عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حسن العاصي

صفحات: [1]
1
أدب / غروب العمر أهزوجة
« في: 20:52 18/09/2018  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمارك


غروب العمر أهزوجة


فجوة الوقت تخنق الرؤية
والوتر يتربّص النوافذ الضيقة
فكيف نراوغ هذا الدمس المرتبك
والليل المحموم يتلو فاتحة الموتى
فوق بيوت الأحياء
ألا يهدأ جموح الحياة جلجلة؟
عقيرة المدينة تغريني أدوّن موتي
لم يعد في الشجر العاري طيوراً لهذا
أبحث عن ظلال الطفولة وقلبها الشقي
عن حرّاس الفوانيس ومصائد الدروب
في الكف البعيد قبل رحيل الوقت
كان لي نهراً ولبادةً من عشب وشرفة مبتورة
إن نهض من ندى السحاب صوت المطر
انقسم الليف على ظلّه وسقط مضرجاً بأحلامه
تتلوّى الدروب الظمأى تدور كالرحى بين موتين
وما زلت أنا في ثوب الصغار زهرة على السياج
ربما يكبر الحلم حفنة من ترانيم الابتهال
ويمتد ربما بساط التيه ربيعاً مؤجلاً
لأصطفي من أخضر البساتين صوت التراب
أرتدي قدماي وأخطو آخر غيبوبة للدروب
تتوارى خلف ظلّي المتعب مسافة العربة
تئن الأبواب الصدئة من قطافها
والصرير مثل حزن يتقلّب في دار الأيتام
أن تستل نوافذ الأرض الوجوه يحدث كثيراً
وكثيراً كثيراً يجثم بياض اليقظة
فوق رحم الشقاء نبتاً يتناسل
لا يتسع العشب لضفاف الساقية
والماء المصلوب مواكب جنائزية
تعرّي المدينة أصابعها وتتجرد من نكهتها
المواسم توشك أن تنفرط
تمر البيادر ممتدة في مروجها
وزهرة الشمس تحملها عصافير الرمان
قالوا هذه الهوة لا تكتم نفحاً فلا ترتحل
أعمق سريرة هذه لا يبصرها غافل
أن تأوي الصمت ثمة حفّار للقبور يُسربِلك ثوباً من الحَصى
تمطر غابة المدافن أثواباً معلّقة في السماء
نصال بالضلوع ترتق الجهات الساجدة
أفتش في منفاي عن شغف الصبح وسفر العابرين
بعينين زاهدتين تتهافت الرحيل
ظمئي لمروجك يقشّر جوفي وقدماي لا تبارح
خذني من تعب الطريق طيراً أضناه الطواف
قبل أن يزف الغياب حقائب الغربة في بساتين الموت
قلْ لي
كيف تمضي مواسم الإخفاق بلا ملامح والسلال عاقرة
وأي سر في المآقي المولودة من عتمة الجفاف
خلف تلة الخيبات أنتظركَ شجرة توت بلا حقل
ننفطر نرجساً ويمامة لنبارح غروب العمر أهزوجة
في تكايا الدراويش أقبع مولودا متعثراً من رؤية
قد كنتَ حزني وألمي وخَدِيني وغيومي المرتبكة
كَسوْسنة وحيدة في نهر جاف تنتظر عناقاً
ألملم مسافة الاحتضار وصور القناديل وأتوسد موتك
مثل القَتامُ أتلاشى بأجنحة من سحاب
 وأعود مطراً في وجع المحراب
كي أراك في الضوء المقبل





2
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


إنتروبيا الديمقراطية الغربية..
أوهام العامة وكذب الساسة

قد تكون حلماً مستطاباً في غفوة ضنك الحياة، وربما شراباً عذباً في قيظ الاستبداد، لكنك إن استجليت حقيقتها، تدرك أنها سراباً تحسبها الشعوب ديمقراطية. إذ كلما اعتقدنا أننا ندنو من الديمقراطية، نجدها تبتعد، حتى يخيل أن إدراكها غاية محالة، ليس في بلداننا العربية فحسب، بل حتى في تلك البلدان التي ابتكرت الديمقراطية واحتضنتها. إن القول السائد في الغرب أننا نعيش عصر ازدهار الديمقراطية، هو كذبة كبيرة يصدقها الكثيرون.
هل تحتضر الديمقراطية الغربية في أوروبا، أم أنها تعاني مرضاً يتعلق بالنمو؟ سؤال بات يشغل اهتمام كثير من المفكرين الغربيين، في فترة تصاعد فيها الأفكار العنصرية والمتطرفة. إن بريق الديمقراطية اللامع في الغرب قد بدأ يخفت بدءًا من بحر البلطيق إلى البحر الادرياتيكي، لتحل مكانها نزعات ثأرية واستياء قومي مرعب يمور تحت رمال متحركة، تتيح للأفكار المتشددة موطئ القدم الذي يحتاجه.

تاريخ الديمقراطية
الديمقراطية مفهوم مشتق من كلمتين يونانيتين هما "ديموس كراتوس" تعنيان حكم الشعب. وهو تعبير يناقض مفهوم الملكية في المفاهيم اليونانية. فالديمقراطية هي مصطلح إغريقي ظهرت أولى براعمها في مدينة أثينا اليونانية القديمة. وتعني حكم الشعب للشعب وبالشعب. وردت لأول مرة في كتب "أفلاطون" حين كتب في سياق الحديث عن الدستور الذي ينظم شؤون مدينته، أن "الديموكراتيا" ليست أسلوباً للحكم، إنما هي شهوة تتيح لبعض الناس التحرر من كافة المعايير والانفلات من الضوابط. وقال الفيلسوف "أرسطو" تلميذ أفلاطون أن الديمقراطية أمر طيب طالما يتم منع الديمقراطيين من ممارستها.
الديمقراطية التي ولدت في أثينا قبل الميلاد، كانت الجمعية التشريعية تتخذ القرارات بواسطتها، بحضور كافة المواطنين، لكن فقط "الإثنيين" الذين كانوا يشكلون حوالي 18 في المائة من السكان، هم وحدهم من يمتلك الحق في التصويت، لأن "الديموكراتيا" كانت تستبعد النساء والعبيد والرجال الذين لا يمتلكون شيئاً، وكذلك كل من ينحدر من سلالة مختلطة. وحتى القرن الثامن عشر كانت الديمقراطية ملاحقة، وكافة المنشقين والمعارضين كانوا يسمون أنفسهم سراً بالديمقراطيين. هذا الحال لم يبدأ بالتغير إلا في نهاية القرن الثامن عشر مع بداية الثورتين الفرنسية والأمريكية.
تعرضت الديمقراطية لانتقادات شديدة من قبل عقول فلسفية غربية مهمة. في كتابه "الجمهورية" ذكر أفلاطون أن معلمه سقراط حين كان يحاضر في طبيعة الدولة المثالية، وفي سياق حديثه سأل صديقه وشريكه "أديمانتوس" إن كان يفضل الصعود على متن باخرة يقودها أحد الركاب، أم قبطان متدرب وخبير. بهذه الاستعارة كان سقراط يجري مقاربة مفهوم الدولة، حيث يعترض على الحكم الديمقراطي، وضرورة عدم السماح لأي كان بقيادة سفينة الدولة. واعتبر أن ليس جميع الناس يمتلكون الذكاء الذي يتيح لهم إدارة الدفة. افلاطون نفسه أشار إلى أن الديمقراطية واحدة من المراحل الأخيرة في انحدار الدولة المثالية، إذ اعتبر أنها سوف تجلب الطغاة.
أرسطو بدوره اعتقد أن الديمقراطية نسخة فاشلة من حكم الجماعة، وكان يرى أن أثينا مدينة تتداعى لأنها تبتعد عن دستورها الذي وضعه الحكيم اليوناني "سولون".
إن فكرة قابلية الديمقراطية للتصدع، كانت فكرة منتشرة بشكل واسع في التاريخ القديم. حتى الفيلسوف الفرنسي "فولتير" الذي كرس حياته في مواجهة التعصب والتطرف، ودفاعاً عن حرية التعبير والحريات العامة، كان له موقف إشكالي من الديمقراطية حين اعتبر أنها منفصلة عن مفاهيمه الليبرالية.
أصبح مصطلح الديمقراطية متداولاً بين المثقفين والمتنورين في أوروبا، وتشكل رأي عام حول مفهوم الديمقراطية وسط المفكرين رداً على تسلط الكنيسة التي كانت تمتلك سلطات كبيرة على الناس من خلال تحالفها مع الإقطاعيين.
مع ظهور علماء الطبيعة "نيوتن" و"غاليلو" في بداية عصر النهضة، وجهت لهم الكنيسة تهم الزندقة، وحرضت العامة الذين أحرقوا بعض المفكرين والعلماء وهم أحياء. في هذا الصراع تم التوصل إلى اتفاق بين الكنيسة والمفكرين المتنورين وبعض أصحاب رؤوس الأموال من أهل النفوذ، على عقيدة "فصل الدين عن الدولة". وبذلك تم تحديد دور الكنيسة بالسلطة الروحية. من هنا شقت الديمقراطية طريقها الذي كان سبباً في تغير الطبقات الحاكمة، ومهدت لسقوط عروش وممالك أوروبية وتحويلها لرموز دون سلطات فعلية "بريطانيا، السويد، هولاندا"

لماذا يقبل الغرب على الديمقراطية السيئة؟
إن الديمقراطية التي مارستها أثينا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة. فالديمقراطية القديمة كانت فعلاً مباشراً حاداً إلى درجة لا يمكن معها تحقيق أي استقرار. وكانت ديمقراطية يحتكرها نسبة ضئيلة من السكان اللذين يمتلكون حق التصويت وكلهم من الذكور الأصليين. كانوا يجتمعون في الجمعية العامة ويتداولون الشأن العام بكل حرية في الميدان العام. ديمقراطية وفرت مناخ من الحرية في أثينا لم يتحول إلى فوضى، وديمقراطية أتاحت بعض العدالة وبعض المساواة ولكن أمام القانون، بحسب ما رواه "بيريكليس" حاكم مدينة أثينا.
الديمقراطية اليونانية أتاحت إمكانية أن شغل العديد من المواطنين العاديين اللذين تم اختيارهم عشوائياً مناصب حكومية. وقد نال الفيلسوف "سقراط" نفسه منصباً بهذه الطريقة، وهي الديمقراطية التي قتلته أيضاً، بعد أن تم إجباره على تجرع السم عقاباً على معتقداته المعرفية، وبهذا يكون "سقراط" أول رجل في التاريخ يعدم بسبب أفكاره.
انشغل سقراط بالإشكاليات التي يلقيها المواطنين غير المتعلمين في حال حصولهم على مناصب في السلطة، وهي إشكالية ما زالت تشغل عدد من المفكرين منهم عالم "الأثولوجيا " البريطاني "ريتشارد دوكينز".
ويعتبر سقراط أن في الحياة شيء واحد صالح ومفيد هو المعرفة، وهناك شر واحد هو الجهل. لذلك يعتبر أن التعليم هو أفضل رجاء للديمقراطية. ذلك أن الشعب المتعلم يستطيع مراقبة عمل السلطة وتمييز السياسي المخادع من الصادق.
في هذا السياق نذكر أن نصف السكان الأمريكيين البالغين لا يعرف معلومات مهمة واساسية عن عملية التصويت والانتخابات، كما أنهم يجهلون عمل ووظيفة كثير من دوائر ومؤسسات الدولة الأمريكية. ولكن فيما يتعلق باليونانيين القدماء كان التعليم يتعلق باللغة والمنطق والهندسة والحساب والفلك والموسيقى. هذه العلوم تحولت فيما بعد إلى أساس للتعليم اللبرالي الحديث. إن العلاقة بين الديمقراطية ومستوى التعليم علاقة جدلية تبادلية. تقوى الديمقراطية كلما زاد التعليم وانتشر وعلت قيميته ونوعيته، وتضعف الديمقراطية وتصاب بالوهن في مجتمعات ينخرها الجهل. وهذا يقودنا إلى مفهوم أن على جميع المواطنين الحصول على تعليم مناسب لكي يتمكنوا من حكم أنفسهم، حتى لا ينتهي بنا المطاف مثلما حصل في أثينا، كانت ديمقراطية في الاسم، لكن يحكمها الرعاع الجهلة في الواقع.
هذا ما تستغله الديمقراطيات الغربية التي تقوم بدعم الطغاة والديكتاتوريات في المنطقة العربية، وفي المناطق الأخرى الأكثر قهراً وجهلاً في العالم، وتساندهم سياسياً وأمنياً لقمع الشعوب. وحين يرى هذا الغرب "الديمقراطي" أن مصالحه تتعرض للخطر في هذه البلدان، سواء من قبل الشعوب المضطهدة، حينها يتنكر للديمقراطية، وإن تهددت مصالحه من أطراف في الأنظمة الاستبدادية نفسها، فإنه حينها يرفع في وجههم راية الديمقراطية "المسكينة" التي لم تُحترم، ويتم تحريك ملفات الفساد وملفات حقوق الإنسان التي تنتهك، ليتحول المواطن المقهور في دول العالم البدائي إلى مجرد أداة ضغط وابتزاز لتأمين مصالح الدول العرقية البغيضة، وحقوق شعوبها البيضاء التي وحدها جديرة أن تنعم بمكارم السيدة "ديمقراطية".

مبررات أخلاقية
لكل فرد في المجتمع الحق في ممارسة حرياته الشخصية، لكن النزوع نحو الممارسة العشوائية بحيث يتم تغليب المنافع الشخصية الفردية على مصالح الأفراد الآخرين في المجتمع، سوف يؤدي إلى تصادم أناني غرائزي بين رغبات البشر، مما يعني أن القوي يفرض جشعه على الآخرين، ويستأثر بالحقوق كافة. لذلك فرضت نظرية العقد الاجتماعي تنازل كل إنسان عن بعض حرياته إلى الدولة، التي هي بمثابة كيان ينظم الحريات ويوزع الحقوق بالعدل بين المواطنين. حينها يحصل الناس ما هو لهم بواسطة سلطة ملزمة لجميع الناس دون تمييز. هذا من شأنه أن يؤدي إلى حالة يشعر فيها الجميع أنهم محكومين وحاكمين عبر انتخاب ممثليهم في البرلمانات، وفي المساهمة بصياغة القوانين، مما يوفر الإحساس بالكرامة والاحترام لدى المواطن. تماماً هذا هو الأساس الفلسفي للديمقراطية الغربية.
فكرة الديمقراطية الغربية تقوم على مبدأ إن كانت الشعوب لا يمكنها حكم نفسها بنفسها، فلابد أن تقوم بانتخاب ممثلين عنها في السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

فهل يحكم الشعب؟
في الديمقراطيات الغربية، يصل الحكام فيها إلى سدة السلطة عبر الانتخابات، من خلال ترشيح من أحزابهم السياسية. فالأحزاب السياسية هي التي تقترح أسماء من طرفها ليكونوا ممثلين لهذه الأحزاب في السلطة التشريعية، وهم من يقوم الشعب بانتخابهم عبر انتخابات حرة ونزيهة ومباشرة. هذا الأمر يتم في كافة الدول الغربية بغض النظر عن شكل الحكم فيها، سواء أكان رئاسياً مثل الولايات المتحدة، أو كان حكما وزارياً مثل بريطانيا، أو نظاما مختلطاً كفرنسا. ويقولون لقد انتخب الشعب ممثليه، وأن الشعب يشارك في الحكم والسلطة.
لكن الحقيقة أن ممارسة الناس لحقها في التصويت لا تعني شيئاً حقيقياً في الواقع، لأن مراكز المال وكبار الصناعيين وأصحاب الثروات هم من يمتلك القرار الحقيقي في الدولة. وهم الذين يسيطرون على الأحزاب وعلى المجالس التشريعية وعلى النقابات والبلديات. ولا يمكن لأحد من خارج هذه المنظومة أن يشغل مقعداً في هذه الهيئات. ومن أجل أن تكتمل أكذوبة الديمقراطية يتم توظيف وسائل الإعلام هنا لتنجز مهمتها في الكذب والتزييف والتدليس، ومن سوء طالع الديمقراطية فإن أصحاب الثروات هم أنفسهم أصحاب وسائل الإعلام، وهم الذين يسيطرون على الشركات الكبرى التي تستطيع صناعة الحرب والسلام، يمكنها افتعال الحروب لتحريك العجلة الاقتصادية، ويمكنها اللعب في الاقتصاديات كما تشاء عبر تغيير أو إصدار قوانين تتعلق بالتجارة أو الضرائب. إن سيطرة رؤوس الأموال في الدول الغربية هي مصدر السلطات. والشعوب التي تظن أنها تنتخب بحريتها من اختارتهم هي شعوب واهمة، لأن الحقيقة أن من ينتخب هي القوى التي تمتلك رأس المال المتنفذ.
إنها ديمقراطية تضمن لك حرية أن تفعل ما تريد لكن ضمن القوانين التي رسم خطوطها أصحاب القوة الاقتصادية التي تسيّر القرارات، فأنت تختار بإرادتك ما حددوه هم لك.
ديمقراطية تافهة تجعل المجتمع ووسائل الإعلام منشغلة بقط تم دهسه في الطريق العام، بينما لا تلقي بالاً تجاه الآلاف الذين يموتون في أماكن متعددة في هذا العالم المجنون، ولأسباب مختلفة.
ديمقراطية مزيفة تتلاعب بها وسائل الإعلام ومراكز الأموال، وتتحكم بمسارها من داخل غرف سوداء، كي تقوم بتزييف الحقائق وخداع الشعب، وتوجيه القضايا العامة في تجاه محدد بعد أن يتم إلباسها ثوب الديمقراطية، كما حصل في العديد من الملفات الكبرى التي تم الكشف عنها. 

ديمقراطية الكذب
الديمقراطية كما أرادها المفكرون والتي تعني أن يكون الشعب مصدر السلطات، وأن يحكم نفسه بنفسه، لا وجود لها، إذا بقيت هذه الكلمات خالية من أي معنى حقيقي. إن عدم احترام المجتمعات الغربية لمفهوم الديمقراطية كما وصفها الفلاسفة، ليس هو الإشكالية الوحيدة، إنما الطامة هو الكذب والتزييف الذي تقوم به هذه الأنظمة على شعوبها كونها تدّعي أنها دولاً ديمقراطية، وأنها تحترم تطبيق الديمقراطية. إنهم يكذبون لأنهم لا يكشفون الحقيقة بأن مفهوم الديمقراطية وهم غير قابل للتطبيق كما ورد نظرياً، وأنه لا يمكن للحكم إلا أن يكون فردياً. وهذا لا يتعارض مع تشكيل هيئات استشارية لتزويد الحاكم الفرد بالبيانات والمعلومات ونصوص الدستور الذي تجعله يتخذ قرارات مفيدة وقابلة للتحقق. دور الفرد هنا أهم كثيراً من دور الجماعة، والقيادة ومركز اتخاذ القرارات لا يمكن إلا أن يكونا من صلاحية فرد واحد هو رأس السلطة السياسية. لكن هذا لا يعني بأي حال أنها سلطة ديكتاتورية، لأن الرئيس تم انتخابه عن طريق ممثلي الأمة، ويلتزم بدستور البلاد، هذا الالتزام تحميه المحكمة الدستورية العليا.

عوائق الديمقراطية
أهم العقبات التي تحول دون أن ننعم بديمقراطية حقيقية هي، وجود الحكام المستبدين الذين يحولون دون تشكل معارضة حقيقية لأنهم سوف يكون مصريهم إما السجون أو المطاردة، حكام ظالمون يفرضون رأيهم على الجميع بقوة السلطة، وتفشي آفة الفقر بين الشعوب وارتفاع مستويات البطالة، تجعل الناس تستسلم للقهر للحصول على لقمة العيش، وكذلك انتشار مستويات مرتفعة من الجهل تحول الناس إلى فريسة سهلة الانقياد للأكاذيب، ثم وسائل الإعلام التي يتم توظيفها في خداع الناس والكذب على الجمهور، وتضليل الناخبين بواسطة الدعاية المركزة، التي تقوم بغسيل أدمغة البشر وتكييفها مع الواقع.
اختفت صورة الحاكم المستبد -تقريباً- في الدول الغربية، واختفى أيضاً نموذج الرئيس "الزعيم" الذي يتمتع بالجاذبية الجماهيرية، والمقدرة الخطابية التي تلهب حماس الناس مثل " ونستون تشرشل، شارل ديغول، جون كينيدي". كما تراجعت كثيراً مستويات الفقر والجهل في الغرب خلال فترة بعد الحرب العالمية الثانية، لأسباب متعددة منها انتشار التعليم وتحسن مستوى المعيشة. مع ذلك تراجع دور المجالس النيابية في هذه البلدان، وانخفضت نسبة المشاركين في التصويت بالانتخابات، وتمادت السلطة السياسية في اتخاذ قرارات كبرى لا تحظى بدعم شعبي.

تحالفات عابرة للقارات
في سبعينيات القرن العشرين ظهرت ما باتت تعرف "الشركات متعددة الجنسيات"، شركات عملاقة يمتد إنتاجها وتسويقها ونشاطها الصناعي إلى مختلف بقاع الأرض، تمتلكها مراكز الأموال في العديد من الدول، لذلك هي ليست منسوبة لدولة بعينها. لقد تطورت هذه الشركات الضخمة تطوراً سريعاً، ونمت حركة التصنيع والتسويق فيها بحيث أصبحت تنافس في نشاطها دولاً كبرى. ماذا يعني هذا؟
يعني أن هذه الشركات العظيمة لم تعد خاضعة للسياسات الاقتصادية التي تحددها الدولة الوطنية أي دولة المنشأ، وأصبحت تهرول نحو مصالحها وتتجاهل المصلحة الوطنية، وهكذا انحسرت سلطة الدولة وتضخمت سلطة هذه الشركات، بل وصلت سلطة الشركات عابرة للقارات أن تحول العديد من الموظفين العموميين للدول الغربية وأهمهم الدبلوماسيين، إلى موظفين يحافظون على مصالح هذه الشركات. فأصبحت الدولة تضعف وهذه الشركات تقوى أكثر فأكثر، وهذا يؤدي إلى ضعف الولاء للدولة الوطنية في مواجهة تيار العولمة.
ولنا أن نتخيل ما الذي حدث للديمقراطية الغربية؟ نعم ما زال في المشهد العام أن الناس ينتخبون أعضاء المجالس التشريعية البرلمانية، ولا زالت الأحزاب السياسية تتنافس فيما بينها للفوز في الانتخابات. لكن الحقيقة التي لا يراها الناس أنه تجري حوارات ومباحثات في الغرف المغلقة بين الزعماء السياسيين وبين ممثلي الشركات الضخمة، وداخل هذه الغرف يتم اتخاذ عدة قرارات تحدد اتجاهات الأحزاب، وتتحكم بكافة خيوط اللعبة الديمقراطية.
النتيجة انخفاض واضح في نسبة المشاركين في التصويت، وغابت القضايا الخلافية الكبرى بين الأحزاب بسبب التوافقات غير المعلنة.
ثم حصل تطور آخر ترافق مع تضخم الشركات العملاقة، إذ تصاعد السلوك الاستهلاكي في المجتمعات الغربية مترافقاً مع ارتفاع مستويات الدخل، وكذلك التطور السريع في وسائل الاتصال الذي جعل التسوق أكثر سهولة. ونتيجة التنافس الشديد بين الشركات والجهات المصنعة، أصبح الشغل الشاغل لها هو توظيف البيانات التي تحصل عليها لزيادة الاستهلاك، وتراجع الاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية والأخلاقية، الأمر الذي يجعل المواطن يقع تحت تأثير وسائل الإعلام التي توجهه نحو السلع التي تحقق الربح الأكبر للشركات، وهذا يكشف زيف الادعاء بأن للمستهلك الحق في اختيار المنتج الأفضل. وهكذا احتل هذا المستبد الجديد - الشركات العملاقة- مكان المستبد القديم.

ماذا عن الضوابط الأخلاقية
خلال السنوات الأخيرة، تبدو القارة الأوروبية للمتابعين، أكثر توتراً وقلقاً وانشغالاً بمتابعة الموجات المتتالية من الشعبوية الساخطة، ومن تصاعد خطاب الكراهية ضد الآخر، لذلك تظهر الديمقراطية الغربية في أضعف حالاتها، لأنه ببساطة يجري تفريغها من محتواها عن طريق توسع الأفكار اليمينية المتشددة.
إن التطرف في أوروبا قد أصاب اليمين واليسار على حد سواء، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، إن الحكومات القومية في بولندا وهنغاريا يهددان حكم القانون الدستوري، ونلاحظ أن الأحزاب المتطرفة من اليمين واليسار في كل من إيطاليا والنمسا واليونان وألمانيا والسويد في تصاعد. ففي الوقت الذي تشيخ فيه الديمقراطية الغربية، علينا أن نلاحظ أن عمرها لا يتجاوز ربع قرن في دول شرق أوروبا.
في استطلاع للرأي أجرته مؤخراً مؤسسة "بيو" الأمريكية للأبحاث، أظهر أن 20 في المائة من المواطنين اليونانيين والإسبان يعتقدون أن الديمقراطية التمثيلية طريقة سيئة لإدارة الحكم. فيما عبر 29 في المائة من الإيطاليين موافقتهم على وجود قائد قوي يتخذ قرارات دون تدخل السلطات التشريعية. وأن 26 في المائة من البريطانيين لديهم موقف ناعم من الحكم الفردي. وفي دراسة مختلفة أجرتها في العام 2016 مجلة الديمقراطية، قال 40 في المائة من الشباب البريطاني أن الديمقراطية لم تعد حيوية، و44 في المائة قالوا إنهم لم يصوتوا أبداً.

هل فشلت الديمقراطية الغربية؟
ألم يحكم هتلر ألمانيا النازية بانتخابات ديمقراطية؟ والفاشية الإيطالية ألم تنجب موسوليني بواسطة انتخابات ديمقراطية؟ نتنياهو الصهيوني قاتل الأطفال يحكم باسم الديمقراطية ووصل إلى سدة السلطة بواسطة انتخابات ديمقراطية كذلك!
إنها الديمقراطية الغربية التي وصفها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر بأنها "فخ الحمقى". واعتبرها الزعيم البريطاني ونستون تشرشل أسوأ نظام. ديمقراطية تعتمد التكييف الاجتماعي للبشر مما أوجد الغالبية الصامتة. إنها ديمقراطية الحرية والمساواة والعدالة ومنح السلطة للشعب غير المخول بممارستها أصلاً. لهذا قال عنها الفيلسوف السويسري "جان جاك روسو" أن الديمقراطية الحقيقية بمعناها الدقيق لم توجد أبداً ولن توجد أبداً.
ديمقراطية هلامية يشن الغرب باسمها الحروب على الدول النامية، ويحاول فرضها على دول أخرى. هي ذاتها الديمقراطية التي تضج بها الوسائل الإعلامية الغربية وتحاول تعميمها، في وقت يرفضها الكثير من المفكرين الغربيين وعلماء الاجتماع، وغالباً لا نسمع أصواتهم. ومن المستغرب أنه رغم فشل الديمقراطية بنموذجها الغربي، إلا أننا نجد محاولات الغرب لا تتوقف إلى نشرها وتعميمها بالترغيب أو الترهيب.
إن الديمقراطية في العصر التنويري الغربي تتشابه مع تلك الديمقراطية اليونانية. حيث كان الحكم للنبلاء في العصر الإغريقي، وأصبح الحكم للطبقة البرجوازية بعد الثورة الفرنسية، وفي كلا المرحلتين كان حق التصويت حكراً على الأحرار والملاك.
أما الديمقراطية في العصر الحديث فهي تفرض الوصاية على الشعب، لأن الأحزاب السياسية لا ثقة لها بقدرة الشعب على حكم نفسه بنفسه.

ما بعد الديمقراطية
يتسم القرن الواحد والعشرين بسقوط الأيديولوجيات والنظريات، والنظام السياسي العالمي لم يعد يخضع للتصنيف المألوف، فهو لم يعد لا يسارياً ولا يمينياً ولا ديمقراطياً. إنه قرن المصالح الكبرى، حيث تتصارع فيه قوى عظمى تبحث عن آليات لتحقيق مصالحها، في ميدان يعتبر أن القوة الحقيقية هي القوة الاقتصادية التي تتمكن من الاستحواذ على الأسواق لتلبية الاحتياجات البشرية المتزايدة.
دخلت المجتمعات الغربية -بمعظمها- عصر الشعبوية ما بعد الديمقراطية، التي أظهرت الانتخابات الأخيرة التي تم تنظيمها في العديد من الدول الأوروبية خلال العامين الأخيرين، الوجه الصريح الواضح لها، إذ حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة توسعاً جماهيرياً وصعوداً انتخابياً. واعتبرت الأحزاب العنصرية أن هذا الفوز بداية ما أسماه رئيس الوزراء الهنغاري "فيكتور أوربان" بالديمقراطية غير البرلمانية، وكان يقصد فصل النظام الانتخابي عن القيم الحداثية الغربية. فيما دعت أحزاب أخرى إلى العودة للهوية المسيحية التقليدية التي كانت محور الخصوصية الأوروبية.
وهذا ما ذكره عالم الاجتماع الفرنسي "ايمانويل تود" حيث حدد خمس سمات للظرف الراهن في بلد مثل فرنسا اليوم وهي عدم اتساق الفكر والتواضع الثقافي والعدوانية والحب المرضي للمال وعدم الاستقرار العاطفي والعائلي. ويقابل هذه السمات برأيه انحسارا في الديمقراطية وخللا في التربية وفراغا روحانيا وزيادة في فقر الشرائح الشعبية.
إن عالم ما بعد الديموقراطية هو عالم تتراجع فيه السياسة لمصلحة الاقتصاد و/أو الأمن و/أو الثقافة الخاصة. إنه أيضاً عالم تتقوض فيه الأسس المعرفية للعلوم الاجتماعية، بفعل القوة الناعمة للنظام الجديد.
هل يتحول النظام السياسي العالمي، إلى نظام لا شيوعياً ولا ديمقراطياً ولا ليبرالياً ولا رأسمالياً، ويتحول الكون إلى مدن بلا أسوار؟





3
أدب / حتى أسمع مخاضك
« في: 15:35 08/09/2018  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


حتى أسمع مخاضك

صوفيّ المزاج أنا
حزين مثل شمس أضاعت حقولها
وشعائري لون الحشرجة
متأخراً يشرّع السرو الغابة البيضاء
يبشّرني بحتفي الأول
حيث يزجر مطر العابرين الأجساد الطرية
هناكَ في صَرْصَرِ العتمة المتورّمة
أخشى ألاّ تعرفني ضفاف القناديل
قد غبت طويلاً حتى نسيت الطريق
وأن يعبرني درب الصنوبر
نحو مواجع القطاف
تأبى مواسمي مع الفصول
شيء من لهاث الوقت المَوْتور
يطفو سراً فوق وميض الطواف
في رحلتي إليكَ
أفرطتُ في هزائمي كما أشتهي
حتى ذوى جريد نخلي
لم أرتدي جلد الورع
قالوا مارق فاقتلوه
فأَخْبِرني
عن هسيس الموت في لحدي
وأسفل شرخ الصلصال
قبل إطباق الثرى راحتيه
أنا العائل ما برأت من الخطايا
لكنني خُلقت شجرة توت
ملاذاً لعابر كفيف
قبل السفر رحلت قدماي
حيث كرامة الأولياء
وخلوة الأسرار خلف العتبات النائمة
في الطنين السابع
يستيقظ الدعاء على الأبواب المتوثبة
ويملأ الجدران أرق كالأديم
لا زلت أنا عند فرار الأرض
أخالط في أخاديد الضجيج
عصافير التراب تبحث عن سكن
على أبوب المطر
أزهرت السهول يمام يرتعش
تكبوا الحقول وزعتر التلال يهرول
نحو صدر الماء
منه بدأ العدم وينتهي بالهلاك
الآثام ذاكرة بلا أسفار
والسديم كحدود القهر أو أبعد
فاضت مزامير الحمل
لم يكن في جوقة المرتلين
سوى شموع بليدة بلا عقارب
تداعبها حبال القش فوق وجه الغبار
أَتلو في جوف صراخي
الصكوك العسيرة قاتمة الاشتعال
يتقاطر العويل لا يهدأ
يتجرّد موسمي من رأسه وأضلاعه
أتقلّب كبذرة الوعد وأترقب ولادتي
لا تتلكأْ
وابدأْ مع مواسم الدراويش
رقصة الريح بيدين مبتورتين
واتلُ وصايا التائبين
على رائحة الراقدين
فإن رأيت الفراشات تشيخ
لا تقرب قامة النهار
الدور تبدو من سحناتها
موحشة مثل صندوق خشبي قديم
وأنت تصطاد طيوري
لا تتعجّل فوضى الوصول
العربات متخمة والعشب محتشد
أُبصرُ خط النعش وتعب العابرون
لا أرى قبراً
ألا بيوت لنا؟
قالوا ارقدْ هناك
هذا موتك المؤقت
مثل يقظة لا شبيه لسباتها
أنتظركَ معلقاً بأحزمة الماء
لا تتأخر
فلن أتمزق
حتى أسمع مخاضك

4
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


في أزمة فكر النخبة العربية ..
خسوف المثقف العضوي

أزمة الفكر العربي الحديث أنه ظل فكراُ نخبوياً طلائعياً تؤمن به -نسبياً- العقول المثقفة المعزولة عن الناس، هذا يشمل كافة التيارات والأفكار الاشتراكية اليسارية والليبرالية والقومية وتلك الاتجاهات التي تعبر الإسلام السياسي. بالرغم من المحاولات التي أظهرتها النخبة العربية في مواجهة أسئلة التحدي الحضاري الغربي، إلا أنها أجرت مقاربات خاطئة أفضت إلى نتائج كارثية على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي، حيث اعتمدت النخبة -بمعظمها- فلسفة تؤمن بأن الإنجازات الحضارية الغربية العلمية والفكرية يعود سببها إلى الحضارة العربية الإسلامية القديمة فقط، وغاب عنها أن إعادة إحياء هذه الأفكار في الحاضنة العربية في مجتمعات ما زالت ذات صبغة عشائرية وقبلية سوف تولّد تطوراً مبتوراً وحداثة مشوهة. لقد انتكست الأفكار الماركسية بالرغم من إرثها المضيء نظرياً، ولم يستطيع "النعيم" الشيوعي النفاذ عبر أنظمة عربية متسلطة بتوجهات قبلية، يدعمها تحالف المصالح بين التجار ورأس المال وشيوخ القبائل والبيروقراطية الفاسدة، ويحميها الغرب الاستعماري، وانتهى الحال بالرفاق إما في المعتقلات أو مطاردين أمنياً، وبقيت الثروة بين أيدي قلة نخبوية التهمت كل شيء سياسي واقتصادي وثقافي، بل ابتلعت الحياة ذاتها.
وحظوظ الفكر القومي لم تكن أفضل، فوحدة الأرض واللغة والتاريخ، لم تشفع لشعارات الوحدة القومية التي أصبحت مفهوما يثير إشكالية معرفية بعد هزيمة جزيران العام 1967.
والأفكار الليبرالية ظلت نخبوية بعيدة عن الجماهير، بسبب انشغال الليبراليين بموضوع الحريات السياسية وإغفالهم المطالب الاجتماعية التي تمس الشرائح الشعبية من الناس. وكذلك الفكر الديني الذي يعاني من الركود وغياب الاجتهاد الفقهي منذ أكثر من قرن، ناهيك عن قيام الجماعات السياسية الإسلامية بتأويل النصوص الدينية لخدمة مشروعها، وفشلها في بلورة البديل المختلف القادر على إجراء مقاربات مغايرة لما هو قائم.

في الخواص والعوام
وهي تقسيمات كانت موجودة في المجتمع البابلي، حيث قسّم قانون حمورابي المجتمع إلى ثلاث طبقات، "الخواص، العوام، الأرقاء". فكان يطلق على أعضاء الطبقة الأولى "الأويلوم" وهم الأولون السادة، وأفراد الطبقة الثانية يسمون "مشكينوم" وهم المساكين حقوقهم ليست كاملة رغم أنهم من الأحرار، والطبقة الثالثة هم "وردوم" الرقيق الذين ليس لهم أية حقوق.
لا يفاجئنا أن هذا التقسيم ما زال معمولا به في غالبية الدول العربية، فما زال هناك علية القوم، وهناك خدمهم. لا زالت قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة مجرد شعارات لا قيمة لها، في مجتمعات ماضية في تغوّل واستحواذ نخبة النخبة على الثروة.
في المشهد العربي تبرز علاقة ملتبسة مربكة هي ما جمع بين النخبة ودلالاتها الثقافية "الخواص" وبين الجمهور الواسع "العوام". هذا المفهوم منح النخبة مكان الصدارة المجتمعية، ومنحها تفويضاً لإدارة شؤون العباد، حيث استسلم "العوام" لهذا القدر بتربص ينتظر ساعة الخلاص.
سيطرت النخبة "الخواص" على الثروات العربية، وعلى كافة مفاصل الدولة، ووظفت القضاء والتعليم والقطاع الصحي لمصالحها، وقامت بتحويل الجيوش والأجهزة الأمنية إلى أذرعة لها تبطش باسمها. فيما أصبح العامة الذين يشكلون حوالي 80 في المائة من الناس، عبارة عن طوابير من الفقراء والمهمشين والجائعين.
إن الدول العربية تستحوذ على أكثر من 55 في المئة من احتياطي النفط العالمي. ومن بين الدول العشرة صاحبة أكبر احتياطي، هناك خمس دول عربية تمتلك ما مجموعه 713 مليار برميل نفط. هذه الدول هي المملكة العربية السعودية والعراق والكويت والإمارات وليبيا. بلغت عائدات دول الشرق الأوسط سنة 2017 ما مجموعه 325 مليار دولار، أي 41.3 في المئة من عائدات النفط في العالم. كان نصيب السعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، منها 133 مليار دولار.
فيما بلغت الثروات الشخصية في العالم ما مجموعه 202 تريليون دولار، بلغ نصيب العرب منها 3,2 تريليون دولار. هذه الثروات العربية تتركز بين أيادي النخبة "الخواص" التي حولت الأوطان إلى مزارع أهلية خاصة.
بينما بلغت نسبة الذين يعانون من فقر مدقع في العالم العربي 13.4 في المائة من السكان حسب آخر تقرير تنمية بشرية صادر عن الأمم المتحدة.

النخبة العربية المثقفة
أظهرت الأحداث في العالم العربي أن النخبة العربية -بمعظمها- إما أن تكون من المثقفين والمتعلمين الذين يجلسون على كافة الموائد، وهم النخبة المرتزقة التي تنحاز إلى من يحقق مصالحها، ويشتري سلعتها – المعارف ومهارات الإقناع- بأغلى ثمن، تراهم يهتفون مع الجماهير تارة، ويهللون للحاكم تارة أخرى، دون أن تعرف لهم وجهاً حقيقياً. أو أن تكون من نخبة حاشية السلطة، وهم عادة يكونون أصحاب الولاءات ويتبعون الأجهزة الأمنية، عملهم الوحيد تبييض وتلميع وجه الأنظمة.
إن النخبة المثقفة الحقيقية العربية لا نسمع صوتها، فهي متشتتة ومتفرقة، منشغلة بالشقاق النظري، ومتابعة ما يجري من خلف النوافذ. وهم في الواقع جوهر الإشكالية وأهم سبب لأزمة الفكر لاعتزالها واغترابها عن هموم الأمة، وانخراطها في معارك هامشية لا تمت بالأمراض الحقيقية التي استوطنت الجسد العربي المنهك.
فقد كشفت التطورات الملتهبة في المنطقة العربية عن جملة من الأسئلة والمفارقات المنهكة حول مكانة الجماهير الشعبية العربية وحقوقها في المواطنة والعدالة الاجتماعية، والتخلص من الاستبداد والفساد، في أولويات اهتمام النخبة العربية، في منطقة تغرق في مستنقع أزماتها التي لا تنتهي.

صورة المثقف
منذ أواسط القرن العشرين، المرحلة التي شهدت استقلال الدول العربية تم تحديد صورة المثقف العربي الذي رسمت ملامحه الأحداث والأفكار التحررية المناهضة للاستعمار التي كانت سائدة في تلك الفترة. حيث استلهم المثقف العربي مكانته من تجارب المثقف الغربي النقدي وما أفرزته هذه التجربة من معارف نقدية وافكار وعلوم تنتصر للإنسان في مواجهة السلطة القمعية. حيث قام المثقف العربي بتقليد ما قام به المثقف الغربي من مواجهة العسف وتقييد الحريات التي ما رسها الاستعمار بأنماط متعددة في طول البلاد العربية وعرضها. فتبلورت صورة المثقف العربي في خضم القضايا العربية الكبرى، بدءً من معركة التحرر من الاستعمار الغربي، مروراً بمعركة تحرير فلسطين، إلى مناهضة الامبريالية وبناء الأوطان. ثم انخرط هذا المثقف بمهام تشكيل الهوية والسيادة والوحدة الوطنية، ومهام الحريات العامة، فكان المثقف الملتزم والعضوي والثوري والمناضل هي تسميات عكست الطابع الثقافي لتلك الحقبة الزمنية.
نجد أن المثقف تحول حينها إلى حالة رمزية واكبت جميع الأحداث التي ألمت بمنطقتنا. في عهد الثورة الجزائرية ساهم المثقفين العرب في تحويل المزاج العام للشارع العربي إلى حالة مناهضة للاستعمار الفرنسي والوجه القبيح للغرب. في فترة الثورة الفلسطينية احتل المثقف العربي مكانته الريادية في العداء للصهيونية وابنتها إسرائيل. وفي المرحلة الناصرية أيضاً كان للمثقف العربي مساهمته في جعل هوى الشارع العربي قومياً وحدوياً مؤمناً بمستقبله.
 إن المثقف العربي الذي آمن بثورات التحرر العربية، وانخرط بحماس في القضية الفلسطينية، وارتفع صوته لنصرة القومية العربية، وسحرته الثورات الاشتراكية، وحلم بالمدينة الأفلاطونية، وجد نفسه خارج الأطر التي شكلت صورته عبر سبعين عاماً، حيث انهارت الأيديولوجيات الكبيرة من الماركسية التي أبهرت المثقفين العرب وسواهم، إلى القومية التي التف حولها كل من آمن بفكرة الصحوة العربية ومناهضة الاستعمار، فانتهت إلى عصبية فكرية عنصرية الميول. عبوراً للناصرية التي أفسدتها النزعات العسكرية، وتراجع الانشغال بالقضية المركزية للعرب -فلسطين- إلى أدنى مستوياته.

المثقف كما عهدناه
المثقف العربي كما نعهده أصبح شيئاً من الماضي، تخطته الأحداث والتحولات التي تجري -وماتزال- في المنطقة العربية، خاصة بدءً من العقد الثاني للألفية الثالثة. فقد انكفأ المثقفون اليساريون العرب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي واعتبروا أن الأفكار التي تدعو إلى البناء كفراً بعد "البروسترويكا". والمثقفون القوميون تمادوا في التطرف والعنصرية كلما تكشف أن نموذج الدولة القومية لا يخرج منه إلا التغول في القمع والاستبداد. أما نظرائهم المثقفون الإسلاميون فتبين أنهم عاجزون مثل الآخرين، وغير قادرين على تقديم نموذج أفضل، فكانت الطامة الكبرى أن تحول جزء منهم إلى حالة عدمية تكفيرية بذرائع متخيلة.
إن الأزمات العربية المتعددة والمتتالية أحدثت إرباكاً شديداً في إيقاع المثقف العربي، بصورة تشتت مكوناته وأدخلته في تجاذبات فكرية وأحداثاً لم يكن متهيئا لمقارباتها. وبدلاً من التوقف عن التقديس التراثي للالتفات عما هو حاضراً ومؤثراً، تجد العديد من المثقفين يحاولون إعادة إحياء العظام وهي رميم. أما المثقفين الحداثيين فقد اتبعوا منهاج النقل والاتباع لا الخلق والإبداع، فوقعوا في فخ التبعية للمذاهب الفكرية المتنوعة. هذا يفسر في مقاربته جزء من أسباب غياب الدراسات الفكرية والعلمية، والخطط الاستراتيجية الجيوسياسية في معظم الواقع العربي، والتي تقوم على مبادئ محلية تراعي في تشكلها الظروف والمكونات الوطنية.
بعد أن تقوضت الفكرة الاشتراكية بنموذجها السوفييتي، واضطربت الديمقراطية الغربية، وأخفق أتباع التيارات الليبرالية والقومية والدينية، وفشل اليمين واليسار والوسط جميعاً في إحداث أي اختراق بجدار الواقع العربي البغيض. أين سيقف المثقف العربي وما ذا سيفعل؟ وماهي خططه لمواجهة كل هذا التطرف والتشدد والعنصرية والطائفية المذهبية، والانقسامات العرقية التي ظهرت جلية صريحة واضحة في عموم المنطقة؟ وكيف سينهي حروب الإبادة، ويوقف ثقافة الاجتثاث والاستئصال؟
ماذا ظل للمثقف العربي المسكين في مرحلة الانهيارات المتتالية التي مسحت ملامحه، وتعيد الآن رسها من جديد، في ظل صعود الدولة الأمنية التي لا تقيم اعتباراً لكافة قيم الحريات العامة وسلطة القانون التي ينتمي لها المثقف. ماذا ظل من صورة المثقف العربي بعد التطورات المرعبة التي تتوالى في أماكن متعددة من الوطن العربي، والتي أحدثت تغيراً جذرياً على كل ما نعرفه، وكل ما هو مألوف لدينا في المشرق والمغرب.
كثيرة هي الأسئلة التي تتواتر من رحم الواقع العربي المتخم بالأزمات، ظلت دون إجابات واضحة. ومع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، تحولت إلى أسئلة مصيرية وجودية، تعبر عن حالة الانسداد والاستعصاء الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ وجدت معظم الشعوب العربية نفسها في حالة من التيه تعاني من ضنك الحياة ومن غياب الرعاية الصحية، وانخفاض معدلات التنمية، وارتفاع مستويات الفقر والبطالة، في حكم أنظمة استبدادية في معظمها تعتمد سياسة تكميم الأفواه. هنا أصبحت الأسئلة كبيرة عجز معها المثقفين العرب بصورتهم النمطية عن القيام بأية مقاربات موضوعية. وهذا يعود بظني إلى سببين، أولهما أن الاحداث التي وقعت في عدد ليس قليل من الدول العربية قد أسقطت الفكرة المألوفة عن المثقف العربي ودوره في الوعي الجمعي للشعوب، والثاني أن عدداً من المثقفين العرب قد وضعوا أنفسهم في مواجهة شعوب كانوا ذات يوم يتشدقون بالدفاع عنها وعن مصالحها وحقوقها، في حين جاء الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات هذه الشعوب ضد الاستبداد العربي، اختار بعض المثقفين أن يقف إلى جانب الطغاة العرب، فيما انحاز بعضهم للفكر العدمي التكفيري.
هذا الانقلاب من بعض المثقفين مرتبط بما هو شائع وتقليدي عن مفهوم المثقف، هذا المفهوم الذي يغيب عنه أن هناك إلى جانب المثقف العضوي والنقدي والتنويري، هناك مثقف متواطئ مع الأنظمة السياسية القائمة لأسباب متعددة، منها تحقيق المآرب الخاصة، أو خشية بعض المثقفين من صحوة الإسلام السياسي في المنطقة جعلهم يرتدون إلى حضن الأنظمة.

سقوط المثقف
إن هذا النكوص لبعض المثقفين العرب يظهر عجزهم وفشلهم في دورهم المجتمعي
ويبين قدراً كبيراً من الأنانية والانتهازية السياسية لديهم. إنه سقوط المثقف العربي في قعر السلطة التي تحدد له هامشاً لا يمكنه تجاوزه، وأصبح واحداً من الأدوات الخطيرة التي توظفها السلطة السياسية لتبرير استبداها وقمع شعوبها، وإلا كيف نفسر هذا الانحياز من قبل المثقف إلى سياسة الموت والقتل والحروب وإشاعة التفرقة والكراهية، عوضاً عن وقوفه إلى جانب النهضة والإصلاح والتحديث، ويساند الحياة والسلام ونشر المحبة والتسامح.
وسقط المثقف العربي في شرك هويته -غير المتبلورة أصلاً- بمواجهة الآخر، وكأن الثقافة الغربية كلها شر مستطير، فنرى بعض المثقفين العربي يتبنون نظرية المؤامرة على الأمة لتبرير دفاعهم عن الأنظمة التي تقهر شعوبها، وهنا أنا لا أنفي بالمطلق وجود مؤامرات غربية هدفها السيطرة وتمزيق وحدة شعوب المنطقة، لكنني أعترض على توظيف هذه الفكرة لتثبيت دعائم الأنظمة، ووضع الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تقبلوا بهذه النظم العربية المستبدة، أو أن تكونون عبيداً للغرب.
إنه سقوط للمثقف العربي في أحد جوانبه بمفارقات مرعبة، إنه جاهز دوماً لتوجيه رماح النقد لأي آخر لا يشاركه مفاهيمه، بينما لا يملك الشجاعة على النظر إلى فكره وسلوكه في أية مرآة. يستفيض بالحديث عن الديمقراطية أياماً دون انقطاع، ويدعم حججه بآلاف الأمثلة والتجارب التاريخية لشعوب متعددة، لكنه لا يجرؤ على إجراء اية مقاربة للاستبداد والقهر الذي يعيش فيه ويعاني من بؤسه يومياً. يحدثك عن الفقر والجوع ونسب البطالة في كل العالم، وهو لا يجد لقمة العيش في وطنه ويشقى للحصول عليها. يطالب بالحريات العامة ويمارس العنف والاستبداد. يؤمن بالحوار نظرياً، ويضيق صدره بالمخالفين. يريد من الآخرين أن يضحون ويموتون في سبيل الفكرة أو الزعيم أو الوطن ليصبحوا أبطالاً، فيما هو يتلذذ بالرفاهية. يثقل رأسك بالحديث عن الوطنية والانتماء والصناعة الوطنية، وكل ما يرتديه هو ويأكله صناعة غربية. يخطب لساعات ضد الاستعمار الغربي وأطماعه وثقافته، ولا يثق إلا بالدواء الغربي.
سقط المثقف العربي -ليس الجميع- في هاوية الواقع الذي أنكره، سقط في قاع جموده العقائدي ودوغمائيته الضريرة، سقط في فخ اغترابه عن محيطه، مما أنتج إشكالية أخلاقية ترتبط بدوره ومهامه وموقعه.
إن من أبرز مظاهر سقوط العديد من المثقفين العرب هو تلك السلبية الشنيعة التي أبدوها تجاه قضايا الشعوب، حيث سقطوا في فخ التكيّف مع محيطهم، مثل نبتة صحراوية تتكيف مع ظروف المناخ القاسية، هي لا تقاوم الجفاف ولا يمكنها تغيير واقعها، هي فقط تتكيّف معه. هذا حال بعض المثقفين الذين يتلونون فيرمون ثوباً ليرتدوا ثوباً آخر، كلما تغيرت الظروف والبيئة المحيطة، بسبب عجزهم وإخفاقهم. هذا الوضع يجعل المثقف في حالة من الغيبوبة والموت السريري.

في اشتباك المثقف
المثقف الحقيقي ليس هو الخطيب البارع، ولا المنظّر السياسي والفكري. إنما هو من يمثل الشرائح الشعبية والفئات الصامتة في المجتمع، لمقاومة قهر السلطة السياسية وتعسفها، هو صوت الناس في دفاعهم عن حقهم في الحياة والتعليم والعمل والرعاية الصحية، هو الإنسان الذي ينتصر للمثل الإنسانية، ولقيم العدالة والحرية والمساواة الاجتماعية، هو من يسعى لتحرير الإنسان من كافة أنواع القيود والوصاية التي تفرضها عليه السلطة. المثقف هو ذاك الذي يكون ملتزماً ومشتبكاً مع واقعه ويمتلك المقدرة على رؤية وتحليل الإشكاليات المجتمعية، وتحديد خصائص وملامح هذا الواقع، والسعي مع الشرائح المتضررة لتغييره.
المثقف الملتحم مع قضايا أمته، المنخرط في الاشتباك بمواجهة القوى التي تستهدف ماضي وحاضر ومستقبل الأمة العربية، وتهدد هوية وفكر الإنسان العربي. نحتاج ذاك المثقف والكاتب والمفكر والفنان للتصدي لمخاطر هذه المرحلة التي يتم فيها تدمير أوطاننا، ويتعرض المواطن للقهر والتجهيل، وتفتك بنا الصراعات الطائفية والمذهبية، وتتضخم الأنا القطرية وينحسر الوعي الجمعي. أين هو المثقف الذي يعود ويلهب حماس الشعوب ويوقظ روحها من سبات الكبت والقمع؟ نحن في مرحلة سقطت فيها كافة الأسماء والألقاب، ولم تعد تعني شيئاً ذا قيمة ومعنى حقيقياً في عصر الأسئلة الكبرى، والمواجهات الكبرى، والاختيارات الكبرى. إما أن يكون المثقف حقيقياً ملتصق ثقافياً وفكرياً واجتماعياً التصاقاً فعلياً، أو يكون اسماً ولقباً أجوفاً وشيئاً براقاً يلمع دون قيمة تذكر.
المثقف العضوي هو من تُمتحن أفكاره ليس فقط في جدلية الوعي، إنما في اضطرابات الحياة الواقعية، في معارك الوجود، في المشاركة جنباً إلى جنب مع حراك الناس العاديين في الشارع، وليس الكتابة عنهم في غرف مكيفة. الثقافة والعمل، الوعي والحركة، متلازمات لا انفصام بينهما ولا تضاد.
معظم المثقفين العرب يعانون من متلازمة الوعظ والسلوك الانتقائي، ويعتمدون منهاج توبيخ الذات وتقريع الواقع، دون أية ممارسة ثقافية فكرية اشتباكية اعتراكية لمجابهة هذا الكم غير المسبوق من المخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية، والأهوال الثقافية والاجتماعية التي تتوعد وجودنا.
مهما كان نوع المثقف وإلى أية مذهب فلسفي ينتمي، وبغض النظر عن تصنيفه الطبقي، إن كان مثقفاً غرامشياً قادماً من رحم الشريحة الاجتماعية التي ينتمي لها ويسعى لأجل تطوير وعيها الاجتماعي وهيمنتها السياسية، أو كان مثقفاً إدواردياً كونياً لا منتمياً يمارس النقد والتنوير، فإن مسؤوليته الفكرية والأخلاقية هي الالتحام مع القضايا الوضعية والمطالب الشعبية، والانخراط بالإصلاح الاجتماعي، ونقد البنى الهشّة، وامتلاكه رؤية للتغيير.

التحدي المصيري
المقاربات الفلسفية النظرية التي تشكل واحدة من أدوات المثقف، إنما هي الحاضن للحراك الاجتماعي، لكن كل قيم العدالة والتحرر والمساواة لا يمكن إدراكها إلا في معترك الواقع المعاش، في ملامسة إشكاليات الشارع وتفهمها وتحليلها. إن المثقف الذي يؤمن بمطالب وحقوق الناس الاجتماعية والسياسية نظرياً فقط طبقاً للحتميات التاريخية ودون ممارسة فعلية، لا يكون بمقدوره القيام بالفعل النقدي الصائب للسياسي، ولن يكون نقده نقداً أخلاقياً تصحيحياً وهو بعيد عن دروب ودهاليز التجربة الميدانية، فمن دون الاشتباك لا يمكن أن ندرك ونفهم ونحلل وننقد أية تجارب اجتماعية تاريخية، وكذلك لا يمكن التحقق من أي أفكار مهما كانت سامية وجذابة دون خضوعها للامتحان الحقيقي في الواقع.
من المفارقات المضحكة المبكية في المثقف العربي، أن شهدت البلدان المتقدمة كما المتخلفة نماذج إما عكست الانحياز العضوي التام من المثقف إلى جانب الجمهور، حتى أولئك المثقفين النقديين اللا منتمين إلى شرائح اجتماعية محددة وقفوا مع كافة القيم الأخلاقية والإنسانية، ودافعوا عن حقوق البشر الأساسية وحرياتهم العامة. أو أبانت تحالف بعض المثقفين الغربيين مع السلطة، تحالف أفضى إلى بناء الدولة الغربية الحديثة بشكلها الحالي، وهو ما أدى إلى انتهاء دور المثقف العضوي في الغرب، أو أصبح دوره هامشياً، بسبب التطور الهائل التقني في مختلف القطاعات.
 بيد أن المثقفون العرب ما زالوا يرزحون تحت أعباء تخلف الواقع التي تتراكم، ولا زالوا يعانون من عجزهم عن إجراء مقاربات لأسئلة النهضة والإصلاح من جهة، وتوحش الآخر الغربي من جهة أخرى. فلا هم استطاعوا الوقوف التام مع شعوبهم، حتى أولئك الذين زعموا في يوم من الأيام أنهم مثقفو الجماهير، رفضهم الشعب ولم يقبل وصايتهم. ولا هم تمكنوا من ابتداع اختراق للعلاقة مع السلطة لمصلحة قيم المواطنة وبناء دولة المؤسسات.
أزمتنا يسببها المثقف العربي -بمعظمهم- الذي يؤمن أن دوره هو تقبيل اقدام السلاطين، وتمجيد الحاكم. كارثتنا في الثنائيات المتضادة، مع هؤلاء الذين لا يرون خلاصاً إلا بنقل الفكر والحداثة الغربية، وأولئك الذين يظنون أن الكرب والضائقة التي تعيشها الأمة لا سبباً لها سوى الغرب وأطماعه ومؤامراته على المنطقة. هذه الثنائية وغيرها ما يضع الشعوب والمثقفين ومستقبل المنطقة في مأزق فكري أخلاقي حضاري، فإذا كان الغرب هو سبب جهلنا وتأخرنا، كيف يكون هو ذاته منقذنا؟ إنه تحدي مصيري يفرض إعادة تشكيل دور المثقف وتحديد وظيفته. إننا ببساطة نحتاج المثقف العضوي التنويري الذي يتمكن من إدارة الأزمات المستعرة في منطقتنا ويفككها بموضوعية وعقلانية، لا المثقف الانفعالي الذي ينتج الأزمات والحرائق.



5
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 
في أزمة فكر النخبة العربية ..
خسوف المثقف العضوي

أزمة الفكر العربي الحديث أنه ظل فكراُ نخبوياً طلائعياً تؤمن به -نسبياً- العقول المثقفة المعزولة عن الناس، هذا يشمل كافة التيارات والأفكار الاشتراكية اليسارية والليبرالية والقومية وتلك الاتجاهات التي تعبر الإسلام السياسي. بالرغم من المحاولات التي أظهرتها النخبة العربية في مواجهة أسئلة التحدي الحضاري الغربي، إلا أنها أجرت مقاربات خاطئة أفضت إلى نتائج كارثية على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي، حيث اعتمدت النخبة -بمعظمها- فلسفة تؤمن بأن الإنجازات الحضارية الغربية العلمية والفكرية يعود سببها إلى الحضارة العربية الإسلامية القديمة فقط، وغاب عنها أن إعادة إحياء هذه الأفكار في الحاضنة العربية في مجتمعات ما زالت ذات صبغة عشائرية وقبلية سوف تولّد تطوراً مبتوراً وحداثة مشوهة. لقد انتكست الأفكار الماركسية بالرغم من إرثها المضيء نظرياً، ولم يستطيع "النعيم" الشيوعي النفاذ عبر أنظمة عربية متسلطة بتوجهات قبلية، يدعمها تحالف المصالح بين التجار ورأس المال وشيوخ القبائل والبيروقراطية الفاسدة، ويحميها الغرب الاستعماري، وانتهى الحال بالرفاق إما في المعتقلات أو مطاردين أمنياً، وبقيت الثروة بين أيدي قلة نخبوية التهمت كل شيء سياسي واقتصادي وثقافي، بل ابتلعت الحياة ذاتها.
وحظوظ الفكر القومي لم تكن أفضل، فوحدة الأرض واللغة والتاريخ، لم تشفع لشعارات الوحدة القومية التي أصبحت مفهوما يثير إشكالية معرفية بعد هزيمة جزيران العام 1967.
والأفكار الليبرالية ظلت نخبوية بعيدة عن الجماهير، بسبب انشغال الليبراليين بموضوع الحريات السياسية وإغفالهم المطالب الاجتماعية التي تمس الشرائح الشعبية من الناس. وكذلك الفكر الديني الذي يعاني من الركود وغياب الاجتهاد الفقهي منذ أكثر من قرن، ناهيك عن قيام الجماعات السياسية الإسلامية بتأويل النصوص الدينية لخدمة مشروعها، وفشلها في بلورة البديل المختلف القادر على إجراء مقاربات مغايرة لما هو قائم.
 
في الخواص والعوام
وهي تقسيمات كانت موجودة في المجتمع البابلي، حيث قسّم قانون حمورابي المجتمع إلى ثلاث طبقات، "الخواص، العوام، الأرقاء". فكان يطلق على أعضاء الطبقة الأولى "الأويلوم" وهم الأولون السادة، وأفراد الطبقة الثانية يسمون "مشكينوم" وهم المساكين حقوقهم ليست كاملة رغم أنهم من الأحرار، والطبقة الثالثة هم "وردوم" الرقيق الذين ليس لهم أية حقوق.
لا يفاجئنا أن هذا التقسيم ما زال معمولا به في غالبية الدول العربية، فما زال هناك علية القوم، وهناك خدمهم. لا زالت قضايا العدالة الاجتماعية والمساواة مجرد شعارات لا قيمة لها، في مجتمعات ماضية في تغوّل واستحواذ نخبة النخبة على الثروة.
في المشهد العربي تبرز علاقة ملتبسة مربكة هي ما جمع بين النخبة ودلالاتها الثقافية "الخواص" وبين الجمهور الواسع "العوام". هذا المفهوم منح النخبة مكان الصدارة المجتمعية، ومنحها تفويضاً لإدارة شؤون العباد، حيث استسلم "العوام" لهذا القدر بتربص ينتظر ساعة الخلاص.
سيطرت النخبة "الخواص" على الثروات العربية، وعلى كافة مفاصل الدولة، ووظفت القضاء والتعليم والقطاع الصحي لمصالحها، وقامت بتحويل الجيوش والأجهزة الأمنية إلى أذرعة لها تبطش باسمها. فيما أصبح العامة الذين يشكلون حوالي 80 في المائة من الناس، عبارة عن طوابير من الفقراء والمهمشين والجائعين.
إن الدول العربية تستحوذ على أكثر من 55 في المئة من احتياطي النفط العالمي. ومن بين الدول العشرة صاحبة أكبر احتياطي، هناك خمس دول عربية تمتلك ما مجموعه 713 مليار برميل نفط. هذه الدول هي المملكة العربية السعودية والعراق والكويت والإمارات وليبيا. بلغت عائدات دول الشرق الأوسط سنة 2017 ما مجموعه 325 مليار دولار، أي 41.3 في المئة من عائدات النفط في العالم. كان نصيب السعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، منها 133 مليار دولار.
فيما بلغت الثروات الشخصية في العالم ما مجموعه 202 تريليون دولار، بلغ نصيب العرب منها 3,2 تريليون دولار. هذه الثروات العربية تتركز بين أيادي النخبة "الخواص" التي حولت الأوطان إلى مزارع أهلية خاصة.
بينما بلغت نسبة الذين يعانون من فقر مدقع في العالم العربي 13.4 في المائة من السكان حسب آخر تقرير تنمية بشرية صادر عن الأمم المتحدة.
 
النخبة العربية المثقفة
أظهرت الأحداث في العالم العربي أن النخبة العربية -بمعظمها- إما أن تكون من المثقفين والمتعلمين الذين يجلسون على كافة الموائد، وهم النخبة المرتزقة التي تنحاز إلى من يحقق مصالحها، ويشتري سلعتها – المعارف ومهارات الإقناع- بأغلى ثمن، تراهم يهتفون مع الجماهير تارة، ويهللون للحاكم تارة أخرى، دون أن تعرف لهم وجهاً حقيقياً. أو أن تكون من نخبة حاشية السلطة، وهم عادة يكونون أصحاب الولاءات ويتبعون الأجهزة الأمنية، عملهم الوحيد تبييض وتلميع وجه الأنظمة.
إن النخبة المثقفة الحقيقية العربية لا نسمع صوتها، فهي متشتتة ومتفرقة، منشغلة بالشقاق النظري، ومتابعة ما يجري من خلف النوافذ. وهم في الواقع جوهر الإشكالية وأهم سبب لأزمة الفكر لاعتزالها واغترابها عن هموم الأمة، وانخراطها في معارك هامشية لا تمت بالأمراض الحقيقية التي استوطنت الجسد العربي المنهك.
فقد كشفت التطورات الملتهبة في المنطقة العربية عن جملة من الأسئلة والمفارقات المنهكة حول مكانة الجماهير الشعبية العربية وحقوقها في المواطنة والعدالة الاجتماعية، والتخلص من الاستبداد والفساد، في أولويات اهتمام النخبة العربية، في منطقة تغرق في مستنقع أزماتها التي لا تنتهي.
 
صورة المثقف
منذ أواسط القرن العشرين، المرحلة التي شهدت استقلال الدول العربية تم تحديد صورة المثقف العربي الذي رسمت ملامحه الأحداث والأفكار التحررية المناهضة للاستعمار التي كانت سائدة في تلك الفترة. حيث استلهم المثقف العربي مكانته من تجارب المثقف الغربي النقدي وما أفرزته هذه التجربة من معارف نقدية وافكار وعلوم تنتصر للإنسان في مواجهة السلطة القمعية. حيث قام المثقف العربي بتقليد ما قام به المثقف الغربي من مواجهة العسف وتقييد الحريات التي ما رسها الاستعمار بأنماط متعددة في طول البلاد العربية وعرضها. فتبلورت صورة المثقف العربي في خضم القضايا العربية الكبرى، بدءً من معركة التحرر من الاستعمار الغربي، مروراً بمعركة تحرير فلسطين، إلى مناهضة الامبريالية وبناء الأوطان. ثم انخرط هذا المثقف بمهام تشكيل الهوية والسيادة والوحدة الوطنية، ومهام الحريات العامة، فكان المثقف الملتزم والعضوي والثوري والمناضل هي تسميات عكست الطابع الثقافي لتلك الحقبة الزمنية.
نجد أن المثقف تحول حينها إلى حالة رمزية واكبت جميع الأحداث التي ألمت بمنطقتنا. في عهد الثورة الجزائرية ساهم المثقفين العرب في تحويل المزاج العام للشارع العربي إلى حالة مناهضة للاستعمار الفرنسي والوجه القبيح للغرب. في فترة الثورة الفلسطينية احتل المثقف العربي مكانته الريادية في العداء للصهيونية وابنتها إسرائيل. وفي المرحلة الناصرية أيضاً كان للمثقف العربي مساهمته في جعل هوى الشارع العربي قومياً وحدوياً مؤمناً بمستقبله.
 إن المثقف العربي الذي آمن بثورات التحرر العربية، وانخرط بحماس في القضية الفلسطينية، وارتفع صوته لنصرة القومية العربية، وسحرته الثورات الاشتراكية، وحلم بالمدينة الأفلاطونية، وجد نفسه خارج الأطر التي شكلت صورته عبر سبعين عاماً، حيث انهارت الأيديولوجيات الكبيرة من الماركسية التي أبهرت المثقفين العرب وسواهم، إلى القومية التي التف حولها كل من آمن بفكرة الصحوة العربية ومناهضة الاستعمار، فانتهت إلى عصبية فكرية عنصرية الميول. عبوراً للناصرية التي أفسدتها النزعات العسكرية، وتراجع الانشغال بالقضية المركزية للعرب -فلسطين- إلى أدنى مستوياته.
 
المثقف كما عهدناه
المثقف العربي كما نعهده أصبح شيئاً من الماضي، تخطته الأحداث والتحولات التي تجري -وماتزال- في المنطقة العربية، خاصة بدءً من العقد الثاني للألفية الثالثة. فقد انكفأ المثقفون اليساريون العرب عقب انهيار الاتحاد السوفيتي واعتبروا أن الأفكار التي تدعو إلى البناء كفراً بعد "البروسترويكا". والمثقفون القوميون تمادوا في التطرف والعنصرية كلما تكشف أن نموذج الدولة القومية لا يخرج منه إلا التغول في القمع والاستبداد. أما نظرائهم المثقفون الإسلاميون فتبين أنهم عاجزون مثل الآخرين، وغير قادرين على تقديم نموذج أفضل، فكانت الطامة الكبرى أن تحول جزء منهم إلى حالة عدمية تكفيرية بذرائع متخيلة.
إن الأزمات العربية المتعددة والمتتالية أحدثت إرباكاً شديداً في إيقاع المثقف العربي، بصورة تشتت مكوناته وأدخلته في تجاذبات فكرية وأحداثاً لم يكن متهيئا لمقارباتها. وبدلاً من التوقف عن التقديس التراثي للالتفات عما هو حاضراً ومؤثراً، تجد العديد من المثقفين يحاولون إعادة إحياء العظام وهي رميم. أما المثقفين الحداثيين فقد اتبعوا منهاج النقل والاتباع لا الخلق والإبداع، فوقعوا في فخ التبعية للمذاهب الفكرية المتنوعة. هذا يفسر في مقاربته جزء من أسباب غياب الدراسات الفكرية والعلمية، والخطط الاستراتيجية الجيوسياسية في معظم الواقع العربي، والتي تقوم على مبادئ محلية تراعي في تشكلها الظروف والمكونات الوطنية.
بعد أن تقوضت الفكرة الاشتراكية بنموذجها السوفييتي، واضطربت الديمقراطية الغربية، وأخفق أتباع التيارات الليبرالية والقومية والدينية، وفشل اليمين واليسار والوسط جميعاً في إحداث أي اختراق بجدار الواقع العربي البغيض. أين سيقف المثقف العربي وما ذا سيفعل؟ وماهي خططه لمواجهة كل هذا التطرف والتشدد والعنصرية والطائفية المذهبية، والانقسامات العرقية التي ظهرت جلية صريحة واضحة في عموم المنطقة؟ وكيف سينهي حروب الإبادة، ويوقف ثقافة الاجتثاث والاستئصال؟
ماذا ظل للمثقف العربي المسكين في مرحلة الانهيارات المتتالية التي مسحت ملامحه، وتعيد الآن رسها من جديد، في ظل صعود الدولة الأمنية التي لا تقيم اعتباراً لكافة قيم الحريات العامة وسلطة القانون التي ينتمي لها المثقف. ماذا ظل من صورة المثقف العربي بعد التطورات المرعبة التي تتوالى في أماكن متعددة من الوطن العربي، والتي أحدثت تغيراً جذرياً على كل ما نعرفه، وكل ما هو مألوف لدينا في المشرق والمغرب.
كثيرة هي الأسئلة التي تتواتر من رحم الواقع العربي المتخم بالأزمات، ظلت دون إجابات واضحة. ومع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، تحولت إلى أسئلة مصيرية وجودية، تعبر عن حالة الانسداد والاستعصاء الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، إذ وجدت معظم الشعوب العربية نفسها في حالة من التيه تعاني من ضنك الحياة ومن غياب الرعاية الصحية، وانخفاض معدلات التنمية، وارتفاع مستويات الفقر والبطالة، في حكم أنظمة استبدادية في معظمها تعتمد سياسة تكميم الأفواه. هنا أصبحت الأسئلة كبيرة عجز معها المثقفين العرب بصورتهم النمطية عن القيام بأية مقاربات موضوعية. وهذا يعود بظني إلى سببين، أولهما أن الاحداث التي وقعت في عدد ليس قليل من الدول العربية قد أسقطت الفكرة المألوفة عن المثقف العربي ودوره في الوعي الجمعي للشعوب، والثاني أن عدداً من المثقفين العرب قد وضعوا أنفسهم في مواجهة شعوب كانوا ذات يوم يتشدقون بالدفاع عنها وعن مصالحها وحقوقها، في حين جاء الوقت الذي ارتفعت فيه أصوات هذه الشعوب ضد الاستبداد العربي، اختار بعض المثقفين أن يقف إلى جانب الطغاة العرب، فيما انحاز بعضهم للفكر العدمي التكفيري.
هذا الانقلاب من بعض المثقفين مرتبط بما هو شائع وتقليدي عن مفهوم المثقف، هذا المفهوم الذي يغيب عنه أن هناك إلى جانب المثقف العضوي والنقدي والتنويري، هناك مثقف متواطئ مع الأنظمة السياسية القائمة لأسباب متعددة، منها تحقيق المآرب الخاصة، أو خشية بعض المثقفين من صحوة الإسلام السياسي في المنطقة جعلهم يرتدون إلى حضن الأنظمة.
 
سقوط المثقف
إن هذا النكوص لبعض المثقفين العرب يظهر عجزهم وفشلهم في دورهم المجتمعي
ويبين قدراً كبيراً من الأنانية والانتهازية السياسية لديهم. إنه سقوط المثقف العربي في قعر السلطة التي تحدد له هامشاً لا يمكنه تجاوزه، وأصبح واحداً من الأدوات الخطيرة التي توظفها السلطة السياسية لتبرير استبداها وقمع شعوبها، وإلا كيف نفسر هذا الانحياز من قبل المثقف إلى سياسة الموت والقتل والحروب وإشاعة التفرقة والكراهية، عوضاً عن وقوفه إلى جانب النهضة والإصلاح والتحديث، ويساند الحياة والسلام ونشر المحبة والتسامح.
وسقط المثقف العربي في شرك هويته -غير المتبلورة أصلاً- بمواجهة الآخر، وكأن الثقافة الغربية كلها شر مستطير، فنرى بعض المثقفين العربي يتبنون نظرية المؤامرة على الأمة لتبرير دفاعهم عن الأنظمة التي تقهر شعوبها، وهنا أنا لا أنفي بالمطلق وجود مؤامرات غربية هدفها السيطرة وتمزيق وحدة شعوب المنطقة، لكنني أعترض على توظيف هذه الفكرة لتثبيت دعائم الأنظمة، ووضع الشعوب أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تقبلوا بهذه النظم العربية المستبدة، أو أن تكونون عبيداً للغرب.
إنه سقوط للمثقف العربي في أحد جوانبه بمفارقات مرعبة، إنه جاهز دوماً لتوجيه رماح النقد لأي آخر لا يشاركه مفاهيمه، بينما لا يملك الشجاعة على النظر إلى فكره وسلوكه في أية مرآة. يستفيض بالحديث عن الديمقراطية أياماً دون انقطاع، ويدعم حججه بآلاف الأمثلة والتجارب التاريخية لشعوب متعددة، لكنه لا يجرؤ على إجراء اية مقاربة للاستبداد والقهر الذي يعيش فيه ويعاني من بؤسه يومياً. يحدثك عن الفقر والجوع ونسب البطالة في كل العالم، وهو لا يجد لقمة العيش في وطنه ويشقى للحصول عليها. يطالب بالحريات العامة ويمارس العنف والاستبداد. يؤمن بالحوار نظرياً، ويضيق صدره بالمخالفين. يريد من الآخرين أن يضحون ويموتون في سبيل الفكرة أو الزعيم أو الوطن ليصبحوا أبطالاً، فيما هو يتلذذ بالرفاهية. يثقل رأسك بالحديث عن الوطنية والانتماء والصناعة الوطنية، وكل ما يرتديه هو ويأكله صناعة غربية. يخطب لساعات ضد الاستعمار الغربي وأطماعه وثقافته، ولا يثق إلا بالدواء الغربي.
سقط المثقف العربي -ليس الجميع- في هاوية الواقع الذي أنكره، سقط في قاع جموده العقائدي ودوغمائيته الضريرة، سقط في فخ اغترابه عن محيطه، مما أنتج إشكالية أخلاقية ترتبط بدوره ومهامه وموقعه.
إن من أبرز مظاهر سقوط العديد من المثقفين العرب هو تلك السلبية الشنيعة التي أبدوها تجاه قضايا الشعوب، حيث سقطوا في فخ التكيّف مع محيطهم، مثل نبتة صحراوية تتكيف مع ظروف المناخ القاسية، هي لا تقاوم الجفاف ولا يمكنها تغيير واقعها، هي فقط تتكيّف معه. هذا حال بعض المثقفين الذين يتلونون فيرمون ثوباً ليرتدوا ثوباً آخر، كلما تغيرت الظروف والبيئة المحيطة، بسبب عجزهم وإخفاقهم. هذا الوضع يجعل المثقف في حالة من الغيبوبة والموت السريري.
 
في اشتباك المثقف
المثقف الحقيقي ليس هو الخطيب البارع، ولا المنظّر السياسي والفكري. إنما هو من يمثل الشرائح الشعبية والفئات الصامتة في المجتمع، لمقاومة قهر السلطة السياسية وتعسفها، هو صوت الناس في دفاعهم عن حقهم في الحياة والتعليم والعمل والرعاية الصحية، هو الإنسان الذي ينتصر للمثل الإنسانية، ولقيم العدالة والحرية والمساواة الاجتماعية، هو من يسعى لتحرير الإنسان من كافة أنواع القيود والوصاية التي تفرضها عليه السلطة. المثقف هو ذاك الذي يكون ملتزماً ومشتبكاً مع واقعه ويمتلك المقدرة على رؤية وتحليل الإشكاليات المجتمعية، وتحديد خصائص وملامح هذا الواقع، والسعي مع الشرائح المتضررة لتغييره.
المثقف الملتحم مع قضايا أمته، المنخرط في الاشتباك بمواجهة القوى التي تستهدف ماضي وحاضر ومستقبل الأمة العربية، وتهدد هوية وفكر الإنسان العربي. نحتاج ذاك المثقف والكاتب والمفكر والفنان للتصدي لمخاطر هذه المرحلة التي يتم فيها تدمير أوطاننا، ويتعرض المواطن للقهر والتجهيل، وتفتك بنا الصراعات الطائفية والمذهبية، وتتضخم الأنا القطرية وينحسر الوعي الجمعي. أين هو المثقف الذي يعود ويلهب حماس الشعوب ويوقظ روحها من سبات الكبت والقمع؟ نحن في مرحلة سقطت فيها كافة الأسماء والألقاب، ولم تعد تعني شيئاً ذا قيمة ومعنى حقيقياً في عصر الأسئلة الكبرى، والمواجهات الكبرى، والاختيارات الكبرى. إما أن يكون المثقف حقيقياً ملتصق ثقافياً وفكرياً واجتماعياً التصاقاً فعلياً، أو يكون اسماً ولقباً أجوفاً وشيئاً براقاً يلمع دون قيمة تذكر.
المثقف العضوي هو من تُمتحن أفكاره ليس فقط في جدلية الوعي، إنما في اضطرابات الحياة الواقعية، في معارك الوجود، في المشاركة جنباً إلى جنب مع حراك الناس العاديين في الشارع، وليس الكتابة عنهم في غرف مكيفة. الثقافة والعمل، الوعي والحركة، متلازمات لا انفصام بينهما ولا تضاد.
معظم المثقفين العرب يعانون من متلازمة الوعظ والسلوك الانتقائي، ويعتمدون منهاج توبيخ الذات وتقريع الواقع، دون أية ممارسة ثقافية فكرية اشتباكية اعتراكية لمجابهة هذا الكم غير المسبوق من المخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية، والأهوال الثقافية والاجتماعية التي تتوعد وجودنا.
مهما كان نوع المثقف وإلى أية مذهب فلسفي ينتمي، وبغض النظر عن تصنيفه الطبقي، إن كان مثقفاً غرامشياً قادماً من رحم الشريحة الاجتماعية التي ينتمي لها ويسعى لأجل تطوير وعيها الاجتماعي وهيمنتها السياسية، أو كان مثقفاً إدواردياً كونياً لا منتمياً يمارس النقد والتنوير، فإن مسؤوليته الفكرية والأخلاقية هي الالتحام مع القضايا الوضعية والمطالب الشعبية، والانخراط بالإصلاح الاجتماعي، ونقد البنى الهشّة، وامتلاكه رؤية للتغيير.
 
التحدي المصيري
المقاربات الفلسفية النظرية التي تشكل واحدة من أدوات المثقف، إنما هي الحاضن للحراك الاجتماعي، لكن كل قيم العدالة والتحرر والمساواة لا يمكن إدراكها إلا في معترك الواقع المعاش، في ملامسة إشكاليات الشارع وتفهمها وتحليلها. إن المثقف الذي يؤمن بمطالب وحقوق الناس الاجتماعية والسياسية نظرياً فقط طبقاً للحتميات التاريخية ودون ممارسة فعلية، لا يكون بمقدوره القيام بالفعل النقدي الصائب للسياسي، ولن يكون نقده نقداً أخلاقياً تصحيحياً وهو بعيد عن دروب ودهاليز التجربة الميدانية، فمن دون الاشتباك لا يمكن أن ندرك ونفهم ونحلل وننقد أية تجارب اجتماعية تاريخية، وكذلك لا يمكن التحقق من أي أفكار مهما كانت سامية وجذابة دون خضوعها للامتحان الحقيقي في الواقع.
من المفارقات المضحكة المبكية في المثقف العربي، أن شهدت البلدان المتقدمة كما المتخلفة نماذج إما عكست الانحياز العضوي التام من المثقف إلى جانب الجمهور، حتى أولئك المثقفين النقديين اللا منتمين إلى شرائح اجتماعية محددة وقفوا مع كافة القيم الأخلاقية والإنسانية، ودافعوا عن حقوق البشر الأساسية وحرياتهم العامة. أو أبانت تحالف بعض المثقفين الغربيين مع السلطة، تحالف أفضى إلى بناء الدولة الغربية الحديثة بشكلها الحالي، وهو ما أدى إلى انتهاء دور المثقف العضوي في الغرب، أو أصبح دوره هامشياً، بسبب التطور الهائل التقني في مختلف القطاعات.
 بيد أن المثقفون العرب ما زالوا يرزحون تحت أعباء تخلف الواقع التي تتراكم، ولا زالوا يعانون من عجزهم عن إجراء مقاربات لأسئلة النهضة والإصلاح من جهة، وتوحش الآخر الغربي من جهة أخرى. فلا هم استطاعوا الوقوف التام مع شعوبهم، حتى أولئك الذين زعموا في يوم من الأيام أنهم مثقفو الجماهير، رفضهم الشعب ولم يقبل وصايتهم. ولا هم تمكنوا من ابتداع اختراق للعلاقة مع السلطة لمصلحة قيم المواطنة وبناء دولة المؤسسات.
أزمتنا يسببها المثقف العربي -بمعظمهم- الذي يؤمن أن دوره هو تقبيل اقدام السلاطين، وتمجيد الحاكم. كارثتنا في الثنائيات المتضادة، مع هؤلاء الذين لا يرون خلاصاً إلا بنقل الفكر والحداثة الغربية، وأولئك الذين يظنون أن الكرب والضائقة التي تعيشها الأمة لا سبباً لها سوى الغرب وأطماعه ومؤامراته على المنطقة. هذه الثنائية وغيرها ما يضع الشعوب والمثقفين ومستقبل المنطقة في مأزق فكري أخلاقي حضاري، فإذا كان الغرب هو سبب جهلنا وتأخرنا، كيف يكون هو ذاته منقذنا؟ إنه تحدي مصيري يفرض إعادة تشكيل دور المثقف وتحديد وظيفته. إننا ببساطة نحتاج المثقف العضوي التنويري الذي يتمكن من إدارة الأزمات المستعرة في منطقتنا ويفككها بموضوعية وعقلانية، لا المثقف الانفعالي الذي ينتج الأزمات والحرائق.
 
 

6
أدب / يتواطأ غيمكَ وكدري
« في: 17:50 24/08/2018  »

يتواطأ غيمكَ وكدري


حسن العاصي




هكذا انتهى سخاء الماء
دخل البحر إلى الكهف آمناً
والدروب انتعلت أقدام الراحلين
منذ كان حقلاً يرقب السحاب الهزيل
كلما خرج الملح من الرمل
كنتُ شجرة كسيحة مسفوحةً
عارية الجذر
لهذا كبرتُ في درب الفراشات
ونَمَتْ قربي الحكايات في الأغصان الضيقة
لأن النهر البعيد ابتلع وجه الغيم
لم يكن بيدي بعض أمري
قالوا ارفعْ هذا السديم المندفق
اعبرْ قاع البحر
واقرأْ ما تيسّر لخمس غيوم
يخرج لك من فيض الكتاب
موسماً يتدانى لا ينتهي لا يموت
تعثرتْ أصابعي بأجفاني لذا
رحلتُ بالوقت الهادر
هجرتكَ مُرتشفاً اليباب
حيث لا جدران لا سدود لنهر الجنون
كيف الحال يا والدي؟
هل اعتدت الموت أم تحيطكَ الأبواب؟
أما زلت تبسط جناحك كلما همدَ العشب
فوق أرق الحجارة؟
وكيف تقتات وحدتك يا أبي كل عتمة
حين تغادركَ الطيور العابرة؟
ولمن تُطعم قلبك الآن؟
أتذكّر حين كنتُ أنا صغيراً
مثل مهر بريّ أعدو
وأنتَ تصيحُ وتقيّد المروج
لكنني لا أترجل عن زمام الحلم
تحاصرني بالسوط حيناً
وإغلاق العشب أحياناً
وأنا أعاند جواد حكمتكَ أشاكس الساقية
لا يلجم عجيج دهشتي سيل الحَنقَ
قالوا ابنك مجنون
كثيراً ما يقولون
للنهر الصغير صوت الحملان ولون العصافير
وكثيراً كثيراً ما كان يمتد غصني ريحاً حانية
تلامس ضفة الصبح السحيق
وأنتَ كما أنتَ منجل لطيش الصغار
كيف حالكً يا أبي
أظنكَ الآن في مجلسكَ يصغي أصحابكَ
تسرد أنتَ أسرار الأسفار ونشوة الموت
تضحك وتسوّي نظارتك
يقولون قلوب الأصفياء تظل تخفق بعد الموت
حيث لا فرار من المرايا النضرة
جزيلاً انتظرتكَ ربما دهراً لألقاك عابراً
غزير هذا الرمس وحزين
كما الأنهار تعوم وتطفو
كلما اكتظ السحاب بأطياف العابرين
يملؤني وجهكَ يلامس تعبي
يتواطأ غيمكَ وكدري نبت من علقم
يا أبي
أحدثكَ قليلاً عن شرفة هذا الضنك
أو الأرصفة الهامدة
كشجر كسيحة مسفوحة عارية الجذر
أموت عابراً كل يوم درب الليمون
وراء كل باب أخالكَ
أذرع سواد العمر
أفرّ منكَ وأنت الطريق
أطوي مسافة الصِبا
وأجدكَ خلفي تسير
أي نهر يفضي شجره إلى هذا الاختلال؟
قد أسرفتَ في سخطكَ مرة
حين كان فرسي دونما ساق
ومرة في هجركً أوغلتَ
لم أجدكَ مرة بجهش الشدة
ولا في الفصول المقيّدة
لكن برحيلكَ مكث الضباب على عيون الضحى
يدفعني الخواء لتخوم التشظي
هاكً لوني وكفّي وصوتي
ومسافة الحياة
شيّد بجوارك لي بيتاً بلا جدران
حين ينغلق الماء فوق قيظي
وتهطل التفاصيل الضريرة
آتيك ممتطياً حصاناً خشبياً
مقيماً لا عابراً
ساكناً لا ثائراً
كي يأنس قلبي من التعب



7
أدب / سوى غريب عابر
« في: 15:59 07/08/2018  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

سوى غريب عابر

خلف بياض البحر
ترقبت صوت العصافير
فاض الموج فراشات
وضجر الماء من الألوان
لا مهرب للرمل المرتبك
تعثرتُ بتقاطيع الضوء
وجذبتني مراكب الغرباء
من يقظة الحكاية
إلى هاوية السبات
سألوني عن زهرة الريح
وعن الأسماء المبعثرة
كانت طلاسم الصور تتناثر
وتمتد خراباَ ووعداً
قالوا كيف ننجو
ليس لنا سوى مصيدة مبتورة
والطيور نوافذ ضريرة
معقودة على سور المدينة
وحده مقام الصبح
ينبئ باللوز الأبيض
في أعمق عزلة سوداء
خرجتْ عيناي من أنفي
وانتفض جناح العشب الجاف
فوق أوصال الصمت
ما تعلمت الكتابة
أقدام القلم توسّدت حجر
لم أتعلم يوماً القراءة
قد ترهل المطر الكئيب
وأغلقت الغابة الوعود
من جبِّ العتمة الراقدة
صوتاً مسمارياً يصيح
أكتبْ الشفق العابر
لا تتعجل الرحيل
يلتوي عنقي قبل شفتاي
قلتُ ما أنا بخاط
لست سوى غريباً عابر
جئتُ من خلف الخزامى
ولا أعلم موعد القيامة
وصلتُ في شتاء أعمى
كان السواد يقشّر الساقية
والعجوز يصرخ
قلت لك أكتب اللوح البالي
تختمر الصور فوق الحطب
وماء الوعد يهزّ الأوراق
ياقومي لست بكاتبٍ
ما أنا سوى غريباً عابر
كنتُ صغيراً هزيلاً مبتسماً
حين كبرتُ أصبحتُ تلاً
من عشبٍ كثير
يرقص فوقه التائهون
صرخوا بضُغاء
أكتبْ ترتيل الغيم
وصفحاته الحبلى
ركلتُ بقدمي وحل الغرباء
علا صوتي مرتجفاً
لا أعرف الكتابة
قبل أن تدنو العربة
 من زحام الغبار
قضموا أصابعي
وفقؤوا عيناي
قالوا أكتب
ضحكتُ .. قالوا مجنون
لايمكنك الكتابة
ولن تستطيع
لأنك غريب عابر
أصبحتَ ميتاً


8
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

العرب والتنوير  ..خلط الزيت بالماء وشقاء الأمة

وأنت تطالع كتب التاريخ تنبهر بصفحات مشرقة من تاريخ العرب والمسلمين، تجد مراحل عاشها أجدادنا وكانت منارات في مختلف العلوم التطبيقية والإنسانية والرياضيات والموسيقى والفلك والترجمة، إنتاج معرفي علمي استعان به الغرب ونقل عنه المعارف وقطف ثمار العصر الذهبي للعرب والمسلمين، مما مكنه من شق طريقه نحو التطور والحداثة، بينما نحن أهدرنا هذه الإنجازات في غمرة الصراعات السياسية والاحتقان المذهبي والتعصب الديني والاقتتال الطائفي.

ماذا حصل؟
الأمة العربية والإسلامية دخلت العصر الظلامي حين دمّر المغول بيت الحكمة في بغداد العام 1258 ورموا أمهات المخطوطات العربية ونفائس كتب الطب والفلك والرياضيات في نهر دجلة. وقتل جيش هولاكو أكثر من 200 ألف مسلم حسب بعض التقديرات. وأفضى سقوط بغداد إلى سقوط الخلافة العباسية، بعد تدمير كافة المنشآت العمرانية الحضارية لمدينة بغداد، وقتل الخليفة المعتصم. ومازال العرب يعيشون في العصور الوسطى رغم كافة مظاهر الحياة العصرية التي تحيط بنا.
كان العرب في عصر النور فدخلوا في عصر العتمة، فيما الغرب خرج من هذه العصور الظلامية ليدخل عصر التنوير والتقدم. فقد شهدت أوروبا تحولات فكرية كبيرة في القرنين الخامس والسادس عشر نتيجة الإصلاح الديني الذي تم في النصف الأول من القرن السادس عشر، ثم بسبب الحركة النهضوية التي تمثلت في ترجمة الآداب اليونانية والرومانية، ثم الاكتشافات العلمية الكبرى التي حصلت في ذلك العصر. ثم راح فلاسفة عصر النهضة يهتمون بفلسفة أفلاطون أكثر من أرسطو من أجل تحجيم هذا الأخير الذي كانت أفكاره وفلسفته تتبناها الكنيسة المسيحية. ودخلت أوروبا العصر الحديث التنويري الذي دشّنه عصر النهضة نحو عام 1500 ومستمر حتى يومنا هذا.
فما هو هذا التنوير السحري الذي غيّر المسار التاريخي لأوروبا، ونقلها من حالٍ إلى حال.
عرف العصر الذي ظهرت فيه الأفكار الفلسفية التنويرية في فرنسا بأنه عصر الإيضاح، وفي ألمانيا سمي عصر التنوير، الذي هو في الأصل مصطلح انجليزي كان مرتبطاً بالانتلجنسيا " Enlihtenmen". وللتنوير كمصطلح فلسفي كثير من التعريفات جميعها تصب في سياق مفاده أن العلوم والثقافة والتنوير قادران على تعديل الحياة الاجتماعية، حيث تتولى العلوم المختلفة تطوير الجوانب العملية في المجتمعات، بينما الثقافة تطور المعارف والعقل والقدرة على التفكير المستقل.
الفكر التنويري يدعوا العقل للتمرد على حاله ليخرج من وضعية القصور التي تسبب له عجزاً عن الاستعمال الأمثل للعقل إلا بوصاية من آخر، وبهذا فإن الإشكالية لا توجد في العقل إنما في صاحب العقل نفسه الذي يتسم غالباً بالجبن أو الكسل أو الاتكالية، والذي يقبل بمبدأ الوصاية على عقله.
التاريخ البشري يعلّمنا أن الممالك – وربما الأمم أيضاً- تولد وتموت، مثل البشر أنفسهم، يولدون ضعفاء بلا حول ولا قوة، تشتد سواعدهم في مرحلة الشباب، ثم يُحسب لهم في مرحلة الرجولة، إلى أن ينتهي بهم العمر بالوهن والضعف والخرف في مرحلة الشيخوخة، التي نهايتها الموت الطبيعي الذي ينسجم مع صيرورة الحياة. وهناك أمم عظيمة لا تفنى. أوروبا التي نتغزل بمكانتها وديمقراطيتها وتنويرها الآن لم تخرج عن هذه القاعدة، وهي ذاتها التي كانت مستنيرة في العهد الإغريقي والروماني، ثم دخلت مرحلة الانتكاسة الفكرية في القرن الخامس، ثم عانت من العصر الظلامي بعد انهيار الحضارة الرومانية وانتشار الأفكار اللاهوتية، ولم تبدأ فيها مرحلة التنوير الحديث إلا في نهاية القرن السابع عشر في إنجلترا ثم في فرنسا وألمانيا وبقية الدول الأوروبية.

التنوير في المصطلح والمفهوم والدلالات
حين سئل الفيلسوف الألماني " إيمانويل كانت" عن التنوير قال بما معناه أن يتخلص الإنسان ومجتمعه من القصور العقلي، أي عدم المقدرة على قرارات دون موافقة الأوصياء على المجتمع، الذين يستفيدون من استمرار انتشار الخرافات والأفكار السطحية وأثرها على عامة الناس.
"كانت" نفسه كان قد أصدر عمله الشهير "نقد السبب النقي Critique of Pure Reason" في العام 1781 وهو من أهم المؤلفات في نقد الفكر الغربي، شرح خلاله "كانت" كيف يتفاعل السبب والتجارب مع الفكر والفهم.
كان "ديموكريتوس" الإغريقي " الجد الكبير لليونانيين" هو أول من قال بأهمية تحكيم العقل ونبذ الخرافات، إذ أنه شجع الناس على معرفة محاسن التشكيك بالأفكار القديمة لتحريرها من المفاهيم الوثنية لأنهم يخشون الآلهة.
التنوير كمصطلح فلسفي ظهر عبر افراد ومجموعات كحركة اجتماعية ثقافية فلسفية، تدعوا إلى استخدام العقل والمنطق في تفسير الأشياء، ونبذ الفكر الذي يعتمد على الخرافات، وكذلك رفض الوصاية على المجتمع الذي كانت تفرضه الكنيسة ورجال الدين. التنوير في اللغة هو النور والضوء، جعل الفكر متنوراً، تحرير العقل من الوهم أو الاعتقاد الخاطئ، وكذلك الإرشاد وتبيان الأمر على حقيقته.
دلالات مصطلح التنوير متعددة، أهمها تحرير العقل من أية قيود بهدف تطوير فاعليته، ومنها دلالات تشاركية مع المناهج والنظريات الفلسفية الأخرى، والتنوير هو أحد أهم الشروط لإجراء تغييرات في المجتمع لنقله من حالة التخلف والانغلاق إلى وضع يحقق فيه تقدماً حضارياً ينعكس بشكل إيجابي على واقع الناس. وهو مصطلح أكثر شمولية بدلالات معرفية ثقافية من مصطلح العقلانية الذي يمتلك دلالات معرفية.
هي العقلانية التي انتشرت في أوروبا في أواخر القون السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر وأخرجتها من عقلية القرون الوسطى التي تهيمن عليها تعاليم الكنيسة، وأنظمة الحكم الملكي المطلق، وطبقة الإقطاعيين. والتنوير الذي حرر الإنسان الأوروبي عبر ثورات أدت إلى إقامة أنظمة حكم علمانية فيما يتعلق بموقفها من المجتمع، وهي أنظمة رأسمالية في تعاملها الاقتصادي، وهي ليبرالية في الموقف من الدولة ومؤسساتها، وبناء مجتمعات ديمقراطية. الفكر التنويري أعطى الأوروبيين درساً مهماً أن الواقع -أي واقع كان- قابل للتغيير إن توفرت الإرادة والكادر والظروف والرؤية، وأن الطبيعة – مهما كانت قاسية- يقهرها العلم والمعرفة.

ألم يعرف العرب التنوير؟
 التنوير التي كان له الفضل في إخراج أوروبا من ظلاميتها إلى عصر النور، حيث غلب العقل والمنطق الأفكار الخرافية، هذا التنوير لم يكن جديداً كلياً بظني، حيث أنه وجد كومضات قدرية تاريخياً، حيث يشهد التاريخ الإسلامي أن إخوان الصفا والمعتزلة طالبوا بتحكيم العقل وتقديمه على النقل في العصر العباسي. لكن التنوير في أوروبا والذي حصل في القرنين السابع والثامن عشر كان منظماً في حركة قوامها العلماء والفلاسفة والمثقفين، وترافق – وهذا الأهم- مع نهضة صناعية مادية ضخمة قطعت الحوار الذي كان جارياً لمصلحة التفكير العلمي ورفض الفكر اللاهوتي والخرافي والجدلي.
ولنا في تاريخنا نماذج، منذ تجربة المعتزلة الذين تناظروا مع الملحدين ومع أتباع بقية الديانات في احترام وفندوا أفكارهم بالحجة والدليل. مروراً بتجربة الأندلس وبروز مفكرين لمعوا في ميادين العلم والمعرفة "ابن رشد، ابن فرناس، ابن حزم، ابن عربي" الذين قدموا رسالة معرفية تجاوزت الدين والجنس والعرق واللون، حيث كانت رسالتهم للإنسانية جمعاء، وصولاً إلى روّاد النهضة العربية الحديثة مثل "رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التّونسي، وبطرس البستاني، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الافغاني، وغيرهم"، إلا أن الظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت في المنطقة العربية بدءًا منتصف ثلاثينيات القرن العشرين أدت إلى كبوة المشروع النهضوي العربي، وانحسار الفكر التنويري.

التجربة التنويرية العربية الحديثة
في التجربة العربية لم يتكون تيار تنويري بمعنى المفهوم، ومعظم التنويريين العرب متمسكين في ضرورة وصل القطع التاريخي الذي يظنون أنه حصل في الماضي، قسم من التنويريين يؤمن بأن العرب لديهم تاريخ فيستشهدون بفكر المعتزلة ليعتزوا بأن الغرب ليس أفضل منا، وأظن أن هذه الإشكالية جعلت من مستقبلنا يتمترس خلفنا لأن بعض التنويريين العرب رغب في منافسة الفكر الغربي لكن بدون رؤية استشرافية، وهيّأت لظهور "التنوير الأصولي" الذي يستعين دوماً بكل ما هو قديم من أجل بناء الجديد، وكأن المثقف التنويري العربي يخشى الإبداع والمغامرة – زكي نجيب انتهى به المطاف أن ينشغل بالتراث- وكأن بعض الأسماء الحداثية لم تكن تستطيع أن يكونوا خارج إطار الفكر المحافظ – طه حسين أنكر كثير من الأشياء في الطبعة الثانية كان قد قالها في الطبعة الأولى من كتاب الشعر الجاهلي-.
حاول عدد من التنويريين العرب اختبار نظرياتهم الإصلاحية في الواقع، لكن ضمن ما هو متاح لهم، باعتبار أن أية محاولة للإصلاح الثقافي في العقلية والتركيبة النمطية سوف يعرّض جملة القيم الموروثة والمسلمات لدى المجتمع للهز البنيوي، وسوف يحتاج هذا الإصلاح إلى التصدي لكل ما يسبب الجهل والتخلف بالنقد والعمل على تقويمه وتغييره، مما يساهم في نهوض الواقع العام في هذا المجتمع أو ذاك.
العمل الإصلاحي يضرب البنية المحافظة وكل فكر جامد لا يستجيب للتطورات الطبيعية للسيرورة التاريخية. يجري هذا في إطار عمل تجديدي ابتكاري وإبداعي.

معركة شقاء
وبظني أن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى فشل مشروع النهضة والإصلاح العربي هو تحول مفاهيمه وشعاراته وكوادره من الفكر البراغماتي إلى الفكر الأيديولوجي بهدف التصدي للمشروع الاستعماري الامبريالي الغربي، وذلك عبر أيديولوجية إسلامية تارة، وماركسية تارة، وقومية تارة أخرى، ثم انقسم المفكرون الإصلاحيون إلى فئة تبنت بالكامل الفكر والحضارة الغربية، وفئة أخرى رفضت بالكامل هذا الفكر، فأورثونا فشلاّ في التجربتين.
ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لغاية يومنا هذا والجميع يتساءل عن أسباب انطفاء جذوة الحضارة العربية والإسلامية، وعن سبب هذا الانقلاب على تاريخنا لدى بعض النخب الفكرية العربية، والتهليل للتقليد وإشاعة الجمود الفكري والانحطاط الثقافي. والكل يبحث عن العوامل التي أدت إلى حالة من تكلس العقل العربي لدرجة تقديم استقالته من أي نشاط تفكيري. وكيف وصلنا إلى هذا الحال من الجهل والتخلف وحولنا الأمم تحقق إنجازات حضارية، وهناك من يتساءل عن عدم مقدرة القوى والأفكار التنويرية الحداثية حسم معركتها مع القوى المحافظة والأصولية.
نحن نعيد طرح هذه الأسئلة لأننا نؤمن بأن عقل الأمة لا بد أن يستعيد عافيته ورشده كي يتمكن من رسم مساراً جديداً مختلفاً كلياً بالمعنى التاريخي، ويعيد النظر في المسلمات سعياً لولادة نهضة تنويرية عربية حديثة.
ومن المفكرين العرب من يؤمن بأن المشروع التنويري العربي لم يفشل، بل تعثر وهو قادر على تجاوز عثراته، إلا أنني أظن أن الأسماء التي قادت الحراك التنويري في العالم العربي خلال القرن العشرين، وصل بها الحال إلى أن تنقسم على نفسها، تيار سلفي يؤمن بكل ما هو قديم منذ ظهور الفكر الإسلامي، ويرفض كل ما هو حداثي وعصري. وتيار تنويري يرفض كل ما هو قديم ويؤمن بالأفكار والقيم الحديثة، ويظن أن الحل هو في التمثل بالحضارة الغربية التي حققت رقياً وبنت حضارة عجزنا عنها. وبين هذين التيارين من المفكرين ضاعت الأمة وعاشت -ماتزال- في شقاء.

هل فشل المشروع التنويري العربي؟
إن بعض التنويريين العرب انشغلوا في الفكر النظري وغرقوا في التفاصيل، دون أية محاولات تطبيقية عملية لهذه الأفكار في الواقع المعاش. لقد كان المشروع التنويري العربي مشروعاً نخبوياً بالكامل، ولذلك ظل معزولاً ولم يتجذر في عمق المجتمع، وأبداً لم يتحول إلى مشروع شعبي لأنه افتقد الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية المناسبة، وظل ضمن دائرة ضيقة من المتنورين. لذلك نعم فشل التنوير في الوطن العربي، ولم تتاح للمثقفين العرب من تحويل الفكر التنويري إلى فكر جماهيري، حتى أن الفكر الاشتراكي فشل اليسار التقدمي في نقله وجعله قابلاً للحياة في مجتمعاتنا، وأظن أن التحديث والتقدم المادي في العالم العربي كان مفصولاً عن التطور العقلي، فعلى سبيل المثال قام العرب بإرسال الطلاب لتعلم العلوم المادية والتطبيقية والصناعية في الغرب، لكنهم لم يرسلوا احداً لتعلم الفلسفة، وهذا ما أدى إلى فشل مشروعهم المادي، لأنهم حاولوا -بمعرفة أو جهل- فصل العقل عن المادة.
يمتك العرب من الثروات ظاهرها وباطنها، ومن الكوادر العلمية والثقافية والاقتصادية ما يجعلهم في مكانة أفضل من الواقع الحالي، وتؤهلهم لمشاركة فاعلة ومهمة في بناء هذا العالم. لكن كما تعلمون فإن هذه الثروات في معزمها مهدورة ومبدّدة أو مقيدة، وهذا يفسر الفشل الذريع في نهضة المؤسسات الحكومية في معظم الدول العربية، هنا يظهر دور المثقفين وخاصة ذوي العقول التنويرية وثقافة قادرة على التغيير، فالإصلاح الثقافي هو حجر الاساس لأي إصلاح بنيوي شامل، وهو الذي يبني الدول ويضعها في طريق التطور الديمقراطي.
يمكن بناء العقل إما بالعودة إلى ما هو قديم لمحاولة إحياء ما يصلح من عناصر قديمة وإعادة صياغتها من جديد بشكل معاصر، بما يتلائم مع كافة المتغيرات التي أصابت العقل وبنا يتناسب مع المناخات والظروف الحالية في الواقع الراهن، والتي تختلف جذرياً عما كان عليه الحال حين لإن إنتاج هذا القديم. وإما بناء العقل من خلال العقل الحداثي الغربي، واستخلاص ما يتناسب منه مع الحال الراهن للعقل العربي، بحيث يمكن له الخروج من حالة الجمود والاستعصاء المزمن. أو من خلال الاعتماد على الإنتاج المعرفي الخالص لبناء العقل العربي، دون الاستعانة بفكر الآخرين، مع مراعاة الاحتفاظ بالعناصر والخصائص الموروثة الضرورية والتي لابد من التمسك بها لبناء عقل عربي يأخذ بالحسبان حقائق التطور والحداثة.

حالة عربية لا عقلانية
غياب الديمقراطيات العامة في الوطن العربي أتاح للعنف أن ينتشر، والعنف مظهر يؤكد غياب العقلانية في العلاقات، عدم مقدرتنا على تقبل فكرة الاختلاف لأننا نظن بامتلاك الحقيقة كاملة، وبالتالي تغيب المقدرة على إمكانية الاختبار طالما الحقيقة يمتلكها طرف ويحاول فرضها على الآخرين بالعنف. هذا يحصل في غياب شبو تام لدور المثقف العربي الحقيقي الذي يمتلك المقدرة على خدمة محيطه الاجتماعي بما يحقق تقدمه وتطوره في سياق رؤية إصلاحية، لكن حين يتحول المثقف إلى حالة هلامية تنضح نرجسية وأنانية فقل على البلاد السلام.
مناهج التعليم العربية التي تعتمد على التلقين وليس على تحريض العقل ومدارك الطلاب، هذه المناهج تقتل الإبداع والابتكار عند الطلاب العرب الذين يولدون أذكياء حتى يلتحقون بالمدرسة التي تقوم بعمليات تعليمية ترسخ الواقع العربي المقيت، بنمطية لا يمكن معها احترام فكرة الفردية والخصوصية في التعلم التي تنمي الخيال وتشجع على مقاربة علمية للتنافس بين الطلاب القائم على فكرة أنني حتى أتفوق فلابد من هزيمة الآخرين.
وظل الفكر التنويري العربي يحضر فقط في شعارات بعض المفكرين، وخطابات بعض المثقفين، وعلى شكل دراسات أكاديمية الغاية منها الحصول على درجة علمية، لكن هذا الفكر بقي مهملاً دون تطبيق ودون تجربة ومن غير توفير فرصة الاختبار.

فك اشتباك
بظني أن العرب على موعد مع الفكر التنويري الذ ي ما زال يتعثر، والحديث عن التنوير العربي يقودنا للتطرق إلى المشروع النهضوي العربي الذي غاب عن المنادين به أهمية ريط هذا المشروع بالمعرفة والعلم والعقل والتقنيات الحديثة، وعدم الاكتفاء بالتركيز فقط على العلاقة الاستهلاكية مع الغرب. إن قدرة العرب على ملامسة ملامح المشروع النهضوي الإصلاحي التنويري العربي تتوقف بشكل أساسي على حسم حالة الاشتباك القائمة بين السلفية والقيم التقليدية والنظم المحافظة، وبين قيم الحداثة والعصرنة والتطور، وهي حالة من الالتحام ما زالت قائمة ثقافياً وفكرياً وسياسياً في العديد من الدول العربية. لابد لنا من معرفة ذواتنا ومحيطنا وواقعنا بهدف إزالة كافة العقبات أمام مشروع إصلاحي عربي يحقق علاقة سليمة بين المواطن والنظام السياسي بما يضمن مشاركة المواطنين في إدارة شؤون حياتهم، ويوفر ممارسة ديمقراطية تحافظ على حقوق الناس الأساسية التي تم هدرها والتغاضي عنها طوال عقود من الحكم الاستبدادي في معظم الدول العربية، فلا سبيل إلا بالخروج من حالة الكبت السياسي، ومن وضع ثقافة الحاكم القسرية، ثقافة الاتباع والإلحاق والامتثال الجبري، ثقافة الخوف من السلطة ودفن الرؤوس في الرمال، ثقافة لا يمكن أن يكون عليه الحال أفضل مما هو عليه، الثقافة التي تشجع الأنانية والفردية وتضرب الانتماء للجماعة وللوطن. نحتاج إلى ثقافة مغايرة، ثقافة إبداعية تغييرية، ثقافة تسعى إلى تطوير القيم الأخلاقية والإنسانية، ثقافة تدعوا وتحترم حرية الاختيار، تحترم وتصون الحق في المشاركة والحق في الاختلاف دون خوف.
نحن أمام ثقافتين في الواقع العربي، ومن يمتلك سلاح العلم والمعرفة والاتصالات، من يمتلك الإنتاج الثقافي والعلمي والمعرفي، من يستطيع تطويع الأيديولوجيات في خدمة الثقافة وليس العكس، من يستطيع أن يجعل من الثقافة قيمة تخدم مصالح الناس وتطور مجتمعاتهم، من يمتلك هذا سوف يكون الطرف الرابح في معركة التجاذبات القائمة حالياً.

تفكيك الجدار هذا ما نحتاجه
المشروع التنويري العربي مازال ينتظر خلف جدار من المعيقات التي تمنع تحقيقه، وهي الجمود الفكري، والتكلس العقلي، سيطرة ثقافة النصوص وتراجع العقل التحليلي والاجتهادي إلى مراحل خطرة، أيضا من المعيقات الانغماس الفكري في التراث القديم لدرجة تقديسه وهيمنة الخرافة والاساطير على بعض العقول، وانتشار النزعات التواكلية واللا مبالاة مع تراجع مخيف للإبداع وللمبادرات الفردية، شيوع الأنانية والنرجسية لدى قطاع واسع من المثقفين العرب، تضخم بالنفاق الفكري والسياسي، وجود ثقافة تبريرية لكل شيء، انتهازية ثقافية وسياسية واجتماعية واسعة، غياب ثقافة المواطنة، لا وجود لدولة المؤسسات، وهيمنة المفاهيم والأعراف الاجتماعية والقيم العشائرية والطائفية والمذهبية على حساب القيم الوطنية والإنسانية والحضارية والقانونية، عدم تقدير الكفاءات في مختلف القطاعات، وانتشار المحسوبيات والواسطة، احتقار الإنتاج الوطني مهما علا شأنه وتقديس أي إنتاج وافد على بلادنا مهما صغر شأنه، شيوع نزعة التقليد للغرب في كل شيء دون معرفة ودراية بالثقافة الغربية، وجود ثقافة لا تحترم الموروث وتدعوا إلى تبني ثقافة الآخر دون شروط ودون مراجعة ودون احترام خصوصية واقعنا، ثقافة هيمنة القيم والأنماط الاستهلاكية وتفشي النزعات المادية والغرائزية، والأنانية المفرطة، والتحلل غير المفهوم والعشوائي من منظومة القيم المجتمعية.
نحن نحتاج إلى بناء مراكز أكاديمية ومراكز أبحاث كبيرة، لبناء المؤسسات التربوية والتعليمية الوطنية وعلى المستوى الجمعي، للبدء في بناء مشروع تنويري يقوم بتعزيز الشخصية الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية للأمة العربية، مشروع لا يستثني أحداً من مكونات المنطقة من مختلف الأعراق والطوائف والمذاهب، يساهم فيه الجميع على قدر واحد من الحقوق والواجبات، في بناء مستقبل يضمن العيش الكريم للجميع في دولة المواطنة التي لا تفرق بين أبناء الوطن الواحد.
إننا نحتاج إلى المثقفين الذين يؤمنون بالممارسة وليس الملامسة، للبدء بمشروع نهضوي عربي يعتمد النقل والعقل والعلم- بقيادة العلم-، يبني الدولة العصرية التعددية المؤسسية، والقضاء على الفكر المطلق والأيديولوجية الشاملة، معتدين على جيل عربي شاب قوي وذكي ويستعمل وسائل اتصال حديثة تطورت بشكل مرعب خلال ربع القرن الأخير. لذلك على المثقفين العرب والإصلاحيين والتنويريين الخروج من الغرف المغلقة والتخلص من والشعارات الخشبية كي يأخذوا دورهم المجتمعي الطبيعي في بدء حوار جمعي عقلاني حضاري هادئ بين جميع الأفكار لصياغة استراتيجية نهضوية جديدة، تكفل إعادة الاعتبار للعقل العربي وتوفر حياة كريمة لصاحب هذا العقل. فالدور المطلوب من المثقفين والمفكرين العرب اليوم هو لعب هذا الدور الريادي المهم في استنهاض جميع مقدرات الأمة، هذا الدور يقوم على المشاركة الحقيقية للمثقفين في التغيير، وعدم الاكتفاء برصد ومراقبة وملاحظة التطورات والمفاعيل التي تحدث في واقعنا العربي، خاصة في هذه الفترة الفارقة في تاريخ العرب، فإما نكون أو لا نكون.


9
أدب / أقطف سكون اليقظة
« في: 11:13 28/07/2018  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقي في الدانمرك

أقطف سكون اليقظة
 
1
في وتر أصابعي
أقطف سكون اليقظة
وأبحث عن صراخي
بخمسة أقواس
قبل أن ينزلق الغياب
إلى عمق الدروب

2
تقضم الرمال وجه الماء
وتتعثر الأشرعة
يشتد مخاض البحر
والزورق يفقد رشده
لكن وجوه العابرين
تغفو في عمق السكون

3
جوعى بلا خيل ولا طوفان
مثل اليتامى يستديم تعبهم
وخلفهم تقشر المرايا السوداء
قلب البلاد
وتنثر ملامح الضوء
على الطائرات الورقية

4
أمسكوا بالحجارة
ورجموها
ألقوا عليها صدأ الحكاية
وغواية الخوف
تواتر الناس والضرب
يتكور الجسد النحيل
يستلقي على الدماء
وجه قصيدة



5
منذ أن اشتدت
أشرعة النار
وسار موكب الحبق
صوب أقراط السواد
صرت أخشى المطر
والصبح أن يبصر
قلت أريد أن أنتظر
أن يغسل الليل صراخي
قالوا هذا ليس وجه القمر
إذا سألوك عن بحر سليمان
قل لا ماء فيه
وقل لم يمسه بشر
فإن نجا الفجر
واختزل الموسم مسافة العتمة
قل ما زال في ليلي سفر


6
يا مولاي
على ضفاف الوقت
تتلو الأغصان الثكلى
تراتيل الكتاب
يقيم الدراويش الطقوس الخضراء
وبقيتنا تطوف
حول سهم الريح المنكسر
قد كان للأحمر جبل
بسبعة بحور
لكن حين يمد النهر ظله
تقضم الغيمة رأسه
لا تبك يا مولاي
مازالت الشمس تستلقي
على البساتين
وجه رحيل
ومازالت السماء
في كل هبوط
تقفل أبوابها وتنام


10
أدب / موسم خارج الشجر
« في: 13:23 24/07/2018  »


موسم خارج الشجر


حسن العاصي

حين كان والدي شيخاً قوياً
لم أكن أعلم في فيض هبوب المطر
يذروني الفقد كالقفار
بلا ماء ولا كلأ ولا جدار
أن ساقيتي مبتورة
بقلبٍ يرقب مواسم الجفاف
وأنني كنت معلقاً من ساقي المجنونة
على درب السفر
ليس لي سوى حذاء كسيح
وفراشة ترابط قرب هامة الضوء
كنت أغفو مثل قط القرية
خلف قرميد الطاحون
حين تعلمتُ الخطو
انتصبتُ على ضفة النهر
كبتلة رمّان
تتعثّر بي فوانيس البيت
لتنجو من هلاك
تتآمر حماقتي ومكر الأشقاء
يكون نصيبي منها خيبات
تنبت صباراً فوق وسادتي
ويصبح خدي لوح تعليم
لسادة القوم
أجنحتي لم تألف ريش الأتقياء
فصرت ضالاً صغيراً منحرفاً
يستحق الجَلْد لمعصيته
لم أكن وجه والدي
فنصب لي كتاباً مقفلاً
أقرأُ فيه معلّقة الطاعة
صرتُ ألام كلما عانق
جسدي الطري السوط
ويكشف صراخي عورة القبيلة
تصبح المسافة بين الوجع والضلوع
طحالباً سوداء وأنفاً عنيداً
كنت أداوي بالأحلام ضعفي
في الغابة الكئيبة
أُطعم اصابعي لعصافير السرو
 أبحث عن وعد مغلق
كنت بسيطاً مثل الأطفال
وحزيناً مثل نوافذ الانتظار
أقام أبي الحدَّ عليَّ دهراً
لا أجنحتي أطلقتني
ولا دموعي طهرتني
لم أجد رملي
 في لون البستان ولكن
صادفني الشجن منكفئ على وجهه
حثَّ بي الخطى نحو ظمأ المروج
فما سر هذه العتمة الصغرى
ومن أين يأتي كل هذا اليباس؟
كنت مع والدي غريباً كسيحاً
في هذا الصقيع المتورّم
بقيت هنا غريباً إلا من بياض بليد
موسوماً على عزلة الحياة
تتسطّح الصور يا أبي
في المسافة بين عينيك واحتراقي
حتى يصبح الدرب رمادي البصر
لذلك هذا الحزن باقٍ
أعلّل الحزن بالحزن
ولا يترجّل قلبي
أنام ويظل مستيقظاً
ينادي في غفلة الأحلام
لا تلمني يا أبي
إذا ما ضاق غيمي
وتعثّر حقلي
أنا المنهك حد الخدر
أرنو إلى هامتك طفلاً
يحرس حلقات الضوء
أبصرُ خطّ النعش
وتعب العابرون
ولا أرى قبراً
يا أبي
من أين يبزغ الأرق؟
ولماذا تنتفض شروخ قلبي؟
وفي كل صدعٍ موطئاً لريح سوداء
هذا طيفكَ موشوم على ظلّي
يستمطر نحري متوثباً
حيث طفولتي المربكة تغتسل بالحمم
ضرير يا ربّي هذا الغيم
الرمل يطوف فيه والماء يغرق
والأحلام الصغيرة صارت
أفاعٍ بأجنحة يتعثّر الدرب بها
ما زلت أراكَ أبي في بقايا الأمس
حبلاً فاغراً حرابه يتأرجح
في كل ليلة تأتي في عتمة الوقت
تُطلق عصافير بحركَ
كيف لي أنا المنكسر بلا شاطئ
فارغاً كالعدم
أن أهدهد موجك الصاخب
لأنعتق من الخطايا
مثل نخيل الواحات
هكذا ذات عجاف
أغلق الشجر طيور التراب
وتعب البستان من عشبه
في حلكة العصف
رحل والدي إلى رقود طويل
لا زلت عند ازدحام الخطى قرب القبور
يخالط دمعي تراب المسافة
بين حنظل ضلوعي
وذاك الأفق المتدلي في الخلد
مثل قطوف لا تنتهي
أكرهكَ كنتُ وأحبكَ الآن
 وأعلم أنني واهن
وأن ليلي يختنق بقطرات تتدحرج
وغمّي لا يمضي
صرت أبكيك مرتين
ولا زال
 صباح وجهك يُبدي الاحتضار
لم يبقى يا أبي من الوقت
سوى موسم خارج الشجر
تتدلّى خطاه نحو كوة النور
كريحٍ حزينةٍ
بينها وبين سور المقبرة
موعد أغلق زمنه وظل ينتظر


11
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

اليمين الأوروبي المتعصب وسوسيولوجيا التطرف ..
هل تعود الفاشية؟

بالرغم من الانخفاض الشديد في أعداد المهاجرين واللاجئين الذين يصلون إلى إحدى بلدان الاتحاد الأوروبي خلال الشهور الأخيرة، حيث بلغت نسبة التراجع 94 في المئة عما كان الحال عليه في الأعوام الماضية وخاصة العام 2015 حين دخل حوالي مليونين لاجئ إلى دول الاتحاد كما صرح المسؤولين في البرلمان الأوروبي، إلا أن الضجة التي تثار حول ملف اللاجئين والمهاجرين لا تستكين، بل تحولت إلى قضية تجاذب سياسية بين مختلف الأحزاب الأوروبية يمينها ويسارها، وصلت إلى حد تحولها إلى أزمة باتت تهدد الوحدة الأوروبية ذاتها.
مع إن الدول الأوروبية فرضت قيوداً متشددة للحد من وصول اللاجئين إلى أراضيها بطرق غير شرعية، حيث تعتبر هذه الإجراءات هي الأشد والأكثر قسوة في تاريخ معالجة الاتحاد الأوروبي لهذه القضية، لكن هذا الملف تحول إلى مادة مثيرة لوسائل الإعلام المختلفة. ووجدت فيه الأحزاب اليمينية المتطرفة الذريعة التي تنتظرها كي توسع نفوذها وسط شرائح جديدة ومتعددة في المجتمعات الأوروبية، لأهداف انتخابية للوصول إلى البرلمانات، من خلال نشر ثقافة الخوف بين الأوروبيين من القادمين لسرقة وظائفهم، هؤلاء الوافدون من خلفيات عرقية وإثنية مختلفة وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي ويشوه الهوية الثقافية الأوروبية كما يدعون، والمغالاة في تصوير الخطر القادم من المسلمين عبر توجيه خطاب عنصري شوفيني من قبل قادة الأحزاب اليمينية المتطرفة في فرنسا وهولندا وإيطاليا، واليونان والمجر وبولندا وبلغاريا وبلجيكا، وبصورة اقل في ألمانيا والسويد والدانمرك.
حزب الرابطة الإيطالي العنصري يدعو إلى طرد نصف مليون مهاجر غير شرعي من إيطاليا، ويرفع شعارات "لن تصبح إيطاليا مخيم اللاجئين الخاص بأوروبا" وقال زعيم الحزب "سالفيني" الذي يشغل حالياً منصب وزير داخلية إيطاليا موجهاً كلامه إلى سفن منظمات المجتمع المدني المنتشرة في المتوسط والتي تقوم بإنقاذ المهاجرين في عرض البحر أن هؤلاء المهاجرين "لن يروا إيطاليا إلا في البطاقات السياحية" ودعا إلى تشكيل رابطة أوروبية موحدة تجمع الأحزاب اليمينية العنصرية في أوروبا للدفاع عن "شعوب أوروبا وحدودها" كما قال. وبالرغم من الانتقادات التي وجهت له ولسياساته حول الهجرة أكد أنه لن يتراجع عنها.

ما هي حكاية اليمين
اثناء الثورة الفرنسية في العام 1789 وفي إحدى اجتماعات الجمعية الوطنية الفرنسية، تم استبدال الجمعية بمجلس تشريعي، فجلس الرافضين للتجديد والمؤيدين للملك والمدافعين عن الدستور على يمينه، بينما جلس على الجهة اليسرى مؤيدو الثورة والمجددون.
لكن مصطلح اليمين واليسار بمفهومه الأيديولوجي لم يظهر إلا في بداية القرن العشرين، حيث تبلورت المفاهيم السياسية وأصبحت تصاغ بطريقة ممنهجة. فأصبح اليساريين يصفون أنفسهم على أنهم "جمهوريين" وصار اليمينيين يصفون حالهم "محافظين". خلال الحرب العالمية الأولى التي بدأت في العام 1914 أصبحت جميع القوى والأحزاب الاشتراكية والجمهورية والراديكالية في الجلوس بالجهة اليسرى للمجلس التشريعي الفرنسي.
يتبنى اليمين عادة الخطاب المحافظ الذي يدعو إلى إصلاح متدرج، مع المحافظة على كل ما هو عناصر موروثة، ويؤمن اليمين أن هناك فروقات شخصية واجتماعية بين البشر، ويعتنق أفكار تحارب التجدد، وترفع شعارات حرية الأسواق والتجارة والملكية الفردية.
بينما اليسار يؤمن بمفهوم العدالة الاجتماعية والمساواة، يعترف بالتقسيم الطبقي لكنه يناضل لأجل إلغائه، يدعو إلى التغيير والتجدد، وإلى وضع ضوابط لحركة الأسواق والتجارة.
اليمين ليس جميعه يميناً منسجماً، نجد اليمين إلى يمين الوسط واليمين المتطرف. يعرف عن يمين الوسط تبنيه لبعض السياسات الاجتماعية، وانفتاح محدود للتغيير في حدود ضيقة، إذ أنه ليس يميناً محافظاً بالكامل. فيما يتعلق باليمين المتطرف فإنه يغالي في خطابه الذي يعتمد في الأساس على مبادئ اليمين المحافظ.
أيضاً لليسار تصنيفات، هناك يسار الوسط الذي يتبنى بعض السياسات الليبرالية، واليسار الراديكالي الذي يؤمن بالصراع الطبقي وضرورة التغيير الجذري.
بعض المفكرين الغربيين يعتمد تصنيف الأحزاب الأوروبية إلى " شيوعية، اشتراكية، خضراء، ليبرالية، ديمقراطية مسيحية، محافظة، يمين متطرف" ارتباطاً بالموقف من ملكية وسائل الإنتاج، والموقف من الأوضاع الاجتماعية كمقياسين أساسيين. وهناك من يعتمد معايير تقسم الأحزاب بناء على موقفها من الفرد أو الجماعة، مثل " الليبرالية الفوضوية واليمين المسيحي"، إلا أن أكثر التقسيمات شيوعاً هي التي تعتمد على تصنيف اليمين واليسار والتفرعات بينهما.
اليمين المتطرف، هو ما توصف به بعض الأحزاب الأوروبية التي تتقاطع فيما بينها في عدة نقاط أهمها إظهار العداء للمهاجرين، وسعيها لوقف الهجرة إلى الدول الأوروبية، حيث أن هذه الأحزاب تعتبر ان هؤلاء المهاجرين يهددون الهوية القومية الأوروبية – وهذا الموقف يتعلق برؤية هذه الأحزاب للإسلام والمسلمين الذين لا يؤمنون بعلمانية المجتمعات الأوروبية- وكذلك يتهم هذا اليمين المهاجرين أنهم السبب الرئيسي وراء ارتفاع معدلات الجريمة وانتشار الجريمة، وأنهم يستغلون مزايا الرفاه الاجتماعي المتوفر في الدول الأوروبية دون أن يقدمون المقابل.
وتشترك هذه الأحزاب فيما بينها برفضها لسياسات الاندماج الأوروبية، وتعارض تشريع القوانين الديمقراطية الاجتماعية المدنية، وتدعوا إلى تخفيض الضرائب، والتشدد في العقوبات في مواجهة الجريمة، وهي لا تبدي اهتماماً بقضايا البيئة، ولديها موقف عدائي من الأقليات والأعراق الأخرى.

أهم الأحزاب الأوروبية اليمينية المتطرفة
 حزب الجبهة الوطنية الفرنسي:
بزعامة "مارين لوبان" ابنة مؤسس الحزب "جان ماري لوبان". الحزب تأسس العام 1972، وحقق في الانتخابات المحلية الأخيرة العام 2017 على ما نسبته 25 بالمئة من الأصوات.
حزب من أجل الحرية الهولندي:
أسسه المتطرف "جيرت فيلدرز" العام 2006 الذي أنتج فيلم "فتنة" المسيء للإسلام. حصل الحزب على 24 مقعداً برلمانياً من أصل 150 في انتخابات 2010، وله 5 مقاعد في البرلمان الأوروبي.
 الحزب الوطني الديمقراطي الألماني:
تأسس في العام 1964، وينشط في الولايات الشرقية، وفي العام 2013 تم تأسيس حزب "البديل من أجل ألمانيا" الذي حصد سبعة مقاعد في البرلمان الأوروبي العام 2014. وظهرت حركة "بيجيدا" محتصر لاسم أوروبيين وطنيين ضد أسلمة الغرب.
 حزب الاستقلال البريطاني:
تأسس كحزب مناهض للاتحاد الأوروبي العام 1993 وهو معروف باسم "يوكيب". وحصل على مقعد في البرلمان البريطاني في العام 2014 ويتزعمه "نايجل فاراج".
حزب رابطة الشمال الإيطالية:
حزب سياسي إيطالي، يتطلع إلى فصل منطقة بادانيا بشمالي إيطاليا، معروف بنزعته العنصرية، وعداوته للمهاجرين. تأسس الحزب في العام 1989. معروف بعدائه الشديد للمسلمين.
الفجر الذهبي في اليونان:
حزب يوناني متطرف، اسسه " نيكولاوس ميخالولياكوس" في العام 1980، بدأ تنظيما نازيا وانتهى حزبا سياسيا له شعبية ومؤيدون. شكلت الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد أحد أسباب صعوده. وقد شن أعضاؤه ومناصروه مئات الهجمات على الأجانب في اليونان.
حزب الحرية النمساوي:
تأسس في العام 1956، له ماضي نازي، يتزعمه الفاشي "هاينز كريستيان شتراهي" المشهور بعدائه للإسلام والمسلمين، ويتبنى خطاباً نارياً ضد المهاجرين.

حزب أتاكا في بلغاريا:
أسسه "فولان سيديروف" في العام 2005. وهو حزب يميني متطرف، يعتبر أن الأقليات العرقية في بلغاريا – الأتراك، الرومز، الغجر- لا يستحقون مساواتهم مع المواطنين البلغار، ويعارض الحزب انضمام بلغاريا لحلف الناتو، وينادي بعودة الكنيسة ليكون لها دور أكبر في الحياة العامة. لديه سياسة معادية للمهاجرين.
حركة يوبيك في المجر:
وهي جماعية يمينية متطرفة تشكلت في العام 2015 في بودايست. تتبنى خطاباً عنصرياً متشدداً صريحاً ضد الهجرة وضد اللاجئين، يعادي الحزب كلاً من العرب والأفارقة والغجر، ويقول أحد زعماء الحزب "بالاش لاسلو" " يجب أن يأتي مجتمعنا العرقي أولاَ، لا توجد مساواة".
حزب المصلحة الفلاندرية في بلجيكا:
تأسس في العام 1979 ويطالب في انفصال إقليم "فلاندريا" في بلجيكا، يتمدد ويحقق نجاحات في الانتخابات البلدية. الحزب يميني قومي متعصب، يعادي اللاجئين ومعادي للإسلام والمسلمين.
وحزب اليمين الجديد في بولندا:
حزب يميني قومي عرقي تأسس العام 2016، ويطالب بولندا بالخروج من الاتحاد الأوروبي، يدعو لإعادة عقوبة الإعدام، يرفع لافتات عنصرية واضحة مثل "أوروبا البيضاء" و "الدماء النقية". حزب معادي للمهاجرين وللأقليات.
حزب الأحرار في النمسا:
يرفع شعار "النمسا أولاً". حزب يميني قومي عنصري متطرف، ". تأسس العام 1956، يتبنى الحزب ايديولوجية معادية للمهاجرين وللإسلام.
حزب الشعب السلوفاكي:
تأسس العام 1991 باسم الحركة الديمقراطية لأجل سلوفاكيا، وفي العام 2014 أصبح اسمه حزب الشعب. حزب قومي يميني متطرف معادي للمهاجرين واللاجئين، يعادي الإسلام والمسلمين، يعادي الولايات المتحدة الأمريكية واليهود، يرفع شعار شهير "حتى لاجئ واحد فهو كثير". حلف الناتو يصفه بالمنظمة الإجرامية.
 

 
حزب الديمقراطيون السويديون:
تأسس الحزب في العام 1988. حزب يميني قومي اجتماعي محافظ، أسسه مجموعة من اليمينيين المتطرفين. تصاعد خطابه العنصري خلال السنوات الأخيرة. معادي لسياسة الهجرة واللجوء. يرفع شعار " فلتبقى السويد سويدية".
حزب الفنلنديون الحقيقيون
الحزب تأسس في العام 1995، وهو حزب يميني قومي محافظ، ينتقد سياسات الاتحاد الأوروبي، يدعو إلى إقامة دولة الرفاه في فنلندا، ويتبنى سياسة صارمة لتقييد أعداد اللاجئين. رغم أن شعاراته تبدو يسارية في الجوانب الاجتماعية، إلا أنه سياساً حزب قومي لا تخلو بعض مواقفه من العنصرية.
حزب الشعب الدنماركي:
تأسس الحزب في العام 1995. وبدءًا من انتخابات العام 2005 أصبح الحزب ثالث أكبر الأحزاب الدانمركية. هو حزب قومي يميني محافظ، تستند سياسته على رفض مجتمع مهاجر في الدانمرك، ولا يرى أن الدانمرك قابلة كي تتحول إلى مجتمع متعدد مثل الولايات المتحدة الأمريكية. يعادي اللاجئين والمهاجرين، ومعادي للإسلام والمسلمين، لكنه لا يعتمد خطاباً شوفينياً مثل بعض الأحزاب اليمينية الأوروبية الأخرى. يعارض سياسة الاتحاد الأوروبي ويتمسك بالعملة الوطنية.

العوامل التي أدت إلى اتساع نفوذ اليمين المتطرف
شهدت الفترة التي تلت انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، فراغاً أيديولوجياً عبّد الطريق أمام انتعاش أحزاب اليمين الأوروبية التي دعت بقوة إلى الخصوصية القومية الأوروبية، ومثلت الخط الراديكالي للغضب الذي ساد وسط قطاعات واسعة من المواطنين الأوروبيين، من عجر حكوماتهم حل المشاكل الاقتصادية، ومعالجة الفساد والهجرة غير الشرعية، لذلك بدأ الناس يصوتون لهذه
الأحزاب اليمينية خلال الانتخابات البلدية والبرلمانية، لأنها كانت ترفع شعارات تعكس سخط الناس.
ثم واجهت الحكومات الأوروبية الأزمة المالية العالمية في العام 2008 بعجز لأدى إلى اتباع سياسات تقشف اقتصادية طالت جميع مرافق الحياة، وتراجعت الدول الأوروبية عن تمويل كثير من برامج الخدمات الاجتماعية، وتسريح عدد كبير من الموظفين العموميين، وتقليص النفقات في قطاعي التعليم والصحة. وبنتيجة الأزمة انخفضت مستويات النمو في هذه الدول إلى أدنى مستوياتها، وارتفعت نسبة البطالة ووصلت في بعض البلدان مستويات خطيرة مثل اسبانيا 24 في المئة وبطالة في اليونان بنسبة وصلت 26 في المئة، الأمر الذي نتج عنه التفريط بحقوق العمالة الوافدة إلى بلدان مثل اسبانيا وإيطاليا، وازدياد أعداد اللاجئين بصورة لم تعهدها القارة الأوروبية من قبل بسبب الأزمات المشتعلة في الجانب الأخر من المتوسط، ومناطق أخرى في العالم، تعمقت مشكلة البطالة، وارتفعت قيمة المصاريف العامة لدى هذه الحكومات بسبب تدفق اللاجئين، والنظر لهم باعتبارهم عمالة بديلة اقل تكلفة من العمال الأوروبيين، وهذا شكل حالة عامة من السخط والتذمر لدى قطاعات واسعة من الأوروبيين.
في ظني ان السبب الأهم في اتساع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية يعود إلى استخدامها خطاباً تهويلياً يمس الجانب الأخطر في العقلية الأوروبية، وهو الجانب الثقافي الذي تحسن توظيفه لاستقطاب قطاعات واسعة ومتزايدة من الشارع الأوروبي، من خلال الترويج لمفاهيم "الخطر الإسلامي" و "أسلمة أوروبا" و "العرق الأبيض" و "أوروبا للأوروبيين" إلى الكثير من الشعارات التي تستخدمها هذه الأحزاب كفزاعة وخطر يهدد أوروبا وخصوصيتها العرقية والثقافية، التي يهدد وجودها المسلمين والفكر الإسلامي المعادي للمرأة، ويشكل حاضنة للفكر المتطرف الذي يجاهر بالعداء للثقافة الأوروبية العلمانية. هكذا ينتشر فيروس "الإسلاموفوبيا" من مدينة إلى أخرى وتنتقل العدوى من دولة إلى أخرى في الاتحاد الأوروبي، وتجد لها جسداً قابلاً لاحتضان المرض تمثله الدول الاستعمارية "بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا" الأكثر بغضاً للعرب والأفارقة وللدين الإسلامي، عداء متجذر في التاريخ الغربي منذ الحروب الصليبية.

هل مخاوف الغرب مشروعة؟
وفي واقع الحال ينتمي معظم المهاجرون المسلمون في أوروبا إلى شرائح اجتماعية فقيرة في بلدانها الأصلية، ومتدنية التعليم نسبياً خاصة الجيل الأول من المهاجرين، هذا تسبب في عدم امتلاكهم وعياً سياسياً، وغاب عنهم أهمية تنظيم أنفسهم في أطر سياسية ونقابية في مجتمعاتهم الجديدة. ثم أن المهاجرين العرب والمسلمين هم أكثر الجاليات نمواً في عدد زيادة المواليد، ويعتبر الدين الإسلامي هو الدين الأكثر انتشاراً في الغرب، وهناك عامل آخر يتمثل في التصرفات والمفاهيم المتطرفة لبعض المهاجرين واللاجئين، كل هذه العوامل ساهمت في سهولة ترويج الخطاب العنصري للأحزاب اليمينية الأوروبية التي تصور أن المهاجرين والفكر الإسلامي هما مصدر التهديد الحقيقي للقيم الأوروبية العلمانية الثقافية والقومية.
تستغل الأحزاب اليمينية في أوروبا الأوضاع الاقتصادية الصعبة للنفخ في نار العداء للمهاجرين، وتستخدم هذا الملف في الضغط على الاتحاد الأوروبي لإصدار تشريعات تحد من الهجرة، وتعتبر هذه القضية فرصتها لتعزيز أوضاعها الانتخابية على حساب الأحزاب التقليدية. هو ما دفع المستشار الألمانية "ميركل" للقول إن " ملف الهجرة وتضخيمه ونشر الخوف منه أصبح يشكل تحدياً لقيم القارة الأوروبية وتماسكها".
وتدعو ألمانيا إلى عدم المقاربات الأحادية الأمنية في معالجة المشكلة عبر إغلاق الحدود، وضرورة إجاد حلول جماعية. وتم تقديم اقتراحات لترحيل المشكلة من أوروبا إلى دول العبور في الشمال الافريقي " المغرب، ليبيا، مصر، تونس، السودان" إلا أن هذه الدول ترفض إقامة معسكرات استقبال اللاجئين في أراضيها.
نعم لأوروبا مخاوفها المشروعة من الهجرة غير الشرعية إليها، لكن لا يمكن لجميع الحلول السريعة والآنية أن تعالج مشكلة بهذا الحجم. لا بد من إجراء مقاربات تفضي إلى معالجة جذور المشكلة، وإطفاء الحرائق المشتعلة في أكثر من مكان في العالم حول القارة العجوز، ولا بد لهذه الدول الأوروبية من تحمل مسؤولياتها التاريخية كدول مستعمرة في القيام بمبادرات جدية في مناطق الكوارث والفقر لمساعدة هذه الشعوب على نهوض يغنيها عن المغامرة بأرواح أبناءها لأجل الوصول للقارة البيضاء.

ربما لن نجد يميناً ولا يساراً
إن ما يثير المخاوف أن الأحزاب الوسطية اليمينية واليسارية قد تعلن انحيازها إلى جانب الأحزاب اليمينية المتشددة إذا استمر صعودها، وإن تواصل نجاحها في تحقيق توسع واستقطاب شرائح انتخابية جديدة. الواقع الحالي يشير إلى وجود بضعة أحزاب يمينية شعبوية يمكن احتوائها والحد من تداعيات خطابها المتشدد عبر تسويات سياسية عادة تكون -للآن- لصالح أحزاب الوسط والأحزاب التقليدية التي تشكل الأغلبية الحاكمة. لكن ماذا لو زادت نسبة التطرف في الشارع الأوروبي، فإن ذلك سوف يميل لمصلحة الأحزاب المتطرفة، التي كلما حققت نجاحاً فإن هذا سوف يعني تراجعاً للأحزاب التقليدية، وهكذا سيكون الحال في منحى لا نعلم عن ماذا سيسفر.
وربما يؤدي إلى سقوط التصنيف التقليدي بين يسار ويمين، ذلك أن الكثيرين يعيدون صياغة أولوياتهم في ضوء التطورات المتسارعة الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها أوروبا في ربع القرن الأخير. إن الفاعلين في المشهد السياسي الأوروبي في السنوات الأخيرة هم القوى والأطراف والأحزاب التي تؤمن أكثر فأكثر بأفكار القومية والاعتزاز بالماضي والانغلاق والتعصب على حساب العلمانية والانفتاح والتسامح. إنه حنين إلى الماضي المثالي "نوستالجيا سياسية" تكتسح أوروبا. فمن يصنع المشهد الحاضر الأوروبي هم من الغاضبين على الأوضاع السيئة، والحانقين على النخب السياسية الحاكمة التي أصيبت بالرعب من هذا القادم، وكل انتخابات بلدية أو نيابية قادمة في أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي سوف تكون مناسبة لقياس درجة خطر هذه الأحزاب العنصرية الفاشية البغيضة.
في نتائج مسح أجرته مؤسسة "يوغوف" في العام 2016 حول مناعة المجتمعات الأوروبية ضد التطرف، وشمل 12 دولة أوروبية، نلاحظ على سبيل المثال مناعة ضعيفة لدى الفرنسيين حيث أظهر الاستطلاع ما نسبته 63 في المئة من الفرنسيين يؤيدون أفكار اليمين المتطرف. في حين كانت النسبة في بريطانيا 48 في المئة. أما في هولندا فالمناعة ليست بخير أيضاً، حيث بلغت نسبة من يدعم الأفكار اليمينية 55 في المئة.

أسئلة مبررة
كانت الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تعرضت لها أوروبا على إثر الحرب العالمية الأولى السبب الرئيسي وراء وصول الأحزاب اليمينية المتطرفة والفاشية والنازية إلى سدة السلطة، واتسم حكمها بالشمولية مع ازدياد النعرات القومية والإثنية في أوروبا. إذ وصل الحزب الفاشي الإيطالي إلى السلطة العام 1922 نتيجة استنزاف الاقتصاد الإيطالي خلال مشاركتها في الحرب العالمية الأولى، ووصل الحزب النازي للحكم في ألمانيا العام 1933، بسبب أزمتها الاقتصادية والمالية، حيث كانت مطالبة بدفع تعويضات كبيرة للدول التي ربحت الحرب العالمية الأولى.
ترافقت الأزمة الاقتصادية في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، مع عدم وجود أحزاب قوية، وحاجة الناس إلى انتخاب أحزاب تعيد الاعتبار للعرق الآري في ألمانيا ولعظمة إيطاليا، وهما الفكرتان الرئيسيتان اللتان استند إليهما الحزبان النازي والفاشي.
تماماً كما نشهد اليوم من تدهور اقتصادي في العديد من البلدان الأوروبية، وانخفاض معدلات النمو، ارتفاع معدلات البطالة، ضعف أداء الأحزاب الحاكمة اليسارية واليمين الوسط، المشكلات التي يسببها التعدد الثقافي والعرقي والإثني، زيادة غير مسبوقة في أعداد اللاجئين، الإرهاب وحرص الناس على أمن مجتمعهم، تنامي العداء للمسلمين وللفكر الإسلامي. ألا يعني هذا أننا مقبلون على مرحلة جديدة من مراحل حكم اليمين المتطرف العنصري والفاشي والنازي، تماماً كما حصل عقب الحرب العالمية الأولى؟
إن حالة الاشتباك القائمة حالياً في أوروبا حول ملف الهجرة لا تخدم سوى نمو الأحزاب والحركات اليمينية العنصرية المتطرفة، واتساع رقعتها وتأثيرها وسط عامة الأوروبيين، واشتداد خطابها المعادي للمهاجرين واللاجئين، فمن يضمن عدم حدوث اصطفاف مضاد؟


12
أدب / درب الأراجيح مغلق
« في: 19:41 15/07/2018  »
        حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

          قصيدتي "درب الأراجيح مغلق" نقلها إلى البلغارية الأديب خيري حمدان                   

                                 درب الأراجيح مغلق      
1
لا فطام للغابة الحافية
من جنون المطر
يغسل خطايا الشجر
حين استيقظت عصافير الصباح
أغلق الغيم نوافذه
ونام
2
كيف للمنكسر على أعتاب الحقول
أن يقبض على أحلام موصدة
تسقط فوق البيادر
أوراق ظمأى
تذروها الريح الحزينة
3
يتدحرج صدر الحزن
في حكاية الجدة
موحش هذا الغياب
تتكور الطفلة فوق صورة الأم
مازال قلبها صغير
جداَ صغير
4
قد بلغ الاحتضار بذرة الحياة
يرشح شجر السنديان
بخار أصفر
قال لها أعينيني على الوَرَعِ
قالت
كيف نراوغ الطيف المتعرج
في نافذة الموت
ونحن عراة
أخشى أن أفقدك
5
لا شيء يختم سفر الانشطار
لا تراتيل التكوين
ولا رقص الدراويش
المدينة أغلقت الصلاة
لتتكاثر الأكفان
6
تفاصيل الحزن
ويدك المنزّهة عن أوجاعي
يقتحمان ثرثرة القصيدة
وعربة الدموع التي داهمتني
شيّعتني على أكف الصمت
6
جنائز الغرباء
على بعد طفولة
من باحة البكاء
نعش يسترق الحياة
لكن
درب الأراجيح مغلق
7
المواسم كئيبة
والحقل حزين
خلف السور تسير قوافل الجوع
يوشك المطر أن يرتبك
 




درب الأراجيح مغلق

Пътят на люлките е затворен
1
Не се отбива босата гора
от неистовия дъжд, който
измива греховете на дърветата.
Когато сутрешните врабчетата
се събуждат,
облаците заключват прозорците си
и заспиват.
2
Възможно ли е сломеният
човек,
на прага на простора,
да държи заключени сънища?
Жадни листа
падат върху градините,
печалните ветрове ги разхвърлят.
3
Преобръща се ликът на тъгата
в бабината приказка.
Това отсъствие е коварно.
Свива се момичето върху
майчината снимка,
все още сърцето й е малко,
прекалено малко!
4
Агонията достигна жизнените
семена.
Дъбът сълзеше жълта пара.
Помоли я да му помогне да
остане искрен.
Тя му отговори:
Как да надхитрим този
обърнат спектър, който
нахлува от прозореца
на смъртта,
а ние сме голи?
Страх ме е да не те изгубя.
5
Нищо не може да подпечата
паспорта на разделението.
Липсват химните на сътворението
и танците на дервишите.
Градът не е годен за молитви.
Нека да се множат саваните!
6
Детайлите на тъгата
и ръката ти, неомърсена
от моята болка,
нахлуват в същността
на стиха,
а кола със сълзи
лети срещу мен.
Изпраща ме върху дланта
на смъртта.
7
Погребенията на чужденците –
на едно разстояние от детството
и от площадката на плача.
Ковчегът открадна живота,
но...
пътят на люлките –
затворен!
8
Сезоните са отчаяни,
празненството е тъжно.
Зад оградата вървят
керваните на глада.
Дъждът, дезориентиран
е на път да се обърка!





13
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


الطغيان الأمريكي .. استذئاب للاستحواذ

مع انتهاء الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الرئيسيين في العالم، المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وقوتهم الضاربة "حلف الناتو" من جهة، وبين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق وجناحهم العسكري "حلف وارسو" من جهة ثانية، في بداية التسعينات من القرن الماضي، بانهيار الاتحاد السوفييتي وحصول دوله على استقلالها، إذ أصبحت دولاً بذاتها بعد أن كانت جزء من امبراطورية استمرت عقوداً. نهاية الحرب هذه أفضت إلى وضع بدأت تتشكل معه معالم الشكل الجديد للعالم ذو القطب الواحد المتمثل بالرأس الكبير وهو الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة العظمى الأكبر اقتصادياً وعسكرياً .

غواية الاستبداد
تميزت هذه الفترة وحتى نهاية ولاية الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، بالغطرسة الأمريكية والعربدة، كقوة انفلتت من عقالها، وظهرت الولايات المتحدة في صورة الدولة الزاهية التي انتصرت على الظلام، وبدا رئيسها كسيد لهذا العالم، يريد نشر وتعميم الثقافة والقيم الأمريكيتين، وتميزت الفترة أيضاً إضافة إلى كونها أضحت أحادية القطب، في غياب مبدأ الحوار بين الشعوب والدول، هذا بسبب أن سيدة العالم -الولايات المتحدة- تستطيع أن تفرض الإملاءات والشروط على الآخرين دون حوار لأنهم لا يملكون القوة التي تمكنهم من مقاومة النموذج الأمريكي، وبالتالي فإن الولايات المتحدة لم تكن تلجأ إلى الحوار إلا عندما تواجه صعوبات في تشكيل العالم كما تبتغي.
استيقظ العالم على قدر بدا وكأنه لا مفر منه، وبدأت مرحلة أمركة العالم سواء عبر وسائل الإغراء او بواسطة العنف. إما عبر تصدير السلع والمنتجات الأمريكية إلى العالم، وبالتالي الاستحواذ على الأسواق العالمية وخاصة الناشئة منها، ونشر الثقافة الأمريكية وإظهار النموذج الأمريكي الأفضل للعيش الرغيد، وبالتالي بسط السيطرة الفكرية على مناطق متعددة، وشعوب متنوعة، أو عبر الاحتلال والقوة العسكرية، فما هو مهم لدى الإدارة الأمريكية هو تحقيق النتائج، حتى لو كان عبر التدخل الوقح في شؤون الآخرين، واللعب على التناقضات بين الأطراف في المناطق الساخنة في هذا العالم، وبالتالي بسط الهيمنة على العلاقات الدولية، وتسخير مقدرات الكون لمصلحة الإمبراطورية الأمريكية .¨

عربدة التسعينيات
لقد كانت القوة العسكرية الأمريكية في التسعينات غبر مسبوقة، فالإنفاق العسكري الأمريكي كان يزيد عن إنفاق عشرين دولة متطورة، وما أنفقته على البحث العلمي يعادل إنفاق العالم كله، وهي القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، رغم تراجع نصيبها في التجارة الدولية عمّا كان عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي .
وبالرغم من كل هذه القوة فشلت الولايات المتحدة في فرض إرادتها المطلقة على عالم التسعينات، ولم تنجح في تحويل عالم القطب الواحد ينصاع إلى إرادة القطب الواحد، بسبب رفض العالم تحكم قوة واحدة في شؤونه، أيضاً لأن مقياس التحكم والقيادة لم يعد ينحصر بالأساطيل، بل في مصداقية السياسة والالتزام بالقيم المشتركة بين شعوب العالم. فقد خرجت الولايات المتحدة من فترة الحرب الباردة متسلحة بأيديولوجية الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها في ذات الوقت استمرت في حصارها غير المبرر لكوبا، وتنكر واضح للحقوق الفلسطينية.
 وما أن ختم كلينتون ولايته في نهاية التسعينات، حتى كانت سياسة العولمة الاقتصادية غير العادلة التي قادها، قد أدت إلى انهيار الاقتصاد الاندونيسي، وإلى تراجع خطير في اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق آسيا، وإلى إفلاس الأرجنتين، وتراجع متسارع في اقتصاد جميع دول أمريكا اللاتينية .
المناطق الوحيدة التي لم تتأثر نسبياً من دكتاتورية العولمة الأمريكية هي دول أوروبا الغربية، والصين التي لم تكن قد انضمت إلى منظمة التجارة العالمية، واليابان عملاق الثمانينات المرعب هوت إلى مرحلة من عدم التوازن الاقتصادي .
التسعينات حملت معها أيضاً فشل أمريكي تدلّل عليه على سبيل المثال، الانفجارات التي حصلت في منطقة البلقان، وصمود كوبا في وجه استمرار الحصار الأمريكي، وتحول الصين إلى قوة لا يستهان بها في الاقتصاد العالمي، استمرار كوريا الشمالية في برنامج التسلح وإطلاقها صاروخ تجريبي فوق اليابان، وانهيار اتفاق أوسلو ومعه انهار وهمُ تغيير وجه الشرق الأوسط الذي أطلقه الرئيس الأمريكي كلينتون .

تطرف المحافظين الجدد
ومع وصول الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض في بداية عام 2001، لم يكن أحد من أفراد طاقم الرئاسة يختلف حول ضعف الموقف الأمريكي، لكنهم كانوا منقسمين في الموقف حول الآليات التي يجب اتخاذها في معالجة هذا الضعف .
فقد ظهر صوت قوي من داخل الإدارة الأمريكية يدعو إلى انسحاب أمريكي محدود من الشأن الدولي، وصرف النظر عن مشروع العولمة، والدفاع عن المصالح الأمريكية الاقتصادية في مواجهة الإجماع العالمي، وتعزيز القدرات العسكرية الاستراتيجية لمواجهة التحديات المحتملة .
لكن هجمات الحادي عشر من أيلول-سبتمبر- عززت نفوذ أنصار الخيار الثاني، خيار الانتشار الأمريكي الإمبريالي في العالم، وفرض الإرادة الأمريكية بالقوة المجردة إن اقتضى الأمر.
وما حصل أن سياسة بوش الخارجية كانت في الحقيقة انتهت إلى اجتماع الجوانب الأسوأ في الخيارين، فأعلنت الحرب على أفغانستان عام 2001 وعلى العراق عام 2003، بذريعة مكافحة الإرهاب، واستمرت الولايات المتحدة في الاستهتار بإرادة المجتمع الدولي في مواضيع كثيرة، منها قضايا البيئة، المحكمة الجنائية الدولية، اتفاقات الحد من الأسلحة الكيمائية، وحتى فيما يتعلق بالتجارة العالمية التي صاغت قواعدها الولايات المتحدة في الأصل لم تحترمها، وأبدت الإدارة الأمريكية استهتاراً ملحوظاً بالأمم المتحدة وشرعية القرار الدولي، ومضت في استفزاز القوى العالمية بتطوير حائط الصواريخ البالستية بعيدة المدى، ونشرت عشرات الآلاف من قواتها في أماكن متعددة من العالم، وقامت باحتلال العراق وإسقاط نظام صدام حسين، وتحكمت في مصادر العراق النفطية .
حاولت هذه السياسة في عهد الرئيس جورج بوش تحقيق ما عجزت إدارة الرئيس كلينتون عن تحقيقه خلال عقد التسعينات، وقد ظهرت مع وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض تحولات في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، بأن اعتمد في إدارته على مجموعة من المفكرين الذين لا ينتمون إلى أي حزب لكنهم يمثلون مراكز الدراسات الاستراتيجية، فكانت حقبة بوش الابن هي المرتع والمناخ الملائم الذي احتضن أفكار - المحافظين الجدد- الذين استطاعوا السيطرة على الرئيس الأمريكي طوال فترة رئاسته، واستغلوا أحداث الحادي عشر من أيلول للترويج لنظرية الأمن القومي التي تعتمد على الاستخدام المفرط للقوة العسكرية، وفرض توجهاتهم المتطرفة على مخططي السياسة الخارجية الأمريكية، وكانت أهم ملامح هذه السياسة المتشددة إعلان الحرب على الإرهاب كأولوية للسياسة الخارجية الأمريكية، وظهر مبدأ ابتدعه المحافظين الجدد باسم "الحرب الاستباقية ضد عدو محتمل" فتم إعلان الحرب على أفغانستان عام 2001 للقضاء على حركة طالبان، وتم احتلال العراق عام 2003 بذريعة امتلاك صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وتم تشجيع إسرائيل لشن عدوانها على لبنان عام 2006 للقضاء على حزب الله، ومن ثم أرسلت الولايات المتحدة قواتها العسكرية إلى الصومال عام 2005 لدعم أمراء الحرب ضد المحاكم الإسلامية، وفي عام 2008 سعت الإدارة الأمريكية إلى محاولة بناء درع دفاع صاروخي في بعض الدول الأوروبية المحاذية لروسيا، وأدت إلى اشتباكات دموية بين روسيا وجورجيا بشأن أبخازيا وأوستيا، واستخدمت الولايات المتحدة القوة المفرطة في أماكن متعددة، وحاولت تفعيل نظرية المؤامرة ضد أنظمة حكم في بلدان أخرى ادعت إدارة بوش أنها دول معادية لأمريكا مثل إيران وسورية والعراق وكوريا الشمالية وفنزويلا وغيرها من الدول، ومن أجل تحقيق هذه السياسة تكبدت الولايات المتحدة أعباء مالية ضخمة، وأدت إلى آثار سلبية تم إلحاقها بالاقتصاد الأمريكي، وأدت إلى أزمة مالية بدأت في العام 2008 ألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي، ومازالت آثارها مستمرة حتى يومنا هذا .

بيت الطاعة الأمريكي
كل هذا ينطلق من النظرة الأمريكية إلى العالم على أنه عبارة عن أقاليم متمردة يجب إعادتها إلى بيت الطاعة، واتبعت الإدارة الأمريكية الفاوستية روحها الشيطانية لتغيير العالم كما تشاء، وكان لابد من وجود الآخر الذي على خطأ تماماً، ليوحي للقطب الأوحد بجدوى وجوده، وتصرفت الولايات المتحدة كعصابة في خضم الأحداث المتلاحقة في فترة الرئيس بوش، وليس كدولة، إذ أنها انفلتت من عقالها وأصبحت خارج اي قانون، فبدلاً من الجهد الجماعي العالمي والمنظم لمكافحة الإرهاب وأسبابه، انفردت أمريكا بإعلانها وخوضها لحروب على أعداء قد لا يكونون بالضرورة أعداء حقيقيين للعالم بأسره .
السؤال المهم هنا والذي يدعو إلى التأمل هو السؤال التالي: ما الذي جعل الولايات المتحدة تفقد عقلها على أثر انهيار برجي نيويورك ؟ هل بسبب سقوط ضحايا أم أنه خدش هيبة الاستبداد؟
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لا تهتم بسقوط آلاف الضحايا، إذ أن القيم لا تتجزأ، فهو ذات النظام الذي قتل عشرات الآلاف في العراق وأفغانستان وغواتيمالا وتشيلي وفيتنام وبنما وجرينادا. إن دولة كهذه ليست معنية بالضحايا الذين سقطوا بسقوط برجي التجارة، إنما ما يعني هذه الدولة هو المس بهيبتها وغطرستها، وما يمثله هذا السقوط من اعتداء على الرمزية التي يعنيها هذان البرجان من جنون العظمة الأمريكية .
انتهت مرحلة جورج دبليو بوش الذي كان أكثر الرؤساء الأمريكيين تطرفاً وصلفاً على صعيد السياسة الخارجية، وأوصل العالم إلى أقصى درجات التوتر والاحتقان غير مسبوقة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بسبب السياسات العليائية والعدوانية المخالفة للقوانين الدولية، إذ لم تعرف أمريكا والعالم كذباً ونفاقاً سياسياً كما عرفته في عهد الرئيس بوش الذي ودع البيت الأبيض بفوز الرئيس أوباما في الانتخابات الأمريكية عام 2008 على وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تسببت بها إدارة بوش، وكانت إدارة أوباما بمثابة إدارة لخروج الاقتصاد الأمريكي من مغبات هذه الأزمة ووضع الخطط للحد من تداعياتها.

الادارة الهزيلة
خلال السنوات الأولى من فترة رئاسة أوباما كان يحاول أن يحقق أهداف سياسته الخارجية باعتماده بدرجة كبيرة على مبادراته الشخصية، وشعوره بأهمية عامل الوقت، إذ قام بإعداد جدولاً زمنياً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وحدد بعض السياسات لإنهاء حرب الاستنزاف في أفغانستان، وحاول أوباما أن يتشارك العالم مع أفكاره خلال فترتيه الرئاسيتين، لكنه يبدو أنه اكتشف أن كافة الدول لديها أفكارها وخططها الخاصة، وحاول أن يقدم نفسه كصانع سياسات جديدة ومختلفة في علاقة الولايات المتحدة مع العالم العربي الذي استبشر بقدوم رئيس أمريكي أسود ومن أصول مسلمة ومن بيئة مختلفة عن بيئة سلفه بوش، أوباما كان عاجز عن تقديم أية دلائل للبرهنة على نيته فتح صفحة جديدة مع العرب، وفيما يتعلق بالصراع العربي -الإسرائيلي مازالت الإدارة الأمريكية تتبنى الرواية الصهيونية وتقدم لها كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري بلا حدود .
العالم الذي واجهه الرئيس أوباما مختلف كثيراً عن ذلك الذي قبله كان حين داخل البيت الأبيض سيد آخر. فبعد كل هذا التردد والغموض والارتباك في سياسة أوباما الخارجية، بدا أن مجريات الأحداث قد خرجت عن سيطرته، فالرئيس أوباما الذي حاول خلال فترة رئاسته وضع رؤية خاصة به لسياسة داخلية وخارجية، وقارب ذلك بمهارات التواصل والخطابة، يواجه عالم فقد عقله وحروب في أكثر من مكان، ويواجه تهديدات للمصالح الأمريكية ولحلفائها في المنطقة، ويواجه أيضاً الشعب الأمريكي الذي ملَّ الحروب ونفذ صبره من التدخلات العسكرية الأمريكية في شؤون العالم، وربما أننا أمام حالة عنوانها أنه منذ الحرب العالمة الثانية يظهر شعار أن على الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها قيادة العالم غير حقيقي لا سيما في الوقت الراهن .
الولايات المتحدة في عهد أوباما لم تحقق أية اختراقات في الملفات الساخنة في السياسة الخارجية لا في منطقة الشرق الأوسط ولا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ولا في ملف إيران النووي، وفشلت في إعادة الأمن والاستقرار إلى العرق بعد انسحاب قواتها، وكذلك فشل ذريع في موقف عدم الموقف من المتغيرات المتسارعة التي تحصل في العالم العربي، كما أن خطة الخروج المنظم من أفغانستان تترنح مكانها، وشارفت روسيا على غزو أوكرانيا ولم يجرؤ أوباما على منعها، وفي الوقت الذي يظهر فيه العالم مشتعلاً في أكثر من مكان، يتابع الرئيس أوباما عطلاته لممارسة رياضة الغولف، وقيامه بالإدلاء بتصريحات صحفية والحديث عن الصراعات في العالم، فيما يظهر وهو هادئ ذو رؤية مشوشة، متردد، غير واثق، بدا وكأنه رئيس غير ملائم لهذه المرحلة .

غطرسة أمريكية ونفاق
جاء ذبح الصحفي الأمريكي على أيدي تنظيم الدولة الإسلامية في منتصف العام 2014، والذي جرى تصويره وتناقلته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وشكل صدمة مروعة للشعب الأمريكي وللعالم، نقول جاء هذا الحدث ليشكل تحدياً لقوة الولايات المتحدة وصفعة قوية لهيبتها ونفوذها، حينها فقط تحركت الولايات المتحدة واستنفرت الإدارة الأمريكية طاقمها من أجل حشد تحالف واسع لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية والقضاء عليها، أفضت في النهاية إلى تشكيل ما سمي بالتحالف الدولي الذي ضم أكثر من أربعين دولة من ضمنهم ثمانية دول عربية، هذا التحالف الذي باشر أعماله الحربية بشن طائراته غارات يومية على مواقع تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة في العراق وسورية .
وأصبح أوباما يطل علينا كل يوم بقامته الفارعة لينظِّر عن الإرهاب الذي يهدد مصالح الولايات المتحدة والعالم الغربي والحلفاء الإقليميين، هذا الإرهاب الذي لابد من القضاء عليه لكن الولايات المتحدة لن ترسل قوات تقاتل عن أحد، إذ أن المطلوب قيام مشاركة الجميع في دفع تكاليف فاتورة الصلف والعهر الأمريكي .
لكن أوباما وإدارته لم تشاهد قيام الكيان الصهيوني بارتكاب مجاز يندى لها جبين الإنسانية في فلسطين المحتلة، وقتل آلاف الفلسطينيين ومن بينهم مئات الأطفال والنساء، وهدم عشرات آلاف المنازل والمنشآت، ولم نسمع إدانة واحدة من هذا المجتمع الدولي الذي يسارع الآن المشاركة بحماس في ضرب تنظيم الدولة .

سيد الصفقات
أخيراً وصل السيد الجديد للبيت الأبيض، الملياردير العقاري الذي يرغب في تسويق صفقة القرن على حساب الفلسطينيين ومصالح الأمن القومي العربي. إن إدارة الرئيس الأمريكي الجديد "رونالد ترامب" القادم من الأسواق المالية ما زالت تتخبط في معالجة كثير من الملفات الساخنة حول العالم، وترامب نفسه يتبع سياسة مربكة لكنها أيضاً تستمد خطابها من الغطرسة والصلف الأمريكيين، وبرغم أنه لا يفوت فرصة لانتقاد سياسة سلفه أوباما، إلا أنه يرتكب نفس الأخطاء.
في الأزمات الحالية
ينسى الجميع أن الإشكالية الحقيقية تعود جذورها إلى أن من يبيع روحه للشيطان يأكله الشيطان في النهاية، وأن من يربي وحشاً ويسمِّنه، سوف يرتد هذا الوحش يوماً ما نحو صاحبه ليأكله بعدما يأكل جميع الخراف ولا يعود هناك حملان صغيرة للطعام.
 هذا ما حصل مع أمثلة كثيرة لعل أبرزها، تحول جنرال بنما نورييغا الطفل المدلل للمخابرات المركزية الأمريكية إلى مطلوب للعدالة، وهذا ما حصل حين تحول مقاتلو طالبان تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن من مقاتلين من أجل الحرية حين كان هذا القتال يخدم المصالح الاستراتيجية الأمريكية، إلى مجرد إرهابيين وأشخاص مطاردين ومطلوبين للعدالة الدولية بعد أن انتهى زواج المصلحة معهم
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، وسط حاملات الطائرات والبوارج الحربية الأمريكية المتجهة إلى الشرق، لم يكن أحد يريد أن يتوقف قليلاً من أجل معالجة أكثر حكمة وعدلاً، لقد فقد العالم السيطرة على توازنه لمصلحة الانصياع الكامل للإرادة الأمريكية.
في المشهد الحالي في فلسطين والعراق وسورية يتكرر الصلف الأمريكي، في قيادة العالم مرة أخرة نحو الهاوية، لأن أمريكا تعتقد أن هذه القيادة في تمثلها بالسلطة تمنحها أمناً داخلياً، لكنها تتحول إلى الاستبداد حين تشعر بتفوقها، وهذا النوع من الأنظمة نراه ينزع إلى حدود السلطة المطلقة، لأنه مقتنع أن القوة إلى جانبه وكذلك الحق، ولا يكتفي بالنصر في أي حرب، بل لابد من أن يكون الآخر الذي انتصر عليه مجرماً شريراً، هذا تماماً ما فعلته الولايات المتحدة مع جميع خصومها المفترضين، وهذا ما تفعله الآن في أماكن متعددة حول العالم في فلسطين وسورية والعراق وبقاع أخرى.
تحاول الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب أن يضع العالم أمام خياران، إما أن تكون مع قوى حلف الناس الطيبين المتحضرين الذين يريدون محاربة التخلف والهمجية، أو أنك ستكون في حلف آخر مع فريق يتبنى التشدد الديني وخطابه متعصب يعتمد على قطع أعناق الآخرين. هذا الأمر يشكل استبداد من قبل الولايات المتحدة، لا يقل عن استبداد القوى التي تعتبرها أمريكا أنها قوى ظلامية وتريد محاربتها، فأي الاستبدادين أخطر؟


14
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


نستولوجيا اليسار العربي..
احتضار الأيديولوجيا وأممية السقوط

كيف يكون الإنسان يسارياً؟ ما الذي يعنيه الفكر اليساري تحديداً؟ من هم أهل اليسار في الألفية الثالثة؟ ما الفرق بين اليسار المتعصب والإسلام المتشدد؟
هل اليسار العربي موجود حقاً بشكل حسي ملموس، أو بشكل رمزي، أو بصورة تاريخية أم حزبية أم أيديولوجية، أو موجود بمواقف سياسية، أم كمنظومة فكرية، أم موجود بالانتماء والتحزب؟
إن مدارس ومذاهب الفكر الفلسفي والسياسي متنوعة ومتعددة. فيما يتعلق بالفكر السياسي اليساري عامة تجد تيارات اليسار الاشتراكي، اليسار الليبرالي، الشيوعي، الماركسي اللينيني، التروتسكي، الماوي، الديني واللا ديني، اليسار الإإسلامي، اليسار المسيحي.
اليسار العربي ليس استثناءً، فهو يسار ذو طيف فكري واسع، هناك اليساري الشيوعي، الاشتراكي، القومي، الماركسي اللينيني، الماوي، يسار ديني، ملحد. وتتعدد الميول لدى اليسار العربي، فهناك أحزاب يسارية عربية وأفراد يساريون يميلون لليسار، الروسي، ومنهم يميل للصيني، لأمريكا اللاتينية، للتجربة الأفريقية. وهكذا ببساطة نلاحظ التشرذم الذهني والفكري هو سمة اليسار العربي بسبب اختلاف مرجعياته النظرية، مما أدى إلى تحوله ليسار تائه متشتت لا عمق له ولا أصالة. وهو اليسار الذي لم يجد معظم قادته ومنظروه في ثقافتنا العربية التاريخية أية عناصر قوة، وبظني هنا تكمن واحدة من أبرز الأزمات الوجودية لليسار العربي عامة. فعلي الرغم من أنه يقدم نفسه على أنه يسار عربي إلا أنه يقدم أفكاراً ونظريات غريبة تماماً، بل ومتناقضة مع الموروث الاجتماعي للشعوب العربية، وصلت إلى حد تجاهل أهم عنصر ثقافي لدى شعب المنطقة وهو الدين، مما أدى إلى عزوف الناس عن كل ما يقدمه اليسار، حيث اعتبروه قادم غريب على واقعنا.

في فقه النقد
نحن نرمي الأحجار في المياه الراكدة لتحريك ما هو آسن في مستنقع الأفكار ونسعى إلى الانعتاق من ثقافة التخلف والتقوقع إلى ثقافة التميز والإبداع والتجدد. إن دق الأبواب وطرح الأسئلة وممارسة النقد والمراجعة وسياسة فتح النوافذ أمام الرؤوس، هي ممارسات تؤدي إلى تجدد الأفكار والطاقات، وإلى تدفق الإبداع والحلول التي تشكل الممر الرئيسي للتغيير المجتمعي، وأهم أسرار التفوق والتطور.
نحن نبحث عن موضع ومفاهيم الأفكار والسلوكيات اليسارية غير المنغلقة، والتحررية التي تنحاز إلى هموم الناس البسطاء وتطلعاتهم، وتعمل إلى إيجاد حلول لمشكلاتهم، اليسار الذي يؤمن بالحرية والتطور، وعن اليساري المنفتح الذي يتبنى قيم العدالة والمساواة ويحارب الظلم، وليس عن اليسار الفوقي والنخبوي، ولا عن الأفكار اليسارية المتزمتة التي ترفض التجدد، ولا عن اليساريين الذين يقفون بجانب الطغاة ويدافعون عنهم.

موطن اليسار الجديد
معظم اليساريين العرب أصبحوا أشبه للسلفية الدينية فيما يرتبط بأسلوب فهمهم وقراءتهم للأحداث، فهم متمسكين بنظريات وشعارات فقدت كل صلتها بالواقع المعاش منذ سنين. والكثير منهم لم يكلف نفسه للآن عناء تفقد ما يجري حوله، إذ ظل أسير رؤية لم يعد يربطنا بها شيء في عالمنا المتسارع بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إن فاجعة الفكر اليساري في العالم العربي أن أحزاب هذا الفكر وقادته غاب عنهم أن مُنظري هذا الفكر الكبار في الغرب كانوا يحذرون من أن مجمل الحركة اليسارية العالمية قد بدأت تنزلق نحو مستنقع الجمود، حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي بوقت طويل، وحذروا كذلك من النتائج الكارثية لقيام الفكر اليساري في تكفير جميع المذاهب الفلسفية، بحجة أن الفلسفة الماركسية قد ألغت ما قبلها. وهذا تماماً ما يفعله الفكر السلفي الديني الذي يحاول فرض موروث فكري على واقع مغاير.
إذ تُعتبر الأيديولوجيا عند الفكر اليساري بمثابة مسلمة لا جدال فيها، وهي قادرة على تفسير كل شيء. بهذا تصبح الأيديولوجيا دين جديد بامتياز، فهي تتبنى فكرة مسلمات إيمانية تجمع حولها عصبية طائفية من معتنقي هذه الأفكار، وتتدعي أنها أفكاراً واقعية. وبهذه الصورة يتم تبنّي الأيديولوجية اليسارية من قبل اليساريين العرب وأحزابهم، بعد فصل الأفكار عن سياقها التاريخي.
تتمحور الفكرة اليسارية حول الفكرة الشيوعية التي تعتبر أن الطبقة العاملة هي الطبقة القائدة في المجتمع ومكلّفة عبر الفلسفة المادية بإنقاذ العالم، وأن جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية الأخرى عليها أن تتبعهم. حسناً، ألا يذكركم هذا بالفكر الفاشي الذي يؤمن بأن خلاص البشرية مرهون بالعرق الآري حصرياً، وأن جميع الأعراق الأخرى هي أعراق أدنى وعليها الخضوع لهم.
وكذلك حال أصحاب الأيديولوجية الدينية السلفية المتشددة التي تصيغ رؤيتها للعالم على أساس أنهم المنقذون للناس.
السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو: هل يمكن لليساريين العرب أن يستوعبوا الحقائق البديهية بأننا أصبحنا نعيش في عصر العولمة والتكتلات الاقتصادية عبرة للقارات، وعصر التطور السريع في التكنولوجيا ووسائل التواصل، وأنه لا يمكن مع هذا التطور التمسك بأفكار وعقلية القرن التاسع عشر، ولا حتى القرن العشرين؟ هذا ببساطة لأن الكثير من النظريات والمسلمات قد تجاوزتها التطورات التي حدثت في عمق المجتمعات البشرية. هل حقاً أصيب معظم اليساريين العرب بتصلب في الرؤية يمنعهم من قراءة كتاباً واحداً في الفكر أو الفلسفة الحديثة؟ أم أن شدّة العصبية الفكرية والأيديولوجية والحزبية جعلتهم ينغمسون فيما يظنون أنه نضال ضد الامبريالية العالمية، فيما هو في حقيقته مرض عضال اسمه " وهم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء" وهو مرض لا شفاء منه كما تعلمون.
أهم الحقائق التي على اليسار العربي أن يتوقف أمامها أن هناك واقعاً جديداً فرضه طغيان العولمة وتطور وسائل الاتصالات، وأن هناك أدوات جديدة للتواصل بين البشر ومخاطبتهم أهم كثيراً من كافة الشعارات التي يرفعها هذا اليسار وأخطر، وعلى الجميع أن يتعامل مع هذه المعطيات الجديدة بما فيه اليساريين أينما وجدوا بكل وعي ومسؤولية.
من جهة أخرى على اليسار إدراك أن قضية تحقيق المهام المصيرية الكبرى للشعوب والأمم لم تعد مناطة بطبقة "البروليتاريا" وأحزابها. ومع احترامنا وتقديرنا الكبير للطبقة العاملة، إلا أن التطورات والمتغيرات التاريخية التي أصابت المجتمعات البشرية أفقدت العمال دورهم الطليعي كطبقة سوف مقدر لها أن تقود التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العالمي.
ثم من بالغ الأهمية القول بأن على ما بقي من اليسار العربي أن يقوم بمقاربات جديدة للواقع، تبدأ في طرح الأسئلة الأساسية، وإرجاع الإشكاليات إلى جذورها، ثم إعادة صياغة الأهداف والتطلعات بما يتلاءم مع التحولات التي شهدتها – وما تزال- المنطقة، والقيام بابتداع صيغ مختلفة لمقاومة الاستبداد الأيديولوجي والسياسي والديني في البلدان العربية، وانتزاع الحقوق المدنية للشعوب العربية في العيش بكرامة وحرية، وبناء مجتمعات مدنية تضمن حقوق متساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين أو المذهب أو الطائفة.
وحتى نكون غير مجحفين، نقول إن هناك عدد محدود من المثقفين اليساريين معظمهم كتّاباً وأكاديميين الذين حظوا بالتقدير لأدوارهم في مسيرة ونضال الشعوب العربية لنيل حريتها وبناء الدولة المدنية.

إشكالية اليسار أم المثقفين
لكن هل هذا الحال يشير إلى أزمة المثقفين العرب، وإلى هشاشة وضعف المثقف العربي – اليساري خاصة- أم إنها فعلاً أزمة اليسار العربي الذي حاول قراءة واقع العالم العربي بمقاربات أيديولوجية مثالية وطوباوية ما بعد الاستعمارية.
غالباً اليساريين في فلسطين، لبنان، المغرب والسودان بدرجة أقل كانوا فاعلية ونشاطاً أكثر من سواهم في بقية الدول العربية، في ربما لأسباب تعود إلى الهوامش الفكرية المريحة التي يوفرها المجتمع في تلك البلدان.
وفي المقابل هناك سيل من جيش اليسار فشلوا كلياً والبعض القليل – جزئياً- في تحقيق الشعارات التي رفعوها وآمنوا بها عبر عقود طويلة، بل أن بعض اليساريين أصيب بالانهيار الفكري، ومنهم من تحول إلى العبودية التي تفرضها معظم الأنظمة السياسية العربية.
هي إشكالية مزدوجة فكرية وثقافية لا تقتصر مفاعيلها فقط على اليسار، إنما يتم تسليط الضوء على أزمة اليسار بسبب الخيبات التي أصيبت بها الجماهير نتيجة عجز هذا اليسار- في معظمه- وسقوطه فكرياً وسياسياً وأخلاقياً.
المثقف العربي مطالب باستعادة دوره التنويري التحرري ومكانته المجتمعية، بعد أن أصيبت الشعوب باليأس من واقعها السياسي، وبعد أن تدنت مكانة الثقافة وانحسر بالتالي معها دور المثقف. المثقف العربي هو الجهة الوحيدة التي يمكن لها من إعادة الروح لجسد الأمة المتخشب.

يسار ما بعد الاستعمار
اليسار ما بعد الكولونيالي الذي شكل كتاب المفكر إدوارد سعيد "الاستشراق" الأساس الفكري له، حيث تم التأسيس النظري لظهور مصطلحات "المركزية الغربية" و "غرب/شرق"، "علماني/إسلامي" وغيرها من الثنائيات كالحداثة في مواجهة التراث، وقد انتقلت هذه المقاربات إلى كافة فروع العلوم الإنسانية.
فبعد حوالي سبعة عقود من الظلم والقهر والاستبداد والتغوّل في الواقع العربي مارسته معظم الأنظمة العربية، لم يتمكن المثقفين اليساريين من فهم وإدراك ديناميكية الواقع المحلي وحركته، وعجزوا عن ملامسة المصالح الحقيقية للناس ومعرفة تطلعات شعوب المنطقة. لذلك لم يكن مفاجئاً موقف اليساريين العرب من عموم الحراك الجماهيري في الكثير من البلدان العربية، ومن التغيرات السياسية، إذ أنهم توصلوا إلى تحليل – يساري- أن ما يحصل في المنطقة هو لعبة جيو-سياسية ومؤامرة غربية امبريالية ضد مصالح المنطقة وشعوبها.
إن هذا التحليل السطحي للتفاعلات والتحولات المجتمعية في العالم العربي يضع الكثير من المثقفين -اليساريين- وسواهم بطبيعة الحال إلى جانب الديكتاتوريات العربية القمعية، بحجة أن القوى العربية المعارضة الناشئة ترتبط بالغرب الاستعماري، وأنها متآمرة مع الخارج لإلحاق الضرر بمجتمعاتها، وأياً كانت هذه المعارضات تحررية تقدمية مدنية أو كانت إسلامية وسلفية، فإن التهمة جاهزة عند هؤلاء المناضلين اليساريين لإلصاقها بكل من لا يتوافق مع الأيديولوجية التي يعتنقونها، وبهذا فهم البوق الذي يبرر للطاغية والجلاد العربي سياسة القمع والتعسف والاضطهاد والاستبداد والقهر والاعتقالات وتكميم الأفواه والقتل الذي يمارسها بحق كل معارضيه.
هذا اليسار الذي أخفق في قراءة واقعه، أخفق في تحقيق شعاراته، أخفق في علاقاته مع الجماهير، أخفق في أنجاز مهام مرحلة التحرر الوطني وأهمها قضيته الأولى فلسطين، هو اليسار العربي الذي يبرر ويجيز تدخل بعض القوى الأجنبية في الشأن العربي، ويجرم و يهاجم تدخل قوى امبريالية أخرى، هو اليسار نفسه الذي يتجاهل اليوم كافة التطورات والتغيرات الاجتماعية والفكرية والاقتصادية في أكثر من مكان  بالوطن العربي، وأثبتت الأحداث أنه يسار لا يمتلك قدرة على تفسير وتحليل ما يجري في العالم ومقاربته مع الواقع العربي، مثلما غابت عنهم فهم التحولات التي حصلت – وما تزال- في أماكن أخرى مجاورة كالقارة الافريقية مثلا ومجتمعات أخرى.
واقع اليسار العربي وأحزابه وتجمعاته وأطره المختلفة يشير إلى أنهم وقعوا في فخ تلاوة التاريخ بشكل أصم وتقليدي، بدلاً من التعامل معه وفق المناهج التحليلية النقدية الحديثة، وأنهم اكتفوا بترديد خطابات وشعارات رائجة على شكل عظات، حتى تتخيل أن قائلها اجترح المستحيل.
يسار يكيل بمكيالين ولديه معايير مزدوجة تجاه قضايا المنطقة. يسار فشل في فهم التناقضات التاريخية لـلأزمة الرأسمالية المستمرة العابرة للقارات، وكذلك عجز هذا اليسار عن معالجة الانسداد التاريخي في عدد من الدول العربية القمعية القهرية والتي فاق الاستبداد فيها تأثير القوى الغربية الاستعمارية على شعوبها وعلى المنطقة.
ويمكن للمهتمين العودة إلى كتاب مهدي عامل "ماركس في استشراق إدوارد سعيد، هل القلب للشرق والعقل للغرب؟" وكذلك كتاب صادق جلال العظم "الاستشراق والاستشراق معكوساً" لدحض أفكار روّج لها بعض المفكرين اليساريين الذين يدعون إلى استلهام المعرفة من الأصول غير الغربية، متجاهلين أن المشكلة الأساسية في القوى السياسية والأنظمة الغربية التي تقف وراء هذه العلوم الاجتماعية، وليس في المعرفة بحد ذاتها ولا في فروع العلوم الغربية.

تفكيك الفكر اليساري
إن توجيهنا النقد لليسار العربي ليس الغاية منه الإساءة إلى الكثيرين من المناضلين اليساريين، ولا الغاية منه التقليل من شأن دور الفكر اليساري الذي لعب دوراً مهماً في مرحلة تاريخية معينة في إنارة العقل البشري، عبر استخدام الأساليب النقدية لتقويم الخلل المتأصل في كثير من المجتمعات العربية.
بل أن ما نقوم به هو دعوة لتفكيك بعض مكونات الفكر الفلسفي والسياسي اليساري العربي. وهذا النقد لا يعني بأي حال من الأحوال أن بقية التيارات الفكرية العربية الأخرى بخير وفي وضع نموذجي.
إن مختلف التيارات الفكرية في المنطقة العربية فشلت في إنهاء معاناة الإنسان العربي، وتحقيق تطلعاته في العدالة والحرية والعيش بكرامة دون ذل الاستدانة، ناهيك عن فشلها أيضاً في تحقيق أي إنجاز يذكر مرتبط بالأهداف الاستراتيجية الكبرى، مثل تحقيق الاكتفاء، وبناء دولة المؤسسات الحديثة، ومشروع التكامل العربي، أما عن قضية العرب الكبرى فلسطين فلم يعد أحد يتحدث عنها وعن معاناة شعبها سوى عدد قليل جداً من الأنظمة العربية، وتحولت لدى آخرين مادة للمزايدات السياسية، والبعض الآخر يجاهر دون خجل بأن القضية الفلسطينية أصبحت عبئاً على مقدرات بلده، ومنهم من يتآمر لتصفيتها.
نحن نحتاج إلى إعادة توصيف المفاهيم والمصطلحات التي تولّدت عبر علم الاجتماع اليساري، وكذلك تحليل خطاب اليساريين العرب الفكري والسياسي، ومحاولة إقناعهم أنهم ليسوا المتحدثين باسم الأمة العربية وشعوبها. ثم مباشرة النقد المعرفي للأيديولوجيات الإثنية والعقائد الغربية في الواقع العربي.

اختلط اليسار باليمين
هل تذكرون يوماً كان يوجد فيه يساريين عرباً يهتفون في شوارع العواصم العربية للحرية والعدالة ومحاربة الظلم والاضطهاد، وينادون بحكم الشعب، ويدعون إلى إسقاط أنظمة الاستبداد العربية؟
نعم هم اليساريين أنفسهم الآن تحولوا إلى ألد أعداء الشعوب العربية التي تحركت لتطالب باستعادة حقوقها وكرامتها التي أهدرتها بعض الأنظمة العربية. إن مثل هذه المفارقات لدى اليسار العربي أحزاباً وأفراداً يعني غياب المصداقية في رفع الشعارات، ويعني ازدواجية المفاهيم، وعدم وجود الرابط بين الأقوال والأفعال، وبالتالي هو نوع واضح وجلي من النفاق الفكري والسياسي، مارسه هذا اليسار العربي الخادع والمخدوع، بنفسه وعلى نفسه أولاً وعلى الجماهير العربية ثانياً عبر عقود متتالية.
غاب عن اليسار العربي مسلمة أنه لا توجد مناطق محايدة في مواجهة الظلم وإنصاف الشعوب، وتحقيق العدالة وهي جوهر الفكر اليساري. وإذا ما ظلت الديناميكية الفكرية شأناً بعيد المنال عن أصحاب هذا الفكر فإنهم سوف يتحولون رويداً رويداُ – وإنهم يتحولون- إلى صف الاستبداد المعادي لتطلعات وحقوق الجماهير العربية.
إننا نحتاج إلى غربلة الأفكار للتخلص من بعضها وتحديث الآخر، والقيام بعملية تحليل جدلي نقدية، وليس بالضرورة أن يكون هذا النقد نقداً مادياً راديكالياً يدمّر الأفكار الأخرى ويسحقها، حتى لا نكون في وضع يصبح فيه الفكر شمولياً لا شريك له. بل ما يجب هو أن يكون النقد جدلي يأخذ في الحسبان جملة المفاهيم والأفكار الأخرى السائدة في مجتمعاتنا وأبرزها موضوع الدين، وهو ما يعني قبول وتفاعل متبادل يساهم في تحقيق السلام الاجتماعي.
ربما لا نظلم أحداً بقولنا إن أزمة اليسار العربي ليست فقط أزمة بنيوية وأزمة مرجعيات، إنما أيضاً أزمة قيادات تسلقت اليسار كي تصل إلى موقع الحكم والقيادة. معظم هذه القيادات تم تلقينها بعض الأفكار وبعض المبادئ اليسارية النظرية، لذلك هم أصحاب ثقافة سطحية، وهم مصيبتنا الكبرى. إن الكثيرين من القادة اليساريين العرب لم يضيفوا شيئاً يذكر على الصعيد النظري والفكري، بل أن بعضهم قام بنقل النظريات بصورة سطحية لا تسمح بفك ألغازها، وبالتالي عدم تمكن هذه الأفكار من التكيّف مع بيئتنا الحاضنة.

كلمة ليست أخيرة
إن التحولات والتغيرات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم ومن ضمنه منطقتنا العربية خلال ربع القرن الأخير، قد غيّرت طابعنا الاجتماعي وأفرزت واقعاً جديداً لا نرى فيه اليوم أي دور لليسار العربي. رغم أن الفكر اليساري فكراً ثورياً في مضمونه، ورغم أن الأحزاب اليسارية العربية والعالمية تمتلك تجربة غنية، إلا أنها لن تنجح في العودة إلى ساحة الفعل والتأثير في الأحداث ما لم تتغير بنيتها وخطابها وأدواتها.
من البلاهة بمكان الاستمرار على ذات المنهاج القديم وكأننا لا نرى الانهيارات حولنا. اليساريين العرب لا يلاحظون تأخرهم عن مواكبة العصر الراهن، هذا التأخر أخذ صفة التراكمية، الأمر الذي يعيق أية محاولات للتصويب وتصحيح المسار يوماً بعد آخر. الكارثة أن مجرد النقد كان وظل محرماً لدي الأحزاب اليسارية العربية، فهم وحدهم على صواب، والآخرون في خطأ يقبعون، على الرغم من أن الأحزاب الوحيدة التي تداعت مثل هيكل كرتوني هي الأحزاب اليسارية.
يتم في هذه المرحلة إعادة تأسيس وتقنين النظام الرأسمالي العالمي على اكتاف مليارات البشر من الطبقة الوسطى والطبقات والشعوب الفقيرة من دافعي الضرائب ليزداد الفقراء فقرا وتتغوّل الرأسمالية وازداد ثراء أكثر.
فهل يعي اليساريين حقائق العصر بأن البشرية تمر بمرحلة جديدة بعد تفكك وانهيار الاشتراكية السوفياتية، وبروز تناقضات جديدة أوجدت واقعاً جديداً غيّر وجه العالم؟ أم إننا سوف نعزي رفاق الأمس باليسار العزيز وندعو له الثبات في سؤال القبر؟



15
أدب / وصايا الدرب الأخير
« في: 19:32 03/07/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وصايا الدرب الأخير


في الوصايا الأخيرة
رمل يكتب ظمأ العشب
فوق الأبواب المغلقة
سماء تسكب خرير الدمع
في الحناجر لحظة اليقظة
أحجار المركب تحتضر
على الطرقات
والبشر تطوي ظلها
بما تيسّر من قمح
لا يبصرون ريح الكهف
مساحة الإيمان تكسر العدم
تلعق مناقير الزجاج
وتلغي سرّ الامتداد
في الدروب
 يطرق التراب مرايا اللحم
فوق النساء
يطوف العرّافون
حول البلّور الملون
يبتلع الليل أجنحة الطواحين
حين يتمسّح الصفير بالمنايا
ويسكبها ريشاً يمزق
الظل الجاف
فيتأجّج الرمل غثاء وهشيم
أنّى لنا أن نسير
حد اليابسة بالماء
يصفعنا الوهم دون مس
مثل عصا موسى
ابتلع رأس النخلة
العصافير العابرة
حين توسّلوا الغناء
كي يستدرّوا منها
ورق الريح
في وصايا الدرب الأخير
وجوه تمسك بتلابيب الرحيل
وخطى
تشخص لها قلوب نازفة

16
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


المثقف والسياسي .. وصاية أم انفلات ..
مقاربة غير متأنية

على الدوام كانت علاقة المثقفين بالسلطات السياسية تحكمها معايير مركبة وشائكة ومزدوجة وملتبسة في جوهرها وباطنها، وفي أوجهها المتباينة ومستوياتها المتعددة.
إذ أن قطاع المثقفين يشهد تنوعا قزحياً وانتماءات متعارضة. فتجد المثقف الذي يقف بجانب السلطة الحاكمة ويبرر شرعيتها، ويستميت في الدفاع عن قرارات ومواقف السلطة السياسية، ويغالي في تجميل صور الطغاة. وهناك مثقف من نوع آخر ينتقد النظام السياسي ويدافع عن مصالح الشعوب ويتبنى مطالبها. وبينهما نجد أنواع ونماذج متعددة من المثقفين، المثقف المناضل والحزبي والمحايد والمسالم والمستشار والمداهن. المثقف الموضوعي، المثقف المدجن، المثقف الحالم، المثقف المشروع، المثقف الانتهازي، المثقف النموذج.

في مفهوم المثقف
الثقافي في اللغة هو كل ما فيه استنارة للذهن وتهذيب للذوق وتنمية ملكة النقد عند الإنسان. والمثقف في الدلالات الاصطلاحية هو ناقد اجتماعي يسعى إلى تحديد الظواهر وتحليلها ووضع تصورات لمعالجة المشكلات بهدف الوصول إلى مجتمع أفضل. إن تحديد دلالة مفهوم المثقف ما زالت موضع تباين نظراً لصعوبة حصر المفهوم وضبطه بدقة. إذا كانت غالبية التعريفات منحت صفة المثقف لكل من يشتغل في مجال الثقافة عموماً إنتاجاً ونشراً وترويجاً واستهلاكاً، خاصة بعد أن شهدت المجتمعات البشرية تطوراً كبيراً.
المثقف هو كل من ينتمي إلى شريحة أهل الفكر والمعرفة. هم المنتجين للأدب والفنون والعلوم والفلسفة، ولا يمكن حصرهم في قطاع من الكتّاب والصحفيين والعلماء والفنانين والإعلاميين. إذ يعتبر المثقفين أنهم عقول الأمم النيّرة على مدى التاريخ وضمائرها الحية. حيث يتم من خلالهم نشر الوعي في المجتمعات وبهم تتجسد معاني وقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية. المثقفين هم أول من ينخرط في مراقبة الشأن العام ومحاولة تصويبه عبر إثارة قضايا المجتمع التي تشغل الناس وتتصل بمصائرهم على الصعيد الوطني، وهم المنشغلين أيضاً بهموم البشرية حيث يتشابك المحلي مع الإقليمي والوطني مع العالمي في هذا الكوكب الصغير.
إن تمعنت جيداً في الأدوار البليغة التي يضطلع بها المثقفون لتيقنت أنهم أصحاب سلطة فكرية وأخلاقية ومجتمعية تضعهم في مواجهات متواصلة مع أصحاب السلطة السياسية.
عبر التاريخ كانت الثقافة تعني الحكمة أو الفلسفة أو الدين أحياناً، وكان المثقفين هم الحكماء او الفلاسفة أو الأنبياء أو الأدباء. وكان الملوك والسلاطين فيما مضى يختارون لأولادهم معلمين مثقفين ومربيين يعلمونهم مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب ليصبحوا فيما بعد قادة المستقبل.
مفهوم المثقف من التعابير الشائكة، حيث يصعب تحديد تعريف وإطار وحيد له. وقد تبلور هذا المفهوم في القرن التاسع عشر من خلال الدعوات إلى وضع تصورات مستقبلية تبشر بولادة نظام جديد في روسيا عبر مصطلح "الأنتلجنسيا" التي هي في الأصل كلمة بولندية.
 منذ ظهور هذا المصطلح -المثقف- بمعناه المنتشر أول مرة في باريس العام 1894 على أثر إصدار حكم بالنفي على ضابط فرنسي اتهم بالتجسس لصالح ألمانيا، وتدخل الرأي العام في قضيته التي أدى إلى تخفيف الحكم، منذ ذلك الحين طرأت على هذا المفهوم تغيرات كثيرة اتسعت أحياناً وضاقت أحياناً أخرى حسب المرحلة والمكان والظروف المحيطة بالمفهوم.
ذكر الدكتور محمد عابد الجابري أن المثقف إنسان يفكر ويعمل بعقله من خلال معطيات وأفكار لها مرجعية يدور فيها وينطلق من خلالها في أعماله وأفكاره.
وصاغ المفكر الإيطالي غرامشي مفهومه الشهير عن المثقف العضوي في السجن من خلال كتاب دفاتر السجن. وطرح المفكر المعروف ادوارد سعيد
أسئلته حول تعريف المثقفين إذا ما كانوا فئة بالغة الكثرة أو فئة ضئيلة العدد ومنتقون بعناية.
لكن الثابت على مر العصور ان ارتباط النظرية والأفكار بالمواقف والممارسة، ومناصرة المضطهدين والانتصار لقيم العدالة والحرية هي من أهم صفات المثقف أينما وجد.

موقع المثقف
المثقف ضمير الأمة وصوتها. إن الثقافة هي انعكاس للوعي الاجتماعي، وأحد المؤشرات المهمة على مدى تقدم وتطور المجتمعات البشرية. ولأن المثقف يساهم في التنوير من خلال إنتاجه وإبداعاته، وهو بذلك يشارك في التأثير على المجتمع وتحديد خياراته. بهذا المفهوم إن المثقف هو فاعل سياسي بامتياز.
إن كانت السياسة هي طريقة إدارة شؤون البلاد والعباد، فإن الثقافة بمعناها الشامل هي أهم محرك رئيسي للمجتمع، وهي أبرز أدوات هذه الإدارة، وبالتالي فإن المثقف لا يمكن أن يكون خارج هذه المعادلة لارتباطه الوثيق بالضمير الجمعي، ولا يمكن أن يكون لإبداع المثقف أية معان ولا اية مفاعيل إن اختار أن يكون خارج المجال الحيوي السياسي لمجتمعه، بالرغم من أن السياسي يسعى إلى أن يتكيّف المثقف والإنتاج الثقافي الإبداعي مع توجهاته خدمة لنظامه القائم.
بظني أن المثقفين في البلدان المتطورة اقتصاديا وسياسياً ينعمون برفاهية الاختيار والانخراط أكثر كثيراً من المثقفين في البلدان النامية. ثم أن المثقف المشهور أينما وجد يتحمل أعباء أكبر من بقية أقرانه مما يجعله الأكثر عرضة إلى ملاحقة الأجهزة الأمنية التابعة للسياسي، أو أن تكون هذه الشهرة بمثابة درع للمثقف يحميه من عسف السياسي في بلدان أخرى.
إن تم تهميش المثقف فهذا لأنه لم يتمكن من استنباط أدواته الثقافية التي تجعل منه قادراً على التأثير والتغيير، وربما نستطيع بسهولة إيجاد ساسة كبار ليسوا مبدعين، لكن من الصعوبة أن تجد مثقفاً عظيماً دون أن يكون سياسياً.
منذ سقراط مروراً بالجاحظ إلى ادوارد سعيد وتشومسكي وما بينهما آلاف من المبدعين الذين كانوا فاعلين في الشأن السياسي كل بأسلوبه وأدواته.
بعض المثقفين يشتبكون مع مجمل القضايا الساخنة لمجتمعاتهم، وبعضهم يفضل أن يكون خاملاً في الظل، والبعض الآخر يظن أنه حيادي، لكن لا يجب ان يصاب المثقف بوهم الحياد فيما يتعلق بالقضايا الكبرى وبمصالح الأوطان والشعوب. وأن رأيتم مثقفاً من هذا النوع فكونوا على ثقة إما أنه لا يدرك شأنه ومقدرته، أو أنه ينتظر اتضاح المسارات النهائية كي يحصل على رزقه وحصته من الكعكة. وهذا أسوأ أنواع المثقفين وهو الذي يضع رأسه في الرمال ليخرجه بعد مرور العاصفة. فما هي فائدة الإنتاج الإبداعي لهؤلاء إذ لم تكن هموم العباد والبلاد في أهم أولوياتهم؟

موقع السياسي
إن السياسة هي فن إدارة مصالح الناس والدول من خلال جلب المنفعة ودرء المضرة. السياسي يتعامل مع ذات الواقع الذي يتعامل معه الثقافي، لكن السياسي ينخرط في العمل اليومي بينما المثقف يتعامل مع الواقع والمستقبل، مع الكلي والجزئي في ذات الوقت.
 السياسي مهتم بشكل مباشر في تحويل إنتاج المثقف وتصوراته وافكاره إلى واقع معاش ما أمكن ذلك، وهنا ينخرط بعض المثقفين في النشاط السياسي المباشر، والبعض يحجم عن ذلك.
جدلية ومتلازمة وضرورية، قائمة على تبادل المنفعة، هي علاقة الثقافة بالسياسة، فلا وجود لأحدهما دون الآخر. إن كل من السياسة والثقافة يستثمران في بعضهما، فالثقافة تستثمر في السياسة بهدف تحقيق بعض المكاسب العامة، والسياسة تستثمر في الثقافة لأجل تمرير خطابات سياسية ومواقف محددة.
وكلاهما – السياسي والمثقف – يجتهدان في سعيهما للتوظيف الأكثر جدوى لقنوات العلاقة فيما بينهما. قد يتقدم أحدهما على حساب الآخر، وقد تحدث قطيعة مؤقتة بينهما.
إن المثقف يمارس دوره عبر إنتاجه الإبداعي المختلف، وعبر هذا الإنتاج فإن المثقف يعبر عن رؤيته للعالم كما يراه، وهو بهذا يكون عاكساً للواقع المعاش.
لكن دور المثقف لا يتوقف عند هذه الحدود، إذ عليه أن يقدم تفسير وتحليل فكري وفلسفي وإنساني واجتماعي للواقع، وسبل تطويره وتقدمه.
ينبغي ان نلاحظ أن هناك أداءًا سياسياً منظماً ومؤسساً ضمن أطر وأحزاب وهيئات، وفعلاً سياسياً منفلتاً حراً لا يرتبط بأية منظومة. ولا بد من التفريق بين المثقف السياسي والسياسي المثقف. إن الممارسة السياسية المنظمة تفرض رؤية الجماعة ومفاهيم الحزب بشكل مسبق، في حين أن الفعل السياسي المستقل فهو لا يتقيد بأية مواثيق حزبية. وبظني أن المثقف يكون فاعلاً بقدر ابتعاده من الحزبية وتحرره من الأيديولوجيا والمواقف والمفاهيم التي تفرضها الأحزاب السياسية عادة على أعضاءها. خاصة في الوضع العربي الذي لم يتلمس بعد دربه نحو الديمقراطية الحقيقية، إذ أن الأحزاب يضيق صدرها -على اعتبارها إطار بنيوي فكري سياسي – على الآراء المخالفة مما يؤدي إلى تقليص مساحة الحرية التي يحتاجها المثقف والمبدع للإنتاج الثقافي والفكري، ويشل من قدرتهما، ويحاصر افكارهما وخيالهما، وهم كل ما يملكانه. إذ أن ما يحصل غالباً في العالم العربي أن يقوم السياسي بإجبار المثقف على التمسك بموقف ما دون تغيير، وهذا لا يتلاءم مع دور المثقف. هناك العديد من الأمثلة لمثقفين عرباً انخرطوا في الأحزاب السياسية وتحولوا – يا سبحان الله- إلى أبواق لهذه الأحزاب. وحتى لا يساء فهمنا، نحن هنا لا ندعوا أن يبتعد المثقف تماماً عن الأحزاب، لكن عليه أن يظل محافظاً على استقلاليته وحرية تفكيره لأنهما الوسيلة الأسلم لتحريض مخيلته وذاكرته وبصيرته، ومما يمكنه من المشاركة السياسية عبر إنتاجه الإبداعي الأدبي أو الفني أو الفلسفي الذي يمكن أن يحمل المواقف السياسية في صورة مختلفة عن السياقات التي يمارس فيها السياسي نشاطه. وهكذا يمكن للمثقف أن يمتلك تلك المقدرة التي تمكنه من مقاربة الواقع بكافة مكوناته، فيظهر موقفه السياسي – عبر إنتاجه - واضحاً معبراً عن رؤية سياسية ضمن ارتباطها وتأثرها بالاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والثقافي.

الواقع العربي – حصار مر
في الواقع العربي الحدود غير واضحة بين ما هو مثقف وما هو مبدع، وعادة ما يتم دمج الجميع بصيغة المثقفين. ويتميز المثقفين العرب غالباً بسمة موسوعية وتعدد الاهتمامات وشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، الأمر الذي يؤدي أحياناً انخراط المثقف العربي في السياسة حيث يظن أن المجتمع يحميه، وأنه قادر على أن يصبح منبراً لتمرير الخطابات السياسية في ظل افتقاد معظم الدول العربية إلى مؤسسات المجتمع المدني.
لم يشهد العالم العربي ما شهدته أوروبا من تحولات اجتماعية وفكرية رافقها تغير في تحديد مفاهيم المثقف. فلم يحصل في العالم لا ثورات بورجوازية تحررية على الإقطاع والكنيسة، ولا حدثت فيه ثورات صناعية ولا علمية، ولم يشهد عصور تنويرية.
على مر العصور بقيت ثنائية المثقف والسياسي والعلاقة التي تجمعهما قضية ملتبسة ومتباينة. في الراهن العربي تأخذ هذه العلاقة أبعاداً متصادمة بشكل تصاعدي في كثير من الحالات. وما زالت إشكاليات العلاقة بين المثقف والسياسي، والحدود بينهما، وأدوات كل منهما، وموقع كل منهما ودرجة تأثيره في المجتمع قائمة، ولا زال الجدل والنقاش حولهما يستحوذ على اهتمام المنخرطين بالشأن العام، يخبو أحياناً، ليتوهج هذا الحوار الفكري بين المنشغلين بالثقافة والسياسة.
رغم أن المثقف العربي كان وما زال في معمعة حياة المجتمعات وجزء لا ينفصل من مكوناتها، بل هو – أحياناً - الجزء المتورط في العمل على إحداث تغيرات تؤدي إلى تطور المجتمعات، وهو بهذا المعنى في قلب الحراك السياسي، فيما ينظر له السياسي بارتياب على أنه خطر متوقع يقوض مصالح السياسي.
والتجربة العربية هنا تشير إلى أن معظم الساسة العرب سعوا دوماً بإصرار على إقصاء المثقف العربي من المشاركة في وضع الاستراتيجيات المختلفة للأنظمة العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وكذلك إقصاءه من المساهمة في اختيار آليات إنجاز وتحقيق تلك الاستراتيجيات، بل حتى منعه من تقييمها وإبداء الراي بشأنها. كما كان لمعظم الساسة العرب موقفاً مهيناً من المثقف العربي ومن إنتاجه الفكري، ولم نسمع في عالمنا العربي أن الساسة ومؤسساتهم قد كانت يوماُ حريصة على مشاركة المثقف والمفكر والعالم في وضع تصور حول مشروع وطني وما شابه. ونادراً ما نلاحظ وجود مفكرين ومثقفين متخصصين موجودين كمستشارين في دوائر السياسي، وإن وجدوا فهم للديكور والتزين أكثر منهم للعمل والاستشارة. وعادة ما يتعامل السياسي العربي مع المثقف بخوف وحذر وتجاهل وعدوانية قد تصل إلى سجنه وربما قتله. إذ ان معظم الساسة العرب يتمتعون بخصال منها العنجهية والغرور والتكبر والتعظم والجفاء، لا يقيمون وزناً ولا قيمة للثقافة ولا للمعرفة ولا للفكر ولا البحث العلمي إلا بمقدار ما يخدم مصالحهم ويثبت حكمهم.
لكن وجود المثقف في العملية السياسية هو وجود حتمي وليس اختيارياً، ومن العبث أن يتصور كلاُ من السياسي والمثقف وجود الأخير خارج المشهد، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى أن يفقد المثقف صفته وموقعه، وهو ما يمهد لظهور الوصوليين والانتهازيين والأشباه والأنصاف مما يحاصر الإبداع والكفاءة والنزاهة والفكر، ولنا أن نتصور الأثر المدمر لصعود الغث على حساب النافع للمجتمع.
إذا كانت الأفكار والنظريات يبتدعها الفلاسفة والمفكرين، إلا أن تحويل هذه الأفكار الخصبة إلى واقع عملي يحتاج إلى عقول سياسية عملية تحول الفكرة إلى حلول ناجعة، ذلك أن المثقفين حين يعتزمون التغيير فإنهم غالباً يحتكمون إلى الأيديولوجيا والطوباوية. لذلك عادة المثقف غير مؤهل لهذه المهمة، حيث الأفكار والنظريات تخضع لقوانين التغيير والتعديل والتحول في سياق تطورها وامتحانها في الواقع المحدد. لذلك فإن هذه الأفكار لا تكون بصيغتها الأولى حين ترتقي من مستوى لآخر، وحين تنتقل من مكان لآخر. لا يمكن تعليب وتغليف الأفكار وشحنها ونقلها من واقع إلى واقع آخر، لكن يمكن إعادة تصنيعها وإعادة إنتاجها بصيغ جديدة موائمة لواقعها الجديد. وإن تعاملنا مع الأفكار على أنها هوية ثابتة – دون النظر إلى صيرورتها وقدرتها على التحول- فإنها سوف تفشل.

في المثقف العربي
ما حصل في العالم العربي ومنذ الحملة الفرنسية العام 1789 للآن هو ظهور اتجاهات إصلاحية توفيقية انشغلت بنبش التراث أو الاستعارة من الثقافة الغربية حيناً آخر، مما أدى إلى هزالة ثقافية وولادة مدارس فكرية تقلد الغرب.
في التجربة العربية نجد مفهوم المثقف لا يتوافق تماماً مع المفهوم الأوروبي بعمق التزام "الأنتلجنسيا"، لكننا نجد مثقفين على قدر من مسؤولية الالتزام المجتمعي، ولا نتجاهل أن المثقف العربي يعاني من أنظمة سياسية في معظمها أنظمة قمعية متخلفة تحارب الوعي والثقافة.
على المثقف المساهمة بفعالية في إنتاج وتطوير وترشيد استعمال الأفكار التي تشكل ثقافة المجتمع، يحافظ على قيم وعناصر هذه الثقافة ويعمل على إيصالها وإعادة إنتاجها، ووضعها تحت مجهر السؤال والنقد والبحث.
إن عملية النقد والبحث لتطوير الصيغ هي عملية شاقة جداً تقتضي صياغة خطاب ومفاهيم مختلفة مع ما هو سائد، لكنها تظل أفكاراً تحتاج إلى شروط موضوعية للتحقق لأن المثقف يفتقد الآليات العملية التي يمتلكها السياسي. ومن هنا ضرورة عدم تبعية المثقف للسياسي التي تتناقض غالباً مع ثوابته، لكن من الأهمية قيام تعاون وتنسيق بين الجانبين من خلال أطر نقابية وثقافية مختلفة بما يحقق خدمة أهداف المجتمع.
هذه الرؤية ما زالت بعيدة المنال في الواقع العربي لأسباب متعددة لعل أهمها أن معظم القادة السياسيين العرب لا يعون دورهم التاريخي الذي يتمثل في وعي إرادة الأمة وشرط نهوضها، بل هي قيادة أفرزتها الظروف الطارئة التي مرت بها الشعوب العربية. كما أنها قيادة لا تكن للثقافة والمثقفين أي احترام وتقدير، وتعمل على إخراج المثقفين من المعركة وتحولهم إلى تفاصيل وأدوات في اللعبة السياسية.
ومعظم الرموز والعقول الفكرية والثقافية العربية لا تجد دورها في السياق المجتمعي، لذلك فهي عاجزة عن المساهمة في المشروع الحضاري العربي.
من أبرز المعيقات التي تحول دون ممارسة المثقف العربي لدوره هي نخبوية الثقافة والمثقفين والتي تشكل قطيعة بين المثقف والناس، ثانياً عدم تحديد الأولويات، فعلي سبيل الذكر لا الحصر فإنه منذ عصر النهضة قد أولى المثقفين العرب القضية الوطنية والعمق القومي والوحدة الاهتمام الأكبر على حساب القضايا الاجتماعية.
في الحياة يرتبط الفكر بالواقع المعاش ارتباط جدلي تبادلي وثيق، وهو القاعدة الرئيسية لكل معرفة، وبالتالي فإن هذا الواقع هو المكان الطبيعي الذي تمتحن فيه الأفكار عبر وحدتها مع العمل، إذا أن صيرورة العالم لا تدركها المعرفة الإنسانية إلا عبر الممارسة التاريخية. وبالتالي فإن رؤية الواقع وملامسة عناصره شرط ضروري لفهمه، وامتحان الأفكار من خلاله أهم مقومات تغييره.

هل هذه الشروط متاحة في الواقع العربي؟
لا أظن أنه من اليسير على المثقف العربي تغيير واقعه لأسباب متعددة لعل أبرزها أن معظم المثقفين العرب مازالوا يتعاملون مع أفكارهم على أنها عقائد مقدسة وكشعارات طوباوية وألواح أيديولوجية وإن شئت فلدي البعض هي مستحاثات وخطاب خشبي.
فالتطورات السريعة التي تحصل باستمرار في المشهد العالمي بعد ثورة المعلومات الكبيرة تجاوزت ثنائية المثقف والسياسي بعد أن ظهر لاعبون جدد لهم قدرة مهمة وبارزة في التغيير مثل أصحاب الشركات العملاقة " آبل، مايكروسوفت، فيسبوك، وغيرهم".
ولك أن تتساءل اليوم عمن يؤثر في الواقع أكثر، بيل جيتس ومارك زوكربيرغ وأمثالهم أو جون بول سارتر أو نعوم تشومسكي وادوارد سعيد وغيرهم من كبار المفكرين الإنسانيين؟
مازال المفكرين التقليديين – العرب منهم خاصة - يتحدثون عن الواقع بخطاب يقيني مثالي، بينما هذا الواقع ذاته لا يكف عن مفاجأتهم ويكشف هشاشة أفكارهم وأوهامهم، بينما نلاحظ أن العاملين في الوسائل والأدوات الثقافية الحديثة فإنهم يخلقون واقعاً جديداً. فهل نشهد انقلاباً في المفاهيم الثقافية والاجتماعية يؤدي إلى إعادة صياغة وتحديد المصطلحات الفلسفية؟

17
أدب / الماء المتعب من النهر
« في: 17:41 24/06/2018  »

الماء المتعب من النهر


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك



1
هذا الليل زفير الوقت
بلا أصفاد
يتعرى من أسوار الضوء
ومن صمته
ليل يتشظّى حقلاً من سنديانة
ويقطف من صوته
وريد النهار
بين هذا الليل ومواسم الصبّار
فجر يحرق المدى
ويصلب صهوة الزمن
وبين شوارع المدينة وأسماء الصباح
حممٌ تتمدّد فوق قمر مبتور
مثل برق لا ينطفئ


2
الماء المتعب من النهر
يرتاح قليلاً من عبء الأوراق
في عبق الحقول
كأنه واحة للشقاء
يصحو التراب من غفوته
والهديل على العشب
قزحي التحليق
تُحار به المواسم
يركض الصغار مثل الغزلان
في مواسم الحزن
يكتبون دهشتهم
فوق حواف المساكب
كأنهم زنابق تنتظر عناق


3
مواعيد غابت مثل سطور بائدة
وأخرى تنتظر
قد ضجرت النوافذ الوجوه
وأحلام تتراكم كعيون مالحة
في عتمة السواقي
عظام عرّتها ريح النرجس
خلف الشواهد
قرب حدود القهر أو أبعد
قامات يغسلها الليل مرتين
تلتحف اللحد
تصلي قبل التراب
حتى يزهر الطين
ثم تنام


4
مددٌ مددْ
تفر الدروب إلى التلال
الموت يتناسل في جوف المدينة
والمقابر تبحث عن الأكفان
مدد يا رب المكان مدد
أين المفر؟
النور الراقد وجوه الطفولة
والموت عقارب تراقص العتمة
لكننا باقون يا ربي
حتى تتمزق أعناق الرجال
أو نشهق فرحاً وننفطر
بساتيناً وعصافير


5
نرتمي على لبادة الصمت
فقاعات في غبش الغابة
يسكننا القهر منذ قافية الماء
يرسم الصنوبر أوراق المطر
حفيف على ظلال بلا جسد
والقناديل تكتب الهاوية
بلا صرير
هكذا عند ساقية الدهشة
يقتلعنا المعنى
لنمضي على أرصفة الخذلان
الممتدة نحو الشراع
ننكسر لكن أجنحة قلوبنا
تنتفض ما زالت
مثل مأوى للمارقين


6
خلف الفوانيس النائمة
يحاصر الأنين الستائر
تعجن الصلاة الحزينة
دموع الغائبين
تختنق المناديل
ترتعش سدرة الوجع
بياضاً على هيكل الفراغ
ويحلق وتر العين
نحو السراب الراحل
لا ترى المسافة
لكن الدروب تحكم الإغلاق


18
الأدب والصحافة.. زواج مقدس
 قراءة في التجربة الفلسطينية

حسن العاصي
كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في الدنمرك

مند تأسيسها، ساهمت الصحافة الفلسطينية والصحافيون الفلسطينيون في تطوير الحركة الصحافية العربية وإنضاج تجربتها، كما ساهم الأدب الفلسطيني والأدباء الفلسطينيون كذلك بفعالية في إغناء الحياة الثقافية العربية وجعلها أكثر إبداعاً وجمالاً.
وكان لبواكير الأعمال في فن القصة مثل أعمال الأدباء الفلسطينيين غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وأيضاً إبراهيم نصر الله، كان لها دور طليعي في رفد الأدب العربي بأعمال مهمة لعبت دوراً في تبلور وتطور فن القصة العربي، بل إن الأدب الفلسطيني أظهر قدرة على معالجات متميزة ومتفردة عربياً، مثل رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” للأديب إميل حبيبي.
وبالرغم من أن الشعر هو نوع الأدب الذي يفيض به النشاط الثقافي الفلسطيني أكثر من غيره من الأصناف الأدبية، وهو أمر يتميز فيه الفلسطينيون في سياق الحركة المتطورة في الأدب العربي، إلا أن المتابع للإنتاج الأدبي الفلسطيني يلاحظ تطور هذا الأدب في الرواية والقصة والنقد كما هو حال الشعر.
ومما لا شك فيه أن النكبات المتتالية التي عانى منها الشعب الفلسطيني، كان لها الأثر الواضح في مجمل الأعمال الأدبية وخاصة في مجال الشعر، الذي صوّر معاناة الفلسطينيين، وعبّر عن الذاكرة الشخصية والجماعية التي تضمنت كافة المنعطفات السياسية والاجتماعية التي تعرضوا لها، منذ نهاية القرن التاسع عشر.
كل هذا الوجع الفلسطيني شكل مادة دسمة للأدب الفلسطيني الذي تميز بكونه أدباً يحض على الشجاعة والإقدام، أدباً يدعو إلى حب الوطن وإلى مواجهة الظلم، وأدباً يفيض معاناة ويمتلئ بالأحاسيس التي تلامس مشاعر وأذواق القراء الذين يتفاعلون مع الأدب الفلسطيني ومع قضيته.
لقد ظهرت الصحافة والعمل الصحافي في فلسطين كخامس دولة عربية بعد مصر ولبنان وسورية والعراق، وهذا يمنح الصحافة الفلسطينية عراقة تاريخية ما زالت تراكم تجربتها حتى يومنا.
بالرغم من أن الصحافة الفلسطينية منذ انطلاقتها واجهت مضايقات رقابية وحصاراً من قبل السلطات العثمانية التي كانت تحكم فلسطين، حيث كانت الصحف تعتبر ناطقاً رسمياً باسم الحكومات القائمة، لذلك اعتبرت السلطات العثمانية ما تتضمنه الصحف أمراً خاصاً بها، هي وحدها تجيز وتمنع وفق أهوائها.
يعد الانتداب الذي فرضته بريطانيا على فلسطين، مرحلة جديدة للصحافة الفلسطينية التي دخلت في كوارث متتابعة من المعاناة، إذ أقدمت السلطات البريطانية على اعتماد سياسة إغلاق الصحف والتضييق عليها، والقيام باعتقال الصحافيين، والتكتم على المعلومات ومحاولة حجبها عن الصحافة، كما عانت الصحف من الرقابة الشديدة على محتوياتها، وقد استمرت هذه المعاناة طوال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين التي استمرت ما يقارب الثلاثة عقود.
إن حال الصحافة الفلسطينية بعد النكبة لم يكن في وضع أفضل، فعلى سبيل المثال عانت هذه الصحافة من الإجراءات المتشددة والرقابة المسبقة في ظل حكم الإدارة المدنية الأردنية للضفة الغربية، بالرغم من أن هذه الفترة شهدت تأسيس عدد من الصحف والمجلات الجديدة.
ورغم التوسع الذي حصل إلا أن الرقابة الحكومية فرضت على الصحف خطاً تحريرياً لا يخرج عن السياسات الحكومية، وكان مقص الرقيب يتدخل في أية مادة صحافية منشورة لا تنسجم مع الموقف الرسمي الأردني.
ولا يختلف حال الحياة الصحافية كثيراً في قطاع غزة الذي وقع تحت الحكم المصري، إذ عانت الصحافة من مشكلات كثيرة أهمها مقص الرقيب وغياب الخبرة، وعدم وجود مؤسسات إعلامية، إضافة إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب والمعقد الذي كان يعاني منه قطاع غزة.
يلاحظ في تلك الفترة وما تلاها، أن الصحافة الفلسطينية انغمست كثيراً في القضايا السياسية وقضايا التحرير، ومواجهة الخطر الصهيوني، بالإضافة إلى ذلك فقد طرأ عنصر جديد على هذه الصحف في تلك المرحلة أيضاً هو أن معظم الصحف والمجلات الفلسطينية بدأت في تخصيص قسم للثقافة فيها، حيث بدأت هذه الصحف تنشر الأعمال الشعرية والقصصية والمقالات الثقافية.
وفي فترة الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967 ظلت الصحف الفلسطينية تعاني من الرقابة والتضييق، حيث قامت إسرائيل بممارسة مزيد من الضغوط النوعية التي لم تشهدها هذه الصحف، خاصة في ظل الرقابة العسكرية التي أجبرت الصحف بالحصول على موافقة مسبقة على كافة المواد المنشورة، وفي ذات الوقت استمرت هذه الصحف في مواجهة هذه الضغوط بكافة وسائلها، واستطاعت أكثر من عشرين صحيفة جديدة الحصول على تراخيص للإصدار في تلك المرحلة.
أبرز ما ميز الصحافة الفلسطينية في فترة الاحتلال الإسرائيلي، أنها صحافة ثبات ومحافظة على الوجود، ولم تكن صحافة مجابهة ومقاومة، إذ أنها انشغلت في الحفاظ على المكونات التي تحمي هوية الشعب الفلسطيني من الضياع، وعملت على تعزيز مفهوم الحقوق الوطنية في نفوس الفلسطينيين، كما أنها لعبت دوراً هاماً في فضح تصرفات الاحتلال الإسرائيلي.
التطور اللافت والمنعطف الهام الذي حصل في القضية الفلسطينية العام 1994 حين تم الإعلان عن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، هذا العنصر المستجد أوجد وقائع جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أهم ملامح هذا الواقع هو انتقال سلطة الحكم الإداري من إسرائيل إلى الطرف الفلسطيني، وبقاء السيادة السياسية لإسرائيل.
حاولت السلطة الفلسطينية استثمار هذا العامل الجديد، واتخذت إجراءات تمهد لبناء نواة دولة فلسطينية قادمة، فقامت بإصدار قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني في العام 1995 وكان هذا الأمر دليلاً واضحاً على اهتمام السلطة الفلسطينية بقضايا الصحف والإعلام والأدب والنشر، وتنظيم العلاقة بينهما من جهة، وبين وسائل الإعلام والمجتمع من جهة أخرى.
وقد تميزت هذه المرحلة بنشاط زاخر وحركة صحافية وعمل ثقافي واسع بهدف إحداث تطور ونقلة مهمة للحياة الصحافية والثقافية بشكل عام، بالرغم من قلة الإمكانيات لدى الفلسطينيين قياساً بالأشقاء العرب، إلا أن حراكاً إعلامياً كان قد بدأ بتفاعل كافة القوى السياسية الفلسطينية، وكانت الصحف هي الوسيلة التي تعكس هذا التفاعل.
انتشرت الصحف والمجلات الفلسطينية في عهد السلطة، وكانت تعكس التنوع السياسي والمزيج الفكري للشعب الفلسطيني وقواه السياسية. وهنا ظهر عامل جديد، إذ أصبحت الصحف أيضاً تخضع لقوانين السلطة إضافة لخضوعها إلى نفوذ إسرائيل.
كما أن إسرائيل بقيت مستمرة في اعتماد سياسة استهداف الإعلام الفلسطيني الذي أصبح خاضعاً للسلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل تستهدفه كما تستهدف كافة مناحي حياة الفلسطينيين.
الأبرز هو استمرار القيود الإسرائيلية التي كانت مفروضة على الصحف والصحافيين الفلسطينيين، مثل القيود على حرية الحركة، واعتقال الصحافيين وضربهم أثناء تغطية الأحداث، ومنهم من قامت إسرائيل بقتله.
فيما يرتبط بالحياة الأدبية الفلسطينية، كان الأدباء الفلسطينيون يكتبون أعمالاً لأنفسهم، ولم تكن تشغلهم في فترة بداية القرن العشرين وما قبلها، فكرة عرض أعمالهم على القراء.
ويتفق الباحثون على أن الأديب الفلسطيني يوسف الخالدي هو الوحيد بين أقرانه في تلك المرحلة من حاول نشر أعماله الأدبية، لكنه لم يتمكن من ذلك لأسباب تتعلق بظروف عمله.
بينما تمكن الأديب روحي الخالدي الذي كان ديبلوماسياً في باريس، من نشر كتابه “تاريخ علم الأدب عند العرب والافرنج” في مجلة الهلال المصرية على حلقات، بعد أن أقام علاقات صداقة مع صحافيين مصريين، الأمر الذي فتح له باب الشهرة.
وفيما بعد تمكن روحي الخالدي من نقل جزء من الثقافة الغربية إلى القارئ العربي عبر ترجمة عدد من النصوص والأعمال الغربية ونشرها في الصحف المصرية بداية ثم في صحف أخرى.
وكان روحي الخالدي من الأدباء الذين يصوغون أعمالهم بطريقة تصل إلى المتلقي بسهولة كما أن أعماله تضمنت الكثير من قيم الأصالة، ويعتبر من رواد الأدب الواقعي.
وكان لأعماله التي نشرت الأثر الواضح في صياغة مفاهيم لغوية جديدة لدى عدد كبير من الكتاب والأدباء العرب والفلسطينيين، وبدأ الأدباء يميزون بين الأصناف الأدبية الغربية بفعل جهود روحي الخالدي.
نحن نتحدث هنا عن فترة بداية القرن العشرين، حيث بدأ الأدب الفلسطيني يحبو وينمو ويتطور بشكل بطيء. ولا يمكن الحديث عن تلك الفترة دون ذكر أسماء الأدباء الرواد، وأبرزهم الشيخ يوسف النبهاني، ونخلة زريق، وخليل السكاكيني، ومحمود حمدي.
وظهر في تلك المرحلة تيار من الأدباء لم يكن معروفاً من قبل، اعتمد الشعر والنثر الذي يعالج قضايا اجتماعية واقعية، أو ما يعرف بالشعر القصصي، ولعل ديوان الشاعر “إسكندر الخوري البيتجالي” الذي أصدره العام 1919 باسم “الــزفرات” خيــر دلــيل علــى ما ذكرت.[1]
إن الشاعر البيتجالي نسبة إلى “بيت جالا” القرية التي ولد فيها، كان سبّاقاً في الدعوة إلى الشاعرية الاجتماعية، حيث قدم الشاعر نفسه العديد من الأعمال الأدبية التي عالجت بالشعر قضايا اجتماعية، وهو بذلك مهّد الطريق أمام هذا النوع من الأدب الذي بدأ يعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة، وقيم المحبة والخير بأسلوب مختلف عما كان سائداً.
ورغم هذا فإن الإنتاج الأدبي في فلسطين كان محدوداً، لكن قيام السلطات العثمانية بإصدار دستور عام 1908 كان له أثر في تطور اللغة العربية حيث دخلت مصطلحات جديدة لم يعهدها الناس من قبل، مثل الدستور، والحرية، والقومية، والأمة، ترافق ذلك مع تبلور الطبقة الوسطى في المجتمع التي اهتمت بإصدار الصحف السياسية، وحرص بعض شرائحها الاجتماعية على تملك هذه الصحف، واتسعت دائرة القراءة وانتقلت من النخبة إلى الجمهور.
كما قامت الطبقة الوسطى بتأسيس الأندية الثقافية والاجتماعية، ما أنعش بشكل متدرج الحياة الثقافية الفلسطينية، حيث كانت هذه الصحف والأندية تعبر عن هذه الطبقة ومصالحها، عبر المقالة السياسية والأدبية، وعبر كتابة المذكرات، والمواضيع اليومية، بحيث تماهت الصحف مع واقع وتطلعات الطبقة البرجوازية.
يمكن أن نلاحظ هذا التماهي من خلال مطالعة عناوين صحف تلك الفترة، والتي تعج بمفردات من نوع: الحرب والسلم، والاقتصاد والسياسة، والبناء الاجتماعي، والإصلاح، والنهضة ودور الشعوب.. الخ، وجميعها قضايا تمثل واقع حال الطبقة الوسطى ومشاكلها.
وهكذا أصبحت هذه الطبقة تمتلك أدباء وكتّاباً يعبرون عنها، مما شجع على زيادة أعداد الصحف وبالتالي زيادة عدد المطابع، هذا من جهة، الأمر الذي أسهم في ازدياد أعداد الكتاب من جهة أخرى، ومن أبرز هؤلاء الأدباء والكتاب في تلك المرحلة العثمانية نذكر: خليل السكاكيني، وخليل بيدس.
من المعروف أن اللغة العربية تأثرت على مر التاريخ بلغات أخرى منها اليونانية والفارسية، إلا أن تأثير اللغة التركية أيام العهد العثماني ظل محدوداً ويقتصر على اللهجة المحكية بين الناس، لكن الفصحى لم تتأثر، وفي سياق الأدب الذي نتحدث عنه هنا، لم نجد أي نص باللغة التركية لأي أديب فلسطيني، ولا حتى نصاً منقولاً من التركية إلى العربية، بالرغم من أن العديد من الأدباء الفلسطينيين في تلك الفترة كانوا يجيدون اللغة التركية.
لقد عرف الأدب العربي الشعر المترجم وأنواعاً مختلفة وحديثة من النثر الأدبي، وكذلك فن المقالة، والرواية والنقد، من خلال انفتاحه على الأدب الغربي الذي رفد الأدب العربي بأنواع لم يكن يعرفها العرب. وكانت الصحف والمجلات هي الوسيلة الشعبية الوحيدة لنشر الإنتاج الأدبي، وهكذا بدأ عامة الناس يتعرفون على أنماط جديدة من الأدب ومن أساليب الحياة لم تكن معروفة من قبل.
إن ظهور هذه المفاهيم الجديدة في منطقتنا قادمة من الغرب وما حملته من مفردات ألهمت الكثيرين ومن ضمنهم الأدباء، مثل التربية والتعليم، وإنشاء المدارس، وتعليم المرأة وتحررها، والحجاب والحياة المدنية، إلى ما هنالك من الشعارات والمواضيع التي كانت تزخر بها المجتمعات الغربية وصحافتها وأدبها.
اجتمعت عناصر تأسيس وانتشار الصحف، وتحسن مستوى التعليم، والتواصل والانفتاح مع الغرب، وإقامة أندية ثقافية واجتماعية، لتشكل بداية لظهور علاقات جديدة في فلسطين. فالأدباء الفلسطينيون الأوائل كانوا أناساً أكاديميين يمتلكون العلوم الأدبية وأصحاب ثقافة كبيرة، وسافروا إلى بلدان متعددة، ويتحدثون لغات أجنبية.
إن ما سبق ذكره مهّد الطريق أمام بداية تأسيس الثقافة الفلسطينية، التي شكل عمودها الفقري نشوء الصحف وانتشارها، وفتح نافذة للتبادل الثقافي والمعرفي مع الدول الغربية، ساهم في مد هذه الجسور الطلاب الفلسطينيون الذين تخرجوا من مدارس الإرساليات، أو ممن تم إيفادهم للتحصيل العلمي في الجامعات الغربية، الأمر الذي أثرى الثقافة الفلسطينية من منابع معرفية متعددة.
وتعرفت الثقافة الفلسطينية والأدباء الفلسطينيون على فنون إبداعية لم يكونوا يعرفونها مثل السينما والمسرح والتمثيل والديكور وما شابه من مفردات حديثة. كما جرت عملية بلورة للاتجاهات الأدبية السائدة بشقيها الكلاسيكية والرومانسية، وتنوع أشكال الكتابة ومناهج النقد الأدبي.
طبعا كانت الصحف هي الحاضن الطبيعي لولادة هذه الأفكار والمفاهيم الثقافية الجديدة، وكذلك كانت الصحف الجسر الذي عبرت خلاله الكثير من المصطلحات والمفردات اللغوية والأدبية والسياسية الجديدة إلى شرائح واسعة من الناس، من خلال استخدامها من قبل الأدباء والكتاب في المقالات والأبحاث والنصوص التي كانوا يكتبونها وتنشرها الصحف.
ليس هذا فقط، بل قامت الصحف والمجلات الفلسطينية بدور فعال في إحداث تغييرات في السلوك والحياة اليومية للفلسطينيين عبر ما تنشره من قصص وروايات مترجمة، وهي بذلك أسهمت في صياغة مقاربات معيارية للحداثة وللذائقة على المستويين الشخصي والعام.
أيضاً، كان للصحف الدور الهام في فتح الأبواب أمام ترجمة الأدب العالمي إلى اللغة العربية، واعتبر الأدب المترجم عنصراً من عناصر الثقافة، وواحداً من الأنماط الأدبية الحديثة التي كان لها تأثير على اللغة العربية وتطورها وعلى الحياة الأدبية الفلسطينية بشكل عام من خلال التعابير والمفردات التي جلبتها الصحف والمجلات للأدب العربي، وأدخلت هذا الأدب في طريق الحداثة.
من أهم الصحف والمجلات الفلسطينية التي قامت بهذا الدور التنويري نذكر مجلة “النفائس العصرية” لصاحبها خليل بيدس التي كانت تصدر في مدينة القدس، وكذلك مجلة “الزهرة” لمؤسسها جميل البحيري وكانت تصدر في مدينة حيفا. ([2])
ولا بد من الإشادة بالدور النشط الذي لعبه النقد الأدبي في تعزيز هذه المفاهيم الجديدة، من خلال الاستخدام المتكرر للعديد من العبارات والمفردات العربية الحديثة التي استحسنها المتلقي فأخذت تحتل مكاناً في الحياة اليومية للناس.
وقد كتب بهذا الشأن عدد من النقاد والأدباء ومنهم خليل السكاكيني، الذي دافع عن أهمية تطور اللغة، والضرورات التي تمليها المتغيرات التي تحصل في المجتمع لهذا التطور، وأشار إلى أن اللغة تحاكي التاريخ من حيث أن مفرداتها وتراكيبها تشير إلى الفترة الزمنية التي استخدمت فيها هذه التعابير، وهذا يجعل من اللغة كائناً حياً يتطور وينمو.
وكما أسلفنا فإن انعكاس هذا التطور والنمو نلمسه في الصحف الفلسطينية التي ساهمت بنشر ما هو حديث في اللغة عبر المقالات والنصوص، وبهذا ساهمت الصحافة في تطور وعي البشر أيضاً وتطور تفكيرهم ومعارفهم ونظرتهم للأشياء.
ومن أهم المجلات والصحف التي شكلت حاملاً لهذه الحداثة وتقديمها للعامة، مجلة الكرمل، والإنصاف، والترقي، والأصمعي وغيرهم.
ولعل أبرز التعابير الحديثة التي دخلت إلى عالم الصحافة حينذاك، والتي كانت تحاكي الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك الفترة، القومية، والنهضة، والاستقلال، والاستبداد، والفكر الاشتراكي، والعقيدة، وحقوق الإنسان، والمساواة، والتجديد، والعديد من المفردات الأخرى التي أصبحت تستعمل في مجال الفنون الأدبية والمسرحية والإذاعية، ومصطلحات فلسفية وسياسية وحقوقية واجتماعية.
والصحف التي نشرت هذه المصطلحات منحتها أيضاً معانيها الحقيقية من خلال ربطها بالواقع المعيش، وعبر ذكر أمثلة محددة، وكذلك عبر الحرص الذي أصبح يوليه الصحافيون الفلسطينيون في استعمال هذه التراكيب الجديدة في مقالاتهم، وحرص الأدباء على استعمالها في نصوصهم وإنتاجهم الأدبي، وبهذا نستطيع القول إن الصحافة الفلسطينية ساهمت بشكل فعال في تشكيل وتبلور ما يمكن أن نسميه الثقافة الوطنية الفلسطينية، من خلال الدور الكبير الذي قامت به الصحف في نشر المعرفة، وحماية مكونات الشخصية الفلسطينية من الاندثار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصحافة بلا شك قد احتلت موقعاً مهماً في سياق تطور اللغة العربية ورفدتها بعوامل استمرارها وتجددها كي تظل لغة نشيطة ومواكبة للتطورات المختلفة في المجتمع.
في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، اعتبرت سلطات الانتداب أن اللغة العربية هي اللغة الثالثة في فلسطين، بعد الإنجليزية والعبرية، وسخروا من العربية التي اعتبروها لغة لا تناسب المجتمعات المتطورة، وهذا ما وضع اللغة العربية في مواجهة خطر اضمحلالها وتراجعها، ومن أجل الضغط أكثر على العربية، أصدر الانتداب قراراً بضرورة المعرفة الجدية للغة الإنجليزية لكل من يرغب في تولي وظيفة من العرب.
وهنا مرة أخرى قامت الصحافة الفلسطينية بدورها في حماية اللغة العربية سواء من جانب الخطابات والمراسلات الحكومية، أو من جانب ما يمكن أن يسيء إلى اللغة العربية عبر الترجمة السيئة لكتب أو أعمال أدبية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
وقد تصدى لمهمة الدفاع عن اللغة العربية مجموعة من الأدباء والكتاب الفلسطينيين، من خلال النقد المباشر أو تقديم نموذج للآخرين عبر الاستخدام الأمثل للعربية وكيفية توظيف اللغة في المقالات والتقارير والنصوص الأدبية.
أيضاً اهتمت الصحف الفلسطينية بنشر الأبحاث والدراسات التي قام بإعدادها عدد من الكتاب مثل السكاكيني والنشاشيبي، اللذين كانا يسافران خارج فلسطين لإلقاء المحاضرات حول اللغة العربية.
ختاماً، نستخلص من كل ما تقدم أن الصحافة الفلسطينية نشرت جميع الإنتاجات الأدبية، ووقفت إلى جانب المبدعين والأدباء والكتاب، وأسهمت بشكل قوي في نشر المفاهيم الحداثية فيما يتعلق باللغة أو بالحياة عموماً، ولها الفضل في نقل الأدب الغربي للقارئ العربي، ودورها المهم في بقاء واستمرار اللغة العربية وحمايتها وكذلك تطورها في مختلف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني وصحافته وأدبه.
الهوامش:
 
[1] انظر: ديوان العرب، قسم الأدباء والكتاب الفلسطينيين، http://cutt.us/tebf4).
[2] انظر: مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية، http://cutt.us/nJCHi).


19


كي نبرأ من اليباس

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


لأجل رحيلهما أبتكر للغياب مصائد للحياة



لم يعد قلبي كما كان
تعثّرت طيوري في درب الريح
تاهت ناصيتي وأصبحتُ يتيماً
ونهري أضحى عارياً
صار لي عصفورين في غابة الغرباء
كانا مثل رحيق البسمة
بلسماً لكل داء
كأنهما ساقيات الكروم
يبحثان عن العناقيد العابرة
أصبحا حزن يجثم فوق غصن الوريد
بعيد كلاهما
مثل أرجوحة غادرت ساحة العيد
وأنا في هذا الدمس الشديد
تذبل داليتي وعيناي تشتهي الجنون
وعصافير لا ترحل
نصفي ضاع هناك قرب السور
على أطراف الحجارة
حيث الشقيقات المكلومات
 يزاحمن دمعي على القبور
وعاد نصفي مسافة شاحبة
كمد يطوي خطاي
وصور تفصد وريد الحياة
لا قرار لهذا الشقاء
غزير بالحزن والانكسار
من يمتلك سر هذا الرماد؟
ومن للحجر البارد يفسر زخّات التراب؟
وحدها العَرَبة هنا ضالعة في نحري
تكتظ بالوجوه المتوقّدة في سكينتها
قد أعيا الرحيل جهاتي يا ربي
وضاق بي دربي
تراني أقبض بالبصيص الباقي
كي ينام الوقت قليلاً أو لا يستيقظ
لأنني كثيراً كثيراً أخاف
في عتمة العمر
ازدحام الغصن بالعصافير
وأخشى سقوط هامة الطريق
لعل حين يشدّني البياض ويأتي موتي
يغفو نصفي في كف أبي
ونصفي قرب أضلاع الشقيق يرقد
أقصص حزني ووحشة ثوبي
أقتسم معهما رحلتي بما أنبتت
إذ يبتلع البحر الغابة
حيث لا فراق ولا جدران
ولا طيوراً تنقسم أجنحتها
هنا أقبع وحيداً مثل نعش يخشى بياضه
يتدحرج تيهي مرتبكاً فوق الصناديق
مثل ندف الحزن يتدفق
لا ينفع فيه سبات ولا جنون
أوشك تعبي أن يصل
تعالوا نتوغل في المقبرة
كي نبرأ من اليباس
أبداً لم أكنْ أحدثكم هنا عن الموت
ولا عن وجع الفراق
هنا كنتُ أحدثكم عن والدي محمد وأخي حسين


20
أدب / أغمضت الغابة عشبها
« في: 12:26 15/04/2018  »


أغمضت الغابة عشبها


حسن العاصي


يتشقق وجه الصباح
تذوي الشمس السوداء
يطفو على الجفاف
جوع الصغار
يترصد حليب الأمهات
ولجت سدرة العين
كي ترضعني جدتي
لازالت أفواه القتلى
تلاحقني


لا شيء في رحيل الانتظار
سوى فراغ الوقت
غبار المكان
جدران باردة
ذاكرة عابرة للأزمنة
مواعيد لا نوافذ لها
ومعصية الدروب


أغمضت الغابة عشبها
خرجتْ من النهر
أقامتْ نذرها
تمدّ للشجر ما بقي من التراب
انقسمت الرؤى مثل البيان
والماء يجري حافياً
ليرشف من درب النهار
نقطة ضوء


انتهى الموكب
غراب المقابر يجوب الجسور
يكمّم عين الوقت
الضجيج المقدّد ينقسم على صوته
وخلف صور العتمة الأولى
يتحجّر الفراغ
كان الفجر يموت


ما سر تلك الروافد الحزينة
رائحة الغيم الناعم لون عينيك
اقطف غصّة البكاء
قالتها ومضت
قاب صبح أو أقصى
عبرت أرصفة الضياع
وحدك باقٍ يا وطن الموت
قهر يملك كل الأسماء
وسفر ينهش توت البساتين


في أحلامي ترقص غجرية
بخلاخل من فضة
أحجار تقضم أضلاع امرأة عجوز
وسوسنة سوداء
يُبعث من رحمها عقبان
تنهش عصافير الصباح
أحلامي ألملمها من قارعة
كتاب التاريخ


21
أدب / درب الأراجيح مغلق
« في: 19:04 22/03/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


درب الأراجيح مغلق
1
لا فطام للغابة الحافية
من جنون المطر
يغسل خطايا الشجر
حين استيقظت عصافير الصباح
أغلق الغيم نوافذه
ونام

2
كيف للمنكسر على أعتاب الحقول
أن يقبض على أحلام موصدة
تسقط فوق البيادر
أوراق ظمأى
تذروها الريح الحزينة


3
يتدحرج صدر الحزن
في حكاية الجدة
موحش هذا الغياب
تتكور الطفلة فوق صورة الأم
مازال قلبها صغير
جداَ صغير


4
قد بلغ الاحتضار بذرة الحياة
يرشح شجر السنديان
بخار أصفر
قال لها أعينيني على الوَرَعِ
قالت
كيف نراوغ الطيف المتعرج
في نافذة الموت
ونحن عراة
أخشى أن أفقدك


5
لا شيء يختم سفر الانشطار
لا تراتيل التكوين
ولا رقص الدراويش
المدينة أغلقت الصلاة
لتتكاثر الأكفان


6
تفاصيل الحزن
ويدك المنزّهة عن أوجاعي
يقتحمان ثرثرة القصيدة
وعربة الدموع التي داهمتني
شيّعتني على أكف الصمت

6
جنائز الغرباء
على بعد طفولة
من باحة البكاء
نعش يسترق الحياة
لكن
درب الأراجيح مغلق


7
المواسم كئيبة
والحقل حزين
خلف السور تسير قوافل الجوع
يوشك المطر أن يرتبك

22
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


فلسطين في التجاذبات الافريقية-الإسرائيلية

هل ولّى الزمن الذي كانت فيه افريقيا صديقة فلسطين وحليفتها؟ هل تذكرون يوماً كانت فيه دول الاتحاد الافريقي تصوت ككتلة واحدة ودون تردد لصالح القضية الفلسطينية في المحافل الدولية؟ هل انشغلت دول القارة السمراء في معالجة مشاكلها الداخلية عن نصرة الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة؟
أحقاً ذهب ذاك الزمن الذي كانت القارة الإفريقية بأسرها تقريباً تُقاطع فيه إسرائيل؟
هل تراجع الاهتمام بقضايا الحق والمبادئ والقيم والعدالة الإنسانية في إفريقيا -كما هو حال بقية العالم- وحل مكانها السياسات البراغماتية التي تراعي تحقيق المصالح والمنفعة؟
وهل نجحت إسرائيل في توجيه أنظار بعض الدول الافريقية بعيداً عن القضايا العربية؟
الإجابة على تلك الأسئلة هي "نعم". هذا ما حصل خلال السنوات الماضية نتيجة جملة من الأسباب.
دعونا نفهم ما الذي حصل
في نهاية العام 2017 خاضت الدبلوماسية الفلسطينية والعربية معركة مفصلية تعلقت بمواجهة قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" القاضي بنقل السفارة الأمريكية من مدينة "تل أبيب" إلى مدينة القدس الشريف. اجتمع مجلس الأمن الدولي نتيجة هذه التحركات بتاريخ 20/12/2017، في جلسة طارئة بدعوة من ثماني دول لبحث قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بشكل أحادي بالقدس عاصمة لإسرائيل. وتقدمت المجموعة العربية ممثلة بمصر مشروع قرار يطالب الولايات المتحدة بسحب اعتراف "ترامب" بالقدس عاصمة لإسرائيل، لكن القرار لقي معارضة شديدة من الولايات المتحدة التي استخدمت حق النقض ضده، بالرغم من وجود قرار رقم 476 صادر عن مجلس الأمن فى 30 يونيو 1980 رفض فيها المجلس قيام إسرائيل بضم القدس الشرقية، واعتبر ذلك معوقا خطيرا أمام تحقيق سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط، وقرر المجلس كذلك عدم الاعتراف بما يسمى القانون الأساسي الصادر عن الكنيست الذى اعتبر القدس عاصمة موحدة لإسرائيل وأنه لاغٍ وباطل.
في اليوم التالي بتاريخ اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك بتاريخ 21/12/2017، لكي يتم التصويت على قرار يدعو الولايات المتحدة إلى سحب اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل. صوتت 128 دولة لصالح القرار ولصالح القدس، فيما اعترضت 9 دول، وامتنعت 35 دولة عن التصويت لصالح القرار الذي استبقه البيت الأبيض بالتهديد بوقف المساعدات المالية التي تقدمها الولايات المتحدة لبعض الدول إن صوتت مع القرار.
الدول التي صوتت ضد القرار وضد فلسطين هي الولايات المتحدة الأمريكية، إسرائيل غواتيمالا، هندوراس، توغو، ميكرونيزيا، ناورو، بالاو، جزر مارشال.
كما امتنعت 35 دولة عن التصويت هي: البانيا، اندورو، استراليا، جزر البهاما، باربادورس، البوسنة والهرسك، بلغاريا، الكاميرون، كولومبيا، كرواتيا، الكونغو، استونيا، فيجي، المانيا، غواتيمالا، هاييتي، هنغاريا، لاتفيا، لتوانيا، ملاوي، موناكو، منغوليا، مونتينيغرو، هولندا، بابوا غينيا الجديدة، الباراغوي، بولندا، جمهورية كوريا الجنوبية، جمهورية مولدوفا، رومانيا، روندا، ساموا، سان مارينو، سنغافورا، سلوفاكيا، سلوفينيا، مقدونيا، التوغو، تونغا، بريطانيا، فانواتو.
الدول التي وقفت بجانب الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل، هي دول صغيرة وتستفيد من المعونات الأمريكية، وبالتالي خشيت من غضب البيت الأبيض.
كان اللافت في هذه المعركة الدبلوماسية هو تصويت دولة "توجو" الافريقية ضد مشروع القرار العربي، وبالتالي ضد فلسطين والقدس الشريف. فيما قررت خمس دول أفريقية أخرى «جنوب السودان وأوغندا ورواندا والكاميرون وبنين» الامتناع عن التصويت لصالح أو ضد القرار، أى اختارت الحياد، وهو موقف غريب من دول تنتمى لقارة كثيرا ما عرفت بموقفها الواضح والمساند للقضية الفلسطينية.
إن التبدل الذي يحصل في المواقف التاريخية لبعض الدول الافريقية من إسرائيل يأتي منسجماً مع نجاح إسرائيل في الدخول بقوة إلى عمق القارة السمراء، وهي تجني ثمار هذا التدخل، فيما يستمر العرب سباتهم وكأن شيئاً لا يحدث.
الملاحظة الأخرى التي يمكن التوقف عندها فيما حدث، هو عدد الدول التي امتنعت عن التصويت وبلغ 35 دولة، وهو العدد الأكبر من الدول في المحافل الدولية، التي تقف محايدة فيما يتعلق بقرارات مرتبطة بالقضية الفلسطينية في تاريخ صراعنا مع الكيان الصهيوني منذ قيام دولة إسرائيل. هذا يتطلب من القيادة الفلسطينية أولاً ومعها العرب التوقف أمام ما حصل، وإجراء مراجعة لعلاقاتنا مع هذه الدول كي نفهم بشكل موضوعي لماذا اختارت أن تقف على الحياد في موضوع مدينة القدس، حتى لا تتحول من دول محايدة إلى دول مؤيدة لإسرائيل، إذا استمر التجاهل العربي والفلسطيني للمسببات، خاصة ما يعنينا هنا وهو الاختراق الإسرائيلي للقارة السمراء.
على الرغم من قيام الاتحاد الافريقي بإلغاء القمة التي كان من المزمع عقدها بين أفريقيا وإسرائيل في عاصمة توغو في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2017، إلا أن شيئاً ما زال لم يتغير بطبيعة الحال في العلاقات الافريقية-الاسرائيلية، وما جرى في الأمم المتحدة بعد أسابيع من إلغاء القمة يدلل على أن ليس هناك أية دلالات سياسية لهذا القرار-أقله للآن- بسبب عمق الروابط التي نسجتها اسرائيل عبر عقود مع بعض الدول الافريقية.

انحسار الدور العربي في افريقيا
إن تراجع الحضور والدور العربي في القارة السمراء ولأسباب متعددة، وذلك منذ انتهاء مرحلة الحرب الباردة وظهور العولمة. بالرغم من أن عشر دول عربية تقع في افريقيا، هي (الجزائر، المغرب، مصر، وليبيا، والسودان، وتونس، وموريتانيا، وجزر القمر، وجيبوتي، والصومال). وأن حوالي 71 بالمائة من مساحة الوطن العربي تقع في افريقيا، ويعيش 68 بالمائة من العرب في القارة الافريقية، وكذلك فإن العرب يتشاطرون مع عشرات الملايين من الأفارقة الدين والثقافة والتاريخ إضافة إلى الديمغرافيا، كما عانى العرب والأفارقة كلاهما من الاستعمار الخارجي. واضيف أيضاً عاملين مشتركين أولهما أن العرب والأفارقة ما زالا تحت تأثير وهيمنة السياسات الخارجية للدول العظمى، والثاني أن كلاهما يعانيان من غياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة والمحددة لمستقبل العلاقات العربية-الافريقية، وليس هناك لدى أصحاب القرار في كلا الجانبين مقدرة على ترتيب الأولويات الضرورية للتعاون المشترك. ويرغم أن الحفاظ على الأمن الإقليمي القومي العربي والافريقي يرتبط بمستوى تطور وعمق العلاقات العربية-الافريقية، إلا أننا لا نلاحظ اهتمام لا عربي ولا افريقي بهذا الأمر، وهو ما أتاح لإسرائيل استغلال التراجع العربي عن الساحة الافريقية كي تتمدد أذرعها ضمن هذا الفراغ.
انشغل العرب بداية من العقد الأخير في القرن الماضي بمشاكلهم الداخلية، وابتعدوا رويداً رويداً عن القارة الإفريقية، القارة الجارة، القارة التي تشكل العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي، القارة الصاعدة التي تحتاج بعض الدول فيها إلى كل معونة ومساعدة ممكنة من دول أكثر تطوراً وثراءً، تحتاج الدعم الاقتصادي والتنموي، كما تحتاج الخبرات والمكننة في كافة القطاعات المجتمعية. وللأسف الشديد أن العرب لا يوجد لديهم استثمارات استراتيجية ولا حتى تنموية في القارة الافريقية، ولا يوجد لديهم لا برامج ولا خطط ولا حتى رؤية فيما يتعلق بالقارة السمراء. كان الدعم العربي فيما مضى لبعض الدول الافريقية على شكل منح مالية ومعونات مالية، دون التفكير في إنشاء مشاريع استراتيجية تحقق المنفعة المشتركة.
هذا الضمور الذي أصاب الوجود العربي في إفريقيا، تعاملت معه إسرائيل بذكاء شديد، واستغلته كي تقدم نفسها لدى بعض الدول الافريقية على أنها المخلص الذي سوف يقدم المساعدة والخبرة والدعم الذي تحتاجه افريقيا. فتوجهت أنظار البعض من الدول الافريقية إلى تل أبيب كوجهة بديلة عن العواصم العربية.
وهذا ما جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يعلن في شباط/فبراير 2016 أثناء الاحتفال بافتتاح “لوبي موالي لإفريقيا” داخل البرلمان الإسرائيلي أن "إسرائيل عادت إلى افريقيا، وأن افريقيا قد عادت إلى إسرائيل". فمع توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979 بدأ جدار المقاطعة الافريقية لإسرائيل ينهار حجراً تلو الآخر. ومن المعلوم أن افريقيا قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل على أثر الحرب العربية-الإسرائيلية في العام 1973 تضامنا مع العرب. ومنذ ذاك الحين قام "نتنياهو" بعدة جولات في افريقيا شملت عدة دول، كما ألقى كلمة خلال القمّة الحادية والخمسين للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في حزيران/يونيو2017.
ولم تتوقف الزيارات الرسمية لبعض القادة الأفارقة إلى إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، حيث كان آخرها زيارة "بول كاغامي" رئيس رواندا في تموز/يوليو العام 2017، وكذلك زيارة "فوري غناسينغبي" رئيس توغو في آب/اغسطس من نفس العام.

الأطماع الإسرائيلية في إفريقيا
تريد إسرائيل توظيف ليس فقط الانحسار العربي عن القارة الإفريقية، بهدف التوغل في إفريقيا، إنما هي أيضاً تحاول الاستفادة من تراجع النفوذ الأمريكي والغربي في افريقيا، حتى دولة استعمارية مثل فرنسا ذات النفوذ التاريخي في القارة السمراء بدأت سطوتها تخفت. كما أن العرب منشغلون بصراعاتهم الداخلية.
إسرائيل تتنافس في افريقيا ليس مع العرب الذين لا حول لهم ولا قوة في افريقيا، إنما تتنافس مع دول عظمى مثل الصين والهند، ودول إقليمية كبرى صاعدة مثل تركيا وإيران، كل هذه الدول أصبحت تمتلك استثمارات في افريقيا تبلغ قيمتها مئات المليارات.
أهداف التغلغل الإسرائيلي في افريقيا متعددة ومتشعبة سياسية واقتصادية وأمنية ودبلوماسية. إذ تسعى إسرائيل إلى اكتساب حلفاء جدد داخل أورقة المنظمات الدولية بهدف التصدي للحملة التي تقوم بها الدبلوماسية الفلسطينية داخل هيئات الأمم المتحدة واليونسكو ومحكمة العدل الدولية، وبقية المنتديات الدولية الأخرى التي تسعى فلسطين من خلالها الحصول على العضوية الكاملة، وفضح ممارسات وجرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني. كما تريد إسرائيل استعادة مقعدها كمراقب في الاتحاد الإفريقي الذي خسرته في العام 2002. في وقت تتطلع خلاله بعض الدول الافريقية إلى تنويع مصادر التسلح، والاستفادة ما أمكن من التكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الري ومعالجة المياه والطاقة الشمسية والزراعة ومجالات أخرة مثل التقنيات العسكرية والحرب الالكترونية، حتى لا تظل هذه الدول تعتمد بالكامل على الولايات المتحدة وأوروبا.

كيف يؤثر التقارب الإفريقي-الإسرائيلي على القضية الفلسطينية
سبق وأكدنا في أكثر من موضع أن العرب عموماً لم يستطيعوا بناء مشروع سياسي واقتصادي في القارة الافريقية، على الرغم من التاريخ الطويل لهذه العلاقات، مما مكن إسرائيل الدخول إلى القارة السمراء من الأبواب الاقتصادية والأمنية. وهذا بالطبع حصل على حساب المصالح الفلسطينية. وبالرغم من أن فلسطين عضو دائم في منظمة الوحدة الإفريقية، إلا أنه يجب القول أن العلاقات الفلسطينية-الإفريقية قد شهدت تراجعاً لأسباب موضوعية بظني، أهمها انتهاء عالم ثنائي القطبية، وقيام أشكال جديدة للعلاقات الدولية أساسها المصالح والمنفعة وليس الأيديولوجيا. المصالح هي عنوان العلاقات الافريقية-الإسرائيلية في ظل ضعف أو انعدام الإمكانيات الفلسطينية على المستوى الاقتصادي، إذ أن السلطة الفلسطينية نفسها تحصل على مساعدات ومعونات اقتصادية من عدة دول، وبالتالي لا تستطيع تقديم دعم مالي لطرف آخر.
كما أعتقد أن الدبلوماسية الفلسطينية لم تولي القارة الإفريقية الاهتمام الذي تستحقه، ظناً منها أن هذه الدول لديها موقف ثابت وداعم للقضية الفلسطينية. على السلطة الفلسطينية أن تدرك أن الوضع قد تغير منذ نهاية القرن العشرين، لذلك يجب تفعيل دور السفارات الفلسطينية في افريقيا، وعليها أن تضع الخطط الاستراتيجية مع العرب لمواجهة التمدد الإسرائيلي في القارة السمراء. إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى حلفاء وأصدقاء دوليين، لدعم القرارات التي تصدر من المحافل الدولية والتصويت لصالح فلسطين.
مما لا شك فيه أن اتفاقيات السلام التي وقعتها بعض الدول العربية مع إسرائيل، ومحاولات دول عربية أخرى التطبيع معها، شجعت بعض الدول الإفريقية على إعادة علاقاتها مع إسرائيل، وهو السبب ذاته الذي شكل دافعاً لإسرائيل للعودة إلى افريقيا، التي تنظر لها على أنها كتلة عددية يمكن الاستفادة منها في الأمم المتحدة وهيئاتها.
ويكفي أن نذكر بعض النماذج عن الضرر الذي يسببه التقارب الإفريقي-الإسرائيلي على المصالح العربية والفلسطينية.
-في سبتمبر/أيلول العام 2015 قامت كل من توغو، رواندا، كينيا، بوروندي، بالتصويت ضد قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية يطالب إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.
-قيام نيجيريا ودولة أفريقية أخرى لم نعرف من هي بالتصويت لصالح إسرائيل لشغل منصب رئاسة اللجنة القانونية في الأمم المتحدة في يونيو/حزيران العام 2016، وكانت نيجيريا في العام 2014 قد امتنعت في مجلس الأمن عن التصويت على مشروع القرار العربي الذي يدعوا إسرائيل إلى انهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية في مدة ثلاث سنوات مما أدى إلى فشل القرار. وهناك أربع دول عربية أخرى صوتت لصالح إسرائيل في قضية اللجنة القانونية، لم يتم الكشف عن أسماء هذه الدول، ونظن أن مصر واحدة منها.
-ربما القارئ لا يعلم أن هناك عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن وتدين إسرائيل، لكن تبني هذه القرارات وتنفيذها لم يكن جماعياً، إذ أن هناك بعض القرارات لا تلتزم فيها بعض الدول الإفريقية خشية من الغضب الإسرائيلي. في ديسمبر/كانون الأول العام 2016 تقدمت نيوزيلاندا وفنزويلا وماليزيا ومعهم السنغال بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يدين سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية. نجح الاقتراح وصدر القرار رقم 2334 بعد أن اكتفت الولايات المتحدة بالامتناع عن التصويت. هذا الأمر أغضب إسرائيل كثيرا التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع السنغال، وأوقفت المساعدات المالية عنها، ولم تنتهي الأزمة إلا بوعد من السنغال بتأييد ضم إسرائيل كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي.
مفاعيل الخلافات العربية-العربية
فيما مضى كانت مصر تنظر للقارة الإفريقية على أنها واحدة من ثلاث أعمدة تقوم عليها السياسية الاستراتيجية الخارجية، إضافة إلى البعد العربي والإسلامي، قديماً كانت القاهرة محط أنظار القادة الأفارقة المناضلون لأجل تحقيق الاستقلال لبلدانهم من الاستعمار البغيض، حين كانت مصر ترتبط ارتباطاً وثيقاً بشعوب القارة، وكانت مصر تعني الكثير لإفريقيا، كقوة سياسية ومعنوية. هذا ما كان، أما ما هو حاصل الآن فإننا أمام انسحاب مصري-عربي طوعي من إفريقيا لصالح قوى أخرى منها إسرائيل التي إن واجهت استراتيجيتها في افريقيا صعوبات ومواجهة، فإن مصدرها سوف يكون من بعض الدول الإفريقية ذاتها، وليس من قبل العرب، هذا لأن ما كان يعرف بأنه "النظام العربي" منهار بفعل وأسباب عربية، و"التضامن العربي" مصاب بموت سريري نتيجة أمراض عربية، و"الأمن القومي العربي" في حالة غيبوبة بسبب نقص المناعة.
ومما يثير الحسرة والغضب أن ينتقل الخلاف العربي-العربي ومفاعيله إلى القارة الإفريقية، مما يخلف وضعاً بائساً لا يستفيد أحداً منه سوى إسرائيل، التي توظف حالة الانقسام العربي لبسط نفوذها في المنطقة.
على سبيل النموذج فإن القمة العربية-الإفريقية التي عقدت في ملابو عاصمة غينيا في العام 2016 قد فشلت بسبب الخلافات العربية-العربية، وانسحاب عدد من الدول العربية. أيضاً قيام مصر غير المفهوم بسحب مشروع قرار في نهاية العام 2016 كان قد قدم إلى أعضاء مجلس الأمن للتصويت عليه، يتضمن إدانة لإسرائيل على أنشطتها الاستيطانية ويطالبها بوقفها، وهو القرار الذي تقدمت به دولاً أخرى منهم السنغال، بعد أن سحبته مصر وصدر بالإجماع. إن الإدارة الأمريكية تقدمت لعدد من الدول العربية بخطة لإنشاء تحالف عربي-إسرائيلي للتصدي للمنظمات الإرهابية في المنطقة وللوجود الإيراني، وسوف يشمل كلاً من مصر، السعودية، الأردن، الإمارات العربية المتحدة. وسيكون لجهاز المخابرات الإسرائيلية دوراً في تقاسم المعلومات الاستخباراتية مع الدول العربية، بما يمكن الشركات العسكرية الإسرائيلية من العمل في بعض الدول العربية. فهل يمكن لهذه الدول أن تساهم في وضع استراتيجية عربية لمواجهة النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا؟ بالطبع لا.
نموذج آخر، فقد أدت الأزمة الخليجية إلى قيام الحلف المعادي لقطر بطلب من عدد من الدول الإفريقية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وكان أن استجابت كل من جيبوتي وإريتريا، فما كان من قطر إلا أن سحبت كتيبتها العسكرية من "جزيرة دوميرا" المتنازع عليها بين جيبوتي وإريتريا التي استغلت انسحاب القوات القطرية، فقامت باحتلال الجزيرة. وهكذا خسر العرب موقعاً مهماً في إفريقيا. والخاسر الأكبر من هذه التناحرات والصراعات العربية-العربية هي فلسطين. نحن أمام حالة من الغيبوبة السياسية، أمام وضع فقد العرب فيه المقدرة على قراءة الواقع وتمييز العناصر وإدراك مصالحهم.
ماذا بعد
إن القارة الإفريقية كانت تاريخياً كتلة حليفة لفلسطين وشديدة التعاطف مع القضية الفلسطينية، ولفلسطين تمثيل دبلوماسي في 22 دولة إفريقية. إن إلغاء أو تأجيل القمة الإفريقية-الإسرائيلية التي كان من المقرر عقدها في تشرين أول/أكتوبر العام 2017 لا يعني أن إسرائيل منيت بهزيمة، إذ أن هناك معلومات اشارت إلى أن رئيس زامبيا "إدغار لونغو" قد وافق على استضافة هذه القمة.
بالرغم من وجود جدار صد مكون من بعض الدول الإفريقية في وجه التمدد الإسرائيلي بعمق القارة الإفريقية، إلا أن الدول العربية لا تساهم في هذا النشاط بفعالية حقيقة، باستثناء جمهورية الجزائر الشقيقة التي تبذل جهوداً استثنائية لترميم الفجوات التي يمكن أن تدخل منها إسرائيل إلى إفريقيا، وهذا الموقف من القضية الفلسطينية أبداً ليس غريباً على الجزائر التي قال عنها يوماً الزعيم "هواري بومدين" في العام 1974 "إن الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة" وهو شعار شكل جوهر السياسة الجزائرية تجاه فلسطين والشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
ونحن مقبلون على معركة المواجهة للتصدي لقرار الإدارة الأمريكية في نقل سفارة بلادهم إلى مدينة القدس، نأمل أن تبذل القيادة الفلسطينية ومعها العرب جهداً سياسياً ودبلوماسياً مغايراً عما هو حاصل، لمنع انهيار الجدار الإفريقي الذي مازال تقريباً متماسكاً، حتى لا تحذو بعض الدول الإفريقية حذو واشنطن، هذا الأمر سوف يشكل امتحاناً حقيقياً لمدى قدرة العرب ومعهم الفلسطينيون في رسم حدود لحركة الكيان الصهيوني في القارة السمراء.
إن القضية الفلسطينية تواجه خطراً مزدوجاً، الخطر الذي يمثله الكيان الصهيوني من جهة، والخطر الناجم عن الانقسامات والخلافات العربية-العربية. فهل ما زال الخطاب العام في القارة الإفريقية إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في الحصول على الحرية والاستقلال وفي حصوله على دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف؟





23
أدب / يعانق الثوب مني الحجارة
« في: 11:44 11/03/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

يعانق الثوب مني الحجارة

لمْ أكنْ تقياً كما ينبغي لابن الشيخ
ألف صلاة ويزيد
ما كنتُ ناسكاً يشبه الإمام
يحمل طقوس المغفرة
ولا ورعاً مثل حفّار القبور
لستُ عاقلاً ولا مجنوناً
بل أنتفض في غباري
وحيداً كسوْسنة زرقاء
يوماً لمْ أمتلك أمري
كان لي بساط وعصفور
في نهري تطير الأسماك
وغابتي تلد خيولاً برأسين
شرنقة تربك وجه الشجر
ومقبرتي مرايا تتناسل
لكنّني لست ساحراً ولا مسحور
في مواكب الغيث والضيم
تفر الصناديق الخشبية نحو الجبال
خشية درب المقبرة
إن زحف الموتى نحو ضفة السّواد
معهم يسير بساطي وقلبي يمور
إن انقسم ظهر العربة
انفلت القماش البارد من سوارهِ
وفاض التراب على الأسماء
تفقأ العقارب ثدي المجرة
ويموت عصفوري مع الطيور
ليسَ سواي في جنون المسافة
عارياً من خطاي حافي الشراع
أولِ دربي شطر يقظة وأوراق مطر
لا شيء في احتشاد الثاني سوى
ثلاث هزيلات الصرير وتسع بحور
من الفصول أشتهي بساتين التين كثيراً
وجداً جداً أحبُّ عصافير الصباح
منذ أسقتْ الرّيح الجراد للعشب المحموم
لم يعد في الكروم المرتبكة ماء
جفَّ فم الشمس وشاخت الزهور
يوماً لم أكنْ زاهداً مثل بدويّ
لكنْ كانَ كفّي مائدة للجياع
وقلبي مدفأة للحفاة
غيمة مطر كنتُ للعابرين ولكل من
تسربله الخطى درباً مشطور
كنت خلف رداء الوقت أروي باكورة الحصاد
لم تمسّني يدٌ زرقاء منذ كنت صبياً
تحرسني سواعد متضرعة
يا مسك الأولياء أيّ سر فيك وكيف عبرت
حين خرج البر من البحور
خلف الضجيج الرّاقد في جوف الوحشة
أمضي نحو بساتين الله
حيث رياض النعيم أشجار العصافير
حيث تهب المنازل بساطي مسكنه
لا سواه في سلال الخطايا غفور
وصل التراب نهايته وانتهى النهار
يغادر الشجر الغابات الهرمة
يأوي الماء إلى صخره والعصفور إلى طينه
ويغفو الطريق ليستريح
ويتهيّأ المسافرون للعبور
في رحلتي إليكَ يشدني بياض الطريق
يعانق الثوب مني الحجارة
لم يكن حصاراً ولا غباراً يتشظّى
كان وعداً للصالحين والأولياء
قالوا هذا أجر الله للمأجور





24
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


قراءة أولية في العلاقات التركية-الافريقية
شراكة استراتيجية أم مناورة تكتيكية

في العام 1862 أرسل السلطان العثماني "عبد العزيز الثاني" مبعوثاً إلى افريقيا الجنوبية اسمه "أبو بكر أفندي" بهدف تعليم المسلمون هناك الدين والفقه والشريعة الاسلامية، ومن أجل فض الخلافات والاشكالات الدينية التي كانت حينذاك قد قسمت المجتمع الجنوب افريقي. وكان هذا المبعوث قد قام بتأليف كتاب في الارشاد الديني الاسلامي كتبه باللغة الهولندية خصيصاً لمسلمي جنوب افريقيا.
كان نفوذ الدولة العثمانية يمتد من البحر الأبيض المتوسط عبر البحر الأحمر، مروراً بالسودان حتى الصومال، ومنطقة الشمال الإفريقي والقرن الافريقي، وهكذا فقد هيمن الباب العالي على كل من مصر ولبيبا وتونس والجزائر وإريتريا والصومال والسودان خلال الفترة الممتدة من العام 1536 لغاية العام 1912 حيث وهنت أطراف دولة الخلافة واصيبت بالضعف، ثم خرجت الدولة العثمانية مهزومة من الحرب العالمية الأولى في العام 1918 لتدخل في مرحلة احتضار استمرت لغاية العام 1922 حيث ألغى مصطفى كمال أتاتورك باني تركيا الحديثة السلطنة ثم أعلن رسمياً عن زوال دولة الخلافة العثمانية في العام 1923.
بعد انتهاء الخلافة العثمانية وتأسيس الدولة التركية الحديثة في العام 1924 بزعامة "كمال أتاتورك" تراجعت علاقات تركيا بالقارة الافريقية نتيجة الانشغال بترتيب البيت الداخلي التركي، والاهتمام ببناء مؤسسات الدولة الجديدة.
بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الفترة التي سميت "الحرب الباردة" بين قطبين ومعسكرين متناقضين، سعت تركيا للتقارب مع دول الشمال الإفريقي، لكن قيامها بالتصويت في الأمم المتحدة ضد استقلال الجزائر في العام 1956 كان "كارثة كبرى" بالنسبة للثورة الجزائرية والشعب الجزائري، الذي قدم سيلاً من الدماء قرباناً لنيل الاستقلال من المستعمر الفرنسي. وشكل صدمة للأمتين العربية والإسلامية، هذا الموقف التركي كان عقبة حقيقية في طريق قيام علاقات طبيعية مع دول شمال افريقيا.

رؤية تركية جديدة للعالم
تبدلت السياسة الخارجية التركية بعد القراءة الجديدة التي أجرتها لموقعها الإقليمي والعالمي، ولعلاقاتها مع دول المنطقة والعالم، في ظل التطور الكبير الذي شهدته البلاد بعد صعود حزب العدالة والتنمية إلى قمة السلطة. عكست السياسات الخارجية للدولة التركية بوجهها المختلف رؤية القيادة الجديدة على الصعيد الفكري والسياسي والاقتصادي، وتوجهها لتوظيف القفزات الاقتصادية التي حققتها في صياغة علاقات أكثر توازناً وبراغماتية مع دول العالم.
ضمن هذا السياق توجهت أنظار تركيا إلى القارة الافريقية التي دخلتها وأحدثت تغييراً جذرياً في سياستها الخارجية مع القارة. واقامت علاقات سياسة واقتصادية مع عدد من الدول فيها، بل وانجزت شراكات مع البعض الآخر.
تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي تأسس في العام 2001 بعد أن توحد المجددون من حزب الفضيلة المنحل وشكلوا الحزب الجديد الذي وصل إلى حكم البلاد بقيادة رجب طيب أردوغان في العام 2002 هي التي وضعت القارة الافريقية في سلم اهتمامات سياستها الخارجية. وهذا الاهتمام التركي بإفريقيا كان قد بدأ في العام 1998 بخلاف العهود السابقة للجمهورية التركية، إذ لم تكن إفريقيا محط أولويات في برامج الحكومات التركية السابقة.

مع وصول هذا الحزب الصاعد - العدالة والتنمية - إلى قمة الهرم السياسي في تركيا، اتخذ توجهات جديدة سياسية واقتصادية تهدف إلى تعزيز الدور التركي على الساحة الدولية. وبات حزب العدالة وقيادته الحزبية والسياسية على قناعة راسخة أن قوة أية دولة تقاس بناء على وزنها الإقليمي، وقدرتها على التأثير في السياسة الدولية، وليس فقط بناء على قوتها الداخلية وفي محيطها، بل بقدر الدور التي تحتله هذه الدولة أو تلك في العالم، على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية.
ورأت تركيا-بوجهها الجديد- أنه كي تحقق لنفسها هذا الدور فإنه عليها الوجود في الأماكن الأكثر أهمية للقوى الكبرى، وفي مقدمة هذه المناطق تظهر القارة الافريقية. وأنه على تركيا أن تبدأ ببناء الجسور الاستراتيجية بين سياستها ورؤيتها لمنطقة الشرق الأوسط وشرقي المتوسط، وبين سياستها وعلاقاتها في منطقة البلقان والقوقاز والأدرياتيك القريبة جغرافيا. ثم على تركيا أن تستكمل هذه الرؤية في التخطيط الاستراتيجي ببناء علاقات نوعية وتحديد سياسات مع دول القارة السمراء، وخاصة دول شمال افريقيا ودول وسط البحر المتوسط.

موقع إفريقيا في الاستراتيجية التركية
ترتكز الاستراتيجية التركية نحو القارة الافريقية على رؤية جديدة لمراكز تخطيط السياسات في تركيا، والتي ترى أن تركيا دولة إقليمية كبرى ولا يجب أن تكون بعيدة عن أماكن النفوذ والصراع بين القوى الكبرى في مناطق الشرق الأوسط والقارة الافريقية، وأن لا تستمر السياسة الخارجية التركية في التركيز على دول وسط آسيا ومناطق القوقاز.
لقد تشابكت هذه الرؤية التركية مع مقاربات اقتصادية وثقافية وإنسانية، بحيث تم اعتماد سياسة دبلوماسية ناعمة للدخول إلى عمق القارة السمراء، نتج عنها علاقات دبلوماسية ووجود فاعل في 47 دولة افريقية.

افتتحت تركيا أول قنصلية لها في افريقيا في العام 1956 في لاغوس، ومنذ ذاك التاريخ ولغاية نهاية الستينيات من القرن العشرين سعت تركيا إلى قيام علاقات سياسية واقتصادية بينها وبين دول القارة الافريقية، لكن هذه الجهود لم تثمر كثيراً. لكن مع بداية السبعينيات بدأت العلاقات بين الطرفين تتطور خاصة مع الدول الافريقية العربية التي تتشارك مع تركيا تعاليم الدين الإسلامي.
لا تنظر تركيا للقارة السمراء على أنها جغرافيا بعيدة منها، لأن تركيا أساساً دولة أوراسية تقع على جوار مع القارة السمراء. وقد أصبحت افريقيا المثال الحي على الانفتاح في السياسة الخارجية التركية، وهو انعكاس للرؤية الجيوسياسية لقادة تركيا. وما أسفرت عنه هذه الاستراتيجية الجديدة في نوعية العلاقات التركية-الافريقية، يعتبر كما أعتقد دليلاً على نجاح الرؤية والدبلوماسية التركية. وبظني فإن القيادة التركية تعتبر القرن الحادي والعشرين بالمعنى الاستراتيجي سياسياً واقتصادياً هو قرناً آسيوياً-افريقياً.
قامت تركيا بتعزيز مبادراتها في القطاع الإنساني وتقديم المساعدات والإغاثات والخبرات والتجهيزات في أماكن متعددة في العالم. وتنشيط منظمات المجتمع المدني التركية وتطوير دورها في مد جسور علاقات التعاون مع دول العالم، بحيث تشكل هذه المنظمات واحدة من أهم أدوات الدبلوماسية التركية التي تسعى إلى تعزيز دور تركيا في المنطقة والعالم كدولة مركزية إقليمية كبرى، تساهم بشكل فعّال في صناعة القرارات الإقليمية في مختلف المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

كيف نقرأ السياسة التركية تجاه افريقيا
أوجدت تركيا لنفسها مكاناً في افريقيا كمزاحم للقوى العظمى الدولية، ومنافس أيضاً للقوى الإقليمية إيران وإسرائيل اللتان لهما مصالح وتتصارعان في افريقيا، ولكل منهما مشروعه واستراتيجيته الخاصة في القارة السمراء.
في أواخر تسعينيات القرن الماضي توقفت القيادة السياسية التركية أمام عملية مراجعة لسياساتها الخارجية، ورسمت توجهاً يعتمد الانفتاح في علاقاتها مع العالم الخارجي، بعد سنوات من الانغلاق على معالجة مشاكلها الداخلية المتأتية من الانقلابات العسكرية المتوالية التي خلقت عدم استقرار سياسي في البلاد.
تركيا ترغب في أن تستعيد حجمها الطبيعي ووزنها السياسي وثقلها التاريخي كدولة اقليمية مهمة، وقوة اقتصادية تتطور باستمرار. بدأت تركيا في تنفيذ سياستها الجديدة التي تحقق لها أسواق تجارية لتصدير منتجاتها، ولتوسيع نفوذها في أماكن مختلفة من العالم.
من هنا توجهت أنظار تركيا إلى القارة السمراء لعقد شراكات مع شعوبها المتعطشة للعلم والمعرفة وللمساعدات والخبرات المتطورة التركية، وهي القارة التي اتسمت بحالة عدم الاستقرار منذ عقود طويلة.
في العام 1998 بدأت تركيا مرحلة مختلفة في علاقتها مع القارة الافريقية، حيث أعلنت تركيا "خطة الانفتاح على افريقيا" والتي تضمنت الرؤية والبرامج التركية التي تهدف إلى فتح صفحة جديدة في علاقات وتعاون الطرفين. وفي العام 2003 أعلنت تركيا عن استراتيجيتها لتطوير العلاقات الاقتصادية مع دول الاتحاد الافريقي. ثم اعتبرت تركيا أن العام 2005 هو "عام افريقيا"، وفي نفس العام قام الرئيس "رجب طيب أردوغان" بزيارة إلى افريقيا الجنوبية، وهو أول رئيس تركي يزور بلداً افريقياً، وقد شكلت هذه الزيارة نقطة التحول الفارقة في علاقات الجانبين.
شهد الخط البياني لهذه العلاقات تصاعداً يشير إلى نموها وتطورها. في العام 2008 استضافت تركيا "قمة التعاون التركي-الافريقي" كان من أهم نتائج هذه القمة إعلان الاتحاد الافريقي أن تركيا شريكاً استراتيجياً له، ومن جهة أخرى تم منح تركيا العضوية في بنك التنمية الافريقي وصندوق التنمية الافريقي، ومن نتائج القمة أيضاً أن تصاعد مؤشر المساعدات التنموية التي قدمتها تركيا للقارة الافريقية، من خلال المشاريع والاستثمارات التي قامت بها تركيا في عدد من الدول الافريقية، وكذلك من خلال التبادل التجاري بين الطرفين.
زيارة الرئيس التركي في شهر آب العام 2011 للصومال شكلت منعطفاً تاريخياً وجيوستراتيجياً من جانب تركيا نحو القارة الافريقية. وقد اثمرت تلك الزيارة ولادة علاقات جديدة بين تركيا والبلد الذي مزقته الحروب الأهلية والاضطرابات الاجتماعية والمجاعة والجفاف.
في شهر تشرين الثاني العام 2014 عقدت القمة الافريقية - التركية الثانية في مدينة مالابو عاصمة غينيا الاستوائية.
في كانون الأول العام 2015 عقدت في إسطنبول قمة "الشراكة والتفكير الإبداعي الافريقي" وهي الدورة الأولى من "دروع الأفكار التركية-الافريقية". حضر القمة عدد كبير من الشخصيات السياسية ومن الباحثين والأكاديميين ورؤساء مراكز دراسات ووزراء سابقين وبرلمانيين من تركيا وافريقيا. بحث في المؤتمر أشكال التعاون بين الطرفين على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية.
وقامت مدينة إسطنبول بتنظيم ملتقى اقتصادي بين افريقيا وتركيا في شهر تشرين الثاني العام 2016، جمع رجال الأعمال وكبار الشخصيات الاقتصادية الافريقية والتركية. وقام مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بإنشاء مجالس عمل مع 35 دولة افريقية لتطوير العلاقات التجارية بين الطرفين. وفي مدينة أنطاليا تم عقد اجتماع لوزراء زراعة دول الاتحاد الافريقي مع نظيرهم التركي في شهر نيسان العام 2017.
بمبادرة من جمعية "رجال الأعمال الأفروتركية" تم في أيلول العام 2016 عقدت في إسطنبول "القمة العالمية التركية-الافريقية" شارك فيها 48 دولة افريقية وأكثر من 5000 من رجال الأعمال الأتراك والأفارقة.

شارك الرئيس التركي في كانون الأول العام 2017 في قمة الاتحاد الافريقي-الأوروبي التي انعقدت في العاصمة الاسبانية مدريد، وبذلك أصبحت تركيا عنصراً مهماً في العلاقات الافريقية الأوروبية.
وبدعوة من الرئيس التركي أطلق الهلال الأحمر التركي حملة "فلتكن أنت الأمل" في العام 2017 من أجل جمع التبرعات لدول شرق افريقيا. وفي نفس العام أيضاً تم تنظيم مؤتمر "الصحة في افريقيا" حضره وزراء صحة الاتحاد الافريقي والعديد من المؤسسات الصحية التركية والافريقية، بهدف بحث المشاكل التي يعاني منها القطاع الصحي الافريقي والعمل على إيجاد حلول لها، وتقديم المساعدات والتجهيزات التركية.
في شهر أيلول العام 2017 بدأ العمل في مركز التدريب العسكري الذي أنشأته تركيا في مقديشو العاصمة الصومالية، وذلك بهدف تدريب الجنود الذين سوف يبنى منهم الجيش الوطني الصومالي.
قام الرئيس التركي بزيارات إلى القارة السمراء بلغت 32 زبارة إلى 24 دولة افريقية منذ كان رئيساً للوزراء، كان آخرها الزيارة التاريخية التي قام بها إلى جمهورية الجزائر الشقيقة في شهر شباط العام 2018، وشملت كلاً من موريتانيا والسنغال ومالي.

وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا":
الأداة التنفيذية للسياسات الخارجية التركية الأقوى، وهي ذراع تركيا في القارة السمراء، والشريان الرئيسي الذي عبره تتدفق المعونات التركية لبعض الدول في القارة. فمن هي هذه الوكالة التي تحتل مكانة مهمة التخطيط الاستراتيجي التركي المتعلق بتوسيع نفوذ تركيا.
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق العام 1991 قامت عدة دول كانت ضمن الاتحاد في وسط آسيا والقوقاز بإعلان استقلالها.
اعترفت تركيا مباشرة بهذه الدول التي ترتبط معها بروابط متعددة منها اللغة والتاريخ والثقافة والذاكرة، وهذه الدول هي كازاخستان، طاجيكستان، أوزبكستان، أذربيجان، قيرغيزستان.
تركيا التي تعتبر أن الشعب التركي وشعوب هذه الدول هم أمة واحدة تتوزع في دول متعددة، اعتبرت أن تطوير العلاقة مع هذه البلدان الناطقة بالتركية هو واحد من أهم الثوابت في السياسة التركية الخارجية.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف قامت تركيا بتأسيس "وكالة التعاون والتنسيق التركيا" في العام 1992 التي يشار لها اختصاراً "تيكا" التي سعت بداية إلى أن يعترف المجتمع الدولي بالدول الحديثة، ومن ثم قدمت مساعدات مالية وعينية لأجل أن تعين هذه الدول الشابة على بناء نفسها، ثم بدأت الوكالة في إقامة مشاريع تنموية طويلة الأجل في هذه الدول.
وهكذا مع الوقت أصبحت "تيكا" واحدة من أهم أدوات ترجمة السياسات الخارجية للدولة التركية ليس فقط مع الدول التي تتشارك معها تركيا اللغة والقيم والجغرافيا، بل امتد نشاط الوكالة ليشمل حوالي 140 بلداً حول العالم وفي القلب منهم دول الاتحاد الافريقي.
افتتحت وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" أول مكتب لها في القارة الافريقية في العام 2005 في إثيوبيا. يوجد 21 مكتباً تنسيقياً للوكالة التركية للتعاون في القارة السمراء. تدير هذه المكاتب مشاريع تنموية طويلة الأجل في عدد من الدول الافريقية لمساعدتها في الاستفادة من الخبرات التركية في قطاعات متعددة.
حققت "المؤسسة التركية للتعاون والتنمية" الكثير من المشاريع التنموية في 40 بلداً افريقياً من خلال مكاتبها التي كانت تتواجد بداية فقط في ثلاث دول هي إثيوبيا والسودان والسنغال، قبل أن تنتشر في العديد من المدن الافريقية.
فقد قدمت تركيا 3,3 مليار دولار مساعدات إغاثية في افريقيا خلال العامين 2013- 2014 مما جعلها ثالث أكبر مانح دولي للمساعدات للقارة السمراء.
ووصلت قيمة المساعدات التي قدمتها تركيا لحكومات دول الصحراء الافريقية إلى 782,7 مليون دولار في العام 2013.
ضاعفت الشركات التركية من حجم تعاملاتها مع القارة 8 أضعاف ليصل إلى 6,2 مليار دولار العام 2016.
بلغت الصادرات التركية إلى القارة الافريقية ما قيمته 159,7 مليار دولار في العام 2016 بزيادة قدرها 4 في المائة عن العام 2014 وهي تتزايد في كل عام.

تسعى كثير من دول القارة الافريقية إلى جذب الاستثمارات التركية، وبلغ عدد المشاريع الاستثمارية التركية في القارة 357 مشروعاً بقيمة تتجاوز 401 مليار
 دولار.
يوجد الان 47 سفارة تركية في القارة السمراء، ويوجد 32 سفارة لدول الاتحاد الافريقي في تركيا.

ارتفعت الصادرات الافريقية إلى تركيا من 3,3 مليار دولار العام 2003 إلى 9,7 مليار دولار العام 2016.
كما وصل حجم التبادل التجاري بين الطرفين إلى ما قيمته 25 مليار دولار العام 2016

من جهتها شركة الخطوط الجوية التركية تقوم حالياً برحلات إلى 51 مدينة في 33 بلداً افريقياً، وتقوم بجهود لزيادة عدد الخطوط لتشمل جميع دول القارة.
بجهود مشتركة بين وزارة التعليم التركية ووقف المعارف التركي، تم تنظيم مؤتمر التعليم التركي-الافريقي الأول في مدينة إسطنبول في شهر تشرين أول العام 2017.
وكانت زوجة الرئيس التركي قد رعت في العاصمة أنقرة افتتاح البيت الثقافي وسوق الأشغال اليدوية الافريقي في العام 2016.
على صعيد المنح الدراسية فقد قدمت تركيا منذ العام 1992 حتى العام 2017 ما مجموعه 8640 منحة لدراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، بالإضافة إلى عدد كبير من المنح المهنية والدورات المعرفية لطلاب ومهتمين أفارقة في مختلف الاختصاصات.



مستقبل العلاقات التركية-الإفريقية
العلاقات التركية-الافريقية منذ بداية الألفية الثالثة تشهد تصاعداً في خطها البياني سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً. وتطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الماضية، في فترة برز فيها عاملان موضوعيان شجعا أنقرة أكثر على المضي في منح الملف الافريقي الأولوية التي يستحقها في السياسات التركية الخارجية، هما استمرا الاتحاد الأوروبي في وضع العراقيل تلو العراقيل في درب انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو الملف الذي أخذ من أنقرة وقتاً طويلاً. العامل الثاني هو دخول الكثير من دول الشرق الأوسط في حالة من الصراع والحروب الأهلية مزقتها. إضافة إلى ظهور خلاقات بيت تركيا وعدد من الدول الخليجية حول العديد من الملفات، كانت السبب وراء فتور العلاقات التركية الخليجية. فهل تستبدل تركيا أوروبا والشرق الأوسط، بالقارة السمراء؟ وهل تراهن إفريقيا مستقبلاً على الدولة التركية أن تكون سنداً حقيقياً لها كقوة عظمى بديلاً عن الغرب المستعمر الناهب لخيراتها؟
لا توفر القيادة التركية سبيلاً في توظيف إمكانياتها وعلاقاتها ومنظمات المجتمع المدني لتعزيز وجودها في القارة الافريقية، واحدة من أهم هذه الأدوات هي "منظمة المؤتمر الإسلامي" التي تضم 57 دولة ذات غالبية مسلمة من مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغربها وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية ومنطقة البلقان. هذه المنظمة التي كان يرأسها التركي "أكمل الدين إحسان أوغلو" منذ العام 2005 ولغاية أواخر العام 2016 قبل أن يتسلم رئاسة المنظمة السعودي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين خلفه، لعبت هذه المنظمة دوراً حيوياً -بشخص رئيسها التركي- في جعل تركيا البلد الإسلامي الذي تتجه إليه الأنظار حين يتم وضع الملفات الهامة فوق طاولة حوار المنظمة. استفادت تركيا من هذه المنظمات الإقليمية في إظهار قوتها –المتأتية أصلاً من تعاظم قدرتها الاقتصادية- لبسط نفوذها عبر القوة الناعمة التي مكنتها من إقامة أفضل علاقات الشراكة الاستراتيجية مع عدد من دول القارة السمراء.
 تركيا تضع في قمة أولويات سياستها الخارجية مد جسور كثيرة تربطها مع إفريقيا، وتفتح قنوات مختلفة للتعاون بعد أن ابتعدت إفريقيا وابتعد العرب والمسلمون عن تركيا، وهي ابتعدت عنهم منذ انهيار الخلافة العثمانية.
لا شك أن بعض دول إفريقيا تحتاج المعونات والمساعدات التركية، وكذلك تحتاج إلى الخبرات التركية في مختلف القطاعات التي أثبتت نجاحها. وتركيا تحتاج إلى الأسواق الإفريقية وإلى الأصوات الإفريقية في المحافل الدولية، وكذلك إلى عقد شراكات استثمارية ذات منافع متبادلة، والأهم محاولة الاستفادة من الثروات والمقدرات الإفريقية،
البداية التركية في العلاقات الحديثة مع افريقيا كانت في العام 1998 حين أعلنت تركيا خطة التوجه نحو القارة السمراء، هذه المرحلة استمرت لغاية العام 2005 حين اعتبرت تركيا أنه عام افريقيا، ثم المرحلة الثانية في العلاقات من العام 2005 استمرت لغاية العام 2011، تعززت خلالها علاقات أنقرة مع عواصم افريقية متعددة، وحصلت تركيا على عضو مراقب في الاتحاد الافريقي العام 2005، وحليف استراتيجي في العام 2008، كما انضمت إلى البنك الافريقي للتنمية. الرحلة الثالثة من 2011 لغاية الآن. تم خلال هذه المرحلة تنظيم "المؤتمر الصومالي الثاني" العام 2012 في مدينة إسطنبول بعنوان "تجديد المستقبل الصومالي"، وشاركت فيه 57 دولة و11 منظمة إقليمية ودولية بما فيها الأمم المتحدة، تمت خلاله مناقشة قضايا مهمة جداً مثل قضايا المياه والطاقة والنزعات الانفصالية وقضايا أمنية متعلقة بوجود الجماعات المسلحة.

ماذا بعد
تركيا الجديدة التي ذاقت الأمرين من علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي التي ما زالت تغلق الباب في وجهها عضويتها للانضمام للاتحاد، بالرغم من أن أنقرة أنجزت الكثير من الإصلاحات الداخلية، وتطور اقتصادها كثيرا في الربع قرن الأخير، وارتفع مستوى الدخل فيها، وأصبحت قوة إقليمية صاعدة. تركيا هذه تجد في القارة الافريقية بديلاً موضوعياً أكثر جدوى ومنفعية من اوروبا.
لا شك أن أنقرة التي بذلت جهوداً واضحة خلال الأعوام القليلة الماضية من أجل ترسيخ علاقاتها مع الدول الافريقية وتعزيزها، سوف تسعى خلال الفترة القادمة إلى نسج علاقات تعاون جديدة وشراكات مع دول أخرى في القارة السمراء، وسوف تستكمل فتح سفارات لها في بقية الدول الافريقية التي ما زالت لا يوجد فيها سفارات، وبالمقابل فتح سفارات لبقية الدول الافريقية في أنقرة.
تركيا تعزز وجودها في القارة الافريقية وتتمدد في الوقت الذي ينسحب العرب منها، حيث أن الأعوام الأخيرة شهدت غياب عربي واضح عن المشهد الافريقي مما أضعف تأثيرهم في القارة التي وجدت دولها في تركيا البديل الأفضل والمركز الجاذب لهم.
أخيراً، إن إفريقيا القارة التي أثارت وما زالت الكثير من النقاش في القرن الواحد والعشرين، هي ساحة الصراع على النفوذ بين القوى الكبرى الدولية والإقليمية، وهي القارة الثرية بإمكانياتها وثرواتها الخام الظاهرة والكامنة، المعادن والماء والنفط والذهب والالماس واليورانيوم والأرض الخصبة، وهي القارة المهمة في موقعها حيث تربط العالم فيما بينه، وهي القارة الغنية بتاريخها وبتعددها العرقي والاثني واللغوي والمذهبي والثقافي والمناخي، هي القارة التي تشخص عيون شعوبها نحو المستقبل بمجتمعات شابة.
إفريقيا هي القارة التي تضم دولاً استوطن فيها الفقر والجوع والأمية والفساد والأمراض والإرهاب والديون الخارجية والنزاعات المحلية والحروب الأهلية، ومزقتها التناقضات القبلية، وتطمع بسرقة خيراتها كافة القوى الكبرى.

إن ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول القارة الافريقية من 9 مليار دولار في العام 2005 إلى ما قيمته 15,710 مليار دولار خلال العام 2010 ليصل إلى 25 مليار دولار في العام 2016. بينما تستهدف تركيا رفع قيمة هذا التبادل ليصل إلى 50 مليار دولار خلال العشر سنين القادمة. هذه الأرقام تشير إلى أن العلاقات التركية-الافريقية ومنذ بداية الألفية الثالثة تشهد تصاعداً في خطها البياني سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً. وتطورت بشكل ملحوظ في الأعوام الماضية، في فترة برز فيها عاملان موضوعيان شجعا أنقرة أكثر على المضي في منح الملف الافريقي الأولوية التي يستحقها في السياسات التركية الخارجية، هما استمرا الاتحاد الأوروبي في وضع العراقيل تلو العراقيل في درب انضمام تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو الملف الذي أخذ من أنقرة وقتاً طويلاً. العامل الثاني هو دخول الكثير من دول الشرق الأوسط في حالة من الصراع والحروب الأهلية مزقتها. إضافة إلى ظهور خلاقات بيت تركيا وعدد من الدول الخليجية حول العديد من الملفات، كانت السبب وراء فتور العلاقات التركية الخليجية. فهل تستبدل تركيا أوروبا والشرق الأوسط، بالقارة السمراء؟ وهل تراهن إفريقيا مستقبلاً على الدولة التركية أن تكون سنداً حقيقياً لها كقوة عظمى بديلاً عن الغرب المستعمر الناهب لخيراتها؟





25
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


ما زلت في جنون العرائش صغيراً

تحت ثوبها
تخفي أمّي كيساً صغيراً من القماش
يتدلّى من عنقها
تحبس داخله أزهاراً جافة وأدعية
فيه يختلط الغار بالتسابيح والأذكار
طُهر الماء وعبق المسك تدلان عليها
يزهر الثوب في النهار صلاة للمواسم
عشق بلا مدى
ويصبح معجماً للأولياء ليلاً
تفوح منه شفاعة مستترة
وينبت على أطرافه ورد الأنبياء
هذا أعمق سرّ لا يعرفه أحد
تقول: في الكيس مئذنة ومزمار حزين
وفي قلبي أبواب المطر تحرسها الطيور
فوق أكتافها ننمو وتمتد أطرافنا
مثل الغراس بأصائص الصباح أو أبعد
وحده الريحان يتنزّه بالطفولة
تفرش أمي أضلاع صدرها مرجاً كيْ نلهو
نقفز صغاراً فوق أديم الضوء المتوثّب
نصرخ فتهرع ومعها يجري بيت الله
كُنّا كما أذكر أسفاري في بيت بلا جدران
تعلو فيه أشجار الرمّان فوق بساط العنبر
والعرائش تحرس حلقات النور
حين تُراقص النسمات عنق النرجس
أتذكر كثيراً فراشات الخمائل تحاصر النهر
كأنّ البستان الصاخب أثمله لون الماء
وكثيراً كثيراً ما كان قلبي يغفو فوق نجمة المطر
حين يبدأ موسم الحكايات زخّات قناديل 
تجلس أمي مثل قدّيس قرب دائرة الضنك
تكابد رماح الوهن
أحياناً معنا تتقاسم الضحك كأنّما
يفرّ إيقاع العقارب الرملية
في غفلة من وتر الوقت
في كل ليلة
تعدّ لنا ما استطاعت من أحلام
 تمسح أجفاننا بكيسها القماشي وتقول
ناموا آمنين
يمدّ مزمارها فِراشه على أرق التراب
وتأنس الأجساد الطرية تعبها
نغفوا مثل الحملان فوق عشب أدعيتها
وينمو من حطب أحزانها في قلوبنا
ورداً قزحياً يخفق فرحاً
نحلّق مثل عصافير الله لنرحل
صوب أهداب الفجر
حينها كنتُ أصافح خدّ الشمس جداً
وجداً جداً كنتُ أحبّ مشاكسة شعاع الماء
أخفي رأسه في سلّة النهر
وأطلقه حين يحتدم الفَراش
أمي التي تخفي تحت ثوبها كيساً قماشياً
ننام وترفع كفيها للسماء تقول:
يا رب الرّيح التائهة والخيول الساجدة
إن لي طيوراً لا ريش لها
وأرقي بازغٌ من سديم الأفق
هُم بعض بحري وبكائي
إنني أودعتهم رياضك
فلا تمتحنهم على ما لا يطيرون
هبهم يا ربي أجنحة الإيمان
في سهوة القماش اشتد ريش الطيور
أمي ما زالت تخفي كيسها تحت ثوبها
وفيه الأدعية والأعشاب
ما زالتْ كل ليلة تجثو قرب الأعشاش الفارغة
تبكي كيسها وتلقي دمعها جهات تغسل الذنوب
وأنا ضالع في المقام الماطر لا كف لي
كنت في سيل الشجر قد
أطعمت أصابعي للطيور الكسيحة
صار بيني وبين السرب لازمة
يغصّ بي من شعاعين مزمار ومئذنة
وكلّما عبرت درب الغابة غريباً
تصبح بيوت القشّ أكياساً
والأوراق الذابلة أذكاراً
رغم أنني أنام كل ليلة في الجامع القريب
تراني أبحث في عمق المروج عن سرير قماشي
ووسادة من العشب
ما زلت في جنون العرائش صغيراً
ولا زال ينبت ريش قلبي كلّما هطل المطر
أو جاعت العصافير



26
أدب / لشوكها المتهدّل شُرفة
« في: 19:36 12/02/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


لشوكها المتهدّل شُرفة

في ملتقيات والدي
حيث حكايات المواسم المرتبكة
ونوافذ أضحت لاهوتاً مرتعشاً
ينام الوقت فاتحاّ ذراعيه للمتسامرين
وتختبئ خيبات الأسماء في ملامح الغيبوبة
هناك لا بحر دون فراق
ولا جدار دون غياب
يزفّ الرحيل هناك حقائب الغربة
فوق ألواح السواد الباتر
كأنها أطياف تغفوا على الرصيف
ضيوف أبي خارج المدينة منهكين
يحملون على ظهورهم جرّة احتضارهم
كأن الحياة رمقتهم ترياق الطريق
يذبلون قبل اختفاء الليل
يرفعون رؤوسهم كلّما عبرتهم كؤوس الشاي
يعدّل والدي الوسادة أسفل مرفقه
يرمي لفائف التبغ للحاضرين
يُشعل سيجارته من وقد الرّيح
يقول: ثوبنا يلفظ دربه
يتضرّع البقية إلى الله بصوت واحد
وترتفع سبّاباتهم للأعلى كأنّهم
يغادرون عتمة العمر
لا قاع لهذا السفر
هكذا الحديث يمتد به الشجن
يقول أحدهم: الأرض تحب الصلاة
بالأمس شاهدت في ثوب المطر
رأس النهر يجري
يردّ والدي: غزير هذا الخريف
يقطف سرير الزهر من فاكهة الجسد
تناولوا زادكم وتعالوا غداً
خلفنا ثمر الشتاء
تراهم قامات تومض وتنكسر
وكلّما تأرجحت الأجفان
يغفون برهة ويَصْحون
يعودون للحياة
تظلّ القصص مثل الشواطئ
تخمد نوارسها تارة
وتارة تتوهّج في بحورها
وأنا أستمع لذاك الصرير القزحي
أصدّ جراد النوم
وأختلس سريراً بين الأقدام في كل مرة
كنتُ هناكَ في الكوّة المجدولة
أبحثُ في صوت العيون الرّاكدة
عن عصافير لا ترحل
وألتقط من رماد الوقت بلابل النهار
هناكَ كنتُ أرقدُ فوق الظلال الجافة
وأحلامي الصغيرة حبلى
تنتظر استيقاظ المطر
في ملتقيات أبي
يجثم الدهر فوق الوجوه خطىً ممطرة
ينحني الصبح لكف تشقّقت بما أنبتت
تنمو وردة الخبّيزة من الركام
يولد من عشبها بعد الفجر قديساً
لضيوف أبي أجنحة تتلوى
حين يراودها قنديل الفصول
لتلك المجالس خفقات كأنها العوسج
ولشوكها المتهدّل شُرفة تتكئ على قلبي
باتت أضلاعي تعاصفني كالماء الصاخب
وتدفقني تجاعيداً على مرآة بكماء
لم أعد أذكر
 هل عبروا حزن المدينة مرة
أم أوجعهم قماش الثوب سهواً
لكن من يمحو إذا زحفوا
أخاديد الحكايات عن ملامحي
وإن شدّهم البياض
من يغفر للعربة ازدحام الصناديق؟


27
أدب / وتكابدكَ سُرّة الغيم
« في: 19:07 06/02/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وتكابدكَ سُرّة الغيم

كلّما عبرت درب المقبرة
يومض الاقحوان حد المطر
يذرف الرخام البارد ورد الرمّان
وتتهدل أغصان الصفصاف من السور
كأنَّ الفوانيس تتدلّى من السحاب
لم أفهم سر ذاك الرذاذ
لكن وجدي يفوح على الظلال
كأنني أحتسي حامض قلبي
وأنتَ هناكَ تغفو وحيداً
مسكون بنزع العتمة
لا تقصص صرير حزني
على الجدران العطشى
قد تعودتُ اقتسام وريدي لكنني
أخشى عليكَ يا أخي وأنتَ في ضريحكَ
أن يفيض عبير الساقية
ويشتد هطول العشب
وأعلم أنكَ تكابد الحساسية


2
في فراغ الأماكن
المقاعد أيضاً تضجرُ
أغيّر جهتها من ركن إلى آخر
من غرفة إلى غرفة
من موسم لموسم
ومن درب يكتم خطاه لوجوه تمطر
وأنتشل من حطب الرحيل خطىً مبتورة
هذا الضرع جاف لا خيل فيه ولا وتد
فأية جدران تبعثر الصور
وأي خواء يترصّد هذا القلب الضامر
لا تتركوا المقاعد وحدها
حتى لا تبهت ملامحها
تذكروا للمجالس أحلام مغلقة
ورحيق منسدل على شرفة الغياب


3
هكذا عندما توصد الساعة الرملية الأبواب
تخبو أضواء الخان
ويغفو تعب العمر على حد الحجر
هناك يختبئ النهار والمسافات
وتكابدك سُرّة الغيم
في الخان الكثير من السّواقي
من الزجاج الكثير وأقدام عارية
وجنون مرتعش جلده
ينفخ الغبار في الأفواه الرّامدة
وأنت تنظر إلى ملامحك المكتظة
في المرايا المنكسرة
لا تنسى أن تسدل الستار الثقيل
قبل حديث الظمأ
وتحفظ المفتاح


4
الحياة جميلة وهادئة
مثل نهر يزأر قبل الخسوف
لعلّ الأبواب لا توصد الوقت
الحبيبة غاضبة
مثل مطر منفلت ينقر الزجاج
حتى صار وجهها يطمر ظلاله
والقبيلة هائجة
كخيل ظمأى تشققت عينيها
شيخ القبيلة سجن الشجر ونفى الغابة
وأنا مرتاح كثيراً وهادئ
جداً هادئ
تماماً مثل الصندوق الخشبي لحفّار القبور


5
ما من شيء يجمعنا أنتم وأنا سوى
طاحونة عتيقة
قمح ابتلع العتمة
وحزن يقشّر مشارف البهجة
ينمو على أهداب اليقظة
بياض يمور في الظلام
حزن يشبه وتد في خيمة لاجئ
كأنه دار الأيتام
وأنتم في هذا السواد تضحكون
مثل صغير يدثّر حلم الوسادة
تمضغون حزنكم وتنامون
أبواب القيامة هنا


28
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الاستقصاء الصحفي فن تحريري شاق وخطر

الاستقصاء في اللغة هو تقصي الأشياء إن كانت كائنات حية من بشر وحيوانات، أو من جماد. أي تتبع الأثر من لحظة التحرك للنهاية.
في الصحافة فإن الاستقصاء هو قيام الصحفي أو مجموعة من الصحفيين في إجراء عمليات البحث والتمحيص في موضوع محدد، والنظر في أعماق هذا الموضوع وتتبع كافة الخيوط ذات الصلة به. ثم العمل على معرفة الأسباب والملابسات والدوافع والأطراف المسببة. معرفة الأهداف والغايات واختيار الوقت. كذلك الوصول إلى معرفة الجهات المستفيدة وتلك المتضررة. إنها باختصار معالجة تحليلية عميقة وشاملة لقضية ما، مدعومة بالأدلة والوثائق والقرائن والصور والتسجيلات الصوتية. كل هذه الخطوات تجري بدقة عالية وشفافية ضمن منهاج مهني وموضوعي.
لا شك أن اعتماد أسلوب العمل الصحفي الاستقصائي هو أنجع وسيلة كي يصل الصحفي والإعلامي إلى الحقيقة من دون التأثر باي حال من الأحوال بالعوامل التي تتحكم بصناعة الخبر وتسويق الإعلام.
الصحافة الاستقصائية عمل شاق ودؤوب وخطِر، يهتم في متابعة الأنشطة المرتبطة بكافة مفاصل المجتمع، مثل الأداء الحكومي، تجارة الممنوعات، غسيل الأموال، الجرائم الجنائية الكبرى، قضايا البيئة، تجارة الرقيق، تجارة الأعضاء البشرية، الاغتيالات السياسية، الاعتقالات لأصحاب الرأي، الفساد السياسي، تبييض صورة أصحاب رؤوس الأموال المشبوهين، ... الخ من قضايا هامة تتعلق بالمجتمع وحياة البشر.
إجراء التحقيقات والمتابعات الصحفية الاستقصائية تحتاج إلى صحفيين وإعلاميين من ذوي الخبرة في مجال عملهم كي يتمكنوا من استخراج المعلومات الكامنة خلف أية قضية، ثم الاستفادة القصوى من أية بيانات متوفرة، والمقدرة على تحليل الوقائع واستنتاج الدوافع، للوصول إلى ربط الأحداث فيما بينها لإظهار الحقيقة.
إن الصحافة الاستقصائية مكلفة مالياً، لذلك فإنها تحتاج إلى موارد مالية كبيرة من قبل مؤسسة إعلامية أو مؤسسات المجتمع المدني، كي تتمكن من إنجاز مهمتها. الصحفي الاستقصائي أثناء أداء مهمته قد يضطر للسفر إلى دول كثيرة، أو إلى مدن متعددة في البلد الواحد، ويحتاج إلى مساعدات لوجستية، ومعدات خاصة من أجهزة تصوير وتسجيل وخلافه.
الصحافة الاستقصائية صحافة غير تقليدية، ولا تعتمد على نشر خبر، إنما تسعى لكشف ما لم يظهر وراء هذا الخبر، وأسباب إخفاء ما لم يعلن.
إذن يمكن أن نحدد الصحافة الاستقصائية على أنها نوع من التحقيقات الصحفية يعتمد على:
-   وجود مؤسسة إعلامية تتبنى قضية وتسعى للكشف عن ملابساتها.
-   التحقيق في عمق أية قضية مثارة.
-   عملية بحث وتحقيق وتنقيب طويلة وشاقة.
-   وجود صحفيين مخضرمين من أصحاب الخبرات المتطورة.
-   استعمال المهارات في ربط المعلومات، والقدرة على تحليل البيانات، إيجاد الصلة بين العناصر.
-   صحافة مستقلة لا وجود للمصالح الشخصية فيها.
-   اعتماد أساليب وطرق معينة في الصياغة والنشر.
-   وجود موارد مالية وإمكانيات لوجستية وتجهيزات فنية وإدارية.


نظرة تاريخية حول الصحافة الاستقصائية:
عرف العالم الصحافة الاستقصائية أول مرة في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال نشاط قام به عدد من الصحفيين الأمريكيين الذين سعوا إلى الكشف عن الفساد بكافة أنواعه ومحاربته، ونشر نتائج تحقيقاتهم على العامة مرفقة بالصور والوثائق. وتشكل أول اتحاد للصحفيين الاستقصائيين في أمريكا عام 1976.
أسهمت الصحافة الاستقصائية عبر تاريخها في كشف أسرار كثير من القضايا الحيوية التي تمس مصلحة المجتمع في العالم الغربي من أواسط السبعينيات من القرن الماضي، وأجبرت أصحاب القرار على اتخاذ قرارات وخطوات لإجراء إصلاحات في قطاعات متعددة. بهذا تكون الصحافة الاستقصائية تلعب دورً هاماً مكافحة الفساد والجريمة المنظمة.
كان لجهود رجال الصحافة الاستقصائية الفضل الأكبر في محاربة المافيا الأمريكية منذ أربعينيات القرن العشرين والقضاء عليها، عبر متابعة وتنصت ومراقبة لرجال العصابات، وتم تقديم نتائج ذاك العمل الشاق إلى السلطات، حيث قامت الأجهزة الأمنية تحت ضغط الصحافة والراي العام في إلقاء القبض على رجال المافيا وتقديمهم للمحاكم، بعد أن كانوا متواطئين معهم.
وقد دفع عدد من الصحفيين حينذاك حياتهم ثمناً لعملهم وسعيهم إلى كشف الحقيقة.
بعد ذلك شق هذا الأسلوب في العمل الصحفي طريقه إلى أماكن متعددة في العالم. حيث باتت الصحافة الاستقصائية في هذه الأيام تعتمدها الكثير من المؤسسات الإعلامية، وهي تنمو وتتطور وتتسع وتلعب دوراً متزايداً في الكشف عن القضايا الكبرى في المجتمعات، تلك النوع من القضايا التي لا يستطيع الإعلام العادي متابعتها ومعالجتها.
إن الصحافة الاستقصائية ليست هي نفسها الصحافة المتخصصة، ولكن الصحفيون المتخصصون قد يستعينون من بعض تقنيات الصحافة الاستقصائية، لكنهما نمطان مختلفان من الصحافة. وليست هي الصحافة الناقدة، حيث أن مهمة الاستقصاء أبعد وأعمق من النقد. كما أنها ليست التغطية الإعلامية للقضايا الهامة، حتى لو كانت قضايا حيوية كبرى، مثل جرائم الفساد، والجريمة المنظمة، وخلافه.

قواعد ومعايير الصحافة الاستقصائية:
إن للصحافة الاستقصائية دوراً هاماً في التوصل للحقائق في القضايا الهامة، الكشف عن الجرائم والفضائح الكبرى وربطها بالفاعل الحقيقي. هي أيضاً طريقة لتبيان الصدق من الكذب، والتأكد من حجم القضية الحقيقي دون تضخيم أو تقزيم مقصود من قبل جهات ما. بهذا المعنى فهي وسيلة رقابية فعالة ويمكن لها أن تصنع رأي عام حول قضية ما. كما أنها تعبد الطريق أمام تدخل الأجهزة الرسمية في خطوة لاحقة.
على الصحافة الاستقصائية اعتماد مبدأ توثيق المعلومات والبيانات التي يتم الحصول عليها. وحين نشر أية تقارير مرتبطة بقضية ما، يجب أن تكون واضحة ومحددة ودقيقة وتدعّم بالأدلة والبراهين. كما لا يجوز أن تتضمن تقارير النشر أية اقتحام لخصوصية الناس، وعدم التعرض للأديان والعقائد، والحرص على عدم إثارة النعرات الطائفية والعنصرية والمذهبية.
وعدم نشر ثقافة الكراهية، والابتعاد عن استخدام المصطلحات المبتذلة، وعدم نشر الصور الفاضحة، كما يجب أن يكون واضحاً للقارئ الحدود الفاصلة بين البيانات والمعلومات وبين وجهات النظر والآراء ومواقف الصحفيين ومؤسستهم الإعلامية. كما يجب الاشارة إلى أن حق الرد مصان لجميع الأطراف المعنيين بالموضوع قيد المتابعة والنشر، وأن تحترم المؤسسة الإعلامية سرية مصادر المعلومات التي حصلت عليها.
أيضاً من المهم أن تتم متابعة قضية حقيقية وليست مفتعلة، والابتعاد عن أساليب الكذب والخداع والغش في المتابعة والكتابة. ولأن الصحافة الاستقصائية صحافة متابعة بعمق، على الصحفي الاستقصائي أن يكون يقظاً تجاه كافة التفاصيل المرتبطة بالقضية والتيقن من صحتها، ثم ربطها مع الوقائع الأخرى، وأهمية إيجاد الأدلة والقرائن، وحماية مصادر المعلومات.
الصحافة الاستقصائية لا تستطيع التنصت على اتصالات الناس، ولا الدخول إلى أملاك خاصة دون موافقة أصحابها. وعلى الصحفي الاستقصائي أن يبلغ الجهات الأمنية الرسمية في حال تعرضه للتهديد من قبل أية جهة كانت، وأن يتعامل مع التهديدات بجدية كبيرة.

العلاقة بين الصحافة الاستقصائية وصحافة التحقيق:
إن التحقيق الصحفي كما علمتنا المدارس الصحفية هو التفتيش والتنقيب في قضية ما بهدف الإحاطة بكافة الخيوط المرتبطة بها، والوصول إلى معرفة الدافع والهدف، ثم عرض هذه القضية على الجمهور كما هي مشفوعة براي الصحفي أو مؤسسته التي يعمل بها.
فالتحقيق الصحفي يستند أساساً على التقاط قضية مجتمعية معينة، وليس بالضرورة أن تكون قضية إشكالية، ربما تكون قضية إيجابية مثل إنجاز ما في ميدان ما من ميادين الحياة، ويقوم الصحفي بداية في إنجاز عملية البحث عن مصادر وعن بيانات ومعلومات متعلقة بقضيته، ويجمع الآراء والمواقف التي تتصل بها، ثم قد يحتاج إلى إجراء بعض المقابلات الشخصية مع ناس يرتبطون بموضوع التحقيق. بعد ذلك يقوم الصحفي بصياغة التحقيق من المادة الصحفية التي حصل عليها، ويقترح حلولاً لمعالجة الإشكالية موضوع التحقيق، أو بقدم اقتراحات ما ضمن تحقيقه. وعادة يرتبط التحقيق الصحفي بالوقائع المتصلة بحياتنا والتي تهم المجتمع أفراداً ومؤسسات. وفي بعض الأحيان قد يؤدي التقرير الصحفي بعد نشره إلى نقاشات وحوارات بين أفراد أو جهات رسمية وشعبية.
فيما يتعلق بالصحافة الاستقصائية فإنها صحافة تعتمد على الكشف والبحث والتحقيق، ثم التيقن من صحة البيانات والمواد التي سوف يتم نشرها، وبهذا فإن التحقيق الصحفي يكون جزءًا مهماً من الصحافة الاستقصائية التي أصبحت أداة مهمة لمكافحة الفساد والكسف عن الجرائم الكبيرة في الدول الغربية وتلك الدول التي تمتلك أنظمة سياسية ديمقراطية. كما أن الصحافة الاستقصائية هي التي تقوم بإظهار القضايا الكبرى في المجتمعات والتي عادة لا ترغب السلطة في تسليط الأضواء عليها.
التحقيق الصحفي الاستقصائي نمط صحفي يعتمد على الجمع بين جميع الفنون التحريرية الصحفية. هذا النوع من العمل الصحفي صعب ويحتاج كفاءة وخبرة من الصحفي المحرر الاستقصائي، لأن قدرة الصحفي على التقصي والتحليل والربط وإعداد التحقيق هو ما يمنح هذا التحقيق قيمته المهنية ومدى استطاعته في التأثير على المجتمع.
يتميز التقرير الصحفي الاستقصائي بأنه عمل يقوم به الصحفي من بدايته حتى نهايته. هو ليس تجميعاً لمواد وبيانات قام بها آخرون، ولا إعادة معالجة حقائق توصل لها صحفيون آخرون، بل التقرير الاستقصائي هو مادة أصيلة يقوم بإنجازها الصحفي، ويمكن إجراء مقارنات ومقاربات مع تقارير وبيانات موجودة وربط لوقائع بهدف الوصول لنتائج لم تكن معروفة سابقاً.
أيضاً التقرير الاستقصائي قد يتطلب إنجازه وقتاً طويلاً، ومن الممكن أن يشترك أكثر من صحفي في الإعداد بسبب عمق البحث الذي ربما يستدعي من الصحفي السفر إلى أماكن متعددة، وأحياناً بسبب قلة الأدلة التي يتم التوصل إليها.
في التقارير الصحفية الاستقصائية يقوم الصحفي باختراق حواجز السرية وتقتحم الأبواب المغلقة التي عادة لا يتم فتحها أمام الصحافيين العاديين الذين يحررون التقارير اليومية. الصحفي الاستقصائي لا يقبل برفض المؤسسات الرسمية والشعبية الكشف عن عملها وتقديم معلومات عنها.
ولأن الصحافة الاستقصائية صحافة تسبر أغوار مناطق وأماكن غير اعتيادية فإن حجم المخاطر مرتفع في هذا النوع من الصحافة قد يصل إلى مستوى تعريض حياة الصحفي للخطر. وإن وقع الصحفي لسبب ما في أخطاء بحثية قد يكلف هذا الأمر المؤسسة الصحفية مبالغ ضخمة.
فيما يتعلق بالعالم العربي فإن هذا النوع من الصحافة لا يستخدم كثيراً، وما زال انتشاره في أضيق الحدود، إذ أنه يواجه إشكاليات وتحديات كبيرة ومتنوعة ترتبط في غياب الوعي لدى المؤسسات الرسمية والشعبية لأهمية هذا النوع من الصحافة، والدور الذي يمكن أن تقوم به في التنمية المجتمعية، ورصد ومراقبة أداء الهيئات العامة.
كما أن غياب الحياة الديمقراطية والبرلمانية في معظم الدول العربية، ووجود توافقات سياسية وحزبية، وغياب معارضات سياسية حقيقية ما زال يشكل عائقاً أمام تطور الصحافة الاستقصائية في العالم العربي. وهناك غياب في كثير من الدول العربية للأطر والتشريعات القانونية تقوم بتنظيم حرية تداول المعلومات، وعدم وجود رؤى استراتيجية لدى الدول العربية تتعلق بآليات هذا النوع من العمل الصحفي، فضلا عن القصور القانوني والثقافي والمهني لدى العديد من الصحفيين، وعدم رغبة الكثير منهم الخوض في تجربة الصحافة الاستقصائية للمشقات والخطر الذي قد يتعرضون له أثناء إنجاز عملهم، وخشيتهم من الفشل، ومن التعرض لدعاوي قضائية. ومن المعيقات أيضاً ندرة المؤسسات الإعلامية العربية التي تدعم الصحفي وتمول عمله الاستقصائي وترصد له ميزانية للتنقل والمصاريف المختلفة. ومعارضة أصحاب مؤسسات إعلامية أو مسؤولين عن الإعلام الرسمي لنشر قضايا مثيرة للجدل في المجتمع، نتيجة الخوف من العقوبة ومن الأشخاص ذوي النفوذ السياسي والمالي، ونتيجة التهديد بالسلامة الشخصية.


29
أدب / مكتظ بالطحالب الضريرة
« في: 17:20 31/01/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


مكتظ بالطحالب الضريرة

1
رماح داجنة
    *
وأنتَ تسحبُ رماحكَ من غابة الخبز
ازرعْ عصافيراً لقلوب الجائعين
كي ينمو على نصالك السلام
وأنتَ تحتسي صوت الشراع
افتحْ باباً لصراخ البحر
وباباً لهذا التيه الموغل
وأنا من سقط في قدمي الطريق
استعصتْ عليَّ الثمار
وأنهكتني النهايات
قُلْ لي: كيف تبدّدت رحلتي في المنام؟


2
مواعيد مؤجلة
       *
كثيراً أحبُّ ثرثرتكِ في الحربِ
تُخبئين ترياق الخوف خلف الرداء المرتبك
تقولين: في تجاعيد الضوء التالي أراكَ
في العتمة نتوغّل
والمتاريس تُواري نوافذ المدينة
الأقدام دامية حتى ينزف الرصاص
لم أرى صوتكِ
انتظرتكِ طويلاً على الشرفة المبتورة
قال حرّاس الفوانيس
في غفلة من الشرخ رحلتْ
نَسيِتْ ارتداء الملجأ


3
شيء من الخوف
        *
ولدتُ في مرج السوسن
أرضعتني العصافير العابرة
لذلك أمقت الأماكن الضيقة
تراني أضم الغيم في جيبي
وأشاطر وجه السماء لوني
طويلاً أضحك على أسوار الوحشة
أحلّق بلا أسماء ويستدرجني درب الصناديق
أغفو فوق السرو المهجور
وأرقب موكب الجنازة
في البيت الجدران كثيرة ومرتفعة
جُلّ ما أخشاه أن أصبح فزّاعة بقبّعة من الذرة
تنتصب وسط المقبرة القديمة
ولا أستطيع الضحك




4
حكاية غير حقيقية
       *
في النطقِ تأخرت كثيراً وأنا صغير
كنت أبكماً مشروخ الفم لا يدرك الكلام
دائماَ ما كان ينعقد لساني بما ينبت فيه
تجري أصابعي لآخر مزمار
ويظل لساني مكانه
قالت أمي: ابني مكتظ بالطحالب الضريرة سطره
شدوا حرفه مسافة نور منكسر كي نراه
يأبى المعنى أن يطاوعني
كانت عيوني ظمأى للحزن
كبرتُ وأصبحت صوفياً
 وضاقت الجهات على صوتي
امتطيت سدرة الاستدلال أقشر قافية النصوص
أرتل أوراد الغيم الموروث
وصار صوتي مطراً لكل عشب جاف
وجناح لكل أبكم


5
هسيس مرتبك
      *
كنتُ أصنع زوارقاً ورقية وأنا صغير
أرسم عليها أجنحة
تشبه الطيب المسافر لمقابر الخزامى
أحمّلها حبّات القمح وأدفعها
في الضفة الأخرى للساقية تلتقطها العصافير
أنا لا أخشى البحر
ولا الأسماك
لكنني جداً أخاف من المراكب الكبيرة
ولون البحر
وكثيراً كثيراً أخشى الورق
كلّما أحضرتُ القلم تموت الطيور
لم يعد من القمح ما يكفي
يقولون الأزرق لون الموت


30
أدب / ذرفت نهري وطيوري
« في: 18:23 22/01/2018  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


ذرفت نهري وطيوري

أحببت في صغري كتباً كثيرة
تعلقت ببعضها كطفل يشد ثوب أمه
عشقت أخرى وأخفيتها في ملامحي
وهربت من كتب سفكت عافيتي
حين قرأت قصيدة أول مرة
انكمش صدري خلف القميص
راودني قلبي عن الحروف
جثوت فوق شفق الحكاية
 نظرت إلى وجه القصيدة
 عيونها تحدٌق في الوجع العاري
 حروفها تطفوا فوق فوهة الأفق
 والسطور رماح تطعن الضجيج
خالَ لي حينها أن الشِعر قِدْراً أسود
تنضج فيه الطلاسم والتمائم
لحظات استدرجتني لسدرة المعنى
صرير صدري كان مثل شجر يتقلّب
ظل قلبي يؤلمني مسافة موكب الرمل
مسّني هسيس المخطوط
في الليل كنت أسمع صراخ عصافير الماء
يأتي من وريد الريح الجاف
جهة النهر الكسيح
أستيقظُ مرتعباً وحيداً كل صباح
 في كل نوبة هلع تتلبّس جسدي الحمّى
تصبّ أمي الرصاص السائل على الماء فوق رأسي
ترتّل العمات أوراد الطقوس الروحانية
يأبى مجنوني أن يغادرني
تقول أمي صدر ابني مثقوب
كلما بكت أصابعه
 يخرج من ضلوعه نخل ورمان
لكن قلبه سيموت في كل صك مولود
ظمئي لخزائن المطر يقشر عشبي
جَرّتني صارية نهري
من فيض الخشوع للصراخ المشروخ
كنت كما أذكر جنوني أضم القارب في جيبي
أشدُّ قلبي كي أسمع فاكهة السفر
وتسألني بلابل الطريق
كيف تنام القصيدة
إن لم يجد الصغار شمساً
يرمون لها نواجذهم
أو ساقية تلهو فيها مراكبهم الورقية
 شجرة ربما يختبئون خلفها
لهذا ابتعت قِدْراً وقطفت الخرز الأخضر
 وصرت ناسكاً
كتبت أول قصيدة
فارق التوت قلبي
لم أبرح لوني ولم أقرب زادي مسافة حقل
يقتلني هذا الجنون ولا يهجع
أحرقت كثيراً من الصور
وفديت قيدي بقمح عظيم
قبل أن أكتب الديوان الأول
قالوا انج بنفسك قبل أن يغتالك قلبك
لكنني يا ربي مسكون بالوجوه الحافية
كيف تستقيم القصيدة
وكلما دعا العشب أحبتنا للنوم
يفتحون لهم نوافذ الأرض خلف السور

قد بلغ الهذيان الانشطار
القصيدة تنتشي بالخواء الثقيل
تتسكع أسفل الظلال
لا معالم في الحروف
لا مكان لبساتين التين
القصيدة تغمض عينيها
تبدأ اللوعة هنا
من وهب الولادة شهقتها؟
من أسقط المواسم في فوضى اليقظة؟
محنة المرء أدغال المباهج
لا تظن رحم الماء ضرير
فهي معصية تربك وجه الغابة
لذلك هشمت قِدْري
قالوا للنذر أربعين وحياً
ما غفوت لكن العصب اختمر
بلوحتي الأخيرة كنت وحيداً
في قاع القلق
وفوق ظهري شقاء العابرين
خلف غيمة تفور تركت صدري مفتوحاً
ذرفت نهري وطيوري
مزقت قصائدي وبقيت أنا مجنونها
حزيناً أهلوس بتعاويذي
أكره النوم وأستيقظ ما زلت مرتعباً
 ولا زلت
 كلما كتبت قصيدة يموت قلبي



 

31
صدور ديوان "امرأة من زعفران" للشاعر حسن العاصي
عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ صدرت المجموعة الشعرية « امرأة من زعفران » للشاعر الدانماركي من أصل فلسطيني "حسن العاصي".
« امرأة من زعفران » هي المجموعة الرابعة في مسيرة الشاعر الشعرية، وتقع في 188 صفحة من القطع المتوسط، متضمنة أربعة وأربعين قصيدة متنوعة بين شعر التفعيلة والشعر الحُرّ. قدم للكتاب الشاعر والناقد جوتيار تمر.
في ديوان « امرأة من زعفران » نجد أنفسنا بصدد قراءة ديوان وجداني تسيطر العاطفة فيه عَلَى مساحات كبيرة باعتبارها هي الحالة المحرِّكة والمسيطرة عَلَى الشاعر من خلال مواضيع تشغل فكره وإحساسه، وتدفعه دفعًا للتعبير عما يختلج فِي خُلده عَلَى شكل انفعالات ورؤى مختلفة تتشكل بحسب الحالة الوجدانية التي يشعر بها الشاعر فِي لحظتها، ومن العواطف ما يسمو بالنفس عشقًا وهيامًا فيتحول الشاعر من ناقل لمشاعره إِلَى مطرب يتغنى بكلماته ويجعلنا نستطرب عَلَى وقع كلماته ومشاعره.
والشاعر في هذا لا يتوقف عِنْدَ جغرافية أَوْ مذهب واحد للعواطف التي يريد إثارتها، لكونه يتعدى باستغلاله لمعجمه الدلالي والصوري أبعادًا كثيرة فِي التوظيفات العاطفية وتعددها من النواحي الأدبية، فتتجاوز العواطف فِي النص حدود الذاتية والآخر لتبحر فِي المدايات الأخرى، مما يعني أن مجموع العواطف الشخصية سواء كانت إيجابية أَوْ سلبية ؛ نجدها ترسم لنا مخططًا بيانيًا دلاليًا وصوريًا واضحًا حول المسارات التي يتخذها الشاعر كي ينفذ من خلالها إِلَى أعماق تجربته الوجدانية العاطفية...
ينقلنا الشاعر إِلَى عوالم البلاغة التي تتقد عشقًا ووصفًا وتصويرًا وإيحاءاتٍ، ويعيد إلينا البلاغة كأساس ترافقي لمسارات العاطفة الأدبية، فنعيش ذلك الزمن الشعري الذي كانت البلاغة هي المعترك الأساس فِي التطور الشعري، ولكن لأنه شاعر يعيش عصره ؛ نجده ينقل تلك التجربة بحداثية الصور التي يلتقطها ويبثها عبر قنواته الشعرية، فيمنح الواقع والانتماء مساحة تثبت حداثته وتثبت عراقته فِي الوقت نفسه...
استطاع الشاعر أن ينقل المتلقي إِلَى عوالم أخرى مليئة بالعواطف الجياشة والمتقدة، وعلى هَذَا الأساس ظهرت التجربة الشعرية فِي الديوان عَلَى أنها عميقة وملتحمة بالإحساس الدافئ والحميم فِي الوقت نفسه.
إنها نصوص يمكن للمتلقي أن يستشعر من خلال التدفقات الشعورية فيها قوة العاطفة وروعتها، وكذلك ثبات العاطفة واستمرارها فِي العمل الأدبي.

من قصائد المجموعة :
   أَغْلالُ الغَرَام / الغِوايةُ الخَضْرَاء / حَالُ المُبْتَلَى بِالهَوى / أَمْسَيتُ عَاشِقًا / أََهْوى النِّسَاء
   مَفْتُونٌ حَدَّ الظَمَأ / أَوْرَاقُ الشِّفَاه / حَقْلٌ بِلا جَسَد / بُسْتَانُ التُّوت / سُهْدٌ يَسْتَعْذِبُ الأَرَق
   زَهْرٌ مُحَلَّى / ثَوْبُ التَّقَاسِيم / فَاكِهَةُ المَاء / قَطْفٌ لا حَصَاد / بِسجْنِ هَواكِ أَنَا أَخْتَال
   شَيْخُ قَبِيلَتي / مَا اِسْتَطَعتُ صَهِيلاً / يَطِيبُ مَعَها الهَوى / زَهْرةٌ غَجَرية / مُقَامُ الاِحْتِرَاق

  الشاعر في سطور:
• كاتب وشاعر دانمركي من أصل فلسطيني
• حاصل على ماجستير في الإعلام
• عضو اتحاد الصحفيين الدانمركيين
• عضو الإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
• عضو إتحاد كتاب الإنترنت العرب
• عمل سابقًا فِي تلفزيون كوبنهاجن وفي راديو منظمة إدفاد الدولية لمكافحة التمييز العنصري
• يعمل حاليًا باحثًا فِي قضايا اللجوء فِي الصحافة الاستقصائية

• الإصدارات :
        - ثرثرة في كانون : قصائد. الدار البيضاء 2008
        - خلف البياض : قصائد. القاهرة 2013
        - أطياف تراوغ الظمأ : قصائد. شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2016م
        - امرأة من زعفران: قصائد. شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2017
   

32
أدب / حتى يُشرق البحر
« في: 18:51 10/01/2018  »


حتى يُشرق البحر

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


مزيّف كل شيء
مثل لوحة إعلانات تنطفئ ثم تضيء ببطء
تظهر صورة الدجاجة البدينة تلهو مع صيصانها
فوق المذبح الآلي للدواجن
في الداخل الدجاج معلق من الأعناق
يدخل في أقفاص تنضح بالضجيج والدفء
ويخرج في صناديق باردة ساكنة
هكذا هي الأشياء
تغرينا ببريق زائف
ما أن نقربها تُشهر نصالها
تغرس واحد في العنق وآخر في الخاصرة
مثل الأوطان
لا ترى منها سوى الأراجيح وساحات العيد
حين تكون صغيراً
تكون مثل برعم الفرح قزحيّ الساق
تغفو كبذرة الروابي في رحم الوقت
عشرون عاماً تردد النشيد الوطني كل صباح
حتى يختنق صوتك
لكن الوطن أصم بوجه متحنط
ما أن تنادي بلادك
يعلقون لك المشنقة في أقبية الموت
كل شيء مزيف
مثل الأصدقاء المخلصون
تنهل ماء عينيك كي لا تجف أكفهم
فينبتون ضوءًا مثمراً لا تطاله أصابعك
فإن جف مطرك يرتدون شجرك
يغلقون اسمك وينامون
سرهم غريب
يختارون دون فصول هجركَ
ودون فصول اختيارياً يعودون
مزيف كل شيء
قبل الحب رحل قلبي
حيث تزهر ضفافي
قالوا الهوى يناديك
هيا اعبرْ درب القناديل
أوقدتُ وميضي فتعثرتْ طيوري
تلَوّى حقلي كعشب أعياه السور
لم يكن في الخفق النازف
سوى مواعيد لا تأتي
سألت الشجر المصلوب على الوقت
أين يذهب خلاّن القلب حين يرحلون؟
قالوا يسافرون في جذر الريح بلا هوية
قلتُ متخم بالضجيج هذا الموكب
لكنني لا أسمع زاوية الصور
زيف يملأ حلوقنا بخاراً أسود
يحجب عرينا ويفور رماداً
أقسم المارة أن السمك يزحف نحو الغابة
وأن الرمل أغمض عشبه
وأنتم قد تكونون عصافير الشتاء أو أشلاء الريح
ربما زهرة ياسمين أخضر
لكنكم خطى تائهة
مثل يتيم أضاع حذاءه
ها قد أضحيت نهراً يصطفي ضفاف الغرباء
حد الجسر الأخير
ذات حقيقة
حين يضيق بي زورقي
سوف أرسم أشرعتي كما أشاء
كي يتحول الوعد طيراً مهاجراً
يمتد في السفر
أطوي رملي تحت وسادتي
ألقي رأسي فوق ناصية المتاهة
أشتهي جنوناً صادقاً يمتطي رائحة قلبي
 وأنام حتى يُشرق البحر
قطرة .. قطرة










33
أدب / سلام عليك يا قدس
« في: 18:44 07/12/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


سلام عليك يا قدس


يتهادى صباح القدس
على بساط من سندس وديباج
يرقّ من ثغرها البنفسج
للعصافير حين تصدح
أزهار النارنج باكورة الصلاة
 والمآذن آيات الخالق تنسدل
 على الكروم وبساتين التين
 بالأسماء الحسنى
 وأكواب القهوة شراب البنٌ
 موٌال يعانق الشرفات العتيقة
 والخلخال أزهار الرمٌان

 على ضفاف القدس كًتب التاريخ
 وغًرست أشلاء الكون
 من هنا مر الآراميون والكنعانيون والإغريق
 وظلٌت القدس وجه طاهر
 معتٌق بفضة القمر
 القدس لسان الكون
 فيها صكٌت الأبجدية المسمارية والآرامية والسٌامية
 همس ينمو على أصابع الصوت
 وعند عتبات القدس تًنبت الكرامات
 فهي توأم الشام وشقيقة المسيح
 يحرسها الرحمن

 القدس بسبعة أبواب
 مدينة مفتوحة على السماء
 والنرجس أقراط القبّة
 تغفو عليها الملائكة
 جبل الزيتون عروس فوق هودج مخملي
 والأقصى مسمار الله في القدس
 والكنيسة مليحة حسناء بجدائل
 تمتد بين صرختين
بئر أيوب بتلات بماء يغسل الذنوب
 وجبل المكبّر صدقة جارية
كأنٌه مزمار الراعي
 ووادي قدرون سحر البيان

القدس سيدة المدائن
 حدائقها خطىً بلا تعب
 كأنها سجادة صلاة
 دروبها وسائد الروح تزيٌنها الحواري
 كأنٌها قبضة من نور
 القدس ريم القبائل وشامتها
 هي القمر العائم لحظة الغروب
 بدر أخضر
 القدسزهرة العيد براعم خمرية
 وخلف أسوارها تتمايل
 أغصان التين والتوت
مثل وتر أثملته الألحان

 كأنٌها إنجيل الفقراء
 مرصٌعة بطيور الجنة
القدس  قصيدة لا تكتمل بتفٌاح أو محراب
 هي وحدها ترسم المطر ربيعاً
 القدس عروس فاتنة بتاج من زنبق
 وقلادتها ماء القلب
 سلام على تلك الأرض ونسغها الطاهر
 وًلدت لتظل نبوءة الشرف
 وللإباء إيوان

 منذ نيٌف هاجرت أمواج القدس بحرها
 بكت النوارس
 احتضر النهار والضوء رحل
 وتجرٌعت القصيدة قبرها
 خلف أسوار الزوال
المبعدون وحدهم خطىً تائهة
 يقين يحتضر
 وأثواب معلقة في السماء
 والنساء تكابد الوجع
 ويمرٌغهن الأنين فوق خطوط الوحل
 ينامون وهن يمضغن
 الحسرة والأحزان

 خلف عباءة البياض
 تتوارى مآثر التراب المتوقٌد
 يجتث أغصان الماء
 كأنما المسجد لا عاصم له
 كالشرفات المهجورة
 عناكب بلٌلورية تنزف حمماً
 أضغطوا على الرّيح أيها المسلمون
 يدخل الملح الأسود جوقة الموتى
 أبكوا كفكم وألقوا حزنكم
 جهات للإيمان

 أضحت المدينة قلب حزين
 بضفائر من عصافير
 وشراع مبعثر يمتد جدائل من دم
 عند حافة الوقت المشروخ
 تتقشٌر الجدران في وحشة الضياء
 ويغفو الظل على وشم الماء
 عناقيد ملح تصافح الموت
 في جبٌ الظلام
 تفر الدروب تلفظ يهوه
 تسيل أسفار الذبح من الثقوب السوداء
 كالثوب الضرير يلتحفه الشيطان

34
أدب / كثيرة هي حماقاتي
« في: 19:08 28/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


كثيرة هي حماقاتي


لا أحد ينجو في مسار الغفلة
كثيرة هي حماقاتي
تتواتر كما السيل المنفلت
موجة بكماء وأخرى أوصدت أهدابها
بدءًا من مخاض ضرير
في حقل النعناع
حين وهبتني الأقدار قلباً أخضر
يصبح ساقية إذ استيقظت الغابة
وقنديلاً إذا نامت عصافيرها
أنثر السوسن في وجه الربيع
تزحف على الفصول رائحة لا تصل
أعتلي جدران المدينة مثل قط الأسواق
تتعثّر بي عربات الباعة
أشتهي قضم الرحيل
 مثل درب أعيته الخطى 
في العيد نسيت يدي عند بائع البالونات
وأنا أبحث عن آخر خيط كان يلهو هناك
فكان نصيبي فرساً ورقياً هزيلاً ومبتسماً
عدتُ مرّة من أقدام الشاطئ دون رأس
حين أيقظتني أمي صباحاً
وجدت نورساً لا يطاوعه الرمل مكانه
قالت: ابني ابتلع البحر
ومرّة تسلّقت لوحة الأولياء
فسقط بي جسر المطر
لملم السور جسده المنهك
وتوارى في أعباء القلق
كبرتُ وكبرتْ الحماقات
صرت مرجاً من العشب
ينصبون فوقه ألعاب المواسم
ويرقص على أطرافه التائهون
صرت شيئاً من لهاث المسافة
تصرخ أصابعي ولا أعرف القراءة
وفي الشتاء السابع
أخرجتُ عيني من أنفي
حين ضمرَ الغيم الماء في هبوط الملح
تذكروا أنني حلّقت مع فراشات النار
لم يكن زهواً ولا بهجةً
ولا برعماً
كان أنيناً منسكباً وجناحاً وعراً
أكبر حماقاتي كانت في الحب
صدّقتُ ذات وهم
قالوا لي ما الحب إن لم تفيض به روحك نغماً
فرابطتُ في روضة العشق وتراً
أطعتُ مقاماته وأنهكني الهوى
حتى ذرفت قلبي
وشيّعت جنازته وحدي
أغلقتُ الانتظار وقلتُ
ما أعذب عثرات الصبا
لو أن قدري يغادرني
ويبعثني مرة أخرى غصناً من الماء
يجتث التراب المتوقّد
كنتُ خلعت قلبي ووجهي ويداي
وكتبت جنوني ونوبات اغترابي
واكتشفت سرّ الحماقة
إنما يتلاشى وقتي
 مثل ضوء خجول يفرّ بعيداً
و قوارير الرمل تتنهّد باسترخاء
يوشك الطفل أن يرتبك
فوق العشب الأبيض
حالك وجه هذا العالم أسحم
ما زال الكثير في احتدام القصيدة لم يقال
أفترش وردتي وأنام
وحماقاتي تمضي حيث عيد الله
 يهب نزق الصبيان أرجوحة

35
أدب / أنتظر قلبي أن يكبر
« في: 16:49 24/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


أنتظر قلبي أن يكبر


بعناد باتر أمها ترفضني بشدّة
الفتاة التي أحب
تقول ابنتي غصن من أهزوجة
حسناء مليحة بجدائل تمتد بين هودجين
خدّها معتق بفضة القمر
وخلخالها من زهر الرمان
أنت شاعر أشعث بقلب صغير
وتمرك لا يؤكل
قلت خذي فرحي وساعة الشروق
 حدقة صراخي ولون نخيلي
خذي قصائدي ونكهة أصابعي
لو شئتِ ما أرقت وجهي
قالت عند عتباتنا تُقرع الكرامات
أنا أَهبُ الفصول ولادتها
لا ينفع معي مطر ولا بشر
فلا فرح لكَ ولا شجر
احترت في التأويل استشرت وسألت
أما من كوة تفضي خارج هذه المشنقة؟
قالوا بلا أمل تُبحر أشرعتكَ
كل الجهات تشهق حمماً
سيظلّ حزنك جاثماً كشرنقة فقدت أجنحتها
سألوني ما بالك والنساء تصدح
 أريم القبائل هي؟
أجبتُ بل شامتها
لا تشبهها القصائد المعلّقة
ولا جداول النرجس
هي وجه العيد العائم لحظة الغروب
منذ نيّف وسبعة مواسم
 صدفة التقيتها
امرأة ببراعم خمرية
حبّة خزامى تلاحقها البساتين
همتُ بوجدها
ونامت غيمة على نهر قلبي
في جنون التفاح سقطت
وأنا أنتظرها
ذات رمق يحترق
وأنا على بعد خسف أنتفض في وقتي المغلق
لا فرار للخطى من دربها
احتجبتْ في بهجة البياض
امتشقت الحبيبة من جوف الهاوية رمحاً
وأمعنت في خاصرتي
تقول أحبكَ يا وليفي ولكن
ينتظرني رجل آخر
وأنا أسقط تحت اللحاف آخر الليل
كل يوم لاصطياد الغفوة
يخرج قلبي من تُرعته فوق الغطاء
يرتدي برقعاً من أسلاك شائكة
 خلف السائل الأحمر يسترق النظر
بعينين تكبلهما خدوش رطبة
وأقدام تتعلّم الفطام
يبحث عن لبّادة العشب
أغطّي يقظتي وأُغمض فراشي
كي تغفو فوق الهوّة شِدّتي
لكن أرق الفراش يرميني كل ليلة
من أين يأتي كل هذا الحب؟
من أين لقلبي هذا الطفل العاشق؟
لو أن شغف الإبحار يعود
انتهى العرض
داهمتني الألوان البالية
لا تنسوا ترتيب التفاصيل الراكدة
في الخفق النازف جرحاً متوثباً
أنا وحدي وهذه الأضلاع نتلوّى
مثل قطعة وجع في سلّة ملح
 بلا سبيل بلا تمر
وبلا حبيبة
أنتظرُ قلبي أن يكبر




36
أدب / أحدثك عن وجع الحقيبة
« في: 10:53 19/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


أحدثك عن وجع الحقيبة


لم أكن أحب معلم الرياضيات
لأنه يكْسر صور الأحبة
ويعادل أجنحة المراكب بأشرعة البجع
يدسّ جذر الريح الشارد
ثم يضع أسماء الموتى  في جداول
يبتدع نظريات بفوهات صمّاء
 تضيق على عيون الصغار
ويحمل مسطرة طويلة
تصل إلى رؤوس التلاميذ
يشرح لنا عن مثلثات
برؤوس متجردة من حقولها
أضلاعها مثل شجرة هرمة
وفمها طوابير من الجراد
كان يقيس المسافة بين الكرّاسة وتعب القلم
بوتد من رحم كسيح
ولا أحب أستاذ الجغرافيا
يرسم بحوراً لا ماء فيها
ولا أغصان حانية
يخبرنا عن مدن تعوم فوق شقائق النعمان
وعن فصول ممزقة الأسمال
تستجدي حزمة من مطر
يقول لنا حين تسقط أوراق النهر
يجن الخريف ويموت الخبز
حينها يقضم الغيم وجه النهار
لا تخافوا إن ألقت العاصفة في صلب الكثبان
قمحاً بلا قوافل
ولا مدرس العلوم العجوز
يخلط بالقارورة صوت الضوء المتربّص بالنهر
 برائحة التوت المثقوب
وفي كل مرة تختنق شرنقة الماء
كانت يده مبتورة
قال مرة لا داع للعجلة
الطحلب الأصفر سيزاحم الشمس البكر
إذا ما نضج السور
وغفى النور على كفّ الأفق
أكثر ما كرهت معلم الرسم
وهو يصوّر في الأعشاش أسماك بأجنحة
ويرسم ستائر بلا نوافذ
حين رسمت عربة نقل الموتى
وضعت فيها صناديق من التفاح الأبيض
صفعني على مؤخرة رأسي
شاهدني مرة أرسم رجلاً يصلّي
عارياً بلا ملامح
 صاح يا عبد السوء
وطردني من الحصة
أستاذ اللغة العربية كان يخيفنا
يصرخ دون مقدمات
لم يكن من حاجة لهذا المعول
هذا الحطّاب لا اسم له
ورأسه سادر بلا حول
معتقلين كنّا لا طلّاب ولا أطفال
لم يكن أبي يصدّق إني كسول
وإني لا أحب المدرسة
حين يسألني عن أسماء الأولياء
أعدّد له  أغصان المدينة
أقول الحروف مصابة بنضح من وجعها
أصبحتم تعلمون ما كان يفعل
وأنت لا تطلب مني كتابة قصائد عن الحب
ولا عن الحبيبة الوفيّة
لم أكن أبداً أتحدث عن المدرسة
ولا عن أبي
كنت أحدثك هنا فقط عن وجع الحقيبة

37
أدب / يعود الشجر إلى البحر
« في: 20:20 14/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


يعود الشجر إلى البحر

أبداً لم يكن والدي رجلاً رومانسياً
لم نراه يحضر يوماً وردة لأمي
لكنّه يحضر الكثير من اللحم
أمّي تصنع بوفرة الخبز والكعك
تظلّ ترقب درب المدرسة
حتى لم تعد ترى المسافة
والصغار ينتظرون صباح العيد
تتوضأ أمي بالطحين وتعصر أكمام القِدِر
تمسح أشلاء النهار بأطراف ثوبها
تفرش تعبها وتصلي
وتعود إلى الصكوك العسيرة
ترتّل أورادها وتتهيّأ للظمأ
ونحن مثل كرات زجاجية صغيرة
نتدحرج بين أكياس السكّر وأقدام العمّات
وأكوام اللحم
والدي رجل ضخم البنيان والقلب والإيمان
يشبه طاحونة قديمة
يحلّق مثل أذكار الخشوع
كلّما أكل لحاء القمح نيئاَ
يطوف مثل قائد حربي
كلّما علا صوت المئذنة
ويحصي أطراف العباد
يُحبّ طهي اللحم وإطعامه
يهبُ الأسماء وريد الخبز
ويقرض كفّ اليتيم
تضيق السلال على المواسم
وتتوهّج عيون القوم
اللحم وافر
 تفيض الغِلال على المريدين
يبتسم أبي مثل وجه النهر
تمعن الأفواه في افتراس اللحم
يبتسم والدي أكثر
وكلّما تنسّم جارنا الرائحة
يأتي ليلقي التحية
والقوم لا يخرجون إلّا ويعودون
لم أرث حبّ اللحم
أورثني وحشة بأنياب
وأرق الاتجاهات
أبي لم يكن رجلاً رومانسياً
بل رجلاً شيخاً عنيداً ً
وكان يضربني كثيراً
لكنّه رجل جَوَّادٌ معطاء
بقلب يشبه ورق الورد
يُطعم كرز عينيه لمن يشاء
كان يناديني من حيث لا أرى
ويراني من حيث لا أسمع
وهكذا ظلّ هو كفاً بارداً
 على حدود الوجع
وبقيت أنا أطوي المسافات
لا يستقيم اليراع مع أنامل الراعي
يقولون حين تهرم الغابة
يعود الشجر إلى البحر
ما زلت أقف على فوهة الرمل
لا يطاوعني قاربي
لكنّني أحرّك الماء المرتبك
وأوْصد تقاطيع الشراع
كلّما سمعتُ دبيباً أو ثغاء


38
أدب / وجهي نافذة هرمة
« في: 19:45 08/11/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وجهي نافذة هرمة

ونحن صغار
كنت أصنع مصائد للضوء
أنصب المرايا الضريرة
وأستدرج الشمس للسور الكحلي
أمزّق من صلب السواد ورقة ورقة
كي يتبعني رأس النور
يستنهض قلبي ألوان الضياء
فتتراقص العتمة دون زهر يذكر
حين يمتد من الكوة الضيقة
 صوت الجناح وعداً
وتسقط قامة الضوء في الشرك
أُغلق العصافير على قلبي
أعصر ضحكتي فوق ظلّي
وأترك يدي فوق ريش التعب
كي ينضج وجهي في قوارير الوقت
الساعة تمام العتمة من كل ليلة
أتسلل خلف السور
 وأوقد مزاجي الحنطي
أُحرر الضوء وأُطلق وجهي من سباته
في الصباح أعود لأنصب الشراك
وأتحايل من جديد على الضوء
أصطاده مرة أخرى
وبنزق الصبيان أرفع مصيدتي
كي يهرب الضوء ويتلاشى
مثل كسرة ضحك ابتلعها الحزن
كنّا أطفالاً نتقاسم الطرائد وبستان التين
نُفرط في نصب المرايا
نتشارك القبور ويوحّدنا البكاء
كل شيء يعود لأصله
قادتني فطرتي إلى صفصاف القرية
لم يعد البستان كما كان
بلا حول تقبع المرايا الصدئة
في بيتي مرآة عمياء كبيرة
كثيراً كبيرة
بحجم السور الكحلي للمقبرة
لكن قلبي الآن أكثر رشداً
من الماء الخشن
كلما فتحت عليه مطري
على حين غيمة
وأمسى وجهي نافذة هرمة الدرب
يبتكر للغياب خيلاً
لتدوسني حوافر الراحلين
يا الله كم يحب المسافرين هذه القبور
مثل حَمَل صغير استيقظ متأخراً
في المرج الشرقي
دون أمه
أكبو مرتبكاً أستجدي وجهي
ينفطر صدري زهرة وعصفوراً
ولا يفلح الضوء في الانبلاج




39
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

حركة التحرر العربية .. أسئلة التراجع والنهوض



إن تفقدت بموضوعية وأمانة فكرية دور ومكانة قوى حركة التحرر الوطني العربية خلال ما يقارب العقود الأربعة الماضية، تكشف عن إفلاس فكري وسياسي وثقافي، وعجز حتى الشلل. ولن تجد من تلك القوى منفردة ومجتمعة سوى شعارات غوغائية باهتة، لم تعد تنطلي على أي مواطن بسيط من الشارع العربي.
سوف تجد قوى وأحزاب باتت فاقدة الأهلية الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، لانها أصبحت أسيرة سياسات الانظمة العربية البوليسية والثيوقراطية، ليس هذا فحسب، بل انها أصبحت جزءا من عملية التشرذم والانقسام الديني والطائفي والمذهبي في المنطقة.
 وحتى مؤتمراتها بمستوياتها المحلية والعربية، لم تعد تحمل أية دلالة بالنهوض، وانما تحمل معنى واحد يتمثل في المزيد من تصلب الشرايين الذي سوف يؤدي إلى الموت الإكلينيكي والتحنط، لانها تلوك ذات البرامج الفاشلة، وتنتج ذات القيادات، وتكرر نفس الخطاب بلغته الحطبية، تراها وهي تحاول تعيد إنتاج نفسها، أشبه بالعجوز المتصابية التي لا ينفع مع فسادها عطّار.
هذا لا يعني بالضرورة أن موت حركة التحرر العربية قدراً محتوماً، وأنه آن الأوان لإعلان وفاتها وتشييعها، ولكن كيف نستطيع إيجاد الرافعة السياسية والاقتصادية والثقافية، وبلورة مرجعية فكرية وتحويلها إلى مرجعية شعبية، تستطيع تحشيد وتوحيد جهود كافة شرائح المجتمعات العربية، ووضعها أمام التحديات الكبيرة التي تواجه العرب في الألفية الثالثة.
أن الإشكالية الأساسية في واقعنا العربي الراهن  تكمن في الفراغ، فراغ فكري ومعرفي وحضاري، إذ لا يوجد مشروع للأنظمة السياسية القائمة ولا للقوى الوطنية على حد سواء، ولا للمعارضات أيضاً التي يقتصر دورها في إعلان الرفض، ترفض ماهو قائم، وترفض اي قادم، وترفض المبادرات المختلفة.
يزداد الوضع سوءًا حين مقاربة المشكلة العربية بدخول البشرية مرحلة الثورة التكنولوجية، والموقف العربي لايزال يتراوح بين الخوف والتهميش وافتقاد الرؤية والبرنامج. كما يترافق عجزنا مع الشكل الجديد للعولمة التي من أبرز سماتها توحيد الاقتصاد والسياسة، أو ما يطلق عليه «إمبراطورية العولمة»، وهذا ما تحاول حضارات شرقية مثل الصين واليابان والهند وبعض الدول الأوروبية تطويرها وتغييرها إلى شعار «العولمة الإنسانية».
أضف إلى ذلك النظام الدولي الجديد قيد الإنشاء، إذ يطل على المنطقة العربية بصفتها «رجل العالم المريض»، الذي يهدد العالم بسبب الإرهاب والانفجارات الديمغرافية والفقر والاستبداد ويشكل خطرا على الأمن العالمي ولابد من إخضاعه وإدماجه عبر مبادرة «الشرق الأوسط الكبير»، ولن تتراجع القوى الغربية عن هذا الهدف حتى لو أخضع مشروع الادماج بالقوة عبر تحويل الحلف الأطلسي إلى شرطي العالم العربي.
لقد أثبتت كافة التطورات التي شهدتها المنطقة العربية خلال أكثر من ستين عاماً، أي خلال ما بعد نيل الدول العربية استقلالها السياسي عجز الدولة - الأمة (القطرية) ونظامها الإقليمي على مواجهة التحديات الجدية، فلا قدرة لهما على بناء الدولة «الأمة» القطرية المتطابقة مع الدولة القطرية، في زمن بدأ مفهوم الدولة - الأمة ينهار، كما يفتقدا القدرة على حماية شعوبهما من مخاطر التهميش الاقتصادي والتفكك السياسي والاستعباد الاستعماري، وافتقاد القدرة على بلورة عمل عربي مشترك ومستقل قادر على فرض الإرادة العربية.
 وتطل إلى جانب ذلك أزمات المجتمع العربي القطري ومن أبرزها سلطة الاستبداد التي أدت إلى انقسام المجتمع على أسس مذهبية وطائفية وقبلية، علاوة على بروز الإسلام السياسي المنقسم ما بين شيعي وسني إضافة إلى التفتيت والتمذهبات الخطيرة غير القادرة على طرح مشروع نهضوي - وحدوي - وسياسي أضف إليها انعدام أي برنامج لتحرير الإنسان العربي وإطلاق حرياته وحقوقه وإمكاناته الإبداعية والاقتصادية، ناهيك عن الاعتراف بحقوق المرأة.
وبرز وجهان آخران للمشكلة لا يمكن القفز فوقهما، الأول غياب عنصري العقل والحرية في الاجتماع العربي والثقافة العربية والحاجة الماسة لتحرير العقل العربي عبر تضييق مساحة المقدسات والايديولوجيات المغلقة، وإطلاق عصر أنوار عربي جديد، والثانية، حال الاحباط والاكتئاب الجماعيين وخصوصا عند الشباب، ما يستوجب إحياء الأمل بالغد وبعث التفاؤل بإمكان التغيير.
نحن أحوج ما نكون إلى طرح العديد من الأسئلة التي تفتح مغاليق الواقع من أجل التفكير بإمكان تحقيق الحلم الرومانسي الواقعي للشعوب العربية في، وهي ما إذا كانت الدولة القطرية الحالية قادرة على التنمية بشكل مستقل؟ وهل هي قادرة على الدفاع عن الاجتياح وحماية الشعب؟ أو قادرة على انقاذنا من الفقر والتخلف؟ أو ستساعدنا على إمكان ولوج عصر الحداثة وما بعدها؟
كل هذه الأسئلة لا شك تدعو للتفكير بصوت عال وتتطلب تغييرا جذريا في منهجية التفكير.
إذا كان هذا حال معظم الدول العربية من البؤس والشقاء والتبعية، فما البرنامج الذي يشكل استجابة للتحديات التي تواجه أمتنا العربية وشعوب المنطقة في الألفية الثالثة، لتحقيق تطلعاتها الحالمة باشراك الأمة في الثورة التكنولوجية، ومقاومة العولمة المتوحشة، والإنتقال إلى وضع تكون فيه الأمة مؤثرة على النظام الدولي خلال لحظات تشكله الحاسمة، والخارجة من ورطة الدول - الأمم وحروبها الأهلية، والقادرة على انقاذ المجتمعات العربية من الانقسامات ما بعد الحداثة المدمرة.
هل هناك وثفة سحرية للخروج من هذا المأزق؟ بالطبع لا، لكن البدء في إيجاد حلول يكمن في إعادة ترتيب الأولويات الفكرية وأساسها السياسي، حيث تجديد الفكرة العربية وتنقيتها من الشوائب التي لحقت بها جراء الفكر القومي، الذي أثبت أنه فاشي واستبدادي ودكتاتوري وحالم وخيالي وأسطوري، وتقدير قوة الهوية العربية وتجذر وحدة المشاعر العربية، فالثورة الفكرية تتطلب ثورة في النظرية على الصعيد السياسي من دون الاضطرار إلى الاعتماد على الأسطورة أو المدمرة، وذلك اعتمادا على المجتمعات المدنية العربية إذ تكتشف الطريق إلى مواجهة الفقر والتهميش عبر الاستخدام الأمثل للطاقات والثروات العربية ووضعها في خدمة خطط التنمية والتطويرات العلمية والتكنولوجية.
 وكذلك العمل على تخطي مخاطر الحروب الأهلية ومآزق الدول القطرية العربية والانتقال إلى حال الفعل السياسي والابداع الثقافي والمساهمة الفكرية والعلمية في إنتاج النظام العالمي الجديد، وانقاذ الشعوب العربية الصغيرة منها والثروات العربية كذلك من عمليات الالحاق والهيمنة وتحويل فكرة العروبة الديمقراطية إلى نظام سياسي ديمقراطي عربي يحقق العدالة والمساواة للجميع، وإعادة صياغة قضية فلسطين بصورة جديدة وبلورة حل عربي عادل للشعب الفلسطيني خارج إطار المشروع الاستسلامي، وإعادة الاعتبار لمفاهيم الكرامة العربية والسيادة والاستقلال العربي بعيدا عن الفكر «الواقعي» الإنهزامي الداعي لقبول إملاءات القوة الامبراطورية الأميركية.
من غير تحليل علمي وموضوعي وصادق لاسباب الهزيمة ومسبباتها، وإن لم نعلم لماذا خسر القوميون والماركسيون معركة التنمية والتطور، ولماذا غابت وغيبت حركة التحرر العربي عن المشهد طوال نصف قرن، ولماذا لم تتمكن الدولة الوطنية من إنجاز مهامها في الاستقلال الاقتصادي وتحقيق التنمية لشعوبها، فإن من ذلك يعني الاستمرار في هذا الوضع الخطير المهدد للكيانات وللدول، ويؤدي إلى انفراط الوحدة القطرية وانتصار أصحاب الكيانات العصبوية، ومن شأن ذلك تحويل الدول العربية إلى كيانات طائفية ومذهبية متصارعة، وهذه الحالة السوداوية سيناريو يحمل قابلية التطبيق في عدد من الدول العربية.
سايكس بيكو جديد يتم تداول تفاصيله في الغرف السوداء، لرسم ملامح خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط لن يفلت من أذيتها أحد، ما لم تتصالح النظم السياسية مع شعوبها، و لم تشفى حركة التحرر العربية من حالة الموت السريري.


40
أدب / يؤلمني ما زال خدّي
« في: 18:36 05/11/2017  »


يؤلمني ما زال خدّي


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


وأنا طفل
كان والدي يضربني بيديه
كلّما عانقتُ في سفر الحكاية
خلخال سندريلا
وكتابي المدرسي مغلق
يضربني حين أجري خلف حلقات الضوء
أو حين أغسلُ وجه الصباح
من اكتظاظ العسف
يضربني أكثر إن نسيتُ وجهي معلق
على النافذة
وكلّما لمستُ ذيل الصلصال المولود
معلّمي في المدرسة ضربني
حين أيقظتُ الغيوم العابرة
ورسمتُ على الجدار ساقية
وطردني
 حين أدخلتُ الغابة الكسيحة إلى الصف
خرج منها شجر شاحب بلا ساقين
ومرة جذبتُ الشاطئ المبتور
نحو مركبي الورقي
 وأغلقتُ البحر
قال لأبي ابنك مجنون
حتى أمي كانت ترميني بالحذاء
كلما صنعتُ من الوسائد خيلاً
أو تعثرت أصابعي بالعشب
كنت أنثرُ الفراشات
على مسافة القمر القريب
فتصفعني حتى ينحبس الضوء
وتتوارى عيناي كأجنحة تائهة
خالي الذي يدلّل ابنه
يضربني كلّما جدّد البيعة نفاقاً لوالدي
وكلّلما هيأتُ وقتي المرتبك
كي أمتطي ندوبي
الشرطي ضربني حين كذبتُ مرة
وقلتُ عصف الوباء بالمدينة
بالسوط مرة أخرى ضربني
لأنني صرختُ شاخ الملك
في موكب الجنائز
حين رفضتُ الصلاة أول مرة
جلدني أبي بحزامه ثم بكبل مجدول
كان والدي شيخاً
في أوقات الصيام
يرمون لي ما فاض عن بطونهم
يقولون لا يصح صيامنا لو جلست
كنتُ قزحي المزاج
ألهو مع خدود السماء
أخلدُ للنوم على صدر زهرة الحبق
وأنسى الجوع والطعام وألم الضرب
كرهتُ أبي ومعلمي وخالي
كرهت الشرطة ودرب المقابر
لكل عصا جريرة
وهذه خطيئتي
أطعمتُ توت قلبي لجارنا اليتيم
سلكتُ درب الليمون
ورحلتُ في الوقت الحامض
لم أبرأ من ذنوبي
لا زلتُ أكره الطعام
ويؤلمني ما زال خدّي



41
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الوعد الشرير .. صهيونية خبيثة ودهاء بريطاني

حتى اللورد "آرثر حيمس بلفور" نفسه لم يكن يتوقع وهو يخط من مكتبه الأنيق في مقر وزارة الخارجية البريطانية رسالته الشهيرة الموجهة إلى  المليونير البريطاني اليهودي "ليونيل والتر روتشيلد"، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1917 التي تضمنت وعداً من الحكومة البريطانية بأن تقوم "بإهداء" فلسطين العربية إلى الحركة الصهيونية العالمية، كي تقوم بتحقيق حلمها في إقامة وطن قومي لليهود، أن هذه الرسالة التي سميت فيما بعد "وعد بلفور" سوف تتسبب في أعظم كارثة إنسانية وسياسية في العصر الحديث، عبر اقتلاع شعب كامل من أرضه وطرده خارج وطنه، وإحلال شعب آخر مكانه تم جلبه من كل أصقاع الأرض.
رسالة غيرت وجه المنطقة مرة واحدة وإلى الأبد، ومازال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بل وشعوب المنطقة تعاني من النتائج الكارثية لهذا الوعد.
إن أية قراءة موضوعية لمجريات الأحداث منذ بداية القرن الماضي للآن لابد وأن تقودنا إلى جملة من الاستخلاصات لعل أبرزها أن من يمتلك قوة الفعل يكون قادراً على التأثير في مجريات التاريخ، وأن من يمتلك الحق دون قوة لن يلتفت إليه أحد في عالم لا تعنيه كثيراً قضايا الضمير والعدل إن لم تتوافق مع مصالحة.
لقد استطاع المستوطنين الصهاينة الأوائل من بناء مؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية على أرض ليست أرضهم في وقت كان اليهود فيه يعانون من معاداة النازية والفاشية لهم، وكانوا مطاردين في أكثر من مكان، بينما لم يتمكن الفلسطينيين ولأسباب متعددة منها وقوعهم تحت سلطة الاحتلال البريطاني الذي كان منحازاً بالكامل للمشروع الصهيوني، وبسبب قلة الموارد الاقتصادية والعسكرية، وبفعل عجز النظام الرسمي العربي آنذاك من نصرتهم، لم يتمكنوا وحدهم من التصدي لمخطط خطير وكبير كمشروع إقامة دولة لليهود في فلسطين.
ومن الاستخلاصات الهامة أيضاً، عدم قدرة إسرائيل منذ تأسيسها للآن على إخضاع الشعب الفلسطيني ودفعه للخروج من فلسطين، وأنه رغم خوضها أربعة حروب مع العرب، وحرباً خامسة في اجتياحها لبنان العام 1982، ورغم المجازر العديدة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين العزّل، وسياسة القمع والتنكيل والاغتيالات والاعتقالات والحصار، لم تتمكن إسرائيل من الوقوف في وجه الإصرار الفلسطيني على نيل كافة حقوقهم السياسية والوطنية في إقامة دولتهم المستقلة، رغم استمرار الصراع لأكثر من قرن من الزمن، تعرض فيه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى جملة من المؤثرات الموضوعية فرضتها التطورات التي شهدها العالم بدء من الحرب العالمية الأولى حتى ما بعد اتفاقيات أوسلو.
ونحن نستحضر الذكرى المشؤومة لوعد بلفور، لا بد لنا من التأكيد أن لاشيء تغير، لا آنذاك ولا الآن في طبيعة الصهيونية العدوانية التي أمعنت في ذبح الفلسطينيين-وما تزال- ولا في أيديولوجيتها التي توظف من خلالها وتمزج الدين مع الأساطير، ولا في ممارساتها التي تتنكر حتى لوجود الشعب الفلسطيني، ولا في السلوك الاستعماري البريطاني الخبيث الذي كان المسبب الأول لعذابات اللاجئين منذ النكبة للآن.
كانت وما زالت الحركة الصهيونية تؤمن بثلاث كلمات "شعب الله المختار"، وكانت وما زالت السياسة الاستعمارية لبريطانيا ترفض بعنجهية أن تضطلع بمسؤوليتها الأخلاقية والقانونية والسياسية في الاعتذار لشعب فلسطين عن المأساة السياسية والإنسانية التي ألحقتها به، بل أكثر من ذلك فإن الحكومة البريطانية تشدد على دعمها "للوعد" الذي وقعه آنذاك وزير خارجيتها المحافظ آرثر جيمس بلفور، وأنها سوف تقوم بإحياء ذكرى الوعد.
صهيونية لم تستثني من فصولها الإجرامية حتى يهود العالم لإجبارهم على الهجرة إلى فلسطين، ولم يسلم من الإرهاب الصهيوني حتى المجتمع الدولي حين قامت العصابات الصهيونية باغتيال الكونت "برنادوت" المبعوث الدولي إلى فلسطين، هي ذات الدولة البغيضة التي ولدت بفعل وعد بلفور، وما زال جنودها يطلقون النار على رؤوس الأطفال الفلسطينيين حتى الساعة.
مرت مائة عام على الوعد الخبيث، والشعب الفلسطيني إن كان من بقي في وطنه، أو من تهجر قسراً في المنافي، ما زال يتجرع المآسي من كأس اللجوء والاغتراب عن أرضه ووطنه.
بعد مائة عام يظل الباطل باطلاً، إن إعلان بريطانيا نيتها الاحتفال بوعد بلفور، يعني إهانة لقيم العدالة الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان التي لايمل الغرب من التشدق بها، بل هو في الأساس إهانة للقوانين والتشريعات البريطانية نفسها ومنطومتها الحقوقية.


42

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


بلفور الوعد الخبيث
قراءة في الانحدار الأخلاقي الغربي

حين أعلن وزير الخارجية البريطاني اللورد "آرثر جيمس بلفور" رسمياً تأييد بلاده إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وجه رسالته الشهيرة في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1917 إلى المليونير البريطاني اليهودي "ليونيل والتر روتشيلد" التي تضمنت الوعد الشرير " يسعدني كثيراً أن أبلغكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على التعاطف مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء.
إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم أي أمر من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أي دولة أخرى.
وسأكون مديناً لكم بالعرفان إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا البلاغ "
لم تكن هذه المرة الاولى التي يذكر فيها اسم فلسطين كمكان لتوطين يهود العالم، فقد وجه القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" نداء إلى يهود آىسيا وإفريقيا يطلب منهم الانضمام إلى حملته على بلاد الشام في العام 1799 بعد أن فشل في دخول مدينة عكا، ووعدهم أنه سوف يقوم بتوطينهم في الأراضي المقدسة.
حتّى أن بريطانيا العظمى ذاتها كانت قد فكرت في تجميع اليهود في فلسطين، في سياق مخططاتها لتفتيت الدولة العثمانية، إذ بعث وزير خارجيتها اللورد "بالمرستون" رسالة إلى سفير بريطانيا في اسطنبول العام 1840 يقول فيها " أنه إذا استقر اليهود في فلسطين، فإن ذلك سيخولنا استخدام اليهود كمخلب قط ضد العرب والدولة العثمانية"
في العام 1882 عقد بعض المسيحيين الصهاينة المرموقين اجتماعاً  لمناقشة إمكانية توطين المهاجرين من يهود اليديشية في فلسطين، بزعامة الصهيوني "هشلر" الذي ارتحل  إلى القسطنطينية حاملاً رسالة إلى السلطان العثماني من الملكة فيكتوريا تطلب فيها السماح بتوطين يهود روسيا في الأراضي المقدَّسة.
ثم عقد اجتماعاً آخر العام 1884 في ألمانيا حضره أرباب المال اليهود لدعم عملية الاستيطان في فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن أنشأت المستعمرات الزراعية اليهودية بدعم من الثري اليهودي الفرنسي "أدموند دي روتشيلد"، الأمر الذي ساهم في مضاعفة أعداد اليهود في فلسطين من "12000" في عام 1845 إلى "85000" في عام 1914
منذ نهاية القرن التاسع عشر دابت الحركة الصهيونية على تشجيع يهود العالم للهجرة إلى فلسطين، وأحسنت توظيف بعض الافكار المعادية لليهود التي بدأت في الظهور في عدد من الدول الأوروبية لبث الرعب وسط اليهود لدفعهم إلى الهجرة.
وكما هو معروف فقد انعقد في مدينة بازل السويسرية المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية العام 1897 حيث صدر عن المؤتمر خطة استعمار فلسطين وتأسيس وطن قومي لليهود.
مع بداية الحرب العالمية الأولى العام 1914 قدمت بريطانيا وعداً للعرب بمساعدتهم على نيل الاستقلال إذا دخلوا الحرب بجانبها.
 وفي العام 1916 وقعت كل من فرنسا وبريطانيا اتفاقية "سايكس بيكو" التي تضمنت تقاسم النفوذ في المنطقة العربية، حيث تم وضع كل من سوريا التي كانت تضم لبنان تحت السيطرة الفرنسية، وكل من الأردن والعراق تحت السيطرة البريطانية، على أن تظل فلسطين منطقة دولية.
هذا الوضع تغير مع انعقاد مؤتمر "سان ريمو" العام 1920 في إيطاليا الذي حضره الحلفاء، إذ تقرر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتم إرسال الصهيوني "هربر صموئيل" كأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين.
في العام 1919 تم عقد أول مؤتمر وطني فلسطيني تم فية أدانة ورفض كامل لوعد بلفور.
وفي العام 1922 أصدرت عصبة الأمم قرارا يرسخ الأنتداب البريطاني على فلسطين، ويعمل في صالح تاسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي أغسطس 1929 وبعد سلسلة من العمليات الارهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم بالقوة اهتزت مدينة القدس بفعل أول اشتباك واسع النطاق بين الفلسطينيين واليهود، وسقط في المواجهات 133 يهوديا واستشهد 116 فلسطينيا
في العام 1936 قام الفلسطينيون بإضراب عام شامل لمدة ستة أشهر احتجاجا على الإرهاب الصهيوني ومصادرة الأراضي والهجرة اليهودية.
وقام الفلسطينيين بتشكيل اللجنة العربية العليا للدفاع. وتتالت بعد ذلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، وتواصلت المواجهات المسلحة غير المتكافئة بين المجاهدين الفلسطينيين والمليشيات الارهابية اليهودية المسلحة بأفضل الاسلحة.
لقد ادعت بريطانيا أنها تحاول تسوية الخلاف بين اليهود والعرب وذلك لكسب الوقت لصالح الاستيطان.
 وفي عام 1937 قدم اللورد "روبرت بيل" التقرير الذي خلصت له اللجنة التي كان يرأسها، حيث ورد في التقرير أن استمرار العمل بنظام الانتداب على فلسطين غير ممكن عمليا وأنه ليس هناك أمل في قيام كيان مشترك بين العرب واليهود. بعد تأكيد التقرير على استحالة قيام كيان مشترك لليهود والعرب، تم اقتراح تقسيم فلسطين إلى دولتين أحدهما عربية والأخرى يهودية على توضع الأماكن المقدسة تحت الإدارة الدولية.
 في سنة 1939 ومع بداية الحرب العالمية الثانية وفي محاولة لكسب مساندة العرب لها ضد المانيا أعلنت بريطانيا تقيد هجرة اليهود وعرضت منح الأستقلال للفلسطينين خلال أمد عشر سنوات.
 رفضت الحركة الصهيونية تلك المقترحات وقامت بتأسيس عصابات مسلحة جديدة للقيام بعمليات دموية ومذابح.
 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تخلت لندن عن وعودها للفلسطينيين، وعاد زعماء الحركة الصهيونية لتكثيف هجرة لليهود إلى فلسطين. بينما صعدت الحركات الصهيونية المسلحة مثل الهاجانا والأرغون والستيرن غانغ من هجماتها المسلحة.
ودخلت الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية الخط الأول للدفاع عن تسريع تحويل فلسطين الى مستعمرة استيطانية لليهود.
 وبضغط من الرئيس الأمريكي ترومان أرسلت بريطانيا لجنة جديدة لدراسة الوضع. اللجنة الإنجليزية الأمريكية أوصت بالتهجير الفوري لحوالي 100,000 يهودي أوروبي لفلسطين، كما أوصت برفع القيود على بيع الأراضي الفلسطينية لليهود كما أوصت بوضع الكيان المشترك مستقبلا تحت رعاية الأمم المتحدة.
 في عام 1947 قررت بريطانيا الانسحاب من فلسطين وطلبت من الأمم المتحدة تقديم توصياتها. وهكذا عقدت أول جلسة طارئة للأمم المتحدة في 1947 وتم أقتراح مشروع تقسيم فلسطين الى دولتين فلسطينية ويهودية على أن تبقي القدس دولية.
 وقد تمت الموافقة على الأقتراح من طرف 33 عضوا مقابل رفض 13 عضوا و بدعم من الأتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وبامتناع بريطانيا عن التصويت.
رفض العرب مشروع التقسيم واندلعت الحرب العربية الاسرائيلية الاولى سنة 1948 بعد الأنسحاب البريطاني في 14 مايو/أيار. وفي اليوم التالي الموافق 15 مايو/أيار 1948 أعلن أحد قادة الحركة الصهيونية "ديفيد بن ‏جوريون" قيام إسرائيل وعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية ، ونتيجة لتلك الكارثة ‏التي أطلق عليها "النكبة"، ‏قامت دولة يهودية في فلسطين تسمى دولة أسرائيل و تقرر فتح باب الهجرة لكل يهود العالم للكيان الجديد.
 في نفس اليوم قامت وحدات ضعيفة التسليح من جيوش من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق مع مقاتلين عرب آخرين والمقاتلين الفلسطينين الذين كانوا يقاتلون اليهود منذ نوفمبر/كانون الأول 1947  ببدء حرب ضد الكيان الصهيوني. وقد فشل العرب في منع قيام الكيان الصهيوني، حيث أنتهت الحرب بأربع قرارات وقف أطلاق النار من الأمم المتحدة بين اسرائيل ومصر ولبنان والأردن وسوريا ودفن قرار التقسيم. وشرد أكثر من 900 الف فلسطيني خارج وطنهم في حين شرد داخل ما لم يحتل من اراضي فلسطين مئات الالاف الاخرين.

في ذكرى مرور مائة عام على الوعد المشؤوم، يستمر تهويد القدس، والاستيطان لا يتوقف، وكذلك مصادرة الأراضي، إن جميع المجازر التي ارتكبها الصهاينة على مدى عقود، وكل ما يجري على الأرض الفلسطينية من انتهاكات يومية تقوم بها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني دون حسيب أو رقيب هو تجسيد لوعد بلفور.
لقد كشف تقرير صادر عن الإحصاء المركزي الفلسطيني، (حكومي)، في شهر مايو 2015 أن إسرائيل استولت على 85% من أراضي فلسطين التاريخية وتواصل نهب الأراضي والمقدرات الفلسطينية، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى حوالي 15% فقط من مساحة تلك الأراضي، معرضة هي الأخرى لخطر للتهويد  وبناء المستوطنات.
في يوم 31 ديسمبر 2014، استخدمت واشنطن، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي ينص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بنهاية عام 2017.
إن استمرار الغرب في تبني الرواية الاسرائيلية، والانحياز لها في المحافل الدولية يعتبر تنكراً فاضحاً لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية والتاريخية.
ولكن ألا يمثل احتقار "تيريزا ماي" للشعب الفلسطيني، عبر دعوتها  لرئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" للاحتفال بذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور، انعكاساً للهيمنة والغطرسة الغربية تجاه شعوب المنطقة المستمرة منذ أكثر من قرن؟
أليس استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في التحرر والاستقلال وغقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بالرغم من التضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب، والأثمان الباهظة التي دفعها، والعذابات التي عاناها على أرضه وفي بلدان الشتات، لهو دليل قاطع على الإنحدار الأخلاقي والقيمي لكافة المنظومة الحقوقية والإنسانية التي يتشدق بها الغرب؟

إلى متى سوف تظل فلسطين والشعب الفلسطيني خارج تغطية "الإنسانية الغربية" المزعومة؟ هل مازال هناك أحد يشكك بازدواجية المعايير عند الولايات المتحدة والدول الغربية نفسها التي تعمل على تسويق الأفكار المرتبطة بحقوق الإنسان وبالحريات العامة في المنطقة، بينما هي عاجزة مازالت عن القيام بواجبها في إنصاف الشعب الفلسطيني، ورفع الحصانة عن ربيبتهم إسرائيل في المحافل الدولية كي تتم محاسبتها على جرائمها التي ارتكبتها وماتزال بحق الفلسطينيين.

43
أدب / لعثمة
« في: 18:40 10/10/2017  »
قصيدة للشاعر الدانمركي الشهير نيلس هاو
Niels Hav
ترجمها إلى العربية الكاتب والشاعر حسن العاصي


لعثمة

ألا يشبه نقر القرد بالحجر على القوقعة
هلوساتنا وصراخنا الصامت
كأن أرواحنا تاهت في صخب الحياة
للحيوانات ذكاء يحلّق بأجنحة كالعصافير
تجدهم يتحسسون إيقاع الكون بلا كلام
لا يمكن للناس تجرع الحياة بصمت
ما زال البشر يثرثرون ليعيشون
لا يمكن لهذا الضجيج أن يهدأ
ولهذا ترانا أشقياء
الحروف كالأسماك في الأعماق تعوم في الطرق الضريرة
ترى خطاها بلا هدى
وللحروف أفواه ودروب وبحور وأرصفة
للحروف ألسن تتلون بلا معنى
لأجسادنا قوافل ومرايا وأوتار تعزف بقوس المحبة
لكن كل شيء يصبح أكثر وأكثر بلا نكهة
للثعالب كهوف، ولطيور السماء أعشاش
والعقل يتذكر المساكن
في البراري الشاسعة تنتصب قلاع الهواء المجهولة
 نتكدس نحن فوق الرفوف الممتلئة
مثل قواميس بلا أسماء ولا عناوين
في كل طابق منها
فماذا نسمي هذا ؟

44
أدب / وطن من حطب
« في: 19:53 29/09/2017  »

وطن من حطب


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


ترجمها إلى الانجليزية نزار سرطاوي
القصيدة سوف تشارك في انثولوجيا شعرية في الولايات المتحدة الامريكية في نيسان
2018

على بُعدِ رصاصة منها عثرَ على كرّاستها اليتيمة
خبَّأَ جداول ألوانها خلفَ صورِ العتمةِ
ونثرَ نكهةَ الحزنِ فوقَ بساتين عمرها
حمل قلب طفلتهِ وسلكَ درب الرياحين
كانتْ الخُطى تضجُّ بالجندِ
وشجرَ الطريقُ يصبحُ قرميداً ينكمشُ
انتهى الوطنُ وغرابُ المقابر نهشِ عنق الفرح
انتظرتْ أن يغفو النرجسَ
لتموتَ في وريدِ النهارِ
قالتْ يا أبي
هذا صوتُ روحي مثلُ صُبحٍ يحتضر
تسلَّقَ عينيها وهو يبكي
رَسمتْ سماءُ بقلبينِ وفَتَحَتْ عُشبها
والملائكةُ رقدتْ قُربَ ابتسامةِ الموتِ لتستريح
كَتبتْ وصيتُها على مرايا الحطبِ
حينَ يصبحُ الخبزُ بلا لونٍ
أُقطُفْ ريشُ الأسماء مِنْ نافذةِ النار
وهِبْ شجرَ الماءُ ألفَ حريقٍ ليطيرَ
ما زلنا ننتظر فرح أو جنون



النص باللغة الانكليزية

Ahomeland of Firewood

One bullet away from her
he found her only notebook
He hid the creeks of its colors
behind the colors of darkness
He spread the flavor of grief
on the grooves of her life
He carried the heart of his little girl
and walked on the path of basil
The track was crowded with soldiers
The road trees turning into shrinking tiles
The homeland was gone
and the graveyard crow bit the neck of joy
She waited until narcissus fell asleep
that she may die in the vein of the day
,She said, father
this is my soul’s voice like a dying morning
He climbed her eyes as he cried
She drew a sky with two hearts and opened its grass
The angels slept near the smile of death to take a rest
She wrote her will on the mirrors of firewood
When bread loses color
pick the feathers of names from the window of fire
give the water trees a thousand fires that they may fly
We are still waiting for joy or madness

45
أدب / أشرقت يقظتي بياضاً
« في: 11:03 17/09/2017  »



أشرقت يقظتي بياضاً
   
  حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


     1   
كنت أشرّع لها ربيعي
كي يمطر مدارها
ماء الهوى
ويزهر زندي موجاً أخضراً
يمتد إلى ضفاف صبحها العاري
حين أدارت مرايا الهجر
ضفائرها
أشرقت يقظتي بياضاً
في قصيدة متأخرة
والليل يسعل
رسمت على جسد الإنتظار
مواعيد لا تأتي
وأودعت في صندوق الغياب
أشياؤها المبعثرة
         
        2
أحتسي تفاصيل اشتعالها
من كؤوس الشوق
هنا
في الشمال البارد
تتثاءب أجنحة الهيام
المسافة إلى بخور رحلتها
اشتعال لحن
والوصول هدير شاطئ
وقيد جمرة

       3
من أغوى شهرزاد
في سفر الحكاية
تقشّر الحلم الأخير
شهريار على كف الضوء
يعاشر لذة الصبر
مسرور على بعد عنق
من اللوحة المشطورة
يقبض على الوقت
ونحن ننتظر قرباناً
أن يراق الدم المنذور
أو يعتصم الفجر القادم
بمحراب الموت

          4
 متدثراً أغفو بالرعشة الممتدة
بين جناح الخدّ والخصر النحيل
تطلق حقول جسدها المبلّل
عصافير الغرام
فتحلق زنابق الضوء بوجدي
ويغشاني الدوار
يبتدع الليل توابل الهوى
والعتمة تأوي مجون العشاق
أكابد شوقي متضرعاً
ولجت روض كنت أشتهي
فأشعلت أنفاسي مباهج الحسن
 انسدلت بزهوٍ على كتفي
كطيور الماء
فهدر موجي لحظة الإبحار
الصدر المتموّج ينشطر نصفين
بدر قمحي وثغر شبق
 بلا تعليل
ينتصب الزهر بوعد القوارير
هل من فرار ؟
أستمحيها دلالاً
وموتاً جميلاً
فالعاشق في روض الصبابة
يحتار
على كؤوس النار
يمتطي ممالك العسل المبارك
أو جهة الأنفاس الرطبة
يميل


46
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الخروج من التاريخ
هل يعاني العرب استعصاءات فكرية مزمنة؟

إن أية نظرة موضوعية للواقع العربي الراهن تؤكد بما لايدع مجالاً للشك أن الأمة العربية الواحدة ذات الثقافة واللغة والهوية والجغرافيا الواحدة وذات المصير المشترك، تتصارع الآن في داخلها قوى وجماعات وكيانات، وتتمزق وحدة هذه الأمة على المستوى القومي وعلى الصعيد الوطني، ويتم تهجير ملايين من المواطنين ومنهم الكثير من الكفاءات والعقول الخبيرة، وتتعمق في المحتمع الواحد الإنقسامات الأثنية والطائفية أو حتى المناطقية في بعض الدول .
إن واقع الحال العربي يشير إلى أن هذه الأمة تتنازع فيها هويات جديدة على حساب الهوية العربية المشتركة، بعضها هويات إقليمية أو طائفية أو دينية أو عرقية، ويبدو أن الهدف هو تجريد هذه الأمة من هويتها وشخصيتها العربية والإسلامية .
في ظل هذا الحال من التفتيت والتقسيم التي تعاني منه المنطقة العربية، والتي لايبشر بالخير أبداً ويشير إلى أن المنطقة مقبلة على صراعات أكثر دموية، نقول أنه في ظل هذا الوضع بدأت تتعالى أصوات بعض المفكرين بضرورة العودة إلى دروس وعبر الماضي لنستلهم منها مايعيننا على مواجهة معضلات الحاضر، ذاك الماضي الذي كان فيه العرب والمسلمين أصحاب مكانة ونفوذ، وأصحاب فضل في تطور ونشر المعارف.
ولكن ما الذي يجعل من بعض المفكرين العرب أسرى الماضي بكل مافيه، وهم الذين يدعون إلى دراسة الماضي ومحاكاته، والتواصل الواعي مع افكار وقيم الماضي، والتمسك بالفلسفة الاجتماعية السياسية التي شكلت دعائم هذا الماضي الجميل .
ويرى هؤلاء أنه حين تتعرض الأمة إلى تقويض هذه الدعائم -كما يحصل الآن- فإن المهمة الأولى للمجتمع هي العمل على إعادة إحياء الماضي وإعادة الإعتبار إليه ليس بوصفه تراثاً ساكناً، بل باعتباره أداة عمل عصرية ورافعة حضارية لإعادة تشكيل الحاضر.

بينما يرى آخرون أن أصحاب هذا الفكر الماضوي يبالغون كثيراً في إظهار بطولات العرب وإنجازاتهم في الأزمان الغابرة، وأن الماضي الذي يراد إحياؤه ليس إلا تاريخ يقوم على التضخيم والإختلاق، وهم يرون أن العودة إلى
الماضي هو شبيه بالدعوة إلى الخروج من التاريخ، ورفض الواقع ومحاولة الهروب إلى الأمام، وهو بمثابة إدارة الظهر عن الواقع بكل تحدياته، والسعي إلى الخلاص عبر العودة إلى الماضي لعجز هذه القوى والفكر الذي يتمثلونه في التصدي للمهام التي تولدت من الحياة المعاصرة، وعدم مقدرتهم على الإجابة عن الأسئلة الراهنة التي يطرحها مفاعيل الحاضر بكافة تعقيداته وتشابكاته .
إننا نؤكد إن النظر إلى الماضي يجب أن يتم برؤية موضوعية شاملة، ذات مصداقية تتكئ على الحقائق، ذلك لأن دراسة الماضي دراسة مبنية على أسس علمية هي ضرورة أخلاقية وحضارية ومعرفية لتسليط الضوء على الهوية الوطنية والقومية ، واستخدام هذا المنهج في قراءة الماضي يجعلنا لانسقط في هوة انتقاء مايحلو لنا من التاريخ، وإهمال الصفحات الأخرى التي لا تنسجم مع أمجادنا.
لكن قبل الإستطراد في مناقشة الموضوع، دعونا نلقي نظرة تاريخية سريعة على هذا الماضي لجعله في خلفية المشهد أثناء تسليط الضوء على أهمية وقف تفتيت البلاد العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية .
لاشك في أن المنطقة العربية قد عانت لفترات طويلة وعصيبة من نير الاحتلال الأجنبي قبل ظهور الإسلام . فقد عانى سكان هذه المنطقة من ويلات الإمبراطورية الفارسية الوثنية ، والإمبراطورية الرومانية المسيحية الغربية ، ولم تستثني هذه السياسة التي اعتمدت البطش والظلم من قبل هذه الإمبراطوريات جميع سكان المنطقة، لم تستثني المسيحين العرب الذين ذاقوا الأمرين من سياسة التنكيل والتعذيب، لذلك لم يكن غريباً على سبيل المثال أن تنضم القبائل المسيحية العربية إلى جيوش الفتح الإسلامي ضد الفرس والرومان، وكذلك في فتح إسبانيا وتأسيس دولة الأندلس .
وبهذه الفتوحات الإسلامية تحرر العرب من قبضة المحتل وتم طرد الغزاة من الأرض العربية، وكذلك تم توحيج السلطة السياسية وأيضاً توحيد الأمة التي تقيم فوق هذه البقعة الجغرافية، وتم صهر جميع الإثنيات والأقليات في الحضارة العربية .

فخلال مراحل التطور التاريخي للدولة الإسلامية، تبلورت هذه الكتلة البشرية المعروفة باسم الأمة العربية، وتجانست هذه المجموعة قومياً وتآلفت وأصبح لها تاريخ واحد مشترك ولغة واحدة، الأمر الذي أثرى تراثها الثقافي والحضاري التنوع، وساهم في إنتاج ما يسمى تكوين الشخصية العربية . ولأن هذه المجموعة تسكن في بقعة جغرافية واحدة واسعة وممتدة، كان لابد من ظهور مصالح اقتصادية مشتركة، وفرض ضرورة وجود أمن قومي عربي واحد، وهذه من الأسباب الرئيسية التي أنجبت فيما بعد الشعور بالعروبة والإنتماء لهذه الأمة وأظهرت النزوع نحو الوحدة عند غالبية سكان المنطقة .
ولقد ساهمت الحضارة العربية والإسلامية مساهمة فعالة في إغناء الحضارة الإنسانية وتطورها في مجالات العلوم والفنون والآداب والدراسات المختلفة .وفي الوقت الذي وصلت فيه الأندلس في عهد حكم المسلمين إلى ذروة مجدها وعظمتها، وأصبحت قبلة للقاصدين لطلب العلم والمعرفة، كانت أوروبا غارقة في جهل مدقع وتخلف حضاري.
ووصل العطاء الفكري للعرب والمسلمين إلى ذروته في القرنين الثامن والتاسع الهجري، وبرز الكثير من العلماء العرب في الطب والجغرافيا والفكر والرياضيات والفلسفة وغيرها الذين ما زالت مؤلفاتهم تدرس في جامعات العالم .
ما الذي يجعل من بعض المفكرين العرب أسرى الماضي بكل مافيه، وهم الذين يدعون إلى دراسة الماضي ومحاكاته، والتواصل الواعي مع افكار وقيم الماضي، والتمسك بالفلسفة الاجتماعية السياسية التي شكلت دعائم هذا الماضي الجميل .
ويرى هؤلاء أنه حين تتعرض الأمة إلى تقويض هذه الدعائم -كما يحصل الآن- فإن المهمة الأولى للمجتمع هي العمل على إعادة إحياء الماضي وإعادة الإعتبار إليه ليس بوصفه تراثاً ساكناً، بل باعتباره أداة عمل عصرية ورافعة حضارية لإعادة تشكيل الحاضر.
بينما يرى آخرون أن أصحاب هذا الفكر الماضوي يبالغون كثيراً في إظهار بطولات العرب وإنجازاتهم في الأزمان الغابرة، وأن الماضي الذي يراد إحياؤه ليس إلا تاريخ يقوم على التضخيم والإختلاق، وهم يرون أن العودة إلى
الماضي هو شبيه بالدعوة إلى الخروج من التاريخ، ورفض الواقع ومحاولة الهروب إلى الأمام، وهو بمثابة إدارة الظهر عن الواقع بكل تحدياته، والسعي إلى الخلاص عبر العودة إلى الماضي لعجز هذه القوى والفكر الذي يتمثلونه في التصدي للمهام التي تولدت من الحياة المعاصرة، وعدم مقدرتهم على الإجابة عن الأسئلة الراهنة التي يطرحها مفاعيل الحاضر بكافة تعقيداته وتشابكاته .

لكن هل نحن حقاً نريد إحياء الماضي ؟ الجواب بالطبع لا نريد، فإن الماضي عبارة عن جملة من العناصر تدخل وتساهم مساهمة مباشرة في تكويننا الفكري والثقافي وفي العناصر التي تحدد شخصيتنا، الماضي شيء يدخل في الشعور واللاشعور لكل فرد، كخبرة متوارثة وليس كواقع جامد يمكن استعادته بمجرد استدعائه، إن الماضي هو تاريخ الوجود البشري كصيرورة تاريخية جماعية ممتدة في الزمان .

وأهمية “قراءة الماضي في هذا السياق أنها تساعدنا على وضع الحاضر في مكانه الصحيح . ذلك أن التاريخ يهتم بالأسباب، ومن ثم فإنه يوسع من مدى إدراكنا للعملية التاريخية، وإذ قرأناه بوعي، نظرنا إلى المشكلات التي تعكر صفو الحاضر برؤية أكثر تنظيما، لأن معرفة كيفية عمل المجتمع في الماضي- من خلال قراءة التاريخ- قد تفتح عيوننا على الإمكانات والبدائل الكامنة في الحاضر، وليس معنى هذا أن الماضي يمكن أن يجعلنا نتنبأ بالمستقبل بشكل ساذج وبسيط مثل قراءة الطالع، وبالتالي لا يمكن أن يرشد الناس عن الكيفية التي يجب أن يتصرفوا بها في حاضرهم، ولكنه قد يساعدهم على أن يتجنبوا تكرار أخطائهم. ويمكن لمجتمع اليوم أن يأخذ من ماضيه شيئاً ربما يفيد في توجيهـه وإرشاده لأن التاريخ يحمل في داخله نوعاً من الإنذار المبكر لمن يعرفون كيف ينصتون إليه أو يحسنون قراءته .

وبالتالي فإن أية عملية استحضار الماضي بشكل ميكانيكي هو أشبه بوضع العربة أمام الحضان، ويصبح قرار إرادوي بالثبات وعدم رؤية وقائع الحياة المعاصرة المتجددة والمتطورة بشكل متسارع بحيث تكاد تفلت من بين أيدينا ولانستطيع الإمساك بعناصرها وحلقاتها المهمة، لهذه الأسباب فإن اتصالنا وتواصلنا مع تاريخنا يجب بالضرورة أن يتم من خلال هذه الوقائع للحياة المعاصرة، لا أن يتم النظر إلى حاضرنا بأدوات ومفاهيم الماضي .

إن مقدرة الشعوب على التواصل والإتصال مع الحداثة ومع منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية المعاصرة وكافة مفردات الديمقراطية والتطور العلمي وتوفير مناخ الإبداع وعدم المس بحقوق الإنسان الأساسية، هي التي تجعل من التاريخ في تواصل وتماس مع حياتنا الراهنة، ونحن كشعوب عربية مازلنا نكافح لبناء وطن عربي موحد سليم ومعافى وقادر على المساهمة بفعالية في صنع الحضارة الإنسانية الحديثة دون تكييفات خاصة لمذهب أو لطائفة أو لعرق فيه الأفضلية عن الآخرين، وذلك من خلال التواصل والتعاون مع كافة التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية العالمية، مع أهمية التأكيد على أهمية الهوية القومية العربية الواحدة الموحدة في مواجهة الأطماع التي تحيط بجسد الأمة من كل صوب، ولمنع أية اختراقات تؤدي إلى نفكيك هذه الهوية وتجزئة المنطقة تمهيداً لتدمير شخصيتنا الاعتبارية .
ولم يكن من قبيل المصادفة أن يدخل العرب إلى الألفية الثالثة بأسئلة كبيرة ومهمة، أسئلة فلسفية وجودية علمية وتاريخية ومصيرية مازالت تثقل كاهلنا من القرن الماضي ، وهي أسئلة تطرح في الحقيقة في جو من التشاؤم والنظرة السوداوية . قد تمت خلال الربع الأخير من القرن الماضي عدة مراجعات على المستويين الفلسفي والعلمي لكثير من النظريات التي كانت تساعد الإنسان على فهم أفضل للعالم وكافة الظواهر والعناصر التي تساهم في صيرورة الحضارة المعاصرة، والكثير من هذه المراجعات توصلت إلى استخلاصات مهمة اتسمت بنظرة سوداوية تشير إلى أنه لأول مرة في التاريخ تقف البشرية على شفا حفرة من التدمير الذاتي وأن استعصاءات هذه الحضارة قد تقودها إلى حتفها.

ولكن حين لا يستطيع واقعنا الراهن أن يقدم أجوبة عن الأسئلة المهمة التي يطرحها الفكر الإنساني، ويكون هذا الواقع عاجزاً عن فهم الكثير من الظواهر، فإننا لاشك نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما أن الأسئلة التي على هذا الواقع هي في الحقيقة أسئلة زائفة غير حقيقية وغير صائبة وغير منطقية، وبالتالي فإن الأسئلة الزائفة الغير حقيقية لاجواب واقعي عنها، أو أن هذا الواقع الذي نعيشه هو واقع راكد وعناصره ثابتة راسخة إلى الحد الذي تحجر فيه هذا الواقع وأصبح لايستطيع الإجابة عن أسئلتنا .
في الحقيقة إن الفكر العربي في مأزق معقد مركب لم يستطيع تجاوزه منذ أكثر من قرن ونيف من الزمان، إذ مازالت الأسئلة التي طرحها هذا الفكر هي نفسها، دون أن يستطيع تقديم إجابات علمية عليها، ومازال قادة الفكر العربي وسدنة تشكيل الراي العام مشحونين بالأسئلة دون توفر إمكانية تقديم الأجوبة الشافية، الأمر الذي يساهم في تكريس حالة الضياع والتوهان للمواطن العربي، وهو وضع شبيه بخروج المريض من عيادة الطبيب بتشخيص دون علاج.

إن أسئلة التحرر من الاستعمار، وموضوع التبعية والتخلف، النهضة والتقدم التاريخي، التجديد في الفكر وقضية الإبداع والسلفية، سؤال الحداثة وقيمها مثل الحرية والتحديث والديمقراطية والتمدن ومابعد الحداثة الخ، أسئلة العروبة والإسلام والقومية، العنف والحوار والتسامح، سؤال الأنا والآخر، أسئلة المستقبل وغيرها الكثير من الأسئلة الأساسية الوجودية، إن الكثير من هذه الأسئلة قد طرحها النهضويون العرب، ونلاحظ أنها مازالت نفسها أسئلة المعاصرين من المفكرين العرب .   
فهل هي أسئلة يقدمها الوعي العربي من خلال رؤيته للعالم وللماضي بصورة علمية وكما يجب، أم أن هذه الأسئلة هي ناتجة عن وعي إرادوي للعالم ؟ في الواقع إن القول بأن هذا الواقع راكد وراسخ بثبات ولم يتغير منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى الآن، هو قول غير علمي وبالتالي هو يتناقض مع سيرورة حركة التاريخ الفعلية التي تعني أنه لا ركود ولا ثبات في حركة الكون المتغيرة المتجددة باستمرار، لكن للأسف لميكن في حركة التاريخ ولا في تجدده وتغيره إجابة واقعية علمية عن أسئلة المفكرين العرب في العصر الحديث، وبالتالي فإن أياً من أهداف عصر النهضة العربية لم يتحقق .

حسناً، ألايبدو الآن منطقياً إذن التحرر من أسئلة الماضي، ومن كل تلك الأسئلة التي طرحها النهضويون العرب قديماً حديثاً، ونقدم بدلاً عنها أسئلتنا المعاصرة، أسئلة مرتبطة ارتباط وثيق بأهدافنا الواقعية،فطالما أن الأسئلة القديمة لم يتم الإجابة عنها وأهدافها لم تتحقق وقد مضى عليها دهراً، خاصة في ظل هذه المتغيرات الكبيرة والجوهرية الهامة التي تشهدها المنطقة العربية، من تحولات في هذه المجتمعات تحولت في بعضها إلى صراع مسلح وحروب اهلية .،

من المهم أن نعلم أنه لايمكن تحقيق أهداف وإنجاز تطلعات تاريخية إن لم تكن أصلاً تحمل بين طياتها إمكانية حقيقية واقعية للتحقق، ومن البلاهة وقصر النظر الظن أنه بالإمكان لوي عنق التاريخ لإجباره على أن يكون كما نرغب ونتمنى من دون أن يكون التاريخ في تلك اللحظة التاريخية في حالة حمل حقيقي وليس حملاً كاذباً .
في ضوء ماتقدم نصل إلى استخلاص في غاية الأهمية، وهو أن أية إمكانية حقيقية وواقعية للتغيير في حركة التاريخ، سوف تظل ساكنة إذا لم تجد الإرادة والرافعة والأدوات واللحظة التاريخية المناسبة لنقلها من حالة السكون إلى إمكانية واقعية . إن هذا الوعي والإدراك لمنهج تحليل العلاقات بين أسئلة الفكر العربي وبين الواقع الذي نعيشه، يجعلنا ندرك الأسباب الموضوعية العلمية وراء إخفاق الأفكار التي لم تتحقق ، وماهي الأفكار التي تحمل قابلية التحقق.

وبذلك نكون أمام احتمالين، إما أن أفكارنا وأهدافنا السابقة كانت مجرد إمكانية تاريخية واقعية لكنها لم تجد الإرادة والعزيمة لتحقيقها، أو أننا كنا نمتلك الإرادة الواعية ولدينا أهداف لكن من غير إمكانيات لتحقيقها.

يدعو بعض المفكرين العرب إلى الحداثة وضرورة دخول العرب إلى عصر العولمة على سبيل المقاربة، يكون هذا البعض قد طرق الأبواب الخاطئة، إن الأبواب التي تحتاج طرقاً هي الأبواب التي تدخلنا إلى قاعة من أجل امتحان أسئلتنا التاريخية وفق منظور العصر الحديث، لمعرفة هل هي أسئلة صحيحة أم زائفة . على سبيل المثال سؤال الهوية القومية ومن نحن، وهي مسألة مطروحة بقوة من أجل نهضة عربية جديدة، وقد دخل العرب الألفية الثالثة وهم في حالة من التفكك الذي يهدد حاضر العرب ومستقبلهم، في وقت يدعو الكثيرون فيه إلى الإنخراط في النظام العالمي الجديد، من موقع المشاركة وليس التبعية، وهو ما لايستطيعه العرب قبل إنجاز وحدتهم القومية، حتى لايتم استيلابهم من قبل القوى العالمية المهيمنة على النظام العالمي الجديد، وهذا يقودنا إلى سؤال الوحدة العربية وبناء دولة عربية واحدة وقوية، انطلاقاً من وحدة اللغة والثقافة والتاريخ وإرادة العيش المشترك ومواجهة التحديات الكبرى،التي تحتم وحدة العرب في مواجهة التكتلات السياسية والااقتصادية العالمية. فهل هذا السؤال الهدف حقيقي أم زائف ؟ نحن نعتقد أنه سؤال حقيقي لأنه إمكانية واقعية، فقط تحتاج إلى إرادة سياسية لتحقيقها.

لنعرج على أسئلة الحرية والديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني، وهي الأسئلة القديمة الجديدة، فما الذي يجعلها أسئلة راهنة ؟ بالطبع إنه غياب الحريات العامة وعدم وجود مواطنة حقيقية وغياب أو ضعف منطمات المجتمع المدني.أما لماذا غابت الحرية والديمقراطية، فإن لذلك اسباب متعددة أهمها سيادة سلطة العائلة والقبيلة حتى في مؤسسات الدولة، وسيطرة الحزب الواحد وغياب تداول السلطة،وكذلك غياب ثقافة الديمقراطية عن خطاب الفكر القومي العربي بحجة أولوية الكفاح من أجل الإستقلال والوحدة، إذن غياب الحرية والديمقراطية هو غياب مزدوج سياسي في أنظمة الحكم وأيديولوجي لغيابه فكرياً كما هو واضح عن شعارات القومية العربية، التي دعمت في بعض المراحل أنظمة حكم استبدادية باسم الإشتراكية .

إن أحد أهم الأسئلة هو سؤال الدين والسياسة والعلاقة بينهما،ويكتسب هذا السؤال صفة استثنائية في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بالأمة العربية، وكذلك عودة الفكر الديني بكافة أشكاله إلى الساحة السياسية، في ضوء تصاعد لافت للقوى والأحزاب والجماعات الإسلامية خلال السنوات الأخيرة. والموقف من العلاقة بين الدين والسياسة كان العامل الفيصل في تصنيف التبارات الفكرية، إما بتغليب أحد الطرفين على الآخر، أوبإعادة النظر في السؤال، وهي بالمناسبة علاقة إشكالية تنتمي لأكثر من حقل معرفي ديني وسياسي واجتماعي وحقوقي، ومن الصعوبة بمكان مقاربتها وفق رؤية واحدة، وكما يقول ابن رشد فإن الحكمة أخت الشريعة، ولايمكن لحق أن يضاد حقاً آخر، لكن إشكالية هذه العلاقة بين الديني والسياسي في الفكر العربي لم تستطيع أن تتجاوز البنية الفكرية للعقل العربي الإسلامي، وبالتالي حالت دون نجاح المشروع النهضوي العربي.

أيضاً من الأسئلة التي مازالت مطروحة بقوة في الفكر العربي سؤال نحن والآخر،وكذلك حوار الحضارات، كمفهوم برز بقوة في العقد الأخير من القرن الماضي ، نتيجة انتهاء الصراع الأيديولوجي العالمي مع سقوط المعسكر الشرقي، والعامل الثاني هو صعود دور الأديان في الحياة السياسية العامة ، وكذلك تطور وسائل الإتصال ماعرف بالثورة المعلوماتية .

ولكن بأي منظور نتحاور مع الآخر، أبمنظور ليبرالي؟ أم ماركسي؟ أم إسلامي؟ أم يتوجب توحيد الرؤية؟
ما لا شك فيه، أن تعدد المرجعيات داخل الدائرة العربية والإسلامية.يؤثر في مناقشة الكثير من القضايا موضوع الحوار، لاسيما المرتبط منها بالهوية.الأمر الذي يجعل الباحثين غير المسلمين يلقون صعوبات في تتبع هذه الاختلافات، لاسيما إذا كانت جوهرية وفي المنابر الدولية.فالشعور السائد لدى معظم الغربيين هو تعدد الإسلامات.
وعلى الرغم من اتفاق الخطاب العربي والإسلامي حول رفض الهيمنة الغربية على العالم، ورفض تعالي الغرب ومركزيته.وكذا رفض تشويه الإسلام ونعت الأنا-العرب والمسلمين- بشتى النعوت خاصة بالتطرف والإرهاب.فإن هذا الخطاب لا يزال مضطرباً في فهم الآخر(الغرب)وفي صياغة الأسلوب الأنجع في التعامل معه، وبالتالي التواصل معه.
في هذه اللحظات التاريخية من الواقع العربي الراهن، نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي فكري مضطرب إلى حد كبير ويحتاج إلى قدرات تحليلية مركبة ومعقدة لفك طلاسمه، لأن تحليل هذا الواقع قد خضع لاعتبارات متباينة حد التناقض في أسبابه ودوافعه، وذلك يعود إلى غياب مزمن للعقل التحليلي، واستلاب المواطن العربي، وتخلف مراكز انتاج المعرفة في العالم العربي إن وجدت، وسياسات الاستبداد والتجهيل التي مورست بحق الإنسان عبر عقود طويلة،كل هذا ساهم في إنتاج هذه العشوائيات في الفكر العربي، وجعلت من هذا المشهد الحالي مبهم ويستعصي على تحليل المواطن العربي .

هذه الحالة لا يمكننا خلعها والتخلص منها؛ إلا إذا أعدنا قراءة الواقع والتاريخ بمنظار آخر غير الذي استخدمناه على مدى العقود الماضية وأحسنّا ترتيب أوراقنا وأعدنا اجتراح استراتيجيتنا بشكل يتوافق مع الشيء الذي يعيد لنا الثقة في المكان الذي يجب أن نحتله بين دول المعمورة.
الأسئلة التي تشكلت على مدار العقود الماضية هي نفسها التي تتردد اليوم، وهي نفسها الأسئلة التي تتعرض للواقع العربي، لماذا تردى الحال العربي ووصل الى هذا المستوى من التدني والاختلاف والتجزئة؟ لماذا لم تقم جبهة عربية واحدة إزاء ذلك الكم الهائل من التحديات التي أصبحت تهدد الهوية العرية بل الوجود العربي من أساسه، ولا نبالغ إن قلنا إن الإنسان العربي يتعرض اليوم أكثر من أي وقت مضى للتجريف والتشريد بهدف إنهاء وجوده كإنسان.

أخيراً، إن معرفة الأهداف الكبرى والإيمان بها من غير معرفة منهجية وأدوات تحقيق هذه الأهداف، هو استمرار لدوران الأمة في الحلقة المفرغة، ومعالجة عجز الفكر العربي عن تقديم أجوبة على أسئلة الواقع الراهن المتغير لاتكون بالعودة إلى تمجيد الماضي وأستخدام أدواته الفكرية، لأن من شأن ذلك أن يؤدي إلى سقوط الفكر، وهو سقوط سوف يتسبب في إعادة إنتاج الشقاء الفكري مرة أخرى .

47
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

هل تحولت القضية الفلسطينية إلى حائط مبكى؟
 قراءة في فساد السلطة

لقد انشغلت الساحة الفلسطينية في الفترة الزمنية التاريخية ما بعد حرب العام 1973  بجدال سياسي حول قضايا مصيرية مثل الاعتراف بالقرارين الدوليين242 و 338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الوطنية الفلسطينية، تكون حلولاً مرحلية ،بديلاً عن ماهو تاريخي واستراتيجي في الأجندة الوطنية لكفاح الشعب الفلسطيني .
فبرز في البيت الفلسطيني تيار تبنى ما أطلق عليه الواقعية في تحقيق أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية،ونادى بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة يجري دحر الاحتلال الإسرائيلي عنها .
وبعد نقاش فكري وسياسي عميق تحول إلى صراع بين مختلف قادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها امتد قرابة عام، تمكن التيار الواقعي من تعزيز مواقعه في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وداخل أطر م ت ف، وتحول من تيار كان يمثل الأقلية إلى تيار الأغلبية.
ولاحقا نجح في تحويل أفكاره من الحيز النظري داخل غرف الاجتماعات وتحويلها إلى سياسة عامة لمنظمة التحرير، حين أقر المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 برنامج “النقاط العشر”، والذي عرف في حينها “ببرنامج السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة”
منذ ذلك الوقت رفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هذا البرنامج في مواجهة الإتهامات التي كانت توجهه لهم بأنهم متطرفين وغير واقعيين. واستخدموه في التدليل على مرونتهم وواقعيتهم، وعلى استعدادهم المساهمة في المساعي الهادفة إلى إيجاد حلول سياسية عادلة وواقعية للصراع مع إسرائيل.
وفي حينها اعتقدت قيادة م ت ف ومعظم القيادة الفلسطينية أن الظروف والأوضاع الدولية مهيأة لانبعاث الكيان الفلسطيني الجديد، وقيام السلطة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية .
لقد أكدت الأحداث اللاحقة ومسار الأحداث في المنطقة والعالم ،أن القوى الدولية المقررة، وبخاصة قطبي الحرب الباردة حينها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لم يكونا جادين في ايجاد حلول واقعية وعادلة لقضايا المنطقة وصراعاتها المستفحلة.
وإن كل منهما كان يسعى في تلك الفترة لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة. كما أكدت أيضا أن ظروف وأوضاع أهل المنطقة أنفسهم لم تكن ناضجة للتوصل إلى أية حلول جدية لصراعاتهم العميقة.
في ربيع العام 1991 أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مبادرة يدعو فيها أطراف الصراع الفلسطينيون والعرب وإسرائيل ، إلى مغادرة ميادين القتال والحروب، واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر لحل النزاعات المزمنة في المنطقة .
وهذا ماحصل، فقد التقى العرب في مدريد، ولاحقاً التقى وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية سراً مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، وتوصلوا بعد مفاوضات عسيرة إلى اتفاق " إعلان مبادئ" حول ترتيبات حكومة ذاتية فلسطينية انتقالية، عرف هذا الإتفاق فيما بعد باتفاق أوسلو،
جوهر هذا الإتفاق بشكل أساسي هو إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة خمس سنوات، تؤدي إلى تسوية دائمة على اساس قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338.
وهكذا في أجواء احتفالية غير مسبوقة، تم التوقيع في أيلول العام 1993 على هذا الاتفاق الشهير بين الفلسطينيين وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، على أن تتم مناقشة قضايا الحل النهائي بعد ثلاث سنوات وهي القدس واالاجئين والمستوطنات والحدود والمياه .
غير أن هذا الإتفاق أغفل وضع جداول زمنية محددة للانسحاب الإسرائيلي من الضفة وقطاع غزة، كذلك سقط من الإتفاق أية آلية دولية تلزم إسرائيل لتنفيذ استحقاقاتها من الإتفاق، أنتج هذا الأمر وضعاً غريباً، فقد أغرق الجانب الفلسطيني في مايسمى معالجة التفاصيل قبل معالجة جوهر المشكلة، وكان الإتفاق ملزماً للفلسطينيين بينما تنصلت إسرائيل من التزاماتها، الأمر الذي كرس الإحتلال بدلاً عن إزالته .
طوال الأعوام الماضية ظل رجال السلطة الفلسطينية يلهثون بسعار خلف جزرة الحل النهائي الذي لم يتحقق من بنوده شيء، بل على العكس تماماً، تنصلت إسرائيل من كافة التزاماتها من اتفاق أوسلو وكأنه لم يكن.
إن جزء من الشعب الفلسطيني الذي اعتقد أن تشكيل السلطة أنجاز لابد من حمايته والدفع به لتحقيق إنجازات أخرى،اكتشف أن هذا الإتفاق الذي أبرم مع إسرائيل لايعبر عن أمنه ومصالحه ولا عن أهدافه الوطنية ، بل على العكس، وجد المواطن الفلسطيني نفسه أنه يعاني من سلطتين، سلطات الإحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية التي ألزمتها إسرائيل بالتنسيق الأمني معها ضد كافة النشطاء والمناضلين الفلسطينيين الأمر الذي أدى إلى اغتيال عشرات من خيرة أبناء شعبنا الفلسطيني ، واعتقال الآلاف منهم .
لقد أعادت السلطة الفلسطينية إنتاج نظام التنفيع الذي ورثته من منظمة التحرير الفلسطينية،وبدلاً عن المضي في بناء مؤسسات لمختلف القطاعات واعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة، أصبحت علاقات المنفعة والمصالح الشخصية والولاءات هي السياسة المعتمدة لهيكل السلطة، وأصبحت هذه الطريقة أداة قوية وفاعلة في الاستيعاب للمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين، ووسيلة أيضاً لإقصاء الشرفاء والمناضلين وأصحاب الكفاءة .

إن السلطة الفلسطينية أخذت تعمل على كسب ولاء الناس من خلال الحصول على مورد اقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تضخم شديد في القطاع الحكومي العام للسلطة حيث وصل عدد موظفي السلطة حوالي 170,000 موظف تعتمد رواتبهم بشكل أساسي على المعونات الدولية، المصيبة أن 44 في المائة منهم يتبعون الأجهزة الأمنية وبالتالي يستحوذون على حوالي نصف الميزانية، بينما يا للسخرية لا يتم صرف سوى واحد في المائة على قطاع الزراعة ، وساهمت هذه السياسة في مأسسة الفساد وانتشاره، وهو ماكانت إسرائيل تريده من خلال إنشاء سلطة بعد أوسلو تكون منتفعة وضعيفة تتحكم فيها إسرائيل من خلال الموارد من الموارد المالية.
فتم توزيع المناصب في هيئات وإدارات السلطة على المحسوبيات والمقربين،حتى المعارضة السياسية من مستقلين ويساريين وإسلاميين لم تستثنى من هذه الامتيازات، فتم دمج الآلاف منهم في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنحوا مناصب في القطاع الحكومي مقابل ولائهم السياسي .

من جهة أخرى برزت في النظام السياسي الفلسطيني في الداخل ظاهرة زواج المصلحة بين رجال الأعمال ورجال السلطة وأيبح هو الشكل الأكثر انتشاراً للفساد،يستمد قوته من تمتع النخب بالحصانة السياسية والاجتماعية والقانونية ،فامتلأت الحسابات المصرفية لآلاف الفاسدين بالمال الفاسد .
كما أن استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية وعشائرية يشكل ظاهرة واضحة في مؤسسات السلطة، إبرام صفقات مشبوهة، استخدام موارد السلطة والوزارات للأغراض الشخصية، سرقة الممتلكات الوظيفية وإهدار المال العام ، حتى أن إحدى عمليات التدقيق والرقابة في بداية الألفية أثبتت أن حوالي 40 في المائة من ميزانية السلطة قد أسيء استخدامها .
إسرائيل ليست بعيدة عن هذا الفساد، بل على العكس هي تساهم في تعزيز هذا الفساد في السلطة الفلسطينية وتحسن استغلاله فيما بعد ،وتحاول إشغال الرأي العام بهذا الفساد كي تصرف أنظار العالم عن الآثار المدمرة التي تلحقها سياساتها العدوانية بالبنية الاقتصادية والتنمية الفلسطينية، وماتقوم به إسرائيل من تدمير ممنهج للإقتصاد الفلسطيني .
لقد أدى هذا الوضع الشاذ إلى جملة من التغيرات في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة من الضعف والهشاشة،وتراجع الشعارات والأهداف الثورية التي طالما تغنى بها الشعب الفلسطيني وميزته عن باقي شعوب الأرض التي استحق احترامها وتقديرها ومساندتها نتيجة لكفاحه والتضحيات التي قدمها عموم الشعب الفلسطيني في طافة أماكن تواجده وجعلته يحظى بكل تلك الهالة المقدسة التي كان يعتز بها .
لكن الفلسطيني ذاته أخذ يشعر بالغضب والحزن والإحباط الشديدين بسبب ماوصلت إليه قضيته الوطنية التي أصبحت تهمة للمناضلين، ومطية للمتسلقين الانتهازيين من الفلسطينيين أنفسهم قبل غيرهم، كما تحولت القضية إلى ميدان للمزايدات لدى البعض، وفرصة لشتم وتحقير الشعب الفلسطيني وقيادته، وتعداد محاسن إسرائيل لدى البعض الآخر .
ثمة مفارقات عجيبة تحصل في خلفية المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي يزداد حجم ومستوى التضامن الأوروبي والعالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، نشهد تراجعاً عربياً ملحوظاً على المستويين الرسمي والشعبي في التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني ودعم قضيته الوطنية ، التي هي بالأساس قضية العرب الأولى وقضية عموم المسلمين .
فما الذي أوصل أهم قضية تحرر وطني في التاريخ إلى هذا المستوى الذي لايسر أحداً ولايدلل على عافية، ولماذا جنح بعض العرب إلى مستوى غير مسبوق من الحقد على الفلسطينيين، وهل نحن أمام واقع جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية ، أم أنه برزت أولويات جديدة أمام الشعوب العربية، أم أنه انعكاس طبيعي لواقع الحال الفلسطيني والعربي الذي يشهد حالة متعاظمة من التردي والسقوط والإنحدار على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية،الأمر الذي جعل زيارة وزيرة العدل الإسرائيلية " تسيبي ليفني " سراً إلى إحدى عشرة دولة عربية لتطلب منهم عدم تقديم أية تبرعات مالية إضافية للسلطة الفلسطينية، يبدو خبراً طبيعياً حين تم تسريبه، وتعاملت الدول العربية معه بصمت وتجاهل بعد أن انصاعت الحكومات العربية إلى المطالب الإسرائيلية دون خجل،وهكذا وضع الأشقاء العرب قرارهم بدعم القدس العربية بمبلغ مليار دولار في سلة النفايات العربية، ولم يكلف الأمين العام للجامعة العربية نفسه عناء تكذيب هذا الخبر حفاظاً على ماء وجه العرب .
مما لا شك فيه أن هناك أسباب ومسببات عديدة ومختلفة وراء إيصال قضية سامية وعادلة كالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، إلا أنه أيضاً كل تلك الأسباب والعوامل ماكانت لتكون مؤثرة وفاعلة لولا الدور السلبي للقيادة الفلسطينية ومواقفها المتخاذلة وسعيها وراء السلطة وامتيازاتها بدلاً من تعزيز ودعم فكرة النضال والكفاح ضد المغتصب، وبالرغم من أننا لسنا في وارد تقييم تجربة الثورة الفلسطينية ، إلا أن مانشهده اليوم من إحباطات وانهيارات وانسدادات أمام القضية الوطنية الفلسطينية لم يكن وليد المتغيرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، إنما هو نتيجة طبيعية وكارثية لكل السياسات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية والخيارات التي اقدمت عليها منذ انطلاق العمل الفلسطيني المسلح في منتصف ستينيات القرن الماضي .
إن مجمل هذه السياسات أدت فيما أدت إلى تقزيم منظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف العامل الفلسطيني برمته، وتحويل قضية فلسطين الوطنية إلى حائط مبكى، وظهور قيادات فلسطينية ضعيفة ومخترقة من قبل العديد من أجهزة المخابرات وخاصة الأمريكية والإسرائيلية،أنيطت بهذه القيادات مسؤولية الحل والربط فيما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته،وهم المسؤولين مسؤولية مباشرة عن تقليص الحقوق الفلسطينية وضياعها، من خلال حجم التنازلات المرعب الذي قدمته هذه القيادة الفلسطينية للجانب الإسرائيلي بدءًا من التنازلات التي قدمت للوصول إلى اتفاقية أوسلو الملعونة ، وصولا إلى كافة التنازلات التي مازالت تقدمها القيادة الفلسطينية في سبيل محافظتها على مناصبها وامتيازاتها على حساب مصالح شعبنا الفلسطيني وتضحياته، هذه التنازلات جعلت إسرائيل تتنمرد على السلطة الفلسطينية بل وتتجرأ بكل وقاحة وتطلب ويا للعجب من القيادة الفلسطينية الضعيفة الإعتراف بيهودية دولة إسرايل !!
هذه القيادة التي تستقوي على شعبها وعلى الفصائل الأخرى بالأنظمة العربية التي كانت داعم رئيسي لنضال الشعب الفلسطيني ولقضيتة الوطنية مالياً وسياسيا، فأصبحت الثوابت الفلسطينية والعربية تجاه الصراع مع إسرائيل تنتهك وتحذف بمباركة عربية استعاضت بها القيادة الفلسطينية لغباءها عن الغطاء الشعبي الفلسطيني لتمرير سياسات التنازل والإستسلام،تلك الأنظمة العربية مغلولة اليد أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي لاتريد سوى السلامة حتى لو كانت على حساب القضية الفلسطينية، لكنها تصبح شرطي بعصا حين تستقوي بها السلطة الفلسطينية لكسر إرادة قوى المعارضة الفلسطينية الرافضة لكل سياسات السلطة التنازلية، هذا الإستقواء في الحقيقة -إضافة إلى عوامل أخرى- هو ماجعل الأنظمة العربية نفسها تستقوي على القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين أنفسهم، وإلى إخضاعهم إلى التجاذبات المتنافرة في السياية العربية.
لقد سقطت السلطة الفلسطينية في مستنقع الفساد والإستنفاع، وانكشفت عورتها أمام الجميع، وكل أوراق التوت والتين لاتستطيع ستر عورات سلطة هجينة، وليدة اتفاقيات مذلة،وحولت جميع الحقوق الثابتة التاريخية للشعب الفلسطيني إلى" مشاكل قابلة للنفاوض" وحولت قضية وطن محتل ومغتصب إلى خلاف على تقاسم نفوذ فيما بينها، وتتبنى سياسة التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، هي العقلية ذاتها التي تطاولت بالكلام بداية على المناضلين والأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية عام 1988 أثناء الإنتفاضة الفلسطينية الأولى تحت شعار "هجوم السلام الفلسطيني" وتحول هذا الهجوم فيما بعد إلى تآمر لضرب الحركة الوطنية الفلسطينية، وقامت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المحترمة باعتقال قيادة وكوادر ونشطاء المقاومة الفلسطينية، وتعاونت مع قوات الإحتلال الإسرائيلي لاغتيال مناضلين.
إن السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها على نفسها اساساً، هي ليست أكثر من أداة وظيفية لدى الإحتلال الإسرائيلي، وقد أصبحت حاجة إسرائيلية لضرب المشروع الوطني،فاتفاقيات أوسلو التي أنجبت السلطة أنهت الحكم العسكري الإسرائيلي، لكنها لم تُنه الإحتلال نفسه، وبينما انشغلت السلطة بإدارة الحياة اليومية، تحول الإحتلال إلى استعمار نظيف قليل التكلفة حيث تتولى أجهزة السلطة الفلسطينية كافة الملفات القذرة، تتابع إسرائيل مصادرة الأراضي وفرض الحقائق على الأرض .
لذلك لا بد من إسقاط هذه السلطة لإنهاء عبثية مسار التفاوض مع إسرائيل الذي اثبت عقمه، ولوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كاملة كسلطات احتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وحتى تكف السلطة عن كونها غطاء لهذا الاحتلال.
ومن جهة أخرى لوضع المجتمع الدولي والأطراف الراعية لعملية السلام أمام استحقاقاتهم الموضوعية في فشل مسار التسوية السياسية، وهذا يجب أن يؤدي إلى اعتبار أن شعبنا الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال ومن حقه مقاومة هذا الاحتلال وفق المواثيق الأممية.
إسقاط السلطة سوف يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية التي قزمها رجال السلطة وجعلوها ظل عديم الفعالية تابع لهم بعد أن قاموا بإفراغ المنظمة ومؤسساتها من دورها الوطني باعتبارها حاضنة المشروع الوطني الفلسطيني .
وهذا من شأنه أن يساهم في تقوية الموقف الفلسطيني الذي أضعفه زج السلطة بالرقم الفلسطيني في مفارقات العرب السياسية، فانتقلت القضية الفلسطينية بقدسيتها من حالتها في الضمير والوجدان العربي والأممي إلى رقم ضعيف في الجامعة العربية .
إن هذه السلطة المتخمة بالفساد السياسي والأمني والسلوكي والأخلاقي، التي حولت القضية الفلسطينية إلى ممسحة لبعض الأنظمة العربية وسياساتهم وصفقاتهم، سوف يذكرها التاريخ على أنها سلطة متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية، في عالم لم تعد تعنيه كثيراً قضايا الضمير والحق والعدل، بل يلتفت إلى من يملك قوة الفعل والتأثير في مجريات التاريخ.

48
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الصورة النمطية لإفريقيا في الإعلام الغربي
جوع وفساد وإيدز

يظن معظم الغربيين أن القارة الإفريقية هي عيارة عن صحراء مترامية الأطراف، يقطنها شعب واحد يشترك بصفات سواد البشرة وبياض الأسنان، فقد ارتبطت صورة إفريقيا والإنسان الإفريقي في ذهنية الغربي بتراثهم القديم الممتلئ بثقافة التعالي والعنصرية والإيمان بتفوق العرق الأبيض على سواه من الأعراق، وقد ساهم بعض الكتاب الغربيين في ترسيخ هذه الصورة المتخيلة عن إفريقيا في عقل الغربي، ويمكن هنا أن نورد كتاب " من قلب الظلمة " للكاتب الروائي البولوني " جوزف كونراد " وكذلك الكاتب الألماني " كاي ماي " الذي كتب سلسلة من كتب المغامرات اعتمدت على الوصف الخيالي لإفريقيا، وذكر الكاتب فيها مغامرات حصلت في السودان ووصفها وصفاً دقيقاً وهو يقبع في  السجن، دون أن تتاح له فرصة زيارة إفريقيا، واللافت أن هذه الكتب ما زالت تحقق مبيعات مرتفعة في الدول الغربية.
إن التنافس بين الدول الكبرى على المناطق الإستراتيجية والغنية، انتقل من مرحلة الصراع المسلح  إلى صراع فكري وإستراتيجي حول بسط الهيمنة، وزيادة التبعية والنفوذ، وبأدوات العصر الحديث في توجيه الرأي العام الدولي والمحلي، ولذلك نجد كل وسيلة إعلامية ذات تمويل حكومي وتوجه دعائي لها اهتمام خاص بها وإستراتيجية إعلامية نحو القارة الأفريقية.
نحن اليوم أمام غزو للقارة الأفريقية لا يقل في قوته وعنفوانه عن غزو الجيوش والاحتلال والسيطرة، إن الهيمنة الإعلامية على أفريقيا هي استمرار لتاريخ طويل من المشاريع الإعلامية، التي أطلقتها محطات إذاعية وتلفزيونية دولية، وحتى منصات إلكترونية لتوفير مواد إعلامية تستهدف المواطن الأفريقي والتأثير في جمهور وسلطات بلاده.
يتمثل الاعلام الغربي بمنظومة المحطات الفضائية التي تجعل من العنف، والجوع، والتخلف مادتها الإعلامية التي يتم نقلها عبر شبكة مراسليها في القارة الافريقية، إضافة الى إنتاج العديد من الأفلام التي يظهر فيها الإفريقي على أنه شخص تابع ومقلد للرجل الابيض، فشركات الإنتاج السينمائي الكبرى مثل هوليود وغيرها تعودت أن تقدم الرجل الإفريقي على أنه الطرف الضعيف والعاجز في أعمالها الفنية، فضلا عن الصحافة المقروءة الذي كانت وما زالت تتعاطى مع القارة الإفريقية من ذات المنطلق الذي تتعاطى معه شبكة الإعلام المرئي.
أن إفريقيا الحقيقية أكثر تعقيداً بكثير من الصور التي نراها بانتظام في وسائل الإعلام الغربية، التي دائما ما تصور الجانب السلبي من القارة، ويحاول الإعلام الإفريقي الرد من خلال إظهار صور أكثر إيجابية وواقعية، على أمل أن يتعرف العالم على إفريقيا الحقيقة التي لا يعرفها الغرب أو يحاول تشويهها.
لطالما تعودت وسائل الإعلام الغربية على النمطية في نقل أخبارها والحديث عن القارة، ومن هنا يمارس أصحابها مهنتهم على تلك الأسس، تبعا لأهداف قد تكون معلنة والعكس صحيح، إلا أنها – أي الأهداف- تتمحور حول إبراز صورة الغربي بأحسن حال من صورة الإفريقي، ففي بعض دول ومناطق أخرى، نرى في التقارير الإخبارية أن الرجل الأبيض هو الذي يقوم بتغذية الرجل الأسود ومساعدته وتقديم العلاج له، ولن ترى في التقارير أن الأفارقة يساعدون أنفسهم أو يساعد بعضهم البعض.
إن الصومال تتألم من الحرب الأهلية ومن الإرهاب، وكذلك نيجيريا تستنزف مقدراتها في مواجهات عسكرية مع تنظيم بوكو حرام، ومرض إيبولا المميت يمزق سيراليون، كلها عناوين ينشرونها للعالم، لكن ما أسباب الحرب في الصومال ومن الذي أوقدها، من الذين وراء جماعة بوكو حرام ومن يمولهم، ما حقيقة إيبولا وكم من الدول مصابة به، فلن تسمع أي شيء من هذا القبيل، وذلك بسبب أن كل هذه الأحداث تجري في إفريقيا.
إن كون الإعلام الغربي يؤمن مساحة للحرية وسقفا مرموقا لذكر الحقائق أو بعضها، ويضفي بعض الحيادية والموضوعية في طرح المواضيع لا يعني استقلاليته، فهذه الحرية تعدم تماما حين يتعلق الأمر بالتأثير على الرأي العام في نقاط ساخنة تتصل مباشرة بالسياسة الخارجية، خاصة التي تمس مصالح الدول الغربية في إفريقيا أو غيرها من القارات، ولهذا فشعوبهم تتمتع بتلك المصداقية في الشؤون الداخلية للغرب، بينما تنعكس الصورة تماماً في الشؤون الخارجية.
فالحكومات الغربية تحرص على سياسة الانفتاح والفضفضة والنقد المفتوح في إعلامها الذي يتناول القضايا الداخلية والخاصة بشعوبها، ولكن حين يتعلق الأمر بإفريقيا والسياسات الخارجية فلابد من تحييد الخبر وتكميم الأفواه والحد من المواضيع وحجز المعلومات،  وكذلك فإن هذه الصحافة الغربية لا تتردد في استخدام الأسلوب الاستخباري للترويج لموقفها السياسي، وللابتزاز السياسي في آن، وقد تكرر هذا كثيرا أكثر من موضع في إفريقيا حيث جرى ابتزاز عدد من رجال السياسة إن كان في الدول الغربية نفسها، أو الضغط الذي تمارسه هذه الوسائل على صناع القرار خارج الغرب  لتأمين مصالحها ومصالح من تمثلهم.
بظني أن ما يستحق النقد هو غياب الرؤية الموضوعية، وانعدام التحليل العلمي البحثي للكثير من الظواهر في القارة الإفريقية، وعدم تناولها في سياقها التاريخي والجدلي من قبل وسائل الإعلام الغربية، وليس الواقع الإفريقي بحد ذاته.
إن العديد من وسائل الإعلام الغربية هدفها الأساسي ليس البحث عن الحقائق ونشرها، وإنما التجارة في المعلومات والمعطيات والخبر والصورة، لذلك هي تقوم بتقديم ما يطلبه المشاهد والقارئ، ولا تهتم كثيراً إن كانت السلعة جيدة ومفيدة، أو كانت فاسدة ومتعطنة.
ليس هذا فحسب، بل أن وسائل الإعلام نفسها في الدول الغربية سلعة مثل غيرها من السلع، يتنافس على امتلاكها تجار كبار لفرض مصالهحم السياسية أو الاقتصادية.
بل أن العديد من الديكتاتوريين في الدول النامية يشترون وسائل إعلامية في الدول الغربية، من أقنية تلفزيونية أو صحف ومجلات أو محطات إذاعية، ويقومون بتوظيف عدة مشاهير إعلاميين غربيين فيها، وذلك بهدف تلميع صورتهم الشخصية أو صورة بلادهم في أعين المشاهد والقارئ الغربي، وخلال السنوات الأخيرة أقدم عدد من تجار الدم والحروب ومن الأثرياء الجدد خاصة من دول أوروبا الشرقية، على شراء صحف ومحطات تلفزيونية عريقة، لأهداف متعددة مثل تبييض الأموال، ولحماية مصالحهم، وللتأثير على مجريات الحياة السياسية والاجتماعية.
إن المجتمعات الغربية  بالرغم من أنها مجتمعات متحضرة متطورة، إلا أنها مجتمعات تسود فيها العزلة والفردية والاغتراب الاجتماعي والروحي، ، لذلك نجد من السهولة بمكان أن تلعب وسائل الإعلام بهذه المجتمعات دوراً بالغ الخطورة في التأثير المباشر على المتلقي، وبذلك يكون لهذه الوسائل الأدوات التي تحدد نوعية ومسار واتجاهات الوعي الجمعي لهذه الشعوب، وتعمل على إنتاج وإعادة إنتاج وعي الناس.
إن الصورة النمطية لإفريقيا في العقل الغربي لم تتغير كثيراً حتى الآن، فما زالت وسائل الإعلام الغربية تقدم إفريقيا في إطار لا يخرج عن ثوابتها المتوارثة وهي الفساد والتخلف والكوارث الطبيعية والفقر والجوع والأمراض، وكثير من المحطات التلفزيونية مازالت تقدم برامج بقصد الإثارة والربحية، عن عادات شرب الدم وأكل لحم البشر أو القرود لدى بعض الإثنيات الإفريقية، وإن أردا الإعلام الغربي التنوع في تناول الموضوع الإفريقي يتحدث عن انخفاض وكي ثدي القاصرات الإفريقيات، أو عن تعدد الزوجات.

49
   حسن العاصي                                                                   
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك   
                                 
الجيوش الإفريقية تتحدث العبرية
شالوم يا فلسطين   
الجزء الثاني والأخير

والجدير بالذكر هنا أن إسرائيل استطاعت أن تبني قواعد جوية وبحرية في دول القرن الإفريقي، وبالطبع الغاية الرئيسية منها هو تهديد الأمن العربي والضغط على مصر والسودان، وقد تحولت جميع هذه القواعد إلى مراكز للتجسس على الدول العربية وعلى الدول الإفريقية نفسها، كما شكلت إسرائيل فرق عمل أمنية ومجموعات عسكرية بشكل مشترك مع عدد من الدول الإفريقية، الغاية منها هو تقوية نفوذ إسرائيل داخل الأجهزة العسكرية والأمنية الإفريقية عبر هذه المجموعات التي تضم الكثير من كبار الضباط الذين تلقوا تدريبهم في المعاهد العسكرية الإسرائيلية في إسرائيل أو تدربوا بواسطة مستشارين إسرائيليين في بلدانهم جميعهم يدينون بالولاء للمصالح الإسرائيلية ، وتربطهم علاقات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومعظم هؤلاء الضباط من إثيوبيا والكونغو ورواندا وزائير وساحل العاج ومن جنوب إفريقيا وإريتيريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا.
وفد شجعت إسرائيل الأجيال الجديدة من القادة الأفارقة الذين ينتمون إلى أقليات عرقية أو مذهبية في بلدانهم، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع إسرائيل، ومنهم "مينيس زيناوي" في إثيوبيا و "أسياسي أفورقي" في إريتيريا و "جون جارانج" في دنوب السودان و "يوري موسيفيني" في أوغندا، وكل هؤلاء أصبحوا قادة بلدانهم وأصدقاء مخلصين لإسرائيل ويدافعون عن مصالحها.
إن إسرائيل ترتبط مع إريتيريا باتفاقية أمنية تم توقيعها في العام 1996، حصلت بموجبها إريتيريا على مساعدات عسكرية ضخمة، وحصلت إسرائيل على تسهيلات لتعزيز وجودها في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأصبح لها تواجد عسكري في مضيق باب المندب.
في الصراع الذي وقع في منطقة البحيرات العظمى في العام 1994 قامت إسرائيل بتزويد كل من رواندا وبوروندي والكونغو بالأسلحة وبالمستشارين العسكريين وذلك بهدف إثارة النعرات والقلائل لتبقى هي المستفيد الوحيد والقادر على إدارة هذه الصراعات في المنطقة.
وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد من خلال مكتبه في نيروبي، ومن خلال تعاون إسرائيل الأمني مع كينيا بتحريض الأخيرة على إثارة التوترات فيما يتعلق بأزمة مياه النيل مع مصر في العام 2003، وظلت إسرائيل تضغط على كينيا حتى أعلنت انسحابها من معاهدة حوض النيل الموقعة في العام 1929، وكررت إسرائيل نفس السيناريو مع أوغندا التي أعلنت أنه يجب إعادة التفاوض حول موضوع مياه النيل والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو أنها سوف تنسحب من الاتفاقية كما فعلت كينيا.
وقد أصدر الدبلوماسي الإسرائيلي السابق "آريه عوديد" كتاب "إسرائيل وإفريقيا" في العام 2014 وترجمه إلى العربية الدكتور عمر زكريا المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، وتظهر قيمة هذا الكتاب الهام من أن مؤلفه كان من الذين وضعوا خطط اختراق القارة الإفريقية من قبل إسرائيل، وساهم في عملية بناء وتعزيز العلاقات الإسرائيلية الإفريقية على مدار عقود، وكان قد بدأ عمله الدبلوماسي في أوغندا في العام 1961، وانتقل ليرعى المصالح الإسرائيلية في كينيا في سبعينيات القرن العشرين، ثم في تسعينيات القرن الماضي عمل سفيراً في سوازيلاند وكينيا، ثم عين سفير غير مقيم في لاسوتو وزامبيا وموريشيوس وجزر سيشيل، وعمل محاضراً للدراسات الإفريقية في الجامعة العبرية في القدس.
يذكر الدبلوماسي الإسرائيلي في كتابه آنف الذكر، أن إسرائيل ظلت على علاقات سرية مع الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها الرسمية العلنية مع إسرائيل في مراحل مختلفة خلال القرن العشرين، نتيجة للضغوط التي تعرضت لها تلك الدول الإفريقية من الأنظمة العربية، وظلت إسرائيل تعمل بكامل حريتها في تلك الدول، ويقر "عوديد" أن إسرائيل استمرت في تقديم كافة أنواع المساعدات العسكرية والأمنية للدول الإفريقية، وذكر أن إثيوبيا وإريتيريا لاحقاً كانتا مهمتان جداً لإسرائيل من أجل تأمين الطرق الملاحية للشرق الأقصى ولجنوب إفريقيا، والموانئ الموجودة في مومباسا في كينيا ودار السلام في تنزانيا هي موانئ مهمة لإسرائيل بهدف كمحطات في الطرق الملاحية، ويقول أن التواجد العسكري الإسرائيلي في إثيوبيا وأوغندا وكينيا بالغ الأهمية من الناحية الجيوسياسية لتطويق العرب.
وكان عوديد قد درس في جامعة ماكريري البريطانية في أوغندا، وقد درس معه في هذه الجامعة العديد من الزعماء الأفارقة الذين وصلوا إلى هرم القيادة السياسية والعسكرية في بلدانهم فيما بعد ومنهم "بنجامين مكابا" الرئيس التنزاني السابق، وقام الدبلوماسي السابق اثناء عمله بإرسال الكثير من الطلبة الأفارقة للدراسة في إسرائيل، وكان يختارهم بمعاونة رجال المخابرات الإسرائيلية الموساد بناء على معايير معينة أهمها مدى قدرة هؤلاء الطلبة على تبوأ مناصب قيادية في بلدانهم لاحقاً، ودرجة صداقتهم مع إسرائيل، ومن بين هؤلاء الذي أرسلهم للدراسة "يوسف لولي" الذي أصبح رئيس أوغندا بعد سقوط عيدي أمين.
وكشف عن الدور الخطير الذي لعبه الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات الموساد في بعض الدول الإفريقية من خلال السفارات الإسرائيلية وبعض ملحقياتها التجارية والثقافية، بواسطة مستشارين أمنيين بلغ عددهم العشرات في كل من إثيوبيا، أوغندا، الكونغو، تنزانيا، كينيا، إريتيريا.
وكانت إسرائيل ساعدت الرئيس الأوغندي "أوبوتي" بناء على طلبه في مساعدة حصل عليها من إسرائيل لتنظيم وتدريب جيشه لمواجهة أعدائه في السودان التي كانت إسرائيل تدعم قيام كيان غير عربي في جنوبه، الاهتمام الإسرائيلي بأوغندا يأتي من كون منابع النيل الأبيض فيها، وكونها تقع جنوبي مصر والسودان الدولتين العربيتين اللتين تريد إسرائيل حصارهم والضغط عليهم، مما دفع إسرائيل إلى القيام بتدريب سلاح المشاة والمظلات والمدرعات والقوات الجوية في الجيش الأوغندي، ودربت أيضاً رجال وضباط الشرطة، وأول دبابة حصل عليها الجيش الأوغندي كانت مقدمة من إسرائيل ضمن ست دبابات، ودربت الطيارين العسكريين الأوغنديين في معهد للطيران قامت ببنائه إسرائيل في أوغندا، ثم قدمت لهم أربع طائرات تدريب ظراز "بوخانا" ولاحقاُ باعت لهم 12 طائرة من نوع "بوجا"، وفي فترة لاحقة دؤبت إسرائيل 30 طيار أوغندي في إسرائيل، ودربت معهم عشرات الفنيين لصيانة الظائرات.
ثم جاء الوقت كي تحصد إسرائيل فيه ثمار هذه المساعدات والدعم الكبير الذي حصلت عليه أوغندا التي أصبحت من الدول الإفريقية التي تمتنع عن التصويت في القضايا التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي في المحافل الدولية.
وعلى سبيل الذكر عارضت أوغندا مشروع قرار حول القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2003، كما امتنعت عن التصويت في قضية جدار الفصل العنصري الذي اقامته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية حين طرح اقتراح لتحويل الموضوع إلى المجكمة الدولية، وفي أكثر من مناسبة أدانت أوغندا كفاح الشعب الفلسطيني واعتبرته إرهاباً.
ودولة مثل" الرأس الأخضر" وهي عبارة عن مجموعة جزر تقع غرب إفريقيا، يصرح رئيسها" جورجي كارلوش" بعد اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو" على هامش اجتماع المنظمة الاقتصادية المشتركة لدول غرب إفريقيا قبل شهور قليلة، بأن دولته لن تصوت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة من الآن فصاعداً.
واستعداداً لجولته الثالثة إلى إفريقيا، استضاف "نتنياهو" رئيس توغو "فاورا غناسينغبي" على مأدبة عشاء في منزله بالقدس الغربية، ومن اللافت ما كتبه الرئيس الإفريقي في سجل الزوار" أحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وعودة إفريقيا إلى إسرائيل"، ورد عليه "نتنياهو" بقوله" أن توغو هي صديقة حقيقية لإسرائيل".
إن العالم من حولنا يتغير، وتتبدل معه مصالح الدول وتحالفاتها، فهل أصبحت فلسطين والقضية الفلسطينية في طي النسيان بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية؟
فهل العرب ومن ضمنهم القيادة الفلسطينية يمتلكون القدرة والرؤية والقرار والعزيمة على تصويب وتحسين العلاقات الرسمية والشعبية بينهم وبين شعوب إفريقيا وقادتها، أم أن الأزمات العربية العربية التي لا تنتهي جعلت من العرب قوماً يفكرون خارج مصالحهم بل خارج التاريخ وخارج الجغرافيا.






50
أدب / تهت في أبجديتها
« في: 18:44 17/08/2017  »


تهت في أبجديتها

حسن العاصي


هكذا كانت حين لمحتها
حسناء تتنهد بأنفاس رطبة
تتمايل بصدر مموج منشطر نصفين
عينيها عصافير في سفر كطيور الجنة
الخد حلاوة تمطر تفاحاً
وجه قمحي يزينه ثغر خجول

أطلقت كالسهام زنابق حقولها
فحلّقت فراشات صدري
يجذبها سحر البيان
وتوثّب قلبي لهفة
كمن شاقه جفاف الظمأ
يبتغي نبع السهول

هكذا هي
غيداء أعذب من كؤوس الشهد
تروي بالغواية والدلال شاربها
ريم البساتين بأقراط من الدهشة
لأجلها تبيع الهداية بالهوى
تُقدم في وصالها ولا تهادن
يا قاتلاً يا مقتول

تطوف بحسنها ممالك الغرام
كأميرة فوق خمائل الهودج
تعبر كأنها تنصب بالرمش فخاً
يتساقط العشاق حولها صرعى
وهي في ميادين الحب
تصول بسوط الهيام وتجول


يغريني صوتها لأشتهي الثمالة
أدوّن باستفاضة يقين شوقي
فوق سجّادة الصبابة
حد التبعثر
وأترك الأنامل الضريرة تتعلم
وتشقّ دروب الوصول

نتقلّب والجهات متاهة ترتعش
تعبرني خيوط الماء كسهام إغريقية
تقول بمكر بطرف عينها
 هذا لوحك معلق من عشبه
أكتب وجدك هنا يا وليفي
واقطف ثمر الحقول

تهت في أبجديتها وأغشاني الدوار
فسقط وجهي بين القباب الندية
وغرقت عيناي في هاوية
ما عاد في الجنون متسع
غاب رشدي
لا أعلم يا ويلي إن كنت فاعلا
أو كنت المفعول



51
حسن العاصي                                                                   
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك                                     
الجيوش الإفريقية تتحدث العبرية
شالوم يا فلسطين
الجزء الأول من جزئين
يحتل الجزء العسكري والأمني الصدارة في أولويات العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، إذ بدأت المساعدات العسكرية الإسرائيلية لبعض الدول الافريقية  حتى قبل استقلال هذه الدول، فقد قامت كل من أوغندا وغانا في العام " 1962 " بإرسال عسكريين وضباط للتدرب في إسرائيل، وبالمثل أرسلت تنزانيا مجموعة من الضباط للتدرب في المعاهد الحربية الإسرائيلية، كما دربت إسرائيل أول مجموعة من الطيارين من أثيوبيا وغانا وأوغندا، ودربت طيارين مدنيين من نيجيريا، وفي العام "1966 " أنشأت إسرائيل أول كلية حربية في غانا، حيث كان يتواجد  فيها "100 " ضابط إسرائيلي كخبير ومدرب، وتواجد في أوغندا أكبر بعثة اسرائيلية في العام " 1965 " وكان ضباط وجنود الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات الأوغندية يتلقون تدريبهم على يد ضباط من الجيش الاسرائيلي، وهنا من الجدير ذكره أنه حتى خلال الفترات التي تم فيها قطع العلاقات من قبل الدول الإفريقية مع إسرائيل ، لم تؤثر على مستوى هذا التعاون العسكري بين الطرفين .
 وترتبط اسرائيل بمعاهدات عسكرية وأمنية سرية مع العديد من الدول الإفريقية، تتضمن تدريب الجيوش وأجهزة الاستخبارات في تلك الدول، وذلك للحفاظ على استمرار الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا التي تجد فيها إسرائيل ضالتها لتحقيق أهدافها .
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت إسرائيل بتوقيع معاهدة سرية للتعاون العسكري مع زائير التي طلبت مساعدة إسرائيل على أثر محاولة الانقلاب الفاشلة فيها، وقامت إسرائيل بمساعدة الجيش الليبيري في قمع التمرد على النظام، وعقدت معها صفقة عسكية بملايين الدولارات، ويقوم الخبراء الإسرائيليين بتدريب الجيش الكاميروني ، وباعت لها إسرائيل طائرات من نوع  "كفيرو عرافا "، ناهيك عن التعاون العسكري الإسرائيلي مع أثيوبيا التي تحتل موقع الصدارة في اهتمامات قادة اسرائيل كونها البلد الوحيد الغير عربي المطل على البحر الأحمر .
وعلى امتداد السنوات الماضية، إضافة إلى حصدها الأموال من النزاعات الدموية في القارة الافريقية، قامت إسرائيل بتوظيف علاقاتها المميزة مع العديد من الضباط في المؤسسات العسكرية والأمنية الإفريقية، لاختراق القارة وللحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فيها على المدى البعيد .
وقد نقلت إسرائيل سياستها في إشعال فتيل الحروب والنزاعات، وإذكاء التناقضات المتعددة، وممارسة الخداع والابتزاز، وإثارة النعرات القومية والمذهبية، نقلت كل هذا الميراث البغيض الذي كان يشكل بالنسبة لها نهجاً منتظماً في علاقاتها مع محيطها العربي طوال عقود إلى القارة الإفريقية، ولاتتردد إسرائيل في عمل كل شيء في سبيل تحقيق أهدافها، فتراها تستغل على سبيل المثال، النزاعات الإرتيرية وحالة الفوضى الأمنية السائدة في الصومال من أجل تعزيز علاقاتها مع أثيوبيا التي قامت بالحصول على كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية بهدف تأزيم منطقة القرن الإفريقي التي تعاني بالأصل من أزمات متفجرة متعددة.
نتيجة للدعم الإسرائيلي غير المحدود يصنف الجيش الإثيوبي ثالث أهم جيش في القارة الإفريقية بعد مصر والجزائر، ويحتل الموقع 42 عالمياً، بامتلاكه 2300 دبابة، و800 مركبة، 200 صاروخ متعدد، 90 طائرة مقاتلة، 43 طائرة مروحية، بحسب الأرقام التي نشرها موقع "جلوبال باور فاير".
نعود قليلاً إلى الوراء، فبعد قيام دولة إسرائيل في العام 1948 عاشت الدولة الجديدة عزلة  مع محيطها العربي والإفريقي، هذا التهميش الذي تعرضت له إسرائيل من قبل جيرانها جعلها تستنبط أساليب جديدة لكسر هذه العزلة، فظهرت فكرة المساعدات للدول الإفريقية المجاورة الفقيرة، فبدأت إسرائيل بطرق أبواب القارة وتقدم نفسها على أنها فاعل خير، وبدأت مساعداتها تصل إلى بعض الدول الإفريقية وفي مقدمتهم إثيوبيا، ومع وصول هذه المعونات الإسرائيلية تباعاً إلى إفريقية كانت إسرائيل تنفذ إلى قلب القارة، وكان وجودها يتبلور ويتعزز في إفريقية خاصة في إثيوبيا لتصبح حليفة إسرائيل المطلة على البحر الأحمر.
في بداية الستينيات من القرن العشرين أرسلت إسرائيل عدد من المستشارين العسكريين كي تقوم بتدريب المظليين الإثيوبيين، وكذلك تدريب وحدات خاصة لمكافحة التمرد والشغب، كما قامت إسرائيل بتدريب جنود وضباط الفرقة الخامسة في الجيش الإثيوبي لمواجهة جبهة التحرير الإرتيرية.
في العام 1973 قطعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا تضامنا مع مصر والعرب، لكن استمرت إسرائيل بإرسال قطع الغيار للطائرات والذخيرة للأسلحة أمريكية الصنع التي يملكها الجيش الإثيوبي، وكذلك استمر تواجد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين الإسرائيليين في أديس أبابا، ولم يتغير هذا الوضع حتى مع وصول الرئيس الإثيوبي ذو التوجه الماركسي "مانجستو هيلا مريام"  للسلطة في العام 1974 من القرن العشرين، لكن هذا الوضع تغير في العام 1978 حين قام الرئيس "مانجستو" بطرد جميع المستشارين الإسرائيليين من إثيوبيا على أثر انكشاف علاقة البلدين مما اعتبر خرقاً لقرارات مجلس الوحدة الإفريقية ووضع إثيوبيا في حرج شديد من الدول الإفريقية.
في العام 1983 ورغم استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإسرائيل، قامت الأخيرة بتدريب عسكري وأمني للحرس الرئاسي ولجهاز الشرطة الإثيوبي ولرجال بعض الأجهزة الأمنية ومنها المخابرات.
ثم بدأت إسرائيل في استقبال يهود الفلاشا الذين هاجروا من إثيوبيا بناء على اتفاق بين الحكومتين في العام 1985 مقابل مساعدات عسكرية تقدمها إسرائيل لأديس أبابا، ولغاية العام 1987 كانت إثيوبيا  تلقت معونات عسكرية بقيمة 85 مليون دولار مكافأة لها على السماح ليهود الفلاشا بالهجرة إلى إسرائيل، وأرسلت تل أبيب 300 مستشار وخبير أمني وعسكري إلى إثيوبيا، وقامت خلال هذه الفترة بتدريب 40 طياراً إثيوبياً في إسرائيل، في العام 1989 من القرن العشرين تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتم افتتاح السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا، وقدمت إسرائيل المزيد من المساعدات العسكرية لإثيوبيا.
في العام 1990 قدمت إسرائيل حوالي 150 ألف بندقية للجيش الإثيوبي بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وتوسعت مساعدات إسرائيل لتضم معونات صحية وأدوية، وكذلك أرسلت خبراء في مجال الري والزراعة، وفي العام 1991 قامت إسرائيل بنقل 15 ألف يهودي من الفلاشا مباشرة عبر جسرجوي من أديس أبابا إلى إسرائيل، ودفعت للرئيس الإثيوبي مبلغ 35 مليون دولار قبل أن يطيح به انقلاب شعبي ضده فهرب إلى زيمبابوي، وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن إثيوبيا لاتبلغ ميزانيتها العسكرية سوى 0,8 في المائة، إلا أنها أصبحت ثالث أقوى جيش في القارة السمراء بفضل الدعم العسكري الإسرائيلي.
أصبح من المؤكد أن إسرائيل استطاعت وعبر برنامج المساعدات العسكرية بشكل رئيسي، والإنمائية بدرجة أقل، استطاعت أن تفسد العلاقات التاريخية بين العرب ومصر بوجه خاص وإثيوبيا، وأنها تمكنت من إخراج مصر من إثيوبيا  والحلول مكانها، وبدأ فصل جديد من فصول الضغط الإسرائيلي على مصر والسودان عبر أذرعها الإفريقية في إثيوبيا وغيرها من الدول الإفريقية.
إن التعاون العسكري وتقديم مساعدات عسكرية إلى الدول الإفريقية، وكذلك تدريب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية الإفريقية، كان ولايزال يستحوذ على أهمية خاصة في الاستراتيجية الإسرائيلية، لتوظيف هذا الملف في ممارسة الابتزاز والضغوط والمقايضة، والأهم هو استخامه كسلاح في مواجهة الدول العربية لتهديد أمنها والضغط عليها لتغيير مواقفها في بعض الملفات، ومن أجل هذه الرؤية عملت إسرائيل على تكثيف نشاطها وتواجدها العسكري في إفريقيا، وقامت بإرسال كثير من الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين إلى عدة دول إفريقية من أجل تدريبهم والإشراف عليهم، حتى أن إسرائيل قامت بتدريب كثير من الحراس الرئاسيين الذي يتولون حماية قادة ورؤساء القارة السمراء، وجلبت الآلاف من الأفارقة للدراسة والتدريب في معاهدها الحربية وكلياتها العسكرية.
ولم تكتفي إسرائيل بتقديم السلاح وتدريب الجنود والضباط، بل قامت أيضاً بنقل تجربتها في العمل مع منظمات الشباب الشبه عسكرية مثل تجربة منظمتي "الناحال" و"الجدناع" وقامت بإرسال مستشارين ومدربين إلى بعض الدول الإفريقية لتعليمهم كيفية تنظيم صفوف الشباب الإفريقي في فصائل تجمع العمل المدني والتدريب العسكري سوية.
أيضاً أرسلت إسرائيل عدداً من مدربيها للإشراف على تنظيم الخدمة العسكرية التي تفرض على الشباب الإفريقي لفترات زمنية محددة كما هو الحال في إسرائيل، وقامت أيضاً بإرسال عدد من الخبراء لتدريب قوات الشرطة في تنزانيا، ودربت قوات المظليين في الكونغو، ثم أنشأت مدرسة هناك وقدمت لجيش الكونغو أسلحة وعتاد، ثم في سيراليون أيضاً يتكرر ذات السيناريو حيث أرسلت إسرائيل خبراء عسكريين وضباط من أجل تدريب الجيش السيراليوني، ثم أنشأت لهم مدرسة عسكرية في فري تاون.


52


حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


يتيم العمة
مهداة إلى روح عمتي صالحة جنداوي


كان لي عمة صبية
تضع رأسي في حجرها
كل ليلة قبل أن تأوي للنوم
تغني بصوت خاشع حكايات الأولياء
تسافر قدماي حيث كرامة الغرباء
دون أن أغادر
أجري على ضفاف القناديل
ويطفو فوق الوميض وجهي
أصابع عمتي ترتدي شعري العبثي
تسألني عن زهرة الريح وقلق النوافذ
تقول خبئ غيومك إن اشتد جناح الصقيع
لا تمتطي أسماء الأبواب المغلقة
إن لم تمتلك مفتاح الأسفار
تكفكف دموعها وتستدرج لحظتها
ترفع رأسها وكفيها للأعلى
بصوت حزين خائف تقول
يا رب قد ضاق وجدي
وفرحي بعيد مثل الكروم خلف التلال
ما زلت أنتظر على أبواب الغيم تعباً
تخفض يديها وتحضن ٍرأسي
يعلو صوتها
يا الله هيئ لولدي فراش الإيمان
اجعل المسافات طوع صوته
ازرع في خطاه سراج اليسر
وابعد عنه جراد الدروب الضيقة
يا رب اجعله من الحالمين
كنت صغيراً مرتبكاً
كلماتها تسربلني ثوباً من الريش
عمتي الصبية كانت جميلة
غصن من فضة يخالطه زهر الجنة
 بضفائر تمتد على أجنحة الضوء
مثل فراشة الأنهار تغتسل بالمرايا
عمتي الصبية التي كانت تدعو لي وتغني
انطفأت عينيها ولم أكبر
لفظ فرحها أنفاسه في بياض الثوب
شيّع الطفل عمته يشهق حمماً
في شرخ القميص المكلوم
تكتظ ملامحها في صراخ الصغير المنكسر
حين كبرت أصبحت تلاً من الماء
أتلو ظمأ العشب من الكتاب المتقد
أركل العتبات النائمة بصوت مرتعش
فكيف يغفو صراخي في جوف الجدران النائمة
قرب لوحة الأنبياء
لو أن الوقت يا عمتي ينكفئ أو يموت
لو أرتدي ذاك الثوب العاري
 في العتمة الأخيرة أو يغادرني
ما زلت في حكاياتك طفلاً لم يكبر
ما زلت يا عمتي أرى بحور وجهك ترحل
وأنا لا زورق لي كي أنام
أوثق عيناي حول الصفصافة العتيقة
أحمل رأسي وطيفك وشيء من المواويل
تعدوا كفي صوب آخر رمق
في حزنك الأخير قبل الموت.






53
أدب / يا ثقل الوتر المفقود
« في: 17:31 10/08/2017  »



يا ثقل الوتر المفقود



حسن العاصي


1
في تلك البراري البعيدة
فقدت فراغ الأمكنة
والسفر الآتي
نوافذ مختنقة بالضياع
يتعرّى الغيم إلا من الصحو
كان الوقت كروم
تتدلّى خطى
والرؤية غواية تتناسل
حكايات عتيقة وخراب
كما أفق الإنتظار
واحتمال الرماد
تبسط أهداب هواجسها
كل غياب
للافق حالات
مثل حلم عنيد
يغفو على الشرفات
والأصيص وردة سوداء
نبضها رماد
ولافراشات تراقصها
أيها الراحلين بلا ماء بلا وجوه
لا شيئ في احتشاد الأسماء
يستدرج زهر الموت


2
أن تقبض على ضوء البحر
كي لا ينسدل من أخاديد العبور
شجر العمر
هذا الذي يدوّن يقين القلب
فوق سجّادة البصيرة
يتبعثر بين أصابعه ماء المغفرة
أن تكون ينبوعاً
يروي صلب الجذر
هذه الأشرعة فاتحة الغابة
منذورة لنور الشاطئ
أن تدرك رحيلك بمراكب غافلة
على صهوة التيه
يزاحم فيك الرمل
ارتعاش اليمّ
أشتهي أعود صدفة
لمراكب الورق
فلا رابعة
فوق قوارير نرجس الحزن
إلا وخامسة تلوّن الحلم
باحمرار الكروم


3
وقعتْ على الزهر الأخضر
لم ترى البحر
لكنها سمعتْ صدى ريش السماء
ما غفوتُ عنها في نور الوحي
لكن للنذر طقوس أربعين يوماً
وردة زرقاء غادرها الضوء
من بحر لاقاع فيه
كنتُ وجهاً حافياً
بدفتر وحيد
فهل أغمضت أحلامها طفرتها
كي توقظ عيون الرحيل
عسيرة لحظة النقاء
يعيقها بياض البريق
يوم ارتمت خلف صوت الحياة
اختمرت أبعاد الأسود
حتى تسطع الأوردة
ويوم يتسرب طيف المرارة
بطعم الحطب
يتراءى الغيث في مطر اللحظة
ناديت على المشهد المتقطع
التف خيط الاحتضار
حول عنق الذاكرة
يا ثقل الوتر المفقود
على صوتي
حين يحمل ظلي خريف الحياة
كل عام
والعصب المرابط في تقاطيع الحكاية
بخير


كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

54
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


إفريقيا في قبضة الموساد الإسرائيلي
الجاسوسية بديل للدبلوماسية

منذ السنوات الأولى لعلاقة اسرائيل بالقارة الافريقية لعب جهاز الاستخبارات الاسرائيلي
¬-وما يزال- دوراً بالغ الأهمية في تسهيل دخول اسرائيل إلى افريقيا وفي إنشاء مراكز نفوذ لها في عدد من العواصم الافريقية، ناهيك عن العلاقات المتميزة بين الموساد والعديد من أجهزة الاستخبارات الافريقية الذين تدربوا في اسرائيل أو قام ضباط اسرائيليين في تدريبهم بأوطانهم، وتسعى إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية والعسكرية والسياسية، والخروج من عزلتها الدبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الافريقية كنافذة لدخول اقتصادي أكبر .
النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية قديم، ويعود إلى السنوات الأولى بعد الإعلان عن قيام دولة إسرائيل، ففي بداية الخمسينيات من القرن العشرين شكل الصهيوني " ديفد بن غوريون " فريق عمل لبحث كيفية التعامل مع البيئة المحيطة من دول عربية وافريقية، وضم هذا الفريق كبار الخبراء في الشؤون الاستراتيجية والسياسية والأمنية والدبلوماسية، ولعب الموساد منذ تلك الفترة الدور المحوري في تنفيذ السياسات الصهيونية لاحتواء القارة الافريقية وذلك عبر إرسال أكثر من خمسة آلاف خبير ومستشار في الشؤون العسكرية والأمنية والبناء والزراعة، من أجل بناء وتنظيم جيوش تلك الدول وتدريب أجهزتها الأمنية، وخاصة  في أثيوبيا وأوغندا وغينيا وغانا وجنوب السودان والكونغو وإرتيريا وجنوب افريقيا وزائير وتنزانيا، هذه الدول التي يمتلك الموساد الاسرائيلي فيها علاقات تنسيق وتعاون مع اجهزتها الاستخبارية، ومع كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين فيها، وتقوم إسرائيل بتوظيف هذه العلاقات لمحاصرة الدول العربية والضغط عليها لأجل القبول بها كدولة جارة غير مغتصبة.
 وفي ستينيات القرن الماضي قامت إسرائيل عبر جهاز مخابراتها ببيع أسلحة وعتاد إلى الحركة الشعبية لتحرير أنغولا التي كانت تقاتل الاستعمار البرتغالي وتسعى لنيل الاستقلال، وقامت إسرائيل أيضاً بتدريب المئات من مقاتلي الحركة، لكنها عادت في بداية السبعينيات  بتزويد ودعم طرفي الصراع في أنغولا، وكانت المخابرات الإسرائيلية بالتنسيق مع المخابرات الزائيرية ترسل شحنات من الأسلحة للطرفين، ومن المهم معرفة أن أنجولا تعتبر خامس أكبر دولة منتجة للماس في العالم.
وقد كشفت تحقيقات أجرتها أجهزة مخابرات أوروبية في العام 2013 عن تورط ابنه الرئيس الأنغولي وملياردير إسرائيلي يدعى "إيهود لنيادو" في واحدة من أكبر عمليات غسل الأموال التي أعلن عنها في بلجيكا، حيث كان يجري تهريب الالماس من أنجولا إلى بلجيكا بالتعاون مع الشريك اليهودي البلجيكي "سيلفان جولدبرج" دون دفع ضرائب، وقد تدخلت أجهزة المخابرات الإسرائيلية للوصول إلى تسوية للقضية، مما يؤشر ويدعم الشبهات حول الدور القذر الذي يلعبه الموساد الإسرائيلي في الكثير من الملفات في القارة السمراء، وهذا ما كان يتم لولا التنسيق الأمني مع المخابرات الأنغولية التي كانت على علم بنشاطات ابنه الرئيس في تجارة الألماس .
لكن لماذا تقوم إسرائيل بتكليف حهاز المخابرات الإسرائيلية  بمعالجة بعض الملفات الساخنة سياسياً واقتصادياً؟
سوف نحاول هنا إجراء مقاربة تحليلية لهذا السؤال

ترتبط  منطقة حوض النيل  التي تشمل كلا السودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإرتيريا وكينيا وأوغندا والكونغو وجنوب السودان وبوروندى ورواندا ومصر بأهمية استثنائية في الاستراتيجية الجيوسياسية الإسرائيلية ، لذلك ليس مفاجئاً أن ينشط فيها جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد، الذي يتواجد في كافة القطاعات التي تشكل محاور اهتمام القيادة الإسرائيلية، في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية في دول حوض النيل، يساعد هذا العمل المخابراتي الذي تقوم به الموساد على أن تقوم إسرائيل بتحقيق أهدافها المتمثلة في القطاع الزراعي على سبيل المثال الذي أولته إسرائيل قدر كبير من الاهتمام نظراً لأنه ميدان مرتبط باستغلال مياه النيل الذي تعتبرها إسرائيل ساحة مواجهة مع مصر، وتشير تقارير وزارة الخارجية الإسرائيلية أن 46 شركة إسرائيلية تعمل في إثيوبيا في مجال الزراعة.

وفي منطقة القرن الإفريقي القريبة من اليمن التي تلتهب بحرب شنتها قوات التحالف العربي في مواجهة المد والتوسع والنفوذ الإيراني الذي أدركت إسرائيل قبل غيرها هذا الخطر الذي يمثله الوجود الإيراني في منطقة باب المندب بالغ الأهمية لها حيث أنه يشكل رئتها الاقتصادية لنقل بضائعها إلى القارة الآسيوية، لذلك عمدت إسرائيل منذ وقت مبكر أن يكون لها وجود أمني استخباراتي في هذه المنطقة من إفريقيا لتكون على علم بكل مايجري فيها، واستطاعت أن تبني علاقات متينة مع دول القرن الإفريقي، حيث عمل جهاز الموساد الإسرائيلي على إنشاء جبهة من إثيوبيا وإرتيريا وكينيا كي يتم من خلال هذا التعاون التصدي للجماعات المتطرفة في الصومال من جهة، ولمواجهة الوجود الإيراني الذي بدأ يظهر ويتمدد في تلك المنطقة التي تشهد حرباً استخباراتية بين إسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية.
وقد أنشأت إسرائيل قاعدة أمنية ومراكز تجسس في إرتيريا لمراقبة النشاط  الإيراني في البحر الأحمر، ومن المعروف أن إرتيريا وإسرائيل ترتبطان بمعاهدة أمنية وعسكرية تم توقيعها في العام 1996، وقدمت إريتيريا تسهيلات كبيرة لإسرائيل لتعزز وجودها الأمني في أرخبيل "داهلاك"، وبذلك تتمكن المخابرات الإسرائيلية بمساعدة المخابرات الإرتيرية بجمع معلومات عن المملكة العربية السعودية واليمن والصومال والسودان، ومراقبة الحركة الإيرانية كذلك.
والنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في القارة الإفريقية يعود إلى بداية قيام الدولة العبرية، حيث قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك "غولدا مائير" بجهود جبارة  من أجل بناء علاقات مع الدول الإفريقية لفك عزلة إسرائيل واكتساب أصوات لصالحها في الأمم المتحدة، لذلك قامت إسرائيل بتأسيس شبكة أمنية قوية في منطقة القرن الإفريقي والساحل الشرقي،  واستند النشاط الإسرائيلي لتحقيق هذه الغايات على نشاط وزارة الخارجية التي تقوم بنشاط  دبلوماسي يقوم بمعظمه عبر عملاء للموساد الإسرائيلي، ومن جهة أخرى قامت إسرائيل بتشكيل إطار جديد أسمته " الماشاف " وهي هيئة التعاون الدولي، مهمتها التنسيق بين الإدارات الحكومية والوزارات وشركات القطاع العام والخاص الإسرائيلي بهدف اختراق القارة الإفريقية، ولم تكن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية بعيدة عن هذه الهيئة، فقد أنيطت بالموساد الإسرائيلي مهام أمنية تحت ستار التعاون، إذ تتشعب علاقات الموساد وهيئة التعاون مع كثير من المنظمات داخل وخارج إسرائيل، وقد قامت الهيئة بتأسيس المعهد الآفرو- الآسيوي، والمركز الدولي للتأهيل المعروف باسم "كرمل"، إضافة إلى أنها تصدر مجلة السلام بخمس لغات، تقوم إسرائيل بإرسال نسخ من المجلة إلى جميع الذين سبق لهم التخرج  من دورات أو دراسة أقامتها أو أشرفت عليها منطمة الماشاف.
وفيما يتعلق بالمعهد الأفرو آسيوي، فقد تم تأسيسه في العام 1960 من قبل نقابة العمال الإسرائيلية التي يطلق عليها " الهستدروت"، وكان الهدف من تأسيس المعهد هو استقبال دارسين من إفريقيا وآسيا لتأهليلهم  في القضايا الاقتصادية والتنموية والعمل النقابي، ويتم استقبال المتدربين من الدول التي أقام الهستدروت علاقات معها، وهذا أيضاً يتم بالتنسيق السري مع المخابرات الإسرائيلية التي تكون حاضرة في الوسط الذي يتدرب فيه الأفارقة والآسيويين، بصفة مدرسين أو مستشارين، وبدأ المعهد منذ بداية الستينيات من القرن الماضي في إقامة ورشات عمل  شارك فيها مئات من الأفارقة والآسيويين، ثم بدأ المعهد بتسيير دورات تدريبية متنقلة خارج إسرائيل، تجوب بعض الدول الإفريقية لإقامة دورات للطلبة الأفارقة.
وقد قامت هيئة التعاون الدولي الإسرائيلية والموساد الإسرائيلي بتأسيس جمعيات صداقة بين الدول الإفريقية إسرائيل، كذلك تم تشكيل أندية السلام في العديد من المدن الإفريقية، بهدف تلميع صورة إسرائيل وتسويقها عند الشعوب الإفريقية، وتقوم إسرائيل بتقديم الدعم المالي لهذه الجمعيات التي يديرها أصدقاء إسرائيل من الذين سبق ودرسوا فيها، تقوم هذه الأندية والجمعيات بتوفير مواد إعلامية من صحف ومجلات وكتب عن دولة إسرائيل، وتقوم بتنظيم المحاضرات ورشات العمل والمؤتمرات.
ومن خلال الدورات التدريبية التي تقيمها إسرائيل عبر منظمات وأطر وقنوات مختلفة ومتعددة وبمشاركة غير معلنة من الموساد، استطاعت إسرائيل عبر ذلك من التسلل رويداً رويداً إلى الدول الإفريقية التي كانت قد تحررت من الاستعمار حديثاً وتحتاج إلى مساعدة وتعاون في كافة المجالات خاصة الحيوية منها مثل الزراعة والتعليم والصحة، وهذا ما وجدته هذه الدول لدى إسرائيل التي استغلت حاجة الدول الإفريقية كي تجد لها مكان في القارة السمراء، مكان ما كان يمكن أن تكون فيه لولا الغياب العربي بشكل عام،  وخاصة الغياب المصري الذي كان اسمها يتردد على ألسن حركات التحرر الإفريقية.

بلغة الأرقام فإن القارة الإفريقية هي ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان، تأتي في المرتبة الثانية بعد آسيا. تبلغ مساحتها 30.2 مليون كيلومتر مربع (11.7 مليون ميل مربع)، وتضم أربعة وخمسون دولة،  وتتضمن هذه المساحة الجزر المجاورة، وهي تغطي 6% من إجمالي مساحة سطح الأرض، وتشغل 20.4% من إجمالي مساحة اليابسة. ويبلغ عدد سكان أفريقيا مليار ومائتي مليون نسمة (إحصاء 2011) ، يعيشون في خمسة أقاليم، وتبلغ نسبتهم حوالي 14.8% من سكان العالم، وتمتلك القارة الإفريقية 12 في المائة من احتياطي النفط في العالم، و 10 في المائة من الغاز الطبيعي، وتمتلك 80 في المائة من البلاتين في العالم، وكذلك 40 في المائة من إنتاج الألماس، و25 في المائة من الذهب، و 27 في المائة من الكوبالت، و 9 في المائة من الحديد، وتمتلك حوالي 20 في المائة من المنغنيز والفوسفات واليورانيوم من الاحتياطي العالمي.
هذه الأرقام والمعطيات قد تفسر جانباً من أسباب التنافس بين القوى الإقليمية والقوى الكبرى للسيطرة على القارة السمراء طمعاً في خيراتها البكر، تنافس قد يتحول إلى صراع بين هذه القوى خاصة ان علمنا أن دولة مثل الصين تمتلك استثمارات في القارة الإفريقية بقيمة "250" مليار دولار، وتنوي الحكومة الصينية زيادة هذه الاستثمارات، مما يدفع بعلاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى التشنج والتوتر، لأن أمريكا تشعر بأن الاستثمارات الصينية في إفريقيا تهدد مصالحها، ثم هناك مصالح فرنسية ونفوذ قديم، وحتى تركيا دخلت على خط المنافسة في القارة السمراء ولديها استثمارات بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، وطبعا هناك أيضاً النشاط الاقتصادي الإيراني الذي يصدر النفط لإفريقيا ويطمع بالحصول على اليورانيوم من أجل برنامجه النووي، وبشكل عام كافة استثمارات إيران في إفريقيا مرتبطة بشكل أو آخر بالبرنامج النووي، لكن يبقى الطرف الأهم هو إسرائيل تلك الدولة الصغيرة التي قفزت من فوق رؤوس حوالي "400" مليون عربي لتصل إلى عمق القارة الإفريقية، وتستطيع أن تحقق مكاسب مهمة على الأصعدة الاقتصادية والسياسية.
بفضل جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد تمكنت إسرائيل من إنشاء عدة جسور تربطها مع العديد من الدول الإفريقية، وينشط الموساد تحت عناوين كثيرة أهمها قطاع الأعمال، حيث يستطيع رجل الأعمال أن يصل إلى حيث لايتمكن أن يصل الدبلوماسي أو العسكري، وكثيراً مايتم ذلك بالتنسيق والتعاون مع رجال أمنيين وقادة أجهزة استخبارات إفريقية من أصدقاء إسرائيل، وهذا ما يؤكده وجود ستة من قادة الموساد السابقين يعملون في إفريقيا، وهم "شبتاي شافيت" رئيس جهاز الموساد السابق الذي يعمل في القطاع الأمني في نيجيريا، وله شركة تعمل في مجال الزراعة في أنجولا، وكذلك "داني ياتوم" الرئيس السابق للموساد ويعمل في قطاع التسليح ويساهم في نشاط متعلق بالطاقة، و"رافي إيتان" كان ضابط كبير سابق في الموساد، وكان وزير الزراعة الإسرائيلي السابق، يدير شبكة من المؤسسات تعمل في المجال الأمني وفي الزراعة في أوغندا، أيضاً "حجاي هداس" مسؤول العمليات الخارجية السابق ويملك عدد من الشركات التجارية في أوغندا، وهو تاجر سلاح مشهور في إفريقيا ويعمل مستشار أمني للرئيس الأوغندي.
ونحن نتحدث عن دور الموساد الإسرائيلي في التنسيق مع الأجهزة الأمنية في العديد من الدول الإفريقية بهدف تسهيل التسلسل الإسرائيلي إلى كافة مفاصل الحياة في القارة السمراء، يجب أن نذكر أن هذا النشاط الذي يقوم به الموساد يتكامل معه نشاط آخر يقوم به أطباء وعلماء وباحثين ومدربين إسرائيليين، وحتى أعضاء في المافيا الإسرائيلية تجندهم الموساد للعمل معها، كل هؤلاء يعتبرون أنفسهم جنود في خدمة دولتهم إسرائيل، واستطاعت هذه الدولة عبر خططها وأدواتها المتعددة من تحقيق العديد من المكاسب بالرغم من أن ليس لها وجود في كافة دول القارة الإفريقية، بينما العرب الذين يمتلكون علاقات مع كافة الدول الإفريقية،  وبينهم عشرة دول عربية من بين اثنتان وعشرون دولة عربية تقع في القارة الإفريقية لم يستطيعوا أن يطوروا علاقاتهم مع القارة الجارة ولا حتى أن يحافظوا على نفوذهم الذي كان قد تحقق خلال فترة ممتدة من الخمسينيات ولغاية تسعينيات القرن الماضي، بفضل جهود كبيرة دبلوماسية واقتصادية وسياسية وثقافية بذلتها سابقاً عدة دوائر عربية.


55
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


تجارة إسرائيل القذرة في إفريقيا
الماس وأسلحة ومستوطنات

تعتبر إسرائيل واحدة من أهم الدول التي تستورد الماس الخام  غير المصقول، ومن أبرز الدول أيضاً التي تصدر الماس المصقول، ويأتي معظم هذا الماس من دول إفريقية مثل جنوب إفريقيا، ليبيريا، الكونغو، ساحل العاج، وغيرها من الدول، وهذه الدول مرتبطة بشكل مباشر بقيام جماعات فيها  بارتكاب المجازر بحق المدنيين للحصول على الماس الذي تؤدي التجارة به إلى قتل عشرات الآلاف سنوياً في دول المصدر، وترتبط عمليات بيعه وتصديره  بصفقات كبيرة من الأسلحة، وصناعة الحروب الأهلية وتمويل المجموعات المتقاتلة، حتى أصبح يطلق على تجارة الماس في إفريقيا " التجارة القذرة " وسمي ماس الدم، لأنه من أجل  استخراجه وتسويقه تراق دماء آلاف من الأفارقة .
لقد كان اليهود من رواد صناعة الألماس ابتداء من العصور الوسطى، ففي الدول الأوروبية كان يحظر على اليهود العمل في مجالات عديدة، وكانت تجارة الذهب والألماس مستثناة من المنع، فتوجه للعمل بها أغلب اليهود في أوروبا، وتوسعت هذه التجارة كثيراً بعد المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بازل في سويسرا العام 1897 بهدف توفير مصدر مالي يساعد الحركة الصهيونية على تنفيذ مخططاتها، لذلك قام الملياردير اليهودي " إدموند روتشيلد " بإنشاء أول مصنع للألماس في مستوطنة " بتاح تيكفا " في فلسطين العام 1937، أي قبل قيام دولة إسرائيل، اشتغل في هذا المصنع خبراء ألماس يهود قدموا من بلجيكا وهولاندا للاستيطان في فلسطين.
وبعد ازدياد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، تم تأسيس مصانع أخرى للألماس في تل أبيب، ثم تم توحيد هذه المصانع لتتحول إلى " رابطة صناعة الألماس في إسرائيل "، وازدهر عمل الرابطة بعد أن احتلت ألمانيا النازية عدد من المدن الأوروبية التي كانت تمثل مراكز لصناعة وتجارة الألماس، فتوجه جزء كبير من الألماس وتجارته إلى الرابطة، وبعد قيام دولة إسرائيل ازدهرت هذه الصناعة وانتعشت، وتم تطوير الأجهزة والآلات المستعملة في هذه الصناعة، ثم تم تحويل الرابطة لتصبح بورصة الألماس في إسرائيل، حتى وصل الأمر إلى أن منصب رئيس الاتحاد العالمي لصناعة الألماس قد شغلته عدة شخصيات إسرائيلية.
يأتي الألماس إلى إسرائيل من جهات متعددة أهمها بعض الدول الإفريقية وروسيا وكندا، وكذلك من بعض الأماكن بطرق غير مشروعة عن طريق قيام إسرائيل بتزويد بعض دول القارة الإفريقية بالسلاح والعتاد الحربي مقابل حصولها على الألماس الخام.
وتمتلك إسرائيل بورصة للألماس في مدينة "رامات جان" الاسرائيلية قرب تل أبيب، وإسرائيل تستحوذ على مكانة هامة في صناعة وصقل الألماس وغيره من الأحجار النفيسة، وذلك يعود إلى أن صناعة الألماس الإسرائيلية تستخدم أجهزة متطورة جداً، تدخل فيها تقنيات حديثة، والقطع يتم بأشعة الليزر للأحجار وتلميعها آلياً، كما يوجد في إسرائيل مندوبين يمثلون كبرى الشركات العالمية التي تعمل في مجال الألماس، لذلك فإن صناعة الألماس وتصديره من أهم الصناعات الإسرائيلية، فقد وصل عائد هذه التجارة في العام 2011 إلى حوالي 30 في المائة من إجمالي الدخل القومي، وفي العام 2014 بلغ حجم تجارة الألماس الخام والمصقول في إسرائيل 9,2 مليار دولار، وتساهم هذه الصناعة سنوياً بمبلغ مليار دولار في ميزانية وزارة الدفاع الإسرائيلية، وابتداء من العام 2012 تجري إسرائيل اختبارات جيولوجية من أجل استخراج الألماس من مناطق بالقرب من مدينة حيفا، وبحسب البيانات التي يصدرها مجلس الألماس العالمي فإن إسرائيل تصدر سنوياً ما قيمته 50 مليار دولار.
ويذهب قسم من الماس الذي تستورده إسرائيل إلى المؤسسة العسكرية من أجل التصنيع الحربي، ويعاد تصدير القسم الآخر بعد أن يجري صقله وتلميعه في مراكز خاصة لتجارة هذا الحجر الذي يعنبر من السلع الأغلى في العالم .
ويعود تميز إسرائيل في هذه التجارة إلى عوامل عديدة أهمها علاقتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وقدم هذه الصناعة وتوارثها بشكل تقليدي لدي الجالية اليهودية في إفريقيا، وتجاهل إسرائيل للقوانين الدولية المتعلقة بتجارة السلاح وتصديره، وهو الأمر الذي فعلته إسرائيل مع عدة دول عنصرية وفاشية في إفريقيا كانت تنهشها النزاعات والحروب الأهلية والإثنية .
الاتهام واضح ويشير إلى أن إسرائيل تقوم بسرقة الماس الإفريقي مقابل توريد الأسلحة والعتاد الحربي للأفارقة كي تغذي الصراعات والحروب الداخلية والعرقية والأثنية والمناطقية في القارة الإفريقية، وبالرغم من الإدانات التي تصدرها كثير من الهيئات والمنظمات الدولية وتوجه أساساً إلى كبار التجار الإسرائيليين، فإنه ولغاية الآن لم يقدم أي من تجار الدم كما تسميهم هذه المنظمات غلى أية محاكمة.
الغالبية العظمى من هؤلاء التجار اليهود هم من جنرالات الجيش الإسرائيلي، وضباط من جهاز المخابرات الموساد السابقين، وهم تجار سلاح يقومون بتمويل بناء عشرات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، ويشكل هؤلاء التجار المصدر الرئيسي للسلاح بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، وكذلك الأمر بالنسبة للكثير من المجموعات الإفريقية المسلحة.
وعادة ما تفضل هذه الدول وتلك الجماعات السلاح الإسرائيلي على سواه نظراً لكفاءته، وأيضاً نظراً لمرونة إسرائيل في تعاملها المالي مع المشترين، حيث لا تشترط إسرائيل الحصول على أموال مقابل السلاح، لكنها تقبل بمبدأ المقايضة أياً كانت، وعادة تمنح الشركات الإسرائيلية حقوقاً للتنقيب عن الثروات الباطنية والماد الخام في هذه الدول الإفريقية.
ولأن الأسلحة التي تحصل عليها الدول الإفريقية مقابل سرقة الماس منها تستخدم في الحروب الأهلية التي يذهب ضحيتها عشرات الآلاف من الناس خاصة في سيراليون والكونغو وأنغولا، فقد أطلقت الأمم المتحدة على التجارة الصهيونية للماس "تجارة الماس الدموي"، وقد اتهمت إسرائيل في العام 2009 رسمياً من قبل لجنة خبراء في الأمم المتحدة، بالتورط في تصدير الماس بطريقة غير قانونية من إفريقيا، واتهم التقرير التجار الإسرائيليين بعلاقة مباشرة بتجارة الماس الدموي، خاصة في ساح العاج وسيراليون، وبالرغم من أن مجلس الأمن الدولي قد أصدر عدة قرارات في نهاية التسعينيات من القرن العشرين، تمنع وتقيّد استيراد الماس الخام من مناطق النزاعات في القارة الإفريقية، لمنع استخدام العائدات المالية في إطالة أمد الصراعات، إلا أن العمليات التي تقوم بها الصهيونية وإسرائيل لسرقة الماس الإفريقي مازالت متواصلة.
وليس أدل على خطورة الوضع من الفترة الممتدة من العام 1997 إلى غاية العام 2003، هذه الفترة التي شهدت تصاعداً خطيراً في مؤشر الحروب الأهلية في القارة الإفريقية، كان هدف هذه الحروب هو السيطرة على مناجم الماس، وكان من سمات هذه الحروب أن الأطراف المتحاربة قامت بتجنيد الأطفال وزجهم في الصراعات، وهذا ما كان ليتم لولا تواطئ تجار السلاح الإسرائيليين الذين زودوا الأطراف المتحاربة بالسلاح والعتاد المختلف عبر سنوات الحروب، وقد شهدت هذه الحروب تورط عدد من الرؤساء الأفارقة فيها، مثل رئيس ليبيريا السابق " تشارلز تايلور " الذي أدانته محكمة دولية بتهمة تجارة الماس الدموي في العام 2004.
نتيجة لما تقدم فقد أصبحت إسرائيل مركزاً كبيراً لتجارة الماس، وقد أعلن موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية على الإنترنت، أن مجموع صادرات إسرائيل من الماس قد وصل في العام 2006 إلى ما قيمته " 13 " مليار دولار، احتلت الولايات المتحدة الأمريكية مركز الصدارة في قائمة الدول المستوردة بما يشكل "63 " في المائة من قيمة الصادرات الإسرائيلية، تليها هونغ كونغ " 14 " في المائة في سويسرا " 11 " في المائة، وباتت إسرائيل تنتج معظم الماس المصقول في العالم بنسبة تصل إلى 40 في المائة، ومازالت إسرائيل تسعى للاستيلاء على الماس الخام في عدد من الدول الإفريقية، فقد وقعت مع ليبيريا اتفاقية في العام 2007 تقضي بقيام إسرائيل إرسال خبراء لمساعدة ليبيريا في البحث عن الماس، إضافة إلى تورطها في تجارة الماس الدموي في كل من ساحل العاج وغينيا زائير وسيراليون وأفريقيا الوسطى.
 اللافت في هذا الموضوع هو العلاقة ما بين تجارة الماس القذرة وشركات السلاح الإسرائيلية من جهة، وعمليات تمويل المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس وفي بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدخل في هذه العلاقة الشائكة ضباط من المخابرات الإسرائيلية – الموساد – وأبرز مثال على ذلك الملياردير الإسرائيلي " ليف ليفايف " يهودي من أصل روسي، كان ضابطاً في الجيش الإسرائيلي يعمل في إفريقيا، وهو حالياً واحد من أهم أقطاب صناعة وتجارة الماس في العالم، وكذلك هو ممول مهم للمستوطنات الإسرائيلية، ويدير " صندوق استرداد الأرض " وهي هيئة يهودية تجمع متطرفون يهود هدفهم سرقة الأراضي الفلسطينية بوسائل عنيفة.
 وحسب بيانات دائرة الماس والأحجار الكريمة والمجوهرات في وزارة الاقتصاد والصناعة الاسرائيلية للعام 2016، فإن زيادة صادرات الماس الخام بنسبة 23.1% وزيادة الواردات بنسبة 16.7، وقد بلغ حجم تصدير الماس الخام خلال العام 2016، 2,702 مليار دولار، مقابل 2,195 مليار دولار خلال العام، ما يعني زيادة بنسبة 23.1%.
كما بلغ حجم تصدير الماس المصقول خلال العام 2016، 4,675 مليار دولار، مقابل 4,993 مليار دولار خلال العام 2015، ما يعني انخفاض بنسبة 6.4%. أمّا استيراد الماس الخام خلال العام 2016، فقد بلغ 3,246 مليار دولار، مقابل 2,781 مليار دولار خلال العام 2015، أي تمّ تسجيل زيادة بنسبة 16.7%.
وبلغ حجم استيراد الماس المصقول خلال العام 2016، 3,282 مليار دولار، مقابل ما يقارب 3,482 مليار دولار خلال العام 2015، أي كان هنالك انخفاض بنسبة 5.7%.
ولأن أجزاء من الأرباح التي تحققها إسرائيل من تجارة الماس تذهب إلى المؤسسة العسكرية لدعمها " حوالي مليار دولار سنوياً " وجزء منها أيضاً يذهب إلى المستوطنات لتعزيزها، فإن إسرائيل ماضية في الاستحواذ على هذه التجارة القذرة في إفريقيا لما تحققه من أرباح ضخمة .
 

56

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


فلسطين والعرب.. إشكالية العلاقة

قد مللنا التضامن مع قضيتكم "النجسة" !! يكفي ما قدمناه لكم على حساب تنميتنا !!
هذا تماماً ما كتبه مثقف عربي ينتمي إلى دولة عربية شقيقة، لا ينفك قادتها عن تذكيرنا بمناسبة وغير مناسبة بما قدموه للقضية الفلسطينية من تضحيات أعاقت مشاريع التنمية لديهم، وذلك رداً على المناشدات المتكررة بضرورة التحرك لنجدة المسجد الأقصى والتضامن مع القدس وأهلها المرابطين.
هل كفت فلسطين عن كونها قضية العرب؟ هل أخرج العرب فلسطين من حساباتهم؟
من يتذكر منكم القضية الفلسطينية؟
هل حقاً وصل بعض العرب إلى هذا المستوى من الانحدار والانحطاط الفكري والأخلاقي على مستوى القيم والمثل؟
منذ الخيانة الأولى، وصفقة الأسلحة الفاسدة، يقوم معظم العرب قادة وشعوب بممارسة هوايتهم اليومية في التشدق أن فلسطين والقضية الفلسطينية هي قضيتهم الأولى، وأنها مسؤولية وطنية قبل أن تكون قومية وإسلامية، ولا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو خطاباً لقائد عربي هنا، أو زعيم سياسي هناك، يؤكدون خلاله على عدالة القضية الفلسطينية، والمظلومية التي وقعت على الشعب الفلسطيني المضطهد، وأن إسرائيل التي تحاصر المسجد الأقصى، وتعمل على تهويد مدينة القدس هي العدو الأول للعرب الذين لا يدخرون جهداً ولا مالاً لنصرة ودعم هذه القضية.
لكننا جميعاً نعلم أن هذه الشعارات يتم استخدامها من قبل معظم الأنظمة العربية لدغدغة مشاعر شعوبها، وتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية من قبل بعض الأحزاب العربية، بل حتى لجني ثروات من قبل بعض تجار الفن الذين استخدموا رمزية القضية الفلسطينية لتسويق أعمالهم وانتشارها.
بالرغم من أن قتل الشعب الفلسطيني وانتهاك مقدساته لم يتوقف يوماً منذ ما قبل العام 1948، وهو العام الذي شهد قيام دولة إسرائيل، فوق الأرض الفلسطينية، وعلى حساب الشعب الفلسطيني، إلا أننا لم نرى تحركاً عربياً جاداً، إذ أن القادة العرب يكتفون فقط بالشجب والإدانة، والشعوب تشتكي القهر والعجز بسبب أنظمتها السياسية، وأنهم لا يمتلكون شيئاً للقضية الفلسطينية غير الدعاء.
تستمر فلسطين بطلب الإغاثة ولا تستغاث، ويستمر الفلسطيني بنضاله ومقاومته وعناده دون مؤازرة، ويستمر تدنيس الأقصى بأحذية جنود أقذر جيش على البسيطة، وتظل القدس تصرخ وتنتظر نجدة الأشقاء العرب دون جدوى، ورغم أن حديثهم لا يتوقف عن مقاومة إسرائيل ودعم الحقوق الفلسطينية، إلا أن بعض العرب يكتفي بترديد الأكاذيب، والبعض الآخر يوجه اتهامات الإرهاب للشرفاء الفلسطينيين ويقوم باعتقالهم وزجهم في المعتقلات، وبعض البعض بات يرى أن واجبه الأخلاقي هو الدفاع عن المدنيين الإسرائيليين من الإرهاب الفلسطيني!!
هو أمر جداً مؤسف هذا التهميش المتعمد للقضية الفلسطينية من قبل غالبية الأنظمة العربية، بذرائع وحجج واهية، أهمها الانشغال بالأوضاع الداخلية لهذه الدول التي لم تستطيع أن تحقق أية مشاريع تنموية لشعوبها، ولا هي تمكنت في الوقت ذاته من تقديم العون والدعم للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
كما يجري تصوير الأمر من قبل البعض وكأن هناك قطعاً وبتراً بين القضية الفلسطينية ومحيطها العربي وعمقها الإقليمي، بينما الحقيقة أنه لا يمكن عزل مجريات الصراع العربي الإسرائيلي عن الأوضاع الداخلية لأية دولة عربية، إذ أن جميع الأقطار العربية هي نقاط مصالح  واستهداف من قبل إسرائيل.
ثم أن غالبية العائلات الفلسطينية لها امتدادات في سورية والأردن ولبنان ومصر، بل أن هناك عائلات كاملة وقرى فلسطينية تعود أصول سكانها إلى الشمال العربي الإفريقي.
فلسطين كانت في الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر ميلادي، فلسطين كانت في معظم الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال الخمسمائة عام الأخيرة، فلسطين كانت في وعد بلفور، وكانت في اتفاقية سايكس بيكو، وفلسطين كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات خلال المائة عام المنصرمة، وسوف تظل فلسطين في قلب الأحداث الجارية والتي سوف تحصل مستقبلاً، ولا يمكن أن تنعم هذه المنطقة بالاستقرار دون حل عادل للقضية الفلسطينية يعيد لشعبها حقوقه الوطنية المسلوبة.
بعض الأنظمة العربية رفع سابقاً شعار "نحن أولاً" لتبرير عجزه والابتعاد عن قضية الصراع العربي مع إسرائيل، ولكي يتخلص من عبء الواجب القومي في تحرير الأراضي المحتلة، والآن بتنا نسمع شعارات خطيرة مثل "الطائفة أولاً" و "اذهب أنت وربك فقاتلا" و "سلام الشجعان" الذي يفرط بثمانين بالمائة من فلسطين، كما انشغل العرب عن فلسطين بخلافاتهم فيما بينهم وزج الشعوب العربية في صراعات مفتعلة، لا يستفيد منها أحد سوى إسرائيل التي تستغل هذا الواقع العربي والفلسطيني المأزوم بالتشرذم والتفرقة والفوضى في تحقيق أهدافها الاستراتيجية على حساب المصالح العربية.
أيها العرب، إن الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في 14/5/1948 سبقه تشكيل الحركة الصهيونية العالمية بأكثر من نصف قرن، أمضت هذه الحركة أكثر من ثلاثة عقود في العمل والتخطيط وتنظيم هجرة اليهود إلى الأراضي الفلسطينية، وحصلت من بريطانيا على وعد بلفور، واستثمرت الحركة نتائج حربين عالميين لمصلحة تحقيق هدفها في إقامة إسرائيل.
فأين نحن من هذا التخطيط والتنظيم من قبل عدو يمتلك عقلية وضع خطط لمائة عام مقبلة، بينما العرب لا يمتلكون المقدرة على التخطيط لمائة يوم!
لا يستطيع العرب والفلسطينيين مواجهة القوة الإسرائيلية "حق القوة " بأسلوب ناعم يعتمد على "قوة الحق" وذلك فقط  عبر الاكتفاء بإطلاق المبادرات السياسية والدخول في مفاوضات والمراهنة على المجتمع الدولي، فالتاريخ يؤكد أن لا وجود لحقوق دون قوة تدعمها، وأن الجنوح للسلام دون قوة يؤدي إلى الانتحار، فقد كانت نتيجة هذه السياسة أن انتقل العرب من اللاءات الثلاثة المعروفة، لا صلح، لا تفاوض، لا استسلام، قبل انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967، إلى التسابق للاعتراف والتفاوض والصلح وعقد الاتفاقيات مع إسرائيل، ووصل العجز الرسمي العربي والفلسطيني إلى أقصاه حيث غابت استراتيجية المواجهة مع إسرائيل، وغابت استراتيجيات السلام، فلا يمتلك العرب رؤية واحدة شاملة ولا موقف موحد بشأن القضية الفلسطينية، والأسوأ أننا نشهد انحداراً وتراجعاً مقيتاً مرعباً مخجلاً في معظم السياسات العربية الرسمية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وصل إلى حد تآمر بعض العرب على الفلسطينيين وعلى قضيتهم من خلال التنسيق الأمني المكشوف والعلني مع إسرائيل ضد المصالح الفلسطينية.
لقد تم تقزيم المسألة الوطنية الفلسطينية على أنها قضية تخص فقط الفلسطينيين، ثم جرى تقزيمها مرة أخرى لتظهر على أنها قضية فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم يجري مسخ المشروع الوطني الفلسطيني برمته على أنه فتح وحماس وعباس وهنية، وكأن قضيتنا أصبحت صراع سلطة بين تنظيمين.
بينما تستمر إسرائيل كل يوم بإصدار القوانين العنصرية التي تهدف إلى ابتلاع ما تبقي من فلسطين وتشريد الفلسطينيين، والتأكيد على أنها لم تعد عربية، وما نخشاه هو أن تكون  فلسطين أندلس جديدة نفقدها إلى الأبد .
لكن هل الراهن العربي في الواقع قابل لنصرة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية ؟
الإجابة قطعاً لا، فالجسد العربي في حالة من الموت السريري، قلب العرب مريض ومرهق، ورأسها مصاب بالهرم، وأطرافها مشلولة
إن قضية العرب الأولى- فلسطين- تحتاج إلى أمة حرة قادرة على التعبير وتقديم الدعم، تحتاج إلى أمة لا تلهث غالبيتها خلف رغيف الخبز، أمة قادرة أن تختار مستقبلها، أمة لا يقرر مصيرها حزب واحد ولا عشيرة واحدة ولا زعيم واحد.
تحرير فلسطين يحتاج جسد عربي معافى ومتحرر من الخوف والقمع والفساد والمرض والفقر والأمية ومن المحسوبيات والرشوة والشللية، جسد يتمتع بحرية الحركة والانتقال، يؤمن بالديمقراطية إيمان حقيقي، ويمارس تداول السلطة، ولا يعتقل معارضيه.
لقد جعلت معظم الأنظمة العربية من القضية الفلسطينية مطية لتحقيق مآربها الخاصة، وجرى استخدام القضية في الخطابات الديماغوجية التي تتشدق بها بعض النظم العربية بهدف استمالة الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبها، ومن الدول العربية من يحارب دولاً عربية أخرى بسيف القضية الفلسطينية التي أصبحت مادة للمزايدات بين أطراف عربية كثيرة.
من العار أن يجري استغلال القضية الفلسطينية التي يعتبرها العرب قضيتهم المركزية والأولى، لتحقيق طموحات وأهداف ومآرب وأطماع خاصة لهذا النظام أو ذاك على حساب الشعب الفلسطيني ومصالحه الوطنية وعلاقاته العربية والدولية.
إن أية قراءة سريعة للواقع العربي الراهن يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك زيف الشعارات التي رفعتها بعض الأنظمة العربية والتي استمرت لعقود وهي تعلن أن تحرير فلسطين سوف يبدأ أو ينطلق أو يمر عبر هذه العاصمة العربية أو تلك، بينما تأكد أن تحرير القدس وتحرير فلسطين سوف يكون الخطوة الأولى الضرورية في طريق تحرير بعض العواصم العربية من استبداد أنظمتها ومن سطوة الاستعمار الغربي، وتكشف الأحداث يوماً بعد يوم أن المشروع الصهيوني فشل في احتلال فلسطين، بينما نجح في احتلال بعض الدول العربية الأخرى والسيطرة عليها، وأن الشعب الفلسطيني هو الشعب الذي يتمتع بالحرية الوجدانية النضالية، وأن غالبية الشعوب العربية أسيرة ومعتقلة في سجون تسمى أوطاناً، لذلك فإن هذه العلاقة بين العرب والفلسطينيين باتت تستوجب التصويب، فمن الظلم أن نطلب من الشعوب العربية  التضامن مع القضية الفلسطينية، فلا يمكن لمريض أن يداوي سليماً معافاً ولا يمكن لسجين أن يناصر حراً.












57
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


الأقليات في الوطن العربي وسؤال الهوية
قراءة على سبيل التمهيد

إن قضية الأقليات العرقية والدينية والمذهبية واللغوية بشكل عام تتسم بدرجة عالية من
 الحساسية، وينظر لها رغم أهميتها على أنها مسألة خطيرة، لذلك فإن مقاربة هذا الموضوع الشائك يحتاج الكثير من الدقة والروية والموضوعية والانضباط المنهجي، خاصة في ظل المرحلة الحالية التي تشهد عولمة اقتصادية وتوحش الرأسمالية الصناعية التي حولت أربعة أخماس سكان الكون إلى مستهلكين يلهثون خلف توفير مقومات الحياة التي حددت أنماطها ديكتاتورية الاسواق العالمية، بذريعة تحقيق الديمقراطية في المجتمعات الناشئة، وتحت شعارات حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص .
إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تشكل واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، من خلال تبني براغماتية منفعية مقترنة مع دوغمائية لا تريد أن ترى إلا جانب واحد من الموضوع، وإما أن تكون في مواجهة التحديات ، وأن تكون ضد إعادة ترتيب المجتمعات البشرية بما يتوافق مع المفاهيم الجديدة التي ينتجها الاقتصاد العابر للقارات، وبذلك قد تجد نفسك متهماً بتجاهل حقوق الأقليات والتفريط بها، أو التوجس منها في الحد الأدنى.
يشهد العالم خلال العقود الأخيرة عولمة اقتصادية- تؤسس لعولمة ثقافية واجتماعية- تعتمد على مبدأ توحيد الاقتصاديات الوطنية ودمجها في الاقتصاد العالمي الذي تسيطر عليه الشركات العملاقة، المتعددة الجنسيات- عابرة للقارات- التي تسعى خلف تكديس الثروات من خلال اعتماد سياسات اقتصادية تفترس الأضعف، وأهمها الشركات الأمريكية المنفلتة من عقالها.
وتستخدم هذه الاقتصاديات الثورة الإعلامية والتقنية والتقدم الهائل الذي حصل في قطاع الاتصالات وثورة المعلومات، وتوظفها من أجل تحقيق أهداف الاحتكارات الكبرى في تفكيك وتفتيت البنى الوطنية الاقتصادية منها والسياسية والاجتماعية والثقافية، وتمزيق روابط الدولة الوطنية، وتقويض ركائز الهوية القومية، من خلال أساليب متعددة لعل أهمها هو محاولة إحياء الهويات ما قبل الوطنية بهدف جعلها بديلاً عن علاقات المواطنة التي هي أساس قيام الدولة الحديثة التي حلت قضية الأقليات حلاً ديمقراطياً.
ويمكن تصنيف المجتمعات البشرية  إلى ثلاثة نماذج من حيث التنوع الديني والمذهبي والقومي والعرقي واللغوي والثقافي، أولاً هي المجتمعات التي تحتوي فسيفساء ومجموعات وكيانات غير قابلة للاندماج مع بعضها البعض، وثانياً المجتمعات التي تضم مجموعات نقية من حيث العرق أو القومية أو الدين، وهي مجتمعات صافية لا وجود للأقليات فيها، وبين هذان الحدان تقع المنطقة التي تضم المجتمعات القائمة على التنوع والتعدد العرقي والديني والمذهبي وهي مجتمعات قابلة للاندماج فيما بين مكوناتها.
الدول العربية باستثناء لبنان، يقع ضمن التصنيف الثالث، فالمجتمعات العربية تتسم بالتنوع الديني والمذهبي والعرقي والقومي واللغوي والثقافي، ورغم هذا التنوع والتعدد إلا أنها مجتمعات قابلة في ذات الوقت للانصهار والاندماج فيما بينها، تظل الحالة اللبنانية  عربياً تحتاج إلى البحث عن حلول ومخرجات علمانية ديمقراطية جذرية، كي لا يظل الوضع في لبنان كالقنبلة الموقوتة تنتظر إشعال فتيلها.
لقد قطعت المجتمعات العربية خطوات مهمة في طريق الاندماج الاجتماعي والوطني لبناء دولة المواطنة الحديثة، وهذه المجتمعات كانت قد صدت كافة محاولات الاستعمار المباشر في تقسيمها إلى دويلات متناحرة، وظلت مع مرور الوقت عصية على التفتيت وحافظت على وحدتها الوطنية.
إن قيام الفكر القومي التقليدي والقوميين الجدد بتجاهل موضوع الأقليات، من خلال الهروب إلى الأمام وعجزه عن ملامسة ملامح الإشكالية، واتهام الخارج بأنه من يسبب الاضطرابات والأزمات الداخلية في بعض الدول العربية، متناسياً أن وجود الأقليات في هذه الدول أقدم من مرحلة الاستعمار، ويغيب عن هذه الأنظمة أن عدم وجود رؤية موضوعية للتعامل مع الأقليات ومع خصوصياتها هو ما يجعل من هذا الموضوع مشكلة، وأن المقاربات غير الديمقراطية هو ما يجعل من مسألة الأقليات أزمة داخلية، وهو ما يوفر عوامل انفجارها، ويمهد الطريق للتدخلات الخارجية.
نحن أمام قضية تعود جذورها التاريخية إلى مرحلة ما قبل الفتوحات الإسلامية، إن ظهور الإسلام وانتشاره انطلاقاً من شبه الجزيرة العربية لم يلغي الديانات والمذاهب التوحيدية الأخرى، بل جعل أتباع هذه الديانات في ذمة المسلمين، ذلك لأن الدين الإسلامي هو دين يقوم على التوحيد والوحدة والتعدد.
إلا أن الانشقاق الذي حصل بين صفوف المسلمين على أثر معركة "صفين" أو ما يعرف بالفتنة الكبرى في العام 37 هجرية، كان من نتيجة هذه الحرب ظهور مذاهب إسلامية جديدة تعمقت الاختلافات فيما بينها مع الوقت حتى وصلت لقضايا العقيدة ذاتها.
ثم دخل الإسلام أمم وأقوام شتى، تعرّب بعضها واحتفظ بعضها الآخر بهويته الاثنية أو اللغوية الثقافية، وضمت الدولة ثم الامبراطورية الإسلامية مللاً وديانات ومذاهب وقوميات وأعراق مختلفة ومتعددة، دخلت جميعها في النسيج الاجتماعي والسياسي والثقافي العربي الإسلامي بشكل كلي أو جزئي، واستمرت حالة التعايش بين هذه المكونات عقوداً طويلة، ومع قيام دولة الخلافة العثمانية ظهرت الدولة المركزية العسكرية وبدأت قضية الاقليات بالظهور وأخذ بعض أركان دولة الخلافة في تسييس هذا الموضوع الذي تعمق أكثر مع انهيار الخلافة العثمانية وظهور النظام الرأسمالي الذي ابتدع نظام حماية الأقليات، وجاء الاستعمار الكولونيالي لتنتشر سياسة  فرق تسد.
إن مرحلة الاستعمار في العالم العربي شهدت تأثر المنطقة ببعض إنجازات الثورة البرجوازية الديمقراطية الاوروبية، ومنها قضايا حقوق الإنسان التي تم سنها في الدساتير الأوروبية، وتعامل الاستعمار مع الأقليات بصورة تظهره على أنه حامي مصالحهم و وجودهم، وفي بعض الدول حاول المستعمر دمجهم قومياً عبر تشريعات، لكن الأكثرية الإسلامية رفضت وتصدت لهذه المحاولات بسبب رفضها أساساً الاستعمار على أراضيها وبالتالي رفضها لأي سياسات يحاول فرضها عليهم، ثم أن الأكثرية المسلمة رفضت أيضاً محاولات الاستعمار في تغريب المسيحيين المشرقيين، هذا الأمر خلق نوعاً من التصادم  بين المجتمعات العربية المسلمة التقليدية، وبين الأفكار الغربية الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة القوميات، ووضع العراقيل أمام الحلول الديمقراطية لاندماج هذه الأقليات بمجتمعاتها، وهكذا ظلت الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال السياسي دولاً تضم مجتمعات تعاني من أزمات معلقة مربكة وملفات مفتوحة لا تتوفر ظروف معالجتها وإغلاقها، وأهمها قضية الأقليات، وهكذا وجدت هذه المجتمعات أنها غير قادرة على العودة إلى نظام الذمة القديم في عهد الدولة الإسلامية، ولا هي قادرة على القيام بثورة ديمقراطية تؤسس لمعالجة جذرية سلمية وعصرية وديمقراطية لقضية الأقليات، وهذا واحد من أهم الأسباب التي جعلت من هذه الإشكالية في العالم العربي أزمة طائفية طاحنة تلخص أزمة الأمة، وتحتوي فتيلاً قد يشتعل في أية لحظة ويحرق اليابس وما بقي من الأخضر في عموم المنطقة .
لكن ما الذي جعل من موضوع الأقليات في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتضخم ويتخذ هذا القدر من الحدة القابلة للتفجر؟
بظننا أن الحقبة التي تم فيها اكتشاف البترول شكلت بداية ما أسميه سلسلة من الانتكاسات تعرضت لها عموم المنطقة حيث أعقبتها استهدافات متتالية لم تتوقف لغاية الآن من قبل القوى الاستعمارية العظمى هدفها السيطرة على ثروات المنطقة ونهبها وكذلك السيطرة على عقد المواصلات والمعابر المائية التي تضمن للدول الغربية استمرار تدفق النفط، وصول بضائعها إلى الأسواق المستهدفة.
فظهرت شعارات "حماية الأقليات" و"حقوق الأقليات" وهي شعارات تعني أن هذه الأقليات مهددة من "الأكثرية"، ويصار إلى الإشارة للأقليات بالاسم الواضح من حيث العرق والدين والمذهب واللغة والثقافة والتاريخ، ويشار أنه في المقابل توجد أكثرية كتلة واحدة كبيرة ومتجانسة تهدد الأقليات الصغيرة والضعيفة.
لكن في واقع الأمر ليس هناك أكثرية واحدة في العالم العربي، ولا يوجد اقليات ثابتة من حيث التنوع السياسي والاجتماعي والثقافي، ولا يمكن تصوير الأمر على أنه لدينا اقلية تواجه أكثرية ثابتة.
إن الواقع في المنطقة يشير إلى وجود أكثريات واقليات متنوعة بتنوع المعايير والمقاييس التي يعتمدها طرف من الأطراف للتمييز فيما بين هذا التنوع، فإذا كان معيار التمييز اثني قومي كانت الأكثرية عربية والأقليات أمازيغية، وكردية وأرمينية وآشورية و سريانية وتركمانية وشركسية وشيشانية.
وإذا كان المعيار دينياً فإن الأكثرية مسلمة، والاقليات مسيحية وايزيدية والصابئة المندانيون واليهود.
أما إن كان المعيار مذهبياً فالأكثرية سنية، والأقليات درزية وعلوية وشيعية واسماعيلية.
في الوطن العربي تعدد وتنوع واختلاف وتعارض، في الوطن العربي جماعات قومية ولغوية ودينية وثقافية ومذهبية وعرقية واثنية وطوائف وطرق صوفية يوجد مسلمين ومسيحيين ويهود ويزيديين وغيرهم، لكن المهم والأهم الإيمان أنه لا وجود لتعدد وتنوع من غير وحدة، ولا وجود لاختلاف وتعارض من غير تماثل وتشابه، وهذه الرؤية تجاهلها المستشرقون وتجاهلها الغرب ويتم تجاهلها من قبل المستغربين الجدد الذين شرعوا في التقوقع داخل مجتمعاتهم وقاموا بهدم الجسور التي تربطهم مع الشرائح الاجتماعية الأخرى" الأكثرية" بدلاً من تعزيز وتقوية قنوات التواصل، وبدأوا بالتحريض ضد ما يعتبرونه الأكثرية لإثارة الفتنة بين مكونات هذه المجتمعات بهدف تمزيق أواصر ترابطها كخطوة نحو المطالبة بالانفصال.
إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول أن الأمازيغ في دول الشمال الإفريقي ليسوا فقط مختلين عن العرب، بل مختلفين حتى فيما بينهم أيضاً؟
ومن يقول أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟
وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.
كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة منية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز.
إن المساواة البشرية في الحقوق والواجبات في هذه المجتمعات لا تعني باي حال إلغاء الفروق بين مكونات المجتمع، لأن إلغاء الفروق يؤدي إلى العدم والقفز في الهواء، فالمساواة الوطنية أمام القانون هو مفهوم قائم على مبدأ تساوي جميع أنواع إطلاقاً، والعلاقة بين المساواة والاختلاف هي نفسها العلاقة بين الذات والوجود، ومن هنا فإن قضايا حقوق الإنسان برمتها يمكن مقاربتها ضمن سياق هذه المفاهيم الديمقراطية، وما حقوق الأقليات سوى غصن من الأغصان.
إن الاختلاف في الوطن العربي كما بقية العالم هو واقع موضوعي، والعبرة تكمن في إدراك الأقليات لاختلافهم بشكل علمي وحضاري وديمقراطي ضمن إطار دولة المواطنة، باعتبارهم مواطنين على ذات الدرجة من المساواة في الحقوق والواجبات مع الأكثرية، وليس باعتبارهم أقلية عرقية أو دينية،  ودون إذكاء الروح القومية والعصبية لديها، وإدراك الجماعات الأخرى لهذا الاختلاف واحترامه، والعمل سوياً من أجل تعزيز التلاحم الوطني الداخلي فيما بينهم.
إن حرمان الأقليات من حقوقها من قبل الأكثرية من شأنه أن يؤدي إلى عزلة هذه الجماعات عن المجتمع، ويولد لديها  وضدها نعرات قومية ودينية، وقد تبدأ هذه الأقلية في بناء الأسوار كي تحمي نفسها وتحاول أن تحفظ حقوقها ومصالحها، لكنها سوف تجد نفسها سجينة داخل هذه الأسوار، وهكذا تنشأ الحواجز الاجتماعية فيما بين الجماعات المكونة للمجتمعات، وتنغلق هذه الجماعات على نفسها، حينها لا يمكن أن ترى هذه الجماعات سوى مصالحها الخاصة، ولا ترى في مصالح الآخرين سوى أنها عقبات وإشكاليات يتوجب إزالتها، وهكذا تنمو مصالح ومفاهيم جديدة يصبح مع الوقت من الصعب إدماجها في المجتمعات، وهنا تبدأ الايديولوجيات المنغلقة بالظهور، وتجد من يعمل على نشرها وترويجها، وتجد العديد من الناس ممن لديه الاستعداد للقبول بها على أنها حقائق ومسلمات، متغافلين عن البديهيات التي تؤكد أن العلاقات الاجتماعية دوماً تحتوي في طياتها آليات معقدة وعناصر متعددة ومركبة، تتضمن قابليات التماثل للاندماج والوحدة، وكذلك عوامل التنافر والاقصاء، ولذلك فإن مسألة الاقليات ليست مرتبطة بكيانات منغلقة ومنعزلة، ولا بهويات ثابتة، ولا بمكونات حجرية، بل أنها ترتبط بنمط وشكل العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية ومستوى تطور هذه العلاقات، وكذلك بمستوى الوعي الاجتماعي والحياة المدنية في هذا المجتمع أو ذاك.
تتفاقم مسألة الاقليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي وعدم الاستقرار في هذه المجتمعات، وفي الغالب فإن أهم أسباب تفجر العنف يعود إلى فشل الأنظمة السياسية في المنطقة في إجراء مقاربات موضوعية وديمقراطية لهذه الإشكالية التاريخية، وبالتالي عجز هذه الحكومات عن تقديم حلول جذرية لهذه القضية بدلاً من المحاولات المستمرة لاحتوائها وتجاهل الأسباب الموضوعية الكامنة وراء تصاعد العنف، وهناك أسباباً أخرى متعلقة بظهور خطاب قومي متطرف ومتشدد لدي بعض قادة الأقليات يدعو إلى الانفصال عن الدولة الأم، ويتبنى العنف في مواجهة الدولة، ويحرض على عدم الاستقرارالسياسي، الأمر الذي يولد خطابات متطرفة من الجانب الأخر، وهو ما يدخل هذه المجتمعات في دائرة الفوضى والفشل.
إن الاكتفاء بالمقاربات الأمنية فقط لمعالجة قضية الأقليات، دون الالتفات إلى خلفيات ومسببات الاحتقان الاجتماعي لدى الأقليات، سوف  يؤدي إلى تراجع هذه القضية ثم إلى ظهورها مرة أخرى بشكل أزمة أشد خطراً مما كانت عليه.
إن الأقليات في هذه المنطقة جزء مهم ومكون رئيسي من هذه المجتمعات التي يفترض أن تستمد قوتها من تعددها الديني والعرقي واللغوي والثقافي، ويجب أن يكون هذا التنوع  سبباً لإثراء الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وإغناء لقيم المواطنة والتسامح والانفتاح، بدلاً من الانغلاق والتعصب والشعور بالدونية أو التعالي.
يحتاج الفكر القومي المشرقي عامة- بما ذلك سكان شمال إفريقيا- والعربي خاصة إلى التحرر من هاجس وعقدة المؤامرة، كي نتمكن من تأكيد الطابع الإنساني للأكثرية التي تنتمي مع الأقلية إلى الدولة الحديثة باعتبار الجميع مواطنين متساويين أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتصان كرامة الجميع وحقوقهم الأساسية في دساتير تنظم مجتمعات متمدنة لا فضل فيها لأحد على أحد.


58
أدب / لأنني أخشى الغرق جداً
« في: 18:59 06/07/2017  »

 
لأنني أخشى الغرق جداً
 
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك


1
تسلقت سرو النوافذ
ذات جناح
لأتصفح عينيها
قبلة قبلة
في غفلة استبداد الرمش
بسطت شهقتها لي
وهنت عزيمتي
وسقطت في الإمطار
 
 
 
2
في موسم الحنّاء
تبدّت لي بحياء
خدودها متقدة
كحبة كرز جبلي
قالت
اليوم مشمس للقطاف
 
 
3
كل مساء
حين تضحك عيناها
أرى البحر
بت أخشى المساء
لأنني أخشى الغرق جداً
 
 
4
كنّا بريئين
حين امتزج صدرها بلهاثي
بعثرني العطر في العنق
قالت تتمنع
أشاعر أنت
قلت لا تثقي بالقصائد
فقط حلّي أزرار القميص
 
 
5
تأتي حبة الخوخ
فاتنة كمهجة البساتين
تسامر لحن الآهات
تثملني حلاوة العناق
هذا الوتر يعزف جموح الوصل
يسلطن ليل العشاق
كلما جن نغم الهوى
في رأد الضحى
أطلقت طقوس الغابة
ورقصت حولي جثتي


59

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

نظرة على العلاقات الإيرانية الإفريقية
التسلل الناعم في الأرض الخشنة
الجزء الأول

يرجع الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية إلى ستينيات القرن العشرين، حيث كان نظام الشاه في إيران يلعب دور االشرطي الأمريكي في المنطقة، فارتبطت إيران بعلاقات دبلوماسية مع عدد من الدول الإفريقية. لكن بعد انتصار الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، تراجع كثيراً الاهتمام الإيراني بالقارة الإفريقية بسبب انشغال إيران بترسيخ دعائم الحكم الجديد، وانشغالها بالحرب مع العراق، لكن ما إن انتهت الحرب حتى عاد اهتمام إيران بالقارة الإفريقية مرة أخرى، وتمكنت من اختراق القارة في بداية التسعينيات من القرن العشرين، ويمكن أن نلحظ الوجود الإيراني في دول غرب إفريقيا لوجود جاليات إسلامية كبيرة في هذه الدول مما شكل بيئة مناسبة لنشر المذهب الشيعي، وكذلك في دول حوض النيل وشرق إفريقيا من أجل تطبيق نظرية " الجهاد البحري " الذي تسوق لها إيران بهدف نقل المعركة من الخليج العربي إلى منطقة القرن الإفريقي وخليج عدن وباب المندب بين إرتيريا واليمن، من خلال إنشاء قاعدة عسكرية في ميناء عصب الإرتيري، من أجل حماية مصالحها في المنطقة وتعزيز نفوذها، ثم أيضاً لإيران تواجد في مناطق جنوب وشمال إفريقيا، ففي جنوب إفريقيا استفادت إيران من الأقلية المسلمة هناك القوية اقتصاديا والمتعاطفة مع الشعارات الإيرانية المعادية للصهيونية، وفي دول شمال إفريقيا التي تعتبرها إيران أماكن استهداف، فقد صار لها موطئ قدم،  خاصة في الجزائر.
لقد نجحت إيران في استغلال الفراغ الثقافي والاجتماعي، وحتى السياسي الذي أحدثه البعد العربي عن الساحة الإفريقية، للتسلل إلى القارة وذلك عبر آليات متعددة لعل أهمها توظيف شعار الثورة الإيرانية على أنها " ثورة لنصرة المستضعفين " في العالم، فلاقى هذا الشعار صدى له في عدد من دول القارة الإفريقية، حينها وجدت إيران فرصتها التاريخية للانقضاض على إفريقيا بهدف الخروج من عزلتها الدولية والإقليمية المفروضة عليها قبل توقعيها على الاتفاق النووي، و لنشر المذهب الشيعي فيها، وكذلك من أجل محاولة تصدير الثورة إلى تلك البلدان من خلال تقديم النموذج الإيراني، وممارسة نشاط استخباراتي في إفريقيا، عبر عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين توافدوا على إفريقيا بصفة رجال أعمال ومستثمرين بهدف ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية والعربية.
في العام 1991 قام الرئيس الإيراني  "السابق هاشمي رفسنجاني " بزيارة إلى السودان الذي اعتبرها دعماً لحكومة  "عمر البشير "، وقد مثلت هذه الزيارة بداية انفتاح إيراني على القارة الإفريقية، فأعقبتها زيارة أخرى لرفسنجاني عام 1996، ثم الزيارات التي قام بها  "محمد خاتمي " إلى عدد من الدول الإفريقية، ومن بعده قام " محمود أحمدي نجاد " بزيارات متعددة إلى إفريقيا، ثم قام وزير الخارجية الإيراني " محمد جواد ظريف " بعدة زيارات لدول شرق أفريقيا في العام 2014، وزيارة دول شمال إفريقيا في العام 2015، ثم قام بجولة في دول غرب إفريقيا في العام 2016.
وإن كانت السودان أول بلد إفريقي يستقبل رئيس إيراني على أراضيه، فإن شبكة إيران الإفريقية أخذت تتوسع فشملت كل من جنوب إفريقيا، كينيا، تنزانيا، زيمبابوي، أوغندا، نيجيريا، النيجر، الكاميرون، السنغال، جزر القمر، الصومال، جيبوتي، غانا .
هذا النشاط الدبلوماسي الإيراني غير المسبوق يعكس حرصاً إيرانياً في المضي على تعزيز علاقات إيران مع عدد متزايد من الدول الإفريقية، كما أسفرت هذه الزيارات عن تشكيل لجان مشتركة في جوانب متعددة بين إيران وبعض الدول الإفريقية، كما أنتجت قيام كل من إيران وهذه الدول بتوقيع على عدد المعاهدات والاتفاقيات الثنائية في مجالات مختلفة، في قطاع الري والسدود، وصناعة السيارات، والطاقة، إضافة إلى الجوانب التعليمية والثقافية .
وفي الحقيقة تختلف الدوافع الإيرانية من خلف هذا التسلل إلى إفريقيا من بلد إلى آخر، وتتنوع هذه الدوافع والأسباب ما بين سياسي وديني، وجرى تركيز الجهد الإيراني على السودان ونيجيريا بشكل لافت، فيما يتعلق بالسودان فإن اسباب إيران في توطيد العلاقة معه، فذلك يعود إلى موقع السودان ذو الأهمية الجيوستراتيجية، إذ يعتبر البوابة الشرقية لإفريقيا، وتعتبر إيران أن السودان يتشارك معها في مواجهة الضغوط الأمريكية وهو ما يفسر احتضان إيران لنظام عمر البشير في العام 1989 ذو التوجه الإسلامي وحينها اعتبرته إيران أول حليف عربي.
أما فيما يتعلق بنيجيريا فإن أكثر من نصف سكانها من المسلمين، وهي من أهم الدول المنتجة للنفط في إفريقيا، ناهيك عن وجود آلاف من أتباع المذهب الشيعي المتعاطفين مع النظام الإيراني فيها .
ولقد اتبعت إيران ما يسمى بسياسة التسلل الناعم للولوج إلى قلب القارة الإفريقية، مثل تقديم بعض المساعدات التكنولوجية في مجالات الطاقة والصناعات البتروكيماوية، أيضاً في مجال الزراعة والصحة والري، وهي القطاعات التي تحتاج دول القارة الإفريقية إلى المساعدة والدعم فيها أكثر من غيرها، وقد ساعد هذا التعاون على تحقيق نمو في المبادلات التجارية بين إيران وإفريقيا، فارتفعت قيمة الصادرات النفطية الإيرانية إلى إفريقيا من  1.3 مليار دولار عام 2003، إلى 3.6 مليارات دولار عام 2012. وتضاعف حجم الصادرات الإيرانية إلى الدول الإفريقية من 90 مليون دولار عام 2001، إلى 291 مليون دولار في العام 2008 .
هناك وسيلة أخرى استخدمها الإيرانيين للتسلل إلى إفريقيا، ألا وهي نشر المذهب الشيعي في الدول التي تضم مسلمين، يساعد إيران في تحقيق  هذا الأمر وجود عشرات آلاف الشيعة اللبنانيين الذين هاجروا في سنوات ماضية من لبنان واستقروا في دول إفريقية، وقامت إيران في بناء عدد من المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية والدينية في إفريقيا لنشر التشيع.
إضافة إلى استخدام إيران أيضاً أسلوب تقديم المساعدات العسكرية سراً غالب الأحيان إلى بعض الدول الإفريقية، فقدمت أسلحة وعتاد حربي، كما قامت بتدريب عدد من الضباط والجنود الأفارقة، وكانت إيران قد بنت أيضاً مجمع مصانع اليرموك للصناعات العسكرية في السودان والذي قامت الطائرات الإسرائيلية بقصفه عام 201.
ويمكن القول أن إيران قد استطاعت تحقيق بعض المكاسب السياسية نتيجة علاقتها مع القارة الإفريقية، ربما أهم هذه المكاسب هو مساعدة غيران على الخروج من العزلة الدولية والإقليمية، إضافة إلى تصويت الدول الإفريقية لصالحها في المحافل الدولية عدة مرات في مجالات مرتبطة بحقوق الإنسان داخل إيران والملف النووي، ومراهنة إيران على المخزون الاستراتيجي لليورانيوم لدى بعض الدول الإفريقية.
وهكذا نرى أنه في الوقت الذي غابت فيه إفريقيا عن الحسابات العربية، حضرت وبقوة في الاستراتيجية الإيرانية التي تمكنت من فتح ثلاثين سفارة لها في القارة الإفريقية وحصولها على عضو مراقب في الاتحاد الإفريقي، ويبدو أن إيران تحاكي التجربة الإسرائيلية في إفريقيا، فهي مثلها تسعى لتعزيز نفوذها في دول حوض النيل، ومحاولة السيطرة على الخليج العربي، واستغلال علاقتها مع إرتيريا الذي مكنها من تقديم الدعم للحوثيين في اليمن.
وفيما اتسم التسلل الإيراني إلى إفريقيا بالنعومة، إلا أن هناك شواهد على علاقة المخابرات الإيرانية ببعض المجموعات الإرهابية في بعض الدول الإفريقية، حيث قامت إيران بتهريب كميات ضخمة من الكوكائين ضمن حاوية تضم قطع غيار للسيارات واكتشفتها السلطات النيجيرية واعتقلت أفراد الخلية في العام 2010، ولم يعد خافيا أن الدول الإفريقية تعج برجال المخابرات الإيرانية، في حين مازالت حالة الغيبوبة العربية متواصلة، ولم يتعدى مفهوم الأنظمة العربية لمفهوم أمنها القومي أبعد من حرصها على عدم انهيار أنظمتها السياسية، بينما تتبع إيران اساليب الدول الاستعمارية التي تسعى لتوفير كافة متطلبات أمنها القومي، وهي كإسرائيل تسعى لتطويق الدول العربية وعزلها عن عمقها الإفريقي .
وتحاول القيادة الإيرانية التمركز في موضع يتوافق مع ما تراه أنه مكانتها وقدراتها وتاريخها، وهي تقرأ المتغيرات الدولية والإقليمية التي تشير إلى انحسار دور قوى كانت لغاية الأمس قوى عظمى، وتراجع ملحوظ في دور وتواجد واهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وظهور قوى جديدة دولية وإقليمية تريد إيران أن تكون بين هذه القوى الصاعدة، ومن أجل تحقيق هذا الهدف تحاول إيران أن تعوّض تجاهلها من قبل الغرب بإقامة علاقات مع الدول الضعيفة من أجل تشكيل تحالفات يكون لها وزن وأثر في الموقق الدولي، لذلك نجد إيران تسعى جاهدة من أجل تعزيز وتطوير علاقاتها مع بعض الدول الآسيوية والأمريكية الجنوبية والأهم هنا هو الساحة الأهم التي تتصارع من أجلها القوى العظمى، وهي القارة الإفريقية التي تقوم القيادة الإيرانية فيها بمزاحمة القوى الكبرى، لتعزيز تواجدها في منطقة القرن الإفريقي للضغط على دول الخليج، وكذلك مساومة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حول عدد من ملفاتها الداخلية ومصالحها الإقليمية، حتى في دول غرب إفريقيا التي هي منطقة نفوذ أمريكي- فرنسي بامتياز، وتواجد إسرائيلي ملحوظ، إلا أن إيران وجدت لها مكان بمساعدة الجاليات اللبنانية، ومع جنوب إفريقيا حيث دعمت إيران سابقاً حزب المؤتمر الديمقراطي الذي كان يناهض نظام الفصل العنصري، فقد استطاعت إيران أن تسوّق وجهة نظرها من برنامجها النووي، بصفة عامة فإن إيران تحظى بتأييد الأنظمة الإفريقية غير المتصالحة مع الولايات المتحدة الأمريكية مثل زيمبابوي التي وضعتها أمريكا ضمن دول الطغيان.

لكن شهر العسل الإيراني مع القارة الإفريقية لم يستمر، وأضحت إيران تواجه عدة تحديات خلال السنوات الماضية نتيجة عدم الالتزام الإيراني بالوعود التي قطعتها لبعض الدول الإفريقية لتقديم المعونات الاقتصادية، وقد مارس المجتمع الدولي ضغوطاً شديدة على إيران لتقليص نفوذها في إفريقيا، فعلى سبيل المثال تم إغلاق جميع المراكز الثقافية الإيرانية في السودان الذي انخرط مع بعض الدول الإفريقية الأخرى كالمغرب مثلا، في الحرب ضمن التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن الذين هم أنصار إيران ويمثلون مشروعها هناك، وأيدت كل من موريتانيا والسنغال هذه العملية العسكرية، ثم ما لبثت السودان وجزر القمر أن قامتا بقطع علاقاتهما مع إيران عقب التوتر الذي اتسم العلاقات السعودية الإيرانية بسبب الأزمة التي سببها حرق السفارة السعودية في طهران.
وقد أدركت بعض الدول الإفريقية المسلمة السنية أن هناك مخاوف جدية من المحاولات الإيرانية المستمرة لنشر المذهب الشيعي في بلدانها، كما حصل مع المغرب الذي أتهم إيران بنشر التشيع فيه، مما دفع السعودية وبعض دول الخليج إضافة إلى مصر بالتدخل لمواجهة هذا الأمر وعبر بعثات أزهرية، وإرسال العديد من الأئمة ورجال الدين من أهل السنة إلى المعاهد الدينية الإفريقية، وفتح الجامعات والمعاهد العربية أمام طلبة العلوم الشرعية من الدول الإفريقية.

60
أدب / نهر الجنون
« في: 17:25 08/06/2017  »


نهر الجنون

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك



 وحشة الدرب حزن أعسر
ينتعل طريق الرحيل  قدمي
والأماني العتيقة  وسائد رملية
تماهت الألواح العظيمة
 في كنف الزهر الأبيض
 مع نكهة النحيب يوم الظمأ
تتمايل الأزهار أسفل الرحيل
 رماد وأفواه  فاغرة
تجثو قرب خدوش الوقت
 وسكون مصلوب على سطح الكتاب
ترى الروابي تشيخ
وتهمد الأشجار
 سألتني باضطراب
 متى تبدأ ؟
 أم  بدايتك انتظار ؟
 أجبتها
 لا يستقيم اليراع المشطور
 مع حزن الراعي
قد طويت نهري خلف الريح
ورسمت وجه المطر
فوق تعب القلم
جمعتْ دمي بكفها
 قالت امضِ
 سِحنة الليل سَكَنَتْ أطرافها
لا تغفو في قاع الصور
الحجر في أفول
 لا تعود
 حتى ترى غابة الورد
 معلّقة من جذعها
 على جدار المطر
بكتْ وأنا أمضي
لا زلت في رحيل
 ما زلتُ أحلم
 وأنتظر طوفاناً
 يقوّض سدود اليقظة
 ويُطلق نهر الجنون

61
المنبر الحر / دفاتر مريم
« في: 17:32 22/05/2017  »
حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 
دفاتر مريم

عندما استيقظ  ذات صباح في شهر آب القائظ، كان جبينه يرشح عرقا، بدأ يتمتم بكلمات مبهمة وهو يتلوى ألما من صداع في منتصف الرأس، بعد أن كان قد قضى ليلته في صراع مع الكوابيس التي داهمت نومه ولم يتذكر منها سوى عبق رائحة السجائر حين امتص آخر سيجارة وألقى برأسه على الوسادة كي ينام.
ولم تجدي نفعا مع هذه الكوابيس جميع المحاولات لطردها، واصطف أفراد عائلته واجمين بجانب سريره لايدرون مايفعلون، بعد ان أيقظتهم صرخته المدوية منتصف الليل، الا أن والدته العجوز أصرت على تلاوة بعض سور القرآن الكريم فوق رأسه وهي تمسح جبهته براحة يدها اليمنى عساها تطرد الأرواح الشريرة التي نغّصت نوم فلذة كبدها.
كان حين استيقظ قد قرر – وهو بالمناسبة نادرا ما يستطيع التقرير في شأن من شؤون حياته – أن يحطم احتكار الكتابة الصحفية على حد تعبيره، وأن يقتحم أسوار هذه القلعة المغلقة على أصحابها وينضم إلى جنود القلم كما كان يسميهم، الذين كان يراهم يدخلون ويخرجون من الباب الرئيسي لمقر إحدى المجلات الحزبية الأسبوعية، وكان صاحبنا حريص على مراقبة مدخل البناء، يتأبطون بعض الصحف اليومية وحزما من الأوراق لا يدري مابها , ومنهم من ارتدى ثيابا بالغ في أناقتها بدرجة ملفتة، تتدلى حقائب جلدية من أكتافهم يتنافسون في اقتناء الأجمل منها، والله وحده يعلم ما بداخلها , ولم يجرؤ صاحبنا يوما على الاقتراب منهم، رغم أمنيته أن يلقي التحية على واحد منهم، أو أن يبادروه السلام  أحدهم, إلا أن شيئا من هذا لم يحصل.
وبعد طول انتظار وتردد، ارتدى صاحبنا أفضل ما لديه من ثياب وسرّح ما بقي من شعر رأسه، وكي تكتمل الأناقة أفرغ نصف زجاجة عطر رخيص فوق رأسه، وعرج إلى محل تصليح الأحذية في طريقه إلى المجلة كي يلمع حذاءه ويرتق الثقوب الجانبية فيه كي لا يلاحظها أحد، مما قد يحول دون تحقيق ما قد عزم على البدء به.
طرق باب المجلة و والتقى عددا من المسؤولين في إدارتها وفي هيئة التحرير، وأصر على أن يلتقي مسؤول قسم الدراسات السياسية والاستراتيجية بشكل منفرد للتباحث معه في القضايا المصيرية التي تعصف بالأمة، ولما كان المسؤول مسافرا للمشاركة في نشاطات أحد المؤتمرات التي دعي إليها، اكتفى بلقاء النائب الذي أخبره أن لا فرصة أمامه لمقابلة السيد رئيس التحرير الذي يستشيط غضبا لأن الدعوة وصلت إلى رئيس قسمه واعتبر الأمر إهانة شخصية له، وأنه حاول عبثا أن يتصل بالقائمين على المؤتمر ليرسلوا له دعوة أخرى، بعد شعوره بالخيبة لفشل المؤامرة التي حاك خيوطها في مكتبه بمعاونة السكرتيرة لمنع رئيس قسم الدراسات من السفر.
وبعد يومين كاملين أمضاهما صاحبنا في غرفة موصدة، مكتفيا بالضروري من الغذاء والماء، وهو يفرك يديه ببعضهما، يحاول عصر رأسه والإمساك بفكرة مقالته الأولى والتي ستكون طريقه إلى مجد الصحافة يدخله من الباب الواسع، كما ستجعل منه إنسانا مشهورا وشخصا مهما وتضع اسمه بجانب كبار الكتاب.
عندما أدرك أن وحي الكتابة قد أشفق عليه وأنه قد حانت ساعة الصفر، أخذ يبحث في زوايا المنزل عن القرطاس والقلم، وبعد جهد مرير وجد القلم، وعبثا حاول العثور على القرطاس، وحين فقد الأمل من هذا البحث المضني الذي استغرق ساعتين كاملتين، بعثر خلالهما محتويات غرف المنزل، عندما استدرك أنه لم يكن في يوم بحاجة اإى القرطاس، التفت الى دفاتر شقيقته مريم وكانت لازالت طالبة ابتدائية، التقط أحد هذه الدفاتر وبدأ مشواره مع الكتابة إلى أن ملأ صفحات الدفتر الأربعين بمقالته العظيمة التي تناولت خطابا سياسيا كان قد ألقاه في حينه أحد القادة السياسيين.
استل صاحبنا القلم بيده اليمنى، وأحكم قبضته اليسرى على الدفتر المسكين و وراح يشيد ويمتدح خطاب القائد الملهم مبتدءا مقالته على النحو التالي :
قال الأخ القائد في خطابه التاريخي الذي ألقاه منذ يومين بحضور عدد كبير من ممثلي الأحزاب وحركات التحرر الصديقة وحشد غفير من جماهير شعبنا و ثم فتح مزدوج ونقل بأمانة تامة الجزء الأول من خطاب القائد، فملأ ثماني صفحات كاملة، وتبعا لأصول الكتابة الصحفية أغلق المزدوج في المقطع الأول.
وفي مستهل الصفحة التاسعة كتب صاحبنا هذه العبارة الصغيرة، ويضيف القائد الكبير، و ثم فتح مزدوج مرة أخرى ونقل حرفيا الجزء الثاني من خطاب القائد فغطى عشر صفحات كاملة، عندها أطلق زفرة تطايرت من شدتها الأوراق أمامه،  ومنح نفسه قسطا من الراحة شرب خلالها سبعة فناجين من القهوة بالتمام والكمال، وعندما طلب المزيد بإلحاح تشوبه العصبية، هرعت شقيقته مريم  إلى الجيران تستجدي بعض البن للمفكر العظيم.
بعد أن انتهى من تدخين علبة سجائر كاملة من النوع الرخيص امتصها حتى الفلتر، مسح جبهته المتعرقة واستأنف حربه الشرسة مع المقالة.
في مطلع الصفحة الثامنة عشرة تابع الصحفي الجليل ما قد بدأه وكتب : وفي مجال آخر تعرض القائد المقاتل لقضية الصراع العربي الإسرائيلي،  بما يؤكد استمرار حزبه في خوض غمار الكفاح المسلح، ثم فتح مزدوج وأورد مقاطع كاملة مطولة من خطاب القائد الفذ حتى وصل الى آخر سطر من الصفحة الأربعون من دفتر أخته مريم، كان خلالها قد حرق نصف علبة السجائر التي أرسل أخته لشرائها و وابتلع أربع حبات من مسكن الألم للسيطرة على مشاعره الجياشة التي أجّجتها كلمات القائد الحماسية ثم أغلق المزدوج، وبطح اسمه تحت المقالة وسمح لنفسه أن يضع تحت الاسم اشارة تقنية ’’ 24 أسود ’’.
بعد أن أتم إنجاز هذه الخبطة الصحفية أطلق صفرتين متواصلتين، وضم الدفتر إلى صدره كما تضم الأم البكر وليدها، وارتمى متهالكا فوق الكنبة مباعدا ما بين رجليه تاركا العنان لخياله يصور له عالم الأضواء والشهرة.
ثم استدعى زوجته وأولاده الصغار، وبصوت خطابي تغلب عليه الجدية المصطنعة طلب من زوجته أن تشرف من الآن فصاعدا على شؤون المنزل والأولاد، وأن يتم تحديد زيارات الأقارب والأصدقاء بناء على مواعيد مسبقة، وأن تطلب من الجيران التزام أقصى درجات الهدوء والسكينة، وطلب من أطفاله عدم تشغيل التلفزيون والمذياع  إلا بناء على تعليمات منه وذلك فقط للاستماع إلى نشرات الأخبار التي بات من الضروري أن يعتاد على الاستماع إليها من الآن فصاعدا لمتابعة مايجري من تطورات على الساحة الدولية، وأن ..... وأن ..، لأنه منصرف تماما منذ هذه اللحظة إلى الكتابة في القضايا المصيرية الكبرى، والتي لابد من أن يدلي بدلوه فيها بعد أن لاحظ أن زملاءه من كبار الكتاب والمفكرين لم تسعفهم قدراتهم الذهنية للإلمام بكافة جوانبها، وطلب من ابنه الكبير أن يحضر له كمية كبيرة من الأوراق البيضاء وعددا من الأقلام كالتي يستخدمها أقرانه.
فصدق المساكين ما سمعوه وبالغت الزوجة  في تطبيق تعليمات زوجها الكاتب الجاد المنصرف لمعالجة القضايا الشائكة، وتحول المنزل إلى دير مهجور، صمت مطبق، زوار قليلون يتناقصون يوما بعد يوم،  وصاحبنا المفكر عابس الوجه مقل في الكلام وكثير التدخين،  تهاجمه نوبات من السعال الشديد بين الحين والآخر، يضع يده اليسرى أعلى جبهته على طريقة القادة والمفكرين،  وفي يده اليمنى قلمه وأمامه أكوام من الدفاتر والورق تنتظر الإشادة والمدح بالخطيب، لقادة بدأ صاحبنا يتابع تحركاتهم ومهرجاناتهم حتى لا تفوته واحدة.
لعلّ الفرق الوحيد بين صاحبنا الذي كتب ذات يوم على دفتر أخته مريم  وبين العشرات من امثاله، أنه أمين ونزيه في إبداعاته، يضع الكلام الذي ليس له بين مزدوجين، فيما يتركه الآخرون حرا طليقا وينسبونه لأنفسهم ولا يخجلون .
أيها الكتبة.. من كان منكم بلا دفاتر مريم فليرجم صاحبنا بقلم . 
 

62
تحديات الأمن القومي العربي في القرن الواحد والعشرين
هل تستيقظ الأمة؟

حسن العاصي
كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

في تسعينيات القرن العشرين حدثت عدة تطورات في عدد من البلدان أدت إلى حصول تغيرات إقليمية ودولية أثرت بشكل واضح وكبير على وجه النظام العالمي وعلى التحالفات القائمة داخله، كان من أبرز وأهم هذه المتغيرات هو انهيار الاتحاد السوفيتي وانفراط عقد دول المنطومة الاشتراكية، وصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة وحيدة لتحكم العالم وتؤسس النظام الدولي الجديد، ومن أهم هذه المتغيرات أيضاً سقوط النظام الإقليمي العربي، وظهور الاستراتيجية الغربية الإسرائيلية بديلاً عنه، فبرز مفهوم الشرق الأوسط الجديد، والشراكة الأوروبية المتوسطية، وتم عقد جملة من التحالفات الأمنية بين عدد من الدول محلياً وإقليمياً ودولياً، وتجلت الشراكة الأمريكية الإسرائيلية في أقوى مراحلها، وكذلك ظهر تحالف إسرائيل القوي مع كل من إثيوبيا وجنوب السودان، وفي بداية القرن الواحد والعشرين شهدت المنطقة العربية احداثاً مهمة مثل الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 مروراً بالعدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة ولبنان وصولاً إلى الاحتجاجات الشعبية والحراك الجماهيري الواسع في عدد من الدول العربية في بداية العام 2011، وكذلك استمرار تداعيات الأزمة السورية واليمينة والعراقية حتى اللحظة.
من أبرز ملامح المرحلة الماضية هو غياب استراتيجية  أمنية عربية  واحدة وواضحة ومحددة، والأخطر كان نزوع كل دولة عربية وحدها لصياغة مفهوم وعمق استراتيجي لأمنها، وبروز القطرية والحلقية أكثر فأكثر في العديد من الدول العربية نتيجة عدم قدرتها على مواكبة التطورات والمتغيرات الدولية وشعورها بالتهديد، وتم تفتيت العالم العربي إما إلى دول وحدها، أو إلى تجمعات صغيرة وتحالفات بين دولتين أو أكثر،  فبتنا نسمع أصوات أن هذه الدولة أولاً، أو تلك الدولة من الدول العربية أولاً، شعارات قاصرة عن الإدراك الحقيقي أن المخاطر تهدد الجميع في المنطقة، ولا تستطيع أية دولة ولا أي كيان وحده أن يتصدى للمخاطر التي تهدد الأمن القومي العربي وحده دون مشاركة وتعاون ووضع استراتيجية بشكل جماعي، كل هذا وفر المناخ المناسب للعديد من القوى الدولية والإقليمية في التدخل لإيجاد عمق استراتيجي لها، بما في ذلك إسرائيل التي تعتمد سياسة خلط الأوراق وتعقيد خريطة الصراع في المنطقة بما يحقق لها مكاسب سيوستراتيجية، من خلال تعميق الصراعات في المنطقة العربية حنى تظل هذه الدول منشغلة بخلافاتها مما يعيق مشروعها التنموي ويضعف من قدراتها الدفاعية، ويستنفذ قوتها العسكرية المتنامية، هذا الوضع جعل من مفهوم الأمن القومي العربي قضية تشبه الأمنية التي تستعصي على التحقق، إلى أن أصبح مفهوم غير قابل للتحقق بعد أن قام العراق باحتلال الكويت العام 1990، إذ تم نسف أحد أهم مفاصل نظرية الأمن القومي العربي، التي كانت تستند على أن التهديدات التي يواجهها العرب هي تهديدات خارجية، الامتحان الثاني الذي رسبت فيه الأنظمة العربية هو قبل وأثناء الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، إذ كشف هذا الغزو عن قصور كبير في فهم الدول العربية  لمفهوم الأمن القومي العربي، وعجزها عن وضع خطة أمنية واحدة وصياغة توجيهات استراتيجية تضمن مصالح وأمن الشعوب العربية، وكشفت تلك الفترة عن هشاشة الوضع العربي برمته وضعف التلاحم والتضامن والتعاضد الأخوي الذي كان يملئ خطابات القادة العرب، واتضح للشعوب العربية أن شعارات الأمن القومي العربي والمصالح الاستراتيجية المشتركة للعرب والتضامن بين أبناء الدين الواحد واللغة الواحدة والجغرافيا الواحدة والهوية الواحدة والمصالح الواحدة، هي فقط يافطات يرفعها القادة العرب للرد على مطالب الشعوب وتخدير مشاعرهم، فلا وجود فعلي وحقيقي لشيء اسمه نظرية الأمن القومي العربي، ولا شيء اسمه تضامن الأشقاء العرب، في حين لا يعلم المواطن العربي الذي يعاني من الضغوطات الأمنية على وجه الحقيقة ماذا تقصد الأنظمة العربية حين تتحدث عن الأمن القومي العربي، فهو ذاته المواطن المسكين الذي غالباً ما تستعمله الأنظمة السياسية العربية لحفظ الأمن والنظام داخل الحدود القطرية، بالرغم من أن المواطن العربي لم يشعر يوماً بالأمن ولا بالأمان بسبب أن الأجهزة الأمنية داخل الأنظمة العربية تقوم بمراقبة وملاحقة مواطنيها أينما كانوا.
ومن سوء طالع الشعوب العربية أن أنظمتها السياسية ومفكريها الاستراتيجيين مازالوا لم يتفقوا على مفهوم الأمن القومي العربي، إذ مازال هذا المفهوم ملتبس لدى العديد من الدول  العربية، ولايوجد تعريف واحد له لدى العرب الذين يرسمون ملامح الأمن القومي كل حسب مفهومه ومصالحه تحالفاته ورؤيته لخريطة الصراع في المنطقة، أيضاً ما زالت علاقة الأمن القومي العربي بالأمن القطري لكل دولة علاقة ضبابية غير واضحة لدى كافة الأنظمة العربية، فأين يبدأ الأمن القومي العربي بالنسبة للأنظمة وأين ينتهي، ومتى يبدأ الأمن القطري ومتى ينتهي، وكيف ومتى وأين يتم الأنحياز لأحدهم على حساب الأخر ولماذا، كل هذه المفاصل تربك العقل والفكر السياسي العربي لتجعله يظل بعيداً عن صياغة أية مقاربة واضحة محددة للأمن القومي العربي، في وقت بات فيه لكل الدول ولجميع التكلات في العالم مفاهيم واضحة المعالم لأمنها القومي.
هناك عدة تحديات تواجه الأمن القومي العربي، منها تحديات خارجية ومنها داخلية، فماهي التحديات الاستراتيجية التي تشكل تهديداً للأمن القومي العربي ؟
أولاً- وجود إسرائيل: لاشك إن أبرز تحدي يشكل خطراً على الأمة العربية هو إسرائيل، هذه الدولة التي تم زرعها في قلب العالم العربي بهدف تمزيق أوصاله والسيطرة على بقعة جغرافية مهمة جداً وذات دور سيوستراتيجي لخدمة مصالح الغرب، والولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص، ومن أجل ذلك خاضت إسرائيل حروب ومواجهات متعددة مع العرب، ومنذ إنشائها تبنت إسرائيل في تعاملها مع جيرانها العرب سياسة المحاصرة والتطويق ثم البتر.
ستظل إسرائيل في الأصل والبدء وفي النهاية عي العدو الرئيسي للعرب، وهي المصدر الرئيسي للخطر الذي يهدد الأمن القومي العربي، لأن في الأصل قيام إسرائيل كان يعبر عن حالة الضعف العربي ليزداد عمقاً بعد قيام هذا الكيان في المنطقة، ليصبح تهديد إسرائيل شمولي ومتواصل للآن.
ثانياً- الإنقسامات العربية: وهي قضية قديمة حديثة، أي أنها مسألة مزمنة لايبدو أن لها مقاربة علاجية في المستقبل القريب، ونحن هنا لانتحدث عن اختلاف المصالح وتباين المواقف بين الدول، فهذه الأخيرة حالة تعبر عن أعراض التشارك والتكامل والتعدد والتنوع، وهي في هذا السياق أعراض صحية لابد منها للتعافي والنمو، نحن نتحدث عن تحول التباين في الآراء من الحالة الصحية إلى الحالة المرضية، حين تنتقل من وضع الحوار الهادئ- كما يفترض- إلى وضع تتواجه فيه الأطراف بشكل ميداني عنيف، ويصبحون في حالة من العداء والخصومة التي تستعمل فيها أساليب غير مشروعة بهدف أن يصل كل طرف إلى غاياته، في عملية يختلط فيها الحق بالباطل، الاستراتيجي بالمرحلي، وتغيب فيها الضوابط القانونية، لكن الدول والتكتلات المتطورة في العالم والتي بينها العديد من التباينات في المواقف، لا تدع الاشتباك السياسي فيما بينها أن يصل إلى مرحلة القطيعة.
ثالثًاً- الديون العربية الخارجية: فقد أظهر تقرير صادر عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، أن الديون الخارجية العربية قد بلغت في العام 2016 ما قيمته "923.4" مليار دولار، وهو رقم مخيف ويتصاعد باستمرار، إذ يشكل ضعفي الديون العربية في العام 2000 حين كانت قيمة الديون "426.4" مليار دولار، وذكر التقرير أن هذه القفزة بأرقام الديون كانت بسبب نزوع العديد من الدول العربية  إلى الاقتراض وإصدار سندات دين سيادية لتمويل العجز في موازناتها بسبب الصعود المتواصل في حجم الإنفاق الحكومي.
وبطبيعة الحال فإن جميع الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلدان العربية، هي في الحقيقة أزمات بنيوية وهيكلية متنوعة الأبعاد، تشابكت بشكل معقد مع بروز أزمات النظام النقدي، وأزمة الطاقة، والغذاء والبطالة، كل هذه الأزمات في العالم العربي انعكست في عجز الموازنات ترافق ذلك مع الركود والتضخم، وبطئ في الإنتاج والنمو وظهور أزمة الدين العام.
رابعاً- مشكلة البطالة: وتعتبر مشكلة البطالة في العالم العربي واحدة من أهم التحديات أمام المخططين العرب الاستراتيجيين، لما تخلفه من آثار مدمرة على قطاع واسع من القوى القادرة على العمل، خاصة شريحة الشباب منهم، فتدفعهم إما للبحث عن محاولة مغادرة الأوطان إلى أماكن ودول أخرى توفر لهم فرص العمل والحياة الكريمة، بعد أن يصلوا إلى مرحلة الإحباط واليأس في إيجاد فرص العمل في الوطن الذي تعلموا فيه، وبذلك تكون الدول العربية أكبر الخاسرين خسارة مزدوجة لهؤلاء الشباب وعقولهم وقدراتهم في تطوير بلدانهم من جهة، وخسارة الأموال التي تكبدتها هذه الدول في تعليم وتأهيل شبابها في المدارس والجامعات ، وإما يلتجئون إلى طريق المخدرات والجريمة والأعمال غير الشرعية، وربما لجؤوا إلى ممارسة العنف والإرهاب بعد أن يكونوا قد شعروا بالكراهية تجاه مجتمعاتهم وأنظمتها السياسية، فيشكل ضعف الإنتماء الوطني الذي تولد لديهم نتيجة مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية بسبب البطالة، يشكل هذا مدخلاً مناسباً للجماعات المتشددة التي تستوعبهم وتضمهم إلى تنظيماتها المسلحة وتذكي روح الكراهية فيهم.
خامساً- التطرف و الإرهاب: تعاني معظم الدول العربية من اضطرابات سياسية وفكرية واجتماعية ودينية تسبب التطرف والعنف الأمر الذي أدخل الكثير من الأنظمة العربية في حالة من الفوضى والحروب والصراعات الأهلية، وقد أدت حالة الانسداد الفكري إلى انقسام الدول والمجتمعات العربية إلى عدة كيانات طائفية ومذهبية وعرقية ومناطقية، بحيث وصل الانحطاط الأخلاقي إلى أدنى درك مما يهدد بتفكك وتشرذم المنطقة إلى دويلات وكانتونات، والتطرف الذي يواجه العرب ليس فقط تطرفاً دينياً وإن كان هو الأبرز، لكن هناك التطرف السياسي والثقافي والاجتماعي والتطرف القومي، هذه الأشكال من التطرف تطفو فترة ثم تخفت ليظهر أحدها ويتراجع الآخر، وغالباً مايكون ذلك بسبب رد فعل على تطرف آخر، أو يكون شكلاً من أشكال الاحتجاج على الاعتدال، لذلك نجد أن التطرف والتشدد ينتشران في مجتمعات تكثر فيها مظاهر التخلف والجهل والأزمات حيث تختلط العصبية بالقبلية بالخرافة والأحكام القطعية النهائية مع الروح العدائية، وهو مناخ توفره المجتمعات العربية.
سادساً- الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي: ظهر في المنطقة العربية منذ بداية عصر  النهضة في نهاية القرن التاسع عشر، مفهوم الإصلاح السياسي والديني والثقافي، وتصدى كل من محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني لشعارات الإصلاح، وحملوا مشعل التنوير، ومن بعدهم طه حسن على سبيل المثال لا الحصر.
لكن مع سيطرة الافكار الشمولية على العقل العربي منذ تقريباً بداية النصف الثاني من القرن العشرين، تراجع مصطلح الإصلاح، لتحل مكانه مصطلحات أخرى بفعل الحاجة الملحة للتغيير الاجتماعي، مثل" الثورة والعنف الثوري" في مرحلة كانت المنطقة العربية تشهد مخاض الاستقلال عن المستعمر، واتسمت تلك المرحلة بالانقلابات العسكرية، وتم إهمال قضايا مثل الديمقراطية والحريات الأساسية  للبشر بذريعة الأولويات، فسيطرت الأفكار الشمولية على الواقع السياسي العربي بالرغم من الاختلافات في طبيعة وشكل الحكم بين دولة عربية وأخرى، لكنها في نهاية المطاف بدرجة أو أخرى تعاني من غياب الحريات والديمقراطية والمحسوبية وتغلغل الفساد، وفشل معظم الدول العربية في تحقيق النهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وعوضاً عن ذلك قامت بحكم الشعب بالأسلوب المخابراتي القمعي.
سابعاً- الأمن المائي العربي: وهنا في الحقيقة أن المشكلة لا تكمن فقط في قلة المياه الصالحة للشرب في الوطن العربي، بل مايزيد الأمر سوءًا هو الاستثمار السيء لهذه الموارد، والآثار المدمرة للمياه الجوفية نتيجة التلوث من مياه الصرف في المدن وكذلك التلوث بسبب النفايات الصناعية.
ويكمن جزء مهم من مشكلة نقص المياة في العالم العربي أن الجزء لأكبر من مساحة الأراضي العربية تقع في العروض المدارية الحارة والجافة، مما يسرع من عملية تبخر المياه، أيضاً تعاني المنطقة العربية من عدم وفرة في المخزون المائي، والأسوأ أن العرب يتلقون نحو 63 في المائة من المياه من خارج حدود الوطن العربي، الأمر الذي يعني أن لدينا 16 بلداً عربياً لايمتلكون ثروة مائية ويقعون تحت خط الفقر المائي العام.
ثامناً- الأمن الغذائي العربي: إن العالم العربي يعاني من فجوة غذائية  مزمنة في الفرق بين الإنتاج والطلب المتزايد عليه، حيث تعتمد الزراعة في العالم العربي بشكل رئيسي على مياه الأمطار، بحيث تبلغ المساحة المروية منها نحو 22 في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية، كما أن نصيب الفرد العربي من المياه المخصة للري يقدر بنحو 800 متر مكعب في العام، بينما خط الفقر العالمي هو 1000 متر مكعب، وطبقاً لتقديرات الأمم المتحدة فإن نحو 60 في المائة من المياه المخصصة للري في الوطن العربي تذهب هدراً، بينما ذكر مدير المركز الدولي للبحوث الزراعية بالمناطق الجافةالمعروف"إيكاردا" أن الوطن العربي يستورد نحو 55 في المائة من احتاجاته الغذائية، بالرغم من توفر كل أسباب الزراعة من أراضي شاسعة وموارد بشرية متكدسة، ووجود التقنيات، والمياه بدرجة أقل، وبالرغم من أن 65 في المائة من السكان العرب يقطنون في الأرياف، وأن نحو 22 في المائة من قوة العمل العربية تعمل في الزراعة، إلا أن أغلب الدول العربية تستورد ملايين الأطنان من السلع الغذائية سنوياً بما قيمته مليارات الدولارات.
تاسعاً: مشكلة التعليم وتحديات العصر: إن المنظومة التعليمية في العالم العربي باتت تعاني من تضخم في المشكلات العميقة اليت علقت بها عبر العقود الماضية، إذ أن هناك مناهج تعليمية لم تمس ولم يجري عليها أي تحديث أو تطوير منذ إنشائها بعد تحقيق الاستقلال السياسي لبعض الدول العربية في منتصف القرن العشرين، وهذا أدى إلى عملية تعليمية ينتج عنها نشئ جاهل بتعليم ناقص لايتلائم مع روح العصر الذي نعيش فيه، وكثير من المعلومات التي يتلقاها الطلبة تظل علوم نظرية لاعلاقة لها بالواقع المعاش، تعتمد أسلوب التلقين وحشو المعلومات، نتج عنه تدني خطير في مستوى التعليم العربي.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه العرب يتمثل في العلم والتعليم والتعلم والحصول على المعرفة وإدراك الوعي، من أجل النهوض بواقع الأمة وتحقيق التنمية والارتقاء بالفكر العربي ليواكب الطفرة العلمية والتكنولوجية للغرب، لا أن تظل جامعاتنا تمنح شهادات دون أن تخرج متعلمين.
من المؤسف والمخجل في آن عدم وجود أية جامعة عربية أو إسلامية في قائمة أفضل 100 جامعة على مستوى العالم، في حين احتلت الجامعة العبرية في القدس في المرتبة 71، كما أن العرب ينفقون فقط 2 في المائة من الناتج القومي على التعليم والبحث العلمي، بينما تنفق الدول المتطورة نحو 10 في المائة، وهذا يبرر ويشرح جزء من انخفاض مستوى وجودة التعليم في الوطن العربي.
إن الأمن القومي العربي بمفاصله المتعددة والمتنوعة لايتحقق بقرار سياسي، ولا عبر بناء الجيوش وتكديس الأسلحة فقط، ولا من خلال مئات الأجهزة الأمنية المنتشرة في البلدان العربية، بل أن الكلمة السحرية هنا هي الإنسان، أهم سلاح وأهم أداة لتحقيق هذا الأمن القومي العربي هو الإنسان العربي، فهو الذي يشكل لبنة بناء المجتمعات والدول، ومن أجله تبنى المؤسسات والجامعات، وبدونه لا توجد أوطان تدافع عنها الأنظمة العربية، فهو الأحق بالإئتمان على هذا الأمن، لكن للأسف مازال الإنسان العربي مغيّب عن كل شيء بسبب تعرضه للقمع والاستبداد والاضطهاد والملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية في معظم الدول العربية، ويعاني من الفقر والجوع والبطالة وتدني الخدمات الصحية وتراجع في المستوى التعليمي، ويكابد ضنك المعيشة في ظل ازدياد متواصل في أسعار السلع الأساسية التي يحتاجها، وانكماش غير مبرر في نصيبه من الدخل القومي.
إن هذا الإنسان العربي الذي تتجاهل وجوده واحتياجاته وتطلعاته معظم الأنظمة العربية، يشعر بالإغتراب في وطنه الذي حوله إلى إنسان لا يملك نفسه ويشعر بالعبودية والتهميش والحرمان، وبالتالي ضعف الإنتماء الوطني والتخبط في الهوية.
إن لم يتغير حال الإنسان العربي نحو تحريره من سجنه ومن رفع القبضة الأمنية الحديدية عن عنقه، ثم فتح الأبواب أمامه للمشاركة في اتخاذ القرارات التي تهمه، وإخراجه من وضع التجاهل إلى خانة المشاركة والاحترام، وتنظيم مشاركة المواطنين في الأنشطة المجتمعية العامة لرفع سوية وعيهم الثقافي، دون هذا لايمكن للعرب الحديث عن أي أمن قومي ولا عن أي خطط لتدعيم هذا الأمن، فالإنسان الذي يعاني الضياع في وطنه لايمكنه في حال من الأحوال الدفاع لا عن وطنه ولا عن نفسه، ولايمكن لشعوب منهزمة أن تحقق الأمن لنفسها ولأوطانها، وبالتالي لايمكنها مواجهة التحديات الكبيرة والجدية التي تهدد حاضر ومستقبل وثروات الأمة العربية.
الأمن القومي العربي لايستطيع مواجهة تحدياته إلا مواطن حر يشعر بالحرية  وغير مستعبد، ويعيش في ظل نظام حر وليس عبداً لأحد، فالأوطان مثل الإنسان إن كانت تعاني من هزائم داخلية لايمكنها أن تواجه تحدياتها ولا أن تنتصر في معاركها.


صفحات: [1]