقظتُ الغيوم العابرة
ورسمتُ على الجدار ساقية
وطردني
 حين أدخلتُ الغابة الكسيحة إلى الصف
خرج منها شجر شاحب بلا ساقين
ومرة جذبتُ الشاطئ المبتور
نحو مركبي الورقي
 وأغلقتُ البحر
قال لأبي ابنك مجنون
حتى أمي كانت ترميني بالحذاء
كلما صنعتُ من الوسائد خيلاً
أو تعثرت أصابعي بالعشب
كنت أنثرُ الفراشات
على مسافة القمر القريب
فتصفعني حتى ينحبس الضوء
وتتوارى عيناي كأجنحة تائهة
خالي الذي يدلّل ابنه
يضربني كلّما جدّد البيعة نفاقاً لوالدي
وكلّلما هيأتُ وقتي المرتبك
كي أمتطي ندوبي
الشرطي ضربني حين كذبتُ مرة
وقلتُ عصف الوباء بالمدينة
بالسوط مرة أخرى ضربني
لأنني صرختُ شاخ الملك
في موكب الجنائز
حين رفضتُ الصلاة أول مرة
جلدني أبي بحزامه ثم بكبل مجدول
كان والدي شيخاً
في أوقات الصيام
يرمون لي ما فاض عن بطونهم
يقولون لا يصح صيامنا لو جلست
كنتُ قزحي المزاج
ألهو مع خدود السماء
أخلدُ للنوم على صدر زهرة الحبق
وأنسى الجوع والطعام وألم الضرب
كرهتُ أبي ومعلمي وخالي
كرهت الشرطة ودرب المقابر
لكل عصا جريرة
وهذه خطيئتي
أطعمتُ توت قلبي لجارنا اليتيم
سلكتُ درب الليمون
ورحلتُ في الوقت الحامض
لم أبرأ من ذنوبي
لا زلتُ أكره الطعام
ويؤلمني ما زال خدّي



9
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الوعد الشرير .. صهيونية خبيثة ودهاء بريطاني

حتى اللورد "آرثر حيمس بلفور" نفسه لم يكن يتوقع وهو يخط من مكتبه الأنيق في مقر وزارة الخارجية البريطانية رسالته الشهيرة الموجهة إلى  المليونير البريطاني اليهودي "ليونيل والتر روتشيلد"، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1917 التي تضمنت وعداً من الحكومة البريطانية بأن تقوم "بإهداء" فلسطين العربية إلى الحركة الصهيونية العالمية، كي تقوم بتحقيق حلمها في إقامة وطن قومي لليهود، أن هذه الرسالة التي سميت فيما بعد "وعد بلفور" سوف تتسبب في أعظم كارثة إنسانية وسياسية في العصر الحديث، عبر اقتلاع شعب كامل من أرضه وطرده خارج وطنه، وإحلال شعب آخر مكانه تم جلبه من كل أصقاع الأرض.
رسالة غيرت وجه المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد، ومازال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بل وشعوب المنطقة تعاني من النتائج الكارثية لهذا الوعد.
إن أية قراءة موضوعية لمجريات الأحداث منذ بداية القرن الماضي للآن لابد وأن تقودنا إلى جملة من الاستخلاصات لعل أبرزها أن من يمتلك قوة الفعل يكون قادراً على التأثير في مجريات التاريخ، وأن من يمتلك الحق دون قوة لن يلتفت إليه أحد في عالم لا تعنيه كثيراً قضايا الضمير والعدل إن لم تتوافق مع مصالحة.
لقد استطاع المستوطنين الصهاينة الأوائل من بناء مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية على أرض ليست أرضهم في وقت كان اليهود فيه يعانون من معاداة النازية والفاشية لهم، وكانوا مطاردين في أكثر من مكان، بينما لم يتمكن الفلسطينيين ولأسباب متعددة منها وقوعهم تحت سلطة الاحتلال البريطاني الذي كان منحازاً بالكامل للمشروع الصهيوني، وبسبب قلة الموارد الاقتصادية والعسكرية، وبفعل عجز النظام الرسمي العربي آنذاك من نصرتهم، لم يتمكنوا وحدهم من التصدي لمخطط خطير وكبير كمشروع إقامة دولة لليهود في فلسطين.
ومن الاستخلاصات الهامة أيضاً، عدم قدرة إسرائيل منذ تأسيسها للآن على إخضاع الشعب الفلسطيني ودفعه للخروج من فلسطين، وأنه رغم خوضها أربعة حروب مع العرب، وحرباً خامسة في اجتياحها لبنان العام 1982، ورغم المجازر العديدة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين العزّل، وسياسة القمع والتنكيل والاغتيالات والاعتقالات والحصار، لم تتمكن إسرائيل من الوقوف في وجه الإصرار الفلسطيني على نيل كافة حقوقهم السياسية والوطنية في إقامة دولتهم المستقلة، رغم استمرار الصراع لأكثر من قرن من الزمن، تعرض فيه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى جملة من المؤثرات الموضوعية فرضتها التطورات التي شهدها العالم بدء من الحرب العالمية الأولى حتى ما بعد اتفاقيات أوسلو.
ونحن نستحضر الذكرى المشؤومة لوعد بلفور، لا بد لنا من التأكيد أن لاشيء تغير، لا آنذاك ولا الآن في طبيعة الصهيونية العدوانية التي أمعنت في ذبح الفلسطينيين-وما تزال- ولا في أيديولوجيتها التي توظف من خلالها وتمزج الدين مع الأساطير، ولا في ممارساتها التي تتنكر حتى لوجود الشعب الفلسطيني، ولا في السلوك الاستعماري البريطاني الخبيث الذي كان المسبب الأول لعذابات اللاجئين منذ النكبة للآن.
كانت وما زالت الحركة الصهيونية تؤمن بثلاث كلمات "شعب الله المختار"، وكانت وما زالت السياسة الاستعمارية لبريطانيا ترفض بعنجهية أن تضطلع بمسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية في الاعتذار لشعب فلسطين عن المأساة السياسية والإنسانية التي ألحقتها به، بل أكثر من ذلك فإن الحكومة البريطانية تشدد على دعمها "للوعد" الذي وقعه آنذاك وزير خارجيتها المحافظ آرثر جيمس بلفور، وأنها سوف تقوم بإحياء ذكرى الوعد.
صهيونية لم تستثني من فصولها الإجرامية حتى يهود العالم لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين، ولم يسلم من الإرهاب الصهيوني حتى المجتمع الدولي حين قامت العصابات الصهيونية باغتيال الكونت "برنادوت" المبعوث الدولي إلى فلسطين، هي ذات الدولة البغيضة التي ولدت بفعل وعد بلفور، وما زال جنودها يطلقون النار على رؤوس الأطفال الفلسطينيين حتى الساعة.
مرت مائة عام على الوعد الخبيث، والشعب الفلسطيني إن كان من بقي في وطنه، أو من تهجر قسراً في المنافي، ما زال يتجرع المآسي من كأس اللجوء والاغتراب عن أرضه ووطنه.
بعد مائة عام يظل الباطل باطلاً، إن إعلان بريطانيا نيتها الاحتفال بوعد بلفور، يعني إهانة لقيم العدالة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان التي لايمل الغرب من التشدق بها، بل هو في الأساس إهانة للقوانين والتشريعات البريطانية نفسها ومنطومتها الحقوقية.


10

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


بلفور الوعد الخبيث
قراءة في الانحدار الأخلاقي الغربي

حين أعلن وزير الخارجية البريطاني اللورد "آرثر جيمس بلفور" رسمياً تأييد بلاده إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وجه رسالته الشهيرة في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1917 إلى المليونير البريطاني اليهودي "ليونيل والتر روتشيلد" التي تضمنت الوعد الشرير " يسعدني كثيراً أن أبلغكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على التعاطف مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء.
إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم أي أمر من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أي دولة أخرى.
وسأكون مديناً لكم بالعرفان إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا البلاغ "
لم تكن هذه المرة الاولى التي يذكر فيها اسم فلسطين كمكان لتوطين يهود العالم، فقد وجه القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" نداء إلى يهود آىسيا وإفريقيا يطلب منهم الانضمام إلى حملته على بلاد الشام في العام 1799 بعد أن فشل في دخول مدينة عكا، ووعدهم أنه سوف يقوم بتوطينهم في الأراضي المقدسة.
حتّى أن بريطانيا العظمى ذاتها كانت قد فكرت في تجميع اليهود في فلسطين، في سياق مخططاتها لتفتيت الدولة العثمانية، إذ بعث وزير خارجيتها اللورد "بالمرستون" رسالة إلى سفير بريطانيا في اسطنبول العام 1840 يقول فيها " أنه إذا استقر اليهود في فلسطين، فإن ذلك سيخولنا استخدام اليهود كمخلب قط ضد العرب والدولة العثمانية"
في العام 1882 عقد بعض المسيحيين الصهاينة المرموقين اجتماعاً  لمناقشة إمكانية توطين المهاجرين من يهود اليديشية في فلسطين، بزعامة الصهيوني "هشلر" الذي ارتحل  إلى القسطنطينية حاملاً رسالة إلى السلطان العثماني من الملكة فيكتوريا تطلب فيها السماح بتوطين يهود روسيا في الأراضي المقدَّسة.
ثم عقد اجتماعاً آخر العام 1884 في ألمانيا حضره أرباب المال اليهود لدعم عملية الاستيطان في فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن أنشأت المستعمرات الزراعية اليهودية بدعم من الثري اليهودي الفرنسي "أدموند دي روتشيلد"، الأمر الذي ساهم في مضاعفة أعداد اليهود في فلسطين من "12000" في عام 1845 إلى "85000" في عام 1914
منذ نهاية القرن التاسع عشر دابت الحركة الصهيونية على تشجيع يهود العالم للهجرة إلى فلسطين، وأحسنت توظيف بعض الافكار المعادية لليهود التي بدأت في الظهور في عدد من الدول الأوروبية لبث الرعب وسط اليهود لدفعهم إلى الهجرة.
وكما هو معروف فقد انعقد في مدينة بازل السويسرية المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية العام 1897 حيث صدر عن المؤتمر خطة استعمار فلسطين وتأسيس وطن قومي لليهود.
مع بداية الحرب العالمية الأولى العام 1914 قدمت بريطانيا وعداً للعرب بمساعدتهم على نيل الاستقلال إذا دخلوا الحرب بجانبها.
 وفي العام 1916 وقعت كل من فرنسا وبريطانيا اتفاقية "سايكس بيكو" التي تضمنت تقاسم النفوذ في المنطقة العربية، حيث تم وضع كل من سوريا التي كانت تضم لبنان تحت السيطرة الفرنسية، وكل من الأردن والعراق تحت السيطرة البريطانية، على أن تظل فلسطين منطقة دولية.
هذا الوضع تغير مع انعقاد مؤتمر "سان ريمو" العام 1920 في إيطاليا الذي حضره الحلفاء، إذ تقرر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتم إرسال الصهيوني "هربر صموئيل" كأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين.
في العام 1919 تم عقد أول مؤتمر وطني فلسطيني تم فية أدانة ورفض كامل لوعد بلفور.
وفي العام 1922 أصدرت عصبة الأمم قرارا يرسخ الأنتداب البريطاني على فلسطين، ويعمل في صالح تاسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي أغسطس 1929 وبعد سلسلة من العمليات الارهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم بالقوة اهتزت مدينة القدس بفعل أول اشتباك واسع النطاق بين الفلسطينيين واليهود، وسقط في المواجهات 133 يهوديا واستشهد 116 فلسطينيا
في العام 1936 قام الفلسطينيون بإضراب عام شامل لمدة ستة أشهر احتجاجا على الإرهاب الصهيوني ومصادرة الأراضي والهجرة اليهودية.
وقام الفلسطينيين بتشكيل اللجنة العربية العليا للدفاع. وتتالت بعد ذلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، وتواصلت المواجهات المسلحة غير المتكافئة بين المجاهدين الفلسطينيين والمليشيات الارهابية اليهودية المسلحة بأفضل الاسلحة.
لقد ادعت بريطانيا أنها تحاول تسوية الخلاف بين اليهود والعرب وذلك لكسب الوقت لصالح الاستيطان.
 وفي عام 1937 قدم اللورد "روبرت بيل" التقرير الذي خلصت له اللجنة التي كان يرأسها، حيث ورد في التقرير أن استمرار العمل بنظام الانتداب على فلسطين غير ممكن عمليا وأنه ليس هناك أمل في قيام كيان مشترك بين العرب واليهود. بعد تأكيد التقرير على استحالة قيام كيان مشترك لليهود والعرب، تم اقتراح تقسيم فلسطين إلى دولتين أحدهما عربية والأخرى يهودية على توضع الأماكن المقدسة تحت الإدارة الدولية.
 في سنة 1939 ومع بداية الحرب العالمية الثانية وفي محاولة لكسب مساندة العرب لها ضد المانيا أعلنت بريطانيا تقيد هجرة اليهود وعرضت منح الأستقلال للفلسطينين خلال أمد عشر سنوات.
 رفضت الحركة الصهيونية تلك المقترحات وقامت بتأسيس عصابات مسلحة جديدة للقيام بعمليات دموية ومذابح.
 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تخلت لندن عن وعودها للفلسطينيين، وعاد زعماء الحركة الصهيونية لتكثيف هجرة لليهود إلى فلسطين. بينما صعدت الحركات الصهيونية المسلحة مثل الهاجانا والأرغون والستيرن غانغ من هجماتها المسلحة.
ودخلت الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية الخط الأول للدفاع عن تسريع تحويل فلسطين الى مستعمرة استيطانية لليهود.
 وبضغط من الرئيس الأمريكي ترومان أرسلت بريطانيا لجنة جديدة لدراسة الوضع. اللجنة الإنجليزية الأمريكية أوصت بالتهجير الفوري لحوالي 100,000 يهودي أوروبي لفلسطين، كما أوصت برفع القيود على بيع الأراضي الفلسطينية لليهود كما أوصت بوضع الكيان المشترك مستقبلا تحت رعاية الأمم المتحدة.
 في عام 1947 قررت بريطانيا الانسحاب من فلسطين وطلبت من الأمم المتحدة تقديم توصياتها. وهكذا عقدت أول جلسة طارئة للأمم المتحدة في 1947 وتم أقتراح مشروع تقسيم فلسطين الى دولتين فلسطينية ويهودية على أن تبقي القدس دولية.
 وقد تمت الموافقة على الأقتراح من طرف 33 عضوا مقابل رفض 13 عضوا و بدعم من الأتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وبامتناع بريطانيا عن التصويت.
رفض العرب مشروع التقسيم واندلعت الحرب العربية الاسرائيلية الاولى سنة 1948 بعد الأنسحاب البريطاني في 14 مايو/أيار. وفي اليوم التالي الموافق 15 مايو/أيار 1948 أعلن أحد قادة الحركة الصهيونية "ديفيد بن ‏جوريون" قيام إسرائيل وعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية ، ونتيجة لتلك الكارثة ‏التي أطلق عليها "النكبة"، ‏قامت دولة يهودية في فلسطين تسمى دولة أسرائيل و تقرر فتح باب الهجرة لكل يهود العالم للكيان الجديد.
 في نفس اليوم قامت وحدات ضعيفة التسليح من جيوش من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق مع مقاتلين عرب آخرين والمقاتلين الفلسطينين الذين كانوا يقاتلون اليهود منذ نوفمبر/كانون الأول 1947  ببدء حرب ضد الكيان الصهيوني. وقد فشل العرب في منع قيام الكيان الصهيوني، حيث أنتهت الحرب بأربع قرارات وقف أطلاق النار من الأمم المتحدة بين اسرائيل ومصر ولبنان والأردن وسوريا ودفن قرار التقسيم. وشرد أكثر من 900 الف فلسطيني خارج وطنهم في حين شرد داخل ما لم يحتل من اراضي فلسطين مئات الالاف الاخرين.

في ذكرى مرور مائة عام على الوعد المشؤوم، يستمر تهويد القدس، والاستيطان لا يتوقف، وكذلك مصادرة الأراضي، إن جميع المجازر التي ارتكبها الصهاينة على مدى عقود، وكل ما يجري على الأرض الفلسطينية من انتهاكات يومية تقوم بها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني دون حسيب أو رقيب هو تجسيد لوعد بلفور.
لقد كشف تقرير صادر عن الإحصاء المركزي الفلسطيني، (حكومي)، في شهر مايو 2015 أن إسرائيل استولت على 85% من أراضي فلسطين التاريخية وتواصل نهب الأراضي والمقدرات الفلسطينية، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى حوالي 15% فقط من مساحة تلك الأراضي، معرضة هي الأخرى لخطر للتهويد  وبناء المستوطنات.
في يوم 31 ديسمبر 2014، استخدمت واشنطن، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي ينص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بنهاية عام 2017.
إن استمرار الغرب في تبني الرواية الاسرائيلية، والانحياز لها في المحافل الدولية يعتبر تنكراً فاضحاً لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية والتاريخية.
ولكن ألا يمثل احتقار "تيريزا ماي" للشعب الفلسطيني، عبر دعوتها  لرئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" للاحتفال بذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور، انعكاساً للهيمنة والغطرسة الغربية تجاه شعوب المنطقة المستمرة منذ أكثر من قرن؟
أليس استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في التحرر والاستقلال وغقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بالرغم من التضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب، والأثمان الباهظة التي دفعها، والعذابات التي عاناها على أرضه وفي بلدان الشتات، لهو دليل قاطع على الإنحدار الأخلاقي والقيمي لكافة المنظومة الحقوقية والإنسانية التي يتشدق بها الغرب؟

إلى متى سوف تظل فلسطين والشعب الفلسطيني خارج تغطية "الإنسانية الغربية" المزعومة؟ هل مازال هناك أحد يشكك بازدواجية المعايير عند الولايات المتحدة والدول الغربية نفسها التي تعمل على تسويق الأفكار المرتبطة بحقوق الإنسان وبالحريات العامة في المنطقة، بينما هي عاجزة مازالت عن القيام بواجبها في إنصاف الشعب الفلسطيني، ورفع الحصانة عن ربيبتهم إسرائيل في المحافل الدولية كي تتم محاسبتها على جرائمها التي ارتكبتها وماتزال بحق الفلسطينيين.

11
أدب / لعثمة
« في: 18:40 10/10/2017  »
قصيدة للشاعر الدانمركي الشهير نيلس هاو
Niels Hav
ترجمها إلى العربية الكاتب والشاعر حسن العاصي


لعثمة

ألا يشبه نقر القرد بالحجر على القوقعة
هلوساتنا وصراخنا الصامت
كأن أرواحنا تاهت في صخب الحياة
للحيوانات ذكاء يحلّق بأجنحة كالعصافير
تجدهم يتحسسون إيقاع الكون بلا كلام
لا يمكن للناس تجرع الحياة بصمت
ما زال البشر يثرثرون ليعيشون
لا يمكن لهذا الضجيج أن يهدأ
ولهذا ترانا أشقياء
الحروف كالأسماك في الأعماق تعوم في الطرق الضريرة
ترى خطاها بلا هدى
وللحروف أفواه ودروب وبحور وأرصفة
للحروف ألسن تتلون بلا معنى
لأجسادنا قوافل ومرايا وأوتار تعزف بقوس المحبة
لكن كل شيء يصبح أكثر وأكثر بلا نكهة
للثعالب كهوف، ولطيور السماء أعشاش
والعقل يتذكر المساكن
في البراري الشاسعة تنتصب قلاع الهواء المجهولة
 نتكدس نحن فوق الرفوف الممتلئة
مثل قواميس بلا أسماء ولا عناوين
في كل طابق منها
فماذا نسمي هذا ؟

12
أدب / وطن من حطب
« في: 19:53 29/09/2017  »

وطن من حطب


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


ترجمها إلى الانجليزية نزار سرطاوي
القصيدة سوف تشارك في انثولوجيا شعرية في الولايات المتحدة الامريكية في نيسان
2018

على بُعدِ رصاصة منها عثرَ على كرّاستها اليتيمة
خبَّأَ جداول ألوانها خلفَ صورِ العتمةِ
ونثرَ نكهةَ الحزنِ فوقَ بساتين عمرها
حمل قلب طفلتهِ وسلكَ درب الرياحين
كانتْ الخُطى تضجُّ بالجندِ
وشجرَ الطريقُ يصبحُ قرميداً ينكمشُ
انتهى الوطنُ وغرابُ المقابر نهشِ عنق الفرح
انتظرتْ أن يغفو النرجسَ
لتموتَ في وريدِ النهارِ
قالتْ يا أبي
هذا صوتُ روحي مثلُ صُبحٍ يحتضر
تسلَّقَ عينيها وهو يبكي
رَسمتْ سماءُ بقلبينِ وفَتَحَتْ عُشبها
والملائكةُ رقدتْ قُربَ ابتسامةِ الموتِ لتستريح
كَتبتْ وصيتُها على مرايا الحطبِ
حينَ يصبحُ الخبزُ بلا لونٍ
أُقطُفْ ريشُ الأسماء مِنْ نافذةِ النار
وهِبْ شجرَ الماءُ ألفَ حريقٍ ليطيرَ
ما زلنا ننتظر فرح أو جنون



النص باللغة الانكليزية

Ahomeland of Firewood

One bullet away from her
he found her only notebook
He hid the creeks of its colors
behind the colors of darkness
He spread the flavor of grief
on the grooves of her life
He carried the heart of his little girl
and walked on the path of basil
The track was crowded with soldiers
The road trees turning into shrinking tiles
The homeland was gone
and the graveyard crow bit the neck of joy
She waited until narcissus fell asleep
that she may die in the vein of the day
,She said, father
this is my soul’s voice like a dying morning
He climbed her eyes as he cried
She drew a sky with two hearts and opened its grass
The angels slept near the smile of death to take a rest
She wrote her will on the mirrors of firewood
When bread loses color
pick the feathers of names from the window of fire
give the water trees a thousand fires that they may fly
We are still waiting for joy or madness

13
أدب / أشرقت يقظتي بياضاً
« في: 11:03 17/09/2017  »



أشرقت يقظتي بياضاً
   
  حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


     1   
كنت أشرّع لها ربيعي
كي يمطر مدارها
ماء الهوى
ويزهر زندي موجاً أخضراً
يمتد إلى ضفاف صبحها العاري
حين أدارت مرايا الهجر
ضفائرها
أشرقت يقظتي بياضاً
في قصيدة متأخرة
والليل يسعل
رسمت على جسد الإنتظار
مواعيد لا تأتي
وأودعت في صندوق الغياب
أشياؤها المبعثرة
         
        2
أحتسي تفاصيل اشتعالها
من كؤوس الشوق
هنا
في الشمال البارد
تتثاءب أجنحة الهيام
المسافة إلى بخور رحلتها
اشتعال لحن
والوصول هدير شاطئ
وقيد جمرة

       3
من أغوى شهرزاد
في سفر الحكاية
تقشّر الحلم الأخير
شهريار على كف الضوء
يعاشر لذة الصبر
مسرور على بعد عنق
من اللوحة المشطورة
يقبض على الوقت
ونحن ننتظر قرباناً
أن يراق الدم المنذور
أو يعتصم الفجر القادم
بمحراب الموت

          4
 متدثراً أغفو بالرعشة الممتدة
بين جناح الخدّ والخصر النحيل
تطلق حقول جسدها المبلّل
عصافير الغرام
فتحلق زنابق الضوء بوجدي
ويغشاني الدوار
يبتدع الليل توابل الهوى
والعتمة تأوي مجون العشاق
أكابد شوقي متضرعاً
ولجت روض كنت أشتهي
فأشعلت أنفاسي مباهج الحسن
 انسدلت بزهوٍ على كتفي
كطيور الماء
فهدر موجي لحظة الإبحار
الصدر المتموّج ينشطر نصفين
بدر قمحي وثغر شبق
 بلا تعليل
ينتصب الزهر بوعد القوارير
هل من فرار ؟
أستمحيها دلالاً
وموتاً جميلاً
فالعاشق في روض الصبابة
يحتار
على كؤوس النار
يمتطي ممالك العسل المبارك
أو جهة الأنفاس الرطبة
يميل


14
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الخروج من التاريخ
هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟

إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن الأمة العربية الواحدة ذات الثقافة واللغة والهوية والجغرافيا الواحدة وذات المصير المشترك، تتصارع الآن في داخلها قوى وجماعات وكيانات، وتتمزق وحدة هذه الأمة على المستوى القومي وعلى الصعيد الوطني، ويتم تهجير ملايين من المواطنين ومنهم الكثير من الكفاءات والعقول الخبيرة، وتتعمق في المحتمع الواحد الإنقسامات الأثنية والطائفية أو حتى المناطقية في بعض الدول .
إن واقع الحال العربي يشير إلى أن هذه الأمة تتنازع فيها هويات جديدة على حساب الهوية العربية المشتركة، بعضها هويات إقليمية أو طائفية أو دينية أو عرقية، ويبدو أن الهدف هو تجريد هذه الأمة من هويتها وشخصيتها العربية والإسلامية .
في ظل هذا الحال من التفتيت والتقسيم التي تعاني منه المنطقة العربية، والتي لايبشر بالخير أبداً ويشير إلى أن المنطقة مقبلة على صراعات أكثر دموية، نقول أنه في ظل هذا الوضع بدأت تتعالى أصوات بعض المفكرين بضرورة العودة إلى دروس وعبر الماضي لنستلهم منها مايعيننا على مواجهة معضلات الحاضر، ذاك الماضي الذي كان فيه العرب والمسلمين أصحاب مكانة ونفوذ، وأصحاب فضل في تطور ونشر المعارف.
ولكن ما الذي يجعل من بعض المفكرين العرب أسرى الماضي بكل مافيه، وهم الذين يدعون إلى دراسة الماضي ومحاكاته، والتواصل الواعي مع افكار وقيم الماضي، والتمسك بالفلسفة الاجتماعية السياسية التي شكلت دعائم هذا الماضي الجميل .
ويرى هؤلاء أنه حين تتعرض الأمة إلى تقويض هذه الدعائم -كما يحصل الآن- فإن المهمة الأولى للمجتمع هي العمل على إعادة إحياء الماضي وإعادة الإعتبار إليه ليس بوصفه تراثاً ساكناً، بل باعتباره أداة عمل عصرية ورافعة حضارية لإعادة تشكيل الحاضر.

بينما يرى آخرون أن أصحاب هذا الفكر الماضوي يبالغون كثيراً في إظهار بطولات العرب وإنجازاتهم في الأزمان الغابرة، وأن الماضي الذي يراد إحياؤه ليس إلا تاريخ يقوم على التضخيم والإختلاق، وهم يرون أن العودة إلى
الماضي هو شبيه بالدعوة إلى الخروج من التاريخ، ورفض الواقع ومحاولة الهروب إلى الأمام، وهو بمثابة إدارة الظهر عن الواقع بكل تحدياته، والسعي إلى الخلاص عبر العودة إلى الماضي لعجز هذه القوى والفكر الذي يتمثلونه في التصدي للمهام التي تولدت من الحياة المعاصرة، وعدم مقدرتهم على الإجابة عن الأسئلة الراهنة التي يطرحها مفاعيل الحاضر بكافة تعقيداته وتشابكاته .
إننا نؤكد إن النظر إلى الماضي يجب أن يتم برؤية موضوعية شاملة، ذات مصداقية تتكئ على الحقائق، ذلك لأن دراسة الماضي دراسة مبنية على أسس علمية هي ضرورة أخلاقية وحضارية ومعرفية لتسليط الضوء على الهوية الوطنية والقومية ، واستخدام هذا المنهج في قراءة الماضي يجعلنا لانسقط في هوة انتقاء مايحلو لنا من التاريخ، وإهمال الصفحات الأخرى التي لا تنسجم مع أمجادنا.
لكن قبل الإستطراد في مناقشة الموضوع، دعونا نلقي نظرة تاريخية سريعة على هذا الماضي لجعله في خلفية المشهد أثناء تسليط الضوء على أهمية وقف تفتيت البلاد العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية .
لاشك في أن المنطقة العربية قد عانت لفترات طويلة وعصيبة من نير الاحتلال الأجنبي قبل ظهور الإسلام . فقد عانى سكان هذه المنطقة من ويلات الإمبراطورية الفارسية الوثنية ، والإمبراطورية الرومانية المسيحية الغربية ، ولم تستثني هذه السياسة التي اعتمدت البطش والظلم من قبل هذه الإمبراطوريات جميع سكان المنطقة، لم تستثني المسيحين العرب الذين ذاقوا الأمرين من سياسة التنكيل والتعذيب، لذلك لم يكن غريباً على سبيل المثال أن تنضم القبائل المسيحية العربية إلى جيوش الفتح الإسلامي ضد الفرس والرومان، وكذلك في فتح إسبانيا وتأسيس دولة الأندلس .
وبهذه الفتوحات الإسلامية تحرر العرب من قبضة المحتل وتم طرد الغزاة من الأرض العربية، وكذلك تم توحيج السلطة السياسية وأيضاً توحيد الأمة التي تقيم فوق هذه البقعة الجغرافية، وتم صهر جميع الإثنيات والأقليات في الحضارة العربية .

فخلال مراحل التطور التاريخي للدولة الإسلامية، تبلورت هذه الكتلة البشرية المعروفة باسم الأمة العربية، وتجانست هذه المجموعة قومياً وتآلفت وأصبح لها تاريخ واحد مشترك ولغة واحدة، الأمر الذي أثرى تراثها الثقافي والحضاري التنوع، وساهم في إنتاج ما يسمى تكوين الشخصية العربية . ولأن هذه المجموعة تسكن في بقعة جغرافية واحدة واسعة وممتدة، كان لابد من ظهور مصالح اقتصادية مشتركة، وفرض ضرورة وجود أمن قومي عربي واحد، وهذه من الأسباب الرئيسية التي أنجبت فيما بعد الشعور بالعروبة والإنتماء لهذه الأمة وأظهرت النزوع نحو الوحدة عند غالبية سكان المنطقة .
ولقد ساهمت الحضارة العربية والإسلامية مساهمة فعالة في إغناء الحضارة الإنسانية وتطورها في مجالات العلوم والفنون والآداب والدراسات المختلفة .وفي الوقت الذي وصلت فيه الأندلس في عهد حكم المسلمين إلى ذروة مجدها وعظمتها، وأصبحت قبلة للقاصدين لطلب العلم والمعرفة، كانت أوروبا غارقة في جهل مدقع وتخلف حضاري.
ووصل العطاء الفكري للعرب والمسلمين إلى ذروته في القرنين الثامن والتاسع الهجري، وبرز الكثير من العلماء العرب في الطب والجغرافيا والفكر والرياضيات والفلسفة وغيرها الذين ما زالت مؤلفاتهم تدرس في جامعات العالم .
ما الذي يجعل من بعض المفكرين العرب أسرى الماضي بكل مافيه، وهم الذين يدعون إلى دراسة الماضي ومحاكاته، والتواصل الواعي مع افكار وقيم الماضي، والتمسك بالفلسفة الاجتماعية السياسية التي شكلت دعائم هذا الماضي الجميل .
ويرى هؤلاء أنه حين تتعرض الأمة إلى تقويض هذه الدعائم -كما يحصل الآن- فإن المهمة الأولى للمجتمع هي العمل على إعادة إحياء الماضي وإعادة الإعتبار إليه ليس بوصفه تراثاً ساكناً، بل باعتباره أداة عمل عصرية ورافعة حضارية لإعادة تشكيل الحاضر.
بينما يرى آخرون أن أصحاب هذا الفكر الماضوي يبالغون كثيراً في إظهار بطولات العرب وإنجازاتهم في الأزمان الغابرة، وأن الماضي الذي يراد إحياؤه ليس إلا تاريخ يقوم على التضخيم والإختلاق، وهم يرون أن العودة إلى
الماضي هو شبيه بالدعوة إلى الخروج من التاريخ، ورفض الواقع ومحاولة الهروب إلى الأمام، وهو بمثابة إدارة الظهر عن الواقع بكل تحدياته، والسعي إلى الخلاص عبر العودة إلى الماضي لعجز هذه القوى والفكر الذي يتمثلونه في التصدي للمهام التي تولدت من الحياة المعاصرة، وعدم مقدرتهم على الإجابة عن الأسئلة الراهنة التي يطرحها مفاعيل الحاضر بكافة تعقيداته وتشابكاته .

لكن هل نحن حقاً نريد إحياء الماضي ؟ الجواب بالطبع لا نريد، فإن الماضي عبارة عن جملة من العناصر تدخل وتساهم مساهمة مباشرة في تكويننا الفكري والثقافي وفي العناصر التي تحدد شخصيتنا، الماضي شيء يدخل في الشعور واللاشعور لكل فرد، كخبرة متوارثة وليس كواقع جامد يمكن استعادته بمجرد استدعائه، إن الماضي هو تاريخ الوجود البشري كصيرورة تاريخية جماعية ممتدة في الزمان .

وأهمية “قراءة الماضي في هذا السياق أنها تساعدنا على وضع الحاضر في مكانه الصحيح . ذلك أن التاريخ يهتم بالأسباب، ومن ثم فإنه يوسع من مدى إدراكنا للعملية التاريخية، وإذ قرأناه بوعي، نظرنا إلى المشكلات التي تعكر صفو الحاضر برؤية أكثر تنظيما، لأن معرفة كيفية عمل المجتمع في الماضي- من خلال قراءة التاريخ- قد تفتح عيوننا على الإمكانات والبدائل الكامنة في الحاضر، وليس معنى هذا أن الماضي يمكن أن يجعلنا نتنبأ بالمستقبل بشكل ساذج وبسيط مثل قراءة الطالع، وبالتالي لا يمكن أن يرشد الناس عن الكيفية التي يجب أن يتصرفوا بها في حاضرهم، ولكنه قد يساعدهم على أن يتجنبوا تكرار أخطائهم. ويمكن لمجتمع اليوم أن يأخذ من ماضيه شيئاً ربما يفيد في توجيهـه وإرشاده لأن التاريخ يحمل في داخله نوعاً من الإنذار المبكر لمن يعرفون كيف ينصتون إليه أو يحسنون قراءته .

وبالتالي فإن أية عملية استحضار الماضي بشكل ميكانيكي هو أشبه بوضع العربة أمام الحضان، ويصبح قرار إرادوي بالثبات وعدم رؤية وقائع الحياة المعاصرة المتجددة والمتطورة بشكل متسارع بحيث تكاد تفلت من بين أيدينا ولانستطيع الإمساك بعناصرها وحلقاتها المهمة، لهذه الأسباب فإن اتصالنا وتواصلنا مع تاريخنا يجب بالضرورة أن يتم من خلال هذه الوقائع للحياة المعاصرة، لا أن يتم النظر إلى حاضرنا بأدوات ومفاهيم الماضي .

إن مقدرة الشعوب على التواصل والإتصال مع الحداثة ومع منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة وكافة مفردات الديمقراطية والتطور العلمي وتوفير مناخ الإبداع وعدم المس بحقوق الإنسان الأساسية، هي التي تجعل من التاريخ في تواصل وتماس مع حياتنا الراهنة، ونحن كشعوب عربية مازلنا نكافح لبناء وطن عربي موحد سليم ومعافى وقادر على المساهمة بفعالية في صنع الحضارة الإنسانية الحديثة دون تكييفات خاصة لمذهب أو لطائفة أو لعرق فيه الأفضلية عن الآخرين، وذلك من خلال التواصل والتعاون مع كافة التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية العالمية، مع أهمية التأكيد على أهمية الهوية القومية العربية الواحدة الموحدة في مواجهة الأطماع التي تحيط بجسد الأمة من كل صوب، ولمنع أية اختراقات تؤدي إلى نفكيك هذه الهوية وتجزئة المنطقة تمهيداً لتدمير شخصيتنا الاعتبارية .
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يدخل العرب إلى الألفية الثالثة بأسئلة كبيرة ومهمة، أسئلة فلسفية وجودية علمية وتاريخية ومصيرية مازالت تثقل كاهلنا من القرن الماضي ، وهي أسئلة تطرح في الحقيقة في جو من التشاؤم والنظرة السوداوية . قد تمت خلال الربع الأخير من القرن الماضي عدة مراجعات على المستويين الفلسفي والعلمي لكثير من النظريات التي كانت تساعد الإنسان على فهم أفضل للعالم وكافة الظواهر والعناصر التي تساهم في صيرورة الحضارة المعاصرة، والكثير من هذه المراجعات توصلت إلى استخلاصات مهمة اتسمت بنظرة سوداوية تشير إلى أنه لأول مرة في التاريخ تقف البشرية على شفا حفرة من التدمير الذاتي وأن استعصاءات هذه الحضارة قد تقودها إلى حتفها.

ولكن حين لا يستطيع واقعنا الراهن أن يقدم أجوبة عن الأسئلة المهمة التي يطرحها الفكر الإنساني، ويكون هذا الواقع عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر، فإننا لاشك نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما أن الأسئلة التي على هذا الواقع هي في الحقيقة أسئلة زائفة غير حقيقية وغير صائبة وغير منطقية، وبالتالي فإن الأسئلة الزائفة الغير حقيقية لاجواب واقعي عنها، أو أن هذا الواقع الذي نعيشه هو واقع راكد وعناصره ثابتة راسخة إلى الحد الذي تحجر فيه هذا الواقع وأصبح لايستطيع الإجابة عن أسئلتنا .
في الحقيقة إن الفكر العربي في مأزق معقد مركب لم يستطيع تجاوزه منذ أكثر من قرن ونيف من الزمان، إذ مازالت الأسئلة التي طرحها هذا الفكر هي نفسها، دون أن يستطيع تقديم إجابات علمية عليها، ومازال قادة الفكر العربي وسدنة تشكيل الراي العام مشحونين بالأسئلة دون توفر إمكانية تقديم الأجوبة الشافية، الأمر الذي يساهم في تكريس حالة الضياع والتوهان للمواطن العربي، وهو وضع شبيه بخروج المريض من عيادة الطبيب بتشخيص دون علاج.

إن أسئلة التحرر من الاستعمار، وموضوع التبعية والتخلف، النهضة والتقدم التاريخي، التجديد في الفكر وقضية الإبداع والسلفية، سؤال الحداثة وقيمها مثل الحرية والتحديث والديمقراطية والتمدن ومابعد الحداثة الخ، أسئلة العروبة والإسلام والقومية، العنف والحوار والتسامح، سؤال الأنا والآخر، أسئلة المستقبل وغيرها الكثير من الأسئلة الأساسية الوجودية، إن الكثير من هذه الأسئلة قد طرحها النهضويون العرب، ونلاحظ أنها مازالت نفسها أسئلة المعاصرين من المفكرين العرب .   
فهل هي أسئلة يقدمها الوعي العربي من خلال رؤيته للعالم وللماضي بصورة علمية وكما يجب، أم أن هذه الأسئلة هي ناتجة عن وعي إرادوي للعالم ؟ في الواقع إن القول بأن هذا الواقع راكد وراسخ بثبات ولم يتغير منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن، هو قول غير علمي وبالتالي هو يتناقض مع سيرورة حركة التاريخ الفعلية التي تعني أنه لا ركود ولا ثبات في حركة الكون المتغيرة المتجددة باستمرار، لكن للأسف لميكن في حركة التاريخ ولا في تجدده وتغيره إجابة واقعية علمية عن أسئلة المفكرين العرب في العصر الحديث، وبالتالي فإن أياً من أهداف عصر النهضة العربية لم يتحقق .

حسناً، ألايبدو الآن منطقياً إذن التحرر من أسئلة الماضي، ومن كل تلك الأسئلة التي طرحها النهضويون العرب قديماً حديثاً، ونقدم بدلاً عنها أسئلتنا المعاصرة، أسئلة مرتبطة ارتباط وثيق بأهدافنا الواقعية،فطالما أن الأسئلة القديمة لم يتم الإجابة عنها وأهدافها لم تتحقق وقد مضى عليها دهراً، خاصة في ظل هذه المتغيرات الكبيرة والجوهرية الهامة التي تشهدها المنطقة العربية، من تحولات في هذه المجتمعات تحولت في بعضها إلى صراع مسلح وحروب اهلية .،

من المهم أن نعلم أنه لايمكن تحقيق أهداف وإنجاز تطلعات تاريخية إن لم تكن أصلاً تحمل بين طياتها إمكانية حقيقية واقعية للتحقق، ومن البلاهة وقصر النظر الظن أنه بالإمكان لوي عنق التاريخ لإجباره على أن يكون كما نرغب ونتمنى من دون أن يكون التاريخ في تلك اللحظة التاريخية في حالة حمل حقيقي وليس حملاً كاذباً .
في ضوء ماتقدم نصل إلى استخلاص في غاية الأهمية، وهو أن أية إمكانية حقيقية وواقعية للتغيير في حركة التاريخ، سوف تظل ساكنة إذا لم تجد الإرادة والرافعة والأدوات واللحظة التاريخية المناسبة لنقلها من حالة السكون إلى إمكانية واقعية . إن هذا الوعي والإدراك لمنهج تحليل العلاقات بين أسئلة الفكر العربي وبين الواقع الذي نعيشه، يجعلنا ندرك الأسباب الموضوعية العلمية وراء إخفاق الأفكار التي لم تتحقق ، وماهي الأفكار التي تحمل قابلية التحقق.

وبذلك نكون أمام احتمالين، إما أن أفكارنا وأهدافنا السابقة كانت مجرد إمكانية تاريخية واقعية لكنها لم تجد الإرادة والعزيمة لتحقيقها، أو أننا كنا نمتلك الإرادة الواعية ولدينا أهداف لكن من غير إمكانيات لتحقيقها.

يدعو بعض المفكرين العرب إلى الحداثة وضرورة دخول العرب إلى عصر العولمة على سبيل المقاربة، يكون هذا البعض قد طرق الأبواب الخاطئة، إن الأبواب التي تحتاج طرقاً هي الأبواب التي تدخلنا إلى قاعة من أجل امتحان أسئلتنا التاريخية وفق منظور العصر الحديث، لمعرفة هل هي أسئلة صحيحة أم زائفة . على سبيل المثال سؤال الهوية القومية ومن نحن، وهي مسألة مطروحة بقوة من أجل نهضة عربية جديدة، وقد دخل العرب الألفية الثالثة وهم في حالة من التفكك الذي يهدد حاضر العرب ومستقبلهم، في وقت يدعو الكثيرون فيه إلى الإنخراط في النظام العالمي الجديد، من موقع المشاركة وليس التبعية، وهو ما لايستطيعه العرب قبل إنجاز وحدتهم القومية، حتى لايتم استيلابهم من قبل القوى العالمية المهيمنة على النظام العالمي الجديد، وهذا يقودنا إلى سؤال الوحدة العربية وبناء دولة عربية واحدة وقوية، انطلاقاً من وحدة اللغة والثقافة والتاريخ وإرادة العيش المشترك ومواجهة التحديات الكبرى،التي تحتم وحدة العرب في مواجهة التكتلات السياسية والااقتصادية العالمية. فهل هذا السؤال الهدف حقيقي أم زائف ؟ نحن نعتقد أنه سؤال حقيقي لأنه إمكانية واقعية، فقط تحتاج إلى إرادة سياسية لتحقيقها.

لنعرج على أسئلة الحرية والديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني، وهي الأسئلة القديمة الجديدة، فما الذي يجعلها أسئلة راهنة ؟ بالطبع إنه غياب الحريات العامة وعدم وجود مواطنة حقيقية وغياب أو ضعف منطمات المجتمع المدني.أما لماذا غابت الحرية والديمقراطية، فإن لذلك اسباب متعددة أهمها سيادة سلطة العائلة والقبيلة حتى في مؤسسات الدولة، وسيطرة الحزب الواحد وغياب تداول السلطة،وكذلك غياب ثقافة الديمقراطية عن خطاب الفكر القومي العربي بحجة أولوية الكفاح من أجل الإستقلال والوحدة، إذن غياب الحرية والديمقراطية هو غياب مزدوج سياسي في أنظمة الحكم وأيديولوجي لغيابه فكرياً كما هو واضح عن شعارات القومية العربية، التي دعمت في بعض المراحل أنظمة حكم استبدادية باسم الإشتراكية .

إن أحد أهم الأسئلة هو سؤال الدين والسياسة والعلاقة بينهما،ويكتسب هذا السؤال صفة استثنائية في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بالأمة العربية، وكذلك عودة الفكر الديني بكافة أشكاله إلى الساحة السياسية، في ضوء تصاعد لافت للقوى والأحزاب والجماعات الإسلامية خلال السنوات الأخيرة. والموقف من العلاقة بين الدين والسياسة كان العامل الفيصل في تصنيف التبارات الفكرية، إما بتغليب أحد الطرفين على الآخر، أوبإعادة النظر في السؤال، وهي بالمناسبة علاقة إشكالية تنتمي لأكثر من حقل معرفي ديني وسياسي واجتماعي وحقوقي، ومن الصعوبة بمكان مقاربتها وفق رؤية واحدة، وكما يقول ابن رشد فإن الحكمة أخت الشريعة، ولايمكن لحق أن يضاد حقاً آخر، لكن إشكالية هذه العلاقة بين الديني والسياسي في الفكر العربي لم تستطيع أن تتجاوز البنية الفكرية للعقل العربي الإسلامي، وبالتالي حالت دون نجاح المشروع النهضوي العربي.

أيضاً من الأسئلة التي مازالت مطروحة بقوة في الفكر العربي سؤال نحن والآخر،وكذلك حوار الحضارات، كمفهوم برز بقوة في العقد الأخير من القرن الماضي ، نتيجة انتهاء الصراع الأيديولوجي العالمي مع سقوط المعسكر الشرقي، والعامل الثاني هو صعود دور الأديان في الحياة السياسية العامة ، وكذلك تطور وسائل الإتصال ماعرف بالثورة المعلوماتية .

ولكن بأي منظور نتحاور مع الآخر، أبمنظور ليبرالي؟ أم ماركسي؟ أم إسلامي؟ أم يتوجب توحيد الرؤية؟
ما لا شك فيه، أن تعدد المرجعيات داخل الدائرة العربية والإسلامية.يؤثر في مناقشة الكثير من القضايا موضوع الحوار، لاسيما المرتبط منها بالهوية.الأمر الذي يجعل الباحثين غير المسلمين يلقون صعوبات في تتبع هذه الاختلافات، لاسيما إذا كانت جوهرية وفي المنابر الدولية.فالشعور السائد لدى معظم الغربيين هو تعدد الإسلامات.
وعلى الرغم من اتفاق الخطاب العربي والإسلامي حول رفض الهيمنة الغربية على العالم، ورفض تعالي الغرب ومركزيته.وكذا رفض تشويه الإسلام ونعت الأنا-العرب والمسلمين- بشتى النعوت خاصة بالتطرف والإرهاب.فإن هذا الخطاب لا يزال مضطرباً في فهم الآخر(الغرب)وفي صياغة الأسلوب الأنجع في التعامل معه، وبالتالي التواصل معه.
في هذه اللحظات التاريخية من الواقع العربي الراهن، نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي فكري مضطرب إلى حد كبير ويحتاج إلى قدرات تحليلية مركبة ومعقدة لفك طلاسمه، لأن تحليل هذا الواقع قد خضع لاعتبارات متباينة حد التناقض في أسبابه ودوافعه، وذلك يعود إلى غياب مزمن للعقل التحليلي، واستلاب المواطن العربي، وتخلف مراكز انتاج المعرفة في العالم العربي إن وجدت، وسياسات الاستبداد والتجهيل التي مورست بحق الإنسان عبر عقود طويلة،كل هذا ساهم في إنتاج هذه العشوائيات في الفكر العربي، وجعلت من هذا المشهد الحالي مبهم ويستعصي على تحليل المواطن العربي .

هذه الحالة لا يمكننا خلعها والتخلص منها؛ إلا إذا أعدنا قراءة الواقع والتاريخ بمنظار آخر غير الذي استخدمناه على مدى العقود الماضية وأحسنّا ترتيب أوراقنا وأعدنا اجتراح استراتيجيتنا بشكل يتوافق مع الشيء الذي يعيد لنا الثقة في المكان الذي يجب أن نحتله بين دول المعمورة.
الأسئلة التي تشكلت على مدار العقود الماضية هي نفسها التي تتردد اليوم، وهي نفسها الأسئلة التي تتعرض للواقع العربي، لماذا تردى الحال العربي ووصل الى هذا المستوى من التدني والاختلاف والتجزئة؟ لماذا لم تقم جبهة عربية واحدة إزاء ذلك الكم الهائل من التحديات التي أصبحت تهدد الهوية العرية بل الوجود العربي من أساسه، ولا نبالغ إن قلنا إن الإنسان العربي يتعرض اليوم أكثر من أي وقت مضى للتجريف والتشريد بهدف إنهاء وجوده كإنسان.

أخيراً، إن معرفة الأهداف الكبرى والإيمان بها من غير معرفة منهجية وأدوات تحقيق هذه الأهداف، هو استمرار لدوران الأمة في الحلقة المفرغة، ومعالجة عجز الفكر العربي عن تقديم أجوبة على أسئلة الواقع الراهن المتغير لاتكون بالعودة إلى تمجيد الماضي وأستخدام أدواته الفكرية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى سقوط الفكر، وهو سقوط سوف يتسبب في إعادة إنتاج الشقاء الفكري مرة أخرى .

15
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

هل تحولت القضية الفلسطينية إلى حائط مبكى؟
 قراءة في فساد السلطة

لقد انشغلت الساحة الفلسطينية في الفترة الزمنية التاريخية ما بعد حرب العام 1973  بجدال سياسي حول قضايا مصيرية مثل الاعتراف بالقرارين الدوليين242 و 338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الوطنية الفلسطينية، تكون حلولاً مرحلية ،بديلاً عن ماهو تاريخي واستراتيجي في الأجندة الوطنية لكفاح الشعب الفلسطيني .
فبرز في البيت الفلسطيني تيار تبنى ما أطلق عليه الواقعية في تحقيق أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية،ونادى بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة يجري دحر الاحتلال الإسرائيلي عنها .
وبعد نقاش فكري وسياسي عميق تحول إلى صراع بين مختلف قادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها امتد قرابة عام، تمكن التيار الواقعي من تعزيز مواقعه في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وداخل أطر م ت ف، وتحول من تيار كان يمثل الأقلية إلى تيار الأغلبية.
ولاحقا نجح في تحويل أفكاره من الحيز النظري داخل غرف الاجتماعات وتحويلها إلى سياسة عامة لمنظمة التحرير، حين أقر المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 برنامج “النقاط العشر”، والذي عرف في حينها “ببرنامج السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة”
منذ ذلك الوقت رفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هذا البرنامج في مواجهة الإتهامات التي كانت توجهه لهم بأنهم متطرفين وغير واقعيين. واستخدموه في التدليل على مرونتهم وواقعيتهم، وعلى استعدادهم المساهمة في المساعي الهادفة إلى إيجاد حلول سياسية عادلة وواقعية للصراع مع إسرائيل.
وفي حينها اعتقدت قيادة م ت ف ومعظم القيادة الفلسطينية أن الظروف والأوضاع الدولية مهيأة لانبعاث الكيان الفلسطيني الجديد، وقيام السلطة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية .
لقد أكدت الأحداث اللاحقة ومسار الأحداث في المنطقة والعالم ،أن القوى الدولية المقررة، وبخاصة قطبي الحرب الباردة حينها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لم يكونا جادين في ايجاد حلول واقعية وعادلة لقضايا المنطقة وصراعاتها المستفحلة.
وإن كل منهما كان يسعى في تلك الفترة لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة. كما أكدت أيضا أن ظروف وأوضاع أهل المنطقة أنفسهم لم تكن ناضجة للتوصل إلى أية حلول جدية لصراعاتهم العميقة.
في ربيع العام 1991 أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مبادرة يدعو فيها أطراف الصراع الفلسطينيون والعرب وإسرائيل ، إلى مغادرة ميادين القتال والحروب، واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر لحل النزاعات المزمنة في المنطقة .
وهذا ماحصل، فقد التقى العرب في مدريد، ولاحقاً التقى وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية سراً مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، وتوصلوا بعد مفاوضات عسيرة إلى اتفاق " إعلان مبادئ" حول ترتيبات حكومة ذاتية فلسطينية انتقالية، عرف هذا الإتفاق فيما بعد باتفاق أوسلو،
جوهر هذا الإتفاق بشكل أساسي هو إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة خمس سنوات، تؤدي إلى تسوية دائمة على اساس قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338.
وهكذا في أجواء احتفالية غير مسبوقة، تم التوقيع في أيلول العام 1993 على هذا الاتفاق الشهير بين الفلسطينيين وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، على أن تتم مناقشة قضايا الحل النهائي بعد ثلاث سنوات وهي القدس واالاجئين والمستوطنات والحدود والمياه .
غير أن هذا الإتفاق أغفل وضع جداول زمنية محددة للانسحاب الإسرائيلي من الضفة وقطاع غزة، كذلك سقط من الإتفاق أية آلية دولية تلزم إسرائيل لتنفيذ استحقاقاتها من الإتفاق، أنتج هذا الأمر وضعاً غريباً، فقد أغرق الجانب الفلسطيني في مايسمى معالجة التفاصيل قبل معالجة جوهر المشكلة، وكان الإتفاق ملزماً للفلسطينيين بينما تنصلت إسرائيل من التزاماتها، الأمر الذي كرس الإحتلال بدلاً عن إزالته .
طوال الأعوام الماضية ظل رجال السلطة الفلسطينية يلهثون بسعار خلف جزرة الحل النهائي الذي لم يتحقق من بنوده شيء، بل على العكس تماماً، تنصلت إسرائيل من كافة التزاماتها من اتفاق أوسلو وكأنه لم يكن.
إن جزء من الشعب الفلسطيني الذي اعتقد أن تشكيل السلطة أنجاز لابد من حمايته والدفع به لتحقيق إنجازات أخرى،اكتشف أن هذا الإتفاق الذي أبرم مع إسرائيل لايعبر عن أمنه ومصالحه ولا عن أهدافه الوطنية ، بل على العكس، وجد المواطن الفلسطيني نفسه أنه يعاني من سلطتين، سلطات الإحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية التي ألزمتها إسرائيل بالتنسيق الأمني معها ضد كافة النشطاء والمناضلين الفلسطينيين الأمر الذي أدى إلى اغتيال عشرات من خيرة أبناء شعبنا الفلسطيني ، واعتقال الآلاف منهم .
لقد أعادت السلطة الفلسطينية إنتاج نظام التنفيع الذي ورثته من منظمة التحرير الفلسطينية،وبدلاً عن المضي في بناء مؤسسات لمختلف القطاعات واعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة، أصبحت علاقات المنفعة والمصالح الشخصية والولاءات هي السياسة المعتمدة لهيكل السلطة، وأصبحت هذه الطريقة أداة قوية وفاعلة في الاستيعاب للمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين، ووسيلة أيضاً لإقصاء الشرفاء والمناضلين وأصحاب الكفاءة .

إن السلطة الفلسطينية أخذت تعمل على كسب ولاء الناس من خلال الحصول على مورد اقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تضخم شديد في القطاع الحكومي العام للسلطة حيث وصل عدد موظفي السلطة حوالي 170,000 موظف تعتمد رواتبهم بشكل أساسي على المعونات الدولية، المصيبة أن 44 في المائة منهم يتبعون الأجهزة الأمنية وبالتالي يستحوذون على حوالي نصف الميزانية، بينما يا للسخرية لا يتم صرف سوى واحد في المائة على قطاع الزراعة ، وساهمت هذه السياسة في مأسسة الفساد وانتشاره، وهو ماكانت إسرائيل تريده من خلال إنشاء سلطة بعد أوسلو تكون منتفعة وضعيفة تتحكم فيها إسرائيل من خلال الموارد من الموارد المالية.
فتم توزيع المناصب في هيئات وإدارات السلطة على المحسوبيات والمقربين،حتى المعارضة السياسية من مستقلين ويساريين وإسلاميين لم تستثنى من هذه الامتيازات، فتم دمج الآلاف منهم في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنحوا مناصب في القطاع الحكومي مقابل ولائهم السياسي .

من جهة أخرى برزت في النظام السياسي الفلسطيني في الداخل ظاهرة زواج المصلحة بين رجال الأعمال ورجال السلطة وأيبح هو الشكل الأكثر انتشاراً للفساد،يستمد قوته من تمتع النخب بالحصانة السياسية والاجتماعية والقانونية ،فامتلأت الحسابات المصرفية لآلاف الفاسدين بالمال الفاسد .
كما أن استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية وعشائرية يشكل ظاهرة واضحة في مؤسسات السلطة، إبرام صفقات مشبوهة، استخدام موارد السلطة والوزارات للأغراض الشخصية، سرقة الممتلكات الوظيفية وإهدار المال العام ، حتى أن إحدى عمليات التدقيق والرقابة في بداية الألفية أثبتت أن حوالي 40 في المائة من ميزانية السلطة قد أسيء استخدامها .
إسرائيل ليست بعيدة عن هذا الفساد، بل على العكس هي تساهم في تعزيز هذا الفساد في السلطة الفلسطينية وتحسن استغلاله فيما بعد ،وتحاول إشغال الرأي العام بهذا الفساد كي تصرف أنظار العالم عن الآثار المدمرة التي تلحقها سياساتها العدوانية بالبنية الاقتصادية والتنمية الفلسطينية، وماتقوم به إسرائيل من تدمير ممنهج للإقتصاد الفلسطيني .
لقد أدى هذا الوضع الشاذ إلى جملة من التغيرات في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة من الضعف والهشاشة،وتراجع الشعارات والأهداف الثورية التي طالما تغنى بها الشعب الفلسطيني وميزته عن باقي شعوب الأرض التي استحق احترامها وتقديرها ومساندتها نتيجة لكفاحه والتضحيات التي قدمها عموم الشعب الفلسطيني في طافة أماكن تواجده وجعلته يحظى بكل تلك الهالة المقدسة التي كان يعتز بها .
لكن الفلسطيني ذاته أخذ يشعر بالغضب والحزن والإحباط الشديدين بسبب ماوصلت إليه قضيته الوطنية التي أصبحت تهمة للمناضلين، ومطية للمتسلقين الانتهازيين من الفلسطينيين أنفسهم قبل غيرهم، كما تحولت القضية إلى ميدان للمزايدات لدى البعض، وفرصة لشتم وتحقير الشعب الفلسطيني وقيادته، وتعداد محاسن إسرائيل لدى البعض الآخر .
ثمة مفارقات عجيبة تحصل في خلفية المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي يزداد حجم ومستوى التضامن الأوروبي والعالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، نشهد تراجعاً عربياً ملحوظاً على المستويين الرسمي والشعبي في التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني ودعم قضيته الوطنية ، التي هي بالأساس قضية العرب الأولى وقضية عموم المسلمين .
فما الذي أوصل أهم قضية تحرر وطني في التاريخ إلى هذا المستوى الذي لايسر أحداً ولايدلل على عافية، ولماذا جنح بعض العرب إلى مستوى غير مسبوق من الحقد على الفلسطينيين، وهل نحن أمام واقع جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية ، أم أنه برزت أولويات جديدة أمام الشعوب العربية، أم أنه انعكاس طبيعي لواقع الحال الفلسطيني والعربي الذي يشهد حالة متعاظمة من التردي والسقوط والإنحدار على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية،الأمر الذي جعل زيارة وزيرة العدل الإسرائيلية " تسيبي ليفني " سراً إلى إحدى عشرة دولة عربية لتطلب منهم عدم تقديم أية تبرعات مالية إضافية للسلطة الفلسطينية، يبدو خبراً طبيعياً حين تم تسريبه، وتعاملت الدول العربية معه بصمت وتجاهل بعد أن انصاعت الحكومات العربية إلى المطالب الإسرائيلية دون خجل،وهكذا وضع الأشقاء العرب قرارهم بدعم القدس العربية بمبلغ مليار دولار في سلة النفايات العربية، ولم يكلف الأمين العام للجامعة العربية نفسه عناء تكذيب هذا الخبر حفاظاً على ماء وجه العرب .
مما لا شك فيه أن هناك أسباب ومسببات عديدة ومختلفة وراء إيصال قضية سامية وعادلة كالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، إلا أنه أيضاً كل تلك الأسباب والعوامل ماكانت لتكون مؤثرة وفاعلة لولا الدور السلبي للقيادة الفلسطينية ومواقفها المتخاذلة وسعيها وراء السلطة وامتيازاتها بدلاً من تعزيز ودعم فكرة النضال والكفاح ضد المغتصب، وبالرغم من أننا لسنا في وارد تقييم تجربة الثورة الفلسطينية ، إلا أن مانشهده اليوم من إحباطات وانهيارات وانسدادات أمام القضية الوطنية الفلسطينية لم يكن وليد المتغيرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، إنما هو نتيجة طبيعية وكارثية لكل السياسات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية والخيارات التي اقدمت عليها منذ انطلاق العمل الفلسطيني المسلح في منتصف ستينيات القرن الماضي .
إن مجمل هذه السياسات أدت فيما أدت إلى تقزيم منظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف العامل الفلسطيني برمته، وتحويل قضية فلسطين الوطنية إلى حائط مبكى، وظهور قيادات فلسطينية ضعيفة ومخترقة من قبل العديد من أجهزة المخابرات وخاصة الأمريكية والإسرائيلية،أنيطت بهذه القيادات مسؤولية الحل والربط فيما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته،وهم المسؤولين مسؤولية مباشرة عن تقليص الحقوق الفلسطينية وضياعها، من خلال حجم التنازلات المرعب الذي قدمته هذه القيادة الفلسطينية للجانب الإسرائيلي بدءًا من التنازلات التي قدمت للوصول إلى اتفاقية أوسلو الملعونة ، وصولا إلى كافة التنازلات التي مازالت تقدمها القيادة الفلسطينية في سبيل محافظتها على مناصبها وامتيازاتها على حساب مصالح شعبنا الفلسطيني وتضحياته، هذه التنازلات جعلت إسرائيل تتنمرد على السلطة الفلسطينية بل وتتجرأ بكل وقاحة وتطلب ويا للعجب من القيادة الفلسطينية الضعيفة الإعتراف بيهودية دولة إسرايل !!
هذه القيادة التي تستقوي على شعبها وعلى الفصائل الأخرى بالأنظمة العربية التي كانت داعم رئيسي لنضال الشعب الفلسطيني ولقضيتة الوطنية مالياً وسياسيا، فأصبحت الثوابت الفلسطينية والعربية تجاه الصراع مع إسرائيل تنتهك وتحذف بمباركة عربية استعاضت بها القيادة الفلسطينية لغباءها عن الغطاء الشعبي الفلسطيني لتمرير سياسات التنازل والإستسلام،تلك الأنظمة العربية مغلولة اليد أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي لاتريد سوى السلامة حتى لو كانت على حساب القضية الفلسطينية، لكنها تصبح شرطي بعصا حين تستقوي بها السلطة الفلسطينية لكسر إرادة قوى المعارضة الفلسطينية الرافضة لكل سياسات السلطة التنازلية، هذا الإستقواء في الحقيقة -إضافة إلى عوامل أخرى- هو ماجعل الأنظمة العربية نفسها تستقوي على القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين أنفسهم، وإلى إخضاعهم إلى التجاذبات المتنافرة في السياية العربية.
لقد سقطت السلطة الفلسطينية في مستنقع الفساد والإستنفاع، وانكشفت عورتها أمام الجميع، وكل أوراق التوت والتين لاتستطيع ستر عورات سلطة هجينة، وليدة اتفاقيات مذلة،وحولت جميع الحقوق الثابتة التاريخية للشعب الفلسطيني إلى" مشاكل قابلة للنفاوض" وحولت قضية وطن محتل ومغتصب إلى خلاف على تقاسم نفوذ فيما بينها، وتتبنى سياسة التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، هي العقلية ذاتها التي تطاولت بالكلام بداية على المناضلين والأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية عام 1988 أثناء الإنتفاضة الفلسطينية الأولى تحت شعار "هجوم السلام الفلسطيني" وتحول هذا الهجوم فيما بعد إلى تآمر لضرب الحركة الوطنية الفلسطينية، وقامت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المحترمة باعتقال قيادة وكوادر ونشطاء المقاومة الفلسطينية، وتعاونت مع قوات الإحتلال الإسرائيلي لاغتيال مناضلين.
إن السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها على نفسها اساساً، هي ليست أكثر من أداة وظيفية لدى الإحتلال الإسرائيلي، وقد أصبحت حاجة إسرائيلية لضرب المشروع الوطني،فاتفاقيات أوسلو التي أنجبت السلطة أنهت الحكم العسكري الإسرائيلي، لكنها لم تُنه الإحتلال نفسه، وبينما انشغلت السلطة بإدارة الحياة اليومية، تحول الإحتلال إلى استعمار نظيف قليل التكلفة حيث تتولى أجهزة السلطة الفلسطينية كافة الملفات القذرة، تتابع إسرائيل مصادرة الأراضي وفرض الحقائق على الأرض .
لذلك لا بد من إسقاط هذه السلطة لإنهاء عبثية مسار التفاوض مع إسرائيل الذي اثبت عقمه، ولوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كاملة كسلطات احتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وحتى تكف السلطة عن كونها غطاء لهذا الاحتلال.
ومن جهة أخرى لوضع المجتمع الدولي والأطراف الراعية لعملية السلام أمام استحقاقاتهم الموضوعية في فشل مسار التسوية السياسية، وهذا يجب أن يؤدي إلى اعتبار أن شعبنا الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال ومن حقه مقاومة هذا الاحتلال وفق المواثيق الأممية.
إسقاط السلطة سوف يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية التي قزمها رجال السلطة وجعلوها ظل عديم الفعالية تابع لهم بعد أن قاموا بإفراغ المنظمة ومؤسساتها من دورها الوطني باعتبارها حاضنة المشروع الوطني الفلسطيني .
وهذا من شأنه أن يساهم في تقوية الموقف الفلسطيني الذي أضعفه زج السلطة بالرقم الفلسطيني في مفارقات العرب السياسية، فانتقلت القضية الفلسطينية بقدسيتها من حالتها في الضمير والوجدان العربي والأممي إلى رقم ضعيف في الجامعة العربية .
إن هذه السلطة المتخمة بالفساد السياسي والأمني والسلوكي والأخلاقي، التي حولت القضية الفلسطينية إلى ممسحة لبعض الأنظمة العربية وسياساتهم وصفقاتهم، سوف يذكرها التاريخ على أنها سلطة متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية، في عالم لم تعد تعنيه كثيراً قضايا الضمير والحق والعدل، بل يلتفت إلى من يملك قوة الفعل والتأثير في مجريات التاريخ.

16
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الصورة النمطية لإفريقيا في الإعلام الغربي
جوع وفساد وإيدز

يظن معظم الغربيين أن القارة الإفريقية هي عيارة عن صحراء مترامية الأطراف، يقطنها شعب واحد يشترك بصفات سواد البشرة وبياض الأسنان، فقد ارتبطت صورة إفريقيا والإنسان الإفريقي في ذهنية الغربي بتراثهم القديم الممتلئ بثقافة التعالي والعنصرية والإيمان بتفوق العرق الأبيض على سواه من الأعراق، وقد ساهم بعض الكتاب الغربيين في ترسيخ هذه الصورة المتخيلة عن إفريقيا في عقل الغربي، ويمكن هنا أن نورد كتاب " من قلب الظلمة " للكاتب الروائي البولوني " جوزف كونراد " وكذلك الكاتب الألماني " كاي ماي " الذي كتب سلسلة من كتب المغامرات اعتمدت على الوصف الخيالي لإفريقيا، وذكر الكاتب فيها مغامرات حصلت في السودان ووصفها وصفاً دقيقاً وهو يقبع في  السجن، دون أن تتاح له فرصة زيارة إفريقيا، واللافت أن هذه الكتب ما زالت تحقق مبيعات مرتفعة في الدول الغربية.
إن التنافس بين الدول الكبرى على المناطق الإستراتيجية والغنية، انتقل من مرحلة الصراع المسلح  إلى صراع فكري وإستراتيجي حول بسط الهيمنة، وزيادة التبعية والنفوذ، وبأدوات العصر الحديث في توجيه الرأي العام الدولي والمحلي، ولذلك نجد كل وسيلة إعلامية ذات تمويل حكومي وتوجه دعائي لها اهتمام خاص بها وإستراتيجية إعلامية نحو القارة الأفريقية.
نحن اليوم أمام غزو للقارة الأفريقية لا يقل في قوته وعنفوانه عن غزو الجيوش والاحتلال والسيطرة، إن الهيمنة الإعلامية على أفريقيا هي استمرار لتاريخ طويل من المشاريع الإعلامية، التي أطلقتها محطات إذاعية وتلفزيونية دولية، وحتى منصات إلكترونية لتوفير مواد إعلامية تستهدف المواطن الأفريقي والتأثير في جمهور وسلطات بلاده.
يتمثل الاعلام الغربي بمنظومة المحطات الفضائية التي تجعل من العنف، والجوع، والتخلف مادتها الإعلامية التي يتم نقلها عبر شبكة مراسليها في القارة الافريقية، إضافة الى إنتاج العديد من الأفلام التي يظهر فيها الإفريقي على أنه شخص تابع ومقلد للرجل الابيض، فشركات الإنتاج السينمائي الكبرى مثل هوليود وغيرها تعودت أن تقدم الرجل الإفريقي على أنه الطرف الضعيف والعاجز في أعمالها الفنية، فضلا عن الصحافة المقروءة الذي كانت وما زالت تتعاطى مع القارة الإفريقية من ذات المنطلق الذي تتعاطى معه شبكة الإعلام المرئي.
أن إفريقيا الحقيقية أكثر تعقيداً بكثير من الصور التي نراها بانتظام في وسائل الإعلام الغربية، التي دائما ما تصور الجانب السلبي من القارة، ويحاول الإعلام الإفريقي الرد من خلال إظهار صور أكثر إيجابية وواقعية، على أمل أن يتعرف العالم على إفريقيا الحقيقة التي لا يعرفها الغرب أو يحاول تشويهها.
لطالما تعودت وسائل الإعلام الغربية على النمطية في نقل أخبارها والحديث عن القارة، ومن هنا يمارس أصحابها مهنتهم على تلك الأسس، تبعا لأهداف قد تكون معلنة والعكس صحيح، إلا أنها – أي الأهداف- تتمحور حول إبراز صورة الغربي بأحسن حال من صورة الإفريقي، ففي بعض دول ومناطق أخرى، نرى في التقارير الإخبارية أن الرجل الأبيض هو الذي يقوم بتغذية الرجل الأسود ومساعدته وتقديم العلاج له، ولن ترى في التقارير أن الأفارقة يساعدون أنفسهم أو يساعد بعضهم البعض.
إن الصومال تتألم من الحرب الأهلية ومن الإرهاب، وكذلك نيجيريا تستنزف مقدراتها في مواجهات عسكرية مع تنظيم بوكو حرام، ومرض إيبولا المميت يمزق سيراليون، كلها عناوين ينشرونها للعالم، لكن ما أسباب الحرب في الصومال ومن الذي أوقدها، من الذين وراء جماعة بوكو حرام ومن يمولهم، ما حقيقة إيبولا وكم من الدول مصابة به، فلن تسمع أي شيء من هذا القبيل، وذلك بسبب أن كل هذه الأحداث تجري في إفريقيا.
إن كون الإعلام الغربي يؤمن مساحة للحرية وسقفا مرموقا لذكر الحقائق أو بعضها، ويضفي بعض الحيادية والموضوعية في طرح المواضيع لا يعني استقلاليته، فهذه الحرية تعدم تماما حين يتعلق الأمر بالتأثير على الرأي العام في نقاط ساخنة تتصل مباشرة بالسياسة الخارجية، خاصة التي تمس مصالح الدول الغربية في إفريقيا أو غيرها من القارات، ولهذا فشعوبهم تتمتع بتلك المصداقية في الشؤون الداخلية للغرب، بينما تنعكس الصورة تماماً في الشؤون الخارجية.
فالحكومات الغربية تحرص على سياسة الانفتاح والفضفضة والنقد المفتوح في إعلامها الذي يتناول القضايا الداخلية والخاصة بشعوبها، ولكن حين يتعلق الأمر بإفريقيا والسياسات الخارجية فلابد من تحييد الخبر وتكميم الأفواه والحد من المواضيع وحجز المعلومات،  وكذلك فإن هذه الصحافة الغربية لا تتردد في استخدام الأسلوب الاستخباري للترويج لموقفها السياسي، وللابتزاز السياسي في آن، وقد تكرر هذا كثيرا أكثر من موضع في إفريقيا حيث جرى ابتزاز عدد من رجال السياسة إن كان في الدول الغربية نفسها، أو الضغط الذي تمارسه هذه الوسائل على صناع القرار خارج الغرب  لتأمين مصالحها ومصالح من تمثلهم.
بظني أن ما يستحق النقد هو غياب الرؤية الموضوعية، وانعدام التحليل العلمي البحثي للكثير من الظواهر في القارة الإفريقية، وعدم تناولها في سياقها التاريخي والجدلي من قبل وسائل الإعلام الغربية، وليس الواقع الإفريقي بحد ذاته.
إن العديد من وسائل الإعلام الغربية هدفها الأساسي ليس البحث عن الحقائق ونشرها، وإنما التجارة في المعلومات والمعطيات والخبر والصورة، لذلك هي تقوم بتقديم ما يطلبه المشاهد والقارئ، ولا تهتم كثيراً إن كانت السلعة جيدة ومفيدة، أو كانت فاسدة ومتعطنة.
ليس هذا فحسب، بل أن وسائل الإعلام نفسها في الدول الغربية سلعة مثل غيرها من السلع، يتنافس على امتلاكها تجار كبار لفرض مصالهحم السياسية أو الاقتصادية.
بل أن العديد من الديكتاتوريين في الدول النامية يشترون وسائل إعلامية في الدول الغربية، من أقنية تلفزيونية أو صحف ومجلات أو محطات إذاعية، ويقومون بتوظيف عدة مشاهير إعلاميين غربيين فيها، وذلك بهدف تلميع صورتهم الشخصية أو صورة بلادهم في أعين المشاهد والقارئ الغربي، وخلال السنوات الأخيرة أقدم عدد من تجار الدم والحروب ومن الأثرياء الجدد خاصة من دول أوروبا الشرقية، على شراء صحف ومحطات تلفزيونية عريقة، لأهداف متعددة مثل تبييض الأموال، ولحماية مصالحهم، وللتأثير على مجريات الحياة السياسية والاجتماعية.
إن المجتمعات الغربية  بالرغم من أنها مجتمعات متحضرة متطورة، إلا أنها مجتمعات تسود فيها العزلة والفردية والاغتراب الاجتماعي والروحي، ، لذلك نجد من السهولة بمكان أن تلعب وسائل الإعلام بهذه المجتمعات دوراً بالغ الخطورة في التأثير المباشر على المتلقي، وبذلك يكون لهذه الوسائل الأدوات التي تحدد نوعية ومسار واتجاهات الوعي الجمعي لهذه الشعوب، وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج وعي الناس.
إن الصورة النمطية لإفريقيا في العقل الغربي لم تتغير كثيراً حتى الآن، فما زالت وسائل الإعلام الغربية تقدم إفريقيا في إطار لا يخرج عن ثوابتها المتوارثة وهي الفساد والتخلف والكوارث الطبيعية والفقر والجوع والأمراض، وكثير من المحطات التلفزيونية مازالت تقدم برامج بقصد الإثارة والربحية، عن عادات شرب الدم وأكل لحم البشر أو القرود لدى بعض الإثنيات الإفريقية، وإن أردا الإعلام الغربي التنوع في تناول الموضوع الإفريقي يتحدث عن انخفاض وكي ثدي القاصرات الإفريقيات، أو عن تعدد الزوجات.

17
   حسن العاصي                                                                   
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك   
                                 
الجيوش الإفريقية تتحدث العبرية
شالوم يا فلسطين   
الجزء الثاني والأخير

والجدير بالذكر هنا أن إسرائيل استطاعت أن تبني قواعد جوية وبحرية في دول القرن الإفريقي، وبالطبع الغاية الرئيسية منها هو تهديد الأمن العربي والضغط على مصر والسودان، وقد تحولت جميع هذه القواعد إلى مراكز للتجسس على الدول العربية وعلى الدول الإفريقية نفسها، كما شكلت إسرائيل فرق عمل أمنية ومجموعات عسكرية بشكل مشترك مع عدد من الدول الإفريقية، الغاية منها هو تقوية نفوذ إسرائيل داخل الأجهزة العسكرية والأمنية الإفريقية عبر هذه المجموعات التي تضم الكثير من كبار الضباط الذين تلقوا تدريبهم في المعاهد العسكرية الإسرائيلية في إسرائيل أو تدربوا بواسطة مستشارين إسرائيليين في بلدانهم جميعهم يدينون بالولاء للمصالح الإسرائيلية ، وتربطهم علاقات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومعظم هؤلاء الضباط من إثيوبيا والكونغو ورواندا وزائير وساحل العاج ومن جنوب إفريقيا وإريتيريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا.
وفد شجعت إسرائيل الأجيال الجديدة من القادة الأفارقة الذين ينتمون إلى أقليات عرقية أو مذهبية في بلدانهم، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع إسرائيل، ومنهم "مينيس زيناوي" في إثيوبيا و "أسياسي أفورقي" في إريتيريا و "جون جارانج" في دنوب السودان و "يوري موسيفيني" في أوغندا، وكل هؤلاء أصبحوا قادة بلدانهم وأصدقاء مخلصين لإسرائيل ويدافعون عن مصالحها.
إن إسرائيل ترتبط مع إريتيريا باتفاقية أمنية تم توقيعها في العام 1996، حصلت بموجبها إريتيريا على مساعدات عسكرية ضخمة، وحصلت إسرائيل على تسهيلات لتعزيز وجودها في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأصبح لها تواجد عسكري في مضيق باب المندب.
في الصراع الذي وقع في منطقة البحيرات العظمى في العام 1994 قامت إسرائيل بتزويد كل من رواندا وبوروندي والكونغو بالأسلحة وبالمستشارين العسكريين وذلك بهدف إثارة النعرات والقلائل لتبقى هي المستفيد الوحيد والقادر على إدارة هذه الصراعات في المنطقة.
وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد من خلال مكتبه في نيروبي، ومن خلال تعاون إسرائيل الأمني مع كينيا بتحريض الأخيرة على إثارة التوترات فيما يتعلق بأزمة مياه النيل مع مصر في العام 2003، وظلت إسرائيل تضغط على كينيا حتى أعلنت انسحابها من معاهدة حوض النيل الموقعة في العام 1929، وكررت إسرائيل نفس السيناريو مع أوغندا التي أعلنت أنه يجب إعادة التفاوض حول موضوع مياه النيل والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو أنها سوف تنسحب من الاتفاقية كما فعلت كينيا.
وقد أصدر الدبلوماسي الإسرائيلي السابق "آريه عوديد" كتاب "إسرائيل وإفريقيا" في العام 2014 وترجمه إلى العربية الدكتور عمر زكريا المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، وتظهر قيمة هذا الكتاب الهام من أن مؤلفه كان من الذين وضعوا خطط اختراق القارة الإفريقية من قبل إسرائيل، وساهم في عملية بناء وتعزيز العلاقات الإسرائيلية الإفريقية على مدار عقود، وكان قد بدأ عمله الدبلوماسي في أوغندا في العام 1961، وانتقل ليرعى المصالح الإسرائيلية في كينيا في سبعينيات القرن العشرين، ثم في تسعينيات القرن الماضي عمل سفيراً في سوازيلاند وكينيا، ثم عين سفير غير مقيم في لاسوتو وزامبيا وموريشيوس وجزر سيشيل، وعمل محاضراً للدراسات الإفريقية في الجامعة العبرية في القدس.
يذكر الدبلوماسي الإسرائيلي في كتابه آنف الذكر، أن إسرائيل ظلت على علاقات سرية مع الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها الرسمية العلنية مع إسرائيل في مراحل مختلفة خلال القرن العشرين، نتيجة للضغوط التي تعرضت لها تلك الدول الإفريقية من الأنظمة العربية، وظلت إسرائيل تعمل بكامل حريتها في تلك الدول، ويقر "عوديد" أن إسرائيل استمرت في تقديم كافة أنواع المساعدات العسكرية والأمنية للدول الإفريقية، وذكر أن إثيوبيا وإريتيريا لاحقاً كانتا مهمتان جداً لإسرائيل من أجل تأمين الطرق الملاحية للشرق الأقصى ولجنوب إفريقيا، والموانئ الموجودة في مومباسا في كينيا ودار السلام في تنزانيا هي موانئ مهمة لإسرائيل بهدف كمحطات في الطرق الملاحية، ويقول أن التواجد العسكري الإسرائيلي في إثيوبيا وأوغندا وكينيا بالغ الأهمية من الناحية الجيوسياسية لتطويق العرب.
وكان عوديد قد درس في جامعة ماكريري البريطانية في أوغندا، وقد درس معه في هذه الجامعة العديد من الزعماء الأفارقة الذين وصلوا إلى هرم القيادة السياسية والعسكرية في بلدانهم فيما بعد ومنهم "بنجامين مكابا" الرئيس التنزاني السابق، وقام الدبلوماسي السابق اثناء عمله بإرسال الكثير من الطلبة الأفارقة للدراسة في إسرائيل، وكان يختارهم بمعاونة رجال المخابرات الإسرائيلية الموساد بناء على معايير معينة أهمها مدى قدرة هؤلاء الطلبة على تبوأ مناصب قيادية في بلدانهم لاحقاً، ودرجة صداقتهم مع إسرائيل، ومن بين هؤلاء الذي أرسلهم للدراسة "يوسف لولي" الذي أصبح رئيس أوغندا بعد سقوط عيدي أمين.
وكشف عن الدور الخطير الذي لعبه الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات الموساد في بعض الدول الإفريقية من خلال السفارات الإسرائيلية وبعض ملحقياتها التجارية والثقافية، بواسطة مستشارين أمنيين بلغ عددهم العشرات في كل من إثيوبيا، أوغندا، الكونغو، تنزانيا، كينيا، إريتيريا.
وكانت إسرائيل ساعدت الرئيس الأوغندي "أوبوتي" بناء على طلبه في مساعدة حصل عليها من إسرائيل لتنظيم وتدريب جيشه لمواجهة أعدائه في السودان التي كانت إسرائيل تدعم قيام كيان غير عربي في جنوبه، الاهتمام الإسرائيلي بأوغندا يأتي من كون منابع النيل الأبيض فيها، وكونها تقع جنوبي مصر والسودان الدولتين العربيتين اللتين تريد إسرائيل حصارهم والضغط عليهم، مما دفع إسرائيل إلى القيام بتدريب سلاح المشاة والمظلات والمدرعات والقوات الجوية في الجيش الأوغندي، ودربت أيضاً رجال وضباط الشرطة، وأول دبابة حصل عليها الجيش الأوغندي كانت مقدمة من إسرائيل ضمن ست دبابات، ودربت الطيارين العسكريين الأوغنديين في معهد للطيران قامت ببنائه إسرائيل في أوغندا، ثم قدمت لهم أربع طائرات تدريب ظراز "بوخانا" ولاحقاُ باعت لهم 12 طائرة من نوع "بوجا"، وفي فترة لاحقة دؤبت إسرائيل 30 طيار أوغندي في إسرائيل، ودربت معهم عشرات الفنيين لصيانة الظائرات.
ثم جاء الوقت كي تحصد إسرائيل فيه ثمار هذه المساعدات والدعم الكبير الذي حصلت عليه أوغندا التي أصبحت من الدول الإفريقية التي تمتنع عن التصويت في القضايا التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي في المحافل الدولية.
وعلى سبيل الذكر عارضت أوغندا مشروع قرار حول القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2003، كما امتنعت عن التصويت في قضية جدار الفصل العنصري الذي اقامته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية حين طرح اقتراح لتحويل الموضوع إلى المجكمة الدولية، وفي أكثر من مناسبة أدانت أوغندا كفاح الشعب الفلسطيني واعتبرته إرهاباً.
ودولة مثل" الرأس الأخضر" وهي عبارة عن مجموعة جزر تقع غرب إفريقيا، يصرح رئيسها" جورجي كارلوش" بعد اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو" على هامش اجتماع المنظمة الاقتصادية المشتركة لدول غرب إفريقيا قبل شهور قليلة، بأن دولته لن تصوت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة من الآن فصاعداً.
واستعداداً لجولته الثالثة إلى إفريقيا، استضاف "نتنياهو" رئيس توغو "فاورا غناسينغبي" على مأدبة عشاء في منزله بالقدس الغربية، ومن اللافت ما كتبه الرئيس الإفريقي في سجل الزوار" أحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وعودة إفريقيا إلى إسرائيل"، ورد عليه "نتنياهو" بقوله" أن توغو هي صديقة حقيقية لإسرائيل".
إن العالم من حولنا يتغير، وتتبدل معه مصالح الدول وتحالفاتها، فهل أصبحت فلسطين والقضية الفلسطينية في طي النسيان بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية؟
فهل العرب ومن ضمنهم القيادة الفلسطينية يمتلكون القدرة والرؤية والقرار والعزيمة على تصويب وتحسين العلاقات الرسمية والشعبية بينهم وبين شعوب إفريقيا وقادتها، أم أن الأزمات العربية العربية التي لا تنتهي جعلت من العرب قوماً يفكرون خارج مصالحهم بل خارج التاريخ وخارج الجغرافيا.






18
أدب / تهت في أبجديتها
« في: 18:44 17/08/2017  »


تهت في أبجديتها

حسن العاصي


هكذا كانت حين لمحتها
حسناء تتنهد بأنفاس رطبة
تتمايل بصدر مموج منشطر نصفين
عينيها عصافير في سفر كطيور الجنة
الخد حلاوة تمطر تفاحاً
وجه قمحي يزينه ثغر خجول

أطلقت كالسهام زنابق حقولها
فحلّقت فراشات صدري
يجذبها سحر البيان
وتوثّب قلبي لهفة
كمن شاقه جفاف الظمأ
يبتغي نبع السهول

هكذا هي
غيداء أعذب من كؤوس الشهد
تروي بالغواية والدلال شاربها
ريم البساتين بأقراط من الدهشة
لأجلها تبيع الهداية بالهوى
تُقدم في وصالها ولا تهادن
يا قاتلاً يا مقتول

تطوف بحسنها ممالك الغرام
كأميرة فوق خمائل الهودج
تعبر كأنها تنصب بالرمش فخاً
يتساقط العشاق حولها صرعى
وهي في ميادين الحب
تصول بسوط الهيام وتجول


يغريني صوتها لأشتهي الثمالة
أدوّن باستفاضة يقين شوقي
فوق سجّادة الصبابة
حد التبعثر
وأترك الأنامل الضريرة تتعلم
وتشقّ دروب الوصول

نتقلّب والجهات متاهة ترتعش
تعبرني خيوط الماء كسهام إغريقية
تقول بمكر بطرف عينها
 هذا لوحك معلق من عشبه
أكتب وجدك هنا يا وليفي
واقطف ثمر الحقول

تهت في أبجديتها وأغشاني الدوار
فسقط وجهي بين القباب الندية
وغرقت عيناي في هاوية
ما عاد في الجنون متسع
غاب رشدي
لا أعلم يا ويلي إن كنت فاعلا
أو كنت المفعول



19
حسن العاصي                                                                   
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك                                     
الجيوش الإفريقية تتحدث العبرية
شالوم يا فلسطين
الجزء الأول من جزئين
يحتل الجزء العسكري والأمني الصدارة في أولويات العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، إذ بدأت المساعدات العسكرية الإسرائيلية لبعض الدول الافريقية  حتى قبل استقلال هذه الدول، فقد قامت كل من أوغندا وغانا في العام " 1962 " بإرسال عسكريين وضباط للتدرب في إسرائيل، وبالمثل أرسلت تنزانيا مجموعة من الضباط للتدرب في المعاهد الحربية الإسرائيلية، كما دربت إسرائيل أول مجموعة من الطيارين من أثيوبيا وغانا وأوغندا، ودربت طيارين مدنيين من نيجيريا، وفي العام "1966 " أنشأت إسرائيل أول كلية حربية في غانا، حيث كان يتواجد  فيها "100 " ضابط إسرائيلي كخبير ومدرب، وتواجد في أوغندا أكبر بعثة اسرائيلية في العام " 1965 " وكان ضباط وجنود الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات الأوغندية يتلقون تدريبهم على يد ضباط من الجيش الاسرائيلي، وهنا من الجدير ذكره أنه حتى خلال الفترات التي تم فيها قطع العلاقات من قبل الدول الإفريقية مع إسرائيل ، لم تؤثر على مستوى هذا التعاون العسكري بين الطرفين .
 وترتبط اسرائيل بمعاهدات عسكرية وأمنية سرية مع العديد من الدول الإفريقية، تتضمن تدريب الجيوش وأجهزة الاستخبارات في تلك الدول، وذلك للحفاظ على استمرار الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا التي تجد فيها إسرائيل ضالتها لتحقيق أهدافها .
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت إسرائيل بتوقيع معاهدة سرية للتعاون العسكري مع زائير التي طلبت مساعدة إسرائيل على أثر محاولة الانقلاب الفاشلة فيها، وقامت إسرائيل بمساعدة الجيش الليبيري في قمع التمرد على النظام، وعقدت معها صفقة عسكية بملايين الدولارات، ويقوم الخبراء الإسرائيليين بتدريب الجيش الكاميروني ، وباعت لها إسرائيل طائرات من نوع  "كفيرو عرافا "، ناهيك عن التعاون العسكري الإسرائيلي مع أثيوبيا التي تحتل موقع الصدارة في اهتمامات قادة اسرائيل كونها البلد الوحيد الغير عربي المطل على البحر الأحمر .
وعلى امتداد السنوات الماضية، إضافة إلى حصدها الأموال من النزاعات الدموية في القارة الافريقية، قامت إسرائيل بتوظيف علاقاتها المميزة مع العديد من الضباط في المؤسسات العسكرية والأمنية الإفريقية، لاختراق القارة وللحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فيها على المدى البعيد .
وقد نقلت إسرائيل سياستها في إشعال فتيل الحروب والنزاعات، وإذكاء التناقضات المتعددة، وممارسة الخداع والابتزاز، وإثارة النعرات القومية والمذهبية، نقلت كل هذا الميراث البغيض الذي كان يشكل بالنسبة لها نهجاً منتظماً في علاقاتها مع محيطها العربي طوال عقود إلى القارة الإفريقية، ولاتتردد إسرائيل في عمل كل شيء في سبيل تحقيق أهدافها، فتراها تستغل على سبيل المثال، النزاعات الإرتيرية وحالة الفوضى الأمنية السائدة في الصومال من أجل تعزيز علاقاتها مع أثيوبيا التي قامت بالحصول على كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية بهدف تأزيم منطقة القرن الإفريقي التي تعاني بالأصل من أزمات متفجرة متعددة.
نتيجة للدعم الإسرائيلي غير المحدود يصنف الجيش الإثيوبي ثالث أهم جيش في القارة الإفريقية بعد مصر والجزائر، ويحتل الموقع 42 عالمياً، بامتلاكه 2300 دبابة، و800 مركبة، 200 صاروخ متعدد، 90 طائرة مقاتلة، 43 طائرة مروحية، بحسب الأرقام التي نشرها موقع "جلوبال باور فاير".
نعود قليلاً إلى الوراء، فبعد قيام دولة إسرائيل في العام 1948 عاشت الدولة الجديدة عزلة  مع محيطها العربي والإفريقي، هذا التهميش الذي تعرضت له إسرائيل من قبل جيرانها جعلها تستنبط أساليب جديدة لكسر هذه العزلة، فظهرت فكرة المساعدات للدول الإفريقية المجاورة الفقيرة، فبدأت إسرائيل بطرق أبواب القارة وتقدم نفسها على أنها فاعل خير، وبدأت مساعداتها تصل إلى بعض الدول الإفريقية وفي مقدمتهم إثيوبيا، ومع وصول هذه المعونات الإسرائيلية تباعاً إلى إفريقية كانت إسرائيل تنفذ إلى قلب القارة، وكان وجودها يتبلور ويتعزز في إفريقية خاصة في إثيوبيا لتصبح حليفة إسرائيل المطلة على البحر الأحمر.
في بداية الستينيات من القرن العشرين أرسلت إسرائيل عدد من المستشارين العسكريين كي تقوم بتدريب المظليين الإثيوبيين، وكذلك تدريب وحدات خاصة لمكافحة التمرد والشغب، كما قامت إسرائيل بتدريب جنود وضباط الفرقة الخامسة في الجيش الإثيوبي لمواجهة جبهة التحرير الإرتيرية.
في العام 1973 قطعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا تضامنا مع مصر والعرب، لكن استمرت إسرائيل بإرسال قطع الغيار للطائرات والذخيرة للأسلحة أمريكية الصنع التي يملكها الجيش الإثيوبي، وكذلك استمر تواجد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين الإسرائيليين في أديس أبابا، ولم يتغير هذا الوضع حتى مع وصول الرئيس الإثيوبي ذو التوجه الماركسي "مانجستو هيلا مريام"  للسلطة في العام 1974 من القرن العشرين، لكن هذا الوضع تغير في العام 1978 حين قام الرئيس "مانجستو" بطرد جميع المستشارين الإسرائيليين من إثيوبيا على أثر انكشاف علاقة البلدين مما اعتبر خرقاً لقرارات مجلس الوحدة الإفريقية ووضع إثيوبيا في حرج شديد من الدول الإفريقية.
في العام 1983 ورغم استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإسرائيل، قامت الأخيرة بتدريب عسكري وأمني للحرس الرئاسي ولجهاز الشرطة الإثيوبي ولرجال بعض الأجهزة الأمنية ومنها المخابرات.
ثم بدأت إسرائيل في استقبال يهود الفلاشا الذين هاجروا من إثيوبيا بناء على اتفاق بين الحكومتين في العام 1985 مقابل مساعدات عسكرية تقدمها إسرائيل لأديس أبابا، ولغاية العام 1987 كانت إثيوبيا  تلقت معونات عسكرية بقيمة 85 مليون دولار مكافأة لها على السماح ليهود الفلاشا بالهجرة إلى إسرائيل، وأرسلت تل أبيب 300 مستشار وخبير أمني وعسكري إلى إثيوبيا، وقامت خلال هذه الفترة بتدريب 40 طياراً إثيوبياً في إسرائيل، في العام 1989 من القرن العشرين تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتم افتتاح السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا، وقدمت إسرائيل المزيد من المساعدات العسكرية لإثيوبيا.
في العام 1990 قدمت إسرائيل حوالي 150 ألف بندقية للجيش الإثيوبي بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وتوسعت مساعدات إسرائيل لتضم معونات صحية وأدوية، وكذلك أرسلت خبراء في مجال الري والزراعة، وفي العام 1991 قامت إسرائيل بنقل 15 ألف يهودي من الفلاشا مباشرة عبر جسرجوي من أديس أبابا إلى إسرائيل، ودفعت للرئيس الإثيوبي مبلغ 35 مليون دولار قبل أن يطيح به انقلاب شعبي ضده فهرب إلى زيمبابوي، وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن إثيوبيا لاتبلغ ميزانيتها العسكرية سوى 0,8 في المائة، إلا أنها أصبحت ثالث أقوى جيش في القارة السمراء بفضل الدعم العسكري الإسرائيلي.
أصبح من المؤكد أن إسرائيل استطاعت وعبر برنامج المساعدات العسكرية بشكل رئيسي، والإنمائية بدرجة أقل، استطاعت أن تفسد العلاقات التاريخية بين العرب ومصر بوجه خاص وإثيوبيا، وأنها تمكنت من إخراج مصر من إثيوبيا  والحلول مكانها، وبدأ فصل جديد من فصول الضغط الإسرائيلي على مصر والسودان عبر أذرعها الإفريقية في إثيوبيا وغيرها من الدول الإفريقية.
إن التعاون العسكري وتقديم مساعدات عسكرية إلى الدول الإفريقية، وكذلك تدريب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية الإفريقية، كان ولايزال يستحوذ على أهمية خاصة في الاستراتيجية الإسرائيلية، لتوظيف هذا الملف في ممارسة الابتزاز والضغوط والمقايضة، والأهم هو استخامه كسلاح في مواجهة الدول العربية لتهديد أمنها والضغط عليها لتغيير مواقفها في بعض الملفات، ومن أجل هذه الرؤية عملت إسرائيل على تكثيف نشاطها وتواجدها العسكري في إفريقيا، وقامت بإرسال كثير من الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين إلى عدة دول إفريقية من أجل تدريبهم والإشراف عليهم، حتى أن إسرائيل قامت بتدريب كثير من الحراس الرئاسيين الذي يتولون حماية قادة ورؤساء القارة السمراء، وجلبت الآلاف من الأفارقة للدراسة والتدريب في معاهدها الحربية وكلياتها العسكرية.
ولم تكتفي إسرائيل بتقديم السلاح وتدريب الجنود والضباط، بل قامت أيضاً بنقل تجربتها في العمل مع منظمات الشباب الشبه عسكرية مثل تجربة منظمتي "الناحال" و"الجدناع" وقامت بإرسال مستشارين ومدربين إلى بعض الدول الإفريقية لتعليمهم كيفية تنظيم صفوف الشباب الإفريقي في فصائل تجمع العمل المدني والتدريب العسكري سوية.
أيضاً أرسلت إسرائيل عدداً من مدربيها للإشراف على تنظيم الخدمة العسكرية التي تفرض على الشباب الإفريقي لفترات زمنية محددة كما هو الحال في إسرائيل، وقامت أيضاً بإرسال عدد من الخبراء لتدريب قوات الشرطة في تنزانيا، ودربت قوات المظليين في الكونغو، ثم أنشأت مدرسة هناك وقدمت لجيش الكونغو أسلحة وعتاد، ثم في سيراليون أيضاً يتكرر ذات السيناريو حيث أرسلت إسرائيل خبراء عسكريين وضباط من أجل تدريب الجيش السيراليوني، ثم أنشأت لهم مدرسة عسكرية في فري تاون.


20


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


يتيم العمة
مهداة إلى روح عمتي صالحة جنداوي


كان لي عمة صبية
تضع رأسي في حجرها
كل ليلة قبل أن تأوي للنوم
تغني بصوت خاشع حكايات الأولياء
تسافر قدماي حيث كرامة الغرباء
دون أن أغادر
أجري على ضفاف القناديل
ويطفو فوق الوميض وجهي
أصابع عمتي ترتدي شعري العبثي
تسألني عن زهرة الريح وقلق النوافذ
تقول خبئ غيومك إن اشتد جناح الصقيع
لا تمتطي أسماء الأبواب المغلقة
إن لم تمتلك مفتاح الأسفار
تكفكف دموعها وتستدرج لحظتها
ترفع رأسها وكفيها للأعلى
بصوت حزين خائف تقول
يا رب قد ضاق وجدي
وفرحي بعيد مثل الكروم خلف التلال
ما زلت أنتظر على أبواب الغيم تعباً
تخفض يديها وتحضن ٍرأسي
يعلو صوتها
يا الله هيئ لولدي فراش الإيمان
اجعل المسافات طوع صوته
ازرع في خطاه سراج اليسر
وابعد عنه جراد الدروب الضيقة
يا رب اجعله من الحالمين
كنت صغيراً مرتبكاً
كلماتها تسربلني ثوباً من الريش
عمتي الصبية كانت جميلة
غصن من فضة يخالطه زهر الجنة
 بضفائر تمتد على أجنحة الضوء
مثل فراشة الأنهار تغتسل بالمرايا
عمتي الصبية التي كانت تدعو لي وتغني
انطفأت عينيها ولم أكبر
لفظ فرحها أنفاسه في بياض الثوب
شيّع الطفل عمته يشهق حمماً
في شرخ القميص المكلوم
تكتظ ملامحها في صراخ الصغير المنكسر
حين كبرت أصبحت تلاً من الماء
أتلو ظمأ العشب من الكتاب المتقد
أركل العتبات النائمة بصوت مرتعش
فكيف يغفو صراخي في جوف الجدران النائمة
قرب لوحة الأنبياء
لو أن الوقت يا عمتي ينكفئ أو يموت
لو أرتدي ذاك الثوب العاري
 في العتمة الأخيرة أو يغادرني
ما زلت في حكاياتك طفلاً لم يكبر
ما زلت يا عمتي أرى بحور وجهك ترحل
وأنا لا زورق لي كي أنام
أوثق عيناي حول الصفصافة العتيقة
أحمل رأسي وطيفك وشيء من المواويل
تعدوا كفي صوب آخر رمق
في حزنك الأخير قبل الموت.






21
أدب / يا ثقل الوتر المفقود
« في: 17:31 10/08/2017  »



يا ثقل الوتر المفقود



حسن العاصي


1
في تلك البراري البعيدة
فقدت فراغ الأمكنة
والسفر الآتي
نوافذ مختنقة بالضياع
يتعرّى الغيم إلا من الصحو
كان الوقت كروم
تتدلّى خطى
والرؤية غواية تتناسل
حكايات عتيقة وخراب
كما أفق الإنتظار
واحتمال الرماد
تبسط أهداب هواجسها
كل غياب
للافق حالات
مثل حلم عنيد
يغفو على الشرفات
والأصيص وردة سوداء
نبضها رماد
ولافراشات تراقصها
أيها الراحلين بلا ماء بلا وجوه
لا شيئ في احتشاد الأسماء
يستدرج زهر الموت


2
أن تقبض على ضوء البحر
كي لا ينسدل من أخاديد العبور
شجر العمر
هذا الذي يدوّن يقين القلب
فوق سجّادة البصيرة
يتبعثر بين أصابعه ماء المغفرة
أن تكون ينبوعاً
يروي صلب الجذر
هذه الأشرعة فاتحة الغابة
منذورة لنور الشاطئ
أن تدرك رحيلك بمراكب غافلة
على صهوة التيه
يزاحم فيك الرمل
ارتعاش اليمّ
أشتهي أعود صدفة
لمراكب الورق
فلا رابعة
فوق قوارير نرجس الحزن
إلا وخامسة تلوّن الحلم
باحمرار الكروم


3
وقعتْ على الزهر الأخضر
لم ترى البحر
لكنها سمعتْ صدى ريش السماء
ما غفوتُ عنها في نور الوحي
لكن للنذر طقوس أربعين يوماً
وردة زرقاء غادرها الضوء
من بحر لاقاع فيه
كنتُ وجهاً حافياً
بدفتر وحيد
فهل أغمضت أحلامها طفرتها
كي توقظ عيون الرحيل
عسيرة لحظة النقاء
يعيقها بياض البريق
يوم ارتمت خلف صوت الحياة
اختمرت أبعاد الأسود
حتى تسطع الأوردة
ويوم يتسرب طيف المرارة
بطعم الحطب
يتراءى الغيث في مطر اللحظة
ناديت على المشهد المتقطع
التف خيط الاحتضار
حول عنق الذاكرة
يا ثقل الوتر المفقود
على صوتي
حين يحمل ظلي خريف الحياة
كل عام
والعصب المرابط في تقاطيع الحكاية
بخير


كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

22
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


إفريقيا في قبضة الموساد الإسرائيلي
الجاسوسية بديل للدبلوماسية

منذ السنوات الأولى لعلاقة اسرائيل بالقارة الافريقية لعب جهاز الاستخبارات الاسرائيلي
¬-وما يزال- دوراً بالغ الأهمية في تسهيل دخول اسرائيل إلى افريقيا وفي إنشاء مراكز نفوذ لها في عدد من العواصم الافريقية، ناهيك عن العلاقات المتميزة بين الموساد والعديد من أجهزة الاستخبارات الافريقية الذين تدربوا في اسرائيل أو قام ضباط اسرائيليين في تدريبهم بأوطانهم، وتسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعسكرية والسياسية، والخروج من عزلتها الدبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الافريقية كنافذة لدخول اقتصادي أكبر .
النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية قديم، ويعود إلى السنوات الأولى بعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل، ففي بداية الخمسينيات من القرن العشرين شكل الصهيوني " ديفد بن غوريون " فريق عمل لبحث كيفية التعامل مع البيئة المحيطة من دول عربية وافريقية، وضم هذا الفريق كبار الخبراء في الشؤون الاستراتيجية والسياسية والأمنية والدبلوماسية، ولعب الموساد منذ تلك الفترة الدور المحوري في تنفيذ السياسات الصهيونية لاحتواء القارة الافريقية وذلك عبر إرسال أكثر من خمسة آلاف خبير ومستشار في الشؤون العسكرية والأمنية والبناء والزراعة، من أجل بناء وتنظيم جيوش تلك الدول وتدريب أجهزتها الأمنية، وخاصة  في أثيوبيا وأوغندا وغينيا وغانا وجنوب السودان والكونغو وإرتيريا وجنوب افريقيا وزائير وتنزانيا، هذه الدول التي يمتلك الموساد الاسرائيلي فيها علاقات تنسيق وتعاون مع اجهزتها الاستخبارية، ومع كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين فيها، وتقوم إسرائيل بتوظيف هذه العلاقات لمحاصرة الدول العربية والضغط عليها لأجل القبول بها كدولة جارة غير مغتصبة.
 وفي ستينيات القرن الماضي قامت إسرائيل عبر جهاز مخابراتها ببيع أسلحة وعتاد إلى الحركة الشعبية لتحرير أنغولا التي كانت تقاتل الاستعمار البرتغالي وتسعى لنيل الاستقلال، وقامت إسرائيل أيضاً بتدريب المئات من مقاتلي الحركة، لكنها عادت في بداية السبعينيات  بتزويد ودعم طرفي الصراع في أنغولا، وكانت المخابرات الإسرائيلية بالتنسيق مع المخابرات الزائيرية ترسل شحنات من الأسلحة للطرفين، ومن المهم معرفة أن أنجولا تعتبر خامس أكبر دولة منتجة للماس في العالم.
وقد كشفت تحقيقات أجرتها أجهزة مخابرات أوروبية في العام 2013 عن تورط ابنه الرئيس الأنغولي وملياردير إسرائيلي يدعى "إيهود لنيادو" في واحدة من أكبر عمليات غسل الأموال التي أعلن عنها في بلجيكا، حيث كان يجري تهريب الالماس من أنجولا إلى بلجيكا بالتعاون مع الشريك اليهودي البلجيكي "سيلفان جولدبرج" دون دفع ضرائب، وقد تدخلت أجهزة المخابرات الإسرائيلية للوصول إلى تسوية للقضية، مما يؤشر ويدعم الشبهات حول الدور القذر الذي يلعبه الموساد الإسرائيلي في الكثير من الملفات في القارة السمراء، وهذا ما كان يتم لولا التنسيق الأمني مع المخابرات الأنغولية التي كانت على علم بنشاطات ابنه الرئيس في تجارة الألماس .
لكن لماذا تقوم إسرائيل بتكليف حهاز المخابرات الإسرائيلية  بمعالجة بعض الملفات الساخنة سياسياً واقتصادياً؟
سوف نحاول هنا إجراء مقاربة تحليلية لهذا السؤال

ترتبط  منطقة حوض النيل  التي تشمل كلا السودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإرتيريا وكينيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان وبوروندى ورواندا ومصر بأهمية استثنائية في الاستراتيجية الجيوسياسية الإسرائيلية ، لذلك ليس مفاجئاً أن ينشط فيها جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد، الذي يتواجد في كافة القطاعات التي تشكل محاور اهتمام القيادة الإسرائيلية، في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية في دول حوض النيل، يساعد هذا العمل المخابراتي الذي تقوم به الموساد على أن تقوم إسرائيل بتحقيق أهدافها المتمثلة في القطاع الزراعي على سبيل المثال الذي أولته إسرائيل قدر كبير من الاهتمام نظراً لأنه ميدان مرتبط باستغلال مياه النيل الذي تعتبرها إسرائيل ساحة مواجهة مع مصر، وتشير تقارير وزارة الخارجية الإسرائيلية أن 46 شركة إسرائيلية تعمل في إثيوبيا في مجال الزراعة.

وفي منطقة القرن الإفريقي القريبة من اليمن التي تلتهب بحرب شنتها قوات التحالف العربي في مواجهة المد والتوسع والنفوذ الإيراني الذي أدركت إسرائيل قبل غيرها هذا الخطر الذي يمثله الوجود الإيراني في منطقة باب المندب بالغ الأهمية لها حيث أنه يشكل رئتها الاقتصادية لنقل بضائعها إلى القارة الآسيوية، لذلك عمدت إسرائيل منذ وقت مبكر أن يكون لها وجود أمني استخباراتي في هذه المنطقة من إفريقيا لتكون على علم بكل مايجري فيها، واستطاعت أن تبني علاقات متينة مع دول القرن الإفريقي، حيث عمل جهاز الموساد الإسرائيلي على إنشاء جبهة من إثيوبيا وإرتيريا وكينيا كي يتم من خلال هذا التعاون التصدي للجماعات المتطرفة في الصومال من جهة، ولمواجهة الوجود الإيراني الذي بدأ يظهر ويتمدد في تلك المنطقة التي تشهد حرباً استخباراتية بين إسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية.
وقد أنشأت إسرائيل قاعدة أمنية ومراكز تجسس في إرتيريا لمراقبة النشاط  الإيراني في البحر الأحمر، ومن المعروف أن إرتيريا وإسرائيل ترتبطان بمعاهدة أمنية وعسكرية تم توقيعها في العام 1996، وقدمت إريتيريا تسهيلات كبيرة لإسرائيل لتعزز وجودها الأمني في أرخبيل "داهلاك"، وبذلك تتمكن المخابرات الإسرائيلية بمساعدة المخابرات الإرتيرية بجمع معلومات عن المملكة العربية السعودية واليمن والصومال والسودان، ومراقبة الحركة الإيرانية كذلك.
والنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية يعود إلى بداية قيام الدولة العبرية، حيث قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك "غولدا مائير" بجهود جبارة  من أجل بناء علاقات مع الدول الإفريقية لفك عزلة إسرائيل واكتساب أصوات لصالحها في الأمم المتحدة، لذلك قامت إسرائيل بتأسيس شبكة أمنية قوية في منطقة القرن الإفريقي والساحل الشرقي،  واستند النشاط الإسرائيلي لتحقيق هذه الغايات على نشاط وزارة الخارجية التي تقوم بنشاط  دبلوماسي يقوم بمعظمه عبر عملاء للموساد الإسرائيلي، ومن جهة أخرى قامت إسرائيل بتشكيل إطار جديد أسمته " الماشاف " وهي هيئة التعاون الدولي، مهمتها التنسيق بين الإدارات الحكومية والوزارات وشركات القطاع العام والخاص الإسرائيلي بهدف اختراق القارة الإفريقية، ولم تكن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية بعيدة عن هذه الهيئة، فقد أنيطت بالموساد الإسرائيلي مهام أمنية تحت ستار التعاون، إذ تتشعب علاقات الموساد وهيئة التعاون مع كثير من المنظمات داخل وخارج إسرائيل، وقد قامت الهيئة بتأسيس المعهد الآفرو- الآسيوي، والمركز الدولي للتأهيل المعروف باسم "كرمل"، إضافة إلى أنها تصدر مجلة السلام بخمس لغات، تقوم إسرائيل بإرسال نسخ من المجلة إلى جميع الذين سبق لهم التخرج  من دورات أو دراسة أقامتها أو أشرفت عليها منطمة الماشاف.
وفيما يتعلق بالمعهد الأفرو آسيوي، فقد تم تأسيسه في العام 1960 من قبل نقابة العمال الإسرائيلية التي يطلق عليها " الهستدروت"، وكان الهدف من تأسيس المعهد هو استقبال دارسين من إفريقيا وآسيا لتأهليلهم  في القضايا الاقتصادية والتنموية والعمل النقابي، ويتم استقبال المتدربين من الدول التي أقام الهستدروت علاقات معها، وهذا أيضاً يتم بالتنسيق السري مع المخابرات الإسرائيلية التي تكون حاضرة في الوسط الذي يتدرب فيه الأفارقة والآسيويين، بصفة مدرسين أو مستشارين، وبدأ المعهد منذ بداية الستينيات من القرن الماضي في إقامة ورشات عمل  شارك فيها مئات من الأفارقة والآسيويين، ثم بدأ المعهد بتسيير دورات تدريبية متنقلة خارج إسرائيل، تجوب بعض الدول الإفريقية لإقامة دورات للطلبة الأفارقة.
وقد قامت هيئة التعاون الدولي الإسرائيلية والموساد الإسرائيلي بتأسيس جمعيات صداقة بين الدول الإفريقية إسرائيل، كذلك تم تشكيل أندية السلام في العديد من المدن الإفريقية، بهدف تلميع صورة إسرائيل وتسويقها عند الشعوب الإفريقية، وتقوم إسرائيل بتقديم الدعم المالي لهذه الجمعيات التي يديرها أصدقاء إسرائيل من الذين سبق ودرسوا فيها، تقوم هذه الأندية والجمعيات بتوفير مواد إعلامية من صحف ومجلات وكتب عن دولة إسرائيل، وتقوم بتنظيم المحاضرات ورشات العمل والمؤتمرات.
ومن خلال الدورات التدريبية التي تقيمها إسرائيل عبر منظمات وأطر وقنوات مختلفة ومتعددة وبمشاركة غير معلنة من الموساد، استطاعت إسرائيل عبر ذلك من التسلل رويداً رويداً إلى الدول الإفريقية التي كانت قد تحررت من الاستعمار حديثاً وتحتاج إلى مساعدة وتعاون في كافة المجالات خاصة الحيوية منها مثل الزراعة والتعليم والصحة، وهذا ما وجدته هذه الدول لدى إسرائيل التي استغلت حاجة الدول الإفريقية كي تجد لها مكان في القارة السمراء، مكان ما كان يمكن أن تكون فيه لولا الغياب العربي بشكل عام،  وخاصة الغياب المصري الذي كان اسمها يتردد على ألسن حركات التحرر الإفريقية.

بلغة الأرقام فإن القارة الإفريقية هي ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان، تأتي في المرتبة الثانية بعد آسيا. تبلغ مساحتها 30.2 مليون كيلومتر مربع (11.7 مليون ميل مربع)، وتضم أربعة وخمسون دولة،  وتتضمن هذه المساحة الجزر المجاورة، وهي تغطي 6% من إجمالي مساحة سطح الأرض، وتشغل 20.4% من إجمالي مساحة اليابسة. ويبلغ عدد سكان أفريقيا مليار ومائتي مليون نسمة (إحصاء 2011) ، يعيشون في خمسة أقاليم، وتبلغ نسبتهم حوالي 14.8% من سكان العالم، وتمتلك القارة الإفريقية 12 في المائة من احتياطي النفط في العالم، و 10 في المائة من الغاز الطبيعي، وتمتلك 80 في المائة من البلاتين في العالم، وكذلك 40 في المائة من إنتاج الألماس، و25 في المائة من الذهب، و 27 في المائة من الكوبالت، و 9 في المائة من الحديد، وتمتلك حوالي 20 في المائة من المنغنيز والفوسفات واليورانيوم من الاحتياطي العالمي.
هذه الأرقام والمعطيات قد تفسر جانباً من أسباب التنافس بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى للسيطرة على القارة السمراء طمعاً في خيراتها البكر، تنافس قد يتحول إلى صراع بين هذه القوى خاصة ان علمنا أن دولة مثل الصين تمتلك استثمارات في القارة الإفريقية بقيمة "250" مليار دولار، وتنوي الحكومة الصينية زيادة هذه الاستثمارات، مما يدفع بعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى التشنج والتوتر، لأن أمريكا تشعر بأن الاستثمارات الصينية في إفريقيا تهدد مصالحها، ثم هناك مصالح فرنسية ونفوذ قديم، وحتى تركيا دخلت على خط المنافسة في القارة السمراء ولديها استثمارات بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وطبعا هناك أيضاً النشاط الاقتصادي الإيراني الذي يصدر النفط لإفريقيا ويطمع بالحصول على اليورانيوم من أجل برنامجه النووي، وبشكل عام كافة استثمارات إيران في إفريقيا مرتبطة بشكل أو آخر بالبرنامج النووي، لكن يبقى الطرف الأهم هو إسرائيل تلك الدولة الصغيرة التي قفزت من فوق رؤوس حوالي "400" مليون عربي لتصل إلى عمق القارة الإفريقية، وتستطيع أن تحقق مكاسب مهمة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية.
بفضل جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد تمكنت إسرائيل من إنشاء عدة جسور تربطها مع العديد من الدول الإفريقية، وينشط الموساد تحت عناوين كثيرة أهمها قطاع الأعمال، حيث يستطيع رجل الأعمال أن يصل إلى حيث لايتمكن أن يصل الدبلوماسي أو العسكري، وكثيراً مايتم ذلك بالتنسيق والتعاون مع رجال أمنيين وقادة أجهزة استخبارات إفريقية من أصدقاء إسرائيل، وهذا ما يؤكده وجود ستة من قادة الموساد السابقين يعملون في إفريقيا، وهم "شبتاي شافيت" رئيس جهاز الموساد السابق الذي يعمل في القطاع الأمني في نيجيريا، وله شركة تعمل في مجال الزراعة في أنجولا، وكذلك "داني ياتوم" الرئيس السابق للموساد ويعمل في قطاع التسليح ويساهم في نشاط متعلق بالطاقة، و"رافي إيتان" كان ضابط كبير سابق في الموساد، وكان وزير الزراعة الإسرائيلي السابق، يدير شبكة من المؤسسات تعمل في المجال الأمني وفي الزراعة في أوغندا، أيضاً "حجاي هداس" مسؤول العمليات الخارجية السابق ويملك عدد من الشركات التجارية في أوغندا، وهو تاجر سلاح مشهور في إفريقيا ويعمل مستشار أمني للرئيس الأوغندي.
ونحن نتحدث عن دور الموساد الإسرائيلي في التنسيق مع الأجهزة الأمنية في العديد من الدول الإفريقية بهدف تسهيل التسلسل الإسرائيلي إلى كافة مفاصل الحياة في القارة السمراء، يجب أن نذكر أن هذا النشاط الذي يقوم به الموساد يتكامل معه نشاط آخر يقوم به أطباء وعلماء وباحثين ومدربين إسرائيليين، وحتى أعضاء في المافيا الإسرائيلية تجندهم الموساد للعمل معها، كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم جنود في خدمة دولتهم إسرائيل، واستطاعت هذه الدولة عبر خططها وأدواتها المتعددة من تحقيق العديد من المكاسب بالرغم من أن ليس لها وجود في كافة دول القارة الإفريقية، بينما العرب الذين يمتلكون علاقات مع كافة الدول الإفريقية،  وبينهم عشرة دول عربية من بين اثنتان وعشرون دولة عربية تقع في القارة الإفريقية لم يستطيعوا أن يطوروا علاقاتهم مع القارة الجارة ولا حتى أن يحافظوا على نفوذهم الذي كان قد تحقق خلال فترة ممتدة من الخمسينيات ولغاية تسعينيات القرن الماضي، بفضل جهود كبيرة دبلوماسية واقتصادية وسياسية وثقافية بذلتها سابقاً عدة دوائر عربية.


23
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


تجارة إسرائيل القذرة في إفريقيا
الماس وأسلحة ومستوطنات

تعتبر إسرائيل واحدة من أهم الدول التي تستورد الماس الخام  غير المصقول، ومن أبرز الدول أيضاً التي تصدر الماس المصقول، ويأتي معظم هذا الماس من دول إفريقية مثل جنوب إفريقيا، ليبيريا، الكونغو، ساحل العاج، وغيرها من الدول، وهذه الدول مرتبطة بشكل مباشر بقيام جماعات فيها  بارتكاب المجازر بحق المدنيين للحصول على الماس الذي تؤدي التجارة به إلى قتل عشرات الآلاف سنوياً في دول المصدر، وترتبط عمليات بيعه وتصديره  بصفقات كبيرة من الأسلحة، وصناعة الحروب الأهلية وتمويل المجموعات المتقاتلة، حتى أصبح يطلق على تجارة الماس في إفريقيا " التجارة القذرة " وسمي ماس الدم، لأنه من أجل  استخراجه وتسويقه تراق دماء آلاف من الأفارقة .
لقد كان اليهود من رواد صناعة الألماس ابتداء من العصور الوسطى، ففي الدول الأوروبية كان يحظر على اليهود العمل في مجالات عديدة، وكانت تجارة الذهب والألماس مستثناة من المنع، فتوجه للعمل بها أغلب اليهود في أوروبا، وتوسعت هذه التجارة كثيراً بعد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل في سويسرا العام 1897 بهدف توفير مصدر مالي يساعد الحركة الصهيونية على تنفيذ مخططاتها، لذلك قام الملياردير اليهودي " إدموند روتشيلد " بإنشاء أول مصنع للألماس في مستوطنة " بتاح تيكفا " في فلسطين العام 1937، أي قبل قيام دولة إسرائيل، اشتغل في هذا المصنع خبراء ألماس يهود قدموا من بلجيكا وهولاندا للاستيطان في فلسطين.
وبعد ازدياد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، تم تأسيس مصانع أخرى للألماس في تل أبيب، ثم تم توحيد هذه المصانع لتتحول إلى " رابطة صناعة الألماس في إسرائيل "، وازدهر عمل الرابطة بعد أن احتلت ألمانيا النازية عدد من المدن الأوروبية التي كانت تمثل مراكز لصناعة وتجارة الألماس، فتوجه جزء كبير من الألماس وتجارته إلى الرابطة، وبعد قيام دولة إسرائيل ازدهرت هذه الصناعة وانتعشت، وتم تطوير الأجهزة والآلات المستعملة في هذه الصناعة، ثم تم تحويل الرابطة لتصبح بورصة الألماس في إسرائيل، حتى وصل الأمر إلى أن منصب رئيس الاتحاد العالمي لصناعة الألماس قد شغلته عدة شخصيات إسرائيلية.
يأتي الألماس إلى إسرائيل من جهات متعددة أهمها بعض الدول الإفريقية وروسيا وكندا، وكذلك من بعض الأماكن بطرق غير مشروعة عن طريق قيام إسرائيل بتزويد بعض دول القارة الإفريقية بالسلاح والعتاد الحربي مقابل حصولها على الألماس الخام.
وتمتلك إسرائيل بورصة للألماس في مدينة "رامات جان" الاسرائيلية قرب تل أبيب، وإسرائيل تستحوذ على مكانة هامة في صناعة وصقل الألماس وغيره من الأحجار النفيسة، وذلك يعود إلى أن صناعة الألماس الإسرائيلية تستخدم أجهزة متطورة جداً، تدخل فيها تقنيات حديثة، والقطع يتم بأشعة الليزر للأحجار وتلميعها آلياً، كما يوجد في إسرائيل مندوبين يمثلون كبرى الشركات العالمية التي تعمل في مجال الألماس، لذلك فإن صناعة الألماس وتصديره من أهم الصناعات الإسرائيلية، فقد وصل عائد هذه التجارة في العام 2011 إلى حوالي 30 في المائة من إجمالي الدخل القومي، وفي العام 2014 بلغ حجم تجارة الألماس الخام والمصقول في إسرائيل 9,2 مليار دولار، وتساهم هذه الصناعة سنوياً بمبلغ مليار دولار في ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية، وابتداء من العام 2012 تجري إسرائيل اختبارات جيولوجية من أجل استخراج الألماس من مناطق بالقرب من مدينة حيفا، وبحسب البيانات التي يصدرها مجلس الألماس العالمي فإن إسرائيل تصدر سنوياً ما قيمته 50 مليار دولار.
ويذهب قسم من الماس الذي تستورده إسرائيل إلى المؤسسة العسكرية من أجل التصنيع الحربي، ويعاد تصدير القسم الآخر بعد أن يجري صقله وتلميعه في مراكز خاصة لتجارة هذا الحجر الذي يعنبر من السلع الأغلى في العالم .
ويعود تميز إسرائيل في هذه التجارة إلى عوامل عديدة أهمها علاقتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وقدم هذه الصناعة وتوارثها بشكل تقليدي لدي الجالية اليهودية في إفريقيا، وتجاهل إسرائيل للقوانين الدولية المتعلقة بتجارة السلاح وتصديره، وهو الأمر الذي فعلته إسرائيل مع عدة دول عنصرية وفاشية في إفريقيا كانت تنهشها النزاعات والحروب الأهلية والإثنية .
الاتهام واضح ويشير إلى أن إسرائيل تقوم بسرقة الماس الإفريقي مقابل توريد الأسلحة والعتاد الحربي للأفارقة كي تغذي الصراعات والحروب الداخلية والعرقية والأثنية والمناطقية في القارة الإفريقية، وبالرغم من الإدانات التي تصدرها كثير من الهيئات والمنظمات الدولية وتوجه أساساً إلى كبار التجار الإسرائيليين، فإنه ولغاية الآن لم يقدم أي من تجار الدم كما تسميهم هذه المنظمات غلى أية محاكمة.
الغالبية العظمى من هؤلاء التجار اليهود هم من جنرالات الجيش الإسرائيلي، وضباط من جهاز المخابرات الموساد السابقين، وهم تجار سلاح يقومون بتمويل بناء عشرات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ويشكل هؤلاء التجار المصدر الرئيسي للسلاح بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من المجموعات الإفريقية المسلحة.
وعادة ما تفضل هذه الدول وتلك الجماعات السلاح الإسرائيلي على سواه نظراً لكفاءته، وأيضاً نظراً لمرونة إسرائيل في تعاملها المالي مع المشترين، حيث لا تشترط إسرائيل الحصول على أموال مقابل السلاح، لكنها تقبل بمبدأ المقايضة أياً كانت، وعادة تمنح الشركات الإسرائيلية حقوقاً للتنقيب عن الثروات الباطنية والماد الخام في هذه الدول الإفريقية.
ولأن الأسلحة التي تحصل عليها الدول الإفريقية مقابل سرقة الماس منها تستخدم في الحروب الأهلية التي يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الناس خاصة في سيراليون والكونغو وأنغولا، فقد أطلقت الأمم المتحدة على التجارة الصهيونية للماس "تجارة الماس الدموي"، وقد اتهمت إسرائيل في العام 2009 رسمياً من قبل لجنة خبراء في الأمم المتحدة، بالتورط في تصدير الماس بطريقة غير قانونية من إفريقيا، واتهم التقرير التجار الإسرائيليين بعلاقة مباشرة بتجارة الماس الدموي، خاصة في ساح العاج وسيراليون، وبالرغم من أن مجلس الأمن الدولي قد أصدر عدة قرارات في نهاية التسعينيات من القرن العشرين، تمنع وتقيّد استيراد الماس الخام من مناطق النزاعات في القارة الإفريقية، لمنع استخدام العائدات المالية في إطالة أمد الصراعات، إلا أن العمليات التي تقوم بها الصهيونية وإسرائيل لسرقة الماس الإفريقي مازالت متواصلة.
وليس أدل على خطورة الوضع من الفترة الممتدة من العام 1997 إلى غاية العام 2003، هذه الفترة التي شهدت تصاعداً خطيراً في مؤشر الحروب الأهلية في القارة الإفريقية، كان هدف هذه الحروب هو السيطرة على مناجم الماس، وكان من سمات هذه الحروب أن الأطراف المتحاربة قامت بتجنيد الأطفال وزجهم في الصراعات، وهذا ما كان ليتم لولا تواطئ تجار السلاح الإسرائيليين الذين زودوا الأطراف المتحاربة بالسلاح والعتاد المختلف عبر سنوات الحروب، وقد شهدت هذه الحروب تورط عدد من الرؤساء الأفارقة فيها، مثل رئيس ليبيريا السابق " تشارلز تايلور " الذي أدانته محكمة دولية بتهمة تجارة الماس الدموي في العام 2004.
نتيجة لما تقدم فقد أصبحت إسرائيل مركزاً كبيراً لتجارة الماس، وقد أعلن موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على الإنترنت، أن مجموع صادرات إسرائيل من الماس قد وصل في العام 2006 إلى ما قيمته " 13 " مليار دولار، احتلت الولايات المتحدة الأمريكية مركز الصدارة في قائمة الدول المستوردة بما يشكل "63 " في المائة من قيمة الصادرات الإسرائيلية، تليها هونغ كونغ " 14 " في المائة في سويسرا " 11 " في المائة، وباتت إسرائيل تنتج معظم الماس المصقول في العالم بنسبة تصل إلى 40 في المائة، ومازالت إسرائيل تسعى للاستيلاء على الماس الخام في عدد من الدول الإفريقية، فقد وقعت مع ليبيريا اتفاقية في العام 2007 تقضي بقيام إسرائيل إرسال خبراء لمساعدة ليبيريا في البحث عن الماس، إضافة إلى تورطها في تجارة الماس الدموي في كل من ساحل العاج وغينيا زائير وسيراليون وأفريقيا الوسطى.
 اللافت في هذا الموضوع هو العلاقة ما بين تجارة الماس القذرة وشركات السلاح الإسرائيلية من جهة، وعمليات تمويل المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس وفي بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدخل في هذه العلاقة الشائكة ضباط من المخابرات الإسرائيلية – الموساد – وأبرز مثال على ذلك الملياردير الإسرائيلي " ليف ليفايف " يهودي من أصل روسي، كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي يعمل في إفريقيا، وهو حالياً واحد من أهم أقطاب صناعة وتجارة الماس في العالم، وكذلك هو ممول مهم للمستوطنات الإسرائيلية، ويدير " صندوق استرداد الأرض " وهي هيئة يهودية تجمع متطرفون يهود هدفهم سرقة الأراضي الفلسطينية بوسائل عنيفة.
 وحسب بيانات دائرة الماس والأحجار الكريمة والمجوهرات في وزارة الاقتصاد والصناعة الاسرائيلية للعام 2016، فإن زيادة صادرات الماس الخام بنسبة 23.1% وزيادة الواردات بنسبة 16.7، وقد بلغ حجم تصدير الماس الخام خلال العام 2016، 2,702 مليار دولار، مقابل 2,195 مليار دولار خلال العام، ما يعني زيادة بنسبة 23.1%.
كما بلغ حجم تصدير الماس المصقول خلال العام 2016، 4,675 مليار دولار، مقابل 4,993 مليار دولار خلال العام 2015، ما يعني انخفاض بنسبة 6.4%. أمّا استيراد الماس الخام خلال العام 2016، فقد بلغ 3,246 مليار دولار، مقابل 2,781 مليار دولار خلال العام 2015، أي تمّ تسجيل زيادة بنسبة 16.7%.
وبلغ حجم استيراد الماس المصقول خلال العام 2016، 3,282 مليار دولار، مقابل ما يقارب 3,482 مليار دولار خلال العام 2015، أي كان هنالك انخفاض بنسبة 5.7%.
ولأن أجزاء من الأرباح التي تحققها إسرائيل من تجارة الماس تذهب إلى المؤسسة العسكرية لدعمها " حوالي مليار دولار سنوياً " وجزء منها أيضاً يذهب إلى المستوطنات لتعزيزها، فإن إسرائيل ماضية في الاستحواذ على هذه التجارة القذرة في إفريقيا لما تحققه من أرباح ضخمة .
 

24

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


فلسطين والعرب.. إشكالية العلاقة

قد مللنا التضامن مع قضيتكم "النجسة" !! يكفي ما قدمناه لكم على حساب تنميتنا !!
هذا تماماً ما كتبه مثقف عربي ينتمي إلى دولة عربية شقيقة، لا ينفك قادتها عن تذكيرنا بمناسبة وغير مناسبة بما قدموه للقضية الفلسطينية من تضحيات أعاقت مشاريع التنمية لديهم، وذلك رداً على المناشدات المتكررة بضرورة التحرك لنجدة المسجد الأقصى والتضامن مع القدس وأهلها المرابطين.
هل كفت فلسطين عن كونها قضية العرب؟ هل أخرج العرب فلسطين من حساباتهم؟
من يتذكر منكم القضية الفلسطينية؟
هل حقاً وصل بعض العرب إلى هذا المستوى من الانحدار والانحطاط الفكري والأخلاقي على مستوى القيم والمثل؟
منذ الخيانة الأولى، وصفقة الأسلحة الفاسدة، يقوم معظم العرب قادة وشعوب بممارسة هوايتهم اليومية في التشدق أن فلسطين والقضية الفلسطينية هي قضيتهم الأولى، وأنها مسؤولية وطنية قبل أن تكون قومية وإسلامية، ولا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو خطاباً لقائد عربي هنا، أو زعيم سياسي هناك، يؤكدون خلاله على عدالة القضية الفلسطينية، والمظلومية التي وقعت على الشعب الفلسطيني المضطهد، وأن إسرائيل التي تحاصر المسجد الأقصى، وتعمل على تهويد مدينة القدس هي العدو الأول للعرب الذين لا يدخرون جهداً ولا مالاً لنصرة ودعم هذه القضية.
لكننا جميعاً نعلم أن هذه الشعارات يتم استخدامها من قبل معظم الأنظمة العربية لدغدغة مشاعر شعوبها، وتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية من قبل بعض الأحزاب العربية، بل حتى لجني ثروات من قبل بعض تجار الفن الذين استخدموا رمزية القضية الفلسطينية لتسويق أعمالهم وانتشارها.
بالرغم من أن قتل الشعب الفلسطيني وانتهاك مقدساته لم يتوقف يوماً منذ ما قبل العام 1948، وهو العام الذي شهد قيام دولة إسرائيل، فوق الأرض الفلسطينية، وعلى حساب الشعب الفلسطيني، إلا أننا لم نرى تحركاً عربياً جاداً، إذ أن القادة العرب يكتفون فقط بالشجب والإدانة، والشعوب تشتكي القهر والعجز بسبب أنظمتها السياسية، وأنهم لا يمتلكون شيئاً للقضية الفلسطينية غير الدعاء.
تستمر فلسطين بطلب الإغاثة ولا تستغاث، ويستمر الفلسطيني بنضاله ومقاومته وعناده دون مؤازرة، ويستمر تدنيس الأقصى بأحذية جنود أقذر جيش على البسيطة، وتظل القدس تصرخ وتنتظر نجدة الأشقاء العرب دون جدوى، ورغم أن حديثهم لا يتوقف عن مقاومة إسرائيل ودعم الحقوق الفلسطينية، إلا أن بعض العرب يكتفي بترديد الأكاذيب، والبعض الآخر يوجه اتهامات الإرهاب للشرفاء الفلسطينيين ويقوم باعتقالهم وزجهم في المعتقلات، وبعض البعض بات يرى أن واجبه الأخلاقي هو الدفاع عن المدنيين الإسرائيليين من الإرهاب الفلسطيني!!
هو أمر جداً مؤسف هذا التهميش المتعمد للقضية الفلسطينية من قبل غالبية الأنظمة العربية، بذرائع وحجج واهية، أهمها الانشغال بالأوضاع الداخلية لهذه الدول التي لم تستطيع أن تحقق أية مشاريع تنموية لشعوبها، ولا هي تمكنت في الوقت ذاته من تقديم العون والدعم للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
كما يجري تصوير الأمر من قبل البعض وكأن هناك قطعاً وبتراً بين القضية الفلسطينية ومحيطها العربي وعمقها الإقليمي، بينما الحقيقة أنه لا يمكن عزل مجريات الصراع العربي الإسرائيلي عن الأوضاع الداخلية لأية دولة عربية، إذ أن جميع الأقطار العربية هي نقاط مصالح  واستهداف من قبل إسرائيل.
ثم أن غالبية العائلات الفلسطينية لها امتدادات في سورية والأردن ولبنان ومصر، بل أن هناك عائلات كاملة وقرى فلسطينية تعود أصول سكانها إلى الشمال العربي الإفريقي.
فلسطين كانت في الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر ميلادي، فلسطين كانت في معظم الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال الخمسمائة عام الأخيرة، فلسطين كانت في وعد بلفور، وكانت في اتفاقية سايكس بيكو، وفلسطين كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات خلال المائة عام المنصرمة، وسوف تظل فلسطين في قلب الأحداث الجارية والتي سوف تحصل مستقبلاً، ولا يمكن أن تنعم هذه المنطقة بالاستقرار دون حل عادل للقضية الفلسطينية يعيد لشعبها حقوقه الوطنية المسلوبة.
بعض الأنظمة العربية رفع سابقاً شعار "نحن أولاً" لتبرير عجزه والابتعاد عن قضية الصراع العربي مع إسرائيل، ولكي يتخلص من عبء الواجب القومي في تحرير الأراضي المحتلة، والآن بتنا نسمع شعارات خطيرة مثل "الطائفة أولاً" و "اذهب أنت وربك فقاتلا" و "سلام الشجعان" الذي يفرط بثمانين بالمائة من فلسطين، كما انشغل العرب عن فلسطين بخلافاتهم فيما بينهم وزج الشعوب العربية في صراعات مفتعلة، لا يستفيد منها أحد سوى إسرائيل التي تستغل هذا الواقع العربي والفلسطيني المأزوم بالتشرذم والتفرقة والفوضى في تحقيق أهدافها الاستراتيجية على حساب المصالح العربية.
أيها العرب، إن الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في 14/5/1948 سبقه تشكيل الحركة الصهيونية العالمية بأكثر من نصف قرن، أمضت هذه الحركة أكثر من ثلاثة عقود في العمل والتخطيط وتنظيم هجرة اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، وحصلت من بريطانيا على وعد بلفور، واستثمرت الحركة نتائج حربين عالميين لمصلحة تحقيق هدفها في إقامة إسرائيل.
فأين نحن من هذا التخطيط والتنظيم من قبل عدو يمتلك عقلية وضع خطط لمائة عام مقبلة، بينما العرب لا يمتلكون المقدرة على التخطيط لمائة يوم!
لا يستطيع العرب والفلسطينيين مواجهة القوة الإسرائيلية "حق القوة " بأسلوب ناعم يعتمد على "قوة الحق" وذلك فقط  عبر الاكتفاء بإطلاق المبادرات السياسية والدخول في مفاوضات والمراهنة على المجتمع الدولي، فالتاريخ يؤكد أن لا وجود لحقوق دون قوة تدعمها، وأن الجنوح للسلام دون قوة يؤدي إلى الانتحار، فقد كانت نتيجة هذه السياسة أن انتقل العرب من اللاءات الثلاثة المعروفة، لا صلح، لا تفاوض، لا استسلام، قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967، إلى التسابق للاعتراف والتفاوض والصلح وعقد الاتفاقيات مع إسرائيل، ووصل العجز الرسمي العربي والفلسطيني إلى أقصاه حيث غابت استراتيجية المواجهة مع إسرائيل، وغابت استراتيجيات السلام، فلا يمتلك العرب رؤية واحدة شاملة ولا موقف موحد بشأن القضية الفلسطينية، والأسوأ أننا نشهد انحداراً وتراجعاً مقيتاً مرعباً مخجلاً في معظم السياسات العربية الرسمية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وصل إلى حد تآمر بعض العرب على الفلسطينيين وعلى قضيتهم من خلال التنسيق الأمني المكشوف والعلني مع إسرائيل ضد المصالح الفلسطينية.
لقد تم تقزيم المسألة الوطنية الفلسطينية على أنها قضية تخص فقط الفلسطينيين، ثم جرى تقزيمها مرة أخرى لتظهر على أنها قضية فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم يجري مسخ المشروع الوطني الفلسطيني برمته على أنه فتح وحماس وعباس وهنية، وكأن قضيتنا أصبحت صراع سلطة بين تنظيمين.
بينما تستمر إسرائيل كل يوم بإصدار القوانين العنصرية التي تهدف إلى ابتلاع ما تبقي من فلسطين وتشريد الفلسطينيين، والتأكيد على أنها لم تعد عربية، وما نخشاه هو أن تكون  فلسطين أندلس جديدة نفقدها إلى الأبد .
لكن هل الراهن العربي في الواقع قابل لنصرة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ؟
الإجابة قطعاً لا، فالجسد العربي في حالة من الموت السريري، قلب العرب مريض ومرهق، ورأسها مصاب بالهرم، وأطرافها مشلولة
إن قضية العرب الأولى- فلسطين- تحتاج إلى أمة حرة قادرة على التعبير وتقديم الدعم، تحتاج إلى أمة لا تلهث غالبيتها خلف رغيف الخبز، أمة قادرة أن تختار مستقبلها، أمة لا يقرر مصيرها حزب واحد ولا عشيرة واحدة ولا زعيم واحد.
تحرير فلسطين يحتاج جسد عربي معافى ومتحرر من الخوف والقمع والفساد والمرض والفقر والأمية ومن المحسوبيات والرشوة والشللية، جسد يتمتع بحرية الحركة والانتقال، يؤمن بالديمقراطية إيمان حقيقي، ويمارس تداول السلطة، ولا يعتقل معارضيه.
لقد جعلت معظم الأنظمة العربية من القضية الفلسطينية مطية لتحقيق مآربها الخاصة، وجرى استخدام القضية في الخطابات الديماغوجية التي تتشدق بها بعض النظم العربية بهدف استمالة الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبها، ومن الدول العربية من يحارب دولاً عربية أخرى بسيف القضية الفلسطينية التي أصبحت مادة للمزايدات بين أطراف عربية كثيرة.
من العار أن يجري استغلال القضية الفلسطينية التي يعتبرها العرب قضيتهم المركزية والأولى، لتحقيق طموحات وأهداف ومآرب وأطماع خاصة لهذا النظام أو ذاك على حساب الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية وعلاقاته العربية والدولية.
إن أية قراءة سريعة للواقع العربي الراهن يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك زيف الشعارات التي رفعتها بعض الأنظمة العربية والتي استمرت لعقود وهي تعلن أن تحرير فلسطين سوف يبدأ أو ينطلق أو يمر عبر هذه العاصمة العربية أو تلك، بينما تأكد أن تحرير القدس وتحرير فلسطين سوف يكون الخطوة الأولى الضرورية في طريق تحرير بعض العواصم العربية من استبداد أنظمتها ومن سطوة الاستعمار الغربي، وتكشف الأحداث يوماً بعد يوم أن المشروع الصهيوني فشل في احتلال فلسطين، بينما نجح في احتلال بعض الدول العربية الأخرى والسيطرة عليها، وأن الشعب الفلسطيني هو الشعب الذي يتمتع بالحرية الوجدانية النضالية، وأن غالبية الشعوب العربية أسيرة ومعتقلة في سجون تسمى أوطاناً، لذلك فإن هذه العلاقة بين العرب والفلسطينيين باتت تستوجب التصويب، فمن الظلم أن نطلب من الشعوب العربية  التضامن مع القضية الفلسطينية، فلا يمكن لمريض أن يداوي سليماً معافاً ولا يمكن لسجين أن يناصر حراً.












25
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الأقليات في الوطن العربي وسؤال الهوية
قراءة على سبيل التمهيد

إن قضية الأقليات العرقية والدينية والمذهبية واللغوية بشكل عام تتسم بدرجة عالية من
 الحساسية، وينظر لها رغم أهميتها على أنها مسألة خطيرة، لذلك فإن مقاربة هذا الموضوع الشائك يحتاج الكثير من الدقة والروية والموضوعية والانضباط المنهجي، خاصة في ظل المرحلة الحالية التي تشهد عولمة اقتصادية وتوحش الرأسمالية الصناعية التي حولت أربعة أخماس سكان الكون إلى مستهلكين يلهثون خلف توفير مقومات الحياة التي حددت أنماطها ديكتاتورية الاسواق العالمية، بذريعة تحقيق الديمقراطية في المجتمعات الناشئة، وتحت شعارات حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص .
إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تشكل واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، من خلال تبني براغماتية منفعية مقترنة مع دوغمائية لا تريد أن ترى إلا جانب واحد من الموضوع، وإما أن تكون في مواجهة التحديات ، وأن تكون ضد إعادة ترتيب المجتمعات البشرية بما يتوافق مع المفاهيم الجديدة التي ينتجها الاقتصاد العابر للقارات، وبذلك قد تجد نفسك متهماً بتجاهل حقوق الأقليات والتفريط بها، أو التوجس منها في الحد الأدنى.
يشهد العالم خلال العقود الأخيرة عولمة اقتصادية- تؤسس لعولمة ثقافية واجتماعية- تعتمد على مبدأ توحيد الاقتصاديات الوطنية ودمجها في الاقتصاد العالمي الذي تسيطر عليه الشركات العملاقة، المتعددة الجنسيات- عابرة للقارات- التي تسعى خلف تكديس الثروات من خلال اعتماد سياسات اقتصادية تفترس الأضعف، وأهمها الشركات الأمريكية المنفلتة من عقالها.
وتستخدم هذه الاقتصاديات الثورة الإعلامية والتقنية والتقدم الهائل الذي حصل في قطاع الاتصالات وثورة المعلومات، وتوظفها من أجل تحقيق أهداف الاحتكارات الكبرى في تفكيك وتفتيت البنى الوطنية الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتمزيق روابط الدولة الوطنية، وتقويض ركائز الهوية القومية، من خلال أساليب متعددة لعل أهمها هو محاولة إحياء الهويات ما قبل الوطنية بهدف جعلها بديلاً عن علاقات المواطنة التي هي أساس قيام الدولة الحديثة التي حلت قضية الأقليات حلاً ديمقراطياً.
ويمكن تصنيف المجتمعات البشرية  إلى ثلاثة نماذج من حيث التنوع الديني والمذهبي والقومي والعرقي واللغوي والثقافي، أولاً هي المجتمعات التي تحتوي فسيفساء ومجموعات وكيانات غير قابلة للاندماج مع بعضها البعض، وثانياً المجتمعات التي تضم مجموعات نقية من حيث العرق أو القومية أو الدين، وهي مجتمعات صافية لا وجود للأقليات فيها، وبين هذان الحدان تقع المنطقة التي تضم المجتمعات القائمة على التنوع والتعدد العرقي والديني والمذهبي وهي مجتمعات قابلة للاندماج فيما بين مكوناتها.
الدول العربية باستثناء لبنان، يقع ضمن التصنيف الثالث، فالمجتمعات العربية تتسم بالتنوع الديني والمذهبي والعرقي والقومي واللغوي والثقافي، ورغم هذا التنوع والتعدد إلا أنها مجتمعات قابلة في ذات الوقت للانصهار والاندماج فيما بينها، تظل الحالة اللبنانية  عربياً تحتاج إلى البحث عن حلول ومخرجات علمانية ديمقراطية جذرية، كي لا يظل الوضع في لبنان كالقنبلة الموقوتة تنتظر إشعال فتيلها.
لقد قطعت المجتمعات العربية خطوات مهمة في طريق الاندماج الاجتماعي والوطني لبناء دولة المواطنة الحديثة، وهذه المجتمعات كانت قد صدت كافة محاولات الاستعمار المباشر في تقسيمها إلى دويلات متناحرة، وظلت مع مرور الوقت عصية على التفتيت وحافظت على وحدتها الوطنية.
إن قيام الفكر القومي التقليدي والقوميين الجدد بتجاهل موضوع الأقليات، من خلال الهروب إلى الأمام وعجزه عن ملامسة ملامح الإشكالية، واتهام الخارج بأنه من يسبب الاضطرابات والأزمات الداخلية في بعض الدول العربية، متناسياً أن وجود الأقليات في هذه الدول أقدم من مرحلة الاستعمار، ويغيب عن هذه الأنظمة أن عدم وجود رؤية موضوعية للتعامل مع الأقليات ومع خصوصياتها هو ما يجعل من هذا الموضوع مشكلة، وأن المقاربات غير الديمقراطية هو ما يجعل من مسألة الأقليات أزمة داخلية، وهو ما يوفر عوامل انفجارها، ويمهد الطريق للتدخلات الخارجية.
نحن أمام قضية تعود جذورها التاريخية إلى مرحلة ما قبل الفتوحات الإسلامية، إن ظهور الإسلام وانتشاره انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية لم يلغي الديانات والمذاهب التوحيدية الأخرى، بل جعل أتباع هذه الديانات في ذمة المسلمين، ذلك لأن الدين الإسلامي هو دين يقوم على التوحيد والوحدة والتعدد.
إلا أن الانشقاق الذي حصل بين صفوف المسلمين على أثر معركة "صفين" أو ما يعرف بالفتنة الكبرى في العام 37 هجرية، كان من نتيجة هذه الحرب ظهور مذاهب إسلامية جديدة تعمقت الاختلافات فيما بينها مع الوقت حتى وصلت لقضايا العقيدة ذاتها.
ثم دخل الإسلام أمم وأقوام شتى، تعرّب بعضها واحتفظ بعضها الآخر بهويته الاثنية أو اللغوية الثقافية، وضمت الدولة ثم الامبراطورية الإسلامية مللاً وديانات ومذاهب وقوميات وأعراق مختلفة ومتعددة، دخلت جميعها في النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي العربي الإسلامي بشكل كلي أو جزئي، واستمرت حالة التعايش بين هذه المكونات عقوداً طويلة، ومع قيام دولة الخلافة العثمانية ظهرت الدولة المركزية العسكرية وبدأت قضية الاقليات بالظهور وأخذ بعض أركان دولة الخلافة في تسييس هذا الموضوع الذي تعمق أكثر مع انهيار الخلافة العثمانية وظهور النظام الرأسمالي الذي ابتدع نظام حماية الأقليات، وجاء الاستعمار الكولونيالي لتنتشر سياسة  فرق تسد.
إن مرحلة الاستعمار في العالم العربي شهدت تأثر المنطقة ببعض إنجازات الثورة البرجوازية الديمقراطية الاوروبية، ومنها قضايا حقوق الإنسان التي تم سنها في الدساتير الأوروبية، وتعامل الاستعمار مع الأقليات بصورة تظهره على أنه حامي مصالحهم و وجودهم، وفي بعض الدول حاول المستعمر دمجهم قومياً عبر تشريعات، لكن الأكثرية الإسلامية رفضت وتصدت لهذه المحاولات بسبب رفضها أساساً الاستعمار على أراضيها وبالتالي رفضها لأي سياسات يحاول فرضها عليهم، ثم أن الأكثرية المسلمة رفضت أيضاً محاولات الاستعمار في تغريب المسيحيين المشرقيين، هذا الأمر خلق نوعاً من التصادم  بين المجتمعات العربية المسلمة التقليدية، وبين الأفكار الغربية الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة القوميات، ووضع العراقيل أمام الحلول الديمقراطية لاندماج هذه الأقليات بمجتمعاتها، وهكذا ظلت الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال السياسي دولاً تضم مجتمعات تعاني من أزمات معلقة مربكة وملفات مفتوحة لا تتوفر ظروف معالجتها وإغلاقها، وأهمها قضية الأقليات، وهكذا وجدت هذه المجتمعات أنها غير قادرة على العودة إلى نظام الذمة القديم في عهد الدولة الإسلامية، ولا هي قادرة على القيام بثورة ديمقراطية تؤسس لمعالجة جذرية سلمية وعصرية وديمقراطية لقضية الأقليات، وهذا واحد من أهم الأسباب التي جعلت من هذه الإشكالية في العالم العربي أزمة طائفية طاحنة تلخص أزمة الأمة، وتحتوي فتيلاً قد يشتعل في أية لحظة ويحرق اليابس وما بقي من الأخضر في عموم المنطقة .
لكن ما الذي جعل من موضوع الأقليات في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتضخم ويتخذ هذا القدر من الحدة القابلة للتفجر؟
بظننا أن الحقبة التي تم فيها اكتشاف البترول شكلت بداية ما أسميه سلسلة من الانتكاسات تعرضت لها عموم المنطقة حيث أعقبتها استهدافات متتالية لم تتوقف لغاية الآن من قبل القوى الاستعمارية العظمى هدفها السيطرة على ثروات المنطقة ونهبها وكذلك السيطرة على عقد المواصلات والمعابر المائية التي تضمن للدول الغربية استمرار تدفق النفط، وصول بضائعها إلى الأسواق المستهدفة.
فظهرت شعارات "حماية الأقليات" و"حقوق الأقليات" وهي شعارات تعني أن هذه الأقليات مهددة من "الأكثرية"، ويصار إلى الإشارة للأقليات بالاسم الواضح من حيث العرق والدين والمذهب واللغة والثقافة والتاريخ، ويشار أنه في المقابل توجد أكثرية كتلة واحدة كبيرة ومتجانسة تهدد الأقليات الصغيرة والضعيفة.
لكن في واقع الأمر ليس هناك أكثرية واحدة في العالم العربي، ولا يوجد اقليات ثابتة من حيث التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي، ولا يمكن تصوير الأمر على أنه لدينا اقلية تواجه أكثرية ثابتة.
إن الواقع في المنطقة يشير إلى وجود أكثريات واقليات متنوعة بتنوع المعايير والمقاييس التي يعتمدها طرف من الأطراف للتمييز فيما بين هذا التنوع، فإذا كان معيار التمييز اثني قومي كانت الأكثرية عربية والأقليات أمازيغية، وكردية وأرمينية وآشورية و سريانية وتركمانية وشركسية وشيشانية.
وإذا كان المعيار دينياً فإن الأكثرية مسلمة، والاقليات مسيحية وايزيدية والصابئة المندانيون واليهود.
أما إن كان المعيار مذهبياً فالأكثرية سنية، والأقليات درزية وعلوية وشيعية واسماعيلية.
في الوطن العربي تعدد وتنوع واختلاف وتعارض، في الوطن العربي جماعات قومية ولغوية ودينية وثقافية ومذهبية وعرقية واثنية وطوائف وطرق صوفية يوجد مسلمين ومسيحيين ويهود ويزيديين وغيرهم، لكن المهم والأهم الإيمان أنه لا وجود لتعدد وتنوع من غير وحدة، ولا وجود لاختلاف وتعارض من غير تماثل وتشابه، وهذه الرؤية تجاهلها المستشرقون وتجاهلها الغرب ويتم تجاهلها من قبل المستغربين الجدد الذين شرعوا في التقوقع داخل مجتمعاتهم وقاموا بهدم الجسور التي تربطهم مع الشرائح الاجتماعية الأخرى" الأكثرية" بدلاً من تعزيز وتقوية قنوات التواصل، وبدأوا بالتحريض ضد ما يعتبرونه الأكثرية لإثارة الفتنة بين مكونات هذه المجتمعات بهدف تمزيق أواصر ترابطها كخطوة نحو المطالبة بالانفصال.
إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول أن الأمازيغ في دول الشمال الإفريقي ليسوا فقط مختلين عن العرب، بل مختلفين حتى فيما بينهم أيضاً؟
ومن يقول أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟
وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.
كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة منية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز.
إن المساواة البشرية في الحقوق والواجبات في هذه المجتمعات لا تعني باي حال إلغاء الفروق بين مكونات المجتمع، لأن إلغاء الفروق يؤدي إلى العدم والقفز في الهواء، فالمساواة الوطنية أمام القانون هو مفهوم قائم على مبدأ تساوي جميع أنواع إطلاقاً، والعلاقة بين المساواة والاختلاف هي نفسها العلاقة بين الذات والوجود، ومن هنا فإن قضايا حقوق الإنسان برمتها يمكن مقاربتها ضمن سياق هذه المفاهيم الديمقراطية، وما حقوق الأقليات سوى غصن من الأغصان.
إن الاختلاف في الوطن العربي كما بقية العالم هو واقع موضوعي، والعبرة تكمن في إدراك الأقليات لاختلافهم بشكل علمي وحضاري وديمقراطي ضمن إطار دولة المواطنة، باعتبارهم مواطنين على ذات الدرجة من المساواة في الحقوق والواجبات مع الأكثرية، وليس باعتبارهم أقلية عرقية أو دينية،  ودون إذكاء الروح القومية والعصبية لديها، وإدراك الجماعات الأخرى لهذا الاختلاف واحترامه، والعمل سوياً من أجل تعزيز التلاحم الوطني الداخلي فيما بينهم.
إن حرمان الأقليات من حقوقها من قبل الأكثرية من شأنه أن يؤدي إلى عزلة هذه الجماعات عن المجتمع، ويولد لديها  وضدها نعرات قومية ودينية، وقد تبدأ هذه الأقلية في بناء الأسوار كي تحمي نفسها وتحاول أن تحفظ حقوقها ومصالحها، لكنها سوف تجد نفسها سجينة داخل هذه الأسوار، وهكذا تنشأ الحواجز الاجتماعية فيما بين الجماعات المكونة للمجتمعات، وتنغلق هذه الجماعات على نفسها، حينها لا يمكن أن ترى هذه الجماعات سوى مصالحها الخاصة، ولا ترى في مصالح الآخرين سوى أنها عقبات وإشكاليات يتوجب إزالتها، وهكذا تنمو مصالح ومفاهيم جديدة يصبح مع الوقت من الصعب إدماجها في المجتمعات، وهنا تبدأ الايديولوجيات المنغلقة بالظهور، وتجد من يعمل على نشرها وترويجها، وتجد العديد من الناس ممن لديه الاستعداد للقبول بها على أنها حقائق ومسلمات، متغافلين عن البديهيات التي تؤكد أن العلاقات الاجتماعية دوماً تحتوي في طياتها آليات معقدة وعناصر متعددة ومركبة، تتضمن قابليات التماثل للاندماج والوحدة، وكذلك عوامل التنافر والاقصاء، ولذلك فإن مسألة الاقليات ليست مرتبطة بكيانات منغلقة ومنعزلة، ولا بهويات ثابتة، ولا بمكونات حجرية، بل أنها ترتبط بنمط وشكل العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ومستوى تطور هذه العلاقات، وكذلك بمستوى الوعي الاجتماعي والحياة المدنية في هذا المجتمع أو ذاك.
تتفاقم مسألة الاقليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي وعدم الاستقرار في هذه المجتمعات، وفي الغالب فإن أهم أسباب تفجر العنف يعود إلى فشل الأنظمة السياسية في المنطقة في إجراء مقاربات موضوعية وديمقراطية لهذه الإشكالية التاريخية، وبالتالي عجز هذه الحكومات عن تقديم حلول جذرية لهذه القضية بدلاً من المحاولات المستمرة لاحتوائها وتجاهل الأسباب الموضوعية الكامنة وراء تصاعد العنف، وهناك أسباباً أخرى متعلقة بظهور خطاب قومي متطرف ومتشدد لدي بعض قادة الأقليات يدعو إلى الانفصال عن الدولة الأم، ويتبنى العنف في مواجهة الدولة، ويحرض على عدم الاستقرارالسياسي، الأمر الذي يولد خطابات متطرفة من الجانب الأخر، وهو ما يدخل هذه المجتمعات في دائرة الفوضى والفشل.
إن الاكتفاء بالمقاربات الأمنية فقط لمعالجة قضية الأقليات، دون الالتفات إلى خلفيات ومسببات الاحتقان الاجتماعي لدى الأقليات، سوف  يؤدي إلى تراجع هذه القضية ثم إلى ظهورها مرة أخرى بشكل أزمة أشد خطراً مما كانت عليه.
إن الأقليات في هذه المنطقة جزء مهم ومكون رئيسي من هذه المجتمعات التي يفترض أن تستمد قوتها من تعددها الديني والعرقي واللغوي والثقافي، ويجب أن يكون هذا التنوع  سبباً لإثراء الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإغناء لقيم المواطنة والتسامح والانفتاح، بدلاً من الانغلاق والتعصب والشعور بالدونية أو التعالي.
يحتاج الفكر القومي المشرقي عامة- بما ذلك سكان شمال إفريقيا- والعربي خاصة إلى التحرر من هاجس وعقدة المؤامرة، كي نتمكن من تأكيد الطابع الإنساني للأكثرية التي تنتمي مع الأقلية إلى الدولة الحديثة باعتبار الجميع مواطنين متساويين أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتصان كرامة الجميع وحقوقهم الأساسية في دساتير تنظم مجتمعات متمدنة لا فضل فيها لأحد على أحد.


26
أدب / لأنني أخشى الغرق جداً
« في: 18:59 06/07/2017  »

 
لأنني أخشى الغرق جداً
 
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


1
تسلقت سرو النوافذ
ذات جناح
لأتصفح عينيها
قبلة قبلة
في غفلة استبداد الرمش
بسطت شهقتها لي
وهنت عزيمتي
وسقطت في الإمطار
 
 
 
2
في موسم الحنّاء
تبدّت لي بحياء
خدودها متقدة
كحبة كرز جبلي
قالت
اليوم مشمس للقطاف
 
 
3
كل مساء
حين تضحك عيناها
أرى البحر
بت أخشى المساء
لأنني أخشى الغرق جداً
 
 
4
كنّا بريئين
حين امتزج صدرها بلهاثي
بعثرني العطر في العنق
قالت تتمنع
أشاعر أنت
قلت لا تثقي بالقصائد
فقط حلّي أزرار القميص
 
 
5
تأتي حبة الخوخ
فاتنة كمهجة البساتين
تسامر لحن الآهات
تثملني حلاوة العناق
هذا الوتر يعزف جموح الوصل
يسلطن ليل العشاق
كلما جن نغم الهوى
في رأد الضحى
أطلقت طقوس الغابة
ورقصت حولي جثتي


27

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

نظرة على العلاقات الإيرانية الإفريقية
التسلل الناعم في الأرض الخشنة
الجزء الأول

يرجع الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية إلى ستينيات القرن العشرين، حيث كان نظام الشاه في إيران يلعب دور االشرطي الأمريكي في المنطقة، فارتبطت إيران بعلاقات دبلوماسية مع عدد من الدول الإفريقية. لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، تراجع كثيراً الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية بسبب انشغال إيران بترسيخ دعائم الحكم الجديد، وانشغالها بالحرب مع العراق، لكن ما إن انتهت الحرب حتى عاد اهتمام إيران بالقارة الإفريقية مرة أخرى، وتمكنت من اختراق القارة في بداية التسعينيات من القرن العشرين، ويمكن أن نلحظ الوجود الإيراني في دول غرب إفريقيا لوجود جاليات إسلامية كبيرة في هذه الدول مما شكل بيئة مناسبة لنشر المذهب الشيعي، وكذلك في دول حوض النيل وشرق إفريقيا من أجل تطبيق نظرية " الجهاد البحري " الذي تسوق لها إيران بهدف نقل المعركة من الخليج العربي إلى منطقة القرن الإفريقي وخليج عدن وباب المندب بين إرتيريا واليمن، من خلال إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء عصب الإرتيري، من أجل حماية مصالحها في المنطقة وتعزيز نفوذها، ثم أيضاً لإيران تواجد في مناطق جنوب وشمال إفريقيا، ففي جنوب إفريقيا استفادت إيران من الأقلية المسلمة هناك القوية اقتصاديا والمتعاطفة مع الشعارات الإيرانية المعادية للصهيونية، وفي دول شمال إفريقيا التي تعتبرها إيران أماكن استهداف، فقد صار لها موطئ قدم،  خاصة في الجزائر.
لقد نجحت إيران في استغلال الفراغ الثقافي والاجتماعي، وحتى السياسي الذي أحدثه البعد العربي عن الساحة الإفريقية، للتسلل إلى القارة وذلك عبر آليات متعددة لعل أهمها توظيف شعار الثورة الإيرانية على أنها " ثورة لنصرة المستضعفين " في العالم، فلاقى هذا الشعار صدى له في عدد من دول القارة الإفريقية، حينها وجدت إيران فرصتها التاريخية للانقضاض على إفريقيا بهدف الخروج من عزلتها الدولية والإقليمية المفروضة عليها قبل توقعيها على الاتفاق النووي، و لنشر المذهب الشيعي فيها، وكذلك من أجل محاولة تصدير الثورة إلى تلك البلدان من خلال تقديم النموذج الإيراني، وممارسة نشاط استخباراتي في إفريقيا، عبر عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين توافدوا على إفريقيا بصفة رجال أعمال ومستثمرين بهدف ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية والعربية.
في العام 1991 قام الرئيس الإيراني  "السابق هاشمي رفسنجاني " بزيارة إلى السودان الذي اعتبرها دعماً لحكومة  "عمر البشير "، وقد مثلت هذه الزيارة بداية انفتاح إيراني على القارة الإفريقية، فأعقبتها زيارة أخرى لرفسنجاني عام 1996، ثم الزيارات التي قام بها  "محمد خاتمي " إلى عدد من الدول الإفريقية، ومن بعده قام " محمود أحمدي نجاد " بزيارات متعددة إلى إفريقيا، ثم قام وزير الخارجية الإيراني " محمد جواد ظريف " بعدة زيارات لدول شرق أفريقيا في العام 2014، وزيارة دول شمال إفريقيا في العام 2015، ثم قام بجولة في دول غرب إفريقيا في العام 2016.
وإن كانت السودان أول بلد إفريقي يستقبل رئيس إيراني على أراضيه، فإن شبكة إيران الإفريقية أخذت تتوسع فشملت كل من جنوب إفريقيا، كينيا، تنزانيا، زيمبابوي، أوغندا، نيجيريا، النيجر، الكاميرون، السنغال، جزر القمر، الصومال، جيبوتي، غانا .
هذا النشاط الدبلوماسي الإيراني غير المسبوق يعكس حرصاً إيرانياً في المضي على تعزيز علاقات إيران مع عدد متزايد من الدول الإفريقية، كما أسفرت هذه الزيارات عن تشكيل لجان مشتركة في جوانب متعددة بين إيران وبعض الدول الإفريقية، كما أنتجت قيام كل من إيران وهذه الدول بتوقيع على عدد المعاهدات والاتفاقيات الثنائية في مجالات مختلفة، في قطاع الري والسدود، وصناعة السيارات، والطاقة، إضافة إلى الجوانب التعليمية والثقافية .
وفي الحقيقة تختلف الدوافع الإيرانية من خلف هذا التسلل إلى إفريقيا من بلد إلى آخر، وتتنوع هذه الدوافع والأسباب ما بين سياسي وديني، وجرى تركيز الجهد الإيراني على السودان ونيجيريا بشكل لافت، فيما يتعلق بالسودان فإن اسباب إيران في توطيد العلاقة معه، فذلك يعود إلى موقع السودان ذو الأهمية الجيوستراتيجية، إذ يعتبر البوابة الشرقية لإفريقيا، وتعتبر إيران أن السودان يتشارك معها في مواجهة الضغوط الأمريكية وهو ما يفسر احتضان إيران لنظام عمر البشير في العام 1989 ذو التوجه الإسلامي وحينها اعتبرته إيران أول حليف عربي.
أما فيما يتعلق بنيجيريا فإن أكثر من نصف سكانها من المسلمين، وهي من أهم الدول المنتجة للنفط في إفريقيا، ناهيك عن وجود آلاف من أتباع المذهب الشيعي المتعاطفين مع النظام الإيراني فيها .
ولقد اتبعت إيران ما يسمى بسياسة التسلل الناعم للولوج إلى قلب القارة الإفريقية، مثل تقديم بعض المساعدات التكنولوجية في مجالات الطاقة والصناعات البتروكيماوية، أيضاً في مجال الزراعة والصحة والري، وهي القطاعات التي تحتاج دول القارة الإفريقية إلى المساعدة والدعم فيها أكثر من غيرها، وقد ساعد هذا التعاون على تحقيق نمو في المبادلات التجارية بين إيران وإفريقيا، فارتفعت قيمة الصادرات النفطية الإيرانية إلى إفريقيا من  1.3 مليار دولار عام 2003، إلى 3.6 مليارات دولار عام 2012. وتضاعف حجم الصادرات الإيرانية إلى الدول الإفريقية من 90 مليون دولار عام 2001، إلى 291 مليون دولار في العام 2008 .
هناك وسيلة أخرى استخدمها الإيرانيين للتسلل إلى إفريقيا، ألا وهي نشر المذهب الشيعي في الدول التي تضم مسلمين، يساعد إيران في تحقيق  هذا الأمر وجود عشرات آلاف الشيعة اللبنانيين الذين هاجروا في سنوات ماضية من لبنان واستقروا في دول إفريقية، وقامت إيران في بناء عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية والدينية في إفريقيا لنشر التشيع.
إضافة إلى استخدام إيران أيضاً أسلوب تقديم المساعدات العسكرية سراً غالب الأحيان إلى بعض الدول الإفريقية، فقدمت أسلحة وعتاد حربي، كما قامت بتدريب عدد من الضباط والجنود الأفارقة، وكانت إيران قد بنت أيضاً مجمع مصانع اليرموك للصناعات العسكرية في السودان والذي قامت الطائرات الإسرائيلية بقصفه عام 201.
ويمكن القول أن إيران قد استطاعت تحقيق بعض المكاسب السياسية نتيجة علاقتها مع القارة الإفريقية، ربما أهم هذه المكاسب هو مساعدة غيران على الخروج من العزلة الدولية والإقليمية، إضافة إلى تصويت الدول الإفريقية لصالحها في المحافل الدولية عدة مرات في مجالات مرتبطة بحقوق الإنسان داخل إيران والملف النووي، ومراهنة إيران على المخزون الاستراتيجي لليورانيوم لدى بعض الدول الإفريقية.
وهكذا نرى أنه في الوقت الذي غابت فيه إفريقيا عن الحسابات العربية، حضرت وبقوة في الاستراتيجية الإيرانية التي تمكنت من فتح ثلاثين سفارة لها في القارة الإفريقية وحصولها على عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي، ويبدو أن إيران تحاكي التجربة الإسرائيلية في إفريقيا، فهي مثلها تسعى لتعزيز نفوذها في دول حوض النيل، ومحاولة السيطرة على الخليج العربي، واستغلال علاقتها مع إرتيريا الذي مكنها من تقديم الدعم للحوثيين في اليمن.
وفيما اتسم التسلل الإيراني إلى إفريقيا بالنعومة، إلا أن هناك شواهد على علاقة المخابرات الإيرانية ببعض المجموعات الإرهابية في بعض الدول الإفريقية، حيث قامت إيران بتهريب كميات ضخمة من الكوكائين ضمن حاوية تضم قطع غيار للسيارات واكتشفتها السلطات النيجيرية واعتقلت أفراد الخلية في العام 2010، ولم يعد خافيا أن الدول الإفريقية تعج برجال المخابرات الإيرانية، في حين مازالت حالة الغيبوبة العربية متواصلة، ولم يتعدى مفهوم الأنظمة العربية لمفهوم أمنها القومي أبعد من حرصها على عدم انهيار أنظمتها السياسية، بينما تتبع إيران اساليب الدول الاستعمارية التي تسعى لتوفير كافة متطلبات أمنها القومي، وهي كإسرائيل تسعى لتطويق الدول العربية وعزلها عن عمقها الإفريقي .
وتحاول القيادة الإيرانية التمركز في موضع يتوافق مع ما تراه أنه مكانتها وقدراتها وتاريخها، وهي تقرأ المتغيرات الدولية والإقليمية التي تشير إلى انحسار دور قوى كانت لغاية الأمس قوى عظمى، وتراجع ملحوظ في دور وتواجد واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وظهور قوى جديدة دولية وإقليمية تريد إيران أن تكون بين هذه القوى الصاعدة، ومن أجل تحقيق هذا الهدف تحاول إيران أن تعوّض تجاهلها من قبل الغرب بإقامة علاقات مع الدول الضعيفة من أجل تشكيل تحالفات يكون لها وزن وأثر في الموقق الدولي، لذلك نجد إيران تسعى جاهدة من أجل تعزيز وتطوير علاقاتها مع بعض الدول الآسيوية والأمريكية الجنوبية والأهم هنا هو الساحة الأهم التي تتصارع من أجلها القوى العظمى، وهي القارة الإفريقية التي تقوم القيادة الإيرانية فيها بمزاحمة القوى الكبرى، لتعزيز تواجدها في منطقة القرن الإفريقي للضغط على دول الخليج، وكذلك مساومة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حول عدد من ملفاتها الداخلية ومصالحها الإقليمية، حتى في دول غرب إفريقيا التي هي منطقة نفوذ أمريكي- فرنسي بامتياز، وتواجد إسرائيلي ملحوظ، إلا أن إيران وجدت لها مكان بمساعدة الجاليات اللبنانية، ومع جنوب إفريقيا حيث دعمت إيران سابقاً حزب المؤتمر الديمقراطي الذي كان يناهض نظام الفصل العنصري، فقد استطاعت إيران أن تسوّق وجهة نظرها من برنامجها النووي، بصفة عامة فإن إيران تحظى بتأييد الأنظمة الإفريقية غير المتصالحة مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل زيمبابوي التي وضعتها أمريكا ضمن دول الطغيان.

لكن شهر العسل الإيراني مع القارة الإفريقية لم يستمر، وأضحت إيران تواجه عدة تحديات خلال السنوات الماضية نتيجة عدم الالتزام الإيراني بالوعود التي قطعتها لبعض الدول الإفريقية لتقديم المعونات الاقتصادية، وقد مارس المجتمع الدولي ضغوطاً شديدة على إيران لتقليص نفوذها في إفريقيا، فعلى سبيل المثال تم إغلاق جميع المراكز الثقافية الإيرانية في السودان الذي انخرط مع بعض الدول الإفريقية الأخرى كالمغرب مثلا، في الحرب ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن الذين هم أنصار إيران ويمثلون مشروعها هناك، وأيدت كل من موريتانيا والسنغال هذه العملية العسكرية، ثم ما لبثت السودان وجزر القمر أن قامتا بقطع علاقاتهما مع إيران عقب التوتر الذي اتسم العلاقات السعودية الإيرانية بسبب الأزمة التي سببها حرق السفارة السعودية في طهران.
وقد أدركت بعض الدول الإفريقية المسلمة السنية أن هناك مخاوف جدية من المحاولات الإيرانية المستمرة لنشر المذهب الشيعي في بلدانها، كما حصل مع المغرب الذي أتهم إيران بنشر التشيع فيه، مما دفع السعودية وبعض دول الخليج إضافة إلى مصر بالتدخل لمواجهة هذا الأمر وعبر بعثات أزهرية، وإرسال العديد من الأئمة ورجال الدين من أهل السنة إلى المعاهد الدينية الإفريقية، وفتح الجامعات والمعاهد العربية أمام طلبة العلوم الشرعية من الدول الإفريقية.

28
أدب / نهر الجنون
« في: 17:25 08/06/2017  »


نهر الجنون

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك



 وحشة الدرب حزن أعسر
ينتعل طريق الرحيل  قدمي
والأماني العتيقة  وسائد رملية
تماهت الألواح العظيمة
 في كنف الزهر الأبيض
 مع نكهة النحيب يوم الظمأ
تتمايل الأزهار أسفل الرحيل
 رماد وأفواه  فاغرة
تجثو قرب خدوش الوقت
 وسكون مصلوب على سطح الكتاب
ترى الروابي تشيخ
وتهمد الأشجار
 سألتني باضطراب
 متى تبدأ ؟
 أم  بدايتك انتظار ؟
 أجبتها
 لا يستقيم اليراع المشطور
 مع حزن الراعي
قد طويت نهري خلف الريح
ورسمت وجه المطر
فوق تعب القلم
جمعتْ دمي بكفها
 قالت امضِ
 سِحنة الليل سَكَنَتْ أطرافها
لا تغفو في قاع الصور
الحجر في أفول
 لا تعود
 حتى ترى غابة الورد
 معلّقة من جذعها
 على جدار المطر
بكتْ وأنا أمضي
لا زلت في رحيل
 ما زلتُ أحلم
 وأنتظر طوفاناً
 يقوّض سدود اليقظة
 ويُطلق نهر الجنون

29
المنبر الحر / دفاتر مريم
« في: 17:32 22/05/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 
دفاتر مريم

عندما استيقظ  ذات صباح في شهر آب القائظ، كان جبينه يرشح عرقا، بدأ يتمتم بكلمات مبهمة وهو يتلوى ألما من صداع في منتصف الرأس، بعد أن كان قد قضى ليلته في صراع مع الكوابيس التي داهمت نومه ولم يتذكر منها سوى عبق رائحة السجائر حين امتص آخر سيجارة وألقى برأسه على الوسادة كي ينام.
ولم تجدي نفعا مع هذه الكوابيس جميع المحاولات لطردها، واصطف أفراد عائلته واجمين بجانب سريره لايدرون مايفعلون، بعد ان أيقظتهم صرخته المدوية منتصف الليل، الا أن والدته العجوز أصرت على تلاوة بعض سور القرآن الكريم فوق رأسه وهي تمسح جبهته براحة يدها اليمنى عساها تطرد الأرواح الشريرة التي نغّصت نوم فلذة كبدها.
كان حين استيقظ قد قرر – وهو بالمناسبة نادرا ما يستطيع التقرير في شأن من شؤون حياته – أن يحطم احتكار الكتابة الصحفية على حد تعبيره، وأن يقتحم أسوار هذه القلعة المغلقة على أصحابها وينضم إلى جنود القلم كما كان يسميهم، الذين كان يراهم يدخلون ويخرجون من الباب الرئيسي لمقر إحدى المجلات الحزبية الأسبوعية، وكان صاحبنا حريص على مراقبة مدخل البناء، يتأبطون بعض الصحف اليومية وحزما من الأوراق لا يدري مابها , ومنهم من ارتدى ثيابا بالغ في أناقتها بدرجة ملفتة، تتدلى حقائب جلدية من أكتافهم يتنافسون في اقتناء الأجمل منها، والله وحده يعلم ما بداخلها , ولم يجرؤ صاحبنا يوما على الاقتراب منهم، رغم أمنيته أن يلقي التحية على واحد منهم، أو أن يبادروه السلام  أحدهم, إلا أن شيئا من هذا لم يحصل.
وبعد طول انتظار وتردد، ارتدى صاحبنا أفضل ما لديه من ثياب وسرّح ما بقي من شعر رأسه، وكي تكتمل الأناقة أفرغ نصف زجاجة عطر رخيص فوق رأسه، وعرج إلى محل تصليح الأحذية في طريقه إلى المجلة كي يلمع حذاءه ويرتق الثقوب الجانبية فيه كي لا يلاحظها أحد، مما قد يحول دون تحقيق ما قد عزم على البدء به.
طرق باب المجلة و والتقى عددا من المسؤولين في إدارتها وفي هيئة التحرير، وأصر على أن يلتقي مسؤول قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية بشكل منفرد للتباحث معه في القضايا المصيرية التي تعصف بالأمة، ولما كان المسؤول مسافرا للمشاركة في نشاطات أحد المؤتمرات التي دعي إليها، اكتفى بلقاء النائب الذي أخبره أن لا فرصة أمامه لمقابلة السيد رئيس التحرير الذي يستشيط غضبا لأن الدعوة وصلت إلى رئيس قسمه واعتبر الأمر إهانة شخصية له، وأنه حاول عبثا أن يتصل بالقائمين على المؤتمر ليرسلوا له دعوة أخرى، بعد شعوره بالخيبة لفشل المؤامرة التي حاك خيوطها في مكتبه بمعاونة السكرتيرة لمنع رئيس قسم الدراسات من السفر.
وبعد يومين كاملين أمضاهما صاحبنا في غرفة موصدة، مكتفيا بالضروري من الغذاء والماء، وهو يفرك يديه ببعضهما، يحاول عصر رأسه والإمساك بفكرة مقالته الأولى والتي ستكون طريقه إلى مجد الصحافة يدخله من الباب الواسع، كما ستجعل منه إنسانا مشهورا وشخصا مهما وتضع اسمه بجانب كبار الكتاب.
عندما أدرك أن وحي الكتابة قد أشفق عليه وأنه قد حانت ساعة الصفر، أخذ يبحث في زوايا المنزل عن القرطاس والقلم، وبعد جهد مرير وجد القلم، وعبثا حاول العثور على القرطاس، وحين فقد الأمل من هذا البحث المضني الذي استغرق ساعتين كاملتين، بعثر خلالهما محتويات غرف المنزل، عندما استدرك أنه لم يكن في يوم بحاجة اإى القرطاس، التفت الى دفاتر شقيقته مريم وكانت لازالت طالبة ابتدائية، التقط أحد هذه الدفاتر وبدأ مشواره مع الكتابة إلى أن ملأ صفحات الدفتر الأربعين بمقالته العظيمة التي تناولت خطابا سياسيا كان قد ألقاه في حينه أحد القادة السياسيين.
استل صاحبنا القلم بيده اليمنى، وأحكم قبضته اليسرى على الدفتر المسكين و وراح يشيد ويمتدح خطاب القائد الملهم مبتدءا مقالته على النحو التالي :
قال الأخ القائد في خطابه التاريخي الذي ألقاه منذ يومين بحضور عدد كبير من ممثلي الأحزاب وحركات التحرر الصديقة وحشد غفير من جماهير شعبنا و ثم فتح مزدوج ونقل بأمانة تامة الجزء الأول من خطاب القائد، فملأ ثماني صفحات كاملة، وتبعا لأصول الكتابة الصحفية أغلق المزدوج في المقطع الأول.
وفي مستهل الصفحة التاسعة كتب صاحبنا هذه العبارة الصغيرة، ويضيف القائد الكبير، و ثم فتح مزدوج مرة أخرى ونقل حرفيا الجزء الثاني من خطاب القائد فغطى عشر صفحات كاملة، عندها أطلق زفرة تطايرت من شدتها الأوراق أمامه،  ومنح نفسه قسطا من الراحة شرب خلالها سبعة فناجين من القهوة بالتمام والكمال، وعندما طلب المزيد بإلحاح تشوبه العصبية، هرعت شقيقته مريم  إلى الجيران تستجدي بعض البن للمفكر العظيم.
بعد أن انتهى من تدخين علبة سجائر كاملة من النوع الرخيص امتصها حتى الفلتر، مسح جبهته المتعرقة واستأنف حربه الشرسة مع المقالة.
في مطلع الصفحة الثامنة عشرة تابع الصحفي الجليل ما قد بدأه وكتب : وفي مجال آخر تعرض القائد المقاتل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي،  بما يؤكد استمرار حزبه في خوض غمار الكفاح المسلح، ثم فتح مزدوج وأورد مقاطع كاملة مطولة من خطاب القائد الفذ حتى وصل الى آخر سطر من الصفحة الأربعون من دفتر أخته مريم، كان خلالها قد حرق نصف علبة السجائر التي أرسل أخته لشرائها و وابتلع أربع حبات من مسكن الألم للسيطرة على مشاعره الجياشة التي أجّجتها كلمات القائد الحماسية ثم أغلق المزدوج، وبطح اسمه تحت المقالة وسمح لنفسه أن يضع تحت الاسم اشارة تقنية ’’ 24 أسود ’’.
بعد أن أتم إنجاز هذه الخبطة الصحفية أطلق صفرتين متواصلتين، وضم الدفتر إلى صدره كما تضم الأم البكر وليدها، وارتمى متهالكا فوق الكنبة مباعدا ما بين رجليه تاركا العنان لخياله يصور له عالم الأضواء والشهرة.
ثم استدعى زوجته وأولاده الصغار، وبصوت خطابي تغلب عليه الجدية المصطنعة طلب من زوجته أن تشرف من الآن فصاعدا على شؤون المنزل والأولاد، وأن يتم تحديد زيارات الأقارب والأصدقاء بناء على مواعيد مسبقة، وأن تطلب من الجيران التزام أقصى درجات الهدوء والسكينة، وطلب من أطفاله عدم تشغيل التلفزيون والمذياع  إلا بناء على تعليمات منه وذلك فقط للاستماع إلى نشرات الأخبار التي بات من الضروري أن يعتاد على الاستماع إليها من الآن فصاعدا لمتابعة مايجري من تطورات على الساحة الدولية، وأن ..... وأن ..، لأنه منصرف تماما منذ هذه اللحظة إلى الكتابة في القضايا المصيرية الكبرى، والتي لابد من أن يدلي بدلوه فيها بعد أن لاحظ أن زملاءه من كبار الكتاب والمفكرين لم تسعفهم قدراتهم الذهنية للإلمام بكافة جوانبها، وطلب من ابنه الكبير أن يحضر له كمية كبيرة من الأوراق البيضاء وعددا من الأقلام كالتي يستخدمها أقرانه.
فصدق المساكين ما سمعوه وبالغت الزوجة  في تطبيق تعليمات زوجها الكاتب الجاد المنصرف لمعالجة القضايا الشائكة، وتحول المنزل إلى دير مهجور، صمت مطبق، زوار قليلون يتناقصون يوما بعد يوم،  وصاحبنا المفكر عابس الوجه مقل في الكلام وكثير التدخين،  تهاجمه نوبات من السعال الشديد بين الحين والآخر، يضع يده اليسرى أعلى جبهته على طريقة القادة والمفكرين،  وفي يده اليمنى قلمه وأمامه أكوام من الدفاتر والورق تنتظر الإشادة والمدح بالخطيب، لقادة بدأ صاحبنا يتابع تحركاتهم ومهرجاناتهم حتى لا تفوته واحدة.
لعلّ الفرق الوحيد بين صاحبنا الذي كتب ذات يوم على دفتر أخته مريم  وبين العشرات من امثاله، أنه أمين ونزيه في إبداعاته، يضع الكلام الذي ليس له بين مزدوجين، فيما يتركه الآخرون حرا طليقا وينسبونه لأنفسهم ولا يخجلون .
أيها الكتبة.. من كان منكم بلا دفاتر مريم فليرجم صاحبنا بقلم . 
 

30
تحديات الأمن القومي العربي في القرن الواحد والعشرين
هل تستيقظ الأمة؟

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

في تسعينيات القرن العشرين حدثت عدة تطورات في عدد من البلدان أدت إلى حصول تغيرات إقليمية ودولية أثرت بشكل واضح وكبير على وجه النظام العالمي وعلى التحالفات القائمة داخله، كان من أبرز وأهم هذه المتغيرات هو انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراط عقد دول المنطومة الاشتراكية، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحيدة لتحكم العالم وتؤسس النظام الدولي الجديد، ومن أهم هذه المتغيرات أيضاً سقوط النظام الإقليمي العربي، وظهور الاستراتيجية الغربية الإسرائيلية بديلاً عنه، فبرز مفهوم الشرق الأوسط الجديد، والشراكة الأوروبية المتوسطية، وتم عقد جملة من التحالفات الأمنية بين عدد من الدول محلياً وإقليمياً ودولياً، وتجلت الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في أقوى مراحلها، وكذلك ظهر تحالف إسرائيل القوي مع كل من إثيوبيا وجنوب السودان، وفي بداية القرن الواحد والعشرين شهدت المنطقة العربية احداثاً مهمة مثل الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 مروراً بالعدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة ولبنان وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية والحراك الجماهيري الواسع في عدد من الدول العربية في بداية العام 2011، وكذلك استمرار تداعيات الأزمة السورية واليمينة والعراقية حتى اللحظة.
من أبرز ملامح المرحلة الماضية هو غياب استراتيجية  أمنية عربية  واحدة وواضحة ومحددة، والأخطر كان نزوع كل دولة عربية وحدها لصياغة مفهوم وعمق استراتيجي لأمنها، وبروز القطرية والحلقية أكثر فأكثر في العديد من الدول العربية نتيجة عدم قدرتها على مواكبة التطورات والمتغيرات الدولية وشعورها بالتهديد، وتم تفتيت العالم العربي إما إلى دول وحدها، أو إلى تجمعات صغيرة وتحالفات بين دولتين أو أكثر،  فبتنا نسمع أصوات أن هذه الدولة أولاً، أو تلك الدولة من الدول العربية أولاً، شعارات قاصرة عن الإدراك الحقيقي أن المخاطر تهدد الجميع في المنطقة، ولا تستطيع أية دولة ولا أي كيان وحده أن يتصدى للمخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي وحده دون مشاركة وتعاون ووضع استراتيجية بشكل جماعي، كل هذا وفر المناخ المناسب للعديد من القوى الدولية والإقليمية في التدخل لإيجاد عمق استراتيجي لها، بما في ذلك إسرائيل التي تعتمد سياسة خلط الأوراق وتعقيد خريطة الصراع في المنطقة بما يحقق لها مكاسب سيوستراتيجية، من خلال تعميق الصراعات في المنطقة العربية حنى تظل هذه الدول منشغلة بخلافاتها مما يعيق مشروعها التنموي ويضعف من قدراتها الدفاعية، ويستنفذ قوتها العسكرية المتنامية، هذا الوضع جعل من مفهوم الأمن القومي العربي قضية تشبه الأمنية التي تستعصي على التحقق، إلى أن أصبح مفهوم غير قابل للتحقق بعد أن قام العراق باحتلال الكويت العام 1990، إذ تم نسف أحد أهم مفاصل نظرية الأمن القومي العربي، التي كانت تستند على أن التهديدات التي يواجهها العرب هي تهديدات خارجية، الامتحان الثاني الذي رسبت فيه الأنظمة العربية هو قبل وأثناء الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، إذ كشف هذا الغزو عن قصور كبير في فهم الدول العربية  لمفهوم الأمن القومي العربي، وعجزها عن وضع خطة أمنية واحدة وصياغة توجيهات استراتيجية تضمن مصالح وأمن الشعوب العربية، وكشفت تلك الفترة عن هشاشة الوضع العربي برمته وضعف التلاحم والتضامن والتعاضد الأخوي الذي كان يملئ خطابات القادة العرب، واتضح للشعوب العربية أن شعارات الأمن القومي العربي والمصالح الاستراتيجية المشتركة للعرب والتضامن بين أبناء الدين الواحد واللغة الواحدة والجغرافيا الواحدة والهوية الواحدة والمصالح الواحدة، هي فقط يافطات يرفعها القادة العرب للرد على مطالب الشعوب وتخدير مشاعرهم، فلا وجود فعلي وحقيقي لشيء اسمه نظرية الأمن القومي العربي، ولا شيء اسمه تضامن الأشقاء العرب، في حين لا يعلم المواطن العربي الذي يعاني من الضغوطات الأمنية على وجه الحقيقة ماذا تقصد الأنظمة العربية حين تتحدث عن الأمن القومي العربي، فهو ذاته المواطن المسكين الذي غالباً ما تستعمله الأنظمة السياسية العربية لحفظ الأمن والنظام داخل الحدود القطرية، بالرغم من أن المواطن العربي لم يشعر يوماً بالأمن ولا بالأمان بسبب أن الأجهزة الأمنية داخل الأنظمة العربية تقوم بمراقبة وملاحقة مواطنيها أينما كانوا.
ومن سوء طالع الشعوب العربية أن أنظمتها السياسية ومفكريها الاستراتيجيين مازالوا لم يتفقوا على مفهوم الأمن القومي العربي، إذ مازال هذا المفهوم ملتبس لدى العديد من الدول  العربية، ولايوجد تعريف واحد له لدى العرب الذين يرسمون ملامح الأمن القومي كل حسب مفهومه ومصالحه تحالفاته ورؤيته لخريطة الصراع في المنطقة، أيضاً ما زالت علاقة الأمن القومي العربي بالأمن القطري لكل دولة علاقة ضبابية غير واضحة لدى كافة الأنظمة العربية، فأين يبدأ الأمن القومي العربي بالنسبة للأنظمة وأين ينتهي، ومتى يبدأ الأمن القطري ومتى ينتهي، وكيف ومتى وأين يتم الأنحياز لأحدهم على حساب الأخر ولماذا، كل هذه المفاصل تربك العقل والفكر السياسي العربي لتجعله يظل بعيداً عن صياغة أية مقاربة واضحة محددة للأمن القومي العربي، في وقت بات فيه لكل الدول ولجميع التكلات في العالم مفاهيم واضحة المعالم لأمنها القومي.
هناك عدة تحديات تواجه الأمن القومي العربي، منها تحديات خارجية ومنها داخلية، فماهي التحديات الاستراتيجية التي تشكل تهديداً للأمن القومي العربي ؟
أولاً- وجود إسرائيل: لاشك إن أبرز تحدي يشكل خطراً على الأمة العربية هو إسرائيل، هذه الدولة التي تم زرعها في قلب العالم العربي بهدف تمزيق أوصاله والسيطرة على بقعة جغرافية مهمة جداً وذات دور سيوستراتيجي لخدمة مصالح الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص، ومن أجل ذلك خاضت إسرائيل حروب ومواجهات متعددة مع العرب، ومنذ إنشائها تبنت إسرائيل في تعاملها مع جيرانها العرب سياسة المحاصرة والتطويق ثم البتر.
ستظل إسرائيل في الأصل والبدء وفي النهاية عي العدو الرئيسي للعرب، وهي المصدر الرئيسي للخطر الذي يهدد الأمن القومي العربي، لأن في الأصل قيام إسرائيل كان يعبر عن حالة الضعف العربي ليزداد عمقاً بعد قيام هذا الكيان في المنطقة، ليصبح تهديد إسرائيل شمولي ومتواصل للآن.
ثانياً- الإنقسامات العربية: وهي قضية قديمة حديثة، أي أنها مسألة مزمنة لايبدو أن لها مقاربة علاجية في المستقبل القريب، ونحن هنا لانتحدث عن اختلاف المصالح وتباين المواقف بين الدول، فهذه الأخيرة حالة تعبر عن أعراض التشارك والتكامل والتعدد والتنوع، وهي في هذا السياق أعراض صحية لابد منها للتعافي والنمو، نحن نتحدث عن تحول التباين في الآراء من الحالة الصحية إلى الحالة المرضية، حين تنتقل من وضع الحوار الهادئ- كما يفترض- إلى وضع تتواجه فيه الأطراف بشكل ميداني عنيف، ويصبحون في حالة من العداء والخصومة التي تستعمل فيها أساليب غير مشروعة بهدف أن يصل كل طرف إلى غاياته، في عملية يختلط فيها الحق بالباطل، الاستراتيجي بالمرحلي، وتغيب فيها الضوابط القانونية، لكن الدول والتكتلات المتطورة في العالم والتي بينها العديد من التباينات في المواقف، لا تدع الاشتباك السياسي فيما بينها أن يصل إلى مرحلة القطيعة.
ثالثًاً- الديون العربية الخارجية: فقد أظهر تقرير صادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، أن الديون الخارجية العربية قد بلغت في العام 2016 ما قيمته "923.4" مليار دولار، وهو رقم مخيف ويتصاعد باستمرار، إذ يشكل ضعفي الديون العربية في العام 2000 حين كانت قيمة الديون "426.4" مليار دولار، وذكر التقرير أن هذه القفزة بأرقام الديون كانت بسبب نزوع العديد من الدول العربية  إلى الاقتراض وإصدار سندات دين سيادية لتمويل العجز في موازناتها بسبب الصعود المتواصل في حجم الإنفاق الحكومي.
وبطبيعة الحال فإن جميع الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلدان العربية، هي في الحقيقة أزمات بنيوية وهيكلية متنوعة الأبعاد، تشابكت بشكل معقد مع بروز أزمات النظام النقدي، وأزمة الطاقة، والغذاء والبطالة، كل هذه الأزمات في العالم العربي انعكست في عجز الموازنات ترافق ذلك مع الركود والتضخم، وبطئ في الإنتاج والنمو وظهور أزمة الدين العام.
رابعاً- مشكلة البطالة: وتعتبر مشكلة البطالة في العالم العربي واحدة من أهم التحديات أمام المخططين العرب الاستراتيجيين، لما تخلفه من آثار مدمرة على قطاع واسع من القوى القادرة على العمل، خاصة شريحة الشباب منهم، فتدفعهم إما للبحث عن محاولة مغادرة الأوطان إلى أماكن ودول أخرى توفر لهم فرص العمل والحياة الكريمة، بعد أن يصلوا إلى مرحلة الإحباط واليأس في إيجاد فرص العمل في الوطن الذي تعلموا فيه، وبذلك تكون الدول العربية أكبر الخاسرين خسارة مزدوجة لهؤلاء الشباب وعقولهم وقدراتهم في تطوير بلدانهم من جهة، وخسارة الأموال التي تكبدتها هذه الدول في تعليم وتأهيل شبابها في المدارس والجامعات ، وإما يلتجئون إلى طريق المخدرات والجريمة والأعمال غير الشرعية، وربما لجؤوا إلى ممارسة العنف والإرهاب بعد أن يكونوا قد شعروا بالكراهية تجاه مجتمعاتهم وأنظمتها السياسية، فيشكل ضعف الإنتماء الوطني الذي تولد لديهم نتيجة مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية بسبب البطالة، يشكل هذا مدخلاً مناسباً للجماعات المتشددة التي تستوعبهم وتضمهم إلى تنظيماتها المسلحة وتذكي روح الكراهية فيهم.
خامساً- التطرف و الإرهاب: تعاني معظم الدول العربية من اضطرابات سياسية وفكرية واجتماعية ودينية تسبب التطرف والعنف الأمر الذي أدخل الكثير من الأنظمة العربية في حالة من الفوضى والحروب والصراعات الأهلية، وقد أدت حالة الانسداد الفكري إلى انقسام الدول والمجتمعات العربية إلى عدة كيانات طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية، بحيث وصل الانحطاط الأخلاقي إلى أدنى درك مما يهدد بتفكك وتشرذم المنطقة إلى دويلات وكانتونات، والتطرف الذي يواجه العرب ليس فقط تطرفاً دينياً وإن كان هو الأبرز، لكن هناك التطرف السياسي والثقافي والاجتماعي والتطرف القومي، هذه الأشكال من التطرف تطفو فترة ثم تخفت ليظهر أحدها ويتراجع الآخر، وغالباً مايكون ذلك بسبب رد فعل على تطرف آخر، أو يكون شكلاً من أشكال الاحتجاج على الاعتدال، لذلك نجد أن التطرف والتشدد ينتشران في مجتمعات تكثر فيها مظاهر التخلف والجهل والأزمات حيث تختلط العصبية بالقبلية بالخرافة والأحكام القطعية النهائية مع الروح العدائية، وهو مناخ توفره المجتمعات العربية.
سادساً- الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي: ظهر في المنطقة العربية منذ بداية عصر  النهضة في نهاية القرن التاسع عشر، مفهوم الإصلاح السياسي والديني والثقافي، وتصدى كل من محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني لشعارات الإصلاح، وحملوا مشعل التنوير، ومن بعدهم طه حسن على سبيل المثال لا الحصر.
لكن مع سيطرة الافكار الشمولية على العقل العربي منذ تقريباً بداية النصف الثاني من القرن العشرين، تراجع مصطلح الإصلاح، لتحل مكانه مصطلحات أخرى بفعل الحاجة الملحة للتغيير الاجتماعي، مثل" الثورة والعنف الثوري" في مرحلة كانت المنطقة العربية تشهد مخاض الاستقلال عن المستعمر، واتسمت تلك المرحلة بالانقلابات العسكرية، وتم إهمال قضايا مثل الديمقراطية والحريات الأساسية  للبشر بذريعة الأولويات، فسيطرت الأفكار الشمولية على الواقع السياسي العربي بالرغم من الاختلافات في طبيعة وشكل الحكم بين دولة عربية وأخرى، لكنها في نهاية المطاف بدرجة أو أخرى تعاني من غياب الحريات والديمقراطية والمحسوبية وتغلغل الفساد، وفشل معظم الدول العربية في تحقيق النهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وعوضاً عن ذلك قامت بحكم الشعب بالأسلوب المخابراتي القمعي.
سابعاً- الأمن المائي العربي: وهنا في الحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في قلة المياه الصالحة للشرب في الوطن العربي، بل مايزيد الأمر سوءًا هو الاستثمار السيء لهذه الموارد، والآثار المدمرة للمياه الجوفية نتيجة التلوث من مياه الصرف في المدن وكذلك التلوث بسبب النفايات الصناعية.
ويكمن جزء مهم من مشكلة نقص المياة في العالم العربي أن الجزء لأكبر من مساحة الأراضي العربية تقع في العروض المدارية الحارة والجافة، مما يسرع من عملية تبخر المياه، أيضاً تعاني المنطقة العربية من عدم وفرة في المخزون المائي، والأسوأ أن العرب يتلقون نحو 63 في المائة من المياه من خارج حدود الوطن العربي، الأمر الذي يعني أن لدينا 16 بلداً عربياً لايمتلكون ثروة مائية ويقعون تحت خط الفقر المائي العام.
ثامناً- الأمن الغذائي العربي: إن العالم العربي يعاني من فجوة غذائية  مزمنة في الفرق بين الإنتاج والطلب المتزايد عليه، حيث تعتمد الزراعة في العالم العربي بشكل رئيسي على مياه الأمطار، بحيث تبلغ المساحة المروية منها نحو 22 في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية، كما أن نصيب الفرد العربي من المياه المخصة للري يقدر بنحو 800 متر مكعب في العام، بينما خط الفقر العالمي هو 1000 متر مكعب، وطبقاً لتقديرات الأمم المتحدة فإن نحو 60 في المائة من المياه المخصصة للري في الوطن العربي تذهب هدراً، بينما ذكر مدير المركز الدولي للبحوث الزراعية بالمناطق الجافةالمعروف"إيكاردا" أن الوطن العربي يستورد نحو 55 في المائة من احتاجاته الغذائية، بالرغم من توفر كل أسباب الزراعة من أراضي شاسعة وموارد بشرية متكدسة، ووجود التقنيات، والمياه بدرجة أقل، وبالرغم من أن 65 في المائة من السكان العرب يقطنون في الأرياف، وأن نحو 22 في المائة من قوة العمل العربية تعمل في الزراعة، إلا أن أغلب الدول العربية تستورد ملايين الأطنان من السلع الغذائية سنوياً بما قيمته مليارات الدولارات.
تاسعاً: مشكلة التعليم وتحديات العصر: إن المنظومة التعليمية في العالم العربي باتت تعاني من تضخم في المشكلات العميقة اليت علقت بها عبر العقود الماضية، إذ أن هناك مناهج تعليمية لم تمس ولم يجري عليها أي تحديث أو تطوير منذ إنشائها بعد تحقيق الاستقلال السياسي لبعض الدول العربية في منتصف القرن العشرين، وهذا أدى إلى عملية تعليمية ينتج عنها نشئ جاهل بتعليم ناقص لايتلائم مع روح العصر الذي نعيش فيه، وكثير من المعلومات التي يتلقاها الطلبة تظل علوم نظرية لاعلاقة لها بالواقع المعاش، تعتمد أسلوب التلقين وحشو المعلومات، نتج عنه تدني خطير في مستوى التعليم العربي.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه العرب يتمثل في العلم والتعليم والتعلم والحصول على المعرفة وإدراك الوعي، من أجل النهوض بواقع الأمة وتحقيق التنمية والارتقاء بالفكر العربي ليواكب الطفرة العلمية والتكنولوجية للغرب، لا أن تظل جامعاتنا تمنح شهادات دون أن تخرج متعلمين.
من المؤسف والمخجل في آن عدم وجود أية جامعة عربية أو إسلامية في قائمة أفضل 100 جامعة على مستوى العالم، في حين احتلت الجامعة العبرية في القدس في المرتبة 71، كما أن العرب ينفقون فقط 2 في المائة من الناتج القومي على التعليم والبحث العلمي، بينما تنفق الدول المتطورة نحو 10 في المائة، وهذا يبرر ويشرح جزء من انخفاض مستوى وجودة التعليم في الوطن العربي.
إن الأمن القومي العربي بمفاصله المتعددة والمتنوعة لايتحقق بقرار سياسي، ولا عبر بناء الجيوش وتكديس الأسلحة فقط، ولا من خلال مئات الأجهزة الأمنية المنتشرة في البلدان العربية، بل أن الكلمة السحرية هنا هي الإنسان، أهم سلاح وأهم أداة لتحقيق هذا الأمن القومي العربي هو الإنسان العربي، فهو الذي يشكل لبنة بناء المجتمعات والدول، ومن أجله تبنى المؤسسات والجامعات، وبدونه لا توجد أوطان تدافع عنها الأنظمة العربية، فهو الأحق بالإئتمان على هذا الأمن، لكن للأسف مازال الإنسان العربي مغيّب عن كل شيء بسبب تعرضه للقمع والاستبداد والاضطهاد والملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية في معظم الدول العربية، ويعاني من الفقر والجوع والبطالة وتدني الخدمات الصحية وتراجع في المستوى التعليمي، ويكابد ضنك المعيشة في ظل ازدياد متواصل في أسعار السلع الأساسية التي يحتاجها، وانكماش غير مبرر في نصيبه من الدخل القومي.
إن هذا الإنسان العربي الذي تتجاهل وجوده واحتياجاته وتطلعاته معظم الأنظمة العربية، يشعر بالإغتراب في وطنه الذي حوله إلى إنسان لا يملك نفسه ويشعر بالعبودية والتهميش والحرمان، وبالتالي ضعف الإنتماء الوطني والتخبط في الهوية.
إن لم يتغير حال الإنسان العربي نحو تحريره من سجنه ومن رفع القبضة الأمنية الحديدية عن عنقه، ثم فتح الأبواب أمامه للمشاركة في اتخاذ القرارات التي تهمه، وإخراجه من وضع التجاهل إلى خانة المشاركة والاحترام، وتنظيم مشاركة المواطنين في الأنشطة المجتمعية العامة لرفع سوية وعيهم الثقافي، دون هذا لايمكن للعرب الحديث عن أي أمن قومي ولا عن أي خطط لتدعيم هذا الأمن، فالإنسان الذي يعاني الضياع في وطنه لايمكنه في حال من الأحوال الدفاع لا عن وطنه ولا عن نفسه، ولايمكن لشعوب منهزمة أن تحقق الأمن لنفسها ولأوطانها، وبالتالي لايمكنها مواجهة التحديات الكبيرة والجدية التي تهدد حاضر ومستقبل وثروات الأمة العربية.
الأمن القومي العربي لايستطيع مواجهة تحدياته إلا مواطن حر يشعر بالحرية  وغير مستعبد، ويعيش في ظل نظام حر وليس عبداً لأحد، فالأوطان مثل الإنسان إن كانت تعاني من هزائم داخلية لايمكنها أن تواجه تحدياتها ولا أن تنتصر في معاركها.


صفحات: [1]