عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - باقر الفضلي

صفحات: [1]
1


سوريا: البحث عن ذرائع جديدة للعدوان..!؟؟

باقر الفضلي

ما إنفك التحالف الثلاثي الأمريكي _ الأوروبي؛ والمتمثل بكل من أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وتابعه  في منطقة الشرق الأوسط ، المتمثل بالتحالف التركي _ القطري، يبذلان قصارى جهدهما في الوصول الى "ذريعة" يمكن من خلالها، تنفيذ عدوانه المبيت ضد دولة سوريا، في وقت يدرك فيه كلا التحالفين؛ بأن الأمر، لم يعد بتلك السهولة التي سبق وأن أقدمت عليها أمريكا وحلفاءها عند غزوها للعراق في آذار/ 2003، تحت ذريعة واهية، لم تصمد أمامها كل الحجج التي تعكزت عليها أمريكا في حينها، ومن خلال مندوبها في مجلس الأمن، من إقناع أحد من أعضاءه، فكانت النتيجة، أن أقدمت أمريكا على تنفيذ غزوها، منتهكة بذلك ميثاق الأمم المتحدة، رغم أنها تمثل ركن أساس ضمن مجموعة الدول الكبرى الخمس، أعضاء مجلس الأمن، المناط بهم حماية الأمن والسلم الدوليين..!!؟؟

فبعد الفشل المتكرر لمحاولات أمريكا وتحالفها الغربي الخليجي، ومنذ أربع سنوات، في إيجاد الفرصة المناسبة للإنقضاض على دولة سوريا، كانت ذريعة إستخدام السلاح الكيمياوي، من أقوى الذرائع التي حاولت أمريكا الركون اليها، في محاولتها التدخل في الشأن السوري، من خلال توجيه ضربتها العسكرية العدوانية، تحت تلك الذريعة، إلا أن صمود الشعب السوري وجيشه الوطني، في مواجهة الإرهاب، قد حال دون نجاح تلك الذريعة، حتى اليوم..!

 ولكن ومع كل ما بذله ويبذله الإعلام الأمريكي _ الغربي، ناهيك عن من يدعى ب" أصدقاء سوريا"، من تضليل متواصل، في محاولة لغسل عقل المجتمع الدولي، ودفعه بإتجاه تصديق ما توظفه من إشاعات تفتقر للدليل المعتبر، حول إستخدام الدولة السورية للسلاح الكيمياوي ضد معارضيها، فإنها لم تصمد، أمام الموقف الدولي، الذي بات أكثر إنتباها مما كان عليه أيام غزو العراق وليبيا..!؟؟(1)

والفشل ليس هو دائماً من يدفع صاحبه للإعتبار والتعقل، بقدر ما يكون دافعاً للإصرار، إذا ما إقترن بهدف تحقيق مصالح ترتبط بإستعباد الشعوب وإستعمار البلدان، ومن هنا وفي محاولة متواصلة، للبحث عن الذريعة، جاءت ولادة قرار  مجلس الأمن الجديد في السادس من آذار الحالي، حيث تبنى مجلس الامن الدولي الجمعة، قرارا يدين استخدام غاز الكلور كسلاح كيميائي في النزاع السوري من دون توجيه اصابع الاتهام لأي طرف..!(2)

الفارق أن أمريكا تقدمت الى مجلس الأمن بمقترح القرار المذكور، في وقت كانت فيه دولة سوريا، وبناء على  الاتفاق الامريكي الروسي، السباقة الى التخلي عن أسلحتها الكيمياوية، والتأكيد على السبل السلمية بإعتبارها الطريق الأسلم لحل الأزمة السورية، فما يعنيه القرار الجديد لمجلس الأمن، المقدم كمقترح من قبل أمريكا، إلا محاولة لتجديد البحث عن إسناد دولي شرعي، كذريعة، كما أشرنا سابقاً، للوصول الى غاياتها السابقة في العدوان على سوريا..!؟(3)   

ولقطع الطريق على أي إحتمال لتوظيف القرار المذكور من قبل أمريكا وحلفائها، في فرض عقوبات على دولة سوريا، فقد إعلن المندوب الرسي السيد تشوركين عن رفض روسيا القاطع لفرض أي عقوبات ضد سوريا بلا أساس؛ وهذا بذاته يعكس ما تمت الإشارة اليه حول إنتباه المجتمع الدولي، من غفلته التي تمثلت بالتجاوز وخرق ميثاق الأمم المتحدة من قبل أمريكا في آذار/ 2003..!.؟(4)     

فالمحاولات الأمريكية وحلفائها، لم تتوقف يوماً ومنذ بدايات الأزمة السورية، في التخطيط للتدخل بالشأن السوري، وهي لم تتوانى يوماً في دعم الحملة الإرهابية ضد سوريا، وسياساتها الإزدواجية في التعامل بهذا الشأن، لم تعد مخفية أمام الجميع، وما يستعرضه قادتها وكبار مسؤوليها من تصريحات بين الحين والآخر، يفضح النوايا الخفية من وراء ذلك، وما تصؤيحات الجنرال مارتن ديمبسي رئيس أركان القوات المسلحة الأمريكية الآخيرة، إلا نموذج لتلك السياسة إتجاه دولة..!!؟؟(5)         
باقر الفضلي/ 2015/3/7
_____________________________________________________________
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=377028     
(2)  http://www.elaph.com/Web/News/2015/3/988675.html
(3)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=378709#
(4)  http://ar.rt.com/gmxr
(5)     http://ar.rt.com/gmsy

2

اليوم العالمي للمرأة : معاناة وصراع دائم..!؟

باقر الفضلي

حينما نجح نضال المرأة على المستوى العالمي من تثبيت الثامن من آذار من كل عام، يوماً عالمياً خالداً إقترن بإسم المرأة، فهذا وحده يعني؛ أن المرأة بهذا النجاح، تكون قد حققت في تأريخها أمرين تأريخيين؛ الأول كونها على المستوى الإجتماعي، قد أدركت، أنها كانت تخضع الى إستغلال شبه دائم من قبل المجتمع، تم تجسيده في عادات وتقاليد وأعراف ونظم وقوانين، ناهيك عن ممارسات إصطبغت بطابع المجتمع الذي ترعرعت في كنفه، كأم أو زوجة أو أخت، والأمر الثاني؛ أن إدراكها هذا، قد تجسد في إصرارها الدائب على ضرورة أن تناضل من أجل أن تدرك المستوى المطلوب من المساواة مع الرجل، على صعيد المجتمع، وأن تكون لها ذات الحقوق التي يتمتع بها، بإعتبارها هي الأخرى تشكل النصف الثاني من المجتمع، ناهيك عما تمثله من مكانة خاصة ودور متميز في حياته الإقتصادية والسياسية، وما تتميز به من دورها في بناء مستقبل الأجيال والأوطان..!

فالثامن من آذار، لا يعني، بأي حال من الأحوال، مجرد الإحتفال وتقديم التهاني للمرأة بهذا اليوم الذي تعارفنا على إعتباره عيداً سنوياً للمرأة في شرقنا العربي المستهدف، تيمناً بما هي عليه المرأة العاملة الأمريكية والغربية، التي كان لها السبق في تحديد ذلك اليوم، وأملاً في أن ترقى المرأة الشرقية العربية الى تلك المستويات من الحرية والمساواة القانونية في المجتمع، التي حققتها المرأة العاملة في أمريكا والغرب..!

 ولسمو مكانة المرأة في المجتمع، فلها الأولوية في أن تجد مكانها في مقدمة الصفوف التي تستحق أن يشار اليها بالبنان، وأن تفتح أمامها كل الفرص التي تؤهلها أن تكون رائدة في جميع المجالات السياسية والإجتماعية، وأن يكون لها الحق، في أن تكون طرفاً متعادلاً في التوازن الإجتماعي، وفي أقل تقدير المساواة الحقوقية مع الرجل في كل ما يمت بصلة الى السياسة والإقتصاد، كما هو الأمر في العلاقات الإجتماعية، بما يكون لها فيه، حق الإختيار وحق القرار في ذلك..؛ فالمرأة في تطلعها الى المستقبل، تظل في مجتمعاتنا تعاني من عقدة عدم الإستقلالية في قرارها، حيث لا زال أغلب بنائنا الفوقي القانوني، يعتري أحكامه النقص في أغلب تلك الحقوق، ولا زالت تحكم نصوصه، العديد من أفكار غير متجددة أو متؤائمة مع المتغيرات العصرية، بل في بعض نصوصه ما يرجعنا الى أحكام تتعارض مع آفاق مستقبل الأجيال القادمة، ناهيك ما تعانيه المرأة بشكل عام، من محدودية أفق التعليم، بل وحتى من أمية ظاهرة شاملة، أو مخفية..!؟

ومعاناة المرأة تتعاظم أكثر وأكثر، لتصبح كارثة إجتماعية، كلما كان ذلك المجتمع يرسف تحت واقع الإضطهاد والعبودية، ناهيك إن كان الحال إحتلالاً أو شبيهاً بالإحتلال؛ فكيف يا ترى يمكن الحديث عن حال ومعاناة المرأة الفلسطينية أو المرأة السورية أوالمرأة العراقية، في يوم الثامن من آذار، وهي ترسف تحت ضنك الإحتلال، وجبروت الإرهاب، وقسوة النزوح؛ كيف يا ترى، سينعكس لديها ما يعنيه اليوم العالمي للمرأة، وهي تعيش في ظل ظروف الدرك الأسفل من العوز والمهانة الإنسانية، وهل حقاً أن منظمات مثل حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، بقادرة أن تعوضها وعلى أقل تقدير، الأمن والأمان الذي إفتقدته وأطفالها في ظل ظروف الإرهاب والإحتلال..؟؟!!

أم هل بإمكان المجتمع الدولي بكل منظماته، والمجتمع المتمدن بكل ما إكتنزه من معرفة وتمدن، أن يعوضا عشر معشار ما إفتقدته ضحايا الإرهاب والإحتلال من النساء والأطفال، في غزة وسنجار، وما أصاب العوائل السورية من تشريد ونزوح ليس له حدود..؟؟  كل ذلك سيظل نقطة سوداء في جبين المجتمع الدولي والمجتمع المتحضر، وتظل أمثال تلك الأسئلة تقرع مدوية، طالما ظل المجتمع الدولي المعاصر، يقف متفرجاً أمام ما تكابده ملايين العوائل من ويلات الإرهاب والإحتلال..!؟
باقر الفضلي/2015/3/7


           
 
         

   

3

العراق : شمولية التدمير للتراث والحضارة..!؟؟

باقر الفضلي

ليس الأمر بالجديد؛ وما أدركه العراقيون منذ اليوم الأول للغزو الأمريكي للعراق في عام /2003 ، قد إرتبط بكل ما يشتمل على الخراب والدمار؛ وما يعنيه التدمير لمظاهر الحضارة في البلاد، قد بدأ في إستباحة وتدمير مظاهر الحضارة في بغداد كالمكتبات العامة والمتاحف وغيرها من مواقع الحضارة التأريخية في بعض المدن العراقية التأريخية كبابل وأور، والتي حولتها القوات الغازية الى قواعد عسكرية، ناهيك عن أفعال سرقة وتهريب الآثار التأريخية وبيعها في أسواق التهريب الدولية، الأمر الذي قيل فيه كلام كثير..!!؟(1) 

فهل يا ترى، أن ما جرى ويجري الآن في الموصل؛ من تدمير لمقتنيات متحفها الوطني، يختلف في شيء عما تقدم..!؟ أم هل يمكن أن تكون الغاية من تدميره، تبتعد في أهدافها عن أهداف الإحتلال الأمريكي للعراق في عام/2003..!!؟؟ أسئلة ترتبط في جوهرها، بما هدف اليه ذلك الإحتلال للعراق، وبما مهد وخطط له من سيناريوهات وآليات محكمة التدبير؛ فالعراق في حينه كان يشكل عقبة كأداء أمام أمريكا والعالم الغربي، ومن كان يسير في ركابهما، من دول المنطقة، في إستكمال هدف إستعباد المنطقة والتفرد بثرواتها الغنية، وإستكمال تبعيتها للعولمة الجديدة..!؟

إن ما يميز الحاضر عن ماض، قد مر عليه أكثر من عقد من السنين من تأريخ العراق الحديث، إنما بات ينخرط في إستنباط أمريكا وتحالفها الغربي لوسائل وطرق أكثر دهاءً وحنكة من المجابهة المباشرة، إذ لم تعد هناك، من حاجة الى تكرار التجربة الفيتنامية أو الكورية، لما لكلفتهما الباهضة، ولما لتداعياتهما الكارثية على الصعيدين الوطني والدولي، وبالتالي، فإن أي قصل بين الوسائل والأهداف، إنما يصب في خدمة نفس مصالح تلك الجهات التي إستنبطت تلك الوسائل في الوصول الى أهدافها بأقلة كلفة، وبعيداً عن المشاركة الفعلية في الأحداث...!!؟

 ومن هنا، فإن ما يدعى ب " الفوضى الخلاقة" لا يخرج في جوهره، عن هذا الإطار، إن لم يكن بذاته سلاحاً ذي وجهين، أو على حد التعبير العراقي الشعبي " نارهم تأكل حطبهم" ؛ وهذا ما يمثل لب وجوهر سياسة " الفوضى الخلاقة" التي إبتدعتها السياسة الآمريكية ومكاتب بحوثها المنشغلة ليل نهار، في رسم الخطط والسنياروهات، التي تسهل على الإدارة الأمريكية إستكمال إستعباد المنطقة بأقل التكاليف؛ فلا غرابة والحال، أن تتعدد الطرق والوسائل المبتكرة كل يوم في أجندات تلك الإدارة وحلفائها وتابعيها، والتي تسهم في خلق المنظمات والمنظمات الجديدة من التي يقع على عاتقها تنفيذ تلك الأجندات والسياسات المرسومة لإستعباد المنطقة، وليس من الغرابة في شيء، أن تلجأ تلك الإدارة وحليفاتها وتابعيها، حتى الى محاربة تلك المنظمات ومنها ذات "الطابع الإرهابي" وتصفيتها نهائياً إن تطلبت مصالحها ذلك، وتأريخ منظمة القاعدة وقائدها أبن لادن مثال حي على ذلك؛ وكما هو الحال اليوم فيما يتعلق بموقف تلك الإدارة وما يدعى بالتحالف الدولي في موقفها الحالي من ما يدعى ب"داعش" ..!!؟؟

وكي لا يبتعد المرء كثيراً في البحث والتدقيق بأحداث الموصل الأخيرة، ومنها تدمير متحفها الوطني، من قبل منظمة " داعش" ، فإنه من البدهي القول وبعيداً عن التكرار، بإن تدمير التراث الوطني لأي دولة، لا يمكن بحثه خارج نطاق الحرب الدائرة في المنطقة، وأن من مصلحة أي جهة تخوض مثل تلك الحرب، تدمير كل ما يمت بصلة الى الطرف الآخر، لما له من تأثير نفسي ومعنوي على شعب تلك الدولة، وهي سياسة إرتبطت بكل الحروب التي تعرضت لها الشعوب، والأمثلة والدلائل على ذلك غير قليلة، وإن إحتلال العراق ليس إستثناءً من ذلك، وما تدمير التراث العراقي، إنما حصيلة محسوبة لذلك الإحتلال..!؟

ومن هنا يأتي إرتباط تدمير التراث لدولة معينة، خاصة إذا ما كان شموليا، بحضارة تلك الدولة، لأن التراث بمختلف صوره وأشكاله، إنما يمثل التسلسل التأريخي والزمني لحضارة تلك الدولة بما يمثل تأريخ جميع تلك الشعوب التي قطنت تلك الدولة على مر السنين؛ وليس العراق إلا ذلك الوطن العريق في القدم، والبلاد الأكثر إستيطاناً من قبل أقوام متعددة الثقافة على مختلف صورها، والتي تركت وكان لها ولا يزال العديد من الآثار التي تحاكي ذلك الوجود حضاريا، ولها على المستوى الدولي، سجل حافل بالتفاصيل، وتعتبر منظمة اليونسكو الدولية من أهم تلك المنظمات الدولية التي ترعى آثار تلك الحضارات، وبالتالي فإن أقل ما يقال بهذا الشأن؛ هو الدور الذي ينبغي إتخاذه من قبل المجتمع الدولي، أزاء ما لحق بمتحف الموصل من تدمير، ومنه ما تقرره نصوص وأحكام القانون الدولي ومنها إتفاقيات جنيف لعام/1949، وإتفاقية لاهاي لعام 1907 في حماية الكنوز التراثية للحضارة الإنسانية، وفي جميع الظروف ومنها حالة الحرب، وكذلك ما سيكون عليه دور الحكومة العراقية  فيما يتعلق بالحماية الجنائية للتراث، طبقاً لقانون الأثار والتراث رقم 55 لسنة 2002..!؟(2)
باقر الفضلي/ 2015/3/4     
______________________________________________________
(1) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=106831
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=149724





4


فلسطين: قناة البحرين؛ بين الوهم واليقين..!؟

باقر الفضلي

تظل القضية الفلسطينية، بمثابة العقدة المستعصية، وهي مفتاح الحل لأزمة العالم، المتجسدة في طبيعة الصراع الدائم في الشرق الأوسط، ولعل ما يدعى بمشروع " قناة البحرين" القديم الجديد، وهو أحد صورها التي تنتظر دولة إسرائيل وبفارغ الصبر، الوقت المناسب، لأن تجد طريقها الى التنفيذ الفعلي لهذا المشروع، وبتلهف لا يعرف حدودا، منذ أن وضع لبناته الأولى الأميرال ويليام ألن 1792_ 1864، الضابط في البحرية البريطانية يومذاك، ومنذ أن وجدت نفسها دولة على الأراضي الفلسطينية..!(1)

وتكمن أهمية المشروع المذكور، فيما يمثله " البحر الميت " من موقع إستراتيجي على جميع الأصعدة التأريخية والإقتصادية والبيئية والجغرافية والأمنية والسياسية ، بالنسبة لدولة إسرائيل، ولدول المنطقة الأخرى، كالأردن، وفلسطين على وجه الخصوص(2) 

وفي خضم ما تعيشه المنطقة من واقع إستثنائي، إتسم بكل ما يمت بصلة الى نتائج المشروع الأمريكي، الموسوم ب "الفوضى الخلاقة"، و"الربيع العربي"، وأخيراً ما تتعرض له المنطقة من نتائج تداعيات الحملات الإرهابية، في سوريا ومصر والعراق، ولبنان، وما تنشغل به دولة اليمن، من تمزق في نسيجها الإجتماعي؛ في مثل هذا الواقع المضطرب، سياسياً وأمنياً وإجتماعيا، تندفع دولتي المملكة الأردنية وإسرائيل وبحضور الممثل الأمريكي وعراب المشروع وممثل البنك الدولي، لتفاجيء المجتمع الدولي بإبرام إتفاقية التوقيع على وثائق ما يدعى ب "قناة البحرين"، في وقت كان اللافت فيه، عدم حضور الجانب الفلسطيني مراسيم الإتفاق، وهو الطرف الأكثر إستشعاراً بطبيعة مشروع القناة، والأكثر تأثراً بنتائج المشروع على الصعيدين السياسي والإقتصادي، ناهيك عن الصعيد الإجتماعي والبيئي..!؟؟(3)   

ومع ذلك ورغم توقيع الأردن وإسرائيل اتفاقية "ناقل البحر الأحمر إلى البحر الميت" بحضور ممثلين عن البنك الدولي والولايات المتحدة، فقد تصدى له معارضو التطبيع الذين حذروا من استغلال إسرائيل الاتفاقية لإقامة مستعمرات جديدة. (4)

كما توالت ردود الفعل جراء ذلك التوقيع على الصعيد العربي، حيث نقل مركز الإعلام الفلسطيني رأي المستشار الإستراتيجي المصري اللواء عادل سليمان، الذي أشار في تعليق له:   [[ وقال اللواء عادل سليمان، في تغريده له عبر حسابه في موقع "تويتر"، "إن مشروع قناة البحر الميت يمثل تصفية نهائية للقضية الفلسطينية؛ حيث يربط حياة الأردن والضفة بالعدو الإسرائيلي الذى سيتحكم بشريان الحياة"، كما قال مشدداً؛  على أن المشروع يأتي "في إطار ترتيبات الشرق الأوسط الجديد"؛ حيث يربط الاتفاق التنفيذي لقناة البحر الميت بين الأردن والدولة العبرية لربط مصالحهما سوية، وكذلك فلسطين التي وقعت على مثل ذلك الاتفاق قبلاً".]](5)


إن مشروعاً إستراتيجياً بهذا القدر من الأهمية، وله من الآثار ذات الطابع المصيري بالنسبة للأمن القومي للدول العربية؛ وما يمكن أن يفسره غياب الممثل الفلسطيني مراسيم التوقيع على الإتفاقية، إنما يمثل ما تتوجسه القيادة الفلسطينية من مخاوف مشروعة من خطط الدولة الإسرائيلية، الماضية وبتسارع محموم في  تنفيذ خططها بتوسيع مشاريعها الأخرى المرتبطة ب "الإستيطان" ، ولعل في تصريحات السيد صائب عريقات الى جريدة الدستور والمنشورة على صحيفة الحقيقة الأردنية بتأريخ 28 شباط 2015، ما يغني عن تثبيت ذلك الحقيقة، التي يدركها الفلسطينيون قبل غيرهم، وما يقابلها من الجانب الآخر، ذلك الإستعجال الإسرائيلي في إبرام مثل ذلك "الإتفاق" الملتبس؛ هذا في وقت، أستبعدت فيه منظمة الجامعة العربية، من الإحاطة علماً بتفاصيل مثل هذا الإتفاق الإستراتيجي، والذي يرتبط في كل أبعاده القريبة والبعيدة بمصالح الدول العربية، ومستقبل القضية الفلسطينية، وبكل ماله علاقة بألأمن القومي للبلدان العربية، أو على أقل تقدير، لم يكن لها قول في هذا الشأن..!!؟ (6)
باقر الفضلي/2015/2/28
________________________________________________________________       
(1) http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%82%D9%86%D8%A7%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AA
(2)     http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AA
(3)       http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/02/27/jordan-israel-dead-sea-red-sea
(4)    http://www.almayadeen.net/news/arab_rest-qVh8vkc,WUmIfKRMAVUWig/
(5)     https://www.palinfo.com/site/pic/newsdetails.aspx?itemid=172357
(6)     http://www.factjo.com/pages/aticleviewpage.aspx?id=3339

5


الدنمارك: وما هو الجديد..؟؟!
باقر الفضلي

لأيام قليلة مضت، جرى التحذير من مغبة الإستمرار في إستهجان وإستفزاز مشاعر الناس، في معتقداتهم وأديانهم، والإبتعاد قدر ما يمكن من ممارسة تلك الأفعال التي تدفع الى ردودها المعاكسة، لما في ذلك من تداعيات لا تحسب عقباها، ونتائج قد تخرج عن المألوف، وهذا ما جرت الإشارة اليه في مقدمة المقالة الموسومة : )فرنسا: أحداث شارلي أيبدو في الميزان(..!!(1) 


فما حصل في الدنمارك مؤخرا، لا يشكل في جوهره إلا إمتداد، أو حلقة في مسلسل متشابه الحلقات، ولا يميزه عما حصل في أحداث [[ شارلي ايبدو]]، إلا تفاصيل لا تغير من حقيقة الأمر شيئا؛ فالجديد في الحدث، لا يخرج عن كونه، وفي أغلب الأحوال، إلا عن تأكيد الإستمرار وفق نفس السياقات المرسومة للوصول بالنتيجة الى مبتغاها، وهذا ما جرى تفصيله في المقالة المشار اليها في أعلاه..!


ومن هذه الزاوية، يمكن القول؛ بأن تداعيات أحداث [[ شارلي أيبدو ]] مع ما كانت عليه دوافعها، أو مهما كان منفذوها، أو ضحاياها، فإنها تظل في إطارها العام، حلقة في مسلسل الفعل ورد الفعل، الذي لا يخرج عن السيناريو العام، المرسوم سلفاً للوصول بالصراع الدولي حول منطقة الشرق الأوسط، الى منعطفات حادة، لا يمكن الخروج منها إلا بعد ان تدفع دول المنطقة وشعوبها ثمن ذلك الصراع، حتى مع إختلاف المسميات، وتباين الأسباب؛  فهل في أحداث الدنمارك ما يختلف في كل خطوطه العامة، وفي تداعياته اللاحقة، عما جرى في فرنسا، ليظهر الحدثان، ولا كأنهما من صنع نفس الصانع..!؟ أم أن الإختلاف إقتصر على المكان والإشخاص ليس إلا..؟!


فالتطرف؛ بكافة أشكاله وتلاوينه، يقف وفي جميع الأحوال، وراء العنف الذي يرقى، وفي أغلب الحالات لأن يصبح بمثابة "السبب والنتيجة" ، ويجري التمسك به من قبل ممارسيه، وكأنه واجب مقدس لا بد منه؛ لدرجة يذهب بسببه الكثير من الضحايا الأبرياء، بل وتختلط جراءه الكثير من الأوراق، ويصبح التضليل أحد أركانه الأساسية..!؟ 
 

ومن هذه الزاوية، جاء تأكيد الرئيس الأمريكي السيد باراك أوباما في القمة التي تشهدها واشنطن حالياً لمحاربة الارهاب، وفي كلمته أمام المؤتمر؛ [[ داعياً إلى محاربة الأفكار المتطرفة من جذورها، كما وصف ادعاءات بعض الجماعات المتطرفة بأن الغرب يخوض حرباً على الإسلام، بأنها " أكذوبة قبيحة، وأكد أن الإرهابيين لا يمثلون نحو مليار مسلم؛]] ما يصب في هذا الإتجاه.! (2)


ولعل في تلك الإشارة من قبل السيد أوباما ما يلقي الضوء على نصف الحقيقة، حيث أختصر الحديث فيه، عن الموقف من ردود الأفعال حسب، هذا في وقت باتت فيه أغلب الدوافع التي تقف وراء تلك الأحداث مثل " تشارلي اوبيد وكوبنهاكن" وما سبقها من قبل، تتمحور حول  حالة التطرف والمغالاة في تصورها للأشياء، دون إعتبار للعوامل والظروف التي تحيط بها، لدرجة يتناسى معها الفاعل، بقصد أو دون قصد، أو عن جهل غير مبرر، بأن ما صنعه فعله، أو الفعل الذي أقدمت عليه جهة ما دون تحسب لآثاره، هو من يقف وراء ردود الأفعال التي كانت من تداعياتها، ما بات يؤرق النفوس من عنف ما له حدود، وردود أفعال ما لها نهاية..!

 ومثل هذا ما جرى تناوله بوضوح أكثر في المقالة المشار اليها في الفقرة الأولى أعلاه ، وبالتالي فإن ما جرى في كوبنهاكن قبل أيام، ليس بالحدث الجديد، ولا يخرج في دوافعه وتداعياته عما تناولته المقالة المذكورة، فالحقيقة لا تستكمل إلا بشقيها؛ نفسها جذور الأفكار المتطرفة، فهي تعتمد في نشأتها، على طبيعة التربة التي تغذيها والبيئة الى تحتضنها، أو أن تكون ناتجاً عرضياً لحدث أو فعل مرسوم سلفا، أو نتيجة صنعة معلومة الأهداف والمقاصد..!!
باقر الفضلي/ 2015/2/20     
________________________________________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=450894
(2)  http://arabic.cnn.com/world/2015/02/19/wd-190215-obama-countering-terror



                                                   

 




6

مصر: في مواجهة الإرهاب..!!؟

باقر الفضلي

وهكذا تثبت الأحداث؛ بأن مصر ليست مستثناة من سيناريوهات إستعباد المنطقة، تحت أية ذريعة مهما كانت، وبأية وسيلة، أياً كان شكلها أو مغزاها؛ فالحرب هي الحرب، مهما تعددت صورها، أو تباينت أهدافها وغاياتها؛ فما تتعرض له مصر اليوم، لا يختلف في جوهره ومقاصده، عما تتعرض له دول شقيقة عربية أخرى في المنطقة، مثل سوريا والعراق وليبيا، ولم يعد خافياً من يقف وراء تلك السيناريوهات، أو من يكيل بمعيارين لتحقيق تلك الاهداف؛ وكل ذلك قد جرى تفصيله في المقالة الموسومة [ مصر: يد على القلب وأخرى على الزناد ] ..!؟(1)

فالشهداء المصريون الأبرار الذين سقطوا ضحايا من قبل الإرهاب في ليبيا، قد جاء برهاناً لا يقبل الدحض على ما جرت الإشارة اليه في المقالة المذكورة، من إحتمالات ما يمكن أن تواجهه مصر وهي تخوض تلك الحرب غير الواضحة المعالم، من تهديد لسيادتها وأمنها الإقليمي، في نفس الوقت الذي يضع المجتمع الدولي وفي مقدمته منظمة (الأمم المتحدة)، في وارد المسؤولية والواجب، لشجب وإستنكار الجريمة، ودعم الشعب المصري في كفاحه لدرء العدوان ومكافحة الإرهاب، وتقديم كل ما يحتاجه ذلك من تضامن ومؤازرة معنوية ومادية؛ وليس بعيداً عن هذا ما دعا اليه السيد عبد الفتاح السيسي رئيس جمهورية الدولة المصرية، من ضرورة التدخل الدولي العسكري في ليبيا بقرار من مجلس الأمن..!!(2)

أما ما أقدمت عليه دولة مصر من رد سريع على مواقع مرتكبي الجريمة في الأراضي الليبية، وبالتنسيق معها، فهو وبلا ريب، يدخل ضمن حق جمهورية مصر العربية، الذي كفلته المادة /51 من ميثاق الأمم المتحدة في الدفاع المشروع عن نفسها، وتأمين أمنها القومي وسلامة وأمن مواطنيها، ناهيك عن قرارات الأمم المتحدة الأخرى بشأن الوقوف بوجه الإرهاب وتجفيف منابعه، وآخرها قرار مجلس الأمن المرقم/ 2199 لسنة 2015 ..! (3)

ورغم كل ما تقدم، تأتي وحدة موقف الشعب المصري في مواجهة الحرب الإرهابية، في مقدمة الأولويات التي تفرض نفسها في ظل الظروف الحالية التي تحيط بالدولة المصرية، وهذا ما أثبتته وقائع الحال، وما ابرزته إنعكاسات الأحداث على المستوى الشعبي المصري، ناهيك عن الدعم والتضامن الدوليين اللذين حضيت بهما دولة مصر، في موقفها الدفاعي من العدوان، هذا في وقت أدان فيه أعضاء مجلس الأمن بشدة جريمة قتل 21 مصرياً في ليبيا، وعبروا فيه عن تعاطفهم مع أسر الضحايا، وحثوا كل الدول على التعاون بشكل فعال مع ليبيا ومصر..!(4)
باقر الفضلي/2015/2/17
______________________________________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=453297   
(2)      http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0LL0H220150217
(3)   http://www.24.com.eg/157721/%D8%B9%D8%A7%D8%AC%D9%84-%D8% 
(4)  http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=22827#.VOOKPMI5B1s
     

7


العراق: وقفة مع الحقيقة_ 9_  ..!

باقر الفضلي

بعد العاشر من حزيران الماضي/ 2014، يبدو وكأن العراق قد إنتقل الى مرحلة جديدة،  كما تبدو في سيمائها الظاهر، أما في واقعها الحقيقي، فلا تبدو الصورة التي إعتادها الناس منذ أكثر من عقد من السنين، قد إنتابها شيء من التغيير الجوهري، أو أنها في الطريق الى التغيير المنشود؛ من إعادة اللحمة الوطنية، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وإستتباب الأمن والإطمئنان وسيادة القانون، وإنحسار الفساد بكل أشكاله، وغيرها من عوامل الإستقرار والإنتعاش الإقتصادي، وإنخفاض معدلات البطالة..الخ..!!؟

وفي ظل أحداث العاشر من حزيران وما أستتبعها من تطورات لاحقة على الصعيدين  السياسي والأمني، يصبح من المناسب الربط بين تلك الأحداث وبين التغيير الأكثر دراماتيكية خلال السنوات العشر الأخيرة من الحكم في العراق، والمتجسد في تكليف السيد حيدر العبادي رئيساً للوزراء، بدلاً عن السيد نوري المالكي رئيس الوزراء السابق، وما رافق ذلك من التغييرات الجديدة على صعيد الهيكل الوزاري ورئاسة الجمهورية والبرلمان، ومدلولات ذلك التغيير، الذي يبدو في ظاهره، وكأنه إعصار عاصف أحاق بالعملية السياسية، فكان من توابعه الإتفاق النفطي بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم، لتبدو الصورة الجديدة لتلك العملية وكأنها قد أعيد أرشفتها من جديد، وإستبدلت ألوانها لتبدو أكثر إشراقاً عما كانت عليه، بعد أن أسدل غبار الزمن عليها مسحة من القتامة والركود، فلا بد من صقل السطح بما يعطيه نظارة التجديد ولمعان الحداثة..!؟

فإعادة ترتيب أوراق العملية السياسية مجدداً ، لم يأت في جميع الأحوال من فراغ، إذ أن جميع الدلائل كانت تشير، الى أن ما كان يجري خلال فترة جاوزت العشرة سنوات وعلى كافة الأصعدة في العراق، خاصة بعد الإحتلال، وفي مقدمتها الصعيد الإقتصادي، ناهيك عن الصعيد السياسي، والعلاقات بين أطراف العملية السياسية نفسها، وهي أمور جرى البحث فيها كثيراً من قبل المتخصصين ومن الكتاب وتناولتها الكثير من مصادر الإعلام.. فجميعها كانت تشير الى ضرورة التغيير، لدرجة إنعكس الأمر، على برامج أغلب القوى والأحزاب السياسية، بل وبات الإعلان عن ضرورة التغيير، بحد ذاته، مطلباً شعبياً عاماً، وأحد الشعارات التنافسية بين الأحزاب نفسها في الإنتخابات، بل ومن أحد أسباب التناحر الداخلي بين تلك الأحزاب..!؟

ومع كل ما تقدم، ورغم ما بدت عليه أسباب التغيير من إكتسابها طابعاً داخليا، إتسم في ظاهره، بعمق التناقضات والخلافات بين قوى العملية السياسية نفسها، وإستقطاب الطائفية السياسية، وإستشراء الفساد، ليشمل اغلب قطاعات الدولة، مقروناً بركود إقتصادي، على الصعيد المحلي، وتحول البلاد مع الأيام الى الإقتصاد الريعي المهلك، فإنه رغم كل ذلك، كان للسيناريوهات المعدة للمنطقة، ما كان له الأولوية في التخطيط لإعادة ترتيب أوراق اللعبة السياسية في العراق، بعد أن وصلت العملية السياسية الى طريق مسدود، وأصبح على ما يبدو؛ من الضرورة أن يلعب العراق دوره المرسوم له في المنطقة، خاصة وإن بعض تلك السنياروهات لم تٌعط أوكلها حتى اليوم، وإنه أصبح من غير الملائم أن يظل العراق، بعيداً عن تفعيل تلك السيناريوهات، في الوقت الذي أصبح موقفه غير واضح المعالم بالنسبة لأهداف الخطط الموضوعة للمنطقة، وبالتالي فليس هناك ألا واحد من طريقين؛ إما القفز ما فوق العراق، أو إحتوائه بأي شكل من الأشكال التي تخدم أهداف الإستراتيجيات الموضوعة للمنطقة، وفي مقدمتها ما تدعى ب نظرية "الفوضى الخلاقة" المنسوبة للسيدة [ كوندا ليزا] ، وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش الأبن، أو ما ينسب للسيد بايدن من نظرية التقسيم، وغيرها مثل سيناريو مشروع الشرق الاوسط الجديد، أو الربيع العربي..!؟(1)

وليس بعيداً عن ذلك، ما نسب للرئيس الأمريكي الحالي من مقولته المشهورة " الذئب على الباب" التي وجهها للساسة العراقيين، والتي أعقبت سقوط الموصل بيد التنظيم المتطرف، ففي كل ذلك، هناك من الدلالات، ما يوحي بما يعنيه ما يدعى ب "التغيير الجديد" الذي حصل في العراق، والذي كان من دلالاته ما ورد على لسان السيد الرئيس الأمريكي، أو ما قصدته السيدة كوندا ليزا، فالذئب الذي يقف على الباب، والذي تمدد في وجوده ليدخل البيت ويسرح ويمرح كيفما يشاء، ليصبح بالنتيجة، من غير المتيسر إبعاده خارج الحدود، والفوضى الخلاقة، وما ورائها هدف لم يعد خافياً على أحد، أما الذئب فكل المؤشرات توحي بأنه لن يبرح المكان، قبل أن ينفرد بالشاة..!؟ (2)

فالتغيير المنشود لم يأت من مجرد رغبة جامحة، أو بعيداً عن مناخ المنطقة وطبيعة ما يدور فيها من الصراعات، فرغم التباين الملاحظ بين بعض أقطاب العملية السياسية، جاء الترتيب الجديد لأوراقها، بما يفهم منه إعادة جمع المتناقضات، بشكل يوحي للمراقب أو المشاهد للوحة السياسية الجديدة، بأن ثمة إنسجام واضح المعالم، قد طرأ على أطر العملية السياسية، ولعل في ما جسده التشكيل الجديد للسلطة التنفيذية، ما يوحي بذلك الإنسجام المتصور..!!
باقر الفضلي/ 2015/2/11
_________________________________________________________
(1)    http://www.imn.iq/articles/view.268/
(2)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0GI1YW20140818?sp=true
       
 
 





8


مصر: يد على القلب وأخرى على الزناد..!(*)
باقر الفضلي

تشير جميع الأحداث الجارية في المنطقة، بأن مصر _ أم الدنيا _، كما هو متعارف على تسميتها، تواجه اليوم أعنف هجمة إرهابية دموية طالت قواتها المسلحة، من الجيش والشرطة والأمن، فقد كانت أحداث التاسع والعشرين من كانون الثاني الجاري/2015، في منطقة شمال سيناء، بمثابة الإنذار الذي لا يقبل التأويل أو التفسير؛ بأن مصر الدولة والشعب، قد حسب حسابها، وإن ما يحاك لها من خطط وسيناريوهات، لا تنتهي بمجرد سقوط ثلة من الضحايا الأبرياء من أفراد القوات المسلحة، أو تدمير عدد من المنشئات العسكرية هنا وهناك حسب، بقدر ما هو مرسوم من خطط ستراتيجية، لا تتوقف دون تحقيق الأهداف المقررة سلفاً، في تدمير مصر الدولة، وإنهاء دورها المؤثر، وريادتها الطليعية للمنطقة..!؟

إن كل الدلائل تشير، الى أن ما تتعرض له دولة مصر من هجمة شرسة، إنما يرقى الى مستوى حرب غير معلنة، وهو بشكله الذي بان عليه في أحداث الخميس الماضي 29/1/2015 ، يعطي صورة أقرب في جميع أبعادها، الى غزو مهدد للدولة في سيادتها وإستقلالها، مما لا يجعل هناك أي مجال للشك في أحقية الدولة المصرية من إستنفار كل قواها للدفاع عن وجودها وتأمين مصالح شعبها في ضمان السلم والحرية، خاصة وإن ما تتعرض له الدولة من غزو ذي طابع إرهابي غير واضح المعالم، بات مهدداً لكل ما له صلة بذلك، الأمر الذي يعطي الحق للدولة المصرية، بأن تلجأ حتى الى الأمم المتحدة في طلب الحماية أو التعاون معها في درء  الخطر المهدد لها، طبقاً لميثاق الأمم المتحدة..!(1)

وما عكسته طبيعة الإجراءات الأخيرة التي أقدمت عليها الحكومة المصرية وبالذات قيادة القوات المسلحة المصرية، في مجابهتها لتلك الهجمة الدموية في منطقة سيناء، ما يلقي الضوء على ما تعنيه أهداف تلك الهجمة بالنسبة للدولة المصرية، وما تشكله من مخاطر حقيقية على مستقبل مصر والشعب المصري، كما وأنها تكشف وبما لا يقبل الشك، عن حقيقة إرتباطها بما يجري في المنطقة من حرب غير معلنة، تسهم فيها قوى وحركات محددة، بل وحتى دول معينة في المنطقة، وجميعها ضالعة في تنفيذ تلك السيناريوهات، التي أصبحت مصر من أهدافها الواضحة..!؟(2)

وليس من المفارقة، أن يكون لبعض القوى المصرية التي فقدت صفتها السياسية بالنسبة للقانون المصري، دورها الواضح في ضلوعها في تلك المخططات، خاصة وأنها تجد من الدعم الأمريكي ما يدفعها ويشجعها على مثل ذلك الإسهام ، وما كان في الموقف الرسمي المصري من حالة الوفد المصري من جماعة الأخوان المسلمين، الذي تم إستقباله من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، الكثير من الدلالة على ذلك الدعم، رغم التفسيرات التي قدمتها وزارة الخارجية المريكية، لتبرير تلك الزيارة في مثل هذه الظروف التي تمر بها مصر..!؟(3)   

فما تتعرض له مصر اليوم، من هجمة دموية إرهابية، تضع المنظمات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة وكافة الدول العربية بشعوبها ومنظماتها الوطنية والجامعة العربية على وجه الخصوص، أن تلعب دورها على الصعيد الدولي والعربي والإقليمي، في الدعم والتضامن مع الشعب المصري وقواته المسلحة الوطنية، في مواجهتها لحرب الإستنزاف الذي تتعرض له مصر اليوم؛ وهو نفسه ما تعرضت ولا زالت تتعرض له كل من سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن، من حرب شاملة، تستهدف إستعباد المنطقة؛ [[ فالإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره يشكل واحدا من أخطر التهديدات للسلم والأمن الدوليين، وأن أية أعمال إرهابية هي أعمال إجرامية وغير مبررة بغض النظر عن دوافعها، أينما ومتى وأيا كان مرتكبوها..]] (4)
باقر الفضلي/ 2015/2/2
__________________________________________________________________________
 (*)      http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=452724 
 (1)      http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2015/01/150131_egypt_sinai_attacks
(2)            http://ar.rt.com/gk5j
(3)        http://arabic.cnn.com/middleeast/2015/02/01/america-muslim-brotherhood-new-update
(4)        http://www.unmultimedia.org/arabic/radio/archives/159388/index.html#.VM6LTMI5B1s


       



9

العدوان الإسرائيلي: إنقلاب السحر على الساحر..!؟

باقر الفضلي

وهكذا إنقلب السحر على الساحر..!؟

فما خططت له الحكومة الإسرائيلية بعدوانها الغاشم على مدينة القنيطرة السورية في الأحد الماضي، قد جاء على العكس من توقعاتها، التي كانت تبني عليها الكثير من الآمال في رسم حدود وإتجاهات ردود الأفعال المتوقعة، من قبل الجهات التي نالها ما نالها من ذلك العدوان، وبالذات ما سقط من ضحايا إبرياء جراء ذلك..!؟

فالرد الذي أقدم عليه حزب الله، وفي غفلة من كل اليقضة والإنتباه الإسرائيليين، وفي زمان ومكان لم تكن تتوقعه الحكومة الإسرائيلية، ناهيك أن الرد المذكور، قد جاء في ظرف أكتنفه بعض البرود السياسي بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو، والأهم من كل ذلك، إختيار المكان المناسب للرد، وهو منطقة شبعا المحتلة من قبل إسرائيل، وفي نفس الإتجاه، كانت السرعة في ردة الفعل، وهي في معناها الأبعد، قد مثلت رداً ذا أبعاد سياسية، قبل أن تكون مجرد ردة فعل لحدث معين، هذا في وقت مثل فيه الرد، رسالة سياسية بكل أبعادها، لدولة إسرائيل وداعميها، فالعدوان الإسرائيلي على القنيطرة السورية، وإن جاء في ظل ظروف المنطقة المعقدة التي إستثمرتها حكومة إسرائيل لشن العدوان، فإن هذا لم يمنع من الرد في وقته المناسب، وبشكله وطبيعته المفاجئة، وهذا ما تم فعلا، لدرجة أذهلت الحكومة الإسرائيلية، في إختيار كيفية التصرف المطلوب..!

في مقال سابق، تمت الإشارة الى أن ما أقدمت عليه الحكومة الإسرائيلية، من عدوان غاشم على دولة سوريا، مع إدراكها بأن أبعاد ذلك العدوان وتداعياته، لا تنسحب على  شعوب المنطقة حسب، بل وحتى على الشعب الإسرائيلي نفسه، وكأن الدلائل تشير، بأن مشكلة الحكومة إلإسرائيلية؛ أنها لا يمكنها التكيف مع حالة الهدوء، أو انها أكثر ميلاً لأن تكون ضالعة في أحداث المنطقة ، وخاصة ما تتعرض له الدولة السورية من تدخل كوني، يستهدف سيادتها، وهو أمر لم يعد مستوراً بأي حال من الأحوال..!؟؟(1)

أما طبيعة رد حزب الله في منطقة شبعا، فجاءت في واقعها مستنهضة الكثيرين ممن كانوا يترقبون، موقف العالم العربي، وما يمكن أن تكون عليه ردود فعل البلدان العربية من العدوان الإسرائيلي الغاشم، وبالذات ما سيكون عليه موقف الجامعة العربية، من كل ذلك، فجاء موقف بعض فصائل المقاومة الفلسطينية ، في طليعة كل المواقف العربية الأخرى، في دعمها الواسع لرد المقاومة اللبنانية، على العدوان الإسرائيلي، والذي كان في طبيعته رداً حاسماً ومتوازناً قياساً بما كان عليه العدوان الإسرائيلي في القنيطرة،  ومتوافقاٌ مع القرار الأممي 1701 ، بل كان فيه الكثير من الأجابات على الكثير من الأسئلة عن دور إسرائيل في المنطقة، وعن تماديها في الغطرسة والعدوان..!
باقر الفضلي/ 2014/1/30
_________________________________________________________________________
(1) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=451985
 





   
 

10


سوريا: العدوان الإسرائيلي على القنيطرة إستفزاز مقصود..!؟؟

باقر الفضلي

مع كل ما يعتري منطقة الشرق الأوسط من أجواء عدم الإستقرار ومن إضطراب إمني ، وبما تتعرض له دول المنطقة من إستفحال النشاط الإرهابي؛ في مثل هذا الوقت، أقدمت الحكومة الإسرائيلية في الأحد الماضي على عمل إستفزازي، شمل مزارع الأمل في منطقة القنيطرة السورية، وبسببه إستشهد عدد من كوادر حزب الله، وأحد القادة العسكريين الإيرانيين..!؟(1)

فما الذي يدفع إسرائيل على القيام بمثل ما أقدمت عليه، وهي تدرك بحسها الأمني وخبرتها العسكرية، ما يعنيه ذلك الفعل في أجواء منطقة حبلى بالتوتر والإضطراب، من ردود افعال وتداعيات غير محمودة العواقب، أول المتضررين منها، هو الشعب الإسرائيلي، الذي يعيش اليوم حالة من القلق والترقب، بسبب مسلسل العدوان الذي تواصل حكومته العنصرية الإستمرار به، تحت طائلة أسباب سياسية اغلبها تدور حول نوازع الصراع بين الأحزاب الإسرائيلية المتنافسة على السلطة، وضغط اليمين الإسرائيلي المتطرف، في سياسته العنصرية الهادفة للتوسع في سياسة الإستيطان، وتكريس يهودية الدولة..!

إسرائيل تدرك جيداً ما يعنيه العدوان على أراض دولة أخرى في حكم القانون الدولي، وما يعنيه التجاوز على حدودها، حيث لم يك العدوان المذكور، الأول في نوعه، ولا الأخير في مسلسل العدوان الإسرائيلي على جيرانها من الدول العربية، وجميعها تشكل خروقات متواصلة لميثاق الأمم المتحدة، وإنتهاك صارخ لكل قواعد ذلك القانون، ولجميع القرارات المتعلقة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي مقدمتها القرار الأممي المتعلق بمنع الإستيطان..!؟(2) 

  فالعدوان الجديد بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، يشكل إضافة لما تقدم، إستفزازاً منقطع النظير، لكل أطراف المنطقة، حيث لم تعد التبريرات الإسرائيلية ذات طابع منفرد، بقدر ما هي، تلقي الحطب في النار المشتعلة، دون حساب بأن تلك النار آخذة في السريان، لتشعل الأخضر واليابس، ولا تفرق بين الحدود أو الأجناس والأديان، بل وبات من بدهي القول، أن تصبح جميع التبريرات لشن أي عدوان، مجرد وقود لإشعال فتيل الحريق في المنطقة، أما الذرائع التي تتمسك بها الحكومة الإسرائيلية، وخاصة ما يتعلق منها بوجود حزب الله في منطقة القنيطرة السورية، فإنها لا تسمح لها بتجاهل واقع، أن إسرائيل لا تمتلك حق إنتهاك أراضي الغير، دون موافقة أو سماح ذلك الغير لها بذلك "التجاوز"، وإلا فإن تصرفها المذكور لا يمكن تفسيره بأي حال من الأحوال، وهي تعلم ذلك سلفاً، إلا إنتهاك لحدود دولة ذات سيادة، وعضو في الأمم المتحدة، وبأنه يشكل خرقاً للوائح القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة..!؟

فما الذي ياترى، يدفع بحكومة إسرائيل تكرار لعبة العدوان على الغير، ووضع نفسها في موضع المتهم بخرق القوانين الدولية، وهي لأيام خلت ممثلة برئيس حكومتها، كانت من المتصدرين للصفوف الأولى لمظاهرة باريس المناهضة للإرهاب والمساندة لضحايا الصحيفة الفرنسية الإسبوعية شارلي أيبود من الإعلاميين، في الوقت الذي ما أنفكت فيه من رفع عقيرتها بالشكوى المستديمة من "إرهاب" الفلسطينيين، لدرجة لم تمتنع فيه وتحت تلك الذرائع من شن الحروب المدمرة ضد أبناء الشعب الفلسطيني وتدمير حضارته وتراثه التأريخي، وحرمانه من حقوقه المدنية..!؟(3)   

ليأتي العدوان الأخير على اراضي الدولة السورية في القنيطرة، بمثابة الدليل القاطع الجديد، على النهج العدواني المستمر للحكومة العنصرية في إسرائيل ضد جيرانها، والمدعوم بتأييد الولايات المتحدة المستمر؛ أما السلام الذي تنشده الحكومة الإسرائيلية، فلا يظنه المرء، آتياً من خلال إنتظار ردود الأفعال على الأفعال الإستفزازية التي تقدم عليها الحكومة الإسرائيلية بين الوقت والآخر، تحت مختلف الذرائع والحجج الواهية، والتي تزيد النار إشتعالاً في المنطقة فوق إشتعال، وهذا على ما يبدو، ما تسعى له الحكومة الإسرائيلية، في ظل الأوضاع المأزومة بالإرهاب..!؟؟(4)
باقر الفضلي/ 2014/1/23     
_____________________________________________________________________________
   (1)  http://ar.rt.com/gj0n
 (2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=343656     
 (3)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=425551
 (4)     http://www.unmultimedia.org/arabic/radio/archives/158183/index.html#.VMKrfMI5B1s

 


11


فرنسا: أحداث "شارلي أيبدو" في الميزان..!؟
 
باقر الفضلي

أحداث باريس الأخيرة في السابع من كانون الثاني/2015، ليست الأولى في تأريخ الذاكرة، ولا الأخيرة في مسلسل أحداث المستقبل، فلن يفصلنا عن ما أقدمت عليه الصحيفة الدانماركية من عملية إستفزازية ضد الملايين من معتقدي الديانة الإسلامية، إلا بضع سنوات، كما وليس بعيداً عن كل ذلك ما أقدم عليه الكاتب البريطاني سلمان رشدي، الذي هو الآخر في إقدامه على إستفزاز ليس ذي معنى ولا يمت  بصلة للمعرفة والعلم والثقافة بشيء، بقدر ما منح الفرصة لتفجير ردود الأفعال في مختلف أرجاء المعمورة، لا لسبب يمت بشرعية منطقية أو معقولية، بل ولا حتى قانونية، ولكن، وفي جميع تلك الأحوال، كانت تختبيء الدوافع المحركة دائماً تحت عباءة " حرية التعبير"، دونما الإعتبار من الجانب الآخر، الى حرية المعتقد، أو حتى إحترام حدود مشاعر الناس على إختلاف مذاهبهم وعقائدهم، التي كرستها دساتير العالم المختلفة وشريعة حقوق الإنسان، لدرجة باتت معها قاعدة " حرية التعبير" ، وكأنها المتراس الذي يمكن لكل من شاء، أن يتدرع به لنيل ما يريد؛ متناسياً معه حجم ردود الأفعال والتداعيات السلبية التي يمكن أن تستتبع ما يقدم عليه من فعل قد يدخل في إطاره العام، تحت قاعدة " حرية التعبير "، الأمر الذي يصعب معه تجنب النتائج السلبية للفعل المذكور..!!؟

فأحداث باريس الأخيرة في السابع من كانون الثاني/2015 وما بعدها، ومع كل ما قيل بشأنها، لا تخرج في جوهرها، عن واقع ردود الفعل على ما أقدمت عليه المجلة الاسبوعية " شارلي أيبدو" الباريسية، من نشرها لصور أستفزازية مسيئة لمعتقدي تلك الديانة، سبق وأن نشرتها قبلها أحدى الصحف الدنماركية قبل سنوات، وما إستتبعها من تداعيات وردود أفعال، غلب عليها التطرف حدوداً جاوزت الأغراض والمقاصد، التي إستهدفتها الصحيفة..!؟؟

وتتكرر اللعبة الإستفزازية اليوم، وكأنما المجلة الاسبوعية " شارلي ايبدو" نفسها، كانت تنتظر النتائج وردود الافعال التي صاحبت أحداث الأربعاء الماضي الدامية في باريس، والتي راح ضحيتها 12 شخصاً من الإعلاميين ومن رجال الأمن، فإذا بها ومن نفس منطلق ردود الفعل على الحدث، تعلن عن أصدار عددها الجديد من الصحيفة وبثلاثة ملايين نسخة جاوزتها فيما بعد الى خمسة ملايين أخرى، وهو يحمل رسماً كاريكاتيرياً أستفزازيا جديداً، لا يخرج في مبتغاه ومرماه عن مقاصد الرسم الاول، دونما إعتبار للدروس التي ألهمتها أحداث الأربعاء الماضي في باريس أو تلك التي سبقتها، والتي لا زال أوار إشتعال نيارانها يعصف بالعالم وكأنه عقاب لا يمكن تفاديه..!؟؟(1)

فتناوب الفعل وردود الفعل، تبدو في سياق الأحداث وكأنها أمر قد خطط له مسبقاً، من قبل المحركين أو الماسكين بآليات الحركة لتتكامل صورة مشهد العنف، الذي بات يسود أرجاء العالم، وبالذات منطقة الشرق الأوسط ، وليسهل الطريق أمام قوات التحالف الدولي، لتجد أجواء المنطقة وبحارها وأراضيها، مفتوحة أمام حاملات طائراتها وخبرائها ومدربيها العسكريين..!؟(2)

هذا في وقت لا يفوت فيه على الأذهان التأثير السلبي لأحداث باريس، على المزاج الأوروبي والغربي عموماً، الذي أخذ مؤخراً في الإنعطاف بالإتجاه الصحيح الذي بات  ينصف الموقف الفلسطيني في دعوته العالم للإعتراف بدولته الوطنية الديمقراطية المستقلة..!؟(3)

 فليس ما تعرضت له المجلة الفرنسية الأسبوعية الساخرة، " شارلي أيبدو" من هجمة دموية، إلا مثال يعكس الكثير من أوجه الشبه مع ما قد تمت الإشارة اليه، كما وليس غريباً بعد ذلك، أن تتطابق دوافع الأفعال والدوافع المضادة لها والتي تقف وراء ردود الأفعال المعاكسة في نسق فكري متشابه، أو على أقل تقدير متقارب من حيث السبب والنتيجة، وفي كلتا الحالتين، يمثل ذلك خروجاً على الشرعية القانونية والمباديء الدستورية، وهو أمر يبدو من حيث الواقع، قد تحكم بمسيرة الإعلام الفرنسي والأوروبي لحد ما، وذلك ما يفسره إصرار المجلة الفرنسية المذكورة، على إصدار عددها الجديد بعد الأحداث، بنفس روحية رد الفعل، وبعيداً عن روح التهدئة ومنطق التعقل والإعتدال، وهو ما عبر عنه بصريح العبارة السيد باتريك بيلو أحد كتاب المجلة الفرنسية الساخرة، مبرراً بأسباب غير موضوعية ولا منطقية، دوافع المجلة التي تقف وراء نشرها للصور المسيئة، والجارحة لمشاعر ومعتقدات المسلمين..!!؟(4)       

فالسير على نفس هذا النهج والمنوال، والتمسك به كثقافة وممارسة، إنما يؤكد حقيقة الموقف المزدوج من محاربة " الإرهاب " ، الذي تقفه ولا زالت، كل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة والدول الغربية ومنها فرنسا؛ فمثال موقف تلك الدول مما تعرضت له المجلة الإسبوعية الفرنسية من هجمة دموية، ومحاولة طمس أسبابها، فيه من الدلالة ما يعزز تلك الحقيقة، ويؤسس للشرخ بين شعوب البلدان ذات الأديان والعقائد المختلفة، ويفتح الطريق واسعاً امام ردود الأفعال، التي لا حدود لها، كما وإن النظر للأحداث فقط من زاوية النتائج، والتغاضي عن أسبابها، إنما يصب في خندق المستفيدين منها، ويحقق مصالح كل من جعل من سلاح الإرهاب الوسيلة المثلى للوصول الى أهدافه..!؟(5)
باقر الفضلي/ 2015/1/15
____________________________________________________________________     
(1)  http://arabic.cnn.com/world/2015/01/07/france-newspaper-shooting
(2)        http://www.alquds.com/news/article/view/id/541662
                                                                                                     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=440773   (3) 
(4)     http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2015/01/150114_cgh_charlie_hebdo_interview
(5)    http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2015/01/150114_charlie_hebdo_hollande



12



فلسطين: بين التوجه الصحيح وكوابح التعطيل..!؟
باقر الفضلي

جاء البيان الختامي للقيادة الفلسطينية الصادر يوم الاحد 14/12/2014 ، ليحدد في النتيجة التوجه الصحيح للشعب الفلسطيني في مواجهة تحديات المرحلة الراهنة، وليرسم خارطة الطريق التي تتماثل مع طبيعة تلك التحديات، ويضع حدأ لكل الإفتراضات، والمواقف المترددة، بما فيها تلك المتشككة في موضوعية قراءة الواقع الراهن من قبل تلك القيادة، أو تلك التي تبحث في الزوايا وتترصد العثرات..!؟

ومع أن كل ما يتعلق بالأمر الفلسطيني، يظل شأناً فلسطينياً لا غير، إلا أن هذا لا يمنع من الإشارة الى بعض ما يقف أمام ذلك التوجه الذي إرتضاه الشعب الفلسطيني في خطوطه العامة، من عراقيل وكوابح، تحاول عبثاً من إعاقة الخطوة الرئيسة التي أقرتها القيادة الفلسطينية في التوجه الى مجلس الأمن، وطلب التصويت على تحديد فترة زمنية لإنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية [[عن جميع الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ، واعتبار القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين وجزءا لا يتجزأ من الأراضي التي يجب أن ينسحب عنها الاحتلال وضمان حقوق اللاجئين وفق قرار 194." ]](1)   

وليس غريباً أن تأتي تلك العراقيل أولاً من قبل الدولة المحتلة " إسرائيل " ، وعلى لسان رئيس الحكومة الإسرائيلية، الذي يرى في انتهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية خطراً على أمن إسرائيل، على حد قوله، محاولاً بذلك، ربط رفضه لمشروع القرار الفلسطيني _ العربي بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، بما بات ذريعة في تمرير الكثير من الأجندات الأمريكية والغربية، في أطالة ذلك الإحتلال، حيث يرى رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن : "الإرهاب الإسلامي يرسل أذرعه إلى كل أنحاء المعمورة، سنتصدى لأية محاولة تأتي بهذا الإرهاب إلى داخل بيتنا، إلى دولة إسرائيل". ..!؟(2)

كما إنه ليس بخاف على المتابع لطبيعة النزاع العربي _ الإسرائيلي، ما يلعبه الدور الأمريكي من موقف حاسم في مثل هذه القضايا، خاصة وبيده سلاح الحسم المعروف ب " حق الفيتو " في النهاية، إذا ما كان أي مشروع قرار مطروح على التصويت لا يحضى على أقل تقدير، بموافقة أو رضا إسرائيل؛ فإنه ومن نافلة القول،  الإفتراض أو التكهن، بأن أي موافقة أمريكية لتمرير مثل ذلك القرار، لابد وأن تكون مقرونة بشروط لتمرير مشروع قرار بهذا القدر من الأهمية الجيوسياسية والتأريخية، الأمر الذي تشير اليه كافة الدلائل الموضوعية؛ وهو أمر يترك تقديره لمن في يده مثل هذا الشأن، ووحدة الكلمة الفلسطينية هي الحاكم الفاصل في الأمر..!؟(3)

وعلى صعيد آخر،  فلم يك التوجه الفلسطيني في منجى من العراقيل والكوابح، التي تتصدى له من داخل الصف الوطني الفلسطيني، فبقدر ما كانت دعوة القيادة الفلسطينية الى كافة فصائل الصف الوطني في توحيد الكلمة والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات، حيث جاء بيان القيادة الوطنية الفلسطينية واضحاً ورصيناً في توجهه الى كافة الفصائل الفلسطينية حيث أهاب مناشداً جميع القوى الفلسطينية؛ [[ في هذه الظروف المصيرية إلى قيام جميع القوى بدون استثناء إلى حشد طاقاتها وجهودها لتعزيز تماسك الوضع الداخلي ووحدة الصف الوطني في عموم الوطن والتوجه الجاد نحو الإيفاء بمستلزمات واستحقاقات المصالحة الوطنية بدون إبطاء.]]

فإنه وفي هذا الوقت العصيب، وفي لحظات تحرك السلطة الفلسطينية بإتجاه مجلس الأمن، تنبري أطراف من الصف الوطني الفلسطيني وعلى لسان بعض قياداتها، بشن هجمة شديدة ضد توجهات القيادة الفلسطينية، مما يدعو الى الإستغراب والدهشة، وكأن ما أقدمت عليه القيادة الفلسطينية، من خطوة رصينة بإتجاه تأكيد الحق الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة على ترابه الوطني ومن خلال الطريق الشرعي دولياً، وكأن فيه ما يخل بحقوق الشعب الفلسطيني، متناسية حجم التطور الذي وصلت اليه القضية الفلسطينية على الصعيد الدولي، وكيف باتت الدول الغربية ودول العالم الأخرى، تتسابق في مضمار الإعتراف بالدولة الفلسطينية..!؟؟

 فأي خطأ تأريخي إستراتيجي، آخذة في إرتكابه مثل تلك الأطراف الفلسطينية، في لحظة تحرك القيادة الفلسطينية ومن ورائها الشعب الفلسطيني، بإتجاه مجلس الأمن، رغم جميع الإشكاليات والألتباسات التي تحيط بذلك التحرك،  وهي هادفة من وراء ذلك، وضع المجتمع الدولي أمام إمتحان تأريخي في تثبيت حق الشعوب، لإنهاء آخر شكل من أشكال الإحتلال العنصري الذي فاق في غطرسته وتماديه، أسوء أنواع الإحتلال التي شهدها العالم، بما فيها " الأبارتهيد"..!

فليس عبثاً أن تؤكد القيادة الفلسطينية في بيانها المشار اليه في أعلاه، ... [[ إن القيادة الفلسطينية تؤكد أن كل التطورات تثبت أن العالم بأسره يجمع اليوم على أن المهمة المركزية هي مهمة إنهاء الاحتلال، ويتلاحم العالم اليوم مع المسيرة الكفاحية لشعبنا الفلسطيني لهذا الهدف ولإنجاز تلك المهمة. ولذا فإن القيادة الفلسطينية تدعو وسوف تعمل على وضع كل الطاقات والجهود الشعبية والنضالية وجميع الإمكانيات السياسية والدبلوماسية لإنهاء الاحتلال عن أراضي دولة فلسطين العضو في الأمم المتحدة وفي جميع الهيئات الإقليمية والدولية.]]
باقر الفضلي/ 2014/12/15
____________________________________________________________________________   
(1)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=53714
(2)  http://ar.rt.com/gglu
(3)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=53900
   
   



13


فلسطين : الشهيد زياد ابو عين _ ضحية الإِحتلال..!؟(*)

باقر الفضلي

يظل مسلسل الضحايا الفلسطينيين، المتواصل منذ أكثر من ستة عقود، مرتبطاً بكل أسبابه ودوافعه وغاياته، بحالة الإحتلال الإسرائيلي الغاشم للأراضي الفلسطينية، الإحتلال المقرون بكل أشكال العسف والإضطهاد والتنكيل بشخصية الإنسان الفلسطيني، وتدمير الأرض وهلاك الحرث والنسل، حيث لا ينبغي هنا، مجرد المرور مرور الكرام على ما يفسده جيش ذلك الإحتلال، من قبيل كل ذلك، بإعتباره أحداث عابرة، أو نتيجة أفعال عارضة أو أخطاء غير مقصودة لهذا المجند أو ذاك، أو طبقاً للمنطوق الإسرائيلي:" فإن ما يصيب الضحايا يعود في أسبابه لطبيعة تصرف الضحايا أنفسهم، أو لملابسات أخرى تعزى اليهم إفتراءً "..!؟؟(1)

إن أغلب الضحايا الفلسطينيين، سقطوا نتيجة مقاومتهم للعدوان الإسرائيلي والإحتلال، وجلهم كان أعزلاً من السلاح، أو مشاركاً في أعمال التظاهرات والإحتجاجات السلمية، ضد إقامة جدار العزل العنصري الإسرائيلي، أومساهماً في محاولات التصدي لأجتياح المتطرفين الإسرائيليين للأماكن الفلسطينية المقدسة، ومنها بيت المقدس، وفي منع الفلسطينيين من أداء طقوسهم الدينية المعتادة، وبمعنى آخر كان جل ما يلجأ اليه الضحايا الفلسطينيون، لا يخرج في إطاره العام عن مقاومة الإحتلال والعدوان، أو يدخل في إطار الدفاع عن النفس، وفي كلتا الحالتين، كفلت القوانين والشرائع الدولية والإنسانية للشعب الفلسطيني حقه في كل ذلك، ناهيك عن حقه في الحفاظ على وجوده، وأرضه وتراثه والدفاع عن كرامته، التي تتعرض كل لحظة الى الإنتهاك من قبل الإحتلال والعدوان الإسرائيلي، بكل ما يعنيه ذلك الإنتهاك من تجاوز ورفض لقرارات المنظمات الدولية وفي مقدمتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وخرق للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وليس أدل على ذلك ما أصاب غزة مؤخراً من خراب ودمار جاوز حدود المعقول..!؟

ويأتي إستشهاد المناضل الفلسطيني زياد ابو عين، وبهذه الصورة البربرية، وطبقاً لتوصيف الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، وما سبقه من سقوط الكثير من الضحايا الفلسطينيين في معترك النضال الفلسطيني الوطني، ليشكل تحدياً لا سبيل لدرئه أمام المجتمع الدولي، ، طالما ظل "الإحتلال الإسرائيلي"، مجسداً بصورة "الإستيطان" ، وقابعاً في مواجهة الشعب الفلسطيني؛ وطالما ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، آلة بيد اليمين الإسرائيلي المتطرف، الأمر الذي لا فكاك منه أمام الشعب الفلسطيني، إلا الإستمرار في مقاومة العدوان والإحتلال، والتشبث بأرضه الفلسطينية، كأي شعب مهدد في وجوده، ومنقوص في حريته وسيادته الوطنية..!(2)

لقد دفعت جريمة الإغتيال النكراء بحق المواطن الفلسطيني المناضل زياد ابوعين، والذي كان مشاركاً في جهد إنساني لزراعة أشجار الزيتون، دفعت الرأي العام العالمي والشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطيني للتنديد بها وإستنكارها الشديدين، مؤكدة في عين الوقت؛ [[على أن اغتيال الشهيد القائد رئيس هيئة مقاومة الجدار والإستيطان لن يثنينا عن مواصلة مسيرتنا النضالية للدفاع عن هذه الأرض بإصرار أكبر وعزيمة أشد، حتى نيل حقوقنا الوطنية المشروعة وفاء لدماء شهدائنا الأبرار الذين ضحوا بحياتهم لينال شعبنا الفلسطيني حريته واستقلاله، وإنجاز إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.]](3)
باقر الفضلي/ 2014/12/11
______________________________________________________________________________
(*)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=52914
(1)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=53070
(2)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=52911
(3)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=53115








     
 


14

فلسطين: أوباما و" النفس اليهودية "..!؟

باقر الفضلي

[[   أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما ربما توصل إلى أقوي طريق - وربما الطريق الوحيد -
لينتهجه نحو إحلال السلام وإقامة دولة فلسطينية والذي يتمثل في مخاطبة ضمير إسرائيل. ]]
                                                                                                                       ( صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية )


في خطابه أمام الطلبة والشباب في مركز المؤتمرات الدولية بالقدس، بتأريخ الحادي والعشرين من آذار2013، كان الرئيس الأمريكي السيد أوباما، في غاية الصراحة والوضوح في خطابه المذكور، حول كل ما يتعلق بمستقبل المسار السياسي لدولة إسرائيل، وبكل ما له علاقة بمفهومه للسلام بين إسرائيل وجيرانها، وعن طبيعة العلاقة المفترض وجودها بين فلسطين وإسرائيل كشعبي ودولتي جوار، ولم يترك الرئيس أوباما، شاردة أو واردة، في شأن العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية المستقبلية، إلا وتطرق اليها ، ناهيك عن مشاعره وأحاسيسه الشخصية بهذا الشأن..!(*)

المهم في الأمر، إشارة الرئيس أوباما المتكررة، حول " يهودية إسرائيل " ، و" يهودية " الشعب الإسرائيلي، ومخاطبة ما يختلج في نفوس الشباب الإسرائيلي من مشاعر التعصب العنصري، وتمجيد صفحات التأريخ من خلال ما تعرض له اليهود في العالم ، من مآس ومحن، ومعاناة، والتي باتت كالشرارة التي تقدح كل ذلك الركام، من الحقد العنصري، والكراهية المقيته، لتتجسد في مشروع قانون لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي، تحت تسمية " قانون القومية "  ، والذي أقل مايمكن القول عنه؛ أنه نسف من الجذور كل الأماني والطموحات التي حاول الرئيس أوباما أن يجسدها في خطابه المذكور؛ من إمكانية قيام حل الدولتين، ومن ضرورة تمتع الشعب الفلسطيني بحقه في قيام دولته الوطنية الديمقراطية، الى جانب دولة إسرائيل، كحق لا مناص من التمتع به، إسوة بالشعب الإسرائيلي..!؟؟(1)
   
ما حاول الرئيس أوباما أن يؤكده في خطابه من مفاهيم ومثل " إنسانية " عن دولة إسرائيل التي وصفها بالدولة" اليهودية الديمقراطية "، فإنها لم تنعكس لدى حكومة نتنياهو الحالية والمستوزرة منذ عام/2009، إلا في صورتها " اليهودية " العنصرية، بعد أن نزعت عنها أي شكل من أشكال الديمقراطية، التي أراد من ورائها الرئيس أوباما، أن يخفف من مغالاة الأحزاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة، وفي طليعتها حزب الليكود الإسرائيلي، برئاسة رئيس الوزراء الحالي السيد بنيامين نتنياهو،  في تعصبها الديني العنصري الأعمى في إدارة دولة إسرائيل، رغم طبيعة التناقض الظاهر في مصطلح " اليهودية الديمقراطية" الذي إستخدمه الرئيس أوباما في مخاطبته لجموع الشباب الإسرائيلي، بهدف الإيحاء لهذه الفئة من المجتمع بما يعنيه تبني المسار الديمقراطي في بناء دولتهم، وقبول وجود من يشاركهم في الجوار من أبناء الشعوب الأخرى، ممن يمتلكون نفس الطموح، ويناضلون من أجله؛ قاصداً من وراء ذلك، تطلعات الشباب الفلسطيني الى بناء دولته الديمقراطية الحرة المستقلة...!

لقد كان في خطاب الرئيس أوباما الكثير والكثير من الأفكار التي ينبغي التوقف أمامها، إذا ما أخذها المراقب من زاوية المقارنة بمعاناة الشعب الفلسطيني، وموقف الولايات المتحدة الأمريكية السلبي من هذه المعاناة، طوال خمس وستين عاما، ناهيك عن حديثه عن أمن إسرائيل، والتهديد المبطن وغير المباشر لبلدان وشعوب المنطقة المساندة  لحق الفلسطينيين المشروع ، في موقفها وردود افعالها من تصرفات دولة إسرائيل العدوانية، التي كرر وصفها بالدولة "الديمقراطية"، في حديثه عن السلام والإرهاب..!!؟

ومع أن إعتراف الرئيس أوباما في خطابه، بحق الشعب الفلسطيني في تحقيق مصيره، وضرورة أن يكون لهم وطن مستقل،  فإن هذا الإعتراف، لن يجد له من الجانب الآخر، صدى أو ترجمة صادقة، من قبل الحكومة الإسرائيلية والسيد بنيامين نتنياهو، رغم كل النصح والإهابات بالدولة الإسرائيلية " الديمقراطية " من قبل الرئيس أوباما في ذلك الخطاب،  بل على العكس من كل ذلك، فبعد مرور أكثر من عام على خطاب الرئيس الأمريكي، [[ اقرت حكومة اسرائيل مشروع قانون القومية، والذي يعرف بـ"يهودية الدولة" الذي من شأنه أن يحدد هوية دولة اسرائيل، القانون الذي يعبتره الفلسطينيون بمثابة "النكبة الثانية"، كونه يضيف الطابع اليهودي للكيان، وينفي الوجود العربي القومي في فلسطين.]](2)

وقد جوبه مشروع القانون المذكور بإنتقاد شديد من قبل السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني؛ فقد[[ هاجمت منظمة التحرير الفلسطينية يوم الثلاثاء اقرار الحكومة الاسرائيلية لقانون "يهودية الدولة"، وقالت إن ذلك "يقتل" كل امل في احلال السلام.]](3)
هذا في الوقت الذي شكك فيه الرئيس الإسرائيلي نفسه، بنجاح مشروع القانون المذكور، وبأنه "يعرض إسرائيل لتشهير خارجي، ويفسر كتشكيك بنجاح المشروع الصهيوني"..!(4)

ومع التسليم بطبيعة الخلاف في الرأي والتوقيت بالنسبة لرجال السلطة الإسرائيلية، فإن جوهر السياسة الإسرائيلية في المنطقة بإتجاه الشعب الفلسطيني، لن يتغير منذ عهد طويل، وهي تمثل ستراتيجية ثابتة مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، جيوسياسياً وعسكرياً وإقتصادياً، وفي جميع المجالات والمحافل الدولية؛ ولعل في الإيغال بسياسة الإستيطان، والقمع المستمر ضد الشعب الفلسطيني، ناهيك عن الرفض المتواصل لكل القرارات الدولية المتعلقة بالحق الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية الحرة المستقلة، والتنكر لحق العودة للفلسطينيين؛ فإن في كل هذا ما يرسم مجرد ملامح واضحة لتلك الستراتيجية العدوانية، والتي تجسدت أخيراً في مشروع قانون "الدولة اليهودية"، الذي يرسم صورة واضحة المعالم عن الطبيعة العنصرية لحكومة اليمين المتطرف الإسرائيلي، والتي لا تخدم في جميع تداعياتها المستقبلية، كلا الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، ولا تساعد على حفظ السلم والأمن الدوليين في المنطقة، طالما ظلت الحكومة الإسرائيلية متمسكة بسياستها في قضم الأراضي الفلسطينية وفي التنكر لحل الدولتين ورفض حق العودة..!؟
باقر الفضلي 27/11/2014   
(*)  http://www.youtube.com/watch?v=3Hrql8OxZzI
(1)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=51033
(2)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=51033
(3) http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/11/141125_israel_jewish_state_plo
(4)  https://www.facebook.com/pages/%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%8A%D9%88%D8%B1%D9%83-%D8%AA%D8%A7%D9%8A%D9%85%D8%B2-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D9%87/465421240190446




15

فلسطين: الإتحاد الأوروبي على الطريق الصحيح..!

باقر الفضلي

إنه ومن نافل القول، أن تجد الأفعال والخطوات السياسية الصحيحة والمنسجمة مع المنطق العقلاني لواقع الحال، مكانها الصحيح في سلم الأولويات الجيوسياسية، سواء على الصعيد الوطني أو الأقليمي، ناهيك عن الدولي؛ ومن هذا المنطلق، وفي نطاق القضية الفلسطينية، وفي إطار عقدة الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، جاءت الخطوة الجريئة للحكومة السويدية في إعلان إعترافها بالدولة الفلسطينية، بمثابة الدليل القاطع، على صواب الخطوة السويدية، وإنسجامها المنطقي مع القرارات الدولية للأمم المتحدة، فيما يتعلق بحل الدولتين، ناهيك عن توافقها التام مع مصالح الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وموضوعيتها سواء من حيث المنطلقات أو الأهداف، مع كل ما يصب في خدمة السلم والأمن الدوليين، ومصالح دول المنطقة الإقليمية، ويسهم عملياً في حل عقدة النزاع العربي _ الإسرائيلي، ويمنح المنظمة العالمية دورها الإيجابي في صيانة السلم والأمن الدولي، وقطع الطريق أمام كل محاولات تأزيم العلاقات الدولية، أو التذرع بما يمت بصلة للتطرف أوالعنف والإرهاب، بالإضافة لما يحقق مصالح الدول الأوروبية نفسها من خلال تمتين علاقاتها مع دول المنطقة، فليس في  وارد القول، إختزال تلك المصالح، فقط في علاقاتاها مع إسرائيل حسب..!(1)

وفي نفس الإتجاه حذت دول الإتحاد الأوروبي، حذو دولة السويد في خطوتها الشجاعة، لتعلن وعلى لسان ممثلة الشؤون الخارجية للإتحاد الأوروبي السيدة فيديريكا موغريني، وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الحكومة الفلسطينية رامي الحمدالله، اعتبرت موغريني انه "لا بد من وجود دولتين اسرائيلية وفلسطينية"، مؤكدة ان "الاتحاد الاوروبي يدعم قيام دولة فلسطينية"، لافتة الى انه "علينا ان نسعى الى تحقيق السلام في المنطقة".(2)

كل هذا يأتي في زمن فات فيه على الإدارة الإسرائيلية، ممثلة بحكومتها العنصرية المتطرفة؛ أن الإيغال في التطرف العنصري، والإندفاع الجنوني، في المضي بسياستها المعادية لحقوق الشعب الفلسطيني، بالتنكر لكل قرارات الأمم المتحدة ، وفي مقدمتها قرارها في تحريم "الإستيطان"، وتجاوزاتها المستمرة على حرية الفلسطينيين في أداء معتقداتهم، وإنتهاك مقدساتهم وأماكن عباداتهم، وفي طليعتها المسجد الأقصى، بإنتهاك حرماته، والإقدام مؤخراً على إغلاقه بوجه المصلين الفلسطينيين، إضافة الى ما تتعرض له مدينة القدس المحتلة، وغيرها من المدن الفلسطينية الأخرى من إعتداءات غلاة المستوطنيين، ومن المسؤولين الرسميين الإسرائيليين وبرعاية من الحكومة الإسرائيلية،  "وما اشارت اليه نتائج استطلاع الرأي الاسرائيلي يؤشر بأن الغالبية الساحقة 80% من اليهود توافق على تدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم، والذي يظهر بشكل جلي مدى  التعبئة العنصرية"، وفقاً لتقرير" الإستيطان للأسبوع الأول من تشرين الثاني من 1/11/2014 حتى 7/11/2014 "(3)

لقد فات على تلك الإدارة، ما يمكن أن تكون عليه ردود الفعل، سواء على الصعيد الداخلي، حيث الغضب العارم للشعب الفلسطيني، جراء القمع المتواصل ضد المواطنيين الفلسطينيين، وجرائم الإغتيال والقتل بدم بارد، كما جرى مؤخراً، [ وطبقا لصحيفة "هآرتس" العبرية اليوم الخميس، إنه وفقا للصور ومقاطع الفيديو وشهود العيان، فإن أفراد شرطة الاحتلال اعدموا منفذ عملية القدس، الشهيد إبراهيم العكاري (48 عاما)، أمس الأربعاء، بعد أن شلّوا حركته.](4)

وليس بعيداً عن كل هذا أن تأتي ردود الفعل والغضب الشعبي الفلسطيني، متوافقة ومتصاعدة مع كل تصعيد في تعنت السلطات الإسرائيلية والإيغال في غطرستها العنصرية، والتمادي في إهدارها لحقوق الفلسطينيين من جهة،  وإنعكاسات كل ذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي من جهة أخرى؛ فلا غرابة والحال، أن تنتبه دول الإتحاد الأوروبي، وفي طليعتها مملكة السويد، الى حجم الخطر الذي تمثله السياسة الإسرائيلية العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، وما يمكن أن تجره تداعياتها السلبية، من كوارث لا تحمد عقباها على السلم والأمن الدوليين، بما يهدد مصالحها في المنطقة، وما يسببه من ويلات على الصعيد الإنساني، ومن إنتهاكات فضة لحقوق الإنسان؛ فما جاء على لسان السيدة  فيديريكا موغريني، فيه من الكفاية ما يلجم كل إحتجاجات العنصرية الإسرائيلية، ورفضها لموقف المملكة السويدية وموقف الإتحاد الأوروبي في الإعتراف بالدولة الفلسطينية..!
باقر الفضلي 2014/11/8 
_________________________________________________________________________
(1)  http://ar.rt.com/gcvf
(2)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=48924
(3)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=48897 
(4)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=48653

 

16
سوريا: التحالف الدولي والدور التركي..!؟

باقر الفضلي

ليس هناك من وجه للغرابة، أن تأتي تصريحات الرئيس التركي السيد أوردغان الأخيرة، حول دور تركيا وموقفها من الأهداف التي حددها التحالف الدولي بقيادة أمريكا، من قضية ما يدعى بمحاربة تنظيم الدولة في المنطقة " داعش " ، متناسقة وتصب في نفس المسار الذي حدده ذلك التحالف من قبل، وهو آخذ بتنفيذه على صعيد الواقع، عن طريق غارته الجوية التي لا تنقطع، ضد المواقع المفترضة لذلك التنظيم ليل نهار في كل من العراق وسوريا، فليس هناك ثمة ما يدعو للإستغراب في تلك التصريحات للرئيس التركي، ولكن اللافت في الأمر، أن الرئيس التركي، في تلك التصريحات، ربما كان أكثر ملكية من الملك نفسه..!!؟   

فجل ما إستهدفه تشكيل التحالف الدولي، وما أعلن عنه جهاراً نهارا ، أن هدفه ينصب على محاربة ما يدعى تنظيم الدولة "داعش" والقضاء عليه، ولم ينبس ببنة شفة عن إستهدافه إسقاط النظام السوري، أو وفق ما يدعوه السيد أردغان ب" نظام الأسد"، ولكن ما هو ملفت في تصريحات السيد أوردغان، هو الصراحة في بيان الهدف الخفي الذي حاول التحالف الدولي المذكور، التسترعلى أعلانه، والمقصود به دولة سوريا؛ وهو أمر سبق وأن جرى إلقاء الضوء عليه في المقالة الموسومة [ الإرهاب: التحالف الدولي وأهدافه الخفية]..!؟ (1)   

فليس في تصريح السيد أوردغان ما يدفع على الإلتباس، بعد أن قرر اليرلمان التركي الموافقة على تدخل القوات التركية الى الأراضي العراقية والسورية، بناء على مذكرة مقدمة من الحكومة التركية الى البرلمان بهذا الشأن؛ وفي إشارة واضحة أدلى السيد أوردغان أمام البرلمان بما يؤكد نواياه من وراء مشاركة تركيا التحالف الدولي فيما خطط له من وراء محاربة تنظيم الدولة في العراق وسوريا، حيث أشار بصريح العبارة :  [[إلى ان إسقاط "أطنان من القنابل" على مسلحي "الدولة الإسلامية" سيؤدي فقط إلى هدوء مؤقت مؤكدا على ان "الإزاحة الفورية لنظام الاسد في دمشق" ستظل أولوية لبلاده.
ودعا اروغان مرارا إلى إنشاء منطقة عازلة على الحدود التركية داخل سوريا من خلال فرض منطقة حظر للطيران للحفاظ على الأمن.]](2)

إن الموقف التركي من الجارة الجنوبية دولة سوريا، ليس إبن يومه، فما تضمره حكومة تركيا لجارتها الجنوبية دولة سوريا، لا يعبر عما يسر النفس، أو يعكس حالة من حسن الجوار بين البلدين الجارين، رغم كل الأواصر الطيبة التي تربط العلاقة بين الشعبين التركي والسوري، ناهيك عن الروابط التجارية والإقتصادية التي تربط البلدين الجارين..!

  فكل ما يشي من تصريحات المسؤولين الأتراك، يعكس حقيقة الدور التركي المرتقب في التحالف الدولي التي تقوده الولايات المتحدة في "حربها ضد الإرهاب" ، ولا يبتعد في مظهره ومحتواه عن أهداف التحالف المذكور؛ وإن كان في حقيقته، يتعارض بل ويتناقض مع القانون الدولي، حينما تعلن قيادات بأعلى مستوى من المسؤولية، عن إشتراطها لدعم نوايا التحالف الدولي المعلنة والمشاركة بنشاطاته ، إسقاط أنظمة الدول الأخرى، والمقصود هنا دولة الجارة سوريا، فليس في الأمر ما يمكن إخفائه أو التستر عليه، وأصبح من المتعارف عليه أن تتوافق التكتيكات بما فيها تاكتيكات قيادة حلف الناتو مع مضامين تلك التصريحات، للوصول الى الهدف المنشود من وراء تشكيل التحالف الدولي، فمجرد موقف تركيا من قضية كوباني على سبيل المثال، يمثل فقط برهاناً واضحاً عن الأهداف التركية بالنسبة للقضية الكوردية في تركيا، والتي تؤرق النظام التركي ليل نهار، وما شعارالحرب ضد الإرهاب الملتبس، إلا ذريعة مناسبة لضرب عصفورين بحجر واحد..!؟ (3)

أما ما يعلن عن إنشاء منطقة عازلة داخل الحدود السورية، وهو بحد ذاته إنتهاك صارخ لسيادة دولة سوريا، ويعبر عن نفس التكتيك المتعارف عليه سابقاً في أحداث ليبيا، وحول هذا قد جرى كلام كثير، فإنه يصب في خدمة أهداف التحالف الدولي وسياسته الإزدواجية في محاربة الإرهاب في المنطقة، الأمر الذي أكده بوضوح موقف الرئيس الفرنسي السيد فرانسوا هولاند اليوم، دعماً للموقف التركي في التدخل بالشأن السوري، والذي فضح بجلاء حقيقة الهدف الذي يتوخاه التحالف الدولي في النهاية؛ فجميع الأوراق قد أصبحت مكشوفة، وتصريحات السادة الأتراك هي الأخرى، قد وضعت النقاط على الحروف ولا تحتاج الى مزيد من الإيضاح والإفصاح..!؟ (4)     

اما الموقف الدولي بهذا الشأن، فبقدر ما يجري التشويش عليه بإستمرار من قبل الإعلام الغربي، في محاولة لعزل الدولة السورية ومحاصرتها؛ يسعى التضليل الإعلامي الغربي دون توقف، الى تحميل الجهات السورية مسؤولية ما يحدث على الساحة السورية، ويدفع  بإتجاه تحريض تركيا على التدخل بالشان السوري، من خلال ما يدعى ب "الحرب ضد الإرهاب"، في محاولة لخلط الأوراق، بما يحيل تركيا، وهي دولة عضو في حلف الناتو، ولها الكثير من الأسباب، ما يجعلها أكثر قبولاً لأن تكون رأس الحربة في الخطط المرسومة من قبل التحالف الدولي الجديد بقيادة أمريكا، للتغيير في المنطقة..!!؟(5)

هذا في الوقت الذي جاء وكرد فعل على إمكانية التدخل التركي عسكرياً في سوريا، بقدر ما لهذا التدخل من تداعيات خطيرة على الأمن والسلم الدوليين وعلى سلامة وأمن المنطقة، أن أشار وزير الخارجية الروسي السيد سيرغي لافروف 8 أكتوبر/ تشرين الأول الى القول [[ بإن محاربة الإرهاب يجب أن تتم بموافقة الدول التي تعاني منه.]](6)

ولكن مما يعتم على صورة الحقيقة، وعلى النوايا الخفية، هو ذلك العنف الممنهج، الذي طال المدنيين الأبرياء بأبشع صوره، والمدعوم لوجستياً وإعلامياً من قبل دول هي نفسها أعضاء في التحالف الدولي آنف الذكر، وما يزيد الأمر أكثر عتامة، هو ما يتكرر وبإستمرار في الإعلان الرسمي لقادة التحالف الدولي نفسه، عن ستراتييجيات غير واضحة المعالم عما يتعلق بالحرب على تنظيم الدولة " داعش" ، وبأن الأمر قد يقتضي، ما يزيد على ثلاث سنوات، وذلك وفقاً لحسابات قائد التحالف الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى لسان الرئيس أوباما، كي يمكن القضاء على التنظيم المذكور في المنطقة، ناهيك عن أربعين دولة أعضاء في ذلك التحالف، وجميعها من الدول الأكثر مقدرة ومكنة عسكرية في العالم، مما يبعث على الإستغراب والتساؤل ويثير الكثير من الظنون والجدل عن حقيقة جدية دول التحالف نفسه وفي مقدمتها أمريكا، في حربها المعلنة ضد هذا التنظيم، وهو أمر متروك تقديره للخبراء العسكريين في جميع الأحوال..!؟(7)

 إن جميع ما تقدم يلقي بضلاله على حقيقة التوجه الخفي لدول التحالف الدولي وقيادة الناتو، الذي يستهدف دولة سوريا، من خلال صرف الأنظار عن حقيقة التوجه المذكور، برسم سيناريوهات ذات أبعاد تجر المتابع الى ساحات أخرى تبدو فيها دول التحالف بما فيها الدولة التركية وكأنها هي المستهدفة من وراء الهجمة الإرهابية في المنطقة..!؟؟(8)   
باقر الفضلي/ 9/10/2014
______________________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=434736
(2)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/10/141002_turkey_parliament_vote
(3)   http://ar.rt.com/gax9
(4)   http://ar.rt.com/gb17
(5)   http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2014/10/141007_press_wednesday
(6)   http://ar.rt.com/gb03
(7)   http://ar.rt.com/gani
(8)   http://www.almayadeen.net/ar/news/europe-c65oJ_O80kGTpqO8AQcZGg/??????-??????-??????-?????-??-???-???????



17

                     الإرهاب: التحالف  الدولي وأهدافه الخفية..؟!

باقر الفضلي

لم تعد هناك اهداف خفية، فالولايات المتحدة الأمريكية، القائدة للتحالف الدولي، الذي عملت على تشكيله لغرض التصدي لتنظيم ما يدعى بالدولة الإسلامية " داعش" في العراق وسوريا، كانت واضحة بما فيه الكفاية للكشف عن تلك الأهداف، من خلال ما حاول الرئيس الأمريكي السيد أوباما، في كلمته الموجه الى المجتمع الدولي أمام الجمعية العامة للأمم في دورتها /69  في 24/ ايلول/2014، أن يوجه الأنظار الى خطر التنظيم المذكور على المجتمع الدولي بإشاعته الإرهاب والقتل؛(1)

 وبقدر ما أشادت كلمة الرئيس الأمريكي بإهمية الإلتزام بمباديء الأمم المتحدة، والإشارة الى ما عاناه المجتمع الدولي عبر قرن من الزمن، من الحروب وضحاياها، ومن العنف والعنف المضاد بين الشعوب، كما هو الحال بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولكن ورغم كل معسول الكلام، وفي بعض الأحيان منطقيته، إلا أن واقع الحال، وفي غير قليل من الأمور، يظهر التناقض جلياً بين تلك الوقائع وبين ما يقال على صعيد الكلمات، فالإلتزام بمباديئ الأمم المتحدة على سبيل المثال، يفترض بدهياً إحترام سيادة الدول وإحترام إستقلالها الوطني، فليس في مثال شن الغارات الجوية من قبل أطراف التحالف على سوريا تحت ذريعة مهاجمة تنظيم دولة " داعش" دون إتفاق مسبق مع الإدارة السورية ما يتفق وتلك المباديء..!؟

الأمر نفسه يمكن الإشارة اليه فيما يتعلق بالمساواة بين الجاني والضحية، ويكفي مثالاً على ذلك حينما يجري الحديث عن العنف المسلط على الفلسطينيين من قبل الحكومة الإسرائيلية، ومقارنته بمقاومة الشعب الفلسطيني الأعزل، في دفاعه عن أراضيه المحتلة، ورفضه  للإستيطان الإسرائيلي..!؟

ولعل الإغرب في كل ذلك، ما يتعلق بالهدف المباشر والأساس من تشكيل التحالف نفسه، حيث وكما هو معلن على الصعيد الدولي، ان الغاية من هذا التشكيل تنصب على تدمير تنظيم دولة ما يدعى ب " داعش" في كل من العراق وسوريا طبقاً لقرار مجلس الأمن / 1270 ، ومع أنه لا يوجد هناك، ما يسند التحالف المذكور، شرعيا؛ فإن قادة هذا التحالف ، قد منحوا أنفسهم صلاحية إنتهاك سيادة الدول الأخرى، بذريعة محاربة الإرهاب، دونما تخويل أو موافقة من تلك الدول، اما ما تبطنه أو تخفيه ظواهر الأشياء فهو ما ستظهره قادمات الأيام، وإلا كيف يمكن تفسير كل هذه الضجة العسكرية والتهويل المنقطع النظير والتحشيد العسكري الفائق القدرة والقوة، لمواجهة عدو غير معروف المعالم..؟!

وكي لا نسبق الأحداث، فقد جرى في السابق وفي المقالة الأخيرة الموسومة [[ الإرهاب: سوريا وحصان التحالف الدولي]] ، التنويه والإشارة الى أن ما يستهدفه تشكيل التحالف الدولي، لا يخرج بعيداً عن إستهداف دولة سوريا وفق السيناريو الجديد ، الذي يشكل فيه الحرب على " داعش" قطب الرحى؛ فلم يمض وقت طويل، حتى جاءت الأحداث لتؤكد حقيقة الواقع، وبأن أبعاد التحالف الدولي، لا تخرج في أهدافها، بعيداً عن المقصود المشار اليه، ناهيك عما له علاقة وثقى، بما يرتبط  بإعادة تخطيط المنطقة، ورسم واقعها بما يضمن مصالح دول التحالف الدولي الجديد..!!؟

فوفقاً لآخر ما نضحت به خطط البنتاغون الأمريكية، وعلى لسان رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي الجمعة 26/9/2014، [[ فإن هناك حاجة إلى ما بين 12 و15 ألف مقاتل من قوات المعارضة لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها الدولة الإسلامية في شرق سوريا]] ، ويمضي مضيفاً [[ والأمل في أن تتمكن قوة منظمة ومجهزة بشكل جيد من المعارضة المعتدلة من الاستفادة من الغارات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذين سيطروا على مساحة واسعة في سوريا]] (2)

وهو ما جرى تأكيده عملياً من خلال [[ توقيع الاتفاق، الذي وصف بـ"التاريخي"، في ختام اجتماع عُقد في تركيا الخميس، بتنسيق مشترك بين لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، و"المنظمة السورية للطوارئ"، التي تتخذ من العاصمة الأمريكية واشنطن مقراً لها.]](3)

أو بالترويج لأفكار تصب عملياً في نفس مسار الهدف المقصود، وأقل ما تعنيه، إستقطاع مساحات من أراضي الدولة السورية، وإستخدامها كملاذات آمنة، وبذرائع ذات طابع إنساني، ولكنها تخفي من ورائها إهدافاً لم تعد مجهولة؛ فعلى حد ما جاء في صحيفة نييورك تايمز في 27/9/2014؛ [[ لم تستبعد الإدارة الأمريكية تأسيس منطقة حظر طيران فوق المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا لحماية المدنيين من الغارات الجوية للنظام السوري.. وقال وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل إن بلاده تنظر في طلب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود السورية التركية حيث يلجأ عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين,,!؟]](4)

كل هذا يجري له التخطيط بعيداً عن طبيعة العلاقات بين الدول، وترتبط حلقاته في سيناريو بات واضح المعالم، وأقل ما فيه؛ انه يتعارض كلياً مع مباديء وميثاق الأمم المتحدة، ويذكر بسيناريو الناتو الذي إستهدف دولة ليبيا، والذي أحالها الى دولة يمزقها الإنقسام وبوادرالحرب الأهلية، في الوقت الذي يؤسس فيه على الصعيد الدولي، الى عالم يعيش في كنف محركات الحرب الباردة، بكل ما يهدد الأمن والسلم الدوليين..!!؟(5)
باقر الفضلي/27/9/2014
_____________________________________________________ 
(1)   http://www.youtube.com/watch?v=fN3QAtQM-V4
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKCN0HM01N20140927?sp=true
(3)   http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/09/26/us-syria-rebel-agreement
(4)   http://arabic.cnn.com/world/2014/09/27/world-papers
(5)   http://ar.rt.com/ga4x


18

الإرهاب : سوريا و" حصان التحالف الدولي"..!؟؟

باقر الفضلي

ليس المهم هنا القول؛ بأن "الإرهاب  الدولي" قد غزا منطقة الشرق الأوسط ، مخترقاً حدود الدول العربية على وجه التخصيص، في صورة جديدة هي" تنظيم دولة الخلافة_ داعش"، ليلعب نفس لعبة ما يدعى ب " حصان طروادة " في التأريخ، فالوسيلة والغاية واحدة ، وإن إختلفت الذرائع بالأشكال والأسماء، فيوماً القاعدة، وآخر النصرة، واليوم "داعش"، وغداً الله أعلم، والحبل على الجرار، ما دام هناك من له مصلحة مقصودة في المنطقة..؟!

فكل شيء يمكن إختراقه، وإن حصن نفسه بكل الممنوعات، وبكل دروع " الأمم المتحدة " من قوانين ومواثيق؛  فتنظيم ما يدعى ب" داعش"، كوسيلة وذريعة في نفس الوقت، باتت هي الورقة الأكثر فعالية للوصول الى الأهداف التي رسمتها الدول ذات المصالح في المنطقة، وفي مقدمتها "التحالف الدولي" ، الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية، من أربعين دولة إقليمية وغربية..!؟؟ (1)   

فلم يعد الهدف أوالغاية التي صمم من أجلها  " التحالف الدولي" بقيادة أمريكا، خفياً على المتابع لشأن المنطقة، وقد بات أكثر وضوحاً بعد أن أعلن الرئيس أوباما ستراتيجيته الأخيرة بخصوص محاربة " تنظيم الدولة _ داعش" ، وبعد إقرار الكونكرس الأمريكي لقانون مساعدة  "المعارضة المعتدلة السورية" ، وتوقيع الرئيس الأمريكي للقانون المذكور..!؟

 فالغاية من التشكيل الذي بني على أساس شكلي من قرار مجلس الأمن/ 2170، باتت أكثر تجلياً ووضوحاً مما كان عليه في السابق؛ لتصبح  دولة سوريا اليوم، هي المعنية بالتشكيل المذكور، وهي الهدف المقصود رغم كل هذا التجييش، والدعم الدولي الذي يوجه للعراق، المغلوب على أمره، بعد أن وطأ " حصان التحالف الدولي" أرض الموصل الحدباء..!؟(2)

  فكل الدلائل تشير بأن؛ " تنظيم الدولة / داعش" هو "الحصان" (اللعبة)، الذي سيمتطي ظهره التحالف الدولي، للإنقضاض على سوريا ، وكأنه الصقر المتلهف  لإصطياد فريسته في الجو، لا يمنعه مانع، أو يعيق سبيله عائق، بما فيه إحترام القانون الدولي، أو على حد تعبير المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة السيد فيتالي تشوركين: [[ بأن على واشنطن أن تنسق خطواتها مع دمشق إذا أرادت توجيه ضربات إلى مواقع المتطرفين في سورية.]](3)

فبعد أن أصبحت الأجواء مفتوحة أمام "التحالف الدولي"، وأمنت لطائراته، القواعد الجوية في"العراق" الدولة الجارة لسوريا، والعضو في التحالف المذكور، أو لدى دولة الإمارات وغيرها من الدول الخليجية المشاركة في عضوية هذا التحالف، أصبح هذا التحالف وحده من سيقرر، متى وكيف سيتم ذلك، وكانت السيدة سوزان رايس مستشارة الأمن القومي واضحة حين قالت: [[ إن أي هجمات في سوريا ستكون "في وقت ومكان من اختيارنا" و"متى وكيف نختار فعل ذلك سيكون قرارا يتعلق بالعمليات."]]...؟؟!(4)

وهكذا فقد أعطى " التحالف الدولي " بقيادة أمريكا لنفسه، كامل الحرية ، في تحديد الهدف لتوجيه رفسات حصانه، ولكن ومع ذلك، فليس هناك ما يؤكد دائما، أن تجري الأمور بالصورة التي ترتأيها أمريكا وتحالفها الغربي _ الخليجي/ التركي ، فسوريا ليست وحدها في ميدان الصراع ضد المجموعات المسلحة، كما وليس هناك ما يفيد بوجود إجماع دولي على صعيد الشرعية الدولية، بتأييد سيناريو دول "التحالف الدولي" بالتدخل المباشر في سوريا تحت راية الحرب ضد تنظيم " داعش" ، دون التنسيق مع الدول ذات الشأن وفي مقدمتها دمشق، بإعتباره وعلى العكس من ذلك، يمثل خرقاً للسيادة السورية، وإنتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ناهيك عما يراه البعض من أطراف المعارضة السورية، من غموض وملاحظات إنتقادية حول طبيعة ما يسمى بالمساعدة الأمريكية الى "المعارضة السورية المعتدلة" ، في أتون الصراع القائم، والمعركة المفتوحة ضد الجماعات الإرهابية في سوريا ولبنان والعراق...!!؟(5)
باقر الفضلي 21/9/2014
__________________________________________________
(1)   http://arabic.rt.com/prg/telecast/758615-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86%
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=432357
(3)   http://arabic.rt.com/news/758668-%D8%AA%D8%B4%D9%88%D8%B1%D9%83%D9%
(4)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0HE2A820140919?sp=true
(5)   http://arabic.rt.com/features/758922-%D8%AE%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%



19

الإرهاب : سوريا و" حصان التحالف الدولي"..!؟؟

باقر الفضلي

ليس المهم هنا القول؛ بأن "الإرهاب  الدولي" قد غزا منطقة الشرق الأوسط ، مخترقاً حدود الدول العربية على وجه التخصيص، في صورة جديدة هي" تنظيم دولة الخلافة_ داعش"، ليلعب نفس لعبة ما يدعى ب " حصان طروادة " في التأريخ، فالوسيلة والغاية واحدة ، وإن إختلفت الذرائع بالأشكال والأسماء، فيوماً القاعدة، وآخر النصرة، واليوم "داعش"، وغداً الله أعلم، والحبل على الجرار، ما دام هناك من له مصلحة مقصودة في المنطقة..؟!

فكل شيء يمكن إختراقه، وإن حصن نفسه بكل الممنوعات، وبكل دروع " الأمم المتحدة " من قوانين ومواثيق؛  فتنظيم ما يدعى ب" داعش"، كوسيلة وذريعة في نفس الوقت، باتت هي الورقة الأكثر فعالية للوصول الى الأهداف التي رسمتها الدول ذات المصالح في المنطقة، وفي مقدمتها "التحالف الدولي" ، الذي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية، من أربعين دولة إقليمية وغربية..!؟؟ (1)   

فلم يعد الهدف أوالغاية التي صمم من أجلها  " التحالف الدولي" بقيادة أمريكا، خفياً على المتابع لشأن المنطقة، وقد بات أكثر وضوحاً بعد أن أعلن الرئيس أوباما ستراتيجيته الأخيرة بخصوص محاربة " تنظيم الدولة _ داعش" ، وبعد إقرار الكونكرس الأمريكي لقانون مساعدة  "المعارضة المعتدلة السورية" ، وتوقيع الرئيس الأمريكي للقانون المذكور..!؟

 فالغاية من التشكيل الذي بني على أساس شكلي من قرار مجلس الأمن/ 2170، باتت أكثر تجلياً ووضوحاً مما كان عليه في السابق؛ لتصبح  دولة سوريا اليوم، هي المعنية بالتشكيل المذكور، وهي الهدف المقصود رغم كل هذا التجييش، والدعم الدولي الذي يوجه للعراق، المغلوب على أمره، بعد أن وطأ " حصان التحالف الدولي" أرض الموصل الحدباء..!؟(2)

  فكل الدلائل تشير بأن؛ " تنظيم الدولة / داعش" هو "الحصان" (اللعبة)، الذي سيمتطي ظهره التحالف الدولي، للإنقضاض على سوريا ، وكأنه الصقر المتلهف  لإصطياد فريسته في الجو، لا يمنعه مانع، أو يعيق سبيله عائق، بما فيه إحترام القانون الدولي، أو على حد تعبير المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة السيد فيتالي تشوركين: [[ بأن على واشنطن أن تنسق خطواتها مع دمشق إذا أرادت توجيه ضربات إلى مواقع المتطرفين في سورية.]](3)

فبعد أن أصبحت الأجواء مفتوحة أمام "التحالف الدولي"، وأمنت لطائراته، القواعد الجوية في"العراق" الدولة الجارة لسوريا، والعضو في التحالف المذكور، أو لدى دولة الإمارات وغيرها من الدول الخليجية المشاركة في عضوية هذا التحالف، أصبح هذا التحالف وحده من سيقرر، متى وكيف سيتم ذلك، وكانت السيدة سوزان رايس مستشارة الأمن القومي واضحة حين قالت: [[ إن أي هجمات في سوريا ستكون "في وقت ومكان من اختيارنا" و"متى وكيف نختار فعل ذلك سيكون قرارا يتعلق بالعمليات."]]...؟؟!(4)

وهكذا فقد أعطى " التحالف الدولي " بقيادة أمريكا لنفسه، كامل الحرية ، في تحديد الهدف لتوجيه رفسات حصانه، ولكن ومع ذلك، فليس هناك ما يؤكد دائما، أن تجري الأمور بالصورة التي ترتأيها أمريكا وتحالفها الغربي _ الخليجي/ التركي ، فسوريا ليست وحدها في ميدان الصراع ضد المجموعات المسلحة، كما وليس هناك ما يفيد بوجود إجماع دولي على صعيد الشرعية الدولية، بتأييد سيناريو دول "التحالف الدولي" بالتدخل المباشر في سوريا تحت راية الحرب ضد تنظيم " داعش" ، دون التنسيق مع الدول ذات الشأن وفي مقدمتها دمشق، بإعتباره وعلى العكس من ذلك، يمثل خرقاً للسيادة السورية، وإنتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، ناهيك عما يراه البعض من أطراف المعارضة السورية، من غموض وملاحظات إنتقادية حول طبيعة ما يسمى بالمساعدة الأمريكية الى "المعارضة السورية المعتدلة" ، في أتون الصراع القائم، والمعركة المفتوحة ضد الجماعات الإرهابية في سوريا ولبنان والعراق...!!؟(5)
باقر الفضلي 21/9/2014
__________________________________________________
(1)   http://arabic.rt.com/prg/telecast/758615-%D9%81%D8%B1%D8%A7%D9%86%
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=432357
(3)   http://arabic.rt.com/news/758668-%D8%AA%D8%B4%D9%88%D8%B1%D9%83%D9%
(4)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0HE2A820140919?sp=true
(5)   http://arabic.rt.com/features/758922-%D8%AE%D9%81%D8%A7%D9%8A%D8%A7-%D8%



20

الإرهاب: قرار مجلس الأمن 2170 ..!(*)

باقر الفضلي

لقد جاء القرار 2170 الصادر من قبل مجلس الأمن في الخامس عشر من آب الجاري، وطبقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بمثابة الدليل القاطع على إدارك المجتمع الدولي، لأهمية الخطر الذي بات يشكله الإرهاب على المستوى الدولي، وذلك بتعريضه السلم والأمن الدوليين للخطر الحقيقي، بما يعنيه كل ذلك من الدمار والخراب لإقتصاديات دول بكاملها، وما يرتكب في ظله من جرائم بربرية ضد الإنسانية، فاقت في حدودها، أبشع ما جرى إرتكابه في ظل الحروب العالمية الكبرى، وما شهدته البشرية في حياتها من ويلات ودمار لا يمكن مقارنته مع ما أخذت ترتكبه الفصائل الإرهابية اليوم، ضد شعوب بلدان آمنة، تحت واجهات دينية وعنصرية لا تستقيم مع حقيقة الأديان السماوية نفسها، ولا مع الأخلاق ، والقانون الدولي لحقوق الإنسان..!

فأهمية القرار نفسه، تتجلى باديء ذي بدء ، من خلال صدوره وفقاً لأحكام الفصل السابع للميثاق، وكونه موجهاً الى جميع أعضاء الأمم المتحدة، وكافة الجهات والمؤسسات في العالم، وكل من يجد نفسه مشمولاً بأحكام القرار المذكور، سواء بالقصد أو بالمصادفة..!

فالقرار في فقراته الأربع والعشرين، ناهيك عن تفاصيل مدخله المسهبة، قد وضع النقاط على الحروف، في كل ما يتعلق بطبيعة الإرهاب وأشكاله وتصنيفاته  وتفرعاته المختلفة، ومسميات الجهات التي تقف وراءه، وأسماء التنظيمات المسلحة، بما فيه الجهات والأفراد المتورطة فيه، ناهيك عن تسمية المنظمات الإرهابية نفسها، وذلك بصورة شمولية، لا تقبل التشكيك أوالتأويل؛ والأكثر أهمية، ان القرار المذكور قد حَمَلَ كافة الدول الأعضاء والمؤسسات والأشخاص، مسؤولية الموقف الجماعي لها، من خلال التعاون والمؤازرة والمساندة المشتركة، في مكافحة الإرهاب ولجمه والقضاء عليه..!

وحيث أن القرار قد خص دولاً بالذات ممن تتعرض سيادتها الى الإنتهاك الإرهابي، وهما كل من دولتي سوريا والعراق، فإنه يصبح من نافل القول، ضرورة مشاركة الدولتين المذكورتين، وأهمية إسهامها في أي تعاون دولي لمكافحة الإرهاب، وبما يضمن سيادتهما وإستقلالهما بإعتبارهما أعضاء في الأمم المتحدة، من ناحية، وكون تعرض سيادتهما، لإنتهاك فلول الإرهاب، بما يتطابق والوصف الأممي لذلك الإنتهاك ، بموجب القرار آنف الذكر، وبالشكل الذي ما إنفك يعرض سيادتهما الى الخطرالمتواصل، من ناحية أخرى..! 

ومن جانب آخر، فإن القرار2170 ، قد قطع الطريق أمام أي إزدواجية، يمكن أن تلجأ اليها أي دولة ما، في التذرع ولأي سبب كان، في محاولة منها لدعم ومساندة فلول الإرهاب، خاصة وأن قرار مجلس الأمن، جاء صريحاً في تناوله لحالة الإرهاب التي تعاني منها كل من دولتي سوريا والعراق، وأعلن بصريح العبارة وبالأسماء، حقيقة الجهات التي تمارس الإرهاب في المنطقة، كما ولا يمكنه قبول التأويل، أو اللف والدوران، فالقرار قد وضع جميع الدول أعضاء الأمم المتحدة، وخاصة منها الدول أعضاء مجلس الأمن، أمام مسؤولية مكافحة الإرهاب، من خلال التعاون الدولي المشترك، حيث أصبح الإرهاب، وبموجب القرار المذكور، العدو المشترك لجميع الدول والشعوب في العالم بدون إستثناء، وبإمكان أي دولة قد تتعرض سيادتها الى الإنتهاك من قبل فلول الإرهاب، طلب المساعدة والتعاون مع غيرها من الدول، وفقاً للقرار المذكور وطبقاً للآلية التي لاتتعارض مع مباديء ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة في الدفاع عن النفس/ المادة 51 من الميثاق/ ، في التصدي لذلك العدوان الإرهابي..!(1)
باقر الفضلي/ 25/8/2014
__________________________________________________________ 
(*)   http://www.un.org/ar/sc/documents/resolutions/2014.shtml
(1)   http://arabic.rt.com/news/756007-%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%88%D9%81-%D9%88%

               


21


العراق: وقفة مع الحقيقة (8)..!

باقر الفضلي
المادة/6
 يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستورالنيابية الأكبر، الى السيد حيدر العبادي، وهو الآخر عضواً في نفس قائمة السيد المالكي وعضواً في حزبه، قد وجد نص المادة/6 أعلاه، طريقه الى التطبيق العملي والواقعي، عبر ركون السيد رئيس الجمهورية الى تكليف السيد حيدر العبادي بتشكيل الحكومة الجديدة، من خلال الإلتزام بنص المادة/ 76 من الدستور، التي تحدد الآلية الدستورية للتشكيل ، كما ومن جانب آخر، قد فسح في المجال، أمام إمكانية تداول السلطة بطريقة سلمية، ووفقاً للآلية الدستورية، مما ساعد على تجنيب البلاد الدخول في أزمة الفراغ الدستوري، وبما لا يحمد عقباه من نتائج غير محسوبة..!


ولكن المهم في الأمر، وفي ظل الخضم المتلاطم من أمواج الصراع بين الكتل السياسية؛ فأن التغير الجديد الذي حصل على مستوى السلطة التنفيذية بالأشخاص،  لا يبدو من هذه الناحية، أكثر أهمية، من مصالح وغايات الجهة أو الجهات التي وقفت وراء ذلك التغيير، والتي لا يهمها الأشخاص بقدر ما يهمها تأمين مصالحها القريبة منها والبعيدة، وهو أمر يدخل في حيز المقاصد والأهداف بالنسبة لتلك الجهات..!؟


ومن دلالات ما تقدم، يمكن تفسير دوافع وأسباب الدعم  المفاجيء والعريض الذي حضي به التغيير نفسه على المستوى الدولي والى حد ما الإقليمي، من قبل نفس تلك الجهات، التي تقف في مقدمتها أمريكا وتحالفها الغربي _ التركي/ الخليجي، من دهاقنة "الربيع العربي"، التي لن تحرك ساكناً حينما إجتاحت فلول الإرهاب، مدينة الموصل وصلاح الدين، في العاشر من حزيران/2014 ، فليس من الغرابة إذن ، إذا ما عادت الفروع الى أصولها، وإذا ما حاول المرء التوقف أمام ورقة ما يدعى ب"داعش"، ومن أين تبتدء والى أين تنتهي جذورها، وظروف إستخدامها وآليات تحريكها..!؟ (1)


ولعل في تصريحات الرئيس أوباما الأخيرة حول الأوضاع الحالية في العراق، في مؤتمره الصحفي في البيت الأبيض في 18/8/2014، ما يغني عن إلقاء الضوء على أي إلتباس أو غموض حول مجريات الحالة العراقية، ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بإستخدام ما يدعى بورقة " داعش"،  وكل هذا لا يذهب بعيداً عن مغزى تحذير وتلويح الرئيس أوباما للعراقيين، ب" الذئب " الذي ينتظر على الباب، لما فيه من الدلالة والوضوح، ما يدركه كل من يهمه الشأن العراقي؛  فورقة " داعش" وكما يبدو، لا زالت في ذروة فعاليتها، وإهابة الرئيس أوباما بالعراقيين، في التعجيل بتشكيل الحكومة الجديدة، على سبيل المثال، ليست خارج ذلك الإطار، فهل من شك بعد كل هذا، إذا ما كان " الذئب على الباب "..!؟(2)   
باقر الفضلي/ 19/8/2014     
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=427035
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0GI1YW20140818?sp=true

     





22
العراق: الإيزيديون ومحنة النزوح...!!؟(*)




باقر الفضلي




سنجار تدخل التأريخ العراقي، عنواناً لأبشع جريمة ترتكب بحق أبناء العراق من الطائفة الإيزيدية، بعد جريمة إحتلال الموصل الحدباء، لتسجل كلمات الفاضلة النائب الإيزيدية فيان دخيل في البرلمان العراقي  بدموعها المحترقة،  نص الوثيقة التأريخية العراقية، التي تدين الإرهاب ومن يقف وراءه، ومن فتح له الطريق ليعيث في الأرض فساداً، ويهلك الحرث والنسل، ويسوم الناس سوء العذاب، تحت راية " لا الله إلا الله " زوراً وبهتاناُ، وامام أنظار العالم الذي وقف متفرجاً طيلة عشر سنوات من حصاد الضحايا الأبرياء من العراقيين، تحت يافطة ما يدعى ب " الربيع العربي" ، وما أطلقه عليه قادة ما يسمى ب " التحرير" في آذار / 2003 ، كل هذا جرى  وهو يجري اليوم، في ظل الحكومة الميمونة ، حكومة تسيير الأعمال، التي أصبح مجرد إستمرار  وجودها في دست الحكم، رغم شرعيته الدستوريه، في ظل ما أحاق بالعراق وشعبه من كوارث إنسانية، وما أثبته فشل وعجز مؤسساتها الأمنية في درء الأخطار التي أحدقت بالبلاد، وآخرها كارثتي الموصل وسنجار، منذ العاشر من حزيران/2014 ، وحده كافياً للتعجيل بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وبالصورة التي تتناسب وحجم الأخطار التي تواجه العراق، وبالموضوعية التي تعني مشاركة ومسؤولية جميع أقطاب العملية السياسية في إدارة البلاد، والإبتعاد عن تهميش أي منها، وتجاوز النواقص والعثرات التي كانت سبباً في الإخفاقات المتواصلة وإستشراء الفساد، والجنوح الى التفرد بالسلطة، والإستئثار بالمصالح الضيقة، الشخصية منها والحزبية، والإنحياز الطائفي والإثني على حساب مصلحة الوطن والشعب..!؟




فالجريمة النكراء التي ارتبكت، بحق أبناء سنجار ، ستبقى صرخة مدوية بوجه كل من أدار ظهره وأدبر أمام الغزو الإرهابي، وتناسى أن واجبه المهني والوطني والدستوري والأخلاقي، يلزمه الثبات في موقعه أمام العدو، وإن مسؤوليته تحتم عليه، الدفاع عن أبناء شعبه وعن حدود بلاده، في وجه عدو لا يرحم..!؟
 
 فإن الدولة ومن خلال مؤسساتها الأمنية والدفاعية، كفيل بها أن تستشعر الخطر المحدق بالوطن، وبكل ما يهدد سلامة وأمن المواطنين، قبل أي جهة أخرى، كما وكفيل بها أن تكون السباقة، في درء الأخطار والكوارث المحتملة وما قد يترتب عليها من آثار مدمرة ومن خسائر وأضرار وإصابات، قد تقع نتيجة لذلك..!؟








فليس هناك من دولة، وهي تمتلك كل ما يعنيه معنى الدولة من سيادة وحدود ومؤسسات أمنية وعسكرية، أن تتعرض سيادتها للخطر من قبل فرق غازية،  وهي تمتلك حق الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة، ناهيك عما تمتلكه من إتفاقيات أمنية ثنائية مع دول أخرى، ولا تحرك ساكناً،  كما لو أن في الأمر ما يمنعها من ذلك..!؟؟








فالكارثة الإنسانية التي تحيق بالألوف من النازحين من أبناء سنجار من الإيزيديين ومن الأقليات الأثنية والدينية الأخرى مثل الشبك والتركمان والمسيحيين، تنذر بزيادة أعداد الضحايا من النازحين الى جبل سنجار،  خاصة وإن جلهم من النساء والأطفال والشيوخ المسنين والمرضى، وقد إنقطعت عنهم سبل العيش، وحيل بينهم وبين أي مكان آمن، ناهيك عن تعرضهم لشدة وقسوة درجات الحرارة المرتفعة والشحة في مياه الشرب والطعام، الأمر الذي دفع  بالطائرات الأمريكية،  من تقديم المساعدات الغذائية والإحتياجات الإنسانية لتلك العوائل النازحة في جبل سنجار،  وكذلك قصف مدفعية داعش على مشارف أربيل، وهو أمر لا يخلو من دوافعه السياسية إذا ما أراد المرء أن يتوقف قليلاً للتأمل بدوافعه الإنسانية..!؟ (1)




ومع ذلك فإن هذا لا يعفي الدولة العراقية وحكومتها وإدارة الإقليم، وكافة القوى السياسية، من القيام بواجبها الدستوري والوطني، في تقديم العون لتلك العوائل والعمل على إعادتها الى مناطق سكناها ، وتأمين كل ما يعوضها عما إفتقدته جراء إضطرارها الى النزوح الإجباري من مناطقها بفعل الغزوة الإرهابية..!؟(2) 
باقر الفضلي/2014/8/9
_________________________________________________________
(*)  https://www.youtube.com/watch?v=pG0XYx_GcVk
(1)  http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/08/09/obama-isis-iraq
(2)  http://www.iraqicp.com/index.php/party/from-p/17925-2014-08-06-15-33-04
     

23
           العراق: وماذا بعد الموصل..؟؟!




باقر الفضلي




بماذا يمكن للمرء أن يتذرع ليجد تفسيراً مناسباً وأكثر واقعية، لأسباب وعوامل مسلسل  الأحداث التي إجتاحت العراق خلال شهري حزيران وتموز/2014، وتداعياتها المتواصلة حتى اللحظة، بعد أن إختلطت التفسيرات، وضاع التفريق بين الخيط الأبيض من الأسود في لجتها المظلمة، وإستمرأ غير قليل ممن قد تطالهم المسؤولية، النتائج التي ترتبت عليها.. حتى بات الحديث عن مدينة بحجم الموصل وكثافتها السكانية، كمثل من يتحدث عن نقطة في الصحراء..؟؟!




إذا كان التذرع بما يدعى ب "المؤامرة" وهي مقولة تعارف عليها الناس، لدرجة أصبحت معه المفردة، أقرب الى حالة من التندر، عندما يعجز المردد لها من الوصول الى أسباب مادية ومنطقية يقبلها العقل، أو أن يقرنها بالدلائل والحجج المادية التي تدل عليها، أو غيرها من الدلائل اليقينية التي لا تقطع بالشك ، ولكنها وفي جميع الأحوال لا تخرج في ملابساتها وتشابك خطوطها عن شيء من هذا القبيل والله أعلم..!؟




وفيما نحن فيه، حول ما يسمى بأحداث الموصل، وما تعلق بها من غزوة ما يدعى ب " داعش" ، فقد ينصرف العقل الى فرضيات، ترجع بالمراقب الى جذور الأحداث نفسها، فهناك ما يقال حول ما يسمى ب " الربيع العربي" ، وكيف أن العراق  هو من أوائل من شملتهم بركات ذلك الربيع في آذار/2003 بخيراتها، وبالتالي فإن تدفق من يدعى ب " القاعدة " وحفيدتها " داعش" على العراق ، حيث أن الطرفين هما من صلب واحد والحمد لله؛ فوجود ما يدعى ب " داعش " اليوم في الموصل، يصبح من البدهيات المنطقية، فقبلها وجدت " القاعدة " على أرض العراق، تطفلاً على بركات "الربيع العربي"، وحسداً لأبناء العراق الميامين في التنعم بخيرات البلاد من نفط وغاز، ومن آلاء أنعم الله بها على العراق وشعبه بعد آذار عام /2003..!؟؟








وبالتالي قد لا يرى  "البعض" ضيراً في أن تستقطع الموصل من جسدها العراقي، وأن ينكل بأهلها، بهذه الطريقة المشينة؛ من تهجير ديني وإثني، وأن تدمر رموزها الدينية والثقافية والتأريخية، وأن يجري إخضاع مواطنيها الى أعراف وأحكام لا تمت الى الدين أو العرف ولا حتى القانون بصلة، ويتحكم في المدينة قوم، لا تربطهم صلة بكل ما يعلنوه، سوى أنهم، يؤدون مهمة قد خططت لهم، وأن تكون إستباحتهم لمدينة بهذا الحجم والمكانة، وفي ظل ما يدعى بالإتفاقية الأمريكية _ العراقية، التي طبل وزمر لها كثيراً، إستهانة لا حد لها بسيادة العراق وكرامة شعبه، في ظل حكومة تسيير الأعمال..!؟




  فقد مر كل شيء بهدوء؛ ولسنا هنا بصدد تداعيات تلك الأحداث، فهي تترى وتتلاحق يوماً بعد آخر، ولعل ما لحق الطائفة المسيحية من أبناء الموصل الإقحاح، من ظلم وتعسف وإنتهاك لحقوق الإنسان، ما يرسم صورة معبرة عن تلك التراجيديا المأساوية التي أصابت الشعب العراقي، منذ أكثر من عشر سنوات ؛ وليس من وارد القول هنا، أن تعويض النازحين، وحده كافياً لضماد جراح نكبة النزوح، أو أنه يصلح أن يكون تعويضاً عن المكان الآمن والوطن الأم، فحجم الصدمة النفسية فوق ما يمكن  تصوره؛ إذ ما حل بمدينة الموصل الحدباء لا يخرج عن كونه، كارثة وجريمة ضد الإنسانية، لا يعدلها في تأريخ العراق الحديث ما يمكنه أن يخفف من شدة وقعها على النفوس، أو ينسي الأجيال ذكريات المأساة وهول المصيبة..!!؟؟؟




وهل من الغرابة القول أو من باب التكهن، أن ترتبط أحداث الموصل، من حيث تحريكها وأهدافها، والمسار الذي إتخذته، بما جرى ويجري اليوم على الساحة الفلسطينية، وما ترتكبه الحكومة الإسرائيلية من عدوان غاشم على غزة، لتضيع تلك الأحداث في خضم ذلك العدوان، وأن تبتعد الأنظار عن حجم الحدث في الموصل، ليجري التركيز وبشكل ملحوظ، على المستوى الإقليمي والدولي، لأحداث العدوان الإسرائيلي على غزة الصامدة، حتى يتناسى الناس ، ما جرى  ويدور من أحداث على مستوى الموصل، الأمر الذي قد يدفع بإمكانية ربط أحداث الموصل، من حيث الأصل والتخطيط، بما جرى ويجري على الساحة الفلسطينية، لغرض تمرير مخطط غزو الموصل، وكأنه حدث عابر ومر في غفلة من الزمن،  ربما كانت فيه الدولة العراقية وقواتها المسلحة، في حالة من العجز والتخدير، ليمر الماء من تحت أقدامها، وهي لا تلوي على شيء، وليصبح التشبث بمقولة " المؤامرة " المجهولة التفاصيل والتي يكتنفها الغموض، سيد الموقف، ومن خلاله يمكن تبرير الكثير من التداعيات الكارثية التي لحقت بالمدينة ومواطنيها الأبرار، وكأنه قدر محتم..!؟؟








فورقة ما يدعى ب " داعش "، باتت تلعب وتؤدي دورها في المنطقة بشكل لا غبار عليه، والغموض الذي يكتنف اللعب بها، أخذ يلقي بضلاله على كل المشهد السياسي في المنطقة ومنها العراق، حيث ليس بعيداً عن ذلك، ما يجري على صعيد العملية السياسية نفسها، وما يمكن أن تجره تداعيات ورقة " داعش " من تغييرات محتملة على تلك العملية برمتها، في وقت باتت فيه الأحداث الفرعية والجانبية، وعلى مستوى العلاقات بين أطراف العملية السياسية نفسها، تتجه الى حالة أقرب الى التنافر والإبتعاد، منها الى التعاون والإقتراب..!؟




ولعل فيما يجري الحديث عنه من نشاطات مجاميع " داعش " في منطقة محافظة الحسكة السورية المجاورة للعراق والتي يتكون نسيجها السكاني من العرب والكورد والآشوريين والسريان والإيزيدية، وعن ما يجري في سنجار وربيعة العراقيتين، ناهيك عما يجري على الحدود السورية اللبنانية، من توغل لنفس تلك القوى الإرهابية وبالخصوص في منطقة "عرسال" الحدودية،  ما يدلل على سعة المشروع المخطط له بالنسبة للعراق وسوريا ولبنان، في وقت لا يتجاهل فيه المرء، ما يطرح في الساحة السياسية اليوم، من  ترجيحات محددة لطلبات التسليح الخاص خارج إطار الدولة، مما يبعث على القلق وتعقيد الأزمة..!؟




خلاصة القول، فإن تشعبات ما حدث في الموصل وتداعياته المتواصلة، ليست بالأمر العارض، أو الصدفة غير المتوقعة، أو أنها أتت من فراغ، فالأمر أبعد وأعمق من كل ذلك، ولا يمكن فصله بأي حال من الأحوال، عن طبيعة ما يجتاح المنطقة منذ سنوات، من هجمة دولية، يقف ورائها "التحالف الأمريكي الغربي" وشركائه في المنطقة، تستهدف إعادة رسمها من جديد، بما يحقق مصالح قوى التحالف المذكور، القريبة منها  والبعيدة وهو ما تدركه وتعيشه دول المنطقة منذ سنوات، ناهيك عن تناقضات الصراع الداخلي بين أطراف العملية السياسية نفسها؛ أما داعش وما حولها من المسميات فليست بنت اليوم، وهي من أدوات اللعبة المرسومة للمنطقة، وعلى حد قول المثل الشائع " من فمك أدينك"..!؟(*)
باقر الفضلي/ 4/8/2014  
(*)http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=36671
















  












   








    
















           




24
أدب / فلسطين:غزة سلاماً..!
« في: 21:24 31/07/2014  »







فلسطين:غزة سلاماً..!




باقر الفضلي




قَد جَفَتْ الأنهارُ إلاكِ
يا غَزةَ العزِ يا شمسٌ بعلْياكِ
أرضَخْتِ شَرَ عُتاةِ القَومِ واثقةً
الشَعبُ أنتِ وكُلُ الشَعبِ حَياكِ
يا غَزةَ الصَبرِ لَوْ للصَبرِ ألْسِنَةٌ
لَهبَّ أيوبُ مَفْتوناً بِلُقْياكِ
لولاكِ ياغَزُ ما فاقَتْ سَرائِرُنا
ولا تَدَفَقَ نَبعُ الماءِ لولاكِ
أنتِ الشَهيدُ وأنتِ الرَمزُ في وَطَنٍ
لا يرتَضي الضَيم، مَنصوراً وإياكِ
***
يكفيكِ حتى المَهدُ ضجَ مُدَوياً
وبَراعِمُ الأزهارِ شَقَتْ دَربَها بِحماكِ
قَد صُنتِ قبلَ اليومْ إرثاً باهراً
وكَتبتِ تأريخاً بحبرِ ثَراكِ
وكَتَمتِ أنفاسَ الطُغاةِ بوقفَةٍ
دانتْ لها تيجانُهم برِضاكِ
الحَقُ أنتِ اليومَ صُرتِ مَنارَهُ
ودَمُ الأحبةِ في النِضالِ سقاكِ
لا مِنةٌ فالعَدلُ فيكِ أصُولُهُ
والغاصبونَ الناقِمونَ تَمرَغُوا بفَلاكِ




باقر الفضلي/ 30/7/2014
***
***

25

فلسطين: مجازر الإحتلال والعجز الدولي..!!؟




باقر الفضلي




المجازر العدوانية الإسرائيلية، تتلاحق دون توقف ضد الأبرياء من الشعب الفلسطيني من سكان غزة، لدرجة طالت معها ليس فقط دور السكن ودور العبادة والمستشفيات، وكل ما يمكن أن يلتجأ اليه المذعورون والهاربون من جحيم الآلة التدميرية الإسرائيلية، بل تعدتها الى إستهداف مدارس الأنوروا التابعة للأمم المتحدة، حيث الألوف من النازحين من العوائل الفلسطينية، ممن إعتقد بأن تلك الأماكن بما لها من حصانة دولية، يمكنها أن تحمي أطفالهم، ونساءهم والمسنين منهم، من جحيم الغارات الجوية والمدفعية الإسرائلية، التي ما إنفكت تمطرهم بوابل جحيمها ليل نهار ، لتأتي أخيراً جريمة مدرسة بيت حانون، التابعة للأنروا هذا اليوم في غزة، كحلقة جديدة في مسلسل الإجرام المتواصل منذ 19  يوماً ضد العوائل الفلسطينية ممن التجؤا اليها طلباً لحماية الأمم المتحدة..!!؟؟




لقد أثبتت تلك الجريمة النكراء، التي راح ضحيتها 16 قتيلا، وعددا من موظفي الأنوروا وقرابة 200 من المصابين المدنيين، وما قبلها جريمتي خزاعة والشجاعية، العجز التام للشرعية الدولية ممثلة بالأمم المتحدة، في عدم قدرتها الضغط على إسرائيل وإجبارها على التوقف من إستخدام الوسائل اللاشرعية في العنف المسلط على الشعب الفلسطيني، بما فيها الأسلحة المحرمة دولياً والتي لا يقرها القانون الدولي،  ومن عجزها في فرض وجودها الفاعل في توطيد الأمن والسلم الدوليين، أوفي تقديم الحماية والأمن اللازمين للأبرياء العزل من شعوب العالم، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، الذي يتعرض لأبشع عدوان إرهابي، بذرائع وحجج لاتصمد امام واقع الحقيقة التي يعيشها الشعب المذكور، رغم جملة القرارات الدولية ، التي تعترف بحقوقه في الحياة الآمنة، وإقامة دولته الوطنية..!؟(1)




 فالإحتلال والإستيطان الإسرائيليان، يقفان في مقدمة الإنتهاكات التي يتواصل العدوان الإسرائيلي، في تثبيتهما على الأرض كواقع لا مناص منه، أما موقف الشعب الفلسطيني من هذا العدوان وفي مقاومته لجبروته، فهو ما لا تجرؤ الشرعية الدولية ولا مجلس أمنها، من الإقرار بمشروعيته، إن لم يذهب الأمر على العكس من ذلك، حيث يقف البعض من ممثلي دول ذلك المجلس وهم يدافعون عن العدوان تحت حجج لا يسندها الواقع، بل والى أبعد من ذلك، حينما يذهب أمينها العام السيد بان كي مون، الى تفعيل ميزان عدالته الدولية، في مساواته  بين الضحية والجلاد..!!؟؟




 إن الإيغال بسفك الدم الفلسطيني ، من قبل آلة جيش الإحتلال الإسرائيلي، قد بلغ حداً لا يمكن وصفه بأي شكل من أشكال التراجيديا، بكل ما فيها من مأساة إنسانية تفوق الخيال، وباتت حال الأبرياء المدنيين العزل من سكان غزة،  في مواجهتهم لآلة الموت الإسرائيلي، كحال من يفر من الموت، ليجد أمامه الموت؛ فلا مهرب والحال الى طريق أو مكان يحفظ حياة الناس، فالأطفال يموتون وهم يتراكضون للبحث عن ملاذ آمن من هول الكارثة الإسرائيلية، لتحولهم شضايا قنابل الطائرات والمدفعية الى أشلاء .. تلك الكارثة التي أفزعت حتى من وقف يدعم العدوان الإسرائيلي فأذهله ما تسبب به ذلك العدوان من مجازر مروعة، فإندفع يطالب بوقف المجزرة على الفور..!!؟(2)




لقد أذهلت مقاومة الشعب الفلسطيني للعدوان الإسرائيلي على غزة، طيلة 19 يوماً متواصلة، الرأي العام الدولي، فإنبرى الألوف من جماهير البلدان المختلفة في العالم، الى التظاهر دعماً لنضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة، والى الدعوة الى وقف العدوان الإسرائيلي على غزة وإستنكاره؛ وبذلك أثبت الشعب الفلسطيني، أنه شعب لا يمكن تركيعه، وبأن قضية الشعب الفلسطيني لعدالتها، ستظل في مقدمة القضايا العقدية الدولية، ولها الأولوية على جميع القضايا الدولية مهما عظم شأنها، ومن هنا تأتي ضرورة وأهمية وحدة القوى الفلسطينية في مواجهة العدوان، وفي تفعيل مؤسسات الدولة الفلسطينية بإعتبارها دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة..!؟








وفي سياق حجم المجازر التي يرتكبها جيش الإحتلال بحق الشعب الفلسطيني  يومياً في غزة، يصبح من المهم النظر الى قرار مجلس حقوق الأنسان في الأمم المتحدة حول جرائم العدوان الإسرائيلي المرتكبة في غزة، بعين الأهمية، حيث يصبح من المنطقي ومن العدل، التحرك بإستخدام ما يمكن أن تتوصل اليه اللجنة المؤلفة بموجب ذلك القرار، من وثائق عن حقائق موضوعية، على صعيد الواقع، ما يثبت المجازر المرتكبة من قبل  جيش الإحتلال الإسرائيلي في غزة، بحق المدنيين الأبرياء، وتحكيم القضاء الجنائي الدولي في إقرار العدالة، وتجريم الجناة..!؟(3) 
_____________________________________________________
(1)    http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/24/gaza-israel-un-shelter-strike
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0FR24820140722
(3)    http://www.alquds.com/news/article/view/id/515949












   

















26




فلسطين: لتتوقف مجازر الإحتلال..!؟




باقر الفضلي




ليس الهدف من العنوان  هو مجرد تسلبيط الضوء على حجم المجزرة العدوانية الإرهابية، التي يرتكبها جيش التدمير الإسرائيلي بحق أيناء الشعب الفلسطيني من سكان غزة حسب،، بقدر ما يعنيه الأمر، من أن  حكومة نتنياهو لا يعنيها بشيء، ما تستهدفه في حربها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، من أهداف مهما كانت طبيعتها، بل هي لا تفرق بين هدف عسكري أو مدني، حتى ذهبت بعيداً في إستهدافها للمستشفيات ومساكن ذوي الحاجات الخاصة، ناهيك عن بيوت المواطنين المدنيين الأبرياء، وبإختصار كافة البنى التحتية، من ماء وكهرباء وغيرها من أماكن تقديم المساعدات الى من يحتاجونها من ضحايا العدوان الإسرائيلي، وها هي تتوج جرائمها ضد الإنسانية، بإرتكابها المجازرالدامية في حي الشجاعية والضاحية الشرقية من غزة، في إجتياح بربري همجي ل "جيش التدمير الإسرائيلي"، للمنطقة..!؟ إن ما يجري في ضاحية الشجاعية جريمة إبادة حقيقية للسكان الفلسطينيين المدنيين ، يرتكبها جيش التدمير الإسرائيلي دون أي وازع إنساني؛ فما يجري الآن في حي الشجاعية في غزة،  جريمة حرب يندى لها جبين الإنسانية...!؟؟؟؟(*)




 أما ألأطفال بالذات، فكانت لهم من كل تلك الهجمة العدوانية البربرية والهمجية، الحصة الأكبر من الموت والتفتيل، فالعدوان الإسرائيلي بات يستهدف كل شيْ دون وازع من ضمير، أو إعتبار قانوني أو شرعي، بل ولا حتى أخلاقي!؟ فأعداد الضحايا من الأطفال، يتزايد يوما بعد آخر، بل وفي كل لحظة تتهاوى فيها قنابل الموت الإسرائيلية على بيوت السكان المدنيين، وكل ذلك يدخل في إطار شعار "الدفاع عن النفس" ، الذي بات يفقد معناه الشرعي والقانوني والأخلاقي، مع كل لحظة تمر على إستمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في غزة وضواحيها..!؟




وليست الحكومة الإسرائيلية وحدها من ترفع عالياً لافتة " الدفاع عن النفس" ، وهي تدرك جيداً بطلان تلك اللافتة، في ظل ظروف الحرب المعلنة من قبلها ضد غزة، إذا ما قيست بميزان تناسب القوى بين ما لدى الشعب الفلسطيني في غزة من وسائل للدفاع، وبين حجم اللآلة التدميرية التي توظفها تلك الحكومة في عدوانها المستمر منذ إسبوعين ضد مدينة عزلاء، بل والعالم بأسره يدرك تلك الحقيقة، والمثل يقول؛ حدث العاقل بما لا يعقل، فإن صدق فلا عقل..!!!؟




إلا إذا ما إستثنى المرء، دولاً بعينها، ممن تتبجح دائماً بأنها دولاً " ديمقراطية " وتقف ضد التعسف، وإضطهاد الشعوب، وفي مقدمتها دولاً لا يشك المرء، في كونها صاحبة شعار " الربيع العربي " سيء الصيت، وفي مقدمتها دول مثل أمريكا وإلمانيا وبريطانيا ومن لف لفها من دول العالم الغربي، فهي الأخرى، من ترفع زوراً شعار "الدفاع عن النفس"، لتجعل منه تعويذة وذريعة للتصيد في الماء العكر، وتبرير العدوان، فتراها في مقدمة من يقف الى جانب العدوان الإسرائيلي وتبريره ، وبالتالي ففي عرفها؛ أن كل ما تلجأ اليه الضحية لمواجهة العدوان، ولا نريد القول، للدفاع عن نفسها، خشية من الإلتباس وإختلاط الأوراق، حيث أصبح مبدأ " الدفاع عن النفس" حكراً على دول معينة، مثل دولة إسرائيل، وبالتالي فإن أي آلة مهما قلَّ شأنها ، حتى إن كانت حجراً، أو إضفراً ، أو ما شابه، فكله محرم، ولا يدخل في نطاق المبدأ المذكور، بالنسبة لمن يرفعون تلك اللافتة، بل سيكون بمثابة شكل من أشكال " الإرهاب " الذي يجب الوقوف بوجهه، بكل ما لدى إسرائيل من جبروت وآلة تدميرية..!؟(1)




 فالدفاع عن النفس، وكما تراه أمريكا والدول الغربية، حق قد إكتسبته إسرائيل بقبول دائم من قبل أطراف مهمين من أعضاء الأمم المتحدة، وجلهم من أعضاء مجلس الأمن الدائميين، امثال أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وإن كل ما تقوم به إسرائيل من أعمال عدوانية، ضد جيرانها وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، إنما هو بعرف تلك الدول، يقع تحت إطار حق " الدفاع عن النفس" بالنسبة لإسرائيل..!!؟؟ (2) 




ولكي أن يكون التبرير أعلاه أكثر مقبولية لدى أوساط الرأي العام في إسرائيل والعالم الغربي، فلا بد هناك من "عدو" يرتبط وجوده مع مبدأ " الدفاع عن النفس"،  وإلا فلا معنى لدفاع إسرائيل عن نفسها، بغياب مثل ذلك العدو، وكي تكتمل الصورة، ويتحقق تأثير " الشعار" المذكور، تلجأ إسرائيل والدول المذكورة، الى إقران مقولة " الدفاع عن النفس" بإتهام حركة حماس الفلسطينية في غزة، بأنها هي من تقف وراء الأعمال المضادة لإسرائيل من غزة، بإعتبارها المسؤولة عن إطلاق " الصواريخ" ضد المستوطنات الإسرائلية في الأراضي المحتلة، مفترضة ومختزلة، وعلى سبيل التمويه، الشعب الفلسطيني في غزة، بأنه عبارة عن حركة حماس ليس إلا؛ فحتى اللحظة تتحدث إسرائيل ومن ورائها الدول الغربية وأمريكا، عن صواريخ حماس، وعدوان حماس، ومظلومية شعب إسرائيل ياللغرابة..!!؟




ولعل كل ما يتوقعه المرء، أن يدرك الجميع بما فيهم كافة الفصائل الفلسطينية دون إستثناء، تلك الحقيقة، وهم مدركوها بكل تأكيد، وأن يفوتوا أي فرصة أمام أي حكومة إسرائيلية عنصرية، تتمسك بعدو موهوم ، وتختزل نضال الشعب الفلسطيني البطل في حركة فلسطينية محددة، أو منظمة معينة، لتجد في ذلك المبرر المناسب لها، لشن عدوانها متى  تشاء..!!؟




 وإدراك تلك الحقيقة لاسبيل اليه، إلا عن طريق التوجه الى وحدة الكلمة، ووحدة العمل المشترك من قبل الجميع، وإعطاء النضال الفلسطيني صورته وجوهره الموحد في صد العدوان، الأمر الذي سينظر من خلاله الجميع بما فيه المجتمع الدولي، الى مقاومة العدوان، بإعتبارها مقاومة الشعب الفلسطيني برمته، وليست مقاومة لفصيل أو منظمة فلسطينية معينة بذاتها، كما تحاول الحكومة الإسرائيلية ومن يقف خلفها تصويره زورا،  على عكس ما يحصل اليوم على صعيد الواقع في مقاومة الشعب الفلسطيني بكافة فئاته في غزة البطلة، للعدوان الإسرائيلي..!؟
  
 ولا يدري المرء، إن كان الضحايا من الأطفال، والذي تجاوز عددهم حتى اليوم 74 طفلاً، بمن فيهم الأطفال الأربعة الذين قتلوا على الشاطيء، أو الأطفال الشهداء الذين كانوا يمارسون اللعب على سطح الدار، جميعاً أعضاء في حركة حماس، أو أن جملة الضحايا من الشهداء الفلسطينيين، وعددهم مايزيد على 370 شهيداً، و2700 مصابا، وما يزيد على 50 ألف لاجيء من السكان المدنيين الفلسطينيين من أبناء غزة الصامدة، في مدارس الأنروا حتى تأريخ اليوم، وجلهم من الأطفال والنساء والشيوخ والمسنين، كانوا من أعضاء حماس، هذا في الوقت الذي يبلغ فيه عدد سكان قطاع غزة ما يقرب مليوناً و853 ألف نسمة، تشكل فيه محافظة غزة وحدها، 700 ألف تسمة، منهم 355 ألفاً من الذكور، و344 الفاً من الأناث، طبقاً للسجل المدني لوزارة الداخلية في غزة، وكل هؤلاء المواطنين أصبحوا الآن ومع إستمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، مجرد رهائن بيد الآلة الإسرائيلية الدموية المدمرة، للضغط على مقاومة الشعب الفلسطيني، وإجباره على الرضوخ  والإستسلام؛ وما جريمة الإبادة في [ الشجاعية] التي زاد عدد ضحاياها على أكثر من 40 شهيدا ومئات الجرحى وكلهم من المدنيين، إلا المثل الحي على أهداف ذلك العدوان..!!؟(3)




فالمجزرة العدوانية الإسرائيلية المستمرة ضد قطاع غزة حتى الساعة، قد فاقت في فضاعتها وهمجيتها ما يعجز المرء عن وصفه، أما الذرائع والحجج الإسرائيلية المدعومة من قبل أمريكا والديمقراطيات الغربية، فستظل مجرد حجاباً وستاراً، تختفي وراءه هذه الدول، في تضليلها المجتمع الدولي، فمجرد حضر المظاهرات السلمية الداعمة لمواطني غزة في باريس من قبل الحكومة الفرنسية، وحده كاف للتدليل على موقف تلك الدول من دعمها للعدوان الإسرائيلي، ومشاركتها حكومة إسرائيل في محاولتها  تركيع الشعب الفلسطيني في غزة، لقد حان الوقت الآن، لأن يقف المجتمع الدولي، وفي طليعته الأمم المتحدة، موقفاً حازماً في مواجهة العدوان الإسرائيلي، لوقف المجازر الإسرائيلية الهمجية ضد الشعب الفلسطيني الجارية منذ 14 يوما، وتحميل الحكومة الإسرائيلية كامل المسؤولية الجنائية وما يترتب عليها، التي ترتكبها ضد شعب ودولة عضو في الأمم المتحدة، وتأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني والأراضي الفلسطينية ضد العدوان الإسرائيلي المتكرر..!!؟(4)
(*)  http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/20/mideast-crisis-update-new
(1)      http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0FN11220140718  
(2)   http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/18/gaza-israel-obama-causalities
(3)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/07/140709_israel_gaza_operation_live.shtml 
(4)    http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/20/us-may-dispatch-kerry








27





فلسطين: عشرة أيام لم تهز العالم..!؟




باقر الفضلي




إن هدف العملية الإسرائيلية "كان وما زال إعادة الهدوء إلى نصابه من خلال ضرب حماس مضيفا: "ضربت حماس بشدة بالغة.. وإذا لم تقبل بوقف اطلاق النار فستتمتع إسرائيل بالشرعية الدولية اللازمة لمواصلة عمليتها" مضيفا أن إسرائيل قبلت المبادرة المصرية "من أجل اعطاء فرصة لتجريد قطاع غزة من الصواريخ والقذائف الصاروخية والأنفاق بالوسائل الدبلوماسية."(*)
               بنيامين نتنياهو
        رئيس الوزراء الإسرائيلي
 
ليس كلاماً مأثوراً، ولا هو حكمة فلسفية، بل مجرد كلام قيل مع سياق قصف الطائرات والمدفعية الإسرائيلية المتواصل منذ عشرة أيام  لبيوت المدنيين الفلسطينيين من أبناء غزة..؛ فالسيد نتنياهو وهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، لم يفرق هنا،  بين ما هو مشروع أو غير مشروع، بل ذهب أبعد من ذلك، حينما منح نفسه شرعية دولية إفتراضية، لمواصلة العدوان الذي يقوده سلاح الجو الإسرائيلي، منذ عشرة أيام ضد الشعب الفلسطيني في غزة، غير آبه بحجم الضحايا من المدنيين الفلسطينيين الأبرياء، بما فيهم الأطفال والنساء والمعاقين والشيوخ، الذي بلغ فيه عدد الضحايا الأبرياء  أكثر من 213 شهيدا فلسطينيا، وتجاوز عدد الجرحى ما يزيد على 1500 مصاباً حتى صباح الأربعاء..!




فأية "شرعية دولية" تلك التي يريد أن يحتمي بها السيد نتنياهو لمواصلة العدوان البربري على الشعب الفلسطيني في غزة ..؟!  ومتى إمتلك السيد نتنياهو مثل هذه الشرعية، حينما بدأت قنابل طائراته تدك منازل الأبرياء الآمنين من الفلسطيين منذ عشرة أيام بلياليها.؟! أم أن الصمت الدولي المطبق، والدعم المتواصل للموقف الأمريكي للعدوان الإسرائيلي، وموقف الجامعةالعربية المتباطيء من العدوان، ناهيك عن إستغلال الظروف الإستثنائية التي تحياها العديد من الدول العربية، جميعها كانت بمثابة "الغطاء الشرعي" الذي سمح لحكومة نتنياهو، أن تجد فيه ستاراً لشن عملياتها العدوانية ضد شعب محاصر، ووطن مقطع الأوصال، يعيش حالة من الإحتلال والإستيطان اللامشروع..!؟




أية "مشروعية دولية" تلك، التي يختفي خلفها السيد نتنياهو، وهل تبرر له ولحكومته قتل الأطفال بالجملة، ومتى كان الشعب الفلسطيني، يمكن إختزاله بحزب أو كتلة سياسية ، لتبيح لحكومة الإحتلال الإسرائلية، أن ترتكب هذا الكم الكبير من جرائم الإبادة الإنسانية وجرائم الحرب؛ فالمجزرة العدوانية ضد الأطفال الأربعة على شاطيء غزة لهذا اليوم ، التي إرتكبها العدوان الإسرائيلي، وحدها تظل نقطة سوداء في تأريخ تلك الحكومة العنصرية، فأين منها يا ترى، "الأهداف العسكرية" التي " تطاردها" الطائرات الإسرائيلية، حسب الزعم الإسرائيلي، في مدينة جل سكانها من المدنيين العزل الأبرياء..!؟(1) 




لليوم العاشر والمجتمع الدولي يجد نفسه، فقط مجرد متفرج على ملهاة مدمرة تقودها الحكومة الإسرائيلية العنصرية، تحت ذرائع وحجج باطلة، ويذهب ضحيتها شعب منزوع السلاح، محتل ومحاصر في أرضه، ويقتل ابناءه دون وازع من ضمير، لدرجة قد  أفزعت نتائج العمليات العدوانية التي يقودها الجيش الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزة ، حتى الرئيس الإسرائيلي السيد شمعون بيريز، ، فإندفع يدعو الى وقف فوري لإطلاق النار، معلناً:
 “أعتقد أن الحاجة إلى وقف إطلاق النار تتنامى كل لحظة لأنه لا أحد يرى هدفا مفيدا من استمرار التبادل الحالى لإطلاق النار و أعتقد أن هناك رغبة معلنة أو خفية فى الوصول إلى وقف فورى لإطلاق النار"(2) 




ومع ذلك يظل موقف السيد نتنياهو وحكومته، بعيداً كل البعد عن إحلال السلام في المنطقة، في الوقت الذي تواصل فيه حكومته، سياسة الإستيطان والحصار المقيت ، وتستخدم كل الفرص لإذلال الشعب الفلسطيني، وكبت حريته في التعبير عن نفسه، بل وحتى سلبه حقه في إداء فرائضه الدينية..!؟ 




حتى المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، حاولت حكومة السيد نتنياهو، توظيفها لا لحقن الدماء وإحلال السلام في المنطقة، بوقف آلتها الحربية التدميرية ضد الشعب الفلسطيني في غزة، بل وظفتها، لتركيع الشعب الفلسطيني وكسر روحه الوطنية وحماسه في التصدي للإرهاب، وإندفاعه لتوحيد صفه الوطني، في محاولة منها لإفراغ تلك المبادرة من أهدافها السلمية، تحت واجهة ضرورة تجريد الفصائل الفلسطينية ومنها حماس والجهاد، من سلاحها الدفاعي، ومحاولة تحميلها وزر ما تقوم به هي  من حرب عدوانية ضد الشعب الفسطيني المناضل، بزعم رفض تلك الفصائل للمبادرة المصرية..!؟(3)    
باقر الفضلي/ 16/7/2014
___________________________________________________________
(*)   http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/07/15/gaza-israel-escalation-update
(1)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0FL1PZ20140716
(2)    http://www.hispress.info/185236.html
(3)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=32342
  




 

28





فلسطين: العدوان يتواصل..!!(*)




باقر الفضلي




يظل التشويه والتمويه للحقائق، من جملة الأساليب والوسائل التي تستخدمها الدعاية الأمريكية والإسرائيلية، في التنصل من المسؤولية الجنائية عما ترتكبه، دولة إسرائيل العنصرية، في تبرير عدوانها المتواصل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، غير آبهة بكل ما سببه ولا يزال هذا العدوان المستمر من خراب وتدمير، وإبادة للإنسانية..!!؟




 فمنذ خمسة أيام بلياليها، تغير الطائرات الحربية الإسرائيلية، دون هوادة، على المجمعات السكنية الفلسطينية المزدحمة في القطاع، والقادة السياسيون والعسكريون الإسرائيليون، يدركون سلفاً حجم الدمار والخراب الذي تسببه تلك الهجمات البربرية، ومن تعاظم أعداد الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، بما فيه إستهداف المستشفيات والجمعيات المدنية الخيرية، بما فيها أماكن ذوي الحاجات، وبيوت السكان المدنيين ، وهي جميعها ليست أهدافاً عسكرية في عرف القانون الدولي..!!؟؟؟
 
والأنكى في كل ذلك، الموقف المنحاز والمشجع لوزارة الخارجية الأمريكية ، الذي يحاول ومن خلال التمويه والتظليل؛ تشويه الموقف الفلسطيني، ورسم صورة مشوهة لما يجري في الواقع، في السعي لذر الرماد في العيون، فها هي السيدة جين اسكي المتحدثة بأسم الخارجية الأمريكية تندفع  مؤيدة " حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها " من الهجمات الصاروخية من قبل جماعة حماس " الإرهابية" على حد قولها، وذلك في محاولة منها للقول بأن هناك "فرقًا كبيرًا بين الهجمات الصاروخية التى تشنها منظمة إرهابية فى غزة، وحق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها"..!!!!؟(1)




وبالتالي فليس في عرف أمريكا ما يدعى بحق الشعوب في الدفاع عن نفسها أمام العدوان، بنفس القدر الذي تجد فيه، إن من المستساغ لدولة مثل إسرائيل؛ أن تستخدم كل جبروتها العسكري وآلتها المدمرة، وأن توغل في العدوان ضد أي شعب يخضع لإحتلالها، وتسلطها العدواني، طالما حاول مثل ذلك الشعب التحرك، أو حتى التململ بإتجاه يفهم منه ،التعبير عن إرادته في الحرية والتخلص من الإحتلال، فالعدوان هو السبيل الوحيد أمام دولة مثل إسرائيل، وهي تحتبس شعباً كالشعب الفلسطيني الأبي، تحت الإحتلال وإدارة الأبارتهيد، أن تسومه ما يحلو لها من صنوف العذاب، حتى لو إقتضى الأمر الإبادة..!؟




 فإسرائيل ليست إلا طليعة الرأسمالية العالمية وصنيعتها في المنطقة، وكل ما يمسها من سوء أو ضرر، حتى إن كان من جنس ردة الفعل على التعدي، أو دفاعاً عن النفس في حدوده المشروعة، ومن قبل شعب يرزح تحت الإحتلال والعدوان المستمر، فإن كل ذلك في عرف الإدارة الأمريكية، يدخل تحت طائلة ما يدعى ب " الإرهاب "، وفقاً لما تسبغه عليه من وصف، بات سلاحاً من خلاله وبواسطته تحقق ما لها من مصالح حيثما تكون، وليس في ذلك من وجه للغرابة، حتى إن جرى ذلك على مستوى الشرعية الدولية وفي مقدمتها مجلس الأمن، فهي وحلفائها من يتحكم بقراراته..!!؟




إن العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة الفلسطيني، والمدعوم من قبل دولة عضو في مجلس الأمن، هي الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن النظر اليه خارج إطار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم/ 181، الصادر بتأريخ 29 نوفمبر عام/ 1947 ، والمعروف بقرار تقسيم فلسطين، وبذلك يصبح من البدهيات أن تلعب هيأة الأمم المتحدة، ممثلة بالدول أعضائها، دورها الرئيس بموجب ميثاقها الأممي، في إحلال السلم والأمن الدوليين، وذلك بردع ووقف العدوان الإسرائيلي على غزة، لما يشكل إستمراره تهديداً جدياً للأمن والسلم الدوليين، وما يمثله من جريمة ضد الإنسانية، فهو وفي جميع الأحوال، يظل بمثابة عدوان ضد دولة هي دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة، ولها من الحقوق ما لغيرها من الدول الأخرى أعضاء الأمم المتحدة، بما فيها حق اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية ..!(2) 
باقر الفضلي/ 12/7/2014
_________________________________________________
(*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/07/140709_israel_gaza_operation_live.shtml 
(1)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=31278
(2)  http://web.alquds.com/news/article/view/id/476871




  

29
فلسطين : لا للعدوان على غزة..!!؟
باقر الفضلي




لم يأت المرء بجديد ، وكثيرة هي المقالات حول القضية الفلسطينية، وما يجري اليوم من عدوان إسرائيلي مباشرعلى قطاع غزة، من قبل حكومة اليمين المتطرفة لإسرائيل، لا يخرج في مضمونه عن حلقة في مسلسل السياسة الإسرائيلية المدعومة، من قبل الإدارة الأمريكية، وتحت نفس الحجج والذرائع، التي ما إنفكت إسرائيل ومن يدعمها، ترددها بإستمرار، في الوقت الذي تجد فيه ما يناسبها، في محاولة لا تنقطع، من وضع العصي في عجلة التقارب بين الفصائل الوطنية الفلسطينية، كلما وجدت في ذلك ما يهدد مصالحها..!؟(*)




 فوحدة الشعب الفلسطيني، هي وحدها الخطر الذي تجد فيه الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، ومنها حكومة السيد بنيامين نتنياهو الحالية، ما يهدد مشاريعها التوسعية في الإستيطان؛  وليست غزة في عرف السياسة الإسرائيلية_ الأمريكية، أو العكس، إلا تلك القشة التي تقصم ظهر البعير، رغم تجاهل البعض لتلك الحقيقة؛ إما عن جهل، أو غفلة، أو حتى أن هناك من يجد في إستمرار أوضاع الإنقسام الفلسطيني، ما يحقق مصالحه أو يديم وجوده، سواء على الساحة الداخلية أو الإقليمية، ناهيك عن  الدولية..!؟؟




فالعدوان الإسرائيلي على شعب غزة، هو تلك المطرقة ، التي ما إنفكت الحكومات الإسرائيلية المتطرفة، تقرع بها على سندان الوحدة الوطنية الفلسطينية، كلما وجدت الى ذلك سبيلا، بل ولا يضيرها حتى الترويج الى شعارات التطرف والعنف المعاكس، والدفع بإتجاه ردود الفعل العنفية، لتقنع عن طريقها، الشعب الإسرائيلي والمجتمع الدولي، بصحة ما تروجه من عنف المنظمات الوطنية الفلسطينية، بما يسهل لها تبرير العدوان، والإستمرار في تعنتها العنصري، وترك الشعب الفلسطيني يعيش حالة " الأبارتهيد" العنصرية، تحت سمع وبصر المجتمع الدولي ورضا هيئاته الدولية، وقبول مجتمعات الدول التي تنعت نفسها ب" الديمقراطية" ..!!؟




فحينما يتجاوز ضحايا الشعب الفلسطيني في غزة جراء همجية غزو الطيران الإسرائيلي، وخلال ثلاثة أيام من العدوان المتواصل، ما يزيد على 51 شهيدا وما يربو على 455 مصابا بينهم 13 طفلاً و9 نساء ، في وقت لا يتحرك فيه الضمير الإنساني، ولا تراه ينبس ببنت شفة لشجب وإستنكار العدوان الإسرائيلي، وكأن ما يجري من عدوان على الشعب الفلسطيني في غزة وما حولها، مجرد لعبة لهو إسرائيلية، وكأنها لا تمت بصلة الى كونها جريمة إبادة للإنسانية ، تنفذها حكومة إسرائيل العنصرية، وضحيتها هو الشعب الفلسطيني الأشم؛ فإن هذا الشعب النبيل الذي يثبت بصموده الوطني الجبار ، بأنه منتصر لا محالة، ولا يمكن لأي قوة بربرية عنصرية، مهما بلغت من الهمجية والعدوانية، من إذلال عنفوانه الوطني، ولجم تطلعاته الخيرة، من أجل تحقيق وحدته الوطنية، وبناء دولته الوطنية الديمقراطية المستقلة، طبقاً لما أقرته الشرائع الدولية، وما تجيزه القوانين والشرائع الإنسانية..!؟




 فمع هذا العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزة، يصبح الباب مفتوحاً، على مصراعيه، أمام جميع الفصائل الوطنية الفلسطينية، لنبذ خلافاتها الداخلية، ومصالحها الفئوية، والركون الى مصلحة الوطن، وليس غيره، لتحقيق اللحمة الوطنية، وإظهار وحدة الإرادة الوطنية، بكل ما يمثلها على صعيد المؤسسات والهيئات الشعبية، بموقف موحد يمثل دولة فلسطين المدنية الديمقراطية ..!(1)
المجد والخلود لأرواح الشهداء الفلسطينيين الأبرار
وعاشت دولة فلسطين المدنية الديمقراطية حرة أبية 
باقر الفضلي/ 10/7/2014        
                                        (*) الملف الفلسطيني
         (1)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=31171

30

فلسطين: ابو خضير شهيد الفداء..!؟(*)




باقر الفضلي
               
محمد ابو خضير؛ ايها الرمزالفلسطيني الخالد، اليك يا ابن الوطن الذي إستباحه عتاة الغزاة من المستوطنين؛ ايها الأيقونة المقدسة، والأمل المشرق في أحلام الفلسطينيين.. سيظل إسمك نجماً مشعاً في سماء الوطن المسروق.. 




سلاماً نُحييـكَ يا أبنَ الفِـداء
 ويكفي العتاةَ من الخزيِّ ما حُمِلوا
ويكفيكَ نَجماً بكبـدِ السماء..
 دليلاً يُـنيرُ الطَريقَ لمنْ يَـنهلـوا
دليلاً ومجداً لشعبِ الكُمـاة..
ودرساً لمن أدركوا الحقَ وإستمهلوا
سلاماً فأرضك أرض الفداء..
 ومَنْ يفـتدي الأرضَ لَـنْ يُهمَـلُ
سلاماً محمد.. تلك الجِمـوع..
تَسيرُ بهـديكَ لَـنْ تَغفِـلُ
***
فيا مُبحِـراً بين طيفِ الجِنان..
تَهفُ القلوبُ لمرآكَ .. إذ تَسألُ  
محمدُ هل لك أن تَستغيثْ..؟!
وهل لكَ أن تُمهِلَ القومَ ما يفعلوا..؟!
فحتى.. وحتى.. الى مَ السكوتْ..؟
فللأمِ صَبرٌ ، وصبرُ الثُكالى.. هو الأفعلُ
حَمِلتَ بخطفِـكَ سِـرَ الحياة..
وما أثقـلَ السِـرَ إذ  يُحمَـلُ
هـو الغَـدرُ شَـأنٌ لكلِ اللِئـام..
وشَـأن المنايـا هـو الأولُ
***
فَـتىً وعيـونُ الأنـام..
تَـراكَ وفيكَ الفتى الأَمثـلُ
فإنْ كنتَ غادرتَ في غَفلـةٍ..
فتَبـاً لهُ المَـوتُ يَستَعجِـلُ
وتبـاً لهـا سَـطوةِ الإنتقـام..
وتباً لمنْ يُـزهق الروحَ.. إذ يفعلُ
فيا جَـذوةٌ أشعلتْ في النفوس..
ضرامَ التأسي، وللغيظِ ما يُشعِـلُ 
فلسطينُ.. حُييتِ رَمـزَ الشَهيـد..
وحَسبُـكِ بَـدرٌ يَطوفُ ولَنْ يأفَـلُ 
باقر الفضلي/ 6/7/2014
                                           (*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2014/07/140706_in_the_press_on_monday.shtml
























 












































 





31
فلسطين: ابو خضير شهيد الفداء..!؟(*)




باقر الفضلي
               
محمد ابو خضير؛ ايها الرمزالفلسطيني الخالد، اليك يا ابن الوطن الذي إستباحه عتاة الغزاة من المستوطنين؛ ايها الأيقونة المقدسة، والأمل المشرق في أحلام الفلسطينيين.. سيظل إسمك نجماً مشعاً في سماء الوطن المسروق.. 




سلاماً نُحييـكَ يا أبنَ الفِـداء
 ويكفي العتاةَ من الخزيِّ ما حُمِلوا
ويكفيكَ نَجماً بكبـدِ السماء..
 دليلاً يُـنيرُ الطَريقَ لمنْ يَـنهلـوا
دليلاً ومجداً لشعبِ الكُمـاة..
ودرساً لمن أدركوا الحقَ وإستمهلوا
سلاماً فأرضك أرض الفداء..
 ومَنْ يفـتدي الأرضَ لَـنْ يُهمَـلُ
سلاماً محمد.. تلك الجِمـوع..
تَسيرُ بهـديكَ لَـنْ تَغفِـلُ
***
فيا مُبحِـراً بين طيفِ الجِنان..
تَهفُ القلوبُ لمرآكَ .. إذ تَسألُ  
محمدُ هل لك أن تَستغيثْ..؟!
وهل لكَ أن تُمهِلَ القومَ ما يفعلوا..؟!
فحتى.. وحتى.. الى مَ السكوتْ..؟
فللأمِ صَبرٌ ، وصبرُ الثُكالى.. هو الأفعلُ
حَمِلتَ بخطفِـكَ سِـرَ الحياة..
وما أثقـلَ السِـرَ إذ  يُحمَـلُ
هـو الغَـدرُ شَـأنٌ لكلِ اللِئـام..
وشَـأن المنايـا هـو الأولُ
***
فَـتىً وعيـونُ الأنـام..
تَـراكَ وفيكَ الفتى الأَمثـلُ
فإنْ كنتَ غادرتَ في غَفلـةٍ..
فتَبـاً لهُ المَـوتُ يَستَعجِـلُ
وتبـاً لهـا سَـطوةِ الإنتقـام..
وتباً لمنْ يُـزهق الروحَ.. إذ يفعلُ
فيا جَـذوةٌ أشعلتْ في النفوس..
ضرامَ التأسي، وللغيظِ ما يُشعِـلُ 
فلسطينُ.. حُييتِ رَمـزَ الشَهيـد..
وحَسبُـكِ بَـدرٌ يَطوفُ ولَنْ يأفَـلُ 
باقر الفضلي/ 6/7/2014
                                           (*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2014/07/140706_in_the_press_on_monday.shtml
























 












































 




32





العراق : وقفة مع الحقيقة..(7) ..!؟
باقر الفضلي




في آخر مقال حول الشأن العراقي، طُرِحَ التساؤل الإِفتراضي التالي: فيما إذا قُدر للعراق أن [[ يعيش فترة من الفراغ السياسي في ظل وضعه الراهن، المحفوف بأخطار غير محسوبة العواقب..؟!]](*)




ولم يمض وقت طويل، حتى عكست مجريات الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد ملامح الإفتراض المذكور، وذلك بما جسده فشل البرلمان في إنجاز مهمته الأولى، في إنتخاب رئيسه ونائبيه، رغم جميع التبريرات التي قيلت بهذا الشأن، ناهيك عما إنتاب تلك الجلسة من مفارقات اللف والدوران على النظام الداخلي لمجلس النواب، وتجاوز حدود مهام الجلسة الأولى والدخول في مساجلات بين أعضاء بعض الكتل  النيابية، إبتعدت في دبلوماسيتها ,وشكلياتها، عن المألوف في مثل تلك الحالات، الأمر الذي إنتهى بتأجيل الجلسة لمدة إسبوع، على أمل التوصل الى تفاهمات وتوافقات، قد تساعد المجلس، على إنجاز مهام الجلسة الأولى..!!؟




يأتي هذا في وقت باتت تتحكم في الشأن العراقي، إرادات مختلفة؛ من كتل سياسية من ذات مكونات "العملية السياسية"، وتخضع فيه أجزاء من الوطن، الى هيمنة وعبث سلطة فلول الإرهاب، التي تمكنت ومنذ العاشر من حزيران/2014 من فرض وجودها، وكأنها أمر واقع لا فكاك منه، لدرجة وضع فيه الوطن، في دوامة أريد لها أن لا تنتهي؛ من العيش في كنف إحتراب داخلي، إختلطت أسبابه، وتنوعت أدواته، فتراه وكأنه يعيش حرباً لا خلاص منها؛ بين مختصمين شركاء، وضد موهومين أعداء؛ حتى إختلطت الأوراق وتشابكت الألوان، وإستعرت نار الحقد الدفين، في ظل تهديد متواصل من عدو بات يؤرق وجوده وإمتداده عقول ونفوس الناس..!؟




ومما أزاد في الطين بلة، أن يتصاعد مستوى الإستقطاب بين الكتل السياسية ليصل حدوداً من التصلب  والتصعيد، لا يرى معها المراقب، ومعه المواطن المتأمل في الأحداث الجارية في العراق، من أمل في إنفراج متوقع، قد يدفع الى التوصل الى حلول مقبولة من قبل الجميع، لتشكيل الحكومة الجديدة، وردم الثغرات التي باتت تنخر في جسد "العملية السياسية"، بقدر ما برزت على الساحة السياسية العراقية، من إرهاصات تبعث على القلق لما قد تخفيه الأيام القادمة من مفاجئات لا تخدم مسار العملية السياسية، أقل ما فيها، إنها لا تصب في مصلحة كافة الأطراف المتصارعة حسب، بل سيكون المستفيد الوحيد منها، هي نفس القوى التي خططت لأن يؤول مسار الأحداث في العراق الى ما إنتهى اليه اليوم؛ من تصدع في وحدته الوطنية، وتشرذم في مكوناته المختلفة، وتهديد في  تمزيق وحدة ترابه الوطني، ناهيك عما يضمره المستقبل، من خراب ودمار فوق ما لحقه طيلة السنوات العشر المنصرمة، في بناه التحتية والخدمات اللوجستية..!؟؟




فمن مفارقات السياسة العراقية، أن يعلن السيد أسامة النجيفي رئيس "كتلة متحدون" بتاريخ 3/7/2014 في بيان تلفزيوني، عن سحب ترشيحه لمنصب رئيس مجلس النواب لدورة ثانية، مؤكداً أن قراره جاء  " استجابة لطلبة الشركاء ، ومحض لاعذار اللاهاثين وراء الكراسي" (1)




هذا وعلى العكس من ذلك؛ أعلن السيد نوري كامل المالكي رئيس الوزراء للحكومة الحالية في بيان خاص له موجهاً الى الشعب العراقي قائلاً: "بكل عزم وقوة بأني سأبقى وفيا لهم وللعراق وشعبه ، ولن أتنازل أبدا عن الترشيح لمنصب رئيس الوزراء."(2)








فبمثل حالة سياسية بهذا التعارض والإستقطاب بين زعيمي كتلتين أساسيتين في لوحة السياسية العراقية، يبدو من المتعذر معه، التكهن بمستقبل "العملية السياسية" نفسها، حيث أن كلا الموقفين في الحقيقة، يعكسان مستوى عال من الإستقطاب المتصاعد الذي وصلت اليه أقطاب العملية السياسية، ومن تعارض حاد في مواقفها من مفهوم السلطة، ناهيك عما تمثله المواقف الأخرى لمكونات تلك العملية من الحالة الشائكة للأزمة العراقية، وعلى الخصوص منها، الوضع المتداخل والشائك في مناطق الإقليم، وما يمثله على سبيل المثال؛ الموقف المتعارض بين السلطة الإتحادية وسلطة الإقليم من تفسير نص المادة/ 140 من الدستور بشأن " المناطق المتنازع عليها"، ومحاولة الإجتهاد من طرف واحد بإعتبار النص الدستوري المذكور بحكم المنتهي عملياً، وهو إجتهاد فيه نظر، ويحتاج الى ما يدعمه قانوناً على صعيد الدستور..!؟




كل هذا يأتي في وقت، لم تفلح فيه جميع المحاولات المبذولة من جهات مختلفة، من داخل العملية السياسية أو من خارجها ، في رأب الصدع بين أطراف العملية السياسية، بما فيها أطراف من خارج الكتل السياسية، قد زجت نفسها، في دفع المكونات السياسية الى التعجيل بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لدرء الخطر الذي يواجهه العراق، جراء التمدد الإرهابي..!؟




ولم يعد تفسير التصريحات والبيانات التي تصدر من مختلف أطراف الكتل السياسية، هو الآخر بمنجى من الإتهام المتبادل والطعن والإسقاط السياسي، لدرجة باتت ورقة الإرهاب هي الأكثر رواجاً في لغة تلك التصريحات والبيانات المتداولة، وبات المراقب والمواطن المتابع والمتلقي لها يضرب أسداسا بأخماس من أجل أن يتلمس الحقيقة، وأن يفرز بين الغث والسمين من جملة الإتهامات والتراشقات المتبادلة..!!؟




فالبيانات الصادرة من قبل أطراف العملية السياسية، بكل ما تعنيه من حرصها على سلامة العملية السياسية، بما لها وما عليها، وبكل ما تعلنه من أولويات في مطاردة الإرهاب وتأمين سلامة الوطن والدفاع عن حياضه، تظل عاجزة عن أداء ذلك، طالما إنفردت في قراراتها، وأقنعت نفسها بأنها وحدها القادرة على كل شيء، في وقت يتطلب فيه الظرف الحالي، وحدة الكلمة، وتجميع الصف الوطني، ومشاركة الجميع في درء الخطر والدفاع عن الوطن؛ أما التجييش والإستعلراضات العسكرية في الفضائيات، والأناشيد المحمومة، والهوسات والقصائد الشعبية، فرغم ما لها من وقع في النفوس، فإنها تظل معبرة عن الجهة التي تقف ورائها، ويظل تأثيرها محدوداً في تلك الحدود التي رسمت اليها..!!؟؟




فإن كان هناك من "تحديات ومؤامرة" تواجه الوطن، فلا مناص والحال؛ أن تنخرط كافة الكتل والقوى السياسية من أطراف العملية السياسية لمواجهة تلك التحديات، بعمل مشترك، لا يغلب عليه الإنفراد في إصدار القرارات، أو التمسك المطلق في الحق الذي ينبغي ان يحضى برضى وموافقة الجميع، فالعراق يبقى، وفي جميع الأحوال، وطناً للجميع، وليس هناك من أفضلية لجهة أو طائفة أو مكون من الشعب على آخر، والجميع متساوون في الحقوق والواجبات أمام الدستور، ولا فرق بين أحد وآخر في الدفاع عن الوطن، وهو أمر يتطلب في جميع الأحوال، التوازن السياسي بين الكتل السياسية، والمرونة السياسية، وعدم التشبث والإستئثار بالمركز الحكومي، حتى إن جاء من خلال آليات العملية الديمقراطية، فللظروف الراهنة التي تحيط بالعراق، وتتحكم بمستقبله أحكامها؛ مما ينبغي على مجلس النواب الجديد أن يلعب دوره التشريعي الجاد والحاسم في مواجهة تلك الظروف، وعلى جميع السياسيين العمل والأخذ بأحكام قاعدة [ الضرورات تبيح المحظورات] لأهميتها القصوى، اليوم في توحيد الكلمة، وتحقيق الإجماع والتوافق بين السياسيين العراقيين، إذا ما كان الأمر حقاً وكما وصفه السيد نوري المالكي رئيس الوزراء في بيانه الأخير، بأنه لا يخرج عن كونه " تحديات ومؤامرة" تواجه العراق..!!؟ 




فالمرونة السياسية، في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها العراق، حتى لو دفعت بصاحبها الى الإنسحاب من موقعه، حيث يحقق بمثل ذلك الإنسحاب جمع الشمل ووحدة الصف الوطني، وتحقيق التوافق السياسي بين مختلف أطراف العملية السياسية، لا ينبغي باي حال من الأحوال، أن يجري تفسيرها من موقف الضعف والإنهزام، والتنصل من المسؤولية، ولا أظن إن في إنسحاب السيد إسامة النجيفي لترشيحه لرئاسة البرلمان الجديد على سبيل المثال، ما يوصمه بالضعف أو الإنهزامية، بقدر ما يأتي منسجماً مع طبيعة ما يمر به العراق اليوم من التخندق والإستقطاب، ويأتي تعبيراً منطقياً للقاعدة الفقهية المشار اليها فيما تقدم..!




الأمل أن ينتبه جميع السياسيين وقادة الكتل السياسية الى طبيعة الظرف الذي يمر به العراق، وأن لا يجروا العراق وشعبه بأيديهم، الى متاهة سوداء ونفق مظلم لا مخرج منه، فالوحدة الوطنية هي السبيل الوحيد لخلاص العراق من كل ما يهدده من غوائل الإرهاب، وتداعياته من إنقسام وتمزيق لنسيجه الإجتماعي..!!
باقر الفضلي /5/7/2014      
______________________________________________________     
          (*)        http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=420884  
(1)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/16741-2014-07-04-08-45-44
(2)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/16760-2014-07-04-18-39-06








 

33
العراق:  في قلب العاصفة..!!




باقر الفضلي




السؤال الذي يكرر نفسه اليوم، لا يخرج في مدلولاته وفي أسبابه، عن مدلولات وأسباب أزمة   تشكيل الحكومة العراقية التي أعقبت نتائج إنتخابات عام/ 2010 ، والتي كان من نتائجها حكومة " تسيير الأعمال " ،  كتعبير عن الإستمرار في دست الحكم، وما أعقبها من إشكالية تعريف " الكتلة البرلمانية الأكبر" ، وما آلت اليه من تشكيل "حكومة المشاركة"، كتعبير غير واضح المعالم  عن مفهوم " التبادل السلمي للسلطة " دستوريا..!؟




فهل ياترى وفي ظل ما يجري في العراق اليوم، وبعد قرار المحكمة الإتحادية بإقرار نتائج إنتخابات /2014 ، أن  يشهد العراق أزمة مشابهة للأزمة السابقة، في وقت يتطلب فيه الوضع الراهن،  التعجيل بتشكيل الحكومة الجديدة، طبقاً لنصوص الدستور، وبعيداً عن كل المساومات، أو اللعب بأوراق الضغط، التي في مقدمتها، ورقة " الإرهاب" ، الذي بات يكتسح الوطن، وكأنه قد خطط له أن يكون الوسيلة الضاغطة، للتحكم بالنتائج، ورسم صورة عراق المستقبل بالشكل الذي يحقق أهداف الغزو، من تقسيم وتجزئة..!!؟




فاكثر من كتلة سياسية، بما فيها من تشكل رموزاً للمكونات الإجتماعية العراقية، باتت تعلن جهاراً بعد تصديق المحكمة الإتحادية على نتائج الإنتخابات، بضرورة الإسراع بتشكيل حكومة للإنقاذ الوطني، وغيرها من تدعو الى ضرورة تشكيل "حكومة للوحدة الوطنية تتبنى برنامجا سياسيا واضحا ذا سقوف زمنية، وان تكون بعيدة عن الطائفية والاثنية."(1) 




 وكذلك من أعلن عن ممانعته حضور الجلسة الأولى للبرلمان الجديد في ظل الوضع الراهن، وطالب بإرجاء إنعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، "نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر على بلدنا العزيز وشعبنا الكريم وغياب التوافقات السياسية وعدم مصادقة المحكمة الاتحادية على جميع اعضاء مجلس النواب الجدد، بالاضافة الى العسكرة الواضحة للمجتمع والتجاذبات الطائفية السياسية".(2) 




  وبعضها وبصريح العبارة من يرى :" ان على المالكي ان يستقيل لأنه اذا بقي في منصبه ستسير المشكلات لمزيد من التعقيد ولن يمكن العثور على اية حلول."(3)




وفي ظل هذا الخضم من التصريحات والمواقف، التي يجمع ما بينها الموقف الرافض لتواصل المسيرة الحالية للحكومة القائمة بحالتها الراهنة، ولأسباب تجملها، في ضعف إداء الحكومة والفشل الإستراتيجي، الذي طال خططها الأمنية، والانفراد بالتحكم بالسلطة من قبل جهة طائفية محددة، مما عزز حالة التهميش لقوى طائفية أخرى معينة من مكونات المجتمع العراقي، الأمر الذي أصبح معه، من المتعذر على تلك القوى المشاركة في القرار السياسي، إذ وجدت نفسها وكأنها تدور في عزلة سياسية، في دوامة الصراع، الأمر الذي أصبح معه، ميسوراً أمام قوى الإرهاب الإقليمية والدولية، أن تجد الطريق معبداً للوصول الى أهدافها في تمزيق وحدة العراق، وشده الى عجلة الإحتراب الداخلي، وهذا ما سبق وجرى البحث فيه في وقت مبكر وجرى التحذير منه بإستمرار..!؟ (4)




 وفي هذا الوقت العصيب تأتي زيارة السيد جون كيري وزير الخارجية الأمريكية الى بغداد في 23/6/2014، ضمن نطاق البحث عن تسويات توافقية بين أقطاب العملية السياسية العراقية للوصول الى تشكيل حكومة عراقية ذات أبعاد شاملة في تمثيلها لجميع المكونات العراقية، لتعبر عن أبعاد المسألة العراقية دوليا..!؟(5) 




تلك هي صورة موجزة ومحزنة للوضع السياسي الراهن بعد إعلان نتيجة الإنتخابات / نيسان 2014، فهل ستكون أحداث نينوى وتكريت وغيرها من المدن العراقية التي تعرضت للإجتياح الإرهابي، حافزاً للجميع، لرأب الصدع وتعزيز الوحدة الوطنية العراقية الحقيقية، في مواجهة التمدد الإرهابي، والتدخل الأجنبي في شؤون العراق الداخلية..؟! أم سيعيش العراق فترة من الفراغ السياسي في ظل وضعه الراهن، المحفوف بأخطار غير محسوبة العواقب..؟!




 فالعراق اليوم رغم كل ما تبذل من الجهود الوطنية الخيرة، وما يقدمه الشعب من التضحيات الكبيرة في شد أزر القوات المسلحة، في صدها للمد الإرهابي، وما تلعبه قوى التأثير الدولي، فإنه يصارع ومن قلب العاصفة، من أجل البقاء عراقاً موحداً للجميع ..؟!
باقر الفضلي 23/6/2014  
(1)  http://www.iraqicp.com/index.php/party/from-p/16183-2014-06-21-18-34-15
(2)  http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/16204-2014-06-22-07-55-49
(3) http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/16243-2014-06-23-07-45-50
                           (4) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=394447
                                 (5) http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0EY15420140623?sp=true

34



العراق: ما المطلوب الآن..؟؟
باقر الفضلي




[[ ان الارهاب عدو للجميع، فعلى ابناء شعبنا على اختلاف قومياتهم وطوائفهم واديانهم ومذاهبهم، ومنطلقاتهم الفكرية ومنحدراتهم السياسية، ادراك حقيقة المخاطر، والحذر من الوقوع في ما تخطط له داعش والقوى الاقليمية و الدولية التي تقف خلفها، وما يستهدفونه من زعزعة الوحدة الوطنية واثارة الفتنة الطائفية والنعرات القومية الضيقة والشوفينية.]]
                                       الحزب الشيوعي العراقي




بهذه الكلمات التي تضمنها نداء الحزب الشيوعي العراقي، على لسان ناطق بإسم المكتب السياسي يوم 10/6/2014، الموجه الى الشعب العراقي، بكل قومياته وأقلياته القومية وطوائفه الدينية، دعا النداء الشعب الى الوقوف بوجه الزحف الإرهابي لما يدعى بقوى الإرهاب "داعش"، التي داهمت محافظة نينوى، وإجتاحت مدينة الموصل " أم الربيعين "، والوقوف الى جانب القوات المسلحة العراقية ودعمها، في مواجهتها لهذا الزحف الإرهابي المهدد لسيادة وإستقلال الوطن..!(1) 




وفي نفس السياق، فإنه لم يعد الحدث المذكور إبن يومه، وليس ما تتعرض له "أم الربيعين" الرائعة، جديداً في ساحة الواقع العراقي، فالإرهاب بكل أشكاله وألوانه، ومصادره ومن يدعمه أو يقف خلفه، لا يخرج في حقيقته، عن مسلسل ما جرى ويجري في الأنبار وسامراء والفلوجة وبابل وغيرها من مدن وقصبات العراق الأخرى، ولن يختلف في جوهره وأسبابه، عن بقية ما حل بتلك الأماكن، حيث قيل في ذلك كلام كثير..!؟(*)




فألإهابات وشحذ الهمم والإشادة بما تبذله القوات المسلحة العراقية بتشكيلاتها المختلفة في محاربة الإرهاب وملاحقة فلوله حيثما كان في غرب أو شرق أوجنوب وشمال الوطن العزيز، بقدر ما له من أهمية كبيرة، في شد لحمة المقاتلين الأشاوس في سوح القتال، وفي تعزيز أواصر التلاحم بين جماهير الشعب وقواته المسلحة..!




إلا أن هذا وحده، لم يعد كافياً ولا يمكنه أن يفي بكل ما يستلزمه الظرف الراهن من ضرورة إيجاد حلول عملية على صعيد الواقع، أوما تتطلبه مواجهة كارثة الإرهاب؛ من وحدة الكلمة والتلاحم الوطني لمجابهة الزحف الإرهابي، في وقت يعاني فيه الوطن من حالة التنافر السياسي، بين أطراف العملية السياسية، ومن الفرقة والتشرذم، والإستقطاب في الخطاب السياسي الطائفي، ناهيك عما يسود الأجواء السياسية والأخوية من حالة البرود الأقرب الى القطيعة، بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم، الأمر الذي يشكل بمجموعه، مستنقعاً من المياه العكرة الراكدة، والصالحة للإصطياد فيها، من قبل فلول الإرهاب، وكل من له مصلحة في أن يبقى العراق خائضاً في برك دم أبناءه النازف كل يوم، ومستمراً في معاناته من الشلل المتواصل في قدراته السياسية والإقتصادية، ومُهدداً طوال الوقت، بالتجزئة والإنقسام في وحدته وتماسكه الوطني..!؟




فالقوى السياسية للعملية السياسية، بكل ما لها وما عليها، مدعوة اليوم، وقبل فوات الأوان، الى إعادة النظر بمواقفها السياسية بعضها من بعض؛ وكما هي الحكومة بالذات، فإنها في مقدمة السلطات الثلاث، في التوقف أمام الملف الأمني، وإعادة النظر بإداء القيادات الأمنية، من حيث التخطيط والكفاءة والمهنية والإخلاص وتحديد المسؤولية، حيث أن العديد من الأسئلة الحيوية والجادة، قد أخذت تطرح نفسها بحدة في الواقع السياسي والجماهيري، خاصة ما يتعلق منها بتطور الأحداث في محافظة نينوى، وبالذات الغزو الإرهابي لمدينة الموصل، من قبل  "داعش" أوغيرها؛ أوعلى وجه الخصوص، ما يثار من تلك الأسئلة ، عن حالة التهاون والتخاذل من قبل بعض القيادات الأمنية في المنطقة، مما سمح لأرتال فلول الإرهاب بإجتياح المدينة، والعبث بمقدراتها، الأمر الذي دفع بألوف العوائل الموصلية الى مغادرة المدينة وضواحيها، والنزوح الى مناطق أكثر أمنا.. مما يعكس بهذا القدر أو ذاك، فشل تلك القيادات المسؤولة مباشرة عن حماية المدينة وأبنائها، إذا ما إستدعى الأمر قول غير ذلك ..!؟؟(3)




فالغموض الذي يكتنف عملية سقوط محافظة نينوى ومدينة الموصل الحدباء، بهذه السهولة، أمر لا تصمد أمامه اي تبريرات من هذا الجانب أو ذاك،  مع هذا الحجم الكبير للقطعات المسلحة في المحافظة، بكل ما لديها من معدات وآليات عسكرية متطورة، فكيف تسنى لتلك القطعات المسلحة والمكلفة بحماية الموصل والدفاع عنها، أن تغادر مواقعها تاركة أبواب المحافظة والمدينة، مشرعة أمام فلول الغزاة، لتدخلها دون مقاومة، وتستحوذ على المعدات والآليات العسكرية، وتفتح أبواب السجون مطلقة جميع من بداخلها من المحكومين من مجرمي الإرهاب، مهددة بذلك، أمن وسلامة المواطنين الآمنين من أبناء الموصل الأبرياء..؟؟؟!




إنه غموض يرقى الى مستوى (الفضيحة)، وحتى الى مستوى الخيانة الوطنية، إن ثبت ذلك..؟؟!  فالحدث وتداعياته المأساوية على جميع الأصعدة، إنما يؤكد بما لا يقبل الشك، أن جذوره تذهب بعيداً في عمق " العملية السياسية " نفسها، وبالذات في طبيعة الأسس التي بنيت عليها، حيث وبإختصار، جرى التوافق ومنذ البداية؛ على إختزال الوطن العراقي الى مجرد " مكونات " ذات طابع طائفي _ إثني، الأمر الذي دفع بكافة الأطراف السياسية، التي تحسب نفسها ضمن إطار هذا التقسيم، أن ترضى به، لما يكفل لها حصتها مستقبلاً في الكعكة العراقية، ولا غرابة والحال، إذا ما كتب الدستور و شرعت القوانين، وهي مشبعة بهذه الحقيقة، كتحصيل حاصل أو نتيجة منطقية لما جرى الإتفاق عليه منذ بداية وضع اللبنات الأولى لما جرى الإتفاق عليه ب" العملية السياسية "..!؟




فالإنقسام السائد في اللوحة السياسية العراقية، ومنذ عام الإحتلال الأمريكي للعراق عام/2003 ،إنما يجد أسبابه الحقيقية في طبيعة ذلك الإختزال الذي جرت الإشارة اليه فيما تقدم، لدرجة أصبح الأمر معه، مجرد بدهية سياسية جرى تكرارها بإستمرار، وما يقال عن حقيقة ما يدعى ب "المحاصصة"، فهو في الواقع نتيجة منطقية لكل ما يعنيه منطق " المكونات"..!؟




ولعل اللوحة الحالية للواقع العراقي السياسي، وخير مثال لها جلسة مجلس النواب بتاريخ 12/6/2014 ، التي لم يتيسر لها الإنعقاد لعدم إستكمال النصاب القانوني، قد عكست ذلك الواقع بشكل جلي وواضح، حيث أصبح من العسير بل والمتعذر على القوى السياسية العراقية المتمثلة في العملية السياسية، أن تتوحد في صف موحد، وأن تكون لها كلمة واحدة، حتى في شأن ذي طابع وطني عام، مثل سقوط محافظة نينوى وغيرها من المدن والقصبات، وعلى حين غرة بيد فلول الغزاة من الإرهابيين، خلال سويعات،  الأمر الذي رسم تلك اللوحة الملتبسة للواقع العراقي، بصورة  يشوبها الغموض، ويكتنفها التشاؤم المقرون بالإحباط النفسي على الصعيد الوطني بشكل عام..!؟




وبالتالي فإن الإنقسام المستقطب والمستمر بين تلك " المكونات " الراكضة طلائعها السياسية، وراء مصالحها الفئوية والحزبية والشخصية، والتي تشكل البناء الأساسي للعملية السياسية "للعراق الجديد"، سيستمر طالما ظل ذلك البناء قائماً على نفس الأسس المذكورة والتي جرى الإتفاق عليه منذعام/2003 بين الكتل السياسية العراقية، صاحبة المصلحة في " العراق الجديد" ، والذي أصبح  يرى فيه كل مكون من تلك المكونات،  بإن [ العراق ]، كوحدة جغرافية موحدة، مجرد " عراقه " الخاص، الأمر الذي جعل منه [ وطناً ]  معرضاً للنهب والإستحواذ، من قبل الطامعين، وأصبح لكل من هب ودب، أن يرى فيه هدفاً لإطماعه الآنية والمستقبلية؛ حتى بات من اليسير القول؛ بأن هذا الواقع الملتبس، وطبقاً لآليات العملية السياسية، ومنها الدستور نفسه، أن يصبح من المتاح، لأي من تلك القوى، الإنفرد بالسلطة، ولها ما تجده من المبررات والأسانيد في تلك الاليات، ما يعزز موقفها، ومن هنا ينبغي البحث فيما هو مطلوب عملياً لبناء "العملية السياسية" على أسس وقواعد وطنية صحيحة، تخدم حقاً بناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، لا دولة "المكونات" بصورتها الطائفية أو الأثنية ..!؟؟   
باقر الفضلي/ 12/6/2014 
(1)   http://www.iraqicp.com/index.php/party/from-p/15642-2014-06-10-12-01-43
(2)   http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189
(3)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/15660-2014-06-10-19-57-53




35



فلسطين: أزمة المعتقلين الفلسطينيين في إسرائيل..!




باقر الفضلي




تتفاقم أزمة المعتقلين الفلسطينيين المضربين عن الطعام في المعتقلات الإسرائيلية، يوماً بعد آخر، ويتعاظم القلق الذي تبديه أوساط دولية وفلسطينية ازاء تدهور الحالة الصحية للعديد منهم، وذلك بسبب ما تقدم عليه إدارة السجون الإسرائيلية من أجراءات تعسفية بحقهم، تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان، بهدف الضغط عليهم لكسر إضرابهم، هذا في الوقت الذي ، [[قال مسؤولون فلسطينيون إن السجناء "في خطر" داعين إلى فرض ضغوط دولية لايجاد حل للأزمة.]](1)




وقد عبرت الأمم المتحدة وعلى لسان أمينها العام السيد بان كي مون، عن بالغ قلقها عن تدهور الحالة الصحية للمعتقلين الفلسطينيين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية، مطالباً في نفس الوقت إما  "بتوجيه التهم لهم أو إطلاق سراحهم دون إبطاء.." وتأتي دعوة الأمين العام للأمم المتحدة في وقت تطبق فيه السلطات الإسرائيلية في معتقلاتها على  "" نحو خمسة آلاف سجين من بينهم 200 شخص على الأقل رهن الاعتقال الاداري." (2)




إن كل ما يطالب به المحتجزون الفلسطينيون، هو إطلاق سراحهم فوراً طالما إن إحتجازهم لا يستند الى لائحة إتهام واضحة، بل يجري تجديده بناء على توصية من قبل جهاز المخابرات الإسرائيلي ( الشاباك)؛ ولكن وعلى العكس من ذلك، تندفع سلطات حكومة نتنياهو الى الإيغال في تعنتها، وبدلاً من الإستجابة الى نداءات الهيئات الدولية والحقوقية، بفك إسارهم وإطلاق سراحهم ، يستعجل السيد بنيامين نتنياهو على الكنيسيت الإسرائيلي، إقرار مشروع قانون يسمح [[ للجنود الإسرائيليين بإطعام المعتقلين الفلسطينيين بالقوة عندما يضربون عن الطعام. في الوقت الذي يدخل المعتقلون الفلسطينيون في سجون إسرائيل اسبوعهم السادس من الإضراب عن الطعام وهو ثاني اكبر إضراب من نوعه خلال السنوات الماضية. ]](3)




إن التخبط السياسي بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية، والذي ما إنفكت حكومة السيد بنيامين نتنياهو  ضالعة فيه، يضعها دائماً في موقف متعارض مع القانون الدولي والشرعية الدولية، وفي تعارض دائم من جهة أخرى، مع القانون العالمي لحقوق الإنسان، فبقدر ما يستدعي موقفها من السجناء والمعتقلين السياسيين الفلسطينيين، الرفض والإستنكار، يأتي مشروعها الأخير من تشريع قانون ليجبر المعتقلين الفلسطينيين، ممن يستخدم حقه الشرعي في إعلان الإضراب عن الطعام، إحتجاجاً ضد تصرف لا إنساني أو إنتهاك لا شرعي لحقوقه القانونية والشخصية، بإجبارهم على فك الإضراب، حتى وإن إستدعى ذلك إستخدام القوة الغاشمة بواسطة الجنود والقوات الأمنية..!؟




 يأتي مثل هذا المشروع، ليعبر عن مدى حجم العسف والظلم الذي يتعرض له السجناء والمعتقلون الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، الأمر الذي دفع حتى بالأمين العام للأمم المتحدة بإعلان شعوره بالقلق لما يتعرض له المعتقلون الفلسطينيون، وعن تدهور حالتهم الصحية..!!




 ليس هذا وحسب، بل لقد إستدعى مشروع قانون حكومة السيد بنيامين نتنياهو بإستخدام القوة لإطعام المضربين من المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل لفك إضرابهم، إستدعى [[ الجمعية الإسرائيلية للأطباء "نقابة الأطباء" رفض المقترح واعتبرته تعذيبا.  كما طالبت أعضائها بعدم التعاون مع سلطات السجون في إطعام المعتقلين بالقوة مؤكدة أنها تعتبر هذه العملية نوعا من التعذيب. كما  وأن الاتحاد الدولي للأطباء يتخذ الموقف نفسه ويعتبر الإطعام بشكل قسري نوعا من تعذيب المرضى.]](3)




فأي غرابة أكثر من تلك، وهل هناك أكثر وضوحاً من مثل ذلك الإعتراف، بل والى اي مدى يمكن السكوت عن التجاوزات الإسرائيلية على القانون الدولي وحقوق الإنسان، حينما يجري كل هذا أمام أنظار المجتمع الدولي وبعلم ومعرفة الشرعية الدولية..أم أن منظمة مثل الجامعة العربية، غير معنية بأمور من هذا القبيل..؟؟!
باقر الفضلي/ 2014/6/7
 
(1)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/05/140528_palestinian_hunger_strike.shtml
(2) http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/06/140607_un_concerns_palestinian_prisoners.shtml 
(3)  http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2014/06/140605_press_friday.shtml

36
مصر: ثلاثة أيام حاسمة..!



مصر: ثلاثة أيام حاسمة..!
باقر الفضلي




في ثلاثة أيام تمكن الشعب المصري أن يحسم خياره بالإتجاه الصحيح، بعد إرهاصات ثلاثة أعوام من الشد والجذب، وبعد تجربة فاشلة خاضها في بحر الديمقراطية، لقنته درساً لم ينساه، بعد أن تلمس لمس اليقين، ما كادت أن تجره اليه تجربة حكم " جماعة الأخوان"، من العزلة والظلامية والعودة الى ماض، يغلق أمامه كل طرق الحرية والنور والتقدم، ليجد نفسه في النهاية وهو يسبح في ظلمات الماضي؛ ولكن إستفاقته في الثلاثين من حزيران 2013، قد وضعته من جديد على المسار الصحيح، ليستكمل طريقه بإتجاه الديمقراطية، وليرسي بناء أسس دولته المدنية الحديثة، فجاءت تجربته الجديدة بإنتخاب مرشح الشعب المشير عبد الفتاح السيسي، فاتحة مباركة لهذه المسيرة المجيدة، والتي فيها من الدلائل والمعاني ما يصح أن يلهم دروساً غنية في السياسة..!(1)




يحدث هذا في وقت تمر فيه الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، في أحلك أيامها، وهي تتعرض الى تداعيات الحرب الظالمة، التي فرضت عليها تحت واجهة ما يسمى "الربيع العربي" ، والتي لا زال البعض منها يخوض في برك دماء أبنائه كل يوم، وهو يرى بأم العين، كيف تسعى دول التحالف الأمريكي _ الغربي/ الخليجي، بمواصلة دعم تلك القوى الضالعة في شن الحرب ضد شعوب المنطقة، ومنها على سبيل المثال، جمهورية مصر العربية، التي بحكمة شعبها، قد أدركت مبكراً خطر تلك الحرب الظالمة، فإنتفضت مسجلة بوعيها ووعي طلائعها الوطنية،  وبما تمتلكه من تراث عريق في سجلها الوطني الديمقراطي، ومن قيم حضارية وثقافية تأريخية ، أعظم إنعطاف في تأريخها الحديث، وذلك بالإتجاه الذي أفشل مخططات تلك القوى الهادفة الى إغراق مصر وشعبها الأبي في أوحال الجهل والإستبداد..!؟(2) 




فالزخم الجماهيري المصري المليوني في الثلاثين من حزيران/2013، والذي وجد ما يمثله من إستجابة المشير عبد الفتاح السيسي للترشيح الى منصب الرئاسة، يعكس بصدق، تلك العلاقة السببية، بين توجه تلك الجماهير المليونية من الكادحين المصريين على وجه الخصوص، وفي مقدمتهم، ذلك الكم الكبير من النساء ومن النخب المثقفة، الى صناديق الإنتخابات، على مدى ثلاثة أيام، بهدف التصويت وإختيار المشير عبد الفتاح السيسي، كرئيس منتخب..! 




حيث عكس كل ذلك، عمق التعلق بين هذه الجماهير المليونية، وبين شخصية المشير عبد الفتاح السيسي، لما شعرت به، من سعة أفق الإطمئنان الذي تجسد في شخصية الرئيس المنتخب، قبل أي شيء آخر يتعلق بمطالبها الأخرى، على صعيد الخدمات والبطالة وغيرها، رغم ما لذلك من أهمية كبيرة.. ومن هنا يمكن التأكيد، بأن سر تلك العلاقة بات  يتمحور بلا شك، حول الهاجس الأمني، الذي ألقى بظلاله على الساحة السياسية المصرية من جهة، وما كانت تعكسه آثار الهجمات الدموية، ضد الأبرياء في البلدان العربية الشقيقة، من جهة أخرى..!




وبالتالي وتعبيراً عن حقيقة الأسباب التي تقف وراء توجه المواطن المصري بهذه الكثافة المليونية الى صناديق الإنتخاب،  وتصويته الى المشير عبد الفتاح السيسي، بهذا الفارق الكبير في الأصوات قياساً الى المرشح الثاني السيد حمدين صباحي، وهو الآخر شخصية معروفة بوطنيتها، وتتمتع بشعبية مشهود لها على صعيد الثورة المصرية، ومعروف موقفها الحازم ضد الإستبداد والإرهاب؛ كل هذا سيدفع بالنتيجة الى أن يلقي على كاهل الرئيس المنتخب، مسؤولية أكبر في إيجاد الحلول السريعة للملف الأمني، قبل غيره من الملفات، أوعلى أقل تقدير، إيلاء الملف الأمني أهمية إستثنائية، قياساً للملفات الأخرى..!(3)




 فالمتربصون للتغيير الديمقراطي، الذي أخذ طريقه في مصر اليوم، وبعد وضوح نتائج الإنتخابات لصالح المشير عبد الفتاح السيسي، سوف لا يألون جهداً في وضع العصي في عجلات مركبة المسيرة الديمقراطية، وردود أفعالهم على تلك النتائج قد تزامنت مع بداية الإنتخابات، بل وحتى قبلها.. مما يؤكد بأن مسيرة التغيير أمام الشعب المصري، وتثبيت أسس البناء المدني الديمقراطي، سوف لن تكون بذلك اليسر والسهولة التي يتصورها البعض، وأمامها من العقبات والمصاعب، ما تشيب له الرؤوس..!؟




 إن التغيير الديمقراطي والمقرون بالحرية التي يتطلع اليها الشعب المصري، فينظر اليه، وبما تمثله مصر من طليعة للدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، بكونه ذلك الأمل الذي تعقده الشعوب العربية الشقيقة، على نصر الشعب المصري المؤزر، والتي ترى فيه نصراً لها جميعا..!
فهنيئاً للشعب المصري البطل، الذي إختار بإرادته وحده، ومبروك عليه إنتصاره العظيم..!
باقر الفضلي/ 30/5/2014
(1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=367188
(2)  http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/05/28/us-syria-training-1
(3)  http://www.youm7.com/News.asp?NewsID=1697180#.U4h0pnJ_sht
   




37




فلسطين : الوحدة الوطنية..!




باقر الفضلي




وهكذا أثبت الشعب الفلسطيني، وكأي شعب حر، بأنه شعب أهل بتقرير مصيره بنفسه، وبأنه جدير بكل الثقة والإحترام، وقادر على حسم قضاياه العقدية، من خلال ما يتحلى به من وعي سياسي ووطني عاليين، رغم كل تعنت الإحتلال وجبروته الطاغوتي؛ حيث أثبتت طوال السنين؛ حنكة هذا الشعب الجبار، وقدرته وتجربته العريقة في مواجهة المحن، ليثبت على الدوام، بأنه لن يفقد بوصلة الطريق، ولن يخفت حماسه، أو يصيبه الضعف في حسه الوطني والقومي، رغم كل ما قدمه ويقدمه من تضحيات على مدى أكثر من ستة عقود من سني النضال..!




الشعب الفلسطيني الباسل، وهو يمسك بيده من جديد، بوصلة ( وحدته الوطنية)، إنما يعلن للعالم أجمع، بأنه قد حان الوقت لأن يعترف المجتمع الدولي بأحقية هذا الشعب في الحصول على كافة حقوقه الشرعية، التي أقرتها الشرائع الدولية، وبأن يقر له خطوته الأخيرة، في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، المدعومة من قبل جميع فصائله الوطنية،؛ فقد أثبتت سبع سنوات من ألإنقسام الوطني، ما يعنيه ذلك الإنقسام، وتداعياته المدمرة، على الروح الوطنية للشعب الفلسطيني، من التشرذم والفرقة الوطنية، الأمر الذي كان بمثابة المعول المدمر لكل ما بناه الشعب الفلسطيني، من أمجاد كفاحية وإرث وطني خالد..!




لقد جاء إعلان تشكيل حكومة التوافق الوطني الفلسطيني، تجسيد واقعي لطموح هذا الشعب المناضل، في الوحدة الوطنية، التي وجد فيها الطريق الوحيد لمواصلة مسيرة النضال في سبيل تحقيق طموحه الوطني، وإهدافه المستقبلية، في التحرر من ربقة الإحتلال، وفي بناء دولته الوطنية الديمقراطية الموحدة..!




فقد جسد بيان مجلس وزراء حكومة التوافق الوطني، أهم مستلزمات العمل الوطني أمام تلك الحكومة، ملخصاً بإيجاز، أولويات ذلك الإلتزام ومؤكداً : [[التزام الحكومة ببذل أقصى الجهود لإنجاز المهام التي أوكلت لها وفق القانون الأساسي والقوانين والأنظمة النافذة الأخرى، إلى جانب المهام الإضافية المنوطة بها، والمتمثلة بمعالجة آثار الإنقسام، وإزالة سلبياته، وإعادة توحيد مؤسسات دولة فلسطين، والبدء بإعادة إعمار قطاع غزة، وتقديم كل ما من شأنه تسهيل إجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية كاستحقاق دستوري قانوني وحق للمواطن الفلسطيني لتجديد شرعية مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، من خلال انتخابات حرة ديمقراطية كما في تجاربنا السابقة التي شهد العالم بنزاهتها وشفافيتها.]] (*)




إن ما لخصه بيان مجلس الوزراء من مهام على جميع الأصعدة؛ الداخلية منها، أوالمتعلقة بما يلزم دولة الإحتلال بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما يتعلق بشؤون الأسرى،     [[ مما يستدعي التدخل الفوريّ والعاجل لإلزام حكومة الاحتلال بتطبيق القانون الدولي والإنساني والإفراج الفوري عنهم، وخاصة الأسرى الإداريين والمرضى وكبار السن والقدامى والأطفال، وصولاً إلى الإفراج عن جميع أسرانا الأبطال من سجون الإحتلال ومعتقلاته.]]  




كل هذا يأتي، بما يمكن إعتباره بمثابة برنامج وطني لحكومة التوافق الوطني، والذي أقل ما يستلزمه من أجل الدعم والإنجاح ، وحدة الصف الوطني والتلاحم، وتعزيز [[ ثقة المواطن الفلسطيني بحكومته، ويستدعي جهداً وطنياً صادقاً من كافة القوى والفصائل وكافة مكونات المجتمع الفلسطيني ]] على حد تعبير البيان الحكومي..!
باقر الفضلي/2014/6/3
(*)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=27047

38

سوريا: محاولة فاشلة للتدخل الأجنبي..!؟؟

باقر الفضلي
 
لم يمض وقت طويل، على محاولات التحالف الأمريكي _ الغربي/ الخليجي_ التركي المتكررة، بالتدخل المباشر بالشأن السوري، والمغلف بالشرعية الدولية، والذي كان آخره "ذريعة" إستخدام السلاح الكيمياوي من قبل الدولة السورية، على حد الزعم الأمريكي، حتى فاجئنا التحالف نفسه قبل يومين بتقديم مشروع قرار فرنسي جديد، يدعو فيه مجلس الأمن لإصدار قرار أممي تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بإحالة ملف الأزمة السورية الى المحكمة الجنائية الدولية، وبما يفيد بإتخاذ القرار المناسب للتدخل العسكري في الشأن السوري تحت غطاء دولي، وبذريعة " جرائم الحرب "..!؟؟

وإن كان مشروع القرار الفرنسي قد جوبه بالرفض من قبل كل من روسيا والصين، بإستخدام حق (الفيتو)، إلا أن الغريب في الأمر، هو ذلك الإصرار المتواصل من قبل التحالف الأمريكي _ الغربي/ الخليجي _ التركي، وبمساندة ما تبقى من ما يدعى ب " أصدقاء الشعب السوري "، بالتخطيط للتدخل العسكري في سوريا، والبحث عن كل ما يمكن أن يكون ذريعة مناسبة لذلك التدخل، دون إعتبار لأي أعراف إنسانية أو شرائع دولية..!؟

فمشروع القرار الفرنسي، رغم تمسحه بكل ما يثير العواطف والشجون، حول ضحايا " الأعمال الوحشية " طبقاً لما تراه مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ترى متباكية؛ بأن في استخدام الفبتو الروسي _ الصيني ضد القرار، ما دفع الى :  " أن الشعب السوري لن يرى العدالة اليوم، سيرون جرائم ولكن بدون عقاب."(1)

ولكن السيدة المندوبة الأمريكية، لم يلفت نظرها ما هو المطلوب من المنظمة الدولية وبالذات من مجلس الأمن، فعله إزاء إيجاد مخرج من تلك الأزمة التي طال أمدها الى أربع سنوات، والتي حصدت الأخضر واليابس، في الوقت الذي تدرك وتحالفها " الميمون " حجم التدخل الأجنبي الذي تتعرض له الدولة العضو في الأمم المتحدة سوريا، وما لحقها من تدمير وخراب على أيدي فلول الإرهاب، الذي جعل من سوريا ساحة حرب ، ليس فقط لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد، ودولتها هي من تقف وراءه، بل ولتصفية الحساب فيما بين قوى وفلول الإرهاب الذي إجتاح المنطقة، وبتمويل ومساندة ودعم دول التحالف المذكور..!؟؟

فبدلاً من تفعيل الجهود لإعادة الحياة الى مفاوضات جنيف، يسعى الحلف الأمريكي – الغربي الى إبقاء الأوضاع في سوريا على حالها، بل ومواصلة البحث عن أية ذرائع جديدة، تنفذ من خلالها، لإجازة التدخل الخارجي في سوريا، بعد أن أخفقت جميع السيناريوهات التي وضعتها لدعم الإرهاب داخل سوريا رغم إعترافها، بحجم الخطر الذي يشكله الإرهاب نفسه على أمنها الداخلي، في حالة عودة المقاتلين من سوريا الى البلدان التي إحتظنتهم في أوروبا..!؟(2)   

فدول التحالف المذكور ورغم إعترافها بخطر الإرهاب، وبأن ما يجري في سوريا بأنه حرب ضد الإرهاب والتطرف،  أوعلى حد قول صحيفة " وول ستريت الأمريكية"  [[ بأن ما يجري في سورية هو حرب ضد الإرهاب و التطرف و ليست حرب داخلية، و هو من جانب آخر اعتراف لن تصدره الدول الأوروبية للعلن لأنها لا تستطيع تحييد سورية من أجل حماية أراضيها ممن أسمتهم “جهاديين” عائدين إليها.]] ( المصدر السابق)، فإن سياستها الإزدواجية ، وأهدافها المبيته ضد دولة سوريا، هي من يقف وراء مشروع القرار الفرنسي، الذي لم يلق إجماعا في مجلس الأمن، ولم تعد دوافعه مخفية على الرأي العام الدولي، [[ وبأنه إستغلال للأزمة الداخلية بفرض تبرير تدخل خارجي، يفضي الى نتائج عكسية، وبأن لا بديل عن الحل السلمي في سوريا، على حد قول السيد لافروف وزير خارجية روسيا الإتحادية.]](3)

وبالتالي فإن فشل محاولة التدخل الأجنبي في سوريا عن طريق الشرعية الدولية ، ليست هي الأولى، وسوف لن تكون الأخيرة، ولا يريد المرء أن يسبق الأحداث، فالحديث لا زال يتواصل، عن إحتمالات لسيناريوهات جديدة ومنها مشاريع قرارات تعد من قبل دول التحالف آنف الذكر، أو من يدعى ب "أصدقاء سوريا"، فالأزمة السورية باتت وكما يرغب "البعض" مفتاحاً لحلحلة أزمات الآخرين، وما نذكره اليوم يأتي في سياق سلسلة من المقالات التي بحثت في الأزمة السورية، وبأبعادها المختلفة..!!؟(4)   
باقر الفضلي/ 2014/5/23
_____________________________________________________
(1)  http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/05/23/un-usa-syria-veto
(2) http://www.saadahpress.net/news/news-19495.htm
(3) http://arabic.rt.com/news/703597-%D8%A8%D8%AB_%D9%
(4)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189
 

39

العراق: وقفة مع الحقيقة_6 ..!؟

باقر الفضلي

ما الجديد في العملية السياسية، بعد إعلان نتائج الإنتخابات البرلمانية، التي جرت في الثلاثين من نيسان المنصرم..؟ وهل يمكن بعد الآن التكهن بالمتغيرات المحتملة، أو بالمتغيرات التي تعهدت بها الكتل السياسية قبل خوض الإنتخابات، تحت يافطة " التغيير"..؟ وما هي مدلولات تلك النتائج على صعيد مستقبل العملية السياسية في العراق، إذا ما بنيت كل التوقعات على فرضية حسن النية، بعيداً عن كل تأويل أو إفتراض لا يقوم على إرضية الواقع، أو لا تسنده مقومات العملية السياسية نفسها وتأريخها البنيوي..؟!   

كل هذا يجد مقدماته في سلسلة المقالات الخمس التي سبقت هذه المقالة، وبالتالي فليس من الغرابة في شيء، إذا ما جاءت بعض التقديرات والتوقعات الجديدة ضمن نفس الأطر التي جرى توقعها سابقاً، لسبب بسيط، وهو أن شيئاً جديداً لم يطرأ في مجمل العملية السياسية، ليوحي بإحتمالية حدوث التغييرات المنشودة بعد العملية الإنتخابية الأخيرة، إذا ما كان العكس هو الصحيح؛ حيث أن النتائج المستحصلة من تلك الإنتخابات الجديدة، جاءت وكتحصيل حاصل، لتصب في نفس الإتجاه ولتؤكد ما جرى توقعه سابقاً بهذا الشأن..!؟(1)

فما جاءت به نتائج الإنتخابات لا يخرج في مغزاه عما جرت الإشارة اليه في وقفتنا مع الحقيقة/ 5  من توقعات..؛ ومما يزيد في الطين بلة، أن ما أتت به تلك النتائج، لا يخرج بعيداً عن تأكيد نفس الحقيقة التي كان قد إنصب عليها (التغيير) المنشود،  حيث جاء معززاً لوجود بقاء نفس تلك (الطواقم) في مواقع قيادة السفينة، وكأن الأمر لا يمت بأدنى علاقة ، الى منطوق الشعار المرفوع من قبل كافة تلك الكتل السياسية المتصارعة، والمقصود به: التغيير في تركيبة عناصر تلك الطواقم، التي أثبت واقع الحال، فشلها في قيادة السفينة خلال تلك الحقبة من الزمن، والتي غطت فترتين إنتخابيتين، من عمر العملية السياسية بعد عام/ 2003 ، بكل ما نجم عنها من تداعيات سلبية، شملت كافة جوانب الحياة السياسية والإجتماعية، ناهيك عن الجوانب الأمنية، لكنها وبأي حال من الأحوال، وكما جرى التعارف عليه وكما يقال، فإنها نتاج صناديق الإنتخابات، وهل مع تلك الصناديق من بديل..؟؟!

فإشكالية نتائج الإنتخابات وللمرة الثالثة، ظلت تتمحور حول نفس المحور الذي وجدت نفسها فيه طيلة تلك الفترة الزمنية، وهو محور "المكونات"، مقرونة اليوم بإشكالية "الكتلة النيابية الأكبر عددا" ، التي تقفز على السطح ، وكأنها مفتاح مستقبل الكتل السياسية المتصارعة، قبل أن تكون مفتاح مستقبل العراق طبقاً لنص الدستور..!؟(2)

فمن يحقق تلك "المقولة السحرية"، وفقاً لإجتهاد المحكمة الدستورية العليا في الدورة الإنتخابية السابقة، فله الحضوة في تصدر مركز القيادة في العملية السياسية، وهو ما سيجري به "مارثون التحالفات" اللاحق ما بعد الإنتخابات ، وذلك بعيداً عن التوقف أمام كل التقولات والظنون والشبهات، التي واكبت سير العملية الإنتخابية، والتي باتت تلوح بها بعض الكتل السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية، ممن لم تحض بدعم سلطان الحظ وأعوانه ، في مواجهة المفوضية العليا للإنتخابات، ناهيك عن الدور الملتبس لقانون (سانت ليغو المعدل عراقيا) الإنتخابي..!؟؟

وإن كل ما يمكن أن يقال بشأن إفرازات العملية الإنتخابية في 30 نيسان/2014 لاحقاً، وفي ظل ما تفتقت عنه إرهاصات العملية السياسية في/ 2003 وتداعياتها المختلفة فيما بعد، فليس هناك ما يدفع المراقب الى الإفراط في التفاؤل أبعد مما ينبغي، طالما ظلت العملية  [ الديمقراطية ] ، رهينة  سجن المكونات الطائفية منها أوالأثنية ، وطالما ظل الدين أوالمذهب ، والقبلية العشائرية، مصدراً للطائفية السياسية..!؟

 ومع ذلك فإن [[الإختراق]] الذي حققه التيار المدني الديمقراطي في بغداد والبصرة لبرلمان النخب السياسية، سيكون دوره فاعلاً ومؤثراً على صعيد الرأي العام الشعبي، رغم قلة ممثليه؛ وهذا [[الإختراق]]، في واقعه وعلى أقل تقدير، يمثل مؤشراً واضحاً عن التعبير عن إرادة نسبة كبيرة من ما يقرب من 38% من مجموع الناخبين، ممن لم يتهيأ لهم الإدلاء بأصواتهم أو ممن إمتنعوا عن التصويت ولأسباب مختلفة..!؟
باقر الفضلي / 2014/5/22
____________________________________________________
(1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=410150 
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=222244



40

فلسطين: في ذكرى "النكبة"...!!

باقر الفضلي


نَنْحو الى الذِكْرِ والذِكْرى تُواسينـا
والليلُ يُسعِفُنـا، والدَمـعُ يُـنبينـا(*)
صارتْ لنـا  كَعُهودِ العُمرِ ساريةً
في كلِ عامٍ وعَهـدُ الحُـرِ يُشقينا
ذكرىً وما كان للتأريخِ يَنصِفُهـا
إنْ زادَ فيها التَغني ليسَ يُـنسينـا
حلماً نَسجناهُ إرثاً في ظَمائِـرِنـا
يَحيـا الوليدُ به دَهراً ويُحييـنـا
كانت فلسطينُ رَمزاً في دواخِلنـا
فَشَبَّ فينا لهـا إسمٌ _ فلسطينـا
***
يا جَنةَ الأرضِ إنْ ضاقتْ مَساحَتُها
فَنِعْمَ مِثْـلُكِ مَنْ يَـأوي المُصَـلْينا
يا كعبةٌ صُرتِ للأقْـصى مَنـارتَهُ
ومُـنْزِلَّ الوحيِّ في الإسراءِ مُهدينا
طوبى اليكِ ومُـذْ دارتْ دَوائرهُـا
شَعبٌ تَمَرَسَ فـي الدنيـا تلاوينـا
مِنْ سالِفِ الدَهرِ سارتْ في طَلائِعهِ
أجيالُ كَنعـانَ لا قَسـراً وتَوطينـا
عاشَتْ مَعَ الأرضِ صنوانٌ يُبارِكُها
روحُ القَداسةِ مِـنْ أيـامِ ماضينـا
***
قُـلنا سَلاماً وقالتْ (قُدسُها) سَـلِمَتْ
كُلُ التَحايـا وعَـمَّ الخَيـرُ وادينـا
لا يُـبتَغى العِـزُ إلا في شَمائِـلهـا
ولا يَمُسَ الضَنى يَـوماً مَـواضينـا
لا يَطمَعُ الوَغـدُ إلا في عَـواثِـرنـا
وكَمْ تُصيبُ الـرَزايـا مَنْ يُجافـينـا
سِتٌ وستونَ في أعطافِـنـا غُـرِزَتْ
نِصالُهـا مِـنْ زُعـافِ السَمِ تَسقينـا
فيها مِـنَّ الوَهـمِ ما لا يُستغاثُ بـهِ
تا اللهِ مـا نَسَجَتْ؛ وَهمَـاً لتغـوينـا
***
***
***
باقر الفضلي/ 15/5/2014
_________________________________________________________
(*) ينبينا : ينبئنا

















 

 
 








 









41
فلسطين:إشكالية الإنقسام..!

باقر الفضلي

يظل الوضع الفلسطيني الراهن على رأس أولويات القضايا الشائكة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تمثل فيه حالة الإنقسام المجسدة في قطاع غزة، العقدة الرئيسة في هذا الوضع،  ورأس الحربة المغروزة في الجسد الفلسطيني، وفي كلا الحالين سواء بقائها في هذا الجسد أو إخراجها منه، فإنها لا زالت تلعب دوراً له من الأهمية ما يجعل تأثيره واضحاً في كثير من إشكاليات الصراع الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، ومنها على وجه الخصوص ما يتعلق بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي..!؟

ف الإنقسام الذي تجسد عملياً في فصل قطاع غزة عام/2007 ، عن الجسد الفلسطيني، قد شكل عثرة كبيرة في مسار النضال الفلسطيني من أجل تحقيق طموحات الشعب الفلسطيني، في قيام دولته الوطنية الديمقراطية، وإقرار عودة فلسطينيي الشتات، وإنهاء الإستيطان؛ فإنه وعلى الصعيد الداخلي، قد عمل على تمزق النسيج الوطني، وتفريق وحدة الفصائل الفلسطينية، بل ووضع الكثير من العثرات في طريق السلطة الفلسطينية الوطنية، الأمر الذي كان له الأثر الكبير على الصعيد الدولي والإقليمي، لدرجة ضعفت معه والى حد كبير، النظرة الإنسانية العالمية الموحدة للقضية الفلسطينية، وأفسح في المجال من جانب آخر، الطريق أمام كل من وجد في ذلك الإنقسام، فرصته في التصيد في الماء العكر، والنفاذ من خلاله، لتحقيق مآربه الخاصة، إقليمية كانت، أم دولية..!!؟

وليس من المبالغة القول، بأن الإنقسام، كان من أكبر الكوارث الوطنية، التي واجهت الشعب الفلسطيني، منذ حلول "النكبة" قبل أكثر من ستين عاماً وحتى اليوم، فإنه ومن غير المجدي أو المعقول سياسيا، أن يتعرض شعب لكارثة وطنية بحجم الإنقسام وهو في وارد النضال من أجل إستعادة حقوقه المنهوبة وأرضه المستباحة من قبل العدو، في وقت كان يفترض فيه لَـمَّ الشمل ووحدة الصفوف، وتجاوز الخلافات، وتعزيز كل ما يشجع على تقريب وجهات النظر رغم إختلافها بين الطلائع من الفصائل الوطنية..!؟

 ف"النكبة"  بكل تأريخها المأساوي، قد لقـنت الجميع دروساً لا غنى عن إستيعابها والتمعن في مدلولاتها، فجميعها كانت ولا زالت، تؤشر الى ضرورة وحدة الصف، وتجاوز الخلافات، ودعم السلطة الفلسطينية الموحدة، بإعتبارها الممثل الحقيقي والوحيد للشعب الفلسطيني، في مواجهة المجتمع الدولي، وأمام الإشقاء من الدول العربية، بعيداً عن أي تخندق، أو إنحياز يساعد على شق الصف الوطني بأي شكل من الأشكال، ومن هنا جاءت المصالحة الأخيرة بين منظمتي فتح وحماس لتصب في هذا الإتجاه..!(*)

ف" الإنقسام " بجميع أشكاله وصوره ودوافعه ومبرراته، لا يخرج في نهاياته ونتائجه، عن نفس الأهداف والمقاصد التي خلق من أجلها الإنقسام نفسه،  وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك إنقسام لحركة وطنية تناضل من أجل مصالح وطنية مشتركة لشعب يعيش حالة من الإحتلال والإستيطان، أن يكون في مصلحة ذلك الشعب،أن ينقسم على نفسه، حتى لو كانت تلك الجهة التي تتصدر الإنقسام، تمتلك وكما يقال "عصى سحرية " تمكنها الوصول الى الهدف المنشود من قبل الجميع..، وهذا ما أكدته سبع سنوات عجاف من عمر الإنقسام الفلسطيني، التي إنتهت الى الإعتراف بكارثة الإنقسام من قبل الجميع، وبأن لا مخرج من الكارثة ، إلا بإستعادة وحدة الصف الوطني والعودة الى المسار الذي باركه الشعب الفلسطيني في وحدته النضالية، منذ اليوم الأول الذي لم يجد فيه غير ذلك الطريق للنضال، من طريق آخر..!

فالسير الجاد في قضية المصالحة الوطنية، سيظل وحده السبيل القويم للوصول الى الهدف المنشود للشعب الفلسطيني، وذلك من خلال العودة الى الأسس التي جرى بموجبها إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية، وكذلك مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإعادة الإعتبار لها في كافة قطاعات الوطن الفلسطيني، وإحترامها من قبل جميع الفصائل الوطنية الفلسطينية، والإسراع بتشكيل حكومة التوافق الوطني..!

الأمل أن يشعر المواطن الفلسطيني حيثما وجد في أرجاء الوطن الفلسطيني، بأنه أمام سلطة وطنية فلسطينية واحدة موحدة، ويحكمه قانون فلسطيني واحد..!  وبهذا سيتعزز وجود ومكانة ودور الدولة الفلسطينية  أمام أنظار الشعب الفلسطيني وعلى صعيد المجتمع الدولي..!
باقر الفضلي / 2014/5/8
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=411997

 

   
 

42

إشكالية الإرهاب ...!؟(*)
باقر الفضلي

من المعضلات الشائكة التي تواجهها كافة دول منطقة الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد منها، مجموعة الدول العربية، بما فيها دول الخليج بإعتبارها دولاً مصدرة، بهذا القدر أو ذاك لآفة الإرهاب، في نفس الوقت الذي تكون فيه نفسها، مستوردة له، برغبتها أو رغماً عنها، حيث أصبح الإرهاب اليوم، الهاجس الأعظم الذي يلقي بظلاله على الجميع..!؟ 

وليس بعيداً عن ذلك، ما تلعبه دول التحالف الأمريكي _ الغربي من دور ملحوظ في هذا الشأن، وذلك من خلال دعمها للإرهاب كسلاح غير منظور، ولا يحمل في واجهته المعلنة، أية هوية أمريكية – غربية،  بل على العكس من ذلك، فهو في لحمته وسداه تراه وكما يبدو في ظاهره، حمالاً  " للهوية الإسلامية " حيثما وجدت؛ فالهوية الإسلامية، بكل ما فيها من عناصر القدسية الألوهية والتدين، قد أضفى عليها " الإرهاب"  صفة شمولية، قلما إكتسبها نظير آخر بمثل هذه القوة والتأثير..!!؟

وغني عن البحث والتفصيل، في بيان أصول " الإرهاب " ومنابعه، أو التوقف أمام جذوره وتفرعاته، إذ هو وفي جميع الأحوال، لا يبتعد عن كونه سلاح متعدد الأغراض والأهداف؛ وما يميزه عن غيره من الأسلحة التقليدية، كونه في جميع صوره وأشكاله ومظاهره المختلفة وتجلياته الميدانية، يبدو وفي أحيان كثيرة، أكثر فتكاً وتدميراً قياساً بما عليه أسلحة التدمير الأخرى؛ وما يميزه عنها، همجيته ووحشيته المنقطعة النظير، وكونه يترصد وفي أغلب الأوقات، الأبرياء من المواطنين، وفي غفلة من يقظتهم، أو إستعداداتهم للطواريء، حيث يمثل عنصر "المباغتة"، كل ما يميزه عن جميع ما يمكن أن يتوقعه المرء من إحتمالات أخرى، لما في ذلك من هدف واضح ومحدد، يتمثل بزرع الرعب والخوف في نفوس المواطنين الأبرياء، لما له من وقع كبير في نفوسهم، بقصد التأثير على أوضاع سياسية محددة، وحرفها بالإتجاه المطلوب الذي تقف وراءه نفس الجهات ذات المصلحة في خلق ودعم " الإرهاب " كسلاح نوعي في معركتها من أجل مصالحها، وفي مقدمتها التشبث بالسلطة أو الفوز بها..!!؟؟

فالقصد السياسي لسلاح " الإرهاب " يقف في مقدمة الأهداف التي تسعى اليها بعض تلك الأطراف الضالعة في معترك الصراع السياسي، سواء على صعيد وطني أو إقليمي وحتى دولي، وليس من باب التهويل في الحديث، الإشارة الى ما جرى ويجري اليوم على صعيد منطقة الشرق الأوسط من تداعيات مأساوية، لما جرى تسميته ب " الربيع العربي" الذي شمل عدة بلدان عربية، حيث شكل سلاح الإرهاب ولا زال، العمود الفقري لمجمل الأحداث والمتغيرات التي عاصرت ذلك الربيع الخريفي الموهوم في تلك البلدان، بل وأصبح من الذرائع المميزة في يد البعض من تلك القوى الضالعة في أتون ذلك الصراع، لتمرير خططها وتكتيكاتها اليومية من أجل تحقيق أهدافها الأستراتيجية..!؟؟

ولعل الأغرب من ذلك، وبعد أن تحول " الإرهاب " الى ذريعة مقصودة، أن يجري اللجوء وتحت نفس القصد الى نفس السلاح لمكافحة الوسائل الإرهابية بأخرى مثلها، دون إعتبار للقانون الدولي لحقوق الإنسان، أو لسيادة الدول ولحياة الإنسان، بل وأصبحت تلك الذريعة، من الوسائل الأكثر فعالية في بعض الأحيان وفي ظروف معينة، حيث يجري إستخدامها كإحدى المظلات التي يجري العبور من تحتها لتمرير أمر ما، وهي كثر.. ومن هنا نجد أن هناك من  يحاول، وبدلاً من محاربة الإرهاب كحالة تدميرية، التستر وراءه كذريعة في الصراع في مواجهة الخصوم؛ أما على الصعيد الدولي، فالأمثلة من الكثرة والوضوح ومن الفضيحة، مما لا يمكن التستر عليه..!؟ (1)       

فإشكالية " الإرهاب " بكل جوانبها السياسية أوالقانونية، وغيرها من الجوانب الإقتصادية والإنسانية، وبكل تداعياتها الكارثية، باتت أكثر شبهاً بحكاية  "مسمار جحا" ، إن لم تكن نظيرة لها في الوسيلة والأهداف؛ فصانع " الإرهاب " بكل إمكاناته التقنية والمالية المتعاظمة، قد فاق "جحا " في كل شيء؛ حيث بات  الإرهاب ، ذلك المسمار الذي تم غرسه عميقاً في تربة الأرض العربية، أما أغراضه ومقاصده ، فلم تعد عسيرة على الفهم، أو غائبة عن الأنظار..!؟؟
باقر الفضلي 2014/5/4
_________________________________________________________
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=56183
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=384001










   

43



العراق: عشية الإنتخابات/ وهل هنالك ثمة من بديل..؟!(*)

باقر الفضلي

الثلاثون من نيسان / 2014 ، سيكون يوماً فاصلاً في تأريخ العراق الحديث؛ يوماً مطلوب فيه من العراقيين، أن يقولوا كلمتهم الفصل، في إختيار من يمثلهم في مجلس النواب القادم، ولأربع سنوات جديدة؛ فمن خلال آلية صناديق الإنتخاب، وهي جزء من آليات الديمقراطية، سيجد المواطن العراقي نفسه من جديد، أمام إمتحان عسير في إختيار الشخص المناسب من قوائم المرشحين للمجلس المذكور، حيث تكمن صعوبة الإختيار في تعدد القوائم وتكرار الأسماء لأشخاص سبق وأن تمتعوا بعضوية ذلك المجلس لمرة وأكثر، وفي ظل إرث من فساد إستشرى وباله في كافة أرجاء العراق، طيلة عقد من السنين؛ إذ قلما تجد هناك من الأسماء المعلنة ضمن تلك القوائم الإنتخابية، ممن لم تطالهم أو تلوكهم ألسنة الفضائيات،  بالبينة المؤكدة أو القرينة المؤشرة، أو الشبهة الملتبسة، في نوع من أنواع الفساد..!؟

أربعة أيام فقط تفصل العراقيين عن هذا اليوم الموعود، والعراقيون بفطرتهم، وكما يقولها مثلهم الشعبي الشهير : " يقرأون الممحي"، يدركون جيداً حجم الخراب والدمار الذي لحق بالبنى التحتية والهياكل الإرتكازية الإقتصادية لبلدهم، والتدهور المتواصل لقطاعي الصناعة والزراعة، مقروناً بحجم التدني المتعاظم لقطاع الخدمات والصحة العامة، ناهيك عن الأرقام الفلكية لضحايا الإرهاب ، وما إرتبط به من تضاعف أعداد اليتامى والأرامل، وتضخم حجم البطالة..والخ من إرتفاع في مستويات الأمية، ومستويات الفقر بين السكان..!؟

  كل هذا وغيره أكثر،  يدركه العراقيون من خلال تجربتهم الحسية ومعايشتهم اليومية لمسيرة الأحداث طوال عشرة أعوام بعد الإحتلال، ومن خلال تماسهم المباشر بما أفرزته العملية السياسية من نتائج خرجت في هيكليتها العامة عن أسس البناء الذي شيدت عليه، لتتحول مع مرور الزمن الى هيكلية من لون واحد " فلش وكل خستاوي " ، الأمر الذي بات مع مرور الزمن ينتهي الى إستقطابات ذات طابع " طائفي" أو ما شابه، وبات التفرد الحزبي، أحد المظاهر التي أخذت تطل برأسها تحت مسميات وأشكال مختلفة، وبات العراق كتلك الغنيمة التي تفترسها الذئاب..!!؟؟

العراقيون في الثلاثين من نيسان الحالي يتوجهون الى صناديق الإنتخابات، ليودعوا فيها كلمة السر التي يحملونها في ظمائرهم، متطلعين الى ذلك اليوم الذي ستأتيهم فيه البشارة وهي تزف اليهم، الأمل الذي ينتظرونه من التغيير، وكلهم ثقة بأن لا تغيير مع القديم؛ فالبدلة القديمة مهما رتقتها  تظل " قديمة " في كل معانيها، ولا تسعف كل مساحيق الأرض في تبديل جوهرها، فمن جُبِل على الفساد، لا تطهره كل مياه البحر...

فالتغيير حاجة موضوعية ومطلب أصبح أكثر إلحاحاً اليوم قبل غد؛ وأمامكم أيها العراقيون، تقف العشرات من قوائم الكتل الإنتخابية بمرشحيها ممن عهدتموهم لدورتين إنتخابيتين، وآخرين ممن ركب الموجة باحثاً عن مكان شاغر بين الكراسي؛ ومع إحتدام المعركة الإنتخابية وشدة التنافس بين قوائم تلك الكتل الإنتخابية، تخوض قائمة (التحالف المدني الديمقراطي) ، شاخصة أمام الجميع ببرنامجها البديل، تخوض هذه المعركة بكل ثقة وجدارة، معلنة بأنها البديل المنشود لتلك الفوضى التي تقف وراءها تلك الكتل السياسية، التي كان لها الباع الطويل في كل ما أصاب العراق والعراقيين من ويلات ومصائب، طيلة السنوات العشر الماضية...

فأمامكم أيها العراقيون قائمتكم الديمقراطية، قائمة ( التحالف المدني الديمقراطي   232)؛ قائمة الفقراء والعمال والكادحين والفلاحين، قائمة المثقفين وذوي المهن المختلفة من محامين وأطباء ومعلمين وغيرهم من ذوي المهن الحرة والحرفيين، لتشكل البديل الحقيقي، لحالة الفوضى التي ضربت أطنابها في كل مكان، والتي ومن خلال برنامجها المعلن، ترسم أمامكم صورة المستقبل المنشود وآفاق التغيير المرتقب، والإصلاح لخراب السنوات العشر تحت يد المتنفذين من الكتل السياسية المتمسكة بدست الحكم، وتنير لكم طريق الخلاص، من ويلات الإرهاب المسلط على الرقاب.. فالمشاركة في التصويت لصالح القائمة المذكورة هو الوسيلة الديمقراطية للوصول الى الهدف المنشود من  التغيير ...!(1)

 فليس أمامكم أيها العراقيون من بديل آخر.. وهل هنالك ثمة من بديل..؟ 
باقر الفضلي 26/4/26
_______________________________________________________
  (*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=411289
  (1)  http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/13356-2014-04-12-11-01-39



44


فلسطين: إنجازان وطنيان ..!؟

باقر الفضلي

لقد كان يوم 23 من أيلول2011، يوماً فارقاً في حياة الشعب الفلسطيني، يوم إرتقى السيد محمود عباس رئيس الهيئة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، منصة الهيئة العامة للأمم المتحدة، معلناً تقديم طلب إنظمام فلسطين كدولة الى المنظمة العالمية، وبقدر ما لهذا اليوم المذكور من أهمية إستثنائية في حياة الشعب الفلسطيني، نستذكر ما قلناه بتلك المناسبة في مقالة خاصة، معتبرين فيها تلك الخطوة الجريئة، بأنها فقط .. بداية الطريق الصحيح في حركة الشعب الفلسطيني بإتجاه إستراد حقوقه المغتصبة، فقد أوردنا أهمية الحدث بما يفيد: [[ المهم في الأمر، وبعد هذه الخطوة الجريئة، وموقف التحدي المشروع الذي أقدمت عليه القيادة الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة السيد عباس محمود، يصبح من البدهي، بل ومن المسلمات المبدئية، أن تتظافر جهود جميع أبناء الوطن الفلسطيني، الذي تلقى هذه المبادرة الشجاعة للقيادة الفلسطينية بالترحيب والإستبشار، في إنجاح وتفعيل هذه البداية الموفقة، عن طريق توحيد ورص الصفوف الوطنية؛ فبقدر ما تكون البدايات أكثر رسوخاً وتماسكا، بقدر ما تأتي الخطوات التالية أكثر ثباتاً وتوازنا، فالطريق الذي إنتهجته منظمة التحرير الفلسطينية في الثالث والعشرين من أيلول 2011، سيظل خالداً في مسيرة الكفاح الفلسطيني، بإعتباره البداية المنظمة لولوج الطريق الصحيح في حل معادلة الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، ومن خلاله لابد أن تتجلى وحدة الصف الوطني، وتجاوز أي خلافات تقف عائقاً أمام هذه المسيرة..! ]](1)


وبقدر ما كان لذلك الحدث من إنعكاسات إهتزت لها كل من الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو في إسرائيل، يأتي الحدث الوطني الفلسطيني الجديد لإعلان المصالحة الفلسطينية، بين منظمة فتح ومنظمة حماس في 23/ نيسان الجاري(2)، بمثابة الصاعقة غير المتوقعة بالنسبة لحكومة إسرائيل نفسها، كما هو الدوار الذي أصاب السياسة الخارجية الأمريكية، لتعلن عن خيبة أملها في الجهد الذي تبذله بإتجاه مفاوظات السلام الفلسطينية _ الإسرائيلية..!!؟(3)

 فما تحقق في 23/ نيسان/2014 في غزة، بين قيادتي المنظمتين ( فتح وحماس) بإعلان المصالحة، له من المغزى ما يفهم جميع تلك الجهات التي كانت تبني وتراهن على "الإنقسام" بين الفصائل الوطنية الفلسطينية، والتي كانت تتناسى، بأن الخلافات بين الفصائل الفلسطينية، ليست فقط تهم تلك الفصائل وحدها، بقدر ما إنها قضية شعب بأسره، وهو وحده في النهاية، من يقول كلمة الفصل، طالما يرى بأم عينه، كيف يوغل الإحتلال الإسرائيلي بقضم الوطن الفلسطيني قطعة بعد أخرى ، من خلال الإستيطان المتواصل، وكيف يتضمر جزءه في غزة من ويلات الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة، وما يعانيه الألوف من الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، من إستبداد وعنت السلطات الإسرائيلية، وكيف أن الحكومة العنصرية الإسرائيلية، تجد في إستمرار الإنقسام الفلسطيني الداخلي، ما يفتح أمامها كل وسائل وطرق التحكم بمصيره، من خلال الإمتناع عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بوقف الإستيطان، أو بحق العودة لفلسطينيي الشتات الى أرض الوطن..!!

لقد أثبت الشعب الفلسطيني، الذي إستقبل إعلان المصالحة بالتأييد والتهليل، عن موقفه السليم في مواجهته  للتعنت وللغطرسة الإسرائيلية، وبات جلياً أمام حكمة قيادات الفصائل الفلسطينية، ومن خلال التجربة العملية، بأنه لا مناص أمامها، إذا ما أرادت المضي في كفاحها الوطني، لإسترداد حقوق الشعب المهضوم، والوصول به الى إقامة دولته الوطنية الديمقراطية، إلا من خلال توحيد الكلمة وجمع الصف الفلسطيني، وبث الحياة في منظمته الوطنية منظمة التحرير الفلسطينية، والوقوف وراءها، عن طريق تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، بإعتبارها اللسان الوحيد المعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني، وممثله الموحد أمام المجتمع الدولي..!

أما ردة الفعل الإسرائيلية، ومثلها الأمريكية، ومحاولة ربط الإنجاز الفلسطيني المتميز للمصالحة الوطنية، بعملية "المفاوظات والسلام"، إنما يمثل مجرد ذريعة للتملص من إستحقاقات السلام، والهروب الى ألأمام، للتخلص من أي إلتزام قد تفرضه حصيلة المفاوظات على حكومة إسرائيل، في كل مايتعلق بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمتها خيار الدولتين؛ ولقد كان الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، في تعليقه على إتفاق المصالحة، واضحاً في التعريف بالموقف الفلسطيني من قضية السلام، الأمر الذي يمثل رداً حاسماً على كل التخرصات الأمريكية _ الإسرائيلية بهذا الخصوص، حيث ورد على لسان الرئيس الفلسطيني محمود عباس:[[ إن إتفاق المصالحة لن يتعارض مع جهود السلام. وأضاف في بيان في أعقاب الاعلان عن الاتفاق "لا تناقض بتاتا بين المصالحة والمفاوضات خاصة اننا ملتزمون بإقامة سلام عادل قائم على أساس حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية." ..!؟]](4)

 فمهما يمكن أن يقال عن أبعاد الحدث التكتيكية أوالسياسية، فإنه يظل بمواجهة الفصائل الوطنية الفلسطينية، بمثابة إستحقاق تأريخي لا بد منه، وإن عملية إرجائه المستمرة، إنما تصب في مصلحة الطرف الإسرائيلي في أي حال من الأحوال، ورغم كل ذلك، فإن إنجاز إتفاق المصالحة على الصعيد الوطني، يظل شأناً فلسطينياً داخليا؛ أما ظلاله فإنها لا بد وأن تنعكس إيجابياً على صعيد الوطن العربي والمنطقة، ولا يسع المراقب، إلا التبريك والإشادة بهذه الخطوة الجريئة، مع الأمل بأن تتبعها تلك الخطوات التي تبعث على الإطمئنان، والتي تزرع الثقة في النفوس، وأن يجد الشعب الفلسطيني نفسه، واحداً موحداً على طريق إنجاز دولته المدنية الديمقراطية الموحدة..!
باقر الفضلي 2014/4/25
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=276880
(2)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=22663
(3)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA3M0DA20140423
(4)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA3M08Y20140423?sp=true

     

 

45
العراق: آليات الوصول الى السلطة..!

باقر الفضلي
المادة(1)من الدستور:

جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ،  وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق.


الإنتخابات على الأبواب، والمعترك الإنتخابي بين القوى السياسية على أشده، ومع ذلك، فربما هناك من يجد في خوض التحالف المدني الديمقراطي الإنتخابات، وكأنه تحد له في هذه المعركة، التي نفسها تشهد صراعاً ومنافسة شديدة بين قوى سياسية، بعضها من لون واحد، أو من جهة  ضمن إئتلاف واحد، وبعضها من كان لها القدح المعلى في دست الحكم طيلة عقد من السنين ولدورتين إنتخابيتين، ولكن يبدو أن مشاركة التحالف المدني الديمقراطي في الإنتخابات، قد شكلت حالة من كشف الغطاء عن فشل غير قليل من تلك القوى السياسية أمام جماهير المواطنين، إذ لم يبق أمام المواطن، الذي ولمرتين، قد تلمس بيده، لمس اليقين، حقيقة ما آلت اليه أوضاعه الإقتصادية والأمنية، ناهيك عن ملف الخدمات العامة، من نكوص لا مثيل له خلال السنوات العشر الماضية، ولم يبق أمامه من أجل التغيير، والخروج من مأزق هذا النكوص، غير التوجه الى بدائل أخرى، خارج خياراته السابقة، آخذاً بمقولة :  "أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.." ، وبدافع من حاجته الماسة الى التغيير بمعناه الحقيقي، فلم يجد أمامه بديلاً آخر غير قائمة " التحالف المدني الديمقراطي " لما وجد في برنامجها المعلن وفي نظافة يد من يمثلها من المرشحين ، ما يجعله أكثر إطمئناناً على مصير صوته، وأن عليه أن يختار الطريق الصحيح الذي يؤمن له مستقبلاً أكثر إستقراراً وأكثر أمناً وإطمئنانا..!(1)


إن قائمة [التحالف المدني الديمقراطي] وهي تخوض غمار الإنتخابات اليوم، تدرك جيدا؛ إن تلك المشاركة ليست مجرد رغبة عابرة للإعلان عن وجودها كقوة سياسية تمثل قطاعاً واسعاً من المجتمع العراقي، من مختلف الطبقات والمراتب الإجتماعية، ومن مختلف الطوائف والقوميات حسب، بل يدفعها الواجب الوطني والضرورة الحتمية التأريخية، بأن تثبت للشعب العراقي، بأنها تحمل على أكتافها تراث هذا الشعب الثقافي والتأريخي، وإن جل مكوناتها، هم من طلائع النخب المثقفة والواعية، ومن صقلتهم تجارب السنين، وممن نذروا أنفسهم لخدمة مصالح شعبهم، وممن أدركوا بأن التغيير المنشود، لا يمكن أن يأخذ طريقه الى الوجود، بعيداً عن مساهمة أيادٍ وعقولٍ تؤمن عن حق وعن بصيرة، بأن النهوض بالعراق بعد عقد من الكبوات والتعثر، لا يمكن أن يتحقق دون مشاركتهم الفعلية في عملية التغيير، وعن طريق المشاركة الفعلية في العملية السياسية، وخوض غمار الإنتخابات، بإعتبارها الطريق والآلية الشرعية للتغيير القادم..!

فالتحالف المدني الديمقراطي، لم يأت من فراغ حسب، بقدر ما كونه الجواب القاطع والعملي والواقعي، والحل الموضوعي للخروج من أزمة العراق المستديمة، والبديل الأقرب للحقيقة، بعد أن أثبتت كتل وقوى سياسية ومن تحالفات عديدة، ومن مستويات متعددة، وممن شاركت على الصعيد الميداني في إدارة العملية السياسية، كيف أن التجربة العملية قد إثبتت عجزها وفشلها في إدارة دفة السفينة؛ وطيلة تجربتين إنتخابيتين، لا زالت تخوض قياداتها صراعاً لا أول له ولا آخر، من أجل الإنفراد بالسلطة، والتفرد في إدارة البلاد، بعد أن تمسكت ب "المحاصصة" كسبيل وحيد الى اٌقتسام مغانم تلك السلطة، لدرجة أفرغت فيه الآليات الدستورية لتبادل السلطة من محتواها..!!


فالبديل المدني الديمقراطي، هو الخيار الجديد بل والوحيد أمام الشعب العراقي، إذا ما أراد الخروج من أزمته الخانقة، وهذا ما أدركته مبكراً قوى معينة، لا يسرها أن ترى أي تغيير في مجرى ومسيرة الأوضاع السياسية في العراق، بل وبات من الجلي أن هذه القوى، التي لم تسفر عن وجهها بعد، مستعدة للقيام بأي شيء، من أجل أن لاتسمح للتحالف المدني الديمقراطي، في أن يأخذ مكانه الصحيح في العملية الإنتخابية، وأن يكون له دور ملموس في عملية التغيير المرتقبة؛ ويكفي الإشارة هنا الى ما أقدمت عليه تلك القوى ، من محاولات إرهاب الناخبين في محافظة ذي قار، ومن إرتكابها الجريمة المستنكرة، في إغتيال الناشط الشيوعي الشهيد مصطفى مهدي وادي ( ابي شعيب) في 20/4/2014، وهو يقوم بواجبه في الدعاية الإنتخابية لقائمة التحالف المدني الديمقراطي في مدينة الموصل..!!؟ (2) 

لقد جاءت تلك الجريمة النكراء، كحافز ومنبه للمواطن العراقي حيثما يكون، بأن أمله في التغيير، أمامه من العقبات ما ليس في الحسبان، وإن قوى الإرهاب مهما تعددت فصائلها وطوائفها، لا يسعدها أن ترى عراقاً ناهضاً مستقراً يسوده الأمن والأمان، وينعم أبناءه بالرفاه والتقدم والحضارة في كل مجالات الحياة، في ظل دولة مدنية ديمقراطية، تكفل إحترام الحرية الشخصية وحرية التعبير، والعدالة والمساواة بين المواطنين وفقاً لنصوص الدستور..!


 ولعل فيما تضمنه برنامج التحالف المدني الديمقراطي، ما يعزز الأطر الحقيقية كبرنامج واقعي للتغيير، برنامج يتصدى لمظاهر الأزمة التي تأخذ بخناق العراق والعراقيين، في نفس الوقت الذي يرسم فيه، خارطة طريق للحلول المنشودة في الخروج من براثنها وتداعياتها الكارثية، وبالتالي فكل ما يأمله المرء، هو أن توفر السلطات المسؤولة المناخ الديمقراطي الحقيقي للعملية الإنتخابية، وأن تتحمل مسؤوليتها في أن تجري الإنتخابات في جو من الأمن والأمان والشفافية، في وقت أن تثبت فيه، بأنها جديرة في الحفاظ على سلامة الناخبين ومرشحيهم للإنتخابات؛ فآلية الإنتخابات ونتائجها، لا يكتب لها النجاح، إن لم تتوفر لها الأجواء الديمقراطية الحقيقية، في ظل رقابة شعبية ودولية حقيقية، وبإشراف قضائي مصون، واجواء يسودها الأمن والطمأنينة..!
باقر الفضلي/ 20/4/2014         
_______________________________________________________   (1)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/13356-2014-04-12-11-01-39
(2)  http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/13685-2014-04-20-12-19-51



       

     

46
العراق : وقفة مع الحقيقة _ 5 ..!؟
"الديمقراطية الفضفاضة والطريق الى الإنتخابات"

باقر الفضلي

الديمقراطية كما نفهمها نحن العراقيون، قد تختلف في أبعادها ومكوناتها وآفاقها كثيراً عن غيرها في أماكن أخرى، وليس مهماً أن تكون تلك الأماكن دولاً أو أحزاباً أو تجمعات بشرية متحضرة أو بدائية، فهذا لا يغير من حقيقة ديمقراطيتنا في شكلها ومضمونها الشيء الكثير..!!


فما لا نحسد عليه  حقا، هي تلك المرونة العالية والتي لا تحدها حدود، في أن نكيف الأشياء وفقاً لحاجاتنا الماسة عند اللزوم، وهذا لا يستدعي منا الكثير من الإجراءات سواء على صعيد المتطلبات التي تفرضها الأنظمة والقوانين، أم على صعيد ما أعتاد عليه الناس من اعراف وتقاليد؛ وربما يكون في ذلك بعض من مبالغة، ولكن هكذا يبدو الحال..!


ولا غرابة فيما أقول، فإننا ولعهد قريب، لا يبتعد في مداه عن عشر سنوات لا غير، إستنبطنا شكلاً جديداً من الديمقراطية، فريداً في نوعه، متيناً في صلابته، شفافاً في رؤاه، واسعاً في مداه، مرناً في معطاه ومتلقاه..!

وهكذا أثبت دستورنا بإنه أكثر رحابة من "ديمقراطيتنا" الفضفاضة، وأكثر مرونة وليونة في التفسير والتأويل حسب الطلب، وعند الملمات، ويمتلك من الفضفضة مالا يمتلكه الدستور البريطاني أو شرائع حمورابي...!!؟

أسوق كل هذا وأنا في الطريق للحديث عما يسمى بحكومة " الأغلبية السياسية "، وهو طرح جديد بدأ يتمسك به البعض من الكتل السياسية منذ اليوم وحتى قبل الدخول في معترك الإنتخابات الفعلي في الثلاثين من نيسان الحالي/2014 ، ويبدو وكأنه البديل المناسب لمقولة " الكتلة الأكبر"" والأكثر شاعرية من حيث ما يوحي اليه من شعبية سياسية، تبدو أكثر قبولاً لدى المواطن، ولا يحتاج منظريها الى الجهد في ولوج طريق المحاكم..!؟

 ف"الأغلبية السياسية" وكما تعارفت عليها الدول الأكثر عراقة وممارسة في مجال الديمقراطية السياسية؛ لا تعني مجرد ما تحصده من عدد السكان من لون محدد، بقدر ما تعنيه: الأغلبية في النهج السياسي المتفق عليه إجتماعياً، وبالتالي فيمكن أن تكون تلك الأغلبية، مؤلفة من ناخبين متعددي الأجناس والأطياف والأديان؛ ولا أظن أن هذا سيكون ميسراً بتلك السهولة التي يتصورها البعض من السياسيين أو من الكتل السياسية التي يتصدر بعضها دست الحكم، إذا ما علمنا بأن أغلبية الأحزاب السياسية العراقية والتي تكونت بعد العام /2003، قد تشكلت وفقاً لإنتماءاتها الدينية واصولها المذهبية، أو طبقاً لإنحدارها الإثني،  خاصة وإن عقداً من تجربة العراق في "الديمقراطية"، ومع كل هذه الضبابية التي تلبدت بها الأجواء السياسية العراقية، لم يك كافياً على بناء وترسيخ نظام إنتخابي، شبيه بالنظم الديمقراطية السياسية التي تجاوزتنا فيه أقطار الغرب وأمريكا قرون من السنين أو قريباً منها، ومسنودة بقاعدة إقتصادية _ إجتماعية متينة؛ أما تلك الأحزاب التي تشكلت طبقاً لمبدأ المواطنة، وهي على عدد الأصابع وفي مجملها أحزاب ذات طابع علماني، سيكون حضها أو نصيبها ضئيل في إحتساب نتائج العملية الإنتخابية، أمام هذا الكم من الأحزاب والكتل السياسية التي بنت هياكلها السياسية على أساس إما ديني _ مذهبي، أو إثني، أو إعتمدت القبيلة والعشيرة كإسناد وداعم في الترويج لحملاتها الإنتخابية، في ظل غياب قانون واضح المعالم للأحزاب..!؟

فالدعوة الى "الأغلبية السياسية" المبنية على فرضية الكثرة العددية بأطيافها المختلفة، والمستندة في جوهرها على الكثرة السكانية في المذهب أو الطائفة الدينية أو الإثنية، لا تمت من الناحية الديمقراطية بأي صلة الى نظام الأغلبية السياسية الديمقراطية على الصعيد البرلماني، وهي والأغلبية العشائرية والقبلية صنوان لا يفترقان، وأي تحشيد للصناديق الإنتخابية وفقاً لهذا الأساس، لا يخرج عن كونه تحشيد لأغلبية طائفية من لون واحد على حساب الأقليات الطائفية أو المذهبية الأخرى، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأغلبية الأثنية مقارنة بالأقليات القومية الأخرى ..!!؟

فبلدان مثل العراق، حيث يشكل فيها النسيج الإجتماعي اليوم، لوحة فسيفسائية متعددة الألوان من الأطياف الإثنية والطوائف الدينية، والفرق والملل والنحل المذهبية، ناهيك عن التفرعات القبلية والعشائرية، سيكون من العسير عليها، التوصل الى تلك الأغلبية السياسية المفترضة، من خلال إعتماد أي من تلك المكونات المختلفة كأساس لتحقيق الإغلبية السياسية، خاصة إذا ما أخذ المرء بعين الإعتبار، التدهور الإقتصادي المريع الذي عم العراق في بنائه الصناعي والزراعي بعد الإحتلال، وما إستتبع ذلك من إرتفاع معدلات البطالة، ناهيك عن تفاقم الفائض السكاني في الزراعة، الذي القى بثقله ولا يزال، على الوجود السكاني للمدن، الذي هو الآخر يعاني من أزمات البطالة والأمية، وبشكل خاص على صعيد قطاع النساء، وعلى الواقع الإقتصادي المتدهور ..!؟

فكيف والحال سيتمكن حزب مبني وفقاً لتلك الأسس المذكورة، وعلى صعيد البرلمان على سبيل المثال، من إستقطاب نواب من طوائف وأطياف ومذاهب أخرى، إن لم يكن هناك، من وجود عامل مشترك، يوحد تلك الإتجاهات المختلفة في مشترك واحد، وتحت مشروع برنامج سياسي يجمع المصالح المشتركة للجميع؛ هذا في وقت نرى فيه، أن لكل مكون من هذه المكونات، له أهدافه وبرنامجه الخاص، حيث سيكون أي تهميش له، بمثابة القشة التي ستقسم ظهر البعير..!!؟

 وسيكون مجرد التلويح بما يسمى بحكومة " الإغلبية السياسية " مجرد خرافة سياسية، إن لم يكن عبارة عن  "بدعة" سياسية إنتخابية، لا تمتلك ما يمت بصلة الى الديمقراطية السياسية، أونظام الأغلبية السياسية البرلمانية، عندما يكون ذلك النظام أصلا، فاقد لأرضيته الإجتماعية السياسية، التي يفترض أن يوحدها برنامج سياسي _ إقتصادي مشترك، مدعوماً من قبل جماهير الناخبين، ومن مختلف الأطياف والطوائف ومن الطبقات والمراتب الإجتماعية المختلفة، في وقت لا زال فيه نظام المشاركة، له الدور الحاسم، في تشكيل النظام السياسي العراقي البرلماني الحالي، والذي من أركانه الأساسية، نظام "المحاصصة" في هذا التشكيل، وجذوره تمتد في أرضية الدستور نفسه...!!؟

فهل يا ترى سيكون نظام "الأغلبية السياسية"، الذي لم تكتمل ظروف وأسباب إعتماده بعد، كبديل مناسب لنظام المحاصصة الحالي، بكل سلبياته وتداعياته غير المحمودة..؟! أم هل ستدرك الكتل السياسية، على مختلف مشاربها، أن محور نظام [الأغلبية السياسية] المركزي، هو ( المواطنه )، لا بمجرد التسمية اللفظية حسب؛  بل بقدر ما يعنيه مصطلح [المواطن] المقصود؛ من التخلي عن كل ما يشده الى تبعيته الطائفية لدين أو مذهب أو عرق أوجنس، والمتمسك بعراقيته كهوية وطنية، بقدر ما يشده البرنامج السياسي الذي يحقق له وجوده السياسي والإجتماعي في الوطن، كمواطن يتمتع بكامل حقوقه السياسية والإقتصادية والإجتماعية؛ إذ بعكسه، كيف يمكن الأمر، إذا ما علمنا بأن هيكل الدولة الحالي، قد بني بعد الإحتلال، على أساس من المكونات الطائفية _ الإثنية،  على سبيل المثال..!؟

إن مارثون الإنتخابات يزخر بألآلاف من المرشحين، وبالمئات من القوائم الإنتخابية، والجميع يصدح بأنه الأمل المنتظر، بمن فيهم من شارك لدورتين في الإنتخابات، وكانت النتيجة أن خرج ناخبوه "بخفي حنين"؛ فما أثبتته التجربة العملية، أن عدداً غير قليل من المرشحين، لم يكن يهمهم غير مصالحهم وإرضاء رأس القائمة، وليكن بعد ذلك الطوفان، ف "الكعكة" قد إقتسمها المشاركون في تسيير دفة البلاد، ورائحة الفساد باتت تزكم الأنوف، وفضائحها أصبحت سمة العقد الأول من عمر العراق بعد الإحتلال، أو " التحرير" على حد ما يراه البعض..!!؟؟

المهم في الأمر، فإنه الى جانب قوائم الإئتلافات المتعددة، والمشاركة في مارثون الإنتخاب، نجد إئتلاف [التحالف المدني الديمقراطي] ، هو الآخر من طرح برنامجه الإنتخابي، في ظل هذا المعترك الإنتخابي، وربما هو الوحيد، وعلى عكس الكتل السياسية الأخرى، من إعتمد في بناء هيكليته الإنتخابية، مبدأ المواطنة، معتمداً في دعايته الإنتخابية جمهور الناخبين من شتى الطبقات والمراتب والشخصيات الإجتماعية ومن مختلف المكونات الوطنية العراقية، دون التقيد بلون لجنس أو طائفة أو مذهب أو عرق، وذلك بهدف  "إقامة الدولة المدنية ونبذ المحاصصة الطائفية وتعزيز الحريات وحل الميليشيات"..!(1)

 أما التغيير المنشود؛ كشعار إنتخابي، أو كوجود فعلي، فلا يمكن أن يجد النور بتلك البساطة، إذا ما كانت المشاركة في الإنتخابات، مجرد عملية ميكانيكية شكلية، تكرر نفسها ضمن نفس الأطر وتحت نفس الأسس والمباديء السابقة؛ ولعل ما يشهده المرء من طبيعة ما تقدمه بعض الكتل والاحزاب السياسية في مهرجاناتها ودعاياتها الإنتخابية اليومية، ما يشي بأنها لا تمتلك غير ما إعتادت على تقديمه من دعاية إنتخابية في الدورات السابقة، سواء من حيث الشكل أو من حيث الجوهر، وضمن نفس الأطر الدينية، أو الإثنية، التي ستضفي قدسيتها ومهابتها على الوعود المعسولة أمام الناخبين..!!؟

 فهل يا ترى سترينا صناديق الإنتخابات ما يُسر النفس وما يملأ العين من تغيير قد يخرج العراق من دوامة الأزمات، ويمهد الى بناء دولة المواطنة، الدولة المدنية الديمقراطية، أم أن شعار حكومة "الإغلبية السياسية" المطروح كطريق جديد للتخلص من أزمات المحاصصة وويلات حكومة الشراكة، سيرقى بالعراق الى إنتاج " دكتاتورية " من نوع جديد، في ظل ظروف عراق اليوم الراهن، وفي ظل هيكلية الدولة الجديدة..!!؟
باقر الفضلي/12/4/2014
(1)    http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/13356-2014-04-12-11-01-39
 

     
 

 
   

47


فلسطين:المفاوضات والتعنت الإسرائيلي..!؟

باقر الفضلي

[["إن هناك حدودا للوقت الذي يمكن ان تكرسه الولايات المتحدة لعملية السلام اذا كان الطرفان غير مستعدين لاتخاذ اجراءات ايجابية"]]
 تحت هذا العنوان طالب السيد جون كيري وزير الخارجية الأمريكية، كل من القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية بأن يقدمان من التنازلات، ما ينبغي أن يمهد للتوصل الى حلول ملموسة وقرارات حاسمة، بعد أن وصلت المفاوضات الى طريق مسدود، وبعد أن باتت الوساطة الأمريكية بين الطرفين، في مهب الريح، لأسباب لم تعد مجهولة على السيد كيري ولا على الإدارة الأمريكية، رغم كل التعليل والتذرع ومحاولة رمي الكرة في ملعب المفاوض الفلسطيني..!؟(1)

إن خيبة الأمل التي تعيشها السياسة الخارجية اليوم، رغم كل ما بذله ويبذله جهد السيد جون كيري في تقريب وجهات النظر بين المفاوضين الفلسطيني والإسرائيلي، لإحياء عملية السلام، يصعب إرجاعها، الى ما أقدم عليه الجانب الفلسطيني وما تم وصفه بالإجراءات الفلسطينية "الإستفزازية"، حسب الجانب الأمريكي والإسرائيلي، والمتمثلة بتوقيع السيد محمود عباس رئيس السلطة التنفيذية الفلسطينية، على وثيقة للإنظمام الى 15 منظمة ومعاهدة وإتفاقية دولية، التي جاء في مقدمتها إتفاقية جنيف الرابعة ومعاهدة ضد التعذيب، وإتفاقية خاصة بحقوق المرأة وضد التمييز العنصري، بعد رفض الحكومة الإسرائيلية، الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين القدامى..! (2)

فالأمر الذي أقدم عليه الجانب الفلسطيني، لم يأت من فراغ، ولا يمكن إقرانه بما تشترطه إسرائيل من شروط تعسفية للإعتراف بحق الفلسطينيين في قيام دولتهم المدنية الديمقراطية المستقلة، ومنها شرط الأعتراف بيهودية دولة إسرائيل المرفوض، الأمر الذي دفع بالرئيس الفلسطيني محمود عباس أيضا، الى رفض الطلب الأمريكي بالتراجع عن خطوة التوقيع على الاتفاقيات الدولية، بإعتبارها خطوة إستفزازية بالنسبة لإسرائيل حسب ما يراه الجانب الأمريكي ..!؟(3)

إن الجانب الفلسطيني يمتلك كل الحق المسنود بالشرائع الدولية في اللجوء الى المؤسسات الدولية المختلفة بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، للضغط ولإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات في إطار القرارات الدولية، حيث قد صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام/2012 ، على الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة، مما يؤهلها الإنضمام لتلك الإتفاقيات التي جرى التوقيع عليها من قبل الرئيس الفلسطيني، هذا في الوقت الذي إعتبرت فيه المفاوضة الإسرائيلية السيدة تسيي ليفني  " أن الاتفاق على الإفراج عن السجناء كان يعتمد على تنفيذ الالتزام الفلسطيني بعدم الذهاب للأمم المتحدة.. فقد نشأت ظروف جديدة ولن تتمكن إسرائيل من الإفراج عن السجناء..! "(4)

فحينما تتجه دولة فلسطين الى المؤسسات الدولية لتثبيت حقوقها المشروعة والمدعومة بالقرارات الدولية، وفي مقدمتها إلغاء الإستيطان، وتثبيت حق العودة، الأمر الذي يشكل في العرف الإسرائيلي والأمريكي، إستفزازاً غير مقبول، نرى في عين الوقت، كيف تتشبث فيه الحكومة الإسرائيلية وبإصرار مدعوم من قبل الجانب الأمريكي، الراعي لعملية السلام، بشروطها المرفوضة من قبل المجتمع الدولي، وفي مقدمتها شرط " الإعتراف بالدولة اليهودية من قبل الفلسطينيين" والتمسك بالإستيطان، ورفضها لحق العودة، مما لا يجد فيه المرء ما يبرر الإنتقاد الموجه للجانب الفلسطيني في توجهه المشروع طبقاً للقانون الدولي الى المؤسسات الدولية، ومن خلال عملية السلام التي عبر عنها الرئيس الفلسطيني بوضوح حيث : [[ أكد عباس على إصرار القيادة الفلسطينية على التوصل إلى تسوية من خلال المفاوضات والمقاومة السلمية الشعبية، ونرفض غير ذلك، وسنستمر في مساعينا للوصول إلى الحل السلمي الذي يعطينا الدولة الفلسطينية على حدود 1967 بعاصمتها القدس، وحل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين حسب القرار 194.]] ( المصدر السابق)  (2) 

فالمفاوضات ليست هدفاً بذاته ولذاته، بقدر ما هي إلا وسيلة وآلية، الهدف منها الوصول الى تحقيق غاية أسمى، وذلك في إطار من العدل والسلم لكل أطراف التفاوض، وهذا خير ما عبر عنه الرئيس الفلسطيني، في موقفه من إشكالية المفاوضات، الفلسطينية الإسرائيلية، التي تحاول الحكومة الإسرائيلية، وفي جميع مراحل المفاوضات، السابقة منها والحالية، أن تتخذ منها مجرد هدف تصل من خلاله الى تمرير وتثبيت ما يمكنها من إجراءات وأفعال منافية لحقوق الإنسان، ولا يقرها القانون الدولي، وتتعارض مع القرارات الدولية..!!؟   
(1)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA3304320140404?sp=true
(2)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=20206
(3)    http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=20503
(4)     http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA320DB20140403?sp=true
 

 

48

هَـلَّتْ ثمانون..!(*)

باقر الفضلي

هَـلَّتْ ثَمانُونَ ما شابتْ نَواصيها
فنِعمَّ مَنْ صاغَها شَمساً بواديهـا
سناؤُها حَدقاتُ العَينِ مُـذْ بَصِرَتْ
دَربَ الحقيقةِ وَضَّـاءٌ يُجاريهـا
هلتْ ثَمانُونَ لَنْ يُمحي الزَمانُ لها
إرثاً، ولا عاصفاتُ الدَهرِ تُخفيها
حقيقةٌ مُـذْ نسيجُ العُمرِ خالَطَهـا
فَصـارَ سِفراً لها، يَشدو اغانيها
كأنَها البَحر.. لا تَنضَبْ  روافِـدُهُ
شِحاً، ولا تَهجِرُ الأطيارُ شاطيهـا
***
خَصباءُ مثلُ أديم الأرضِ مُزهرةٌ
عُـنوانُ كُل أَبـيٍ حينَ يُـزجيها
لا يُرتَجى العِـزُ إلا مِنْ عبائَتِهـا
ولا يَـرى الهَونَ إلا مَنْ يُعاديهـا
مَرَتْ ثَمانونَ مَرَّ السَيلِ في وَعَـرٍ
أضحَى مَساراً لها رمزاً يحاكيهـا
لا يبلغُ الشأوَ مَنْ يَرجو المُنى بَطِراً
وكمْ يَنـالُ المَعـالي مَنْ يُـدانيها
مَرَّتْ ثَمانُونَ مَرَّ الشُهبِ فإرتَعَدَتْ
فَرائِصُ القَومِ غيضاً من تَلاقيهـا
***
***
***
                       (*) مهداة بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي










 


 



 












 

49


سوريا: هل تَتَحقَق دعوةُ الراشد..!؟

باقر الفضلي

قبل ما يقرب من عام ونصف، وبالتحديد بتأريخ 2012/10/7 ، كنا قد تناولنا بالتعليق في مقالة تحت عنوان [ سوريا بين النخوة العربية والصولة التركية] ، دعوة الكاتب والإعلامي السعودي السيد عبد الرحمن الراشد المنشورة في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، والموجهة الى السيد أوردغان رئيس وزراء تركيا، والموسومة [ تركيا بين الكلام والفعل ]، والتي في مجملها تنصب على إستنهاض السيد أوردغان للتدخل في الشأن السوري بالفعل لا بالكلام  حسب ، أوعلى حد قوله بأنه:  " لا يزال هناك أمل كبير أن يكون لتركيا تحت حكم أردوغان دور كبير في سوريا، بإنقاذ الشعب السوري"  (1)


وكأن التأريخ يعيد نفسه ، وكأن الأحداث تتكرر؛ فبعد أن أرغمت السلطات التركية إحدى الطائرات المدنية السورية القادمة من موسكو على الهبوط وإخضاعها الى التفتيش في الثامن من تشرين الثاني / 2012 (2) ، تراها اليوم تتعرض الى إحدى الطائرات العسكرية السورية، التي كانت في حالة مطاردة لمجموعة من المسلحين على الحدود السورية التركية في منطقة ( الكسب) وتسقطها في الأراضي السورية..!!؟(3)

والحدث بذاته، يرسم صورة لا تقبل التأويل أو التكهن لطبيعة الدور التركي الذي تقوم به تركيا كدولة جارة الى الدولة السورية، بإعتباره دوراً محسوباً بدقة، وضمن مخطط يستهدف كيان سوريا كدولة مستقلة في المنطقة، ولها موقف معلن ومعروف في وجه خطط العدوان، وأمام سيناريوهات التغيير المعدة للمنطقة من قبل التحالف الأمريكي _ الغربي/ الخليجي، الذي تلعب فيه كل من تركيا وإسرائيل دوراً متميزاً في عملية تنفيذ تلك السيناريوهات..!

وليس أدل على ذلك من  تهنئة السيد أوردغان للقطعات العسكرية التركية التي ساهمت في إسقاط الطائرة العسكرية السورية، والتهديدات التي رافقتها لسوريا، ناهيك عن تصريحات قادة الاركان التركية المحذرة..!!؟(4)

  فهل يا ترى كان وراء إسقاط الطائرة العسكرية السورية، مبرر معقول لتركيا، وهي الدولة الجارة لسوريا، للإقدام على ذلك، في الوقت الذي تؤكد فيه الجهات السورية؛ بأن تلك الطائرة لم تتجاوز المجال الجوي السوري؛ هذا في الوقت الذي شكلت فيه عملية إسقاطها، في مثل تلك الأجواء المتوترة على الحدود السورية التركية، بسبب من تواجد الجماعات المسلحة، ومن جنسيات وقوميات مختلفة، في منطقة الحدود المذكورة " كسب "، ملاذاً آمناً لتواجدها، ومنفذاً حصيناً لتدفقها الى داخل الأراضي السورية، من خلال الأراضي التركية، ما دفع الى خلط الأوراق ووضع الجار التركي في موقف الشبهة بتورطه في مخطط التدخل الكوني بالشأن السوري، وفي خرقه للقانون الدولي، من خلال تسهيل عبور المتسللين من الجماعات المسلحة الأجانب، عبر أراضيه الى دول الجوار، دون إعتبار لكل المواثيق والإتفاقيات الدولية وقواعد حسن الجوار..!؟؟

إن جميع الدلائل تشير، الى أن عملية إسقاط الطائرة السورية في ظل الظروف السائدة في المنطقة، لا يصب في خدمة المصالح المشتركة للدولتين الجارتين، ولا يخدم من جانب آخر، مصالح الشعبين، التركي والسوري، ناهيك عما يشكله من تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين؛ ذلك بقدر ما يوفره، من أرضية مناسبة، وملائمة لتصعيد التوتر بين البلدين، وسده الطريق على أية  تسويات قد تساعد في تحسين العلاقات الثنائية بين الشعبين الجارين، بل وعلى العكس من ذلك، فإنه يقطع الشك باليقين على ما يجري التكهن به عن التدخل التركي المباشر في الشأن السوري، بوقوفها كدولة جارة، خلف تلك المجموعات المسلحة، القادمة من شعاب الأرض المختلفة، والتي دأبت على عبور الحدود التركية بإتجاه سوريا، ودعمها وتأمين دخولها، مما يشكل، ليس فقط تدخلاً مفضوحاً بالشأن الداخلي السوري حسب، بل وبما يعزز جميع الشكوك حول ضلوع الحكومة التركية الراهنة في المسار المعادي لمصالح الشعبين التركي والسوري، والتورط في سينياروهات التحالف الذي يقوده حلف الناتو للمنطقة، مؤكدين في عين الوقت، خلاصة ما توصلنا اليه في ختام مقالتنا المنوه عنها في الرابط (1) أدناه، في كل ما يتعلق بالشأن السوري..!!؟
باقر الفضلي _ 2014/3/24         
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=327823
         (2)  http://archive.arabic.cnn.com/2012/middle_east/10/10/turkey.syria_plane/index.html
         (3)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAEA2M05Y20140323
         (4)   http://www.almayadeen.net/ar/news/syria-Gv,eYrbEDUqkkqL4AGOnBg/%D8%A7%D9%
ا

50


العراق: مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري..!؟ (*)

باقر الفضلي

التسمية التي إختارتها وزارة العدل العراقية، لتوصيف مشروعها ل "قانون الأحوال الشخصية" المرفوع الى مجلس النواب، ب "الجعفري" ، وحدها فيها من الدلالة ومن الكفاية ما لا يجعل مجالاً للشك، حول طبيعة المسار، الذي بات يتبلور يوماً بعد آخر، للنهج السياسي الطائفي ، الذي يبدو أنه النهج الأكثر قبولاً لدى القوى الحاكمة، في إدارتها لسلطة العراق..!؟

فالتسمية نفسها قد منحت مشروع القانون المذكور، خصوصيته الدينية المذهبية، المستثناة عن غيرها من الخصوصيات لمذاهب دينية أخرى تحتضنها البيئة الإجتماعية العراقية منذ ما يزيد على الألف عام..!

وإنطلاقاً من هذه الخصوصية الدينية المذهبية، يمكن القول؛ بأن مشروع القانون هذا، قد رسم سلفاً الأهداف المتوخاة من تشريعه، كقانون ينظم بأحكامه ونصوصه قضايا الناس في أحوالهم المدنية، بإتجاه يفهم منه طريق واحد محدد سلفاً في إطار المذهب الجعفري للطائفة الشيعية، ومن خلال التسمية وحدها يعكس مشروع القانون نفسه وعلى صعيد الدولة، نكوصاً مريعاً الى الوراء، وذلك بالعودة الى ما يزيد على نصف قرن ونيف، لما كانت عليه الأحكام القضائية والسنن الفقهية والشرعية التي كانت تحكم وتنظم قضايا الأحوال الشخصية يومذاك؛ من فوضى التعددية المذهبية، والتي بسبب قصورها وتخلفها عن مواكبة متطلبات التطور الحضاري، الإقتصادي والإجتماعي للمجتمع، أن دفعت بإتجاه تشريع قانون جديد للأحوال الشخصية، هو قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام/1959 ، والذي كان من بين أسبابه الموجبة ما أشار اليه القانون نفسه:
 [[“في تعدد مصادر القضاء واختلاف الاحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه اهم الاحكام الشرعية المتفق عليها”.]]

اللافت أن المشرع لمسودة القانون الجعفري، قد إعتمد النص الدستوري للمادة/41 من الدستور العراقي، كأساس لتشريعه لتلك المسودة، في الوقت الذي قد تعرض فيه جوهر النص الدستوري لهذه المادة، للنقد من قبل أوساط كثيرة، والذي بات مجرد وجودها في صلب نصوص الدستور الحالي مجرد حالة خلافية على المستوى السياسي والديني، الأمر الذي جرى تناوله من قبل الكثير من المتخصصين والكتاب، ومنها مقالة خاصة، إلقت الضوء على ما يشوب جوهر نص المادة المذكورة من قصور بالغ، يتعارض مع روح الدستور نفسه...!؟ (1) 

وفي نفس السياق، " فقد جرت المصادقة من قبل مجلس الوزراء على مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، المدقق من قبل مجلس شورى الدولة، وإحالته إلى مجلس النواب مع التوجيه بتشكيل لجنة من علماء الدين تشكلها المرجعية الدينية العليا لمواكبة تشريع القانون في مجلس النواب استنادا إلى الدستور بعد تدقيقه بالتنسيق بين وزارة العدل والدائرة القانونية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء"، مما يعزز ما تمت الإشارة اليه حول حقيقة تأكيد مسارالنهج السياسي للقوى الحاكمة بالإتجاه الأقرب الى التحزب الطائفي، والإبتعاد يوماً بعد آخر، عن نهج بناء أسس الدولة المدنية، التي ومن خلال التوقف أمام مسودة مشروع القانون المذكور، تبدو وكأنها مجرد شعار سياسي رفعته تلك القوى السياسية، التي تتقلد مهام السلطة اليوم..!؟؟(2) 

إن مسودة مشروع القانون الجعفري بقضها وقضيضها، بعيدة كل البعد عن كل ما يمت بصلة الى روح المواطنة العراقية، بعد أن إعتمدت نصاً دستورياً خلافياً، هو نص المادة/41 من الدستور الحالي، كأساس لبناء هيكلية مسودة مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، دون إعتبار لكل وجهات النظر والآراء النقدية، التي طرحت بشأن تلك المسودة ، ولا حتى للمواقف الخلافية بشأن نص المادة/ 41 من الدستور..!!؟

 وفي جميع الأحوال، ومع إطلالة اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار/2014 ؛ يظل ملف المرأة في العراق ملفاً مفتوحاً طالما يجري الإبتعاد وبتقصد وإرادة مرسومة، عن النهج المدني الذي كفله الدستور لدولة المواطنة العراقية المدنية، من نصوص وأحكام عامة، في نفس الوقت الذي يظل فيه، وفي مقدمة جميع المشاريع والمقترحات بشأن الأحوال الشخصية للمواطنين العراقيين من ذوي الديانة الإسلامية على مختلف مذاهبهم الدينية، يظل قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام/1959، القانون الأكثر واقعية وموضوعية، والأكثر إنصافاً للمرأة والرجل على السواء، وفي أقل تقدير، رغم كل محاولات الإلتفاف على نصوصه وأحكامه، أومغامرات إلغاءه..!؟؟
باقر الفضلي/ 2014/3/6
_____________________________________________
                                           (*) http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189           
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=384228
(2)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/11510-2014-02-28-13-56-40
(3)   ‏    \ملف المرأة (2) (2).docx


51

أوكرانيا: " الربيع الأمريكي" على التخوم...!!؟(*)

باقر الفضلي

أوكرانيا؛ ليست ذلك البلد العربي الذي فاته قطار الربيع، ولا هو بالبلد المجاور في حدوده لأي من البلدان العربية، أو تجمعه معها دالة لغوية قومية أو أثنية، أو تربطه معها آصرة دينية، أو قرابة دنيوية، ولكنه وكما أثبتته الأحداث، بدى أكثر حظاً من غيره من بلدان العالم، لتشمله كرامات وأفضليات " الربيع الأمريكي" وأن يحضى بأسبقية عطاء ذلك الربيع على غيره من البلدان، التي تقف بالإنتظار..!؟؟

إلا أن ما يجمع بلداً مثل أوكرانيا مع بلدان الشرق الأوسط وبالذات منها الدول العربية، التي سبقته في التمرغ بنعم وحلل الربيع الأمريكي والمسمى تجوزاً ب "العربي" ، يكمن في حقيقته، في طبيعة جوهر السيناريو المعد سلفاً لتلك البلدان، أمثال تونس واليمن ومصر والعراق وسوريا ولبنان وغيرها ممن ينتظر دوره في السلسة الأمريكية_ الغربية ومن في معيتها من دول الجوار العربي، المتمسكة  بعرى تلك السلسلة العصماء، من ذوي الحسب والنسب العربي الأصيل..!؟

فالبدايات متشابهة، إن لم تك متناسخة، والتفاصيل متقاربة، والشعارات متوحدة، والأدوات والوسائل من نفس الموديل والطراز، الأمر الذي دفع ببعض أساطين الإعلام الغربي الممهد والمشارك في معركة الإستعمار الجديد، للغول الأمريكي _ الغربي، أن لا يجد غضاضة في المقارنة، بين ما جرى ويجري حالياً  في بلدان ما اسماه ب " الربيع العربي"، على أنه من سمات نهظة شعوب المنطقة، ومن علامات النزوع نحو الديمقراطية، وإنهاء حكم الإستبداد، وبين ما يجري من أحداث في أوكرانيا..!!؟(1)

فما يجري اليوم من أحداث في أوكرانيا، يأتي في الحقيقة، كبرهان ساطع وقاطع على واقع التدخل الأمريكي _ الغربي، في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، بل ويدخل في نطاق الدعم الكامل لما أقدمت عليه بعض العناصر المتطرفة في العاصمة الأوكرانية وتحت نفس الذرائع التي سبق وأن تمسكت بها مجموعات مماثلة في بلدان ما يدعى ب "الربيع العربي"، من أعمال الشغب والتدمير وتخريب المنشئات وأخيراً إقتحام البرلمان، وتقويض سلطة الدولة المنتخبة، ووضع الدولة بكافة هيئاتها في حالة من الفوضى، ودفع وحدة الشعب الأوكراني الى التصدع والإنقسام، ناهيك عما دفع اليه ذلك التدخل، من تهديد خطير للأمن الدولي، وتعريض مجمل دول المنطقة الى فقدان الأمن والإستقرار..!!؟(3)
   
  ولا مناص من القول، بأن ما تتعرض له دولة أوكرانيا الآن، من تهديد في وحدتها وإستقرارها كدولة عضو في الأمم المتحدة، وبكل ما تتمتع به الدول الأخرى الأعضاء في المنظمة الدولية من حقوق وإمتيازات، إنما يعبر في جوهره، عن تهديد وخطر مباشر للمنظمة الدولية نفسها، كنظام ضابط للسلم والأمن الدوليين بعد حربين عالميتين، وملاذ آمن لشعوب العالم، وذلك من خلال تقويض حياديتها وإستقلالها المعنوي، وتهديم كيانها المؤسساتي المتمثل بلحمتها الدولية، بما يجره ذلك على ميثاقها الأممي من شلل وجمود قد ينذر بعواقب وخيمة على المجتمع الدولي، ويهدد بإحتمالات لا تحمد عقباها على السلم الدولي، الأمر الذي بات أكثر وضوحاً بعد تعمق الأزمة الأوكرانية على الصعيد الدولي، مما دفع بالأمين العام للأمم المتحدة، التعبير عن قلقه الجدي من تطور الأوضاع في المنطقة..!؟؟(4) 

فبالقدر الذي تبدو فيه معالم الأزمة الأوكرانية محدودة النطاق جغرافيا، إلا أن تداعياتها ستكون أكثر شمولية وإتساعاً  مما هي عليه تداعيات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط ؛ فهي وفي حالة تصاعد وتيرة تأزمها ، قد تنذر بمخاطر جسيمة على الصعيد الدولي، وقد تجر الى حبائلها أطرافاً كثيرة لم ترد في حسابات من أضرم نارها، وحاك شباكها، وقد تدفع الى إنهيار النظام القانوني الدولي برمته، إذا لم يسد منطق التعقل، وتحترم إرادة الشعوب في تقرير مصيرها، ويتوقف التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتحترم سيادتها وإستقلالها الوطني..! 
باقر الفضلي/ 2014/3/1
¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬-__________________________________________________
  (*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=289584
(1)   http://www.bbc.co.uk/arabic/interactivity/2014/02/140224_ukraine_arabs_comments.shtml       
(2)   http://arabic.cnn.com/world/2014/03/01/obama-there-will-be-cost-any-military-intervention-ukraine
(3)   http://arabic.cnn.com/world/2014/03/01/obama-there-will-be-cost-any-military-intervention-ukraine
(4)   http://arabic.rt.com/news/661095-%D9%85%D9%88%D9%86_%D8%A8%D9%88

52


العراق : وقفة مع الحقيقة (4)..!؟

باقر الفضلي

تتفاقم الأوضاع في منطقة الأنبار، لتصبح الهاجس المقلق لكل العراقيين حيثما وجدوا، والشغل الشاغل لجميع وكالات الأنباء والصحافة وشتات الفضائيات ولكل من هب ودب، ممن وجدوا في أحداث المنطقة مصدراً للمتاجرة السياسية، وللمناكفات الشخصية ولخلط الأوراق، والتصيد في المياه العكرة..!؟

وبهذا القدر من حساسية الموضوع، نتيجة لما آلت اليه الأوضاع من تخريجات غير مبدأية على صعيد كافة الأطراف السياسية، يجد المراقب نفسه في حيرة من الأمر، بين التصدي الى قول الحقيقة، أو الركون الى الصمت والإكتفاء بمراقبة الأحداث، وما ستؤول اليه تداعياتها القادمة، خاصة عندما تأخذ العزة بالإثم جميع الأطراف السياسية ذات العلاقة، حيث كل منها يلقي بالآئمة على الآخر، متناسين جميعاً حجم الخطر المحدق والخسارة الجسيمة التي ستلحق بالعراق والعراقيين دونما إستثناء، جراء عمليات التصعيد المتلاحقة من كافة الأطراف..!!؟

ولكن ما يوقف المرء وأي مواطن عراقي، هو ضرورة التبصر والتأني في النظر لسبر جذور أزمة الأنبار وما هي عليه الآن، وما كان دور السلطة الحاكمة والقوى السياسية مشتركة، وحجم مسؤوليتها جميعا، في العمل على وأد أسباب الأزمة، أوالتحلي بكل آليات الصبر والتعقل، من أجل قطع الطريق على كل محاولات التصعيد في بداياتها، والعمل بكل السبل الممكنة لإطفاء نارها، التي أثبتت الوقائع الموضوعية، بأن هناك من يذكيها ويزيد من أوارها، لتأتي النتائج متوائمة مع ما يجري في المنطقة من تنفيذ لخطط  التدمير الشامل وفقاً لمشروع "الشرق الأوسط الكبير"، وهي خطط ما عادت مخفية على الضالعين بدهاليز السياسة، ولكن يبدو وكما هي الحقيقة الموضوعية والملموسة، فإن ما جرى وخطط له بالنسبة للعراق، هونفسه ما خطط لبلدان المنطقة، مثل سوريا ومصر وتونس واليمن..الخ، ليجر العراق في النهاية الى نفس الفخ الذي نصب للآخرين، حيث تمكنت القوى المخططة للمنطقة وفي مقدمتها أمريكا وحلفائها، ان تنجح في أيقاع تلك الدول في فخاخها المحبوكة جيداً ومن خلال إستدراج سياسيي تلك الدول وقادتها الى فخ " الإرهاب " وإشغالها به ليل نهار..!؟؟(1)

ومن هذا المنطلق، يمكن التوقف أمام تصريح رئيس الحكومة العراقية السيد نوري المالكي بتأريخ 29/1/2014 في كلمته الأسبوعية يوم الأربعاء، وهو [[ يهدد باقتحام مدينة الفلوجة لحسم الأمر فيها، وأكد انه لم يعد هناك متسع من الوقت، وفيما أشار إلى أن المعركة "ستكلفنا خسائر لكننا مضطرون لذلك". ]] (2)


فالسيد رئيس الوزراء يتحدث عن حالة " الإضطرار" التي تدفع بإتجاه  " الإقتحام " الذي هو الآخر، له من النتائج ما لا يمكن توقعه أو حسبانه بالأرقام؛  فتقدير حالة الإضطرار، أمر نسبي له أبعاده وحساباته المختلفة من وضع معين الى وضع آخر، ومن شخص معين الى شخص آخر، ومن السابق لأوانه التكهن بحدود تلك الحالة أوالتحكم بضوابطها..!؟

 وفي حالة الأنبار وما تستدعيه خصوصيتها، من كون ( الفلوجة) مدينة صغيرة، وأن عدد سكانها من المدنيين قليل نسبياً مقارنة بسعة المحافظة، يصبح الأمر أكثر تعقيداً في ملابساته السياسية والإنسانية، فإن كانت حالة الإضطرار المشار اليها، بهذ المستوى من الحدة والخطورة، الذي يستدعي حتمية " الإقتحام "، وبالتالي زج القوات المسلحة في عملية التنفيذ، وهو قرار يتطلب الكثير من الحكمة والتعقل والتأني والدراسة، والكثير من المشاركة والتشاور والإستماع لآراء الآخرين؛  فليس هناك من سبيل للقول، إلا التأكيد على أن الفلوجة، حتى وهي في الوضع المشار اليه في نص السيد رئيس الوزراء، فإن المدينة فيها من المدنيين الأبرياء على إختلاف أجناسهم، ما يتطلب التريث في إصدار قرار كقرار " الإقتحام " ، أو وضعه موضع التنفيذ، وذلك قبل التصور بأن يتم إتخاذ كافة إجراءات السلامة بالنسبة للمدنيين، كما ولا يظن المرء بأن هناك من سلطة مسؤولة مهما كانت، في وارد أن يغيب عنها ما يعنيه ذلك من مسؤولية إنسانية وتأريخية وحقوقية؛ كما ولا يغيب عن البال أيضاً، بأن حالة " الإقتحام" نفسها، ليست دائماً هي العلاج الناجع لمعالجة أوضاع بمثل تعقيد حالة ( الفلوجة)، في وقت قد تتوفر فيه من الحلول السياسية والإجتماعية والإجرائية أوالأمنية، ما يمكن أن يكون أكثر معقولية، بما لا يدفع بإتجاه الإحتراب الداخلي، أوالإنجرار الى مزالق الفخاخ المنصوبة..!؟

فإن كان ما يجري في الأنبار وفي مدنها المتعددة مثل الفلوجة والكرمة وغيرها، ، وما قد جرى من إستغلال إعتصامات الأنبار الجماهيرية من قبل "الإرهاب" على حد تصريح السيد رئيس الوزراء، فليس بعيداً عن الحقيقة القول، بأن كل هذا لا يخرج في الواقع عن حقيقة نصب "الإفخاخ" التي تمت الإشارة اليها فيما تقدم، والتي هي على صعيد الواقع،  حقيقة تعاني منها بلدان المنطقة، والعراق ليس إستثناء من مخطط  "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الذي هو الحقيقة الكبرى في المنطقة اليوم، ومنذ غزوة السيد جورج بوش الأبن للعراق في آذار/2003..!؟

فالإرهاب نفسه، ليس تلك الحالة الهلامية، ولا هو آت من فراغ بنيوي، بقدر ما هو إحدى آليات المشروع المذكور الفعالة، وإحدى أدواته الناجعة في ترويض بلدان المنطقة، ومن ممهداته الفعالة لتدمير بناها وهياكلها الإقتصادية والإجتماعية، وكل ما يمت بصلة الى وحدتها الديموغرافية والجغرافية، ناهيك الى ما يرمي اليه من إستنزاف كامل ثرواتها الوطنية، وبالذات منها، مصادرها للطاقة من نفط وغاز، الأمر الذي يضطرها في النهاية الى إستنزاف تلك الثروات بشكل تعسفي، من أجل تمويل نفقاتها الباهضة من جهة، ولإفتقادها الى مصادر تنمية أخرى، بعد ما تكون مواردها الإقتصادية الأخرى قد شارفت على النضوب، بسبب ما آلت وستؤول اليه من التخريب والدمار بفعل أنغماسها في مطاردة الإرهاب، ناهيك عن إستشراء آفة الفساد المالي والإداري من جهة أخرى..!؟(3)

وبالتالي فإن الإنزلاق صوب فخ الإرهاب، دون التمعن بدقة العارف والحكيم، في ما ستكون عليه أبعاده وتداعياته المدمرة وعلى كافة المستويات، أمر فيه من المجازفة غير المحسوبة النتائج، ما لا يمكن تفاديه؛ ولا يعني الأمر هنا، وبأي حال من الأحوال، الخلط بين التصدي للإرهاب كفعل إجرامي، وبين التورط والإنزلاق في مطبات مخطط لها سلفاً ومعدة لتكون سبيلاً للوقوع في مستنقع الإرهاب،  وبإرادة من هيأ أدوات الإنزلاق لغرض في نفس يعقوب..!!؟(*)

 ولعل في حالة الدولة الشقيقة سوريا، من الدروس الغنية والبليغة في مضامينها ومغزاها لجميع دول وشعوب المنطقة، ما يفيض عن الحاجة، وليس أقل منه ما يخطط اليوم للشعب المصري واللبناني، من مصير مشابه على ذلك الغرار..!!؟
باقر الفضلي/ 30/1/2014
                                            (1)   http://asharqalarabi.org.uk/paper/s-akhbar-m-a2.htm       
                                           (2)  http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/10262-2014-01-29-16-51-25
                                      (3)   http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/10310-2014-01-30-14-06-03
                                                                     (*)   ويكفي الإشارة هنا الى إزدواجية الموقف الأمريكي من مسألة الإرهاب، في كل من سوريا والعراق، فهو مع الإرهاب
                                                                            ضد الدولة السورية، ومع الدولة العراقية ضد الإرهاب..!!؟؟
                 
                                         
                                         





   

       

53

مصر: لقد حان الوقت..! 
باقر الفضلي

لقد حان الوقت للشعب المصري العظيم، أن يستكمل خطواته الأخيرة التي خطاها في الثلاثين من حزيران الماضي، من أجل تصحيح مسار ثورته في الخامس والعشرين من كانون الثاني/2012 وأن يجعل من خارطة الطريق التي رسمها في ذلك الوقت، صفحة جديدة في ذلك المسار، حيث لا طريق آخر يوصل مصر الى أبواب التقدم والإزدهار والديمقراطية، غير إستكمال الإجراءات الدستورية المعززة لمسيرة الثورة، وفي مقدمتها إنتخاب الرئيس والبرلمان، بعد أن جرى الإستفتاء على الدستور وتم إقراره من قبل الشعب..!

ويأتي الإعلان الرئاسي بتقديم إنتخاب الرئيس قبل الإنتخابات البرلمانية، إشارة إيجابية للبدأ بتلك الخطوات، كما وإن إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتفويض للمشير عبد الفتاح السيسي بالترشيح للإنتخابات الرئاسية، بمثابة البرهان العملي لإستمرار مسار العملية السياسية في طريقها الصحيح؛ وما يفهم من ذلك، أن الأمر لا يتعلق بمجرد تسمية شخص المشير عبد الفتاح السيسي، بقدر ما يعنيه رمزه الذي واكب أحداث الثلاثين من حزيران/ 2013 وما تلاها في الثالث من تموز لنفس العام وما ترتب عليهما من تغييرات جوهرية في طبيعة نظام الحكم وما تلاهما من خطوات دستورية، وضعت مصر، كدولة عربية شرق أوسطية لها من المكانة الدولية والتأثير، ما يحسب له ألف حساب، في موقعها الحقيقي..!(1)

 وبالتالي فشخصية المشير عبد الفتاح السيسي، كان لها دور بارز ومحسوس وفعال، في جملة تلك الأحداث والمتغيرات على الصعيدين السياسي والإجتماعي، كما وإن إقتران ذلك الدور بالتأييد المباشر من قبل ملايين المصريين، ما أضفى على تفويضه بالترشيح الى منصب رئاسة الجمهورية، تأييداً وشرعيةً شعبيةً مسبقةً لم يسبق لهما مثيل؛ فلا غرابة والحال أن تتعز تلك الشرعية بتأييد غالبية القوى السياسية الوطنية المصرية، وفي مقدمتها جبهة الإنقاذ، وإغلبية القادة السياسيين المصريين، ناهيك عن ملايين المصريين، ممن منحوا شخص المشير عبد الفتاح السيسي تأييدهم المباشر في دعمهم لخارطة الطريق التي أعلن عنها في الثلاثين من حزيران/2013 ..!

أن ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي لمنصب رئاسة الجمهورية لمصر الكنانة، ووفقاً لآليات الدستور، وفي هذا الوقت الصعب الذي تمر فيه مصر ومنطقة الشرق الأوسط، يأتي منسجماً مع ظروف وحاجات المنطقة، كما وفيه من الدلالات الموضوعية والعقلانية، ما يعزز كل آمال الشعب المصري في الرخاء والتقدم والديمقراطية، وكل ما يقوض خطط تخريب ودمار مصر كدولة ذات شأن في المنطقة، وكل ما أريد وبيت لها من مصير، ليس بأفضل مما يجري في بعض الدول العربية الشقيقة، التي تعاني من حرب الإرهاب المدمر، وما خطط من سيناريوهات كارثية للمنطقة، المستفيد الوحيد منها دولة إسرائيل، وعدد من أدوات تنفيذ تلك السيناريوهات من دول الجوار..!

 فلا عجب والحال أن ينبري غير قليل من الأصوات الرافضة لترشيح المشير عبد الفتاح السيسي، وأغلبها ممن يرى في "المشروع الإخواني"، الملفع ب "الشرعية" هو الطريق المطلوب الى تقدم وإزدهار مصر، حتى لو كان ذلك على حساب تدمير مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش والإقتصاد، وإنهيار البنى التحتية..!!؟؟

لقد إستعاد الشعب المصري المبادرة في الثلاثين من حزيران/2013 ، وهو الآن وحده من يمتلك قرار دعم هذه المبادرة وتأكيدها في إستكمال خارطة الطريق، وقطع الطريق على جميع مخططات من يفكر بإرجاع مصر الكنانة، الى الوراء والى دائرة الخنوع والتبعية..!(2)   
باقر الفضلي/27/1/2014
(1)  http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=12908
(2) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=367188


 








     

54

سوريا: مؤتمر جنيف_ 2 إمتحان للسلام ..!؟

باقر الفضلي

واخيراً وجد مؤتمر جنيف/2  طريقه الى التنفيذ حاملاً بين دفتيه الكثير من تصورات الفشل والنجاح،  حيث إفتتح المؤتمر جلسته  الأولى الأربعاء 22/1/2014، وتبادل الفريقان كل ما في جعبهم من التهم المتقابلة، وظهر التباين بين الفريقين أكثر وضوحاً من خلال تبادل الكلمات من قبل الدول التي حضرت المؤتمر، ولم يجد المتابع من خلال تلك الكلمات ما يمكن إعتباره جديداً قياساً بما كان يعلنه كل طرف من الأطراف..!

وليس المرء هنا في وارد التفاؤل أو التشاؤم، أمام ما يمكن أن يحققه المؤتمر المذكور من نتائج مفترضة، فحقيقة ما أفرزته وقائع الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر، ومن خلال مضامين كلمات بعض رؤوساء الوفود، بات الإستقطاب أكثر وضوحاً في مواقف الأطراف المدعوة لحضور المؤتمر، حيث جاءت كلمات الدول الداعمة لقوى المعارضة، متناسقة كلياً مع طرح تلك القوى ، وكأنها كتبت من قبل مصدر واحد، لدرجة ظهرت فيه تلك الدول وكأنها طرف في الصراع السوري السوري، بل والأنكى من ذلك، انها تجاوزت في مقاصدها، ما يعتبر تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية لدولة سوريا، بل وأبعد من ذلك، حين ربطت كل إمكانيات الحلول المرتقبة للملف السوري، بشروط أقل ما فيها، أنها تمثل خرقاً فاضحاً لمباديْ القانون الدولي، الأمر الذي يتنافى مع كون حضورها المؤتمر يأتي من كونها جاءت لتلعب دور الوسيط في التقريب بين وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، لا أن تكون في موقف المنحاز مع فريق ضد الآخر، ولعل ما جسدته كلمة رئيس الوفد الأمريكي للمؤتمر، يكفي وحده دليلاً ومؤشراً على طبيعة السيناريو المرسوم إبتداءً للنيل من دولة سوريا كياناً وشعبا..!؟؟(1)

الملفت للنظر أن يجري إختزال وفد المعارضة السورية على مجموعة " الإئتلاف السوري المعارض" ويجري تغييب طيف واسع من المعارضة السورية الوطنية في الداخل، وكأن الأمر لا يعنيهم، في وقت ظهر فيه وفد "المعارضة" في جنيف، وكأنه جزء من كتلة أمريكا وحلفائها ممن يدعون أنفسهم ب "اصدقاء سوريا "، ومنهم دولا عربية واخرى إقليمية مجاورة لسوريا، ولا غرابة أن يكون السفير الأمريكي روبرت فورد عراباً لجميع تلك القوى ومرشداً عاماً لمنظمة " أصدقاء سوريا "، التي تحاول أن تجعل من مؤتمر جنيف- 2 جسر العبور للوصول الى أهدافهم في إستكمال ما عجزت عنه فلول الإرهاب المصنعة من قبلهم طيلة أكثر من ثلاثة أعوام من الخراب والدمار، الذي أحاق بدولة وشعب سوريا، جراء ما إرتكبته وترتكبه تلك الفلول من جرائم وإنتهاكات لحقوق الانسان والشرائع الدولية..!!؟

ولعل من المفارقات المفضوحة في موقف المعارضة، هو المحاولة في التمسك بمقررات مؤتمر جنيف _ 1 ، بعد إختزالها في نقطة واحدة وتفسيرها بما يلتقي وإهداف تلك "المعارضة"، في فرض أجندة التحالف الأمريكي_ الغربي_ الخليجي، التي تركز فقط على هدف واحد ، هو إسقاط النظام السوري وتنصيب بديلاً من المعارضة، بما يعنيه "هيئة حكم إنتقالية"، الأمر الذي لن تتحدث عنه مقررات جنيف _ 1 ، وفقاً لما أشار اليه السيد لافروف وزير خارجية روسيا والضامن الثاني للمؤتمر، ووفقاً لبيان المؤتمر نفسه..!!؟ (2)

من هنا يبدو أن كل ما يحاول وفد "المعارضة" وهي بوضعها الحالي من التمزق،  فرضه على مباحثات مؤتمر جنيف _ 2 ، لا يستقيم مع حقيقة الواقع؛ حيث كان صوت الوفد المذكور، مشدوداً بتبعية مطلقة للتحالف الأمريكي الداعم للوفد المذكور، ناهيك من أن الوفد نفسه جاء مبتسراً ولا يمثل كل أطياف المعارضة السورية المعلنة عن نفسها، ولا يمكنه أن يكون ناطقاً بأسم كل تنظيماتها المسلحة على أرض الواقع، بما فيها تلك المشتبكة في صراع مسلح في الداخل؛ هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن الوفد الآخر، فهو وفد متكامل في إعضائه وفي مهنيته، ويمثل وفداً لدولة تحضى بإعتراف الأمم المتحدة ولها وجود ممثل في مؤسسات الدولة وهيائاتها المختلفة، وبالتالي فإن تمسك "وفد المعارضة" المبعوث الى مؤتمر جنيف_2 بما يدعى ب "هيئة الحكم الإنتقالية " المشار اليه في مقررات جنيف _1 لا يمتلك سنده الشرعي والقانوني، الأمر الذي أشير اليه في تصريح السيد لافروف آنف الذكر، بل جل ما في الأمر، أن البحث في كل ما يتعلق بالتغييرات الدستورية ونظام الحكم وآليات الحكم، هي أمور سيادية، ومن صلاحيات الشعب السوري وحده، وهو الذي يقرر في النهاية وبإرادته ، وطبقاً لنظام الشرعية الدولية والقانون الدولي، ما يراه مناسباً لمصالحه، وليس إملاءً من جهات خارجية لا تملك سلطة الشعب بأي حال من الأحوال؛ فسوريا ما زالت دولة ذات سيادة ولها كل مقومات الدولة، رغم ثلاث سنوات من محاولات التحالف الدولي _ الإقليمي، وبكل أشكال وأنواع التدخل الخارجي، لتمزيق وحدة الدولة وكيانها السياسي..!!؟؟

فهل مع كل هذا الإستقطاب في المواقف، ومع كل الآمال المعقودة على دور الأسرة الدولية، أن ينجح مؤتمر جنيف _ 2 ، في إطفاء النار المشتعله بلا هوادة، خاصة وإن من أولويات مهامه، وقف جحيم الإرهاب المسلط على الشعب السوري، والذي بات ورقة يلعبها التحالف أعلاه بكل ما يمتلكه من قدرات وإحترافيه، رغم دعواته المتواصلة، بأن لا سبيل للخروج من أزمة الملف السوري، إلا بالطرق السلمية، أم أن التضليل الإعلامي، وحده كاف لذر الرماد في عيون الآخرين..!!؟(3)
باقر الفضلي /2014/1/25
_____________________________________________________________________       
(1)   http://www.al-sharq.com/video/details?Id=4861
(2)   http://arabic.rt.com/news/643850-%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%88%
(3)   http://www.skynewsarabia.com/web/article/538428/%D8%AC%D9%86%D9%



   


   

     


55


العراق: وقفة مع الحقيقة...(3)!!؟(*)

باقر الفضلي

لو سلم المرء بكل النوايا الحسنة، التي ما إنفكت تتراقص على ألسنة جميع ذوي الشأن، ممن شاءت الصدف أو قدرت الأقدار، أن يأخذوا على عاتقهم مسؤولية إدارة أحوال العراق بعد الغزو الأمريكي عام/2003  وطيلة عقد من الزمان، ممن نصبتهم الأقدار، أن يكونوا ربابنة سفينة " العملية السياسية " بكل ما لها وما عليها، فهل سينتهي به الأمر أخيرا، لأن يجد تفسيراً مقبولاً لما آلت اليه الأوضاع في محافظة الأنبار، بعد عام من الجر والعر، الى ذلك المستوى الذي بات يهدد الأمن الوطني العراقي، وينذر بما لا تحمد عقباه من منزلقات التصادم الطائفي والتمزق الإقليمي، وكل ما يمكن أن يؤخذ بالحسبان من التداعيات الكارثية على مستقبل الشعب والوطن..!!؟

مما لا لبس فيه، فإن الإدارة المتعثرة لأزمة الأنبار من قبل جميع الأطراف السياسية وعلى إختلاف مشاربها، لا يمكن أن تكون في منأى عن تحمل مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية في المحافظة، وما نجم عنها من إنتشار ما يدعى بميليشيات " داعش " في مدن وقرى المحافظة طبقاً لتصريحات الأجهزة الحكومية والقوات المسلحة، الامر الذي ينبغي التوقف أمامه بشيء من التبصر، والتأمل في أبعاد ما جرى ويجري في المحافظة المذكورة، قبل التسرع بتأجيج النار بمزيد من الحطب والزيت..!!؟؟

فليس من بدهيات القول أن ينصرف الذهن، وهو في مثل تلك الحالة، عما يحيطه من أوضاع ما يجري في بلدان الجوار من تدهور أمني وتدمير للبنى والهياكل الإرتكازية للإقتصاد الوطني لتلك البلدان، ليبدو وكأن العراق آخذ دوره هو الآخر في هذا المسلسل الرهيب، وبالتالي وكما هو ملاحظ من خلال جملة التصريحات وردود الافعال للجهات المسؤولة بالذات، يجري إختزال ما جرى ويجري في محافظة الأنبار وغيرها من المدن العراقية، في توصيف واحد للأحداث وأسباب تفاقمها الى غالة " الإرهاب " ، وكأنها وحدها من يقف وراء كل ذلك التدهور والتدني في مستويات الأمن والسلامة العامة، والخلل في ضوابط النظام العام..!؟؟

مما لا ريب فيه، ما للإرهاب من نتائج مدمرة وسلبية على الجميع؛ دولة وسلطة وشعب، ولكن للأشياء جذورها، ولا يمكن أن تكون أحداث محافظة الأنبار إستثناء من ذلك، فالإبتعاد عن البحث في جذورالمسائل، هو وحده كاف لأن يبعد المرء من الإقتراب من معرفة حقيقة أسبابها، وبالتالي فلابد وأن يجد أمامه، وإذا بتلك الأحداث وقد تفاقمت في تداعياتها، طالما تأخرت الحلول، وفي هذه الحالة سيكون لفقدان الحكمة والتعقل، الدور الأسمى في المعالجة أو التكيف مع تلك التداعيات، ومن هنا أيضا، يبدأ مسلسل الأخطاء، حيث التتابع المستمر في معالجة الخطأ بخطأ جديد وهلمجرا، الأمر الذي تتفاقم معه المواقف الخاطئة بكل ما يتبعها من ردود الأفعال، حيث أن المعالجة ستكون قاصرة طالما ظلت الأسباب شاخصة في المكان..!!؟

فهل هناك من وجه للغرابة يا ترى، حينما تظل مصادر وأسباب أزمة الأنبار، أو أي أزمة أخرى مهما كانت، في منجى من المعالجة، ومن إجتثات أسبابها، في بلد مثل العراق، وهو لم يستكمل بعد مقومات وقوفه على قدميه ؛ أن تقفز على سطحه السياسي، منظمات مثل " داعش والقاعدة "..؛  اللتان لم تأتيا من فراغ، ولهما من الدعم والإسناد والتمويل والتسليح، ما يلجم كل المتشككين بحقيقة من يقف ورائهما والأهداف المتوخاة من وراء زرعهما وأمثالهما كأذرع تدميرية في المنطقة؛ ولعل ما جاء في البيان الرئاسي لمجلس الأمن الدولي بتأريخ 2014/1/10 في شجبه [[الهجمات التي يشنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، التابع لتنظيم القاعدة، ضد الشعب العراقي سعيا لزعزعة استقرار البلد والمنطقة.]] ما يكفي دليلاً دامغاً للدور المدمر الذي ترتكبه مثل تلك المنظمات الإرهابية ومن يدعمها، بحق الدول والشعوب..!!؟؟ (1)
 
وضمن نفس السياق، وبالمفهوم المعاكس، وتفادياً لما يمكن أن تفرزه أزمة الأنبار من تداعيات كارثية على المدنيين بالذات، وما قد تؤول اليه الأوضاع المأزومة من نتائج يصعب التكهن بآثارها، يصبح من نافل القول، وفي أضعف الإيمان، الإسترشاد بالدعوة التي وردت في البيان الرئاسي لمجلس الأمن آنف الذكر أعلاه، والتي شدد فيها [[  على أهمية مواصلة الحوار الوطني، والوحدة الوطنية، والعملية السياسية الشاملة، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نيسان/أبريل المقبل، وعلى الحق في الاحتجاج السلمي وفقا لما يكفله الدستور العراقي.]] ( المصدر السابق )

فهل سيكون في مضامين بيان مجلس الأمن الدولي آنف الذكر، ما قد يوحي لكافة الكتل السياسية العراقية، المشاركة منها في السلطة أو الواقفة على أعتابها، بأن تجد في مناشدة البيان الأممي، ما يدفعها بإتجاه الحوار الوطني الحقيقي، ويعزز الوحدة الوطنية، ويجنب الشعب والوطن كل مفارقات التمزق والتقسيم، بما فيه قطع الطريق على فلول الإرهاب ومن يقف ورائها، وإفشال خططها التدميرية..!

إن صدور البيان الأممي الموحد للشرعية الدولية، وفي هذا الوقت بالذات، قد منح الفرصة جلية أمام الكتل السياسية العراقية كافة، لأن تلعب دورها المؤثر في توحيد صفوف الشعب العراقي، وأن تتجنب الإنزلاق في دائرة ( الشرك ) المنصوب لتفرقها، أو الوقوع في ( فخ ) التصادم والإحتدام ؛ فهل ياترى سيتحمل الجميع مسؤولية إطفاء نار الفتنة..!!؟
باقر الفضلي/ 2014/1/12
___________________________________________________________________________
(*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=394447
(1)   http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=20263




 





56

العراق: وقفة مع الحقيقة (2)..!؟(*)

باقر الفضلي

قبل شهرين من اليوم، تم إجمال المشهد العراقي الحالي في رؤيا مكثفة تحت نفس العنوان أعلاه، وبقدر ما جسده المشهد المذكور من مخاطر جدية تحيق بالعراق شعباً ووطنا، جرت الإهابة بالمواطن العراقي في ختام تلك الرؤيا، وحسب ما جاء في نداء صحيفة طريق الشعب بما يفيد: [[ واننا لنتوجه ايضا، في هذه اللحظات العصيبة التي يمر بها وطننا، الى شعبنا الصابر.. داعين ابناءه وبناته الى التماسك واليقظة والحذر من دسائس الارهابيين، ومن يقف وراءهم من الساعين الى إلقاء بلدنا في اتون حرب طائفية، والى إحداث شرخ عميق في وحدة الوطن ونسيجه المجتمع.]] (1)

ومع مضي الوقت تظل تلك الدعوة، في مقدمة الخطوات التي أصبح لزاماً على الجميع التمسك بها والدفع بإتجاهها، فالخطر بات يدهم الجميع، وما خطط للعراق، من تمزيق في وحدة نسيجه الإجتماعي، وتفتيت لوحدة أراضيه، بات هدفاً في وارد التنفيذ؛ وليس من باب المبالغة إذا ما وجه المرء إصبع الإتهام بالمسؤولية، الى جميع تلك الأطراف الضالعة في إدارة البلاد، والتي وجد البعض منها نفسه في رأس الرمح من المواجهة والتصدي للخطر الداهم، في وقت يشحذ فيه الجميع سكاكينهم للإجهاض على بعضهم البعض، ناسين أو متناسين حجم الخطر الذي بات في مرمى سهامهم، بل وحتى قد دخل عقر دارهم، فبقدر ما هم منشغلون بإنفسهم، إذا بهم وقد حق فيهم وصف بديع الزمان الهمداني:

يا تائـهاً  فـي   لجـة  السكرِ       قد جاءه السيل ولا يدري
أنت من البستـان فـي وحشـة       فكيف تستأنس بالقبــر

فليس أقل ضرراً أن ينبري على صفحات الصحف وفي واجهات الفضائيات، سياسيون ونواب من شتى الكتل والأحزاب، وهم يكيلون القدح والإتهامات، ويرشقون السباب والشتائم في وجوه بعضهم البعض، من الضرر الناجم عن إغفال خطر الإرهاب الداهم، الذي وجد ضالته في هذا التمزق السياسي بين الكتل الحزبية، الذي إصطبغ به النشاط السياسي العراقي، مشفوعاً بكل أسبابه، الإقتصادية والإجتماعية، واهدافه السياسية وفي مقدمتها التسلق الى قمة السلطة..!!؟
   
وما التراجيديا الدموية التي تخيم بثقلها على الشعب العراقي طيلة عقد من السنين، وبكل ما حصدته وتحصده من النفوس البريئة، إلا صورة تعكس حالة ذلك الصراع المحرك لهذا التمزق المشار اليه فيما تقدم، الأمر الذي ونتيجة له أن شُرِعت أبوابُ العراق أمام القوى الإقليمية والدولية، لتجد أمامها الفرصة مؤاتية، لتنفيذ مخططاتها المرسومة للتدخل في الشأن العراقي في اللحظة المناسبة، وهذا ما لم يعد خافياً على أحد..!؟؟

فحينما تتفجر "العملية السياسية" من داخلها، لم يبق هناك من بديل آخر، يمكنه درء الأخطار المحدقة بالشعب والوطن، بل تضيق دائرة الخيارات أمام الجميع، لتصبح سياسة " لبننة العراق"، وكأنها الحصيلة، أو البديل الوحيد الذي كان ينتظره، كل من سعى أو بادر الى إنقاذ البلد من نير دكتاتورية طال أمدها ثلاث عقود ونيف..!!؟

فإن كان الآمر على مستوى "الإرهاب"، فلم يعد المصطلح المذكور، وحده كافياً لأن يركن اليه بإعتبار أنه العامل الوحيد الذي يقف وراء كل هذا التمزق الفاضح في " العملية السياسية "، إذ أن " الإرهاب " بكل صوره وأشكاله المختلفة، لا يعدو أن يكون إلا آلية وتكتيك بأدوات بشرية وتكنلوجية وغيرها من وسائل العنف المختلفة، تقف وراءه  مصالح محددة لقوى من ألوان ومنابع مختلفة ومستويات متعددة، على كافة الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية، ومن هنا يفترض واقع الحال الذي يعيشه العراق اليوم، أن تقف جميع القوى السياسية العراقية ملياً أمام مواقفها من أحداث العراق، للتعرف على حقيقة ما يدور اليوم هنا وهناك وفقاً لهذا المنظور، ومن زاوية بعيدة كل البعد عن أي خطاب ذي منحى طائفي أو عشائري أو أثني أو حتى حزبي..!!؟

إذ أنه ومن نافل القول إذن؛ أن يكون الأمر طبيعياً لتصدير " الأرهاب " الى داخل البلاد، عندما تكون الجبهة الداخلية للوطن، واهنة ومتصدعة، الأمر الذي يمكن معه إختراقها، أينما وحيثما تكون الفرصة مؤاتية لمثل ذلك الإختراق، خاصة وأن للوهن والتصدع أشكاله وأنواعه المختلفة، فكيف إذا ما كان الأمر يتعلق بجدران " العملية السياسية " نفسها، ويكفي دليلاً على ذلك ما تعكسه صورة المشهد السياسي العراقي الحالي، الذي يتجلى بحالة الإستقطاب التي تنتاب الكتل السياسية المختلفة، حيث التراشق بالإتهامات أصبح حالة يومية، لم يستفد منها إلا أقطاب التدخل الإقليمي والدولي على حد سواء، ناهيك عما تتحمله كل سلطة من السلطات الثلاث وبقدر مسؤولية كل منها،  من وزر ما ينتاب  " العملية السياسية " من جمود وتصدعات، في وقت باتت فيه الإنتخابات على الأبواب..!!؟؟
باقر الفضلي / 2014/1/5
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382162
   


.
 



 
 


57

فلسطين : ثلاثية؛ المفاوضات _ الإستيطان _ الأسرى..!!!

باقر الفضلي

ثلاث مفارقات في التأريخ الفلسطيني، لها من المدلولات ما تعكس صورة المشهد الفلسطيني على مدى ستة عقود ونيف من النضال الفلسطيني المتواصل بكل حيثياته وأشكاله؛ فمنذ أن دبجت هيئة الامم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947، لم تتوقف معاناة الشعب الفلسطيني، ولم يتوقف نزيف الدم، وما زالت  دولة إسرائيل، التي خلق وجودها القرار المذكور، ومن يقف الى جانبها من دول مجلس الأمن وفي مقدمتها أمريكا، تمتنع عن تنفيذ بنود ذلك القرار، وكل القرارات الأخرى التي تتابعت من قبل هيئة الأمم المتحدة، بما فيها قرار تحريم الإستيطان..!!؟(1)


فعلى الصعيد التأريخي، إرتبط طريق المفاوضات، بصفته أحد الوسائل الممكنة، والأفضل في تقريب وجهات النظر المختلفة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتوصل الى حلول يمكن الإتفاق عليها بين الجانبين، لحل إشكالية النزاع الفلسطيني _ الإسرائيلي، إرتبط هذا الطريق، بمشيئة إسرائيل في تحديد تلك  المسارات، التي تصب في مصلحتها، والتي تصل في النهاية الى ان يكون الطريق مسدوداً بمشيئة إسرائيل، نتيجة لتعذر التسليم بشروطها من قبل الفلسطينيين، والتي ما إنفكت إسرائيل، تلغم بها طريق المفاوضات على إمتداد مراحله المختلفة..!؟


ومن المفارقات الغريبة، أن تعيد إسرائيل، وأن تكرر في كل محاولة للبدأ بمرحلة جديدة من المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، شرطها الذي أصبح بمثابة مفتاح موافقتها على الدخول الى طريق المفاوضات؛ والقاضي بضرورة إلزام الجانب الفلسطيني على التعهد بالإعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، وأخيراً طلب تنازل الفلسطينيين عن حق العودة المقر دوليا..!!؟(2) 


ويرتبط " الإستيطان " ، وهو ما جرى تناوله في أكثر من مقالة، يرتبط كإشكالية تلازم طريق المفاوضات حيثما إنتهت أو بدأت من جديد، وفي كل مرة وفي جميع الحالات والمحاولات التي تجهد أمريكا نفسها ومن خلالها، في العمل على تحقيقها بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن خلال الضغط والإغراءات التي يتعرض لها الجانب الفلسطيني، من أجل التوصل الى تلك الحلول التي تجد قبولاً لدى الجانب الإسرائيلي،  والتي ما إنفكت الخارجية الأمريكية، في تفعيلها على الصعيدين السياسي والدبلوماسي المتواصل، تظل إشكالية " الإستيطان " ،  تلك " القشة " التي تقصم ظهر البعير، وبسببها أخفقت المفاوضات أكثر من مرة، لتعبر عن عمق التعنت الإسرائيلي، وعن الدعم المستمر للإدارة الأمريكية الذي بات أكثر من مفضوح..!؟ (3)     


وما الحديث عن" الأسرى " رغم كل ما يتميز به من جانب إنساني، فلا يخفى على المرء الدور اللاإنساني والذي يتعارض كلياً مع مباديء حقوق الإنسان، والشرائع الإنسانية، الذي تستخدمه دولة إسرائيل كأحد وسائل الضغط المستهجنة، عل المفاوض الفلسطيني، بهدف دفعه الى تنازلات لا مبدأية تصب في خدمة مصالح إسرائيل غير المشروعة والمنافية للقرارات الدولية ، وفي مقدمتها المطالبة بالإقرار الفلسطيني بحالة " الإستيطان "،  كحقيقة لا بد منها، الأمر الذي دفع بالجانب الفلسطيني الى إعلان رفضه المبدأي والمتواصل والتأريخي لكل المحاولات الإسرائيلية، في تمرير خططها المرتبطة ب " الإستيطان "، ولعل بيان مركزية فتح، خير ما يجسد الموقف الفلسطيني الواضح بهذا الإتجاه..!!(4)


وفي جميع الأحوال، فليس أمام المرء وفي ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية، من محاولات الضغط والإلتفاف على مصالح الشعب الفلسطيني، إلا أن يقف الى جانب الموقف المبدأي للمفاوض الفلسطيني الذي جسده بيان مركزية فتح المذكور فيما تقدم، وما سبق وأن أشرنا اليه في مقالة سابقة بشأن الثلاثية المقصودة في هذه المقالة لإهمية تعلق الأمر بين المقالتين..!(5) 
باقر الفضلي / 31/12/2013
                       (1)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=6673
                      (2)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=9806
                          (3)   http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=19760
                          (4)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=9733
                          (5)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=385132





58


العراق: لا زال الإرهاب يطارد النخب المثقفة..!؟؟(*)

 
               
باقر الفضلي

الإعلاميون؛ تلك الشريحة الباسلة من نخب المثقفين العراقيين، المتدفقة حيوية وحماسا، كتب لهم أن يكونوا دائماً في طليعة ضحايا الغدر والإرهاب؛ فالحقيقة صنوهم أنى حلوا وأنى رحلوا، والكلمة الحرة هدفهم ومبتغاهم، فهم في مقدمة النخب المثقفة التي أخذت على عاتقها كشف الحقيقة للمواطن، وهم قبل غيرهم من يقتحم ساحات الوغى، ويغوص في أعماق المستور، وهم أول من نذر النفس من أجل كشف ما خفي من مجاهل الأشياء؛ أما في عصر الفساد والإرهاب المستشري في كل مكان، فهم ما إنفكوا دائماً مشاريع إستشهاد، وقرابين مستهدفة، وضحايا قول الحقيقة وكشف ابعاد الفساد؛ إذ لم يعد أمامهم، غير المواجهة والتصدي باقلامهم وصدورهم لكل أنواع النزال، بما فيها التصدي لفوهات كاتمات الصوت والمفخخات والخطف والتغييب..!؟   

فلأيام قليلة خلت، في الخامس من كانون الأول الحالي، وفي مدينة كلار في منطقة كرميان من محافظة السليمانية من إقليم كوردستان، فارقنا وفي وضح النهار، الصحفي والإعلامي الكوردستاني الشهيد (كاوة كرمياني) عضو الحزب الشيوعي الكوردستاني، مضرجاً بدمائه الزكية، دافعاً روحه الطاهرة الزكية، ثمناً لفضحه خفايا أوكار الفساد ، مسجلاً أكبر تحد أمام الفساد والمفسدين، وكل من يتبعهم من عصابات القتل والإرهاب..!؟(1)

كاوة الكرمياني؛ ذلك الأسم الكبير، والرمز الشامخ في معترك الصراع ضد فلول الإرهاب ومحركيه؛ ستظل شعلة لا تنطفيء، ونجماً ساطعاً في سماء كوردستان العراق، وصوتاً هادراً في فضاء الحقيقة والحرية، ولتخسأ أيادي الغدر والخيانة التي طالت روحك الأبية..
كاوة الكرمياني؛ ايها الصوت المدوي.. لك المجد والخلود في ذرى العليين..

باقر الفضلي / 2013/12/8
__________________________________________________________________
  (*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=254133
   (1)        http://iraqicp.com/index.php/sections/2013-03-16-08-27-39/8316-2013-12-07-15-48-16


59



الملف النووي الإيراني : مفتاح لعقدة الشرق الأوسط..!؟؟(*)

باقر الفضلي

ما من شك،  بأن ما توصلت اليه الجمهورية الإيرانية الإسلامية، ومجموعة الدول الكبرى الست، من نص إتفاقي، يتعلق بحل إشكالية الملف النووي الإيراني، إنما يجسد حالة قد تبدو في ظاهرها، إستثنائية في مجمل أوضاع منطقة الشرق الأوسط، ولكنها في الحقيقة، تمثل خطوة الى الأمام، في الطريق الى معالجة مجمل أوضاع الصراع في تلك المنطقة، وفي مقدمتها حالة الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، إذا ما توفرت القناعات المشتركة والنوايا الحسنة، وبالقدر الذي يحقق المصالح المختلفة، للأطراف المتشابكة في ذلك الصراع، وإن كان ذلك في حدوده الدنيا..! 

فإنه ومن نافل القول الإشارة هنا، الى جملة الحالات المتعارضة والتي تشكل فيها الجمهورية الإيرانية، القاسم المشترك الأعظم في المنطقة،  بدءً من الخليج وإنتهاءً بلبنان؛  ناهيك عما يمثله الإستقطاب الأمريكي _ الإيراني، من عامل توتر دائم، وسلاح مزدوج بيد غير قليل من بلدان المنطقة..!

فإن كان إتفاق جنيف يشكل الخطوة الأولى للمعالجة العقلانية في الطريق الطويل لإشكالية الملف النووي الإيراني، فإنها ولاشك ستكون بمثابة خطوة إيجابية في الطريق للخروج من مأزق التأزم الذي تعيشه المنطقة؛ فلا ريب والحال، أن تنعكس نتائج الإتفاق إيجاباً وإن كان ذلك ببطأ كبير، على واقع الأزمة السورية، وبالمقابل على حالة التمزق السياسي الذي تعاني منه لبنان، في الوقت الذي يمكن أن تلعب فيه الولايات المتحدة الأمريكية دوراً اكثر إيجابية في التوصل الى حلول موضوعية وواقعية لمسألة العلاقات الإيرانية _ الخليجية، خاصة ما يتعلق منها بمشكلة الجزر الخليجية المتنازع عليها، والتي كانت الجمهورية الإيرانية قد أقدمت على وضع اليد عليها دون إنذار مسبق أو إتفاقية مع الأطراف الخليجية الأخرى ممن تدعي عائدية الجزر المذكورة..!

لقد عبرت الإتفاقية تلقائياً عن تأثيرها المباشر والتوقعات المحتملة لتداعياتها على المنطقة، من خلال ردود الفعل المتباينة لدول المنطقة والعالم، والتي إتسم بعضها بالترحيب والتأييد، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، حيث وفي أول تعليق له حول الإتفاقية قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما "إنها خطوة أولى مهمة باتجاه حل أشمل لمشكلة البرنامج النووي الإيراني. وبأنه يرغب بحل الخلاف مع إيران حول برنامجها النووي بالطرق السلمية" كما وصفتها السيدة كاترين اشتون مفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأروبي بأنها" ستتيح الوقت والفسحة من أجل التوصل الى اتفاق شامل. (1)

هذا في الوقت الذي لم تخف فيه دول أخرى من الموالين للتوجهات الأمريكية في المنطقة ومن حلفائها، ومنها السعودية وإسرائيل، عن إمتعاضها من الإتفاقية، معبرة بذلك، عن قلقها ورفضها للإتفاقية، وبأنها " خطأ تأريخي" على حد قول السيد نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وعلى العكس من ذلك، فقد أيدتها كل من الأمارات العربية ومصر، ورحبت بها سوريا...!؟(2)

وعلى ضوء ما تقدم، فإنه لا يخفى على المراقب، ما ستؤول اليه نتائج الإتفاقية المذكورة، بالنسبة لدول مثل إسرائيل والسعودية وتركيا، إذا ما سارت عليه الأوضاع في كل من سوريا ولبنان، على وجه الخصوص، في غير الإتجاه الذي تريده الدول المذكورة، وأقله أن تظل سوريا تصطلي في جحيم الإرهاب، وأن يظل لبنان، عبارة عن بيئة حاضنة للإرهاب، وهو ما تسعى اليه هذه الدول دون توقف أو هوادة؛ هذا ومن جانب آخر، فإن تأثير الإتفاقية المذكورة، سيكون أكثر وضوحاً وفعالية، بالنسبة لمسارات مؤتمر جنيف/2 حول الأزمة السورية، والمتوقع إنعقاده في جنيف في الثاني والعشرين من كانون الثاني القادم، طبقاً لدعوة الأمم المتحدة ..!؟(3)

   ومن جانب آخر، فإن الإتفاقية نفسها قد وضعت أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالذات، مسؤولية كبح نشاط التسلح النووي في المنطقة، بعد أن اصبحت دولة إسرائيل وحدها من تنفرد بين دول المنطقة بإمتلاكها للسلاح النووي، في الوقت الذي تعبد فيه الإتفاقية، الطريق لإستخدام الطاقة النووية وتحت مراقبة وإشراف الوكالة الدولية لطاقة الذرية في الأغراض السلمية، وهو الأمر الذي لم تتوقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن تأكيده بإستمرار، وهو ما تمكنت ومن خلال المفاوضات الجدية، من إقناع الدول الكبرى (1+5) به، كأساس للإعتراف بحقها في الإستخدام السلمي للطاقة النووية في الأغراض السلمية..!

 ولكنه وفي جميع الأحوال، فإنه من السابق لأوانه التكهن بما ستكون عليه النتائج المرتقبة للإتفاق، في ظل إحتدام المصالح الإقليمية والدولية المتعارضة في المنطقة، إلا أنه في نفس الوقت، لا يمكن إغفال ما يعنيه التوصل الى إتفاق بين اللاعبين الكبار وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بخصوص الملف النووي الإيراني، من كونه إنجاز كبير بإتجاه السلام، وخطوة عملية بإتجاه كسر الجمود الذي يخيم على المنطقة، إذا ما أقرناه بالإتفاق الروسي _ الأمريكي، المتعلق بإنضمام سوريا إلى إتفاقية حظر استخدام الأسلحة الكيميائية..!(4)
باقر الفضلي / 26/11/2013
                                 (*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75966
(1)   ‬ http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/11/131123_iran_bigpowers_talks_genava_update.shtml
(2)   http://arabic.cnn.com/2013/world/11/24/iran.reactions/index.html
(3)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2LAL20131125
(4)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=378709




60


تركيا : أوردغان بين حسابات الحقل والبيدر..!؟

 
باقر الفضلي

من العجب أن تهبط مستويات العلاقات بين الدول الى هذا الحد الذي يتجاوز فيه التصرف  حدود اللياقة الدبلوماسية، ويتجاوز المألوف ليخرق السنن المتعارف عليها في التعامل بين دول الجوار، ليبدو في مضمونه وفي شكله، مجرد تصرف قد غلبت عليه حالة من الإنفعالية ومن فقدان الحكمة والتعقل، بما يظهره أحيانا، وكأنه يضمر عدائية غير محمودة العواقب، أو أنها لا تمت الى رؤية ثاقبة لما ستكون عليه ردود الفعل وتداعيات مثل ذلك التصرف على الطرف المقابل، والأمر الذي يفوق المعقول، حينما يتسم مثل ذلك التصرف بحالة من الإستفزاز والتحدي..!؟؟

فاليد التي يلوح بها السيد أوردغان أمام أعضاء حزبه (العدالة والتنمية) في مؤتمرهم الحادي وعشرين يوم الأحد الماضي، فيها من الدلالات ومن المغزى الكثير، ما يوحي للتدليل على مدى شدة الحنق والكراهية اللَّذين يكنهما السيد أوردغان للمتغيرات الموضوعية التي إجترحها الشعب المصري في هبة الثلاثين من حزيران/2013 المليونية، فبالتلويح المذكور، ومن واقع الحال، ومما نضح من تصريحات السيد أوردغان عن الأحداث المصرية المذكورة، والتي إعتبرتها الخارجية المصرية ب" المعادية "، وما كان قد إختزله في كلمته خلال الاجتماع الختامي للمؤتمر المذكور؛ بأن [[ إشارة "رابعة"، التي يرفعها أنصار الرئيس "المعزول"، محمد مرسي، "ليست رمزا للقضية العادلة للشعب المصري فقط، بل أصبحت علامة تندد بالظلم والاضطهاد في كافة أنحاء العالم."]] (1)


كل ذلك، إنما يدلل على عمق خيبة الأمل التي "وكما يبدو" ، قد إعتصرت فؤاد صاحبها لدرجة جعلته يتبنى رمزاً له من الدلالات المعاكسة بالنسبة للشعب المصري، ما عصف ليس بالصورة التي يحاول السيد أوردغان رسمها وإضفائها على الإشارة المذكورة، بل وعصف حتى بزمن، كان يتمناه السيد أوردغان وكل من راهن عليه من الآخرين، حيث نادراً ما  تطابقت يوماً، حسابات الحقل مع حسابات البيدر، وقلما جرت الرياح بما تشتهي السفن، الأمر الذي أفزع كل من وضع أوراقه في سلة أصحاب " رابعة "، لدرجة أفقد الكثير منهم الحكمة والإتزان، بل وأجبر البعض منهم على إعادة حساباته وإعادة ترتيب أوراقه، تحسباً لما قد تخفيه الأيام..!؟ (2)


فقد تمكن الشعب المصري، وبثقة عالية، البدء بإعادة رسم خارطة المستقبل لثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/2011،  وبأن يثبت للعالم ولكل الذين راهنوا ومنهم السيد أوردغان على مستقبل رسموه في مخيلتهم، بأن هذا الشعب وحده، هو القادر على تخطيط ورسم مستقبله دون تدخل الآخرين، وإن له من الإمكانات والإرادة الصلبة، ما جعله يتقدم خطوات محسوبة الى الأمام في الطريق الصحيح، ناهيك أنها خطوات جديرة بالإحترام والتثمين؛  مثبتاً بذلك، بأنه ليس أقل مراساً في الشدائد، ولن تفت في عضده أهوال السنين؛ وبأن له في تأريخه القريب أو البعيد، ما يكفيه من شواهد وأمثال؛ وليس أدل على تلك الحقيقة، أصدق من كلمات الشاعر المصري الشهير المرحوم حافظ إبراهيم..!(3)   


هذا وفي الوقت الذي إستعاد فيه الشعب المصري في الثلاثين من حزيران/2013 المبادرة، فإنه وفي جميع الأحوال، وفي الواقع المنظور، صاحب ومصدر (الشرعية) بجميع أنواعها، بما فيها (الشرعية الدستورية)، وهو نفسه من يمتلك حق سحب تلك الشرعية، إذا ما تحولت تلك الشرعية بيد من منحت اليه، الى وسيلة للإستبداد وطريقاً لإنعدام العدالة وحافزاً للظلم وجور الحاكم، الأمر الذي جرى توضيحه في وقته المناسب في مقالة خاصة..!؟(4)
باقر الفضلي / 2013/11/7

(1)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/11/6/egypt.erdoghan/index.html
(2)   http://www.aawsat.com/details.asp?section=1&issueno=12760&article=748915
(3)   http://umkolthoum.blogspot.se/2011/02/blog-post.html
(4)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=367188


   
     



61


فلسطين: المفاوظات، بين غل الأسر وثقل الإستيطان..!؟

باقر الفضلي

تظل القضية الفلسطينية في مقدمة القضايا العقدية في الشرق الأوسط، إذا ما أراد المرء أن لا يقول في العالم؛ ومن هنا فإن نجاح المجتمع الدولي في بلورة الحل الناجع والصحيح، لهذه القضية والتوصل الى الوسائل والآليات الصحيحة لوضعه في التنفيذ، فإنه سيكون بمثابة المفتاح الرئيس، لحل الكثير من المسائل العقدية الأخرى في المنطقة ؛  كما وليس من باب التفاؤل القول؛ بأن القضية الفلسطينية لا زالت تحتل مكانها المتميز، على قائمة الصراعات التي تجابه المجتمع الدولي، والتي تتطلب موقفاً إستثنائياً من قبل المجتمع المذكور، للعب دوره في الوصول الى الحل العادل والمطلوب؛ فهي ليست "قضية ثانوية هامشية على سلم اولويات العالم " كما يراها البعض؛ ولكن ومما لا ريب فيه، يظل للشعب الفلسطيني ممثلاً بسلطته الوطنية، الدور الأول والرئيس، في تحديد المسار الإستراتيجي من أجل ولوج الطريق الصحيح لهذا الوصول..!


ومع كل تعقيد وضبابية أوضاع الشرق الأوسط، وبالخصوص ضبابية المشهد السياسي في عدد من دول المنطقة، ومنها سوريا والعراق وتونس ومناطق أخرى، فإن إشكالية القضية الفلسطينية، وحدها تمثل العقدة المستعصية على الحل، رغم كل القرارات الدولية والجهود الكثيرة التي يجري بذلها بهذا الإتجاه؛  وما تعثر تنفيذ القرار الأممي ل (حل الدولتين)، إلا مثال صارخ على حقيقة فشل المجتمع الدولي في وضع القرار الدولي المذكور حيز التطبيق..!؟


فآلية (المفاوظات) التي تقف منها السلطة الوطنية الفلسطينية موقفاً إيجابياً، لإدراكها الواعي بمدى إهميتها في التأثير على الرأي العام الدولي ودفعه بإتجاه الوقوف مع حق الشعب الفلسطيني من جهة، ووضعها الطرف الإسرائيلي أمام مسؤوليته في تنفيذ القرارات الأممية، وكشف مناوراته في التهرب من ذلك الإلتزام من جهة أخرى؛ فإن تلك الألية لم تك يوماً مجرد وسيلة تسعى لها السلطة الفلسطينية لمجرد أن تشارك الطرف الإسرائيلي الجلوس الى المائدة حسب، بقدر ما هي تعبير واقعي عن إلتزام مبدأي بموقف دولي مشبع بالحكمة والعقلانية، يصب في مصلحة القضية الفلسطينية، وكأحد آليات النضال السلمي، التي دأبت تلك السلطة على التمسك بها، دون التفريط بالآليات الأخرى للنضال الوطني، وبالتالي فليس هناك من ظن، كما يشيع البعض، من أن السلطة الوطنية الفلسطينية في موقف الضعف كي تندفع كسلطة أو بشخص رئيسها، الى مبادلة قبولها الدعوة للمفاوظات، بمجرد الوعد بإطلاق إسرائيل لعدد من الأسرى الفلسطينيين الأبطال من السجون الإسرائيلة، ك " ثمن" مقابل تلك الموافقة على دخول ما أسماه نفس البعض الى " قفص المفاوظات"، بالرغم ما للحدث من أهمية سياسية وإنسانية بالنسبة للشعب الفلسطيني؛ ومن هنا جاءت كلمات الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس خلال إستقباله للأسرى المفرج عنهم، أكثر مصداقية في التعبير عن مسؤولية السلطة الوطنية الفلسطية في مواصلة النضال من أجل إطلاق كل الأسرى، وهي مسؤولية نضالية وطنية، ومن ثوابت السلطة الفلسطينية، وقد عبر الرئيس الفلسطيني عن هذا الإلتزام النضالي الوطني بالقول:  [[' نحن تعهدنا أننا سنستمر في جهودنا لإطلاق كل الأسرى مهما كانت مدتهم أو أطيافهم أو أماكنهم، شرط أن يعودوا إلى بيوتهم وليس إلى مكان آخر'.]](1)


وبالتالي فلم يؤشر يوماً الى اي موقف سلبي للسلطة الفلسطينية من تلك المفاوظات، ولم يسجل أنها كانت يوماً سبباً في تعطيلها أو إفشالها، في وقت دأبت فيه كل الحكومات الإسرائيلية السابقة والحالية على وضع العراقيل والعثرات في مسيرة أي مفاوظات دخلت طرفاً فيها، لأنها مدركة سلفاً بأن مآل تلك المفاوظات لا بد وأن يكون يوما، تسليمها بكافة الحقوق الفلسطينية المسلوبة من قبلها، خاصة وإنها حتى اليوم لم تسلم بضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، فتراها دائبة بوضع العصي في عجلة عربة المفاوظات لعرقلة مسيرتها، بل وحتى تتفنن في إبتكار الحجج والذرائع، لغرض التملص من إستحقاقات آلية التفاوض في الوصول الى نهاية ناجحة لها؛  فشروطها على الفلسطينيين لم تنته في كل دورة من دورات تلك المفاوظات، بدءً بمطالبة الفلسطينيين بالإعتراف ب "يهودية" دولة إسرائيل، وإنتهاء بإيغالها المستمر في النشاط الإستيطاني المدان دوليا..!؟(2)


خلاصة القول؛ فأن ما يجري على صعيد التصريحات والإعلام العربي من عملية لخلط أوراق القضية الفلسطينية، وإختزالها في مفردات محددة وجعل الواحدة منها سبباً لوجود الأخرى رغم التباين الكبير بين المدلولات والمضامين، في محاولة إيحائية القصد منها، إظهار موقف السلطة الفلسطينية إتجاه ثوابتها من (حل الدولتين) وكأنما قد إنتابه الضعف، وبأنها سارت مدفوعة الى طاولة المفاوظات، تحت تأثير ضغوط عروض "المغريات" التي منها إطلاق سراح عدد من الأسرى، مقابل غض الطرف عن التمدد الإسرائيلي الإستيطاني في القدس الشرقية والضفة، لدرجة بات معها توجيه الإتهامات الى السلطة الفلسطينية في هذه المرحلة الحرجة، التي يعاني فيها الشعب الفلسطيني، من ويلات كارثة الإتقسام الداخلي، أمراً محسوباً ومقصوداً لتحويل ذلك الإيحاء في عقول الناس، وكأنه حقيقة لا مراء فيها، حينما يجري توصيف (مواقفها )من قبل نفس ذلك البعض، في مجال التنسيق حول ملف المفاوظات بأنها : " اسوأ انواع التواطؤ مع الاحتلال وسياساته التوسعية." !؟؟


في عين الوقت، لا يخفى على القاريء اللبيب ما لمفردات مثل المفاوظات والأسرى والإستيطان، من تباين كبير في المدلول والمعنى، وأن لكل منها أحكامها الخاصة،  فإن أي محاولة للخلط فيما بينها بشكل تضليلي، وفي هذا الظرف الحرج، وإغفال ثوابت السلطة التنفيذية الفلسطينية في هذا الشأن، وهي وكما هو معروف للجميع، لها ثوابتها في كل أمر من هذه الأمور،  إنما يصب في خدمة المصالح الإسرائيلية، الهادفة الى تقويض وإفشال تلك المفاوطات، رغم التظاهر بالتمسك بشكلياتها..!؟


فإن كانت (المفاوظات) بالنسبة للطرف الفلسطيني، آلية نضالية لعرض المطالب الفلسطينية المشروعة، فموضوعة (الأسرى) حالة من الإلتزام الوطني، ومن الجهد الدائم والمثابرة المستديمة، لفك أسر المئات من المناضلين الفلسطينيين من قيد الأسر الإسرائيلي الغاشم، أما (الإستيطان)، فلا يعدو عن كونه أحد أشكال الإحتلال الإسرائيلي الجائر للأراضي الفلسطينية، ونشاط مدان من قبل المجتمع الدولي،  "يتعارض مع القانون الدولي ويشكل عقبة في طريق السلام." (3)


وعليه فليس أمام المرء والحال، إلا أن يضم صوته الى صوت المجلس الوطني الفلسطيني في ندائه الصادر في ذكرى وعد بلفور المشؤوم، والداعي [[ إلى تحقيق الوحدة الوطنية بأسرع وقت ممكن، ورص الصفوف وحشد الطاقات لتجاوز هذه المرحلة الحرجة والمصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، داعياً للحذر والاستعداد والصمود لمواجهة التحديات الراهنة والقادمة في ظل الصلف والعجرفة الإسرائيلية التي تتحدى العالم بسياساتها.]] (4)
باقر الفضلي / 1/11/2013
___________________________________________________________________________
(1)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=2996
(2)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=3175
(3)   http://www.un.org/arabic/news/story.asp?NewsID=19760
(4)   http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=3297

   

     



62


العراق: مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد..!!!؟

                باقر الفضلي

 لست بصدد مناقشة مشروع القانون الجديد الذي أنجزته وزارة العدل العراقية،  والموسوم  بقانون الأحوال الشخصية  "الجعفري"، لكونه لم يأت كبديل مناسب لما جرى تثبيته في الدستور الحالي، وفق نص المادة/41، التي تعتبر في جوهرها مادة خلافية، ومن جهة أخرى، فإن المشروع المذكور قد إعتمد نص المادة المذكورة، كمرجع أساس، جرى الإستناد عليه وإعتماده، في بناء مشروع القانون الجديد، علماً [[ بأن ما يميز المادة/41 من الدستور؛ هو ترسيخها لحالة التباين الطائفي بين أفراد المجتمع الواحد ذي الديانة الواحدة، ووضع حواجز بين ابناء الطوائف المذهبية، بعد أن رفع القانون/188 لعام/1959 تلك الحواجز، وثبت من الأحكام ما كان متفقاً عليه بين فقهاء تلك المذاهب، فكان عاملاً مساعداً على التقارب والتزاوج بعيداً عن كل ما كان يفرق بين طائفة وأخرى، بسبب إجتهاد مذهبي، أو تفسير فقهي خاص، قد لا يجد ما يدعمه في ثوابت الأحكام الشرعية ومقاصدها العليا..!]] (*)     


ولأهمية ما يمكن أن يترتب على إقرار مشروع القانون الجديد الذي جرى أرساله الى مجلس شورى الدولة، تمهيدا لرفعه إلى مجلس الوزراء لتحويله إلى مشروع قانون. من تداعيات لا تصب في النهاية في مصلحة وحدة وتجانس النسيج الإجتماعي العراقي، وجدت من المناسب إعادة نشر مقالتنا الموسومة (المادة/ 41 من الدستور ومبدأ المواطنة العراقية..! )، والمتعلقة بنفس الموضوع، المنشورة في وقت مبكر من الآن وفي أغلب المواقع الإلكتروني بتأريخ 14/7/2009، لأجل الزيادة في الفائدة، وإختصاراً للوقت، خاصة وإن طرح مشروع قاون الأحوال الشخصية الجديد من قبل وزارة العدل،  قد أثار "عاصفة من الإعتراضات" وردود أفعال كثيرة، بين أوساط ذوي الشأن من المختصين وبين أعضاء البرلمان..!؟(**)

ففي إعادة نشر المقالة أعلاه، ما يلقي الضوء على مفاصل وتفرعات كثيرة لها علاقة بالموضوع، حيث أن هناك العديد من الأجوبة التي تتعلق بالإجابة على إشكالية المسائل العقدية التي تضمنها نص المادة/41 الدستورية، والمتعلقة بتحديد المسار لتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية..!
باقر الفضلي /27/10/2013
________________________________________________________________
 (*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=178114
(**)     http://iraqicp.com/index.php/2013-03-22-11-04-13/2013-03-22-11-08-32/6613-2013-10-26-13-05-18

*****


المادة/ 41 من الدستور ومبدأ المواطنة العراقية..!

باقر الفضلي

إنه لمن المفيد تأكيد القول؛ بأن من أهم منجزات ثورة الرابع عشر من تموز/1958 على الصعيد الإجتماعي، تشريعها لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، ، الذي يعتبر من القوانين الأكثر رقياً وتحضراً في المنطقة، لما تميز به من نظرة أكثر عدالة ومساواة للمرأة العراقية مع الرجل في الحقوق الشخصية أمام القانون، ولكونه جاء شاملاً وموحداً لأهم القضايا المتفق عليها في المذاهب الدينية المختلفة في الشريعة الإسلامية وطبقاً للمقاصد العامة لتلك الشريعة..!

 وبموجبه حققت المرأة العراقية مكاسب كثيرة فتحت أمامها الطريق لفك أسار العزلة والإنغلاق التي إرتهنتها قروناً في ظل عبودية التخلف والإسترقاق، والتحكم الذكوري المفرط بالتعسف وقبرها حبيسة الدار ومربية للخلف وصانعة للمتعة ..!


ولقد جاء من الأسباب الموجبة لصدور قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام/1959 ، هو الحالة السائدة يومذاك والمتميزة [[“في تعدد مصادر القضاء واختلاف الاحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه اهم الاحكام الشرعية المتفق عليها”.]]


فتشريع القانون يعتبر من الصفحات البيضاء، التي وبحق، ما يسجل لثورة الرابع عشر من تموز/1958، من منجزات التغيير التي لا تنسى، بعد قرون من ظلم المرأة وإستعبادها في ظل أحكام مبنية على إجتهادات فقهية متباينة، شرع لها لتكون قواعد شرعية ثابتة بعيداً عن مقاصد الشريعة نفسها، في المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة، فوحدها القانون في أحكام مدنية تشمل جميع المسلمين في قضاياهم المدنية كعقود الزواج والطلاق والنفقة، وفي قضايا المواريث وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية، لتبدو في معظمها أكثر ملائمة مع تطلعات الحداثة والتنوير والحضارة؛ كما وحد قضائهم، بعد أن كان مشتتاً في محاكم مختلفة تحكمها شراثع المذاهب الفقهية المتباينة، في الوقت الذي صان حقوق غير المسلمين من ذوي الأديان الأخرى بموجب لوائحهم الخاصة..!


 فجاء تشريعه بالنسبة للمسلمين، وهم الفئة الأكبر في المجتمع، مقرباً ما بين تلك المذاهب وطوائفها، ومعززاً لمتانة النسيج الإجتماعي، وعاملاً ديناميكياً لمحاربة ثقافة الطائفية، وكل عناصر التعصب الديني والطائفي، ومانحاً المرأة مكانتها اللائقة في المجتمع، بعد أن وضع الظوابط الدقيقة والرصينة لحكم الشريعة في تعدد الزوجات، وفي مسألة المواريث والنفقة والحضانة..!


هذا أقل ما جاءت به ثورة الرابع عشر من تموز/1958 في حقل الأحوال الشخصية وحقوق المرأة، فما الجديد الذي جاء به عصر الديمقراطية الجديدة في العراق، ما يجعلها تفخر به من تغيير في شأن الأحوال الشخصية للمرأة..؟ هل كل ما تفخر به هو قرار مجلس الحكم رقم/ 137 الذي شاركت في إصداره، وهو القرار الذي تم بموجبه إلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188/لعام/1959 أم هو نص المادة/41 من الدستور الدائم الجديد..؟؟!


مما لا شك فيه أنه قد كتب الكثير حول القانون المذكور، كما وقد جرت عليه بعض التعديلات السلبية منذ تشريعه بعد إنقلاب/1963، وهناك من منتقد له، وكذلك من يرى فيه قانوناً يتناسب والتطور الحضاري للمجتمعات، ويرفع الكثير من الغبن الذي لحق بالمرأة العراقية خلال عقود طويلة من الزمن، ويكفيه القول أنه يحضى بتأييد جميع المنظمات النسوية العراقية..!


وإذ تنشط لجنة تعديل الدستور في مجلس النواب هذه الأيام لدراسة الأمور الخلافية بشأن المادة الدستورية رقم/41 التي وضعت الأساس الذي ينبغي إعتماده عند القيام بتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية، يكون بديلاً للقانون 188/1959 آنف الذكر، والملغي بموجب قرار مجلس الحكم رقم 137 كما أسلفت، فإنه من المناسب القول بأن ما يميز المادة/41 من الدستور؛ هو ترسيخها لحالة التباين الطائفي بين أفراد المجتمع الواحد ذي الديانة الواحدة، ووضع حواجز بين ابناء الطوائف المذهبية، بعد أن رفع القانون/188 لعام/1959 تلك الحواجز، وثبت من الأحكام ما كان متفقاً عليه بين فقهاء تلك المذاهب، فكان عاملاً مساعداً على التقارب والتزاوج بعيداً عن كل ما كان يفرق بين طائفة وأخرى، بسبب إجتهاد مذهبي، أو تفسير فقهي خاص، قد لا يجد ما يدعمه في ثوابت الأحكام الشرعية ومقاصدها العليا..!


فمهما يقال عن حرية الأشخاص في إتباع معتقداتهم المذهبية الخاصة في إدارة أحوالهم الشخصية، كالزواج والطلاق والميراث..الخ  وكل ما يترتب على ذلك من تبعات ومتعلقات مع الآخرين، فإن مثل هذه التبعية لا تعني سوى تفرقاً بين أبناء المجتمع الواحد من ذوي العقيدة الدينية الواحدة، ما يدفع الى التنافر الطائفي من جانب، والإستقطاب الطائفي من جانب آخر، في نفس الوقت الذي يزرع فيه مقدمات النزاعات الطائفية، ويشيع ثقافة التخندق داخل الإسرة الواحدة، ويقتل بوادر الألفة والتقارب والتصاهر بين الأسر من المذاهب المختلفة، ويفتح الطريق أمام العزل الطائفي في السكن والإقامة، الذي بدوره  يصبح عاملاً مساعداً يقف وراء التقسيم الكانتوني للسكان، وينثر بذور الكراهية والتخندق وراء الطائفة المذهبية، مما يضعف في النتيجة، أواصر التلاحم الإجتماعي الوطني، لتنعكس ابعاده الطائفية على الصعيد السياسي، وما له في ذلك، من تداعيات سلبية على مجمل حياة الناس في الأمن والطمأنينة والسلم الإجتماعي، مما يبني ليس فقط "جدراناً كونكيريتية" بين الطوائف حسب، بل يشيد جدراناً نفسية من الكراهية والبغض والتشرذم الإجتماعي لأجيال قادمة..!؟


الأمر الأهم في نص المادة /41 الدستورية، لا يكمن في مسألة التباين والإختلاف في أحكام الشريعة الإسلامية في بعض أمور الأحوال الشخصية، وهي في أغلبها أمور فقهية إجتهادية،  يمكن تجاوزها من خلال إيجاد الصيغ المناسبة حول ما هو أقرب للتوافق بين المختلف عليه من تلك الأحكام، وهذا ما جاء به قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لعام/1959 على الصعيد العملي التطبيقي؛


ولكن الأهم من كل ذلك، هو ما يكتنف روح المضمون الدستوري للمادة المذكورة، والذي تم الإشارة في أعلاه، الى بعض من تداعياته؛ فالغالب على المضمون المذكور، وهكذا يفهم بعد التدقيق في نص المادة المذكورة، هو حالة تكريس الإنقسام الطائفي الموجود ضمن أصحاب الديانة الواحدة على سبيل المثال (المسلمين)، وهم يشكلون أغلبية سكانية، مما يعني تكريساً للإنقسام المذهبي داخل المجتمع، ليصبح دستوراً تدعمه الدولة، وتؤسس بموجبه القوانين المناسبة التي تؤكد هذا التقسيم إجتماعياً..!


ومن هذا المنطلق فإن ما يقال، وعلى سبيل المثال، عن تثبيت الصفة المذهبية في بيانات هوية الأحوال المدنية  للفرد العراقي لأغراض التعداد السكاني، إنما يجد أساسه الدستوري في جوهر نص المادة الدستورية /41 آنفة الذكر، وهو أمر لا يخرج في مردوداته عن تكريس للحالة الطائفية في المجتمع رسمياً، وما يستدعيه ذلك من تبعات سلبية خطيرة، أبرزها الدفع بإتجاه أن يبحث حتى أصحاب الديانات الأخرى عن مذاهب لهم في أديانهم الخاصة لبناء طوائفهم وفقاً لذلك..!


وحيث يجري الحديث في النص الدستوري هذا عن العراقيين دون تمييز، فهو ينصرف من أجل تنظيم أحوالهم الشخصية الى قانون يجمع بين دفتيه مجاميع من الأحكام من كل مذهب ودين، وعلى الصعيد القضائي مجاميع من المحاكم الشرعية بألوان وإختصاصات تتلائم مع تلك المذاهب والإديان، ومعروف ما لهذا من نتائج مربكة على مستوى العائلة الواحدة أوالقضاء، والعودة بحالة الأحوال الشخصية الى ما كانت عليه قبل أكثر من نصف قرن من الزمن قبل اليوم..!


ورغم ما قيل عن المادة/41 من الدستور؛ بأنها لم تأت بجديد في مجرى ما هو متعارف عليه من تعدد المذاهب والأحكام الفقهية بين المسلمين في شؤون الأحوال الشخصية، إلا أن الأمر البالغ الأهمية من الناحية الدستورية، هو أن هذه المادة، ليس فقط قد إعترفت من ناحية الدولة رسمياً، بوجود حالة التعدد المذهبي والطائفي بين المواطنين المسلمين حسب، بل أنها قد منحت هذا الواقع أساساً دستورياً، بتكريسها لإستمرار وجوده وتعميق حالة الخلاف والإختلاف بين ابناء الديانة الواحدة، وكذلك إذكائها للدفع بإتجاه الولاء الطائفي المقيت؛  ومن هنا تأتي أهمية المناداة والدعوة الى إلغائها من صلب الدستور، أمراً مفهوماً ومشروعا، لتعارضها مع روح الدستور نفسه، في شد لحمة النسيج الإجتماعي، وتكريس المواطنة العراقية كأساس لهذه اللحمة..!
 

فلا يخفى على أحد أن روح الدستور بشكل عام تؤكد على (المواطنة العراقية) بإعتبارها الأساس إعتبارياً ودستورياً في الحكم أمام القانون، كما جسدها نص المادة/14 من الباب الثاني/الفصل الأول/ الحقوق(**) ؛ فلها السمو والعلوية على جميع ما يذكره الدستور من أديان ومذاهب أو مسميات أخرى، وبالتالي فإن أية إجراءات تعديلية على الدستور في مجال الأحوال الشخصية، ينبغي أن تأخذ بالإعتبار مقصد وروح النص الدستوري المثبت في هذه المادة، وأن يبنى أي قانون قادم للأحوال الشخصية في طريقه للتشريع، في قصده ومحتواه، على مبدأ المواطنة العراقية، كما وأن يعتمد الولاء الوطني فقط على أساس هذا المبدأ، كي يكون منسجماً وغير متعارض مع روح ومقاصد الدستور نفسه..!


 ولمجمل تلك الأسباب، يظل قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لسنة/1959، بعد تشذيبه من التعديلات السلبية؛ القانون الأكثر صلاحية في مجاراة روح الدستور ومبدأ المواطنة، والأكثر ملائمة للمرأة والرجل على حد سواء، لما فيه من تقارب وعدالة للجانبين، والأكثر إنسجاماً مع مقاصد الشريعة النبيلة، والأفضل رقياً وتحضراً ومجاراة للعصر، إذا ما أرادت لجنة التعديلات ومن بعدها مجلس النواب، التوجه الى تشريع لقانون جديد للأحوال الشخصية..! 
 ____________________________________________________
 (*) المادة/(41): العراقيون احرارٌ في الالتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون.
(**) الماد/(14):العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.

 

     
 

     



     



63

مكافحة الإرهاب بالإرهاب..!؟؟

باقر الفضلي
                                                                                                               

لعل مصطلح "الإرهاب" هو السمة الفارقة التي إتسم بها القرن الحادي والعشرون، والسلاح الأكثر فعالية بيد قوى الرأسمال العالمي؛ فبقدر ما للكلمة من معنى ومدلول مرعب بالنسبة للمواطن العادي، فإن لها من المدلولات السياسية والقانونية، ما أصبح ينظر اليه، بكونه سلاح ذو حدين؛ ومن هذه الزاوية، إندفعت العديد من الدول المتطورة صناعياً بالتفنن في إبتكار الوسائل العديدة، من خلال إستخدام التطور العلمي والتكنلوجيا، وإخضاعها في مجال الإستخدام الى أدوات فعالة في مطاردة "الإرهاب"، في نفس الوقت الذي تحولت فيه تلك الأدوات نفسها، الى وسائل إرهابية جديدة، تستهدف المواطن العادي رغماً عن إرادته وبغفلة من علمه..؟؟! (1)


وما ظاهرة (الطائرة بدون طيار) إلا إحدى تلك المبتكرات الحديثة في تطور العلم والتكنلوجيا في المجال العسكري، والتي شاع إستخدامها في الفترة الأخيرة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، كسلاح فعال في مكافحة "الإرهاب" ، حيث بواسطتها وطبقاً لإدعاء مستخدميها، يمكن ملاحقة "المطلوبين للعدالة الأمريكية" من عناصر الإرهاب المتواجدين في أراضي البلدان الأخرى، والقصاص منهم مباشرة، دون أية مقدمات، أو مقاضاة، أو أي متعلقات أخرى ذات علاقة بالإتهام؛ فكل ما يدور في هذا السياق، يظل ضمن حالة هلامية إفتراضية، يشعر عدم القيام بها أو تنفيذها في حكم التقصير والمسؤولية الخاصة، على حد تقدير الرئيس الامريكي السيد أوباما..!؟


لقد أصبحت ظاهرة إستخدام تلك الطائرات في تعقب المشتبه بهم بجريرة الإرهاب، كابوساً مرعباً لجميع مواطني تلك الدول الموصوفة بأنها من حواضن الإرهاب، مثل باكستان وأفغانستان، الأمر الذي بسببه فقد الألوف من أبنائها الأبرياء، حياتهم بسبب تلك الجريرة، بل وغدا هذا الإستخدام بمثابة كارثة نفسية بات يعاني منها حتى أولئك الأشخاص المشرفين والقائمين على إستخدام تلك الطائرات في الحقل الميداني، لدرجة أفقدت بعضهم الإحساس بوجوده الإنساني، على حد تعبير براين برايت، وهو أحد هؤلاء..؟! (2)

 
فقيادة تلك الطائرات لن تخرج في الإستخدام عن مهمة ذلك القناص الذي يودي بحياة الكثير ممن تتوجه اليهم فوهة بندقيته، فيا ترى كم كان بين هؤلاء من الأبرياء التي حصدتهم تلك الفوهة خارج ساحات الحروب، وكم جرى إغتيال العديد من الأبرياء من الساسة والمثقفين والفنانين ورجال الدين ومن النساء والأطفال بتصويب فوهات القنص الى أجسادهم، فكيف الأمر مع إستخدام ذلك السلاح الأعمى المشحون بالصواريخ القاتلة، وهو يحوم كغراب البين فوق رؤوس الناس الآمنين في مدنهم وقراهم ومزارعهم، إذ يدار ويقاد عن بعد آلاف الأميال من الهدف، ولا يميز بين طفل أو شيخ أو إمرأة، أو بين متهم أو بريء..!؟


إن مجرد شهادة (براين برايت)، المحترف في إستخدام هذا السلاح، وحدها كافية لتعطي الدليل المقنع والوافي لعدم شرعية مثل هذا السلاح، ولا قانونيته، وإن مجرد إستخدامه يمثل إنتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، فطبقاً لمقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بن أميرسون " فإن هجمات الطائرات بدون طيار الأميركية ترتبط، وفق القانون الدولي، باستخدام القوة على أرض دولة أخرى بدون موافقة ومن ثم تعد انتهاكا لسيادة باكستان، طبقاً لما أوردت الأمم المتحدة." (3) 


ومع أن أمريكا هي الدولة الأكثر تفرداً في إستخدامها للطائرات بدون طيار، ورغم الإنتقادات الكثيرة الموجهة لهذا الإستخدام ومنها الأمم المتحدة، نتيجة للنسبة الكبيرة لعدد الضحايا من المدنيين الأبرياء، ، فلا يألو الرئيس الأمريكي السيد أوباما جهداً في الدفاع عن إستخدام تلك الطائرات؛ " قائلا إنها أثبتت نجاحها، وكشف عن وثيقة توجيهات جديدة حول عملها مضيفا: "العمليات الإرهابية أوقعت خسائر أكثر بكثير من الطائرات العاملة دون طيار،" ردا منه على الانتقادات التي تشير إلى الخسائر البشرية الناتجة عن تلك الضربات الجوية."(4)


إن مجرد التنصل عن تحمل أي مسؤولية قانونية أوإخلاقية، عن تبعات إستخدام سلاح الطائرات بدون طيار، من قبل الدول المستخدمة لمثل هذا السلاح، إنما يضعها في مصافي تلك الدول التي تخرق القانون الدولي، فالقنص الذي تمارسه بواسطة تلك الطائرات تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، إنما يعني من جانب آخر ومن جهة القانون الدولي وحقوق الإنسان، تجاوز على الحدود المنطقية والشرعية لمبدأ ( الدفاع الشرعي عن النفس)، وهو بمثابة إرهاب معاكس، مبطن بشرعية مفترضة لمكافحة الآرهاب، وفيه إنتهاك فض لسيادة الدول التي تنتهك سيادتها من قبل تلك الطائرات تحت تلك الذريعة، الأمر الذي يستوجب أن يؤخذ من قبل الأمم المتحدة على محمل الجد، خاصة وأن الأمثلة المشهودة على ذلك أصبحت في متناول المنظمة بشكل لا يمكن التهاون معه في وقت يسقط فيه الكثير والكثير من الضحايا الأبرياء بوابل صواريخ تلك الطائرات القاتلة، التي باتت ما توقعه من الضحايا بمثابة جرائم حرب تستوجب المقاضاة..!!؟؟(5)
باقر الفضلي _ 25/10/2013   
   _________________________________________________________________________
(1)     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75196   
                                     (2)  http://arabic.cnn.com/2013/world/10/25/us-drone-operator-interview/index.html
                                     (3)  http://arabic.cnn.com/2013/world/3/16/UN.drone.pakistan/index.html
                                                    (4)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/5/23/obama.terror-speech/index.html
                                                    (5)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75323

64


العراق: وقفة مع الحقيقة..!؟

باقر الفضلي

لا مجافاة للحقيقة، إذا ما إنصرف الحديث عن المشهد العراقي، الى واقع فيه من المرارة، ما تعجز كل مفردات اللغة، من سبر أغواره أو الإحاطة بأبعاده..؛ عراق بات يرزح تحت واقع  فيه ما ينضح بكل ما تعافه النفس، وما يأباه الضمير، وما لا تستسيغه كرامة الإنسان..!!؟

فالمشهد العراقي اليوم، ليس في أفضل حالاته، ولا كما كان يتوقعه المرء أو يتمناه؛  وما يتعرض له العراق الآن، من هجمة إرهابية، إنما يشكل إمتداداً لمسلسل من حلقات سيناريو كارثي تدميري، قد جرى الإعداد له مسبقاً ويتم تنفيذه بإنتظام..؛ فالعراق قد خطط له ومنذ أكثر من عقد من السنين، أن يكون بمثابة ساعة الصفر، وساحة التدريب الأولى لبدايات ما يدعى ب " الربيع" الموسوم ب " العربي"، وعليه عقدت الآمال لتحقيق الأهداف غير المعلنة لما يدعى ب  ""الشرق الآوسط الجديد" ، والتي مثلت فيها منظمة " القاعدة " أحدى الأدوات المساندة لتدخل التحالف الأمريكي _ الغربي وتوابعه من بعض دول الخليج وتركيا، لتنفيذ ذلك السيناريو، الذي كانت باكورته الأولى غزو العراق في آذار/2003..!؟


ولعل أقل ما يمكن أن تؤاخذ عليه شعوب المنطقة وبالذات نخبها السياسية، هو سباتها المستديم وغفلتها في إكتشاف ما كان يخطط لمستقبلها، من قبل تلك الدول الغنية التي سبقتها في سلم التطور والمعرفة، خاصة وأن دول شعوب تلك المنطقة، قد حبتها الطبيعة والتقسيم الجغرافي للخامات، بأعظم مخزون من الموارد الطبيعية والطاقة، فإستغفلت طبيعة تحرك وعمل القوانين الإقتصادية على الصعيد العالمي، وطبيعة سيرورة التناقض الوجودي على صعيد الكرة الأرضية بين الدول الغنية والفقيرة، فإنحسرت صراعاتها ونضالاتها في نطاقها الداخلي الضيق، فأدمت نفسها جراء تلك الصراعات، لدرجة باتت معها لا تقدر على زحزحة قواعد الأنظمة، التي ونتيجة لتلك الصراعات، أن قويت وإستبدت في الحكم، وإستأثرت بمفاصل وآليات السلطة، فأسست ديكتاتوريات لسلطات حاكمة، لا تعرف غير وجودها في دست الحكم، فإستورثت وأورثت، وشرعت لنفسها ولضمان مصالحها الدساتير والقوانين التي تتوافق مع واقعها القائم، ذلك الواقع الذي بات وكأنه قدر شعوبها المحتوم، في وقف  ظلت فيه تلك الدول، تراوح في الدرجات الدنيا من سلم التطور الصناعي العالمي، أمام منافسة لا تعرف الهوادة من قبل الرأسمال الدولي، أوما يطلق عليه بالعولمة الدولية الشاملة، للنظام الرأسمالي العالمي..!؟


فلم تجد النخب السياسية لتلك الشعوب نفسها، وبعد أن وصلت حالها، الى درجة من الإنهاك والإحباط على الصعيدين السياسي والأمني، نتيجة لذلك الصراع، إلا وقد جُرجِرت الى الأفخاخ التي نصبتها الدول الغنية، لتصبح في النهاية فريسة لمخططات تلك الدول وسيناريوهاتها القاتلة، ومنها ما يدعى ب "الفوضى الخلاقة"، في وقت لم تكن بعد فيه، مدركة لمغبة ذلك الإنجرار، وتداعياته الكارثية على مستقبل بلدانها وشعوبها، يحركها الى ذلك وهم التحرر من كابوس الدكتاتورية ، وما توهمته من خلاصها وشعوبها من نير الإستبداد، بمعونة من أحسنت الظن بهم، وإستظلت بمظلتهم، فجاءت النتائج على عكس جميع تلك التوقعات..!؟

ومثل العراق ليس بعيداً عن كل ذلك، إن لم يك الأنموذج الأمثل للكارثة التي "فجرتها" سيناريوهات التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لبلدان المنطقة، تحت شعار " ثورات الربيع العربي" ، التي قادتها ولا زالت تقودها أمريكا وحلفها الغربي التركي الخليجي، لتعيد الى الأذهان غزوات الإستعمار القديم الى أفريقيا والى آسيا والأمريكيتين..!؟؟(1)   

فالهجمة الإرهابية البربرية التي يتعرض لها العراق اليوم، ما هي إلا حلقة في سلسلة سيناريو تدمير البنى التحتية والهياكل  الإرتكازية لبلدان المنطقة، والعودة بها الى عهود التخلف الإقتصادي والإجتماعي الغابرة، وتمزيق وحدة نسيجها الوطني، وإشغالها في حروب إثنية وطائفية لا هوادة فيها، وتمزيق صفوف قواها الوطنية ودفعها للإحتراب فيما بينها والتدافع للتفرد بالسلطة؛ فسلط عليها سلاحٌ أمضى في جبروته وتأثيره، من جميع  تلك الأسلحة التي إعتادت على مواجهتها طوال سني نضالها أثناء صراعها مع الإستبداد والدكتاتورية، لدرجة باتت معها شعوب تلك البلدان، في أسوء حالاتها على كافة الأصعدة وخاصة السياسية منها، لتجد نفسها أخيرا، وهي تعيش واقعاً من التمزق والتفرقة والتنافر، والإفتقاد الى الحكمة والتعقل، في البحث عن الطرق المناسبة للخروج من براثن الأزمة الخانقة، التي أصبح المتحكم الرئيس في إدارتها، هو سلاح الإرهاب المسلط على الرقاب، والذي أصبح وفي حدوده الدنيا، أحد المتحكمين بمسيرة (العملية السياسية)، وتحديد إتجاهاتها وفقاً لمقاصد وأهداف الجهات التي تقف وراء تلك الهجمة الإرهابية..!؟

وما يراه الحزب الشيوعي العراقي في إفتتاحية طريق الشعب بتأريخ 10/10/2013 بهذا الشأن، إنما يلقي بعض الضوء وبوضوح، على ما يكتنف (العملية السياسية) وما يهددها من مخاطر، نتيجة لما يهدف له تواصل العمليات الإرهابية في العراق، الأمر الذي يضع النقاط على الحروف، ويحدد مسؤولية الجهات الحكومية ذات الإختصاص في مواجهة العدوان الإرهابي المتواصل..!

 فعلى حد قول (طريق الشعب) ، وبقدر تعلق الأمر بذلك، فإنه:   

[[ ومما يخدم مرامي مجاميع الارهاب والقتل، ايضا، استمرار تردي العلاقات السياسية بين المتنفذين، وتواصل عراكهم على اقتسام المغانم، وتفشي الفساد الاداري والمالي والسياسي، وتحوله الى مؤسسة اخطبوطية تنتشر اذرعها في مفاصل الدولة جميعا، وفي المجتمع، وهي تقدم موضوعيا افضل الخدمات لشبكات الإرهاب، وتؤمّن تعمق الروابط بينهما. تضاف الى ذلك الفوضى الادارية، وعدم اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والوطنية في اسناد الوظيفة العامة. واذا تواصل هذا كله وغيره،فسيؤدي الى ذهاب نتائج مؤتمر " ميثاق الشرف " ادراج الرياح.
في اجواء واوضاع كهذه، بنهاياتها المفتوحة بعد، لم يعد يكفي تكرار نفس الحجج والذرائع لتبرير ما يحدث. فالامر بحاجة الى وقفة جادة، وصحوة ضمير وعقل، واعتماد نهج تفكير جديد، والى خطط سياسية وعسكرية وامنية اكثر كفاءة وقدرة، وتسخير ذلك كله للارتقاء بفاعلية اجهزتنا العسكرية والامنية والاستخباراتية، كي تتصدي لسائر مصادر العبث والتخريب الخارجية والداخلية وتدحرها، ولرفع معنوياتها وتوفير سبل الدعم الشعبي لها، بما يساعدها على انجاز مهماتها على اكمل وجه. كذلك الكف عن التلويح بالميليشيات، على اختلاف مسمياتها، بديلا عن القوات المسلحة النظامية، وسواء سميت لجانا شعبية او جيوشا أو غير ذلك.]](2)


فكل ما توصلت اليه (طريق الشعب) من توجهات تراها ضرورية لمواجهة الواقع العراقي الراهن، إنما  يصب في مجمله، في نفس الإتجاه المفترض التمسك به، لدرء الأخطار التي تحيط بالعراق، خاصة وإن ما يواجهه العراق اليوم، ليس بعيداً في جوهره، من إن  يكون وجهاً من وجوه  المخطط العدواني الدولي الجاري تنفيذه في سوريا، وما تتعرض له المنطقة من عدوان إرهابي شامل، الأمر الذي يتطلب معه، موقفاً وطنياً موحداً دولةً وشعبا، في مواجهة زخم الإرهاب المتلاطم..!
 
فالموقف من الدول التي ترعى الإرهاب، هو ما ينبغي أن يكون في مقدمة أولويات إهتمام النخب الوطنية العراقية بكل فصائلها، في نفس الوقت الذي يفترض فيه، أن يكون حال جميع القوى المشاركة في العملية السياسية، أكثر توحداً وأكثر وضوحاً وإنسجاماً في مواقفها من مواجهة كارثة الإرهاب، الذي بات يعصف في جميع الإتجاهات، ولم يعد يفرق بين الدولة والشعب، في عين الوقت الذي ينبغي، أن لا تطغى فيه خلافاتها الجانبية والثانوية، على المسألة الأساسية المتمثلة بالخطر الداهم الذي يشكل فيه  " الإرهاب"  العنصر الأساس في المواجهة، الارهاب الذي إمتدت رقعته عمودياً وأفقياً لتشمل حتى إقليم كوردستان الآمن نسبياً قياساً بمناطق العراق الأخرى..!؟

ففي هذا الوقت العصيب، فإنه ليس أمام المرء والعراق يواجه كل هذه المأساة، إلا مشاركة (طريق الشعب) في ندائها الموجه الى الشعب العراقي والذي جاء فيه.. :
[[ واننا لنتوجه ايضا، في هذه اللحظات العصيبة التي يمر بها وطننا، الى شعبنا الصابر.. داعين ابناءه وبناته الى التماسك واليقظة والحذر من دسائس الارهابيين، ومن يقف وراءهم من الساعين الى إلقاء بلدنا في اتون حرب طائفية، والى إحداث شرخ عميق في وحدة الوطن ونسيجه المجتمع.]]
باقر الفضلي/ 2013/10/11
__________________________________________________________________________       
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=289584
(2)   http://www.news.al-nnas.com/t06.htm


 

     




       









         


65



فلسطين: أمد للإعلام.. نافذة للبصيرة الديمقراطية..؟!

باقر الفضلي

المحاولة المشينة التي تعرض لها الموقع الفلسطيني الموقر ( أمد للإعلام الألكتروني ) بتأريخ الثالث من أكتوبر الحالي، والتي طالت أرشيفه الألكتروني، لم تك الأولى في المسلسل الإرهابي الذي تعرض له الموقع المذكور؛ بل إنما جاءت، لتفضح حقيقة الإرهاب الإعلامي الذي ما فتيء يتعرض له (الصوت العربي الفلسطيني)، الصادق والمفعم بالحقيقة، والفاضح لما تبطنه الشوارع الخلفية وزواياها، من أجندات التآمر، ومن مخططات الكذب والتدليس؛ ناهيك عن تصدره اليومي، لكشف حقائق ما تبطنه وسائل الأعلام الإسرائيلية ورديفاتها من قنوات التجهيل العربية، التي ما أنفكت ترى فيه، عيناً مبصرة، وذراعاً مشهرة، لم يهدأ لها بال، في الدفاع عن الديمقراطية والكلمة الحرة، وفي جعله النضال من أجل (القضية الفلسطينية)، في طليعة الأهداف التي وجد الموقع من أجلها، ناهيك عما يوليه الموقع، من إهتمام ورعاية إستثنائيتين لقضايا الوطن العربي، ومن تكريس خاص لقضايا الساعة وكل ما يهم مصالح الشعوب العربية..!
   
  فموقع ( أمد للإعلام الألكتروني)، بما يمثله من نافذة إعلامية متقدمة في جدار الردع والمقاومة الفلسطينية والعربية، والذي هو في مقدمة المواقع الفكرية الاعلامية العربية، التي تحتضن نخبة من الكتاب والمفكرين الفلسطينين والعرب، سيبقى شوكة في عيون كل من لا تسعده وحدة الشعب الفلسطيني، ولا يروق له ان يرى هذا الشعب وهو يرفل بالسلام والأمن والأمان، وقد حقق أهدافه المشروعة في الحرية وفي بناء دولته الحرة المستقلة، في أجواء من العدالة والحرية والديمقراطية، وفي إطار من الإعلام الحر المستقل الديمقراطي، فلا غرابة أن يتعرض موقع (أمد الاعلامي الألكتروني) وغيره من المواقع الفلسطينية الاعلامية الألكترونية، الى القرصنة من قبل القوى الظلامية..!!؟

فلا يسع المرء والحال، إلا إستنكار ذلك العمل المشين الذي أقدمت عليه القوى الظلامية، والتي لم تعد تبصر أبعد من أرنبة الأنف، وهي ما أنفكت تعمل جاهدة لإسكات صوت الإعلام الفلسطيني الحر، هذا في عين الوقت الذي لا يحسب فيه عملها المذكور، إلا إستهانة وإساءة لكرامة الشعب الفلسطيني، حيث في نضاله، تمثل تلك المواقع الإعلامية الديمقراطية وفي مقدمتها موقع (أمد للإعلام) ، نوافذ للبصيرة الحرة الديمقراطية ونشر الفكر المتنور، ومجسات صادقة للتعريف بالحقيقة..أفلا تَعقِلون..!
باقر الفضلي  2013/10/3
           

66


سوريا: حضر الأسلحة الكيماوية، خطوة على الطريق الصحيح..!(*)

باقر الفضلي

مهما كانت ردود الفعل على الإتفاق الروسي _ الأمريكي حول حضر الأسلحة الكيماوية في سوريا والمعلن عنه في 14/9/2013،  فإن الإتفاق المذكور والذي أقرته سوريا، يعتبر من حيث المبدأ، ومن جهة السلم والأمن الدولي، خطوة على الطريق الصحيح، لتجنيب سوريا أرضاً وشعبا؛ الضربة العسكرية، ونزع فتيل الحرب، ودرء كارثة الخراب والتدمير لدولة سوريا تحت ذريعة إستخدام الأسلحة الكيماوية، وإبعاد المنطقة والعالم تداعيات مثل تلك الحروب..!؟(1)

 هذا في وقت كان يمكن معه القول؛  إذا ما أخذ المرء  بعين الإعتبار، وجهة النظر السورية، التي ترى بأن سلاحها الكيماوي كان مجرد سلاح ردع في مواجهة الترسانة النووية الإسرائيلية؛ بأن قبول دولة سوريا بالموافقة على الإنضمام الى منظمة حضر الأسلحة الكيماوية الدولية، وفي هذا الوقت بالذات، والإنخراط في عداد دول العالم التي تنبذ حيازة  وإستخدام الأسلحة الكيماوية وأسلحة الدمار الشامل، إنما هو من الناحية الإستراتيجية، يمثل موقفاً إيجابياً من أجل السلام؛ هذا في وقت ستجد فيه دولة مثل إسرائيل المجاورة، نفسها، الوحيدة بين دول المنطقة، من يمتلك الترسانة النووية ناهيك عن الكيمياوية، وبأنها الدولة الثانية من مجموع دول العالم، التي لم تصادق ولم تتضم الى إتفاقية حضر الأسلحة الكيماوية، وبالنتيجة فهي تعتبر في عداد الدول غير الأعضاء في منظمة حضر الأسلحة الكيماوية. وهذا بحد ذاته، سيكون كافياً لأن يشكل وضعاً سلبياً ومهدداً بالنسبة للسلم والأمن الدولي في المنطقة والعالم، الأمر الذي يصبح معه، من الأهمية بمكان، ومن الأمور العاجلة، التي ينبغي أن تدفع بضرورة أن تأخذ الأمم المتحدة بالإعتبار، تفعيل  مقترح إعتبار منطقة الشرق الاوسط من المناطق الخالية من الأسلحة الكيمياوية، وفي ذلك ما يخدم مصالح جميع دول المنطقة بما فيها دولة إسرائيل..!؟ (2)

ومن هنا يصبح من المسلمات المنطقية، أن تعتبر الخطوة السورية بالموافقة على المبادرة الروسية الأمريكية، وكذلك في المبادرة للإنضمام الى منظمة حضر الأسلحة الكيماوية الدولية، بمثابة مساهمة جادة في طريق حل الأزمة السورية، من خلال اللجوء الى الطريق السلمي،  وبالذهاب الى مؤتمر جنيف/2، المدعوم من قبل الأمم المتحدة، ليعبر ذلك عن موقف موضوعي من حل الأزمة السورية، بإختيار الطريق السياسي..!

فالمبادرة الروسية نفسها، والتي تبلورت في النهاية بإتفاقية جنيف بين الطرفين الروسي والأمريكي، للتخلص من الاسلحة الكيماوية في سوريا، إنما كانت في الحقيقة، أمر لا بد منه، وبأن لا مناص في هذه الحال، من اللجوء الى الحل السلمي، بعدما آلت اليه أحداث الأزمة السورية من خراب ودمار لا يوصفان، وبعد أن أصبح إستمرار تلك الأزمة في وضعها الحالي يشكل: [[ " اكبر خطر يهدد السلم والامن فى العالم , كما أن الاحداث الاخيرة والحديث عن امكانية استخدام للاسلحة الكيماوية يؤكد خطر هذة المشكلة ويدعو الجميع الى العمل لانهاء هذه الحرب وهذه الازمة" .]](3)

يجري هذا بعد أن أدركت الأطراف الرئيسة في ذلك الصراع، وخاصة الأطراف الدولية منها؛  بأن لا سبيل لحل تلك الأزمة الطاحنة، والتخلص من تداعياتها الكارثية على كافة الأصعدة، وتجنيب العالم أخطار حرب مدمرة، إلا بالتوجه الى الحل السلمي ومن خلال المسار السياسي، والعمل عن طريق الأمم المتحدة بضرورة إنعقاد المؤتمر الدولي/ جنيف/2 حول سوريا..!

ولكن، وفي عين الوقت الذي يبدو فيه الإتفاق الروسي الامريكي، بشأن التخلص من الأسلحة الكيماوية السورية، وكأنه مفتاح الإنفراج لحل الأزمة السورية، إلا أن موقف التحالف الأمريكي _ الغربي، وعلى وجه الخصوص موقف المثلث الأمريكي الفرنسي البريطاني من الأزمة السورية، رغم الترحيب والتأييد الدوليين بالإتفاق المذكور، ورغم دعم الأمم المتحدة، ومباركة أطراف المثلث المذكور نفسه بالإتفاق، ما زال ذلك الموقف مأزوما، وما زالت دول ذلك التحالف، تفسر الإتفاق بين روسيا وأمريكا، وفقاً لما سبق وقد خططت له وتبنته كخطط في وارد التنفيذ بالنسبة لسوريا، وكأن عجلة التأريخ قد توقفت عند توجيه الضربة العسكرية، وكأنها أمر مفروغ منه؛ كما ولن يبدو الإتفاق الروسي _ الأمريكي بنظرها، إلا مجرد فترة لإلتقاط الأنفاس، خاصة بعد التغيرات الحاصلة في ميزان القوى على الصعيد الميداني، فما كان منها إلا البدء بمرحلة جديدة من التحذير والتهديد، فتبدو في موقعها الجديد، وكأنها تريد أن  تجعل من الإتفاق الروسي _ الأمريكي نفسه، مجرد ذريعة جديدة، وحجة يمكن ركوبها في التهيئة لعدوان جديد ضد سوريا، لإفشال كل المحاولات التي تبذلها الأمم المتحدة ومن خلال مندوبها الأممي السيد الأخضرالإبراهيمي في الذهاب الى مؤتمر جنيف/2، فعادت وكالسابق،  [[ تحذر سوريا بعواقب "خطيرة " إن لم تلتزم بالإتفاق الروسي الأمريكي..!؟؟]] (4)   
 
هذا وفي نفس السياق، ورغم ترحيبه في وقت سابق بالإتفاق الروسي _ الأمريكي ؛  لن بخفي السيد أوباما أهداف الولايات المتحدة الأمريكية من وراء إستخدامها لذريعة السلاح الكيماوي، والتي حتى اليوم، لم يشر تقرير الخبراء الدوليين، الى الجهة التي إستخدمت ذلك السلاح في سوريا؛ فطبقاً لمقابلة أجرتها معه قناة تلموندو الناطقة بالإسبانية قال الرئيس باراك أوباما: [[إنه لا يستطيع تصور نهاية للحرب الأهلية في سوريا مع بقاء الأسد في السلطة، وأكد أن الهدف الاستراتيجي هو إبعاد الإسد عن السلطة مع تأمين حملية الأقليات الدينية والتأكد من أن المتشددين الإسلاميين لا يعززون سلطاتهم في البلد.]](5)

إن خيبة الأمل التي أصيب بها أطراف التحالف الأمريكي _ الغربي، وبالخصوص أطراف الثلاثي أعلاه، وتوابعه في المنطقة وفي مقدمتهم دولة إسرائيل وتركيا، وبعض من الدول العربية الأخرى، نتيجة لموافقة دولة سوريا على الإتفاق الروسي _ الأمريكي حول التخلي عن ترسانة السلاح الكيماوي وتدميره، تلك الموافقة التي أصابت تلك الأطراف بالذهول والدهشة، حيث كان في تصورها، بل جل ما كانت تتمناه؛ هو أن ترفض دولة سوريا لذلك الإتفاق، وبذلك ستحل عليها اللعنة، ويصبح إنزال "الضربة العسكرية" بها وكأنه فرض عين، مما ستتحقق بموجبها الأهداف التي أجمع عليها أطراف التحالف المذكور؛ فما كان منهم إلا بالعودة الى متاهة المربع الأول بتوجيه الإتهامات والتحذيرات والتهديد بالعقاب وبالويل والثبور، و[[ بأن خيار تنفيذ ضربة عسكرية أو عملية مماثلة في سوريا يجب أن يظل مطروحا باعتباره سبيلا للتعامل مع الأزمة السورية. وفقاً لرأي الناتو..!؟؟]] (6)

ولعل من مفارقات التحالف نفسه، هو إن أبرز أطرافه هم أعضاء دائميون في مجلس الأمن، وطبقاً لميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤكد على واجب الإعتراف ب (مبدأ السيادة)،  وبالتالي فهم كما غيرهم من أعضاء هيئة الأمم المتحدة، متساوون في السيادة مع جميع اعضاء الهيئة الآخرين، وذلك وفقاً للفقرة (1)  من المادة الثانية من الفصل الاول من الميثاق / في مقاصد الهيئة ومبادئها، وهنا يبدو من الغرابة بمكان، أن ينفرد أطراف التحالف المذكور أو بعضهم، ومن وراء ظهر هيئة الأمم المتحدة، وعلى خلاف ما يقرره ميثاقها، في محاولة منهم لتقرير إراداتهم وفرضها على شعوب الدول الأعضاء في الأمم المتحدة مثل دولة سوريا، فتراهم وعن طريق الإملاء والتهديد، التدخل في شؤونها الداخلية، بما يمس سيادتها، ويعرض إستقلالها للإهتزاز والتصدع؛ في وقت وحده فيه الشعب السوري، من يقرر وبإرادته المطلقة، لمن يمنح الثقة بتمثيله، ومن ينوب عنه في إدارة شؤونه..! (الرابط السابق/5)
   
فالى أى مدى سيتجاهل أطراف التحالف الأمريكي _الغربي وتوابعهم، تلك الحقيقة البدهية، وهم قبل غيرهم إعلم بكل ظواهرها وبواطنها، حيث أن كل الدلائل، وبعد ما يزيد على عامين ونصف عام، تشير وبالملموس؛ أن لا طريق لإستباب السلم والأمن الدولي في المنطقة، لا يمكن الوصول اليه، إلا من خلال البحث عن الحلول السلمية للأزمة السورية، عبر الطريق الى مؤتمر جنيف/2، وأن أي إستخدام للقوة والتهديد بها خارج نطاق القانون الدولي، خروج على الشرعية الدولية بكل ما يعنيه ذلك الخروج من دلالات العدوان؛  فقد حان الوقت الآن وعبر الأمم المتحدة، ولوج هذا الطريق، وإحترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها..!!؟ 
باقر الفضلي/ 2013/9/17
____________________________________________________________________ 
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=377028
(1)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2UY620130914?sp=true
(2)   ‫ http://www.youtube.com/watch?v=uAuVkgtMHg4
(3)   http://www.egynews.net/wps/portal/news?params=249479
(4)    http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/09/130916_syria_france_uk_us_meeting_resolution.shtml
(5)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/09/130918_syria_obama.shtml
(6)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2WQW20130919


67

سوريا: ذريعة إستخدام الأسلحة الكيمياوية والعدوان..!؟؟

باقر الفضلي

بعد إنعقاد مؤتمر قمة مجموعة/ 20 في بطرسبورغ ليومي 5 و6 / من شهر آب/ 2013، لم يعد أمام المرء أن يذهب بعيداً في البحث والتنقيب عن ما يمنحه مؤشراً او سنداً لتعليل أو إستنتاج ما يمكن أن يساعده في رسم صورة للمشهد السوري الحالي، وإنما يكفيه فقط، متابعة أعمال قمة العشرين التي جرت أثناء المؤتمر، وما أفرزته لقاءات رؤوساء الدول العشرين خلال اليومين المذكورين، ليحدد بشكل من الأشكال مسار هذا المشهد، وما يمكن أن يتوقعه المرء في أحسن الأحوال، عما تبيته أمريكا وحلفائها لدولة سوريا وطناً وشعبا..!؟؟

فكل ما تضمره أمريكا ضد سوريا، لم يعد خافياً على أحد، بعد ما قيل وما أظهرته نتائج مؤتمر قمة/20، والتي كشفت بجلاء لا يقبل التأويل أو الإجتهاد، عن طبيعة أهداف أمريكا ومن معها من بعض الدول، التي فضحتها مواقفها المساندة للعدوان على سوريا دون خجل أوحياء؛ ومنها بالذات، دول عربية نزعت عن نفسها، كل ما يمت بصلة لما تدعيه من تمسك بعروبة أوما تتمسح به من دين..!؟

فقد جاء المؤتمران الصحفيان لكل من السيدين بوتين وأوباما في نهاية مؤتمر قمة مجموعة/ 20، ليؤكدا حالة الإنقسام التي هيمنت على مؤتمر قمة مجموعة/ 20، حيث أصر السيد أوباما على إعادة وترديد ما سبق وقدمه من حجج وتبريرات حول التمسك بذريعة إستخدام الأسلحة الكيمياوية في سوريا، وما ينبغي بناء عليه وحسب تقديراته، من ضرورة توجيه ضربة عسكرية عقابية ضد سوريا، والذي كثيراً ما يختزلها بشخص الأسد، هذا في نفس الوقت الذي أعلن فيه السيد بوتين عن عدم تولد القناعة لدى روسيا  بمصداقية المعلومات التي قدمتها أمريكا، في الوقت الذي  تمتنع فيه، من تقديمها الى مجلس الأمن لتدقيقها وإبداء الموقف منها، وأكد من جانب آخر، على لا قانونية ولا شرعية ما تريد الولايات المتحدة الإقدام عليه من توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا خارج إطار الأمم المتحدة, وحتى قبل أن تقدم هيئة التدقيق الأممية تقريرها بهذا الشأن الى الامم المتحدة، الأمر الذي أكده السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة..!؟

ومما لاشك فيه، وعلى حد قول لافروف وزير خارجية روسيا؛ فإن إستخدام القوة العسكرية ضد سوريا سيؤدي الى فشل أي حل سياسي للأزمة السورية، ولكن وطبقاً لما يراه السيد أوباما، فإن مثل هذا الحل سيكون نتيجة لاحقة بعد تنفيذ الضربة العسكرية لسوريا، وبعد إضعاف قدرات النظام السوري العسكرية، للحيلولة بينه وبين محاولة تكرار محاولته إستخدام السلاح الكيمياوي مجدداً، او التهديد بإستخدامه ضد حلفاء أمريكا في إسرائيل وتركيا والأردن..!؟(1)

إن ما يضعف الحجج والذرائع والأسانيد الأمريكية، التي تجد فيها مبرراً وأساسا، يمنحها السبب الكاف لتوجيه ضربة عسكرية عقابية ضد سوريا، هو أن تلك الأسانيد جاءت ضعيفة في حجتها، فهي في مجملها إفتراضية ومبنية على الإستنتاجات والإجتهادات الشخصية المعتمدة على التقارير المخابراتية، الأمر الذي لا يمنحها قوة الإدلة القاطعة للإتهام، خاصة وإنها تتعلق بإستخدام للسلاح الكيمياوي " كإتهام" موجه الى دولة سوريا، وهو أمر يتطلب التدقيق العلمي والمهني، ومن قبل جهات ذات إختصاص علمي مهني، وتحت إشراف الأمم المتحدة، مما سيعطيها خصوصية الحيادية، ويجنبها شائبة الطعن بعدم نزاهة النتائج..!

وحيث يتكرر الحديث على لسان بعض المسؤولين في الإدارة المريكية، ومن جانب بعض حلفائهم في التحالف الغربي، بأنهم يمتلكون أدلة لإستخدام الأسلحة الكيمياوية في سوريا، في وقت يحجمون فيه، عن تقديم تلك " الأدلة " الى جهات  الإختصاص المسؤولة عن فحصها وتدقيقها، وعن نوعيتها وطبيعة تصنيعها، ومدى علاقتها بنوعية تلك المواد السامة التي جرى إستخدامها فعلاً في تلك المواقع والميادين المفترض إنها إستخدمت فيها. وفي هذه الحالة هو مجلس الأمن قبل غيره، لتتحمل القوى الأممية مسؤوليتها في تحديد مدى صحة الإدعاءات بشأن تلك " الأدلة "، الأمر الذي جعل من مصداقية تلك "الأدلة المزعومة" ، أحد إشكاليات مجلس الأمن في البحث عن الجهة التي إستخدمت تلك المواد، حيث إن مجرد إستخدامها، لا يكفي وحده ، أن يكون حجة قاطعة على شخصية الجهة المستخدمة، إن لم تتوفر هناك من الحجج والإثباتات المدعمة بالوقائع، ما يدل بصورة مؤكدة وقطعية على شخصية تلك الجهة التي ينصب عليها الإتهام..!؟ 

كل هذا يضع الولايات المتحدة، من خلال إعلانها التهديد بتوجيه ضربة عسكرية الى سوريا وفقاً للذرائع المزعومة، وإنفرادها وبعض حلفائها، بالقيام بتنفيذ تلك الضربة العسكرية المحتملة، خارج نطاق مجلس الأمن، ودون قرار منه، إنما يضع الولايات المتحدة ومن سيشاركها من الدول الأخرى، في موقع المسؤولية الأخلاقية والقانونية، وكل هذا يدركه من له حتى إلمام متواضع بمباديء القانون، فكيف الأمر بدولة عظمى، عضو في الأمم المتحدة، ومن الدول التي أنيط بها حماية الأمن والسلم الدوليين، أن تجد نفسها خارج نطاق القانون الدولي، وهي من المسؤولين الأوائل في سلم المسؤولية الدولية، على حفظ التمسك بأحكام القانون المذكور، وإتباع اللآلية التي رسمها القانون الدولي في حفظ الأمن والسلم الدوليين..!(2)       

اما المؤتمر الصحفي المشترك لكل من السيد جون كيري وزير الخارجية الأمريكي، والسيد لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا في باريس بتاريخ _ 7/9/2013، فقد قطع على المستمعين، أي شك ب " اليقين"، فيما يتعلق بشن الحرب على سوريا، حينما عبر كلاهما عن موقف موحد من حتمية الضربة العسكرية لسوريا؛ فتحت وقع تأثير نبرات الخطاب العاطفي المتحمس، وتحت سيل منهمر من دموع الأسى والحزن الخادعة، التي ذرفاها على ما صوراه من "فجيعة الأطفال السوريين الذين قتلهم كيمياوي الأسد بلا رحمة ولا شفقة"، توعدا وأكدا على اهمية وضرورة توجيه الضربة العسكرية الى سوريا عقاباً لتجاوزه الخط الأحمر، بإستخدامه الأسلحة الكيمياوية، [[ وفي مؤتمر صحفي في باريس، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري إن الولايات المتحدة وفرنسا لا يتحدثان عن خوض حرب، بل عن إجراء عمل عسكري محدود يستهدف إضعاف قدرة الحكومة السورية على استخدام الأسلحة الكيمياوية.]] ، اما وفقاً للسيد لوران فابيوس فإنه يرى : بأن [[ الضربة العسكرية قد تمهد للحل السياسي.]]..!!؟؟(3)     

ولكن وحتى مع " إفتراض صحة" ما أورده الوزيران من إتهامات ضد سوريا، وهو مجرد إفتراض لا يقوم على أساس موضوعي، فهما قد تناسيا حقيقة من ستكون جهة التنفيذ للعقوبة..؟ وقبل ذلك من هي الجهة التي ستحدد تلك العقوبة..؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي يمكن توجيهها للوزيرين المتحمسين والمستعجلين في توجيه الضربة العسكرية الى سوريا.. ولكن وعلى حد ما يقوله المثل الشائع : ( إكذب ثم إكذب حتى يصدقك الناس، ثم إكذب حتى تصدق نفسك..!)؛  فبهذه الطريقة الغوبلزية، يجري التعامل مع الوقائع في الأزمة السورية، ومن أراد أن يصدق ما تقوله الإدارتين الأمريكية والفرنسية، عليه أن يصدق ما كان يقوله السيد كولين باول وزير الخارجية الأمريكية السابق، يوم 5 شباط 2003، أمام مقر الأمم المتحدة، قبل غزو العراق بأيام حول كذبة أسلحة الدمار الشامل، والحر تكفيه الإشارة..!؟ 
 
فالعدوان المرتقب على سوريا، ومن خلفه تقف ذريعة إستخدام الأسلحة الكيمياوية، التي وجدت فيها أمريكا وفرنسا وحلفائهما، مفتاح الغزو العدواني الذي ترى فيه أمريكا، الطريق الوحيد لفرض هيمنتها على المنطقة، رغم موجة الرفض والغضب التي أبداهما الشعبان الأمريكي والفرنسي، ومن قبلهما الشعب البريطاني، إستنكاراً لشن الحرب على سوريا، إن مثل هذا العدوان، لا يختلف في ممهداته ودوافعه الإقتصادية والسياسية، بل وحتى في ذرائعه المحركة أياً كانت، عن مثيله الغزو العدواني على العراق عام/2003 ، أوما لحقه فيما بعد في ليبيا، وبسيناريو أكثر حذاقة، بمروره من تحت عباءة الشرعية الدولية بإستغفال من مرت عليه اللعبة من بعض أطراف تلك الشرعية، من الذين عضوا أصابع الندم على ذلك الإستغفال..!؟؟

 اما ما يدعى اليوم ب "العمل العسكري المحدود" فلا يعني وفي جميع الأحوال، إلا خدعة لا معنى لها من الناحية القانونية في مقاييس  العدوان السافر على دولة عضو في الأمم المتحدة ، ناهيك عن كونها إنتهاك لسيادة دولة سوريا، وتحد فاضح لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما فيها التجاوز على السلطات المخولة لمجلس الأمن، وخرق فض لأحكام الفصلين الخامس والسادس من ميثاق الأمم التمحدة..!؟؟
 باقر الفضلي / 7/9/2013
(1)   http://arabic.rt.com/news/626568-%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%88
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2R3Y20130905
(3)   http://arabic.rt.com/news/626698-%D9%81%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D9%88%D











       
   


   

68

سوريا: في مواجهة  العدوان..!!؟(*)

باقر الفضلي

لن يأتي التأكيد المستمر من قبل الأكثرية الساحقة للشعب السوري، على ضرورة التفتيش عن حلول للأزمة السورية، حيث تضع في مقدمتها، ضرورة اللجوء الى الحلول السلمية للخروج من الأزمة ومنها مؤتمر جنيف/2 ، رغم كل محاولات التدخل الأجنبي والإقليمي، في وضعها العراقيل أمام أي خطوات سلمية بإتجاه إنجاح المؤتمر المذكور..!؟

        لن يأتي هذا التأكيد المستمر من فراغ، فالأكثرية الساحقة بدأت تدرك عمق التخبط الذي تعيشه قوى التدخل الإقليمي والأجنبي في سوريا، والذي كشفته الحالة المتخبطة للسياسة الأمريكية، التي عكسها موقف السيد أوباما من تأجيل قراره بتوجيه الضربة العسكرية الى سوريا، والعودة به الى مجلس الكونغرس، وذلك بإنتظار ما سيقرره المجلس بهذا الشأن؛ كل ذلك في أجواء من تصادم المواقف المتعارضة التي تسود ساحة الكونغرس، ما بين الأقطاب المتطرفة والمندفعة بإتجاه تنفيذ الضربة العسكرية الى أبعد مدى شامل،  من أمثال السناتور ماكين والسناتور غراهام،  وبين من يرى بكفاية الضربة المحدودة التي أعلن عنها السيد أوباما، وبين من يرى في توجيه مثل هذه الضربة، خطأ فادح في السياسة الخارجية والعسكرية الأمريكية، في وقت تعيش فيه أمريكا، حالة من ألأزمة الإقتصادية..!؟

فبالقدر الذي يحاول فيه السيد أوباما تجاوز وإمتصاص شدة الصدمة التي تركها تأثير رفض مجلس العموم البريطاني، لطلب رئيس الحكومة البريطانية السيد ديفيد كاميرون بتوجيه ضربة عسكرية الى سوريا، وما سببه ذلك من حالة إحباط كبير وغير متوقع، لخطط الإدارة الأمريكية المقررة، بشأن توجيه الضربة  العسكرية التي تحدث عنها السيد اوباما نفسه قبل ذلك كثيرا، فإن لجوء السيد أوباما الى الكونغرس الأمريكي، رغم ما يضفيه شكلاً وكأنه شيء من التمسك بالمباديء الديمقراطية، فإنه وفي مساره الداخلي من حيث الجوهر، لا يعبر بأي حال من الأحوال، عن حقيقة ما قد يعتقده المرء من تصورات إفتراضية، عن تغير في إتجاهات ذلك المسار بشأن توجيه الضربة العسكرية المحتملة ضد سوريا، بقدر ما يعكس حالة من التردد التي إنتابت الإدارة الأمريكية في هذا الأمر؛ فيأتي التأجيل الى إنتهاء الكونغرس من إجازته في التاسع من أيلول، ما هي إلا محاولة لإعادة إصطفاف التحالف الغربي مجدداً وراء ألولايات المتحدة، بعد إنفراطه الظاهري جراء رفض البرلمان البريطاني، والتشبث بأمل الحصول على موافقة الكونغرس، بهدف إضفاء شرعية شكلية في إطارها ومعناها، على قرار السيد أوباما بتوجيه "الضربة العسكرية" من جهة، والإيحاء للرأي العام الأمريكي والعالمي، بإلتفاف الشعب الأمريكي وراء الرئيس، وصواب قراره " العقابي" المتخذ ضد سوريا من جهة أخرى، ناهيك عن محاولة التعرف على توقعات ردود الفعل لدى حلفاء سوريا، جراء الإقدام على تنفيذ القرار المذكور؛ وفيما  يراه البعض، [[ يعود طلب الرئيس الأمريكي باراك أوباما من الكونغرس منحه الضوء الأخضر لضرب سوريا، في جزء منه لسدّ ثغرة قانونية..!!؟]](1)

وبعيداً عن أي تفسيرات سياسية حول ما يمكن أن تكون عليه جدوى تأجيل السيد أوباما لقراره بالضربة العسكرية المحتملة، فإنه ورغم ما ستكون عليه نتيجة التصويت على القرار المذكور من قبل الكونغرس، فلا مناص من الإشارة الى أن الكونغرس الأمريكي لا يمكن أن يكون بديلاً شرعياً للأمم المتحدة ومنها مجلس الأمن، وهي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق إصدار القرارات الدولية، ومنها قرار الحرب، وبالتالي فإن الكونغرس الأمريكي، ومهما جاء تصويته على طلب السيد أوباما بالموافقة، فإنه لا يمتلك أي شرعية يمكنه منحها للولايات المتحدة وأي تحالف قد يقف الى جانبها، لشن الحرب على سوريا، دون قرار صادر من مجلس الأمن وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وذلك في حالتين هما:  حالة الدفاع عن النفس، أو طبقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق،..!!؟

وبناء على ذلك، فإن أي محاولة للولايات المتحدة وحلفائها، بتوجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، خارج نطاق الأمم المتحدة، وليس طبقاً لما يقرره ميثاقها الأممي، لا يمكن توصيفها، إلا بحالة من العدوان السافر ضد دولة عضو في الأمم المتحدة؛  فكل ما يجري من إستعدادات عسكرية وتحضيرات ذات طابع عسكري ومنها حشد السفن الحربية على تخوم المياه الإقليمية لدولة سوريا، وما يجري من تلويح متواصل بتوجيه الضربة العسكرية، جميعها تدخل ضمن توصيف حالة العدوان على دولة عضو في الأمم المتحدة، وبالتالي فلا يمتلك أي قرار ذاتي بشن الحرب من قبل أي دولة، مهما عظمت قوتها وجبروتها، على دولة أخرى خارج إطار ميثاق الأمم المتحدة، لا يمتلك مثل هذا القرار، مهما كانت دوافعه أو أسبابه، أي شرعية قانونية، وبالنتيجة فإنه يشكل خرقاً فاضحاً لميثاق الشرعية الدولية، وإنتهاكاً لسيادة الدول، مهما كانت الذرائع التي تقف وراءه تلك الدولة..!؟؟

ولعل من المفارقات العجيبة، أن تعطي الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها حق الإنفراد والتحكم بمصير الشعوب وتقرير مصيرها وفقاً لمشيئتها وطبقاً لمصالحها الخاصة، دون مراعاة لقواعد القانون الدولي وآليات حفط الأمن والسلم الدوليين، ولعل تمسكها بذريعة " إستخدام الأسلحة الكيمياوية" من قبل سوريا، والتي عجزت عن تقديم ما يثبت أو يدعم هذه الذريعة من أدلة وإثباتات، متذرعة بسريتها، ما افقدها المصداقية كدولة كبرى، والتي كان ينبغي عليها تقديم ما تدعيه من أدلة، الى هيئة الأمم المتحدة،  وعدم إطلاق الإتهامات جزافا ضد الآخرين، وهو الأمر نفسه الذي دفع بوزير الخارجية الروسية السيد لافروف بتأريخ 2/9/2013 بتوجيه الإنتقاد للغرب، ونعته بالإزدواجية في القضايا الدولية وبالذات في قضية إستخدام الأسلحة الكيمياوية، فطبقا لتصريح لافروف: [[ فأن الغرب يدعي بأن لديه بالفعل أدلة تشير إلى استخدام السلاح الكيميائي في سورية، ، إلا أنها سرية ولا يمكن الكشف عنها، مشددا على أنه لا يمكن استخدام ذريعة السرية عندما  يدور الحديث عن الحرب والسلام..!]] (2)

هذا ومع كل ما تقدم من تصورات، وما قيل ويقال من تأويلات، عن تأجيل توجيه "الضرية العسكرية"، فإن مجرد التلويح بذلك، من قبل أمريكا وحلفائها، بما فيهم "الأمانة العامة لمجلس الجامعة العربية" ممثلة في بعض شخوصها، من ممثلي بعض الدول العربية، وما يروج له الطابور الخامس من تابعي الحلف الأمريكي على صعيد الفضائيات والصحافة الأجنبية والعربية ومواقع الأنترنيت، بخلقهم حالة من الذعر والترويع المستمر للشعب السوري، فإنهم جميعاً مشاركون مهما كانت التبريرات والتأويلات، في جريمة التحريض على العدوان والمشاركة بالعدوان على سوريا وطناً وشعبا؛ ولن تغفر لهم خطاياهم، كل صلواتهم وتوسلاتهم وما يذرفونه من دموع التماسيح، على حال الشعب السوري البطل وحريته...!؟

فهذا الشعب، هو وحده القادر على حل مشاكله الداخلية؛ اما التدخل في شؤونه الداخلية، وتحت أي حجة مهما كانت، أو أي ذريعة مهما صورت، أو أي غطاء تبريري كاذب، سيكون مصيرها الخزي والفشل الذريع، أمام صمود هذا الشعب الأبي وأمام تلاحمه الوطني المتواصل، بوجه الهجمة البربرية الإرهابية الغاشمة..!؟
   باقر الفضلي/ 2013/9/3
(1)  http://arabic.cnn.com/2013/syria.2011/9/2/us-obama-syria-legal-issue/index.html
                                                       (2)  http://arabic.rt.com/news/626038-%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%88%D9%81_%D8
                                                                     (*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=375528




69


سوريا: بين الشرعية الدولية وشريعة الغاب..!؟؟(*)

باقر الفضلي

تعيش سوريا اليوم، تحت ضغط حالة من العسف اللامسؤول، من قبل اكبر دولة مسلحة حتى الأسنان؛ دولة شاءت الصدف التأريخية، أن يناط بها مسؤولية حفظ الأمن والسلم الدوليين، بإعتبارها أحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وبالتالي وجدت في نفسها القدرة والمكنة في تحديد القرار الذي يناسب مصالحها، في تجريم أي من دول العالم، ممن يشكل أو يقف عقبة في طريق هذه المصالح؛ فهي وطبقاً لما تشيعه من عقيدة ومباديء، والتي ما إنفكت ترددها ليل نهار، بإعتبار إنها الدولة الراعية لأسس ومباديء الديمقراطية في العالم؛ فهي والحال؛ تجدها في عين الوقت، قد نصبت من نفسها، مدعياً وحاكماً ومنفذاً للقرار، وسعيد من يفلت بنفسه من إنتقامها، وقد نأت بنفسها بعيداً عن قارات العالم، طليقة في تحكمها بشؤون الجميع، من خلال إذرعها الممدودة والمغروسة في كل مكان..!؟

ومن المفارقات اليوم، ان تكون دولة سوريا العربية المستقلة، والعضو المؤسس للأمم المتحدة والجامعة العربية، هي كبش الفداء المرشح لأن ينحر بيد الدولة " العظمى" وسيدة دول العالم، والحامية الأولى للسلم والأمن الدوليين، وراعية الديمقراطية في العالم، وصاحبة أول رئيس للدولة يحمل "جائزة نوبل للسلام "، لتكون في عداد تلك الدول والشعوب التي سبق وهدرت أمريكا، وبدم بارد، دماء الأبرياء من أبنائها، ودمرت هياكل بنائها الإقتصادي والإجتماعي، بالنابالم والغازات الكيميائية واليورانيوم المنضب، والقنابل الذرية، ولا عجب إذا ما تكررت اليوم، التجربة نفسها، مع سوريا أو غيرها من الشعوب والبلدان..!!

فالعدوان المرتقب على سوريا، قد وجد تعبيره الواضح المعالم، على لسان وزير الخارجية الأمريكية السيد جون كيري في بيانه الصحفي من واشنطن بتأريخ 30/8/2013، والذي جسد فيه، كل ما تمت الإشارة اليه في مقدمة هذه المقالة؛ فكل ما جاء من حيثيات وتفاصيل خطاب السيد جون كيري، إنصب في البداية على إبراز دور أمريكا (كجهة مدعية )، في التهمة الموجهة الى سوريا حول إستخدامها الاسلحة الكيميائية، وحاول في توجيهه الإتهام المذكور، وهو يخاطب الرأي العام الأمريكي، ان يوظف كل ما في إمكانه من التركيز على الجانب الإنساني والمعنوي، بهدف التاثير على مشاعر المواطنين وكسب تعاطفهم، بما فيها عرض أفلام من الفديو لضحايا من الأطفال، ويكفي القول هنا، وطبقاً للقاعدة الفقهية/ التي تقول: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر))، والعلة في وجوب هذه القاعدة هو ما يقوله الفقه : ))   ... والحكمة في كون البينة على المدَعي أن جانب المدعي ضعيف لأنه يدعي خلاف الظاهر فكُلف الحجة القوية وهي البينة فتقوى بها ضعف المدَعي.. وجانب المدعى عليه قوي لأن الأصل فراغ ذمته فاكُتفي منه باليمين وهي حجة ضعيفة.((  (1)

وفي هذا الجانب، وهذا ما تمت الإشارة اليه في مقالة سابقة، فلم يلمس المستمع لخطاب السيد الوزير ما يؤكد أو يثبت إدعائه من دليل، وإكتفى بمجرد التعظيم من هول الحدث وأخذ على عاتقه مهمة إصدار الحكم بالقرار المتوقع إتخاذه من قبل الرئيس أوباما بحق سوريا، كعقاب على إستخدام مزعوم من قبل سوريا للأسلحة الكيمياوية، وبهذا نصب السيد جون كيري من أمريكا، حاكماً بأمره من وراء ظهر الشرعية الدولية، الأمر الذي أكده السيد أوباما في خطابه المفاجيء وقبل أقل من ساعة من الآن، وهو يلوح بإتخاذه القرار بتوجيه الضربة العسكرية ضد سوريا، وبأنه سيطلب من الكونغرس الأمريكي التصويت على قراره..!؟؟؟

لقد أثبت السيد أوباما بقراره المذكور، وهذا ما أشار اليه في خطابه؛ بأن أمريكا قدا جاوزت كل الحدود الشرعية ، وبأنه قد وضع نفسه على طريق سلفه السيد بوش الأبن، وبأنه قد رمى الكرة في ملعب الكونكرس الأمريكي، معلناً بأنه قد قام بما هو مطلوب منه لمعاقبة سوريا ، رامياً بعيداً عن طريقه، دور مجلس الأمن والشرعية الدولية، متمسكاً وبذريعة الحفاظ على الأمن القومي، "بشريعة الغاب"، غير مبال بكل ما يمكن أن تكون عليه تداعيات الضربة العسكرية الأمريكية، وما هي أعداد الضحايا من المواطنين السوريين الأبرياء الذين سيسقطون ضحايا جراء الضربة العدوانية، ولكن من ينتهج نفس طريق السيد جورج بوش الأبن، لا يضيره بعد ذلك، ما ستكون عليه أعداد الضحايا، وما سيبلغه حجم الخراب والدمار؛ ولكن يظهر أن من يحمل جائزة نوبل للسلام، يبدو وكأنه الأجدر من يثبت للعالم؛  بأنه "رجل السلام" بحق، وهو من سيطفأ نار الحروب التي أشعلها وسيشعلها بنفسه، فليطمئن الكونكرس الأمريكي والشعب الأمريكي، طالما حباه الله برئيس مؤمن لا يحب إلا  "السلام"...!؟؟

أما الشعب السوري البطل، فهو من يدرك كل تفاصيل اللعبة من بداياتها ، وسيغنيه صموده الرائع، صموداً فوق الصمود؛ صموداً لن تقوى على كسره كل محاولات المستنجدين بالأساطيل الأمريكية وحلفائها، ولم يفت في عضده لا غزوات الإرهابيين ولا تخرصات المستسلمين اليائسين..!؟ 
تحية إكبار لصمود الشعب السوري العظيم   
باقر الفضلي / 31/8/2013   
_______________________________________________________________
(1)     http://www.elajyal.net/videos/105627/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%
(2)      http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/08/130831_syria_putin.shtml
(*)      http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=375528

       




 


70


سوريا: إشكالية الدفاع عن الوطن..!(*)

باقر الفضلي

 تبقى إشكالية (الدفاع عن الوطن)، في مقدمة الإشكاليات التي تتنازع حول جدليتها، على مستوى العلاقات السياسية والإجتماعية، الكثير من وجهات النظر المتباينة في الروىء والأفكار،  بل وفي ادق الكلام؛ الكثير من وجهات التباين في الأهواء والتبعية والمصالح. وليس في مثل هذه الحال، ان يكون هناك من غرابة في القول، ان يجد المرء بين أوساط الكثير من أبناء المجتمع الواحد، من يكون أكثر إستعداداً الى تقديم فروض الطاعة والولاء الى من يحرر بحقه صكاً للعبودية، بل وقد يذهب الى أبعد من ذلك في التمرغ في وحل الخيانة، لبلده وشعبه، فيستمرء الهوان للأجنبي بأبخس الأثمان..!؟؟

وتطرح إشكالية (الدفاع عن الوطن) نفسها، كحد فاصل، بين الكبرياء وبين الإستخذاء؛ بين الحرية والعزة والكرامة، بكل ماتعنيه تلك المفردات من معنى في قاموس اللغة، وبين العبودية والتخاذل والمهانة، ويا لبؤسها من مفردات..!؟؟ 

وقد عودتنا دروس وعبرالتأريخ، وهو أمر قلما يصمد أمامه النقاش؛ بأنه حينما تتعرض الأوطان الى الغزو والعدوان، يستنفر في العادة، أبناؤها؛ شيباً وشبانا، رجالا ونساء، للذود عن حياض الوطن والدفاع عن كل القيم والمقدسات، وعن كل ما يمت بصلة الى مجد الوطن وإرثه وتراثه الخالد في الحضارة، وكل ذرة من ترابه، مرخصين من أجله الغالي والثمين، من نفس ومال..!

ومهما قيل ويقال من تغير في المفاهيم والمصطلحات، مع تغير الأزمان، فهي وحدها مقولة (الدفاع عن الوطن)، وحدها التي لم يعترها التغيير في الشكل أوالمعنى أو في الجوهر، مع إمتداد العصور وتغير الأزمان، وهي وحدها التي ما زالت في عرف الشعوب؛ المقولة الوحيدة التي يُحتكم اليها في تحديد مكانة ما يعنيه لقب ( المواطنة )، حيث  يكون في المقدمة واجب صيانة مدلولها قولاً أو في العرف العام، الأمر الذي ينص عليها في دساتير الشعوب، وترفع بها الهامات، عزة وإفتخارا..!

لقد جسد الكثير من الشعراء والخطباء ومن الفنانين والقادة الوطنيين، التي كانت تدهم أوطناهم المحن، من غزو وعدوان غادر، ما يعنيه شعار ( الدفاع عن الوطن )، وسجلوا من الصفحات، سجلاً ناصعاً من المآثر التي خلدتهم عبر التأريخ، والعديد منهم من آثر الإستشهاد والتضحية في سبيل الدفاع عن كرامة أوطانهم وعزة شعوبهم، فكانوا قدوة لكل الشعوب التي  ناضلت وما إنفكت بعضها، تناضل حتى اليوم، من أجل حريتها وكرامتها في الإستقلال والسيادة الوطنية، مرخصة من أجل ذلك، أغلى وأثمن ما تملك من نفس ومال من أجل ذلك، وسجل تأريخ الشعب المصري غزير بمثل هذه المناسبات..!(2)

وإن كان لنا في التأريخ العربي والعالمي، ما نستعيده في الذاكرة، من قصص المآثر والكفاح في سبيل (الدفاع عن الوطن)، ما لا تتسع له الصفحات، فإن لنا من خلال هذا الإستذكار، ما يفتخر به  اليوم، وما تشهده أعين كل العرب والعالم في مشارق الأرض ومغاربها بما فيها الأعداء؛ من صمود باهر، ومنقطع النظير، للشعب السوري البطل، أمام غدر هجمة عدوانية ظالمة، ينفذها الحلف الغربي _ التركي/ الخليجي بقيادة أمريكا؛ هجمة تستهدف الوطن العربي السوري، أرضاً وشعباً وحضارة، تحت مظلة من الذرائع الزائفة والإتهامات المزعومة الكاذبة، وفي مقدمتها ذريعة " إستخدام الأسلحة الكيمياوية" من قبل النظام السوري، تلك الإتهامات التي لم يتمكن الحلف المذكور من تقديم، حتى ولا دليل واحد على صحتها..!؟

كل هذا، لدرجة بات معها التهديد بتوجيه ضربة عسكرية قريبة ضد سوريا، من قبل الحلف المذكور، وبالإلتفاف على القانون الدولي ومن وراء ظهره، وحتى قبل أن تقدم لجنة التحقيق الدولية تقريرها الى الأمم المتحدة، رغم مناشدة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بضرورة منح اللجنة التحقيقية الأممية، ما يكفي من الوقت لإنهاء عملها، ودون مبالاة لتحذيرات الوسيط الدولي السيد الأخضر الأبراهيمي والمندوب الروسي لدى مجلس الأمن، بأن أي عمل عسكري يجب أن لا يسبق  القرار الدولي (قرار مجلس الأمن)، فقد بات معه هذا التهديد، أمراً لا يمكن التهاون معه، أو التقليل من خطورته، بل ينبغي التحذير من تداعياته الكارثية على الشعب السوري وشعوب المنطقة الإقليمية، وما يمكن أن يجره من عواقب وخيمة ومخاطر على الأمن والسلم الدوليين..!!؟

 فالتدخل العسكري المبيت ضد سوريا، قد كشر عن أنيابه، ورفع كثيراً من وتيرة التضليل الإعلامي، وباتت نواياه وخططه الإستراتيجية واضحة للعيان؛ ليكن على رأسها تدمير الجيش السوري الوطني، وليكن تحقيقه في مقدمة تلك المهام الإستراتيجية، على غرار ماتم من تدمير للجيشين العراقي والليبي، ناهيك عن بناها التحتية، وإقتصادها الوطني، لتأتي النتيجة، إذا ما تحقق ذلك، واضحة على الصعيد العسكري، في خلق وتعميق عدم التوازن العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل..!؟؟

في مواجهة هذا الواقع، لم يعد أمام الشعب السوري والحال، من طريق آخر، غير رص الصفوف وتوحيد الكلمة، ومجابهة الغزاة وصد العدوان، فالإستسلام لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يكون بديلاً او قريناً لشرف (الدفاع عن الوطن)، على العكس من ذلك؛ فإن ما تلمسه الجميع، من صمود الشعب السوري العظيم، بجيشه وتلاحم صفوفه الشعبية الوطنية، طيلة تسع وعشرين شهرا، قد أرعب فلول الغزاة، وأصاب كل من وقف وراء حملة الغزو والإرهاب، كل هذا الوقت العصيب، بخيبة الأمل والفشل الذريع والهزيمة النفسية..!

وما يجري تبييته خلال الساعات القادمة من عدوان سافر ضد سوريا، طبقاً لوسائل الإعلام الدولي والإقليمي، فإن تحقق ذلك، فهو في أدنى تقديراته، لا يعبر إلا عن تحد مرفوض لكل المواثيق الدولية، وخروج على القانون الدولي ومباديء حفظ السلم والأمن الدوليين، وإجهاض لكل محاولات المجتمع الدولي، بإتجاه حل الأزمة السورية بالطرق السلمية، ومنها المحاولات المبذولة لعقد مؤتمر جنيف/2، وليس مثل هذا العدوان إن تحقق، إلا مغامرة مجنونة العواقب، ترتكب بحق وطن وشعب سوريا، وبحق السلم والأمن الدوليين، ومن السابق لأوانه الحديث عن حجم ردود الفعل التي ستجابه بها المغامرة المذكورة على الصعيد الدولي، وهذا ما أدرك مقدماته السيد ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني..!؟؟(2)

  وليس بعيداً عن كل ذلك، ما يجري الحديث عنه، من تحميل أطراف المعارضة السورية وخاصة المتواجدين منهم في الخارج (الإئتلاف الوطني للمعارضة)،  نصيبهم من المسؤولية الأخلاقية والتأريخية، فيما ستتعرض له سوريا من تدمير شامل على صعيد الشعب والوطن، فهم قبل غيرهم من يدعو ويلح ويطالب دون توقف ومنذ تشكيله، بضرورة التعجيل بتوجيه الضرية العسكرية الى سورية من قبل دول التحالف الأمريكي _ الغربي/ الخليجي _التركي، دون الحساب لأي من التبعات التي ستترتب على ذلك..!؟؟

 ولكن ومع كل ما تقدم، فقد أثبت الشعب السوري البطل، بأنه ما كان يوماً في طبعه، ولا في كل تأريخه المجيد، ما يمت للإستسلام والخنوع بصلة، وهذا نفسه ديدن جميع الشعوب في مقارعتها للغزو والعدوان وللإستعمار والظلم، وما مثل الشعب الفيتنامي البطل، إلا المثل القريب على صمود وبسالة الشعوب؛ فصمود شعب سوريا، هو وحده القادر على التحدي، وعلى مواجهة العدوان، ولديه وحده ، رغم كل هذا الضجيج الإعلامي الغوبلزي، الخبر اليقين...!
باقر الفضلي / 2013/8/29
_________________________________________________________       
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=375045
(1)      http://umkolthoum.blogspot.se/2011/02/blog-post.html
(2)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2NWE20130829

71


سوريا : التدخل العسكري إنتهاك صارخ للقانون الدولي..!!؟(*)

باقر الفضلي

تتلاحق التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين في أمريكا ودول الغرب، المتفاعلة مع الضجيج  الغوبلزي، الأمريكي _ الغربي، حول مزاعم إستخدام النظام السوري الأسلحة الكيمياوية في منطقة الغوطة الشرقية ضد "الأطفال"، حتى قبل أن يبدأ فريق المفتشين الأممين مهامه حول التدقيق والتحقيق في مدى صحة ما يقال من إدعاءات حول الأمر؛ لدرجة دفعت بوزير الخارجية الروسي السيد لافروف، أن يعقد مؤتمراً صحفياً هذا اليوم، يكشف فيه؛ بواطن تلك الإدعاءات، وخفايا الموقف الأمريكي _ الغربي من إشكالية إستخدام تلك الأسلحة المحرمة دولياً، منتقداً في عين الوقت، توجهات ومواقف هذه الدول من حقيقة الإتفاقيات التي جرت مع روسيا في مؤتمر جنيف/2011  مؤكداً في نفس الوقت: " بأن الدول الغربية تأخذ لنفسها دور مجلس الأمن الدولي دون أن تنتظر نتائج التحقيق الأممي بشأن المعلومات عن استخدام السلاح الكيميائي." وذلك في إشارته الى التصريحات الصادرة عن الدول الأوروبية الثمانية التي حضرت مؤتمر جنيف، بدعوتها الى: القيام  "بالتدخل في سوريا بعد اتهامات من مقاتلي المعارضة لقوات الحكومة السورية باستخدام أسلحة كيماوية ضدهم."  مناشداً تفادي أخطاء الماضي..!؟"(1)


كل هذا يأتي في وقت، تشن فيه وسائل الأعلام الغربية والصحافة على وجه الخصوص، أشرس حملة (غوبلزية) لتضليل الرأي العام الأوروبي بالذات، وترويع الشعب السوري، وتهيئته نفسياً لأن يتوقع في أي لحظة رداً عسكريا، عقاباً لسوريا "لإستخدامها الأسلحة الكيمياوية" على حد ما تحاول تلك الوسائل من الترويج له دوليا، دون أي وازع مهني يدعم إدعاءاتها أو دليل من هيئة دولية معترف بقراراتها..!!؟؟


إنها بهذا تحاول كسر أي تردد لدى إدارات دولها صاحبة القرار في التدخل العسكري، من خلال التسويف والتقليل من جدوى وجود المنظمات الدولية الشرعية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، وطبيعة المباديء والضوابط والأليات التي تتبعها في حفظ وصيانة الأمن الدولي، متسائلة عن مدى جدوى التمسك بتلك المباديء والأليات، لتسهل الأمرأمام تلك الإدارات، بتحريضها على البدأ بعمل عسكري عاجل ضد سوريا، وهي لها من السوابق بهذا الشأن، ومن القدرة ما يجعلها جديرة بالإقدام على مثل هذا العمل الشائن..!؟


 فعلى سبيل المثال تتناول صحيفة الفاينانشال تايمز متسائلة عن " مدى قدرة واشنطن وحلفائها على القيام بعمل عسكري خارج مظلة الأمم المتحدة حيث ترى الجريدة أن الموقف مشابه لما حدث مع العراق أيضا وما حدث من قيام الولايات المتحدة وحلفائها بشن غارات جوية على صربيا عام 1998 دون تفويض من الأمم المتحدة ."(2) 


ووفق هذا المنطق التضليلي؛ يحاول التحالف الأمريكي _ الغربي/ التركي _الخليجي، تمرير ما يبيته من خطط للتدخل العسكري الغاشم ضد الشعب السوري ودولة سوريا الحرة المستقلة العضو المؤسس في الأمم المتحدة، ولا يهمه بعد ذلك ما ستكون عليه نتائج وتداعيات ما يقدم عليه من مغامرات وتجاوزات وخروقات للأعراف والشرائع الدولية، بالنسبة للشعب السوري والمنطقة والعالم، فله من السوابق العدوانية بحق الشعوب والبلدان المستقلة، ما يعجز عنه بيان؛ ويكفي أن يكون التنصل عن مقررات مؤتمر جنيف/2012 بشأن توفير فرص الحلول السلمية للمشكلة السورية، وهو ما أشار اليه الوزير الروسي في مؤتمره الصحفي، أحد الأمثلة على تلك السياسة..!!؟؟(3)
باقر الفضلي/26/8/2013
(1)   http://arabic.rt.com/news/625287-%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1
(2)   http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2013/08/130825_press_monday.shtml
(3)   http://www.france24.com/ar/20120630-%D9%85%D8%A4%D8%AA     
(*)       http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=374666



72

سوريا: التلويح بالتهديد والإنذار بالوعيد..!؟ 

باقر الفضلي

يبدو أن سوريا وطناً وشعبا، وهي تخوض معركة وجودها كدولة تمتلك كامل شروط وأسس ذلك الوجود الشرعي، في مواجهة أشرس هجمة بربرية، من غزو لن تعرف لهمجيته مثيلاً من قبل؛ يبدو وكأنها  قد كتب عليها أن تقدم الثمن المجزي، من الضحايا الأبرياء ومن عمران وحضارة وإقتصاد البلاد، بما يشبع نهم وجوع الغزاة، ومن يقف ورائهم من ممولين ومخططين، وكل من شارك بنسج "السيناريو" المدمر، ليكتمل في النهاية، تحقيق الهدف الذي صيغ من أجله هذا السيناريو المقيت؛ سيناريو ما يسمى، بخارطة "الشرق الآوسط الجديد"، وبالتالي أن تأتي النتائج مسددة لحجم "التكاليف" ناهيك عن تحقق المصالح الأخرى..!؟(1)

ولعل من مفارقات الزمن، أن تتماثل مفردات وبعض تفاصيل السيناريو المذكور، مع مثيلاتها في السيناريوهات السابقة، التي جرى تطبيقها في كل من العراق قبل الغزو الأمريكي/2003 ، وفي ليبيا بعد ذلك، لإيجاد السبل والذرائع للتدخل العسكري المدعوم بالقرارات الشرعية لهيئة الأمم المتحدة، كمجلس الأمن، بعد أن تكون تلك الدول قد إستعصى اخذها وإحتلالها بالطرق الأخرى، ، أو إذا ما أبدت مقاومة مشروعة في مواجهتها للعدوان، كما يحدث في سوريا اليوم..!؟

وما التحجج والزعم بإستخدام "السلاح الكيمياوي" من قبل الجيش الوطني السوري، وحسب ما أعلنته المعارضة السورية مؤخرا، إلا إحدى الذرائع القوية التي ركن اليها،  وجرى تلقفها من قبل أصحاب سيناريو "الشرق الوسط الجديد" ،  وذلك في محاولة منهم، للحصول على قرار من مجلس الأمن، للتدخل العسكري وإجتياح دولة سوريا، وبالتالي؛ تدمير جميع مرافقها العسكرية والمدنية والحضارية وكل ما أتت اليه اليد سبيلا؛ وهذا بالضبط هو ما يدعو اليه الآن، وبكل حماس ولهفة، السناتور الأمريكي ذائع الصيت: (جون ماكين)..؟؟!!(2)

وهكذا وكما يبدو جلياً بالنسبة للسناتور نفسه، وكأن الأمر قد إنتهى، وأن سوريا قد وقعت في شباك الفخ المنصوب،  حتى قبل التثبت من مدى صحة الأمر دوليا، ورغم نفي الجيش الوطني السوري والحكومة السورية لتلك المزاعم، ومع ما أعلنته الحكومة الروسية عن  ممانعة  مقاتلي المعارضة التحقيق في هجوم كيمياوي مزعوم،  على حد ما نقلته وكالة رويتر للأنباء..!؟ (3)

وبقدر ما يتعلق الأمر بإستخدام السلاح الكيمياوي، ففي مقالة سابقة، تمت الإشارة الى "ذريعة إستخدام الأسلحة الكيمياوية"، بإعتبارها الأكثر رواجاً في الإعلام الغربي والخليجي الضالع بحماس في الترويج للأمر حيث جاء تأكيد القول، وهو لا زال يحتفظ بكامل دلالاته ومعانيه، على أن : [[ ما يتردد اليوم وبتواتر غير مسبوق، من قبل امريكا ومعها التحالف الغربي التركي الخليجي وإسرائيل، عن "إفتراضية" إستخدام النظام في سوريا للأسلحة الكيمياوية في النزاع الداخلي، رغم التكرار بالقول من خلال التصريحات العليا، بالبحث عن "الأدلة" لذلك الإستخدام، فإن هذا لا يمنع أن تجد "الذريعة" وقتها المناسب، لتبرير التدخل العسكري ضد سوريا، ليصبح بعده ما يقال عن "الحل السلمي" مجرد لعبة لكسب الوقت والإغفال، وحرف الأنظار عن الوجهة الحقيقية لسير الأحداث في حل الأزمة السورية، وهذا ما أشار اليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخراً من مخاوف عن [[ "محاولات لإحباط أية فرص للتسوية السلمية ومحاولات لفرض نزع الشرعية عن القيادة السورية".]] (4)   http://arabic.rt.com/news/612713/ :روسيا اليوم

ولكن ومع كل ما تقدم، وبعيداً عن الخوض في تفاصيل الإدعاء والحيثيات المقدمة وطبيعة القرائن المتعلقة بحادثة إستخدام الأسلحة الكيمياوية في الموقع المعلن عنه، وتجنباً لإستباق النتائج،  فإن الغريب في الأمر، أن يجري الإعلان عن واقعة ذلك "الإستخدام" غير المؤكدة بعد، ان يجري ذلك في نفس الوقت الذي يحط فيه الوفد الأممي أقدامه على الأرض السورية، لتقصي الحقائق عن ما سبق من إستخدام للأسلحة الكيمياوية،  وذلك للتأكد من حقيقة الجهات المستخدمة، الأمر الذي يثير معه، الكثير من التساؤل عن مدى مصلحة جهة النظام، في أن تضع نفسها في موقع المريب، في قضية بهذه الدرجة من الخطورة والأهمية..!!؟ وبالتالي وفي خضم هذا البحر المتلاطم من الخلط المتواصل للأوراق، يصبح من النافل للقول، أن لا سبيل للوصول الى الحقيقة، إلا بالإحتكام الى تدقيق وتحقيق دولي نزيه، وهذا ما وافقت عليه الدولة السورية، وروسيا والصين وغيرها من الجهات التي يعنيها الأمر..!
     
خلاصة القول؛ فإن كل الشواهد والدلائل التي تفرزها الأحداث الجارية في سوريا اليوم، لا يمكن النظر اليها إعتباطاً وتبسيطها الى مجرد نزاعات عابرة، وهذا ما سبق وجرى تناوله في مقالات عديدة، بقدر ما هي، عبارة عن تداعيات ونتائج لحرب كونية تتعرض لها سوريا، منذ أكثر من عامين، من قبل كل أطراف التحالف الذي يقود ويدير هذه الحرب، لدرجة أضحت فيه سوريا، وبسبب "ذريعة" ما يقال عن "إستخدام الأسلحة الكيمياوية"، كمن وجد نفسه عالقا، حقاً أو باطلا، بين مطرقة التهديد وسندان الإنذار بالوعيد، والذي ما أنفكت قوى التحالف الأمريكي _ الغربي الخليجي التركي، التلويح به حيثما وجدت الفرصة سانحة لذلك، رغم محاولاتها، بين الحين والآخر، وذراً للرماد في العيون، أن تعلن وتدعو الى التخفيف من التصورات الناجمة عن تلك التهديدات بالتدخل العسكري، لدى الرأي العام والمجتمع الدولي..!؟(5)

 هذا وفي الوقت عينه، وعلى الضد من ذلك، فإن كل الدلائل تشير، وعلى حد تلميح وزير الدفاع الأمريكي السيد تشاك هيغل اليوم من ماليزيا، الى "ان البنتاغون يقوم بتحريك القوات الامريكية في حال قرر الرئيس باراك اوباما القيام بعمل عسكري ضد سوريا" ..!!؟؟ (6)
   باقر الفضلي / 23/8/2013
___________________________________________________________
(1)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/8/23/us-obama-egypt-syria/index.html
(2)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/8/22/mccain.syria/index.html
(3)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2LA720130823
(4)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=360053
(5)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2LF420130823
(6)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/08/130824_syria_us_weighs_military_options.shtml


73


مصر: حينما يصبح الإرهاب حقيقة..!!؟

باقر الفضلي

لم يعد من العسير على المراقب للمشهد السياسي المصري اليوم، ان يلحظ الطابع العنفي للأحداث الجارية في الواقع الميداني، وكيفية خروجها عن كل نمطية الصراع السياسي المعتاد بين القوى السياسية المختلفة، في ظل القوانين والأنظمة المرعية التي تحكم حالة ذلك الصراع..!

ففي مقالة سابقة تمت الإشارة الى كيفية إستخدام الطرق السلمية التي يكفلها القانون؛ من إجتماعات وتظاهرات وإحتجاجات وإعتصامات، يمكن اللجوء اليها من قبل القوى السياسية، للتعبير عن مواقفها ورأيها في أي قضية إجتماعية أو سياسية أو مطلبية، وتحويلها من وسائل سلمية الى وسائل تتسم بالعنف والشدة، لدرجة تأخذ معه شكلاً لا يمكن التسامح معه من قبل الدولة بأي حال من الأحوال، كون ذلك يندرج تحت طائلة القانون، وفي حدود المسائلة أو العقاب، لما ينجم عنه من التعدي على حقوق الآخرين، والمس بمصالحهم الخاصة، وإضراره بالصالح العام، وتهديده الأمن والنظام العام، التي رعاها القانون، وحماها دستور الدولة، ناهيك عن تهديده لأمن الدولة وإستقلالها..!؟(1)

وليس بعيداً عن ذلك، أحداث الأيام التي أعقبت الثالث من تموز/2013، الذي شكل حداً فاصلاً بين فترة من الفساد والإستبداد، التي إنتهت بثورة الخامس والعشرين من يناير/2011، ومن ثم ما بعدها فترة محاولات تثبيت حكم التطرف اليميني الديني الفاشي، التي إنتهت بصورتها الرسمية، في الثالث من تموز/2013 أعلاه، تلك الأحداث التي ما زالت تداعياتها وذيولها مستمرة حتى اليوم، بما إتسمت به من مظاهر العنف المسلح، الذي لا يمكن التسامح معه قانونا، بعد أن خرج في مدياته، عن كل ما يمت بصلة لأساليب الصراع السياسي المعتادة، ليدخل في النهاية  دائرة الإرهاب الموجه والمدمر، لتصبح أهدافه فيما بعد واضحة المعالم، وذلك باستهدافها الدولة بمؤسساتها المختلفة، مما تعذر معه، وفي ظل الخراب والتدمير، وإتساع دائرة القتل والحرائق، وزيادة ترويع الناس، ان يكون موقف سلطات الدولة سلبيا، بعد أن أصبحت تلك الدولة بكل مؤسساتها، أهدافاً محددة للتوجه الإرهابي، وبعد أن أصبح ذلك التوجه لا يعرف حدوداً قانونية او اعرافاً إجتماعية، أو ثقافية، ولا حتى شرائع دينية، بقدر ما كان يسعى اليه من تدمير لأسس الدولة القائمة، وبناء أسس الدولة الدينية، وفقاً لبرنامج "فكري _ إعتقادي" قد أعد سلفا..!؟

إنه ومن نافل القول، الإستشهاد بالحادث الارهابي الاجرامي الآثم، بتأريخ التاسع عشر من آب الجاري/2013، والذي إستهدف حياة خمس وعشرين من أفراد مجندي الأمن المركزي الإبرياء في منطقة رفح في سيناء، وهم في طريق عودتهم الى معسكرهم، مما أثار الغضب والإستنكار، لهول وعظم الجريمة التي اقدم عليها الإرهابيون، دون وازع من ضمير..!؟(2)

إقول؛ ليس من باب المبالغة، الإستشهاد بالحادث المذكور، كمثل ودليل قاطع على تحول المشهد السياسي في مصر من حالة الصراع السياسي في مظهرها الخارجي، الى حالة من الحرب الإرهابية التي تتعرض لها الثورة المصرية على صعيد الواقع الميداني حاليا وعلى يد قوى جماعة الأخوان المسلمين، التي أثبتت كل الدلائل والقرائن ضلوعها في تخطيط وتفاصيل الحرب المذكورة، وإبتعادها عن كل ما يمت بصلة الى أي صراع أو نزاع سياسي،  ناهيك عن الأمثلة والأدلة الأخرى التي لا تخفى على  المتابعين للمشهد السياسي المصري وعلى مراكز الإعلام..! وبالتالي فإنه من الطبيعي أن يجد كل من شارك أو ساهم في شن هذه الحرب، أن يجد نفسه عرضة للملاحقة القضائية، بإعتباره  داعماً أو مساهماً في جريمة يعاقب عليها القانون..!؟

 ولا مناص والحال، أن يفقد كل من ساهم في شن هذه الحرب، وبأي شكل من الأشكال، أو بأي طريقة من الطرق، سواء كان فرداً أو منظمة إجتماعية أو سياسية، سيفقد جميع الحقوق التي كفلها القانون، والتي يتمتع بها الفرد السوي أو المنظمة السياسية والإجتماعية في الظروف الإعتيادية؛ وبالنتيجة، فإنه يصبح من المسلم به والحال، أن يجري تكييف كافة الأنشطة والأعمال التي تدخل في نطاق دائرة العنف، من قتل وتدمير وإشعال الحرائق..الخ، تكييفها بإعتبارها ذات طابع إرهابي، وبالتالي تصبح الملاحقة في مثل تلك الحالات، حالة قانونية مشروعة، يدعمها الدستور في داخل الدولة، والمجتمع الدولي الذي هوعادة ما يستنكر الإرهاب،  كوسيلة في التعامل السياسي الداخلي، ناهيك عنه في  النضال السياسي..!؟

ومن هنا يمكن القول؛  بأن ما جرى تناوله في مقدمة المقالة من طرق ووسائل سلمية أقرها القانون وإعتبرها بمثابة حقوق لا يمكن المساس بها، من حق التعبير والإجتماع والتظاهر والإعتصام..الخ، والتي على الدولة صيانتها وتوفير الفرص والإمكانات المتاحة، أمام المواطن للتمتع بها بكل حرية وإستقلال؛  فجميع هذه الحقوق، يمكن أن تنقلب الى ضدها، وتتحول من حقوق شرعية، الى أعمال غير مشروعة؛ وذلك في حالة إذا ما شابها أية شائبة من العنف، أو ما يدل عليه، كإقتناء السلاح بمختلف أنواعه، أو إستغلال تلك الحقوق ومنها حق الإعتصام على سبيل المثال، خارج القصد الذي شرع من أجله، كإستخدام مكان الإعتصام بتحويله الى قلعة حربية، او ملجأ لإيواء المجرمين الملاحقين من قبل السلطات، أو إستخدام التظاهر والمظاهرات الى ستار للتستر على وجود الأفراد المسلحين، وتمكينهم من القيام بعمليات القنص، وإطلاق النار بقصد القتل والترويع،  كذلك الأمر نفسه فيما يتعلق بحرية التعبير، حين يجري إستخدام منصات الخطابة لغير المقصود من وجودها، وإستغلالها كمنابر للتحريض على القتل وتأجيج الخطاب الطائفي وإشعال الفتنة بين الناس..!؟؟

إن جميع ما تقدم يشي بكشف طبيعة الأهداف والنوايا التي تفصح عنها حقائق الأفعال والأنشطة، التي تقدم عليها أي جماعة سياسية كانت أم دينية، خاصة تلك الأنشطة التي تتسم بالعنف المسلح؛ من مثل قتل الأبرياء، ومن حرق وتدمير لمؤسسات الدولة والمواطنين، بهدف إشاعة الفوضى في البلاد، من خلال إستهداف قوى الأمن، ومحاولات إضعاف وإنهاك القوات المسلحة، وترويع المواطنين، فهي جميعاً لا يمكن إلا أن تقع تحت طائلة الإرهاب، الذي تصب أهدافه في خدمة العدو اي كان جنسه أو نوعه، ولا تمت بصلة لأي شكل من الديمقراطية أو الشرعية التي تشدق بها البعض من الباحثين عن التبريرات للسلوك الإرهابي الذي إنتهجته فئة وضعت نفسها في موضع المدان الذي لا يمكن الدفاع عنه، والتي أصدر الشعب عليها حكمه، بالعزل في الثلاثين من حزيران/2013..!؟؟؟

فما تتعرض له مصر اليوم، لا يخرج في كل معالمه ودوافعه، عن نطاق الحرب الإرهابية، الهادفة الى تدمير مصر كدولة رائدة لصرح الثقافة والفنون، والتقدم الحضاري، بما تمتلكه من دعائم حضارية وتأريخ مشرق في جميع العصور، وهولا يخرج في سيناريوهاته عما سبق ورسم وخطط لمنطقة الشرق الأوسط، من قبل التحالف الأمريكي الغربي التركي _ الخليجي، الأمر الذي أدركه ووعاه الشعب المصري وقواه الوطنية مبكرا، وجسده في تحركه الثوري في الخامس والعشرين من يناير/2011 ، وبثورته المليونية في الثلاثين من حزيران/2013...!؟(3)
فمجداً لنضال الشعب المصري العظيم / والعزة والخلود لشهدائه الأبرار
باقر الفضلي/ 20/8/2013 
____________________________________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=370863
(2)  http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/8/19/rafah.egypt/index.html
(3)  http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1211278&SecID=319
           

     

74



مصر: الثورة المصرية وخطر الإرهاب..!!؟؟

باقر الفضلي

جاءت أحداث مصر ليوم 14/8/2013 في القاهرة، والتي إنتهت بفض إعتصام ساحتي النهضة ورابعة العدوية لجماعة الأخوان المسلمين، بمثابة الصدمة المزلزلة، التي صعقت أمريكا ودول الإتحاد الأوروبي وحلفائهما مثل قطر وتركيا، وأوساط أخرى ذات صلة بالجماعة المذكورة، من امثال القرضاوي ومن بعض أوساط الساسة المصريين من بين افراد الحكومة المصرية القائمة أمثال السيد محمد البرادعي، بل وهزت الصدمة حتى البعض من الكتاب، من الذين إعتادوا خلط السمن بالعسل في الموقف من أحداث مصر، فجاءت جميع ردود الأفعال على تلك الآحداث، وكأنها قد صدرت من حنجرة واحدة، بل وكأن الجميع يرددون النغمة نفسها، التي أطلقها الرئيس الأمريكي السيد أوباما في ردة فعله على الأحداث وكأنهم في جوقة موسيقية واحدة..!؟(1)

أمام ردود الفعل المذكورة، تجد الثورة المصرية نفسها اليوم، في وضع أقل ما يقال عنه؛ إنه وضع يهدد المكاسب التي حققتها الثورة الشعبية في الخامس والعشرين يناير/2011 ، وقومت مسيرتها في الثلاثين من حزيران/2013، بعد أن إتجه تنظيم الأخوان المسلمين بعد الثالث من تموز/2013 الى نهج العنف المسلح لإسترداد "الشرعية"، ممثلة بالرئيس المعزول محمد مرسي، فكانت إجراءات فض الإعتصامين في النهضة وربيعة العدوية، من قبل سلطات وزارة الداخلية المصرية؛ بمثابة الشرارة التي كان ينتظرها تنظيم "الاخوان"، والحافز المحرك لقوى اليمين المصري ومن وراءه القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تخف دعمها وتأييدها لنهج تنظيم الأخوان، خلال عام من وجودهم في سلطة الحكم، وهذا ما مثله تدخلها السافر في الشأن المصري الداخلي من خلال سفيرها في القاهرة أو من خلال ما كانت ترسله من الوفود المتواصلة الى مصر، لمناقشة الإجراءات المتخذة والشؤون الداخلية لدولة مستقلة بحجم مصر..!؟(2)

إن كل الدلائل الميدانية للمارسات التي أقدم عليها تنظيم "الأخوان" والتي اعقبت فض إعتصامي النهضة ورابعة العدوية وما قبلها، وخاصة يومي  15 و16/8/2013، تضع في الشبهة ما تهدف اليه قيادات التنظيم المذكور من خطط وسينياروهات مدمرة للدولة المصرية؛ وجميع هذه الدلائل، تنزع عن هذا التنظيم كل ما يمت بصلة الى العمل السياسي المتعارف عليه في الحياة الديمقراطية، وقد أثبتت تلك الممارسات خلال اليومين المذكورين وما قبلهما، صحة الأمر المذكور؛ فإستهداف مؤسسات الدولة وممثليها بالحرق والتخريب والقتل، وحرق المعابد والكنائس، وترويع الناس والتحريض على القتل، كله ينزع عن التنظيم  المذكور أي صفة سياسية، ويجعل منه أقرب الى منظمة إرهابية، إن لم يكن الأمر في واقع الحال كذلك؛ تهدف الى تدمير دولة مصر، وزرع الفتنة الطائفية، فكل ما يحدث في مصر اليوم وعلى حد قول العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، لا يخرج في حقيقته عن إرهاب غرضه  " أن يزعزع دولة لها في تاريخ الأمة الإسلامية ، والعربية ، مكان الصدارة مع أشقائها من الشرفاء."(3)

فكل ما تعول عليه "جماعة الأخوان المسلمين" بعد إنتحارها السياسي مؤخرا، من دعم قد يأتي من الخارج، وبالأخص من أمريكا وكما عهدته في السابق، لا يجد له المراقب للأحداث، من واقع ملموس، خاصة وإن مصالح دولة مثل أمريكا، هو من يحدد موقفها من الآخرين، هذا وبعد أن أصبح موقف الدولة المصرية بقيادتها الحالية، جلياً بكل هذا الوضوح من الإستقلالية والسيادة، إتجاه كل محاولات التدخل في الشأن الداخلي للدولة المصرية العتيدة من قبل الآخرين..!(4)
باقر الفضلي/ 16/8/2013
(1)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/8/15/obama.egypt/index.html
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2EIZ20130807?sp=true
(3)   http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1207264&SecID=12
(4)   http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1206730&SecID=12




75

مصر: المشهد السياسي بين الواقع والتضليل..!؟

باقر الفضلي

منذ الخامس والعشرين من يناير/2012 وحتى اليوم، ما إنفكت صورة المشهد السياسي في مصر، أن تكون عرضة للتأويلات والتفسيرات المختلفة، من حيث الأسباب والنتائج، ومن حيث التداعيات، ناهيك عن المصالح؛  وأغلبها فرضيات تصب في خدمة من يرى في احداث المشهد المذكور، ما يخدم مصالح محددة، سواء على المستوى الداخلي أم على المستويين الإقليمي والدولي؛ كل هذا، ومن منظور الواقع، فلا يمكن أن يتجاهل المرء، حقيقة حالة من إغفال لجوهر الصراع الذي يدور على صعيد الساحة الإجتماعية والسياسية المصرية، لتبدو الصورة في بعض الأحيان وكأن أحداث مصر ماهي إلا صراع بين اقطاب من السلطة وبين معارضيهم..!؟


فقد أختزلت صورة المشهد السياسي المصري ، وخاصة بعد الثلاثين من حزيران/  والسابع والعشرين من تموز/2013، عندما وضع الشعب المصري مسيرته الثورية الديمقراطية في الخامس والعشرين يناير، وفي موقف موحد مع قواته المسلحة، في طريقها الصحيح؛ أقول لقد أختزلت تلك الصورة البهية للمشهد الشعبي المصري، على يد البعض من المحللين أو الكتاب، الى مجرد عملية باهتة، وجدت تعبيرها في مصطلح " الإنقلاب العسكري"، بهدف تمييع جوهرها الثوري الديمقراطي؛ بل والأنكى من ذلك، إختزالها من قبل بعض تلك التقييمات، الى مجرد عملية إنقلابية قادها ونفذها قائد عسكري، من أمثال "بينوشيه"، أو في أوصاف لا يمكن القول عنها؛ إلا انها عبارة عن إستخفاف بعقول الملايين من المصرين، وإستهانة بنخبهم وطلائعهم المثقفة، من علمانيين ويساريين، وقوميين وشيوعيين، ومن جموع العمال والفلاحين والطلبة وملايين النساء، ونعتهم ب "الغباء" وب "المطايا" التي "إمتطاها الفاشي السيسي" وغيرها من النعوت التي لا تستحق التعليق..!؟


غير إن كل ما يقال عن وصف أحداث الثلاثين من حزيران/ والسادس والعشرين من تموز/2013، بأنها مجرد "إنقلاب عسكري"، يقوده " جنرال فاشي" ؛ لا يعدو كل ذلك، عن كونه إيهام بغير الواقع، وتبسيط لطبيعة الأحداث، وحرف عقول الناس بعيداً عن إتجاه البوصلة الصحيح في اللحظة المعينة، بل وحتى زرع عدم الثقة في نفوسها، عن طبيعة حراكها الثوري والتشكيك بمسارها، وذلك في محاولة للإيحاء لها وللعالم؛ بأن حراكها هذا، ما هو إلا قرار مخطط له سلفاً، وإن دورها فيه لا يتعدى كونها؛ سوى " مطية " وآلة للتنفيذ ليس إلا؛ وإن الهدف منه هو إضفاء "الشرعية" الشعبية "الثورية" على الإنقلاب المزعوم..!!؟   
 

إنه التضليل بعينه، وإن كانت بعض أدواته، لا تخرج في سياقها المتداول، عن حقيقة ما يقال : "عدو عدوي صديقي" طبقاً للمثل الشائع؛ فإن الغاية المتوخاة في النتيجة، وكما يهدف اليها أصحاب  التضليل أنفسهم، إنما تخدم مصالح نفس "الطرف" الذي إستخدم كأداة للتضليل..!!؟


فحينما يجري التركيز على؛ أن تلك الملايين من أبناء الشعب المصري ليسوا ب "شعب يناير" ، وليسو ب " الشعب الثوري" حتى لو "يكونوا قسمه الأكبر"، على حد ما يقولوه ذلك البعض منهم، بل إنما هم مجرد " مطايا امتطاهم الفاشي السيسي"، المدعوم "أمريكيا وإسرائيليا" وفق ما يقوله نفس هذا البعض، وبأن كل هؤلاء (القسم الأكبر من الشعب)، لا يخرجو عن كونهم "قوى الثورة المضادة" "لثورة الخامس والعشرين من يناير" على حد قول أصحاب تلك النظرية؛ الأمر الذي  يحار المرء معه، كيف يجد تفسيراً مناسباً لمثل هذا التخريج ازاء واقع الحراك الثوري المليوني لجماهير الشعب المصري في الثلاثين من حزيران والسابع والعشرين / تموز/2013 ، فلا تراه يجد أقرب من القول: بأن هذا "التخريج"، هو وحده من يقف ضد إرادة الشعب المصري المليونيه، وبأنه لا يخدم إلا مصالح ذلك الطرف "جماعة الأخوان المسلمين"، إن لم يكن هو المقصود بالذات، الذي حاول الإستئثار بالسلطة، والذي وقفت ضد مشيئته تلك، إرادة الملايين من أبناء الشعب المصري، التي أسماها القائلين بنظرية "الإنقلاب العسكري" ب" قوى الثورة المضادة لثورة الخامس والعشرين من يناير"، وهو نفسه (الأداة) التي إختفى ورائها أصحاب نظرية "الإنقلاب العسكري"  وفقاً لما أشرنا اليه فيما تقدم، وذلك من أجل خلط الأوراق، لإغراض تمرير عملية التضليل المقصود..!!؟ (1)


وبإختصار يمكن القول: بأن ما جرى ويجري اليوم في مصر، إنما هو صراع من أجل إرساء قواعد الديمقراطية، ومن أجل إقامة أسس الدولة المدنية الديمقراطية، على أنقاض حكم الإستبداد؛ ذلك الصراع الذي وقفت فيه قوى التطرف بقيادة تنظيم جماعة الأخوان المسلمين، التي أتيح لها إستلام السلطة لمدة عام، لتستأثر بها، ومن خلالها تحاول فرض هيمنة التنظيم وأخونة مؤسسات الدولة، وشل السلطة القضائية، وتغييب  دور الآخرين وتهميشهم، والتشريع لديكتاتورية جديدة..!!؟(2)


كل هذا هو ما دفع بالملايين، من جموع الشعب المصري، الى تفجير غضبهم وسحب الثقة من الرئيس الإخواني وتعطيل الدستور، في الثلاثين من حزيران/2013 ، فكان يوماً فارقاً في حياة الشعب المصري، ودرساً بالغ الأهمية في تجارب الشعوب، وحدثاً لم يكن له مثيلاً في التأريخ منذ أيام الإغريق..!(3)     
باقر الفضلي/ 28/7/2013
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333714
(2)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=336623
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=367188




 




76

مصر: لا وقت للإنتظار..!

باقر الفضلي

لقد حان الوقت، ايها الشعب المصري العظيم، أن تقول كلمتك الفصل في المخاطر التي تهدد مصير ثورتك الجبارة، في 25 يناير_ 30 حزيران / 2013، بعد أن بدأت نذر التهديد والوعيد لإجهاض هذه الثورة الشعبية الجبارة، تتصاعد في سماء الوطن المصري، وبات دخانها يعلو في سيناء والعريش والمنصورة وغيرها من مدن وقرى المحروسة، وهي تبطن في أحشائها كل سموم القتل والفتك والتدمير والخراب؛ فلا وقت للإنتظار وإياك من أن تستكين أو أن تذعن للخوف وللترهيب، وإجعل من الجمعة القادمة في السادس والعشرين من تموز/2013، اليوم الفاصل في دعم وتعزيز نصرك في الثلاثين من حزيران/2013 يوم أثبت للعالم بأن الشعب وحده  هو صاحب القرار..! 


لقد كان في خطاب وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي لهذا اليوم 24/7/2013، كل معان التحذير والتنبيه لحجم المخاطر التي تهدد مستقبل الثورة الشعبية، والتي لا سبيل أمام القوى الوطنية وقوى الثورة الشبابية الشعبية،  إلا أخذها على محمل الجد والمسؤولية، وذلك بالتحرك الفعال والسريع للإستجابة والتفاعل مع النداء الوطني لوزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، بروح وطنية إيجابية؛ وذلك بالنزول الى الشارع بجموعكم المليونية السلمية، لتثبتوا للعالم العربي ولكل أرجاء المعمورة؛ بأن الشعب المصري هو من يختار وهو وحده صاحب القرار، ولتصونوا مكاسب ما حققتموه بأنفسكم في الثلاثين من حزيران/2013 ، ولتقطعوا الطريق على كل محاولات الإرهاب والتدمير والخراب التي تخطط لها وتبيتها لشعب مصر العظيم، قوى الشر والعدوان، ولتكن لنا في ثورتكم المجيدة، دروساً ملهمة من الوحدة الوطنية وقوة الإرادة وحسن إختيار القرار..!(*)

المجد لثورة الخامس والعشرين _ الثلاثين من حزيران /2013
باقر الفضلي/24/7/2013
__________________________________________________   
  (*)  http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=1174102&SecID=12
 



77




فلسطين: قانون " برافر" العنصري..!؟

باقر الفضلي

عندما تشرع دولة مثل إسرائيل وهي عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، قانوناً مثل قانون " برافر_بيغن"، الذي لا يخرج في محتواه وفي أهدافه، عن كونه قانونا للفصل العنصري، وأداة "قانونية" للإستيلاء على أراضي الآخرين تحت ذرائع وشعارات ديماغوغية، غاية  الهدف منها، تثبيت " الإستيطان" وجعله حقيقة قائمة في مواجهة المجتمع الدولي بكل مؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، والقانون الإنساني الدولي، حيث تضع دولة إسرائيل بتشريعها لقانون " برافر_بيغن " نفسها، في تعارض صارخ مع كل الشرائع الدولية وفي مقدمتها القانون الإنساني الدولي لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى، تصبح في موقف التحدي لكل القرارات الدولية حول رفض الإستيطان، وقرار الدولتين..!؟(1)

فليس قانون "برافر_بيغن" سيء الصيت، بالبدعة الجديدة التي تقدم عليها دولة إسرائيل، في تعاملها مع المناطق الفلسطينية المحتلة من قبلها؛ فإسرائيل كدولة، قد بُنيت أساساً وفقاً لنظام الإستيطان، حيث وجدَت في النظام الدولي، الذي بني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي دعم دول الحلفاء وفي مقدمتها بريطانيا،  كل روافع الدعم والتأييد، حينما كان الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية يومذاك، رازحين تحت حكم الإنتداب البريطاني ورديفه منظمة الهاجانا الصهيونية المسلحة، فلم تكن العقود الست من عمر الدولة الإسرائيلية وحتى اليوم، إلا عقود من الإحتلال والإستيطان، لتقدم اليوم وبناء على التشريع الجديد للقانون، على عملية لا تختلف في جوهرها عن مخطط نكبة/48 التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، لتجد القبائل العربية في منطقة النقب والتي لم تغادر مناطق سكناها من قبل، نفسها وهي تلاقي نفس المصير..!؟ (2)

إنه ورغم كل ما تقوله الحكومة الإسرائيلية بشأن القانون، وكل ما تضفي عليه من مسوح الإزدهار والتطور وما تزعمه من " أن مصادقة الكنيست على قانون "برافر" العنصري ، يأتي في إطار تطوير وازدهار مناطق النقب لصالح جميع السكان، وذلك من خلال صرف عشرات المليارات من الشواقل على مشاريع تطويرية في مجال المواصلات والبنى التحتية وإنشاء مناطق صناعية وتجارية."؛ فإن القانون المذكور يظل محتفضا بطابعه العنصري، حيث إنه " ووفق مخطط "برافر" فان حكومة الإحتلال ستقوم بتهجير نحو 100 الف مواطن وتجميعهم في منطقة شبيهة بالمخيمات تدعى "السياج"، إضافة إلى مصادرة حوالي 800 الف دونم من أرضي المواطنين هناك. (3)


لقد ادركت حكومة نتنياهو، طبيعة الظروف التي تمر بها المنطقة، وحالة عدم الإستقرار التي تعيشها شعوبها، وما تتعرض  له سيادة الدولة المصرية الآن، من محاولات الإيقاع بثورتها في الثلاثين من حزيران/2013 ، تحت شعار "عودة الشرعية" ، وما يجري من نشاطات إرهابية موجهة ضد القوات المسلحة المصرية في مناطق سيناء والعريش، لتنبري بالإعلان عن مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع " قانون برافر"، في الوقت الذي فاتها فيه، إنتباه الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية، للخطط الإسرائيلية المتعلقة ب "الإستيطان"، في هذا الظرف الحساس الذي يحاول فيه السيد جون كيري وزير الخارجية الأمريكية حث الفلسطينين على الجلوس الى مائدة المفاوظات مع إسرائيل، وهو يدرك جيداً الموقف الإسرائيلي المتعنت بخصوص التشبث ب"الإستيطان" والإعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، كأمرين متلازمين، ومكملين لبعضهما؛ فأين كل هذا، أمام ما أجترحه الشعب الفلسطيني من موقف رافض لمشروع القانون المذكور وكل ما يمت بصلة ل" الإستيطان"(4)   
باقر الفضلي / 19/7/2013

(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=216456
(2)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=131296
(3)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=128768
(4)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=131196







 

78


مصر: الشعب يستعيد المبادرة..!

باقر الفضلي

لقد كان يوماً فارقاً في حياة الشعب المصري، حينما حققت إرادته الشجاعة في الثلاثين من حزيران/2013، إستعادة المبادرة في وضع بوصلة الثورة التي كان هذا الشعب، قد ثار من أجل أهدافها في الخامس والعشرين من يناير/2012، في مسارها الصحيح، بعد أن إكتشف كادحوه ونخبه المثقفة وسائر طوائفه الأخرى، حقيقة المسار المنحرف لبوصلة  الثورة، الذي إعتمدته قيادة جماعة الأخوان المسلمين، التي تمكنت من التسلق الى مدارج السلطة، من خلال آليات الديمقراطية، لدرجة وقفت فيه في النهاية، منفردة بمواجهة كافة قوى الشعب الرافضة لمسار العملية السياسية التي قادتها الجماعة بالإتجاه الخاطيء..!؟


لقد أدركت قوى الشعب المصري بكافة فصائلها المنتفضة وبشكل مبكر، ومنذ يوم الإعلان الدستوري، خطورة الطريق الذي أدارت فيه قيادة الجماعة دفة البلاد، الأمر الذي رفضته تلك القوى منذ البداية، وأعلنت وقوفها ضده من خلال سلوكها الطريق السلمي للإحتجاج، الذي إنعكس بالتحشيد الجماهيري الذي فاق في حجمه وشموليته كافة التصورات، ليأخذ شكلاً مليونياً قلما شهدته مصر من قبل..!؟(1)   


فليس غريباً أن يجترح الشعب المصري العظيم؛ العريق في تأريخه وفي ثقافته وتراثه، مثل هذا النصر الفريد في نوعه، والنادر في محتواه، وهو في مواجهة تهديد حقيقي لكل قيمه التراثية ومكاسبه التأريخية، واسس بناء دولته المدنية العريقة في التأريخ وفي مسار الحضارة..!


وما العزل الشعبي للسيد محمد مرسي من منصب رئاسة الجمهورية في الثالث من تموز/2013، والذي إستجابت له قيادة القوات المسلحة والأطراف السياسية الوطنية وحشود الشباب، والطوائف الدينية، إنما يمثل في الحقيقة، قمة النضوج في وعي وإدراك الشعب المصري، لعمق الأزمة وخطورتها المدمرة على مصير الوطن والشعب، وبالتالي فلا مناص من الإقدام على مثل ذلك الإجراء الشرعي، الذي يمثل في جوهره إرادة شعبية شرعية، مدعومة بملايين الأصوات الحرة التي ضاقت بها ميادين وشوارع المدن المصرية، والتي تجاوزت الثلاثين مليونا، لتعكس في النتيجة ما تعنيه جدلية (الشرعية الثورية) في الحالات الحاسمة، فالشعب وفي جميع الأحوال، هو مصدر (الشرعية) بجميع أنواعها، بما فيها (الشرعية الدستورية)، وهو نفسه من يمتلك حق سحب تلك الشرعية، إذا ما أصبحت تلك الشرعية بيد من منحت له، وسيلة للإستبداد وطريقاً لإنعدام العدالة وحافزاً للظلم وجور الحاكم..!


كما ومن جانب آخر؛ فإن إجراء عزل السيد محمد مرسي من منصب رئاسة الجمهورية إنما يعني تعبير او تطبيق عملي للحكم الشرعي القائل : (درء الضرر الأشد بالضرر الأقل)، وهو ما إستند اليه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ (الأزهر الشريف)، في مساندته لإجراء العزل، بهدف تجنيب البلاد التداعيات الضارة والأخطار المدمرة لإستمرار السيد محمد مرسي في منصبه كرئيس للجمهورية ومن أجل حقن دماء المواطنين، في وقت بات فيه التمسك بالسلطة من خلال المنصب، هدف بذاته، في مواجهة رفض ومعارضة شعبية عميقة وواسعة لم تشهد لها مصر من قبل مثيلا..!؟
باقر الفضلي/ 4/7/2013
_______________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333714

79


فلسطين: نجم في سماء الفن العربي..!
 
باقر الفضلي

لا يبخسك القول من يصفك بالنجم الساطع في سماء الفن العربي، فقليلة هي الصدف التي يسعد فيها المرء بلقاء نوادر الأشياء في الحياة، خاصة إذا كانت تلك النوادر من الجواهر الثمينة التي يندر ان يتكرر شبيهاً لها في ظل ظروف الحياة العادية..!

فالإبداع الذي جسده الفنان الشاب الفلسطيني محمد عساف، سواء في أدائه المكين، أو في رخامة الصوت وجهوريته الفذة وجماله الأخاذ، أم في شخصيته المتزنة وتفاعله وإحساسه الرفيعين مع كلمات الأغاني التي رددها، وتفرده وشخصيانته التي كانت تنساب مع صدى ما تردده حنجرته الماسية من مخارج الكلمات التي يتلقاها السامع، ليعرف في الحال؛ إنها أغاريد تنساب من حنجرة البلبل الفلسطيني الصاعد في أفق الفن العربي؛ الشاب الجميل محمد عساف وليس غيره..! 

محمد عساف؛ الصوت الصاعد من رحم المعاناة الفلسطينية، الصادح في سماء الحرية، المنتصر على أحزان الإنقسام، والمغرد للفرح والبشائر؛ لقد كنت بحق، أهلاً لأن تحتضنك النجوم في سماء الفن العربي؛ كوكباً درياً، وسفيراً للسلام الفلسطيني والعربي، ورسول محبة لجميع الشعوب، ونغماً جميلاً تردده حناجر الأجيال؛ فطوبى للشعب الفلسطيني ولكل العرب بميلاد صوت فلسطيني صاعد في سماء الفن العربي الأصيل، ومبروك ايها المغرد الجميل، كل هذا الدعم الشعبي الكبير، وأنت تحلق في مدار الفوز بجدارة الموهوب المبدع ، وطوبى لنجوم الغناء العربي، أن تحتضن نجماً فلسطينيا رائعا، سلب بإبداعه عقول ذوي الألباب..!
باقر الفضلي _ 22/6/2013
   
   


80



سوريا: نفق الحل السياسي..!؟

باقر الفضلي

في السادس والعشرين من شهر آب/2012 ، اي قبل تسعة أشهر من اليوم، جرى الحديث في المقالة الموسومة: سوريا: تحت أي عنوان...؟!!؛(*) عن الخطوط العامة للأزمة السورية التي تدخل عامها الثالث، وعن آفاق وإتجاهات تطورها، كما وعن طبيعة القوى الممسكة والمحركة لدواليبها،  وكذلك عن ابعادها الوطنية والإقليمية والدولية؛ وبالقدر الذي رسمت فيه المقالة المذكورة وبوضوح، طبيعة الصراع الدائر في المشهد السوري يومذاك، وحدود مواقف القوى الوطنية السورية من الأزمة، وتجليات موقفها السياسي المتبلور في [[ ... الدفاع عن الوطن وسيادته ووحدته هي المهمة الأساسية مهما غلا الثمن، ورغم تصاعد العنف مازلنا نؤكد ضرورة الحل السياسي لأزمتنا، فهو الضامن الفعلي لاستمرار الإصلاح، وتحقيق تطلعات الشعب السوري إلى غد ديمقراطي.. علماني يشارك في صنعه جميع الأطياف السياسية والاجتماعية،]](**)


أقول بهذا القدر الذي رسمت فيه المقالة خطوط الأزمة العامة وتشعباتها المختلفة، فقد جاء سير الأحداث، وفي طليعته مسلسل العنف والتدمير، معززاً ومؤكداً لكل التوقعات التي أجملتها المقالة المذكورة، بشأن التداعيات المدمرة، لكل السيناريوهات التي إستهدفت دولة سوريا؛ نظاماً وإقتصاداً وبنى تحتية ونسيجاً إجتماعياً ووحدة جغرافية..!؟


وحيث تدخل الأزمة السورية اليوم، نفق الحل السياسي، رغم وطأة ثقل تلك السيناريوهات التدميرية للدولة السورية وإخفاقها في النيل من موقف الشعب السوري الصامد في أتون جحيم الأزمة، وإدراكه لحقيقة ما يبيت له من مصير مجهول، فما زالت هناك من الأطراف المتورطة والضالعة في حياكة نسيج الأزمة، من ينبري لإفشال كل محاولات الوصول بالأزمة الى أعتاب الحلول السلمية، وتفكيك عقدها المستعصية، بل ومنهم من يرى في تلك المحاولات نكوص عن إلتزامات أمريكا وتعهداتها في الوصول الى نهاية المطاف في تحقيق ما تصبو له تلك الأطراف من إزالة وإسقاط نظام الدولة السورية وبأي ثمن كان..!؟(1)


 فالأمر في جوهره أبعد من إزاحة اشخاص معينين في نظام ما، بقدر ما كونه تنفيذاً لمخطط كامل الأبعاد، في كل جوانبه السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وقد تقاطعت فيه مصالح أطراف مختلفة، لها ما يدفعها بكل ما يتعلق بمستقبل المنطقة؛ وما التغيير المفترض حدوثه وبشكله الحالي في الدولة السورية، إلا أحدى حلقاته المهمة والرئيسة؛ وليس من المغالاة القول؛ بأن جوهر المخطط المذكور، والذي خطف في بريقه لب الكثيرين، لا يخرج في حدوده عن دائرة ما يدعى ب "الربيع العربي"، الذي باتت آفاق ملامحه تبدو أكثر وضوحاً ميدانياً مع مضي الأيام..!؟


ولعل ما توصل اليه لقاء وزيري خارجية كل من امريكا وروسيا في لقائهما في موسكو في العاشر من نيسان الماضي، من ضرورة العمل على لقاء الأطراف المتنازعة من المعارضة وممثلي النظام، يبدو وكأنه يعبرعن إدراك واقعي من قبل الدول الكبرى، وذات المصالح المتعارضة، بإستحالة الوصول الى حل سلمي للأزمة السورية، دون الجلوس الى مائدة الحوار من قبل جميع الأطراف، والبحث في الوصول الى سبل الحلول السلمية للأزمة..!(2)
 

فمع كل ما للحل السلمي للأزمة السورية، من أهمية ذات دلالات إيجابية،على الصعيد الوطني السوري بشكل خاص، والإقليمي لحد ما، إذا ما إستثنينا البعض ممن لا يسعده ذلك من الضالعين في مخطط تغيير المنطقة، فإن المخاوف من إفشال تلك الجهود بهذا الإتجاه، قد واكبت مسيرة الحل المذكور منذ البداية، وهذا ما تمت الإشارة اليه سابقاً، وما عكسته هواجس الشخصيات السياسية الدولية، في الصعيد الملحوظ..!!(3)
 

ومن هذه المخاوف ما إرتبط بقرار[[ وزير الدفاع الأمريكي  تشاك هاغل بنشر حوالي نحو 200 جندي أمريكي في الأردن في مؤشر قد يدل على تزايد احتمالات التدخل العسكري الأمريكي في الحرب الأهلية التي تطحن سوريا.]](4)


ومما يفاقم من سير أحداث الأزمة، ويبعث الشك في صدق نوايا البعض من الساعين للحل السلمي، ومنهم في المقدمة أمريكا ومن ورائها  إسرائيل والتحالف الغربي التركي الخليجي، أن يعود التهديد مجدداً بالتلويح بورقة إستخدام موضوع الأسلحة الكيماوية كذريعة [من أجل إسقاط النظام في سوريا]، على حد تعبير وزير خارجية روسيا السيد لافروف، الذي إعتبر إن [["مثل هذه اللعبة الجيو سياسية تعرقل التحقيق في حادث استخدام السلاح الكيميائي الذي وقع في سورية في 19 آذار/مارس الماضي"، متهماً بذلك "دولاً تحاول منع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، من الرد المباشر على الطلب المحدد الخاص بالتحقيق في هذا الحادث".]](5)


ومن المفارقات الجديدة أن ياتي تصريح السيد أوباما الأخير عند لقاءه السيد أوردغان في واشنطن في 16/5/2013، أكثر إيحاءً بإستخدام النظام في سوريا للأسلحة الكيمياوية، رغم فقدانه الدليل على ذلك، مبدياً من جانب آخر، إستعداده لإستخدام الخيارات الدبلوماسية والعسكرية عند التثبت من ذلك، هذا في وقت لم تتأكد فيه بعد، صحة أي من الإتهامات بخصوص الإستخدام من قبل أي طرف من أطراف النزاع، رغم ما جاء في قول السيدة [[ كارلا ديل بونتي عضو لجنة التحقيق المستقلة التابعة للامم المتحدة، في شأن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الانسان الاخرى في سوريا: إن المحققين جمعوا شهادات من ضحايا الحرب الاهلية السورية وموظفين طبيين تشير الى ان مسلحي المعارضة استخدموا غاز الاعصاب السارين.]] الأمر الذي جرى نفيه من قبل جميع الأطراف..!(6)(7)


مما لاريب فيه، إن ما يعنيه إستخدام الأسلحة الكيمياوية كسلاح محرم، وفي أي ظرف كان، لهو جريمة لا يمكن التسامح معها، وهذا ما حرمه القانون الدولي، وهو محظور على أي من اطراف النزاع، ولكن أن يتحول التلويح بهذا الإتهام الى ورقة معدة سلفاً يمكن إشهارها بوجه الخصوم كيفا أتفق وفي أي وقت يرغبه حاملها، فهذا ما يجب التوقف أمامه بجدية وإهتمام بالغين، والتدقيق بكل تفاصيله وحيثياته المادية، حيث تظل مسألة إثبات إستخدام السلاح الكيمياوي، من الصعوبة والتعقيد بمكان، الأمر الذي ينبغي معه التريث في توجيه الإتهام جزافا، وعدم التسرع في إطلاق التصريحات قبل معرفة الحقيقية؛ فليس أمام المرء من مثل أكثر واقعية من غزو العراق عام/2003 من قبل أمريكا وقوات التحالف الغربي والرديف الخليجي، التي شاركت في الغزو، تحت طائلة ذريعة مخزون اسلحة الدمار الشامل من قبل النظام الحاكم في العراق حينها، الأمر الذي ثبت بطلانه فيما بعد، ولم تك تلك الذريعة، سوى كذبة ومدخل لتبرير الغزو، الذي تسبب في كارثة تدمير العراق..!؟(8)


إن ما يميز ذريعة مثل ذريعة إستخدام الأسلحة الكيمياوية، أو أسلحة الدمار الشامل عن غيرها من الذرائع، هو كونها تستند في قوتها وفعاليتها وتأثيرها على الآخرين، الى سندها الشرعي المتمثل بشمول إستخدامها بالتحريم من قبل القانون الدولي، الأمر الذي سهل على السيد بوش الإبن والسيد بلير، وكليهما كانا في مركز المسؤولية، من اللجو الى تلك الذريعة،  ومنحا نفسيهما حق غزو العراق، دون تخويل شرعي أو حتى دليل يثبت إدعائهما بأي حال من الأحوال..!!؟


 فما يتردد اليوم وبتواتر غير مسبوق، من قبل امريكا ومعها التحالف الغربي التركي الخليجي وإسرائيل، عن "إفتراضية" إستخدام النظام في سوريا للأسلحة الكيمياوية في النزاع الداخلي، رغم التكرار بالقول من خلال التصريحات العليا، بالبحث عن "الأدلة" لذلك الإستخدام، فإن هذا لا يمنع أن تجد "الذريعة" وقتها المناسب، لتبرير التدخل العسكري ضد سوريا، ليصبح بعده ما يقال عن "الحل السلمي" مجرد لعبة لكسب الوقت والإغفال، وحرف الأنظار عن الوجهة الحقيقية لسير الأحداث في حل الأزمة السورية، وهذا ما أشار اليه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مؤخراً من مخاوف عن [[ "محاولات لإحباط أية فرص للتسوية السلمية ومحاولات لفرض نزع الشرعية عن القيادة السورية".]] http://arabic.rt.com/news/612713/ :روسيا اليوم


باقر الفضلي/19/5/2013
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=320130
(**)   http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/22494-2012-08-15-14-32-58.html
(1)      http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=728588&issueno=12587
(2)    http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=119646
(3)   http://arabic.rt.com/news/612713-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88_%D9% /
(4)   http://arabic.cnn.com/2013/syria.2011/4/19/russia.syria/index.html
(5)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=121955
(6)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/05/130506_ivistigator_syrian_rebels_sarin.shtml
(7)   http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/05/130518_syria_damascus_blast.shtml
(8)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2HKW20130515?sp=true

81

فلسطين:النكبة.. الحدث الذي لا ينسى/ثانيا..!

باقر الفضلي

تظل "النكبة" في معناها اللغوي، كارثة وخسران دائم، طالما ظلت آثارها وتداعياتها، ماثلة للعيان.. وحيثما إستحالت ويلاتها، إرثا يتوارثه الأبناء والإحفاد، وتستشعره الأرض، في بقايا الأطلال وخرائب الديار، ويستذكرها الزمن جرحاً غائراً في حروف المعلقات وصدى مدوياً لأحزان الثكالى..!


وللنكبة في ظل أجيال الآباء والأبناء الفلسطينيين، معنى آخر؛ معنى إرتبط صداه في جذور الكلمة، ووقعه على النفس، في دلالاتها المعنوية، معكوسة بكل ما يخدش الكرامة الإنسانية، وبما يعنيه فقدان الأرض والوطن، وسرقة الحق في الأمن وحياة الإطمئنان، وفي الإذعان لقبول الأمر الواقع، والإعتراف بالسرقة وإغتصاب الحقوق، والرضى بحياة التشرد والشتات؛ فمعنى "النكبة" وكلما إرتبط بها بالنسبة لأجيال الفلسطينيين ممن عاصرها أو كابد ويلاتها المستمرة، هو الظلم والظلم بعينه، وما عداه من تخريجات وتبريرات، لا يساوي حتى حبة خردل..!!؟

و"للنكبة" في القرن العشرين، مدلولها الإعتباري ودلالاتها القانونية، فهي كحدث بهذا المستوى الدولي والإنساني، كانت "ثمرة" الإنتصار الدولي للحلفاء، على المعسكر النازي وهزيمة الفاشية عام/1945، وعلى صعيد العدالة وحقوق الإنسان، "فالنكبة"، بكل ما للكلمة من معنى، كانت بمثابة بداية النكوص لما يدعى ب "المجتمع الدولي" و " الشرعية الدولية " وما إجترحه معسكر الدول المنتصرة في نهاية الحرب العالمية الثانية، على المستوى القانوني، بما يدعى ب"ميثاق هيئة الأمم المتحدة" وشرائع حقوق الإنسان، فهي الوجه الآخر لكل هذه المنجزات ذات الطابع الإنساني، وإن مجرد حدوثها في ظل تلك الإنتصارات الدولية، وعجز المجتمع الدولي حتى اليوم من محو آثارها وإنصاف ضحيتها الشعب الفلسطيني، إنما يشكل لطخة عار في جبين الشرعية الدولية، ومن ورائها "المجتمع الدولي" ..!!؟


ومع مرور الذكرى الخامسة والستون ليوم "النكبة" في مثل هذا اليوم، لم يهدأ الشعب الفلسطيني يوما، او يخلد الى السكون؛ ففي هذه اللحظة من هذا اليوم؛ تنطلق جماهير الشعب في رام الله والقدس والمدن الفلسطينية الأخرى، في مظاهرات سلمية حاشدة وفي مقدمتها أشبال الحجارة في مواجهة شجاعة مع جنود الإحتلال، إحياء منها لما يعنيه يوم "النكبة" بالنسبة للشعب الفلسطيني من معان ذات أهمية تأريخية، جسدها خطاب الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس في التلفزيون الفلسطيني بمناسبة يوم النكبة هذا اليوم، لتنعكس في مطالب فلسطينية مشروعة، في مقدمتها إطلاق إسرائيل سراح الأسرى الفلسطينيين من الأسر، وإيقاف الإستيطان، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، مؤكداً من جانب آخر، تمسك السلطة الفلسطينية بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود/1967، وعاصمتها القدس، مشترطاً قبول إسرائيل بهذه الطلبات، الطريق الوحيد لقبول الدخول في دورة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والمقترحة من قبل أمريكا..!(1)

خمسة وستون عاماً مضت على مسيرة شعب هجر من أراضيه، وإغتصبت أرضه، وشرد أبناؤه في شتات الأرض، ولكن ورغم كل تلك المعاناة تظل القضية الفلسطينية، القضية الأولى في العالم، لأنها قضية شعب لا ينسى، وأجيال توارثت النضال من أجل العودة وإسترداد الحقوق المغتصبة، وما ضاع حق وراءه مطالب؛ فالنكبة ذلك الحدث الذي لا ينسى..!(2)   
(1)    http://arabic.rt.com/news/615548-%D8%A8%D8%
(2)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=259072
 

     



       





82


سوريا: إسرائيل رأس الحربة في التدخل..!!؟

باقر الفضلي

في مقالة سابقة نشرت بتاريخ 1/2/2013 ، حول العدوان الإسرائيلي الذي إقترفه سلاح الجو الإسرائيلي فجر الأربعاء 30/1/2013 ضد مركز علمي في ضواحي دمشق؛ فقد جرى التطرق الى أبعاد ذلك العدوان من أغلب الزوايا الأكثر أهمية، ومنها أيضاً ردود الفعل التي قوبل بها ذلك العدوان من قبل غالبية الدول العربية، وكذلك الموقف السلبي من قبل الأمم المتحدة..!(1)


 وليس في العدوان الجديد من جديد في كل ما أشير اليه في المقال السابق، وإذا ما أراد المرء الإجمال، فالعدوان الجديد فجر يوم الأحد 5/5 /2013، لا يختلف في كل أبعداه السياسية والعسكرية وفي محتواه وأهدافه عن سابقه، إذا ما إغفل المرء حجم الضحايا والخسائر المادية، ولكن كل ما يمكن قوله وهو ليس بالجديد أو الغريب بالنسبة لدولة مثل إسرائيل، التي إعتادت إقتراف مثل تلك الإنتهاكات، كونه  يشكل إمتداداً لحالة العدوان المستمر الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية الحالية، بعد أن أمنت المحاسبة الدولية، وضمنت التأييد والموافقة من قبل أمريكا تحت يافطة "حماية" أمنها الوطني، حسب تصريح السيد أوباما..!(2) 


الملفت، أن يأتي هذا العدوان الإسرائيلي الجديد على الدولة السورية، متوافقاً مع كل تلك الضجة الإعلامية للتحالف الأمريكي _ الغربي/ التركي _ الخليجي ومعهم إسرائيل نفسها، حول ذريعة "إستخدام الأسلحة الكيمياوية" من قبل سوريا، ومشفوعاً بنداءات الإستغاثة والتدخل الخارجي، التي أطلقها الشيخ القرضاوي، وما أعقبها من مطالبة البعض من المعارضة السورية بلسان الناطق بأسم الجيش الحر في 4/5/2013، بالحاجة للتدخل الدولي..!؟(3)


كل هذا وفر لإسرائيل فرصة سانحة لإستثمار الأوضاع السائدة في المشهد السوري، وخلط الأوراق بتوجيه ضربتها الجوية الجديدة، الأمر الذي وضعت فيه كافة أطراف "التحالف الوطني السوري" من المعارضة، بما فيها التجمعات الإسلامية الأخرى المتورطة في المشهد الداخلي السوري، في موقف لا تحسد عليه، لتجد نفسها جنباً الى جنب، داخل الدائرة الإسرائيلية، في عدوانها الجديد على الدولة السورية، رغم إرادتها، وهذا لعمري ما يسيل له لعاب دولة إسرائيل وما تعمل من أجله..؛(4)


إن العدوان الإسرائيلي الجديد على دولة سوريا، قد جعل كل الأبواب مشرعة أمام كل الإحتمالات، التي في طبيعتها تعتبر تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين، ولا يمكن توصيف العدوان نفسه، إلا بإعتباره إنتهاك لميثاق الأمم المتحدة، وبمثابة إعلان حرب على دولة عضو في الأمم المتحدة،  وما لذلك من تداعيات غير محسوبة النتائج على صعيد المنطقة، والصعيد الدولي..!؟(5)


فالصراع الداخلي السوري، من حيث كونه موالاة ومعارضة، قد فقد سماته الداخلية منذ وقت بعيد، بعد أن دخلت على ملفاته قوى وأطراف دولية، تعددت لدرجة بات من غير السهل التقريب بين وجهات نظرها؛ فالأمر أبعد في جوهره من مجرد أفكار متباينة بين قوى داخلية حسب، بقدر ما هو مصالح متعارضة بين أطراف خارجية، لجميعها أذرع مسلحة، تستخدمها عند الحاجة والوقت المناسب، وليست إسرائيل إلا طرف من تلك الأطراف، وذراع من أذرعتها في عين الوقت، أما مصالحها فليست بمعزل عن مصالح تحالف "أصدقاء سوريا"؛  وما تتعرض له سوريا حالياً، إنما هو حرب كونية تستهدف سوريا من كل حدب وصوب، وتشكل فيه إسرائيل، رأس الحربة للتدخل العسكري في سوريا، إسوة بالدور الذي قامت به فرنسا نيابة عن الناتو، عند التدخل العسكري في ليبيا؛ وما عدوانها اليوم وما قبله، إلا محاولات للتمهيد للتدخل العسكري، المرسوم طبقاً لمخطط تحالف "أصدقاء سوريا" في الوقت المناسب..!؟(6)
باقر الفضلي 5/5/2013
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=343656
(2)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=122698
(3)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/5/4/syria.alqassir/index.html
(4)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=122756
(5)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2DBG20130505
(6)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=357295


83


سوريا: "أصدقاء سوريا" في الميزان..!؟

باقر الفضلي

 

 [[ ما أكثر الأخوان حين تعدهم..
ولكنهم في النائبات قليلُ...]]


ففي الوقت الذي قدم فيه السيد الأخضر الأبراهيمي تقريره الى مجلس الأمن والمتضمن إعتذاره الى الشعب السوري، والذي حض فيه مجلس الامن على تحرك دولي بشأن سوريا من أجل إنهاء النزاع سلميا، مؤكداً إن التدخل العسكري أمر غير ممكن وغير مرغوب فيه، ومطالباً مجلس الأمن  بضرورة "الاعتراف بأن هذه الأزمة هي أخطر أزمة موجودة في العالم، وإذا كانوا حقيقة مسؤولين عن السلم والأمن في العالم، فلا يمكن أن يتخاذلوا وألاّ يعطوا القضية كل الاهتمام الذي تحتاجه."(1)


في هذا الوقت العصيب الذي يمر خلاله الشعب السوري اليوم، وترتكب فيه ابشع جرائم العنف والعنف المضاد، الأمر الذي دفع بأقطاب الصراع الدولي في مجلس الأمن الدولي، الى إتفاق نادر يشجب العنف ويستنكر إنتهاكات حقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف المتصارعة، ويدعو الى وقفه على الفور..!(2) 


نقول: في هذا الظرف العصيب، ومع تضخم حجم المحنة الكارثية التي يواجهها الشعب السوري، ينبري تجمع ما يسمى ب " اصدقاء سوريا" الى عقد إجتماعهم الجديد في مدينة "إسطنبول" في تركيا في السبت الموافق 20/4/2013، لا من أجل البحث عن الطرق والوسائل السلمية  لتفكيك عقد الأزمة السورية، بل على الضد من ذلك، حيث تتقدم قوى "التحالف الوطني السوري"، الى أولئك "الأصدقاء"، بقيادة التحالف الأمريكي_ الغربي الخليجي _ التركي، بمجموعة من المطالب والتي وصفتها ب"العملية"، ومنها [[إصدار قرار من مجلس الأمن ضد استخدام نظام الرئيس بشار الأسد للصواريخ، إلى جانب استهداف قواعدها عبر غارات لطائرات تعمل دون طيار وفرض حظر طيران شمال وجنوب البلاد..!]](3)


وبوصول مطالب التحالف الى "الأصدقاء"، الذين وجدوا فيها، وكأنها إستغاثة غريق  يطلب النجاة، إلا وأن تنادوا وبلهفة المحموم، الى شحذ الهمم للتفتيش عن الذرائع الملائمة، التي من خلالها سيمنحوا لأنفسهم كل مبررات غزو سوريا، ولهم في ذلك من السوابق في أفغانستان والعراق وليبيا، ما يمنحهم الثقة في تحقيق الإنتصار، وليكن بعد ذلك الطوفان؛ فمصالح الرأسمالية العالمية هي فوق كل إعتبارات إنسانية أو قانونية أو أخلاقية، وحينما تصبح سوريا الدولة والشعب، عقبة في طريق تلك المصالح، فما الذي يضير أن يصبح مآلها نفس مآل الأخريات، وهذا ما جسده النقاش الذي دار في مجلس الشيوخ الأمريكي بكل صراحة، والذي قاده شيوخ الجمهوريين وفي مقدمتهم السناتور جون ماكين والسناتور لينزي جراهام بتأريخ 28/4/2013 من خلال ضغطهم على الرئيس أوباما [[ للتدخل في الحرب الأهلية في سوريا قائلين إن أمريكا تستطيع مهاجمة القواعد الجوية السورية بالصواريخ لكنها يجب ألا ترسل قوات برية إلى هناك.]]..!؟؟(4)     


مع ذلك وإضافة له، فلم يأت عبثا، دخول بعض مشايخ الإسلام الى حلبة "الأصدقاء" ، ومنهم من كان من السباقين في سلم التحضير والتحريض ضد سوريا، ومن المغرمين بالمناداة على هدر دماء من يتم الغضب عليهم من قادة الدول العربية، بدء من معمر القذافي وإنتهاء ببشار الأسد، إندفاعاً بذريعة الإستبداد، وتوكلاً عل "حماس" حلقة "اصدقاء سوريا"، وهي تهيؤ كل ما في جعبتها من قدرات وإمكانات مناسبة، للإنقضاض عل دولة سوريا، وتراها وهي تستعد متلهفة لتدمير كل ما بنته سواعد الشعب السوري بالجهد الوطني الأصيل، وبعرق الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين، وبعصارة الفكر الإنساني العظيم لنخب المثقفين، من صروح الثقافة الوطنية، ومن ترسانة البنى التحتية، من هياكل إرتكازية في الإقتصاد والحياة الإجتماعية..!(5)


فالشيخ القرضاوي في خطابه التحريضي ضد سوريا ومن منبر جامع عمر بن الخطاب في قطر في خطبة الجمعة/ 26/4/2013، ما كان يستنهض مريديه وأنصاره في سوريا لإسقاط النظام في سوريا حسب، بقدر ما كان يقدم فروض الشكر والعرفان لكل ما قدمته وتقدمه أمريكا من أسلحة " غير قاتلة " على حد قصده، الى أولئك المريدين والأنصار المنتشرين في أرجاء الوطن السوري، مطالباً أمريكا بالمزيد من تلك المساعدات الى المجاهدين، وحاثاً " ومستنجداً " بضرورة غزو الدولة السورية، لإنقاذها من جبروت الإستبداد، على غرار ما قامت به والناتو في غزوهما ليبيا من قبل، من أجل أن تكون وقفتهم تلك "وقفة لله وللخير والحق"، على حد قول الشيخ الجليل..!!؟؟(6)


وإنطلاقاً من هذا السياق فللمرء في التأريخ من العبر وإستذكارها، ما يوقظ لديه حاسة الإستنباط وإستقراء نتائج ما تعنيه الذرائع والحجج التي تمسكت بها دول مثل أمريكا على سبيل المثال، وقبلها بريطانيا وفرنسا.. من دول الإستعمار القديم، في التعكز على تلك الذرائع، والإقدام على خرق القوانين والشرائع الدولية، ومنح نفسها حق إنتهاك سيادة الدول الأخرى، وحتى غزوها وإحتلالها، وفرض ما تبتغيه منها، من شروط إذعانية وإتفاقيات ومعاهدات إسترقاقية غير متكافئة، وذلك رغم إرادة شعوب تلك البلدان، ناهيك عن تحكمها بمستقبل تطورها الإقتصادي والإجتماعي بالقدر الذي يخدم مصالحها الإستراتيجية السياسية_ الإقتصادية، وما يضع تلك البلدان المحتلة في دائرة الهيمنة والنفوذ السياسي_ الإقتصادي للمحتلين..!!


فما تلوح به أمريكا اليوم، من ذريعة إستخدام "الأسلحة الكيمياوية" من قبل الحكومة السورية، يأتي متناسقاً مع مطالب التحالف الوطني السوري ومع رغبات "أصدقاء" سوريا الآخرين، وكذلك مع ضجيج المشايخ الإسلامية الخليجية، الداعين جميعاً الى تحفيز "التدخل العسكري"، للتعجيل بإسقاط النظام السوري، بل ويمكن القول بأن هذا التلويح، يمثل صدى أمريكياً لتلك المطالب والرغبات، وإشارة تبطن في داخلها كل الإحتمالات المبيته للدولة السورية، من قبل زمرة "الأصدقاء" وفي مقدمتهم عضو مجلس الأمن الدولي وأحد رعاة السلام والأمن الدوليين طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، دولة الولايات المتحدة الأمريكية..!(7) 


وعلى حد تقييم الكاتب السوري السيد هيثم مناع فقد [[ أثرت عملية الاستيلاد الخارجي للائتلاف الوطني السوري وفرضه ممثلاً شرعياً (وحيداً) للشعب والثورة على علاقة التنظيمات الديمقراطية المدنية مع عدد من الدول الغربية التي وضعت كل أوراقها في سلة الائتلاف وبأحسن الأحوال ما أسمته سياسة البناء والتوسع للوليد الجديد. في الجبهة الأخرى ازدادت سطوة القدرة العسكرية للجماعات التكفيرية الجهادية بشكل أجبر الأطراف المقاتلة الأخرى ليس فقط على التعامل معها كأمر واقع بل مساواتها في الشمال السوري على الأقل في الغَنم والغٌرم (الغنيمة والسلطة) تحت شعار تقديس البندقية المقاتلة لنظام بشار الأسد. ]](8)


فالى مدى سيحافظ المجتمع الدولي على تماسكه وتوازنه، وأن ينجح في تجنيب الشعب السوري ويلات الحروب الكارثية، وأن تبقى دولة سوريا دولة آمنة موحدة، وأن تحترم أرادة الشعب السوري في تقرير شكل الحكم الذي يريد..؟! هذا ما ستكشفه وقائع الأيام القادمة، وما تضمره لسوريا نوايا "الأصدقاء"؛ من عرب وأجانب على السواء..!! (9)
باقر الفضلي/ 1/5/2013             
(1)    http://arabic.cnn.com/2013/syria.2011/4/20/brahimi.deny.resignation/index.html
(2)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B26YP20130419
(3)    http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/4/21/syria.Opposition/index.html
(4)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2ANL20130428?sp=true
(5)   http://arabic.cnn.com/2013/syria.2011/4/30/suspected.syrian.chem_use_prompts_stepped_up_us_military_planning/index.html
(6)   http://www.youtube.com/watch?v=et6_hTxdPqM
(7)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2BQ120130501?sp=true
(8)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=355112
(9)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=121955






 
   

84

العراق: الحكمة قبل القرار..!؟

باقر الفضلي

ما دار يوم 23/4/2013 في قضاء الحويجة، وما يدور اليوم في المناطق الأخرى في محافظة صلاح الدين وكركوك، من إشتباكات بين المعتصمين وقوات الجيش، وما نتج عنها من سقوط ضحايا من الجانبين، إنما هو أمر مثير للقلق، ويبعث على الشك والريبة في كل ما ينقل ويقال من روايات حول أصل الأحداث وأسبابها، مصدرها فضائيات وإعلام موجه؛ وجد في أحداث الحويجة وما سبقها من أحداث الفلوجة، وإعتصامات الأنبار وسامراء، فرصة في تأزيم عوامل الأزمة وخلط أوراقها، مما يحث على رسم صورة تضليلية، واضحة في أهدافها ومراميها، في وقت لم تدرك فيه جهات القرار السياسي والعسكري، تداعيات إجراءاتها الأمنية والمتسرعة، التي أقدمت عليها في محاولة منها لتفكيك عقد الأزمة،  فإتسمت إجراءاتها الأمنية بنفاذ الصبر والإستعجال، مما أوقعها في حبائل الإنفرادية، وإنحسار إجراءاتها في إطرها الخاصة والمنغلقة، الأمر الذي عمق من عزلتها، وأزاد من إبتعادها عن شركائها في السلطة، وعن باقي القوى السياسية ذات الأهداف المشتركة في دوام العملية السياسية..!!؟


هذا وفي الوقت الذي تأتي فيه دعوة السيد رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة، الى اللقاء والحوار بين جميع ذوي العلاقة من أطراف الأزمة، للبحث في أسبابها، ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة للخروج من براثنها، تتصاعد فيه من جانب آخر، تصريحات غير مسؤولة لعدد من النخب من رجالات السلطة في الفضائيات، ومن ممثلي المعتصمين من منصات الإعتصام، كما ومن ممثلي القيادات الأمنية، وجميعها تحمل خطاباً يتسم بالتشنج وكيل التهم والتهديدات المتقابلة، ناهيك عن إرتفاع وتيرة الخطاب الطائفي، الذي ينبعث صداه من بعض القنوات الفضائية بما لا يخدم في تهدئة الأوضاع، إن لم يزد في إشتعال نار الأزمة، والدفع بإتجاه الصدام الطائفي..!؟(1)


فالأزمة التي لا يبدو في الأفق ما يخفض من سعير أوارها، وما يساعد على إخماد إشتعالها، فهي ليست بنت يومها مهما حاول المرء إختزالها في جملة من شكاوى ومن مطالب جماهيرية، بقدر ما تمتد جذورها بعيداً في أعماق " العملية السياسية " وأسس بنائها من جهة، وفي آليات تداول السلطة وطبيعة التحكم بقيادتها من جهة أخرى..!؟


ومما أزاد في الطين بلة، ما أقدمت عليه ثلة من المندسين بين أوساط المعتصمين من جريمة مدانة يوم السبت 27/4/2013، في إزهاقها أرواح خمسة من الجنود العزل، مما فاقم من تعقيد الموقف، وألقى بضلاله على كافة أطراف "العملية السياسية" بمن فيها من يتحمل سلطة الحكم مباشرة أو مشاركاً فيها، للبحث عن مخرج من نفق الأزمة، الذي بات يطبق بخناقه على الجميع..!؟(2)


فإن كانت جميع أطراف "العملية السياسية" قد إرتضت وإتخذت منها خارطة طريق لإدارة البلاد بعد الإحتلال، وتوافقت على التمسك بما يفرضه (العقد) الذي طرحته على الشعب، والمقصود به (الدستور)، فهي قبل غيرها، ملزمة تأريخياً واخلاقيا، بتوفير الأمن والأمان للمواطن العراقي، وتوفير كل أسباب العيش الكريم له في حياته اليومية، في ظل الحرية والعدالة والمساواة..!


وفي ظل الظروف الحالية، بكل ما تبطنه دواخلها ومتشعباتها من أخطار جسيمة، تهدد مصائر العراقيين وتدفع بهم بإتجاه التناحر الطائفي، وتعرض الوطن الى هول ما يبيت له من كوارث التجزئة أو التقسيم؛ فإن الإهابات وحدها، وإن حسنت، لا يمكنها أن ترأب صدعاً، أو تصلح ذات البين؛ فليس أمام أطراف العملية السياسية مجتمعين، إلا أن يحزموا أمرهم، بعيداً عن دوافع المصالح الشخصية أو الحزبية، والبحث مشتركين عن كل ما يشوب "العملية السياسية" من نواقص وإخفاقات، وعن كل ما يساعد على تجنيب العراق والعراقيين ويلات المخاطر، التي باتت في علم الجميع..!؟


فالنأي بعيداً عن تحمل المسؤولية، كما هو التفرد في القرار، وفي مثل هذه الظروف العصيبة، إنما هما وجهان لعملة واحدة، فالبعيد عن المسؤولية لا يمكن أن يكون بعيداً عن تداعيات وتبعات ما يفرزه القرار المنفرد أو الذي تعوزه الحكمة وينقصه التشاور الإيجابي والرأي المشترك، وليس المتفرد بالقرار بأفضل حال من ذلك..!


وما تداعيات أحداث الحويجة إلا مثل واقعي على المآل الذي إنتهت اليه مسيرة عقد من التجارب والأخطاء والتجاذبات والمناكفات بين أصحاب المصالح المتعارضة، وأحد تجليات الأداء الذي يفتقر الى المشاركة الحقيقية في إتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب، ومن أمثلته إستخدام القوات المسلحة في غير مكانها الذي أشار اليه الدستور..!(3)   
باقر الفضلي/ 28/4/2013
_____________________________________________________
(1)   ‫ http://www.youtube.com/watch?v=QWAbONduaiI
(2)      http://www.shafaaq.com/sh2/index.php/news/iraq-news/56759-2013-04-28-10-10-43.html   
(3)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=335573

   
           

85



العراق: الإنتخابات بين الأمل والتأمل..!!؟

باقر الفضلي


تندفع الكتل السياسية العراقية الكبيرة منها على وجه الخصوص، في تسابق محموم لم يعهد له العراق مثيلا من قبل، في معركة صراعها اليومي نحو السلطة، الى صناديق الإنتخابات وكأنها قد حسمت فوزها في هذه الإنتخابات، حتى قبل ظهور نتائجها، خاصة تلك التي تتصدرها الإئتلافات الحاكمة، والتي كما تبدو غير مبالية،  بكل أرث الفشل الذي يلقي بضلاله على الساحة السياسية، ويلاحقها ليل نهار طيلة السنوات الأربع المنتهية، لتتصدر حملة الدعاية الإنتخابية وكأنها الفارس الصنديد، والجبل الذي "لا تهزه الريح" ، على حد تعبير أحد شعراء مهرجاناتها اليومية الشعبية، التي تزدحم بها فضائياتها صباح مساء، في مشهد كوميدي، قلما كان له نظير من أجواء البهرجة وإحتفالات الأعراس..!!؟


هذا في وقت تتلاشى فيه أصداء خطب دعاة تلك الحملات الإنتخابية في مهرجاناتها، في هدير تفجير السيارات المفخخة، وتصطبغ فيه لوحاتها الإنتخابية بدماء الضحايا، ليشكل المشهد الإنتخابي تراجيديا نادرة في تفاصيلها، من تصميم "الإرهاب" على حد ما يقال..!!؟ وليس بعيداً عن هذا؛ حالة اللاتكافؤ في الفرص بين المتنافسين من القوى السياسية على مختلف مضاربها، من حيث الإمكانات المادية، وظروف الدعاية الإنتخابية وآلياتها، والفرص المتاحة لممارستها الإنتخابية..!؟ 


ففي الوقت الذي تهدر فيه فضائيات الكتل السياسية الكبيرة والمتحكمة بالسلطة، ليل نهار وهي تنفخ في أبواق الدعاية لصالح قوائمها ومرشحيها، فهي لا تمانع وتحت يافطة "الديمقراطية" في السماح لباقي القوى والأحزاب السياسية الصغيرة، من ممارسة دعايتها الإنتخابية، إن شاءت؛ وهي تعلم علم اليقين، حدود إمكانات تلك القوى في هذا المجال، وبأنها أعجز من أن تتمكن من إيصال صوتها بعيداً الى الجماهير، مع شحة يدها، وضعف إمكاناتها المحدودة؛ فهي لا تمتلك الفضائيات، وليست من ذوي النفوذ في السلطة، رغم ما يمتلكه مرشحوها من برامج واقعية للتغيير، وما يتميزون به من كفاءة مهنية ومقدرة وإرادة حقيقية من أجل تغيير الواقع بما يصب في خدمة الوطن والمواطن ، ناهيك عما يشهد لهم به من نزاهة اليد وعفة الضمير، ومنها على سبيل المثال، قوائم إتلاف التيار المدني الديمقراطي الذي يعتبر من النماذج الواقعية التي يحتذى بها في هذا المجال..!


وكي يكون المرء أكثر قرباً الى الأمل والتفاؤل منه الى التأمل، وحيث أن إنتخابات مجالس المحافظات ستكون حقيقة واقعة في العشرين من نيسان الجاري، وبعيداً عن أي تكهنات مسبقة حول النتائج المحتملة لتلك الإنتخابات، في ظل الظروف الراهنة التي تعصف بالمشهد العراقي اليوم، يجد المرء من المناسب الإحالة الى المقالة الموسومة " العراق: نظرة حول المشاركة في الإنتخابات..!" لقربها في العلاقة مع نفس الموضوع  مدار البحث الآن، وذلك في خطوطه العامة، وفي جذوره وأسبابه وإحتمالات تداعياته، ولما نجد فيها من وضوح للرؤيا لما يتعلق بإنتخابات الغد بالنسبة لمجالس المحافظات، ولما تعكسه حالة التردد التي تشوب موقف الكثيرين من هذه الإنتخابات، جراء خيبة الأمل والإحباط، نتيجة حجم الفشل الكبير الذي حصدته الجماهير على كافة الأصعدة، ومنها على وجه الخصوص في الجانب الأمني، ودع عنك الجوانب الأخرى لتكرار ذكرها الممل..! (*)
باقر الفضلي 17/4/2013
___________________________________________   
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=214629






   




     

86




فلسطين: شهداء في قبضة الإحتلال..!
 
                                                 الشهيد ميسرة ابو حمدية

باقر الفضلي

قد تعجز الكلمات عن التعبير؛ ولا كل عبارات الغضب والإدانة والإستنكار تطيب النفوس المكلومة؛ فحين تدنس أقدامُ المحتلين أرضَ الوطن، يغدو في حكم الحقيقة والواقع، أن يصبح أبناؤه مشاريعَ للإستشهاد؛ فلن تتوقف قافلة الشهداء طالما كانت هناك قدم تدنس الأرض الطاهرة، والأمهات الثكلى يندبن أرواح الشهداء..!


وحين يصمت المجتمع الدولي عن الجريمة المستمرة التي ترتكبها سلطات الإحتلال الإسرائيلي بزجها آلاف الفلسطينيين في الأسر وراء قضبان المعتقلات والسجون، معرضة إياهم الى خطر الموت، وضاربة عرض الحائط كل نصوص الشرائع الدولية وحقوق الإنسان في التعامل مع الأسرى، إنما يشكل مثل هذا الصمت، نقطة سوداء في جبين المجتمع الدولي والشرعية الدولية ، التي أثبتت وما زالت، عجزها أمام جميع الإنتهاكات التي تقدم عليها سلطات الإحتلال الإسرائيلية كل يوم، وفي مقدمتها جريمة الإستيطان..!؟


ولهول الجريمة والمأساة، فقد [[ وصفت جبهة التحرير الفلسطينية جريمة استشهاد الأسير القيادي في حركة فتح ميسرة أبو حمدية والذي استشهد صباح هذااليوم في مستشفى سوروكا في بئر السبع بالبشعة والخطيرة وارتكبت عن سبق الإصرار بحق هذا الأسير بسبب الإهمال الطبي والتلكؤ بالإفراج عنه ومعتبرة استشهاده جريمة بسبب المماطلة في تقديم العلاج اللازم له والتشخيص المتأخر في اكتشاف مرض السرطان الذي استفحل في جسده.]](*)


فلم يكن إستشهاد البطل الفلسطيني ميسرة ابو حمدية (64) عاما ، هو الأول ولا هو الأخير، الأمر الذي يضع منظمات حقوق الإنسان الدولية والأمم المتحدة ممثلة بسكرتيرها العام السيد بان كي مون، أمام مسؤوليتها،  للتحقيق في ظروف حالة إستشهاد ميسرة ابو حمدية في السجون الإسرائيلية، وهو أقل ما يمكنها الإقدام عليه، حيث بات المصير نفسه يهدد الالاف من الإسرى الفلسطينيين وهم في قبضة الإحتلال..!!؟

التحية والإجلال للشهيد البطل ميسرة ابو حمدية، ولعائلته وذويه الصبر والسلوان، ولكل شهداء الشعب الفلسطيني المكافح، المجد والخلود..!
باقر الفضلي/2/4/2013
______________________________________________   
(*)        http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=118651
 

87




سوريا: جامعة الدول العربية؛ عود على بدء..!

باقر الفضلي


مادة8/  تحترم كل دولة من الدول المشتركة في الجامعة
 نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى،
وتعتبره حقا من حقوق تلك الدول وتتعهد
 بأن لا تقوم بعمل يرمى إلى تغيير ذلك النظام فيها
                                  ميثاق الجامعة العربية/1945



في مقالة سابقة بعنوان (  سوريا: الجامعة العربية في الميزان..!)، جرى إلقاء الضوء وبشكل مقتضب، على توجهات الجامعة العربية، ممثلة بأمانتها العامة، في موقفها من الأزمة السورية التي دخلت عامها الثالث، ومن خلال تلك المقالة، بات جلياً كيف أن تلك الأمانة،  قد خطت لنفسها طريقاً ثابتاً في معالجتها لتلك الأزمة، ونهجت سبيلاً اقل ما يقال بشأنه؛ أنه في النهاية يصب في خدمة مشروع تدمير الدولة السورية، وتكبيد الشعب السوري المزيد والمزيد من إراقة الدماء، ويفتح الطريق واسعة أمام الإقتتال، وتدفق فلول الإرهابيين من كل صوب وحدب..!؟(1)


 فبدلاً من أن تقوم الجامعة العربية بدورها وواجبها الذي رسمه لها ميثاقها كمنظمة إقليمية، في البحث عن كل ما يدفع بإتجاه إيجاد الحلول السياسية والسلمية، التي تساعد على تفكيك عوامل الأزمة السورية، خاصة وأن الدولة السورية هي إحدى الدول الأعضاء الإشقاء المؤسسين للمنظمة، وإن ما يدور من نزاع وصراع داخلي، لا يخرج في بعض من أسبابه عن تدخل إقليمي، يشارك فيه عدد من أعضاء المنظمة الأشقاء، ناهيك عن بواعث التدخل الأجنبي، الأمر الذي يستدعي موقفاً أكثر إيجابية من قبل المنظمة، لدرء مخاطر الإحتراب الداخلي والإقليمي، مقروناً بضرورة الوقوف وبحزم،  ضد أي تلويح بالتهديد بالتدخل العسكري الأجنبي، الذي يسعى له البعض من هذه الدول الإقليمية والجارة؛ وفي جميع الأحوال، فإن كل هذا لايخرج في جوهره وفحواه عن موجبات وفروض إقرتها مجموعة الدول الأعضاء في المنظمة وضمنتها ميثاقها الموقع عليه عام/1945، كأسس للتعامل فيما بينها وفي فض النزاعات ومواجهة الأخطار التي قد يتعرض اليها أي من أعضائها الموقعين على الميثاق..!


فمن مفارقات ما اقدمت عليه الأمانة العامة للجامعة العربية من قرارات بشأن الأزمة السورية، إنها جميعاً لا تمت بصلة لكل ما سبق وما تمت الإشارة اليه في مقالات سابقة، حول الجنوح الى الحلول السلمية المبنية على مبدأ الحوار المشترك بين أطراف النزاع،  بل قد تجاوزت الأمانة العامة حدود ميثاق الجامعة العربية نفسه، وبالأخص المادة / الثامنة من الميثاق، التي تعتبر أن نظام الحكم القائم لأي دولة عضو من أعضاء الجامعة العربية، هو حق من حقوق تلك الدولة، وتلزم الدول الأعضاء الأخرى، التعهد بالإلتزام، [[ بأن لا تقوم بعمل يرمى إلى تغيير ذلك النظام فيها]]، مما يعني أن نشاط  الأمانة العامة بهذا الشأن، قد تخطى في أسسه وتفاصيله الحدود التي تأسست من أجلها المنطمة نفسها، وأصبح في عرفها أمراً مستساغا، التدخل في الشؤون الداخلية للدول أعضاء المنظمة ورسم ما تراه مناسباً لمصالح بعض الأنظمة التي تنتسب الى المنظمة، مما بات معه، أن هذا الجنوح المعاكس لما بني عليه ميثاق الجامعة العربية، قد أصبح من عوامل إفراغ المنظمة نفسها من أسباب وجودها ومن طموح الأهداف التي أسست من أجلها عام/1945، والتي كانت تتطلع اليها الشعوب العربية يومذاك، والتي كانت ترمي الى تحقيق وحدتها الإقتصادية والثقافية والسياسية، على حد تصريح المستر أيدن وزير خارجية بريطانيا فى مجلس العموم البريطانى فى 24 فبراير 1943..!


فدولة سوريا وهي تعيش في ظل أزمتها الحالية، ورغم قرار الجامعة العربية السابق بتجميد عضويتها في المنظمة، رغم عدم شرعيته القانونية طبقاً لميثاق المنظمة لعدم حصول الإجماع على القرار المذكور _ المادة/ السابعة؛ فإنها لا زالت تعتبر دولة كاملة العضوية طبقاً لبنود ميثاق الجامعة العربية، إذ ليس هناك من الأسباب القانونية، وطبقاً للميثاق نفسه، ما يسقط تلك العضوية المادة/ 18 من الميثاق؛ ومن هنا فإن القرار الأخير لقمة الدول العربية في دورتها/24 بإحلال وفد الإئتلاف السوري المعارض، في مقعد الدولة السورية، بدلاً عن الممثل الرسمي للدولة السورية، وعضو الأمم المتحدة، يمثل تجاوزاً على بنود ميثاق الجامعة العربية، وخرقاً لميثاق الأمم المتحدة، الذي لا زالت تحتفظ بموجبه الدولة السورية بعضويتها، كدولة كاملة العضوية في تلك المنظمة..!؟
   

الأمر نفسه ينطبق على قرار القمة الآخر، الذي يمنح الدول الأعضاء الآخرين حرية تسليح جماعات المعارضة، المشتبكة حالياً في قتال ضد قوات الدولة النظامية، الأمر الذي يتعارض مع نص المادة / الثانية من الميثاق، التي تنص على أن [[ الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقا للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شئون البلاد العربية ومصالحها]]..!؟



 فهل حقاً أن قراراً مثل هذا سوف يصب في مصلحة إستباب السلم في سوريا، ويجنب الشعب السوري ويلات الحرب والتدمير، ويحقق الإستقلال لسوريا..؟! أم أن الجامعة العربية في قرارات قمتها للدورة/24 حول الشأن السوري، كانت واثقة حقاً من قدرتها في الوصول الى مراميها في ظل الصراع المحتدم في المنطقة، في وقت لاحت فيه بوادر ردود الفعل الدولي والداخلي في الأفق على المؤتمر أوعلى قراراته، ولسان حالها يؤكد بأن لا طريق للخروج من الأزمة السورية، غير الطريق السياسي السلمي، والعودة الى قرارات مؤتمر جنيف الدولي/2012، فأي من ذي الخيارين تسعى اليه جامعتنا العربية الموقرة، أمد الله في عمرها وأنار لها طريق الصواب...؟؟!(2) (3) (4)  (5) (6)

باقر الفضلي/ 27/3/2013
_________________________________________________
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=350290
(2)    http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=118031
(3)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2YPF20130327?sp=true
(4)    http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=117798
(5)    http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=117618
(6)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2Z6920130328


   


88




سوريا: جامعة الدول العربية في الميزان..!؟

باقر الفضلي

لقد جاءت قرارات المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية، في دورته/139 المنعقدة بتاريخ السادس من آذار/ 2013، حول الأزمة  السورية، برهاناً جديداً على تمسك المجلس المذكور، بأنه في موقفه من تلك الأزمة، لا زال يمثل طرفاً خصماً في مواجهة الدولة السورية، ما ترتب عليه، موقفاً منحازاً لا يمكن من وجهة نظر ميثاق الجامعة العربية، إعتباره منسجماً مع ذلك الميثاق/ المادة/1و8، ناهيك عن تعارضه مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة منها بشروط عضوية الدول الأعضاء في المنظمة..!؟(1)

فالقرار الخاص بإشغال مقعد دولة سوريا في الجامعة، من قبل ممثل عن  المعارضة والذي إتخذه المجلس في جلسته المشار اليها أعلاه، يتعارض كلياً مع أحكام ميثاق الجامعة الذي إعتمد في بناء هيكليته على عنصر [الدولة] بإعتبارها تشكل الركن الأساس لبناء المنظمة، وهوما ينسجم مع أحكام ميثاق الأمم المتحدة الذي يقوم بناءه على نفس الأساس المذكور..!

[["لذا مشاركة سوريا كدولة في اجتماعات الجامعة معلقة ومقعدها خال وما عملناه أن يشغل مقعد سوريا من يمثل الشعب السوري".]]

هكذا وبهذه الطريقة التي لا تصمد أمام النقد حاول السيد وزير خارجية مصر السيد محمد كامل عمرو تكييف مسألة إشغال مقعد سوريا، معتمداً على قرار سابق للمجلس الوزاري للجامعة، يعتمد التحالف السوري كممثل وحيد للشعب السوري، رغم كل ملابسات القرار المذكور، على المستويين القانوني والواقعي..!؟


 ونفسها المفارقة التي تفضل بها الأمين العام للجامعة العربية السيد نبيل العربي، حينما فسر الماء بعد الجهد بالماء، لينتهي الى إختزال مفهوم ( الدولة ) ، الى مجرد " سلطة" وبالتالي فكل ما يحتاجه شاغل المقعد هو [[  ... لا بد أن يكون ممثل سوريا سلطة تنفيذية وحكومة مؤقتة وهيئة تنفيذية وهذا ما نص عليه القرار حتى يتمكنوا من تسلم المقعد المعلق.]] والأمر غريب بذاته، فلا عجب بالنسبة لمجلس الجامعة، أن يكون شاغل المقعد، ممثلاً عن دولة حتى لو كانت تلك الدولة موجودة في الخيال، ولكنه يملك "سلطة" ما وإن كانت مؤقتة، حتى لو كانت في المريخ..!!؟


والأكثر غرابة، تبريرات الوزير المصري السيد محمد كامل عمرو للقرار آنف الذكر، تلك التبريرات التي تبطن في داخلها الإتجاه نحو العنف وإستخدام التدخل العسكري، بديلاً لأي حل سلمي، عندما أجرى مقارنة بين ما يسمى ب "الحل السلمي والحل السياسي" ، وبمحاولة من خلال هذه "المقارنة" التضليلية، رسم نهاية لما يسميه ب "الحل السلمي" من قبل النظام السوري، ولم يبق أمام الجامعة العربية بمجلسها الوزاري إلا " الحل السياسي"، في محاولة لخلط الأوراق، وتضليل القاريء ، بأن كل ما تذهب اليه الجامعة العربية، ما هو إلا مجرد "حل سياسي"، حتى لو كان على شكل صواريخ محمولة على الأكتاف أو مفخخات للتفجير بين حشود الأبرياء، فكل ما يسعى اليه المجلس الوزاري للجامعة العربية، وطبقاً لمقارنة وزير الخارجية المصرية، لا يخرج في شكله ومحتواه عن كونه مجرد " حل سياسي" ليس إلا، بعد إن أنهى النظام السوري على حد قوله، كل أمل في "الحل السلمي"، بإستخدامه للصواريخ ضد المدنيين، ولا يدري المراقب ما يعنيه السيد الوزير بالحل السياسي، كبديل للحل السلمي، إن لم يكن نقيضاً له، وفق ما يستشفه المرء من طبيعة حديث السيد الوزير نفسه، وما يبطنه فحوى المقارنة وأهدافها، فيا للغرابة في المقارنة والإستنتاج..!؟


نفسها التبريرات التي دفعت بمجلس الجامعة الى إصدار قرارها الثاني، والذي لم يحض بالإجماع، والقاضي بإمكانية أي دولة عضو في الجامعة من تقديم السلاح الى قوى المعارضة، على إعتبار أن الأمر يتعلق بأمر سيادي مما يدخل في صلاحيات الدول أعضاء الجامعة، إن شاءت...!؟؟


ومن خلال تكييف هذا القرار جرياً مع مسيرة مجلس الأمانة العامة للجامعة العربية في تناوله للأزمة السورية، على مدى عامين، لا يجد المرء في هذا القرار وسابقاته من القرارات الأخرى في هذا الشأن، من شيء جديد، يمكن أن يستشف منه، جدية المجلس المذكور وشعوره بالمسؤولية العالية، بإعتباره يمثل منظمة إقليمية معترف بها من قبل المجتمع الدولي، وذلك بالعمل الجاد والسلمي حقاً، من أجل تجنيب الشعب السوري والدولة السورية، هول الخطر المحدق بهما، جراء ما يتعرض له الشعب السوري النبيل، من سفك لا ينقطع للدماء البريئة، وما تتعرض له الدولة السورية كبلد عربي وعضو في جامعة الدول العربية، من تدمير لا حدود له في بناها الإقتصادية والإجتماعية، بل وعلى العكس مما يتصوره المرء من دور إيجابي يمكن أن تتخذه الجامعة العربية بهذا الشأن، تراها في موقفها الأخير في الدورة/ 139 للأمانة العامة لمجلسها الوزاري، بدت أكثر تطرفاً وإصراراً في السير على نفس خارطة الطريق التي رسمتها لنفسها حول سوريا، بل وتبدو أكثر إنحيازاً لكل ما يدفع بإتجاه تدمير سوريا، دولة وشعب، الأمر الذي سبق وأن حذرنا منه في مقالة سابقة [ الجامعة العربية الى أين..؟!]، حينما تمت الأشارة الى : [[إن كل ما يمكن قوله في ختام ما تقدم، وعلى وجه الخصوص؛ ما يتعلق بموقف الجامعة العربية من الأزمة السورية؛ هو هشاشة المواقف التي ظهرت عليها الأمانة العامة لهذه الجامعة، والتي جسدتها قراراتها المتعلقة بالأزمة السورية، تلك القرارات التي كشفت للعيان؛ بأن الجامعة العربية بتصرفها هذا، قد مثلت مجرد طرف منحاز في النزاع القائم حول الأزمة السورية، وهي قد وجدت مكانها فسيحاً في ربط وجودها مع خطط الناتو بالنسبة لتلك الأزمة، فإرتضت أن تكون حصان طروادة في محاولتها إستقدام التدخل الأجنبي، والإسهام المباشر وغير المباشر في التهيئة لتدمير دولة عضو من أعضاء هذه الجامعة...]] (2)
   

إن جل ما يمكن قوله بشأن موقف الأمانة العامة للجامعة العربية، من الأزمة السورية، هو إنه موقف يتعارض كلياً مع الأهداف والمقاصد التي أسست من أجلها المنظمة الإقليمية، والتي تسنم أعضائها من الدول المؤسسة، من وراء ذلك التأسيسس كل ما توصل إليه بروتوكول الإسكندرية في الفترة من 25/9 الى 27/10/1944 الذي صار أول وثيقة تخص الجامعة العربية وتحتوي على المباديء الأساسية لعمل وأهداف المنظمة، والتي كانت دولة سوريا، من الدول الأوائل المؤسسة للمنظمة والمشاركة في تدوين وإقرار تلك المباديء..!(3)


 فأين تجد الجامعة العربية نفسها اليوم، من تلك المباديء ومن أحكام ميثاقها في موقفها من معالجة الأزمة السورية، التي تواجه اليوم حرب الإرهاب الدولي، المدعوم بالمال والأسلحة من قبل اطراف التحالف الأجنبي _ الأقليمي، وفي ظل ابشع إنتهاك لميثاق الأمم المتحدة والشرائع الدولية تقترفه بعض أطراف ذلك التحالف، دون أن تأخذ بالحسبان كل ما حصده تدخلها الفاضح من سفك للدماء  ومن دمار بالغين على مدى عامين،(4) رغم كل ما قيل ويقال من نصح وتحذير على الصعيدين الدولي والإقليمي، وبعيداً عن أي مبادرة حقيقية للحل السلمي، بما فيها ما توصل اليه أطراف الصراع الدولي من إتفاقية في جنيف للحل السياسي السلمي للأزمة السورية ..!!؟؟(5) 
باقر الفضلي 18/3/2013
_____________________________________________
(1)   http://www.alquds.com/news/article/view/id/422236
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=294904
(3)   لمحة تاریخیة
(4)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2TBY20130314
(5)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2T8X20130313?sp=true

89


المرأة: في دائرة العنف..!

باقر الفضلي

العنف بذاته؛ حالة تعبر عن قصور في التحكم الإرادي للشخص، إتجاه الطرف الآخر، بغض النظر عن طبيعة العلاقة الرابطة بين الإثنين، ولذلك من الأسباب ما لا تحده حدود؛ وبمعنى آخر، هو الفعل المعاكس لفعل الرقة واللين الذي يمثل الحالة الطبيعية لتصرف الفرد، إمرأة كانت أم رجل، وفي الحدود المقبولة من قبل المجتمع بعيداً عن الإفراط أو التصنع، ولكل هذا أسبابه ودوافعه المتعددة..! 

فالعنف الذي يقع على المرأة هو في جوهره لا يختلف عن طبيعة العنف الذي يتعرض له الطفل، أو العنف الذي يمكن أن تمارسه المرأة نفسها ضد المرأة أو الرجل أو الأطفال في البيت أو المدرسة أو في رياض الأطفال..!

والعنف الجنسي ضد المرأة في حقيقته وفي جوهره، لا يختلف عن باقي أشكال العنف الأخرى، إلا في حدود القصد والهدف، وليس التحرش الجنسي _ في سياقه السلبي _ إلا أحد أشكال هذا النوع من العنف الذي تتعرض له المرأة بشكل عام، وله صوره المختلفة، منها "المبطن" ومنها المعلن الصريح، ومنها الذي يرقى الى مستوى الإعتداء الجسدي المباشر، كما هو في حالة الإغتصاب..!

وليست حالة "التحرش الجنسي" وليدة يومها، فهي في قدمها قدم البشرية، ولا يقتصر إنتشارها على أمم أو بلدان محددة، أو يغلب عليها الإنتشار في بلدان تميزت بتحضرها وتفوقها الحضاري من بلدان أخرى لا زالت تحبو في مستويات تطورها الإقتصادي والإجتماعي، فالحالة موجودة في جميع المجتمعات، ولكن شيوعها، يختلف نسبياً من مكان الى آخر، وهذا يعتمد على مستوى التطور القانوني والقضائي لهذا البلد أو ذاك، ناهيك عن طبيعة تطور مستوى الوعي الثقافي للمجتمع نفسه، وبكلمة أدق، يعتمد ذلك على نسبة المستوى العملي والتطبيقي الذي وصل اليه مبدأ المساواة بين المرأة والرجل، على الصعيدين السياسي والإجتماعي، الذي يقابله وقريناً له، المستوى العملي الذي وصلت اليه المرأة في مجال المشاركة في العمل وبشكل خاص في مجال العملية الإنتاجية للمجتمع..!(*)

أما الخوض في أسباب تلك الحالة، أو فيما إذا كان بالإمكان إعتبارها ظاهرة شائعة في البلدان العربية على سبيل التخصيص، كما أوردت بعضاً منها الأسئلة الموجه من قبل الحوار المتمدن - مركز مساواة المرأة، فالكثير من هذه الأسئلة تبطن أجوبتها في دواخلها، ومن غير اليسير الإجابة على تلك الأسئلة بإجابات قطعية، من حيث نعم أم لا، فالأمر في حقيقته يغور بعيداً في جذور المسائل التي تناولتها أسئلة الحوار المتمدن، مثل الكبت الجنسي، ودور السلطة، والتربية البيتية الذكورية، والتوجهات الدينية، وطبيعة التعليم، والتفريق بين الجنسين في مراحل التعليم المختلفة، وإتساع ظاهرة الحجاب و"الصحوة الدينية"..الخ من الأسباب والعوامل التي تضعها وتفترضها الأسئلة في وارد الأسباب التي تقف وراء شيوع ظاهرة التحرش الجنسي ضد المرأة في مجتمعاتنا العربية، فكل ما تقدم من هذه العوامل يمكن أن يكون لوحده كافياً أو مشاركاً مع العوامل الأخرى، في بروز ظاهرة التحرش الجنسي في المجتمع..!؟(**)

فالحالة نفسها يمكن أن يواجهها المرء في أرقى الدول حضارة كما وفي نفس الوقت، في العديد من الدول المتخلفة إقتصادياً والبعيدة في سلم الحضارة، وهناك غير قليل من العوامل التي تقف وراء تحول الحالة نفسها الى ظاهرة إجتماعية بالصورة التي يتوقعها مركز مساواة المرأة، ولعل من أحد تلك العوامل، ظاهرة إنتشار البطالة لأي سبب من الأسباب، أو التدني في مستوى الوعي القانوني في المجتمع، وغياب القاعدة القانونية العقابية الرادعة، على صعيد المجتمع، والمقصود تلك القاعدة التي تتعامل مع الحالة نفسها على قدم المساواة بالنسبة للجميع، وليس بعيداً عن ذلك ما تتعرض له بعض الدول العربية وشعوبها اليوم، من حالة إنتشار الفوضى والإرهاب والحروب الأهلية، ما يفاقم من حالة "التحرش الجنسي"، ويعمق من عزلة المرأة إجتماعيا، ويزيد من تعرضها للإنتهاك المعنوي والجسدي، وغير ذلك من التجاوزات على حقوقها القانونية والدستورية، وهذا ما يدفع الى التفكير بإستنباط الحماية المناسبة للمرأة من قبل السلطات الحكومية، من جهة، وتفعيل دور النخب المثقفة على صعيد الجنسين، بما فيها الحماية الدولية، الأمر الذي تمت معالجته في مقالة سابقة، ولا يخفى على العيان الدور الذي يلعبه مركز مساواة المرأة لموقع الحوار المتمدن في هذا المجال..!؟(***)
باقر الفضلي/ 3/3/2013
____________________________________________
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=59024
(**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=195947
(***)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=342111


   

90




فلسطين: الأسيرُ الشهيد..!(*)

باقر الفضلي
 
أسيرٌ ونَبضُكَ نَبضُ الوَطَنْ
شَهيدٌ وروحُكَ وَحْيُ الوَطَنْ
سلاحُـكَ أمضى مِـنَ المَوتِ
وأمضى مِنَ المَوتِ، فِعلُ الحَجَرْ
وعزمُـكَ كالطَودِ إذ يُستَبانْ
وعُمقُكَ في الأرضِ مِثلُ الشَجَرْ
شموخاً وبأساً...
فليسَ معَ الحَقِِ ما يُرتَهَـنْ
***
فيا أيها النَجمُ صُعداً لكبدِ السَماءِ
مَـناراً لدَربِ الأحبةِ عندَ المِحَنْ
لتَروي الغليلَ بماءِ الحياةِ
أسيرٌ تَـفُكُ مِنَ الغِـلِ مَنْ يُمتَهنْ
فأنتَ الربيعُ الذي  يُرتَجى
وأنتَ الذي كُنتَ حُراً، ولمْ تُفـتَتَنْ
***
أسيرٌ وفي العَزمِ مِثْـلُ الهَصورْ
شَديـدٌ وَدُوُدٌ مُهابٌ جَسورْ
يَخافُكَ والقَيـدُ في مِعصَميكْ
ويَحذَرُ منكَ.. العَـدوُ الغَدورْ
فأوسِعْ مِنَ الشَدِ حتى يُجَـنْ
***
سلاماً شَهيدَ الكَرامةِ عِـزَّ الرِجالْ
أحييكَ مَجداً.. ورَمزاً لشَعبِ النِضالْ
أحييكَ مِنْ مَوجعِ الآهِ لَمّا يُقـالْ ..
فلسطينُ ضُمي لصدرِكِ هذا المِثالْ
فلسطينُ نَصرَكِ نَصرُ الرِجالْ
ورَمزَ الشَهيدِ وِسامُ  الوَطَنْ
***
***
***
باقر الفضلي/27/2/2013
__________________________________________________
(*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/02/130224_palestinian_prisoner_torture.shtml










 


 















 



91





أبا غانم .. سلاماً...!(*)

باقر الفضلي


سلاماً وكانَ الرحيلْ
ولَمْ تُطْبِقُ العَينُ أجفانَها
ولَمْ يُوقِفُ القَلبُ ذاكَ الوَجيفْ
ولَمْ تُطْلِقُ النَفسُ ألحانَها

سلاماً وكانَ الوَداعْ
ولَمْ يُمهِلْ المَوجُ رُبانَها
ولَمْ تَبلغُ الطَيرُ سَمتَ الرؤوسْ
ولَمْ تُبصرُ العينُ عنوانَها

سلاماً وكانَ الوَفاءْ
ولَمْ يَحسبُ الصَبُ إيمانَها
ولَمْ يُسعِفُ الدَربُ شَوطاً بَعيدْ
ولَمْ تَبلغُ الروحُ أشْجانَها

***

ابا غانمٍ نِعْمَ ذاكَ المَقامْ
بَهيٌ مُنيرٌ ، مثلُ بَدرٍ تَمامْ
فنِعْمَ الجليسُ ونِعْمَ الأنامْ
ونِعْمَ الذي كان يُزجي الكلامْ

يَطوفُ بكَ الصَحبُ طَوفَ الحَمامْ
فكنتَ الأخَ المُرتَجى، ورَمزَ السلامْ
وكنتَ العَضيدَ لِمَنْ يُستَضامْ
أخا العَهدِ يا حافِظاً للوئامْ

***

ابا غانمٍ فيكَ يسمو المقالْ
ونَظْمُ القَصيدِ وضَربُ المِثالْ
فمِنْ حِكمةٍ سِرُها في الخَيالْ
ومن فِطنةٍ قَلما تُستَطالْ

أبا غانمٍ يا قَـريبَ المنالْ
ونِعمَ الصديقُ الوفيُ، ونِعمَ المِثالْ
ونِعمَ المُبَجَلُ .. بين الخِصالْ
سلاماً سلاماً الى حينَ تُلقى الرِحالْ
سلاماً وهلْ تَغفلُ العينُ خلانَها

***
***
***
***
باقر الفضلي 21/2/2013
______________________________________________________
(*) في ذكرى مرور عام على رحيل المناضل الوطني الفقيد سالم عبيد النعمان _ اباغانم/ عضو محكمة التمييز العراقية






































































 



















 



















92

تونس: شكري بلعيد يتهم..!!؟(*)

باقر الفضلي

كل القرائن تشير بأنها لم تك رصاصات طائشة..؛ فالمغدور الشهيد بلعيد نفسه، كان يعلم بحسه المرهف، وحدسه المبني على وقائع ملموسة، وليس على مجرد تكهنات أو تصورات وتهيؤات خيالية، مصدر تلك الرصاصات، بل وكأني به يعلم أيضا، أهدافها وما تخفيه وراءها من أجندات ومخططات، لا تستهدف شخصه بالذات بقدر ما أنها مصوبة لإستهداف تونس شعباً ودولة، ومع كل ذلك وما قد دار بحسبانه من توقعات، إلا أنه وكما يبدو، قد أخذ كل ذلك من منطلق حسن النية، ولن يحسب لتهيؤاته تلك أي حساب، تاركاً أمر كل ما دار في خلده، أو ورد على لسانه، وقبل ساعات من حديثه الى الإعلام، حول توقعاته بما سوف تقدم عليه أياد الجريمة، ومخططات "الإغتيال السياسي"، تاركاً ذلك كله الى من يهمه أمر مستقبل المسيرة السياسية في تونس، من سلطات حاكمة متنفذة، أو قوى سياسية يهمها أمر ذلك المستقبل، ليكون إغتياله " بمثابة افتتاح لطور عنف في البلاد. " على حد قول المحلل السياسي التونسي السيد محمد بو عود الى قناة الفضائية العربية..!؟


  فأصابع الإتهام وقبل يوم من إستشهاده، كان قد وجهها الفقيد الى جهات محددة في العملية السياسية في تونس، ليضفي في حديثه عن الجريمة، التي كان هو من أوائل ضحاياها، بعداً سياسياً وليضعها  في إطار جرائم [ الإغتيال السياسي ]، الذي بات يهدد أي صوت ديمقراطي يفكر بتوجيه النقد أو معارضة الإجراءات اللاديمقراطية التي تقدم عليها السلطات التي إستأثرت بالسلطة الجديدة، والتي باتت تهدد حرية الرأي والتعبير، أو على حد تعبير السيدة نجيبة الحمروني نقيب الصحافيين التونيسيين بلسان حالها وهي تقول:  " نحن نخشى على حرية الصحافة أكثر من خوفنا على أنفسنا، فالعديد من الأطراف لم تتقبل النقد وأزعجها ما تنقله الصورة عبر وسائل الإعلام".  (1)   


فما أفضى به الشهيد بلعيد في اليوم السابق لإغتياله، وفي المؤتمر الصحفي التلفزيوني، الذي عقده بعد الإعتداء الذي تعرض له مقر حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد قيل أيام، وهو الأمين العام للحزب المذكور والعضو القيادي للجبهة الشعبية، بما تناوله في ذلك المؤتمر من توجيه الإتهام المباشر الى ميليشيات تابعة لجهة سياسية متنفذة، والإنتقاد المباشر لرئيسها في دعمه المباشر لتلك المليشيات، وإعتبار ذلك بمثابة توجيه ضوء أخضر لهذه المليشيات، وعمل ممنهج وممركز لإغراق البلاد في الفوضى، وحديثه عن الأزمة الخانقة التي تعاني منها الحكومة، وعن تلك الممارسات العنفية، التي أقدمت عليها تلك المليشيات، وإعتباره ذلك، بمثابة نوع من [الهروب الى العنف]، وغيرها من الإنتقادات الصريحة والواضحة لسياسة الجهة السياسية المذكورة، في نفس الوقت الذي دعى فيه الى خارطة طريق واضحة المعالم للخروج من الأزمة من خلال الحوار..!(2)


فجملة الحديث المشار اليه في أعلاه وتفاصيله المتشعبة عن الوضع السياسي الراهن في تونس، وما إستتبعه من الفعل الإجرامي الذي تمثل بإغتيال المناضل شكري بلعيد، إنما يطرح من الأسئلة العقدية المركبة، ما ينبغي التدقيق في أجوبتها، وذلك في الغور الى عمق الإستدلالات وجملة الإتهامات التي وجهها بلعيد نفسه أثناء حديثه التلفزيوني المرفق طياً، مما يستدعي الكثير من التأمل والدراسة التحقيقية والتدقيقية، في جملة ما ورد على لسانه في الحديث المذكور، من إتهامات محددة، ومن خلال أجوبته المختلفة على أسئلة المحاور في الندوة التلفزيزنية..!؟


فإن كان حقاً وما جاء على لسان الفقيد من تصريحات أثناء المقابلة التلفزيزنية معه، هي من تقف وراء جريمة إغتياله، على حد ما تواتر في الصحافة والإعلام العالمي أو أنها كانت من أسبابها..؟! (3)   فإن صحت مثل تلك التكهنات، فليس أمام المراقب، إلا الوقوف أمام كل كلمة أو جملة نطق بها المغدور قبل ساعات من إغتياله، موقف الإهتمام والجدية، وهو أمر غاية في الأهمية من حيث مدلولاته وأهدافه وتداعياته، سواء على الصعيد السياسي أو الجنائي، وبالتالي لا بد وأن يصبح كل ما ورد في تلك المقابلة التلفزيونية، من الوثائق المادية والقرائن التي ينبغي أن تؤخذ بالحسبان في عملية الكشف عن بواطن الأمور التي تقف وراء جريمة إغتيال المناضل الوطني شكري بلعيد..!!؟


ولعل من خلال إستقراء ما يمكن أن تعنيه كلمات الفقيد الشهيد شكري بلعيد أثناء تلك الندوة، فلا بد وأن يستنتج المرء، بأن المناضل الشهيد كان من أوائل السياسيين التونسيين الذين أدركوا، ومن خلال الوقائع التي كان يستند عليها، وهذا ما كان يكرره في حديثه أثناء المقابلة التلفيزيونية، قد أدرك الطبيعة الإزدواجية لآليات الديمقراطية،  ومنها [صناديق الإنتخابات]، فبقدر ما هي وسيلة للإختيار الحر، فيمكن أن تكون من عوامل التفرد بالسلطة والإستئثار بالحكم وتهميش الآخرين، وفتح الطريق أمام الإستبداد بشتى أنواعه، وكل ذلك مرهون بطبيعة الحال، بظروف الواقع الذي تتم فيه عملية الإحتكام الى تلك الآليات والعوامل والمحركات التي تقف ورائها، وحالة التوازن لميزان القوى السياسية  والإجتماعية المشاركة فيها ..!


إن كل هذا وما عكسته الندوة التلفزيونية مع المناضل شكري بلعيد، وما إستتبعها من جريمة الإغتيال البشعة التي إستهدفت المغدور وبهذه العجالة، قد ألقى ضلالاً من التخوف والتشكك فيما يمكن أن يكون عليه مآل العملية السياسية التونسية، وما قد يهدد مستقبلها، من الأخطار المحدقة التي قد تعصف بها بعيداً عن مسارات التوجه الديمقراطي، الذي كان يحلم به الشهيد شكري بلعيد وصحبه من الوطنيين الديمقراطيين، وما عبرت عنه الجموع الغفيرة من المواطنيين التونسيين التي إنتفضت مستنكرة لجريمة الإغتيال ومطالبة بكشف من يقف ورائها، وإنزال القصاص العادل بحق مرتكبيها..!(4)   


فهل بعد هذه الجريمة النكراء، ستطرح تونس الخضراء على نفسها تلك الأسئلة التي أرقت كثيراً فكر الشهيد المناضل الوطني شكري بلعيد، وكأني بها الآن وهي  تؤرق روحه الزكية،  منادية بأعلى الصوت : تونس الى أين..؟!(5) 
باقر الفضلي/ 11/2/2013   
_______________________________________________
                                    (*)   http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/2/6/shokri.belaid.bio/index.html
                                    (1)  http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/30222-2013-02-06-15-38-27.html
                                      (2)  http://www.youtube.com/watch?v=1iG7CLEm25c&feature=endscreen&NR=1
        (3)  http://arabic.cnn.com/2013/middle_east/2/6/interview.belaid/index.html
        (4)  http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=112295
        (5)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/02/130207_tunisia_update.shtml


                                                                   

93
سوريا: أبعاد العدوان الإسرائيلي الجديد..!؟

باقر الفضلي

العدوان الغاشم الذي إقترفه سلاح الجو الإسرائيلي فجر الأربعاء 30/1/2013، ضد مركز للبحث العلمي في ضواحي دمشق، لا يمثل من وجهة نظر الشرعية الدولية مجرد إعتداء سافر على دولة عضو في الأمم المتحدة، وخرق فاضح لميثاقها الأممي حسب، بقدر ما يعكسه هذا العدوان من إستهتار فض بكل القيم الأخلاقية الدولية، وتعد صارخ على كل الشرائع والمواثيق والمعاهدات الدولية والتي تعترف بها إسرائيل نفسها، ومنها إتفاقية الهدنة مع سوريا، الأمر الذي لا يستدعي مجرد الإدانة أو الإستنكار والشجب الدوليين، بقدر ما يستوجب موقفاً حازماً بل وحاسماً من قبل المجتمع الدولي؛ موقفاً لا يتضمن كل ما تقدم حسب، بل وينبغي أن يتعداه الى إنزال العقاب الذي يتناسب وحجم العدوان؛ فالحكومة الإسرائيلية الحالية وسابقاتها الماضيات، بات العدوان والاستهانة بالشرائع الدولية وخرق القوانين الإنسانية، من السمات الفارقة في حياتها، وفي تأريخ دولة إسرائيل على مدى حياتها القصيرة، كدولة ناشئة في منطقة الشرق الأوسط، أو وعلى حد قول السيد ليبرمان وزير خارجية إسرائيل بأن مكان تلك القوانين والحقوق هو " سلة القمامه التاريخيه" ..!؟(1)


فالواقع الإستثنائي الذي تمر به سوريا الآن، قد منح الحكومة الإسرائيلية الحالية، الفرصة والظرف الملائم لتقترف فيه عدوانها الغاشم ضد الدولة السورية، وهي وفي جميع الأحوال، ليست بعيدة عن هذا الواقع في مجمل تفاصيله وآلياته وتشعباته، مما لا يعدو معه القول غريبا، إذا ما جاء هذا العدوان وكأنه رسالة موجهة الى سوريا والى من يقف الى جانبها، بأن الحلول السياسية للأزمة السورية، لم تعد تجد قبولاً لدى مجموعة الحلف المعادي لسوريا، خاصة وأنه جاء في وقت يدور فيه الحديث في الساحة السياسية الدولية هذه الأيام، حول إحتمال الإنعطاف بإتجاه  التسوية السياسية للأزمة السورية من قبل الأطراف الدولية المنغمسة في بحر تلك الأزمة..!(2)


 وبالتالي أن يأتي هذا العدوان وفي هذه اللحظة بالذات، لا يمكن أن يكون بمعزل عما يجري من أحداث عل صعيد الواقع السوري، خاصة وأن إسرائيل دولة إقليمية، وفوق ذلك فهي دولة محتلة لقسم من أراضي جيرانها في فلسطين وسوريا، فليس من الغرابة في شيء، أن يكون في مقدمة إهتماماتها كل ما يجري في دول المنطقة من أحداث ومن تغيرات جغرافية سياسية، في نفس الوقت الذي تجد نفسها فيه ضالعة، شاءت أم أبت، بسيناريو (التحالف الأمريكي الغربي التركي الخليجي)، الذي يستهدف مستقبل دولة سوريا، الأمر الذي لا يمكن معه، تجاهل دورها في التأثير، وفي أضعف الإحتمالات، على ما يجري من تطورات في حالة الصراع القائم في سوريا، وبعكسه  فليس هناك من معنى لشن هذا العدوان الغادر على أراضي دولة مستقلة وذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، وترتبط معها بمعاهدة دولية للهدنة..!؟


كما وأن العدوان الإسرائيلي من جانب آخر، لم يك بعيداً وبأي حال من الأحوال، عن توجيه رسالة أخرى، الى دول المنطقة ممن لم يخف دعمه وتأييده للدولة السورية، وفي مقدمتها الجمهورية الإيرانية الإسلامية، فحواها بأن "كل الخيارات ستظل مطروحة على الطاولة"، وهو الأمر الذي لا زالت تلوح به السيدة هيلاري كلنتون بإستمرار، وهو ما إعتادت أن تطلق عليه مصطلح "الغموض البناء"(3)   


فالعدوان الإسرائيلي الغادر على سوريا دولة وشعبا، والذي جوبه بالصمت من قبل غالبية الدول العربية، وبردود الفعل الباهتة من الأمانة العامة العامة للجامعة العربية، لا يمكن أن يحصل دون المعرفة المسبقة للحليف الإستراتيجي أمريكا، وربما وفي أضعف الإحتمالات، بعض دول التحالف المعادي لسوريا، فهو ولما يمثله من تصعيد في وتيرة الأحداث في المنطقة، وبكل ما فيه من تهديد للسلم والأمن الدوليين، وكل ما يمكن أن يجره من إحتمالات إمتداد لهيب نيران الصراع الى الدول المجاورة، ناهيك عن تصاعد وتيرة الإرهاب بشكل لا تحد له حدود؛  ففي حقيقته، لا يبتعد من حيث مدلولاته الجيوسياسية عن كونه تطور جديد في خارطة الأحداث الجارية على الساحة السورية، الأمر الذي لا ينبغي أن يمرعليه المراقب مرور الكرام..!!؟
باقر الفضلي/ 1/شباط/2013         
(1)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=111752
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE9B2C9R20130201
(3)   http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE9B2C9E20130201?sp=true




       

94

مكانة المرأة في الشرائع الدولية..!(*)

باقر الفضلي

المادة الأولى:
[[ يولد الناس أحراراً متساويين
في الكرامة والحقوق، وقد وهبو عقلاً وضميراً
وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح  الأخاء.]]
                الإعلان العالمي لحقوق الإنسان


رغم وضوح نص المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ وهو نص عام شامل، كامل في أركانه ومحتواه، في كل ما يتعلق بحرية الإنسان وكرامته وحقوقه، وفي مساواة الإنسان بعضه للبعض الآخر، في كل ما له مساس بتلك الحرية والكرامة والحقوق..!


رغم كل هذا الوضوح في النص، ورغم [[ إن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها.]](1)

أقول رغم كل ذلك، وبعد مرور ما يزيد على خمس وستين عاماً على إعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا الإعلان في 10/12/1948، فإن البشرية اليوم وعلى وجه الخصوص (المرأة) التي تشكل ما يزيد على النصف من سكان المعمورة، لا زالت تعاني من إنتهاك فض لتلك الحقوق التي شملها الإعلان المذكور، ومن هدر للكرامة الأنسانية والشخصية، لدرجة لا تستسيغها النفس البشرية، ولا تقرها السنن الوضعية ولا حتى الشرائع السماوية؛ فالمرأة اليوم، وفي مناطق غير قليلة من المعمورة، لا تجد أمامها من التشريعات والقوانين المسنة، ما يحمي كرامتها الإنسانية أو يضمن حقها في الحفاظ على هذه الكرامة، سواء على صعيد المجتمع أو الأسرة، ناهيك عما يلحقها من غبن لا حدود له في مجال المساواة مع الرجل في ميادين الحقوق السياسية أوالإجتماعية..!


ولعل من أبرز صور إنتهاك الكرامة الإنسانية للمرأة، ما تكابده المرأة البالغة في تلك البلدان التي لازالت تتحكم بها العادات والتقاليد البالية، التي لا تستند في سننها وأحكامها الى منطق علمي أو خبرة إنسانية صقلتها التجارب، بقدر ما كونها تقاليد وعادات قديمة، يكمن أساسها في الشعوذة  والخرافة، أو في بعض المعتقادات ذات اللبوس الديني التي تفتقر الى الدليل أو الحجة البينة، والتي تنتشر فيها الأمية والجهل على نطاق واسع بين أسر مجتمعات تلك البلدان؛ تلك المعاناة التي لا يسبر غورها ولا يحس بعمق آلامها إلا من كابدها بنفسه، ليدرك متأخراً الخطأ الجسيم وغير المقصود قياساً بمستوى الوعي السائد يومذاك، الذي إقترفته الأسرة بحق بناتها في صغرهن من فعل يرقى الى مستوى الفعل الشائن بحق أولاء القاصرات، جرياً مع منطق العادة والتقاليد ليس إلا..!؟ 


فقد أثبت العلم الحديث والتجربة البشرية المتواصلة حتى اليوم، مقدار الضرر البدني والنفسي الذي يلحق بالأناث، من اللائي يتعرضن بعد الولادة أو في صغرهن، الى عملية " الختان"، الذي تفرضه الأسرة ويقره المجتمع السائد في حينه، ناهيك عما يتسبب به من التشوهات الخلقية، والإحساس بالمهانة وغيرها من المشاعر النفسية المؤلمة فيما بعد، الأمر الذي أخذ معه بعداً دولياً تصدت له الأمم المتحدة بعد الكثير من الشكاوى المرفوعة اليها من قبل العديد من منظمات المجتمع المدني، أو منظمات حقوق الإنسان من مختلف البلدان التي تتعرض فيها النساء والفتيات الى ممارسات " تشويه الأعضاء التناسلية"، حيث وطبقاً لتلك المنظمات فإن ثلاثة ملايين فتاة وأمراة تواجهن خطر " تشويه أعضائهن التناسلية" في كل عام، معظمها في أفريقيا وبعض البلدان في آسيا والشرق الأوسط..!(2)                     


وأزاء الواقع المذكور، وجسامة الضرر الذي تتعرض له المرأة في تلك البلدان، فقد واصلت الأمم المتحدة سعيها المتواتر للحد من ظاهرة  "ختان الأناث" ، التي باتت اليوم من الأخطار الجسيمة التي تهدد مستقبل أجيال غير قليلة من الفتيات والنساء في عدد من قارات العالم، الأمر الذي دفع بالجمعية العامة للأمم المتحدة الى إعتماد قرارها التاريخي في 19/1/2013 والذي " يهدف إلى إنهاء عمليات ختان الإناث، والتي وصفها بأنها "ممارسة ضارة لتشويه الأعضاء التناسلية للإناث"، تضمن تعيين يوم السادس من فبراير/ شباط من كل عام "يوماً دولياً لعدم التسامح" إزاء هذه الممارسة، التي وصفت بـ"البغيضة." هذا في نفس الوقت الذي حث فيه " الدول الأعضاء على "اتخاذ جميع التدابير، بما في ذلك التشريعات التي تحظر تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، لحماية النساء والفتيات، وإنهاء الإفلات من العقاب لممارسي هذه الظاهرة."..!(3)


ولعل ما يميز القرار الجديد عن سابقاته كقرار 2008، هو الإصرار الذي إعتمدته الجمعية العامة في سعيها لإنهاء تلك الظاهرة، التي وصفتها ب "البغيضة" من جهة، وإلزامها الدول الأعضاء عن طريق حثها على إتخاذ التشريعات الضرورية التي تحضر تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، في نفس الوقت الذي أكدت فيه على تضمين الجانب العقابي في تشريعات الدول الأعضاء، الذي سيضع كل من يمارس هذه الظاهرة تحت طائلة العقاب، بالإضافة الى تحديد يوم السادس من شهر شباط من كل عام، يوماً عالمياً لعدم التسامح أزاء هذه الممارسة "البغيضة" على حد قول القرار..!


ومع كل هذا الجهد الذي تبذله الجمعية العامة للأمم المتحدة في مواجهة الحد من هذه الظاهرة "البغيضة"، يظل على الصعيد العملي موقف الدول الأعضاء من هذا القرار على المحك، وبالذات منها مجموعة الدول الأفريقية وغالبية دول الشرق الأوسط ومنها الدول العربية ودول آسيا، التي وطبقاً لبيانات الأمم المتحدة تشكل فيها ممارسة "ختان الأناث" ظاهرة شائعة، لتمثل صورة فاقعة من صور عدم المساواة بين المرأة والرجل، ناهيك عما تعانيه المرأة من صور عدم المساواة الأخرى في حقوقها السياسية والأجتماعية..!؟


فهل ستقدم تلك الدول بإعادة النظر في تشريعاتها وقوانينها النافذة، وتقوم بتضمينها من النصوص ما يحمي كرامة المرأة ويصون حقوقها، وذلك وعلى أقل تقدير، بالقدر الذي ينسجم وتشريعات لائحة حقوق الإنسان، وما ورد من نصوص قرارات الأمم المتحدة التي تصون كرامة المرأة، ومنها قرارها الجديد موضوع البحث، وتأخذ مثلاً بما أقدمت عليه رئيسة الحكومة الفدرالية الأسترالية السيدة جوليا غيلارد بإتخاذها مجموعة من الإجراءات بغرض الحد من " ختان الأناث " وما يصاحبها من أضرار جسدية ونفسية، علماً بأن ممارسة تلك العملية، تعد من جرائم الإنتهاك الجنسي في أستراليا، وتصل عقوبة المتورط فيها في حالة الإدانة في بعض الولايات الأسترالية، الى الحبس لمدة 20 عاما..!(4)     
باقر الفضلي / 21/1/2013
(*)    بمناسبة صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن "ختان الأناث"  في 19/1/2013
(1)   http://www.un.org/ar/documents/udhr/
(2)   http://arabic.cnn.com/2010/scitech/2/5/WHO.Women/index.html
(3)   http://arabic.cnn.com/2013/scitech/1/19/unitedNations.mutilation/
(4)   http://www.alankabout.com/news/australian_news/18204.html

95
العراق: المشهد السياسي بين العقلانية والتراجيديا..!!

باقر الفضلي


ما يعكسه المشهد السياسي العراقي اليوم، وما يمكن أن تنبأ به إرهاصات الأحداث الجارية وتداعياتها على صعيد الواقع، من تكهنات وإحتمالات غير محمودة، كله يدور من حيث نتائجه السياسية المتوقعة، في دائرة شبه مغلقة، من التعنت السياسي، وردود الفعل المتعاكسه، في قوتها وإتجاهاتها، ومن تصاعد في النغمة الطائفية للغة الكلام المتبادلة بين أطراف الصراع، الأمر الذي يهدد بمخاطر جسيمة لا تحمد عقباها على مستقبل الشعب والوطن ..!


 وبعيداً عن الوقوف أمام جذور الأحداث وأسبابها، والبحث عن الحلول الواقعية التي تطفيْ نارها؛ فمن جانبها الحكومة، وجدت في المظاهرات الجماهيرية، التي إندلعت في عدد من الأماكن وبالخصوص في محافظة الأنبار وما رافقها من إعاقة وقطع للطريق الدولي بين العراق والأردن وسوريا،  تهديداً خطيراً على الأمن وهيبة الدولة، مما دفع بإتجاه رفع وتيرة الإتهامات من جانب الحكومة للمتظاهرين والجهات التي تقف ورائهم ، والمطالبة بإنهاء المظاهرات الإحتجاجية من قبل المتظاهرين تلقائياً، للدرجة التي دفعت بالحكومة وعلى لسان السيد رئيس الوزراء هذا اليوم 1/1/2013، توجيه الإنذار للمعتصمين بإنهاء إعتصامهم وبعكسه تتدخل الدولة لإنهائه.(1)   


ومن جانب آخر، فلم تتوقف الدعوات الى الإستمرار بالإعتصام من قبل المتظاهرين حتى الإستجابة لمطالبهم، والإهابة بجماهير مدن أخرى لمساندتهم، مثل الموصل وصلاح الدين والفلوجة وسامراء  وغيرها، الأمر الذي بات يبعث على قلق الأوساط السياسية في الداخل وفي الخارج على حد سواء..!(2)


وما أزاد في الطين بلة، مع إستمرار ظروف التصعيد من قبل جميع الأطراف،هو حملة التصريحات والتصريحات المتقابلة من قبل إنصار الكتل السياسية ممن يمثل كتلة السلطة ذات الأغلبية البرلمانية، ومعارضيها وجلهم من أعضاء مجلس النواب، أو من ذوي المراكز الوظيفية القريبة من مراكز السلطة والنفوذ..!(3)


 مع كل هذا الإحتدام في معركة التصريحات والإتهامات المتبادلة، يعجز المواطن والمراقب للأحداث من تلمس الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ستر الأزمة ومحركاتها، فالمتخندقون وراء تصريحاتهم وإتهاماتهم المتبادلة، لن يكفوا عن القول بأنهم أكثر إلتزاماً بنصوص الدستور، ولا مانع لديهم من التمسك بها لحل إشكالية الخلافات القائمة بين الكتل المتصارعة، ولكن وفق إتهامات جديدة وأخرى متبادلة مسبقاً، مما يتعذر معه جلوسهم الى طاولة الحوار ومناقشتها، في وقت يتمسك فيه الجميع بحججه وإتهاماته ضد الآخر، لدرجة باتت فيه تلك الإتهامات تنال من مراكز السلطات التي ينبغي أن تكون في مقدمة الجهات التي يقع على عاتقها البحث عن السبل المناسبة للخروج من الأزمة، كالسلطة التشريعية على سبيل المثال..؟(4)


لقد بات من الصعب الآن، التمسك فقط بأدوات الصراع نفسه، دون البحث عن مسبباته وجذوره الأساسية، فالأستمرار في محاولة الوقوف في هذه الدائرة المغلقة من مراحل الصراع، والتي في حقيقتها باتت تعكس مستوى من تطور الأزمة نفسها، أصبح ينذر بتفجر العملية السياسية من داخلها، بما يهدد بفقدان بوصلة القيادة " للحكومة التوافقية"؛


فعلى المستوى الحكومي، لم تعد الحكومة القائمة رغم أغلبيتها البرلمانية، أن تجد من الحلول الواقعية ما يخفف من شدة التأزم والتوتر الذي أصبح مع مرور الوقت، يأخذ بتعميق الهوة بين الجماهير المتظاهرة وبين الحكومة، رغم أن بعضاً من مكونات الحكومة نفسها، عبارة عن كتل سياسية مشاركة في الحكومة نفسها، وهي جزء من مكونات العملية السياسية ، كما ولا يبدو من مصلحتها وطبقاً لبياناتها المعلنة، أن تفرط بمصير العملية السياسية، أو التفريط بحكومة "المشاركة" رغم الفشل الذي يهيمن على نشاط تلك الحكومة، على صعيد الواقع الخدمي والأمني..!(5)


   إن الأمر الأكثر أهمية في طبيعة الصراع القائم الآن بين مكونات العملية السياسية، والمتمثل بشكل خاص بالكتل السياسية المتنفذة في الحكومة والبرلمان، بات يجد تعبيره بصورة أكثر جلاء ووضوحا من خلال أدوات الصراع نفسه، وفي مقدمتها [المظاهرات الجماهيرية]، ومن نافل القول، الإشارة الى إن لهذا الصراع من الأسباب والجذور، ما يدفع الى تحريك تلك الأدوات على مختلف أشكالها وصور تجلياتها، في الزمان والمكان المعينين نتيجة أي حدث عارض، ولأي سبب من الأسباب، ليكون ذلك الحادث أو السبب، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير على حد قول المثل السائر ،  وكل هذا يبدو جلياً وأكثر وضوحاً حينما تكون القوى الحاكمة طرفاً في هذا الصراع..!


هذا في نفس الوقت الذي تمتلك فيه تلك القوى الحاكمة بيدها ومن خلال سلطتها القمعية، كل أدوات القمع التي تعتقد بأنها من الوسائل الفعالة في إخماد بؤر التوتر وإنهائها، خاصة عندما تعلن دائما، بأنها من يسهر على تطبيق القوانين السائدة،  وذلك بما يحقق إهدافها الآنية والمرحلية..!


فلا غرابة والحال، أن يجد المرء وفي أغلب الأحيان، أن أكثر السلطات الحاكمة وفي عدد غير قليل من البلدان التي تواجه مثل تلك الظروف التي يمر بها العراق اليوم، أنها تلجأ الى الوسائل والإجراءات التي تتسم بالقمع وتحديد الحريات الشخصية، حتى وإن كانت مكفولة بالدستور والقوانين التي تشرع في ظله من أجل صيانة وحماية حرية الرأي والتعبير وإقامة المظاهرات والإضرابات..الخ، علماً بأن كل ذلك يتم في إطار حماية النظام العام والأمن العام وغيرها من إدعاءات السلطة الحاكمة، هذا وفي أغلب الأحيان ما تدفع تلك السلطات بإجراءاتها القمعية الى إستفزاز الجانب الآخر أو الكتلة الجماهيرية المتظاهرة بحكم ردة الفعل المقابلة الى التصعيد المقابل وأحياناً المتطرف في مواقفها الإحتجاجية، الأمر الذي يدفع بالمقابل الى التصعيد من قبل السلطات الحاكمة في إجراءاتها القمعية لدرجات تفقد فيه توازنها كسلطة حاكمة ومسؤولة عن حفط الأمن والنظام في الحدود التي نص عليها الدستور والقوانين المرعية، وفي هذه الحالة يتم خرق الدستور من خلال الإقدام على إستخدام وسائل غير مشروعة وتتعارض مع أحكام الدستور وشرائع حقوق الأنسان..!


وليس من باب المغالاة القول؛ بأن طريقة معالجة مسار الأحداث التي تتابعت بوتيرة متصاعدة بعد إجراءات الحكومة المتخذة ضد حماية وزير المالية العراقية السيد رافع العيساوي، لا تخرج في إطارها العام عن ما جرت الإشارة اليه فيما تقدم، وذلك من حيث التصعيد في الخطاب الحكومي، وتوجيه الإنذارات المتكررة من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة، ومن سيل الإتهامات المتبادلة، ما منح الفرصة أمام تصاعد الخطاب الطائفي من قبل المتصيدين في المياه العكرة كستار للتحرك من خلفه، وإستغلال مطاليب الجماهيرالمتظاهرة، التي إعترف رئيس الحكومة نفسه بمشروعية جانب منها، وذلك في محاولة لحرفها عن أهدافها المعلنة والمشروعة؛ هذا ومن جانب آخر، تحرك بعض القوى الإقليمية التي تجد مصلحتها تتحقق في تفاقم الأوضاع في العراق الى المستوى الذي من خلاله يمكنها تحقيق مصالحها الخاصة والتي لا تخرج بعيداً عن مضامين وأهداف إستراتيجية مشروع "خارطة الشرق الأوسط الجديد" بما تحتويه من أهداف تصب في خدمة الجهات التي تقف من وراء رسمها ووضعها رهن التطبيق الواقعي في المنطقة، وابرزها مصالحها الإقتصادية المرتبطة بمصادر الطاقة من نفط وغاز، ومنها على سبيل المثال تحقيق مشروع (نابوكو) لنقل الغاز الطبيعي من المنطقة الى أوروبا، المشروع الذي أصبح بمثابة كلمة السر في الأحداث المأساوية التي تجتاح المنطقة عموما، والتي تفسر حقيقة الصراع الدولي فيها..!


   ومن خلاصة ما تقدم؛ فإن مجرد الوقوف أمام تداعيات الأحداث، والتمسك بظواهر الأشياء وشكلياتها، ومحاولة معالجة أدوات الصراع فقط، وإدارتها بالوسائل الإدارية والأمنية ، خاصة من قبل السلطات الحكومية، في وقت يجري فيه غض الطرف عن أسباب وجذور المشاكل التي تقف ورائها وعدم التوجه الى معالجتها بالطرق  والأساليب العقلانية، فليس من من الحكمة في شيء أن يعثر المرء بهذه الطريقة، على الحلول الصحيحة والمناسبة لتفكيك أزمة هي في جوهرها أزمة بنيوية يكمن وجودها في هيكلية وآليات وطابع العملية السياسية نفسها، وإنعكاسات تداعياتها السلبية على واقع مكوناتها السياسية، التي تفتقد الى برنامج سياسي إقتصادي شامل وواضح المعالم؛ يشكل في مضامينه ما يجمع ويوحد نشاط تلك المكونات في مجال عملها اليومي، لما يخدم مصلحة الشعب والوطن، في إطار وقواعد وآليات الممارسة الديمقراطية، التي يحكمها الدستور في ظل مبدأ الفصل بين السلطات..!
باقر الفضلي/ 4/1/2013     
___________________________________________________
(1) http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/28619-2013-01-01-17-43-30.html
(2)  http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/28696----qq----------.html
(3)   http://www.akhbaar.org/home/2013/1/140317.html
(4)  http://www.akhbaar.org/home/2013/1/140284.html
(5)  http://www.akhbaar.org/home/2013/1/140340.html




96
المنبر السياسي / صورة للحزن..!
« في: 13:38 04/01/2013  »
صورة للحزن..!

باقر الفضلي

مَزَجَتُ حُزنيَّ  في دَمعيْ  فما سَعُدَتْ
عَينيْ، ولا أسعفَ الدَمعُ  ما بيا

سَقاني الأسى مِنْ  رافِدَيهِ  مَرارَةً
فَفَجَرَ بُركاناً مِنَ الغَيظِ  داويا

فأدنَفْتُ حتى الليلُ صارَ مَحَجَةً
لمُوجعِ أحزاني وستراً لحاليا

 صَبِرتُ على عَجفِ السنينِ تأمُلاً
فَدَكَتْ بأوصالي السنونُ تَماديا

كأنيْ وأياميْ، وما كانَ بيننا
كجَمرِ الغَضى يَغدو معَ الريحِ ذاكيا

***

يُراوِدني طَيفُ الظُنونِ على المَدى
ومِنْ غَيظِها نَفسيْ تَرى الحُبَ جافيا

يَرُومُ صَحابي أنْ أرى الماءَ صافياً
ولكنَ ماءَ الوَحلِ ما كانَ صافيا..!

أجُولُ بعينيْ إذْ تَرى ما يَسوؤُها
رُكاماً مِنَ الأدرانِ والكُلُ لاهيا

أراها وفي وِضحِ النَهارِ أماسياً
فكيفَ إذا سادَ الظَلامُ الأماسيا

فلا الصبرُ في طولِ الأناةِ يُزيلُها
ولا حِكْمةُ الإِرشادِ تُغْني الفَتاويا

***

ومِنْ عَبثِ الأقدارِ إنْ دالَ بأسُها
تَدِكُ عُروشاً، تَجعلُ الصُلبَ واهيا

فلا عجبٌ لما تَرى البَعضَ ناشداً
غبارَ التَمَني أو نَشيدَ التَعاليا

تَراها وقَـد أرخَتْ عِنانَ قيادِها
ولا شانَها المُعطيْ، وإنْ كانَ غازيا(*)

سَتُخْبِرُها الأجيالُ يَوماً بما جَنَتْ
وما أسرفَتْ إثماً وما كانَ خافيا

فلا أنِسَتْ منها النفُوسُ سلاسةً
ولا رَحبَتْ فيها الديارُ مَعاليا

***

أناخَتْ ولمّا الليلُ في غَفَـواتهِ
لها الغَدرُ نامُوساً وإنْ كان داميا

فيا ويلَ حُزنٍ ما شَقَا الناسُ مِثلَهُ
وتُعساهُ حكمٌ سادَ مِنْ دُونِ قاضيا

تَلوَنَ وَجهُ الأرضِ حتى حَسبتُهُ
بِساطاً مِنَ الياقُوتِ أحْمَرَ قانيا

وما شابَهُ إلا الدُخانُ عَلامَةً
يَشعُ دَماراً لا يُشيعُ تَعافيا

قَضَتْ فيه أرواحُ الأنامِ نَدامَةً
على أملِ الأوهامِ عاشَتْ تَماهيا

***

نُفوسٌ وقَدْ أرسى بها العَفنُ مَوضعاً
فَمَرَتْ خَبابا ثُمَّ ولَتْ تَـواليا
 
تَنادَتْ الى أرضِ السلامِ زَواحِفاً
كَسربِ جَرادٍ آكِـلٌ وهو ماشيا

أجيرُ بنفسي أمْ أجيرُ بوحشَتي
أيا مَوطِنَ الأحرارِ ماكُنتَ جانيا

أجُيرُكَ مِنْ شَرِ اللئامِ ضَراوةً
ومِنْ كلِ شَرٍ حانقٍ أو مُعاديا

رِحابُـكَ كالدُرِ الثَمينِ نَقَاوةً
وأهلُكَ كالتِـبرِ المُصَـفَّى أَعاليا

***

فمِنْ نَكَدِ الدنيا أراكَ مُكَبَلاً
وسَقْطُ مَتاعِ الأمسِ تلهو مَثانيا

يَحيطُ بِكَ الحُسادُ مِنْ كُلِ جانبٍ
كأنكَ قَدْ أجرَمتَ أو كُنتَ باغيا

يَسومُوكَ مِنْ سُوءِ العَذابِ أشِدَّهُ
ومِنْ عادياتِ الدَهرِ ما كانَ قاسيا

فلا أنتَ بالغـرِ الذي ساقَه الهَوى
وشاطَتْ بهِ الدنيا لَعُوباً وزاهيا

لقد سِرتُ بالأحزانِ، لَمْ أبلُغَ المُنى
فأدرَكْتُ أنَ الليلَ لابدَ ذاويا

فيا ويحَ نَفسي أنْ تَراكَ مُجانباً
ويا حُزنَها لمَّا تَراكَ مُجافـيا

***
***
***
باقر الفضلي _ 1/1/2013
________________________________________________________
(*) شانها : حط من قدرها






















 























 


























97


مصر: من أجل الديمقراطية؛ حينما تعني اللاء (نعم)...!؟

باقر الفضلي

لأول مرة في تأريخ الحياة السياسية المصرية الحديثة،  يذهب الشعب المصري غداً ليختار بين [اللاء وبين النعم]، وهما مفردتان لهما في اللغة معنيان متعاكسان، وتفسيران متعارضان، فهما يتراوحان بين القبول والرفض، وفي السياسة يبنى عليهما في الحالين، تداعيات ونتائج، إن لم يستشعرها الأنسان اليوم، فالأجيال القادمة، هي وحدها من سيحصد تلك النتائج سلباً كانت أم إيجاباً في جميع الأحوال..! 


غداً سيذهب الشعب المصري ليقول كلمته الفاصلة حول مشروع الدستور، الذي طرحه الرئيس المصري السيد مرسي، وطلب الإستفتاء عليه على مرحلتين، ثانيتهما ستكون يوم غد السبت، رغم النتائج المتواضعة للإستفاء في مرحلته الأولى قبل إسبوع، ورغم كل ما قيل وما يقال بشأن صلاحية المشروع الدستورية وطبيعة التوافق الإجتماعي بشأنه من قبل رجال القانون والسياسة..!؟


فالإستقطاب السياسي الذي عكسته نتائج الدورة الأولى للإستفتاء، قد أظهر إنقساماً حاداً على المستوى الإجتماعي، وهذا وحده كاف لأن يبعث على الحذر والتحوط في القول، من إستباق النتائج النهائية للإستفتاء، بعد أن قرر الشعب المنقسم على نفسه، المضي في إستخدام آليات الديمقراطية وقول كلمته النهائية في رفض أو قبول مشروع الدستور، بالتصويت ب(لا) للمشروع، أو الجري وراء أصحاب المشروع وقول (نعم) للوصول به الى "الشرعية" التي يسعى لها أصحابه ..!؟


فالحكم بين (لا) وبين (نعم) وأيهما الأقرب لقول الحقيقة، أو أي من المفردتين سوف يمنح لمشروع الدستور المصري أهليته ليصبح ( دستوراً) توافقياً على صعيد المجتمع ، مؤهلاً بإغلبية شعبية تعكس حقيقة ذلك التوافق المنشود، وهو ما تمتاز به أغلب دساتير العالم، إنما يتحدد بمقدار ما يلبي أي مشروع دستور طموح وأماني أوسع فئات الشعب دون تمييز، ويرسخ أسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية، بمقدار ما يثبته بين دفتيه، من أسس النهج الديمقراطي، ومن مباديء الحقوق السياسية والإجتماعية لمساواة المرأة بالرجل، وما يعزز ويصون الحريات الفردية، وإحترام حرية التعبير والإعلام، وكل ما يعكسه من توافق وإنسجام مع القوانين والشرائع الدولية، في مجال حقوق الإنسان، وأمام كل ذلك أن يكون مثل هذا الدستور قد أخذ بالإعتبار مصالح كافة طبقات وفئات المجتمع بدون تمييزفي العرق والجنس..الخ..!


إلا ان المهم في أمر مسألة الإستفتاء ليوم غد، هو أن المواطن المصري سوف لا يكون أمام خيار من خيارين وفق ما إعتاد عليه في إستفتاءات شبيهة، إنما الأمر ومن حيث الواقع، فإن الداعين الى التصويت ب (لا) على مشروع الدستور، سيكون دافعهم لذلك، إنما يتمحور حول لا شرعية الدستور نفسه لبطلانه من حيث الأساس ولعدم دستوريته لبطلان دستورية الهيئة التي كتبته شرعا، وبالتالي فإن التصويت ب (لا) على المشروع من حيث المبدأ، سوف يكون رداً شعبياً لمشروع الدستور نفسه، بغض النظر عن كل ما تضمنه من نصوص وأحكام، وذلك جرياً مع منطوق القاعدة الفقهية التي تقول؛ " كل ما بني عل باطل فهو باطل.." وهو ما أجمعت عليه تقريباً كل القوى السياسية الرافضة لمشروع الدستور،  والتي إهابت بالمواطنين الذهاب الى الصناديق والتصويت ب (لا) على مشروع الدستور جملة وتفصيلا، بسبب ما يرون فيه من بطلان المشروع نفسه، إرتباطاً ببطلان الإعلان الدستوري في 22/11/2012، ومن هنا فإن التصويت ب (لا) إنما يكرس ويعكس موقفاً إيجابياً من الديمقراطية كنهج ينبغي الإلتزام به لمصلحة المجتمع، أو بمعنى آخر وطبقاً لهذا المفهوم، فإن ما تعنيه (لا) الرفض في هذه الحالة، إنما يعبر عن (نعم) للديمقراطية..!؟


وبعكسه وتشبثاً بمشروع الدستور والإصرار على طرحه للإستفتاء رغم جميع الملاحظات التي وردت بشأنه وحول ظروف الإنفراد في كتابته،  وما آل اليه من إستقطاب سياسي وإنقسام إجتماعي، فإن (نعم) هنا وبكل ما لها من مدلولات سياسية إفتراضية بالنسبة للداعين اليها، إنما هي ومن حيث النتائج وما سوف يترتب عليها من تداعيات، فإنها من حيث الواقع وموضوعياً، إنما تعني(لا) للديمقراطية ، بكل ما للكلمة من معنى، وهي تفسر موقفاً معاكساً لدلالة ما عكسته (لا) للدستور بإعتبارها (نعم) للديمقراطية..!؟
باقر الفضلي/22/12/2012
___________________________________________



   




98

مصر: الطريق الى الديمقراطية..!

باقر الفضلي

لقد أثبتت مسارات العامين 2011 و2012 ، على صعيد الحراك اليومي بأن معركة الديمقراطية، هي من أصعب وأعقد المعارك التي تخوضها الشعوب في سبيل حريتها وخلاصها من نير الإستبداد، كما وأثبتت جميع الوقائع الميدانية، بأن معركة الديمقراطية، أو بمعنى آخر [الديمقراطية] نفسها، هي سلاح ذو حدين، فبقدر ما هي نتاج طبيعي للتطور الإقتصاإجتماعي لشعوب البلدان المختلفة، بقدر ما هي وسيلة وواسطة يمكن إستخدامها وركوبها للوصول الى الأهداف والغايات التي ينشدها كل من له مصالح تدفعه الى التحكم بشؤون ومصالح الآخرين، وتقنينها بالشكل الذي تصب فيه في النهاية، في مستودع مصالحه الخاصة، سواء برضى الآخرين جهلاً، أم بإذعانهم قسراً من خلال التشريع والقانون..!؟


فمصر الدولة العربية التي كانت وما تزال، تقف في مقدمة الدول العربية بكونها قد سبقت الجميع في المنطقة، في ترسيخها لأسس وقواعد الدولة المدنية الحديثة بمؤسساتها الرصينة وتقاليدها الثابته، وهي من تعتبر في طليعة دول المنطقة في تصدرها للتنوع الثقافي والعلمي، ناهيك عما تتمتع به من سمات حضارية عريقة، أوما تتميز به من موقع جغرافي ذي تأثير دولي، ومن قدرات وإمكانات بشرية كبيرة؛


إن دولة مصر، وبكل جبروتها وعظمتها التأريخية، تتعرض اليوم الى عاصفة " الربيع العربي" الخريفية، التي باتت أوراقها الصفراء تغطي وتنتشر فوق مساحات واسعة من السهب المصري الأخضر الفسيح؛  فعلى حين غرة، إنقلبت كل حسابات الملايين التي هزت كيان الهيكل الحكومي المصري القديم، وأنزلت رأس الهرم من عرشه، لتجد هذه الملايين من كادحي ومثقفي الشعب المصري ونخبه السياسية التي تطلعت وبكل شغف الى حصاد ربيعها الحقيقي في شباط 2011، أن هذا الحصاد قد إستأثرت به جماعة من هذا الشعب، هي أبعد ما تكون في تطلعاتها ومبادئها عن تطلعات ومباديء أغلبية الشعب الساحقة، ممن أرخصت دمائها في سبيل الخلاص من عنت وجبروت الإستبداد..!؟


لقد تمكنت تلك الجماعة السياسية، وعن طريق إستخدام سلاح "الديمقراطية"، لا بمفهومه كنتاجٍ وحصيلةٍ لجهد قرون من الكدح والمثابرة للشعب المصري ولتطوره الإقتصاإجتماعي، أو كونه وفي أقل الإحتمالات، نهجاً راسخاً في عقيدة ومباديء تلك الجماعة السياسية، بل وعلى العكس من ذلك، إنما جرى إستخدامه، ك "حصان طروادة" من أجل التسلل الى مراكز السلطة، ومن ثم الهيمنة على كافة مؤسسات الدولة القائمة، وتسخيرها لأهداف تلك الجماعة السياسية، بعد تفريغها من مضامينها الديمقراطية، في الإستقلال والحيادية، وإسباغ الصفة القانونية الشرعية عليها كأمر واقع..!؟


فلا وجه للغرابة أن تلجأ الجماعة الإسلامية المذكورة وحلفائها من الجماعات السلفية الأخرى، الى الدين والى الشعارات الإسلامية، بإعتبارها الوسيلة والطريق الأكثر تأثيراً على جموع المواطنين، من الكادحين ومن بسطاء الناس، لكونهم يمثلون الأغلبية الكاسحة من المجتمع المصري، والتي في العادة، يكون إيمانها أقرب للفطرة منه الى الإكتساب، ومحاولة التقرب اليها من خلال ما يشبع إحتياجات أبنائها اليومية من وسائل العيش والحياة، بهدف ضمان أصواتهم الإنتخابية في صناديق الإنتخابات، حتى لو شكل مثل ذلك السلوك جريمة سياسية بالمعنى القانوني للكلمة..!؟


فالإجراءات المتلاحقة التي أقدمت عليها السلطات الجديدة بعد إكتسابها للشرعية القانونية عن طريق الصناديق الإنتخابية، وبالوسائل والطرق التي أشرنا الى بعضها فيما تقدم، لا تخرج عن كونها في الحقيقة، إلا إنعكاساً لتطلعات تلك السلطات، في  الوصول الى السلطة وإحتكارها، وفرض أحكامها وشرائعها، التي لا تخدم في جوهرها مصالح ملايين الكادحين من عمال وفلاحي وعموم شغيلة مصر، بل وفيها الكثير مما يغلق كل آفاق النهج الديمقراطي في الحياة السياسية العامة، ويفرغ مؤسسات الدولة من مضامينها الديمقراطية وتحويلها الى توابع تأتمر بأمر الحاكم بأمره ، وتسدل ستاراً معتماً من الإنعزال والتقوقع على أية تطلعات نيرة وحضارية للمرأة المصرية، بل وتجعلها رهينة عادات وتقاليد قديمة قد تجاوزتها المرأة المصرية منذ عهد بعيد..!!؟


إن مشروع الدستور الجديد، التي أقرت السلطات الجديدة أن تجري الإستفتاء عليه السبت القادم، والذي قوبل بالرفض من قبل أغلب النخب والأحزاب السياسية المصرية المعارضة، لبطلان شرعيته والمقترنة ببطلان شرعية الجمعية التأسيسية التي كتبت نصوصه، وحده كاف لتأكيد ما أشرنا اليه فيما تقدم عن إستخدام سلاح "الديمقراطية" كإحدى الوسائل للإستئثار بالسلطة، وإفراغ مؤسسات الدولة، من كل ما له علاقة بمضامينها الديمقراطية الحقيقية، وهذا ما سبق وأن جرى تناوله في مقالة سابقة..!(*)
باقر الفضلي 13/12/2012
_________________________________________________     
(*)http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333714



 


 


         





   


99

مصر: الطريق الى الديمقراطية..!

باقر الفضلي

لقد أثبتت مسارات العامين 2011 و2012 ، على صعيد الحراك اليومي بأن معركة الديمقراطية، هي من أصعب وأعقد المعارك التي تخوضها الشعوب في سبيل حريتها وخلاصها من نير الإستبداد، كما وأثبتت جميع الوقائع الميدانية، بأن معركة الديمقراطية، أو بمعنى آخر [الديمقراطية] نفسها، هي سلاح ذو حدين، فبقدر ما هي نتاج طبيعي للتطور الإقتصاإجتماعي لشعوب البلدان المختلفة، بقدر ما هي وسيلة وواسطة يمكن إستخدامها وركوبها للوصول الى الأهداف والغايات التي ينشدها كل من له مصالح تدفعه الى التحكم بشؤون ومصالح الآخرين، وتقنينها بالشكل الذي تصب فيه في النهاية، في مستودع مصالحه الخاصة، سواء برضى الآخرين جهلاً، أم بإذعانهم قسراً من خلال التشريع والقانون..!؟


فمصر الدولة العربية التي كانت وما تزال، تقف في مقدمة الدول العربية بكونها قد سبقت الجميع في المنطقة، في ترسيخها لأسس وقواعد الدولة المدنية الحديثة بمؤسساتها الرصينة وتقاليدها الثابته، وهي من تعتبر في طليعة دول المنطقة في تصدرها للتنوع الثقافي والعلمي، ناهيك عما تتمتع به من سمات حضارية عريقة، أوما تتميز به من موقع جغرافي ذي تأثير دولي، ومن قدرات وإمكانات بشرية كبيرة؛


إن دولة مصر، وبكل جبروتها وعظمتها التأريخية، تتعرض اليوم الى عاصفة " الربيع العربي" الخريفية، التي باتت أوراقها الصفراء تغطي وتنتشر فوق مساحات واسعة من السهب المصري الأخضر الفسيح؛  فعلى حين غرة، إنقلبت كل حسابات الملايين التي هزت كيان الهيكل الحكومي المصري القديم، وأنزلت رأس الهرم من عرشه، لتجد هذه الملايين من كادحي ومثقفي الشعب المصري ونخبه السياسية التي تطلعت وبكل شغف الى حصاد ربيعها الحقيقي في شباط 2011، أن هذا الحصاد قد إستأثرت به جماعة من هذا الشعب، هي أبعد ما تكون في تطلعاتها ومبادئها عن تطلعات ومباديء أغلبية الشعب الساحقة، ممن أرخصت دمائها في سبيل الخلاص من عنت وجبروت الإستبداد..!؟


لقد تمكنت تلك الجماعة السياسية، وعن طريق إستخدام سلاح "الديمقراطية"، لا بمفهومه كنتاجٍ وحصيلةٍ لجهد قرون من الكدح والمثابرة للشعب المصري ولتطوره الإقتصاإجتماعي، أو كونه وفي أقل الإحتمالات، نهجاً راسخاً في عقيدة ومباديء تلك الجماعة السياسية، بل وعلى العكس من ذلك، إنما جرى إستخدامه، ك "حصان طروادة" من أجل التسلل الى مراكز السلطة، ومن ثم الهيمنة على كافة مؤسسات الدولة القائمة، وتسخيرها لأهداف تلك الجماعة السياسية، بعد تفريغها من مضامينها الديمقراطية، في الإستقلال والحيادية، وإسباغ الصفة القانونية الشرعية عليها كأمر واقع..!؟


فلا وجه للغرابة أن تلجأ الجماعة الإسلامية المذكورة وحلفائها من الجماعات السلفية الأخرى، الى الدين والى الشعارات الإسلامية، بإعتبارها الوسيلة والطريق الأكثر تأثيراً على جموع المواطنين، من الكادحين ومن بسطاء الناس، لكونهم يمثلون الأغلبية الكاسحة من المجتمع المصري، والتي في العادة، يكون إيمانها أقرب للفطرة منه الى الإكتساب، ومحاولة التقرب اليها من خلال ما يشبع إحتياجات أبنائها اليومية من وسائل العيش والحياة، بهدف ضمان أصواتهم الإنتخابية في صناديق الإنتخابات، حتى لو شكل مثل ذلك السلوك جريمة سياسية بالمعنى القانوني للكلمة..!؟


فالإجراءات المتلاحقة التي أقدمت عليها السلطات الجديدة بعد إكتسابها للشرعية القانونية عن طريق الصناديق الإنتخابية، وبالوسائل والطرق التي أشرنا الى بعضها فيما تقدم، لا تخرج عن كونها في الحقيقة، إلا إنعكاساً لتطلعات تلك السلطات، في  الوصول الى السلطة وإحتكارها، وفرض أحكامها وشرائعها، التي لا تخدم في جوهرها مصالح ملايين الكادحين من عمال وفلاحي وعموم شغيلة مصر، بل وفيها الكثير مما يغلق كل آفاق النهج الديمقراطي في الحياة السياسية العامة، ويفرغ مؤسسات الدولة من مضامينها الديمقراطية وتحويلها الى توابع تأتمر بأمر الحاكم بأمره ، وتسدل ستاراً معتماً من الإنعزال والتقوقع على أية تطلعات نيرة وحضارية للمرأة المصرية، بل وتجعلها رهينة عادات وتقاليد قديمة قد تجاوزتها المرأة المصرية منذ عهد بعيد..!!؟


إن مشروع الدستور الجديد، التي أقرت السلطات الجديدة أن تجري الإستفتاء عليه السبت القادم، والذي قوبل بالرفض من قبل أغلب النخب والأحزاب السياسية المصرية المعارضة، لبطلان شرعيته والمقترنة ببطلان شرعية الجمعية التأسيسية التي كتبت نصوصه، وحده كاف لتأكيد ما أشرنا اليه فيما تقدم عن إستخدام سلاح "الديمقراطية" كإحدى الوسائل للإستئثار بالسلطة، وإفراغ مؤسسات الدولة، من كل ما له علاقة بمضامينها الديمقراطية الحقيقية، وهذا ما سبق وأن جرى تناوله في مقالة سابقة..!(*)
باقر الفضلي 13/12/2012
_________________________________________________     
(*)http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333714



 


 


         





   


100




العراق : القوات المسلحة ودلالات حيادية السلطة المدنية..!2_2

باقر الفضلي



الدستور/الباب الأول/ المادة (9):

اولاً :ـ

أـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ او اقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، وتدافع عن العراق، ولا تكون اداةً لقمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة.

ب ـ يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة.

ج ـ لا يجوز للقوات المسلحة العراقية و أفرادها، و بضمنهم العسكريون العاملون في وزارة الدفاع أو أية دوائر أو منظمات تابعة لها، الترشيح في انتخاباتٍ لإشغال مراكز سياسية، ولا يجوز لهم القيام بحملات انتخابية لصالح مرشحين فيها، ولا المشاركة في غير ذلك من الاعمال التي تمنعها انظمة وزارة الدفاع، ويشمل عدم الجواز هذا انشطة اولئك الافراد المذكورين آنفاً التي يقومون بها بصفتهم الشخصية او الوظيفية دون ان يشمل ذلك حقهم بالتصويت في الإنتخابات.

د ـ يقوم جهاز المخابرات الوطني العراقي بجمع المعلومات، وتقويم التهديدات الموجهة للأمن الوطني، وتقديم المشورة للحكومة العراقية، ويكون تحت السيطرة المدنية، ويخضع لرقابة السلطة التشريعية، ويعمل وفقاً للقانون، وبموجب مبادئ حقوق الانسان المعترف بها.

ﻫ ـ تحترم الحكومة العراقية، وتنفذ، التزامات العراق الدولية الخاصة بمنع انتشار وتطوير وإنتاج واستخدام الاسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، ويُمنع ما يتصل بتطويرها وتصنيعها وانتاجها واستخدامها من معداتٍ ومواد وتكنولوجيا وأنظمةٍ للاتصال.

ثانياً :ـ تنظم خدمة العلم بقانون  .

المادة (78):
رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بادارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق باقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب.



من خلال منطوق المادة (78) من الدستور أعلاه، تناط برئيس مجلس الوزراء وظيفة القيادة العامة للقوات المسلحة، وذلك بإعتبار أن رئيس مجلس الوزراء هنا، وطبقاً لمنطوق المادة/ التاسعة/أولاً من الباب الأول من الدستور، يمثل سلطة القيادة المدنية؛ اي بمعنى آخر: أن الدستور قد حدد من خلال هذا النص، أن تكون قيادة القوات المسلحة خاضعة لسلطة القيادة المدنية المنتخبة، والتي أناطها طبقاً لنص المادة/78  برئيس مجلس  الوزراء ..!


وإن كان الدستور وفقاً لنص المادة/ التاسعة أعلاه، لم يوضح طبيعة "الخضوع لقيادة السلطة المدنية" ولا تفاصيل عمل ونشاط تلك السلطة وحدودها وضوابط وآليات عملها في هذا الشأن، ولا حتى من حيث طبيعة الإجراءات المتخذة، وطابع الأوامر الصادرة عنها، مع أنه من الناحية الأخرى، قد منح رئيس مجلس الوزراء صفة وظيفة القائد العام للقوات المسلحة، مما يعطي الكثير من فرص إمكانية التوسع في التفسير لوظائف القائد العام للقوات المسلحة في هذا المجال، بما فيها ذات الطابع العسكري، على حساب ما جاء في قصد المشرع طبقاً لنص المادة /التاسعة أعلاه، والذي يتعلق بمغزى خضوع القوات المسلحة "لقيادة السلطة المدنية" ..!


فما يفهم وطبقاً لما جاء في النص المذكور، فإن القصد الذي توخاه المشرع من وراء إناطة قيادة القوات المسلحة الى سلطة مدنية، وليست عسكرية، إنما يهدف الى إبعاد تلك القوات عن أي تسلط عسكري على قياداتها، وذلك تجنباً من إستخدام ذلك التسلط العسكري في مجالات ولأغراض ضيقة؛ حزبية كانت أو شخصية أو فئوية، قد تتعارض مع  الأهداف التي شرعها الدستور في الفقرات (أ،ب،ج،د،ه ) من الفقرة/أولاً من المادة /التاسعة من الدستور..!


وعلى ضوء ذلك يمكن القول بأن نص المادة/ 78 أعلاه من الدستور، تظل محكومة بالقصد الدستوري الذي تمسك به المشرع في نص المادة/التاسعة بفقرتيها الإثنتين. وأن أي توسع في تفسير النص الدستوري للمادة/78 خارج إطار ما قصده الدستور في نص  المادة / التاسعة، لا يمكن النظر اليه إلا  بإعتباره خروج عن روح النص الذي قصده الدستور، والإبتعاد به عن الأهداف التي قصدها المشرع؛ وبالتالي فإن الطابع المدني للسلطة التي تأخذ على عاتقها مهمة الإشراف على قيادة القوات المسلحة، من خلال خضوع تلك القوات لإشرافها، ينبغي أن يظل هو المعيار الثابت لطبيعة ذلك الإشراف، وهذا بدوره يظل خاضعاً لإشراف ورقابة السلطة التشريعية، جرياً مع مدلول منطوق الفقرة ( د) من المادة التاسعة أعلاه، وجرياً مع أحكام المادة (61)/ ثانياً وخامساً/ الفقرة (ج)، وإستدلالاً بمنطوق المادة(80)/ خامساً والمادة(84)/ أولاً من الدستور..!


وعلى ضوء ما تقدم يصبح موقع رئيس مجلس الوزراء، ذا أهمية إستثنائية بإعتباره القائد العام للقوات المسلحة؛ ومن هنا، فإن من أولى مهامه بهذا الشأن،  إنما يتجسد في الحدود التي يمكنه معها الحفاظ على الأهداف التي توخاها الدستور، والتي أجملتها المادة التاسعة آنفة الذكر، حيث أن من أولى متطلبات ذلك الإحتفاظ، الذي ينبغي أن يتجسد فيما يمكن أن تمثله شخصية القائد العام للقوات المسلحة، ومن خلال توليها لهذه المسؤولية، ولإهميتها السياسية والوطنية؛ هو الإستقلالية التامة والحيادية المطلقة، التي تعتبر من الأركان الرئيسة للأهداف التي قصدها المشرع، في أن لا تكون تلك القوات المسلحة [[ اداةً لقمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة.]]، وهذه لعمري من صلب المهام والإلتزامات التي أناطها دستور/ 2005 بوظيفة رئيس مجلس الوزراء  بإعتباره القائد العام للقوات المسلحة...!

 
وضمن نفس السياق ، تبدو الغاية التي توخاها المشرع من مضمون نص الفقرة أولاً : أ_ من المادة/ التاسعة/ الباب الأول من الدستور، لها من الخصوصية ما ينبغي إيلائها إنتباهاً خاصاً عند التطرق في الحديث، الى دور القوات المسلحة في الحياة السياسية للبلاد؛ فمقارنة مع تأريخ العراق الحديث، لم تأخذ الحكومات المتعاقبة على دست السلطة أي إعتبار لطبيعة تركيب المكونات الإجتماعية لهذه القوات، والتي في جميع تأريخها منذ تأسيس الجيش العراقي، كانت تمثل نسيجاً متجانساً للتركيبة الديموغرافية للشعب العراقي، بكل تفرعاتها الإثنية والدينية، وبكل تشعباتها التفصيلية على جميع الأصعدة، ومن هنا فليست قليلة المرات التي زج فيها بتلك القوات في النزاعات الداخلية، وفي قمع الإنتفاضات الشعبية ..!


ومن هنا وتأسيساً على ذلك، يصبح من نافل القول، الإشارة الى أهمية ما توخاه المشرع من وراء نص الفقرة أولاً /أ_ من المادة التاسعة أعلاه، عندما أكد على ضرورة توفر التماثل والتوازن دون تمييز أو إقصاء بين مكونات تركيبة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وحرم من الجهة الثانية إستخدام تلك القوات كأداة لقمع الشعب العراقي، في عين الوقت بطلان تدخلها في الشؤون السياسية، أو في تداول السلطة، وبالتالي قطع المشرع في هذا النص الدستوري، كل الطرق على قيادات تلك القوات التي يمكن أن تلجأ اليها، في إستغلال وجودها على رأس قيادتها وتحريكها وفقاً لما تراه يخدم مصالحها ويحقق أهدافها..!؟


وفي تقديرنا؛ فإنه حسناً ما فعله المشرع عند تثبيته لنص الفقرة المذكورة، حيث يكون بذلك، قد حافظ على حالة الإنسجام الدائم  للنسيج المكون للقوات المسلحة، بإعتبارها مؤسسة لكل الشعب وتمثل كل الشعب، وبذلك يكون قد حماها من كل تصرف خارج  نطاق الدستور، وأبعدها كلياً عن المنازعات والصراعات السياسية بين القوى السياسية، بإعتبار أن أي من تلك القوى، وفي جميع الأحوال، وعلى صعيد الواقع، لا يمكنها أن تكون شمولية في تمثيلها لكافة مكونات الشعب، وبالذات في صراعاتها الداخلية مع الآخرين، أما وظائف القوات المسلحة ومهامها، فإن الدستور قد حددها بوضوح تام في الفقرة_ أ من المادة التاسعة أعلاه، وبدلالة الفقرة- ثانياً من المادة/110 من الدستور، وهي تتمحور [في تأمين حماية وضمان أمن حدود العراق والدفاع عنه] ؛ وبالتالي فلا يصح دستورياً إستخدام تلك القوات في حل النزاعات الداخلية، بأي حال من الأحوال...!


خلاصة ما يمكن قوله من كل ما تقدم، وإرتباطاً بحالة الأزمة العاصفة في المشهد العراقي السياسي اليوم، ومن طبيعة التصعيد الإعلامي من خلال التصريحات والتصريحات المعاكسة، من قبل أطراف العملية السياسية العراقية، وما يجري من تلويح غير مسؤول  بنذر التهديد والوعيد، ومن قبل كافة الأطراف، والذي بات يأخذ أشكالاً من التعبئة العسكرية المتقابلة، بما يذكرنا بتلك المصائب والمحن التي عانى منها العراقيون كافة، عرباً وكرداً وأقليات قومية ودينية طيلة عهود طويلة، وسقط فيها مئات الألوف من الضحايا الأبرياء، بسبب فقدان الحكمة وغرور السلطة والإنفراد في القرار، والإحتكام الى القوة كسبيل أوحد لحل الأزمات، الأمر الذي لا يجد له مكاناً في عراق اليوم، في وقت يدعي فيه الجميع إستعداده للإحتكام الى الدستور؛ فالدستور وثيقة ملزمة، وهي وفي جميع الأحوال تخص الجميع وفي متناولهم، إن حسنت النوايا، دون إغفال للتفاسير المختلفة والمحكومة بتباين المصالح؛ ونفسه الدستور، فيه من الأحكام ما يمكن بواسطتها حل الكثير من عقد وإشكاليات النزاعات الداخلية، رغم كل ما يشوب بعض نصوصه من هنات أو غموض، وذلك من خلال الحوار والإبتعاد عن التصعيد اللامسؤول من أي طرف كان...!؟


فالقوات المسلحة؛ بما فيها قوات حرس الإقليم "البيشمركة" ( المشكلة طبقاً لنص المادة/12 من دستور إقليم كوردستان وبدلالة المادة/121_ الفقرة/5 من الدستور الإتحادي)، ليستا ملكاً لجهة من الجهات، وهما مؤسستان منحهما الدستور إستقلالية خاصة؛ فهما ملك الشعب وحده؛ وإن كان الدستور هو الفصل في حل إشكالات الصراع والمنازعات الداخلية، فالدستور نفسه قد حرم بصورة مطلقة، اللجوء الى إستخدام تلك القوات وبأي شكل من الأشكال، أو بأي ذريعة من الذرائع، لتهديد أو قمع أي فئة أو طبقة أو قومية من مكونات الشعب العراقي/ نص المادة/9 من الدستور، وهذا ما بيناه فيما تقدم..!


فبقدر ما يتعلق الأمر بالإحتكام الى نصوص الدستور، للخروج من براثن الأزمة الآخذة بخناق الجميع، وبعد أن أصبحت درجة الإستقطاب لدى طرفي النزاع، سواء في السلطة الإتحادية أو سلطة الإقليم، حداً لم يعد معه واضحاً إستعداد أي منهما للتراجع، طبقاً لمنطق الحكمة والتروي والتعقل، فإنه لم يعدو هناك من مناص، من اللجوء الى الهيئات الدستورية العليا (المحكمة الإتحادية العليا) المتخصصة بفض النزاعات، والتي هي الأخرى، ينبغي أن تتحلى بكامل الإستقلال والحيادية، في عين الوقت الذي يستوجب معه، وقف كافة ترتيبات التصعيد العسكري من قبل الجميع وبالذات من قبل الطرفين المتنازعين، مع تشجيع ودعم جميع المبادرات الحيادية، الساعية لنزع فتيل الأزمة، والإحتكام الى لغة الحوار من أجل الوصول الى الحلول المناسبة، وتجنيب الوطن والشعب، كوارث جديدة هو في غنى عنها في ظل الأوضاع المعقدة إقليمياً ودوليا..! (*)   
باقر الفضلي  6/12/2012
(*)  http://www.almadapress.com/ar/news/2399/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D9%8A%D9%81%D9%8A_%D9%8A%D8%AD%D8%B0%D8%B1_%D9%85%D9%86_%22%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1%22_%D9%84%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9_%D9%88%22%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D9%84%D9%86_%D8%AA%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%81%22






     
 



101

فلسطين: شعب ودولة..!


باقر الفضلي

في أجواء من الإبتهاج والفرح الغامر، إحتفل الشعب الفلسطيني الشجاع، في كل الربوع الفلسطينية وفي الشتات، ومعه كل أحرار العالم المتعاطفين مع قضية الشعب الفلسطيني، بصدور القرار الأممي القاضي بالإعتراف بفلسطين كدولة عضو مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد خمس وستين عاماً من التسويف والإنتظار، والعنت الأمريكي _ الإسرائيلي ومن يسير في ركابهما من بعض بلدان الإتحاد الأوروبي مثل بريطانيا والمانيا، وبذلك أثبت المجتمع الدولي بأنه قادر على تصحيح مساره طبقاً لمباديء ميثاق الأمم المتحدة والشرائع الإنسانية، ولائحة حقوق الإنسان..!


إنه من الصعب لأي كلمات مهما بلغت، من دقة التعبير وصدق النوايا، يمكنها أن تعكس حقيقة المشاعر الوجدانية الصادقة،  في تقييم حدث تأريخي بهذه الدرجة من الأهمية الدولية التأريخية، بقدر ما يعبر عن حقيقة تلك المشاعر، الفلسطينيون أنفسهم، فهم الأجدر والأحق في سبر غور أعماق ما يعنيه حدث بهذا المستوى وتلك الدرجة من الأهمية، وبعد عقود من النكد والمعاناة، ومن حرقة الدموع ودماء الضحايا؛ ومن لم يدرك حقيقة ما تعنيه تلك المعاناة، لا أظنه قادر على فهم ما يعنيه أن يكون الإنسان بلا وطن..!؟(*)


إن كافة التخرصات والتخريجات التي وردت في خطاب المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة، وجمله التي رددتها المندوبة الأمريكية السيدة رايس، في رفضهما لقرار الجمعية العامة، وجملة تصريحات السيد نتنياهو وردود فعل السيد ليبرمان وزير خارجية إسرائيل، جميعها قد إهتزت وفقدت إتزانها، من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي نعتوه بأنه مجرد [ ورقة ] ليس غير، على حد وصفهم جميعا..!!


فبعد هذا القرار التأريخي، الذي يمثل إنتصاراً سياسياً تأريخياً فريداً في محتواه ومغزاه، بالنسبة للقضية الفلسطينية في مسارها الطويل، تقف اليوم، وبكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حقيقة مجابهة ما يمكن توقعه من القادم من تداعيات هذا القرار الدولي التأريخي على تلك القوى التي وقفت بوجه إصداره  وخروجه الى حيز الواقع العملي، وفي مقدمتها دول مثل أمريكا وإسرائيل ودول أخرى، الأمر الذي يلقي الكثير من المهام الجديدة على عاتق منظمة التحرير الفلسطينية وقيادة السلطة الفلسطينية، خاصة وهي بعد هذا القرار، أصبحت تلك الدولة الفلسطينية، الند لكافة أعضاء المجتمع الدولي من الدول الأخرى، ومن هنا تبرز على السطح، وبقدر كبير من الأهمية والمسؤولية، مسألة المصالحة، كأحد السبل المهمة الى وحدة الكلمة ووحدة قرار الدولة ووحدة السلطة الفلسطينية للدولة الفلسطينية الديمقراطية الموحدة..!


فالقرار الأممي قد ألقم حجرا، كل تلك الأفواه التي تخرصت وتحججت، ب"الإنقسام" الجغرافي والديموغرافي المصطنع للشعب الفلسطيني، والذي ما فتأت الطغمة المتطرفة الحاكمة لدولة إسرائيل، تلوح به كأحدى الأوراق التي تلعب بها لإعاقة وجود الدولة الفلسطينية، بل عملت ولا زالت تعمل ما وسعها ذلك من جهد وتخطيط، لتعميق صورة ذلك الإنقسام وديمومته بأي شكل من الأشكال؛ ومن هنا يمكننا القول؛ بأن القرار الأممي قد رسم الطريق أمام سلطة الدولة الفلسطينية لتوجيه بوصلتها بإتجاه إستكمال المسيرة لتحقيق وجود الدولة العضو كامل العضوية، بعد إنحسار الإحتلال عن كل بقعة من أراضي الدولة الفلسطينية حيثما وجدت، فالدولة الفلسطينية اليوم تمتلك الأساس القانوني الدولي لهذا الحراك..!(**)


طوبى للشعب الفلسطيني الصامد في إنتصاره العظيم، وطوبى له في دولته الديمقراطية الحرة المستقلة، والمجد والخلود لشهدائه الأبرار..!
باقر الفضلي 30/11/2012
____________________________________________
(*)  http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=104258
(**)    http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=104380

     




102

فلسطين : المجتمع الدولي أمام الإمتحان التأريخي..!

باقر الفضلي

لن تفصلنا سوى يومان عن القرار التأريخي الذي يعول عليه الشعب الفلسطيني وكافة شعوب العالم الأخرى، والذي تنتظره بفارغ الصبر قوى السلم والديمقراطية في العالم، التي أكثر ما يهمها، هو أن تتكلل خطوة الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس بالتوجه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في نييورك في التاسع والعشرين من تشرين الثاني الحالي، بالنجاح العتيد؛ وهو نفسه الآخر، من ينتظر القول الفصل لأعضاء  الجمعية العامة بالتصويت الإيجابي لصالح الطلب الفلسطيني بإقرار قبول الدولة الفلسطينية كعضو مراقب في الأمم المتحدة، وما ستترتب عليه من أمور سيادية لدولة فلسطين، ومنها التقدم لقبول عضوية دولة فلسطين في المحكمة الدولية الجنائية، كما وستضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الدولية في الإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وفقاً لجملة القرارات الدولية وفي مقدمتها ما ينتظره الشعب الفلسطيني لاحقاً من إقرار مجلس الأمن الدولي بالإعتراف بسيادة الدولة الفلسطينية وقبولها دولة عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة..!


لقد كان قرار توجه الرئيس الفلسطيني الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الوقت بالذات، وفي خضم الأحداث المعقدة التي إجتاحت المنطقة، ومنها بالأخص، عدوان الأيام الثمانية للإحتلال الإسرائيلي الغاشم على غزة، والموقف البطولي لأبناء غزة وسائر الفصائل الوطنية بلا إستثناء، في تصديها للعدوان وكسر شوكته العسكرية، الأمر الذي دفع الإحتلال الى قبول إتفاق التهدئة؛ أقول في خضم تلك الأحداث، ورغم كل المواقف المحبطة والرافضة لهذا التحرك الشجاع، فقد كان قرار التوجه هذا، من أهم الخطوات الجريئة والشجاعة التي تقدم عليها السلطة الفلسطينية في هذا الوقف العصيب، وهذا ما أكده الرئيس الفلسطيني قبيل توجهه الى الأمم المتحدة عندما أشار الى: [[  ان "قرارنا النهائي هو ان نذهب إلى الامم المتحدة لرفع مكانة فلسطين إلى عضو مراقب"، لافتا إلى اننا "طالبنا بالسلام العادل المبني على الحق والشرعية الدولية لبناء دولة فلسطينية عاصمتها القدس".]]
وشدد عباس على ان [["ثوابتنا معروفة وهي انهاء الاحتلال والاستقلال التام والكامل وتقرير المصير، لكن قبل ذلك القضية الاهم هي قضية الاسرى ونحن نتمسك بالمطالبة للافراج عنهم".
ولفت إلى اننا "ذاهبين بخطى ثابة بدعم من الدول التي تؤمن بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وهي دول كثيرة.]] (1)


ولا أظن أن هناك وضوحاً أكثر من هذا في كلام الرئيس الفلسطيني، للرد على كل حالات الرفض والتهديد التي مارستها ولا زالت تمارسها أمريكا ومعها إسرائيل، ضد السلطة الفلسطينية، لمنعها من الذهاب الى الأمم المتحدة، أو مواقف التشكيك والإحباط من هذه الجهة أو تلك، بهدف زرع بذور الخيبة والفشل في الأرضية الفلسطينية، جراء ما تسوقه من تضليل تنسبه الى السلطة التنفيذية والى الرئيس الفلسطيني، من تصريحات وتقولات تتعلق بالموقف من حق العودة وغيرها من التخرصات الأخرى، التي جميعها تصب في طاحونة إسرائيل وأمريكا. ولكن الموقف الثابت من قبل السلطة الفلسطينية بكافة فصائلها الوطنية ومن ورائها الشعب الفلسطيني، قد أثبت حزماً وجديةً وصدقاً لا غبار عليها من قضية الشعب الفلسطيني، ويكفي أن تنعكس تجليات كل ذلك في موقف السيد صائب عريقات في إجابته على الدعوة الأمريكية للقدوم الى أمريكا لغرض التباحث بشأن تعديل صيغة الطلب الفلسطيني الى الأمم المتحدة قبل قدوم السيد الرئيس الفلسطيني الى هناك..!(2)


لقد أوجز الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس الغاية من ذهابه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/2012 ، وطلب التصويت على الطلب الفلسطيني، بقليل من الكلمات عبر فيها بحزم عن مشروعية الطلب الفلسطيني، وواضعاً المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في إشاعة السلام في المنطقة والشرق الأوسط، إذا ما كان حقاً صادقاً في وضع قرار الأمم المتحدة بحق الدولتين موضع التطبيق، وعلى حد قول الرئيس الفلسطيني.. [[ إن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة لتحقيق السلام والاستقرار، لذلك على الجميع أن يعمل من اجل تحقيقه، مؤكدا أن الجانب الفلسطيني مستعد للعودة إلى طاولة المفاوضات فور الحصول على عضوية دولة فلسطين بصفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة،، لنشيع السلام في منطقة الشرق الأوسط قبل فوات الأوان. ]](3) 

كل ما يتمناه المرء للخطوة الفلسطينية المباركة بقيادة الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، النجاح والنصر المؤزر، فإن إقدام السلطة الفلسطينية على هذه الخطوة المبدئية الجريئة والشجاعة، سيضع المجتمع الدولي وكل شعوب العالم التي تتمثل دولها في عضوية الأمم المتحدة، امام إمتحان تأريخي للإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتحمل مسؤوليتها في وضع ميثاق الأمم المتحدة موضع التطبيق بهذا الشأن؛ فهي اليوم أمام موقف حاسم لا يقبل التردد والتأجيل، وإقرار طلب الشعب الفلسطيني في الإعتراف بدولته، هو الإمتحان التأريخي الحقيقي الذي تمر به الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ تأسيسها؛ فهل ستثبت حقاً بذلك، أنها تسير في الطريق الشرعي الصحيح..؟!
باقر الفضلي 27/11/2012
____________________________________________________________ 
(1)  http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=103805
(2)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=104096
(3)  http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=103729


 

   






103
المنبر السياسي / مصر: الى أين..؟!
« في: 09:29 25/11/2012  »

مصر: الى أين..؟!

باقر الفضلي

وأخيراً وبعد ما يقرب من عام من التغيرات السياسية التي طرأت على تشكيلة النظام المصري، وهو من الأنظمة الرئاسية في المنطقة، والثاني في تسلسله بعد النظام التونسي، اللَّذين إجتاحتهما رياح " الربيع العربي"، التي هبت مؤخراً على المنطقة، أقول بعد ما يقرب من عام على تلك التغييرات، يطرح السؤال أعلاه نفسه مؤكداً من جديد، خاصة بعد إصدار الرئيس المصري "المنتخب" السيد محمد مرسي، بتأريخ 22/11/2012 "الإعلان الرئاسي" الذي تضمن عدداً من القرارات، التي من خلالها، وضع حداً لكل التكهنات والتساؤلات التي يطرحها الشارعان المصري والعربي، عن حقيقة ما كانت تهدف اليه كل تلك التغييرات وما ستؤول اليه المسيرة "الديمقراطية" المنشودة في مصر خلال الحقبة القادمة..!؟


فليس من اليسير، مع طبيعة ما يجري الآن في مصر والمنطقة عموما، الإجابة على مضمون ذلك السؤال، بمثل تلك البساطة التي يمكن للمرء تصورها، خاصة وإن ما يدعى ب "الإعلان الدستوري" نفسه يثير الكثير من التساؤلات في الفقه الدستوري من حيث المضمون أو التسمية...الخ..!


أما ما احتوته الفقرات الست من الإعلان الدستوري، ففيها ما يكفي من الدلالة القانونية، ما يؤكد ما إستهدفه الرئيس السيد محمد مرسي، من حصر السلطة التنفيذية كاملة بيديه، وذلك بجعلها بعيداً عن متناول أية رقابة قضائية، أوبمعنى آخر، تعطيل دور السلطة القضائية الرقابي، مما لا يمكن تفسيره إلا إخلالاً صريحاً بأهم مبدأ من مباديْ الديمقراطية، وهو مبدأ الفصل بين السلطات التي كفلها الدستور، وذلك بتثبيته  في الإعلان، بنداً "يمنع الطعن على قرارات رئيس الجمهورية حتى اقرار الدستور الجديد ويمنع حل الجمعية التاسيسية او مجلس الشورى"..!


أما الأكثر خطورة مما جاء في بنود الإعلان، فهو ما يعطي الرئيس مرسي [[ حق اتخاذ " الإجراءات والتدابير الواجبة" لمواجهة ماوصفه بخطر يهدد الثورة."]]، وهو لعمري حق لا تحده حدود، ولا يخضع لأي سلطان، حيث ليس عسيراً على من يهمه "أمر الثورة" طبقاً لمنطوق الأعلان الدستوري، ان يكيف أية حالة من حالات المعارضة أو أي عمل يجد فيه ما لا يرضيه، أو لا يجده يسير في مصلحته، بأنه من الأخطار التي تهدد "الثورة"، وفقاً لتفسيره، مما يعطي الرئيس مرسي حق إتخاذ الإجراءات والتدابير الواجبة التي يراها هو مناسبة لدرء الخطر المذكور. فالبند المذكور الذي ورد في الإعلان الدستوري، جاء مبهماً وعاماً ويتصف بالشمولية، حيث وكما ورد في النص الإعلاني، فإن  حالات الخطر التي أوردها الإعلان هي من الضبابية والعمومية ما يمكنها أن تنسحب على أي شيء في عرف الرئيس وجهازه التنفيذي، فهي وفي أقل الأحوال تشمل كل :[[" خطر يهدد حياة الأمة أو الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها".]](*)



ولست هنا بصدد الخوض في سبر النوايا والأهداف التي تقف وراء إصدار هذا الإعلان حسب، فهذا ما كشفته كلمة الرئيس السيد محمد مرسي اليوم الجمعة 23/11/2012  أمام مريديه من مجموعة الأخوان المسلمين، التي كان فيها من الوضوح ما يكفي للتدليل على ملامح الطريق التي سوف تسلكها مصر تحت القيادة الحالية للأخوان المسلمين، والتي هي أحدى ثمرات إعصار "الربيع العربي" الذي إجتاح المنطقة منذ عام، والذي ما زالت إرهاصاته تؤتي أكلها في بلدان أخرى..!؟


 أما صدى خطاب الرئيس المصري في نفوس وأسماع المصريين، فقد جسدته ردة الفعل الواسعة للشعب المصري، ممثلاً بقواه الوطنية والديمقراطية، على الخطاب المذكور، التي وجدت فيه نهجاً جديداً لتأسيس دكتاتورية مقننة وإستبداد من نوع جديد، وفي هذا على أقل تقدير، ما يسهل الإجابة على السؤال الذي تصدر المقالة أعلاه، والمصريون أنفسهم، كانوا السباقين الى معرفة آفاق مستقبل وطنهم الذي جسدته حشودهم الجماهيرية في ساحة التحرير اليوم..!!؟
باقر الفضلي 23/11/2012   
______________________________________________
(*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/11/121122_egypt_morsi.shtml
 
 

 


104

فلسطين : الأمانة العامة في " ربيعها العربي"..!؟

باقر الفضلي

لقد بات العدوان الهمجي، التي يقوده جيش الإحتلال الإسرائيلي ومنذ سبعة أيام، ضد الشعب الفلسطيني في غزة ، بات هذا العدوان، يوماً بعد يوم وساعة بعد أخرى، يكشف حقيقة مقاصد "الربيع العربي"، بنسخته "المحسنة"، ويفضح الأهداف والمرامي التي خطط من أجلها؛ ذلك الربيع الذي أصبح مقاداً ودون أدنى ريب، من قبل التحالف الأمريكي _ الغربي، وبالتعضيد التركي _ العربي الخليجي المفضوح...!؟


 فما أسفر عنه إجتماع الأمانة العامة للجامعة العربية الذي عقد في القاهرة في 17/11/2012 وحده كافياً ليعكس حقيقة هزالة الموقف المعلن لأقطاب تلك الأمانة من العدوان الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني في غزة؛ فمن الكفاية القول؛ أن ربابنة " الربيع العربي" الجديد، وحاملي لوائه وفي مقدمتهم السيد حمد الجاسم رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية، قد جسدوا ب "واقعيتهم المعهودة" ، حقيقة ذلك الموقف بصدق وأمانة؛ فجاءت ردود أفعالهم من العدوان الإسرائيلي الغاشم والمستمر على غزة حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، لا يخرج بعيداً عن حدود ما لخصه السيد حمد الجاسم نفسه في كلمته أمام إجتماع الأمانة العامة العربية المذكور، والذي إستخف فيه من قدرات البلدان العربية وشعوبها في مواجهتها للعدوان الإسرائيلي على غزة..!؟ (1)   


 فالصورة التي رسمها السيد رئيس وزراء قطر في ذلك الإجتماع، رغم ما إتسمت به من طابع السخرية والإستخفاف بقدرات وإمكانات الدول والشعوب العربية في مواجهة عدوان دولة إسرائيل؛ إن تلك الصورة من جانبها الآخر، وأمام ذلك العدوان الهمجي، قد جسدت حقيقة الإستسلام الذي عكسه موقف الأمانة العامة للجامعة العربية، والتخاذل والإنكفاء المخزي أمام طغيان وجبروت وغطرسة المحتل الإسرائيلي، في وقت جرى فيه تناسي إرادة شعوب تلك البلدان، ومنها الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري، في وقوفها الثابت وصمودها البطولي بوجه تلك الغطرسة والإحتلال العنصريين..!؟؟


من هنا يأتي ذلك الإنكفاء في موقف البعض من أمثال هؤلاء القادة، وجلهم من عرافي " الربيع العربي"، تعبيراً واضحاً عن مباديء وخطط الإستراتيجية العامة، المرسومة لمجمل منطقة الشرق الأوسط، وليس بمعزل عنها ما يتعلق بالقضية الفلسطينية؛ فالموقف الذي عكسه إجتماع أمانة الجامعة العربية من العدوان على غزة لا يخرج في محتواه بعيداً عن تلك الإستراتيجية المذكورة ومبادئها العامة، الأمر الذي يجد تفسيره في الموقف الأمريكي من ذلك  العدوان، والمتميز بمجل التحركات الأمريكية في المنطقة، والذي عبر عنه السيد أوباما والسيدة هيلاري كلينتون خير تعبير..!؟(2)


كما ويؤكده الموقف الأمريكي الرافض لتحرك الرئيس الفلسطيني الى الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29/11/2012 لطلب التصويت على قبول فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة، والذي يعلن الإنحياز الأمريكي التام الى الجانب الإسرائيلي ضد إرادة الشعب الفلسطيني، وهذا ما أكدته السيدة كلينتون اليوم في لقائها الرئيس محمود عباس، كما جاء في حديث عضو اللجنة التنفيذية الفلسطينية السيد صائب عريقات اليوم والذي جاء فيه: [[طلبت وزيرة الخارجية من الرئيس تأجيل هذا الموضوع وتغيير رأيه فيه، ولكن سيادته أكد لها أن قرارنا قد اتخذ، ونحن لا نسعى للمواجهة مع أميركا ولا مع أية دولة، ولكن نحن نمارس حقنا في وضع فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية في مكانها بين الدول والخارطة الجغرافية، وهذا سيتم في 29 من الشهر الجاري.]](3)


   إن وضوح الموقف الفلسطيني الذي عبر عنه موقف الرئيس الفلسطيني في لقائه مع السيدة كلينتون، ومثله وضوح الموقف الأمريكي المعاكس، الذي تجسد في نفس اللقاء؛ وحدهما كفيلان أن يرسما الصورة الواقعية لطبيعة الصراع المحتدم في المنطقة، ويكشفان من جانب آخر، جوهر موقف الأمانة العامة للجامعة العربية من هذا الصراع، وطبيعة موقفها المزدوج الذي يتخذه البعض من قادتها من القضايا العربية الساخنة، كالقضية الفلسطينية؛ آخذين بالإعتبار مسلسل مواقفها المفضوح من المسألة السورية، الدولة العضو في الجامعة العربية..!!؟


 فلا غرابة والحال أن يأتي موقفها من العدوان الإسرائيلي الغاشم والمستمر عل غزة الصامدة، منسجماً مع كامل مسلسل مواقفها الأخرى من القضايا العربية، وهذا ما حاولنا تجنب الإشارة اليه في معالجتنا السابقة للعدوان الإسرائيلي الهمجي المتواصل ضد الشعب الفلسطيني في غزة الصامدة، أملاً أن تهز معاناة أبناء غزة الصامدة ودماء الأطفال والنساء والشيوخ من ضحايا العدوان الغاشم، عقول وأحاسيس ومشاعر الوجدان العربي وهيئاته الرسمية المعلنة، قبل أن تكبلها قيود ومواثيق السياسات والخطط  المرسومة للمنطقة، والتي جميعها تصب في مصلحة الطغمة العنصرية الحاكمة في دولة إسرائيل ومن أجلها...!!؟(4)   
 باقر الفضلي 21/11/2012
______________________________________________ 
(1)http://www.youtube.com/watch?v=_cdxBLZVXWE
                                    (2) http://arabic.cnn.com/2012/middle_east/11/21/clinton.netanyahu/index.html
 (3)http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=103311
(4) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=332527


105

فلسطين _ غزة : شدي على الجرح..!
 

باقر الفضلي

شدي على الجُرحِ وإستَعصي على الألَمِ
يكفيكِ يا غَـزُ ما أدماكِ مِنْ حِـمَمِِ

يكفيكِ ما نَسَجَ الطاغُوتُ مِنْ فـِتَنٍ
وما تَمَّـدَدَ في الأحلامِ مِنْ وَهَـمِ

يا زَهرةَ العِـزِ والتأريخُ شاهِدُها
ما كُنتِ يَوماً أسيرَ الذُلِ والغِـمَمِ

شُدي على الجُرحِ فالأيامُ ماضيةٌ
وطَيفُ صَبرُكِ مَنْحوتٌ على الرُقُمِ(*)

شدي عليه كَوَسمِ الفَخرِ وإنتَفضي
فليسَ في نَفَحاتِ العِـزِ مِـنْ سَقَمِ

***

يا غَـزُ ما بَرَقَتْ في الكَونِ بارِقَةٌ
إلا وغَـزةُ في العَـلياءِ والقِـمَمِ

فيها يَرى الناسُ أمجاداً ومَفْخَرَةً
وتَرتَوي خلجاتُ النَفسِ مِـنْ ِنعَمِ

هذي فلسطينُ كالعَـنقاءِ مُذْ وُجِدَتْ
مِنْ يَومِها غَـزةٌ نارٌ على عَـلَمِ

كم حاولَ البَغيُ في غَدرٍ مُنازلَةً
فما أصابَ وظَلَّ الرأسُ في الهَرمِ

شدي على الجُرحِ يا رَمزاً نُعانِـقُهُ
ويا نشيداً سَما أعلى مِنَ السُدُمِ

***
***
***
باقر الفضلي 17/11/2012
______________________________________________ 
(*) الرُقُم: المدونات الآثارية الفخارية المكتشفة للحضارات السالفة في التأريخ.


 










 






 



106

فلسطين: "عمود الضباب" ، عدوان سافر..!؟

باقر الفضلي


1- أنه تم الإيعاز للجيش والشاباك بمواصلة العمل بحزم ضد البنى التحتية لـ"الإرهاب" في قطاع غزة التي تعمل ضد المواطنين في دولة إسرائيل وذلك من أجل تحسين الأوضاع الأمنية وتمكين مواطني دولة إسرائيل من العيش حياة عادية. إن هذا النشاط ليس موجها ضد المدنيين في قطاع غزة.


بهذه الكلمات التي تقطر سماً وتنضح عدواناً وغطرسةً متناهيتين؛ دبجت حكومة إسرائيل العنصرية، وطبقاً لما جاء على لسان سكرتيرها الصحفي بتأريخ 15/11/2012،  بيانها الصحفي الموجه الى جيش الإحتلال الإسرائيلي والشاباك "بمواصلة العمل بحزم ضد البنى التحتية لما أسمته "الإرهاب في قطاع غزة" التي تعمل ضد المواطنين في دولة إسرائيل على حد تعبيره."(1)


وليس الأمر بهذه الغرابة، ولا بالمفاجأة التي تقدم عليها حكومة إسرائيل العنصرية للمرة الأولى، ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، متجاوزة بذلك كل الأعراف الإنسانية، ولا أقول المواثيق والقوانين الدولية وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة؛ لأن " دولة إسرائيل" قد إنتهكت وإستباحت تلك المواثيق والشرائع الدولية مئات المرات، ومنذ أن ظهر وجودها على هذه البقعة من الأرض كدولة معترف بها من قبل الشرعية الدولية عام/1948، وهي ما إنفكت، تنتهك وتستبيح حقوق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، وتمارس عدوانها المتواصل والمستمر ضده كل يوم..!؟؟


نعم، إنه ليس من وجه للغرابة في كل ما تقدم عليه حكومة إسرائيل اليوم من عدوان صارخ على غزة ومواطنيها العزل، وبما تتذرع به من أجل "تحسين الأوضاع الأمنية لمواطني دواة إسرائيل"، فهو ليس العدوان الأول ولا الأخير؛ فما تقوم به إسرائيل اليوم لا يخرج عن كونه إرهاب منظم، وعدوان مدان طبقاً لكل الأعراف والشرائع الإنسانية..!؟


 أما المستغرب حقاً، فهو الصمت المطبق للمجتمع الدولي وبالخصوص الشرعية الدولية، ممثلةً بمجلس الأمن، وكأنها قد أعطت الضوء الأخضر لحكومة إسرائيل للمباشرة بعدوانها الجديد، ليأتي كل ذلك في وقت قد إنشغل فيه بعض الأشقاء العرب وجامعتهم العربية ب "ربيعهم العربي"، وهم يبذلون في سبيله كل غال ورخيص، من أجل أن تتحقق آمانيهم وأن تقبل صلواتهم وتستجاب دعواتهم، لتنال سوريا وشعبها الأبي، ما نالته شقيقاتها الأخر من مصير أرادوه وأسيادهم من وراء ذلك الربيع الخريفي المدمر، وهذا جل ما كانت تتمناه العنصرية الإسرائيلية الحاكمة، ليفسح لها في المجال بتصعيد عدوانها ضد الشعب الفلسطيني، وإجهاض أية محاولة لهذا الشعب في الوصول الى حقوقه المشروعة ومنها خطوته الأخيرة في الذهاب الى هيئة الأمم المتحدة، التي سيحملها الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس خلال الشهر الحالي..!!؟؟(2)


إن ما تدعيه حكومة إسرائيل العنصرية وما أطلقت عليه "عامود الضباب"، لا يمكن أن يكون إلا حلقة في مسلسل لعدوان متواصل ضد الشعب الفلسطيني، كما هي عملية "الرصاص المصبوب"، مقرون بمواصلة الإستيطان والتوسع فيه وتهويد القدس، ناهيك عن دوام الإحتلال، وجميعها تمثل وتشكل إنتهاكاً مستمراً لقرارات الأمم المتحدة بشأن المسألة الفلسطينية، وإمعاناً في التعدي على حقوق الشعوب، وإستخفافاً بالأمن والسلم في المنطقة..!؟


إن وحدة موقف الفصائل الوطنية الفلسطينية سواء في الضفة الغربية أو في غزة، من العدوان الإسرائيلي، ووحدتهم في الموقف من دعم وتأييد السلطة الفلسطينية في الذهاب الى الأمم المتحدة للمطالبة بالتصويت على إعتبار فلسطين دولة غير عضو في الأمم المتحدة، كما ودعم وتأييد أي حراك شعبي فلسطيني، لإنهاء الإنقسام وتفعيل النشاط الجماهيري الإيجابي في الوقوف بوجه العدوان، جميعها تمثل الرد الواقعي والموضوعي على إنتهاكات حكومة اسرائيل العنصرية، وإحدى وسائل الضغط على الشرعية الدولية، لإتخاذ الإجراءات الملائمة لوقف العدوان المسلح المتواصل على غزة..!(3)


وليس أقل من ذلك، أن تثبت جامعة الدول العربية ممثلة بأمانتها العامة، وأمينها العام، بأن الأمر يقع في صلب مهامها الأساسية التي تأسست من أجلها، وهي من المؤسسات الدولية المعترف بها من قبل الشرعية الدولية، بأن تلعب دورها من خلال الطلب من مجلس الأمن بإتخاذ القرار المناسب لإجبار الحكومة الإسرائيلية على الوقف الفوري للعدوان على غزة وإلزامها بتعويض الأضرار التي سببتها جراء ذلك العدوان..!!؟

باقر الفضلي 15/11/2012
_____________________________________________
(1)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=102291
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=326100
(3)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=257640

         


   







107
فلسطين: لا تُلجِـمْ السَـفنَ..!(*)

باقر الفضلي

لا تُلجِمْ السَـفْنَ ، لا تُلقي مَراسيها
إِنْ هَبَتْ الريحُ دارَتْ في مَجاريها

وإنشر شِراعَ التَصَدي في صَدارَتِها
وسابِق الريحَ إِنْ لاحتْ مَرامِيها

يا حازمٌ أمرَهُ عِـزاً ومقـدِرةً
مَنْ للقصائِدِ بَعدَ اليومِ يَرويها

دُرويشُ غادَرَها أمسٌ على عَجلٍ
وجَمرَةُ النارِ تَسري في مَعانِيها

زِدها ضِراماً وخُذْ مِنها شَواهِدَها
فالنارُ ما إضْطَرَمَتْ مِنْ دونِ مُذكيها


***

لا تُلجِمْ السَـفْنَ لا تُلقي مَراسيها
قَدْ حانَ وقتُ اللُـقا فأرفَع نَواصيها

وجَدِد العَهدَ لا بَعدَ الرَجا أمَـلٌ
فالعِزُ بالعِزِ والنَجْوى لِماضيها

وإشْهَرْ بيمناكَ والأيامُ حاكِمةٌ
فليسَ عِندكَ مِنْ أُخرى لِتُخْفيها

وأنْهَـلْ مِنَّ العَذبِ ما يَروي حَشاشَتَها
وصافِح الشَمسَ في عِـزٍ لتُرْضِيها

لا تُبطيءْ السَيرَ لا تُـلقي مَراسِيها
فالشَعبُ حارِسُها والعَزْمُ راعيها

زِدْها ضِراماً وخُذْ مِنها شَواهِدَها
فالنارُ تُوقَدُ حينَ الريحُ تُذكيها

***
***
***
باقر الفضلي 1/11/2012
_______________________________________________

(*) بمناسبة قرار منظمة التحرير الفلسطينية طلب التصويت على حصول الفلسطينيين على وضع دولة غير عضو في الامم المتحدة 
في شهر تشرين الثاني / 2012

108

العراق: "البرلمانية" وتاء التأنيث..!!؟

باقر الفضلي

[[ بدت مشكلة الكلمات التي لا تقبل التأنيث الا بتغير المعنى في اللغة العربية مشكلة تؤرق برلمانيات عراقيات, حيث دافعت بعضهن عن تاء التأنيث في كلمة "نائبة" رغم أنها تعني "مصيبة"، في حين عارضت اخرى اضافتها الى الكلمة بسبب تعارضها مع قواعد اللغة.]] صحيفة المسلة(*)


 إِنْ قُلتِ "نائبةٌ" فتلكَ " مصيبةٌ "
وإذا حَذِفْتِ التاءَ بانَتْ أعظَمُ

إنَ الحروفَ رَعاكِ ربُـكِ آلةٌ
لكنَّ في المَعنى يَسوسُكِ آدمُ

حواءُ لو تَدرينَ أنتِ رَهينةٌ
للطامِعينَ وأنتِ فيها المَغنَمُ

ظَنوا وما " بَخَسوا " فَهُنَ ثَلاثةٌ
فَكَسَبتِ أنتِ الثُلْثَ فيما يُقْسَمُ

ما كانَ ذاكَ السَهمُ فيهِ عَدالَةٌ
لكنَها التاءُ التي لا تَرحَمُ

***

نَسَجوا إليكِ الذُلَ وهو مَهانةٌ
وإستَرخَصوا فيكِ الحياةَ فأجرَموا

مَوؤدةٌ في الدارِ مِثلُكِ حُرةٌ
لا فَرقَ بينَ المَوتِ حينَ يُعَمَمُ

تَبغين نَيلَ الشَمسِ فيكِ مَهابةٌ
الشَمسُ أنتِ وليسَ غَيرُكِ أَفْهَمُ

كُوني شُعاعاً أنتِ فيهِ مَنارةٌ
نُعماكِ إمرأةٌ ووصفُكِ أكْرَمُ

يا (نائبٌ) للشَعبِ فيكِ جَدارةٌ
لا كلُ " تاءٍ" في الشَدائدِ بلسَمُ
***
***
***
باقر الفضلي 21/10/2012
______________________________________________
(*)http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/25356--------qq----.html

















109
سوريا: بين النخوة العربية والصولة التركية..!؟

باقر الفضلي

 طالعتنا صحيفة الشرق الأوسط السعودية في السابع من إكتوبر الجاري، وهي تحمل على صفحاتها مقالة الإعلامي السعودي المعروف الأستاذ عبد الرحمن الراشد الموسومة" تركيا بين الكلام والفعل"، وجرياً مع مسيرة الدول الخليجية المشهود لها بالنخوات العربية عند الملمات، مثل قطر والسعودية، ظهر الأستاذ الراشد في مقالته المذكورة، أشد حمية وأكثر تحرقاً وإستعجالاً لنصرة الشعب السوري وتخليصه من محنته الخانقة، التي فرضها عليه التحالف الأمريكي الغربي التركي، وبنخوة الدولتين الخليجيتين، فدفعته نخوته العربية الحميمية هو الآخر، الى الإستنجاد بالصولة التركية المشهود لها "العرفان بالجميل" للسيد أوردغان في مواقفه من القضايا العربية وفي مقدمتها؛ "نصرته لفك الحصار عن مدينة غزة الفلسطينية المحاصرة" المعروفة من خلال تداعياتها للجميع..!؟(1)


نعم.....؛ "إن لتركيا مع سوريا حدوداً مباشرة بخلاف السعودية ومصر"،  كما يقول الأستاذ الراشد "وبالتالي مصالحها أكبر في تغيير النظام بما يرضي غالبية الشعب السوري وبما يؤمن إستقرار المنطقة" على حد قوله، ولكن أمراً آخر ربما نسيه الأستاذ الراشد أو تناساه؛ بأن هناك شعبين جارين، منذ أن وجدا نفسيهما متجاورين على هذه الأرض، وإعتادا العيش بسلام وطمأنينة، باتت تربطهما الكثير من روابط الإحترام المتبادل وحسن الجوار، ومن العلاقات الإقتصادية والإجتماعية المشتركة لسنين خلت، فهل سيكون حقاً بمقدور الأستاذ الراشد أن يفسر عملية تغيير النظام في سوريا بما "يرضي غالبية الشعب السوري ويؤمن إستقرار المنطقة"، وهل هو حقاً يمتلك تلك العصا السحرية لتنفيذ هذا التغيير، إن لم يكن قد قصد بها السيد أوردوغان نفسه، وهذا ما تفضحه مدلولات المقالة بكل تفاصيلها ومضامينها التي لا تخفى على القاريء اللبيب، الذي يكفيه ما ينطوي عليه عنوان المقالة وحده من قصد ومعنى..!؟


 فما الذي يتوقعه المرء من وراء ما يأمله الأستاذ الراشد أن تفعله تركيا وعلى وجه السرعة، والذي من إجله يندفع من خلال تلميع صورة السيد أوردغان ودفعه بهذا الإتجاه، وذلك نيابة عن مصر والسعودية لعدم إمتلاكهما لحدود مشتركة مع سوريا، وكأن لسان حاله يقول : [[ نحن لها لو كانت لنا مثل تلك الحدود، فلا ينقصنا المال ولا الرجال.]]، ولكن يبدو وكأنه قد تناسى أو فاته بأن السيد أوردغان ليس في حاجة الى مثل هذا الدفع والإستنهاض، وكل هذا التلميع والتشجيع، مع ظني بأن الإستاذ الراشد لن يتناسى، ولكن وكما يبدو، لم يعد الوقت مناسباً بعد، للتغريد خارج السرب، فالظفر لا يخرج من اللحم، كما يقول المثل العربي،  أما السيد أوردغان فيكفيه كونه رأس رمح حلف الناتو في المنطقة، ولا يبدو بحاجة الى "نخوة عربية"، إن إقتضت "حاجة الحلف" لتلبية النداء..!؟

 
ولكن وبلغة المفهوم المعاكس، فإن ما يمكن إستخلاصه من كل ما إنطوت عليه المقالة، ومنها نخوة إستدراج الصولة التركية ضد سوريا، هو ما يفسره الفشل الذي حاق بخطط التحالف الأمريكي الغربي الخليجي التركي، في تحقيق مشروعهم الإستراتيجي، فيما هو معد من قبلهم الى سوريا حتى الآن، وفي إطار ما يدعونه  ب "الربيع العربي"؛  فليس غريباً والحال أن يكون التضليل الإعلامي أحد الوسائل الرئيسة في التغطية على مثل ذلك الفشل، وأن تنبري الماكنة الإعلامية والخليجية منها بالذات، الموضوعة في خدمة الهدف المرسوم ضد سوريا، الى طمس الحقيقة والتضليل عليها، حتى لو كان في ذلك تدمير سوريا، ليأتي بعده "الربيعُ المنشود" في النهاية؛ "ربيعاً" لأصحابه ولِمَنْ خططوا له  وصوروه، وأسهموا في تنفيذه..!!؟


إن كل ما يمكن قوله بهذا الشأن، هو التساؤل عن المصلحة التي ستجنيها الدولة التركية في حالة إندفاعها بإتجاه العمل على إسقاط النظام السوري، أوكما يفترضها ويتوقعها باليقين، الإستاذ الراشد وبصيغة الجمع والتحفيز:[[ إنما نحن نعرف إن مصلحة تركيا العليا أصبحت مرتبطة بسقوط النظام السوري..]]،   ليجد السيد أوردغان  نفسه في النهاية، متورطاً في أسوء الإحتمالات المعلنة ضد جاره التأريخي، الا وهي خيار الحرب المدمرة، التي لا تبقي ولا تذر، مدفوعاً بحافز، إن ما يحقق المصلحة العليا لتركيا ، هو ما  "يؤمن إستقرار المنطقة"، وكما تصوره المقالة، هذا في وقت لا يغيب فيه عن بال المرء، حقيقة كون التدخل التركي في الشأن السوري، بات أمراً مفضوحاً وفي طريقه للتصعيد يوماً بعد آخر، ولا يمكن التستر عليه..!؟(2)


ومع ذلك، يتسائل المرء، فيما إذا كان من المناسب وبدلاً من الإستنهاض والتحريض المبطن، الذي يلجأ اليه البعض، أن تجري دعوة الطرفين، الى إلتزام ضبط النفس وعدم اللجوء الى  التصعيد العسكري كما يحدث الآن، والوقوف مع دعوة  الأمم المتحدة ومجلس الأمن في التعامل مع الإحتكاك والإشتباك الحدودي بين البلدين الجارين بالهدوء وضبط النفس وعدم اللجوء للتصعيد العسكري؛ أوعلى أقل تقدير، الترويج لمبدأ الحوار بين الأطراف السورية المتصارعة، بما يعمل على لجم الدعاية والتحريض على الإقتتال، ويساعد في وقف نزيف دم الأبرياء، ويقطع الطريق على التدخل الأجنبي العسكري في الشأن السوري بما فيه التدخل التركي، فهذا وفي الغالب الأعم، سيكون أصدق ما يمكن أن تمثله (النخوة العربية) الحقيقية، إن حسنت النوايا، ويعكس من جانب آخر، الدعم الحقيقي للشعب السوري ومساندته في الخلاص من أزمته الحالية؛ أما دفع الجار ضد جاره، لما يمكن أن يجره ذلك الى ما لا تحمد عقباه على الطرفين، فوحده ما يشكل خروجاً على مباديء الشرعية الدولية والشرائع السماوية، ويمثل تهديداً غير مباشر للسلم والأمن الدوليين، مهما كانت الطرق والوسائل والذرائع التي يسلكها القارعون..!


ولكن وعلى العكس من ذلك، وكما يرى الأستاذ الراشد بأنه : [[ لا يزال هناك أمل كبير أن يكون لتركيا تحت حكم أوردغان دور كبير في سوريا، بإنقاذ الشعب السوري، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من إستعجال وحركة.]] ودعما لما يأمله ويتمناه الأستاذ الراشد يضيف مقتنعاً وواثقاً بأن: [[ تركيا أقوى عسكريا، من كل الدول العربية، ولها حدود مباشرة مع سوريا بخلاف السعودية ومصر، وبالتالي مصالحها أكبر في تغيير النظام بما يرضي غالبية الشعب السوري وبما يؤمن إستقرار المنطقة، ويحمي تركيا.]]، أما في الإطار العام للمقالة، كما وفي جوهرها، فإن الهدف من مناجاة السيد أوردغان، لا يكتفي أن تكون التصريحات التركية التهديدية لسوريا مجرد أقوال، بل أن تقرن بالفعل على الأرض، وبمعنى آخر،  فإن الكتاب يعرف من عنوانه..!!؟؟(3) 


ومع خلاصة ما يقال اليوم وما سبق أن قيل، فإنه: [[ رغم كل ما يدور في المشهد السوري من أحداث، بما فيها التي فرضت نتيجة التدخل الأجنبي والإقليمي، يظل الشأن السوري شأناً داخلياً في كل تفاصيله وجزئياته ومكوناته؛ وإن الشعب السوري بقواه الوطنية، وحده كفيل بإيجاد الحلول المناسبة للخروج من أزمته الحالية، رغم كل ما يحاك في الدهاليز المظلمة، والشوارع الخلفية من خطط وتكتيكات تهدف الى تقويض وحدته وتماسكه الوطني، الأمرالذي سبق وأن جرى تناوله في أكثر من مقال..!؟]](*)
7/10/2012
(1)  http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=698567&issueno=12367
(2)   http://arabic.cnn.com/2012/middle_east/10/10/turkey.syria_plane/index.html
                                        (3)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE8990B720121010
                                        (*)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


   

110

سوريا: حرب غير معلنة أم ثورة شعبية..؟؟! (*)

باقر الفضلي

إنه السؤال الذي إختلف في الإجابة عليه الكثير من رجال السياسة ومن رجال الصحافة والإعلام، وشاركهم الإختلاف العديد من نخب الكتاب والمثقفين، فإنقسم القوم بين فريقين، ولكل فريق أدلته وحججه وبراهينه، ناهيك عن مرجعياته الوطنية والإقليمية والدولية؛ أما ما يدورعلى سطح الواقع الميداني السوري وفي عمقه من أحداث وصراعات، فهو الآخر له منطقه وقوانينه الخاصة، في رسم الصورة الأقرب الى عكس حقيقة أسباب ودلالات ما يجري هناك، ناهيك عن أبعاده الإقليمية والدولية، وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات مستقبلية على جميع الأصعدة..!


فالسؤال في ذاته وفي شقيه، يمثل إشكالية معقدة ومركبة لواقع ما جرى ويجري في المشهد السوري اليوم، إذ أنه لم يك مجرد سؤال إفتراضي، أو مجرد عنوان لمقالة عارضة إقتضته ضرورة الحال؛ بقدر ما هو تكثيف لحالة مركبة معقدة، إختلطت فيها جميع الإجندات ومن مختلف الإتجاهات، وليس هذا وحسب، بل إستقطبت فيها في النهاية، مصالح خاصة لدول كبرى، يهمها تحقيق تلك المصالح، بأي الطرق والأثمان، ومهما كانت الآثار التي قد تترتب على ذلك بالنسبة لبلدان وشعوب المنطقة..!؟


ومن الجدير بالذكر هنا، الإشارة الى أن ما يميز جملة الأحداث التي غطت المشهد السوري منذ ما يزيد على عام ونصف من الزمن وما زال أوارها مستعراً حتى اليوم، هي حالة العنف والعنف المضاد المتشابكة بين الأطراف المتصارعة ضمن المشهد المذكور، وتداعياتها الكارثية التي في مقدمتها، ما يسقط من عشرات الضحايا من المواطنين الأبرياء يوميا، وما يرافق ذلك من تدمير وخراب للبنى التحتية للإقتصاد الوطني،  وللبنى الإجتماعية..!؟


إن واقع المشهد السوري اليوم، قد تجاوز في جميع مفرداته السياسية والإجتماعية، كل معالم الأزمة الداخلية، ليظهر في أبرز تجلياته الأكثر خطورة في أحداث الثالث من تشرين الأول 2012 على الحدود السورية التركية، حيث كان لردة الفعل التركية الإنفعالية، وما إستتبعها من مواقف سياسية وأمنية ذات طابع إستفزازي، من قبل حلف الناتو وأمريكا، خرج في كل مدياته عن منطق الحكمة والتعقل، التي ينبغي اللجوء اليهما في أوضاع قلقة وإستثنائية كالتي لا تزال تجري على بعد أمتار من الحدود التركية، ليتخذ شكلاً من أشكال التصعيد العسكري التركي على الحدود السورية، الذي يبطن في كل مضامينه ما يفهم منه الوصول الى خلق " الذريعة " المناسبة للوصول الى الهدف الذي يجري التحضير له منذ وقت طويل ومنذ بدء الحراك السلمي قبل أكثر من عام ونصف، وهو التدخل العسكري في سوريا، بما يحقق الأهداف المرسومة من وراء هذا التدخل، كل ذلك بعد أن فشلت جميع المحاولات التي حاولها التحالف الأمريكي الغربي الخليجي التركي، في جر الشرعية الدولية ممثلة بمجلس الأمن، الى مستنقع السيناريو الليبي المدمر، لتدمير سوريا من خلال هذا الطريق..!؟


وما إلإستغلال التركي لواقعة "القذيفة التائهة" التي أصابت أحد بيوت قرية تركية على الحدود مع سوريا، والتي نتج عنها عدد من الضحايا المدنيين الأتراك، والتعامل معها بطريقة مبالغة، وصلت حد إصدار قرار من مجلس النواب التركي يخول الجيش التركي إجتياح الأراضي السورية إن لزم الأمر وعند مقتضيات الحاجة والضرورة التي تقررها الحكومة؛ الأمر الذي لا يمكن  النظر اليه إلا من باب التهيئة للعدوان أوالتهديد به، والقفز على أحكام ميثاق الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن الدوليين وبالخصوص منها أحكام الفصل السادس من الميثاق الذي حدد الآليات الدولية للتعامل في مثل تلك الحالات، وفي حل النزاعات الدولية بالطرق السلمية ..!؟


كل هذا يأتي في وقت تتصاعد فيه ردود فعل بعض أطراف الصراع الدولية التي باتت لا تخفي تدخلها الفاضح بالشأن السوري، وبات صوتها المبحوح، يطغى على كل الأصوات الأخرى، بما فيها الأصوات الداخلية الوطنية، وأصبح وحده من يُسمع في الساحة السياسية الدولية، على الضد من محاولات الهيئة الدولية ممثلة بالأمم المتحدة، في بحثها عن حلول بعيدة عن العنف للأزمة السورية، كما ورد على لسان الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون أمام الجلسة الإفتتاحية للجمعية العامة في 25/9/2012 على سبيل المثال..!(1)
 

ومع ذلك، فليس من المغالاة القول بأن ما يجري في سوريا اليوم، لم يعد شأناً داخلياً حسب، بقدر ما إنه قد خرج من نطاقه الداخلي والمحلي، ليصبح شأناً دولياً تهم نتائجه وتداعياته، الأسرة الدولية والمجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة على وجه الخصوص، لما في إستمراره من مخاطر جدية على ديمومة الأمن والسلم الدوليين، ومن عواقب وتداعيات لا تحمد عقباها؛ ليس فقط على الشعب السوري حسب، بل على شعوب المنطقة بوجه عام. أما كيف جرى ذلك فلم يعد الأمر، بعد كل ما جرى ويجري الآن، في معرض الحاجة الى بيان..!!


وأخيرا، فإن الأوضاع في سوريا لا يمكن بإي حال من الأحوال، وفي خضم الأحداث العنفية المتواصلة منذ أكثر من عام ونصف، والتي تداخلت وتعددت أطرافها، وكثرت مرجعياتها الإقليمية والدولية، لا يمكن لها أن تخرج من نطاق ما تعنيه الحرب غير المعلنة على دولة عضو في الأمم المتحدة، وبالتالي يصبح من المسلم به، بل ومن الواجب أن تلعب الأمم المتحدة دورها الرئيس في تثبيت دعائم الأمن والسلم في المنطقة، وضمان سلامة وحرية الشعب السوري، والحفاظ على سيادة وإستقلال سوريا كدولة عضو في الأمم المتحدة، ولعل فيما توصلت اليه الأقطاب الدولية في مؤتمر جنيف من أسس ومباديء عامة للتوصل الى حل سلمي للأزمة السورية، ما ينبغي التعويل عليه كأساس موضوعي لدعم محاولة المبعوث الأممي السيد الأخضر الإبراهيمي لتحقيق الهدف المذكور..! 
5/10/2012     
(*)   http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189
(1) http://www.unmultimedia.org/arabic/radio/archives/83718/     

   




111
فلسطين: تراجيديا تتواصل وأمل يتكرر..!

باقر الفضلي


لا أظن بعد الخطاب المهم الذي تفضل بإلقائه الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس يوم الخميس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في إنعقاد دورتها الحالية في نيويورك، ما يدفع للتشكك في وضوح الموقف الفلسطيني وثباته من الخيارات السلمية المبدئية لحل إشكالية النزاع الفلسطيني _ الإسرائيلي، التي أقرتها الشرعية الدولية في جميع قراراتها الدولية، منذ أن عرف المجتمع الدولي القضية الفلسطينية قبل أربع وستين عاما..!


فأكثر ما جاء في فحوى الخطاب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السيد محمود عباس، لا يخرج في جوهره عن مضامين تلك القرارات الدولية وفي إطارها العام، بل وفي إعتداله وتوازنه وواقعيته، ما فاق حتى خطب وتصريحات غير قليل من مندوبي بعض الدول وممثلي بعض المنظمات الدولية فيما يتعلق بشأن النزاع المذكور؛ ولعل ما قوبل به الخطاب من حملات التصفيق والإستحسان من قبل غالبية مندوبي الدول الأعضاء ما يعكس حقيقة ذلك الإعتدال والواقعية..!


إن الصورة الصادقة لواقع الحال الذي يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم في ظل الإحتلال والإستيطان العنصري الإسرائيلي، قد وجدت تجسيدها الحقيقي والمعبر في مضمون خطاب الرئيس الفلسطيني، الذي رسم صورة  [تراجيدية] متكاملة في خطوطها العامة وفي تفاصيلها اليومية، لحقيقة [ معاناة ] الشعب الفلسطيني، بدءً من إعتداءات المليشيات الإرهابية للمستوطنين الإسرائيلين، وإنتهاءً بتأجيج نار الطائفية من خلال:
 (( إطار خطاب سياسي إسرائيلي لا يتردد في إبراز المواقف العدوانية المتطرفة، خطاب يقود في كثير من جوانبه وفي تطبيقاته العملية على الأرض إلى مهاوي الصراع الديني، وهو ما نرفضه بحزم انطلاقا من مبادئنا وقناعاتنا، ولإدراكنا لما يعنيه من إذكاء للنار في منطقة بالغة الحساسية ومليئة بنقاط التفجر الساخنة، ولما يقدمه من وقود للمتطرفين من مختلف الجهات خاصة أولئك الذين يحاولون استخدام الأديان السماوية السمحة كمبرر أيديولوجي لإرهابهم.))(*)


لقد أثبت الموقف الفلسطيني الشرعي، ومن فحوى مضامين خطاب الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27/9/2012، بأنه موقف يتسم بالصلابة والرصانة المبدئية في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني الثابته، وفي مقدمتها إقامة دولته الوطنية المدنية الديمقراطية الحرة والمستقلة، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية في حل الدولتين، وفي إطار تحقيق السلم والأمن الدوليين في المنطقة، والتي أوجزها الرئيس الفلسطيني في خطابه المذكور بالقول:
((  رغم كل ما نشعر به من غضب نؤكد باسم منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وبدون تردد، أننا متمسكون بهدف السلام وبالشرعية الدولية ومواثيقها وقراراتها قدر تمسكنا بحقوقنا الوطنية الثابتة، ومتمسكون بنبذ العنف ورفض الإرهاب بجميع أشكاله وخاصة إرهاب الدولة ،  ورغم ما نشعر به من خيبة أمل نواصل مد أيادينا صادقين إلى الشعب الإسرائيلي من أجل صنع السلام، فنحن ندرك أنه وفي نهاية المطاف لا بد أن يعيش ويتعايش الشعبان كل في دولته فوق الأرض المقدسة، وندرك أن التقدم نحو صنع السلام يتم عبر المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل. )) ( المصدر السابق)


ولسنا هنا بصدد البحث في كل جزئيات خطاب السيد رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية، السيد محمود عباس، بقدر ما نقول بأن الخطاب قد أغلق كل المنافذ أمام جميع المتصيدين في المياه العكرة، ومن المتشككين وفاقدي الأمل بقدرة الشعب الفلسطيني وتصميمه الثابت في نيل حقوقه كاملة كما رسمها الخطاب في تفاصيله المتعددة، هذا في نفس الوقت الذي أغلق فيه الخطاب، الطريق أمام كل محاولات حكومة دولة إسرائيل العنصرية، في سعيها الدائم لعرقلة تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومواصلة السير في طريق إهدار حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، والجعل من الإستيطان العنصري الإسرائيلي والإحتلال، وكأنه حقيقة لا بد منها، في ظل صمت المجتمع الدولي..!؟


لقد حان الوقت، أن يخرج المجتمع الدولي من صمته الدهري، وأن يأخذ بالحسبان دلالات الخطاب الفلسطيني الرئاسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في كل مضامينه، والذي أقل ما يمكن أن يقال بصدده؛ انه وبمالا يقبل الشك؛ قد تمكن من إثبات فشل (المجتمع الدولي) ممثلاً بالشرعية الدولية (الجمعية العامة ومجلس الأمن)، وإخفاقه في تكريس العدالة طبقاً لقرارت تلك الشرعية، ومنها الإعتراف بحق الشعب الفلسطيني في إقرار حقوقه كاملة، وفي مقدمتها الإعتراف بكامل عضوية الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، ناهيك عن كافة حقوقه الأخرى التي جسدتها وثائق منظمة التحرير الفلسطينية والمثبتة في قرارات ووثائق الأمم المتحدة منذ عام 1948 وحتى اليوم..!
28/9/2012
_____________________________________________________   
 (*)   http://www.amad.ps/arabic/?Action=Details&ID=97582

112

فلسطين: إنهضْ بحملِكَ...!(*)

باقر الفضلي

إنهَضْ بحِملِكَ لا رَجعٌ ولا وَجلُ
وإنعِمْ بشَعبٍ إذا ضاقَتْ بهِ السُبلُ

أمامَكَ البَحرُ لا يُـثنيكَ هادِرهُ قَحماً
فليسَ في الظلِ ما يُرجى ويُؤتَملُ

خُضها كما خاضَها مِنْ قَبلُ طارِقُها
وإستَسهِلْ الصَعبَ لمَّا الصَعبُ يُـفتَعلُ

جَرى فيكَ عَهدُ الصَحبِ مُذْ بَزَغَتْ
طَلائعُ الفَجرِ في إشراقِها الأَملُ

سارتْ ولا أفَـلَتْ يَوماً ولا نَكَثَتْ
عَهداً؛ وخَيرُ عُهودِ الصَحبِ ما يَصِلُ

***

ستونَ والعَهدُ قد صانتهُ في شَرَفٍ
عَهدُ الأحبةِ في مَسراهُ يَنصقلُ

قُلها فَقدْ حانَ وقْتُ الجَهرِ وإفتُضِحَتْ
مَسالِكُ البَعضِ؛ خَدّاعٌ ومُـنتَحِلُ

ألقِ عَصاكَ ستلقى شَرَّ ما صنَعوا
الغَدرُ شيمتُهُمْ والمَينُ والدَجلُ(**)

يَرموكَ بالكذبِ رَميَّ العاهراتِ لِمَنْ
أشاحَ بالصدقِ عمَّا قيلَ أو صقَـلوا

فكنْ لها يا بْنَّ كنعانٍ فَقَد نَضَجَتْ
حقاً دَعَوتْ، وكِذباً صاغَهُ الثَمِلُ
***
***
***
باقر الفضلي/16/9/2012
__________________________________________________________________________
(*)  بمناسبة القرار الفلسطيني التوجه الى الجمعية العامة للأمم المتحدة
                                                             (**) المَين : الكذب













 




































113
مؤتمر حركة عدم الإنحياز: دلالات ومؤشرات..!

باقر الفضلي

في هذا الظرف السياسي الدولي المأزوم، إستجابت مائة وعشرون دولة من مختلف قارات العالم،  للدعوة التي وجهتها الجمهورية الإيرانية الإسلامية لعقد الدورة السادسة عشر لحركة عدم الإنحياز التي جرت في طهران للفترة من 30_31 / آب ؛ وهذا بحد ذاته يعتبر مؤشراً ذا دلالة عن إدراك بعض تلك الدول الى أهمية إلتقائها في هذا الوقت العصيب الذي يواجه العالم اليوم، وبعضها الآخر من وجد فيه، فرصة لمحاولة تمرير مواقف محددة بعيدة كل البعد عن كل ما يمت الى مباديء الحركة في الحياد وعدم الأنحياز من صلة تذكر..!


 لقد أعاد ذلك الإنعقاد للذاكرة، ظروف تأسيس الحركة قبل ما يزيد عن نصف قرن من الزمن، يوم كان توازن القوى على الصعيد الدولي رهن قطبي الصراع في العالم، حيث تداعيات الحرب الباردة، أما اليوم، وبعد التغييرات السياسية الكبيرة التي إجتاحت العالم، وفي مقدمتها إنحلال الإتحاد السوفييتي، فقد ظهر على السطح السياسي الدولي دور القطب الواحد، المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي أصبح تأثيره على صعيد الأحداث السياسية العالمية أكثر حسماً وشمولية..!


فما يدعى ب "الربيع العربي"، مع مجمل أحداث منطقة الشرق الأوسط منذ العام 2003 حيث الغزو الأمريكي للعراق، وإنتهاءً بما يدور اليوم من "إشتباك مسلح" في الساحة السورية، قد إُرتهنت أغلبُها، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمخططات حراك ونشاط أمريكا وحلفائها في الناتو، وتوابعها في الخليج والجزيرة العربية، سواء من خلال الفعل المباشر كما في العراق وليبيا، أو عن طريق تقديم وتسهيل الدعم اللوجستي بالمال والسلاح والأشخاص وتجنيد الإعلام، الأمر الذي كان له الأثر الأكبر في تحفيز ما يقرب من ثلثي دول العالم من إعضاء حركة عدم الإنحياز  للإستجابة لدعوة طهران وحضور المؤتمر، كرد فعل لذلك النشاط، وتوجس حذر وخيفة من تكرار خرق ميثاق الأمم المتحدة ومباديء عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، من قبل نفس أطراف النشاط المذكور، كما حدث في السابق..!


هذا في نفس الوقت الذي لا يمكن فيه، أن يتجاهل المرء ما تتعرض له دولة إيران من تهديدات متواصلة من قبل دولة إسرائيل ومن ورائها أمريكا، بمهاجمة المفاعلات النووية الإيرانية، متناسية كونها من الدول النووية التي تمتلك أسلحة نووية، والتي لم توقع على معاهدة حضر إنتشار السلاح النووي ( Nuclear Non-Proliferation Treaty)، ووجودها في المنطقة وحده كاف، أن يشكل تهديداً نووياً لشعوب المنطقة في أي وقت كان؛ ومن هنا لا غرابة أن تكون الجمهورية الإيرانية أكثر تحمساً من غيرها في الدعوة لعقد مؤتمر حركة عدم الإنحياز، خاصة وأنها ما أنفكت تكرر بأن هدفها الرئيس من تخصيب اليورانيوم هو للأغراض السلمية..!


أما ما يدور على الساحة السورية، فليس أقل أهمية من حيث المبدأ، كون  سوريا هي أحدى دول حركة عدم الإنحياز ومن المؤسسين لها، ومن جهة ثانية، فإنها نفسها تعاني من أزمة داخلية عميقة منذ أكثر من عام ونصف، ويصبح من الأجدر بمنظمة دولية مثل ( حركة عدم الإنحياز)، أن تلعب دوراً أكثر موضوعية في إيجاد الحلول المناسبة لخروج سوريا من أزمتها الحالية، بالطرق السلمية والسياسية، وفي مقدمتها الحوار بين أطراف النزاع، وقطع كل الطرق على التدخل الأجنبي بما فيه الدعم اللوجستي بالأسلحة والمرتزقة، ومناشدة تلك الدول من أعضاء الحركة، أو غيرهم، ممن يجد نفسه متورطاً في التدخل بالشأن السوري بأي شكل من أشكاله، الكف عن هذا النوع من التدخل ولأي سبب من الأسباب، والتعاون من أجل الوصول الى الحلول السلمية للأزمة؛ ومن هنا جاءت الإستجابة لدعوة طهران، عاملاً إيجابياً يصب في نفس الإتجاه..!


ومن الدلالات الأكثر أهمية على إيجابية الدعوة الى إنعقاد المؤتمر في هذا الظرف الصعب، هي ما إنتهت اليه أعمال المؤتمر من نتائج مثمرة تمثلت في البيان الختامي للمؤتمر الذي حضي بإجماع المندوبين وما قدمت فيه من مبادرات حيوية لحل الأزمة السورية وفي مقدمتها المبادرة العراقية التي حضيت هي الأخرى، بقبول المؤتمر ودولة سوريا، رغم بعض المحاولات التي حاولت تعكير مسار المؤتمر..!(*)
2/9/2012
___________________________________________________
(*)  http://www.alalam.ir/news/1279494


     



   





 





114
العراق: إشكالية المحكمة الإتحادية العليا..!

باقر الفضلي

المادة (92):
اولاً :ـ المحكمة الاتحادية العليا هيئةٌ قضائيةٌ مستقلة مالياً وإدارياً.
ثانياً :ـ تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الاسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب.


تعتبر إشكالية  المحكمة الإتحادية العليا واحدة من جملة الإشكاليات الأخرى التي يزدحم بها الدستور العراقي النافذ لعام/2005، والتي يحتدم حولها الجدل بين القوى السياسية العراقية دون توقف، الأمر الذي ينعكس في أغلب الأوقات في أزمة خانقة بين تلك الكتل السياسية، لدرجة تتناسى فيه أمر الدستور، وتذهب تفتش عن حلول للخروج من الأزمات التي تجد نفسها قد وقعت في شباكها، الى البحث في دهاليز التوافقات التي تؤمن لها، وفي الحدود الدنيا، الحفاظ على مصالحها الخاصة، حتى لو تعارضت تلك التوافقات مع المباديء التي قد رسمها الدستور، والتي سبق وأن أقرتها عند كتابتها لهذا الدستور..!!؟


وليس من باب المبالغة القول؛ بأن جذر أغلب الإشكاليات التي تقف وراء تلك الأزمات، يرجع في أسبابه الى الدستور نفسه، سواء من جهة الصياغة، أو من جهة المضمون، أو حتى من جهة القصد؛ وما إشكالية المحكمة الإتحادية العليا، إستثناء من ذلك..!


فنص المادة / 92 من الدستور في تركيبتها الثنائية والمتعلقة بتعريف المحكمة وبنائها الهيكلي، تتعارض من حيث الجوهر مع نفسها، بحيث يبدو وكأن المشرع كان يستهدف تحقيق حالة من الإنسجام مع نص المادة (2) من الدستور، فأثقل النص بما يتعارض مع مضمون الفقرة ( أولا ) من المادة (92) المتعلقة بتعريف (المحكمة الإتحادية العليا)، مما خلق جذر إشكالية الإختلاف في تفسير النص عند محاولة تشريع القانون الخاص بالمحكمة في مجلس النواب، وهذا ما يتعلق بما ورد في نص الفقرة ( ثانياً) من المادة/ 92 آنفة الذكر..!   


لقد حددت الفقرة (أولاً) من المادة / 92 ماهية (المحكمة الإتحادية العليا)، بإعتبارها [ هيئة قضائية مستقلة مالياً وإدارياً ]، فكونها (هيئة قضائية) حصراً (محكمة)، فمن المسلم به أن أعضاء هذه الهيئة هم من (القضاة)، وبالتالي فإن حق التصويت على قرارات (المحكمة) سيكون هو الآخر منوط بأعضاء المحكمة من القضاة حصراً طبقاً للنص المذكور، وأي تفسير آخر يعطي  لغيرهم من خبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء في القانون، من المذكورين في نص الفقرة ( ثانياً ) من المادة / 92 نفس الحق المذكور، على أساس أنهم أيضاً وطبقاً لنص الفقرة (ثانياً)، أعضاء في نفس الهيئة، ولهم ما لغيرهم من القضاة من الحقوق، وبالتالي يمكنهم من ممارسة حق (الإعتراض) أو (الفيتو) لأي من القرارات التي تتخذها الهيئة، وذلك طبقاً للأساس المذكور، ليبدو الأمر وكأنه من الناحية الشكلية  يبدو منسجماً مع منطوق الفقرة (ثانياً) من المادة الدستورية أعلاه،  ولكنه في الحقيقة ومن حيث المضمون ومجاراة مع قصد المشرع في تعريفه (المحكمة) بأنها (هيئة قضائية) كما جاء في الفقرة (أولاً)، سوف يجد المرء نفسه وقد وقع في إشكالية التعارض بين مقتضى النص الدستوري في الفقرتين أولاً وثانياً من المادة/ 92 من الدستور، فلا تظهر (المحكمة) كهيئة قضائية طبقاً للفقه القضائي والقانوني، ولا هي هيئة إستشارية أو مجلس رقابي بالمفهوم العام، وتبدو إجمالاً وطبقاً لنص الفقرتين ( أولاً وثانياً ) من المادة/92 ، وكأنها خليط غير متجانس لأفكار متعارضة، تجد جذورها في الديباجة، وفي نص المادة/2 من الباب الأول من الدستور، ومن هنا جاءت إشكالية قانون المحكمة الإتحادية العليا المزمع النظر في أمر تشريعه أمام البرلمان، والذي وكما يرى بعض المتخصصين من رجال القضاء والقانون، أن يجر ذلك الى جدل واسع وتعارض في الأفكار والإجتهادات عند التطبيق..!؟(*)


فالفقرة/ ثانياً من المادة الدستورية آنفة الذكر ، قد جاءت إنعكاساً لحالة التوازن الهش والصراع بين ما يفترض أن تهدف له "العملية السياسية" من  عملية التغيير بإتجاه بناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وبين ما تحاول تثبيته قوى التخلف والتشبث بالقديم؛ وهي في جوهرها لا تخرج بعيداً عن النهج التوافقي الذي كتبت به أغلب النصوص الخلافية في دستور/ 2005 لإقراره والتصويت عليه على وجه السرعة..!؟


هذا وفي نفس الوقت، هناك من يرى من رجال السياسة والبرلمان ، [[ان المحكمة الاتحادية الحالية مسيسة وتعمل بشكل مفضوح على خدمة الحكومة من خلال فرض امور معينة على مجلس النواب في كل مرة.
وطالب النائب الملا خلال مؤتمر صحفي عقده، اليوم الثلاثاء في بغداد، اعضاء البرلمان الى الاسراع بتشريع قانون المحكمة الاتحادية الجديدة للتخلص من المحكمة الحالية باسرع وقت ممكن.]](**)   

خلاصة الأمر؛ فإن إشكالية المحكمة الإتحادية العليا، ستظل أحدى مظاهر الصراع المحتدم أواره بين الكتل السياسية المتحكمة بمفاصل "العملية السياسية، فبدلاً من أن تكون تلك المحكمة عاملاً في حل النزاعات بين تلك القوى، تراها تتحول الى جزء من المشكلة، بعد أن أصبح الركون اليها من قبل تلك الكتل ضرورة ملحة للإحتكام فيما بينها في إيجاد الحلول المناسبة لإخراجها من خندق الأزمات المتواصلة دون إنقطاع، فهل ياترى سيجد مجلس النواب مفتاح الحل المناسب لمثل تلك الإشكاليات، وتجنيب البلاد مخاطر تلك الأزمات..؟!!
29/8/2012 
(*)  http://www.iraqja.iq/view.1568/
(**)  http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/23070-2012-08-29-10-22-35.html



         

   
 




115
فلسطين: ما الذي يخشاه ليبرمان..؟!
 
باقر الفضلي

لمرتين وخلال أيام معدودات، شن السيد أفيغدور ليبرمان، وزير خارجية دولة إسرائيل، هجوماً مكثفاً ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقد بلغ به الامر،  حد الطلب الى حكومته بنزع الشرعية عن الرئيس الفلسطيني وعدم اعتباره شريكاً شرعياً في عملية السلام، في حالة توجهه الى الأمم المتحدة في أيلول القادم..!(1)


فما الذي يخشاه السيد ليبرمان من وراء توجه الرئيس الفلسطيني الى هيئة الأمم المتحدة، بعد أن باءت بالفشل، جميع المحاولات التي بذلها الطرف الفلسطيني ممثلاً بالسلطة التنفيذية برئاسة السيد محمود عباس، من أجل إنجاح المباحثات المباشرة مع دولة إسرائيل، رغم كل العراقيل التي وضعها إعداء تحقيق السلام على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، لينتهي الأمر أخيراً الى طريق مسدود، بعد أن عملت حكومة السيد نتنياهو كل ما في وسعها، من أجل أن لا ترى مثل تلك المحادثات أي نصيب من النجاح..!؟(*)


فهل ياترى هنالك من طريق آخر يمكن للسلطة الفلسطينية ولوجه من أجل تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، أكثر مشروعية وأضمن سلاماً من طريق الشرعية الدولية، ممثلة بالجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي تدرك جيداً ومن خلال التجربة العملية، وعلى مدى أكثر من ستين عاماً من النضال المتواصل، عدم تجاوب حكومات دولة إسرائيل بشكل عام والمتطرفة منها على وجه الخصوص مع هذا الطريق، ولا نستثني من ذلك حكومة السيد نتنياهو ووزير خارجيته السيد ليبرمان، ويكفيها دليلاً على ذلك، ما تزاوله تلك الحكومات من سياسات تهويد القدس ومحاولاتها غير المنتهية لإخلاء المدينة من سكانها من الفلسطينيين، وخططها غير المنقطعة في إقامة المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية، وكل ذلك بالضد من قرارات الشرعية الدولية، وبدعم من قبل حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ما إنفكت نظرياً من تكرار مقولتها بضرورة التوصل الى حل الدولتين، وذلك من خلال المفاوظات المباشرة بين الطرفين ولكن.. وفي جميع الأحوال بشروط دولة إسرائيل..فيا للغرابة..!؟؟

فليس من الغرابة بمكان أن ينبري السيد ليبرمان شاهراً سلاح الهجوم على الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، داعياً للإطاحة به من خلال إجراء إنتتخابات مبكرة، "حرصاً" منه على عملية السلام، التي ما فتأ السيد أفيغدور ليبرمان يبحث لها عن شريك مناسب في الطرف الفلسطيني، الأمر الذي لم يعد خفياً حتى على الساسة الإسرائيليين ..!؟؟(2)

ولم يعد خافياً على أي متتبع أو مراقب للمسألة الفلسطينية من لمس حقيقة النوايا التي يبطنها السيد ليبرمان من وراء ذلك الهجوم، والأهداف التي يتوخاها من كل ذلك، كما وليس عصياً على الفهم إداراك مخاوف السيد ليبرمان من توجه السيد محمود عباس الى الأمم المتحدة ومطالبته الأعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967 م ؛ فأقل ما يهدف اليه السيد ليبرمان، هو المحافظة على إبقاء الواقع الراهن للقضية الفلسطينية على حاله؛ بما فيه حالة الإنقسام الوطني وتجزئة التراب الفلسطيني، وكل ما يحقق أهداف الحكومة الشوفينية الإسرائيلية القريبة منها والبعيدة، أما الثوابت الفلسطينية، وكما عبر عنها الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس بصدق، فستظل شاخصة للعيان وبإصرار، طالما ظلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة متمسكة بمواقفها الشوفينية المتطرفة، وسادرة في سياستها العنصرية حيثما تتسلط الأحزاب اليمينية المتطرفة دفة تلك الحكومات..!؟(3)     
27/8/2012
__________________________________________________
(*)
                                  E:\مقالاتي\باقر الفضلي  _ الملف الفلسطيني.docx
   
(1)    http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=96443
(2)      http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=96534
(3)      http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=96455


116


سوريا: سيناريو قديم جديد..!؟

 
باقر الفضلي

لم يعد سيناريو التدخل العسكري (الأمريكي  _ الغربي)، المدعوم خليجياً ومن بعض أطراف الجامعة العربية، مجرد وهم أو فرضية إحتمالية لما ينضح من تطور الأوضاع داخل سوريا، بقدر ما أصبح ذلك التدخل، مع تواصل مسيرة تلك الأوضاع، والدفع بتصعيدها بإضفاء صفات ومسميات جديدة عليها، ونعتها على سبيل المثال، ب "الحرب الأهلية"، من قبل نفس الجهات ذات المصلحة في هذا التدخل، أصبح هذا التدخل اليوم، أكثر إحتمالية، بل وأكثر واقعية منه الى الإفتراض أو الخيال..!؟


 فلم يعد الأمر مجرد تكهنات أو مجرد تصريحات أو رغبات تنطلق من هنا أو هناك، بل تعدى التلويح بهذا التدخل كل تلك الحدود، لينطلق مباشرة ودون حاجة لتأويل أوتفسير، من قبل رئيس أكبر دولة عضو في الأمم المتحدة، والتي لها من القدرة وتحمل المسؤلية ما لا يقارن مع غيرها من الدول الأخرى؛ فالولايات المتحدة المريكية، وهي أحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن،  وبما مناط بها من مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين، لم تبد إهتماماً  لما ألزمت نفسها به من ضرورة إحترام بنود ميثاق الأمم المتحدة بشأن الحفاظ عل الأمن والسلم الدوليين، وفي مقدمتها مبدأ عدم التدخل بشؤون الدول الداخلية، أو التلويح والتهديد بالعدوان والتدخل العسكري وما شابه..!؟


فالتصريحات الأخيرة لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية السيد باراك أوباما بخصوص الشأن السوري، قد إختصرت كل ما سبقها من تصريحات واقوال السادة من المسؤولين العسكريين والسياسيين الأمريكيين بهذا الشأن، لتأتي أكثر وضوحاُ، وأكثر قطعية في القصد والنوايا، ولتقطع الشك باليقين، لكل من يساوره شك حول نوايا الولايات المتحدة الأمريكية بشأن سوريا، فيما رسمته لها من خطط وخرائط طريق، لا يشم منها غير دخان الحرائق، ولا يرى فيها غير ركام الدمار والخراب، ولا يستذكر منها غير مآسي ما حل بشعبي العراق وليبيا  منذ عهد قريب..!!؟


فما جاء في تصريح السيد أوباما في الثلاثاء المنصرم، لا يحمل في طياته من جديد بالنسبة لجملة التحذيرات والتهديدات المكالة ضد دولة سوريا، ولا يختلف في مضمونه وأهدافه كثيراً عن ما خططت له أمريكا من سياسات وما أنجزته دوائرها الإستخباراتية والأمنية من سيناريوهات لتنفيذ تلك الخطط بما ينسجم وأهدافها المبيتة للمنطقة..!؟


لقد حاكى السيد أوباما في ذلك التصريح سلفه السيد جورج بوش الأبن، الذي إجترح مقولة أسلحة الإبادة الجماعية، كمدخل وذريعة للتدخل العسكري وغزو العراق عام 2003، وها هو الآن السيد أوباما ينهج نفس الطريق ويمسك بتلابيب مقولة سلفه السيد بوش الأبن، وتحت عنوان "الأسلحة الكيمياوية" جاعلاً منها " خطاً أحمر "؛ الويل لمن يتجاوزه أو ينتهك علاماته، أو كما أضاف في كلمته[[ بأنه لم يأمر "في هذه المرحلة" بتدخل عسكري أمريكي في سوريا، إلا أنه أشار إلى وضع إدارته لخطط طوارئ جاهزة..]]!!؟؟ (*)



   فالتلميح ب "التدخل العسكري" من خلال "خطط طواريء"، والجهر به بهذا الوضوح والصراحة والعلانية، ضد دولة مستقلة وعضو في هيئة الأم المتحدة، ولها ما لأمريكا وسائر الدول أعضاء الأمم المتحدة من حقوق وما عليها من إلتزامات، لا يمكن أن يشكل مثل هذا التلويح والتهديد بالتدخل، غير تجاوز على إستقلال سوريا كدولة، وتهديد بالعدوان على إستقلالها، بكل ما يشكله ذلك من تهديد صارخ لسلامة وأمن مواطنيها، وما  سيجره في حالة تنفيذه من دمار وخراب لا تعرف حدودهما على كل ما يمت بصلة لسوريا كدولة، من زرع وضرع ومؤسسات إقتصادية وإجتماعية وتراثية، في نفس الوقت الذي يمثل فيه، تجاوزاً وخرقاً من قبل دولة كبرى للشرائع الدولية وفي مقدمتها بنود ميثاق الأمم المتحدة..!؟


 فليس هناك على الكرة الأرضية من شعب مهما بلغت قطيعته مع النظام الحاكم، أن يرتضي مذلة التدخل الأجنبي، أو أن يستبدل إستبداداً بغيره، فكيف به وهو يرى بأم عينه، ما سوف يجره عليه مثل ذلك التدخل من ويلات وآلام ومعاناة؛ فلا الشعب السوري النبيل ولا حتى الشعوب التي خبرت محنة التدخل العسكري والإحتلال رغماً عنها، أن تذعن وبإرادتها وتحت مختلف الحجج والذرائع، الى ما ترسمه لها خطط "التدخل العسكري" والهيمنة الأجنبية..!!؟


فرغم كل ما يدور في المشهد السوري من أحداث بما فيها التي فرضت نتيجة التدخل الأجنبي والإقليمي، يظل الشأن السوري شأناً داخلياً في كل تفاصيله وجزئياته ومكوناته، والشعب السوري بقواه الوطنية، وحده كفيل بإيجاد الحلول المناسبة للخروج من أزمته الحالية، رغم كل ما يحاك في الدهاليز المظلمة، والشوارع الخلفية من خطط وتكتيكات تهدف الى تقويض وحدته وتماسكه الوطني، الأمرالذي سبق وأن جرى تناوله في أكثر من مقال..!؟(*) 
  23/8/2012     
_________________________________________________________________________
(*)   http://arabic.cnn.com/2012/syria.2011/8/20/obama.chemical.biological.weapons.syria.red.line/index.html
(*)   http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189



   





117
سوريا: تحت أي عنوان...؟!!

باقر الفضلي

عندما يختلط الحابل بالنابل، وحين تضيع المقاييس بين الإزدواجية والتزييف، ويوم يصعب التفريق ما بين الخيط الأبيض والأسود؛ يومذاك يتعذر معه على المراقب أن يتلمس ملامح الصورة الحقيقية للمشهد المنظور، أو أن يسعى كما يسعى "الآخرون" في البحث عن " ملاذ آمن "، فيخلد للصمت عندما يصبح الصمت في معرض الحاجة الى بيان..!!


وهكذا هو الحال بالنسبة للمشهد السوري في كل جوانبه ومن كل زواياه؛ فمنذ ما يقرب من سبعة عشر شهراً باتت صورة ذلك المشهد،  تبدو أكثر قتامة يوماً بعد آخر، وغدت أوراق اللعبة السياسية، تختلط مع بعضها، لدرجة بات يتعذر معها، التمييز بين ما هو وطني وما هو أجنبي، وهكذا فقد إستحال الأمر، لدرجة يصعب معها الإستدلال منه الى العنوان المناسب، الذي يعبر حقاً، أكثر من غيره عن جوهر وحقيقة ما تخفيه بواطن ملامح ظاهر الحال، الأمر الذي أقل ما يقال عنه، إنه بات يعكس صورة غير واضحة المعالم، لصراع بين إجندات داخلية وإقليمية ودولية متعارضة الأهداف والإتجاهات، وفي خضمها ومن ضمنها، تصطرع الحالة الوطنية، باحثة عن متسع من مكان في هذا الصراع، لتثبيت أقدامها في الأرض الوطنية، بين هذا الركام الهائل من الإجندات، وذلك الموج المتلاطم من المصالح المتباينة، وسط بحر هائج لا تعرف حدوده ولا تسبر أغواره؛ فوجدت بين كل هذا "الهرج والمرج" من يحمل شعاراتها، ويزايد على أهدافها، ويندب حظها وضحاياها..!!؟


فورقة "التغيير" باتت مرفوعة من قبل الجميع،  وأصبح تدويل المسألة السورية هو السمة البارزة بالنسبة للأحداث الجارية اليوم على الصعيد الداخلي السوري، وما يجعله أكثر تميزاً، هو ذلك الدور الذي أخذت تلعبه بعض الأقطاب من الأعضاء الدائميين في مجلس الأمن، في محاولة لتجريد الأحداث الداخلية الجارية على أرض الواقع هناك، من كل عواملها ومسبباتها وبواعثها، وإختزال أطرافها بالطرف الأكثر إستهدافا، رغم كل ما يكتنفها من إختلاط وتعارض في المقاصد والنوايا والأهداف، محاولة بذلك إستقطابها الى مجرد "عناوين وشعارات" فقدت معانيها الحقيقية ومغزاها المعلن من قبل تلك الأقطاب على صعيد الواقع والتجربة والممارسة العملية التأريخية القريبة؛ وأصبح أقل ما يمكن أن يقال فيها: أنها [[كلمات حق أريد بها باطل]]


لقد تجاوزت العديد من الشعارات المرفوعة من قبل تلك الأقطاب، بالنسبة للشأن السوري، كل حدود الواقع الذي إعترفت به نفسها يوماً في مؤتمر جنيف، وأقرت فيه ما عرف بوثيقة جنيف وما نجم عنها، من خطة ( كوفي عنان ) ذات النقاط الست،  فقد باتت أحوال الصراع على الساحة السورية، أكثر إستقطاباً في شكلها ومحتواها، عما كانت عليه في مستهل بدء [الحراك الشعبي] قبل أكثر من عام، كما بات هذا الإستقطاب أكثر وضوحاً من جهة الفرز بين أطراف الصراع نفسها، وكافة المشاركين في الأحداث الجارية ميدانيا، بمن فيها تلك القوى المجندة من الخارج، من المجموعات المسلحة التي دخلت على خط الصراع الوطني الداخلي لتعطيه بعداً ثالثاً؛ الأمر الذي غير كثيراً من معادلة التوازن بين كفتي  ميزان القوى الوطني الداخلي، وأصبح البعد الثالث في هذا التوازن، وكأنه يمثل العامل الحاسم في هذا الصراع؛ فلم تعد التلميحات والإشارات العابرة عن إحتمالية [التدخل الأجنبي] في الشأن السوري، مجرد أقاويل عابرة، بل بات الحديث عن هذا "التدخل الأجنبي" اليوم، حقيقة واقعة على الأرض، وأصبح تصويره بكل معدات وآليات التضليل، وكأنه بمثابة مطلب شعبي تنشده كافة القوى التي تضع نفسها في خانة "المعارضة" على مختلف أصنافها، إذا ما إستثنينا منها، القوى الوطنية السورية التي تجد في حرية وكرامة الوطن السوري خطاً أحمر لا يمكن المساومة عليه، و[[ إن الدفاع عن الوطن وسيادته ووحدته هي المهمة الأساسية مهما غلا الثمن]]...! (*)


فما تقدمت به المملكة العربية السعودية مؤخراً، من مشروع قرار الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي تطالب فيه إدانة سوريا لعدم تقيدها بتنفيذ خطة عنان، وإنتقاد مجلس الأمن لفشله في إتخاذ القرار المناسب بحق سوريا طبقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة...، قد عكس موقف الإصرار الذي لا زال يتمسك به التحالف الامريكي/الغربي، والعربي/الخليجي_التركي، حول محاولة "التدخل العسكري" في الشأن الداخلي للدولة السورية، مع كل ما يعنيه ذلك من إنتهاك فض لمباديء ميثاق (الأمم المتحدة )، وفي مقدمتها، مبدأ عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول؛ فكيف والحال حينما يصبح مثل هذا التدخل حقيقة قائمة على أرض الواقع، وهذا ما عكسه وفي أقل تقدير، موقف دولة قطر، عندما  "تطالب باستراتيجية جديدة للتعامل مع الازمة السورية"،  أو على حد قول وزير الخارجية: 'نحن نرى ان اي مهمة لاي مندوب جديد اذا كانوا يريدون الدول العربية ان تساهم يجب ان يغير مهمته وتكون مهمته لنقل سلمي للسلطة في سوريا.' بعد الإعلان عن إستقالة السيد كوفي عنان،..؟!(1)


كما وأن ما يحصل اليوم داخل المشهد السوري، وما تعكسه صورة الأحداث العسكرية اليومية، قد وجد تعبيره بوضوح في لقاء السيدة كلينتون والسيد داود أوغلو يتأريخ 11/8/2012 في تركيا؛ بما يعني التخطيط لترجمة نوايا "التدخل العسكري" في دولة سوريا، الى حقيقة ملموسة على أرض الواقع، من خلال ما يدعى بفرض مناطق "الحظر الجوي" ومناطق "الملاذ الآمن" كما جاء في اللقاء المذكور...!!؟(2)   


إن ما يدور على الساحة السورية اليوم، وفي كل تجلياته المعلنة والخفية، لا يخرج بعيداً في التفسير بالنسبة للمراقب، عن كونه تدخلاً سافراً في شؤون دولة عضو  في الأمم المتحدة، وإن كان هذا وفي صورته المعلنة، يبدو أقرب الى حرب غير معلنة، أو حرب بالوكالة لتحقيق أجندات ومصالح إقليمية ودولية متعارضة، ولكنه وإن بدى في بعض من تجلياته، وكأنه يعكس ملمحاً لصورة من صراع داخلي بين النظام وقوى المعارضة الوطنية، إلا أن مظاهر هذا الصراع في الحقيقة، باتت وكما يبدو من صورة المشهد العام للواقع الراهن، تتداخل بل تضيع في خضم هيمنة إدوات ومحركات وآليات الصراع الأخرى التي تتحكم فيها تأثيراً وحسما؛ القوى الدولية والإقليمية بما لها من مصالح إستراتيجية في المنطقة، وبالأخص منها قوى التحالف المشار اليها فيما تقدم، بما يمتلكه بعضها من موقع مؤثر وحاسم في مجلس الأمن من جهة، أو ما تمنحه لها الجغرافيا من خصائص التسلل والإختراق..!؟


ومما تقدم ومع كل هذا الضخ الإعلامي التضليلي، الذي تطلقه قوى التحالف المذكور بإتجاه سوريا وضدها، لم يعد مستحيلاً أن تفقد بوصلة الإتجاه للصراع الوطني الداخلي مكانها الطبيعي في داخل إطار قوى المعارضة الوطنية، لتجد مكانها في المحصلة النهائية خارج حلبة الصراع الوطني الداخلي، حيث تتحكم بها في النتيجة، قوى الصراع الدولي ومعها حلفائها من الدول الإقليمية، لتسيّرها وفقاً لما تتطلبه مصالحها الإستراتيجية، حتى لو كان في ذلك تدمير بلدان بكاملها، وفي هذا لعمري، خطر غير قليل حينما تستحيل الدولة وإرثها التأريخي وتراثها الثقافي والمعنوي، وكل مؤسساتها وهياكلها الإرتكازية وبناها التحتية الى أنقاض متناثرة وركام من الخردة؛ ناهيك عما سوف يجره ذلك من ويلات وكوارث على شعب تلك الدولة، ومن تداعيات تدميرية وخراب لا تعرف حدوده؛ وكل هذا ما حذرنا منه سابقا ولا زلنا نكرر التحذير، مع علمنا ويقيننا بأن وحدة القوى الوطنية السورية أقدر من غيرها في تلمس الطريق الصحيح، ووضع البوصلة في الإتجاه الصائب،  الذي يقي ويحفظ سوريا وشعبها النبيل من كل سوء..!(3)
13/8/2012
_______________________________________________ 
(*)    http://www.iraqicp.com/2010-11-22-05-28-38/22494-2012-08-15-14-32-58.html
(1)   http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=94538
(2)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE87A0C320120812?sp=true
(3)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


   













       
     
   
 

118
سوريا: الثمن الباهض..!!؟

باقر الفضلي

بعد كل هذا الكم الهائل من المقالات الملتبسة،  والتدفق الذي لا ينقطع من سيل الادعاءات الفضائية المشكوك في  مدى صدقيتها بشأن ما يجري في سوريا اليوم، وبعد ما عكسته الجلسة الآخيرة لمجلس الأمن بتأريخ التاسع عشر من تموز الحالي  والمخصصة لبحث الشأن السوري، بعد كل هذا وذاك، لا يجد المرء نفسه، إلا كمن يغرد خارج السرب، أو كمن لا يسمع غير صدى صوته بين صخب جوقة المطبلين والمزمرين والضجيج الإعلامي المسيس والمدفوع الآجر..!؟


لقد عكست جلسة مجلس الأمن ليوم 19/7/2012 حقيقة حالة الصراع المحموم والأكثر إحتداماً على الصعيد الدولي حول مصير سوريا كدولة مستقلة، والمخاطر المحتملة التي تهدد مصير الشعب السوري الشقيق في النهاية، وما يمكن أن يكون عليه المآل المتصور جراء ما يمكن أن تؤول اليه تداعيات الخطط ومشاريع القرارات التي ترسمها أمريكا ومعها الحلف الغربي، ممثلاً بأقطابه الثلاث كل من بريطانيا وفرنسا والمانيا، والتي عبرت عنها بصريح العبارة خطب وتعقيبات كل من أقطاب التحالف المذكور أثناء ختام الجلسة، بعد فشل مشروع القرار المقدم من قبلهم بفرض عقوبات جديدة بحق سوريا تحت البند السابع، بما يمكن أن يبيته ذلك من فرص " التدخل العسكري "،  وتحت ألف حجة لتبرير ذلك التدخل، ولعل منها وعلى سبيل المثال: "ما يدعيه الإعلام الغربي والإسرائيلي بالذات عن وجود مخازن الأسلحة الكيمياوية والبايولوجية في سوريا وضرورة التحكم بمصيرها حتى لو دفع ذلك شن الحرب على سوريا على حد تصريح باراك، خوفاً من وقوعها بيد حزب الله..!" (*) وبهذا التدخل تعريض سوريا لمصير لا يمكن التكهن بنتائجه، والذي أقل ما فيه، إنهيارها كدولة ذات شأن وموقع متميز ومؤثر في المنطقة، ولا يهم بعد ذلك ما سيكون عليه مصير الشعب السوري من تمزق في النسيج الإجتماعي والإحتراب الطائفي وتقسيم الوطن الموحد،  وما ستدفعه الأجيال القادمة من ثمن باهض في المستقبل، كي تطمأن تلك الدول على إطلاق يدها في تقرير مصير المنطقة، بما يحقق مصالحها ويعيد بنائها طبقاً لإستراتيجية بعيدة المدى في الشرق الأوسط..!!؟ (1)


وغني عن القول بأن مصالح الدول المتصارعة على الصعيد الدولي، لا تبتعد في جوهرها عن مصالح إقتصادية وسياسية، وفي جميع الأحوال فأن وجود سوريا بما هي عليه الآن من أزمة تضرب في عمق نظام الحكم المغلوب على أمره بما يشوب سياسته من تهمة الإستبداد، وهذا في حد ذاته يشكل هدفاً ميسور الوصول اليه في الإنطلاق الى تحقيق الأهداف الأخرى، التي تشكل حجر الزاوية في كل مخططات التحالف الغربي في المنطقة، وليست سوريا بمنئى عن تلك الأهداف، إن لم تكن أحدى العقبات الكأداء أمام مسيرة ما يدعى ب "الربيع العربي" الذي سلبته وقادته أمريكا والتحالف الغربي للناتو في المنطقة، طالما ظلت سوريا خارج ما رسم لها من "دور قادم" على الصعيدين السياسي والإقتصادي؛ لما لهذا الدور من أهمية حاسمة في العديد من الإتجاهات، بالنسبة للتحالف المذكور ولطبيعة مسيرة الصراع الإقليمي في المنطقة، وعلى نحو خاص ضمان أمن دولة إسرائيل،..!؟


فما دار في جلسة التاسع عشر من تموز الحالي لمجلس الأمن، ليس إلا إمتداد لنفس السيناريو، الذي ما إنفكت دول التحالف الغربي، ممثلاً بأمريكا وكل من فرنسا وبريطانيا وإلمانيا من جهة_ والتحالف العربي ممثلاً بالأمانة العامة للجامعة العربية من جهة أخرى، وفي جميع الأحوال، فإن السيناريو المقصود، والمتمثل بعضه في مشروع القرار المقدم الى مجلس الأمن في الجلسة المنوه عنها فيما تقدم، ومهما إختلف في شكلياته وأبعاده الإجرائية، فإنه لا يخرج في روحه وجوهره عن السيناريو المنفذ ضد ليبيا، وليست أحداث الأيام الأخيرة في سوريا إلا مؤشرات دالة على إرهاصات السيناريو الحالي الذي تحاول دول التحالف الغربي _ العربي السير فيه بكل إصرار، حتى لو دفعها ذلك الى الخروج على شرعية مجلس الأمن، بإعتباره ممثلاً للشرعية الدولية، والعمل من خارجه، وهذا ما لوحت به السيدة رايس مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية وباقي ممثلي التحالف الغربي في تعقيباتهم، بعد فشل مشروع القرار آنف الذكر، وهذا وحده ما فيه الكفاية لتأكيد ذلك الإصرار، ولعل أبلغ دليل على ذلك ما تناولته الصحف الغربية بهذا الشأن والتي تعكس حقيقة التوجه الأمريكي _ الغربي بشأن سوريا..!؟ (2)


وليس من باب التهويل، التذكير بأهوال ما يسمى ب (التدخل الأجنبي) وما يجره على الشعوب التي تعرضت لويلاته بالأمس القريب والبعيد، من دمار وخراب لا حدود لهما؛ إذ في الحقيقة، لا يشفع له كل ما يحمله من شعارات وجدانية وإنسانية وما يلوح به من إدعاءات وأوعاد بالحرية والسعادة، وما يدعيه من "حماية المدنيين" من بطش الحاكمين، فقد أثبت الواقع بأنها الكذبة الكبرى في العصر الحديث، وليست سوريا بمعزل عما كان مبيتاً لدول عربية سبقتها، وما خلط الأوراق ولبوس مطاليب الشعوب والظهور بمظهر المدافعين عن مصالحها إلا بعض من آليات النفاق والرياء التي تبطن الموت والهلاك، وأحدى سبل الخداع والتضليل؛ وبقدر تعلق الأمر بأوضاع سوريا وحالة الصراع الدائر بأبعاده المختلفة وطابع القوى التي تديره والمشاركة فيه، وطنية كانت أم أجنبية، وبعيداً عن التكرار، فقد جرى تناول الشأن السوري في أكثر من مقالة، يمكن العودة اليها في الرابط أدناه...!!؟ (3)
21/7/2012

  (*) http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/07/120720_israel_syria_intervenntion.shtml

(1) http://arabic.cnn.com/2012/syria.2011/7/19/russia.veto/index.html
                                                 (2 )  http://www.bbc.co.uk/arabic/inthepress/2012/07/120720_uk_papers.shtml
(3)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


119
العراق: "العملية السياسية" _ إن بعض الظن إثم..!؟

باقر الفضلي

[[ ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له
إياك إياك أن تبتـل  بالمـاء ]]


محنة الشعب العراقي بعد عام/ 2003، لا تختلف في جوهرها عما قصده (الحسين بن منصور الحلاج) من مغزى بيت الشعر أعلاه؛ فكل شيء في العراق بعد ذلك التأريخ قد إختلط مع غيره إختلاطاً قلما كان له شبيهاً في حياة الشعب العراقي من قبل؛  مما أحال المواطن العراقي الى شخص مكبل أمام كل شيء، بل وحتى عاجز عن درء ما يحيق به من أذى أو خطر قد يداهمه حيثما حل أو أنى توجه؛  فبعد تسع سنوات من الإحتلال، ومع وجود حكومة منتخبة ومجلس نواب منتخب وبحضور دستور مصوت عليه من قبل أغلبية الشعب العراقي؛ لا زال السجال السياسي بين الكتل السياسية ذات الشأن، والتي أودعها المواطن العراقي ثقته وصدَّق إدعاءاتها، لا زال ينخر في الحياة السياسية وحياة المواطنيين العراقيين في أدق تفاصيلها، بل وبات يُعرِضُ أمنَهم وسلامتهم كل يوم لخطر إحتدامه الى ما لا تحمد عقباه نتيجة إستقطابه في كل صغيرة وكبيرة..!!؟


 ذلك السجال الذي لا يبتعد في جوهره عن [[ صراع ]] طال أمده وإبتعد مداه، وتنوعت أشكاله ووسائله وآلياته بين تلك الكتل المتنفذة والمتسيدة في السلطة منذ تسع سنوات، لدرجة أصبح معها، لا يبعث على الملل حسب، بل أصبح يهدد مستقبل ما يدعى ب [[ العملية السياسية ]] نفسها؛ تلك العملية التي قبلها المواطن على مضض وإرتضاها على علاتها، حيث باتت تداعياته السلبية، على الشعب العراقي وعلى العراق كوطن موحد، تنذر بالإنحدار الى منزلقات خطيرة؛ [[ صراع ]] إذا ما تمادى في تصاعده بما هو عليه الآن، سيفجر تلك "العملية" من داخلها، بعد أن عجزت كل مشارب "التوافقات" بين تلك الكتل المتصارعة، من إيصالها الى شاطيء الأمان والسلام الموعود..!!؟؟


 وكما هو الحال مع (الدستور الدائم/2005)،  وهو ما يرتكن اليه الجميع؛ فهو الآخر لم يكن إلا نتاج تلك "التوافقات"، ومن السابق لأوانه القول؛ بأن هذا الدستور قد وجد طريقه لأن يصبح مرجعية قانونية "حاسمة" في حل الخلافات بين تلك الكتل السياسية، مع ما يتضمنه بين دفتيه من العديد من الأحكام التي تكرس بعض مباديء الدولة المدنية الديمقراطية، وفي مقدمتها مبدأ الفصل بين السلطات، ناهيك عن الموقف الداعم الذي تجلى بتصويت أغلبية المواطنين على إقراره، رغم ما يبطن في طياته من أحكام يشوبها الكثير من المثالب والتعارضات..!!؟


فالظروف التي في ظلها تم صياغة وإقرار الدستور، لم تكن في واقعها تمثل تلك الظروف الأنموذجية، بل ولا هي تعكس شكلاً من حالة إجتماعية عادية مستقرة، فأقل ما يقال عنها؛ أنها ظروف تميزت بنشاط ميليشيات الكتل السياسية المسلحة والمتصارعة، وبتفاقم الإحتقان الطائفي وفقدان الأمن، ناهيك عن الفوضى العارمة والضاربة أطنابها في كل مكان، فكيف والحال، وفي مثل تلك الظروف، أن يجد الدستور مكانه في التطبيق والإحترام من قبل تلك الكتل السياسية، في وقت تفككت فيه عرى الثقافة القانونية في المجتمع، وسادت فيه حالة التجاوز على النظام العام، وفُقدت فيه هيبة القانون وسلطة القضاء مكانتهما الرفيعة في المجتمع؛ في هذا الخضم العارم من الفوضى، والذي لم تأخذ فيه مؤسسات الدولة المستقلة والحديثة النشأة، طريقها الى ممارسة دورها الوظيفي في الحياة اليومية، بعد الدمار الذي شل مؤسسات الدولة على مختلف ضروبها نتيجة الغزو والإحتلال عام/2003..!!؟


فالشعب العراقي وبعد أن وجد نفسه مكبلاً ومكتفاً بحبال [[العملية السياسية]]، مطالب اليوم؛ أن يعترف ويقر، "بأنه يعيش في ظل حياة يسودها الأمن والإطمئنان والسكينة، ويرفل بالسلام والحرية، ويتمتع بالرفاه الذي تحف به أجنحة الديمقراطية، وينعم بكل خيرات ونِعَم " التغيير"، من سكن وملبس وماء نقي وكهرباء، وعمل يغطي نفقات العيش الكريم؛ أن يعترف بأن كل هذا قد جاء من بركات [[ العملية السياسية ]]، وفي مقدمتها؛ أفضالها في إقرار دستور دائم، وتعددية سياسية وتمثيل للمرأة في البرلمان، وإحتكام الى "صناديق الإنتخاب" في كنف "حرية الرأي والتعبير" ... يا للغرابة!!؟"


إن كل ما تقدم، لا يمثل إلا النزر اليسير مما تدعي به تلك الكتل السياسية المتنفذة ومن يمثلها أو ينطق بلسانها من نواب أو رجال إعلام، وحتى مستشارين لواجهات سياسية وحزبية من ذوي المكانات المرموقة؛ أما ما ينطق به ويعكسه واقع الحال، فهو وفي أقل صوره، لا يمثل إلا حالة من الريب والتشكك بما قدمته [[العملية السياسية]] بكل تجلياتها وعلى جميع الأصعدة والمقاييس، مما قيل ويقال من تقدم وتطور في حياة المواطن العراقي؛ أما بالنسبة لما تدعيه الكتل المتنفذة والمتسيدة منها على وجه الخصوص، فإن قولاً مثل هذا لا يعبر عندهم، إلا عن وهمٍ أومرضٍ في نفوس الذين يتشككون في مصداقية [[ العملية السياسية ]] أو ينتقدون بعضاً من جوانبها؛ فأي تشكيك أو نقد بشأن تلك المصداقية، أو أي طعن أو تقليل من شأن منجزاتها، لا يخرج في عرفهم عن مثلبة [[الظن]]، وهم يحاججون ويرددون بل ويتهمون منتقديهم درءً لذلك بالقول: (أن بعض الظن إثم)، على حد قول الآية الكريمة، وليكن بعد ذلك الطوفان..!!؟


هكذا يقف المواطن العراقي اليوم، مكتوفاً أمام جدارية عريضة من الشعارات السياسية التي تطلقها الكتل السياسية المختلفة، والتي يتصدرها وبخطوط عريضة شعار " الإحتكام للدستور"، بإعتبار [الدستور] هو المآل الأخير الذي ينبغي الرجوع اليه في حسم الخلافات التي تنشب بين الكتل السياسية، وكما يبدو أن هذا الشعار اليوم، باتت تتمسك به الكتل السياسية المتسيدة أكثر من أي وقت مضى، بل أن بعضها أخذ يجعل منه، شرطاً قاطعاً أمام الكتل الأخرى التي يختلف معها في حومة الصراع الدائر بينها في ظل (الأزمة) المتفاقمة على صعيد الحياة السياسية، إذا ما أرادت اللجوء الى دائرة الحوار لبحث القضايا المختلف عليها، رغم قناعاتها الذاتية بأنها تحتكم الى وسيلة لن تحضى بعد، بالإحترام المتبادل من قبل الجميع، كما وأنها لم ترق الى مكانتها العلوية المنشودة على صعيد بناء الهياكل القانونية للدولة، إن لم تكن وعلى عكس ذلك وفي ما تبطنه من مثالب ومآخذ تحتاج الى التدقيق والتغيير، فإنها ورغم تفردها كجهة للإحتكام في حل النزاعات، فلا يعفي ذلك من كونها تمثل أحد عوامل الصراع بين الكتل السياسية على الصعيد السياسي، ناهيك عن العوامل الموضوعية لأسباب الصراع نفسها، والتي شكلت أفخاخاً تثقل كاهل الدسستور منذ تشريعه، لتعكس من جانب آخر الخلل البنيوي في أسس بناء [[العملية السياسية]] نفسها، والذي باتت تداعياته السلبية تنخر في تلك الأسس بإنتظام..!!؟
13/7/2012

120
المنبر السياسي / دمشق...!
« في: 08:34 01/06/2012  »
دمشق...!

باقر الفضلي


تَفَجَرَ عاصِفاً فيكِ إضطِرامُ *
دمشقُ وليسَ مِثلُكِ مَنْ يُضامُ

وعَزَّ عليكِ ما جَنَتْ الليالي
بما حَمِلَتْ وما نَسجَ الظَلامُ

لَكَمْ دانتْ اليكِ ذُرى القَوافي
مجلجلةً: دمشقُ لها الوِسامُ

وهلْ لَكِ في الكَرامةِ غَيرُ مَجْدٍ
تَسامَتْ مِثلهُ حلبٌ وشامُ

فإِنْ شابَ الغَمامُ سَنا بدورٍ
فَبَدْرُكِ ناصِعٌ.. بَدرٌ تَمامُ

***

دمشقُ وليسَ غَيرُكِ كانَ حُصناً
يلوذُ به الطَريدُ ولَنْ  يُسامُ

تَجاذَبتْ النفوسُ على إِختِصامٍ
ومَنْ نَشَدَ النَجاحَ لَهُ مَـرامُ

وتاهَ معَ المَسيرةِ كُلُ حُـرٍ
وما عَرفَ الطريقَ سوى الهُمامُ

فمَنْ نَشدَ الحَقيقةَ لَيتَ يَدري
بأنَ العاشقينَ لها، نيـامُ

دمشقُ وليسَ حُراً مَنْ تَنَخّى
بجَورِ الظالمينَ.. وما أقاموا

***

أرى تَدنو الخُطوبُ اليكِ زَحفاً
مُعبأةٌ بما حَمِلَ الخِصامُ

فقد لاحتْ نيابُ الذئبِ تَترى
مُكشرةٌ بِما حَجَبَ الغَمامُ

دمشقُ لكم تَغنى فيكِ شوقٌ
الى بَرَدى وزادَ بهِ الهيامُ

فكوني مثلُ صقرِ الطَيرِ يقظى
ومثلُ النَجمِ يَسهرُ إذْ  ينـامُ

فلا تُرخي العنانَ الى زَنيمٍ
تَوَهَمَ أَنهُ قَـدَرٌ وقَـامُ (**)

***
 
فصيري  يا إبنةَ النَجدَين سداً
مَنيعاً لا يُصارُ لَهُ إِقتحامُ

وعَضْي عَلْ النَواجذِ إنْ تَصَدَتْ
رياحُ الشَرِ وإنفَرَطَ الزِمامُ

فمثلُكِ للعَزيمةِ كانَ نِسراً
ومثلُكِ لمْ تُرَدُ لهُ سِهامُ

فلَسْتِ مَعَ الحقيقةِ في مَراءٍ
ولا يُبنى على وَهْمٍ سلامُ

رَعاكِ اللهُ منْ كَدرِ الليالي
دمشقُ وليسَ مِثلُكِ مَنْ يُضامُ

***

فإنْ جارتْ عليكِ يَـدُ التَجَني
كما جارتْ على جَملٍ خُزامُ

فَحَسبي فيكِ مِنْ قممِ العَوالي
ومَنْ سكنَ الحَضيضَ هُـمُ اللِئامُ

فما عَيشُ الهَوانِ سوى إنقيـادٌ
لِحَبلِ الذلِ مَنزِلُـهُ الـرَّغامُ

معاذُ اللهِ أَنَّكِ في إِلتباسٍ
إذا ما الصِدقُ خالَطَهُ الحَرامُ

إذا دَرْبُ الخَديعةِ صارَ نَهجاً
دمشقُ فليسَ مِثلُكِ مَنْ يُـلامُ

***

حنانكِ ، قَدْ أصابَ القومَ مَسٌ
مِنَ الإعجازِ يَنخَرهُ السقامُ

فلمْ تَبدو الرِحابُ لَهمْ رُبوعاً
ولا تَركَتْ بأنفُسِهمْ هـيامُ

تَنادوا  للخَطيئَةِ بإِبتـذالٍ
وخَروا سُجَداً : شَرفٌ وهامُ

وما كانَ الضَميرُ لَهمْ دليلاً
إذا الأوطانُ عاثَ بها الهَوامُ

فَكَمْ تُشرى الحَياةُ على خُنوعٍ
دمشقُ وليسَ مثلكِ مَنْ يُسامُ

***

إذا هَمدتْ رياحُ الشَرقِ يَوماً
فَريحُـكِ يا دمشقُ لها الدَوامُ

كأنكِ في العُلا نَجمٌ مُنيرٌ
وفي الأرضَينِ عِشقُكِ مَنْ يُرامُ

فلا حَسداً  دمشقُ إذا تَغَنى
 بكِ العشاقُ شَوقاً أو تسامو

لإنكِ في الحَدائقِ جُـلَّنارٌ
وما بينَ العُطورِ لكِ الخُزامُ

ولا يَعلو وجوهَ الغَدرِ إلا
ترابُ القَبرِ يلفَحُهُ السَخامُ

***

سَهَرتُ فلمْ أجدْ لَكِ مِنْ سَبيلٍ
سِلاحَ الصَبرِ يَردِفُهُ السَلامُ

لقد حاكو ذوو القُربى إِفْتِراءً
وضاعَ الحُـلْمُ عِندَهُمُ فهامُوا

وشَدَّ بنو العُمومَةِ في إِحترابٍ
أُريدَ بِها الخَرابُ فلا وِئامُ

كأن الاقرَبينَ لهمْ سهامٌ
ولا تُدمي السِهامَ سوى السِهامُ

فغارتْ في العيونِ دُموعُ كذبٍ
وصفَّقَ نَشوةً حَمَدٌ وَسَامُ

***

فيا ويلٌ إذا نَشَبَتْ ضَروسٌ
وأُطلِقَ في العَنانِ لها الحِمامُ

وعَضَ القَومُ أَلسِنَةَ التَشَفي
وصارَ الثأرُ ديدنَهُمْ حِسامُ

فلا يُجدي الكَلامُ إِذا تَماهتْ
عُيونُ الحِقدِ وأُنتُزِعَ اللِثامُ

وما نَفْعُ الكَلامِ إِذا تَجَلَّتْ
خَبايا النَفْسِ وأُفتُضِحَ الغَرامُ

فلا حُـزْنٌ يُكَفْكَفُ في دُموعٍ
دمشقُ: فليسَ مِثلكِ مَنْ يُضامُ

***
***
***
باقر الفضلي/ 31/5/2012
________________________________________________________________________
* اضطرام : إشتعال النيران
** قامُ : القامة، القد، قامة الانسان

121
العراق: إنتهاك الحقوق المدنية إنتهاك للدستور..!!؟

باقر الفضلي


من مفارقات العملية السياسية في العراق أن سهامها الجارحة، بل والقاتلة أحيانا، قد لا تصيب أعدائها الحقيقيين، رغم ما قد يلحقها منهم، من أضرار وهوان وعدوان سافر، أقل ما فيه ما يصيب ذلك الشعب، الذي تقبل قوانينها على علاتها، من دمار وخراب على أيدي أولئك الأعداء بما جاوز حدود المعقول..!


فلا غرابة والحال؛ أن تكون لتلك العملية، "قوانيهنا وأحكامها الخاصة"، فهي بقدر ما تدعيه القوى السياسية المتحكمة بكافة مفاصل وأطراف وآليات "العملية السياسية" المذكورة، وفي مقدمتها القوى السياسية الحاكمة، من إحترام للدستور وللقوانين ولهيئات ومؤسسات الدولة على مختلف أصنافها ومستوياتها، تراها أول السباقين لخرق ذلك الدستور وتلك القوانين، وأول المتجاوزين على نظم وأحكام تلك المؤسسات والهيئات، مما ينعكس سلباً على مصداقية دعواتها وإدعاءاتها، لتنسحب تداعياته الى حالة من ضعف الثقة وفقدناها، والى التبرم والتشكك لدى المواطن العراقي بتلك المصداقية في المحصلة النهائية، لينتهي مآلها أخيراً، الى حالة من الإنعزالية التي يفرضها الواقع المعاش بشكله المنظور على تلك القوى، الأمر الذي يفقدها في النتيجة، كل مبررات وجودها على الصعيد السياسي، وهذا ما يدفعها الى إنتهاج آليات جديدة في التعامل مع منتقديها أومعارضيها على صعيد العملية السياسية أقل مافيها؛ بعدها عن أي نهج ديمقراطي، أو قانوني..!!؟


من هنا يمكن القول؛ بأن سهام العملية السياسية بدلاً من إستهداف من يناصبها العداء، يجري توجيهها صوب حلفاء ومناصري تلك العملية، ليبدو الحال وكأن القوى المتحكمة بمفاصل السلطة، قد وجدت في "آليات الديمقراطية"؛ مثل "ألإنتخاب وصناديق الإقتراع" أسهل وأقصر الطرق للتمسك بالسلطة، متجاهلة أن [مجموعة القيم الديمقراطية] هي من تشكل [روح ومضمون الديمقراطية]، كنهج في الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وبالتالي فإن آلية [صناديق الإنتخاب] بمفردها، ورغم ما لها من أولوية في جوهر العملية الديمقراطية، لا يمكنها أن تكون بديلاً كافياً وحقيقياً [للقيم الديمقراطية]، التي تجد تجسيدها في مباديء ومفاهيم أقرتها الحضارة الإنسانية على مدى مئات من السنين، وكرستها دساتير الأمم المتحضرة وإلتزمت بأحكامها، وجعلت منها معايير للرقي الحضاري والكرامة الإنسانية..!


وعندما ينصرف الحديث الى منظومة [ القيم الديمقراطية ] تتجلى في الصدارة مجموعة المباديء المتعلقة بحقوق الإنسان، ومنها حرية الصحافة وحرية النشر والكلمة وحرية التعبير وحرية تشكيل الأحزاب والمنظمات المهنية ومنظمات المجتمع المدني،  وكافة الحريات الأخرى ذات الصلة بتلك الحقوق، والتي تضمنتها وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ تلك الحقوق التي تتسابق الدول المتحضرة لتضمينها في متن دساتيرها، من جهة، وتحرص على الإلتزام بأحكامها، من خلال تشريع القوانين الخاصة بوضعها موضع التطبيق من جهة أخرى..! 


إن ما يميز الدستور العراقي النافذ، تضمنه لعدد غير قليل من تلك المباديء التي تجسد القيم الديمقراطية، والتي يعتبر تكريسها في الدستور مكسباً كبيراً لكل ما يعزز الحريات السياسية والمدنية وحقوق المواطنة، أما أن يجري التجاوز على تلك الحقوق وإنتهاكها من قبل نفس الجهات التي أناط بها الدستور حمايتها وتوفير أفضل السبل والوسائل للتمتع بها من قبل المواطنين، فهو الأمر الذي يصبح أكثر مثاراً للإستغراب والدهشة، ويستوجب الإستنكار والإدانة، ولا ينبغي المرور عليه مرور الكرام، خاصة وإن مثل هذا التجاوز يعتبر من حيث التكييف القانوني خرقاً فضاً لأحكام الدستور وتجاوزاً على نصوص القوانين الصادرة بموجبه..!؟


وتحت مثل هذا المنطوق، تندرج "المداهمة الأمنية" التي تعرض لها مقر صحيفة الحزب الشيوعي العراقي (طريق الشعب) مساء السادس والعشرين من آذار/2012 والتي نفذتها ثلة من أفراد الشرطة الإتحادية يومذاك، لتشكل سابقة خطيرة تستهدف مسيرة "العملية السياسية" وما تسعى اليه من بناء المقدمات الأساسية للدولة المدنية الديمقراطية في "العراق الجديد"، خاصة لما تبطنه من بعدها المعنوي والإستفزازي، بالنسبة للجهة التي إستهدفتها تلك "المداهمة الأمنية"، والمقصود بها الحزب الشيوعي العراقي، ناهيك عن تداعياتها السياسية على صعيد الحياة السياسية في العراق..!!؟؟(*)   


إنه ومن بدهيات العمل السياسي أن تنعكس الإجراءات الأمنية التي أقدمت عليها سلطات وزارة الداخلية ضد مقر جريدة (طريق الشعب)، وفي ظل الظروف السياسية الراهنة والمأزومة على صعيد أطراف العملية السياسية و"حكومة الشراكة"، أن تنعكس سلباً على مزاج المواطن العراقي، الذي يعاني مسبقاً، الأمَرين من تداعيات الأوضاع الأمنية والمعاشية ومن الخروقات والتجاوزات المستمرة على حقوقه المدنية والسياسية من قبل الأجهزة الأمنية، في نفس الوقت الذي تساعد فيه على نشر بذور عدم الثقة والتشكيك بين القوى السياسية، التي تجد في تعميق أسس النهج الديمقراطي، الطريق الوحيد لتجنيب الحكم كل مخلفات النهج الديكتاتوري للنظام السابق، وتوطيد بناء مقدمات الدولة المدنية الديمقراطية، الأمر الذي يستدعي موقف الإستنكار لمثل تلك الإجراءات الأمنية لعدم دستوريتها من جهة، ولخرقها للقواعد والأصول الإجرائية القانونية من جهة أخرى، في نفس الوقت الذي يعلن فيه المرء تضامنه مع أسرة جريدة (طريق الشعب) في شجبها لتلك الإجراءات الأمنية، وفي مطالبتها بوقف وعدم تكرار تلك التجاوزات اللاقانونية..!!   
31/3/2012 
_____________________________________________________
 (*)  http://iraqicp.com/2010-11-21-18-04-44/16021-2012-03-27-12-24-42.html





 






   

122
!سوريا: جامعة الدول العربية الى أين..؟؟

باقر الفضلي

ربما يجد التساؤل أعلاه جوابه في منطوق وفحوى قرار مجلس الأمن  رقم/1973 في 17/3/2011 المتعلق بالشأن الليبي(1)، ليتضح للجميع من قراء وكتاب ومعلقين ومعارضة بقسميها "خارجية وداخلية"، وكافة طبقات وفئات الشعب السوري، خارطة الطريق التي تسير بموجبها الموقرة "جامعة الدول العربية" و"البعض" من تشكيلات المعارضة السورية، من الساعين الى توفير الحل المناسب للأزمة السورية القائمة، التي باتت نارها تسري في الجسد السوري سريانها في الهشيم..!؟


وليس الإفتراض هنا، قائماً من خيال أو آت من فراغ، فمنذ بدايات الحراك السياسي في سوريا قبل عشرة أشهر، والذي إقترن بالتدخل شبه المباشر لبعض الأطراف الإقليمية في الأزمة السورية، وعلى وجه الخصوص، البعض من دول الخليج ومنها بالذات دولتي السعودية وقطر، مؤطرة بتدخل ودعم الجارة الشمالية تركيا؛ منذ بدء ذلك الحراك، تصاعدت حمى عملية البحث عن طريق يعجل في الوصول الى أهداف تلك الجهات المتخندقة والمتمترسة وراء طلب التغيير المنشود من قبل فئات واسعة من الشعب السوري، فتلبست تلك الأطراف رداء التغيير، وأطلقت نداءاتها الأولى بضرورة اللجوء الى "التدخل الخارجي" لحسم الأمر وتحقيق "التغيير" الذي تريد..!؟؟(2)


فإدراكاً منها لتداعيات السيناريو الليبي المدمرة، وخشية أن توجه لها أسهم الإتهام مجدداً من كونها تسهم في عملية التخطيط لتدمير سوريا بعد ليبيا، سارعت الجامعة العربية وعبر خطوات مدروسة الى رسم خارطة طريقها الجديد الى سوريا غير آبهة بكل الإنتقادات التي وجهت اليها من قبل الرأي العام العربي على وجه الخصوص، بعد أن أهدرت حكمتها في قرارها الأول بتعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية وهي من الدول المؤسسة للجامعة وبعيداً عن الإجماع المطلوب في مثل هذه القرارات، لتعطف عليه قرارها الثاني بتشكيل فريق المراقبين العرب، الذي أخفقت تلك الجامعة نفسها بإقرار ما ورد في تقريره الختامي من الحقائق التي وثقها المراقبون على أرض الواقع وصادق على مصداقيتها رئيس هيئة المراقبة الفريق الدابي في مؤتمره الصحفي، لتأتي ثالثة الأثافي بقرارها الثالث، الذي بموجبه حملت ملف الأزمة السورية الى مجلس الأمن بأمل الحصول على قرار أممي يدين سوريا بمواصلتها العنف ضد المواطنين، ويعجل في إتخاذ التدابير الضرورية ل"حماية المدنيين" ويفرض تنحي الرئيس السوري من المسؤولية وتسليمها الى نائبه السيد فاروق الشرع، متجاهلة كل ما جاء من حقائق ثبتها فريق المراقبين العرب، بخصوص العنف المقابل الذي تمارسه الأطراف الأخرى ومن عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود الى داخل سوريا..!؟


الى هنا وبإيجاز، يمكن للمرء أن يتكهن ويتوقع المآل الذي قد تنتهي اليه خارطة طريق الجامعة العربية المرسومة لحل الأزمة السورية القائمة، ومن هنا أيضاً، يمكن له أن يرى طبيعة مسار تلك الخارطة ومدى "صدقية" مراعاة المصالح السورية كدولة ذات سيادة وعضو في هيئة الأمم المتحدة بوجه عام، أومصالح الشعب السوري على وجه الخصوص..!؟


 فمجرد ترحيل ملف الأزمة السورية الى مجلس الأمن، وحده كاف ليفضح كل خفايا المسار المذكور، وليس أدل على ذلك ما واكب تلك المسيرة من مواقف منحازة للتحالف الأمركي _ الغربي، الداعم والموحي بشكل مطلق لكل خطوات الجامعة العربية بشأن الأزمة السورية، بدءً من تعليق عضويتها في الجامعة وإنتهاء بوقف عمل فريق المراقبين العرب رغم تمديده لشهر آخر وموافقة سوريا على التمديد، بل ولأبعد من ذلك، القول بما تمخضت عنه الخطوة الأخيرة للجامعة العربية، وفي بداية طريقها، من تقديم لمشروع القرار "العربي _ الغربي" الى مجلس الأمن في الحادي والثلاثين من كانون الثاني الماضي، والذي تصدرت في دعمه كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ليحتدم بسببه النقاش على طاولة مجلس الأمن ولينتهي الأمر الى عدم إجراء  التصويت على القرار بسبب التهديد بإستخدام حق الفيتو من قبل روسيا والصين، ومعارضة عدد من الدول أعضاء المجلس للدورة الحالية، بمن فيهم دولة جنوب أفريقيا رئيس المجلس، وليستمر بعد ذلك التداول والنقاش بين الفرقاء في مجلس الأمن من أجل الوصول الى قرار يرضي رغبات التحالف الغربي _ العربي، ولكن إنتهى الأمر الى فشل تمرير مشروع القرار المذكور في الرابع من شباط الحالي، بعد فشل كافة المحاولات التي بذلتها أمريكا والحلف الغربي في إقناع روسيا والصين بعدم إستخدام الفيتو ضد مشروع القرار...!؟


الغرابة؛ أنه ولهذا الحد، فلن تتوقف الجامعة العربية من السير على هدى ما خططت له من قبل، من "خارطة طريق" بإتجاه الوصول الى الهدف المرسوم من قبلها بشأن الأزمة السورية، ويبدو الأمر وكأن أقطاب هذه الجامعة، قد أغمضوا أعينهم وسدوا آذانهم أمام جميع الطرق التي يمكن بإعتمادها لو توفرت النية الحسنة، فإنها ربما ستؤدي الى نزع فتيل الإنفجار، وتبعد عن المنطقة شبح كارثة إنسانية شاملة، تبدو علائمها بارقة في الأفق، ولكن يبدو أن أقل ما كان يسعى اليه أقطاب تلك الجامعة والخليجيون منهم بالذات، هو ما تم رسمه في خارطة طريقهم بإتجاه أن تجري عملية "التغيير" في سوريا على هواهم، وعلى ما تريده أمريكا وتحالفها الغربي، غير واعين لطبيعة وجذور الأزمة في البلاد، وأين تكمن حقيقة مصالح الشعب السوري والدولة السورية، ولكن جل ما كان يهمهم، هو أن تجري الأمور وفقاً لما رسمته أجندة التحالف الأمريكي_الغربي، وبموجب ذلك رسموا خارطة طريقهم في اللجوء الى مجلس الأمن لإستصدار قرار " التغيير" الذي تتطلبه الأجندة المذكورة، وليس أدل على ذلك من شنهم الحرب الإعلامية ومن خلال التجييش الإعلامي الذي تقوده الفضائيات الخليجية مثل قناتي "الجزيرة والعربية" والقنوات الفضائية الغربية المساندة،  مثل قناة ال_ ب ب سي على وجه الخصوص..!!؟
 

ولكن ولا غرابة أيضاً في واقع الحال، أن تأتي الأمور وكما رسم لها من قبل في حالة إخفاق تمرير مشروع القرار العربي _ الغربي في مجلس الأمن، فقد جاءت ردة الفعل الأمريكية_ الغربية_ العربية بعد الفيتو الثنائي من قبل دولتي روسيا والصين، في صورة فاقت في توقعاتها، كل حسابات التحالف المذكور، ولتبلغ في شدتها حالة من الإنفعال _ الهستيري _ على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف..!!؟


 أما على صعيد صاحب مشروع القرار والمقصود به "الجامعة العربية"، فكانت ردة فعلها عبارة عن حالة لا يمكن توصيفها إلا بأنها ضرباً من أشكال الإنتقام الذي يفتقر الى كل حكمة وبصيرة كان يفترض أن يتحلى بها قادة تلك المنظمة في مثل هذه الظروف، ليثبتوا وعلى أقل تقدير، بأنهم يحتكمون لمنطق العقل لا منطق الإنفعال، قبل الإنجراف وراء دوافعهم الذاتية وإلتزاماتهم التابعة، التي لا تخدم مصالح أعضاء المنظمة بأي حال من الأحوال، بل على العكس من ذلك، فإن قرار مجلس التعاون الخليجي بسحب سفراء دولهم من دمشق، وقرار الرئيس التونسي بالطلب من السفير السوري مغادرة تونس، وتجميد مجلس الشعب المصري لعلاقاته مع مجلس الشعب السوري، ناهيك عن قرار الجامعة العربية، سحب بعثة المراقبين المتواجدين في دمشق، إن جميع تلك الإجراءات، تثبت بلا منازع بأنها تعبير عن حالة الإحباط التي أصابت الجامعة العربية ممثلة بقيادة نبيل العربي ورئاسة دولة قطر، كما وتعبر عن تسرع لا يعني غير تعقيد للأزمة ودفعها بإتجاه إنفجار كارثي لا تعرف حدوده في المنطقة،  ناهيك عن الغليان الإنفعالي الذي خيم على خارجيات التحالف الغربي _ الأمريكي، لتأتي قراراتها متوافقة في مضامينها مع القرار العربي بسحب السفراء من سوريا، وأظهر كل هذا، بأنه لا ينم إلا عن تخطيط مسبق تبناه الحلف الأمريكي_ الغربي وتولت تنفيذه الأمانة العامة للجامعة العربية الحالية بقيادة دولة قطر..!!؟؟


وحينما أشرت في بداية هذه المقالة الى فحوى ومضمون القرار الأممي رقم/1937 في 17/3/2011 ، المتعلق بالشأن الليبي، إنما كنت أشير في الحقيقة، الى السيناريو المتوقع ل "خارطة طريق مجلس الجامعة العربية" بقيادة قطر والأمين العام السيد نبيل العربي، وما يمكن أن تبيته تلك الخارطة بالنسبة الى الدولة السورية_ عضو الأمم المتحدة وأحد المؤسسين لها، والعضو المؤسس للجامعة العربية_ من مصير لا يقل في آثاره ونتائجه عما حل بمصير دولة ليبيا؛ من تدمير للبنى الإقتصادية والإجتماعية التحتية، ومن إزهاق لأرواح عشرات الألوف من الإبرياء الليبين من المدنيين ب سلاح الناتو الشهير "حماية المدنيين"؛ لقد كنت في الحقيقة أحذر وأشير الى هذه التداعيات لقرار مجلس الأمن المذكور بشأن دولة ليبيا، وأعيد وأكرر في هذه المقالة محذراً من السيناريو الجديد المرسوم ضد سوريا؛ السيناريو الذي قد يختلف في أشكاله للتنفيذ وآلياته في التدمير، ولكنه لا يختلف في محتواه ومضامينه وفي جوهره وأغراضه القريبة والبعيدة وتداعياته المستقبلية عن جوهر القرار المتعلق بالشأن الليبي، والذي كان من حيث مضمونه خروجاً فضاً وإنتهاكاً للمادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما سبق وأن أتينا على ذكره في مقالات سابقة..!!؟؟

وليس من باب المغالاة القول؛ بأن ردود الفعل الحادة التي ظهرت على عدد من دول التحالف الغربي (أمريكا، بريطانيا، فرنسا، إلمانيا)، التي أعقبت فشل مشروع القرار العربي_الغربي بسبب الفيتو الثنائي لكل من روسيا والصين في الرابع من شباط الحالي، وتلك التي إنتابت دول مجلس التعاون الخليجي ومجلس الجامعة العربية، والتي أشرنا لها فيما تقدم، إنما تأتي برهاناً قاطعاً على ما حذرنا منه وما  يبطنه مشروع القرار العربي _ الغربي نحو دولة وشعب سوريا، فيما لو تم إمراره في مجلس الأمن...!!؟


 ولكن ومع كل ما يمكن أن يبنى على فشل تمرير القرار، والذي في جوهره لا يخرج عن تأثيرات حالة الصراع الدولي على صعيد مجلس الأمن، فإن إنعكاساته على الساحة السورية ستكون أكثر وضوحاً منها على الساحات الأخرى؛ وهذا ما عبرت عنه بوضوح، حالة إزدياد وتيرة العنف التي إجتاحت العديد من المدن السورية، والتي كان آخرها، التفجير الإرهابي في صباح العاشر من شباط الحالي والذي إستهدف  مدينة حلب، وقد سقط بسببه ما لا يقل عن 28 شهيداً وأكثر من 200 جريح من العسكريين والمدنيين بما فيهم عدد من الأطفال، ليعبر عن عمق الأزمة السورية من جهة، وعن فشل كافة "الحلول" بما فيها خيار التدويل أوخيار التدخل الأجنبي التي تطرح بعيداً عن منطق الحوار ، من جهة أخرى..!!؟؟

ومع كل ما أشرنا اليه فيما تقدم، فإن جلسة مجلس الأمن الأخيرة، قد كشفت وبوضوح عن حقيقة وجود العنف من الطرف الآخر، الذي حاولت الأمانة العامة للجامعة العربية تجاهله، بل والتعتيم عليه، من خلال حجبها لتقرير رئيس فريق المراقبة المرسل الى سوريا وبموافقتها من قبل الجامعة العربية، والأنكى من ذلك إعتراض أمينها العام على طلب حضور رئيس فريق المراقبين أمام مجلس الأمن للإستماع لأقواله...!!؟

إن كل ما يمكن قوله في ختام ما تقدم، وعلى وجه الخصوص؛ ما يتعلق بموقف الجامعة العربية من الأزمة السورية؛ هو هشاشة المواقف التي ظهرت عليها الأمانة العامة لهذه الجامعة، والتي جسدتها قراراتها المتعلقة بالأزمة السورية، تلك القرارات التي كشفت للعيان؛ بأن الجامعة العربية بتصرفها هذا، قد مثلت مجرد طرف منحاز في النزاع القائم حول الأزمة السورية، وهي قد وجدت مكانها فسيحاً في ربط وجودها مع خطط الناتو بالنسبة لتلك الأزمة، فإرتضت أن تكون حصان طروادة في محاولتها إستقدام التدخل الأجنبي، والإسهام المباشر وغير المباشر في التهيئة لتدمير دولة عضو من أعضاء هذه الجامعة كما حصل بالنسبة لدولة ليبيا؛ فبتحويلها ملف الأزمة السورية اليوم الى مجلس الأمن، تكون قد أثبتت باليقين الذي لا يقبل الشك، بأنها ماضية في مسيرها على نفس الطريق الذي سارت عليه من قبل بالنسبة لدولة ليبيا، ولا يغير في الأمر شيئاً إن إختلفت الأساليب والاليات ومجمل السيناريو؛ وما تصعيد العنف بعد فشل مشروع قرارها الى مجلس الأمن إلا أحد الأشكال الجديدة والمتوقعة ل سيناريو بديل في شكله على الأرض، بعد أن أخفق تنفيذ السيناريو الليبي بشكله الكلاسيكي..!!؟

 وما يعلن الآن عن خطط جديدة للجامعة العربية في إعادة تشكيل فريق للمراقبة مشترك مع ممثلين عن الأمم المتحدة، أو ما يشاع في الأمم المتحدة عن توزيع مشروع قرار سعودي يدعم خطة سلام عربية لسوريا، ضد نص مماثل في مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي، أو ما يقال عن بدء الجمعية العامة للأمم المتحدة مناقشة للوضع في سوريا يوم الاثنين القادم عندما تلقي نافي بيلاي مفوضة الامم المتحدة السامية لحقوق الانسان كلمة امامها، كل هذا يدخل في إطار البحث عن السيناريو البديل للسيناريو الليبي في التدخل بالشأن السوري الذي أخذ "التحالف الأمريكي_الغربي_العربي"، مواصلة السعي المحموم للتوصل اليه مهما بلغت الصعوبات والعراقيل...!!؟؟(3) 

وليس بعيداً عن ذلك، المساعي المتهالكة للجامعة العربية بإتجاه عقد مؤتمر القمة العربية القادم في بغداد في آذار القادم، حيث وبعيداً عن التكهن، فإن تلك المساعي وفي هذا الوقت بالذات، وفي ظل ظروف العراق والمنطقة الحالية، لا يمكن النظر اليها بعيداً عن تلك المحاولات التي ما إنفكت الأمانة العامة للجامعة العربية اللجوء اليها وإستخدامها، كوسائل شرعية لتمرير مشروع قرارها "العربي" المدعوم والموحى به من قبل الناتو؛ وما مؤتمر القمة العربية المنوي إنعقاده في آذار القادم، إلا أحدى تلك الوسائل المذكورة التي ستستخدمها الأمانة العامة المذكورة من أجل الحصول على تأييد ودعم المؤتمر لمشروع قرارها بالتدخل في الشأن السوري، والركض به الى مجلس الأمن مجدداً لتأطيره بقرار من الشرعية الدولية طبقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة..!!!؟؟   

ومع ذلك، يظل التساؤل مشروعاً حول دور الجامعة العربية في الأزمة السورية، والى أين تسير بها في نهاية المطاف..؟؟!!
10/2/2012
 (1)  قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
 (2)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=287449
 (3)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE81Q0FO20120211?sp=true


   

123
أمريكا تقود" ربيع " ثورات الشعوب..!!؟ (2_2)

باقر الفضلي


لا مغالاة في القول، ولا مبالغة في التوصيف، بأن هناك غير قليل من السياسيين والمفكرين والباحثين وبعض الكتاب، من يظن وبعضهم من يعتقد واثقاً، بأن ما أقدمت وتقدِم عليه أمريكا من منح مساعدات ودعم على كافة الأصعدة، الى شعوب البلدان الراسخة تحت نير وجبروت وهيمنة "الإحتلال الداخلي"، قد جعل من هذه الشعوب، وخاصة العربية منها، " ترفل" بفضل تلك " المساعدات" وهذا الدعم المعنوي والمادي، بنعيم " ربيع "  الثورات العربية،  الذي عجزت عن إستنهاضه كل شعوبها عبر دهور من الزمن؛ فيا لخيبة قادتها وسياسييها من حصاد هذا الربيع الحزين..!!؟؟   


فجميع توصيات الكونكرس الأمريكي الى الإدارة الأمريكية، ما إنفكت تؤكد على تقديم أكبر ما يمكن لهذه الإدارة من مساعدات الى شعوب تلك البلدان، من إجل " تحريرها" من كوابيس "الإحتلال الداخلي"، وأن لا تبخل في تحقيق ذلك مهما كلفها من مال وعتاد ومن الأنفس البريئة، ومن ركاب الخيل ومن كل غالٍ  ورخيص؛ ولم يألُ الكونغرس الأمريكي، جهداً في سبيل تحقيق ذلك؛ ولعل من أبرز الأمثلة التي شرعها بهذا الإتجاه، هو "قانون تحرير العراق" /1998- الدورة 105 للكونكرس الامريكي"..!!؟


ولسنا هنا بصدد البحث في تفاصيل القانون المذكور وفي أسبابه وتداعياته، بل في الواقع إن التذكير به، يراد منه تأكيد العزم الأمريكي المتواصل للتغيير المرغوب به حسب "وجهة النظر الأمريكية" إزاء تلك البلدان، إذا ما توفرت لذلك الظروف المناسبة، المحلية منها والدولية؛ وهذا ما تم حقاً وعلى صعيد الواقع، بما قررته وشرعته في قانون على مستوى الدولة في عام/1998 ، ثم أقدمت على وضعه حيز التنفيذ في آذار/2003 وهي واثقة من النتائج المُخطط لها قبل ذلك؛ وهكذا كُتِبَ على العراقيين أن يرفلوا في ربيعهم الجديد..!!؟


 أما فاتورة حساب " التغيير" ، فهي وفي أحسن الأحوال، لن ترقى على كلفة تهديم وتدمير بناء العراق القديم بكل مقوماته التأريخية والحضارية، و على أنقاضه، إعادة بناء "عراق جديد" في كل شيء، وبضمنها إعادة تسليح جيشه الجديد، حيث وعلى سبيل المثال، يأتي الآن الأعلان عن الصفقة الأولى للأسلحة الأمريكية الى العراق وبقيمة (11 مليار دولار)(1)، بينما يستعد الرئيس الأمريكي باراك أوباما لتسريع حملته من أجل إعادة إنتخابه في تشرين الثاني 2012 ،  وفي هذا الكثير من الدلالات لما تعنيه عملية " التغيير" بالنسبة للعراق، من وجهة النظر الأمريكية، ناهيك عما ستأتي به " إتفاقية الإطار الإستراتيجي"، والتي ستكون أساس العلاقة بين العراق والولايات المتحدة في المرحلة القادمة، وكما يبدو على المدى البعيد، بعد إنسحاب القوات الأمريكية في نهاية ديسمبر 2011،(2) من حصاد على كافة الأصعدة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية؛  بين طرفين ما زال أحدهما يتعثر بركام بقايا الخراب والدمار بعد مرور تسع سنوات من إحتلال مشين، وما إنفك ينوء مكرهاً في عين الوقت، تحت بنود وأحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، والآخر تجوب أساطيله كل بحار ومحيطات المعمورة، بما يملكه من جبروت وتسلط و" ديمقراطية أليكترونية" محمولة يديرها بالريموت كونترول، ليوزع " خيراته "  مشكوراً في " التغيير الديمقراطي" على المحتاجين من شعوب الأرض التي عصف بها الإستبداد..!؟


قد يبدو الأمر من وجهة النظر السياسية المعاكسة ولأول وهلة بأنه : مجرد تضبيب لصورة الولايات المتحدة الأمريكية أمام شعوب بلدان المنطقة، والمقصود بها الشعوب العربية على وجه التخصيص، وبنفس المفهوم المعاكس، يمكن القول ومن نفس وجهة النظر نفسها: بأنه لا يخرج في حقيقته عن الدوران في فلك  ما يسمى ب " المؤامرة الأمريكية"، وبالتالي ، فإن ما تعرض له العراق بالأمس وما تعرضت له ليبيا اليوم، ولا أريد أن أقول: وما سوف تتعرض له غيرهما في المستقبل القريب، يدخل في مجمله ضمن كلا التفسيرين، ولكن واقع الحال والتفسير المنطقي الموضوعي لما حدث البارحة ويحدث اليوم من حقيقة " التدخل الأجنبي" بهدف التغيير، لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن نظرية (المصلحة) كإطار عام للبحث، وهذا ما ينبغي البحث فيه بشكل أوفى وأعمق وعلى مختلف المستويات والأصعدة، ولا يخرج بعيداً عن ذلك البحث في مدلولات مقولة (توافق المصالح)، أو بمعنى آخر (تقاطع المصالح) وأبعادها المختلفة، رغم ما يكتنفه ذلك من إنعدام التوازن في ميزان القوى بين أطراف تلك " المصالح"..!؟؟


فإن كان هناك من تشابه في الحالتين العراقية والليبية من حيث الواقع والظروف الموضوعية لكلا البلدين، فهو ينحصر في حقيقته من الناحية الشكلية على أقل تقدير في أمرين: أولهما _ مصالح داخلية لفئات وطبقات معينة في  كلا البلدين، وقد إشتركت في بعض أهدافها القريبة والقصيرة في مداها الزمني، رغم ما يكتنفها، في الغالب الأعم، من تناحرات وتعارضات داخلية ولأسباب مختلفة، منها قومية أوإقتصادية أودينية طائفية، مع أهداف إستراتيجية بعيدة المدى بعض الشيء، للولايات المتحدة الأمريكية، في ضرورة إحداث تغييرات قد تكون شبه جذرية، في مواقع القوى الداخلية القائمة في تلك البلدان، تمنحها الفرصة في إمكانية تسلم السلطة في البلد المقصود من خلال الجهد المشترك الذي تقرره مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، المتمثلة بشمولية النظام الرأسمالي التي لا تحدها حدود، ولا يحكمها زمن معين، مع ما تسوغه قوانينها المقرة من قبل الكونغرس الأمريكي..!


ثانيهما _ فإنه وطبقاً لمقولة "تطابق المصالح" المستندة الى قاعدة "الأهداف والغايات المشتركة" والمعبر عنها إصطلاحياً بمقولة "تقاطع المصالح"، يصبح من تحصيل الحاصل، أن تبحث كافة الأطراف وبالخصوص الطرف المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية عن الطرق والذرائع، بما فيها الأحداث العرضية، وكافة الوسائل الميسرة لعملية التغيير على المستوى الفوقي للسلطة، والمطلوبة في أي من البلدان المقصودة ب" المساعدة"؛ ومن هنا ومن منطق "المسلمات المنطقية"على سبيل المثال، أن لجأت الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو الى ذريعة "التسلح النووي" كشبهة إتهام جرى نسبها الى النظام الدكتاتوري العراقي، بعد دعمها بكل الوثائق والمستمسكات المطلوبة، بما فيها تلك المزورة وغير الحقيقية، وهذا ما إعترفت به أطراف معينة من قادة الإدارة الأمريكية، وإستخدامها كمبرر ومسوغ منطقي لشن الغزو الأمريكي على العراق في 8 آذار/2003، حتى دون ما يسنده من قرار أو تفويض دولي شرعي، مما نجم عنه تناقض حاد بين مبدأ (السيادة) للدول أعضاء الأمم المتحدة، والذي يمثل الركن الأساس لميثاق الأمم المتحدة، وبين حالة ( حقوق الإنسان) التي جرى تكييفها طبقاً للمصالح الإستراتيجية للدولة الكبرى..!!؟


الأمر نفسه فيما يتعلق بالشأن الليبي، فالذريعة التي لجأت اليها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الناتو، لا تقل في "ابعادها الإنسانية" عن سابقتها في الحالة العراقية، وكليهما إشتركا في مسوغ واحد هو "حماية المدنيين"؛  معبراً عنه بالحماية من الإشعاع الذري لصدام حسين، أو بالحماية من رصاص وقذائف مدفعية القذافي، والأمر سيان في الحالتين من حيث النتيجة؛ فتساقط الضحايا الأبرياء من المدنيين، جراء القصف والغارات الأمريكية وحلفائها في حلف الناتو، لا يغير شيئاً طالما هو يصب في النهاية في محصلة الهدف الذي قررته الولايات المتحدة الامريكية من وراء غزوها  لكلا البلدين؛  فالأمر في النتيجة، ينحصر في كلتا الحالتين في " تحريرهما" من "الإحتلال الداخلي" الذي يخيم على رقاب الناس، والذي في أغلب الأحوال يتشح بلباس الديكتاتورية والإستبداد، أما ما سوف يسقط من ضحايا إبرياء، وما سيتم تدميره من بنى تحتية للإقتصاد والمجتمع، وما سوف يتسبب في إجهاض وقطع الدورة الإقتصادية_ الإجتماعية للبلدين، فهو وفي أسوء الأحوال لا يمثل غير جزء من  الثمن المطلوب لهذا "التحرير"، طبقاً لتعليقات البعض من السياسيين والمثقفين، ممن لا يجدون غضاضة في الإحتلال ، وممن قد إرتبطت مصالح بعضهم الذاتية أوالفئوية أوالحزبية، والتي صيغت في شعارات سياسية براقة، ب "المصالح والأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى" للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، حيث ليس من الغريب، وبعيداً عن أية تكهنات أو إفتراضات، أن تلتقي إجندات خاصة  للبعض في أهدافها، مع أجندات دولة كبرى من قريب أو بعيد...!!؟؟                             


أما على الصعيد الموضوعي القريب للواقع، فكان من قبيل الصدف أن يشترك البلدان ( ليبيا والعراق) في إمتلاكهما لكنزين عظيمين من كنوز الطاقة، وهو (البترول والغاز)، بما تميز به في الحالتين؛ من إنخفاض في كلفة الإستخراج من جهة، وفي النوعية الجيدة للمنتوج؛  مما شكل وفي الحالتين؛ العربون الأكثر ضمانة للولايات المتحدة الأمريكية ولحليفتيها التقليديتين كل من بريطانيا وفرنسا والتابعين الأخر مثل كندا وإيطاليا وغيرهما من دول الناتو "العتيد"، ومن جانب آخر، الحافز الأكثر إغراءً لغزو وإحتلال البلدين، ليعيد التأريخ نفسه، وخلال قرن من الزمن، تراجيديا إعادة إحتلال المستعمرات القديمة، والسطو على ثروات شعوبها، بما تمتلكه من كنوز مصادر الطاقة، وتحويلها الى حلقات ضعيفة جوفاء في عالم العولمة الرأسمالي الصاعد؛ حلقات سيكون مآلها الى الإنحلال والضمور، مع نضوب آخر برميل من النفط الذي ستشفطه "ماكنة الديمقراطية الأمريكية" وحلفائها، على مدى سني عمر الإحتياطي النفطي الموجود في آبار تلك الكنوز..!!؟؟ 


وفي جميع الأحوال، وبعيداً عن الخوض في تفاصيل مجريات الأحداث، فإن الأمور، وكما يقول المثل العربي، إنما تقاس بنتائجها، ويكفي الجميع مثلاً وعبرة هنا، ما آلت اليه نتائج " التدخل الأجنبي" بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الدولي، بالنسبة لمثلينا في ليبيا والعراق؛ كما ولا يحتاج المرء هنا للخوض بجملة تفاصيل وجزئيات تداعيات "التدخل الأجنبي" على تلك البلدان، رغم ما يمتلكه مناصرو التدخل من حجج وأسانيد قد تكون مدعومة بوقائع لا يرقى اليها الشك من حيث مصداقيتها، أو قد تبدو منطقية في منطلقاتها، ولكنها وعلى صعيد الواقع المنظور والمرتقب، لا يمكنها أن ترقى في نتائجها، الى مستوى الطموح في التغيير، التي كان ينشدها الشعب من وراء ذلك، إن لم تكن على العكس مما كان متصورا، إذا ما أخذت الأمور في جميع مراحلها بمقاصد حسن النية؛ أو كما يقول المثل العربي :( لم يأتي حساب الحقل مطابقاً  لحساب البيدر) كما توهم ويتوهم أنصار " التدخل الأجنبي"..!!!؟؟(3)


خلاصة الأمر؛ فإن المنطق السليم وجدلية عمل قوانين التطور والتغيير الإقتصادية _ الإجتماعية لا يمكن أن ترى في تفضيل " العامل الخارجي" ، بإعتباره ووفقاً للقائلين به، أحد العوامل الحاسمة في حل الصراعات والتناقضات الداخلية في المجتمع، وبما يعنيه في النهاية إستدراجاً ل" التدخل الأجنبي" مع ما قد يترتب عليه من النتائج؛ بل يبدو من وجهة نظر تلك القوانين، مجرد إستباقاً للأحداث، وقفزاً لا موضوعياً على ظروف ومتطلبات قوانين حركة الواقع، بما قد يجره ذلك، من تداعيات كارثية غير محسوبة الحدود على الشعب والوطن..!!؟ 
31/12/2011
______________________________________________________________   
(1)    تقارير: واشنطن ستبيع أسلحة للعراق بقيمة 11 مليار دولار رغم المخاوف بواسطة EFE
(2)    http://www.alfayhaa.tv/news/iraq/71417.html
(3)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=287449




     


















   

 








   

124

سوريا: إشكالية التغيير و"التدخل الأجنبي"..!
 
باقر الفضلي

لا أظن بعد سماع كلمات السيد برهان غليون، رئيس تجمع ما يسمى ب "المجلس الوطني السوري" المعارض، في إجاباته على أسئلة مراسلة وكالة أنباء  DW_TVبتأريخ 26 /9/2011،  ما يدفع للشك أو للتكهن بما قد  تؤول اليه الأوضاع في سوريا، وطبقاً لمنطلقات السيد غليون، من إنزلاق الى المجهول والى مصير لا يتمناه المرء حتى الى عدوه، كما يقول المثل العربي..!؟ (1)

فالسيد برهان غليون ومثله السيد عبد الحليم خدام، وهما يعتبران اليوم من أقطاب المعارضة السورية المتواجدة في الخارج والمدعومة من قبل ما يدعى ب "المجتمع الدولي"، تراهما يقفان في مقدمة الداعين، بل والساعين الى جلب التدخل الأجنبي بالشأن السوري، بل وربما الأخير منهما في لقاء مماثل مع bbc، يذهب أكثر بعيداً في طلب التدخل العسكري، عن طريق مجلس الأمن،  أو على حد ما  أسماه السيد خدام  ب  "المجتمع الدولي"، من أجل إسقاط النظام القائم..!(2)


وليس من باب الغرابة في شيء، أن يتبادر للذهن، ما يمكن أن تكون عليه الحجة والسند الذي يعتمده الداعون الى "التدخل الأجنبي" ، لتبرير ما يدعون اليه، مع عمق علمهم وتيقنهم بضخامة وهول حجم الكارثة الإنسانية والإقتصادية والتراثية والحضارية، التي سيلحقها مثل هذا التدخل بحال الشعب والوطن، لو قدر له الحدوث؛ ويكفيهم في ذلك مثلا، ما لحق بتلك البلدان التي سارت "بعض معارضتها" على هذا الطريق، من دمار وخراب وكوارث إنسانية، لا زالت شواهدها شاخصة للعيان حتى اليوم، هذا في وقت لم تعدم فيه الحياة، السبل والبدائل النضالية المختلفة أمام الشعوب، لتقويم الإعوجاج وإصلاح ذات البين ، ولكن ليس منها الإنتحار وإهلاك الضرع والزرع وتدمير الضياع والعمران؛ فالشعوب المظلومة ما أنفكت تجترح المعجزات..!!؟


ف الحجة بما فيها وما عليها، والتي يعتمدها دعاة "التدخل الاجنبي" كذريعة لطلب هذا التدخل، فإنها ومهما بلغت مؤشرات وملامح وجودها كحقيقة ملموسة في الواقع، تظل محكومة في إستمرار ذلك الوجود أو عدمه أو تغييره،  ب إرادة شعبية جمعية، تجد تعبيرها، وفي معظم الحالات، في تجسيد شعبي عام، يأخذ في الأعم الأغلب أحداً من أشكال مختلفة، كالإضراب أو التظاهر أو الإعتصام، أو كألإنتفاضة أو الوثبة أو حتى الثورة الشعبية، كدليل جمعي وحسي ملموس على رفض النظام القائم في حينه، وذلك  بتغييره أو المطالبة بإجراء إصلاحات معينة ومحددة في بناه الهيكلية و...الخ من المتغيرات الدستورية والقانونية..!   


فإنه وإستطراداً مع دعوات الداعين للتدخل الأجنبي في الشأن السوري، لدرجة تدويل الأزمة السورية وإحالة ملفها الى مجلس الأمن والجري وراء ما يمكن أن يقرره المجلس المذكور من قرارات تمهد الطريق أمام دعاة التدخل لقلب نظام الحكم القائم والتسلم  أخيراً مقاليد السلطة، وليس مهماً بعد ذلك ما يمكن أن يؤول اليه تطبيق تلك القرارات على صعيد الواقع من تداعيات أقل ما يقال عنها، أنها ومهما بلغت من رقة وإنسانية في "حماية المدنيين"، فلا تكون في أحسن الأحوال بأفضل من سيناريو التدمير الذي تعرضت له ليبيا بهدف إسقاط النظام..؛ أقول ومن هنا تصبح الدعوة للتدخل الأجنبي بهدف "التغيير" ، وبشكلها المعلنة به من قبل أشخاص محددين، أو تجمعات سياسية تشكلت لهذا الغرض؛ إنما تمثل قفزة في هواء ساخن، وإنطلاقاً من على أرضية هشة، لن تقوى بعد على حمل كل ثقل تلك التراكمات اللاإنسانية، التي باتت تمثل ظاهرة كالحة لكل نظم الإستبداد في العالم منذ القدم وفي الحاضر...!؟


فحيثما تقترب فيه تلك التراكمات من  حدود الأزمة على الصعيد الإجتماعي، وفي وقت لم تبلغ فيه بعد، أدوات وآليات التغيير المطلوب، ذلك المستوى من القدرة والنضوج، بما يتناسب وإمكانية إدارة حالة الصراع الداخلي القائمة في المجتمع لصالح التغيير؛ وبالخصوص، عندما تكون فيه محددات الصراع الداخلي، وفي مقدمتها حالة التوازن في ميزان القوى بين أطراف الصراع الداخلي نفسه، أكثر ميلاً للإتجاه المعاكس للقوى المنادية بالتغيير، حيث  السلطة والدولة في الطرف الآخر، بكل ما تعنيه من جبروت وتحكم في نهايات ونتائج ذلك الصراع، يصبح من بديهيات الأمور، أن تأتي النتائج على عكس ما أرادته وخططت له قوى التغيير في المحصلة الأخيرة، خاصة إذا ماكان العامل الذاتي لقوى التغيير لا زال يعاني من قصور منظور في القدرة والتحكم حتى درجة العجز..!


إن عدم إدراك تلك الحقيقة الموضوعية، وفي وقتها المناسب، من قبل غير قليل من قوى المعارضة الوطنية، قد دفع ولا زال يدفع، وفي كثير من الأحيان، الى ركوب أمواج التطرف في وقت وفي ظروف لم تعد بعد مناسبة لتبني شعارات متطرفة، أوإعتماد تكتيكات لم ينضج بعد آوان إستخدامها، وبالتالي فإن ما يدور من سجال حول تمسك البعض بمقولة العامل الخارجي، إنما هو نتاج ذلك الواقع المرير، والذي من أحد أسبابه الجوهرية،  إيغال أنظمة الإستبداد في القمع والإضطهاد، مما يدفع من الجانب الآخر، الى تصاعد النداءات الداعية الى الإصلاح  والتغيير، ناهيك عن الدور الذي تخطط له قوى خارجية ولمصالح خاصة، في إستغلال مثل هذا الواقع لتحقيق تلك المصالح والغايات..! (3)


  ولكنه ومع ذلك، فإن الأمر في الحالة السورية، وإن كانت لا تخرج في جوهرها وأسبابها عما تقدم، قد ذهب الى أبعد من ذلك عندما سوغ البعض من التجمعات السياسية المعارضة لنفسه، وكما ورد في أعلاه، ولغرض تجاوز حاجز التباين الملحوظ في ميزان القوى في حالة الصراع الداخلي من أجل التغيير، "شرعية اللجوء" الى سلاح "التدخل الأجنبي" بصيغته المجربة في ليبيا وما قبلها، بإعتباره الحل الوحيد أمام الشعوب التي تواجه النظم الإستبدادية، وهوسلاح وكما أثبتت الوقائع التأريخية القريبة، أن (في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب)، وفي هذا وحده ما يكفي من الدلائل والعبر والدروس للداعين الى اللجوء لمثل هذا السلاح المدمر، في نفس الوقت الذي يضع فيه النظام نفسه أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية والتأريخية في تجنيب الشعب السوري، الطامح للتغيير والإصلاح الحقيقي، ويلات وكوارث ما قد تجلبه الحروب المحتملة، وما قد يجره العنف والعنف المضاد من آلام لا حدود لها في معيار النتائج، فهل لكم  فيما يتطلبه الأمر في مثل هذه الحال، شيْ من الحكمة والتبصر يا أولي الألباب ..!!؟؟
14/12/2011
_____________________________________________
(1)  http://www.youtube.com/watch?v=6luoXjqqmlU&feature=related
(2)‫http://www.youtube.com/watch?feature=endscreen&NR=1&v=xQdc04a1BMk
(3)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=283715


125
سوريا: هل كان قرار الجامعة العربية حكيما..؟؟!!

باقر الفضلي

ربما.. وأقول ربما للتخفيف من وقع فرضية التكهن؛ بأن أمريكا ومن ورائها حلفائها من دول حلف الناتو، كانت تنتظر وعلى أحر من الجمر، اللحظة المرتقبة والخطوة المنشودة والمتخذة من قبل الجامعة العربية، بعد أن نجحت وللمرة الثانية خلال ثمانية أشهر، من دفع شركائها من عرابي جامعة الدول العربية، بتهيئة الأرضية المناسبة للغطاء القانوني والشرعي، للتدخل العسكري، بكل أبعاده اللوجستية والإقتصادية، لتفرض ما سبق أن قررته بالنسبة للشأن الليبي وما تحضره اليوم بالنسبة للشأن السوري، ولتنفرد أخيراً وبكامل مشيئتها، من تحقيق أهدافها المرسومة للمنطقة؛ فأمريكا وحلفائها في حلف الناتو هم من يرفع اليوم راية "التغيير" في المنطقة، وهم من رعى ويرعى قولاً وعملا، وبالمؤازرة اللوجستية والإعلامية لدول التعاون الخليجي وعلى رأسها قطر والسعودية،  "الربيع العربي" الذي إقترنت به ما أصطلح عليها ب"الثورات العربية" فأي غرابة أن تصبح سوريا الهدف الجديد في خطة الطريق الأمريكية المرسومة لمنطقة الشرق الأوسط، بما تكتنزه من مصادر الطاقة الرخيصة من نفط وغاز..!!؟


فكل ما تناوله قرار الجامعة العربية الأخير والصادر بتأريخ 12/11/2011، يمهد للأرضية الملائمة للتدخل العسكري من جانب امريكا وحلفائها من دول حلف الناتو، من خلال الغطاء الشرعي والقانوني، الذي ستسعى أمريكا وحلفائها الى إستصداره من مجلس الأمن، كما هو الحال بالنسبة للسيناريو السابق في التعامل مع الشأن الليبي، وربما مع بعض التعديلات والتحويرات على الصعيد التطبيقي والتكتيكي الذي ستلجأ اليه الدول المذكورة، وهو بحد ذاته يعتبر سابقة غير محمودة العواقب بالنسبة لكافة الدول العربية أعضاء الجامعة..!!؟(1)


فأقل ما يميز محتوى القرار المذكور، إذا ما إبتعد المرء عن إشكالية لا قانونية القرار لتعارضه مع أحكام ميثاق الجامعة العربية، هو ما إتسم به من إستعجال مفرط، لدرجة لم ينتظر معه من وقعوا على القرار من وزراء الخارجية العرب، حتى أن يجف حبر كلمات (المبادرة العربية) التي اعلنتها الجامعة العربية بتأريخ 2/11/2011 ووافقت على تنفيذها الحكومة السورية، والمتعلقة بمقترحات اللجنة الوزارية للجامعة لإنهاء الأزمة السورية، ناهيك عن كونه جاء وكأنه يمثل إنعكاساً وإستجابةً لمناشدات ومطالبات الخارجية الأمريكية من جامعة الدول العربية، بعزل سوريا وإستصدار العقوبات الإقتصادية بحقها، مما أضفى على القرار حالة من الضعف الموضوعي واللاواقعية وعدم الإستقلالية، ناهيك عما شابه من تبعية واضحة للعيان للتوجه الأمريكي _ الغربي، بالإضافة عن كونه صنع الأرضية المناسبة للتوجه المذكور المدعوم بغطاء "المشروعية العربية"، لتنفيذ خطط التدخل العسكري في الشأن السوري، وتحت نفس الذرائع والحجج التي بنت عليها مشروعها في التدخل في الشأن الليبي إن لزم الأمر..!


ولعل في ترحيب الرئيس الأمريكي وقادة دول الناتو بصدور قرار الجامعة العربية بحق سوريا، بتعليق عضويتها في الجامعة العربية، والإشادة التركية المتميزة بالقرار المذكور(2)، الكثير من الدلالات على عدم الحكمة في إصدار مثل هذا القرار من قبل وزراء الخارجية العرب، في الوقت الذي تناسوا فيه، تداعيات قرارهم السابق بتعليق عضوية ليبيا، والتي جاءت وبالاً على الشعب الليبي، وعلى الوف المدنيين الذين عصفت بهم قنابل وصواريخ طائرات الناتو..!!؟(3) 


إن كل ما يقال عن إفتراضات التدخل الأجنبي في الشأن السوري، وهو في واقعه إن حصل، لا يمكن أن يكون بعيداً عن التدخل العسكري المدمر، المدعوم بغطاء الشرعية الدولية، وفي ظل عباءة "النخوة العربية"؛ إنما يعززه ما جاء في مضمون قرار الجامعة العربية آنف الذكر، وبالذات ما إحتواه مضمون الفقرة الخامسة من القرار، والتي تدعو فيه الأمين العام السيد نبيل العربي وعلى وجه السرعة( خلال أربعة أيام)، الى الإتصال بالمنظمات الدولية المعنية بما فيها الأمم المتحدة ومنها حقوق الإنسان ، لإتخاذ الإجراءات المناسبة "لحماية المدنيين" السوريين من إعمال القمع التي يمارسها النظام السوري بحقهم، في نفس الوقت الطلب من قوى المعارضة التنسيق مع الجامعة العربية بشأن «رؤية موحدة للمرحلة الانتقالية المقبلة».، الى جانب دعوة الدول الاعضاء في الجامعة الى سحب سفرائهم من العاصمة السورية..!؟


  وفي هذا ذروة ما يُرتجى لتمهيد الطريق أمام إصدار قرار دولي من مجلس الأمن تحت ذريعة "حماية المدنيين" جرياً على ما جرت عليه العادة في إستحصال القرار الخاص بليبيا سابقاً، ليضفي بذلك "شرعية دولية" على التدخل العسكري الذي تحتاجه أمريكا وحلفائها في الناتو ومنها الجارة الشمالية تركيا بما تخطط له من إنشاء "ملاذات آمنة" مدعومة ب"الحماية الدولية" على الحدود السورية _ التركية، لتستخدم في النهاية بمثابة قواعد إنقضاض معاكس للمعارضة ولتجميع السلاح عندما تتفاقم الأحوال الأمنية، إضافة لمن يلوح بطلب ذلك التدخل من بعض أقطاب المعارضة السورية، دون مراعاة لما قد يستتبع ذلك من دمار وكوارث إنسانية لا يمكن للمرء التكهن بحجم نتائجها، ولا بعواقبها الوخيمة على مستقبل الأجيال..!؟


لقد كان في المبادرة العربية، التي إقترحتها اللجنة الوزارية للجامعة العربية على النظام السوري، في الثاني من نوفمبر الجاري، ما يفيد من الأسس والإجراءات، بما يساعد على التخفيف من وطيس لهيب الأزمة، وما يدفع بما يساعد على حقن الدم السوري، وما يضع النظام أمام مسؤولياته في تحقيق الإصلاحات المطلوبة، لو جرى حقاً التمسك بالموقف العقلي والحكمة المطلوبة، من قبل جميع الأطراف المعنية وفي مقدمتها الجامعة العربية، بإعتبارها الجهة الأكثر وجاهة والأقرب الى جميع الأطراف على الصعيد الرسمي والشعبي، ولها في ميثاقها من الإلتزامات ما يؤهلها للتفتيش عن الحلول الأكثر صلاحية وسلمية في حل إشكالية أزمات دولها الأعضاء..!!


ولكن وعلى عكس ما تقدم، فقد إندفعت الجامعة المذكورة، وعلى الرغم من جميع حججها ومبرراتها،  بالقفز على مبادرتها المشار اليها في أعلاه، لتنتهي وخلال فترة قصيرة جداً من إقتراح تلك المبادرة، الى إصدار قرارها بتعليق عضوية الدولة السورية، بكل ما قيل بصدده مما تقدم، لتقطع الطريق أمام جميع سبل الحل السلمية، ومنها طريق الضغط على النظام في الإستجابة لبنود المبادرة، ومنح الشعب السوري فرصته في فرض طلباته المشروعة، مما أسدل على المبادرة نفسها جداراً من الصمت، يتماهى مع تصريح وزير الخارجية الفرنسية، الذي أعلن عن موت المبادرة بعد صدورها مباشرة ويا للغرابة..!!؟


من هذا المنطلق، وإن كانت تداعيات وعواقب قرار الجامعة العربية    في إساسها إفتراضية حتى هذه اللحظة، رغم أنه مصرح بجواز حدوثها وفقاً لتصريح السيد برهان غليون رئيس أحد كتل المعارضة "المجلس الوطني السوري" في تصريحه في موسكو 15/11/2011(4)، لا يجد المرء أمامه من خلال هذا المشهد الضبابي المشوش والملتبس حتى بالنسبة لقوى المعارضة السورية نفسها، غير الدعوة الى التعقل والحكمة في مثل هذه المواقف، مهما بلغت مبراراتها وأسبابها ومرارتها، لما ما يحتمل أن يجره الإنخراط في مثل هذه الحسابات، من تداعيات خطيرة على مجمل مسيرة الشعوب في نضالها من أجل التخلص من جبروت أنظمة الإستبداد والدكتاتورية والحكم الفردي، فعمره ما كان التدخل الأجنبي طريقاً حافلاً بالمسرات، إن لم يكن الطريق الى جهنم دائماً مفروشاً بالنيات الحسنة؛ وفي تأريخ الشعوب على إختلاف سننها ومشاربها، القريب منها والبعيد، الكثير من حكم ومعاني الأحداث،  ما يجدي لمن يتبصر بعواقب القرارات السريعة، ولمن يستعجل النتائج قبل حلول آوانها...!؟
14/11/2011       
___________________________________________     
(1)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE7AB0J920111112?sp=true
(2)   http://arabic.cnn.com/2011/syria.2011/11/13/Syria.Suspension-reax/index.html
(3)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=281800
(4)   http://ar.ria.ru/aworld/20111115/372653602.html

126


ليبيا : الناتو و"حماية المدنيين"..!!؟

باقر الفضلي

الذريعة "إنسانية" والوسيلة عدوانية..!!

تمكنت الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في حلف الناتو من جر الشرعية الدولية ممثلة بمجلس الأمن الى فخ القرار  رقم/ 1973 في 18/3/2011 القاضي بإستخدام القوة المسلحة ضد دولة ليبيا تحت ذريعة "حماية المدنيين"؛ وهي لعمري من الذرائع التي تسكب لها العبرات، لما فيها من "دوافع إنسانية"، وتخرس أمامها الألسن، لما فيها من "حجج وتبريرات منطقية"..!


 وهكذا تمكنت أمريكا وحلفائها في "الناتو" من تحقيق نصرهما الأول دون إزهاق روح واحدة من جنودهما في "ساحات الحرب" المفترضة في ليبيا، متجاوزين بذلك تجربتهما في العراق وأفغانستان، وقبلها في فيتنام وكوريا، ليخرج "الناتو وأمريكا" مكللين ب "النصر العظيم"، وليقبر معمر القذافي وولده في عمق الصحراء، دون إشارة أو شاخص دليل، بما مثله ذلك من إستهجان للنفس البشرية وإنتهاك لمباديء حقوق الأنسان..!


القرار الأممي 1973 رغم كل ما شابه من هنات وغموض، وكل ما قيل بصدده من نقد وملاحظات من قبل بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهذا ما أتت عليه المقالة الموسومة ( ليبيا: بين سندان الشرعية الدولية ومطارق الإحتلال)(1)، فأنه وعلى الصعيد العملي والميداني، يمثل إنعطافاً حاداً  في تأريخ الشرعية الدولية، خاصة فيما يتعلق بآليات حفظ الأمن والسلم الدوليين، وفي الموقف من مبدأ سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وطرق حل النزاعات بينها وفقاً لأحكام الفصلين السادس والسابع من ميثاق المنظمة المذكورة، وهذا ما تناولت بعضه المقالة المشار اليها في أعلاه، كما وإنه من الجانب الآخر، يعتبر إحد إنعكاسات تداعيات الخلل الذي إنتاب ميزان القوى على الصعيد الدولي بعد إنهيار "الإتحاد السوفييتي"، حيث بات التوازن الدولي على صعيد المصالح المتباينة للدول العظمى، محكوماً من قبل القطب الأقوى، مما أصبحت تأثيراته واضحة في نتائجها السلبية حتى في مضمار نشاط هيئة الأمم المتحدة وفي طبيعة بناء قرارات مجلس الأمن، وهذا ما إنسحب في تأثيره وتداعياته السلبية على نضال الشعوب المناضلة من أجل حريتها كالشعب الفلسطيني على سبيل المثال، أو تلك الرازحة تحت أنظمة حكم إتسمت بالإستبداد والدكتاتورية، وما القرار 1973 في 18/3/2011 بشأن ليبيا، إلا من الأمثلة الحسية على تلك الحقيقة..!


ف "حماية المدنيين"؛ تلك العكيزة التي بنى القرار الأممي المذكور حيثياته عليها، كانت في الحقيقة  تحمل في طياتها وفي كل كلمة من جملها المعسولة، كل نذر الموت الزؤام، لأولئك المدنيين الليبيين، سواء من صدقوها أو من نظروا اليها بعين الريبة والتساؤل، أو أولئك الأبرياء من الذين أسلموا أمرهم الى حظهم العاثر الذي أوقعهم بين فكي كماشة الموت، فأحالت قنابل الناتو مدنهم وملاجئهم المتواضعة الى مقابر جماعية، إختلطت فيها جثامين الشيوخ والأطفال والنساء والمحاربين من كل صوب وحدب(2)، لتتحول حقيقة "حماية المدنيين" طوال سبعة أشهر من القصف المتواصل لطائرات الناتو، الى مجزرة دموية وعنوان لتراجيديا ليبيا المدمرة؛ شعباً مطارداً وبنى تحتيةً محطمة، وأملاً ملتبساً ومستقبلاً مهزوزا، وثروةً منهوبة..!


ليس الهدف في هذه المقالة الدخول في تفاصيل الأحداث أو البحث في الدوافع التي تقف وراء إصدار قرار مجلس الأمن، ولا حتى في البحث وراء شرعية أم عدم شرعية أو وطنية طلب التدخل الأجنبي بهدف التغيير الداخلي، فهذا ما أشرنا اليه سابقاً في المقالة المنوه عنها في أعلاه وفي المقالة التي سبقتها حول الشأن الليبي والموسومة ( ليبيا: بين الثورة والتثوير)(3) ، بقدر ما أردنا أن نلفت النظر اليه هو جسامة حجم الضحايا البريئة من المدنيين الليبيين، التي جاوزت اعدادها عشرات الألوف من مختلف الأعمار والأجناس، التي سقطت بفعل قنابل وصواريخ الناتو، ناهيك عن حجم الخراب والتدمير الذي أصاب الهياكل الإقتصادية للبلاد، ما يستثير التساؤل المشروع عن الجهة التي تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية جراء التطبيق الأعمى والمقصود لقرار مجلس الأمن 1973، بهذا الشكل الهمجي، وعن مدى حدود دور ومسؤولية الشرعية الدولية في تعقيب ومراقبة الجهات التي يناط بها تنفيذ قراراتها الأممية، والتداعيات السلبية لذلك التنفيذ على مصالح الشعوب التي تتعرض الى مثل تلك القرارات، ولعل الأنكى أن تعهد الشرعية الدولية في تنفيذ قراراتها الصادرة وفقاً للفصل السابع من ميثاقها، الى نفس الجهات المدعية والجائرة بالشكوى، تحت ذريعة إنسانية، سُخِرت لها أشدُ عناصر الفتك والدمار من الآلة الحربية. فهل يا ترى  أخذت الشرعية الدولية في إعتبارها تلك النتائج المأساوية لتنفيذ قرارها بالحسبان..؟!


إنه ومن نافل القول، أن تكون الإجابة بالنفي، طالما كان المتحكم بقرارات مجلس الأمن هي نفسها الدول المناط بها شؤون صيانة الأمن والسلم الدوليين، من الدول الخمس الكبرى، وطالما هي نفسها من يتحكم سياسياً وميدانياً بهذه الشؤون، بما تمليه عليه مصالحها، وبما وفره لها ميثاق الأمم المتحدة من سلاح (حق الفيتو)، الضامن الفعال لتلك المصالح بوجه أي قرار ترى فيه تهديداً لتلك المصالح؛ فلا غرابة والحال، أن تطحن "ماكنة الناتو" الألوف من المدنيين الليبيين الأبرياء، من أجل "حماية المدنيين"  من بطش الدكتاتور، فالمصالح دائماً هي فوق أي إعتبار..!!؟
31/10/2011         
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=251545
(2)   http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=66913
(3)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=251199





           



127
فلسطين: بداية الطريق....!

باقر الفضلي

لقد أثبت خطاب الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، الذي ألقاه من على منصة الأمم المتحدة يوم 23/9/2011، بأنه الخطوة الأولى في الطريق الصحيح، وأنه فقط البداية الواثقة والرصينة لمسيرة الكفاح القادمة من أجل تحقيق أمل الشعب الفلسطيني في إسترجاع حقوقه المسلوبة، وفي مقدمتها حقه في إعلان دولته الحرة المستقلة والإعتراف بها دولياً، وتثبيت حق العودة على صعيد الممارسة الميدانية، كما وأنه قد رسم الطريق بإتجاه إنهاء الإحتلال الإسرائيلي المنبوذ دوليا، وإسقاط " مشروعية" الإستيطان في الأراضي الفلسطينية، وما يماثلها من تهويد القدس الشرقية..!


لقد ترجم هذا الخطاب، الغني في مدلولاته والعميق في معانيه، حدسنا وتقديرنا؛ من كون خطوة الذهاب الى الأمم المتحدة التي أقدمت عليها منظمة التحرير الفلسطينية، كان لها ستراتيجيا؛ الكثير من دلائل الحكمة والتبصر والبعد السياسي الموضوعي والواقعي، ومن الإتعاظ بدروس التأريخ والتجربة النضالية العميقة..!(*)


ويكفي تأكيداً لهذه الحقيقة، ما أفرزته ردود الفعل وطبيعة التلقي الذي واجه خطاب الرئيس محمود عباس من قبل ممثلي دول العالم، والذي عبرت عنه بمصداقية وإيجابية عالية، عاصفة التصفيق المدوية وقوفاً للمندوبين، بشكل أذهل في الحقيقة، كل من عارض هذه الخطوة الجريئة في ذهاب الرئيس أبو مازن الى منصة الخطابة والإعلان عن تقديمه طلب إعتراف الأمم المتحدة بقيام الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة الى السكرتير العام للأمم المتحدة، الأمر الذي عكسته وللأسف، مواقف البعض من قادة إحدى الفصائل الفلسطينية..!


فقد فضح الخطاب، أمام الرأي العام العالمي والشرعية الدولية، وبكل شجاعة، حالة الإزدواجية والنفاق في الخطاب والحراك السياسيين، الذي دأبت عليهما الدولة الإسرائيلية في مواقفها من قرارات الشرعية الدولية بشأن القضية الفلسطينية، في نفس الوقت الذي فضح فيه خططها المتواصلة والمراوغة في إفشال كل محاولات المفاوظات المباشرة، التي أوصلتها في النهاية الى طريق مسدود..!


الأمر الذي أكد حقيقته؛ الموقف الإسرائيلي المتغطرس ورديفه الموقف الأمريكي، في خطاب كل من السيدين أوباما ونتنياهو، ومن على نفس المنصة التي إنطلق منها صوت الحق المشروع للرئيس ابي مازن في نفس اليوم؛ حيث وبدون حاجة للدخول في التفاصيل والتكرار، فقد عبر الخطابان المعنيان عن حقيقة سياسة الدولتين إزاء القضية الفلسطينية، وهذا ما سبق وأشرنا اليه في مرات عديدة..!


المهم في الأمر، وبعد هذه الخطوة الجريئة، وموقف التحدي المشروع الذي أقدمت عليه القيادة الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة السيد عباس محمود، يصبح من البدهي، بل ومن المسلمات المبدئية، أن تتظافر جهود جميع أبناء الوطن الفلسطيني، الذي تلقى هذه المبادرة الشجاعة للقيادة الفلسطينية بالترحيب والإستبشار، في إنجاح وتفعيل هذه البداية الموفقة، عن طريق توحيد ورص الصفوف الوطنية؛  فبقدر ما تكون البدايات أكثر رسوخاً وتماسكا، بقدر ما تأتي الخطوات التالية أكثر ثباتاً وتوازنا، فالطريق الذي إنتهجته منظمة التحرير الفلسطينية  في الثالث والعشرين من أيلول 2011، سيظل خالداً في مسيرة الكفاح الفلسطيني، بإعتباره  البداية المنظمة لولوج الطريق الصحيح في حل معادلة الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، ومن خلاله لابد أن تتجلى وحدة الصف الوطني، وتجاوز أي خلافات تقف عائقاً أمام هذه المسيرة..!


 وما موقف التحدي المشروع لمنظمة التحرير الفلسطينية، معبراً عنه بخطاب الرئيس محمود عباس، إلا نقل للكرة الى الملعب الإسرائيلي _ الأمريكي من جانب، ووضع الشرعية الدولية بما فيها مجلس الأمن الدولي، أمام مسؤوليتها التأريخية؛  فهي مطالبة اليوم قبل أي وقت مضى، أن تقول كلمتها بإعلان الإعتراف بالدولة الفلسطينية، طبقاً لنصوص القرارات التأريخية للشرعية نفسها، وبذلك تكون قد رسخت أسس السلام في المنطقة، ومهدت الطريق للتعايش السلمي بين شعوب المنطقة، وهذا أقل ما يمكن أن تفعله اليوم، بعد كل هذه الفترة الطويلة من التسويف والتمييع لحق الشعب الفلسطيني في الإعتراف الدولي بدولته الوطنية المستقلة أسوة بشعوب العالم الأخرى..! 
24/9/2011
__________________________________________________________   
(8) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=276601


 

 

 

128
فلسطين: في الطريق الى الدولة.....!!

باقر الفضلي

لا غرابة، ولا من جديد؛ فمحاولات الإدارة الأمريكية برئاسة السيد باراك أوباما، بشأن إجهاض إعلان الدولة الفلسطينية من قبل منظمة الأمم المتحدة، ليست بنت يومها، وبالتالي فكل ما ورد ويرد على لسان السيد أوباما ومَنْ قبله، ومنها خطابه الأخير في إفتتاح الدورة الحالية للأمم المتحدة، والذي خيب آمال البعض ممن كان يبني قصوراً في الخيال، ما هي إلا إمتداد لنفس النهج الذي إختطته الإدارة الأمريكية منذ ما يزيد على الستين عاما، في تمييع حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الحرة الوطنية على ترابها الوطني، والحيلولة دونه ودون هذا الحق المشروع، بكافة الطرق والوسائل المخادعة والغادرة، ومنها الوعيد والتهديد، بما فيها سد الطريق بينه وبين اللجوء الى المجتمع الدولي والشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة، في إعلانها الإعتراف الشرعي بالدولة الفلسطينية المنشودة..!!؟


أقول ليس بالجديد على الرئيس الأمريكي أن يفتتح خطابه في إفتتاح الدورة الجديدة للأمم المتحدة لهذا العام، بتنصله من كل ما يمت بصلة لوعوده الإنتخابية وتعهداته بخصوص دعم القضية الفلسطينية، المتمثلة في ثوابتها؛ بإقامة الدولتين وحق العودة وإنهاء الإستيطان طبقاً لقرارات الأمم الشرعية الدولية، فما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية برئاسة السيد أوباما من إستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ضد مشروع القرار العربي بشأن إنهاء الإستيطان، كان وحده كافياً للتدليل على مدى حقيقة مصداقية السياسة الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية، تلك السياسة التي في جوهرها لا تخرج عن كنه السياسة الإسرائيلية، المدعومة باللوبي اليهودي في أمريكا، وبالتالي فإن دعوة السيد أوباما الفلسطينيين الى ولوج طريق "المفاوظات المباشرة" مع الإسرائيليين، إذا ما أرادوا الحديث عن دولتهم الفلسطينية، والتهديد بإستخدام حق الفيتو، إلا التعبير الأكثر صدقاً في حقيقته عن واقع السياسة الأمريكية بالنسبة للقضية الفلسطينية بشكل خاص، ومنطقة الشرق الوسط وما يدعى ب "الربيع العربي" المدعوم أمريكياً ومن حلف الناتو..!؟(*)


لقد كانت خطوة الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، بالتوجه المباشر الى الأمم المتحدة،  مدعوماً بتأييد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ومساندة غالبية منظماته وفصائله الوطنية، خطوة ليست فقط بالجريئة، بل هي وفي حقيقة الأمر؛ من الخطوات الأكثر حسماً في تأريخ نضال الشعب الفلسطيني عبر أكثر من ستة عقود من الكفاح، ولها من دلائل الحكمة والتبصر والبعد السياسي الموضوعي والواقعي، ومن الإتعاظ بدروس التأريخ والتجربة النضالية العميقة،  ما يدحض كل التخرصات والتأويلات المحبطة، ومنها "التذرع بالتخوف من التفريط بحق العودة، في حالة اللجوء الى الأمم المتحدة"، التي وقفت وتقف بوجه الموقف الفلسطيني الصائب في حراكه السياسي، بعيداً عن النوايا الحسنة، أوالمواقف المتطرفة والأجندات المشبوهة، من أجل الدفاع عن حقوقه المسلوبة، التي هدرتها مواقف الإدارة الأمريكية المساندة للتعنت الإسرائيلي طيلة العقود الماضية..!

إنه ومن المنطقي القول، بأن وضع المجتمع الدولي، ممثلاً بشرعيته الدولية، أمام مسؤولياته التأريخية في إقرار حق الشعوب، إنما هو إمتحان عسير لهذا المجتمع، لا يقبل التسويف والفبركة والكيل بمكيالين؛ ف "ربيع الشعوب" الذي تدعو اليه وتريد أن تقوده أمريكا والناتو، وأن تُرخص من أجله عشرات الألوف من ابناء تلك الشعوب، مصحوباً بتدمير بناها الهيكلية الإقتصادية والإجتماعية، ووضع اليد على ثرواتها الوطنية؛ إنه ذات "الربيع" الذي سوغ وأجاز لتلك الشرعية الدولية، الترخيص لأمريكا والناتو بتلك القيادة..!؟؟

 إن هذه الشرعية الدولية، رغم تزعزع ثقة الشعوب بحدود مصداقيتها؛ هي نفسها اليوم من سيقول كلمته بشأن حق الشعب الفلسطيني بإعلان دولته الوطنية على ترابه الوطني، وهي نفسها من يلزمها ميثاقها الأممي، بأن تهيأ لوجود هذه الدولة كل الآليات والوسائل التي تؤمن حمايتها وممارسة صلاحياتها وحقوقها على الصعيد الدولي كدولة حرة مستقلة، معترف بحدودها وإستقلالها؛ ومن هنا تأتي خطوة القيادة الوطنية الفلسطينية، ممثلة بشخص الرئيس محمود عباس، في وقتها المناسب، لتثبت للرأي العام العالمي مدى المصداقية والتمسك بقواعد الشرعية والسلام، التي إنتهجتها تلك القيادة الوطنية في النضال من أجل تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني، سواء على صعيد إقامة دولته الوطنية في حدود 67، أم الإعتراف بحق العودة، وإنهاء الإستيطان، وأمام جميع تلك الثوابت الوطنية، هناك ما يكفي هذه القيادة الوطنية، من القرارات الدولية التي تلزم إسرائيل والمجتمع الدولي بتأمين تنفيذها على صعيد الواقع..!


 فهل هناك في الأفق ما يشير الى ذلك أيها السيد أوباما، إذا ما إتجه الفلسطينيون الى المفاوظات المباشرة مع إسرائيل، وأنت خير العارفين..؟؟!(**)

 ولكننا نقول؛ بأن المثل السائر يقول: "بأن المؤمن لا يلدغ من نفس الجحر مرتين..." 
22/9/2011
______________________________________________________
 (*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=246979
(**)  http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=63115
 


129

الشهيد المهدي يتهم...!؟

باقر الفضلي

لا سبيل الى التنصل من تحمل المسؤولية، وليس هناك من مسوغ الى تسجيل الإتهام ضد مجهول، فكل الأدلة والقرائن تشير الى الجهة التي تقف وراء جريمة إغتيال الشهيد الصحافي الفنان هادي المهدي مساء الثامن من أيلول/2011، سواء من حرض عليها أو من خطط لها أو من قام بالتنفيذ المشين؛ كما ومن نافل القول، أن يبتعد المرء عن التنقيب والبحث عن دقائق الأمور ليخرج بالإستنتاجات والتكهنات أو التأويلات، ليوجه سهام الإتهام الى جهة معينة بذاتها، فالجريمة ومن ندرتها، أن تلك السهام قد وجدت طريقها الى الجهة المُتَهَمَة، حتى وقبل أن تُستكمل عناصر الجريمة أو أن يصبح المجني عليه في عداد المغدورين..!


لقد فتح الشهيد هادي المهدي بنفسه، جميع الأبواب مشرعة، أمام المحققين وأمام المدعي العام_ إن وجد_ وأمام السلطات القضائية، وأمام السلطات الحكومية، وأمام جمهرة النواب، وأمام الرأي العام، وأمام الأحزاب والكتل السياسية والمرجعيات الدينية، بل وأمام البعيد والقريب من دعاة الحق والعدالة ، صارخاً مستصرخاً وملوحاً بكل أدلة الإتهام، بعظمة لسانه وبكل وجوده الإنساني: أن الجريمة واقعة لا محال، وأنه مستهدف تحت طائلة التهديد بالقتل، وأن القتلة يتربصون به كل لحظة، لا لسبب ما، بل بهدف إسكات صوته المدوي من أجل الدفاع عن حقوق الناس، وعن كرامة المهمشين.. ولكنه ماض في الطريق لإسماع صوته رغم كل التهديدات...

بأعلى صوته أشهر الشهيد هادي المهدي "لائحة الإتهام" بوجه كل من تربص به من القتلة، ليقطع الطريق أمام كل الأقاويل والتبريرات والإدعاءات التي قد يلجأ اليها كل من ستتلوث يده بدمائه الزكية، فهو من خلال مسيرته الصحفية ونشاطه الإعلامي، وما تعرض له من تنكيل وإنتقام بسبب ذلك النشاط منذ 25 شباط، قد وضع النقاط على الحروف، وبجرأة الشجاع حدد هويات المتربصين به، وأشار الى هدفهم، محذراً أهله وأصدقائه وزملائه الصحفيين من حاملي الكلمة الحرة، بما قد ينتظرهم على يد أعداء الكلمة الحرة من سطوة الإنتقام..!؟


فجريمة إغتيال الشهيد هادي المهدي، ليست بذلك الغموض الذي يتعذر معه فك أسرارها، أو الغور بعيداً في متاهات مسالكها، بعد أن حدد الشهيد كل المسارات التي سلكها المتربصون به، والوسائل الدنيئة التي مارسوها بحقه، والتهديدات التي تعرض لها لآخر يوم من حياته، وكذلك آلية التنفيذ التي إستخدموها في الإجهاز عليه وغدره، وبهذا فقد ترك الشهيد المغدور أمام المحققين، كل الإمكانات لسبر أبعاد الجريمة، بدءً من البواعث التي دفعت بالجناة الى التربص بالشهيد، والترصد لكل حركاته ونشاطاته، يعزز ذلك آلية ووسائل تنفيذ الجريمة، التي إستخدمها الجناة، وهي "كاتم الصوت"، والذي وحده يعبر عن دلالة مهمة بإتجاهين؛ فالمغدور كان يعرف على أقل تقدير المتربصين به، ومن المنطقي فإن إستخدام "كاتم الصوت" يعتبر من الوسائل المحبذة لدى الجناة، في التغطية على شخوصهم، وإبعادهم من الإنكشاف، في نفس الوقت وبالإستدلال بأقوال المغدور وإشاراته التي أخذت طابع الإتهامات ضد المتربصين به، يشكل إستخدام "كاتم الصوت" نتيجة منطقية، وإن كانت ليست مطلقة، على صحة تلك الإشارات والإتهامات التي كان يرددها المغدور بأيام قليلة قبل إستشهاده..!


ولأهمية وقع تداعيات هذه الجريمة المنكرة، على الواقع السياسي ومسيرة "الحياة الديمقراطية"، وتأثيراتها السلبية على حرية الصحافة وحرية التعبيروالرأي، ولما فيها من طابع سياسي لا يمكن التستر عليه بأي حال من الأحوال، حيث أن نشاط الشهيد الصحفي والإعلامي وحده، وما كان يترتب عليه من ردود فعل معاكسة من قبل جهات أشار اليها الشهيد جهارا، يمنحها هذا الطابع، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة سياسية خانقة، وإختراقات متكررة على الصعيد الأمني، فليس أمام المراقب غير الأمل بأن تأخذ لجنة التحقيق التي أمر بتشكيلها السيد رئيس الوزراء، للتحقيق بالجريمة، كل التفاصيل التي وردت على لسان الشهيد المغدور، بما فيها السمعية والمسجلة، والتي جرى بثها من قبل بعض الفضائيات لما تشكله من أهمية على صعيد التحقيق في أبعاد الجريمة النكراء وعلى لسان المغدور نفسه..!

أما الأكثر أهمية في الكشف عن الجريمة المنكرة وأبعادها السياسية والجنائية، فإنه يكمن في الحقيقة في مدى الجدية والسرعة والإهتمام الذي تأخذ به لجنة التحقيق، في محاولتها سبر الحقيقة بعيداً عن أي تأثيرات شخصية أو حزبية أو سياسية، مع الأمل بأن لا ينال مصير الكشف عن هذه الجريمة المستنكرة، مصير غيرها من الجرائم المستنكرة التي طالت العديد من رجال الفكر والصحافة والاعلام، ومن الأكاديمين من رجال العلم والثقافة، والتي سُجلت وللأسف ضد مجهول..!؟


لقد شخص الشهيد هادي المهدي المتربصين به وهو حي يرزق، فهل بإمكان القضاء العراقي ومجلس النواب والحكومة، أن تسمي للعراقيين من هم أولاء القتلة من أعداء الديمقراطية والكلمة الحرة، لتهدأ روح الشهيد وهو في مثواه الأخير، وتطمأن نفوس أهله وأصدقائه وكل من سار ويسير على طريق الحق والعدالة..؟!
10/9/2011

   
   

130
المنبر السياسي / اللوم والشجن...!
« في: 13:29 13/07/2011  »
اللوم والشجن...!

باقر الفضلي


وإذْ لامَني صاحِبي يَوماً يُحاوِرُني:
أسْرَفتُ في شَجَني شَوقاً الى وَطَني!

صَدَقْتَ قُلتُ: فليسَ ليْ شَجَنٌ
لغَيرِ مَنْ طَبَعَ الدُنيا على السِنَنِ

يَقْظانُ كُلَ حَياتي في نَطارتِه
فكيفَ لَو مَسَني الغِفْلانُ في الوَسَنِ!

وَلِعْتُ فيه كَطِفْلٍ غابَ حاضِنُهُ
كَيْ التَمِسْ منهُ آمالي ومُحتَضَني

أراكَ ترشِدُني حِرصاً بِما كَسبَتْ
كَفّيْ مِنَ الوَجْدِ والحِرمانِ والمِحَنِ!! 

***

تُريدُني هائِماً أشْكو صَبابَتَها،
وأرقَبُ الطَيرَ مُذْ حَطَّتْ على غُصُنِ

أمْ أَنشِدُ العيسَ في البَيداءِ هائِمةً
حمالةَ الماءِ لَمْ تَقوى على وَهَنِ

أو أرقَبُ الجِسرَ مَحْمُولاً على وَجَعٍ
أشكو "عيونَ المها" رَجمَاً على ظَنَنِ

صَرعى العيونِ وكان اللحظُ قاتِلَهم
فكيف يَحيا صَريعُ الوَجدِ والفَتَنِ؟!

كانت لعَمْريْ هيَّ الأيامُ أَرقَبُها
يَوماً بيومٍ ولَمْ أعتَبْ على زَمَني

***

منها عَرِفتُ طَريقَ العِشْقِ أسئَلُهُ
إنْ كانَ فيهِ غَريبُ الوَجْدِ والشَجَنِ

أشارَ ليْ حَيثُما حَطَّتْ صَوامِعُهم،
حَرقى القُلوبِ مِنَ الهَيْمانِ والحَزِنِ

فَصرتُ فيهِمْ جِوارَ النارِ أَقْرَبُها
سَعرَاً وأبْعَدُها شَوقاً الى الحَضنِ

فمنْ يلُومَ حَريقَ القَلبِ في جَزَلٍ
للهِ دُرَ قلوبٌ في  الهَوى الرَصنِ

أسقَتْ مِنَ الحُسنِ ما ذاقَتْ مَراشِفُها
مِنْ أعذَبِ الماءِ بلْ مِنْ صَفوةِ اللََّبنِ

***

وها أنتَ تُشجيني إذا ما تَنَهَدَتْ ~
جِراحي، وإنْ غارَتْ مَعَ الدَمعِ أَعيُني

فهلْ لكَ أن تُجزي مِنَ العُذرِ أنني،
شَغوفٌ بقلبي، بلْ شَغوفٌ بمَوطني

وهَلاّ تَراني كُنْتُ في الشَوقِ راكِباً
هَوى القَلبِ، أمْ شادٍ لَهُ في تَحَنُنِ

هيَ الآهُ لَمْ يَغمَضْ مِنَ العَينِ طَرفُها
وَداعَاً ولا غابَتْ عَنِ الآهِ أجفُني

يَعيشُ بدَمعي مِثلما يَصطَفي الهَوى
أَنيسَينِ في حُبٍ وشَوقٍ ومَرْهَنِ 

***

فلا عَجَبٌ أَنْ تُرخيَّ النَفْسُ حَبلَها
لِوَصلِ حَبيبٍ ثابِتِ العُودِ مُوقِنِ

يَحِنُ عليها حينَ تَغفو رياضُها
وحينَ يَميلُ العُودُ منها ويَنثَني
 
فما رَغِبَتْ روحي سِواهُ تَلَذُذَاً
ولا أَنِفَتْ صَداً وإنْ ضاقَ مَأمَني

فكانَ لَهُ مِني الوَفاءُ وإنْ جَفَتْ
وخَيرُ وفاءِ الخِلِ وَصلُ التَيقُّنِ

فلا رَجِعَتْ نَفسٌ لِغَيرِ أصُولِها
ولا مَوطِنٌ للحُرِ غَيرُكَ مَوطِني

***
***
***
______________________________________________________________________________
14/7/2011























   






























 




 

















131

فلسطين: من رباعيات النكبة..!

باقر الفضلي

النارُ تَسعَرُ في القلوبْ
القلبُ أقربُ أنْ يذوبْ
والصَبرُ مرآةٌ كَذوبْ
والمُرتَجى أملٌ لَعوبْ
***
مَرَّتْ سِنيُ الإِنتِظارْ
ستونَ في فَلكِ المَدارْ
وثلاثةٌ أخرى قِصارْ
ما بين فَصلٍ أو حِصارْ
***
قَصَصٌ يُحوِرُها الكَلامْ
أملٌ يَذوبُ معَ المَنامْ
رَجْعٌ الى الماضي المُلامْ
وشَقاوةٌ تُشفي غَليلَ الإِنقسامْ
***
ذكرىً يُغازِلُها الحَنينْ
غَضَبٌ يَدورُ مَعَ السنينْ
أملٌ تَكَحلَ في العيونْ
شَوقٌ تُسَعِرُهُ الظُنونْ
***
***
الأرضُ والحلمُ السَعيدْ
ونظارةُ الزَيتونِ في الأفُقِ البَعيدْ
ومَنازِلُ الأجدادِ ثاياتُ الحُدودْ
أقسَمتُ يا أمّاهُ، قُولي هلْ نَعودْ..؟
***
سنعودُ يا ولدي بأحلامِ الطفولةْ
سنعودُ يا رَجُلاً بأفعالِ الرِجُولةْ
سنعودُ للأرضِ الحَبيبةِ والضليلةْ
سنعودُ للزيتونِ تَحرِسُنا الخَميلةْ
***
اليومَ يا ولدي نُعيدُ  الذكرياتْ
شَعبٌ تَمزَقَ في الشَتاتْ
وطنٌ تُدنِسهُ بَساطيلُ الغُزاةْ
وكَرامَةٌ مَهدورةٌ عِندَ الطُغاةْ
***
 وَطنٌ جذورُهُ في الدِماءْ
وَطنٌ أُصولُهُ في السَماءْ
وَطنٌ وجُودُه في البقاءْ
وَطنٌ تَحَصَّنَ بالخلودِ وبالوفاءْ
***
***
***
مايس/2011

 
   








132
العراق: الأمان وحدود المسؤولية..!!؟؟

باقر الفضلي


لا أريد بهذا العنوان أن أستعرض حصيلة الأحداث الأمنية التي إجتاحت العراق من شماله حتى جنوبه لهذا اليوم 2/6/2011، فهي لكثرتها وتماثلها، ما عادت تستوقف المراقب للبحث في تفاصيلها، أو سبر أسبابها والتعرف على بواعثها، فيكفي المرء أن يستعرض بيانات الناطق الرسمي لقيادة عمليات بغداد حول تلك الأحداث، ليحدد طبيعتها وكيفية التعامل معها من قبل الحكومة، ولكن حدثاً أمنياً محدداً من الأحداث الأمنية لهذا اليوم، توقفت أمامه ملياً، لا لتميزه من حيث النتائج أو الدوافع، ولكن لما يعكسه الحدث نفسه من مدلولات بالغة الأهمية من حيث الواقع الأمني السائد في البلاد من جهة، وما يمثله الحدث بالنسبة للمواطن العراقي نفسه على الصعيد الحياتي..!!


يشير الحدث وطبقاً لمتحدث بإسم الجهات الأمنية من قيادة عمليات بغداد:  [[أفاد مصدر في الشرطة العراقية، الخميس، بأن امرأتين قتلتا بهجوم مسلح استهدف صالونا لحلاقة السيدات غرب بغداد، مبينا أن المسلحين أضرموا النار بالصالون قبل أن يفروا إلى جهة مجهولة. ]](*)     


فما الذي يعنيه هذا الحدث الأمني، وهو مجرد حدث أمني كسائر الأحداث الأخرى التي تحصل كل يوم، على مستوى العامل النفسي للمواطن العراقي العادي، الذي يغادر بيته صباح كل يوم متوجهاً الى مكان عمله لإكتساب قوت يومه وقوت عائلته، وهو يحيط نفسه بهالة من "الإطمئنان النفسي"، مبعثه الشعور المفترض بالأمن والأمان، الذي يدفعه مع كل هذا الهدوء للذهاب الى مكان عمله، مقنعاً نفسه بأن فوق رأسه مظلة واقية،  تحميه من كل ما يقلقه من مخاطر تحول بينه وبين مصدر رزقه، وبالنتيجة فهو يستمر دائباً في الذهاب الى هناك كل يوم، مع كل الإطمئنان والسكينة المفترضة من الناحية النفسية..!؟


فالحدث بطبيعته السايكولوجية، يختلف في جوهره، عن غيره من الأحداث الأمنية الأخرى، مثل تفجير المفخخات والسيارات المتفجرة والأحزمة الناسفة، التي يغلب عليها طابع المفاجأة، أو الصدفة، حيث أن مكان العمل لا يختلف في جوهره عن مكان السكن، بإعتباره المكان الوحيد الذي يمنح المرء شعوراً بالإطمئنان والسكينة، وهو المكان الوحيد الذي يمنح صاحبه حالة من اللجوء الآمن عن غيره من الأماكن الأخرى ، كالأماكن العامة والشوارع والساحات العامة والأماكن الأخرى التي يجد المرء نفسه موجوداً في محيطها لأي سبب من الأسباب ..!


ومن هذه الزاوية، يمكن النظر الى حادث قتل الأمرأتين العاملتين في صالون الحلاقة للسيدات في منطقة أبي غريب في 2/6/2011، ثم حرق صالون الحلاقة فيما بعد، وبدم بارد يغادر بعده القتلة مكان الجريمة بأسلحتهم الرشاشة، يمكن النظر اليه لا بإعتباره حدثاً أمنياً عابراً كغيره من الأحداث الأمنية الأخرى التي تطال العراقيين كل يوم حسب، بل هو من الأحداث التي يمكن النظر اليها من زاوية أكثر خطورة وأكثر أهمية على مستقبل حياة الإنسان الإقتصادية والإجتماعية، بما يعنيه ذلك من فقدان الأمن الإجتماعي كلياً، ولا أريد هنا الخوض في دوافع هذا النوع من القتل، فهو يذكرنا بالفواجع التي تعرضت لها فئات محددة من الشعب العراقي، في السنوات 2005_2006، ومنها ما يتعرض له أصحاب محلات الصاغة من الطائفة المندائية بين آونة وأخرى، من تصفيات جسدية، وتدمير ونهب لموجودات تلك المحلات، ناهيك عن مداهمة محلات المشروبات الكحولية من قبل نفس المافيات الإجرامية..!؟


 إن كل ذلك لا يمكن وضعه خارج إطار العجز الأمني ولاأبالية الأجهزة الأمنية الحكومية، في توفير الأمن والحماية لأصحاب هذه المحلات، بل والأنكى من كل ذلك، أن يجري إستهداف أصحاب هذه المهن الحرة، تحت شعائر لا تمت للدين والأخلاق بصلة، بقدر ما تسيء للأعراف الشعبية والعقائد الدينية والتحضر المدني، في نفس الوقت الذي تعتبر فيه تهديداً خطيراً لأمن المواطنين المسالمين في حياتهم وأرزاقهم، بنفس القدر من إنتهاكها للشرائع الإنسانية والقانونية، وخرقاً فضاً لأحكام للدستور، الذي أناط بالحكومة وأعتبره من أولويات واجباتها، تأمين حماية المواطنين في مساكنهم وأماكن أعمالهم؛ فالى أي مدى تمكنت الأجهزة الأمنية للحكومة من توفير الحماية الكافية لأصحاب تلك المهن، مثل الصاغة والحلاقين وباعة المشروبات الكحولية، وهل أن الحكومة جادة حقاً في توفير هذه الحماية، بمواجهة التهديدات المتواصلة التي يتعرض لها أصحابها بين الحين والآخر..؟؟!!


إنه من السابق لأوانه القول؛ بأن السلطات الحكومية الأمنية قد وفرت ما يكفي من وسائل الحماية لأصحاب تلك المهن، حيث إن مجرد تكرار حدوث جرائم القتل والسلب والحرق ضد هذه الفئات من المواطنين من إصحاب المهن الحرة، وعدد غير قليل منهم هم من أبناء الأقليات الدينية، إنما يمثل تحد صارخ للحكومة والسلطة التشريعية والقضائية، من قبل عصابات القتل والجريمة، التي ما أنفكت تواصل إجرامها دون الشعور بأي رادع من الخوف والحيطة..!!؟؟


فالدستور يلزم الحكومة وجميع السلطات الأخرى مسؤولية ضمان توفير الأمن والأمان للمواطنين، وكما ورد فيما تقدم؛ في مساكنهم وأماكن عملهم، وهو إلزام بحكم الواجب، فالحماية هنا ترقى لدرجة الألزام بوضع حماية خاصة من الأجهزة الأمنية لكل محل أو دكان صياغة، أو صالون حلاقة أو محل لبيع المشروبات الحكومية، وتوفير كل ما يشعر أصحاب هذه المحال بالإطمئنان والسكينة طيلة وجودهم في أعمالهم، وهذا في الحقيقة ما يعبر عن الحد الأدنى من المسؤولية الحكومية في توفير ضمان وسلامة المواطنين في أعمالهم، وسكناهم إن تطلب الأمر؛ فهل في هذا يا ترى، ما يثقل على الحكومة وهي ملزمة دستورياً في توفير تلك الحماية للمواطنين..؟؟!!
3/6/2011
________________________________________________________________
(*)http://www.alsumarianews.com/ar/2/22652/news-details-.html
 


133
نتنياهو:  يبكي السلام...!!؟؟

باقر الفضلي

من يتابع السيد نتنياهو وهو يلقي خطابه هذا اليوم 24/5/2011 أمام مجلس الكونكرس الأمريكي، إلا وتأخذه الشفقة على الرجل، وتمتلكه مشاعر العطف والمسكنة، وهو يراه يذرف من دموع إستدرار العواطف ما تعجز عنه حتى التماسيح..!!؟


ومما يزيد من تراجيدية الموقف هذا، منظر السادة المساكين، أعضاء مجلس الكونغرس الأمريكي، وأنت تراهم قياماً قعوداً، مهللين مصفقين، مع كل جملة أو مقطع يدلي به السيد نتنياهو، وهو يعلن شكواه ويدفع بظلامته أمام السادة أعضاء المجلس، المفجوعين بمصيبة السيد نتنياهو ومصيبة الشعب " اليهودي "، "الذي يتعرض كل يوم وكل لحظة الى "عسف وإضطهاد الشعب الفلسطيني" والذي " أخذ منه القرف وضيق النفس، بسبب غزو المستوطنات الفلسطينية" لأرض الأجداد منذ أن وطأت أقدام النبي أبراهيم (ع) أرض إسرائيل قبل آلاف السنين،" فوا حسرتاه على مصيبة السيد نتنياهو ومصيبة أحبة القلب أعضاء الكونغرس، الذي أنهكهم نفسياً وأفجعهم هذا "المصاب العظيم" فلم يدروا متى يقفوا ومتى يجلسوا، بل وحتى وجدوا أنفسهم أكثر يهودية من اليهود أنفسهم، فإنتفضوا من مقاعدهم وقد طار لبهم لقول السيد نتنياهو وهو يعلن عن ضرورة اجبار الفلسطينيين على الإعتراف ب"يهودية" إسرائيل..!!؟؟ 


السيد نتنياهو بدا في خطابه أمام الكونغرس هذا اليوم، أكثر إنحيازاً للسلام منه الى الحرب، وأكثر عطفاً وإنتصاراً للفلسطينيين حتى من أقرب الناس اليهم من قادة جامعة الدول العربية، بل وحتى أكثر تحمساً للفلسطينيين من أنفسهم في سبيل إقامة الدولة الفلسطينية، ومثل خطابه " خارطة طريق" على الطريقة الإسرائيلية "النتنياهوية الجديدة"، لحل إشكالية إقامة الدولتين التي أقرتها الشرعية الدولية؛ فمن أجل أن يسود السلام في المنطقة أولاً وبين الفلسطينيين والإسرائيليين في " الدولة اليهودية" ثانياً، فلا سبيل أمام المجتمع الدولي وبدعم من الكونغرس الأمريكي، إلا الإنصياع لمفردات "خطة طريق" السيد نتنياهو كي يسود السلام الذي يكافح من أجله، وبعكسه فلا "سلام" ولا "أمان" ولا "ديمقراطية" ، وفقاً للسيد نتنياهو..!


لم يكن السيد نتياهو قبل اليوم، بهذه "الصراحة" المتناهية في دقتها ودقائقها، فهو يرسم "سلاماً" بكل أبعاده الجغرافية والديموغرافية والسياسية والأمنية للدولة المرتقبة في فلسطين يفصله حسب هواه، و"خارطة طريقه"، بعد أن نصب إسرائيل، الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، والدولة الوحيدة التي يعيش سكانها في بحبوحة من "الحرية والعدالة والديمقراطية" على عكس جيران دولة إسرائيل "اليهودية" ، مستشهداً بما جرى في تونس ومصر ويجري في غيرها؛ دولة دون حدود الرابع من حزيران/1967 ، دولة منزوعة السلاح، دولة تحرسها فيالق الجيش الإسرائيلي من البر والبحر، دولة تعشعش فيها مستوطنات الإسرائيليين، دولة لا إرادة فيها للوحدة الوطنية، وعلى الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس، أن ينبري وعلى الفور الى إلغاء أي إتفاق للتفاهم وإنهاء الإنقسام مع منظمة حماس، والأنكى من كل ذلك أن لا يذهب السيد محمود عباس الى الأمم المتحدة مطالباً بتفعيل قرارات الأمم المتحدة بشأن الإعتراف بإقامة الدولة الفلسطينية، وعلى الفلسطينيين الإعتراف قبل كل شيء ب"يهودية" دولة إسرائيل، ليس هذا وحسب، بل وأن لا يفكروا بشيء إسمه القدس الشرقية، فالقدس بقضها وقضيضها هي "عاصمة" إسرائيل اليهودية بلا منازع، أما ما يسمى بعودة اللاجئين، فلا مكان لهم في تلك الدولة "اليهودية" التي يرسم حدودها السيد نتنياهو، أما موقع قرارات الشرعية الدولية قديمها وحديثها، فهي في خبر كان، طبقاً ل"خارطة طريق نتنياهو"..!!؟؟


يتألم السيد نتنياهو ومعه السادة أعضاء الكونغرس الأمريكي، على فقدان السلام في المنطقة، ويزدادون تألماً حينما يتعلق الأمر بأمن وسلام إسرائيل، ف"السلام المقرون بالديمقراطية"، هو كل شيء بالنسبة للسيد نتنياهو وأصدقائه في الكونغرس الأمريكي، ولكنه يتجاهل ويتناسى ومعه أصدقائه في المجلس المذكور، ما أقدمت عليه طائراته الحربية ومدرعاته وصواريخه المدمرة قبل أربع سنوات، من إجرام وإبادة بشرية همجية ضد السكان الأبرياء وضد الإنسانية في غزة، وتحت ما يسمى بعملية "الرصاص المصبوب" وإزهاق أرواح الآلآف من الإبرياء تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؛ في نفس الوقت الذي يذرف فيه دموع التماسيح أمام أصدقائه النواب الأمريكيين، ويلبس فيه مسوح السلام المفقود التي تشكو منه " الدولة اليهودية"، والآف الصواريخ المتدفقة من الشمال من لبنان، والمهددة لسلام وحياة اليهود في شمال إسرائيل، رغم ما  أقدم عليه من أجل السلام، بسحب قواته من لبنان طمعاً بالسلام والسلام لا غير، ولكنه يتجاهل ويتناسى هنا أيضاً ومعه أصدقائه نواب الكونغرس الأمريكي، المبهورين بأقوال السيد نتنياهو والمفجوعين بدموعه ومصيبته التي تتقطع لها أنياط القلوب، متناسين ومتجاهلين ما أقدمت عليه "الدولة اليهودية" "حمامة السلام" من جريمة غزو لبنان وإرتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، وغاب عن أعينهم كلياً الجريمة النكراء التي إقترفتها الفيالق الحربية الإسرائيلية الغازية بحق (أطفال قانا) اللبنانية أيام الغزو المقيت..!!؟.؟؟


 فأي سلام يدعو اليه السيد نتنياهو ومعه أصدقائه أعضاء الكونغرس الأمريكي المتحمسين لخطابه العنصري، في هذا الوقت الذي شمر فيه الشعب الفلسطيني عن كل إستعداداته للتوصل الى الحلول السلمية الحقيقية والموضوعية، المدعومة من قبل الشرعية الدولية والمجتمع الدولي، أهو سلام الإذعان والإذلال، الذي يدعو اليه السيد نتنياهو والذي صفق له وحياه ممثلو الشعب الأمريكي من أعضاء الكونغرس بكل ما تضمنه من إهدار لحقوق الشعب الفلسطيني ومن تنكر لقرارات الشرعية الدولية في إقامة الدولة الفلسطينية، وإلا فما معنى أن توضع كل العراقيل أمام الشعب الفلسطيني ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية، من الذهاب الى الأمم المتحدة في أيلول وطرح القضية الفلسطينية أمام المرجعية الدولية، التي هي الملاذ الشرعي والجهة المسؤولة التي تنظر فيما آلت اليه قراراتها بهذا الشأن، بإعتبارها الممثلة الحقيقية للمجتمع الدولي، أم أنها خيبة الأمل التي جسدها الخطاب الأخير المعاكس لهذا الإتجاه، للسيد أوباما رئيس الولايات المتحدة، الدولة الوحيدة الراعية "للديمقراطية" في العالم وفقاً لما يراه السيد نتنياهو في خطابه المذكور..!!!؟؟ 
24/5/2011       

   
   

134
المنبر السياسي / نسائـم بغداد..!
« في: 10:37 22/05/2011  »

نسائـم بغداد..!

باقر الفضلي

نَسائِمُ مِنْ بَغدادْ مَسَتْ شَفا القَلْـبِ
تَفيضُ عِتاباً يَقطَعُ الصَمْتَ بالجَذبِ

كأنّـي بِها تُلْقـي العِتـابَ تَقَرُّبَـاً
وتَهْمِسُ بالآهاتِ مِـنْ أَلَـمِ العَتْـبِ

تُعيـدُ كَلامَ النـاسِ أَنْغـامَ مُوجَـعٍ
حَزينٍ قَضى الأَيامَ في ظُلمَةِ الجُـبِّ

يُـراوِدُه مـا لا يَمُـرُ بخـاطِــرٍ
ولا حَـدَسٌ يُدنيهِ مِنْ سالِفِ الصُلْـبِ

شَـريدٍ فَـريدٍ مُذْعِـنٍ فـي نَدامَـةٍ
يَجِـرُ مِنَ الأَثْقـالِ كَرْبَـاً على كَرْبِ

***

عَشِقْتُكِ يا أَرضَ "الفُراتَيـنِ" مَوطِنَـاً
تَغَنى بِـهِ الأَخيارُ في الزَمنِ الصَعبِ

فَمِثلُك مَنْ أَوفى الى الطَيـرِ مَلجَئَـاً
أَراكِ وقَدْ ضاقَتْ بِنا لَمَّـةُ الصَحـبِ

أَراكِ وقَـدْ شَـدَ الـرَحيـلُ رِكابَـهُ
وأَلْقَى على كَتْفِ الزَمانِ لَظـى الحُبِّ

هو البَـوحُ يا عِـزَ "الفُراتَيـنِ" مُلْهِمَاً
غَـداةَ تُرى الأَيـامُ تَقدَحُ فـي الصَبِّ

غـداةَ يَفيضُ النَهْـرُ هَدارُ صاخِبـاً
ليَغْسِلَ أَرضَ العِزِ مِنْ دَنَسِ الغَصـبِ
                                   
***

غَـداة الرَوابي الخُضرُ قَدْ دانَ زَهْـوُها 
وأَزْهَـرَ فيها الطِيبُ مِـنْ نَفَحِ الخِصبِ

غَـداةَ عَصافيرُ الجِنـانِ وَقَـدْ مَضَتْ
مُـزقْـزِقَةٌ بَيـنَ الخَمائِـلِ والعُشْـبِ

بَلابِـلُ دَوحِ الرافديـنِ على المَـدى
سَتَعلَمُ مَنْ أَنكى الجِراحَ على الـرُعبِ

تَراها غَداةَ الحُبِ فـي "مَوضِعِ النَدى"
أَغارِيدُها نَشوى وتَصْدَحُ مِـنْ قُـربِ

تُعيـدُ الــى وَجـهِ اليَتيـمِ سَنـائَـهُ
وتُنسِي سَعيرَ المُـرْمِـلاتِ أَسى "الغُلْبِ"

***

أَمانيَ قَدْ أَلقَتْ علـى الناسِ وَصلَهـا
ولكنها غابَتْ عَـنْ العَينِ في الـرَحبِ

يُكَفكِفُها دَمْـعٌ مِـنَ الحُزنِ ما جَـرى
 مَثيـلٌ لـهُ قَبلاً ولا جـاءَ فـي الكُتْبِ

يُحـاوِلُ مَـنْ جَـادَتْ عليـهِ بِمَغْنَـمٍ
تَلَمُّسَ أَسبـابَ الغَنيمَـةِ فـي الكِـذبِ

يُصَـوِرُها قَـوساً بَهيـاً مِـنَ المُنـى
سَعيداً بها " قارونُ " وَيلاً على الشَعـبِ

يُمازِجُهـا مَـزجَ الخَبيـرِ إذا نَـوى
ويُحْبِكُهـا شَوقاً الى مُـتْعَـةِ الكَسـبِ

***

لَحى اللهُ قَومَـاً آثـروا الذُلَ مَضْجَعَـاً
وآنَسَهُمْ  سُحْتُ الطَعـامِ علـى النَصبِ

يُبِيحُونُ ما يَـبدُو الـى اللصِ مَغْنَمـاً
وقَدْ يَشْتَري لَهْـوَ الحَياةِ أَخُـو قُـربِ

تَـراها وجُـوهاً أَسفَرَتْ عَـنْ تَـوَدُدٍ
وبينَ الحَنايا تُخبِيءُ السُـمَّ  فـي الجَنبِ

سَرَتْ مِثـلَ مَسرى النـارِ يَتبَعُها الأَسى
مُزَلْزِلَةٌ، مِنْ كُلِ صَـوبٍ وَمِـنْ حَـدبِ
 
فكانَ حَصادُ المُـرِ مُـذْ غـارَ مِخلَبٌ
ومُذْ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الظَهيرَةِ مِنْ غَـربِ!

***

نوايـا وما قَـدْ كُنتُ يَومَـاً أَقُولُهـا
جُزافَاً، ولا يَومَاً عَزِمْتُ على الحَـربِ

هي الأَرضُ نِعْمَ الأُمُ حيـنَ تَصونُهـا
سَتُنْجِيكَ مِـنْ غَـمٍ وتُغْنِيكَ مِـنْ نَـدبِ

بهـا تَرتَجي دُفءَ الحَيـاةِ وعِنـدَهـا
تَرى الخَيـرَ دَفّاقاً على عُتَـبِ السَهـبِ

فإنْ كُنـتَ فيمـا أَنتَ فيـهِ مُغـاليـاً
قَريبـاً على بُعدٍ بَعيـداً علـى قُـربِ

فلا تُـطْفي حُمى الشَوقِ حُبـاً بمَغنَـمٍ
ولا تَسطَلـي فيهـا كأنَـكَ ذو ذَنـبِ

***

حَمَلْنا مَراسيها خِفافَـاً علـى المَـدى
ومِنْ وَجْدِها  سِرنا  تِباعاً على الدَربِ

كأَنـا خُـلِقْنـا مِثْـلُهـا فـي مَـودةٍ
سَمِيٌّ لنا كُنْـهُ الحَياةِ، ومَهبَطُ الشُهـبِ

فأنّى لنـا أن نَرتَضي الظُلْـمَ مَخْرَجَـاً
مِنَ الظُلْـمِ، حينَ الظلمُ يَنهَشُ فـي اللُّبِ

وكَيفَ لَنـا أَنْ نَتْـرُكَ الأَرضَ مَـدنَسَاً
تَجُولُ بِها الغِربَـانُ مِـنْ عَجَبِ العُجبِ

لَنـا مـا لَنـا فيهـا وإِنْ نَـزَفَـتْ لَنـا
دِمـاءٌ، وإنْ جالَـتْ بِنـا صَولَةُ الرُعـبِ

***

فنارُ الغَضى لَـنْ يَنطَفي بَعـدُ مَـوقِـدٌ
لها، ولَنْ تَستَبِقْها العاديـاتُ الى النَـدبِ

تَراها وجَمْـرُ الأَمسِ ما زالَ مُـوقَـداً
يُسَعِرُها عِنـدَ الخُفـوتِ وفـي السَلْـبِ

فلـمْ تَستَكِـنْ يَومَـاً ولَـنْ تَبلُـغَ العَيـا
ولَـمْ يَستَحِلْهـا الضَيمُ رأساً على عَقْـبِ

شَكيمَـتُهـا لا تَقْبَـلُ الهَـونَ مَنْـزِلاً
وإِنْ نَسَجَتْ عُمـقُ الجِـراحِ ضَنى القَلْبِ

صَبـورٌ كَظُـومٌ عِـزُها فـي دَماثَـةٍ
وإِنْ أَكْرَمَتْ أَسقَتْ مِـنَ المَنْهَـلِ العَـذبِ
***
***
***
1/5/2011







135
فلسطين: النكبة..الحدث الذي لا ينسى...!؟

باقر الفضلي

النكبة.. الحدث الوحيد الذي ظل وسيظل فريداً في معناه وفي مدلولاته؛ الحدث الذي غطى على غيره من الأحداث ذات الشأن التي شهدتها شعوب الأرض عبر قرن من الزمن،  والذي إشتق إسمه من معناه، بما إتسم به من أهمية تأريخية وإنسانية، وبما سجله في التأريخ المعاصر من معان الظلم البشري والتراجيديا الإنسانية، ومجافاة العدالة؛ الحدث الذي سجله التأريخ كأكبر وصمة عار في جبين ما يدعى اليوم ب "المجتمع الدولي" و"الشرعية الدولية"..!؟


فالشعب الفلسطيني كأي الشعوب الأخرى، لم يهبط الى الأرض بلا وطن، ولكنه الشعب الوحيد من سرق وطنه، وتم إجباره على الترحال والتشرد في الشتات، متأبطاً كل الوثائق والأسانيد، والقرارات الأممية، التي تعترف له بحقه في وطنه الذي شرد منه، منذ ثلاث وستين عاما..!!!؟


تمر اليوم، الذكرى الثالثة والستون على الحدث (النكبة)، وفي أجواء فريدة في وصفها؛ فعلى الصعيد الداخلي، تمكنت الفصائل الوطنية الفلسطينية من إجتياز الخطوة الأولى على طريق وأد الإنقسام الوطني، والسير قدماً بإتجاه بناء مقومات السلطة الوطنية الموحدة بقيادة منظمة التحرير الوطنية الفلسطينية، والتمهيد لخوض النضال على المستوى الدولي لإعلان الدولة المدنية الديمقراطية الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس، طبقاً لقرارات الشرعية الدولية.


وعلى الصعيد الإقليمي والعربي بالذات، أصبح جلياً أمام الشعب الفلسطيني بكافة فصائله الوطنية، وفي ظل الظروف الراهنة، حيث إرهاصات رياح التغيير الشعبية، باتت من الشمولية، بشكل لم يتح لأي من بلدان المنطقة أن يكون في منجى من تأثيرات تلك الرياح؛ جلياً أن يدرك هذا الشعب أهمية القرار الوطني، وأهمية وحدة هذا القرار، وأهمية أن يكون للصوت الفلسطيني المتوحد المستقل، دوره المسموع، على مستوى الجامعة العربية، التي نفسها تمر بحالة من التصدع والإنقسام وفقدان الموقف الموحد في الشؤون العربية القومية..!


وفي نفس الإتجاه، فقد كشفت أحداث السنوات العشر الأخيرة، وتداعيات رياح التغيير على مستوى المنطقة، ما تمتلكه القضية الفلسطينية من أهمية إستثنائية، ومن دور متميز على الصعيد العالمي والإقليمي، وما يمثله السير قدماً بإتجاه وضع القرارات الدولية بشأن حل الدولتين موضع التنفيذ، والإقرار بوجود الدولة الفلسطينية كأمر واقعي لا يقبل التأجيل بعد كل هذا الزمن الطويل من المماطلة والتسويف، ما يمثله ذلك، من ضرورة سياسية وإنسانية، يشكل حلها مفتاح السلام في المنطقة وعلى صعيد العالم..!


فالشعب الفلسطيني وهو يستذكر مأساة (النكبة)، وكل معاناة الأباء والأجداد، وأهوال التشريد والحصار، والفصل العنصري، أوما يعانيه اليوم، شبابه وقادته السياسيين من أهوال صنوف التنكيل والعذاب في سجون الإحتلال الأسرائيلي، أوما يمثله عسف الإستيطان الإحتلالي العنصري، من هدر للحقوق الإنسانية وللكرامة الوطنية؛ إن كل هذا الذي يستذكره اليوم ويرتسم في مخيلة الفلسطينيين، من ظلم وعسف وإضطهاد، والذي يطالهم كل يوم وكل لحظة، لا يمثل وفي أقل مستوياته، إلا جريمة مستمرة بحق الإنسانية، ترتكبها إسرائيل ومن يدعمها من تلك الدول التي تدعي "الديمقراطية"، وفي مقدمتها أمريكا؛ الجريمة التي وقف المجتمع الدولي ولا يزال يقف أمامها، موقف المتفرج بعيداً عن تحمل أية مسؤولية أخلاقية وإنسانية، في ردع المعتدي، أو في الحدود الدنيا دعم نضال الشعب الفلسطيني في إسترداد حقوقه المغتصبة، وإقامة دولته الوطنية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية..!

وليس أمام المرء وهو يستذكر المحنة الفلسطينية في سنتها الثالثة والستين، إلا أن يمجد كفاح هذا الشعب الأبي الصامد في سوح النضال، وهو يسطر آيات البطولة في سبيل تحقيق أهدافه المشروعة في وطن حر مستقل، ولكل شهدائه الأبرار المجد والخلود..!
14/5/2011     


   
 

 



136

بن لادن: الشخص والظاهرة..!

باقر الفضلي

وأخيراً مات أو قتل الرجل الذي كان يكنى "بن لادن" كما يموت أو يقتل غيره من الناس، ولكن دفن لا كغيره من الناس؛ فهو قد مات كشخص قد نفذ فيه "حكم القتل"، وبالمعنى "القانوني" "حكم الإعدام"، والى هنا يمكن أن تنتهي الحكاية، كما أرادتها أمريكا وكما صورها الرئيس الأمريكي باراك أوباما..!!!؟


فالولايات المتحدة الأمريكية، وهي من الدول التي لا يزال تشريعها الجنائي ينص على "عقوبة  الإعدام"، رغم دعوة المفوضة العليا لحقوق الانسان في الأمم المتحدة (نافي بيلاي) الى إلغاء عقوبة الإعدام عالميا، مشيرة الى أن 140 دولة ما عادت تنفذ عقوبة الأعدام، في وقت يوجد فيه 72 دولة ممن صدقت على بروتوكول "عقوبة الإعدام" الإختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في العام 1989 ، أصبحت ملزمة بعدم إعدام أي شخص كان وباتخاذ كل الخطوات لإلغاء العقوبة وعدم ترحيل أي شخص إلى بلد يمكنه أن يواجه فيه الإعدام.، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر نفسها من الدول الراعية لحقوق الإنسان، وهي عضو في مجلس حقوق الإنسان، فالذي يبدو ويا للغرابة، وكأن المقتول بن لادن قد "حالفه الحظ" في أن ينفذ به "حكم الإدارة الأمريكية بالقتل"، وهو أعزل من السلاح، طريح فراش المرض وأمام عائلته، على يد فرقة عسكرية من الكوماندو المدربة في الولايات المتحدة الأمريكية، وطبقاً لإجراءات إتسمت بموافاتها "الشروط القانونية والشرعية"، على حد وصف السيد وزير العدل الأمريكي أمام مجلس الكونغرس الأمريكي..!!!؟؟


الى هنا يمكن أن تختتم القصة، وأن يسدل الستار على سيناريو " قتل بن لادن"، ولكن الأمر قد خرج عن المألوف في مثل تلك الأحوال، بل جر وراؤه من أذيال الحدث مالا يمكن التكهن بنهايته، أو تخيل معرفة فصل الختام..!؟


فقتل "بن لادن"، أو كما إصطلح عليه البعض تسمية "الإغتيال"، قد فتح أمام المجتمع الدولي والإنسانية، سيلاً من الأسئلة التي تتشعب بإتجاهات كثيرة ومختلفة، ترقى في بعضها حد الإحتجاج على الطريقة التي نفذت بها الولايات المتحدة الأمريكية عملية القتل، واقلها إفتراضاً وعلى المستوى القانوني، ما يتعلق بتكييف الواقعة نفسها من ناحية الشرعية الدولية والعلاقة بين الدول والقانون الدولي العام، ومفهوم السيادة طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، ومدى شرعية التصرف الأمريكي من وجهة نظر القانون الجنائي الأمريكي، والقانون الجنائي الباكستاني، والقانون الدولي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأخيراً الرأي العام الدولي، إذ ليس من المعقول أومن منطق العدالة، تجريد عملية "قتل بن لادن" من كل هذه الإعتبارات، وفي مقدمتها إعتبارات ما تقرره لائحة حقوق الإنسان، حيث وبعكسه لا يمكن توصيف ما جرى في باكستان حيث المكان الذي تمت فيه عملية القتل، أو في واشنطن حيث البهجة والإنشراح ومراسم الإحتفالات أمام البيت الأبيض،  بعيداً عن نزعة أو حالة نفسية غلب عليها طابع من الإنتقام..!!!؟


 فالحدث من الشائكية والتعقيد، ما لايمكن تمريره شرعياً وقانونياً، على الصعيدين الإقليمي والدولي، لمجرد كونه قد إقترن من الناحية التنفيذية بمقتل الشخص المدعو "بن لادن"، المطلوب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، إرتباطاً بأحداث التاسع من سبتمبر/ 2001  في أمريكا، ومن غير المعروف فيما إذا كان قد صدر حكم غيابي ما بتجريمه من قبل المحاكم الأمريكية من عدمه، وفيما إذا كانت الحكومة الباكستانية على علم مسبق بالعملية العسكرية الأمريكية أو شاركت فيها، أو أن منظمة الأنتروبول الدولية لديها إشعار مسبق بالنوايا الأمريكية أو قد ساهمت أو شاركت بجزء من العملية..الخ من الأسئلة ذات العلاقة، ومنها على سبيل المثال، الأسئلة التي وجهها محققان تابعان للأمم المتحدة،  ومعنيان بحقوق الأنسان...!؟(*)


أما إرتباطاً بالمستوى السياسي للحدث، فإن مقتل "بن لادن"، وبالطريقة التي تم بها، فقد أخرج الحدث، في الحقيقة، من أبعاده الشخصية والقانونية، ليضعه في رحاب الفضاء السياسي والإعلامي العالمي، ويخضعه الى مختلف التكهنات والتعليقات والتأويلات والتصورات المتباينة، لإرتباطه من حيث الأصل بأحداث التاسع من أيلول/2001 من جهة، وما إستتبع ذلك من إعلان ما يسمى بحالة "الحرب على الإرهاب" التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على منظمة "القاعدة" بعد تلك الأحداث في كل أرجاء العالم، والتي تلخصت ترجمتها الفعلية بشن الحرب على أفغانستان عام/2001 ، والتي إستتبعتها فيما بعد، بحربها على العراق في آذار عام/2003 ، تحت نفس الذريعة أو  ما شابهها من الجهة الثانية..!!؟


 ومن هنا تحولت منظمة "القاعدة" وشخصية "بن لادن" الى الطرف الثاني من معادلة ما يسمى، ["الحرب العالمية الثالثة ضد "الإرهاب"]، ليتحول "بن لادن" نفسه الى حالة جديدة في المعترك السياسي العالمي، حيث إرتبط إسمه وإسم منظمة القاعدة بشكل محدد الى ما يسمى ب "الإرهاب" ، مما جعل من إسميهما "ظاهرة " عالمية لها وجودوها المنتشر في مختلف إرجاء العالم، واليهما بات ينسب أي عمل يشم منه رائحة لمعارضة ضد أي نظام إستبدادي في العالم..!؟ (**)


ولسنا هنا بصدد البحث في تفاصيل الحدث وآثاره على مجمل الحياة السياسية في العالم، وعلى الخصوص في منطقة الشرق الأوسط، أو عن شخصية "بن لادن" ومن تكون، فهذا خارج نطاق المقال، كما وقد كُتب الكثير من التعليقات حول الأمر، ولكل إجتهاده الخاص في النظر الى أبعاد مقتل ( بن لادن ) ومن الزاوية التي يعتقدها، ولكن ومن بدهيات القول هنا، الإشارة بهذه المناسبة الى أمرين ذي دلالة بالنسبة لتداعيات عملية القتل نفسها مستقبلاً؛


 فمن جانب، يطرح نفسه التساؤل عن المقدمات والجذور والعوامل والظروف التي إقترن بها خلق شخصية "بن لادن"،  ليتبؤ مثل هذا المركز السلبي المثير للإهتمام على الصعيد العالمي، ومدى علاقة ذلك بطبيعة دور الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها ونشاطها السياسي والبراغماتي على الصعيد الدولي مع الشعوب المستضعفة وحركات التحرر الوطنية وإنعكاساته على تلك الشعوب، وطبيعة مواقفها من قضاياها المشروعة، أمام الهيئات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة، ومدى تعلق كل ذلك بخلق شخصية (بن لادن) ومنظمة (القاعدة)،  ومدى وحدود مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية والقانونية كدولة عظمى، في خلق ما يسمى بمقولة (الحرب ضد الإرهاب)، التي لم تجد لها تعريفاً محدداً في حدود القانون الدولي والشرعية الدولية حتى اليوم، والتي تجد فيها الإدارة الأمريكية، القاعدة والأساس القانوني والفقهي لكل ما أقدمت عليه من شنها للحروب أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإنتهاك حرمة أراضيها وإحتلالها..الخ، وليس في هذا ما ينفي عن الأفعال وأحداث التاسع من ايلول/ 2001 وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء، طبيعتها الإرهابية الإجرامية..!؟


ومن الجانب الآخر، يطرح نفسه، السؤال الأكثر وجاهة وموضوعية، وبعيداً عن التدقيق والتحقيق في تفاصيل عملية قتل بن لادن، وحدود مشروعيتها القانونية على المستويين الدولي والخاص؛ السؤال الذي سيفرض نفسه لوقت طويل، وهو: هل حقاً إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أحدى الدول العظمى في العالم، من قتلها لإبن لادن بهذه الطريقة المشوبة بغموضها والمطعون بشرعيتها، سوف ينهي ما يسمى ب"الإرهاب"..؟، وهل حقاً يمكننا القول بعد الآن، بنهاية ما تسميه إدارة الولايات المتحدة الأمريكية ب "الحرب على الإرهاب" وإختفاء ظاهرة بن لادن كرمز مطلوب في هذه الحرب، التي قادتها وحشدت لها تلك الإدارة منذ أكثر من تسع سنوات..؟؟!


 إنها أسئلة تظل شاخصة أمام المراقب طالما ظلت أسبابها قائمة وبعيدة عن مجال البحث عن حلول إنسانية وعادلة لمشاكل الشعوب؛ ف"الإرهاب" وطبقاً للمفهوم المتداول على الصعيد الأمريكي الرسمي والأوروبي، ليس عالَماً قائماً بذاته، بل هو في الواقع، نتاج عوامل وظروف متداخلة، وأسبابها تغور بعيداً في عمق التناقضات والصراعات الدولية حول مصادر الثروة وأسواق العالم، والتفاوت الشديد بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وما تعانيه جموع الفقراء والكادحين الغفيرة في العالم من إستغلال وإنتهاك لحقوقها الإنسانية وإضطهادها المتواصل، ناهيك عن إزدواجية مواقف الدول الكبرى الغنية نفسها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، في طريقة تعاملها  مع  شؤون العالم، ولعل الموقف المراوغ لها من القضية الفلسطينية، أحد أبرز الأمثلة على إزدواجية تلك المواقف..!!؟


 أما ظاهرة بن لادن والقاعدة وما شاكلهما،  فهما ليس سوى  نتاج كل ذلك، وإن إعادة إنتاجهما وتكرارهما أمر قائم، وإن كان بأشكال مختلفة وأسماء أخرى، طالما ظلت عوامل وأسباب إنتاجهما قائمة دون حلول إنسانية عادلة، فمثلاً أين من كل هذا أعمال القرصنة البحرية في جنوب البحر الأحمر..؟!


إنه وليس هناك مما يدفع للقول أو الحدس،  بأن ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس دبليو بوش الأبن، من حربها على إفغانستان عام/2001 وغزوها للعراق عام/2003، وما أقدمت عليه الإدارة الجديدة في زمن الرئيس الحالي باراك أوباما، في طريقة تصفيتها "بن لادن" يوم الأحد الماضي، بأنهما مختلفتان من حيث الجوهر؛ فهما في الحقيقة، وعطفاً على ما تقدم ، وجهان لعملة واحدة..!!؟
6/5/2011
________________________________________________________
(*)   http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE7450NH20110506
(**)http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%B9%D9%84%D9%89_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8
     


 

137

فلسطين: لقد حان الوقت...!

باقر الفضلي

إذا التئم الشمل.. إندمل الجرح.. وإنطبعت البسمة على الشفاه.. وتراقصت الضحكات في حدقات العيون.. لقد حان الوقت إن تشرئب الأعناق.. أن تتلاقى العيون.. إن يأخذ البعض بالأحضان..

إنه يوم إنتظره الجميع، وقد أزفت ساعته الآن، فالإنقسام عدو الجميع، وها هي بشائر النجاح تلوح في الأفق القريب، وما أقدمت عليه كافة الفصائل الفلسطينية من توقيع الميثاق الوطني الفلسطيني للمصالحة، هو التعبير الصادق لحسن النوايا، والخطوة الجادة في الطريق الصحيح، لتكريس وحدة الشعب الفلسطيني، والأمل المشرق لتحقيق هدف الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية الديمقراطية المستقلة، فطوبى لهذا الشعب الباسل وطوبى للفصائل الوطنية الفلسطينية كافة، وطوبى لمنظتي فتح وحماس  بهذا الإنجاز الرائع..!


لقد أثبتت التجربة العملية، ومسار التحولات الجارية في المنطقة، بأن الرهان الوحيد أمام الشعب الفلسطيني، لتحقيق أهدافه وطموحاته، هو رهان الوحدة الوطنية، بعيداً عن أي رهان آخر، وسيثبت مستقبل مجرى الأحداث، كيف أن الإتفاق التأريخي بين الفصائل الفلسطينية الذي جرى التوقيع عليه بالأحرف الأولى، يمتلك من الأهمية والقوة، ما سيدفع جميع الأطراف الإقليمية والدولية، بأخذ الأمر بعين الإهتمام والإعتبار، خاصة وأن ما توصلت اليه تلك الفصائل الوطنية،  جاء في وقت باتت فيه مسألة الإعتراف بقيام الدولة الفلسطينية على الصعيد الدولي أكثر إلحاحاً وأعمق تفهماً من قبل المجتمع الدولي في الظروف الراهنة، بعدما تعرضت له المفاوضات المباشرة مع الطرف الإسرائيلي من إجهاض متعمد من قبل حكومة نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتنفذ..!


لقدعكست الحنكة السياسية لكافة الفصائل الفلسطينية الممثلة بمنظمة التحرير، وبالخصوص للخطوات الجريئة لكل من منظمتي فتح وحماس، في تفعيلهما للقاء القاهرة، ما يعبر عن إدارك حقيقي للواقع الموضوعي ولطبيعة المتغيرات السياسية في المنطقة، وما يدفع الى التفاؤل بمستقبل الخطوات القادمة التي جرى الإتفاق على خطوطها العامة المتعلقة بتفاصيل توحيد الجهد الفلسطيني، وإنهاء حالة الإنقسام للتراب الفلسطيني جغرافياً وسياسياً، وتوحيد المؤسسات الحكومية والإدارية وكل ما يمهد الطريق لخلق الدولة الفلسطينية الموحدة شعباً وأرضاً وثقافةً وتأريخا..!


ما يأمله المرء أن لا يكون تفاؤلنا هذا ساذجاً، حد نسيان تجارب التأريخ ودروسه الغنية، فليس بعيداً عن الذاكرة ما توصلت اليه الفصائل الفلسطينية الوطنية من إتفاقات ومصالحات في سابق الأيام الخوالي، وما رسمته من خطط ومشاريع لإرساء القواعد والأسس الهيكلية لبناء الدولة الديمقراطية المدنية الموحدة على كامل التراب الفلسطيني..!


ولكن ومن نافل القول: فلا يسع المرء وبعد هذا الإنجاز الكبير الذي توصلت اليه الفصائل الفلسطينية من إتفاق المصالحة التأريخي على صعيد الوطن الفلسطيني، مع كل العبر والدروس التي إجترحها الشعب الفلسطيني من مسيرته الكفاحية الطويلة، إلا الأمل والتوثق بالنجاح لهذه المسيرة، تحت قيادة فصائلها الوطنية الموحدة في منظمة التحرير الفلسطينية، وما إتفاق المصالحة، إلا تعبير ومؤشر موضوعي لتحقيق الأمل المذكور..!


لقد حان الوقت حقاً لأن تمضي الحركة الوطنية الفلسطينية الموحدة بكل فصائلها، قدماً الى الأمام  لتحقيق ما إتفقت عليه من برنامج وأهداف ضمن ميثاق المصالحة، وترجمتها على الصعيد العملي الى أفعال ملموسة لا تقبل التأجيل، فالشعب الفلسطيني اليوم يعيش أفضل حالاته النفسية وهو يرى قواه السياسية قد توصلت الى لغة مشتركة، هدفها تحقيق مصالح الشعب وفي مقدمتها مجابهة تحدي وإنهاء الإحتلال، وإنهاء الإستيطان، والعمل على كسب إعتراف المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية الديمقراطية المدنية..!
4/5/2011

       
       


138

الأول من آيار: تحرر الطبقة العاملة مفتاح تحرر الطبقات الأخرى...!

باقر الفضلي

من الصعوبة بمكان الحديث عن الأول من آيار من كل عام، وكأنه يوم جامد في حياة الطبقة العاملة، في أي بلد من البلدان؛ يوم يتكرر بكل مباهجه ومسراته التي إعتدنا الإحتفاء بها مثلما نحتفل بأي عيد ديني أو شعبي، نقيم خلاله الطقوس المعتادة التي توارثناها عن الأجيال الماضية، وتمر علينا ذكراه في بهجة وسرور وسط عاصفة من الأناشيد والتراتيل والبلاغات واللافتات والشعارات والرايات الحمراء..!


نعم إن الأول من آيار من كل عام، هو عيد كباقي الأعياد كما هو متعارف عليه، ولكن لهذا العيد ما  يميزه عن غيره من الأعياد، وله خصوصيته التي ينفرد فيها عن سواه، فهو يتحدد بكونه يوماً ذا معنى تأريخي مجازي، إختارته الطبقة العاملة العالمية، كيوم يعكس وحدة هذه الطبقة إرتباطاً بوحدة مصالحها على الصعيد الحياتي اليومي من جهة، ووحدة نضالها الطبقي المشترك من أجل تحقيق هذه المصالح من الجهة الأخرى، ومن هنا تبرز أهمية الإحتفال بمثل هذا اليوم على الصعيد العالمي، لما يعنيه ذلك، من وحدة تلك المصالح الطبقية مهما إختلفت طبيعة وإشكال العمل وظروفه في جميع البلدان، ناهيك عن إختلاف مستويات الإنتاج، سواء في الدول المتقدمة صناعياً أو تلك التي لازالت تقف في أسفل السلم من حيث التطور الصناعي..!


وحيث قد أدركت الطبقة العاملة وفي زمن مبكر من بدء تشكلها كطبقة متميزة في المجتمع، وتحسست ثقل وجودها أمام الطبقة الرأسمالية الناشئة حديثاً؛ بأن النضال من أجل صيانة حقوقها المشتركة كطبقة متميزة في المجتمع، لا يمكنها أن تتحقق دون العمل المشترك بين جميع فصائلها ضمن تنظيمات موحدة من العمال، وعلى صعيد مختلف الصناعات والمهن التي ينتشر وجودها داخلها، ما دفعها الى تركيز جهدها النضالي ضمن منظمات عمالية ذات طابع ديمقراطي، تمثل بتأسيس النقابات العمالية في كافة أفرع الصناعات المختلفة، معززة ذلك بتشكيل الإتحادات النقابية الفرعية والمركزية لكل صناعة على مستوى الدولة الواحدة، وأخيراً على المستوى الدولي، ممثلة بالإتحاد العالمي للنقابات..!


ولم يتحقق كل ذلك على الصعيدين المحلي أوالدولي، إلا عبر نضال قاس وعنيد خاضه العمال أمام تعنت وجبروت الطبقة الرأسمالية في تلك البلدان، التي تمكن فيها العمال من تحقيق أهدافهم المذكورة، حيث كانت الطبقة العاملة في البلدان المتطورة رأسمالياً في مقدمة تلك البلدان التي أحرزت نتائج باهرة في هذا المجال، وتمكنت من تأسيس منظماتها النقابية، التي يسجل لها السبق في تشكيل الإتحادات النقابية على الصعيد المحلي والعالمي..!


كما ولم تتمكن الطبقة العاملة حتى ضمن تلك الدول المتقدمة صناعياً من الوصول الى هذه النتائج، دون أن تنظم نفسها عبر تشكيلاتها النقابية، مستخدمة سلاح الإضراب العمالي الفعال، في إجبار أرباب العمل والسلطات الحكومية التي في خدمتهم، على تلبية المطاليب العمالية في تحسين الأجور وظروف العمل وتقليص يوم العمل، ومساواة المرأة مع الرجل في تلك الحقوق، والإعتراف بحقوق العمال النقابية والسياسية؛ ومع ذلك فإن هناك الكثير من البلدان في العالم، لا زالت الطبقة العاملة فيها رغم محدوديتها العددية، محرومة من جملة مثل تلك الحقوق، كما وأن العديد منها لا زالت تفتقر الى قوانين تنظم علاقات العمل، أو تنظيمات نقابية عمالية، في نفس الوقت الذي تحاول فيه السلطات الحكومية، في بعض تلك البلدان، وخاصة منها من تمتلك فيها الطبقة العاملة، إرثاً نضالياً وطنياً في مجال التنظيم النقابي، من الإستحواذ على التنظيم النقابي العمالي بمختلف الطرق والأساليب، ومنها القانونية والتشريعية، وتنصيب رموزها وممثليها على رأس تلك التنظيمات النقابية، ومحاولة شق وحدة صفوف الطبقة العاملة في البلد المعني..!


وليس بعيداً عن ذلك ما تسعى اليه السلطات الحكومية العراقية المتنفذة، وفي مقدمتها اللجنة الوزارية العليا المشرفة على تنفيذ قرار مجلس الحكم رقم/3 لسنة 2004 ،من محاولة إستنزاف الجهد العمالي النقابي في توحيد صفوف الطبقة العاملة العراقية، من خلال ما أقدمت عليه من إجراءات تعسفية بحق الإتحاد العام لنقابات العمال في العراق، بهدف عزل الإتحاد المذكور عن قاعدته العمالية في المحافظات، والتفرد الحكومي من خلال من تنصبه على رأس قيادات المنظمات النقابية العمالية في تلك المحافظات، والتأثير على نتائج الإنتخابات النقابية في المحافظات، بما يوفر الهيمنة الحكومية على التنظيم العمالي النقابي في البلاد..!(*) 


إن ما تقدم عليه السلطات الحكومية من إجراءات تعسفية بحق الطبقة العاملة العراقية حالياً، ليس جديداً على الطبقة العراقية، ففي تأريخها النضالي الطويل، قد إصطدمت تلك الطبقة بمحولات غير قليلة بهذا الإتجاه، فقد حاولت حتى حكومة عبد الكريم قاسم وفي أول عهدها من الإقدام على نفس الخطوة التي تحاول تنفيذها السلطات الحكومية الحالية، من شقها لوحدة الطبقة العاملة العراقية، من خلال تأسيس إتحاد نقابي عمالي حكومي، الى جنب الإتحاد العام لنقابات العمال المنتخب من قبل العمال، في محاولة لعزل الإتحاد الشرعي، وكذلك الأمر في زمن الفترة التي طغت فيها الدكتاتورية، حيث بات التنظيم النقابي جزء من تنظيمات الدولة وخاضع لمشيئتها التامة، نفسه الحال بالنسبة للإتحادات المهنية والفلاحية، في تلكما الفترتين حيث هيمنت الحكومة على مقدرات تلك المنظمات النقابية المهنية بالتمام..!


مع كل تلك المفارقات يظل الأول من آيار من كل عام يوماً خالداً في حياة الطبقة العاملة العالمية،  تشاركها الطبقة العاملة العراقية، من خلال ما سطرته في تأريخها المجيد من مآثر لا تنسى، وما حققته من مكاسب على صعيد التنظيم النقابي والحقوق النقابية والسياسية، وما إجترحته من بطولات تأريخية مشهودة، في ظل قيادات عمالية نقابية، كان لها الأثر الفعال والدور الكبير في توحيد صفوف العمال العراقيين وراء تنظيماتهم النقابية، وفي تأسيس الحركة النقابية العراقية المجيدة، من أمثال قادة العمال النقابيين البارزين؛ الشهيد طالب عبد الجبار والمرحوم علي شكر والمرحوم صادق الفلاحي، والقائد العمالي البارز آرا آخاجادور والعديد من القادة العماليين التي أنجبتهم الطبقة العاملة العراقية عبر ما يزيد على أكثر من نصف قرن من الزمان..!

كل المجد للطبقة العاملة العراقية في يومها العالمي، وكل الدعم لحركتها النقابية الديمقراطية في نضالها من أجل توحيد صفوف الطبقة العاملة العراقية، وتشريع قانون ديمقراطي للعمل، وإرساء القواعد الديمقراطية في الإعتراف بإستقلالية التنظيم العمالي النقابي، وعدم التدخل بشؤونه الداخلية من قبل السلطات الحكومية..!

إن الطبقة العاملة العراقية سجل حافل بالمآثر والأمجاد البطولية الراسخة في ذاكرة الشعب العراقي، سجل لأمجاد الشعب العراقي في الكفاح من أجل تعزيز وحدة العراق، وصيانة إستقلاله، والنضال في سبيل ترسيخ الديمقراطية؛ وأمامها اليوم وهي في معترك المجابهة لتحقيق وحدتها، ما يضعها في جسامة حجم مسؤولية النضال من اجل إنهاء الإحتلال وتثبيت حقوقها النقابية والسياسية بتشريع قانون عمل ديمقراطي يقر لها جميع حقوقها المنتهكة، فتحررها سياسياً وإقتصادياً هو مفتاح تحرر كافة الطبقات في المجتمع..!
28/4/2011
(*)http://sautalomal.org/index.php?option=com_content&view=article&id=3817:2011-04-24-11-19-11&catid=39:2010-04-09-05-57-20&Itemid=57


   
   



139
أدب / البوح...!
« في: 14:15 28/04/2011  »


البوح...!


باقر الفضلي

بَوحٌ مِنَ الرُوحِ بَينَ الهَمْسِ والعَتَبِ
أَفْضَى بِما طَفَحَ المَكْتـومُ مِنْ عَجَبِ

تَصارَعَتْ عِنـدَهُ الأَفكارُ مُذْ نَشَأتْ
بينَ الحقَيقَـةِ والأَوهـامِ والرُغَـبِ

لا تَدري أَينَ طَريقُ الشَمسِ تَسـلُكَهُ
ولَنْ تَرى عاصِفاتِ الرِيحِ والتُـرَبِ

تَخالَـها وهي تَحبـو في مَسيرَتِـها
شَمطاءُ قَدْ ساطَها ضَربٌ مِنَّ الحَدَبِ

حَيـرى يُساوِرُها شَـكٌ إذا نَطَقَـتْ
صَماءُ لا تَغتَرفْ مِنْ مائِهـا العَـذِبِ

***

كأنَـها وخَـريفُ الأَمْـسِ بـانَ لها
عِـزُ الرَبيعِ تَباهى وهوَ في الجَـدَبِ

شـادَتْ على وَهَـمٍ قَصْرَاً تُبارِكـهُ
وإستَمْرَأَت أَمَلاً مِـنْ مُـدَّعٍ كَـذِبِ

لاذَتْ بصَمتِ البُكْـمِ مـا وَسِعَـتْ
مِنها الذَرائِعُ مِنْ قيـلٍ ومِنْ سَـبَبِ

أَرْخَتْ سدُولاً على أَبصارِها وسَرَتْ
في عُتمةِ التيـهِ بينَ السُدْمٍ والحُجُبِ

فطَـالَ فيها بقـاءُ الـوَهنِ هائِمَـةً
سِرحانُ رائِدُها في المَوقِفِ الصَعِبِ

***

نَشْوى يَحـوكُ لها الماضي طَراوَتَها
ويُشبِـعُ العَيـنَ فيها مَنْظَرُ الـرَطَبِ

سليلةُ العِـزِ مُـذْ دارَ الزَمانُ بِـها
وأَلبَسَتْها الليـالي بَعضُ مِـنْ سَغَبِ

أَرْخَتْ خِمـارَ الحَيا زُلفىً لواهبِـها
لكنـها الريـحْ لا تُطْفي سَـنا اللَهَبِ

فبانَ منها صُدودٌ  وَهْـيَ في شَـرَكٍ
أَنْ تُقْحِمَ القَـولَ بَيـنَ الجِـدِ واللَعِبِ

تَبدو البلاغَـةُ نَهجَـاً في فَصاحَتِـها
لتَرتَوي عَطَشاً مِـنْ دِفْقِـها  النَضِبِ

***

ويـحُ الزمانُ وقَـدْ أَوفى على قَـدَرٍ
حينـاً، وحينـاً سـارَ فـي صَخَـبِ

يوماً يُريكَ سِبـاخَ الأَرضِ مَـزرَعةً
ويَزدَريكَ بأخـرى وَهْيَ مِـنْ ذَهَـبِ

إِنْ كُنْتَ أودَعتَـهُ عَهْـدَاً وثِـقْتَ بهِ
يأتيكَ مِـنْ عَهْـدِهِ ما كُنْتَ تَضطَربِ

لا تأمَنَـنَ سُـكونَ البَحـرِ تَحسَبـهُ
صقْلُ المَـرايا وقَدْ زاغَتْ مِنَ العَطَبِ

الكُـلُ يَمتحِـنُ الأَيـامَ مـا فَعَـلَتْ
مِنْ سالِفِ الدَهرِ أَو مِنْ حاضِرِ الحُقَبِ

***

إيـاكَ أنْ تَبني عَرشَـاً في مَتـاهَتِها
أَو تَرتَجي أَمَـلاً مِنْ طـائِشٍ غَضِبِ

كَيفَ الرُجوعُ الى ماضٍ وقَدْ عَصفَتْ
عَوارِضُ الدَهْرِ في الذِكرى فَلمْ تُجِبِ

كُنَّا نَـرى الأَمسَ سَباقَـاً الى غَـدِهِ
ونَحْسَبُ اليَـومَ مَاضٍ دُونَمـا عَتَبِ

كنا نكيلُ لهـا الصاعَيـنِ إن دَهَمَتْ
رَفيدُنا التِـرْسُ مِنْ شِعـرٍ ومِنْ أدَبِ

شَتَّـانَ بيـنَ غَـدٍ والحُلْـمُ صانِعُـهُ
وبَيــنَ ما تَرسِمُ الأَوهامُ مِـنْ سُحُبِ

***

إِنـي لَعَمْـرُكَ مُـذْ بانتْ مَلامِحُـها
وأَزْهَـرَتْ كاشِفاتُ الوَهْمِ في الجُنُبِ

وجَدَّتُ فيـها جَحيمَ المَـوتِ أَهوَنُـهُ
وأَصعَبَ المَوتِ أَنْ تَحيـا بِـلا سَبَبِ

تَئِنُ مِنـها جِـراحُ الأَمْسِ ضامِـرةٌ
تُخْفي جِراحَ الأَسى في غَمْـرَةِ اللُجُبِ

تَلاطَمَتْ مثلَ مَـوج البَحْـرِ يَدفَعُهـا
عِشقُ الغَنيمَـةِ قَبـلَ النَهْبِ والسَـلَبِ

فبَعدَما أَسْرَفتْ شـاقَ النَسيـمُ بِهـا
وأُضْرِمَتْ في الحُمَيا لَوعَـةُ الغَضَبِ

***

تا اللهِ ما كـانَ بَوحَـاً يُستَبـانُ  بِـهِ
كَشْفُ الحَقَيقَةِ لَمّـا العَـَدلُ في كَرَبِ

ضاعَتْ مُتَيَمَةُ الأَحضـانِ وأُستُـلِبَتْ
مَكارِمُ النَفسِ مِنْ بـاغٍ ومِـنْ قَحِـبِ

وعـادَ فيها عُتاةُ الأَمْسِ فـي عُـرسٍ
ما كـانَ يأمَلُـه يَومَـاً أَخـو" شَنَـبِ" (*)

أََضْحَتْ أَباطِيلُهـا عَهْـدَاً يَلـوذُ بـهِ
مَنْ حالَفَ الذِئبَ أَوْ مَـنْ تابَعَ الـذَنَبِ

رَواغُ فـاقَ إبْـنَ آوى فـي خَديعَتِـه
وأظْهَرَ المَكْـرَ حَيثُ المَكْرُ ذُو غَلَـبِ

مَنْ أَلْبَسَ الناسَ ثَوبَـاً غَيـرَ مَلبَسِهِـمْ
وأَلْهَـمَ العَقلَ فِكـراً غَيـرَ مُحتَسَـبِ

***
***
***
27/4/2011
___________________________________________
 (*) الشنب : بمعنى الشارب



140
العراق: الإتفاقية الأمنية الأمريكية- العراقية: ملاحظات هامشية..؟!

باقر الفضلي


في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ 2008 وفي أجواء برلمانية عاصفة، نجحت الحكومة العراقية في تمرير "الإتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية" بأغلبية 149 ومعارضة 35 نائبا.


لقد تمكنت الكتل الرئيسة في مجلس النواب، وهي الإئتلاف الموحد والإتحاد الكوردستاني وجبهة التوافق، وبعد خلاف وشد وجذب حول إقرار الإتفاقية، أن تطمس خلافاتها وإعتراضاتها على الإتفاقية، وتعلن موافقتها عليها دون الخوض في تفاصيلها، فيما عدا كتلة واحدة هي كتلة الصدريين، من عارض الإتفاقية وطعن في شرعيتها.



منذ أن أعلن عن ما يدعى ب "إعلان المباديء" الموقع بين الرئيس الأمريكي بوش والسيد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، في تشرين الأول من العام الماضي كُتبت الكثير من المقالات والدراسات حول الإتفاقية من قبل العديد من الباحثين والكتاب ومنهم الكاتب، ولكنها جميعاً كانت تدور في الأطر العامة للإتفاقية وحولها، بسبب ما أحاط الإتفاقية من غموض وعدم العلانية.



وفيما يلي بعض من إلقاء الضوء على بعض  من النصوص التي أجدها مهمة للتعريف بالإتفاقية بعد أن تم إطلاق سراحها وتم التصديق عليها وأصبحت حيز التداول. وهو في مجمله، عبارة عن ملاحظات هامشية على تلك النصوص، على أمل أن يكون مفيداً ونافعاً في التعريف بالإتفاقية، ويفتح الطريق أمام بحوث أكثر عمقاً وإيضاحاً لبواطن الإتفاقية المذكورة، والتي لم تجد طريقها الى الإيضاح في مثل هذه الملاحظات السريعة، خاصة وإن موضوع هذه الإتفاقية بات من مواضيع الساعة، لإرتباطه بموعد إنسحاب القوات الأمريكية من العراق في موعد آخره الحادي والثلاثين من كانون الأول/2011، وما يدور من جدل سياسي على الساحة العراقية  حول الموقف من تمديد تلك القوات، والإحتمالات المتوقعة على كافة الأصعدة الحكومية العراقية والأمريكية، وما يعلن من تصريحات مختلفة حول إمكانية التمديد من خلال إجراء تغييرات على الإتفاقية نفسها، أو الذهاب الى توقيع إتفاقية أخرى أو الإكتفاء بوثيقة الإتفاقية الاستراتيجية بين البلدين ..!(1)


ومع ذلك فإن الطريق لا زال مفتوحاً بين الطرفين وفقاً لتصريحات الأميرال مايك مولين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، عقب محادثاته مع رئيس الوزراء العراقي السيد نور المالكي في بغداد يوم الجمعة، رغم أن الحكومة العراقية لم تتقدم بطلب التمديد حتى الآن..!(2)
 


 ملاحظات هامشية


•   الديباجة :

[[... إذ يقران أهمية تعزيز أمنهما المشترك والمساهمة في السلم والاستقرار الدوليين ومحاربة الإرهاب في العراق والتعاون في مجالات الأمن والدفاع، لردع العدوان والتهديدات الموجهة ضد سيادة وأمن ووحدة أراضي العراق ونظامه الديمقراطي الاتحادي الدستوري..]]   


-   تحدد الديباجة وبوضوح تام الأغراض والمقاصد التي تقف وراء الدافع من عقد هذه الاتفاقية، وهو الأمن المشترك للبلدين. والتعاون المشترك في مجال الأمن والدفاع .

-   تتعدى مهمة التعاون المشترك حدود "التهديدات الموجهة ضد سيادة وأمن ووحدة أراضي العراق، لتشمل التدخل في شأنه الداخلي المتعلق بنظامه السياسي. وهذا ينصرف الى مشاركة الحكومة العراقية في أي جهد داخلي تبذله لقمع أي نشاط تعتقده موجهاً ضد سياستها أو نظام الحكم القائم، ويمكن أن يدخل في عداد ذلك أي إضراب طلابي أو عمالي أو مظاهرة إحتجاجية وغيره من النشاطات الإجتماعية الأخرى التي تجد فيها الحكومة وطبقاً لتفسيرها الخاص، ما يهدد سلطتها الحكومية. وهي مسألة داخلية صرفة، ويمكن توظيف نص الديباجة بهذا الإتجاه.


-   طبقاً لنص الديباجة تمتلك القوات الأمريكية حق الردع لأية نشاطات داخلية موجهة ضد الحكومة تعتقدها تمثل تهديداً للنظام القائم.


-    وطبقاً للنص المذكور فإن الولايات المتحدة الأمريكية ومن منطلق مقولة "الأمن المشترك" ، تمتلك حق المشاركة في تحديد طبيعة النظام السياسي العراقي، بما تراه من وجهة نظرها، متفقاً مع مفهومها الخاص لما نص عليه في الديباجة، وهذا الحق مقصور على الجانب الأمريكي، لتعلقه فقط، بسيادة وأمن العراق ونظامه السياسي طبقاً للديباجة. حيث لا يمتلك العراق، ومن "منطلق التكافؤ"، نفس حق التدخل هذا في الشأن الداخلي الأمريكي ونظامه السياسي، سلباً أو إيجابا، هذا من جهة، وبإعتبار الولايات المتحدة الأمريكية هي الطرف المطلوب من قبل الطرف الثاني العراق، لتقديم المساعدة من جهة أخرى.


-   إلا أن العراق، قد يكون مضطراً للمشاركة في أي جهد تبذله الحكومة الأمريكية وتحت مقولة " تعزيز الأمن المشترك" للطرفين، وفي أي مكان في أمريكا أو العالم يخضع للسيادة الأمريكية، لردع أي نشاط ترى فيه الحكومة الأمريكية تهديداً لأمن الولايات المتحدة الأمريكية، وتحت تسمية "الإرهاب" أو أي تسمية أخرى على سبيل المثال.


-   وعطفاً على المهام المشتركة للطرفين في المساهمة في السلم  والإستقرار الدوليين،  تشير الديباجة  الى :   " ومحارية  الإرهاب في العراق" ؛ والنص هنا واضح وصريح؛ فالإرهاب حالة غير واضحة المعالم، وتحمل تفسيرات عديدة وتأويلات لا تعد ولا تحصى، وبإمكان أي من الطرفين وخدمة لأغراضه ومصالحه أن يكيف أي حدث أو واقعة ويدرجه تحت طائلة مفردة "الإرهاب" ، هذا من جانب، ومن جانب آخر؛ فإن النص يحدد حصراً العراق بإعتباره المكان الذي يحتظن "الإرهاب"، وحيث أن الإرهاب ليس جيشاً أو دولة أو شخصاً بعينه، يمكن دحره وهزيمته وتحديد نهايته، فإن إمكانية التمديد والإطالة أو التجديد للإتفاقية تظل قائمة للسبب المذكور، وإن لم ينص على ذلك في الإتفاقية.(*) 



•   المادة الاولى:


-   يؤكد العقد المكتوب بين الطرفين على أنه إتفاق ينظم الوجود المؤقت لقوات الولايات المتحدة في العراق وأنشطتها فيه وانسحابها من العراق. وهنا يبدو ان المقصود بالنص المكتوب هو (إتفاق)، إنما ليضفي  ذلك، صفة الإتفاقية التي تسمح للرئيس الأمريكي عدم عرضها على الكونجرس لأغراض التصديق.


•   المادة الثانية:


-   تعريف المصطلحات
-   أ- «المنشآت والمساحات المتفق عليها»
لم ترفق قائمة بتفاصيل أسماء وأمكنة ومساحات وطبيعة هذه المنشآت والمساحات، مع الإتفاقية.

-   ب- «قوات الولايات المتحدة»
لم يشر الى حجم تلك القوات وطبيعة تسليحها وتشكيلاتها.


•   المادة الرابعة:


-   1-  يركز هذا البند من هذه المادة على: [[ تطلب حكومة العراق المساعدة المؤقتة من قوات الولايات المتحدة لمساندتها في جهودها من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار في العراق، بما في ذلك التعاون في القيام بعمليات ضد تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى والجماعات الخارجة عن القانون وبقايا النظام السابق.]]


-   فالطلب العراقي ينصب على المساعدة المؤقتة من قوات الولايات المتحدة، التي لم تحدد حدودها ولا أشكالها، ولا حتى نوعية القوات أو حجمها، أما الغرض من الطلب فهو تحديداً ينصب على المساعدة في الأمور التي تتعلق بالحفاظ على الأمن والإستقرار في العراق، وينصرف للتعاون من قبل الطرفين العراقي والأمريكي في القيام بالعمليات المسلحة ضد مساحة واسعة من الأعداء الداخليين والموهومين دون تحديد أماكنهم وأعدادهم وطبيعة إجرامهم وجنسياتهم، بالإضافة الى عدم تحديد المدى الزمني لهذا التعاون والمساندة المطلوبة، وآلية التنفيذ، وتشخيص من يقوم بقيادة تلك العمليات، وحدود المسؤولية. 



-   إن دور قوات الولايات المتحدة في هذا البند؛ هو تكريس لما جرى تثبيته في الديباجة، وإن مشاركة تلك القوات في تلك العمليات يقوم على نفس الأسس التي جرى توضيحها حول الديباجة؛ فهو من الناحية الدستورية والقانونية والموضوعية الواقعية، يدخل في إطار الشأن الداخلي العراقي، لكونه موجهاً حكماً الى مساعدة ومشاركة القوات الحكومية العراقية، في عمليات الردع ضد أي نشاط تجده هذه الحكومة يخل "بالأمن والإستقرار"، وهي حالة يمكن تكييفها من قبل أية حكومة، لأي حدث أو معارضة ما، تجد فيها تهديداً لمصالحها ومن أي جهة كانت، وينصرف تأثيره الى مواطنين عراقيين لم تحدد هوياتهم حصرا. بل هو يمكن أن يشمل أي عراقيٍ كان، تشم منه رائحة لمعارضة، أو شاءت الظروف والصدف أن يجد نفسه في المكان والزمان الذي إقتضته العمليات العسكرية.



-   وبالإضافة لنص الديباجة يعتبر هذا البند هو الآخر؛ تدخلاً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في الشأن الداخلي العراقي، وبالتالي فمشاركتها الحكومة العراقية في عمليات الردع ضد القوى التي عددها البند المذكور، يسمح لها بتحديد طبيعة تلك القوى التي تستهدفها، وبإمكانها أن تدخل في حساب تلك القوى أي ردود فعل من قبل السكان ضد تواجدها، حتى لو كانت بريئة، وتتعامل معها طبقاً لنصوص البند المذكور بإعتبارها قوىً معادية. وهذا ما يسمح لها أن تعتبر نفسها في حالة الواجب حتى لو كانت في حينه خارجه.(**)


-   طبقاً لنص هذا البند من المادة الرابعة من الإتفاقية "إتفاقية سحب القوات"، لا يحدد البند المذكور سقفاً زمنياً لتواصل عمليات [[ التعاون في القيام بعمليات ضد تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى والجماعات الخارجة عن القانون وبقايا النظام السابق.]]   بل إنه وبالمفهوم المعاكس لتعبير "المساعدة المؤقتة" الذي تضمنه النص، فإن إمكانية تمديد وإطالة الإتفاقية يظل دائماً ميسوراً في يد الطرفين، إستناداً الى مدلولات نص البند المذكور، لتعلقه بالعمليات المشتركة من قبل الطرفين ضد الجهات المحددة في نص البند، وهي جهات، وكما أشرت أعلاه، غير معرفة أومحددة قانوناً وتمتلك من الهلامية والمطاطية ما يجعلها قابلة للتوسع عرضاً وطولاً، لتشمل سائر من كان، ويمكن أن تطال حتى تلك الجهات التي دعمت الإتفاقية نفسها لتستخدم تحت طائلة المادة الرابعة من الإتفاقية، طبقاً لتفسير اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية(JMOCC) التي يتم تشكيلها بموجب هذا الاتفاق. أو أي طرف منهما.(الفقرة/2 من نفس المادة الرابعة) (***)


-   2-    [[ تجرى جميع العمليات العسكرية التي يتم تنفيذها بموجب هذا الاتفاق بموافقة حكومة العراق .ويتم التنسيق الكامل بشأن هذه العمليات مع السلطات العراقية. وتشرف على تنسيق كل تلك العمليات العسكرية اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية(JMOCC) التي يتم تشكيلها بموجب هذا الاتفاق. وتُحال إلى اللجنة الوزارية المشتركة القضايا المتعلقة بالعمليات العسكرية المقترحة التي يتعذر على اللجنة المشتركة لتنسيق العمليات العسكرية البت بها. ]]
-   .....


_____________________________________________________
-   (*)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE4AQ15M20081127?sp=true
-   (**)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE4B50FK20081206?sp=true   
-   
-   
-   
-   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE4BC0FX20081213?sp=true           (***)
                          http://www.almadapaper.net/news.php?action=view&id=39299                           (1)     
                        http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE73L0HX20110422                           (2)           


   


 
 

 
 



141
 
فلسطين : فيتوريو أريغوني الإنسان..!

باقر الفضلي

هل أدرك القتلة الآثمون نبل المشاعر الإنسانية التي كنت تحملها في إعمق أعماق نفسك إتجاه الشعب الفلسطيني المكافح .. وهل أدرك من تمسحوا بالدين ستاراً وجلباباً لستر عوراتهم الظلامية، وتلميع قذاراتهم الصدئة طريقاً للعبور على آلام ومحنة الشعب الفلسطيني، ليضعوا أنفسهم في صدارة نضال هذا الشعب الأبي، وفي مصاف طلائعه الوطنية الباسلة زوراً وبهتانا، ليتنكروا لكل خلق الكرامة والشهامة الفلسطينية والعربية، ويستبيحوا دم ضيف أبناء غزة الغالي، وليجعلوا من أنفسهم أدوات رخيصة للقتل والهمجية وللإرهاب، هدفها تلويث الصفحة البيضاء الناصعة لنضال الشعب الفلسطيني، وورقة مفلسة خائبة في يد أعداء هذا النضال، في وقت بات فيه دحر "الإنقسام" مطلباً فلسطينياً وطنياً شاملا، والإعتراف دولياً بإقامة الدولة الفلسطينية على كامل التراب الفلسطيني، هدفاً وطنياً يسعى اليه الجميع..!؟


لقد كانت جريمة مروعة، يندى لها جبين الإنسانية، وتشمئز منها النفوس الخيرة، فبقدر ما هي جريمة أرتكبت ضد إنسان نذر نفسه وكل ما يملك من مشاعر إنسانية من أجل نضال شعب ضاق الأمرين من إستعباد أرضه وهدر كرامته، فإنها جاءت وكأنها طعنة في خاصرة هذا النضال، وإساءة للعدالة الفلسطينية، وخدمة لأعداء القضية الفلسطينية، ولكنها وفي عين الوقت ومهما بلغت من وحشية وهمجية، فإنها لا يمكنها أن تحرف النضال الفلسطيني عن نبل أهدافه، أو أن تدق أسفين بين دعم  مناصري ومؤازري هذا النضال من أبناء الشعوب الأخرى، التي مثل المتضامن الأممي الإيطالي فيتوريا أريغوني رمزها الأممي العتيد، وبين عدالة القضية الفلسطينية، في سعيها لفك حصار غزة ووقف الإستيطان الإسرائيلي وإنهائه، وإقامة الدولة الفلسطينية المدنية الديمقراطية، رغم كل محاولات التطرف والتعصب التي تسعى الى حرف وإعاقة مسيرة هذا السعي العادل..!(*)


لك المجد أيها الإنسان الكبير في مشاعره الوجدانية وفي تضامنه مع العدالة وفي حبه وأحاسيسه المرهفة إتجاه نضال الشعب الفلسطيني العادل، وسيظل إسمك حياً في حياة الأجيال الفلسطينية،  خالداً في سجل الشهداء والشرف والبطولة..!
16/4/2011
______________________________________________
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=228866
 

       

142
 أيُ حالٍ أمرَ من ذي الحالِ...!؟

باقر الفضلي

أيُ حـالٍ أَمَـرَ مِـنْ ذي الحـالِ
أيُ داءٍ شـفـاؤُه بالـمَـنـالِ..!

تُسقَـمُ النَفـسُ أَنْ تَـراكَ عليـلاً
مُغْمَـضَ العَينِ ساهِـماً بالخَيـالِ

مُـرخِصاً كلَ مـا لـَديـكَ  بـآهٍ
أيُ آهٍ تُـعِـيدُ فيـكَ التَـعـالـي

باسِـطاً راحَـتَيـكَ تَنـدِبُ حَـظاً
رافِعـاً معصَمَـيكَ شَطّـرَ السُـؤالِ

أيُ حـالٍ وأنـتَ فـي ذي الحـالِ
أَمـلٌ عـالِـقٌ بكَـنْـفِ المُـحـالِ

***

كُلَّـمـا نَـطْـرَحُ السُـؤالَ تُجِـبْـنا
آمِـلاً قانِـعَـاً بِـحُـكـمِ المَـلالـي

ضـائِعـاً بيـنَ فَـتْـوىً وأُخْــرى
لا تَـرى في الطريـقْ، غيرَ المُـقـالِ

عَـبثـاً تَرتَجـي مِـنَ الشَـوكِ وَرداً
حيـنَ تَـزهـو الـورودُ في الآصـالِ

أيـهـا السـارِحُ الـمُـتَـيَّـمُ حُـبَّـاً
ساهِـمَـاً هائِمَـاً بأمـسِ المَـعـالـي

لا يُـرى في ضُـحـاكَ غَـيـرُ أفُـولٍ
عَجَبـاً تُـحْجَـبُ الشَمسُ بالـغِـربـالِ

***

قِـفْ تَـمَهَـلْ، فَـلَسْـتَ أَولَ شـادٍ
سَحَـرَ القَـومَ شَـدوُهُ فـي إِبتـهـالِ

سَبقَـتـكَ الشعـوبُ  للمَجـدِ صُعْـدَاً
ورَضَـيـتَ المُـكُـوثَ فـي الإِذلالِ

كُلمـا مَـرَّ فيـكَ فَـجْـرٌ عَـتـيـدٌ
ناطَـحَـتْ بأسَـهُ طُـمَـى الأَوحـالِ

يـا غَـريقـاً وأَنـتَ حَـيٌّ مُـعـافـى
سـادِراً فـي عُـلاكَ كـالـتِـمـثـالِ

مـا حَسِـبْـنـاكَ يَـومَـاً قَـنـوطَـاً
راضـيـاً بالمُـحـالْ، فـي كُـلِ حـالِ

***

أيُ حـالٍ أَمَــرَّ مِـنْ ذي الـحـالِ
عَصَـفَ الرَمـلُ في ذُراكَ المُـغـالِ

نَهَـشَتـكَ الذِئـابُ مِـنْ كُـلِ صَـوبٍ
قَـطَّـعَـتْـكَ السيـوفُ بـالأَوصـالِ

كُـلُهـا تَـرتَجيـكَ ضَـرعَاً حَـلُوبـاً
تَستَـقي ضَـمْـئَهـا علـى المِـنْـوالِ

وتُـشيـعُ الفَـسـادَ فيـكَ ضُـروبــاً
جـائـراتٌ في حُكْـمِـهِـنَّ التَـوالـي

تَجـدِبُ الأَرضُ حيـنَ تُـمْسي يَبـابَــاً
وتَـجِـفُ الضُــروعُ  مِـنْ إِمّْـحــالِ

***

أيهــا الطـائِـرُ المُـحَـلِّـقُ شَـرقـاً
أَبلِـغْ النـازحيـنَ فَحْـوى المَـقَـــالِ

قُـلْ لَهـم ســارَ فـي الـدَربِ قَـومٌ
لَـمْ يَعــوا قَبـلَهـم جَـوابَ السُـؤالِ

رَهَـنـوا بـأْسَهـم بحَـبـلِ التَمَـنـي
فإستـوى الأَمـرُ مِثـلُ طَيـفِ الخَيــالِ

عاصَـروا قَبـلَهُـمْ ريــاحَ التَـأَسـي
فحَبَـتْـهُـم مـا عِنـدَها مِـنْ خِصـالِ

أَمــلاً راكِــداً ونَـجــوىً لأَمْــسٍ
ليــسَ أَمْـسٌ إذا دَعَــوتَ بِحــــالِ

***

أَيـهــا الشَعـبُ ليـسَ غَيـرُكَ بــانٍ
أَمَــلَ الفَـجـرِ في جَحـيـمِ النِــزالِ

فإركَـبْ الصَـعْـبَ طَـوعاً وشَـوقَــاً
وإِسبِـقْ الـرِيـحَ، خِـفَـةً في الـوِصـالِ

كَـمْ وقَـدْ فـاضَ فيـكَ، صَبـرٌ تَـلَضَّـى
فإكسِــرْ القـَيـدَ شامِـخَــاً لا مُبـالـي

يَومَـها ومـا شِئْـتَ لـو شِئـتَ تَــدري
حـادِثـاتُ الـزَمانْ في أَمـرِها بإِمْـتِـثـالِ

قُــمْ تَـقَـحَـمْ فَـلَيـسَ مَــوعِــدَ آهٍ
لا إنـتِـظـارٌ لـِمـا بَـنَـتْــهُ اللَّيـالـي

***

أَيُـهــا الساهِــرُ السَـنـيـنَ طِــوالٌ
وسُبـاتَ الـرُقـادِ، يُـبلـي مَضاجِعَ الآمـالِ

كُــنْ لـهــا مِـثْــلُ أولاءِ قَـبـــلاً
"جاعلينَ الحتوفَ، جِِسراً" لنيــلِ المُـحـالِ

إنـهُ الفَـجْــرُ قـادِمٌ حـيـنَ تَـدعُــو،
نـائِـحـاتُ الـزَمــانِ بالـتِـرحــالِ

لا تَــرى غَـيــرَ أُفْـــقٍ وَسـيــعٍ
مُـشــرِقَ الشَمـسِ، ناصِـعٍ باللآلـــيء

إِنَــهُ الـوَصـلُ فـأركَـبْ رَغِـيـــداً
فَـوقَ كَتـفِ الـزَمــانِ دَونَ إعـتِــلالِ
***
***
***
التاسع من نيسان/2011
________________________________________________________________________________






   







 















 





   


















































 
 







 







 


























 



   







143

العراق:إغتيال المثقفين كارثة وطنية..!

باقر الفضلي

المثقفون؛ هم الشموع التي تنير الظلام؛ وإن كان لدى الدول والشعوب ما تفتخر به وبإعتزاز على المستوى العالمي والإقليمي، وعلى مستوى الثقافة والتعليم والحضارة،  فليس لها غير كنز المثقفين؛ فالمثقفون هم طليعة الشعوب والأمم، وحملة مشعل الحضارة، وحافظوا تأريخ وأمجاد شعوبهم وأممهم وبلدانهم.. نعم المثقفون هم ثروة الأمة وعين الشعب المبصرة، وقلبه النابض، وبوصلته المرشدة، وأمله المنشود في المحن والشدائد..!

أكتب هذه المقدمة، وأنا إستذكر ثمان عجاف، أتين على الزرع والضرع، وطال بلائها نفوس الناس، فإبتلتهم بألد الخصام؛ فأهلكت الحرث والنسل، وعاثت في الأرض فسادا؛ فعم الجورُ والظلم، وسُفكت دماءٌ غزيرةٌ بغير حق، وأستُبيحت الأموالُ وإنتُهِكت الأعراضْ، وشُرِدَ مَنْ شُرِدْ ، وغُيبَ مَنْ غُيبْ.. وكان نصيبُ المثقفين العراقيين، من كل ذلك، ما لا يحده حد، ولا في نسبته، ما يبلغه عد..!؟

المثقفون؛ وهم الفئة النادرة بين سائر الفئات في المجتمع؛ الفئة الأقل عَدداً والأكثرُ عِددا، قد نالها من جحيم السنوات الثمان، ما فاق سائر الفئات الأخرى، وكانت خسائرها هي العظمى، وما أصابها من دمار وخسارة، يرقى الى مستوى (الكارثة الوطنية)؛ فلا عجب إن كان هناك ما يزيد كثيراً على 250 مثقفاً عراقياً من علماء وأكاديميين ورجال صحافة وإعلام، من نالتهم يد الإجرام والإرهاب، إذ أُزهِقَتْ أرواحُهم أوغُيبت أجسادُهم، وشُردت عوائلهم، كان آخرهم إغتيال الدكتورة إنتصار حسن التويجري مديرة مستشفى العلوية  للولادة في منطقة الكرادة في بغداد، وإغتيال البروفيسور الصيدلاني محمد علي الدين  مؤخراً في واسط بعد شهر من عودته الى الوطن بعد تحصيله العلمي الجديد، ليلحقه قبل أيام من ذلك مصرع الصحفي (الدكتور كمال قاسم محمد) ، ولم تتوقف عجلة التدمير للثقافة الوطنية العراقية، فكان آخر ضحاياها، العالم الدكتور عميد كلية الطب في الجامعة المستنصرية الدكتور الشهيد محمد حسن علوان بتأريخ 29/3/2011، وليلحقه هذا اليوم 8/4/2011 برصاص الغدر الكاتم للصوت، الشهيد الراحل طه جعفر،مدير قناة سومر الفضائية..!!؟؟


كل هذا وتعيدنا للذاكرة، جريمة إغتيال المناضل الوطني (الشهيد كامل شياع)، المستشار الثقافي في وزارة الثقافة الإعلام، والذي مرت الذكرى الثانية على إستشهاده يوم 23/8/2008، في وضح النهار بسلاح كاتم الصوت، ذلك السلاح الذي بات المحبب لنفوس القتلة المجرمين، والمجرب في تصفية رجال العلم والثقافة العراقية، وإسكات افواه رجال الإعلام والصحافة؛ كي تموت الكلمة الحرة، وتكمم أفواه الأخرين.. ذلك الموت المخيم على الرؤوس، والذي لا زال يحيق بهذه النخب الرائعة، كل يوم وفي أي ساعة أو في أية لحظة.. الموت الذي ما إنفك يسجل ضد مجهول، أما ضحاياه فتظل شموعاً وقناديلَ تشير بثقة الى القتلة المجرمين..!!؟؟   


لا أدري كيف سيكون بإمكان المرء أن  يعثر على وصف لصورة تراجيدية يمكنها أن تجمع كل هذا الألم والحزن، الذي حل بالعراق خلال تلك السنوات،  وأن تجسد حجم الكارثة التي حلت بثروة العراق العلمية والثقافية، التي من الصعب تعويضها مادياً ولا معنوياً أو روحيا..!!؟


يجري كل هذا في زمن يُفتقد فيه الشعور بالمسؤولية، ويغيب فيه الأمن والأمان، وتتنصل فيه الجهات الحكومية بما فيه راعي العملية السياسية المحتل، من كل إلتزام قانوني أو أدبي في توفير الأمن والسلامة لثروة الوطن الثقافية، وفي مقدمتها سلامة طلائع نخبه المثقفة؛ من الأكاديميين ومن رجال الصحافة والإعلام طبقاً للقوانين الدولية، ناهيك عن مراكز ومتاحف الثقافة الوطنية، التي غدت نهباً بيد السراق والطفيليين، لتباع نفائس التراث "خردة" في متاهات الأسواق السوداء العالمية..!!؟؟


لقد جسدت عمليات تصفية النخب المثقفة العراقية، أبشع جريمة وصفحة سوداء علقت في جبين الأحتلال الغاشم، وهو الآن يحزم حقائبه مهرولاً الى خارج الحدود، بعد أن ترك خلفه إرثاً كريهاً لن تقوى كل صلوات وتبريكات حلفائه ومريديه، على منحه بركاتها والصنع منه مثالاً  ل"لتحرير"، وسط برك الدم وأطلال الخراب والدمار لتراث الشعب وكنوزه التي لا تقدر بثمن ولا تعوض بمال مهما كان، ورغم كل ذلك الهوان الذي سببه الإحتلال الغاشم فلا زال هناك من يتشبث بتمديد بقائه والتمسك بأذياله..!!


نعم يظل الإحتلال مديناً للشعب العراقي بكل ما سببه لهذا الشعب والوطن، من كوارث فائقة بحق حياة الناس المسالمين، وبحق تراث البلاد، و كنوزها الوطنية الروحية منها والمادية.. ويأتي كل هذا في وقت لا زال فيه هناك، من يتشدق مفتخراً ب"التحرير"، ومن لا زال يحاول من إيجاد المبررات لتمديد بقاء قوات الإحتلال تحت مختلف الحجج والذرائع المهينة، متناسياً حجم الكوارث التي عصفت بأرث وتراث هذا الشعب المجيد..!!؟


 ومع جسامة ما يتحمله الإحتلال من مسؤولية قانونية وأخلاقية أدبية، بما حل بالعراق من الكوارث الإنسانية والإجتماعية والإقتصادية عبر السنوات الثمان من الإحتلال، فإن هذا لا يعفي السلطات الحكومية من تحمل مسؤوليتها كاملة في تأمين السلامة والأمن والأمان للمواطنين العراقيين، وصيانة كنوزه وأثاره الوطنية والتأريخية، بما فيه كنوزه الثقافية التي يشكل فيها العلماء والمثقفون والإعلاميون، على مختلف مستوياتهم ، إرثاً لا يمكن الإستهانة به بأي حال من الأحوال؛ وبحكم مسؤوليتها الدستورية والقانونية والأدبية تظل تلك السلطات، مطالبة بالإجابة والكشف عن خفايا جرائم الإغتيال التي ما أنفكت تطال نخب الثقافة والإعلام ورجال السياسة والكوادر العلمية والعسكرية..!!
8/4/2011
__________________________________________       
   


     

144
المنبر السياسي / جوليانو..!
« في: 10:11 06/04/2011  »
جوليانو..!(*)
 
باقر الفضلي

بأي عنوان تصاغ الكلمات المفجوعة.. ومن أي بحر من الحزن تتفجر الأحاسيس.. أراك قريباً على القلب رغم بعد المسافات.. طروباً على السمع رغم ضجيج كواتم الصوت الصاخب في بلادي..

الثقافة هي الحرية.. وهي مستهدفة في كل وقت وكل مكان.. هي النور المضيء بوجه دياجير الظلام وأعداء الحرية، أما شهدائها فهم قرابين الشعوب المتطلعة للأنعتاق من الإستعباد وطغيان الظلم والإحتلال..

فأي كلمات إستنكار وإدانة للجريمة النكراء، يمكنها وحدها، أن تسعف في تخفيف أثر الفجيعة التي حلت بالوسط الثقافي الفلسطيني والعربي والإنساني في الرابع من نيسان/2011، بتغييب الفنان المسرحي والمخرج الفلسطيني الشهير، جوليانو مير خميس في مخيم جنين، برصاصات الغدر والجريمة..

وأي كلمات يمكنها أن تصف الجريمة النكراء غير كونها جريمة غادرة ، لا تهدف إلا لإسكات صوت الحرية، صوت مناضل شجاع وقف الى جانب شعبه ليجسد على خشبة المسرح والسينما كفاح هذا الشعب البطل ونضاله الذي لا هوادة فيه من أجل نيل حقوقه المغتصبة، وليلهم في نفوس وعقول الشبيبة اليافعة الطريق الصحيح لهذا النضال، فعاجلته يد الغدر والجريمة وهو في باكورة نشاطه وإبداعه الكبير.. (**)

سيظل أسم جوليانو موسيقى طافحة بالحيوية والحماسة للأجيال الفلسطينية القادمة، ومثلاً حياً على الإصالة والنبوغ والشهامة الوطنية..
المجد والخلود لشهيد الحرية والثقافة، الفلسطيني الرائع جوليانو مير خميس.. فلتفخر فلسطين، وليفخر مخيم جنين بأبنائه من شبابه وأطفاله النجباء بصديقهم ورائدهم الكبير جوليانو العظيم.. 
__________________________
________________________________
_______________________________________

أما الغادر فستظل تلاحقه وصمات العار والغدر والخيانة، وبئس ما إقترفت يداه من إثم عظيم..!!؟؟

الغدر..!؟


شُـلَّتْ يَداكَ بما جنيـتْ
ولقد خَسِئتَ وما حَظيـتْ

فَخراً أردتَ وما إرتويـتْ
وحَزِمتَ أمْرَكَ مُذْ نَويـتْ

الشَرُ مَهْـدُكَ ما حيـيـتْ
والإِثمُ دَربُـكَ إنْ سَريـتْ

ما قَدْ قَصَدتَ وما أَتيـتْ
أَطْفَأتَ نُوراً إِذْ رَمَيـتْ
***
***
***
5/4/2011
_____________________________________________________________________________________________
(*)  يوم إستشهاد الفنان المسرحي والمخرج جوليانو بتاءيخ 4/4/2011
(**)http://www.qadita.net/2011/04/awlad-arna/?utm_source=rss&utm_medium=rss&utm_campaign=awlad-arna




145
المنبر السياسي / الفجر..!
« في: 23:43 30/03/2011  »
الفجر..!(*)
باقر الفضلي

حلتْ لياليكَ في عزٍ فَغَنيها
واطْرِبْ على الشَوقِ لا تَسأل قَوافيها

نَظارَةُ الحُلمِ مُذْ بانتْ جَدائِلُها
تَسري الفتوةُ في أَحْلامِ ساقِيها

كأَنَها الشَمسُ لَمْ تَغفو نَواعِسُها
يوماً ولا ضاقَ بالأَلْحانِ شاديها

تَرنُو الى الفَجرِ حينَ الفَجرُ يَحضِنُها
وتَستبِق خَطْوُهُ لَما يُجاريها

صاغَتْ مَسارِبُها الآمالَ مُشْرِقةً
لكُلِ مَنْ ناشَدَ الآمالَ مُحيِِيها

***

منها يَزيدُ إِنبلاجاً كُلُّ طالِعِها
ويَقتَفي ظِلَها مَنْ كانَ يَبغيها

أَرومةٌ وثَباتُ الأَصلِ مِنْ دَمِها
وفي السَماءِ تَجلَتْ رُوحُ بانيها

تَزدانُ كُلَ صَباحٍ في مَلامِحِها
رَغمَ العَواصِفِ إنْ هَبَّتْ تُلاقيها

لِحاظُها مثلُ عَين النسرِ ثاقِبةٌ
لا تُطِّعِمُ النَفسَ إلا مِنْ مآقيها

للكِبرياءِ شُموخٌ في مَهابَتِها
وللتَسامِحِ فَيضٌ مِنْ مَجاريها

***

مَرَّتْ عليها عِضالٌ في مَسيرَتِها
كالشَمسِ حينَ سَديمُ السُحبِ يُخفيها

ما ضَرَّها أَبداً طَمسٌ يُجاذِبُها
كَالطَودِ راسِخةٌ تَسمُو نَواصيها

أَرومَةُ العُمْرِ ما خابَ الزَمانُ بها
وَعداً وكلُ سنونِ العُمرِ تَرويها

مِقدامَةٌ ولها في القَولِ مَوعِدُهُ
الصِدقُ إنْ نَطَقَتْ والحَقُ راعيها

أَرومَة العُمرِ تأريخٌ إذا سُؤِلَتْ
فيها مِنَ المَجدِ ما يُزْهي مَراميها
***
***
***
31/3/2011
__________________________________________________________________________________
(*) بمناسبة الذكرى/77  لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي
 





























 



 







 
 

146
ليبيا: بين سندان الشرعية الدولية ومطارق الإحتلال..!

باقر الفضلي

ما أشبه اليوم بالبارحة؛ فها هي الأحداث تكرر نفسها بعد ثمان سنوات، وها هو سيناريو الإحتلال الأمريكي يعيد نفسه من جديد، أما ضحية اليوم فهي ليبيا. فتحت ذريعة "حماية المدنيين" من بطش القذافي، تمكنت أمريكا وحلفائها كل من بريطانيا وفرنسا من تمرير مشروع قرارهم في مجلس الأمن بموافقة عشرة أعضاء وإمتناع خمسة عن التصويت، وبذلك ضمنت أمريكا وحلفائها الإستراتيجيين صدور القرار المرقم 1973 بتأريخ 18 /3/2011،  لتجد أيديها طليقة في تنفيذ خطتها لغزو ليبيا تحت تلك الذريعة المسنودة بالمظلة الشرعية للقرار المذكور..!!؟


 فالسيد ساركوزي المتدفق حيوية والأكثر إنفعالاً من زميليه السيدين أوبامو وكاميرون، بدا  أكثر تعطشاً من غيره، لتنفيذ قرار مجلس الأمن، فلم تنتظر طائراته الحربية سوى بضع سويعات قليلة من إصدار القرار، حتى باشرت طلعاتها العشوائية في سماء ليبيا هذا اليوم، باحثة عن أهدافها المرتقبة؛ ولا أدري كيف ستفرق قنابل السيد ساركوزي وصواريخ السيد أوباما التوماهوك الأمريكية وقاذفات التورنادو البريطانية، بين من هم من أتباع القذافي، وبين من هم من المدنيين المسالمين، فالجميع وفي مقدمتهم السيد سارركوزي رجل الساعة، قد حزموا أمرهم على "حماية المدنيين" الليبيين من بطش القذافي وجبروته، وكذلك هو حال السيدة كلنتون والسيد ديفيد كاميرون وتابعهما السيد حمد بن جاسم آل ثاني رئيس وزراء قطر، حيث الجميع قد أخذتهم الحمية الإنسانية لحماية الشعب الليبي بعد عمر طويل، ناهيك عن الحمية المتوقدة  ناراً  للأخوة الأشقاء العرب الميامين..!!؟


 فأطراف التحالف الذي تقوده أمريكا، وبمشاركة بعض من ممثلي الدول الأفريقية والعربية وعلى رأسهم الأمين العم للجامعة العربية السيد عمرو موسى مرفوقاً بأربعة وزراء للخارجية العرب، قد حسمت الأمر في إجتماع باريس الإستثنائي يوم 19/3/2011، بوضع قرار مجلس الأمن رقم/1973 موضع التنفيذ، حيث وكما أشرت فيما تقدم، بأن طلعات مقاتلات التحالف الغربي _ الأمريكي العشوائية على الأجواء الليبية، قد بدأت على الفور بعد نهاية هذا الإجتماع مباشرة، لتكون حصيلة ضحاياها خلال اليومين الأولين من الغزو قد وصلت الى قرابة المائة ضحية من المدنيين ، بينهم الأطفال والنساء، وهذا ما أثار حفيظة وإنزعاج السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية، والذي كان في مقدمة المناصرين للتدخل العسكري في مؤتمر باريس الإستثنائي، تحت ذريعة "حماية المدنيين" من البطش الليبي من خلال فرض حضر جوي على الأجواء الليبية، متناسياً ما يعنيه التدخل العسكري ومستغرباً أن تأتي النتائج بهذا الشكل..!!؟(*)     

 لقد أشرت في مقالتي السابقة الموسومة ( ليبيا: بين الثورة والتثوير)(**)، الى مخاطر التدخل الأجنبي ، وما يمكن ان يجره من ويلات لا تُعرف حدودها، على الشعوب التي تعاني الأمرين من تسلط حكامها الإستبداديين، والتي لم تجد من فسحة ممكنة لفك قيودها بسبب شدة قسوة الإستبداد، لما يمكن أن يفرضه ذلك التدخل من تحكم بمشيئة تلك الشعوب، ثمناً لفك قيودها، وما يمكن أن يعرضها لحالة من الشلل والإنقسام والتجزئة في وحدة تراب أراضيها ومن التمزق في نسيجها الإجتماعي، من خلال فرض الهيمنة الكاملة على مستقبل مسيرتها الإقتصادية، وربطها بعجلة مصالح دول التدخل الأجنبي نفسها، وخططها المرسومة سلفاً وبحماسة لهذا التحكم..!!؟


فهكذا كانت هي البداية؛ مسيل من الدماء ومزيد من الضحايا، وعلى الشعب الليبي أن يسترخص الأمر، وأن يلزم الصمت، فالتكنلوجيا الأمريكية والأوروبية، تعمل ما وسعها الحال لتقليل نسبة الأصابات بين المدنيين، حسب إجابة السيدة ( ميشيل فلاورنوي) مسؤولة الأمور السياسية في البنتاغون على أسئلة قناة العربية في 20/3/2011، حيث أن الأمر برمته، ينحصر في تدمير الآلة العسكرية للقذافي بهدف "حماية المدنيين" وما يستتبعها، في أضعف الأحوال، البنية التحتيه للإقتصاد الليبي، أما حدود الزمن لتنفيذ "المهمة الدولية"، وعلى حد تعبير السيدة المذكورة، فالزمن هنا بلا حدود، والقذافي وحده من يحدد متى يمكن وقف نزيف دماء الليبين، وفقاً لرأي وزيرة البنتاغون السياسية..!!؟


لقد أثارت دماء المدنيين الليبيين المسفوكة من قبل دول التحالف بقيادة أمريكا خلال يومين من بدء العمليات العسكرية ضد ليبيا، فزع السيد أردوغان رئيس الوزراء التركي، الذي عجل بطلب وقف تلك العمليات فورا:  [[ قائلا 'كم سيبلغ عدد من سيقتلون ويذبحون؟ لا يمكننا أن نلزم الصمت ونبقى مكتوفى الأيدى حيال هذا الوضع'، من دون التطرق مباشرة إلى الضربات العسكرية.]](***)


هذا وفي نفس الوقت، فقد  أثارت فيه نتائج بدايات اليومين الأولين من العمليات العسكرية، حفيظة كل من موقفي روسيا والصين، فطالبتا بوقف تلك العمليات على الفور وأعربتا عن الأسف لشن دول التحالف الغربي_الأمريكي الغارات الجوية على ليبيا، وهو لعمري موقف مهما بدا فيه بعض من التعقل ما يبعث على الأمل، إلا أنه من الجهة المقابلة عكس موقفاً لعبت فيه المصالح الخاصة دورها الفعال، ما يضعه في خانة النفاق السياسي، فحيث إن كلا الدولتين عضو دائم في مجلس الأمن، فمن البدهي بإمكان أي منهما وقف تمرير قرار مجلس الأمن، وذلك بإستخدام حق الفيتو لا الإكتفاء بالإمتناع عن التصويت وهو أضعف الإيمان، إن لم يكن جاء في الحسابات الخاصة التوافقية لمصلحة أصحاب القرار، في وقت كانا أقرب من يعلم لماذا أجهدت كل من فرنسا وأمريكا وبريطانيا أنفسها بالسعي الى تمرير القرار بهذه السرعة، ناهيك عن علمهما الأكيد بالغرض المقصود من وراء ذلك التمرير..!!؟   


فالقرار بحيثياته المعلنه يشوبه عدم الوضوح وتنقصه بعض التدقيقات في أمور معينة، كما في الإستخدام المنهجي للمرتزقة على سبيل المثال، أو ما يمكن أن ينسجم مع منطوق المادة/39 من ميثاق الأمم المتحدة بشأن تطور حالة النزاع بين المتنازعين أو ما إذا كان قد وقع حقاً تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاًً من أعمال العدوان ، كما ويغلب عليه الإستعجال ولم يتضح بالتحديد الغرض من إصداره، بقدر ما يمنح الفرصة أمام دول التحالف الغربي_الأمريكي بقيادة امريكا، من إستخدام القوة المسلحة والتدخل العسكري بالشأن الليبي، لكون القرار قد صدر وفقاً لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبهذا الصدد أيضاً، فقد وضعت دول التحالف القرار  موضع التتنفيذ، بصورة إستباقية من حيث تسلسل أحكام الفصل المذكور من تدابير تدرجية في حالة النزاع بين الدول، متجاوزة بذلك أحكام نصوص الميثاق الأخرى من الفصل السابع، وهما نصي المادتين 40 و 41 ، منتقلة بصورة مباشرة الى تفعيل نص المادة 42 من الفصل المذكور، التي تتعلق بالتدابير التي تجوز لمجلس الأمن أن يتخذها، بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه. ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء "الأمم المتحدة". طبقاً لنص المادة 42 أعلاه ، ومن هنا يمكن القول بأن أحكام الفصل السابع من الميثاق المحددة من المادة/39 حتى المادة/51 تختص بالنزاع بين الدول  فيما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان..!!



نخلص مما تقدم الى تأكيد حقيقة ما أشرنا اليه في مقالتنا السابقة حول نفس الموضوع، مع التنويه الى أن ليبيا قد وجدت نفسها الآن على مفترق طرق حادة، أقل ما فيها خطر الحرب المدمرة، التي تقودها دول التحالف الغربي _ الأمريكي بقيادة أمريكا والمعززة بالدعم المعنوي واللوجستي من قبل دولتي قطر والأمارات العربية، بما فيها نفقات الأعمال العسكرية على حد قول السيدة  ( ميشيل فلاورنوي) الى قناة العربية..!!؟


 فالأمر في حقيقته  إبعد كثيراً من كونه يستهدف  "حماية المدنيين"، بقدر ما تعنيه تلك التصريحات المتكررة وحتى بشكلها المثبته به في قرار مجلس الأمن المصاغ من قبل دول التحالف الغربي – الأمريكي نفسها،  بكونها عبارة عن ذرائع خادعة للرأي العام، وكما أشرت في المقالة السابقة، وبأنها تستند في مسوغاتها على واقع الأوضاع الحرجة التي تعيش في ظلها شعوب المنطقة من جهة، وشمولية الأنظمة الحاكمة وغياب الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة وحرية التعبير من الجهة الأخرى...!!؟


فليس بعيداً عن واقع الحال كيف تتحول "الشرعية الدولية" وفقاً لمصالح الدول الكبرى، الى سلاح ذي حدين، فهو ميسر فيما إذا جاء في خدمة مصالحها، وطريقه سيكون مسدوداً إذا ما جاء لخدمة مصالح الشعوب، ولعل تجربة الفلسطينيين مع قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشأن الإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية والموقف الأمريكي منها، يمكن إعتباره مثلاً مفيداً بهذا الإتجاه..!!؟


ومن هذه الحقيقة فليس أمام المرء إلا إستنكار وشجب الأعمال العدوانية المسلحة ضد الشعب الليبي وضد الدولة الليبية بإعتبارها دولة عضو في الأمم المتحدة، من قبل قوات التحالف الغربي – الأمريكي بما تمثله تلك الأعمال من تدخل صارخ في الشؤون الداخلية للدول، وإن كانت تجري تحت غطاء الشرعية الدولية وفقاً لقرار مجلس الأمن المرقم/1973 في 18/3/2011 الذي يقف وراء تمريره ثلاثة من الأعضاء الدائميين، وهم كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولعل في قصة تمريره في مجلس الأمن، الكثير من الدلالة على مصالح من يقف وراءه كآلية للتدخل في شؤون ليبيا الداخلية، قبل أن تكون في مصلحة الشعب الليبي رغم جميع الذرائع المطروحة كأسباب لهذا التدخل؛ فمتى ياترى باتت الدول التي تفخر بتأريخها الإستعماري لقرون من الزمن مثل فرنسا وبريطانيا على سبيل المثال، محررة للشعوب المظلومة اليوم..؟؟!!
20/3/2011
____________________________________________________________________
(*)  http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=45710
(**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=251199
              (***)       http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=45713



147
ليبيا: بين الثورة والتثوير..!!؟

باقر الفضلي

لا ضرر ولا ضرار لو تريث المرء قليلاً، قبل أن يسبق الأحداث، دون روية أو تأكد من مصادر المعلومات وحقيقتها؛ فتجنب الحدس والتكهن، فيه من الحيطة ما يجنب المرء الوقوع في الخطأ؛ كما وفي الإنتظار قليلاً حتى تنجلي ضبابية الأحداث، فيه من الرشاد ما يبعد المرء عن التسبب في إلحاق الضرر بالآخرين، من خلال إفتراضات تفتقر الى المصداقية أو تبتعد كثيراً عن واقع الحال وملابسات الحقيقة..! 


وليس بعيداً عن هذا السياق شأن السياسة وما يستتبعها من صياغة الشعارات، ورسم الخطط والأجندات وغيرها من الفعاليات؛ ويأتي تحديد الموقف من الأوضاع الجارية في ليبيا ضمن هذا الإطار..!


لقد فاجئت أحداث ليبيا في السابع عشر من شباط/2011 الكثيرين، رغم أنها في بدايتها، بانت وكأنها إمتداد لما جرى في تونس أو في مصر، وما يحدث في المغرب والجزائر، أو ما يدور في البحرين حاليا، أو من جانب آخر، وكأن جميع تلك الأحداث ترتبط فيما بينها بخيط مشترك جامع، مما دفع بالكثيرين من المتابعين والمهتمين بالشأن السياسي في المنطقة، أن يرصفوا حساباتهم طبقاً لمقياس واحد، آخذين بما جبل عليه الناس من القول؛ "تعددت الأسباب والمصير واحد"، ووفقاً لتلك الحسابات وطبقاً لنتائجها الإفتراضية، فإن ما إنتهى اليه الحال في تونس، ينبغي أن ينتهي اليه في مصر والمغرب والجزائر والبحرين وأخيراً وليس آخراً في ليبيا وهكذا دواليك، فمسطرة القياس لديهم هي واحدة في جميع الأحوال، ولا يهم بعد ذلك إن إختلفت الظروف الموضوعية والجذور التأريخية المادية للواقع الإقتصادي والإجتماعي، في أي بلد من تلك البلدان..!


 ولكن حسابات "الشرق الأوسط الكبير أو الفوضى الخلاقة"، تظل هي نفسها أداوات التغيير التي إنتهجتها السياسة الأمريكية سابقاً أم التي تنتهجها الآن أم لاحقاً في منطقة الشرق الأوسط، يحفزها الى ذلك طبيعة أنظمة الحكم الإستبدادية السائدة في المنطقة، وإبتعادها عن "الديمقراطية" بصيغتها المعولمة "المتحضرة"، كنهج في السياسة والحكم، ومنها على سبيل المثال، الدول العربية..!!؟


وهنا يكمن وجه الغرابة في تلك التحليلات، فما يجري في ليبيا حالياً، وما إنتهى اليه الأمر هناك، من ضرورة التعجيل بالوصول للنهاية التي يسعى اليها القائلون بحتمية " الثورة " ، وبالتالي حماسهم بالمسك بأذيال دولٍ مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول المتحمسة على إستعجال ما تدعيه "بالتغيير" في ليبيا، كدولتي قطر والإمارات العربيتين، أن تضفي هذه الدول شرعية دولية على ما تنوي القيام به ضد ليبيا لتجاوز الحصانة السيادية التي تتمتع بها ليبيا بإعتبارها دولة عضو في الأمم المتحدة، لها من الحقوق ما لغيرها من الدول الأعضاء الأخرى، وهكذا إنتهى الأمر بقرار مجلس الأمن المرقم/ 1973 في 18/3/2011 ، القاضي بفرض عدد من العقوبات العسكرية ضد ليبيا ومنها الحظر الجوي، وبتأييد غريب من نوعه ولأول مرة، من قبل جامعة الدول العربية، التي تشكل ليبيا أحد أعضائها..!؟


إذن، وطبقاً لنفس السياق المذكور، لا بد من "الثورة" ولا بد من إسقاط الدولة القائمة بقيادة معمر القذافي، حتى لو تم ذلك بقوة التدخل الأجنبي والإحتلال، فالتغيير المطلوب يستدعي من الأسباب ما يجعله ممكناً بهذه الطريقة، خاصة وإن من عوامل تحقيقه، إنخراط بعض النخب السياسية من قيادات المعارضة لأنظمة الحكم الإستبدادية في هذا الإتجاه، والتي لم يكن نظام حكم معمر القذافي إستثناء منها، خاصة وإن تجربة الإستعانة ب "العامل الخارجي" من أجل "التغيير"، ليست بالجديدة على صعيد الواقع العربي، فقد سبق وأن جرى تجريبها منذ وقت غير بعيد بالنسبة لأمثال تلك النخب السياسية المعارضة، وهذا ما يبعدنا عن مقولة الصدفة أوالحراك الشعبي العفوي، كما جرى عليه الحال في تونس أو مصر، بهذا القدر أوذاك..!؟


ولكن هل حقاً ما تعلنه دولاً مثل فرنسا وأمريكا وبريطانيا، على لسان رؤسائها ووزراء خارجيتهم، وجوقة الفضائيات الناطقة بالعربية بما فيها تلك ذات الجنسيات العربية القحة، ولا أستثني جامعة الدول العربية، المهزوزة ألماً وغيضاً وحسرة لما يجري بحق الشعب الليبي من "إبادة وحشية" على يد القذافي، لتنتصر له، بدعوة شركات النفط الإحتكارية العالمية، ممثلة بالدول الغربية وأمريكا، لتأخذ على عاتقها نصرة الشعب الليبي، وإنقاذه من براثن الدكتاتورية القذافية؛ أقول هل حقاً كل هذا الذي يجري أمام أعيننا، وآخره قرار مجلس الأمن رقم 1937 ، وما بعده خطاب السيد أوباما مساء يوم 18/3/2011 الذي يمهد به الى التدخل العسكري ضد ليبيا إن لم يقدم القذافي على تنفيذ قرار مجلس الأمن المذكور على الفور، وإن لم ينسحب من الأماكن التي إستعادتها قواته العسكرية، هل حقاً كل هذا يجري من أجل صالح الشعب الليبي، ولسواد عيونه، خاصة إذا ما علمنا بأن ليبيا هي دولة نفطية، وليست بعيدة عن سوق التنافس والصراع الدوليين حول مكامن النفط في الشرق الأوسط وأفريقيا، كما هو الحال بالنسبة للسودان..؟؟!!


ربما يبدو السؤال خارج عن معناه ومبتغاه، إذا ما عرفنا دوافع تلك الدول التي جاهدت كثيراً من أجل الخروج بقرار من مجلس الأمن يضفي على خطواتها القادمة، الشرعية الدولية في بسط حلولها على مشيئة الشعب الليبي، ووضعه أمام إمتحان جديد، ليس أقل ألماً ومعاناةً مما فرضته أمريكا وحلفاؤها عام/2003 على الشعب العراقي، الذي كان هو الآخر، قد عانى ما فيه الكفاية من إستبداد الدكتاتورية ثلاثين عاماً ونيف، وبات بعد كنسها بقوة "العامل الخارجي"، محتاراً  في فك طلسم  "التحرير أوالإحتلال" طيلة ثمان سنوات، بكل تداعياته المأساوية الشاخصة أمام العين حتى اليوم، وأقل ما فيها إرتباط العراق بالإتفاقية الأمنية الأمريكية _ العراقية..!!؟

ومما لا شك فيه، فإن الشعوب هي وحدها من تمتلك الحق في تقرير مصائرها، ومهما كان بريق كلمة (الثورة) جذاباً  وأخاذاً بالنسبة للشعوب الرازحة تحت نير الإستبداد والدكتاتورية، فالثورة بإعتبارها عملية تغيير جذرية إقتصادية_ إجتماعية، لها خصائصها وظروفها وشروطها الخاصة، فهي من حيث الواقع الموضوعي، حالة لا يمكن إستنساخها وفقاً لمشيئة الأفراد، فكيف إذا إنصرف الحال الى فرضها وفقاً لمصالح ومشيئة قوى خارجية ذات أجندات ومصالح خاصة، وذلك بتحويل العملية الثورية برمتها، وحتى قبل نضوج عوامل تفجرها  الى حالة من "التثوير" المتعجل والسابق لأوانه، فالحالة الليبية لا يمكن أن تختزل بشخص معمر القذافي حسب، بل إنها قضية شعب مناضل مجيد ووطن موحد عتيد..؟!!


إن كل ما يتمناه المرء، هو أن يتلمس الشعب الليبي المجاهد، وهو أمام منعطف حاد في حياته السياسية، كل ما يصب في خدمة مصالحه الآنية والمستقبلية، وما يجنبه المزيد من المعاناة، فهو وحده القادر على رسم طريق الخلاص الصحيح من براثن الإستبداد، وإعادة بناء مستقبله المشرق في ظل حياة برلمانية ديمقراطية يسودها العدل والمساواة والحرية..!
18/3/2011 

 









 
 


     
         

148
أدب / لا للإنقسام..!
« في: 09:34 17/03/2011  »

لا للإنقسام..!*



باقر الفضلي

ثَكِلَتْكَ أُمُكَ أَنْ تَنامْ
فالنَصرُ في شَدِ الحِزامْ
فما بَغيتَ مِنَ العُلا
سَدٌ يَحيطُ بهِ الحِمامْ
ما تَرتَجي مِنْ غَفلَةٍ
وضَعَتْكَ في وادي الظَلامْ
ما تَرتَجي مِنْ عُزلَةٍ
غَلَقَتْ عليكَ رُؤى السَلامْ
ولِمَّ إبتعادُكَ عَنْ أَخيكْ
ولِمَّ التَعَصّْبُ في الكَلامْ
***
ثَكِلَتْكَ أُمُكَ أَنْ تَنامْ
فالوَيلُ مِنْ صَدأ الحسامْ
والوقْتُ أَعْجَلُ مِنْ يَديكْ
والحُلمُ أَسْبَقُ في المَرامْ
يَكْفيكَ ما نَسَجَتْ يَداكْ
يَكْفيكَ هذا الإِنقِسامْ
عَجَبَاً أَراكَ وما دَهاكْ
ليسَ المُرادُ بأَنْ تُضامْ
فالشَعبُ أكبرُ مِنْ سِواكْ
والقُدسُ قَلبٌ لا يَنامْ
***
عَجَبَاً أَراكَ ولَنْ أَراكْ
قَصدُ التَوَحُّدِ مُبتَغايَ ومُبتَغاكْ
يكفيكَ يابنَ القُدسِ ما في غَزةٍ
يكفيكَ ما فَعلَ الغَريبُ وما أَقامْ
فَلِمَّ الخِصامُ وجَرحُك الدَفّاقُ
نَزفَاً، يَستَعِرْ أَلَمَاً..
وصَبْرُكَ يَتَّقِدْ فَوقَ الرُكامْ
ماذا دَهاكَ وقد وَرَثْتَ
من الأَجيالِ أَحلاماً عِظامْ
أَرضاً تَدَنَّسَ طيبُها يَومَاً
وضاقَ بسَفحِها شَدوُ الحَمامْ
وكرامةً هَدرَ العَدوُ عَفافَها
وسَطا على أشْرافِها سَطْوَ اللِئامْ
مالي أَراكَ وقَدْ رَمَيتْ
وما رَميتَ سِوى إِنقِسامْ
وقَصَمْتَ ظَهْرَك قانِعاً أَمْ باغياً
وفَتَحْتَ دَرباً للزواحِفِ والهَوامْ
***
ثَكِلَتك أُمُكَ أَنْ تَنامْ
لا تَرْهَبْ المَحتُومَ والمَوتَ الزؤامْ
هذا الطَريقُ وغيرُه أَسفاً
دَرباً تُعَبِده المَرارَةُ والسُقامْ
وأمامَكَ الدَربُ التليدْ
وشُعلةُ الأَملِ الوَحيدْ
فَإحسمْ من الأمرِ السَديدْ
وإنبذْ طَريقَ الإنقِسامْ



16/3/2011
(*) تضامناً مع الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل الوحدة الوطنية








149
أدب / آذار الأعياد
« في: 12:48 13/03/2011  »


آذار الأعياد

مهداة الى حواء في عيدها العالمي



باقر الفضلي

آذارُ حَـلَّ وفاضَتْ الأَنهارُ
ورَبيعُ زَهوكِ بَسمةٌ وقَـرارُ

يانَبعَـةَ الرَيحانِ حانَ قِطافُها
حُبَـاً وَوَرداً زاهِـراً نَـوارُ

للأُمِ أغنيـةٌ وأُخْـرى مِثلُهـا
للعاشِقينَ مِـنَ الشَبـابِ كِثـارُ

حَـواءُ تَرفُُـلُ بالحَيـاةِ كأنَهـا
وُلِـدَتْ وفـي أَعطافِـها آذارُ

مزهـوةٌ بالحُبِ يَنمـو شاخِصاً
فـوقَ الشفاهِ الدافِقـاتِ مَنـارُ

***

حييتِ ياحواءُ عطـراً زاهيـاً
لا مثلـه وردٌ ولا أشـجـارُ

وتَجَسَدَتْ فيكِ الفصولُ كأنمـا
أنتِ الحيـاةُ ونعمُـها مـدرارُ

يا جنةَ الأرضِ الفسيحةِ موطِئـاً
لولاكِ ما سـارتْ بنـا أفكـارُ

لولاك ما سلكَ الطريقَ متيـمٌ
بالحُبِ يشدو لَحنَـه مِهـزارُ

يا نبعـة الريحان قُري أعيناً
فلكِ الحيـاةُ بعـزها مِنظـارُ


8/3/2011





150

العراق: خطوة في الطريق الخطأ..!!؟


باقر الفضلي

إنها خطوة في الطريق الخطأ ايها السيد رئيس الوزراء، وأقولها بقناعة كاملة، وأنا أتابع تصريحاتكم وخطبكم المتواصلة، حول ترسيخ الديمقراطية وبناء دولة القانون، ومثلها دعواتكم المترادفة حول بناء دولة المؤسسات المدنية، وتأكيدكم غير المنقطع لتشكيل حكومة الشراكة الوطنية، وكنت أستبشر خيراً من وراء كل تلك الخطب والتصريحات، ولكن ما أذهلني حقاً أن تقدم حكومتكم الجديدة وفي جعبتها كما يبدو غير قليل من الخطوات التي لا تسر عدو ولا صديق، وهي إقدامها على غلق مقرات الحزب الشيوعي العراقي، وأنتم أعلم من غيركم بدور هذا الحزب في الحياة السياسية العراقية، ومدى فعاليته وتأثيره ودوره القيادي في إجتراح نضالات الشعب العراقي، عبر سبعة عقود من السنين، سواء دوره الإيجابي والفعال في "العملية السياسية" على علاتها، أم دوره النضالي الكبير والقيادي في العقود الخوالي..!!؟


أين في تصوركم ايها السيد رئيس الوزراء، كان ينبغي على الحزب الشيوعي العراقي، أن يقف من المظاهرات الشعبية المطالبة بعلاج الأزمات التي تثقل حكومتكم الموقرة، والتي تعاني منها جموع الشعب، وفي مقدمتها البطالة وسوء الخدمات أو إنعدامها، وحالة السكن المزرية بالنسبة لآلاف المواطنين من المهجرين والنازحين، وغيرها من صنوف المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون؛ فهل كان ينبغي أن يقف الحزب الشيوعي العراقي، الى جانب المتظاهرين المحتجين على سياسة حكومتكم، التي تأخرت كثيراً في معالجة الوضع المزري للناس وعلى جميع الصعد الأمنية منها أو الإقتصادية والإجتماعية، أم يقف الى جانب موقف حكومتكم المُنتقد من قبل الأغلبية الواسعة من الجماهير..؟!!


الأمر لا يحتاج الى كثير من النباهة أوالحصافة، في معرفة الإتجاه وتحديد الموقف الصائب في إلتزام موقف الجماهير المتظاهرة والمحتجة، وهي صاحبة الحق فيما تقول وما تطالب، ولا يضير بعد ذلك ما يقال عن تحذيرات من متصيدين في المياه العكرة، أو من منتهزين لإختراق المظاهرات وحرف توجهها، أو من أرهابيين قد يستغلوا المظاهرات على عكس ما تريد..الخ، فالجماهير كانت واثقة مما تريد وتعلم جيداً أن أقدامها تقف على أرض صلدة يدعمها الدستور، وتجيزها حالة المعاناة التي تعيشها خلال سنوات جاوزت المعقول في شدتها وقسوتها، تقابلها حالة من الضنك الشديد التي تعيشه تلك الجماهير، دون أن تلمس لها من حلول مقنعة تبيح كل هذا التحمل والمعاناة القاسية..!


أقول نعم؛ كان ينبغي على الحزب الشيوعي العراقي، وكما عودنا في طول حياته السياسية، أن يقف الى جانب الجماهير الكادحة في مطاليبها المشروعة، وأن يحتضن نضالها لا أن يقف الى جانب الموقف الخاطيء للحكومة ، التي واجهت مظاهرات المحتجين بواسائل العنف والتعسف، وإراقة الدماء،  وهي تدافع عن نهجها غير الصحيح أمام جموع الشباب المحتجة، فهل ما أقدمت عليه الحكومة أخيراً بغلقها مقرات الحزب، كان مجرد ردة فعل لموقف هذا الحزب من دعمه للمظاهرات الشعبية الإحتجاجية، أم إنه في الحقيقة بداية نهج جديد في موقف القوى المتنفذة من القوى الديمقراطية، بل ومن الديمقراطية نفسها كنهج في الحكم، ولعل الموقف السلبي من حرية التعبير ومن الحقوق المدنية للجماهير كان بمثابة مؤشرات واضحة على السلوك اللاديمقراطي التي تنتهجه سلطات المحافظات وفي مقدمتها مجلس محافظة بغداد على سبيل المثال..!!؟


فإن كانت مقرات الأحزاب السياسية، تعبر عن صورة شكلية للوجود الديمقراطي في البلاد، بإعتبارها تمثل العلنية السياسية، وفي أفضل الأحوال يمكن أن يُدعى بأنها تعكس الحالة الديمقراطية التي يحاول أركان "العملية السياسية" من القوى المتنفذة، التبجح بوجودها، وهو في جوهره لا خلاف عليه، ولكن ما أقدمت عليه الحكومة العراقية في إجرائاتها الأخيرة من غلقها لتلك المقرات، ومنها مقرات الحزب الشيوعي العراقي وحزب الأمة العراقية، لا يجد تفسيره إلا في التنكر لتلك الحالة "الديمقراطية" على صوريتها، بل ويمثل من الناحية الإخرى تنكراً للأحكام والنصوص الدستورية والقوانين الصادرة بموجبها، وينذر عملياً بخطورة النتائج التي تترتب عليها، من تكريس للتمهيد بالإنفراد بالسلطة، وتهميش الآخر، والتحول في النتيجة الى وضعية الإستبداد التي أرهقت كاهل الشعب العراقي لعقود طويلة، والتي كان من ضحاياها نفس القوى السياسية الحالية التي تتحكم اليوم بمقاليد "العملية السياسية" بعد إسقاط النظام الديكتاتوري عام/2003..!!؟؟


ومع كل ما تقدم فإن الفكر السياسي لا يمكن أن تحدده أو تضعف من فعاليته بين الجماهير، إجراءات التضييق على الحريات بما فيها غلق المقرات، وهي في وضعها الحالي، لا تمثل إلا عملاً إستفزازياً موجه ضد التوجه الديمقراطي للعملية السياسية، ممثلاً بمكوناته الحقيقية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي ذو التأريخ السياسي المجيد، أما ما يقال من قبل الحكومة، من تبريرات  تتعلق بالغلق، وإختزالها في إشكالية عائدية المقرات نفسها، ففي تقديري فإنه حتى وإن صح ما جاء في تفسير الحكومة لأسباب عملية الغلق، فإن الأمر كان بالإمكان معالجته طبقاً للطرق القانونية والقضائية، إلا أن الأسلوب والطريقة التي نفذت بها الحكومة إجرائاتها، توحي بأن الغلق ليس هو المقصود بالذات، بقدر ما تعكسه تلك الإجراءات الأمنية، من موقف سياسي سلبي واضح المعالم في مواجهة الحزب الشيوعي العراقي، وهذا ما تفضحه ظروف الحدث وملابساته، التي ترتبط بواقع ما يحيط بالمشهد العراقي والعربي الحالي وموقف الحزب من هذه الأحداث، وهو في جوهره لا يعكس غير توجه ضد الديمقراطية نفسها، ولكن بأسلوب غير مباشر..!!؟


وبقدر ما يستنكر المرء ويدين ويرفض الأجراءات الأمنية البوليسية للحكومة، والتي إستهدفت مقرات الحزب الشيوعي العراقي وغيره من مقرات الأحزاب الأخرى والأمر بغلقها؛ فمن البدهي القول بأن ما أقدمت عليه الحكومة القائمة، إنما يمثل خطوة في الطريق الخطأ، ولها من التداعيات السلبية على مجمل "العملية السياسية"، ما لا تحمد عقباه، بل ويلقي الكثير من الظلال على مستقبل النهج الذي  تسير عليه القوى المتنفذة في دست الحكم؛ ولا يسع المرء إلا التضامن مع موقف الحزب الشيوعي العراقي في دعمه للمظاهرات الجماهيرية الإحتجاجية، في نفس الوقت الذي يدعو فيه الى وقف مثل تلك الأعمال الإستفزازية والتراجع عنها؛ لكونها من حيث النتيجة، تتعارض كلياً مع أهداف العملية السياسية في بناء حياة سياسية تعددية ديمقراطية في إطار دولة مدنية، تؤمن بالتبادل السلمي للسلطة التي نص عليها الدستور..!!؟
8/3/2011     



                     

         




151
المنبر السياسي / بغداد تفتخر...!
« في: 20:47 27/02/2011  »
بغداد تفتخر...!

باقر الفضلي

بغداد بانَ سناؤُها النَظِـرُ
فأنعِـمْ جَـلالاً ايُها القَمَرُ

يَزْهو جَمالاً فيكَ مَطْلَـعُها
 العينُ تَغْشى يَستَحي البَصَرُ

بغداد رَقَ هَـواكِ أَنسِـمُه
وكسى ربُوعَـكِ وَردُكِ العَطِرُ

النَجْـمُ يَسطَعُ فيـكِ مَبْسَـمُهُ
يَهوي كَبـرقِ الليـلِ يَنْتَـشِرُ

والكونُ مِنكِ يَشِـعُ مُبـتَهِجَـاً
الشَمسُ تَخْجَـلُ حينَ تَـنتَظِـرُ

***

بغداد صفـُوكِ مـاؤُهُ عَـذِبٌ
طَعْـمُ الحَـلاوةِ فيه يَستَـعِـرُ

عَصمـاءُ فَجْـرُكِ لاحَ مَوعِـدُه
يُشيعُـهُ أَمَـلاً، عِـزٌ ومقْـتَـدَرُ

العِشـقُ عِندكِ فَياضٌ، مَنـابِعُـهُ
لَحْـنُ الفُـؤادِ ومِثـلُه الـوتَـرُ

والحسـنُ زادَ جَمـالَ مَنْظَـرِهِ
حسـنٌ تَجـلى وَصفُـهُ الصُـورُ

المَجْـدُ ظُـلُّكِ شـاءَ صانِـعُهُ
مَجـداً تُرَصِـعُ تاجَـهُ الـدُرَرُ

***

بغداد ذِكْـرٌ في جَـوارِحِـنا
حلـمٌ سَمَـا ورُؤاهُ تَـزدَهِـرُ

العَـينُ رقَتْ شَـوقَ أَدمُعِـها
وَرَنَـتْ شِفـاهٌ حَيثُ تُـؤْتَمَـرُ

السَمـعُ صـارَ رَديفَ قائِـلِـهِ
حُسـنُ الكَـلامِ ومِنهُ يُعـتَـبَرُ

يَعلـو شُعاعُ الضَـوءِ مَطْلَـعُه ~
بغـداد.. إذ بَغـداد تَـفْـتَخِـرُ!

تُوِجْـتِ يا بَغـداد مَـلحَـمَـةً 
زيـدي إِفتِخـاراً يَـزدَهي البَشَرُ

***

هَبَـتْ جمـوعٌ مِنْـكِ ناهِضَـةٌ
لا الخَـوفُ رادِعُـها ولا القَـدَرُ

مِنْ كلِ أَمْـرَدَ تَـواقٍ يواكِـبُها
نِعْمَ الشَبابُ ونِعْمَ الأَمْـرَدُ النَـزِرُ

هَـبّْـوا نُسُوراً، في حَماسَـتِـهِم
نُـبْـلٌ، وفي إرخـائِـهِمْ نَظَـرُ

نُعْـماكِ فيهِـمُ يابغداد مَـدرَسـةً
تُمـلي الدُروسَ وفَيضُـها العِـبَرُ

حُـييتِ مَجـدُكِ يا بغداد مُـلْهِمُـهُ
باقٍ وطُـولُ الـدَهْـرِ مُـنتَـصِـرُ
***
***
***
 26/2/2011


















***
***
***
25/2/2011
____________________________________________________________________
 


 
















































 






















 


















152
العراق: ما الذي يريده الشعب وما تريده الحكومة..!؟

باقر الفضلي

أمران لا يستويان، معادلة لم يتوازن طرفاها، فالحكومة في واد والشعب في واد آخر؛ ذلك هو حال المشهد السياسي في عراق اليوم ..!؟

فما الذي يريده الشعب العراقي يا ترى..؟ وما الذي تسعى اليه الحكومة..؟ هذا هو السؤال المتداخل الذي يطرحه الجميع، ولكن الأهم هو أين تكمن الإجابة..؟ وبمعنى آخر ما هي العوامل التي دفعت بالوضع السياسي الى ان يستقطب بهذا الشكل المتغضن والمحتقن؛ حين يتحول الشعب في مواقفه بالإتجاه المعاكس لموقف الحكومة، وحين يصبح موقف الحكومة كموقف المدافع الذي داهمته السيول من كل صوب وحدب، ولم تجد أمامها من مخرج إلا سلاح الرعب، وقوة التخويف، لترهب به عدوها الجديد، متمثلاً بالشعب الذي إنتفض عليها، بعد أن إفتقد كل أواصر الربط مع الحكومة التي إعتقد أنها ستكون عند وعودها وعهودها، التي أغلظت لها أثقل الإيمان قبل الإنتخابات، فجاءت وعودها كوعود عرقوب، وكان جزاء الشعب "كجزاء  سنمار"..!؟؟


لو أدركت الحكومة القائمة وخليفة الحكومة السابقة، حقيقة الدوافع التي تقف وراء غضب الجماهير العراقية وإحتجاجها المتواصل على الأوضاع المزرية التي أثقلت ولا زالت تثقل كاهلها، طيلة كل هذه الفترة، وما لحقها ويلحقها من حيف ونكد، رغم كل ما قدمته من تضحيات فاقت في جسامتها ما لا يتصوره العقل، من موت ودمار وتشريد وإغتراب، من أجل أن يسترد هذا الشعب النبيل كرامته بعد ما عانى من هول الإستعباد والطغيان وجور الدكتاتورية لعقود طويلة؛


لو أدركت حكومة العملية السياسية وسائر المتحالفين معها، لتلك الحقيقة الناصعة نصوع الشمس، أقول لو أدركت ذلك مبكراً لما وجدت نفسها أمام هذا الواقع المتفجر والبركان الثائر، من الغيض وردود الفعل الجماهيرية الصادقة، والذي بات يشكل طوافناً هادراً بوجه سلطة الحكومة، فلم تجد أمامها من سبيل غير اللَّف والدوران؛ بين الإعتراف بحق هذه الجماهير المنتفضة في التظاهر والتعبير عن مطالبها ومحاسبة المسؤولين عن التقصير طبقاً للدستور من جهة، والإعتراف من جهة أخرى بحقيقة ما تعلنه تلك الجماهير من إستشراء الفساد المالي والإداري في كل فصائل الدولة من القمة حتى قاعدة هرم السلطة ومن نقص الخدمات..!!؟


فالجماهير المحتجة والتي قررت الخروج بتظاهرة الإحتجاج والمعلنة عن كونها ستكون سلمية وفي إطار المشروعية الدستورية يوم غد الخامس والعشرين من شباط/2011 ، فإنه ومن تحصيل الحاصل، أن تضع تلك الجماهير على عاتق الحكومة مسؤولية سلامتها وأمنها من أي تجاوزات أو عدوان قد يستهدف سلامتها وأمنها، مهما جاء على لسان السيد رئيس الوزراء المالكي من تحذيرات متتالية وعلى لسان الناطق بعمليات بغداد من تأكيدات عن خطط للإندساس بين المتظاهرين وإحتمالات تعرضهم لمخاطر المفخخات والتفجيرات والأحزمة الناسفة والمسدسات كاتمة للصوت، وهي في تقديري وطبقاً لتصريحات السيد رئيس الوزراء والجهات الأمنية، مخاطر لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، وإن الجهات المستهدفة بها هي جماهير الشعب المنتفض، الذي يسنده في مطالبه المعلنة، الدستور الذي صوت عليه في إطار العملية السياسية، وفي نفس الوقت فإن الحكومة نفسها هي من وضعها الشعب في دست الحكم من خلال إنتخابات شرعية وعن طريق مجلس شرعي منتخب..!؟

 كما ومن جانب آخر فإن كل التحذيرات والنصائح التي أكد عليها السيد رئيس الوزراء من إحتمالات ما يمكن أن يواجه التظاهرة من  مخاطر حقيقية، فإنه ومهما بلغت تلك التحذيرات من جدية مفترضة، فإن كل هذا لا يعفي الحكومة ورئيسها والقوى الأمنية من تحمل كامل مسؤوليتها التي نص عليها الدستور، وبحكم كونها حكومة منبثقة عن طريق البرلمان، بأن توظف كل إمكاناتها وكل طاقاتها في تأمين الحماية والسلامة للمتظاهرين، ولا يبر لها ذلك الخطر المفترض؛ أن تطلب من المتظاهرين الإمتناع عن التظاهر يوم غد، لما يمكن أن يعبر ذلك عن ضعف الحكومة وعجزها عن تأمين تلك الحماية لمواطنيها في حالة ممارستهم لحقوقهم المشروعة التي كفلها لهم الدستور، وما يمكن ما يخلقه من حالة الإحباط لدى جماهير المتظاهرين، ناهيك ما يمثله من تجاوز على حقوق الشعب في التظاهر التي كفلها الدستور، من خلال الإيحاء  لدى الشعب بخطر لم تتحقق معالمه الأولية، ومن جهة ثانية يعزز هذا الموقف من قبل الحكومة كل التكهنات والتصورات التي ترى بأن موقف الجهات الحكومية وبالذات تصريحات رئيس الوزراء وإعلانات الناطق بإسم قوات عمليات بغداد، وما روجت له أجهزة الإعلام الحكومية وما صدر من تصريحات وفتاوى من المراجع الدينية، بأنها كلها تصب في إتجاه بث الرعب والخوف في نفوس المتظاهرين، بهدف صرفهم عن المشاركة في عملية التظاهر، وهو تكهن وإفتراض يجد دلائله في طبيعة التصرفات الحكومية والأمنية على صعيد الواقع الميداني، وآخرها على سبيل المثال، قرار عمليات بغداد بمنع النقل الفضائي لأنشطة التظاهر الجماهير ليوم غد تحت ذرائع  وتبريرات أمنية..!!؟؟   


إن كل ما يتمناه المراقب أن تسير الأمور طبقاً لمشروعيتها الدستورية، بعيداً عن كل تطرف ومغالاة في إستعمال الحق الدستوري بالتظاهر والتعبير من قبل المتظاهرين، وأن يتلمس الجمهور المتظاهر كل ما يعزز لديه الثقة بتصرفات الأجهزة الأمنية في حمايتها للمظاهرة، وتأمين جميع المستلزمات والوسائل الكفيلة بتحقيق ما يبتغيه المتظاهرون من إسماع أصواتهم الى باقي جموع الشعب والى البرلمانيين ورجال الحكومة، في جو من الهدوء والتفاعل الإيجابي مع القوى الأمنية في المحافظة على سلامة الأجواء التي تحتظن المظاهرة، وسلامة الممتلكات العامة والخاصة، فالشعب وحده هو الجدير بأن يعلو صوته وإرادته فوق الجميع وفي إطار النظام العام الذي صوت عليه الشعب نفسه وإقره في أحكام الدستور..!
24/2/2011           



       


153
المنبر السياسي / شياع..!(*)
« في: 21:25 20/02/2011  »
شياع..!(*)

لا تُحجب الشمسُ إلا من مُحياها

باقر الفضلي



لا تُحْجَبُ الشَمسُ إلا مِنْ مُحيّاها
ولا يَخيبُ المُنى شَوقاً للقـياها

فَضائُها الرَحبُ، ما رَدَّتْ لسائلِها ~
أمراً، ولا ضاقَ بالوِجدانِ مُعْطاها

تَفيضُ مِنْ نَبعاتِ الحُبِ، زاخرةٌ
رِحابُها، مِنْ شَغافِ القَلبِ مَسقاها

كأنها نَسَماتُ الصُبحِ إنْ خَطَرَتْ
تَسقي النفوسَ نَدىً، مِنْ فَيضِ مَرواها

مَبسوطةَ الحُـلْم يَزهو في شَمائِلها
وزادَ فيها سُمـواً حُسنُ مَبـناهـا

سارتْ مُعطَـرَةُ الأَنفاسِ زاهيةً
لو مَرَّ فيها الهَوى يَوماً لحاكاها

بقاؤُها، الموتُ ما أخْـفى مَعالِمَه
طَمساً، ولا غابَ في الأيامِ ذِكراها

****

يا ساحِرَ الصَمتِ ما أَدراكَ ما نَسَجَتْ
جَحافِـلُ العُهـرِ في صَمتٍ بملهاهـا

أسلَمتَ أمْرَكَ للحُسنى على أَمـلٍ
أَنْ يَرعَوي القَومُ للحُسنى ومُـثْلاها

ما كُنتَ تَبغي مِنَ العَـلياءِ مَغنَمَةً
ولا نَشِـدّتَ مِنَ الأَسماءِ فُضلاها

فعاجَلَتـكَ على غَـدرٍ كواتِمُها
وأَرخَصَتْـكَ دَماً مِنْ كَيدِ مَرماها

شاءت يُجَلجِلُها خِزيٌ وما رَبِحَتْ
إلا صَدى العارِ ما تُخفي ثَـناياها

***

يا ساحِـرَ الصَمتِ إذ وَدَّعتَ ملتَبِساً
ما تُعلِـنُ النَفسُ، ما تُخفي نَواياها

رَسَمتَ دَربَـكَ لَمْ يُثـنيكَ ذُو حَسَدٍ
يَوماً، ولَنْ يُرهِـبكَ بالإِذعانِ أشْقاها

حُـرٌّ وفيكَ بياضُ الكَفِ ذو سَجَـرٍ(1)
أطعَمْـتَ مِنْ بَحرهِ فَـيئاً لتَـقْواها

سلامةُ الظَنِ ما أَدريكَ ما نَصَبتْ
مِنَ الفِخاخِ وما حاكَتْ خَـفاياها

تَرنو اليكَ بعينِ الودِ مُشرِقَـةً
كالذِئبِ يَسرَحُ بالأغنامِ يَرعاها

***

شياعُ كُنتَ وَريثَ الحُلمِ في زَمَنٍ
ضاقَتْ نُفوسٌ به مِنْ جَورِ بَلواها

عانَيتَ منه وإن كان المُـنى أملاً
تَحدو بهِ النَفْسَ في شَوقٍ لِمَسراها

ألهَمتَ عَزمَـكَ ما تُدمى القُلوبُ بهِ
كَتْمُ الجِراحِ، وكانَ الصَمتُ مَغْزاها

إنْ كان فيها مِنَ الأَقدارِ ما رَسَمَتْ
عَـدلاً تَراهُ  فأنتَ العَدلُ صُـنْواها

حَياكَ حَياكَ ما أَخْفى الثَرى جَبَلاً
حَـياً أَراكَ وحَـياً حينَ أََلـقاها

***
***
***
23/8/2010
_________________________________________________________
(*) عامان على إغتيال الشهيد كامل شياع المستشار في وزارة الثقافة العراقية
                                                                   
(1)   سجر: بمعنى الإمتلاء، ولها معان أخر، مثل سجر التنور، إحماءه
 


 
























   




 











































 














154
فلسطين: الفيتو الأمريكي..!

باقر الفضلي

لا مؤاخذة؛ إن الفيتو الأمريكي على مشروع القرار العربي في مجلس الأمن حول إدانة الإستيطان الإسرائيلي، لن يأتي بجديد بالنسبة للقضية الفلسطينية ، ولم يك الأمر غير متوقع من قبل من تابع مسيرة المفاوضات الفلسطينية _الإسرائيلية المباشرة الأخيرة ونهايتها المفجعة، وكل ما يمكن قوله حول ذلك، لا يذهب بعيداً عن مخططات ونظرة السياسة الأمريكية بالنسبة لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، طبقاً لما يرضي ما ترسمه السياسة الإسرائيلية اليمينية من خطط وبرامج غايتها وهدفها الأخير إعاقة أي تقدم قد يصب في طريق الوصول الى إنجاز حل قيام الدولتين، خاصة إذا ما جاء مثل هذا التقدم من قبل المجتمع الدولي، أو حضي بدعم الشرعية الدولية وإقرارها، ولا أظن بأن القيادة الوطنية الفلسطينية قد غاب عنها مثل هذا التوجه الأمريكي_الإسرائيلي ، ولكن موقفها الثابت من التمسك بالذهاب الى ولوج طريق الشرعية الدولية إنما يسجل لصالحها بأي حال من الأحوال.!   


فما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية من إستخدامها لحق النقض لمشروع القرار العربي في مجلس الأمن، لا يمكن تفسيره وفي أدنى حالات الإفتراض السياسي بغير ما تقدم، هذا إذا ما علمنا بمواقف الرئيس الأمريكي السيد أوباما المتحمسة منذ تسلمه مقاليد الرئاسة للإدارة الأمريكية وذهابه بعيداً في التلويح بأهمية وضرورة وقف عملية الإستيطان الإسرائيلية لفتح الطريق أمام إنجاح حل الدولتين، إو على أقل تقدير، إذا ما بحث المرء عن مبررات " إفتراضية " لمثل هذا الموقف الفاقد لكل فروسية سياسية؛ فإنه لا يمثل غير فشل للإدارة الأمريكية أمام التعنت الإسرائيلي، وعجزها من السير قدماً أبعد مما تريده حكومة نتنياهو_فريدمان اليمينية، الرافضة لوقف عملية الإستيطان وتهويد القدس، وغلوها في السير قدماً في هذا الطريق، وأخيراً محاولة دفع القيادة الوطنية الفلسطينية الى الجلوس الى طاولة المفاوضات المباشرة وفقاً لشروطها الإذعانية المعروفة..!؟


فبقدر ما كان الفتيو الأمريكي مخيباً لآمال المجتمع الدولي، خاصة بعدما أقدمت أربعة عشر دولة على الإعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنه يشكل من الناحية الثانية نجاحاً كبيراً للقيادة الفلسطينية من خلال موقفها الثابت من مسألة الإستيطان ورفضها الحاسم لأية مفاوضات مباشرة مع الطرف الإسرائيلي، تحاول إسرائيل ومن ورائها الإدارة الأمريكية، دفعها اليه في ظل الواقع القائم التي تحاول أن تفرضه إسرائيل، تحت غطاء ودعم أمريكي، مبطن من الجانب الآخر، بتهديدات أمريكية بقطع المساعدات، أو التلويح بسحب البساط من تحت أقدام السلطة الفلسطينية الشرعية، وتعميق شرخ الإنقسام الفلسطيني الداخلي، الذي ما فتأت إسرائيل، تلعب وتوظف ورقته سياسياً وميدانياً على طول الخط، مستفيدة من مرور الوقت للسير في تنفيذ خططها الإستيطانية المرفوضة..!؟

أما تداعيات الموقف الأمريكي نفسه على الصعيد الوطني الفلسطيني، فهو في حساب التقديرات السياسية المنطقية، له من التأثيرات ما يمكن أن ينعكس إيجاباً على المزاج الفلسطيني ووحدة الصف الوطني، خاصة لما مثله ذلك الموقف من إحباط وخيبة أمل كبيرين في المجتمع الفلسطيني والعربي والدولي، بنفس القدر الذي قد تتوقعه السياسة الإسرائيلية بأنه سيكون عامل ضغط قد يدفع بالقيادة الفلسطينية، وطبقاً للحسابات الإسرائيلية، الى الرضوخ والذهاب الى المفاوضات المباشرة، بعد ما فشلت في تحقيق هدفها من خلال مجلس الأمن..!؟؟


ولكن ومن الجهة الأخرى، فقد جاءت الحسابات الإسرائيلية_الأمريكية على عكس ما توقعته إسرائيل وحليفتها أمريكا، حيث جاءت ردود الفعل الفلسطيني، سلطة شرعية وفصائل وطنية وبسرعة، في غاية الوضوح في رفضها الجمعي وشجبها وإستنكارها للموقف الأمريكي، ورفضها من الجانب الآخر للمقترحات الأمريكية كبديل لقرار مجلس الأمن في إدانة الإستيطان، ليبني هذا الرفض أسس التلاحم الوطني ويفتح الطريق أمام الوحدة الوطنية في مجابهة التعنت الإسرائيلي المدعم بالإسناد الأمريكي، وليعزز على الصعيد الدولي الموقف المؤيد لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية الديمقراطية الموحدة المستقلة على التراب الفلسطيني، وليؤكد إصرار الشعب الفلسطيني وبقيادة سلطته الوطنية الشرعية، بإعادة السعي من خلال الشرعية الدولية متمثلة بالجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بتفعيل القرارات الدولية المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني كاملة، ومع كل هذا فأمام الشعب الفلسطيني العديد من الخيارات التي تصب في مسار نضاله من أجل تحرير أرضه وإنهاء الإحتلال الإسرائيلي البغيض وإقامة دولته الفلسطينية الديمقراطية الوطنية..!
19/2/2011 


     



155
المنبر السياسي / طوبى مصر..!
« في: 16:38 13/02/2011  »
طوبى مصر..!

باقر الفضلي

مِنْ مَكمنِ الآهِ بَلْ مِنْ مَوجِعِ الأَلَمِ
قَصَدتُ بابَكِ مَحمُولاً على سَقَمي

خَبِرتُها حالِماً بَيضاءَ ناصِعةً
تَرنو لها العَينُ قَبلَ البدءِ بالكَلِمِ

طوبى و"مصرُ التي في خاطري" أَملاً
ما كنتُ أَكْتِمُهُ حُبَاً سَرى بدمي

مصرُ الكنانة لا زَهواً ولا بَطراً
لَكِ الصَدارةُ فيما كُنتِ تَقْتَحِمي

طراوةُ العودِ ما أخفتْ نباهَتَها
عَجْلَى تُريدُ لمِصرَ الخَيرَ في الأُمَمِ

***

طوبى اليكِ نَشيدَ النَصرِ مَبْعثُه
حلمُ الشَبابِ ونُبلُ العِزِ والكَرمِ

طوبى اليكِ شُرُوقاً بعدما أَفلَتْ
شَمسُ الحَقيقةِ في طَمْسٍ مِن العُتَمِ

يا دُرةَ الشَرقِ يا مَجْدَاً عَلا شَرَفاً
للذائدينَ عن الأَوطانِ في القِحَمِ

لَكِ المَهابَةُ مِصرُ النيلِ ما طَفَحَتْ
مِنَ السَرائرِ مِنْ وجَدٍ ومِنْ نَغَمِِ

رَعاكِ رَبُكِ أَمناً في سَلامته
 وصاحَبَتكِ عيونُ السَعدِ مِنْ قِدَمِ

*****
**** 
***
12/2/2011




 










 

















156
 مصر: لقد " تخلى الرئيس"..!

باقر الفضلي

كلمتان غيرتا كل الإحتمالات والتصورات المشوشة، وكان لهما وقع المفاجئة بالنسبة للجميع، بعد ثمانية عشر يوماً من المطالبة السلمية الثابتة، من أجل (التغيير) في مصر، فجاءت بيضاء ناصعة من غير سوء..!

لقد حققت ثورة  شعب مصر الكنانة خلال تلك الأيام المعدودة، ما كان حلماً في ظل ظروف مصر، التي كانت تبدو أكثر إستقراراً وهدوءً من غيرها من بلدان المنطقة، فقد أثمرت ثورة شباب مصر العتيدة في الخامس والعشرين من كانون الثاني/2011،  ما قد عجزت عن تحقيقه العديد من القوى السياسية عبر أكثر من ثلاثين عاماً، لتزيح ليس فقط الحاجز النفسي والقدسية الثورية التي أحاط بها النظام الحاكم نفسه كل هذا الوقت،  بل لتضع أولى خطواتها الواثقة على طريق التغيير، الذي عمدته دماء شهدائها الأبرار..!

فتخلي رأس النظام عن دست الحكم يأتي معبراً عن بداية التغيير السياسي، ومقدمة ثورية تستلزم تغيير الدستور الحالي الذي جسد وكرس وجود نظام الحكم الفردي، طيلة العقود الثلاث الماضية، وليضع أمام طلائع الثورة الشعبية، مهمة السير قدماً في طريق تعزيز التغيير، وتثبيت مساره بالإتجاه الصحيح الذي يحقق طموح وأماني الشعب في التحرر من الإستبداد وإرساء أسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وفتح الطريق أمام تنمية إقتصادية _ إجتماعية واقعية، تأخذ بالحسبان واقع الحياة الإقتصادية المتدهورة لملايين الشغيلة المصريين، وإنتشالهم من براثن البطالة والفقر المدقع، وتحقيق آمال الشعب في حياة أكثر إستقراراً وأمناً ورفاه..!

إن أمام الشعب المصري الكثير والكثير من المهام الجسيمة التي تصب في هذا الإتجاه، وفي مقدمتها تعزيز الإنتصار والحفاظ عليه، والسير به قدماً في طريق التطور، وصيانته من كل تطرف ومغالاة في رسم خطط المستقبل؛ ويظل الأكثر أهمية في هذا الطريق، تعزيز وتائر النهج الديمقراطي في مسار الحياة السياسية والإجتماعية القادمة، وعدم الغرق في نشوة الإنتصار؛ فطريق (التغيير)  لا زال في بداياته، والمتربصون والمتسلقون من راكبي الموجة سوف لا يألون جهداً في بذل محاولات سرقة ثمار النصر، أو حرف إتجاهه الى ما يحقق مآربهم وغاياتهم الطفيلية، وبالتالي إعادة المسيرة الديمقراطية الى نقطة البداية، فعوامل التغيير لا تسري تلقائيا، ومن يتحكم ببوصلتها هو من يمكنه أن يوصل السفينة الى الساحل الذي يريد، فالعيون اليوم ترقب ساهرة متطلعة الى ذلك اليوم الذي تتحقق فيه أماني وآمال الشعب المصري الذي فجر من أجله ثورته البيضاء..!   

إن ما حققه الشعب المصري في ثورته السلمية، يظل حدثاً تأريخياً كبيراً في تأريخه المجيد، ومثالاً رائعاً يمكن أن تأخذ منه العبر والدروس في نضالات الشعوب التي ترزح تحت نير الإستبداد والتحكم الفردي والطائفي، ويمثل نجاحاً باهراً في التصدي لجبروت سلطة الإستبداد والنهب واللصوصية..!

فألف مبروك لشعب الكنانة البطل في ثورته المجيدة، وألف تحية وإكبار لشهداء ثورته البيضاء، وسيظل الحادي عشر من شباط/2011،  يوماً خالداً في تأريخ مصر، تستذكره الأجيال عاماً بعد عام، وتظل مصر الدولة العريقة في مجدها وتأريخها العظيم، رافعة راية الحرية والكرامة، ويظل دورها العربي الرائد والمؤثر في المنطقة والعالم، نفسه ذلك الدور الريادي الكبير، بما يحتله من حب وتقدير في نفوس الشعوب العربية،  فطوبى لمصر الكنانة بما حققه شبابها الميامين من نصر مؤزر عظيم..!
11/2/2011


     
     



157
مصر: التغيير المنتظر..؟!

باقر الفضلي


ها هي رياح التغيير تعصف بلا هوادة .. إنها لن تتوقف وهي تجرف في طريقها كل ما يعيق أهدافها من بقايا رموز قيادات إستهلكت دورها عبر عقود من السنين، لأنظمة وجدت نفسها أخيراً في عزلة تامة مع شعوبها.. تلك الشعوب التي أرهقها الفقر والعوز، وقيدت حرياتها حالات الطواريء، وإستنفذت طاقاتها البطالة ، وأخيراً أوغل في سفك دمائها، الرصاص الحي للإستبداد..!!؟


اللوحة السياسية الحالية في مصر ومنذ إسبوعين، تعكس بلا تشويش وبدون رتوش أو مبالغة، حقيقة ما تحمله تلك الرياح العاصفة من مطالب شعبية صادقة بضرورة (التغيير)، وتطلعات لمستقبل أفضل؛ فالتغيير بات اليوم شعار الحالة الراهنة في الساحة المصرية، بعد أن سبقتها الى ذلك الإنتفاضة التونسية، والشارع المصري الذي تحكمت بقيادته، جموع من الشباب والكادحين من الذين فجروا (ثورة الغضب) بوجه النظام المصري القائم،  بات سيد قراره السياسي، متقدماً في ذلك، على غيره من الأحزاب والحركات السياسية المعارضة للنظام، سواء منها التقليدية أو التي أفرزتها حالة القهر والإستبداد والفساد المالي، والتي يبدو أن دورها القيادي في عملية (التغيير) ليس بادياً للعيان إلا قليلا، وما يظهر منه على السطح، هو ما كان  يجري خلف الستار..!


هذه اللوحة الدراماتيكية، بما تعكسه وتظهره من ديناميكية عالية في طبيعة ما أصطلح عليه (حركة الشباب) المعترضين، رغم ما رافقها وبعيداً عن مسؤوليتها في البداية، من أعمال سلب ونهب وحرق للمنشئات الحكومية وإقتحام للسجون وسقوط للعديد من الضحايا؛ إتسمت من الجهة الثانية، بأنها لم تك في عزلة تامة عن نشاط قوى المعارضة السياسية للنظام، إن لم تكن محركا ومحفزاً لها، تلك القوى التي حرصت أن تكون فعاليتها وأنشطتها على الصعيد الميداني في الأيام الأولى من الإنتفاضة، تدور خلف ستائر المسرح السياسي، ما يعني من جانب آخر، التأمل في فرضية وجود أجندات خارجية أو أجنبية تحاول أن تلعب دورها في التأثير والتوجيه على مجموعات معينة من حشود الشباب المجتمعين في ميدان التحرير، بأن تلك الفرضية لم تأت من فراغ، إذا ما راقب المرء تطورات الأحداث الجارية في ميدان التحرير وباقي المدن المصرية منذ اليوم الأول لبدئها، وملاحظة محاولات بعض الأجندات السياسية من فرض وجودها من خلال تمرير شعاراتها الراديكالية عبر حناجر الجموع المحتشدة من الشباب في ميدان التحرير، وما إستتبعها بعد ذلك من تصعيد في مواقف دول معينة لوتيرة الإنتقاد الشديد لنظام الحكم، ومنها على وجه الخصوص، الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإيرانية الإسلامية وبعض الفضائيات الإعلامية ومنها قناة الجزيرة بالذات، لدرجة وصلت فيه حدة الإنتقاد درجة المطالبة الفورية لإجراءات التغيير، لتأتي متزامنة مع مطالبات قوى سياسية محددة، أمثال جبهة التغيير بقيادة السيد محمد البرادعي، وقوى أخرى طفحت على سطح الزيت المتوقد، بعد أن إخترقت ثورة الغضب، كل جدر المنع وستر الخوف، معلنة بشجاعة متناهية، صوت الشعب الهادر..!


فالى أين تتجه تلك الرياح في هبوبها المتعاظم، وهي تحمل بين طياتها كل خلجات وأحاسيس الجموع المحرومة من أبناء شعب مصر وتطلعاتها المشروعة الى حياة أفضل، التي يدفعها التوق الى إسترداد حريتها وكرامتها المهدورة، مديات لم تشهد لها مثيلاً من الغضب والحماس من قبل..؟!


فكل يوم يمر على تواصل الإنتفاضة المصرية يحمل معه الكثير من الإسئلة التي تطرح نفسها على جموع المحتشدين في ميدان التحرير، ومثلها قوى المعارضة السياسية؛ أسئلة منها  السياسية والإقتصادية والإجتماعية، والتي لم تجد من يجيب عليها، في وقت لم تتبلور فيه بعد قيادات سياسية واضحة المعالم لجموع الشباب المنتفضة، وهي تحمل من الشعارات خليط غير متجانس من المطاليب الآنية والتطلعات المستقبلية بسقوفها المطلبية العالية، لتواجهها على الخط  قوى أخرى، تقف بالضد من ذلك، معلنة مساندة وجود قمة الهرم السياسي، وأخرى تمسك بإجندات تتحكم فيها من بعيد، هذا وكل المؤشرات في الطرف الآخر، تشير الى أن النظام الحاكم، قد إمتص الصدمة، وبات يعيد ترتيب حساباته على كافة الأصعدة، مشفوعاً بخبرته العالية في تصريف الأزمات وإمكاناته العالية مادياً ومعنوياً بما يمتلكه من وشائج الربط القوية بتأريخ مصر الحديث، والى جانب ذلك،  برز على السطح تيار جديد متمثلاً بمجاميع من النخب السياسية والثقافية من رجال السياسة والإعلام، يدعو الى الحكمة والتعقل والتوازن السياسي لمعالجة الأوضاع القائمة وتصريف الأزمة وتحقيق مطالب وتطلعات المنتفضين من الشباب، بالطرق الدستورية عن طريق الحوار وإعادة الحياة المدنية..!؟


فإنتفاضة الشعب المصري بكل مطالبها المشروعة، تجابه واقعاً أكثر تعقيداً مما تصوره البعض، وحاول تشكيله وفق سيناريو أحداث إنتفاضة تونس، في إطار إنعكاس عاطفي الملامح، لن يأخذ بالإعتبار الفوارق الموضوعية والذاتية بين البلدين، وما تمثله مصر كدولة لها من الموقع السياسي والدولي ما يختلف كلياً في أبعاده الجغرافية والدولية عن غيرها من الدول الأخرى في المنطقة، ولذلك فمن السابق لأوانه طرح الإفتراضات والقول بالتكهنات وفقاً لما سارت عليه الأحداث في الإنتفاضة التونسية كإستنساخ لتجربة لها خصائصها وظروفها الموضوعية الخاصة، رغم ما للإنتفاضتين من مشتركات عامة..!


 فالتغيير المطلوب في مصر، لن ينأى أن يكون حاجة موضوعية لابد منها،  في ظل أوضاع إجتماعية طفح فيها الكيل على صعيد المستوى الإقتصادي، وبلغت الفوارق الطبقية في المجتمع حدوداً كونكريتية لا يمكن تجاوزها؛ ما يمكن معه القول؛ بإن أي تغيير ومهما بلغ حجمه، له شروطه  ومستلزماته الموضوعية، وهو عملية بنيوية دائمة، إن بدأت في ساعة فلا يمكن أن تنتهي في الأخرى، وما ينبغي التبصر به، هو أنه في أي تغيير منشود، لابد التأمل والتوقع المسبق بأنه سيواجه بمقاومة مختلفة الشدة والأبعاد، ناهيك عما تبيته قوى التربص والتدخل والإستغلال في مثل هذه الحالات، مما قد يأتي بما لا تشتهي السفن..!؟


  فما يعتقده المرء كان سهلاً في مكان معين، ربما لا يكون نفسه كذلك في أماكن أخرى؛ وهكذا هو الأمر فيما يجري في مصر من تحولات على صعيد البناء الفوقي للدولة، وهي دولة مؤسسات عريقة، ولها تقاليدها وأعرافها على صعيد النظام السياسي والدستوري، فإن أي تحديد مسبق من قبل المنتفضين والمحتجين، ليوم معين أو إسبوع مسمى، غير كفيل بتحقيق ما يصبو له المنتفضون من نصر مؤزر لأهداف التغيير المنشود في ظل الظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط بالجموع المحركة للإنتفاضة، ولعل ما شاهدناه خلال الأيام الأثني عشر الماضية من مسيرة الإنتفاضة،  فيه من الكفاية ما يغني عن أي إستنتاجات وتكهنات إفتراضية، خاصة وإن الإنتفاضة تدخل الآن مرحلة جديدة من الحوار والتفاوض وعلى مستويين، مع رجال الدولة وسياسييها لتحديد سبل الخروج من أزمة الحكم التي يمر بها النظام..!


ومع كل ذلك فإن الإنتفاضة الشعبية المصرية، كما هي الإنتفاضة الشعبية التونسية، قد فتحتا الطريق واسعاً أمام الجموع المسحوقة، التي وجدت نفسها مهمشة لعقود من السنين، بأن تشهر رفضها وجهاً لوجه أمام سلطة الإستبداد، مطالبة بالتغيير الجذري، إحتجاجاً لما آلت اليها أوضاعها الإقتصادية والإجتماعية من تدهور وتخلف كبيرين، ومؤسسة لحالة تجاوزت فيها تقاليد الحياة السياسية التقليدية، التي شوهتها الأنظمة المذكورة، وغيبت دور أحزابها السياسية الوطنية، من خلال مشهد "الحزب الحاكم" وإحتكار السلطة، ومن هنا إكتسبت الإنتفاضتان دعم وتأييد ومساندة كافة الشعوب العربية وقوى الحرية والتقدم في العالم، فكل التحية والتعاضد للشعب المصري الشقيق في إنتفاضته المجيدة، ومثلها للشعب التونسي الشقيق..!
7/2/2011


   



   









158
العراق: [الهيئات المستقلة] بين الإستقلالية الدستورية والتبعية الإفتراضية..!

باقر الفضلي

الحيرة التي يعيشها أعضاء مجلس النواب العراقي في الأيام الأخيرة،  ويشاركهم فيها العديد من السياسيين والمراقبين ومن رجال القضاء والقانون، وربما منهم المتخصصين بالفقه الدستوري، والتي أرقتهم كثيرا، كان مردها القرار الجديد للمحكمة الإتحادية العليا، بتأريخ 18/1/2011 القاضي بربط (الهيئات المستقلة) الوارد ذكرها في الباب الثالث/ الفصل الرابع من الدستور العراقي/2005 بمجلس الوزراء بدلاً من مجلس النواب، مما أثار الكثير من ردود الفعل على مختلف المستويات لدى تلك الجهات، وخلق إنقساماً في الرأي بين مؤيد ومعارض، بل وحتى محذر من تداعيات القرار المذكور على مستقبل "الديمقراطية" في العراق الجديد، وهي بعد لم تبلغ الحلم..!؟


لم يك قرار المحكمة هذا في تفسير النصوص الدستورية، الأول الذي خلق مثل هذه البلبلة الفكرية بين أوساط السياسيين من برلمانيين أو من ذوي الإختصاص،  فهناك ما سبقه من قرارها المتعلق بتفسير نص المادة/79  من الدستور بشأن مدلول الكتلة البرلمانية الأكبر، والذي وضع الجميع في حيص وبيص في فهم مدلولات ما تذهب اليه المحكمة من تفسيرها  لنصوص الدستور، وليس ببعيد عن ذلك، الرأي الصادر من المحكمة الاتحادية العليا نفسها بتاريخ 9/10/2006 حول الاستفسار الوارد من لجنة النزاهة في مجلس النواب بالكتاب المرقم (م/ن/2/171 ) بتاريخ 23/9/2006 عن معنى الاستقلال الوارد في المادة (102) من الدستور فيما يخص هيئة النزاهة وعن معنى الرقابة الواردة في المادة المذكورة وما الاختلاف بين ما هو في المادة (102) والمادة (103) من الدستور التي تذكر الهيئات المستقلة ماديا واداريا وبمن ترتبط هيئة النزاهة، والمتعارض مع رأيها الأخير في نفس الموضوع..! (*)


وهكذا يصبح الأمر بالنسبة لدور المحكمة الإتحادية العليا في حل الإشكالات والنزاعات بشأن تفسير النصوص الدستورية، بإعتبارها الجهة الوحيدة التي يرجع اليها والمخولة بهذه المهمة، وكأنه أقرب في المحصلة النهائية لقول الشاعر:
(الى الماء يسعى من يغص بلقمة    ***   الى أين يسعى من يغص بمـاء)

فحينما تكون النصوص الدستورية موضع غموض في الفهم والتفسير، تلجأ معه الأطراف المتخاصمة حولها، الى من يفصل في النزاع بين الخصوم، وهنا المحكمة الإتحادية العليا هي الجهة الوحيدة المقصودة على الصعيد القضائي دستورياً في حل ذلك الغموض، فكيف إذا كان رأي المحكمة في الفصل بالأمر هو نفسه محل خصام آخر، خاصة إذا ما تعارض مع سنده الدستوري، أو جاء مناقضاً لرأي سابق للمحكمة حول الأمر نفسه..؟؟!


من بدهيات الفقه الدستوري، ما تورده القاعدة الفقهية التي تقول؛ أن " لا إجتهاد في مورد النص"، ولأهمية ما جاء في قرار المحكمة الأخير حول (الهيئات المستقلة) يمكن الإشارة هنا الى بعض الملاحظات التالية:
•   لقد وردت صيغة [الهيئات المستقلة] في الدستور العراقي/2005 ، في باب خاص بها هو الفصل الرابع من الباب الثالث وشملتها نصوص المواد من (102- 108)
•   يستدل من خصوصية وحصر تلك المواد الدستورية الستة، ضمن فصل منفرد من الباب الثالث هو الفصل الرابع،  هو ما تميزت به تلك النصوص الستة من خصوصية (الإستقلال) عن باقي النصوص الأخرى، التي تناولها الباب الثالث من الدستور في فصوله الثلاث الباقية، والتي تتعلق بالسلطات الثلاث ( التشريعية  والتنفيذية والقضائية)، بمعنى تميزها ومشاركتها تلك السلطات بصفة ( الإستقلالية).
•   إنفراد الفصل الرابع من الباب الثالث، الذي إشتمل على جملة المواد الدستورية الستة المذكورة، تحت عنوان [ الهيئات المستقلة]، له من الدلالة ما لعناوين الفصول الثلاث الأخرى من الباب الثالث نفسه، من أهمية متساوية من حيث الدلالة الإختصاصية والإستقلالية؛ فبقدر ما جاء في نص الدستور على إستقلالية السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وخص كل منها بفصل خاص يوضح فيه هذه الدلالة الإختصاصية، بما يعني فصل الواحدة عن الأخرى من خلال تلك الإستقلالية، حيث يتجلى هنا مبدأ الفصل بين السلطات، خص بنفس الوقت [الهيئات المستقلة] بفصل خاص بها للتعبير عن نفس تلك الدلالة الإختصاصية وبما يفيد الإستقلالية، أي بمعنى آخر، عدم تبعيتها لأي من السلطات الثلاث الأخرى، وهنا لا يبدو جلياً أن هناك من الغموض في المعنى أو في الشكل، ما يستدعي وضوحاً أكثر مما هو واضح في أصل النص نفسه وفي طبيعة تبويب الفصول الدستورية على نطاق الباب الثالث من الدستور، حيث لا تداخل في مهام السلطات الإتحادية التي شملتها أحكام الباب الثالث بفصوله الثلاثة من الدستور وكذلك الأمر بالنسبة ل[الهيئات المستقلة]
•   حيث أن كافة الهيئات الوارد تسميتها في المواد (102_ 108) تقع ضمن أحكام الفصل الرابع من الباب الثالث [الهيئات المستقلة] من الدستور، فإنها تكون مبدئياً خاضعة لأحكام هذا الفصل، ومشمولة بكونها؛ أولاً هيئات مستقلة لإندراجها تحت التسمية التي حددها النص الدستوري المذكور، إلا ما أستثني منها طبقاً لتلك الأحكام من جهة، وثانياً لتفريقها عن غيرها من الهيئات الأخرى التي لا تقع تحت أحكام الفصل المذكور من جهة أخرى.


وإنطلاقاً من خصوصية أحكام الباب الثالث المتعلقة بإستقلالية السلطات الإتحادية، وإرتباطاً بمبدأ الفصل بين تلك السلطات المنصوص عليه في المادة/ 46 من الباب الثالث نفسه، فإن كل ما ينصرف من تفسير على غير ما تقدم بالنسبة ل[الهيئات المستقلة]، لا بد وأن يفهم منه الوقوع في حالة  التعارض مع النص الدستوري المذكور من حيث المبدأ، وهذا ما تضمنه قرار المحكمة الإتحادية العليا آنف الذكر، بمنحه السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء حق الإشراف والمتابعة على [الهيئات المستقلة] التي خصها الدستور بصفة الإستقلال تحديداً وربطها بالسلطة التنفيذية..! 


 إن ما يعزز مبدأ الإستقلالية الذي إعتمده روح النص الدستوري بالنسبة لأحكام الباب الثالث/ الفصل الرابع، هو ما ورد من إستثناء خاص ومحدد من صفة الإستقلالية كما جاء  في نص المادة/ 103 الفقرة/ ثالثاً ونص المادة/104 ، عندما ربط المشرع كل من دواوين الأوقاف ومؤسسة الشهداء حصراً بمجلس الوزراء، وإلا لما كان هناك أي مسوغ يدفع المشرع لمثل هذا الإستثناء، لو كانت الهيئات الأخرى والموصوفة ب[الهيئات المستقلة] المشمولة بأحكام الفصل المذكور، لا تتميز بصفة الإستقلالية التي قصدها المشرع أصلا ..!


ولما كانت صفة الإستقلالية هي ما يميز [ الهيئات المستقلة ] حكماً، وما يجعلها مشمولة بأحكام مبدأ الفصل بين السلطات، فمن تحصيل الحاصل، أن أي خضوع لهذه الهيئات المستقلة لتبعية سلطات أخرى، كما هو وارد في قرار المحكمة الإتحادية العليا بتأريخ 18/1/2011، إنما يمثل من جهة، إخلال كبير ب مبدأ الفصل بين السلطات، كما أراده الدستور، يرقى في جوهره الى حد شل وإفراغ هذا المبدأ من مضمونه الديمقراطي على صعيد النظام السياسي، ومن جهة أخرى يضع قرارات تلك "الهيئات المستقلة" وهي في مثل هذه الحالة " حالة التبعية"، عرضة للطعن بشائبة التأثير والتبعية وعدم الإستقلالية، ومن جهة ثالثة فيه من الإضعاف لسلطة مجلس النواب الرقابية، وهو أعلى سلطة منتخبة تمثل الشعب في البلاد، ما يعنيه من تجريد لتلك السلطة من مجلس النواب لحساب السلطة التنفيذية..!


أما ما قيل ويقال بشأن مهام [الهيئات المستقلة]، وتقسيمها الى تنفيذية وتشريعية، في محاولة لتبرير تبعيتها للسلطة التنفيذية وفقاً للجانب التنفيذي من تلك المهام، فهو في الحقيقة، وإذا ما أراد المرء الإبتعاد عن أية تفسيرات ذات طابع سياسي، لا يخرج بعيداً عن كونه تأويل إفتراضي لا يلتقي في أسبابه كإجتهاد قاطع في مورد النص الدستوري الواضح في مبناه ومعناه، ، كما  ولا ينسجم منطقياً مع روح الدستور التي قصدها المشرع من وراء إحكام (الباب الثالث/الفصل الرابع/ المواد 102_108 ) من الدستور؛ كما وليست هناك من علاقة سببية بين مهام الهيئات المستقلة، على إختلاف صورها من جهة، وبين أصل المسألة موضوع القرار والتي تتعلق بإستقلالية تلك الهيئات، لتكن سبباً بربط هذه الإستقلالية الدستورية بالسلطة التنفيذية من جهة أخرى..!


 ولكن وفي جميع الأحوال فإن الأمر برمته مرهون بقرار نافذ وصادر من هيئة قضائية عليا، هي المحكمة الإتحادية العليا، وإن كانت هناك من تداعيات سلبية لمثل هذا القرار على صعيد الحياة السياسية والديمقراطية، فإن المرجعية الوحيدة على صعيد النظام البرلماني الحالي والتي تمتلك حق النظر وإتخاذ القرار المناسب، بالنسبة لمثل تلك التداعيات، إنما هو مجلس النواب نفسه..!
28/1/2011
___________________________________________________________________________
(*)   http://sotaliraq.com/articlesiraq.php?id=81950



159
فلسطين: الحلقة المركزية في الصراع..!


باقر الفضلي


رغم مرور ستين عاماً على بدء إنطلاقة حركة التحرر الوطنية الفلسطينية، من أجل حق تقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية على التراب الفلسطيني الموحد؛ لم تحض هذه الحركة من الأهمية والتفاعل العالميين بمثل ما تحضى به اليوم، على كافة الأصعدة الدولية والإقليمية والشعبية، وبالذات كان لفترة الأيام الإثني والعشرين للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مؤخراً، الدور الكبير والمهم، الذي وضع القضية الفلسطينية في المدار الأول من مسألة الشرق الأوسط وأعطى للصراع الفلسطيني الأسرائيلي مدياته وأبعاده الحقيقية على كافة الأصعدة.


وبقدر ما يطفو على ساحة الصراع السياسي المذكور من إهتمامات تتسم بالطابع الدولي، وخاصة منها موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الصراع نفسه، وهذا ما تجلى في موقف الرئيس الأمريكي أوباما حول الإهتمام بالبحث عن الحلول المناسبة للصراع من خلال ما أدلى به من تصريحات الى مندوب قناة العربية الفضائية مساء 28/1/2009، وإرساله مبعوثه للشرق الاوسط السيد ميتشل، أو نشاطات الرباعية وتصريحات السيد بلير الى مراسل القناة المذكورة فيما بعد، أو نشاطات  وزير خارجية الإتحاد الأوروبي السيد سولانا في الشرق الأوسط، وغيرها من التصريحات والنشاطات الأخرى للعديد من الدول المعنية بالأمر من عربية وأجنبية وفي مقدمتها مصر وتركيا، فإنه رغم كل ذلك، لم يرق هذا النشاط في أهميته، الى ما يعتبر شأناً فلسطينياً داخلياً يترتب عليه مدى إمكانية كل ذلك النشاط السياسي والدبلوماسي العربي والإقليمي والدولي من الوصول الى النجاح..!


من اليسير القول والتأشير، بأن الطرف الرئيس الآخر في الصراع والمقصود به إسرائيل، يتحمل كامل المسؤولية في إيصال الحال الى ما هي عليه الآن، بسبب من التعنت والغطرسة والرفض لتنفيذ القرارات الدولية بشأن حل النزاع من جهة، وبكونه الطرف الأقوى الغاصب لحقوق الشعب الفلسطيني والمدعوم من قبل أمريكا والغرب من جهة أخرى، ولكن ومع كل ما تقدم ومع التسليم بهذه المقدمات، فإنه يصبح من البدهي لمواجهة واقع مثل هذا، أن يكون للطرف الآخر المقابل، وهو الطرف الفلسطيني، كافة ما يشترطه هذا الواقع من شروط المسؤولية، للمجابهة والتعامل السليم في حدود الإمكانات والقدرات المادية والمعنوية، والمنهج السياسي الملائم، والحكمة في إختيار التكتيك السليم، والحسابات الصحيحة للنتائج المتوقعة في ظروف السلم أو المجابهة المسلحة، وكل إحتمالات أخرى يمكن توقعها..!


يتقدم على رأس كل هذا المشترطات النظرية والمفترضة، والتي لا تتطلب كثيراً من الحدس والإجتهاد،  موقف الشعب الفلسطيني من كل ما تقدم، وبالذات موقفه الموحد من تحديد قضيته المركزية، والتي ينبغي إبتداءً الإجماع الوطني عليها ، وموقفه هذا، هو في مقدمة أي إفتراضات أو خطط تسعى لها جهات أخرى، إقليمية كانت أم دولية..!


فما ينبغي أن تفرضه الحالة الرسمية والشعبية للواقع الفلسطيني، والتي تجد تجسيدها في تشكيلة (منظمة التحرير الفلسطينية)، وممثلتها الشرعية الفلسطينية القائمة الآن، من كونها الجهة المعترف بها عربياً ودولياً، والطرف الوحيد الممثل للشعب الفلسطيني، هو أن يكون النظر اليه من خلال ما تقرره (الشرعية الوطنية) من سياسات إستراتيجية أو تكتيكات منهجية،  وكل ما تتخذه من إجراءات تنفيذية، أو ما ترسمه من بيانات وخطط تفصيلية، سواء على صعيد المفاوضات، أو العلاقات العربية والدولية، وأن يجري كل ذلك في إطار ما يعزز وحدة الصف الداخلي، ويحقق الإجماع الوطني، ويوحد الحالتين الشعبية والرسمية، وراء الشرعية الوطنية في مواجهة سلطة الإحتلال..!


وإنطلاقاً من هذه البدهية السياسية، وإرتباطاً بما هو عليه الوضع السياسي القائم في منطقة الشرق الأوسط عموما، وفي الساحة الفلسطينية على وجه الخصوص، يصبح من البدهي القول بأن موقع القضية الفلسطينية من هذا الوضع، يظل له مركز الصدارة الأولى من حالة الصراع القائمة في المنطقة، بل وحتى أهم محركاتها البنيوية على العموم؛ فمن خلال ما يمكن تصوره من إرهاصات الحالة الفلسطينية – الإسرائيلية، وتداعياتها المتوقعة مستقبليا، لا بد وأن ينعكس ذلك، إيجاباً أو سلباً على مجمل أوضاع دول المنطقة المجاورة، التي تعيش حالة الصراع نفسه ولكن بأشكال وصور مختلفة؛  فعلى سبيل المثال ، سوف لن تكون بمنجى من كل ذلك،  أي من الدول مثل لبنان والعراق ومصر وإيران وسوريا وغيرها من الجهات ذات المصلحة في أن يستمر فتيل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي مشتعلاً دون توقف..!


فمن تجليات الصراع القائم في مختلف تلك البلدان، يلحظ المراقب ما تحتله (القضية الفلسطينية) بالنسبة لأطراف الصراع هناك من أهمية إستثنائية لا يمكن تجاهلها، حيث تدخل أو تستخدم تلك (القضية) كأحد "الشعارات التعبوية" التي تتمسك بها أطراف الصراع، لا من زاوية الدعم المنزه الخالص، أو من موقف المحايد المستقل، ولا حتى من جهة التأييد والتضامن الأخوي الصادق في أضعف الإيمان، بقدر ما هو_ وفي الغالب الأعم_ إهتمام تفرضه حالة الصراع القائم نفسه بين بعض أطراف ذلك الصراع، ولعل من تجلياته الواضحة المعالم، ما تفرضه حالة الصراع الإيراني _ الأمريكي وتداعياتها على مجمل الحالة السياسية والإجتماعية في الشرق الأوسط، ومنها الحالة الفلسطينية الداخلية، من تأثير، ونفوذ سلبيين في معظم تجلياتها، على مسيرة النضال الفلسطيني ..!


فليس من باب المصادفة أو المبالغة القول؛ بأن ما إستهدفته قناة الجزيرة العربية في قطر أخيرا، من نشرها الى "وثائق" مفترضة عن المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية المباشرة، والتي توجه من خلالها الإتهام الى السلطة الشرعية الفلسطينية بالتفريط بحقوق الشعب الفلسطيني، في أمور ذات حساسية بالغة بالنسبة للشعب الفلسطيني، مثل الإستيطان والقدس الشرقية؛؛ تلك الإتهامات التي جرى نفيها على الفور من قبل السلطة الفلسطينية وإستنكارها من قبل الرئيس الفلسطيني، وكافة الأطراف الوطنية الفلسطينية الأخرى، إلا منظمة حماس الإسلامية في غزة، التي رقصت لها وجعلت منها ورقة جاءت في وقتها لتعزيز هجومها المستمر ضد السلطة الشرعية الفلسطينية، وتأكيد موقفها الرافض للمفاوضات المباشرة الفلسطينية – الإسرائيلية..!


نقول إن ما إستهدفته قناة الجزيرة من وراء نشرها لتلك " الوثائق " المفترضة عن المفاوضات، وفي هذا الوقت بالذات، حيث أخذ الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، يأخذ إتجاهاً أكثر واقعية وموضوعية من القضية نفسها، وحيث بات الإعتراف بالدولة الفلسطينية طبقاً لقرار الشرعية الدولية وإستناداً لجهود ومثابرة السلطة الفلسطينية، ومرجعيتها منظمة التحرير الفلسطينية، يأخذ منعطفاً عملياً على المستوى الدولي، بإعتراف ما لا يقل عن سبع دول بالدولة الفلسطينية؛  فإن هذا الإستهداف لا يخرج في مراميه،  وبالإقتران بالترحيب الكبير الذي أظهرته منظمة حماس الإسلامية من غزة، عن عملية تقويض لكل ما حققته جهود الشرعية الفلسطينية من نجاحات ملموسة على الصعيد الوطني والدولي، وفي مقدمتها هذا الإنعطاف الكبير في موقف العديد من الدول من القضية الفلسطينية؛ التقويض الذي تحاول قناة الجزيرة أن تزرعه في نفوس الشعب الفلسطيني من خلال نشر بذور التشكك والريبة في إخلاص قيادته الوطنية الشرعية وإضعاف الثقة برجالات الوفد الوطني الفلسطيني المفاوض، والإصطياد في مياه الإنقسام الفلسطيني الداخلي العكرة، لتعميق جرح الشق الوطني، وإشغال فصائله الوطنية في إحتراب داخلي وهمي، يكون المنتفع الوحيد منه في النهاية، الطرف الإسرائيلي وحكومة نتنياهو – ليبرمان اليمينية العنصرية..!؟


ولكن مما يسر في المقابل، وما يرد السهم الخائب الى نحر من رموه من القائمين على إدارة قناة الجزيرة "العربية" ومن يوحي لهم بالتعرض بالسوء  لنضال الشعب الفلسطيني البطل وقيادته الجريئة، هو ذلك الموقف الموحد الذي واجه به الشعب الفلسطيني تخرصات قناة الجزيرة "العربية" ومزاعمها المرفوضة، ورفضه لإيحاءاتها المسمومة، ووقوفه وراء قيادته الشرعية (منظمة التحرير الفلسطينية) وممثلها السلطة الوطنية الشرعية برئاسة المناضل الوطني الفلسطيني السيد محمود عباس..!


إن ما أقدمت عليه قناة الجزيرة "العربية" كان خائباً ولم يكن موفقاً في جميع الحسابات بأي حال من الأحوال، ولا يخرج في كل جزئياته عن ما تمت الإشارة اليه فيما تقدم، من حالة إستغلال نضال الشعب الفلسطيني، و(القضية الفلسطينية) نفسها، كورقة ضغط بيد تلك القوى والجهات التي تخوض الصراع في المنطقة ولها من وراء إذكاء نار النزاع الفلسطيني _ الإسرائيلي، ما يخدم مصالحها في ذلك الصراع؛ ولكن كل هذا قد إصطدم بصخرة  وعي الشعب الفلسطيني الناجز، وتلاحم قياداته وفصائله الوطنية في منظمتها الصامدة (منظمة التحرير الفلسطينية)، وسيكون أول من ستصيبهم خيبة الأمل القاتلة، هي حكومة نتنياهو – ليبرمان العنصرية، وكل من يبني على تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني الباسل من أوهام وأضاليل..!
26/1/2011   


           



   
     

 
   

 


160

العراق : الأطياف الدينية وخطر الإِنحلال..!

باقر الفضلي

إن ما يلحق الطيف الديني المسيحي في العراق من إستهداف مقصود خلال السنوات السبع الإخيرة، وما يتعرض له ابناء هذا الطيف من إنتهاكات وتجاوزات وإعتداء صارخ طال وجودهم كأحد المكونات الدينية الصغيرة على صعيد الوطن العراقي، لا يمكن أن يستغفل اللبيب أو ينسيه، حقيقة أن جميع الأطياف الدينية في العراق وأحدها الطيف المسيحي، إنما تعود مجتمعة، كبيرها أو صغيرها من حيث معتنقيها، الى مختلف المكونات العراقية البشرية القاطنة حوض وادي الرافدين، والتي تشكل في إطارها العام ومحتواها، النسيج الإجتماعي الموحد للشعب العراقي، الذي إكتسب تسميته من إلتصاقه الجغرافي والتأريخي عبر عصور طويلة من الزمن، بوادي الرافدين العريق في قدمه، ومن هنا فإن أي تصدع يصيب أي من تلك المكونات مهما صغر حجمه العددي، سيلقي بتداعياته السلبية على المكونات  الوطنية الأخرى..!


ولا أظن أن عراقياً مهما كان معتقده الديني أو إنتمائه الإثني، لا يدرك حقيقة أن معتنقي الطيف الديني المسيحي في العراق، هم جلهم من أبناء المكون الوطني العراقي المعروف (الكلداني الأشوري السرياني)، حيث لعب صغر المكونات الإثنية التي يطلق عليها تجوزاً الأقليات القومية، ومنها المكون المذكور، قياساً بالمكونات الإثنية الكبيرة الأخرى مثل العربية والكوردية والتركمانية، دوره في أن تغلب التسمية الدينية لأي طيف منها على التسمية الإثنية، وذلك إرتباطاً ومقارنة بالأكثرية من أبناء الطيف الديني الإسلامي على سبيل المثال، حيث إعتاد الناس إطلاق التسمية الدينية (المسيحيين) على سبيل المثال، على ابناء المكون الكلداني الآشوري السرياني، إضافة لأسباب تأريخية ترجع في قدمها لبدايات الفتح العربي الإسلامي للعراق؛  في وقت يمتلك فيه جميع ابناء هذه المكونات ، أقلية كانت أم أكثرية، الحق الكامل والطبيعي بإعلان عراقيتهم، وحيازة جنسية الوطن، التي تعني حق العيش المشترك سواسية في حياض وادي الرافدين، بما فيها من يرجع في أصوله التأريخية الى العراق القديم، أومن عاصر وجوده منها بدايات الفتح العربي الإسلامي؛  فليس هناك من مكون طاريء على النسيج الإجتماعي العراقي بمكوناته الحالية، التي تُشكل مجتمعة، نسيجَه الإجتماعي المعاصر ولقرون خلت، ما يخل بهذا التوازن الأنثروبولوجي الإجتماعي القائم على مبدأ التعايش المشترك، والمقرون بالسلم الإجتماعي المتبادل..!


فالحملة الإرهابية التي تستهدف اليوم، المكون القومي (الكلداني الآشوري السرياني) العراقي الأصيل والعريق في الوجود، في إطار عقيدته الدينية المسيحية وإختزال وجوده في ذلك الإطار، لا تبتعد كثيراً عن خطة مرسومة هدفها إجتثات المكون المذكور من جذوره الوطنية العريقة في أصولها العراقية، في عملية تطهيرية عنصرية، لا تختلف في الكثير من أبعادها وأدواتها وتوجهاتها، عما تعرض له العراق عام1846_ 1948 حين تم يومذاك، تهجير الألوف من العوائل العراقية الأصيلة من ذات الطيف الديني اليهودي ، بعد تعريضها لحملات واسعة من التنكيل والترويع، شملت مدناً عديدة في البلاد، حيث يقطن العراقيون من أبناء تلك الطائفة، تم بعدها إسقاط جنسيتهم العراقية، والدفع بهم خارج الحدود، في عملية مدروسة ومخطط لها بإتقان، لتفريغ العراق من مكونه المذكور، حيث كان فيها للمنظمات الصهيونية العالمية دور بارز وفعال..!


إن إستهداف المكون العراقي (الكلداني، الآشوري، السرياني) اليوم، ومن خلال التصدي المباشر له، بإستهداف رموزه الدينية والثقافية، وآخرها ما تعرضت له جمعية (آشور بانيبال) من تعد صارخ ومن سرقة لآثاثها(*)،  ينبغي أن لا ينظر اليه وكأنه موجه فقط الى الطيف والمعتقد الديني حسب، بقدر ما يستهدف في جوهره أبناء المكون القومي للطيف المذكور، كوجود إثني عراقي أصيل، والدفع به لترك البلاد، وإخلائها من الثقل الإجتماعي الذي يمثله المكون المذكور على الصعيد الوطني، بكل ما يعنيه ذلك من تقويض لوحدة الشعب العراقي عموماً، وإضعاف لقدراته الإقتصادية والثقافية، وتدمير ودرسٍ لمعالمه الحضارية التأريخية..!


فالكنيسة والمعبد والرمز الديني، ليست بذاتها ولذاتها هي المستهدفة من وراء كل هذا الإرهاب ومَنْ وراءه، بقدر ما هي إلا وسائل وأدوات تستخدم من قبل من يصنع الإرهاب الغاشم بهدف ترويع المواطنين وزرع الخوف والقلق في نفوسهم، وخاصة تلك الفئات البسيطة من الناس من المؤمنين والمتدينين من أبناء الطيف المسيحي من الكادحين، وحصرهم في زاوية ضيقة، لا يمتلكون من خلالها غير الهروب بجلودههم طلباً للنجاة، مثله ما حل ولا يزال يحل، بأقليات دينية أخرى كالمندائيين والإيزيديين حيث إنحسر وجودهم الفعلي في أرض الوطن الى نسب ضئيلة..!؟


 وبذلك يصبح من اليسير للمخطط الإرهابي أن يصل الى مبتغاه المرسوم بحنكة ومقدرة بالغين، بعد أن أدرك مستوى الضعف الذي تعانيه القوات الأمنية، وبعد أن جرى إختراقها في أكثر من محاولة سابقة وفي أكثر من مكان، من جهة، وما يشهده المرء من إندفاع بعض سلطات المحافظات ومنها بالذات مجلس محافظة بغداد، وتحت غطاء الدين الذي لا يسوغ ما تقوم به تلك السلطات، من ملاحقة الحريات العامة التي كفلها الدستور والتضييق عليها، وآخرها إقتحام مبنى الإتحاد العام للكتاب والأدباء للمرة الثانية، ومهاجمة جمعية (آشور بانيبال) الثقافية، وذلك بذريعة الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يعطي فرصاً سانحة للإرهاب لتفعيل خططه الإجرامية، في وقت تكون فيه القوات الأمنية منشغلة في "صولاتها الفروسية" للتحري عن "المنكر" في النوادي الإجتماعية والثقافية، وهذا ما تمت الإشارة اليه في مقالات سابقة، من جهة أخرى..!؟ (**)


فمن هي يا ترى، الجهة المستفيدة من وراء كل ذلك..؟! ولماذا يتواصل إستهداف المكونات الإثنية الصغيرة، من ذوي الأطياف الدينية المسيحية والمندائية ومن الشبك والأيزيديين، في وقت باتت فيه مقاصد وغايات ذلك الإستهداف لا تذهب بعيداً عن سياسة تفريغ العراق من مكوناته الوطنية العريقة في القدم واضحة للعيان..؟!


 أليس من بديهيات الكلام بعد كل هذا الوقت الطويل من عمر تجربة العراق "الجديد"، أن تتحدد الأجوبة في إطرها الدستورية والقانونية، وفي حدود مسؤولية الدولة في ضمان حماية الأقليات الدينية، طبقاً لمبدأ المواطنة الذي كفله الدستور، وأن يجري التعامل مع وجود تلك المكونات الوطنية وفقاً لهذا المبدأ الدستوري، لا وفقاً لنظرية العزل العنصري داخل الوطن الواحد حسب مفهوم الأكثرية والأقلية، وفي محاولة لخلق "كونتانات" ذات طابع ديني منغلق، وبذريعة توفير "الحماية" لتلك الأقليات الدينية، لعزلها عن وسطها الإجتماعي العراقي العام، الذي إعتادت العيش والنمو والإزدهار في كنفه خلال كل حقب التأريخ على إمتداده الطويل، وبالتالي تفريغ المدن والقصبات العراقية من مكوناتها الإثنية االصغيرة، وتمزيق اللّحمة الإجتماعية العراقية الواحدة، وتشطيرها على أساس من العزل العنصري الديني والطائفي، وحصر تلك الأقليات في "كونتانات" صغيرة مبنية وفقاً لهذا الأساس، في وقت يوجب فيه الدستور تأمين الحياة الطبيعية لآبناء تلك الأقليات حيث هم موجودون في أرجاء الوطن، سواء كانوا أفراداً أم جماعات..!!؟؟


إن الخطر الذي يحدق بوجود الأقليات الدينية – الأثنية الصغيرة على إختلاف أنواعها في العراق، ويهدد بتلاشي هذا الوجود، هو أكبر من أن يستدعي الإستنكار وتقديم العون والمساعدة حسب، بقدر ما يُحمل الدولة بكافة سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، ناهيك عن تيارات القوى والأحزاب المنخرطة في فلك العملية السياسية، وبالخصوص منها من تمسك بمقاليد الحكم، كامل المسؤولية الدستورية والتأريخية والأخلاقية، عن تداعيات ما حل ويحل وما سيحل بمصير تلك الأقليات العراقية من تمزق  وتشتت وإنحلال، وما يستتبعه  ذلك من تدهور منظومة القيم الأخلاقية على صعيد المجتمع العراقي، وفي مقدمتها روح التآخي والتعايش المشترك بين الآديان والقوميات المختلفة، ومن ردود الفعل السلبية والتصدعات النفسية على صعيد الأجيال القادمة..!!؟؟
________________________________________________________________________(*)  http://www.al-daawa.org/main/index.php?option=com_content&view=article&id=676:2011-01-19-09-02-46&catid=1:news-polatic&Itemid=7
                                (**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=239470


 


 
     





       
 

161
تونس: وهكذا إنتصر الشعب..!
باقر الفضلي

لقد أثبت الشعب التونسي بإنتفاضته الجبارة، بأن الشعوب قادرة أن تطيح بمستبديها، متى ما توحدت كلمتها، وهذا ما أثبتته الشرارة الأولى التي أوقدها الشهيد الثائر محمد البو عزيزي، التي ألهبت غضب الشعب ليعصف بكل جبروت الطاغية الذي تربع على عرش السلطة ثلاث وعشرين عاماً كأي فرعون حكم بقبضته الحديدية على رقاب الناس، مؤسساً لنظام دكتاتوري، قمع حريات الناس، وقيد حرية التعبير، وزج معارضيه في السجون، وغير الدستور للبقاء في دست السلطة لفترة أطول، متنكراً لكل أصوات الإحتجاج والإستنكار على نظام العسف والإضطهاد، الذي أغرق الشعب فيه طيلة فترة وجوده في السلطة، ليصبح وجوده جزءً لا ينفصل عن بنية نظام متكامل من الفساد، وإهدار حقوق الإنسان على مستوى كامل مؤسسات الدولة..!!؟


لقد أدرك الشعب التونسي العظيم بكل نخبه وطلائعه المثقفة وجماهيرعماله وكادحيه، بأن الشرارة التي أشعلها الشهيد محمد البوعزيزي بإحراق نفسه إحتجاجاً على طغيان الإستبداد، لا يمكن لها أن تنطفيء عند حدود الأوضاع الإقتصادية المتردية وعند حدود حاجات اليوم الإستهلاكية، كما وليس فقط عند حدود مستويات البطالة المتفاقمة، بل أدرك هذا الشعب الذي صبر كثيراً وعانى كثيراً تحت عنت وإستبداد نظام الإستبداد الفرعوني تحت رئاسة زين العابدين بن علي، بأن مأساة حياته بكل جوانبها، إنما هي نتاج تداعيات النظام السياسي الدكتاتوري الإستبدادي، الذي أسست له وقادته الطغمة العسكرية بقيادة زين العابدين بن علي منذ عام 1978 وحتى تأريخ هزيمتها في الرابع عشر من كانون الثاني/2011 ، ليجد أن لا مناص أمامه غير مواصلة المسيرة النضالية التي إجترح أول خطواتها الشهيد محمد البو عزيزي، وأن يلقي الى مزبلة التأريخ رمز نظام الإستبداد الذي ولى هارباً أمام هدير إنتفاضة الشعب الباسلة، جاراً وراءه  إذيال الخزي والخذلان..!

لقد إنتصرت إنتفاضة الشعب التونسي الرائعة بجدارة وإصرار وعزم كبيرين، لتلقن من الدروس البليغة، كل من يساوره الشك بقدرة الشعوب وقوة إرادتها، وكل من يستهين من الحكام ومن المتسلطين على رقاب شعوبهم، بأن الشعوب ومهما جار عليها زمن الإستعباد وطغيان الإرهاب، لا تغفر يوماً لمذليها ومستعبديها ما إرتكبوه بحقها من صنوف الإذلال ومن جرائم الإضطهاد وإهدار الكرامة..!؟

لقد هزم الشعب التونسي، بلحمة فصائله الوطنية، وتعاضده ووحدة كلمته، وتضحياته الدموية الجسيمة، النظام الدكتاتوري، وأن يرغم الدكتاتور على الإنهزام، ليحقق في الرابع عشر من كانون الثاني/2011 الخالد، الحد الفاصل بين الكدتاتورية الغاشمة، وبين بداية وضع أسس بناء الدولة الديمقراطية، دولة الحرية والعدالة والمساواة..!

وإبتداء من هذا اليوم تكون معركة الحرية والديمقراطية في تونس، قد إبتدأت، وإن مخاضها سيكون أصعب وأقسى، ومتطلباتها ستكون أعظم وأكبر مما يعتقده البعض، فهي ستكون صراعاً لا يتوقف بين مخلفات الدكتاتورية من عسف وظلم وجور وفاقة ودمار إقتصادي وكبت للحريات وإضطهاد لحقوق الإنسان، وجميعها لا زالت تلتحف بثقافة الدكتاتورية وبقاياها من مخلفات قوى النظام المهزوم، وبين أمل واعد للبناء والتعمير وإطلاق الحريات العامة، وتثبيت أسس الديمقراطية كنهج في الحياة السياسية والإجتماعية، وفي مقدمتها إطلاق حرية المرأة السياسية والإجتماعية، وكل ما يصب في مسيرة تعزيز كرامة الإنسان، وما يدفع الى  كنس مخلفات الإستبداد والطغيان..!

إن أمام طلائع وقيادات الشعب التونسية الوطنية، الكثير من المهمات الوطنية التي لا ينبغي أن تنتهي بأنصاف الحلول، والتي تستلزم تمتين وحدة الصف الوطني وإشاعة ثقافة التلاحم الإجتماعي ورص الصفوف، للحفاظ على المكتسبات الكبيرة التي حققها الشعب التونسي العظيم، والتي تجلت بالهزيمته النكراء للدكتاتورية وكل من كان يراهن على إستمرارية بقائها..! 

فهنيئاً للشعب التونسي العظيم بإنتصاره الجبار، وتظل دماء محمد ابو عزيزي الطاهرة، ملهماً أبدياً لكرامة الشعوب، ورمزاً خالداً للنضال والحرية..!
14/1/2011
   

   
   

162
المنبر السياسي / جمرات الأمس..!
« في: 19:13 30/12/2010  »

جمرات الأمس..!

باقر الفضلي

بغدادْ ياجَمراتَ الأَمسِ حَياكِ
يا جارةَ النَهرِ ما أَحلى مُحياكِ

كُُنا إِليكِ كإِطْلالِ النَدى أََمَلاً
وكُنتِ فينا رَبيعاً زانَ ذِكْراكِ

كَمْ شاقَ فينا النَوى سَعراً فنُخْبِئُه
وكَمْ سَقَـتْنا الحُميا جَمرَ مَـلْقاكِ

ما ضَرَّنا لو نَشدنا الشَوقَ ملْحَمةً
وأضمَرتْ في الحَـنايا  سِرَ نَجْواكِ

لَهفي عَـليكِ ولهفُ الآخرينَ جَوىً
لو كان يُجدي ضرامُ الوَجدِ بَـلواكِ

***

بغدادْ ما هَـزَنا حلمٌ ليوقِضُـنا
يوماً، ولا  دانَ  للإِذعانِ مثلاكِ

صبراً وما مَـلكَتْ نَفسٌ دواخِلَها
كنا نَرى البَينَ في أَعْطافِ مَسراكِ

نَخشى عليكِ نَسيمَ الريحِ عابرةً
فكيفَ نأتَـمِـنُ "السِرحان" يَرعاكِ(*)

يَبغي بكِ العاشِقُ الولهانُ مأمَـنُهُ
وتُطفيءُ الوالِهَ الضَمئانَ رَيـاكِ

للهِ دَركِ يا بغدادْ مِنْ شَجَـنٍ
ما أجملَ الصبحَ في أَصداءِ مَغناكِ

***

كُنا خَبِرناكِ نَجماً ساطِعاً أَلِـقاً
تَرنو اليكِ قُـلوبٌ وهي تَهواكِ

ما حلَ فيكِ وما يأتيكِ مِنْ كَدَرٍ
غمامةٌ ساقَها مَنْ شاءَ ضراكِ

ناخَتْ وإذ تَنجلي يَوماً مُهروِلةً
ويُسفِرُ الصبحُ وضاءً مُحَـياكِ

تَرمينَ عنكِ وِشاحَ العُـتمِ مُسفرةً
للناظِرينَ ضُحىً في يومِ عَـلياكِ

بغـدادْ يا أَمَـلَ المكْظومِ في أَملٍ
تُشْدى أغانيهِ في أَجواءِ لَيـلاكِ

***

شَوقاً أناديكِ يا بغدادْ مُـذْ بَزَغَتْ
شَمسُ المَحبَّةِ في أَطْرافِ مَرماكِ

في "دجلة الخير" حيثُ الماءُ يَحْضِنُنَا
ويَقْـتَسـمْ ظِلَّـَنا في جُرفهِ الباكي

صغْـنا أناشيدَكِ العَصماءَ في جَذلٍ
غَنى بها الجِسْرُ بالألحانِ ناداكِ

وزَغْرَدَتْ ناعِساتُ الطَرفِ فَإنْتَفَضَتْ
لَواعِجُ القَـلبِ مُـذْ مَسَتْ ثَـناياكِ

أَمسُ الذي صاغَه كانونُ وإرتَسَمَتْ
أوراقُهُ أثراً في حُسنِ  سيماكِ
***
***
***
***
31/12/2010
_____________________________________________________________________
 (*) السِرحان : الذئب







 




   








 




















 







   








 




163
فلسطين: ليبرمان والرقص على الحبال..!

باقر الفضلي

يبدو أن السيد ليبرمان بوصفه وزير خارجية دولة إسرائيل، قد وجد نفسه وكأنه يمتلك "كامل الحقوق" التي تبيح له قول ما يريد؛ حد الإستباحة والخروج على قيود اللباقة الدبلوماسية والعرف الدبلوماسي؛ في توصيفه للدول والمنظمات الدولية بما فيها تلك التي لها تمثيل دبلوماسي في منظمة الأمم المتحدة، كمنظمة التحرير الفلسطينية، بما طاب له من التوصيفات التي اقل ما يقال عنها؛ بأنها لا تليق أن تصدر من رجل دبلوماسي  يمثل دولة تميز نفسها عن غيرها؛ بأنها أكثر "ديمقراطية" من الآخرين، رغم عدوانيتها وإغتصابها حقوق الشعوب وإحتلال أراضي الغير، بل وأبعد من ذلك في ممارستها قتل الأطفال والنساء العزل والشيوخ وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، وإخلاء المباني من قاطنيها الأصليين وترحيلهم بعيداً عنها، وإقامة بدلها أخرى لمواطنيها من الإسرائيليين، وزرعها كمستوطنات في الجسد الفلسطيني..!؟

وبكل غطرسة وإستكبار ظالمين، تستغفل إسرائيل المجتمع الدولي معلنة ليل نهار، بأنها جادة في إنجاز خطة قيام الدولتين وإستعدادها للإعتراف بالدولة الفلسطينية وفق ما رسمته الأمم المتحدة وطبقاً للمبادرة الأمريكية، من خلال إستعدادها العودة مجدداً للمفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية، التي وأدتها وهي لم تزل بعد في المهد، مترجمة ذلك بالإستمرار بإيغالها عميقاً في عملية الإستيطان في الضفة الغربية، ومواصلة إعمال تهويد القدس الإستفزازية، لتنبري في آخر المطاف معلنة ومن خلال وزير خارجيتها السيد ليبرمان المعروف بخطابه العنصري مساء الأحد 26/12/2010، في لقاءه مع سفراء الدولة العبرية، موقفها المتنكر لتلك المفاوضات المباشرة، بل وبصلافة معهودة وغطرسة مرفوضة يعلن السيد ليبرمان بأن  [["السلطة الفلسطينية غير معنية بالتفاوض مع إسرائيل"، مضيفاً أنه "حتى لو اقترحت إسرائيل الانسحاب إلى حدود عام 1948، فإن الفلسطينيين سيجدون تبريراً لعدم التوقيع على اتفاق سلام معها" ]] ..!

وتبريراً لما يدعيه، يذهب الوزير ليبرمان لأبعد من ذلك، ملقياً وزر وقف المفاوضات وفشلها على عاتق السلطة الفلسطينية، من خلال فبركة يرفضها واقع الحال، حينما يحاول الرقص على حبال الشأن الداخلي الفلسطيني، رامياً الكرة الإسرائيلية الزئبقية، في فضاء الساحة الفلسطينية، من خلال تعميق الشرخ الداخلي للإنقسام الفلسطيني، ودق إسفينه في عمق الخلافات الوطنية الفلسطينية، حينما ينبري بوصفه للسلطة الفلسطينية بأنها: [[ كيان غير شرعي خسر الانتخابات، ويرفض إجراء انتخابات جديدة خوفاً من فوز (حركة المقاومة الإسلامية) حماس"، التي تفرض سيطرتها على قطاع غزة.]]، في نفس الوقت الذي يحاول فيه دس السم في العسل، وبإستخدام سلاح الترغيب والتهديد، لكل من الأطراف الفلسطينية، التي ليس أمامها من طريق آخر لمواجهة العنصرية المتصاعدة للحكومة الإسرائيلية، غير التوصل الى تفاهمات مشتركة على طريق المصالحة الوطنية وتعزيز لحمة وصمود السلطة الفلسطينية، أمام العنت الإسرائيلي..!

وليس هناك من عاقل لا يمكنه قراءة حقيقة ما تبطنه تصريحات السيد ليبرمان الإستفزازية، من تلميحات وإشارات وغمزات، كلها توحي للسامع بما يعنيه قول المثل المأثور " اياك أعني وأسمعي ياجارة"، مما يدفعنا للقول بأنه لم يعد بعد في القوس من منزع، أمام القوى الفلسطينية الوطنية من توحيد موقفها السياسي، في وقت تندفع فيه  دول العالم الواحدة تلو الأخرى بإعلان إعترافها بالدولة الفلسطينية، الأمر الذي أثار فزع وصخب السيد ليبرمان لتأتي ردة فعله مضطربة وفاقدة لتوازنها، حتى على الصعيد الدبلوماسي في رده المنفعل على الحكومة التركية، مما دفع بحكومة السيد نتنياهو التنصل من تلك التصريحات، وإعتبارها لا تعبر عن رأي الحكومة، بل تمثل رأي ليبرمان لوحده...!!؟(*) 
(*)   http://arabic.cnn.com/2010/middle_east/12/26/israel.liberman/index.html



 


164

العراق: الحريات والحقوق المدنية في ظل حكومة "الشراكة الوطنية"..!2_2

باقر الفضلي

بعد أكثر من ثلاث عقود من الإستبداد، والحرمان من الحريات والحقوق المدنية، التي تصون كرامات المواطنين وتحافظ على حرياتهم الشخصية، وتضمن لهم الأمن والأمان على صعيد الواقع، إنتظر الجميع أن يكون لهم من الدساتير، دستوراً يحقق لهم كل هذه الأمنيات، وهي في حقيقتها عبارة عن واجبات أساسية مصدرها (العقد الإجتماعي) يسطرها الدستور، وما على الدولة ممثلة بسلطة الحكومة، إلا الحرص على ضمان تطبيقها، وإشعار المواطن الفرد، بأن هناك من يقوم على السهر بإيصالها اليه بغض النظر عمن يكون، وإشعاره أيضاً بأنه يمتلك كامل الحق بمقاضاة كل من يحول بينه وبين تلك الحقوق والحريات، مهما كانت درجة منزلته في الدولة أوالمجتمع؛ ومن هنا كانت تجربة ما تحقق للمواطن العراقي في العام/ 2005 عندما تم تشريع الدستور الدائم الحالي وجرى التصويت عليه، رغم كل ما قيل ويقال بشأنه، حيث أصبح المواطن العراقي اليوم يمتلك دستوراً يمكنه الرجوع اليه إذا إقتضى الأمر وأنى شاء، ولكن ومع كل ما أنجز بهذا الشأن، يبقى أمر الرجوع الى هذا الدستور والإحتكام اليه وآليات تفسير نصوصه، هي الإشكالية التي تواجه الجميع..!


فلأيام خلت وعلى سبيل المثال، أقدم مجلس محافظة بغداد في السادس والعشرين/ تشرين الثاني/2010 ، على إجراء تنفيذي تم بمقتضاه، غلق النوادي الثقافية والإجتماعية واالملاهي ومحال بيع المشروبات الكحولية، مما إستدعى ردود فعل منتقدة إتخذت أشكالاً متعددة، منها ما كان على الصعيد الإعلامي، ومنها ما إتخذ شكل التحشد والتظاهر الجماهيري ضد إجراء مجلس المحافظة المذكور..!؟(*)


ومع إستمرار السجال الكلامي بين الناقدين لإجراء مجلس المحافظة، وردة فعل رئيس المجلس في دفاعه عن الإجراء، أن أختزلت المسألة وجرى تكييفها؛ بأن الأمر لا يتعدى كونه مجرد تفعيل لقرار سابق صادرمن مجلس قيادة الثورة المنحل برقم /82 عام/1994 أثناء "حملته الإيمانية"، يقضي بغلق محال بيع المشروبات الكحولية والملاهي الليلية، وبالتالي فهو ينصب فقط على تناول المشروبات الحكولية، ليمثل فيه مجلس المحافظة بمثابة لجنة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).


•    في البداية يمكن الإشارة هنا الى أن مجلس المحافظة، بإعتباره منتخباً، لا يمثل فقط الأغلبية الاسلامية لسكنة بغداد حسب، بل إنما يمثل جميع أبناء محافظة بغداد، بمختلف ألوان أطيافهم الدينية، وبالتالي فإن مرتادي تلك النوادي المغلقة حاليا، يمتون بصلة الى سائر تلك الأطياف الدينية بما فيها الأغلبية الإسلامية، التي قصد المجلس المحافظة على هويتها الدينية. ومن جانب آخر، فالإغلاق هنا يمثل الحيلولة بين المواطن وإرتياد تلك الأماكن، وبالتالي فالمقصود والمستهدف والمتضرر الوحيد من إجراء مجلس المحافظة، هم مرتادو تلك النوادي على إختلاف مضاربهم، وتنوع تصنيفات الأماكن التي يرتادوها. بمن فيهم مَنْ لا يرتادها لأغراض " تناول" المشروبات الكحولية، ومن هنا جاء إجراء محافظة بغداد شمولياً وصب في  نفس الإتجاه الذي توخاه في حينه قرار مجلس قيادة الثورة المنحل ب"حملته الإيمانية"، حيث إختلط الحابل بالنابل، وجاءت النتائج غير محمودة العواقب، أوعلى حد قول الشاعر:

(تالله ما إقتيد زيد بإسم زائدة     ولا إبتلى عامر والمبتغى عمر).


•   فالعراق وطبقاً لأحكام الدستور الدائم، بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، يشكل فيه الطيف الإسلامي الغالبية من الشعب العراقي، وكان ينبغي وإنطلاقاً من هذه الحقيقة أن يجري التعامل مع شأن الحريات والحقوق المدنية للمجتمع العراقي وفق الأطر التي رسمها الدستور، بعيداً عن تكييف نصوص الدستور وتوظيفها وفقاً للإرادات والمصالح الذاتية الخاصة.     


وإستطراداً مع ما تقدم، وطبقاً للدستور العراقي/2005، الذي يعلن الجميع تمسكهم ببنوده، فإن أي توصيف خارج حدود ما تمت الإشارة اليه، بهدف دعم إجراء مجلس المحافظة، لا يجد له سنداً دستورياً فيما يجري وصفه، إلا بالحدود التي ذكرها الدستور والتي بيناها أعلاه، فالهوية الدينية من حيث الأصل تعني هوية الشخص أو تلك الطائفة من الشعب الذي يعتنقها، وليس هوية البلد الذي يقطنه ذلك الشخص أو تلك الطائفة،  وما أوضحناه فيما تقدم يلقي الضوء على تلك الحقيقة؛ كون العراق بلد متعدد الأديان والقوميات والمذاهب، وجميع قاطنيه هم مواطنون عراقيون، مهما إختلفت هوياتهم الدينية والمذهبية، تلك الحقيقة التي كان المؤمل أن لا تغيب عن إنتباه مجلس المحافظة، خاصة وأن أعضاءه من نفس النسيج الإجتماعي العراقي، وأن لا تدفع بهم الأمورعلى الصعيد الإجرائي والإعلامي، الى خارج حدود الإلتزام بأحكام الدستور نفسه..!


أما مايتعلق بحرية الإجتماع والتظاهر السلمي والتعبيرعن الرأي بكل الوسائل، وحرية الطباعة والإعلان والإعلام والنشر، فهي من الحريات التي أقرها الدستور الدائم في نص المادة/38،  وأناط بالدولة مسؤولية وضمان كفالتها وحمايتها وفقاً للقانون. ومن هنا يمكن القول بأن ما أقدم عليه منتقدوا إجراء المحافظة بإغلاق النوادي الترفيهية والثقافية الإجتماعية، من الإجتماع والتظاهر في شارع المتنبي، إحتجاجاً على ذلك الإجراء، لا يخرج في جوهره من إستخدام حرية قد كفلها الدستور، وأناط ضمان الحق باللجوء اليها وحمايتها بسلطة الدولة، بإعتبارها من الأركان الرئيسة للحريات العامة، وإحدى الوسائل الديمقراطية للمارسة السلمية التي يلجأ اليها المواطنون للتعبير عن الرأي.


كما ومن ظاهر الحال، فليس من المنطق أن يدعي البعض من مساندي قرار مجلس المحافظة، بأن النقد والإحتجاج، الذي أعلنه تجمع المتظاهرين من النخب المثقفة في شارع المتنبى، وتعرضوا بسببه الى سيل من التشويه والتخرصات والإتهامات الباطلة، بأنه  ينصب على مسألة "حظر الخمور" حسب، بقدر ما إنصب في الحقيقة شكلاً ومضموناً في الإحتجاج، على تقييد جوهر الحق والحرية التي كفلها نص المادة/46 من الدستور، متمثلاً بغلق نادي إتحاد الكتاب والأدباء تحت ذريعة تقديم المشروبات الكحولية، وهي ذريعة لا تتماشى في الواقع مع طبيعة الإحتجاج  ولا مع صفة المحتجين، ولا حتى مع خصوصية النادي المذكور..!؟


    فإذا كان الأمر يتعلق حقاً بمسألة "حظر المشروبات الكحولية"، كما حاول أن يفسرها مجلس المحافظة والمدافعون عن قراره آنف الذكر، وهو أمر على صعيد السياق التأريخي للحياة المدنية العراقية، قد بولغ به كثيراً،  لدرجة أن جرى فيه تسخير الدين كسلاح في المواجهة، في الوقت الذي تمتلك فيه الدولة وسلطتها، ما تيسر لها من الوسائل القانونية والقضائية المدنية، ما يحفظ للدين قدسيته،  ويبعده من أن يجري زجه في معارك، هو أسمى وأجل من أن يكون طرفاً  للخوض فيها.


  فليس صعباً أن يجد من حُرِّمَ عليه تناول تلك المشروبات، العديد من الوسائل والطرق للوصول اليها، وهو لعمري، أمر ليس خفياً على الجميع، ومن اليسر ما لا يحتاج كل هذه الضجة ولا كل تلك التبريرات، التي لا تصب حتى في ظاهرها العام، إلا في طريق تقييد الحريات والحقوق المدنية الشخصية التي كفلها الدستور، إن لم يك المستهدف والمبطن تحت ستار المكشوف من الإجراء في الحقيقة، هو التقييد لتلك الحريات نفسها، وهي خطوة تأتي مكملة للخطوات التي سبقتها والمتخذة من قبل محافظات البصرة وبابل، في تحريمها للغناء ومنع النشاط الفني المسرحي، أو تلك القرارات التي تعلن عن منع تدريس الموسيقى والفنون في المعاهد التدريسية أو رفع النصب والتماثيل الفنية من معهد الفنون الجميلة، أو العمل على فصل الذكور عن الأناث في الجامعات والمعاهد، لتبدو وكأنها جميعاً خطوات مدروسة في طريق تثبيت نهج معاكس لمباديء الدستور المتعلقة بالحريات المدنية ومباديء الديمقراطية وأسس بناء الدولة المدنية الديمقراطية الجديدة، وجميع  تلك الفنون تدخل في نطاق الثروة الثقافية للبلاد التي يفرض الدستور على سلطة الدولة حمايتها؛ في وقت تتعارض فيه جملة تلك الإجراءات مع نصوص ذلك الدستور..!


فعلى سبيل المثال، ومن قراءة سريعة للمنهاج الوزاري للحكومة الجديدة، الذي أقره مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ 21/12/2010 التي جرى خلالها تنصيب تلك الحكومة، وفي "فقرته/34" ، يمكن للمرء أن يتلمس وبعيداً عن التكهنات، بأن توجهات مجلس محافظة بغداد والمحافظات الأخرى كالبصرة وبابل، في موقفها من الفنون والثقافة عموماً، لم تأت من فراغ حسب، بقدر ما تجد سندها في مضمون منطوق  "الفقرة/34 " من منهاج الحكومة الجديدة، الذي يمثل دعماً صريحاً لذك الموقف، بل تأكيداً واضحاً على تثبيته، من خلال تفعيل القوانين النافذة، وهذا ما يشكل سابقة، سبق وأن إستند عليها مجلس محافظة بغداد في تفعيله للقرار 84/1994 آنف الذكر، وتحت نفس ذريعة "حماية المجتمع من الممارسات التي تتعارض مع الدستور وقيمه " الدينية " والآداب العامة " التي إعتمدها منطوق "الفقرة/34" من منهاج الحكومة الجديدة، والذي يصب من حيث تفسيره، في نفس إتجاه تفسير مجلس محافظة بغداد بشأن تبرير ما أقدم عليه من إجراءات، إن لم يك إشارة  معززة وداعمة لتلك الإجراءات، وهو بحد ذاته سلاح يحتمل مختلف التأويلات، ويمكن إعتماده لشتى الأغراض..!!؟


فأي نص قانوني إستند إليه مجلس محافظة بغداد، في تفعيله للقرار 82/1994 ، وهو بحد ذاته قرار تنفيذي آمر، لا يمكن التعويل عليه وحده في إعتباره تفسير مناسب لتطبيق نص المادة/46 من الدستور في حالة اللجوء الى تقييد الحريات والحقوق الشخصية التي أقرها الدستور، إذا ما كان القرار نفسه لا يمتلك صفة القانون وينقصه السند الدستوري الذي يدعمه كإجراء قابل للتنفيذ، كما وكيف يمكن التعويل عليه وحده، في تحديد طبيعة الممارسات التي تتعارض مع الدستور، كما وليس بعيداً عن هذا التوجه، منطوق "الفقرة/34" من منهاج الحكومة الجديدة، في محاولة منها لإعتمادها منطلقاً وأساساً لإجراءات قادمة تصب في نفس الإتجاه، ناهيك عن تفسيرات مجلس المحافظة والداعمين لإجراءاتها..؟!!


فالى أين يا ترى ستسير سفينة "العملية السياسية" بقيادة ربابنتها الجدد، وبتوجهاتها الجديدة..؟!
هل هي حقاً ستسير بإتجاه بناء عراق مستقل نيابي ديمقراطي إتحادي تعددي، وفقاً لما حدده الدستور في مادته الأولى،  أم ترى أنها ستسير بإتجاه بناء مقومات نموذج جديد لدولة دينية، وفقاً لتوجهات مجالس محافظات البصرة وبابل وبغداد الحالية، والتي يمكن إعتبار منطوق "الفقرة/34" من منهاج الحكومة الجديدة، أحدى دعائمها الأساسية، ودعوة مشجعة لمجالس تلك المحافظات وغيرها، في السير على هداها بإتجاه تقييد الحريات والحقوق المدنية..؟!  كما وليس من المغالاة القول؛ بأن تحجيم نسبة مشاركة المرأة في الحياة السياسية التي حددها الدستور ب25% ، في تشكيلة الوزارة الجديدة المعلنة، هي من بواكير الأمثلة لتلك التوجهات، ومؤشراً على النهج الذي يتقاطع مع مباديء الدستور في الديمقراطية، إن لم تك نكوصاً فاضحاً عن تلك المباديء. 


 إن هذا ما ستثبته مسيرة القادم من أيام العملية السياسية للكتل المشاركة في تشكيلة حكومة "الشراكة الوطنية"، وما سيؤول اليه برنامجها المعلن على صعيد التطبيق، في ظل الوظيفة التشريعية والرقابية لمجلس النواب، وعناية من أُنيطت بهم حماية الدستور طبقاً لنص المادة/67 من الدستور..!!
ومن البدهي القول؛  بأن آفاق مستقبل الحريات والحقوق المدنية، وهما جوهر الديمقراطية التي كفلها الدستور، يظل رهن نتيجة الصراع بين الإتجاهين المشار اليهما في أعلاه لمسيرة العملية السياسية، وجدية من يجدون في المشروع الوطني لبناء دولة مدنية ديمقراطية، بإعتباره الطريق السليم لمستقبل العراق، في واقعية تمسكهم بمضمون هذا المشروع على المدى المنظور لهذا الصراع..!     
___________________________________________________________________________________ (*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=237266     
           

 

   



165

العراق: أزمة الحكم بين المشاركة والشراكة..!

باقر الفضلي


قد يخيل للبعض بأن أزمة الحكم في العراق،  قد وجدت طريقها الى الحل السحري، جراء المبادرة التي خطها رئيس إقليم كردستان السيد مسعود بارزاني للخروج من الأزمة المستعصية للحكم في العراق، والتي إنتهت اليها إنتخابات السابع من آذار/2010  بعد ما يقرب من ثمانية أشهر من الأخذ والرد والسجالات والمفاوضات بين الكتل السياسية التي كتب لها الفوز في تلك الإنتخابات، فعلى الرغم من إجتياز الخطوة الأولى من تلك المبادرة، والتي تمثلت في إنتخاب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان وأخيراً تسمية المكلف بتشكيل مجلس الوزراء الجديد، فإن كل المؤشرات التي إستتبعت ذلك العبور، لا زالت لن  توحي بملامح الوصول الى النهاية المرجوة التي رسمتها تلك الخطوة التوافقية للخروج من نفق الأزمة، وذلك لأسباب وعوامل تكمن في الحقيقة، في تباين إتجاهات الكتل السياسية نفسها في النظر الى مفهوم السلطة، أو بمعنى آخر ما تمثله "السلطة" نفسها بالنسبة لكل كتلة من الكتل السياسية المتنافسة..!


فلا خلاف على أن جميع تلك الكتل السياسية المعنية بأمر الحكم والسلطة،  تعلن مجتمعة، بأن هدفها من وراء عملية التوافق التي جمعتها وراء خطوط مبادرة السيد رئيس الإقليم، لا يخرج في جوهره،  من إشراك جميع الكتل السياسية الفائزة في الإنتخابات في الحكومة القادمة، وبمعنى عام أن تشارك جميع "المكونات" المنتخبة في دست الحكم وفق خارطة توافقية لتوزيع الحصص الوزارية بين الفرقاء مجتمعين، وتحت ما يسمى "حكومة الشراكة"..!


ولكن وللوهلة الأولى، وحال إنعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، طافت على السطح وجهات النظر المتنافرة بين تلك الكتل السياسية البرلمانية، في فهمها لمبدأ (الإشتراك) في السلطة وفي قيادة دفة السفينة، حيث أفرزت الخطوات الأولى لطبيعة الإشتراك، أن هناك فهمين رئيسين  مختلفان، على أقل تقدير بين أكبر كتلتين برلمانيتين من الكتل الأربعة، يتمحوران حول مفهوم الإشتراك في السلطة أو ما يدعى ب "حكومة الشراكة" المنتظرة..!


 الفهم أو التفسير الأول، يرى بأن هذا "الإشتراك" يتمثل ليس فقط بالإشتراك بالحكومة حسب،  بل يتعداه الى الشراكة الحقيقية والفعلية في صناعة وإنتاج القرار السياسي،  أو بما يعني التقاسم الحقيقي للسلطة من خلال الحكومة ومجلس السياسات الإستراتيجية العليا، الذي ينبغي له هو الآخر، أن يمتلك من الصلاحيات التنفيذية، الموجب إقرارها بقانون من قبل مجلس النواب، ما يؤهله للعب مثل ذلك الدور..!


أما التفسير الثاني لمبدأ "الإشتراك" في الحكومة، فأصحابه يرون فيه مجرد "حالة المشاركة" للكتل السياسية المنتخبة في الحكومة، من خلال تسمية ممثليها الذين سيجري إستيزارهم من قبل رئيس الوزراء المكلف، كأعضاء في الحكومة الجديدة، وذلك وفقاً لمبدأ الإستحقاق الإنتخابي لكل مكون سياسي؛ وهذا ما يدفعهم الى الإختلاف مع أصحاب الرأي الأول بشأن الصلاحيات التنفيذية لمجلس السياسات الإستراتيجية العليا، الذي يجدون فيه مجلساً إستشاريا لا غير، ويختلفون مع أصحاب الرأي الأول في أمر تفسير مبدأ "الإشتراك" في الحكومة من هذه الزاوية، فالإشتراك بالنسبة لهم، لا يعني غير " المشاركة " أو بمعنى أدق "المساهمة" في الحكومة وفقاً لحالة "التوافق" التي أفرزتها مبادرة السيد رئيس الإقليم، والتي حلحلت  جمود الوضع السياسي طيلة الأشهر الثمانية الماضية، ولكنها لم تنهيه..!؟


وكي لا يخوض المرء بعيداً في التفاصيل وفي خلفيات أَبعاد الموقفين المختلفين لأكبر كتلتين نيابيتين سياسيتين على الصعيد البرلماني والسياسي، وهما الكتلة العراقية وكتلة التحالف الوطني، لابد من الإشارة هنا الى أن جوهر الأمر في هذا الإختلاف، يرتبط أساساً في حقيقة النظرة المتباينة لكلا الطرفين من الهدف من وراء التمسك بالسلطة، وهنا هو "الحكومة"، وما يمكن أن يتحقق جراء ذلك التمسك من نتائج متوقعة، مشفوعاً بحالة فقدان الثقة بين كافة الأطراف المتصارعة في الوصول الى الهدف المذكور، ناهيك عما تضمره الخلفيات السياسية التأريخية من عوامل التنافر والتعارض السياسي بين مختلف الإتجاهات السياسية على صعيد التأريخ السياسي العراقي القريب؛ وجميعها تشكل عوامل تزيد في تفاعل أزمة الحكم، مضافاً اليها، فقدان البرنامج المشترك الموحد للكتل السياسية في إدارة السلطة، وبالتالي فليس غريباً أن يطفو على سطح التصريحات والمناقشات والحوارات بين هذه الكتل، العديد من التفسيرات المختلفة لمعنى "الإشتراك" في بناء الحكومة المقبلة؛  وليس ما يعنيه مفهوما (المشاركة والشراكة)، إلا أحد تلك الظواهر التي يتجلى من خلالها الصراع على المستوى السياسي اليوم، حيث تبدو "حكومة الشراكة" من الناحية الشكلية أهون على النفس من وقع "حكومة المحاصصة" ولا يهم بعد ذلك، ما سيكون عليه جوهر الحكومتين أوالفرق بين الإثنين..!


فطبيعة الإختلاف المذكور تمتد جذوره بعيداً في التأريخ السياسي العراقي الحديث، وإن إتخذت في بعض صورها القائمة، شكل الطائفية السياسية التي وجدت تعزيزها في تكريس قاعدة "المكونات"، كالطائفية المذهبية والإثنية، كأساس لبناء العملية السياسية، على حساب المباديء الديمقراطية وركنها الأساس مبدأ المواطنة في تشكيلة نظام الحكم، ومن هنا فمن السابق لأوانه التكهن بإنسيابية عمل الحكومة القادمة، حتى مع إفتراض تشكيلها وفقاً للإختيار التوافقي، الذي عزمت عليه الكتل السياسية المعنية بالأمر، في وقتها المحدد دستورياً...!


كما ومن السابق لأوانه أيضاً، القول بإمكانية أي من الكتل التي ستشترك في تشكيل الحكومة المرتقبة، من تحقيق برنامجها في التغيير المنشود والمعلن من قبلها قبل الإنتخابات، إذا لم تك هناك من خطوط مشتركة ومتفق عليها سلفاً بين قيادات تلك الكتل المشاركة، وفي ظل إطار برنامج موحد؛ برنامج يلبي أماني ورغبات الناخبين، ويتجاوز أخطاء وإخفاقات وسلبيات التجربة السابقة، ويمهد بحق، الطريق أمام إرساء القواعد الأساسية للتمسك بمباديء الديمقراطية كنهج في إدارة نظام الحكم ومؤسسات الدولة، وليس مجرد آليات لتسلق شجرة السلطة؛ برنامج يصون ويحفظ كرامات وحقوق المواطنين وحرياتهم الفردية الشخصية، ويرعى أسس البناء التربوي والثقافي الحضاري؛ برنامج يحمي كنوز ومؤسسات الثقافة الروحية والفنية، ويرعى صروح الحضارة العراقية، ناهيك عن توفير سبل العيش والسكن الكريم  للمواطنين العراقيين؛ برنامج  يرقى  بمستويات البلاد على الأصعدة السياسية الإقتصادية والإجتماعية، بما يعيد للعراق مكانته المرموقة بين دول الجوار والمحيط الإقليمي العربي وثقله الدولي على الصعيد العالمي..!


فهل حقاً ستجد تلك الكتل السياسية العراقية المتزاحمة على مراكز السلطة؛ بما فيها من مناصب رئاسية ووزارات سيادية، الطريق ممهداً لتحقيق "حكومة شراكة" حقيقية، ذات برنامج موحد بآفاق واسعة، وهذا ما لا تبدو ملامحه ظاهرة في المنظور القريب، أم أنها ستظل تراوح مكانها، في ظل ما ترسمه لها مصالحها الذاتية الأنانية وآفاق تطلعاتها الضيقة، في وقت لا زالت تتمسك فيه بفهمها للشراكة في تلك الحكومة،  بما تمليه عليها تلك المصالح والتطلعات..؟!
9/12/2010         

       






       

 
 


166
العراق: الحقوق والحريات المدنية الى اين..!؟

باقر الفضلي


محنة العراق اليوم، أنه أصبح أسير أحكام  دستور جرت كتابته والتصويت عليه في ظل ظروف إحتلال إستثنائية، لا يجمعها جامع  وظروف كتابة الدساتير والإستفتاء عليها، ناهيك عما إعترى ذلك من نقص في آليات ومستلزمات تلك الكتابة؛ من هيئات متخصصة ومن باحثين وفقهاء قانونيين ومشرعين وخبراء متمكنين، حيث جرى إعداد كل شيء في مطبخ الوجبات السريعة، ليلبي في  أولوياته، مصالح وفلسفة من كتبوه، بعيداً عن طموحات أولئك الذين وضعوا فيه كل آمالهم،  لبناء مجتمع يرفل في ظل دولة مدنية ديمقراطية، وأن يروا فيه كل الأسس والمباديء التي تحمي وتصون الحريات المدنية، وتكرس وحدة المجتمع وتعلي حق المواطنة فوق كل الإعتبارات الأخرى، وترسخ مساواة المرأة في الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية وغيرها من أسس التعليم والتربية بما يجاري ركب الحضارة المدنية والتقدم..!


ولم تك موضوعة الحريات المدنية بمنجى من مطبات الدستور النافذ سواء على صعيد النصوص أو تفسيرها؛ فالدستور على كثرة ما يحفل به من المتعارضات والمتضادات، قد فتح الطريق أمام كل من يريد أن يصدر فتواه بتحريم أو إباحة شيء ما، وخاصة لمن هم من المتنفذين في سلطة الحكم، سوى أن يتصفح نصوص الدستور ليجد ضالته بالمقاس الذي يريد دون عناء أو مشقة، والأمثلة زاخرة في مجال الحريات والحقوق المدنية بما يشبع الحاجة والفضول..!


فعلى سبيل المثال وليس الحصر، أصدر مجلس محافظة بغداد لأيام خلت، قراراً بغلق النوادي الثقافية والإجتماعية والمهنية ومن ضمنها النادي الثقافي لإتحاد الكتاب والأدباء في بغداد، والملاهي الليلية التي لا تحمل إجازات رسمية وكذلك محال بيع الخمور والمشروبات الحكولية، مما إستدعى ردة فعل ناقدة على صعيد الصحافة والإعلام، مقرونة بتحشد جماهيري كبير من نخب المثقفين في شارع المتنبي، إحتجاجاً على صدور مثل هذا القرار، الذي جرى إعتباره طعنة موجهة الى الحريات المدنية والشخصية منها بالذات، وتقييداً لها من قبل مجلس المحافظة..!؟


وليس القرار نفسه هو المهم في الأمر، فقرار مثل هذا، لا يعبر في الحقيقة عن تبصر وحكمة نافذتين،  بقدر ما جاء من فتوى مسببة من قبل مجلس المحافظة للقرار المذكور، الأمر الذي وجد صداه لدى النائب السيد خالد الأسدي من كتلة دولة القانون، الذي دعم توجه المحافظة هذا ووجد فيه مجرد تطبيق للقانون ليس غير..!!


فالمحافظة بعد أن تشير الى أنها كانت في وارد تنفيذ توجيهات صادرة لها من الامانة العامة لمجلس الوزراء ، وجدت في تصرفها المذكور ما يسنده دستورياً ويكسبه شرعية لا غبار عليها، حيث أحالت الموضوع الى نص المادة/ الثانية، الفقرة/ ثانياً من الدستور التي تقول [[  ” بضرورة الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي”.  ]] وذلك "لأهمية مراعاة الموازين وتطبيق القوانين" على حد ما تراه المحافظة، سبباً منطقياً لتمرير وتبرير قرارها آنف الذكر..!!؟(*)


وهنا يتناسى مجلس المحافظة والسيد رئيس المجلس والسيد المحافظ، بأن الدستور العراقي طافح بالنصوص القانونية التي ترعى الحقوق والحريات المدنية للمواطنين وترعى الثقافة الوطنية، وبإمكانهم جميعاً العودة لتلك النصوص، لإستجلاء مكامن الخطأ في قرار المحافظة، وعدم التعويل على نص واحد، يبطن في محتواه، التعارض مع نصوص دستورية أخرى، كما جاء أعلاه، ف "الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي"، لا يمكن أن تكون ممراً لتجريد المواطنين الآخرين من أبناء هذا الشعب من حقوقهم وحرياتهم المدنية، ولا يمكن أن تكون مصداً لحرياتهم الشخصية طالما أن هذه الحريات لا تتسبب في أضرار الآخرين، ومن قال بأن هذه "الأغلبية الإسلامية من الشعب العراقي" تبيح مثل هذه الإجراءات، إن لم يجر تسييسها من قبل الأجهزة المتسلطة على رقاب الناس، وتأويلها وفقاً لمقتضيات "المصلحة العامة" كما كانت تجري عليه العادة سابقاً أم لاحقا، وهل كانت مثل هذه الأغلبية الإسلامية، التي يريد مجلس المحافظة الموقر، أن يحافظ على هويتها، بعيدة عن مثل هذه النوادي الثقافية والاجتماعية والمهنية والملاهي الليلية، في المحافظات وفي بغداد على سبيل التحديد، طيلة قرن من الزمان..؟ والى أي مدى تضررت تلك الهوية "للأغلبية الإسلامية" جراء وجود مثل تلك الأمكنة، إن لم يكن غالبية روادها هم من أفراد تلك "الأغلبية"..؟؟!!


وبعيداً عن الذهاب في البحث عن منطلقات ودوافع قرار مجلس محافظة بغداد وسابقاته من قرارات مجالس المحافظات الأخرى في تحريم الغناء ومنع المسارح وفرق السيرك الراقصة وغيرها، يكفي الإشارة هنا وفي هذا أضعف الإيمان، الى نص المواد/ 15 و14 و16 و17 وغيرها من الباب الثاني /الحقوق والحريات/الفصل الاول من الدستور العراقي، التي أكدت على حقوق وحريات الفرد العراقي ومنها الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الآخرين، ولا يجوز الحرمان من تلك الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون وبموجب قرار صادر من جهة قضائية مختصة..!


 لنعود كما في البدأ، لنقول بأن مكمن الإشكالية التي تجابه تطلعات المواطن العراقي في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، ومنها ضمان حقوقه وحرياته المدنية، يظل  يتمحور حول إشكالية الدستور ومطباته الكثيرة، وما يستلزمه ذلك من ضرورات إعادة النظر والتشريع، وهذا من صلب واجبات مجلس النواب والحكومة القادمة، ناهيك عن فلسفة وإتجاهات الجهات التي تتحكم بتفسير الدستور حسب ما تراه مناسباً لمبتغاها..!
5/12/2010
____________________________________________________________________________ 
(*)  http://www.al-daawa.org/main/index.php?option=com_content&view=article&id=475:2010-12-04-12-25-00&catid=1:news-polatic&Itemid=7





167

فلسطين : إشكالية خطاب "المقاومة" والتعنت الإسرائيلي..!


باقر الفضلي


في مقال سابق عالجت  فيه مفهوم "المقاومة" في أبعاده السياسية والإجتماعية الإنسانية، كونه يعبر عن أهداف سامية نبيلة، في حسابات الشعوب المناضلة من أجل التحرر والإستقلال والسيادة، وتناولت جوانبه الإيجابية والسلبية وشروط اللجوء اليه والحدود التي تسمح بذلك..!


ولا أريد في هذا المقال تكرار ما أشرت اليه ، وأترك للقاريء الكريم ممن إطلع أو لم يطلع على تفاصيل ذلك، العودة الى ذلك المقال الموسوم " إشكالية خطاب المقاومة..ملاحظات أولية"،(*)  لما تضمنه من مقاربة ذات علاقة مع حقيقة ما يدور اليوم من إستقطاب حاد في الساحة الفلسطينية بين فصائل القوى الوطنية، والذي وجد تعبيره الصارخ في الدعوات المتعارضة التي تطلقها تلك الفصائل حول خيارات الشعب الفلسطيني في تحديد الطرق والوسائل المناسبة التي ينبغي إنتهاجها لتحقيق أهدافه في الوصول الى إعلان دولته الوطنية الديمقراطية الموحدة وعاصمتها القدس..!


فالعدوان الإسرائيلي الأخير على شعب غزة، قد عزز من شدة الإنقسام المكرس أصلاً منذ إنفراد حركة حماس بقطاع غزة عام/2007، وتكريس إنقسام التراب الفلسطيني، الذي تبعه تمزيق وحدة الشعب وتفريق كلمته، ليجد الجانب الإسرائيلي ضالته في تلك الفرقة، محاولاً تعزيزها بكل ما أوتي من وسائل وطرائق لتعميق ذلك التمزق..!


وفي ظل ما جرى في أوائل شهر ايلول من هذا العام، على الصعيد السياسي في منطقة الشرق الأوسط، من مفاوضات مباشرة بين السلطة الفلسطينية ممثلة برئاسة السيد محمود عباس، والحكومة الإسرائيلية ممثلة بالسيد نتنياهو، فإن أمرين بالغا الأهمية، ولهما تأثيرهما المباشرعلى مجرى تلك المفاوضات، وبصفة خاصة في جانبه السلبي، باتا يتحركان جنبا الى جنب وكأنهما رديفان في تلك الحركة، فإذا إهتز الأول تحرك الثاني وكأنه صداه، أو رد فعل له، أو كأنهما سبب ونتيجة يتبادلان الأدوار بالتتابع..!؟


فمنذ إنطلاقة المفاوضات المباشرة في الثاني من أيلول الماضي، باشرت حركة حماس إعلانها برفض تلك المفاوضات والتحشيد ضدها على المستوى الإعلامي، لتعقبه بعمل على الصعيد الميداني، تجسد في "عملية الخليل"، ومحاولات إطلاق الصواريخ، لينبري من جانبه الجيش الإسرائيلي الى الرد بالمثل، فتقصف طائراته غزة، ويقدم أخيراً على إغتيال أحد قادة حماس الميدانيين في الضفة الغربية اليوم 17/9/2010 في مخيم طولكرم، إنتقاماً لعملية الخليل..!؟


ولكن اللافت للأمر، وهذا ما يؤكده بعض من قادة الحركة ولعدة مرات؛ هو ما تسعى اليه الحركة من نقل "أعمال المقاومة" من نطاق قاطع غزة المسيطر عليه من قبلها الى الضفة الغربية، بإعتبار أن غزة قد جرى تحريرها من إحتلال " العدو" على حد تعبير البعض منهم، والآن جاء دور الضفة الغربية، وآن أوان تحريرها من الإحتلال، أو ما تعلنه قيادة الحركة بإستمرار : من أن مشروعهم أمام الإحتلال، هو المقاومة..!!؟؟


لا أظن أن هناك من وضوح أكثر من ذلك، ومن هنا فلا غرابة أن يُدق ناقوس الخطر منذراً بما قد يواجه عملية المفاوضات المباشرة من تهديدات جدية بإمكانية الفشل، التي سيكون من نتائجها المتوقعة، إشعال فتيل حرب عدوانية إسرائيلية، ليست في سعيرها ودمارها بأقل من غزوة غزة الأخيرة ورصاصها المصبوب، وهذا ما إنفك يهدد به عتاة العسكريين الأسرائيليين،  وسيمنح اليمين الإسرائيلي الحاكم الفرصة للتمادي في التسويف بشأن إقرار الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وتمرير مخططاته في تثبيت حالة الإستيطان والتوسع بها بشتى الوسائل، للوصول الى أهدافه بتهويد القدس وإخلائها من سكانها الفلسطينيين، ولا أظن أن أحداً من قادة حركة حماس لا يدرك تلك الحقيقة، أما تجاهلها فهو الطامة الكبرى، خاصة وأن كل فرضيات الفشل التام للمفاوضات المباشرة، تسري على صعيد الواقع، كمسرى النار في الهشيم، بفعل التعنت الإسرائيلي الذي يجسده السيد نتنياهو، وكأنه في تناغم مع أمثال تلك التصريحات، بتصريحات أكثر تطرفاً حول "الدولة اليهودية" و"رفض وقف الإستيطان" و "تحذير الفلسطينيين من الذهاب لمجلس الأمن" وأخيراً وليس آخراً ، ما جاء به من " قانون الإستفتاء" و" قانون القدس عاصمة الدولة اليهودية" و"موقفه المتشنج من تسمية حائط البراق  وليس حائط المبكى" ، ليجعل من كل ذلك عصياً في عجلة مركبة المفاوضات المباشرة، المتوقفة حالياً رغم ما يبذله راعي تلك المفاوضات، الولايات المتحدة الأمريكية، من جهود بين الطرفين لأستعادتها، والتي يريد السيد نتنياهو، أن يقودها طبقاً للطريق التي رسمها وحكومته العنصرية، وبالتالي دفع الفلسطينيين للإذعان بالقبول بها كأمر واقع..!!؟؟


فالتعنت الإسرائيلي، المدعم بالتهاون والتهادن الأمريكي، كما في صفقة " كلنتون _ نتنياهو" الأخيرة  للعودة للمفاوضات، بات يشكل المحرك الرئيس في وقف عملية السلام في الشرق الأوسط، بكل ما لتداعياته على تلك العملية من آثار مدمرة، لدرجة أصبح معها من المسببات البنيوية والأساسية في رفع درجة التطرف في المنطقة، وإستمرار حالة التأزم الداخلي بين شعوبها، وأحد الأسباب الفاعلة في إفشال اية حلول ذات طابع سلمي لمشاكل المنطقة، إن لم يكن على العكس من ذلك، فهو أول من يقف ورائها ومن يؤجج نيران إشتعالها، وفي النهاية أول من يرفع عقيرته شاكياً من إنتفاضة الشعب الفلسطيني حتى وإن كانت بالحجارة؛  ليطالب ب" الأمن أولاً " من "إرهاب" موهوم، وإعتراف ب "يهودية" دولة عنصرية، و"مستوطنات يهودية" محمية في قلب الوطن الفلسطيني، وغيرها من المطالبات المشروطة واللامنتهية..!!؟


لقد أصاب رئيس الحكومة اللبنانية السيد سعد الحريري في حديثه الى صحيفة الشرق الأوسط في عددها 11687 بتأريخ 27/11/2010  كبد الحقيقة، حينما أشار الى عدم وجود عملية سلام حقيقية في الشرق الأوسط، ومرجعاً كل أسباب نمو التطرف الى إنعدام مثل تلك العملية، وداعياً في عين الوقت، المجتمع الدولي الى الإستيقاظ والمضي قدماً في عملية السلام..!     


وفي ظل هذه الظروف الملغومة بالتلاعب الإسرائيلي، تصبح وحدة الصف الوطني الفلسطيني، في مقدمة الأهداف التي ينبغي السعي من أجل تحقيقها؛ وما المصالحة الوطنية، إلا إحدى المساهمات الفاعلة في تحقيق الهدف المذكور، وبعكسه فإن الطريق سيكون مفتوحاً أمام حكومة إسرائيل العنصرية بالتمادي في سياسة الإستيطان وتهويد القدس وعرقلة قيام الدولة الفلسطينية الموحدة الديمقراطية، في وقت تكون فيه القوى الفلسطينية مشغولة بتفاصيل ملف المصالحة ومطبات حسن الثقة وتبادل الإتهامات..!
_________________________________________________
(1)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=95290





168

العراق: الحماية الدستورية للأطياف الدينية..!

باقر الفضلي

يتعرض الطيف المسيحي العرااقي وغيره من الأطياف الدينية الأخرى كالمندائي والأيزيدي والشبكي وغيرهم من الأطياف الدينية الصغيرة، منذ العام 2003 وحتى اليوم، الى حملة من الإرهاب والقتل والتنكيل والتهجير والتشريد من مناطق سكناهم المعتادة في المدن العراقية المختلفة ومنها على الخصوص مدن البصرة والموصل والعاصمة بغداد، ليقترن كل ذلك بحالة من الفزع وردود الفعل الدفاعية ذات الطابع الإجباري، التي دفعت بأعداد غفيرة من عوائل الأطياف المذكورة، على مغادرة الوطن طلباً للملاذ الآمن بعد أن لحقهم الإرهاب والتنكيل والقتل حتى أماكن عباداتهم التي حسبوها يوماً ملاذهم الآمن الأخير..!؟؟


وتقف مجزرة كنيسة (سيدة النجاة) في بغداد، التي طالت الطيف المسيحي من المواطنين العراقيين،  في قمة هرم (الترويع والترهيب)، التي تعرض لها أبناء الديانة المذكورة خلال السنوات السبع بعد الإحتلال عام/2003، لتشكل في كل تفاصيلها المعلنة، أبشع جريمة مقصودة ضد الإنسانية، في مفهوم جميع الشرائع الإنسانية والقانونية والدينية، وكل ما يمت بصلة الى موازين الحقوق والعدالة..!؟


فرغم ضبابية الغموض الذي إكتنف التفاصيل الدقيقة التي تحيط بأبعاد الجريمة من حيث التخطيط والإعداد والتنفيذ، والجهات التي تقف وراء كل ذلك، وطبيعة النوايا والمقاصد والأهداف التي توخاها المخططون من ورائها تنفيذ جريمتهم النكراء، فإن كل المؤشرات والقرائن المحيطة بالفعل الجنائي لا تذهب بعيداً في دوافعها عن تحقيق مقاصد ذات طابع سياسي في النهاية، خاصة وإن الجريمة المرتكبة، تبتعد من حيث شخوص مرتكبيها والضحايا، بعداً كلياً عن كل ما يمت الى دوافع شخصية، ذات طابع إنتقامي معروفة أسبابه ودواعيه، بقدر ما إتسم فيه ذلك الفعل الجنائي الإجرامي، من شمولية بعيدة من حيث التنفيذ بالنسبة لإنتقاء الضحايا، أو تحديد أعدادهم من جهة، وإنعدام الرابط السببي في العلاقة بين المجرمين من القتلة وبين الضحايا من الجهة الأخرى..!؟


فالمسلسل الإجرامي الإرهابي، الذي إستهدف الطيف المسيحي طيلة هذه الفترة، جاء متزامناً من الناحية السياسية، مع تعقد الأوضاع السياسية والأمنية في العراق بعد الإحتلال وتدهورها المتواصل، فلم ينفرد المسلسل المذكور بالتوجه ضد الطيف المسيحي وحده حسب، بل شملت توجهاته أغلب الأطياف الدينية الصغيرة الأخرى إن لم نقل جميعها، مما دفع بالألوف من العوائل العراقية من تلك الأطياف، الى ترك أماكن سكنها الإعتيادي، والتوجه الى مدن أخرى والى بلدان المهجر، طلباً للأمن والأمان، مما أعطى ليس فقط المبررات المنطقية الى أسباب ذلك النزوح الجماعي والهجرة خارج البلاد حسب، بقدر ما قدم الكثير من الدلالات والمؤشرات العملية، عن أهداف ومقاصد ذلك المسلسل الإجرامي المذكور، بكونه يهدف الى إخلاء العراق من أطيافه الأصلية من المكونات العراقية الدينية الصغيرة، وهذا ما يدعمه على صعيد الواقع، حجم الكتلة السكانية الكبير من تلك الأطياف التي غادرت الوطن الى دول الجوار وبلدان اللجوء المختلفة، لتشكل هذه الظاهرة أخطر الظواهر الكارثية التي واجهت مكونات الشعب العراقي منذ العام/ 2003، والتي يحاول البعض من إيجاد التفسيرات الشكلية والظاهرية لأسبابها ومحاولة حصرها بالتطرف الديني، بإعتباره من الدوافع التي تقف وراء هذا الإستهداف الإجرامي، بل بعضها من يجد فيه الدافع الرئيس، وهو لعمري تفسير، رغم ما له، من التداعيات السلبية، فإنه لا يدعمه الواقع الراهن ولا تبرره سمات المجتمع العراقي المعاصر على صعيد كافة مكوناته الإثنية وأطيافه الدينية، فعبر حقب طويلة من العيش المشترك بين تلك المكونات، ظل السلم الإجتماعي والأخاء والمحبة بين مكونات الشعب العراقي أحد أهم سماتها المشتركة، بل والقاسم المشترك فيما بينها لكل هذا التواصل على مدى العصور..!


فالقتل الذي جرى بالصورة التي جسدتها مجزرة كنيسة (سيدة النجاة)، لا يمثل بأي حال من الأحوال هدفاً لذاته، بقدر ما يعكس مجرد وسيلة التجأ اليها منفذوا تلك الجريمة النكراء، بهدف خلق وبث حالة الذعر والترويع والفزع بين أوساط  طائفة محددة من المواطنيين العراقيين، سبق وإن جرى إستهدافهم في عدد غير قليل من المدن العراقية، حيث إستهدفت مساكنهم ودور عباداتهم ورموزهم الدينية تحديدا من رهبان وقسيسين، ناهيك عن ملاحقتهم في أماكن رزقهم وسكناهم، ولا أظن أن الغرض من وراء كل ذلك يكتنفه الغموض الى هذا الحد الذي تفضحه حقيقة الهجرة والنزوح الجماعي الى خارج الوطن، التي أصبحت من أولى تداعيات المسلسل الإجرامي المذكور، والهدف المركزي الذي يتوخاه..!؟؟


ولكن الغريب في الأمر أن تختزل مثل تلك الجرائم الى مجرد حوادث جنائية ضد الأفراد، تنتهي آثارها مع نشر الخبر وملاحقة القوى الأمنية للفاعلين، وينتهي كل شيء ليتكرر الحدث وهلمجرا..، فقلما بحث مجلس النواب أوالسلطات الحكومية، أوالتكتلات السياسية على إختلافها، الأبعاد السياسية لهذا المسلسل الإجرامي بتفاصيله المتعددة وأهدافه، أو أن تكونت لجان مختصة من قبل مجلس النواب وبمشاركة السلطات القضائية والأمنية، للبحث والتدقيق في مسارات الإستهداف المبيت ضد مكونات الأطياف الدينية الصغيرة، ولكشف النقاب عن الجهات ذات المصلحة التي تقف وراء ذلك، سواء على صعيد الداخل أو الخارج، بما فيها الدعوات المشبوهة، التي تسعى بطرقها الخاصة، مستغلة النتائج الكارثية لتداعيات ذلك المسلسل الإجرامي، في الترويج الى عملية التسريع بفكرة النزوح والهجرة بين أبناء تلك الأطياف والمكونات العراقية المنتسبة لها، بما فيه تسهيل آليات الهجرة والنزوح الجماعي من الوطن..!؟؟


 فهل توقفت حقاً جميع تلك الجهات الرسمية والسياسية المقصودة بما فيها مجلس النواب، يوماً بجدية أمام هذه التحديات، التي باتت تشكل تهديداً حقيقياً لمصير ووجود المكونات العراقية الأصلية الصغيرة من ذوي الأطياف الدينية الأخرى..؟! إنه سؤال يبحث عن إجابته في مدى جدية الإجراءات الواقعية التي ينبغي أن تقدم عليها الجهات البرلمانية والحكومية والتي ينبغي أن تضعها في أولويات مهامها طبقاً لما سنه الدستور في المباديء الأساسية من الباب الأول..!


 وللحقيقة يمكن القول؛ بأن الواجب الوطني والدستوري يلزم وبعد مجزرة كنيسة (سيدة النجاة) خصيصاً، بأن يكون من أولى ما يمكن أن يضعه مجلس النواب الجديد في جدول أعماله القادم، هو مسألة مناقشة وبحث ما تتعرض له الأطياف الدينية للمكونات العراقية الصغيرة من حملة إرهاب وترويع وإكراه على الهجرة والنزوح الجماعي جراء ذلك، والخروج  بما يكشف اللثام عن حقيقة الجهات التي تقف وراء المسلسل الإرهابي الإجرامي الذي تتعرض له تلك المكونات بالذات، وما يستلزمه واقع الحال من تشريعات وإجراءات ملزمة..! 


ولعل مما يزيد الطين بلة، وينحو بمسألة  ضمان توفير الحماية الدستورية المسؤولة للمكونات العراقية الصغيرة من ذوي الأطياف الدينية الاخرى، بعيداً عن حلولها الجذرية الواقعية، أن تتجه بعض الدعوات، على الرغم من حسن النوايا، الى أبناء المكونات العراقية الصغيرة بأطيافها الدينية من مسيحيين ومندائيين وغيرهم من ابناء الأطياف الأخرى، بالتجمع في مناطق معينة من العراق لتأمين حمايتهم؛  فلعمري ، أنه ورغم ما في مثل تلك النداءات من مشاعر إنسانية، فلا أظنها ترقى الى مستوى الحلول العملية والدستورية التي ينبغي أن تأخذها الدولة على عاتقها، فمسؤولية الدولة تتحدد دستورياً في ضمان تأمين الحماية الحقيقية المسؤولة الى كافة المواطنين العراقيين ومنهم أبناء الأطياف الدينية بدون تمييز، وذلك بأن تؤمن لهم الأمن والأمان الذي يشعرهم من جهة، بكامل حقوقهم أولاً كمواطنين عراقيين، قد كفل لهم الدستور مثل هذا الحق دون أية موارية، ومن جهة أخرى، ضمان كامل حقوقهم ثانياً كطيف ديني، له من الحقوق ما للآخرين من الأطياف الدينية الأخرى، كبيرها أوصغيرها بلا إستثناء، ورغم أن الدستور لا يخلو من مثالب في هذا الجانب، إلا أنه كفل لتلك الأطياف كامل حقوقها في إقامة شعائرها الدينية، وحماية أماكن عباداتها على السواء مع الأطياف الأخرى، وما إحترام معتقداتهم الدينية على إختلافها، إلا أحد شروط تلك المستلزمات التي تقع على عاتق الدولة لا غير..!


لقد طرحت أحداث مجزرة كنيسة (سيدة النجاة)، الكثير من الأسئلة أمام الحكومة الحالية والقادمة، وأمام كافة الكتل السياسية، وبالذات أمام أعضاء مجلس النواب الحالي، محملة الجميع مسؤولية الحفاظ على وحدة النسيج الإجتماعي العراقي، ومسؤولية حماية كافة مكوناته الوطنية بلا إستثناء، بل وضعت في أولويات مسؤولياتهم، كشف حقيقة مسلسل الجرائم المرتكبة بحق الأطياف الدينية من المسيحيين والمندائيين وغيرهم من الأطياف الأخرى ومن يقف ورائها، وسن القوانين التي تلزم الدولة بكافة أجهزتها، توفير الحماية الكاملة لوجودهم الطبيعي حيثما كانوا في كافة أرجاء الوطن، وتعويض كافة الأضرار التي لحقت بهم في الأفراد والممتلكات ودور العبادة..! 


إنه لمن المؤسف حقاً أن يتعرض المكون الكلدو آشوري السرياني، الأعرق في وجوده الإنساني على أرض وادي الرافدين، الى حملة التنكيل والترويع الإجرامية، وأن يصبح عرضة للإستهداف الإرهابي المتواصل، الدافع بإتجاه إكراه هذا المكون العراقي الأصيل، الى مغادرة وطنه الأم، بإستخدامه ابشع الوسائل والطرق اللئيمة في التفريق بين مواطني العراق الواحد على أساس من الهوية الدينية والمذهبية، والتي جسدت مجزرة كنيسة (سيدة النجاة) ، أبشع صورها اللاإنسانية، وعكست في الوقت نفسه المستوى المتدني للوضع الأمني، الذي أرتكبت في ظله تلك الجريمة النكراء..!!؟؟         
   

   









169
المنبر السياسي / سيدة النجاة..!(*)
« في: 21:43 08/11/2010  »

سيدة النجاة..!(*)
باقر الفضلي
 

هل لي بخنساءَ مَنْ يروي مآقينا
هل لي بقلبٍ شديد البأسِ يأوينا

هل لي من الدمعِ ما يشفي جوارحَنا
هل لي من الصبرِ ما يطفي نواعينا

جئنا نلوذ نريدُ السلمَ نطلبه
فعاجلتنا المنايا في تراقينا

يا "راهبَ الدير" صبراً لا تسائلنا
أم الكنائس قد لاحت تناجينا

أم النجاةِ وقد بانت مكبلة
عذراء من ألمِ الأحزانِ تَروينا

***

فيها لنا ما تَرومُ النفسُ تَطلبه
فكان فينا لها ما كان يشجينا

أم النجاةِ وحبلُ الوصلِ يَسحبنا
جرياً اليكِ وقد ضاقتْ مراسينا

ما كان في خلدِنا غدرٌ يساومنا
منا الحياة وغدرُ الشرِ يغوينا

تالله ما نَطقتْ أمٌ ولا سكبتْ
دمعاً ولا زَرَعَ الأجدادُ طاعُونا

للهِ دركِ يا أمَ النجاةِ فقدْ
أبرأتِ في يدكِ السَمحاءَ ما فينا
***
***
8/11/2010
(*) بمناسبة فجيعة كنيسة (سيدة النجاة)

 

 
 



170

فلسطين :المشكل الداخلي الفلسطيني وآثاره السلبية..!

باقر الفضلي


لعل المشكل الداخلي الفلسطيني، المهيمن على كافة مجريات الحالة الفلسطينية، هو الأول من حيث أهميته السياسية الإستراتيجية، سواء على صعيد النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، أم من جهة النزاع العربي الإسرائيلي، أو لحد كبير، على حالة عدم الإستقرار التي تعاني منها منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومن هنا تستأثر القضية الفلسطينية و"حلها المرتقب"، بالأهمية  الدولية الإستثنائية على صعيد المنطقة..!


فالمشكل الداخلي الفلسطيني، المتمثل بالإنقسام الفصائلي لقوى المقاومة الفلسطينية،  والمستقطب بشكل خاص، في المحور الذي تدور في فلكه كل من منظمتي فتح وحماس، وما يستتبعه من فصائل، هي الأخرى ترتبط  بولاءات مختلفة لكلا من قطبي المحور المذكور، أو من لها مواقف مستقلة، مما أخذ يلقي بظلاله على الخط العام لمجمل السياسة الفلسطينية، المتمثلة بنشاط منظمة التحرير الفلسطينية، وممثلها الشرعي المنتخب، المتمثل بالسلطة الشرعية الفلسطينية، وهذا ما بات يدفع بالنتيجة، الى إرباك اللوحة السياسية الفلسطينية، لما له من تأثيرات سلبية على طبيعة الخطاب السياسي الفلسطيني نفسه..!؟


فالإنقسام السياسي الفصائلي الذي يجسده، تشطر وحدة التراب الفلسطيني، في كل من غزة والضفة الغربية، قد أصبح في واقعه، يشكل عائقاً حقيقياً أمام توحيد الخطاب السياسي الفلسطيني، بل والأنكى من ذلك، أن الخطاب السياسي نفسه وفي بعض من أقسامه، بات متأثراً هو الآخر، بهذا القدر أو ذلك وبفعالية مشهودة، بما تمليه أجندات إقليمية مختلفة، تنظر في تعاملها مع القضية الفلسطينية، من زاوية ما يحقق لها أهدافها على خارطة الصراع الدولي والإقليمي، ومن خلاله التأثير على مسارات ذلك الصراع،  بما يخدم مصالحها في تصفية حساباتها في المنطقة مع الآخرين..!؟


وفي نفس هذا الإتجاه، أصبح الإنقسام السياسي الفصائلي، هدفاً بحد ذاته لمثل تلك الأجندات الإقليمية، التي ما إنفكت، تعمل على تعميق أسبابه وعوامله، بمختلف الطرق والوسائل، بما فيها تقديم الدعم المعنوي والمادي، لأي من التيارات الفلسطينية، التي لا زال البعض منها وكما يبدو، لم تحاول من جانبها، الوصول الى مستوى الإقرار المطلوب، بما يترتب عليه إستمرار الإنقسام في وحدة الخطاب السياسي الفلسطيني، وتداعيات تشطر التراب الوطني، في وقت تذهب فيه الحكومة الإسرائيلية اليمينية المحتلة، بعيداً في تكريس سياساتها الإستيطانية، وتهويد القدس، وتكريس حالة الإفتراق بين غزة والضفة الغربية، ومواصلة حصار مواطني غزة الأحرار..!!؟


ولن ينتهي الأمر عند هذا الحد، فيما يتعلق بتداعيات الإنقسام السياسي الفصائلي وتوابعه، من تمزق الخطاب الفلسطيني في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي وخططه الإستيطانية، بل أن يذهب الحال بعيداً حتى بالنسبة للمحاولات الوطنية الفلسطينية، والمدعومة من قبل الإشقاء العرب، الهادفة الى تحقيق المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، وبالذات بين فتح وحماس، حيث وكما يظهر على المستوى الإعلامي اليومي، كيف تنعكس المؤثرات الإقليمية الخارجية سلباً على تلك التوجهات لتحقيق المصالحة الوطنية، لدرجة ترقى فيها أحياناً حد الإعاقة الحقيقية، وذلك تحت غطاء من الحماس الثوري المتطرف في دعم القضية الفلسطينية، المبطن بكيل من الإتهامات والإنتقادات الحادة للتوجهات الديمقراطية الموضوعية للقيادة الشرعية الفلسطينية..!!؟


وليس بعيداً عن الحقيقة القول، وعلى النطاق العملي الميداني، بأن الجهة الوحيدة التي تمكنت من إستغلال حالة إنقسام الخطاب السياسي الفلسطيني المسنود بتشطير التراب الوطني، كانت ولا زالت، وحدها حكومة إسرائيل العنصرية اليمينية، التي منحها هذا الإنقسام، الفرص الذهبية لإعاقة عملية المفاوضات المباشرة ووضع العصي في "عجلاتها الدائرة "، رغم الدعم الدولي والموقف الموضوعي للمفاوض الفلسطيني..!؟

ومن نافل القول الإشارة هنا، الى أن أهم مرتكزات عدم وحدة الخطاب السياسي الفلسطيني، تتمحور حول المواقف الإيديولوجية المختلفة والوسائل التكتيكية المتباينة للنضال، التي تتبناها وتتمسك بها بعض الفصائل الفلسطينية؛ وبالتالي فإن تأثيرات بعض تلك المواقف، راح يذهب بعيداً في ظل الظروف الحالية التي تمر بها القضية الفلسطينية، عن موقف (الإجماع الوطني)، المتمثل بموقف منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة الشرعية الفلسطينية، فيما يتعلق بطبيعة الوسائل النضالية المتفق عليها شرعيا، مما أصبح يؤثر سلباً على حركة تلك القيادة السياسية، وبالتالي بات يشكل عامل إحباط على المستوى الجماهيري، ونزوع الى الإنعزال،  ويفتح الطريق أمام المؤثرات الإقليمية وتدخلاتها الفضة، هذا في وقت أصبح فيه الخطاب السياسي الفلسطيني الموحد، وفي ظروف التحرر من الإحتلال الإستيطاني، الهدف والطريق الوحيد للنضال من أجل تحقيق آمال الشعب الفلسطيني، في بناء دولته المستقلة الديمقراطية وفقاً لثوابته الوطنية، وأي خطاب عداه، مهما بلغت حدة نبراته وحماس كلماته، وجاء منطلقاً من موقع الفرقة والإنشقاق، إنما يعمق على الأرض؛ من معاناة الشعب، ويطيل أمد التحرير، ويكرس حالة تمزق وحدة التراب الوطني، ويعزز حالة الإحتراب الداخلي لأمد لا تعلم حدوده..!
6/11/2010
________________________________________________________________





         

 

171
العراق: (سيدة النجاة) تطلب "النجاة"، وقلب بغداد تحرقه المفخخات..!

باقر الفضلي


تتعثر الكلمات وهي تشق طريقها، في خضم هذا البحر  من الدماء .. بين أشلاء الجثث المتناثرة، وبقايا صفحات الكتاب المقدس المشتعلة، لتلتقي مع نظرات الإيقونات الذهبية .. المطلة بنظرات جامدة ساهمة يملؤها الرعب والحزن، الى تلك التراجيديا الأرضية التي لم تألف مثلها في آفاق سماء ملكوتها  المعطر بعبق رياحين جنائنها الخضراء...


 أعمدة الدخان المنبعث من حرائق الستائر المطرزة بصور القديسين .. تختلط بدخان المباخر العبق بعطر المسك والبخور.. نشيج الأطفال وصراخ الأمهات .. وأنين  الجرحى القادم من تحت ركام المناضد المحترقة .. يضيع جميعاً في لعلعة أزيز الرصاص ودوي المتفجرات، الممتزج بصراخ المسلحين من الحراس والإرهابيين...!!!؟؟؟


 لا شيء يبعث على الحياة .. فالموت قد زرع جنوده في كل الزوايا .. حتى ضاق على القائمين للصلاة المكان،  فلا متنفس لهواء ولا منفذ لهروب .. ولم تجد حتى (سيدة النجاة)،  من سبيل الى النجاة ... إنها مأساة يعجز عن نحتها ميكائيل إنجلو، ولن تقوى جميع فرش وأصباغ بيكاسو أن ترسم معالم مثل هذا اليوم الرهيب..!؟


حتى أماكن العبادة باتت مستباحة وأهداف مفتوحة أمام طغاة الإرهاب المنفلت، ولم يعد أمام الناس العزل من شيء يدرؤن به مثل هذا الشر المستطير؛  فالموت بات يلاحقهم أنى ذهبوا وأنى كانوا، فلا دور السكن تشكل حماية وملاذ حصين، ولا بيوت العبادة عادت قادرة أن تصد عنهم كل هذا الموت والعذاب .. لترتفع ألسنة اللهب عالياً من قلب بغداد وضواحيها .. وليعم الفزع والرعب الناس في الطرقات وخلف الجدران .. فها هي الهاونات تتساقط على رؤوس الآمنين في مساكنهم، وتتفجر المفخخات امام المقاهي الشعبية وفي وسط الأسواق والمحتشدات السكانية...!!؟؟


 أي يوم دموي عصيب يضيفه العراقيون الى ايامهم الدامية، وأية محنة لم يجدوا لها مخرجا، وأية ملهاة سياسية باتت تعصف بحياة الجميع؛  إنه الفزع والخوف الذي دب الى قلوب العراقيين، وأصبح يطاردهم في كل مكان  بعد كل هذا  الإنتظار الطويل...!!؟؟


من يتحمل مسؤولية حماية المواطنين، ومن له مصلحة في إبادة وتشريد العراقيين من الطيف المسيحي وأطياف الأقليات الأخرى، ومن يا ترى تسعده إدامة الفوضى الأمنية، وتأزيم الأوضاع، ومن المستفيد من عدم تشكيل الحكومة، ولماذا كل هذا التسويف والمماطلة، ولأي سبب تُزهق أرواحُ الأبرياء بدم بارد، ولِمَّ تحصد ماكنة الموت ما طاب لها كل يوم من أعداد الضحايا الأبرياء بدون حساب..؟؟؟!!!


أسئلة عجز الكل من ذوي الشأن والحول والقوة والنفوذ من الإجابة عليها، ولكن السؤال الوحيد الذي تلهج به ألسنة المواطنين ليل نهار، والذي يظل يدور بين حشد الأسئلة الأخرى، لا يخرج في معناه ومدلولاته عن مسؤولية الحكومة القائمة، الحكومة المنتهية ولايتها، والتي تطلق على نفسها؛ كونها "حكومة كاملة الصلاحية" على حد وصف نفسها؛  فإن كان الأمر حقاً كذلك،  فبهذا تكون تلك الحكومة المنتهية ولايتها، هي من يتحمل مسؤولية (حماية المواطنين) طبقاً لنفس الدستور الذي تتشبث به ليل نهار، في ظل الصراع المحتدم بينها، وهي في أغلبيتها ممثلة لإحدى الكتل السياسية المتصارعة، وبين الكتل الأخرى؛  فالشأن الذي يهم المواطن بشكل أساس اليوم، لا من يشكل الحكومة ومن يترأسها، بل أن يحيا ويشعر بالإطمئنان والأمان، لا أن يوظف ليصبح ضحية في عملية صراع لا يبدو أن لها أول ولا آخر..!!!؟


فالجريمة النكراء التي إستهدفت العراقيين من الطيف المسيحي في كنيسة (سيدة النجاة) في بغداد، وما لحقها من مسلسل التفجيرات التي زرعها الإرهاب السياسي في جسد بغداد خلال يوم واحد، والتي لن تفرق بين طيف عراقي وآخر، قد عكست مقدرة وإمكانيات كبيرة للقائمين بها، على عكس ما يدعيه بعض ذوي الشأن، مما يلقي ضلالاً من الشك والإستفهام على حقيقة التعليلات للأحداث، وهي بمجملها لا تجد تفسسيرها، إلا بهشاشة الحالة الأمنية، والفراغ الدستوري والنفاق السياسي، الذي أصبح علامة مميزة على سلوك السياسيين من المتنفذين وممتهني العملية السياسية ولعبتها الجديدة .. المتشبثين بكراسي سلطتهم .. المبررين عجزهم وفشلهم في حماية أرواح الناس الأبرياء، بالتعلل بالمقولات المتكررة، وبشتى الحجج والأعذار..!!؟؟


وأخيراً  وبعيداً عن التكرار، فإن مسلسل أيام العراق الدامية، وهذا ما تحدثنا عنه منذ ما يقرب من عام، وكما يبدو من أحداث الإثنين والثلاثاء 1و2/11/2010، لم تنته حلقاته بعد، طالما ظلت حلقات مسلسل الصراع العراقي بين الكتل السياسية وإمتداداتها الإقليمية تنبض بالحياة..!!؟؟(*)
3/11/2010
____________________________________________________________   
(*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/28sun.htm

   

 

172
العراق : الصحافة وحرية التعبير..!

باقر الفضلي

"إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة"
(جون ستيوارت ميل)



من المسلمات الأساسية التي تكفلها الدولة وتعتبر من واجباتها الرئيسة، التي حددها الدستور الدائم في الباب الثاني/ الفصل الثاني/ الحريات؛ هي  حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، والتي نصت عليها المادة/38، الفقرة/ أولاً ، معززة بالفقرتين ثانياً وثالثاً من نفس المادة، والمتعلقتان بحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، وحرية الإجتماع والتظاهر السلمي، لتأتي المادة المذكور متكاملة من حيث إهدافها ووسائلها في التطبيق دون لف أو دوران، في نفس الوقت الذي رسم فيه المشرع حدود تلك الحريات وضوابطها حين إشترط لممارسة تلك الحقوق، عدم إخلالها بالنظام العام والأداب..!


ولكي يفهم المرء ما تعنيه حرية الصحافة، عليه أن يدرك في الوقت عينه، ما يقصده مفهوم (حرية التعبير) من معنى، وما يهدف اليه المشرع من وراء هذا التلازم  بين حرية الصحافة وحرية التعبير؛ إذ لا معنى من الناحية التطبيقية لأي حرية للصحافة، إذا ما كانت مجردة من حرية التعبير؛ فالصحافة بمدلولها المتعارف عليه، هي وسائل للنشر ترتبط من حيث الهدف والغاية، بالمتلقي لهذا النشر، وهو في هذه الحالة الرأي العام، ويتجلى دورها الرئيس في كشف ورصد جميع الحالات ذات العلاقة بإهتمامات ومتابعة الرأي العام المذكور، بمقدار تعلقها بأنشطة وفعاليات كافة المؤسسات والإجهزة التي تصب في خدمة المجتمع والبلاد ومستقبل تطوره والأجيال القادمة من جميع النواحي؛ ومن هنا يأتي دور الصحافة الرقابي، الذي يكفله الدستور، والذي من أهم مشترطاته (حرية التعبير) و(حرية النشر) المكفولان بحماية الدستور، ورعاية وكفالة الدولة بإعتباره أحد واجباتها الدستورية، ومن هنا جاء تعريف الصحافة بكونها: ( السلطة الرابعة)..!


وكمثال على ما تقدم، وإن جاء بصورة مختصرة، يمكن أخذ ما تعرضت له صحيفة "العالم" العراقية كنموذج حي لكيفية التعامل مع حرية الصحافة وحرية التعبير، من قبل الجهات الحكومية المنوط بها أولاً وأخيراً، ضمان تطبيق النصوص الدستورية، وكفالة وتأمين الظروف المناسبة للصحافة ووسائل الإعلام، بإداء مهامها التي كفلها لها الدستور، وضمان وتأمين سلامة العاملين فيها من جمهرة الصحفيين والإعلاميين وغيرهم من الناشطين في الحقلين المذكورين...!


فمن تحصيل الحاصل،  كما وليس من الغرابة بمكان، أن تقدم جريدة مثل جريدة العالم المستقلة من إلقاء الضوء، على ما وجدته يمثل إنتهاكاً صارخاً للقوانين، ويشكل أخطاراً متوقعة على حياة الناس، ويعكس تجاوزاً وهدراً للمال العام، وأن تميط اللثام عن كل خفايا الفساد المالي والإداري في أحد أهم مشاريع البناء والتشييد للبنية التحتية في مدينة البصرة، المتعلق بإنشاء (المدينة الرياضية) الحديثة، ولتنشر ما جاء في تقرير مراسليها على صفحات الجريدة، بما تمكنت من توثيقه من مصادرها الخاصة، عملاً بحرية النشر، دون أن تذهب بعيداً عن مقاصد نشر الحقيقة التي فرضها عليها واجبها الصحفي والأمانة المهنية..!(*)


ولكن الغريب في الأمر، أن يجري التعامل مع ما جاء في تقرير الجريدة المذكور بطريقة رد الفعل والإنفعال من قبل الجهة الحكومية التي عنتها المعلومات الواردة في التقرير بأي شكل من الأشكال، وهي هنا وزارة الرياضة والشباب، فما كان منها، إلا المسارعة في رفع الدعوى القضائية ضد الجريدة والمطالبة بالتعويض المادي بمبلغ خيالي يقرب من المليون دولار..!؟؟


فهل كانت الوزارة المعنية جاهلة بحدود دور ومهنة الصحافة يا ترى،  أم أن ما جاء في تقرير الجريدة، من معلومات وحيثيات، ما يمكن أن يضرب على وتر حساس في شبكة أعمال الوزارة،  مما كان لوقعه مفعول الصدمة التي إستتبعتها ردة الفعل السريعة وغير المتوقعة،  مما دفعها اللجوء المباشر الى القضاء، حتى قبل التحري والتدقيق في صحة ما إحتواه التقرير المنشور من معلومات، ومدى مطابقته للواقع، وذلك بالعودة الى أصول المسائل ميدانياً والبحث في مصداقية ما تم نشره من تفاصيل تتعلق بالمشروع الإنشائي، والتثبت من حقيقة الإدعاءات، فإن جاءت على عكس ما تم ذكره في التقرير، فبإمكانها كجهة في الموضوع، من الرد على الجريدة بطلب تصحيح  معلوماتها ومطالبتها بنشر الرد، وإن كان هناك ما يفيد الخروج على حدود النشر وما يرقى الى مستوى التشهير والإساءة والتسبب بضرر معين ومقصود، وهذا كما يبدو لم يكن بيناً في ظاهر التقرير، فأن طريق القضاء ليس موصداً أمام الوزارة في اللجوء لمقاضاة الجريدة وطلب التعويض، ولا أظن أن العاملين في الحقل الصحافي لا يدركون ذلك تماما، كما هو الأمر بالنسبة لخبراء الوزارة ومستشاريها، فهم أقرب للمعرفة بمثل  هذه الأمور قبل غيرهم،  فما الذي دفع بالوزارة الى اللجوء السريع الى طريق القضاء قبل التوضح والتأكد من حقيقة المعلومات بشفافية وبإتباع طرق متعارف عليها في هذا المجال..؟؟!


إن من بديهيات العمل في أية وظيفة حكومية، إدراك المرء حقيقة حجم المسؤولية التي يرتبها الموقع الوظيفي بالنسبة لشاغله، وإن من أولويات المسائل التي يجد صاحب الموقع نفسه مديناً بها للرأي العام، هي كونه دائماً مطالب بكشف حساب عن نتائج ما قد أنجزه من أعمال خلال فترة تبؤه لذلك الموقع، وعلى ضوء ذلك تجري تقييمات الشكر أو المحاسبة، وهي قاعدة ثابتة في نطاق العمل التنفيذي، مثلها قاعدة الرقابة في النطاق التشريعي، أو الرقابة المالية. ولا يخرج  دور الصحافة بصفتها (السلطة الرابعة)، وكما أسلفت فيما تقدم، عن نطاق هذا الدور وفي الحدود التي أقرها الدستور..!


فما تنهض به الصحافة في هذا المضمار، يمثل في طبيعته شكلاً من أشكال الرقابة الوطنية الملزمة، وفي الحدود التي توخاها الدستور، وهو من مستلزمات الديمقراطية التي يسعى الجميع الى تثبيت أسسها في قلب المجتمع ومؤسسات الدولة.. وهذا ما ظهر جلياً فيما نشرته جريدة العالم، والذي تحول فيما بعد الى دعوى قضائية ضد الجريدة، رغم ما لإهميته التوثيقية على صعيد الرأي العام، وما تضمنه من وقائع ذات أهمية بالغة، ينبغي التدقيق في تفاصيلها بروح من المسؤولية  والوطنية..!


 إن كل ما يتوخاه المرء أن تبادر الوزارة المحترمة الى سحب الدعوى، لخلو التقرير الهندسي المنشور من قبل الجريدة بشكله المعلن، من كل ما يشوبه من توقعات أو إحتمالات الإساءة الشخصية، ولا يستشف منه ما يمكن أن يوحي بالتسبب في ضرر معين ومقصود، ناهيك عن كونه يدخل في إطار حرية التعبير وفي الحدود التي أكدها الدستور، مع الأمل أن لا تسجل مثل هذه الحالة، كسابقة غير محمودة في طريق حرية الصحافة في العراق، لما تمثله من تهديد وزرع للخوف في الوسط الصحفي والإعلامي في كشف الحقيقة، ومن نزوع الى كم الأفواه، وخنق فسحة الديمقراطية الجديدة على الصعيد الإعلامي..!!؟
29/10/2010 _____________________________________________________________
(*)   http://www.alaalem.com/index.php?aa=news&id22=13682           
 

173
العراق: إشكالية الوثائق السرية..!
 
باقر الفضلي


لأي سبب كان، طرح موقع "ويكليكس الأليكتروني" بتأريخ 22/10/2010 على صفحات الإنترنيت وعدد من الصحف العالمية، بعضاً من الوثائق السرية للجيش الأمريكي لتفاصيل الحرب الأخيرة على العراق وتفاصيل ما صاحبها من إنتهاكات فضة لحقوق الإنسان طالت المواطنين العراقيين خلال الفترة الممتدة من  2004 _ 2009، مما أثار عاصفة من ردود الفعل المعاكسة وجدلاً محتدماً على المستوى العالمي والإقليمي والوطني، وبات من نافل القول، أن تصبح الوقائع التي وردت ضمن تلك الوثائق، إذا ما جرى تدقيقها، مؤشرات ودلالات على كونها قد تشكل فيما بعد، أدلة أو قرائن على تجاوزات وخروقات للقانون الدولي والقانون الوطني ولائحة حقوق الإنسان، وإنتهاكاً للأعراف الإنسانية وقوانين الحرب، وبعضها ما يمكن أن يرقى الى مستوى الجرائم ضد الإنسانية..!


وفي جميع الأحوال، فإن ما ورد من وقائع تضمنتها الوثائق المنشورة من قبل الموقع المذكور، وبغض النظر عن مدى مصداقيتها من عدمه، يظل من حيث مدلولاته،  يشكل حالة تستدعي التحقيق والمسائلة الجنائية إذا ما توفرت أركانها،  كما وأنها من ناحية أخرى، تمتلك قوتها كوقائع مادية، كونها قد جرى توثيقها من قبل سلطات حكومية ذات مسؤولية مباشرة، مثل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، والتي لم تقدم على تكذيبها حتى الآن، وإكتفت فقط مع الإدارة الأمريكية، بإستهجان عملية التسريب والنشر،  مما يؤكد عائديتها القانونية لتلك السلطات..!


وكون تلك الوقائع ذات طابع جنائي وجل  ضحاياها من المدنيين، فإن أهم ما يميزها أنها لن تسقط بالتقادم، وللسبب نفسه فإنها تعطي الحق لمنظمات المجتمع المدني وبالذات منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية كالعفو الدولية وهيئة الأمم المتحدة، ناهيك عن أصحاب الحق الشرعي من ورثة الضحايا والمتضررين جراء تلك الأحداث، في إقامة الدعاوى أمام المحاكم الوطنية أوالدولية، لملاحقة المذنبين ومحاسبتهم وتجريمهم وإدانتهم، والحكم بالتعويضات لذوي الضحايا والمتضررين..!


لقد كان من ضمن ما أوردته تلك الوثائق السرية، تطرقها الى كثير من الممارسات والإنتهاكات الفضيعة التي إرتكبها إفراد من وحدات الجيوش المشاركة في غزو العراق عام/2003 "قوات التحالف"، بحق المواطنيين العراقيين، وبعلم من إدارة الإحتلال الأمريكية، في نفس الوقت الذي كان من بين من أشارت اليهم تلك الوثائق بإفتراض المشاركة في تلك الإنتهاكات، إفراد ومسؤولون عراقيون في أجهزة القوات المسلحة من جيش وشرطة وقوات الأمن،  والأكثر أهمية وإثارة، أن يرد في تلك الوثائق إتهام مباشر الى رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته السيد نوري المالكي، بإفتراض قيادته لفصائل مسلحة تمارس اعمال التعذيب والإغتيال للخصوم السياسيين، على حد ما جاء بالوثائق المنشورة، مما يصبح معه من البدهي أن تكون ردة الفعل للسيد رئيس الوزراء في منتهى السرعة ومن موقع المسؤولية، لخطورة الإتهامات المثبتة في الوثائق المذكورة،  وما يمكن أن  يترتب عليها من تداعيات غير محسوبة..!(*)


كما كشفت الوثائق غير قليل من الوقائع التي توجه أصابع الإتهام الى عدد من ميليشيات أحزاب وقوى الإسلام السياسي في العراق، على إفتراض خرقها القوانين وتجاوزها على حريات وحقوق المواطنين، وإرتكابها من الأفعال ما قد يضعها تحت طائلة المسؤولية والمحاسبة، وتزودها بالسلاح والعتاد من جهات أجنبية وإستخدامه لتلك الأغراض..!؟؟


أمام هذا الكم الهائل من الوثائق السرية المنشورة، وأمام الطابع الجنائي الذي غطى على مجمل الوقائع والأفعال التي أحتوتها تلك الوثائق، وأمام حقيقة ورود أسماء أفراد وجهات إعتبارية، ممن وجهت اليها أصابع الإتهام بشبهة إرتكاب تلك الأفعال والتجاوزات ذات الطابع الجنائي، يصبح لزاماً التعامل مع هذه الوثائق السرية المنشورة، لا بطريقة ردود الفعل الإنفعالية، كالتمسك بنكرانها جملة وتفصيلا، أو وصمها بكونها تدخل في نطاق "المؤامرة"، أو أي وصف آخر يقلل من شأن ما تضمنته من إتهامات، بل وعلى العكس، فإنه من المفيد النظر لها بعين المسؤولية والحكمة، وإخضاعها الى التدقيق الشفاف والتحقيق النزيه، حيث أن أي إهمال أو تغاض أو تمييع مقصود أو غير مقصود من قبل الجهات المسؤولة على الصعيد الحكومي والقضائي، لما ورد في تلك الوثائق من وقائع،  يشكل هو الآخر، موقفاً غير مسؤول وله من  التداعيات ما لا تحمد عقباه..!؟


من جانب آخر ولأهمية ما جاء في تلك الوثائق من وقائع  تناولت بالشك والشبهة، السلوك الجنائي لأطراف متعددة؛ منها الوطني والإقليمي والأجنبي، وما قد ترتب عليها وجرائها من سقوط العشرات من الألوف من الضحايا المدنيين العراقيين طبقاً لما أوردته الوثائق نفسها، إضافة لما تعكسه الأحداث من قرائن ومتشابهات على الصعيد اليومي، ولما يعتري بعض وقائع الوثائق من عدم الوضوح،  يصبح من الأولويات السياسية والقضائية، مشاركة وإدارة لجان التحقيق التي ينبغي تشكيلها لهذا الغرض، من قبل الهيئات الدولية المختصة بهذا الشأن، وذلك لإضفاء الحيادية والنزاهة والشفافية على عمل لجان التحقيق، لإحقاق الحق والعدالة، وإنصاف الضحايا،  بعيداً عن كل مؤثرات سلطوية أو سياسية  أو حزبية أو شخصية،..!؟
25/10/2010
(*)        http://pmo.iq/index/03-1321.htm
           

174

العراق: الغناء محرم في بابل..!!؟

باقر الفضلي

    

كلمة بابل تعنى باب الإله وصارت بابل بعد    سقوط السومريين قاعدة إمبراطورية بابل، وقد أنشأها    حمورابي، حوالي 2100ق.م امتدت من الخليج العربي جنوبًا إلي نهر دجلة شمالاً. وقد دام حكم حمورابي 43 عامًا ازدهرت فيها الحضارات البابلية حيث يعد عصره العصر الذهبي للبلاد العراقية وبها حدائق بابل المعلقة التي تعد من عجائب الدنيا السبع وكان يوجد بها ثماني بوابات وكان أفخم هذه البوابات بوابة عشتار الضخمة وبها معبد مردوخ الموجود داخل الأسوار بساحة المهرجان الديني الكبير، الواقعة خارج المدينة وقد سماها الأقدمون بعدة أسماء منها (بابلونيا) وتعنى أرض بابل ما بين النهرين وبلاد الرافدين وسميت بابل نسبة إلى (مدينة بابل الآثارية) التي تقع قريباً من مركز المحافظة ومن توابعها كل من قضاء الحلة والمحاويل والمسيب والهاشمية.
الانسكلوبيديا
مهرجان بابل الدولي هو مهرجان سنوي يتم إقامته على مدرجات مدينة بابل الأثرية في محافظة بابل وسط العراق انطلقت فعالياته أول مرة عام 1985م يتم خلاله استضافة العديد من الفرق العراقية والأجنبية التي تقوم بعروض فنية وموسيقية متنوعة ضمن فترة المهرجان. توقفت فعاليات المهرجان منذ عام 2003م على إثر حرب العراق والتدهور الأمني الذي اعقبها لكن يخطط حالياً لإعادة استئناف فعاليات المهرجان[1]


هذه المدينة العريقة في تراثها الثقافي العظيم، سواء في العمران أو في القانون أو في الزراعة وفي شتى فنون الثقافة الأخرى.. المدينة التي كانت يوماً عاصمة لأعظم إمبراطورية في العهد القديم.. المدينة التي إشتهرت ب(مسلة حمورابي) و(اسد بابل) و ب( الحدائق المعلقة) و(باب عشتار)، الرموز التأريخية المشيرة الى عظمة المدينة وخلودها كل هذا الزمن العتيد.. المدينة التي يمثل إسمها عنواناً  وشهرةً عالميةً للدلالة على عراقة حضارة العراق.. المدينة التي إحتل إسمها سجلات منظمة اليونسكو، كإحدى أشهر مدن الحضارة والتراث في العالم..!


لقد إعتادت هذه المدينة العراقية الخالدة وأبنائها الميامين، الإحتفال بمهرجان المدينة السنوي كل عام ومنذ ما يقرب الثلاثة العقود، حيث تنطلق الفعاليات الغنائية والموسيقية والفنية، التي تحييها الفرق الفنية المستضافة، إحتفاءً بمجد المدينة وتأريخها الخالد، ويجري المهرجان بكل ما تستحقه المدينة من تبجيل وتكريم وإعتزاز، الى أن توقفت إقامة المهرجان منذ العام/ 2003 ، وإتخاذ قوات الإحتلال الموقع الأثري للمدينة كموقع عسكري  لجنودها..!!


وإذ بارك أبناء محافظة بابل الكرام، القرار الجديد لوزارة الثقافة العراقية وبالتعاون مع مجلس محافظة بابل، على إقامة مهرجان بابل الدولي الأول لهذا العام من الثاني الى الرابع من تشرين الأول/2010، تفاجيء الجميع بما أعلنه السيد منصور المانع رئيس اللجنة الثقافية والإعلام في مجلس المحافظة، والقائم على مهرجان بابل الدولي الأول وهو يعرب عن [[  اسفه لتخلي اعضاء من الحكومة المحلية عن موقفهم الداعم للمهرجان، قي وقت انتشرت فيه لافتات في شوارع المدينة تحذر من اقامة المهرجان في موعده من الثاني وحتى الرابع من تشرين الاول الجاري.]] مضيفاً [[ الى انه وقبل يوم واحد فقط من انطلاق فعالياته اطلقت الحكومة المحلية في بابل تصريحات تدعو لمقاطعة المهرجان.]] [[ ووصف المانع تلك التصريحات بغير المسؤولة مشددا على ان الاتفاق تمخض عنه الغاء الفعاليات الفنية والموسيقية ما اصاب القائمين على المهرجان بالحرج مع الفرق المشاركة لاسيما الاجنبية منها.]](*)


وعلى ضوء ذلك، يأتي إنتقاد نائب البرلمان السابق السيد مفيد الجزائري للقرار المذكور، مشيراً الى تعارضه مع الدستور، وإن إصداره من قبل الحكومة المحلية للمحافظة يعكس حالة الفوضى التي تعيشها وزارة الثقافة العراقية، وقد شاركته بمثل هذا الإنتقاد، نائبة البرلمان السابقة السيدة صفية السهيل، التي إعتبرت القرار سابقة خطيرة يجب الوقوف ضدها، كما واجه القرار نفسه إنتقادات واسعة على صعيد العديد من الكتاب والمثقفين..!


السادة في مجلس محافظة بابل، يبدو قد غاب عن فطنتهم، أن اللجنة التي ساهمت في كتابة الدستور الحالي للعراق، لم يغب عن بالها أن العراق الحالي هو بلد عريق بأمجاده، ووريث حضارات مختلفة، وحاضن ثقافات شعوب وجدت مكانها في هذا الوادي الخالد، وادي الرافدين الذي ترعرت فيه، حضارات السومريين والأكديين والبابليين والكاشيين والأشوريين والكلدانيين وغيرهم،  وآخرها حضارة العرب الإسلامية، والتي جميعها كانت مبدعة لشتى الفنون والآداب والمعارف العلمية، التي منها إستقت الشعوب الأوروبية، وأنهلت معارفها في الثقافة والفنون على أنواعها، وكما يبدو أن السادة في مجلس المحافظة لم يسمعوا يوماً، أو حتى لم يطلعوا على أن أول من إستخدم الآلة الموسيقية المسماة (القيثارة) وهي تعتبر من أقدم الآلآت المسيقية في التأريخ البشري، ومن صنعها هم السومريون قبل 4000 سنة...!!
  
القيثارة آلة موسيقية قديمة، كان لها دور مهم فى مجمل الفعاليات الموسيغتائية فى بلاد مابين النهرين، وتعتبر من اهم الآثار الموسيقية التى اكتشفت فى العراق، وقد وردت لها تسميات عديدة أهمها “الكنارة”، أول ظهور لها فى المكتشفات الأثرية كان فى مشاهد موسيقية مطبوعة على أختام اسطوانية يعود تاريخها إلى عصر فجر السلالات الذى أعقب عصر جمدة نصر الأول    (2800 – 2700ق.م) وكانت بأربعة أوتار  مشدودة بشكل متوازف على ظهر الحيوان، وغالبا ما كان الثور، وهو صندوقها الصوتى الذى يحتوى على أربع ركائز تقوم مقام أرجل الحيوان...(**)
        

 ولا أطيل كثيراً في الحديث عن الموسيقى أو الغناء، ولماذا يَقدِم مجلس محافظة بابل على تحريمهما لتعارضهما مع الدين الإسلامي ومع عقائد الناس وفقاً لتبريراته،  فالأمر قد حسمه الدستور في نص المادة/ 35 حين أكد على أن:  [[  ترعى الدولة النشاطات والمؤسسات الثقافية بما يتناسب مع تاريخ العراق الحضاري والثقافي، وتحرص على اعتماد توجهاتٍ ثقافيةٍ عراقيةٍ اصيلة.]]  


ولا أظن أن قرار مجلس المحافظة بمنع الموسيقى والفعاليات الفنية لمهرجان بابل الدولي، يبتعد عن كونه خروج على ما جاء في النص الدستوري أعلاه؛  فاللجنة التي كتبت الدستور تدرك جيداً أبعاد الشرائع الدينية، مثلما أدركتها في نصوص أخرى ثبتها الدستور، كما أن السادة في مجلس المحافظة، ليس لديهم ما يستندون إليه من إدلة وشرائع يمكنهم الإستناد إليها في دعم ما ذهبوا اليه من تأويل وفتوى، لم يعهد مثلها الشعب العراقي ولا القوانين العراقية ولا الشرائع الإسلامية المعروفة، منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة أو ما قبلها..!؟


وأتسائل مع غيري من المتسائلين من أبناء الحلة الفيحاء وغيرهم من العراقيين، إن تمكن السادة في مجلس محافظة بابل، أن يشيروا لنا على سبيل المثال، الى فتوى واحدة من فتاوي العلامة (أبو القاسم جعفر بن الحسن الحلي) الفقيه الشهير والمعروف ب(المحقق الحلي) المتوفي عام 676 هجرية 1278 ميلادية، والمدفون في مسقط رأسه مدينة الحلة (بابل)، الذي كان  [[مولعا وناظما للشعر ومنشأ ومنشدا للأدب والإنشاء بغزارة على رغم إنشغاله في العلوم الدينية.]]، أو العلامة الفقيه والفيلسوف وعالم الرياضيات والفلكي الشهير (الخواجه نصير الدين الطوسي) المتوفي في بغداد عام/ 1274 ميلادية 672 هجرية، والإثنان من علماء الطائفة الشيعية الأعلام، ومن أساتذة الشريعة الإسلامية، وغيرهم كثار من علماء الطائفة المعروفين من أبناء مدينة الحلة الفيحاء؛ أقول وأتمنى أن يكون مجلس المحافظة من الماسكين بتلابيب فقه التشريع، ليتحفونا بفتاوى شيوخ الطائفة ممن قد حرم في فتوى أو رأي، فنون الغناء أو الشعر والأدب، أم أن الشاعر الحلي الشهير (صفي الدين الحلي)، (675 - 750 هـ / 1276 - 1349 م) عبد العزيز بن سرايا بن علي بن أبي القاسم، السنبسي الطائي، كان مخطئاً حين بحث في (الزجل) في كتابه (العاطل الحالي والمرخص الغالي)، وهو من من فنون الشعر الشعبي مصحوبا بإيقاع لحني بمساعدة بعض الالات الموسيقية، وذكر أن لأهالي بغداد خاصة، أزجال تميزهم عن غيرهم من المشارقة، أم أن الشاعر العراقي الثائر (احمد الصافي النجفي) المتوفي عام/1977، مخطئاً هو الآخر حينما قام بترجمة (رباعيات الخيام) ومثله الشاعر العربي الكبير (أحمد شوقي)، التي خلدتها الفنانة الكبيرة (أم كلثوم) بصوتها الرقيق، لتبقى خالدة في تراث الفن والشعر العربيين، وغيره الكثير والكثير من النثر والشعر العربي ، ما ظل محتفظاً بنكهته و عذوبته حتى اليوم وللأجيال العربية القادمة، بعد أن تمازج مع إيقاع الموسيقى الرائع، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الشعر الديني والموشحات الدينية التي يرددها الصوفية في جلسات الذكر الدينية؛ فهل وجد السادة في مجلس المحافظة في جميع ذلك، ما يجافي التقاليد والأعراف الإسلامية، أو يجافي أذواق الناس وعقائدهم..؟؟!!    


إن قرار مجلس محافظة بابل في منع الفعاليات الغنائية والفنية لمهرجان بابل الدولي لهذا العام، هو في الحقيقة، يمثل نكوصاً ثقافياً لم تعهده الحياة الثقافية العراقية في حياتها، ورجعة ظلامية لا غبار عليها، وتغييباً وإندراساً للتراث الحضاري العراقي ما يستوجب وقفه، وتتحمل فيه الحكومة الإتحادية المسؤولية الأولى، وهي ملزمة بأحكام الدستور في هذا المجال،  كما أن منظمات المجتمع المدني، هي الأخرى تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والمدنية، ومنهم رجال العلم والثقافة والفنون، في ضرورة التصدي لتوجهات المتطرفين من التيار الظلامي، الذي يحاول إستغلال الدين وتسخيره في إدارته لشؤون الدولة والمحافظات، وإشاعة نمط الدولة "الدينية المنغلقة" في جميع مفاصل الدولة،  مما يتعارض كلياً مع التوجهات في بناء دولة المؤسسات، التي تروج لها القوى السياسية والمتنفذة منها بالذات، وليس بعيداً عنها مجلس محافظة بابل..!!؟


 ومع هذا ورغم أهميته في المسيرة التأريخية للشعوب،  فإن الأهم في القول، إن يجري كل ذلك، في وقت تلزم فيه المحكمة الدستورية العليا، الصمت أزاء ما يجري من إنتهاكات صارخة لأحكام الدستور،  ناهيك عن صمت مجلسي الرئاسة والوزراء..!؟؟
7/10/2010  
  
  
  

175
العراق: المشهد السياسي في مراحله ما قبل الأخيرة..!


باقر الفضلي

لا أظننا في الحديث نبتعد كثيراً عن المسار الذي تسلكه القوى المتصارعة على السلطة في العراق، إذا ما أشرنا الى التاكتيك الذي سارت فيه تلك القوى،  والذي أتينا عليه في آخر مقالة لنا بعنوان: (العراق: الصمود المتواصل في المواقف..)(1) ، ذلك التكتيك الذي إنتهى اليوم ليستكمل خطوته الثالثة وما قبل الأخيرة، لتثبيت وتأكيد ما أشرنا اليه فيما سبق من مقالات أخرى سابقة، حول الخروج في النهاية بصفة "الكتلة الأكبر"، وبالتالي تكليف مرشحها في البرلمان، بتأليف الوزارة الجديدة بإعتباره  الرئيس الجديد  لمجلس الوزراء..!


فبعد تشكيل كتلة (التحالف الوطني) من شقيها دولة القانون والإئتلاف الوطني بقيادة السيد الحكيم، تمكنت كتلة دولة القانون في 1/10/2010، من تمرير مرشحها السيد نوري المالكي من خلال عملية توافق بينها وبين كتلة الصدريين بإعتباره مرشحاً للتحالف الوطني، رغم عدم حضور العناصر المهمة من الطرف الثاني في (التحالف الوطني) وفي مقدمتهم المجلس الأعلى الذي يقوده السيد عمار الحكيم، وحزب الفضيلة، ومرشح الإئتلاف الوطني السيد عادل عبد المهدي، والإعلان في مؤتمر صحفي عن هذا الترشيح رغم غياب الأطراف المذكورة، وتحفظها الذي أبدته على آلية الترشيح،  ومع ذلك فأنه ما زال أمام هذا الترشيح، الكثير من الصعوبات والمعوقات الجدية..!


كل هذا يبدو على الصعيد الظاهري، وكأنه نتيجة منطقية لطبيعة التوازنات القائمة بين الكتل السياسية، ولكن الأمر على المستوى السياسي، له من الأبعاد والمؤثرات والإمتدادات ما يذهب بعيداً عن ظاهر الحال؛ فأزمة تشكيل الحكومة الجديدة وكما إشرت في مقالة سابقة : هو تعبير عن صراع حقيقي بين مواقف تعكس أجندات مختلفة متغايرة، لها دوافعها وأهدافها الخاصة، التي تصب جميعها في هدف مشترك واحد لا يذهب بعيداً عن التمسك بالسلطة من خلال منصب رئاسة الوزراء بصلاحياته المركزة، وهو أمر لم ينكره أحد، وبالتالي الهيمنة على كامل زمام الدولة وبناء مؤسساتها طبقاً لمنظور هذه الجهة أو تلك، وما عليه أهدافها القريبة والبعيدة في بناء الدولة، وقد لا تكون هناك ولمدى بعيد، من صلة لما يسمى عادة ب "خيار الديمقراطية"..!؟(2)   


فالإستقطاب الذي أخذ يتبلور على سبيل المثال، في تكتلات ((الطائفة الواحدة))، والذي كان من أحدى نتائجه، هذا التقارب غير المتوقع بين كتلة دولة القانون، وبين الكتلة الصدرية، الذي إنتهى بإعلانهما ترشيح السيد نوري المالكي كمرشح للتحالف الوطني،  رغم شقة الخلافات الواسعة بينهما وردود الفعل الشديدة التي كان يبديها التيار الصدري من هذا الترشيح،  يأتي عاكساً لحالة التأثيرات الخارجية والتدخل والضغط الذي تتعرض له الكتل السياسية العراقية، من جهات خارجية لم تعد مخفية على النطاق المحلي والإقليمي والدولي..!


 فما أعلنه السيد مقتدى الصدر رئيس التيار الصدري، عن طبيعة الضغوط التي تعرضت لها قيادة التيار، وما عبر عنه بقوله أن "السياسة لا قلب لها"،  له دلالاته الواضحة في هذا الشأن، وإرتباطاً بهذا، ما دفعه الى تغيير مواقفه السابقة من ترشيح السيد المالكي، الأمر نفسه الذي دفع كتلة دولة القانون، أن تفتح الطريق أمام التيار الصدري المعروف بتطرفه، الى التقارب معها بعد تقديم التنازلات المطلوبة، والتي في جملتها وطبقاً لما يشاع في الإعلام، تتعلق بالمناصب الحكومية وإطلاق سراح المعتقلين من أنصار التيار ولا علاقة لها بالمصلحة العامة..!


المهم من كل ما تقدم، أنه في حقيقته يعبر، عن حالة الصراع بين الكتل السياسية ومنها الكتل المتنفذة في السلطة وخاصة كتل "الطائفة الواحدة"،  وما يوضحه من طبيعة حرب التكتيكات الجارية فيما بينها؛  فبعد عملية ترشيح السيد نوري المالكي، تعرضت الآن، ما تسمى ب "الكتلة الأكبر" المتمثلة ب"التحالف الوطني"، الى شرخ كبير في مكوناتها المؤسسة، والى إهتزاز في روابط تلاحمها؛ لتتخذ تلك "الكتلة الأكبر"، طابعاً هلامياً غير واضح المعالم، من حيث العدد وطبيعة ماهية المكونات، لما يميزها من مصالح متباينة، وإفتقار لبرنامج موحد وواضح المعالم، ومع ذلك، فإن هذا الترشيح لم يحض بالإجماع المنشود على صعيد "التحالف الوطني" نفسه، وهو الممثل الشكلي ل"للطائفة الواحدة"..!


 فالذي وَحَّدَ أطراف "الكتلة الأكبر"، إضافة الى رابط "الطائفة الواحدة"،  هو هدف السعي الى السلطة من جهة، وقوة الضغوط الخارجية، المقترنة بالتحذير من [[ "حدوث تداعيات أمنية وتنفيذية على الساحة العراقية في حال تأخر تشكيل الحكومة".]](3) من جهة أخرى، وبالتالي فإنه من السابق لأوانه، القول والتنبؤ بإمكانية تشكيل حكومة "الشراكة الوطنية" التي تدعو لها جميع هذه الأطراف، خلال وقت منظور للمراقب، طالما ظلت أسباب الصراع قائمة على مستوياتها المختلفة؛  فإن تمكنت، وعلى سبيل الإفتراض، قوى الضغط المختلفة، والمتمثل بعضها ب"التوافق الأمريكي _ الإيراني" من تسويتها جزئياً، ونسبياً على مستوى "الطائفة الواحدة"، وهذا قد أخذ من الوقت ما جاوز السبعة أشهر، فليس من اليسير الوصول الى الهدف النهائي مع التكتلات السياسية الأخرى على إختلاف تكويناتها في فترة وجيزة، لما يلزمه الأمر، من تعهدات وشروط، ومن تدخلات وتنازلات ومساومات أوسع وأعمق في إمتداداتها وتأثيراتها الداخلية والخارجية..!


هذا في الوقت الذي إنتهت اليه إجتماعات "التحالف الوطني" ممثل "الطائفة الواحدة" بترشيح السيد المالكي، فأنها والى حد ما،  قد حركت بعضاً من حلحلة شكلية لجمود المشهد السياسي،  وكثفته إستقطاباً أكثر مما كان عليه، ولكنها ورغم ذلك، لم تبشر بمتغيرات ملحوظة، على صعيد المشروع الوطني وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، طالما ظل فيه المشهد المذكور، غارقاً في أجواء التكتيكات السياسية الحالية، والتدخلات والضغوط الأجنبية، وهيمنة الطائفية السياسية..!؟


وعلى الضد من ذلك، فما زال المواطن العراقي يعد الإيام، بإنتظار "اليوم الموعود" الذي تتحمل فيه الكتل الفائزة مسؤوليتها وتتمكن من خرق شرنقة الجمود السياسي والفراغ الدستوري، وتخرج حكومتها المنتظرة الى الفضاء الطلق..!   
3/10/2010 

176

منظمة التحرير: رمز وحدة الشعب الفلسطيني..!

باقر الفضلي

في الوقت الذي تتهادى جموع المستوطنين الإسرائيليين لمناصرة موقف الوفد الإسرائيلي في المفاوضات المباشرة ، بالدعم والتحريض، وتقديم كل ما يشجع على تثبيت مواقفه والإصرار على مطالبه، ووقوفها كتلة واحدة متراصة وراء حكومة نتنياهو في دعمه الإستيطان وعدم تقديم أية تنازلات للمفاوض الفلسطيني بهذا الشأن، بل ومطالبة حكومتهم بطرح "الإستيطان" كثمن للإعتراف بوجود الدولة الفلسطينية، والضغط بشتى الوسائل لكسب جولة المفاوضات الحالية مقرونة بالنجاح ببقاء المستوطنات الحالية على الأرض والإستمرار بأعمال البناء مباشرة عند إنتهاء وقت التجميد، ومع ذلك وإن ظهرت هنا وهناك بعض الأصوات، التي تنتقد إصرار نتنياهو على عدم تمديد قرار التجميد مثل السيدة ليفني وزيرة الخارجية السابقة، أوتبدي خيبة أملها  لذلك كالخارجية الأمريكية، فلا زال نتنياهو سادراً في موقف القنوط والرفض للتمديد؛


في هذا الوقت العصيب، الذي يتطلب توحد جميع فصائل الشعب الفلسطيني، صاحب القضية المحورية في هذه المفاوضات، بالوقوف وراء الوفد الفلسطيني المفاوض، وشد أزره بكل ما يتطلبه الدعم من المواقف السياسية والإعلامية والفعاليات الإجتماعية والجماهيرية الشعبية، وتعزيز صموده في مواصلة التمسك بثوابت الشعب الفلسطيني، في هذا الوقت بالذات، يفاجيء الجميع من أنصار ومؤيدي كفاح الشعب الفلسطيني في نضاله من أجل تحقيق ثوابته الوطنية في تقرير المصير وإقامة دولته الوطنية الديمقراطية، بإقدام الأخوة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتعليق جلساتها في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، كموقف إحتجاجي على المشاركة في المفاوضات، و[[بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، تحضره كافة الأطراف المعنية في إطار هيئة الأمم ومرجعية قراراتها؛ بهدف إلزام إسرائيل بتنفيذ هذه القرارات]],  وما يثير الغرابة أيضاً ويتزامن مع هذا الإعلان، أن تنبري حركة حماس مجدداً وفي نفس الوقت، بإصدار بيان جديد موجهاً الى السلطة الفلسطينية تطالبها فيه بالإنسحاب المباشر من المفاوضات، للحفاظ على المشروع الوطني والمقاومة، ولما بعد تبدأ أولى خطوات المصالحة بين الفريقين التي هللت وباركت لها الجماهير الفلسطينية..!؟


الموقفان الجديدان من الشعبية وحماس هذا اليوم، يركزان على الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني والثوابت الفلسطينية، والجميع يعلم بأن المشروع الوطني، هو نفسه مبني في جوهره على جملة القرارات الدولية، فحين يخوض المفاوض الفلسطيني المفاوضات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي،  فإنه لم يبتعد في طروحاته خارج نطاق تلك القرارات، التي يشار اليها بإستمرار في بيانات الرفض المعلنة، لإظهار وكأن مشاركة السلطة الفلسطينية في تلك المفاوضات هو بمثابة تنصل من تلك القرارات وتفريط بها لصالح المشروع "الأمريكي _ الإسرائيلي"، هذا في وقت أكدت فيه كل المؤشرات ومن مختلف المصادر، عن صلابة موقف الوفد الفلسطيني، وعن تمسكه بثوابته الوطنية، المسندة بقرارات الشرعية الدولية، وبدعم الرباعية الدولية وتأييد الجامعة العربية والمجتمع الدولي، ناهيك عن رعاية الولايات المتحدة الأمريكية المتمثلة بموقف الرئيس الأمريكي والمستندة في إنطلاقتها على نفس تلك الأسس الدولية، التي يرى فيها الجميع من مناصري القضية الفلسطينية، بأنها الأكثر مناسبة في الظروف الدولية الراهنة، الصالحة لإعتمادها كمنطلق للبدأ بالسير الحثيث، لتثبيت أركان عملية السلام، والتي من خلالها ولأجلها، ينبغي توحيد صفوف الشعب الفلسطيني بكل فصائله الوطنية، لتحقيق وسائل الضغط، المدعومة من قبل المجتمع الدولي، على الحكومة الإسرائيلية، للإقرار على الأرض، بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني..!


فوحدة الصف الفلسطيني، المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، هي من الأهداف التي يترصدها اليمين الإسرائيلي، ويعمل ما وسعه الوقت من اجل إضعاف تماسكها والنيل من لحمتها، لمعرفته الحقيقية، بأن أي نجاح يمكن أن يحققه الشعب الفلسطيني، لا يمكن أن يكتب له النجاح والديمومة والإستمرار، إلا من خلال تلاحم فصائل تلك المنظمة ووحدة موقفها السياسي في القضايا الوطنية، وهذا ما يستدعي في جميع الأحوال توخي الحذر والحيطة من تقديم أية فرص أو مناسبات أو إجراءات، يمكن أن يتخذها اليمين الإسرائيلي، كمعابر نفوذ الى داخل الوحدة الفلسطينية، وإستغلالها وتعميقها من أجل نخر تماسك المنظمة، وتفريق شمل فصائلها، وبالتالي إضعاف قرارها الوطني..!

ومن هنا يمكن القول، بأنه من غير المنطقي أن يتخذ من المشاركة بالمفاوضات المباشرة، ذريعة، أو تكتيكا وحجة، تصب نتائجها السلبية بإتجاه معاكس، نحو النيل من وحدة المنظمة، أو على أقل تقدير، هكذا يمكن أن يفسر من قبل غلاة المعادين لمنظمة التحرير الفلسطينية من اليمين الإسرائيلي،  في وقت ينبغي فيه أن تكون وحدة منظمة التحرير الفلسطينية في مقدمة الأولويات التي ينبغي السهر عليها، ومنحها كامل الدعم والتأييد، والوقوف خلفها في صراعها الجاد مع المحتل الإسرائيلي، الذي يتحين الفرص للإيقاع بوحدتها وصمودها في تحمل مسؤولية قيادة نضال الشعب الفلسطيني، في أعسر وأدق فترات هذا الصراع الدامي الطويل.. نعم هنا يمكن القول؛ بأن مرور الأسابيع الثلاثة الأولى فقط من بداية المفاوضات، ومع إنتهاء أمد نفاذ قرار التجميد للبناء في المستوطنات هذا اليوم، حتى بدأت ملامح الإرتباك والإهتزاز في معسكر الجانب الإسرائيلي، منعكساً في نداءات السيد نتنياهو الى مناصريه من المستوطنين، بالتمسك بضبط النفس، ومناشدة وزرائه بالتوقف عن أية تصريحات تتعلق بالإستيطان، وإنتقاد السيدة ليفني رئيسة حزب كاريما رفض السيد نتنياهو تمديد قرار التجميد، وإعلان الخارجية الأمريكية عن خيبة أملها من موقف نتنياهو، مع توالي نداءات المجتمع الدولي للطرفين المتفاوضين بضرورة مواصلة المفاوضات؛

 كل هذا ليقابلها الموقف الحكيم والمتأني المتمثل بموقف الرئيس محمود عباس الثابت من الإستيطان، بإعلانه العودة الى لجنة المتابعة العربية في الجامعة العربية، للتشاور وإتخاذ القرار المناسب بشأن التواصل من عدمه بالنسبة للمفاوضات، بما يعني أن ثبات الموقف الفلسطيني لم يطرأ عليه تغيير حول ذلك، ولم يجري العمل بردود الفعل على حد قول الرئيس محمود عباس..!

 فالكرة الآن، في ملعب الحكومة الإسرائيلية شاءت أم أبت، أما الموقف الأمريكي والرباعية الدولية، فقد وجدت نفسها في وضع لا تحسد عليه، بعد الرفض الإسرائيلي لتمديد التجميد؛ فها هي النداءات والوفود الأمريكية تبدأ في نشاطها من جديد، تخوفاً من فشل المفاوضات المباشرة، على ايدي المستوطنين الإسرائيليين، ولا أظن أن حكومة السيد نتنياهو في حال أحسن مما هي فيه؛ من حيرة وتململ، بعد أن فشلت في الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه، لتجد نفسها بين سندان الإستمرار  بالمفاوضات المباشرة، وبين مطرقة الحلفاء من ألأحزاب اليمينية للمستوطنيين، التي رفعت معاولها لمباشرة البناء في المستوطنات حال إنتهاء وقت قرار التجميد..!


لقد حان الوقت الذي يفترض فيه، أن تجد المصالحة الوطنية لأنهاء الإنقسام الفلسطيني _ الفلسطيني، طريقها الى الوجود الآن، وأن تُبذل كافة الجهود من قبل جميع الأطراف والفصائل الفلسطينية، لأن تصبح تلك المهمة من أولوياتها الرئيسة، إذ لا مخرج من مأزق عدم الإستمرار بعملية الإستيطان الذي يطوق الحكومة الإسرائيلية، إلا بإفشال تلك المفاوضات، وهذه كما يبدو تسعى اليه حكومة نتنياهو بأية طريقة كانت، ومنها دفع الجانب الفلسطيني بكل الوسائل الممكنة الى الإقدام، حتى ولو على خطوة واحدة بإتجاه رفض المفاوضات المباشرة، وتحميله ذريعة ذلك الموقف، ولكن هذا ما أسقطته حكمة ومرونة الرئيس محمود عباس في يدها، عندما أرجأ  القرار الى الرابع من الشهر القادم، فلن تلوي على شيء..!!


ختاماً وتأسيساً على ما تقدم، فإنه من غير المتصور أو المطروح علنا، أن يختزل المفاوض الفلسطيني كل مطالبه من وراء المفاوضات المباشرة، الى مجرد الطلب بوقف الإستيطان كما يشار الى ذلك في بعض المواقع  والكتاب؛ فوقف الأستيطان لا يشكل إلا المفتاح الذي يمكن الولوج من خلاله الى كامل الملف الفلسطيني، المتعلق بكامل الحقوق الفلسطينية التي تدعمها قرارات الشرعية الدولية، والتي هي موضع النقاش وجوهر ولب المفاوضات المباشرة نفسها، وما التقليل من جدية المفاوض الفلسطيني والتشكيك بقدرته على إدارة الصراع، لا يعكس إلا حالة من الإحباط الداخلي، تجري صياغتها بإفتراضات وتصورات تبدو في ظاهرها وكأنها تصيب كبد الحقيقة، ولكن واقع الحال وما جسده موقف الرئيس الفلسطيني في خطابه الأخير بحضور الرئيس الفرنسي، أكثر دلالة على واقعية منظمة التحرير الفلسطينية في إدارتها لملف المفاوضات..!
         
         






   

   




177

العراق: الصمود المتواصل في المواقف..!

باقر الفضلي

نحن على أعتاب إستكمال الشهر السابع على نهاية الإنتخابات البرلمانية الجديدة، في السابع من آذار/2010 ، ليصبح لزاماً علينا الإحتفال بحالة "الصمود الرائعة" التي تمثلت بإحجام السادة النواب الجدد من العودة الى مجلسهم الموقر، وقد غادروه بملأ إرادتهم في الرابع من آيار /2010 الى أجل غير مسمى، "تضامناً" كما يبدو، مع إجماع قادة كتلهم النيابية الفائزة،  لعدم الإتفاق على تنصيب من يكون رئيساً للجمهورية  وممن سيتكون مجلس رئاسة البرلمان، والى من سيسند منصب رئاسة الوزراء..!؟؟


وليس بعيداً عن هذه الحال، جولات السيد بايدن نائب الرئيس الأمريكي المكوكية، التي لم تنقطع ذهاباً وإيابا، بين واشنطن وبغداد، لتدخل عنصراً حاسماً  في مفردات المشهد السياسي العراقي، لتشكل أحدى مكوناته الرئيسة، ناهيك عن المكونات الأخرى من المؤثرات الإقليمية، التي تعمل من وراء كواليس المسرح السياسي، بإمل إستكمال إعداد مكونات المسرحية الجديدة، التي عرفت مجمل شخوصها ، ولم يفضل إلا الإتفاق على السيناريو الأخير المعد للإخراج..!!؟


وأمام هذا الصمود المتواصل في المواقف، لا زال الفشل المحيق بالكتل النيابية الفائزة بالإنتخابات سيد الموقف، وليست هناك ثمة من متنفس لإنفراج حتى لو كان شكلياً في صورته الظاهرة، لتراجع ملموس يفتح الطريق امام ذلك الإنفراج المنشود..!


فالكتل  النيابية الأربع لم يهدأ لها بال ولم تغمض لها عين،  طالما ظل كرسي رئيس الوزراء معلقاً في فضاء التنافس الذي لا تحده حدود ولا له زمن موعود؛ فالجميع قد أعلن نفسه مرشحاً للفوز، والكل يتأبط تحت جناحيه دستوراً فُسرت نصوصه وفق ما يرغب وما يشاء، وكلهم يصدح بأحقيته في قيادة البلاد، ولَمَّ شمل العباد،  حتى وصل الحال حداً لا يحتمل فيه المزيد من الكلام،  ولا تسوغ فيه تفسيرات لنصوص الدستور، ولا يحتاج الى مزيد من الركض وراء قانون أو إجتهاد..!


ومع ذلك فإن ما أتينا عليه في المقالة الموسومة (إشكالية الكتلة النيابية الأكبر)(*) ، من إفاضة واسعة حول ما يعنيه مدلول الكتلة المذكورة، وما ينصرف اليه مدلول منصب رئيس الوزراء في ظل أسس بنيان السلطة العراقية الجديدة وقواعدها بعد الإحتلال/2003،  يظل قائماً كدليل ملموس وواقع حي، يفسر الأسباب والعوامل التي تقف وراء حالة "الإستعصاء السياسي" في الواقع السياسي العراقي الراهن، وهو تعبير مجازي، إذ لا يمثل هذا "الإستعصاء" سوى حالة واقعية لصراع  يدور ويتحرك  بأدوات السلوك "السياسي _ الطائفي" للأحزاب السياسية المتنفذة في السلطة وما حولها، وهو في جوهره يعكس صراعاً سياسياً من أجل التفرد بالسلطة، من خلال إستخدام نفوذ الطائفة الدينية العددي لمذهب معين، وفق آلية دستورية في مواجهة القوى والأحزاب السياسية الأخرى، ممن تبتعد في بنائها وحراكها، عن قواعد وأسس وأدوات السلوك "السياسي _ الطائفي"، كالقوى والأحزاب ذات الطابع الليبرالي والديمقراطي،  وذلك  لتحقيق الهدف المنشود..!


فحينما كان الهدف من وراء الأنتخابات، ومن قبل أغلب الكتل السياسية المشاركة فيها، هو مجرد الفوز بالسلطة لا غير، فلم يعد مستغرباً بعد ذلك، وعلى سبيل المثال، أن تلجأ بعض من الكتل السياسية المشاركة، بإستنباط أي من الطرق والوسائل والآليات، ما يضمن لها تفردها بالفوز إن تيسر لها ذلك..!؟


ومن هنا فليس من باب العجب أن تلجأ كتلة مثل (إئتلاف دولة القانون)، يدفعها وجودها أصلاً في دست الحكم ، أن تسبق الأحداث وأن تلجأ الى المحكمة الدستورية الإتحادية العليا، وبعيداً عن أي تنازع قانوني مع أي من الكتل السياسية الفائزة في الإنتخابات، لتحضى من المحكمة المذكورة برأي تفسيري لنص المادة/ 76 من الدستور، يمنحها إسناداً دستورياً لاحقاً بالتمسك بكونها "الكتلة النيابية الأكبر"، وبالتالي طرح نفسها بإعتبارها صاحبة الحق بمنصب " رئيس الوزراء " خلافاً لمن يدعي العكس..!؟؟


وهذا ما دفع الأئتلاف المذكور،  أن يخطو خطوته الثانية للسعي وراء تشكيل "الكتلة الأكبر"، فلم يجد أقرب من التحالف مع الإئتلاف الوطني بقيادة السيد عمار الحكيم، ليعلنا عن تأسيس (التحالف الوطني)، وهي ممارسة ذات طابع تقليدي، تستند في جذورها الى أرضية واحدة في تشكيل الإئتلافين نفسيهما، كونهما يمتا الى أصول الطائفة الواحدة، وكون الهدف من التوحد في تحالف واحد، رغم الخلافات، هو من أجل تكوين "الكتلة الأكبر"، ليكون مرده في النتيجة، ضمان بقاء منصب رئيس الوزراء في عهدة الطائفة نفسها لا غير؛ ولكي يتحقق الهدف المذكور، ينبغي على المواطن العراقي التحلي بالصبر والتسبيح والتذرع لله ، كي  يمن على قادة الإئتلافين بتسوية خلافاتهما، وفض نزاعاتهما، بتسمية مرشح تحالفهما المنتظر، ليتوج رئيساً للوزراء المرتقب تحت قبة البرلمان..!


ولكن كل ما يثير الإستغراب والدهشة، أن قائمتين من مجموع القوائم الفائزة الأربعة في الإنتخابات، وهما كتلتا دولة القانون والإئتلاف الوطني العراقي، قد إنفردا وحدهما في أخذ كامل ما إستطاعاه من الوقت وما يزيد، من أجل الوصول في النهاية الى إضفاء "الشرعية" اللازمة على تحالفهما الجديد "التحالف الوطني"، والذهاب به الى مجلس النواب ممثلاً بمن يقوده ويمثله كمرشح لمنصب رئيس الوزراء الجديد..!؟؟


وما يثير التساؤل في هذا المجال، هو وقت من هذا الذي تصرفت به الكتلتان ولا زالت بهذا الشكل المفتوح، وهذه الإنسيابية التي لا تحدها حدود ولا يحكمها نص من دستور أو قانون، ولا تبيحها قواعد من عرف أو ديمقراطية؛ وكيف لهما أن تستأثرا  وحدهما بما منحهما الناخبون من حق التمثيل الشعبي في البرلمان، لتهدرا كل هذا الوقت الطويل في مناورات ومفاوضات لا طائل من ورائها، من أجل حل منازعاتهما الخاصة وخلافاتهما الشخصية والحزبية العميقة، وهل هناك ما يمنحهما الحق في شل وتعطيل الكتلتين الأخرتين ووضعهما في حالة الترقب والإنتظار لحين ما تصل كتلتيهما في "التحالف الوطني" الى حل عقدة تسمية ممثلها بإعتبارها "الكتلة الأكبر"..؟!  فهل هناك في نظام مجلس النواب وقواعده الداخلية ما يبيح مثل هذا الحق لأي كتلة نيابية كما هو عليه الآن في حالة الكتلتين..؟! أم هل هناك في النظام الداخلي لمجلس النواب ما يسمح بتعطيل المجلس الى أجل غير مسمى نزولاً عند رغبة عضو أو كتلة من أعضائه أو كتله النيابية..؟!


أليس وقت البرلمان هو وقت لا يمتلكه غير الشعب، ولا ينبغي إستغلاله والتصرف به إلا في الحدود التي تخدم مصلحة الشعب لا غير..؟! أليس هذا هو منطق المصلحة العامة التي تعني مصلحة الشعب..؟!  فهل يمتلك السادة النواب الحق في التصرف بهذا الوقت خارج تلك الحدود، ليقرروا تعطيل أنفسهم عن العمل متى رغبوا والى أي مدى شاؤوا..؟!  وهل يا ترى يمكن حساب كل هذا الوقت الضائع من عمر مجلس النواب والذي قارب السبعة أشهر، بأنه يصب في خدمة الشعب..؟!  وما هي تلك المصلحة التي حققها الشعب من وراء كل هذا التعطيل لعمل المجلس..؟! ومن ياترى يتحمل مسؤولية كل هذا الزمن المهدور من وقت المجلس، والمبالغ الطائلة، المهدورة والضائعة لتغطية كل هذا الإنفاق العظيم؛ من رواتب النواب ومخصصات الحماية وأجور النقل، وبدلات إيجار الفنادق وغيرها من نفقات إخرى..؟؟!


إنها بحق تجربة غنية من تجارب " الديمقراطية الجديدة"، التي إفرزتها العملية السياسية، ودرس بليغ من دروس السياسة في "العراق الجديد"، ينبغي أن تتعلم منه الأجيال القادمة، لتصوغ "ديمقراطياتها " االلاحقة على ضوء هذا المنوال، حتى وإن بدا فيها المواطن العراقي الحالي هو الخاسر على الدوام..!!!؟
________________________________________________________________________________     
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=222244



178

نتنياهو:السلام خيار صعب..!

باقر الفضلي

قد يقنع السيد نتنياهو نفسه بأن إطلاق التصريحات وحده كافياً لإقناع الآخرين، ويكفي ذلك فقط، لو تضمنت تلك التصريحات، شيئاً من الوعود المضمخة ببعض عطور الأمل المشبوب بمعسول الكلام؛ وقد يتراءى له بأن أصحاب الحق الذين صبروا على إسترداده  كل هذا الوقت الطويل، جاهزين الآن، وفق تصورات  "الفرصة السانحة" التي لا تُفَوت بالنسبة للسيد نتنياهو، أن تفت في عضدهم أمثال تلك التصريحات، ليتهافتوا شيباً وشباناً ملبين إرادة السيد نتنياهو في التواصل مع المفاوضات المباشرة، مصدقين وعوده فيما يسوقه من تطمينات حول مشاريع الإستيطان، وإن "البناء الجديد في المستوطنات قد يكون على نطاق محدود"، على حد قول الناطق الإسرائيلي اليوم الجمعة 24/9، أو كما يتمثل [[مكتب نتنياهو عن رئيس الوزراء قوله في بيان ان استمرار البناء الاستيطاني لم يعرقل جولات سابقة من المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين تعود الى عام 1993]]..!(*)


   قد يدرك أو لا يدرك السيد نتنياهو، بأن الوعود مهما إزدادت حلاوتها، وإستلطفت كلماتها، فإنها تظل من حيث الواقع الملموس، مجرد وعود تدور في فلك المناورة، خاصة إذا كانت صادرة من محترف للسياسة، وفي قضية مصيرية تدور بين الحرب والسلام، وبين الحق وإنكاره، وبين الحرية والإحتلال، وبين الكرامة والإذعان؛ وعود يطلقها من بيده أمور الحل والشد، فإن لم تجد لها ما يترجمها على صعيد الواقع الحي، عملاً ملموساً يقف شاهداً على مصداقيتها وحسن نوايا قائلها، فإنها تظل مجرد وعود تتناقلها وسائل الإعلام ويصفق لها المؤيدون من الشلة الحاكمة والمساندة لسياسة الإستيطان التي يقودها وينفذها السيد نتنياهو من خلال حكومته اليمينية الحالية..!؟


ولا نريد هنا أن نذكر السيد نتنياهو، بأن الدخول في مفاوضات بهذه الأهمية، التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، ويدعمها المجتمع الدولي ويساندها المجتمع العربي؛ مفاوضات بهذه الجدية والمسؤولية، لا يمكن أن تخضع الى مجرد مناورات، واضحة مراميها وإغراضها سلفا، ومن غير المنطقي الركون اليها، خاصة وأن المفاوض الفلسطيني والسلطة الفلسطينية كانت من الوضوح في موقفها بالنسبة لمسألة الإستيطان بما لا غبار عليه، وبما لا يقبل التأويل والتفسير، فأي تواصل إستيطاني، وإن إختلفت الأسماء والأشكال، أو إتسع النطاق أو تحدد، فإنه يظل في جميع الأحوال إستيطان مرفوض، ولا يعبر إلا عن حالة الهيمنة والإحتلال، ويبقى في جميع الأحوال العائق الرئيس أمام إستمرارية المفاوضات، وهذا ما أعلنته السلطة الفلسطينية قبل البدء بالمفاوضات وإثنائها، وهو يمثل بمثابة الخط الأحمر الذي يحدد إرادتها في السير قدماً بتلك المفاوضات، فليس هناك من جديد في موقف السلطة الفلسطينية من الإستيطان ، وهذا يبدو في غاية الوضوح حتى اللحظة، طبقاً لتصريحات الرئيس محمود عباس الأخيرة..!


فحين يكون خيار السلام الذي تقبله السيد نتنياهو وتبناه علناً وجاهر به بإعتباره الخيار الوحيد الذي يسمح بإقامة الدولتين الجارتين والممكن لهما أن تعيشا بسلام  وإطمئنان من خلاله، خدمة لمصلحة الجيل الحالي والأجيال القادمة، والذي تبنته الشرعية الفلسطينية بإعتباره الخيار السليم والصحيح الآن، مستجيبة لمبادرة الرئيس الأمريكي ودعوة الرباعية الدولية، وبتعضيد من قبل الدول العربية؛ إن مثل هذا الخيار ليس سهلاً إختراقه بمجرد وعود عن تسويات لا تمت بصلة لجوهر قضية الإستيطان، بل إن مثل تلك التسويات المبتسرة، لا تتحرك إلا بالإتجاه الذي يرضي الأطراف المشاركة مع السيد نتنياهو في الحكومة اليمينية وممن  يدعمون الإستيطان داخل الأراضي الفلسطينية، وبالتالي فإن رفض الحكومة الإسرائيلية تمديد قرار التجميد للبناء في المستوطنات، وطرح حلول وتسويات من هذا القبيل، لا بد وإن يقابله رفض من قبل السلطة الفلسطينية في الإستمرار في المفاوضات، إذا ما عاودت الحكومة الإسرائيلية  لمباشرة أعمال البناء بعد إنتهاء وقت التجميد، وهو أمر لن تجهله الحكومة الإسرائيلية ولا حتى الأمريكية ولا الرباعية الدولية وسائر مكونات المجتمع الدولي،  بأي حال من الأحوال..!


ومع ذلك سيظل خيار السلام من أصعب الخيارات التي ستواجه حكومة السيد نتنياهو الآن ومستقبلاً ، طالما ظلت حكومة اليمين الإسرائيلي في موقفها الإزدواجي، تتمايل ذات اليمين وذات الشمال؛ بين التصريحات التطمينية من جهة، وبين الأفعال االمعاكسة على صعيد الواقع، وطالما ظل مشروعها للإستيطان داخل اراضي الدولة الفلسطينية، خيارها الاول في الوصول لأي تسوية ممكنة مع السلطة الفلسطينية. فالجنوح للسلم يحتاج الى إرادة تصميمية خالصة، بعيدة عن كل ما يشوبها من المماطلة وزهق حقوق الآخرين، تحت واجهات من المغالطة وإلإستغفال والإنكار، ناهيك عن إزالة كل المعوقات التي تقف في وجه التقدم بالمفاوضات وفي مقدمتها وقف وإزالة الإستيطان لتعارضه قطعياً مع موجبات ومستلزمات نجاح حل الدولتين..!


إن هذا وحده كاف لتحميل الحكومة الإسرائيلية تبعات الفشل الذي قد يلاحق مسيرة المفاوضات المباشرة، حيث لا تجدي معه، وفق المنطق والعرف السياسيين، وطبقاً لقرارات الشرعية الدولية حول رفض الإستيطان، أية تبريرات تحاول الحكومة الإسرائيلية سوقها من خلال التصريحات والدعاية الإعلامية وكأنها الحمل الوديع، ومحاولة رمي الكرة في الملعب الفلسطيني، وتحميل السلطة الفلسطينية، تبعات ما قد يسفر عنه من فشل محتمل للمفاوضات الحالية،..!!؟


أما الإهابات والإشادات التي يطلقها المجتمع الدولي بضرورة مواصلة الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، الإستمرار بالمفاوضات، وآخرها مناشدة الرئيس الأمريكي أوباما أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فلا نرى أنها ستجد من صدى مؤثر على سير المفاوضات، إن لم ترافقها الضغوط السياسية والدبلوماسية من قبل المجتمع الدولي على حكومة السيد نتنياهو بالذات، وتحميلها مسؤولية أي تفريط بإضاعة فرصة السلام، وإنتقاد موقفها المتعنت في رفضها التمديد لقرار تجميد البناء في المستوطنات، إذ ليست هناك ثمة شائبة في موقف الجانب الفلسطيني من هذه المفاوضات منذ بدايتها، في وقت إنهالت فيه عليه، شروط السيد نتنياهو تباعا؛ بدءً من شرط الإعتراف بيهودية دولة إسرائيل وإنتهاءً بمواصلة البناء في المستوطنات، وهذا ما تناولناه في مقالات سابقة..!
_________________________________________________________       
(*)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE68N0HQ20100924?sp=true
     


179
نتنياهو: مواقف متناقضة..!
باقر الفضلي

ما انفك رئيس الحكومة الإسرائيلية السيد نتنياهو، ومنذ اليوم الأول لبدء المفاوضات المباشرة في الثاني من أيلول الجاري في واشنطن، على طرح الشروط تلو الشروط امام الفلسطينيين وهو عالم علم اليقين، بأن ما يطرحه من شروط محددة، مرفوض كل الرفض من قبل المفاوض الفلسطيني، ومحكوم بنص الإتفاق في الدخول الى المفاوضات المباشرة دون أية شروط محددة، وهذا نفسه ما كان يذكره السيد نتنياهو قبل البداية؛ ومع ذلك فلا يزال السيد نتنياهو نفسه ووزير خارجيته السيد ليبرمان يكرران بلا إنقطاع شرط إعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة لليهود، رابطين الأمر بالطلب الفلسطيني بوقف الإستيطان، بإعتباره شرطاً فلسطينياً طبقاً لتوصيف السيد نتنياهو..! 


يعلن السيد نتنياهو بأنه مع حل الدولتين، ولكنه يتناسى أيضاً، بأنه ليس هو من قرر إنشاء الدولة الفلسطينية، كحقيقة لا بد أن تظهر للوجود، ولا هو من يعطي الترخيص بإقامتها، فقرار وجود الدولة الفلسطينية قرار دولي، ألزمت به الشرعية الدولية جميع أعضائها بالإلتزام بتنفيذه، بما فيها دولة إسرائيل، والإقرار بشرعية الدولة الفلسطينية كإحدى أعضائها، وهنا يقع السيد نتنياهو بالتناقض نفسه، حينما يطالب الفلسطينيين بالإعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وينسى إنه لا يمتلك مثل هذا الحق، وأن وجود المستوطنات داخل أراضي دولة شرعية أخرى، لا يمكن توصيفه غير إحتلال إستيطاني طاريء وغريب، حتى لو كان سكان تلك المستوطنات من اليهود، وهو من أسوء أنواع الإحتلال التي عرفها العالم كالأبارتهيد، كما يتناسى السيد نتنياهو؛ بأنه ليست هناك قوة تمتلك الشرعية، يمكنها أن  تفرض على الشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر، توصيف طبيعة الشعوب الأخرى، مثلما يرفضه الشعب الفلسطيني نفسه..!


أما ما يطرحه السيد ليبرمان وزير خارجية دولة إسرائيل" اليهودية" العنصرية عما يسمى ب"تبادل الأراضي والسكان"،(*) فهذا ليس إلا كذبة كبرى ، وإفتراء على الحقيقة، فالمليون والنصف مليون من العرب الفلسطينيين الموجودين داخل حدود الدولة الإسرائيلية، إنما هم سكانها الأصليون منذ القدم، ولم يكنوا يوماً طارئين في وجودهم هذا على أرض الأباء والأجداد، على خلاف واقع المستوطنات الإسرائيلية المزروعة من قبل دولة الإحتلال في قلب الأراضي الفلسطينية بعد عدوان عام/1967، فما يمتلكه العرب الفلسطينيون من حق تأريخي في هذا الوجود لا يقبل المساومة، كما ولا تنطلي خديعة لعبة دولة إسرائيل "اليهودية" على المجتمع الدولي للمس بالحق التأريخي لهذا الوجود الذي إعترفت به وأقرته الشرعية الدولية في قرارها للتقسيم عام/ 1948، المتعلق بإنشاء الدولتين، ناهيك عن تثبيت حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى مناطق سكنهم السابقة والموجودة حالياً داخل حدود الدولة الإسرائيلية بموجب قرارات الشرعية الدولية، راجع بهذا الشأن المقالة الموسومة، نتنياهو: هل يحقق السلام..؟(**)


ومن هنا يأتي طرح "تبادل الأراضي والسكان وليس تبادل الأرض مقابل السلام"، الذي يقترحه ليبرمان، وربط ذلك بالإستيطان، ليؤكد كل التوجسات التي أشرنا اليها سابقاً حول مدى صدقية حكومة السيد نتنياهو في موافقتها دخول المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية، إستجابة لرغبة المجتمع الدولي وتلبية لمبادرة الرئيس الأمريكي السيد أوباما والرباعية الدولية، لتفضح تصريحات السيد ليبرمان ذلك الحماس الخاوي المبني على الدجل والإفتراء وتشويه الحقائق، ومحاولة التستر على حقيقة الإستيطان العنصري من خلال اللعب بورقة مطالبة الفلسطينيين بالإعتراف بيهودية دولة إسرائيل، لتمرير الخدعة المفضوحة، في توسيع رقعة أراضي دولة إسرائيل على حساب الأراضي الفلسطينية، وتمزيق جسد الدولة الفلسطينية المنشودة، بزرعها بجزر الإستيطان المرتبطة بالأذرع الأخطبوطية لدولة إسرائيل "اليهودية" طبقاً لمشيئة نتنياهو العنصرية، ولتبرير أية إنتهاكات قادمة بحق عرب فلسطين/48 داخل حدود دولة إسرائيل..!!؟؟


يطالب السيد نتنياهو أن تتقدم مناقشة "أمن" دولة إسرائيل خلال المفاوضات الحالية، على أية أمور أخرى تتعلق بحدود الدولة الفلسطينية وحق العودة والأمور الإستراتيجية ذات العلاقة وبكل ما يمس وجود الدولة وديمومتها وإستقلالها، ووحدة أراضيها..الخ  ولكنه يتجاهل في عين الوقت، بأن إستمرار بقاء الإستيطان ضمن أراضي الدولة الفلسطينية، يشكل إخلالاً وإنتهاكاً لحرمة أراضيها، وخروجاً ما بعده خروج، على قرارات الشرعية الدولية التي أقرت ضرورة قيام الدولة الفلسطينية كحق شرعي، ورسمت حدودها وأقرت من تكون عاصمتها، فهل بإمكان السيد نتنياهو أن يوضح مثل هذا الإلتباس، حينما يطالب من دولة لم تظهر بعد، وهو ملزم  بالإعتراف بوجودها أولاً ، أن تؤمن له الأمن والسلامة، وهو لم يعترف بعد بحدودها وشكلها السياسي ولم يرفع الحصار عن جزء من أراضيها، بل وعلى العكس من ذلك،  يعمل ليل نهار على تهويد عاصمتها القدس الشرقية، والتواصل في دعم المستوطنات في الضفة الغربية ورفض تمديد قرار تجميد الإستيطان الذي ينتهي في نهاية هذا الشهر،  فأي تناقض هذا لا يصمد للنقاش..؟؟!
21/9/2010
(*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/09/100906_liebermansettlement_tc2.shtml
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=226807

 






           

180

العراق: للباحثين عن حل في ضباب "التفضيل"..!!

باقر الفضلي


غير قليل من الباحثين عن حل لأزمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ومنهم بعض المهتمين من الكتاب، من يختزل أزمة الحكومة الحالية، الى مجرد أسماء محددة، رغم ما للأسماء في السياسة أحياناً من أهمية خاصة،  فتبدو صورة الأزمة السياسية العراقية،  وكأنها مجرد تنافس شخصي، أو وكأن الأمر عبارة عن مشهد في سوق للعرض، يبدو فيها الباحث أو الكاتب، وكأنه يروج لصاحبه على حساب الآخرين..!


ربما قد يتناسى البعض ممن يشغلهم الشأن السياسي؛ أن التركيز على الإطراء والمدح لأي من المتنافسين والتفضيل بينهم، لا تأتي دائماً في صالح أي من المقصودين،  بل قد تكون في نتائجها من عوامل إضعافهم،  فإن زاد الشيء عن حده إنقلب الى ضده، حتى لو حسنت النوايا؛  فرب من يسعى، "ولوجه الله"، الى مجرد كشف الحقيقة وتبصير الناس بمساربها وفقاً لما يدعيه، فتراه وهو يعلن بإستمرار؛  بعده عن أي مصلحة شخصية له في ذلك، بل إن دافعه، هو موقف الحياد والنزاهة والإخلاص لقضية الشعب والوطن، ولكن في واقع الأمر، قد تغيب عنه هذه الحقيقة، إن لم يك قاصداً العكس، فيذهب بعيداً في المدح والإطراء لهذا، والقدح والإزراء للآخر، معتقداً بأنه يحقق الغلبة لمن يريد، بهذه الطريقة التي يظهر ضعفها بادياً للعيان..!!؟؟
 

ليس الهدف هنا، بصدد البحث في أفضلية أي من المتنافسين، أوعن طبيعة الأسس التي يجري إعتمادها في عملية التفضيل، كما ولا بصدد الدخول في تفاصيل أسباب أي منهم، في التشبث بموقفه من أحقيته بتشكيل الحكومة، فليس ذلك هو بيت القصيد، ولكن هذا ما يحاول البعض جر جمهرة القراء وراءه وإشراكهم في لعبة "التفضيل" المقصودة، وإستغفالهم بطريقة ربما تكون ذكية أو عفوية، وصرف الأنظار عن جوهر الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء الأزمة السياسية الحالية في العراق؛ فالضحية هنا، هي المواطن العراقي، الذي  يعتقد البعض، أنه  بات سهلاً جره الى ساحات الصراع ومواقع "التفضيل" المستهجنة، التي أخذ البعض يتشاطر في الترويج  لصاحبه فيها على حساب الآخرين، خالقاً منه الأفضل والأحسن والأقدر، وكأن لسان حاله ينادي من بعيد : لا تفوتكم الفرصة...!!؟


إن وقت "المقارنة التفضيلية"، لهذه الجهة أو تلك، التي لجأ ويلجأ اليها البعض الآن،  قد جاء متأخراً، بعد أن وضعت الإنتخابات أوزارها، وتوضح الخيط الأبيض من الأسود، وبعد أن أُسدل الستارُ على نتائج الإنتخابات، بالمصادقة عليها من قبل المحكمة الإتحادية العليا، وبالتالي فإن ما يروج له البعض، من سيناريوهات "التفضيل" لأي من رؤساء القوائم الإنتخابية، إنما هو جهد في الوقت الضائع، إذ أن الأمر بقضه وقضيضه، قد خرج من نطاق العملية الإنتخابية، وإن صح إفتراض مثل هذا "التفضيل"، فإن وقت اللجوء اليه قد فات أوانه، وكان بإمكان من يمارسه الآن، اللجوء اليه قبل ذلك، حينما كانت الإنتخابات لما تبدأ بعد؛ أما اللجوء والترويج لذلك الآن، فالعملية لا تعدو عن كونها أقرب الى التضليل، منها الى كشف الحقيقة للشعب العراقي، فالشعب قد أدلى بصوته في السابع من آذار/2003 وليس في "اليوم القادم"، بل هي على العكس من ذلك،  تعكس حالة من الفشل، المقترن بالأمل بحيازة السلطة بأي طريقة كانت، بما فيها الركوب على أكتاف "الديمقراطية"؛ ولهذا يأتي طرح السؤال البائس تلو السؤال وبطريقة إيحائية : إن لم يك "زيداً" ، فمن عسى ياترى، سيكون البديل..؟؟!!


ليس الوقت الآن هو وقت عملية إنتخابية جديدة بين أشخاص لتفضيل وإختيار إحدهم لهذا المنصب أو ذاك على سبيل المثال، فالجميع يعلم بما فيهم من يروج لعملية " التفضيل "، بأن نظام الحكم في العراق وطبقاً للدستور، هو نظام برلماني نيابي، وبالتالي، فإن الأمر كله مرهون بمجلس النواب، بدءً من إنتخاب رئيس الجمهورية وإنتهاءً برئيس الوزراء، وما عداه لا يمكن أن يكون غير ضحك على الذقون؛ إذ ليس من المنطق ولا من الديمقراطية في شيء، إن تُطرح على الجمهور اليوم، أسئلة من قبيل "التفضيل"، في من يكون الشخص "المناسب" لإشغال منصب رئيس الوزراء على سبيل المثال، وجر القراء الى عملية أقرب ما تكون الى الديماغوغية منها الى التنوير، في وقت تراوح فيه وتتمحور حوله عملية تشكيل الحكومة الجديدة، وبالذات منها منصب رئيس الوزراء، هو مسألة دستورية ترتبط في جوهرها بآهلية القائمة النيابية الفائزة ومن تكون، وما بعده يتوقف أمره على سعي هذه القائمة وحالة التوازن السياسي بين الكتل النيابية البرلمانية، ومدى إمكانيتها تشكيل الكتلة البرلمانية القادرة على تحقيق النصاب القانوني البرلماني، الملزم لإنتخاب من سيكون رئيساً للوزراء، فالتكليف هنا يختلف عن التوليف، وهذا الأخير طبقاً لسياق المنطق الموضوعي، يأتي لاحقاً للتكليف..!؟


من جانب آخر، فإن حل إشكالية تشكيل الحكومة الجديدة، لا يُبنى على مجرد مقترحات أو سيناريوهات ترسم هنا أو هناك، فهي بالإضافة الى كونها إشكالية دستورية من الناحية الشكلية، إلا أنها من الناحية الموضوعية الواقعية، أعمق في أسبابها مما يظهر على السطح من إختلاف في تفسير النصوص الدستورية، أو من خلافات فكرية بين الفرقاء، بقدر ما هو تعبير عن صراع حقيقي بين مواقف تعكس أجندات مختلفة متغايرة، لها دوافعها وأهدافها الخاصة، التي تصب جميعها في هدف مشترك واحد لا يذهب بعيداً عن التمسك بالسلطة من خلال منصب رئاسة الوزراء بصلاحياته المركزة، وهو أمر لم ينكره أحد، وبالتالي الهيمنة على كامل زمام الدولة وبناء مؤسساتها طبقاً لمنظور هذه الجهة أو تلك، وما عليه أهدافها القريبة والبعيدة في بناء الدولة، وقد لا تكون هناك من صلة لما يسمى عادة  ب "خيار الديمقراطية"..!؟


كل هذا قد دفع بالنتيجة، الى خروقات دستورية من قبل نفس الأطراف المفترض بها صيانة وحماية الدستور، مما إنتهى الى شلل تام في نشاط وعمل السلطة التشريعية، الغطاء الوحيد لجميع السلطات الأخرى، وبالنتيجة أن وُضِعت البلادُ في حالة من الفراغ الدستوري والأمني، وأصبحت الحكومة المنتهية ولايتها، في وضع لا تحسد عليه، لفقدانها لغطائها الشرعي الذي أسست  بموجبه، الأمر الذي دفع حتى  بتلك الحكومة نفسها، وهي تقاد من قبل أحدى الكتل النيابية المتنافسة، الى تعزيز تمسكها بالسلطة، ولم تشارك الآخرين من الكتل الإنتخابية قلقها المشروع في تأخير تشكيل الحكومة الجديدة كل هذه المدة الطويلة، وهذا ما أثار حتى قلق الشرعية الدولية بالذات، وتمت الإشارة اليه في عدة مقالات منشورة  لمن أراد الإطلاع..! (*)


إن العديد من سيناريوهات الحلول التي تطرح هنا أو هناك، لا أراها تبتعد كثيراً في جوهرها عن طبيعة الصراع الدائر بين الكتل المتنافسة، وأغلبها تصب في مصلحة إحدى الجهات المتصارعة، إذ ليس هناك من موقف "حيادي" عندما يتم الترويج لجهة معينة على حساب أخرى، وفي ظل المماحكات والخروقات الدستورية، فالأمر أبعد من كونه يتطلب موقفاً حيادياً من عدمه، في وقت يعلن فيه الجميع عن ضرورة التمسك بأحكام الدستور، الذي نجد فيه المنفذ الأصوب والوحيد، إذا ما روعيت أحكامه ومقاصده بموضوعية، ولكن ومع هذا، فإنه من غير المستبعد أن تلتقي الكتل النيابية، نتيجة فعل ظروف محددة، وضغوط معينة وتوافقات خاصة، ليست في وارد البحث هنا، إذا ما إلتقت مصالحها، في الخروج من المأزق، وتشكيل الحكومة الجديدة؛ أما الإسترخاء الذي تآلفت معه القوائم النيابية الفائزة، وإستمرار حالة ما يدعى  بالحكومة المنتهية ولايتها لأجل غير معلوم،  فكله لا يعبر إلا عن حالة غير مألوفة دستوريا،  ولها تبعاتها الوخيمة على كافة الأصعدة، وفي أفضل الأحوال فإنها ستظل مدعاة للتدخل بالإتجاه الذي ينبغي أن يعيد الأمور الى نصابها الدستوري الصحيح، في ظل الضمان والإشراف الدوليين، وهذا أضعف الإيمان، إذا ما كان لتدخل الدول الإقليمية قصب السبق في تمرير أجنداتها الخاصة..!!؟ 
16/8/2010
¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬(*)   http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189











   
 


181

فلسطين : حمى التطرف في المواقف العصيبة..!

باقر الفضلي

هكذا هو الأمر وهكذا إعتدناه في حياتنا السياسية،  وبالذات عندما نكون أصحاب قضية؛ فالعاطفة السياسية تظل هي رائدنا في مثل تلك المواقف، وتكون النتائج، وفي أغلب الأحيان، الفشل في إنتزاع حقوقنا عندما تحين الفرص المناسبة لنيل تلك الحقوق..!!؟


فكما تظهر الوقائع الحالية اليوم، ونحن نرى بأم العين أزمة وحدة الصف الوطني الفلسطيني، وهو يخوض معركته الرئيسة بمواجهة الإحتلال الإستيطاني الإسرائيلي؛ الإحتلال الذي يطرح نفسه وكأنه صاحب قضية هو الآخر؛ يدافع عنها ويختط لها مبتدعاً ومفبركاً وقائع كاذبة، ليظهرها للمجتمع الدولي بإعتبارها حقوقاً مغتصبة؛

كيف تظهر تلك الوقائع،  تصاعد حالة الرفض بأشكالها المختلفة، وخطابها الحاد، وهو يجري على ألسنة بعض قادة الفصائل الفلسطينية، لما أقدمت عليه السلطة الوطنية الفلسطينية بالموافقة على دخول المفاوضات المباشرة مع الحكومة الإسرائيلية، لترسم للمراقب صورة جلية للإنقسام الفلسطيني، في وقت بات فيه المفاوض الفلسطيني في أمس الحاجة الى حماية ظهره بمتراس الشعب وهو يخوض معركته الضارية مع مغتصب لوطنه ومنتهك لحقوقه ومحتل لأراضيه..!


فحينما يكون الرفض، مجرد سلاح لوقف أي محاولة تقدم عليها السلطة الفلسطينية المنتخبة، وتقرها منظمة التحرير الفلسطينية، وتشارك فيه تيارات سياسية من مشارب مختلفة، من اليمين واليسار، يصبح من اللافت أن يدقق المرء بمدى قوة حجة من يرفضون تلك المفاوضات، إذ لا يكفي وحده، الإستماع الى ضجيج الخطاب الناري دون التعرف على مصادره وغاياته ومن يدفع بإتجاه تصعيده وتأجيج النفوس المكلومة لتبنيه، دون الإحتكام الى واقع الظروف وملابساته الجيوسياسية، وطبيعة الخارطة السياسية على مستوى الجغرافية المحلية والإقليمية والدولية، وحجم الضغوط الخارجية..!


لقد كان خطاب الرفض واحداً في شكله ومحتواه، أما ما يوحده رغم عدم تجانس مصادره من اليمين أو اليسار، فمبعثه حالة الخوف مما  قد تسفر عنها المفاوضات المباشرة من نجاحات محتملة، وصفها أحد الرافضين متنبئاً بأنها ستكون "إسرائيلية المحتوى"، وهذا ما يذكرنا بمفاوضات (أوسلو)  قبل سبعة عشر عاماً وما واجهته في حينه من سلاح الرفض والمجابهة من قبل فصائل الرفض والمقاومة؛  لتأتي خطوة الرئيس ياسر عرفات الجريئة والشجاعة، واضعة القضية الفلسطينية في مسارها الصحيح، بعد عقود من سني المعاناة والتشرذم لقوى النضال الفلسطيني، ولتفرض نفسها واقعاً يعترف به المجتمع الدولي ويسعى الى دعمه..!


 كل هذا سيضع حالة الرفض في موقف صعب، تُمتحن فيه الشعارات النارية التي تُطلق  في مواجهة التعنت الإسرائيلي، ويُتخذ منها منطلقاً كأساس لمفاوضات يشترطونها هم على إسرائيل، في وقت يرفضون فيه الإعتراف بوجودها كدولة في الجوار، حيث ستفقد بريقها كشعارات لا يستجيب الواقع القائم لإشعاعها المتطرف، حينما يسعى فيه المجتمع الدولي، الى حل عقدة النزاع العربي- الإسرائيلي بالطرق السلمية، وطبقاً لقرارات الشرعية الدولية التي لازالت ترفضها حكومة الإحتلال الإسرائيلية بإستمرار..!؟


إن دافع الخوف من تلك النتائج المحتملة بنجاح المفاوضات، وهي لا زالت في واقع التكهنات الإفتراضية، ولا زالت تحيط بها وتواجهها صعوبات جدية، وهذا ما عبر عنه راعي تلك المفاوضات نفسه الرئيس الأمريكي السيد أوباما يوم الجمعة الماضي،  في مؤتمر صحفي بالبيت الابيض بقوله : [["من المنطقي أن يتم تمديد فترة التجميد مادامت المحادثات تسير بصورة بناءة" وأشار الى "عقبات هائلة" تواجه المفاوضات"]]،(*)  وهو نفسه ما تدرك حقيقته السلطة الفلسطينية بإنتباه..؛  إن دافع الخوف هذا، لا يمكن أن يكون سبباً، أو مبرراً موضوعياً، لإفتراض التراجع من قبل المفاوض الفلسطيني، المتمسك بثوابته الوطنية، أمام الضغوط الإسرائيلية، طبقاً لحسابات إفتراضية لم يحن بعد وقتها لوضعها في الميزان..!!


في عين الوقت ذاته، تأتي تصريحات الشيخ هنية، رئيس الوزراء السابق في أول ايام عيد الفطر، لتصب في نفس الإتجاه، وفيها من الغرابة ما يبعث على الحيرة أكثر منه على التأمل ؛ فلا يدري المرء أين يكمن حرص الشيخ الوقور، في صبيحة عيد الأضحى المبارك، ومن هو المقصود من الطرفين بالنصيحة؛ فإن كانت السلطة الفلسطينية في عرفه مجرد "فرع يابس" لا حياة فيه، فلا غرابة والحال أن تتوجه "النصيحة" الى الطرف الثاني، وهو هنا دولة إسرائيل، بإعتبارها هي من سوف يستفيد من أي لقاء مع الجانب الفلسطيني، وفق سياق تصريح الشيخ المبجل، ورحمة بها من أن تسقط في فخ فرع السلطة الفلسطينية "اليابس"، فما عليها إلا أن تسحب يدها من مثل ذلك اللقاء "غير المثمر"، وبالتالي أن تبحث عن لقاء مع فرع أو فروع أخرى؛ أكثر إخضراراً ، وأغنى مدراراً، وأسهل حضورا؛ وهذا هو منطق ما يمكن أن تأتي به نتيجة مثل ذلك التصريح وليس غير، وإلا كيف يفسر المرء كل ذلك الهجوم على عملية الدخول في المفاوضات المباشرة بهذه الحدة والتوتر، والطريق لا زالت في بدايتها..!!؟؟


فالسلطة الفلسطينية، فلسطينية بالتمام والكمال، حتى لو كانت "فرعاً يابساً" بمفهوم الشيخ الجليل، فإن أصولها ترجع لنفس الشجرة الوطنية الفلسطينية، وهي الأجدر والأولى بالنصيحة والتشاور بالرأي قبل الغير، وإن كان هناك ثمة من حكمة في إسداء النصيحة للغريب، فهل من الحكمة في شيء، أن تُرمى سهام التحذير والتهديد صوب القريب؛ ولعل من الغرابة في الأمر، إن كان هذا الغريب، هو من يحتل الأرض ويسوم الشعب شر البلاء، ولكن وكما يبدو، تفقد السياسة حكمتها ومكنتها أمام المصالح الضيقة، ولم يعد الأقربون أولى بالمعروف، كما عودنا وفقهنا شيوخنا الكرام كل صباح ومساء..!!؟
(*)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE68B0CM20100912?sp=true

 
       
   




 


182

العراق: المشهد السياسي والحالة الزئبقية..!

باقر الفضلي

ما يحير في صورة المشهد السياسي العراقي اليوم، هي هلامية وضبابية ما هي عليه الحالة السياسية الراهنة؛ من عدم الوضوح والرجرجة والإضطراب المتواصل، التي تتسم بها كل أطراف العملية السياسية الآخذة على عاتقها مستقبل تلك العملية؛  وذلك من حيث التواصل والإستقرار والتطور، الى جانب ما يرافقها من التشبث بالمواقف والمواقع، وكأنها إرث مَنَّ به السلف السياسي الغابر، على الخلف السياسي الحاضر.. فلا من مكترث لشكوى العباد، أو مهتم بمصير البلاد؛ فإن أشرقت أو أغربت، فثمة أرضه، ومن عليها عبيده، حيث يأمر فيطاع، وله في كل ارض باع..!؟


إحتكموا لدستور كتبوه، فلما نضج الأمر بينهم خرقوه ، وإمتطوا "الديمقراطية" ناقة للوصول، فلما أوصلتهم عقروها؛  فالدستور معطل والبرلمان معطل، والحكومة حكومة تسيير أعمال.. وهكذا الحال على هذا المنوال..!!


في الأمس القريب جرى الحديث عن ما يسمى ب"الكتلة النيابية الأكبر" وأفضنا في الحديث، وإنتهينا الى القول : بأن " الطائفية السياسية" هي من تتحكم اليوم بمصير العراق السياسي والديموغرافي، وثمة نتيجة لا تقبل اللف والدوران، ولا التأويل أو البطلان؛ فالطائفية السياسية هي سيدة المكان، وهي من تحتاج الى المزيد من الرجرجة والتلون والمزيد من الجهد والزمان..!!


فلا عجب أن طال الوقت، أو نفذ الصبر، فإن لم تنجز "الطائفة الأكبر" أمر تشكيل "كتلتها الأكبر"، فسوف لن يحسم الأمر، ويظل البرلمان الجديد في سباته المستديم، حيث هكذا إتفق كاف وميم..!!؟؟  ولا عجب أيضا، أن تُهدر المزيد من الدماء، لتسبح رصاصات كاتمات الصوت في كل سماء، وليتساقط رسل وأنبياء الصحافة والإعلام، في كل زاوية ومقام؛  أما عويل الثكلى ولطم صدور الأمهات، فلا حساب له عند إخوتنا الحكام، ولا حتى عند متفقهي الدين أو مناصري السلام..!؟


فاليوم أعلن ما يسمى التحالف الوطني "للكتل السياسية ذات اللون الطائفي الواحد"، بعد زيارات تلتها زيارات الى الجارة "الحبيبة" إيران من قبل أقطاب في هذا التحالف، عن توصلهم الى الأمل المنشود، حيث بات حقيقة ناصعة؛ أن أصبح الترشيح لمنصب رئيس الوزراء من نصيب "طائفتهم" بإمتياز، على حد تصريح النائبة السيدة (حنان الفتلاوي) من إئتلاف دولة القانون، بعد أن أعلن الإئتلاف الوطني الذي يتزعمه رجل الدين  السيد عمار الحكيم عن تسمية مرشحهم لذلك المنصب، وهو نائب رئيس الجمهورية السيد الدكتور الإقتصادي عادل عبد المهدي، في منافسة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي المرشح عن إئتلاف دولة القانون، الطرف الثاني في "التحالف الوطني" المشكل حديثاً لأغراض إنتخابية ترتبط بتشكيل ما يسمى ب" الكتلة النيابية الأكبر" لمجاراة نص المادة/76 من الدستور، وللذهاب الى مجلس النواب بمرشح واحد، وكنتيجة منطقية لذلك، فسوف يُستبعد ترشيح السيد أياد علاوي لهذا المنصب، إذا ما سارت الأمور وفق ما خطط لها من قبل إطراف التحالف الجديد، رغم فوز كتلته الإنتخابية بالإغلبية في الإنتخابات الأخيرة، وليس أمام المرء إلا أن يترقب بعد الآن، صولات جديدة ومماحكات عتيدة بين كتلتي المرشحَين، للوصول الى الإتفاق على المرشح الواحد والوحيد للتحالف المذكور، لتعلن كتلة الطائفة الأكبر إنتصارها المرتقب، وليشهد العراق ولأول مرة في حياته النيابية الجديدة، كيف يتم تنصيب رئيس للوزراء وفقاً لآلية "الطائفية الديمقراطية" الحديثة..!!؟؟


هكذا وبهذه الطريقة التي عقر بها السادة من أبرز "علمانيي" الإئتلاف الوطني برئاسة رجل الدين السيد عمار الحكيم،  والسادة من أبرز "علمانيي" إئتلاف دولة القانون برئاسة السيد نوري المالكي، المبشر بلا "طائفية" تكتله المذكور، ناقة "الديمقراطية" التي أوصلتهم الى حيث هم فيه من أمكنة السلطة، فإنقلبوا عليها، معلنين جهاراً عن تمسك تكتلاتهم السياسية ب"الطائفية السياسية"، بإعلانهم عن تشكيل "التحالف الوطني"، ليكون البديل لمقولة الكتلة الفائزة في الإنتخابات، وليجعلوا منه حصان طروادة الذي بواسطته يمكنهم من سحب البساط من تحت أقدام كتلة العراقية بإعتبارها تمثل الكتلة الفائزة الأولى في الإنتخابات، طبقاً لقرار المفوضية العليا للإنتخابات وتصديق المحكمة الإتحادية العليا على القرار،  إذا ما كان هناك من شرعية دستورية وقراءة موضوعية لنتائج تلك الإنتخابات..!!؟؟


إنه ورغم ما قيل وما يقال، وما دبج من مقالات، بأن العراق؛ بلد لا زال جديد عهد ب"الديمقراطية"، وأن تلك الديمقراطية ينبغي ان تُحقن له على شكل جرعات كجرعات الدواء من قبل الطبيب المعالج، كما يعتقد البعض، فإنه حتى لو صح مثل هذا الإفتراض، مع معرفة الغالبية من الناس لطبيعة التركيبة السكانية ومكوناتها المتعددة للمجتمع العراقي في الماضي أو الآن، فإن ما جرى بعد إعلان نتائج الإنتخابات الأخيرة في آذار/2010، من مناورات تاكتيكية من قبل أطراف "التحالف الوطني"، كل من كتلتي الإئتلاف الوطني العراقي، وإئتلاف دولة القانون، لتنتهي بتشكيلهما لذلك "التحالف" ولهدف معروف ومقصود، إذ لا يخرج على صعيد الواقع العملي، عن كونه يسجل سابقة تأريحية غير محمودة العواقب في الحياة النيابية الجديدة، غايتها تثبيت حكم "الطائفة الدينية"، بكل ما فيه من مساويء ومثالب مرفوضة، لا تتفق مع روح نصوص الدستور الجديد المفترضة والمبتغاة، رغم ما فيه من مثالب ونصوص خلافية، لا تستقيم مع ما يعلن عنه دائماً حول إرساء قواعد المنهج الديمقراطي في الحكم والدولة، والتي أثبت الواقع العملي صعوبة التعامل معها بيسر وحكمة، إن لم يجر التحرك بإتجاه تعديلها أو إعادة صياغتها أو حتى إلغائها، ناهيك عن ما تعنيه تلك المناورات، من كونها محاولة مفضوحة، لقبر الديمقراطية وهي بعد في المهد، ولا أدري بأي وسيلة يراد بها بعد الآن، تعويد الناس على التمسك بالنهج الديمقراطي، والقبول بما تأتي به أحكامه، فكيف إذن يمكن إعادة لحمة المجتمع، وإستعادة بناء مواطنة الفرد العراقي، التي مزقتها كوارث الزمن ومنها "الطائفية" المقيته، والمسيرة لما تعد في بداياتها..!!؟؟


 أما ما يجري الحديث فيه، من الكلام الكثير عن "الديمقراطية"، فلم يصمد في الحقيقة أمام الواقع الذي أفرزته نتائج إنتخابات آذار/2010 ، لتعود الحال الى ذلك "الطاس والحمام" الذي خبرناه؛  فلا "ديمقراطية" كما توقعها الناخب العراقي وذاد عنها في يوم الإنتخابات؛  لينطبق عليها وصف المثل العراقي الشهير: " تريد أرنب أخذ أرنب، تريد غزال أخذ أرنب"، وهذا ما جرى توقعه مباشرة بعد ظهور نتائج الإنتخابات، وكيف جرى التعامل معها من قبل القوائم الإنتخابية الفائزة، ومحاولة البعض منها تجيير الفوز لصالحه، بإعتباره يمثل الكتلة الطائفية الأكبر في المجتمع؛ من خلال تمييع النصوص الدستورية وتسييسها، وتكييفها وتفسيرها طبقاً لما تبحث عنه المصالح وتستهويه النفوس؛ ولا أدل على ذلك الحال، أكثر من هذا الجمود والإضطراب السائد في العملية السياسية،  والذي لا يعكس إلا حالة الصراع بين إطراف تلك العملية، المبني أساساً على قاعدة التناحر الطائفي لحشد التأييد والفوز بمركز السلطة، الذي يتجلى في الفشل المتواصل لتشكيل الحكومة الجديدة وتفعيل دور مجلس النواب الجديد، ليرسم حالة زئبقية لواقع المشهد السياسي العراقي المتقلب في شتى الأماكن  والإتجاهات؛  ولمزيد من الإطلاع يمكن الرجوع الى المقالة الموسومة " إشكالية الكتلة الأكبر"   زيادة في الإيضاح..! (*)
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=222244

   




         

     

183
فلسطين: ايران وشكل الدعم والمساندة..!

باقر الفضلي

مع بدء  مسيرة المفاوضات المباشرة منذ الثاني من أيلول الحالي، ومع تقدم الأيام، تتصاعد وتيرة ردود الفعل المعارضة لهذه المفاوضات لتنحو بإتجاه التدخل الفظ من قبل بعض دول الجوار، وعلى وجه الخصوص الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لترقى الى حد الرفض المباشر والعلني  لتوجهات السلطة الفلسطينية ومرجعيتها الشرعية منظمة التحرير الفلسطينية في قرارها المشاركة في تلك المفاوضات، ولتتجاوز في حدتها وإنتقادها، الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دوليا..!؟؟

ومن هنا جاءت تصريحات السيد نجادي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية في يوم الجمعة الماضي بمناسبة يوم القدس، لترسم صورة أكثر تشاؤمية حتى من تصريحات السيد ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلية، الذي رسم أفقاً كالحاً لتلك المفاوضات، ولكن إختلافها عن تصريحات السيد نجادي، كونها لم تكل التهم الغليظة والإنتقادات الحادة لقيادة السلطة الإسرائيلية رغم إختلاف السيد ليبرمان مع تلك القيادة في نقاط مهمة كثيرة، بل إن المعروف عنه، بأنه من المتطرفين الأكثر تعصباً من القادة السياسيين الإسرائيليين، في كل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، ولا أظن أن ذلك بخاف على السيد الرئيس نجادي، الذي جاءت تصريحاته الأخيرة لتصب جام الغضب على رؤوس القادة الفلسطينيين وفي مقدمتهم السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الشرعية، وتكيل لهم ما لا يستساغ من التهم والإنتقادات، في وقت تسعى فيه تلك السلطة أن تثبت للمجتمع الدولي بالإفعال لا بمجرد االشعارات والأقوال، بأنها جادة حقاً في ولوج طريق السلام من أجل التوصل الى إقرار حقوق الشعب الفلسطيني من قبل إسرائيل، تلك الحقوق التي أقرتها الشرعية الدولية والمجتمع الدولي، لتأتي فرصة المفاوضات المباشرة، كي تضع حكومة إسرائيل على المحك الفعلي في تحديد المديات التي ستذهب لها بالإقرار بتلك الحقوق، طبقاً للثوابت الفلسطينية المعلنة..!

فما الذي ستخسره القيادة الفلسطينية الشرعية من حضورها لتلك المفاوضات المباشرة، وما هو البديل الممكن أن يعرضه السيد الرئيس نجادي اليوم، أبعد مما هو معلن سلفاً من قبل الفصائل الفلسطينية الرافضة لتلك المفاوضات، وهل هو أبعد عما أعلنه ضمن تصريحاته المذكورة، مشيراً الى أن " المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية التي تجرى برعاية الولايات المتحدة«مصيرها الفشل»"  وإن "مستقبل فلسطين ستحدده مقاومة الفلسطينيين في فلسطين وليس في واشنطن أو باريس أو لندن» على حد قول صحيفة الشرق الأوسط..!

فإن كان كل ما يعتقده الرئيس نجادي هو ما تقدم،  فإنه  وعلى صعيد الواقع والتجربة العملية، ليس هناك من برهان عملي على فشل تلك المفارقة السياسية، أدل وأفضل من تجربة حركة حماس في غزة، بما آلت اليه تلك التجربة من وبال عظيم على مجمل القضية الفلسطينية وعلى شعب غزة بالذات وحركة حماس نفسها، وهي تجربة حضت ولا زالت  تحضى بدعم وتأييد إيران ومساندتها مادياً ومعنويا، بل وتجد فيها إيران والسيد الرئيس نجادي ومرشد الثورة الإيرانية الإسلامية الطريق الوحيد لتحرير فلسطين،  في وقت ومنذ أن وضعت فيه حركة حماس يدها على القطاع المذكور، لا زال شعب هذا القطاع، يرزح الآن تحت أبشع صنوف الحصار الإسرائيلي الغاشم، ويتعرض الى حالة من الإستلاب والتهميش، والى شتى صنوف الظغط والإكراه الداخلي المسلط عليه من قبل ميليشيا الحركة، ناهيك عما جرته عليه ويلات الحرب الأخيرة من فضائع الرصاص28 المصبوب..!؟

 الا يكفي كل ذلك برهانا على فشل تجربة رعتها  وباركتها إيران، كي تؤدي في النهاية الى هذا الإنقسام الوطني المفزع وتدمير للبنى التحتية  المروع، كل ذلك من أجل أن يمر المشروع الحماسي المدعوم من قبل إيران، وليصبح بمثابة الجدار العازل أمام المشروع الفلسطيني في تحرير التراب الفلسطيني الموحد وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية..!


فليس من باب التأويل والتكهن، أن تأتي تصريحات الرئيس نجادي بعيدة في مغزاها وأهدافها عن عملية الخليل الأخيرة التي تبنتها حركة حماس، ليصب الأثنان في رافد واحد،  كي يغذي نهر التطرف الإسرائيلي، ويقوي عزيمة رموزه وإقطابه، في رفض أي محاولة لإنجاح المفاوضات المباشرة التي بدأت ماكنتها تدور منذ عدة أيام..!!


فعملية الخليل وتصريحات الرئيس نجادي الأخيرة، يشكلان بعضهما للآخر، رديفان متماثلان في المقاصد والأهداف،  وصدى متناغماً لنفس اللحن المعزوف على نفس الوتر السياسي المشترك. فإذا كان "مصير الفشل"  لتلك المفاوضات ما دفع بالسيد الرئيس نجادي الى الرفض المطلق لها، فهذا يعني وفي المفهوم المعاكس لهذا المصير، أن السيد نجادي سيبارك تلك المفاوضات، لو تأكد له أن مستقبلها سيكون "مصيرالنجاح"؛ وهنا تكمن مفارقة الغرابة في العمل السياسي، وخاصة عندما تكون المفاوضات بين طرفين غير متجانسين، أحدهما يشترط مقدماً أن يكون مصير تلك المفاوضات هو"النجاح"، طبقاً لمفهوم السيد نجادي، وإلا فإنه يرفض القبول بحضورها حتى لو كان هناك بصيص أمل في زحزحة الموقف بالضغط على الطرف الآخر بالإقرار بحقوق الطرف الأول، الذي هو هنا الجانب الفلسطيني، وهو الوحيد من يمتلك كل الأدلة والمواثيق الساندة لحقوقه والمدعومة بقرارات الشرعية الدولية وتأييد المجتمع الدولي..!!؟؟

فأية حلول جاهزة لنزاع وصراع طال أمده ستة عقود من الزمن، يمكنها وبعصى سحرية أن تعيد الحقوق المسلوبة الى أهلها بضربة واحدة كما يفترضه السيد الرئيس نجادي، وهل في السياسة من حلول جاهزة حسب الطلب..؟! أليست المفاوضات المباشرة منها أوغير المباشرة، هي أحدى أشكال النضال المتعدد الصور والأشكال، وإن السياسة كما تُعرف بأنها فن الممكنات..!؟


وأخيراً لماذا لم تأخذ تصريحات الرئيس الإيراني السيد نجادي، شكل النصائح الموجهة الى طرف السلطة الفلسطينية الشرعي، وباقي الفصائل الفلسطينية الأخرى وبالذات منها الأطراف المعارضة لتلك المفاوضات وفي المقدمة منها حركة حماس، بإتجاه دعوة الجميع الى التصالح ونبذ الإنقسام وإعادة الوحدة للشعب الفلسطيني، ودعم المفاوض الفلسطيني لإثبات موقف المساندة والدعم لنضال الشعب الفلسطيني، كما هو مثل جمهورية مصر العربية اليوم، بدلاً من أن تضع تلك التصريحات، الجمهورية الإسلامية الإيرانية والرئيس السيد نجادي،  طرفاً في الخصومة الفلسطينية الداخلية، وسنداً لطرف دون الآخر، مما يعمق من واقع الإنقسام الوطني الفلسطيني، ويعيق أية حلول لرأب الصدع الداخلي، بل وفي النهاية تصبح تلك التصريحات، سبباً يقف وراء حالة الإحباط وعاملاً من العوامل المساندة للفشل المخطط له للمفاوضات الحالية أو أية مفاوضات قادمة من قبل الأطراف المتطرفة حيثما تكون وبالذات التطرف الإسرائيلي..!!؟ 

اليس ذلك من أولويات ما تفرضه مباديء حسن الجوار، والتضامن مع حركات الشعوب من أجل تحررها من الإحتلال، وما تلزم به قرارات منظمة المؤتمر الأسلامي في دعم القضية الفلسطينية، وإيران من أعضائها المؤسسين/  1969، ناهيك عن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي لحقوق الإنسان..!       



         




184
فلسطين: من الذي يضمن النجاح..؟!

باقر الفضلي

من الصعوبات الجمة، أن يخوض المرء معترك المفاوضات المباشرة وجهاً لوجه مع محتل مغتصب، وضع نفسه دائماً في جانب العداوة والخصومة، وفي سبيلها كان يفتعل كل شاردة وواردة، من أجل أن تدوم هذه العداوة وتستفحل تلك الخصومة،  ليظل ممسكاً بكل مفاتيح الحل، وأن يملي على الأطراف الأخرى إرادته وفق ما يشاء وأنى يرغب وحيثما يريد..!


ومن بالغ الصعوبة أيضا، أن يكتنف غمار هذا الخوض ويرافقه في عين الوقت، كل ما يدفع الى الاحباط  وينذر بالخيبة، ويزرع بذور التشكك والريبة، عندما ينبري الأقربون قبل الأعداء، الى الإبتعاد عن الحقيقة الموضوعية، وحين يقلبون ظهر المجن اليها، بدلاً من إظهار الدعم والمساندة، وحين لا يدخرون وسعاً من طرق كل السبل والأساليب لإفشال تلك المفاوضات، حتى لو كان السبيل لذلك، إقحام المنطقة في أتون حرب جديدة، لا تخدم في النهاية غير المحتل، ناهيك عما تجره من الويلات والدمار على الزرع والضرع، وما تفجره من نزيف الدماء..!!؟؟؟


البعض من الرافضين من حيث المبدأ لآلية المفاوضات المباشرة برعاية دولية وشرعية مع المحتل الغاصب، إذ يعتبرونها مجرد مشروع أمريكي إسرائيلي، هم انفسهم من لا يعترض عليها إن جرت معهم مباشرة، ولكن حين تحركت السلطة الشرعية المنتخبة والممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية الشرعية، بإتجاه القبول بالمشاركة في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وبطلب ودعم المجتمع الدولي، تحركت معها وبالضد منها البعض من تلك الفصائل الرافضة، لتعلن ليس فقط رفضها لتلك المفاوضات حسب، بل والدعوة للتحشيد ضدها، والى أبعد من ذلك، الإقدام على تأجيج معارك جانبية، لم تخدم في محصلتها النهائية، غير الفصيل المتطرف في الجانب الإسرائيلي؛ الرافض الآخر لتلك المفاوضات، لتصب المياه أخيراً في طاحونته، بهدف إفشال المفاوضات من خلال إحراج المفاوض الفلسطيني، والضغط عليه بتقديم التنازلات التي يرى فيها المفاوض الإسرائيلي إحدى سبل ترضية المتطرفين الإسرائيليين، ومنها التساهل امام مطالب المستوطنيين العنصريين بتمرير الإستيطان بطرق وأساليب جديدة، تحت ذريعة التحجج  بالإرهاب..!


 نعم هكذا يمرر المفاوض الإسرائيلي حججه وذرائعه اللامنتهية تهرباً من أي ضغط  قد يواجهه أثناء المفاوضات لإلزامه بالقبول بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وبكل ما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، بل ومن المرجح الغالب، أن هذا المفاوض سيطالب الجانب الفلسطيني بمشترطات أمنية في الضفة الغربية تمنحه المزيد من التدخل اللاشرعي في عمل أجهزة حفظ الأمن في الضفة والقطاع، كضمان لوقف "الإرهاب" ضد المدنيين الإسرائيليين وهلمجرا..!؟؟


فما الذي كانت تهدف اليه عملية "الخليل" الأخيرة التي تبنتها حركة حماس الرافضة للمفاوضات المباشرة، وأية رسالة يمكن أن تبتغي من ورائها، في وقت تُصعِد فيه القوى الإسرائيلية المتطرفة، ضغطها المتواصل على الوفد الإسرائيلي المفاوض، مطالبة بإتخاذ الموقف المتشدد من الفلسطينيين في المفاوضات، وبالتمسك بخطط الإستيطان في القدس والضفة الغربية بدون تراجع، بل وتعلن نهاراً جهاراً غضبها ولعنتها عليهم؛ إنه في النهاية سؤال، ليس في وارد التحليل والسياق التأريخي السياسي للقضية الفلسطينية، البحث له عن جواب؟؟!!   


ومع ذلك وكتحصيل حاصل لمسيرة الأحداث، فليس هناك ثمة ما يخفي الهدف من وراء عملية الخليل، أكثر من كونها إشعار الآخرين بأن حماس موجودة على الأرض "وشرعيتها" يجب أن تُؤخذ بالحسبان، وأن أية مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، يجب أن تجري بشروطها الخاصة، رغم محاولة تنصلها على لسان أحد قادتها من مسؤولية القرار السياسي للعملية وإلقاء تبعاته على أجهزتها الميدانية؛ إلا أن مباركتها لها، وحدها كافية للتدليل على موقفها السياسي السلبي من المفاوضات المباشرة، ناهيك عن موقفها الميداني، الذي في التقدير الموضوعي لا يصب إلا في طاحونة التطرف الإسرائيلي العنصري، ولا يمكن تبريره لا تكتيكياً ولا سياسياً في مثل هذا الوقت الأكثر حساسيةً بالنسبة للجانب الفلسطيني، حيث أنه ومن منطلق الشعور بالمسؤولية الوطنية، أن يمتلك الجميع حق إبداء الرأي بالمفاوضات المباشرة، سواء بالتأييد او الرفض، ولكن إقران الرفض بردود فعل ميدانية على الأرض، وإن كانت تحت شعار "المقاومة"، له من التداعيات السلبية الآن، ما لا يخدم مصلحة المفاوض الفلسطيني، بقدر ما يؤزم أرضية التفاوض نفسها، ويمنح زخماً معنوياً ومادياً لكل قوى التطرف، سواء داخل إسرائيل أو ضمن الحدود الإقليمية في بعض الدول المجاورة، هذا إذا ما أخذ المرء أمثال تلك التوجهات الميدانية وخلفياتها السياسية بمأخذ حسن النية، المقرون بالدوافع الوطنية الصادقة، مع جل الإحترام لخيار المقاومة..!!


فالمفاوضات المباشرة ومهما ستكن عليه نتائجها، فهي على صعيد النضال الوطني لا تشكل سوى مجرد فرصة من فرص إحلال السلام لنزاع طال أمده الستة عقود من السنين، لم يشهد فيها الشعب الفلسطيني غير الألم والمعاناة، ومع كل قسوتها، فقد ألهمت القيادة الفلسطينية المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، الدروس تلو الدروس، لوضع القضية الفلسطينية في نصابها الصحيح أمام المجتمع الدولي، لتأتي أخيراً المشاركة في المفاوضات المباشرة، لتمثل حلقة من حلقات ذلك السفر الطويل من النضال الوطني، بشتى أشكاله ومختلف تاكتيكاته على جميع الأصعدة المحلية منها والإقليمية والدولية..!


ومن هنا وبإختصار يمكن القول بأن أي رفض سياسي مسبق لتلك المفاوضات، مبني على أساس الإفتراض السلبي لنتائجها، إنما هو أقرب الى التخوف من " فشل مؤكد" في أحسن الأحوال، منه الى الحكمة والتبصر في مستقبل ما يمكن أن تأتي به تلك المفاوضات من نتائج؛  تلك المخاوف التي لا تدعمها طبيعة مسيرة النضال الفلسطيني الطويل، التي كانت فيها  لتجربة الراحل الشجاع الرئيس  ياسر عرفات وفي ظروف مشابهة بل وأكثر قسوة، أغنى مدلولات الحكمة والتعقل أمام المنعطفات العصيبة، التي واجهت تلك المسيرة الثرة بغناها التأريخي ودروسها البليغة..!


 وبالتالي فليس هناك من يضمن في مثل هذه المفاوضات، النجاح المؤطر والمكلل بتوج الفوز المحقق والأكيد، كما ولا أظن أن هناك من يمكنه المزايدة في مثل هذا الحال، على أصحاب الدار من قادة السلطة الفلسطينية ووفدها المفاوض، فهم الأعرف بشعابها، والأكثر تمرساً بمساربها والأعلم بخفاياها وأسرارها؛ فهم أصحاب القضية بلا منازع، والأقدر والأدرى بمصلحة شعبهم، وليس هناك من ضامن لخطوتهم الجريئة بالمشاركة في المفاوضات المباشرة بالنجاح، إلا الشعب الفلسطيني نفسه، بوحدته الوطنية وصموده الثابت في هذا المعترك العصيب، وهذا ما يأمله أصدقاء الشعب الفلسطيني ومؤازروه..!

 


185
فلسطين: المفاوضات المباشرة غاية أم وسيلة..؟!

باقر الفضلي

بعزيمة وإرادة وطنية، حزم أمره الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس على طريق الذهاب الى واشنطن لحضور المفاوضات المباشرة، مع الجانب الإسرائيلي ، برعاية كل من الرئيس الأمريكي والعاهل الأردني والرئيس المصري، ودعم اللجنة الرباعية الدولية، وكله ثقة بأنه يضع قدميه على أرضية فلسطينية صلدة، واثقة من مشروعية مطالبها، ليخوض غمار معترك غاية في التعقيد والتشابك، وأمام مفاوض مغتصب لحقوق الشعب الفلسطيني؛ مفاوض ظل عبر أكثر من ستة عقود من السنين يحاول طمسها، بالإنكار والإحتلال والتعسف وكل وسائل الحرمان والإضطهاد..!


لقد أكد السيد ابو مازن من خلال كلماته الأخيرة وهو على طريق الذهاب الى واشنطن، إدراكه التام لحقيقة ما يراد من وراء تلك المفاوضات المباشرة، في نفس الوقت الذي أخذ فيه  بالإعتبار، الآراء المعارضة لهذه المفاوضات، فرسم من خلال تلك الكلمات الدقيقة صورة واضحة للواقع السياسي الراهن، بعيداً عن أي تجاهل لتلك الاراء، ليثبت بأن الهدف المبتغى، ليس المفاوضات المباشرة بنفسها، بقدر ما هو خوض تلك المفاوضات كأحدى الوسائل النضالية المشروعة للشعب الفلسطيني ممثلاً بسلطته الوطنية، من أجل إسترجاع حقوقه المغتصبة، وإثبات قدرة الشعب الفلسطيني على إقامة دولته الديمقراطية المستقلة، في إطار قرارات الشرعية الدولية، وتأييد المجتمع الدولي ودعم إرادة الشعوب العربية الشقيقة..!(*)


فالإحتكام الى المفاوضات المباشرة، رغم كل الإعاقات التي قد وضعها الجانب الإسرائيلي، وفي مقدمتها الإستيطان وحق العودة وموضوع الأسرى ورسم وتثبيت حدود الدولة الفلسطينية، يبقى سلاحاً نضالياً حاسما، في ظل دعم الشرعية الدولية وتأييد المجتمع الدولي، وأحد وسائل المقاومة المشروعة في مثل تلك الأجواء المساندة للقضية الفلسطينية، وأمام إرادة الشعب الفلسطيني الجبارة في مواصلة الكفاح بكل أشكاله ووفقاً لظروفه المناسبة..!


فليس وكما قيل أو ما يقال، بأن حضور المفاوض الفلسطيني لمثل هذه المفاوضات، ليس إلا من قبيل التظاهر والبروتوكول، أو مجرد تلبية للطلب الأمريكي الذي تصب منافعه في خدمة الرئيس الأمريكي المقدم على إنتخابات قريبة، أو نزولاً عند مآرب إسرائيلية حسب..!


إذ لا يخلو مثل هذا التصور الشكلي والمبسط للموقف الفلسطيني، من حالة الإحباط وضعف الأمل، المرتبطتين بتأثير الموقف الإسرائيلي المتعنت، الذي ما فتأ ينعكس سلباً على نفوس العديد من مراقبي مشهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومن يهمهم مصير هذا الصراع من أصحاب القضية نفسها والمؤازرين لها، وهذا نفسه ما يحاول تعميق صداه، الجانب الإسرائيلي في نفوس الفلسطينيين وأصدقائهم بإستمرار، إذ ليس هناك من الصعوبة بمكان، من إيجاد التفسيرات الكثيرة والمبررات المناسبة لحالة الإحباط وفقدان الأمل، فليس أفضل من التعكز على عنجهية الجانب الإسرائيلي المسنود بتعنت اليمين الحاكم بقيادة نتنياهو ولبرمان، وبالتالي فإن "الرفض" دائماً، هو أسهل الحلول، خاصة إذا كان مشبعاً بما يجمله من الشعارات الوطنية والقومية، ومن هنا يمكن تلمس الأسباب التي تكمن وراء التخوف من أية نتائج إيجابية أو نجاحات لهذه المفاوضات المرتقبة، إذ بحصولها سوف تتساقط مثل تلك الشعارات كالأوهام؛  وليس غريباً أيضا، أن توصم أية نجاحات سلفاً فيما إذا ما تحققت، وهذا ما قيل حتى قبل بدءها، بأنها ستكون ذات "طابع إسرائيلي" وستصب لمصلحة إسرائيل حسب..!!؟



وأزاء وضع مثل هذا، سوف لن يوفر الجانب الإسرائيلي بقيادة السيد نتنياهو جهداً في تعميق الإنشقاق الفلسطيني، من خلال الترهيب والتهديد ، والضغط النفسي والمادي، والإكثار من لوائح الشروط، ومنها الضغط بلزومية الإعتراف بيهودية دولة إسرائيل، والتحايل على خطط الإستيطان وغيرها من محاولات التسويف والتهرب من موجبات ما تلزمه قرارات الشرعية الدولية؛ وهذا ما سيضفي على طابع المفاوضات القادمة، حالة من التوتر والسلبية، وهو في تقديري، ما لفت اليه النظر، الرئيس الفلسطيني ، حيما أشار الى أمله:



"في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ المنطقة فاننا نأمل أن نجد لنا في اسرائيل شريكا قادرا على اتخاذ قرارات ومواقف جوهرية ومسؤولة نحو انهاء الاحتلال وضمان الامن الحقيقي لكلا الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي." (**)       




فمن خلال الموقف الذي رسمه السيد محمود عباس، لم يعد هناك في الأفق، ما يمكن أن يزرع في قلوب الفلسطينيين، من المخاوف ما قد يمنعهم من الحضور الى المفاوضات المباشرة، وهم أصحاب الحق المشروع الذي قدموا من أجله، مئات الألوف من الشهداء، ومئات الألوف من المشردين واللاجئين، وما عانوه ويعانوه اليوم من جبروت الإحتلال والعنت الإسرائيلي العنصري الغاشم، عبر أكثر من ستة عقود من السنين..!!



إن خوض غمار هذا النوع من المقاومة، له من دلالات الحكمة والمقدرة في القيادة، ما تؤكده كل تجارب التأريخ في حل المنازعات بين الشعوب، وفي نهايات الحروب المدمرة، ولا ينسى المرء، الوقفة الجريئة والشجاعة للرئيس الراحل المناضل ياسر عرفات، قبل 17 عاما في أوسلو، ، التي كان من نتائجها الكبيرة، ما تتمتع به اليوم القضية الفلسطينية، من وجود مادي ومعنوي، أرسيت ورسمت من خلاله، الخطوات الحاسمة في اعتراف المجتمع الدولي والشرعية الدولية بهذا الوجود، وبمشروعية الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني وفق قرارات تلك الشرعية؛ وما إشاعة الحالة الديمقراطية ومؤسسات السلطة الوطنية الديمقراطية، إلا من ثمار ذلك الإقدام الشجاع لمنظمة التحرير الفلسطينية التي قادها الراحل الشجاع المناضل ياسر عرفات، مسجلاً بذلك درساً حكيماً في طريق حرية الشعوب، وأملاً نيراً لأجيال اليوم والمستقبل..! 
_____________________________________________
(*)    http://www.amad.ps/arabic/?action=detail&id=83746

(**)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE67S0FN20100829?sp=true

186

نتنياهو: هل سيحقق السلام..؟!

باقر الفضلي

سؤال تولى الإجابة عليه مباشرة السيد نتنياهو بنفسه، وذلك في أول تصريح له بعد إعلان موافقته على البدء بالمفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية؛ ويبدو ان السيد نتنياهو كان في حالة إنتظار لمثل تلك الساعة، ليعلن بصراحته المعهودة، أولاً؛ مباركته لدعوة وزيرة الخارجية الأمريكية السيدة هلاري كلينتون، للبدء بالمفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية بدون شروط، وثانياً؛ ومن هنا كانت إنطلاقته لتحديد موقفه من قضية السلام المنشود في المنطقة، للوصول الى حل الدولتين وما تعنيه من معالجة القضايا العالقة وفي مقدمتها الإقرار بقرارات الشرعية الدولية، فيما يتعلق بإنهاء الإستيطان وحق العودة وقضايا ترسيم حدود الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وغيرها من موجبات الحل التي تمهد الى قيام سلام دائم في المنطقة بالإعتراف التام بحق الشعب الفلسطيني في قيام دولته الديمقراطية المستقلة..!


فالى أي حد كان السيد نتنياهو قادراً على ترجمة إلتزاماته للدخول الى مفاوضات السلام المباشرة، والتي جاءت داعمة لموقفه في لا مشروطيتها، فهذا ما يمكن تلمسه من أول تصريحاته في الثاني والعشرين من آب الجاري..؟!(*)


رغم توجس السيد نتنياهو من صعوبة المفاوضات القادمة، وكونها لا يمكن أن تحقق نجاحاً منتظراً دون تقديم تنازلات متبادلة من الجانبين، ورغم معرفته بحجم الشكوك وأسبابها بعد السنوات 17 منذ إنطلاق عملية أوسلو، فإن السيد نتنياهو لم يتناسى شروطه القديمة، التي كانت ولا زالت تعتبر مقتلاً لأية عملية سلام يدعو لها الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي، تلك الشروط التي تعكس بوضوح خالص، موقف التطرف الإسرائيلي، وتمسكه بروح الإحتلال والعنصرية المقيته والكراهية للشعوب الأخرى، بعيداً عن كل فنون السياسة وتوازن المصالح والإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ناهيك عن ما تكرسه تلك "الشروط" المشروطة، من خروج على قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وأخيراً لمبدأ "بدون شروط"، الذي هلل له السيد نتنياهو نفسه..!؟؟


فما جاء في تصريحات السيد نتنياهو لا يبعث إلا على الرفض والإستهجان، ولا يرى فيه المراقب للأحداث، غير عصيٍ يسعى السيد نتنياهو الى تثبيتها في عجلة عملية السلام القادمة، ليثبت من جديد إن دعوته لمفاوضات غير مشروطة، إنما تبطن مشروطية من نوع آخر، مشروطية تدفع بعملية السلام الى الإنتكاس، لكونها تؤجج من قريب أو بعيد، التطرف الديني في الجانب الآخر، وتزرع بذور الكراهية بين الشعبين، وتعيق المفاوض الفلسطيني من تمسكه بحقوق شعبه المغتصبة من قبل الإحتلال الإسرائيلي، ليحيط السيد نتنياهو نفسه في النهاية، بطوق من التطرف الإسرائلي المتعنت من غلاة المتطرفين المتدينين، ومن أقطاب الحركة الصهيونية، وليلقي الكرة أخيراً في ملعب السلطة الفلسطينية، بذريعة الرفض للمطالب الإسرائيلية اللامشروعة..!!؟؟


فهل حقاً لا يدرك السيد نتنياهو ، ما سوف تكون عليه تداعيات تصريحاته الأخيرة على مجمل عملية التفاوض المباشر وإحتمالات فشلها، وما ستؤول اليه أوضاع المنطقة وبالذات فلسطين المحتلة، من إحتمالات تصاعد الغليان، إذ ستخلق حكومة السيد نتنياهو كل الذرائع والأسباب لمواجهة أية ردود فعل محتملة من قبل الشعب الفلسطيني، بالعنف والتنكيل والتعسف، وإضفاء جو من العربدة لإشعال لهيب عدم الإستقرار، والتسويف من قبلها بإقرار الحقوق الفلسطينية، لإطالة أمد الحلول لعقود جديدة..!!؟


فما الذي يعنيه السيد نتنياهو في تصريحه المذكور، حين يعلن بإن: [["الدولة الفلسطينية المستقبلية عليها الاعتراف بان اسرائيل هي دولة لليهود"، مضيفا بأن "الدولة الفلسطينية يجب ان تكون منزوعة السلاح".]]


فأية دولة تلك التي يفتخر بها السيد نتنياهو، ويطالب مفاوضي الشعب الفلسطيني الإعتراف بوجودها، وهي لا يمكن أن تكون، طبقاً لإرادة السيد نتنياهو، غير تلك الدولة "الدينية" العنصرية ، وإلا فما جدوى المطلب الإسرائيلي بهذا الإعتراف، في وقت لم يتم فيه بعد إعتراف إسرائيل نفسها بوجود الشعب الفلسطيني، ولا حتى بحقوقه المنصوص عليها في القرارين الأممين 181/1947 و194/1948، هذا في وقت تدرك فيه السلطة الفلسطينية بإن من تُسمى دولة إسرائيل هي نفسها (الدولة اليهودية)، التي جرى تسميتها وفقاً لقرار التقسيم 181/1947، ولكن القرار نفسه لم يشر الى تلك الدولة، بأنها خاصة لليهود فقط، كما يريدها السيد نتنياهو لأغراضه السياسية..؟!!


أليس في هذا الإشتراط غير طلب بإذعان المفاوض الفلسطيني لتجاهل وجود الفلسطينيين العرب في دولة إسرائيل منذ العام 1948، وتهديد وجودهم في دولة إسرائيل الذي تحكمه بنود القرار 181/1947، بإعتبارهم مواطنين للدولة إسوة بمواطنيها الآخرين من اليهود، وذلك تحت مختلف الذرائع التي سوف تستنبطها حكومة السيد نتنياهو من مفهوم "الدولة الدينية"؛


 هذا ومن جانب آخر، قطع الطريق أمام تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 194 الصادر في 11/12/1948 الخاص بحق عودة اللاجئين الى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم وفقاً للقرار المذكور، وهو ما تحاول حكومة السيد نتنياهو عرقلة تنفيذه بأي شكل من الأشكال، وإحدى هذه الأشكال إستغلال تسمية دولة إسرائيل ب(الدولة اليهودية) في جانبها "الديني"، ليكون الهدف من وراء كل ذلك، منع عودة جموع اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي إجبروا على مغادرتها منذ أيام النكبة، الذي ترافق وتأسيس الدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم..!!؟   


أما الدولة المنزوعة السلاح؛ فلا ندري كيف تمكن السيد نتنياهو أن يعثر في قاموسه السياسي، على دولة ستكون عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة، وفقاً لنتائج المفاوضات المباشرة وبرعاية المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولها تمثيلها حالياً هناك، ولكنها في نفس الوقت وطبقاً لمشيئة السيد نتنياهو ينبغي أن تكون منزوعة السلاح..!!؟


 ألا يرى السيد نتنياهو مثلنا، بأن إشتراطه الثاني على المفاوض الفلسطيني، هو الآخر مهيناً ولا يشكل غير تعويق آخر أمام المتفاوضين، وذريعة لا تصمد للمناقشة، للتهرب من إستحقاقات عملية السلام المنشودة، وإلا كيف يمكن تصور قيام دولة ستكون عضواً لدى الأمم المتحدة وستحضى بإعتراف الجميع، وهي تحمل على إكتافها وزر "عقوبة" لم ترتكبها، لينزع عنها السلاح، نزولاً عند رغبة السيد نتنياهو في مشروطيته لمباشرة المفاوضات المباشرة، أملاً في تحقيق السلام..!


فهل حقاً، وفي ظل مثل هذه المقدمات التي تقدم بها السيد نتنياهو، سترسو سفينة المفاوضات المباشرة الى شاطيء السلام..؟!
سؤال يظل في وارد الإجابة، طالما ظل اليمين الإسرائيلي ممسكاً بمقاليد الحكم في دولة إسرائيل "المقفلة لليهود"، وطالما يحلو للسيد نتنياهو التعلق بتلابيبها "الدينية"..!! 
23/8/2010
(*)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/08/100822_netanyahu_talks_tc2.shtml
         




 


           


187
فلسطين: المفاوضات المباشرة وضرورة الموقف الموحد..!

باقر الفضلي

الدعوة التي وجهتها وزيرة الخارجية الأمريكية الى كل من دولة إسرائيل والسلطة الفلسطينية بالدخول في مفاوضات مباشرة  بدون شروط مسبقة، والتي جاءت مرادفة لبيان الرباعية الدولية، وبرعاية كل من أمريكا والرباعية وحضور كل من العاهل الأردني والرئيس المصري في الثاني من أيلول القادم في واشنطن، على أمل التوصل الى الحلول النهائية المتعلقة بحل الدولتين وطبقاً  للقرارات الدولية بهذا الشأن خلال عام من بدأ المفاوضات، تلك الدعوة التي كانت جزء من التعهدات التي أوعد بها السيد أوباما الفلسطينيين، وباركها ناتنياهو، لكونها دون شروط مسبقة..!!؟


من السابق لأوانه التنبؤ بالنتائج التي ستسفر عنها تلك المفاوضات، ولكن ما هو جدير بالإيضاح، أن تأتي موافقة السلطة الفلسطينية في وقت لم تؤشر فيه الساحة السياسية للمشهد الفلسطيني عن تمكن تلك السلطة من تشكيل الإجماع السياسي الفلسطيني لهذه الموافقة، حيث أعلن عدد من الفصائل الفلسطينية الرئيسة عن رفضه المشاركة بالمفاوضات دون ضمانات، ناهيك عن الإنقسام السياسي الجغرافي للوطن الفلسطيني بين الضفة وغزة، ورفض منظمة حماس لمشروع المفاوضات المباشرة، كل ذلك ما يضع المفاوض الفلسطيني في موقف يتطلب منه الحذر البالغ، خاصة وإن الموقف الإسرائيلي لم يعد غامضاً من مسألة الإستيطان وإجراءات تهويد القدس، فهي غير ملزمة بأية ضمانات ما أو إلتزام معين حتى لو كان صادراً من الشرعية الدولية..!


ومما لا شك فيه، فإن دخول السلطة الفلسطينية دون ضمانات محددة من قبل إسرائيل أو مرجعية دولية، وفي ظل غياب الإجماع الفلسطيني، يعتبر من المزايا التي تصب في صالح المفاوض الإسرائيلي، الذي غالباً ما يفسر أي ضمان من الضمانات بمثابة شرط معيق للبدأ بالمفاوضات أو السير فيها للوصول الى نتائج محددة، ولذلك ما إنفكت الحكومة اليمينية الإسرائيلية تستخدم حق المفاوض الفلسطيني المطالبة بالضمانات، بمثابة شروط مسبقة، مستغلة ذلك كورقة ضغط على الإدارة الأمريكية والرباعية الدولية للخروج من مأزق الإدانة الدولية للإنتهاكات المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني وتكريس الإنقسام، وتهويد القدس..!!!


ومن هنا فإن موافقة السلطة الفلسطينية على خوض المفاوضات المباشرة دون ضمانات، ولا نقول دون شروط مسبقة "طبقاً للإرادة الإسرائيلية"، ورغم كل التحفظات التي جاءت في بيانات الفصائل الفلسطينية الرافضة، رغم أهميتها الأستراتيجية، فإنه في وارد التكهنات المنطقية، سيكون لهذه المفاوضات الأثر الكبير على الصعيد الدولي والإقليمي والداخلي، لأنها ستنقل الكرة عملياً الى الملعب الإسرائيلي، ليحدد موقفه بشكل واضح من الحقوق الفلسطينية المعلنة والمقرة من قبل الشرعية الدولية بموجب قرارات لا زالت الإدارة الإسرائيلية تمتنع من الإعتراف بها، في وقت لم يك هناك شيء غير معلن في موقف السلطة الفلسطينية، وحسب المثل الشعبي الشائع: "إذهب مع العيار الى باب الدار" ..!!


وحين يجري الحديث عن الضمانات المسبقة، يمكن للمراقب أن يرى الجزء الثاني أو ما يمكن تسميته بالإحتراز الفلسطيني، في موافقة السلطة الفلسطينية، وهو الآخر معلن بصريح العبارة أمام الجميع، ويتركز في موقف السلطة من أي إنتهاك إسرائيلي جديد يتعلق بالتهويد والإستيطان وتشريد الفلسطينيين من أراضيهم أثناء المفاوضات، فإنه سيجابه وبشكل مباشر من قبل المفاوض الفلسطيني بوقف التفاوض فورا، وهذا ما عززته رسائل السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الى الإدارة الأمريكية والرباعية الدولية والرؤساء العرب، وأكده السيد عريقات رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في تصريحاته الأخيرة حول ذلك..!!


أمام هذا الواقع الراهن، ومع كل مماحكاته، فإنه ومن جهة منطق التوحد الفلسطيني، وأهميته في ظرف بهذه الدقة، يصبح من المناسب القول، بإن مرجعية الشعب الفلسطيني الموحد بمختلف فصائل المقاومة السياسية، هي المرجعية الأولى التي بإمكانها أن تدعم المفاوض الفلسطيني وتمحنه التأييد والمساندة أمام عجرفة المفاوض الإسرائيلي وتعنته، وهي بإمكانها من خلال هذا التوحد أن تنشأ موقفاً عملياً جديدا، يقفز فوق كل الإعتبارات السابقة بخصوص الضمانات، موقفاً داعماً وظهيراً للمفاوض الفلسطيني في معركته الجديدة مع غطرسة الإحتلال، في وقت لا يغيب فيه على المطلع اللبيب، حجم الضغوط التي تتعرض لها السلطة الفلسطينية عربياً ودولياً بشأن المفاوضات المباشرة، من أجل نيل كامل الحقوق الفلسطينية، التي أقرتها كافة الشرائع، وإستجاب لها المجتمع الدولي..!
21/8/2010

 

     



           


188

العراق: تشكيل الحكومة الى أين..؟!

باقر الفضلي

كنت في مقالة سابقة، (العراق: الحلول الصعبة )، قد أجملت جانباً من طبيعة الصراع المحتدم بين القوائم الإنتخابية الفائزة في الإنتخابات الأخيرة في السابع من آذار المنصرم، وكنت قد أشرت الى طبيعة تمسك بعض تلك القوائم بمفهوم " الطائفية" كسلاح ذي حدين، منتهياً الى القول :[[ بأن ما يدور حالياً من شلل عام للحياة السياسية في البلاد، وفي مقدمته العجز التام للكتل السياسية الفائزة في الإنتخابات، من تشكيل الحكومة الدستورية الجديدة، إنما يعود مرده لطبيعة الصراع المبني في أساسه، على قاعدة "الطائفية" كسلاح للتكتيك والتحشيد والمناورة، وليس بعيداً عن ذلك أيضا، إستغلال وإستثمار الطقوس والعادات والشعائر والمناسبات الدينية للطائفة المعنية كإحدى وسائل ذلك الصراع ومن أدواته..!؟]]


لقد أثبتت التجربة العملية صحة التوقعات التي تم الإشارة اليها في المقالة أعلاه، وأيدت الأحداث ما كان متوقعاً مما قد تؤول اليه نتائج ذلك الصراع،  وها هو الزمن يُهدر بدون طائل، في وقت لازال فيه تشكيل الحكومة الجديدة يراوح في مكانه، وما يصدر من هنا وهناك من تصريحات بقرب تشكيل الحكومة وأن الحكومة على الأبواب، لا يشكل غير سحابة من دخان، لتمرير الوقت، والتعتيم على ما يطبخ في الخفاء، بعد أن توضحت صورة الصراع، وبعد أن بذلت أطرافه كبير جهدها، للخروج بما يؤمن لها سبل النجاح في كسب "معركة" منصب رئيس الوزراء، ليشكل المشهد السياسي العراقي أخيراً، حالة من التأزم الكبير بين جميع الأطراف المفترض مشاركتها في تشكيلة الحكم بعد أن أصبحت الوسائل مفضوحة، في توظيف "الطائفية" علانية، كسلاح رئيس في التنافس والصراع، وبعد أن أعلن عن توقف المفاوضات بين القائمتين الرئيستين العراقية ودولة القانون للسبب المذكور طبقاً لوسائل الأعلام..!؟


وليس أدل على ذلك، من ما جاءت به التصريحات الأخيرة للسيد رئيس الوزراء، ناعتاً فيها القائمة العراقية بأنها تمثل " المكون السني"، في وقت لم تتوقف فيه التصريحات المتواترة عن مضي المحادثات بين القائمة المذكورة وقائمة دولة القانون بكونها تجري على قدم وساق، وكثير من كان يرقب نهايتها الى النجاح في إيجاد الحل المرتقب للخروج من الأزمة المستفحلة، فأية مفارقة مثل هذه، وفي وقت لا تنقطع فيه تصريحات قائمة دولة القانون بأن برنامجها مبني على مناهضة "الطائفية"، ولكن الجديد في الأمر ما يتعلق بتشكيل حكومة المشاركة، حيث برزت الى مقدمة الأحداث من جديد، مقولة "المكونات الإجتماعية" كأساس لتشكيل مثل هذه الحكومة..!!؟


ليس المهم في الأمر كيف جري توصيف القائمة النيابية العراقية، من حيث تكوينها الإجتماعي، فهذا أمر يعود تفسيره الى القائمة المذكورة، بل الأكثر أهمية، ما يتعلق بقواعد تشكيل الحكومة الجديدة "حكومة المشاركة"، فطبقاً لفحوى التصريح نفسه وظروفه الزمانية، وإستناداً لتفسير السيد عزة الشابندر نائب البرلمان وعضو قائمة دولة القانون للتصريح المذكور بتأريخ 17/8/2010، يصبح من البدهي تصور آفاق مثل هذه الحكومة المنتظرة، ويكفي كونها إفتراضاً، ستشاد وفقاً لنفس الأسس التي قامت عليها الحكومة الحالية  المنتهية ولايتها،  وذلك بإعتماد قاعدة "المكونات الإجتماعية" بشقيها الديني – المذهبي، والإثني، وهذا هو أقل ما كان يمكن أن يتوقعه المراقب، من خلال سير العملية الإنتخابية وما ترتب عليها من نتائج وما رافقها من تداعيات، ليأتي التلويح بنظرية "المكونات" مجدداً ليدعم تلك التوقعات السابقة، بشأن تشكيل الحكومة الجديدة وإشكالية الكتلة البرلمانية الأكبر، إذا ما سارت عليه الأمور وفقاً للسياق المطروح، وكل هذا كان فيه حديث غير قليل..!!(*)


المقلق في الأمر أن يطول أمد تشكيل الحكومة الجديدة، بعد أن سئمت الناس حالة الفراغ الدستوري _ السياسي والفراغ الأمني ، الذي أصبح مدخلاً خطيراً لتدهور الحالة الأمنية، ومصدراً لمزيد من نزيف الدم، ومنفذاً لقوى الإرهاب بشتى ألوانها، ليأتي التلويح مجدداً بالطائفية كأحدى سبل هذا التشكيل اللاديمقراطية، والتي كانت نفسها ورديفتها المحاصصة، الطامة الكبرى في إنزلاق الأوضاع الى ما هي عليه الآن، من تدهور وتراجع في أكثر من مكان..!!
18/8/2010
__________________________________________________________
(*)    http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


                 

189
سيظل الرابع عشر من حزيران/2010، يوماً مشهوداً في تأريخ الحياة البرلمانية العراقية الجديدة، حينما إفتتح مجلس النواب الجديد أبوابه ذلك اليوم، ليعلن رئيسه الأكبر سناً، عن إفتتاح جلسته الأولى بعد الإنتخابات النيابية في السابع من آذار /2010 ، ليعود بعد فترة وجيزة، لينهيها تحت تسمية فريدة، ولينصرف النواب الجدد الى بيوتهم وهم يرفلون بما إبتكروه، بجلستهم الأولى، بما يسمى ب "الجلسة المفتوحة"، التي مر عليها مع هذا اليوم شهران من التعطيل، وأكثر من خمسة أشهر بعد الإنتخابات، وكأنهم في إجازة مفتوحة، لها بداية ولم تعرف نهايتها الى أين..!


   ولم يكترث السادة قادة الكتل النيابية والسادة النواب الجدد، بأن بقائهم في "جلسة مفتوحة" ولأجل غير مسمى، دون سند دستوري قاطع (المواد 54 و55/ من الدستور)، إنما يشكل سابقة خطيرة بشكلها الحالي، وإجتهاداً إفتراضياً للخروج من مأزق الإختلاف والخلاف بين الكتل النيابية، وتمسك بسلطة فاقدة لغطائها الشرعي، مما يستوجب معه، الوقوف أمام ذلك بجدية ومسؤولية عالية، خاصة وأن الدستور لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية بهذا الشأن، في وقت أصبحت فيه البلاد تعيش حالة من الفراغ التشريعي والرقابي، تحت ظل حكومة منتهية ولايتها الدستورية، ولا تخرج في مسؤولياتها عن حكومة تصريف أعمال، طبقاً لإجتهادات نيابية، وتحفظ من قبل الحكومة نفسها..!


الأمر الأكثر إثارة، يرتبط من حيث الواقع، بمسؤولية الكتل النيابية الفائزة، وموقفها أزاء حالة إستمرارية الوضع القائم، دون ظهور علائم للإنفراج، بعد أن ظهر جلياً عمق الخلافات بينها ككتل نيابية، في أمر الإتفاق على تحديد من يشغل المناصب السيادية الثلاث، وبالذات منها منصب رئاسة الوزراء، الأمر الذي شل حركة المجلس الجديد، ليصبح بحكم المنغلق على نفسه عمليا، رغم أنه في "جلسة مفتوحة"؛  فالغريب بالأمر أن مسؤولية هذه الكتل أمام تداعيات حالة إستمرار الجمود السياسي، أصبح وكأنه حالة هلامية، تضيع معها حدود تلك المسؤولية، مثلما تضيع معها بداياتها ونهاياتها، في وقت يتمسك فيه الجميع بثوابته الخاصة ..!؟


فمع مضي الوقت، ومع العجز المستديم، الذي تحكمه أخلاق "السلطة"، تظل الحلقة المفرغة للحراك السياسي للكتل النيابية، تدور في أجوائها الطائفية السياسية، ومدارات المحاصصة التوافقية، دون أن تنجب أي جديد على خط مسار العملية السياسية، سوى المراوحة في المكان، وإعاقة أي محاولة للتقدم بإتجاه تجاوز المرحلة الإنتقالية، وبناء مؤسسات الدولة المدنية، وترسيخ مقومات الديمقراطية، وجميعها إلتزامات دستورية ووطنية، مما لا ينتج منه، غير ضياع للوقت، وضياع لأية منجزات للعملية الإنتخابية، وهدر لأصوات الناخبين، ومنح فرص جديدة لأعداء "العملية السياسية"؛ من الإرهاب ومن المنتفعين من حالة المراوحة والتلكؤ، التي تخيم على مجمل مسار تلك العملية، وسقوط المزيد من الضحايا، وتضخم في حجم الفشل والدمار الإقتصادي والتخلف الإجتماعي..!؟


لقد عكس الإجتهاد الإفتراضي لتفسير النص الدستوري (المادة/55 من الدستور)، وتأويله بما يتفق ومصالح الكتل النيابية المتصارعة، بإبتداع ما يسمى "الجلسة المفتوحة"، ولأجل غير مسمى، ما يفسر حالة التوازنات القلقة بين تلك الكتل النيابية، مما جعلها تزيد من تشبثها بمقاعدها النيابية، لدرجة لا تسمح لها بالإقدام على أية تنازلات يمكنها أن تسهل الخروج من مأزق تشكيل الحكومة، فأوصدت الأبواب أمام أنفسها وأمام الجميع، مما أفقد البرلمان الجديد، وهو جزء منها، تأثيره في الأوضاع المضطربة، ودفع بالناخبين الى التشكيك بمصداقية النواب المنتخبين، وبآفاق العملية السياسية نفسها، وبتدهور الوضع الأمني بشكل لا تحمد عقباه؛  كل ذلك ما يؤكده، عجز مجلس النواب، رغم جلسته المفتوحة ومنذ شهرين، من تحقيق ما جاء بالنص الدستوري المذكور حتى اللحظة الراهنة..!؟


فالمشهد السياسي العراقي، وهو يمر في حالة من الشلل التام، لا ينبؤ بالتفاؤل وبالإنفراج القريب، خاصة وأن هيبة الحكومة نفسها باتت، وهي في وضعها الحالي، تتعرض يومياً الى النكوص والتراجع، بعد أن أصبح إستهداف رجال الشرطة وقوات الأمن ، هدفاً سهلاً أمام الإرهاب، وكأنها تعيش في عزلة خانقة..!!!؟


إن السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب الجديد والمعطلة بإرادتها، ومعها السلطة القضائية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى، والمحكمة الإتحادية العليا، والسلطة التنفيذية بركنيها مجلس رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، المنتهية ولايتهما شرعاً، كلهم ملزمون بما توجبه عليهم حالتهم المؤقته في السلطة، وضع الأمور في نصابها الصحيح، بتفعيل نشاط مجلس النواب، للخروج من نفق الأزمة المتفاقمة بإضطراد..!!   
أم أن العملية السياسية يا ترى، قد وصلت الى طريقها المسدود..؟؟!!
وأن لا سبيل للخروج من حالة الشلل والجمود..؟؟!!
14/8/2010


190
العراق : تشكيل الحكومة والقرار/ 1936 ..!

باقر الفضلي


مع إعتراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد ميلكيرت في العراق، بأن تشكيل الحكومة العراقية قضية داخلية تخص العراقيين وحدهم، في تقريره المقدم الى مجلس الأمن بجلسته المنعقدة بتاريخ 4/8/2010 ، إلا إنه وفي عين الوقت أعلن قائلاً : [[  "إنني قلق بشان التأخير المستمر بشأن تشكيل الحكومة الجديدة مما يساهم في خلق مناخ من عدم الاستقرار في البلاد".   ]](1)


لقد ترك هذا القلق المسؤول لدى موظفي الأمم المتحدة الأثر العميق من الشعور بالمسؤولية لدى أعضاء مجلس الأمن، أكثر مما تركه لدى العديد من السياسيين العراقيين،   فلم ينعكس في مبادرات يؤمل من ورائها بشائر للخروج من عنق زجاجة الأزمة الخانقة، والإعتراف بحقيقة نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة في آذار الماضي، المقرة من قبل المحكمة الإتحادية العليا، والمثبتة في تقرير ممثل الأمين العام المشار اليه في أعلاه، بل ربما العكس، حيث جاءت التصريحات المختلفة لبعض التكتلات المتنافسة لتعكس الإصرار على مواقفها السابقة، وتشبثها بنفس الوسائل الهادفة الى المسك بمنصب رئاسة الوزراء، بإي ثمن كان..!!؟


لقد دفع تقرير ممثل السيد الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، بمجلس الأمن الى إصدار قراره الجديد بشأن العراق رقم/ 1936،(2) الى تمديد تفويض بعثة الأمم المتحدة (يونامي) لعام آخر، بما يعني إبقاء العراق تحت أحكام الفصل السابع، رغم مطالبة مندوب العراق لدى الأمم المتحدة برفع العقوبات بحق العراق وإخراجه من أحكام الفصل المذكور، في نفس الوقت جاء القرار مؤكداً، ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة من تحذيرات تتعلق بتأخير تشكيل الحكومة الجديدة، وما يمكن أن تكون عليه تداعيات ذلك..!؟


ومن المسلم به، بأن ما جاء من تقرير وإعتراف من قبل الأمم المتحدة؛ بأن تشكيل الحكومة العراقية هو قضية داخلية تخص العراقيين وحدهم، وهو أمر كثيراً ما تشبث به وردده العديد من رجالات السياسة ومن الناطقين بلسان بعض الكتل السياسية المتنافسة؛ أو بمعنى آخر؛ الإفتراض بعدم تدخل الأمم المتحدة في شأن تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، ولكن ما ينبغي أخذه بالحسبان؛ أن مجلس الأمن بقراره الأخير وتمديده لبعثة الأمم المتحدة (يونامي) لعام آخر، قد وضع الأمم المتحدة أمام مسؤولياتها إتجاه الشأن العراقي، بكل ما يتعلق بإمنه وإستقراره السياسي والوطني بوضوح تام، ومن هنا ينبغي فهم أمر عدم التدخل بشكل أكثر وضوحاً في ضوء القرار الجديد..!


ففيما يتعلق بأمر تشكيل الحكومة العراقية، وفي ظل حالة الجمود المتواصلة لأكثر من خمسة أشهر بعد الإنتخابات، يصبح من البدهي الأخذ بما يهدف اليه القرار الجديد لمجلس الأمن، وفي ظل شمول العراق بالفصل السابع، بعين الجد والموضوعية، كما ينبغي النظر الى تشكيل الحكومة من زاويتين؛ في الأولى، ومن حيث المبدأ،  يعتبر أمر تشكيل الحكومة، هو الأساس المقصود بقرار مجلس الأمن، وهو الأمر المشمول بالتدخل، أما الثانية، فهي ترتبط بتفاصيل ذلك التشكيل، وهذا أمر وقضية عراقية داخلية، وهو ما يفهم من تقرير ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، الذي إعتمده مجلس الأمن في قراره الأخير، وبالتالي، ينبغي التفريق هنا بين الحالتين، أو عدم الخلط بينهما لمقاصد سياسية..!


من هنا يأتي قلق الشرعية الدولية، للتأخير المتواصل في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، طيلة هذه الفترة، في وقت ناشدت فيه السياسيين العراقيين، تحمل مسؤوليتهم في الخروج من هذا المأزق، لما في ذلك من نتائج سلبية على مجمل الحالة الإجتماعية والأمنية والسياسية في العراق..!


اما الركون الى الإطالة والتمسك والقبول بإستمرار الحالة الراهنة دون تشكيل حكومة جديدة، كما يرد في بعض التصريحات، رغم حالة الفراغ الدستوري والأمني المتواصلة، فلابد وأن يدفع هذا، ودون أدنى شك، بالشرعية الدولية الى إعادة النظر بقراراتها، وإتخاذ ما قد تراه مناسباً لخروج العراق من وضعه الحالي، وهذا ما ينبغي فهمه ضمناً من فقرات قرارها الأخير، مما قد لا يرتضيه البعض، ممن لا يرضيهم التعامل إيجاباً مع مثل تلك القرارات..!!؟
6/8/2010
_______________________________________________________________
(1)    http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?newsID=13431
(2)   http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?newsID=13439



191
العراق: الحلول الصعبة..!

باقر الفضلي


الأمل الذي يزرعه قادة القوائم النيابية الفائزة في الإنتخابات في نفوس المواطنين، عن قرب تشكيل الحكومة الجديدة، بات ديدن جميع تلك القوائم وغذاؤها اليومي، وكلما يمر الوقت، ترتفع الأصوات، ويحتدم صراع التصريحات..!؟
 

 كل هذا ليس بعيداً عن الصراع المحتدم بين قادة تلك القوائم المتنافسة، ولكن ما فات الجميع، بل وما أغمضوا الأعين عن إبصاره أو حتى التحسس بوجوده، وهو أقرب الى العين من الحاجب، سيظل الهاجس الغالب والوحيد بالنسبة للمواطنين، وهم الأكثر تحسساً بوجوده، في وقت يغرق فيه أولئك القادة مثبورين بصراعهم المستميت على "تملك" قيادة السفينة..!؟


فما أنفك الأئتلافان (دولة القانون والإئتلاف الوطني)، [[ وهما كتلتان للمكون الشيعي...]] على حد قول السيد رئيس الوزراء في لقائه مع قناة العراقية يوم 2/8/2010،(1) متمسكين حالياً بشكلية هذا "التحالف" لأغراض تشكيل والإحتفاظ بالكتلة الأكبر، رغم إعلان الإئتلاف الوطني تعليق مفاوضاته مع إئتلاف دولة القانون، ولا يدري المرء لماذا هذا التركيز على "المكون الطائفي" فقط في تشكيل الكتلة الأكثر عدداً..؟ سؤال يظل يبحث عن جوابه في خضم سيل الخطب والمقابلات عن "لا طائفية" الكتل السياسية التي تتشدق بها ليل نهار..!!


من جانبها هي الأخرى كتلة (العراقية)، تراها متمسكة بفوزها الإنتخابي، بإعتبارها الكتلة التي يقصدها الدستور، ولها الأسبقية في تشكيل الحكومة الجديدة، وتعلن دون توقف، إستعدادها لمشاركة الكتل الأخرى الفائزة منها أو غير الفائزة في تشكيل الحكومة، أو ما يدعى بحكومة المشاركة، ولكن ومع مضي الوقت، أصبح هذا التمسك مثار إتهامات مقصودة من جانب الكتل الأخرى وخصوصاً التحالف المنافس الآخر؛ بأعتبار كتلة العراقية تمثل طائفة "السنة"، مما بات يوحي للمواطن والمراقب المتابع، بأن نتائج الإنتخابات جاءت وهي تدور في نفس محاورها السابقة، وليس هناك ثمة تغيير ما، أو تبدل في نهج العملية السياسية وأسسها البنيوية، وكأنه عاد المشروع الطائفي نفسه، سيداً للموقف السياسي، لتُرسم تاكتيكات الأشهر الخمس المنصرمة ما بعد إعلان نتائج الإنتخابات، وفقاً لهذا المشروع، الذي تمحور حول إنعدام الثقة بين الكتل المتنافسة على منصب رئاسة الوزراء، وليصبح الحافز المحرك لهذا الصراع في الشوارع الخلفية للمتصارعين..!!؟


وليس من باب المبالغة والتهويل، أن تكن "الطائفية" ليست بذاتها هي الهدف المبتغى، بالنسبة للإحزاب والكتل السياسية المبنية طبقاً لمفهوم "الطائفة الدينية"، بقدر ما هي سلاح ذو حدين بأيدي تلك الأحزاب، ولا تشذ من تدعى باحزاب الإسلام السياسي عن هذه القاعده، وهذا ما يحدث الآن في العراق؛ فالطائفية من جانب، سلاح للتراشق والإتهام والإضعاف بين المتصارعين، ومن جانب آخر، أداة للتحشيد والإستقواء ووسيلة لتشكيل الكتلة الأكبر لأغراض نيابية، كما وليس هناك من فارق جوهري بين مفهومي الطائفية والعشائرية في هذا السياق ولتلك الأغراض، فهما توأمان من رحم واحد..!؟


فما يدور حالياً من شلل عام للحياة السياسية في البلاد، وفي مقدمته العجز التام للكتل السياسية الفائزة في الإنتخابات، من تشكيل الحكومة الدستورية الجديدة، إنما يعود مرده لطبيعة الصراع المبني في أساسه، على قاعدة "الطائفية" كسلاح للتكتيك والتحشيد والمناورة، وليس بعيداً عن ذلك أيضا، إستغلال وإستثمار الطقوس والعادات والشعائر والمناسبات الدينية للطائفة المعنية كإحدى وسائل ذلك الصراع ومن أدواته..!؟   


لقد كشفت المقابلة الأخيرة للسيد رئيس الوزراء في 2/8/2010 مع قناة العراقية، جوانب مهمة عن طبيعة ذلك الصراع، وإن كان على مستوى الطائفة الواحدة، مما كان له من الدلالات الواضحة ما يغني عن القول؛  بأن بناء الحياة السياسية الطبيعية وتثبيت مبدأ التبادل السلمي للسلطة، لا يمكن أن يكتب لهما النجاح في ظل صراع وتنافس من أجل السلطة، يعتمد التوازن الطائفي وليس (مبدأ المواطنة) سبيلاً للفوز بالسلطة، وهذا ما يجعل من الصعوبة بمكان، الإهتداء الى الحلول والأجوبة السليمة والديمقراطية، للخروج من مأزق الإختناق الذي يعاني منه الشعب العراقي اليوم، في وقت يُطالب منه، المزيد والمزيد من الصبر والأناة، على حد ما جاء في المقابلة المذكورة..!!؟؟     


فالحلول المطروحة بأشكالها المختلفة، قد أوصلت العملية السياسية الى طريق مسدود ومحفوف بالخطر، بل وفتحت الأبواب على مصاريعها أمام التدخل المفضوح في الشأن العراقي من  قبل أطراف إقليمية ودولية، بعد أن تبين عجز القوى السياسية من التوصل الى الحلول الدستورية المطلوبة، ولا حتى الى الحلول الوسط الممكنة في مثل هذه الظروف، في وقت تجهر فيه بالرفض لأي مساعدة أو تدخل من قبل الأمم المتحدة ، بل تعلن القبول بإستمرار الحالة قائمة مثلما هي عليه الآن ولأمد غير منظور، كما أفاد السيد رئيس الوزراء محذراً في مقابلته مع قناة العراقية..!!؟


لقد سبق وأن أشرت في مقالة سابقة تحت عنوان (العراق: الفشل والصراع)؛(2)  بأن الحلول الصعبة ستكون هي من ستجد طريقها، ومن ستفرضها حالة الجمود السياسي والفراغ الدستوري والأمني، وهي من سيجري اللجوء اليها، طالما أن أقطاب العملية السياسية ممسكون بتلابيب بعضهم البعض..!!؟


 في عين الوقت ناشد مجلس الأمن اليوم 4/8/2010 في بيان صحفي؛ الفرقاء السياسيين العراقيين والنواب الجدد الى ضرورة التعجيل بتشكيل الحكومة الجديدة، [[ "حيث أن التأخير يؤثر على البنية الأساسية والخدمات في البلد ويؤثر على أرزاق المواطنين العراقيين ورفاههم.."]] كما ورد في البيان المذكور..!!؟(3)
4/8/2010
___________________________________________________________


 


 


 





192
صورعراقية معبرة تحاكي الواقع السياسي..!

باقر الفضلي

يمر الواقع السياسي لعراق اليوم، بحالة أقل ما يمكن به وصفها، بأنها حالة تراجيدية سيريالية كوميدية، يصعب معها إيجاد تعبير مناسب وصادق، يمكنه أن يعكس حقيقة ما يدور في ظل هذا الواقع، وكيف تدار فيه الأمور على أعلى المستويات، وبأي شكل ووسيلة يجري الإلتزام بأحكام الدستور والتمسك بنصوص القوانين..!


لوحة المشهد السياسي العراقي الراهن، ضبابية قاتمة..؛ لا بشائر توحي بإنفراج قريب، ولا دلائل تسعف بإستقراء أمل عصيب..، ولكنه وحده المبدع العراقي الشهير المنلوجست الرائع الراحل (عزيز علي) من صَوَّر شبيه هذه الحالة، وهذا المأزق الذي أخذ بخناق الجميع، فأجاد في تصوير اللوحة السياسية العراقية يومذاك، وبأجمل صور صادقة من خلال، الشعر والموسيقى والغناء؛ مجتمعة في هارموني رائع بسيط ومعبر، قلما تتمكن أي مقالة مهما بلغت في بلاغتها وفصاحتها، من الوصول الى أعمق أعماق النفس البشرية في معاناتها الوجدانية، بهذا الشكل الرمزي المؤثر، مثل تلك الصور الرائعة، التي جسدها ذلك المنلوجست العراقي الشهير المبدع الراحل (عزيز علي) ومنها المنلوج الذائع الصيت(( أنعل ابو الفن))..!


مهما إختلفت صورة المشهد السياسي الحالي عن واقع حال المشهد السياسي الذي عاصره الراحل المبدع (عزيز علي) وعاش في كنفه، وتفاعل معه بكل أحاسيسه ووجدناه، وصوره في لوحات فنية غنائية رائعة ونادرة، ذاع صيتها وعم صداها كل أرجاء البلاد العربية، فكان لها من عمق التأثير، ما ألهب نفوس العراقيين وأثار مشاعرهم، وبث فيهم روح الحماس والتحدي، لما كان في مقاطع وكلمات تلك المنلوجات من معان طاغية في صدقها، وفي عكسها لحقيقة الواقع السياسي والإجتماعي العراقي، ولما فيها من شجاعة متميزة في التعبير عن ذلك الواقع وتحد قل مثيله، حتى بات معه (عزيز علي) المنلوجست الأول للشعب، وجميع من عاصره حينذاك من النساء والرجال، أصبح يردد أغانيه الجميلة والشعبية؛ البسيطة في لغتها ومفرداتها عن ظهر قلب، حداً دفع حتى برجال الدولة العراقية يومها، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نوري السعيد، أن يصبح من المعجبين به، مع علمه بعمق النقد وحدته القاسية للحكومة، لدرجة أنه إستدعاه يوماً الى مكتبه الرسمي، وجرى بينهما حوار له قصة مشهورة، بعد سماعه من دار الإذاعة العراقية لأحد تلك المنلوجات ((حبسونه))، حين كان عزيز علي، يردده بصوته الرخيم الشجي ضمن أحد برامج الإذاعة العراقية التي كان يقدمه بنفسه كل يوم أربعاء..!


أقول مهما إختلفت صورة المشهدين السياسيين الحالي والماضي، من جميع نواحيهما السياسية والإقتصادية، وطبيعة وشكل وتركيبة نظم الحكم، فإنه من السهولة بمكان، أن تجد الأجيال الحالية من المواطنيين العراقيين، في أغاني المنلوجست العراقي الراحل (عزيز علي)، الكثير والكثير من المشتركات، ما يعكس المعاناة اليومية التي يقاسيها المواطن العراقي اليوم؛ من فقدان الأمن ونقص الخدمات وتفاقم البطالة، في ظل فراغ سياسي وأمني، مما يدفعه أن يجد في الإستماع الى أغاني (عزيز علي)، متنفساً له عن همومه ومعاناته اليومية، وعن خيبة الأمل التي لازمته منذ أكثر من سبع سنوات عجاف، وهو أبعد من أن يجد بصيص ضوءٍ في نهاية النفق المظلم، ليركن الى ما ينسيه من تبعات تلك الهموم والمعاناة بهذا الإستماع، في نفس الوقت الذي يوقظ عنده أحاسيس من الشعور بالمسؤولية، وتحفيز إرادة التغيير، والبحث عن الحقيقة..!       


لقد كانت الصور الغنائية الكاريكاتيرية، التي كان يرسمها المبدع الراحل عزيز علي، وحدها بمثابة بيانات سياسية مؤثرة وفاعلة بالنسبة للمواطن العراقي وعلى إختلاف مستويات الوعي، لأنها كانت تحاكي معاناة المواطن العراقي بشكل مباشر، وتبث شكواه بنقد لاذع وبنغم موسيقي تطرب له النفوس، لما يختزنه من شجن مرير يضرب في أعماق الألم  والحزن..!       


ليس المبتغى هنا، الحديث عن هذا الفنان الشعبي الفذ، الذي يعتبر حلقة متميزة في تأريخ العراق القريب، السياسي منه والفني، فهذا أمر يحتاج الى الكثير من البحث والتدقيق، لإيفاء هذا الفنان القدير، الذي لم يوف حقه حتى اليوم، ما يستحقه من التقييم الحقيقي والمنصف، وما كان له من دور مؤثر على نفسية الشعب العراقي، ما حدى بنظام الحكم يومذاك أن يحسب له الف حساب..!


المبتغى الحقيقي هو الإستذكار والتذكير وحسب، بما يقاسيه المواطن العراقي اليوم وفي ظل "العهد الجديد"، من معاناة تجاوزت في حدودها، ما كانت عليه حتى في ظل تلك العهود والأيام التي دفعت بهذا الفنان الكبير أن يصوغها في لوحات غنائية، فريدة في معانيها صادقة في صورها، التي من شدة نقدها اللاذع للحكومة، أقضت مضاجع النظام الملكي، وهزت أقوى رئيس حكومة مثل "الباشا" (نوري السعيد)، من على كرسيه الحكومي،  ليذهب بنفسه الى دار الإذاعة للتعرف على منشدها بنفسه، رغم ذلك لم تجرؤ الحكومة يومها على كتم ذلك الصوت الشجاع، بل على العكس، فقد وُجهت أصابع النقد الشديد الى تصرف رئيس الحكومة (نوري السعيد)، من قبل الصحافة العراقية (صحيفة الأهالي)، متهمة أياه بمحاولة إسكات صوت الحق..!!


فما عساه أن يقول، الفنان الراحل المبدع (عزيز علي)، لو كتبت له الحياة اليوم، وما عساه أن ينشد وينسج من لوحات غنائية، بإمكانها أن تعكس حقيقة المعاناة التي يكابدها كل لحظة، ملايين المواطنين العراقيين، وماذا سيرسم في مخيلته من ردود إفعال المسؤولين من رجال الحكومة، إذا ما أنشد عشر ما أنشده من دار الإذاعة العراقية الرسمية قبل ما يزيد على أكثر من نصف قرن من الزمان..!!؟

 
إنها مجرد صور معبرة، تحاكي برمزيتها، ما عليه الواقع السياسي الحالي، مع ما يكتنفها من شجن الحزن والتشاؤم، على حد ما كان يردده نوري السعيد في حواره مع الشاعر وقتذاك، إذ يشاركه الرؤى نفسها غير قليل من سياسيي اليوم؛ إلا أن ما فيها من العبر والدروس، ما يغني كل من يريد حقاً التبصر في مآل مستقبل الأوضاع الحالية، وما يمكن أن تجره تداعياتها على مستقبل الأجيال، ومع ذلك فليس بوسع منلوجات وأناشيد وحدها، أن ترفع عن كاهل العراق، ثقل المحنة التي تجثم فوق صدور العراقيين، ولكنها في خضم المحنة تبقى ذاكرة تستحق التدوين ..!!     
31/7/2010         






193


شهداء الإعلام والصحافة جنود مجهولون..!

باقر الفضلي


الهجوم الإرهابي الذي إستهدف صباح هذا اليوم المركز الإعلامي لقناة العربية في قلب بغداد، يسجل من جديد تحدياً سافراً للحكومة وللعملية السياسية ولكافة أحزابها وكتلها السياسية، ولقوى الأمن كافة، ويضعها جميعاً أمام مسؤولياتها في إستمرار الفراغ الدستوري والأمني الذي طال البلاد ومنذ أكثر من أربعة أشهر، وليبرهن من جديد، أيضاً، على فشل الخطط الأمنية في توفير الأمن والسلامة لرجال الإعلام والصحافة بشكل خاص، ناهيك عن أرواح المواطنين التي تحصدها المفخخات كل يوم، والتي ما أنفكت الحكومة وأجهزتها الأمنية من التعويل عليها بإستمرار، في وقت بلغ فيه عدد الضحايا من الشهداء الإعلاميين وحدهم، ما يربو على 350 شهيداً خلال السنوات الأربعة المنصرمة، وفقاً لتصريح السيد مؤيد اللامي نقيب الصحفيين العراقيين لقناة العربية لهذا اليوم..!


الإعلاميون هم القلب النابض لحركة الحياة اليومية، والإعلام هو من يبث الروح في أنشطة الناس وإندفاعهم لمزاولة أعمالهم، ويبث فيهم الهمة والنشاط والثقة بالمستقبل، ويشعرهم بتوفر الأمن والأمان، بنفس القدر الذي يبثه وجود رجل الأمن في الشارع، إن لم يسبقه الى قلوب الناس؛ مطمئناً ومحذراً ومرشداً ومنبهاً، فهو موجود في أحاسيس الناس، في كل لحظة وكل مكان..!


من يحاول أن يوقف نبض هذا القلب، هو من يريد أن يبني سداً من الضلالة والإنغلاق، بين المواطن ومعرفة الحقيقة.. ومن يحاول أن يسكت نبض هذا القلب، هو كل من يريد أن يزرع القلق والخوف في نفس المواطن، ومن يريد أن ينفرد بمصيره، ويحدد له مسارات المستقبل..!!؟


وفي ظروف العراق الحالية، تمثل المراكز الإعلامية الوطنية منها والعربية والدولية، بما فيها مكاتب الفضائيات ومكاتب الصحف، وجمهرة الإعلاميين الأبطال، تحد بطولي لكل قوى الإرهاب بمختلف أصنافهم ومنابعهم، ويشكل وجود الإعلاميين في ساحة التحدي، كوجود الجنود المجهولين في ساحات الوغى، بل هم يقفون في الصفوف الأولى لهذا التحدي، ويكفيهم فخراً ما قدموه من تضحيات كبرى في هذه المسيرة، والتي شكل فيها شهداء قناة العربية اليوم، مشاعل منيرة جديدة في طريق الشجاعة والفداء؛ كل ذلك، من أجل إعلاء الكلمة الحرة.. من أجل كشف الحقيقة.. من أجل نصرة الحق والعدالة.. ومن أجل تعزيز دور السلطة الرابعة وأهمية وجودها كحاجة لا بد منها، وبأنها بحق، لسان حال الشعوب والأوطان في جميع الأوقات..!!


إن إستهداف مكتب قناة العربية هذا اليوم، يمثل حلقة في مسلسل الجرائم الإرهابية التي طالت ولا تزال تطال رجال الإعلام والصحافة الحرة في العراق؛ وحين تُستهدف قناة العربية بالذات ولأكثر من مرة، فمرده لما عُرِف عن قناة العربية من مواقف معتدلة، فيما يتعلق بالشأن العراقي من جهة، ولإهتمامها الخاص بالشأن العراقي من خلال تغطيتها المتواصلة لكل ما يتعلق بهذا الشأن، ولموقفها الثابت من فضحها ووقوفها المبدئي من التصدي للإرهاب، وإصرارها المتواصل على كشف الحقائق ونصرة القضية العراقية من جهة أخرى، وقد قدمت في هذا الطريق ما يحق لها أن تفخر به في الحقل الإعلامي من تضحيات، يقف في مقدمتها الشهيدة العراقية الرائعة مراسلة القناة العربية (أطوار بهجت)، نبراساً يضيء الطريق..!


أما الحدث نفسه وقد عُرفت بعض تفاصيله الأولية من خلال وسائل الإعلام، فسيظل مصدراً للكثير من الأسئلة والتكهنات والإستنتاجات ومداراً لأحاديثٍ ونسجِ قصصٍ ومبادلةٍ للتحليلات، وتمحيصاً في وجهة الرسالة التي كانت تقصدها الجريمة..!؟


 كما وليس أمام المراقب والقضية رهن التحقيق، غير شجب وإستنكار الجريمة النكراء، التي إستهدفت قناة العربية الغراء، ومطالبة الجهات الحكومية بالتسريع بالتحقيق وكشف المدبرين للجريمة ومن يقف ورائهم، والأبعاد التي تمتد اليها الجريمة؛ هذا في وقت يعرب فيه عن مواساته لعوائل الشهداء في مصابهم الجلل، ولقناة العربية الغراء مشاركتها الحزن والأسى بهذه الفجيعة الرزية..!
26/7/2010
______________________________________________________



   





   

 





 


194
العراق :الفشل والصراع..!

باقر الفضلي


العنوان أعلاه لا يدل على الفشل بمعناه المعاكس للنجاح لغوياً وموضوعيا، بل هو وكما تثبته الأحداث الجارية في مسيرة "العملية السياسية" العراقية الآن، فشل بمعنى آخر؛ إنه فشل يعكس حالة خاصة تنتاب الساحة السياسية العراقية اليوم، لتعطي للمراقب شكلاً جديداً من أشكال الصراع المهيمن على تلك الساحة بكافة تناقضاتها والوانها الختلفة؛ الصراع الذي تغلب عليه إرادات ذاتوية ومصالح إنانية، هي في طور النشوء والتمدد في المجتمع، وفي مرحلة ترسيخ الجذور عميقاً في البنية الإقتصادية الجديدة، لتثبيت دعائمها في الأعماق، بعيداً عن أية مصالح أخرى للوطن أو للآخرين؛ ومن هنا تبرز ظاهرة التزمت والتمسك من قبل الجميع بما لديهم، في أجواء من العنفوان والغطرسة، وكأنهم يحتشدون في قاعة للمصارعة، لا يعتقد من فيها من المتصارعين، بأن هناك من خاسر..!؟


فللمرة الثانية يعجز قادة الكتل النيابية هذا اليوم، من التوصل الى إتفاق لحل إشكالية إنتخاب المجالس الرئاسية الثلاث؛ وللخروج من المأزق الذي ما أنفك يلاحقهم ليل نهار، خرجوا متأبطين سلاح التأجيل، وهذه المرة لأجل غير مسمى لجلسة البرلمان، علهم يجدون من مخرج " توافقي" ينجيهم من هذه المعضلة التي حبسهم فيها الدستور، فكبلوا أنفسهم فيها..!


وهذا هو الفشل الذي قصدناه بعينه، فأي من الكتل النيابية، دأب بكل ما إستطاع من قوة وجبروت ومن رباط الخيل، يرهب به الكتل ألأخرى وما دونها، ليذود به عن حياض ورياض أنعم الله بها عليه في غفلة السنوات السبع، وليشيد مجداً ما كان قد تهيأ له مثله قبل ذلك..!!؟


فلا الدستور ولا تفسيراته، ولا العرف وتجربة الآخرين، قد حالفها الحظ بإقناع السادة رؤوساء الكتل النيابية في النزول عن بغالهم المتمترسة في خنادقها، ولا الحكمة ولا التبصر، في ما آل اليه حال الوطن والمواطن من تراجيديا دموية، إهتزت لها ضمائر سكان الأرض وملائكة السماء، قد أثارت هواجسهم فيما يمكن أن تؤول اليه حال الترقب والإنتظار، والجميع رافع يديه بالدعاء الى الله، أن يرفع هذه الغمة عن هذه الأمة، والكل يعلم بأن العراق لا زال رهين "البند السابع"،  ولله في أمره شؤون..!! 


فبأي ويل وبأي ثبور، سيعلن العاضون بنواجذهم على حبال السياسة ومساربها، والممسكون بتلابيب الأمور، يوم تغلق جميع الطرق والمسالك، ويوم لا سبيل للخلاص غير التدويل ولا قرار غير قرار مجلس الأمن، أما إرادة المواطن وإختياره الإنتخابي، فليس أبعد منه خبر كان، وله حينها أن يخير فيختار..!!؟؟(1)     

فحينما تعجز كافة الطرق والوسائل، الدستورية منها والسياسية بما فيها التوافقية، من تذليل معضلة تشكيل الحكومة الجديدة، وحينما تتمحور تلك الإشكالية في مسألة واحدة تستقطب في من سيكون رئيساً للوزراء، ومن سيقود البلاد لأربعة سنوات أخر، وفي وقت يجري فيه كل هذا في ظل أجواء التدهور الأمني، يصبح من البدهي أن ترتبط حالة الفشل في المشهد السياسي العراقي وما يرافقها من تضخم نسب البطالة وتداعيات الحالة الخدمية المتدهورة، أن ترتبط بما هي عليه حالة الصراع بين الكتل السياسية من أجل وضع اليد على المنصب المذكور والتمسك بالسلطة كحصيلة نهائية..!؟

 إن ما يزرعه مثل هذا الوضع وتلك العلاقة، من عوامل القلق والخشية عل مستقبل الحياة السياسية وآفاق تطورها الديمقراطي، لدى المواطن العراقي والجهات الدولية الممثلة بالأمم المتحدة، وما يثيره ذلك الوضع الهش من محفزات التدخل بالشأن العراقي من قبل الجهات الإقليمية ودول الجوار، يدفع كله الى ضرورة تلمس الطريق الأسلم والأكثر ضمانة بالوصول الى شاطيء السلامة، وتجنيب العراق مما هو أعظم؛ وبالنتيجة فإن ما يبعث على قلق مندوب الأمم المتحدة في العراق السيد( آد ملكيرت) من تدهور الحالة الأمنية إرتباطاً بتعقد الحالة السياسية، له مبرراته الموضوعية، وهذا ما ينبغي أن يدرك من قبل الجميع، ويكفي العراقيين ما حصدوه من موت ودمار، لينتظروا ثمار نتائج الإنتخابات التي خاضوها بجدارة وشجاعة، عهداً جديداً من السلم والأمن والإطمئنان، فهل أزفت ساعة الإنتظار..؟!!(2)         
___________________________________________________________
(*)  http://www.alfayhaa.tv/news/iraq/35963.html
(2)  http://www.iraqoftomorrow.org/breaking-news/84878.html






   

 



 

195
لبنان: المحكمة الدولية الخاصة من جديد..! (*)


باقر الفضلي

من جديد يطرح على بساط الساحة السياسية اللبنانية ملف المحكمة الدولية المتعلق  بكشف أسرار عملية إغتيال الشهيد الرئيس اللبناني رفيق الحريري، ليثير ضجة من الأخذ والرد والتجاذب، ومن الإتهامات والإتهامات المعاكسة بين الفرقاء السياسيين اللبنانيين، وكأن لبنان ينقصها ما فيها من إشكاليات السياسة، ومن تداعيات وعواقب الحروب الداخلية الأهلية والدولية، وكأن جريمة إغتيال الرئيس الحريري وجملة السياسيين الآخرين صرعى مسلسل جرائم الإغتيال السياسي، لم تك جزء من كل ذلك، أو كأن لبنان بعيد عن رصد ومراقبة الطامعين من خارج الحدود أو ممن يسترق السمع والنظر من بين العابثين بأمنه والمتعطشين لخيراته والمدنسين لترابه..!!


فما هي إلا أشهر معدودات بعد أن تجاوز لبنان شرور الأزمة التي كادت أن تعصف به وبإستقلاله المهدد، وبعد أن تمكن من الوصول الى حالة السلم الإجتماعي والإستقرار النسبيين، وأن يخوض إنتخابات وطنية ناجحة، ويشكل حكومة الوفاق الوطني، وبقيادة الأغلبية الإنتخابية، ويشرع في بناء المؤسسات الجديدة للدولة، إلا وتدهمه حملة ضارية من الهجوم الشديد والمركز على هيئة المحكمة الدولية الخاصة، المتعلقة بالنظر في كشف ملابسات قضية إغتيال الشهيد رفيق الحريري وباقي مسلسل الضحايا، والمشكلة بموجب القرار الدولي/1757 الصادر من قبل مجلس الأمن الدولي في 30/5/2007، لتغرقها بوابل من التهم الإفتراضية، المبنية هي الأخرى على قاعدة من الإفتراض السياسي، بالتدخل الإسرائيلي في شؤون المحكمة الداخلية، كل ذلك بالإرتباط بتوقع غير محدد المعالم، عن إحتمالية إصدار المحكمة المذكورة لقرار ضني قد يوجه أصابع الإتهام الى أفراد ينتسبون في علاقتهم الى أحد الأطراف السياسية اللبنانية الفاعلة، في الساحة السياسية، والمقصود به (حزب الله) طبقاً لمثيري الحملة المذكورة..!!؟


ليس غريباً أن تتدخل إسرائيل، ما وسعها ذلك، وطبقاً  لوسائلها الخاصة، في الشؤون العامة والخاصة لكل ما يتعلق بأمور ذات صلة بشأن (حزب الله) ولدى أي جهة كانت، دولية أو إقليمية أو حتى محلية، إسرائيلية أم لبنانية، عامة كانت أو شخصية، فهذا ديدنها الدائم، وهو من صلب نشاطاتها الإستخباراتية،  وتلك بدهية لا تحتاج الى برهان، فالكل يعلم بما فيهم حزب الله نفسه، ما يمثله الحزب بالنسبة لدولة إسرائيل، فهي وفي أفضل الحالات، تصنفه على قائمة "الإرهاب"، وبالتالي  فعنصر الإتهام جاهز إفتراضياً دون الحاجة للبحث عن الدليل..!؟


ولكن الغريب في الأمر أن يجري الإفتراض بإتهام هيئة دولية مشكلة من قضاة دوليين وبقرار من الشرعية الدولية، مثل (المحكمة الدولية الخاصة بلبنان)، ودون دليل ملموس أو محسوس، بخضوعها وتلبسها بالإنجرار للضغط الإسرائيلي، ودون معرفة الدوافع ولا حتى المزايا التي قد تحققها هيئة المحكمة من وراء ذلك، إنما هو في الحقيقة، وهذا ما يدعمه واقع الحال، لا يرقى عن كونه مجرد إتهام إفتراضي، غير واضح في أسبابه، يفتقر لأساسه الحقوقي والقانوني وحتى المادي، ولا يصمد أمام الجدل الموضوعي، خاصة إذا ما علم المرء، بأن الإتهام ينصب على قراءة إستباقية لقرار ضني لم يظهر للواقع حتى اليوم..!!؟


 الأكثر غرابة من الناحية القانونية؛ أن جهة "الإتهام" هنا، وهي (حزب الله)، لم تك هي أو أحد أعضاء الحزب، من أطراف القضية المنظورة أمام المحكمة الآن..! أما على صعيد آخر، فإن الدوافع السياسية وكما يبدو، وهذا ما كشفته جملة التصريحات والتصريحات المضادة التي أدلى بها رجالات الحزب وقادته الى وسائل الإعلام منذ أسبوع من تأريخ أول إعلان من الحزب للإتهام، هي من تقف وراء إتهام المحكمة الدولية الخاصة وهذا ما يتحمل الكثير من التأويل والتحليل ولسنا بصدد ذلك فالصحافة العربية والدولية ناهيك عن المحلية قد أشبعت الأمر بحثا..!؟


خلاصة ما يمكن قوله؛ أن تسليط الضوء على المحكمة الدولية الخاصة وإتهامها بالتحيز للجانب الإسرائيلي، والإفتراض سلفاً بأن قرارات المحكمة ستأتي متجاوبة مع ما يبتغيه ذلك الجانب، وبأن النتيجة ستتمحور حول (حزب الله)، وخلط هذه الورقة مع قضية الكشف عن ملابسات جريمة الإغتيال، ستظل جميعها تدور في إطار حلقة ذات أبعاد سياسية، لا تخدم كثيراً مصالح إستقرار لبنان ووحدته الوطنية وسلمه الإجتماعي، ناهيك عما فيها من عوامل ضعضعة لذلك الإستقرار، خاصة بعد أن تناولت الإتهامات فصائل سياسية أخرى ذات شأن في الحياة السياسية اللبنانية، وتمثل الجانب الذي ينظر بموضوعية الى دور المحكمة الدولية بشأن تحقيق العدالة، بإعتبار أن: [["القضية مبدئية وهي التزام وطني بحماية مجريات العدالة، نتعاطى معها بروح المسؤولية،"]](**) على حد قول السيد سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني..!!
24/7/2010
(*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=98509
(**)  http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2010/07/100724_saad_hariri_tc2.shtml

 
   
 

196
العراق: السؤال الصعب..!!

باقر الفضلي

ما الذي يبعث على الأمل، وما الذي ينحدر الى الخيبة..؟!


لو كان الأمر يتعلق بالمسكين الدستور، رغم كل فيه من هنات ومثالب، لوجد الجميع ضالتهم هناك، ولإنتهى الأمر منذ زمن بعيد، ولنصب الدستور أحد المتنازعين رئيساً للوزراء، ولإرتاح الناس من وجع الراس، ولأصبح للإنتخابات معنى وقيمة..!!؟


فما الذي يبحث عنه السادة رؤوساء الكتل السياسية الفائزة بين ثنايا السطور، وما الذي يضمره أحدهم للآخر، وهل هناك ما تخفيه الإبتسامات المتبادلة بين القادة، وما تعنيه حرارة الأحضان وشدة الإحتضان، وسيل القبلات الدافئة..؟ بل لماذا كل هذه اللقاءات المتواصلة والعودة في النتيجة بخفي حنين.. ومثل: ما رحتي جيتي..تي تي، تي تي..؟!!


ما يعصف بالحراك السياسي الدائر في الساحة السياسية العراقية، يدور بين قوم قد إمتهنوا السياسة، وهم من مدرسة واحدة، ونتاج عملية واحدة، وتربطهم خيوط عملية سياسية واحدة، وما إختلفوا عليه اليوم سيصطلحوا عليه غدا؛ فما يجمعهم من مشتركات، سبق وإن إتفقوا عليها في إدارة شؤون البلاد منذ عام/2003 وما قبله وما بعده، لا يسمح لهم في النهاية ان يديروا ظهورهم لبعض، وإلا فإن إنفراط العملية السياسية القائمة، يعني خطاً أحمراً في حكم أجندة السنوات السبع  المنصرمة ومن يقف ورائها،  والجميع يعلم كيف تُسير الأمور، ولِمَ وُضع الدستور، ولماذا تَقرر ونُصَ على أن يجري تبادل السلطة بالطرق السلمية والديمقراطية..!؟


فالعراق اليوم وفي حاله الجديد، وبعد تجربة السنوات السبع المنسلخة، لم يعد سهلاً تحريكه طبقاً لأجندات شخصية أو حزبية أو كتل سياسية منغلقة حسب، إذ أن عوامل التحكم في حاضره ومستقبله "القريب"، قد أصبحت وفي أفضل الأحوال، مرهونة بهذا القدر أو ذاك، الى آلية قد رُسِمت ضوابطها بدقة منذ بدايات التحول والتغيير في آذار/2003، وإن كانت تبدو في ظاهرها تسير وفق ديمقراطية إنسيابية غير منظورة يتحكم بها أصحاب البيت..!!؟


إن التزمت والتمسك بقيادة البلاد السياسية من خلال منصب رئاسة الوزراء، والتنافس الدائر بين الفرقاء وراء الفوز بالمنصب المذكور وبأي شكل من الأشكال، لا يعبر دائماً عن تنافس حر ديمقراطي بين قوى سياسية، ذات برامج طابعها ومحتواها سياسياً وإقتصادياً واضح المعالم، وهذا ما تدعمه وما عكسته نتائج الإنتخابات الأخيرة في/آذار 2010، التي قسمت أصوات الناخبين بين أربع تكتلات تمارس العمل السياسي وفقاً لخططها الخاصة وأولويات قياداتها الذاتية، وبالتالي تبلورت وإستقطبت تلك النتائج في تجمعات إثنية عشائرية طائفية، تشكل في جوهرها القاعدة الجماهيرية للكتل السياسية الفائزة، وقلما يجد المتابع ما يربط تلك التكتلات الى مباديء الديمقراطية، والى مبتغيات الدستور وأهدافه، رغم مشاركة تلك القيادات جميعاً في كتابته، بقدر ما يشدها ذلك الى حاضنتها العشائرية، وثقافتها الأبوية على الصعيدين الإثني والطائفي، فتبدو أكثر إنغلاقاً على نفسها وأكثر تمسكاً بأولوياتها، منها الى التنازل الموضوعي المتبادل وفق الآلية الديمقراطية، في تداول السلطة..!!؟


فهل تلمس المواطن العراقي ومنذ ما يزيد على أربعة أشهر من نهاية الإنتخابات، ما يسعده ويحدو فيه الأمل بإنتظار ما كان يصبو اليه من تغيير، من وراء إدلاء صوته في صندوق الإنتخابات، بعد عاصفة اللقاءات والإجتماعات بين قادة الكتل السياسية الفائزة، وجملة التصريحات والشخوص أمام شاشات الفضائيات..؟!  ولكن كيف له ذلك والنتيجة لم تبتعد كثيراً عن إصرارٍ وتمسكٍ قاطعين، بعروة السلطة من قبل الجميع؛ أما من سيمتلكها، أو من يحتفظ بها اليوم، فتبدو له صورة المستقبل، وكأن "ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم"..!!؟


بعد أربعة أشهر من الصبر والإنتظار، لم يحصد المواطن غير خيبة الأمل، في وقت باتت فيه الخيارات قليلة، وخروقات الدستور أصبحت منقذاً لعملية التسويف، والهروب من إستحقاقاته، ومجلس النواب الجديد اصبح  مصاباً بالشلل التام، وكل شيء يجري في دهاليز سدنة السياسة، وفي جنح الظلام..!!؟؟


فالى أين يسير قادة الكتل النيابية الفائزة بالقاطرة العراقية المتعبة والمثقلة بالهموم، والى أي مرفأ ستحط السفينة مراسيها، وهم جميعاً يتقاذفون الكرة يمنة ويسرة، وأصبحوا جميعاً طعماً سهلاً للفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، وكأن العراق البلد الوحيد الذي تجري فيه الإنتخابات وتتداول به السلطة..!!؟؟


فحين يبتعد الربابنة عن الحل السليم، وحين يلقون بدستورهم في إتون البحر المتلاطم الأمواج، فاقدين بوصلة الإتجاه، فلا يمكن أن تسعفهم بعد ذلك، كل صلواتهم من أجل خير العراق، وسيجدون أنفسهم أخيراً وقد لفظتهم ضوابط العملية السياسية وآلياتها خارج دائرة "العملية السياسية"، التي قبلوها وباركوها بإرادتهم، وهذا ما يعبر عنه لسان حالها وهي ترقب الأحداث وتنتظر النتائج..!!؟
_____________________________________________________ 



 

   

     






   




     

 



197
فلسطين: أرض وشعب موحدان..!

باقر الفضلي

العنوان أعلاه يتحدث عن بديهة لا تقبل الجدل، ولا تذعن للتأويل ولا تلين أمام الحرف والتبديل.

أما ما يسمى بخطة السيد أفيغور ليبرلمان وزير خارجية إسرائيل، بشأن قطاع (غزة) بتأريخ 16/7/2010 فهي لا تعدو عن كونها وفي أقل الإحتمالات، سوى خطة مفضوحة ولا تحتاج الى كل ذلك الجهد لكشف أغراضها التدليسية الهادفة الى تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني وتكريس حالة تفتيت الوطن الفلسطيني في كيانات محتلة ومحاصرة، وفصل (غزة) بالكامل عن التراب الفلسطيني، وإلقاء تبعات المسؤولية الإسرائيلية بإعتبارها الدولة المحتلة لغزة، على عاتق مصر، ومواصلة  تطويق وخنق (غزة) ومحاصرتها بالقوات الدولية لتأمين " أمن " دولة إسرائيل..!!؟؟


خطة السيد ليبرمان، إلتفاف صارخ على قرارات الشرعية الدولية، بإعتبار دولة إسرائيل دولة محتلة لقطاع (غزة)، حيث ومن خلال الخطة المذكورة يحاول ليبرمان، إستغلال حالة الإنقسام القائمة في الجانب الفلسطيني، بتكريس الإنقسام نفسه عن طريق تقديم المغريات الكاذبة لتأسيس كيان إنفصالي في قطاع غزة بسلخه من الأراضي الفلسطينية، وذلك بالإعتراف بالوجوده السياسي للقطاع ككيان قائم بذاته،  ومشاركة إسرائيل في خطط الإعمار وغيرها من المحفزات الأخرى كبناء ميناء مستقل لغزة، وإقامة محطة توليد للكهرباء مستقلة، شريطة غلق الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، ولا تعود إسرائيل ملزمة بأي شيء إتجاه القطاع، وأن يعترف العالم بتحرر إسرائيل من  مسؤوليتها عنه..!

لا من جديد في خطة السيد ليبرمان بقدر ما هي إحياء لخطط شارون القديمة الفاشلة حول القطاع،  ومحاولة للتهرب من إستحقاقات الشرعية الدولية، بشأن إنهاء الإستيطان ورفع الحصار كلياً عن القطاع وإنهاء الإحتلال..!

إنها تهرب حقيقي عن الإلتزام بمشروع إقامة الدولتين، لإفشال مشروع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، حيث قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تشكل وحدة جغرافية سياسية واحدة، للشعب الفلسطيني وبإعتراف الشرعية الدولية..!


 والخلاصة فإن خطة ليبرمان كسابقتها خطة شارون حول سلخ (قطاع غزة) عن كامل التراب الفلسطيني، إنما مآلها الى الفشل، لإصطدامها بالإرادة الفلسطينية الرافضة والجادة، التي أجمعت عليها كافة الفصائل السياسية الفلسطينية، في الضفة الغربية والقطاع؛ والتي بإقدامها الجلوس الى طاولة المصالحة الوطنية، هو بحد ذاته يمثل الرد والجواب الواضح والحاسم على خطة وزير خارجية دولة إسرائيل، ويعكس الموقف الفلسطيني الموحد المنتظر، الذي بدوره ينتظر موقفاً مماثلاً وداعماً وتضامنياً من قبل شعوب ومنظمات المجتمع المدني وقيادات دولها العربية والإسلامية ، ومنظماتها الإقليمية والدولية، بالتعاون مع مؤسسات المجتمع الدولي والشرعية الدولية لإتخاذ موقف موحد ومتضامن من نضال الشعب الفلسطيني العادل، بالضغط عل دولة إسرائيل، وإلزامها بتنفيذ كافة قرارات الشرعية الدولية الملزمة والمتعلقة بالقضية الفلسطينية..! 
17/7/2010 
   
 

198
العراق: سرقة النفط في الزمن الصعب..!؟

باقر الفضلي


لا حاجة للمرء أن يبحث عن التوثيق، بعد أن تتحدث الفضيحة عن نفسها، وتعلن عن وجودها بلسان أصحاب النهي والأمر، وعندما تزكم رائحتها أنوف العراقيين، ليكتشفوا بأنفسهم عمق الكذب، وكثافة التستر، وميوعة التبرير..!


كما ولا حاجة للمواطن العراقي أن يبحث عن أجوبة لأسئلته عن فقدان الكهرباء وعن عجز محطات الطاقة الكهربائية عن الإشتغال بسبب شحة ما يصلها من وقود النفط، ولماذا تعاني المحافظات من قلة المتوفر من النفط والغاز، ولماذا تقف السيارات في محطات البانزين طوابيراً للتزود بالوقود، فلكل هذه الأسئلة أجوبتها التي لم يطلع عليها المواطن العراقي بشكل مباشر من قبل المسؤولين، وإن كان يمتلك من الحدس والمؤشرات الكثيرة ما يمنحه القدرة على وضع النقاط على الحروف، وأن يرى بعينه الثالثة كيف تُسرق ثروته الوطنية، جهاراً نهارا، وكيف تمتد أذرعة السارقين الى مكامن كنوزها جنوباً وشمالا، شرقاً وغربا..!؟؟


 فتهريب النفط الخام أو مشتقاته عبر حدود إقليم كردستان الى إيران، تشكل هي الأخرى، حلقة وفضيحة جديدة من فضائح سرقة النفط العراقي، وتشكل بالمنظار السياسي والإقتصادي والمخابراتي والسيادي، صورة واضحة المعالم وبينة التفاصيل، عن حجم التغلغل الإيراني غير المشروع في دقائق الشأن العراقي، حداً تجاوز فيه ذلك التدخل، حدود اللياقة والإحترام للقوانين والأعراف بين الدول المتجاورة ، ناهيك عن كونه يمثل بصورته التي وثقتها الأدلة والأسانيد الدولية ووسائل الإعلام العالمية، إنتهاكاً صارخاً لقوانين الحدود  وأنظمة الجمارك وتبادل المعلومات ومكافحة التهريب؛ في وقت تكشف فيه تلك الأدلة كيف تجري عمليات التهريب بهذا الشكل الصارخ وأمام وعبر أنظار النقاط الحدودية لسلطات الإقليم بإتجاه إيران.(1)


فالى أي مدى حددت الجهات الإقليمية والإتحادية العراقية، مسؤوليتها فيما يجري عبر المنافذ الحدودية بين العراق وإيران من عمليات التهريب، في وقت نفت فيه وزارة النفط الإتحادية علمها بما يجري وألقت تبعة ذلك على عاتق السلطات الإقليم، التي هي الأخرى من جانبها نفت مسؤوليتها وعلمها بما يجري من أعمال التهريب في المنافذ الحدودية..!!؟؟(2)


ما يدفع الى إثارة الشكوك ويلقي بأسئلة الإستفهام، أن يأتي الكشف عن مثل هذه الفضائح من قبل سلطات الإحتلال الأمريكية، معبرة عن قلقها عن مغبة كسر فعالية العقوبات الدولية ضد إيران، من خلال تهريب النفط العراقي عبر المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، في وقت هي الأخرى تتحمل من جانبها وطبقاً لإلتزاماتها الدولية وبناء على نصوص المعادة الأمنية الأمريكية العراقية، المسؤولية الأدبية في مراقبة تلك المنافذ، التي تمتد على طول الحدود العراقية- الإيرانية شرقاً، لما يزيد على 1200كم إذا ما أخذنا بالإعتبار الإمكانات المحدودة لسلطات الحدود الإتحادية وقوات الإقليم..!(3)


فالفضيحة المذكورة بما تمثله من عظم المسؤولية الملقاة على عاتق المسؤولين عامة، كم هو ضروري، بل وكواجب وطني ملزم، كشف ومحاسبة وإنزال القصاص العادل بمافيات التهريب ومن يقف ورائها ومن هي الجهات التي تسهل لها مهامها في نقل النفط العراقي الخام بمئات الشاحنات الكبيرة عبر المنافذ الحدودية الى إيران وبهذه الكثافة الكبيرة، والتي يبدو ومن خلال ما فضحته شهادات سواق الشاحنات الكبيرة الناقلة للنفط المهرب، وفقاً للشريط المرفق في الرابط (1) أدناه (قناة العربية)، بأن كميات النفط المهربة تشكل كميات كبيرة تقدر بمئات الملايين من الدولارات يوميا..!(4)


الأمر الذي دفع بالسيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان، الى إستنكار تلك العمليات الإجرامية بحق الثروة النفطية العراقية، ومطالبة المسؤولين في حكومة الإقليم تقديم التوضيحات اللازمة بهذا الشأن.(5) 


يجري كل هذا في وقت لا تمتلك فيه الحكومة الإتحادية المنتهية ولايتها غطاءً شرعيا،  بعد أن جرى خرق الدستور في جلسة مجلس النواب الإفتتاحية، وتم تأجيل إنتخاب رئاسة مجلس النواب ورئيس الجمهورية، ولا زالت عملية تشكيل حكومة جديدة عالقة في حلبة الصراع بين الكتل النيابية الفائزة، في هذا الوقت بالذات، وفي غفلة من الرقابة الشعبية والحكومية، تنساب أنهار النفط عبر الحدود الى إيران، مستفيدة من الفراغ الدستوري، لتغطي فضيحة الصمت المطبق على السارقين..!!؟ 

(1)  http://www.alarabiya.net/articles/2010/07/11/113548.html
(2)  http://aljeeran.net/iraq/13930.html
(3)  http://www.murasleen.com/politics/local/16246-2010-07-09-17-32-02
(4)  http://www.kurdiu.org/ar/hawal/index.php?pageid=35943
(5)  http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11553&article=578390&feature=

199

لغيرك ما لثمتُ يدا..!(*)


 
باقر الفضلي


لغيرِكَ ما لَثَمْتُ يَدا
ومِثلُكَ مَنْ يَفيضُ نَدى

وقُربُك لَمْ يَزَلْ أمَلاً
يُصارُ لَهُ وإنْ بَعُدا

وحُلْمُكَ فيهِ مِنْ سِعَةٍ
وليسَ سِواكَ مَنْ قُصِدا

رِحابُكَ والمُحِبُ نَوى
وفيئُكَ والهَزارُ شَدى

فيا بُؤسي على زَمَنٍ
تَقَحمَ فيكَ وانْفَـرَدا

***

يُلاحِقُني النَوى أبَدا
وأُنشِدُ فيكَ ما نُشِدا

فيا وطنٌ سَقى أمَلاً(1)
عَلِقْتُ بهِ وقَدْ رَشَدَا

أُجِيرُ بِكَ الهَوى سَنَدا
ونِعْمَ الجارُ مَنْ سَنَدا

وأُلْفِيْ النَفْسَ فيكَ يداً
فكُنْ مِنها لها صَددا

قَريباً مِنكَ لَنْ أُزجيْ
بَعيداً.. أَرتَجِي المَدَدا

***

فيا وَيْليْ إذا قَرُبَتْ
وإنْ أَزِفَتْ  فوا كَبِدا

ومِنكَ وليسَ لِيْ مَثَلٌ
سِواكَ يكونُ مُعتَضَدا

فهَبني القَولَ ما سَنِحَتْ
لأهْجو عَنكَ مَنْ جَحَدا

 ومِنْكَ الهَمْسُ يُوقِظُني
فأُرْجِعهُ كَرَجعِ صَدى

أغذُ السَيرَ لِيْ أَملٌ
وأَرجو مِنْ عُلاكَ هُدى

  ***

أنِستُ الليلَ ليْ سَكَناً
فكنتُ لَهُ كَمَنْ رُصِدا

يُغالِبُني الجَوى كَمَدا
ويَعصِفُ بيْ النَوى كَمَدا

فلا ليلي مَسى أَنِسَاً
ولا صُبحي ضَحى رَغِدا

أَرِحْ شَوقاً سَنا الذِكرى
صِحابَ الأَمسِ والعَددا

وأُدنِي كُلَّما بَعُدَتْ
كأنَ الأمسَ صارَ غَدا

***

فيا وَطَنٌ غَزى قَلْبَاً(2)
تَصَرَمَ حَبلُه وَتَدا

وأَمْسى حُبُه جَلِداً
ف"لمْ يُولَدْ ولَمْ يَلِدا"

تَنادى الناسُ لِيْ رَحِماً
وحُبيْ فيكَ ما جَمُدا

أَرقْتُ الدَمْعَ صافيةً
وأنّى للدموعِ مَدى

عَدِدتُ الشَهْرَ أرقَبُهُ
هِلالَ الشَهْرِ يَومَ بَدا

***

فما ليْ حيلةٌ أبدا
وحُكْمُ العُمرِ قد نَهِدا

أَلوذُ سَماكَ تُلْحِفُني
وليسَ سِواكَ مُلتَحَدا

تُقاسِمُني ضَنى شَوقي
ونِعْمَ الشَوقُ ما اتَّحدا

غِراسُ الحَقِ أولَهُ
رَبيعُ الفَجْرِ مُذْ وُلِدا

زهُوراً أينَعَتْ حُقَبٌ 
وقَلبُ الصَبِ ما حَصدا

فيا لَهفيْ على وَطَنٍ
غَدا نَهبَاً وما سَعُدا

***
***
***
14/تموز/2010
______________________________________________
               (*) محاكاة لقول الشاعر المصري المرحوم (طاهر ابو فاشا) في قصيدته الشهيرة ..
                                       [[  لغيرك ما مددت يدا   وغيرك لا يفيض ندى  ]] في مناجاة الله...
(1)   الوطن : المقصود العراق
(2)   الوطن : المقصود العراق

           













































   










































200
العراق: إشكالية الكتلة النيابية الأكبر..!2_2

باقر الفضلي


منذ  أكثر من ثلاثة أشهر والتنافس على أشده بين الكتل النيابية الفائزة من أجل الوصول الى مدلول مرتبة "الكتلة الأكبر"، وهو يعني في المفهوم العام، الكتلة النيابية التي تضم العدد الأكثر من النواب كما حددها الدستور،  لتعلن قبل أيام كل من كتلة دولة القانون وكتلة الإئتلاف الوطني، تحقيقهما للكتلة النيابية الأكبر المنشودة، وليزفا التبريكات للشعب العراقي ولباقي الكتل السياسية الأخرى بالحدث الفريد في نوعه وليعلنا ضمانتهما بالحصول على منصب "رئيس الوزراء"؛ الهدف المنشود والأمل الموعود..!(1)


فما هي قصة "الكتلة الأكبر" ولماذا كل هذه الضجة وهذا الإهتمام..؟

انها نفسها قصة النص الدستوري للمادة/76 من الدستور العراقي/2005 التي ثبتت  تعبير "الكتلة النيابية الأكثر عدداً"، والتي سيجري تكليف مرشحها بتشكيل الحكومة القادمة بعد خمسة عشر يوماً من تأريخ إنتخاب رئيس الجمهورية، وهو نفسه النص الذي جرى ويجري التنازع بسبب تفسيره بين الكتل الفائزة  في الإنتخابات الأخيرة، ، لتحديد وقت سريان التسمية الدستورية ل(الكتلة النيابية الأكثر عددا) طبقاً للنص المذكور، وهذا ما أثار التساؤل، الذي لا يزال يشغل الأوساط السياسية والقانونية والقضائية وسائر الأوساط الشعبية، حول مدى مشروعية الكتلة الفائزة بالأكثرية نتيجة الإنتخابات بهذه التسمية وهي هنا (الكتلة العراقية)، أو مدى مشروعية التسمية للكتلة الأكبر، التي تتكون بعد فرز النتائج الإنتخابية والتصديق عليها من قبل المفوضية العليا للإنتخابات، من خلال الدمج أو التحالف بين كتلتين أو أكثر من الكتل الإنتخابية، وهذا ما أعلن عنه قبل عدة أيام في تشكيل "التحالف الوطني" الجديد القديم، من قبل كتلتي دولة القانون والإئتلاف الوطني، الذي بات يضم 159 نائبا، والذي لم يحض بتسجيل وتصديق المفوضية العليا للإنتخابات في الوقت المحدد..؟!


ومع عقدة التساؤل المذكور، ظهرت إشكالية (الكتلة النيابية الأكثر عددا) لتلقي بظلالها على مجمل العملية السياسية العراقية ، ولم يخفف من تأثيراتها إجتهاد المحكمة الدستورية الإتحادية العليا في تحديد هوية تلك الكتلة ومن تكون، إن لم يكن على العكس من ذلك، قد أدخل الأمر في متاهة أخرى،  بين الإستحقاق الإنتخابي للكتلة الفائزة بالإنتخابات، وبين الكتلة الأكبر التي هي لا زالت في طور التكوين، بعد التصديق على نتائج الإنتخابات من قبل المفوضية المذكورة ..!!؟

رغم أن الظاهر على السطح يبدو وكأنه إشكالية قانونية، تتعلق بتفسير نص قانوني غير واضح المعالم، إلا أن الواقع العملي والسياسي، يذهب بالمراقب بعيداً في البحث عن أسباب النزاع المذكور، والنقطة الجوهرية التي دفعت ببعض الأطراف السياسية المتنازعة، وبالذات كتلة دولة القانون التي يقودها رئيس الوزراء المنتهية ولاية وزارته، السيد نوري المالكي، اللجوء الى المحكمة الدستورية العليا للخروج بتفسير للنص المذكور..!؟


فجوهر الأمر في شأن تفسير النص المذكور، يتعلق بمنصب رئيس الوزراء ومن سيشغله في الدورة الجديدة للبرلمان الجديد، ومن هنا تبدو أهمية الأمر وإستثنائيته الخارقة في حلقات السلطة، لما لصاحب هذا المنصب من صلاحيات واسعة وذات طابع تنفيذي صارم، تتجاوز في حدودها صلاحيات سلطات أخرى، لا تقل أهمية في هرم النظام السياسي للبلاد، كالسلطتين القضائية والتشريعية، ولكون طلب التفسير، من جهة ثانية، ينصب على مغزى الكتلة الأكبر، وما يعنيه ذلك من إشارات ذات دلالة على صعيد المجتمع والعملية السياسية، وفي مقدمتها المسك بالمفصل الرئيس في العملية السياسية وهو منصب رئيس الوزراء لما له من الصلاحيات الواسعة التي منحها الدستور ..! 


فالنص القانوني يثبت تحديداً مرشح " الكتلة النيابية الأكثر عدداً" ، بصفته الشخص الذي يجري تكليفه من قبل رئيس الجمهورية المنتخب، بتشكيل مجلس الوزراء، في المرة الأولى، ولم يوضح النص أكثر من ذلك بالنسبة لطبيعة الكتلة النيابية ومن هي  الجهة المقصودة بذلك، ولذلك أعتبر النص المذكور كسلاح ذي حدين، بعد تفسير المحكمة الدستورية  العليا، وهذا ما جرى التشبث به من قبل الكتلتين الكبيرتين الفائزتين، وما ذهبت اليه المحكة نفسها..!


لو عاد المرء قليلاً الى الوراء، وبحث في أصل المادة/76 ، لأكتشف بأنها إحدى المواد الأساسية في الدستور العراقي/2005، وهذا يعني في مجرى الفهم العام، بأنها تخضع من حيث المنشأ الى نفس الدوافع والبواعث والمقاصد التي خضع لها مجمل الدستور نفسه، ولا أظن أن هناك من تخفى عليه تلك الدوافع والبواعث التي كتب بسببها الدستور المذكور بشكله الحالي، وكذلك الظروف السياسية والإجتماعية التي شرع خلالها، والأسس النظرية والفقهية التي جرى إعتمادها والإستناد إليها في كتابته و الإستفتاء عليه..!


وجملة ما أشير اليه أعلاه، يدفع بالمرء الى العودة الى جذور المسائل، ليجدها جميعاً تنتهي الى أصول "العملية السياسية" نفسها، والتي من مهامها الرئيسة، بناء الدولة الجديدة على أنقاض النظام الديكتاتوري الذي تم تصفيته في آذار من عام/2003 بواسطة الإحتلال، ووضع دستور دائم للبلاد، وإرساء قواعد العملية الديمقراطية، ومن ضمنها إجراء إنتخابات عامة لتأسيس برلمان إتحادي وآخر لإقليم كردستان، ومجالس منتخبة للمحافظات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وغيرها من مستلزمات قيام الدولة..!


ومن غير المحتمل، أن ينفرد نص (المادة/ 76) من الدستور، حالها حال النصوص الأخرى، عن الأسس والقواعد التي شيد عليها الدستور نفسه وعن النظريات والمباديء التي تقف وراء صياغات النصوص، والتي تعكس المقاصد التي أرادها المشرع أو من ساهم في كتابة الدستور،  بذاك القدر الذي يخدم مصالح الجهات التي كان لها الدور الأول في تثبيت أسس العملية السياسية منذ البداية..!


فعندما يجري التأسيس للعملية السياسية الجديدة وفق ما يدعى بنظرية "المكونات الإجتماعية"، بأركانها التي لا تخرج عن أطر الدين والطائفة والعرق، فإنه ومن المسلم به، أن تتبع الفروع الأصول، وأن تُشرع النصوص طبقاً لقاعدة بيانات "العملية السياسية"، التي كان سداها ولحمتها في التمثيل والتكوين معتمداً، النسب المئوية لكل مكون إجتماعي ضمن إطاره الطائفي_المذهبي أو العرقي ؛  فليس عبثاً أن يكون النص الدستوري معبراً وبدقيق العبارة عن هذه الحقيقة في تأكيده على الكتلة النيابية "الأكثر عدداً"، وهي وبالتأكيد وفي ظل هذا النظام، ستكون " في التفسير" كتلة الطائفة الأكبر، وبالنتيجة الكتلة الأكثر عدداً طبقاً لهذه النظرية، وسيكون من تحصيل الحاصل إفتراضاً، وعلى سبيل المثال ، لو سبق وإن إدمجت ، كتلتا دولة القانون والإئتلاف الوطني إثناء الإنتخابات ، وكليهما من نسيج  نفس الطائفة ، وخاضتا الإنتخابات في كتلة واحدة ، فطبقاً للنتائج المستحصلة، سيكون من تحصيل الحاصل أيضاً، تشكيلهما للكتلة الأكثر عدداً، سواء قبل الإنتخابات أو أثنائها أو حتى بعد فرز النتائج، وهو أمر سيصبح في عرفهما، مدعوماً بتفسير نص المادة/76 من الدستور التي شرعها من هو عارف بتلك الحقيقة، وذلك لسبب بسيط؛


 فالطائفة الشيعية في العراق وحسب قاعدة بيانات العملية السياسية المثبتة في مؤتمر لندن/2001 للمعارضة العراقية، تمثل المكون الأكبر من المكونات العراقية الطائفية، وبالتالي وطبقاً للقاعدة المذكورة، فإنها ستكون الفائزة والكتلة الأكبر عند أي تنافس إنتخابي حاضراً أو مستقبلاً طبقاً لقاعدة "المكونات" التي تشكل العمود الفقري للعملية السياسية والتي على ضوئها إنبثقت عملية "المحاصصة" ومبدأ التوافق؛ ففي كلتا الحالتين سواء إتحدت كتل الطائفة المذهبية السياسية الواحدة، قبل الإنتخابات أو بعدها فهذا لا يغير من الأمر شيئاً ، وسيأتي تفسير المحكمة الدستورية العليا حكماً بهذا الإتجاه، ومن هنا تأتي المفارقة الكبرى لهذه الحقيقة، وما يعززها، بل وكان من أساسياتها الرئيسة، هو بناء الأحزاب السياسية على أسس دينية، طائفية _ مذهبية أو إثنية، لتجد سندها في وجود الطوائف الدينية المذهبية، كما هو الحال بالنسبة للطائفتين الشيعية والسنية، وإعتبار الأقليات الدينية والعرقية الأخرى من جانب آخر، كمكونات إجتماعية _ سياسية، لها تمثيلها في مجلس النواب على نفس هذا الإعتبار،  وتبرير ذلك من خلال إضفاء صفة الأمر الواقع على وجود الطوائف الدينية والمذهبية والإثنية في المجتمع وإعتبارها بمثابة " مكونات سياسية "، وكأنه فصل الخطاب بالنسبة لتمثيل المجتمع سياسيا، على أساس تلاوين "الفسيفساء اإجتماعية"..!


ومن هذه الحقيقة جاء تدارك كتلة دولة القانون، بعد أن أظهرت النتائج الإنتخابية فوز كتلة العراقية بأغلبية صوتين، الى العمل على بناء "التحالف الجديد" مع مثيلتها كتلة الإئتلاف الوطني لتشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً تحت تسمية جديدة (التحالف الوطني)، رغم حقيقة الخلافات الداخلية بين الإئتلافين التي جعلت منه مجرد تحالف شكلي هش لأغراض نيابية، وهو في عرفها يشكل المكون الطائفي الأكبر في المجتمع ، بهدف التطابق مع منطوق النص الدستوري من جهة ، وضمان منصب رئيس الوزراء حكراً عليها، من جهة أخرى..!؟


وبالنتيجة فإن النص الحالي للمادة/76، يخدم في النتيجة تلك الطائفة الأكبر، لأنه يجعل منصب رئيس الوزراء حكراً عليها طبقاً لذلك، وسوف يتكرر الأمر طالما ظل النظام الإنتخابي التنافسي الحالي قائماً على قاعدة المكونات الطائفية والعرقية والأقليات المماثلة، وبعيداً عن قاعدة المواطنة، وطالما ظلت الأحزاب والكتل السياسية تُبنى وتشكل وفقاً لنفس القاعدة المذكورة، كأحزاب دينية أو طائفية أو إثنية، وطالما ظل قانون الإنتخابات الحالي يتعامل مع الأقليات الدينية والأثنية بإعتبارها مكونات سياسية ذات طابع مستقل، لها تمثيلها الخاص في مجلس النواب وفقاً لذلك، وبعيداً عن مصالح أفرادها المتباينة وإنحداراتهم الطبقية المختلفة في المجتمع، وطالما لم يحتسب العراق منطقة إنتخابية واحدة..!؟


وإنعكاساً لهذه الحقيقة التشويهية إجتماعياً وسياسياً ودستوريا، جرت وتجري عمليات التخندق الديني والطائفي _المذهبي والإثني، وما يقابلها من عمليات الإضطهاد والإغتيالات والتشريد والهجرة الإجبارية لأبناء الأقليات الدينية والإثنية من المسيحين والصابئة والأيزيديين، وما يخطط له من مشاريع إستيطانية_كانتونية لبعضها،  تحت ضغط ونفوذ المكونات الكبيرة، وغياب الحماية الدستورية والأمنية، في نفس الوقت الذي دفع الى ضعف وإنحسار مبدأ (المواطنة) كملاذ أخير للمواطن العراقي في طلب الأمن والحماية الإنسانية، وإنحسرت حماية الأقلية وتأثيرها في المجتمع الذي مزقته مقولة "المكونات" وسيادتها السياسية في السلطة، وبعد تصدع لحمة المجتمع وتفتت التضامن الإجتماعي من تأثير ذلك..!!؟؟
   
   
وفي نفس السياق، وضمن نفس الإشكالية فإن نص المادة/76 من الدستور سيشكل في ظل الظروف الحالية، وفي إطار النظام الإنتخابي التنافسي القائم على مبدأ المكونات التحاصصية، أكبر عائق أمام تطبيق النص الدستوري الآخر والقائم على مبدأ التبادل السلمي الديمقراطي للسلطة، بل وعلى العكس من ذلك، ستتحول المادة/76 المذكورة، الى نقيض فاعل ضد المبدأ المذكور والذي كرسه الدستور في نص المادة/السادسة:

المادة: (6)     
(يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور.)       


وهذا بحد ذاته يعتبر من المعوقات الحقيقية لعملية ترسيخ قواعد اللعبة الديمقراطية بل هو نقيضها الحقيقي، وأحد العوامل الرئيسة في بناء مقدمات الحكم الإستبدادي بصوره المختلفة، فردياً كان أم حزبياً شموليا، أم طائفياً _ دينياً أو مذهبياً، أم إثنيا..!!؟


أما ما يقال عن حكومة المشاركة، ولكن في إطار نظام المكونات الإنتخابي التنافسي الحالي، فهو الآخر لم يغير من جوهر الأمر شيئاً، حيث ستنصب المشاركة في الحكومة على ممثلي المكونات الأخرى الأقل عددا، وممثلي إقليات قومية أو دينية أو مذهبية، وهي جميعها لا تتنافس إنتخابياً وفق برامج وطنية عامة وشاملة حسب، بقدر ما تكون فيه برامجها وفي الأغلب الأعم، عبارة عن برامج لا تتعدى حدود الطائفة أو الأقلية الإثنية او الدينية والمذهبية، في نفس الوقت الذي تعزز فيه حالة "المحاصصة"، التي على ضوئها ستجري عملية المشاركة الحكومية، بعيداً عن مباديء الديمقراطية السياسية..!


فمبدأ المشاركة في الحكومة القادمة والذي كثيراً ما تنادي به الكتل السياسية اليوم، لا يخرج، في ظل نظام المكونات الطائفية والإثنية الحالي، عن مشاركة  سياسية شكلية لا تعكس الواقع الحقيقي لمصالح فئات السكان المختلفة أو تلك الطبقات المتجانسة ذات المهن والحرف المختلفة كالعمال والفلاحين، أو فئات المجتمع من الأكاديميين وذوي المهن الحرة والتربويين ومن فئات المثقفين والفنانين والطلبة الجامعيين، وجماهير النساء، كل هذه الطبقات والفئات وغيرها ممن لا تجد لمصالحها مكاناً في برامج الأحزاب والكتل السياسية الطائفية، ولا حتى بين برامج الأقليات الإثنية أوالدينية، فمهما بدت عملية المشاركة قريبة من حالة التوافق والتراضي بين الكتل السياسية ذات اللون الأثني أو الديني، فإنها لا تعبر في جميع الأحوال عن إتفاق برنامجي واضح المعالم في جميع خطوطه ومفرداته، ناهيك عن مفردات التعارض والتناقض التي تتحكم في أجواء الصراع بين أطرافه المختلفة، رغم ما يشاع عن مبدأ مشاركة الجميع في تداول السلطة،  وسنكون جميعاً أمام حكومة بعيدة عن كل رقابة أو معارضة نيابية حقيقية..!؟


وفي النتيجة فإنه ومهما يبلغ التفسير الحَرفي لنص المادة/76 من الدستور، من دقة بالغة، فإنه وفي جميع الأحوال لا يرقى الى جوهر القصد الذي كان ينبغي كشفه من وراء تثبيت هذا النص في سياق الدستور؛ فإن كان المشرع في تثبيته للنص، قد أراد أن يدخل في تفاصيل العملية الإنتخابية، فهنا يكون المرء قد حمل النص فوق ما لا يحتمل، إذ ليس من مهام الدستور الخوض في التفاصيل، وحيث أن الأمر يختص بالعملية الإنتخابية نفسها وهي المقصودة، فالظن الغالب أن المشرعين للنص، وفي حمى الإستعجال في كتابة الدستور، وصراع المصالح بين أقطاب العملية السياسية ومؤسسيها، وجلهم ممن شارك في كتابة الدستور، قد تداخل الأمر لديهم، فأختلطت المباديء بالتفاصيل، وما كان ينبغي أن تفصله القوانين من أحكام وجد طريقه الى متن الدستور ليجد مستقره هناك، وليصبح موضع خلاف معطل..!!؟


فالحديث عن (الكتلة النيابية الأكثر عددا) وهو أمر تفصيلي، يأتي على سبيل المقارنة مع كتل نيابية أقل عددا، ويرتبط من حيث تلك المقارنة بنتائج عملية حسابية، ينبغي أن تكون ناجمة عن العملية الإنتخابية  نفسها، لأنها هي المقصودة بتلك النتائج، وبالتالي يجرى تدقيقها والتصديق عليها وفقاً لقانون المفوضية العليا للإنتخابات، لا أن يتم الإشارة اليها بتلك التفاصيل من قبل الدستور؛ ومن هنا مبعث الخلافية والبلبلة حول النص المذكور،  والذي ينبغي أن يخضع هو الآخر لأحكام المادة/ 142 من الدستور، المتعلقة بالنصوص الخلافية التي يفترض أن تكون، قد جرت عليها التعديلات والتغيرات منذ وقت طويل..!!؟


لقد غاب على كاتب النص الدستوري حقيقة التقسيم المكوناتي للمجتمع العراقي، الذي بنيت عليه أسس العملية السياسية الحالية، وبالنتيجة لم يأخذ بالحسبان ما ستؤول إليه تداعيات النص المذكور ومدى علاقته الجدلية بتلك الأسس، وما ستسفر عنه النتائج المحتملة في التطبيق في ظل الظروف الحالية، لمجتمع لم تتبلور فيه بعد أسس الديمقراطية المبنية على قاعدة التشكيلات السياسية المدنية، التي ينبغي أن يكون سداها ولحمتها ( المواطن) والمواطن فقط، مجرداً من كل إنتمائاته المذهبية والطائفية والدينية والإثنية، وبالتالي ستظل إشكالية ما يسمى ب" الكتلة النيابية الأكثر عددا" ، قائمة في التداول السياسي، مثلها مثل قصة "مسمار جحا"، إن لم يصار الى إعادة النظر بالنص الدستوري المذكور، بما يتلائم وظروف العراق الإجتماعية، وطبقاً لقاعدة (المواطنة)، وما لم يصار الى تشريع قانون جديد للأحزاب السياسية وفقاً للقواعد المدنية الحضارية، ودون ما تجري إعادة النظر بقانون الإنتخابات وتعديلاته الجديدة، وجميعها تشكل نتاجاً من إفرازات العملية السياسية الجديدة، بما الدستور نفسه..!!؟


وبقدر ما يتعلق الأمر بمأزق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وما أصابه من جمود نتيجة إشكالية تفسير النص الدستوري آنف الذكر، فلنا في ذلك عدة مقالات بهذا الشأن، يمكن العودة اليها على سبيل ألإستطلاع ، وعلى أمل أن لا يكون "مسمار جحا" وحده قبلة للسياسيين..!!؟(2)   
(1) http://www.al-daawa.org/main/index.php?option=com_content&view=article&id=2595:2010-06-11-12-45-11&catid=42:2009-09-02-08-12-02&Itemid=54                     
(2)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189
 
 

201
العراق: تشكيل الحكومة ومأزق التدخل..!

باقر الفضلي

في مقالة سابقة بتاريخ 22/5/2010 والموسومة: من سيشكل الحكومة الجديدة..؟ ، ومن منطلق الخروج من واقع الأزمة السياسية التي أعقبت إنتخابات آذار/2010، جرت الإشارة الى أهمية التعاون المشترك بين الكتلتين النيابيتين الكبيرتين، كل من كتلة القائمة العراقية، وكتلة دولة القانون، للإسهام في حل عقدة تشكيل الحكومة الجديدة،  رغم تباين المنطلقات الفكرية وإختلاف الأسس الأيديولوجية وتمايز المنحدرات الطبقية بين الكتلتين، وذلك خدمة لمصلحة العراق العامة، وتجنيب الوطن تعقيدات الفراغ السياسي والدستوري، والمخاطر المحدقة به نتيجة لذلك، وتفويت الفرصة على المترصدين والمتربصين لمستقبله من مختلف الجهات الإقليمية والدولية..! (1)


ومع تسارع الزمن، وقرب حلول موعد إنعقاد جلسة مجلس النواب المفتوحة في الثالث عشر من تموز الحالي، لا يجد المراقب حلحلة جادة على مستوى الكتل السياسية الأربع الفائزة في الإنتخابات بهذا الشأن ، بقدر ما يؤشره الحراك السياسي من تصعيد وتمسك بالمواقف الذاتية والتذرع بالإستحقاقات الدستورية والإنتخابية، وجميع ذلك لم يوصل السفينة الى شاطيء السلام، ولازال الصراع محتدماً على أشده، خاصة وأن مسعراته من خارج الحدود، ما إنفكت تضرم في النار إشتعالاً، لتزيد اللهيب إستعارا..!


فلم يكد نائب الرئيس الأمريكي السيد بايدن ينهي زيارته الأخيرة الى العراق، وهو أحد المشرفين الرئيسيين على الملف العراقي، والذي أبدى قلقاً غير معتاد حول جمود الحالة السياسية وتأخر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وطبقاً للسيد علي الدباغ الناطق الرسمي للحكومة العراقية المنتهية ولايتها: [[فإن التعابير المنتقاة لنائب الرئيس الأميركي خلال زيارته السابعة عشرة للعراق تعكس هذا القلق في البيت الأبيض.]](2) 


ولم يكن القلق المذكور نابعاً من فراغ أو سوء تقدير طاريء، أو مجرد تكهن غير محسوب النتائج؛ فبمجرد مغادرة السيد بايدن العراق، حتى تعالت أصوات الغضب والإحتجاج الإقليمية على الزيارة، لتضع أمام المسؤولين العراقيين، مدى تدخل بعض الأطراف الإقليمية في الشأن العراقي، ومدى عمق تأثيرها على إتجاهات بعض الأطراف السياسية، بل وحتى تحكمها في نتائج تلك الإتجاهات..!؟


وليس بعيداً عن ذلك، بل ويقف في مقدمة تلك التدخلات الإقليمية، التدخل السافر للجارة إيران، ليس على الصعيد العسكري، والذي بات يأخذ صفة العدوان المتكرر، بقصف المناطق الحدودية وإجبار سكانها من الفلاحين الأكراد، الرحيل الى الأعماق حسب، بل ليذهب ذلك التدخل بعيداً ليشمل الشؤون السياسية، ناهيك عن الإقتصادية، لتعلن فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية "ولايتها" و"قيمومتها" على الشعب العراقي، حتى في عملية إختياره لحكومته الجديدة، ولتعلن من جهة أخرى، وكرسالة موجهة الى الولايات المتحدة الأمريكية المحتلة للعراق، بأنها غير بعيدة عن أي تغيرات تجري في العراق لاحقا، وهذا ما أكده المتحدث بأسم وزارة الخارجية الإيرانية السيد رامين مهمان برست، من خلال مؤتمره الصحفي أثناء زيارة بايدن الى العراق،  من [[ اِن على الادارة الامريكية ان تترك للشعب العراقي حريةَ اتخاذ قراراته بنفسه وان يختار الحكومةَ التي تناسبه، واضاف المتحدث ان الحكومة الايرانية مازالت تنتظر من الحكومة العراقية إخراجَ منظمة "مجاهدي خلق الايراينة المعارضة من أراضيها وفي أسرع وقت...]](3)


فما الذي يدفع  بالحكومة الإيرانية الى أن تضع نفسها بديلاً عن الشعب العراقي، في تقرير ما الذي يضره أو ينفعه، وأن تملي عليه قراراته في الوقت والزمان الذي تريد..؟!

 لا ينكر أحد بأن لإيران أو لغيرها من الدول المجاورة للعراق من المصالح الوطنية الإستراتيجية في علاقاتها مع دول الجوار، ما يفرض عليها أوعلى غيرها رعاية تلك المصالح بنفس القدر الذي تحترم فيه مصالح جيرانها وسيادة أراضيهم وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية، وكذلك هو الأمر نفسه بالنسبة للجمهورية العراقية كدولة جارة، بما يعزز أواصر الجورة والمودة والصداقة بين شعوب المنطقة، وبالذات مصلحة الشعبين الجارين العراقي والإيراني..!


فحين يأتي التدخل الإيراني في وقت تتشابك فيه مصالح جميع الأطراف السياسية العراقية، بل وتتصارع من أجل الفوز بالمكان الأول للسلطة بعد الإنتخابات النيابية آذار/2010، يصبح لهذا التدخل شأن أكبر أهمية وأعظم تأثيراً في حرف مسيرة التعاون والتلاقي بين تلك الأطراف، مما يعيق كافة الجهود المبذولة من أجل تذليل المصاعب والعوائق التي تقف في وجه التوصل الى تشكيل حكومة عراقية وطنية، تحضى بقبول الشعب، وتقطع الطريق أمام جميع المحاولات المتصيدة بالماء العكر..!!


فالموقف الأيراني المعبر عنه في المؤتمر الصحفي لوزارة الخارجية الإيرانية كرد فعل لزيارة نائب الرئيس بايدن في 4/7/2010، لا يمكن أن يصب في مصلحة الشعب العراقي، رغم صياغته بناعم الكلام وتجليه بحسن المقام، فمن إلتقى بهم السيد بايدن في بغداد من رجال الدولة والسياسة، هم أقدر على تحديد مصلحة البلاد، وهم من يمتلك القدرة على إتخاذ القرار المناسب، وجلهم من الذين إنتخبهم الشعب في اكبر عملية إنتخابية تحدى فيها كل ضروب الإرهاب والتخويف..!!


فإن كان الموقف الإنتقادي للخارجية الإيرانية في ظاهره الشكلي موجهاً الى الإدارة الأمريكية، فهو من حيث الأصل يمثل رسالة واضحة المعالم والإشارات للساسة العراقيين، في وقت يخوضون فيه مخاض الساعات الأخيرة لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، لتذكرهم ب"الأجندة الإيرانية" الغارقة لأذنيها في الأوحال العراقية، وبمقاصدها القريبة والبعيدة، ولتضعهم في مأزق كيفية التكيف والتعامل مع مثل تلك الضغوط المسلطة من قبل "الجارة العزيزة"، بما يكفل مصلحة العراق، ويضمن سيادته في ظل علاقات جوار مبنية على الإحترام المتبادل بين الجارين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكافة الدول تحت مظلة الشرعية الدولية ومصالح البلدين الجارين، وهي لعمري، مسؤولية جماعية تتحمل تبعتها كافة الكتل السياسية الأربعة الفائزة بالإنتخابات، وبالذات العراقية ودولة القانون، ولا أقل منها الإئتلاف الوطني والكردستانية..!   
(1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=216337
(2)     http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=577280&issueno=11545
(3)   http://www.a11g.com/vb/t13144.html






202
العراق: الكهرباء وحكمة الفشل..!!

باقر الفضلي



لم تمض إلا سويعات معدودة على قيام أبناء البصرة الكرام بتشييع "نعش" "المفقودة" الكهرباء" حتى أقدم السيد وزير الكهرباء على تقديم إستقالته من منصبه الوزاري يوم الإثنين 21/6/2010 بعد سلسلة من المظاهرات التي إجتاحت مدن البصرة والناصرية والرمادي وبابل، مطالبة بالكهرباء وتوفير الخدمات العامة من قبل الحكومة، وبعد وقت طويل من الشكوى والمعاناة، وبعد أن تعذر عليه تقديم أية وعود أخرى جديدة لزيادة نسب الكهرباء الى المحافظات كسابق عهده،  وبعد أن أصبح الطريق مسدوداً أمامه والحكومة لتلبية مطالب الجماهير،(1)  الأمر الذي دفع بالسيد رئيس الوزراء التعجيل في محاولة لتبريد الحديد الساخن والتهوين من الوضع المتردي، والذي بات الكثير من السياسين والمراقبين ينعتونه ب "إنتفاضة الكهرباء" ، وللتسمية قريناتها في تأريخ العراق القريب، مثل إنتفاضة عمال كاورباغي/1946، وإنتفاضة عام/1948 ضد معاهدة بورتسموث، وإنتفاضة تشرين الثاني عام/1952،  وآخرها إنتفاضة آذار/1991 ، فعقد مؤتمراً صحفياً في مساء 22/6/2010 الثلاثاء، معترفاً فيه بعمق أزمة الكهرباء، ومشيداً بكفاءة السيد وزير الكهرباء ومؤكداً فيه؛ التحذير من خشية إستغلال أحداث التظاهر سياسياً من قبل أطراف منتفعة، وغيرها من أمور السياسة الأخرى..!؟(2)

فما الذي تشير اليه إستقالة السيد الوزير، وما الذي تعلن عنه تحذيرات السيد رئيس الوزراء، في أتون هذه الأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها البلاد..؟!

لعل في تصريحات السيد رئيس الوزراء في مؤتمره الصحفي آنف الذكر، ما يغني عن أي من التكهنات والإستقراءات حول حقيقة ما إنتهت اليه تداعيات سياسة الحكومة في مجال الخدمات وبصفة خاصة "الكهرباء"، فبقدر ما يتعلق الأمر بهذا الشأن، فقد جاءت تلك التصريحات، متجاوبة مع تصريحات السيد وزير الكهرباء المستقيل في مؤتمره الصحفي الأخير، مرجعاً فيه أهم أسباب مشكلة النقص في الطاقة الكهربائية، الى الإفراط والفوضوية في إستهلاك الطاقة من قبل المواطنين، من خلال التوجه المتسارع الى إقتناء أعداد كبيرة من الأجهزة والمعدات الكهربائية التي لا تتناسب في أعدادها مع حجم الطاقة الكهربائية المتوفرة فعلاً، هذا من جانب، ومن جانب آخر، الى قلة التخصيصات المالية المفترض تقديمها الى الوزارة المعنية، من أجل إنجاز مشاريعها في زيادة الطاقة..!؟(3)

ومن هذا يفهم وكأنه لا مسؤولية لوزارة الكهرباء ولا للحكومة في مسألة الإختلال في ميزان التوازن الحاصل بين الأستهلاك والإنتاج للطاقة الكهربائية في البلاد، كما ويظهر بأن المواطن وحده من يتحمل مسؤولية هذا الإخفاق، نتيجة لفوضوية الحالة الإستهلاكية للطاقة على حد تصريحات السيد وزير الكهرباء..!!؟؟

يبدو الأمر منطقياً في عرف التخطيط والإقتصاد، ومما لاشك فيه فإن دلالات تبريرات السيد الوزير المدعومة بتأييد السيد رئيس الوزراء، بإمكانها أن تناطح مئات اللافتات التي رفعها المتظاهرون تنديداً بفشل سياسة الوزارة وبأداء السيد الوزير، في تأمين ما يكفي من الحاجة الضرورية للطاقة الكهربائية، ولكن الحقيقة تقول شيئاً آخر، فالتبريرات التي وردت على لسان السيد الوزير والمدعومة من قبل السيد رئيس الحكومة، لا يمكنها أن تصمد أمام أحكام وقوانين التخطيط أو الإقتصاد، ناهيك عن الواقع الموضوعي؛

 فالإستهلاك "الفوضوي" للطاقة من قبل المواطنين، غير معني به المواطنون أنفسهم، في وقت بات فيه حصول المواطن على " إمبير " من الطاقة الكهربائية، حلماً لا يراوده إلا في المنام، فالمعني الأول بالأمر هي وزارة الكهرباء نفسها، ومن بعدها الوزارات الحكومية الأخرى، مثل وزارة التخطيط ووزارة التجارة ووزارة النفط،  والجميع هم في مقدمة من يهمه شأن هذا الإستهلاك لا غير؛

 فإذا ما كانت أبواب الحدود مشرعة أمام الإستيراد "الفوضوي" للمنتجات الكهربائية بمختلف أنواعها، وبما يلبي نهم سماسرة وتجار المولدات الكهربائية من حديثي النعمة حد التخمة، وإذ تمتليء أرصفة الشوارع بما يسر الأعين من تلك المنتجات، وفي غياب سياسة تخطيطية محكمة، بإمكانها تقدير حجم الإستيراد من المنتجات الكهربائية، بما يتناسب والحجم الحقيقي المتوفر من الطاقة الموجودة في البلاد أصلا، ومقدار ما موجود منها كإحتياطي الطواريء، وتجاهل حدود قدرة شبكات نقل الطاقة ومدى صلاحياتها، كل ذلك إرتباطاً بضعف التنسيق الدقيق مع الوزارات الأخرى المعنية بإمداد الوقود اللازم لتشغيل محطات إنتاج الطاقة، و..الخ من سوء تقدير حجم الإمكانات المتاحة من القوى والكوادر المهنية العاملة، وغيرها من المستلزمات الفنية والهندسية ذات العلاقة، وفقدان كل ما يصب بإتجاه ترشيد الإستهلاك، الى جانب قصور الوزارة وأجهزتها الفنية في رفع وزيادة الطاقة الإنتاجية لمحطات الطاقة الموجودة، مع الأخذ بالإعتبار لكل المعوقات التي تقف أمام ذلك؛


 فالى أي جهة ياترى، سيولي المواطن وجهه، ليتقي جحيم الصيف اللاهب وزمهرير الشتاء القارس، وهل أمامه من سبيل آخر لسد إحتياجاته من الطاقة الكهربائية في مثل هذه الظروف العصيبة، حينما تعجز الحكومة نفسها عن سد تلك الحاجة، وفي وقت ترفل وتنعم فيه مؤسسات الحكومة وبيوت المسؤولين الكبار بالكهرباء ليل نهار..؟؟!


 مع كل هذا وهو غيض من فيض سياسة الوزارة التخطيطية، وتخبطها المتواصل كل فترة السنوات الأربع، رغم ما قيل عن قدرة وحنكة السيد الوزير، فإنه ومن تحصيل الحاصل، أن تكون الحصيلة لتلك السياسة، عبارة عن تخمة في أسواق المعدات والأجهزة الكهربائية المستوردة والمهربة، يقابلها فوضوية في إستهلاك الطاقة الكهربائية والتجاوز عليها، المقرون بالحاجة الماسة اليها من جهة، وتلاعب الطفيليين والسراق، وحلول تجار ومالكي المولدات الكهربائية الخاصة بديلاً عن الحكومة من جهة أخرى؛ وهو نفسه الحال مع سائر المنتجات الإستهلاكية الأخرى في عموم البلاد بعد توقف المصانع الإنتاجية الوطنية..!؟

 فجميع ذلك لا يشكل غير عنوان واضح المعالم والإتجاهات، للفشل الصارخ لسياسة الحكومة في مجال الخدمات، سواء في حيز تخطيط ورسم السياسة الإقتصادية المناسبة، أو في ترشيد الإستهلاك، ناهيك عن الفشل في مجال البناء الإقتصادي بشكل عام، كما في الصناعة أو الزراعة، مقروناً كل ذلك بضخامة حجم الموارد النقدية التي تجاوزت المئات من مليارات  الدولارات، التي يدرها ريع النفط السنوي على خزينة الدولة سنويا، والتي كان من أهم نتائجها الإنفاق الإستهلاكي المتضحم من قبل جهاز الحكومة التنفيذي، وجسامة حجم المبالغ المخصصة الى وزارة الكهرباء على سبيل المثال، المصحوب بشيوع حالة الفساد والإفساد المالي والإداري والسياسي على صعيد كافة أجهزة الحكومة المركزية والحكومات المحلية..!؟؟ (4)

فليس عيباً أو غريباً أن تكون إستقالة وزير الكهرباء أحد نتائج ذلك الفشل الذريع في مجال واحد من مجال الخدمات، إلا أن ما هو غريب وغير مبرر، ذلك التشبث بالدفاع عن الخطأ ، وكمن أخذته العزة بالإثم، ليلقى تبعة كل ذلك الفشل في النهاية على عاتق جمهور المواطنين الذين عانوا الأمرين من تداعياته المريرة، وكأن أربع سنوات من المماطلة والوعود والتلاعب بعواطف الناس، غير كافية لإصلاح الحال أو في أدنى الإعتبارات قول الحقيقة، لا التستر وراء فرضيات لا يدعمها الواقع، ولا يقبلها منطق الأحداث، والذي عبرت عنه المظاهرات الصاخبة خلال هذه الأيام القليلة المنصرمة، كرد حاسم من قبل الشعب نفسه؛

 أم كان المطلوب من وراء تلك "التصريحات الحكومية"، هو ركون الشعب الى القنوط والإستكانة والقبول بالأمر الواقع..؟؟!!
 فأين يا ترى هي الحكمة من وراء كل ذلك..؟؟!!
 
(1)   http://www.alsumarianews.com/ar/3/8063/news-details-.html
(2)   http://www.alsumarianews.com/ar/1/8092/news-details-.html
(3)   http://www.alsumarianews.com/ar/3/8062/news-details-.html
(4)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=186347
 

203

البصرة بين نارين: لهيب الصيف ورصاص الشرطة..!!(*)


باقر الفضلي


حدث هذا في البصرة في التاسع عشر من حزيران الحالي؛ وطبقاً لوسائل الإعلام، فقد أطلقت قوات أمن الحكومة المحلية النار على جموع المتظاهرين المدنيين العزل، وكانت النتيجة مصرع مدني وجرح آخرين..!!؟ أما ردة فعل الحكومة المركزية، فكان بياناً صادراً من دولة رئيس الوزراء، بإرسال وفد الى مدينة البصرة وطلب محاسبة المقصرين في وزارة الكهرباء لعدم تنفيذ تعهداتهم بتوفير الكمية اللازمة من الكهرباء الى المدينة، والطلب من الناس [[الخلود الى الهدوء وضبط النفس]]،  كما "[[  وقد أمرالسيد رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة , القوات الامنية بضرورة الحفاظ على الأمن وتوفيرالحماية للمواطنين وممتلكات الدولة وعدم السماح  باستغلال هذه القضية لتحقيق أغراض سياسية.]]"(1)     


ولكن وكما بدا ظاهراً،على صعيد ردة فعل الحكومة، أن جرى التقليل من أهمية الحدث، والتحذير من أن يتم إستغلاله سياسياً لتحقيق أغراض سياسية، على حد قول دولة السيد رئيس الوزراء المنتهية ولاية حكومته، منذ ثلاثة أشهر بعد الإنتخابات الإخيرة..؟؟!

فما الغريب إذن في الأمر، أن تطلق قوات الحكومة المحلية الرصاص على حشود المدنيين المتظاهرين من أبناء البصرة الفيحاء لمطالبتهم بتوفير الكهرباء،  في وقت ظلت فيه الحكومة المركزية والمحلية، وكل من موقع الإقتدار، يتقاذفان كرة الإتهام بالإهمال والتقصير في ساحة بعضهم البعض الآخر؛ فهي ومنذ أربعة سنوات من وجودها في السلطة، ما إنفكت الحكومة الموقرة، تثبت عجزها وفشلها الخارق في مجال تقديم الخدمات ومعالجة أزمة البطالة، بل وبلغت من تخمتها في حجم الإنفاق وفي الفساد المالي والسياسي حداً لا يتصوره العقل أو يتقبله المنطق؛ فهل هذا كل ما كان لدى الحكومة وممثليها في السلطة المحلية، من رد لمواجهة المتظاهرين..؟ فماذا هي فاعلة أمام تزايد تفاقم الحالة المطلبية للمواطنين في شدة حر هذا الصيف اللاهب..؟ أم هذا هو كل ما لديها وما عبر عنه لسان حالها ذلك اليوم من جواب..؟!


فليس غريباً إذن؛ أن تلجأ السلطات الحكومة المحلية في البصرة، الى إستخدام الرصاص ضد المتظاهرين وبحمية الراصد المتقصد؛ فهي ليست المرة الأولى في عهد الحكومة الحالية اللجوء الى إستخدام العنف المسلح ضد المتظاهرين، فسجلها ليس نظيفاً من ممارستها لإرهاب الدولة في أماكن وحالات أخرى، لا تختلف في جوهرها عن ما جرى في البصرة، مثلما حدث في الناصرية وكركوك عام/2006..!(2)
 
 
لقد جاء بيان دولة رئيس الوزراء داعياً الى" الخلود الى الهدوء وضبط النفس" و"الحفاظ على الأمن وتوفير الحماية للمواطنين وحماية ممتلكات الدولة"، ولكنه لم يشر لا من قريب ولا من بعيد، الى الدماء البريئة التي سُفكت برصاص الشرطة المحلية، إذ وكما يبدو؛ إن هيبة الدولة المتمثلة بممتلكاتها لها الأولوية في الحماية والأمن، وأمن الحكومة كما تراه الحكومة نفسها، هو في المقدمة على أمن المواطن، وفي ظل هذا الإطار تحدد الحكومة أولوياتها الأمنية، ومسؤولياتها الدستورية، سواء كانت المفخخات من يحصد أرواح المواطنين، أم رصاص الشرطة، فالحال واحد طالما كان أمن الحكومة وهيبتها، بخير وسلام..!!؟

أما ما يقال عن "الإستغلال السياسي" للحدث ومن أي جهة كانت، والتذرع به للإبتعاد عن دائرة المسؤولية الجنائية، فهذا أمر لا يقف مبرراً أمام عدم إستنكار الإطلاق العشوائي للرصاص على جموع المتظاهرين العزل وسقوط ضحايا أبرياء، ولا يمنع من تحميل السلطات المحلية مسؤوليتها في تحديد جهة إصدار أمر إطلاق النار، بل ويفترض بتلك السلطات والحكومة المركزية إدانة ذلك، وتحمل مسؤوليتها الدستورية في حماية أمن المواطنين، وإحالة المسؤولين عن سقوط الضحايا الى القضاء، ليقول كلمة العدل في الأمر، بعيداً عن أي تأثير كان، وكي لا تختلط الأوراق بين حدث التظاهر نفسه، وهو حق مشروع كفله الدستور، وبين فعل إطلاق الرصاص العشوائي على جماهير المتظاهرين المدنيين العزل من أبناء البصرة الفيحاء، من قبل قوات الأمن، وهو أمر يحضره الدستور، ويشكل جريمة يعاقب عليها القانون، وخرقاً للقانون الدولي الإنساني والمعاهدات الدولية التي تحكم حقوق الإنسان، والمصادق عليها من قبل الحكومة العراقية..!؟
________________________________________________
(*)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE65I0E420100619?sp=true
(1)  http://pmo.iq/index/03-1242.htm
(2) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=54414


204
من هو المحاصر..؟!

باقر الفضلي

من هو المحاصر حقاً..؟

سؤال تتداوله ومنذ أربعة سنوات كل وسائل الإعلام وعلى إختلاف أنواعها، وفي كل أنحاء العالم، ليختزل في النهاية الى ما يدعى ب"حصار غزة"، ولا إشكال في التسمية، فقطاع غزة ومنذ اربعة سنوات يخضع لحصار حقيقي فرضته حكومة دولة إسرائيل على القطاع، ومنذ أن خلد شارون الى الراحة ليطمأن على مصير غزة من خلال عزلها وتقسيم وحدة التراب الفلسطيني، ليخلق من حصار غزة، الكابوس الذي بات يقلق الجميع بأبعاده الإنسانية المأساوية، أما وحدة الأرض ووحدة الشعب الفلسطيني والقدس وعودة اللاجئين ورفض الإستيطان وإقامة الدولة الديمقراطية الفلسطينية المستقلة، فعادت الى المرتبة الثانية من حل القضية الفلسطينية، حتى على صعيد تطبيق قرارات الشرعية الدولية، لتنتهي بتقديم المساعدات والتبرعات الإنسانية،  وليتحول الموقف السياسي العربي والفلسطيني والدولي الى موال يغني به الجميع إنشودة " فك الحصار" عن غزة..!!؟ (*) 

لقد آن الآوان أن يدرك القادة السياسيون الفلسطينيون، والقادة العرب، ما لأهمية فك الحصار عن غزة من أبعاد إنسانية، ولكن هذا وحده لا يمكنه أن يكون الطريق لحل المشكلة الرئيسة في الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية بشكل خاص، فبقدر ما تشكله مأساة حصار غزة من كارثة إنسانية على الصعيد الدولي، بقدر ما أصبح هذا الحصار "فخ" محكم الأبعاد؛ أحبكت نصبه الإدارة الإسرائيلية، لتسحب الى شباكه مجمل القضية الفلسطينية بقضها وقضيضها؛ من قادة سياسيين وفصائل مناضلة وقادة دول عربية، بل وحتى منظمات إنسانية إقليمية ودولية، لتجعلها جميعاً تدور في فلك "حصار غزة " ، ولينتهي الأمر الى دوامة لا لها بداية ولا نهاية؛ فلا ينقطع ذرف الدموع ولا ينتهي مسيل الدماء..!!

نعم لقد خلقت إسرائيل وفي غفلة من الزمن، الكابوس الذي أنسى الجميع؛ قادة وفصائل وشعب، حقيقة القضية الفلسطينية، ليجري إختزالها فقط في مسألة "حصار غزة"، ولا كأن الشعب والتراب الفلسطينيين هما المحاصران في الحقيقة، وهذا بحد ذاته، "كيد" ستراتيجي تحققه إسرائيل، حيث بواسطته تمكنت من شق الوحدة الفلسطينية وفرقت قياداتها السياسية، وأبعدتها عن قضيتها الرئيسة التي ناضلت في سبيل تحقيقها ما يزيد على الستين عاما، وجعلت من "حصار غزة" الورقة السياسية الوحيدة، التي بات يتداولها الجميع؛ من مناصرين وأصدقاء ومن كل شكل ولون..!!؟

أنه لعين الصواب أن يدرك كل من تهمه القضية الفلسطينية،  بأن الحل الناجع لا يأتي من خلال الوقوع في شباك الأفخاخ الإسرائيلية، وكلها شباك عفرها الدم والألم الفلسطينيان، بل من خلال تعرية وتفكيك تلك الأفخاخ، ومنها "حصار غزة"، وتحويله الى مفتاح للإنطلاق بإتجاه تحقيق وحدة القيادة السياسية الفلسطينية عن طريق المصالحة الوطنية بين الفصائل المناضلة، والتركيز على رفع الحصار عن كل التراب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، عن طريق دفع المجتمع الدولي بإتجاه الضغط على إسرائيل بتنفيذ مقررات الشرعية الدولية..!

ومن هذا المنطلق، ومهما بدت مأساة "حصارغزة" بكل أبعادها الإنسانية، صورة تراجيدية كارثية، يبقى جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أعمق في مغزاه، وأكثر شمولاً في مدلولاته، من كونه مجرد رفع لحصارعلى غزة قد فرضته دولة إسرائيل، ولم تزل تستخدمه ورقة ضغط على الفلسطينين في كافة الإتجاهات، وبالتالي فإنه لا ينبغي إختزال هذا الصراع الى مجرد فعاليات ونشاطات محصورة في نطاقها بهذه الحدود الضيقة من توجيه الأنظار بعيداً عن حقيقة الحلقة الرئيسة ولب هذا الصراع، والتي لا تبتعد كثيراً عن ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة على كامل التراب الفلسطيني وطبقاً لقرارات الشرعية الدولية، وهذا ما تم تناوله في مقالة سابقة..!(**)
 _____________________________________________________________________________
(*)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE65819L20100609?sp=true
(**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=217511



205

البَحرُ الحَزين..!*

باقر الفضلي

أيُها البَحرُ ما لِماؤُكَ قاني(1)
مُدنِفٌ مُقْطِبٌ شَحيحُ الأغاني

أَهوَ الحُزنُ أمْ صُروفُ اللياليْ
غَرزتْ فيكَ رُمْحَها الشَيطاني

فاتراً خائراً أراكَ حَسيراً
هلْ رَمتكَ العيونُ بالثُكلانِ

كَمْ تَواصَلتَ فيه يَوماً كَئيباً
فَجرُهُ كالِحٌ كَلَيلِ المُدانِ

هل وَجدتَ العُهودَ غَيرَ ثِقالٍ
أَطفأتْ شَمسَها العُهودُ الثَواني

***

أيُها البَحرُ هلْ أتاكَ حَديثٌ:
يَنزِفُ القَلبُ دَمْعَه بالثَواني

تُزْهَقُ الرُوحُ فيهِ إِفتراءً
كَمْ يُساقُ الكَلامُ بالبُهتانِ!

وتُقامُ الصُروحُ دونَ عَناءٍ
كي تُضامُ النفوسُ بالخسرانِ

إذْ يَشُبُ الوليدُ فيها أسيراً
مُحْبطَ النَفسِ غارِقاً بالهَوانِ

فَحِصارُ الأبدانِ فيهِ إحتِكامٌ
لا حِصارُ النُفوسِ في الأبدانِ!

***

ايُها البَحرُ إذ أَراكَ حَزيناً
تَنجلي عقدةٌ بطرفِ اللِسانِ

إنهُ الصَبرُ طالَ مَساراً
مِثْلَ كَبْتِ النُفوسِ بالأحزانِ

مُسِعرُ النارِ وَهْجُها بإتِقادٍ
يَخْفِتُ النارُ وهْجُها بالتَواني

أنْ تَرى الظُلمَ عاصِفاً بإقتدارٍ
مِثلَ عَصفِ الرياحِ  بالكُثْبانِ

 " وإحتمالُ الأذى ورؤيةُ جانيه "
أيُ عَدلٍ لمُدَّعٍ وهوَ جاني!!

 ***
***
***
***
1/6/2010
_________________________________________________
(*) من وحي العدوان الإسرائيلي على إسطول الحرية في 31/5/2010
                                              (1) قان : شديد الحمرة، متغير




































 






206

غزة: بين الحرية والمجزرة..!؟

باقر الفضلي

التراجيديا الدموية، التي نفذتها ، القوات البحرية الإسرائيلية وبدم بارد، فجر هذا اليوم، وراح ضحيتها إستشهاد ما لا يقل عن عشرة أشخاص من مناصري حرية غزة المحاصرة وعدد غير قليل من الجرحى، تدل ومن جديد، على مستوى التدني الأخلاقي الذي تمارسه العنجهية العسكرية الإسرائيلية بحق المدنيين العزل، دون وازع من ضمير أو إعتبار لخلق عسكري، أو إلتزام بعرف محلي أو قانون دولي أو حتى شريعة سماوية، وهم بلد الدين والشريعة كما يدعون..!!؟؟

إسرائيل وهي تخوض الآن وبمبادرة أمريكية، المباحثات غير المباشرة مع السلطة الفلسطينية للتوصل الى إحياء مفاوضات السلام وإرساء قواعد إنشاء الدولة الفلسطينية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، والإلتزام بإيقاف الإستيطان، في نفس هذا الوقت، تشدد من حصارها على أهل غزة الصامدين في وجه الإحتلال،  وتواصل عمليات الإستيطان في القدس الشرقية، وبنفس غطرسة المحتل، تهاجم قواتها البحرية فجر هذا اليوم مستخدمة كل وسائلها وأسلحتها العسكرية، مجموعة السفن البحرية المدنية المتوجهة، وبشكل رمزي، الى مدينة غزة المحاصرة، حاملة الغذاء والدواء الى سكان غزة المحاصرين من قبل دولة إسرائيل، دونما مبرر شرعي إو قانوني، فتقتل من تقتل وتجرح من تجرح، وتستبيح السفن الآمنة في عرض البحر، وترعب وتفزع قاطنيها من المدنيين الأبرياء العزل..!

لقد عللت غزة نفسها بأن المجتمع الدولي يقف الى جانبها في مأساتها الي طالت الأخضر واليابس، بعد عدوان إسرائيل الغاشم عام/2006، ولكن المجزرة الدموية التي قادتها اليوم نفسها إسرائيل، قد لقنتها درساً بان حريتها وفك الحصار عنها، لا يأتيان فقط بإنتظار المساعدة الدولية ودعم المجتمع الدولي وحدهما؛ لقد أدركت غزة الآن؛ بأن حريتها لا تتحق طالما أن سكانها وكل الشعب الفلسطيني، يرسخ تحت طائلة الإحتلال والإستيطان الإسرائيلي، وطالما أن قادتها وفصائلهم السياسية بعيدة كل البعد عن التوافق ووحدة المصير، ويكفيها ما أظهرته مجزرة اليوم ضد سفن الحرية، ما تعنيه وحدة القيادة الفلسطينية وما تعنيه شرعيتها، وما يعنيه التفرق والتشرذم، والهتاف الصاخب في أجهزة الإعلام..!

إنه درس قد إستفادت من تكراره دولة إسرائيل كل يوم وفي كل مرة، وهو ما يدفعها وبإسترار، لتكرار المجازر بحق الشعب الفلسطيني، الذي إنهكته الفرقة، وفتت في عضده المصالح السياسية والحزبية المتعارضة، وقوضت صموده الولاءات الإقليمية الطامعة؛ وما مجزرة اليوم الهمجية البربرية الإسرائيلية، إلا مثلاً صارخاً على العدوان وإنتهاك الشرائع الدولية..!؟

فليس بالإدانة والشجب والإستنكار وحدها تتحرر غزة ويرفع عنها الحصار؛ إن غزة اليوم رهينة المحبسين؛ الشقاق الأخوي من جانب، والغزو الإسرائيلي الغاشم من وراء الحدود..!؟ 
 

   
   



207

العراق: المصالح السياسية وإشكالية التفسير..!؟

باقر الفضلي


المصالح السياسية في بلد  كعراق اليوم، لا تحدها حدود ولا تقف أمامها موانع؛  فهي كمفهوم عام، سائبة في معناها، هلامية في مدلولاتها، عابرة للمباديء والتقاليد والأعراف الديمقراطية؛ إنها برغماتية قد جاوزت كل حدود علم السياسة وأخلاقها وتخطت كل إعتبارات المنطق والمنفعة العملية..!

إنها بإختصار براغماتية، أحادية الجانب، عشائرية المزاج، تناحرية الملتقى؛ لا تقبل بغيرها على الصعيد الشخصي أو الإجتماعي، وهي في أفضل الأحوال لا تبتعد كثيراً عن حاضنتها الإجتماعية، التي تؤطرها خصائص وسمات المجتمع الذي ولدت فيه..!

 فديمقراطيتها المعلنة، ليست منهجاً معتاداً في تجلياتها اليومية، وهي لا تساوي في قيمتها أكثر من قيمة ما يعكسه المثل الشعبي العراقي المعروف محلياً؛ " شيل زرعك عن دوابي"، الذي يترجم لنا الطابع المنغلق لأنانية المصلحة الفردية، إذ يبلور المصالح الفردية في أسوء حالاتها، ويكشف بوضوح أنانية صراع تلك المصالح، التي تعكسه طبيعة العلاقات السائدة في الوسط السياسي اليوم..!؟

ذلك الصراع الذي تتمحور كل إتجاهاته ووسائله وآلياته، بل ومجمل تاكتيكاته اليومية، حول كيفية المسك بأدوات السلطة والهيمنة في النتيجة على مؤسسات الدولة، وصبغها بالهوية المصلحية لمن يمسك ويربح تلك الأدوات في النهاية، بعيداً عن مصلحة الآخرين..!؟

فليس من باب العجب والحال، أن يتصور المرء، حالة التشبع التي تتسم بها البراغماتية السياسية العراقية الجديدة على سبيل المثال، بكل ما يكرسه موقف صاحب "الدواب" من مصلحة أنانية فردية أمام مصلحة جاره الفلاح، لدرجة يطالبه بنقل " زرعه" عن طريق دوابه، وإلا فليس لذلك الفلاح، أن يمانع من أن يرعى "دواب جاره" في مزرعته بدون إستئذانه..!!؟؟

ومن هذا المدخل يمكننا إستشراف المشهد السياسي العراقي الحالي بعد الإنتخابات،  وطبيعة الصراع الدائر بين مصالح الكتل السياسية العراقية الفائزة، الذي أوصلها الى أن تتحول الى ما يشبه الكتل الكونكريتية أمام بعضها البعض، في وقت تتعمق فيه أزمة البلاد، وكأن الأمور قد وصلت الى طريقها المسدود..!؟؟

ومما أزاد في الطين بلة، وشكل مأزقاً قضائيا، أن وجدت بعض الكتل السياسية في تفسير المحكمة الإتحادية العليا لنص المادة/76 من الدستور العراقي،(1) ما ساعدها في نسج التأويلات، والتشبث بموقفها، الأمر الذي منحها، وتحت ذريعة تشكيل الكتلة الأكبر، فرصة إطالة أمد الطعون والتقدم بطعون جديدة، والتسابق وبالطرق المختلفة، من أجل تصدر المركز الأول بين الفائزين، ما دفع الى تأخير التصديق على نتائج الإنتخابات من قبل المحكمة الإتحادية العليا في وقتها المناسب، وكأنما الأمر بات يدخل في دائرة التأخير المقصود للوصول الى تلك النتيجة المنشودة..!؟(2)

فإن كان هناك من الدواعي والأسباب ما دفع بالمحكمة الإتحادية العليا، التعجيل بتفسيرها للنص الدستوري المذكور، مع كل إشكاليات التفسير المثارة بشأنه، فإنه وطبقاً لما جاء به تفسيرها نفسه؛ بأن النص المذكور يجري تطبيقه: [[ بعد إنعقاد مجلس النواب بدورته الجديدة]] ، لكان من الأجدى، وتجنباً للتأويلات والإجتهادات، لو أرجأت المحكمة البت في الأمر الى ما بعد التصديق على نتائج الإنتخابات لتأخذ شكلها النهائي، وليأخذ مجلس النواب طريقه للإنعقاد في وقته المقرر دستوريا، لا أن تظل عملية التصديق على نتائج الإنتخابات رهينة عملية التأخير والمماطلة المقصودة، خاصة وإن الإنتخابات في نتائجها الأخيرة، وطبقاً للمفوضية العليا للإنتخابات؛ قد أفرزت أربعة كتل سياسية فائزة، تتصدرها كتلة العراقية وتأتي ثانية كتلة دولة القانون..الخ؛

 ومع ذلك يظل تفسير نص المادة/76 من الدستور؛ إشكالية قائمة بذاتها، لإنعكاسه على واقع المشهد السياسي العراقي القائم، ولتداعياته المؤثرة على مستقبل العملية السياسية، مما يلقي ظلالاً من الغموض واللّبس في التعرف على قصد المشرع من وراء المقصود ب "الكتلة النيابية الأكثر عددا"؛ القصد الذي لم توضحه المحكمة الإتحادية العليا في تفسيرها آنف الذكر، ولكن وفي جميع الأحوال، فأن هذا التفسير رغم ما إكتنفه من بعض الغموض،  يظل في إطاره القانوني ضمن  باب الإجتهاد الذي خولها به الدستور..!؟؟

أما حالة التنافس والصراع بين مصالح الكتل السياسية العراقية الفائزة في الإنتخابات الأخيرة،  فقد باتت تقلق ليس فقط العراقيين حسب، بل دفعت بوضعها الحالي، حتى بمجلس الأمن الدولي التدخل بهذا الشأن، وحث أقطاب تلك الكتل بالتسريع  بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفق النتائج الإنتخابية، فالكل يعلم ما لهذا التأخير من ترسيخ لحالة الفراغ السياسي والأمني، ومن نتائج لا تعرف عقباها..!؟؟ (3)   
                        (1)   http://www.iraqja.iq/ifmg.php?recordID=102
(2)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE64S0DD20100529?sp=true
                                         (3)  http://aljeeran.net/iraq/11795.html






   
 
 

 

208
المنبر السياسي / لا للإستيطان..!
« في: 16:26 23/05/2010  »
لا للإستيطان..!
باقر الفضلي

كلمتان لهما من القوة اللفظية بقدر ما لهما من القوة الفعلية والمادية ما يهز الجبال؛ فحين تقف منظمة الأمم المتحدة وكل المجتمع الدولي عاجزة من تنفيذ قراراتها بتحريم وإنهاء الإستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد العام/1967، ومع إستمرار الصلف الإسرائيلي ورفضه لتنفيذ تلك القرارات، وجد الشعار المدوي (لا للإستيطان)، قوته الفعالة والمؤثرة على الأرض مباشرة، حينما أخذ الشعب الفلسطيني على عاتقه تنفيذ روح الشعار، وذلك بمقاطعته البضائع الأسرائيلية المنتجة من قبل المستوطنات الإسرائيلية اللاشرعية، التي أقامتها وحمتها الإدارة الإسرائيلية على أراضي الفلسطينين بعد إحتلالها للضفة الغربية عام/1967..!


إن مقاطعة البضائع المنتجة من داخل تلك المستوطنات اللاشرعية، من قبل الشعب الفلسطيني، قد عبر ويعبر بصدق، عن عزة هذا الشعب الأبي، وصموده المنقطع النظير، وهو يصارع أعتى قوة غاشمة، تحاول المس بكرامته وشموخه وتدنيس أراضيه؛ لقد أثبت وبشجاعة فائقة عن قوة تصميمه وإرادته التي لا تقهر، بأنه شعب لا يستسلم الى كل محاولات تركيعه وإذلاله أمام القوة الغاشمة، وبأنه شعب يمتلك من التقاليد الكريمة والإباء ما يوغر بهما صدور المحتلين حنقا، وهم يرون بأم العين إنسانية هذا الشعب، وهو لا يضمر أي عداء أو كراهية لأبناء أي شعب، ولكنه لم يستكن للذل ولن يستسلم أمام العدوان وسلب أراضيه؛ وهذا ما عبر عنه بصريح العبارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس علانية وبكل صراحة..!(*)   


لقد أثبت الشعب الفلسطيني على الأرض، بمقاطعته لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في أراضيه المحتلة، رغم كل قيود الإحتلال وإستبداده، إنما يقوم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية البالغة/ 15 قراراً، والتي أدانت الإستيطان وأقرت بلا شرعيته ، ويؤكد وبالطرق السلمية، بأن ما يقدم عليه اليوم من مقاطعة لتلك المنتجات، إنما يصب في الشرعية الكفاحية لمقاومته لعدوان الإحتلال الإسرائيلي لأراضيه، وهي مقاومة تقرها الأعراف والشرائع الدولية، حيث تشكل تلك المستوطنات التي أقامتها وتقيمها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية بعد عدوان عام/1967  شكلاً من أشكال الإحتلال، بل الإحتلال بعينه..!؟


أن أشكال مقاومة العدوان والإحتلال، بإعتبارها من الحقوق المشروعة للشعوب دوليا؛ لها من الأشكال والأنواع ما لا يمكن حصره أو تقييده في نوع أو شكل بعينه، وهي جميعها محكومة بطبيعة الظروف والمناسبات التي تحيطها في المكان والزمان المعين؛ فما تقوم به اليوم فرق المتطوعين من الشباب الفلسطيني بحث المواطنين الفلسطينيين على مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنما هو شكل من أشكال المقاومة السلمية والمشروعة، والتي تحضى بالدعم والتأييد، لما ستتركه من نتائج وتأثيرات فعالة وذات مغزى على تلك المستوطنات من جهة، وعلى إسرائيل كدولة من جهة أخرى، ليس فقط من الناحية الإقتصادية حسب، بل ما سيتركه ذلك من أثر نفسي فعال على سكان تلك المستوطنات، ومن تأثير مباشر وردود فعل سلبية على مجمل السياسة الإسرائيلية في مجال الإستيطان على الصعيد الدولي..!

إن مبادرة فرق المتطوعين من الشباب الفلسطيني، من جماعة (عهد الكرامة)، في حثها المواطنين الفلسطينيين لمقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، تستحق كل الإكبار والدعم والتأييد مادياً ومعنويا، وهي تشكل تجربة نضالية في كفاح المقاومة السلمية الفعال، ودرساً لا يستهان به من دروس المقاومة الفلسطينية المناضلة..!
_________________________________________________________ 
(*)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE64L0DW20100522?sp=true

209

العراق: من سيشكل الحكومة الجديدة..؟!

باقر الفضلي

الفرع الثاني :ـ مجلس الوزراء
المادة (76):

اولاً :ـ يكلف رئيس الجمهورية،
 مرشح الكتلة النيابية الاكثر عدداً،
 بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً
 من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.



السؤال الذي إستعصى حله على السياسيين العراقيين طيلة ما يزيد على الشهرين، وفي مقدمتهم الكتل السياسية الفائزة في إنتخابات آذار/2010، والذي يبدو أن في الإجابة عليه، تكمن كل الإحتمالات التي يمكن أن تصب روافدها في مصبات متعارضة، ولذلك فجميع الكتل المنشودة تتجنب الخوض في دوامة الإجابة الفاصلة التي ينتظرها الجميع، لما يمكن أن يدفعها ذلك الى تقديم التنازلات المطلوبة لحل إشكالية عقدة رئيس الحكومة القادم، الأمر الذي تخشى أن يدفعها الى التخلي عن ما ألزمت به نفسها أمام أنصارها ومسانديها، خاصة وأن الأمر بات محصوراً بين كتلتين.(1)


 الأولى منهما من حصلت على العدد الأكبر نتيجة الإنتخابات، والثانية من حاولت الإرتباط بتحالف آخر لتشكل كتلة أكبر من حيث العدد بعد الإنتخابات، ومن هنا خُلقت ما يسمى بإشكالية التفسير القضائي من قبل المحكمة الإتحادية العليا في 25/3/2010، من خلال تفسيرها النص المعني به دستورياً ب(الكتلة النيابية الأكثر عدداً)، بإقرارها بشرعية الكتلتين بالنسبة لمفهوم (الكتلة النيابية الأكثر عددا) ومنحها الإستحقاق للأكثر عددا(2)، ليدخل الجميع في حيص بيص جراء ذلك، ولتتمسك إحدى الكتلتين بتفسير المحكمة الإتحادية وتعتبره لصالحها، وتلتزم الأخرى بالنص الدستوري قبل تفسير المحكمة وتعتبره واضحاً في أهدافه وأحكامه، وهكذا ضاع الأمر، وعلق الإستعصاء في نزاع بين نص الدستور وتفسير المحكمة للنص، وضاعت معه فرص الهدوء والإطمئنان بالنسبة للمواطن العراقي، الذي تنفتح عليه أبواب جهنم كل يوم، في وقت نسي فيه السياسيون محنة الشعب القاطن خارج أسوار الخضراء وقصور السلام.!؟


فكيف الخلاص من هذه الإشكالية القضائية، إذا كان الطرفان يشدان طرفي الحبل، وحين لم تفلح كل المحاولات لحد الآن في تذليل الصعاب  لحل عقدة رئيس الوزراء، بما فيها مأدبة الغداء الذي دعا اليها السيد رئيس الجمهورية يوم الخميس/20/5/2010، والتي حضرها رؤساء الكتل الفائزة بالإنتخابات، كما فشل ايضاً عقد اللقاء المرتجى بين رئيسي الكتلتين المنتظر يوم السبت/22/5/2010..؟!


فهل من سبيل آخر للخروج من المأزق السياسي بإلتقاء الكتلتين الكبيرتين؛ العراقية ودولة القانون، وكل منهما من يدعي مصلحة العراق وشعبه، وفق برنامج موحد وبمشاركة الكتل والأطراف السياسية الأخرى، في تشكيل حكومة عراقية تحضى بإجماع وموافقة الجميع، خاصة وأن من بين نقاط الإلتقاء بينهما، الكثير مما يقرب من وجهات النظر بشكل عام،  ويساعد على نبذ الإحتقان وتجاوز الخطوط الحمراء التي تحجب ما بينهما، وفي هذا أضعف الإيمان..؟!


فالطريق الى الديمقراطية التي ينشدها الجميع لا زال بعيدا، وبيننا وبينها مسافات طويلة، ولكن حين يجمع الكل بأن الهدف من كل " التغيير" المرتجى، هو إرساء قواعد بناء دولة المؤسسات المدنية، وإقامة ميزان العدل وترسيخ مقومات الحرية والديمقراطية، وتثبيت دعائم السيادة الوطنية، وإنهاض مستقبل العراق إقتصادياً وإجتماعياً وسياسيا، فما الذي يمنع الجميع من الإقتراب من بعضٍ في تلاحم وطني، يستقطبه هدف شامل يجمع حوله كل العراقيين، إنطلاقاً من مبدأ المواطنة؛ المرفأ الوحيد الذي يمكن أن ترسو اليه سفينة "العراق الجديد"..!


فهل هم حقاً صادقون فيما يدعون، وقادرون على تجاوز حاجز الطائفة والمذهب والعرق، وهل هم حقاً جادون في قراءة الدستور من جديد، وعازمون على إضفاء التعديلات الجوهرية على مواده الملتبسة، وإزالة الغموض عن تلك التي تقبل الوجهين، فالدستور العراقي/2005 بحق، دستور حمال أوجه كثيرة، وفيه تكمن علة البلاء..؟؟!!
___________________________________________________________
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=215388
(2) http://www.iraqja.iq/ifmg.php?recordID=102





     


210
الكل يلعب بورقته الرابحة..!

باقر الفضلي


ها هي الإنتخابات قد شارفت على الإنتهاء، ، أما الإستقطاب بين الكتل السياسية المتناحرة فهو الآن سيد الموقف، ولم يعد هناك حاجة ماسة للجدل والتحليل والنقاش، بعد أن تحددت معالم اللوحة السياسية بكل وضوح وجلاء، وأصبحت مظاهر الصراع جلية للعيان، إذ تعالت فيه أصوات الأطراف التي في المواجهة، وخفتت أخرى بعيداً عن ملامح الصورة الأولية، ليستقطب الحال وفقاً لما سبق وأشرنا اليه في مقالة سابقة، في حدود أطره المتوقعة، وضمن أفلاكه المرسومة، وطبقاً لعوامل الصراع نفسه، وطبيعة التناقضات المحركة للأطراف المتصارعة في الساحة السياسية خلال السنوات السبع الماضية..!(1)


لقد دللت المؤشرات شبه النهائية لنتائج الإنتخابات وبحدود 95% منها، أن الصراع على السلطة هو العامل الفاصل والحاسم بين القوى السياسية، وخاصة الكتل الكبيرة منها، ولعل أهم ما يميز هذا النوع من الصراع، هو التمسك الشديد بالسلطة، والذي تجلت مظاهره على صعيد أكبر المتصارعين من الكتل السياسية، وسط حالة من الإسقاط السياسي التي تمارسها تلك الكتل بعضها ضد الآخر، حتى قبل إعلان النتائج النهائية للإنتخابات، مقرونة بالتشكيك والإدعاء بالتزوير والتلاعب بعمليات العد والفرز من خلال التواطيء مع البعض من العاملين في عداد المفوضية العليا للإنتخابات، بل وصلت الحال حد التهديد والوعيد، والإعلان عن التخطيط لإنقلابات بيضاء أو إنقلابات عسكرية، مما إستدعى قلقاً أمريكياً وإستنفاراً أمنياً هنا وهناك..!؟


  وعلى ضوء هذا الحسم، ستتحدد ملامح إتجاهات العملية السياسية القادمة، ولكن الجديد في الأمر هو هذا التناحر الشديد بين طرفي الصراع الرئيسين، والمتمثلين بكل من كتلتي "دولة القانون" من جهة وكتلة "العراقية" من الجهة الأخرى؛ حيث أصبح منصب "رئيس الوزراء" هو الهدف المعلن من قبل الطرفين، ولم تعد كفتا الميزان السياسي العراقي، تأخذ بالحسبان النتائج المأساوية لحالة الصراع المستقطبة بين الجهتين، ويبدو أن الجميع قد تناسوا ما إتفقوا عليه دستورياً، وثبتوه بالتوافق السياسي، في نص المادة/ السادسة من الدستور لعام/2005 ؛


المادة(6):


[[يتم تداول السلطة سلمياً، عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور.]]

وكان لنا في هذا مقالة خاصة، شرحنا فيها مغزى نص المادة الدستورية المذكورة، من خلال روح الدستور وأهدافه. وليس المستهدف من هذا الحديث، تكرار ذلك المغزى وتلك الأهداف التي تواخاها النص حسب، بقدر ما ينبغي التنويه وبعجالة، الى ما هو أكثر أهمية، وهو ما يتعلق بالجذور التأريخية لهذا النص الدستوري، وبكونها تشكل الأسس والخلفية التي تقف وراء النص المذكور. (2)
 


فلا أظن أن السادة السياسيين ومنهم من شارك بكتابة النص المذكور، لا يستذكر الدوافع والأسباب التي تقف وراء تشريع المادة السادسة المذكورة من الدستور، وهم أنفسهم من قاد منظمات وحركات وأحزاب سياسية، كانت جميعها تقف في صف المعارضة للنظام السابق، وجميعهم يدرك أن تسلط الأنظمة الديكتاتورية والإستبدادية والبوليسية، هي من يقف وراء البحث والتحري عن صيغة دستورية أكثر قبولاً من قبل كتلهم وأحزابهم السياسية، لتجنيب البلاد من تسلط مثل تلك الأنظمة من جديد، بعد ما تم لهم إزاحة النظام السابق عام/2003، فجاء التأكيد بموجب المادة السادسة من الدستور، لتضع القاعدة الدستورية الأساسية لتداول السلطة في البلاد، وطبقاً للآليات التي حددها الدستور نفسه، ومن هنا جرى التأكيد على التداول السلمي للسلطة بإعتباره الطريق الوحيد الذي أقره الدستور وصوت عليه الشعب، وما عداه لا يمثل إلا طريقاً لا شرعياً مهما كانت أشكاله وطرق تنفيذه.


وحيث يمر الوطن الآن، بفترة حرجة، وبعد أن أثبت الشعب تصميمه على الأداء السليم في الإنتخابات، يصبح لزاماً على الكتل السياسية، وبالذات منها الكتلتين الكبيرتين، بالتمسك بأحكام الدستور وبتفهم روح النصوص القانونية، والأغراض التي وجدت بسببها المادة السادسة آنفة الذكر، والإبتعاد عن التفسيرات والإجتهادات التي تصب في خدمة المصالح الخاصة لأي مكون منهم؛ وليكن لنا جميعاً إسوة حسنة بما أقدمت عليه الديمقراطية البريطانية قبل أيام، وإن كانت تسبقنا بما يقرب من ثلثمائة عام من التجربة العملية، لنجد في ما أقدم عليه السيد براون رئيس الوزراء السابق مبادرة إيجابية قل نظيرها، حين أدار ظهره لكرسي المنصب والحزب بعد الإعلان الأول لنتائج الإنتخابات، ومن أجل المصلحة العامة..!


فهل سيثبت سياسيونا بأنهم أجدر بمبادرة أكبر وأعمق في طريق الديمقراطية، ليؤسسوا بذلك وليثبتوا للعالم المتحضر ولشعبهم، بأنهم ليسوا طلاب سلطة حسب، بل بناة لنهج الديمقراطية في الحياة السياسية على حساب مصالحهم الذاتية والحزبية، ومن أجل وحدة الشعب والوطن..؟!

   

(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=214876

(2) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=64011

211


من المبتغى: السلطة أم الحكومة..؟!

باقر الفضلي

لقد خاض المواطن العراقي ولأيام خلت، "العملية ألإنتخابية" لتسمية أعضاء مجلس النواب الجدد، ولم يك يعنيه كثيراً غير أمر واحد، إذ كان يتسائل فقط؛ من يا ترى سيكون رئيساً للحكومة، ولا يعنيه كثيراً ماذا سيكون برنامج حكومته، أو من هم وزرائه، فكل ما ينشده هو الأمان... وما تبقى متروك لمشيئة الرحمن..!؟

 ولذلك فلا غرابة أن يحصل كلا من السيدين أياد علاوي بصفته رئيساً للوزراء سابقاً، والسيد عدنان المالكي رئيس الوزراء الحالي، على أعلى نسبة من أصوات الناخبين على صعيد القطر، مما عكس حالة الإستقطاب والإنقسام الشعبي بين المحورين، وشكلا رغم إرادتيهما، ونتيجة لثوابت "العملية السياسية" الإستراتيجية، وما آلت اليه تداعيات السنوات القليلة الماضية، قطبا تلك العملية "الطائفية ـ المذهبية" الإنقسامية، رغم ما بذلاه ويبذلانه من جهد غير قليل على مستوى الإعلام المرأي والمسموع، بأنهما يمثلان إتجاهاً لا طائفياً كما يصرح السيد المالكي، وآخر علمانياً ليبرالياً، كما يعلن السيد اياد علاوي. ومن جانبها شكلت القائمة الكردستانية، قطبها الإثني الثالث..!

ومن هنا أصبح موقع رئيس الوزراء، تلك الإشكالية، التي سماها السيد على الدباغ الناطق الرسمي بإسم الحكومة ب" العقبة الرئيسية "(1) ، ولم يعد يمثل مجرد مركز وظيفي ـ سياسي حسب، بل تعداه ليمثل إتجاهاً في الحكم يسحب وراءه مصالح متعارضة وأحياناً متطاحنة، لقوى وكتل سياسية تمتد بعض أذرعها في كثير من الأحيان خارج الحدود، وكلها تنشط بإتجاه أن تمسك بأيديها وبإحكام، ذلك الموقع المرموق، وبالتالي فكل ما يقال ويقترح هنا وهناك، من تمازج الكتلتين الأكبر وتوقع إئتلافهما في توليفة مشتركة كحكومة إئتلافية، "علاوي ـ مالكي"،  لما فيه مصلحة العراق، ولكن يبدو الأمر ومن خلال واقع التنافس بين الكتلتين، وطبقاً لثوابت العملية السياسية، وما آلت اليه النتائج الإنتخابية، وكأنه من الأمور الأكثر إستعصاءً في تلك العملية؛ فمصالح العراق لا زالت بعيدة عن موقع التنافس أمام هذا المكان، حينما يكون التنافس لشغل هذا الموقع، على أشده بين رموز "المكونات"..!؟

فكتلة السيد أياد علاوي " العراقية " على سبيل المثال، كانت تركز في إنطلاقتها الإنتخابية، على كل الجوانب السلبية في إداء حكومة السيد نوري المالكي خلال سنواته الأربع في السلطة، حداً إعتبرت فيه تلك الحكومة بالفاشلة سياسياً وخدمياً وأمنيا، ووصمتها بالطائفية، وطرحت نفسها بديلاً، بل نقيضاً لتلك الحكومة، معتبرة بأن ما حققته كتلتها من نتائج في الإنتخابات الأخيرة دليل قاطع على ما تقول، ومن هنا تبلور شعارها الإنتخابي في مفردة "التغيير"..!

وشبيهاً بذلك، وبطريقة معكوسة، كانت كتلة السيد نوري المالكي "دولة القانون" ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها بموجب الدستور، وفي إنطلاقتها الإنتخابية، ترفض كل ما قيل ويقال عن أية سلبيات في أدائها، وترفض توصيف هويتها من قبل الآخرين بالهوية الطائفية، بل طرحت كل ما إعتبرته من إنجازاتها الكبيرة، وفي مقدمته إنجازاتها على الصعيد الأمني، وتميز خطابها السياسي في الآونة الأخيرة بما تعلنه عن إبتعادها عن التخندق الطائفي والحزبي، والدعوة الى وحدة العراق، ومحاربة الإرهاب والبعث، معتبرة هي الأخرى، إن ما حققته كتلتها من نتائج في الإنتخابات هو الآخر، دليل ناجع على ذلك..!

فالكتلتان ذواتا الأغلبية البرلمانية ومن ظاهر الحال، باتتا تمثلان عنصرا التعارض السياسي على الصعيد الوطني والبرلماني، رغم ما يشهراه، بعد إعلان النتائج الأولية للإنتخابات، من إنفتاحهما على بعضهما وإستعدادهما للتلاقي والتشاور، لمعرفتهما بإستحالة تشكيل الحكومة على إنفراد ودون تحقيق حكم الدستور، ولكن واقع الحال وعلى الصعيد العملي، يثبت شيئاً غير ذلك، وخاصة ما يتعلق بمسألة الطعن بنتائج الإنتخابات، والتشكيك بها من قبل الطرفين، والتهديد بحسابات أخرى إن أسفرت نتائج الفرز والعد القادمة عن نتائج جديدة قد تخل بميزان التوازن القائم حاليا، مثلما عكسا من جانب آخر، ليس فقط حالة الإستقطاب الطائفي على مستوى الوطن حسب، بل حالة من الإستقطاب الإقليمي في المنطقة..!

وهكذا تبدو إشكالية من سيكون رئيساً لمجلس الوزراء القادم، معضلة قائمة بذاتها، وفيها يكمن جوهر التناقض بين الأطراف المتصارعة وما يتبعه من إمتدادات لمصالح إقليمية ودولية تخفي نفسها وراء هذا الصراع، الآخذ شكل الإستقطاب شبه الطائفي، وإن خفف من غلوائه التفتت الذي إنتاب الكتل التي تخندقت طائفياً في الإنتخابات السابقة عام/2005..!

كما والى جانب القوتين الرئيستين في الساحة السياسية، أسفرت نتائج الإنتخابات الأولية عن بروز كتلتي التحالف الوطني، والكتلة الكوردستانية، لتلعبا دوراً إستثنائياً وربما حاسماً في حل معضلة تشكيل الحكومة الجديدة، وذلك في حالة تحالف أي منهما مع إحدى الكتلتين الرئيستين، لتحقيق النصاب الدستوري اللازم لتمرير الحكومة في مجلس النواب، وإن كانت الكتلة الكوردستانية أكثر تريثاً للتعرف على ما ستؤول اليه نتائج التحالفات الجديدة.

وقد أفرزت الأيام ما كان متوقعاً؛ حيث توصلت كتلة السيد المالكي "دولة القانون" الى تشكيل إئتلاف مشترك مع "الإئتلاف الوطني" الذي يقوده السيد عمار الحكيم، لتوفر مقدماته وتوحد جذوره، رغم ما تبطنه الخلافات بين الكتلتين، واضعةً بذلك "كتلة العراقية" أمام مفترق الطرق؛ إما المشاركة مع الإئتلافين في تشكيل "حكومة المشاركة"، ومن الطبيعي والمتوقع، أن لا يشغل فيها السيد أياد علاوي منصب "رئيس الوزراء"، والأسباب لم تعد خفية على المراقب، وهذا ما باتت كتلة "دولة القانون" تمرر رسائلها حوله الى كتلة "العراقية"، رغم تكرار تلك الكتلة لمقولة "الإستحقاق الإنتخابي"، التي جرى تفسيرها على الضد من رغبة وتفسير "العراقية"، لتضمن "دولة القانون" والتحالف الجديد بذلك، الإنفراد بموقع رئاسة الوزراء، خاصة بعد ما أُعلن عن سحب التيار الصدري تحفظه على إستيزار السيد المالكي لفترة جديدة، وهو موقف جديد ومفاجيء من قبل التيار الصدري؛ أو أن تجد "العراقية" نفسها في المعارضة البرلمانية منفردة، بعد أن أكدت أغلب التوقعات وقوف الكتلة الكردستانية الى جانب الإئتلاف الثنائي الجديد بين كتلتي المالكي والحكيم، لتستقر الأمور على ما كانت عليه الأوضاع بعد إنتخابات عام /2005..! (2)

وهكذا يظهر السعي الى التمسك بمنصب "رئاسة الحكومة" وكأنه الطريق الوحيد للتمسك بمفتاح السلطة، وبالتالي بالهيمنة على الدولة ومؤسساتها وما فيها، حتى لو أدى مثل هذا السعي، الى الإستقواء بكل ما يتاح تحت اليد من الوسائل، عند الضرورة..!؟

أمام المعضلة العراقية المتمثلة بإشكالية منصب "رئيس الوزاء"، تبدو صورة المستقبل القريب لكلا المرشحين من القائمتين، كالحة بعض الشيء؛ كما وإن دخول التيار الصدري بالتلويح بذراعه المسلحه، كفيل بأن يقوض الكثير من حساباتهما، ويضع مصداقيتهما في الميزان، خاصة وأن هذا التيار بات يجيد المناورة بما يمتلكه من أصواته النيابية الأربعين ضمن كتلة "التحالف الوطني"، التي أصبح تأثيرها أكثر وضوحاً، بعد ما تلمسناه مؤخراً من التقارب بين كتلة "دولة القانون" برئاسة السيد المالكي للتيار المذكور، وحتى مغازلته بتسنم بعض من أفراده مهام أمنية الى جانب تشكيلات القوات الأمنية الحكومية، وما يعنيه ذلك من مغزى ذي دلالة..!!؟

ولإن بدت الدعوة المتواصلة والصادرة من جهات سياسية عديدة، بضرورة التعجيل بتشكيل الحكومة وسد الفراغ السياسي والأمني في البلاد، لا زالت تحتفظ بأهميتها الموضوعية، إلا أن أهميتها الإستثنائية ما عادت تشكل أمراً يشغل بال الكتل النيابية الفائزة بنفس القدر من الأهمية؛ فالحكومة المنتهية ولايتها لا زالت تحتفظ بكامل صلاحياتها، ولن يقلقها شيء طالت المدة أم قصرت، طالما هي في كنف السلطة، وبإنتظار إعادة إستيزارها من جديد، بعد أن ضمنت قائمة "دولة القانون" الكتلة البرلمانية المطلوبة، مسنودة بالكتلة الكوردستانية..!

أما المواطن العراقي، فلم يجد أمامه معبراً غير شلال الدم المتدفق، عبر شارع الصراع من أجل السلطة، حيث أصبح الإرهابُ يلاحقه حيثما ما كان، وأملُه في التغيير،  قمراً فوق صهوة حصان..!؟(3)     
 _______________________________________________________
                  (1)    http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20100424-88906.html
             (2)   السومرية نيوز | سياسة العراق | التيار الصدري يعدل عن قراراته ويؤكد أن لا خطوط حمر على المالكي لرئاسة الوزراء
                      (3)      ‭BBC Arabic‬ - ‮الشرق الأوسط‬ - ‮العراق: مقتل 80 وإصابة المئات في سلسلة هجمات منسقة ‬





 

 




212
العراق: نظرة حول المشاركة في الإنتخابات..!

باقر الفضلي


يبدو أن النتائج الأولية للإنتخابات البرلمانية /2010 ، التي جرت في العراق في السابع من آذارالماضي، لها الأولوية الآن، في كل ما يكتب وما يقال، وما يترتب عليه من إستنتاجات سياسية، وتعليقات تقيمية لأداء الأشخاص والقوى والأحزاب السياسية التي شاركت فيها، ناهيك عن كل ما يتعلق برسم اللوحة السياسية الجديدة القادمة في البلاد، ودور التأثيرات والتدخلات الإقليمية والدولية، وموقع المواطن العراقي من كل ذلك..!


وليس بعيداً عن كل هذا، التوقعات المسبقة عن حصيلة هذه الإنتخابات حتى قبل ظهور نتائجها النهائية، ومنها بعض ما أشرت اليه في مقالتي الموسومة (إضاءة على إنتخابات/ 2010)، المنشورة في العديد من المواقع الإلكترونية، العراقية منها والعربية. ومع قرب الإعلان عن النتائج النهائية للإنتخابات من قبل المفوظية العليا المستقلة للإنتخابات، والتي بات يشوبها بعض الغموض والضبابية في الأيام الأخيرة، فإن الحصيلة شبه النهائية لهذه النتائج والمعلن عنها رسمياً من قبل تلك المفوظية، جاءت معززة لكل ما ورد من حقائق وإستنتاجات وتوقعات في المقالة المذكورة، وهذا لا يخرج عن كونه تقدير نسبي وإستقراء لواقع هيكلية العملية السياسية، وإصطفافات القوى والأحزاب السياسية المشاركة في تلك الإنتخابات وطبيعة الظروف المحيطة داخلياً وإقليميا ودولياً، وتأثيرها في مناخ الإنتخابات وتوقعات المستقبل..!


فالواقع السياسي العراقي القائم، سواء ما قبل الإنتخابات أو ما بعدها، له من الخصوصية والتعقيد، ما يحتم التعارض هنا أو التطابق هناك، وذلك في رسم المقدمات الأساسية لهذا الواقع، وإعادتها لجذورها التأريخية، وإستشراف طبيعة الظروف المحيطة بكل ذلك؛ ومن هنا وطبقاً لما يقال على الصعيد العام والنظري : بإن المقدمات الصحيحة  تؤدي الى نتائج صحيحة؛ إلا أن ما كان صحيحاً بالأمس، قد يكون عكسه اليوم، وكل شيء يعتمد في التحليل على خصوصية ظروفه الخاصة والعوامل المؤثرة في كينونته وتطوره. ومن هنا قد تختلف الإستنتاجات والحلول المفترضة إعتماداً لنسبية تقدير المرء، فرداً كان أم حزباً لتلك الحالة، والأمر قد يكون أكثر تعقيداً في السياسة، التي يطلق عليها في الغالب الأعم بأنها فن أو بصورة أدق؛ علم الممكن..!


ومن هنا يأتي التعقيد في التحليل، وإتخاذ الموقف الذي يمكن أن يكتسب حالة الإجماع السياسي من الواقع السياسي العراقي، وعلى الخصوص في الفترة التي أعقبت الإحتلال الأمريكي للعراق عام/2003؛ ونفسه ينسحب الأمر على الحلول ومجمل السياسة والخطاب السياسي لجميع القوى والأحزاب، ناهيك عن الأشخاص والمواطن العراقي بالذات..!


ولعل من أقرب الأمثلة على ما تقدم من قول، الموقف من المشاركة في العملية الإنتخابية ، التي جرت في السابع من آذار الجاري؛ فمن المسلم به أن يكون لتلك القوى السياسية أو الأشخاص من الذين تتسم مواقفها  بالمعارضة والرفض لمجمل العملية السياسية، أن يكون موقفها من العملية الإنتخابية متسماً بالدعوة الى عدم المشاركة بها ومطالبة المواطن العراقي بمقاطعتها، وذلك إنسجاماً مع موقفها من العملية السياسية إبتداء. وبالتالي وإنطلاقاً من المفهوم النظري للبدايات والنهايات، وطبقاً لحدوده النظرية وقناعات أصحابها، يجري التشبث بمثل ذلك الموقف، أما على صعيد الواقع، فهناك الكثير من المتغيرات ومن الفرضيات التي تستحق التأمل، مما قد تدفع بالإتجاه المغاير لما يفرضه المفهوم النظري في النتيجة.


 على العكس من ذلك، هناك مواقف لقوى وأحزابٍ سياسية وأشخاص، ممن ترى بأن المشاركة في العملية الإنتخابية، هي نتيجة منطقية لمسار العملية السياسية، وأحد أهم مشترطاتها للتغيير وخاصة بعد العام/2003، وهو موقف مبني في الأساس على دعم وتأييد هذا الفريق للعملية السياسية منذ البداية، وبعضها من كان مشاركاً في التأسيس لمقدماتها قبل الإحتلال. وهنا يبدو مثل هذا الموقف أكثر براغماتيةً، قياساً للمواقف الأخرى التي وقفت مع العملية السياسية كمرحلة جديدة في التغيير، مع ما لها من أسبابها الأخرى.


 وهناك من القوى السياسية والأحزاب والأشخاص، من يرى في تلك المقدمات، وبالذات منها، موقفها من الإحتلال، ما قد لا ينسجم ومنطلقاتها السياسية والفكرية، ولكنها في عين الوقت، وكأمر واقع  ومن خلال قراءة موضوعية لطبيعة ظروف العراق "الجديدة" وعلى كافة الأصعدة بعد/2003، فإنها ترى في المشاركة في هذه الإنتخابات، أحد الطرق السليمة في ظل ظروف العراق الراهنة، للإنتقال بالوطن الى حالة من الإستقرار والسلم السياسي والإجتماعي، إقتراناً بالعمل لإنهاء حالة الإحتلال، والتمهيد لإرساء مقدمات النهج الديمقراطي في الحياة السياسية والإجتماعية، ولتجنيب الوطن والشعب العراقي ويلات أكبر وأعظم مما هي عليه الآن، وهو موقف يبدو أكثر إنسجاماً مع الواقع القائم، والمزاج العام بعد إنهيار الديكتاتورية، وعلى المدى المنظور..!


وبإختصار، فإنه من نافل القول، التأكيد على ضرورة التفريق بين أمرين رئيسين بالنسبة للعملية الإنتخابية التي جرت في العراق في آذار/2010 وهما:

•   الإشتراك بالعملية الإنتخابية
•   حصيلة النتيجة التي تسفر عنها العملية الإنتخابية

ولهذين العاملين أو المعيارين في تقدير الموقف من المشاركة أو عدمها في العملية الإنتخابية التي تم إجرائها قبل أيام، أهمية إستثنائية في العمل السياسي، وفي ظل ظروف العراق اليوم، وكما أشرت فيما تقدم، تكتسب هذه الأهمية خصوصيتها الموضوعية، حيث يصبح للمعيار الأول ، إستقلاليته الهادفة الى تحديد المسار القادم للعملية السياسية، وتصبح له الأولوية النسبية من حيث الأهمية على المعيارالثاني، إرتباطاً بتلك الظروف، ومن أجل تحقيق الأهداف المتوخاة من هذه المشاركة ذاتياً وموضوعياً وبالطرق السلمية المتاحة، ومنها التبادل السلمي للسلطة؛ أما ما يتعلق بالمعيار الثاني، فإنه وإستطراداً لما تقدم، فلا يمكن في تقديري، إعتباره العامل الحاسم في تحديد الموقف من العامل الأول، وبالتالي فليس منطقياً أن تتوقف عملية الإشتراك في العملية الإنتخابية إعتماداً على توقعات إفتراضية بالفشل أو النجاح لما سوف تأت به نتائج الإنتخابات، حيث أن توقعات النتائج لها مقاييسها الخاصة، وهي أساساً تعتمد معايير إخرى غير تلك التي تعتمدها مسالة الإشتراك في العملية الإنتخابية..!
_______________________________________________________________
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=207487


 

 



     



 

 



213
عمال العراق في يوم العمال العالمي..!(*)

باقر الفضلي

إذ يحتفل ملايين العمال في العالم، في الأول من آيار هذا العام بعيدهم الأممي، يواجه عمال العراق ومنذ سبع سنوات، وما قبلها بعقود من سني الإضطهاد والتنكيل والعسف الذي سلطته عليهم سلطات الدكتاتورية الحاكمة، يواجه عمال العراق اليوم من التحديات ما لم يواجهوا مثله من قبل..!


لقد عُرف الكثير عن وحدة الطبقة العاملة العراقية وتكاتفها وإلتحام صفوفها، وقيادتها لمعاركها الطبقية والوطنية، وتمثلها في أفضل حركة نقابية شهدها العراق والعالم العربي والدول المجاورة، خلال عقود من القرن الماضي؛ تلك الحركة التي أبرزت خيرة المناضلين من القادة النقابيين، أمثال علي شكر وصادق الفلاحي وآرا خاجدور، والعديد العديد من أمثالهم ممن أرسوا قواعد العمل النقابي في العراق، وعملوا على ترصين وحدة الطبقة العاملة العراقية، وقدموا الكثير الكثير من التضحيات؛ حيث تعرض أغلبيتم الى الحرمان والفاقة، والكثير منهم من أمضى سنوات شبابه في المعتقلات والسجون، ومنهم من تعرض للتشريد والنفي خارج الوطن، وغير قليل منهم من تمرس في الوقوف بوجه طغيان الدكتاتورية، بل وحتى شارك في صفوف الأنصار والبيشمركة، مقارعاً جبروت الإستبداد والطغيان الديكتاتوري..!


ولعل أهم ما تتميز به الطبقة العاملة العراقية وحركتها النقابية على سبيل المثال، والذي له دلالته الخاصة في الظروف الراهنة، بل وإهميته الإستثنائية على صعيد وجودها ولحمتها الطبقية؛ يكمن في الحقيقة في الإنسجام الطبقي الإجتماعي لهذه الطبقة، على الرغم من قلة عددها، في عقود الأربعينات والخمسينات والستينات؛ فهي لم تكن تعرف ما يدعى بنظرية "المكونات" التي جرى إبتداعها على الصعيد السياسي والإجتماعي، بعد العام/2003، وبعد أن أرسى قواعدها الأساسية الإحتلال، وإتخذت كأساس لما يدعى اليوم ب"العملية السياسية" التي صبغت بأطيافها، كل الحياة السياسية والإجتماعية في العراق، وتحاول من جانبها أن تصبغ الحركة النقابية العراقية بثوبها الجديد وتمزيق وحدتها الطبقية وفقاً لنظريتها الجديدة..!


 لقد كانت الطبقة العاملة العراقية وتنظيمها المكافح، بمجموعها وأفرادها، تشكل كتلة واحدة متراصة، وكانت هويتها الوطنية العراقية الشعار المميز لها طيلة تأريخها الكفاحي، والذي كانت حركتها النقابية العراقية الديمقراطية ترفعه عالياً ، حيث إتخذت هذه الحركة من الديمقراطية الإطار والمنهج الذي يوحد صفوفها ويشد لحمتها، بعيداً عن كل ما يدعى اليوم من أطر طائفية ـ مذهبية أو أثنية. فبعيداً عن كل تخندق مذهبي ـ طائفي أو ديني أو أثني، كان العامل العراقي يجد حاضنته الوحيدة، في التوحد مع أخيه العامل العراقي، أياً كان معتقده السياسي أو الديني أوإنتمائه القومي، وبالتالي فلهذه الطبقة كل الحق في أن تفخر بكل نضالاتها التي خاضتها ضمن إطار وحدتها الطبقية ضد قوى رأس المال والإستعمار والدكتاتورية، ولها في ذلك تأريخ مجيد..!


إن أهم ما يواجه الطبقة العاملة العراقية اليوم، والذي يقف في مقدمة مهامها التأريخية على صعيد المستقبل المنظور، يتجسد في ضرورة إدراك خطر تمزيق وحدتها الطبقية، عن طريق تشتيتها وجرها وراء شعارات مظللة؛ من الإستقطاب وراء الطائفة أو المذهب أوالدين، أو مثل العشيرة والقومية والمشيخة؛ فالإنجرار وراء مثل هذه الشعارات، والتي تحاول العديد من الإحزاب والقوى السياسية اليوم، بدفع جموع العمال نحوها، تحت عباءة الدين والقبيلة والقومية، إنما هو السلاح الفتاك الذي تستخدمه تلك القوى في سبيل تحقيق مصالحها وإستنزاف جهد العمال وزيادة إستغلالهم؛ فبتفريق صفوف العمال طبقياً، ودفعهم بإتجاه التفرقة الطائفية والمذهبية والقومية، تظل الطبقة العاملة العراقية بعيدة عن تحقيق وحدتها النقابية، بل وستساهم تلقائياً في زيادة إستغلالها طبقياً، وستكون عوناً مباشراً لهيمنة قوى الإستغلال وتسلطها على مقادير الأمور السياسية والإقتصادية والإجتماعية في البلاد..!


إن مسيرة الطبقة العاملة العراقية الطويلة، وحركتها النقابية المجيدة بكل مآثرها البطولية، تقف سداً مانعاً أمام كل جبروت الإستغلال والإضطهاد، وفيها من العبر والدروس النافعة، ما يسند جموع العمال العراقيين في كفاحهم اليوم، من أجل ترصين وحدة حركتهم النقابية الديمقراطية وترصين إستقلاليتها، وتعزيز إلتصاقها بشعبها النبيل، وفي تقديم يد العون والمؤازرة لجموع الكادحين نساء ورجالاً، وفي مواجهة الإرهاب..!

فلكل عمال العراق، في يوم العمال العالمي المجيد، التهاني العطرة، ولشهداءهم الأبرار المجد والخلود..!
             (*)      http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=63619



     







214

التيار الديمقراطي وآفاقه المحتملة..!



باقر الفضلي


يظل التيار الديمقراطي في العراق حالة متفردة في إتجاهاته أو في منابعه سواء في الفترة التي لحقت الإحتلال/2003 ، أو في ما قبل ذلك، رغم الفوارق الزمنية والسياسية.  فما متعارف عليه اليوم ب(العملية السياسية)، يشكل الإطار العام لمسيرة هذا التيار، والحاضنة الموضوعية لوجوده، والآفاق المحتملة لتطور تلك المسيرة في ظروفها الراهنة واللاحقة..!


ومن البدهي أن يلم الإنسان بسمات هذا التيار ومدلولاته ومكوناته الأساسية وعوامل نشأته وظروف وجوده وتطوره، قبل أن يحدد مسلمات إفتراضية لشكل ومضمون وأبعاد التيار نفسه.


ولإرتباط الأمر بالعملية الإنتخابية الحالية، يأخذ التيار الديمقراطي حيزاً مهماً في معرفة دوره في هذه العملية، ومدى تإثيره فيها والحدود التي يمكنه معها التواصل مع المسيرة القائمة وضمن شروطها وثوابتها المعلنة..!


في كل تأريخه الماضي عرف عن التيار الديمقراطي في العراق إنحيازه الى اليسار، بما يعني الى كل ما يمت بصلة لهموم الكادحين والفقراء، من عمال وفلاحين وشغيلة المدن، وعرف عنه إلتصاقه بهموم المثقفين؛ من شغيلة الفكر، كالأطباء والمحامين ورجال القضاء، وجمهرة الأكاديميين، من أساتذة الجامعات والمعاهد التعليمية، ومن جمهرة المعلمين..الخ


كما عرف عن هذا التيار إرتباطه بشؤون الوطن وقضاياه العقدية والوطنية وتوجهاته الإقتصادية والسياسية المصيرية. وخلال عقود كثيرة من القرن الماضي، خاض هذا التيار معارك تأريخية حاسمة من أجل تلك القضايا، سجل فيها غير قليل من الإنتصارات المشهودة، وقدم غير قليل من التضحيات الجسيمة، حيث كان يحتل موقع الصدارة في تلك المعارك، وكان له السبق في قيادة جموع الشعب في كفاحها من أجل حقوقها وقضاياها المصيرية..!


وليس بعيداً عن التغيرات العاصفة التي حلت بالعراق بعد عام/2003، وفي مقدمتها الإحتلال الأمريكي، وما يسمى بقوات التحالف"، لم يقف التيار الديمقراطي بمعزل عن ما جرى، أو أن يختار الجلوس على التل ويكتفي بمراقبة مسلسل الأحداث، بل على العكس من ذلك؛ فقد كان له موقف واضح المعالم من مجريات "العملية السياسية"، وإنخرط بقناعة في تفاصيل مسيرة تلك العملية، خاصة وإن أغلب المشاركين فيها كانوا من أطراف المعارضة المناهضة للدكتاتورية، وإن كان البعض منهم لم يشارك عملياً في الترتيبات الأولية للتحضير لمقدمات عملية إسقاطها عبر مؤتمر لندن عام/2002 ذائع الصيت. وهكذا وعلى ضوء ما تقدم لم يكن التيار الديمقراطي وفي مقدمته الحزب الشيوعي العراقي العريق في تأريخه ونضالاته السياسية، طارئاً على العملية السياسية، بل شكل موقفه المعلن منها ومنذ أيامها الأولى حالة خصوصية في التعامل معها، مما ينبغي التوقف أمام ذلك الموقف، بشيء من الدقة والتحليل، رغم ما شاب تلك العملية من شوائب يحسب لها الف حساب على كافة الأصعدة والمستويات..!


ولا تشكل الإنتخابات والمشاركة فيها من قبل ذلك التيار، سوى حلقة من مجمل حلقات العملية السياسية، وإحدى آلياتها الأساسية، رغم ما إنتابها من نواقص جدية، ورغم أنها جرت وفق قانون لا يتسم بالعدالة والمساواة بين المتنافسين، فجاءت المشاركة في الإنتخابات مع علم مسبق من قبل مكونات التيار الديمقراطي، بالنتائج المتوقعة لها، وبأنها ستكون وفي أحسن الأحوال، لمصلحة القوى الكبيرة والمتنفذة ضمن السلطة، طالما أنها تجري وفق قانون قد خطط له مسبقاً وبأغلبية برلمانية من قبل تلك القوى، بهدف حجب قوى التيار الديمقراطي المتميز بالتشتت في أحزاب صغيرة، والتي أعطت الفرصة المناسبة لتلك القوى الكبيرة، من خلال هذا التشتت، بأن تنفرد بها، لترسم اللوحة السياسية الراهنة "للعراق الجديد"، والتي غابت عنها قوى التيار الديمقراطي، ومنها قائمة إتحاد الشعب وقوائم أخرى عديدة..!(*)


ومهما قيل ويقال عن التشوهات والتجاوزات التي رافقت العملية الإنتخابية، من أعمال التزوير وإستغلال المال السياسي، والرشى وشراء اصوات الناخبين وغيرها من أعمال الإحتيال، رغم اهميتها وتأثيراتها السلبية على النتائج،  فإن الحلقة المركزية في كل ذلك، تظل تتمحور حول الركن الأساس في العملية الإنتخابية، والذي لا يخرج في حقيقته عن قاعدتها القانونية وإطارها الشرعي، الذي جرت بموجبه تلك العملية، والمقصود به "قانون الإنتخابات" الذي رسم الطريق لتلك اللوحة السياسية الجديدة القديمة، لقوى النفوذ السياسي في العراق في المرحلة الراهنة، متمثلة بالإصطفافات المذهبية والإثنية المتعارف عليها ب "المكونات"، والتي قادت العملية السياسية خلال السنوات الأربع الماضية..!


فقد تمكنت هذه القوى ومن خلال ما تمتلكه من أغلبية نيابية، أن تسن قانوناً إنتخابياً مشوهاً، تمكنت من خلاله أن تحمي وجودها بشكل شرعي في السلطة، وأن تحجب بعيداً تلك القوى التي لا تتقاسم معها طموحاتها في الإستئثار بهذا النفوذ، بل وربما قد تقف أمامها حجر عثرة، يحول بينها وبين تحقيق مصالحها الفئوية والطفيلية الإنتهازية الجديدة، خاصة وهي في وارد تأسيس دولتها الوليدة؛ وما الصراع القائم بين إئتلافاتها الفائزة لقيادة العملية السياسية، إلا ملمح من هذه الملامح، وبالتالي فليس كل ما يقال عن التزوير والتجاوزت في العملية الإنتخابية، ما يشكل جوهر ومضمون ما شوه العملية الإنتخابية لعام/2010 نفسها، بقدر ما يمثل غطاءً تلتحف به القوى المنتصرة في العملية الإنتخابية من القوى المتنفذة، وصاحبة نظرية "المكونات"، لحرف إتجاهات النقد لآليات العملية الإنتخابية، خوفاً من أن يجري تركيزها على حقيقة تلك الآليات المشوهة، وخاصة ركنها القانوني، بل توجيهها بإتجاه ثانوي شكلي، لا ينتج عنه وفي أحسن الأحوال أية متغيرات أساسية على صعيد النتائج التي جاءت بها العملية الإنتخابية، أو بمعنى آخر، أية متغيرات جوهرية في طبيعة التشكيلة الإنتخابية الجديدة، المتمثلة بقاعدتها الطائفية ـ المذهبية الإثنية، خاصة بعد أن أصبحت النتائج الأنتخابية حقيقة واقعة، وباتت تحضى بتأييد ودعم كافة الكتل الفائزة ومنها الكتل الأربع خصيصاً، وكذلك من قبل أطراف مهمة منها الأمم المتحدة..!


والى هذا الحد يمكن القول، بأن ما يواجه التيار الديمقراطي عموماً، من مهام جديدة بعد الإنتخابات، وما يشكل مسارات الصراع السياسي القادم،  يرتبط بشكل أساس بالنتائج الجديدة للإنتخابات، وما رسمته من لوحة سياسية غير بعيدة عن نتائج إنتخابات عام/2005 من حيث الجوهر، وبالتالي فإن هذه المهام لا تبتعد كثيراً عن إتجاهين؛ أحدهما يتحدد بمواصلة النضال من أجل تقويم القاعدة القانونية للعملية الإنتخابية، وذلك بإجراء التعديلات الضرورية على قانون الإنتخابات، بما يضمن العدالة والمساواة، ويمنحه الشرعية الدستورية، والعمل على تشريع قانون الأحزاب على أسس ديمقراطية، ناهيك عن متطلبات العمل لإزالة الغموض والتعارض الذي يكتنف العديد من نصوص الدستور وأحكامه.


 وفي الإتجاه الثاني؛ التركيز على كل ما له علاقة بمعاناة المواطن العراقي في جميع الإتجاهات، وهو الإتجاه الذي من خلاله تُرسم اللوحة المستقبلية لإتجاهات وآفاق وجود ومكانة التيار الديمقراطي ـ اليساري في الحياة السياسية العراقية، ناهيك عن متطلبات النهوض بالواقع الإقتصادي والإجتماعي..!


وفي المنظور العام فإن التيار الديمقراطي ـ اليساري، مطالب بأن يحدد مهامه الآنية، بإتجاه دفع القوى "المنتصرة" في الإنتخابات، الى التسريع بتشكيل مؤسسات الدولة الشرعية، من المجلس النيابي والسلطتين القضائية والتنفيذية، وضان الأمن والإستقرار في حياة المواطن العراقي..!
__________________________________________________________________
(*)http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=207487
         



 
   

                   








215
أدب / كُردستان..!(*)
« في: 14:15 20/03/2010  »

كُردستان..!(*)
 
باقر الفضلي


حنانيكِ كُردستانُ ما أجملَ الرُبى
وما أعطَـرَ الأنسامُ فيكِ وأعـذَبا

حنانيكِ بعضَ العُمرِ فيكِ مسرةٌ
إذا قيلَ أهلاً، زِدتِ أهلاً ومَرحَبا

أراكِ وذي الأيامُ ما ضاعَ بأسُـها~
خيالاً، ولكنْ فَجرُها كانَ أقْـرَبا

جَمِعتِ بها فَخراً ومَجداً ورِفـعةً
وشُدّتِ بها صَرحاً اليكِ وما خَـبا

أراكِ على طَرفِ اللِسانِ حَـلاوةً
إذا ما أتى ذِكرٌ لإِسمكِ أو نَـبا

***

يفاخـرُ كلٌ فيكِ لحـناً بعـشقِـه
فتُبدينَ شَوقاً، أيهُـمْ كانَ أطْرَبا؟

عَروساً وجَمْعُ العُشقِ فيكِ أحِـبةٌ
فأيٌ مِنَ العشاقِ قد فـاقَ ملْعَـبا؟

يُغازِلُكِ أهلُ الوَرى بِـئسَ مِنَّـةٌ
 إذا كانَ أهلُ الحيِّ أدنا وأَرغَـبا

همُ الأَهلُ والقُربى ونِعْمَ حَـصانةٌ
يتوقُ لها مَنْ يَرتجي العِـزَ والإِبا

شَرِبتِ ومثـلُ الآخـرينَ بكأسِـها
فوحَـدَ ما بينَ الفُـراتينِ مَـشْـرَبا

***

حنانيكِ سَمْتَ الأرضِ جاهاً وعزةً
ومثلُكِ مَنْ يَرقى به المَجدُ مَرتَبا

تباهى بكِ المَدُ العَظيمُ عراقُنا
فكنتِ له سقفاً وخيركِ ما إجتبى

ربيعُكِ في نوروز، لحناً نصوغُه
ونحفلُ في آذارَ ما كان أرحبا

عشقناكِ حينَ العشقُ كان وحيدَنا
ولم نبتغِ دَرباً سواكِ ومنسَبا

فكنتِ لنا منْ مَطرحِ القَلبِ منزلاً
ومنكِ سوادُ العَينِ رقَ وأطْرَبا

***

حنانيكِ كُردستان أرضاً وموئِلاً
وشعباً سما في بأسهِ، حيثُما صَبا

صَبرتِ ولا في الصَبرِ منكِ غلابةٌ
ومَنْ يَركب المَجهولَ حقاً سَيَغْـلُبا

فإن كان دَينَاً في الرقابِ نَـردُهُ
وإِنْ شَحَ مِنا القَولُ حلماً ومَعتَبا

هُنا لَكِ في لُبِ القلوبِ مودةٌ
وكلُ الذي تخفي السَرائرُ مَعجَبا

أتينا ببيضاءَ ما سَرَ العَدوَ نَقائُها
وما جَنِحَتْ يوماً لغدرٍ ولا رِبا

***

عَرِجنا الى شَملٍ نَصونُ حياضَهُ
ونَجمَعُ ما بينَ الصفوفِ ونلعَبا

فـيا ذا (الهَربِجِيِّ) سلامـةٌ(**)
تنادي أخا كُردٍ وصنوانَ يَعرُبا 

حنانيكِ كُنا لُحمةً مذْ تَـفجرتْ
بنا نفثاتُ الروحِ، حَمو ومَصعَـبا(***)

جناحان لَفَّ الوِدُ شوقاً حَـنينَهم
وفي مأمنٍ تَحتَ الجناحينِ مَرغَبا

لنا منْ أديمِ الأرضِ ملحاً وبلسماً
فنُعماكِ يا أرضَ الفراتينِ مُـنجِبا   

***
***
***
21/3/2010
_____________________________________________

             (*) بمناسبة عيد نوروز
(**) الهربجي : اشارة الى قصيدة الشاعر المرحوم زاهد محمد "هربجي كرد وعرب رمز الضال..."
            (***) حمو: كناية لأسم كُردي . مصعب: كناية لأسم عربي











 

 
 









 














216
العراق: إضاءة على إنتخابات 2010-..!

باقر الفضلي


مهما تكن النتائج التي سيتمخض عنها التصويت الذي جرى في السابع من آذار الحالي، فإنها وفي جميع الأحوال سوف لا تكون خارج الأطر التي رسمت لها مسبقاً، ولا تبتعد اللوحة السياسية القادمة من حيث الجوهر، عن تلك التي كانت عليها منذ إنتخابات/2005  للبرلمان السابق، إلا بهذا القدر أو ذاك من التغيرات الجزئية على مستوى المنظور الشكلي للخارطة السياسية، وهذا لا يعني ضرباً من التشاؤم، بقدر ما هو حقيقة ينبغي الإعتراف بها، وهذا ما تؤكده المؤشرات الأولى لمخاض العملية الإنتخابية الأخيرة، وما تقرره طبيعة الصراع السياسي القائم على جميع مستوياته، رغم الحماس والإقبال الكبيرين للناخبين الذي طبع مسار الإنتخابات  إيجابيا، والذي عكس في الوقت نفسه، طموح العراقيين للتغيير القادم، وتحديهم لطغيان الأرهاب ..!


فأغلب المحتشدات التي تحرك منها الناخب العراقي للإدلاء بصوته في صناديق الإنتخابات، هي في واقع الحال، نفسها تلك التي جرى على ضوئها شطر المجتمع العراقي بعد العام/2003، والتي جرى الإتفاق عليها بين أهم أطراف العملية السياسية القائمة وقادتها منذ العام/2002 في مؤتمر لندن، والتي حددتها المكونات المبنية طبقاً للقاعدة الإثنية والطائفية-المذهبية..!


 وبالتالي فإن التحرك الجديد لهذه الإنتخابات، لم يخرج في جوهره بعيداً عن الإطار العام لإنتخابات عام/ 2005 ، رغم ما أطر الكتل السياسية الرئيسة والمتنفذة ، من شعارات براقة، بإعلانها الإبتعاد عن الطائفية والإثنية، وتلويحها بالمواطنة كأساس للإختيار، وهذا يعتبر في ظاهر الحال، تقدم محسوس في فهم هذه الكتل، لحقيقة التغير الذي طرأ على قناعات الناخب العراقي، قياساً لما كان عليه في الإنتخابات الماضية، وتصدع واضح المعالم في بنية  الهيكلية الطائفية-المذهبية والعرقية، وقد لعب هذا دوره في إندفاع الناخب العراقي ثانية وراء نفس الكتل السياسية أملاً في تحقيق التغيير المنشود، ناهيك عن دور المؤثرات الدينية والعشائرية في حفز هذا الإندفاع..!


ومع أن أغلبية الكتل السياسية المتنفذة التي خاضت هذه الإنتخابات، قد رفعت في مقدمة شعاراتها شعار(التغيير)، وهو من الشعارات الجذابة والمعبرة بالنسبة للناخب العراقي، إلا أن هيمنة تلك الكتل نفسها من الناحية العملية، على الآلية القانونية للإنتخابات، طبقاً لقانون الإنتخابات الساري المفعول، وتوظيفها لمصلحتها، قد جعل من هذا "الشعار" مجرد شعار شكلي للتمظهر والدعاية الإنتخابية؛ ولسبب بسيط، كونه شعار ترتبط أسبابه من حيث الأصل، بالفشل الذريع الذي أحاق بأداء تلك الكتل السياسية نفسها وهي في دست الحكم والسلطة، وبحالة إنتشار الفساد المالي والسياسي وبالخراب الإقتصادي والإجتماعي الذي تعود أسبابه لنفس ذلك الأداء..!


 وإرتباطاً بذلك، فمن هنا يأتي مبعث نسبية مصداقية الشعار المذكور من قبل نفس الجهات التي ترفعه،  ومن جانب آخر، فأن حمية الناس وتلهفهم الى ضرورة التغيير للتخلص من وبال ذلك الواقع المرير، ما يفسر لنا لماذا يلدغ الناخب من نفس الجحر مرتين، وهكذا يتجلى التكتيك الإنتخابي الذي إستخدمته الكتل السياسية المتنفذة الكبيرة للتغطية على فشلها المذكور، لإحتواء وإمتصاص حاجة الناس للتغيير، ناهيك عن وسائلها الأخرى في تحشيد الناس وراء تلك الشعارات..!؟


إن إتجاه أعداد كبيرة من الناخبين للتصويت لقوائم الكتل الكبيرة، لا يمكن تفسيره إلا إنطلاقاً من طبيعة اللوحة السياسية بعد عام/2003، والهيكل البنيوي للعملية السياسية نفسها، وتداعيات حالة الإحتلال على مختلف الأصعدة، يصاحبه ومن جهة أخرى، تدني مستويات الوعي السياسي الحزبي الديمقراطي لدى الناخب العراقي، الذي جرى إستبعاده عن الحياة الحزبية الديمقراطية الطبيعية لما يزيد عن الثلاثة عقود؛


 فبدلاً من أن تصوت أغلبية الناخبين طبقاً لما تمليه عليهم مصالحهم الإقتصادية-الإجتماعية أساساً، وإنحداراتهم الطبقية، وإنتماءاتهم المهنية والحرفية، وهذا لا يتم إلا في ظل ظروف حياة سياسية طبيعية؛ جرفهم تيار الطائفية - المذهبية والعرقية، الى حيث ما وجدوا أنفسهم فيه؛ من مستنقع الإرهاب والموت والخوف والتشرد والبطالة، فأصبح ذلك هاجسهم الدائم، ليصدقوا ثانية بأن خلاصهم من هذا الكابوس مرتبط بهذا الإنجراف، وكأنه قدرهم الذي لا مهرب منه؛  وهذا ما لا يمكن التوسع في الحديث عن أسبابه، في مثل هذه المقالة المقتضبة..!؟
 

وبنفس مستوى الحدث، ومن الجانب الآخر، فإن ردود الفعل التي طالت الأداء الحكومي خلال  سنواته الأربع الماضية، وما رافقها من كوارث إنسانية وإجتماعية وإقتصادية، ناهيك عن ردود الفعل على منطلقات الأحزاب الحاكمة الرئيسة، والمصطلح عليها بأحزاب "الإسلام السياسي"، بإعتمادها تاكتيك توظيف الدين وإستغلال المشاعر الدينية للناس، وإستخدام المعابد كمنطلقات لدعواتها السياسية، ومحاربتها لكل مظاهر المدنية والحضارة، وتثويرها للقبلية –العشائرية، وتسخيرها الفتاوى الدينية كمنطلقات تعبوية للناس، كل ذلك قد دفع بأن تتجه أوساط واسعة من الرافضين لسياسة تلك الأحزاب، وأغلبهم من النخب المتعلمة والمثقفة والأكاديمية، الى التكتل في أحزاب وكتل صغيرة، هدفها الوقوف في وجه المشروع الطائفي- الطفيلي، وخوض التنافس سلمياً وديمقراطياً في هذه الإنتخابات، ولكن ما كان يعيق هذه القوى الصغيرة، هو تشتتها وإختلافاتها الفكرية، مما أفشلها في النهاية في الوصول الى تحالف إنتخابي واسع لخوض هذه الإنتخابات ككتلة واحدة في مواجهة  مشروع الكتل الكبيرة المتنفذة، ويدخل في عداد هذه القوى الصغيرة أيضا، أحزاب وقوى التيار اليساري - الديمقراطي، التي لم تجد، بسبب من ظروفها الذاتية والموضوعية، ما يوفر لها من الفرص الكافية والمناسبة للإئتلاف في تيار واحد،  وبالتالي وكما أشرت في مقالات سابقة، فإن حظوظ هذه القوى الصغيرة، ستكون في النتيجة ضعيفة، إن لم تكن معدومة، في هذا التنافس الإنتخابي، وللأسباب التي أشرت اليها فيما مضى..!(*) 


ولكن ومع كل ما تقدم، ومع أن العملية الإنتخابية ليست هدفاً بحد ذاته، إلا أنها خطوة في الطريق لترسيخ الديمقراطية كنهج صحيح في الحياة السياسية، وتجربة لا بد منها في خوض الصراع السياسي، وفقاً لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وتعبيرعن طموح الشعب العراقي في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، رغم تعدد الرؤى والأهداف، وطبيعة الظروف، ونوعية القوى التي تنهض بهذا المشروع على الصعيد الوطني..!


إن طريق ترسيخ الديمقراطية في العراق، طريق شائك وطويل، وأمامه من العثرات والصعوبات، ما يشيب الرؤوس، فكيف إذا كان الأمر يرتبط بطموح بناء أسس دولة مدنية حضارية، بمؤسسات ديمقراطية؛ إنه الإمتحان الصعب الذي يواجه كل القوى السياسية المشتركة في هذه الإنتخابات؛ أما الذين سيكتب لهم الفوز فيها، فليس أمامهم غير وعودهم وشعاراتهم البراقة؛  شاهد عليهم أمام العراقيين..!؟

أما العراقيون أنفسهم، فيكفيهم حكمةً، قول ابي الطيب المتنبي: 

(( تريدين لقيان المعالي رخيصة *** ولا بد دون الشهد من ابر النحل ))
____________________________________________________
(*)  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


     

 








           

217
يوم المرأة العالمي..!

باقر الفضلي

(تحية الى حواء)

حواءُ يومكِ شعلةٌ وبهاءُ
ورنينُ أسمكِ بهجةٌ وضياءُ

لولاكِ يُمْسي الكونُ دُلجةَ مظلمٍ
يشقى بها الجهلاءُ  والحكماءُ

فيكِ إستقامَ العدلُ في ميزانهِ
والكفتان اذا عَدلنَ سواءُ

يا رحمة للقلبِ عند شقائهِ
والى النفوسِ الواهناتِ رجاءُ

آذار يومكِ والوصالُ دعاءُ
وسواكِ لمْ يغنْ الوليدَ لقاءُ

***

أهديكِ يا رمزَ الحياةِ تحيةً
نادى بها الأخيارُ والنجباءُ

في يومكِ الوضاء  دانتْ حكمةٌ
غَنتْ بها الأجيالُ والشعراءُ

وتنورتْ منها الربوعُ وأينعتْ
فيحاءُ من طيبِ الثرى خضراءُ

يا أمَ كل الكونِ يا عطرَ الندى
يا بسمةَ الإشراق يا علياءُ

يا طيبَ وادينا وما قد أثمرتْ
منا النفوسُ وسادنا الإثراءُ

***
***
***
8/3/2010
__________________________________________________








 

















218
المنبر السياسي / لمن أصوت...؟(*)
« في: 20:58 03/03/2010  »
لمن أصوت...؟(*)

باقر الفضلي

صوتي اليكِ وصوتُ الحرِ معيارُ
يا (وحدةَ الشعبِ) لم تهفتْ لكِ نارُ

اليوم يحدوك ذو السلوى الى أملٍ
حدو القلوبِ إذا ما حنّتْ الدارُ

فيكِ أبتغينا وصالاً والوصالُ هوىً
نزجيه طوراً وكانت منكِ أطوارُ

يا (وحدةَ الشعبِ) يا بدراً نغازله
نهدي به القلبَ حين الدربُ بوارُ

فأعلِ حنانيك صوتاً لا مراء به(1)
صوتُ الحقيقةِ صوتُ الشعبِ جبارُ

هذا إختياري ولا عندي له بدلٌ
يوم السراط إذا ما إختارَ  مختارُ

***
***
_________________________________________________
(*) المقصود قائمة (إتحاد الشعب)
                                              (1) يعلو الصوت
***
***
3/3/2010














219
الدعاية الإنتخابية: الوجه الآخر..!

باقر الفضلي

ترتبط الدعاية الإنتخابية، المشرع لها في إطار العملية السياسية الجارية في العراق منذ العام/2005، حيث جرت إنتخابات الجمعية الوطنية ومن ثم إنتخابات البرلمان وأخيراً مجالس المحافظات في كانون الثاني /2009 وهي في طريقها للإنتخابات القادمة في آذار/2010 لمجلس النواب الجديد؛ ترتبط هذه العملية من حيث الأساس، بما سارت عليه العملية السياسية نفسها من جهة مكوناتها وأسس بنائها وما تحكمها وتنظمها من آليات وقواعد قانونية..!


ومن هنا فالدعاية الإنتخابية لا تخرج في جوهرها عن جميع ذلك، وهي تعكس في الحقيقة جوهر العملية السياسية في نتائجها وما يترتب عليها من تداعيات. فهي من حيث الشكل محكومة بنظام الدعاية الذي ورد في قانون الإنتخابات 25/ايلول/2008 للمحافظات، الذي شرعه مجلس النواب، بعد أخذ ورد، وفيه الكثير مما سبق وقلناه.  والذي يجد فيه المرء أحكام سير عملية الدعاية الإنتخابية وتفاصيلها..!


وأهم ما يمكن الأشارة اليه من أحكام الدعاية الإنتخابية الوارد ذكرها في نصوص القانون المذكور ما يلي:

•   أنها حرة ومكفولة لكافة المرشحين

•   معفية من الرسوم

•    محظور ممارستها في دوائر الدولة المختلفة بما فيها ابنية الوزارات، وإن أجاز القانون إستخدام  دور العبادة. ((– تراجع على ما مذكور في مشروع مسودة القانون المؤرخة في 22/تموز/ 2008 التي حرمت إستخدام دور العبادة للدعاية الإنتخابية – ))

•    محظور على موظفي دوائر الدولة والسلطات المحلية استعمال نفوذهم الوظيفي او موارد الدولة أو وسائلها أو أجهزتها لصالح أنفسهم أو أي مرشح، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية.

•     يحظر الإنفاق على الدعاية الانتخابية من المال العام أو من موازنة الوزارات أو أموال الوقف أو من أموال الدعم الخارجي.



ذلك أهم ما أتى عليه قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي بالنسبة للدعاية الإنتخابية، وهو ما لا يبتعد في جوهره بالنسبة لإنتخابات النواب القادمة ..!


ولكن  التساؤل المطروح؛ هو ضمن أي إطار آلي ستجري ممارسة الدعاية الإنتخابية من قبل جميع المرشحين للإنتخابات القادمة.؟ وما هو مستوى العدالة والتوازن المفترض، الذي سيحضى به جميع المشاركين في العملية الإنتخابية من قوائم إنتخابية وأفراد.؟ كما والى أي درجة من الحيادية والنزاهة، سيتمثل بهما عمل المفوظية العليا للإنتخابات، وهي التي بني هيكلها التنظيمي طبقاً لمبدأ المحاصصة سيء الصيت..؟!


ليس عسيراً على المرء أن يبحث طويلاً وراء الإجابة على مثل هذه الأسئلة، إذا ما أدرك ومن منطق البداهة، أن معظم الأحزاب الكبيرة وإئتلافاتها في دست الحكم، هي من أعاقت تشريع قانون السلوك الإنتخابي، وقانون الأحزاب، وكليهما يفترض أن يكونا مفتاحي الإجابة على تلك التساؤلات لكونهما إفتراضاً، سيحددان المباديء العامة في تأسيس الأحزاب والضوابط القانونية للسلوك الحزبي، ويكفلان التعرف على مصادر التمويل ومنافذ الإنفاق وكل ما له من متعلقات بالشؤون المالية، ومنها شؤون الدعاية الإنتخابية، لهذا الحزب والكتلة أو ذاك..!


ومن هذا المنطلق فليس غريباً أن يشوب الدعاية الإنتخابية الكثير من هواجس الشك والريبة في نزاهة ما يمكن أن تفرزه الممارسات والنشاطات، التي قد تلجأ اليها بعض الكتل السياسية أو بعض المرشحين، وخاصة تلك التي لها حظ في التفرد بمقاليد وأدوات الدولة التنفيذية، أو تلك التي تعتمد التمويل والدعم الخارجي أو ما يدعى بالخبرة الأجنبية، أو من هم من ذوي المال والجاه..!؟


فليس من الصدف، أن يرى المراقب وجوه البعض من دعاة تلك الكيانات، وهي لا تفارق عين المواطن العراقي ليل نهار في الفضائيات، حالها حال الإعلانات التجارية التي يطلق عليها إعلامياً "فاصل" بين المسلسلات التلفزيونية، وصور قادتها تغطي واجهات المباني وتقاطعات الشوارع والساحات العامة بالحجم السوبر سكوب..!؟


 إن الدعاية الإنتخابية البالغة التكاليف، تعكس للمواطن العراقي، حجم الإنفاق المليوني الذي تدفعه تلك الكتل السياسية وبعض المرشحين مشفوعاً بسؤال: من أين لك هذا؟ كما وتعطي المراقب لمسيرة الحملة الدعائية للمرشحين، التفسير المناسب لأسباب عرقلة تلك الجهات السياسية تشريع القانونين أعلاه..!


فغياب قانون الأحزاب في مثل هذه العملية الفاصلة في التأريخ السياسي للعراق، مضافاً اليه، المثالب والنواقص التي إعترت قانون الإنتخابات، وبالذات المادة/3 من القانون، قد أتاحت لتلك الكتل السياسية الكبيرة والمتنفذة، الفرصة في رسم الطريق "المشروع" لتثبيت أرجلها وفرض هيمنتها على مستقبل مسار العملية السياسية، في نفس الوقت الذي فتحت فيه الطريق واسعاً أمام الطفيليين وراكبي الموجة السياسية، للتمدد الخارجي، وإغداق الملايين من الدولارات، في سوق الدعاية الإنتخابية، التي أصبحت مجالاً مرموقاً لإستثمار وتدخل حتى الشركات الإحتكارية العالمية متعددة الجنسيات في هذه السوق، دون رقيب أو حسيب..!؟؟


وهذا وحده كافياً ليفسر لنا، حالة عدم التوازن وفقدان العدالة في العملية الإنتخابية القائمة بين الكيانات السياسية المشاركة في تلك العملية، والتي ستكون فيها الكيانات السياسية الصغيرة، وذات التمويل الذاتي في أغلب الأحوال، هي الخاسر الأكبر، فالدعاية الإنتخابية هنا، تمثل الوجه الآخر لنسبية ديمقراطية العملية الإنتخابية ومدى شفافيتها في المنظور العام..!
26/2/2010 


     







 


220
الناخب العراقي وقرار الإنحياز..!

باقر الفضلي



السابع من آذار/2010 القادم، سيكون اليوم الفاصل في حياة العراقيين، بين الواقع القائم والأمل المنشود، وسيكون تجربة لا مناص منها في عملية النضال من أجل تكريس النهج الديمقراطي الصحيح في مسيرة العراق الحقيقية نحو آفاق مستقبل البناء والحرية. أما صناديق الإقتراع الإنتخابية، فسيكون لها القول الفصل في تحديد وجهة تلك المسيرة، والجهة التي سيكون بيدها قوة القرار في بناء مستقبل العراق القادم..!


فإن كان هدف المرشح البرلماني حقاً، هو تكريس النهج الديمقراطي في الحياة السياسية، وتلبية مصالح الناس، وتوفير الخدمات، فسوف لن يجد الناخب العراقي أمام ناظريه، من بين جمهرة القوائم المتنافسة للمرشحين، أجدر وأحق بالتصويت، من قائمة (إتحاد الشعب 363)، وإن كان في ذلك القول ما يدخل ضمن الدعاية الإنتخابية لصالح القائمة المذكورة، فإن للحقيقة من يدافع عنها، في وقت بات فيه البحث عن الحقيقة اليوم، أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من التبن، أو سمكة نادرة في أمواج المحيط..!


في مقالتي السابقة بتأريخ 19/2/ 2010 (العراق: الناخب والعملية الإنتخابية في الميزان)(*)، كنت قد تناولت معايير المقارنة التي تفتح أمام الناخب العراقي الطريق الأقصر والرأي الأصوب للإختيار، وبينت أهم المزايا التي تمنح لقائمة (إتحاد الشعب 363)، تفردها بالجدارة في تمثيل مصالح المواطن العراقي، وإهلية برنامجها الإنتخابي، في ترجمة مصالح الوطن، والأخذ بقياده في الطريق الصحيح لبناء مستقبل العراق، والنهوض به من منزلق الواقع الصعب الذي يرزح فيه اليوم؛ كما بينت ما تتميز به القائمة المذكورة، من خصائص وسمات تأريخية؛ من تأريخ نضالي مشرف، وجهادية متميزة في سفر الكفاح الوطني، وأضيف اليوم والقائمة ومن يمثلها في غنى عن التعريف؛ ما قاله منافسوها بحق ممثليها، وما نعتوه بهم من أنهم (أصحاب اليد البيضاء)، في وقت إستشرى فيه الفساد المالي والإداري، والذي ضرب أطنابه في مسارب البلاد طولاً وعرضاً وفي الأعماق..!


ما يدفع المرء للإنحياز الى برنامج قائمة (إتحاد الشعب 363)، ليس فقط ما توليه هذه القائمة، من إهتمام بشأن المواطن العراقي ومصلحة الوطن، فهناك عدد غير قليل من القوائم المتنافسة على مختلف مشاربها وألوانها، من تدرج في برامجها ما يدغدغ روح الأمل في نفس المواطن العراقي من وعود، وما يطرح عليه من سيول الهبات والأمنيات؛ وعلى قاعدة "وهب الأمير ما لا يملك"، فتوعده بقطع الأراضي كملكية في الطابو، ورواتب شهرية دائمة و..الخ مما يسيل له اللعاب، وتنحني له الرقاب..!؟؟


ليس هذا حسب، ما يدفعنا للدعوة للإنحياز لقائمة (إتحاد الشعب 363)، رغم ما أشرنا اليه أعلاه، بل في الحقيقة، هو ما كشفته تجربة السنوات الأربع  من العمل الحكومي؛  من تراكم الفشل الملموس الذي أحاق بإداء  القوائم الأخرى، وبالذات منها تلك القوائم المتنفذة التي تصدرت قيادة البلاد وهي في دست الحكم، مع كل ما تهيأ لها من إمكانات السلطة والجبروت، وما كان تحت حوزتها من أموال خيالية، وما وظفته من شعارات، وما إستغلته من مناسبات دينية في تحشيد الناس وراء شعارات وأوهام، لن تطعم عاطل ولن توفر الأمن لخائف، لدرجة بات معها، من العسير على مثل تلك الكتل السياسية المتحكمة بأمور البلاد، أن تنسب لنفسها نجاحاً أو أن تتبجح بإنتصار؛ فبعد ستة أعوام وهي تقود البلاد، تأتي اليوم لتعلن بأنها تريد البحث عن الأخطاء وتجديد التجربة تحت سماء جديدة وألوان براقة،  تبهر بها العيون وتستر خلفها المفضوح..!؟؟
 

 فالتجربة الميدانية، مع كل ما قيل فيها من إيجابيات وسلبيات، وحدها كفيلة بأن تزرع التأمل في نفس الناخب ليبصر بعين وقادة، ليسأل نفسه الى اين سيكون إنحيازه، في مسألة حساسة يتوقف على نتائجها مصير مستقبله ومستقبل الوطن؛ وهل هو حقاً بحاجة لتكرار تجربة الكتل والأحزاب السياسية الإسلامية، التي أخذت وطرها في الحكم، والتي سخّرت الدين لأهداف السياسة، وركبت موجة الديمقراطية للتفرد بالسلطة، وإعتصمت بحبل العشيرة والمذهبية - الطائفية السياسية، بديلاً عن منظمات المجتمع المدني والدولة المدنية وحق المواطنة، وتفشى بوجودها الفساد المالي والإداري الى أبعد الحدود، بل حتى عجزت عن تحقيق برنامجها الحكومي المعلن من قبل السيد نوري المالكي قبل أربع سنوات..!!


أو ليست ظاهرة إنتشار الكيانات السياسية الصغيرة على عموم البلاد بهدف المشاركة في العملية الإنتخابية، والخلاص من نفوذ الكتل والأحزاب الكبيرة، غير مثل واضح على الفشل المذكور، وفقدان الثقة من طرف المواطن العراقي بأهلية الكيانات السياسية المتنفذة، التي حاولت وتحاول اليوم، لجم صوت تلك الكيانات الصغيرة والإستحواذ على أصواتها الإنتخابية عن طريق القانون..!؟؟


   فالدعوة للإنحياز والتصويت لقائمة (إتحاد الشعب 363)، بإعتبارها تمثل الخيار الديمقراطي في العملية الإنتخابية، هي نفسها دعوة موجهة لتلك الكيانات السياسية الصغيرة، والتي ستكون حظوظها في الفوز أمام جبروت الكيانات الكبيرة والمتنفذة،  أمرمشكوك فيه ؛ دعوة لهذه الكيانات الصغيرة وخاصة تلك التي تضع نفسها في عداد التيار اليساري الديمقراطي العراقي، بلملمة صفوفها وتشكيل إئتلاف ديمقراطي وطني واسع، عن طريق دعم وإسناد وحث مؤيديها للتصويت الى قائمة (إتحاد الشعب 363)، بإعتبارها الممثل التأريخي والمجسد الحقيقي والموضوعي لتيار اليسار الديمقراطي، بدلاً من تشتت تلك الأصوات وإحتسابها في النهاية لصالح الكيانات الكبيرة والمتنفذة سياسيا، وتكرار تجربة تشتت الأصوات وخسارتها كما حصل في إنتخابات المحافظات الأخيرة..!

   
فهل بعد كل هذا، وبعد الخراب الإقتصادي والإجتماعي، والتدهور الأمني لسبع سنوات عجاف، من سبب يمنع من دعوة الناخب العراقي الى إختيار قائمة (إتحاد الشعب 363)؛ ببرنامجها الواضح وبياض اياديها الناصع في حساب الميزان..؟!


  إنها دعوة صادقة وموضوعية للإنحياز الى الطريق الصحيح، وإلا فمن سيكون  البديل يا ترى عن هذا الإنحياز، إذا كان الهدف حقاً، هو بناء دولة مدنية ديمقراطية، وأرساء قواعد إقتصاد متنام، في ظل مجتمع تسوده العدالة وشريعة القانون..؟!
____________________________________________________   
(*)   http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/19val.htm
         

 




221
العراق :المواطن والعملية الإنتخابية في الميزان..!2-2

باقر الفضلي

أقل من شهر وسنعيد التجربة، وسيكون بعدها للعراقيين، تجربتان نوعيتان في مضمار  "الديمقراطية الجديدة"، لهما خصوصيتيهما وسماتهما الخاصة، في مجال الممارسة الإنتخابية على صعيد الحياة البرلمانية في "العراق الجديد"..!


التجربة الأولى كانت عام/2005، أما الثانية فستكون في السابع من آذار لهذا العام. وبين التجربتين المنجزة والمؤتملة، سنوات من النكد والحرمان وفقدان للأمن والأمان، ومن نقص في الخدمات وهدر للطاقات، وتدهور في الإقتصاد وتفش عارم للبطالة، مقروناً بتفاقم جاوز الحدود، من الفساد المالي والإداري والسياسي، وإستئثار وتجاوز على المال العام..!؟


جميع الكيانات السياسية؛ قديمها وجديدها؛ كبيرها وصغيرها، قد أطلقت لنفسها العنان منذ الثاني عشر من شباط الحالي/، 2010 للمشاركة في المارثون الإنتخابي العام، راسمة صورة متعددة الألوان للممارسة "الديمقراطية الجديدة" في ظل "العراق الجديد"..!؟


ولن يغيب عن البال هنا القول: بأن رسم هذه اللوحة لم يقتصر على أيدي فنان عراقي واحد محترف حسب، بل شاركت في رسمها العديد من الفرش المحترفة محلياً وإقليمياً ودولياً وبأدوات وآليات محلية في أغلب الأحيان، لتبدو ملامح الصورة وقد عكرتها خطوط هجينية تمتد في أبعادها الى خارج الحدود، في محاولة منها لرسم صورة العراق الجديد في هذا المنعطف الخطير لمسيرة العملية السياسية، على هواها ووفق إجنداتها ومصالحها الخاصة، حيث خطوط الصراع السياسي وتقاطعاتها على المستويين المحلي والإقليمي، ناهيك عن الدولي ، قد أخذت تضرب في مقتل..!؟


 وحيث ان أغلب القوى السياسية المحلية، وذات النفوذ السياسي الأقوى، والتي أفرزتها تحالفات السنوات الأربع الماضية ومحاصصاتها المشهودة، ومنها تلك التي  تشابكت مصالحها في خضم الصراع السياسي المشار اليه في أعلاه، مع مصالح بعض تلك الخطوط الهجينية، وهي تنخرط في العملية الإنتخابية بتحالفات وإئتلافات جديدة، تراها وقد إندفعت بكل ما تمتلكه من وسائل وإمكانات في النفوذ والمقدرة المالية، لحصر هذه العملية في أضيق مساحة ممكنة من الفسحة الإنتخابية، مستفيدة من ثقلها البرلماني ومن قصر الفترة الزمنية للإنتخابات، وما إستندت إليه من نصوص دستورية أو قانونية، لتفسيرها بالشكل الذي يحقق أهدافها في تقليص الفسحة الإنتخابية أمام الآخرين، وخاصة تلك القوى الأقل حجماً أو تلك التي باتت تهدد ثقلها السياسي على الصعيد الإنتخابي.


وما جاء به تعديل قانون الإنتخابات رقم 16 لسنة 2009 وبصفة خاصة المادة/الثالثة منه، التي تمنح الفرصة لتلك القوى الكبيرة والمتنفذة، بالإستحواذ على أصوات الناخبين دون وجه حق، أو ما كان لتداعيات أزمة الهيئة التمييزية لهيئة المسائلة والعدالة البرلمانية من مؤثرات سلبية على مجمل العملية الإنتخابية، تلك الأزمة التي جرى إستخدامها وبفضاضة، كورقة إنتخابية لعبتها بعض الكتل السياسية الكبيرة والمتنفذة، تحت مظلة التذرع بتطبيق الدستور، والتي إنساق ورائها كثيرون؛ كل هذا من المؤشرات ذات الدلالة على ما تقدم..!؟


  في ظل هذه الحالة، سيشارك المواطن العراقي بكل ما أكتسبه إفتراضاً من خبرة وتجربة منحته إياه السنوات الأربع المنصرمة، بكل إيجابياتها وسلبياتها، للإدلاء بصوته في صندوق الإنتخابات، وعلى إفتراض مطلق  بنسبية حيادية الأجهزة المشرفة على العملية الإنتخابية وفي مقدمتها المفوضية العليا للإنتخابات، ونزاهة وحيادية الأجهزة الأمنية المفترض، كما وإفتراض إستتباب الحالة الأمنية، فإن هذه المشاركة تظل من حيث ظروفها الموضوعية والواقعية، ومن حيث كل مؤشرات مسيرة العملية السياسية على مدى السنوات السبع المنصرمة، والتجربة البرلمانية الأولى للسنوات الأربع المنتهية، اقول تظل هذه المشاركة رهينة المؤثرات المباشرة وغير المباشرة لحقيقة هذا الواقع، ولا يمكن في تقديري، للدعاية الإنتخابية وحدها فقط، مهما بلغت من شأو ومهارة فنية وإعلامية، بل وحتى عاطفية، أن تبعد المواطن العراقي وتجنبه عن مؤثرات وهيمنة اللوحة السياسية للصراع السياسي بجميع أبعاده وعلى كافة المستويات وهي حقيقة يجب عدم إغفالها..!؟


فالمواطن العراقي ليس وحده من تعنيه نتائج العملية الإنتخابية القادمة في العراق، رغم ما لإبعادها الوطنية العراقية من دور حاسم في تحديد المسار القادم، فهي من جانب آخر ونتيجة لما تعرض له العراق من إحتلال أجنبي/2003، وما جره ذلك من صراع بين أجندات أجنبية وإقليمية، حيث إنعكست نتائج ذلك الصراع سلباً على مجمل العملية السياسية، مما يبدو معه ولا غرابة في ذلك؛ توقع أن تتعرض العملية الإنتخابية القادمة الى مثل تلك المؤثرات السلبية؛ بأن تحاول قوى الصراع حرف نتائجها بالإتجاه الذي يصب في مصلحة اي منها..!


 فليس من باب التهويل إن لم يكن من باب الإستدلال، الإشارة الى التدخل السافر للأجندة الأقليمية وحتى الدولية، في التأثير على مسار العملية الإنتخابية القادمة، أن تكون تصريحات السيد نجاد رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية الأخيرة في 11/2/2010  بمناسبة الإحتفال بعيد الثورة الأسلامية الحادي والثلاثين وتناوله لمسار العملية الإنتخابية العراقية بما يراه من جانبه الطريق الأصوب لهذه المسيرة، مثالاً على ذلك..!؟


كما ولا غرابة والحال؛ أن ترى بعض القوى الإقليمية وخاصة الحدودية منها، في ما سوف تفرزه الإنتخابات العراقية القادمة في 7/3/2010 من نتائج على صعيد البناء السياسي في العراق، ما قد يثير حفيظتها إن لم تأت نتائجها، طبقاً لما قد رسمته تلك القوى في إجناداتها الخاصة من تصورات عن عراق المستقبل المنظور، خاصة بعد ما يفترض من إنسحاب لقوات الإحتلال من العراق في نهايات العام القادم؛  ومن هنا تأتي أهمية الإنتخابات القادمة بالنسبة للجميع، وعلى وجه الخصوص بالنسبة للمواطن العراقي، الذي يجد فيها، مفترقَ طرق حاسم بإتجاه بناء مستقبل العراق..!..!!


 ففي خضم كل ما تفدم من طبيعة الصراع السياسي القائم وبأبعاده المختلفة، وفي ظل ما قد يواجهه نفس المواطن من تهديدات الإرهاب، ومن ضغوط ومؤثرات ذلك الصراع على تحديدات قراره الإنتخابي أمام صندوق الإقتراع، فإنه يصبح من نافل القول أيضاً ومن مستلزمات الموقف الوطني؛ أن يميز الناخب العراقي بين جمهرة القوائم الإنتخابية، ليحدد أي منها يرقى ويحقق ما قد ينسجم مع طموحاته في بناء عراق ديمقراطي مدني، يمكن أن يعوض عما فات من سني الإضطهاد والإستبداد لعقود من السنين. وهنا يفترض أن ترقى مسؤولية المواطن في حسن الإختيار الى مستوى عال من الإدراك والوعي في التمييز بين المرشحين طبقاً لمفردات ومقاييس الإخلاص والنزاهة والكفاءة التي تتمثل بالمرشح لمجلس النواب..!


وهنا؛ تتصدر معايير المقارنة بين الماضي القريب، وبين طموح المواطن في التغيير المنشود في بناء مقومات (الدولة المدنية الديمقراطية)، بإعتبارها مفتاح الدخول للعملية الإنتخابية؛ حيث يقف في مقدمة تلك المعايير خلاصة ما حققته تجربة السنوات الأربعة الماضية من الحياة البرلمانية الأولى في كافة المجالات، وفي مقدمتها بناء مقومات تلك الدولة من مؤسسات وأنظمة حقوقية، وأجهزة إدارية وفنية ذات كفاءة، ومنظومات دفاعية وأمنية تتميز بالإخلاص والمهنية العالية، لتعكس من خلالها، هيبة الدولة ووجودها الحقوقي الحيادي في المجتمع، وكونها الملاذ الآمن للمواطن العراقي، الذي  يلتجأ اليه في السراء والضراء، أياً كان هذا المواطن وحيثما كان..!


أما القسم الثاني من معايير المقارنة، فهو يرتبط في جوهره في تفاصيل خطط وبرامج تلك الأحزاب والكتل السياسية الرئيسة التي أخذت على عاتقها وعن طريق آلية العملية السياسية البرلمانية، مهمة قيادة البلاد السياسية والإقتصادية والأمنية والدفاعية والإجتماعية والتعليمية، وكل ما يتعلق بشؤون المواطن الأخرى؛ من توفير الأمن والطمأنينة أولاً، ومعالجة أزمة البطالة، وتوفير الخدمات الصحية والبيئية والبلدية، كالماء والكهرباء، وتوفير السكن اللائق، والإهتمام بالشؤون الثقافية والتربوية، ومعالجة مشاكل ومعاناة الناس، وما خلفته حصيلة السنوات السبع الماضية من كوارث إجتماعية، وما ترتب عليها من الأعداد الهائلة للأيتام والأرامل والطفولة المشردة..الخ، وبكل ما يحسب من مهام السلطة التنفيذية وعلى رأسها الحكومة، أخيرا..!


بين هذين الصنفين المحددين من معايير المقارنة، سيجد المواطن الناخب نفسه معلقاً وأمامه صندوق الإنتخاب والى جنبه لوحات بأرقام وأسماء قوائم المرشحين وأسمائهم وربما صورهم، فكيف يا ترى سوف يحسن هذا الناخب الإختيار..؟!


مما لاشك فيه أن العملية الإنتخابية القادمة في السابع من آذار/2010،  ولأهميتها المصيرية الفاصلة بالنسبة لجميع الكيانات السياسية المشاركة فيها، ستكون حامية الوطيس، وسيكون التنافس فيها على أشده بين هذه الكيانات؛  ولكن وفي نفس الوقت، سيكن من السابق لأوانه إستقراء البيانات الأولية لمعرفة النتائج، خاصة وان أكثر الدراسات الإستقرائية لا تشير الى أغلبية واضحة لتيار سياسي معين أو كتلة محددة يمكنها الإنفراد في تحديد مسار العملية السياسية بمفردها فيما بعد. وإن كان من التوقعات الأولية التكهن بإمكانية ولوج وجوه جديدة من ذوي الكفاءات والتكنوقراط عتبة البرلمان القادم، ولا جديد أو متغيرات جذرية في نسبة التمثيل النسوي طبقاً للقانون، كما وليس من المتوقع أن تجري تغيرات جوهرية على الصعيد السياسي، في ظل بقاء نفس الأسس الدستورية ونفس الهيكلية السياسية التي صيغت على ضوئها مجمل العملية السياسية، وقد كان لنا حديث طويل في هذا المجال وفي مقالات  سابقة..!(*)


فرغم جميع ما تم إيضاحه من مقدمات العملية الإنتخابية وظروفها المحيطة وإرهاصاتها اللاحقة، وبعيداً عن أي موقف إحباطي، فإن أمام الناخب العراقي اليوم، وهو يرنو الى رسم خطوط سيره المستقبلية؛ أقول رغم كل ذلك، فإن أمامه فرصة تأريخية في تصويب عملية الإختيار بشكل أكثر دقة مما كان عليه في تجربته السابقة عام/2005 ، إذا ما إعتمد معايير المقارنة التي أشرت اليها فيما تقدم، وإذا ما وضع من نفسه شخصياً؛ إمرأة كان أم رجلا، نموذجاً للمواطن العراقي، ليقارن بنفسه بين ما سبق ورسمه في مخيلته من طموحات وآمال على الصعيد الشخصي والعائلي، وعلى صعيد السكن والشارع والمنطقة والعمل، أم على صعيد المحلة أو المدينة والمحافظة، أم على صعيد الوطن، حينما كان يدلي بصوته في صندوق الإقتراع قبل أربع سنوات من اليوم، وبين ما تحقق على صعيد الواقع الحقيقي من كل تلك الإفتراضات والطموحات، لينظر وبالملموس حقيقة ما قد تحقق فعلاً من كل ذلك، وما كانت تمتلكه تقديراته الأولية التي بنيت طبقاً لآمال إفتراضية إعتمدت الركون الى الطائفة والمذهب والعرق، بعيداً عن مصالحه الإقتصادية والإجتماعية، فما كان منها إلا أن دفعته بالإتجاه غير المتوقع ، وأنتهت به الى ما هو عليه اليوم..!


إن التقييم الذي سيصل اليه الناخب العراقي بعد تلك المقارنة المعيارية لحصيلة التجربة الأولى للسنوات الأربع الماضية، وهنا لا أريد أن أكون في موقع التفاؤل أو التشاؤم، أقول أنه وفي أفضل الأحوال: أن ذلك التقييم لا يمكن أن يتعدى عتبة خيبة الأمل وقسوة المعاناة التي حصدها من مسيرة السنوات الأربع الماضية، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى الوطني، وإن كان هناك من إيجابيات يمكن الحديث عنها، فما يؤسف له أن حجم مثل تلك الإيجابيات وإن تحققت ، سيختفي تحت ركام جبل من السلبيات والكوارث التي تدهم المواطن كل لحظة وتعكر واقعه اليومي وتحطم مزاجه النفسي..!؟


إن كل هذا سيطرح على الناخب وبقوة مشروعة، مسألة (التغيير) كسبيل للخروج من المأزق والنفق الذي وجد نفسه فيه بعد كل الآمال التي عقدها على مسيرة التجربة الأولى من الحياة الإنتخابية بعد العام/2003 ..!


اما (التغيير) نفسه ، فقد أثبتت تجربة السنوات الأربع الماضية، بأنه لا يكمن في الشعارات وجملة اللافتات وقوائم الوعود التي باتت تملأ الشوارع والساحات العامة في كافة أنحاء العراق، فالناخبون وقد خبروا حدود مصداقيتها من خلال تجربة البرلمان السابق وما تمخض عنه من سلطات حكومية، باتوا اليوم أقرب للشك منهم لليقين، حول تلك المصداقية، وأصبح الحد الفاصل بين هذا وذاك، يعتمد على أمرين :


•   أسس برنامج التغيير نفسه؛ وهذه ينبغي أن تنصرف الى الهيكلية السياسية للعملية السياسية الحالية، وطبيعتها القائمة حالياً على التضاد مع مبدئي الديمقراطية والمواطنة، حيث أثبت الواقع المعاش وتجربة السنوات الأربع الماضية وما يدعى بنظام المحاصصة؛ أن الهيكلية السياسية المبنية على أساس المكونات الطائفية – المذهبية والإثنية في المجتمع، تتعارض كلياً مع كل ما يصبو له المجتمع من وحدة وسلم إجتماعي.

•   الأمر الثاني؛ ويعتمد على مدى إنسجام التيارات السياسية التي تقف وراء خيار التغيير الحقيقي، مع ما تدعو اليه فكرياً ومنهجياً، وما يعزز ذلك تأريخياً من المسار الكفاحي لهذا التيار أو ذاك، في تمسكه بثوابت النهج الديمقراطي ومبدأ المواطنة، بكونه تياراً أوحزباً يعتمد في بنائه الفكري والسياسي على قاعدة المصالح الإقتصادية المشتركة لجمهرة المواطنين من الشغيلة والكادحين ومن مختلف الفئات والطبقات الإجتماعية، دون إعتماد للّون الطائفي - المذهبي أو الإثني، وبعيداً عن إستغلال العقائد والشعائر الدينية للمواطنين وزجها في العمل السياسي ..!     
   

وبالعودة للتغيير المنشود ، ومن تمحيص جملة ما أعلنته الكيانات السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية، في برامجها وإعلاناتها وملصقاتها الجدارية، وما يتحدث به بعض من مرشحيها على شاشات الفضائيات المختلفة؛ فإنه قلما يجد المتابع لمجريات العملية الإنتخابية من تتوافق طروحاته أو برامجه المعلنة بشكل موضوعي مع مباديء وأسس التغيير المنشود، أو أنها ترسم ملامح صورة لمستقبل عراقي زاهر، ينعم فيه الجميع بألأمن والأمان، وتدب فيه العافية وفق خطط إقتصادية موثقة بالبيانات ، تعيد للإقتصاد العراقي حياته وعنفوانه المسلوب، وتعزز دور المرأة في المجتمع، وتنهض بالإعمار وفق خطط علمية مدروسة، وترسم للأجيال الناهضة سياسة تربوية ممنهجة وفق المنظور العلمي المتطور، وتستكمل إعادة السيادة للعراق الواحد الموحد و..الخ من مستلزمات النهوض بالعراق والمواطن العراقي وإخراجه من نفق الخراب والتدهور الإقتصادي والإجتماعي..!!؟


فأغلب برامج الكتل السياسية المعلنة، جاءت متشابهة متقاربة، والكبيرة المتنفذة منها تعيد نفسها، مكررة الفشل نفسه في طروحات جديدة وضمن وعود جديدة، إذا ما إستثنينا برنامج تيار اليسار الديمقراطي، وبالذات منه برنامج قائمة (إتحاد الشعب/363) الذي يبدو في أغلب ما أعلنه من أهداف برنامجية هو الأقرب الى ما تناولناه في ما تقدم في هذه المقالة، من أسس ومباديء يحتمها التغيير المفترض لواقع العملية السياسية في العراق، وإن كان ذلك لا ينفي تواجد بعض الكتل السياسية الأخرى والمستقلة والتي يمكن تعدادها على نفس هذا التيار أو أنها قريبة منه، ممن تشارك القائمة المذكورة في أهدافها البرنامجية المعلنة..!


ولعل ما يميز بل ويعزز صلابة ومصداقية هذا التيار عموماً وقائمة (إتحاد الشعب/363) بالخصوص، في مواجهة الناخب العراقي وجموع المواطنين، هو ما تمتلكه أحزاب هذا الإئتلاف وفي مقدمها ( الحزب الشيوعي العراقي)، من سفر كفاحي تمتد جذوره عميقاً في تأريخ الوطن العراقي الحديث، وله من المآثر الوطنية المسجلة في تأريخ النضال الوطني العراقي من أجل الإستقلال والسيادة الوطنية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وإنهاء الهيمنة الإقتصادية الأجنبية على الثروة الوطنية (النفط)، ودعم لحمة الشعب العراقي وتعزيزالأخوة العربية الكردية؛ ما يضعه في طليعة الأحزاب السياسية في الساحة العراقية الوطنية التي تستحق كل الإحترام والتقدير..!


فالبرنامج المعلن من قبل قائمة (إتحاد الشعب/363) على بساطته، وخلوه من كل ما يصب في خانة الوعود البراقة والأحلام الوردية، ولواقعيته الموضوعية، وتجسيده لمصلحة المواطن العراقي الإقتصادية والإجتماعية بعيداً عن التخندق الطائفي والأثني، وتكريسه لأولويات المهام الأساسية في بناء العراق الجديد، وفي مقدمتها معالم الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وإرساء قواعد البناء الإقتصادي المتطور في حقول الصناعة والزراعة والخدمات، وفي الحفاظ على ثورة الشعب النفطية، وعدم إهدارها في عقود إستخراجية للمشاركة الأجنبية، والإهتمام بالصناعة النفطية البتروكيمياوية و ..الخ من مهام النهوض والإعمار.. !


إن مثل هكذا برنامج قريب من حاجات العراق والمواطن العراقي في أزمته الحالية، كفيل بأن يضع الناخب العراقي، بعد أن تلمس بنفسه حصيلة السنوات الأربع الماضية، حيث أهدرت ما يقرب من 300/ مليار دولار أو يزيد قليلاً من إيرادات النفط، وهي تخصيصات الميزانية العامة لتلك الفترة، دون أن تنجح الحكومة حتى في الحدود الدنيا من توفير الكهرباء أو الماء الصافي، ناهيك عن مشاريع الأعمار الأخرى وتفشي الفساد المالي والإداري والسياسي، الذي باتت رائحته تزكم الأنوف، وبإعتراف قادة الحكومة نفسها.. كفيل بهذا الناخب أن يتلمس طريقه الصحيح في تشخيص موقع قدمه وأين تكمن مصلحته، ومن هو المرشح الحق الذي يجد فيه المؤتمن الأكثر صدقاً على مصالحه كمواطن ومصالح العراق الموحد..!
__________________________________________________
 (*) الموقع الفرعي للكاتب:   http://www.ahewar.org/m.asp?i=1189


   



         


222
المنبر السياسي / الدمع الحار..!(*)
« في: 16:09 31/12/2009  »
الدمع الحار..!(*)
 

باقر الفضلي

( أرض الوطن )(**)

هاجَني في الفؤادِ بَعضُ هَواكِ
ليسَ ليْ فيهِ مِنْ مَثيلٍ سِواكِ

قبْـلَتي حينَ أمْسي وأضْحِي
وحينَ تَرنُو العيونُ نَحْوَ فَضاكِ

انتِ لِيْ مَسجِدي ومِحْرابُ قَلْبي
وأينَ الصلاةُ  فيما عَداكِ

انتِ يا دَمْعَةَ الزَمانِ ويامَنْ
نَسَجَ القَولُ لَحْنَهُ في دُعاكِ

كلما شاقَني النَوى اليكِ تَغَنَتْ
سابِلاتُ العُيونِ دَمعاً سقاكِ

***

هاجِسُ الأمْسِ إِنْ طالَ بُعدَاً
قُربُه في النفوسِ مِثلُ صَفاكِ

تأنَسُ الرُوحُ لَمْحَهُ حِينَ يَدنو
مِثلُ طَيفٍ قَدْ بارَكَتْهُ يَداكِ

أَلِفَ القَلبُ ذِكرَهُ وهوَ يَدري
أَنَ بَينَ الضلوعِ تَسْري دِماكِ

أنْتِ أَصلٌ وإِنَني مِنكِ فَرْعٌ
ماؤُه منْ سلْسَـبيلِ عَطاكِ

كلَ ما عِندَنا وما عَزَّ فينا
قَدْ وَرِثْناهُ مِنْ رَحيقِ ضَناكِ

***

يا ثَراكِ وأيُ مِثلُ ثَراكِ
طيبُه زَعفَرانٌ ومِسكُه لُقياكِ

ما يُعيضُ الفراقُ عَنْكِ بَديلاً
أرضَ أَهليْ وصَبْوتيْ ومَلاكي

كَمْ لَطَمْتُ الخُدودَ أَنْدِبُ حَظاً
يَجْمَعُ الشَملَ في حـِمى مَرْساكِ

كلَ يَومٍ أَراكِ حُلْماً جَميلاً
وجَمالُ الأَحلامِ أَني مَعاكِ

مُسْعَداً قابِعَاً بوحْدَةِ نُسكي
أَذرِفُ الدَمْعَ خِلْسَةً في رُؤاكِ

****

ليسَ حزناً وإنما شَوقُ قَلْبٍ
لنْ يَرى في الظَلامِ غَيرَ سَناكِ

إيهِ أَرضي وقدْ وُلِدِِّتِ عَروسَاً
شُعلَةُ النُورِ تَزدَهي بِسَماكِ

كلُ شَوقٍ اليكِ يَبغي مَراماً
ومَرامُ الأَشْواقِ في مَرْماكِ

يا أَنيسَ الجليسِ في وَحشَةِ الليلْ
ويا حُـلمَ عاشقٍ أَنْ يراكِ

متعةً فيكِ تَمْضي الليالي
ويُعيدُ النَسيمُ الحَياةَ في مُضناكِ

***

قَصَدتكِ الحُـتُوفُ تَمشي سراعاً
كلُ حَـتْـفٍ فيما نَواهُ شَقاكِ

فألِـفْتِ الجِراحَ حتى تَمادتْ
عادياتُ الزَمانِ في مَسْراكِ

يا أَديـمَ البقاءِ خَيرُ بقاءٍ
أَنْ تَذوبَ النُفوسُ في مَثْراكِ(1)

كلَما تَشْرِقينَ زَهْواً ودِفْـئاً
 تَستَكِـنُ القُلوبُ في مَمْساكِ

ويُسَـرُ الصَديقُ فيكِ إِبتهاجاً
أرضَ أهـلي ومَوطني حَياكِ

***
***
***
***
31/12/2009
_______________________________________________
(*) تحية الى أرض الوطن العراق بمناسبة العام الجديد/ 2010

(**) مجاراة مع مناجاة الشاعر المصري المرحوم طاهر ابو فاشا
لأرض الوطن في قصيدته التي مطلعها:
(شاقني في البعــاد بعض هواك .. لم يشقني على البعاد سـواك ..)

                               (1) المثرى : الكثير الثراء































































































223
نادين والعنف ضد المرأة..!

باقر الفضلي
 
الجرأة وحدها لا توقف العنف،
ولكنها تفتح الطريق أمام منع العنف..!


منذ مقالتي السابقة، وهي آخر ما كتبت حول وقف العنف ضد المرأة (1)  ، أن فوجئت وبعد أيام قليلة من ذلك، بمقالة الكاتبة الفاضلة نادين البدير، على صفحات موقع الحوار المتمدن الألكتروني، وقد إستوقفتني بنفس الوقت، صورتها المنشورة في أعلى الصفحة لأول مرة، والتي كانت تطفح ثقة وجرأة عاليتين؛ ما أستوقفني في الحقيقة، هو عنوان المقالة الطاغي على كل ما حوله من عناوين أخرى، فدفعني الفضول الى القراءة المباشرة، ومنذ البداية كنت قد إفترضت؛ أن شيئاً ما لابد أن يقف وراء مثل هذا العنوان المثير، وإثار فضولي أكثر، هذا الكم الكبير من التعليقات التي سطرها القراء على المقالة..!


بعد إتمامي للقراءة، إستقرأت ما كانت تخفيه الكاتبة الملهمة من وراء العنوان الذي إختارته لمقالتها، وهو وحده يعطي للقاريء اللبيب الطريق لولوج حقيقة ما تريده الكاتبة من وراء هذا العنوان، الذي يبدو منذ أول وهلة، وكأنه عنوان يغلب عليه طابع الإستفزاز والإثارة المتعمدين مع إصرار مسبق للوصول من خلال هذا العنوان الى الهدف الذي أرداته الكاتبة الفاضلة، وهو في الحقيقة، وفي جوهره هدف يصب في الإتجاه الصحيح من أجل إقامة التوازن العادل في المجتمع بين المرأة والرجل وضمن أطر من الشرعية القانونية التي ينبغي على كامل المجتمع إحترامها من خلال الخضوع لأحكامها، أي بمعنى آخر، إعتراف المجتمع نفسه بمبدأ (المساواة بين الرجل والمرأة)، كمبدأ سام توصلت له الحضارة المدنية أممياً وسنت له الشرائع القانونية، بما فيها: ( اتفاقية كوبنهاجن أو السيداو "CEDAW" اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ) ، والقانون الدولي لحقوق الإنسان..!


الى هذا الحد يبدو كل شيء مفهوماً في إطار القصد الذي توخته الكاتبة من وراء ذلك العنوان المثير للجدل، والذي أثار زوبعة من الغضب والجدل العارمين من جهة، والدعم والتأييد المطلقين من جهة أخرى، في نفس الوقت ما تخللهما من سخرية ودعابة هي الأخرى لم تكن مقصودة ولكنها تدخل في باب القراءة الظاهرة والسطحية للعنوان، بعيداً عن الربط الموضوعي بين العنوان ومضمون المقال وقصد الكاتبة من إختيارها لهذا العنوان من جهة ، والهدف الذي تتوخاه من ورائه من جهة أخرى..!

 البداية الساخرة التي وظفتها الكاتبة المحترمة في مقالتها الموسومة (أنا وأزواجي الأربعة)، هي في تقديري من منحت تلك القوة والإهتمام الى المقالة، مقرونة مع صياغة العنوان بهذا الشكل الإستفزازي، وذلك في النقاط التالية:


•   فالامعقولية المنطقية، والإفتراضية، التي إختزلهما العنوان نفسه هما ما زرع الريبة والشك لدى جمهور القراء فيما تقصده الكاتبة من وراء ذلك، وهذا وفي تقديري، ربما خلق لدى هذا الجمهور حتى عدم الرغبة لإتمام قراءة المقالة، أو الإكتفاء بقراءة سريعة وبعيدة عن التدقيق في المضامين بهدف الإستقراء وإستنتاج القصد. ومن هنا جاءت ردود الفعل المتناقضة والسريعة والكثيرة، وهي طبيعية في مثل هذه الحالات وأزاء مثل تلك الموضوعات الإجتماعية ذات الوضع الخاص، ولم يطرح الغالبية من هذا الجمهور على نفسه التساؤل المنطقي والمفترض وهو؛ هل حقاً أن الكاتبة المحترمة تقصد حقاً ما تقول من وراء هذا العنوان..؟
•   أما الإتجاه الثاني الذي تمكنت المقالة من خلال عنوانها المثير والسخرية البالغة التي إعتمدتها الكاتبة كإسلوب في العرض لأمور غاية في الحساسية بالنسبة للمجتمع، فهو في تقديري أيضاً، يكمن في ما نسميه بطريقة (الصدمة)، وهنا تراها قد وضفت شخصيتها، وكما أراها بإعتبارها "شخصية إعتبارية"، لتطرحها وعلى سبيل الفرض، مثالاً للتدليل على صدق ما تفترضه إعتبارياً، وهو أحد الطرائق التي قد يلجأ اليها الإنسان لإيضاح أفكاره حينما يفترض العكس من أجل الوصول الى الهدف الحقيقي، وهنا هو مبدأ المساواة في مجال الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة..! ولكن هذا من جانب آخر، لا يعني المساواة المحضة، أي لا يعني أن تساوي المرأة الرجل في كل ما يحوز عليه من حقوق، وبمعنى آخر، وهو المطلوب بالنسبة للمرأة والكاتبة الكريمة تمثلها في هذا النقاش، أن لا تساوي المرأة الرجل في "حقه" بتعدد الزوجات، لأن يكون لها "حق" مثله بما يسمى إفتراضاً "تعدد الأزواج" ، وهذا ما لا تقصده الكاتبة الفاضلة إطلاقاً. وهنا سقط الكثيرون في سوء الفهم لحقيقة ما تناضل من أجله الكاتبة المحترمة نادين البدير، فليس ما أطلق عليه حقاً من جانب واحد هو حق محض بالمعنى المفهوم للكلمة، كما أن الأمر لا يدخل في نزاع لحق مختلف على عائديته، كما يريد البعض، أو هكذا تفهم البعض ما تقصده الكاتبة المحترمة من وراء العنوان..!
•   في الخلاصة فإن ما أرادت أن تلفت الفاضلة نادين البدير الأنظار اليه، إنما يتركز في مطالبتها بالوصول الى تشريعات قانونية على صعيد الدول العربية والإسلامية، تمنع تمسك الرجل بما يسمى بحقه في " تعدد الزوجات" إلا في تلك الأحوال التي يجيزها القانون ولأسباب موضوعية تقرها المرأة، وليس على عكس ما فهم خطئاً بأنه "دعوة" لما يقال "بتعدد الأزواج"..!   
 
  لست بصدد التعليق على المقالة، وظروف كتابتها ، وكيف ينظر لها من قبل الآخرين،، أكثر مما قدمت، مشيراً بنفس الوقت عن وجهة نظري العامة حول العنف ضد المرأة، في المقالة المشار الى رابطها أدناه لعلاقتها بالموضوع،  ولكني أشير الى أهمية إحترام الرأي الأخر، بعيداً عن التشهير والشخصنة، فاهمية المقالة تكمن في عمق ما أثارته من جدل ونقاش واسعين، والكاتبة الفاضلة هي أقدر على تلمس النتائج التي توصلت اليها المقالة على الصعيد الإعلامي والفكري، من ردود الأفعال المختلفة، وأنا أجد فيها من الجرأة ما يستحق الإشادة والإحترام..!
____________________________________________________
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=195947


224
حوار الفراق الأبدي..!(*)

باقر الفضلي

غَرقَتْ في مآقي العيونِ، آهاتُ قَلبٍ
حينَ مَسَ الفراقُ، مِنها العُـيونا

زهرةٌ من رَحيق الصبا، وحُلمِ الليالي
خَطفَ البَينُ راصداً، سَعدَها والحَنينا(1)

قَطَعَتْ شَوطَها، وهْيَ في الْعُمرِ تَحبو
أنْ تَرى في الوجُوهِ، مَن  تَستعينا

رشَفَتْ بلْسَمَاً، منْ شفاهِ الحُبورِ حَناناً
~ حينَ تَغفو وحينَ تَـشكو الأنـينا

عشقُها الأمسُ صاغَه، وهو يشبو~
نَفَحاتٍ منْ يقين الوجُودِ، لو يَستَبـينا!   

***

غِبْتَ عَنْ قَلبِها، ولَستَ عَنها بَعـيداً
وبُعادُ القـلوبِ، بَعضٌ لِبَعضٍ رَهينا
 
كلما أشرقَتْ، شُمُوسُ أمانيهِ شَوقاً
زَرَعَتْ، في الخَيالِ حلْمَاً ضَنـينا 

يشتكي وَجدُه، كلَ يَومٍ فِـراقاً
أن يَِرى في الفراق، شَيئاً ثَمينا

أيُ حُزنٍ يَطُوفُ مثلُ ضَـبابٍ
تَتَماهى بهِ القُلوبُ، لَحناً حَزينا

أملاً، أنْ يَعودَ ما كانَ أمْـساً
أن ترى العَينُ، حلمَها واليقينا

***

ذَرَفَـتْ دَمعَها، فما عادَ فـيها
من مَسيلِ الدُموع، ما قَد يُعـينا

تَحسبُ اليومَ فجرَه، حينَ تُمسي!
في شروق الصَباح، تَلقى الشجونا

أملٌ لمْ يزلْ، معَ العُمرِ بـاقٍ
حَيثُما تَمنحُ الحياةُ، عمراً رصينا

مُشْرِقٌ في حَنايا الضلوع، مثلُ سراجٍ
زيتُه منْ عروق الوجودِ، دَفْئاً سَخُونا

مرْجل الذكرياتِ مَهلاً، فـليسَ حَنـيناً
ما تَصوغُ القُلوبُ، جَـمراً دَفـينا..!

***
***
***
25/12/2009
__________________________________________________
 (1) البين : الفراق
















 




















 



 

225
العنف ضد المرأة...!؟(*)

باقر الفضلي


إذا كان هناك من ينوي التحدث عن العنف ضد المرأة، ففي تقديري أن خير من يتحدث عن هذا الجانب من الإضطهاد الذي تعاني منه المرأة بإعتبارها كائن إنساني في المجتمع، هو المرأة نفسها، وذلك لسببين:


 أولهما؛ أنها هي من يقع عليها ذلك العنف شخصياً، سواء على صعيد الجسد أم على الصعيد النفسي، وبمعنى آخر ما نسميه الروحي، وما يترتب على ذلك من تداعيات مؤلمة بالنسبة للمرأة، وعلى مستويات مختلفة، إبتداءا من علاقاتها داخل الإسرة، أو مع الجيران في السكن، وكذلك علاقاتها مع مجتمع العمل الصغير، إذا ما كانت أمرأة عاملة، وبمعنى أوسع علاقاتها على صعيد المجتمع وعلاقاتها مع الأهل والأقارب والمعارف والأصدقاء..الخ وفي هذا السبب يدخل أيضاً عامل مهم في تحديد دور المرأة في التصدي لعملية العنف ومواجهتها بالشكل المناسب، والمقصود هنا، هو خصوصية المرأة ككائن إنساني وما تتمتع به من خصائص تتميز بها وحدها بإعتبارها عنصر فاعل في بناء المجتمع.   


وثانيهماً؛ أن موضوعة العنف الموجهة ضد المرأة، هي ذات أبعاد مختلفة، منها ما يتعلق بطبيعة العنف نفسه وأشكاله من جهة، ومصادر العنف والآلية التي ينفذ بواسطتها من جهة أخرى. وفي هذا الجانب يكون دور المرأة على الصعيد الفردي والإجتماعي، أكثر أهمية بمشاركتها المباشرة وفقاً لطبيعة الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تعيش في ظلها المرأة، وهي اقرب الى ذلك من غيرها في تحديد تلك الأبعاد والأشكال والمصادر، حتى بأشكالها البدائية..!


وبإلاضافة لما تقدم، يأتي هنا دور المجتمع، ومن ضمنه المرأة بإعتبارها تمثل نصف هذا المجتمع، في تحديد مسارات وإتجاهات عملية النضال ضد العنف، إعتماداً لما أشرنا اليه في ما تقدم وهنا يمكن الحديث عن بعضها بإختصار:


يتميز دور المجتمع هنا في مستوى الوعي العام الذي يرقى اليه، والذي ينعكس أساساً في مستوى وعيه القانوني ، حيث يتجلى ذلك في طبيعة المفاهيم والسنن القانونية التي تسود المجتمع في اللحظة المعينة، ومن خلال منظومة التشريعات وطبيعة النظام القانوني السائدة في البلاد، يمكن ملاحظة مستويات تطور حالة (المساواة) المفترضة في المجتمع المعين بين المرأة والرجل بإعتبارهما طرفي المعادلة، وكفتي (ميزان العدالة) الحقيقي المعبر عن مصداقية النظام السياسي والإجتماعي السائد في المجتمع المذكور..!


والتأسيس وفق القاعدة المذكورة في أعلاه، والتي هي في حقيقتها تمثل نتيجة لمخاض قد يكون طويلاً وربما وفي نفس الوقت، عسيراً وأحياناً عسيراً للغاية، أقول إن التأسيس المذكور، يعتمد بالأساس على مستوى من التطور الإقتصادي والمعرفي والتعليمي والثقافي والإجتماعي مقروناً بمستوى من التطور السياسي المتوافق مع الجميع، وكلها مرتبطة في علاقات سببية لا إنقطاع لجذورها، وبمعنى آخر إن مستوى تطور الوعي القانوني في المجتمع يعتمد أصلاً على طبيعة ظروف مسار تطور العملية الإقتصادية – الإجتماعية برمتها، والتي لا يمكن إختزالها بمجرد التقنين لقوانين وتشريعات فوقية، يمكن أن تصب في مصلحة المرأة كأحد طرفي المعادلة كما بينت أعلاه، وإن كانت مع ذلك تعتبر من الإسهامات المساعدة في التعجيل بتثوير مسار التطور العام لتلك العملية، إلا أنها من الناحية الثانية لا يمكن أن تكون بديلاً وحيداً للركون اليها في تحسين أوضاع المرأة، وتقليص دائرة العنف حولها، طالما أن العوامل الأساسية لهذا التطوير لم ترتق الى نفس المستويات الموضوعية التي تشكل القاعدة الأساسية لوصول الى تلك النتيجة المتوخاة، وهذا ما أشرت اليه في تطور الواقع الإقتصادي – الإجتماعي للمجتمع المعين، وما يصاحبه من تغيرات جوهرية في مستوى الموروث الثقافي والتراثي بمعنى أدق لذلك الموروث، الذي يرتبط بمجل العادات والتقاليد والأعراف التي تتحكم بنمط التفكير السائد في المجتمع، والتي بمجملها تشكل كوابح فعالة أمام المجتمع للتقدم بإتجاه تأسيس منظومة تشريعية قانونية – وهي أساس هنا -  ترسخ الآلية والضوابط القانونية التي تتحكم في حالة التوازن المفترض تثبيتها في المجتمع (بنصفيه)، والتي من خلالها تجد المرأة ما يمكن أن يضعها في حماية، حتى لو كانت نسبية، ولكنها متطورة، وتمتلك قاعدة إجتماعية واسعة، تكون فيها أقرب الى ثقافة عامة لسائر أفراد المجتمع، وتمتلك كل أسبابها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية..!


ولغرض المقارنة الفعلية والملموسة على حقيقة بعض الأفكار التي أشرت اليها فيما تقدم، يمكن المرء أن يضرب مثلاً حياً بقانون الأحوال الشخصية العراقي، الذي تم تشريعه عام/ 1958  كأحد منجزات ثورة 14/تموز، وما إنتهى اليه بعد تغييرات عام/2003 ؛ ولعل المادة/41 تمثل مثلاً ملموساً كيف أن التغييرات التشريعية الفوقية إن لم تكن مدعمة بقاعدة إقتصادية - إجتماعية، تحولها الى ثقافة إجتماعية راسخة على صعيد المجتمع، فإن أمر ديمومتها يبقى محفوفاً بخطر إزالتها أو تحريفها في أفضل الأحوال، والمثل الذي سقته أعلاه دليل حاسم على ذلك، لأن عوامل النقض والإرتداد والرفض، هي الأخرى تعمل وبشدة من أجل إعاقة أي توجه للمجتمع للتغيير..!؟(1)


من خلال هذه الملاحظات العابرة والمختصرة، يمكن القول بأن نضال المرأة خصوصاً والمجتمع بشكل عام، من أجل كبح عوامل وأسباب العنف التي تتعرض لها المرأة، يبدأ في تقديري من خلال تفهم ما أشرت اليه بتواضع فيما تقدم، ومن هنا يبدو دور المنظمات النسوية وتوحدها أكثر أهمية في هذا المجال، حيث يمكنها أن تشكل أدوات ضغط فاعلة على المجتمع، وأداة تحفيز لمشاركة أكبر بين النساء في القطاعات المتخلفة بين أوساط السكان والتي يشكل إنتشار الأمية في أوساط تلك القطاعات، كابحاً إضافياً أمام المرأة للإنخراط في ذلك النضال، وهنا تلعب طبيعة السياسية التعليمية دوراً غاية في الأهمية في تحفيز الأوساط النسوية عموماً للسير بألإتجاه الذي يعجل على سبيل المثال، بالضغط على سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة بالإلتزام بالإتفاقيات الدولية ومنها: ( اتفاقية كوبنهاجن أو السيداو "CEDAW"اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ) التي تصادف اليوم مرور الذكرى الثلاثين على إعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة..!
20/12/2009
____________________________________________________
(*)   بمناسبة مرور 30 عاماً على اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لإتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

(1)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/13dst.htm
           







     

226
إيران وسياسة الأمر الواقع..!

باقر الفضلي


ما إنفكت القيادة السياسية للجمهورية الإيرانية الإسلامية تعبث بالأمن الإقليمي لجارتها العراق، ومنذ أن أطيح بالنظام السياسي العراقي السابق في آذار/2003، مستغلة طبيعة الظروف التي أعقبت حالة الإحتلال والتداعيات التي لحقتها، وما ترتب عليه من حل الجيش العراقي والقوات الحدودية وكافة افراد القوات العسكرية والأمنية الأخرى، وما صاحبه من فراغ أمني عانى منه العراق كثيراً بعد ذلك..!


كل ما قامت وتقوم به السلطات الإيرانية من إنتهاكات وخروقات للأمن العراقي طيلة السنوات السبع الماضية، لا يمكن إدخاله إلا تحت طائلة الإنتهاك الصارخ للمواثيق والمعاهدات والقرارات الدولية، بما فيها الإتفاقيات الثنائية بين البلدين الجارين، والأعراف الدولية وكافة قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن العراق بعد عام/2003، المتعلقة بإحترام أراضيه، وضمان  حدوده الإقليمية من قبل دول الجوار..!؟


ورغم كل المناشدات حول اللجوء للطرق السلمية في حل الإشكاليات والملفات العالقة بين البلدين، والإتصالات المباشرة وغير المباشرة مع الجهات الإيرانية،  فأنه وكما يظهر؛ لا تحسن سلطات الجمهورية الإيرانية الإسلامية، غبر سياسة "الأمر الواقع" في التعامل مع الآخرين، فإذا بها مستغلة واقع ظروف العراق الحالية بالذات، وحالة التوتر السياسي والأمني الداخلي، وتوجه الشعب لأنجاز العملية الإنتخابية على صعيد الوطن، لتجد ما تعبر به عن نهجها هذا في تطبيق تلك السياسة على الصعيد العملي، واضعة الجميع، بمن فيهم حتى أصدقائها، أمام إمتحان التفتيش عن ما يبرروا  به  نهجها المذكور..!؟


فما أقدمت عليه القوات المسلحة الإيرانية بتاريخ 18/12/2009 من إنتهاكها للحدود العراقية بإختراقها والدخول الى داخل الأراضي العراقية ووضع يدها على البئر النفطي الحدودي رقم/4 في منطقة (فكة) العراقية داخل محافظة ميسان العراقية الحدودية ، وإنزال العلم العراقي ورفع العلم الإيراني بدله، إنما يدل دلالة قاطعة، بأن القيادة السياسية في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، لا يهمها بتاتاً كيف ستكون عليه تداعيات ما يترتب عليه تصرفها الإنتهاكي هذا للقانون الدولي ولحقوق الدول الأخرى في السيادة والإستقلال والمدان من قبل الجميع، من النتائج السلبية على علاقات حسن الجوار، وعلى ما سيجلبه من تصاعد حمى الكراهية والبغض بين الشعبين الجارين، وهي الدولة التي لها أكثر من 1200 كم من الحدود المشتركة مع العراق، وما لشعبها من أواصر التواصل ومن سنن الروابط التأريخية والدينية، والحدود المتاخمة وما لها من روابط العلاقات الحميمية بين سكان التخوم، فهل تريد القيادة السياسية الإيرانية التفريط بكل ذلك من أجل مصالح الفئة الحاكمة ، فتلجأ الى التمدد على أراضي الأخرين..؟؟!

إن سياسة "الأمر الواقع" التي تنتهجها الجمهورية الإيرانية الإسلامية في تعاملها وفي علاقاتها مع جيرانها الأقربين ومنهم الجمهورية العراقية،  والتي سبق وأن إنتهجتها في أماكن أخرى، لا تعبر في الحقيقة وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، إلا عن قصر نظر وغرور، لا تحصد بسببه غير علاقات مملؤة بالشك وعم الثقة من قبل شعوب تلك البلدان ضمن أجواء من البغضاء والإرتباك والقلق..!؟


نفسها سياسة "الأمر الواقع" المرفوضة قطعياً في حل المشاكل المختلف عليها بين الدول، هي من تضع تلك الدول المتجاوزة أمام مسؤوليتها في تحمل ما قد يترتب على تصرفاتها الإنتهاكية تلك، لحقوق الدول الأخرى، من ردود فعل المجتمع الدولي ما قد يضعها في دائرة الحساب والعقاب التي لا مفر منها، ولا أظن أن القادة السياسيين والعسكريين في إيران لا يدركون هذه الحقيقة..!!؟


وليس أمام الحكومة العراقية بعد هذا التصرف الإيراني والذي أخذ شكل العدوان السافر على السيادة العراقية، إلا أن تعلن عن موقفها الواضح والصلب في إستنكار العدوان الإيراني، والمطالبة الفورية بترك الأراضي العراقية والإنسحاب الفوري للقوات الإيرانية التي دخلت اراضي العراق بما فيها المنشئات العراقية وبضمنها البئر النفطي المحتل من قبلها، ومقاضاتها أمام مجلس الأمن الدولي في طلب التعويض عن كل ما لحق العراق من أضرار مادية ومعنوية، وإلزام إيران بإحترام إتفاقية حسن الجوار والمواثيق والمعاهدات الدولية الأخرى..!


كما وهناك من الإجراءات السياسية والدبلوماسية على الصعيد الأقليمي والدولي، ما يتيح للعراق اللجوء اليها للمحافظة على حقوقه، وضمان سلامة أراضيه من العدوان من أي جهة إقليمية كانت، وهذه من مهام الحكومة العراقية المباشرة، التي تضمنها لها الشرعية الدولية، ويدعمها المجتمع الدولي بكل هيئاته المختلفة..!
18/12/2009
___________________________________________________ 

   
 

227
المنبر السياسي / العطش..!
« في: 22:38 18/12/2009  »
العطش..!

باقر الفضلي
 
((ارض العراق))

ذَوى عُودُكِ الرَيانُ مِنْ سَقَمِ الجَدبِ
وفاضَ أجاجُ الماءِ في المَنْهلِ العَذبِ

تَمكَنَ مِنكِ اللَّهْثُ، فالوَجهُ فاقِعٌ صفاراً (1)
وغارتْ لَكِ العَينانُ مِنْ شِدَةِ النَصَبِ

عَطِشْتِ فأرخى اليَبسُ فيكِ سُدُولَهُ
وأبدلَ ثَوبَ الزَهوِ بالأَصفَرِ الكُثبِي(2)

تَوارتْ جِنانُ الحُسنِ فيكِ وأجدَبتْ
ربوعٌ مِنَ الزَيتونِ والثَمَرِ الرُطْبِ

وجفتْ عيونُ الماءِ فيكِ وأمْحلَتْ ~
بياضاً، عيونُ النَدى مِنْ مَدمَعِ الصَبِ

***

بساتينَ أرضِ الرافدينِ وما شَقَتْ
نَخيلُكِ مِنْ بُؤسٍ ومِن مَحملٍ غَصْبِ

سَرى فيكِ لونُ المَوتِ مَسرى مُعَجِلٍِ
خَوَتْ بَعدَه أعْجازُ نَخلٍ بِلا خَصبِ

بلابِلُها هامَتْ ولَن تَعرِف النَوى
وضاقَ بِها المَسكونُ مِن شِدَةِ السَغْبِ

لَقد أقفَرَتْ مِنْكِ الديارُ حَـزينةً
فلا الشَملُ عَوادٌ ولا الرَدُ بالنَدبِ

جَرى فيكِ مِنْ دَفْقِ الدِماءِ زَكيةٌ
لتَروينَ ما تَشكينَ مِن عَطَشِ التُربِ!

***

شَكوتُ الى نَفْسيْ ومَن لِيَّ دَونَها
عِتاباً مِنَّ المَخْزونِ مِن ألَمِ القَلبِ

وأسْرَرتُ ما عِندي لها دونَ غَيرِها
وما قَد أَسالَتْ مُـقْـلَتَيَّ مِنَ الحُبِ

دُروبُ الهَوى عَطْشى تَهيمُ الى الهَوى
وعَطْشُ عِراقَ اليومِ أقْسى مِنَ الحَربِ

أخاطِبَـكِ سَمحاءَ في مَوضِعِ النَدى
وأشدو لكِ دَهراً وإنْ كُنتُ في كَربِ

فإن ما ذَوتْ حاليْ وشاقَ رِكابُها
فَحالُكِ أبقى في العَسيرِ وفي الغَلْبِ

***

عراقيةٌ والحُسنُ طالَ قوامَها ~
وأبدَعَ فيها النَحتُ في الزَمنِ الصَعبِ

فيا حُسنَها الفَيّاض ما أجْمَـلَ الربى
وما أطيبَ الأجواءَ بين الدَربِ والدَربِ

خلاسيةٌُ سَمراءُ لنْ يستعيضَها ~
 عراقُ الغِنى والجودِ والأَملِ الرَحبِ

ولَن يَرتَجي شَوطاً بها ذو دَمامةٍ
وإن أقْـفَلَ الدُنيا وأمعَنَ في السلبِ

فَكَمْ عَطَشٌ قَبلاً سَرى في عروقِها
وفي كَربلاءِ الطَفِ مِن عَطَشِ القَلْبِ

***
***
***
18/12/2009
_____________________________________________________
(1)   اللهث : العطش
                                                                    النصب: الجهد والتعب
                                                                    (2) الكثبي : الكثيب والجمع كثبان الرمل، والمقصود هنا اللون الرملي






























 
 














228
العراق: الحالة الأمنية و"الحرب الإفتراضية"..!

باقر الفضلي 
 

قد يبدو عنوان المقالة مجافياً لتسمية الواقع المعلن من قبل الحكومة العراقية، فكلمة "الحرب" تبدو هنا أكثر من غيرها إستفزازاً في سياق الكلام الهادف لمعالجة حالة من فقدان الأمن التي باتت حقيقة واقعة لايمكن التغطية عليها بغربال..!


فالمسلسل الإجرامي من التفجيرات الدموية التي إستهدفت المئات العديدة من الأبرياء من المواطنين العراقيين، وخلال فترة وجيزة من الوقت، لا يمكن أن توصف في عرف القانون والسياسة للدول، بأنها مجرد أعمال مخلة بالأمن، حيث يصبح من الممكن إحتوائها بمجاميع محددة من أفراد الشرطة، إن لم تستنفر جرائها البلاد ، وتحدد المسؤوليات، ويقاضى بسببها من يقاضى، وينحى من مواقع المسؤولية من ينحى، وتعلن الحكومة نفسها، مسؤوليتها بشفافية عالية، لا تتطلب منها التفتيش عن المبررات، أو التعكز على ما يدعى بالإختراقات الأمنية، أو الذهاب بعيداً في توجيه الإتهامات ذات اليمين وذات الشمال، ومنذ اللحظات الأولى لوقوع الأحداث، وحتى قبل أن تقوم الجهات ذات الإختصاص القضائي بتحديد جهة الإتهام..!


فحقيقة ما دار ويدور على المستوى الأمني في البلاد لا يعكس إلا حالة من "حرب إفتراضية"، يخوض أطرافها ومن جهة واحدة، تنظيم هذه الحرب تخطيطاً وإعداداً وتعبئة لوجستية، ومعلوماتية إستخباراتية، وأخيراً تنفيذية، فيبدو وعلى مستوى التشابه التقني والتعبوي والتنفيذي بين جملة تلك التفجيرات، وكأنها تقاد من قبل مصدر واحد وبأهداف محددة المرامي سلفاً، وإن ظهرت في المحصلة الأولية لحصاد تلك العمليات، وكأنها ذات طابع تدميري بحت، وأحياناً قد يبدو عبثيا، وربما يبدو أيضاً وكأنه يتعارض من هذه الناحية ومن حيث الحجم والإعداد والكلفة الإنفاقية، مع ما يمكن أن يتوقعه المرء من أهداف يبتغيها المخطط لمثل تلك الأعمال..!


ومع ذلك وإستطراداً للحديث، فإنه من غير المتصور ستراتيجياً، وعلى مستوى طويل من الوقت نسبياً، حيث أن أعمال التفجيرات والمفخخات الإجرامية، قد توالت لوقت غير قصير وتعايش معها المواطنون وكأنها قدر محتوم، وعملياتياً على الصعيد اليومي،  أقول أنه من غير المتصور، أن تبدو الصورة واضحة لتحديد معالم الطرف المقابل في هذه "الحرب الإفتراضية"، والتي تبدو في إستمرار تكراريتها وكأنها حرب حقيقية على صعيد الملموس، ولكن من حيث الواقع الحسي، لا يمتلك أحد من الدلائل والإثباتات المادية والحسية ما يشير الى معالم الطرف الفعال في هذه "الحرب"، وتظل الصورة تدور في فلك من ضبابية وإحتمالية أستنتاجية غير موثقة..!


ولكن ومن خلال نظرة عامة لكل محددات الأطراف الفاعلة في الساحة، فإن هناك من الحقائق الثابتة ما لا يمكن تجاهلها عند التطرق لما يدور في متاهات الشأن الأمني منذ فترة ليست بالقصيرة، حيث يمكن الإشارة اليها وبإقتضاب، بإعتبارها تشكل عوامل فاعلة سلباً أم إيجاباً في تحديد مسارات وأهداف ما يكمن وراء كل هذا المسلسل الإجرامي المنتظم، والذي لا يمكنه أن يكون بأي بحال من الأحوال، بعيداً عن أهداف سياسية متداخلة، يفترض إحتمالاً أنها تتقاطع مع طبيعة مسيرة العملية السياسية في شكلها وحدودها المعلنة الحالية..!


هنا تقف الحكومة الحالية في مقدمة تلك العوامل التي أشرت اليها، وهنا يبرز دور هذه الحكومة عملياً، فيبدو وكأنه دور هامشي في مجمل ما يدور على الصعيد الأمني وعلى مستوى الوطن، ومما يشير الى سمة هذه الهامشية، هو ذلك الدور المرتبك للنشاط الأمني للحكومة، والذي يتجلى في تكرار الحدث وضمن نسق متشابه في أغلب تفاصيله وبمسافات زمنية متقاربة، وفي ما تعكسه ردود فعلها المتأخرة على مثل تلك الأحداث، وما ينتابها من إختلاط  مؤسساتي عند وقوع الحدث، مقروناً ذلك بتعدد المراكز الأمنية المسؤولة، وضعف وحدة التنسيق فيما بينها، وما ينتابها من ضعف في الخبرة والمجال المهني، كما كشفته الأحداث الأخيرة؛ ومن هنا لا يبدو دور الحكومة محسوساً عملياً، وكأنها طرف فاعل يقف في الجانب الثاني المتصدي من هذه "الحرب الإفتراضية" كما يفرضه عليها الواجب الدستوري، أو بمعنى آخر فإن دورها في هذا الجانب لا يعدو عن كونه دوراً إنتظارياً لساعة الحدث، كي يجري تحركها ورد فعلها متأخراً في هذه الحالة وبعد أن تكون الكارثة قد وقعت، وهنا يكمن مستوى القصور في أداء الحكومة ظاهراً للعيان، خاصة ما يتعلق بإجراءاتها الإحترازية، ما يترتب عليه من مسؤولية قانونية ودستورية، متروك أمر تقديرها للجهات البرلمانية والآليات الدستورية، ولست بصدد التوسع في هذا المجال لما يتسم به من مهنية عالية..!؟


العامل الثاني والذي يمكن الإشارة اليه في هذه المعادلة وبإختصار، فهو ما يتعلق بدور السلطة التشريعية ودورها الرقابي والتشريعي في هذه العملية، وهذا العامل من الناحية الموضوعية، يتداخل عملياً مع العامل السابق، كون الحكومة تعتبر وليدة مجلس النواب، وكون المجلس نفسه يمثل مجموعة كتل سياسية، وما الحكومة إلا إنعكاس لهذا التجمع، وبالتالي ومن هذه الحقيقة، يمكن الإشارة الى أن ما ينعكس من أداء سلبي لأداء الحكومة في المجال الأمني، لا بد وأن يجد صداه في مستوى فعالية مجلس النواب نفسه، ومستوى أداء دوره الرقابي للنشاط الحكومي؛ ومن هنا فلا غرابة في أن يكون دور مجلس النواب هو الآخر سلبياً، ولا تتضح فعاليته ودوره كطرف ناشط ومعاكس في هذه "الحرب الإفتراضية" من الجانب الثاني، وهذا ما حول دوره الى مجرد دور إنتظاري هو الآخر، كما تجلى في جميع الحالات التي تعرضت فيها البلاد الى مثل تلك الهجمات الإجرامية، وكذلك ما تعكسه أحيانا المناقشات التي تدور في رحاب المجلس نفسه، ومنها على سبيل المثال الجلسة التي إستضافت السادة الوزراء الأمنيين ليوم 12/12/2009، والأيام التي لحقتها، والتي كشفت في معظم تداولاتها حجم التناقض بين أقوال السادة الوزراء الأمنيين، ولا يريد المرء هنا سبق الأحداث  فجلسات المجلس لم تنتهي بعد، ولم تتضح بعد صورة موقف مجلس النواب من كل ذلك ..!


الى هنا يمكن القول بأن "الحالة الأمنية" بشكل عام ؛ هي الشكل المعلن لما أسميناه "بالحرب الإفتراضية"، وهي في واقعها حرب حقيقية خفية وبأشكال تختلف عن طبيعة الحروب التقليدية، والتي لم يسفر أصحابها ومثيروها عن أسبابها وأهدافها، عدا عن ما يعلن في وسائل الإعلام الرسمي والعام من تصريحات المسؤولين الحكوميين، وأغلبها تتسم بالتناقض، وتعتمد التفسيرات والتأويلات التي تعوزها الدلائل والأدلة القاطعة..!؟


 ولعل أهم ما يميز تلك "الحرب"، هو ضبابية معالم وشخوص الأطراف المشاركة فيها، والتي كثيراً ما تضيع معرفة حقيقتها، في ذلك التشابك والإختلاط التي تمارسه الجهات الحكومية والإعلامية المختلفة، في عملية تحديد معالم تلك الأطراف، ولذلك فهي تدور في دائرة واسعة من الإتهامات الموجهة الى عدة جهات داخلية منها وإقليمية وحتى دولية، والمقصود هنا تلك الأطراف التي تخطط وتنفذ كافة الأعمال الإجرامية، هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى، فإن الجهات الرسمية بإعتبارها الطرف المقابل في عملية التصدي لتلك الأعمال الإجرامية، فهي الأخرى تتسم بضبابية نشاطاتها وإجرائاتها المعاكسة، وردود أفعالها المتأخرة وتعدد أجهزتها الأمنية المفتقدة للتنسيق المعلوماتي والإستخباراتي فيما بينها، وحالة التعارض فيما بينها على صعيد الإجراءات كما بيناه فيما تقدم..!

وفي جميع الأحوال، فإن اي تفكيك لمفردات ما يحصل في نطاق الملف الأمني وما يمكن أن تسفر عنه تداعيات الأحداث الإجرامية على صعيد المواطن العادي، وما قد يبني عليه من تكهنات إفتراضية في ظل غياب المعلومة الخبرية الصحيحة، وتعدد مصادرها، لا يمكنه أن يذهب بعيداً عن الإشارة، الى حقيقة ما يدور من صراعات داخلية بين مكونات الكتل السياسية الحاكمة نفسها في إطار العملية السياسية، والذي بدوره يجعل الطريق مفتوحاً أمام أية قوى أخرى في الداخل أو الخارج ممن يقف بالضد من مسار العملية السياسية الحالي، بأن تستفيد من حالة الخلل والإرتباك السائدة في (الملف الأمني) في جميع أشكالها الإدارية واللوجستية، وقدراتها الفنية، وكذلك في طبيعة السياسة الأمنية الإستراتيجية المرتبكة، وهذا عامل غاية في الأهمية، لتوظفها لمصلحتها، بل وتخطط على ضوء ذلك، كل ما يمكنه من إظهار حالة الوضع القائم سياسياً وأمنياً بالصورة التي تعبر عن ضعف الحكومة وعجزها، بل وحتى فشلها في إدارة البلاد سياسياً وأمنياً، وهذا ما لا تريد أن تدركه الحكومة الحالية؛ وما كشفته جلسات مجلس النواب الحالية، وحده كافياً للتدليل على حجم القصور الحكومي الأمني، وما تتحمله الحكومة من مسؤولية إزاء ذلك، بإعتبارها الجهة الرئيسة في إدارة الملف الأمني والمحافظة على أرواح المواطنين..!


 إن كل ما تبديه تلك الحكومة والظاهر للعيان على الصعيد الإعلامي، من خلال خطب  وتصريحات السادة المسؤولين، هو فقط رضاها عن الحالة السياسية الراهنة والهشة، وإعلانها المستمر لإنجازاتها على كافة الأصعدة ومنها الصعيد الأمني، بعيداً عن حقيقة الواقع القائم وما يعكسه على الصعيد المادي والمعنوي للمواطن العراقي، وتراها متمسكة بنهجها المذكور، طالما هي لا زالت في دست الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب المزيد من بحور الدم التي تغرق بها بغداد والمدن العراقية الأخرى بين حين وآخر، وهذا ما أوحى به السيد رئيس الوزراء نفسه في خطابه حول تفجيرات يوم الثلاثاء الدامي في 8/12/2009 من إحتمالية التكرار، وهذا ما يبعث على الأسى والإستغراب..!؟؟
 

ويبقى أمامنا العامل الثالث والمهم في كل هذه المعادلة، والمقصود به موقف المواطن العراقي من هذه "الحرب الإرهابية"، ومن كل ما يدور حوله طيلة كل هذه السنوات الكالحة، التي خيمت عليه وكأنها كابوس خانق في عتمة الظلام، فلا يجد أمامه سوى أنه الطرف الضحية في كل ذلك، وهو وحده من يتحمل وزر نتائجها دموعاً وأنهاراً من الدماء، رغم كل ما قدمه ولا زال متمسكاً به، من  فوارض العملية السياسية، بأمل بناء حلمه في دولة الديمقراطية المنشودة، الذي ظنه قادماً بعد كل عقود الظلم والإستبداد، ليجد نفسه أخيراً طعماً سائغاً للمشاركين في هذه "الحرب القذرة" ، وطرفاً يحترق في لهيب نارها المستعرة؛  تمحقه البطالة جوعاً، وتسحقه أزمة الماء الصافي والكهرباء نفسياً، وتخنقه غيوم التلوث، وتهدر كرامته فلول الإحتلال..!!؟ 


وها هو المواطن العراقي يضع نفسه قريباً، في عملية مخاض جديد، ليمارس بنفسه عملية الإنتخابات؛ ليؤدي "فرضاً ديمقراطياً" مهماً من فروض العملية السياسية، وليختار بنفسه أيضاً، إذا ما صح القول، حكامه الجدد، لأربعة سنوات أخرى جديدة بالتمام والكمال، وليسأل نفسه بعد ذلك، الى أين قد قادته قدماه، وهل كان ما فات من الماضي القريب، فيه من العبر والدروس، ما يستحق فعلاً التأني في الإختيار واستلهام دروس المحن والإعتبار..؟!!
14/12/2009
____________________________________________________   





 

 






     

229
المنبر السياسي / شجن العراق..!*
« في: 20:48 11/12/2009  »
شجن العراق..!*
 
باقر الفضلي


(ياناسك الليل)

يا ناسِكَ الليلِ هلْ تَذَََكرْ أماسِـينا
نَرومُ نبْـغِي وِصالاً أمْ تُجافيـنا

كُـنا صِحاباً وكانَ الـوِدُ رائِـدَنا
فألهَمَتْـنا صُروفُ الدَهْـرِ ما فينا

عادتْ الينا تُـواسينا بِـما فَعـلَـتْ
مِـنْ بَعدِ ما كَرِهَـت دَوماً تَدَانِـيـنا

أبَـتْ عَـلينا حـِياضَ التِـبرِ نُورِدُها
وأصْهَـرَتـه سَعِـيراً فـي مآقـيـنا

أصابَـنا الوَهْـنُ حـيناً مِنْ غلاوتِـنا
وأمْسَـكَ الفَجْـرُ حـيناً مِنْ تَراخـينا

***

سَبْع” مَضَـينَ وسَبْعُ الأمسِ ما بَرِحَتْ
تَـلُوكُ فـينا أَسَـاً سَـبْعاً وسَبْـعِـينا

أتى بِهِـنَّ خَـليـلُ الْحَـانِ مَغْـمَـغَـةً(1)
                        ما أجّْـلَتْ العَـينْ، بلْ حَـدَّتْ مَواضِـينا

نخُوضُها مثلَ خَوضِ الخَيلِ فـي وَحَـلٍ
فـلا عَـرِفـنا لَـها دَربـاً ولا ديـنـا

تَـوارثَـتْـنا وصـارَ الوَهْـمُ مُرشِـدَنا
نَحْـدو بِـها اليومَ إذْ تَسلى بـماضِـيـنا!

فَـحَمَـلَتْـنا مِـن الأدرانِ مـا وَسِـعَـتْ
وكـان مِـنْ أمسِـنا مـا كـانَ يَـكْـفِـينا

***

يا ناسِكَ اللـيلِ مـا جَـفـتْ سَـواقـينا
شَـدّْوَ التَـمَـنيْ غَـدا لَحْـناً يُجـاريـنا

هي الأمـورُ وقَـد صِـيغَـتْ عـلى قَـَدرٍ
فـلا حَصـدنـا ربـيـعاً مِـنْ مَـذاريـنا

أفْضى بـها الوَحيُ، لا نَـدريْ مَـسارِبَها
أَمْ أنْـعَـمَ اللـهُ فـي وَجْـدٍ يُـواسـيـنا!

لـهُ القَـضـاءُ وفـيـنا الأمَـرُ نتْـبَـعُـه
إنْ لَوَّعَـتْـنا الـدَواهـيْ، مَـنْ يُـقاضِـيـنا!

وإنْ عَـرِجْـنا الـى الحُـكـامِ نَسـألُـهـمْ
نَـمى الـى سَـمعِنا مـا ليـسَ يُـرضـينا!

جَـهَـنَّـم” مَـوُرِدُ السـالـي ومـؤِلُـهُ
ونِـقـمةُ اللهِ فـي غَـيـبٍ تُـلاقِـيـنا!؟

****

يا ناسِكَ اللـيلِ لَـو تَـدري مَـرارتَـنا
مَـرّْتْ عُـقود”  عَـلَـينا في تَـناجِـينا

أُريـدَ مِـنا سـكوتَ المَـوتِ نَجْـرَعُـهُ
ونَحْـتَـسي الكَـأسَ مُـرْاً فـي أياديـنا

نُـطاوِعُ الأمـرَ لا نَـدري فـَضائِـلَـهُ
فَـالكُـلُ يُحْـسِنُ بالأقـوالِ يَـغْـويـنا؛

لا نَـقْرَبُ الكَـأسَ شَر” في حَـلاوتِـها
ولا نُـغِـيثُ الصَـبايا حِـينَ يَبْـكِـينا!

غَـمَامَة” حَـجَـبَت شَمسَ الضُحى جَـلَلاً
وأسْـدلَ اللـيلُ مَـزهـواً يُـحـاكِـيـنا

***

يا ناسِكَ اللـيلِ مـا كـانَ الـنَوى أمَـلاً(2)
أمْـنَـاً تَـراهُ وكـانَ الأمْـرُ مَـرْهـونا!

أتَـتْ اليـنا بِغَـبْـشِ اللـيلِ تُـوقِـظُـنا
أنَ الطَـريقَ غَـدَتْ سَـلْكى لـمـاشِـيـنا

ذُبـالةَ الـعُـمْـرِ مـا زالَـتْ بـها وَهَـج”
يَـشعُ حَـيـثُ ظَـلامُ اللـيلِ يَـغْـشونـا

لأنْ ركِبْـنا مُـتُـونَ الصَعْـبِ ما هَـزُلَـتْ
مِـنا المَـواعِـيـدُ أو خَـفَّـتْ مَـوازِيـنـا

لا تُطْـفِـيء الـنارَ فـيـنا مِـنْ حَـلاوتِـها
شَمسُ العِـراقِ تُنـيرُ الـدَربَ تُـغْـنِـيـنـا

***

يا ناسِـكَ الليلِ هلْ تُحْـزِنْـكَ غَـيْـبَـتُـنا
إنْ لَـمْ نـَعُـدْ مَـغْـنَـماً عـادَتْ مَرامِـينا

نَـبـِثُ أشْـجَـانَـنا صَـمْـتاً نَـلُـوذُ بـهِ
وفـي القُـلـوبِ صَـدَىً مـا زالَ يَـرويـنا

ذِكْـراكَ تَـنْـمـو نَشـيداً في حَـشـاشَـتِـنا
وتَـستَـعِـرْ جَـمْـرةً لَـمّـا تُـؤاخِـيـنـا

كُـنا أنَـبْـنـا شِـغافَ القَـلْـبِ مَسـكَـنَـها
فـكـان فـيـنا لـها قُـدْسَـاً وتَـثْـمِـيـنـا

نَـَطُـوفُ فـيـها طَـوافَ الـناسِ كَعْـبَـتَـهمْ
ونَـلْـتَـمسْ رَحْـمَـةً مِـنـها وتَـطْـمِـيـنا

***

نُـسائِـلُ النَـفْـسَ هـلْ بانـتْ على أمـلٍ
يا ناسِـكَ الليـلِ هـلْ عـادتْ ليـالـيـنا

رقَـتْ شِـفاه” وصـارَ الـوَجدُ مَخـدعَـها
نـأوى الـيـهِ إذا ضاقَـتْ مَسـاريـنـا

فإنْ نشِـدنا هُـطـولَ الـدَمـعِ يُسْـعِـفُـنا
لا الـدمعُ فـاضٍ ولا الأدواءُ تُشـفِـيـنـا

مَـرتْ مـرورَ سحـابَ الصـيفِ تَـدْهَـمُـنا
فأشـعَـلَـتْ فَـجْـأةً مـا كان مَـكـنـونـا

يا ناسِـكَ اللـيلِ لا تَـغْـفـو فَصـحْـوتَـنا
" تَـشْجـى لـواديـكَ أم تـأسـى لواديـنـا "

***
***
***
8/12/2009
(*) يوم الثلاثاء الأسود الدامي في بغداد 8/12/2009
                                              (1) المغمغة : الإختلاط
                          (2)  أملا : هدفاً














 

































 

















230

قرار التفسير الجديد لقانون الإنتخابات.. عود على بدء..!!

باقر الفضلي


عندما أشرنا في مقالتنا الموسومة (قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية)(*) الى الأسس الموضوعية التي أستند اليها الأستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، في نقضه لقانون الإنتخابات المعدل رقم 16 لسنة 2005، لم نك نجافي الحقيقة، في مقارنتنا لأسباب النقض مع طبيعة التعديلات التي اقدم عليها مجلس النواب في حينه، وأظهرنا بأن ما توخاه النقض قد إنصب على المادتين الأولى والثالثة من القانون،  حيث كان التعديل في مضمونه يشكل غبناً وغمطاً لحقوق الناخب من جهة، وتهميشاً حقيقياً للقوائم الإنتخابية الصغيرة والقوائم الفردية، وتحيزاً وإستئثاراً من قبل القوائم االكبيرة على حساب تلك القوائم..!


وطبقاً لذلك دخلت أزمة التصديق على القانون مرحلتها شبه النهائية، وبدأ دخان "المعركة" الدستورية يتصاعد عالياً من جميع الأطراف لينتهي أخيراً وبعد عملية تدخل حامية الوطيس قادتها السفارة الأمريكية ممثلة بالسفير الأمريكي السيد هيل، وتدخل ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، ومن خلال التصريحات المتناثرة من قبل كافة الجهات، لاح في الأفق الهبوط التدريجي في منحنى موقف السيد الهاشمي من النقض، وبدأت تُطرح بدائل ومقترحات كلها تصب في خدمة تمرير القانون، والضغط على الأستاذ الهاشمي بسحب نقضه للقانون، لتنتهي بتغطية قانونية شكلية ، إعتمدت مقترحاً رئاسياً بعقد جلسة إستثنائية من قبل مجلس النواب لإقرار ملحق تفسيري لتعديل القانون، يتم بموجبه تفسير للعملية الحسابية لإستحقاقات المقاعد الإنتخابية للمحافظات بما فيها المقاعد التعويضية. والهدف منها كما يبدو ، هو أيجاد مخرج للكيفية التي يتم بموجبها تمكين الإستاذ الهاشمي من سحب نقضه على القانون، وأن يتم كل ذلك في إطار عرس برلماني جديد، وما أكثر الأعياد البرلمانية والرئاسية..!


وهكذا تمت عملية الملحق التفسيري للتعديل الجديد للقانون في اللحظات الأخيرة من مساء يوم 6/12/2009 لتفادي إنتهاء المدة القانونية، وبقدرة قادر يلتئم نصاب المجلس ليصوت على مشروع قراره بالتفسير الجديد للتعديل بالإجماع، في عين الوقت وبتزامن فريد من نوعه، وبمشاركة فعلية لقناة الشرقية الفضائية، يعلن السيد الهاشمي من على شاشة الشرقية، مباركته للقرار ويزف بشرى "الإنتصار" الى الشعب العراقي، ساحباً نقضه على القانون، ومعلناً نجاحه في تحقيق ما تمناه في خدمة الشعب، ومن جهتها تعلن الشرقية إستلامها لأعداد غفيرة من التبريكات والتهاني للسيد الهاشمي على نجاحه الباهر، وهكذا تم إختتام عملية النقض الهاشمية، في أجواء العرس الجديد، "وتيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي" كما يقول المثل العراقي الشهير:

•   فنقض المادة الثالثة تم تناسيه من قبل الإستاذ الهاشمي، منذ لحظة نقضه من قبل مجلس النواب، وما سعى اليه من أجل حماية القوائم الصغيرة وضرورة منحها فرص المشاركة في العملية السياسية على حد قوله، قد ذهب ادراج رياح تعديلات مجلس النواب للقانون التي أثارت هواجسه في حينه، وبهذا ظل الطريق مفتوحاً أمام سرقة أصوات الناخبين من القوائم الصغيرة التي لم تصل العتبة الإنتخابية ومنح المقاعد الشاغرة الى القوائم الكبيرة الفائزة لقمة سائغة بالهناء والشفاء. كما هو الحال سابقاً في إنتخابات مجالس المحافظات..!

•   والفذلكة الأخيرة والتي إجتهدها مجلس النواب في قراره التفسيري الأخير بملحق التعديل في تصويبه لأستحقاقات المحافظات من المقاعد، والتي تمت لصالح المحافظات الكردستانية حصراً ، بزيادة 3 مقاعد، فقد إعتمدت النسبة الإفتراضية للزيادة في عدد السكان وهي 2,8 % مضافة الى إحصاءات وزارة التجارة لعام /2005، والتي لم تعتمد أي إحصاء سكاني عام، وليس فيها من جديد، وهذا بحد ذاته يمثل تكرسياً لخللٍ دستوري، كان يمكن تلافيه من قبل الحكومة والمفوظية العليا المستقلة للإنتخابات خلال السنوات الأربعة من عمر الحكومة الذي شارف على الإنتهاء، ويعتبر أحد تقصيراتها التنفيذية المهمة..!


أعود وأكرر وكثيراً ما كررت بإن العملية الإنتخابية، وهي ركن أساس في العملية السياسية الجديدة، والجميع يبني كثيراً على ما سوف تأتي به الإنتخابات القادمة من نتائج، وهي تدخل في صلب السيناريو المرسوم لتطور ما يسمى ب"العملية الديمقراطية" في العراق بعد عام /2003 ...

أقول أن الأمر في جوهره يبتعد كثيراً عن كل ما قيل ويقال عن عملية نقض القانون وما رافقها من شد وجذب وحرب إعلامية بين جميع الفرقاء من أطراف العملية السياسية وخاصة الكتل المتنفذة بمختلف تلاوينهم، الطائفية والإثنية، فإنه يظل من حيث نتائجه محصوراً في خندق الناخب العراقي، الذي يجد نفسه أمام واقع قد تلبس به بكل حلوه ومره، وما عليه إلا أن يحسن الإختيار..!


اما ما يتعلق بمناورات العملية الإنتخابية، فإنه وفي أحسن الأحوال ، لا يخرج عن كونه يدور في فلك الدعاية الإنتخابية وتكتيكاتها العديدة، فهل ياترى، سيحذر الناخب العراقي من فنون وإغراءات تلك الدعاية، ويصوب وجهه شطر من يخدم مصالحه بحق وصدق، دون وعود وأعطيات ، ومواثيق وإلتزامات؛ هل حقاً سيجد الناخب نفسه حراً في إستخدام حقه السياسي بالتصويت لمن يشاء، دون ضغظ وإكراه، أو تهديد وإكراه..؟!
        7/12/2009
        ______________________________________________________
       (*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=192360

231
لماذا تُستَهدف الثقافة وحرية الإبداع..؟!

باقر الفضلي




الثقافة إبداع، والإبداع حرية، والحرية ضرورة ، ومن يضع القيود على الإبداع، إنما يحيله الى عبودية، فمهما أَضْفَتْ  أية حكومةُ ما على وزارتها للثقافة من مسميات، فهي لا تخرج من شباكِ مراقبتها، ولا ترغب إلا بمن يعزف في جوقتها، أو يصفق لجلالتها، ويرفع من معالي موظفيها؛ فلا إبداع بلا حرية، ولا حرية مع الرقابة..!


اية حكومة ملزمة برعاية الثقافة، والرعاية هنا تعني إبتدائاً، الرعاية المادية والمعنوية، والدولة من خلال الحكومة، هي من بيدها مقاليد بيت المال، ورعاية الثقافة لا تعني المِلكية، فالدولة راعية للثقافة وليست مالكاً لها، أما المالك الحقيقي والشرعي للثقافة فهم أصحابها الحقيقيون، من مبدعي ومنتجي الثقافة، الذين يمتلكون كامل الحق في تأسيس منظماتهم المهنية التي وحدها من ترعى شؤونهم وتسهر على مصالحهم، وتمثل الحلقة الشرعية الرابطة مع الدولة، في متابعة تلك الشؤون..!


فوزارة الثقافة الحكومية، والأصح أن تدعى ب(وزارة الرعاية الثقافية)،  إرتباطاً بهذا المفهموم، لا يمكن أن تكون منتجاً للثقافة، ودورها يمكن أن تقوم به أية وزارة خدمية أخرى، كوزارة المالية، أو وزارة (رعاية) منظمات المجتمع المدني .. ورغم خطط أية حكومة ما، بتنصيب من لهم صلة بالثقافة، من بعض المثقفين أو من الأكاديميين على رأس الوزارة، فهذا لا يضفي على الوزارة، سمةَ منتجٍ للثقافة، بقدر ما تظل تلك الوزارة، عبارة عن هيئة حكومية إدارية تهتم برعاية الشؤون الثقافية في البلاد على وجه التحديد، ولكن أغلبية الحكومات إعتادت على تجيير صفة الثقافة لصالحها، وإفترضت سلفاً، بأن جمهرة المثقفين هم مجرد جنود في عسكرها، فليس غريباً على سبيل المثال؛ أن يعتلي منصة مهرجان ثقافي أي مسؤول من وزارة "الثقافة الحكومية"، ويعلن إمتعاضه من ممثلي هيئة ثقافية ما على سبيل المثال، ك (الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق)، وهي أحدى منظمات المجتمع المدني، ويصفهم ب"الدينوصورات"، أو يرتأي "إجتثاثهم" من الوسط الثقافي، لعدم تجاوبهم كما يبدو مع تطلعات ذلك المسؤول في الوزارة..!؟  (*)    (*)


الغريب في الأمر، أن تتحول حالة "التبني للمُنْتَج الثقافي" من قبل الجهات الرسمية، الى سيفٍ مسلطٍ على رقاب المثقفين الأحرار، وأن تتحول وتستغل "المهرجانات الثقافية" التي تقيمها الحكومة، الى دواوين لمدح الحكام، وتمجيد السلطة، كسابق العهد، وإن نعود مجدداً الى توليد ثقافة التابعية السياسية الحزبية، وهي تطل علينا برأسها من جديد، والى خطاب التهديد والوعيد..!


وقد تصاعدت خلال الفترة الماضية على صعيد الإعلام، حملة” رُوِجَ لها بحميةٍ وإهتمامٍ من قبل العاملين في الوسط "الثقافي" الرسمي والإعلامي الحكومي، ووظِفت لها أقلام وفضائيات؛ حملةُ تمجيدٍ وتهويلٍ وتعويلٍ على مبادرة السيد رئيس الوزراء، المعلن عنها في 27/8/2008 عن تشكيل ما يسمى ب " المجلس الأعلى للثقافة"، على غرار ما لدينا في العراق من المسميات المماثلة لأعالي المجالس الحكومية، وقد إقترنت بعد ذلك، بما أعلن عنه  من مبادرة مماثلة قادها الوكيل الأقدم لوزارة الثقافة، والتي سماها ب "المصالحة الثقافية" بين مثقفي الداخل والخارج، وقد مثل ذلك نشاطاً حكومياً ملفتاً للنظر في المجال الثقافي، لم يسبق له نظير..!؟


ولكن ومن الجانب الثاني للأمر، وإن دلل هذا النشاط على ما للثقافة نفسها، من أهمية تأثيرية ومعنوية على الوسط الجماهيري وما للمثقفين عموماً من دور بالغ الأهمية في تنوير المجتمع، مما يدفع تلقائياً بأية حكومة كانت، وخاصة الحكومات ذات الطابع الحزبي الشمولي، الإنتباه الى هذه الخاصية، وبالتالي إيلائها إهتماماً إستثنائياً وتخصيص كل ما يمكن تخصيصه من جهدٍ مادي وبشري ومعنوي، في أن تضع تحت إشرافها كل مؤسسات الثقافة الموجودة في البلاد، وتحاول إحتواء الطاقات الإبداعية للمثقفين بشتى الوسائل والطرق المتاحة، بما فيها محاولة تنصيب تابعيها من بعض المثقفين، في المراكز النقابية ومؤسسات المجتمع المدني الخاصة بنخب المثقفين، وإستغلال إمكانات الدولة وأجهزتها لإنجاح مشروع الهيمنة الحكومية على منابع الثقافة في البلاد، وإحتكار روافدها ضمن مختلف الصيغ والتشكيلات والمسميات؛ وتلعب مثل تلك المحاولات أهمية خاصة وإستثنائية حينما تقترن بمناسبات ذات طابع دعائي، مثل الدعاية الإنتخابية على سبيل المثال لا الحصر..!؟


فإنه وعلى سبيل المثال أيضاً، ومن غريب المفاجئات، وفي ظل الفجيعة التي دهمت الوسط الثقافي العراقي ، بفقدانه المبدع المثقف الشهيد كامل شياع، المستشار الثقافي لوزارة الثقافة العراقية برصاص مافيا القتل والجريمة ولأيام لا تزيد على عدد أصابع الكف الواحد، أن أعلن رسمياً عن الدعوة الى تأسيس " المجلس الأعلى للثقافة"،  ولا كأن من طالته رصاصات الغدر كان أحد رجال الثقافة العراقيين المرموقين، وأحد رجال وزارة الثقافة العراقية ورمزاً من رموزها الديمقراطيين المعروفين؛ فجاء الإعلان في وقت كان يفترض فيه أن تلهب الحكومة فيه الأرض تحت أقدام القتلة المجرمين وتقلب الأرض بحثاً عنهم وعمن يقف ورائهم، فمر الحدث كخبر عادي وكأي أخبار القتل اليومية التي إعتادها العراقيون كل يوم، فلم تولِ الحكومةُ ولا الوزارة المعنية "الثقافة"، أي أهمية تذكر لمغزى الجريمة ومدلولاتها السياسية والمعنوية على الوسط الثقافي، وحتى في مؤتمره مع بعض المثقفين، ودماء الضحية لما تجف بعد، لم يشر السيد رئيس الوزراء للجريمة أو إستنكارها، في وقت لم تتوقف فيه الإدانات للجريمة، من كل صوب وحدب، بما فيها هيئة الأمم المتحدة..!؟(**)    

        
فإذا لم تكن مناسبة مثل تلك، وقد جمعت ثلة من المثقفين مع السيد رئيس الوزراء وفي وقت لم يبرد فيه بعد دم الضحية، حافزاً على الشجب والإستنكار وإظهار كل ما يقرأ منه الإصرار على كشف الجريمة ودوافعها ومن يقف ورائها، فبأي معنى ياترى، سيقرأ المرء مدلولات ما يعنيه الإعلان عن ما يسمى "المجلس الأعلى للثقافة" بعد ذلك..؟؟ وكيف تفسر حالة الصمت التي أطبقت على الحكومة..؟؟! وما هو سر عدم الإكتراث الذي جوبهت به الجريمة من قبل المسؤولين..؟؟!  ولماذا لم يعلن شيء عن ما توصل اليه التحقيق..؟؟! ولماذا ولحد اليوم لم يعلن عن هوية القتلة وتقديمهم الى القضاء..؟؟!  


مع كل هذه الأسئلة التي مضى عليها ما يزيد عن عام، وما سبقها غير قليل، يكرر السؤال نفسه من جديد، وفي حالة ترتبط في جوهرها مع حالة الثقافة من قريب أو بعيد، لتتمحور زيادة لما تقدم، حول إستهداف رسل الثقافة الآخرين، من رجال الصحافة والإعلام، في مسلسل دموي لم ينته بعد، وكان آخر ضحاياه الإعلامي الشجاع الشهم عماد العبادي، لتقف صارخة نفس الأسئلة ذاتها، حيرى لمن توجه الإتهام، والى أي مدى تتحمل الجهات الحكومية مسؤوليتها في كشف الحقيقة..!؟  
 سؤال دائم، سبق أن وجهناه، ونعود لتوجيهه من جديد..!!؟ (***)  
___________________________________________________________
 (*)
http://www.iraqiwritersunion.com/modules.php?name=News&file=article&sid=11310        
(*)        http://www.elaph.com/ElaphWeb/Culture/2008/6/338043.htm
(**)  http://www.pmo.iq
(***)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/27kml.htm

232
كاتم الصوت في زمن الموت البارد..!؟*

باقر الفضلي
 

عماد العبادي
لنْ يَصمتَ الصوتُ ايها القتلة.!؟
لنْ يُقْتَـلُ الصوتُ ايها الجَهلة.!؟


***

الصوتُ يكبرُ حيثما إمتدتْ سَماء..
ولَهُ الصدى، نار” ستَحرِقُ كلَ قاتِل.!
أنّى إختبَئْتمُ.. في دياجيرِ الظلام
أنّى التحَفْتمُ.. في رداءِ الأشقياء..
الصوتُ جُرح” نازِف”، ثَغْر” مُقاتِلْ.!


***


هيهاتَ بل هيهاتَ تُسْتلبُ النفوس..
أنْ تُركِعوا جَبلاً يشعُ كما الضياء..
أو تَقطعوا نَفَسَاً يَهُبُ كما الهواء..
هيهاتَ شمسُ الصبحِ تَحْجِبُها المناخِلْ!


***


جمرُ الحقيقةِ يَستَعِرْ دونَ إِنطفاء..
جمراً يصون بحرقَةٍ شََملَ البلاد..
السابحون ببحرِها أسُدَاً كَمثلِكَ ياعماد..(**)
الحاملونَ الجَمرَ، جَمراً في إتِقاد..
أما الرماد فَلنْ يُحوزَ لنفسهِ غَيرَ الرماد..


***


أَنْ يَكْتِموا صوتَ الحقيقةِ لا مَراء..
لَنْ يُسكتوها وهي تَعْصِفُ بالمعاولْ.!
مهما تَفننت المَعاوِلُ والقتولْ،
أو صاغَها فِكر” دَخيلْ..
ستظل ألْسِنَةَ البلاغةِ..
 سيفُها المَسلولُ يَصدحُ لا يُخاتِلْ.!
***
***
***
23/11/2009
___________________________________________________
   (*)(**)  كتبت يوم محاولة إغتيال الإعلامي العراقي عماد العبادي     























233
الدوران في فلك المحاصصة..!


باقر الفضلي

وهكذا إختتم مجلس النواب العراقي هذا اليوم المصادف 23/11/09  جلسته الإعتيادية ليعلن من جديد إقراره لقانون تعديل قانون الإنتخابات رقم 16/لسنة 2005 بعد النقض الذي تعرض له القانون من قبل مجلس الرئاسة لأيام خلت..!


البشرى التي زفها السيد النائب بهاء الأعرجي ولا أدري لمن.. ولماذا..، لم أجد لها محلآً في المكان.. حيث كل شيء ظل كما جاء في النقض الرئاسي، وإكتشفت من خلال مناقشات السادة النواب، أن نقض الأستاذ الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، قد شمل المادة الثالثة/الفقرة الرابعة من القانون أيضاً ولم يقتصر على المادة الأولى منه فقط..!


 ظهر السيد الأعرجي رئيس اللجنة القانونية وكأنه مجلس نواب آخر، وبدى تعامله مع المناقشات وتداخلات السادة النواب بعيدا كلياً عن الآلية المعهودة لجلسات المجلس وكيفية التعامل مع القوانين المنقوضة، والتعديلات التي إقترحتها اللجنة القانونية كانت بعيدة كل البعد عن جوهر ومضمون النقض الذي إنصب على المادة الأولى من القانون ولم تأخذ بها، رغم أن ما تقدمت به اللجنة من إتفاقها مع النقض الرئاسي، كان يبدو أشبه بالمنطقي ، ولكنه في الحقيقة كان مجرد قبول شكلي بالنقض، أضاع محتوى النقض ومضمونه، وجرى الإلتفاف عليه بطريقة تبدو ذكية، ولكنها في الحقيقة مفضوحة، فالتعديلات التي جاءت بها اللجنة والتي كان السيد النائب الأعرجي في غاية الحماس لتمريرها، لم تقدم أي تعديل يتوائم مع مقترحات السيد نائب رئيس الجمهورية في نقضه المذكور، فجاء التعديل منصباً على القانون نفسه بإجراء مجرد تحويرات في أصل المادة الأولى من القانون، وهذا أمر غريب، وقد تم القيام بها لمصلحة طرف معين كان أصلا من المعارضين للمادة الأولى في شكلها السابق للتعديل الجديد لهذا اليوم وعلى حساب أطراف أخرى، وهكذا تم ما يسمى بالتوافق، الذي في جوهره لا يصب في مصلحة من حرر من أجله النقض نفسه.. وهنا تبدو رائحة فضيحة الإلتفاف على النقض تزكم الأنوف،  ومن شاهد جلسة البرلمان بإمكانه أن يلحظ الطريقة التي تعامل وتصرف بها رئيس اللجنة القانونية  لتمرير تلك التعديلات الصورية لأصل المادة الأولى من القانون، وفي هذا خرق لآلية التعامل مع القوانين المنقوضة..!
 

 إن ما يميز جلسة مجلس النواب لهذا اليوم، هو ذلك التمحور والتركز والتخندق الذي ظهر بادياً بكل وضوح على موقف الكتل الرئيسة الكبيرة في البرلمان، وكيف أن هذه الكتل مستعدة لتغيير مواقفها  متى ما ظهر التغيير يصب في مصلحتها حتى لو كان ذلك يتعارض مع مبدأ الديمقراطية، الذي تدعيه رياءً مثل تلك القوى، ولعل إقرار تعديل قانون الإنتخابات بالطريقة التي جرى بها اليوم لا يمكن تفسيره بطريقة أخرى، وما يقال عن "الديمقراطية"، لايعني لدى مثل تلك الكتل، غير أنها وسيلة يمكن الركون اليها حينما يساعد ذلك على تحقيق المصالح الضيقة الخاصة. وهكذا كان الإصطفاف الجديد للقوى الكبيرة هذا اليوم ليكشف مدى عمق تأثير نهج "المحاصصة" في الإنحراف عن مبدأ الديمقراطية، وهكذا كرست هذه القوى اليوم مقولة كيف أن القوائم الكبرى تأكل القوائم الصغيرة، فجاءت تعديلات اليوم أسوأ من النص الأصلي في القانون، وموضوع تعديلات اليوم التي أقرها مجلس النواب، تتعارض كلياً مع آلية التعامل مع النقض، حيث جاءت التعديلات على القانون نفسه، وهذا يتطلب تشريعاً جديداً، ولم تأت على أصل النقض وهذا خلل دستوري ..!

وما جاء بنقض المجلس لنقض السيد نائب رئيس الجمهورية، حول ما جاء بالمادة الثالثة/ الفقرة الرابعة، من القانون، فإنه يأتي تأكيداً لما أشرت اليه فيما تقدم، ولست بصدد تكرار الحديث حول هذا الأمر، فمثل ذلك ما سبق وتحدثت عنه فيما مضى في مقالتي الموسومة (قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية..!)(*) ..!

 وليس أمام المرء مع ما توصلت اليه حالة الصراع الحقيقية حول قانون الإنتخابات التي تدور في الساحة السياسية العراقية حالياً إلا التأكيد وبإصرار على أهمية التمسك بالثوابت الديمقراطية للعملية السياسية، وخاصة وفي الظروف الراهنة، حيث يعتبر تشريع قانون ديمقراطي للإنتخابات البرلمانية لجميع العراقيين، المفتاح الرئيس والطريق القويم لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة والمتحضرة،  ولعل من الدلائل المميزة لمثل هذا الموقف الإيجابي، هو موقف النائب السيد حميد مجيد موسى السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي في تحفظه السديد والجريء على مشروعات التعديلات التي جاءت بها اللجنة القانونية للبرلمان هذا اليوم..!
___________________________________________________ 
(*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/20valov.htm













   



234
قانون الإنتخابات والمسؤولية التأريخية..!

باقر الفضلي

المادة/49 من الدستور:

اولاً :ـ يتكون مجلس النواب من عدد
 من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل
 مائة ألف نسمة من نفوس العراق
 يمثلون الشعب العراقي بأكمله،
  يتم انتخابهم بطريق الاقتراع
 العام السري المباشر،ويراعى
 تمثيل سائر مكونات الشعب فيه.



بصريح العبارة يؤكد النص الدستوري أعلاه على مبدأ المساواة بين العراقيين حيثما كانوا، وينطبق ذلك على وجه الخصوص بالتمثيل النيابي، حيث حدد الدستور نسبة معينة للتمثيل لكل مقعد نيابي، وهي عبارة عن مقعد واحد لكل 100 الف نسمة من العراقيين، وقد جاء النص بهذا الشأن مطلقاً دون قيود محددة، مما يفهم منه أن التمثيل النسبي أعلاه يحدده فقط عدد العراقيين المتواجدين في المكان والزمان المعينين، وهم جميعاً سواسية في التمتع بهذا الحق الدستوري، حيثما وجدوا، سواء في داخل العراق أو خارجه.


ومن هنا كما يبدو جاء النقض الرئاسي للمادة الأولى من قانون الإنتخابات المعدل رقم/16 لسنة/2005  والذي أقره مجلس النواب في جلسته بتأريخ 8/11/2009 ، معتمداً على نص المادة الدستورية أعلاه. فالخلاف ينحصر أساساً بين ما قرره مجلس النواب في المادة الأولى من القانون بإحتساب نسبة 5% للعراقيين في الخارج مما لم يكن متوافقاً مع ما يراه النقض الرئاسي لنائب رئيس الجمهورية الأستاذ طارق الهاشمي والذي هو قيد المناقشة والتصويت عليه يوم السبت القادم  21/11/2009  في مجلس النواب.


فالخلاف بين ما إستند عليه النقض الرئاسي من حقائق موضوعية، وبين ما قرره مجلس النواب من نسبة لا تتوافق مع الحقيقة، واضح للعيان، والواقع نفسه يؤكد حقيقة غمط حقوق أعداد كبيرة من العراقيين في الخارج، لأسباب دفعتهم للنزوح الى خارج البلاد، وليس بعيداً عن ذلك أن بعض السياسيين وأعداداً من أعضاء مجلس النواب ممن تعرضوا الى مثل تلك الأسباب يدركون هذه الحقيقة، وبالتالي فإن وجه الغرابة يأتي من تمسك بعض الكتل البرلمانية ممن تقف وراء تشريع نص المادة الأولى من قانون الإنتخابات بموقفها، مع علمها التام بأن في تحديد نسبة 5%  للمقاعد التعويضية، ليس فقط يشكل غبناً صارخاً لعراقيي الخارج حسب، بل يمثل خرقاً حقيقياً لنص المادة/49 أولاً /من الدستور، الذي إعتبر المعيار الصحيح لتحديد التمثيل النسبي لعدد المقاعد النيابية يعتمد على عدد العراقيين الموجودين في المكان والزمان المعينين، ولم يفرق بين عراقيي الداخل أو الخارج، ولا أظن بأن مجلس النواب أوالمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات غائب عنهما إحصائيات الأمم المتحدة والمفوضية الدولية لللاجئين عن أعداد العراقيين في دول اللجوء والهجرة..!


وليست المادة الأولى لقانون الإنتخابات وحدها من تشكل مثلبة في القانون نفسه، مما دفعت بنائب رئيس الجمهورية الأستاذ الهاشمي، إستخدام حقه الدستوري في النقض لها وإعادة القانون الى مجلس النواب حسب، بل ومن الغرابة بمكان، أن لا تسلط الأضواء على مثلبة أخرى لا تقل خطورة من المادة الأولى على العملية الإنتخابية ولها من التداعيات السلبية على مستقبل الحياة السياسية في العراق، ما يقف حجر عثرة في طريق الديمقراطية التي تنشدها العملية السياسية كما يعلن عنها ليل نهار، وهي تمثل إجتهاداً لا دستورياً أقدم عليه مجلس النواب والمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات، والمقصود بها نص المادة الثالثة/ رابعاً التي:[[ تمنح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة التي حصلت على عدد من المقاعد بحسب نسبة ما حصلت عليه من الأصوات.]] دون وجه حق وخلافاً لإرادة الناخبين، ولروح النص الدستوري الذي ساوى بين العراقيين..!؟


فهل غاب عن أصحاب الفخامة السادة أعضاء مجلس الرئاسة والسادة المحترمين أعضاء مجلس النواب، بأن الشعب العراقي ليس فقط "مكونات" عرقية ودينية وطائفية مذهبية؛ وأنه ليس جديد مع العملية الإنتخابية أو أنها بالنسبة له بنت يومها، فهو شعب عريق في الحضارة والمدنية، رغم كل ما قاساه من أنظمة الجور والإستبداد..


 إن الشعب العراقي ليس فقط تلك "المكونات" حسب، بل هو نسيج من الأفكار والعقائد السياسية والإجتماعية المختلفة، التي تمتد طولاً وعرضاً في عمق تلك "المكونات" ، وهذ النسيج المختلط من تلك الأفكار والعقائد، هو من يعطي الهوية السياسية الحقيقية والمعبرة عن مصالح الناس بطبقاتهم وأطيافهم المختلفة للبلاد، بعيداً عن أي تعصب إثني أو ديني، وهو من يشكل اللوحة السياسية في الوطن الواحد. وهو حقاً من يشكل القاعدة الأساسية للتمثيل الإنتخابي الى البرلمان لأنه إنعكاس حقيقي لمبدأ (المواطنة) الحقة، الذي لا يفرق بين العرق والدين والمذهب، فالجميع متساوون أمام القانون، والجميع من يصون الدستور والقانون حقوقهم العرقية والدينية بدون تمييز..!


فتشريع المادة الثالثة في فقرتها الرابعة من القانون، إنما جاء تجسيداً لتغليب الكتل السياسية الكبيرة المبنية على الأساس الديني - الطائفي والعرقي، ومنحها حقاً مفترضاً بالتجاوز على أصوات القوائم السياسية الصغيرة والتي لم تبنى على الأساس الديني والعرقي، بإعتبارها قوائم منتصرة، دون أن يوضح السادة المشرعون في مجلس النواب الدليل الدستوري لهذا الكرم الحاتمي بمنح المقاعد الشاغرة للقوائم الفائزة، أم أنه موقف لا يصب إلا في تكريس مبدأ الطائفية السياسية، ووليده "المحاصصة" القاتلة للديمقراطية، مهما تعددت أسمائها وتجلياتها بما فيها ما يسمى حديثاً ب "المشاركة" الجديدة..!؟


أليس من العدل أن يصون قانون الإنتخابات حقوق القوائم الصغيرة المبنية على أساس الخيار المدني الحضاري الديمقراطي، شكلاً ومضموناً، بمنح المقاعد الشاغرة لهذه القوائم وهي صاحبة الأصوات الحقيقية،  لمعرفته سلفاً بأن هذه القوائم رغم مشاركتها بالعملية الإنتخابية فإنها ومن العبث القول بإنها قادرة على منافسة القوائم الكبيرة المبنية على أساس الدين والمذهب والعرق، في عراق لا يزال يخيم عليه الإحتلال، ولم تكتمل سيادته بعد، وقد كرس بناؤه السياسي والإجتماعي بعد الإحتلال، على أسس من التقسيم الطائفي - المذهبي والأثني، وعلى ضوء ذلك تمكنت تلك القوائم من إحتلال مساحة واسعة في الرقعة الجغرافية – السكنية، وهذا أيضاً ما يضعها في تناقض مع مبدأ الديمقراطية..!؟


أوليس من العدل والحق أيضاً وجرياً مع روح الدستور ، أن تُشمل إستثناء، تلك القوائم الصغيرة والتي لم تحقق العتبة الإنتخابية، بالحق في إعتبار العراق دائرة إنتخابية واحدة وذلك ضماناً لحقوق المواطنين العراقيين السياسية ممن لن يصوتوا للقوائم ذات البناء الديني الطائفي – المذهبي أو البناء العرقي، لأن يصوتوا اليها ليشعروا حقاً بأن العملية الإنتخابية تسير في الطريق الذي ينهج بإتجاه الديمقراطية المنشودة، وأن يطمأنوا بأن أصواتهم سوف لن تذهب سدى، وسوف تجد لها مكاناً بين مقاعد مجلس النواب القادم، وأن لا تكتشف أخيراً بأن أصواتهم الإنتخابية قد إستحوذ عليها الآخرون من أعضاء القوائم الكبيرة، دون رضا منهم، وبسبب من إرادة القانون..!؟؟


 فهل حقاً سيثبت السادة أعضاء مجلس النواب وأصحاب الفخامة أعضاء مجلس الرئاسة بأنهم حقاً ينشدون تحقيق قانون للإنتخابات يتسم بكل ما جاءت به الأسباب الموجبة التي سطروها في متن القانون والتي تؤكد في تلك الأسباب على:

الأسباب الموجبة:

[[ لغرض إجراء انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة في العراق وبغية الارتقاء بهذه الانتخابات إلى المستوى المطلوب وفق المعايير الدولية المعتمدة والمطالب الشعبية، شرع هذا القانون.]] (1)

ومع كل ما تقدم تظل المسؤولية التأريخية هي الحكم والمؤشر والدليل على جدية وصدقية المسار الذي إعتمدته العملية السياسية بعد عام/2003 ، والعملية الإنتخابية أحد أركانها الأساسية، وفي جميع الأحوال تظل الكرة في ملعب الناخب العراقي، الذي عرفت عنه النباهة وبأنه لا يلدغ من جحر مرتين ..!؟
__________________________________________________
  (1) قانون تعديل قانون الإنتخابات رقم 16 لسنة 2005
   









       

235
قانون الإنتخابات الجديد والنهج الديمقراطي..!



باقر الفضلي



اشارت جميع الدلائل بعد إعلان نتائج إنتخابات مجالس المحافظات الماضية، ما يتوقع أن تكون عليه نتائج إنتخابات مجلس النواب القادم في كانون الثاني/2010، وذلك إعتماداً على ما ستفرزه معركة إقرار قانون جديد للإنتخابات، من خلال إجراء بعض التعديلات الضرورية على قانون رقم/16 لسنة 2005 ، حيث وكما أمل الكثيرون بأن مجلس النواب الموقر الحالي لا بد وأن يرقى في تعديلاته الى ذلك المستوى الذي يمكن أن يمنح للعملية الإنتخابية إطارها الديمقراطي الصحيح بعد أن شوهتها أحكام وبنود قانون/2005، الذي تمت بموجبه إنتخابات مجالس المحافظات، وما إستتبعها من غمط لحقوق الناخبين وإستئثار القوى السياسية الكبيرة والمتنفذة سياسياً والمتحكمة بالقرار السياسي في البلاد، بأصوات المواطنين على حساب الكيانات السياسية الصغيرة، من خلال عملية إستحواذ لا ديمقراطية، مما طبع تلك الإنتخابات بسمة اللاديمقراطية، ومنح لتلك القوى إمكانية التحكم بقرارات البرلمان بالشكل الذي لا يحقق إلا مصالحها على حساب مصالح القوى الأصغر من جهة، وهيمنتها على قيادة أغلبية المحافظات طبقاً لتلك العملية " التشريعية"  بالإستحواذ على أصوات الناخبين..!


ولقد جاءت جلسة مجلس النواب في 8/11/2009  التي أقر فيها المجلس المذكور التعديلات المرتقبة على القانون آنف الذكر، معززة لما توقعه الكثيرون ومنها ما أشرنا اليه في المقالة السابقة والموسومة ب (كرسي البرلمان)(1) حول طبيعة الصراع الدائر في الساحة السياسية، وكيف ستحاول الكتل السياسية المتنفذة، وذات الهوية الطائفية والأثنية الإلتفاف على القانون بشتى الوسائل من أجل تكريس العودة الى القانون رقم/16 لسنة/2005، الذي كان يقف وراء "إنتصارتها" في إنتخابات مجالس المحافظات. وهذا حقاً ما جاءت به التعديلات الجديدة لتصب في نفس الهدف الذي أشرنا اليه فيما سبق، بل حتى وقد ذهبت أبعد من ذلك، عندما أنقصت عدد المقاعد التعويضية المخصصة الى القوائم التي لم تحقق القاسم الإنتخابي على صعيد المحافظات وتحققه على الصعيد الوطني من 45 مقعداً الى 15 مقعد، بما يعادل نسبة 5%. كما جاء في المادة الأولى من القانون المعدل، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمنح المقاعد الشاغرة الى القوائم الفائزة كما ورد في المادة الثالثة من نفس القانون.(2)

فالقانون الجديد قد وضع مصير جميع الكيانات السياسية الصغيرة في مهب الريح، وهي جميعها مهددة بالخسارة في النتيجة، في محاولة منافستها إنتخابياً أمام الكتل السياسية الكبيرة والمتنفذة سياسياً في مؤسسات الدولة، طبقاً لنص المادة الثالثة من القانون، وفي هذا المجرى يتحدد ايضاً مصير التيار الوطني الديمقراطي والعلماني، وهو حكماً يقع في حدود الكيانات الأصغر في العملية السياسية بما فيها تلك المشاركة في تلك العملية، جرياً على تجربة إنتخابات مجالس المحافظات، فالسمك الكبير دائماً هو من يأكل السمك الصغير ولله الحمد؛ او على حد قول الشيخ همام حمودي النائب من الإئتلاف الوطني وعضو البرلمان ف :" ان وجود مجموعة قليلة من ائتلافات كبيرة افضل من وجود عدد كبير من الاحزاب لا تستطيع اتخاذ قرار سريع ومفيد "...!!(3)


إنه ومن عبث الكلام تكرار ما ورد بشأن قصور القانون الجديد المعدل، والذي تناوله العديد من الكتاب وبعض الأحزاب السياسية  ومنها الحزب الشيوعي العراقي بالنقد،(4) بإعتباره لا يلبي طموح العراقيين في إرساء قواعد الديمقراطية العراقية الجديدة، وإرساء الأسس لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة؛ فهو في الحقيقة، وبعد تمسكه بنفس نواقص وسلبيات القانون القديم، إنما يشكل مثلاً حياً على تمسك نفس الجهات المتنفذة من الكتل السياسية الكبيرة بالسلطة من خلال التشريع لهذا التمسك بنصوص قانونية لا تتوافق مع التوجه الديمقراطي الذي تعلن نفسها عنه ليل نهار؛ بل هو في الحقيقة قد كرس تشريعياً للإنقسام الطائفي والإثني، من خلال التمسك بمقولة "المكونات" العراقية، وإعتبارها بديلاً لمبدأ (المواطنة العراقية) الذي يمنح جميع العراقيين نفس الحقوق السياسية بعيداً عن إنتماءاتهم الإثنية العرقية والدينية والطائفية والمذهبية، وبهذا يكون قد خالف الدستور في أهم مبادئه الإنسانية؛ فطبقاً للتعديلات الجديدة، فالمسيحي لا يجد من يمثله إلا مسيحي، والمندائي لا يجد من يمثله إلا مندائي، وكذلك الأمر بالنسبة للشبكي واليزيدي والسني والشيعي، وهكذا دواليك بالنسبة للعربي والكردي والتركماني والآشوري..الخ فأية ديمقراطية هذه التي يهدف لها مثل هكذا قانون، وأين هي يا ترى حقوق المواطنة والمساواة بين الجميع طبقاً للدستور..؟!


إن التأسيس الجديد للمجتمع العراقي بعد الإحتلال في آذار/2003 على أسس من التقسيم الطائفي والمذهبي والإثني وإعتبار العراق مناطق إنتخابية متعددة، هو من يقف وراء قانون الإنتخابات الجديد، وهوما يفسر لنا لماذا تتمسك الكتل السياسية الكبيرة والمتنفذة، ذات الطابع الطائفي المذهبي أو العرقي بأحكام مثل هذا القانون، مستفيدة من خصوصيتها من حيث الحجم العددي والجغرافي داخل المجتمع، لكونها تمثل مجموعات سكانية كبيرة على صعيد المذهب أو القومية، ولهذا فهي تظهر وكأنها تتصدق على تلك المجموعات السكانية الأقل حجماً من حيث العدد السكاني في المجتمع، لتمنحها بضعة مقاعد برلمانية رحمة بها وأستيعابها ضمن كتلها الكبيرة..!


ولهذا فإن قانون الإنتخابات المعدل الجديد لا يمكن أن يعبر وللأسباب المتقدمة عن خطوة الى الأمام بإتجاه الديمقراطية، طالما إنه طبخ في نفس المطابخ الطائفية الإثنية وبهذا الإخراج السيء، وهو يمثل خطوة جديدة الى الوراء وإنتكاسة في طريق الديمقراطية الجديدة، لها من التداعيات السلبية ما يقلق الجميع..!!؟


 أما ما تعلنه وسائل الإعلام والرسمية منها خصوصاً، من التهليل والتطبيل لصدور القانون الحالي، وما يطلقه بشأنه من تصريحات بعض الناطقين بأسماء تلك الكتل، أو ما يقال عن الأخذ بنظام القائمة المفتوحة بشكلها "المبتكر الجديد"(5)  تلبية لطلب "المرجعية" فلا يغير في الواقع من حقيقة كون؛ أن قانون تعديل قانون الإنتخابات رقم/16 لسنة/2005 ، لا يلبي طموح المواطن العراقي في التغيير الذي كان ينتظره من وراء معركة الصراع البرلمانية التي أستنفذت أعصابه، ولا يمثل له هذا القانون، سوى خطوة في طريق تعميق خيبته ومعاناته، مع كل ما شكله بالنسبة للقوى السياسية الكبيرة والمتنفذة من إنتصار خططوا له كثيراً ، لينقلوا الآن الكرة الى ساحة الناخب نفسه، فهل سيحسن الناخب العراقي الإختيار..؟؟!! 

الجواب لابد وأنه سيأتي بعد الإنتخابات القادمة، ومن السابق لأوانه التكهن بأية توقعات في ظل قانون إنتخابي قد خلط الأوراق على الجميع وخلق من البلبلة ما يكفي لتضبيب أجواء العملية الإنتخابية القادمة، ناهيك عن ما سيلعبه ثقل المؤثرات الأجنبية والإقليمية وتدخلاتها العلنية والمستورة بما فيها دور الإحتلال، في التأثير على نتائج الإنتخابات..!!؟     
________________________________________________
(1)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=188999
(2)   
         http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=3275     

             (3)  http://www.burathanews.com/news_article_79569.html
             (4)  http://www.al-nnas.com/msval.htm
             (5)  http://www.sotaliraq.com/articlesiraq.php?id=51730


236
أدب / حزن العراق..!
« في: 22:03 05/11/2009  »
حزن العراق..!
باقر الفضلي


نَوى في أَصْغَرَيهِ وما سَلاكا(1)
وَهَمَّ بِكَ الفُؤادُ وما جَفاكا

تَوَهَّمَ فيكَ مِنْ بُعْدٍ شَبيهَاً
فما نَسَجَ الخَيالُ سِوى إِرْتِباكا

فَسارَ مَعَاكَ يَرتَشِفُ المَنايا
وأَرْفَلَ في العَذابِ ولا إِشتََكاكا

تَسَرَبَ في الجَوانِحِ ذُو ضِرامٍ
ليقْدَحَ في الضُلوعِ سَنى لَضاكا

فكانَ هُيامُهُ صَرْعَ اللياليْ
هُيامَ النُوقِ مِنْ عَطشِ الهَلاكا

تَعَوَّدَ أَنْ يَرى الإِخْلاصَ دَرْبَاً
وأَنْ تَجري المَسيرَةُ في هُداكا

فعاجَلَهُ المَصيرُ فَراحَ يَلويْ
ظَنيناً في خُطاه وما إزْدَراكا

هيَ الأَيامُ ما حَفِظَتْ عُهودَاً
ولا صِدْقَاً حَبَتْكَ كما حَبَاكا

أَراقَتْ مِنْ دِمائِكَ ما أَراقَتْ
وأغْرَتْ بالغَنيمَةِ مَنْ غَزاكا

فمَنْ لِيْ بَعدَما نَضُبَتْ دُموعِيْ
وفاضَ الحُزْنُ مِنْ أَلَمٍ، سِواكا

***

عِراقَ المَجدِ والذِكْرى سِهامُُ
نَشَبْنَ بِمُقْلَتَيَّ فَهَلْ أَراكا

جَلَبْنَ مَعَ النَوى سِحْرَ المَواضي
فَرُحْتُ أَصُوغُهُ شَجَناً بَكاكا

تَفجَرَ مِنْ وَريدِ الحُلْمِ بَحْرُُ
تَزاحَمَ مَوْجُهُ لَمّا سَقاكا

تَخَضَّبَ قانياً ثَغْرُ القَوافِيْ
يُحاكيْ فيكَ مِنْ أَلمٍ دَهاكا

فَطالَ الفَجْرُ فيكَ وما أَضاءَتْ
وجَفَ الرافِدانُ، أَسىً لِذاكا

***

أُسائِلُ كُلَّما ذُرِفَتْ دُموعُُ
إذا ما كُنْتَ تَنْعَمُ في عُلاكا

وعشْتُ مَعَ الجِراحِ أَنيسَ وَجدٍ
فَصارَ الجُرحُ مِنْ أَملٍ دَواكا

أُقاسِمُكَ الأَنينَ على إِصْطِبارٍ
وأَصْدَحُ بالحَنينِ على هَواكا

وكَمْ ناغَيتُ فيكَ رَنينَ قَلبيْ
وأّنْشَدّْتُ القَوافيَّ كَيْ تَراكا

يواصِلُ بَينَنا شَبْكُ البَواقيْ
وتَسْبَحُ في سَماكَ ذُرى لُقاكا

***

عراقَ العِزِ ذا حُكْمُ اللياليْ
تَبرَّمَت النُفوسُ إِذْ إِصْطَفَاكا

فَدَبْتْ مِنْ جحُورِ العَفْنِ نُكْرُُ
تُراوِغُ سَيرَها ورَمَتْ قَفاكا

تُداهِنُ في الحَقيقةِ ذي مَراءٍ
وتَحمِلُ زَيفَها وِدّاً مَعاكا

تُشاطِرُكَ الهُمومَ وليسَ تَبْغِي
فَلاحَكَ، بَلْ مُناشِدَةً رِضَاكا

يَسيلُ لُعابُها أَنّى أَناخَتْ
وأَنّى أَبْصَرَتْ عَجَزَاً أَتاكا

***

عِراقَ الحُبِ ما هامَتْ نُفوسُُ
بوَجْدِكَ غَفلَةً وَرَمَتْ شِباكا

وما بَعُدَتْ عَليكَ رِحابُ قَومٍ
إِذا الإِيمانُ أَلْهَمَهُمْ دُعاكا

تُعانِقُنا المَحَبَةُ حِينَ نَمْضي
وتَحْدو خَطوَنا جَزَلاً خُطاكا

أَنِسْنا مِنْكَ كُلَ الحُبِ شَوقَاً
وطُرْنا فيكَ ما وَسِعَتْ سَماكا

فإنْ دارتْ بِنا الأَفْلاكُ يَومَاً
مَدارُ الشَمْسِ كانَ لنا ضِياكا

***

عِراقَ الوَجدِ قَدْ بَنَتْ العَوالي
لمَجْدِكَ سُلَمَاً وَرَعَتْ حِماكا

وشَدَ مَعَ العَزِيمةِ مِنْكَ شَعْبُُ
تَرَبَعَ عَرْشَها وسَقا ضَناكا

يَعيشُ الناسُ في جَنْبَيكَ أَمْنَاً
وكَمْ لاذَ الفَزِيعُ الى ذَرَاكا

أَخا العَلياءِ ما عَتُُمَتْ دُرُوبُُ
ولا حُرِمَتْ مَسَالِكُ مِنْ سَناكا

يَشِعُ الكَونُ مِنْكَ شَبيهَ شَمْسٍ
تَلاشى نُورُها وطَغى بَهاكا

***

كَتَمْتُ الحُبَ في أَشْلاءِ رُوحيْ
أُناجِيْ كُلَ مَنْ حَضَنَتْ ثَراكا

وأَكْتِبُ لَوْعَتِي جُرْحَاً ودَمْعَاً
يُغَنْيهِ الفَهِيمُ ومَنْ عَداكا

أُفاخِرُ فيكَ كُلَ الناسِ طُراً
وأَحْمِي فيكَ ما مَلَكَتْ يَداكا

أَراكَ كَما يَرى العشاقُ قَلباً
تَدَفَقَ نَبْعُهُ لَمْا رَءاكا

عَقيقَ الشَرْقِ ما بَزَغَتْ شُمُوسُُ
ولا دانَتْ لِغَيرِكَ في صَفاكا

***

تَوَهَمَ مَنْ رَماكَ فَخابَ ظَناً
مُنيراً في ضُحاكَ وفي مَساكا

تَقاحَمَ مُدْرِعَاً يَبغيكَ شَراً
تَكسَّرَ رُمْحُهُ لَمّا رَماكا

فهَبَتْ مِنْ غَفيرِ الناسِ وَلْهى
تَزُفَ إِليكَ، ما يُرضي مُناكا

تَزِينُ بِكَ الحَقيقَةُ حينَ تَزهو
تَرى فيكَ الشُموخَ بِمَنْ فَداكا

كَأنْكَ في مَسارِ النَجمِ بَدْرُُ
مَسارَ الشَمسِ لو بَرَدُُ عَراكا

***

أَراكَ وفيكَ مِنْ حُزْنٍ، كَظِيمَاً
تَخَطى ناظِريكَ الى شِفاكا

فكَمْ فَرَحاً شَدَوتَ بهِ إِحْتِساباً
لِتَفْضَحَكَ العُيونُ بِما حَداكا

كَتَمْتَ الجُرحَ في جَنبَيكَ صَبْرَاً
وصَبْرَاً عشْتَ تَرْتَقِبُ المَلاكا

رَعاكَ اللهُ مِنْ وَشْمِ الأَماني
فَخَيرُ الوَشْمِ ما خَطَّتْ يَداكا

وما نَيْلُ المُنى حُلْمَ التَأَسِي
وهَلْ يَحْبو الوَليدُ بِلا حِراكا

***
***
***
***
30/10/2009
_______________________________________________
(1) أصغريه : قلبه ولسانه
 




























 

 





 










 

































 





















237
العراق وأيامه الدامية..!!

  باقر الفضلي


تتكرر الأحداث وعلى مدار الساعة، مُخضبةً صفحاتِ الصحفِ والفضائيات، بمانشيتات دموية، لا تعبر إلا عن مأساة الشعب العراقي التي طالته في كل زاوية من زوايا أمنه، وداهمته من كل حدب وصوب، وهي تحكي قصة مسلسل الأيام الدامية التي يتعرض لها الشعب العراقي، في حرب غير معلنة؛  لم تتحدد وسائلها ولن تعرف جيوشها، أو تسمى سوحها؛ حرب تُسفك فيها كل يوم، دماءُ أبناء هذا الشعب المغلوب على أمره، ويُدمر فيها الحرثُ والنسل، وهو أعجز من أن يرفع سلاحاً لمقاومتها، بل وأعجز من أن يتعرف على من يقف ورائها، أومن يغذيها، ومن يُذكي أوارُها..!؟؟


حرب لا زال حصادها لن ينتهي حتى اليوم، في ظل متاهة ضبابية دكناء من الصراع الخفي أو المعلن أحياناً، بين القوى المتنفذة وكتلها السياسية الفاعلة في العملية السياسية، وهو أمر سبق وأن جرى الحديث عنه مبكراً في المقالة الموسومة ( المثلث الساخن والصراع الخفي)، والتي نشرت في عدد من المواقع الألكترونية بتاريخ 8/شباط/2007 ، وهي لا زالت تحتفظ  بأسبابها على الصعيد الوطني والإقليمي والدولي، رغم مرور عامان من الزمن، مما دفعنا الى إعادة نشرها إرتباطاً بالجرائم الدموية المستنكرة الأخيرة في بغداد، في الأربعاء الدامي 19/8/2009 والأحد الأسود 25/10/2009، بهدف إلقاء الضوء على طبيعة الصراع الدائر في المنطقة والتشابك السياسي على جميع المستويات الداخلية والإقليمية والدولية..!!؟

28/10/2009


*****


المثلث الساخن والصراع الخفي...!!
باقر الفضلي



أصبحت مفاهيم علم الرياضيات وعلم الجغرافية والفلك، أدوات جديدة لقياس مدلولات المقولات السياسية، والتعريف بعقد الإرتباط بين هذه المقولات، وبالعوامل المشتركة التي تجمعها أو تفرقها؛  فالمثلث والهلال والقوس و..الخ من المسميات الأخرى باتت تقترن بمفردات أخرى لتعطي مفاهيم  جديدة، ولتعبر عن مدلولات سياسية معينة، يبني عليها الكثير من المحللين والنقاد تصوراتهم وإستنتاجاتهم بشأن أي حدث سياسي في المنطقة المقصودة بالتسمية، على ضوء ما تعنيه تلك التسمية من مدلول ديموغرافي جغرافي – سياسي..!


فما يتعارف عليه اليوم ب"المثلث الشيعي" في منطقة الشرق الأوسط، يعني بالمدلول الجغرافي، تلك الدول التي تقطنها مجموعات كبيرة من السكان التي تدين بالمذهب الشيعي، أو أنه يمثل أغلبية بين سكانها. وهذا يعني بالمفهوم المقابل، أن هذه البلدان يجمعها عامل مشترك هو ( المذهب الواحد)، وبالتالي وفي العرف السائد في الأوساط السياسية والإعلامية، يعتبر هذا العامل المشترك عاملاّ موحداّ للقوى السياسية في هذه البلدان وهو يقف وراء إتخاذ مواقف موحدة أزاء القضايا السياسية في المنطقة أو تلك التي تخص بلدانها..!؟ ولكي يعتبر هذا التفسير لهذا الشكل الهندسي – السياسي، تفسيراّ منطقياّ من الناحية الإستقرائية، يلجأ القائلون بنظرية الهندسة الديموغرافية السياسية الى المفهوم المعاكس لمقولاتهم تلك، فحيث أن المثلث المذكور مبني على أساس أن أضلاعه من مذهب واحد، وإن إختلفت مكونات زواياه نسبياّ،  فإن أساس قاعدته طائفي؛ ولا بد والحال، وبحكم المنطق الهندسي المذكور، من وجود شكل هندسي آخر ومن طائفة مذهبية أخرى، كي يحصل التوازن المطلوب ولتتحقق فرضية الطائفية السياسية منطقياّ..! وهكذا ولتحقيق ذلك، جرى التعارف على تسمية المحور الثاني وعلى أساس المبدأ الجغرافي ب(الهلال السني) وتم بناء قوسه على نفس الأسس..!


من هذا المنطلق والفهم المجتزيء للحقيقة، تجري تجزئة المنطقة وفق إعتبارات طائفية، لا تربطها بالواقع الإجتماعي – السياسي أي علاقة، بقدر ما أنها تخفي وراءها حقيقة الأهداف الطبقية المعبرة عن المصالح الخاصة، التي تدفع بأصحابها الى التلبس بأي لبوس يساعدها على التعتيم وفي إخفاء تلك المصالح..!
 ففي منطقة كمنطقة الشرق الأوسط، التي أغلبية سكانها من العرب المتدينين، ويشكل فيها سواد الناس من الفقراء، أغلبية كبيرة، شيعية كانت أم سنية، تتسم بضعف الوعي والتدني في نسب التعليم والثقافة، وتعاني من إنتشار الأمية، وتتميز بإلتصاقها الشديد بمعتقداتها الدينية؛ يصبح من المسلم به،  أن تكون تلك الفئات هي الأكثر تقبلاّ لأي إثارة تتعلق بمقدساتها الدينية المذهبية، وهي على أتم الإستعداد للجري وراء أي شعارات تستقطب تلك المقدسات، دون وعي منها بحقيقة الأهداف التي يقصدها واضعوا تلك الشعارات..!


إن ما يجري اليوم من تقسيم الصراع في مجمل المنطقة، على أساس طائفي، كما هو الحال في العراق على نطاق محلي، إنما هو في الحقيقة عملية تعتيم على حقيقة الصراع الدائر بين العديد من الطوائف السياسية، والذي يبدو في ظاهره صراع طائفي - وهكذا يروج له من قبل أصحابه ومن قبل جميع الجهات الاخرى ذات المصلحة -،  إنما هو في جوهره، صراع يدور بين مختلف شرائح المجتمع المتخندقة الآن في تشكيلات سياسية ومنظمات عسكرية كالمليشيات وعصابات الإجرام وغيرها من التشكيلات غير المنظبطة ، للمسك بأكبر نصيب من ثروة المجتمع المهدورة بحكم الإحتلال وإنحلال الدولة، والسعي  وبذل أكبر الجهد والتصميم، للأستحواذ عليها  من خلال التفرد بالسلطة، والذي بدوره يتطلب النفوذ والهيمنة مع أكبر قدر من القوة المسلحة في ظل ظروف فقدان الدولة؛ حيث أن هذا لا يمكن تأمينه عن طريق الوسائل الديمقراطية التي عرفتها البلدان المتقدمة، بعد مسيرة كفاحية طويلة، لا لشيء وإنما لفقدان القاعدة الحقوقية لوجود مؤسسات للدولة، يمكنها أن تسير بالعملية السياسية وفق ضوابط قانونية ودستورية..! خاصة وإن عملية التطور الإقتصاإجتماعية لا زالت تحبو في تطورها، إن لم تكن قد أصابتها إنتكاسات خطيرة عرقلت من سيرورتها بل وحتى أوقفتها وجعلتها تراوح في مواقعها إن لم ترجع أشواطا الى الوراء...!


 وكل ما تم بعد ذلك من مؤسسات جديدة كالبرلمان والدستور، وتشكيل حكومة جديدة، فقد تم في ظل إطار حالة من  الفراغ السياسي والأمني والمؤسساتي،  حيث لم يتوفر لها الكفاية من الوقت كي يصبح تأثيرها فعالاّ ومؤثراّ على الصعيد العام، خاصة وفي ظل ظروف العراق بعد إنهيار الدولة ، إذ لم تتوفر تلك القوى التي كان يفترض أن يكون بإمكانها الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنشئاتها الصناعية والإجتماعية وهياكلها الأمنية، بل على العكس من ذلك؛ حيث كان موقف تلك القوى التي وجدت بعد إنهيار الدولة ، والمقصود بها قوات الإحتلال، موقفاّ غاية في السلبية وعدم الإهتمام، إذ كان تخريب وسرقة مؤسسات الدولة يجري أمام عيونها، بل وحتى بمشاركتها في كثير من الأحداث...!


فليس من باب الصدفة أن تلجأ تلك الفئات التي تطمح بالصعود الإقتصادي، وهي جلها من أصول برجوازية تجارية أو ريفية أو فئات طفيلية تهيأ لها أن تغتني وتشكل مراكز نفوذ إقتصادية- سياسية  جديدة في المجتمع بحكم ثرائها المستحدث بعد الإحتلال، أن تلجأ الى العباءة الدينية، وتغلف المسميات الجديدة لأحزابها وتنظيماتها المختلفة بالتسميات الدينية، وتلقي عليها مسوحاّ من القدسية الدينية بربطها وتأمين وجودها بمراجع دينية، لم تكن يوماّ طرفاّ ظاهراّ في اللعبة السياسية. وهذا ما متعارف عليه اليوم  ب"الإسلام السياسي"، وهي، في تقديري، تسمية غير دقيقة من الناحية الموضوعية، بل إنها تمنح أصحاب تلك الأحزاب شرعية دينية مقبولة في مواجهة بسطاء الناس، وتساعد على إخفاء الحقيقة الطبقية لتلك المكونات، شيعية كانت أو سنية، وتجعلها في حما الطقوس الدينية والمذهبية، بعيداّ عن أي نقد أو لوم بل وحتى عتب مهما قل شأنه، وهذا ما ينشده ويروج اليه أصحابها. وبذلك لم يبدو مستغرباّ بعد ذلك، أن تتدفق الملايين من الجماهير وراء قيادات تلك المنظمات السياسية ذات الواجهات  الدينية وبمختلف أشكالها ومنابعها، جاهلة أهدافها، ومبدية إستعدادها للقيام بكل ما يمكن أن يطلب منها تحت تأثير مقدسات الطائفة المذهبية..! ولا غرابة في الأمر إذا ما علمنا بطبيعة القاعدة الثقافية والفكرية، ومستويات التطور الإقتصادي الإجتماعي لمجتمعات تلك البلدان..! ولذلك تبدو مثل هذه المنظمات السياسية هي الأكثر قبولا في الأوساط الإجتماعية في بلداننا في مثل هذه الظروف..!؟


هذا ضمن النطاق المحلي، ولكنه على النطاق الإقليمي يختلف كلياّ، فالتمذهب الطائفي في العراق على الأساس الشيعي أو السني على سبيل المثال، لا يجمعه رابط مع ما يجري الحديث عنه فيما يخص التشيع في سوريا أو في لبنان وأيران. فالتشيع العراقي بالنسبة للعراقيين وغالبيتهم من الفلاحين وكادحي المدن ورغم أنهم يشكلون أغلبية مذهبية سكانية، لا يعبر عن أية أواصر لعلاقة مذهبية حميمة مع الشيعة في لبنان أو سوريا. وإن كان هناك ثمة روابط معينة، فهي في الأساس روابط تحكمها المشاعر العرقية قبل غيرها من المشاعر، وإن وجدت ، فهي بين نخب دينية من أبناء الطائفة من تلك الأطراف، تحكمها في الغالب مصالح متبادلة تتمحور أساساّ حول الشؤون الدينية والحوزوية المذهبية. وكذلك الحال بالنسبة للشيعة في إيران، أو الهند أو باكستان، فهي ليست بتلك المتانة والقوة التي يعتقدها الكثيرون ويبنون عليها نظرياتهم وإستنتاجاتهم في التحليل للمواقف السياسية..!


فما يجري البناء عليه اليوم، من "توحد" المواقف السياسية في كل من لبنان وسوريا والعراق وإيران كما يشاع، بإعتباره ناجم من الإنتماء المذهبي كأساس لذلك، وان كان هذا مشكوك فيه لتباين الأجندات، فهو لا يعبر في الواقع عن حقيقة الدوافع لهذا "التوحد" في المواقف، بقدر ما هو تسويف لطبيعة المصالح التي تتفاعل ديناميكيا بين القوى السياسية الموجودة في هذه البلدان والتي تخوض صراعاّ متعدد الإتجاهات والأهداف، شاءت الصدف أن يكون الإنتماء المذهبي أحد الروافع المساعدة لتحقيق هذا "التقارب"، والذي هو في جوهره متناقض متباعد.  فالأجندة الإيرانية وما تضمه من أهداف محددة لا يجمعها أي جامع مع الأجندة العراقية الهادفة الى بناء الدولة وتأمين الإستقرار وبالإتجاهات التي تخدم مصالح الفئات الجديدة التي تلتقي بشكل أو بآخر مع المصالح الأمريكية في المنطقة حيث هذه الأخيرة تتقاطع مع المصالح الأيرانية التي بدورها تعمل إيران على وضع العصي في عجلة تحقيق تلك المصالح (الأمريكية) من خلال إستخدام التقارب المذهبي بينها وبين العراق..!


   وليس مستغرباّ من ناحية أخرى أن تعمل قيادات بعض النخب السياسية ذات المنشأ الديني الحاكمة في العراق الآن، جاهدة لتقريب وجهات النظر بين الجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة وبين أمريكا من جهة أخرى، من أجل ايجاد مخرج لها من حالة الإزدواجية التي تعاني منها في طبيعة علاقتها المتعارضة بين إيران وأمريكا..! ولا يعني هذا من جهة أخرى إنعدام وجود أطراف معينة بين الطوائف الدينية من الأغلبية الشيعية في العراق من تبني مواقفها طبقاّ لنظرية (ولاية الفقيه الإيرانية)، بل وتعمل جاهدة لأن يشرع لها عراقياّ وإن كان ذلك وفق أشكال أخرى..!؟


 وكذا هو الحال بين العراق وسوريا. ونفس الشيء يحكم الأمر بين العراق ولبنان..! ومن هنا يمكن القول؛ بأن كل هذه الأطراف مجتمعة تحكمها مصالحها الخاصة، قبل أن توحد مواقفها وحدانية المذهب كما يقال. وأي منها يعمل جاهداّ على أن تبنى علاقاته مع الأطراف الأخرى وفقاّ لما تحدده تلك المصالح، وليس طبقاّ لما تحكمه تقاليد وأعراف المذهب نفسه، حتى وإن لبست تلك العلاقات لبوساّ دينياّ أومذهبيا..! 


وكي يبدو الأمر أكثر منطقية، بأن القول بالتوحد المذهبي لا يمكنه أن يكون سبباّ في التقارب الحاصل اليوم في مواقف بعض تلك الدول، هو التقارب الإيراني مع الحركة الإسلامية (حماس)، فهو لم يبن على أساس مذهبي لإختلاف المذهبين بين الطرفين، رغم أن كليهما مؤطرين ومؤدلجين دينياّ، بل إن أساسه المصالح المتبادلة في التمحور وراء أهداف متباينة في مقاصدها، متفقة في وسائلها، حول كيفية توظيف القضية الفلسطينية في الصراع الدائر في المنطقة على الصعيدين الاقليمي والدولي، رغم عدم التكافيء بين طرفي المعادلة..!  وكذلك الحال في العلاقة المشتركة بين حركة (حماس) مع (حزب الله) في لبنان، رغم الإختلاف في الإنتماء المذهبي، فهما يتقاسمان نفس النظرة فيما يتعلق بالقضيتين الفلسطينية واللبنانية، رغم إختلاف أجنداتهما في ما يتعلق بالنسبة لكل قضية على إنفراد، ولكن يجمعهما نفس الخيط الذي يجمع ايران وحماس، حيث تشكل (ايران) في اللعبة السياسية القاسم المشترك بين الطرفين، وكما هوالحال في طبيعة العلاقة بين حماس وسوريا المختلفتين مذهبيا..!


فالمذهب الشيعي على سبيل المثال ، لا يمثل قاسماّ مشتركاّ بالمعنى الدقيق "للتقارب الإيراني- السوري- اللبناني (حزب الله)- العراق" مع ما يشوبه من تعارض واضح في المقاصد والأجندات، حيث أن عوامل التوازن والتكافيء الإقتصادي والسياسي  بين مكونات هذا "التقارب" مقطوعة من جذورها، وليس ثمة ما يجمع بين هذه الأطراف، غير إلتقاءها الميكافيلي لدرء ومجابهة الأخطار التي تهدد مواقعها الجيوسياسية في الواقع العملي، وعلى صعيد الصراع المحلي والإقليمي-الدولي. وكل طرف من هذه الأطراف يجد نفسه في حاجة للأطراف الأخرى، لضمان تواصله في الثبات على مواقفه السياسية التي تجابه في كثير من الأحيان، رفضاّ من قبل المجتمع الدولي أو الجبهة الداخلية..! كما وليس من باب الإكتشاف القول ؛ بأن هذه الأطراف تتفاعل في علاقاتها مع بعضها من خلال مبدأ المصالح المتبادلة، حتى وإن بدت موازين تلك العلاقات تميل في الغالب الأعم الى جانب الطرف الأكثر جبروتاّ من حيث القوة والتأثير الإقليمي والدولي، لدرجة تبدو معه الأطراف الأخرى وكأنها مجرد أذرعة يجري تحريكها طبقاّ للأجندة الرئيسة للطرف المذكور..!


وليس إشكالية العلاقة بين العراق وإيران من جهة والعراق وسورية و(حزب الله) من جهة أخرى، تخرج عن دائرة هذا الإطار، وإن إختلفت بعض الشيء في حالة العلاقة بين العراق وإيران كما بينت أعلاه. وقد كشفت أحداث الأيام الأخيرة حقيقة تلك العلاقة الهشة على سبيل المثال بين العراق وسوريا، أو العراق وحزب الله، ، حيث لا مكان للحديث عن مثلث "شيعي" بقدر ما هو حديث عن أهداف متباينة وأجندات مختلفة،  ساعد وجود ايران كمنظم ومؤثر ولاعب أساسي في الصراع السياسي الأقليمي في المنطقة، على إكسابها مظهر التوحد المذهبي ، أو الإيحاء بذلك، يساعدها تمسك بعض أطراف هذه العلاقة بمقولة (ولاية الفقيه) كأساس حقوقي لنظام الحكم..!

 
إن ما يقال ويكثر الحديث عنه في وسائل الإعلام ، عن المثلث الشيعي وما يقابله من هلال سني، لا يعكس الحقيقة ولا يساعد على كشف الحقائق التي تقف وراء هذا "التقارب المتصور" بين مكونات أي من الاطراف المختلفة. فطموحات جميع الأطراف تعبر عن واقع الصراع على صعيد كل طرف منها وعلى صعيد المنطقة بشكل عام..!


ومن البدهي أن تسعى كافة القوى المتصارعة وخاصة تلك القوى المسماة بقوى "الإسلام السياسي" والمنتشرة في مناطق الصراع الساخنة في الشرق الأوسط، ، الى غطاء شعبي واسع لإضفاء الشرعية المناسبة على تطلعاتها، ولهذا تلجأ الى خطاب "البناء الديمقراطي الجديد"، والمعبر عنه بالمحاصصة الطائفية، كما هو الحال في العراق، لأحتواء حالة التأزم النفسي والكبت وغياب الديمقراطية التي عانى منها الشعب العراقي طيلة ثلاث عقود من الحكم الدكتاتوري الإستبدادي، أو خطاب المقاومة المدعوم معنوياّ ومادياّ بسبب إستمرار تواجد الإحتلال، كما هو الأمر في لبنان وفلسطين، لما لها جميعاّ من تأثير واسع النطاق على الجماهير، خاصة إذا ما جرى تأطيرها بمسحة دينية مذهبية أقرب في تأثيرها من أي منطق سياسي آخر.  فلا غرابة إذاّ، وبقدر ما يتعلق الأمر بالشأن العراقي أن تلجأ القوى السياسية الأخرى من معتنقي المذهب السني ،  الى المنطق المعاكس  داعية الدول المجاورة من معتنقي المذهب نفسه، مطالبة بتأييدها ورفع "الظلامة" عنها، والعكس صحيح من الجانب الآخر بالنسبة لمعتنقي المذهب الشيعي، رغم إدعاء كلا الطرفين بنفي طائفيتهما..!؟


 وهكذا يتعانق "المثلث والهلال"، ليخفيا حقيقة الصراع الطبقي على المصالح الإقتصادية المستعر الأوار بين تلك الفئات، والبعيد كل البعد عن الصراع بين المذاهب، رغم إتخاذه لهذا الشكل وبإرادة مسعري ذلك الصراع نفسه، وبدعم وتأييد من له مصلحة في تأجيجه..!؟ ولست هنا في وارد البحث في تفاصيل ذلك الصراع وتشعباته..!


 وفي جميع الأحوال يتمحور الأمر نحو هدف واحد يشترك الجميع ومن كلا الإتجاهين المذهبيين في السعي للوصول إليه  وهو التمسك ب(السلطة) حتى وإن كانت هشة أو هلامية أو لم تكتمل معالمها بعد..!  فالابعاد السياسية لكافة الاطراف مهما اختلفت في مسالكها وتاكتيكاتها اليومية، فانها تلتقي في تطلعاتها واهدافها في نقاط مشتركة وموحدة ، يصبح معها أشكال المثلث والهلال والاشكال الاخرى، سوى تعبير ليس ذي مغزى..!


وفي خضم هذا الصراع تذوب المصالح العليا لشعوب تلك البلدان في بحر دماء أبناءها، لتطفوا على أمواج هذا البحر مصالح النخب والفئات السياسية التي تقف وراء هذا الصراع..!


فبرك الدماء التي تغطي ربوع العراق والخراب الإقتصادي - الإجتماعي الذي تتعرض له البلاد وسيادة العنف والعنف المضاد، وإستشراء الفتك الإرهابي بصوره المتعددة، جميعها تشكل لوحة تراجيدية لبلد إرتهنته مصالح متصارعة من جميع الأطياف الدولية والإقليمية والمحلية، محولة ربوعه الآمنة الي ساحات لتصفية حساباتها، سلاحها الوحيد والمفضل، هو القتل ثم القتل ثم القتل، حتى يأتي اليوم الذي تهدأ فيه النفوس، وتخلو الساحة للأشد الأقوى، ليتربع العرش، متوجاّ فوق ركام الملايين من جماجم ضحايا الصراع من أبناء الشعب العراقي ، ليغرس شتلاته الجديدة، لتينع على ضفاف نهر دماء الضحايا، الذي سفكته أيدي المتصارعين ولاعبي السياسة المحدثين، ناهيك عن بطش المحتلين، الذي تجاوز في حدوده الإعتبارات الأخلاقية والقانونية، ومباديء حقوق الإنسان..!؟


وليس بعيداّ عن شبكة هذا الصراع ذي الأوجه المتعددة، ما يدور اليوم في الساحة السياسية اللبنانية، التي أنهكتها نتائج حرب تموز/ 2006 وما جرته عليها من ويلات وخراب لايمكن أن يتناسب مع قدرات وإمكانات بلد صغير مثل لبنان، من إحتقان سياسي وتمزق في النسيج الإجتماعي، لدرجة يمكن القول معها؛ بأن إخفاق لبنان في التوصل الى شاطيء الأمان وإعادة بناء ما خربته الحرب، إنما هو من نتائج توظيف المسألة اللبنانية وإستغلالها كأحد الروافع الفعالة في توسيع رقعة الصراع الإقليمي- الدولي في المنطقة لمصلحة المتصارعين وعلى حساب مصالح الشعب اللبناني نفسه..! وضمن هذه الأستراتيجية، تدخل سيناريو وقف تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (1701) أو على أقل تقدير عرقلة تنفيذه..!


ومن المؤسف حقاّ والمحزن ايضاّ، أن تنطلي لعبة الصراع نفسها على الساحة الفلسطينية، التي يجد فيها الجميع تلك الساحة الأكثر نقاءّ والأكثر تفهماّ لطبيعة الصراع الأقليمي والأكثر تجربة والأغنى خبرة، فتنجر بعض فصائلها الوطنية المقاومة وفي مقدمتها حماس وفتح، الى لعبة الصراع الأقليمي – الدولي، المتفاقم في المنطقة، لتشارك، وأتمنى أن يكون ذلك بحسن نية، في تحويل الساحة الفلسطينية الى ميدان لصراع الآخرين ، معطلة بذلك المسيرة الديمقراطية النبيلة التي إنتهجها الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل من أجل الإستقلال وقيام دولته الحرة. ولعل في صيحة الكاتب الفلسطيني الأستاذ محمد موسى مناصرة مدير إدارة موقع (الحارس للدراسات والإعلام الألكتروني)، المنشورة في الموقع بتأريخ 28/1/2007 تحت عنوان(إرفعوا أيديكم عن شعبنا...!) ، ما يغني عن المزيد من القول وما يعبر عن مشاعر ووجدان ، ليس فقط الشعب الفلسطيني وحسب ، بل كل أبناء الشعوب العربية التي تضع القضية الفلسطينية في القلب من إهتماماتها، لما تراه من إقتتال الأخوة وسفك دماء كان حرياّ بأن تقدس، لأنها دماء الأبرياء من أبناء هذا الشعب المناضل، الذي لا زال يقف صامداّ بوجه نظام الإحتلال الإسرائيلي المتعفن..! 


كل ما يأمله المرء أن يفق قادة الفصائل الفلسطينية مجتمعة وأن يثبوا الى رشدهم، وينبذوا بعيداّ الأجندة التي رسمت لتوظيف قضيتهم وحرفها بالإتجاه الذي يخدم مصالح المتصارعين في المنطقة..! وعسى وأقول عسى، أن تكون دعوة العاهل السعودي لإجتماع قادة فتح وحماس في مكة هذه الأيام، من بواعث حفز الأمل بأن يستجيب قادة المنظمتين الوطنيتين الى منطق الحوار ، الهادف الى التحلي بأعلى قدر من الشعور بالمسؤولية، ووضع مصلحة الشعب الفلسطيني العليا فوق أية مصلحة أخرى، وبما يدفع الى إعادة ثقة الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم الأخرى بعدالة القضية الفلسطينية، ووحدة فصائلها المناضلة، وينجح التجربة الديمقراطية الفلسطينية في تبادل السلطة، وعدم الإستئثار بها لتعزيز مكاسب حزبية ضيقة مهما كانت الإعتبارات..!


من كل ما تقدم نخلص الى القول ؛ بأن ما يروج له كثيراّ من تحميل طابع الصراع المحلي- الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وتحديداّ المنطقة العربية، توصيفاّ طائفياّ، لا يعكس في حقيقته جوهر الصراع المذكور من كونه صراعاّ مركباّ ومعقداّ غاية التعقيد، تشترك فيه وتمارسه قوى كونية وإقليمية ومحلية، تختلف في أجنداتها بعضها عن البعض الآخر، من حيث المقاصد والأهداف، التي في أغلبيتها تتمحور حول مصالح إقتصادية توسعية وذات طبيعة هيمنية تقف في مقدمتها مصادر الطاقة، تدفع الى التشابك بخيوط متداخلة متعارضة، لا يكون فيها التمذهب الطائفي سوى أحد تلك الخيوط التي تلعب دوراّ له ما يميزه من التأثير المباشر على النتائج المتوقعة من قبل جميع الأطراف لعملية الصراع المذكورة، وفي مقدمتها أمريكا وأيران اللاعبان الرئيسان في هذه العملية..!   
   

           

238
العراق: كرسي البرلمان..!!

 باقر الفضلي


لم يعد بعد الآن، بالنسبة للأحزاب والكتل السياسية المنضوية تحت سقف مجلس النواب الحالي، ما يقف حجر عثرة في وجه أي منها لتحديد الجهة والمسار الذي يركن اليه، ليضمن وفقاً لتقديراته الخاصة وحساباته البراغماتية، وخرائطه الجيوسياسية، "العودة المظفرة" مجدداً الى الكرسي المريح الذي سيغادره قريباً؛ تحرقه لوعة الفراق وتشده حمى الإشتياق..!!


فقد أثبتت تجربة السنوات الاربع الأولى من عمر مجلس النواب الموقر في "العهد الجديد"، حقيقة ما يعنيه مفهوم "كرسي البرلمان" بالنسبة للمواطن، كما هو الأمر بالنسبة للنائب عضو البرلمان؛ وبإختصار شديد يمكن القول؛ بأن هذا "الكرسي الفريد" ، هو بحق، وفي ظل أوضاع العراق الحالية، أمسى "مسحوراً ملعونا"...!؟


الى حد هذا لم ندخل الى صلب ما يعنيه "كرسي البرلمان" بالنسبة للحياة السياسية، أو الى دوره المتميز والفريد في تأثيره ومعناه في الحياة الديمقراطية، وما يُبنى عليه من واقع الحال أو حياة البلاد المستقبلية..!


فبقدر ما تتفهم الأحزاب السياسية لهذه الحقائق، وتدرك ما يمثله الكرسي البرلماني من أهمية متفردة في حياة المجتمع والبلاد، بقدر ما ينعكس ذلك إيجاباً على مجمل العملية الإنتخابية ويعطيها مدلولاتها الحقيقية في مسار الحياة السياسية، ويعبر عن مضامينها الديمقراطية؛  وبعكسه، فلا يمكن أن تعبر العملية الإنتخابية في مجملها، إلا عن عملية شكلية صورية فاقدة لكل معانيها الإيجابية، إلا بالقدر الذي رسمته لها الجهات المعنية؛ بأن تأتي تلك العملية وفقاً لما تريد وما تستهدف..!!


وفي مقدمة كل ذلك تقف أمور في غاية الأهمية بالنسبة لوظيفة الكرسي الإنتخابي، فمنها على سبيل المثال وليس الحصر :

•   آلية الوصول الى الكرسي البرلماني
•   شرعية المرشحين للإنتخاب

      فالحالة الاولى، تدخل ضمن أحكام قانون الإنتخاب، أما الثانية فتكون خاضعة لأحكام قانون الأحزاب، وكلا القانونين يمران، والحمد لله،  بمخاض عسير في أروقة مجلس النواب الآن وهما يجابهان الكثير من المعوقات والعثرات..!


والغريب في الأمر، أن القوى السياسية الرئيسة والمتحكمة بمصير العملية السياسية في العراق اليوم، هي نفسها من يتخبط بمستقبل هذه العملية، وهي رغم إدراكها لما آلت اليه ثوابتها في المحاصصة والتمسك بالطائفية السياسية والعرقية والتوافقية اللاديمقراطية، من نتائج كارثية على واقع البلاد والمجتمع العراقي بكل تشكيلاته ومكوناته الأثنية، تراها الآن وقد أخذ الوقت بخناقها، إذ لن يفصلها عن موعد الإنتخابات سوى أيام معدودة، تحاول التغطية على إخفاقها، بالمماطلة والتسويف من أجل قطع الطريق أمام تشريع قانوني الأحزاب والإنتخابات، ليصار الى إعتماد قانون الإنتخابات الساري  رقم 16 لعام/2005  بكل سيئاته  ولا ديمقراطيته..!؟



فالصراع الدائر على أشده في مجلس النواب، والذي تنعكس إرهاصاته على صعيد الشارع، حول مفردات قانون الانتخابات، وكأنه يدور في حلقة مفرغة، إنما يعبر عن الأرضية الهلامية لواقع العملية السياسية نفسها، والتي نُصبت منذ البداية على أسس من التمايز الطائفي والإثني، في نفس الوقت الذي تميزها فيه، طبيعة التناقضات التي تسير الإتجاهات المتباينة للقوى السياسية المتصارعة، وهذا ما يضع العملية الانتخابية القادمة نفسها في مهب رياح تلك القوى لتسيرها وفق مصالحها الخاصة، بما يوفر لها القسط الاكبر من ضمانات النجاح بالعودة مجدداً الى نفس مواقعها ونسبها الحالية في مجلس النواب، وبالتالي فإنه من تحصيل الحاصل أن تتشبث بعض تلك القوى والتحالفات بأحكام القانون السابق (الحالي)، لما وجدت فيه من ضمانات مؤكدة لعودتها المنشودة..!؟؟


ومن نافل القول؛ أن يأخذ الجدل وضروب المماحكات المختلفة على الصعيد الإعلامي والبرلماني، حول آلية الإنتخابات؛ فيما إذا كان ينبغي الأخذ بنظام القائمة المفتوحة أو نظام القائمة المغلقة، أو فيما إذا كان يفضل الأخذ بالمنطقة الإنتخابية الواحدة أم المناطق المتعددة؛ من نافل القول، أن يأخذ مثل هذا الجدل، كل هذه الحمية والسخونة،  وبأن يشمل كافة أوساط المجتمع، وأن تُقحم فيه أوساط يفترض فيها البعد من التدخل بالشأن السياسي، طالما تحكم البلادُ نفسَها بالدستور والقوانين والمؤسسات الدستورية..!؟؟


فعلى الصعيد الميداني، لم تنقطع زيارات بعض القادة السياسيين الى المراجع الدينية لطلب البركة والدعم، ولتعلن نفسها مظللة بعباءة المرجعيات الدينية، بقصد التأثير عاطفياً على قرار الغالبية العظمى من المواطنين من الذين يتظللون ببراكات تلك العباءة،  رغم أنهم ما إنفكوا يرددون بلا إنقطاع،  تخليهم عن الطائفية أو الترويج  لكل ما يمت لها بصلة..!


 وعلى نفس المنوال إندفعت نفس تلك القوى الى إعادة ترتيب إصطفافاتها وفق معادلة جديدة من الشعارات الأقرب الى نفوس المواطنين، نابذة بعيداً شعاراتها السابقة التي إصطفت بموجبها في تحالفات طائفية وإثنية، حيث كشفت التجربة الميدانية لإنتخابات المحافظات عدم صلاحيتها، وإنفضاض الجمهور من تأثير سحر كلماتها، وبالتالي وعلى مستوى التكتيك الإنتخابي لم تعد شعارات مثل الطائفية  والمحاصصة، صالحة للتمسح بها في ظل ظروف الإنتخابات القادمة، ولهذا وعلى المستوى الشكلي ترى جميع القوى السياسية التي تمسكت سابقاً بشعار الطائفية، تتخلى عن هذا الشعار اليوم، ولنفس الأسباب، لتحمل بدلاً عنه، لافتة الوطنية والمواطنة، ومكافحة الفساد الإداري والسياسي، في وقت تشكل نفسها فيه، الحاضنة الحقيقية لمثل هذا الفساد بشتى أشكاله، وبصفة خاصة على صعيد سلطة الحكومة وأجهزة الدولة..!


ومع ما أفرزته العملية الإنتخابية الأخيرة من إستقطابات جديدة على المستوى  السياسي، وبما شكلته من إنقسامات وتحالفات جديدة،  فإنها في الحقيقة لم تذهب بهذه الإستقطابات عميقاً في جذور العملية السياسية، كي تفرز قوى وتحالفات سياسية  تعكس حقيقة طموح وحاجات الطبقات الإجتماعية المختلفة التي تمثلها، بقدر ما مثل تشكلها الإنتخابي الجديد، سوى حراك سياسي شكلي لهذه القوى على السطح السياسي، لتعيد بناء تشكيلاتها (القديمة الجديدة) على نفس الأسس التي بنيت عليها العملية السياسية منذ البداية. أما الإستقطابات الجديدة في صفوف تلك الإئتلافات، فإنها إنحصرت في شخوص قياداتها ليس إلا، وبصدد خطابها الإنتخابي فليس هناك ما يميز بعضها عن البعض الآخر، إلا من خلال درجة الهيمنة الإعلامية التي إستأثر بها البعض منها على حساب الآخرين ..!؟


فما عكسته التحالفات الجديدة وبمختلف تسمياتها البراقة، لم يكن في حقيقته إلا تجسيد عملي لذلك الواقع، ويكفي دليلاً على ذلك، التحالفات الجديدة على المستوى الطائفي (الشيعي والسني)، أم على المستوى الإثني(الكردي)، حيث أنها توحدت في نطاق نفس أطرها السابقة وشخوصها القديمة، وإن إختلفت في العناوين؛ وبمعنى آخر فإن هذه التحالفات السياسية الإنتخابية بشكلها الجديد، لا تشكل من حيث المحتوى والجوهر إلا تخندقاً وتمترساً جديداً لهذه القوى في نفس خنادقها القديمة من الطائفية والإثنية التي بنيت عليها العملية السياسية رغم بعض الرتوش الجديدة المضافة هنا وهناك، على أصل اللوحة القديمة، لتبدو اللوحة أكثر نشازاً في مشهدها الجديد عن السابق..!؟


 ولا يشكل إخفاق مجلس النواب في إقرار قانون الإنتخابات الجديد، وإعتبار مسألة إقرار القانون مشكلة مستعصية على الحل في مجلس النواب، بعد أن أقحمت بها مسألة كركوك لتزيد الطين بلة، وهو أمر دفع حتى برئيس مجلس النواب إعلان أسفه لحدوثه،(*) وبالأخير إحالة المشكلة بقضها وقضيضها الى (المجلس السياسي للأمن الوطني)، لتدبر الحال والخروج من المأزق الذي وجد المجلس نفسه فيه وهو عاجز عن البت في الأمر، أقول لا يشكل هذا  إلا تعبير ملموس عن حقيقة الواقع السياسي المبني على دعائم الطائفية والإثنية، والمؤطر بإطار "المحاصصة والموثق بالتوافق السياسي المصلحي"، بعيداً عن مشترك المواطنة كقاعدة حقوقية للجميع؛ ولعل في تحميل رئيس مجلس النواب (القيادات السياسية العراقية) الممثلة في (المجلس السياسي للأمن الوطني) رغم عدم دستوريته، المسؤولية في تحمل ذلك، ما فيه الكفاية..!؟(**)


إنه ومن خلال كل ما أظهرته المماحكات والشد والجذب داخل مجلس النواب خلال الايام الماضية حول تعديل قانون الإنتخابات، فقد أثبت " كرسي البرلمان" مدى أهميته في الصراع الدائر بين تلك الكتل السياسية وخاصة القابعة منها في دست السلطة وصاحبة الأغلبية البرلمانية، لا بإعتباره وسيلة لتمثيل الشعب حسب، بل مجرد غاية بحد ذاتها؛  وكما يبدو إنها تستحق كل هذا العناء الذي خاضه السادة النواب الحاليين. والأمل أن لا تتحول الإنتخابات القادمة الى مجرد "لعبة الكراسي" التي  سبق وأشرنا اليها فيما مضى..!؟(3)   
___________________________________________________ (1)http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=3212   
       (2)      http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=3215
            (3)   
       http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/15val.htm
   





 

     







         



 

 












 


239
"الكهرباء" بين الحقيقة والإدعاء..!!


باقر الفضلي


حينما تلبس الحقيقة لبوس الفضيحة، يصبح من الميسور الركون الى السخرية او تنظيم الرجز والقصائد الشعرية، فالكهرباء في العراق، وهي من بدع العملية السياسية، بل آفتها السرطانية، التي وقفت أمامها كل حكومات العهد الجديد، وآخرها حكومة "المنجزات الوطنية"، وقفة العاجز المفحوم، وهي لن تلوي على شيء، سوى رمي الكرة في ملعب الآخرين، وتحميل وزر عجزها على عاتق مجلس النواب، أو ما تجود به شماعة الإرهاب..!؟


فمن ذا الذي يصدق أن سبعة عشر ملياراً من الدولارات الخضر، والعهدة على الراوي، قد إستنزفتها خزانة وزارة الكهرباء في وقت لم تزل فيه إنقطاعات الكهرباء تلقي بثقلها الظلامي على أغلب المدن العراقية في بغداد والوسط والجنوب، إذا ما أستثنى المرء إقليم كوردستان..!؟(*)


ومع أن الكهرباء تشكل مادة دسمة للدعاية الإنتخابية في الأيام الراهنة، وجميع الكتل السياسية والأحزاب الحكومية، بصفة خاصة، تتبارى اليوم، لأن تضعها في صدارة أولوياتها الدعائية، نافضة أيديها من تحمل أية مسؤولية عن التلكؤ والعجز اللذين رافقا "مأساة الكهرباء" طيلة السنوات الأربع من إستيزار الحكومة القائمة، حتى أصبح فيه الكلام عن مشكلة الكهرباء من قبل تلك الأحزاب، لا يمثل إلا ضرباً من النفاق السياسي لا طائل من وراءه؛ فالسجال "الدعائي الإنتخابي" الدائر بين الحكومة معبراً عنه في لقاءات رئيس الحكومة شبه اليومية مع رؤوساء العشائر ووسائل الإعلام من جهة، وبين بعض الناطقين بإسم ممثلي الكتل الحزبية البرلمانية، والذي عبرت عنه أخيراً، خطبة الجمعة ليوم 25/9/2009 للشيخ جلال الدين الصغير، لا يعكس في الحقيقة سوى صورة الصراع الدائر بين الكتل السياسية وخاصة الحاكمة منها وذات الأغلبية البرلمانية، وهي على أعتاب الإنتخابات، محملة بعضها البعض جريرة ما آلت اليه حال الخدمات الأساسية في البلاد وفي مقدمتها ( الكهرباء)، لتحيلها الى مجرد أوراق إنتخابية من التشهير والتقريع والوعود، بعيداً عن تحمل أو تحميل المسؤولية، لتظل "الكرة الكهربائية" كالمكوك الطائر بين ملعبي الحكومة ومجلس النواب، بعيداً عن أي ثواب أو عقاب..!؟


فالحكومة تطالب برصد المزيد من مليارات الدولارات، محملةً أسباب الفشل في إنجاز ما أوعدت به المواطنين، من المشاريع الخدمية وغيرها وعلى كافة المستويات، ومنها الكهرباء، على عاتق مجلس النواب وعلى عاتق كتل سياسية محددة وممثلة في ذلك المجلس ، لرفضها الموافقة على الصرف،  ولأسباب وصفها السيد رئيس الحكومة بأنها:


 {{ المماحكات السياسية والرفض الصريح من بعض الجهات على تسيير هذه المشاريع ومنها مشروع أل (70) مليار دولار الذي تقدمنا به إلى مجلس النواب والذي أردنا به تغيير واقع الخدمات في مجالات الكهرباء الزراعة والري والنقل والإسكان والتعليم والصحة وغيرها ادى إلى تأخير تنفيذ المشاريع التي عملنا على تحقيقها، لقد رفضت هذه المشاريع بخلفيات ودوافع سياسية حتى لايقال ان حكومة الوحدة الوطنية تمكنت من تحقيق النجاح، والبعض قال إنها دعاية للمالكي ويجب تأجيل الموافقة الى حين تشكيل الحكومة المقبلة ، وبذلك حرموا الناس من الخدمات واوقفوا التعيينات ومنعوا  التخصيصات المالية الكافية لمشاريع الكهرباء والزراعة والري والجامعات ، ولم يسمحوا للحكومة بالاستفادة من احتياطي الخزينة ولم يدعموها كما حصل في حكومات عديدة اثناء الازمة المالية التي تعرض لها العالم .}} (**)


 أما الناطقون بأسم تلك الكتل الحزبية من أعضاء المجلس، فهم يتهمون وزارات الحكومة بالإسراف والفساد المالي والإداري. وهكذا وبهذه الطريقة تكال الإتهامات بعيداً عن الطرق اليرلمانية والدستورية، وكلما تضيق الفترة الزمنية المحددة لموعد الإنتخابات، سيفاجيء المواطن العراقي بكل ما يمكن توقعه من التصريحات والتصريحات المضادة لدفع المسؤولية بعيداً عن الأنظار وللتشبث بالوعود الإنتخابية من جديد ولفترة لاحقة والحبل على الجرار..!؟؟


فإذا كان الأمر بهذا الشكل، الذي وصفه السيد رئيس الوزراء، فما الذي دفع بالحكومة الإنتظار أربع سنوات وهي تراوح في مكانها وترى رأي العين؛ كيف تمر الأيام وبرنامجها الإنتخابي في المجالات الخدمية والصناعية والزراعية ومعالجة البطالة..الخ راقد كسيح مصاب بالشلل، في وقت لم يبق أمامها غير أيام معدودات لتودع المكان، فما الذي تعول عليه رئاسة هذه الحكومة اليوم ياترى، وهي تحاول إعادة صياغة نفس البرنامج الذي فشلت في تحقيقه، وتطرحه كبرنامج إنتخابي جديد للمرحلة القادمة، وتسوقه الى المواطنين وكأنهم في عالم آخر، مدعوم بكل ما تمتلكه من إمكانات وقدرات مالية ومادية، هيئها لها وجودها على رأس السلطة، وفي مقدمتها تسخير ماكنة الدولة، بإعلامها وجبروتها العسكري وما تحقق لها من نجاحات معنوية في إنتخابات المحافظات،  بعد أن ألقت تبعة الفشل على عاتق الأخرين..!!؟؟


أما مجلس النواب الموقر، وحاله حال حارس المرمى وهو في الدقائق الأخيرة من المباراة، وقد دهمته الكرات من كل حدب وصوب، وفي مقدمتها كرات الحكومة الموقرة، خاصة الكهربائية النارية منها، والحكومة وكما يعلم المجلس وكافة المواطنين إنها إبنة هذا المجلس الشرعية؛  المجلس الموقر هذا، وهو في طريقه للإنصراف، وعلى لسان الناطق بأسم أكبر كتلة نيابية فيه، وهي كتلة الإئتلاف، الشيخ جلال الدين الصغير، وبعد أربع سنوات من عمر حكومة المجلس "حكومة الوحدة الوطنية" يعرض ورقة كشف حساب عن (ملف الكهرباء) معززة بالأرقام والتفصيلات، ليثبت فيها عجز الحكومة وفشلها في إنجاز مستلزمات الملف المذكور..!؟


   أما كان ينبغي أن يُفَعْل (ملفُ الكهرباء) داخل البرلمان، خلال كل هذه الفترة الطويلة من عمر إستيزار الحكومة، وتجري مسائلة الحكومة عن مديات ما تحقق من برنامجها خلال كل هذه المدة..؟! أم أن الساعة قد أزفت، والإنتخابت على الأبواب،  حتى لم يبق في القوس منزع ، لتلهب النفوس التي أعياها طول الإنتظار، وفت في عضدها الفساد الذي عم كل مكان، فلن تجد أمامها غير بيوت الله، لتسترد بها ما تبقى لها من أنفاسها المنقطعة، لتفاجيء بالشيخ الجليل ومن على منبر المسجد الكبير، وهو يفكك لها خفايا "مصيبة" (ملف الكهرباء)، الذي ما صدقت نفسها أنها في منجى منه، وهي تستجير ببيت الله بعد كل هذا السفر الطويل؛  فأين كنتم من كل هذا أيها السادة والشيوخ الكرام..؟؟!!
         
(*)  http://www.burathanews.com/news_article_76013.html

(**)  http://www.pmo.iq/index/03-1041.htm           




240
الإنتخابات البرلمانية والديمقراطية "المحجبة"..!

باقر الفضلي


ما هي إلا أشهر معدودات، وسيجد المواطن العراقي نفسه، واقفاً من جديد أمام صناديق الإنتخاب، ليجرب حظه مع قوائم جديدة للمرشحين، ووعود جديدة للناخبين، وأيمان مغلظة، من معسول الكلام؛ بكل ما يطيب النفوس، ويزيل الغمة، ويعزز الأمان والإطمئنان، ويوفر العمل للعاطلين، والعدل للمظلومين، ويزيل الكرب عن المحتاجين، ويديم الإِعمار، ويطيل الأَعمار، ويقضي على جفاف الأنهار..!


فأية ضوابط قانونية يمكن التعويل عليها في الحكم على مصداقية كل ما يقال، وأية ضمانات يمكن الإعتماد عليها في متابعة شكاوى المنتقدين، وإعتراضات المعترضين؛ بل أية قيود أو حدود يمكن التمسك بها؛ في وقف إنتهاكات المتجاوزين ومحاسبة المخالفين، وغيرها وغيرها من الضوابط التي تحمي وتصون حقوق المواطن، في حرية الرأي وحرية الإختيار للمرشحين، وضمان حقه في التصويت، وضمان سرية التصويت وسلامة صناديق الإقتراع..!


كل هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تطرح نفسها بعد أن كثر الكلام، والقيل والقال عن المخاطر التي تهدد عملية الإنتخاب؛ فقبل  بدء  إنطلاقة فترة الدعاية الإنتخابية، حتى تعالت التحذيرات من توقعات التمويل الإقليمي والأجنبي للعملية الإنتخابية، ومحاولات التأثير فيها من خلال التدخل الإقليمي وجهات أخرى غير معروفة..!؟


 وهذا ما أكسب هذه التحذيرات أهميتها السياسية الإستراتيجية، كونها جاءت من مصادر عليا في السلطة  ومن عدد من النواب وبعض الكتل السياسية، وعلى لسان السيد رئيس الوزراء شخصياً بقوله: [[ بأن اموالا طائلة رصدت من قبل بعض الجهات للتشويش على ذهنية الناخب.]](1)، حيث تضع مثل تلك التحذيرات ، كل من يسمعها في حيرة من أمره، وتنتابه البلبة  والتساؤل: إن كان الأمر بهذا الشكل الخطير، فما الذي يمنع الدوائر المختصة من إتخاذ التدابير الإجرائية والقانونية المناسبة للحيلولة دون وقوع المحذور.؟!


ولعل في الأمر ما يحفز المرء للتساؤل أيضاً، عن أسباب تأخر الحكومة ومجلس النواب، وهم أكثر المحذرين من خطورة الأمر، من تشريع قانون الأحزاب،  وهما العارفان بأن في وجود مثل هذا القانون، ما يوفر الكثير من الضمانات لدرء مثل تلك المخاطر، إذا ما أحسن المشرع إختيار النصوص والسنن التي بموجبها يمكنه من تحديد الشروط والضوابط التي وفقها يتم تأسيس الأحزاب، ومن خلالها أيضاً يجري التدقيق بهويتها، ومدى تطابقها مع المباديء التي حددها الدستور، كما ومن خلال القانون نفسه، يمكن التعرف على مصادر تمويل الكيانات السياسية التي يسمح لها بالمشاركة بالعملية الإنتخابية، وطبيعة أنشطتها الإقتصادية، وغيرها من الأمور التي تؤسس لحياة حزبية ديمقراطية سليمة؛ سداها ولحمتها الشفافية والوطنية..!


 فأي معنى والحال، للتحذير والتساؤل والتنبيه، إذا ما كانت السلطتان التشريعية والتنفيذية نفسيهما، ومن خلال نفوذ كتلهما السياسية المتنفذة في السلطتين؛ هما من يتلكأ ولا أريد القول، من يعيق تشريع قانون الأحزاب دونما سبب مشروع، إلا ما تخفيه الصدور، وما كان من  بواطن الأمور. فالغريب في الأمر، أن تقترب الفترة التشريعية الحالية من نهايتها، وكلاهما؛ مجلس النواب والحكومة، لا زالا عاجزين عن تشريع قانون للأحزاب حسب، بل ولا  قانون جديد للإنتخابات..!؟


 فطبقاً لمجلس النواب، وبقدر تعلق الأمر بقانون الإنتخابات الجديد،  فقد عجزت كافة الجهود التي بذلتها لجنة التعديلات ومن بعدها اللجنة القانونية للمجلس، عن إقناعه بالموافقة على إقرار التعديلات التي أدخلتها على قانون الإنتخابات رقم/16 لسنة/2005 النافذ، مما دفع المجلس في النهاية، أن يقرر في جلسته بتأريخ 23/7/2009 ، تحديد الخامس عشر/ تشرين أول /2009، موعداً أخيراً للبت في أمر التعديلات، وبعكسه وطبقاً للفقرة الثانية من نفس القرار، فإنه سيصار الى العمل بقانون الإنتخابات النافذ حالياً، رغم كل ما فيه من مثالب ونواقص إستدعت في حينه، أن يصار الى التعديل.  و طبقاً لذلك وفي هذه الحالة ، ستجري الإنتخابات البرلمانية العامة القادمة في 16/1/2010،  كما محدد لها في القرار آنف الذكر، وفقاً للقانون النافذ..!؟(2)


إنها صورة تدعو للتأمل والتبصر، في نفس الوقت الذي تدفع فيه الى التسائل؛ فيما إذا لم تنجز التعديلات المطلوبة في قانون الإنتخابات النافذ في وقتها المحدد، فإن ذلك سوف  يفسر للسائل والمراقب، أسباب تمسك بعض الكتل السياسية بالقانون الحالي، مرتبطاً بما حققته في الإنتخابات السابقة، من مكاسب برلمانية ضمنت لها الأكثرية في مجلس النواب الحالي،  إرتباطاً بذلك القانون، وبالتالي فليس من الحكمة بمكان، أن  توافق على أي تعديل أو تغيير ، تجد فيه ما قد يفوت عليها لاحقاً مثل تلك المكاسب التي سبق وإن حققتها في المرة السابقة بموجب نفس القانون، في وقت هي في طريقها الآن، لإستكمال إستعداداتها لبناء التحالفات الجديدة، وخوض الإنتخابات القادمة وفقاً لنفس القواعد والأسس السابقة، رغم عدم عدالتها، لما فيها من ضمانات الفوز، والتمسك بالسلطة، رغم إعتراض الكثير من الكتل السياسية الأخرى، التي وقفت وراء ضرورة إجراء التعديلات المطلوبة على القانون النافذ، بهدف ضمان المساواة والعدالة بين الجميع، وفق أسس ديمقراطية محكومة بضوابط قانونية، يقف في مقدمتها الأخذ بالقائمة المفتوحة للمرشحين بدلاً عن القائمة المغلقة، والدائرة الإنتخابية الواحدة، بدلاً من الدوائر المتعددة، ومنع إستخدام دور العبادة وماشابه، أماكن للدعاية الإنتخابية..الخ، كمثل على دواع وموجبات التعديل..!(*)


ولعله من نافل القول أيضاً، وفي حالة العودة لقانون الإنتخابات النافذ حالياً، وإجراء الإنتخابات القادمة بموجبه، وهذا ما يرجحه الكثيرون من أعضاء البرلمان، لما يتوقع وحسب السيد رئيس المجلس، [[ من تصعيد في سقف طروحات الكتل السياسية، مما سيؤثر على عملية الإنجاز.]]؛ أن يجد الناخب العراقي نفسه مجدداً، أمام مجلس للنواب لا يختلف في إشكالياته وسلبياته عن المجلس الحالي، حيث تصبح فيه إرادة ومشيئة رؤوساء الكيانات السياسية هي الغالبة، من خلال تحكمهم بالقوائم المغلقة في إختيار المرشحين، أو من خلال ما دعاه السيد رئيس مجلس النواب ب[[ الإنتهازية السياسية]] على الصعيد العملي..!(3)


كما وتحت نفس الذريعة (القائمة المغلقة)، سيجري التحكم بحرية وإرادة الناخب، في إختياره لمن يثق بهم من المرشحين، الذين وطبقاً لنظام القائمة المذكورة، ستحجب أسمائهم وفقاً لأحكام القانون النافذ المادة/التاسعة، مثلما جرى في إنتخابات المجلس الحالي سابقاً، في نفس الوقت الذي ينتقي فيه رؤوساء الكيانات السياسية، أولئك الأكثر طواعية لمشيئتهم من المرشحين..!؟؟


 وهكذا فإن تم ذلك، وهذا ما يتوقعه كثيرون، سيعاد رسم نفس الصورة المشوهة للديمقراطية، والأقرب ما فيها، نعتها ب "الديمقراطية المحجبة" في ظل العراق "الديمقراطي" الجديد، في وقت إنتفت فيه كل الذرائع والحجج السابقة للأخذ بنظام "القائمة المغلقة"، وفي مقدمتها ضمان سلامة المرشحين والأوضاع الإستثنائية..!؟


فأي طريق سيختاره نوابنا المحترمون، طريقاً سالكاً لإخوتهم القادمين الجدد..؟!

- طريق العثرات والإختناقات الذي وجدوا أنفسهم فيه لأربع سنوات خلت..
- أم طريق الإنفتاح الديمقراطي المستقيم المعبد..؟
____________________________________________________       
(1)     http://www.pmo.iq/index/03-977.htm
(2)    http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=2967
(3)  http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=2988

(*)  وهنا ينبغي تعديل المادة (2) من (شروط الإنتخابات الإنتخابية)/ القسم الثالث / من النظام رقم (4 ) لسنة 2008 (الحملات الإنتخابية)، لمفوضية الإنتخابات العليا. وذلك بإضافة : ودور العبادة وما شاكلها..الخ   

 



   





       
     




241
إنتخابات كوردستان والتجربة الديمقراطية..!

باقر الفضلي


الخامس والعشرون من تموز/2009  سيكون يوماً منيراً ومشهوداً في التأريخ الحديث للشعب الكوردستاني في العراق، وعلامة مضيئة في مسيرة التأريخ العراقي الحديث، بعد عقود من القهر والخراب والإضطهاد التي تعرض لها الشعب الكوردستاني في العراق، لما يزيد على قرن من السنين..!


في هذا اليوم سيخوض الشعب الكوردستاني في العراق، تجربته الديمقراطية في إنتخاب ممثليه الى مجلس النواب لإقليم كوردستان، وسينتخب ممثله الى رئاسة الإقليم، وبنجاح هذه التجربة الفريدة، سيثبت هذا الشعب النبيل، ليس فقط قدرته في مواجهة المحن والمآسي التي تعرض لها حسب، بل وإستعداده منقطع النظير، الى السير بخطى ثابتة في بناء مستقبله الزاهر وتقرير مصيره في إجواء الحرية والديمقراطية، في ظل عراق حر ديمقراطي تعددي فدرالي..!


إن تجربة السنوات الست بعد التغيير في عام/2003، قد منحت الشعب الكوردستاني في العراق الكثير من العبر والدروس والتجارب، فيما ينبغي أن يكون عليه نظام الحكم وشكل مؤسساته، ورسمت له الطريق بعد طول معاناة وألم وتشريد وإبادة بشرية؛ كيف ينبغي عليه أن يتمتع بحريته، وأن يبني مستقبله في أمن وإطمئنان، وكيف ينبغي عليه أن يعوض سنوات الحرمان والجوع والفاقة، ومنحته القدرة على إختيار الطريق الصحيح في إسماع صوته الى الآخرين وإلزامهم بسماع رأيه وإقرار إرادته، وألهمته الحكمة والمعرفة اليقينية، بأن الطريق الأصلح لحكم نفسه، هو طريق الديمقراطية مبدأً وممارسة فعلية، بعيداً عن العشائرية، والشمولية الإستبدادية..!


الكرة الآن في ملعب الشعب الكوردستاني في العراق، للإختيار الصحيح في إيصال ممثليه الى البرلمان، من بين منافسة حادة وصراع متواصل، بين تيارات سياسية متباينة في وجهاتها وطموحاتها، وذات قدرات وإمكانات متفاوتة؛ بين كتل وتحالفات سياسية كبيرة تمتلك القدرة والمقدرة والجاه والمال والسلطة، مستفيدة من وجودها في دست الحكم لفترات طويلة، مما يسمح لها من إستخدام أجهزة وأدوات السلطة، وفي مقدمتها وسائل الإعلام، في الدعاية الإنتخابية؛


 وبين قوى سياسية وإحزاب لاتمتلك من هذه الإمكانات شيئاً يضعها في موقف المقارنة مع  تلك الأخرى، عدا ما تمتلكه من شرف الكلمة والإلتصاق بكادحي الشعب، وما تبرزه برامج قوائمها الإنتخابية، من وعود بالإلتزام بتحقيق ما يمكنها تحقيقه في هذه المرحلة الإنتقالية من مطاليب جماهيرية، تهدف الى رفع المستوى المعيشي للسكان ومكافحة البطالة والوقوف الى جانب الإصلاحات التي تأخذ بيد المرأة الكوردستانية في العراق، وتفتح لها سبل الحياة في المساواة السياسية والإجتماعية في الحياة العامة، وتوعد بإشاعة الديمقراطية في الحياة السياسية والإجتماعية، ومحارية الفساد المالي والسياسي المستشري في نظام الحكم ومؤسساته العديدة، كما تجسد ذلك في برنامج  قائمة التيار اليساري الديمقراطي؛


 وبين قوى أخرى لا زالت تتمسك بالهوية الدينية وبالمعتقد الإيماني للمواطن الكوردي، وتجعل من الدين وسيلتها في الصراع من أجل الوصول الى السلطة، وهذا ما يضعها في تعارض مع طموحات وأهداف الشعب الكوردستاني في بناء سلطة مدنية ديمقراطية، ومستقبل يرنو الى الخلاص من براثن التخلف، والى السير بإتجاه عالم الحداثة والتنوير، واللحاق بمسيرة العالم المعاصر..!


  وهناك من يأخذ من معاناة ومكابدة الشعب الكوردستاني الطويلة، ومن رموز ضحاياه، ورقته السياسية، وشعاراته الإنتخابية؛ معترفاً بما آلت اليه أوضاع الإقليم من الفساد المالي والإداري، من خلال إعترافه بالنواقص التي إنتابت العملية السياسية، وإن كان هذا لا يعفيه من المسؤولية لتواجده في السلطة، ، ليتخذ من ذلك جسراً الى التمسك بما هو عليه من مواقع في السلطة، ناسباً كل ما تحقق ويتحقق من مكاسب في كوردستان العراق لذلك التواجد..!


إن المسألة الرئيسة التي تحكم جوهر التنافس الإنتخابي الدائر بين مختلف الكتل والاحزاب السياسية الكوردستانية، إنما  تتمحور في الأصل، وطبقاً لما يلحظه المراقب لمجمل مسيرة العملية السياسية في كوردستان خلال السنوات الست الماضية، في مسألتين رئيستين، تنحصر الأولى في ديمقراطية العملية السياسية نفسها، شكلاً ومحتوى، حيث أن هناك الكثير ممن يرى إن إخفاقات كثيرة قد  رافقت تلك المسيرة على الصعيد العملي، ومظاهرها تتجلى من خلال ما يشار الى هيمنة الحزبين التقليدين على مفاصائل السلطة ومتفرعاتها، والجنوح الى التفرد الحزبي والعائلي على المستوى الوظيفي والإداري، وشيوع الفساد المالي والإداري في مفاصل الدولة؛


أما الثانية، فتتركز معالمها في حالة التفاوت الكبير في المستوى المعيشي لفئات وطبقات المجتمع  بشكل عام، وضعف إستجابة السلطات المحلية والإقليمية لكثير من المطاليب الشعبية، ونقص في الخدمات، وما يتعلق منها بتحسين ظروف الكادحين المعاشية والخدمية ومعالجة البطالة، ونمو فئات طفيلية جديدة في المجتمع على حساب جماهير الكادحين..!


مما لا شك فيه إن ما يميز العملية الإنتخابية الجارية الآن في كوردستان ، هو طبيعة التنافس الديمقراطية بين إتجاهات التيارات السياسية المختلفة على صعيد الساحة السياسية الكوردستانية، مما يعكس التجربة العملية للمارسة الديمقراطية المنشودة، كما وتبرز وللمرة الأولى قوى اليسار الديمقراطي الموحد في كوردستان، للتعريف بنفسها كقوى ديمقراطية موحدة في قائمة إنتخابية تحت أسم ( قائمة الحرية والعدالة الإجتماعية)، ولتعلن وعلى لسان ممثلها السيد (هادي محمود)،  بأن مشاركة التيار الديساري الديمقراطي ضمن العملية الإنتخابية في قائمة مستقلة، إنما هي ،[[ ليست نهاية المطاف ،ولم تكن هي المعركة الأولى لليسار الديمقراطي المتجدد ، بل سنواصل نضالنا من اجل التمدن ، من أجل الديمقراطية الحقة ، من أجل الدفاع عن مصالح الكادحين ، ومن أجل أستعادة السيادة الوطنية ، لهذا نرى ، أن وجود تحالف يساري ديمقراطي ، هو ضرورة ، ونعمل من أجل تجسيد هذه الضرورة ، من خلال التطور الطبيعي ، والعمل وسط الجماهير ، سيساعدنا في خلق آليات جديدة ، بحيث نكون حقا يساريين متجددين]](*).


أن كل ما يتمناه  المرء، هو أن يرى الشعب الكوردستاني في العراق وقد  حقق مبتغاه المشروع، في الإختيار الصحيح، الذي يجسد فيه مصالحه وطموحاته في إنتخاب ممثليه الشرعيين، لبرلمان ديمقراطي يعكس طموح الشعب الكوردستاني في العراق، في الحرية والديمقراطية والمستقبل الزاهر..!   
___________________________________________________   
(*)  http://www.al-nnas.com/hadi.htm
 


242
المعقول واللامعقول في السياسة..!؟

باقر الفضلي


كي لا نذهب بعيداً في التفسير أو التأويل، لما يطرح في الساحة السياسية العربية، من أباطيل أو حقائق، ندلف الى الأشياء في مصادرها ونسعى اليها في مكامنها، ونتلقفها من أفواه قائليها..!


فالحدث الأكثر إثارة ، وما تداولته وسائل الإعلام العربية والإقليمية والعالمية لأسابيع خلت، بشكل غطى على أحداث المنطقة الأخرى حينذاك، وهو ما يدعى بنشاط (خلية حزب الله) اللبناني في الأراضي المصرية، والذي لا زالت آثار ذيوله شاخصة حتى اليوم، حيث تصدرت قصة الخلية المذكورة صفحات الجرائد ونشرات أنباء الفضائيات، وتعليقات الإعلاميين..!؟


من مفارقات تلك القصة، أن أبطالها لم ينكروا ما ورد عنها من تفاصيل على لسان السلطات الأمنية المصرية، بل على العكس من ذلك؛ فأنهم يسوقون التفسيرات والمبررات "الإفتراضية"، التي يعتقدونها أسباباً مشروعة ومنطقية لكل ما أقدمت عليه تلك "الخلية" من نشاطات تدخل في تكييفها ضمن إنتهاك سيادة الدول من جهة، وتعريض أمنها الوطني للمخاطر، وما قد تجره ورائها مما لا تحمد عقباه من نتائج وخيمة، أكبر مما يعتقده منفذوا تلك النشاطات التي تبدو في ذهنهم وحسب إعتقادهم ، وكأنها ألاعيب صبيانية، يمكن لأي دولة مهما بلغت من قوة أو جبروت أن تغض الطرف عنها، قبل أن تحسب لعواقبها ألف حساب، وتتخذ في مواجهتها الف تدبير، من جهة أخرى..!!؟


فأي تقليل كان من شأن الحدث، لا يعكس في الحقيقة إلا مستوى من عدم الشعور بالمسؤولية، إذا ما أراد المرء أن يبتعد عن كل بواعثه وأهدافه القريبة منها والبعيدة. كما وليس من المفترض أن يعتقد المرء؛ أن دولة ما، ستقف مكتوفة الأيدي أزاء إستخدام أراضيها بطريقة غير مشروعة، ولإغراض إذا ما تحققت، ستبنى عليها وتترتب بسببها، نتائج خطيرة لا تصب في مصلحة الدولة المذكورة ولا تخدم مصالح الأطراف التي خططت من أجلها تلك العملية..!؟


فمهما أخذ المرء بحسن نية الأطراف التي خططت لتلك العملية، ومع إفتراض "مشروعية" الأهداف والنوايا التي توختها من وراء ذلك، فإنها مع كل ذلك تظل محصورة في إطار إنتهاك سيادة الدول وتعريض أمنها للمخاطر والتجاوز على كرامة الشعوب..!؟


كما وليس من المنطقي القول، أو الوقوف وراء شعار "المقاومة" مهما بدت "قدسيته"، لتبرير اي عمل كان، وإن غلبت عليه صفة التجاوز على حدود الدول الشقيقة والصديقة، إذ ليس في حسبان المرء ان يحرس بيته من سطوة أخيه، بذريعة ما يدعيه ذلك الأخ من حسن نواياه وبراءة أهدافه؛ فالعالم مهما بلغت قسوة بعض أطرافه وعدوانية البعض الآخر، فهو لا زال محكوماً، بآلية دولية تلزم الجميع بشرعيتها، وتطالب الجميع بإحترام تلك الشرعية، في نفس الوقت الذي أجازت فيه حق جميع دول المعمورة بالحفاظ على سيادتها، وصيانة أمنها الداخلي، إتجاه اي محاولات لإنتهاك تلك السيادة أو تعريض ذلك الأمن للخطر..!


فمن منظور العلاقات بين الدول، شكلت محاولة "خلية حزب الله" إنتهاكاً لحدود الجمهورية المصرية الشقيقة، بهدف القيام بأعمال، يفترض بمقياس حزب الله، أنها موجهة ضد عدو محدد، ترتبط معه مصر، بإتفاقيات دولية وحدود مشتركة وتمثيل دبلوماسي، الهدف منها تزويد حركة حماس، ومن خلال إختراق اراضي دولة مصر، بالدعم اللوجستي؛  وبالتالي فإن تبعات ما يمكن أن يحدث جراء ذلك الفعل، فيما لو تحقق، ما يؤزم الوضع في المنطقة، أو قد يجر الى عواقب غير محسوبة النتائج، في وقت كانت فيه الجمهورية المصرية مغفلة كلياً عن كل ذلك؛ فمن يا ترى سيتحمل مسؤولية تبعات تلك "النوايا الحسنة"..؟!


كما وليس من الغفلة بمكان، أن يتناسى المرء، أو يتظاهر بالعمى، لما ستجره أعمال مثل تلك، إذا ما تحققت نتائجها على الصعيد التطبيقي ، من تبعات خطيرة على الأمن اللبناني، حيث وكما يعلم الجميع ، أن دولة لبنان في هذه الحالة، تمثل الدولة المصدر التي تنطلق منها مثل تلك "الخلايا"، في وقت تلتزم فيه لبنان ببنود قرار مجلس الأمن رقم/1701 لعام 2006، الذي بموجبه تم وقف وإنهاء العدوان الإسرائيلي على لبنان. وفي مقال سابق جرى البحث عن أهمية ذلك الإلتزام دولياً، على أمن وسلامة لبنان في محيطه الدولي.!(*)


 إن إلتزام لبنان هذا،  قد فوت الفرصة على كافة التبريرات، التي ما أنفكت إسرائيل تتذرع بها للبدأ بالعدوان على لبنان وتكراره، ومنها بالذات التعلل بنشاط حزب الله في الجنوب، في وقت تأتي فيه مثل تلك النشاطات، من خلف ظهر الحكومة اللبنانية، أو حتى دون إشعارها بذلك، حتى ورغم ما يضفيه عليها حزب الله أو حركة حماس من "شرعية" و"معقولية"، تحت واجهة التعلل بمنطق و"سلاح المقاومة"..!؟(**)


 ولعل الأنكى في هذه العملية الأخيرة، أنها ليس فقط قد تجاوزت حدود لبنان، الملتزم بروح ونصوص قرار مجلس الأمن أعلاه حسب، بل ووضعت الحكومة المصرية في المحضور، ورتبت عليها الإعتراف بالأمر الواقع، دون أي إعتبارات أخرى من قبل المخططين و القائمين بها، لكل ما قد تنتجه مثل تلك العمليات، من تبعات خطيرة..!؟(***)


فاين الحكمة وأين المعقولية يا ترى، في حشر دولتي مصر ولبنان قسراً في حالة الصراع المحتدم في المنطقة، وجرهما الى أتون مخططات الأجندات الإقليمية، التي أقل ما فيها، تأزيم الحالة الفلسطينية، وتعميق الشرخ الوطني، ومنح إسرائيل الذرائع والمبررات، للتنصل من إلتزاماتها الدولية، وتشديد عدوانها المتواصل على الأراضي المحتلة، في كل من لبنان وغزة والضفة الغربية..!
____________________________________________________   
(*)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=73377
                         (**) http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=527609&issueno=11187     
(***) http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=526919&issueno=11182


 



               
   
 

 

243
المادة/ 41 من الدستور ومبدأ المواطنة العراقية..!


باقر الفضلي


إنه لمن المفيد تأكيد القول؛ بأن من أهم منجزات ثورة الرابع عشر من تموز/1958 على الصعيد الإجتماعي، تشريعها لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، ، الذي يعتبر من القوانين الأكثر رقياً وتحضراً في المنطقة، لما تميز به من نظرة أكثر عدالة ومساواة للمرأة العراقية مع الرجل في الحقوق الشخصية أمام القانون، ولكونه جاء شاملاً وموحداً لأهم القضايا المتفق عليها في المذاهب الدينية المختلفة في الشريعة الإسلامية وطبقاً للمقاصد العامة لتلك الشريعة..!

 وبموجبه حققت المرأة العراقية مكاسب كثيرة فتحت أمامها الطريق لفك أسار العزلة والإنغلاق التي إرتهنتها قروناً في ظل عبودية التخلف والإسترقاق، والتحكم الذكوري المفرط بالتعسف وقبرها حبيسة الدار ومربية للخلف وصانعة للمتعة ..!


ولقد جاء من الأسباب الموجبة لصدور قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام/1959 ، هو الحالة السائدة يومذاك والمتميزة [[“في تعدد مصادر القضاء واختلاف الاحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه اهم الاحكام الشرعية المتفق عليها”.]]


فتشريع القانون يعتبر من الصفحات البيضاء، التي وبحق، ما يسجل لثورة الرابع عشر من تموز/1958، من منجزات التغيير التي لا تنسى، بعد قرون من ظلم المرأة وإستعبادها في ظل أحكام مبنية على إجتهادات فقهية متباينة، شرع لها لتكون قواعد شرعية ثابتة بعيداً عن مقاصد الشريعة نفسها، في المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة، فوحدها القانون في أحكام مدنية تشمل جميع المسلمين في قضاياهم المدنية كعقود الزواج والطلاق والنفقة، وفي قضايا المواريث وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية، لتبدو في معظمها أكثر ملائمة مع تطلعات الحداثة والتنوير والحضارة؛ كما وحد قضائهم، بعد أن كان مشتتاً في محاكم مختلفة تحكمها شراثع المذاهب الفقهية المتباينة، في الوقت الذي صان حقوق غير المسلمين من ذوي الأديان الأخرى بموجب لوائحهم الخاصة..!


 فجاء تشريعه بالنسبة للمسلمين، وهم الفئة الأكبر في المجتمع، مقرباً ما بين تلك المذاهب وطوائفها، ومعززاً لمتانة النسيج الإجتماعي، وعاملاً ديناميكياً لمحاربة ثقافة الطائفية، وكل عناصر التعصب الديني والطائفي، ومانحاً المرأة مكانتها اللائقة في المجتمع، بعد أن وضع الظوابط الدقيقة والرصينة لحكم الشريعة في تعدد الزوجات، وفي مسألة المواريث والنفقة والحضانة..!


هذا أقل ما جاءت به ثورة الرابع عشر من تموز/1958 في حقل الأحوال الشخصية وحقوق المرأة، فما الجديد الذي جاء به عصر الديمقراطية الجديدة في العراق، ما يجعلها تفخر به من تغيير في شأن الأحوال الشخصية للمرأة..؟ هل كل ما تفخر به هو قرار مجلس الحكم رقم/ 137 الذي شاركت في إصداره، وهو القرار الذي تم بموجبه إلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188/لعام/1959 أم هو نص المادة/41 من الدستور الدائم الجديد..؟؟!


مما لا شك فيه أنه قد كتب الكثير حول القانون المذكور، كما وقد جرت عليه بعض التعديلات السلبية منذ تشريعه بعد إنقلاب/1963، وهناك من منتقد له، وكذلك من يرى فيه قانوناً يتناسب والتطور الحضاري للمجتمعات، ويرفع الكثير من الغبن الذي لحق بالمرأة العراقية خلال عقود طويلة من الزمن، ويكفيه القول أنه يحضى بتأييد جميع المنظمات النسوية العراقية..!


وإذ تنشط لجنة تعديل الدستور في مجلس النواب هذه الأيام لدراسة الأمور الخلافية بشأن المادة الدستورية رقم/41 التي وضعت الأساس الذي ينبغي إعتماده عند القيام بتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية، يكون بديلاً للقانون 188/1959 آنف الذكر، والملغي بموجب قرار مجلس الحكم رقم 137 كما أسلفت، فإنه من المناسب القول بأن ما يميز المادة/41 من الدستور؛ هو ترسيخها لحالة التباين الطائفي بين أفراد المجتمع الواحد ذي الديانة الواحدة، ووضع حواجز بين ابناء الطوائف المذهبية، بعد أن رفع القانون/188 لعام/1959 تلك الحواجز، وثبت من الأحكام ما كان متفقاً عليه بين فقهاء تلك المذاهب، فكان عاملاً مساعداً على التقارب والتزاوج بعيداً عن كل ما كان يفرق بين طائفة وأخرى، بسبب إجتهاد مذهبي، أو تفسير فقهي خاص، قد لا يجد ما يدعمه في ثوابت الأحكام الشرعية ومقاصدها العليا..!


فمهما يقال عن حرية الأشخاص في إتباع معتقداتهم المذهبية الخاصة في إدارة أحوالهم الشخصية، كالزواج والطلاق والميراث..الخ  وكل ما يترتب على ذلك من تبعات ومتعلقات مع الآخرين، فإن مثل هذه التبعية لا تعني سوى تفرقاً بين أبناء المجتمع الواحد من ذوي العقيدة الدينية الواحدة، ما يدفع الى التنافر الطائفي من جانب، والإستقطاب الطائفي من جانب آخر، في نفس الوقت الذي يزرع فيه مقدمات النزاعات الطائفية، ويشيع ثقافة التخندق داخل الإسرة الواحدة، ويقتل بوادر الألفة والتقارب والتصاهر بين الأسر من المذاهب المختلفة، ويفتح الطريق أمام العزل الطائفي في السكن والإقامة، الذي بدوره  يصبح عاملاً مساعداً يقف وراء التقسيم الكانتوني للسكان، وينثر بذور الكراهية والتخندق وراء الطائفة المذهبية، مما يضعف في النتيجة، أواصر التلاحم الإجتماعي الوطني، لتنعكس ابعاده الطائفية على الصعيد السياسي، وما له في ذلك، من تداعيات سلبية على مجمل حياة الناس في الأمن والطمأنينة والسلم الإجتماعي، مما يبني ليس فقط "جدراناً كونكيريتية" بين الطوائف حسب، بل يشيد جدراناً نفسية من الكراهية والبغض والتشرذم الإجتماعي لأجيال قادمة..!؟


الأمر الأهم في نص المادة /41 الدستورية، لا يكمن في مسألة التباين والإختلاف في أحكام الشريعة الإسلامية في بعض أمور الأحوال الشخصية، وهي في أغلبها أمور فقهية إجتهادية،  يمكن تجاوزها من خلال إيجاد الصيغ المناسبة حول ما هو أقرب للتوافق بين المختلف عليه من تلك الأحكام، وهذا ما جاء به قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لعام/1959 على الصعيد العملي التطبيقي؛


ولكن الأهم من كل ذلك، هو ما يكتنف روح المضمون الدستوري للمادة المذكورة، والذي تم الإشارة في أعلاه، الى بعض من تداعياته؛ فالغالب على المضمون المذكور، وهكذا يفهم بعد التدقيق في نص المادة المذكورة، هو حالة تكريس الإنقسام الطائفي الموجود ضمن أصحاب الديانة الواحدة على سبيل المثال (المسلمين)، وهم يشكلون أغلبية سكانية، مما يعني تكريساً للإنقسام المذهبي داخل المجتمع، ليصبح دستوراً تدعمه الدولة، وتؤسس بموجبه القوانين المناسبة التي تؤكد هذا التقسيم إجتماعياً..!


ومن هذا المنطلق فإن ما يقال، وعلى سبيل المثال، عن تثبيت الصفة المذهبية في بيانات هوية الأحوال المدنية  للفرد العراقي لأغراض التعداد السكاني، إنما يجد أساسه الدستوري في جوهر نص المادة الدستورية /41 آنفة الذكر، وهو أمر لا يخرج في مردوداته عن تكريس للحالة الطائفية في المجتمع رسمياً، وما يستدعيه ذلك من تبعات سلبية خطيرة، أبرزها الدفع بإتجاه أن يبحث حتى أصحاب الديانات الأخرى عن مذاهب لهم في أديانهم الخاصة لبناء طوائفهم وفقاً لذلك..!


وحيث يجري الحديث في النص الدستوري هذا عن العراقيين دون تمييز، فهو ينصرف من أجل تنظيم أحوالهم الشخصية الى قانون يجمع بين دفتيه مجاميع من الأحكام من كل مذهب ودين، وعلى الصعيد القضائي مجاميع من المحاكم الشرعية بألوان وإختصاصات تتلائم مع تلك المذاهب والإديان، ومعروف ما لهذا من نتائج مربكة على مستوى العائلة الواحدة أوالقضاء، والعودة بحالة الأحوال الشخصية الى ما كانت عليه قبل أكثر من نصف قرن من الزمن قبل اليوم..!


ورغم ما قيل عن المادة/41 من الدستور؛ بأنها لم تأت بجديد في مجرى ما هو متعارف عليه من تعدد المذاهب والأحكام الفقهية بين المسلمين في شؤون الأحوال الشخصية، إلا أن الأمر البالغ الأهمية من الناحية الدستورية، هو أن هذه المادة، ليس فقط قد إعترفت من ناحية الدولة رسمياً، بوجود حالة التعدد المذهبي والطائفي بين المواطنين المسلمين حسب، بل أنها قد منحت هذا الواقع أساساً دستورياً، بتكريسها لإستمرار وجوده وتعميق حالة الخلاف والإختلاف بين ابناء الديانة الواحدة، وكذلك إذكائها للدفع بإتجاه الولاء الطائفي المقيت؛  ومن هنا تأتي أهمية المناداة والدعوة الى إلغائها من صلب الدستور، أمراً مفهوماً ومشروعا، لتعارضها مع روح الدستور نفسه، في شد لحمة النسيج الإجتماعي، وتكريس المواطنة العراقية كأساس لهذه اللحمة..!
 

فلا يخفى على أحد أن روح الدستور بشكل عام تؤكد على (المواطنة العراقية) بإعتبارها الأساس إعتبارياً ودستورياً في الحكم أمام القانون، كما جسدها نص المادة/14 من الباب الثاني/الفصل الأول/ الحقوق(**) ؛ فلها السمو والعلوية على جميع ما يذكره الدستور من أديان ومذاهب أو مسميات أخرى، وبالتالي فإن أية إجراءات تعديلية على الدستور في مجال الأحوال الشخصية، ينبغي أن تأخذ بالإعتبار مقصد وروح النص الدستوري المثبت في هذه المادة، وأن يبنى أي قانون قادم للأحوال الشخصية في طريقه للتشريع، في قصده ومحتواه، على مبدأ المواطنة العراقية، كما وأن يعتمد الولاء الوطني فقط على أساس هذا المبدأ، كي يكون منسجماً وغير متعارض مع روح ومقاصد الدستور نفسه..!


 ولمجمل تلك الأسباب، يظل قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لسنة/1959، بعد تشذيبه من التعديلات السلبية؛ القانون الأكثر صلاحية في مجاراة روح الدستور ومبدأ المواطنة، والأكثر ملائمة للمرأة والرجل على حد سواء، لما فيه من تقارب وعدالة للجانبين، والأكثر إنسجاماً مع مقاصد الشريعة النبيلة، والأفضل رقياً وتحضراً ومجاراة للعصر، إذا ما أرادت لجنة التعديلات ومن بعدها مجلس النواب، التوجه الى تشريع لقانون جديد للأحوال الشخصية..! 
 ____________________________________________________
 (*) المادة/(41): العراقيون احرارٌ في الالتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون.
(**) الماد/(14):العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.

 


     
 

     



     

244
المادة/ 41 من الدستور ومبدأ المواطنة العراقية..!


باقر الفضلي


إنه لمن المفيد تأكيد القول؛ بأن من أهم منجزات ثورة الرابع عشر من تموز/1958 على الصعيد الإجتماعي، تشريعها لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، ، الذي يعتبر من القوانين الأكثر رقياً وتحضراً في المنطقة، لما تميز به من نظرة أكثر عدالة ومساواة للمرأة العراقية مع الرجل في الحقوق الشخصية أمام القانون، ولكونه جاء شاملاً وموحداً لأهم القضايا المتفق عليها في المذاهب الدينية المختلفة في الشريعة الإسلامية وطبقاً للمقاصد العامة لتلك الشريعة..!

 وبموجبه حققت المرأة العراقية مكاسب كثيرة فتحت أمامها الطريق لفك أسار العزلة والإنغلاق التي إرتهنتها قروناً في ظل عبودية التخلف والإسترقاق، والتحكم الذكوري المفرط بالتعسف وقبرها حبيسة الدار ومربية للخلف وصانعة للمتعة ..!


ولقد جاء من الأسباب الموجبة لصدور قانون الأحوال الشخصية رقم 88 لعام/1959 ، هو الحالة السائدة يومذاك والمتميزة [[“في تعدد مصادر القضاء واختلاف الاحكام ما يجعل حياة العائلة غير مستقرة وحقوق الفرد غير مضمونة، فكان هذا دافعاً للتفكير بوضع قانون يجمع فيه اهم الاحكام الشرعية المتفق عليها”.]]


فتشريع القانون يعتبر من الصفحات البيضاء، التي وبحق، ما يسجل لثورة الرابع عشر من تموز/1958، من منجزات التغيير التي لا تنسى، بعد قرون من ظلم المرأة وإستعبادها في ظل أحكام مبنية على إجتهادات فقهية متباينة، شرع لها لتكون قواعد شرعية ثابتة بعيداً عن مقاصد الشريعة نفسها، في المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة، فوحدها القانون في أحكام مدنية تشمل جميع المسلمين في قضاياهم المدنية كعقود الزواج والطلاق والنفقة، وفي قضايا المواريث وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية، لتبدو في معظمها أكثر ملائمة مع تطلعات الحداثة والتنوير والحضارة؛ كما وحد قضائهم، بعد أن كان مشتتاً في محاكم مختلفة تحكمها شراثع المذاهب الفقهية المتباينة، في الوقت الذي صان حقوق غير المسلمين من ذوي الأديان الأخرى بموجب لوائحهم الخاصة..!


 فجاء تشريعه بالنسبة للمسلمين، وهم الفئة الأكبر في المجتمع، مقرباً ما بين تلك المذاهب وطوائفها، ومعززاً لمتانة النسيج الإجتماعي، وعاملاً ديناميكياً لمحاربة ثقافة الطائفية، وكل عناصر التعصب الديني والطائفي، ومانحاً المرأة مكانتها اللائقة في المجتمع، بعد أن وضع الظوابط الدقيقة والرصينة لحكم الشريعة في تعدد الزوجات، وفي مسألة المواريث والنفقة والحضانة..!


هذا أقل ما جاءت به ثورة الرابع عشر من تموز/1958 في حقل الأحوال الشخصية وحقوق المرأة، فما الجديد الذي جاء به عصر الديمقراطية الجديدة في العراق، ما يجعلها تفخر به من تغيير في شأن الأحوال الشخصية للمرأة..؟ هل كل ما تفخر به هو قرار مجلس الحكم رقم/ 137 الذي شاركت في إصداره، وهو القرار الذي تم بموجبه إلغاء قانون الأحوال الشخصية رقم 188/لعام/1959 أم هو نص المادة/41 من الدستور الدائم الجديد..؟؟!


مما لا شك فيه أنه قد كتب الكثير حول القانون المذكور، كما وقد جرت عليه بعض التعديلات السلبية منذ تشريعه بعد إنقلاب/1963، وهناك من منتقد له، وكذلك من يرى فيه قانوناً يتناسب والتطور الحضاري للمجتمعات، ويرفع الكثير من الغبن الذي لحق بالمرأة العراقية خلال عقود طويلة من الزمن، ويكفيه القول أنه يحضى بتأييد جميع المنظمات النسوية العراقية..!


وإذ تنشط لجنة تعديل الدستور في مجلس النواب هذه الأيام لدراسة الأمور الخلافية بشأن المادة الدستورية رقم/41 التي وضعت الأساس الذي ينبغي إعتماده عند القيام بتشريع قانون جديد للأحوال الشخصية، يكون بديلاً للقانون 188/1959 آنف الذكر، والملغي بموجب قرار مجلس الحكم رقم 137 كما أسلفت، فإنه من المناسب القول بأن ما يميز المادة/41 من الدستور؛ هو ترسيخها لحالة التباين الطائفي بين أفراد المجتمع الواحد ذي الديانة الواحدة، ووضع حواجز بين ابناء الطوائف المذهبية، بعد أن رفع القانون/188 لعام/1959 تلك الحواجز، وثبت من الأحكام ما كان متفقاً عليه بين فقهاء تلك المذاهب، فكان عاملاً مساعداً على التقارب والتزاوج بعيداً عن كل ما كان يفرق بين طائفة وأخرى، بسبب إجتهاد مذهبي، أو تفسير فقهي خاص، قد لا يجد ما يدعمه في ثوابت الأحكام الشرعية ومقاصدها العليا..!


فمهما يقال عن حرية الأشخاص في إتباع معتقداتهم المذهبية الخاصة في إدارة أحوالهم الشخصية، كالزواج والطلاق والميراث..الخ  وكل ما يترتب على ذلك من تبعات ومتعلقات مع الآخرين، فإن مثل هذه التبعية لا تعني سوى تفرقاً بين أبناء المجتمع الواحد من ذوي العقيدة الدينية الواحدة، ما يدفع الى التنافر الطائفي من جانب، والإستقطاب الطائفي من جانب آخر، في نفس الوقت الذي يزرع فيه مقدمات النزاعات الطائفية، ويشيع ثقافة التخندق داخل الإسرة الواحدة، ويقتل بوادر الألفة والتقارب والتصاهر بين الأسر من المذاهب المختلفة، ويفتح الطريق أمام العزل الطائفي في السكن والإقامة، الذي بدوره  يصبح عاملاً مساعداً يقف وراء التقسيم الكانتوني للسكان، وينثر بذور الكراهية والتخندق وراء الطائفة المذهبية، مما يضعف في النتيجة، أواصر التلاحم الإجتماعي الوطني، لتنعكس ابعاده الطائفية على الصعيد السياسي، وما له في ذلك، من تداعيات سلبية على مجمل حياة الناس في الأمن والطمأنينة والسلم الإجتماعي، مما يبني ليس فقط "جدراناً كونكيريتية" بين الطوائف حسب، بل يشيد جدراناً نفسية من الكراهية والبغض والتشرذم الإجتماعي لأجيال قادمة..!؟


الأمر الأهم في نص المادة /41 الدستورية، لا يكمن في مسألة التباين والإختلاف في أحكام الشريعة الإسلامية في بعض أمور الأحوال الشخصية، وهي في أغلبها أمور فقهية إجتهادية،  يمكن تجاوزها من خلال إيجاد الصيغ المناسبة حول ما هو أقرب للتوافق بين المختلف عليه من تلك الأحكام، وهذا ما جاء به قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لعام/1959 على الصعيد العملي التطبيقي؛


ولكن الأهم من كل ذلك، هو ما يكتنف روح المضمون الدستوري للمادة المذكورة، والذي تم الإشارة في أعلاه، الى بعض من تداعياته؛ فالغالب على المضمون المذكور، وهكذا يفهم بعد التدقيق في نص المادة المذكورة، هو حالة تكريس الإنقسام الطائفي الموجود ضمن أصحاب الديانة الواحدة على سبيل المثال (المسلمين)، وهم يشكلون أغلبية سكانية، مما يعني تكريساً للإنقسام المذهبي داخل المجتمع، ليصبح دستوراً تدعمه الدولة، وتؤسس بموجبه القوانين المناسبة التي تؤكد هذا التقسيم إجتماعياً..!


ومن هذا المنطلق فإن ما يقال، وعلى سبيل المثال، عن تثبيت الصفة المذهبية في بيانات هوية الأحوال المدنية  للفرد العراقي لأغراض التعداد السكاني، إنما يجد أساسه الدستوري في جوهر نص المادة الدستورية /41 آنفة الذكر، وهو أمر لا يخرج في مردوداته عن تكريس للحالة الطائفية في المجتمع رسمياً، وما يستدعيه ذلك من تبعات سلبية خطيرة، أبرزها الدفع بإتجاه أن يبحث حتى أصحاب الديانات الأخرى عن مذاهب لهم في أديانهم الخاصة لبناء طوائفهم وفقاً لذلك..!


وحيث يجري الحديث في النص الدستوري هذا عن العراقيين دون تمييز، فهو ينصرف من أجل تنظيم أحوالهم الشخصية الى قانون يجمع بين دفتيه مجاميع من الأحكام من كل مذهب ودين، وعلى الصعيد القضائي مجاميع من المحاكم الشرعية بألوان وإختصاصات تتلائم مع تلك المذاهب والإديان، ومعروف ما لهذا من نتائج مربكة على مستوى العائلة الواحدة أوالقضاء، والعودة بحالة الأحوال الشخصية الى ما كانت عليه قبل أكثر من نصف قرن من الزمن قبل اليوم..!


ورغم ما قيل عن المادة/41 من الدستور؛ بأنها لم تأت بجديد في مجرى ما هو متعارف عليه من تعدد المذاهب والأحكام الفقهية بين المسلمين في شؤون الأحوال الشخصية، إلا أن الأمر البالغ الأهمية من الناحية الدستورية، هو أن هذه المادة، ليس فقط قد إعترفت من ناحية الدولة رسمياً، بوجود حالة التعدد المذهبي والطائفي بين المواطنين المسلمين حسب، بل أنها قد منحت هذا الواقع أساساً دستورياً، بتكريسها لإستمرار وجوده وتعميق حالة الخلاف والإختلاف بين ابناء الديانة الواحدة، وكذلك إذكائها للدفع بإتجاه الولاء الطائفي المقيت؛  ومن هنا تأتي أهمية المناداة والدعوة الى إلغائها من صلب الدستور، أمراً مفهوماً ومشروعا، لتعارضها مع روح الدستور نفسه، في شد لحمة النسيج الإجتماعي، وتكريس المواطنة العراقية كأساس لهذه اللحمة..!
 

فلا يخفى على أحد أن روح الدستور بشكل عام تؤكد على (المواطنة العراقية) بإعتبارها الأساس إعتبارياً ودستورياً في الحكم أمام القانون، كما جسدها نص المادة/14 من الباب الثاني/الفصل الأول/ الحقوق(**) ؛ فلها السمو والعلوية على جميع ما يذكره الدستور من أديان ومذاهب أو مسميات أخرى، وبالتالي فإن أية إجراءات تعديلية على الدستور في مجال الأحوال الشخصية، ينبغي أن تأخذ بالإعتبار مقصد وروح النص الدستوري المثبت في هذه المادة، وأن يبنى أي قانون قادم للأحوال الشخصية في طريقه للتشريع، في قصده ومحتواه، على مبدأ المواطنة العراقية، كما وأن يعتمد الولاء الوطني فقط على أساس هذا المبدأ، كي يكون منسجماً وغير متعارض مع روح ومقاصد الدستور نفسه..!


 ولمجمل تلك الأسباب، يظل قانون الأحوال الشخصية رقم/188 لسنة/1959، بعد تشذيبه من التعديلات السلبية؛ القانون الأكثر صلاحية في مجاراة روح الدستور ومبدأ المواطنة، والأكثر ملائمة للمرأة والرجل على حد سواء، لما فيه من تقارب وعدالة للجانبين، والأكثر إنسجاماً مع مقاصد الشريعة النبيلة، والأفضل رقياً وتحضراً ومجاراة للعصر، إذا ما أرادت لجنة التعديلات ومن بعدها مجلس النواب، التوجه الى تشريع لقانون جديد للأحوال الشخصية..! 
 ____________________________________________________
 (*) المادة/(41): العراقيون احرارٌ في الالتزام باحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون.
(**) الماد/(14):العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.

 

     
 

     



     

245
هندوراس والسودان.. قمتان وقراران..!؟

باقر الفضلي


ومن غرائب الأمور أن تتلاقى الصدف والأحداث، وتتنافر المقاصد والأغراض..

ففي أقصى غرب الكرة الأرضية، "علقت منظمة الدول الامريكية يوم السبت عضوية (هندوراس) بعدما رفضت حكومتها المؤقتة، ان تعيد الى السلطة الرئيس المخلوع مانويل زيلايا الذي أطيح به في إنقلاب قبل إسبوع." (1)


وفي شمال القارة الأفريقية: " تَبنى قادة الاتحاد الافريقي في اجتماعهم في ليبيا يوم الجمعة قرارا بأنهم لن يتعاونوا مع المحكمة الجنائية الدولية وأمر القبض الصادر بحق البشير وتسليمه." (2)

قراران ومفارقتان؛ أن يُخلع رئيسُ دولة منتخب في إنقلاب عسكري، وأن يُنصب آخر بقرار الإنقلابيين، فتتنادى بقية دول القارة للمطالبة بعودته الى منصبه كرئيس منتخب، وتقرر تعليق عضوية دولته في منظمتها طالما ظلت تحت سلطة الإنقلابيين..!؟

في الوقت الذي يسعى فيه، قادة دول أخرى، وفي قارة أخرى، الى تثبيت "شرعية" رئيس دولة من دولهم، وهو الذي أقدم في 30 يونيو/حزيران 1989، ومجموعة من الضباط، في انقلاب عسكري، على الإطاحة بالحكومة المنتخبة بطريقة ديموقراطية برئاسة الصادق المهدي، ويتنادون الى دعم وضعه المتهاوي وتثبيته. والأنكى من كل ذلك، أنه ملاحق الآن من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لإتهامه بإرتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة ضد الانسانية..!؟

حدثان تعاصرا في الزمن وتنافرا في الهدف؛ فمن مناصر للتقاليد الديمقراطية ومطالب بإعادتها في دولة (الهندوراس)، وآخر مناصر للدكتاتورية ومكافح من أجل بقائها وديمومتها، حتى لو أبادت شعوباً بأكملها..!؟

 فإذا فهم المرء الحدث الأول، فكيف يتسنى له فهم أو تفسير الحدث الثاني؛ القاضي بالوقوف في مواجهة تنفيذ قرار المحكمة الجنائية الدولية،  والذي " يتم فيه دعم شخص مطلوب ومتهم بإرتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لما فيه ما يقوض مصداقية دول أعضاء في إتفاقية روما ومصداقية الإتحاد الأفريقي كله." حسب رويتر.

لقد أخفقت ولا زالت، الكثير من حكومات دول العالم الثالث، وبالذات منها الدول النفطية مثل بعض الدول الأفريقية، وعلى رأسها دول الشمال الأفريقي وفي مقدمتها ليبيا والسودان، أخفقت حكومات هذه الدول في موقفها من الديمقراطية كنهج في الحكم، وأستمرأت حلاوة الحكم على حساب قهر وإستبداد شعوبها، طمعاً في ثروات بلدانها، حتى باتت ترى في أنظمة حكمها الإستبدادية الدكتاتورية، الوسيلة الوحيدة لضمان تدفق ثرواتها من دولارات النفط، ولا يهمها بعد ذلك، حتى لو تطلب الأمر إبادة كل شعب (الفور) أوغيره عن بكرة أبيهم، كما يحصل اليوم في السودان، ولذلك فلا وجه للغرابة بعد ذلك، أن يأتي قرار قادة الإتحاد الأفريقي مسانداً وداعماً للرئيس السوداني في موقفه من قرار المحكمة الجنائية الدولية ..!؟

فالموقف المناصر للرئيس السوداني عمر حسن البشير من قبل قادة الإتحاد الأفريقي وهو في حالة الإتهام، لا يمثل من قبل هؤلاء القادة إلا نكوصاً عن إلتزاماتهم امام مؤسسات المجتمع الدولي، ومنها (المحكمة الجنائية الدولية) التي تأسست عام 2002 والمختصة بالنظر بجرائم الإبادة البشرية، التي إعتبرتها الأمم المتحدة (جريمة دولية) ووافقت عليها بالإجماع عام/1948 ، ومن ضمن الدول التي صادقت عليها، دول شمال إفريقيا العربية، ومنها (ليبيا) و(المغرب) و( تونس)، الأعضاء في الإتحاد الأفريقي، الذي يضم 53 دولة فيما عدا المغرب.
 
فالرئيس السوداني عمر البشير، ليس فقط رئيساً لدولة السودان، ولكنه في عين الوقت الشخص الوحيد الذي يتحكم بالثروة النفطية في السودان، إذ ليس بمستطاعة أي من المنقبين والباحثين عن النفط في السودان، القيام بذلك دون تصريح من قبله وبإذنه. وعلى الشركات الأجنبية، كي تحصل على حق التنقيب عن النفط في السودان، لا بد عليها، أن تبني كونسورتيوم مع شركة الدولة السودانية للنفط المعروفة بإسم (سودابت) (Sudapet)..! (*)

فأرباح النفط نفسها بعد أن يذهب قسم منها الى خزينة الدولة وبدوره يوزع على العسكر، وقسمها الآخر، بعد أن يتم غسلها ويعاد تحويلها الى نقود دموية نظيفة ، يتم من خلاله تمويل الحرب والإبادة الجماعية، ما دفع المحكمة الجنائية الدولية الى إتخاذ الإجراءات القانونية بحق البشير والقاء القبض عليه حيثما يكون ومحاكمته..!؟

 جرى ذلك لإرتباطه بالحالة المزرية التي يعيشها الشعب السوداني، في ظل بحيرات النفط المنهوبة ، وما يدور بسببها من صراع دموي، أتى على الأخضر واليابس، حيث يتعرض سكان تلك المناطق النفطية للتهجير والإبادة الجماعية ، كي تنعم أخيراً الطبقة الطفيلية بقيادة سلطتها الدكتاتورية، وعلى رأسها البشير وطغمته العسكرية الحاكمة، حيث بات النفط السوداني اليوم يشكل، القاعدة الرئيسة والإستراتيجية للطغمة الحاكمة في السودان، وعلى أرباحه تبني هذه الطغمة أسس ودعائم إمبراطوريتها الدكتاتورية..!؟ 
   
ومع ذلك فإن هذا لم يمنع البشير وشركات النفط العالمية، ومنها شركات أوروبية وصينية وماليزية وهندية، من التعامل المشترك معه، رغم سيل الإنتقادات الموجهة لدولها لتعلق الأمر بحقوق الإنسان..!؟

__________________________________________________
(1)   http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE56405P20090705
(2)   http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE5630E220090704?sp=trueالسودان/   
(*)     http://www.alsahafa.info/news/index.php?type=3&id=2147486814


 











246
جولة التراخيص الاولى، بين الحاجة والضرورة..!؟

باقر الفضلي

((وفي اجتماع عقده وزير النفط العراقي السيد حسين الشهرستاني في مبنى وزارته مع ممثلي شركات نفط دولية منها (إكسون موبيل) و (بي.بي) و(شل اويل) و(شيفرون) وبحضور السيد سام بودمان وزير الطاقة الامريكي ، ذكر السيد الشهرستاني ان العراق قد يوقع اتفاقات لتنفيذ مشروعات مشتركة مع شركات نفط دولية حتى قبل إقرار البرلمان لقانون المحروقات الذي طال انتظاره ، مبينا ان بعض الاتفاقات قد توقع قبل تفعيل البرلمان العراقي المتوقع في نهاية العام لقانون المحروقات حيث سيسمح هذا القانون بتدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية الحيوية لقطاع النفط في العراق.))  (*)









كان لحديث السيد وزير النفط العراقي هذا، قبل ما يقرب من ثلاثة أعوام من الآن، وعلى التقريب في شهر آب/2006، وقع بالغ الأهمية على الصعيدين المحلي والدولي، لما تفضل به السيد الوزير من توضيح بالغ الأهمية حول شكل وطبيعة مسار السياسة النفطية العراقية الجديدة في ظل تسنم سيادته لمهام وزارة النفط آنذاك، محدداً فيه ملامح آفاق هذه السياسة مستقبلاً، بما يطمأن الشركات النفطية الإحتكارية العالمية على مستقبل خططها المرسومة بإتجاه الإستثمار في العراق. وقد تناول العديد من المهتمين بالشأن النفطي، من خبراء نفطيين وباحثين إقتصاديين وماليين وحقوقيين، ومتنورين من مثقفين وكتاب وسياسيين ونقابيين مهنيين هذا الأمر بالبحث والتعليق، وكُتب الشيء الكثير حول الأمر، وحول كل ما يتعلق بقانون النفط والغاز، الذي لما تزل مسودته تغط في نوم عميق في أدراج مكاتب مجلس النواب أو الوزارة والله أعلم، وقد تم تناول ذلك من قبل الكاتب في العديد من المقالات ومنها ما يتعلق بشأن التصريح أعلاه في المقالة الموسومة (هل يمتلك العراقيون نفطهم..؟!)..!(1)
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=73109     



وها نحن الآن في العام الثالث بعد تصريح السيد الوزير آنف الذكر عام /2006 ، ليكتشف المراقب أن السيد الوزير كان دقيقاً  فيما يقول ويعد، وعلى طريقة المطابخ السريعة، يدهم مجلس النواب العراقي بما يسمى بعقود جولة التراخيص النفطية الأولى، وذلك قبل إسبوع من التأريخ الذي حددته وزارة النفط لإعلان قبول تلك العقود وإشهارها على الرأي العام في الثلاثين من حزيران /2009..!؟


فما هو الجديد الذي تقدمت به وزارة النفط الى مجلس النواب بشأن تلك العقود..؟!

لا أريد هنا أن أعيد وأكرر ما أشرت اليه في المقالة المشار اليها في أعلاه، ولكن الجديد في الأمر، أن جولة عقود التراخيص الأولى التي تفضل السيد وزير النفط بعرض خطوطها العامة (الجانب المالي) أمام مجلس النواب في جلسته المنعقدة بتاريخ  23-25/6/2009 ، قد جوبهت بنفس الإعتراضات من قبل البرلمانيين وأعضاء لجنة النفط والغاز البرلمانية،  وكذلك من قبل جهات سيادية، حول لا دستوريتها لعدم تشريع قانون النفط والغاز، أو عدم تماثلها مع قوانين النفط السائدة حتى اللحظة..!(**)
http://www.adnkronos.com/AKI/Arabic/Business/?id=3.0.3492148797


 ولكن، يبدو أن ما وعد به السيد الوزير قبل ثلاث سنوات من توقيع مثل تلك العقود بالرغم من غياب القانون المخصص كغطاء لذلك، قد دفع بالإتجاه المرسوم من قبل وزارة النفط، للإعلان والتوقيع على تلك العقود، بالمضي الى الأمام، وهذا ما تم إعلانه في الثلاثين من حزيران/2009  كما كان مقرراً من قبل الوزارة، حيث  [[ ذكرت وزارة النفط العراقية ان تحالف شركات تقوده بريتش بتروليم (بي بي) البريطانية وشركة النفط الصينية (سي ان بي سي) فاز بعقد تطوير اكبر حقول العراق النفطية، حقل الرميلة.]] (2)
http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_8125000/8125923.stm


وما هو جدير بالذكر أيضاً في أمر هذه العقود، كونها جاءت لتشمل تلك الحقول النفطية ومكامن الغاز الأكثر فعالية ونشاطاً إنتاجياً من بين جملة المصادر المكتشفة والداخلة في نطاق الإنتاج منذ فترات طويلة، والتي تشكل العمود الفقري للثروة النفطية، والمصدر الرئيس للإيرادت المالية للخزينة العامة والدخل القومي، والتي قد لا تحتاج الى ذلك الجهد المعقد وفقاً للدراسات الكثيرة، لتطويرها من أجل زيادة الإنتاج وفق المعدلات المقررة في دراسات وزارة النفط، والتي أجمعت أغلب الدراسات التخصصية، على إمكانية القيام بالتطوير في مثل هذه الحقول وزيادة إنتاجها، عن طريق الإستثمار الوطني المباشر.(3)


وفي نفس الإتجاه كان للإستاذ حمزة الجواهري الباحث والمختص في إنتاج وتطوير حقول النفط والغاز، ما يعزز مثل ذلك الرأي في إطره العامة، مع ما له من وجهة نظر خاصة في موضوعة جولة التراخيص الأولى جديرة بالإهتمام، ولكنه بنفس الوقت يشير الى إمكانية إعتماد الجهد الوطني إذا ما توفرت شروطه وظروفه المناسبة. (4) 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=175716   

   
 

ولتأكيد هذه الحقيقة يشير السيد  (جريج موتت) من لندن في مقالته المنشورة في موقع نقاش قبل عام من اليوم/9/7/2008 قائلاً : [[" منذ كتابة الدستور عام 2005، كانت سياسة العراق هي أن تبقى الحقول المنتجة للنفط بأيدي العراقيين، وأنها وحدها الحقول الجديدة غير المطورة هي التي ستخضع للاستثمار من خلال عقود تطوير لشركات أجنية. حتى مسودة قانون النفط - والتي أثارت جدلاً طويلاً بسبب تخليها عن الكثير من المصالح النفطية العراقية - تقضي بأن الحقول المنتجة للنفط "تدار وتعمل" تحت يد شركة النفط العراقية الوطنية (INOC). وأشار متسائلاً :  " لقد انحرفت هذه السياسة في الأسبوع الماضي عند إعطاء "إنتاج النفط الأول والأساسي" (بكلمات وزير النفط) لشركات أجنبية، حقول نفط كانت غير قابلة للعرض بأي شكل. و يبقى أن نترقب ما سيحدث للحقول الجديدة...!؟"]] (5)
http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=28&id=2243&lang=1     


لقد تحقق فعلياً اليوم ما نبه إليه السيد (موتت) قبل عام، لتصبح جولة التراخيص الأولى حجر الأساس الذي تضعه وزارة النفط العراقية وبمباركة من مجلس الوزراء، الذي صادق على عقد التراخيص الأول  مع تحالف الشركات النفطية العالمية الذي تقوده الشركة البريطانية (BP) الذائعة الصيت لدى العراقيين منذ عقود الأربعينات، ليكون فاتحة عهد جديد في العراق الجديد لعودة نفوذ الشركات النفطية العالمية الإحتكارية بعد غياب دام عقود على حد قول( بي بي سي) البريطانية..!؟(6)
  http://arabic.cnn.com/2009/business/7/1/Iraq.oil/index.html


وهناك من يرى عكس ذلك، ويعتقد إنه " من غير الحكمة القول، أن على العراق تطوير قطاعه النفطي إستناداً الى قدراته المحلية، ذلك أن تطوير هذا القطاع بحاجة الى عشرات المليارات من الدولارات؛ فإن كانت الحكومة العراقية قادرة على توفير هذه المبالغ، فالأحرى بها توجيهها نحو تأهيل البنية التحتية الوطنية." (7)
http://www.irakna.com/index.php?option=com_content&view=article&id=5493:2009-07-03-06-29-20&catid=4:2009-04-22-12-30-39&Itemid=9


ومع ذلك ، فإن اغلب الدراسات المتخصصة، ومنها ما أشرنا اليه فيما تقدم، والتي ترى في تفضيل الإستثمار الوطني المباشر، ما يتلائم والمصلحة الوطنية بالنسبة لحقول النفط التي تناولتها جولة التراخيص الأولى، قد تناولت مسألة القدرات المحلية في تمويل عملية التطوير وسبل ووسائل تأمينها، ما فيه من الإجابات المقنعة، تحديداً بالنسبة لتلك الحقول..!


لقد ذهبت وزارة النفط بعيداً في معارضتها لكافة القائلين بخطورة ما يدعى بجولة التراخيص الأولى على مستقبل الصناعة النفطية وما قد تشكله من إرتهان لتلك الثروة على مدى عقود من السنين بالأقل 20 عاماً، لصالح الشركات النفطية الإحتكارية، وما قد يكون فيه من غمط لحقوق ومصالح الأجيال القادمة من العراقيين في الثروة الوطنية ، وإعتبرتها مجرد "آراء وأفكار تحترمها الوزارة"، على حد قول السيد وزير النفط في جلسة مجلس النواب، حتى وإن جاءت مثل هذه الأفكار، من متخصصين بشؤون النفط ومن خيرة الكوادر المهنية النفطية والإقتصادية العاملة في هذا الميدان ومن ضمنهم من العاملين في الوزارة..!؟(***)
http://www.al-nnas.com/oil.htm       


خلاصة الأمر؛ فإن كان هناك ثمة من تساؤل بهذا الشأن المهم،  فإن أقل ما يمكن قوله   هو كيف ياترى، سيكون عليه التعامل القادم مع أفكار الآخرين من جماعات المجتمع المدني، ومنتسبي النقابات، وذوي الأفكار الحرة والمستقلة..؟!


وماذا سيكون عليه  تعامل الوزارة الموقرة من جهة، وموقف مجلس النواب، من جهة أخرى، من آراء الخبيرين اللّذين إنتدبتهما رئاسة مجلس النواب بتأريخ 29/6/2009 ، لإبداء رأيهما بأمر "جولة التراخيص الأولى" والذي نص في خلاصته وبناء على ما جاء في إعلام مجلس النواب في نفس التأريخ :  [[ وبين الخبيران معارضتهما لعقود جولة التراخيص الاولى مبديان قلقهما من الخسائر الكبيرة التي سوف تترتب على العراق من جراء تعويض هذه الشركات فضلاً عن ان هذه العقود تفقد العراق السيطرة على قرارات الانتاج والبيع كونها من مسؤولية المستثمر.]] (8) 


إلا يدفع كل ما تمت الإشارة اليه فيما تقدم، وما إنتاب هذه العقود من جدل وإختلاف كبيرين بين الأوساط البرلمانية والسياسية والمتخصصة وأوساط الرأي العام، ومن تعارض مع وجهة النظر الوزارية، الى ضرورة التريث في أمر التصديق على مثل هذه العقود، لما يشوبها من طعون دستورية، ولما يغلب عليها من ضبابية في شروط التعاقد، وهواجس قد تبعث على الشك في مدى قربها من "عقود المشاركة" بسبب طول فترة سريان العقود، وما لها من دور سلبي على فعالية وأنشطة شركات النفط العراقية الحالية، بل وحتى في إعاقتها لتشريع قانون شركة النفط العراقية الوطنية (INOC)، المنصوص عليه في مسودة قانون النفط والغاز..! (9)


   إنه ومهما سلم المرء بأهمية الحاجة الى عملية التطوير لحقول الإنتاج النفطية الحالية، ومهما تكون مشروعية الدوافع التي تقف وراء ذلك، فإن هذه الحاجة لا تمنع من التفكير ببدائل ووسائل أخرى، وإخضاعها الى المزيد من البحث والتدقيق والدراسة من قبل لجان وطنية يتمتع اعضائها بالتخصص والمعرفة العملية والعلمية بشؤون النفط والغاز، وفي مجال الإقتصاد والقانون، وعلى مستوى عال من الشفافية، بما يعزز الممارسة الديمقراطية، يفتح فيه المجال أمام منظمات المجتمع المدني من خلال تفعيل النشاط الوطني الإعلامي، وأن يكون لمجلس النواب دوره التشريعي والرقابي في النهاية، بعيداً عن أي تسييس للمسألة النفطية، لا يخدم في النهاية، المصلحة الوطنية، ولا يصون الثروة القومية، و تصبح معه مجمل السياسة النفطية عرضة  للإنتقاد..!


 فمن غير المسلم به أو المقنع، أن يرقى الأمر الى درجة الضرورة، التي لا مناص منها، ويصبح وكأن جولة التراخيص الاولى، التي إنفردت بها وزارة النفط وبدعم حكومي، هي بمثابة الكي الذي لا دواء بعده..!؟ 
________________________________________________________
(*)  http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=28&id=1369&lang=1   
(**)   http://www.adnkronos.com/AKI/Arabic/Business/?id=3.0.3492148797
(1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=73109
(2)      http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_8125000/8125923.stm
(3)    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/is/24oilf.htm   
(4)     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=175716
(5)    http://www.niqash.org/content.php?contentTypeID=28&id=2243&lang=1     
(***)     http://www.al-nnas.com/oil.htm       
(6)      http://arabic.cnn.com/2009/business/7/1/Iraq.oil/index.html       
 
(7)      http://www.irakna.com/index.php?option=com_content&view=article&id=5493:2009-07-03-06-29-20&catid=4:2009-04-22-12-30-39&Itemid=9

(8)     http://parliament.iq/Iraqi_Council_of_Representatives.php?name=articles_ajsdyawqwqdjasdba46s7a98das6dasda7das4da6sd8asdsawewqeqw465e4qweq4wq6e4qw8eqwe4qw6eqwe4sadkj&file=showdetails&sid=2847       

(9)    http://www.rtarabic.com/prg_actual/?setdate=1246392000
       



247
العراق: بين دولة العشيرة، والدولة المدنية الديمقراطية..!؟2-2

     باقر الفضلي


العشيرة العراقية الحاضنة الإجتماعية "الجديدة" للأحزاب السياسية في العراق، وبالذات منهم احزاب الإسلام السياسي؛ بات نجمها اليوم، يتصاعد بسرعة صاروخية، فاقت في قدراتها ما كانت عليه في الأيام الخوالي؛ يوم كان للنظام القبلي العشائري حظوة معروفة في المجتمع العراقي، حينما كانت العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية هي السائدة على الصعيد الإقتصادي في تلك المرحلة، ويوم كانت السلطة الأبوية لرئيس العشيرة في المجالين الإجتماعي والإقتصادي هي المهيمنة على جموع الفلاحين في الرقعة الزراعية ، وأغلبهم من أبناء العشيرة التي ينتمي لها رئيس العشيرة نفسه، حيث كانت غالبية اراضي الدولة الزراعية الواقعة تحت تصرف الفلاحين الفعلي، مسجلة تفويضاً بأسم رئيس العشيرة ومثبتة في دوائر الطابو الحكومية بهذا الشكل، وهذا ما أكسب المؤسسة العشائرية، مممثلة برئيس العشيرة وحاشيته، سلطة معنوية أبوية، وإقتصادية مباشرة على فقراء الفلاحين، مدعومة بقوة الدولة، مممثلة بسلطة الحكومة من جهة، وبدعم وتأييد المؤسسة الدينية المحلية من جهة أخرى..!


وحتى ثورة الرابع عشر من تموز 1958، كانت القوى السياسية في العهد الملكي، تضع في مقدمة أهدافها كسب تأييد أصوات الفلاحين في الإنتخابات من خلال مؤسسة العشيرة الخاضعة لنفوذ رؤساء العشائر، الذين كان يتمثل العديد منهم وبإرادة ملكية، أعضاءً في "مجلس الأعيان"، الرديف المصاحب لمجلس النواب يومذاك، حيث العديد من رجال السياسة ممن يطرحون أسمائهم، في سجلات محافظات غير محافظاتهم، بعد أن يضمنوا تأييد شيوخ العشائر ومسؤولي المحافظة من رجال الدولة، بغرض جمع العدد الكافي من أصوات الفلاحين، اللازم لتأهيلهم لعضوية مجلس النواب..!


فكانت أحزاب السلطة التقليدية، تولي العشائر، ومن خلال رؤسائها، أهمية إستثنائية لإنتمائهم الى تلك الأحزاب، إذ كان التنافس شديداً بينها، وعن طريق المغريات المختلفة، التي تصل حد المصاهرة بعض الأحيان، مع عوائل بعض رؤساء العشائر، للفوز بتأييد عشائرهم في دعم تلك الأحزاب أثناء الإنتخابات بهدف تشكيل الحكومة القادمة..!


 ولعل مثالَي حزب الإتحاد الدستوري برئاسة نوري السعيد، وحزب الأمة برئاسة صالح جبر، على وجه التخصيص، والى حد ما، الحزب الوطني الديمقراطي، الذي كان يضم نخبة غير قليلة، من السراكيل وبعض رؤساء العشائر الصغيرة، كما في الفرات الأوسط على سبيل المثال، كانت من البراهين الساطعة على ما يمثله النظام العشائري القبلي يومذاك، من نفوذ سياسي وإجتماعي على مستوى الدولة، في نفس الوقت الذي شكل فيه هذا النظام، القاعدة الأقتصادية للنظام السياسي، وأحد أهم العوامل المعرقلة على طريق تطور العراق الإقتصادي والإجتماعي..!


رغم التصدع والإنحلال اللذين أصابا المنظومة العشائرية بعد تفتيت قاعدتها الإقتصادية بتشريع قوانين الإصلاح الزراعي خلال ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ، تجري اليوم محاولات غير قليلة من قبل قيادات بعض الأحزاب الحاكمة أو المنخرطة في العملية السياسية، لنفث الروح من جديد، في منظومة العشيرة العراقية بإتجاهين؛ ديني طائفي _ مذهبي، من خلال تعميق الطائفية المذهبية الدينية، ومحاولة التركيز على تفعيل التقاليد والمشاعر الدينية بشكل يتجاوز المظاهر الإعتيادية المألوفة؛ وإداري تنظيمي سلطوي؛ عن طريق تشكيل "جديد" غير مبني على اساس المصالح الإقتصادية المشتركة لأبناء العشيرة، والفلاحين منهم على وجه الخصوص، كما هو متعارف عليه حسب، بقدر ما كونه عبارة عن تنظيم هلامي مبني على بقايا العلاقات البطرياركية، التي تحكمها العادات والتقاليد من مخلفات النظام الإقطاعي الأبوي، والتي لا تربطها أي صلة بكل ما يشاع عن السعي من أجل بناء دولة القانون أوالدولة المدنية الديمقراطية، ويمكن تمثله، وعلى سبيل المجاز، وكأنما هو بديل للمنظمات النقابية الفلاحية المعرفة ب (الجمعيات الفلاحية) التي رافق تأسيسها صدور أول قانون للإصلاح الزراعي في ثورة الرابع عشر من تموز/1958، ولكنه غير ذلك، ويتميز عنها بأنه إقتصر على رؤساء القبائل والعشائر بالذات، ولا يمت بصلة لأبناء العشائر انفسهم من الفلاحين الذين يمتهنون الزراعة فعليا، وقلما يجد المرء بين جمهرة أعضاء تلك "المجالس" من الحضور من يمت بصلة الى الفلاحين..! 


مما لا شك فيه، أن السيد رئيس الوزراء وحزبه المشارك في الحكومة (حزب الدعوة الاسلامية)، على سبيل المثال، وهي الجهة الرئيسة في الترويج لمنظمة العشيرة وتشكيلاتها الجديدة، وتحت تسمية ما يدعى ب "مجالس الإسناد"، ترد على منتقديها بكونها تستند على خلفية دستورية في تأسيسها لمثل تلك التنظيمات العشائرية معولة في ذلك على النص الدستوري/ الفقرة: ثالثاً من المادة (43) من الدستور العراقي الدائم لعام/2005 (*)، إلا أنه، ورغم وجود هذا النص، فإن الأمر من حيث الجوهر، يتعارض مع الواقع الحضاري لتشكيلة المجتمع العراقي، وتتجسد فيه دعوة بإتجاه العودة الى تقاليد وأسس النظام القبلي العشائري، بهدف تكريسه رديفاً للنظام المدني القائم،  الذي أرسى  دعائمه وأسسه ، المجتمع العراقي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وبعد أن تعزز ذلك بإلغاء نظام دعاوي العشائر بموجب المرسوم الجمهوري رقم 56 لسنة 1958 والمنشور في الوقائع العراقية عدد/ 3 بتأريخ 3/8/1958 ، وبعد ان تم تشريع القانون المدني رقم 40 / 1951 ، والتشريعات الأخرى، مثل قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1961 وما سبقه من قانون العقوبات البغدادي لسنة 1919 وقانون اصول المحاكمات الجزائية البغدادي  في عام 1923. ومن جانب آخر فإن تشكيل مثل هذه "المجالس" يفتقر الى سنده وغطائه القانوني، حيث ليس هناك من نص دستوري خاص أو قانون محدد يمكن الركون اليه عند تأسيس مثل هذه "المجالس" أو يحكم نشاطها..!؟   


السؤال المحير على مستوى "العملية السياسية الجديدة والعراق الجديد" ، وإرتباطاً بكل ما تعلنه تلك القوى السياسية الحاكمة أو سواها، من تطلعاتٍ لبناء العراق الجديد؛ ذي السمة الحضارية المدنية الديمقراطية التعددية، وهي نفسها التي أسهمت في إعادة الروح الى منظومة  "العشيرة" و"القبيلة" الميتة سياسيا، من خلال حشر نص المادة /43 الفقرة/ثانياً في الدستور الدائم/2005 المشار اليها في أعلاه، في الوقت الذي تدرك فيه أغلبيتها وبالذات القوى ذات المنهج الديني الطائفي بمختلف أصنافه، والذي بات يرتدي اللباس المدني الحضاري، سعة التناقض بين النظام القبلي العشائري والنظام المدني الحضاري - رغم ما يقال حول قيم الاول الانسانية -، وذلك من حيث الأسس والقواعد والأنظمة القانونية والتشريعية والتعليمية، ومن حيث التعامل المدني اليومي مع قضايا حيوية مثل الحياة الأسرية، والنظر الى حقوق المرأة، والقضايا الجزائية، وقضايا حقوق الإنسان بالذات، وأمور أخرى كثيرة. فالى أي مدى يمكن التوفيق بين المنظومتين، خاصة وأن الدستور نفسه يبطن غير قليل من اللامتجانسات من النصوص الخلافية والمتعارضة والتي بُني الدستور طبقاً لمصالح مشرعيها..!؟؟


وها هو السيد رئيس الوزراء، والأمين العام لحزب الدعوة الاسلامية المشارك الرئيسي في الحكومة، في مقدمة المنادين اليوم، الى ضرورة إجراء التعديلات على الدستور، مقراً وحسب قوله :  "اضطررنا الى المحاصصة والديموقراطية التوافقية لان النفوس كانت مثقلة بالخوف والتهميش لم يكن امامنا خيار سوى التوافق والمبدأ السيء المحاصصة".(1)   


ولا غبار على ذلك، ولكن إدراك هذه الحقيقة، وإن جاء متأخراً، لا يشكل أساساً صالحاً لبناء المجتمع المدني على أساس "قبلي – عشائري"، رغم ما يشار اليه من مرجعية دستورية كما مر ذكره ، والذي يفترض أن تكون من ضمن النصوص الدستورية التي ينبغي شمولها بالإلغاء، لتعارضها مع مفهوم (المجتمع المدني) الحضاري الذي ما إنفكت الجهة التي تدعو اليه، منذ فترة شروعها بتشكيل ما يسمى ب "مجالس الإسناد" ومؤتمرات مجالس "رؤوساء العشائر"، وكأن العراق يعيش فترة العشرينات أو الثلاثينات من القرن الماضي وما قبلها، فأي تناقض هذا..؟!


ومع ذلك ومن خلال الدعوات المتواصلة لعقد ما يسمى بمؤتمرات "مجالس رؤساء العشائر"، ، والتي تلقى التأييد والدعم التام من قبل حزب الدعوة الإسلامية بوجه خاص، فلا يمكن ان يفهم من ذلك، أن هذه المجالس، من حيث الإنتماء الى عضويتها،  تشمل أو تمثل جماهير الفلاحين، أو طبقة إجتماعية معينة؛ فهي في حقيقتها عبارة عن تجمعات صورية لكل من يجد أن "لقبه" ينخرط تحت لافتة اسم العشيرة المعينة، كمرجعية جديدة، ولا يجمع بين منتسبيها ما يوحد مصالحهم،  كصلة إقتصادية أو حتى زمانية أو مكانية، فهي رغم ما يعلن عنها بأنها مجالس لرؤساء العشائر، بإعتبارها ممثلة لتلك العشائر؛ فهي يمكن أن تضم بين صفوفها أي من الأشخاص ممن يعلن عن نفسه حاملاً لأسم العشيرة المقصودة، بإعتباره الرابط "الجديد" بين المواطنين، ممن ينتسبون الى تلك العشيرة إفتراضا، ويراد منها أن تكون صلة للوصل بين الفرد "إبن العشيرة" والدولة، كبديل جديد يعيد الناس الى ما جبلت عليه أيام نظام دعاوي العشائر، طبقاً لإصولها وأنسابها العشائرية ..!؟


مجالس الإسناد العشائرية لا يمكن أن تكون أكثر من تجمعات جماهيرية ساندة لمن يتحكم بقيادتها وتمويلها، ومن يحركها طبقاً لمتطلبات العملية السياسية في وضعها الراهن وإرتباطاً بما تمليه المصالح الحزبية والسياسية الخاصة؛ فهي تجمعات لا تمت الى بنية العشيرة المتعارف عليها وهيكليتها الحقيقية بشيء، إلا بما يوحيه أسم العشيرة المتوارث عبر الأجيال من تواجد معنوي للعشيرة، وبما يعكسه من تبجيل وقدسية على مثل تلك التجمعات، ليخرج بها من صورتها الشكلية المفتعلة الى الحقيقة الوهمية، وكأنها كيانات إجتماعية، لها من الإعتبار ما لغيرها من مكونات المجتمع المدني الحضاري الحقيقية، من حيث التجذر والإنحدار، رغم ما للعشيرة في زمنها، من قيم وتقاليد تتناسب مع مجتمع العشيرة يومذاك، ومع ما يكنه لها المجتمع تأريخياً من إحترام وتقدير..!؟؟ 


إن لإرتباط تشكل مثل تلك "المجالس" برأس سلطة الحكومة وقيادة الحزب السياسي المشارك بالحكم من جانب ، وإفتقادها لأسباب ومسوغات تأسيسها، ناهيك عن فقدانها لما ينظم ذلك التأسيس من أنظمة داخلية أو بحكم من قانون أوتشريع مؤسساتي يعمل كغطاء شرعي لوجودها، ويحدد شروط وأهداف تأسيسها بإعتبارها تمثل مصالح عامة مشتركة لسائر أبناء المجتمع، وبالتالي فهي لا تخرج بعيداً عن تطلعات حزبية خالصة، تدخل في نهاية الأمر في إطار المصالح الخاصة لتلك القوى السياسية أو الحزب السياسي المعين..!


ولهذا السبب، فقد جابه تأسيس هذه " المجالس" منذ البداية، معارضة واضحة من قبل العديد من القوى والأحزاب السياسية الأخرى، بما فيها قوى حليفة لحزب الدعوة نفسه ومن المشاركين في الحكومة..!(2)       


لا غرابة في الأمر لو إقترنت الدعوة لتجمع رؤوساء العشائر والقبائل من خلال الجهد الحزبي المدني الصرف حسب، ولكن ليس من خلال إضفاء الصفة الرسمية على تلك "التشكيلات" ذات الطابع العشائري ، وكأنها البديل الجديد والمرجعية المدعومة من قبل ذي الشأن السلطوي،  للمواطن العراقي ذي الأصول العشائرية، بدلاً عن مؤساسته النقابية أو الإجتماعية الديمقراطية المدنية والحضارية، ليجد نفسه أخيراً محكوماً بأحكام وسنن وتقاليد وعادات النظام العشائري القبلي، وتابعاً لقانون العشيرة في مجمل شؤونه وشؤون إسرته في الحياة المدنية..!؟


 فلا عجب والحال، أن تُركن جانباً منظمات المجتمع المدني، وهي التي خصها الدستور بنص خاص(المادة/43 أولاً)، وأن لا تحضى بنفس الحضوة والدعم المادي والمعنوي التي تنالها مجالس "رؤساء العشائر"؛ كما وليس عصياً على الفهم حالة التناقض الصارخة بين الدعوة الى "دولة القانون" من جهة والعمل المتواتر الى تأسيس مجالس "رؤساء العشائر"، التي تفتقد للغطاء القانوني، ومدى إنعكاس ذلك سلباً على الحياة المدنية، وخاصة الأسرية منها، على سكان المدن بالذات من جهة أخرى..!!(3)


ولعل ظاهرة جموع الفلاحين الذين هاجروا الى مشارف المدن، تاركين اراضيهم الزراعية بعد الخراب الذي لحق بالزراعة، حيث تركوا " ديرة " العشيرة، وإفترشوا الأرصفة، أو على حد قول أحدهم ساخراً: "باعوا الهويشات وكعدوا بالجادات"، تشكل أحدى المظاهر التي تشجع المنحى الذي توجه اليه السيد رئيس الحكومة الحالية وحزبه بهذا الإتجاه..!؟


 نتيجة للخراب الصناعي في عموم البلاد، أن حال ذلك دون إنخراط هذه الأعداد الغفيرة من الفلاحين وإنصهارها في مجال العمل الصناعي والخدمي وإنقطاع صلتها بواقعها الإقتصادي السابق للسبب المذكور، ولهذا كانت الوتيرة العالية من نسب البطالة في المدن، أغلبها ذات أصول فلاحية، وقد ترافق ذلك بشيوع ظاهرة الإلتجاء الى الإحتكام الى سنن وأحكام القبيلة وأعرافها في حل النزاعات والأحداث بين المواطنين، وكما يجري الترويج له علناً، على حساب الأنظمة والشرائع والقوانين المدنية الحضارية، وهذا ما يتلمسه المرء نتائجه في السنوات الأخيرة، كما مشار اليه في الرابط (3) أدناه على سبيل المثال..!؟


لا عجب إذن، إذا ما تحولت تلك "المجالس العشائرية" الجديدة الى مراكز لإستقطاب الألوف من الفلاحين العاطلين عن العمل، والتي تغص بهم المدن العراقية كمرجعية جديدة، وتحت تأثير الرابطة القبلية والطائفية المذهبية الدينية، وهيمنة رؤوساء القبائل من خلال تلك المجالس، أن يجري التعامل معهم كإحتياطي بشري، لضمان موقفهم المساند في اللعبة السياسية، خاصة بعد أن ضاقت سبل العودة لهذا الجيش الكبير من الفلاحين العاطلين الى اراضيهم الزراعية، وبعد أن وجدوا الطرق مسدودة أمامهم للإنخراط في قطاعي الصناعة والخدمات لخرابهما. مما وضعهم في حالة من التهميش الإجتماعي، وفي منأى عن الإرتباط بالمجتمع المدني ومنظماته الديمقراطية الإجتماعية العصرية بما فيها الأحزاب ذات الطابع المدني العلماني، مما قد لا يغير من ولائاتهم القديمة بإتجاهات أخرى..!؟


 وهكذا تظل البطالة "حاضنتهم" الوحيدة، طالما ظلت حالة الإقتصاد العراقي - زراعياً وصناعياً وخدمياً- تراوح في مكانها الحالي من الجمود والخراب ؛ وبالنتيجة، لا غرابة أن يقف وراء وجود هذه الفئة "المهمشة" إجتماعياً، والتي من السابق لأوانه أن يحسم مصيرها الطبقي الإجتماعي قريباً، حيث يرتبط أمر ذلك بما ستؤول اليه حالة الإقتصاد العراقي نفسه؛ أقول لا غرابة أن تقف النجاحات التي تتوقعها بعض القوى السياسية، ومنها قوى الإسلام السياسي بمختلف تياراته خصوصاً، في لعبتها السياسية الإنتخابية القادمة وراء هذه الفئة..!


 كما ولا يمكن إغفال تأثير تلك الفئة في مجمل العملية السياسية عموماً، أونسيان ما تمخضت عنه النتائج الإنتخابية للمرات السابقة، وبالذات ما أسفرت عنه نتائج إنتخابات المحافظات، بسبب حجمها الكبير بين مكونات المجتمع العراقي، منظوراً  له  بالخصوص، من خلال التضخم السكاني الكبير الذي شهدته المدن العراقية في المحافظات على حساب المناطق الريفية، في الفترة التي أعقبت الإحتلال وخلال سنوات الحصار وبسبب الخراب الزراعي، وهذا ما دفع بالبعض من السياسيين المشاركين في السلطة الحالية، الى التعجيل بتشكيل منظماتهم "السياسية" الجديدة، سواء بما يدعى ب"المجالس العشائرية"، أو منظمات "الوسط" ، معولين في ذلك على حجم تلك الفئة المهمشة من السكان، والتي تنتشر بكثافة في مقرات الأحزاب الدينية، مشكلة جماهير هذه الأحزاب، وتزدحم بها المساجد والحسينيات، ومن بقايا منظمة العشيرة..!؟

 ولعل من نافل القول الإشارة الى أن معظم جمهور أحزاب الإسلام السياسي أو غالبيته مبني على هذا الأساس، لما لإرتباط هذا الجمهور بالموروث الإيماني والعادات والتقاليد العشائرية، المتحكمة منذ أجيال مضت بثقافته السائدة، أكثر مما هو مرتبط ببرامج تلك الأحزاب السياسية..!



أما على الصعيد السياسي، فالأمر سيبدو أكثر جلاءً ووضوحاً إذا ما إستعاد المرء ذاكرة التأريخ، منذ بدايات تأسيس الدولة العراقية في اوائل العشرينات من القرن الماضي مروراً بتأريخ أنظمة الحكم التي تناوبت على إدارتها حتى اليوم، ليرى تهافت جميع تلك الإدارات على دعم وإسناد منظومة "العشيرة"،  كمؤسسة إجتماعية – إقتصادية، لتجد فيها - تلك الإدارات - سنداً داعماً لها في صراعها السياسي – الطبقي على صعيد المجتمع؛ وهذا ما يدفع للتساؤل؛ إذا ما ستكون " دولة العشيرة الديمقراطية"، هي البديل ( للدولة المدنية الديمقراطية المنشودة )، ومؤسساتها الحضارية العصرية، أم أن القادم من الأيام سيرينا أشكالاً جديدة من أنظمة الحكم ونماذج غير معهودة لفدراليات من نمط خاص، وكأن الأمر سعي لتحديث الماضي بما يتطابق وطموحات الحاضر..؟؟!

 (*)  نص الفقرة ثاثاً من المادة / 43من الدستور الدائم:  "تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون وتعزز قيمها الانسانية النبيلة بما يسهم في تطوير المجتمع وتمنع الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان."
(1)  http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=41758
(2)    http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=26807
(3)    http://arabic.cnn.com/2009/entertainment/6/2/honor.killing/index.html



       

   



 








 

 

248
المسألة الإيرانية في ظل الإنتخابات الرئاسية..!؟ 2-2


باقر الفضلي


لقد خرجت أحداث إيران التي إفرزتها إنتخابات رئيس الجمهورية الإيرانية، وتداعياتها المتلاحقة، عن الحيز الوطني الإيراني الداخلي، لتدخل متصدرة كل وسائل الإعلام الدولية، ولتغدو الخبر الأول في جميع نشرات الأخبار العالمية، ولتتفرد أخيراً لتصبح  ما يدعى ب" المسألة الإيرانية" على الصعيد الدولي، ولتشغل العالم بأجمعه بتداعياتها المتلاحقة بسرعة، ليكتنفها بعد ذلك، الغموض الذي يصعب التكهن بأبعاده ونتائجه اللاحقة..!


أن تتحول أحداث الإنتخابات وتداعيات نتائجها المعلنة الى مثل تلك الأهمية العالمية، يشكل بحد ذاته حدثاً فريداً في نوعه، إذا ما نظر اليه من الزاوية الجيوسياسية لدولة إيران، بإعتبارها دولة من نمط خاص، و يمثل وجودها ناتجاً ومحصلة لأكبر إنفجار بركاني جماهيري في العصر الحديث، بعد أحداث ثورة /اكتوبر/1917 من القرن الماضي..!


عبر ثلاث عقود من الزمن، سار قطار الثورة الإيرانية وهو يجرف في سيره العاصف، كل ما يقف أمامه من معوقات، وكل ما يظنه مخالفاً للثوابت التي أسس عليها رجال الثورة وقادتها الأوائل وفي مقدمتهم آية الله الخميني، بنائهم الجديد للمجتمع الإيراني طبقاً لقناعاتهم ووفقاً لمنهجهم، وما إعتقدوه من أرث وتقاليد حسبوها كفيلة وحدها بتسيس المجتمع الإيراني وفقاً للأطر التي تسمح لهم لجمَ قياد المجتمع وتوجيهه طبقاً لما تشير له بوصلتهم القيادية..!؟


لم يعتد الشعب الإيراني بمختلف مكوناته قبل الثورة، على الإنغلاق الروحي، وكان أقرب من غيره من شعوب المنطقة، الى التحضر والعصرنة، حيث كان شعباً مدنياً بمعنى الكلمة، وله من التراث الثقافي والتمدن ما يسمح له أن يفخر به على الدوام، ورغم ما كان عليه هذا الشعب في زمن النظام الشاهنشاهي من الفقر والإستغلال وسطوة الإستبداد، إلا أن جميع ذلك لم يكبل الناس في الصوامع والجوامع والمساجد والحسينيات، ودور العبادة ليل نهار، ولم يفرض عليهم طقوساً دينية ملزمة، ولم يلبس الناس ما يريد. لم يمنع بينهم وبين ما يبهج الروح ويطيب النفس. لم يمنع الحب ولا حرم الغناء أو الرقص ولا حجب المسارح وقاعات العرض أو منع الفنون. لم يفرض على الناس ثقافةً مغلقة، وكان الناس أحراراً فيما يقرؤون وما يكتبون وينشرون، ولم يَخضع المدنيون منهم الى ثقافة القرية والريف..!

ثلاث عقود من السنين، كانت أكثر من كافية لشعب يرزح تحت كابوس تقييد الحريات الفردية ، وفي ظل الإنغلاق الروحي، والإنكسار المعنوي، أن تتفجر عنده النفوس، غلياناً وغيضاً وغضباً تنصهر أمامه كل الممنوعات؛ فما عكسته الأحداث التي أعقبت نتائج الإنتخابات من ردود فعل وهيجان عارم ضد تلك النتائج ، شكل أحد أنواع الإحتجاج الحاد ليس فقط على نتائج الإنتخابات حسب، بل جاء صرخة مدوية ضد نمطية النهج الذي سارت عليه قيادة الثورة طيلة العقود الثلاث، وما كانت نتائج الإنتخابات الأخيرة، سوى المفتاح المنتظر لإطلاق صرخة الإحتجاج والرفض للقبول بنمطية النهج الديني المتحجر، وغياب الديمقراطية الحقيقية، فجاء تدفقه أكثر وضوحاً في المدن منه في الأرياف، لتماسه بطبيعة حياة المدينة، التي كانت الأكثر تأثراً بسلبيات نمطية النهج المذكور، الذي غلبت عليه الصوفية الدينية والمغالاة الطائفية، التي لم يعتدها المجتمع المدني بهذا الشكل المتطرف قبل الثورة، ورغم ذلك، فلا ينسينا هذا، ذلك الزخم الهائل من الدعم اللامتناهي الذي قدمته جماهير المدن والأحزاب السياسية بما فيها اليسارية، الى قيادة الثورة عند إنطلاقتها في شباط عام/1979، وما كان له من دور فاعل في نجاح وإنتصار الثورة؛ على عكس ذلك كان تلقي جماهير الأرياف المليونية لنمطية النهج الجديد لقيادة الثورة، أكثر تقبلاً وطواعية، لأسباب كثيرة، أهمها يرتبط بطبيعة العيش في تلك المناطق الريفية، وإبتعاد تلك الجماهير عن كل ما يرتبط بحياة المدينة الروحية والثقافية، - وهي حالة تحكم أغلب بلدان الشرق الأوسط بما فيها العراق على سبيل المثال- ولعمق ثقافة المعتقد الإيماني الديني المتأصلة بين أوساط المجتمعات في تلك الأصقاع، المقرونة بتدني نسب الوعي الثقافي ومستويات التعليم، قياساً بما هو عليه بين أبناء المدن..!


ولكن الأمر البالغ الأهمية والذي له دلالاته السياسية والإجتماعية، يفترض فينا التدقيق بطبيعة عملية الإنتخاب نفسها وسبر العوامل التي وقفت وراء تلك النتائج، قبل التعجل والإنصراف وراء التكهنات التي تأتي في مثل هذه الأمور وفي حالة الأحداث المشبوبة بالعواطف، فتحسب تلك التكهنات، وكأنها ردود أفعال لن تبنى على أسس منطقية في التحليل والإستنتاج..!


ليس غريباً أن تأتي نتائج الإنتخابات بالشكل الذي جاءت عليه، وليس غريباً أن يتسنم أحمدي نجاد منصب رئاسة الجمهورية ثانية، فهناك من الأسباب والعوامل الكثير مما يقف وراء ذلك. فالتركيبة السكانية للمجتمع الإيراني، تمنح المرشح المدعوم من قبل المؤسسة الدينية المتمثلة بقيادة السلطة، والتي تقف على رأس النظام السياسي، فرصاً كبيرة في الحصول على نسب أكبرمن أصوات الناخبين وبالذات في مناطق الأرياف، خاصة وأن أحمدي نجادي، هو نفسه مرشح تلك القيادة، ومعروف ما لهذه القيادة، من نفوذ وتأثير كبيرين على المستوى الجماهيري وبالذات في القصبات الصغيرة وفي القرى والأرياف، المعروف عنها، بأنها أكثر طواعية وموالاة وقناعة بتلك القيادة، وهذا لا ينسينا بأن تلك القيادة ، هي من ثمار ثورة عام /1979 التي تكرست قيادتها بكاريزما آية الله خميني، وهذا ما أكسبها حصانة قدسية في ظل شكل النظام السياسي الحالي، المؤطر بالثوابت الدينية والمذهبية، التي تجد رسوخها في أعماق إيمان العامة من الناس..!


فالأحداث التي تفجرت بعد معرفة نتائج الإنتخابات، تفسر لنا محدودية أعمال الإحتجاج وإقتصارها غالباً في مراكز المدن وعلى الخصوص في العاصمة طهران، وهذا ما يعزز الإشارة اليه فيما تقدم، حول موضوعة التركيبة السكانية في إيران، وحالة الإنغلاق الروحي التي عانى منها كثيراً السكان المدنيون، ولكن هذا لا يجعل المرء غافلاً عن العوامل الأخرى ذات الطابع الإقتصادي، وفي مقدمتها البطالة المنتشرة بين أوساط واسعة من السكان، ناهيك عن الإنجراف بإتجاه العسكرة والتسلح، لحدود فاقت حاجة البلاد ومتطلبات الدفاع عن النفس، ويقف في مقدمتها مشروع " البرنامج النووي" المشكوك في أهدافه، بالإضافة الى حالة الإختناق السياسي التي فُرضت على البلاد خلال السنوات الأربع الماضية من عمر رئاسة أحمدي نجادي، وما تخللها من تأزم حاد على المستوى السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الغربي بشكل عام، وإنعكاسات ذلك على مجمل العلاقات الإيرانية مع دول العالم الأخرى وفي مقدمتها الدول الإقليمية، كدول الخليج والدول العربية الأخرى، ناهيك عن التصعيد الإعلامي الإيراني ضد دولة إسرائيل، مقروناً بدعم بعض التيارات الفلسطينية وتيار حزب الله اللبناني على وجه الخصوص..!


ومع كل ذلك، فإنه من نافل القول، أن تأتي أغلب التعليقات والريبورتاجات الصحفية وأغلب المقالات المكتوبة، متأثرة بصورة  مباشرة بما تعرضه تقارير الفضائيات، وما يعكسه الإعلام بكافة أصنافه، والذي لا يخرج في حقيقته عن التركيز على المشاهد المرئية للحدث ، بعيداً عن  الغوص في الأسباب وتحليل العوامل التي تقف ورائها، وهذا ما يساعد في خلق ثقافة ردود الفعل الآنية، والتكهنات المستقبلية بعيداً عن جذور المسائل ومقدماتها، مما يضفي عليها الكثير من السطحية والإنفعالية، والتوقعات غير الدقيقة للتطورات المحتملة للحدث نفسه..!


وهكذا ومن خلال هذا الواقع،  جرى ولا يزال، التعامل مع الحدث الإيراني، مما أضفى عليه إهتماماً إستثنائياً على الصعيد الدولي، محسوباً وفق توجهات مسبقة للموقف من إحتمالات طبيعة التطورات اللاحقة في إيران، مأخوذة من تفاعلات الملف النووي الإيراني، من جانب، ومن حالة التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لبعض الدول الإقليمية، ومنها العراق بالذات، ومنطقة الخليج العربي، بما يتعلق بإحتلالها للجزر العربية الثلاث، زائداً تغلل النفوذ الإيراني في كل من لبنان وفلسطين، من جانب آخر..!


مع هذه الخلفية التي تقف وراء أحداث إيران الجارية اليوم ومنذ أكثر من عشرة أيام، بعد إعلان نتائج الإنتخابات على الصعيد الدولي، فلا غرابة أيضاً أن تأتي أغلب الإستنتاجات والتوقعات بالشكل الذي عكسته وسائل الإعلام، في تصوراتها الخاصة ، وإندفاعها بإتجاه رسم سيناريوهات تعتمد ظاهر الحدث نفسه، لتبني عليه توقعات بعيدة عن واقع الحال، مفترضة بأن ما يجري من مصادمات مع رجال الشرطة أو الحرس الثوري، بإنها لا محال ستفضي الى تطورات عاصفة، تمسح من الخارطة السياسية الإيرانية، ركائز النظام السياسي القائم في إيران، لدرجة أن الكثير من المعلقين وعدد من الكتاب، أضفى صفة "الثورة" على ما جرى ويجري من أحداث بعد إعلان نتائج الإنتخابات، مأخوذاً بعلامة "النصر" التي كان يرفعها بعض المتظاهرين في شوارع طهران..!


مما لا شك فيه ان الأحداث التي أعقبت نتائج الإنتخابات، كان لها من الأثر المباشر والمدوي على سلطة النظام الإيراني، ما شكل صدمة ما ورائها صدمة، والأمر في واقعه قد تجاوز مجرد كونه نزاعاً بين إصلاحيين ومحافظين حسب، ليشكل تحدٍ لم يسبق له مثيل لهيبة السلطة متمثلة بنظام "ولاية الفقيه" ، وهزة غير مسبوقة للنظام السياسي للجمهورية الإسلامية، رغم تمركزه في مناطق محددة من المدن وطهران بالذات..!


ولكن المهم في الأمر، أن مجمل العملية الإنتخابية ونتائجها وتداعياتها العنفية، قد جرت بين مجموعة الأطراف التي تنتسب الى مؤسسة النظام القائم نفسه وليست من خارجه، وأن القائمين عليها وقادتها أغلبهم إما من مؤسسي النظام أومن قادة الثورة، أو ممن تربى في أحضانها ومن تلامذتها الأوفياء. وهذا ما دفع بقيادة النظام السياسي، البحث عن حلول وسطية لدرء تفاقم الأحداث، في نفس الوقت اللجوء الى إستعمال الوسائل العنفية الرادعة، لوقف توسع ردود الفعل الجماهيرية في المدن، فلا غرابة والحال، أن نرى اليوم، شخصيات لها وزنها الإجتماعي والسياسي ومن المحسوبين على الرعيل الأول لرجال الثورة، يتنادون لطرح الحلول الوسط من أجل الحفاظ على البيت الإيراني بحلته الحالية، ملقين تبعة ما حدث ويحدث الآن من تفاقم للأوضاع ، على التدخل الأجنبي وبالذات الأمريكي والغربي، وكيل الإتهامات المباشرة لتلك الدول عن قيامها بحبك المؤامرات ضد إيران بتحريض "الشغب" والتمرد ضد سلطة النظام، رغم أن البعض منهم سبق وأن وقف داعماً ومناصراً لمرشحي الجانب الآخر من الداعين للتغيير، كالسيد مير حسين موسوي والشيخ كروبي ..!


ومن المسلمات البدهية أن يلعب الإعلام العالمي والغربي بالذات، دوراً ملحوظاً في الدعم غير المباشر للتوجه الحالي للنظام الإيراني في تصويره لردود الأفعال الجماهيرية لنتائج الإنتخابات بأنها تجري بوحي من الخارج، حيث لم يظهر ذلك الإعلام في مستوى النظرة الموضوعية للأحداث، بل منحها صورة من المبالغة التي توحي للرائي والسامع، بأن ما يجري في إيران هو "الثورة" بعينها، مما وضع المراقب للأحداث في حالة من البلبلة الفكرية والذهول والإندهاش الذي يدفع المرء بإتجاه التخمينات والإستنتاجات الآنية المستعجلة والتوقعات الإرتجالية، المبنية على إفتراضات يحركها ظاهر الحدث، ويسندها الموقف المسبق من النظام نفسه، وهكذا أسقط الكثير من الإعلاميين وبعض المعلقين على الأحداث، أركان الدولة الإيرانية القائمة الآن، وكأنها قشة في مهب الريح، بمجرد أن خرجت بعض من مظاهرات الإحتجاج التي تواصل خروجها لبضعة أيام..!


إن أحداث ما بعد الإنتخابات الإيرانية، قد تشكل من زاوية النظر الى طبيعة الصراعات الداخلية الإيرانية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة، إحدى إرهاصات الغليان الشعبي والتوقعات المحتملة للدفع بإتجاه التغييرات المطلوبة في بنية وتشكيلة النظام القائم، سواء على الصعيدين السياسي أو الإجتماعي، وبما قد ينعكس على النظام القاوني من تشريعات قد تكون أحدى وسائل التغيير المخفف من شدة وطئة نمطية النهج الثيوقراطي المتخلف، والآخذ برقاب المجتمع المدني طيلة فترة العقود الثلاث من السنين، وهذا كما يبدو، ما بات يدركه اليوم حتى بعض قادة ذلك النهج كما تم ذكره في أعلاه، مما دفع بالبعض منهم التلويح بإشارات الخطر، وبالدعوة للتفتيش عن الحلول الوسط  للحفاظ على كيان الجمهورية الإيرانية وثورتها الإسلامية..!


 أما الحديث عن توقعات أكثر تفاؤلاً لتغيرات أكثر عمقاً في البنية الهيكلية للنظام، أو إحتمالات لتغيرات جذرية في الأسس البنيوية التحتية لقواعد البناء الفوقي القائم، فهو حديث ، في تقديري، سابق لأوانه في ظل حالة الإستقرار ( ( stability النسبي التي تعيشها البلاد، ولن تشاهد ملامحه في مجمل التحليلات على إختلافها، أو بما يفيد عن تبلور عوامل مثل هذا التغيير المقصود..!


 ولكنه وفي جميع الأحوال، تظل قضية الديمقراطية والإنفتاح الإجتماعي، ومراعاة حقوق الإنسان، ومنح المرأة الإيرانية حقوقها في المساواة السياسية والإجتماعية، وتحسين الواقع الإقتصادي للسكان ورفع مستوى المعيشة للغالبية الكادحة منهم،  ناهيك من إعادة النظر بمجمل ثوابت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية، وبناء علاقات من حسن الجوار تبنى على الإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والإعلان عن موقف واضح وملتزم من قضية (البرنامج النووي) في إطار سنن وأنظمة الشرعية الدولية، تقف جميعها في مقدمة المهام التي ينبغي أن يتحرك بإتجاهها التغيير المطلوب في إيران في ظل الظروف الراهنة، وإن لم يدرك قادة الجمهورية الإيرانية الإسلامية أهمية مثل هذا التغيير، فإن مواجهة أي تصعيد من أي طرف كان، سيدفع بإتجاه تصعيد مقابل من الطرف الآخر، فهل ستدرك كافة الأطراف المشتبكة ب(المسألة الإيرانية) بما فيها الإدارة الأمريكية بقيادة السيد أوباما تخصيصاً - رغم إدعائها عدم التدخل بالشأن الإيراني- ودول الإتحاد الأوروبي بشكل عام، أهمية هذا الأمر..!؟


 ولعل في الموقف المتوازن من قبل الدول الخليجية وعدد من الدول العربية ودول الجوار من الأزمة الإيرانية، ما يعبر عن الحنكة الدوبلوماسية والإعتدال السياسي في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به مجمل منطقة الشرق الأوسط؛ وما أبداه السيد وزير الخارجية العراقي الأستاذ هوشيار الزيباري من بعض دوافع القلق لما يجري في الدولة الجارة إيران من أحداث العنف التي أعقبت الإنتخابات، يدخل في نفس الإتجاه الذي وقفته الدول المذكورة، المتسم بالإعتدال والمرونة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للجمهورية الإيرانية الإسلامية..!(*)   


 أم أن الرهان على تطور الأوضاع في إيران بالإتجاه الذي يتمناه " البعض"، سيكون "البديل" المفضل للتغيير الذي يرجوه ذلك "البعض"، والتظاهر بمراقبة ما يجري داخل إيران عن بعدٍ بعين "المحايد المتألم"(**)، فإن الذي حدث في العراق يكفي وحده، ليكون مثلاً صارخاً للجميع، فسبق وأن ذُرفت "دموع غزيرة" على العراق، قبل أن تُسفك سيول الدماء العراقية التي لم ينقطع جريانها حتى اليوم..!؟؟
_______________________________________________________
 (*)     http://www.iraqoftomorrow.org/breaking-news/68473.html

 (**)     عندما بلغ معاوية بن سفيان نبأ وفاة الإمام  (الحسن بن علي) مسموماً في المدينة عام خمسين هجرية، علق قائلاً: ((إن لله جنوداً من عسل..!))   




 

         
 





 
 
 

249
صرخة في وجه دولة القانون..!

باقر الفضلي

لن تمضي إلا ساعات معدودات ، حتى جاء الرد مباشرا؛ والتحدي الغاشم، وجد طريقه سهلاً رهيباً الى داخل صفوف مجلس النواب. وبنفس الصلف والوقاحة والتحدي، يصوب رصاصه الغاشم الى قلب الصوت الحر الشجاع، قلب النائب الجريء الدكتور حارث العبيدي، كما صوبه قبل الآن الى قلب وروح الثقافة مجسداً في شخص المناضل كامل شياع، لتسجل الجريمة كالعادة بعد ذلك ضد مجهول..!


وها هو التحدي  الإجرامي الكبير يجد طريقه وبحرية ما بعدها حرية، الى نواب الشعب ومثقفيه، ليسكت الأصوات الجريئة الشجاعة، التي وبكل جرأة وإصرار كشفت مكامن الجريمة وفضحت المفسدين والسراق في أجهزة الدولة، وأعلت صوتها مستنكرة الجرائم التي طالت ولا زالت تستهدف حقوق الإنسان، وطالبت بأعلى صوتها بوضع حد لإنتهاكات تلك الحقوق على أيد الأجهزة التنفيذية في دوائر الدولة، وكان صوت الشهيد العبيدي الصوت الأول في البرلمان من تصدى لتلك الجرائم، فجاء الرد سريعاً ومتحديا..!!؟؟ (*)


البارحة فقط دوت كلمات النائب الجسور الدكتور حارث العبيدي مجلجلة في أجواء قاعة مجلس النواب، فاضحة صنوف التعذيب والإرهاب، التي يتعرض لها المعتقلون في معتقلات وسجون الحكومة، منادياً بأعلى صوته الى وقف كل صنوف التعذيب والإرهاب بحق المعتقلين والإحتكام الى القضاء والقانون، فكانت كلماته صرخة مدوية في آذان كل من شملتهم تلك الكلمات؛ صرخة صادقة إرتجفت لها قلوب أولئك المتلبسين بتلك الأفعال، لتثور ثائرتهم، وينتابهم الفزع من كلمات كشفت حقيقة الإنتهاكات، وأماطت اللثام عن كل ما كان يجري التستر عليه ، من جرائم إنتهاك الدستور والقانون تحت غطاء السلطة والوظيفة والمنصب الإداري أو العسكري..!؟


ليس غير الإستنكار والشجب وكل ما تحويه اللغة من مفردات الرفض والإدانة، للجريمة النكراء بإغتيال النائب العراقي الغيور الدكتور حارث العبيدي، والمطالبة السريعة من الحكومة بالإستنفار لكشف أبعاد الجريمة ومن يقف ورائها، ومن خطط لها، قبل أن  تضيع الحقيقة ويُسدل الستار على المستفيدين من إسكات صوت الحقيقة. فالحكومة تتحمل مسؤولية مضاعفة في ضرورة الكشف عن كل ملابسات الجريمة، وفي المقدمة الجهة المستفيدة منها..!!؟


 فإن كان للقانون من دولة، فعلى تلك الدولة أن تشمر عن ساعدها ، فالأفعال ونتائجها وحدها هي البرهان الوحيد الذي يمكنه تعزيز الثقة بالأقوال وبالإدعاءات، مهما كان بريقها ذهبياً، وطعمها عسليا..!     


التحدي اليوم بات موجهاً وشرسا، وها هو ينال نواب الشعب بالتخصيص، ليرهبهم وليسكت كل صوت قد تدفعه الحمية الوطنية، ويمتلك الجرأة والشجاعة للتصدي الى معسكر الإرهاب أياً كان لونه ومكانه. فالكرة اليوم، هي في مجلس النواب، والرسالة موجهة اليه قبل غيره، فعليه أن يقول كلمته ويثبت للشعب بأنه جاد في السير لتنفيذ مهامه في الرقابة الشعبية، وتشريع كل ما يحافظ على كرامة هذا الشعب الذي قدم شلالاتٍ من الدم الزكي على مذبح الأمل بالديمقراطية والإستقرار..!؟


 أما إستشهاد النائب الجسور الدكتور حارث العبيدي، نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب اليوم، والذي جاء فقط، بعد ساعات من بيانه في المجلس، فليس بعيداً أن يكون هو الثمن الغالي الذي قدمه من أجل تأمين تلك الحقوق والدفاع عنها..!
 
للشهيد الشجاع كل آيات الإعتبار والتبجيل وفسيح الجنان، ولعائلته الصبر والسلوان..!
_________________________________________________________ 
(*)   http://arabic.cnn.com/2009/middle_east/6/12/iraq.attack/
 

 

         

250
لبنان يسترد المبادرة..!

باقر الفضلي


كُتِب الكثيرُ عن نتائج الإنتخابات اللبنانية الأخيرة، كما تناولتها الفضائيات في ندوات تباينت بين الشد والجذب، فما ميز هذه الإنتخابات، هو إنشطارها بين جناحين أو شقين بل فريقين سياسيين متعارضين، ولكل وجهته الخاصة وميله المعلوم، دون وسط مناور، وإن وجد، فهو على ما يبدو، وسط محايد..!


وكما يقال عن السياسة، بأنها فن الممكنات، وحيث أن كل فريق من المتنافسين في هذه الإنتخابات، قد بذل كل ما في وسعه من إمكانات وشطارة وتاكتيكات إنتخابية ليكون له قصب السبق في إحراز التفوق الإنتخابي، وذلك بالحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين لحصد العدد الأكبر من كراسي مجلس النواب والفوز بالأغلبية، ولكن حسابات الحقل لن تتطابق دائماً مع حسابات البيدر ولأسباب عديدة، وهكذا جاءت نتائج الإنتخابات..!


إنها لعبة الديمقراطية التي ليس عليها أي غبار، فقد إنتهت اللعبة في موعدها المقرر، وأعلنت لجان التحكيم نتائج اللعبة وإشهار أسماء الفائزين وإقرار الفريق الفائز في النهاية، وبإقرار جميع الأطراف..!


الى هنا وتكون اللعبة الإنتخابية قد وصلت الى نتائجها ومبتغاها، وقد جرى كل ذلك في جو من الهدوء والأمان والديمقراطية، بعيداً عن الصخب والإستفزاز؛ ومن خلال روح الإبتهاج والأفراح الشعبية، أظهر الفريقان المتنافسان، روحاً من الشعور بالمسؤولية وإحترام الآخر، والتمسك بمستلزمات روح الديمقراطية، ليثبت الشعب اللبناني بكل طوائفه ومكوناته، أنه نفسه
ذلك الشعب العريق بمثله وتقاليده الديمقراطية، وليؤكد حقيقة كونه نفس الشعب الذي كان دائماً سباقاً في تنوره ومستويات وعيه العالي، وباعه الطويل في مسالك الثقافة ودروب الحضارة، ليثبت بحق وجدارة، أنه جدير بأن يكون جسراً منيراً للعلم والمعرفة بين الشرق العربي والعالم المتحضر، حيثما كان..!


ذاك هو الجانب المرئي من اللعبة السياسية الإنتخابية، وإن بدى زاهياً وإيجابياً، مثلما وصفه وتعاطى معه العديد من السياسيين اللبنانيين والمعلقين السياسيين، ولكنه وحده في التقدير المتأني، لا يعطي صورة متكاملة ونهائية عن الواقع السياسي الحقيقي وعن طبيعة التوازنات في الساحة السياسية اللبنانية؛ فإن إلتزام كافة الأطراف اللبنانية بقيود ومشترطات العملية الإنتخابية، وإن عكس ظاهرياً، حالة من الإستقرار الإجتماعي والسياسي، إلا أن قراءة حقيقة الأوضاع السياسية في البلاد وإمتدادات جذورها في عمق الواقع الإجتماعي اللبناني، وطبيعة هيكلية مكوناته الطائفية، وحالة الصراع بين هذه المكونات، المتأجج جمرها تحت رماد المظاهر الديمقراطية للعملية الإنتخابية، وما تخفيه أحداث التأريخ القريب ومنها أحداث مايس/2008 ، كل ذلك يدفع بالمراقب الى الترقب الحذر عما ستؤول اليه تداعيات النتائج الإنتخابية البرلمانية، بما جاءت به من توقعات غير محسوبة لكلا الفريقين المتنافسين، حيث رجحت كفة أحدهما بشكل يتيح له ، وطبقاً للأغلبية الديمقراطية، التحكم في طرق ونهج وإسلوب السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، في نفس الوقت الذي يضع فيه على عاتقه، مسؤولية الإلتزام بالتقيد وتنفيذ ومراعاة كافة التعهدات التي أخذها لبنان على نفسه كدولة، صوب المجتمع الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ومنها بالذات قرار مجلس الأمن المرقم/1701 المتعلق بإيقاف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقراره المرقم/1757، الخاص بالمحكمة الدولية..!
 

أما ما ترتب على تلك النتائج الإنتخابية بالنسبة للفريق الثاني، ومن زاوية النظر للأمور من خلال طبيعة الخلافات بين الفريقين، وأسباب الصراع، وهي التي تنحصر بالذات بإشكالية القرارين المذكورين في أعلاه على وجه الخصوص، فأنها تضع أمام هذا الفريق، وطبقاً لنتائج الإنتخابات، مهمة النظر للأمور بواقعية موضوعية، والتي تتأكد واقعياً من خلال إعلان الفريق المذكور تمسكه بنتائج الإنتخابات، وإعترافه على لسان قيادة الفريق بصحتها..!


 أن هذا الفريق مدعو الى الأخذ بعين الإعتبار إنعكاسات نتائج تلك الإنتخابات على الأصعدة الداخلية والإقليمية والدولية، ومن هذا المنظار، لا تغدو السياسة مجرد فن للممكنات، بقدر ما هي دروس وعبر للأحزاب وللسياسيين؛ ولقد أثبت الشعب اللبناني من خلال تلك الإنتخابات بأنه شعب ميال للسلم والتوحد والديمقراطية، أكثر مما هو منقاد الى التشرذم والتناحر، رغم تحكم قواعد النظام الطائفي في تقسيم مكوناته الإجتماعية..!


ولعل ذلك من أبلغ الدروس التي يمكن أن يستخلصها المرء من النتائج التي تمخضت عنها الإنتخابات الأخيرة؛ ومن هنا يمكن القول، بأن تلك النتائج قد رسمت عملياً، الطريق أمام لبنان وكل قواه السياسية للبحث وراء الحلول الوطنية، ونبذ كل مؤثرات التدخلات الأجنبية والإقليمية، للتوحد وراء سياسة لبنانية وطنية موحدة، تفتح الطريق أمام لبنان لتحرير أراضيه المحتلة، وبناء دولته الحرة الديمقراطية الموحدة..!


 فهل حقاً ستنهل القوى السياسية اللبنانية على مختلف مشاربها والوانها، العبر والدروس من حقيقة ما آلت اليه العملية الإنتخابية الفريدة في مسارها في ظل ظروف لبنان الحالية، وهل سيدفع ذلك الى تصاعد مناسيب التفاؤل؛ بأن لبنان سيجد طريقه لينعم بالهدوء والتوحد، وبناء إقتصاده المستقل وسيادة القانون، إنه الأمل الذي ينتظره كل اللبنانيين ومن ورائهم الشعوب العربية وكل الخيرين..!           


251
باقر الفضلي

" السخرية..ذروة الألم..!"
              محمد الماغوط



السخرية في الأدب والسياسة، هي من الموهبة والإبداع، التي قلما يتهيأ لأي كان من الكتاب أن يمتلك ناصيتها؛ فكونها من فنون الأدب الرائع، إذ تسمو في جذالتها وسلاستها سمو القصيدة  النابعة من أعماق المشاعر الإنسانية والروحية لقائلها..!


 إنها تعبير جمالي وجداني خالص، يعكس وجد الإنسان وألمه وحزنه وآماله من داخل واقعه المعاش. تعبير يرسمه القادر المتمكن المبدع، صوراً وأشكالاً وصياغات أقرب في إنعكاساتها من الحقيقة، إن لم تحاك الحقيقة بشكلها الدراماتيكي، لتجسد حالة رفض ممزوج بكل جراح الألم وسياط العذاب وخيبات الأمل والإغتراب..!؟


فتبدو في مظهرها كوميدية المشهد، وفي تأثيرها مضحكة الوقع، ولمن تعنيه أشد من الموت الزؤام.. إنها من أشكال النقد الواعي الممزوج بالإحساس الفطري المتجذر في أعماق الشعب المهموم والمستضعف..!


لقد عبر الكاتب الأستاذ حسين الراوي مترجماً حالة الكاتب العربي الساخر بجميل الكلام حين قال:

" ساهمت الأنظمة العربية القمعية بأجهزتها ومخبريها وسياطها وسجونها وأصفادها وتخلفها في ظهور فن الكتابة الساخرة وانتشارها في الوطن العربي، ولا مبالغة لو قلت أن كاتبا عربيا واحداً يكتب السخرية الحقيقية يعدل كل كُتاب أوروبا الساخرين، لأن الكاتب العربي يذوق مُرّ الخيبات والخذلان والانكسار والضعف كإنسان عربي ليل نهار من المحيط إلى الخليج، ولأن سياسة القهر وتكميم الأفواه والطبقية والمحسوبية وضياع الحقوق كلها صقلت الكاتب العربي، وبالذات ذلك الكاتب الذي راح يغمس رأس قلمه في قلب وجعه ليكتب سخريته بألوان حزنه وألمه وضيقه وشتاته، وصدق الماغوط حينما سُئل ذات مرة عن ماهية السخرية ؟ فأجاب: «إن السخرية هي ذروة الألم».(1)


فلا عجب أن نلتقي بين الحين والحين، بكتابات لكتاب مرموقين في قدراتهم الكتابية والأدبية، وهم "يمتطون صهوة" السخرية، ملتجئين للأدب الساخر، تعبيراً عن شدة ما يعانوه أويقاسوه من واقع معاش، تعجز فيه الكلمة المألوفة، وقدرة الكاتب الإعتيادية عن الوصف، فتبدو كتاباتهم للبعض من القراء، شديدة القسوة،..جارحة..  غليظة الكلام، حتى لو أنها رسمت صورة كاريكتيرية عن ذلك الواقع، أو أن النقد الذي يتعاطوه تلبس على شكل تلك الصورة..!


فالسخرية أو الأدب الساخر ووفقاً لما يحاول الأستاذ حسن الراوي توصيفه فالكتابة الساخرة كما أوجزها:

[[" تعتبر الكتابة الساخرة الواعية من أجمل أنواع الكتابات وأصعبها بلا شك، فالسخرية الحقّة هي قمة الإحساس بأهمية الأمر، وهي الضحكة المُرّة بوجهٍ باسم، وهي الشعور الحزين بثوب متفائل، وهي المعبر الكبير نحو الأمل رغم زيف الضحكات. لن تكون الكتابة الساخرة كتابة جميلة إلا بتمييز الكاتب الفرق بين السخرية المسؤولة الواعية ... وبين السخرية لمجرّد السخرية ولمجرّد الاستنقاص من قدر الآخرين والتجريح بهم. الكتابة الساخرة تريد من الكاتب قبل ارتكابها أن يمسك في يده مشرطاً لا قلما، حتى يكون دقيقاً في سير سطوره، وحتى يتسنى له أن ينتقل من فقرة لفقرة بخفة وسهولة، وحتى يتوّجس بمشرطه أين يكون مصدر الألم. يظن بعض الكُتاب للأسف أن الكتابة الساخرة هي مجرّد التهريج بتوافه الأمور، والتجريح بكرامة الآخرين، وتعاطي كلمات ومصطلحات سوقية عدة عبر كتاباتهم! لا، إن الكتابة الساخرة لا يُجيد قيادتها كل كاتب أراد أن يمتطي صهوتها إلا من كان فعلاً ذو روح ساخرة حيث أن فاقد الشيء لا يعطيه، وهي أرفع قدراً من التجريح والتهريج، لأن السخرية الواعية المسؤولة هي أداة من أدوات التوجيه والنقد، ولا شك أنها تضع الإصبع فوق الجرح، وتبين مكمن الضعف والخلل، ولكن بشكل وأسلوب غير مباشر."]]


او كما عرفه الكاتب الشاعر الاستاذ حسن السبع بأنه:

[[" هذا الأدب بمزج المرارة بالدعابة لتخفيف عبء التوترات وتلطيف حمى الانفعالات النفسية المرهقة، وأنه جد يرتدي حلة الضحك، كما أنه الهزل المقوِّم لما اعوج من طباع، وشذَّ من عادات، وانحرفَ من ممارسات." ومن الأمثلة التي ساقها الكاتب عن الأدب الساخر إشارته الى:

"أمثلة من الأدب الساخر أوردها الأستاذ السبع في مواقف سجلها التاريخ بقديمه وحديثه على المستوى العربي والعالمي، كما استعرض مجموعة أسماء لأدباء هذا الفن عبر العصور، معرفا بهم بشكل مختصر، وقارئا لنماذج من أدبهم، ومنهم الجاحظ وعلي بن سودون البشبغاوي في العصر القديم، وموليير، وجورج برنارد شو، وماركت ون، وعبد الحميد الديب، وحسين شفيق المصري، وجورج جرداق في العصر الحديث."]](2)


كما وأن الأدب الساخر على حد قول الكاتب الأستاذ عبد الله بن بجاد العتيبي هو:

[[" تراث بشري تناقلته الأمم وتوارثته الأجيال وأنس به البشر طوال عمارتهم للأرض، فلا يكاد الباحث يجد أمة لم يكن لها تاريخ في الأدب الساخر وشخصيات ورسومات وأشعار وأخبار، ذلك أن النفس البشرية في تركيبتها تسعى إلى البهجة وتبحث عن السعادة والترويح، والأدب الساخر بكافة أشكاله وتجلياته يمنحها من السعادة الشيء الكثير ومن البهجة ما يشرح خاطراً ويزيل هماً."]]
 
وكي لا يذهب المرء عميقاً في تأريخ الأدب الساخر، يمكن فقط الإستدلال بما أورده الأستاذ العتيبي كمؤشر على ذلك ، حيث وكما أشار، فإن : [[" الأدب الساخر يحمل في العادة رسالة أقوى من الكلمات الجادّة ويصل لغايته بطريقة أسهل وأيسر، ويتناقله الناس بناء على إعجابهم بجماله وذكائه ومهارته وخفته، فهو مركب بالغ التأثير في إيصال الأفكار وتوجيه المجتمعات. في التاريخ العربي تراثٌ مثير من الأدب الساخر يمتد من عصر الجاهلية حتى يومنا هذا مروراً بالعصر النبوي فالراشدي فالأموي فالعباسي، تناقلته الكتب بشتى تصنيفاتها، وكتب فيه جماعات من العلماء، منهم الأدباء والفقهاء والمحدِّثون وأهل الكلام والفلاسفة."]](3)


لو راجع الكتاب العراقيون تأريخهم القريب وعلى مدى القرن الماضي على أبعد تقدير، لوجدوه زاخراً وعلى كافة المستويات والشعبية منها خصوصاً، بتراث من الأدب الساخر ؛ الشعبي منه والفصيح، وبأشكال مختلفة بدء من النكتة والأمثلة الشعبية والكاراكاتير وإنتهاء بالقصيدة. وهو يجري على الألسن مجرى الماء في السيول، ولعل من الملاحظات الجديرة بالإنتباه، أن هذا النوع من الأدب وبمختلف أشكاله، قد أصبح اليوم، وخاصة خلال العقود الخمسة الأخيرة من السنين وبالذات بعد الإحتلال/2003، من السمات الأكثر شيوعاً لمجمل الأدب العراقي على الصعيدين الشعبي والفصيح..!


وكون الأدب الساخر ظاهرة ملموسة اليوم، على صعيد الصحافة والإعلام عموماً وصفحات الإنترنيت بالذات، فهو في الحقيقة، يمثل إنعكاساً لحالة الخراب النفسي والإقتصادي والإجتماعي، التي طالت المواطن العراقي، ممزوجة بفقدان الأمن والأمان، وضبابية التكهن بالمستقبل..!

وعلى حد قول الأستاذ العتيبي :

[[" كان الأدب الساخر في تراثنا العربي والإسلامي يتناول كافة شرائح المجتمع، لا يفرّق بين متديِّن وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين فقيه ومحدِّث، ولا بين شاعر وناثر، الكل كان يخضع للسخرية والنقد من قبل أقرانه أو خصومه، ولم يذكر عن أحد منهم استنكار ذلك أو التشنيع على كاتبه أو قائله، فضلاً عن الهوس المعاصر بتفسيقه أو تكفيره."]]

خلاصة القول، فإنه ليس في الأدب الساخر والسخرية بالشكل التي بدت عليه صورتها فيما تقدم، ما يسيء لأحد سامعيه أو قرائه، ولا ينم منه ما يجرح النفس، طالما لم توجه سهامه الى ما ينتقص من شخصية السامع أو المتلقي بالذات، وهو يدخل من جانب آخر في إطار حرية التعبير عن الرأي سواء بالنقد لرأي الآخر  أو بالكتابة المباشرة، وهذا عادة ما تكفله دساتير الدول الديمقراطية..! 
__________________________________________________
(1)  http://roo7.net/index.php?news=108
(2)   http://www.thulatha.com/?act=artc&id=425 
(3)   http://www.alarabiya.net/save_print.php?print=1&cont_id=28128

252
بين الإستذكار والإِعتبار..!

باقر الفضلي


الذكرى الخامسة والسبعون لتأسيس
الحزب الشيوعي العراقي



لماذا يحتفل الشيوعيون العراقيون بذكرى تأسيس حزبهم سنويا..؟

تراهم يرددون أثناء ذلك، الأغاني الفولكلورية المعبرة عن نضالاتهم، مستذكرين فيها نشاطاتهم الحزبية والجماهيرية، ويؤدون خلالها الرقصات الشعبية من الدبكات والجوبي؛ يتبادلون التهاني والتحيات، ويقيمون المعارض الفنية المعبرة عن نضالات الشعب وأمجاده، مسراته وآلامه؛ تتحول إحتفالاتهم بالذكرى الى مهرجانات شعرية تخلد بطولاتٍ ومآثرَ شعبيةٍ ووطنية، توزع في حرارتها قطع الحلوى وأقداح الشربت، وتعرض المسرحيات المعبرة عن مسيرة شعبهم بأفراحها وأحزانها، فتبدو مندمجة في لوحات تصويرية لواقع حقيقي من نضالٍ جماهيري موحد، يستذكرون خلالها البطولات التي إجترحها المئات من رفاقهم وأصدقائهم، من شهداء الحزب والحركة الوطنية..!


تبدو الصورة؛ من زهوها وحلاوتها ونشوتها؛ من صفائها وعذوبتها، وكأنها طقوس "تعبدية" متوارثة عبر الأجيال، مفعمة بعبير قدسي، وإيمانٍ روحي يغور في أعماق النفس البشرية..!


فهل حقاً يا ترى، ترقى مثل تلك الإحتفالات الى ذلك المستوى من  "الكهنوتية" و" الطقوسية التعبدية" كما يعتقدها البعض، أو هكذا تبدو..؟ وهل حقاً لن يرتقي الآلآف من مناضلي هذا الحزب العريق في تأريخه ؛ من النخب المثقفة، من كوادره وقياداته وأعضائه، الى مستوى من الإدراك العلمي والموضوعي؛ ليروا بأن هذه الإحتفالات، لا يمكن بأي حال من الإحوال، أن تجد تصنيفها ضمن "التعبد الوثني"، و"القدسية الكهنوتية"، دون أن يجدوا التفسير المناسب والواقعي لكل ما يقف وراء هذا التقليد المتواصل الذي إعتاده الشيوعيون العراقيون، والتمسك به، حتى في أقسى المناسبات تعسفاً وإضطهاداً، وحتى بين جدران السجون والمعتقلات.؟؟


لا أظن أن الشيوعيين قد جبلوا من طينة غير طينة هذا الشعب الكريم، وإن كان هناك ثمة ما يميزهم، فليس هو إبتعادهم عن نسق هذا الشعب وسجاياه، فلا هم بالملائكة، ولا هم بالإسياد؛ إنهم من أطياف كل هذا الشعب، وتمتد منحدراتهم الإجتماعية الى أعماق كل شرائح المجتمع وفئاته وطبقاته المختلفة، وهم بشر يخطئون ويصيبون..!


فالتقليد الذي تمسكوا به بإلاحتفال سنوياً بيوم تأسيس حزبهم، لم يك مجرد إستعادة لعادة جبلوا عليها منذ أن أصبح وجود هذا الحزب، حقيقةً إجتماعية يتلمسها العراقيون حيثما وجدوا في ربوع الوطن أو خارجه؛ حقيقة جسدتها علاقة تلاحمية نضالية طوعية، بين مختلف شرائح النسيج الإجتماعي؛ والفقيرة والكادحة منها بالذات، ومن النخب المثقفة، وأوساط الكسبة والحرفيين، ناهيك عن النساء وجموع العمال وجماهير الفلاحين ..!


وليس من باب المغالاة القول؛  بأن هذه العلاقة التلاحمية النضالية التأريخية بين الحزب الشيوعي العراقي ومحيطه الإجتماعي، والتي تواصلت على مدى خمس وسبعين عاماً، ما كانت أيضاً، مجرد علاقة شكلية، أو موسمية عابرة تخضع لمزاج وأهواء الجمهور حسب، بقدر ما عبرت عن علاقة تفاعلية ديناميكية نضالية؛ وقودها التفاعل المتواصل بين تطورات الأحداث السياسية والإقتصادية والإجتماعية في البلاد، وبين النضال الدائب والمواقف التي جسدها الحزب من تلك التطورات وتداعياتها على طبقات وفئات الشعب المختلفة، ومدى تأثير كل ذلك على نتائج ذلك النضال في الأمد القريب أو البعيد، وبكل إيجابياته وسلبياته، لتأتي الإحتفالات بالذكرى السنوية تعبيراً عن صدق هذه العلاقة، وتمجيداً لمسيرة النضال..!


وهذا ما ميز ويميز الحزب الشيوعي العراقي في كل مراحل مسيرته الطويلة، عن غيره من الكيانات السياسية المدنية الأخرى، حيث يجد المراقب من خلال مثل هذه العلاقة بين الجمهور والحزب، لكأنما الحزب يمثل، ليس فقط شرائح محددة في المجتمع، من عمال وفلاحين وجمهرة الكادحين، كما أعتادت الدعاية والإعلام الحزبيين ترديد القول بذلك بإستمرار، بل ينصرف ذلك التمثيل لتجده ينعكس إيجاباً لدى مساحاتٍ واسعةٍ من الجمهور العراقي، ليبدو وكأن هذه الجماهير على إختلاف مشاربها، قد وجدت فيه المعبر الحقيقي عن مطامحها والمناضل الأشد ثباتاً من أجل حقوقها المشروعة، والمدافع الصادق عن الوطن وثرواته وإستقلاله وطموحاته في مستقبل أكثر رفاهية وسعادة، ليعكس وجوده، كياناً سياسياً تميز بالوطنية والأصالة العراقية..!(*)


كما وليس من مَدعاةٍ للتطيرِ أو النفور، أن تُجابَه مواقفُ وسياساتُ الحزبِ بالنقد بل وحتى التشهير في بعض الأحيان، من قبل عدد غيرُ قليلٍ من أصدقائه وأنصاره أو أعضائه أو حتى من قبل أوساط جماهيرية من مؤازريه، ناهيك عن صيادي المياه العكرة ومعارضيه، إذا ما شابَ تلك المواقف أو السياساتِ، ما يبدو وكأنه لا يتوافق مع رؤى وأفكار الناقدين، أو إذا ما نَحتْ تلك المواقفُ مناحٍ لا تبدو منسجمةً مع الإتجاه العام الذي تبلورت عليه تلك السياسات في الظروف الإعتيادية؛ فليس من الغرابة بمكان، أن يقف وراء كل ذلك، حرصُ الأغلب من هذه الأوساط، على أن ترى بالملموس حقيقة  تطور العملية الديمقراطية الجديدة في العراق، كطموح مشروع يناضل في سبيله الحزب الشيوعي العراقي..!


ومع ذلك تبقى المسيرة النضالية التأريخية الطويلة للحزب الشيوعي العراقي، بإيجابياتها وسلبياتها، بمثابة الرابط الديناميكي المحرك بين الحزب نفسه وبين قاعدته الشعبية، والعامل المنشط الذي يقف وراء حماس الشيوعيين العراقيين وأصدقائهم ومناصريهم، في التمسك بتقليدهم السنوي بالإحتفال بيوم تأسيس الحزب في الحادي والثلاثين من آذار من كل عام، بل يبدو أحيانا وكأنه جزءً من هذا التراث..!


ولعل ما جاءت به حصيلة نتائج إنتخابات مجالس المحافظات مؤخراً ، ما يعكس حقيقة ما أشرت اليه عن تفاعل ذلك الرابط وعن العلاقة الديناميكية بين القاعدة الشعبية والحزب، فحيث جاءت تلك النتائج على عكس ما كانت تتمناه تلك الجماهير بما فيها أصدقاء وانصار وأعضاء الحزب نفسه. جاءت ردود أفعالها معبرة عن حالة من الإحباط والإنفعال، لتعكس قراءةً مستعجلةً للَّوحةِ السياسية، لا أجدها تتناسب والحقائق الموضوعية  للواقع السياسي العراقي الراهن؛ قراءة غلب عليها رد الفعل العاطفي لتصوراتٍ مسبقة، كانت أبعد في إفتراضيتها عن الحقائق الميدانية لذلك الواقع، وعن فعالية وتأثير العوامل الأخرى. ولست هنا بصدد البحث في أسباب ذلك، وهو أمر قد تم تناوله بإقتضاب في بحث سابق..!(**) 


وبهذه المناسبة الإحتفالية يصبح من المناسب التقدم الى الشيوعيين العراقيين بأحر التهاني بحلول الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس حزبهم العتيد، وإكبار عزمهم ونضالاتهم وتضحياتهم البطولية على طول هذه المسيرة المجيدة، وأن يسجل لهم بإعتزاز مواقفهم المأثورة من أجل قضايا الشعب والوطن، ويمجد عالياً شهدائهم الأبرار في سوح النضال والفداء..!
     ___________________________________________________________
(*)      http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/25cp.htm
(**)        http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/15val.htm





 



 

       



 





   




     


253
المرأة العراقية في يوم المرأة العالمي..!

باقر الفضلي


حاورت نفسي كثيراً متسائلاً: ماذا سيقول المرء في مثل هذا اليوم الرائع بالنسبة للمرأة العراقية،؛ هل يكرر نفس المقولات ونفس الأفكار، وهل سيعيد التأريخ كل عام لدرجة اللّجاجة، أم يستمر في إجراء المقارنات بين ما عليه أوضاع المرأة في بلدان العالم الأخرى مع ما هي عليه أوضاعها في العراق؛ أم يكتف فقط بإرسال بطاقة تهنئة بالمناسبة..!


كنت قبل اليوم وبالذات في مناسبة الذكرى عام/ 2006،  قد تحدثت عن واقع المرأة العراقية وأوجزت أحوالها الإجتماعية والإقتصادية والقانونية، وتحدثت عن نضالاتها من أجل المساواة الإنسانية مع الرجل في مختلف الميادين، وبالذات في مجال التمتع بحقوقها السياسية والمدنية، كما تحدثت تأريخياً عن نضالات شقيقتها المرأة العربية في هذه المجالات مع الأمثلة والمقارنات التي ترسم صورة عن واقع المرأة العربية ومثلها العراقية؛ كل ذلك في مقالة طويلة، ومنحتها عنواناً يعكس حقيقة معاناة المرأة بشكل عام والعراقية بشكل خاص، فجاء العنوان معبراً عن حقيقة لا تزال ماثلة أمام أنظار الجميع وهي تعكس مدى مسؤولية الأنظمة الحاكمة سواء في العراق أو في البلدان العربية عن إستمرار معاناة المرأة في مجتمعاتنا العربية، وقصور هذه الأنظمة في ميدان التشريع القانوني ومحاولاتها الألتفاف على أية مكاسب قد تحققها المرأة على ذلك الصعيد، ولذلك جاءت تحت عنوان : ( حقوق المرأة .. ملف مفتوح) (1)


لم يتقدم حال المرأة العراقية بعد تلك الفترة بإتجاه يوحي بالتفاؤل والتحسن المطلوب رغم كثرة ما جرى من إدعاءات على الصعيد الحكومي حول آفاق تحسن أوضاع المرأة العراقية، ورغم ما تحقق لها من تشكيلات مدنية على شكل منظمات نسوية في نطاق المجتمع المدني، فقد تعرضت المرأة العراقية على عكس ذلك الى أسوء حملة من الإضطهاد والتعسف طالتها حتى في وجودها ككائن بشري، حيث سقط العشرات بل المئات من الضحايا البريئة من النسوة العراقيات صرعى التخلف الإجتماعي والإنتقام وضعف الحماية القانونية والإجرائية، ناهيك عن فتك الإرهاب والصراع المحتدم داخل المجتمع على مختلف مشاربه وشيوع العادات والتقاليد القبلية العشائرية المدعومة بالتوجهات الدينية والإصولية السلفية، على حساب القوانين المدنية..!


لقد دفعنا ذلك الى معالجة التراجع الملحوظ في حالة المرأة العراقية للكتابة مجدداً وبمناسبة أخرى هي اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار عام/2008 ، وفي مقالة خصصتها لحالة التدهور المريع لأوضاع المرأة في العراق بعد مضي أكثر من أربع سنوات على سير العملية السياسية والتشبث المستمر من قبل كافة الأوساط الحاكمة بمقولة إرساء الديمقراطية، والعمل على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق المدنية والسياسية، ولأهمية ما أشرت اليه أثبت مجدداً رابط وعنوان المقالة المذكورة المنشورة بتأريخ 8/3/2008 للمزيد من الإطلاع ولتعلقه بأوضاع المرأة التي لم يطرأ عليها أي جديد. وقد كان العنوان: (رمزية يوم المرأة العالمي) (2)     


ومما يزيد في أحباط المرأة العراقية أن تصل خيبة أمل العاملين على ملف المرأة العراقية من نواب أو مسؤولين وفي مقدمتهم وزيرة المرأة السيدة ( نوال السامرائي)، أن إضطرت الى الإستقالة إحتجاجاً على ما آلت اليه أوضاع المرأة العراقية والتي عبرت عنه خير تعبير حين قالت :[[ " إلى ذلك ، قالت الوزيرة السابقة لشؤون المرأة في العراق نوال السامرائي «إن الأزمات التي مرت بالبلد خلفت جيشا من الأرامل والمطلقات وغير المتزوجات»، مؤكدة عدم قدرة الوزارة على معالجة مشاكل النساء وواصفة وضع المرأة في البلاد بأنه «كارثة». وقالت السامرائي لوكالة الصحافة الفرنسية إن «المرأة العراقية تواجه أزمة الاحتلال والإرهاب وانهيار الاقتصاد ما أدى إلى جيش من الأرامل وعدد كبير من المطلقات والنساء غير المتزوجات والمشردات». ووصفت حال المرأة في العراق بأنه «كارثة». وتابعت أن «المجتمع ينهار وكنت وزيرة في وزارة لا تملك شيئا من مقومات النهوض بالمرأة. ليست هناك صلاحيات أو كوادر أو إمكانات مادية». وأشارت إلى «عدم وجود فروع للوزارة في محافظات البلاد."


وتشير الدراسات التي أجرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العراقية عام 2006 إلى أن ما نسبته 3،49 % من الذكور و 5،47 % من الإناث إما مطلقين أو عزابا». ]] (3)         

 والى نفس الحال أشارت النائبة العراقية السيدة (ميسلون الدملوجي) قائلة : إن ما كسبته المرأة العراقية بقي حبراً على ورق، منتقدة في نفس الوقت ما يسمى ب "الأمن السياحي"..! (نفس المصدر أعلاه)  (3)
 

      بمناسبة هذه المناسبة الرائعة أهدي المرأة العراقية كل التهاني مع باقات من الورد العطرة، وأشد على أيديها في نضالها المتواصل والمثابر من أجل تعزيز مكاسبها ومواصلة المسيرة من أجل تحقيق المساواة في الحقوق السياسية والمدنية مع الرجل والى حياة أفضل..!
___________________________________________________________ 
(1)   http://www.ahewar.org:80/debat/show.art.asp?aid=59024
       (2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=127331
             (3)       http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20090307-65053.html



254
العراق: آفاق زيارة رفسنجاني..!

باقر الفضلي

وهكذا يتحقق ما كان في معرض التوقعات؛ فالسياسة لها أهدافها المرسومة، والأجندة الإيرانية بشأن منطقة الشرق الأوسط والعراق على وجه التخصيص، ليست بمعزل عن ذلك..!

فزيارة السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني ، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام والشخصية الثانية في النظام الإيراني الى العراق بدعوة خاصة من قبل السيد جلال الطالباني رئيس جمهورية العراق بتأريخ 2/3/2009 تشكل أهم حدث في خضم تلك السياسة، إن لم تكن من أهم الأحداث في مسلسل الإجندة الإيرانية بشأن العراق..!

وأهمية هذه الزيارة لا تأتي فقط من كون ما يحتله السيد رفسنجاني من مرتبة هرمية في مسلسل السلطة الإيرانية حسب، بقدر ما تستند عليه الزيارة من مقدمات وأسس وثوابت لها جذورها العميقة في صلب أرضية الاستراتيجية السياسية الايرانية في التوسع والهيمنة وبسط النفوذ في المنطقة..!؟

ولم يعد سراً ما يمثله العراق بأوضاعه الحالية ومنذ عام 2003 بعد الإحتلال الأمريكي من أهمية بالغة في   الاستراتيجية الإيرانية بعيدة المدى في الشرق الآوسط، لما يمتلكه من خصائص وسمات تسهل وتساعد على تحقيق أولويات تلك الأستراتيجية، خاصة وإن عراق اليوم هو ليس نفسه عراق الأمس بمنظور رجال تلك السياسة، وركائزهم على الصعيد المحلي، وبالتالي فالحديث عن ما يسمى بالتدخل في الشؤون الداخلية للشأن العراقي،  إنما هو أمر مفروغ منه في الظروف الحالية، طبقاً لثوابت السياسة الإيرانية وسنن وشرائع إيديولوجية النظام الإيراني المذهبية..!

أما الإستراتيجية السياسية الإيرانية نفسها، فلا أظن إن دول المنطقة ومنها الدول العربية بالذات، بغافلة عن أبعاد تلك السياسة وتداعياتها على مجمل أوضاع المنطقة وبالذات القضية الفلسطينية، وما أكده الرئيس الفلسطيني  السيد أبو مازن في لقائه مع وزيرة الخارجية الآمريكية السيدة هيلاري كلينتون في لقائهما المشترك بتأريخ 5/3/ 2009  ما فيه الدلالة البالغة على رفض تلك السياسة المبنية على التدخل في شؤون الآخرين،(1)  فهي تتلمسها كل يوم وعلى مدار الساعة، وفي مناطق متعددة، سواء في العراق أو لبنان أوسوريا وفلسطين، والخليج العربي وآخرها مملكة البحرين. وما جاء على لسان وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل السعود بتأريخ 3/3/2009 في مؤتمر وزراء الخارجية العرب لكل من السعودية ومصر وسوريا ما يؤكد ما أشرت اليه بشأن التحدي الإيراني..!(2)

ولإهمية ما تمثله طبيعة العلاقات العراقية – الإيرانية من آفاق مستقبلية بالنسبة للبلدين الجارين، وبالذات على العراق، فقد وجدت من المناسب أن أضع تحت تصرف القاريء الكريم والمواطن العراقي على وجه الخصوص وكل من يهمه أمر تلك العلاقات من السياسيين والباحثين، بأن أعيد للذاكرة نشر نص المقال الموسوم (   ألعراق: ألأشتباك  ألأمريكي – ألأيراني..!) الذي نشر من قبلي،(*)  قبل ثلاث سنوات بتأريخ 20/4/2006  في عدد من المواقع الألكترونية، من أجل التعرف على ما يمكن أن تضمره هذه الزيارة من نوايا وأهداف، والتبرك ب " نِعَمْ " زيارة السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الى العراق، التي حبانا بها الله عز وجل، على حد قول رئيس جمهورية العراق السيد جلال الطالباني، والتي آخرها والشكر لله؛ رفض الجمهورية الإسلامية الإيرانية التنازل عن الديون المستحقة لها على العراق، ومطالبته بإبدال تسمية (الخليج العربي) الى تسمية (الخليج الفارسي)..!؟(**)
______________________________________________________
(*)  http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&article=509665&issueno=11055
(2)    http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&article=509508&issueno=11054
(*)     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=62663
(**)    http://iraqmc.com/?p=6087
-----------------------------------------------------------------------------------------
***

  ألعراق: ألأشتباك  ألأمريكي – ألأيراني..!

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الطرفان الرئيسان الممسكان بخيوط  اللعبة السياسية في العراق، يدركان جيدا ما يجره موقفهما الحالي، على الشعب العراقي من ويلات وآلآم يعجز الوصف عن تحديد أبعادها ونتائجها على صعيد الحاضر والمستقبل..! هذان الطرفان اللذان،  ومن خلال مسرحية سياسية مفضوحة، قادها الطرف العراقي،  ليضف شكلا من البراءة ولا أقول السذاجة السياسية على طبيعة العلاقات ألأمريكية – ألأيرانية في العراق، وكأن الطرفين المذكورين في غفلة عن تداعيات تواجدهما على الأرض العراقية..!  هذا الطرفان ما أنفكا يعلنان وبصريح العبارة بأن سبب تواجدهما على الساحة العراقية ، أنما تمليه مصالحهما "المشتركة" في أن ينعم العراق وشعبه "بالطمأنينة وألأستقرار"..!!؟؟

وغير خاف على المواطن العراقي ما تعنيه حقيقة  التواجد ألأمريكي - ألأيراني على الساحة العراقية، حتى أذا ما أفترضنا جدلا وأخذنا بحسن نية الجانب العراقي في أدعاءه نفي وجود أي تدخل في شؤونه الداخلية من قبل الطرفين المذكورين، أو بألأخص الطرف ألأيراني،  الإ ان الطرفين المذكورين كانا أكثر حرصا على بيان  حقيقة أسباب هذا التواجد من الجانب العراقي نفسه..! وهذا ما يدركه المواطن العراقي خير أدراك..!

 فالرئيس ألأيراني ألأسبق السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام والشخصية الثانية في النظام ألأيراني،  وفي زيارته ألأخيرة الى سوريا بتأريخ 12/4/2006 كشف الغرض من زيارته هذه بشكل واضح ولا لبس فيه، حيث أجمل ذلك في تصريحه الى جريدة "الرأي العام" الكويتية والمنشور في موقع أيلاف بتأريخ 11/4/2006  بأنه:  " وفي الظرف الراهن وفي ظل المستجدات فان القضايا التي بيننا وبين سورية اصبحت اكثر تقاربا ، وان الطرفين يواجهان تهديدات مماثلة ولديهما فرص مماثلة ايضا ، وفي الماضي كان العراق يمثل حائلا بين البلدين، وان شاء الله اذا مضت الامور بصورة جيدة في العراق وتمت تسوية المشاكل في هذا البلد، فاننا الى جانب سورية والعراق سنشكل مجموعة اقليمية جيدة تعمل على ضمان وامن وسعادة وتطور بلدان المنطقة الاسلامية والعربية."

ولا أظن أن أحدا بعد هذا التصريح يمكنه التشكيك بحقيقة ألأسباب التي تدفع بالجارة ألأيرانية الى زج نفسها في المشهد العراقي بهذه الطريقة الصارخة، التي تحجم الحكومة العراقية حتى عن التلميح اليها، رغم كل المؤشرات الميدانية والسياسية التي تؤكد ذلك..!؟

فمن وجهة النظر ألأيرانية،  يمكن أن تجد الجمهورية ألأسلامية من المبررات الكافية ما يدفعها الى زج نفسها في الشأن العراقي، وهذا ما لم تخفيه..!؟   "فالتهديدات" التي تواجهها أيران بسبب التواجد العسكري ألأمريكي في العراق، حسب زعمها، يقف في مقدمة تلك المبررات،  وبالتالي فأنها تجد نفسها حرة في التصرف بالشكل المناسب الذي يتفق مع ما لم تعلنه من أهداف أخرى ترتبط بهذا التواجد وكيفية أستثماره لما يحقق مصالحها في العراق وفي عموم المنطقة ..!!  وهذا ما أشار اليه السيد هاشمي رفسنجاني مؤكدا: " ان للطرفين مصالح مشتركة في العراق ، فنحن نتطلع إلى تعزيز الامن والاستقرار في العراق ، والاميركيون مرغمون على ان يحصل الاستقرار في هذا البلد، لانه لو استمرت الامور على ماهي عليه فانه سوف لن يبقى لاميركا ماء وجه ، لذلك انهم بادروا وتقدموا بطلب اجراء محادثات في شأن العراق كما حصل في الشأن الافغاني وكانوا هم ايضا المبادرين حينها."

قألأمن وألأستقرار في العراق الذي يتطلع اليه القادة ألأيرانيون هو نفسه الذي يرغم عليه ألأميركيون، على حد قول السيد الرفسنجاني ..!!؟  والسؤال هنا،  يثار  حول  تلك الجهة التي سترغم ألأمريكيين على أن يسود ألأستقرار في العراق،  أن لم تكن هي نفس الجهة التي من مصلحتها أستمرار حالة عدم ألأستقرار والتدهور ألأمني المستمر والمهدد بنذر الحرب ألأمنية..! ؟؟ وما علاقة المصالح "المشتركة" بين الطرفين التي تستدعي لقائهما للبحث في الشأن العراقي  يا ترى..؟؟ ولماذا ألأميركيون هم من يبادر الى مثل ذلك اللقاء أن لم يكن الجانب الثاني طرفا في اللعبة نفسها..؟؟!  بل  وما هي مصلحة ألأميركيين في عدم أستقرار الوضع في العراق في الوقت الذي هم فيه، الطرف ألأساس في عملية التغيير وأسقاط النظام السابق..؟؟ ولماذا أيضا يجري الخيار على أيران بالذات من قبل أمريكا للتباحث في مسألة أمن وأستقرار العراق، في الوقت الذي توجد فيه أطراف أخرى لها دورها الواضح والمفضوح في عملية تمزيق العراق وأشاعة الفوضى وعدم ألأستقرار..؟؟ 

هذا ولا يغيب عن الذهن أن السيد الرفسنجاني هو من مثل الطرف ألأيراني في أتفاقية (ايران كيت)/ كونترا عام/1986 ، عندما كان الرئيس (رونالد ريغان) الجمهوري رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية يومذاك..!؟  فالطرفان ألأمريكي وألأيراني ليسا غريبين عن بعضهما كما أن العلاقات بين البلدين لم تعرف ألأنقطاع بشكل تام، فلهما من قنوات ألأتصال ما يسهل ضمان مصالحهما وليس أحد آخر..! (1)  ومن هذا  فأن توقعات أمكانية تقاربهما هي أكبر من توقعات المجابهة في أعتقادي، فالمصلحة المشتركة للطرفين في المنطقة تلزمهما بالتوصل الى أتفاق يوفر لهما أعادة ترتيب ألأوضاع بما يحقق ذلك..!!؟ وهذا ما نوه اليه السيد الرفسنجاني عند أستبعاده قيام أمريكا بمهاجمة أيران، لأعتبارات كثيرة..!؟

أن تداعيات الملف ألنووي ألأيراني(2)، لا يمكن أن تكون بمعزل عن حالة التشابك ألأمريكية – ألأيرانية في العراق ، وبالتالي فأن ما يدعيه الطرفان بأن مباحثاتهما ستنصب فقط على الشأن العراقي لا يغير من حقيقة ألأمر شيئا. والسيد رفسنجاني كان واضحا في تأكيد ذلك، عند قوله:   " لو استشرفنا التاريخ لرأينا حصلت امور مشابهة، اذ تم البدء من قضية صغيرة ثم توسع الامر الى قضايا كبيرة ، والامر مرهون بالمحادثات نفسها، كم ستكون صادقة وجادة في التوصل الى نتائج ، وانا اعتقد انه اذا توصلت المحادثات الى نتائج فانه بالامكان توسعتها."

من هذا نخلص الى القول : بأن أستمرار حالة عدم ألأمن  وألأستقرار التي تهيمن على الساحة العراقية اليوم وتداعيات العملية السياسية برمتها وفي مقدمتها عجز ألأطراف السياسية المعنية بهذه العملية ، من تشكيل الحكومة الجديدة، يصب في مصلحة الطرف الذي يستخدم الورقة العراقية كأداة ضغط فاعلة في تحديد أتجاهات العملية السياسية في العراق من جهة ، وفي حل أشكالية الملف النووي ألأيراني من الجهة ألأخرى..!!
فمن الجانب ألأيراني ، يبدو ألأمر أكثر وضوحا،  اذا ما أخذنا بنظر ألأعتبار أزمة الملف ألنووي ألأيراني، وتداعياته المتسارعة، وعوامل الضغط الذي تمارسه ألولايات المتحدة ألأمريكية على أيران، ومنها أحالة الملف المذكور الى مجلس ألأمن ، وما في ذلك من تهديد بأتخاذ عقوبات سياسية وأقتصادية وربما عسكرية ، وفقا للفصل السابع من ميثاق ألأمم المتحدة، وهو أمر مشكوك فيه، وبالتالي فأن أنزلاق أمريكا في المستنقع العراقي ، قد منح الجمهورية ألأسلامية ألأيرانية أقوى ورقة فعالة في عملية الصراع ألأمريكي – ألأيراني..! حيث تمكنت أيران من لعب هذه الورقة بحذاقة وأقتدار كبيرين، يساعدها في ذلك، عدة أعتبارات جيو سياسية مؤثرة، أجبرت الولايات المتحدة ألأميركية أخيرا، على ألأعتراف بقدرة أيران في أستغلال هذه الورقة،مما دفعها الى طلب الدخول في محادثات مباشرة معها ، تحت غطاء مناقشة المصالح العراقية، المهدورة من قبل الجميع..!؟ ومن بعض هذه ألأعتبارات  التي تخدم أيران في عملية الصراع هي: 

*- أن العراق  بلد جار لأيران وتربطه معها حدود تجاوز ألألف كيلومتر، وهذا ما يمنحها حرية أكبر في الحركة والمناورة.
*- أن العراق  بلد غالبية سكانه من المسلمين، وأن نسبة الطائفة الشيعية منهم تشكل الغالبية. وهذا ما يمنح أيران من وجهة نظرها الجيوسياسية، عمقا دينيا طائفيا يمكن أستثماره بأي شكل من ألأشكال. خاصة ذلك الشكل الذي يكون مدعاة قلق وأزعاج للتواجد العسكري ألأمريكي في العراق،  حيث ان أيران بلد أسلامي وغالبية سكانه من الطائفة الشيعية.

 وبسبب تداعيات الملف النووي ألأيراني هذا ، يصبح من المسلم به أن تسعى أيران الى لعب كل ألأوراق المتاحة لها في صراعها مع ألولايات المتحدة ألأمريكية،  وأحد تلك ألأوراق وأقواها ، هي  الورقة العراقية، من أجل تخفيف الضغط ألأمريكي عليها؛  وبالتالي فكلما زاد أنزلاق ألولايات المتحدة ألأمريكية في المستنقع العراقي ، آلت النتائج  في النهاية الى مصلحة أيران قبل أي مصلحة أخرى..!؟ ناهيك عن ألأوراق ألأخرى، والتي أشار اليها السيد الرفسنجاني بصورة ضمنية في تصريحاته الى جريدة "الرأي العام" آنفة الذكر، والمقصود بها كل من سوريا ولبنان وحركة المقاومة الفلسطينية ودول الخليج، حيث جميعها صالحة لأن تكون أوراقا فعالة في لعبة الصراع بين الدولتين طبقا لخصوصية كل منها في هذا ألأطار..!!
 
ومما يفاقم من وضع العراق في لعبة الصراع هذه،  وجراء هذا ألأشتباك ألأمريكي – ألأيراني ، هو ما يرسمه له السيناريو ألأيراني من دور قادم في هذه اللعبة ، والذي تعتقد أيران أنها في الطريق الى أنجازه على حد قول السيد الرفسنجاني:  " في الماضي كان العراق يمثل حائلا بين البلدين، وان شاء الله اذا مضت الامور بصورة جيدة في العراق وتمت تسوية المشاكل في هذا البلد، فاننا الى جانب سورية والعراق سنشكل مجموعة اقليمية جيدة تعمل على ضمان وامن وسعادة وتطور بلدان المنطقة الاسلامية والعربية."

ولا أظن أن احدا لا يفهم ما يعنيه السيد الرفسنجاني من وراء مثل هذا التصريح؛ أن لم يكن المقصود منه بناء محور تشكل فيه كل من سوريا والعراق، ممتدا الى لبنان وفلسطين، ذراعه ألأيمن ، ودول الخليج وفي مقدمتها الكويت، جناحه ألأيسر، أما قلبه أيران، فهي الدولة الكبيرة "النووية " المؤهلة لقيادة المنطقة وعلى جميع دولها  ألأعتراف بها والرضوخ الى جبروتها  النووي "الجديد"..!!؟ وهذا ما حاول السيد الرفسنجاني، أشهاره عند زيارته للكويت في 17/4/2006 تحت ذريعة تطمين دول الخليج، وازالة  قلقهم من تداعيات الملف النووي؛ من أن مصالح دول الخليج ترتبط بالمصلحة ألأيرانية، كما عبر عنها  قول السيد الرفسنجاني في حديثه عن العلاقات ألأيرانية الكويتية:   " والبلدان يوليان اهتماما مشتركا للقضايا في الخليج الفارسي ، مثل قضية الجرف القاري، ولنا مصالح مشتركة كثيرة وفي الوقت نفسه نواجه تهديدات مشتركة، والمصالح المشتركة تتجلى في امن المنطقة وامن العراق.."  فمن زاوية ما أسماه بالمصالح "المشتركة"، أقحم السيد الرفسنجاني الدول الخليجية في معترك الصراع ألأيراني ألأمريكي، الذي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وحملهم تبعة تهديدات "مشتركة" لا علم لهم فيها ولا خبر..!؟

 فعلى ضوء زيارة السيد الرفسنجاني الى سورية والكويت، عبرت الدول الخليجية على لسان ألأمين العام لمجلس التعاون الخليجي مساء 17/4/2006 عن القلق البالغ الذي تبديه هذه الدول من مغبة تصاعد أزمة الملف النووي ألأيراني، وألأحتمالات الممكن توقعها وآثار ذلك على سلامة تلك الدول وأمنها البيئي، رابطة كل ذلك بالتصعيد الذي تمارسه أيران، والذي آخره تصريح السيد الرفسنجاني عند زيارته للكويت ، معلنا بأن أيران لن تلتزم بقرار مجلس ألأمن الذي يطالب أيران بوقف ألأستمرار بعملية تخصيب اليورانيوم، عطفا على ذلك، تصريح مسؤول الملف النووي علي لاريجاني الذي أكد تمسك أيران بمواصلتها عملية التخصيب رغم هذه القرار..!!؟
أن لدول الخليج مبرراتها ومخاوفها المعقولة لأن تقلق من تداعيات الملف النووي ألأيراني، وأن كان هناك من خطر محتمل فهو يتمثل في تداعيات الملف ألأيراني نفسه وما قد يجره ذلك من نتائج خطيرة على كافة ألأصعدة،  تكون معها هذه الدول في مقدمة من يتعرض الى خطر تلك النتائج،  رغم تأكيدات أيران وتطميناتها لها  بأن أهدافها من أمتلاك القدرات النووية هو لأغراض سلمية..!؟  وعلى حد  قول الكاتب الخليجي عبد الرحمن الراشد في جريدة الشرق الأوسط في 18/4/ 2006 :  "فالنزاع مع طهران رغم انه ساكن حاليا فهو يحتمل الاندلاع في اي لحظة. إضافة الى انه حتى بدون التصعيد النووي هناك خوف حقيقي من التمدد الايراني في العراق جنوبا المحاذي للحدود السعودية ـ الكويتية"

أما موقف الحكومة العراقية من حقيقة ما يدور بين الطرفين المتشابكين، فأقل ما يقال فيه ؛ أنه موقف يشوبه الغموض والصمت المطبق، وكأن ألأمر لا يعني العراقيين لا من قريب ولا من بعيد،  بل وحتى يأخذ  حد نفي أي تدخل او وجود للطرف ألأيراني في العراق أو في ألعملية ألسياسية ، أن لم يكن فيه تعريضا لأمن البلاد  وخطر وقوعها ضحية، بين فكي الكماشة النووية للبلدين المتصارعين، في حالة المجابهة، لا سامح ألله، وأن كان ألأمر أفتراضيا في وقته الحاضر على أقل تقدير ..!!؟

من كل ماتقدم وحيث أن عملية "فك ألأشتباك" بين أمريكا وأيران باتت من ألأمور المصيرية بالنسبة للبلدين المذكورين،  وحيث أن هذه العملية تجري على الساحة العراقية ووفق شروط الطرفين المذكورين، يصبح من أللازم معه ، أن تكسر الحكومة العراقية جدار الصمت وتعلن موقفها من هذه العملية بكل وضوح، مما يتطلب معه كشف كل أبعادها وما قد يترتب عليها من نتائج قد يتوصل اليها الطرفان المتصارعان، وهذا ما نتوقعه،  وذلك بضمان  ما لا يضر مصالح العراق، أو يلزمه بما يمس سيادته ووحدة أراضيه،  أو التدخل في شؤونه الداخلية..!  كما أن الحكومة العراقية الحالية أو القادمة ، وطبقا لنصوص الدستور الدائم ملزمة بعرض كل ما يتعلق بمفردات وأوليات مسألة المحادثات ألأمريكية – ألأيرانية  على مجلس النواب العراقي المنتخب،  لمناقشاتها وأبداء رأي المجلس فيها، وما يتطلبه الموقف الوطني من أشراك العراق فيها كطرف أساس طالما أن الطرفين المذكورين، وحسب أدعائهما،  قادمان على بحث الشأن العراقي وليس غيره..!؟ وألله علام الغيوب...!!؟؟

(1)   ولمجرد ألأشارة ننوه هنا وعلى سبيل المثال بما نشرته أيلاف في 18/4/2006 مما له علاقة بألأمر:  "وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية شون ماكورماك امس الاثنين ان محمد نهونديان المستشار الاقتصادي لكبير مفاوضي الملف النووي الايراني علي لاريجاني موجود في واشنطن. واضاف "حسب علمي، لم يأت لعقد اجتماعات مع مسؤولين في الحكومة الاميركية، وبالتأكيد ليس مع مسؤولين في الخارجية الاميركية". واوضح المتحدث ان المسؤول الايراني لم يطلب تأشيرة دخول إلا انه جاء الى الولايات المتحدة بطريقة شرعية."   
(2)   
  وللزيادة في ألأيضاح حول الملف ألنووي ألأيراني يمكن ألأطلاع على مقالتنا حول( ألملف ألنووي ألأيراني- والصمت العراقي )من خلال الرابط أدناه. 
http://rezgar.com/m.asp?i=1189

***
___________________________________________________   


 
 


255

باقر الفضلي

التميمي..قد مر عام..!؟*

ومرَ عامْ ..هكذا يقال،
وآخرُ قادِمُُ بعد الزوال..
وكل عامْ، نعود للقولِ
ولا نُلام.. ونسأل العَجزى
وحراسَ الكلام..
قد مر عام.. ولمْ يزلْ،
صوت الحقيقةِ في المنام..
الصمت أطبق سادراً..
صوت الهَوام..
الكلُ، لا يدري، ومَنْ يدري،
تَعثرَ بالكلام..
والكاشفونَ الحُجْبَ..
قد فقدوا البصيرةَ،
 في الظهيرةِ والظلام..
وتعذرتْ حتى طلاسِمُهم،
على كشفِ اللِثامْ..
ويمر خطُُ في الجريدة..
ذاكراً،
 قد مَرَ عامْ..
والآثمون بجرمِهمْ،
طلقاءَ في سوح السلامْ..   
ونُعيدُ للذكرى الفجيعة،
ذكرَها في كل عام..
***
26/2/2009
*- بمناسبة مرور عام على إستشهاد نقيب الصحفيين العراقيين، الفقيد شهاب أحمد التميمي،
 الذي لم يكشف قتلته حتى اليوم.









 


 

256
صورة الإنتخابات..!

باقر الفضلي


تجربة الإنتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات في العراق، أثبتت أنها وبمجملها، قد منحت كافة مكونات الشعب العراقي؛ طبقات وشرائح إجتماعية أو أحزاب سياسية، وقوميات على تنوعها،  درساً بعيداً في جوهره عن  تطلعات نظرة مستقبلية لآفاق مسيرة الوضع السياسي الراهن في العراق .


فمن أي منظور يمكن للمراقب أن يحدد وجهات النظر المختلفة لهذه الإنتخابات، التي تعتبر بالنسبة للأعم الأغلب من المراقبين، بإنها فريدة في نوعها، كونها تأتي في أعقاب خمس سنوات عجاف مررن بالعراق، وبعد ثلاث عقود من الحكم الفردي الديكتاتوري..؟!


فالناخب الذي عاش كل التجربة الماضية، غير معني اليوم، بوضع جدول للمقارنة بين ما فات وما هو آت من مسلسل حياته بكل صخبها وآلامها، فكل ما يعنيه الآن ، أن يتمدد ويلقي ما في جعبته من هموم ومعاناة، على كتف الزمن الذي أذاقه الأمرين، بين الوعد والوعيد، وبين الحاجة الشاخصة والأمل البعيد..!
 

الناخب الذي تطبعت حياته على السؤال، والذي أُرتهنت حاجتُه دوماً عند الحكومة، من خفيرها الى الوزير، والذي أدمت قدميه طوابير الإنتظار، لا زال يرى في الحكومة، سواء محلية أو مركزية إتحادية، الأمل المرتجى، والمثل المحتذى؛ تبهره صورة رئيس الحكومة، خلال الدعاية الإنتخابية، وعيناه تحدقان فيه في كل منعطف شارع، وعلى كل شاشة تلفزيون، وآذانه تصمها كلماته ودعواته للإنتخاب، وقناعاته تبلبلها الوعود، بين ما يسمع وبين ما يرى، فتحل الحيرة بدل اليقين، وتختلط لديه الأشياء، وتتشابه عليه الصور ، وتتوحد عنده الخطابات، فجميع الصناديق تعلن بضاعة واحدة، وكأنها إتفقت على برنامج واحد، وجميع مالكيها يعلنون رغبتهم في إنقاذه..!!؟


لقد كثر المنقذون، وتزاحم المقاولون، فتأمل نفسه وقطع حبل حيرته، بعد أن تشابه الأمر عليه، فلم يجد غير الأقرب الى سمعه والأدنى من بصره، والذي بيده الأمر والنهي، متمثلاً بالمثل الشعبي الشائع : " شين التعرفه خير من زين الما تعرفه" ، فإستخار ربه وألقى ب"صوته" الخجول في صندوق الدنيا، لا أسِفاً ولا بطرا، وراح يجرجر قدميه لا يلوي على شيء..!!؟


الناخب العراقي لم يسلم أمره، ولكنه لم يجد ما يعوض به ما خسره في خوالي السنين، وقد عكست نسبة المشاركة 51% من عدد الناخبين، أحد مؤشرات الحالة النفسية التي عاشها خلال الفترة الماضية، وليس تردده في المشاركة، إلا تعبيراً عن حالة عدم الثقة والإحتجاج الصامت..! 


أصحاب الصناديق كانوا أكثر تحمساً حتى من تحمس حماس الغزاوية، وكل منهم يحسب الدقائق والثواني، ودقات قلبه تخفق صعوداً ونزولاً مع كل داخل الى مراكز الإقتراع..!؟


فالإنتخابات كانت في مغزاها ومدلولاتها، تعبر عن حالة تنافسية بين متنافسين غير متمايزين، ومن شتى القوى السياسية والإجتماعية ؛ أحزاب أو تجمعات أو أفراد، لا يحكمها قانون للإنتخابات، لعدم تشريعه حتى اللحظة، ولا سجلات دقيقة للناخبين، بل يحكمها التهافت المنفلت على تصيد أصوات الناخبين، والأساليب والطرق غير المنضبطة للدعاية الإنتخابية، ولم تعكس جموع الناخبين من خلالها ، تمايزات إجتماعية أو طبقية تمكن للمراقب المتابع لسريان العملية الإنتخابية، من رصد حالة التنافس الإنتخابي الحقيقي بين الطبقات والشرائح الإجتماعية المتنافسة في العملية المذكورة..!


ومن خلال هذا الواقع للعملية الإنتخابية، والذي هو أقرب في حقيقته، الى ما يسمى ب "الفوضى الخلاقة"، منه الى عملية إنتخابية معروفة فيها سلفاً، طبيعة القوى السياسية المشاركة ، وما تمثله على الصعيد الإجتماعي من الفئات والشرائح والطبقات الإجتماعية، ومحسوبة سلفاً أيضاً، أحجام نسب الناخبين من هذه الطبقات والشرائح الإجتماعية التي ستدلي بأصواتها لصالح من يمثلها حقيقة من بين القوائم الإنتخابية المتنافسة، ولم تتحدد في برامجها الإنتخابية المواقف من الأمور العقدية..!


فقد كان متوقعاً سلفاً، في ظل حالة التشتت الإجتماعي، وفقدان التمايز بين طبقات وفئات وشرائح المجتمع، أن تظهر نتائج الإنتخابات بالشكل الذي ظهرت عليه، وأن يصبح من الصعب على أي تحليل إجتماعي أو سياسي أن يرسم صورة صحيحة عن الخارطة السياسية – الإجتماعية في ظل هذا الخضم الهائل من المكونات السياسية، والذي لا يعبر عن حالة سياسية متوازنة أو مستقرة، بقدر ما يعبر عن حالة التشتت والتمزق اللذان عصفا بالنسيج الإجتماعي، الذي ساد المجتمع العراقي خلال السنوات الخمس الماضية، والذي كان لسياسة المحتل الأمريكي أشد العواقب المدمرة عليه..!؟


فالعملية الإنتخابية التنافسية، لم تكن في الحقيقة، تجري وفق برامج إنتخابية واضحة المعالم للقوائم المشاركة، بقدر ما إعتمدت على القدرات والإمكانات الخاصة، ومقدار ما تمتلكه قوى تلك القوائم من مصادر نفوذ وهيمنة على الشارع العراقي، وبالذات مراكز النفوذ الحكومية، والعشائرية، والدينية الطائفية والمليشياوية، على قاعدة من عدم تبلور المكون الإجتماعي ، للطبقات والشرائح الإجتماعية، والضعف الظاهر لمنظماتها المدنية والمهنية والنقابية..!


ومع هذا الواقع القائم، لم يعد مستغرباً، أن تتلاشى أو تضمحل تأثيرات القوى السياسية ذات التوجه المدني الديمقراطي العلماني، بل يصبح عسيراً عليها أن تجد لها موضع قدم خارج كتل منتسبيها ومؤيديها؛ وفي ظل هذا الخضم المتلاطم من التشتت الإجتماعي، ومعدلات البطالة العالية، والتدهور الإقتصادي، حيث الإقتصاد يلعب دوراً مهماً وأساسياً في بلورة مصالح الطبقات والشرائح الإجتاعية، فلا يعزى النكوص الإنتخابي لهذه القوى والحال، فقط في ضعف أدائها أو إدارتها أو حتى تاكتيكاتها أثناء سير العملية الإنتخابية، أو في ضعف إمكاناتها الذاتية، التنفيذية والميدانية، بقدر ما ينصرف الى طبيعة الظروف غير المناسبة التي فرضت عليها المشاركة في العملية الإنتخابية، معتمدة بالأساس، لا على قدراتها وإمكاناتها الذاتية، وهي ليست بمستوى القوى الأخرى حسب،  بل على ما تمتلكه من أرث نضالي تأريخي في الحياة السياسية، وهو عامل ثانوي في هذه الحالة، وتطلع إيجابي في السير قدماً لإرساء مقدمات العملية الديمقراطية من خلال الإسهام في العملية الإنتخابية، وفي الحالتين، وفي الظروف التي جرت في ظلها  الإنتخابات، فلا أظن أن هناك ما يمكن أن يركن اليه من تقييم يبنى على أساس ما أحرزته تلك القوى من نتائج في هذه الإنتخابات، وهو في إعتقادي، أقرب في أسبابه الى الظروف الموضوعية المحيطة بالعملية السياسية، منه الى الظروف الذاتية لقوى هذا التيار، رغم ما لها من تأثير نسبي في بعض الأحيان ..!


وإنطلاقاً من هذه الحقيقة، ينبغي البحث والتدقيق لا في ما أسفرت عنه إنتخابات مجالس المحافظات من نتائج والتعويل عليها فقط، كأساس في تقييم أداء القوى ذات التوجه المدني الديمقراطي العلماني حسب، بقدر ما ينبغي البحث في أسس العملية الإنتخابية، الناتج الفطري للعملية السياسية نفسها، وطبيعة وأرضية الظروف الإقتصادية – الإجتماعية، التي جرت خلالها، وطبيعة المؤثرات الخارجية التي أسهمت في إنجازها ، وفي مقدماتها مؤثرات الإحتلال والتدخلات الإقليمية..!


وإنه لمن الصعب القول، بأن التنافس الإنتخابي الأخير، قد جرى في ظل ظروف إنموذجية من حيث الإستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي، ومن هنا تصعب أيضاً، المقارنة بين القوى السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية من حيث نتائج الفوز والخسارة، فهي جميعاً تدخل في نطاق ظروف التنافس نفسها والحالة اللانموذجية لتلك الإنتخابات، رغم أنها جرت في ظل ظروف من الأمن والهدوء التي سمحت للناخب من الإدلاء بصوته في صندوق الإقتراع ، ولا تخفى هنا مصلحة كل من ساهم في عملية إستتباب الأمن والهدوء..! 
 

أسئلة كثيرة أثيرت حول ما أفرزته العملية الإنتخابية، وفي معظمها دارت حول النتائج المعلنة، وإتخذت منها معياراً لإحتمالات التغيرات المستقبلية والتوقعات المنتظرة للبدائل المنشودة، بإتجاه التخلص من ثوابت هيكلية البناء السياسي، التي شيدت أصلاً على أسس لا تمت بصلة لكل ما له علاقة بجوهر العملية الديمقراطية، كمبدأ "المحاصصة"، الذي بني على أساس الطائفية المذهبية، والعرقية الإثنية..!


 وبالتالي فإن كل ما يمكن التعويل عليه للخروج بتقييم مناسب وقريب من الواقع، وعطفاً على الأسباب المتقدمة، لا يمكنه أن يعطي صورة حقيقية يمكن من خلالها رسم الحجم والنفوذ الحقيقي لأي مكون من الكونات السياسية التي شاركت في العملية الإنتخابية، ومن ضمنها التيار المدني الديمقراطي - العلماني، ومقدار عمق تأثيره السياسي في المجتمع بإعتباره الممثل الحقيقي لمصالح أية طبقة أو شريحة إجتماعية، وذلك من خلال نتائج الإنتخابات التي تمت في ظل ما أشرت اليه فيما تقدم، بقدر ما هو إلا إنعكاس قريب من الحقيقة لواقع الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية الراهن..!


وحيث أن إستمرار وبقاء دعائم الهيكلية السياسية يظل ثابتاً في أطره الحالية، المبنية على مبدأ "المحاصصة"، وعقدة إيجاد رئيس جديد لمجلس النواب مثال صارخ على ذلك، فليس غريباً ان تأتي نتائج الإنتخابات القادمة للبرلمان على نفس المنوال، لتصبح عملية الإنتخابات أقرب الى لعبة "إستبدال الكراسي" التي كنا نمارسها في المدارس الإبتدائية عندما كنا أطفالا..!؟
 

ومن هنا فليس بوسع التقييمات المبنية على نتائج الإنتخابات وحدها، أن تعطينا لوحة بيانية واضحة المعالم لخارطة القوى السياسية الطبقية وحجم وتأثير هذه القوى في المجتمع، أكثر من كونها تعبير عن ممارسة شكلية لعملية إنتخابية في إطارها الديمقراطي، تظل مرهونة في تطوهرها وتجذرها بمدى التطور اللاحق لقوى الإنتاج في المجتمع، ومقدار ما يمكن أن ينهض بالعملية الإقتصادية- الإجتماعية  نفسها، من تطور إستراتيجي على كافة المستويات، للِّحاق بسير الحضارة والتقدم..!
   
 
 

 
     



   






       

257
غزة وإشكالية الإنتصار..!؟

باقر الفضلي

متى يمكن للإنسان إعتبار نفسه منتصراً، فيشعر بالبهجة والفرح، ومتى يعتبرها مهزومة، فيصيبه القنوط والحزن والإكتئاب..؟؟!

ربما تَصْدُقُ الحالين، إن كان نفس الإنسان يخوض مباراة لكرة القدم، أو وجد نفسه في منازلة في حلبة للمصارعة مع شخص آخر، ولكنه من البدهي، لا يمكنه أن يقول نفس الشيء عن نفسه، عندما يكون الشخص الآخر في الحلبة أسداً على أي حال..!!؟


ومن المفارقات الغريبة في السياسة، أن تُبَسَط الأمورُ، ومن منطلق الفوز الدائم في كل شيء، ، لتنسحب الأمثلة على الأحداث السياسية الكبيرة والحروب في مظاهرها الخارجية، دونما دراسة متأنية لحسابات الإخفاق أو الفوز وما يقف ورائها، الى حد المباراة الرياضية، وأحيانا مسابقات اليانصيب..!؟


من نافل القول؛ فإن الإدعاء المتواصل بالإنتصار، له من التداعيات بالنسبة للسياسي، ما يمنحه الثقة بنفسه، وينقله من مرحلة الإحباط الى مرحلة المسك بمقاليد الأمور، وبتكراره للإدعاء بالفوز سيولد لدى مريديه أولاً ومن ثم مؤازريه التصديق بما يدعيه، حتى إن كان إدعاؤه وهما. ولنا في غوبلز وزير الإعلام النازي الشهير مثلاً ملموساً في ذلك، وفي عصرنا الحديث قام بهذا الدور وزير الإعلام العراقي في النظام السابق الصحاف، فأبرع فيه بجدارة، أوحت للناس بأن ما شاهدوه من دبابات أمريكية على الجسر، ما هو إلا وهم..!؟


لاغبار على ذلك من وجهة النظر العامة ولا أعني المتخصصة، فهو أكثر ما يتعلق بدروس علم النفس، ولست أنا من يخوض في تفاصيل ذلك. ولكن الإنتصار المعلن عنه من قبل الأخوة قادة حماس، ربما يكون أحد الحوافز على المستوى السياسي، ما يدفع المرء بالرغبة في التوقف أمامه..!

قبل أيام قليلة من وقف إطلاق النار من جانب واحد ، أعلنت إسرائيل عزمها منفردة لوقف إطلاق النار، وحينها أعلن الشيخ هنية في تسجيل متلفز، خطاباً موجهاً الى أبناء غزة مبشراً إياهم بقرب ساعة النصر، وداعياً الله الى تنفيذ وعده بالنصر، مكرراً ذلك لعدة مرات، ومنهياً خطابه بدعاء الرضا والحمد والشكر...!(1)


لا أريد هنا أن أدخل في علم الغيبيات، ولكن أتسائل فقط، كيف تهيأ للشيخ هنية التنبؤ بقرب ساعة النصر، أهو بالإفتراض بأن ما أعلنته إسرائيل عن وقف لإطلاق النار من طرف واحد يعقبه الإنسحاب من غزة، كان بمثابة هزيمة وإنكسار للأسرائيليين.؟ وبذلك سيدخل إذن، تنبؤ الشيخ هنية حقاً في عداد علم الغيبيات والإيحاء يا ترى..؟!


أم إذا فُسِرَ التنبؤ المفترض، على إنه مجرد إستقراءٍ من قبل الشيخ هنية لظروف حالة المعركة القائمة، والتي أسميها العدوان الإسرائيلي على غزة، وظهر أمامه رجحان كفة المقاومة الفلسطينية على العدو الإسرائيلي، وما ألحقته بالعدو من حجم الخسائر في الأعداد والمعدات، وأن بواكير الإنكسار باتت ظاهرة للعيان؛ أو أنه مجرد إلهام قد أُوحي به للشيخ هنية بقرب النصر على العدو، أو أي شيء آخر لا يعلمه إلا الشيخ نفسه..؟؟! (2)


بعد أيام من ذلك، وبعد وقف إطلاق النار وبدء إنسحاب القوات الغازية، تقدم السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس معلناً وبصوت عال، عن تحقق "الإنتصار" وهزيمة العدو شر هزيمة، وقد أكثر من ذلك وآخرها يوم 28/2009 ، بمناسبة إحتفالات النصر في الدوحة؛  فكيف تهيأ له ذلك، وهو خارج ساحة "المعركة" وليس لديه حجم المعلومات لمن هم في خضمها وداخلها مثل الشيخ هنية، أو حجم المكاسب التي حققتها المقاومة والغنائم وحجم خسائر العدو و..الخ من المعلومات التي تدخل في نسب الأرباح التي حققتها، إذا ما إستثنينا مقدار الخسائر التي تكبدتها المقاومة..؟؟!(3)


فأن جاء الإعلان تأكيداً لتنبؤ الشيخ هنية حول تحقق "الإنتصار"، فلا بد إذن، أن يكون هناك من عامل مشترك بين الأثنين، وليس التكهن في مثل ذلك أمراً صعباً في عصر التكنلوجيا الحديثة، ولا أريد هنا أن أصفه بإيحاء أو وحي مشترك، لأن ذلك يدخل في نطاق الغيبيات، على أقل حال بالنسبة لتقديري، أم هو توارد خواطر يأتي أحياناً دون تحسب أو إنتظار، أو ربما وفي مجال السياسة بالذات، ما يُكنى بالموقف المشترك، أو في حالة الحزب الواحد بالقرار الحزبي المُلزِم، وهما أحق بتقرير ذلك..!!؟


على الصعيد السياسي ومن وجهة النظر النفسية لدى قيادة حماس، وهو أمر من الممكن إفتراضه، فإن هناك ما يبرر التمسك بمقولة "الإنتصار" من قبل قيادة حماس، وليس بالضرورة توافقها مع أرض الواقع، وهو أمر له خلفياته وجذوره العقائدية ذات اللبوس الديني؛ والنصر هنا إفتراضي، وهو جزء من الثقافة الإيمانية، ولا يعتمد الحسابات المادية بقدر ما يُبنى على إيمانٍ مسبقٍ بحصول "النصر"، مبني على قوة المثل الإعتقادي المعزز بالأسانيد الدينية والتأريخية من حديث وسنة، وهذا ماكان يؤكده الشيخ هنية في خطبه كثيرا، ومدلول "الإنتصار" هنا وطبقاً للخلفية الفلسفية الأصولية لقيادة حماس السياسية، يتجسد في ديمومة الوجود المادي والروحي لتلك القيادة وتواصل رسالتها، بمعزل عن أي مؤثرات أخرى مادية، بما فيها البشرية والإنسانية، وبالتالي فالتعويل بالنسبة لها ينصب على النتائج، والنتائج وحدها قبل أي شيء آخر، وهذه النتائج لا تخضع للحسابات المادية البحتة، بقدر ما هي مرهونة بإستمرار رسالتها الجهادية، المعززة بإستمرار وجودها المادي والروحي في الميدان، لإعتقادها بتفردها التوارثي لهذه الرسالة المؤسسة على إفتراضيتها في تأسيس دولة الخلافة، وبالنتيجة فما حصل في غزة يمثل مجرد خطوة أولى في طريق الإنتصار الأكبر لتحقيق هدفها بإنشاء الدولة المفترضة، أو كما سماها السيد مشعل "بسياسة التحرير" التي تبدأ من غزة ومنها الى أي مكان"..!؟ (4) 


أما على الصعيد المادي والحسي والمعنوي، فهو أمر متروك البت فيه، الى شعب غزة نفسه، بإعتباره  الأكثر دراية ومعرفة بكل تفاصيل ما جرى في غزة خلال الأسابيع الثلاثة التي جرى خلالها العدوان الإسرائيلي، وهو مَنْ وَقَعَ عليه العدوان وصمد بوجهه؛ فهو وحده من يمتلك حق التقييم والتسمية والتقرير، فيما إذا كانت نتائج العدوان، وفق المنظور الحسي الشعبي،  وليس السياسي القيادي؛ "إنتصاراً" أم صموداً أو مجرد مأساةٍ سببها العدوان الغاشم من قبل إسرائيل، ولا أسميه شيئاً آخر عكس ذلك؛


 فالشعب الغزاوي ليس هو من قرر هذه "الحرب" بكل ما إتصفت به من همجية وبربرية ووحشية، رغم أن الشيخ هنية يرفض توصيفها بالعدوان ويعتبرها مجرد "حرب" وحشية، أقدمت عليها إسرائيل، والهدف هنا واضح من وراء ذلك، فلكي يستقيم الأمر، فإن علاقة "الإنتصار" في الحقيقة، أقرب في الواقع الحسي والمنطقي مع مفردة الحرب منها مع مفردة العدوان، وليس هذا من باب المطلق، وهو أمر مفهوم ومعروف في الأسباب والمقاصد، فالعدوان لا ينتج إنتصاراً أو هزيمة، قد ينتج صموداً من جهة (المعتدى عليه) معفراً بالدماء والمعاناة والدمار والخراب، ولا مندوحة في هذه الحال من توصيف هذا الصمود بالنصر، إذا ما تحقق ذلك الصمود مقترناً برد ومقاومة للعدوان، ولكل نصر مقوماته وأحكامه، ولكن كل ما ينتجه العدوان؛ فهو المأساة بعينها وبكل حقيقتها التراجيدية إنسانياً وماديا، وهو لا يشكل هنا إلا علاقة غير متكافئة بين معتدٍ ومعتدىً عليه؛ فترك الناس لبيوتهم وهروبهم منها تحت وابل قنابل الطائرات والغازات القاتلة والمحرمة دولياً وإلتجائهم الى الملاجيء، ليس هزيمة، كما أن قتل الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم في بيوتهم أو داخل الملاجيء أو في الشوارع والساحات العامة والمدارس والمساجد جراء القصف ليس إنتصارا، إنها في الحالين تشكل صورة المأساة البشعة والمجزرة التي كابدتها غزة وشعب غزة خلال ذلك العدوان الهمجي الأثيم، ولهذا ترفض إسرائيل أي توصيفٍ لأعمالها البربرية ب(العدوان)..!؟ 


 وحتى بالنسبة للمعتدي، فليس هناك ما يسمى ب "الإنتصار"، وهذا ما تبجحت به إسرائيل بعد الإنسحاب، لتبرير عدوانها، وخلق قناعة لدى الرأي العام الداخلي والخارجي، بأن ما أقدمت عليه كان يعطيها الحق في كل ما أفرزته آلة العدوان بحق غزة وأبنائها من قتل ودمار؛ بل هو لا يخرج، سواء جرى وصفه "حرباً أم عدوانا"، عن دائرة (الإعتداء) الصارخ الآثم بحق غزة وشعبها الأبي، وهو خروج فض وصارخ على الشرائع الحقوقية والإنسانية؛


 أما الحرب، بمفهومها المتعارف عليه، فهي من ينتج النصر أو الهزيمة بالنسبة لتقدير أي من طرفيها وحساباته، وإن تشابهت وتوحدت تراجيدياً في نتائجها مع العدوان ، فالعدوان نفسه شكل من أشكال الحرب، ولكن التشابه في النتائج، ينحصر في جانب أو طرف واحد، وهو الجانب (المعتدي عليه) والذي يقع عليه العدوان، وهذا ما وقع في غزة وما لحق بشعبها من ويلٍ ودمار، ، وبالتالي فإنه من مصلحة إسرائيل أن يوصف عدوانها الغاشم بالحرب، لما في ذلك من تضليل للرأي العام بأنها في مجابهة مع دولة أخرى، مما يسمح لها إستخدام كل ما في جعبتها من آلة الحرب وما تقرره قوانين الحرب و"حالة الدفاع عن النفس"،  وهذا ما تتمسك به إسرائيل كثيرا..!؟


وإن كانت هناك ثمة من إشكالية في ما تدعيه حماس من "إنتصار" جراء العدوان، فأمرها يتعلق في مقدار نجاحها في إقناع أبناء غزة والشعب الفلسطيني عموماً قبل غيرهم بهذا الإدعاء، لأن في هذا الإقتناع تكمن مصداقية الأمر، أما طرق ووسائل الإقناع فهي ما يجب التوقف أمامها في ظروف ما بعد العدوان، وأبناء غزة أعلم من غيرهم كيف تجري الأمور هناك، وكيف تتعامل حماس وما هي وسائلها بهذا الشأن وما هو موقفهم من كل ذلك..!؟


فالإنتصار بالنسبة للسياسي، وخاصة المُلْهَم إيديولوجياً أو عقائدياً، أمر مفروغ منه، خاصة إذا ما إتحدت السياسة مع صفة المقاومة، لأن التمسك والتشبث بالحديث عن المقاومة والممانعة في هذه الحالة بالذات، إنما هو أمر ملتصق بالإنتصار، وهما أمران مترابطان مادياً ونفسيا. وفي هذه الحالة وغيرها من حالات حروب المقاومة، يلعب العامل النفسي دوراً غاية في الأهمية، في  محاولة تعكس إظهار "صدق" ما يعلنه السياسي وفقاً لتقديره، وبالتالي سيصدقه الجمهور، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة له، وبالتالي يصبح التصديق بمقولة "الإنتصار" القاعدة الجديدة لمنطلق جديد في عالم السياسة وهذا ما بينته في ما تقدم..!؟


 فالشعارات السياسية ليست دوماً تأتي متطابقة مع الحقائق على الأرض، بقدر ما يفترضه أصحابها بأنها ستلعب دورها المعنوي والدافع لتعبئة الجماهير وراء هذه القيادة السياسية، أما حساب الخسائر فليس له إعتبار محسوس في حسابات النتائج، وقد أكد هذه الحقيقة نفسه السيد خالد مشعل في خطابه في الدوحة يوم 28/1/09 وقبله الشيخ هنية ، حينما أسقطا حساب الخسائر البشرية والمادية أزاء النتائج، وكان تقديرهم للنتائج مبنياً على وفق ما شرحته في أعلاه، فطالما لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها طبقاً لما تتصوره قيادة المنظمة، وفي مقدمتها؛ "كسر وجود حماس ، وإنهاء حكمها في غزة ، والقضاء على الصواريخ"، وحيث أن كل هذا لم يتحقق، وحيث هم في موقع القيادة مادياً فهم إذن "منتصرون"، أما الخسائر البشرية ومهما كان حجمها، ففي حساباتهم، تدخل في "فاتورة الجنة، والجنة تستحق.." كما حسبها السيد مشعل، والله أعلم..!!؟ (نفس المصدرأعلاه) (3)


أما حقيقة تبعية وتداعيات تلك النتائج سلبية كانت أم إيجابية، من وجهة نظر من تنعكس عليهم، ولا أقصد القيادات السياسية،  فإنها تقع على عاتق الجماهير، سواء برغبتهم أم رغماً عنها، وبالتالي فليس من باب المنطق والمعقول دائماً، تجيير كل ما تُقْدِمُ عليه القيادات السياسية والحاكمة من إحتفالات النصر، بإعتباره مُعَبِّراً حقيقياً لإرادة ورغبة الشعوب. ففي تأريخنا القريب أو البعيد الكثير من "الإنتصارات" الوهمية، ما أقام لها الحكام والسلاطين وقادة الحركات السياسية، المهرجانات والإحتفالات الجماهيرية، التي كثيراً ما صفقت ورقصت لها الجماهير في الساحات العامة مطبلة ومهللة لرأس القيادة..!!؟


فبقدرة قادر، وبعيداً عن السياسة بالنسبة لمثلنا أعلاه، إذا ما حصل ولأي سبب من الأسباب؛ أنْ هلكَ "الأسد" في حلبة المصارعة، أو غادرها طوعاً، فالنتيجة التي سيعلن عنها أو تعلن عن نفسها، ستكون "الإنتصار" بكل تجلياته، وسيكون بطلنا المتصارع في الحلبة سيد "الإنتصار" بكل معانيه، وسيُنَصَبُ على عرش المصارعة بلا منازع، وستفتح له الطرق والساحات مكللاً بأكاليل النصر وباقات الورد..!؟


 أما بالنسبة للأخوة في قيادة حماس فإنهم بصفتهم حركة سياسية مسلحة وفصيلاً من فصائل المقاومة الفلسطينية، وهم وحدهم من يتحكم فعلياً بقطاع غزة ، فهم أحرار في تسمية ما حصل نتيجة لهذا العدوان الإسرائيلي، "نصراً" أو أي شيء آخر، فالسياسيون في قيادة حماس، وطبقاً لفلسفتهم الإيديولوجية وتمسكهم ببرنامجهم السياسي، وهو يتقاطع كلياً مع برامج الفصائل الوطنية الفلسطينية الأخرى، التي يجمعها البرنامج الوطني الفلسطيني الديمقراطي في تأسيس الدولة الوطنية الديمقراطية الموحدة، لهم قناعاتهم الخاصة، ووجهة نظرهم المبنية على ما تقرره إلتزاماتهم وتكتيكاتهم وعلاقاتهم السياسية مع الآخرين، كفصيل سياسي، وهذا مبعث خلافهم مع الآخرين من تلك الفصائل..!


فطبقاً لفهمهم وبرنامجهم السياسي الخاص وإجتهادهم التكتيكي، فليس غريباً أن تأتي المواقف الأخيرة لقيادة حماس بعد وقف إطلاق النار والإنسحاب، وآخرها دعوة السيد خالد مشعل الى إعلان مرجعية فلسطينية جديدة خارج (منظمة التحرير الفلسطينية)، الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، كما هو متعارف عليه منذ أكثر من أربعين عاماً عربياً ودولياً، مطابقة ومؤكدة لذلك، وهذا في تقديري ما يعزز من حالة الإنقسام داخل الصف الوطني الفلسطيني، الذي هو في أمس الحاجة اليوم، الى الوحدة منه الى الإنقسام، وهنا بيت القصيد في التمسك بمقولة "الإنتصار" ..!!؟(5)
_______________________________________________________
 (1)  http://se.youtube.com/watch?v=zKfiy93VSK0
 (2)  http://se.youtube.com/watch?v=8WOsn2PZEog&NR=1
       (3)   http://www.bbc.co.uk/arabic/av/middle_east/2009/01/090121_mashaal_reax.shtml?bw=bb&mp=wm&bbcws=1&news=1
 (4)   http://se.youtube.com/watch?v=cSdp2HJP_w8
       (5)    http://www.middle-east-online.com/Default.pl?id=73158

 



258
أهمية الإنتخابات..!

باقر الفضلي


هبّو للإنتخابات

ثلاثة أيام تفصلنا عن موعد إنتخابات مجالس المحافظات، وأنا أرقب وأتفحص النشاط الكبير والتحمس الذي يبديه السيد نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية، وبشكل لم يتوفر لغيره من قادة القوائم الإنتخابية ورؤساء الأحزاب العراقية الأخرى، فطلعته الكريمة لم تفارق شاشات تلفزيون العراقية يوماً وخطبه النارية لم تنقطع ، وهو يحث المواطنين على الذهاب الى صناديق الإنتخابات زرافاتا ووحدانا، بالرايات والأهازيج، وسيل الوعود الذي لم يتوقف؛ عن العمران وزيادة الرواتب وإنهاء البطالة، وتوفير السكن والخدمات العامة وتوفير الماء الصحي والكهرباء وكل ما لذ وطاب مما به الظن خاب..!


 وتستحضرني صورة الحماس والخطب النارية المزدحمة بالإتهامات المبطنة لآخرين عجزوا عن الإيفاء بتعهداتهم ووعودهم، أو إستغلوا مواقعهم في دست السلطة، فإستغنوا واساءوا الى القانون والدستور، وإستحوذوا على ما أؤتمنوا عليه من المال العام وغيرها من الإتهامات التي تشكل حلقات متواصلة من سلاسل الكلام المتواصل، حول سيادة القانون ونشر العدالة وتكريس الديمقراطية مبدءً في التسلك اليومي للمسؤولية، وبناء الحكومة القوية التي تضمن لحكومات المحافظات الظمان الكافي لتسيير أمور محافظاتها، والدعم المالي المركزي للإستثمار وغيرها الكثير والكثير من الوعود والتعهدات، مقرونة بالإستطراد بتعداد المنجزات على كافة الأصعدة وفي جميع الميادين ، من القضاء على الإرهاب الى سنوات الإعمار الماضية والقادمة..!؟


من خلال هذه المتابعة المتصلة يومياً لخطب السيد المالكي المتواصلة بين المحافظات، والمنقولة عن طريق قناة العراقية الفضائية الحكومية مع التعليق والإيضاح والندوات الهامشية؛ من خلال ذلك يدرك المرء ما لهذه الإنتخابات من أهمية بالغة بالنسبة للعراقيين، فالخطيب رئيس حزب لا زال في موقع المسؤولية الحكومية ويمثل فيها رئيساً للوزراء، وحزبه ينخرط ضمن مجموعة من الأحزاب الإسلامية الأخرى ويشكل معها إئتلافاً سياسياً يتصدر مجموعة الكتل البرلمانية في مجلس النواب، وبالتالي، فليس من باب العجب والإستغراب أن تعكس خطب السيد المالكي الإنتخابية كل هذا الحماس المنقطع النظير، وأن تتناول الكثير والكثير من شكاوى الناس المرة ومعاناتهم المستديمة، التي تواصلت طيلة السنوات الخمس الماضية ولا زالت، ومنها سنوات حكم السيد المالكي نفسه كرئيس للوزراء، لتشكل ليس فقط أدلة فشل لسياسة الحكومة القائمة وعجزها من تلبية إحتياجات الناس المادية والروحية في ظل مسلسل الأزمات المعاشية والحياتية اليومية غير المنقطع، وإدانة للتخبط الذي طال السياسة الحكومية على مختلف الأصعدة، رغم ما يشار الى التحسن الأمني الذي طرأ على المستوى العام في أغلب المحافظات..!


من هنا تمتلك إنتخابات مجالس المحافظات أهميتها الواقعية، لكونها تمثل من جهة، مرحلة مهمة في تأريخ تكريس أسس الدولة المدنية الحديثة، وتثبيت المؤسسات الدستورية والحقوقية المعبرة عن هذه الأسس، وإرساء قواعد القاعدة المادية للإقتصاد العراقي بما فيها طرق ووسائل إستثمار الثروات الوطنية في كافة الميادين، وتنمية الإستثمار الوطني الخاص، في القطاعين الصناعي والزراعي، من جهة أخرى، في وقت تضع فيه، كافة القوى السياسية أمام إمتحان جدي أمام مسؤوليتها في مدى قدرتها على تحمل مثل تلك المهام، لفترة اربعة سنوات أخرى..! 


فرئيس الحكومة، وهوممثل لحزب سياسي في السلطة، وإذ يخوض هذه الإنتخابات في قائمة مستقلة، لم يأل جهداً في بذل كل مساعيه وبإستخدام الدعاية الإنتخابية في أعلى مستوياتها ومن خلال أجهزة الدولة، إدراكاً منه لأهمية ما ستسفر عنه هذه الإنتخابات من نتائج على صعيد إعادة التوازن السياسي، وما سيترتب عليها من تبدل في خارطة القوى السياسية للفترة اللاحقة، وما ستمنحه من فرص جديدة أمام الآخرين في التحكم بالسلطة، إذا ما جرت الأمور وفقاً لما خطط لها من قبل مفوضية الإنتخابات المركزية..!


وعلى نفس الشاكلة تنشط الأحزاب الأخرى وخاصة منها الإسلامية، شيعية أو سنية، ومن تسخر الدين وأماكن العبادة من مساجد وحسينيات، وبعضها ممن له نفوذ في مؤسسات الدولة، للدعاية الإنتخابية وللتأثير في مشاعر المواطن الإعتقادية، من خلال إستغلال الدين، لشراء صوته، فتراها تتنابز بالألقاب وتكيل الإتهامات بعضها للبعض الآخر وتتعكز على مساويء ومفاسد الأجهزة الحكومية، وأغلبها يشكل جزء من هذه السلطة، وكأنها لم تكن مشاركة في كل هذه المصائب، وهي تتبارى الآن ومن خلال جولات وخطب قادتها بين المحافظات لتبريء ذمتها من كل ما حصل للواطن من معاناة وحرمان وخسران ، بسبب تمسك تلك الأحزاب بالمحاصصة وبالطائفية السياسية والمذهبية والإثنية، فإذا بها اليوم تروج الى عكس ما تمارسه يوميا، وبين ليلة وضحاها، تراها تدعو الى نبذ الطائفية والمحاصصة والفساد، وتمسكها بالعدالة، وتنتقد بشدة مغلظة مساويء السلطات الحكومية، ناهيك عن ما يشاع عنها من خروقات وتجاوزات لنظام الإنتخابات، وإستخدامها لوسائل الترغيب والتهديد والشعوذة والخداع لكسب أصوات المواطين، بما تقدمه من الرشاوى والهبات، وحسب ما تكرره وسائل الإعلام، وما تسوقه من الوعود والمحفزات..!


 فإنه ومن الأولى أن تتجه الجماهير المتذمرة والمتشكية من مسيرة ذلك المسلسل، بإتجاه تصويب مسيرتها في إنتخاب ممثليها، وأن تستفيد من تجربة السنوات الخمس الماضية، وأن لا تقع في الخطأ نفسه، (فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)، وأن تتجه الى تلك الجهات التي لم تتلوث أياديها في مسلسل الفساد الإداري والحكومي، التي شاركت فيه معظم هذه الأحزاب، وأن تبتعد عن كل من كان سبباً في ما آلت اليه الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية، نتيجة للطائفية السياسية والمحاصصة المذهبية والإثنية، وان تولي ثقتها بمن خبرتهم من أبنائها من أولئك الذين يدعون الى بناء عراق ديمقراطي موحد، بعيد عن كل آفات الطائفية والمحاصصة المقيته، ومن ذوي التأريخ الطويل في النزاهة ونظافة اليد والتضحية من أجل الوطن والوطن وحده..!


ايها العراقيون، ولّوا وجوهَكم شطرَ الإنتخابات، وضعوا ثقتكم بالمرشحين من القوائم التي تؤمن بقيام الدولة المدنية الديمقراطية، مثل مدنيون والقوائم الديمقراطية والشيوعيون، فهي الفرصة للعودة بالعراق الى الطريق الديمقراطي من خلال الممارسة الديمقرطية بالإنتخابات؛ بالتصويت الى ممثليكم من ديمقراطيين ومواطنين لا يستخدمون الدين وسيلة للمتاجرة بمعتقدات الناس من أجل مكاسب سياسية، ومن علمانيين وشيوعيين ومن شخصيات (مدنيون) الوطنية الديمقراطية ومستقلين من الشخصيات الوطنية المعهود عنها الصدق والوطنية والنزاهة والعدالة نساء ورجالا. أعيدوا للعراق وجهه المشرق، بعد عقود من السنين العجاف، وإنهضوا به موحداً معززاً بأبنائه وبناته الخيرين، لتستكملوا الطريق الى حرية العراق وتحريره من الإحتلال وبناء مستقبله الزاهر..
     

259
اللعب على حبال غزة..!؟

باقر الفضلي


في مقالي السابق والموسوم (غزة والطريق الى الحل)(*)، كنت قد حددت ثلاث محاور أساسية للتحرك من خلالها من أجل التوصل الى صيغة مناسبة للخروج من المأزق السياسي والدرامي الذي وضعت فيه القضية الفلسطينية، سواء من قبل أعداء القضية أو من قبل أبنائها أنفسهم، من السياسيين الفلسطينيين..!

وقد كانت الأرضية التي أنطلقت منها في تحديد سبل الحل المطلوب ومحاوره، تتحدد في الحالة التراجيدية المأساوية التي يعيشها شعب غزة الصابر، مؤكداً بالأساس عل أهمية التفكير؛ بأن شعب غزة هو اليوم من يحتاج الى الحماية، وما يؤكد ذلك ما وصل اليه سوء الحال الآن بعد أن بلغ عدد الضحايا من الشهداء أرقاماً كارثية لا يمكن لأي إنسان مهما بلغ من برودة الدم أن يتحملها، حتى لو سارت في عروقه دماء (بليتسي ليفني) وزيرة خارجية إدارة الحرب الإسرائيلية..!


لقد كتبت منتقداً ولا زلت، تلك الكتابات التي حاولت ولم تزل تحاول، الشماتة وتوجيه الأنظار فقط الى حركة حماس بإعتبارها تتحمل مسؤولية ما يقع في غزة من مجزرة ضد الإنسانية، صارفة تلك الأنظار عن حقيقة تحمل إسرائيل مسؤوليتها الكاملة عن هذه المجزرة وبسبق إصرار وتعمد، ومع ذلك فإن حماس لا يمكن أن تكون في منجى من أخطائها التكتيكية والسياسية، ونظرتها العدمية للإنسانية، ولا يمكن أن تفسر تلك الأخطاء وتلك العدمية لصالحها، رغم تأطيرها بالشعارات التعبوية والحماسية، أو منحها مسحة دينية قدسية..!؟


فما يتعرض له شعب غزة اليوم من مجازر دموية بيد الآلة العسكرية الإسرائيلية المجنونة، لم يكن مجرد "أذى جسدي" على حد قول السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إنه الشعب من يقدم كل هذه التضحيات، وليس عبثاً أن قدمت العديد من الشعوب التضحيات من أجل التحرير من العبودية والإحتلال، ولكن كان لمثل هذه الشعوب دورها في تحديد الوقت والعدة والإستعداد عند خوضها غمار تلك المجابهة ضد أعدائها، كما ولها حساباتها الدقيقة في تحديد اللحظة المناسبة لكل ذلك، وفي مقدمتها وحدة الصف الوطني..!


لا أظن ان قادة حماس لا يدركون طبيعة الظروف التي يمر بها شعب غزة اليوم، وفي مقدمتها حالة الحصار التي تفرضها العسكرية الإسرائيلية، كما لا أظنهم لا يدركون بأن من فرض هذه الحرب البربرية على شعب غزة هي نفسها سلطة المحتل، وهي سلفاً من حددت متى وأين وكيف ستنفذها، وهم يدركون بأن الهدف الحقيقي وراء الموقف الإسرائيلي من هذه الإبادة البشرية لا ينحصر في إنهاء دور حماس كما يروج له حسب، بل يتعداه ليشمل القضية الفلسطينية نفسها، ولينتهي الى منع قيام الدولة الفلسطينية الديمقراطية الموحدة، وإن كان هناك من حل لدى إسرائيل لهذه القضية، فهو لا يعدو عن كونه تفتيت لوحدة الشعب الفلسطيني، وفصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وشرذمة الشعب الفلسطيني هناك في كانتونات متفرقة تحت الإدارة الإسرائيلية، وغيرها من السيناريوهات التي تتحدث عن ضم قطاع غزة الى الإدارة المصرية، وتصفية القضية الفلسطينية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، فهل ستكون الأولوية في تفكير السياسيين الى ذلك..؟؟!


ما يؤلم في الأمر، ومع تصاعد وتيرة أعداد الضحايا من الشهداء الفلسطينيين وتضخم أعداد المصابين، فأن ما يعتبر إلتزاماً على أي فصيل سياسي فلسطيني، وفي ظل ظروف العدوان التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة، هو ما يقدمه هذا الفصيل من أجل هذا الشعب، وهو في أقل الدرجات، موقف التوحد ولم الشمل، والتعاون المشترك بين جميع أبناء الوطن الواحد والوصول الى وحدة القرار الفلسطيني، ولكن ما  يراه المرء وعلى العكس من ذلك، وكأن الأخوة في قيادة حركة حماس، قد عزموا أمرهم، وإستُدرجوا الى موقف العزلة من خلال التمسك، بما رسمته بعض الأوساط العربية والإقليمية، من حالة التفرق والشرذمة لوحدة الصف الوطني العربي والفلسطيني، والإنقياد وراء أجندات أجنبية لم تُظهر ذلك الحرص المطلوب، ولم تقدم أقل ما يمكن أن تقدمه من موقف المؤازرة والمعاضدة الحقيقيين الى الشعب الفلسطيني في محنته الراهنة..!؟  وإلا ما معنى تجميد العلاقات القطرية الإسرائيلية والموريتانية الإسرائيلية القائمة "مؤقتاً"، مع علم الجميع بأن قطر هي من بح صوته لعقد مؤتمر للقمة في الدوحة يوم 16/1/09 ، أم أنه حقاً وكما يقال؛ " تمخض الجمل فولد فأرا"..!!؟ 


فأي مقاومة تتحدث عنها قيادة حركة حماس لا تأخذ بعين الإعتبار كل ذلك، إنما يضع مجمل الحركة الوطنية الفلسطينية في موقع لا تحسد عليه من الضعف والإنعزال. أما التشبث بعامل الفرقة الحاصل في الوسط العربي، من قبل حركة حماس، ومحاولة المراهنة عليه في خططها المستقبلية، وبالذات في نطاق محور قطاع غزة، فهو الآخر يفقدها قرارها الفلسطيني المستقل، ويضعه نهباً بين المصالح المتباينة للآخرين، خاصة وإن حماس قد لمست موضوعياً ما تعنيه حالة الإنشقاق وسياسة المحاور في الوسط العربي ومقدار ما يمكن أن يقدمه ذلك من أجل القضية الفلسطينية، وليس بعيداً ما إنتهى اليه مؤتمر قمة الدوحة الطاريء الذي لم يقدم جديداً في هذا الإطار..!


لقد حضرت القيادة الإيرانية ممثلة برئيس الجمهورية أحمدي نجاد الى مؤتمر قمة الدوحة فما تراها قدمت تلك القيادة أكثر مما قدمه البلاغ الختامي لذلك الإجتماع، وكم فاد قادة حركة حماس حضورهم منفردين الى الإجتماع في غياب السلطة الشرعية الوطنية..؟ وهل كان الأمر ضرورياً لدرجة سحب إجندات الصراع العربي الإيراني الى قمة عربية كان هدفها المعلن نصرة الشعب الفلسطيني، إن لم يكن في ذلك تعبير عن تعميق شقة الخلاف الفلسطيني على خلفية تلك الصراعات..؟


يحدونا الأمل أن يتمكن مؤتمر القمة العربية المنعقد في الكويت، تدارك ما آلت اليه حالة التمزق في الصف العربي التي هيمنت على المناخ العربي منذ وقت ليس بالقصير، وأن بتخذ من القرارات الواقعية ما تساعد على رأب الصدع في البيت العربي والفلسطيني، لتداخلهما من حيث الأسباب والنتائج، مع الأمل أن تدرك الفصائل الفلسطينية جمعاء حقيقة الأمر، وأن تتفهم ما تسفر عنه من نتائج مأساوية، سياسة اللعب على حبال غزة التي تنتهجها بعض الأوساط القريبة والبعيدة ذات الأجندات الخاصة، وتداعياتها الكارثية على مصالح الشعب الفلسطيني ووحدته الوطنية، فإسرائيل وحدها المستفيد من كل ذلك، وما حدث ويحدث في غزة إلا البرهان على ذلك، والدرس الذي ينبغي أن يستوعبه الجميع، عندما تفتقد الوحدة الوطنية..!       
_____________________________________________________
(*)    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/7gaza.htm











       

 


     





 


260
القرار 1860 والموقف الإسرائيلي..!


باقر الفضلي

"إسرائيل عملت وتعمل فقط بموجب
 اعتباراتها الأمنية وحقها في الدفاع عن النفس".
                                  تسيفي ليفني




بهذه العبارة المقتضبة عبرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني عن ردة فعلها على قرار مجلس الأمن المرقم 1860 الصادر فجر يوم الجمعة 9/1/2009 والقاضي بالوقف الفوري لإطلاق النار في غزة..! (*)


ليس مهماً بالنسبة للسيدة ليفني بعد ذلك، ماذا كانت عليه خلفية قرار مجلس الأمن المذكور والأسباب التي دفعت الى إتخاذه بعد معركة حامية على الصعيد السياسي بين وفد الجامعة العربية بما فيهم الممثل الفلسطيني، وبين الجانب الداعم لإسرائيل المتمثل بالموقف الأمريكي، الذي كان الوحيد الذي إمتنع عن التوقيع على القرار بعد الجهود الكبيرة التي بذلها الجانب العربي لتمرير القرار..!؟


لست هنا في معرض مناقشة تفاصيل قرار مجلس الأمن وما سُجل عليه من مآخذ وما يمكن أن يترتب عليه أو ترتب من ردود فعل متباينة من قبل الأطراف المتنازعة، ولكنني أود القول بأن القرار المذكور في محصلته النهائية، ورغم كل نقاط الضعف الممكن تسجيلها عليه، إنما مثل على صعيد الدبلوماسية العربية بما فيها الشرعية الفلسطينية، ما يمكن أن يكون تعبيراً عن موقف موحد لهذه الدبلوماسية من مسألة الموقف من وقف العدوان على غزة، وهو في تقديري أضعف الإيمان، أو على أقل تقدير لا ينبغي التقليل من أهميته في ظل الإنقسام العربي عموماً والإنقسام الفلسطيني بشكل خاص، على الرغم من محاولة السيدة ليفني أن تُجير القرار المذكور كنجاح لمصلحة السياسة الإسرائيلية العسكرية في غزة كما توحيه عبارتها المقتضبة أعلاه..!؟


حاولت السيدة ليفني من خلال إجمالها لموقفها من قرار مجلس الأمن رقم/1860 /2009  الإيحاء للمجتمع الدولي بأن العالم يقف الى جانبها في ما قامت به من مجزرة دموية بربرية عاتية بحق شعب غزة الفلسطيني، جاوز ضحايها الأربعة آلاف بين شهيد وجريح، ناهيك ما لحق بالقطاع من خراب وتدمير، لترسل للعالم رسالة توحي من خلالها بأن قرار مجلس الأمن لا يعني سوى وقف الإرهاب المسلط على إسرائيل، وبالتالي فإن كل ما أقدمت عليه إسرائيل إنما يدخل تحت ما أسمته السيدة ليفني "إعتباراتها الأمنية وحقها في الدفاع عن النفس" محاولة تفسير ذلك، بأن القرار المذكور قد منحها سلفاً حق إبادة الشعب الفلسطيني وتدمير بناه التحتيه وإخضاعه قسراً للقبول بواقع الحصار والإحتلال..!؟؟


ومن هذا المنطلق يمكن تفسير موقف إسرائيل السلبي من القرار، وإستقباله بالرفض والغضب، كما عبر عن ذلك وزير الصناعة والتجارة والأشغال الإسرائيلي إيلي يشاي، حين قال: إن "العالم أصبح إلى جانب حماس وإسماعيل هنية". وأضاف أن هذا القرار سيبقى على الورق فقط، وأن المصلحة الإسرائيلية هي الأهم." (**)


وهذا ما يفسر لنا أسباب تمادي إسرائيل في حملتها العسكرية الهمجية ضد شعب غزة، ومواصلتها القتل والتدمير دون توقف، متحدية بذلك إرادة المجتمع الدولي، برفضه للعدوان، وإحتجاجه وإستنكاره للجرائم التي تقترفها الآلة العسكرية الإسرائيلة بحق المدنيين، والتي آخرها قصف الملاجيء التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) في غزة وسقوط عشرات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، والتي قوبلت بإستنكار ورفض السكرتير العام للأمم المتحدة السيد (بان كي مون) لهذا العدوان..!؟


كما تحاول الدعاية والإعلام الإسرائيلي من جانب آخر، صرف الأنظار عن حقيقة العدوان الذي تشنه على شعب غزة، وتحاول إلقاء أسبابه وتبعاته على الشعب الفلسطيني، مستخدمة لذلك، ردود الفعل الرافضة التي إظهرتها حركة حماس ومن يؤيدها من بعض الفصائل الأخرى على القرار المذكور، وتصريحات قادتها بأن "الأمر لا يعنيهم"، لتجعل منها مبرراً جديداً لمواصلتها العدوان، ولتحاول إقناع المجتمع الدولي بإحقيتها فيما إقدمت عليه من شن العدوان والإستمرار فيه والتعتيم والتستر على بواعثه والخطط العسكرية المهيأة مسبقاً لتنفيذه..!؟


 الأمل أن يدرك السياسيون من قادة حماس ومن قادة الفصائل الفلسطينية الأخرى هذه الحقيقة، وأن يجنبوا الشعب الفلسطيني، المذبحة التي تنفذها إسرائيل بحقه في غزة، وأن يدركوا بأن إسرائيل ليس بإمكانها أن تنجح في تمرير خططها، إذا ما كانت الكلمة الفلسطينية موحدة..!

 فقرار مجلس الأمن بفقراته العشر والذي أكدت الفقرة الأولى منه على:

1 - يدعو إلى وقف فوري ودائم لإطلاق الناريحظى بالاحترام الكامل ويفضي
إلى الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من غزة، ويشدد على الحاجة الملحة لهذا الوقف لإطلاق النار؛


إن هذا القرار، ورغم عدم تحقيقه كل ما يصبو اليه الشعب الفلسطيني في الظروف الراهنة، فإنه وعلى أقل تقدير، يجعل الطريق مفتوحاً أمام نضال هذا الشعب في توحيد صفوفه، ووقف نزيف الدم الدائم، ويقطع الطريق أمام إسرائيل لتحقيق مآربها، ويسحب البساط من تحت أقدامها، إذا ما تحقق موقف موضوعي واقعي من قبل حماس ومؤيديها من قرار مجلس الأمن، مقرون بقراءة صحيحة لواقع الحال، تنتهي بوحدة الصف الفلسطيني، وتسهم في وقف المجزرة الدموية الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني؛ فهل ستدرك الفصائل الفلسطينية على مختلف مشاربها ذلك..؟؟!    


وعلينا أن نؤكد القول ، بأن الرفض الصادر للقرار من قبل إسرائيل، هو ليس بنفس مستوى الرفض الذي تعلنه حماس من القرار بالنسبة للشرعية الدولية وميثاقها الأممي، فالرفض الإسرائيلي هو بمثابة عدم إلتزام لرفض قرار أممي من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة، ولكون القرار صادراً وفقاً للفصل السادس من الميثاق، فهو غير ملزم بالنسبة لها بالتنفيذ، طالما تجد فيه ما لا يحقق مصالحها، أما رفض حركة حماس للقرار المذكور، فهو في هذه الحالة لا يخدم إلا مصلحة إسرائيل في التشبث بالرفض، معللة ذلك بإستمرار ما تسميه "إرهاب حماس" ، مستفيدة من كون حركة حماس لا تشكل شرعية فلسطينية في الوقت الحاضر، أو أن لها كيان دولة معترف بها دولياً، في نفس الوقت الذي تدرك فيه إسرائيل حقيقة الوضع الإستثنائي في قطاع غزة، وإنفراد حركة حماس بالسيطرة عليها خارجاً عن الشرعية الفلسطينية من جهة، وعدم إقرار الحالة القائمة في غزة من قبل الشرعية الدولية من جهة أخرى..!؟ هذا في الوقت الذي تعتبر فيه السلطة الفلسطينية القائمة في رام الله حالياً الممثل الرسمي للشرعية الفلسطينية المعترف بها دولياً، وهي الجهة الممثلة حالياً من خلال السفير الفلسطيني في الأمم المتحدة..!


خلاصة الأمر فإن مصلحة الشعب الفلسطيني في ظل المجزرة الإسرائيلية القائمة في غزة الآن، تكمن في توحيد صفوفه وراء سلطته الشرعية الموحدة، والممثلة له شرعياً على الصعيد الدولي، وبالتالي فهي السلطة الوحيدة التي يمكن أن تأخذ على عاتقها التمسك بتنفيذ قرار مجلس الأمن، وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ومن خلال هذه الشرعية نفسها، وهذا ما ينبغي أن تدركه كافة الفصائل الفلسطينية، وأن تعمل من أجله لتحقيق وحدة الصف الوطني وبناء حكومة الوحدة الوطنية، لقطع الطريق أمام كافة محاولات شق تلك الوحدة..! 


المهم الآن تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي وإن جاء متأخراً، ووقف العدوان، كما عبر عن ذلك السيد د. سلام فياض رئيس الوزراء الفلسطيني، لتجنيب شعب غزة الكارثة الإنسانية الماحقة التي تنفذها إسرائيل..!(***) 
__________________________________________________________
(*)    http://www.un.org/arabic/sc/SCRes09.htm

(**)   http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=137356 
(***)   http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=137436
   

261
غزة والطريق الى الحل..!

باقر الفضلي


هل من طريق لوقف الحرب على غزة الصامدة..؟ وهل تمتلك إسرائيل شرعية مبرراتها لشن هذه الحرب البربرية..؟ وهل فعلا يقف المجتمع الدولي عاجزاً عن فرض إرادته من خلال شرعيته الدولية لوقف الأعمال القتالية بحق شعب غزة الأعزل؛ المحاصر من جميع الجهات..؟ وهل يمتلك الجاني كل هذه الحرية في القصاص من أبناء غزة الميامين..؟!


أحد عشر يوماً مضت، ومسلسل القتل والتدمير في غزة، تدور عجلته دون توقف، وحجم الكارثة البشرية يتعاظم بإضطراد، والهيئة الشرعية الدولية لم تزل عاجزة من التوصل الى حل يوقف الكارثة ولو في جانبها  الإنساني، فأعداد الشهداء والمصابين آخذ بالإزدياد، ومعالم الكارثة الإنسانية غطت على كل شيء، والموت والدمار وحده من يغطي أفق غزة الصابرة..!؟(*)


أسئلة حيرى وفي أجوبتها يكمن الطريق الى الحل، وكل الأطراف في حالة النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، يمسك جزءً من هذا الحل، حتى غدت الصورة أكثر ضبابية حد العتمة المطبقة، فأجزاء الحل تتقاطع بشكل يصبح معه من العسير على الفطن النبيه والسياسي الحكيم، أن يعثر على بصيص نور في نفق هذا النزاع الذي إستعصت سبل حله وطال مداه، وتمترس الكل وراء مبتغاه..!


إن الشعب الفلسطيني في غزة هو اليوم، من يحتاج الى الحماية، فالحرب ومهما كانت دوافعها وأسبابها فهي النقيض في نتائجها لحقوق الإنسان، وما يكابده شعب غزة الآن من جحيم الكارثة الإنسانية، التي ينزلها على رأسه جيش الدولة الإسرائيلية، يضع كامل المسؤولية على عاتق المجتمع الدولي، للتصدي لهذه الحرب المجنونة والتي جاوزت في حدودها ومدياتها حدود ما تدعية إسرائيل من دفاع عن النفس، ولا تربطها رابطة بما تعلنه عن أهداف ما تسميه بمكافحة الإرهاب، إن لم تكن هي الإرهاب بعينه؛ فالمبررات التي إدعتها إسرائيل في شنها الحرب على غزة قد فقدت "مشروعيتها" الإفتراضية، منذ اليوم الأول لبدء تلك الحرب العدوانية، التي كشفت عن حقيقتها منذ لحظتها الأولى؛ بأنها حرب تدميرية إنتقامية، تشكل في جملتها وتفاصيلها، جريمة مدروسة وبسبق إصرار ضد الإنسانية، ويكفي أن يكون الدمار الذي يجتاح غزة منذ أحد عشر يوماً، مع مئات الشهداء وآلاف الجرحى، والحصار التام على المقاطعة، هو الدليل القاطع على هول الجريمة وأبعادها ونتائجها التدميرية..!؟

 
فإسرائيل وهي ترمي بكل ثقلها وجبروتها العسكري وبغطرستها اللامتناهية، وهي تلوح بمنطق الحق والدفاع عن النفس، وحماية شعبها في المستوطنات الحدودية مع غزة، من ويلات "صواريخ القسام الحماسية"، وهي تقسم بأنها لن تتوقف عن عدوانها الغاشم المستمر على غزة حتى تنهي أي وجود لتلك الصواريخ، إنما قد حولت شعب غزة برمته، من حالة الحذر والترقب،  الى حالة الدفاع عن النفس ومقاومة العدوان والإحتلال بكل ما يملكه هذا الشعب، من وسائل الدفاع ؛ فإن كانت تلك الصواريخ التي سماها الرئيس الفلسطيني يوماً ب"العبثية"، من المبررات المعلنة للحرب الإسرائيلية على غزة، وبشكلها الذي خرجت فيه عن حالة الدفاع عن النفس التي تفترضها إسرائيل،  فإن المنطق ورد الفعل الطبيعي على هذا العدوان، قد جعل من هذه "الصواريخ" إن وجدت،   في نظر أصحابها، بمثابة وسائل دفاع أخرى، للرد على العدوان، رغم عدم فاعليتها من وجهة النظر العسكرية، خاصة وأن أفراد حماس ومهما بلغوا من عدة أو عتاد، فإنهم لا يشكلون في العرف القانوني الدولي، دولة أو جيشاً لدولة، حتى تُشن عليه الحرب بهذا الشكل البربري، ولا يمكن بأي حال من الأحوال التفريق بين من هو "الحماسي" أومن هو "الغزي"، فالقنابل الإسرائيلة المنهمرة كالمطر، لا تفرق بين الجميع، ومن هذه النقطة، تفقد هذه الحرب معناها ومشروعيتها، وهي في جوهرها لا تعدو أن تكون إلا شكلاً من أشكال حرب العصابات، ولكن بصيغة حرب تشنها دولة معترف بها دولياً ضد شعب أعزل محاصر يرزح تحت الإحتلال، وبذلك يصبح بدهياً أن تُواجَه تلك الدولة وجيشها المهاجم، بمختلف ردود الفعل المتوقعة وبمختلف الأسلحة بما فيها الحجارة، من قبل شعب  يئن ألماً تحت وطأة الحصار الجائر والقتل والدمار..!


 ومن هذا المنطلق تحاول الحكومة الإسرائيلية لتبرير هجماتها على شعب غزة، بما تدعوه بالحرب على الإرهاب، ولا يدري المرء في أي صنف من "صنوف الأرهاب" يمكنه إدخال آلاف المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ من أبناء غزة من الذين طالتهم الماكنة العسكرية الإسرائيلة بين شهيد ومصاب، أو ما هو مقدار ما تشكله نسبة إفراد حماس بالنسبة لمجموع سكان غزة البالغين مليون ونصف المليون نسمة، ممن يتعرضون بدون إستثناء وفي كل لحظة ومنذ أحد عشرة يوماً، الى كل صنوف القتل من قبل القوات الإسرائيلية..؟؟!   


فالمجزرة التي تقودها إسرائيل اليوم ضد شعب غزة، وهي تدرك جيداً حقيقة الصراع الوطني الفلسطيني، وكون مقاطعة غزة تعيش في ظل ظروف إستثنائية، مفقودة فيها مسؤولية السلطة السياسية المركزية الشرعية المنتخبة والمعترف بها دولياً ولأسباب غير خافية على الجميع، فإن هذه المجزرة التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الغزي وبشكلها الحالي، إنما تدخل ضمن عملية إعادة إحتلال جديدة لقطاع غزة، قد خطط لها مسبقاً كما تظهره طبيعة العمليات العسكرية ميدانياً، وبهذا تكون دولة إسرائيل قد عملت على تكريس حالة الإنقسام المؤقتة لوحدة الدولة الفلسطينية المنوي إنشائها والمكرسة لها حالة "المفاوظات" القائمة بين السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة ودولة إسرائيل من جهة أخرى، والتي أعلنت تلك السلطة وقفها بسبب إستمرار حالة العدوان التي تقودها دولة إسرائيل ضد شعب غزة، وبهذا تكون الحكومة الإسرائيلة، بإنفرادها بإنتهاك حدود قطاع غزة وعزلها عزلاً تاماً عن الضفة الغربية، قد خرقت من طرف واحد الإتفاقية المعقودة مع السلطة الوطنية الفلسطينية والمتفق عليها دولياً، مكرسة بذلك حالة الإحتلال المباشر للقطاع..!


أؤكد أيضاً بأن دولة إسرائيل بإعتبارها عضواً في الأمم المتحدة، فهي ملزمة بالإنصياع الى الطرق الشرعية التي اقرها ميثاق الأمم المتحدة، وطبقاً لهذا الميثاق فإنها تتحمل تبعات ما أقدمت عليه من لجوئها للطرق والوسائل العنفية والإجراءات العسكرية المبالغ فيها، والتي خرجت عن حدود مبدأ الدفاع عن النفس طبقاً للميثاق المذكور، لتتحول الى عدوان غاشم دائم على شعب محاصر أعزل، ووفق مبررات لا تصمد في حقيقتها العملية مع واقع حقيقة ما حشدته إسرائيل من آلة القتال ومن العدة والعتاد..!؟


ومن هنا يأتي دور المجتمع الدولي بضرورة السعي الى وقف العدوان الإسرائيلي الغاشم فوراً ووقف المجزرة وإنسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، وإنهاء الحصار على شعبها البطل، بفتح المعابر التي تؤمن للشعب مستلزمات الحياة الإنسانية والمدنية والحياتية، لا أن تستخدم فقط مجرد منافذ للناس من أجل الهروب من الموت تحت وابل تساقط القنابل الإسرائيلية، بهدف تشريد الشعب الفلسطيني خارج أراضيه، وهذا ما تخطط  له العنصرية الأسرائيلية ومن يدعمها، وما يؤكده قصف المدارس التابعة للأونروا الدولية التي يحتمي بها المئات من المدنيين الفارون من جحيم الحرب وسقوط عشرات القتلى والمصابين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، مع تأمين إدارة تلك المعابر من قبل السلطة الفلسطينية الشرعية المعترف بها وضمن الإتفاقات الدولية، وتأمين الحماية المطلوبة للشعب الفلسطيني دولياً، وضمان إعادة إعمار غزة والتعويض عن الأضرار التي تكبدها شعب غزة جراء العدوان الإسرائيلي..!


إن السلطة الشرعية الفلسطينية ومعها كافة الفصائل الفلسطينية الوطنية بما فيهم منظمة حماس أو الجهاد وغيرها، هي الأخرى وأمام هذه المجزرة البربرية، مطلوب منها، إعلان إحترامها للوثائق الفلسطينية المتفق عليها ضمن الوحدة الفلسطينية، والإلتزام بالوثائق الدولية المقرة من قبل الشرعية الوطنية وطبقاً لميثاقها الوطني المجمع عليه ، مع منح السلطة الوطنية الشرعية من خلال حكومة الوحدة الوطنية التي يجري الإتفاق الوطني عليها  ، فرصة بسط مسؤوليتها على كامل أراضي الدولة الفلسطينية، ودعم قرارها المستقل والمستند لأحكام الدستور بعيداً عن أي تدخل خارجي أو أجندات أجنبية. فالإتفاق الوطني والوحدة الوطنية الفلسطينية والتمسك بالقرار الفلسطيني المستقل بعيداً عن أي مؤثرات وأجندات خارجية، كفيل بالوصول الى خلق مستلزمات النضال الوطني وتقريب هذا النضال من أهدافه في تحقيق الدولة الفلسطينية الديمقراطية الموحدة..!
6/1/2009
 _______________________________________________________
(*)  http://www.alhares.org/site/modules/news/article.php?storyid=4217
   


262

باقر الفضلي

في الوقت الذي تستعر فيه نار المجزرة العدوانية الإسرائيلية المستمرة، التي يرتكبها ثالوث (باراك – ليفني – أولمرت)، بحق أبناء الشعب الفلسطيني في غزة ومنذ ثمانية أيام، وفي الوقت الذي يتصاعد فيه منحنى الشهداء والجرحى، من الأطفال والنساء والشيوخ ليسجل أرقاما فلكية، وفي الوقت الذي تُدَكُ فيه البيوتُ والأبراجُ على رؤوس ساكنيها من العوائل ، وفي الوقت الذي تَحرث فيه مجنزرات الدبابات وقذائف الطائرات، حقول مدينة غزة البطلة وبساتينها.. وفي الوقت الذي تُستباحُ فيه حرمةُ المشافي والمستشفيات ودورُ العبادة وتتحول الى أهداف عسكرية لحمم الطائرات النفاثة والمروحيات.. وفي الوقت الذي يصبح فيه الموت الزعاف الملجأ الوحيد أمام الفارين من الموت الذي يطاردهم في كل زاوية أو ركن من بيت أو حجر أو حفرة من الأرض.. في هذا الوقت الذي حرمت فيه عيون الأطفال من طعم النوم ليلاً أو نهارا، وجفت فيه عيون الأمهات الثكلى ، وعم الرعب والفزع الجميع..(*)


وفي مثل هذه الحال؛ يستغرق البعض من الناظرين الى المشهد التراجيدي الذي يحاكي بمأساويته مجازر هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين/1945 ، في الجدل للتفتيش عن المسبب والمسؤول عن المجزرة الإسرائيلية بحق شعب غزة، وخارج دائرة الفاعل الحقيقي، ليحملوه وزر ما يحدث، وليقتصوا منه قصاص إسرائيل لهذا الشعب العظيم في مدار عجلتها الجهنمية، التي لن تتوقف عن الدوران حتى اللحظة، ولتحصد ما وسعها حصده من أرواح الضحايا من أبناء هذا الشعب..!؟؟(**)


فكأنهم ولا يضيرهم ما يدور من موت وتقتيل وعذاب وخراب وحرق وتدمير في غزة، أو لا تستوقفهم صور عذابات الأطفال ومشاهد موتهم، وبرك الدماء وقتل الأبرياء بالجملة؛ ، أو لا تستنهضهم دمعة طفلة مفزوعة، أو لا يهز مشاعرهم نزف شيخ مقعد، أولا يستصرخهم صوت إستغاثة أمرأة تنوء تحت ثقل الأنقاض.!؟؟


فإذا بهم، يرددون بحسرة وتعاطف بائسين، بكائية (ليفني – باراك – بوش - أولمرت) المهوسسة بالحرب والمزيد من القتل والعدوان، مبررين لإسرائيل فعلتها الهمجية ضد شعبٍ أعزلٍ محاصرٍ في عقر داره، يطالبونه بالهدوء والسكينة، مستكثرين عليه رده ومقاومته العدوان والدفاع عن نفسه، متناسين أنه؛ حتى القطط تدافع بمخالبها عن أبنائها إذا ما تعرضت للعدوان، فكيف بشعب تُسفكُ دماؤه ليل نهار، وتُستباح أرضه وسمائه ومياهه دون وازع من ضمير أو شرع وقانون..!؟ إنه الشعب الفلسطيني من تسفك دماه، وتحرق أرضه، وترتكب بحقه جريمة نكراء ضد الإنسانية..!!؟


شعب غزة ليس فتحاً أو حماساً، أيها السادة؛ إنه قطعة من فلذة الكبد الفلسطيني قبل أن يكون فتحاً أو حماساً او سواهما، وهم جميعاً من مكونات هذا الشعب السياسية ومن أبنائه؛ فإن كنتم لا تطيقون نصرته أو معاضدته أو شجب العدوان الغاشم عليه، حتى ولو بأضعف الإيمان، وأنتم أحرار في كل ذلك، فليس الآن وقت شماتة، ولا وقت حساب، ولا زمن مقاضاة، ولا حتى وقت تحليل ومضاهاة. فإن كان هناك من أخطأ بحق هذا الشعب من أحد أبنائه، فلنقومه بالنصيحة وسداد الرأي، ولندعوه لجمع الكلمة ووحدة الصف، وإن طولبتم بنصرة أخاكم ظالماً أو مظلوماً، كما ترون، فأنصروه بالحكمة والعقل، إن كان مخطئاً كما تظنون، وإن كنتم قد إعترفتم بوجود المجزرة، وخشيتي يوماً أن " تنكروها "، فأدينوا، على أقل تقدير، فاعلها المباشر إسرائيل، وفي هذا أضعف الإيمان..!؟


شجب العدوان الإسرائيلي على شعب غزة الصامد وإدانته ، والمطالبة بوقفه فوراً، والدعوة لوحدة الصف الوطني الفلسطيني والمطالبة بإنهاء الإحتلال لا ذرف دموع "ليفني وبارك وبوش وأولمرت" وأكاذيبهم، يقف في المقدمة، وهو أقل ما يمكن أن يقدمه المرء الذي هزته المجزرة، أيها السادة من الباحثين عن مسببيها ، والراغبين في قول "الحقيقة"..!!!؟


  فالحقيقة يدركها أهلها من الفلسطينيين قبل الآخرين، وإنهم يعيشونها ويتعايشون معها كل لحظة، منذ أن وطأت أرض فلسطين فلول المهاجرين الأوائل، ومنذ أن عاثت فساداً في الأرض عصابات الهاكانا، ومنذ أن أوفى بوعده بلفور؛ والفلسطينيون الصامدون اليوم في غزة، أحوج الى وقف المجزرة، منهم الى البحث عن المسؤول عنها، فقد جاءت المجزرة على النسل والحرث، والزرع والضرع، والحريق في كل مكان، وما عاد في القوس من منزع، وها هي بدايات الإجتياح البري بالدبابات الغازية تخترق حدود غزة الصامدة من الشمال والشرق والغرب وتحت ستار الطيران وقصف مدفعية البوارج البحرية، والشهداء يتساقطون في جميع الإتجاهات، و"أولمرت" يعلن مبتهجاً لتأييد واشنطن لمواصلته العملية العسكرية في البر، فما عسى المرء أن يفعل وما عساكم فاعلون؛ هل نصفق لأومرت لإنتصاره على "حماس الإيرانية"، أم نقف الى جانب شعب غزة الذي تطحنه جنازير الدبابات الإسرائيلية، وتدكه حمم القاذفات الصاروخية، وتعيق أمريكا أي قرار من مجلس الأمن لوقف المجزرة..؟؟!! (***)
______________________________________________________
(*)  http://www.alhares.org/site/modules/news/article.php?storyid=4211
(**)  http://www.alhares.org/site/modules/news/article.php?storyid=4208
(***)    http://www.alhares.org/site/modules/news/article.php?storyid=4213
       

             

263


باقر الفضلي


لا يحتاج المرء الى كثير من النباهة والى مزيد من المعرفة ليدرك  حقيقة ما آلت اليه حالة الإنقسام السياسي على الصعيد الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة وما إنتهت اليه بما نجده الآن من حالة تواجد السلطتين في كل من غزة ورام الله، مع إدراكنا التام بأنها كانت إحدى إفرازات اللعبة الفلسطينية الديمقراطية، ولا غبار على ذلك ومجيء منظمة حماس المعروفة بتوجهاتها الإسلامية السياسية الى السلطة، وتفردها فيما بعد بمدينة غزة بعد أحداث عام/2007  وإنفراط عقد الحكومة الوطنية..!


كما لا يمكننا عزل تلك الأحداث عن حواظنها الداخلية والإقليمية، والمؤثرات الخارجية التي لعبت دورها في تحديد توجهات الفصائل الفلسطينية السياسية، وإستقطاب تلك التوجهات طبقاً لتلك المؤثرات، حد الإصطدام المسلح بين منظمتي فتح وحماس.


ومما لا شك فيه أيضاً، بإن لكل من هذه الفصائل ما هو مشترك بين الجميع من أهداف وغايات ومصالح ترتبط جميعها في نقطة واحدة هي، إنهاء الإحتلال الإسرائيلي وعودة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية الموحدة، بمثل ما يفرقها وفي إطار تلك المشتركات، من أمور ترتبط بالنظرة الأستراتيجية للوسائل والطرق والسياسة التاكتيكية في الوصول الى تحقيق تلك الأهداف، حيث في هذه التفاصيل تختفي كل إشكالية وحدة القرار الفلسطيني، وبها أيضاً تكمن كل إتجاهات التدخل الإقليمي وتأثيره في ذلك القرار.


وفي ظل هذا الوضع وإدراكاً منها لجزئياته ومفارقاته، تمكنت دولة الإحتلال إسرائيل، وبما تمتلكه من وسائل التفريق والتشويش وخلط الأوراق، أن تربك الساحة الفلسطينية والعربية والدولية، وتدفع بإتجاه تركيز الفرقة في الصف الوطني الفلسطيني، من خلال إعتماد سياسة مزدوجة، من الدعوة للحل السلمي للقضية الفلسطينية والدخول في مفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، وتأييد ما يسمى بمبادرة الرئيس الأمريكي بوش بإقامة الدولة الفلسطينية، من جهة، وإعتماد سياسة القمع والحصار المتواصل على قطاع غزة، وتعميق شقة الخلاف بين الفصائل الفلشطينية، ورغم ما أعلنته من تهدئة وهدنة مع منظمة حماس في غزة طيلة الأشهر الستة الماضية، فهي لم تقدم على أي مبادرة يفهم منها إستعدادها فعلاً الى قيام سلام وتهدئة حقيقية في المنطقة، بل وعلى العكس من ذلك، فإنها ومنذ ستة أيام تشن أشرس وأبشع عدوان همجي وبمختلف الأسلحة على مدينة غزة الصامدة، تحت ذرائع وحجج مرفوضة. (*)


ما يدور من عدوان شرس متواصل على شعب غزة، وفي ظل سماء مفتوحة للطيران الحربي وأرض مستباحة،  تسقط مئات الضحايا الأبرياء وآلاف الجرحى من المدنيين العزل، وتهدم مئات البيوت. وفي ظل الإنقسام الفلسطيني الوطني، يحاول اليمين الإسرائيلي الحاكم حشد المجتمع الدولي وبدعم أمريكي، وراء دعواته المظللة حول ما يسمى "بصواريخ" القسام محلية الصنع، لتبرير عدوانها الهمجي ضد الشعب الفلسطيني في غزة، مستغلة ضعف الموقف العربي المنقسم على نفسه وحالة الإنقسام بين الفصائل الفلسطينية، التي لا زالت تفرقها تأثيرات التدخلات الإقليمية في القرار الفلسطيني.(**)


وبعد أن إستفحل العدوان الفاشي الإسرائيلي وليومه السادس على شعب غزة، ومع ما تبيته طغمة باراك ليفني أولمرت، من مزيد من الإبادة البشرية للمدنيين الفلسطينيين؛ من أطفال ونساء وشيوخ، لم يعد أمام الفلسطينيين غير سلاح الوحدة الوطنية للقوى السياسية الفلسطينية، من سبيل لدرء العدوان، فهو السلاح الوحيد الذي يقف بصلابة أمام العدوان الإسرائيلي الغاشم، ويقطع الطريق أمام اليمين الإسرائيلي الحاكم في اللعب على أوراق المصلحة الفلسطينية المشروعة..!

________________________________________________________
(*)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=126947
       (**)     جاوز عدد الضحايا من الشهداء (400) شهيداً وعدد الجرحى تجاوز (2000) جريح بينهم نسبة كبيرة من الأطفال والنساء




       

264
المنبر السياسي / غزة تقطر دماً..!
« في: 20:18 29/12/2008  »
باقر الفضلي   


وهل الإدانة وحدها تكفي..؟
وهل الموت الجماعي طريقاً للسلام..؟

المتغطرسون الإسرائيليون أثبتوا وللمرة الألف بعد الألف،
 بأنهم طغاة متجبرون، أجلاف لا يجيدون غير لغة الإنتقام والقتل،
يسعدهم نزف دماء الإبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وتفرحهم أفئدة الصبايا والأطفال وهي تتراقص مذبوحة في سماء غزة المنكوبة..
غزة المنتهكة منذ يومين، تحت سنابك الدبابات الإسرائيلة، ورجم قاذفات القنابل الصاروخية..

غزة اليوم، تتعرض لأبشع مجرزة دموية في التأريخ،
 أمام بصر وسمع العالم، وبمباركة العالم الحر، الذي يفتخر بدمقراطيته الكذوبة، ودعواته المزيفة للسلام..

ايها الأسرائيليون من الحكام المتغطرسين .. من أيهود باراك الجنرال المهووس بالزعامة، وإيفني المتعطشة لإعادة أمجاد  جولدا مائير، وأيهود أولمرت الوزير الفاشل؛

 أرفعوا أيديكم عن غزة الأبية، فبفعلكم الشنيع والدموي البربري هذا، إنما تشيدون مجداً كاذباً لإسرائيل على أشلاءٍ من جماجم الأطفال والنساء والشيوخ من أبناء الشعب الفلسطيني، وتكتبون لأجيالكم المقبلة تأريخاً من الفضائح الهمجية والجرائم البشعة السوداء ضد الإنسانية..

أما أنت ياغزة الأبية؛ فلك الطهرُ كله، ولك العزةُ والإباء، وأنت تقاومين بصدور أبنائك العزل أكبر حملة همجية بربرية في تأريخ البشرية، من القتل والتدمير والتجويع والخراب..
     
*****

غزة تقطر دماً..!







      أَغَزْةُ هل راودتك الظنونْ
       أم الموتُ في غَدْرهِ يستبينْ       

تُحاصرُكِ الجِنُ مِنْ داخلٍ
ومِنْ خارجٍ  يَسْتَبِحْكِ المَنونْ

تُسالُ دِماؤُكِ في غَمْرَةٍ
تَشَظّى بها الأخْوَةُ الأقربونْ

ليُغشي الظلامُ ربوعَ الديارِ
ويُفزِعها كائِنُُ مَنْ يكونْ


***

أَغَزَةُ في وحدةٍ تُسْلَبينْ
جهاراً نهاراً وصَمْتٍ مَهينْ

يَشِقُ عَفافَكِ جَمْعُ الورى
من الدَنسِ الأخبثِ الغاصبين

ويَرميكِ في خِسةٍ عاهِرُُ
توضأ بالكذبِ طولَ السنين

*****

حنانكِ يا غَزُ ما تَذرفينْ
من الدمعِ حُزناً وما تَسفكينْ

دماءَ الضحايا وعصفَ المنايا
ولثمَ الأحبةِ فوقَ الجَبينْ

تُشَدُ اليكِ نياطُ القلوبِ
شَغافاً تلقى مَسيلَ العيونْ

حنانكِ ياغَزُ ما تَضمرينْ
ليومِ غدٍ وما تُوعَدين
.......
.......
28/12/2008

265

باقر الفضلي

"الحرب إستمرار للسياسة بطريقة أخرى" 
                 توماس هوبز


أشرت في مقالتي الموسومة (الإتفاقية الأمنية والمأزق المزدوج..)(*)  الى طبيعة المأزق المزدوج الذي وجد فيه الجانبان الحكوميان؛ الأمريكي والعراقي نفسيهما بعد عام من المفاوظات ومن الأخذ والرد حول شكل ومضمون الإتفاقية الأمنية التي يزمعان، التوقيع عليها، وكأنهما أمام طريق مسدود لا يفضي بهما الى الخروج من حالة الركود والتأزم التي تنتاب موقفيهما، في وقت بات فيه الزمن يأخذ بخناق الجانبين وتتعالى فيه أصوات الرافضين والقابلين لتغطي على مشهد الصراع..!؟


لا نذهب بعيداً إذا ما أشرنا الى بعض الحقائق ، التي وحسب تقديرنا، تقف وراء حالة الركود والإرباك، التي تكتنف موقف الجانبين وتضع العصي في عجلة توصلهما الى إتفاق يرتضيانه ، ويحقق مصالحهما دون أن ينتقص من حقوقهما المشروعة في ضمان ما تقرره دساتير البلدين والقوانين السارية والأعراف والوثائق الدولية وفي مقدمتها إتفاقية فينا المتعلقة بالمعاهدات الدولية/1969، وكل ما يتعلق بعدم المس بالإستقلال والسيادة:


الموقف الأمريكي

يمكن تسجيل ما يلي:

•   هيمنة حالة الإستعجال الغالبة على الموقف الأمريكي في ظل الإدارة الحالية، للتوصل الى التوقيع على الإتفاقية، تحت ضغط  عامل التسارع الزمني، ولم تعد أسباب ذلك مجهولة، وتقف في مقدمتها قرب إنتهاء شرعية التفويض الأممي لوجود القوات متعددة الجنسية في العراق في 31/12/2008،  ولا بد من نتيجة ما،  تعزز مقولة الإدارة الأمريكية للجمهوريين ب"النصر" قبل فوات الأوان، من جهة، وضرورة التوصل الى الأهداف المرسومة من وراء عملية الغزو والإحتلال الأمريكي للعراق، فالحرب هي إستمرار للسياسة بطريقة أخرى كما عبر عنها "توماس هوبز" (1588-1679)..!



•   حالة الألحاح المتواصل الذي تبديه الإدارة الأمريكية والمشوب بالتحذير والتهديد المبطن للجانب العراقي في ضرورة التوقيع على الإتفاقية مع التنويه بعدم إمكانية إجراء تغييرات أو تعديلات في نصوص المسودة المقدمة لضيق الوقت، مما يضع الموقف الأمريكي وكأنه يمارس حالة من الإكراه والضغط الموجه على الجانب العراقي لإجباره على التوقيع من خلال إستغلال مواطن الضعف في موقفه؛ ويتحمل مسؤولية ذلك الضعف، الجانب العراقي لتستره المتواصل على حيثيات المفاوظات وعلى بنود الإتفاقية، مما وضع الوفد العراقي المفاوض في عزلة تامة عن محيطه الشعبي ، مع الإشارة الى تملك الإدارة الأمريكية الكثير من الأوراق الضاغطة لتنفيذ أجندتها في توقيع الإتفاقية.



•   الإيحاء والإقحام والتركيز المستمر من قبل الجانب الأمريكي على ربط مسألة خروج العراق من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة والمفروضة بموجب قرار مجلس الأمن رقم/ 661 لعام 1990، بالتوقيع على الإتفاقية، وبأن العراق لا يمكنه الخروج من أحكام هذا الفصل بدون تلك الإتفاقية. وفي هذا لعمري، مغالطة ديماغوغية من قبل تلك الإدارة وقد جرى إنطلائها على البعض. وهنا يتحمل الجانب العراقي مسؤولية عدم الفصل بين المسألتين. (لاحظ مقالتنا حول الموضوع والمنشورة بتاريخ 9  /1 / 2008 )(**) الرابط أدناه


 
•   أستلاب دور الأمم المتحدة وإختزاله بالإدارة الأمريكية، والإيحاء للمواطن العراقي بأن لا خيار للعراق من الحفاظ على وحدته وإستقلاله وأمنه إلا بالقبول بالإتفاقية. ويقف في مقدمة العوامل التي تسند الموقف الأمريكي، حالة عدم جاهزية القوات المسلحة العراقية وعدم قدرتها منفردة بالقيام بمهام حفظ الأمن الداخلي وحماية البلاد من مخاطر التدخل الخارجي زائداً هشاشة الوصع الأمني، الذي تتحمل فيه قوات متعددة الجنسيات القسط الأكبر من المسؤولية، بحكم توظيفها الأممي؛ وهكذا يجري الإيحاء بضرورة القبول بالإتفاقية الحالية على علاتها.

الجانب العراقي

يمكن تسجيل مايلي :

•   عدم شفافية موقف المفاوض العراقي وإنغلاقه في أجواء السرية والكتمان، طيلة فترة المفاوظات منذ آذار/2008 ، مما وسع الشقة بين الحكومة والشعب العراقي وفسح في المجال، ومن خلال المواقف والتصريحات المتناقظة للقيادات السياسية الحاكمة، أمام كل مبررات حالة التشكك والإرتياب بما يدور خلف الأبواب الموصدة.


•   تغييب دور مجلس النواب العراقي وعدم إشراكه أو إحاطته علماً بإجواء المفاوظات وتفاصيل ما يدور على طاولة التفاوض، وموقف المفاوض العراقي وماهية مسودات المشاريع المطروحة من قبل الجانب الأمريكي حول الإتفاقية ، وإنفراد الحكومة العراقية بشخص رئيسها في تقرير كل شيء، بما فيه تمديد أجل بقاء قوات متعددة الجنسية والتوقيع على " إعلان النوايا" ، وذلك في قضية مصيرية وغاية في الأهمية تتعلق بمستقبل العراق وسيادته ومصير ثرواته الوطنية. وهذا ما ساعد على الإخفاق في خلق إجماع وطني لتأييد موقف المفاوض العراقي الغير معروف من عقد الإتفاقية.

 
•   التعامل الإزدواجي والموقف المهادن والمتراخي والغامض للحكومة من حالة تدخل دول الجوار الفظ في الشأن العراقي، سواء على الصعيد الإعلامي أو الصعيد الأمني، مما أعطى لتأثير هذا التدخل ثقلاً محسوساً على الصعيد الداخلي والأقليمي والدولي ويجري إستغلاله كأهم الأوراق الضاغطة على موقف الحكومة العراقية من قبل جهات مختلفة وفي مقدمتها الجانب الأمريكي.  ويشكل موقف الحكومة هذا أحد أهم نقاط ضعفها في التعامل السياسي اليومي.


وعلى ضوء الموقف المتأزم بشقيه الأمريكي والعراقي، حول مصير الإتفاقية الأمنية، وهي الآن في لحظة السويعات الأخيرة من عملية مخاض ولادتها، يمكن تثبيت بعض النقاط كمؤشرات عامة، وبعيداً عن المواقف العاطفية، قد تلقي الضوء للمساعدة في إيجاد موقف واضح في دلالاته وخاصة بالنسبة للمواطن العراقي، الذي تضغطه الآن عوامل الشد والجذب ذات اليمين وذات الشمال لتضعه في حيرة من أمره، وليجد نفسه في متاهة من الإدعاءات والإدعاءات المضادة حول الإتفاقية الأمنية (إتفاقية الإنسحاب)، وما سيترتب على القبول بها أو رفضها، خاصة وإن هذا المواطن كان مغيباً عن تفاصيل هذا الأمر منذ يوم التوقيع على "ميثاق إعلان النوايا" بين السيد المالكي والسيد بوش قبل عام من اليوم، وبين إقرار الإتفاقية من قبل مجلس الوزراء في 16/11/2008، وقد عكست جلستا مجلس النواب ليومي الاربعاء والخميس، وكذلك السبت 22/11/2008 حالة التوتر الشديد والإرتباك الذي ساد أجواء تلك الجلسات ..!


-   التأكيد على حق جميع الدول ذات السيادة، في عقد المعاهدات والإتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف مع الدول الأخرى، وقد نظمت الشرائع الدولية المباديء العامة لعقد مثل تلك الإتفاقيات والمعاهدات بمختلف جوانبها وفي مقدمتها إتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام/ 1969.


-   وبقدر ما يراه الجانبان الآمريكي والعراقي في التوصل الى إتفاقية تنظم وجود القوات الأمريكية على الأراضي العراقية وتمنحها غطاء قانونياً لذلك الوجود، فإن من أولويات مثل هذه الإتفاقية هو ضرورة الإلتزام بأهم المقومات الأساسية للإتفاقيات والمعاهدات بين الدول، والمقصود به مبدأ التكافؤ بين تلك الدول في السيادة والإستقلال، والمتعارف عليه قانوناً  بالآهلية.


-   ومن هنا يمكن القول بأن الموضوع لا يتعلق فقط، بعقد المعاهدة أو الإتفاقية، بقدر ما يتعلق بشرعية الإتفاقية ومضامينها وأهدافها الحالية والمستقبلية، وأسس وقواعد بنائها القانونية والشرعية، ومدى ما تحققه من منافع للجانبين، في حدود المصالح الوطنية، مع ضرورة وضوح أسباب الجانبين من وراء عقد مثل هذه الإتفاقية. وقد عكست جلسات مجلس النواب المشار اليها في أعلاه، حقيقة التوجسات والمخاوف التي يراها النواب حول ما يتعلق بمضامين وأبعاد الإتفاقية وما قد يترتب عليها مستقبلا.



-   إن تواجد قوات متعددة الجنسية بقيادة إدارة القوات الأمريكية، قائم بتفويض أممي وبطلب الحكومة العراقية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1546/لعام 2004 والذي ينتهي العمل بمقتضاه في 31/12/2008 بطلب من الحكومة العراقية، وبذلك سيرفع الغطاء القانوني لوجود تلك القوات. ومن هنا فأن التمديد الأخير لتواجد متعددة الجنسيات التي أقدمت عليه الحكومة العراقية برسالة السيد رئيس الوزراء لمجلس الأمن والمرفقة مع قرار مجلس الأمن رقم 1790 في 18/12/2007 يشكل مأزقاً أمام الحكومتين العراقية والأمريكية، في ضرورة الخروج بحل يقبله الطرفان؛ فجاء ذلك الحل ليتمثل بالتوقيع على الإتفاقية الأمنية بين البلدين، ولكن مثل هذا الحل أصبح مرهوناً في ظروفه الحالية، وبعد مصادقة الحكومة على الإتفاقية وإحالتها الى مجلس النواب، الى طبيعة القرار الذي سينتهي اليه المجلس عند التصويت على الإتفاقية يوم الأربعاء القادم 24/11/2008.



-    ينبغي هنا، التفريق بين حالة إنتقاص السيادة وبين حالة الخضوع لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حيث أن حالة إنتقاص السيادة التي تعرض لها العراق كانت بسبب الغزو والإحتلال التي تعرض لها بعد التاسع من نيسان 2003 على يد القوات الأمريكية وحلفائها وما ترتب عليها من دمار البيئة الإقتصادية والإجتماعية وتفتيت مقومات الدولة، وهذه الحالة تعتبر من الناحية الفعلية قائمة لإستمرار تواجد هذه القوات على الأرض العراقية، رغم شرعنة هذا البقاء حالياً وبعد شهر حزيران 2004 بطلب الحكومة العراقية وتفويض الأمم المتحدة.



-   كما ولا يغير من الأمر شيئاً، فيما إذا تم شرعنة ذلك الوجود بتوقيع إتفاقية بين البلدين لإرتباطه أصلاً بحالة الإحتلال بعد التاسع من نيسان 2003 والمثبتة في قرارات مجلس الأمن وتطوراتها اللاحقة.



-   كما ولا يغير من الحقيقة شيئاً ما يطلق على  الإتفاقية من مسميات متعددة من قبل طرفي الإتفاقية على حد نص إتفاقية فينا الدولية لقانون المعاهدات/1969 في المادة/2 -1 الفقرة/أ الذي يشير الى: [[   (أ) يقصد بـ “المعاهدة” الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة؛]]


-   أما كون الحالة التي تبحث فيها الإتفاقية الأمريكية – العراقية تتعلق بإنهاء الإحتلال وإنسحاب القوات الأجنبية على حد إعلان الحكومة العراقية وطبقاً للتعديل الأخير الذي منحته الحكومة العراقية على تسمية الإتفاقية، بإعتبارها إتفاقية للإنسحاب، فإن الأمر في تقديري يتطلب بحث تفاصيله مع مجلس الأمن والطلب منه إنهاء حالة تواجد تلك القوات وتنظيم إجراءات إنسحابها بإعتبار أن مجلس الأمن هو المرجعية ذات العلاقة بشأن ذلك، وبإعتباره الجهة الشرعية التي منحت التفويض لتلك القوات.




-    أما حالة الخضوع لأحكام الفصل السابع من الميثاق، فلا يربطها شيء أو علاقة سببية مع حالة إنتقاص السيادة، وهي حالة من العقوبات الأممية التي إستوجبتها، حالة الغزو العراقي الى دولة الكويت عام 1990، وتم فرضها على العراق كدولة كاملة السيادة بموجب قرار مجلس الأمن المرقم  661 في علم 1990 ، وبالتالي فإن حشرها وإقحامها في مسودة الإتفاقية الأمنية، ومطالبة الجانب العراقي التوقيع على الإتفاقية لقاء ثمن إخراجه من الفصل السابع، كما موضح في المسودة الأخيرة، فهو لا يمثل في تقديري إلا شرطاً تعسفياً إبتزازياً للضغط بإتجاه التوقيع على الإتفاقية، وبعكسه وعلى حد إفتراض وترويج الجانب الأمريكي، سيبقى العراق رهينة أحكام الفصل المذكور، بسبب تحكم الجانب الأمريكي بحق الفيتو في مجلس الأمن، وبإمكانه عرقلة أي طلب عراقي للخروج من أحكام هذا الفصل، وهذا مايمكن أن يفسر بسوء النية من إقحام هذا البند في المسودة. }}   وتنص المسودة على إنهاء العمل يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع المتضمن في قرار مجلس الأمن الدولي (حيث) ينبغي أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990)، ويؤكدان كذلك على أن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008.{{ . وبهذه الطريقة يحاول الجانب الأمريكي إرجاع فقدان العراق لمكانته القانونية والدولية الى قرار مجلس الأمن رقم 661 (1990) فقط، وليس الى الإحتلال، وبذلك يبدو وكأنه متفضلاً على العراق، كما أوردته مسودة الإتفاقية الأخيرة، في وقت لم يكن هناك ما يضمن ذلك من قبل الجانب الأمريكي طبقاً لبنود الإتفاقية أو أي ضمان لأمور أخرى.(1)



-   والتساؤل الذي  يفرض نفسه هو: إذا كان الأمر كذلك، أليس من البدهي والحال، وإنطلاقاً من دوافع حسن النية المفترضة، أن تقدم الإدارة الأمريكية الى دفع الحكومة العراقية بتقديم طلب الى مجلس الأمن تطالب فيه بخروجها من أحكام الفصل السابع، خاصة لإنتفاء أسباب شمول العراق بتلك الأحكام، ونتيجة لإسقاط النظام السابق بفعل الإحتلال، وأن تقوم تلك الإدارة بدعم الطلب في مجلس الأمن بعد تقديمه. وذلك كخطوة أولى تسبق الدخول في تفاصيل الإتفاقية الأمنية، لا أن تستخدم الأخيرة كأساس للخروج من أحكام الفصل السابع. 



-   بعد ذلك يمكن للجانب العراقي، وأجده ضرورياً، الدخول مع الأمم المتحدة في مفوضات لتنظيم عملية إنسحاب قوات متعددة الجنسيات من العراق، ووضع جدول زمني ينظم ذلك الإنسحاب، خاصة وإن العراق هو من طلب تمديد وجود تلك القوات في العراق للمرة الأخيرة حيث تنتهي مدة البقاء في 31/12/2008. وعلى أن تتم عملية الإنسحاب تحت إشراف الأمم المتحدة، والأمران مرتبطان، بل إنهما يعبران عن قضية واحدة، إذا ما كان حقاً، قصد الحكومة وهدفها إنهاء حالة الإحتلال والخروج من أحكام الفصل السابع .



-   بإمكان العراق وبعد إنجاز عملية الإنسحاب نهائياً، الدخول في مفاوظات ثنائية إذا ما كان راغباً، وبدعم من الأمم المتحدة، مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول للتباحث بشأن إمكانية التوصل الى أي إتفاقية أو معاهدة لتنظيم علاقات التعاون والصداقة في الأطر التي تناولتها إتفاقية الإطار، التي جرى ربطها مع الإتفاقية الأمنية "إتفاقية الإنسحاب" والتي جاءت بمثابة الحارس المرافق لإتفاقية الإطار.



-   حيث أن الجانب الأمريكي ومثله العراقي يسعيان الى : [[ أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990)، ويؤكدان كذلك على أن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008 ]]  كما ورد أعلاه، فإنهما يقران بنقص آهلية الجانب العراقي كدولة مستقلة ذات سيادة، وبالتالي فإنهما بهذا الإقرار، عليهما أولاً أن يعملا على إستعادة العراق لتمام سيادته، خاصة وإن الولايات المتحدة الأمريكية هي عضو دائم في مجلس الأمن، فإنها تتحمل مسؤولية أكبر في عملية إنجاز هذه المهمة، ولتحقيق ذلك لا بد أولاً ان يسترجع العراق كامل سيادته كدولة مستقلة، تمتلك الآهلية الكاملة التي توفر لها شرط التكافؤ ، الذي يضفي على توقيعها لأي إتفاقية مع دولة أخرى، الشرعية المطلوبة في عقد المعهادات طبقاً لإتفاقية فينا الدولية لقانون المعاهدات//المادة السادسة/1969: (2)  (3)             
 


ومن هذا المنطوق وبإقرار الجانبين العراقي والأمريكي، وعلى حد قول السيد رئيس الوزراء العراقي في كلمته بمناسبة إقرار الإتفاقية الأمنية من قبل مجلس الوزراء بتاريخ 16/11/2008 التي أشار فيها الى : [[  لقد كنا امام خيارات صعبة ، فاما التمديد لوجود القوات الاجنبية والبقاء تحت طائلة الفصل السابع وبما يعني استمرار السيادة المنقوصة للعراق بكل تداعياتها السلبية على جميع المستويات ، او ان يرفع الغطاء القانوني عن وجود القوات الاجنبية مع نهاية العام الحالي وبما يضع البلاد امام المجهول.
وكان خيارنا الصعب ان ندخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة الامريكية ، الهدف الاساس منها الذي وضعناه امامنا منذ اليوم الاول ، هو استعادة السيادة الكاملة للعراق ، سيادته على اراضيه ومياهه واجوائه وامواله واقتصاده وقراراته ، فالسيادة المنقوصة ووجود القوات الاجنبية هي اخطر واعقد واثقل تركة واجهناها من الحقبة الدكتاتورية ، والتي لابد للعراق ان يتخلص منها ويحمي تجربته الديمقراطية الاتحادية الفتية.]] (4) ؛

 يصبح من البدهي القول بأن العراق كدولة منقوصة السيادة وفقاً لما تقدم، فإنها تعتبر حكماً غير متمتعة بالآهلية الكاملة كدولة يحق لها إبرام الإتفاقيات طبقاً لمنطوق المادة السادسة من إتفاقية فينا الدولية للقاون المعاهدات/1969، وذلك قبل أن تحصل على تلك الآهلية وبإقرار من المنظمة الدولية. ولهذا في تقديرنا، تعتبر السيادة المنقوصة في ضوء القانون الدولي، من العوائق التي تحول دون العراق كدولة وتوقيع الإتفاقية الأمنية، بسبب شائبة (عدم الآهلية) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يستدعي الحال؛ الفصل بين لزومية الإقتران بين الخروج من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة وبين إنهاء حالة الإحتلال لفقدان حالة الإرتباط بين الإثنين..!


كما وما الناحية الأخرى، فإنه ليس هناك ما يربط عملية التمديد التي أشار السيد رئيس الوزراء ومسألة البقاء تحت أحكام الفصل السابع، وكما أشرت سابقاً اعلاه وفي مقالات سابقة، بأن مسألة الفصل السابع لها أحكامها الخاصة، أما التمديد فإنه أمره يعود الى مدى قناعة الحكومة العراقية بحاجتها لتمديد فترة التفويض الأممي من عدمه، وهي قضية إختيارية بحتة، وترتبط أصلاً بحالة الإستقرار وضمان الأمن والسلام للعراق، وهي تعبر عن علاقة مباشرة بين العراق والأمم المتحدة، إذا ما إرتأى العراق ذلك؛ وليس هناك ثمة ما يربطه الى الدخول في إتفاقية أمنية من أجل تحقيق ذلك..!


إن حل هذه الإشكالية التي إستدعى إستمرارها طيلة هذا الوقت منذ عام 2004 وبعد شمول العراق بقرار مجلس الأمن المرقم، 1546/2004، الذي منح قوات الإحتلال التفويض الأممي والذي ينتهي مداه في شهر ديسمبر/2008 ، لا يستدعي من حيث المبدأ ، لإستعادة العراق كدولة منقوصة السيادة، لسيادته الكاملة، ضرورة إرتباط العراق بتوقيع إتفاقية أمنية بين العراق وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وليس هناك من إلزام أممي للعراق للتوقيع على مثل هذه الإتفاقية..!


إن جل ما في الأمر يتعلق بفترة سريان تفويض مجلس الأمن للقوات متعددة الجنسية الذي ينتهي أمده كما أشرت في غاية31/12/2008 وبطلب من العراق، ولهذا فهي من حيث الأساس علاقة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، يتعلق أمرها بوجود قوات هذه الدولة بتفويض أممي في العراق، ولا تلزم العراق حتى بأدنى درجة، الطلب من مجلس الأمن تمديد وجود هذه القوات لفترة لاحقة إذا ما رغبت، أو حتى طلب إنسحابها فالأمر محسوم برسالة رئيس الوزراء منذ عام 2007 المشار اليها في مقالتنا المشار اليها أعلاه والتي طلبت من مجلس الأمن التمديد الأخير لهذه القوات، إلا في حالة طلب الحكومة العراقية مجدداً التمديد؛ كما وإن العراق من الناحية الأخرى، حر في التعامل مع هذه القضية بشكل أكثر مرونة وإستقلالية، فبإمكانه التفاوض مع الأمم المتحدة لتنظيم حالة الحماية للعراق وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة، وبإشرافها، وهوالطريق الأكثر ضماناً مستقبلاً للعراق في حماية حقوقه وثرواته الوطنية وأصوله المالية، بعيداً عن كل تهديد أو تسويف من قبل أي كان، أو تكبيل ساعدية بقدرات وإمكانات دولة أخرى، على حساب ضمانة وشرعية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي..!


إن ما يقال كثيراً عن "البديل" في حالة إنتهاء التفويض الأممي في نهاية هذا العام، إنما يعكس حالة عراقية تعبر في جوهرها، إذا ما إستبعدنا كل الأسباب والدوافع الأخرى، عن القلق والتخوف من مصير مجهول يحيط بالعملية السياسية والقوى المؤازرة لها، ولا يرتبط بأي شكل من إشكال الإلتزام  القانوني من قبل العراق يدفعه لوجوب التوقيع على الإتفاقية. أما على الصعيد السياسي فإن الأسباب لكثرتها، فهي لا تعد ولا تحصى، ولست في معرض الحديث عنها..!!؟


ولمن يدفع متسائلاً؛ هل من بديل آخر..؟ إنما يعبر في حقيقته، عن تشككه بما جاءت به نصوص الإتفاقية، فهو غير واثق بما تبطنه تلك النصوص، وما تضمره لمستقبل غير واضح المعالم؛ فالأسئلة الكثيرة التي إنهالت في جلسة مجلس النواب ليوم 22/11/2008 من قبل النواب وما قبلها، سواء الرافضين منهم أوالقابلين، قد حملت في مغزاها وبواطنها كل إشارات الخوف والتشكك من مستقبل ما بعد الإتفاقية ، ولم تعكس مواقفاً، خاصة بالنسبة للموافقين ، تنم عن الثقة بالطرح، واليقين بما جاءت به نصوص الإتفاقية ومدى صدقية "الضمانات المفترضة" من قبل الطرف الثاني في الإتفاقية، بل في غالبيتها كانت تختار بين السيء والأسوء، وهي في خلاصة ما تشير اليه، كانت وبمرارة، تعلن عن ألمها وأسفها، لأنها تجد نفسها مجبرة أن تختار القبول بالإتفاقية بإعتبارها "شر لا بد منه" أو "أفضل السيئات" أو "أن كافة البدائل أسوء من الإتفاقية" ..الخ  من عوامل الإحباط..! 

   
ولعل اللافت في الأمر أن هذه القوى من الداعين للتصديق على الإتفاقية بوضعها الحالي، رغم إقرارها بكل ما يشوب مضامين هذه الإتفاقية من مساويء لا تخدم المصلحة الوطنية، تراها تنأى جانباً عن مغبة تكليف نفسها البحث في أي خيارات أخرى كبدائل عن الإتفاقية، حتى لو كان فيها ما قد يجنب العراق تبعات ما يمكن أن يترتب من إلتزامات وتعهدات تضعه في فلك توجهات سياسات الدولة الكبرى وخططها المرسومة سلفاً ، أو يجره ليصبح حلقة في ميزان الصراع الدائر في المنطقة، فهل حقاً عدم العراق، الوسائل والطرق المشروعة والشرعية في إطار المجتمع الدولي والشرعية الدولية للخروج من المأزق..؟!
   
________________________________________________
         (*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/23usa.htm
               (**)   http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/9port.htm
         (1)    http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/10/20/iraq.us/index.html
        ( 2)   http://www.ashrfmshrf.com/wp/?p=208
        (3)     http://www.ashrfmshrf.com/wp/?cat=70
               (4)    http://www.nahrain.com/news.php?readmore=36330

 

266


باقر الفضلي


حددت الحكومة العراقية مهلة إسبوع من الزمن الى مجلس النواب العراقي لقول كلمته الأخيرة بشأن الإتفاقية الأمريكية – العراقية في صيغتها الأخيرة، التي إقرهها مجلس الوزراء العراقي في 16/11/2008 بالإجماع وإمتناع أحد الوزراء عن التصويت..!


•   وللمفارقة أشير بأن الحكومة العراقية قد منحت نفسها ما لا يقل عن تسعة أشهر من المفاوظات والمباحثات والمناقشات والأخذ والرد مع الجانب الأمريكي في شأن تلك الإتفاقية، وكل ذلك الوقت جرت الأمور في طي الكتمان والسرية، وفي غياب إطلاع مجلس النواب على أية تفاصيل حول مفردات الإتفاقية ونشاطات الوفد المفاوض، بل حجبت عنه حتى أسماء المشاركين في عملية التفاوض، وها هي الآن وبعد إقرارها لمسودة الإتفاقية والتوقيع عليها بالأحرف الأولى من قبل السيد وزير الخارجية هوشيار زيباري والسفير الأمركي السيد كروكر، ترمي الكرة في ملعب مجلس النواب، ليقول كلمته في الإتفاقية وخلال فترة وجيزة وحاسمة لا تتعدى الإسبوع (24/11/2008)، وتحميله مسؤولية الرفض أو القبول أمام الشعب، مجنبة نفسها بعد ذلك من تحمل مسؤولية تبعات النتائج التأريخية التي تترتب في الحالتين..!؟



•   أعلن غير قليل من أعضاء مجلس النواب عن عدم إرتياحهم للإسلوب الذي إتبعته الحكومة في طريقة تحويلها مسودة الإتفاقية المقرة من قبلها الى مجلس النواب وطلبها منه البت بالإتفاقية خلال فترة قصيرة من الزمن، كما شاركت بعض الكتل السياسية في تحفظها على اسلوب الحكومة وأعلنت عن مفاجئتها من قبل الحكومة بنص الإتفاقية وإقرارها في اللحظات الأخيرة .(1)



•   وقد إنعكست ردود الفعل على إقرار الحكومة للإتفاقية بشكلها الحالي وبصورة مستعجلة، في تحفظ بعض الكتل النيابية، مما دفع رئيس مجلس النواب الى تأجيل جلسة المجلس لهذا اليوم للقراءة الثانية الى يوم الخميس 20/11/2008 . (2)




•   لم يُحط الشارع العراقي ولا الأوساط السياسية والثقافية بتفاصيل الإتفاقية والتطورات التي صاحبت إقرارها، طيلة الفترة التي إستغرقتها في المفاوظات، ولم تطلع مؤخراً إلا على نتف مما تم تسريبه من قبل وسائل الإعلام عن مسودة الإتفاقية، ولذك جاءت مناقشة الإتفاقية والبحث في تفاصيلها محدودة وقاصرة، بسبب حجب المعلومات عن الباحثين والمتخصصين والكتاب وأوساط الرأي العام العراقي، وإنفراد الحكومة وحدها في معرفة كل شيء تحت ذرائع ومبررات واهية.



•   حاول إعلام الحكومة والكتل السياسية المكونة لها والتي هي مع تمرير الإتفاقية في البرلمان بعد أن مررتها في مجلس الوزراء، الترويج الى إستخدام آلية إنتخابية تتعارض مع روح وأسس الدستور العراقي الدائم/2005 حول الديمقراطية، وذلك بحثِها مجلس النواب على إستخدام قرارات مجلس قيادة الثورة غير الملغية للنظام السابق في التصويت على الإتفاقية، بسبب عدم تشريع قانون تصديق المعاهدات الجديد الذي أوجب الدستور تشريعه بالثلثين، علماً بأن آلية التصويت بموجب قرار مجلس قيادة الثورة السابق، كانت إستثنائية ويتم التصويت بموجبها بالأغلبية البسيطة (نصف الحضور +1)، وبموجبها مرر النظام السابق إتفاقية الجزائر.




•   إعتماداً على ما نشر مؤخراً في وسائل الإعلام حول بنود مسودة الإتفاقية في صياغتها الأخيرة والتي جرى إقرارها من قبل مجلس الوزراء في 16/11/2008  والتوقيع عليها بالأحرف الأولى من قبل وزير خارجية العراق السيد هوشيار الزيباري والسفير الأمريكي رايان كروكر بتأريخ 17/11/2008 ، فإن الإتفاقية تتكون من ثلاثين مادة، مرفقاً بها ملحق للإتفاق الإطاري الإستراتيجي، مكون من إحدى عشر قسماً في مختلف الشؤون السياسية والأمنية والدفاعية والثقافية والإقتصادية والتجارية والقضائية والإجتماعية. ورغم أن الإتفاقية الأمنية قدمت مستقلة عن إتفاق الإطار الإستراتيجي، إلا أن هناك من التداخل بين الإتفاقيتين ما يدعو للتوقف والبحث والتدقيق( القسم الثالث – التعاون الدفاعي والأمني من إتفاق الإطار الإستراتيجي الإطار) على سبيل المثال. 



•   بعد الإطلاع على المسودة الأخيرة للإتفاقية الأمنية وإتفاقية الإطار الإستراتيجي التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى من قبل السيد وزير الخارجية كما بينا أعلاه، يبدو معه من المتعذر أن يتمكن الباحث أوالمتخصص، وفي غضون إسبوع من الزمان أن ينتهي الى قرار قطعي بشأنهما، فكيف الأمر برجل البرلمان الذي يتحمل مسؤولية تأريخية كبرى أمام ضميره وشعبه أن يحسم الأمر بالرفض أو القبول في أمر سيادي ومصيري مثل الإتفاقية الأمنية، التي لها من الخصوصية التأريخية والسياسية ما لا يمكن مقارنته مع أمور أخرى، أقل أثراً في تداعياتها المستقبلية على صعيد الوطن والشعب ولكنها بعين الوقت تستلزم النظر بأناة ودقة قبل إتخاذ القرار،  فكيف وذلك مع دولة كبرى لا زالت جيوشها المحتلة تعسكر على مساحات الوطن الواسعة..؟! أم أن المطلوب من النائب البرلماني أن يوقع على شك بياض، معتمداً على ثقته بتوقيع السيد "الوزير" ممثل كتلته السياسية في الحكومة.. أم كيف سيكون عليه الحال ياترى مع المواطن العادي..؟؟!(3)



لقد عودتنا حكومة "الوحدة الوطنية" في مجمل قراراتها المصيرية ومنذ إستيزارها في الحكم على الطبخات المستعجلة ورمي كراتها في ملاعب الآخرين ليتفاقم الصراع وتستعر نيرانه، وهذا ما عهدناه منها في أمور أخرى، مع الأمل العودة الى  بنود الإتفاقية الأمنية في حديث آخر..!(4)     
     
____________________________________________________________

(1)  http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=30242
(2)    http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7737000/7737641.stm
(3) http://www.pcdk.org/pcdk/index.php?sid=1136
(4)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/28irq.htm









267

باقر الفضلي


(( صودرت أفكار العالم الإيطالي غاليلو غاليلي  ،
 وأُستدعيَ  للمحاكمة، وأمام مجمع الكرادلة حكموا باعدامه وإعدام مؤلفاته ،
 ولكن نظراً لكبر سنه، واعتلال صحته، وإعلانه لتوبته،
 اكتفت المحكمة بسجنه في ديوان التفتيش طول عمره ،
 بعد أن يشجب أمام الجمهور وجهة نظره وهي أن الأرض تدور حول الشمس...
 وقد قام العالم البالغ من العمر 69 عاماً بهذا التصريح أمام الجمهور ،
 ثم خرج من المحكمة وهو يقول كلمته المعروفة : (ومع ذلك فهي تدور ) ،
 وظل سجيناً في مدينة أركتيري الى ان توفي عام 1642م.))




فاجئتنا الصحافة المحلية والعالمية ووكالات الأنباء والفضائيات ليوم أمس، وهي تزف بشرى التصديق الرمزي على مشروع الإتفاقية الأمنية الأمريكية - العراقية من قبل السيد هوشيار زيباري والسفير الأمريكي كروكر، بعد أن صادق عليها مجلس الوزراء يوم أمس بأغلبية 27 وزيراً وإمتناع إحد الوزراء..!(1) 


لا جديد في الأمر فكل شيء متوقع في عالم العراق الجديد، وإن كان من قبيل الإستغراب أن يتسابق أو يسبق السيد الزيباري مجلس النواب العراقي، في إسبقية وضع توقيعه على ورقة الإتفاقية لتسجل بإسمه هذه اللفتة أو المبادرة التأريخية في تأريخ العراق الحديث، بإعتبارها الثمرة الفريدة التي أنضجتها خمس عجاف من مآسي الشعب العراقي، وقد حان قطافها، وليس أحق بهذا القطاف غير السيد وزير خارجيتنا طال بقاؤه..!!؟


جاء في نصوص اتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام 1969 والنافذة المفعول منذ 27/1/1980 ما يلي:


  المادة 7: وثيقة التفويض الكامل

1- يعتبر الشخص ممثلاً للدولة من أجل اعتماد نص المعاهدة أو توثيقه، أو من أجل التعبير عن رضا الالتزام بالمعاهدة في إحدى الحالتين التاليتين:

(أ) إذا أبرز وثيقة التفويض الكامل المناسبة؛ أو

(ب) إذا بدا من تعامل الدول المعنية أو من ظروف أخرى أن نيتها انصرفت إلى اعتبار ذلك الشخص ممثلاً للدولة من أجل هذا الغرض وممنوحا تفويض كامل.

2- يعتبر الأشخاص التالون ممثلين لدولهم بحكم وظائفهم، ودون حاجة إلى إبراز وثيقة التفويض الكامل:

(أ) رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية، من أجل القيام بجميع الأعمال المتعلقة بعقد المعاهدة؛

(ب) رؤساء البعثات الدبلوماسية من اجل اعتماد نص المعاهدة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمدين لديها؛

(ج) الممثلون المعتمدون من قبل الدول لدى مؤتمر دولي أو لدى منظمة دولية أو إحدى هيآتها وذلك من أجل اعتماد نص المعاهدة في ذلك المؤتمر أو المنظمة أو الهيئة.

المادة 12: التعبير عن الرضا بالالتزام بالمعاهدة بتوقيعها

1- تعبر الدولة عن رضاها الالتزام بالمعاهدة بتوقيعها من قبل ممثلها في إحدى الحالات الآتية:

(أ) إذا نصت المعاهدة على أن يكون للتوقيع هذا الأثر؛ أو

(ب) إذا ثبت بطريقة أخرى أن الدول المتفاوضة كانت قد اتفقت على أن يكون للتوقيع هذا الأثر؛ أو

(ج) إذا بدت نية الدولة المعينة في إعطاء التوقيع هذا الأثر من وثيقة التفويض الكامل الصادرة لممثلها أو عبرت الدولة عن مثل هذه النية أثناء المفاوضات.

2- لأغراض الفقرة الأولى:

(أ) يشكل التوقيع بالأحرف الأولى على نص المعاهدة توقيعاً على المعاهدة إذا ثبت أن الدول المتفاوضة قد اتفقت على ذلك؛

(ب) يشكل التوقيع بشرط الرجوع إلى الحكومة من قبل ممثل الدولة توقيعاً كاملاً على المعاهدة إذا أجازت دولته ذلك.


ولست هنا في وارد الدخول في تفاصيل نصوص إتفاقية فينا الدولية لقانون المعاهدات/1969 فبإمكان من يرغب الزياد في البحث العودة الى الرابط أدناه، (2) ولكن ما يثير فضول التساؤل، هو إحتفالية التوقيع "الرمزي" بين الوزير والسفير، في وقت لم يصل فيه ملف الإتفاقية المنشودة بعد الى أبواب مجلس النواب..؟! 

وحيث، وطبقاً لنصوص إتفاقية فينا المادة /12- 2 أعلاه ، لا ندري إن كان الهدف من إسراع السيد وزير الخارجية بالتوقيع بالأحرف الأولى على مشروع الإتفاقية الأمنية، كان يراد منه الإيحاء  للنواب وللعراقيين ؛ بأن الإتفاقية قد تم التصديق عليها سلفاً، وأن على النواب أن لا يُتعبوا أنفسهم، وخلال أربعة أيام، من التدقيق والمناقشة أو تفسيرغوامض  ومتاهات  الإتفاقية، أو البحث في حقيقة التغييرات التي أدخلها الجانب الأمريكي" إستجابة " لطلب السيد المالكي، ومدى حقيقتها وتجاوبها مع المصلحة العراقية..؟!

ولعل التهليل والتطبيل وتبادل التهاني الذي أعقب مصادقة مجلس الوزراء يوم 16/11/08 من قبل الكثير من "العقلاء" ، على حد تعبير أحد الكتاب وهو منهم، ممن كتبت الإتفاقية من أجلهم، يصب هو الآخر في نفس الإتجاه..؟! 

وكي لا يذهب المرء بعيداً في الخوض في بنود مسودة الإتفاقية الأمنية بصيغتها الأخيرة ، نكتفي بالإشارة الى مدلولات النص أدناه الوارد في المسودة والذي يقول:

[[وتنص المسودة على إنهاء العمل يوم 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 بالولاية والتفويض الممنوحين للقوات متعددة الجنسية بمقتضى الفصل السابع المتضمن في قرار مجلس الأمن الدولي (حيث) ينبغي أن يسترد العراق مكانته القانونية والدولية التي كان يتمتع بها قبل تبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 661 (1990)، ويؤكدان كذلك على أن الولايات المتحدة سوف تبذل أفضل جهودها لمساعدة العراق على اتخاذ الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك بحلول يوم 31 ديسمبر/كانون الأول عام 2008.]] (3)


والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو؛ ألا يعني العمل على إسترداد العراق لمكانته القانونية والدولية، الذي تشير اليه المسودة، بأنه إقرار من قبل طرفي الإتفاقية  بشائبة  نقص الآهلية  التي تشوب سيادة الدولة العراقية بسبب من تواجد قوات أجنبية على أرض العراق، وكدولة طرف في الإتفاقية المزمع إقرارها في مجلس النواب قريباً جداً، و بهذا الشكل المستعجل؛  ألا يمثل ذلك إخلالاً بالإجماع الوطني في تقرير قضية سيادية ومصيرية بهذا المستوى، حيث واجه إقرار الحكومة العراقية المستعجل لمسودة مشروع الإتفاقية الأمنية بصيغته الأمريكية الأخيرة وتوقيع السيد وزير الخارجية  بالحروف الأولى على مشروع الإتفاقية قبل طرحها على مجلس النواب والكتل السياسية، موقفاً متحفظاً على الإقرار المذكور من قبل هذه الكتل ، (4) (5)  مما خلق بلبلة في الأوساط الشعبية، كما وإنه يشكل تعارضاً مع بنود إتفاقية فينا لقانون المعاهدات لعام/1969 التي إعتبرت آهلية الدول، أحد أركان أية معاهدة يمكن توافقها مع أحكام إتفاقية فينا الدولية/ المادة السادسة..

 الفصل الأول: عقد المعاهدات

المادة 6: أهلية الدول لعقد المعاهدات

لكل دولة أهلية لعقد المعاهدات

لقد بذلت الإدارة الأمريكية الحالية، جهداً خارقاً من أجل أن تتوصل قبل نهاية هذا العام، الى إبرام الإتفاقية الأمنية مع الحكومة العراقية، ومن أجل ذلك سلكت مختلف الطرق والوسائل التي تسمح لها بالوصول الى هذه النتيجة، سواء من خلال الترغيب أوالترهيب، وقد تحقق لها ذلك أخيراً في خطواته الأولى، وهي غير آبهة بما ستكون عليه بنود الإتفاقية المذكورة مستقبلا، بل ودون تردد  ولما بعد يجف  حبر  توقيع  السيد الزيباري والسيد كروكر، بالحروف الأولى على الإتفاقية الموعودة، حتى فاجئنا الأميرال مايكل مولن رئيس أركان الجيوش الأمريكية، ومن [[ خلال مؤتمر صحافي الاثنين ان الانسحاب الاميركي من العراق المقرر عام 2011 بحسب مشروع الاتفاق بين بغداد وواشنطن سيكون مرتبطا بالوضع على الارض.]] (6) 

وبعيداً عن أي تعليق، أود أن أشير الى أن  أي  محاولات لإضفاء شرعية على وجود القوات الأمريكية بعد الحادي والثلاثين من شهر كانون الأول / 2008 ،  لا يغير من أمر كونها قوات إحتلال في نظر العراقيين، ولا يدرك هذه الحقيقة إلا العراقيون أنفسهم والعقلاء من أمثال (غاليلو غاليلي) ، وليس " العقلاء"  من الذين كتبت من إجلهم الإتفاقية الأمنية الأمريكية – العراقية..!!؟



(1)  http://www.alcauther.com/html/modules.php?name=News&file=article&sid=6470   

             (2)     http://www.ashrfmshrf.com/wp/?p=208
            (3)   http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/10/20/iraq.us/index.html           
                        (4)       http://www.baghdad-news.com/
                 (5)       http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20081118-57764.html
                  (6       http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20081118-57760.html
 

268

باقر الفضلي


الأيام القليلة الماضية والحالية، كانت من أصعب وأشد الأيام حلكة ومعاناة على مجمل الكتل السياسية الحاكمة في العراق اليوم؛ فقد لعبت الإدارة الأمريكية ذات الخبرة البعيدة في عمقها التأريخي في خلق الأزمات وفي حلها وفق هواها ومصالحها الأستراتيجية، أن ترمي الكرة الزئبقية في ملعب تلك الكتل الحاكمة لتضعها في مأزق الإجابة، وخلال فترة قصيرة من الزمن، عن رأيها في الصيغة النهائية لمسودة الإتفاقية "الأمريكية – العراقية" الأمنية دون تعديل أو تبديل..!؟


ولحد هذه اللحظة لم يمتلك أي طرف من الأطراف السياسية موقفاً واضحاً من مسودة الاتفاقية الاخيرة، والجميع يتقاذف الكرة ليحمل الآخر مسؤولية البت في أمرها، وإذا ما تجاوزنا الطرف الكردي ، فإن باقي الكتل السياسية تراوح في أماكنها وبحياء تعلن بأنها ليست مع الرفض او القبول، وإن الأمر يحتاج الى المزيد من الدراسة والتدقيق والحبل على الجرار؛ وحتى اللحظة لم تبادر الحكومة الى عرض بنود الإتفاقية على الشعب وتستفتيه بأمرها ليقول كلمته فيها دون لف أو دوران، وبعد الأخذ والرد، ألقى مجمع القيادات السياسية المتمثل بالمجلس السياسي للأمن الوطني، وبعد يومين من الإجتماعات "الثقيلة"، بالكرة في ملعب الحكومة العراقية، التي بدورها رفضت الصيغة المطروحة للإتفاقية وطالبت وزرائها بإبداء مقترحاتهم حول التعديلات المطلوبة على مسودة الإتفاقية..!؟


أما ما تظهره التصريحات الأخيرة للإدارة الأمريكية من خلال ردود فعلها على الموقف الأخير للحكومة العراقية من مسودة الإتفاقية في شكلها الأخير، والتي تمثلت في تحذير رئيس الأركان للجيش الأمريكي السيد مايكل مالن، والناطقة بإسم البيت الأبيض  السيدة دانا بيرينو ، وأخيراً وزير الدفاع الأمريكي السيد روبرت غيتس، فإنها جميعاً تدور حول محور واحد لا يتعلق بمضامين إعتراضات الحكومة العراقية على مسودة الإتفاقية، بقدر ما يركز على أولوية التوقيع على الإتفاقية وإقرارها من قبل الجانب العراقي، وبالتالي فلم تأت تحذيرات رئيس أركان الجيش الأمريكي للطرف العراقي المبطنة بالتهديد الضمني لما قد يواجهه العراقيون من مخاطر أمنية وخيمة في حالة عدم التوقيع على الإتفاقية؛(1) أقول لم تأت عبثاً تلك التحذيرات، لتشعرنا بمدى جدية الموقف الأمريكي في تعامله مع أمر التوقيع على الإتفاقية من قبل الجانب العراقي، وكم هو غاية في الأهمية بالنسبة للجانب الأمريكي، أن ينتهي الأمر بوجود إتفاقية تحقق المصالح الأمريكية في الدرجة الأولى والأهداف المتوخاة من غزو العراق وإحتلاله، ولا ضير فيما بعد من الإستماع لطلبات العراقيين وما يبتغونه من تعديلات على النصوص، وهذا ما أكده وزير الدفاع مؤخراً رغم تحفظه المتشدد على المطالب العراقية..؟(2) (3)


إن الإدارة الأمريكية وبكل ما تمتلكه من أوراق اللعبة السياسية العراقية وتداخلاتها الإقليمية ، تدرك جيداً بأن الوقت يسير بالإتجاه المعاكس لصبر الحكومة العراقية، التي ألزمت نفسها بإنهاء التفويض الأممي لقوات متعددة الجنسية في نهاية هذا العام، كما تدرك بأن موقفها الضاغط على الحكومة بإتجاه التوقيع على الإتفاقية ، ليس وحده من يرهق كاهل الحكومة، بل هناك موقف كتلة الأحزاب الكوردية هو الأخر من يشكل ضغطاً مستمراً على الحكومة لدفعها الى التوقيع على الإتفاقية بصيغتها المطروحة، رغم ما للحكومة من تحفظات عليها. هذا الى جانب ما تعلمه تلك الإدارة يقيناً، من ضغوط تداعيات وحساسية التدخلات الإقليمية وفي مقدمتها إيران في الشأن العراقي، وإمتدادات ذلك التدخل عبر أوساط سياسية عراقية ذات نفوذ وتأثير على القرار العراقي، مما يضع الحكومة العراقية في وضع التردد والحيرة في إتخاذ الموقف الواضح من الإتفاقية، خاصة عندما يتعلق ذلك الموقف في نتائجه، بما ستؤول اليه العلاقة مستقبلاً بين الأطراف الحاكمة ودول الجوار، إذا ما علمنا بأن إيران تقف في مقدمة الدول الرافضة للإتفاقية..!؟


كل هذه الأوراق وأوراق أخرى غيرها ومنها الموقف الأمني والأصول النقدية العراقية المحفوظة في البنوك الأمريكية بعهدة الإدارة المذكورة، وضعف البنية العسكرية للجيش وقوات الأمن العراقية، وهذا ما أكده دعماً للموقف الأمريكي حول تلك القدرات، كل من وزيري الدفاع والداخلية العراقيين، جميعها تشكل أوراق ضغط فاعلة بيد الإدارة الأمريكية على الموقف العراقي، وقد بينت تلك الإدارة سواءً تلميحاً أو تصريحاً خلال اليومين الماضيين ما تعنيه تلك الإتفاقية بالنسبة لها من الناحية الإستراتيجية، بل حتى إستهانت بأية بدائل أخرى غير الإتفاقية..!؟(4)


كما شدد الأعلام المساند للموقف الأمريكي وفي مقدمته قناة الحرة الفضائية وإذاعة راديو سوا وعدد من الكتاب العراقييين، من ضغوطه هو الأخر، مستخدماً نفس تلك الأوراق بالإتجاه الذي يمثل أحدى عوامل الضغط المطلوبة على الجانب العراقي، ممزوجة بين التحذير والترهيب والنصح والإرشاد، من أجل دفع الحكومة العراقية بقبول التوقيع على الإتفاقية في صيغتها المطروحة أخيراً، وإلا فما بعد ذلك غير "الطوفان"..!؟


ولعل من البدهي القول؛ بأن ورقة الضغط بالتهديد بالتدخل الأيراني، تقف في مقدمة جميع تلك الأوراق، لحساسيتها بالنسبة للعديد من الكتل السياسية العراقية، والتي بهذا الشكل أو بغيره قد وجدت في موقف السلطات الإيرانية وتدخلها في الشأن العراقي زائداً موقف بعض الساسة العراقيين ممن أعلنوا عن موقفهم الرافض للإتفاقية من منصة القيادة الإيرانية، مثل موقف الجعفري الأشيقر أو أحمد الجلبي على سبيل المثال، مما يعطي زخماً كبيراً للماسكين بهذه الورقة وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية، ويعمل على سهولة خلط الأوراق بين جميع القائلين برفض الإتفاقية أصلاً أو مسودتها الأخيرة بصيغتها المطروحة بما فيهم الحكومة العراقية، ووضعهم جميعاً في الخانة الإيرانية، ناهيك عما يمثله لغط التكهن بالمبالغة بتضخيم الخطر الإيراني من قبل الجانب الأمريكي، وفي إطار حالة الصراع والتوازن القائم بين نفوذ البلدين في المنطقة، من عوامل الضغط النفسية على المفاوض العراقي من جهة، وبث حالة من التطير والتشوش بين المواطنين..!؟؟

 
 ومن البدهي القول أيضاً، أن مسودة الإتفاقية المطروحة، والتي لا يحتاج المرء كثيراً الآن لتأكيد صياغتها الأمريكية من جهة، والحاجة الأمريكية الماسة لإقرارها من جهة أخرى؛ بأنها إتفاقية أمنية ذات أبعاد سياسية عسكرية، ولها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على مجمل منطقة الشرق الأوسط سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً، وبالتالي فهي ليست مجرد إتفاقية لرسم الحدود بين بلدين أو لفض نزاع حول أراض وممتلكات، أو مجرد إتفاقية لتدريب القوات المسلحة أو لتوريد الأسلحة، أو إتفاقية لتنظيم وجود قاعدة عسكرية في بلد ما إو غيرها من الإتفاقيات العادية؛ فالإتفاقية المطروحة لا تنظم فقط وجود القطعات العسكرية الأمريكية المتواجدة في العراق بعد الإحتلال من الناحية التنظيمية ومراعاة علاقتها مع العراق من الناحية القانونية، فهي وبالرغم من كل ذلك، تذهب بعيداً الى حدود المشاركة الفعلية بين قوات الطرفين في أعمال قتالية على الصعيد الداخلي أوالخارجي، ولأهداف غير واضحة المعالم وبتسميات عمومية عن خطر دائم، وعدو غير مُعَرف، ولفترت زمنية غير محددة، وهذا في الحقيقة، ما يشكل الجوهر الأساس في صلب هذه الإتفاقية،  وهو ما يعطيها أهمية إستثنائية من زاوية نظر كلا الطرفين المتعاقدين، الى مدى مصلحة أي منهما، من تداعيات تلك الأفعال القتالية ونتائجهاالمحتملة وأهدافها المرسومة..!


 وبغض النظر عن توصيف تلك الأعمال القتالية، فمن نافل القول التساؤل؛ فيما إذا كان الطرفان المزمعان التوقيع على مثل تلك الإتفاقية متماثلين في إهدافهما وإمكاناتهما وخططهما المرسومة لتحقيق الأهداف التي رسمتها الإتفاقية الأمنية – العسكرية صاحبة الشأن، والتي توجزها الإتفاقية في أن: «حكومة العراق تطلب المساعدة المؤقتة من قوات الولايات المتحدة بغرض مساندتها في جهودها من اجل الحفاظ على الامن في العراق، بما في ذلك التعاون على القيام بعمليات ضد «القاعدة»، ومجموعات إرهابية اخرى والمجموعات الخارجة عن القانون، بما في ذلك فلول النظام السابق». أم أن الطرف العراقي سيرتهن بقية ثروته النفطية المهدورة أصلاً، لتسديد فواتير نفقات حروب أمريكا القادمة..؟!(5)


وهل حقاً إن التحذيرات وما تبطنه من تهديدات ، والتي عبرت عنها ردود الفعل الأمريكية على موقف الحكومة العراقية من مسودة الإتفاقية أخيراً، ما يعكس حسن النية التي ينبغي أن يفترضها المرء بالنسبة لطرف مثل أمريكا ينوي إقامة حالة تعاقدية مع طرف أقل حجماً وإمكانات إقتصادية وبشرية وعسكرية مثل العراق..؟!


أم أن بناء الثقة وإفتراض حسن النية بين الدول الكبيرة والصغيرة يمكن أن يقام من خلال التلويح بالهراوة الغليضة، أو بإستخدام قوانين شريعة الغاب، كما تشير بذلك الخارجية الأمريكية في آخر تصعيد للتحذيرات الأمريكية الموجهة للجانب العراقي..؟؟!(6)


فمن خلال التلويح بصيغ التحذير والتهديد المبطن الذي يستخدمها الجانب الأمريكي إتجاه العراقيين في حالة عدم التوقيع، والموقف المتردد الذي يلوح في الأفق العراقي من الإتفاقية الأمنية الذي إستمر زهاء السنة، والإحجام عن عرض تفاصيل بنود الإتفاقية وطبيعة التحفظات العراقية على تلك البنود، على الشعب العراقي، وبالأخذ بطبيعة الأوضاع السائدة في المنطقة، على الصعيد الداخلي والإقليمي والتوازن الدولي، وإحتمالات توقعات حملة الإنتخابات الأمريكية، وتداعيات الأزمة الإقتصادية العالمية الراهنة على مصير النمو الإقتصادي العالمي وبالذات الأمريكي، كل هذا زائداً ما يلوح به الجانب الأمريكي من هشاشة الوضع الأمني العراقي وإحتمالات تدهوره الى الأسوء؛ ما يوحي للمرء بمدى عمق المأزق السياسي الذي يجد الجانبان فيه نفسيهما، وما تمثله بالذات تداعيات حالة الأزمة الإقتصادية الحادة التي يمر بها الإقتصاد الأمريكي في وقت أشرفت فيه الإدارة الأمريكية الحالية على الأفول، تاركة ورائها أمريكا وهي تجر أذيالها محملة بما لا يقل عن ثلاثة تريليون دولار من المديونية وتوقعات بتدهور نسب النمو الإقتصادي الى حدود مخيفة من الركود والإنهيار الإقتصادي..!؟
____________________________________________________________
       (1)   http://www.metimes.com/Politics/2008/10/21/us_warns_time_running_out_as_iraq_cabinet_meets_on_pact/afp/
(1)   http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n22100801.htm
(2)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARACAE49K18520081021
        (3)   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_7682000/7682501.stm         
              (4)      http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=2018518&cid=5
              (5)    http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&issueno=10919&article=491487&search
                           =الاتفاقية%20الامنية&state=true
                  (6)     http://www.radiosawa.com/arabic_news.aspx?id=1721006&cid=24

269
"البداوة " وسرقة التراث..!

 
باقر الفضلي


وأنا أتصفح خبر سرقة التراث اليهودي العراقي من العراق ونقله الى إسرائيل، حيث طبقاً للخبر المذكور فإن:

 [[  ...باحثاً إسرائيلياً قد كشف أواخر شهر يونيو الماضي لصحيفة هآرتس، عن حيازته عدداً من المخطوطات النادرة باللغة العبرية القادمة من العراق. وأثار هذا الخبر استياءً عراقياً، وشكوكاً بأن هذه المخطوطات قد وصلت إسرائيل بتعاون أمريكي. وأشار وزير الدولة العراقي للسياحة والآثار بأصابع الشك إلى تعاون الأمريكان وشكلت الحكومة العراقية اثر ذلك لجنة خاصة مهمتها متابعة وبحث حيثيات هذه المسألة.]](1)


...أثارني في الخبر المذكور، علاقته بكامل قصة تدمير وحرق وسرقة التراث العراقي الفريد في نوعه وفي قدمه، والذي يعتبر من كنوز الحضارة العالمية، ومن مصادر ثروة العراق الثقافية التي لا تقدر بثمن، والتي تعتبر المصدر الثاني للثروة العراقية بعد النفط، وقد سبق وأن كتبت بهذا الشأن في مقالة سابقة..!(*)


وأنا أتخيل همجية الغزاة الهولاكيين في شباط عام/1258 وتدميرهم لكنوز الثقافة العراقية في بغداد يومذاك، تجسدت أمام ناظري همجية "المتحضرين" الجدد في آذارعام/ 2003، وهم يستبيحون مراكز الثقافة والمعرفة العراقية؛ من متاحف ومكتبات عامة وقصور رئاسية، ومراكز توثيق المعلومات وغيرها من المراكز الثقافية والعلمية النادرة، ويعرضونها الى النهب والتدمير والسرقة والحرق، ويقيمون معسكراتهم العسكرية في مواقع الآثار التأريخية المنتشرة في مختلف أرجاء العراق؛ فلم أستغرب أن تصل كنوز التراث اليهودي العراقي الى سراقها في إسرائيل..!؟؟(2)


فما الذي جمع بين همجية الغزاة الهولاكيين والأمريكيين يا ترى..؟! هل هي الحضارة في أرقى أشكالها التكنولوجية، أم البداوة في أدنى مراتبها الدنيوية..؟!!


ما لفت نظري بهذا الشأن، هو ما قيل ويقال ويُروج له اليوم كثيرا، عن "بداوة العرب والشرقيين" وعن تمسكهم بعاداتٍ وتقاليدٍ أكل الدهر وشرب عليها، ومنهاعلى سبيل المثال مقولة؛ "كل شيء أو لا شيء" الصحراوي، الغارق في البداوة، وجهلهم بمصالحهم وخسارتهم الدائمة بسبب تمسكهم ، ب"موروثهم الإجتماعي" الذي هو إمتداد "لثقافتهم البدوية"..!؟؟


فإذا كان العراقيون يقعون ضمن هذا التصنيف، فليس هناك من حاجة والحال، أن نتألم أو نحزن على خسارة تراثنا الثقافي وكنوزه الفريدة التي دمرها الغزاة، والتي تناثر وجودها شذر مذر في شتى بقاع الدنيا..!؟


ولكن الغريب في الأمر، أن مَنْ يمتلك كل هذه الكنوز الثقافية والمعرفية الرائعة، ويحرصون عليها حرصهم على حدقات أعينهم، هم قوم يرجعون في ثقافتهم الشخصية والعامة الى أصول "ثقافية بدوية"، وينهجون في حياتهم نهجاً بدوياً خشناً فضا، لا يعرف "الوسطية" في التعامل الحياتي كما يُقال عنهم، وتصرفاتهم ولسان حالهم يقول "إما كل شيء وإما لا شيء" حسب ما ينسب اليهم؛ فكيف تسنى لمثل هؤلاء القوم، أن يجمعوا بين الحضارة التي تتمثل بكل هذا الموروث والخزين الثقافي المذهل، والذي يعتبر من مقدمات أصول المعرفة الإنسانية والثقافية، وبين "بداوة" همجية لا تعرف إلا "السيف طريقاً للحياة"..؟!!


يبدو أن المتحضرين التكنلوجيين الجدد، رغم تحضرهم العالي وإمتلاكهم مصادر المعرفة العلمية الحديثة، لا يختلفون في تجذرهم الثقافي وتصرفاتهم  السلوكية اليومية، عن همجية "البدو" من بقايا سكنة الصحراء، من الذين لا يعرفون غير "السيف" و لا يحركهم غير مبدأ "كل شيْ أو لا شيء"، إذا ما أخذنا بما يدعيه بعض الكتاب المحدثين والمتحضرين، أو همجية وبداوة هولاكو، وإلا كيف نجد مخرجاً أو تفسيراً لهمجية تدمير التراث الثقافي العراقي و سرقته أو إرساله الى إسرائيل، وإستباحة المواقع الآثارية وتحويلها الى ثكنات عسكرية، ونحن نعيش في بدايات القرن الحادي والعشرين للحضارة الإنسانية، إن كان هناك ثمة من تفسير آخر..؟؟!  أم أن البدو العراقيين لا يستحقون أن يحتفظوا بحضارة مثل تلك، رغم أنهم أصحابها وهم مبدعوها أو من حافظ عليها، وبالتالي فإن "بداوتهم" الملصقة بهم، أنسب لهم من "حضارة" العالم "الجديد"، التي أسهمت  في تدمير وسرقة التراث العراقي..؟!(3)


ولكن الأمر الأكثر يقينا؛ أن الفرق بين همجية المتحضرين التكنلوجيين الجدد، وبين "بداوة" العراقيين، هو تلك القيم الإنسانية الرفيعة، التي إحتفظ بها العراقيون، وحافظوا من خلالها على كنوز الثقافة العريقة، وصانوها ورعوها كفلذات أكبادهم عبر العصور، لتكون معلماً لكنوز الثقافة الإنسانية ورمزاً أبدياً للحضارة البشرية تقرؤه الأجيال القادمة على مدى مسيرة التأريخ؛ فهل للمتحضرين التكنولوجيين الجُدد ما يؤهلهم من القيم والأخلاق نفسها، ليكسبوا بها ثقة العراقيين ذوي "الأصول البدوية"..؟؟!(4)     
          _____________________________________________________________________________________
  (*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/22zk.htm
   (1)   http://arabic.rnw.nl/mideastafrica/11070802 
   (2)    http://arabic.rnw.nl/articlesbytag?tag=%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%87+%D8%AA%D9%8A%D8%AE%D9%84%D8%B1
  (3)   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_2951000/2951287.stm
               (4)   http://www.w-arb.com:80/vb/showthread.php?p=338855 

270
باقر الفضلي


إن كان للعراق ما يفخر به من أمجاد تراثه على مدى خمسة آلاف سنة من التأريخ وأكثر؛ فذلك هو نسيجه الإجتماعي الذي تمثل فيه مكوناته من الأثنيات القومية والدينية القديمة، واسطة العقد الفسيفسائي للمجتمع العراقي. فرغم كل ما تعرض له العراق في تأريخه القديم والحديث من ويلات الغزو والإحتلال، ظلت تلك المكونات متمسكة ومتماسكة في وجودها وإلتصاقها بأرض الوطن، الذي حمل بين جناحيه، الفراتين، تراث هذه الشعوب وأرثها الخالد في الحضارة والقيم والمعرفة حتى يومنا هذا..!


اليوم ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، تتعرض هذه المكونات العراقية، الى حملة منظمة من التنكيل والإضطهاد؛ فمنذ ما يزيد على خمس سنوات، ومع البدايات الجديدة للعهد الجديد، وفي ظل العملية السياسية "الديمقراطية"، شُردت  مئات الألوف من العوائل المسيحية والمندائية من مواطن سكناها الأصلية، تحت رهبة التهديد والقتل والإختطاف وفقدان الحماية الحكومية، وهُدمت غير قليل من أماكن عبادتها، وأغتيل العديد من رجال دينها، مما عرض وضعها الديموغرافي الى الخلل؛ حيث دفع بآلاف العوائل منها، الى طلب اللجوء في البلدان المجاورة، وتم إفراغ مناطق واسعة من سكانها الأصليين من هذه المكونات، كما في البصرة ومدينة الدورة في بغداد على سبيل المثال..!؟؟


ويأتي أخيراً وليس آخراً، مجلس النواب العراقي، متوجاً كل تلك المآسي الذي تتعرض لها تلك المكونات الإثنية والدينية، بإقراره قانون إنتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، بعد إلغائه نص المادة /50 من القانون على وهنها،(*) حاجباً بذلك حق تلك المكونات من التمثيل في مجالسها، رغم أنها من المكونات التي كفل لها الدستور كل حقوق المواطنة والحقوق السياسية، كمكونات متساوية مع غيرها من المكونات الأخرى في المجتمع، في هذه الحقوق..!!؟


ومهما قيل عن نجاح الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب في تجاوز أزمة تمرير القانون المذكور، عن طريق "التوافق" وبتعاون ممثل الأمم المتحدة، إلا أنها أثبتت من جانب آخر، فشلها وليس للمرة الأولى، في الإلتزام بنصوص الدستور ومبادئه العامة، فجاءت عملية "التوافق" لتمرير القانون على حساب تلك المباديء الدستورية، فكانت ضحية توافق الكبار، هدر لحقوق الصغار؛  ولإدراك الكتل السياسية البرلمانية ذات الأغلبية، والتي هي من صوت على الإلغاء، لتداعيات تلك الحقيقة، عَجَّلَ البعض من ممثليها أو رؤوساءها الى التعبير عن "أسفهم" لعدم شمول القانون لحق المكونات الإثنية الأقل عدداً والطوائف الدينية الصغيرة، بالتمثيل في مجالس المحافظات، فأي كلام هذا..؟؟!!


فإذا كان التعبير عن "الأسف" مجرد شعور ب "الندم" من قبل تلك الكتل السياسية التي شاركت في عملية "التوافق"، ملغية بذلك نص المادة/50 من القانون المثبتة في نسخته المقرة في 22/7/2008 ، فالأمر لا زال في بداياته وبإمكان تلك الكتل المتسيدة في البرلمان، أن تعيد النظر في موقفها وتقترح إتخاذ الإجراءات التشريعية المناسبة التي تعيد الأمور الى نصابها الذي ينسجم مع مباديء الدستور، وذلك بالإعتراف للمكونات الصغيرة بكامل حقها في التمثيل في مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، وفق الكوتا التي تتناسب وحجمها (الحقيقي) في المحافظات المعينة. وبإمكان مجلس الرئاسة إقتراح التشريع المناسب لهذا السبب، ولأسباب أخرى تتعلق بإستخدام أماكن العبادة للدعاية الإنتخابية، وإعادته لمجلس النواب للنظر في أمر ذلك..!


وإذا كان الأسف تعبيراً عن سهو يستوجب الإعتذار، وهكذا بررت بعض الكتل النيابية ذلك، فالأمر أدهى وأمر، ويرفضه كتبرير واقع الحال. أما إذا كان ما وراء الأكمة ما ورائها، وما تبطنه عملية "التوافق" التي جرت في الغرف الخلفية، من خفايا الإتفاقات وأهدافها المبطنة، فالأسئلة التي تطرح نفسها، تظل تبحث عن إحتمالات أجوبتها وتفسيرها بعيداً، في ركام خطط ما هو مرسوم لمستقبل العراق والمنطقة، وفيما سيكون عليه مصير الإثنيات الصغيرة وفي مقدمتها الكلدوآشوريين والمكونات الأخرى من الطوائف الدينية الصغيرة ، وعلاقة ذلك برسم الخريطة الطائفية لتلك المكونات والتعامل معها كمجرد أقليات دينية مسيحية، يمكن إذابتها وإمتصاصها من قبل الإثنيات الكبيرة، وفيما ستكون عليه خريطة العراق القادم، وما تعنيه حملات التشجيع على النزوح من العراق الى دول المهجر..!!؟


وإلا فأي معنى للأسف الذي أطلقه قادة ورموز الكتل النيابية الكبيرة، في الوقت الذي كانت فيه كتلهم نفسها هي مَنْ صوت بالإجماع على إلغاء المادة /50 من القانون والمصادق عليها سلفاً من قبل المجلس نفسه في جلسته المنعقدة بتأريخ 22/7/2008 ، فكيف يفسر التحالف الرباعي للأحزاب الحاكمة أسفه هذا، وهو المبادر "توافقياً" على إلغاء نص يقر بحق المكونات الإثنية الأقل عدداً والطوائف الدينية الأصغر من صلب القانون، تحت حجج واهية ومنها غياب التعداد الصحيح لنسب تلك المكونات، فهل يمتلك مجلس النواب يا ترى، إحصائيات دقيقة عن أعداد المكونات الكبيرة..؟ أليس في هذا الأسف والقلق الذي أبدته رموز هذه الأحزاب، ما يوحي بأنه من فذلكة التلاعب السياسي، أو من باب ذر الرماد في الأعين، أو الضحك على الذقون، ولا أريد الذهاب الى أبعد من ذلك..؟؟!


مهما وُصفت به عملية "التوافق" الأخيرة في إمرار قانون إنتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي، بكونها عملية بالإتجاه الصحيح في طريق بناء "الديمقراطية" ودعم "العملية السياسية"، من جهة التعجيل بإجراء الإنتخابات، وهذا يسجل لصالحها، فهي من الجانب الآخر وفي جوهرها، قد سجلت إنعطافاً خطيراً بالإتجاه المعاكس للتوجه الديمقراطي المفترض والمثبت في الدستور، والذي تتبجح كافة الكتل السياسية الحاكمة، بالإلتزام به منهجاً في مسيرة "العملية السياسية"، كما وأنها شكلت تعارضاً صارخاً مع منطوق الفقرة/ب /أولاً من المادة الثانية /الباب الأول – المباديء الأساسية من الدستور العراقي الدائم، وفي أخطر المواقع التي تتعلق بحقوق الإنسان، ناهيك عن تعارضها مع العديد من النصوص الدستورية الأخرى..!!؟ (1)


لا أريد هنا الخوض في التكهن بعوامل وأسباب ما يقف وراء إلغاء المادة/50 من القانون، فهذا له حديث آخر، ولكن من المفيد الإشارة هنا، الى نص المادة/ 35 من القانون التي أغفلها الجميع، لتنكشف أمام القاريء حصيلة لعبة "التوافق" التي جاء من ثمراتها ما حصدته الأحزاب الإسلامية، حكراً لها من وراء ذلك؛ وهو تثبيت نص المادة المذكورة، التي تسمح لتلك الأحزاب بحرية إستغلال أماكن العبادة للدعاية الإنتخابية، خلافاً لأحكام الدستور   فقد نصت المادة المذكورة من القانون بصيغته الجديدة على ما يلي:
      {{ المادة (35): يمنع استخدام دوائر الدولة ويقصد بها مواقع العمل والوظيفة للدعاية الانتخابية ويسمح استخدام دور العبادة لذلك. }} (2)


أما حقيقة نص المادة المذكورة في القانون المقر في 22/7/2008 والمنقوض من قبل مجلس الرئاسة فكانت على النحو التالي: {{ المادة (35): يمنع استخدام دوائر الدولة ودور العبادة بأية وسيلة كانت لأغراض الدعاية الانتخابية}}(3)

ولنا في هذا رأي واضح يمكن الإطلاع عليه في الرابط أدناه..!(4)
_______________________________________________________________
            (*)    ليست صيغة المادة/50 في جوهرها، غير شكل من أشكال تكريس مبدأ المحاصصة بديلاً عن مبدأ المواطنة
  (1)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=146581
  (2)  http://www.alsaymar.org/akbar/26092008akh3296.htm         
  (3)    http://www.zowaa.org/nws/ns7/n220708-4.htm 
  (4)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=136440

271
باقر الفضلي



يختصم العراقيون منذ فترة في كركوك، على مصير مدينتهم، وكأنهم في مواجهة سيل مدمر يهدر بإتجاه المدينة؛ إن لم يحرفوا إتجاهه، فإنه سيبتلع المدينة ومن فيها، ويأتي على الأخضر واليابس، ليصبح كل شيء أثراً بعد عين..!

الجميع يشعر بحجم الكارثة إن وقعت، والجميع يدرك هول المصيبة إن أهملت، ولكن الجميع يبدو أنهم لا يريدون أن يدركوا حجم مسؤوليتهم في المخاطرة بدفع الأمور الى طرقها المسدودة..!؟


لقد كشفت وقائع جلسة مجلس النواب العراقي بتأريخ 22/7/2008 ، المأزق السياسي -  الدستوري، الذي لا زال يأخذ بخناق تحالفات الكتل السياسية من قادة العملية السياسية العراقية، ومنذ أن وُضِعَتْ تلك العملية في الميدان العملي، ومنذ أن باشر مجلس النواب وحكومة "الوحدة الوطنية" خطواتهما الأولى في طريق "العملية السياسية" قبل سنتين..!


فالمعروف أنه ليس من باب العجب، وفق آليات الديمقراطية البرلمانية ، أن تخفق بعض القوى السياسية في الوصول الى أهدافها من خلال تلك الاليات أو العكس، وهو الآخر صحيح، ولكن ما جرى ذلك اليوم في جلسة مجلس النواب، قد كان كابوساً خيم على رؤوس قادة الكتل السياسية في البرلمان، فهم لم يعتادوا بأن للديمقراطية إذا ما مورست وفق آليات صحيحة، نتائج ربما لم تكن في الحسبان، وهذا ما حصل في جلسة ذلك اليوم..!


فإذا ما سرنا مع وقائع تلك الجلسة، وما ترتب عليها من نتائج دراماتيكية على صعيد الساحة السياسية العراقية، سنجد أنفسنا أمام مستحقات ذات طابع تأملي، في النظر الى جوهر وماهية طبيعة "العملية السياسية" القائمة على الصعيد العملي الميداني، وذلك" وعلى أقل تقدير، من زاويتين محددتين؛

•    القاعدة المؤسساتية التي تقف عليها "العملية السياسية" نفسها.
•   الآلية التي بموجبها تدار وتحرك مفردات تلك "العملية" وجزئياتها المختلفة.


وإنطلاقاً من هذه الفرضية وعلى بساطتها؛ يمكننا الأخذ بالمعيار التأريخي الذي إبتدأت به تلك "العملية" على الصعيد الميداني، وبعيداً عن الخوض في تفاصيلها وأسس بنائها، وهنا وفي هذه الحالة، سيكون المرء ملزماً بمتابعة الخطوات الأولى لها، بإعتبارها الأساس والقاعدة الأولى التي وقف وأسس عليها بناءها الأول في العراق "الجديد"، والتي على ضوئه، أعتبرت البديل الشرعي والمشروع للنظام الدكتاتوري السابق..!


ومن هنا يمكن القول بأن الخطوة الأولى، والأكثر تكثيفاً فيما بعد لكل قاعدة البناء الهرمي الذي تواصل متصعداً الى حيث ما يدعى اليوم ب "العملية السياسية". إنما تتلخص في "الدستور الدائم" لعام/2005  الذي جرى التصويت عليه في إستفتاء عام..!


فالدستور الدائم الحالي، يشكل هنا، اللبنة الأولى والأساس للقاعدة التي تقف عليها، من الناحية الموضوعية، مجمل "العملية السياسية"، التي من المفترض أن يلتزم بها جميع أولئك الذين سبق وإن إلتزموا بهذا الدستور، والذي توصلوا اليه في " شكله ومضمونه الحالي"، عبر عملية شائكة شاقة، من "الصراع التوافقي"، الذي ترك بصماته المعقدة على الكثير من شكليات ومضامين الدستور نفسه، مرجئاً حل الكثير منها الى أوقات مستقبلية، أثبتت الحقبة الزمنية اللاحقة لسريان مفعول الدستور، عجز المتصارعين التوافقيين من التوصل الى الحلول الناجعة لتدارك أمر تلك الإشكاليات الخلافية، وهذا ما عبر عنه، الشلل الذي أصاب تطبيق المادة /142 من الدستور..!


وحيث يصبح من الملزم التمسك بأحكام الدستور بعد سريان مفعوله، بإعتباره القاعدة الأساس التي يفترض الإنطلاق منها عند الإحتكام في معالجة الإختلاف في النصوص القانونية أو عند تشريعها، يصبح والحال، من غير المناسب، ولا من المنطقي، أو بصورة أدق، من غير الدستوري، التمسك بأية نصوص أو أحكام أو مقولات أخرى خارج إطار الدستور نفسه وآلياته التي حددها في هذا الشأن..!


فمهما قيل أو يقال بشأن الوسائل والطرق والأساليب التي قد تم إتباعها في التوصل الى إقرار الدستور نفسه، فمن غير الصحيح أيضاً، التمسك بكل ذلك في حالة وضع الدستور نفسه في حيز التطبيق؛ حيث يصبح من البدهي الإحتكام الى نصوصه لما لها من الأولوية، حتى لو جاءت متعارضة  في نتائجها مع خيارات التوافق التي تحكمت يوماً ما في صياغة هذه النصوص بالنسبة للأطراف التي قد تجد فيها عند التطبيق ما لا يتلائم ومصالحها الآنية، فهي في هذه الحالة ملزمة بالإلتزام بما ألزمت نفسها به، عندما وافقت على نصوص الدستور نفسه في وضعها الحالي..!


فالمرجعية الوحيدة التي يحب الإحتكام اليها في أي حالة من حالات الإختلاف أو التنازع القانوني، التي قد تحدث بين مؤسسات الدولة أو السلطات السيادية في أمور تتعلق بقضايا الدستور والقوانين، إنما هي أحكام الدستور نفسه. وإذا ما صير الى غير ذلك من وسائل لتجاوز أو العبور على تلك الخلافات، ، إنما هو خروج على الدستور نفسه؛ حتى إن كان ذلك قد صح يوماً قبل إقرار الدستور، فهو لا يصح بعد أن أصبح الدستور قيد التطبيق واحكاماً يفترض أن يلتزم بها الجميع..!


فإن كانت ما تدعى ب"الديمقراطية التوافقية" يوماً، طريقاً ووسيلة لتحقيق التوازن المصلحي للكتل السياسية، والذي إنعكس من الناحية العملية في العديد من نصوص الدستور الدائم، وفي الأطر الديمقراطية الأخرى؛ كالبرلمان والسلطة القضائية والسلطات الأخرى، يصبح من غير المناسب ومن غير المنطقي أن تتمسك نفس هذه الكتل السياسية، بنفس تلك الوسائل السابقة لما يسمى ب"الديمقراطية التوافقية"، واضعة خلف ظهرها ما أجمعت عليه يوماً ما، من أطر بناء الدولة الحديثة وآلياتها الديمقراطية، إستناداً لأحكام الدستور ..!


وهنا تبرز الى السطح الممارسة العملية الميدانية لتحريك وإدارة أدوات "العملية السياسية" بإعتبارها من حيث الجوهر و طبقاً للمنطق الدستوري ؛ عبارة عن بناء أسس وهياكل ومؤسسات الدولة المدنية العصرية الديمقراطية..!


 وتدخل ضمن هذا الإطار وكاحد أشكال هذه الممارسة، آلية التشريع وسن القوانين، التي يمارسها مجلس النواب بإعتباره أعلى هيئة تشريعية وممثلاً للشعب في الرقابة على حسن تطبيق القوانين وأداء الهيئات والسلطات التنفيذية الأخرى، وفي جميع الأحوال تعتبر الممارسة المذكورة من قبل مجلس النواب أحدى آليات الديمقراطية، التي يفترض توفير الحصانة التامة ، والإستقلال الكامل لممارسيها من أعضاء البرلمان، وبعيداً من أي تأثير أو تدخل خارجي ، بما فيه تأثير قادة الكتل السياسية التي ينتمي لها الأعضاء، خلال وأثناء عملية إبداء الرأي أو التصويت، رغم أن هذا لا ينفي ذلك التأثير على الصعيد التطبيقي..!


اما إشكالية التصويت السري نفسها ، فهي لا تمثل في جوهرها وإرتباطاً بما جرى في وقائع جلسة 22/7 للبرلمان، تلك القشة التي قصمت ظهر البعير حسب، بقدر ما إنها قد كشفت حقيقة لا ديمقراطية الأسلوب الذي إعتاد مجلس النواب السير عليه في عملية تشريع القوانين، والذي كان يعتمد التوافق المسبق والتصويت العلني المرغوب به سلفاً من قبل رؤوساء الكتل السياسية النيابية من خلال عملية "التوافق" اللاديمقراطية في جوهرها، والتي من ابرز نتائجها تغييب حرية النائب في تقرير ما يراه هو شخصياً في تحديد موقفه من القضايا المطروحة..!


فالتصويت السري بحد ذاته ليس محرماً دستورياً ويمكن اللجوء اليه حيثما تدعو الحاجة لذلك، إن لم يكن هو مبدأ أساس في صلب الدستور ومنصوص عليه، ضمن نص المادة الخامسة منه، والموضوع هنا لا ينصرف الى علنية الجلسات أو سريتها كما نص عليه في المادة/51 من الدستور، مثلما يراد الخلط بين الأمرين، ولكنه في حالة يوم 22/7 قد فاجئنا بنتائج ما كانت في حسبان الكثيرين وبالذات منهم بعض قادة الكتل السياسية من الذين لم يتوقعوا مثل تلك النتائج، وخاصة ما تمخضت عنه من تمرير قانون إنتخابات المحافظات ، فأذهلتهم النتيجة، وهذا ما لم يكن يتوقعوه..!(*)


فالأزمة التي إستتبعت عملية التصويت السري للمادة/24 من مشروع قانون إنتخابات مجالس المحافظات، إنما عكست جانبين مهمين في مجمل سير "العملية السياسية" ، أولهما يتعلق بطبيعة إدارة الصراع بين مكونات الكتل النيابية السياسية، والثاني يتعلق بطبيعة الصراع نفسه، ومن خلال هذه الإشكالية يرى المراقب وبوضوح بالغ، حالة التداخل والإختلاط بين المباديء والأهداف وبين الوسائل، لدرجة تضيع فيها أحياناً، المباديء الدستورية لحساب المواقف السياسية للكتل السياسية، وقد تصل الأمور في بعض الأحيان بالبعض، حد التخوين والتجاذب الكلامي الحاد والإتهامات المتبادلة وردود الفعل العنيفة، والشيء نفسه ما ينعكس على ردود أفعال الوسط الإعلامي والثقافي..!


فلأول مرة، وهكذا يمكن القول، يجري الإعلان عن الإقتراع السري في مجلس النواب على نص معين في مشروع قانون مطروح للتصويت عليه لإقراره، وبالرغم من مشروعية عملية الإقتراع أو من عدمها، فإن عملية الإقتراع نفسها، كانت عملية تدخل في إطار آلية الممارسة الديمقراطية، وهي تعبر عن النشاط الحي لمؤسسة البرلمان العراقي، على عكس ما كانت تتمخض عنه آلية التوافق المسبق على مشاريع القوانين التي إعتاد مجلس النواب على ممارستها، خلال الفترة منذ بدء نشاطه، مما جردته من صفته الإنتخابية، وحولته الى مجرد آلة ميكانيكية لتمرير مشاريع القوانين المشرعة سلفاً في مطبخ "الديمقراطية التوافقية" من قبل رؤوساء الكتل النيابية..!


ومع حساب النتائج بدى واضحاً، حالة الخلط بين آلية الممارسة (الإقتراع السري)، من جهة وبين مضمون المادة/24 نفسه من القانون، ومن هنا تولد الطعن بأحقية ممارسة (الإقتراع السري) والقول بلا دستوريتها، من قبل الجهات التي جاءت تلك النتائج ليست في صالحها، حيث أن مضامين المادة المذكورة ، كانت في طبيعتها تعبر بالأساس، عن مواقف خلافية بين مكونات الكتل السياسية، وترتبط بالقراءات المختلفة لتلك الكتل، لنص المادة/140 من الدستور المتعلقة بإشكالية قضية (كركوك). ومن هذا الموقف تفجرت ردود الفعل الغاضبة لبعض الكتل، بعد أن إكتشفت حالة الخروج على عملية التوافق المسبقة من قبل بعض حلفاءها..!


لقد وضعت وقائع جلسة مجلس النواب ليوم 22/7/ 2008  "العملية السياسية" أمام طريقين لا ثالث لهما؛ وكليهما لا يمنحان حصانة من عدم تعرض العملية المذكورة مستقبلاً، الى أزمات خانقة ربما تكون أكثر شدة مما حصل الآن، وهذا ما يعبر عن أن العملية الإقتصادية-الإجتماعية العراقية، لا زالت تحبو في أماكنها، وإن المكونات الإجتماعية الحقيقية، التي يمكن أن تجد ممثليها الحقيقيين في المجلس النيابي لم تتحقق بعد، وإن كل العملية السياسية المعلن عنها، لا زالت تجري في إطار صراع كتل الأحزاب والمنظمات السياسية من مكونات تلك العملية والمتخندقة في مراكز قيادة السلطة وما حوله اليوم ..!


فالخيار الأول، الذي هو أقرب الى هوى قيادات الكتل السياسية المتحكمة بالعملية السياسية طبقاً لنتائج الإنتخابات السابقة، يتمثل في التواصل بالتمسك بخيار التوافقية التي جبلت عليه آلية تشريع القوانين وتمرريها في مجلس النواب، لأنه الطريق الوحيد الضامن للخروج من مأزق التعارض للمصالح المتباينة للكتل المذكورة، رغم تعارضه مع مبدأ الديمقراطية، الذي تتبناه جميع تلك الكتل في إعلامها اليومي. ولغرض التوليف بين المصطلحين، وإزالة حالة التعارض بينهما، يجري الترويج لمصطلح جديد تحت عنوان "الديمقراطية التوافقية" ، أو بتعبير أكثر قبولاً لدى البعض ب"التوافق الوطني" رغم عدم التطابق بين التعبيرين، والتناقض الظاهر في مدلول التعبير الأول..! وما جاء في مسار الفقرة السابقة من هذه المقالة، يوضح الأرضية التي يقف عليها هذا الخيار..!


أما الخيار الثاني، فيتمثل في حالة التمسك بآلية الممارسة الديمقراطية في تحريك العملية السياسية، طبقاً لأرضيتها المتمثلة في قاعدتها المؤسسية، وهي الدستور، وفي هذه الحالة، يصبح من البدهي إلتزام جميع تلك الكتل السياسية، بأحكام نصوص الدستور، وهذا من جانبه يتطلب الكثير من التنازلات من قبل الجميع، من إجل إزالة التعارض بين المصالح المتباينة، في إطار الدستور، وضمن مصلحة مشتركة واحدة، هي مصلحة الوطن. ومن متابعة مسيرة "العملية السياسية" خلال الفترة الزمنية المنصرمة، لا يبدو أن شروط هذا الخيار قد نضجت بعد، الى الحد الكافي الذي يجعل منه ممارسة دائمة في الحياة السياسية، ومنها النيابية؛ كما وأن القوى الإقتصا -  إجتماعية التي من مصلحتها تثبيت دعائم هذا الخيار في الحياة السياسية اليومية، لم تتبلور بعد كقوى ضاغطة في الحياة السياسية اليومية، ولهذا الأمر شروطه الخاصة، التي ليس أمر البحث فيها في مثل هذه المقالة..! 


ومع ما للخيار الأول "التوافق" من سلبيات واضحة، ورغم تعارضه مع مبدأ الديمقراطية، إلا أنه يبدو، ومع عدم نضج المكونات الإقتصادية -  الإجتماعية وتبلور وجودها في المجتمع، هو الأكثر قبولاً بالنسبة للكتل السياسية من مكونات العملية السياسية، للتمسك به كخيار قائم في حل إشكالية الخلافات الناجمة عن تباين مصالحها الخاصة؛ شخصية كانت أم حزبية أو طائفية مذهبية ضيقة، أو حتى إثنية..!


وفي ظل ظروف العراق الراهنة، وحالة شبه التوازن بين الكتل السياسية ذات الأجندات المتباينة، مقرونة بحجم الضغوط الإقليمية الكبيرة والمسلطة من دول الجوار بإمتداداتها الداخلية، مضافاً اليها تأثير تدخل قوى الإحتلال المباشر في حسم القرارات؛ يعتبر خيار "التوافق" بالنسبة للقائلين به، هو الأقل ضرراً، والأيسر وصولاً الى تخطي إشكالية الخلافات، وخاصة العقدية منها، وإرجاء تفجرها أو إصطدامها، وذلك بترحيلها وبدفعها الى الأمام، ولا يدري المرء الى أي مدى يمكن التعويل على ذلك دون إغفالٍ لما قد يترتب على ذلك من مخاطر غير محسوبة النتائج، طالما ظلت تلك الإشكاليات، وهي غير قليلة، عالقة في الهواء..!


 ومن هنا يمكن البحث في أسباب ردة الفعل السريعة التي أعقبت تمرير قانون إنتخاب المحافظات يوم 22/7/2008 في مجلس النواب، بإعتبار أن ما حصل، هو بمثابة خروج على مبدأ "التوافق" المتفاهم عليه من قبل الكتل السياسية البرلمانية الحاكمة، بإعتباره المخرج الوحيد في ظل الظروف الراهنة للخروج من أزمة الحكم وبناء الدولة الجديدة..! (2)       
__________________________________________________________
               *  تأخر نشر المقالة لأسباب ذاتية
           
(1)   http://www.aswataliraq.info/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=4&NrArticle=86818&NrIssue=1&NrSection=1     
(2)  http://www.iraqcp.org/members4/0080907w1.htm


 
   



272
باقر الفضلي


إذا كان للحزن من حدود، فبإغتيال كامل شياع قد جاوز الحزن كل الحدود؛
 فالموت وحده أعجز من أن يفجر الحزن من مكامنه، ولا الفجيعة وحدها، قادرة على سبر قرارة الألم في أعماقه.. ولكن فقدان كامل شياع كان له معنى أبعد وأعمق من معنى الموت وحده؛
 إنه التحدي الكبير في مواجهة قوى مافيا القتل والجريمة وسارقي أموال الشعب وعصابات الإرهاب وأعداء الديمقراطية..!؟

 إنها الديمقراطية المنشودة والكلمة الحرة والثقافة الموعودة، من طالها الأغتيال بأسم الشهيد الوطني الغيور كامل شياع، الذي نصب من نفسه درعاً في الصف الأول من المجابهة ضد أعداء الديمقراطية والثقافة النيرة..!

فمنْ يُحَمَّلُ وزر الجريمة، ومَنْ سيفرِض العقاب..؟! مَنْ سيذُد عن الحق، ومَنْ سيكشف عن المجهول..؟!
أسئلة نأمل ألا تضيع مع المجهول، ففي العراق بات كل شيء يغرق في المجهول..

فإذا كان كامل شياع مواطناً عراقياً، فمن سينصفه من القتلة..؟!
وإذا كان كامل شياع إنساناً،  فمن سينصف إنسانيته..؟!
وإن كان كامل شياع مثقفاً مبدعاً، فمن سيرفع راية الثقافة مخطوطاً عليها بحروف ذهبية (شهيد الثقافة)..؟!
فإذا كان كامل شياع كل هذا وذاك، فلماذا إمتدت له يد الغدر والجريمة..؟!

هل كان قتلاً من أجل القتل..؟! أم كانت الرصاصات طائشة..؟!

ترددت كثيراً قبل أن أقول بضع كلمات، لا أظنها تفي بما أبتغيه، فرثاء مثقف مثل كامل شياع، أعجز من أن يرقى بحجم الفجيعة الى مستوى ما هي عليه.. فكامل أكبر من الموت حيث تحداه، وأبقى للحياة التي عشقها في أشد حالكاتها من سواد..
 ولكنه السؤال يدور..وليس في إرهاق النفوس مثل السؤال.. لماذا الإغتيال..؟؟  ومن يقف وراء الإغتيال..؟؟

فإذا كان في السياسة سلاح إسمه "الإغتيال"، فمن ياترى، تلك الجهة السياسية التي من مصلحتها أن تسكت صوت المبدع المثقف كامل شياع..؟؟!

فالجريمة في توصيفها لا تخرج عن كونها جريمة سياسية، وأدل دليل لإثبات ذلك، هو كاتمات الصوت، التي تبغي الجهة الجانية من وراءها، طمس الحقيقة من خلال التستر على المنفذين، وجرائم من هذا القبيل، لا يقف وراءها سوى تنظيمات سياسية يقف في صلب تكتيكاتها ووسائلها "الإغتيال السياسي" ، كإحدى الوسائل لتصفيات الخصوم، في ظل الوضع الراهن في العراق..!؟ ولا يوجه كاتمات الصوت الى صدور رموز الديمقراطية، إلا أولئك الذين ترعبهم الكلمة، فيتصدون لها بالقتل الغادر، شعارهم في ذلك "الإغتيال السياسي" السلاح القديم..!؟ 


وفي الجريمة النكراء بإغتيال المثقف المبدع الشهم والإنسان الوطني الديمقراطي كامل شياع، رسائل عدة، ليس أدلها فقط ما هو موجه الى نخبة المثقفين والمبدعين العراقيين الديمقراطيين، بقدر ما فيها من تحد صارخ الى سلطة الحكومة العراقية ، يضاف الى جملة التحديات الكثيرة التي طالت جموع النخب المثقفة من أكاديميين وعلماء وصحفيين وكتاب ورجال القضاء والدولة؛  فالشهيد البار ، هو من مستشاري وزارة الثقافة العراقية وأحد مبدعيها، كما وهي رسالة موجهة الى الحياة الجديدة والعملية السياسية في العراق والى جميع كتلها السياسية ، التي  تعلن في ندائاتها المتواصلة، عن نيتها في بناء الدولة على أسس ديمقراطية؛

 فالجريمة تشكل حالة جديدة تضاف الى حالات الإرهاب الأخرى من تفجير المفخخات وجرائم الإنتحاريين..!؟ فإن لم تكن الأولى فهي ليست الأخيرة، وهي تشكل حلقة في مسلسل الإغتيالات الي طالت رجال الثقافة والفكر في العراق على مسار السنوات الخمس الماضية، وستظل التحدي الكبير أمام الكتل السياسية والعملية السياسية وأمام كل الديمقراطيين، فالمغدورون من نخب الفكر والثقافة العراقية الديمقراطيون، هم أول من إحتظن وبصدق مسيرة إرساء الديمقراطية، وقد صدقوا القول في تصديهم الشجاع لأعداء الديمقراطية قولاً وفعلا..! 


وكي يكون للإستنكار من وقع في نفوس المفجوعين بفقد الشهيد المبدع كامل شياع، فالحكومة العراقية وفي مقدمتها السيد رئيس الوزراء في مقدمة من تجري مطالبتهم، في الدفع بإتجاه تعميق التحقيق السريع وكشف الجهات التي تقف وراء جريمة الإغتيال، وكشف القتلة وإنزال العقاب العادل بحقهم. فلا معنى للإستنكار وحده، إن لم تطال سلطة القانون مرتكبي الجريمة والكشف عمن يقف ورائها..! 


بكشف من يقف وراء الجريمة ستتضح الصورة وسيبان الخيط الأبيض من الأسود، وستنفضح عملية خلط الأوراق. كما وليس بكاف وحده نسب كل شيء الى الإرهاب، كما لا يمكن أن تمر الجريمة مر السحاب..!
إن الجميع أمام إمتحان عسير..!
والمجد لشهيد الثقافة والديمقراطية، الوطني الغيور والصامد الشجاع، كامل شياع..!
   
 
   

   

273


باقر الفضلي


اليوبيل الذهبي ليومٍ خالدٍ في تأرخ العراق الحديث، هو يوم سَطر من أجله العديد من الكتاب والباحثين والمؤرخين، أجانب أم عراقيين، الكثيرَ من البحوث والدراسات، وتناولته الصحافةُ ووسائلُ الإعلام على إختلافها، بالتحليل والتقرير والتأويل والتفسير، عبر نصف قرن من السنين ولا زالت، ولكنها لم تُجْمِعْ حتى اليوم على كُنه ذلك اليوم. الجميع ينظر، كل من زاويته الخاصة ومن فهمه الخاص، لطبيعة ظروف الحدث، أو إعادته لأسبابه.


الشيء الوحيد الذي ميز تلك الأحداث، هو إرتباطها بالدعم الجماهيري منقطع النظير، وبالدعم السياسي شبه المطلق للقوى السياسية العراقية التي كانت في إعتبارات السياسة في ظروف العراق آنذاك، تُحسب في الجانب المعارض للسلطات الحاكمة، التي تَوجَه الحَدث ضدها مباشرة.


وهذا ما أكسب إستيلاء القطعات العسكرية بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم على السلطة يوم 14/تموز/1958 وإعلان النظام الجمهوري لأول مرة في العراق الحديث، سمة (الثورة الشعبية) بعد أن هبت غالبية الجماهير العراقية  بدعم حركة الجيش ووفرت لها حماية شعبية منقطعة النظير، مما أصاب كل مناصري النظام الملكي بالشلل للتحرك المضاد.


من ذلك يمكن الدخول الى إشكالية الإختلاف في تسمية أحداث الرابع عشر من تموز-      1958 ، بالثورة أو بالإنقلاب العسكري، أو حتى بالإنقلاب الثوري، وهذا ما أشرت اليه في البداية، من عدم التوحد في بحوث الكتاب والمعلقين والباحثين والمؤرخين، على سمة وكُنه أحداث ذلك اليوم وطبيعتها الموضوعية. وستظل هذه الإشكالية قائمة لفترة طويلة في التأريخ، خاصة وإن الفترة التي أعقبت أحداث ذلك اليوم وحتى اللحظة، لا زالت تتسم بعدم الإستقرار، ويغلب عليها صراع حاد مختلف الأشكال والإتجاهات وكذلك نوع القوى المتصارعة، من داخلية وإقليمية ودولية.


فبالعودة الى الوراء ، وخاصة ما قبل الحدث، يصبح من المستلزمات الضرورية، للباحث، الذي يطمح في الوصول الى تسمية دقيقة، أو بشكل أدق، توصيفٍ علمي موضوعي لأي حدث ما، أن يدرس، وبعمق تحليلي وأستقرائي علمي، مبني على علم القوانين الإقتصادية والإجتماعية لطبيعة الأوضاع الإقتصادية في بلد الحدث نفسه، وما يقابلها من الحالة الإجتماعية ومجموعة العلاقات السياسية الداخلية والخارجية، وشكل النظام السياسي القائم ونهجه الإقتصادي والسياسي، ومستوى الوعي العام والنضج السياسي للمجتمع، وأمور كثيرة أخرى تدخل في حقل التأريخ والجغرافيا السياسية، ومنها العلاقات الإقليمية والدولية ومناطق النفوذ، والصراع الدولي، قبل أن يحدد التوصيف العلمي الدقيق للأحداث، مثل أحداث الرابع عشر من تموز-1958 في العراق. ومع كل هذا وذاك، لابد أن يجري التقييم وفق ظروف الحدث نفسه يومذاك، سواء منها الداخلية أو الإقليمية والدولية، وأن يؤخذ بالإعتبار حالة الصراع الدولي وتوازنات القوى المؤثرة على الحدث نفسه. وليس طبقاً لظروف الحالة الراهنة اليوم، رغم وجود مشتركات كثيرة تربط بين الزمنين.


فالمفاهيم الثلاث المذكورة، تتداخل مع بعضها من حيث الشكل والمضمون والوسيلة، ولكل مفهوم منها خصوصيته الموضوعية وسماته الخاصة في التعريف، فمنها من حيث كونه يعبر عن مرحلة إقتصادية – إجتماعية، لها قوانين سيرورتها وتطورها كعملية قائمة بذاتها من حيث مكوناتها الطبقية والتأريخية، وواقع بنيتها الإقتصادية القائمة والعلاقات الطبقية الإنتاجية السائدة التي تتحكم بمجمل ذلك، أو بين مفهوم لا يعبر في جوهره إلا عن آلية تكنيكية تمهد في غايتها الطريق لعمل معين تترتب عليه نتائج مهمة قد تقلب وضعاً سياسياً بكامله وتؤسس لوضع جديد يختلف عنه كلياً في الأطر والمكونات السياسية والأهداف المرسومة، وهذا ما لا يرتبط بكل ما أشرنا اليه فيما تقدم، رغم الإرتباط السببي بين تلك المفاهيم..!


ومن هنا يأتي التداخل والتشابك بين المفاهيم المذكورة، ويحل بعضها مكان البعض الآخر، أو أن يطغي أحدها على الآخر. وهذا ما يفترض ضرورة إزالة اللَّبس بين المفاهيم المطروحة قبل الحكم وبشكل عاطفي على توصيف الرابع عشر من تموز – 1958 في العراق، ذلك اليوم المجيد في حياة العراقيين..!


من أجل أن لا يغرق المرء في تفاصيل البحث في أمر كهذا، وهو يحتاج الى بحث ودراسة تتطلب جهداً أكبر قد لا تتسع له مساحة كهذه، يمكن الإختصار والإجمال في القول، بعد أن جرى تحديد بعض الخطوط العامة التي يمكن أن يعتمدها المرء لرسم الحقيقة التأريخية التي تقف وراء ما جرى في يوم الرابع عشر من تموز من عام 1958؛ بأن تلك الأحداث، ليس عبثاً أن إقترنت تسميتها بالثورة،..!


فليس من الغرابة بمكان ، أن يصطلح العديد من المؤرخين أو الكتاب على إطلاق تسمية أحداث ذلك اليوم ب"الإنقلاب العسكري"، أو بعكسه، إطلاق توصيف (الثورة) من قبل كتاب وباحثين آخرين، فالأمر في جوهره يرتبط بما تمثله إنعكاسات تلك الأحداث على المصالح المتباينة للفئات والطبقات الإجتماعية المختلفة للمجتمع؛ من حيث مدلولاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، من جهة، ومدلولات العملية العسكرية نفسها التي أطاحت بالنظام السياسي يوم الرابع عشر من تموز من عام 1958،  وآثارها الآنية المباشرة في حينه، من الجهة الأخرى. ولابد لأي باحث يعتمد أسس البحث العلمي، بعيداً عن تأثير المصلحة المباشرة على توجهات الفكر وإستنباط الأحكام، أن يأخذ ذلك بالإعتبار..!


العملية العسكرية:

في فجر الرابع عشر من تموز عام 1958 تحركت مجموعة من القطعات العسكرية، بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم ومجموعة من الضباط ، وقامت بالسيطرة على دار الإذاعة العراقية في بغداد ووزارة الدفاع والقصور الملكية، وأعلنت من دار الإذاعة البيان الأول، الذي وجه الى الشعب العراقي، معلناً سقوط النظام الملكي القائم، وقيام النظام الجمهوري في العراق. فما هي مدلولات ذلك؟
-   الحدث ذاته، إن جردناه من أسبابه وظروفه وأهدافه، سيكون أمامنا مجرد حدث إنقلابي، جرى التخطيط له مسبقاً لتحقيق أهداف محدودة ومحددة سلفاً وتتلخص في السيطرة على المؤسسات الدفاعية والأمنية للسلطة القائمة وإستلام سلطة البلاد بدلها.
-   ما تعنيه بعد ذلك، هبة الجماهير العراقية عن بكرة أبيها بعد سماع إعلان البيان من دار الإذاعة العراقية فجر ذلك اليوم، لتغطي جموعها في كل رقعة من الأرض في كافة المدن والأرياف معلنة وبفرح غامر مساندتها للتحرك العسكري، مطلقة منذ الصباح الباكر لقب (الثورة) على الحدث، مباركة لنفسها ذلك اليوم عيداً قبل أن يسميه لها أحد بأمر أو توصية.
-   إندماج كافة القطعات العسكرية في شتى أنحاء البلاد مع ملايين الجموع المحتشدة في شوارع المدن والساحات العامة وفي الأرياف، ومنذ الصباح إنطلق الهتاف الشهير( عاش تلاحم الجيش ويه الشعب).
-   لأول مرة في تأريخ العراق الحديث تزدحم الشوارع بملايين النسوة جنباً لجنب مع الرجال، في أكبر حشد جماهيري ثوري، شاركت فيه كل فئات المجتمع بدون تمييز.
-   فقدت العملية العسكرية المباغتة للنظام القائم يومذاك وإجهزته الأمنية، صفتها العسكرية، لتتحول خلال سويعات قليلة الى دفق جماهيري ثوري هائل، هز كل زوايا البلاد، وأمسكت فيه الجماهير زمام المبادرة في المحافظة على النظام والأمن العام في كافة أنحاء العراق، مما قطع كافة الطرق والمحاولات على جميع القوى التي حاولت أن تسترد المبادرة، ولكنها أخفقت وإندحرت جميع محاولاتها للتصدي للحدث الكبير.
-   كان للعملية العسكرية تأثيرها المباشر على وعي الناس في حينه، والذي ترجمته بوعيها الفطري وبعد سماعها للبيان المعلن من دار الإذاعة، بأن ما جرى إنما يستهدف قلب النظام القائم وهو موجه من أجل مصالحها، فإحتظنته على الفور، ولم تترك لحظة للتفكير والتأمل والإنتظار، وكان موقفها حاسماً ولا يقبل النقاش، فإندمجت في العملية العسكرية مثلما إندمجت العملية نفسها بها، وهكذا رسمت (الثورة) الشعبية طريقها وخطوتها الأولى، في الرابع عشر من تموز /1958 على الصعيد الميداني، وقد شاركت فيها جميع فئات الشعب وقومياته العربية والكردية والتركمانية والكلدوآشورية وغيرها وغيرها من فئات الشعب الأثنية والدينية.. الخ..!
-   لم يكن في مخطط قيادة العملية العسكرية ما يشير الى عزمها اللجوء الى أعمال العنف والإنتقام التي عادة ما ترافق مثل هذه الأحداث العاصفة، ومع ذلك فإن إجراءات تلك القيادة بعد أحداث العنف التي إستهدفت العائلة المالكة والسيطرة على الموقف، عزز القول والرأي بأن هذه القيادة كانت تتحرك وفق عمل مبرمج سياسياً ولها أهداف أبعد من مجرد القيام بعمل عسكري إنقلابي لشلة معزولة بيدها السلاح وبعض مراكز القوة داخل الجيش العراقي، وهذا ما أكدته بعد ذلك، مسيرة العملية السياسية.


        العملية السياسية :
                 
       إرتبطت العملية السياسية برمتها بالمسيرة التأريخية لنضال الشعب العراقي على خلفية الصراع الذي كانت تخوضه مختلف مكونات الشعب، من أجل التمتع بحرياتها السياسية والديمقراطية، ومن أجل تحسين أوضاعها الإقتصادية والإجتماعية في المدن والريف.
وكانت جملة العملية السياسية آنذاك محصلة تراكم نتائج صراع دام أكثر من ثلاثة عقود، إبتداء من تإريخ العراق الحديث، بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وإتخذ أشكالاً مختلفة، من إنتفاضات فلاحية وإضرابات عمالية وتظاهرات شعبية، ومحاولات إنقلابية عسكرية.


 فلم تشهد البلاد حياة سياسية برلمانية ديوقراطية مستقرة طيلة تلك الفترة، التي تميزت من الجانب الآخر، بطابع هيمنة النفوذ الأجنبي، ومحاولات ربط البلاد بإتفاقيات ومعاهدات إسترقاقية منها؛ الإقتصادية، كإتفاقيات النفط، ونظام الإسترليني، وأمنية؛ كإتفاقية 1930و 1948 و حلف بغداد.

ولست هنا، بصدد الدخول بتفاصيل ذلك الصراع وتشعباته، ولكنه من تحصيل الحاصل القول؛ بأن تراكم أحداث تلك السنين يقف وراء أحداث الرابع عشر من تموز/1958 ، بل يدخل في صلب أسبابها، مما يعزز القول؛ بأن ماحدث ذلك اليوم هو ليس مجرد ناتج عرضي لمسيرة الصراع حسب، بقدر ما هو تعبير وتجسيد حي لنتيجة  الصراع نفسه مقروناً بظروفه الوطنية والإقليمية والدولية، وفي ظل مستوى الوعي السياسي والوطني السائد يومذاك.


كما ومن غير الطبيعي، أن يتجاهل المرء تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي ونتائجها المدمرة على نفسية المواطن العربي، والفشل الذريع الذي لحق بالسياسة العربية الرسمية عام/1948، والهزيمة الماحقة للجيوش العربية يومذاك نتيجة تلك السياسة، وما جره كل ذلك على التغيرات اللاحقة في المنطقة، والتي كان من أبرزها قيام مجموعة الضباط المصريين بقيادة جمال عبد الناصر في 23 يوليو /1952 بإسقاط نظام الحكم الملكي في مصر وإعلان الجمهورية، والتغيرات الأخرى في عدد من الدول العربية بعد ذلك. 

 
ومن الأمور اللافتة والتي تحسب لصالح التحرك العسكري الذي جرى في الرابع عشر من تموز/1958 وتضفي عليه طابعاً سياسياً ثوريا، يمكن الإشارة الى بعضها بشكل مختصر:
 
_ صلة الوصل بين قيادة منظمة الضباط الأحرار، وسكرتارية جبهة الإتحاد الوطني للقوى والأحزاب السياسية الرعاقية المعارضة، منذ وقت سابق على يوم التحرك العسكري. وهذا ما فسره إبلاغ عدد من الأحزاب السياسية الوطنية، قواعدها بوقت قصير من التحرك العسكري وتهيئتهم لمساندة حركة الجيش عند وقوعها، حيث حشدت أعضائها وأنصارها ومؤيديها يوم الرابع عشر من تموز/1958 لدعم وتأييد التحرك المذكور.

_ المساندة السريعة للثورة التي أعلنها كل من؛ الإتحاد السوفيتي وجمهورية مصر العربية ودول عدم الإنحياز وغيرها من الدول العربية.

_ أن القائمين بالثورة ربطهم برنامج واضح وذو مضمون ثوري رغم إنهم لم يكونوا متجانسين، حتى بالحدود الدنيا في أهدافهم الحقيقية، فكل طرف حاول المساهمة من أجل السيطرة لاحقاً وفرض برنامجه الخاص، وهنا باعتقادي يكمن كل ما واجه الثورة ومنذ يومها الاول من عراقيل، وهذا ما يؤكده سرعة قبول البعض من قادة الثورة والمنظمة للإنخراط بالجهود التآمرية ضد الثورة ومسيرتها فيما بعد.
_  رغم أن القيادة المعلنة والتي كانت على رأس السلطة الجديدة، ذات طابع عسكري، متمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، إلا أن أول حكومة تم تشكيلها برئاسته، كانت ذا طابع مدني، وتمثل فيها الأغلبية من أحزاب جبهة الإتحاد الوطني ممن أيدوا التحرك العسكري في الرابع عشر من تموز، وهذا ما عبر عن الطابع السياسي الوطني للحركة.

_ ردة الفعل الصاعقة التي أظهرتها دول العالم الغربي وفي مقدمتها دول حلف الناتو وأمريكا، ومحاولتها التحرك لإجهاض الحركة (الثورة) في أيامها الأولى.

أما على الصعيد الإقتصادي الإجتماعي، والذي يعتبر من العوامل الإساسية التي منحت التحرك العسكري في الرابع عشر من تموز/1958 طابعاً ثورياً، بل ويعتبر من أحد أسباب تأييد ومساندة التحرك المذكور من قبل الجماهير وطلائعها السياسية، فيمكن تلخيصه فقط وبإيجاز في:

_ ظاهرة الفقر المدقع المتسعة والتي كانت تشمل البلاد من الشمال حتى الجنوب، والتي كانت تعكسها أحزمة الفقر الكثيرة التي كانت تحيط بالمدن العراقية. وهي تعبر عن تزايد الفائض السكاني في الريف والتخلف الصناعي  في البلاد، مما صب في خانة البطالة التي تعم البلاد بنسب كبيرة.
_ حالة الإستغلال العبودي لطبقة الفلاحين، وسيادة شكل العلاقة شبه الإقطاعية، وقد جسدته الهوة الواسعة والتباين الشديد في ملكية الأراضي الزراعية لصالح الإقطاعيين. التي دفعت بالملايين من الفلاحين الى ترك مناطقهم الزراعية للتوجه الى المدن، أو الهجرة غير المنتظمة الى دول الجوار، مثل دولة الكويت.

وكي لا أذهب بعيداً في السرد، أقول إضافة لما تقدم، فإن العراق في حينه، لم يعدو عن كونه بلداً ريعياً يعتمد في تطوره التنموي على مدخولاته الجزئية من مردودات النفط الريعية، والتي كانت تتحكم في نسبها شركات النفط الإحتكارية العالمية. أما على صعيد التنمية الإقتصادية فلم تشهد البلاد إلا تقدماً محدوداً وخلال فترة قصيرة، في النصف الثاني من الخمسينات، وبعد تأسيس مجلس الإعمار، بعد مناصفة حصة العراق في العائدات النفطية، وكانت أغلب المشاريع التي أقدم عليها المجلس المذكور، تتركز في بناء الطرق والجسور والهياكل الإرتكازية وعدد قليل من المشاريع الصناعية، مثل صناعة الإسمنت والطابوق.

وخلاصة الأمر، فإن أي حديث عن ثورية أحداث الرابع عشر من تموز/1958 ، لا يمكن أن تغطيه مقالة بهذه المساحة القليلة، وليس من الإنصاف المرور على منجزاتها الكبيرة مرور الكرام؛ فما جسدته هذه المنجزات من خلقِ صفحةٍ كاملةٍ من المتغيرات الجذرية في حياة شعب لا يبالغ المرء إذ يقول؛ بأنه كان يعيش، في ظل حكمٍ شبه تابعٍ للهيمنة الإستعمارية، ليحقق وخلال فترة لا تتجاوز العامين مأثرة عظمى، في التحرر من التبعية الأجنبية، وفي تحرير مصادر ثروته الوطنية المسروقة من قبل الشركات الإحتكارية الدولية*، وفي سن قوانين تقدمية لصالح المرأة، وفي إعادة توزيع ملكية الأراضي الزراعية، وفي إطلاق الحريات الديمقراطية وغيرها الكثير والكثير من المنجزات التقدمية الثورية في جوهرها، والتي لا يمكن أن تتحق، إذا ما كان الرابع عشر من تموز/1958، مجرد إنقلاب عسكري معزول كما يظنه أو يتصوره البعض من الباحثين والكتاب.


 إنها حدث نفذه الجيش كفصيلة شعبية وطنية مسلحة، لتتحول إلى ثورة شعبية عارمة،  فرضها الشعب على العسكر، فأطارت صواب قادة الحركة قبل الدوائر الغربية، التي فقدت منطقة نفوذ حيوية بالغة الأهمية، ليس فقط لثرواتها، بل لموقعها الهام في مواجهة الطرف الآخر في الصراع الدولي يومذاك..!


  ولكن الحدث نفسه، يبقى محطة فاصلة في تأريخ العراق الحديث، وهو ثورة بما تصدت له من أهداف، حاولت جهدها تحقيقها في وضع أقل ما يقال عنه ؛ إنه شهد تكالب رجعي استعماري، قومي ضيق الأفق، وعنصري لوقف مسيرتها، وهذا يعبر عن المخاطر التي تلمسها كل هؤلاء على مصالحهم، فيما لو إستمرت مسيرة الثورة، ولذلك أسقطوها بعد أن أنهكوها، وعزلوا قيادة السلطة عملياً وفكرياً عن الشعب ومصالحه..!


فإذا كنا قد أطلقنا تسمية (الثورة) على ثورة العشرين، والإنتفاضة على أحداث 1952 والوثبة على أحداث 1948، وجميعها لم تحقق تلك التغيرات الجذرية في حياة المجتمع، السياسية والإجتماعية _الإقتصادية، بقدر ما أنجزته نفس تلك الجماهير في الرابع عشر من تموز /1958 وبالتحالف مع القوى الوطنية المسلحة من الجيش العراقي، من منجزات تأريخية على كافة الأصعدة. والتي ستظل صفحاتها متوهجة في تأريخ العراق الحديث؛ معلماً لما سطره الآباء والأجداد من مأثرة  لا تنسى، فهي بالأحرى، جديرة وبكل معنى الكلمة، بأن يطلق عليها وبإعتزاز (ثورة الرابع عشر من تموز/1958  الشعبية التحررية.)


 الثورة التي كنست بقايا النظام شبه الإقطاعي، وحررت ملايين الفلاحين من ربقة النير العبودي، ومنحت أمام المرأة سبل الحياة الكريمة، مكسرة قيود التخلف والرجعية، وصانت للعراق وللعراقيين الكرامة الوطنية؛ محطمة قيود التحالفات المشبوهة "حلف بغداد"، ومحررة الثروة الوطنية من سراقها المتنفذين من شركات النفط الإحتكارية، ومعبدة الطريق أمام نهضة إقتصادية كبيرة، وغيرها الكثير من المنجزات التقدمية، وهو غيض من فيض، ما يضعها في المصاف الأولى لثورات الشعوب في تأريخ الإنسانية القريب..!     


ومع ذلك يبقى 14 تموز/1958 عرساً عراقياً مليئاً بالدروس والعبر، ومشعلاً يضيء الطريق للأجيال التي تبحث عن الحقيقة، بعيداً عن الإنحيازات العاطفية والحزبية ، وإعتماداً على الحيادية الكاملة؛ فمهما يكون العرس جميلاً ومؤثراً، فإنه لا يخلو من نواقص وعيوب، وهذا ينبغي أن يدرس في ظل الظروف والتوازنات التي كانت تحيط بالحدث نفسه وبمستوى الوعي العام للسلطة والجماهير وقواها السياسية،  وهو أمر متروك الحكم عليه  للتاريخ..!
___________________________________________   
      * تحاول الشركات الإحتكارية النفطية اليوم، العودة المحمومة لإسترداد مواقعها المفقودة في العراق من جديد.
 



 


           
   

 
   

274
باقر الفضلي

توماس فريدمان، الإسم اللامع والمحبب لدى بعض الصحف العربية والمواقع الألكترونية، والذي تحتكر بعضها مقالاتِه التي ينشرها في (نيويورك تايمز الأمريكية) بشغف ملحوظ، لتعيد نشرها على صفحاتها من جديد، لأن فيها الدواء الشاف لعللنا المزمنة، ومشاكلنا المستعصية، والبلسم الأبدي لتحريرنا، مِنْ ما علق في أدمغتنا من خرافات وأساطير وأحلام طوباوية وغيرها من الترهات..!؟


في آخر إرهاصة للسيد فريدمان؛ إكتشافه وهو في طريقه من القاهرة الى بغداد، كيف أن العراقيين، قد إهتدوا الآن الى أنهم المالكون الحقيقون للعراق، وهم محرروه من نير الدكتاتورية وجبروتها الغاشم، مقارنة لهم بالمصريين في تحريرهم سيناء عام/1973..!؟


السبب بسيط، وإهتداء العراقيين للحقيقة التي أدركها السيد فريدمان أبسط، فالعراقيون لم يكونوا متفاعلين مع الغزو الأمريكي لبلادهم، لأنهم لم يحققوا بأيديهم، ما قد حققه الغزو الأمريكي نفسه في "تحريرهم" من الدكتاتورية، وهذا هو سر عدم إستقبالهم للجنود الأمريكيين بالزهور والرياحين، كما يقول السيد فريدمان، ولكن السيد فريدمان، الذي يدرك حقيقة ما يعنيه "التحرير" الذي لم يستسغه العراقيون في عام/2003، ولم "يشعروا" في حينه بأنهم "يملكون الوطن"، كما يريد أن يقول، أدركوا وبعد نصائح السيد بوش وتنفيذهم لها، كيف يقنعون أنفسَهم الآن؛ بأنهم  هم من يمتلك العراق حقاً، بعد تنفيذهم تلك النصائح "التحريرية"؛ بدحرهم "للقاعدة" وبتشكيلهم لفصائل الصحوة في المناطق السنية، وتحرير الشيعة بقيادة رئيس الوزراء المالكي لمدن البصرة والعمارة وبغداد ومدينة الصدر من عناصر جيش المهدي وفرق الموت التي تدعمها إيران، على حد قول السيد فريدمان، طال بقاه..!؟(*)


وإن ما أنجزه العراقيون هذا؛ هو "الحرب الحقيقية لتحرير العراق"، وإن الحرب التي جرت قبل خمس سنوات لم تعط الثمار المرجوة، وإن العراقيين يشعرون الآن بأنهم قد حرروا أنفسهم، على حد زعمه..!؟؟


أي حذاقة وفذلكة في قلبه للحقائق، يستخدمها السيد فريدمان، وأي تلاعب بالمشاعر الإنسانية، بشكل يوحي للآخرين بأنه يتعاطف في موقفه مع مشاعر العراقيين ليبدو كالصديق القريب، ليظهرهم، بأنهم غير آبهين بوجود ما يزيد على مائة وخمسين الفاً من الجنود الأمريكان، يجثمون على صدورهم، في وقت تملؤهم السعادة والنشوة ل"تحرير" مدنهم العراقية من إحتلال آخر، فأي تضليل أخرق، تغلفه "براءة ساذجة" وما هي ببراءة، أكبر من هذا..!؟


السيد فريدمان والذي يبدو "متخصصاً" بسيكولوجية الشعوب الشرقية، كصحفي مرموق، يحاول أن يقرأ التأريخ على طريقته الخاصة، ويوحي للعراقيين من خلال إِطرائِهم، أو كما نقول بالشعبي: (شيمه وأخذ عباته)، بأنهم يعيشون في ظل بلد متحرر وهم مَنْ قد حرروه، ليسدل ستاراً من التعمية على وجود قوات الإحتلال، ويضفي مسحة من الشكر والإمتنان للسيد بوش "لنصائحه" الرائعة، مع قليل من العتب لعدم إشاركه العراقيين في معركة "التحرير" قبل خمس سنوات، لغرض إشعارهم بقسطهم في عملية "تحرير" العراق التي يتفضل بها السيد فريدمان شاكراً سيده الرئيس بوش على ذلك، وليغمز ويلمز من طرف آخر، العارقيين بتقصيرهم بهذا الدور الذي تكفله نيابة عنهم سيده بوش، عندما يقارنهم بالمصريين الذين حرروا أرض سيناء عام/1973؛ فأي حسن نيةٍ يضمرها السيد فريدمان صديق العراقيين للعراقيين..؟؟؟!!!


كما وينفخ في همم العراقيين محذراً؛  بأن ينتبهوا "لنصرهم" الذي حققوه خلال "التحرير"، وعليهم المحافظة عليه، لأن القادم من المخاطر ربما يتطلب منهم خوض معارك وحروب أكثر قسوة وأشد بلاء..!!؟ ولا ندري ما يقصد السيد فريدمان بتلك الحروب، وإن كان قد عبر عنها بالحروب الأهلية تجوزا..!!؟ 


فيا لذكاء السيد فريدمان، الذي تصور العراقيين أو يحاول تصويرهم؛ بأنهم مجرد قبائل من قبل التأريخ والحضارة، ممن تخدعهم الأحجار الملونة، التي خدعت يوماً سكان أمريكا الأصليين، قبل "تحريرهم" من قبل السيد اليانكي، ولا أدري إن كان السيد فريدمان يمت بصلة للأجداد..!؟؟


كم يبدو الغباء أحياناً في ذهن صاحبه، قمة الذكاء، وغباء الببغاء مهما بدا فطنة مدهشة، فإنه يظل تلقيناً وترديداً أجوفاً لا معنى له، ولو أعادته ملايين المرات..!؟
_____________________________________________________   
(*)  http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article=476573&issueno=10804


275

باقر الفضلي


السهل الممتنع


عندما كنا أطفالاً، دأبت أمهاتناعلى ترويضنا للإستجابة الى النوم ليلاً، عن طريق عملية إيحائية نفسية، تجبرنا من خلالها الى الهدوء وترك العبث وأخيراً الخلود الى النوم، حتى وإن تحقق ذلك بغمض الأعين شكليا. والكثير من الذين في أعمارنا اليوم، يستذكرون قصص الخرافات الليلية التي كانت تلجأ لها الأمهات بإخافة الأطفال من قدوم (الطنطل أوالسعلوة)، أو "جاك الواوي، جاك الذيب"، وغيرها من المسميات التي كنا نجهل صورها، فنخف مسرعين لدس رؤوسنا تحت الوسادة ونستسلم للنوم.


كانت قصص الخرافة يومذاك لا تتعدى تصورات أمهاتنا البدائية، وما تنسجه عقولهن الفطرية أو ما إستورثنه من حكايات الجدات أو الجيران والمشعوذين. أما اليوم فإن قصص الخرافة أكثر دهاء وتنسجها عقول أكثر معرفة، وأبعد نظراً، وأعمق أهدافاً وأكثر إنسجاماً مع عصر التكنلوجيا والعولمة الجديدة.


ولعل يقظة العراقيين وتواصلهم في "العبث السياسي"، وتدخلهم المتواصل بشؤون السياسة العليا، كما هو الأمر في عقد الإتفاقيات/المعاهدات؛ خاصة وإنهم بطبعهم مرهفوا الإحساس وشكاكون، ويصعب إقناعهم بسهولة، إذا كان الأمر من قبيل ذلك، فلا سبيل إذن، غير اللجوء الى حكمة وطريقة الأم الحنون السيكولوجية، كي ينصاعوا الى السكون ويلبوا رغبة الأم الرؤوم في القبول بالإتفاقية/المعاهدة، ويخلدوا الى النوم قبل أن يروها..!


التخويف ب(البعبع)، وهو في هذه الحالة "دول الجوار" وبالذات الجارة (إيران)، كفيل بأن يلقي الرعب في نفوس العراقيين، فالعراقيون اليوم عرضة ، للإبتلاع من قبل "البعبع" الكبير الناهض، أو أمثاله الأخر؛ وهم في حالة من الضعف لاتسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم، وبالنهاية سيجدون أنفسهم في أمس الحاجة للإرتماء في أحضان من يفتح ذراعيه لحمايتهم من خطر البعبع الداخل في جزئيات حياتهم، فياله من إيحاء تنويمي فعال..!


فحينما يجري الحديث فقط، عن تهويل خطر تدخل الجوار في الشأن العراقي، وهو تدخل موجود بشكل ملموس ولا غبار عليه، ثم ربط أمره بالإتفاقية/المعاهدة، بإعتبارها البديل المنقذ من هذا الخطر، حتى مع التلميح أحياناً، الى ضرورة "عدالة" الإتفاقية، إنما هو جانب من الحلول السايكولوجية، غير المباشرة للإقناع بالقبول بالإتفاقية/المعاهدة، حتى دون التدقيق في بنودها أومعرفة تفاصيلها وآثارها وتداعياتها المستقبلية، وذلك تحت مقولة درء الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، أو أهون الشرين، أو على حد القول الشعبي : "اراويه الموت حتى يرضى بالصخونة"..!


فالإيحاء السيكولوجي من خلال التهويل بخطر التدخل الإيراني من جهة، وهذا نفسه ما ساعد عليه الموقف الإيراني في تدخله السافر بدعوته وعلى لسان رئيس الدولة السيد خامنئي، الحكومةَ العراقية والشعبَ العراقي الى رفض الإتفاقية /المعاهدة، وتهويل الجانب الأمريكي من جهة أخرى للرفض الإيراني ؛ جميعها تشكل عوامل ضغط إيحائية على المواطن العراقي، تسلبه حرية التفكير والإختيار المستقل، وتقطع الطريق أمام أي جهد للتعريف بطبيعة الإتفاقية/المعاهدة نفسها، والأسباب التي تدفع للقبول بها أو رفضها، وما هي الفوائد التي سيجنيها العراق من وراء ذلك، وأمور أخرى كثيرة تتعلق بالأمر، بل وتحت تأثير الإيحاء المذكور، صرف أنظاره عن كل ما ينبغي التعرف عليه من مقاصد الطرف الآخر وأهدافه المستقبلية..! 


كما إن الإسراف في الإستخفاف بقدرة المواطن العراقي من جهة، وإظهاره في حالة من الضعف والإستكانة، والتقليل من شأن أمورٍ تعتبر من المقدسات بالنسبة لأي شعبٍ من الشعوب، كالكرامة الوطنية والسيادة والإستقلال من جهة أخرى، جميعها لا تساعد على توليد قناعات ذاتية وموضوعية لديه، للقبول بالإتفاقية/المعاهدة، أكثر مما تعزز عنده حالةَ الرفض الإستنفارية، المقرونة والمعززة بالتجربة العراقية والتي لا زالت طرية في الذاكرة، حول حقيقة المعاهدات التي حاولت القوى الكبرى (بريطانيا، أمريكا) فرضها عليه، كإتفاقية 1930, ومعاهدة 1948، وحلف بغداد 1954 CENTO، ولا غرو أن نشير الى أن الأخيرة منها، كان يروج لها عن طريق التهويل بالخطر الشيوعي يومذاك على لسان نوري السعيد،(مراسيم عام/ 1954 /16و17و18و19 )، أما اليوم، فالتهويل بالخطر الإيراني أقرب للعين من الحاجب..!


مما لا شك فيه، أن التدخل الإيراني و التركي و دول الجوار الأخرى في الشأن العراقي، قد وصل حدوداً فاقت المعقول لإنتهاك السيادة العراقية ، ويتحمل مسؤوليتها مبدئياً، الجانب الأمريكي ومتعددة الجنسيات  بالذات، وبعضاً منها الجانب العراقي، ورغم عدم التقليل من مخاطرها الجسيمة على العراق، فإن كل هذا، لا يبرر وضع هذا التدخل، كأساس للقبول بالإتفاقية/المعاهدة، وذلك لأمر بسيط:


 فوجود هذا الكم الكبير من تعداد القوات المسلحة لمتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا، وحده كافياً لدرء أي خطر على العراق وفق أبعاد المنظور المطروح من قبل المتمسكين بمقولة درء الخطر، بل هو من أولى واجبات هذه القوات؛ إذ كان الأولى بها أن تثبت مصداقيتها على أرض الواقع بإهتمامها بالأمر. فكيف والحال، أن تجري كل هذه الإنتهاكات للسيادة العراقية من قبل إيران وتركيا، أمام أنظار قوات متعددة الجنسيات وبعلمها، حتى دون تحريك إصبع واحد بالإستنكار والرفض، وهي ملزمة وفقاً لقرارات مجلس الأمن، بتأمين سلامة العراق وتراثه  وحمايته من كل خطر يهدده، طالما هو تحت ولاية الشرعية الدولية ..!

فكيف يفسر المرء كل ذلك.؟


أليس من المنطقي القول، وبعيداً عن كل تأويل وتهويل؛ بأن ما يجري من إنتهاكات سيادية، وتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، من قبل دول الجوار وبالذات إيران وتركيا، وتحت أنظار وبعلم قوات متعددة الجنسيات بقيادة أمريكا، إنما يصب في خدمة الترويج للإتفاقية/المعاهدة.؟ وإلا فهل من العبث بمكان، ربط القبول بالإتفاقية/المعاهدة، تحت تأثير مفعول الإيحاء بجدية الخطر المذكور، وتهويله والترويج له من قبل أمريكا نفسها.؟! ولماذا تلزم الحكومة العراقية نفسها، الصمت أزاء كل ذلك..؟!


إن ما يدعم هذا الإفتراض أو الرأي، التساؤل المشروع، والذي يطرحه المواطن العراقي وهو: إن كانت كل هذه القوات المسلحة لمتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا ومعها القوات المسلحة العراقية حديثة التكوين، عاجزة عن منع التدخل الإيراني والتركي وغيره، بكل ما تمتلكه من جبروت عسكري وإقتصادي، مدعوم بالشرعية الدولية، فكيف والحال، سيتسنى للقوات الأمريكية وحدها بعد "الإتفاق" على الإتفاقية/ المعاهدة، درء الخطر المحتمل عن العراق وحماية أمنه مستقبلاً.؟ ولماذا يجري الحديث فقط عن الخطر القادم، بعيداً عن طبيعة الصراع الأمريكي – الإيراني والمصالح المشتركة للطرفين في العراق وفي المنطقة، وحالة الصراع الدولي حول مناطق النفوذ ومصادر الطاقة..؟!


وكيف يمكن تفسير الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية على العراق في تحديد مصادر تسليح قواته المسلحة وقصرها على أمريكا. أليس في هذا إخلال بالسيادة العراقية..؟(1)


أليس في التناغم بين الرفض الإيراني والتهويل الأمريكي لهذا الرفض، مايثير الريبة والشك في الدوافع الأمريكية التي تقف وراء الدفع بالإستعجال بتوقيع الإتفاقية/المعاهدة، في وقت لا زال فيه العراق، منقوص السيادة..؟، وفي وقت يجري فيه من الجانب الآخر، تناسي قصف المدفعية التركية للأراضي العراقية وتوغل قواتها العسكرية في العمق العراقي، وإستباحة طيرانها العسكري للأجواء العراقية..؟


أليس من المنطقي والمعقول، الدخول في علاقات حوار جدية مع دول الجوار، مبنية على قواعد الشرعية الدولية وبرعاية من قبل الأمم المتحدة ، ومدعومة بموقف تضامني عربي وإجماع وطني، لحل المشاكل العالقة بين العراق ودول الجوار ومنها تركيا وإيران بالذات، والتوصل معها الى علاقات تُبنى على الإحترام المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول، خيراً من التلويح المستمر بالخطر الإيراني وغيره من دول الجوار، وإعتباره الطريق الحتمي والسبب الرئيس للقبول بالإتفاقية..؟!
 

فهل فكر المفاوض العراقي والدافعون الى التعجيل بالقبول بالإتفاقية ، وخاصة جانبها (الأمني)، بتداعيات ذلك لاحقاً على مستقبل العراق، في ظل أوضاع هي بالأساس في حالة من التوتر وعدم الثقة بين الجيران، وهل أخذوا بجدية، ردود الفعل المحتملة من جانب الطرف الأيراني، المحاصر دولياً، بسبب ملفه النووي، بعد توقيع الإتفاقية..؟! وهل حقيقة، أن من مصلحة العراق وإيران أن يستمرا في العيش متجاوران، تحت كابوس من الشد والتوتر وعدم الثقة، إستمراراً لتداعيات حرب ضروس دامت ثمان سنوات،  وقد إحترق فيها الأخضر واليابس..؟!   


وهل في حكم المنطق أن يُعَرِضَ العراق نفسَه الى خطرٍ جدي نتيجة التحالف الأمني مع دولة تبتعد آلاف الأميال من حدوده، على حساب علاقاته مع جيرانه الملاصقين له جغرافياً وتأريخياً وإجتماعياً منذ أقدم العصور وله معها مشتركات غير قليلة على كافة الأصعدة، في وقت يُمْكِنُ فيه للعراق، وعن طريق الشرعية الدولية وبطلب مساعدتها ومباديء القانون الدولي والتضامن العربي والمصالحة الوطنية والإجماع الوطني، بناء علاقات جيدة من حسن الجوار مع أولئك الجيران..؟!


أليس من الحكمة بمكان، أن ينبري الطرف الأمريكي لإثبات "حسن نيته"، إن وجدت، إتجاه الشعب العراقي ، بأن يعلن إستعداده بتثبيت جدول زمني لسحب قواته المسلحة ومن معها وخلال فترة محدودة، ، وأن يقف الى جانب العراق عند طلبه من مجلس الأمن، إصدار قرار جديد يلغي بموجبه سريان مفعول بنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على العراق، إعتباراً من بداية العام القادم، حيث تنتهي ولاية قوات متعددة الجنسيات قانوناً، بهدف إشعار العراقيين بإستكمال السيادة المنقوصة لبلادهم، وخلاصهم من وطأة الإحتلال الفعلي، وبالتالي إتاحة الفرصة للعراقيين أن يقرروا بأنفسهم بعد ذلك، إن كان من المفيد لهم الدخول في مفاوضات مع أي دولة أخرى بما فيها أمريكا وبما يفيد مصالح العراق، وإلا لماذا هذا التهالك على تمرير القبول بالإتفاقية اليوم قبل غدا..!(2)


مما لا شك فيه، فإن إيران بموقفها المتشنج وتدخلها المتواصل بالشأن العراقي، إنما تدفع سلباً بالإتجاه المعاكس، الذي لا يخدم  مصلحة الشعبين الإيراني والعراقي، في بناء علاقات جيدة من حسن الجوار والتعاون المثمر على أسس من التوازن والإحترام المتبادل وعدم التدخل. وبأن تصرفها(إيران) هذا، يدفع الى ترجيح كفة القبول بالإتفاقية، التي تعلن تحفظها عليها، تحت وطأة الضغط الذي تمارسه من خلال تدخلها السافر والمستمر في الشؤون الداخلية العراقية، والذي بات يشكل خطراً محسوساً، يعيق تطلعات الشعب العراقي في إستكمال سيادة العراق المنقوصة، وإنهاء تواجد القوات الأجنبية على أراضيه، إن لم يزد في أمد بقائها، ويعكس حالة متفاقمة من الصراع الأمريكي - الإيراني، يجري توظيفها في الساحة العراقية لمقاصد لم تعد خافية على العراقيين..؟!(3) 


الأسئلة مطروحة على من يرى في الإتفاقية/المعاهدة؛ بأنها ستؤمن "الحماية" المطلوبة للعراق من أية مخاطر تهدده من دول الجوار أو من غيرها، وكذلك على دول الجوار الضالعة في لعبة خلط الأوراق، دون أن تأخذ بالحسبان المصالح المتبادلة لبلدان المنطقة، بعيداً عن روح الهيمنة والإستئثار، وإستغلال أوضاع العراق ومناطق أخرى في المنطقة ، مثل لبنان وفلسطين، كورقة في عملية الصراع مع أمريكا..؟!   
   

إن تدخل دول الجوار وبالذات الإيراني حالة قائمة، أما ربطه بضرورة القبول بالإتفاقية، فلا يمكن تفسيره إلا بكونه، أحد الوسائل السيكولوجية التي يشيعها من يريد تمرير الإتفاقية على علاتها، من خلال خلق جو من الرعب والذعر في نفوس العراقيين من الخطر القائم القادم. لصرف النظر عن أية حلول أخرى، يمكن للطرف العراقي إعتمادها في إستعادة السيادة وفي إنهاء تواجد القوات الأجنبية على أراضيه، وهي تدفع بإتجاه تضييق دائرة المناورة للمفاوض العراقي، من خلال إضعاف التأثير الشعبي المراقب لسير المفاوضات، والتسليم بقبول  الإتفاقية للسبب المذكور كبديل من أجل "النجاة"..!
 

ومع كل ذلك ، ومن منطلق فن الممكنات في السياسة، فعلى المراقب أن لا يغيب عن باله، المتغيرات المحتملة في السياسة، وربما يمكن للغزل الأمريكي – الإيراني ، أن يأتي بالنتائج المطلوبة لأطراف النزاع، إذا ما تحقق التوقيع على الإتفاقية، وحينها ستستتب الأمور ويسود الأمن وتتنفس إيران الصعداء، وتُنسى مقولة البعبع الإيراني وخطر الملف النووي الإيراني..!!!؟
 ____________________________________________________
(*) للمزيد من المعلومات حول الموقف من الإتفاقية راجع الرابط -  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=138301     
(1)  http://www.elaph.com/ElaphWeb/AkhbarKhasa/2008/6/342360.htm
(2)   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7472000/7472552.stm
        (3)   http://www.aswataliraq.info/look/article.tpl?IdLanguage=17&IdPublication=4&NrArticle=83649&NrIssue=1&NrSection=1

 


276


باقر الفضلي


تتصاعد حملة الرفض للإتفاقية الأمريكية – العراقية كما هي حملة القبول، وبين كلتا الحالتين، يزداد الشد على أعصاب المواطن العراقي حتى درجة الإعياء..!

فالغلو في الرفض بات يقابله غلو في القبول، وأصبح كل فريق يسعى جاهداً الى تصعيد وتيرة رفضه أو قبوله دون أن يترك فسحة من الوقت للمواطن العادي أن يلتقط أنفاسه لكي يختار، وبين الحالتين باتت تضيع حقائق كثيرة، ومع الصخب المتصاعد أصبح من الصعب على المراقب أن يتلمس الأسباب الحقيقية التي تدعم أو تسند أي طرف من الطرفين، بل ضاعت هنا وهناك، غير قليل من المعطيات التي بإمكانها أن تبرر أي من الموقفين، وأصبح المشهد، وكأن المرء يقف أمام سوق لترويج البضائع؛ الكل فيه، يبحث عن أفضل الوسائل للتأثير على الزبائن من خلال الدعاية والإعلام والتأثير النفسي المباشر..!

- فالغلو في الرفض مبني في مجمله على منطلقات مختلفة تحكمها أهداف ومقاصد مختلفة؛

•   منها ما هو مشروع في نتائجه، ومشروعيته تبنى على أساس من الحرص الوطني، وقاعدته في الرفض، مبنية على مبدأ "عدم الثقة" المطلق بالولايات المتحدة الأمريكية، وتوجس الخيفة من كل ما قد تقدم عليه أمريكا من خطوات بإتجاه الدول الأخرى، ولهذا الفريق مسلسل من الحجج والبراهين، مأخوذة من التأريخ السياسي السلبي لأمريكا في تعاملها مع الآخرين، مما يدعم موقفه في عدم الثقة المذكور. وهو موقف في مجمله يتسم بحسن النية، وتغلب عليه الحساسية الوطنية، رغم ما يشوبه من بعض ضعف في  البراغماتية السياسية، وينظم تحت صفوفه قطاع واسع من الجمهور..!   
•    ومنها ما هو مقصود لذاته، وتحركه أجندات خاصة، يصبح معها الرفض أحد الأوراق المستخدمة في الصراع الدائر في المنطقة، وهو مدعوم بالخشية والتخوف من تداعيات الإتفاقية المستقبلية على أطراف هذا الفريق، وتنفرد بذلك بعض دول الجوار وفي مقدمتها إيران وربما سوريا الى بعض الحدود، وبذلك فهي تدفع بإتجاه الرفض وتحرض عليه، مما يعطي، ما يكفي من المبررات المساعدة للفريق الآخر(القبول)، من تصعيد حملته بالقبول، تحت تأثير ضغوط التدخل الإقليمي في الشؤون العراقية، ويعتبر القبول بالإتفاقية بديلاً لهذا التدخل.
•   وموقف رافض آخر يعتمد في رفضه على براغماتية سياسية محسوبة، تحددها مصالح الأطراف الرافضة نفسها، وتمثل فيه أطراف العملية السياسية القسم الغالب، وبالذات منها تلك الممثلة في المجلس السياسي للأمن الوطني. والرفض هنا لا يدخل في دائرة المطلق، كما في الحالة الأولى، بل يتأثر بهذا القدر أو ذاك بالحالة الثانية. ويمكن حساب الموقف الحكومي ضمن هذا الفريق. وهو موقف وإن بدا عليه الرفض إلا أنه في جوهره مبني على قاعدة من القبول، الذي تتحكم فيه المصالح المختلفة لتلك الأطراف وتوازنات القوى فيما بينها. فهو في جوهره قبول مؤطر بالرفض، والرفض فيه أقرب الى التكتيكي، منه الى الستراتيجي.
•   وأخيراً موقف الرفض المطلق؛ وهو مبني على قاعدة العداء والكراهية لأمريكا وتمتد جذوره الى حيث بدأ الغزو الأمريكي للعراق/2003 وتأسيساً عليه. وضمن موقف الرفض هذا تنخرط فئات عديدة من معارضي العملية السياسية ومن خارجها، وكذلك بعض من داخلها وهي تؤسس موقفها على حالة الإحتلال ، وترى في إنهائه شرطاً مسبقاً لأي إتفاقية. ومنها من يرى في إستخدام السلاح أحد الوسائل لتحقيق ذلك. 


- أما الغلو في القبول، فهو الآخر له مظاهره المختلفة ومنطلقاته الخاصة ومبرراته المتباينة؛

•   ومنها القبول المطلق، وهنا يجري الإعلان عن الإتفاقية، كما هو الحال في الترويج لأية بضاعة يمكن تسويقها في سوق المنافسة. ولغرض تحبيبها للنفس، لا يجري الحديث عن الإتفاقية نفسها وعن مضامينها وإيجابياتها أوسلبياتها..الخ، وإنما يتم الأمر بإتجاهين؛ ربط القبول بمساويء العهد الدكتاتوري، وبالتالي فالقبول بالإتفاقية سيكون بديلاً أفضل، كما وربط الحديث عن إنتهاك السيادة المحتمل، هو الآخر بتلك المساويء، وعليه ومن هذا المنظور، يصبح من غير المبرر الرفض بسبب الإنتهاك للسيادة، طالما أن هذه السيادة سبق وأن كانت منتهكة من قبل النظام السابق طبقاً لمقولة هذا الفريق، وضمن هذا الفريق تدخل فئات من مناصري اللبرالية الجديدة..!؟
•   ومنها من يرى في القبول المشروط، حاجة فرضها الأمر الواقع، ويمكن القبول بالإتفاقية إذا ماعقدت على أساس التكافيء والندية بين الفريقين، وإذا ما حققت مصالح البلاد الأمنية والإقتصادية، وضمنت السيادة والإستقلال التام، ووفرت الحماية من أي خطر محتمل، وتعهدت إنسحاب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، وحرمت إقامة أية قواعد عسكرية، ويدخل ضمن هذا الفريق قطاع واسع من منتقدي التستر على الإتفاقية، بل وحتى من بعض رافضي الإتفاقية للسبب المذكور.
•   وفريق ثالث، يرى في الإتفاقية ضرورة لا بد منها، لأنها الطريق الوحيد الذي يحمي العراق الجديد والعملية السياسية والمكاسب التي تم تحقيقها، ويدرء عنه المخاطر المحتملة، وفيها يكمن الطريق في الخروج من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. ومن هذا الفريق أطراف سياسية رئيسة في العملية السياسية والحكومة وفي المقدمة منهم سلطة الأقليم الكوردستاني، الذي يقود إثنان من ممثليه في الحكومة الإتحادية، العملية التفاوضية..!؟ 

ومهما بلغت حدة وشدة دعوات الرفض للإتفاقية، فإن ما يغلب عليها هو حالة الخلط بين الأهداف والبواعث لحالة الرفض نفسها، مما يضع المواطن في حالة من البلبلة الفكرية، التي تصعب عليه عملية الفرز بين المقاصد المتعددة لجهات الرفض، بسبب كثرة أصناف الرافضين من جهة، وغياب الموقف الوطني الموحد والواضح للقوى السياسية..!

 ولعل من الملفت للنظر أن تسهم عملية التعتيم والكتمان والسرية التي يمارسها طرفا العملية التفاوضية، في تعقيد موقف المواطن، وتعميق عنصر الشك والريبة لديه، من ما قد يبيت له من وراء الإتفاقية، خاصة وإن إعلام الطرفين المتفاوضين لم ينفك يعلن عن خلو الإتفاقية القادمة من أي بنود سرية، أو ملحقات خاصة تبطن ما لا تحمد عقباه، وهذا ما يدفع المواطن للتساؤل المستمر، إن كان الأمر كذلك، عن أسباب عدم نشر بنود المواد محل التفاوض،  أو التي يتم الإتفاق عليها، وأسماء الوفد المفاوض. مما يعطي الرافضين الحق في دعم أسباب رفضهم للإتفاقية . ومما يعزز هواجس الريبة والتشكك، ما تسرب من معلومات عن طريق الإعلام الأجنبي حول بعض النصوص المقترحة لبنود الإتفاقية من قبل الجانب الأمريكي والتي رفضت من قبل الجانب العراقي لمسها بالسيادة العراقية، وهذا مما وسع من رقعة الرفض ..!

ولكن وفي ظل هذه الأجواء تتواصل عملية المفاوضات بين الطرفين الامريكي والعراقي، وتتوالى التصريحات المتناقضة من جانب الطرف الحكومي ، بين الطريق المسدود وبين التواصل، كما تتوالى التصريحات من الجانب الامريكي بين التطمينات والتفاؤل، ولكن شيئاً واحداً يمكن تأكيده، هو أن عملية الإعداد للإتفاقية الأمريكية – العراقية، تجري على قدم وساق، وتطبخ على نار هادئة، في ظل هذا الصخب الدائم والتصريحات المتناقضة للمسؤولين العرااقيين، بدءً من رئيس الوزراء وإنتهاء بأعضاء مجلس النواب..!

فالتلويح الرسمي برفض مشروع المسودة الأمريكية لإنتهاكه السيادة العراقية، والذي فترت سخونته في الأيام الأخيرة، بل وآخذ التنصل منه بطريقة حريرية،(1) لم تدعمه الحكومة بشفافية حقيقية، ترفع فيها ستر التعتيم والسرية عن المفاوضات وعن البنود التي تجري حولها، في وقت تطلب فيه من الجمهور العراقي مساندة المفاوض العراقي، وفي وقت باتت ترشح فيه الكثير من المعلومات السرية عن المطالب الأمريكية للجانب العراقي، وهي في جملتها منتهكة للسيادة العراقية، تلك السيادة، التي يرى فيها البعض من المتحمسين للإتفاقية، أن لا "قيمة" لها، طالما قد أنتهكت سابقاً من قبل النظام السابق..!

وحتى اللحظة لم تبادر الحكومة الى عرض تفاصيل ما جرى ويجري على مجلس النواب، بل تكتفي بالمداولات التي تجري في إجتماعات المجلس السياسي للأمن الوطني، الذي يضم رؤساء بعض الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب، والذي على الصعيد العملي، قد إختزل دور مجلس النواب، وخاصة في القضايا المصيرية، الى حد التغييب..!؟

كل ما قدمناه سابقاً من حديث حول مشروع الإتفاقية المزمع توقيعها قريباً، والدائر بين الرفض والقبول المشروط، وما قدم حولها من سيناريوهات إفتراضية،(2) (3) يظل مجرد تكهنات وإفتراضات، يتحكم بها موقف الكتمان والسرية والغرف المظلمة الذي يمارسه الطرفان المتفاوضان، في جو من الضبابية وإختلاط أوراق اللعبة السياسية، ومع ذلك، فإنه من وارد الكلام التطرق الى ذكر المنطلقات الأساسية التي تندفع منها الأطراف الأساسية التي تقف وراء عقد الإتفاقية المذكورة، ويمكن إيجازها في ما يلي:

•   الموقف الأمريكي: (*) 

1.   ويتحدد في ضرورة عقد الإتفاقية، لكونها تصب في صلب السياسة الأمريكية المعلنة في المنطقة، وتعتبر أحدى الوسائل الأساسية لضمان قوة النفوذ الأمريكي في ميدان الصراع الدولي والإقليمي على مصادر الطاقة، مستفيدة من تواجدها العسكري في العراق، ومن حالة الإحتلال المشرعنة دولياً، مستغلة خصوصية الوضع السياسي في العراق، المُرتهن بأحكام بنود الفصل السابع لميثلق الأمم المتحدة (قرار مجلس الأمن 661 لعام/ 1990 ). فالخروج من أحكام الفصل السابع وفك الإرتهان على الإحتياطي النقدي العراقي(50 مليار دولار) في البنوك الأمريكية، يعتبران من أقوى أوراق الضغط التي تستخدمها أمريكا من أجل الوصول الى عقد الإتفاقية، طبقاً لشروطها التي تؤمن لها تلك الأهداف.
2.   عقد الإتفاقية يرتبط شكلياً وعلى أقل تقدير، بحالة النصر التي تدعي تحقيقها الإدارة الأمريكية من وراء غزو العراق علم /2003 وهي في طريقها الى تسليم مقاليد الأمور الى الإدارة الجديدة نهاية العام الحالي.
3.   عقد الإتفاقية طبقاً للشروط الأمريكية، يفتح الطريق أمام تلك الإدارة في التأثير على إتجاهات السياسة العراقية وتوجهاتها، في الميادين العسكرية والسياسية والإقتصادية والتعليمية والثقافية.
4.   عقد الإتفاقية طبقاً للشروط الأمريكية، يسهل الطريق لربط العراق بمنظومة الدول التي تدخل معها أمريكا بمعاهدات وإتفاقيات عسكرية، مثل تركيا وحلف الأطلسي.
5.   مسعى الإدارة الأمريكية الحالية الى توصيف المعاهدة المقترحة، بالإتفاقية، لتجنب عرضها الى الكونغرس الأمريكي وطلب الموافقة، وبنجاح الإدارة بهذا التوصيف، تكون قد حققت الأهداف المرسومة من وراء غزوها للعراق.   


•   الموقف العراقي: (**) 

1.   ويتحدد في الحاجة التي تستشعرها كافة الكتل السياسية ضمن العملية السياسية الى المعاهدة، ولكن من منطلقات مختلفة، ترتبط بطبيعة المصالح التي تحرك توجهاتها السياسية. ومنها من ترى في إبرام الإتفاقية الطريق الأضمن لتحقيق تلك المصالح، ومنها من تعتقد بإمكانية الإستفادة من الدعم المعرفي والتقني والخبرة العلمية، التي توفرها الإتفاقية، من أجل إعادة الإعمار والبناء الإقتصادي للعراق، وبناء الدولة الجديدة. 
2.   القلق المشترك الذي يلقي بظله على الجميع، من إحتمالية تداعيات إنسحاب القوات متعددة الجنسيات في نهاية العام إذا لم يتم التوقيع على الإتفاقية، وما قد ينجم عنه من تعريض التجربة العراقية الى مخاطر التدخل الخارجي والإحتراب الداخلي من أجل السلطة، وتعريض مصالح الكثير من هذه القوى للخطر.
3.   الضعف البنيوي لقوى الدولة المسلحة فنياً وتجهيزاً وخبرة وعددا. وهي من الأوراق التي تستثمرها الإدارة الأمريكية في إطالة بقاء وجود قواتها في العراق. تحت طائلة عدم آهلية القوات المسلحة العراقية.
4.   التطلع الى الخلاص من إرتهان العراق الى بنود أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الآخر من الأوراق التي تحاول الإدارة الأمريكية التعلل بها من أجل فرض شروطها المنتهكة لسيادة العراق على المفاوض العراقي.   

وكي يتحرر المرء من كل القيود في تقييمه لإتفاقية هي في حكم معاهدة بين بلدين، لم يُعلن عن بنودها بعد، ويجري التفاوض عليها في ظل سرية تامة وكتمان شديد، إلا ما تيسر له من معلومات تسربها وسائل الإعلام هنا وهناك، وجملة تصريحات متناقضة لعدد من المسؤولين من كلا الطرفين، ليس أمامه إلا الرجوع الى المنطلقات الأساسية التي تدفع بالطرفين المتفاوضين لإبرام مثل تلك المعاهدة..!

ومن خلال ملاحظة تلك المنطلقات لكلا الطرفين، يشاهد المراقب الهوة الواسعة بين الإرادتين، من جهة، والتفاوت الحاد بينهما من حيث التكافؤ والندية من جهة أخرى. وبالتالي فإن أي تعاون مشترك يأخذ صيغة التعاهد والتكافل، بين طرفين غير متكافئين في مقياس الندية، وغير متجانسين في حجم الأهداف وطبيعتها، وخاصة في جوانبها الأمنية، ناهيك عن الجوانب الأخرى، إنما هو تعاهد مشوب بالعيب، وهو أقرب في حالته الظاهرة وما تسرب من بعض بنوده السرية، الى عقود الإذعان، التي إذا ماحصلت فإنما يعتبر إبرامها إنتهاك للسيادة الوطنية وتدخل فض في الشؤون الداخلية للبلاد، من خلال إستغلال الأوضاع الإستثنائية التي يمر بها العراق وحاجته لكسر قيود الإرتهان، رغم ما تقوله القاعدة الفقهية ؛ بأن العقد شريعة المتعاقدين..!؟

الملفت للنظر ان المفاوض العراقي رغم كل ما قيل ويقال حول الإتفاقية، ولإسباب غير معلنة، لا زال ممسكاً بحبل السرية والكتمان، محاولاً تمريرها من خلال تلميع صورتها، مقارنة لها بأبشع منها، وهي صورة التدخل الإيراني، مما يعزز لدى المواطن العراقي ولحد بعيد، كل توجسات الخيفة مما يضمره المستقبل له من وراء إبرام إتفاقية غير واضحة المعالم، وتجري في ظل ظروف عدم الإستقرار..!     
________________________________________________________
(*) وفقاً لما أعلن عن طريق وسائل الأعلام العالمي حول بنود المسودة الأمريكية للإتفاقية
(**) وفقاً لجملة التصريحات الرسمية ووسائل الأعلام الحكومية
(1)  Sotaliraq.com - صوت العراق
(2)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=137243
(3)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=121232
           

277


باقر الفضلي


لست هنا في معرض البحث في مسألة عقلانية حسب، بقدر ما أجدني أمام حقيقة فرضتها علينا ظروف وأحداث، ربما تكون  خارجة عن إرادتنا، أو قد نكون طرفاً فيها، أو كنا نرقبها عن كثب، بل وربما، حتى من المساهمين في صنعها بهذا القدر أو ذاك..!

إشكالية العلاقة الأمريكية - العراقية، هي تلك العملية التي تقف أمامنا كعراقيين، وهي تنتظر منا، وقد أصبحنا كطرف مباشر فيها، أن نجد الحلول المناسبة لزحزحتها بالقدر الذي لا يدمي جراحنا، أو يثقل علينا بجراح أعمق ويزيد خرابنا على خراب، ويترك لأجيالنا صورة كالحة عن ماضي الأباء والأجداد..!

فالجدل القائم حول طبيعة العلاقة الأمريكية-  العراقية، يدخل نفسه في إطار ما أشرت اليه فيما سبق، وبعد خمس سنوات من الغزو الأمريكي للعراق عام/2003، وبغض النظر عن كل أسبابه ودوافعه، وحتى بعيداً عن نتائجه الكارثية، وفي مقدمتها التدمير الشامل لبنية الدولة، وتقويضه لدعائم البنية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والبيئية والنفسية؛ أقول رغم كل ذلك، على المرء أن ينظر لطابع هذه العلاقة، على أنها قد فرضت وجودها على العراقيين كحقيقة قائمة، ومن هنا يستوجب النظر اليها من قبل العراقيين، بمنظار المصالح العراقية الوطنية، التي تضع في قمة تفكيرها، كيفية الفكاك والخلاص من براثن الكارثة التي ألقت بكلكلها على أكتاف العراقيين، من جهة، ومديات وآفاق التعاون المشترك والمتكافيء على الصعد الإقليمية والدولية من جهة أخرى، مع حساب الحاجة والضرورة الوطنية..!

منذ كانون الأول/2007 طرحت الحكومة العراقية بشخص السيد رئيس الوزراء ما سمي في حينه، "إعلان مباديء النوايا" بين الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية، على أن يتم تحويله الى إتفاقية "طويلة الأمد للتعاون المشترك" بين البلدين، حيث سيجري التوقيع عليها في 31 تموز/2008 القادم، وفي حينه كنت قد كتبت مقالة حول الموضوع، تناولت فيها طبيعة الإعلان المذكور، والملامح العامة التي يبدو عليها، ومدى شرعيته الدستورية، وآفاق وحدود تعلقه بمصلحة العراق، ومدى تهيؤ العراق لإتفاقية من هذا النوع في ظل ظروفه الحالية.


 وقلت أيضاً: أنه من السابق لأوانه تبسيط الأمور والتكهن بما ستؤول اليه نتائج المفاوضات القادمة بين العراق وأمريكا، ومن التبسيط أيضاً إستعجال الأحكام وإلقاء تبعاتها على شماعة "المؤامرة" كما تجري العادة أحياناً ، قبل أن يستجلي المرء دقائق الأمور، ويسبر غور تفاصيل هذه المفاوضات المنتظرة، والأهداف والغايات المنشودة من ورائها، والحكمة في إبرامها..!


وعلى ضوء الجدل السائد حول الإتفاقية اليوم، ولقرب الإعلان عنها قريباً، كما يُصرحُ به هنا وهناك، تدور في الساحة السياسية العراقية، حملة واسعة النطاق من الرفض المعلن للإتفاقية الأمريكية – العراقية، شاركت فيها أوساط واسعة من الكتل السياسية، ومنها الكتل السياسية الحاكمة، وأحزابها السياسية مثل المجلس الأعلى وحزب الدعوة، بالإضافة للتيار الصدري، الذي بدء بتنظيم المظاهرات الشعبية الرافضة للإتفاقية، كما هي الأخرى الحكومة، أوضحت موقفاً يشوبه التردد والتناقض أحياناً، حول توقف المفاوضات مع الجانب الأمريكي، أو حول أن المفاوضات لا زالت في بداية الطريق، وأن المفاوض العراقي يمتلك مسودته الخاصة عن المقترحات المتعلقة ببنود الإتفاقية، أو أن العراق قد يفكر ببدائل أخرى ومنها البقاء تحت أحكام البند السابع،(1) ومن جهة أخرى، إعلانها في عين الوقت عن تحقيق تقدم ملحوظ في سير تلك المفاوضات (تصريحات السيد وزير الخارجية لقناة العربية 3/6/2008 والى محطة  bbc في 5/6/2008، حيث [[نفى زيباري ان تكون المفاوضات مع الامريكيين قد وصلت الى طريق مسدود، غير انه اقر بوجود خلافات حول قضايا تمس سيادة العراق.]] ..!(2)


كما وتزامن هذا الرفض مع موقف رافض آخر قادته وبشكل ملحوظ دولة الجوار، الجمهورية الإيرانية الإسلامية، داعية فيه الشعب العراقي الى رفض الإتفاقية كلياً، بل إتخذ الموقف الإيراني صورة أكثر تحدياً وتدخلاً في الشأن العراقي، على لسان السيد الدكتور أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ورئيس "مجلس الخبراء" لإختيار المرشد العام للثورة الأيرانية الأسلامية ، وقد لفت رفسنجاني الى ان [[«جوهر المعاهدة، إذا أقرت، تحويل العراقيين الى عبيد أمام الأميركيين» مؤكداً ان «هذا لن يحدث. فالشعب والحكومة العراقيان، والأمة الاسلامية لن يسمحوا بذلك».]](3)

ومع هذا السياق القائم من الجدل حول الإتفاقية، تُظهر صورة الوضع القائم في العراق، حالة من عدم الوضوح في الموقف السياسي الرسمي من الإتفاقية، رغم ما جرى الحديث عنه من إتفاق مجلس الأمن السياسي العراقي بالإجماع على رفض ما جاء في عدد من بنود المسودة "الأمريكية" من إنتهاك للسيادة العراقية. في وقت أعلنت فيه حكومة الإقليم على لسان رئيس الحكومة السيد نجريفان بارزاني دعمها للإتفاقية.(4)

ولأهمية الأمر، وبعيداً عن أي موقف عاطفي، ولغرض عدم التشتت في البحث، أو التعجل بسوق أحكام قبل أوانها، لا بد من تثبيت أسس محددة، يُبنى على ضوئها تحديد المواقف والإستنتاجات، بعيداً عن المواقف المسبقة في الرفض أو القبول..!

ومن أجل الوصول الى هذه الأسس، يصبح من نافل القول، ضرورة تحديد الإطار العام، الذي يمكن من داخله أو طبقاً له، يجري بحث تفاصيل تلك الأسس والمباديء التي على ضوئها يمكن أن تتخذ القرارات والأحكام وتُسن البنودُ لأي إتفاقية دولية بهذ المستوى، خاصة وإننا أمام إتفاقية لم تُعلن نصوصها بعد، ولم يتم التوقيع عليها بعد من قبل الطرفين..!
-   من المسلم به، أننا نعيش في عالم، تغلب عليه وتنظمه العلاقات الدولية، وبغض النظر عن طبيعة تلك العلاقات. اما الحجر الأساس الذي تبنى عليه هذه العلاقات، فهو (الدولة)، وأي دولة في هذا العالم لا تختلف في الجوهر عن غيرها، في المسائل الجوهرية  لحياة الدولة وديمومتها، ويقف في مقدمة هذه المسائل الجوهرية، (مصلحة) الدولة الوطنية نفسها، ككيان قائم بذاته. ومن هذه الحقيقة، بُنيت الجيوش، وجرى خوض الحروب، وانتُهكت الحدود بين الدول، وإستُعمِرت بلدان بكاملها، وتعددت أسباب الغزو والعدوان، كما ومن الجانب الآخر، سُنت القوانين والتشريعات التي تنظم العلاقات بين الدول، وأُسست المنظمات الدولية لمعالجة حالات العدوان، وتنظيم أفضل الروابط والعلاقات التي تحفظ كيان الدولة والشعوب وتحافظ على السلم والأمن الدوليين..!
-   من هذه المقدمة، يمكن القول ؛ بأن أي إتفاقية أو معاهدة بين دولتين أو مجموعة دول، ينبغي أن يحكمها في الإطار العام، مبدأ (المصلحة) الوطنية لكل دولة منها. وللإيجاز أقول؛ بأن مشروع الإتفاقية الأمريكية – العراقية، لا بد أن يحكمه ضمناً، الإطار المذكور لمبدأ (المصلحة)، وليس مجرد الرغبة في التحالف أو الصداقة، أو بدافع الهيمنة والإستعباد، فهذه في معظمها تأتي لاحقة، ونتيجة لما تقدم من أسبابٍ تكمن في أسس (المصلحة) ذاتها لتلك الدولة أو مجموعة الدول..!
-   فأي عدالة أو توازن يعتقدها المرء في أي مشروعِ إتفاقيةٍ أو معاهدةٍ بين دولتين، ينبغي أن ينظر اليها عبر منظور (المصلحة) الوطنية المتحققة للدولتين المذكورتين، وليس لطرف واحد منهما، لأنه المعيار الوحيد الذي تُبنى عليه العلاقات بين الدول، والذي بموجبه يمكن الحفاظ على سيادتها وإحترام إستقلالها، وأي مس أو إخلال بهذا المعيار في التطبيق، حتى إن تم برغبة أو تنازل اي طرف من الطرفين لصالح الطرف الآخر، فهو لا يضفي طابع العدالة والمساواة على مثل تلك الإتفاقية..!       

فطبقاً لمثل هذا المعيار، وهو الإطار العام الذي يحكم العلاقة بين الدول، كما بينت، يصبح من البدهي القول؛ بأن مشروع الإتفاقية الأمريكية – العراقية، يخضع إبتداء لأحكام هذا المعيار، وتصبح بحكمه كلتا الدولتان ملزمتين بمراعاة مصالح بلديهما بما يحقق المساواة والعدالة والإنتفاع المشترك في تلك الحدود، دون غبن أو هدر أو إغتصاب للحقوق، رغم عوامل الإختلاف ومن اوجه عديدة بين الطرفين. ولكي تتحقق مثل هذه الفرضية، وإذا ما كانت الرغبة مشتركة من قبل الجانبين، وضمن الإطار العام المذكور (المصلحة)، يصبح لزاماً بعد ذلك أن تتوفر الأسس التي تكفل لأي دولة ما، ضمان تحقيق مصلحتها والوصول الى الهدف الذي تبتغيه من وراء ذلك. وبإيجاز يمكن تحديد بعض منها للتوضيح..!
-   مبدأ التكافؤ والندية بين الدول التي تقدم على الدخول في إتفاقيات أو معاهدات مشتركة، لتحقيق مصالح مشتركة. وهذا يفترض الأمور التالية:
•   إستقلالية القرار الوطني، دون أي أن يشوبه، ضغط أو إكراه أو تدخل.
•   شرعية القرار الوطني الدستورية، المدعومة بإجماع شعبي من خلال مناقشة وإستفتاء عام على بنود أي إتفاقية تتعلق بالشؤون السيادية. 
•   مناخ ديمقراطي عام، تجري في ظله الإنتخابات والإستفتاء الشعبي.
•   ملائمة الظروف الأمنية وسيادة السلم الإجتماعي

-   تمتع الدولة بكامل الإستقلال ولها كامل السيادة على أراضيها، ولها كامل حق التصرف بمياهها وأجوائها، والإشراف الكامل على حدودها ومياهها الإقليمية.
-   أن لا يشكل دخولها طرفاً في أية إتفاقية أو معاهدة دولية، تهديداً لأمن وسلامة دول الجوار أو أي أطراف أخرى، أو أن يكون سبباً في الإضرار بها، وأن لا يتعارض مع مباديء الأمم المتحدة في صيانة السلم والأمن الدوليين. 
 
جميع ما تقدم لا يشكل إلا بعض خطوط عامة موجزة للمعايير والأسس التي يمكن النظر من خلالها الى حالة مشروع الإتفاقية الأمريكية – العراقية، وهي خطوط عامة تقديرية، قد تمنح الباحث والقاريء والمراقب فرصة تسليط الأضواء على طبيعة مشروع الإتفاقية، وطبيعة الظروف التي تجري في أجوائها المفاوضات،  ومن خلاله يمكنه طرح الأسئلة التي يعتقدها المرء مناسبة، أومن خلالها، يمكنه الوصول الى تقييم أكثر دقة في تحديد الرأي حول مسار المفاوضات والنتائج المتوقعة، وحدود وآفاق ( المصلحة) وتوجهاتها وإتجاهاتها بالنسبة للمفاوض العراقي..!

ولكنه ومع ذلك يبقى من السابق لأوانه الحكم على طبيعة هذه الإتفاقية أو تحديد موقف موضوعي منها وما تكون قد حققته المفاوضات من نتائج على ضوء ما تقدم من أسس ومعايير، طالما هي  في دور التفاوض والمباحثات والأخذ والرد، وطالما لا يزال التباحث يجري في ظروف السرية والكتمان..! 

إلا أنه ومن خلال الظروف التي يمر بها العراق اليوم، فيصبح من المنطقي القول؛ بأن المفاوض العراقي، وعلى إفتراض السير قدماً بالتفاوض، ومع إفتراض، الأخذ بكل ما تقدم من أسس ومعايير  للوصول الى إقرار الإتفاقية، لابد عليه وأن يحدد سقف طلباته في مواجهة الجانب الثاني (المفاوض الأمريكي)، وهي من حيث الجوهر في تقديري إذا ما أخذنا المقدمات الأساسية لحسن النية، تتلخص في جوهرها وعلى سبيل التوقع والإفتراض، في بعض النقاط التالية:

•   إلتزام الطرف الثاني (الإدارة الأمريكية)، وخلال مدة يجري الإتفاق عليها، بإعادة بناء القدرات الدفاعية المسلحة للعراق، لوجستياً وفنياً، الى الدرجة التي تصبح فيها تلك القدرات مؤهلة ذاتياً على أداء مهامها الدفاعية وصيانة حدود البلاد وحمايتها من أي خطر محتمل. دون أن يقيد ذلك حرية العراق في التعاقد مع أطراف أخرى.  وفي جميع الأحوال تكون لقوانين الدولة العراقية السيادة التامة على حركة وتوجهات قوات الطرف الثاني، مع نفاذ القانون العراقي على الأفعال التي يجرمها القانون ويكون فيها الطرف الثاني مشاركا، طيلة فترة بقائها في العراق للغرض المذكور.
•   إلتزام الطرف الثاني (الإدارة الأمريكية)، بإعادة إعمار العراق، وخصوصاً ما لحق بإقتصاد العراق من دمار وأضرار في المجالات الصناعية والزراعية والبيئية، جراء العمليات العسكرية أثناء الغزو وبسببه، أو خلال العمليات العسكرية اللاحقة للغزو/ 2003 وحساب أضرارها، بما يعيد للعراق بنيته الإقتصادية التي دمرها الغزو العسكري، وذلك من خلال الإستثمار والدعم الفني،  ضمن خطة تنموية وطنية للنهوض بالصناعة والزراعة الوطنيتين، وتترك مديات حساباتها التكليفية والزمنية وطبيعة العقود للمتخصصين من الخبراء العراقيين.
•   أن يلتزم الطرف الثاني (الإدارة الأمريكية)، بتقديم المساعدة والدعم الفني واللوجستي وبالتعاون مع الأجهزة الفنية العراقية، في مجال مكافحة الآثار الكارثية التي لحقت بالبيئة العراقية، بسبب العمليات العسكرية، والتعويض على المتضررين من المدنيين بسبب ذلك، بما فيها المعالجات الطبية خارج العراق  في حالة الضرورة.
•   يلتزم العراق من جانبه، وفي مجال التعاون الإقتصادي بين البلدين، وخلال مدة سريان الإتفاقية،  بضمان بيع النفط العراقي الى الطرف الثاني، إسوة بالمشترين الآخرين في السوق الدولي، ووفق الأسعار الدولية المعلنة وقت البيع، وطبقاً للقوانين العراقية وخاصة قانون النفط والغاز، وبما لا يتعارض مع خطته للتنمية الإقتصادية وخطة التنمية المستديمة للصناعة النفطية العراقية. (راجع الرابط أدناه حول التنمية المستديمة للصناعة النفطية. د.كامل العضاض)(**) 
•   لا تصبح الإتفاقية سارية المفعول من قبل الجانب العراقي، إلا بعد التصديق عليها من قبل مجلس النواب العراقي، وبأغلبية الثلثين، أو من خلال الإستفتاء الشعبي العام.

وكل هذه النقاط لا تمثل، في الحقيقة، غير ملامح عامة لبعض الإلتزامات المتقابلة لإفتراض أو إحتمال اي إتفاقية يعقدها الجانبان، وفي جميع الأحوال فإن الكلمة النهائية في إقرار أي إتفاقية من هذا القبيل هي للشعب العراقي وحده..!

ومع ذلك، ورغم جميع ما أشرت اليه، فأن العراق حالياً يواجه موقفاً فيه من الحرج، ما يلزم الحكومة العراقية، بأن تتخذ موقفاً واضحاً، في التفكير بكل البدائل المحتملة في حالة تأجيل أو وقف سير المفاوضات أو حتى في حالة عدم التوقيع على الإتفاقية، إذا ما علمنا بأن فترة تواجد القوات متعددة الجنسيات تنتهي في نهاية العام الحالي 2008 .

  وختاما، وبين صخب الرفض والقبول، يجلس المواطن العراقي على شاطيء الحَيرة بالإنتظار ، يرقب كيف وأين تسير الأمور، وأين ستحدد مصالحه، ليقول كلمته الأخيرة
____________________________________________________________
(1)   http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=1&issueno=10781&article=473562
(2)   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7436000/7436963.stm
(3)    http://www.alhayat.com/world_news/asiastralia/06-2008/Item-20080604-550724d7-c0a8-10ed-0165-7e5ae5f644de/story.html   
             (4)   http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=19295
              (**)  http://www.iraqoftomorrow.org/wesima_articles/civil_studies-20080602-56147.html
         
 
   
 

278

باقر الفضلي


•   المادة (2):
اولاً :ـ الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ اساس للتشريع:
أ ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً :ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق لدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين.

•   المادة (10):
العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية،
      وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها.

•   المادة (20):
للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة،
 والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.

•   المادة (41):
اولاً :ـ اتباع كل دينٍ او مذهبٍ احرارٌ في:
أ ـ ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية.
ب ـ إدارة الاوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية، وينظم ذلك بقانون.
ثانياً :ـ تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها.

•   المادة (44):
لا يكون تقييد ممارسة أيٍ من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور
 أو تحديدها الا بقانون أو بناءً عليه، على ان لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية.





كافة النصوص المشار اليها في أعلاه، هي نصوص دستورية ، منقولة من الدستور الدائم لجمهورية العراق المصوت عليه في إستفتاء عام من قبل الشعب العراقي عام/ 2005 ، وبمعنى آخر إقراره من قبل غالبية القوى السياسية وبالذات منها القوى الراعية للعملية السياسية والمشاركة في تكوين الحكومة العراقية المنتخبة من قبل مجلس النواب، وبالتالي فهي قيل غيرها مَنْ يُطالب بالتمسك بهذه النصوص وطبقاً لأحكامها.

بقدر ما يتعلق الأمر بالخلاف الجاري في مجلس النواب حول إقرار قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات، التي من المزمع إجرائها في تشرين الأول من هذا العام، حول مسألة أحد النصوص الواردة في مسودة القانون المذكور، وإعتراض كتلة الإئتلاف العراقي الموحد وبالذات (المجلس الاسلامي الاعلى)، على النص المذكور والمطالبة بإلغائه، فقد التجئنا الى نصوص الدستور الدائم أعلاه لتوضيح جوهر الخلاف، لكونه يتعلق بإستخدام أماكن العبادة، كمراكز للنشاط السياسي، والرموز الدينية كوسائل للدعاية الإنتخابية..!


-   لقد أكدت المادة العاشرة من الدستور، طبيعة العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق، بأنها مكانات دينية وحضارية، والزمت الدولة بضمان حرمتها، وضمان حرية ممارسة الشعائر فيها.

-   إن التحديد الذي نصت عليه هذه المادة بكون هذه الأماكن (دينية)، يجعل من البدهي الفهم، بأنه لا يمكن إستخدامها لغير القصد الذي حدده الدستور، وبالتالي يصبح من تحصيل الحاصل، حرمة إستخدامها لغير ذلك القصد، وهنا يصبح لزاماً على أي جهة ما، الإمتناع عن إستغلال هذه الأماكن لغايات أخرى غير العبادة وممارسة الشعائر الدينية.

-   وما يؤكد تلك الحقيقة، هو النص الواضح في آخر المادة المذكورة، والذي حدد خصوصية هذه الأماكن لممارسة الشعائر الدينية داخلها، وهوتحديد مكاني من جهة، وتخصصي من جهة ثانية. وهو يفترض بالأصل أن ممارسة مثل هذه الشعائر يفترض أن يجري ضمن الأماكن المخصصة لها ، كالمسجد أو الكنيسة أو المعبد أو أي مكان مشمول بالتعريف المنصوص عليه في المادة الدستورية أعلاه.

-   ما يعزز قولنا أيضاً، الفقرة /أولاً: من المادة/41 من الدستور التي جاءت محددة لطبيعة الشعائر وتوصيفها بإعتبارها ذات طابع ديني صرف، وضمنتها لغرض التحديد نفسه، الشعائر الحسينية.  وربطت في الفقرة/ثانياً: من نفس المادة، حرية الممارسة المذكورة بأماكن العبادة تحديداً، وأناطة مهمة حمايتها بالدولة، ومن ذلك يبدو أن الدولة قد ألزمت نفسها بضمان وكفالة حرية العبادة وإقامة شعائرها، ضمن أماكن العبادة نفسها. وبالمفهوم المعاكس ، فأن هذا الإلتزام يفقد فعاليته إذا ما أقدم أي شخص أو جهة على ممارسة الشعائر الدينية خارج الأماكن المخصصة لها أصلاً والمعترف بها قانوناً.

-   لقد ضمن الدستور حرية العقيدة والممارسة الدينية للجميع دون تمييز، كما ورد ذلك في نص الفقرة/ ثانياُ من المادة/ 2 من الدستور، حين ضمن هذه الحرية لجميع أبناء الأديان الأخرى في العراق، وبالتالي فلم يعطي النص إمتيازاً خاصاً لأي جهة ما، رغم نص الفقرة المذكورة على المحافظة على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي.

-   لم يحدد الدستور أحكاماً إستثنائية غير تلك التي حددها لإستخدام أماكن العبادة، والمقصود به ممارسة الشعائر والطقوس الدينية. ومن هنا ينتفي أي تعلل بعكس ذلك.


من كل ما تقدم يمكن القول:

أن الدستور الدائم قد نظم الحرية الدينية وممارسة شعائرها،  بشكل واضح المعالم ولا يحتاج الى فهم أعمق من مجرد الربط بين نصوص الدستور نفسها والتمعن في مدلولاتها المنطقية، والإبتعاد عن التأويل خارج المبنى والمعنى الذي قصده الدستور نفسه، وإنطاقه بغير ما يريد، من أجل تحقيق مصلحة خاصة.


فالدستور وبقدر ما يتعلق بالحرية الدينية، قد أوجز الأمر في النقاط التالية:

1.   حق جميع أفراد المجتمع في حرية العقيدة والممارسة الدينية.
2.   ضمان الدولة لحماية أماكن العبادة.
3.   ربط الممارسة الدينية وأمور العبادة وإقامة الطقوس الدينية بما فيها الشعائر الحسينية، بأماكن العبادة.
4.   ضمان الدولة لحرية ممارسة الشعائر الدينية وحمايتها داخل أماكن العبادة تحديدا.


ومن هنا يمكن القول: بأن أي إدعاء عكس ذلك، سيجد نفسه في تعاكس مع منطق الدستور، بل وأي ممارسة عكس هذا المنطق، يمكن إدخالها ضمن هذا السياق، بإعتبارها مخالفة لنصوص الدستور نفسه. ويصبح من نافل القول؛ بأن أية قوة سياسية تحاول إستغلال ممارسة الشعائر الدينية خارج أماكن العبادة المتعارف عليها،  أو إستغلال هذه الأماكن لممارسات سياسية أو غير دينية، خارج إطار الممارسة الدينية، فإنها ستضع نفسها في موضع الخارق لنصوص الدستور على الصعيد العملي، حتى في تلك الحالات التي تسبغ عليها الصبغة الدينية ظاهراً ولكنها تبطن مقاصد سياسية خاصة..!


ويصبح الأمر أكثر تعقيداً حينما تحاول بعض الجهات السياسية ومنها الأحزاب السياسية ذات اللبوس الديني، او ما تُدعى "بالإسلام السياسي" أو الأحزاب الدينية من الطوائف الأخرى ، أن تستغل الأماكن المخصصة للعبادة من مساجد أو عتبات مقدسة أو كنائس أو مقامات دينية مثل الحسينيات أو مدافن ومراقد الصالحين، لأغراض سياسية بحتة، مستغلة التحشدات الجماهيرية أثناء أوقات العبادة أو الزيارات في المناسبات الدينية، كما هو متعارف عليه في صلاوات الجمعة أو أيام الآحاد في الكنائس والمناسبات الدينية الأخرى، لتحولها الى مهرجانات سياسية تطرح فيها برامجها وخططها الخاصة التي تخفي ورائها مصالحها السياسية. كما هو الحال في أوقات الإنتخابات على سبيل المثال..!

   ففي هذه الحالة لا ترتكب تلك الأحزاب مجرد خرق لأحكام الدستور حسب، بل تضاعف هذا الخرق بخرق آخر، يتعلق بحقوق المواطن في التمتع بحقوقه السياسية؛ بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح كما نصت عليه المادة /20 أعلاه من الدستور، مما يعني أن هذه القوى قد إحتكرت لنفسها حق إستخدام أماكن العبادة، والإستئثار بالتأثير على الجمهور من خلال التأثير على عواطفه الدينية، بإستخدام الرمز الديني، سواء من خلال أماكن العبادة نفسها أو الشخصيات التي ترمز لها هذا الأماكن ؛ كالأماكن المقدسة لدى الجمهور، ومنها العتبات المقدسة والكنائس، في الوقت الذي تحرم فيه أطرافاً أخرى من القوى السياسية المنافسة لها في الإنتخابات من هذه الميزة، إذا ما علمنا بطابع التحشد الجماهيري الكبير والتلقائي في أماكن العبادة والأماكن المقدسة الأخرى، ومن هنا يصبح الخرق لنصوص الدستور مزدوجاً من عدة نواحي:

- خرق بإستخدام أماكن العبادة والأماكن المقدسة خارج القصد المحدد لها دستوريا.
-  خرق للمساواة بين الأفراد في الحقوق السياسية التي كفلها الدستور بهذا الشأن.
- خرق لمباديء الديمقراطية التي نص عليها الدستور.

وبقدر ما يتعلق الأمر باللجوء الى إستخدام (الرموز الدينية) سواء كانت لوحات مصورة لرجال دين مميزين لدى العامة، أو لهم مكانة قدسية أو إعتبارية، أو لافتات وشعارات تشير الى مرجعيات دينية لها مكانتها الإعتبارية لدى الجمهور، فهي الأخرى تدخل من حيث التفسير في نطاق الإستخدام الديني لهذه الرموز الدينية، خارج الأطر المكانية التي حددها الدستور بالنسبة لممارسة الشعائر الدينية وكل ما يدخل في نطاقها كما بينت أعلاه..!

أما ما يتعلق بنص قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات المطروح للنقاش على مجلس النواب، بمنع إستخدام الرموز الدينية في الدعاية الإنتخابية أو إستخدام أمكنة العبادة بمختلف أشكالها لذلك الغرض، فهو يقع دستورياً ضمن الأطر الدستورية التي أشرت اليها فيما تقدم، ويعتبر تجسيداً واقعياً وإلتزاماً قانونياً يتوافق مع أحكام الدستور وخاصة أحكام المادة/20 والفقرة/ب من المادة/2 من الدستور الدائم، التي نصت على عدم دستورية أي نص يتعارض مع مباديء الديمقراطية..!

من جميع ما تقدم، لا يجد المرء في الإعتراض على ما جاء في تحريم مشروع قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات من إستخدام للرموز الدينية وإستغلال أماكن العبادة في الحملة الإنتخابية القادمة، من قبل بعض القوى السياسية، وبالذات منها المجلس الإسلامي الأعلى، ما يسنده دستورياً أو يدعمه ديمقراطياً حسب، بقدر ما يخلق هذا الإعتراض، حالة من إعاقة إقرار مشروع القانون، وخرقاً لمنطوق نص الفقرة/ب من المادة /2 من الدستور، بشكل علني، خاصة إذا ما كان الإعتراض ينصب على مبدأ من مباديء الديمقراطية، المتعلق بالمساوة لجميع المتنافسين في العملية الإنتخابية في الحقوق التي منحها الدستور، مع التأكيد على أن العملية الإنتخابية بجميع تفاصيلها وآلياتها ووسائل تطبيقها، تدخل جميعاً ضمن مباديء الديمقراطية التي نص عليها الدستور في المادة /2 الفقرة /ب أعلاه..!

ولست هنا في معرض الحديث عن الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذا الإعتراض، بقدر ما أردت التوضيح بأن الإعتراض التي تتمسك به بعض القوى السياسية من أطراف "العملية السياسية" ، على النص الوارد في مسودة مشروع قانون إنتخاب مجالس المحافظات، المتعلق بمنع إستخدام الرموز الدينية وأماكن العبادة في العملية الدعائية للإنتخابات، إنما يدخل في إطار خرق أحكام الدستور المتعلقة بالمباديء الديمقراطية؛ وفيه من خلال ذلك، تجاوز على حقوق الآخرين من المشاركين في العملية الإنتخابية، إذ يمنح المنادين به من هذه القوى إمتيازاً خاصاً لا يتوفر مثله للقوى السياسية الأخرى، وبالتالي، فإن أية خطوة بهذا الإتجاه، لا تخرج عن كونها عملية تسييس وإستغلال للدين ومرجعياته ورموزه الإعتبارية، بشكل ينسف "العملية السياسية" من جذورها "الديمقراطية" التي تتمسك بها كافة القوى المنضوية تحت خيمتها بما فيها القوى المعترضة على نص المنع الوارد في القانون أعلاه..!   

كما ولا يبدل في الأمر شيئاً الإدعاء بعدم توفر أماكن مناسبة في بعض النواحي والمدن الصغيرة والقرى، مما يضطر المدعون معه، الإلتجاء لإستخدام أماكن العبادة لإغراض الدعاية الإنتخابية، وفي تقديري إن قولاً مثل هذا  إنما يعبر عن إعترافٍ ضمني بالنصوص الدستورية ، ولكن في نفس الوقت وعلى الصعيد العملي، رفضاً صريحاً لهذه النصوص، ولا يمثل الإستشهاد بعدم توفر الأماكن المناسبة في المدن الصغيرة مثل النواحي والقرى إلا غطاء لتبرير هذا الرفض للنصوص الدستورية، فعلى سبيل المثال، بالإمكان ممارسة النشاط الدعائي الإنتخابي في هذه الأماكن، عن طريق بناء الخيم في الساحات العامة وفي الفضاء، وبالتالي تصبح الممارسة شرعية ولا تتعارض مع حرمة أماكن العبادة التي ضمنها الدستور من أي إضرار أو تجاوز مهما كان، هذا من جهة، كما وسيعبرُ مثل هذا المقترح عن حالة المساواة بين كافة الأطراف المتنافسة في العملية الإنتخابية، دون محاباة،  وهو تقليد متبع في أغلب دول العالم بما  فيها الدول المتحضرة، التي تمارس الدعاية الإنتخابية من خلال أكشاك مؤقتة تبنيها في الساحات العامة، ولم تلجأ الى أماكن العبادة بأي حال من الأحوال، من جهة أخرى..!

  الأمل أن يأخذ مجلس النواب وهو الهيئة التشريعية العليا في البلاد وكذلك المفوضية العليا للإنتخابات، والقوى السياسية المشاركة في العملية السياسية أو خارجها وكذلك مؤسسة القضاء الدستورية، أن يأخذوا بالإعتبار الجدل القائم بشأن مشروع قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات، والتمسك بالنصوص الدستورية التي تحكم أسس وآلية العملية الإنتخابية، وبالذات قواعد الإلتزام التي تتعلق بعدم تسخير وتسييس الدين في العملية الديمقراطية، من قبل أي جهة سياسية كانت. فالجميع مسؤولون عن حيادية هذه العملية وتجنيب الناخب من أي تأثيرات دعائية خارج ما حددته النصوص الدستورية وما تقرره المفوضية العليا للإنتخابات طبقاً للمباديء الدولية العامة، مع التشديد على مبدأ الرقابة الإنتخابية..!

والتساؤل الأخير وربما السابق لأوانه وهو موجه الى كافة الجهات المذكورة أعلاه قبل أن يوجه الى المواطن؛ وهو:
هل بالإمكان بناء الدولة المدنية الديمقراطية في العراق طبقاً لمباديء العدالة والديمقراطية والمساواة..؟! 
وهل سنبني حقاً، الدولة الدستورية..؟!

 
 




 

279
أدب / شهداء أحياء..!(*)
« في: 09:42 31/05/2008  »
شهداء أحياء..!(*)

باقر الفضلي


ستون عاماً مضت ، والدماءُ لم تزل طرية ،
 والأرض التي تحتضنها،
 لم تزل دافئة؛
 مورقة أشجارها ، دانية قطوفها،
 يانعة زهورُها..

ستون عاماً مضت، والدماءُ لم تزل؛ تردد النشيد؛
الكلمات نفسها.. الترددات نفسها..الالحان نفسها،
المشاعر نفسها.. النشيد هو النشيد..

ستون عاماً مضت، والدماءُ لم تزل؛ تزهو في سمائها ،
ترنو من بعيدٍ الى الأحفاد..
ترنو من بعيدٍ الى الأكتاف..
ترنو من بعيدٍ الى القادم البعيد..

ستون عاماً مضت،  والدماءُ لم تزل؛ تحتضن الدماء ..
تستنطق الوليد.. تسأل الحفيد..
 تزرع شجرة الزيتون..
تمسح الكحل في العيون..

ستون عاماً مضت، والدماءُ لم تزل؛ ترسم الطريق..
تكتب التأريخ..
 توقظ النيام..
تسحب الشمس من بعيد..

ستون عاماً مضت، والدماء لم تزل؛ ترقب الدماء..
ترقب الغريب..
تلعن الغريب..
تلعن الشيطان..
تعلن العصيان..

ستون عاما مضت، والدماء لم تزل؛ تلثم التراب..
تحضن التراب..
تستقي العيون..
تُمْطِرُ السماء..
تزرع الزيتون..
                   
              ********
_______________________________________

(*) بمناسبة انطلاق مشروع إعادة ترميم وصيانة( مقبرة شهداء الجيش العراقي )في محافظة جنين الفلسطينية اليوم،30/5/2008




280

باقر الفضلي

قد يبدو العنوان أعلاه مربكاً بعض الشيء، وهو في الحقيقة لا  يُعبر عن مفهوم دستوري أو عرفي، بل ولا يمت بصلة الى أي ميثاق دولي أو تشريع قانوني، ولم يعتد الأدب السياسي والقانوني على إستخدامه ضمن مصطلحاته المعروفة..!

الغرابة في الأمر؛ أن هذا المصطلح "إفتراضاً"،  بات واقعاً قائماً بذاته في الحياة السياسية وفي عدد من البلدان، وخاصة في الشرق الأوسط، وفي عُرف مَنْ يلجأون اليه تطبيقياً في الحياة اليومية ، بل وأكثر من ذلك، حينما يحاولون تكريسه في الحياة السياسية كأمرٍ واقع، وعلى المجتمع أن ينصاعَ لإرادة القائلين به، كحقيقةٍ قائمة لابد منها، والإعترافَ به كأمرٍ لا يقبل المناقشةَ، ولا يتحمل حتى التساؤل والإِيضاح..!؟

لو عاد المرء الى كافة دساتير الدول في العالم، والى ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، الموقع عليه في 26 حزيران من عام 1945، فإنه سوف لن يُواجَهه بمصطلحٍ مثل هذا، بل وعلى العكس، فإنه سيجد أن مصطلحَ (الدولة) هو المصطلحُ الوحيد المستخدم في جميع هذه المجالات..!

الدولة؛ وهي المفهوم الوحيد للتعبير عن وجودها، بإعتبارها كيان جغرافي بحدود موثقة ومعترف بها من قبل الدول الأخرى، وبالذات منها، الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وطبقاً لميثاقها، وبما فيها أيضاً الدول غير الأعضاء فيها، ولها كامل السيادة على أراضيها وأجواءها ومياهها الإقليمية وما في باطن أراضيها..الخ، ولا تمتلك أي قوة أخرى، بما فيها منظمة الأمم المتحدة نفسها، حقَ التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي للدولة، وإن كان ذلك لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة..!

الدولة إذن كل متكامل أمام نفسها وأمام الدول الأخرى، ويجري التعامل معها وفقاً لهذا الأساس، وطبقاً لمبدأ السيادة التامة لكل دولة، وهذا ما قامت عليه المنظمة الدولية، حين أقرت أن الهيئة تقوم على "مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها"..!

الهدف من كل ذلك هو للتأكيد على وحدة الكيانِ الشرعيةِ للدولة، بإعتبارها كل واحد موحد في التعامل مع الآخرين على الصعيد الدولي، وبغض النظر عن الأشكال التي تَبني عليها نظمها السياسية داخلياً؛ ولغرض أن تعبر أي دولة ما، عن وجودها الموحد كدولةٍ تمتلك كاملَ السيادةِ والإستقلال، أزاء الآخرين، فإنها تجد هذا التعبير من خلال التمثيل الشرعي الحقيقي لها، عن طريق سلطة الحكومة القائمة شرعياً، والتي تمتلك هذا الحق بموجب دستورٍ يمتلك نفسه، الشرعيةَ المعترف بها وطنياً، ويدخل ضمن ذلك حقُها المطلقُ في إحتكار سلاح الدولة، وحقُها في إدارة والإشراف على مؤسساتِها الدستورية، وضبطِ النظام العام وتأمينِ وضمان الأمن الوطني، وتأمين الدفاع عن سلامة الوطن، وبالتالي فإن هذا التمثيل للدول عن طريق حكوماتها، هو الشكلُ الغالبُُ والمتعارفُ عليه في المجتمع الدولي والذي تأخذ به هيئةُ الأمم المتحدة والمثبت في ميثاقها الأساسي..!

وفي المنطوق المعاكس لكل ذلك، هو ما أخذ يتلمسه المرءُ ، بل وما أصبح من الأمور الملموسة لمسَ اليد، في الواقع السياسي الدولي؛ والمقصود به، ذلك الشرخُ الكبير لمبدأ ومفهوم الدولة الممثلة بحكومتها الشرعية كما أشرنا اليه في ما تقدم، حيث بات من الأمورِ المسلم بها أن يواجه المرءُ، حكومةً ب"رأسين" وربما في بعض الأحوال "متعددة الرؤوس"؛ رأس يمتلك الشرعيةَ والمقصود به الحكومة الشرعية المُنتَخَبة، وآخر أو "أكثر" موازٍ له، يَدَعي "شرعية" من نوع جديد، رغم إعترافه وإقراره بشرعية الرأس الأول (الحكومة)، بل ومشاركته في مؤسسات الدولة الشرعية مثل البرلمان أو حتى مساهماً في عضوية الحكومة نفسها..!؟؟

 وهنا نجد أنفسَنا أمام مفارقةٍ غريبة، وذلك على الصعيد الدستوري أو على صعيد القانون الدولي، حيث يصبح من المتعذر معه، التعامل مع سلطةٍ برأسين أو أكثر، خاصة إذا ما كانت تلك الدولة، أمام إلتزاماتٍ ذات طابعٍ دولي، في وقت هي فيه مجبرة على التقيد بشروط "الرأس الآخر" والإعتراف به كواقعٍ قائم، رغم عدم شرعيته الدستورية، وإن إمتلك شرعيةً وطنيةً ضمن حدود الدولة..!؟

وما يميز هذه الإزدواجية في التحكم بالسلطة، وبشكل خاص؛ هو تمتع "الرأس الثاني" اللاشرعي، بالكثير من مواصفاتِ السلطةِ الحقيقية المُنتَخَبة ومهماتها المختلفة؛ وذلك بما يمتلكه من آليات الحركة، وما يضفيه على وجوده من سماتٍ ذات طابعٍ وطني، تتمثل في الأعم الغالب؛ بتقريره لنفسه شخصياً؛ "حق" الدفاع، و"حق" التحرك العسكري، و"حق" تقديم الخدمات وإقامة الهياكل الأساسية لمنظومات الطرق والمواصلات، وبناء شبكات الإتصالات السلكية واللاسلكية الخاصة به ولإستعمالاته الشخصية، بل والأهم من ذلك؛ "حق" تجنيد وتشكيل المنظمات العسكرية وتسليحها بما يقرره هو شخصياً؛ من نوعية السلاح، وما يحدده من مصادر التمويل، وتمتعه ب "حق" عدم كشف حساباته وميزانيته للتمويل، وجهات التمويل والإِستثمار، أو وضعها تحت مراقبة سلطة الدولة (المؤسسات الرقابية الحكومية). وكل هذه "الحقوق" يمنحها لنفسه تلقائياً دون إعتبار الى سلطة الدستور والقوانين السائدة رغم إعترافه شكلياً بوجودها..!؟؟؟

هذه الإزدواجية السلطوية، باتت تشكل عبئاً على الدولة نفسها وعلى حكومتها الشرعية، وإذ ما أخذ المرء بالتفسير الدستوري لمثل تلك الحالة، سوف يجد نفسه أمام حالة من الخروج على كل الأسس الدستورية لمفهوم الدولة، في نفس الوقت، خروجاً على الشرعية التي مَنَحَتْ هذه الحكومةَ شرعيةَ وجودِها في السلطة والمقصود به الإنتخابات التي أوصلتها للسلطة من خلال ترشيح البرلمان المُنتَخَب، وهنا تصبح حكومةُُ ُ مثل تلك، في مهب الريح، بعد أن تجد نفسَها أمامَ واقعٍ آخر، لا يقر لها بشرعيتها العملية أو ينازعها عليها ، في نفس الوقت، الذي يمنح نفسه "شرعيةً" أخرى، جاءت عن طريق " التفويض الذاتي" وبواسائل جبرية مسلحة، وفي ظلِ ظروفٍ طارئةٍ أكسبته توازناً وثقلاً سياسياً و إجتماعياً وحتى عسكرياً أمام سلطةِ الدولة الشرعية، وما فرضته تلك الظروف من دعمٍ ماديٍ ولوجستي، خارج إطار الدولةِ نفسِها، سمحَ لكل ذلك بالتكوين والوجودِ المُكَرَسِ على أرض الواقع..!؟؟

فمهما تبلغ سلطة الدولةِ الشرعيةِ من قوةٍ ازاء وضعٍ مثل هذا، وحتى رغم تحسسها بشرعيتها وطنياً، فإنها تجد نفسَها في حالةٍ من الحَرج الدستوري، أمامَ نفسِها وأمامَ شعبِها وأمامَ الشرعيةِ الدولية مجتمعة، ولا يظل أمامها غير  طريقُ التصرفِ العقلاني، في مقدمة السُبلِ التي يمكن سلوكها في طريق حل إشكاليةٍ دستوريةٍ بهذا المستوى المُعَقَد؛ تكونُ في مقدمةِ آلياته؛ الدعوةُ للحوار من جهة، والتمسكُ بالدستورِ كَحَكَمٍ مع الآخرين، والتذرعُ بالشرعية الدولية كداعمٍ معنوي ووسيلةٍ لتقريب وجهاتِ النظرِ من جهةٍ أخرى. كل ذلك بهدف الإبتعاد عن الوقوع في فخ الصدامِ مع الرأس الآخر ، من أجل تجنيب المواطنين الأبرياء من المدنيين، نتائجَ مثل ذلك الصدام غير المحسوبة العواقب..!!؟

شرعيةُ الدولةِ وحكومتها ذات "الرأسين" المتعارضين، تظل مهزوزةً داخلياً، وصيداً دسماً للقوى الخارجية، التي تجد في مثل تلك الدولة، مطمعاً لها في تحقيقِ أجنداتها الخاصة في ظلِ أجواء الإحتقان الداخلي، وإحتواء تلك القوى التي سيكون من مصلحتها التوافق معها والمساهمة في إنجاز مراميها القريبة منها والبعيدة، حتى وإن تم ذلك على حساب مصالحِ أوطانِها أو بالضد من مصالحِ شعوبِها..!!؟؟

ولا يتعلق الأمرُ هنا بمجردِ سرد نظرياتٍ أو تكهناتٍ إفتراضيةٍ لواقعٍ غير موجود على سطح الأرض، بل قد أثبتت التجربةُ الميدانية، حقيقةَ كل ما أشرتُ اليه فيما تقدم، وقد منحتنا وقائعُ ما جرى ويجري في الساحة السياسية اللبنانية، وبعضاً مثله في العراق، مع بعض الإختلاف في الجذور والأسباب والظروف المحيطة، وإن تشابه في المظهر، وشبيهاً له في غزة من فلسطين، ما يؤكد مغبةَ التدخلِ الخارجي في الشؤون الداخليةِ للدول، من تمزيقٍ للصفِ الوطني، من خلال إستغلال المشاكلِ الداخليةِ للدولة، ودق الأسافينِِ بين أبنائها، وزرعِ بذور الشقاقِ والتنافرِ بين قواها الوطنية..!؟

 ولعل من بؤس الحالِ أن تنبري بعض الأوساط من أبناء الدولة نفسها، الى إعلان إنجرارها وراء تطلعاتِ الدولِ المُتدَخِلة، بل وحتى إندفاعها بإصرار، بإعلانها التمسك بإيديولوجية وعقيدة الدولة المُتدَخِلة، وحتى دون إعتبارٍ للمشاعر الوطنيةِ للفئات الأجتماعيةِ الأخرى في المجتمع، والأمثلةُ الميدانية على ذلك أكثر من أنْ تُحصى، بل وأن الإعلان عنها أصبح مفخرةً لدى البعض، ورحم الله (سيف بن ذي يزن) ..!!؟؟

فالدولةُ ذات "الرأسين" المتعارضين أو أكثر، تظل حالةً شاذةً في المجتمع الدولي في ظل ظروف الدولةِ الشرعية، لإنها تشكل عائقاً أمامَ تطورِ الدولة نفسِها، وتجعلها رهينةً لقوى التدخلِ الأجنبي، وتكرس الإنقسامَ الداخلي للمجتمع، وتجعله سبباً أو قنبلةً موقوتةً جاهزة للإنفجار في أيةِ لحظة. أما التذرع بمبرراتٍ أخرى لإدامة حالة الإزدواجيةِ في السلطة، ومهما بلغت درجةُ عاطفيتها، وقربِها من المشاعرِ الوطنية، فإنها تبقى قاصرة أمام الوحدة الوطنية، التي هي السلاح الوحيد أمام الجميع في تحقيق تلك المشاعر. وكل ما يتمناه المرء، أَنْ يُدرِكَ الجميع جسامةَ وخطورةَ ديمومةِ الدولة ذات "الرأسين" المتعارضين، مهما بلغت النوايا الحسنة من صدق وبراءة..!!
 
وهكذا هو الحال اليوم في لبنان، وبعد أن خَطى خطوتَه المباركة نحو السلام، فالكل مدعو اليوم، لتعزيز هذا المسار ودعم كل خطوة تسهم في ترسيخ الحياة الديمقراطية في لبنان، " لان نجاح التجربة الديمقراطية الوطنية المدنية في لبنان ليس انتصاراً تاريخياً للبنان فقط، بل هو انتصار للنضال الديمقراطي الوطني في العالم العربي كله." كما يشير الأخ الكاتب محمد موسى مناصره مدير عام مركز الحارس للدراسات والإعلام..!(*)
_________________________________________________

  (*)      ذات الرأسين تعبير إفتراضي
(**)  http://www.alsbah.net/mynews/modules.php?name=News&file=article&sid=3638

       
   

     
     



     
   

     
           

281

باقر الفضلي

وهكذا قال لبنان كلمته الفاصلة، وكان السلام هو الخيار بين الحرب والسلام..!

لقد أدرك اللبنانيون، أن جولات الحرب لا وراءها من طائل؛ غير الدمار وتشتت الحال، لقد أدركوا أنهم وحدهم من يحل عقدة المحال، ووحدهم من يسحب البساط من تحت أقدام مفرقي الصفوف، ووحدهم من يجمع الشمل ويهدي البسمة الى وجوه الأطفال، ويطفأ نار القلق في عيون الأمهات، ويمحي الحيرة من نفوس الآباء، ويمنح فرصة للعقل والحكمة الى قلوب الشباب.. لقد أختار اللبنانيون السلام بعد أن خبروا قيمة السلام، وعانوا عشرات السنين من ألم الحرب والقتل والدمار..!

اللبنانيون لهم الحق، وكل الحق أن يحتفلوا بيوم النصر، بعد أن أثبتوا بأن طريق الحرية والديمقراطية والسلم الإجتماعي، لا يتحقق إلا عن طريق الحوار والسلام، وأمامهم طريق طويل من الحوار والحوار من أجل تثبيت السلام وما حققوه من مكاسب السلام..!

لقد قدم اللبنانيون درساً فريداً من نوعه في التعقل والحكمة واللّجوء الى الحوار من أجل حل أصعب العقد الخلافية، في أمور شائكة مزمنة عسيرة على الحل، بعد أن جربوا طرق العنف والإقتتال، فلم يروا غير الجلوس الى مائدة الحوار سبيلاً لحل مشاكلهم اللبنانية – اللبنانية، بعيداً عن التدخل الأجنبي والإقليمي، فرسموا بذلك الطريق للآخرين، ومهدوا السبيل للتوافق بين المتخاصمين، وإستلهموا العبر والدروس من عشرات السنين من الإحتراب والتقاتل، وأدركوا أخيراً ان لا مصلحة فوق مصلحة الوطن ، وأن لا حياة للوطن إلا بالسلام..!

لقد حقق اللبنانيون اليوم، نصرهم مرموزاً له بإنتخاب رئيس دولتهم لبنان، الوطن العربي المستقل، في أجواء من الفرح والبهجة، مفعمة بالسلم والإطمئنان، وبدعم عربي ودولي كبيرين.. نصراً يفتخر به الجميع ويبارك به الجميع، وليهنأ اللبنانيون بما حققوه.. لقد إنتخب اللبنانيون السلام..!   
   


282
أدب / رد: لبنان
« في: 11:42 25/05/2008  »
الصديق العزيز فادي

شكرا لكلماتك الرقيقة المفعمة بالأمل والحب ولإطرائك الجميل

باقر الفضلي

283
باقر الفضلي
(خاطرة)


لا يفصلنا إلا شهران ونيف عن المفاجأة الكبرى، التي وُعِدنا بها طيلة خمس سنوات ونيف؛ حلم الأطفال بما سيتحفهم به الوالد في صباح العيد من كل عام؛ ورغم الإلحاح يظل الأطفال يترقبون بشوق ومتعة لما سيفاجئهم به الوالد الحنون من هدية يوم العيد، ورغم تساؤلهم المتواصل، يظل الوالد الحنون ملتزماً الصمت، ويعلن دائماً بأن الهدية ستكون مفاجئة العيد، وإلا فالبوح بها مبكراً سيفقدها روعة المفاجئة، ويصمت الجميع وهم بالإنتظار..!


 وهكذا هو حالنا، نحن أطفال اليوم، ولا مؤاخذة، نتلهف وبحرقة تكاد تفقدنا أعصابنا، على معرفة ما ستمن به علينا والدتنا العزيزة، "الحكومة الموقرة" و"الأصدقاء المبجلون" من ضيوف دارنا الفسيحة، وما ستغرقنا به من هدايا "العيد" القادم بعد شهرين في (تموز) وقبل الحادي والثلاثين منه على وجه التحديد، ولا ندري لماذا هذا التحديد بالذات؛ فما يحمله هذا اليوم من معان، له دلالات كبيرة لدى العراقيين، لا زالوا يعانون من تبعاتها المأساوية حتى اليوم، وليس الماضي القريب ببعيد..!

 
 فالوالدة العزيزة في أشد حالات الإنشغال، وهي لم تترك لحظة لعبثنا الطفولي لمعرفة الهدايا، أن تشغلها عن أداء الواجب المطلوب لحسن الضيافة بالتمام والكمال، فهدايانا ستكون هي الأخرى في طي الكتمان، لأنها في الحقيقة من الوزن الثقيل، وما علينا إلا أن نتمسك بالصبر ولا نحشر أنوفنا، ونحن الأطفال الذين لا نفقه في السياسة، ولا ندرك أصول الضيافة، خاصة إذا كان ضيوف البيت من الأصدقاء المتفضلين، وممن لهم الحق في أن نعترف لهم ب"العرفان"، بما تفضلوا به علينا من "كرم العطاء والحماية وضمان الإستقرار"..!


إذن؛ فالوالدة مشغولة غاية الإنشغال، ومفاجأة العيد القادم في "31/تموز" ، ستكون "هدية" مشتركة من "الوالدة والضيوف المبجلين"، تكريماً منهم لهدوئنا ومساهمة في زيادة و(تفعيل) فرحتنا بهدايا "العيد العظيم"، وإعتزازاً بنا لكوننا "أطفال مثاليون"، أو كما يقول الناس العامة عندنا (أطفال متأدبين)؛ وفوق ذلك ستكون "الهدية المرتقبة" لهذا "العيد" متميزة عن هدايانا في الأعياد الأخرى ، في الشكل والمحتوى، وربما قد تُحفز لدينا الغيرة، ونحن "الأطفال أَلمْشَوِّهِين"* كما إعتادت والدتنا الحنونة وصفنا أحياناً، فتغرينا "الهدية" ونندفع لطلب المزيد، والعياذ بالله..!


ومع كل هذه الإغراءات من قبل الوالدة، فإن لعابَنا يكاد يسيل كل صباح ونحن نشاهد هذا الإنسجام المتناهي في الروعة والشفافية بين والدتنا وضيوفنا المبجلين، فنعود نلح بالسؤال: آه.. لو فقط تقول لنا والدتنا العزيزة ما تخفيه من أسرار "الهدية"، بعد أن علمنا بأنها ستكون مشتركة ومن نوعية "نادرة" لم نألفها من قبل، ولكن "عناد" والدتنا، والعياذ بالله، "عناد" غير مسبوق، فهي أحياناً تُرينا "العين الحمرة" إن تمادينا في الإلحاح على طلب معرفة كل شيء، فهذا قد يغيظ الضيوف، لا سامح الله، وما علينا إلا أن نلزم الصمت حتى يحين الميعاد، وبه ستكون فرحتنا، فرحة لا تُوصف، وقد تُخْلقُ لنا أجنحةُُ ُ فنطير، فماذا نريد أكثر من هذا، فالصبر الصبر أيها الأولاد المتعجلون، قريباً وقريباً جداً، ستنفتح باب السماءُ عليكم بخيراتها من كل شكل ولون فما لكم جَزِعون..؟!


آه.. لو تَصْدُقْ والدتُنا القول، ولكنها علَمتنا في الطفولة؛ بأن نبي الله موسى عليه السلام ، رغم إيمانه المطلق بالله، كان نبياً مِلحاحاً في السؤال، وحينما سأله الله إن كان لم يؤمن بعد، أجابه موسى: بلى ولكن ليطمئن قلبي..!


ولكننا يا والدتنا العزيزة لسنا بأنبياء، وإن كُنا لمْ نَبلغْ الرُشدَ بعد، ولا نفرقُ بين ما يضرنا أو ينفعنا، فنحن رغم ذلك، أصحاب الدار، يا والدتنا العزيزة، وعليك أن تقولي لنا ما يجري بينك وبين الضيوف، فنحن لا نحب التلصلصَ، ولا نَرغبُ سماعَ القيلِ والقال، ويكفي أن نخبرك، بأنه سمعنا الكثير من قبل جيراننا الأعزاء هذه الأيام، وربما أخذهم دافع الحسد، بسبب ما نملكه من حضوة كبيرة لدي "الضيوف الأعزاء"، وإستئثارنا وحدنا "بهداياهم"، وها قد أزفت الساعة والعيد على الأبواب.. فأفصحي سامحك الله ، فقد تقطعت نياط القلوب، فهل ثمة من جواب..؟؟!
_________________________________
*- المشوه : الشخص الذي لم تشبع رغباته

284

باقر الفضلي

         خاطرة

مفارقتان وحقيقتان: تمر اليوم ستون عاماً على بلدٍ كان يدعى فلسطين، بلد يحتضن بين جناحيه شعباً واحداً موحدا، من أجناس وأديان ؛ تجمعهم وحدةُ الوطنِ قبل أن يفرقهم الإختلافُ في الدين والعرق أو الطائفة، متحابين متكاتفين، أغلبيتهم لا تشعر بالإِستكبار، وأقليتهم لا تستشعر الإِضطهاد..

 كان ذلك قبل ستين عاماً وقبل ذلك بكثير؛ كان ذلك في الذاكرة، لم يعه أبناءُ اليوم ، او ربما قرأوا عنه في الكتب أو حدثهم عنه الأجدادُ والجدات..
     
الذي يبصروه اليوم هو شيء آخر؛ الصورة تختلف؛ الأرض التي يسلكونها، ممزقة تقطع بين ثناياها جدران الإسمنت المانعة للعبور.. بساتين الزيتون محروثة أرضُها بحفر سوداء، والطرقات تخنقها مفارز التفتيش..العبور بين الضياع محظور، وثمة جدار أمنع من سور الصين، الذي شاهدوه في الصور وقرؤا عنه في الكتب وسمعوا عنه في الأقاصيص والخرافات؛ جدارُُ ما أَلِفَ الناس مثله من قبل؛ يخيم على الرؤوس كالغمامة السوداء، فتقطعُ أنفاسَ الناسِ وتُصيب أعينَهم بغشاوة.. جدار رمادي يحيط بهم كالكابوس، منصوبة فوقه عيونُُ فولاذيةُ ُ تقذف سجيلاً من نار؛ لهيبُها قاتل، وصوتُها مفزع، وأزيزها يأخذ بالألباب؛ سجن وليس كأي السجون..!!؟

 وماذا خلف الجدار..؟

يتسائل الأبناءُ وقد أخذ منهم عناء التفتيشِ عن الجواب، نفس ما أخذ من آبائهم وأجدادهم منذ ستين عام.. الصورةُ تتكرر ، والأملُ تغلفه غمامةُُ ُ رمادية، وبريق الأحداقِ ينطفيء في بريقِ الأحداق، وتَمرُ الكتلُ البشرية.. يرنو عليها الصمتُ فلا تلوي على الكلام..

تحترق الدماء في عروق الشباب، كالهشيم في النار.. فالصمتُ لا يُطاق، والقمعُ لا يُطاق..تتفجرُ العروقُ حقداً وإنتقاماً مشروع.. وأقتحامَ الجدارِ لدى الشبابِ أمرُُ مشروع .. الموت تحت القصف، نفسه الموت فوق الجدار.. والموت بقاذفات المدافع والصواريخ نفسه الموت خلف الجدار.. ويدفع الحنق الى إستشهاد المزيد والمزيد من الشباب.. ويسقط المزيدُ والمزيدُ من الأبرياء، وتهدم البيوت ويعم الخرابُ بفعل صولات الإنتقام..!؟

وتدور عقاربُ الساعة لتستكمل مسيرةَ الستين عام، والصورةُ تتكرر وأهلُ الدار كالحَمامِ في الأقفاص، وسدنة الجدار يباركون بعضُهم بعضا، وكبير السدنة يأتي مسرعاً على جناح الطير، قاطعاً آلاف الأميال ليبارك ذلك اليوم، ويؤدي صلاةَ الشكر للرب الرحيم، الذي أشبعهم من جوعٍ وآمنهم من خوف.. والعالمُ يحيي بطلَ السلام "ذي الدولتين"، ليباركَ له "سعيه المشكور"، لما قدمته قداسته للشعب الفلسطيني من "ثمار الخير"، وهو القديس الذي لم يضعْ إصبعَه يوماً على زناد النار..!!؟     

وتظل عيونُ الأطفالِ داخل الجدار؛ مسمرة في السماء؛ العصافيرُ إختفت.. الصقورُ الفولاذية تحوم فوق الرؤوس.. الأمهاتُ يعتصرن الأطفالَ في الأحضان.. المفاوضاتُ تبحث لها عن مكان...
قصة: كان ما كان.. كان يوماً في ذلك الزمان...!؟
_____________________________________________ 
*  مرت في الخامس عشر من مايس/2008 الذكرى الستون ليوم(النكبة)
       

285
أدب / لبنان
« في: 17:26 14/05/2008  »
باقر الفضلي

أتَيْتُكَ لبنان.. وقتَ الضُحى
وعندي مِن الشَوقِ ما يُنَْتَظَرْ

حَسِبْتُ الزَمانَ يَقِفْ بُرْهَةً
فَمَرّتْ سنينُُ وجائَتْ أُخَرْ

وذِكْراكَ في القَلبِ.. ريانةُُ ُ
سَقَاها هَوى العشقِ والمُنْحَدَر*

فلا أنا بالعادِمِ الذكْرَياتْ
وليس مِنْ السرِ ما يُسْتَتَر

خُيوطُ القُلوبِ خُيوطَ الحَياةْ
وفي كل خَيْطٍ لهُ مُسْتَقَر

*****

حَبَتْهُ الطَبيعَةُ حُسْنَ الجَمال
فَأبْدَعَ مِنها.. بَهِيَّ الصُوَرْ

جميلُُ ُ وإن داهَمَتْهُ الخُطوبُ
مَكِينُُ وإنْ ضايقته الحُفَرْ

لَهُ أمْسُهُ زاهِراً في الحَياةْ
كنَجْمِ الثُريا إِذا ما ظَهَرْ

تَشِعُ على الشَرْقِ أَضْوائُه
فتَعْكِسُ للغَرْبِ أَحْلى العِبَرْ

ويأمَنُ في دِفْئِهِ الوافِدون
كما تأمَنُ الطَيرُ وَقْتَ السَحَرْ 

*****

فلبنانُ هذا الذي نَحْتَفي
لَنا اليومَ في شأنِه ما خَطَرْ

طريحاً وفيه الجِراحُ
وليس لهُ في جُرحِهِ ما وَزَرْ

تَقاذَفُهُ.. عادِياتُ الزَمانِ
شَمالاً وشَرقاً وخَلْفَ النَظَرْ

ويَنْكِرُهُ.. أَهْلُهُ الأَقْرَبُونَ
وتَشْمَتُ فيهِ.. رُعاةُ البَقَرْ

تُدَكُ ثَناياهُ دَكَ المَنونْ
ويُطْفأُ في العَينِ.. منه البَصَرْ

*****

فيا حَسْرةً أَنْ تُراقَ الدِماءُ
ويا حَسْرَةً أَنْ يَعُمَ الخَطَرْ

ويا أَلَمَاً أَنْ يَكونَ الفَعِيلُ
أَخا الدارِ  أو صُنْوَهُ المُعْتَبَر

فيا فِتْنَةُُ ُُ أُشْعِلَتْ نارُها
ويا أملُُُ ُ ضاعَ بينَ الجُفَرْ

صِراعُ الكِبارِ غَدَا لُعْبَةً
يُقادُ الى المَوتِ فيها البَشَرْ
 
وفيها تُدارُ دَواهي الحُروبِ
ومنها يَعُمُ الخَرابُ الحَضَرْ

*****

فها هي لبنانُ بين المُتونِ
وبيروتُ قد طالَ فيها السَهَرْ

فََمَنْ يبتغي أَنْ تُراقَ الدِماءُ
لِيُبْحِرَ فيها الشَقِيُ الأَغَرْ

فواللهِ ما هيَ إلا البَسُوسُ
إذا ما بَدَت فِعْلَها.. لا تَذَرْ

وليسَ الى السلمِ مِنْ مَدْخَلٍ
إذا طالَ فيكُمُ وخْزُ الإِبَرْ

فهاتوا إِجْنَحُوا.. للسَلام
فليسَ مَعَ الحَربِ ما يُنْتَظَرْ
___________________________

‏الاثنين‏، 12‏ أيار‏، 2008
     (*)  المنحدر : الطريق  من الجبل الى بيروت


   

286
لبنان: منطق العقل أم منطق القتل..؟!

باقر الفضلي


أتسائل فيما إذا كان هناك ثمة ما يُدْعى بمنطق العقل في السياسة أو في الحوار بين السياسيين، وأتسائل أيضاً فيما إذا كان هناك ثمة سمات لهذا المنطق، أو مقومات وحدود ومشتركات يمكن أن يلجأ اليها المتحاورون ، بل قل أحياناً المتخاصمون، أو بتعبير أدق وفي عوالمنا العربية على  وجه الخصوص، يمكنك القول المتحاربون..؟

رائحة البارود آخذة بالإنتشار في شوارع العاصمة بيروت وهي تنذر بالفاجعة، بعد أن فاحت رائحة الدم قبلها، في شوارع البصرة وبغداد وغزة، وهي اليوم في بيروت، ممتزجة جميعها برائحة الدعوة الى منطق "العقل والحكمة"؛ اللغة التي فَتشتُ عنها في هذا الخضم المتلاطم من الدعوات والإِهابات وأحياناً التوسلات، وللحقيقة أقول؛ إنني لم أجدها سوى في لغة الأطراف المتخاصمة والمتقاتلة، فالجميع يدعي بأحقيته فيما يفعل وفيما يهدد وفيما يقتل، حتى لو تطلب الأمر سقوط الضحايا من الأبرياء في حومة وغى تلك الأطراف المتصارعة، والكل يدعي العقل والتعقل والمعرفة، والجميع يدعي الوطنية ومقاومة العدو ومحاربة المحتل والقضاء على الفساد، وسلاحه مختوم بختم "المقاومة" المقدس، حتى لو وجه الى صدر ابن الوطن، ومنها من يتهم الآخر بالفجور والخروج على القانون ومنهم من يصف الآخر بالعصابات وهكذا تجري الأمور، فالجميع على حق فيما يدعون، حتى لو وصلت دماء الأبرياء الركب..!؟

فمن لديه الإستعداد لقطع يد أخيه سيكون لديه نفس الإستعداد لقطع لسانه، بل وحتى قطع عنقه، وهكذا هو منطق "العقل والتعقل" الذي دأبت عليه الأطراف المتصارعة من أجل السلطة في العالم العربي؛ وما يجري الآن في لبنان وما قبله في غزة، ليس إلا "منطق العقل"، وإن تَلَبَسَه القتل وسالت بسببه الدماء، لأنه منطق من شاءت الصدف أن يلعب بأدوات السلطة، وكأنه يلعب بالعابه البيتية التي إمتلكها منذ الطفولة، ولذلك فهو يجد نفسه يمتلك حق التصرف بتلك اللعب ، حتى لو كانت بشراً أو مخلوقات كتب الله لها أن تعيش..!

وأنا أتطلع الى خطاب أحد القادة العرب المؤمنين بالله ورسوله وآله وصحبه وممن يسبحون بحمده ليل نهار، ومن على شاشة التلفزيون قبل يومين، إمتلكني الخوف والرعب، وتمثلتُ نفسي أي لبناني جالس وهو يستمع للخطاب، ليحسب نفسه غداً، وقد تقطع جسمه إربا؛ ذراعاً ولساناً وعنقا، ولتصور أن دمه سال أمامه وهو يرتجف فزعاً ويختض خوفاً وقد إنعقد لسانه..!

وهكذا بدا لي مظهر القائد السياسي وهو يمتلك كل منطق "العقل والتعقل والحكمة"، الذي لم تمتلكه أنت، لِما يراه مبرراً في تكييف منطقه وتصرفاته، حتى لو أجازت له قطع الأيدي وبتر الأذرع أو قطع الألسن بل وحتى قطع الأعناق إن تطلب الأمر، وهي جميعاً تدخل في نظره، في عداد حقوق الإنسان، وهو إنسان بطبعه، ويمتلك كل هذه الحقوق لأنه إنسان بالفطرة، وإلا لماذا كان صدام حسين يقطع آذان الأبرياء من العباد ويبتر أكفهم و يعدمهم بحضور الأباء والأمهات.. فهي الأخرى "سياسة"، وكانت تجري وتنفذ تحت ستار سياسة "منطق العقل والحكمة والتعقل"، الذي يحمل بين دفتيه التهديد والوعيد..!

لبنان الآن على فوهة بركان، ونُذر الموت والرعب والهلع والدمار، تقف على الأبواب، والنداءات توجه من كل صوب وحدب، داعية لمنطق العقل والحكمة؛ من رؤساء الدول ، ومن قبل الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، بل ومن قبل "أطراف النزاع أنفسِهم"، ومن قبل الجيران ودول "الجوار"، ولكن الأمر الأهم، أن جميع من يوجهون هذه النداءات الإنسانية حفظاً للبنان وكبح جماح الداعين بالتهديد الى الحرب الأهلية، قد تناسوا أمراً واحدا؛

 إنَ مَنْ يُوجَه اليهم النداءُ للإلتزام بمنطق العقل والحكمة، هم أنفُسهم من يُهدد بتدمير لبنان، وهم أنفسهم من يعتدون على الحريات الديمقراطية وهم أنفسهم من يستبيح بيروت، ويتجاوز الدستور ويسيطر على مؤسسات الدولة، ومن يعتدي على المؤسسات الإعلامية والثقافية، ومن يرفض اللعبة السياسية، ومن سالت بسببهم دماء اللبنانيين جراء منطق "العقل والحكمة والتعقل"، الذي ما إنفكت تلوكُه ألسنتُهم بصيغة التهديد والوعيد ليل نهار، كما سالت قبلها دماء الفلسطينيين في غزة وبأيدي أخوتهم وتحت نفس الذريعة..!

أما المناورون والمتدخلون من خارج الحدود، والمراهنون على النتائج وما سيحسمه الموقف الدموي، لا سامح الله، فهم الأكثر تعطشاً لسيل الدماء، وهم الذين يجدون مآربهم الإقليمية لن تتحقق إلا بقوة السلاح وإرتهان الأبرياء والمدن، تحت التهديد بهذا السلاح..!!   

إن من يسعى لمنطق العقل والحكمة في الحقيقة، هم وحدهم الخائفون؛ من الضعفاء والأبرياء، من الذين لا يجدون في أيديهم ما يدفعون به الأذى والموت الزؤام، الذي تفرضه عليهم ميليشيات القتل المتسلطة في الشوارع والساحات العامة والتي لا تعرف أي منطق للعقل والحكمة؛ المنطق الذي لا يعرفه إلا أولئك الضعفاء المساكين الذين لا حول لهم ولا قوة، إلا بإطلاق مثل تلك الصيحات، ولكن لا من مجيب..!؟

فأين سيجد المستضعفون والأبرياء ضالتهم ،التي يركنون اليها، طلباً للحماية والإنقاذ من هول الحريق والفتنة التي هم أول ضحاياها..؟ وأين سيجد لبنان من يقيه من الدمار والهيمنة الأجنبية ، ويحفظ له سلامة مؤسساته الأعلامية والثقافية، ويبقي له دولته الديمقراطية، ويحميها من هول التفتت وسيادة الفوضى..؟ أليس اللبنانيون هم الأولى في كل ذلك، ولكن كيف وهم منقسمون، وعلامات الحرب الأهلية يدفعها البعض بحماس ودون شعور بالمسؤولية..؟

 المجتمع الدولي يقف في مقدمة من يمكن الركون اليه، والأمم المتحدة، تتحمل مسؤولية وضع قراراتها بشأن لبنان موضع التطبيق، وخاصة قرار مجلس الأمن الدولي رقم/ 1701، وتتحمل الدول العربية مجتمعة، مسؤوليتها الأدبية والسياسية في مساعدة لبنان على تجاوز الأزمة التي أصبحت خارج إطار المعالجة الداخلية، بسبب التدخل الإقليمي من بعض دول الجوار بالذات، ولبنان إضافة لكونه دولة عربية، فهو عضو في الجامعة العربية، وعلى كافة أطراف النزاع أن تعلم ذلك، فالمشكلة اللبنانية لا يمكن أن تجد طريقها للحل إلا بالتوافق الوطني، ومن خلال تطبيق قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بلبنان، والمواثيق العربية التي يمثل لبنان جزءً منها، وفي مقدمتها ميثاق الطائف الذي أقرته كافة أطراف النزاع..!

 فهل ستستجيب جميع هذه الأطراف لمنطق العقل حقاً ، أم سيظل بعضها متمسكاً بمنطق القتل تنفيذاً لأجندات خارجية، لا أجدها تعالج أزمة لبنان بقدر ما تزيد من تعمقها وبقدر ما تهدد بالإقتتال الداخلي والحرب الأهلية، فالكتاب يقرأ من عنوانه، والأيام القادمة ستجيب على الأسئلة المعقدة..!     

 

287

   

باقر الفضلي


((البصرة الفيحاء تغرق في بحر دماءِ أبنائِها من جديد،
 و "اللعبة البرلمانية" تكشف عن وجهها الدموي، دون إعتبار أو حياء..
 المتصارعون ألقوا بكل أسلحتِهم في حلبة الصراع، إلا سلاح الحوار، فقد غيبـوه..
البصريون الأبرياء من المدنيين، يرزحون رهائن تحت رحمة بنادق المتقاتلين وقذائف الدبابات ورشقات
        الهاونات وقصف طائرات متعددة الجنسيات.. 25/3-29/3/2008 ))
_____________


منْ شـدةِ الغيـظِ لا مـنْ قَسْـوةِ الألَـمِ
حَمـلتُ جُرحَـكِ فـي قَلْبـي فَلَـمْ أَنـَمِ

هَمِمْـتُ فيـكِ صريـع الحـبِ ساحرتـي
" والـحـبُ يعـتـرضُ اللَّـذاتِ بـالألـَمِ "

إن لامنـي القـومُ فـي وجـدي فذا قَـدري
" لـو شَـدَّكَ الوجـدُ لـمْ تَعْـذِلْ ولمْ تَلـُمِ "

يـا بصرةَ الطـيـبِ يـا كُـحْلاً  لفـاتِنـةٍ
                  ويـا بَـخـوراً تسامـى عُـطْـرُهُ  بدمـي

الـمـجـدُ شـادَكِ عـنـوانـاً لـغـايتــه
                 فصُـرتِ للمـجـدِ نـاقـوسـاً مـن النَـغَـمِ

يـا بصـرةَ الطيـبِ يـا حلمـاً يـراودُنـي
                 فـي غُربَـةِ البُـعـدِ أو فـي غَفْـوةِ العَـدمِ


*****

 يـا بِـصـرُ نَطََّْْْـتْ عَبُـوسُُ مـن مكامنـهـا
     وإسْتُـرْخِـصَـتْ ذِمَـمُُ مـنْ شِـدةِ  الـزُحَـمِ

  أعـاذَكِ اللـهُ مِـنْ شَـرِ الخـطـوبِ فَـقَــدْ،
أدْمَـتْ قُـلـوباً، وبانَ الشَـيْـبُ فـي الفَـطِـمِ

إنْ كـان جُـرحُـكِ فـي الأعْـمـاقِ مَـنْـزِلُــهُ
فـأكّـظِـمـي الـغَيـظَ يـا فيـحـاءُ وإبْتَســمي

*****
يـا بـصـرةَ الـروضِ يـا عـليـاءُ شـامـخـةُُ ُ
لـكِ الـمَـهـابَـةُ إذْ تَـشْـكـيـنَ مِـنْ أَلَـــمِ

كَـمْ مَـرَّ فـيـكِ مِـنَّ الأَيـامِ كـالِـحُـهــا
   تُعَـلِلُ الـنَـفْـسَ مـا تُـنْـشِـدْ ومـا تَـرُمِ

   وكـم مَضَـتْ مِـنْ عهـودٍ شـاءَ صـانِعُـهـا
   أنْ تُـنْـكِسـي الـرأسَ، فإرْتَـدَّتْ علـى نَـدَمِ

******

يـا بـصـرةَ الـطيـبِ يـا بَـرحيةُُُ ُ نَضَجَــتْ
   مِـنْ مَـبْسَـمٍ لِفُـراتِ الـرافِـدَيـنِ  ظَـمِــي

جَـرَتْ عَـليـكِ صُـروفُ الـنـائِـبـاتِ وقَــدْ
  أَزادَكِ  الـطـَرْقُ  فـولاذاً  بـِـلا  ثَـلَـــمِ

مـا غَيَـرَتْ فـيـكِ ضَـنـْكُ العـاديـاتِ  يـداً
ومـا خَبـا فـيـكِ مِـنْ زَهْوٍ ومِـنْ عِـظـَمِ

ولا  شـكـا مِنْْـكِ آتٍ  سَـدَّ  حـاجَـتــهِ
يا بـصـرةَ الـعِـزِ ياحـمـالـَةَ الـنِـعَـمِ

*****

فـضـاءُ رَحْبـكِ مفـتـوح  لسـائـلـهِ
وطيـبُ خَـصْبـكِ مـيسـور لـكـلِ فـمِ

إذا ذَكّـرْتُ مِـنَ الأَمـجـادِ أروعَـهـا
شُـموسُ مَجـدكِ يا فيحـاءُ فـي القِـمـمِ

*****

سـارتْ مـواكِـبُ أعـلامٍ  مُـنــورةٍ ،
مـرفوعـةُ الـرأسِ لا مَـدْمِـيـةُ القَـدَمِ

ومِـنْ رُبوعـكِ أقـمـارُُ سَمَـتْ صُـعُـداً
مِنْـكِ الخَليـلُُُ ومنـكِ البَـدرُ فإغْـتَنِـمـي

سمـاءُ سُحْـركِ بـالأنـغـامِ مـتـرعــةُ ُ
شـدى بهـا الوَجـدُ صوفيـاً بِـلا وَهَــمِ

مِنْـكِ أبـنُ سيريـنَ والبصـريُ خـالـدةُُُ، ُ
آثـارهُـم فـي سَمـاءِ العِـلْـمِ والفَـهِـمِ

وللنُـواسـي فـي الصـهبـاءِ قـافـيــةُ ُ
" لو مسـها" الضـرُ لَـنْ يقـوى على سَقَـمِ

وللـصـفـا فيـكِ إخـوانُُ لإنْ بُـعِـِثـُوا
لَسـاءَهـم مـا يُقـامُ اليـوم مـنْ ظُلَّـمِ

*****

يـا قلعـةَ العلـمِ لو طـارحْتِ مَنـْزِلـةً
لكُنـتِ "أشـهرَ مـنْ  نـارٍ علـى عَلَـمِ"

وإنْ رَسَـمَ التَـأريـخُ للبـلـدانِ رِفْعَـتَهـا
فـمنـزلُ البصـرةَ العَصمـاءْ فـي الشَمَـمِ

مـن أصـلِ جـودِكِ شـادَ القـومُ أشرِعَـةً
وأبّْـحَـرَتْ أُمـمُُ تَـرْقـى عـلـى أُمَـــمِ

*****

لا زلـتِ يا بِـصـرُ ثغـراً بـاسمـاً يَنِعـاً
يـزدانُ مَـطْلَـعـُهُ بـالـزُهـدِ والـكَـرَمِ

لقـد حبـاكِ رَبـُكِ يـافـيـحاءُ مـنْ دُرَرٍ
زاغـتْ لها ألعيـنُ من قُـربٍ ومـنْ قِـدَمِ

****

ضمي جَناحَـكِ فـوقَ الـجُـرحِ وإسْـتَقِـمِ
سنـا منـارِكِ مثـل الشُهـبِ في الـعُـتَـمِ

وطـاوعي النفْـسَ حيـثُ الـعـزُ مَـؤِلهـا
فـكـلُ نَـفْـسٍ لِمـا قَـدْ طـاوَعَـت تَـدُمِ

وإسْتَلْهمـي الصَـبْرَ إنْ ضـاقت مَنـافِذُهـا
فحكْـمَةُ الصَـبرِ في اللُّقْيـا وفـي السَـلَـمِ

******

    حـملتُـهـا وزرعتُ الصَـبّرَ لـي أمـلُُُ ُ
    يومـاً أراكِ لدى العليـاءِ فـي الحُـلُـمِ

وقد شَـدّدتُ علـى الأسمـاءِ أَنْشِـدُهـا
إنْ كـان بَيْـنَ ذُرى الأسْـمـاءِ  ما أَرُمِ

وجـدتُ إسمَـكِ في الجَوزاءِ مَـوقِعُـه
يَحُفُـكِ الـرَهْـطُ من قَومي ومنْ أُممـي

ورحْـتُ  بين  ذُرى الأَيْـامِ أسـألُـهـا
وعِـدّتُ  أسْـألُ نفسـي فيـكِ مِنْ وَهَـمِ

أُطَـمْئِـنُ القَـلبَ إيمـانـاً علـى وَهَـنٍ
لو زارني الشَـكُ يومـاً لمْ يَجِـدْني غَمِـي

*****

أُمَ النخيـلِ سَـلامـاً فالـهوى شَـجَـنُُ
إنْ عـادَني الـوَجْـدُ أُزْجِيـهِ بِملأِ  فمـي

وإنْ رَمََتْـني الليـالـي رَمْـيَ كـارِهَـةٍ
فليـسَ لـي فـي ضِرامِ الحُبِ غيرُ دمـي

أشـمُ فـيـكِ نـَسيـمَ الـشَـطِ أحْسَبُـه
عَـزاءَ نَـفْسِـيّ فيمـا فـاتَ مِنْ أَلَـمـي

أنعم بـمِثلكِ ثَغـراً بـاسِماً عَطِــراً
تَرْنـو له الـروحُ في جَـدْبٍ وفي شَـبَـمِ

*****

يـامَشْـرِقَ الشـمسِ يا ثغـرَ العـراقْ لقـد،
دَنـا بِنـا العَـهـدُ، بيـن الإِرمِ والـرَمَــمِ

أَزْكـتْ لـكِ الأرضُ مـن نَـعْمائِـها فِـتَنـاً
فَـعـادَلَتْـها سَمـاءُ الحـِـقْـدِ، بالـحِمَــمِ

وطـالَ فِـيـكِ إِسـتـلابُُ لا فَـكـاكَ لــه،
مِـنْ سالِـفِ الـدَهـرِ أو مِـنْ قـادمٍ نَـهِـمِ

كَـمْ عـاثَ فِـيـكِ فَـسَـاداً، شَـرُهُمْ خُلُـقَـاً
مِـنْ نـاهـبٍ، و شَـقِـيٍ غَـيْـرِ مُـحْـتَشِـمِ

وكَـمْ رَمَـتْـكِ عُـيـونُ الـحـاسِدينَ لـظـىً
في الشـرقِ والغـربِ منْ غـازٍ ومُـقْـتَـحِـمِ

*****

يا بِـصْـرُ شاءتْ لـنـا الأقْـدارُ حِـكْمَتُـهـا
أن نَـرْكَـبَ الصَعْـبَ لمَّـا الصَعْـبُ خيرُ سمـي

وأنْ نَـقـود الـمَـنـايـا مِنْ حَبـائِـلِهــا
قَـوْدِ الـخُـيـولِ الـى الهَيـجـاءِ بالُّلـجِـم

سَـعيـاً إلـيـكِ وخَـيـرُ السَـعْـيِّ أَوَلُــهُ
ورُبَ سَعْـيٍ نَـمـى فـي حَـومَـةِ القُـحَـمِ

لـنـا فـيـكِ مـا للـقـاصِـديـنَ، هـوىً
حَـنَـتْ لـهُ النَفْـسُ في النجوى وفي الرَنَـمِ

فـأوسِعـي الصَـدْرَ وجـدانـاً ، فما غَـلَبَـتْ
يـومـاً ريـاحَ التـأَسـي، صَـولَـةُ النِـقَـمِ

28/3/2003
____________________
_______________

(*) مهداة للأخوين العزيزين الدكتور كامل العضاض والأستاذ غانم توما، والى مدينة البصرة الفيحاء وأبنائها الميامين. 








288



زرعنا رفاتنا في كل أصقاع الدنيا، بعد أن ضاقت بنا مساحة أرض الوطن.. حملنا الوطن بين ثنايا القلب، وطفنا به تخومها، لم نودعه يوماً ولم ننساه.. ولمّا كانت لحظة الوداع، شعرنا بالغربة، بعيدين كل البعد.. تفصلنا مسافات الأرض البعيدة؛ 

صار الوطن حلماً في المخيلة..؛ التراب غريب ، رائحة الهواء لم تحمل عبق الأرض.. الوجوه لم نتعرف عليها، سوى عدد أصابع اليد من بقايا الأهل..؛ أين الأحبة..؟ أين الأصدقاء..؟ أين رفاق الطريق..؟

إنه الرحيل فأين المودعون..؟ هل تقتسمون الدموع لتذرفوها على خارطة الوطن..؟
أم ستبعثون التحايا بالبريد الألكتروني..؟ هل سترفعون الصورة مسورة بباقات الورد، أم ستكتبون الأسم وتقولون سلاما..؟

لماذا لم تُطرح الأسئلة؛ لماذا يُودع الغريب غريبا..؟ لماذا يودع الغريب وحيدا..؟ لماذا تذرف الدموع من بعيد..؟ لماذا كل شيء بعيد..؟ لماذا الوطن بعيد...؟؟؟

سليمان..! في رحيلك تجد الأسئلة أجوبتها، وتعثر الكلمات على معانيها، وفي رحيلك تُذرف دمعةُُ ُ صادقة..

  فإن رحلتَ حقاً، فرحيلك الى قلوب محبيك؛ حياً في الذاكرة ، أنيساً للقلب، صفحة مشرقة صادقة في تأريخ قضيتك، وطنياً غيوراً من أجل شعبك.. نعم..! إنك لم ترحل..

باقر الفضلي
‏الثلاثاء‏، 22‏ نيسان‏، 2008


 

   

289

باقر الفضلي


لا أدري لماذا أجمع العراقيون على إطلاق تسمية "الصنم" على دكتاتور زمانه وهم يزيحون ذلك النصبَ الأسودَ الكالح، الذي جثِمَ على قلوبهم دهوراً من العمر، وظلت نظراته تتابعهم أنى ذهبوا وحيثما حلوا؛
 فلا أدري، هل حقاً أن العراقيين لم يدركوا ما تعنيه مفردة "الصنم"..، أم أن كُرْهَهُم لأي صنمٍ كان، هو الذي أوحى لهم بذلك..؟!

 أَوَ لَمْ يعلموا أن الصنمَ تعبيرُُ عن العبودية قبل العبادة؛ فهل عَبَد العراقيون النصب أم بصاحب النصب كانوا كافرين..؟!
 أم إشتبه عليهم الأمر، حينما كان "الصنم" رمزاً "للعبادة" في الجاهلية..؟؟!
 الجواب كلا وألف كلا، فلماذا إذن أطلقوا مفردة "الصنم" على نصب الدكتاتور في اليوم الذي أُزِيحَ فيه وجودُ الدكتاتور نفسه..؟!

لقد مضت خمس سنوات على اليوم الذي عَبَّرَ فيه العراقيون عن جام غَضَبِهم على نظـام إستبدادي دكتاتوري متسلط، سامَهُم، ومن خلال تسلطه على ثروات البلاد، أقسى عذابات الإضطهاد والحرمان والعبودية، وإستأثر بكل ما يمت بصلة للعراقيين والعراق، ونَصَّبَ نفسَه "معبوداً " في كل ركن وزاوية من التراب العراقي، فإنتشرت "أصنامُه" لا تفارق العين، في كل حدب وصوب..!!؟

العراقيون محقون ، إذ يستذكروا حَدثاً لم يروه إلا في حلم اليقضة، أما في لياليهم، فكانت أحلامهم كوابيساً من الفزع والخوف، وزيارات الليل التي يعقبها الموت في أقبية العَفَـنِ والظلام..!؟ 

في التاسع من نيسان أسقط العراقيون رمز عبوديتهم، وكان لهم في ذلك شأنُُ كبير..!

لقد مر عامُُ وعامْ، وجاء عامُُ وآخر، واليوم يحلُ عامُُ جديد، ومن يومها ضاع شأنُُ كبير؛ فقد كُبِلَتْ الأيادي من جديد، ولم تسنح الفرصةُ للإحتفال، ولم ترتسم البسمةُ على الوجوه؛ فمَنْ وحَدَتْهُم الغاياتُ، تشرذموا شيعاً وطوائف لا يجمعهم غير شيطانُ مصالحِهم، فتهافتوا أسرى عبوديةٍ جديدة، عبوديةِ أطماعِهم، فكان التاسعُ من نيسان يوماً لسعدِهم ويوماً للحزن والحرمان..!؟

ومرت خمسُُ عجاف، وبَدَل "الصنمِ" نُصِبَتْ آلافُ الأصنام ، و"إكْتُسِبَتْ" "الحريةُ" وفُقِدَ الأمانُ، وفُتِحَتْ أبوابُ الجحيمِ، دون حسيبٍ أو رقيب؛ أُغِلقَتْ المصانعُ وملأ العاطلون الطُرُقاتِ والساحاتْ، وعم الخرابُ كل مكان، وإخْتَرَقَتْ جُرذانُ الإرهابِ الحدود، وتَفجَرتْ براكينُ الدمِ أنهاراً، غَمَرَتْ بفيضها القريبَ والبعيد، وأصبح حذاءُ "المحررِ" أثقل من جبال أرارات..!؟


الأمل؛  ذلك الفيضُ من مشاعر الوجد للحرية، والإنعتاق من عسف الإضطهاد والعبودية؛
 وُلِدَ مترنحاً،  تتقاذفه لطماتُ "المحررين"، وطعناتُ المنهزمين، وأطماعُ الجيران المتربصين، وغدرُ جُرذانِهم من الإرهابيين، وشراهةُ ونَهْمُ أبنائِه من المتطفلين والطفيليين؛  فإقتسموه ضياعاً من كل لونٍ ودين، وعاثوا فيه فساداً ونَهباً وقرصنةً وتهريبَ أموال..!؟؟

وخمسُُ سمانُُ، أنعم التاسعُ من نيسان على أصحابها بكنوزِ الأرضِ وخيراتِ السماء؛
 مراكزَ مرموقاتٍ وسطوةٍ وجاهٍ ونعيمٍ، ما حلموا بها يوماً، وحرسٍ وجيوشٍ وأسماء..!!؟

خمس وخمس ، وشتان بين الخمستين؛

أملُُُ ُ زعافُُُ ُ؛ حصاده الفقر والجوع والتهجير، ومئات الألوف من الضحايا، ومثلها من الثكالى و من الأيتام، والغمة لما تزل جاثمة بثقلها فوق الرقاب..!؟؟

وتخمة ضاقت بها كروش المتخمين..!!!؟؟

فلتوفر السيدة (بيلوسي)(*) تضحياتها ودموعها لنفسها؛
 فدموع العراقيين قد إمتزجت بالدماء..!؟؟ 
9/4/2004
________________________________________________
(*)  رئيسة مجلس الكونغرس الأمريكي

 





 

   


   



 


   


290

باقر الفصلي



البصرة الفيحاء تغرق في بحر دماءِ أبنائِها من جديد،
 و "اللعبة البرلمانية" تكشف عن وجهها الدموي، دون إعتبار أو حياء..
 المتصارعون ألقوا بكل أسلحتِهم في حلبة الصراع، إلا سلاح الحوار، فقد غيبـوه..
البصريون الأبرياء من المدنيين، يرزحون رهائن تحت رحمة بنادق المتقاتلين وقذائف الدبابات ورشقات          الهاونات وقصف طائرات متعددة الجنسيات.. 25/3-29/3/2008 


لو كان الأمرُ يدور حقاً بين الحكومةِ وعصاباتٍ طارئةٍ كما تُصَوِرُها الحكومة، لهانَ الأمرُ، ولما إتَسَعَ مداهُ ليشمل مُدناً أخرى مثل الكوت والحلة وكربلاء وبغداد ومدينة الصدر والناصرية والديوانية والهاشمية والمدحتية وغماس وغيرها، وأن تسيل الدماء دون حساب، في وقت تُعْلِنُ فيه فصائلُ ُ سياسيةُُ ُ معروفة، مثل التيار الصدري، وهو قوة سياسية فعالة في العملية السياسية، وله 30 عضواً في البرلمان، بأن الحملةَ العسكريةَ التي يقودها رئيسُ الوزراء السيد نوري المالكي شخصياً من مدينة البصرة، والتي بسببها إعتذر عن تمثيل العراق في مؤتمر القمة العربية الذي سينعقد في دمشق يوم 29/3/2008 ، إنما هي موجهة ضده، والهدف منها تصفيته كقوة سياسية لها وزنها السياسي والجماهيري وهكذا مازالوا يرددون. هذا في وقت يُعْلِنُ فيه الناطقُ الرسمي بإسم الحكومةِ السيد علي الدباغ؛ بأن العمليةَ العسكرية ( صولة الفرسان)، التي يقودها قائدُ القواتِ المسلحةِ، السيد المالكي، ليست موجهة ضد التيار الصدري وهو تيار وطني حسب تعبيره، وإنما ضد العصاباتِ الخارجة على القانون..!؟


فإيهما الصحيحُ من الإدعائين..؟ وكيف يفسر المرءُ المؤتمرات الصحفية التي عقدتها قيادةُ ذلك التيار، والمناشدات التي أطلقتها بعضُ القوى والكتلُ السياسية وبعضُ رجال الدين، الى ضرورة حقن الدماء ووقف نزيف الدم واللجوء الى الحوار المباشر بين الحكومة وقياداتِ التيار..؟ وماذا تعني الجلسة الإستثنائية التي دعا لها مجلسُ النواب مساء الجمعة 28/3/2008 لإيجاد حلٍ للأزمة..؟  وهل تعذر فعلاً إيجاد طرقٍ أخرى للخلاص من وجود المليشيات المسلحة، ونفوذِها المستشري في البصرة والمدن الأخرى..؟ وهل وصلت أبعادُ العصاباتِ الإجرامية هذا الحدَ الذي شمل هذه المناطق الواسعة من وسط وجنوب العراق.؟ وهل أن القوى السياسية الممثلةَ في الحكومة وذات التأثير الكبير فيها، معدومةُُ ُهي الأخرى من حيازة مثل هذه المليشيات..؟!


لا للمليشيات..!؟ كان مطلباً جماهيرياً وقد نادى به المواطنون الأبرياء، قبل أن تتشكل حكومة السيد المالكي منذ أكثر من عامٍ ونيف، وضمنته الحكومةُ نفسُها في برنامجها السياسي، ولكنها لم تُقَدِمَ قَدَماً ولن تؤخرَ أخرى في عملية نزع سلاح هذه المليشيات السياسية، بل ولن أغالي إذا ما قلت ؛ بأن الحكومةَ نفسَها كانت من نتاج الدعم الذي قدمته تلك القوى السياسية صاحبة المليشيات مجتمعة، وفي مقدمتها التيار الصدري وتابعه جيش المهدي، فهل إنقلب السحرُ على الساحر، أم أن السيد بوش بدعمه الكامل للعملية العسكرية في البصرة، كان أكثر حرصاً على أرواح العراقيين من خطر هذه المليشيات، لتدك طائراتُه المناطقَ السكنيةَ للآمنين من الناس الأبرياء، ليسقط  الكثيرُ منهم في البصرة والناصرية والكوت والحلة وبغداد وغيرها..؟! (1)


أم أن هنالك شيئاً من الصحة لما يُقالُ وما تتناقلُه الألسِنُ والصحافةُ العالمية، مِنْ أنَ توقيتَ الإرتباط للعملية العسكرية في البصرة وإستعجالَ تقديمها على العملية التي قررت الحكومةُ القيام بها سابقاً في الموصل ضد قواعد الإرهاب القاعدي، إنما يدخلُ ضمنَ حساباتِ أطرافٍ مهمةٍ في الحكومة تتعلق بإعادة إقرار قانون إنتخابات المحافظات غير المنتظمة في أقاليم، وقرب العمل به في تشرين الأول القادم من هذا العام، وبأن العمليةَ لا تعدو عن كونها سوى تصفيةِ حساباتٍ بين القوى المتصارعةِ في مناطق الوسط والجنوب ، وبالذات منها، مدينة البصرة ذات الأهمية الإستراتيجية الإقتصادية والجيوسياسية الخاصة، من أجل قطع الطريق على بعضها البعض، للفوز بالهيمنة المنفردة على إدارة المدينة والمدن الأخرى، وهي في أغلبها أحزاب إسلامية شيعية، ذات أذرع مسلحة..؟!


حينما كنا نتحدث كثيراً عن كبح جماحِ المليشيات المسلحة وندعو الحكومةَ الى تنفيذ إلتزامها ببرنامجها، وتَحمُلِ مسؤوليتها في لجم هذا الجماح، كنا نربط الأمرَ بمسؤولية القوى السياسيةِ جميعاً وبالذات منها قوى الأحزابِ الإسلامية المشاركة في الحكومة، ومن شتى المذاهب، والتي تمتلك مثل هذه المليشيات ، بأن تبادر بإظهار حسنِ نيتها، وتعلن جميعاً إقدامها على إتخاذ الخطواتِ العمليةِ وبالتعاون مع الحكومة ومن خلال مجلس النواب بإتجاه التخلي عن ميليشياتها المسلحةِ وتسليم إسلحتها الى الدوائر الحكومية الرسمية، وإحترام بنود الدستور الذي صاغته من خلال أغلبيتها في البرلمان، وكان لنا في ذلك كلامُ ُ كثير، ولكن الذي جرى وللأسف نقول؛  أنْ تتلكأَ الحكومة في القيام بدورها وتحت ضغوطِ بعض تلك القوى، وأنْ يفشلَ البرلمان في إلزام الحكومةِ بإتخاذ الطرقِ السياسيةِ المناسبة لتنفيذ بنود الدستور؛ فسادت الفوضى في أغلب المدنِ الوسطى والجنوبية، وبالذات البصرة، التي تحولت الى ساحة مكشوفةٍ للصراع بين الطوائفِ السياسية الممثلة في البرلمان والحكومة، مستخدمة أذرعتها العسكرية من المليشيات المسلحة، في بسط نفوذها على المدينة والتحكمِ بمصير أبنائِها، وإقتسامِ هذا النفوذَ طبقاً لحالة التوازن القائمةِ بين هذه المليشيات..!!؟


وليس من قبيل الغفلةِ أنْ لا يشير المرء الى علاقة هذا الصراعِ بهذا الحماسِ المتناهي الذي إندفعت فيه الإدارةُ الأمريكيةُ لدعم العمليةِ الحكوميةِ العسكرية في البصرة وضرورة حسمِها "بالإنتصار"، وما يلوح في الأفق من معالم التلويحِ بتمرير قانون النفط والغاز في البرلمان، بالإرتباط بالمفاوظات الدائرة مع شركات النفط العالمية وعلاقة كل ذلك بأرتفاع أسعار النفط العالمية نتيجة إستمرار القتال في البصرة بما يهدد بوقف تدفق جريان النفط الى الأسواق العالمية، متناسية هذه الإدارةُ، ما سيؤولُ اليه الصراعُ المسلحُ بين أبناء الشعبِ من نتائج وخيمةٍ، حتى لو أُضْفِيتْ عليه أبهى الأسماء ..!!؟(2)


إنَ المشكلةَ برُمَتِها، إنْ أحسنَ المرء القولَ، هي مشكلة سياسية - إقتصادية تتمحور حول مصالح متصارعةٍ بين كتلٍ وأحزابٍ سياسية ذات صبغةٍ دينيةٍ في أغلبها، وفَرَتْ لها تجربةُ "الديمقراطيةِ" الجديدةِ ولغيرها، فرصةَ الأغلبيةِ البرلمانيةِ لتتحكمَ بالقرار السياسي المناسبِ لمصالحها في إطار الصراع المستترِ والمكشوفِ أحياناً، والذي يحكمُ طبيعةَ العلاقاتِ القائمةِ فيما بينها، لا كما يرى فيها البعضُ بأنها مجرد مشكلة أمنية بحتة، رغم أنها تبدو في ظاهرها كذلك، وهو في الحقيقة، تعبيرُُ عن النتائج ليس غير، الأمر الذي يدفع إلى طمس الحقيقةِ وتضييعِ فرص إيجاد الحلول المناسبةِ من خلال الآلية البرلمانية "الجديدة" والتمسكِ ببنود الدستور..!؟


 فما يدور اليوم في البصرة والمدن الجنوبية والوسطى من إقتتال بين العراقيين، إنما عكس الشكل الدموي لذلك الصراع، وإن أخذ طابعَ الإنقسام، وجرى إختزاله الى مجرد " فرض القانون وإعادة هيبة الحكومة المفقودة"  بين فريقين هما "الحكومة" والتيار الصدري، ومحاولة توصيفه بالمشكلة الأمنية البحته، التي يجري تلخيصها فقط بمكافحة عصابات الجريمة، ولا إعتراض على ذلك، في الوقت الذي كان فيه الطرفُ الثاني بعد الحكومة، يمثلُ تياراً سياسياً معروفا، وكانت ضحايا الإقتتال قد ناهزت 1200 بين قتيل وجريح من الجانبين..!!؟ 
 

أما الحلول السياسية بخصوصيتها السلمية فهي الطريق الأسلم لحل مشاكل الفلتان الأمني، والقرارات السياسية التوافقية الملزمة لجميع الأطراف السياسية الممثلة في البرلمان والحكومة، وبعيداً عن أي خضوع لأجندات خارجية، كفيلة بإيجاد الطرق التي تساعد على حقن دماء العراقيين، فالأمر لا ينحصر بالحكومة وحدها بقدر ما هي مسؤولية جميع أطراف العملية السياسية وخاصة تلك الممثلة بالبرلمان..!


 أما الحل العسكري، الذي حضي بدعم من راعية الإحتلال وممثلة الشركات النفطية الإحتكارية بقوة،(3)  والموجه الى جهة سياسية محددة بالذات وممن لها ميليشيات مسلحة ، وهذا ماأثبتته الأحداث لاحقاً، ولها إمتداد واسع بين الجماهير، دون غيرها من الجهات السياسية الأخرى ذات المليشيات وأطراف في الحكومة، وأن تُجَيرَ بإسم هذه الجهة، كافةُ التجاوزات والإنتهاكات التي ترتكبُ ضد المدنيين،  إنما خلق بلبلةً وغموضاً أزاء الأهداف المتواخاة من وراء العملية العسكرية والإصرار على إستمرارها تحت واجهة فرض القانون(4)، نتيجة للتعارض الصارخ بين ما كانت تعلنه الحكومةُ وبين ما كان يجري في الواقع الميداني وما يعلنه بيانُ التيار الصدري عن وقف العمليات ضد قوات الحكومة في وقت خرجت فيه هذه العملية عن إطارها المعلن، بإعتبارها مجرد عملية موجهة ضد العصابات الإجرامية، لتمتد فعالياتُها مغطية أغلبَ مناطق ومدن الوسط والجنوب التي تتواجد فيها تحشدات جماهيرية لهذه الجهة، ولتأخذ أبعاداً إنسانية مأساوية طالت في تداعياتها السكانَ المدنيين الأبرياء، جراء القصف العشوائي المتبادل من قبل الطرفين، وأمتداد منع التجوال لما يزيد عن إسبوع..!!؟؟ (5)


لقد أثبتت صولةُ أسبوعٍ من المعارك الطاحنة عقمَ الحلولِ العسكرية وحدها في معالجة العُقَدِ والمشاكل السياسية – الإجتماعية، طالما أن جميعَ الأطرافِ عالقون في هذه المشاكل، والأصح المصالح، وأن حالة الصراع بين هذه المصالح ليست بنت يومِها، وتكمن جذورُها أساساً في عقمِ آلية النظام السياسي التي بُنيت على قواعدِ نظام المحاصصةِ والطائفية السياسية، وغُيِّبَ فيه دورُ المواطن كأساسٍ لبناء المجتمع، مما مهد الطريق أمام عصابات المافيا والجريمة أن تتحصَّن خلفَ ميليشياتِ هذه الطوائفِ ليختلط الأمرُ ولتتحول هذه العصاباتُ الى جزءٍ من الإشكاليةِ السياسيةِ في هذا الصراع ، وبالتالي أصبح من المتعذر معه معالجة النتيجةِ دون معالجة أسبابها، مما أثر بدوره، سلباً على هيبة الدولةِ فأضعفَها، وأفقدَ الحكومةَ سيطرتَها على مرافقِها..!


 فالتذرع بمحاربة الجريمة وحدها، إذا ما أُخذ الأمرُ بحسن النية وبالحاجة لذلك، وترك حواضنها وأسبابها في منجى من المسائلة والمعالجة ، إنما يعزز في الحقيقة، تَرْك الحبل على الغارب، ويؤدي الى ديمومة الصراع بين القوى المتناحرةِ من أجل النفوذ على السلطة، والى المزيد من سقوط الضحايا بين المواطنين الأبرياء العزل على مذبح  المتصارعين، والى مزيد من الحروب المحلية بتداعياتها الخطرةِ على السلم الإجتماعي، ناهيك عما تتكبده البلاد من الخسائر المادية والمعنوية، التي يتحمل مسؤوليتَها جميعُ أطراف النزاعِ من صدريين وغيرِهم من جهة، وسلطاتُ الإحتلال التي تلعب الدورَ الأساس في تأجيج أوار نارِ هذا الصراع، بدلاً من العمل على تهدأةِ الأوضاع، وحمايةِ المواطنين الآمنين في ديارهم، وليس اللجوءُ الى قصف الأحياء السكنية وتعريضُ الأبرياء الى خطر الموت ، وتدمير البنية التحتية من جهة أخرى..!؟(6)


أما دور التدخل الإقليمي، وخاصة التدخل الإيراني، والذي بات واضحاً في مجمل هذه العملية، فقد أصبح شأنُه من فرط الفضيحة، ما يزكم الأنوف، ولدرجة أثارت حفيظة حتى اللاعب الآخر(الأمريكي) عندما تدخل الجانب الإيراني في عقد الإتفاق الذي جرى بين بعض ممثلي أطراف الصراع الأخرى (حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى)،  والتيار الصدري في إيران في الأيام الأخيرة، وبدا الأمرُ وكأن اللاّعِبَين يتهامسان..!؟(7) ،(8)


لا جدال في أهمية وضرورةِ فرض القانون وإعلاءِ هيبة الدولةِ من خلال تفعيل سلطاتها الثلاث، والإلتزامِ بأحكام الدستور من قبل الجميع، مع التمسك بآليات أكثر فعالية في حماية المواطن وضمان سلامته عند المباشرة في تنفيذ عملياتٍ ذات طابعٍ عسكريٍ أو أمني، ولأي ذريعةٍ كانت، فالدولة هي من يتحمل مسؤوليةَ النتائجِ التي تترتب على الأداء الخاطيء لقواتها، حتى مع كون إفتراض الغرضِ مشروعا..!


ففي ظل ظروف الصراع الراهنة، يصبح من الصعب إن لم يكن من العسير، التحكم بنتيجة هذا الصراع، طالما أن غالبيةَ الأطراف المتصارعةِ هي من المشاركين في العملية السياسية وأطراف في الحكومة، مما يُضعِفُ دورَ الحكومةِ الحيادي في معالجة مثل هذه الأزمات، إن لم تكن سبق وأن فقدت ذلك الدور، مهما حاولت إضفاء صفة الشرعية القانونية على إجراءاتها الميدانية، وإن كانت تمتلكها من الناحية الشكلية الإنتخابية، لكن واقعَ الحالِ على الأرضِ يتحدث عن منطق آخر، وتتمسك كافةُ أطرافهِ بالسلاح وتضع نفسَها نِداً لسلاح الحكومة الذي تجد فيه سلاحاً للأطراف الأخرى الممثلة في الحكومة، والتي تمتلك هي الأخرى سلاحَها الخاص..!


  وبهذه الطريقة تواصلُ جميعُ القوى السياسية ذات الأذرع الميليشياوية، سواء من كان منها طرفاً في الحكومة أو خارجها ولكنه مساهماً بالعملية السياسية، تواصل عملية خرق الدستورِ بإستمرار، مستفيدة من حالة التفكك التي تعاني منها الحكومة المُمثِلةُ لها، ساعية بهذا الخرق الى ديمومة إضعافِ سلطة الحكومة وهيبة الدولة، معززة بالدعم  اللوجستي الإقليمي. والجميع يتذرع، في حاجته الى الإحتفاظ بالسلاح، رغم أنه يعترف بالعملية السياسية وبالدستور،  بضعفِ الحكومةِ وعدمِ قدرتها على حفظ الأمنِ والنظام، ومنهم من بدأ يتعكز على مقولة ما يسمى ب"سلاح المقاومة" (التيار الصدري)..!؟  راجع مقالتنا الموسومة ( المليشيات المسلحة : الحاجة والضرورة والبديل)(**) ومقالاتٍ عديدة أخرى حول هذا الموضوع وعلى نفس الموقع..!


الجميع من أطراف العملية السياسية والقائمين عليها يُدرِكُ، في تقديري وكما هو معروف، هذه الحقيقةَ بما فيهم اللاعبان الأساسيان (أمريكا وإيران)، وكلهم مسؤول عن حقيقة ما يعاني منه المواطن العراقي، وما آلت اليه أوضاعُ الوطن والشعب؛ ومع ذلك لا زال هناك الكثير من الخيارات السياسية والسلمية متوفرةً في الساحة، مما يمكن الركون اليها، إذا ما نَبَذَتْ الأطرافُ السياسيةُ مصالحَها الفئوية والطائفية جانباً، ونزعت أسلحتِها، وتمسكت بالمصلحة المشتركةِ للجميع ، وهي مصلحة الشعبِ والوطنِ لاغير، وبَنَتْ برامَجها السياسية وفق ذلك، تمهيداً للوصول الى المصالحة الوطنية الصادقة، من خلال الحوار والمكاشفةِ وإحترامِ الآخر..!
 

وفي غياب كل ذلك يصبح من الصعب التكهن بما ستؤول اليه الأوضاعُ بعد اليوم، رغم هشاشة ما توصلت اليه الأطرافُ المتصارعةُ من هدنةٍ مؤقتة؛  فإن أي قراءة مهما بلغت دِقَّتُها لمجمل الأحداث، ستظل مجرد تكهناتٍ عالقةٍ في الهواء، ولا تعدو عن كونها غير  قراءة في فنجان..!!؟ 
_________________________________________________
(*)   تأخر نشر المقالة في حينه لأسباب فنية
(**)   http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=72430
(1)  http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/news/newsid_7318000/7318152.stm
(2)  http://www.daralhayat.com/business/03-2008/Item-20080329-fbbd9e98-c0a8-10ed-017c-4324fe1863c5/story.html
(3)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAEGO04470520080330
(4)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAOLR05135720080330
(5)    http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAEGO04453620080330
(6)   http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/4/1/maliki.basra/index.html
(7)  http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/3/31/iran.sadr/index.html
(8)  http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=14728




291

باقر الفضلي


في الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي..!


تمر اليوم أربعة وسبعون عاماً، ولا زال الحزب الشيوعي العراقي، وحتى اللحظة، مثار جدلٍ ونقاشٍ وتحليلٍ ودراسةٍ وتنظير، لا بصفته مجرد حزبٍ سياسي في الساحة السياسية العراقية حسب، وإنما بإعتباره أحد أطرافها الرئيسة على مدار سبعة عقود من السنين العاصفة في تأريخ العراق الحديث، وكونه يمثل رمزاُ تأريخياً للتيار الوطني الديمقراطي العلماني..!


فعلى مدار الأعوام المذكورة، كانت لمسات الحزب ظاهرةً على أبرز أحداثِها السياسية التأريخية، كطرفٍ فعالٍ وذي تأثيرٍ واضحٍ في المشهد السياسي العراقي، بل وطُبِعتْ بعضُ فصولِ أحداث هذا المشهد عِبرَ هذه الأعوام، بطابع سياسة ونشاطات الحزب سلباً كان الأمر أم إيجابا..!


ومن نافل القول، أن نؤكد في هذا المقال؛ بأن السِمةَ العامة التي طَبعتْ تلك السياسة والنشاطات، كانت في خصوصيتها، تتمحور حول أمرين بارزين، أولهما؛ يتلخص في الموقف الوطني الواضحِ والصلب من هيمنة النفوذِ الأجنبي، والوقوفِ بكل قوةٍ وحزمٍ بوجه كلِ محاولاتِ ربط العراق بذلك النفوذ؛ وفي هذه السياسةِ، كان لنهج الحزبِ في تعبئةِ  مكوناتِ القوى الوطنيةِ في وحدةٍ وطنيةٍ متراصة، أثرُُ كبيرُُ وباعُُ طويلُُُ ُ يَعتَرِفُ به الجميع؛ أصداقاءُه والخصوم. وبسبب هذا النهج أيضاً، تشهدُ صفحاتُ التأريخِ على ما تعرضَ له أعضاءُه من إضطهادٍ وعَسفٍ بلغ حدَ إزهاقِ أرواح الألوفِ منهم وتغييبِ ألوف آخرين..!(*)


أما الأمر الثاني، فهو سجلُه الحافلُ في تنظيم وقيادةِ النضال الطبقي، وإحتضانه لمطالب الفئاتِ الكادحة، من العمال والفلاحين، ومن شغيلة الفكر، معززة بمواقفه الثابتة في دعم نضال المرأة من أجل مساواتها في حقوقها الإجتماعية والسياسية والإقتصادية مع أخيها الرجل، ناهيك عن مواقفه المشهودة في الكفاح من أجل إشاعة الديمقراطية والعدالة في المجتمع، وبالدفاع عن حقوق القوميات والأقليات الدينية والتآخي بينها في إطار وطن حر فدرالي دبمقراطي..!



ومن خلال هذا التكثيف المركز لوصف مسيرة الحزب الشيوعي العراقي، تبدو الصورة اليوم أكثر تعقيداً ويكتنفها الكثيرُ من الغموض، إذا ما نُظِرَ إليها في ظل الظروفِ الحالية، ومنذ إسقاط النظام الديكتاتوري، عن طريق الغزو والإحتلال في20/ آذار/2003، وعِبْرَ مسيرة السنوات الخمس المنصرمة..!


عددُُ غير قليلٍ من المراقبين السياسيين بل وحتى العديد من أعضاء الحزب وجملة غير قليلة من أصدقائه ومؤيديه ومن جماهيره، وجدوا أنفسهم في حالة من الذهول والإندهاش، قبل أن يجدوا التفسير المناسب للموقف السياسي الذي إعتمده الحزب في التعامل مع الظروف الجديدة بعد الإحتلال..!


  ومع ذلك، فليس ثمة ما يثير القلق والإستغراب في ظروف معقدة مثل تلك،  أن تأتي ردود الفعل أكثر حدة وإنفعالاً، بل وحتى تكتنفها حالات من التطير والإبتعاد قد تدفع بأصحابها أحياناً، الى إتخاذ مواقف تتسم بالتطرف وقد تجر الى الإنشقاق والتشرذم؛ وفي جميع الأحوال فهي ردود فعل عادة ما تفرزها الأحداثُ والمنعطفات الحادة في المشهد السياسي، وفي هذه الحالة لابد من التعرف على طبيعة الأحداث نفسها حتى يتوصل المرء الى تفهم أسباب الموقف السياسي الذي يتخذه أي حزب ما للتعامل مع تلك الأحداث. وهذا نفسه، في تقديري، ما يقف وراء إعتبارات الحزب الشيوعي العراقي التي إعتَقَدَها، تتلائم مع ظروف البلاد الجديدة بعد الإحتلال، وهوموقف سياسي بحت، تمليه الحاجة الموضوعية والآنية، قبل أن يكون إجتهاداً في النظرية أو الإيديولوجيا..!


فأية ظروف تلك، التي قد دفعت بالحزب الشيوعي العراقي الى تبني موقفه السياسي الحالي، والذي قد أثار غير قليلٍ من ردود الفعل التي أشرت اليها فيما تقدم..؟ ذلك هو السؤالُ الأكثرُ أهميةً والذي يمكن البناء عليه، من غيره من الأسئلة الأخرى التي ما أنفك يطرحها الكثيرون اليوم، والتي هي في الأعم الغالب، تَنْصَبُ على النتائج أكثر منها على الأسباب..!


 ونتيجة لذلك، أَنْ كَثُرَتْ الإنتقادات والإتهامات والتي تتجاوز أحياناً حدود النقد العلمي، فمنها من تدعو الحزب الى التخلي عن موقفه السياسي المعلن، وتطالبه بترك المشاركة في "العملية السياسية" القائمة، متعللةً بتلكؤ العملية نفسها وتعثرها، وأخرى من ترى، أن الحل للخروج من الأزمة الخانقة التي تمر بها البلاد، يكمن في توحد قوى اليسار الديمقراطي، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي وباقي منظمات اليسار المُعلِنة عن نفسها، وذلك في جبهة موحدة مستقلة خارج إطار "العملية السياسية"، ولست هنا في وارد التعليق على ذلك، لتعلق الأمر بالحزب الشيوعي العراقي نفسه..!؟


في ظل هذه الاوضاع، وتحت ثقل تداعيات حالة الإحتلال، يبدو في رأينا، أن لا مناص أمام الحزب الشيوعي العراقي، وهو على أبواب إحتفاله بعيد تأسيسه الرابع والسبعين في الحادي والثلاثين من آذار/2008 ، وعلى أعتاب الإنتخابات القادمة؛ أن يبذل المزيد من الجهد لتقريب وجهات النظر مع جمهوره والرأي العام من خلال المزيد من إلقاء الضوء على الدوافع والأسباب والظروف الموضوعية والذاتية، التي وقفت وتقف وراء موقفه السياسي المعلن، فالأمر ليس بهذا اليسر والبساطة، أَنْ يتفهم الجميع، مثل هذا الموقف في ظل ظروفٍ شائكةٍ ومختلطةُ ُ أوراقُها بهذا الشكل المُعقد، وتتميز تناقضاتُها لدى تفسير البعض، في "تعارضها" مع المباديء العامة لسياسة الحزب..!؟


 وفي جميع الأحوال، فهي مهمة الحزب الشيوعي العراقي نفسه قبل غيره، والذي في  تقديري، أمامه الكثير من العمل بهذا الإتجاه، لتعزيز مواقعه بين جماهيره ومؤيديه، فرغم ما يعتقده من وضوح برنامجه، فهناك الكثير من أصدقائه ومؤازريه، مَنْ يعتقد بضرورة المزيد من وضوح الرؤيا في عدد من المواقف السياسية العقدية والمصيرية..!


وبمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31/آذار/2008 ، أُحيي كافة الشيوعيين العراقيين وعوائلهم وأصدقائهم بعيد تأسيس حزبهم المجيد، وأحيي نضالاتهم الوطنية من أجل عراق حر ديمقراطي، وشعب ينعم بالسلم والأمان، والى شهدائهم الأبرار المجد والخلود..! 
_________________________________________________ 
(*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/25cp.htm
   


         





       

 



292


باقر الفضلي


لا غرابة في أن يُثار الجدلُ بين العراقيين، وعلى مدار السنوات الخمس المنصرمة ، حول توصيفهم لطبيعة الحالة التي مر بها العراق خلال هذه الفترة والتي لا زال يعيش تداعيتها حتى اللحظة. وبالتحديد؛  الجدل المثار حول توصيف الحدث الذي داهم العراق في العشرين من آذار عام/ 2003، والمقصود به الإجتياح العسكري للعراق (غزو العراق)، فيما إذا كان (إحتلالاً أم تحريرا)، والذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وعدد من الدول الأخرى، والمعروفة اليوم بقوات متعددة الجنسيات، وكل ما يتعلق بدوافعه وما ترتب عليه من نتائج ..!


الغرابة بحق؛ هو أن لا يُثار مثل هذا الجدل؛ وهو جدل حاد بين العراقيين حول الأمر، لما إكتسبه ذلك الحدث من أهمية تأريخية على كافة الأصعدة ؛ الدولية والإقليمية والوطنية، وما إستتبعه من كوارث هزت كيان الشعب العراقي برمته، وخلفت من النتائج والآثار المدمرة  ما يعجز الوصف عنها..! 


في العشرين من آذار /2003  دخلت القوات الأمريكية والبريطانية مخترقة الحدود الجنوبية (لدولة العراق) (العضو) في هيئة الأمم المتحدة، و(العضو) المؤسس للجامعة العربية، وإستباحت طائراتها الحربية أجواء (دولة العراق)، وإنقضت صواريخها الإنفجارية المدمرة على معالم بغداد..!؟


جرى كل ذلك دون ترخيص من أحد، أو قرار من شرعية دولية، وبدى الأمر مثل كابوس لم يصدقه أحد ولم يُسر به أحد، إلا من رحم ربي .. وإذا بلعبة غزو الكويت تتكرر من جديد ولكنها هذه المرة بالمقلوب؛ فمن إكتووا بنار الغزو العراقي للكويت، باركوا الغزو الأمريكي بكل رحابةِ صدر، بل وقدموا له كل مايمكنهم تقديمه من دعم لوجستي وصمت مطبق، أما دول جوار العراق فقد كانت أكثر إستئناساً لما حدث، رغم أن بعضها (اليوم) وبتطرفٍ ظاهر، تستنكر وجود الإحتلال، ولكنها في عين الوقت، تعمل كلَ شيءٍ من أجل لقائه..!؟


فهل جدير بالعراقيين إذن، أن يتجادلوا بأمر الغزو، وأن يختلفوا حول أسبابه ومبرراته وتداعياته ونتائجه، أم أن يلوذوا بالصمت، كما يُطلبَ منهم، على أقل تقدير، إنْ لم ينجروا لمباركته وتقديسه طبقاً لرغبات البعض، وإنصياعاً لتأويلاتهم..؟؟ وهل على العراقيين أن يُلزِموا أنفسَهم بتقديم "فدية" لأربعة آلاف جندي أمريكي فقدوا حياتهم في العراق خلال السنوات الخمس الماضية، وأن يغفلوا أن ضحاياهم ، قد جاوزت مئات الإلوف من المدنيين الأبرياء..؟؟!


في الذكرى الثالثة للغزو الأمريكي، كنت قد كتبت مقالة مختصرة حول جدل العراقيين بشأن الإحتلال الأمريكي، ومواقفهم المتعارضة منه، إن كان إحتلالاً أم تحريرا، فكانت الصورة أكثر وضوحاً من الحاجة الى التحليل، فالعراقيون منقسمون بهذا الشأن، وعلى صعيد قواهم السياسية في العملية السياسية، فالأمر كان يشوبه بعض التردد، أما اليوم وبعد خمس سنوات، أصبح الإستقطابُ في المواقف السياسية لهذه القوى، أكثر تميزاً، وكل جهة تعلن عن موقفها من الإحتلال بصراحة ودون تردد..!(*)


  فمن يقف الى جانب تبريره ويضفي عليه شرعية الوجود، يجد في ما كان عليه العراق خلال فترة النظام الدكتاتوري السابق من إستبداد ومظالم لا حدود لها، الأرضية المناسبة لهذا التبرير، وذلك من خلال المقارنة بين العهدين في جوانبها "الإيجابية"، والتي تبدو في فترة السنوات الخمس الماضية بعد الإحتلال، من العلامات "المميزة" ومن "النجاحات" قياساً بما كان عليه الأمر في العهد الديكتاتوري، وإن كان ذلك القياس شكليا؛ وفي مقدمة القائلين بذلك، تقف بعض مكونات السلطة السياسية في المقدمة وعدد غيرُ قليلٍ من الكتاب، ولا يتعلق الأمر هنا بإقرار أو عدم إقرار "العملية السياسية" التي أعقبت الإحتلال..!(**)


وقد يكون لهذه المقارنة ما يبررها إذا ما أُخِذَ الأمرُ طبقاً لهذا الأساس، وفي حدوده الشكلية، وإذا ما أغفلنا الكثير من التداعيات التي رافقت الإحتلال وحالة الإحتلال نفسه كظاهرة غريبة في ظل الأعراف الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وجردناه من المحرمات والمباديء القانونية التي تحكم العلاقة بين الدول في الإطار الشرعي الدولي..!؟

 وعلى أية حال،  فالأمرُ لا يُعبِرُ إلا عن جانبٍ واحدٍ من المسألة، وهو الجانب البراغماتي، الذي لا يأخذ بالإعتبار، إلا ما يحقق المصلحة الخاصة من وراء ذلك، أو كما يعبر عنه البعض من الكتاب ب" تطابق المصالح"، ولا يهم بعد ذلك الجوانب الأخلاقية ذات الإعتبار، والأهداف والغايات التي يتوخاها الطرف الثاني من وراء هذه المعادلة البرغاماتية، حتى وإن تعارضت في النهاية مع مصالح الطرف الآخر الموافق..!


ومن خلال هذا التصور أو التأويل، طُرح في الساحة السياسية، بعد العشرين من آذار /2003 ، ما يُدعى اليوم ب " الإحتلال التحرري" ، تمييزاً له عن ما جرى التعارف عليه في الأدب السياسي ب (الإحتلال الإستعماري) أو (الإحتلال الإستيطاني)، ولكي تُضفى على هذا النوع الجديد من "الإحتلال " صورةُُُ ُ من التقدمية والإيجابية، بات القائلين به يحاولون ربطه بعلاقة سببية مع شيوع العولمة في العالم، من جهة ، ومع حتمية الحاجة الى "الديمقراطية" كضرورةٍ ملحةٍ لإنتشار عملية "العولمة" على النطاق العالمي، وفتح الطريق أمامها، حتى لو إقتضى الأمر فرض هذه "الديمقراطية" بوسائل مفرطة من القوة ومنها إعلان الحرب على تلك الدول التي تعتبر من وجهة نظر "العولمة" عوائق تمنع من ذلك الإنتشار من جهة أخرى. وليس الحرب على الإرهاب غير أحدى صور ذلك، غير آبهين بالواقع الإجتماعي لشعوب تلك البلدان..!؟


لا يخامرني الشك بأنه، كان هنالك الكثير من مصالح الشعب العراقي، وقياساً لما تقدم، قد إرتبطت، بهذا الشكل أو ذاك، مع عملية "الإحتلال" شكلاً،  وفي حدود كونها عملية إجهاضية للنظام الدكتاتوري وإنهاء وجوده، ولكنها لم ترتبط  جذرياً، في محتواها وأهدافها وغاياتها، مع مصالح "الإحتلال" وغاياته، كما ولم يكن في حساباتها أن "الإحتلال" الذي فَرَضَ وجودَه بالقوة العسكرية المدمرة، وبدون إذن مسبق من الشعب العراقي، إذا ما إستثنينا البعض من قادة القوى السياسية في المعارضة الذين إجتهدوا يومذاك،  سوف يلبي كل رغباتها في التحرر والإستقلال وبناء دولةٍ حرةٍ مدنيةٍ ديمقراطية، ولعل في تجربة السنوات الخمس ما فيه الكفاية للتدليل على ذلك..!؟


فالكرة قد إُسقِطَتْ في ملعب العراقيين، وهم بقدر ما قدموه من تضحيات فاقت التصورات ، نتيجة لتداعيات حالة الإحتلال، نراهم اليوم يُدفَعون بشتى الوسائلِ والتطمينات، وتحت مختلف الضغوط والتبريرات والتأويلات، للإعلان عن حاجتهم بل وحتى "رغبتهم" في الحماية الأمريكية، والى إبداء "إستعدادهم" لإبرام إتفاقية مشتركة طويلة الأمد معها على كافة الأصعدة؛ أمنياً وإقتصادياً وثقافياً، رغم أن سيادة العراق لم تستكمل مقوماتها بعد..!!؟؟


 ومن هنا يصبح من البدهي القول؛ بأن ما يُدعى "بتطابق المصالح" حتى وإن تطابقت في بعض غاياتِها شكلياً وفي نقاطٍ محددة، وإختلفت في مقاصدها وإغراضها ونواياها النهائية؛ لا يمكنه أن يكون مبرراً لتمرير حالة "الإحتلال" وإعتبارها حالةً مشروعةً يمكن الإقدام عليها حيثما وأنى نشاء. كما ومن غير المنطقي والمشروع، أن تَمنحَ دولة ما لنفسها حقَ غزوِ وإحتلالِ دولةٍ أخرى عضوٍ في الأمم المتحدة، تحت أية ذرائع تنسبها لتبرير العدوان، خارج إطار الشرعية الدولية وبموافقتها، حتى إذا ما وَجَدَ الإقدامُ على عملية الإحتلال، هوىً في نفوس بعضٍ من أبناء تلك الدولة لكونه يحقق لهم مصالحَ أو غاياتٍ محددة كانوا قد عجزوا عن تحقيقها بالوسائل المعتادة..!؟


وإن توافقت المصالح هنا مع حالة الإحتلال، ولا أقول تطابقت، فإنها من وجهة نظر القائلين بها إنما تعني حالة "التحرير" التي دأبوا على توصيف الإحتلال بها مؤخراً، رغم التعارض والتعاكس في المفهومين، والتباين بين الوصف والموصوف، وبالنتيجة يفقد المصطلح الجديد "الإحتلال التحريري"، أي معنى  علمي أو موضوعي، مهما يُضفي عليه المرءُ ما شاء من التفسيرات، إلا إذا  إفترضنا؛ أن "الإحتلالَ التحريري" في معناه المجازي، يُقصَدُ به (نار النبي إبراهيم)، التي أصبحت برداً وسلاماً عليه بأمره تعالى..!!


وكي لا أسهبُ في تفاصيل ما هي عليه الحالة العراقية اليوم، وإرتباطاً بنفس الموضوع أعلاه، أدعو القاريء الكريم الى مراجعة مقالتنا الموسومة ( العملية السياسية و"العراق الجديد" ) كمساهمة في كيفية الخروج من حالة الوهن القائمة في الوضع العراقي اليوم والتي هي من إفرازات عملية "تحرير الإحتلال" إذا ما أسعفنا القول..!!(***)   
____________________________________________
(*)  http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/19wr.htm
(**)  http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n19030858.htm
(***)http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/13new.htm






 


293
رجل السلام..في أرض السلام..!
الى روح المطران رحو

أرثيك لأنك رمز السلام
أرثي فيك كلَ الشهداء
أبني لك نصباً في قلبي
أشعِلُ مبخرةً في صومعتي
لأصلي ما بقي من أيام عمري
لأذرف دمعةً حرى على جبين روحك

*****

لأوقد شمعةً في محرابك
لأزرع وردةً في باب لحدِك
لأصنع شمساً تحرس قبرَك
لأكتب ترنيمةً تؤنس وجدَك
لأرفع رايةً خضبها دمُك
رمزاً لسلام خلدَه أسمُك
*****
باقر الفضلي
14/3/2008
bsa.2005@hotmail.com

294
باقر الفضلي



”العملية السياسية”؛  العنوان الذي يصلح لكل شيء ، والذي يستخدمه الجميع، والذي يختبأ وراءه الجميع، بدءً من شواطيء القارة الأمريكية، وإنتهاءً بشواطيء الخليج..!


لم يعتد العراقيون على إستخدام هذا المصطلح إلا بعد آذار/ 2003 الذي إقترن بإلاحتلال الأمريكي للعراق وإنهيار النظام الدكتاتوري. فهو على أي حال مصطلح جديد في عالم السياسية العراقية، ولم يتبلور كمفهوم له دلالاته وأسسه الفكرية وجذوره التأريخية حسب، بل ولد بغتة وطرح في الإستخدام وتداوله الجمهور ، دون التعمق بمغزاه أو الإحاطة بغاياته..!


ومهما  قيل ويقال من تفسيرات أو تأويلات للمصطلح، فهي في كل ما تعنيه بالنسبة للمواطن العادي، مجرد تعبير جديد يعني بالنسبة له، "السلطة" بكل مفاصلها ونشاطاتها المختلفة، أو على أقل تقدير، مجرد مرادف لغوي لها. ومع كثرة ترديده على ألسنة الجميع، فإنه أصبح يكتسب مدلوله من خلال مقاصد الجهة التي تستخدمه..!


*****


فالعملية السياسية على صعيد التفسير الرسمي القائم، تعني غالباً ما يُدعى ب"العراق الجديد"، تفريقاً لها عما كان عليه العراق في عهد النظام الدكتاتوري السابق، وهو تفسير شمولي في كل أبعاده وتصوراته، وليس من اليسير رسم خطوط واضحة المعالم للمقارنة بين العراقَين (بفتح القاف)، القديم والجديد، ناهيك عن تحديد أوجه الإختلاف والشبه بينهما بصورة دقيقة..!


  فالتعريف شبه الرسمي السائد لمصطلح "العملية السياسية" بأنها تعني "العراق الجديد"، وهذا ما يتلمسه المرء من خلال التصريحات المتناوبة للمسؤولين والسياسيين العراقيين بوجه عام، فهو من الغموض بقدر ما عليه المصطح نفسه، وإذا ما سلم المرء بهذا التعريف، فإن الأمر سيتمحور تلقائياً حول فرضية المقارنة بين العهدين كما أسلفت أعلاه، وطبقاً لذلك يحتم واقعُ الحال، البحثَ عن معايير معينة للجِدّةِ (بكسر الجيم)، يحدد المرءُ من خلالها أوجه الإختلاف بين العهدين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن يكون الإختلاف ذا سمة إيجابية لصالح البديل، وهو هنا " العراق الجديد"، ومنه يصبح تعبير "الجديد" مكتسباً لمعناه المطابق شكلاً ومضموناّ كما إفترضه المنادون به..!


وكي تكون معايير الجِدّة (بكسر الجيم) أكثر ثباتاً ودقةً، فإنه يصبح ومن نافل القول، أن تنصرف تلك المعايير الى تحديد أمرين مهمين، هما (الشكل والمضمون) ومدى تلازمهما، وإن كان هذا من حيث الواقع، أمراّ مفترضاًّ في الأمور السياسية، وفي ظروف المقارنة بين عهدين متداخلين متشابكين، كما هو عليه الحال في الشأن العراقي بصفة خاصة؛ مما يدفعنا الى وضع الكثير من علامات الإستفهام والخطوط تحت تسمية "الجديد" ، التي يقرنها المسؤولون بتسمية العراق القائم الآن لتبدو من صفاته المكتسبة، ناهيك أنه لا يعطينا فهماً واضحاً ودقيقاً لمدلول مصطلح "العملية السياسية"..!


فإن كان الجديد في العراق، يتجسد فيما يتباين ويختلف عما كان عليه الوضع فيما سبقه من عراق آخر في ظل النظام السابق، فلا بد أن يكون هذا الإختلاف ظاهراًّ ومتميزاً في أمور عديدة، ترسم بمجملها صورةً تختلف من حيث الشكل والمضمون عن صورة النظام السابق، حيث يصبح من المسوغ التمسك بمصطلح "الجديد" كحقيقة موضوعية قائمة، ينبغي الدفاع عنها للسبب المذكور..!


وللتوصل الى إكتشاف مثل هذه الحقيقة، لابد والعودة الى معايير المقارنة في أوجهها المختلفة، حيث أنها تتوزع على مستويات متعددة، منها على سبيل المثال؛ المستوى الإجتماعي، المستوى الإقتصادي، المستوى الثقافي، ولكل من هذه المستويات متفرعات عدة،  بعضها متداخل أو متشابك في حلقات ترتبط بعلاقات سببية معقدة، كما ويدخل ضمن هذه المعايير؛ شكل نظام الحكم وطبيعة مؤسسات الدولة، بالإضافة الى منظمات المجتمع المدني وحدود حرياتها وما تتمتع به من إستقلالية يكفلها الدستور، وطبيعة الحياة السياسية ومقوماتها الدستورية. ولا تخرج عن هذا الإطار المعايير المتعلقة بالموقف من المرأة ومناسيب ضمان حقوقها الإجتماعية والسياسية، وكذلك مناسيب وحدود التمسك بحقوق الإنسان وغيرها من المعايير الأخرى. ومع كل هذا وغيره، المستوى العام لحالة الأمن والإستقرار التي تهيمن على البلاد..!


وفي كل هذه الأمور يكون (المواطن)، هو المعيار الأساس والمقياس في تلمس مدى مطابقة كل ما تقدم مع حقيقة ما يتلمسه هذا المواطن على صعيد الواقع الملموس، ومدى ما يعكسه هذا الواقع إيجاباً على حريته وإقتصاده وأمنه..!
 

إن جميع هذه المعايير تمتلك مجتمعة أومنفردة أشكالها ومضامينها لتشكل بمجموعها وحدة متكاملة لصورة بلد أو عهد يمر فيه ذلك البلد، لتميزه عن غيره من البلدان، بما تضفيه عليه من سمات خاصة تكون في النهاية، الفاصل في تحديد هويته أمام البلدان الأخرى طبقاّ للمعايير الدولية والحضارية القائمة..!
 

ولغرض أن تكون أوجه المقارنة بين ما هو قديم وبين ما هو جديد أكثر دقة، لابد لنا الركون الى نفس المعايير كمقياس لحالة الإختلاف بين الوضعين أو الحالتين. ولست هنا في معرض الغوص في تفاصيل هذه المعايير على أرض الواقع،  فمن خلال مقارنة ظاهرية للحالتين نجد أنفسنا أمام حالة من التناقض بين ما كنا نتمناه وبين ما هو أمر واقع الآن، وقد يعزي البعض هذه الحالة من التناقض، الى طبيعة الظروف الإستثنائية التي واجهت العملية السياسية وفي مقدمتها الإرهاب..!

فعند تصويرنا "للعملية السياسية" بأنها تعني "العراق الجديد" فهذا يعني بأنه جديد بكل المقاييس التي أشرنا اليها فيما تقدم، وذلك مقارنة بما كان عليه العراق في ظل النظام السابق؛ والمعني بالجِدّة (بكسر الجيم) هنا، هو (الأفضلية) شكلاً ومضموناً، محسوباًّ وفقاً لمعايير المقارنة المعنية..!   


فالى أي مدى والحال، يمكن  توصيف "العملية السياسية" القائمة الآن، بأنها تعكس حقيقة "العراق الجديد"، أو بمعنى آخر أن الجديد في الواقع العراقي الراهن، يعكس أو يتطابق ولو شكلاً مع أهداف هذه العملية..؟

******

لا أظنن أن هنالك من جامع يجمع بين الإثنين ، إذا ما أخذنا بمقاييس المقارنة أعلاه، لا موضوعياً ولا شكلاً، كما وأن مدلولات "العملية السياسية"، هي ليست تفسها مدلولات "العراق الجديد" كما يعبر عنها جزافا، إضافة الى أنها " العملية السياسية"، لا يمكن أن تكون مرادفاً لغوياً أو مفاهيمياً، لمصطلح "العراق الجديد" بالمعنى الذي يعلنه أصحابه..!؟


فإذا ما أخذنا بالتفسير السائد في الساحة السياسية حول مفهوم "العراق الجديد" والذي يَرِدُ كثيراً على ألسنة المسؤولين، بإعتباره يعكس المعنى المراد به من مصطلح "العملية السياسية"، فسوف نوقع أنفسنا في مَطبِ عالَمٍ من المتناقضات التي لا نهاية لها، وهو في تقديري إستخدام غير موفق للتوصيف، حيث لا جامع بين المصطلحين من حيث المدلول أوالشكل..!


أما إذا كان الهدف من هذا التوصيف، هو لتقرير وجود حالة جديدة، فلا خلاف على ذلك، ولكن ما هو الجديد في هذه الحالة؟  فهذا ما ينبغي البحث فيه وتفكيك مفرداته، وفقاّ لمعايير المقارنة، قبل إطلاق التعابير والمصطلحات كيفما إتفق..!


الفارق الجوهري بين الأمرين يكمن في الحقيقة، في الفارق بين طبيعتهما، فلكل مصطلح من المصطلحين سماته وخصوصيته وتوصيفه الخاص به. ولكي يستقيم الأمر، لابد لنا من تشخيص العلاقة السببية بينهما، أو بمعنى آخر، الرابط الذي يصبح معه من المناسب والجائز الحديث عن تلك العلاقة وطبيعة النتائج التي تترتب عليها..!


فالحديث عن "عراق جديد"،  يعني من الناحية التطبيقية، خلق حالة جديدة تتميز في شكلها ومضامينها عن حالة "عراق آخر"، سابق في تأريخه ووجوده لما هو قائم الآن، ويختلف عنه جذرياً، شكلاً ومضموناً  أوعلى أقل تقدير، في الأسس والأطر والبناء المؤسساتي، طبقاً لمعايير المقارنة بين الحالتين المار ذكرها فيما تقدم. فالحديث عن مقارنة عراق بنظام دكتاتوري، يستوجب من حيث المنطق، الحديث عن النقيض، أي بمعنى آخر الحديث عن (عراق ديمقراطي)، وذلك كي يستقيم المعنى، وكي ينتفي الغموض عن مصطلح "العراق الجديد" ، هذا إذا ما كنا نبتغيه حقاً من وراء هذا الشعار..! 


ولبناء مثل هذه الحالة "العراق الديمقراطي"،  يستوجب الأمر بالضرورة، إيجاد وخلق مستلزمات ذلك؛  من وسائل وآليات ونظم سياسية وحكومية وإدارية، تبنى على أسس من المفاهيم والمباديء التي ليس فقط تساعد على خلق الحالة الجديدة حسب، بقدر ما ترسي القواعد الصحيحة لهذا البناء الجديد، وتضفي عليه كل سمات العراق الجديد المختلف في شكله ومضمونه عما كان عليه في السابق، أي سمات (العراق الديمقراطي) المطلوب بنائه..!


وكل هذا وبإيجاز، ما يمكن أن نطلق عليه، أو ما يمكن تسميته ب "العملية السياسية"، ومن هنا يصبح الإرتباط بين المصطلحين أكثر تجانساً وإقتراباً؛  فبقدر ما تكون العملية السياسية، مستوفيةً لشروطها ومقوماتها، من آليات تتسم  بالجِدَّةِ والشفافيةِ والديمقراطية، وبكل ما  يفرقها عن آلياتِ ووسائلِ النظامِ القديم، وذلك من حيث الشكل والمضمون، بقدر ما ستأتي نتائج البناء للحالة الجديدة أكثر توافقاً مع ما يفرقها عن الحالة السابقة في الشكل والمضمون أيضاً، وليس الشكل فقط؛ وفي هذه الحالة يمكننا الحديث عن "عراق جديد " بسمات إيجابية..!


فالعملية السياسية في العراق، إذا ما أُسِسَت على ضوء المباديء الحضارية الحديثة، التي تجد مكانها في دستورٍ ديمقراطيٍ يُجمِعُ عليه الشعب؛  ويُكرِسُ لنظامٍ سياسيٍ ديمقراطي في كل تفاصيله،  ويعتمد (المواطنةَ) أساساً للعملية السياسية، ويؤسِسُ لنظامٍ إنتخابي ديمقراطي، يُبنى على أساسِ القوائم المفتوحة، مع قانونٍ ديمقراطي لتشكيل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ، ويضعُ الدينَ في منجىً من السياسة والسياسةَ في منجىً من الدين، فعلى ضوء تلك الخطوط العامة، يمكن التوصل الى حالة من الإنسجام في الربط بين المصطلحين؛ "العملية السياسية " و"العراق الجديد"  المبتغى، وبعكسه يصبح من السابق لأوانه، الحديثُ عن عراق جديد بسمات ديمقراطية..!


فحينما يكون الهدف والمبتغى عراقاً ديمقراطياً، فلا مناصَ من أن تكون الوسيلة للوصول الى ذلك الهدف هي الأخرى ديمقراطيةً في مكوناتها وبالمعنى الحرفي للكلمة،  فإن أيَ تناقضٍ وتعارضٍ بين الإثنين، إنما يجعلنا نراوح في مكاننا، إن لم نكن قد تراجعنا خطواتٍ الى الوراء. هذا مع الأخذ بالإعتبار الخصائص الذاتية والموضوعية لطبيعة المجتمع العراقي وخصوصية الظروف التي تحيط به..!


وفي موضوعنا الحالي تصبح "للعملية السياسية"،  الأولويةُ في التحضير والبناء، لأنها الوسيلة المشروعة حالياً في خضم الصراع القائم من أجل الوصول الى الهدف المطلوب، وهذا ما يدفع الى القول؛ بضرورة الدعوة الى تقويم مسار هذه العملية، وإعادة إيقافها على قدميها، بعد أن ظلت مغروسة على رأسها في بحر من الدماء والآلام طيلة هذه السنوات..!


من الأمور المشجعة على تقويم مسار العملية السياسية الحالية، هي توفر الهياكل الإرتكازية المتاحة الآن لتلك العملية، والتي جرى تحقيقها خلال الفترة الأولى منها، وأعني بها؛  الدستور وقانون الإنتخابات ومجلس النواب وحرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني وتأسيس النظام الفدرالي وقانون المحافظات..الخ، رغم أنها جميعا يشوبها الكثير من النواقص المبدئية في مجال إشاعة الديمقراطية، مما أفرغ الكثير منها من محتواه الديمقراطي في التطبيق، وغلبت عليها الشكلية دون المضمون.   وليس بعيداً عن ذلك ما أشارت اليه بعض القوى السياسية المشاركة في هذه العملية في ندائها الموسوم (مدنيون)..! (*)


فليس من المنطق أن نبني عراقاً ديمقراطياً بوسائل وآليات تتعارض في جوهرها مع مفهوم الديمقراطية كنهج وممارسة عملية في الحياة اليومية للمجتمع وفي إدارة مؤسسات الدولة؛ كما أنه ليس ديمقراطياً في شيء وفي ظل عملية سياسية يراد من خلالها بناء بلد ديمقراطي على أنقاض الديكتاتورية، أن تجري تجزئة الشعب الى مكونات تُبنى على أسسٍ طائفيةٍ أو مذهبيةٍ أو إثنية، خارج إطار المواطنة، وأن تدار وتقاد على أسس من المحاصصة فكان نتيجة ذلك، ما أفرزته "العملية السياسية" القائمة اليوم، من سلبيات على كافة الأصعدة، وما رافقتها من تداعيات كارثية في جميع الإتجاهات وبإعتراف الحكومة، وإن جاء ذلك الإعتراف متأخراً وفي جانب واحد من جوانبها المختلفة..! (**)


من هذا نخلص الى القول ؛ بأن "العملية السياسية" في العراق، لا يمكن أن تنفصل في جوهرها عن هدف بناء دولة العراق الجديد المدنية الديمقراطية ،  ولا يمكنها أن تكون خارج نفس الأطر والمضامين التي ينشدها العراقيون لعراقهم الجديد، فأي عملية سياسية خارج ذلك ، لا تعني غير دوامة البقاء في قعر النفق المظلم..!

 الأمل أن يدرك الجميع  هذه الحقيقة، بعد كل هذه التجارب والتضحيات..؟؟!
_____________________________________________________         
 (*)        http://www.madnion.com/
 (**)         http://www.daralhayat.com/arab_news/levant_news/02-2008/Item-20080229-66dc92a7-c0a8-10ed-017c-4324992f8442/story.html

295

باقر الفضلي


كلما تمر الأعوام، يجد المرء نفسه، في كل ثامنٍ من آذار من كل عام،  أمام إلتزامٍ معنوي وأخلاقي، لما تمثله مكانة المرأة في المجتمع من عزة وكرامة، أن يشير بإصبعه أو بقلمه، أو بعدسته، الى واقع المرأة كفرد في المجتمع، قبل أن يرى فيها مجرد ممثلة لنصف هذا المجتمع..!


 وربما، بل وللحقيقة أقول؛ بأن واقع المرأة في عراق اليوم، له من الخصوصية، ما يميزه عن غيره من واقع حياة المرأة في أقطار أخرى من العالم، وهذا في أعتقادي، ما يضاعف من أهمية ذلك الإلتزام، وهذا  ما أغفلته أو بمعنى آخر لم تعطه أهمية إستثنائية ، بعض المنظمات الدولية المعنية بشؤون المرأة أو حقوق الإنسان؛ ولأكون أكثر دقة في القول، أشير الى أهمية مسؤولية الجهات الرسمية العراقية ومنظمات المجتمع المدني أزاء هذا الواقع، في ضرورة كشف تفاصيله وأبعاده ومن يقف ورائه ..!(1)


المرأة ، ومن هذا المنطلق، وبإعتبارها (كائن إجتماعي)، فهي تكتسب حقها في (المساواة الإنسانية)، مع أفراد المجتمع الآخرين من الذكور، منذ اليوم الأول للولادة..!


 ومن هنا يطرح السؤال نفسه،  فيما إذا كان في ميسور هذا الكائن البشري (المرأة) ، وهي تسير قدماً في الحياة منذ ذلك اليوم حتى مثواها الأخير، أن تجد طعماً أو حتى أثراً لتلك (المساواة) في جانبها الإنساني، التي حبتّها به الطبيعة ، مع أفراد المجتمع من الذكور، ولا أريد القول الرجال، فلمفردة الرجل صفة ودلالة آخرى غير تلك، أكثر سمواً ورفعةً، كما هي رفعة وسمو منزلة المرأة، وهذا ما يذكرني دائماً بما كان يستخدمه الراحل الكبير الشاعر محمد مهدي الجواهري، في إفتتاحياته في صحيفتة (الرأي العام)، عندما كان يخاطب به عبد الكريم قاسم فيقول؛ أيها [[الرجل الرجل]]..؟!


وهنا لا أريد أن أدخل في تفاصيل التأريخ وأتبجح بدور المرأة في الحياة، منذ شريعة حمورابي وحتى اليوم، أو أن أسرد تأريخ النساء اللامعات ممن حفظ لهن سجل التأريخ مكانتهن العظيمة في حياة شعوبهن وبلدانهن، سواء على مستوى القيادة السياسية أو في تأريخ الثقافة والأدب أو في أمور الحياة الإجتماعية الأخرى، ويكفي أن يكون العراق من البلدان الغنية عن التعريف في كل هذه  المجالات..!


ولكن الأمر ينصرف بنا، ونحن نعيش اليوم في ذاكرة الزمن لنحيي ذكرى يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار لهذا العام، لنتوقف ولو قليلاً، لنطرح على أنفسنا السؤال نفسه،  لنرى أي وضع تعيشه المرأة العراقية الآن في العراق، وهل تحقق لها طموحها في أن تشعر يوماً، بأنها ذلك الكائن الإجتماعي الذي يمتلك من الحقوق في المساواة الإنسانية، نفس ما يمتلكه نصف المجتمع الثاني، مجتمع الرجال (الذكور) ..؟؟!


لو إفترضنا الجواب بالإيجاب، وهذا ما يحاول تصويره كلُ مَنْ بيدهِ سلطةَ تقريرِ هذه المساواة، رجالاً كانوا أو حتى نساء، فمن هنا، لا بد وأن نُقِرَ بأننا نعيش في ظلال مجتمعٍ "متوازنٍ" "عادل"؛ مجتمعٍ تسقط أمامه كلُ مسميات "الذكورةِ"، التي ينبري البعض الى لصقِها في توصيفه للمجتمع القائم، حقاً كان ذلك أم باطلا..!!


فهل الأمر حقاً كالذي إفترضناه..؟  وهل حقاً أن المرأة العراقية اليوم، تنعم ولو حتى بعشرِ معشار هذا الذي إفترضناه من "العدل والمساواة"، وهو في الواقع من نسج الخيال..!!؟


كلا وألف كلا، واقولها بأسفٍ شديد؛  فالمرأة العراقية اليوم وأؤكد اليوم، تعيش في أسفل دركٍ من الذلِ والأحباط؛ وهي ليست في معرض المناداة بحقها في المساواة مع الرجل في الحقوق حسب، بقدر ماهي في أشد الحاجة الى من يحمي وجود بقائها في الحياة؛  إذ هي اليوم، وبما تؤكده الوقائع،(*) ومنها تلك التي مصدرها السلطات المحلية؛ بأنها أضحت مشروع قتل دائم، ولا تملك لنفسها حتى حرية ما تلبس أو أيان تخرج أو ما تتزين به؛  فهي حيثما حلت وأيان رحلت، تعيش تحت طائلة التهديد بالقتل، ودمها بات مهدوراً ومعلناً عنه على جدران الأبنية في الشوارع والساحات، وفي المدارس والجامعات، إذا ما خرجت عن نهج وتعليمات زمر مسلحة لا ضابط لحركتها، وأغلبها تنضوي تحت مظلات قوى ومنظماتٍ ذات نفوذٍ سياسي..!؟؟ (2)


فإن كانت رمزية اليوم العالمي للمرأة على النطاق العالمي، تتجسد في نضالاتها من أجل حقها في المساواة في الحقوق النقابية والعمل والأجر، وفي المساواة السياسية والإجتماعية على مدى أكثر من قرن من الزمن، فإن رمزية هذا اليوم بالنسبة للمرأة العراقية - ورغم ما تحقق لها من بعض مظاهر لا زالت تتسم بشكليتها على الصعيد السياسي والإجتماعي والتشريعي- فإن هذه الرمزية قد أصبحت تتجسدُ، في مدى ما تحققه المرأة العراقية، من نجاح  في الحفاظ والإبقاء على حياتها ككائن بشري له حق البقاء والحياة إسوة بأخيها الرجل، الذي بات هو نفسه رمزياً، الآلة الإرهابية المسلطة على رقاب النساء في العراق..!؟؟


المرأة العراقية اليوم وأشدد على اليوم، وفي ظل حكومة ما يدعى ب"الوحدة الوطنية" و "العملية السياسية"، تخوض غمار أبشع حرب سُلطت عليها بإسم الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعادات والتقاليد البالية ؛ حرب تستهدف حقها في البقاء، فكيف والحال، مصير حقوقها الأخرى في المساواة الإنسانية، حتى أصبح من غير المألوف أن يمر يوم دون أن تعثر السلطات المحلية على جثث لنساء مغدورات..؟؟! (3)


وحيث أشدد على ظاهرة قتل النساء في العراق، فهذا لا يحجب أو يغفل حجم معاناة المرأة العراقية التي جسدتها تداعيات السنوات الخمس الماضية، من إرهاب وتهجير طائفي، زائداً لما خلفته سنوات حروب  الديكتاتورية، وما إقترفته من حرب الإبادة البشرية في الأنفال والإنتفاظة الشعبية، وما خلفته من مقابر جماعية..!


كما ولا يسع المرء أن يتجاهل وجود ما يزيد على المليون من الأرامل، أو الملايين من المهجرات والمهاجرات وسكنة الخيام وممن إفتقدن أطفالهن، أو الألوف من اليتامى والمعوقين أو من إختطفتهم مفخخات الإرهابيين من النساء ومئات إلوف الضحايا من المدنيين؛ إن كل هذا بات يشكل مع جرائم قتل النساء، لوحة لمسلسل درامي تراجيدي دام،  يعجز عن وصفه أو الإحاطة بتفاصيله أبرعُ الأقلامِ، وأدقُ ريشِ الرسامين العظام..!!؟


وإن كانت رمزية اليوم العالمي للمرأة ، قد تجسدت أيضاً، بواقع التضامن الأممي الذي وقفته وتقفه المنظمات النسوية العالمية ومنظمات حقوق الإنسان، في دعمها لنضال المرأة من أجل حقها في المساواة ورفع الإضطهاد على الصعيد الأممي، فهي اليوم مدعوة وفي واقع يسمح لها أن تقدم الكثير من الدعم والمساندة للمنظمات النسوية العراقية، التي تجابه أصعب الأوقات في نضالها من أجل رفع الحيف عن المرأة، وما يلحقها من تنكيل وإضطهاد وتهجير وقتل على الهوية،  ناهيك عن نضالها من أجل حق المرأة في المساواة في المجالات الأخرى ..!


فالمرأة العراقية تواقة بفطرتها الى الإنفتاح والإبتهاج بالأفراح والمسرات، ولكنها اليوم تضمر مأساتها يأساً وعذاباً وقهراً وعشقاً للمقابر؛ ومع ذلك فالثامن من آذارٍ من كل عام، يظل يوماً رائعاً في حياة المرأة العراقية ولها فيه ما تخلده من تراث عظيم..!
     ألف تحية للمرأة في عيدها الخالد..!
8/3/2008
___________________________________________
  (1)    http://www.al-nnas.com/NEWS/news(13%20).htm
  (2)      http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/18basra.htm
  (3)    http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n07030803.htm

    (*)   [[   السادس من آذار 2008 رن جرس التلفون .. الساعة: السابعة مساء ،
 المتكلم.. هل تعلم عمو؟!
ماذا..؟
لقد قتلوا "...." 23 عاما..ً!! من ومتى وكيف..؟
كانت خارجة مع زوجها في منطقة (الغزالية) قبل أيام، فتصدت لهما زمرة مسلحة من الظلاميين، مطالبة أن ينظما الى صفوفها تحت تهديد السلاح.. ولكن زوجها رفض ذلك، فأجبروه على السير معهم..
حاولت أن تحمي زوجها، وهي تستغيث وترجوهم فك سبيله ..
أفرغوا رصاصات مسدساتهم في رأسها ليسكتوها وإنتهى كل شيء..؟؟؟؟؟   ]]   


   

   
   
 
 



 
 

296


باقر الفضلي


غزة تحترق ولهيب نارها يشعل كل البيوت.. فمن يطفيء الحريق..؟؟


"المحرقة" التي تُذكي أوارها دولة إسرائيل ضد أبناء غزة، غير مفرقة بين كبير أو صغير؛ هي حرب إبادةٍ جماعية بكل المعايير؛ تقترفها الإدارة الإسرائيلية العسكرية والسياسية، دون أي إعتبار لشريعة أو قانون؛ إنها حرب إبادة تقدم عليها دولة محتلة ضد شعب يرزح تحت الإحتلال؛ حرب تتحدى دولة إسرائيل فيها، المجتمع الدولي والأعراف الإنسانية وكل ما له علاقة بحقوق الإنسان..!؟؟

تتذرع دولة إسرائيل ب"صواريخ القسام"، التي وحسب إدعائها، تهدد أمن وسلامة مواطني إسرائيل في الجنوب..ولا أريد هنا أن أبحث عن وجه للمقارنة، فالموت واحد وإن إختلفت الظروف أو الوسائل، ولكن أتوجه بالسؤال الى الدولة العبرية، التي تطلب من الآخرين أن يحسبوا حسابها كدولةٍ لها أنياب نووية، وتمتلك ترسانةً حربيةً تتفوق بها على جميع ترساناتِ جيرانها العسكرية من الدول المجاورة الأخرى..

 كيف لدولةٍ بهذا القدرِ من القوة والمِكنة العسكرية، وهي تُصَنِفُ نفسَها ضمن الدول الديمقراطية، أَنُ تضع نفسها في موازاة شعب لا يمتلك من الحول والقوة التي تمتلكها، سوى إيمانه الراسخ بحقه في البقاء وتحرير أرضه من ربقة الإحتلال الجائر الذي تفرضه هي نفسُها عليه؛ الدولةُ التي تشتكي اليوم من شدة ضرباته الموجعة، وتقيم الدنيا ولا تقعدها، وهي تدرك جيداً بأنها قد جاوزت كل حدود المنطق وضربت عرض الحائط، كل قرارات المجتمع الدولي الذي يمنح الحق لهذا الشعب في الحرية وإقامة دولته المستقلة على كافة الأرض التي رسمتها تلك القرارات، فما تعتقده إذن تلك الدولة، أنه سيكون الجواب بعد كل هذا الإضطهاد..؟؟!

هل تدرك دولة إسرائيل التي إغتصبت حقوق شعب محاصر؛ أن نار الغضب أشد إستعاراً من نار قذائفها، وأن ما تحصده محرقتها الهمجية اليوم في غزة من أرواح الأبرياء، سترتد تداعياته وبالاً عليها، وبأنه سيعمق من الكراهية بين الشعبين، ويعطل كل محاولات المجتمع الدولي في التوصل الى إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية؛ وهل تعلم إسرائيل وهي تعلم، بأن دائرة الفعل ورد الفعل هي من الدوائر المغلقة، وبإن ما تأمله دولة إسرائيل من العيش بأمان وسلام، لا يمكن أن يتحقق بالعنجهية والغطرسة وبالقوة الغاشمة، وبدون كسر هذه الدائرة، التي لها أول وليس لها آخر..!؟؟

  إن الخطاب الذي إعتادت كل من أمريكا والإتحاد الأوروبي والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة والعديد من دول العالم ومن السياسيين المعتدلين، توجيهه الى كل من إسرائيل والفلسطينيين في آن واحد ودعوتهما الى ضبط النفس وإيقاف العنف، دون إحتساب لجوهر النزاع وأسبابه، مع محاولة المساواة بين الضحية والجلاد، بين المحتل ومن وقع عليه الإحتلال؛

 إن خطاباً مثل هذا، لا يساعد في وقف العنف، إن لم يكن عاملاً من عوامل تشجيع إسرائيل كدولةٍ محتلة، أن تتذرعَ بهذه المساواة، ومن منطلق الدفاع عن أمن إسرائيل بمواجهة ما تدعوه "بالإرهاب الفلسطيني"، وبمنطق ميكافيلي خادع، تحاول أن تلقي بكامل تبعيات ما تمارسه من عنف ضد الفلسطينين، على عاتق الشعب الفلسطيني، متنصلة ولنفس الأسباب، من كامل إلتزاماتها الدولية إتجاه هذا الشعب المكافح..!؟
     
دولة إسرائيل بإدارتها المتعسكرة، ويمينها المتطرف بإدارة باراك، تستغل الشرخ العميق في لحمة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهي في أحوال كثيرة من يقف وراء ذلك، من خلال سياستها المزدوجة في علاقاتها مع الفصائل الفلسطينية المتباينة في المواقف والرؤى، ومن خلال ما تظهره من دعوات غير صادقة للمقاربة والتسوية السلمية، وفيما تضمره من نوايا لتعميق الشرخ بين تلك الفصائل، وما تمارسه ميدانياً من إنتهاكات وخرق فاضح لحقوق الإنسان والشرائع الدولية، من أجل أن تزيد عمق الهوة بين الفصائل الوطنية الفلسطينية، بهدف إبقاء الإحتلال وتوسيع الإستيطان، وإشغال الفلسطينيين بمنازعاتهم الداخلية..!

وها هي وكالعادة، تسحب إسرائيل دباباتها من غزة بعد أن خلفت ورائها ما يزيد على مائة شهيد فلسطيني ومئات الجرحى من المدنيين، والعشرات من المنازل المهدمة، وخلال يومين فقط، لتعلن أمام المجتمع الدولي أسفها لقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بقطع كافة العلاقات التفاوضية مع الجانب الإسرائيلي إحتجاجاً على همجيتها العدوانية في غزة، داعيةً الى إعادة المفاوضات بإعتبارها الطريق الوحيد للتفاهم وحل الإشكاليات والمصاعب، فأي صلفٍ هذا..!؟؟(*)

فهل سيدرك المجتمع الدولي حقيقة المناورات الإسرائيلية، والخداع المبطن بالشكوى والتذلل وذرف دموع التماسيح من خطر ما يسمى ب"الإرهاب"، مستفيدة من كل ردود الفعل التي تفرضها على الشعب الفلسطيني بآلتها العسكرية المدمرة.؟
هل سيدرك المجتمع الدولي بأن دولة إسرائيل تكذب..؟؟! 

وهل سيدرك الأخوة الفلسطينيون، وهم مدركوها، لولا قذى في العين، وغصة في الحلق، كم هي الوحدة الوطنية، الطريق الوحيد لإستعادة الحق الفلسطيني، وقطع الطريق أمام كل ألاعيب المحتل، وهي وحدها التي توقف هدر الدم الفلسطيني، وتغلق كلَ إختراقاتٍ أمام اليمين الإسرائيلي، الذي ما دئِب يسعى لبقاء الوحدة الوطنية الفلسطينية عالقة  في مهب الريح..!

الفلسطينيون وحدهم وبحكمتهم ووحدتهم، ومن ورائهم المجتمع الدولي، متى تفهم قضيتهم، القادرون على إطفاء الحريق، وقطع الطريق على المناورات الإسرائيلية، وإرغامها على الإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وإقامة دولته الوطنية الحرة المستقلة الديمقراطية..! 
_______________________________________     
(*)   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7274000/7274537.stm




   





       
     



297


باقر الفضلي


بلغة تقرب من لغة الترهيب، والإيحاء بالقوة والجبروت، وبدملوماسية فاقت دبلوماسية الأباطرة والملوك، تتسارع خطى موكب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد نحو بغداد..!!

فالرئيس وهو قادم في زيارة عابرة الى العراق، سبقه اليها وفد كبير من الخبراء والمتخصصين، وذوي المهام الخاصة، لا يقل عن 15 شخصاً، يحاول أن يظهر في هذه الزيارة، وكأنه المتفضل على الآخرين بها، من خلال ما يسوقه من إدعاءات عن كون إيران باتت "القوة الأعظم في العالم" ، وبأنها.." لكمة قوية في فك الدول الكبيرة"..!؟(1)

ومع كل ما يدعيه الرئيس أحمدي نجاد من قول،  فهل يرى السيد الرئيس أنه من باب الديلوماسية واللياقة والحصافة السياسية، وهو على مشارف بغداد، وفي أول زيارة لرئيس دولة جارة منذ أمد بعيد، أن تتصدر خطابه أمام "عوائل شهداء" الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988) تعابير التبجح والإستكبار، والظهور بمظهر المنتصر، وهو العالم قبل غيره، بإن كلا الشعبين الإيراني والعراقي لم يكن لهما من مصلحة تذكر في تلك الحرب الدامية، وقد قدما على مذبح التلاعب السياسي والعنجهية القومية والصراع على مناطق النفوذ، الملايين من الضحايا الأبرياء..!؟

لكل شعب كرامة ولكل وطن كرامة، وللضيافة شروطها وأصولها، ويمكن أن يكون الإنسان إمبراطوراً في داره ومسكنه وبين قومه، ولكنه يبقى ضيفا معززاً مكرماً في بيوت الآخرين..!

إن التذكير المتواصل بمأساة الحرب العراقية الإيرانية من منطلق النصر والهزيمة، لا يخدم بأي حال من الأحوال، ما يتوق له الشعبان الجاران؛ العراقي والإيراني، في بناء علاقات طيبة من حسن الجوار، تؤسس على قواعد من الإحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدين..!

 وبقدر ما تعلنه جهات رسمية وبرلمانية عراقية ، من عبارات الترحيب بالزيارة وتبني عليها آمالاً متفائلة من إمكانية تصفية الأجواء، وإزالة غيوم التعكر بين البلدين الجارين، بقدر ما تلزم ظروف العراق الحالية إظهار حسن النية من قبل الجانب الإيراني مقرونة بإجراءات عملية على صعيد الواقع الميداني، تثبت صدقية الإدعاءات التي ما أنفكت الإدارة الإيرانية تعلنها عن عدم التدخل بالشأن العراقي، رغم ما يقدمه الواقع العملي من أدلة ووقائع تثبت العكس..!؟(2)

لقد عبرت ردود الفعل للزيارة المذكورة على صعيد الشارع العراقي، عن الكثير من الحذر والتوجس خيفة إستغلال الزيارة نفسها من قبل الجانب الإيراني وتوظيفها في صراعه المحتدم مع أمريكا على إقتسام مناطق النفوذ في المنطقة وإستمرار إرتهان العراق كحلقة من حلقات الصراع المذكور، الخاسر فيها هو الشعب العراقي وحده، وليس بخاف على الجميع السعي المتواصل الذي تبذله الإدارة الإيرانية في بناء محاور النفوذ في المنطقة، بدءً من لبنان وإنتهاء بالخليج..!(3)

تظل توقعات نتائج زيارة الرئيس الإيراني الى العراق، في دائرة الترقب والإنتظار، لما ستسفر عنه الأيام القادمة، وما ستؤول اليه حالة الصراع السياسي القائم في العراق اليوم، وما سيجيب عليه واقع العلاقات العراقية - الإيرانية على الصعيد الميداني..!!؟
_________________________________________
 (1)  http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&article=460693&issueno=10685 
          (2)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=125442
 (3)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=62663

298
باقر الفضلي



الكلمةُ الحرةُ هي النور
إنْ إغْتَلتَها أَشَعْتَ الظـلام..

كُنتَ كلمةً حرة أَبْصَرَتْ دربَها في ريعان الصـِبا،
 وشَقَتْ طريقَها الى المجدِ في ربيع الشبابْ..

عرفتُك مذ كُنتَ يافعاً، طَريَ العودِ، جمرةً متقدةً..
تُسابق الريحَ، شُعلةً تتصدر ركبَ تموزٍ ،
كنزَ أحلامٍ مفعمةٍ أملاً، مشبوبةٍ بالحياة؛
 عرفتك بسمةً لم تفارق محياك، شهاباً بمعنى الشهابْ..

أيها السومري الجميل.. حملتَها بيضاءَ ناصعة؛
 ناراً  مستعرةً  فوق صليب عمرك..
 وأودعتها مضرجة بدماء قلبك..
 فلا متعة في الظلام، ولا عتبُُ بعد طول غيابْ

*****

إنها الكلمة الحرة؛ مَنْ إغتالوها بشخص شهيد الصحافة ، نقيب الصحفيين الشهيد شهاب التميمي؛ الصوت الصادق الذي تحدى علناً جبروت الظلاميين، الذي نادى بأعلى صوته مطالباً بحماية الصحافة والصحفيين، بنزع سلاح الميليشيات، بفرض سلطة القانون، بضمان حقوق الصحفيين في العيش الكريم والتقاعد..

إنها حرية الصحافة؛ مَنْ إستهدفها الظلاميون بشخص نقيب الصحفيين الشهيد شهاب التميمي، ليوجهوا رسالتهم الى الجميع؛ من أصحاب الرأي والكلمة الحرة؛ من كتاب وصحفيين وإعلاميين ومثقفين، ومن أنصار الحقيقة للجميع..

لقد أدرك الظلاميون أن الكلمة الحرة الصادقة، سيف بتار قاطع لايرحم، ولا سبيل للخلاص من جبروت سلطتها العادل، إلا بخنق أنفاسها وإسكات نبضها وهدر دمها المتدفق على الدوام وعبر العصور..!

 ولم تُهزم الكلمةُ الحرة، والصراعُ باق ما بقي الفكر الحر وما بقيت الإرادة الحرة..!
 فلك المجد في قافلة شهداء الفكر والحرية والوطن،  يا أبن الشطرة البار أيها السومري الجميل..!
ولذكراك الخلود يا شهيد الصحافة شهاب التميمي..!

  أما الظلاميون فلا محالة هم المنهزمون..!
 
28/2/2008
     


     

 

299
باقر الفضلي

رسالة للجميع

جلست أتابع المشهدَ، أتفحصُ خارطةَ الأرض؛

 الجموع المتزاحمة كتزاحم أمواج البحر المتلاطمة، وهي تنطلق مسرعة كالشهاب نحو فتحة في الجدار، يغمرها الفرح بالإنعتاق، وتشدها حبال الأسى الى الوراء، حيث السجن والإحتلال.. صراع ما مثله صراع..

أطفال بعمر الزهور، نساء يتعثرن بخطوات الأطفال، شيوخ تحملهم أمواجُ السيلِ الجارف، شبان يتسابقون مع الزمن، عربات تجرها الدواب، ملأى بالعجزة والمقعدين..

سيلُ آخر يعود القهقرى الى حيث ما كان، مُحملاً بمؤونة الحياة من أجل أن يعيش؛
      سيماهُم ، أسىً وإكتئاباً على الوجوه.. يدبونَ على الأرض كبقايا فلول جيشٍ منكسر...

تَسَمَّرت أمامي لوحةُُُُ ُ بانَ عليها القِدم، وقد أخذَ منها التآكلُ مأخذاً دبَ حتى لُب العَظمْ؛
      ملحمةُ شعبٍ محاصرٍ في أرضه، وقد سُدَّت أمامَه سُبلُ الحياة، وباتَ قرارُه نُهباً بين أبنائِه وأعدائِه..

حصارُ غزةَ؛  بركانُُ لم تأزف ساعتُه بعد، وما حدث إلا إرهاصاتُه الأولى؛
حالُ شعبٍ كبلَه الإحتلالُ، والتمزقُ السياسي لوحدة الصف الوطني؛
 صورةُ مأساةٍ تحفرُ في القلب أخاديداً من الألم، بل وتبعثُ على الغثيان..

أتسائل: إن كان هناك ثمة شعبُُ أم شعبان، إن كان هناك وطنُُ أم وطننان، سلطة أم سلطتان..؟!
      فأين نضع غزة من فلسطين..؟ وأين نضع فلسطين من غزة..؟

 كيف لنا أن نُصَدِقَ ساسة تصدحُ حناجرهم ليلَ نهارٍ بالويل والثبورِ حتى بُحَّتْ،  ولكنها لن ترتضي إلا بالمستحيل..؟!
 كيف لنا أن نثق بقادةٍ دخلوا المعركة متخاصمين، متفرقين متقاتلين..؟!

 وما يعني القول؛ رام الله ، غزة، نابلس، أم  فلسطين؛ أليست جميعاً تأنُ تحت جحيمِ الإحتلال؛ أليست قوافلُ الشهداءِ تترى من كل حدبٍ وصوبْ..؟
 فمن ذا المتفضلُ الوحيد الذي يمتلك حقَ القرار ليعتق أو يرتهن من يشاء..؟
 أليس الإحتلالُ هو محنة الجميع..؟     

لقد أجاب الشعب الفلسطيني في غزة بلا إنتظار؛ كاسراً القيودَ ومحطماً أغلالَ الإحتلالِ، متجاوزاً أوامرَ أسيادِ القومِ في غزة.. إنه الحرمان ..الحصارُ الذي يفجر بركان الغيظ والغضب.. الجوع الذي  يحرق الناس عليه الأَرم.. فهل سيحرق السادة الأَرم من أجل هذا السواد..، الذي إرتهنته البندقية، فهو مهيض الجناح، وقد أدمته صراعاته الداخلية قبل أن تدميه صراعاته مع العدو...!؟؟

فعلى م تُعَوِلون، وحتٌامَ ينتظر الطعامَ الجياعْ، وحتٌامَ حتام ينتظرُ الحليبَ الأطفالْ، بل حتٌامَ ينتظرُ المرضى الدواء..؟؟
أليس في إقتحام جدار العزل في غزة من درس نتلقاه، بعد أن تربص العدو بنا يوماُ، كان لنا قد تمناه..؟
      شامتاً من حالنا.. وبئس ما في حالنا من فرقةٍ وجفاء..!؟

لقد طال بإهلِ غَزةَ الإنتظار؛ وإنْ رَحِمَ الخوفُ يوماً، فليس للجوع من رحمةٍ أو غفار.. وها قد شاهدناه بأم العينِ،  كيف يقتحم شعبُ غزة جدرانَ المنعِ من أجل الحياة، أفلا يكفي هذا درساً لتوحيد الصف، ألا يكفي عبرة لتلمس الطريق لتلك الوحدة، وهل هناك من طريق آخر غير طريق الإحتكام للشعب وإحترام مؤسساته..؟!
.
لقد أجمعتمُ على الهدف فإجمِعوا على الوسيلة، ونشدتم الديمقراطيةَ طريقاً للإحتكام، ولكنكم فضلتم العنفَ طريقاً للإنفراد  و "الإنتصار" ؛

 قكان ما كان من دماءٍ سُفِكت، وغضبٍ لا أول له ولا آخِر، وقطيعةٍ مشبعةٍ بعزةٍ محملةٍ بثقلِ الإِثمْ؛
 فتحمل الشعبُ وِزرَ العَنَتِ والجَبروتِ؛
 أما ضحايا العدوانِ والإحتلالِ في غزة، فهي تتساقط دون حساب..!؟

      الكلُ غارقُُُُُُُ في حساباته، مزهو بشعاراته؛

 أما الشعبُ المرتَهنُ  في غَزة،
 فعليه أن يدفعَ ثمنَ كلِ هذه الغلواء؛
 دماً وحصاراً وجوعاً، ليسدد فاتورةَ حسابٍ،
 لغزةَ.. لا يدري.. أم لرام الله..  أم  لفلسـطين...؟!

نعم لفك الحصار، ولا طريق إلا بفك الحصار؛ فلتتوحد كلمة الفلسطينيين، فليس لغير ذلك من سبيل..!!
 

         
 
 
     
     

300


باقر الفضلي


أنْ تدك الطائراتُ النفاثة التركية الغازية، الجسور والمعابر؛
 وأنْ تحرث الدباباتُ التركية الغازية ، الطرق والقرى؛
 وأنْ تُدنس أقدامُ الألوف من الجندرمة التركية، قدسَ الأرض العراقية وتغتال طهارتها؛
وأنْ تُشرَدَ مئاتُ العوائل الكوردية من قراها، في عز البرد وقسوة العواصف الثلجية؛
وأنْ تَسقط عشراتُ الضحايا الأبرياء من المدنيين؛ 

أن يحدث كل هذا بحق شعب آمن في أرضه، ولما بَعدُ إلتقط أنفاسَه من ويلات غزوات الدكتاتورية وغازاتها الكيمياوية وأنفالها الفاشية؛

أنْ تُنتهك سيادةُ وكرامةُ العراق، وأن تتوغل القوات التركية، دون رقيب أو حسيب ، في عمق الأراضي العراقية ضمن إقليم كوردستان؛

أن يحدث كل هذا، وفي ظل دولة العراق الإتحادية الفدرالية، ولا من سامع أو ناظر..

كل شيء ينم عن الهدوء والسكينة؛ الصمتُ المطبقُ في العراق، يرمز الى: أن من تُنتهك أجوائُه ويُعكر هدوئه ويُستفز مزاجُه، هم أصحاب المصالح السياسية، الذين لا يعكِر مزاجهم دوي القنابل ولا يوقر آذانهم أزيز الطائرات، ولا تستثيرهم مناظر العوائل الهاربة من جحيم الحرب أو الضحايا المتساقطة بقنابل الدبابات والرشاشات، ولا يستفزهم إنتهاك الحدود، أو التوغل في الأعماق، فهم ينعمون بالهدوء طالما لم تُمس تلك المصالح..!!؟؟

كل شيء هاديء في العراق، ومن هدئته، تلزم الصحف العراقية الصمت، وينعم السادة أعضاء مجلس النواب براحة البال، إلا من رحم ربي، ممن إهتزت مشاعرهم الوطنية وغلبت عليهم مصلحة الوطن والشعب، ممن إستنكر العدوان وأدانه وطالب تجريمه؛


اما الكتل السياسية، فلا يعنيهم أمر ما يحدث في شمال الوطن بشيء، ولسان حالهم يقول: "إن للبيت رب يحميه"، فيما عدا الحزب الشيوعي العراقي الذي إستنكر العدوان وأدانه، وطالب بوقف العدوان وأصدر مكتبه السياسي بياناً بذلك، ومثله حزب الأمة المبادر للإستنكار والإدانة ؛

أما جمهرة الكتاب والإعلاميين، فيبدو أن منظورهم للوطن بات يمر من خلال النظر للأثنيات القومية، وهذا والحمد لله من نتاج المحاصصة الطائفية النزيل الجديد في بلاد الرافدين..!

وخاتمة الهدوء الذي ينعم به العراق ولله الحمد، أن توفرت الفرصة الذهبية للسيد رئيس الوزراء أن يغادر الى لندن لإجراء الفحوصات الطبية الروتينية، صاحبته السلامة..!؟؟(*)

نعم كل شيء هاديء في الجبهة..فليطمئن قلب الغزاة الأتراك..!!؟؟       
______________________________________________
(*)  http://arabic.cnn.com/2008/middle_east/2/24/maliki.medical/index.html
 

301

باقر الفضلي

الوقت : مساء الخميس الحادي والعشرين من شباط 2008
المكان : السليمانية

"الرئيس طالباني تلقى مساء الخميس الحادي والعشرين من شباط 2008 اثناء وجوده في السليمانية اتصالا هاتفيا من نظيره التركي الذي اكد ان الجانب التركي ينظر الى الكرد باعتبارهم اخوة واقارب ويكن لهم المشاعر والنوايا الطيبة .. واثناء المكالمة وجه الرئيس غول دعوة رسمية الى الرئيس طالباني لزيارة تركيا.. واعرب الرئيس طالباني عن امتنانه للرئيس غول للدعوة وقبلها شاكرا وأكد انه سيزور تركيا بالتاكيد.. "(1)


الوقت : صباح الجمعة الثاني والعشرين من شباط 2008
المكان : الحدود التركية العراقية

" أنقرة (رويترز) - قال مصدر عسكري تركي كبير يوم الجمعة ان الالاف من الجنود عبروا الحدود الى شمال العراق لتعقب متمردي حزب العمال الكردستاني في تصعيد لصراع يمكن أن يؤدي الى زعزعة الاستقرار في المنطقة."(2)

سيناريو الغزو التركي : على الطريقة النازية!!؟
الجمهور :- السيد وزير الخارجية العراقية لم يعلم بالغزو..!؟(3)
-   نائب كوردي يتهم الحكومتين العراقية والامريكية بالتقصير..!(4)
-   أوردغان يقدم توضيحاته..!؟(5)
-   حزب العمال الكوردستاني..أسرائيل تشارك في دعم التوغل(6)
-   علي الدباغ.. ضرورة إحترام سيادة العراق..!(7)         

السؤال : كيف سيكون عليه موقف الرئاسة من دعوة غول لزيارة تركيا بعد الغزو..؟
أما الموقف من التوغل فسبق وأن أعلناه..!(8)
_______________________________________
(1)  http://www.iraqipresidency.net/news_detial.php?language=arabic&id=5278&type=news
(2)  http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAEGO25248420080222
(3)    http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n22020826.htm
(4)    http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=11020
(5)    http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=11022
(6)    http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=11018
(7)    http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=11016
(8)    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/22trkia.htm

302
[b]

http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7258000/7258336.stm

باقر الفضلي

بكل كلمات الإستنكار والشجب، أدين توغلكم العسكري أيها المتوغلون الأتراك في أرض العراق المقدسة، وأدين بكل كلمات الإستنكار والرفض، التواطيء الأمريكي الغادر معكم، في إستباحة أرض الوطن، من وراء قرارات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي..!!!

أطالب مجلس البرلمان العراقي الى تحمل مسؤوليته الوطنية، بقطع إجازته ودعوة حكومة السيد المالكي الى الضغط على قوات متعددة الجنسية للقيام بدورها بوقف العدوان التركي الغاشم، والدعوة الى مجلس الأمن لعقد جلسة طارئة وإصدار قرار بوقف العدوان التركي فوراً والإنسحاب من أراضي العراق وإدانة العدوان التركي الغاشم..!!

أدعوا الحكومة العراقية الإتحادية ورئاسة الإقليم وحكومته المنتخبة والبرلمان الكوردي، الى إتخاذ موقف موحد عاجل من العدوان ، والإعلان عن شجبه وإستنكاره وإتخاذ الإجراءات الدفاعية والسياسية المناسبة لصد العدوان، والتسريع بإتخاذ كل ما يمكن من الإجراءات التي تكفل حماية المدنيين وإجلائهم من مناطق الغزو والإحتلال لضمان سلامتهم..!!

أدعوا الحكومة العراقية وبالتعاون مع الجامعة العربية والمنظمات الدولية الى العمل المياشر ضد العدوان التركي لوقفه وسحب القطعات العسكرية التركية الفوري من شمال العراق، وأهيب بكافة منظمات المجتمع المدني العراقية والعربية والإعلام العربي ومنظمات حقوق الإنسان، الى الوقوف بوجه العدوان التركي السافر، وفضحه وإستنكاره والتضامن مع شعبنا الكوردي الباسل في العراق، في الدفاع عن حقه المشروع في بناء تجربته الوطنية الديمقراطية..!!

لقد أوغلت الحكومة التركية، وتحت ذريعة مطاردة قوات  بيشمركة ppk،  بالعدوان على الشعب الكوردي في شمال العراق، وإنتهاك سيادة العراق وإحتلال أراضيه، وتجاوزت كل الأعراف الدولية وقوانين حقوق الإنسان في قيامها بإبادة السكان المدنيين، وإستخدامها السلاح الأمريكي بكل أنواعه، لقتل وترويع النساء والأطفال وحرق القرى والماشية، وحصار المناطق الريفية وقطع الطرق أما الفارين من جحيم طائراتها وقذائف الدبابات وأسلحة جنودها المتوغلين..!!

ليس أمام الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان إلا إعلان موقفهما الموحد الواضح أزاء العدوان، والدعوة الفورية لوقفه وشجبه وإستنكاره، أما الغزل التلفوني فلا أظنن أن العسكرتارية التركية بحاجة للمزيد من سماعه. كما وعليهما تحميل القوات متعددة الجنسيات كامل المسؤولية في إختراق القوات التركية لحدود العراق الدولية والتوغل الصارخ في أراضيه، وشجب وإستنكار التواطيء الأمريكي والإسرائيلي  بما يقدماه من دعم لوجستي لقوات الغزو والعدوان..!
وكل الدعم للشعب الكوردي البطل..!
والمجد للعراق ولشعب العراق المجيد..!
____________________________________
bsa.2005@hotmail.com
__________________________________________
                http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7258000/7258336.stm[/b]








 
   

303
باقر الفضلي



لا أضنن أن هنالك عاقلاً لا يسعده أنْ يَنعمَ بلده بأحسن وأفضل العلاقات مع جيرانه من دول الجوار، كما ولا أضنن أن هنالك سياسياً حكيماً يسعى بقدميه الى تأزيم تلك العلاقات، دون أن يفكر ألف مرة قبل الإقدام على أي خطوة تسير بهذا الإتجاه.


فالعراق وإيران، ومهما بلغت جفوة العلاقات بينهما يوماً من ماضي الزمان القريب، كانا ولا زالا بلدين جارين تربطهما أقوى أواصر الجوار الجغرافية ، والمصالح المشتركة، فضلاً عن العوامل الإجتماعية والدينية والتأريخية والسياحية..!


وعلى خلفية كل ذلك، يرى المراقبون بأن زيارة الرئيس الإيراني الى العراق في الثاني من آذار القادم، تطرح نفسها، وكأنها بادرة خير وسلام تهدف الى إضفاء طابع حسن الجوار بين البلدين، وإزالة أي لبس أو شكوك عالقة حول حسن نوايا الجانب الإيراني إتجاه العراق..!


فليس من باب الصدفة أن يجري توقيت الزيارة، في وقت وصلت فيه العلاقات الإيرانية – الأمريكية حالة من التأزم، الأمر الذي دفع بالرئيس الأمريكي الى زيارة المنطقة وإعلان دعمه للدول الخليجية، والعربية الصديقة، وإسرائيل أزاء أية تهديدات إيرانية، في وقت حذر فيه اصدقاء إيران في سوريا ، من التدخل في الشؤون اللبنانية والعراقية، حيث لم يكن العراق إستثناءً من حالة التأزم المذكورة..!


فالوجود العسكري الأمريكي في العراق منذ العام/2003 ،لم تكن حالة طارئة بالنسبة للقيادة الإيرانية، وهي نفسها ليست بعيدة عن مقدمات هذا الوجود، إنْ لم تكن قد واكبته شخصياً منذ أيام إعداد مؤتمر لندن/2001 ، ولكن ما يمكن أن يُسَجَل على القيادة الإيرانية، هو عدم أخذها بالحسبان، ما سوف تؤول إليه تداعيات الوجود العسكري الأمريكي في العراق لاحقاً، وأغفالها جانباً،  حقيقة المصالح الأمريكية في المنطقة والتي تقف وراء هذا الوجود؛ مما إنعكس فيما بعد، سلباً على العلاقات الإيرانية - الأمريكية المتأزمة أصلاً، ووجدت فيه إيران، تهديداً مباشراً لطموحاتها في التمدد في المنطقة وتطوير قدراتها العسكرية والنووية الداعمة لذلك، في وقت ينتشر فيه هذا الوجود على حدودها الغربية لما يزيد عن الألف كيلومتر. ومن جانب آخر، وجدت أمريكا في الطموح الإيراني المتصاعد مقروناً بعملية التسارع في تطوير قدراتها النووية،  ما يهدد مصالحها في المنطقة..!


لقد دفع خطأ القيادة الإيرانية البراغماتي هذا، الى التفريط بالكثير من حالة التوازن التي كان ينبغي التمسك بها في علاقاتها مع محيطها الجغرافي الطبيعي من بلدان المنطقة وبالذات جاراتها الغربية، ومنها العراق على وجه الخصوص؛ إلا أن تلك القيادة، وبدلا من ذلك، وكرد فعل شديد من قبل المجتمع الدولي، وبضغط مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية، على طموحاتها النووية، قد دفعها الى الإنجرار وراء سياسة التصعيد وحافة الهاوية، والتدخل في البؤر الساخنة في المنطقة، بذريعة التدخل الأمريكي في شؤون تلك المناطق، وهي لن تخفي ذلك، بهدف حرق الأرض تحت أقدام أمريكا حيثما وُجدت؛ ومن هنا تَرافق الوجود والتدخل الإيراني في تلك البؤر الساخنة، كالعراق ولبنان وفلسطين المحتلة،  مع صعود التيارات اليمينية المحافظة بجناحها المتطرف، الى سلم القيادة..!


فليس غريباً والحال أن يترك هذا التدخل عواقبه السلبية حيثما وُجِدْ؛  فبدلاً من أن يساعد على تهدئة الأوضاع في تلك المناطق، أصبح عامل توتر وزعزعة للإمن، ما دفع بالأطراف الأخرى الى أخذه بالحسبان والتحذير من مخاطره. وهكذا هو الحال في كل من العراق ولبنان وفلسطين المحتلة؛ وليس المرء بحاجة الى الكثير من الأمثلة والأدلة لإيضاح ذلك. فكيف إذن سيكون عليه الحال يا ترى، بالنسبة الى موقف أمريكا من هذا التدخل، وهي الراعية لمشروع الشرق الآوسط الجديد..؟!


فلقد أشرت في مقالة سابقة تحت عنوان ( إيران : حسن الجوار أم قطف الثمار)(**) ، الى حقائق تَدخل إيران ودول الجوار الأخرى في الشأن العراقي، وأوضحت الفارق بين الإعلان عن النوايا والممارسة العملية في الميدان، كما أكدت على أهمية بناء علاقات الجيرة على أسس من حسن النية وعدم التدخل في الشأن الداخلي لدولة العراق والإلتزام بمباديء حسن الجوار، خاصة وان دولة العراق  تمر في أحرج فترة إنتقالية لإعادة بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وإستعادة  سيادتها على أراضيها..!


 ففي مثل هذه الظروف، ستجد زيارة الرئيس الإيراني الى العراق أهميتها ، ومن أجل أن تحضى بمثل هذه الأهمية والنجاح إذا ما حَسُنت النوايا؛  فإنه من نافل القول، أن يضع الجانب العراقي المستضيف للزيارة، كل أوراق نجاحها على الطاولة، وفي مقدمتها المكاشفة والمصارحة بحقيقة ما يمتلكه الجانب العراقي من هواجس مدعومة بالوقائع المادية، حول حالات التدخل العديدة التي تمارسها الجمهورية الإسلامية الجارة في الشأن العراقي، وفي جانبيه السياسي والأمني بالذات، رغم أن المسؤولين العراقيين حاولوا التخفيف من شأن هذا التدخل، بل وحتى نفيه أحياناً.(1) وربما إجتهاداً منهم بعدم تعكير الأجواء مع الجارة الشرقية إيران، رغم أن تصريحات بعض المسؤولين ونواب في البرلمان ووسائل الإعلام والشارع العراقي، ما إنفكت تؤكد مثل هذا التدخل وتضفي عليه الكثير من علامات الإستفهام والإستغراب، ناهيك عن مسلسل الإتهامات الأمريكية غير المنقطع حول تدخل إيران الأمني في العراق..!؟


وليس بمقدور المرء أن يغفل ما تعلنه إيران بين الفينة والأخرى، عن نفيها لأي تدخل في الشأن العراقي، وهي تعزو دائماً أسباب التدهور الأمني، الى الوجود الأمريكي في العراق، داعية الى إنهائه، في وقت تدرك فيه، أن اسباب ذلك الوجود، تعود لإرتباطه بقرارات دولية، آخرها كان قرار مجلس الامن الدولي /1790في 18/كانون الأول/2007 والذي أجاز بقاء القوات الأجنبية "متعددة الجنسيات" حتى نهاية العام/2008.


وفي أجواء الزيارة، سيكون هناك العديد من الأمور الشائكة والعالقة بين العراق وإيران، منها ما يتعلق بترسيم الحدود في مناطق الآبار النفطية المشتركة، والملاحة في شط العرب وغيرها من أمور الخلاف الأخرى، والتي في تقديري من اليسير التكهن بأمر بحثها في هذه الزيارة لأهميتها البالغة بالنسبة للعراق، خاصة وإن الكثير من الكلام قد قيل في وسائل الإعلام عن تجاوزات من الجانب الإيراني على حقول النفط المشتركة في مناطق الحدود الجنوبية للعراق مع إيران، وقد رفعت في حينه مذكرة الى الحكومة الإيرانية من قبل وزارة الحارجية العراقية بذلك.(2)   


 وكذلك ما يقال عن إعاقة أعمال الكري والتنظيف في نهر شط العرب، نتيجة لكميات الطمي المترسبة ومخلفات الحرب الغارقة من سفن ومعدات عسكرية، وما سببه  [[التآكل الحاصل في الضفة اليمنى لشط العرب وعلى طول المسافة البالغة ستة كيلومترات ونصف الكيلومتر وبمعدل ثلاثة أمتار ونصف المتر، إذ يتسبب سنويا في فقدان ما يقرب من 100 دونم لصالح إيران من خلال تقدم خط التالوك باتجاه المياه الاقليمية العراقية.]](***)


هذا في وقت لم يزل فيه الجانب الإيراني متمسكاً ببنود إتفاقية الجزائر في السادس من آذار/1975 المثيرة للجدل؛ مستفيداً من ظروف العراق الحالية، ومعتبراً الإتفاقية أساساً لتثبيت الحدود بين البلدين وبإنها غير قابلة للنقض أو التعديل، مع علم القيادة الإيرانية التام وإحاطتها الدقيقة بظروف وعوامل وأسباب عقدها، وإدراكها بعدم إقرارها من قبل الشعبين العراقي والإيراني، وبإنها لا تصب في مصلحتهما، وقد واجهها العراقيون على إختلاف مكوناتهم بعدم الرضا والرفض، لعدم عدالتها وإجحافها بحق الشعب والوطن. .(3)


ومع ما قيل ويقال عن إتفاقية الجزائر/1975 وما يعلنه الجانب الإيراني بشأنها، فمن باب الحقيقة التأكيد: بأن القوى السياسية المعارضة للنظام الدكتاتوري السابق، والموجودة حالياً في السلطة ، كانت قد أعلنت موقفها الرافض  للإتفاقية قبل اليوم، وهو موقف معروف للقيادة الإيرانية، وبالتالي يصبح من الضرورة البدهية، أن يقدم الجانب العراقي على تشريع هذا الموقف من خلال عرضه على مجلس النواب لضمان دستوريته، خاصة وأن الإتفاقية نفسها ملغية من جانب واحد، وهناك في مواقف القوى السياسية العراقية والمشاركة في العملية السياسية من هو قريب من ذلك الموقف..!(4)         

وحيث تتجه الأنظار الى بغداد، وعلى أمل أن تكون أول زيارة لرئيس إيراني بعد إنبثاق الثورة الإسلامية الإيرانية /شباط/1979، فاتحة عهد من التفاهم والتقارب المبني على أسس من الواقعية والإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأن تتسم بروح من الشفافية والمصارحة والإعتراف بسيادة العراق الكاملة على أراضيه ومياهه وأجوائه، {{ أعلنت طهران ان المفاوضات المشتركة العراقية الايرانية، بشأن اتفاقية الجزائر وشط العرب، ستعقد في 19 شباط الجاري، مؤكدة  ان السبب في تأجيل المباحثات الثلاثية كان فنياً.}}(***)   مصدر سابق
وفي نفس السياق، فإن وفداً عراقياً دبلوماسياً وأمنياً وصل اليوم 19/2/2008 الى طهران لمناقشة القضايا الحدودية.(5)


مع الأمل أن لا تندرج زيارة الرئيس الإيراني الى العراق في سجل الزيارات البروتوكولية، التي لا تُسهم إلا في تثبيت الأمر الواقع بكل سلبياته، فالملف العراقي – الإيراني من التعقيد والتداخل والتشعب، ما لا يمكن حسمه في جلسة بروتوكلية، والعراق بالذات، يتطلع الى أن تبنى علاقاته مع دول الجوار على أحسن ما يرام، من الصداقة والإحترام وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحل كافة المسائل العالقة والإشكالات السياسية والحدودية، عن طريق الحوار والتفاهم وحسن النية..!
____________________________________________________________ 
        (*)    http://www.nahrainnet.net/news/52/ARTICLE/11061/2008-02-14.html
        (**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=108353
     (***)    http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=57290
          (1)  http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n18020859.htm
      (2)  http://www.yanabeealiraq.com/news_folder/n03020843.htm
(3)    http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&article=445111&issueno=10575
(4)    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=120605
(5)    http://www.alsabaah.com/paper.php?source=akbar&mlf=interpage&sid=57377
             
 


304

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com



لا يختلف اليوم إثنان ، في طبيعة ما يدور على الساحة السياسية العراقية، من صراع بين مختلف الأحزاب  السياسية المهيمنة على الحكم من خلال كتلها السياسية الممثلة في مجلس النواب والحكومة، كما ولا يختلفا ، بأن جوهر هذا الصراع يتمحور حول مطالب وأجندات هذه القوى الخاصة، قبل أن يتمحور حول المصالح العليا للشعب والوطن..!


ففي دوامة هذا الصراع، والتي ألقى السيد رئيس مجلس النواب في مؤتمره الصحفي الذي عقده صبيحة يوم الأثنين/11/2/2008 ، الضوءَ على الخطوط العامة لبعضٍ من تفاصيله؛ فقد بدت الصورة غايةً في الضبابية والقتامة، وظهرت غالبية الأطراف السياسية وهي ممسكة بثوابتها الخاصة رغم ما تعلنه عن نجاحها أو قرب ذلك النجاح على عقد "صفقات" توافقية للوصول الى أهدافها رغم عمق الإختلاف والخلاف بين تلك الأجندات..!؟


لقد حاول السيد رئيس مجلس النواب أن يوجز طبيعة الخلاف بين الكتل السياسية في البرلمان خلال مؤتمره الصحفي آنف الذكر، في ثلاثة أمور جوهرية، حددها في:

-   الخلاف حول نسبة التخصيص من الموازنة العامة/2008 الى إقليم كوردستان.
-   الخلاف حول قانون مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم، وعلاقة الأمر بصلاحيات المركز ومجالس المحافظات، ومواعيد الإنتخابات.
-   قانون العفو العام وما يكتنفه من خلط في تحديد من تشملهم أحكام العفو العام، ونطاق وشمولية تطبيق القانون.

 
ومن تفاصيل حديث السيد المشهداني في مؤتمره الصحفي، ومن خلال ما تنشره وسائل الإعلام، بدت الخلافات بشأن الأمور الثلاث المذكورة، أعمق مما تظهره بعض تصريحات ممثلي تلك الكتل التي يعنيها الأمر..!؟


فعلى صعيد الخلاف حول نسبة التخصيص التي ينبغي تحديدها من الموازنة العامة للإقليم، تمسكت كتلة الإتحاد الكوردستاني بنسة ال 17% المحددة سلفاً طبقاً للتوافق الحاصل بين الكتل السياسية حينذاك، ودون إعتبار لحجم الإيرادات الأخرى، أو حساب النفقات، ورفضت الأخذ بحسابات الموازنة العامة لعام/2008 . وقد إشترطت لموافقتها على تمرير القانونين الآخرين الموافقة على النسبة المذكورة من قبل الكتل الأخرى، وبالذات كتلة الإئتلاف العراقي.


الأمر نفسه يمكن أن يقال بالنسبة لقانون مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم؛ وهنا تبدو الصورة أكثر إختلاطاً وتشويشاً في تعبيرها عن طبيعة الخلاف والصراع بين الكتل المؤتلفة في الحكومة. كما وتكمن وراء هذا الصراع الأهداف السياسية التي تطمح لتحقيقها الكتل صاحبة المصلحة في تمرير القانون المذكور. وهنا تقف كتلة الإئتلاف العراقي الموحد بقيادة المجلس الإسلامي الأعلى في المقدمة، حيث ربطت تمرير قانون الموازنة العامة /2008 بقانون مجالس المحافظات للإرتباط بين القانونين حسب تبريرها. وبالتالي فهي إشترطت لتمرير قانون الموازنة مع نسبة ال 17%، الموافقة على تمرير قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم؛ كما وكان للكتلة الصدرية موقفها الخاص من القانون..! ومن جانبها أيضاً، إشترطت كتلة التوافق، تمرير قانون العفو العام كشرط لتمرير القانونين الآخرين. ولها في ذلك، مصلحة سياسية واضحة في تمرير هذا القانون..!؟ 


بهذه الصورة المربكة والمشوشة تنعكس حالة الوضع السياسي العراقي على مجمل العملية السياسية، وتخرج من إطارها الطبيعي كمجرد إنعكاس لأزمة حكومية تتعلق بإداء الحكومة الحالية حسب، بل لتكشف عمق هوة الخلاف بين الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب والمكونة لتلك الحكومة، وتظهر مدى إستعدادها للمساومة لضمان مصالحها الخاصة ككتل سياسية مبنية على أسس من المحاصصة، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة، وهذا ما كشفه رفضها لصيغة صناديق الإقتراع السري المنفرد على القوانين الثلاثة، وذلك بسبب إنعدام الثقة فيما بينها من جهة، وإنعدام ثقة كل كتلة سياسية بممثليها من أعضاء مجلس النواب، من جهة أخرى؛ وهكذا جاءت الوليدة "الصفقة"..!

فأخيراً وبقدرة قادر ، صَفتْ الأجواء وتوحدت القلوب، وسارت الأحوال على أحسن ما يرام. وإذا بالكتل السياسية المتناحرة تتعانق معلنة الفوز الساحق على نفسها، ليزف رئيس البرلمان على الشعب العراقي البشارة، معلناً في مؤتمر صحفي جديد صباح الأربعاء 13/2/2008 خبر "العرس البرلماني" ، مهنئأً السادة النواب والشعب على هذا الإنجاز الفريد في نوعه ؛ فالبرلمان العراقي قد تجاوز المألوف، حيث تمكن وخلال سويعات من تمرير ثلاث من أعقد القوانين في "صفقة" واحدة وخلال نفس الجلسة، بعد طول إنتظار من الشد والجذب والتناحر..!؟
 
حدث كل ذلك لأن السادة أعضاء مجلس البرلمان، قد أدركوا أخيراً، أنهم "يمثلون" الشعب العراقي على حد قول السيد رئيس البرلمان، ولا يمثلون أنفسهم، أو كتلهم السياسية حاشا لله..وإن إختلف في ذلك مع تصريح النائب من كتلة الإتحاد الكوردستاني السيد محمود عثمان، الى صحيفة الشرق الأوسط 14/2/2008، حيث يشير الى أن: «المشكلة تكمن في الكتل البرلمانية، فهي من يتحكم بالبرلمان ومجلس الرئاسة ورئاسة الوزراء»، مشيرا الى ان «اعضاء البرلمان لا يمثلون الشعب العراقي وانما يمثلون كتلهم».!؟(*)


فهل حقاً مَثٌلَ أعضاء مجلس النواب، الشعب العراقي عن طريق تصويت "الصفقة" ، أم لا زالت أصواتهم مشدودة الى إرادة قادة كتلهم السياسية..؟؟

سؤال نترك إجابته الى الشعب العراقي ليقول كلمته فيه..!

 أما مجلس النواب؛ فننتظره ليعود من إجازته بعد أن "تنفس الصعداء"، وهو أكثر نشاطاً وهمة؛ ليجد أمامه، العديد من مشاريع القوانين المهمة، والتي كما يبدو، لا تحتاج لتمريرها بعد الآن، سوى الى "صفقة" سَلْقٍِ شبيهةٍ بعملية سَلْقِِ القوانين الثلاث، إنْ سارت الأمور على نفس الشاكلة، ونوعده بالتهاني والتبريكات على أعلى المستويات..!!؟
  ___________________________________________________
 (*)  http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&article=458522&issueno=10670





305
       باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com       

الجمعة الحزينة...!؟



وهكذا إنسلخت اليوم الجمعة؛ خمس وأربعون عاماً من الزمن، لتدون مسيرة شعب، [[حمل فوق رأسه خبزاً لتأكل الطير منه]]؛

 إذ ما إنفك هذا الشعب يدفع ضريبة تحرره في الرابع عشر من تموز/1958 ؛ دماً وألماً وتشريداً وخراباً ما دونه خراب.. ثأراً مستديماً من شعب يطمح للحرية وبناء وطن ينعم بالأمن والسلام..!

 ولا أدري إن كان ذلك الشيخ، متنبئاً أم كان حدسه بالآتي تدعمه تجربة عمر طويل ..!؟

كان اليوم جمعة، في الثامن من شباط/1963 وقد صادف الرابع عشر من رمضان، وكان الشيخ الوقور يجلس في مقدمة مجلس القاتحة الذي أقامه بمناسبة وفاة ولده البكر، مستقبلاً المعزين من المحبين والأصدقاء ، وكانت الساعة قد تجاوزت التاسعة صباحاً، حينما قطع صمت الجالسين مَنْ دَلِفَ الى المجلس وهو يزعق بأعلى الصوت؛ أنْ إنقلاباً قد حصلَ في بغداد..

  أرتبك الجميع وتململ المجلس وتقاطعت نظرات الناس؛  بين مصدق للخبر أو غير مصدق.. وتعدد منظر الداخلين من الشباب مؤكدين الخبر ..

 نهض الشيخ الوقور من مقامه، وبأعلى صوت منادياً الجميع؛ أن تداركوا أمركم الآن، منهياً بذلك شعائر مجلس الفاتحة، ومعلناً أن الفاتحة تقام اليوم على أرواح الشعب..

  وما هي إلا دقائق معدودات؛ حتى دخل البيت مَنْ يُنبأ بسقوط أول شهيد برصاص الإنقلابيين.. وكانت الشهيدة مواطنة من أبناء المدينة، كانت تنشد إبنها الذي غاص بين جموع المتظاهرين المحتجين..!!؟

 
بعدها بيوم واحد، بدأ مسلسل الموت في العراق؛ عنيفاً دموياً؛ حينما كانت عقارب الساعة تدنو من الواحدة والنصف ظهراً من يوم التاسع من شباط/ 1963، وبعد مشادة كلامية حادة إستغرقت ما يقرب من عشرين دقيقة، بين الفقيد الشهيد الزعيم عبد الكريم قاسم وبين عبد السلام عارف في غرفة مبنى الإذاعة العراقية في الصالحية، خر عبد الكريم قاسم صريعاً مضرجاً بدمه، ليختلط بدماء الشهيدين المهداوي وطه الشيخ أحمد اللٌذين شاركاه نفس المصير..!

 وتمر الذكرى وتشاء الصدف أن تكون (الجمعة) يوم الخشوع والعبادة، الذي سخره الإنقلابيون لتنفيذ خططهم للإنقلاب يومذاك، هو اليوم الذي طلب فيه عبد الكريم قاسم إضبارة شركة النفط الوطنية ليكتب البيان الخاص بهذه الشركة، في وقت كانت فيه طائرات الإنقلابيين؛ النقيب منذر توفيق الونداوي والملازم الطيار فهد السعدون والملازم الطيار واثق عبد الله الرمضاني، القادمة من قاعدة الحبانية الجوية، تدك بقنابلها وزارة الدفاع، ويذيع فيه حازم جواد البيان الأول للإنقلابيين، من مرسلات البث الإذاعي في أبي غريب، وأحمد حسن البكر يوجه أرتال الإنقلابيين الى أهدافها نحو وزارة الدفاع ودار الإذاعة في الصالحية..!؟

لقد سُفِكتْ دماء كثيرة منذ ذلك الحين، ولما تزل تُسفك حتى اليوم، وأصابع الإتهام نفسها تشير الى نفس الجهات التي وقفت وراء الإنقلابيين في الثامن من شباط/1963 ، تلك الجهات التي حددها الزعيم عبد الكريم قاسم في السويعات الأخيرة من عمره، وأشار اليها بعين الصواب، حينما كتب بيان شركة النفط الوطنية.. فهل هناك أبلغ من هذا دليل..؟  وهل كان علي صالح السعدي مجانباً للحقيقة عندما أشار الى قدومهم بقطار أمريكي..؟؟!

 إنه الصراع السياسي من أجل السلطة، ويظل نفسه ذلك الصراع؛ وإن كانت هناك ثمة عبر ودروس من التأريخ؛ فإنها تظل تدور في فلك هذا الصراع..!

 أما لعنة النفط،  فإنها لا زالت تتحكم برقاب الناس..!؟


8/2/2008
________________________________________________[/b]





 
   
     


       

306


باقر الفضلي
                                                             
bsa.2005@hotmail.com


المادة (1):
 
جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة،
 نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي.
 وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق.
                             (الدستور العراقي/2005)


حول:

" نــداء من أجل بناء الدولة الديمقراطية المدنية في العراق "



مدخل:


قبل أن ينظر المرء الى ديباجة النداء الموجه من قبل عدد من الشخصيات السياسية والعديد من اوساط المجتمع العراقي بمختلف طوائفه الإجتماعية، تحت العنوان أعلاه ، عليه بدءً الإشارة الى الهدف الذي أراده أصحاب النداء من وراء إصداره في هذا الوقت بالذات؛ فالنداء في عنوانه المذكور؛ يحدد بدقة الهدف الملموس من وراء إصداره، وهو بناء الدولة الديمقراطية المدنية في العراق:


1-   بالتمعن بنص المادة /1 من الدستور العراقي الحالي، نجدها في جوهرها لا تخرج من حيث المضمون عما جاء في جوهر النداء المذكور ، الذي يقترب بشكل لا يقبل اللَّبس من مضمون المادة الدستورية المذكورة. و ربما هناك من يتسائل ؛ إن كان الأمر كذلك فما الحاجة للنداء المذكور.؟


2-   في ديباجة النداء ، ما يجيب على هذه التساؤل ، يعززه التماهي السريع الذي أبداه الآلاف من العراقيين في التوقيع على النداء، ما يعبر عن التعاطف مع الأسباب التي تقف وراءه.


3-   من هذا يمكن القول؛ بأن النداء قد إستهدف أهم نص دستوري؛ وهو المادة/1 من الدستور، التي تشكل أهم ركن من أركانه، والتي يدخل في إطارها العديد من السمات التي تعبر بهذا الشكل أو ذاك، عن الطابع الديمقراطي للدولة وشكل نظام الحكم المدني المنشود.


الباعث
 

وحيث يبدو أن الأمر يتعلق بنص دستوري، لدستور لا زال من الناحية الشكلية لم يكتسب دائميته، طبقاً لنص المادة/142 من الدستور نفسه، يصبح لزاماً التوقف أمام الباعث الحقيقي الذي دفع بالسادة منشئي النداء الى إصداره، خاصة وأن جلهم من مؤيدي العملية السياسية أو من المشاركين فيها. ولا يمكن تفسير ذلك إلا من زاويتين:


1-   ما يتعلق بالنص الدستوري نفسه؛ وهذا يفترض؛ إما أن النص بشكله الحالي لا ينسجم أو لا يتفق مع مدلولات بناء الدولة المدنية الديمقراطية، أو تشوبه نواقص جوهرية تفقده صفة وسمات تلك الدولة المنشودة كما عرفها النداء. ولكن من ديباجة النداء لا أجد ثمة ما يشير الى هذين الإفتراضين.


2-   أن ينصرف الذهن الى التسويف والتلكؤ، في الإلتزام بالنص الدستوري نفسه ومحاولة التنصل من إشتراطاته، والتمسك عوضاً عن ذلك، بالمصالح الخاصة بالجهات المناط بها التقيد بأحكام الدستور وتلك التي تشرف على مراقبة مديات ذلك التقيد والإلتزام. وفي هذه الحالة، ينحصر الأمر بمسؤولية السلطة التنفيذية بكامل أجهزتها، المتمثلة بالحكومة ومجلس الرئاسة، وبالسلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب، والسلطة القضائية المتمثلة بالمحكمة الدستورية العليا.     


لو سلمنا جدلاً بعدم إنطباق الفرضية الأولى كباعث يقف وراء النداء، فليس أمامنا غير الإستدلال بالفرضية الثانية، المتعلقة بالتنصل من إشتراطات الدستور والخروج عليها في حيز التطبيق، وما ترتب على ذلك من تداعيات، بإعتبارها الباعث الذي دفع بأصحاب النداء لطرح ندائهم على المجتمع العراقي والدعوة الى التوقيع عليه.


وما يعزز الرأي في ذلك، هو هذا الإندفاع السريع من قبل جمهرة من العراقيين في التوقيع على النداء ودعمه بالتعليقات والمقترحات الكثيرة، وما رافق ذلك من حملة المقالات التي سطرها عدد من الكتاب والمثقفين على صفحات الإنترنيت، وعلى إختلاف وجهات نظرهم في الموقف من دعم النداء، أو تلك الدعوات والنداءات اللاحقة وما طرحته صحيفة الحوار المتمدن  لتوحيد صفوف القوى اليسارية والعلمانية.


أهمية النداء

جرياً على ما تقدم، يكتسب النداء أهميته من سلامة الباعث الذي يقف وراءه من جهة، وحجم وسرعة التأييد اللذين حضي بهما من جهة أخرى؛ فمرور أكثر من عام ونصف العام على صدور الدستور وتشكيل ما سمي ب"الحكومة الوطنية"، ومضي اكثر من أربعة سنوات على  "العملية السياسية" ، سارت أمور البلاد من سيء الى أسوء وعلى كافة الأصعدة، على الرغم مما يشير اليه النداء من التحسن الأمني. أما على صعيد بناء مقومات الدولة المدنية الديمقراطية ، التي أسس لها الدستور، فمن الصعب على المرء أن يُحفز موقفاً تفاؤلياً بهذا الإتجاه، إذا ما قارن مجريات الأمور على صعيد الواقع مع الإفتراضات النظرية أو قياساً على تصريحات المسؤولين. وما أشار اليه النداء لا يشكل إلا قدراً يسيراً من واقع الحال.


فإذا كان من نتائج الإحتلال عام/2003 إسقاط وتفكيك دعائم الدولة الدكتاتورية - وهي عملية مزدوجة وضعت البلاد في فراغ مؤسساتي للدولة لا زالت آثاره السلبية قائمة حتى اليوم - ، فإن ما جرى فيما بعد، وفي ظل محاولة بناء مقومات الدولة الجديدة "العراق الجديد" ، وبغض النظر عن طبيعة تلك الدولة، قد ساهم ولا يزال يساهم بتقويض أي أسس جديدة لبناء الدولة وفقاً لما أسس له الدستور الجديد. 


المعوقات

ولست هنا بصدد سرد تداعيات ونتائج المرحلة التي أعقبت الإحتلال حسب، بقدر ما أريد أن أشير الى بعض معوقات ومجهضات مقومات بناء الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة، التي وقفت ولا تزال حائلاً دون بناء  نموذج هذه الدولة في عراق اليوم:


-   التعويل المجتزأ على مفهوم الهيكلية الإنتخابية وحدها كأساس للإنطلاق في عملية بناء مقدمات الدولة الجديدة، وعلى أنقاض دولة أمست بلا مؤسسات.


-   قبول كافة الأطراف التي شاركت في العملية السياسية على الصعيد العملي، بمبدأ المحاصصة المبني على أساس التمييز الطائفي- المذهبي والإثني في تشكيل المؤسسات الجديدة للدولة، مما وضع مقدمات لتأسيس التجزئة والتقسيم.


-   إستخدام أغلبية التنظيمات السياسية من أحزاب ومنظمات لأذرعتها العسكرية (الميليشيا) في تثبيت وجودها المادي في الساحة واللعبة السياسية. وهذا ما ساعد على خلق أجواء الصراع بين هذه التنظيمات، وإنعكست مظاهره في فقدان الأمن وغياب دور الدولة والقانون.


-   توظيف المؤسسة الدينية والشعائر والطقوس الدينية بديلاً عن التنافس السياسي البرنامجي المشروع، كوسائل دعائية براغماتية في السيطرة على قرار الناخبين، لما تمثله تلك المؤسسة من تأثير نفسي كبير على مستويات الوعي الإيماني في ظل تدني الوعي المعرفي والثقافي.



-   تكبيل الدستور بالعديد من النصوص التي تشكل إعاقات دستورية أمام تكريس المباديء الديمقراطية، في حياة المجتمع والدولة.


-     الغياب التام لدور المجتمع الدولي (الأمم المتحدة) في رعاية ومراقبة بناء أسس الدولة الجديدة . وبدلاً عن ذلك جرى التعويل على قوات متعددة الجنسيات وتحت القيادة الأمريكية، التي تمثل إمتداداً لقوات الإحتلال ، مما أعطى المبررات المناسبة للتدخل الإقليمي في الشأن العراقي، وإستشراء الإرهاب بأشكاله المختلفة، تحت ذريعة مقاومة الإحتلال، وتفشي آفة الفساد المالي والإداري  في مؤسسات الدولة الحديثة النشوء.


       الختام


من كل ما تقدم، فإن أي قراءة موضوعية للنداء المذكور ، تضعنا في مواجهة مباشرة أمام مهام جسيمة تتعلق بمجمل مصير العراق إذا ما أردناه دولة مدنية ديمقراطية لا دولة مليشيات؛ وعليه فإن الأمر ليس مجرد شأن يرتبط بجهد جهة محددة من المجتمع، أو يتعلق بموضوع معين بالذات، إذا ما أراد المرء القول؛ بأن الأمر من الشمولية وتحمل المسؤولية ما يجعله يخص كافة فئات المجتمع على السواء، ناهيك عن تحمل القوى السياسية، التي أرتبط وجودها في الساحة السياسية بالعملية السياسية حصراً، القسط الأوفى من المسؤولية. فلا غرابة والحال إذا ما وجدنا بين موقعي النداء أسماء عدد من مسؤولي الأحزاب السياسية أو بعض من أعضاء مجلس النواب. وهذا ما دفع الآلاف لتوقيع النداء، إدراكاً منهم لأهمية الأمر وشعوراً بالمسؤولية الوطنية..!


وبعيداً عن أي تصورات مسبقة أو تحديدات معينة، فإن النداء كما وجدته؛ في مضمونه وشكله، لا يخاطب مجموعة بشرية معينة، ولا يستثني فئة إجتماعية دون أخرى، وغير موجه ضد قوى سياسية معينة؛ الغالب فيه وكما إعتقد، تذكير كافة القوى السياسية، سواء كانت في الحكومة أو في البرلمان، في العملية السياسية أو خارجها، أن تدرك مسؤوليتها المباشرة عن واقع تدهور الأوضاع السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية في البلاد ، وأن تستوعب مسؤولياتها وإلتزاماتها البرلمانية والحكومية، في النهوض ببناء أسس الدولة المدنية الديمقراطية، من خلال التمسك ببنود الدستور الذي صوتوا عليه وإحترام المواثيق، وإدارة الصراع بين الجميع بالطرق السلمية التي كفلها الدستور/2005 . 


فهي مهمة الجميع ومسؤولية الجميع؛ ممن دعموا العملية السياسية وآزروها؛ لا تقتصر على من هم في اليسار أو من هم في اليمين؛ فمن ذا الذي يحدد من هم أصحاب اليمين ومن هم أصحاب الشمال..؟
وهل إن هدف بناء الدولة المدنية الديمقراطية وقفاً على فئة دون أخرى..؟
وهل تخلوا المجتمعات من يمين أو يسار..؟



       
 
       

   

307
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


في الذكرى الستين لوثبة كانون الثاني/1948
وإسقاط معاهدة بورتسموث/ جبر - بيفن

تمر هذه الأيام الذكرى الستون لوثبة كانون الثاني /1948، التي تعتبر من الأحداث النضالية المميزة لفترة الخمسينات للقرن الماضي في حياة الشعب العراقي، والتي سطر فيها العراقيون من أقصى شمال العراق حتى أقصى جنوبه، أكبر ملحمة نضالية في تأريخه الحديث، من أجل تثبيت سيادته وتكريس إستقلاله وفك إرتباطه بأي تبعية أجنبية. وقد كان إسقاط معاهدة بورتسموث مع بريطانيا العظمى هو الحدث الكبير الذي إقترن بهذه الوثبة المجيدة..!
إن إستذكار هذه الذكرى دفعنا وبفعل التشابه ولا أقول المقارنة، مع ما تجري عليه الأمور على صعيد العلاقات الدولية بين العراق وما يحتمل التوصل اليه من عقد إتفاقية التعاون والصداقة مع الولايات المتحدة الأمريكية في تموز/2008، للتطرق في الملاحظات القادمة، الى ما سمي ب(إعلان النوايا) بين الدولتين، والمعلن عنه في 27/11/2007.     

وأحيانا يقال:

"ألف صديق ولا عدو واحد"
هكذا يقول المثل العراقي وربما العربي، وهكذا يحدد العراقيون أصدقائهم في الأوقات الحرجة" على أساس      " الصديق ينفع وقت الضيق"، وعسانا ونحن في الطريق للإقدام على إتخاذ "قرارات" تأريخية تمس مستقبل العراق، أن نتعض من دروس الماضي، وإن عشنا الحاضر..!

ومن هذا المنطلق سعت حكومة السيد المالكي، لتفاجيء الشعب العراقي قبل أيام، بأنها نجحت في كسب ودِ وصداقةِ أعظمَ دولةٍ في العالم، تتمنى كلُ دولِ المعمورةِ كسبَ ودِها لتغفو في كنف حضنِها الدافيء، وتنعم بثمرات ديمقراطيتها الشهية، آمنة من كل شرٍ مستطير..!؟

فقد اعلنت الحكومة العراقية بشخص رئيس الوزراء الأستاذ نوري المالكي بأنها أفلحت في توقيع "إعلان مباديء غير ملزمٍ للنوايا"، مع الولايات المتحدة الأمريكية، وجاءت مقدمة الإعلان بالشكل التالي: (وقع الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، أمس خطة غير ملزمة للعلاقات الاميركية ـ العراقية، تمهيداً لإجراء محادثات رسمية العام المقبل تحدد العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، من المتوقع ان تتضمن وجودا طويل الامد للقوات الاميركية في العراق. ويأتي توقيع بوش والمالكي على «اعلان النوايا» عبر دائرة الفيديو المباشرة قبل اسابيع من تجديد مهمة القوات المتعددة الجنسية في العراق، والتي تمدد للمرة الاخيرة هذا العام، لتكون القوات الاميركية بحلول عام 2009 القوات الاجنبية الوحيدة في العراق.)(1)   

ومن قراءة هذه المقدمة، تتضح النقاط التالية من وراء هذا الإعلان:

•   إنها  إتفاقية وفقاً لنص الإعلان نفسه، وثانياً؛ إنها دولية، لكونها وقعت بين دولتين. وثالثاً؛ غير ملزمة، وهذا أمر نسبي يتوقف على مجريات الأحداث مستقبلا، ولكنه لا يعفي من أهميتها، على الصعيدين السيادي والوطني، كما سنوضح في أدناه ..!


•   من المفارقات التأريخية أن الإتفاقيةَ المذكورة قد وقعت في كنفِ "دائرة تلفزيونية" مغلقة بين رئيس الولايات المتحدة الرئيس بوش والسيد رئيس الوزراء العراقي الأستاذ نوري المالكي، بعيداً عن أنظارِ الآخرين من العراقيين، وهذا ما يذكرني بأحداث معاهدة )بورتسموث /1948 ( التي وقعت في دائرةٍ مغلقةٍ هي الأخرى، بين الوفد العراقي برئاسة المرحوم صالح جبر رئيس الوزراء من الجانب العراقي، والمرحوم بيفن وزير خارجية بريطانيا في 16-1-1948 ، حيث جرى التوقيع عليها على ظهر الباخرة فيكتوريا في ميناء بورتسموث البريطاني يومذاك، ولو توفرت لها نفس الإمكانات الإلكترونية المتوفرة اليوم، لحالفها الحظُ في حينه ولدخلت الدائرة التلفزيونية في غفلةٍ من إنظار الجميع..!


•      الإتفاقية الجديدة (بوش – المالكي) ألزمت الحكومة العراقية كما هي الأمريكية، بالتهيئة للمباحثات الرسمية بين الحكومتين في عام/ 2008 لتحديد العلاقة الإستراتيجية بين البلدين، ولا غرو إذا ما ذكرنا بالمناسبة أن معاهدة بورتسموث هي الأخرى قد مُهِدَ لها من خلال مباحثاتٍ سريةٍ جرى التكتمُ عليها من قبل الحكومتين، وقاد الوفدَ المفاوضَ فيها من الجانب العراقي المرحوم محمد فاضل الجمالي وزير خارجية العراق يومذتك. وهي الأخرى كان من مهامِها الرئيسة تحديدُ العلاقةِ الأستراتيجية بين البلدين.


•   كون الإتفاقية المعلنُ عنها، وهي إتفاقيةُ ُ ذات طابع دولي تمهد لإبرام معاهدةٍ دوليةٍ بين العراق وأمريكا تُحددُ طبيعةَ العلاقةِ الإستراتيجية بينهما في أكثر المسائل حساسية وهي المسائل السيادية؛ فإنها تعتبر مشمولة بأحكام المادة/73 – ثانياً، من الدستور العراقي الدائم التي تلزم بالمصادقة عليها من قبل رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس النواب. وفي تقديري، أن "إعلان النوايا" نفسه يدخل ضمن هذا الإطار لإرتباطه بشأن دستوري وطني، وهو جزء من الإتفاقية المقترحة، أو كما سماها السيد الدباغ بأنه "خطوة أولى" في طريق الوصول للإتفاقية النهائية،  وبالتالي يصبح لزاماً أن يكون مجلس النواب على علم مسبق بتفاصيل تلك النوايا والمباحثات المزمع إجرائها بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، أو على إقل تقدير الموافقة على إجراء مثل تلك المباحثات، لأهميتها المصيرية بالنسبة للعراق، لا كما يجري تصوير الأمر؛ بأن هذا الإعلان هو مجرد ، «[[ اتفاقاً ولا يحتاج الى مصادقة البرلمان العراقي عليه».]]..!؟


•   ربط الجانب العراقي، تسبيب الهدف من وراء الدخول في علاقة تعاهدية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية، وطلب تمديد وجود قوات متعددة الجنسيات،  بمسألة الخروج من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، المفروض على العراق بموجب قرار مجلس الأمن رقم/661 في آب 1990 بعد غزوه الكويت. (2)


•   قصر الفترة الزمنية بين إعلان هذه المباديء "غير الملزمة" وبين أن تجري " وبأسرع وقت ممكن مفاوضات ثنائية بين الحكومتين العراقية والاميركية للتوصل قبل 31/7/2008 الى اتفاقية بين الحكومتين تتناول نوايا التعاون والصداقة بين الدولتين المستقلتين وذاتي السيادة الكاملة في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والامنية."(3)  وفي هذا ما يبعث على التساؤل، عن أسباب هذه العجالة في إبرام إتفاقية بهذا المستوى من الأهمية والمسؤولية التأريخية، وهل يدخل هذا الأمر أيضاً في عداد (مطبخ الوجبات السريعة) كما نوهنا سابقا.( 4 )


•   ولعل من باب التذكير أن يشير المرء الى أن قرار مجلس الأمن رقم/661 في آب 1990 وجملة القرارات الأخرى المتعلقة بالعراق ما قبل عام/2003 أو ما بعد غزو الكويت/1990 ، ليجد أنها جميعاً لا تستوجب من الحكومة العراقية، كتعهد خاص ملزم، أن ترتبط بمعاهدة أو إتفاقية خاصة مع الولايات المتحدة الآمريكية، كشرطٍ لخروج العراق من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. كما ورد في تصريحات المسؤولين العراقيين عند الإعلان عن مباديء النوايا.


•   من نقاط التساؤل أن تشير رسالة الحكومة العراقية المرفقة مع قرار مجلس الأمن رقم (1790)/  2007 المتخذ في جلسته المنعقدة في 18/12/2007 والمتعلق بتمديد ولاية القوة متعددة الجنسيات حتى 31/كانون الأول عام/2008، أن تشير هذه الرسالة وفي الفقرة السادسة منها الى توقيع العراق إعلان المباديء المذكور مع الولايات المتحدة الأمريكية [[ وتود حكومة العراق أن تحيط مجلس الأمن علما بأﻧﻬا قد وّقعت على إعلان مبادئ  مع الولايات المتحدة الأمريكية لإقامة علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد.]] ، هذا في الوقت الذي خلت فيه رسالة السيدة وزيرة الخارجية الأمريكية الى مجلس الأمن والمرفقة مع نفس القرار، من أي إشارة حول الموضوع، ولا يدري المرء أية أهداف تبتغيها الحكومة العراقية من وراء  ذلك..؟(5)


•   ولكن هذا لا يمنع الدول من عقد المعاهدات والإتفاقيات مع الدول الأخرى، إذا ما كانت تتمتع بالتكافؤ وتمتلك السيادة التامة على أراضيها، وأن لا يثقلها حضور مائة وستون ألف مجند أجنبي غير مرغوب فيه، وأن تكون المصلحة الوطنية واضحة وجلية، والدوافع والأسباب لذلك مبررة ومقبولة وأن الشعب على علم بظواهر وبواطن الأمور، وأن تنعم البلاد بالأمن والإطمئنان، لا أن تكون هذه المعاهدات شرطاً لتلك السيادة أو جزء منها لا سامح الله.. ومن هنا تتجلى الحكمة والموعظة من دراسة عِبر التأريخ، خاصة وأن العراق اليوم يعيش حالة مأزومة، ويفتقد الى المقومات التي تؤهله كدولة يسودها الإستقرار والأمن وتتمتع بإقتصاد راسخ ، وحياة سياسية متوازنة للإتجاه وفي ظل الظروف الحالية الى إبرام معاهدة بهذه الدرجة من الأهمية والمسؤولية التأريخية ..!


•   ومن اللافت للنظر أيضاً ربط الجانب العراقي لإنتهاء الإتفاقية الحالية والمتعلقة بتواجد القوات متعددة الجنسية ، مع الإتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ووضعهما في مستوى واحد من حيث التبعية، طبقاً لتصريح السيد علي الدباغ: "الاتفاقية ستحل محل الاتفاقية الحالية مع القوات المتعددة الجنسية التي ستجدد للمرة الاخيرة هذه السنة، وذلك سينقل العراق من دولة تحت قرارات ملزمة من مجلس الامن الدولي وبموجب البند السابع الى دولة ذات سيادة كاملة." علماً بأن إتفاقية تواجد القوات متعددة الجنسية هي إتفاقية معقودة بين العراق والأمم المتحدة وكافة المهام المنوطة بالولايات المتحدة في العراق تجري بتخويل من قبل مجلس الأمن (راجع قرارات مجلس الأمن بهذا الشأن)، أما الإتفاقية التي يشير اليها إعلان المباديء، فهي ستكون بين العراق وأمريكا، وبالتالي فهي ليست بديلاً عن إتفاقية القوات المتعددة الجنسية على حد قول السيد الدباغ، ولا يربطها رابط بالسيادة الكاملة على حد وصفه أو الخروج من أحكام الفصل السابع، ولم تفرضها قرارات مجلس الأمن كبديل..!؟



هنالك من يدفع بإتجاه حاجة العراق الى مثل هكذا معاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، مبرراً تلك الحاجة بالحالة القائمة في العراق الآن وما يواجهه من تهديدات إقليمية وأطماع لدول الجوار ، وصراع هذه الدول فيما بينها من أجل تنفيذ أجنداتها المرسومة لتحقيق مصالحها الخاصة، مقروناً بالضعف الذي يعاني منه العراق على الصعيدين الأمني والعسكري والسياسي، ومن جهة أخرى، إنعدام عامل الثقة بين المكونات السياسية الداخلية، وتخوفها المتبادل من الإستئار بالسلطة والإنفراد بها من قبل أي مكون من هذه المكونات.

 وإنطلاقاً من هذا المنظور يرى هذا الفريق؛ أن لا بديل أمام العراق غير التوصل الى إتفاق طويل الأمد مع أمريكا، بإعتبارها الشخص الثالث الوسيط والحامي لكل الأطراف، وهي النقطة التي تحظى بشبه إجماع بين القوى الأكثر فعالية من المكونات العراقية السياسية على حد إفتراض من يؤمنون بهذا المنظور..!


الأسئلة التي تطرح نفسها إنطلاقاً من هذا المنظور:

-   أن أصحابه لم يتحدثوا عن المزايا التي ستحققها مثل تلك المعاهدة بالنسبة الى الطرف الثاني، وهو هنا الولايات المتحدة الأمريكية. وهل ستكتفي فقط بالمزايا الإقتصادية التي سيمنحها العراق ثمناً لهذه الحماية.؟؟!
-   مدى الحدود الزمنية التي سترضى بها تلك الدولة، الطرف الثاني بالمعاهدة، أن تلعب دور الشرطي الحامي لأمن العراق ، والحَكَم الذي يفصِلُ بين المتخاصمين والمتصارعين على السلطة من أبناء البلد نفسه.
-   هل سيكون الطرف العراقي طرفاً مشاركاً في النزاعات الأمريكية الإحتمالية التي قد تنشب مع دول أخرى في المنطقة (على سبيل المثال إيران).؟  أم أنها فقط؛  "ستكون العراق دولة فاعلة في حماية المنطقة ضد المجموعات الارهابية." على حد قول السيد علي الدباغ.؟؟!

تبقى إجابات هذه الأسئلة وغيرها كثير، عالقة بالدوافع والأهداف التي تقف وراء إعلان المباديء للمعاهدة اللاحقة، والتي لم تتضح صورتها بشكل جلي حتى اليوم..!!؟


من السابق لأوانه تبسيط الأمور والتكهن بما ستؤول اليه نتائج المفاوضات القادمة بين العراق وأمريكا، ومن التبسيط أيضاً إستعجال الأحكام وإلقاء تبعاتها على شماعة "المؤامرة" كما تجري العادة أحياناً ، قبل أن يستجلي المرء دقائق الأمور، ويسبر غور تفاصيل هذه المفاوضات المنتظرة، والأهداف والغايات المنشودة من ورائها، والحكمة في إبرامها..!
__________________________________________________________
(1)    http://www.iraq4all.dk/viewnews.php?id=10141
            (2)    http://www.moqawama.org/__print.php?filename=20060214195413
(3)    http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=4&issue=10591&article=447366
(4)    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/28irq.htm
(5)      http://www.nahrain.com/d/un/S_RES_1790.pdf

308
المنبر السياسي / يا قلب ميسان..!*
« في: 16:15 31/12/2007  »

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


ياقلبَ ميسان هل تَصْدُقْ  مقولتُنا
تصفو المياهُ غداً ،" ترسو مراسينا"
بالأمس كنا نجوبُ الأرضَ نحرثها
واليوم نحرثُ في الأعماق ماضينا
صبراً على مُدنفٍ لا زال يحرِسُها،
تلك الأمانيَ،   لا زالت     أمانينا
إن تَوَجَ الرأسَ شيبُُ فاليراعُ  لها
سيفُ الحقيقةِ أمضى من مواضينا
ياقلبَ ميسان  ما نابتك  عاديةُ ُ
صبراً، فذي قار والفيحاءُ  آتونا

*****

تستصرخين قنوطَ القوم ، سادرةُ ُ
أهواؤهم ، في هوى ليلى، وماضونا
لا يُخفِضون جناحَ الذُل  مرضيةً
إن جِئتِهم مَلَكاً جاؤوكِ   فرعونا
غمامة من سديم الموت مُرسلة
تُدمي القلوبَ  ولما بَعدُ  تُدمينا
نطالها مثلما طالت   مرابعنا
واثخنت من دماءٍ في سواقينا
صفراءَ حرباءَ إن بانت مفاتَنها
رقطاء إن رامت جواراً أو تُحاذينا

*****

ياقلبَ ميسان لولا أنها هَدَرَتْ
إذ ليس في الشعر من قول سيُرضينا
.....
.....
.....
*****


أي طعنة في الظهر مسمومة..

في غفلةِ الآمن ووداعةِ الطفل، في سكونِ القناعةِ وهدوةِ السارحِ في حلمه..
في زحمة التبضعِ وفرصةِ الإختيار، إكتست الأشلاءُ بأجنحةٍ من نار..

العمارة الوادعة؛ قلبُ ميسان النابض،  تغتالها غدراً همجية المتوحشين؛ المتسلطين في أوكارهم، المتربصين لحظة الغفلة..يتكرر الحدثُ، وتتكرر المأساة، وتُضاف العمارةُ الآمنةُ الى مسلسلِ الجحيم، ويبدأ مسلسلُ الإستنكارات، وتُسجلُ الجريمةُ ضدَ مجهول..!؟


حصدَ الإرهابُ مئات الألوفِ من النفوس البريئةِ، ولا زلنا نجهلُ الفاعلين.. "إنتصرنا" على "القاعدة"، ولا زلنا نحصد المزيد.. "نجحنا" في "المصالحة الوطنية"، ونزيفُ دمائِنا لم يتوقف.. بنينا " الصحوةَ" فحصدنا أرواحَ الشهداءِ أبي ريشة وصحبه الميامين.. "نجحنا" كثيراً ولا زلنا "ننجح"، وأخيراً أسسنا "النخوةَ الفيحاء" ، فكان قطافُها "خمسون"..!؟


"نجاح" حكومتِنا باهر، و"إنتصاراتها" شاخصة في كل الميادين، أما "الفشل" فهو من نصيب الضحايا، الذين أهلكتهم غفلتهم فما كانوا يميزون بين "الإرهابي" وبين رجل الدين، بين المفخخة وبين التوربين.. ونظل كعادتنا بالإحصائيات مبهورين: قال الناطقُ بإسم الشَرِطة، ونوه المتحدثُ بإسم الجيش، واليومُ أفضلُ من أمس، وعدد الضحايا في إنخفاض ملموس، والحبل على الجرار..!؟؟


بشرونا بالهدوء الأمني، فخرجنا بجموعنا؛ نبتغي الساحات العامة وحديقة الزوراء، نستذكر أماسينا في مقاهي أبي نؤاس،  تسبقنا أقدامنا، مصدقين أم لا مصدقين.. أن نساءً في العمارة؛  يُنحَرنَ في البيوت .. يُقذفنَ في الشوارع..؟ أن لا فرق إذن، بين البصرة أو ميسان..؟؟؟!!

 أسئلة بلا قرار..!؟


ودون طولِ إنتظار، يُنسفُ الحلمُ، كما تُنسَفُ الأجساد،
 وتمتد إهتزازاتُ البركانِ من قلب ميسان حتى بغداد؛
 لنعود الى كهوفِنا المقابر، وشوارعِنا المتاريس، شاخصة أعينُنا متفحصة دبيب السيارات،
 ووجيف قلوبنا يلهبه الموتُ الكامنُ في الطُرقات..!؟


شبكةُ الموتِ المُطْبِقة على هاماتنا ، عاصفةُ الرملِ الجاثمةُ فوق صدورِنا، قد أفسدت علينا الرؤية، وأغلقت أمامنا طرقَ النجاة، ولا زالت تنذرنا بالمزيد ، وآه من هذا المزيد..أبناؤنا؛
  "أكبادُنا تمشي على الأرضِ"، اكبادُنا تتطاير في زحمة الإنشغال، في ضجة القيل والقال ..!!
 

أخذ التعللُ منا الكثير حتى لم نَجدْ ما نتعللُ به..رمينا كلَ الأسبابِ في سلةِ الإرهاب؛
 فأصبح أغنيتنا الوحيدة، وهاجسنا الدائم، وذريعتنا للتستر خلفه؛
 فإمتشقنا سيوفَنا، مشرعةً ليل نهار؛
 نطارد أشباحاً، ترانا ولا نراها، نقتل أوهاماً، نبني عروشاً في الفضاء..!! 
 

عامُ ُ يتلوه عامْ، والقادمُ قالوا؛
 أرحم مما فات.. القادم قالوا أرحم مما فات.. أرحم مما فات.. مما فات.....
فهل حقاً يا آمنةُُ ُ، تُسعِفُنا الكلمات..؟؟؟!
هل حقاً تُسعِفنا الكلمات..؟؟؟! (*)  (**)             

        لكن الآتي حُلماً، حُلماً آتٍ في كل الأوقات.. في كل الأوقات....
____________________________________________________
* مهداة الى الكاتبة المبدعة الفاضلة آمنة محمد باقر ومدينة العمارة الشماء
(*)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=120168
(**)  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=118898

       
 

309

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


[[منحة أمريكية من طراز خاص نسمع كثيراً بالمنح الأمريكية
 التي يخصصها الكونغرس للعراق فهناك منحة لاعداد الجيش العراقي
 وثانية لتطوير قطاع الكهرباء وثالثة لاعادة تأهيل الاهوار وغيرها ،
ولكن هناك منحة أمريكية تأثيرها لازال قائما يفتك بحياة ألوف العراقيين
 منحت على دفعتين في حرب الخليج الأولى وبما يسمى بحرب تحرير العراق
 أنها منحة من طراز خاص لا تعترضها الحدود ولاتفرق بخطورتها وعدالتها بين البشر
 وتشتمل بعطائها النبات والحيوان وتتسرب إلى المياه الجوفية وتبقى عاشقة وملازمة للأرض مئات السنين
 أنها منحة اليورانيوم المنضب الذي استخدمته القوات الأمريكية في حربها على العراق فهل هي حقيقة أم وهم وهل هي واقع أم خيال ؟؟؟؟؟]]
                       المهندس _علاء كامل علوان_ ناشط بيئي من البصرة _العراق



في مقاله الرائع (لماذا التعتيم على التلوث الإشعاعي في العراق ؟)(1)،  والمنشور في عدد من المواقع الإلكترونية بتأريخ 18/12/2007 يلقي الدكتور كاظم المقدادي -باحث بيئي عراقي، رئيس قسم إدارة البيئة بالأكاديمية العربية في الدنمارك- الضوء على خطورة النشاط الإشعاعي في العراق،  بل  ومن خلال الأدلة الدامغة يُحَمل الجهات المسؤولة كامل المسؤولية عن حقيقة التستر على المخاطر الجسيمة التي هددت ولا زالت تهدد أبناء الشعب العراقي، والتي من جرائها هلك الإلوف من العراقيين وألوف غيرهم تنتظر، الذين كان للأطفال منهم النصيب الأكبر من التشوهات الخلقية والإصابة بالسرطانات المختلفة..!؟


ومن اللافت للنظر أن تجابه الحكومة العراقية كل النداءات والدراسات المرفوعة من قبل ذوي الإختصاص من أطباء وناشطين في البيئة من أجانب وعراقيين وفي مقدمتهم الأكاديمي المبدع الدكتور الفاضل كاظم المقدادي بغزير ما نشره من المقالات والتحذيرات عن مخاطر التلوث البيئي وخاصة الإشعاعي منه، أن يقابل كل ذلك من قبل السلطات الحكمية ووسائل الإعلام المرئية والمقروءة بهذا الصمت المطبق، وفي أمور تتعلق بحياة الناس، وكأنها إستساغت موت الناس بهذه البساطة، التي ألِفَتها جراء التساقط المتواتر لأعداد الضحايا من العراقيين الذين تحصدهم آلة الإرهاب والقتل المتعمد من قبل الزمر المسلحة والمليشيات السياسية، فلا غضاضة والحال أن يأخذ اليورانيوم المنضب حصته من الغنيمة العراقية، ولكن هذه المرة من أرواح أبنائها، أطفالاً كانوا أو نساءً أم شيوخ..!؟؟


ولعل في ما يشير اليه الدكتور كاظم المقدادي في أحدى دراساته المهمة والعديدة عن التلوث الإشعاعي في العراق، من معلومات  أعدها خبراء الأمم المتحدة حول نتائج كارثة التلوث الإشعاعي على مستقبل المجتمع العراقي ما يلقي الضوء على هول الكارثة المحدقة بالعراقيين، وعلى مدى عدة أجيال قادمة، إنْ لم ينبرِ المجتمع الدولي والسلطات المحلية بتحمل دورها في الكشف عن واقع وحقيقة حجم التلوث الإشعاعي الذي تعرض ويتعرض له العراق جراء حربي الخليج الأولى والثانية، والتعامل مع الأمر بروح عالية من المسؤولية الإنسانية والوطنية: يشير الدكتور كاظم المقدادي في إقتباسه نقلا عن خبراء الأمم المتحدة الى:

[[ ومن المفيد التذكير بتقرير، أعده خبراء للامم المتحدة، عن متوسط الأعمار في العراق في المستقبل المنظور، بالإستناد الى وقائع ومخاطر إنتشار التلوث في المنطقة، نشر في شباط/ فبراير 1998، توقع فيه، إرتباطاً بنتائج التلوث الذي تتعرض له البيئة العراقية، إنخفاض متوسط الاعمار في العراق الى حوالي 30 عاماً بحلول العام 2010، وذلك بسبب التلوث البيئي.وقال د.جون دانكر-أحد الباحثين البيئيين البارزين في البرنامج المذكور، ان متوسط الأعمار سيكون الأكثر تأثراً بانتشار التلوث في هذه المنطقة من الناحية الديموغرافية. وأكد د.جي اوران-الباحث في برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التلوث في جنيف: إن نسبة التلوث في العراق قد تضاعفت 8 مرات على الأقل خلال السنوات الأخيرة في بعض المناطق الحضرية، لتصل الى 87 % مقابل 11 % سابقاً.وتترافق ظاهرة تناقص الأعمار- وفقاً لطبيب الأطفال فوستر- مع زيادة عدد اليتامى. وتفيد أرقام برنامج الأمم المتحدة لمكافحة التلوث وجود عدة ملايين من الأطفال العراقيين الأحياء لن يعيشوا لأكثر من سن العشرين.ويتوقع البرنامج  ان تتضاعف وفيات الأطفال 3 مرات بحلول عام 2010 في جميع أرجاء العراق بسبب التلوث..]] (2)       

ومن غير شكٍ، أن المجتمع الدولي وفي مقدمته الأمم المتحدة ومؤسساتها البيئية ومنظمة الصحة الدولية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية جميعها تتحمل مسؤولية أخلاقية كبرى أزاء ما حصل في العراق من تلوث مهلك في البيئة العراقية، وما ترتب ويترتب عليه من هلاك الألوف من العراقيين نتيجة الآثار السلبية والمدمرة للنشاط الإشعاعي لليورانيوم المنضب، في نفس  الوقت الذي تتحمل فيه إدارة الولايات المتحدة الأمريكية،  وبعيداً عن أي إعتبارات أخرى قد تضع الحكومة العراقية في موضع الحرج، كامل المسؤولية الأخلاقية والجنائية لإستخدامها هذا النوع من السلاح،  وعليها وهي المفوضة من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن خصيصاً بالإشراف والمتابعة للشأن العراقي، أن تتحمل كامل مسؤوليتها في الإسهام  بمعالجة حالة التلوث الخطيرة بنفس القدر الذي يحملها القانون الدولي التعويض عن كل الأضرار التي لحقت بالصحة العامة والبيئة بما فيها حق العوائل التي تضررت أو فقدت أبنائها جراء إستخدام هذا السلاح المحرم، بالتعويض العادل..!


فأي تعتيم يعني إبعاد مشاركة المواطن في التعرف على ما يحيط به من كوارث، أو أن يسهم في محاولة تجنب آثارها، أو التعرف على حقه في مسائلة المسببين لذلك،  وإلا فما هي دواعي التعتيم والتستر على أمر بهذه الخطورة رغم كل الدراسات والتقارير العلمية والمهنية من قبل الباحثين المتخصصين والمنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة، والتحذيرات التي ما إنفك جمهرة المتخصصين من أطباء وباحثين يطلقونها بين الحين والآخر..!؟؟ 


فإذا كان قدر الأجيال العراقية اليوم أن تقدم من الضحايا ومن جميع الأعمار والأجناس ما جاوز حدود المتصور والمعقول "ثمناً" أو قرباناً لحلم الديمقراطية المبتغاة، فما ذنب أجيالنا القادمة، أن تتحمل وزر أخطاء حكامنا السابقين والحاليين، وما سيرثونه، من بيئةٍ ملوثةٍ مُهْلِكةٍ وأجسامٍ معوقةٍ وأعمارٍ قصار..؟؟!   


أضم صوتي الى دعوة الأستاذ الباحث البيئي الأكاديمي الدكتور كاظم المقدادي، بضرورة رفع التعتيم الذي تفرضه السلطات الحكومية ووسائل الإعلام الرسمية عن حقيقة ما تشكله كارثة (التلوث الإشعاعي) من مخاطر حقيقية على البيئة والإنسان العراقي، وأراها مسؤولية الجميع في إيلاء هذا الأمر إهتماماً ورعاية إستثنائية، من خلال الكتابة والنشاطات التي يبيحها القانون لتوعية المواطنين بأخطار اليورانيوم المنضب وتأثيراته السمية والسرطانية القاتلة على صحة الإنسان. إنها دعوة لكل العراقيين من أصحاب القلم والمثقفين كافة . ولمن يريد الإستفاضة فبإمكانه الإطلاع على الكثير من الروابط الإلكترونية التي ثبتها الدكتور الفاضل المقدادي مشكوراً في العديد من مقالاته الثمينة وذلك تعزيزاً لجهده الكبير والمتميز في هذا المجال الحيوي والخطير من أجل حماية البيئة والتنبيه لأخطار التلوث الإشعاعي المهدد لحاضر الشعب العراقي ومستقبل الأجيال القادمة. أدناه بعضاً من تلك الروابط ...!!؟(3) (4) (5)   
_________________________________________________________     
(1)   http://iraqihome.org/index.php?option=com_content&task=view&id=3063&Itemid=1 
(2)     http://www.iraqihome.com/makdade16.htm
(3)     http://www.4eco.com/2005/07/__23.html#1
(4)        http://www.commondreams.org/headlines02/1112-01.htm
(5)     http://www.counterpunch.org/rose11172004.html

310
المنبر السياسي / الشهيدة..!
« في: 20:29 27/12/2007  »
الشهيدة..!
باقر الفضلي

bsa.2006@hotmail.com


إغتيال بينظير بوتو

وللحرية الحمراء باب
بكل يد  مضرجة يدق
           "أحمد شوقي"

لم تتسع فسحة المخطوط لقول المطلوب..

 المرأة التي لم تستسلم أمام جبروت وطغيان الدكتاتورية العسكرية، المرأة التي تمسكت بثوابتها الديمقراطية في وجه عالم التخلف والجهل.. المرأة التي إمتلئت عنفواناً ومثابرة لا تهيد.. المرأة التي لم يثبط عزيمتها السجنُ ولا النفي.. هي من ودعتنا اليوم بيد مضرجة بالدماء لتقول لكل من آزروها ومن آمنوا بما آمنت، أن طريقَ الحرية والديمقراطية، طريقُ ُ ترخص دونه الأرواح..

 المرأة التي فارقتنا وهي تبتسم، لتزرع اليأس والحنق والحقد في قلب قاتلها، الذي لم يجد منفذاً للهروب من هول الصدمة، فأفلت جثته الهامدة نثاراً تذروه الرياح..!؟

مصرع الشهيدة بينظير بوتو التراجيدي، يرسم علامة مضيئة في طريق من ينشدون؛ أن تسود الديمقراطية والحرية في العالم وفي بلدانهم، المكافحين من أجل السلم والتحرر من عبودية الجهل والتخلف والشعوذة، ويمثل درساً بليغاً للجميع، بأن أعداء الحرية والديمقراطية، لا يقلون إصراراً وتعصباً في التمسك بما جبلوا عليه من تعنت وغطرسة ووحشية..!؟

إن من يعادون الديمقراطية، وإن تاجروا بها شعاراً مزيفاً للوصول الى مآربهم في التسلط وزيادة الأرباح وتشديد إستغلال المحرومين والمضطهدين، هم أكثر همجية وأشد تنكراً لكل ما يدعونه أو يتلبسونه من شعارات كاذبة ومخادعة ، ومستعدون لإرتكاب أبشع الجرائم بحق معارضيهم. وما مصرع بينظير بوتو إلا مثل صارخ على تلك الوحشية والهمجية القذرة..!

وإن تحتفي قافلة شهداء الديمقراطية والحرية في العالم اليوم، بقدوم ضيفها الجديد، وفي أيام العيد الجديد، فلها أن تفتخر بأن القادم ضيف ليس كأي الضيوف، وعلم ليس ككل الأعلام، إنها بنظير بوتو، المرأة الشجاعة الباسلة، التي وقفت بكل إعتزاز وفخر لتعلن بأن المرأة قادرة أن تقود شعبها في أوعر الطرق مسلكاُ وخطورة؛ إنه طريق الحرية والديمقراطية والمجد..!
فلتفخر كل نساء العالم بنظير بوتو الخالدة في قلوب محبي الإنسانية والحرية والديمقراطية..!       
27/12/2007

     



ً 

311
البصرة: قتل النساء وصمت الحكماء ...!!؟

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الفقهاء؛ فئة من الناس حباها الله بنعمة الحكمة، ومَنَّ عليها بالمعرفة، وألهمها ما لم ُيلْهِمُ به الآخرين من سبل التبحر بالعلم وإستنباطِ الأحكامِ ومدلولاتها، وخصَّها بما لم يخص به الآخرين من القدسية والإطاعة، وبوءها بما لم يبوء به الآخرين من مكانة من العز والمهابة؛ فدانت لها عامةُ الناس بالطاعة، وإئتمرت بأمرها عند طلب المشورة، حتى صار لها القدحُ المعلى فيما تجتهد، والصرحُ الأرقى حينما تقوم وحيثما تقعد؛ تشير فتُطاعْ، وتأمرُ فتُستجابْ؛ كلِمَتُها هي النافذة، وإرادتُها هي الغالبة..!؟


الفقهاء؛ يعلنون بأنهم خدمُ الأمةِ وعمادُها، وقادتُها للصلاح والإصلاح، ومرجعُها في النوائبِ، وملاذُها في المصائب، ومرشدوها لإحقاق الحق ، وآمروها بالمعروف ونهي المنكر..


فهم؛ قلَّما يتحدثون، وقلَّما يظهرون أو يتمظهرون؛ يأنفون العيشَ في الأبراج العالية، ويزهدون في متع الحياة الفانية؛ زاهدون لا متصوفون، تُشغلهم أمورُ العباد قبل أن تُلهيهم فتنُ الحياة..


في صمتهم حكمة، وفي إفتائهم نعمة.. القليل من يدرك ما يقصدون، ومتى يجتهدون، وإيان ينطقون..
لا تهز وقارَ حكمتهم حادثة، ولا تستعجل قرارَهم آزفة؛  فلماذا يستعجلنا الجزع، ويغلبُ علينا الهلع..؟ لماذا تستفزنا الأحداث، ويُرهِقنا الإنتظار، وينفذ لدينا الصبر، ونستعجل القطفَ قبل أوانه، ونجأر بالشكوى فيستحوذ علينا اللّجَج..؟!


أليس في صمت فقهائنا حكمة، وفي نسيانهم أو تناسيهم رحمة.؟! ألم يُودِعوا لدينا القانون، ومنحونا فرصة الحكم بأيدينا.؟ فلماذا نشغلهم بصغائر الأمور، ونلهيهم عن النظر في شؤون العامة..!؟


فما شأن قتلُ الأناثِ بحكمة فقهائنا؛.؟ فهل تناسينا بأن للذكر مثل حظ الأنثيين..؟! وإن قُتلن؛ مثنى وثلاث ورباع وما شاء من شاء من أولي المكنة والجبروت..؟


فقهاؤنا إن صمتوا فهم يعلمون، وإن نطقوا  فلا يُغيّرون ، وإن إستنكروا فقد يلامون، فما لهم وشأن من يُقتلون..؟!
فللصمت أحكامُه، وللقتل أحكامُه، وللخوف أحكامُه، كما إن للموت أحكامه؛  فمن يشأ فليختر، فليس ثمة إن شئت، أمامك غير ذلك من إختيار..!!؟


قبل ألفٍ وخمسمائة ونيف عام، قتُِلَتْ البنات خشية إملاق، واليوم تُقتل البنات خشية إفساد..

قبل ألفٍ وخمسمائة ونيف عام، ناصر نبي المسلمين ضحايا الجهل والتعصب، وأنقذ الكثيرات ممن أدركن  الإسلام من الفتيات، من قتل "الخَشية"..
 
وبعد الفٍ وخمسمائة ونيف عام، عادت اليوم شللُ ُ من  القومِ الى الجاهليةِ الأولى، فإرتَدوا على الأعقاب، وأسسوا لدينٍ عُجاب؛ إذ تُزْهَقُ أرواحُ بناتِنا وأمهاتِنا وأخواتِنا تحت طائلةِ حُكم "الخَشية" ، وتُرتَكَبُ جرائمُ القتلِ بدمٍ بارد، وفي ظل سلطة الدولة،  وسَمْعِ وعلمِ رجال الأمن والقانون وبإعترافهم الصريح..!!؟؟(1)


إن قتلَ النفس البريئة على أساس الظِنَّة والشُبُهة والخَشية، وخارج حكم القانون، هو جريمةُ ما ورائها جريمة، ولا يمكن أن تجدَ مبرراتها حتى في أعتى النظم الإستبداية، ولا حتى في قانون الغابة؛ إنها إستباحة غير مسبوقة العهد، ولم يَعرفْ لها التأريخُ مثيلاً في الهمجية والوحشية،  لدماء النساء في عراقنا "الجديد"؛  أما الصمتُ عليها وعدمُ إدانتها والتهوينُ من بشاعتها، والفَشلُ في تعقيب الجناةِ رغم التكرار، هو الآخرُ لا يجد تبريراته إلا في عدم الشعور بالمسؤولية في الحدود الدنيا على أقل تقدير، إنْ لم يخضع القائمون على حفظ النظام الى طائلة المسؤولية القانونية عما يحدث من مسلسل الجرائم ضد النساء ..!؟


لسنا اليوم في زمنٍ، الحكمُ فيه بيد الأنبياء، ولكن لدينا الدستورَ ولدينا من الحكماء أو الفقهاء العدد الوافر الذي مارس دوره وبفعالية مشهودة في جوانب كثيرة من العملية السياسية، بدءً من الإِنتخاباتِ وإِنتهاءً بالتشكيل الحكومي وفي أمورٍ سياسيةٍ وإداريةٍ وتوجيهيةٍ أخرى.. فكيف يُفَسِرُ المرء هذا الصمت المُطبق والذي يبعث على اليأس والقنوط، الذي يتمسك به أصحاب النهي والأمر من أعلام المرجعيات الشيعية والسنية على حد سواء، ومن حكامنا وسياسيينا أزاء ما يُقترفُ من جرائم بحق النساء، وما يلحق بأبناء الطوائف الدينية الأخرى من مواطني البصرة الفيحاء والمدن الأخرى، من إضطهادٍ فاق  كلَ الأعرافِ الإنسانيةِ والدينيةِ والحضارية، من قتلٍ وتشريدٍ وتهجيرٍ وسائرِ الموبقاتِ التي يندى  لذكرها جبينُ الإنسانية؛ ولماذا هذا التعتيمُ والتقليلُ من أهمية ما يحدث في المدينة بطريقة لا تخلو من الإستهانةِ بقيمة الإنسان وضعفِ الشعورِ بالمسؤولية رغم كل الأدلةِ والقرائن التي تشيرُ الى هول الجريمة ومَنْ يُغذيها..!؟؟(2) 
 
قالوا إنَ من شَر البلية ما يُضْحِكْ.. وأقول إنَ من هَولِ المصيبةِ ما يُفزِعْ..!؟ 
____________________________________________________________
(1)  http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=1507
(2) في لقاء خاص مع الفضائية العراقية مساء يوم 16/12/2007 قلل السيد الناطق بلسان الحكومة العراقية د. علي الدباغ من أهمية التقارير التي نشرتها وكالات الأنباء العالمية حول جرائم قتل النساء في البصرة، رغم تصريحات السيد مدير شرطة البصرة الى وسائل الإعلام المحلية والدولية مؤكداً حقيقة هذه الجرائم البشعة..!؟(*)
 (*)  http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_7135000/7135739.stm
 

 

       




312
 

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


على هامش مناقشة الميزانية الإتحادية/2008


في جلسته الأخيرة المنعقدة في 6/12/2007،  ناقش مجلس النواب العراقي مسودة قانون الموازنة لعام/ 2008  والذي يعتبر من القوانين الأكثر أهمية حيث من خلاله، تتوضح صورة وآفاق التطور اللاحق لمسيرة البناء الإقتصادي للبلاد، والتي على ضوئها يمكن التكهن بشكل  وحجم هذا التطور، وإنعكاساته على الصعيدين السياسي والإجتماعي..!


ومن خلال هذا المنظور للموازنه، كشفت مناقشات السادة النواب لمسودة قانون الميزانية/ 2008 الكثير من مواطن الضعف والخلل في مفرداتها، خاصة تلك التي تتعلق بحصص الإستثمار في القطاعات الإنتاجية في الصناعة وبالذات صناعة النفط والغاز وإعادة الحياة الى المعامل المتوقفة عن الإنتاج وكذلك في قطاع الزراعة الذي يعاني من إهمال وتأخر كبيرين؛  ليس هذا فحسب، بل أشار عدد من النواب الى خلل جدي يتعلق بعدم الشفافية في حسابات الموازنة من خلال المقارنة مع موازنة العام /2007 وأثبتوا عن طريق الحسابات الرقمية عدم صحة ما تعلنه وزارة المالية من الزيادة المفترضة في موازنه العام/ 2008  بل أكدوا إنخفاض نسب التخصيصات في أوجه الصرف في عديد من أبواب الموازنة عما كانت عليه للعام/ 2007، طبقاً للمتغيرات التي طرأت على أسعار النفط من جهة وسعر التبادل للدولار من جهة أخرى..!


من جانب آخر أكد بعض النواب على عدم العدالة في توزيع نسب التخصيصات بين المحافظات كما هو الحال مع محافظة ذي قار،(1) ناهيك عما أشار اليه عدد آخر من النواب من باب النقد  لتخفيض مفردات البطاقة التموينية من عشرة الى خمس على حساب حاجة المواطن العراقي، وتحت ضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين، وذلك بتذرع وزارة المالية "بتخفيض اعباء الحكومة والتخلص من الدعم". كما أشارت تلك المداخلات الى العيب الذي شاب الميزانية وذلك:  " بتقديم الميزانية التخمينية لعام /2008 دون تقديم الحسابات الختامية للعام الجاري/2007..وهذا خلل يبقي جميع الامور في اطار التخمينات، في حين ان الاخيرة يجب ان تكون أقرب الى الواقع، والا ستكون الامور باقية في اطار التقديرات"(2) ..!       


المهم من كل ذلك وهو ما أردت الإشارة اليه من خلال عنوان هذه المقالة، هو تلك الجدية والإهتمام الكبيرين التي إتسمت به مداخلات الأخوة أعضاء مجلس النواب عند مناقشتهم لمسودة الموازنة لعام/ 2008، وإن أعاقت عملية الإستماع الإنقطاعات المتعددة للصوت، وأحياناّ، وهذا ما أعتدنا عليه كثيراً، قطع عملية البث كلياً والإنتقال الى فعاليات أخرى، وهذا ما حدث في هذه الجلسة، ومع ذلك فليس من مهام هذه المقالة الخوض في دراسة تفاصيل الموازنة المذكورة، فهذا من أولويات المهام المطروحة على المتخصصين في هذا المجال من الخبراء الماليين والإقتصاديين..!


ولكن، أقول إن المهم في الأمر؛ هو ما أشار اليه بعض النواب من إفتقارهم للمشورة المتخصصة في أمور ذات سمة مهنية عالية، يتعذر على الجميع الإلمام بها، مثل قضايا الحسابات والأرقام، مما يصعب معه على النائب بلورة الرأي المناسب في أمور مثل دراسة وتمحيص الميزانية على سبيل المثال، مما يشكل حالة من الوهن والحيرة أمام النائب في العهد البرلماني الجديد ، أن يتفهم بمفرده العديد من المصطلحات الخاصة أو يدقق في تعقيد العمليات الحسابية، أو ان يكتشف ما تبطنه جداول البيانات من مطبات وغموض يصعب أحياناً حتى على ذوي الإختصاص سبر غورها، فكيف والحال، على النائب الذي يفتقد مثل هذه المعرفة المتخصصة، من صياغة الرأي المناسب والذي يمكنه أخيراً الدفاع عنه..؟!


الإستشارة وبكل أصنافها وفي جميع المجالات، تبقى حاجة ماسة لجميع النواب أسوة بما هي عليه بالنسبة للوزراء أو مكاتب الرئاسة لرئيس الجمهورية أو لرئيس الوزراء، بل وتحتمها المهام الضرورية والمسؤولية التأريخية المناطة بالنائب، بإعتبار أن البرلمان هو الجهة التشريعية الوحيدة التي تسن القوانين ومقترحات القوانين، وهي السلطة العليا التي تمارس المراقبة على أداء السلطات الأخرى، ومن هنا في تقديري، يتعين على مجلس الرئاسة في مجلس النواب والنواب أنفسهم، أن يولوا هذه المسألة أهمية إستثنائية، وذلك على سبيل المثال: أن يجري وفي أضعف الإيمان، تأسيس مكتب إستشاري من مختلف الإختصاصات ومن ذوي المهنية العالية، مرتبط نشاطه بمجلس النواب، ليكون مرجعاّ إستشارياً للمعرفة المهنية في الإختصاصات المختلفة، يمكن للنائب طلب الإستشارة المعرفية منه في الأمور التي يتعذر عليه الإلمام بها أو تفسيرها عند الحاجة، ولتسهيل مشاركته الفعالة والمثمرة في العملية التشريعية، في وقت يتعذر فيه على النائب نفسه توفير مثل تلك الإستشارة شخصياً، وربما بسبب كلفها الباهضة، وهذا ما كشفته مجريات جلسة مناقشة الميزانية الإتحادية لعام/2008 وتعقيداتها من حاجة ماسة لعدد غير قليل من النواب لتلك الإستشارة التخصصية لفك طلاسم مسودة قانون الميزانية..!
_______________________________________________________

(1) مداخلة النائب السيد حسن السنيد في الجلسة 6/12/2007
(2) مداخلة النائب السيد حميد مجيد موسى في الجلسة 6/12/2007     
 http://www.iraqcp.org/members4/00701209w1.htm

     

313
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الخلافات المتفاقمة حدتها بين الحكومة الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان، حول دستورية إبرام العقود النفطية مع الشركات الأجنبية هذه الأيام، باتت تجد صداها أخيراّ  في قاعات مجلس النواب العراقي، مسببة حالة من سوء الفهم، ومن خلط غير محمود العواقب،  للمصالح السياسية والقضايا الدستورية، مما يبعث  على التخوف من تصاعد حدة الخلافات بين الفريقين، من مجرد خلافات شكلية حول تفسير النصوص الدستورية الى أزمة سياسية تضاف الى باقي الأزمات العالقة اليوم في مسار العملية السياسية، ومنذرة بتصدع العلاقات الأخوية والتأريخية بين مكونات المجتمع العراقي مستقبلا. وقد يبدو التشابك بين الحكومتين في هذه الشأن، علامة ظاهرة في هذا الطريق..!

ولكن وبعيداّ عن إستباق الأحداث، لابد على المراقب أن يشير الى خصوصية طابع النزاع حول مشكلة التفاهم بين  الطرفين ، والبحث عن النقاط الإيجابية التي يمكن أن تساعد على إيجاد مسار اكثر واقعية للخروج من الأزمة الحالية، غير الطريق الحالي الذي ينتهجه الطرفان، والذي لا يعدو عن كونه، غير فعل ورد فعل في طريق التصعيد الذي لا يخدم المصلحة الوطنية ويزيد من شقة الخلاف..!

ما يوحد موقف الطرفين من هذه الإشكالية المعقدة، هو إتفاقهما المبدأي على أن مرجعية المشكلة برمتها تتركز في الدستور، ويمكن تأكيد ذلك من خلال تشبث كل طرف منهما بأحكام الدستور بشأن مسألة النفط والغاز، وبالذات النصوص الدستورية للمواد (110، 111،112) وأحكام مسودة قانون النفط والغاز المطروحة أمام مجلس النواب لغرض التصديق..!

فحكومة إقليم كردستان من جانبها، تضفي الشرعية الدستورية من خلال تمسكها بالتفسير الذي تجده مناسباّ لتلك النصوص الدستورية، لتبرير إبرامها لعقود النفط مع الشركات الأجنبية، ومن جانبها الحكومة الإتحادية تطعن بهذا التفسير لنفس النصوص، ولها تفسيرها الخاص لها، والذي تستند عليه في رفضها لمشروعية عقود النفط المبرمة من قبل حكومة الإقليم..!

وفي الحالتين يجد المراقب نفسه أمام تفسيرين مختلفين لنصوص دستورية، هي محط خلاف منذ البداية، مما يصبح معه، من غير المناسب أن يقف المرء الى جانب أي من التفسيرين لتلك النصوص، خاصة إذا صدرا من جهات لا تملك صلاحية التفسير للنصوص الدستورية، وذلك في حالة إذا جرى خلاف حول تفسير تلك النصوص بين جهات مناط بها التنفيذ لهذه النصوص بصورة مشتركة، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بالإختصاصات – نص المادة 112 من الدستور- المشتركة بين تلك الأطراف..!

من هنا نقول وبصريح نص المادة/112 من الدستور، وليس بغرض تفسيرها، إن عملية إبرام العقود النفطية مع الشركات الأجنبية من قبل الإقليم، تندرج وطبقاّ لنص هذه المادة في رأيي، ضمن عملية التنسيق المشترك مع الحكومة الإتحادية في هذا المجال،  ومن جانب آخر يصبح من المتعذر معه الإستدلال بأحكام مسودة قانون النفط والغاز بهذا الشأن لعدم قانونية هذه المسودة لعدم التصديق ..!

   المادة (112):
((اولا: تقوم الحكومة الاتحادية بادارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للاقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون.
ثانيا: تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار.))الدستور العراقي


من كل ما تقدم، فإن كل ما يجري من تصعيد على الصعيد العملي بين طرفي الخلاف؛ من تصريحات حادة وتهديد بالتحدي او التعويل على إتخاذ إجراءات إستتثنائية، من طرف ضد الطرف الآخر، لا يصب في مصلحة حل الخلاف القائم بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم، بقدر ما يعقد المشكلة، ويفسح في الطريق أمام كل من يعشق تأزيم الأمور لغرض في نفس يعقوب، ولا يخدم من جهة أخرى مصالح الشعب العراقي عرباّ وكورداّ وقوميات أخرى..!

لقد حدد الدستور العراقي الطريق الشرعي والعادل في حالة مواجهة حدوث خلافات في تفسير النصوص الدستورية من قبل السلطات الحكومية وفي حالة المنازعات الدستورية والقانونية بين هذه الجهات، وحدد الجهة الدستورية التي تمتلك وحدها حق التفسير لنصوص الدستور، وقد أجمل كل ذلك في نص المادة/93 والمادة/94 كما في أدناه:
المادة (93):
تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي:
اولا: الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة.
ثانيا: تفسير نصوص الدستور.
ثالثا: الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية، ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الافراد وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة.
رابعاً: الفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية.
خامسا ً: الفصل في المنازعات التي تحصل فيما بين حكومات الاقاليم أو المحافظات.
سادساً: الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وينظم ذلك بقانون.
سابعا ً: المصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب.
ثامنا ً:
أ- الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم.
ب- الفصل في تنازع الاختصاص فيما بين الهيئات القضائية للاقاليم أو المحافظات غير المنتظمة في اقليم.

المادة (94):
قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة.


وبالتالي فإنه من نافل القول، أن يتم الإلتزام بنصوص الدستور في هذه المسألة الخلافية، من قبل الأطراف المختلفة، وإحالة الخلاف الى ( المحكمة الإتحادية العليا) لأنها الجهة الدستورية الوحيدة التي تمتلك حق البت في مثل هذه الخلافات، و تجميد عملية إبرام العقود لحين البت في دستوريتها من قبل المحكمة المذكورة..!

وهذا لعمري، وحده الإجراء الذي يتطابق مع الدستور في ظروف الخلاف الحالي، ووحده من يكفل التهدئة ويطفيء نار التصعيد، ويقطع الطريق على المتصيدين في المياه العكرة، ويعزز وحدة وتلاحم الشعب أمام الأخطار..! 



   

314

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


أقسى ما يواجهه الإنسان، أن تختلط مشاكله مع مشاكل الآخرين؛ أن يكون نفسه سبباّ لذلك الإختلاط، أو أن يكن الآخرون سبباّ له، أو أن تكن جميع الأطراف ضالعة في المشكلة نفسها..!!


فحالة التأزم الذي تعرضت لها العلاقات العراقية - التركية،  وما تمخضت عنه إجتماعات مؤتمر إسطنبول من نتائج، والخطوة الإيجابية التي أقدمت عليها قيادة حزب العمال الكوردستاني بإطلاق سراح الجنود الأسرى، والتطمينات التي تشير اليها تصريحات المسؤولين العراقيين حول "النجاح" الذي حققه المؤتمر؛ رغم كل ذلك، فإنه من السابق لأوانه، التكهن بما سيؤول اليه مصير هذه العلاقات ومستقبلها..!


فالحشود العسكرية التركية على الحدود،  ما زالت تشكل عامل ضغط وتهديد مستمرين، واللقاء التركي الأمريكي (بوش-اوردغان)، جاء داعماّ للموقف التركي، وأسس لتوافق (تركي- أمريكي- عراقي) جديد من وجهة النظر الأمريكية.  أما على الصعيد الميداني، فما إنفكت المدفعية التركية تدك القرى العراقية الحدودية بين الحين والآخر؛  أما الخيار العسكري فلا زالت رايته تخفق عالياّ فوق رايات التهدئة والحوار وإشاعة السلم في المنطقة..!


كل ذلك قد رسم للمشهد القائم، صورة ضبابية الأبعاد كما تبدو في ظاهرها؛ صورة يغلب عليها، تشابك المصالح والأهداف وقد إختلط فيها، الحق بالباطل، البسيط بالمركب، الوطني بالقومي، الخاص بالعام، النضال بالإرهاب، حتى بات من الصعب تبسيطها وفك تشابكها..!؟


 فقد حاول البعض ، وعلى هامش أعمال المؤتمر، وفي المقدمة، الولايات المتحدة الأمريكية، إختزال الأمر وتكييفه، الى مجرد عمليات "إرهابية" تمتهنها مجموعة من "الخارجين على القانون" ممن يحتمون بالجبال، متجاهلة كل أبعادها السياسية والإجتماعية أوالوطنية والقومية، كما إنتزعت، كل ما يمت بصلة لإصول ومنشأ الحركة النضالية لحزب العمال الكوردستاني وعلاقتها بمجمل نضال الشعب الكوردي في تركيا من أجل حقوقه المشروعة، حيث تمسك غالبية من حضروا  مؤتمر إسطنبول، بأمر واحد فقط، وهو إلصاق صفة "الإرهاب" بنشاطات الحزب المذكور، بمن فيهم الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، وهذا ما يثير الدهشة والإستغراب؛ فالمسألة في جوهرها، مسألة داخلية تركية، أستدرج إليها الطرف العراقي، مرغماّ لا بطلا، وجرى ويجري توظيفها كورقة ضغط لمقاصد أخرى معروفة..!؟


فمهما تكن عليه مواقف الأطراف الأخرى، وبالذات الجانب العراقي (الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم)، من واقع التحشيدات التركية ودوافعها من جهة،  ومدى صواب أو خطأ الإسلوب الذي ينتهجه حزب العمال الكوردستاني التركي في نضاله من أجل حقوق الشعب الكوردي في تركيا من جهة أخرى، فالأسباب التي تقف وراء هذه المواقف لم تعد بحاجة الى التحليل أوالتأويل، فحجم الضغوط التي يتعرض لها الجميع، وحده كافياّ لمعرفة أسباب ذلك..!
 

المهم في الأمر، هو الموقف السلبي للشرعية الدولية، ممثلة بأمينها العام والأعضاء الدائمين لمجلس الأمن من الأزمة القائمة، وذلك بتوصيف مجمل ما يجري على الحدود العراقية التركية بأنه مجرد نشاطات "إرهابية" ينبغي وقفها؛  وهو لعمري، موقف فيه من المحاباة للدولة التركية،  ما يمثل غمطاّ لحقوق شعب يربو تعداده على العشرين مليوناّ ويشكل 30% من نسبة السكان، ويمنح حكومتها، دعماّ قوياّ في مواصلة السير بنفس طريق السياسة القمعية ضد هذا الشعب، بعيداّ كل البعد عن النظر الموضوعي لجذر المسألة وأسبابها الحقيقية..!؟


لم تحاول الشرعية الدولية، حتى من باب ذر الرماد في الأعين، أن توجه ولو كلمة واحدة تبدي فيها إشارة أو حتى تلميحاّ الى الحكومة التركية تدعوها فيه، الى ضرورة إعطاء فرصة للسلام، وتحثها على الإعتراف بحقوق الشعب الكوردي وحل المسألة القومية بالطرق السلمية، بل ولم تسهم أيضاّ، بأية مبادرة لإيجاد مخرج من الأزمة..!؟


فمهما كان لإشكالية تواجد حزب العمال الكوردستاني من خصوصية على صعيد العلاقات الدولية والقانون الدولي في الوضع الحالي،  فإن ذلك لا يبرر طمس حقيقة نضال الأمة الكوردية في تركياّ،  وتواجد الحزب جزء من هذا النضال، بذريعة تمسكه بالأساليب العنفية في هذا المضمار، والتغاضي في الوقت عينه، عن إجراءات الحكومة التركية البوليسية والعسكرية المبالغ فيها ، والتي لا تتناسب مع حجم الفعل المعاكس على الصعيد الميداني..!؟


  وأيضاّ، ما تمثله حشودها الجبارة، من عوامل التهديد والضغط على جارتها الجنوبية العراق، وما تزرعه من خوف ورعب وقلق في نفوس العراقيين، الذي يبدو بعيداّ كل البعد عن حق الدفاع الشرعي الذي تتذرع به السلطات التركية، والذي يفترض سلفاّ، إذا ما إفترضنا صحة هذا الإدعاء، وجود عدوان مسبق من الجانب العراقي على أمن الأراضي التركية،  بل هو في الحقيقة، يشكل وبالعكس، حالة إرهابية وتهديداّ بالعدوان تمارسه الحكومة التركية، ضد دولة جارة، تمتلك معها الكثير من علاقات الصداقة والتعاون، التي تساعد على تعزيز روابط الثقة وحسن الجوار..!؟



ولا أريد هنا أن أذهب بعيداّ في الحديث عن الدوافع والأهداف التي تقف وراء ذلك،  أو عن المصالح المشتركة للأطراف الأخرى الداعمة للموقف التركي من دول الجوار، ولا البحث في التفسير التركي للمسألة القومية في تركيا، فقد جرت الإشارة الى ذلك من قبل الكثير من الكتاب والمتابعين ومن قبلي فيما سبق،  ولكني وإختصاراّ للأمر أقول: هل من العدل أن يقارن نضال شعب من أجل حقوقه المشروعة، مثل الشعب الكوردي في تركيا، بما تمارسه منظمة القاعدة الدولية من نشاطات إرهابية،  وأن يصنف هذا النضال في عداد "الحرب على الإرهاب"  التي تقوده أمريكا عالمياّ، على حد إدعاء الحكومة التركية..؟! (1)


خلاصة القول ؛ فإن  الشرعية الدولية وأمينها العام ، وللأسف أشير:  قد وقفا موقفاّ غير عادل من قضية عادلة، في الوقت الذي كان ينبغي على المنظمة الدولية، طرح مبادرتها لنزع فتيل الأزمة، ومطالبة الحكومة التركية الجنوح للحلول السلمية، ودعوتها الى سحب حشودها من الحدود العراقية،  كبادرة حسن نية،  لما تشكله من تهديد لأمن دولة جارة عضو في هيئة الأمم المتحدة، ولتعارضه مع المباديء العامة لميثاقها ، والبدء بالسعي لتفعيل دور المجتمع الدولي في حل المسألة الكوردية في تركيا بالطرق الديمقراطية وبرعاية الأمم المتحدة ومبادرتها،  حفظاّ للسلم والأمن الدوليين في المنطقة وتجنيب شعوبها ويلات الحروب..!؟ 

أما ذريعة "الإرهاب" التي تلاحق نضال حزب العمال الكوردستاني التركي، فإن ما سيرسمه هذا الحزب وما سيقدم عليه من سياسات واقعية ومنطقية وعقلانية متوازنة على الصعيد الميداني،  وهو مدعو لذلك،  تأخذ بالإعتبار طبيعة الظروف التي تعيشها الأمة الكوردية في تركيا، وفي باقي دول الجوار، وحدها كفيلة أن تسحب البساط من تحت أقدام مروجي هذه الذريعة، وتمنح الشعب الكوردي في تركيا فرصاّ أكبر في تعزيز نضاله من أجل حقوقه المشروعة،  وتفتح آفاقاّ أوسع أمام التيار الديمقراطي لدى الشعب التركي والشعوب الأخرى وشعوب ودول الإتحاد الأوروبي بالذات، لدعم هذا النضال، وقطع الطريق على صيادي المياه العكرة، والمتربصين من ذوي النزعة العسكرية  القومية الشوفينية في تحقيق ما يبتغوه..!   
____________________________________________________________________
 (1)   http://www.sotaliraq.com/iraqnews.php?id=1086     
 
   


       
 



315


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


سأقولها مثنى وثلاث ورباع ، وما قدر لي ذلك...

              *****

عندما تقرع طبول الحرب، وتعلن نذرها،
 عندما يبلغ وجيف القلوب الحناجر، ويخفت بريق العيون البريئة،
 عندما يكون الخوف هو الغذاء والدواء،
 عندما تحرث جنازير الدبابات الأرض، وتدك خراطيمها بيوت الفلاحين على الرؤوس،
 يوم تختلط أشلاء الأطفال والأمهات والشيوخ ويعفر تراب الأرض المقدسة الدماء الزكية،
 يوم تعز المسالك، ويفقد الأمل بالنجاة، وتسلم الروح مكرهة الى بارئها..
يومذاك يبدأ العويل ويعلو الصراخ:


أوقفوا الجريمة..أوقفوا الكارثة.. أوقفوا قتل الأبرياء..أوقفوا الحرب الظالمة..أوقفوا..اوقفوا..
أوقفوا الموت ياجنرالات البؤس العباقرة..! ولسان الحال يقول:


أي نصر حققتموه..أي عدو هزمتموه.. وأي سلام صنعتموه..؟؟!!!


إنه الخراب بكل ما في هذه الكلمة من معنى.. وإذا كان مفهوم السياسة يعني الحرب، وإذا كانت الجيوش أسست بقصد القتل والخراب فهي إذن، الكوليرا أو الطاعون.. وليس أمام البشرية والعقل الإنساني، غير درء مثل هذا الخطر الذي قد يدهمها في أي يوم كالح عاصف، وإذا كان حزب العمال الكوردستاني القشة التي ستقصم ظهر البعير، والتي ستعصف بالأخضر واليابس، فإدرؤا الخطر الأكبر بالخطر الأصغر، وأمنحوا السياسة فرصتها ومعناها اللين، فالسياسة ليست الحرب؛ وإذا ما ندمنا فلات حين مندم..!


الكل يدرك بما فيهم السيد أوردغان رئيس وزراء تركيا نفسه، بأن حجم الضغوط التي تمارسها المؤسسة العسكرية عليه، بما فيها تجييش الشارع التركي من أجل الإنتقام، هي أكبر مما يتصوره المراقب؛  فحكومة أوردغان، والحق يقال، مضغوطة بين رحى المطرقة والسندان، بين مناوشات المفارز المسلحة لحزب العمال الكوردستاني وكمائنها الإستفزازية ضد قطعات الجيش التركي من جهة، وبين ردود فعل المؤسسة العسكرية، التي وجدت في هذه الإستفزازات، ما يعطيها زخما جديدا ّّللتمسك بسياستها المتصلبة، ويذكي فيها روح التحدي والتعصب والكبرياء البيروقراطي، ويمنحها مزيداّ من قوة ومبررات التشبث بمقولة "حماية النظام العلماني" من جهة أخرى..!


ومهما بدت تطلعات حكومة السيد أوردغان وحزب العدالة التركي، نحو بناء مجتمع علماني ديمقراطي متحضر، تشده أواصر التقارب مع العولمة الحديثة والإنفتاح على الإتحاد الأوروبي، مهما بدت أكثر قبولاّ، ومهما تقاطعت هذه التطلعات من حيث ما هو معلن،  مع منطلقات المؤسسة العسكرية التركية، فإنه رغم كل ذلك، وجدت نفسها، في تقاطع حاد مع ما تفرضه حقائق الواقع القائم على الأرض، ويبدو أن لا مناص أمامها، إلا حني القامة أمام هدير الجحافل العسكرية التي تجوب تخوم البلدين الجارين..!


 فما تصبه عوامل الضغط في الشارع التركي من زيت لإذكاء النار، وما يلعبه الإعلام من دور سلبي في تأجيجها، ما يدفع  بالمؤسسة العسكرية بالإتجاه المسدود، كل ذلك معزز بما أسفرت وتسفر عنه نتائج تكتيك حزب العمال الكوردستاني، التي تلتقي في خطوطها العامة، وإن تقاطعات النيات وإختلفت الأهداف ، مع ما تصبو اليه مخططات هذه المؤسسة في المحصلة النهائية للأحداث، وبما يجر  بإتجاه تأزيم الموقف وتوتير حبال الربط، بإنتظار شرارة التفجير..!


فمهما كانت مشروعية الأهداف، فإن لرومانسية التكتيك دورها في تحديد مصيرها ، ونسبية التعاطف والتجاوب معها؛ فرومانسية الكفاح المسلح والتمسك به كتكتيك ، أمر لن تقرره حكمة وقدرة القيادات حسب، بل مدى ملائمة هذا الإسلوب في ظل ظروف معينة للتطبيق، ومدى حدود مسؤولية هذه القيادة في تحمل النتائج..!


فكيف سيقرأ الحزب، ما ستؤول اليه، النتائج الكارثية لإجتياح لا آخر له إن كان له أول، إذا ما سارت الأحداث بهذا الإتجاه، وإحتمالات ذلك أقرب  للعين من الحاجب، وأين ستنتهي مسيرة عشرين عام من النضال من أجل قضية عادلة، في ظل ظروف غير عادلة، وبأساليب خاطئة، إن لم تكن غير ملائمة..؟   


 أما الجانب العراقي، وإن حمل بحق أو بدون حق مسؤولية تواجد PKK على أراضيه ؛  فإن العراقيين ليسوا بحال أفضل مما يرتجى، وما يحيط بهم من مشاكل ما يكفيهم، وليس أمامهم غير طريق واحد ، وهم متمسكون به بإقتناع..!


 إنه طريق السلام؛  الطريق، الأكثر وعورة من طريق المغامرة أو الإنجرار ورائها في أضعف الإيمان، لما يشترطه السلام من التضحيات، ما قد يصل حد الثوابت في بعض الأحيان؛ خاصة إذا ما كان الطرف الثاني يبحث عن مبررات وحجج لدعم أهدافه من وراء كل هذا التصعيد..!


 ففي الوضع الحالي، يصبح الموقف من طبيعة العلاقة مع حزب العمال الكوردستاني بكل أبعادها القومية والإنسانية وعمق الشعور الإثني للأمة الكوردية، هو المرشح لما قد يصيبه من متغيرات، في وقت ترتبط فيه أية نتائج إيجابية لهذا التغيير على مدي حصافة وواقعية القرار الذي سيقدم عليه هذا الحزب في درء تفجر الواقع المأزوم، وهذا هو بيت الفرس كما يقال، وما يقابله من حنكة سياسية وواقعية من قبل  الجانب العراقي...!


فليس من الحكمة بمكان، أن يجري تغليب التكتيك على حساب الهدف، والتفريط بالكل من أجل الجزء، دون إعتبار لما قد تسفر عنه نتائج اللعب بالنار، ومراعاة لما قد تؤول اليه التجربة الفتية في إقليم كوردستان..!
 

 إن مدى تفهم ما عليه الأوضاع في تركيا وعموم المنطقة وطبيعة تشابك العلاقات الإقليمية والدولية، سيكون له أثر كبير في التوصل الى حلول أكثر نجاعة وأقرب الى الواقع..!


إن أية مبادرة عربية أو إقليمية أو دولية أو من أي طرف كان، تسهم في نزع فتيل الحرب، إنما هي جهد يصب في خدمة السلم ويجنب آلاف الإبرياء من جحيم الحرب والشقاء..!
   

 



 
     
   

316
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com




حبست الأنفاس، وإشرأبت الأعناق نحو السماء، وزاغت الأبصار، وإهتزت الجدران الطينية، وإلتصقت أجساد الأطفال بأحضان الأمهات.. إنها الطائرات من جديد..
إنه  الكابوس يخيم على الرؤوس ، ودوي القنابل يزلزل الأرض تحت الأقدام، ويقض مضاجع الآمنين..
   
الطائرات التركية تحلق كالصقور الكاسرة، زارعة الخوف والهلع في قلوب النساء والأطفال والشيوخ في  ذرى ووديان كوردستان،  في وقت كان فيه الساسة الأتراك والعراقيون يجتمعون على طاولة المباحثات في أنقرة، أملاّ في إيجاد صيغة سلمية لحل إشكالية تواجد المفارز المسلحة لحزب العمال الكوردستاني  PKK في التخوم الحدودية..!؟

 إنه بحق، موقف تراجيدي آخذ بالعصف بالمنطقة، إن لم تنزل معجزة من السماء، ويعود أصحاب القرار الى رشدهم، بعد أن أصبحت الصورة أكثر وضوحاّ وبانت الخطط العسكرية التركية جلية على أرض الواقع، رغم كل الدعوات والتمنيات التي أطلقها محبي السلام من جميع أرجاء العالم..!


إعلان فشل المباحثات في أنقرة بسبب رفض الجانب التركي للمقترحات العراقية، وبغض النظر عما تكون عليه هذه المقترحات، وعودة الوفد العراقي الى بغداد ، يضع الجميع، من أنصار الحل السلمي للأزمة التركية - العراقية، ناهيك عن الموقف الصعب الذي سيواجه الحكومتين الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان ، أمام حالة من التحدي والتعقيد؛ حالة أوصلت جميع محاولات التشبث بالحل السلمي الى طريق شبه مسدود، أو هكذا يلوح به أصحاب الحل العسكري، لما إتسمت به من موقف الإصرار على التمسك بالنهج العسكري لحل الأزمة بإعتباره النهج المفضل لدى الجانب التركي..!؟

إن ما سيترتب على فشل المباحثات من جهة، وإصرار الجانب التركي على التمسك بالحل العسكري لحل الأزمة من جهة أخرى، سيكون من الخطورة ما يصعب على التصور؛ وسوف تنسحب تداعياته ليس على التنظيمات العسكرية لحزب العمال الكوردستاني ، كما تعلنه الأوساط العسكرية التركية حسب، بل ستشمل هذه التداعيات بنتائجها المدمرة، مديات أوسع من السكان و مساحات أكبر من الأراضي والأقاليم، و ستكون أبعادها على الصعيد السياسي، أكثر شمولاّ وستجر الى أتون الصراع أطرافاّ أخرى من دول الجوار، أما على الصعيد الإقتصادي، فحصادها سيكون خراباّ ودماراّ  للحرث والنسل لا يحصيان..!

لا جدال في الأمر، فإن الحل العسكري للأزمة القائمة، وطبقاّ لوجهة النظر التركية " بعد أن نفذ صبرها"  هو من أسرع الحلول،  ولكنه في عين الوقت، من أسوئها إطلاقاّ، وإن اللجوء اليه لا يعبر عن بعد نظر عقلاني أو حكمة سياسية، بل هو العكس بعينه؛ أو على حد تعبير المثل العراقي الشهير : " إجه يكحلها عماها" ..!

فالموقف السياسي والميداني الذي يواجه حكومة السيد رجب طيب أردوغان هو من التعقيد والتشابك على الصعيدين الداخلي والإقليمي وكذلك على الصعيد الدولي، ما يتطلب  معه  المزيد من الدراسة والتدقيق وحساب النتائج المحتملة للعمل العسكري المقترح من قبل أركان حربه، وما سيأتي به حساب تكاليف النتائج التي ستترتب على ذلك. ومن الحكمة القول؛ أن في ردود الفعل الأوروبية السلبية على النوايا التركية بالإجتياح ما يغني عن البيان..!(1)

 لا أظن أن مستشاري السيد أردوغان السياسيين بغافلين عن كل ذلك، ولا أعتقد أيضاّ، أن الدولة التركية الحديثة راغبة أن تمهد الى دخولها منظمة الإتحاد الأوروبي، من خلال بوابة مضرجة بدماء الأطفال والنساء والشيوخ وكل الأبرياء من أبناء الشعب الكوردستاني، سواء من كان منهم في تركيا أم في العراق، في وقت لم تعدم فيه الحلول السلمية، ولم تغلق فيه الطرق اليها، حينما تتوفر حسن النية لدى الجميع ويجري تفهم موضوعي لأبعاد الأزمة وإحتمالات منزلقاتها الخطرة ، فالجنوح الى السلم هو أسلم الحلول..!
____________________________________________________
 
(1) http://ara.today.reuters.com/news/NewsArticle.aspx?type=topNews&storyID=2007-10-27T145217Z_01_OLR753293_RTRIDST_0_OEGTP-TURK-IRAQ-REBELS-MM1.XML 
   

317
                 

باقر الفضلي

bsa.2005.hotmail.com



البصرة؛  الثغر الباسم، الغارق بدماء أبنائه؛
 البساطة والوداعة الفطرية، النبل والشهامة العريقتان، الأصالة والمنعة والعنفوان؛
 تحترق البصرة إذ يغتالها جشع الإنسان..

*******

هل بعد كل هذا الذي جرى في البصرة ويجري الآن، وكل ما يجري في محافظات الوسط والجنوب؛ من قتل وإستباحة وتمرد على السلطات المحلية، وممارسة لأبشع أنواع الإنتهاك لحقوق الإنسان؛ من قتل للنساء وإختطاف للأطفال وإعتداء على المحرمات، و ما لا يعد ولا يحصى من الغدر والعدوان؛ هل بعد كل هذا، أن تلوذ الحكومة بسلاح الصمت والتستر على حقائق الجرائم المذكورة، وتكتفي وفي أحسن الأحوال، بنسبتها الى الخارجين على القانون، ولم تسم الأشياء بأسمائها، وتنسب الفاعل الى مجهول؛ وعلى حد ما يقال: "ألقينا القبض على الجثة والمتهم هارب والتعقيبات جارية"..؟!

العجب العجاب، ثم العجب العجاب؛ أن تعلن السلطات المحلية في البصرة بأنها تمكنت  من العثور على أوصال جثث النساء المغدورات بين ثنايا الأزقة والطرقات، وهي تعلم بأن معدل عدد المغدورات من النساء يربو عل خمسة عشرة إمرأة شهرياّ طبقاّ لإحصائياتها الرسمية؛ أما الفاعل، فيبقى مجهولاّ في طيات النسيان..!؟


الحكومة أعلم من غيرها، بأن من يحكم البصرة ويتحكم بمصيرها، هم أنفسهم، من مكونات القوى السياسية ومن المشاركين في حكومة الوحدة الوطنية الإتحادية، وهم من يمتلك السلاح ومن له جيوش وميليشيات، وهم أنفسهم المتصارعون على السلطة في المحافظة والمتنافسون على تملكها، وجلهم يستقون ويدعمون لوجستياّ من دول الجوار، وهم من يروع أبناء البصرة الفيحاء ويعرضون أمنهم وسلامتهم للخطر..!؟

لقد ألزمت الحكومة تفسها في بيانها التأسيسي ومن خلال العديد من تصريحات السيد رئيس الوزراء وفي كثير من المناسبات، بأنها ستعمل جاهدة على إنهاء دور المليشيات المسلحة وتحكمها في الشارع، وتعزيز دور الدولة وسلطاتها المحلية ودعم الأمن والنظام. فهل تحقق شيء من هذا، وعلى مدار عمر إستيزارها في السلطة، أم أن ما يجري اليوم يعيدنا الى المربع الأول من تأريخ ذلك الإستيزار..؟؟!

قد يبدو الأمر مبالغاّ فيه من الوهلة الأولى، ولكن طمس الحقيقة أو برقعتها بأكاليل الأمن والإطمئنان، كما تبرزه السلطات المحلية من خلال وسائل الإعلام، وبالذات قناة العراقية الفضائية، هو الآخر ما يدفع الى الأسى وخيبة الأمل، ويلقي بظلال الشك وفقدان الثقة بما تدعيه هذه السلطات ، خاصة عندما تأتي الأحداث لترسم صورة أخرى لواقع الحال وتكشف عن حقائق حاولت أوتحاول هذه السلطات التعتيم عليها ورسم صورة وردية مغايرة في الشكل والمضمون..!؟ (1)

كل هذا يعزز تأكيد طرح التساؤل المستمر عن حقيقة ما يجري في المحافظات الوسطى والجنوبية، من حروب محلية وتنافس وصراع للهيمنة على هذه المحافظات بين الفصائل المسلحة لهذه الأحزاب (المليشيات)، ومدى علاقة الأحزاب السياسية وبالذات الإسلامية منها، المشاركة في العملية السياسية والتي ما أنفكت تدعي دعمها لهذه العملية، وإلتزامها بالدستور..؟!

ويأتي الجواب عالقاّ في السؤال نفسه، إذ ليس من مصلحة أحد من هذه القوى، كشف الحقيقة وتعرية الضالعين والمتورطين الحقيقين في ما يجري في مدن الوسط والجنوب من إقتتال وتنافس محموم على السلطة، حتى بما فيهم حكومة "الوحدة الوطنية" نفسها، فالأغلبية المكونة لهذه الحكومة تمثل التشكيل الرسمي لهذه القوى السياسية الإسلامية المتصارعة اليوم في الميدان، والتي لم تعد تخف نواياها من وراء هذا الصراع..!؟(2)

لا جديد فيما قلناه أو نقوله اليوم، فصورة (البصرة الفيحاء) وحدها كافية للتعريف بالعنوان، والكتاب يعرف من عنوانه؛ أما ما قلناه سابقاّ، وهوغير قليل، فكان حرياّ أن يؤخذ بالحسبان..!
 وما نشير اليه اليوم، إنما هو غيض من فيض..!؟ (3)، (4)
__________________________________________________________
(1)   http://ara.today.reuters.com/news/newsArticle.aspx?type=topNews&storyID=2007-10-23T151301Z_01_EGO354672_RTRIDST_0_OEGTP-IRAQ-BASRA-MZ4.XML
(2)     http://arabic.cnn.com/2007/middle_east/6/26/reports.basra/index.h
(3)     http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=66529
(4)   http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=65045
 








318

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

نائب في البرلمان، ومستشار للسيد رئيس الحكومة؛ مهمتان ومسؤوليتان، ترقيان في المستوى، منزلة لا تقل أهمية من منزلة الوزير نفسه، بل وينبغي أن يحضى صاحبهما، بقدر عال من المعرفة والتخصص في المجال المنسب اليه ؛ فمن يجد نفسه في مثل هذا الموقع، فهذا يعني تحمله مسؤولية إخلاقية لما يتقدم به من إستشارة يترتب عليها تأسيس موقف معين أو إتخاذ قرار مناسب..!

 وفي الشدائد والأزمات الحادة، يصبح دور المستشار في مثل هذه المراكز، أكثر أهمية وأعظم شأناّ ومسؤولية من أي وقت في الظروف العادية، ولعل فيما تظهره الأزمة القائمة اليوم بين العراق وتركيا، من دور وعمل المستشارين في مثل هذه الظروف، ما يوضح بعض صور هذه المهمة الشاقة..!

الأزمة العراقية – التركية الراهنة، وهي تلقي بضلالها على واقع العلاقات بين البلدين، لما تظهره من نذر الشؤوم بتصدع هذه العلاقات ، وما تبطنه من إحتمالات خطيرة وراء التلويح بالغزو العسكري من الجانب التركي لحدود العراق الشمالية، فهي ومن تحصيل الحاصل، تحدد ما تفرضه الحالة الموضوعية على الحكومة العراقية الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان، من بذل المزيد والمزيد من الجهود المشتركة لإحتواء الأزمة، وتجنب حالة تأزيم الأمور، والظهور بموقف متوحد أمام الطرف الثاني بما ينزع فتيل إحتمالات المواجهة العسكرية، مما يتطلب معه موقفاّ موحداّ في وجهات النظر، وإستثمار كل إمكانات الحوار والحل السلمي ودفعها بالطريق الذي يفوت الفرصة على من يريد الصيد في المياه العكرة..!

أمام هذه التحديات الخطيرة، يفترض المرء أن الجانب العراقي سيكون السباق الى منطق الحكمة والتعقل في إدارة مجريات هذه الأزمة، وهذا ما تلمسناه في الموقف الشخصي لكل من السيدين نوري المالكي و مسعود البارزاني، رئيس الوزراء ورئيس إقليم كوردستان، من خلال دعوتهما للحوار المباشر مع الطرف التركي، وهو موقف لقي إستحساناّ من قبل جميع محبي السلام..!

 ولكن ومما  يثير التساؤل والإستغراب، ما تداولته صحف اليوم 17/10/07 من تصريحات مستشار رئيس الوزراء النائب السيد سامي العسكري الى "راديو سوا" ، وتحت عنوان     " الأكراد لا يتذكرون أنهم جزء من العراق إلا في الأزمات ". (1)
 

وعلى عكس ما يفرضه  واقع الحال، وما أشرت اليه فيما تقدم من موجبات مواجهة الأزمة الراهنة، ظهر علينا السيد المستشار بما يوحي بأن الأمر ليس  كما توقعناه، وبعكس ما إفترضناه، بل وطبقاّ لتصريحه المذكور فإنه يوجه النقد الى الأخوة الأكراد قائلا:
 "للأسف في الكثير من الحالات لاحظنا أن الأخوة الكرد ربما يديرون ظهرهم للحكومة المركزية ويعتبرون أن ما يجري في تلك المنطقة هو شأن كردي خاص بهم، وحين تواجههم الأزمات يتذكرون أنهم جزء من العراق وجزء من الحكومة العراقية وعلى الحكومة العراقية أن تدافع عنهم وتحميهم" :

ليس هذا وحسب، بل أن السيد المستشار راح بعيداّ في تصريحه المذكور، ليميط اللثام ويوحي، بان الأمور تجري وفق منظور آخر، لا كما يتصوره الآخرون، وكما يبدو أن الغالب على ذلك هو العمل الأحادي الجانب، حيث وطبقاّ لما يقوله السيد المستشار: "إن السيد الهاشمي لم يتشاور مع رئيس الوزراء ولكن رئيس الوزراء يدعم أي جهد إذا كان في المحصلة النهائية باتجاه نزع فتيل الأزمة"
وهذا في تقديري لا يعزز الموقف العراقي من الأزمة، بل على العكس من ذلك، فهو يشتت جهدها في إحتواءها  ويخلق جواّ من زعزعة الثقة وضعف الموقف التفاوضي..!؟

مهما يكن من أمر، فإن ما يثير الإستغراب، هو أن يقدم السيد مستشار رئيس الوزراء وفي مثل هذا الوقت الحساس، ولا أعلم حدود مسؤوليات مستشاري رئيس الوزراء، على الإدلاء بمثل هذا التصريح، الذي أقل ما يقال فيه، إنه لا بعبر عن حصافة سياسية ولا يخدم مصلحة الجانب العراقي في عملية الحوار التي يسعى اليها من أجل نزع فتيل الأزمة على حد قول السيد المستشار، بل يعطي صورة ضبابية عن الموقف الحكومي، الذي يبدو في ظاهره غير موحد، الأمر الذي ما كان ينبغي له أن يعلن في هذا التوقيت غير المناسب،..!؟
___________________________________________   
  (1)   http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=67364

319

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com



لا مغالاة في العجب، عندما ينصرف الذهن الى مسلسل تطور الأحداث على التخوم التركية العراقية، وعندما تتحول التهديدات التركية بإجتياح الأراضي العراقية، الى مسألة تضفي عليها الحكومة التركية الشرعية القانونية، بعد إقرار البرلمان التركي لحق الحكومة بغزو العراق، وإستباحة أراضيه وإنتهاك سيادته ، وتعريض شعبه لخطر القتل المتعمد، وتدمير حواضره من مدن وقرى حدودية ، وتهجير سكانها وإبادة مواشيها، وإنزال الخراب بالحرث والنسل، وإشاعة الخوف والهلع بين الناس، وإشاعة كل ما له علاقة بأهوال الحروب ومآسيها، كل هذا في وقت يصمت فيه الجميع، وتتحشد فيه الدبابات والمدرعات وكل آلة الحرب المدمرة على الحدود، وتستغرق الإدارة الأمريكية في سبات وتأمل ودغدغات لعواطف الدولة التركية الجارة الشمالية للعراق، بضبط النفس وعدم زيادة التأزم في العراق ، فالحال لا يحتمل أكثر مما هو عليه الآن، وأن هذه الإدارة سوف تقف الى جانب الحكومة التركية في حل مشكلتها مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في جميع الأحوال..!


لا عجب في كل ذلك، فمشروع الغزو التركي الذي إكتملت  حلقاته الآن، ليس إبن يومه، وجذوره تغور عميقاّ في التأريخ، إلا أن أهميته بالنسبة الى تركيا اليوم، وبالذات بعد نجاح تجربة إقليم كوردستان في العراق، تبدو إستثنائية بما يفوق التصور، وهي في غاية الإستعداد الى التضحية بكثير من الإمتيازات التي تمنحها لها علاقاتها في المنطقة، من إجل تقويض هذه التجربة أو عل أقل تقدير إعاقة تطورها بالإتجاه الديمقراطي الذي أصبح مطمح الشعب الكوردي في كل من تركيا وإيران وسوريا..!


قبل عام ونيف من اليوم، كنت قد حذرت في مقالة محددة من مغبة ما قد تقدم عليه تركيا  من إجتياح العراق،(1) وأشرت الى أن الأمر يتعدى عن كونه متعلقاّ بما يدعى بمكافحة الإرهاب، وإن أصبح هذا الأمر اليوم من المبررات القوية بيد السلطات التركية، بسبب من السياسة اليسارية المغامرة التي ينتهجها الحزب الديمقراطي الكوردستاني التركي (PKK)، دون مراعاة الى طبيعة الظروف التي تمر بها المنطقة؛ مقدماّ بذلك ما يعزز توجهات القوى العسكرية اليمينية التركية ويمنحها من وسائل الضغط ما يكفي للتأثير على الحكومة بالسير بهذا الإتجاه، ومن جانب آخر، يضع كلا من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كوردستان في وضع لا يحسدان عليه، مما يزيد من مخاطر الإجتياح وتبعاته المدمرة، خاصة إذا ما أدرك المراقب ما في الأجندة التركية من مآرب أخرى، تمنحها سلوكية الحزب المذكور، فرصة أكبر للتلويح والتهديد بالتدخل بالشأن العراقي في وقت، لم تعد فيه الحكومتان في وضع من الإستقرار، وهذا ما يمنح الفرص أمام المتصيدين في المياه العكرة،  لتمرير سياستهم التمزيقية لوحدة الشعب العراقي، كما ويعطي من المبررات ما يكفي للدول الإقليمية الأخرى، للتدخل في الشأن العراقي وتمرير أجنداتها الخاصة وتصفية حساباتها مع الآخرين، على حساب مصالح الشعب العراقي..!

إن منطق التعقل والعدل يتطلب من جميع الأطراف وفي مقدمتها الحكومة التركية، الإبتعاد عن نهج التلويح بالقوة، وعدم النزوع لحل ما تواجهه من مشاكل داخلية عن طريق نقلها الى دول الجوار، وهي مطالبة بإحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، فالنزوع الى طريق السلام والحوار هو في تقديرنا الحل الأسلم لما يواجه الحكومة التركية، خاصة وأن الحكومة العراقية الإتحادية على لسان السيد رئيس الوزراء الأستاذ عدنان المالكي وكذلك على لسان السيد رئيس إقليم كردستان الأستاذ مسعود البرزاني، كانا من المبادرين الأوائل  لخيار السلم والحوار وتطويق الأزمة، ودرأ الأخطار المحتملة وتداعياتها المأساوية على الجميع..! (أنظر مقالتنا في أدناه لعلاقتها بالموضوع)
_____________________________________________             
(1)  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=98826

320

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


سأل أحد الحكماء يوماّ بعضاّ من جلسائه؛ إن كان بإمكان أحد منهم أن يسكت طفلاّ يجهش بالبكاء لسبب غير معروف؛
 فتنادى القوم كل بطريقته الخاصة، وتباينت الحلول وكثرت الأجوبة؛
 ظل الحكيم منصتاّ غير مقتنع، وإنتهى الرأي أن يبحث القوم عن طفل باك، وأخيراّ أحضروه...

سأل الحكيم الطفل عن سبب بكاءه فأجاب ؛ بأنه يريد سمناّ؛ أحضروا له السمن، سكت هنيهة، ثم عاد للصراخ؛
 أعاد الحكيم عليه السؤال؛ فقال أريد دبساّ؛ جلبوا له الدبس، فإنقطع عويه، ولم تمض لحظات، حتى أجهش بالصراخ من جديد؛
 فقيل له وما ظنك تريد..؟! أريد أن تخلطوا الإثنين..! خلطوهما؛ فأستقر الحال وكف قليلا عن الصياح، وأخذ يأكل بإرتياح؛
 وما هي إلا برهة، حتى أثقل على القوم بصراخه، ووقر آذانهم  نواحه؛
 صرخ به الجميع؛ وماذا تريد الآن..؟!
 إفصلوهما من بعض..!!؟

إضطرب القوم قي أمر هذا الطفل البكاء.. وسادتهم جلبة وإرتباك، حتى قطع ضجيجهم، صوت الحكيم وهو يقول:
 هل فيكم أيها القوم من يقدر على فك الإختلاط ويرضي هذا الطفل المسكين..!
 ولا من مجيب..!
أطرق الحكيم قليلاّ وقال:
ألم أقل لكم أن فك الأشياء المخلوطة ليس مثل خلطها..!
  وها نحن جميعاّ قد تعذر علينا إسكات هذا الطفل البكاء عندما طلب المستحيل..!!

*****

ونحن نقول، وبمناسبة قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الأخير بشأن العراق، إن معامل الفبركة والخلط  في البيت الأبيض هي اليوم أكبر قدرة وأكثر تمرساّ في عمليات خلط الأوراق من هذا الطفل البريء، الذي لم يدر بخلده غير الدبس والسمن، أما النفط فلم يعد في وقته قد ظهر للوجود، وإلا لكان ضمن الخليط، والله أعلم يوم تبلى السرائر..!

القرار الأمريكي الذي طبخه السيد جوزيف بايدن ومساعديه في معامل الخلط الإحترافية، لا يخلو في جوهره من مأرب واضح المعالم ولا يحتاج لكل هذا الجهد الذي بذله المراقبون والمعلقون والساسة والقياديون والكتاب وغيرهم من المهتمين بالشأن العراقي. وإن عملية خلط الأوراق كانت من الوضوح أكثر مما كانت عليه عملية خلط الدبس  بالسمن الطفوليين، وجمع المتضادات قد فضح ما هو مستور من خفايا اللعبة السياسية البايدينية..!

فالإنتهازية المقصودة من التعكز على بعض نصوص الدستور العراقي بشأن الفدرالية، وهو أمر تعسفي وتدخل شائن في الشأن العراقي الداخلي، إنما هو كمن يخلط السم بالعسل، وكلمة حق يراد بها باطل، وإيحاء للآخرين والعراقيين منهم بالذات؛ أن الرجل لا يهدف إلا إلى خير العراق وإشاعة السلم في ربوعه، بعد أن تفجرت براكين الدم و إحترق الأخضر واليابس، ودقت أعناق وإنتهكت حرمات، وعم ربوع الرافدين الخراب، وكأنه غير ذي علم بمن وقف ويقف اليوم وراء كل ذلك..!!

التقسيم والفدرالية نقيضان لا يجتمعان، فإن كان الهدف من القرار هو دعم الفدرالية التي ثبتها الدستور في المادة الأولى منه، فما هي دوافع التقسيم الكانتوني الطائفي الذي يعتمده القرار كأساس لذلك يا ترى..؟ ، وهل لدى أصحاب القرار المذكور (فلاتر) ضخمة يمكنها أن تفلتر الشعب العراقي ذا الملايين، طبقاّ للتقسيم البايديني الطائفي سيء الصيت، وما هو شأن الفدرالية في كل ذلك، ولماذا يجري قحمها في الأمر بهذه الطريقة الفجة..؟!

 وهل كان مشرعوا القرار، مدركين لتفسير نصوص الدستور العراقي بشأن الفدرالية..؟! الجواب عل هذا ، لعمري، سيفضح اللعبة وما ورائها من أهداف، أقل ما يقال فيها؛ أنها تستهدف تقسيم العراق شعباّ وكياناّ جغرافياّ موحداّ..!؟؟

أليس هناك من وضوح الرؤية ما يفيد؛ بأن هذا القحم المفضوح للفدرالية إنما هو مجرد عملية تضليل لإستخدامها غطاء ليخفي تحته الهدف الواضح للتقسيم ، لتبدو العملية وكأنها دعم لمبدأ الفدرالية، التي أقرها العراقيون طبقاّ لفهمهم الخاص، وليس لما خطط له، سيء الصيت، السيد بريمر صاحب الباع الطويل في التخطيط لكل هذا الخراب الذي لحق بالعراق..؟!

فليس هناك من فهم مدرك يرى في الفدرالية التي أسس لها الدستور ووضع أسسها وآلياتها في تشكيلة الأقاليم، بأنها ستبنى على أسس مذهبية طائفية، إلا من إلتبس عليه الأمر أو من له فيها مآرب أخرى تحرفها عن الإتجاه الصحيح الذي دفع ملايين العراقيين، للتصويت بقبولها على غرار ما بنيت عليه أسس الفدرالية في إقليم كوردستان..!

لقد دفعت عملية الخلط المذكورة الى تشويه الصورة الحقيقية لمبدأ الفدرالية، ودفعت حتى الأخوة في القيادة الكوردستانية، الى إتخاذ موقف التأييد لقرار مجلس الشيوخ البايديني، وإعتباره صادراّ طبقاّ للدستور العراقي، تصوراّ منها؛ بأن موقف الرفض والإنتقاد الذي قوبل به القرار المذكور من قبل فئات واسعة من العراقيين بمن فيهم قيادات سياسية ضن العملية السياسية، إن هذه المواقف تستهدف جوهر الفدرالية متناسية انهم من صوت على إقرارها في الدستور..!

إن المستهدف  من وراء رفض قرار مجلس الشيوخ الأمريكي، ليس هو الفدرالية بعينها وحسب، بل هو تقسيم العراق الى كانتونات مذهبية طائفية، وما وراءه  من نتائج كارثية بالنسبة للعراقيين بكافة قومياتهم وأطيافهم الدينية والإثنية، تحت واجهة الفدرالية،  ولا أظن أن الأخوة في إقليم كوردستان تنطلي عليهم لعبة الخلط البايدينية، التي أساءت إستخدام (الفدرالية) لهدف تمرير اللعية التقسيمية، ودق الأسافين في التربة العراقية، وشق صفوف الشعب لتسهيل أمر قيادته وإستغلال ثرواته..!؟

أما عدم إلزامية القرار للإدارة الأمريكية الحالية، فهو أمر وإن بدى سلساّ بعض الشيء، ولا يعني شيئاّ للإدارة الحالية، إلا أن القادم من الأيام يبطن الكثير من المفاجئات، إذا ما علمنا بأن السيد جوزيف بايدن هو المرشح القادم للرئاسة الأمريكية، ولا بد للديمقراطيين من مخرج من المستنقع العراقي، بأقل التكاليف..!؟(1)

لقد تناولت هذا الموضوع في مقالة سابقة، كما وقد تناول العديد من الباحثين والمتخصصين ، ومنهم على سبيل المثال؛  الأساتذة الأفاضل: كل من الدكتور كاظم حبيب والدكتور سيار الجميل والدكتور كامل العضاض وعدد غير قليل من الكتاب العراقيين، تفاصيل هذا القرار وإغنوه بالبحث والتدقيق وأظهروا جوانبه السلبية ومخاطره الجسيمة على مستقبل العراق، ناهيك عن كشف حقيقة الذرائع التي إعتمدها القرار المذكور..!

أما الفدرالية نفسها، فقد تناولتها في عدد آخر من المقالات المتنوعة الجوانب، وأخص بالذكر منها المقالة أدناه (الفدرالية: الأقاليم ودستورية تأسيسها..!) والتي وضعت فيها النقاط على الحروف حول مدلولات الفدرالية التي نص عليها الدستور، وما يخططه الآخرون "للفدرالية" التي يبتغون، وهي ما توخاها قرار مجلس الشيوخ الأمريكي الأخير..!(2) 

  ولا أريد الآن إلا أن أؤكد ؛ بأن قرار مجلس الشيوخ الأمريكي هذا، لا يعبر إلا عن عملية خلط لأوراق اللعبة السياسية في المنطقة؛ طبخت و صيغت في مطابخ خلط الأوراق الإحترافية لدى الإدارة الأمريكية؛ الهدف منها التظليل وغسل الأدمغة لتمرير مشروع التقسيم تحت واجهات من الديماغوغية المخادعة، أستغلت فيها الفدرالية أسوء إستغلال، لدرجة خلقت مناخاّ من البلبلة والإضطراب والقلق بين أوساط الشعب والقيادات السياسية، مما ينبغي معه من العراقيين، الإنتباه الى بواطن الأمور ، وتوحيد الفهم لجوهر ومحتوى القرار المذكور وأبعاده ومخاطره البعيدة، لتفويت الفرصة على المخططين، وإفشال مشروع التقسيم هذا، ذي النوايا المدمرة للعراق..! 

السؤال اليوم..
أليس بين الساسة العراقيين من حكيم..؟؟!   
__________________________________
 (1)  http://www.bab.com/news/full_news.cfm?id=92609&cat_id_cache=26 
 (2)  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=78735


 
     



321

باقر الفضلي


وداعاّ أيتها النجمة المتألقة في زرقة سماء الوطن..
  يا فناراّ لسفننا المبحرة، وشراعاّ لغدها الآتي..
لا أقول وداعاّ وها أنت دمعة رقراقة في كل عين، وحشرجة تأبى إلا البوح..
ألم يتكسر في أعماق الصدر، وشجن يعتصر القلب..
فهل أنت مودعة حقاّ..؟ وهل لنا أن نصدق ما تنبأ الأقدار..؟

*****

أيتها الأم الحنون ، والأخت الشفوق ، والسند العتيد، والملاذ الرصين..
ليست الكلمات بل القلوب من تحترق من لظى جمرة الوداع..
فمنزلك في قلوب المعجبين، وسناء روحك يفيض في أرواح محبيك..
عرفتك عن بعد كما عرفتك عن قرب،
 فمن أرثي..؟ بقيةّ من روحي أم أرثيك..

*****
لك الخلود ثم لك الخلود،
 وليس لنا إلا ذكراك البهية، المنور سناها في القلوب..
ليس لنا إلا أرثك الرائع الجميل..
خطى مسيرة من عرق وألم وعذاب..
 وغربة ورحيل بعيداّ عن الأوطان..
*****
على من عتبي..؟ على الأقدار..!؟، فهي الأقدار..
عتبي على وطن ضاقت مساحاته الواسعة على أبنائه..
على وطن أثخنته الجراح، فما عاد مبصراّ، ولا مدرار..
وطن حملت قلبه وروحه، قلوب من ضيعتهم عجاف السنون..
من إحتضنوه مدفوناّ في حشاشة الروح، في غربة طال بها الإنتظار..
_______________________________________

bsa.2005@hotmail.com


 

322

باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com


واقسم كم روج الانباء هذا.. لإقتدارك في كل فن
بأمرك تضطرب الحادثات، بإسمك يمضي ركاب
المحن.. على أنني..سألتك ياسيدي..ياإله ، وبيمناه
سر الحياة؛
 أن تقرأ هذا الخطاب القصير، إذا ما تناولت
عند الصباح، شراب الدم الساخن المستباح (...)!؟
إذا ما تداعيت فوق الطعام
فتجرع بترول ارض (النبي)
تسيغ به بعض ماتزدرد
وبعض الطعام عصي نكد..
             (عبد الرحمن الشرقاوي)



وبعض الطعام عصي نكد..



هكذا يختتم الشرقاوي رسالته من الشعر الحديث الى الرئيس الامريكي (ترومان)....

 وها هو العراق اليوم، ذلك الطعام النكد، الذي يحاول السيد بوش أن يزدرده بجرعة بترول من رائق النفط العراقي، وهو لا زال رهين ذلك اليوم الذي طال إنتظاره، واشتد اواره؛  فالكأس الأمريكي لما تزل تعصف بها رياح الرفض والتمنع..فجاء كهنة مجلس الشيوخ ليدقوا آخر المسامير في نعش راحل، لنجم آفل..!

لقد أخذت "الحمية الانسانية" والعطف الكهنوتي، لشيوخ البيت الابيض، ان يندفعوا الى فك الاشتباك بين الاخوة الاعداء، ويحاولو وقف نزيف حرب البسوس الامريكية في العراق، ويكفروا عن خطيئة سيد بيتهم، فيعلنوا وبئس ما أعلنوا، قرارهم المشين، بفلترة العراق وخندقته؛ في جيوب معزولة، وطوائف متناحرة، وعشائر متخاصمة؛ ينسى الناس فيها عراقيتهم، وتشرأب فيها أعناقهم، لمعجزة؛ ما إنفكت تبهرهم، ويسيل من أجلها لعابهم.. سبقهم اليها اخوان لهم في العرق واللغة، في الدين والتراث؛ جمالهم (بكسر الجيم) فيها، صالونات المرسيدس البهية، وخيامهم فيها، ناطحات للسحاب.. شرابهم منها زيت النفط الرائق، وعطورهم تفوح بغاز النفط الناضب..!؟

إن فدرلوا العراق أو قسموه، عسير عليهم أن يهظموه، وليس في الدستور الذي شرعوه، ما يفتح الشهية لتأسيس فدراليات للطوائف الدينية، أو كيانات قبلية، وإن إستساغ البعض هذا القرار، من الساسة العراقيين الحالمين ببناء إمبراطورياتهم المقدسة على أنقاض دكتاتورية صارعوها، فلأنهم وجدوا  في القرار ما يطيب النفوس، ويحيي الآمال؛ ليتخيلوا أنفسهم متربعين على عروش عائمة فوق بحور من "الماء الأسود"، ليغرفوا ما وسعهم الإغتراف، وليشيدوا من القصور ما وسعت الأرض، وليورثوا الأبناء والأحفاد، ما عجز عنه الأجداد..فهم المستضعفون في الأرض وقد حان وقت إنتظروه..!

يدعي الكهنة الشيوخ، وعرافهم جوزيف بايدن وليسلس غلب؛ إن قرارهم حكيم، وهدفهم رحيم، ومن يرجم بالغيب في نظرهم، إلا المغفلون؛ "فالفرق كبير بين الفدرالية والتقسيم"..!؟(1)
 وغير قليل من رقص وراء هذا الإدعاء، وطبل وزمر للمستقبل الزاهر في ظل فدرلة العراق على الطراز "البايديني"؛  فللنفوس هوى، ولريع النفط غوى، وما لايدرك كله لا يترك جله.. وقد لجلج الحق ايها السادة المطبلون..!

ونحن نقول؛ نعم ايها الشيخ الفهيم؛ الفرق كبير، فالفدرالية غير التقسيم، والتوحيد غير التشتيت، وما أتيتم به من قرار، هو توحيد (فدرالية) من خلال التشتيت؛ فلا تخلطوا الاوراق، ولا تلعبوا بالمشاعر، فالتلاعب السياسي من مباديء السياسة في كل العصور، وهذا ما أظن ان العراقيين بغافليه..!

فإن كان هدف القرار التوحيد، فمرحباّ بقرار يوحد القلوب، ويجمع الشتات، ويشعر المرء بالكرامة، ويقرب بين الناس في أجناسهم لا في معتقداتهم ، سواسية في مواطنتهم، وولاءهم لوطنهم قبل غيره؛ فهل ما جئتم به من فدرالية، يراعي هذا، وهل يمكن شراء ضمائر الناس بدغدغة مشاعرهم الدينية، فأية فدرالية تلك التي تبنى على المشاعر الدينية، وتؤطر بالإنتماءات الطائفية، بقادرة على توحيد صفوف الناس قبل تمزيقها..!؟

 فالفدرالية التي تقترحونها ايها السادة الشيوح، فدرالية تأنفها النفوس، فدرالية تفرق بين الناس وتشرذمهم، وتفكك الأسر العراقية؛ فدرالية تؤسس للتقسيم، وإن حملت عنواناّ للتوحيد، وهذا لب الداء وجوهر المسـألة؛ فدرالية في ظاهرها الرحمة وفي باطنها العذاب؛ فدرالية تشرذم الشعب وتفتت وحدته للنضال من أجل التحرر وفرض سيادته على أراضيه؛ فدرالية تبعثر ثروة الشعب الوطنية (النفط) وتجعلها أكلاّ بين المنتفعين والريعيين..!

أما "النظام الفيدرالي الذي طُوِّق بالقدسية في دستوره"، المقصود الدستور العراقي على حد قول السادة الشيوخ، فهو غير ما تقصدون، وإن قبله الشعب العراقي، فلإدراك منه بأحقية أمة شريكة في الوطن ولها خصائصها ومقوماتها الخاصة عن غيرها، وليس بدافع طائفي أو قبلي كما ترسمون، وقد كان لنا كلام كثير حول ذلك..!؟(2)

 فإن كنتم ناصحين، أعيدوا القراءة، وإن كنتم تضمرون غير ما تعلنوه؛  فلم تعد هناك ثمة أوراق مستورة، واللعب على المكشوف ديدن المخلصين فيما يدعوه..!؟
_____________________________________________ 
 (1)  http://www.iraqworld.net/articles.php?subaction=showfull&id=1191440941&archive=&start_from=&ucat=6&
 (2)  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=78183


   
               

323

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

النفط وما أدراك ما النفط ؛ إقتناؤه نقمة، وإفتقاده محنة..!

ولا أظنن أن شعباّ قاسى من ويلات النفط وبلاويه، قدر ما قاسى الشعب العراقي طيلة ثمانية عقود من الزمن ولا زال؛  فما أن كاد  يلتقط أنفاسه بعد مخاض عسير، طال ثلاثة عقود، من نضال دام وحرمان جائر، وأن يشعر بأنه بات يمتلك شيئاّ إسمه (النفط)، ويفرض سيادته عليه بثورته في الرابع عشر من تموز عام 1958، يجد نفسه اليوم، أمام أعسر نضال تتصدره جماهير طبقته العاملة وطلائعه من جموع المثقفين ومن مختلف الأجناس والأطياف من أبناء الشعب الأخرى،  يخوضه من أجل الحفاظ على هذا الحق وصيانته والذود عنه، أمام ما يخطط له، من عاديات الزمن ومآرب الشركات الإحتكارية..!

وما الموقف من مسودة قانون النفط والغاز، التي أعدتها الحكومة خلال عمرها القصير، وأسرعت في تقديمها الى مجلس النواب لإقرارها على وجه السرعة؛ إنما تدخل في صلب هذا النضال، بل تمثل مركز التحدي فيه، ومحور الصراع بين غالبية الشعب وبين من يطمح الى مس هذا الحق بما يعرضه للإستلاب والمصادرة..!؟

اللافت للنظر في هذا الصراع، أنه يجري بين فئات واسعة من ابناء الشعب من جهة وفي مقدمتهم العمال ، وبين أطراف محددة من مسؤولي الحكومة، وفي مقدمتها وزارة النفط؛ والغرابة في الأمر أن تنبري الوزارة المذكورة لا الى بيان موقفها من المسودة وإقناع الشعب بوجهة نظرها ، وهي التي أعدتها وقدمتها الى مجلس النواب حسب، بل وضعت نفسها في موقف المعارض والقامع لجميع الاراء المعارضة للمسودة، بل تجاوزت في موقفها هذا، الحدود القانونية والدستورية؛ عندما أقدمت على تجميد العمل النقابي بين أوساط عمال النفط والغاز، بل والأدهى من ذلك، أنها هددت بإتخاذ الإحراءات القانونية ضد العمال بعد أن أعلنت نقابة النفط والغاز موقفها الصريح من رفضها لمسودة القانون وقرارها بالإعتصام المدني يوم 21/9/2007، إحتجاجاّ على محاولة تمرير المسودة.!؟(1)

لا أظن أن خلق أجواء من التهديد وزرع الخوف في نفوس المواطنين وخاصة المعارضين منهم للمسودة  من جموع عمال النفط والغاز، في وقت تقترب فيه ساعات مناقشة مسودة قانون النفط والغاز من قبل مجلس النواب، سيساعد على تفتيت وحدة العمال في موقفهم  الرافض للمسودة حسب، بقدر ما يزيد من شد هذه اللحمة، ويعيد للذاكرة السلوكيات القمعية التي كانت تواجه بها الحكومة إضرابات عمال النفط، في الأزمنة التي كانت تتحكم فيها الشركات النفطية الإحتكارية بالثروة النفطية، والتي كانت تلعب فيها الحكومة مجرد حارس لهذه الشركات، وهذا لعمري، مما يزيد من إصرار العمال وكافة المعارضين لمسودة القانون بصورتها المطروحة، في الثبات على مواقفهم المعلنة منها..!؟

لقد كتب الكثير والكثير من الدراسات والأبحاث وعقد الكثير والكثير من الندوات التي ساهم فيها العديد والعديد من الخبراء والمتخصصين في الحقل النفطي أو من الأكاديميين، أو المهنيين ومن السياسيين ومنظمات المجتمع المدني، وفي مقدمتهم الإتحاد العام لنقابات العمال ونقابة عمال النفط والغاز، حول مسودة قانون النفط والغاز المزمع مناقشتها قريباّ أمام مجلس النواب، وأظهرت في غالبيتها المساويء والمخاطر التي تبطنها المسودة، ومنها على سبيل المثال " عقود المشاركة" سيئة الصيت، والتي في جوهرها، تخدم مصالح شركات النفط متعددة الجنسية، ونبهت الى المخاطر التي تترتب على إقرارها بصيغتها الحالية..!(2)

بل وما يلفت النظر اليه، محاولة إستبعاد الضغوط التي تمارسها الإدارة الامريكية ومن وراءها شركات النفط الإحتكارية، على الإسراع بإقرار مسودة القانون المذكورة، وذلك من خلل الترويج: بأن النفط ليس بذات الأهمية القصوى التي تدفع بالولايات المتحدة عبور القارات وتقديم المزيد من الخسائر البشرية وتشن الحرب على العراق طمعاّ في ذلك..!؟ 

ليس في النية مناقشة مثل هذه الأفكار وأتوسم فيها حسن النية، وسبق لي أن كتبت مقالة حول الأهداف التي تقف وراء غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق تحت عنوان (من الذي يرتهن العراق..؟ (3)، ولكن ما يبعث على الفضول والتساؤل؛ هو  تسويق مثل هذه الأفكار وغيرها من أفكار محبطة، في وقت يحتدم فيه الصراع حول مسودة مشروع قانون النفط والغاز أمام مجلس النواب والذي بات قريباّ على الأبواب..!؟؟

وبقدر ما يتعلق الأمر بالدوافع الأمريكية حول غزو العراق في آذار عام/2003  أشير هنا فقط وبإقتضاب، الى تصريح السيد (آلان غرينسبان) الرئيس السابق للإحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي)،  وهو من الجمهوريين،  في كتابه "زمن الاضطرابات: مغامرات في عالم جديد" (ذي آيدج اوف توربلنس: ادفنتشرز ان ايه نيو ورلد" ، الذي نشر  هذا  الأسبوع، والذي ما نصه:  << "من المحزن أن يكون من غير المناسب سياسياّ الاعتراف بما يدركه الجميع: الحرب على العراق كانت بسبب النفط إلى حد كبير،" >>.(4)  وكان وقع تصريحه المذكور كالصاعقة بالنسبة للرئيس بوش وهو يلقي خطابه الأخير تعقيباّ عل تقريري السفير الأمريكي في العراق السيد ريان كروكر والقائد العام للقوات الأمريكية في العراق السيد ديفد بتريوس أمام الكونغرس..!

إن إقرار رجل بهذا المستوى الوظيفي العالي في الإدارة الأمريكية، والذي كان من مخططي سياستها طيلة فترة تواجدها في العراق، يشكل إعترافاّ يقطع أي تكهنات وإفتراضات أخرى حول الدوافع التي كانت تقف وراء غزو العراق، والتي لم تعد من الأسرار الخفية التي تحتاج الى جهد إستثنائي لإكتشافها، رغم ردود فعل الإدارة الأمريكية من هذه التصريحات..!؟

السؤال الأخير: مع من نقف..؟
هل نقف يا ترى، مع نضال العمال في رفضهم لمشروع القانون المذكور ، أم نقف مع وزارة النفط في محاولتها تمرير  مسودة المشروع على علاتها في مجلس النواب..؟!
لا أظن أن إحساس الشعب وطلائعه الواعية ذات التجربة والحنكة التأريخية ، ليست بغافلة أن تتعرف على الطريق الصحيح ولن تختار..!   


         
        (1)  http://www.iraqitradeunions.org/ar/archives/001076.html
(2)  http://www.iraqitradeunions.org/ar/archives/001071.html
(3)  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=96744
(4)  http://arabic.cnn.com/2007/business/9/16/greenspan.bush/index.html

 

 

     

324
إيران: حسن الجوار أم قطف الثمار..؟!

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com



... ولم لا..؟
فجارتنا العزيزة إيران، لها حضوة خاصة لدينا؛ إذ جيرتها تمتد منذ أن بسط سبحانه تعالى الأرض وألقى فيها رواسيها، وربما لنا عندها الحضوة نفسها، وعند جيراننا الآخرين..!!؟

فالحرص الذي أبداه السيد رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية، وكذا وزير الخارجية والسفير الإيراني في بغداد، حول رفضهم أي تدخل "أجنبي" في الشأن العراقي حتى لو كان صادراّ من قبل الأمم المتحدة، ولذا فإن الحمهورية الإيرانية ومن باب هذا "الحرص"، ترفض تدويل المسألة العراقية، وتدعم الحكومة العراقية برئاسة السيد المالكي، حتى لو أضطرها ذلك إملاء "الفراغ الأمني" العراقي في حالة أي إنسحاب للقوات الأمريكية كما تفضل السيد رئيس الجمهورية الإيرانية ومن بعده السفيرالإيراني في بغداد السيد حسن كاظمي قمي..!!؟ (1)

وبهذا الموقف يحاول الساسة الإيرانيون أن يؤكدوا لنا وللآخرين؛ أنهم أقرب الينا منا، وأن ما لنا من حضوة لديهم تفوق تصورنا، وبالتالي فإن قدّر لنا أن نعجز عن رد غائلات الزمن وتهديدات الغير، وخاصة الشياطين منهم، حتى لو كان كبيرهم؛ فهم أصالة، ولا أريد أن أقول نيابة عنا، سيقومون بالواجب، طبقاّ لولاية الفقيه الشرعي، فالأغلبية من شعبنا من المسلمين تنتمي لنفس المذهب الديني، ولذا فإن الواجب الفرضي يقتضي منهم أن يتقدموا بالمساعدة غير المشروطة، حتى لو تطلب ذلك منهم تزويد المنظمات العراقية المسلحة من المليشيات، بالأسلحة والعبوات الناسفة، وإن أدى ذلك لقتل الأبرياء من العراقيين، كما ولا ضير في الأمر حتى لو قامت المدفعية الإيرانية بتدمير القرى الكردية وتهجير سكانها من المنطقة الحدودية، أسوة بما تفعله العزيزة تركيا، وتكبيدهم العشرات من الإصابات بين قتيل وجريح لتطهير الأرض من المتسللين..!؟؟

وما أسماه البعض تدخلاّ في الشؤون الداخلية، تراهم يرفضون هذا المنطق. فالجار في عرفهم قبل الدار..والعراق يشكل إمتداد إيران الروحي والعقائدي والأمني، وربما الجغرافي.. وما يقومون به هو ليس إلا تطبيقاّ لمبدأ حسن الجوار الذي يكفله القانون الدولي..!!؟؟؟

فهل لنا كعراقيين، وبالذات كمسؤولين، من مجلس رئاسة وحكومة ومجلس نواب ومواطنين؛ أن نحتج على ذلك، وأن نشكي حالنا الى الأمم المتحدة  عند اللزوم..؟ أمر فيه نظر..؟!
 
المنطق يقول نعم، والقانون الدولي والعرف يؤكدان ذلك، وحقوق الجيرة توصي بإحترام الجار وليس الحلول محله وتسيير شؤونه دون ترخيص من قبله، حتى لو كان قاصراّ..!

ماذا عملنا أزاء كل ذلك..؟!

إبتلعنا التدخل الفض على مضض، وتجرعنا الدواء المر بطيبة خاطر؛ وبعد قصف المدفعية لقرى كوردستان لما يزيد من الشهر، كان ثمة لقاء مع السفير الإيراني وعتاب أخوي ووعد بوقف القصف المدفعي، ولم ينجز، وإخيراّ مذكرة إحتجاج، يتبعها تصريح خجول للسيد وزير الهجرة العراقي بتأريخ 2/9/2007 معرباّ فيه عن إستغرابه للقصف المدفعي المتواصل، وواصفاّ إياه بأنه "غير مبرر"..!؟

 والمرء إذ يتسائل عن ماهية القصف المبرر، وهل تمتلك إيران الحق في أن تقصف الأراضي العراقية الحدودية متى ما طاب لها ذلك، وهل أن الحكومة العراقية من جانبها ملزمة ببناء ما دمر وتعويض ما خرب ، وهل يدخل هذا في عرف الجيرة أيضا..؟؟!(2)
 
وما هو الموقف الذي إتخذناه أزاء التصريحات اللامسؤولة للساسة المسؤولين الإيرانيين الأخيرة..؟!
 لا شيء، ويبدو أن ساستنا غير راغبين بالبحث عن المشاكل وما لديهم يكفيهم؛ أو أنهم كما يقول المثل العراقي : "ذياب ما يسمع رعيد..!!؟"
 
إن التدخل الإيراني في الشأن العراقي قد تجاوز حدود المعقول، مما إضطر حتى وزير الخارجية العراقية السيد هوشيار الزيباري التنويه حول إحتمال تعرض العلاقات العراقية – الإيرانية الى الضرر بسبب مواصلة إيران قصف الأراضي العراقية الحدودية بالمدفعية يومياّ، مثلها مثل جارتنا الشمالية العزيزة تركيا، والتي أفردنا لها مقال سابق؛(*) التي ما إنفكت قنابل مدفعيتها تمطر القرى الكوردية ليل نهار، وكأنهما يتسابقان في كر وفر ، مذكران بجولات وصولات الإمبراطور العثماني سليمان القانوني، والشاه طهماسب بن الشاه إسماعيل الصفوي عام 1532 في نزاعهما لإحتلال العراق، ومتناسيتان أن العالم يعيش في أجواء القرن الحادي والعشرين، وتحكم المجتمع الدولي قوانين وأعراف، غيرها في القرن السادس عشر، وإن الحوار اليوم هو سيد الأحكام..!!؟

ولكن إيران تدرك جيداّ،  بأن لأمريكا مصالح حيوية من وراء غزوها للعراق، وإنها ليست بهذه السهولة، سوف تتخلى عن هذه المصالح، وفي مقدمتها مصادر الطاقة (النفط) في الخليج العربي، مهما سعت إيران لوضع العصي في طريقها، سواء أكان ذلك في العراق بشكل خاص، أو مناطق الشرق الأوسط الأخرى، إمتداداّ من لبنان وفلسطين وإنتهاءّ بالخليج..!

 كما وليس من السهل على إيران أيضاّ، وهي في وضعها الحالي، سواء على صعيد الصراع على السلطة أو مصاعب الوضع الإقتصادي الداخلي، ومشاكل الأقليات القومية، ناهيك عن المشكلة الأكبر المتعلقة بالموقف الدولي من ملفها النووي، أن تحول بين أمريكا وبين مصالحها، وفقاّ لسياسة حافة الهاوية، والتلاعب بالمصير العراقي، ومصير المنطقة من خلال المغامرة السياسية..!!؟

فما تمارسه الجمهورية الإيرانية الإسلامية من أفعال داخل العراق وبدون إستئذانه، مستغلة حالة الفوضى التي تمر بها البلاد، والتي لا يمكنها أن تدفع؛ بأن ليس لها يد فيها، حتى وإن كانت موجهة ضد قوات الإحتلال إفتراضاّ على حد زعمها، فإن نتائجها وآثارها تنعكس على العراقيين سلباّ، وتكبدهم الكثير والكثير في أرواحهم وأملاكهم ومستقبل وطنهم، كما هو الحال بما يجري في الساحة اللبنانية وما يلقاه الفلسطينيون من تمزق في وحدتهم وويلات جراء نفس تلك السياسة..!؟

 فهي بذلك، وبدلاّ من أن تساعد العراقيين وطبقاّ لمبدأ حسن الجوار بين الدول، من خلال عدم التدخل في شؤونهم الداخلية، وكف اليد عنهم، ليلتقطوا أنفاسهم، ويعززوا وحدتهم الوطنية، ويبنوا مؤسسات الدولة، ويجففوا بؤر الإرهاب، ويعجلوا بإنهاء الإحتلال؛ بدلاّ عن ذلك، تقوم إيران بإعطاء كامل المبررات والذرائع لأمريكا، للتشبث بالبقاء في العراق، زيادة على ما لديها من مبررات أخرى وفي مقدمتها الإرهاب، المبرر الأساس لوجودها في العراق وأفغانستان، وتدفعها بإتجاه التسريع بتحقيق خططها ومشاريعها المهيئة سلفاّ لحماية مصالحها في المنطقة، ومنها على أقل تقدير، خططها لربط العراق بإتفاقية أمنية طويلة الأمد، وليس بعيداّ عنها بناء القواعد العسكرية الثابتة، وغرس أشجار (الناتو) على طول الحدود العراقية-الإيرانية..!!؟

إن التخبط الظاهر في السياسة الإيرانية، الإقليمية منها والدولية، أمسى من عوامل التعقيد التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط برمتها؛ وإقتراناّ بملفها النووي، يصبح الأمر أكثر تعقيداّ وخطورة، وقد يترتب على تداعياته، ما لا تحمد عقباه من كوارث وخيمة على المنطقة، لا سامح الله؛ فلا العراق ولا حتى إيران نفسها سيكونان بمنجى من هول ما قد يقع، إن لم يكن لهما حصة الأسد من الخراب والدمار المتوقع..!!!؟؟

ألا يكفي الجارة العزيزة ما توظفه من أوراق وعلى المكشوف ولا أتحدث عن المستور في اللعبة العراقية منذ أربع سنوات بدون طائل..!؟. ألا تنظر بعيداّ للنتائج المدمرة التي أحاقت بالشعب العراقي جراء سياسة التدخل التي تنتهجها في شؤونه الداخلية..!؟

 أمن الحكمة بمكان، أو من عرف الجيرة، أن تزهق أرواح العراقيين بالسلاح الأيراني وأن تفتح الحدود لمهربي وتجار المخدرات والأسلحة ويتعرض العراق الى غزو جديد يدمر نفوس العراقيين ويسمم عقولهم، وبأيد وذمم مخدوعة بإسم الدين أو مشتراة، وتحت لافتات في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب..!؟   

 فما الذي جنته إيران أو تحقق من أهدافها على صعيد المنطقة والعراق خصوصاّ ثم لبنان وفلسطين..؟ ألا تجري الرياح عكس ما تشتهي السفن..؟  أليست نتائج هزيمة مخطط التدخل في شؤون لبنان الداخلية (هزيمة نهر البارد) والشؤون الفلسطينية (تمزق النسيج الإجتماعي وتهديد إسرائيل بإجتياح غزة) ، كافيان وحدهما لإعطاء دروساّ غنية في السياسة، أم أن أهداف اللعبة أبعد مما يتصوره المرء أو ما تحسبه الظنون..؟؟!!
 
يبدو وكأن السياسة الإيرانية لا تريد أن تدرك؛ بأن التلاعب السياسي،  والغور في أعماق الأزمة العراقية أو اللبناية أو الفلسطينية، بقصد فك الطوق الأمريكي والدولي المضروب  حولها، أوالتوصل الى تسويات مع الغريم الأمريكي على حساب مصالح الشعب العراقي وفوق أراضيه، سوف يدفع بكامل المنطقة الى الكارثة، ويجر الجميع بما فيهم إيران نفسها الى مرحلة ما قبل الحضارة، وبأن الساحة العراقية ليست الفضلى لتصفية الحسابات مع الأمريكان وكذا هو الحال في الساحات ألاخرى؛ فما ذنب شعوب المنطقة ومنها شعبنا العراقي والشعب الأيراني، أن يكونا ضحية السياسات الخاطئة والمغامرة التي تنتهجها الأجنحة المتطرفة في القيادة الإيرانية؛ وهل في منظور تلك القيادة المضي قدماّ في نفس الطريق وفق مقولة "أقتلوني ومالك"..؟؟!

إن لدى إيران مع جيرانها، الكثير من عوامل التقارب والتعاون مما هو بالنسبة لعوامل الفرقة والتباعد والإحتراب، ومن الحصافة بمكان، وفي ظروفها الحالية، أن تبني علاقاتها مع جيرانها وفق أسس الإحترام المتبادل ومباديء القانون الدولي في حسن الجوار وإحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ "فألف صديق خير من عدو واحد"، إن حسنت النوايا..!!

 إن أي سياسة لدولة ما، لا تأخذ في حساباتها موازين القوى في المنطقة وفي العالم، ولا ترى أمام أعينها غير مصالحها الخاصة، حتى مع إفتراض عدالتها، غير آبهة بمصالح الآخرين، بل على العكس من ذلك تقوم بتوظيف تلك المصالح الأخرى في خدمة مصالحها وإن تسبب ذلك بالضرر والإضرار بالآخرين؛ إن سياسة من هذا القبيل، لا يكون مردودها إلا سلباّ على تلك الحكومة ومزيداّ من العزلة والنفور..!؟
 
فالتدخل الإيراني المكشوف في الشأن العراقي، والذي إتخذ أخيراّ شكلا عدوانياّ مسلحاّ، الأمر الذي دفع السيد رئيس إقليم كوردستان الأستاذ مسعود البارزاني الى شجبه وإستنكاره وطالب بوقفه على الفور..!؟

 إن هذا التدخل قد أصبح وبالاّ على الشعب العراقي، وبات يهدد كل أواصر الجيرة والعلاقات المشتركة بين البلدين، بالتدهور والخراب، ولا يعكس بأي حال من الأحوال بوادر حسن النية وعروض التعاون التي تتبجح بها السلطات الإيرانية، بقدر ما يتعارض معها كلياّ ، مما خلق أجواءّ مقلقة، من عدم الثقة والإرتياب بالنوايا المعلنة، بل منح كل المبررات للتصيد بالماء العكر من قبل تلك القوى التي لا تريد للعراق أن ينعم بالهدوء والإستقرار، بل وأصبح من عوامل تمزق النسيج الوطني الإجتماعي العراقي، وهذا لعمري مأزق تخوضه السياسة الإيرانية دون أن تأخذ بالحسبان نتائجه وتداعياته الكارثية على المنطقة عموما..!؟

 إن المتشددين من الساسة الإيرانيين باتوا غير مبالين لأي تداعيات كارثية لسياستهم، طالما ظلوا يعتقدون بأن حساباتهم الفلكية تطمئنهم بحسن العاقبة والنصر المبين..!!؟؟(3)           

ولا أظن بأن الحكومة العراقية بالغافلة عن كل ذلك، ولكن وكما يبدو من ظاهر الحال، بإن للضرورة أحكام، والله أعلم..!!

   
   (*) -  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=98826
(1) -   http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_6967000/6967258.stm
 (2) -  http://www.akhbaar.org/wesima_articles/index-20070902-35308.html 
 (3) -  http://www.asharqalawsat.com/details.asp?section=3&article=435567&issue=10507


325
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الإيحاء وما  أدراك ما الإيحاء؛  فالإيحاء فعل يدخل في عالم الغيبيات ومنه الإيحاء للأنبياء، ويدخل في علم الطب ومنه الأيحاء التكنيكي عن طريق التأثير على العصب الشوكي العاشر في المخ، وفي الطب النفسي ومنه التنويم المغناطيسي، وفي الشعوذة ومنها السحر والتلقين والإيهام  والتضليل؛ كما ويدخل في مجالات وحقول علمية وإنسانية أخرى عديدة.

ومن أكثر المجالات أهمية وخطورة وحساسية، هو المجال الإعلامي، حيث يلعب الإيحاء دوراّ كبيراّ وفعالاّ على نطاق واسع ويكون لمردوداته نتائج مثيرة قد تصل أحيانا درجة الخطر. والوسط الذي يستهدفه الإيحاء في هذا المجال هو الوسط الإجتماعي (الجماهير)، ومن أبرز الأمثلة التأريخية على هذه النوع من الإيحاء، الدور المتعاظم والمميز الذي لعبه الداعية السياسية الدكتور بول جوزيف غوبلز 1897-1945 في ألمانيا النازية..!
 
 ويبدو اليوم أن لا سبيل أمام السادة مروجي قانون النفط والغاز، غير سبيل الإلتجاء الى الإيحاء لتمرير القانون، بعد أن أظهرت معالم الصورة الأولية، أن محاولات الحكومة المستمرة، وضغوطات الشركات النفطية الإحتكارية ومن وراءها الإدارة الأمريكية، لم تلعب تأثيرها في تغيير موقف الجماهير العراقية من رفضها لمشروع مسودة قانون النفط والغاز المثيرة للجدل..!

فالوقت في طريقه للأزوف، وعودة مجلس النواب من إجازته بات على الأبواب، ، وقد حل أيلول ولم يبق في القوس منزع،  ومكابس الضغط الأمريكية تعمل بأقصى سرعتها، فلابد من تقديم الأطباق المنجزة والساخنة الى مائدة مجلس الشيوخ الأمريكي، يتصدرها أشهى الأطباق؛ طبق قانون النفط والغاز مصدقاّ عليه من قبل مجلس النواب..!؟

ولكن، ما العمل وهذه الجماهير العراقية وفي مقدمتها الطبقة العاملة تستعد لخوض معركتها المصيرية مع هذا القانون، وهي ترقب بعين الريبة والشك ما تبيته وزارة النفط من خطط لتمرير مسودة القانون أمام البرلمان، وتتحسس بحذر ما سيقدم عليه النواب وما سيتخذونه من قرار بشأن ذلك، وكيف سيتعاملون مع قوى الضغط المسلطة عليهم وهم أول من فضحها، وبعضهم من أدانها...!

إنها حيرة ما بعدها حيرة والإلتزامات هي الإلتزامات، ولابد من مخرج لأزمة وزارة النفط والحكومة، فأين الحل..؟!
الحل يكمن في الإيحاء،  فهو سيد الحلول حينما تستعصي الأمور، وعلى الطرف المتنازع، اللجوء إليه لإضعاف ثقة الطرف الآخر بنفسه، وكسب الجولة في النهاية. وهذا كان الخيار الأقرب هوى للنفس الحكومي من غيره من الخيارات في أجواء "الديمقراطية"..!!؟

وهكذا شنت وسائط الإعلام الحكومية من خلال صحفها وفضائيتها ومن خلال تكثيف التصريحات على لسان مسؤولي الدولة ومن أعلى المستويات،* وبعض السياسيين والنواب والمتخصصين المروجين للقانون، وإقامة الندوات التلفزيونية الخاصة ، أكبر حملة إيحاء ركزت بالأساس على الإحتمالية الكبرى لمصادقة مجلس النواب على مسودة مشروع القانون التي ستقدمها الحكومة دون تعديل أو تبديل..!؟

الحملة الإعلامية ليس هدفها قاصراّ على الإيحاء للجماهير والعمال بالذات بما يفيد: بأن مسودة القانون في طريقها للمصادقة عليها من قبل البرلمان حسب، بل الإيحاء للنواب أعضاء مجلس النواب أنفسهم، وكأنهم قد وافقوا سلفاّ على المسودة وكأنما وقعوا صكاّ على بياض..!؟

وما الحملة نفسها إلا سلاح ذو حدين؛ فهي من جهة، عامل إحباط، وزرع للتردد واليأس في نفوس معارضي مسودة قانون النفط والغاز، المرفوض من قبل أوساط واسعة من جماهير المثقفين والمتخصصين في قطاع النفط والغاز، ومن قبل جماهير العمال وبالذات عمال النفط، ومن جهة أخرى فإنها تبطن بين طياتها ما يوحي بتهديد مبطن لمعارضيها، من النواب بشكل خاص، بما توحيه من مغبة النتائج السلبية المحتملة لرفض التصديق على المسودة، وهذا ما تراهن عليه أوساط مروجي تمرير المسودة..!!؟

وبتكرار الحديث عن إحتمالية تمرير مسودة القانون في مجلس النواب، تمارس وسائل الإعلام الحكومية نهجاّ منظماّ بالتركيز على الجانب الإيحائي ساعية الى حشو رؤوس الناس بما يدفع للتصديق بما يقال حول الإيجابيات، وليس بما يدفع للتحذير من السلبيات ولأمر في نفس يعقوب، والله أعلم..!؟

إلا أن الدلائل الأولية تشير الى عكس ذلك، فهذا الإتحاد العام لنقابات العمال العراقي، الذي لم يعترف السيد وزير النفط العراقي بوجوده؛  قد أعلن اليوم بدأ نشاطاته وحملته المعارضة لمشروع مسودة قانون النفط والغاز بالتظاهر في أكبر ساحة من ساحات بغداد وهي ساحة الحرية، غير آبه بالتكرار الإعلامي الحكومي حول التصديق المحتمل لمسودة القانون، وهذا لعمري ما لا تريد أن تفهمه الحكومة. فالإيحاء ومهما بلغت قدرة صانعيه، ليس بسيد الحلول، أمام وعي الجماهير وإدراك طلائعها المثقفة وقوة إرادتها وتصميمها وتماسك الطبقة العاملة العراقية، فهي أكثر يقضة من أن تخدر بالإيحاء، ولها في تأريخها من التجربة والنضال ما يغني الباحث للتفتيش عن برهان..! 
 
وليس من صدف التأريخ أن تصبح صنعة تكرار القول لمخترعه جزءّ من الحقيقة، حتى لو أزهق روحه من أجلها، كما فعل "المرحوم" غوبلز..!!؟ 
 
__________________________________________________
* - http://www.yanabeealiraq.com/News%20mappe/N%2030-08-07-36.htm



 

326
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


حمامات الدم التي حصدت أرواح العشرات من الأبرياء من زوار الأضرحة المقدسة في مدينة كربلاء ليومي الثلاثاء والأربعاء 27و28/8/2007 ، ليست حالة طارئة أو عفوية أو حتى غير متوقعة، بل هي في الحقيقة مجرد حلقة في مسلسل الصراع الدامي الذي يجتاح مدن الوسط والجنوب، بين الأحزاب والتنظيمات السياسية المليشياوية ذات الصبغة الدينية، والتي وجدت في حالة الإنفراج والفوضى التي أستتبعت حالة الإحتلال عام/2003، فرصة لبناء تنظيماتها العسكرية، وتزويدها بالدعم اللوجستي من بقايا مخلفات النظام السابق العسكرية بعد حل الجيش العراقي، وتمريرات دول الجوار التي تربطها بها علاقات محددة، تأخذ في ظاهرها براءة الدين، أما في باطنها فلا تخرج عن علاقة مشاركة مصلحية بين تلك الدول وهذه المنظمات، وهذا ما عكسته، وبصورة فاضحة، حالة التدخل السافر الذي تمارسه تلك البلدان في الشؤون الداخلية للعراق، ولعل مجرد التذكير بتصريحات السيد نجادي رئيس الجمهورية الإيرانية الإسلامية لأيام خلت، ما فيه الكفاية لألقاء النقاط على الحروف..!*
         
لم تأت حالة الصراع المذكورة بين هذه التنظيمات المسلحة، والمصنفة رسمياّ بأنها خارجة على القانون، من فراغ حسب، فهي جميعاّ أذرعة عسكرية  للقوى المصنفة مدنياّ على أنها قوى سياسية مشاركة في العملية السياسية، ولها ممثلوها المنتخبون في البرلمان ووزراؤها في الحكومة.

رغم ما تؤكده الحكومة في بيانها التأسيسي وإستناداّ لنصوص الدستور، والتأكيدات المتواصلة للسيد رئيس الوزراء،  بعدم مشروعية هذه التنظيمات المسلحة، آخرها تصريحه من وسط الأحداث في مدينة كربلاء؛  فإن تواجد هذه المليشيات مدعومة بواجهاتها السياسية الحزبية ذات الطابع الطائفي بشقيه، أمست حالة تأقلم معها الشارع العراقي وكأن المواطن تلده أمه وهو حاملاّ على كتفه غدارة..!؟

ولا يسعني هنا غير تأكيد حقيقة لا تقبل المواربة، هي إخفاق الحكومة المنتخبة برلمانياّ  في حل إشكالية المليشيات المستشرية في بغداد ومدن الوسط والجنوب في نفس الوقت إستشرائها في المحافظات الأخرى، وهذه الحقيقة قد عكستها الأحداث الأخيرة في كربلاء وما سبقها من جريمتي إغتيال محافظي المثنى والديوانية، وما يجري من إتنهاك لهيبة الدولة في كافة المحافظات الوسطية والجنوبية والغربية من خلال الصراع المتواصل بين هذه القوى المنفلته..!

ويبدو الأمر وكأن التشكيلة السياسية الحاكمة في العراق، غير قادرة على مواصلة السير في العملية السياسية، دون دعم وإسناد من مليشياتها المسلحة، التي ما أنفكت تتأبط أسلحتها ليل نهار، ولا تجد طريقاّ لحل نزاعاتها من أجل الهيمنة على سلطة المحافظات، تهيؤاّ للإنفراد والإستحواذ على قيادتها، وإقامة فدرالياتها القادمة تحت ظل الدستور، غير هذا الطريق، ولا يهم بعد ذلك من ذا الذي سيدفع ثمن هذا الإحتراب،..!؟

فالشعب الذي سهل إنقياده تحت مظلة الدين، وأستغلت مشاعره الصادقة إتجاه مقدساته ووعيه الفطري، تجده مستعداّ للتحرك بالملايين، وراء القادة السياسيين لهذه المنظمات، التي بدورها تلتف بعباءة المرجعيات الدينية التي تكن لها هذه الملايين كل فروض الإحترام الذي يصل لدى بسطائها حد التقديس، فتحركها وفق بوصلتها وبالإتجاه الذي تريد والذي يخدم مصالحها القريبة والبعيدة، وإن تعذر عليها ذلك، إبتدعت المناسبات التي تخلق منها أجواء ملائمة لإظهار هيمنتها القيادية على الجموع المحتشدة وتمرير شعاراتها التي تطبعها في عقول جماهير الطائفة وكأنها مسلمات منزلة لا تقبل التأويل أو التحميل..!

فلا يعبر نزيف الدم الذي جرى في كربلاء أو في المدن الأخرى ، إلا عن الواقع  المرير الذي يعيشه الشعب العراقي والذي كرسته حالة الإنقسام الطائفي داخل المجتمع والذي أرتضته بعض الكيانات السياسية  وعاشت عليه غير مكترثة بما يجره من الويلات وألآلام على الأبرياء من الناس، الذين يتعرضون كل ساعة الى القتل والتهديد والتهجير والإغتيال. ولا يغير من الأمر شيئاّ ما تناقلته  وسائل الإعلام الحكومية عن وقوف عناصر أجنبية لم يعلن عن هويتها وراء الأحداث، طالما ظلت الميليشيات مهيمنة على الشارع العام..! 

فمن يا ترى قادر على أن يأخذ بيده، زمام المبادرة في تفتيت الهياكل الإرتكازية للمليشيات المسلحة، وبنيتها المنفلته، التي بات مجرد ظهورها أمام مرأى ومسمع المواطنين، أمراّ مفزعاّ مخيفاّ، مرعباّ للصغير والكبير..؟ من ياترى سيقدم على غلق جميع المكاتب العسكرية المسلحة اللاشرعية للمنظمات السياسية الناشطة في العملية السياسية، ومن سيعمل على فرض القانون وإختفاء المظاهر المسلحة..؟؟

أليست الحكومة وأجهزتها الأمنية هي وحدها من أنيطت بها مسؤولية كل ذلك..؟ أليست الحكومة تركيب معقد من مكونات العملية السياسية نفسها، وجل أطرافها يديرون علاقاتهم وشؤونهم بواسطة أذرعتهم المسلحة..؟

فهل أن الحكومة قد ولدت منتخبة من أجل تنفيذ رغبات وإشتراطات هذه الأطراف..؟ أم أنها مجرد إنعكاس وصورة هلامية لهذا التواجد المحزن لتلك الطوائف السياسية المسلحة، التي ما إنفكت تطلق صيحاتها بالديمقراطية والتعددية والتبادل السلمي للسلطة،  بنفس القدر الذي ترشق فيه رشاشتها وهاوناتها الرصاص والقنابر بدون حساب..!!؟؟
 
لم يزل السؤال نفسه، موضع تساؤل لا يجيب عليه غير الحكومة نفسها من خلال ما ستقدم عليه من إجراءات ومبادرات تطمأن الناس، أو على أقل تقدير تضعف لديهم الشعور بخيبة الأمل بالعملية السياسية التي أمست في وجدانهم ومشاعرهم، مجرد بعبع يجثم على الصدور..!           

إن مصالح الطوائف السياسية المسلحة اليوم، تقف في المقدمة، يسندها تعكزها على قاعدة عريضة من الجماهير التي أنستها محنتها وكربها، وغثيانها مما هي فيه، أبسط حقوقها في العيش الكريم؛ فإستسلمت منقادة الى مشاعرها المقدسة، قاطعة الآف الأميال، ، مستسهلة حر الصيف ومتحملة قر الشتاء، طلباّ للرجاء والدواء، فإن ماتت أو قتلت، فطريقها الجنة وطريق القادة الصالحين من السياسيين نعيم الحياة..!! 

______________________________________
* - http://www.yanabeealiraq.com/News%20mappe/n%2029-08-07-01.htm

327
باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com




هذه التوطئة التأريخية الرائعة والصادقة لمكنون تسمية (العراق) التي أوردها الأستاذ الفاضل، الدكتور سيار الجميل والمنشورة على صفحات موقع (إيلاف) ومواقع أليكترونية أخرى، في 26/1/ 2006 تحت عنوان (العراق: المعنى والأصل والصورة)،  إنما تعكس حقيقة لا غبار عليها، هي وحدة تراب هذه البلاد، منذ أقدم العصور، وتضع أمام النشيء الحديث، حقائق تأريخية متأصلة عن وحدة العراق؛  في خضم الهجوم والتشوش الثقافي والخلط المتعمد للمفاهيم، ومحاولات إنكار حقيقة وجوده ومنذ أعماق التأريخ، كوحدة جغرافية متماسكة..!

 لقد وجدت تسمية (العراق) في معناها وأصلها وصورتها، في هذه المقالة المكثفة والرائعة للأستاذ د. سيار الجميل، من ينصفها بحق، ويمنحها مدلولها التأريخي – العلمي، المعبر عن وحدة الكيان الجغرافي للعراق، ويزيل حجب الضباب الي تغلفها، ويمنح للدارسين والباحثين وللناشئين، آفاقاّ واسعة للزيادة في المعرفة ونهل الحقيقة من مصادرها الموثوقة..!! 
     
     تلك الوحدة التي بتماسكها، أجبرت حتى أولئك الغزاة الذين جثموا على صدر العراق قروناّ من الدهر- من منغوليين أو ساسانيين، ، أو عثمانيين ومحتلين جدد -، على الإقرار بهذه الوحدة، ولم يجرؤا على ضم أو إستقطاع جزءّ منها..! 
     
 وحتى في العصور الموغلة في القدم، أيام السومريين، والبابليين، والاشورين أو الكلدانيين، ورغم   الحروب الطاحنة بين هذه الشعوب، كانت (وحدة ) التراب العراقي في (الجغرافية) هي الجامعة المانعة، لسكانه – بإثنياتهم المختلفة – من التشضي أوالتمزق في كونتونات منعزلة ، أومتباعدة ، كما كانت عليه أوروبا على سبيل المثال فى القرون الوسطى.. وحتى الأقوام التي إستوطنته بعد الإسلام، فقد إندمجت مع السكان المحليين، وأبتنت حواضرها في البصرة والكوفة وبغداد وواسط  ولم تجتزيء من كله شيئاّ، ولم تزرع على تخومه مملكة،  فمملكة (الحيرة) ، مثلها مثل مملكة (تدمر)؛ هذه في العراق وتلك  في الشام..! أنقرضتا وظل العراق باق مع الاجيال..! وزال (كسرى) وها     هي (مدائن) العراق شامخة كالطود..!!
 
كل شيء في هذه البقعة من الارض - بحدودها الجغرافية، القديمة أو الحالية- كان متشابكاّ متماسكاّ ولا زال، في كل واحد..!  حتى في الطموحات القومية لسكانه؛ من عرب أو كورد أو قوميات أخرى،  جميعها كانت تدور ضمن فلك (العراق)، ولا أي منها، لا في المنظور القديم أو الحالي، من فكر مجرد التفكير، بأن يستقطع جزءّ من أرض العراق لينشأ عليها "وطناّ" خاصاّ به..!

 حتى تلك الإثنيات الكبيرة، كالعرب والكورد، فإنها دوماّ شعرت بوجودها القومي من خلال وحدة العراق الجغرافية؛  فما يمس هذه الوحدة من سوء أو تعد في الجنوب - ذي الأغلبية العربية- يجد صداه في الشمال – ذي الأغلبية الكردية- وبالعكس ، والأمثلة على كثرتها تغني عن البيان..!
 
فالحملات العدوانية والغزو الأجنبي، التي تعرض لهما (العراق) وعلى مدى العصور، جوبهت جميعا بالرد والمقاومة من قبل كافة أبناء هذا البلد على السواء، وكان (العراق) في جميعها (جسماّ واحداّ) من ثغر البحر حتى ذرى الجبال؛  كان القوم كتلةّ واحدةّ وكياناّ واحداّ وإرادةّ واحدةّ في الدفاع عن حياضه؛ وهذه (ثورة العشرين- 1920) أقرب شاهد على ما نقول..! إرثه هو إرث الجميع، وثرواته هي ثروة الجميع، وهمه  هو هم الجميع..!


 لا يعرف حدوداّ بين ضياعه ولا أسورةّ بين مدنه أو ضواحيه؛ أرضه واسعة لجميع قاطنيه؛ لا تعرف تعريفة للدخول ولا سمة للخروج؛  "الكوردي" القاطن في جنوبه هو كمثل "العربي" العائش بين أحضان وديانه في الشمال؛ يشعران بالأمان والإطمئنان..!


   إن جفت الاهوار، سار إبن الهور بقطعان جاموسه بحثاّ عن المرعى في الوسط  و بين سهول شهرزور في الشمال، وأن أجدبت مع بدو الجنوب، قصدوا بجمالهم  بادية الشمال..! وأن أعسرت مع الفلاح، يمم وجهه شطر المدن طلباّ للعيش؛ العاملون في المعامل والمؤسسات من شماله حتى جنوبه، نسيج من كل الإثنيات والطوائف..!


ما عرفت أقوام العراق وعلى مدى العصور، التطاحن والتحارب فيما بينها من أجل تمزيق الوطن الى دويلات أو مستوطنات، وأغلب الصراعات التي عرفت في البلاد كانت في مجملها صراعات بين الحكام وتلك الأقوام؛  فالمذابح التي تعرض لها الكورد  وعل مدى أكثر من قرن من الزمن، والحملات الهمجية وقصف الطائرات التي دمرت قرى وأرياف مدينة الناصرية وسوق الشيوخ في ثلاثينيات القرن الماضي، وحملات الإبادة التي طالت جماهير الأرمن، والإضطهاد الذي عاش في ظله الكلدو-آشوريين، والتركمان وغيرهم من القوميات الأخرى والطوائف الدينية ؛ جميعها كانت تدور بين الدولة بآلتها العسكرية المدمرة، وبين أبناء الوطن الواحد، ولم يكن محركها إحتراب من أجل التنازع على أرض أو حدود، كذلك هي النزاعات التي كانت تجري ما بين المكونات الإثنية أو الطائفية أحياناّ، فهي الأخرى بعيدة كل البعد عن ما يمس وحدة أراضي الوطن وسلامة حدوده..! وأغلبها كان يجري بتحريض أو دسيسة من سلطة الدولة أو من لهم مآرب في تمزيق نسيجه الأجتماعي ..!؟


وحدة التراب العراقي قد حرسها العراقيون أنفسهم، وأمتزجت دماؤهم في حومة الدفاع عنها، سيان كان الغازي شرقياّ أم غربيا..!  تأريخهم مفعم بقصص البطولة والفداء، من أجل وحدة هذا الوطن، الذي إستعصى تمزيقه ولا يزال، على كل من حاول إستهدافه من غادين أو قادمين..!


 ومن سمات وحدته ككيان قائم ، هو وحدته الاقتصادية، التي دعّمتها وحدته الجغرافية، رغم أن هذه الوحدة لم تتجلى أو تبنى على قاعدة صناعية قوية، وإنما ظلت مقومات نموها وتطورها رهن إشكالية العدوان والمطامع الأجنبية منذ القدم وحتى غزو (هولاكو) ومن بعده غزو(الساسانيين والعثمانيين) وأخيراّ (الانكليز والعم سام) بإستثناء العصر العباسي الزاهر في أوائل عهده..!


 فالنسيج الاجتماعي، الذي إتخذ من  ضفاف النهرين العظيمين ( دجلة والفرات) وفروعهما، ومنذ أقدم العصور التي عرفت تواجداّ سكانياّ،  مستقراّ لوجوده وموطناّ لإستقراره،  قد أكسبه؛ ما شد لحمته وقوى وشائج القربى بين مكوناته، فإرتبطت المصالح الاقتصادية لكل قاطنيه بوجود هذين النهرين العظيمين،  وأقيمت المراكز الاجتماإقتصادية على طول ضفافهما من زاخو في الشمال حتى الفاو في الجنوب، وكانا واسطة الربط الرئيسة بين مختلف مدنه وأريافه؛ تمخر عبابهما السفن الشراعية المحملة بالبضائع من البصرة حتى شمال بغداد، وتنقل عكساّ ثروات الشمال الزراعية ؛ من فستق وجوز ولوز وبقل وتين مجفف وبرغل والقائمة تطول..!!


  لقد شكل (دجلة والفرات ) رمز العراق على مر العصور.. وكان في أمنهما وسلامة وجودهما أمن العراقيين جمعاء..!

لقد جبت (العراق)  طولاّ وعرضاّ وعاشرت مواطنيه في الريف والمدينة ، في السهل والجبل، وأستطعمت مأكولاته في الأهوار وفي أعالي الجبال..؛  "عاسنت"(*)  أهله  من كل الإثنيات  والأديان، من مختلف المذاهب والنحل، وتعرفت على عاداتهم أنى حلّوا  وأنى رحلوا.. عاشرت البدو في الصحراء، وألفت العيش بين ظهرانيّ  الأكراد.. والتركمان.. والكلدو_ آشوريين.. والأرمن والأيزيديين،  أما العرب؛ فقد ولدت من أم وأب عربيين، وعشت في مدينة، فسيفسائها من كل الأجناس والأديان..!


  في الجبل مثليّ في أعماق الهور.. وفي الصحراء، مثليّ بين حاضنتي (دجلة والفرات)..؛ ربع قرن ونيف من التجوال في ربوع العراق، لم ألتق يوماّ ذلك الذي دار في خلده ، حتى ولو صدفة: أن يحلم  بوجود حدود بين المدن والقصبات، أو جوازات للعبور، أو أن يحمل بطاقات تحدد مكان إقامته أو مثواه؛  لقد ولد حراّ، وأختار مكان عيشه ومدفنه حيثما شاء؛  فهو حر في تنقله وإقامته، حر في عمله.. والارض مهما وسعت.. فقلبه نابض يحيي : (( عراق يا عراق...! ))1،  ولسان حاله منشدا..
(( بلادي وأن جارت عليّ عزيزة    وأهلي وأن شحوا عليّ كرام))2     


 إن من يسعى  الى  تبديل خارطة العراق،  وتحت أي تسمية كانت، إنما هو كالحارث في الماء.. فالعراق ملك نفسه، وجماجم العراقيين مزروعة في كل حفنة تراب من أرضه، وأشجار السرو والجوز وغابات الجلو، والأثل وغابات النخيل، وقصبه وبرديه جميعاّ،  قد سقيت  عبر التأريخ ،  بدماء أبنائه..!


العراق: واحد  موحد بأبنائه، عزيز بإسمه، فخور بأمجاده.. رمز للشراكة والأخوة بين قومياته وأديانه..!   

 العراق : دجلة والفرات.. العراق: وادي الرافدين، ولا أظنن، هنالك من تطاوعه نفسه مس وحدة العراق، أو شرذمته في كيانات مبعثرة؛  وإن وجد مثل هذا؛  فحاله حال من يريد أن  يقسم  ( النهرين- البحرين- ) اللّذين وحّدهما ( شط العرب-البحر العظيم- ) رمز وحدة العراق  .. أو حال من يعتقد؛  أنه قادر أن يفلتر الماء حسب تذوق شاربيه..!!


  لا يساورني الشك، بل يطمأنني اليقين.. فالعراق باق بقاء بحاره..باق بقاء الدهر...!
  فإن حل به ما لايتمناه ألمرء،  فصانعه  كالراسم فوق الرمال...!

ولقد صدق حافظ ابراهيم حين قال:

((أنا إن قدر الإله مماتي لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

ما رماني رام وراح سليماً من قديم عناية الله جندي

كم بغت دولة عليّ وجارت ثم زالت وتلك عقبى التعدي))



_____________________________________________________
 -1الشاعرالعراقي: بدر شاكر السياب
 -2الشاعر العراقي: معروف الرصافي
 (*)   عاسنت : كلمة متداولة في ريف العراق الجنوبي وعند البدو، وهي تعني المعايشة عن قرب
 

328

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


المشروع الوطني الديمقراطي


لعل من أبرز معالم أزمة الحكم في العراق، وبعد مضي عام ونصف على تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" ، ما تتنادى إليه معظم أطراف العملية السياسية العراقية اليوم، من تداول مشاريعها السياسية الإنقاذية، للخروج من براثن الأزمة الخانقة، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من ثوابت العملية السياسية، التي أجمعت يوما ما على الإلتزام بها..  ولست هنا في وارد البحث في تفاصيل هذه الأزمة أو في أسبابها ونتائجها، فقد أشبع ذلك بحثاّ من قبل جميع من يهمهم الشأن العراقي من عراقيين وأجانب..!

 ولعل آخر من تقدم بمشروعه الوطني الديمقراطي للخروج من الأزمة، هو الحزب الشيوعي العراقي، بإعتباره أحد الداعمين لمسيرة العملية السياسية وفق الأهداف والتطلعات المفترضة لبناء عراق إتحادي ديموقراطي فيدرالي، وهذا ما يدفعني للتوقف أمام مشروعه الوطني الديمقراطي المقترح وإنعكاساته وبعض ردود الفعل عليه..!


من نافل القول، بل من الواجب، أن يتقدم الحزب الشيوعي العراقي بأية صيغة لمشروع سياسي يخرج البلاد من أزمتها السياسية الخانقة، طالما يضع نفسه في موضع المسؤولية المشتركة مع الآخرين، وهو يرى بأم عينيه، حجم الكارثة التي تحيق بالبلاد، ويتلمس بنفسه ومن قلب الأحداث، حقيقة ما يدور من تداعيات الصراع السياسي بين أطراف العملية السياسية، ويدرك كافة معطيات اللعبة السياسية وأهدافها، وبالتالي فليس من عجب أن يطرح مشروعه الوطني الديمقراطي، واضعاّ الآخرين أمام تحمل مسؤولياتهم التأريخية إتجاه الشعب والوطن..!


قد يختلف المرء في الأفكار والمضامين، ولكنه من غير المعقول أن يختلف في أمر إتخاذ موقف من الخطر الداهم، ولعل  ما دفع بالحزب الشيوعي العراقي، وهذا ما أفترضه، بعد أن أدرك أن كافة مواقف الحوار والتهدئة وعدم دفع الأمور الى التأزم، قد وصلت جميعها الى طريق مسدود؛ أن يقول كلمته في الأوضاع المأساوية التي تمر بها البلاد، وأن يعلن بصريح العبارة، الإنذار بدنو المخاطر وأن لاسبيل للخروج من المأزق الحالي، غير الركون الى منطق العقل والتفاهم ، وفق أسس المشروع المطروح من قبله الى الجماهير وقيادات أطراف العملية السياسية.

 فليس بعد، ثمة ما يقال حول التأخر في الطرح، أو عقم المشاركة في العملية السياسية كما يراها البعض من المنتقدين؛ فالبلاد تتمزق والإرهاب يتفرعن  ونزيف الدم لا ينقطع، وليس ثمة بصيص ضوء في النفق المظلم..!؟


حينما يدرك الحزب الشيوعي العراقي مسؤوليته التأريخية أمام تفاقم الأوضاع في البلاد، تبدو هزيلةّ تلك المواقف التي تنبري في مثل هذا الوقت بالذات، لتوجيه سهام النقد والتقليل من شأن هذه المبادرة الشجاعة، حارفة بذلك وجهة النقد نحو تخرصات، أقل ما فيها، أنها لا تخدم أو تساعد، لا من قريب ولا من بعيد،  في الأنعتاق من براثن الكارثة التي يتعرض لها الوطن والشعب، والأنكى من ذلك عدم تناولها لمفردات المشروع بالتحليل والمناقشة، بل على العكس من ذلك، فإنها تلقي ظلالا من الشك والريبة على النوايا التي تختفي وراء حملة النقد والتشهير هذه، والتي يتعرض لها الحزب الشيوعي العراقي في هذا الوقت بالذات..!؟؟


وليس من قبيل الحدس أو الإفتراض، أن لا يدرك المرء الموقع الذي يحتله الحزب الشيوعي العراقي بين صفوف الشعب العراقي وطبيعة العلاقة القائمة بينه وبين الجماهير طيلة ما يزبد على سبعين عاما؛ فالموقف الذي دأب العراقيون على إتخاذه من الحزب الشيوعي العراقي ، تميز وفي جميع الأحوال بالإحترام والإحتضان، وقد وجدت فيه الجماهير ذلك الحزب الذي كان وفياّ لشعاراته، وصادقاّ ثابتاّ في مواقفه الوطنية، وقد حضي وبإسترار، بإحترام وإعتزاز جميع أحزاب الحركة الوطنية العراقية على مختلف مشاربها، ولم يقلل من أهمية هذه الحضوة بين صفوف الجماهير، تلك المواقف التي شكلت إلتباساّ لدى البعض حول حقيقة ما أقدم عليه الحزب الشيوعي العراقي من علاقاته الجبهوية خلال فترة الجبهة الوطنية التقدمية/1973 . وما كان يقف وراء هذه الثقة، هو تيقن الجماهير بصدق النوايا التي كانت تقف وراء موقف الحزب من ذلك، وغير قليل ما قدمه الحزب الشيوعي العراقي من الضحايا من الشهداء على يد الدكتاتورية ..!


وكي لا يذهب الحديث بعيداّ في التفسير بإتجاه الإطراء، أقول ومن تجربتي الحياتية الشخصية الطويلة، وبعيداّ عن المبالغة، بأن جماهير الشعب العراقي في موقفها من الحزب الشيوعي العراقي، خلال عقوده السبعة من السنين، كانت تنظر الى الحزب، ليس من خلال ما يدور بين قادته من صراعات داخلية أو خلافات وحسب، بل جل ما كان يهمها هو نشاط الحزب ومواقفه المعلنة من النضال ضد الإستبداد والدفاع عن الحرية، ونضالاته من أجل مصالحها المطلبية وحقوقها المشروعة في حياة كريمة، في نفس الوقت الذي كانت تقف فيه موقف إجلال وإحترام وإكرام لقادته الميامين الذين ضحوا بحياتهم من أجل هذه المطالب..!


فما يوجهه اليوم، بعض القادة الحزبيين السابقين، ممن كان لهم شأو ومكانة رفيعة في صفوفه القيادية، من سهام النقد الموجعة، والتي لا تخرج من دائرة الخلافات الحزبية الداخلية الضيقة، فإن هذا لا يعني من قريب أو بعيد، إثارة إهتمام الجماهير، ولا يغني معارفها بشيء، بل على العكس من ذلك؛ فإنه يسجل حالة إحباط في نظرة هذه الجماهير أزاء هؤلاء القادة ومن شاكلهم، بحيث يصبح الموقف منهم موقف الريبة والتشكيك في حقيقة ما يضمرونه إتجاه الحزب الشيوعي العراقي، الذي تكن له هذه الجماهير حباّ وإحتراماّ بالغين، بل ومن الصعب على فرد أو مجموعة أفراد أن يحرفوا نظرة تلك الجماهير إتجاه الحزب الذي خبروه وعاسنوه ، مهما بلغوا من مكنة البلاغة واللف والدوران..!


وللوقوف على حقيقة ما تنطوي عليه حملات النقد القاسية وما تأخذه على قيادات الحزب من موقف "المهادنة" مع الإحتلال، وما تبطنه من وراء ذلك، فليس أمام المرء إلا التوقف أمام المشروع الوطني الديمقراطي للخروج من الأزمة، الذي تقدم به الحزب مؤخراّ، ليكتشف خطل تلك التقولات وإفتقارها الى أساس موثق يمكن إعتماده لتبرير هذه الإنتقادات.
 

لقد أكدت الفقرة (ثامنا) من أهداف المشروع، وبكل وضوح وجلاء لا يقبل اللبس، على وطنية موقف الحزب العراقي من القضايا الجوهرية والأساسية، التي تعتبر محكاّ حقيقياّ لقياس مدى وطنية هذا الحزب أوذاك منها، ولعل الموقف من الثروة الوطنية النفطية وحده كاف ليضع جداراّ عازلاّ أمام جميع التخرصات التي تحاول الطعن بوطنية الحزب الشيوعي العراقي حتى لو كان ذلك بالغمز، ويكفي فقط قراءة نص هذه الفقرة من المشروع ليتثبت المرء بنفسه حقيقة ما أشرت إليه:

((ثامنا : إعادة اعمار البلاد ، وتحقيق تنمية اقتصادية – اجتماعية متوازنة ، واعادة هيكلة الاقتصاد  لصالح تطوير وتحديث القطاعات الانتاجية السلعية والخدمية ، وحماية الثروات الوطنية ، لا سيما النفطية، والاعتماد أساساً على الاستثمار الوطني المباشر في استغلالها وادارتها،  وتوظيف هذه الثروات في تنمية الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية. ))*


وبنظرة فاحصة حيادية، يمكن للمرء أن يكتشف؛  أين تكمن نقطة المقاومة في هذه الفقرة ، التي يبديها الحزب الشيوعي العراقي بدافع المصلحة الوطنية، ضد عوامل الضغط الهائلة التي تمارسها أوساط الشركات النفطية الإحتكارية ومن وراءها الإدارة الأمريكية، فيما يتعلق بمحاولة تمرير مسودة قانون النفط والغاز التي عارضتها الأغلبية الشعبية، لتتعمق لديه القناعة بصواب موقف الحزب الشيوعي العراقي من هذه المسألة الحساسة من جهة، ويجد فيها دحضاّ لما يقال من إتهام ب"مهادنة" مشكوك في صدق مروجيها من جهة أخرى؛ حيث جسد الحزب في هذه الفقرة موقفه الواضح والجلي من قضايا الوطن الأساسية، دون لبس أو غموض..!     

أما ما تضمنته باقي نصوص المشروع الديمقراطي للخروج من الأزمة الطاحنة، فأقل ما يقال عنها؛ أنها تصب في نفس الإتجاه الوطني، الذي يضع مصلحة الشعب والوطن في المقدمة؛ ولا يتلمس فيها القاريء،  ما يوحي لوجود مصالح فئوية أو طائفية أو حزبية، كما وأنها لا تحتاج الى الكثير من الجهد والعناء لمعرفة حقيقة وطنية الحزب الشيوعي العراقي، الذي في تقديري بمشروعه الحالي قد وضع بوصلة يمكن الركون اليها في إكتشاف الطريق الصحيح للخروج من الأزمة الخانقة..!
____________________________________________   
* -   http://www.iraqcp.org/members4/0070820wa1.htm



       

       



   

   
     


329

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com



في خضم الضجيج السياسي، ودوي المفخخات، وعواصف الموت السوداء؛ في ظروف عزّت فيها على المواطن، سبل الحفاظ على حياته وحياة عائلته؛ في ظروف الخوف والقتل الطائفي والتهجير، إكتسحت  البلاد هجمة هولاكية تدميرية لا تبقي ولا تذر، من تدمير وتخريب لكنوز تراثه المعرفي والثقافي، وعرّضت معالم تلك الكنوز الغنية ومكامنها الآثارية الى الإنتهاك وسرقة محتوياتها وبيعها في الأسواق السوداء خارج البلاد؛ في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق منذ أربع سنوات ونيف، لم تعبه السلطات الحكومية ولم تهتم لما تتعرض له هذه المواقع من إنتهاكات وتجاوزات عرضتها الى الإهمال والتلف ومخاطر الفقدان والضياع..!
 
في خضم هذه الظروف، يأتي نداء الأخ الأستاذ الفاضل الدكتور سيار الجميل، الباحث في تأريخ وحضارة الشرق الأوسط الحديث، ومن موقع الشعور الوطني والمسؤولية المهنية العالية، مذكراّ بما تتعرض له كنوز الثقافة العراقية من مخاطر التدمير، في مقالته الموسومة ( نداء من أجل حماية ذاكرة العراق)، والتي تركز على ما أصاب (المكتبة الوطنية العراقية) في بغداد من إنتهاك وتعد على حرمتها من قبل أفراد من الجنود العراقيين ، المنشورة  في صحيفة المنار الأماراتية في 15/8/2007.

 يأتي هذا التذكير بمثابة تحذير للجهات الحكومية ولكل العراقيين وبالذات لجمهرة الوسط الثقافي، من مغبة ما سيترتب على الإهمال التي تتعرض له كنوز الثقافة العراقية من خراب لا يمكن تعويضه، وما ستتعرض له ذاكرة العراق من إنقطاع وتلف غير مبررين، مما يشكل خسارة لا يمكن تعويضها للأجيال الحالية والمستقبلية..!؟

إن تذكير الأخ  الدكتور سيارالجميل يضع الجميع من مؤسسات الثقافة والمثقفين بوجه خاص، ناهيك عن السلطات الحكومية أمام مسؤولياتهم التأريخية في حماية كنوز الثقافة العراقية وفي إبعادها عن ساحة الصراع السياسي، وتعتبر مسؤولية الحكومة من أولويات مهامها في تأمين هذه الحماية والصيانة..!

وللتذكير بأهمية المسؤولية الحكومية في هذا الشأن، يحضرني الحدث التالي:

المكان : بغداد – باب المعظم – المكتبة العامة (المكتبة الوطنية العراقية حاليا)
الزمان : 1955 – 1956
إعتدنا نحن بعض الشباب المتواجدين في بغداد يومذاك لأغراض الدراسة، التردد على المكتبات العامة للبحث عن الكتب المعنية بشؤون الثقافة التأريخية والإجتماعية والسياسية، وكنت وأحد الأصدقاء من ذوي الميول السياسية اليسارسة، من المولعين في البحث عن الكتب التأريخية والكتب ذات نفس الإتجاه وأرشيف الصحافة العراقية وصحافة الأحزاب، فكنا نتردد غالباّ على مكتبة الخلاني في جامع الخلاني، ومكتبة مكنزي في شارع الرشيد، والمكتبة العامة الحكومية في باب المعظم آنذاك، التي عرفت فيما بعد بالمكتبة الوطنية العراقية، وسوق الكتب في شارع المتنبي وغيرها. وقد أسرّ لنا أحد المهتمين بالشأن الثقافي عن وجود كتاب قيم لكاتب لبناني يدعى (بندلي جوزي) يبحث في (تأريخ الحركات الفكرية في الإسلام)، وكان الكتاب في حينه، محظور نشره في الأسواق لتضمنه أفكاراّ ذات نزعة يسارية، وتوجد منه نسخة واحدة فقط موجودة في المكتبة العامة الحكومية، ظهر فيما بعد أنها مهداة من قبل الشخصية العراقية المعروفة النائب في البرلمان توفيق الفكيكي الى المكتبة العامة.

سارعنا تدفعنا اللهفة والحماس الشبابي الى المكتبة العامة، وبعد أن فشلنا في العثور على الكتاب في الأرشيف، سألنا الشخص المشرف على المكتبة ، عن حقيقة وجود الكتاب في المكتبة، فما كان منه إلا أن ضحك مداعباّ ومستفسراّ عن كيفية معرفتنا بوجود الكتاب في المكتبة؛ قلنا له الحقيقة، فكان جوابه:

 أن الكتاب موجود فعلاّ في المكتبة، ولكن يتعذر عليه أن يسمح بإعارته للجمهور بأوامر من الجهات المختصة..!؟

أصابتنا خيبة أمل مصحوبة ببعض الأمل؛ فالشخص مسؤول المكتبة كانت تربطنا به علاقة ودية نحن الأثنان، نمت وترعرعت من خلال مواضبتنا التردد الى المكتبة، وبما كان يبديه لنا من مساعدة ومحاباة ولطف في المعاملة، وكان يدعى (خلدون) إن لم تخني الذاكرة وكان إنساناّ شهما.

 سألناه إن كان بمقدوره مساعدتنا في الإطلاع على الكتاب؛
 لم يتردد كثيراّ، وتحدث همساّ؛ بأنه يمكننا الإطلاع على الكتاب ولكن بحذر ولوقت لا يتجاوز الساعة ودون علم الآخرين من الزوار..

 بحمية وإصرار، قمنا بإستنساخ الكتاب وأنجزنا المهمة خلال إسبوع، وأحتفظت  بنسختي المخطوطة في مكتبتي الشخصية وأخفيتها ضمن الكتب الممنوعة ، ولم أقتن الكتاب المطبوع الذي إنتشر في الأسواق بعد ثورة الرابع من تموز 1958 إعتزازاّ مني بها كثيرا ..!

بهذا الحرص الشديد، كانت الدولة تحافظ على التراث الثقافي حتى لو كان فيه ما لا يخدم مصالحها أو يتعارض مع أفكارها وتوجهاتها، وكانت تعتبره جزءّ من تراث الشعب وملكيته، وتضعه في أيد مؤتمنة للحفاظ عليه وصيانته. كما كانت للمكتبات العامة سواء في العاصمة أو في المحافظات حرمة خاصة، حتى أن الكثير من أصحاب المكتبات الشخصية كانوا يوقفون أو يوصون قبل وفاتهم بإهداء مكتباتهم الخاصة الى دور الكتب العامة حفاظاّ عليها من وقوعها في أيد لا تحرص على حمايتها، أو خوفاّ من تعرضها للإهمال والتلف بعد وفاتهم..!

 فكيف والأمر الآن؛ أن تنتهك حرمة المكتبات العامة وتتعرض مخزوناتها من درر الثقافة والتراث الى التلف والتخريب والسرقة كما تعرضت نفائس المتحف الوطني العراقي للسرقة والتخريب والإنتهاك على أيدي قوات الإحتلال وزمر عصابات السرقة والتهريب، وكيف تحولت مواقع العراق الآثارية وهي من كنوز التراث العالمي الإنساني، الى قواعد عسكرية لقوات الإحتلال وأستبيحت معالمها، ونهبت مخزوناتها، وفي مقدمتها آثار بابل الشهيرة وزقورة أور في محافظة ذي قار..!؟؟؟*
ومن غريب الصدف أن تخلوا نصوص الدستور العراقي من مواد تتعلق بحماية وصيانة كنوز الثقافة والتراث المعرفي ومواقع الآثار التأريخية العراقية، فيما عدا نص المادة / 10 من الباب الأول/ المباديء الأساسية من الدستور،  التي إقتصرت فقط على: (( العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية، وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها.)) 
 
ولأهمية الحفاظ على التراث الثقافي والإنساني للعراق، فإن الدولة بكافة مؤسساتها وبالخصوص الجهات المعنية بحفظ التراث والسلطات التشريعية والحكومية، مدعوة الى إصدار تشريع خاص بذلك، وتفعيل نص المادة /105 من الفصل الرابع/ الهيئات المستقلة/ من الدستور، بتأسيس مجلس أو هيئة خاصة ذات ميزانية مستقلة ومدعومة، لحماية التراث بكل مكوناته..: (( يجوز استحداث هيئاتٍ مستقلة اخرى حسب الحاجة والضرورة بقانون. )) المادة/105  من الدستور

إن مسؤولية الحفاظ على تراث الشعوب وكنوز ثقافاتها هي مسؤولية جماعية عالمية، يقع العبء الأكبر فيها على عاتق الحكومات الوطنية لبلدانها وجمهرة مثقفيها، والمنظمات الدولية وفي مقدمتها منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، كما تتحمل قوات الإحتلال في حالة العراق، مسؤولية مضاعفة، يمليها عليها إقرارها للإتفاقيات الدولية في حفظ وصيانة التراث من جهة، كإتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها، حيث جاء في ديباجتها :  " أن الأضرار التي تلحق بممتلكات ثقافية يملكها أي شعب تمس التراث الثقافي الذي تملكه الإنسانية جمعاء, فكل شعب يساهم بنصيبه فى الثقافة العالمية ". وأتفاقيات جنيف لعام 1949 لكونها قوة إحتلال من جهة ثانية ناهيك عن مسؤوليتها الأخلاقية، فكيف والأمر؛ أن هذه القوات هي أول من إنتهك هذه الإتفاقيات وعرض كنوز الثقافة وتراث البلاد التأريخي للخطر..!!؟ وأخيراّ أعلان القاهرة بشأن حماية الممتلكات الثقافية الصادر في السادس عشر من فبرابر / شباط 2004. بالتنسيق مع جامعة الدول العربية و منظمة اليونسكو..! ( للمزيد من المعرفة عن الإنتهاكات راجع الرابط) **


لا يسعني أخيراّ، إلا أن أضم صوتي الى صوت الأستاذ الدكتور سيار الجميل في ندائه لحماية ذاكرة العراق، ومناشدة السلطات الحكومية تحمل مسؤوليتها في الحفاظ على التراث الثقافي العراقي، والى جمهرة المثقفين العراقيين الدعوة الى إيلاء إهتمام أكبر في نشاطهم الثقافي، في الدعوة للحفاظ على كنوز هذا التراث، كما وأهيب  بمنظمات المجتمع المدني، وخاصة منها الإتحادات الأدبية والمنظمات الثقافية، أن تولي قسطاّ أوفر في برامجها من أجل حماية وصيانة التراث الثقافي والمعرفي والأثر الحضاري للبلاد..!     
______________________________________________
  * -  الصور  في أدناه توضح الحقيقة
** - تقرير خاص عن الإنتهاكات في موقع بابل (بلاسم الضاحي) : http://15mum.net/mum19/News9-3G.htm

   





330
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لا زلنا نعيش أجواء تنشيط العملية السياسية، ونتابع بإهتمام سير اللقاءات والإجتماعات التي تدور بين أوساط القوى السياسية ذات الشأن وصاحبة حق القرار السياسي على مستوى السلطة التنفيذية، كما وإنتظرنا بإهتمام ما ستسفر عنه فعالية ترطيب الأمزجة والأجواء التي جرت بين ممثلي الكتل السياسية البرلمانية، من نتائج قد تذيب جليد العملية السياسية وتخرجها من طريقها المسدود لتضعها على جادة الصواب. كل هذا في أجواء تفاؤل مشوب بالحذر رغم ما أضفت عليه  الحفلة الإستقبالية التي أقامها السيد رئيس الجمهورية على شرف قدوم السيد رئيس إقليم كوردستان الأستاذ مسعود البارزاني ، من مظاهر الإبتهاج والأمزجة الرائقة للقادة السياسيين والحيوية العالية التي كانوا يتبادلون فيها أحاديثهم، ولكن ظهر أخيراّ،  أن حساب الحقل لم يتطابق مع حساب البيدر..!

وإذا بالجميع يفاجيء يوم 16/8/2007 ببيان تصدره جماعة الأربعة (المعتدلين)، التي تمثل الأقطاب الرئيسة في العملية السياسية ومن قادتها الأساسيين، وهم كل من ( المجلس الإسلامي الأعلى، الحزب الديمقراطي الكوردستاني، حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني، حزب الدعوة الإسلامية)..!

ودون أن يطرح المرء الأسئلة عن بواعث ودواعي إصدار هذا البيان في هذا الوقت؛ حيث أن تفاقم الأزمة السياسية قد بلغ حدوداّ بعيدة في التعقيد، وأن الجميع يدرك بأن العملية السياسية نفسها قد دخلت طريقاّ مسدوداّ، وأن كل هذه النشاطات واللقاءات التي تجري بين أطرافها المتنازعة، كان الهدف منها؛  الخروج من الأزمة وفتح الطريق للوصول الى حلول للأسئلة الشائكة المتعلقة بها، فإن مجرد قراءة سريعة لمضامين بيان الكتلة الجديدة، سوف يكتشف المرء بأن لا جديد في الأمر، سوى أن إستقطاباّ جديداّ لاح في أفق العملية السياسية، وهو لا يتعدى كونه إعادة ترتيب لهيكلة الأطراف السياسية الفاعلة في هذه العملية، وإن كنت أرى فيه من جانب آخر، ملمحاّ قد يساعد مستقبلاّ على الخروج من شرنقة "الطائفية السياسة" بهذا القدر أو ذاك..!

فبناء جبهة سياسية جديدة من نفس مكونات الكتل السياسية القائمة، لم يغير من الأمر شيئاّ طالما أن هذه الجبهة قد أرسيت قواعدها على نفس الأسس التي بنيت عليها تلك الكتل نفسها وهذا ما أكدته دعوتها الى "العرب السنة" للإلتحاق بالجبهة، وطالما أنها جاءت تفتقر الى برنامج واضح المعالم يرسم أطر حل الأزمة القائمة ووسائل وطرق ذلك الحل، لا الإكتفاء بمجرد إلتزامات عامة لا تلقي ضوءّ على المشاكل التي تقف في طريق العملية السياسية..!

أما ما هو إيجابي في إعلان هذه الجبهة؛ فهو فتحها الطريق وبشكل إيجابي أمام القوى السياسية الأخرى الفاعلة ضمن العملية السياسية بأن تبني نشاطها السياسي البرلماني وفق روح تنافسي ديمقراطي أمام أغلبية برلمانية ممثلة في جبهة سياسية جديدة، رغم أنها بنيت طبقاّ لأسس الطائفة-العرق، وهذا لعمري يشكل أحدى الطرق السليمة للخروج من المأزق الذي تسير وفقه العملية البرلمانية حالياّ، كما يمنحها حرية أكبر في الممارسة العملية، بعيداّ عن مبدأ المحاصصة في إتخاذ القرارات، حيث سينمح القوى السياسية من خارج هذه الجبهة إمكانية تشكيل إئتلافات أو جبهات أخرى على غرار  الجبهة الجديدة، وإمكانية تأسيسها طبقاّ لبرامج سياسية منافسة وليس على أسس طائفية أو عرقية، وبذلك تكون قد خطت بعيداّ الى الأمام في طريق الخروج من هيمنة نظام "الكتل السياسية" المبني على أسس طائفية عرقية الى نظام الجبهات السياسية المبني على أساس الإختيار الحر  وتوافقية البرامج السياسية..!

وبقدر ما يقال بشأن العملية السياسية وما يعلن عنها بشكل أو بآخر؛ بأن أحد شروط الإنظمام الى الجبهة الجديدة هو الإلتزام بالعملية السياسية كما ورد في الفقرة أ من المادة 2 من نص الإتفاق الرباعي للجبهة الجديدة، يبدو وكأن الأمر يحمل كثيراّ من التشوش والإختلاط بين مفهومي؛ العملية السياسية من جهة والحكومة من جهة أخرى، وهذا الخلط بين المفهومين يدفع بالبعض الى إطلاق تصريحات يفهم منها وكأن تلك القوى التي لم تمثل في الحكومة، إنما هي خارج العملية السياسية، وهذا في الواقع العملي يجري تفسيره أو الإيحاء بتفسيره وكأن هذه القوى يفترض أن توضع في عداد القوى المعادية للعملية السياسية أوتوماتيكياّ، وبالتالي يمكن أن تتعرض لأي إجراءات قمعية من قبل الحكومة. وهذا لعمري تفسير خاطيء لمفهوم (العملية السياسية) من الناحية الموضوعية والقانونية..!
 
فالعملية السياسية في جوهرها تمثل النشاط اليومي السياسي والإجتماعي للمجتمع  ضمن الأطر الدستورية والقانونية السائدة في الوقت والمكان المعين، وبالتالي فإن جملة هذه الأنشطة السياسية والإجتماعية ليست بالضرورة أن تكون متطابقة أو متوافقة من حيث الشكل والمضمون مع ما هي عليه لدى السلطة المتمثلة بالحكومة وأحزابها السياسية، ومن هنا إنبثق مفهوم المعارضة السياسية والإجتماعية، وهذا ما يجب الإنتباه اليه في التعامل اليومي مع نقد القوى السياسية والإجتماعية التي قد تتعارض في إطروحاتها مع ما تعتقده السلطات الحكومية أو تتخذه من قرارات..!

  وبالتالي ومن تحصيل الحاصل، فإن جميع من هم موجودون في الساحة السياسية والإجتماعية؛  سواء في الحكومة أو خارجها أو في البرلمان أو خارجه أو في منظمات المجتمع المدني أو من الناخبين؛ كلهم ضالعون في العملية السياسية تلقائياّ، سواء كانوا متفقين مع سياسة الحكومة أو معارضين لها طبقاّ للأسس والمباديء القانونية المرعية..!

خلاصة القول فإنه من السابق لأوانه الحكم على مدى فعالية الجبهة الجديدة في تحقيق نتائج إيجابية  ملموسة على عمل الحكومة، خاصة وأن بعض القوى السياسية من خارج الجبهة الجديدة لم تتفاعل إيجابياّ في ردود فعلها من التأسيس، ورأى البعض في قيامها، بمثابة رد فعل للحالة السياسية المتأزمة..!؟         
     

331
باقر الفضلي

Bsa.2005@hotmail.com



<< سنجار تبكي دماّ >> أيها الأيزيديون؛ لتمتزج الدموع  بالدماء والأشلاء؛
 لتسقي أديم ألارض الطاهرة؛ أرض الآباء والأجداد..
 سنجار تبكي دماّ؛ من لوعة الصمت المطبق..
 من وحشة الموت.. من العزلة؛
  من تفرد الغربان في المكان..

لموا جراحكم أيها الأيزيديون كما تلمون الجمر،
 فجراح العراق الشهيد .. "تظل عن الثأر تستفهم"..*

الغيمة السوداء من غربان الموت الإرهابية الظلامية، ما إنفكت تنوخ على صدر العراق، محاولة بمناجلها الصدأة قطع جذور شجرة الزيتون العراقية الورقاء؛  فتمطر موتها الأصفر ذات اليمين وذات الشمال؛ في الوسط مثلها في الجنوب ، في ذراري الجبال الشماء مثلها في أعماق الأهوار، في سنجار مثلها في البصرة والحلة وكربلاء وبغداد..!

الشكوى واحدة والموت واحد والبكاء واحد والقاتل واحد، والمغدور واحد، والإرهاب واحد؛

ولكنه العراق؛ المغروسة أقدامه في أعماق الأرض، العراق الذي يجمع بقاياه، العراق الذي أثخنته الجراح، العراق الذي يأبى على الإستسلام، العراق القامة السامقة.. "باق وأعمار الطغاة قصار"..

فإن بكت سنجار، فبكاؤها من الغيض المكتوم؛ إذ بلغ بها الصبر مبلغه، وما حملته من وعود السياسيين ما لا يطاق، وإن جأر الأيزيديون بالشكوى، فإنهم يمتلكون من الحق ضعفيه، أقليتهم الدينية في ظل أكثرية حاكمة، فرض عليها الدستور والعرف الأخلاقي وتعاليم دينها الإسلامي ومباديء حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، إحترامهم وحمايتهم وصيانة حقوقهم في التعبد وممارسة شعائرهم وطقوسهم الدينية  وغيرها من الأقليات الدينية والعرقية ، وثانيهما؛ أصالة وعمق عراقتهم وتساويهم في المواطنة مع جميع العراقيين..!
إنها لمثلبة كبيرة وقصور بائن، أن تتعرض الأقليات الدينية والعرقيه العراقية بكل طوائفها المسيحية والأيزيدية والمندائية والشبك، لكل هذا الحقد والكراهية، وأن ترتكب بحقها كل هذه الجرائم النكراء، من قتل وتشريد، وإنتهاك للأعراض، وتهجير من مواطن سكناها، على أيدي زمر القتل والنهب؛ من إرهابيين وعصابات مسلحة تعددت مشاربها ومصادر تموينها، في وقت لا يبدو فيه وكأن هناك سلطة ومؤسسات دولة أو وجود قوات إحتلال فرض عليها القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن؛ حماية الشعب وممتلكاته وكل ثروته وصيانة حقوقه وحرياته، طالما هي جاثمة على صدور العراقيين..!
فهل كل ما قدمته السلطات المحلية الإتحادية والإقليمية ومعها قوات الإحتلال، من مستلزمات الحماية ودرأ المخاطر التي تتعرض لها هذه الأقليات في مواجهة الهجمات المتكررة لزمر الإرهاب الظلامي والجريمة المنظمة، يتناسب وحجم ما تتعرض له من تعديات وتجاوزات، طالت حتى حق وجودها في الحياة، ناهيك عن محافظتها على تراثها وقيمها الإجتماعية وعاداتها وتقاليدها التأريخية..؟ السؤال يتكرر ويتكرر، والجريمة تستمر، وعيون المسؤولية مغمضة، ولسان المجتمع الدولي مصاب بالإحباط ، فلا كلمة تضامن ولا حتى إستنكار..!؟

الأيزيديون الذين قدموا فلذات أكبادهم فداءّ لهذا البلد الجريح وهم يقارعون جبروت الدكتاتورية الغاشمة في سوح النضال في ذرى كوردستان، وضيّعت مقابرالدكتاتورية الجماعية مصير الآلآف من عوائلهم الأبرار؛ يتعرضون اليوم، وبعد سقوط الدكتاتورية، الى مصير الأمس؛ من إضطهاد وتهديد وتشريد وقتل بالجملة وتهديم للمساكن، في وقت يتمسكون فيه بعراقيتهم وبأرضهم، بموطن آباءهم وأجدادهم، بعراقهم الفدرالي الموحد، فماذا يراد من الإيزيديين أن يقدموه أكثر مما قدموه..؟
لقد قالها شفان شيخ علو قبلي؛ "سنجار تبكي دماّ" وأقولها ويقولها الآخرون، وتظل دماء سنجار ودماء العراق دوماّ؛ صرخة في وجه أعداء العراق والطامعين بخيراته.. ويظل العراق قامة باسقة كنخيله وجباله، عصياّ على الآخرين، من ظلاميين وإرهابيين، وتظل سنجار قلعة للصمود..!!     
_____________________________________
*- الجواهري الكبير: أتعلم أم أنت لا تعلم   بأن جراح الشهيد فم

332

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com



((الله كتب لنا ان يأتي الامريكان والتحالف
 لتحريرنا من الدكتاتورية التي سيطرت علينا
 لعشرات السنين وقاتلنا في الجبال وفي الاهوار
 ولم نستطع ازاحته، كلكم تعلموا انه لم يكن من الممكن
 ازاحة الدكتاتورية لولا هذا التحالف الذي جاء لتحريرنا منه.
ولكن بعد ذلك جرت انتخابات في العراق كلكم تعرفون نتيجة هذه
 الانتخابات تشكل المجلس النيابي..))            جلال الطالباني (!)





"العملية السياسية"؛ هي اليوم في الميزان، وعلى الجميع أن يقول كلمته بدون مداهنة أو مواراة..!

لقد كان السيد رئيس الجمهورية الأستاذ جلال الطالباني في غاية الوضوح عند إستقباله وفد التجمع الإسلامي للإصلاح يوم 8/8/2007 حينما تحدث ويصريح العبارة عن حقيقة نشوء العملية السياسية، راداّ ذلك الى جبروت الدكتاتورية وإستحالة إزالتها من قبل قوى المعارضة، فكان لابد من الإستعانة ب"العامل الخارجي"..!

ولا أظن أن الرئيس الطالباني وحده من يقول ذلك، بل يشاركه الرأي نفسه، كل أطراف "العملية السياسية" ممن شاركوا في أعمال مؤتمر لندن – الأب الروحي للعملية السياسية - برعاية الولايات المتحدة الامريكية 13-15/12/2002 ولجنة (الخبراء العراقيين-32 خبيراّ ) التي عملت تحت إشراف لجنة خاصة من وزارة الخارجية الأمريكية للفترة (2001-2002)،. وتعزيزاّ لتلك الجهود تحقق إنعقاد الإجتماع الأول للجنة التنسيق والمتابعة للمعارضة العراقية في صلاح الدين في 26/2-1/3/2003 ..وهو آخر إجتماع للمعارضة قبل الإحتلال..!؟

ليس المهم هنا مجرد التذكير بالتأريخ، ولكن الأهم من ذلك، هو التذكير بجذور ما يصطلح عليه الآن ب"العملية السياسية" القائمة في العراق منذ أربع سنوات ونيف، وما ترتب عليها من نتائج وما صاحبها من تداعيات. كما وفي الوقت نفسه التأكيد على أن مظاهرها الشاخصة الآن، سبق وأن تم رسم مقدماتها وأسسها ومضامينها ، ووضعت خطوطها الرئيسة وسبل ووسائل تنفيذها، منذ ذلك الحين، وهيأ لها قبل إنعقاد المؤتمر المذكور بوقت مناسب..!

وليس من الغرابة بمكان، أن يؤكد الرئيس الطالباني هذه الحقيقة الآن، فإن حزبه (الإتحاد الوطني الكوردستاني) وباقي ما عرفت ب(مجموعة السته)(2)   أثناء المؤتمر، وآخرين غيرهم من أطراف المعارضة الوطنية العراقية، كانوا من المشاركين الرئيسيين والفعالين في رسم وبناء أسس "العملية السياسية" القائمة وبالإشتراك والتنسيق والتحضير مع الجهد الأمريكي.

وإن الغالبية من هذه الأطراف السياسية هم من المشاركين في الحكومة الحالية برئاسة السيد نوري المالكي. أما البعض الآخر من غير المشاركين في المؤتمر والمشاركين حالياّ في الحكومة "حكومة الوحدة الوطنية " وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نفسه، فليس بخاف عليهم تفاصيل ما جرى داخل جلسات المؤتمر، وطبيعة ومضامين القرارات والتوصيات التي إتخذها، والأسس التي بنيت عليها هذه القرارات، والتي كان في مقدمتها إحتساب النسب السكانية على أسس "مذهبية وقومية" ليجري بموجبها فيما بعد،  بناء الهياكل التنظيمية للعملية السياسية(السلطة) والدولة، والتي تعارف عليها اليوم ب"المحاصصة الطائفية"، كما وأنهم على إطلاع تام على طبيعة العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وقوى المعارضة العراقية من جهة أخرى، وما ترافق معها من تنسيق وتحضير لاحق..!؟

فالمشهد العراقي بكل إيجابياته وسلبياته مبني على قاعدة توافقية إرتضاها الجميع من مشاركين في المؤتمر أو ممن أسهموا فيما بعد، أو إلتحقوا ب"العملية السياسية" الحالية وبغض النظر عن خطأها أوصوابها ، هم جميعاّ يتحملون قسطهم من النجاح أو الفشل الذي لحق بها أو ما رافقها من تداعيات أضرت بالمجتمع العراقي، ولديهم من الوسائل  والاليات الدستورية، والتي أقروها بأنفسهم،  ما يكفي لمعالجة النواقص والأخطاء والإختلافات التي تجابه مسيرة هذه العملية التي أوجدوها وبعثوا فيها الحياة..!

كما وللزيادة في الأيضاح؛ ولإستجلاء الحقيقة، فإن بعض القوى الإقليمية من دول الجوار وفي مقدمتهم الجمهورية الإيرانية الإسلامية كانت في مقدمة المساهمين والداعين لإنجاح المؤتمر من خلال المشاركة أو دعم ودفع قوى الإسلام السياسي للقبول بالمشاركة فيه..!  كما كانت على علم، ولو إفتراضاّ، بالخطط  الأمريكية المقصودة  من وراء رعايتها المؤتمر..!

كما هي الأخرى دول الجوار، فإنها ليس فقط تتحمل مسؤولية أخلاقية عما وصل اليه الحال في العراق بسبب من محاولاتها إستثمار الساحة العراقية، بعد إنهيار الركائز والبنى التحتية للدولة، وإستخدامها منطلقاّ لتنفيذ أجنداتها المتعلقة بالمنطقة وفي المقدمة توظيفها من أجل ترتيب حساباتها المستقبلية في رسم علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية وحسب، بل وحتى التدخل السافر في شؤون العراق الداخلية بشكل لا يمكن التستر عليه..!؟

ومن هذا يمكننا القول بأن كافة القوى التي دعمت مؤتمر لندن أو ساهمت في أن يخرج للوجود، وخاصة بعض دول الجوار، كان لها مشاريعها وأجنداتها المستقبلية الخاصة من وراء تلك المساهمة، ولم يكن المؤتمر بالنسبة لها غير وسيلة لتمرير ذلك؛ وإذ هي اليوم تحاول أن تقف في منأى عن أهداف وتوجهات المؤتمر، وهي من أوائل من أيد وسهل ذلك، وإن تعلن الآن، موقف المعارضة من كل ذلك، "منددة" تضليلاّ بالتواجد الأمريكي وتدفع بمعاكسته مادياّ ومعنوياّ، فإنما هي بتصرفها هذا تذهب بعيداّ في التخطيط لتحقيق مصالحها بالذات، غير آبهة بما قد تسببه تلك المخططات من نتائج ضارة على مصالح الشعب العراقي نفسه، ليصبح الخاسر الوحيد في هذه اللعبة..!؟

وليس من الغفلة بمكان، أن  لا يدرك المرء  بواعث وأسباب ودلائل تلك اللقاءات، التي جرت وتجري في بغداد، بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وبين الجمهورية الأيرانية الإسلامية من جهة أخرى ، وإرتباطها بما يجري على الأرض العراقية من نزيف الدماء..!؟؟

 فإذا كانت "حركة القوات الأمريكية"، وهي الراعية الأساسية "للعملية السياسية"، << تخضع لمحاصرة الجمهورية الإسلامية >> على حد تعبير السيد (رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام السيد هاشمي رفسنجاني)، فكيف يكون عليه حال الشعب العراقي اليوم..؟؟! (3)           

أما ما تتعرض له أطراف العملية السياسية نفسها من تفكك وإنفراط في توحدها، فهو لا يعني غير تعبير عن إنجرارها وراء أجنداتها الخاصة التي دفعتها بعيداّ عن عوامل التقاءها وتوحد كلمتها، متناسية التزاماتها وتعهداتها إتجاه الشعب العراقي والوعود التي أخذتها على عاتقها في بناء عراق ديمقراطي فدرالي تعددي وفي ظل حكومة للوحدة الوطنية ذات برنامج متفق عليه..!

وربما كان في حديث الرئيس الطالباني ما يوحي لأغلبية هذه الأطراف بأنها نتاج هذه العملية ومن المساهمين في خلقها وعلى مسؤوليتهم تقع تبعاتها؛ فما يجري اليوم من تفكك لعرى حكومة السيد المالكي يعكس حقيقة الصراع الدائر بين أطرافها ، والذي لا يصب في خدمة مصالح الشعب العراقي بقدر ما يعمق أزمته ويطيل أمد نزيف الدم، ويفتح الطريق نهباّ للطامعين بخيراته، الذين يجدون في هذا الصراع الوسيلة الفضلى لتمرير خططهم وتحقيق أهدافهم المرسومة..!؟

لقد أثبتت التجربة العملية للسنوات الأربع الماضية فشل الأسس التي بنيت عليها العملية السياسية الجديدة بعد الإحتلال، وان إستمرار التمسك بتلك الأسس قد أوصل البلاد الى طريق مسدود، وكل ما يطرح اليوم من سيناريوهات وحلول للخروج من الأزمة المتفاقمة، يبقى عاجزاّ عن الإيفاء بالمطلوب، طالما ظل يدور في نفس الرحاب، ويتحرك من نفس المنطلقات، ويخضع لنفس الأجندات..!

فمتى ما أدركت جميع هذه الأطراف، إن حسنت النوايا، بأن جوهر المشكلة يكمن في الأسس الخاطئة التي بنيت عليها العملية السياسية، وهي ما ينبغي إعادة النظر فيه قبل غيره، وإن أصبح هذا من عسير الأمور ولكنه ليس من المستحيلات، وبعكسه فإن مقومات الفشل ستظل هي السائدة في التعامل السياسي ، وإن من يدفع ثمن كل ذلك، وحده الشعب العراقي..!؟

ومما لا جدال فيه، وخلال ما يزيد على السنوات الأربع، فإن كثيراّ من الدماء قد سفكت، وكثيراّ من المصالح قد أفتقدت، وكثيراّ من المصالح قد تحققت، وكل ذلك جرى ولا زال يجري، في خضم معركة قاسية دموية لا ترحم؛ يخوضها الجميع ويستمرؤها الجميع، والكل لا يرى غير مصلحته ولا يربأ إلا بنفسه، ولكن الجميع يتناسون أن هناك مصلحة واحدة لا غيرها، تجمعهم جميعاّ، وبغيابها فلا مصلحة لأي منهم؛ تلك هي مصلحة الجميع في البقاء والإحتفاظ بمصالحهم منفردين، ولا تتحقق هذه المصلحة العامة الجامعة، إلا بالتنازل المشترك من قبل الجميع عن جزء من مصالحهم الخاصة أو التريث في تحقيقها خدمة لهذه المصلحة المشتركة ودرء المخاطر القائمة والمحتملة، وبعكسه فلا سلام ولا طمأنينة للجميع، فالأخطار التي تحدق بالبلاد لا تفرق بين مصلحة زيد عن عمر، وإن الكل أمام الكارثة متساوون..!!
 
فإن لم تقدم جميع أطراف العملية السياسية نفسها على إتخاذ إجراءات عملية مشتركة سريعة ومتفق عليها، تهدف الى تفعيل دور الشعب العراقي من خلال مؤسساته الإجتماعية المختلفة في المشاركة بالحياة السياسية؛ وأن يكن في مقدمة تلك الإجراءات؛ الإعلان والمبادرة الفورية على حل جميع التنظيمات المسلحة "المليشيات" لهذه القوى، وتسليم أسلحتها للسلطات الحكومية، وذلك ضمن إتفاق سياسي ملزم مكتوب، مدعوم ببرنامج حكومي متفق عليه يأخذ في أبعاده ومضامينه أسباب وعوامل الخروج من الأزمة بروح شفافة وعلى جميع المستويات، في إطار حكومة مهنية تأخذ على عاتقها تنفيذ البرنامج المذكور وتحت رقابة برلمانية وشعبية فعالة تشارك فيها كل أطياف الشعب من المواطنين بدون إستثناء..! إنه برنامج للخروج من الأزمة المدمرة في أطر الحياة الدستورية القائمة. وبعكسه فإن الدوران في حلقة مفرغة من الفوضى والدماء سيظل ديدن الجميع وهذا ما لا تحمد عقباه..!؟ 

 إنه اليوم العصيب، حيث يطرح اللاعبون أوراقهم على الطاولة، ولم تعد هناك ثمة أوراق مستورة، سوى وجيف القلوب، وتلاقي العيون؛ هكذا هو اليوم حال "العملية السياسية" في العراق، أما الشعب، فقد قدم الكثير من الصبر والألم ونكران الذات بإنتظار النتيجة، فكان حصاده ما فاق كل التصورات؛ جبل من ركام الضحايا، تخفق فوق قمته راية "العملية السياسية"، وهي تقطر دماّ ودموعاّ وعويلاّ ودعاءّ تلتاع له القلوب..!!؟
 
وإذا كان "الله قد كتب لنا أن يحررنا الأمريكان من نير الدكتاتورية"،  فلا أظنه قد كتب علينا قتل بعضنا بعضاّ حتى تقوم الساعة..!!؟
______________________________________________________
(1)  http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=60939
(2)   مجموعة الستة: ( المؤتمر الوطني العراقي, الحزب الديمقراطي الكردستاني , الاتحاد الوطني الكردستاني, الملكية الدستورية, حركة الوفاق الوطني, المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق)*. وهي من شكلت اللجنة التحضيرية للمؤتمر.

(3)   http://www.kurdistan-times.org/wesima_articles/index-20070811-28954.html

*  تغير الإسم الى (المجلس الإسلامي الأعلى)



333

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


هو الفرح الغامر، هو الأمل الذي إنتظره الملايين من العراقيين، هو الوجد الذي أهاج مشاعر مكبوتة، وفجر من الآماق دموعاّ حرقى، هو النصر الرياضي الكبير، هو الهدية الذهبية، لشعب أنجب فتية خلدوا مأثرة لا تنسى، في وقت لا ينسى، فجاءت رمزاّ، وجاءت وعداّ، وخلدت رسالة؛

هكذا رسم الفريق الأولمبي لكرة القدم العراقي على شفاه الملايين من العراقيين بسمة الفرح في يوم عزت فيه البسمة، وجمدت فيه الدمعة، وحبست فيه الأنفاس، فكان نصراّ أنسى الناس الكربة، وأزال الغمة، ولقن مفرقي الشعب درساّ لاينسى؛

 الفرحة وحدها ما يجمع عليه الشعب، وما يريده الشعب، والفرحة لا يصنعها إلا الشعب.. فهنيئاّ للشعب بفتيته الأشاوس، هنيئاّ للشعب بما حققه أبنائه الميامين، ومبروكاّ لفتية الفريق الأولمبي العراقي بنصره الرائع وتألقه اللامع؛ هنيئاّ له بوحدته وتآخيه؛ هنيئاّ له بحب شعبه ومجد شعبه..!   
           

334


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لعله من المفيد تكرار القول؛ بأن الخوض في تفاصيل وتفرعات مسودة قانون النفط والغاز رقم() لسنة 2007 المقدمة الى مجلس النواب والكتابة عنها ، هو أشبه بالخوض في بركة تملؤها أسماك القرش، أو كالدخول في غابة شائكة مجهولة المعالم والطرقات، بل هو في الحقيقة يمثل مغامرة للبحث في المجهول، وخير تعبير عنها؛ الحالة المأساوية لأزمة الوقود التي تخيم على كاهل الشعب العراقي، ومافيا تهريب النفط في البصرة، وتفجير أنابيب النفط في كركوك وبغداد والمواقع الأخرى ..!؟(1)

وبالتالي فإن ما سأتناوله في هذه المقالة المكثفة هو مجرد  ملاحظات أولية على بعض ما جاء في المسودة من أحكام ونصوص، وجدت من المناسب الإشارة الى أصولها وهي حكماّ نصوص أساسية خلافية، أما المسودة في تفاصيلها، فإنها قد أشبعت بحثاّ وتناولها الكثير من الخبراء والمتخصصين إضافة الى ما قيل وكتب بشأنها من الدراسات والبحوث، والتي أجمعت في معظمها على ما يشوب المسودة من مثالب تستوجب رفضها ووقف مناقشتها..!

*******

أولاّ:

الملاحظ في البند ثالثا/المادة الأولى، أن المسودة قد إستحدثت تسمية ذات طبيعة شمولية على الهيئات الرئيسية الثلاث، والمسؤولة عن الشأن النفطي (وزارة النفط الإتحادية، الوزارة المختصة في حكومة اٌلإقليم وشركة النفط الوطنية العراقية)، تحت تسمية (الهيئة المختصة).

- من خلال هذا النص، يصبح في حكم المشروع، أحقية جميع تلك الهيئات الثلاث؛  القيام بكل ما يتعلق ب(دورات التراخيص)؛ إبتداء من الإعلان عن مواقع الإستكشاف وإنتهاء بتوقيع العقد الأولي ، طبقا للبند ثالثاّ والبند سادساّ من المادة الأولى، وبدلالة المادة /18/ البند أولاّ، من الفصل الأول/ الباب الأول..!

•   مما تقدم يمكن ملاحظة إن ملكية (الشعب) لثروة النفط والغاز التي وردت في نص المادة/2/أولاّ  من المسودة وما سبقها من نصوص تتعلق بتجزئة حقوق التصرف والإدارة لهذه الملكية، بين الحكومة الإتحادية والأقاليم، قد وجدت أساسها في نصوص (المواد/108و109و110و111) من الدستور(2)؛ وتأسيساّ عليها أعتمدت هذه المسودة للتشريع؛ علماّ بأن نصوص هذه المواد لا زالت بحكم الخلافية ومشمولة بأحكام المادة/142 من الدستور.

•   ولما كان الدستور نفسه، قد شرع سلفاّ لتجزئة حق (التصرف الإداري) المادة/109بشأن النفط والغاز المستخرج، فإنه بالأصل قد أوقع نفسه في التناقض مع المادة/108 التي تنص على  ملكية الشعب للنفط والغاز.

•    وحيث أن النفط والغاز بعد إستخراجهما من المكامن ووضعهما في الإستثمار يصبحان في عداد المال العام الذي يضفي عليه الدستور حرمة خاصة ويوجب حمايته/المادة /27/أولاّ،  والتي في تقديري ومن حيث المضمون؛ لاتسمح من الناحية الموضوعية وإنطلاقاّ من روح النص ومقاصده، بتعدد مراكز حق التصرف الإداري على هذه الثروة، وإن تم إجازته عن طريق الإنابة أو الإشتراك طبقاّ لإحكام المادة/109/أولاّ من الدستور الخلافية، فإن تداعيات تلك الإنابة تفقد النص المذكور/المادة/ 27 من الدستور أهدافه ومضامينه، ويصبح غير ذي معنى القول :<< النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات.>> /المادة /108، هذا إذا ما فهمنا بأن (النفط والغاز) المقصودين؛ هما المستخرجان من مكامنهما في باطن الأرض بنية وهدف إستثمارهما  كمال عام، وبعكسه فإنهما لا يكتسبان هذه الصفة طالما ظلا في مكامنهما في باطن الأرض، مثلهما كمثل الثروة السمكية في البحار والأنهار.

•     ولإحتمالية ما سيترتب على أمر تجزئة حق التصرف الإداري بملكية المال العام بين الأقاليم، بحكم وضع يدها على مكامن هذه الثروة وتملكها حق الحيازة على هذه المكامن إستناداّ لمنطوق البند/سادساّ/المادة/الأولى/المسودة وبدلالة المادة/18 منها، وما قد يثيره ذلك من المنازعات حول حدود ومناطق الإستغلال وتداخل الحقول النفطية والغازية بين الأقاليم والمحافظات وربما خارج الحدود، ناهيك عن التخبط الذي سيرافق رسم الخطوط العامة لإستراتيجية النفط والغاز المركزية لعموم البلاد بسبب تعدد مراكزها/ المادة/109/ثانياّ/الدستور ،  لذلك ومن هذا المنطلق، يستوجب الأمر على الدولة، الحفاظ على ملكية هذه الثروة وحمايتها وصيانتها، وضمان حقوق الأجيال الحالية والمقبلة في عوائدها؛ وهذا لا يتحقق خارج حدود وحدة القرار المركزي ورقابة الشعب.

•   أقول إن من بدهيات (ملكية) الشيء، هو تلازمه بحق التصرف، وحق التصرف يلزم الحيازة للمتصرف به، وإن كان ذلك لا يتم بالنسبة لملكية الثروة النفطية دون وضع اليد على مصادرها، وبالتالي فإن تجزئة حق التصرف (الإدارة) في هذه الحالة، هو بمثابة تجزئة لحق (الإدارة) للثروة النفطية المناط  بالحكومة الإتحادبة مركزيا، وسيؤدي بالنتيجة الى تجزئة وحدة التصرف بالمال العام نفسه (النفط والغاز) بين الأقاليم من خلال العقود التي ستقدم على إبرامها الأقاليم مع إصحاب التراخيص. كما في حالة عقود المشاركة طويلة الأجل. المادة/21 من المسودة، والتي هي في مضمونها تجسيداّ من خلال التشريع، لخصخصة الثروة النفطية ، حيث تصبح ملكية المال العام مشوبة بالتجزئة وبالمشاركة شيوعاّ مع أطراف أخرى، من غير أصحاب الحق الشرعي في الحيازة والتصرف وهم أبناء الشعب العراقي صاحب الحق بالثروة، وبالتالي تفقد هذه الثروة ميزتها كملكية عامة للشعب. 



•    وبعكسه، فإن عدم حصر حقوق التصرف (الإدارة) لهذه الثروة في يد جهة مركزية واحدة خاضعة حكماّ ودستورياّ لرقابة وإشراف مجلس النواب، مثل شركة النفط الوطنية العراقية ؛ فإن ذلك يفضي الى إحتمالية التفريط بتلك الثروة ، ويفتح الباب على مصراعيه أمام التأويل والتفسير والإهدار والتفريط بحقوق مالكيها والأجيال القادمة، بسبب تعدد مراكز الإدارة والقرار وتداخل الإختصاصات/ المادة/110  من الدستور، وتنازع الصلاحيات المادة/111 من الدستور وما قد يترتب على ذلك من تبعية الإرتباط بعقود قد لا تكون في خدمة المواطن مثل عقود المشاركة، نتيجة لحالة التنافس التي ستخلقها هذه التجزئة لحق التصرف الإداري بين الأقاليم، مما سيؤدي في النهاية الى إحتمالية المس بحقوق السيادة الوطنية والتجاوز على مشروعية الملكية العامة ووحدتها، رغم آلية الإشراف المقررة في نص المادة/18 من المسودة بشأن العقود.

•   ولعله من الأهمية بمكان، وبقدر تعلق الأمر بعوائد وإبرادات هذه الثروة ومفهوم العدالة في التوزيع التي أشارة اليه المادة/40 من المسودة، وأحالت أمر تفاصيله الى قانون آخر، طرحت مسودته أمام مجلس النواب، هو "قانون الموارد المالية"، والذي تعول عليه الإدارة الأمريكية وشركات النفط الإحتكارية الكثير من الآمال في تحقيق "المصالحة الوطنية" وتحقيق "الأمن" من خلال توزيع العائدات << بشكل عادل على الشعب وينظم ذلك بقانون .>> ، فهي الآخرى لم تخلو من المثالب والنواقص، وترتبط عضوياّ بنفس الأسس التي بنيت عليها مسودة قانون النفط والغاز.  وخير ما قيل بهذا الشأن؛ المقالة القيمة والمهمة، للخبير المالي الدولي الأستاذ الفاضل الدكتور كامل العضاض المنشورة بتأريخ 21/7/2007 في مواقع عديدة، والموسومة ب(ملاحظات أساسية حول مسودة قانون الموارد المالية) والتي إعتبرها مكملة لمسودة قانون النفط والغاز لتعلقها بتوزيع الموارد الناشئة عن إنتاج وتوزيع النفط والغاز.


ثانيا:

•   ومن المثير للإستغراب أن يتجرد مجلس النواب العراقي من مسؤوليته الدستورية في الإشراف والمراقبة على  أداء السلطة التنفيذية في مجال إدارتها للثروة النفطية، وأهم جانب منها، وهو عقود الإستثمار التي بموجبها يتم تحديد طبيعة الإستثمار وآثاره، وحدود تحقيق المنفعة العامة، وحماية المال العام، حيث ضيقت المسودة نطاق نشاط مجلس النواب الرقابي في حدود :  اولا - تشريع القوانين الاتحادية للعمليات المرتبطة بقطاع النفط والغاز.      ثانيا- الموافقة على الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة بقطاع النفط والغاز./ المادة/7  من المسودة  .


•   وفي تقديري إن هذا التقييد، يتعارض مع ما تلزمه روح المادة/27 من الدستور، ، من حيث القصد الذي إستوجب فرض الحماية من أجله، وهو حرمة المال العام ، وبالتالي فإن عقود الإستثمار تدخل ضمناّ في نطاق الإشراف والمراقبة والتدقيق لكون تأثيرها ينصب على تلك الثروة مباشرة وهي من المال العام، ولخصوصية هذه الثروة فإن مسؤولية مجلس النواب في ضمان حمايتها، إنما تجسد مسؤولية المواطن الشخصية في هذه الحماية. ومن هنا ، يصبح إفتراضاّ منطقياّ تدقيق مجلس النواب لعقود الإستثمار التي تبرمها الحكومة  مع "شركات النفط العالمية" كمبدأ أساس؛ من حيث مدى مطابقتها لأحكام المصلحة الوطنية في الحفاظ على الملكية العامة للثروة النفطية وعدم المساس بها من خلال إبرام عقود تنتهك شرعية هذه الملكية وتفقدها حرمتها أو تضعها تحت هيمنة وإدارة الشركات النفطية الإحتكارية؛  بحيث لا تصبح هذه العقود نافذة إلا بعد إقرارها من قبل مجلس النواب، لإهميتها الإستثنائية. وذلك ضمن صلاحيات المجلس الدستورية/ المادة/58/ثانياّ، وواجبات أعضاء المجلس/ المادة/48، إذا ما كان الهدف حماية الثروة النفطية من إساءة الإستخدام وهدر المال العام، وتبعات الفساد الإداري.

•   ولعل من دواعي إنتقاد بل ورفض مسودة قانون النفط والغاز موضوع النقاش، هو شبهة تضمنها صراحة تبني مثل هذه العقود المرفوضة وطنياّ، والتي تخل بالسيادة الوطنية وترهن ملكية الثروة النفطية تحت تحكم الشركات الإحتكارية النفطية العالمية لآجال بعيدة، من خلال عقود التنقيب والتطوير والإنتاج حصرياّ(عقود المشاركة)./ المادة/21/البند/ أولا - ثالثا ، بالإضافة الى مثالب كثيرة أخرى تناولتها العديد من الدراسات المهنية من قبل المتخصصين في الحقل النفطي والإقتصادي من عراقيين وغير عراقيين، وكان من أبرزها الموقف من القطاع الصناعي النفطي للبتروكيمياويت الذي أغفلته المسودة كليا، والتركيز على قطاع الإستخراج والتصدير.(3)

ثالثاّ:
حيث أن الإشكالية الرئيسة لمسودة قانون النفط والغاز على المستوى الشكلي الدستوري، تتجسد بكونها قد بنيت وأسست على ضوء وبموجب نصوص دستورية خلافية لم يجر الإتفاق عليها وأحيلت الى لجنة التعديلات الدستورية في مجلس النواب، وهي لا زالت في معرض النقاش لإجراء التعديلات المناسبة عليها طبقاّ للمادة/142 من الدستور ، فنتيجة لذلك؛ يصبح من السابق لأوانه مناقشة مسودة القانون في مجلس النواب حالياّ، بل إن المناقشة نفسها لا تحوز على الشرعية شكلياّ، في وقت لم تحسم فيه بعد إشكالية الخلاف نفسها دستورياّ وهذا ما يراه الكثيرون؛ هذا في وقت يمتلك فيه مجلس النواب من الأسباب الشكلية والموضوعية ما يمنحه كل المسوغات،  لرفض المسودة وردها للأسباب المذكورة..!

فهل سيقدم نوابنا المحترمون على رفض هذه المسودة المشبوهة..؟؟
سؤال لايجيب عليه إلا النواب..؟؟
أما الشعب فقد قالها منذ فجر 14 تموز/1958
___________________________________________           

(1)  http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=102650
(2)  http://www.aliraqaljded.com/center/destor.htm
(3)        http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=94392

335

باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com




" إقتربت الساعة وإنشق القمر"


يبدو أن إصرار الحكومة العراقية، وتحت عوامل ضاغطة شديدة من قبل الإدارة الأمريكية وتأثيرات من شركات النفط الإحتكارية بوسائلها الخاصة، على إحالة مسودة قانون النفط والغاز لسنة 2007 الى مجلس النواب للتصويت عليه وإقراره "على عجل"، قد وضع أعضاء المجلس في حالة من الإضطراب والبلبلة، بل وحتى التخوف من النتائج التي ستترتب على هذا الإقرار، والتي ستكون تبعاتها في جميع الأحوال على ذواتهم شخصياّ بإعتبارهم ممثلين لإرادة الشعب وتسنموا مواقعهم في مجلس النواب من خلال إنتخابات عامة مشروعة..!؟

ولعله القانون الوحيد في هذه الظروف، الذي له أبعاد وطنية وإقليمية ودولية، كما إنه القانون الأكثر تعرضاّ للجدل والنقاش والمساجلة والإختلاف والتعديل والتبديل، بل والقانون الوحيد الذي أسدل على مسودته ستار كثيف من الكتمان والسرية، لدرجة لم يعلن عنها في الصحافة إلا بعد تقديمها بشكلها الأخير والمعدل الى مجلس النواب ونشرتها صحيفة الصباح الحكومية بتاريخ 10/7/2007 لإطلاع الجمهور..!؟؟

فالقانون بأهدافه ومراميه يمس أكثر مكامن المسؤولية حساسية وخطورة، وهما النفط والغاز، المصدر الأول للثروة الوطنية وعماد مستقبلها ونهضتها الإقتصادية، وبالتالي فإن أي قرار خاطيء يتعلق بهذه المسؤولية،  قد يتخذه مجلس النواب، لا بد في النتيجة أن يكون عرضة للمسائلة التأريخية والوطنية، كما إن طلب التعجيل بإقراره، يثير الكثير من التساؤلات لدى النواب والمواطنين، ويلقي ظلالاّ كثيفة من الشك والريبة على دوافع هذا التعجيل وأسبابه ..!؟

فلا غرابة والحال، أن يحسب النواب حسابهم لكل شاردة وواردة تتعلق بما قيل أو يقال بشأن مسودة قاون النفط والغاز التي تلح الحكومة على إقرارها بوضعها الحالي؛ وهي لعمري مسودة القانون الوحيدة التي حضيت بكل هذه الدراسة والمناقشة ولا زالت، في الصحافة والفضائيات والشبكة العنكبوتية، لأهميتها المصيرية ، ولأنها تمثل منعطفاّ خطيراّ في حياة الشعب العراقي..!

 أقول؛ إنه من البدهي أن يتوجس السادة أعضاء مجلس النواب وغيرهم ويترددوا كثيراّ، بعد هذا الزخم الكبير من الإنتقادات والإعتراضات والشكوك والنصائح حول مسودة القانون، وأن يضعوا في حسابهم مصلحة الوطن قبل مصلحة المنصب والولاء، وهذا ما بدت بواكير معالمه الأولى تتضح شيئاّ فشيئا؛ فكانت من أولى تداعياته إستقالة عضو البرلمان النائب أسامة النجيفي من عضوية لجنة النفط والغاز البرلمانية "احتجاجا على عرض المسودة على المجلس التي وصفها بانها "ضربة كبيرة لحاضر الاقتصاد العراقي ولمستقبله."  كاشفاّ عن ضغوطات تمارس ضد الحكومة ومجلس النواب من بينها "تحديد مهلة للمصادقة والانتهاء من هذا القانون باسرع وقت."..!؟؟(1)

كما ويبدو من الصعوبة بمكان؛ بأن مجلساّ مثل مجلس النواب العراقي؛ الحديث النشأة، القليل الخبرة، ومهما أوتي من معرفة وعلم، قادر بمفرده، أن يخرج سالماّ معافى، إذا ما دخل غابة شائكة حد اللعنة، كمسودة قانون النفط والغاز لعام 2007، إن لم يكن بمعيته أو يصحبه مرشد أو دليل، يمتلك من الخبرة والدراية والتخصص والنزاهة والإخلاص حداّ يشار اليه بالبنان، ويعرف عليه بالبرهان..!

فمسودة القانون التي نشرت بعد لأي وإنتظار، موزعة  تفاصيلها في خمسة أبواب ب ثمانية عشر فصلا، تحتوي على ثلاث وخمسين مادة تحتضن مائة وسبع وثمانين فقرة تحتها مائة وسبع فقرة  فرعية؛ أي أن مجموع مواد المسودة وفقراتها وفروع الفقرات يساوي ثلاثمائة وسبع واربعون، وهذا لعمري يشكل كماّ غير قليل من المواد القانونية،  المتداخلة والمتلابسة؛ تغلب عليها مصطلحات فنية ذات طبيعة خاصة، وتعابير تحتاج الى توضيح وبعضها يغلب عليها التعقيد والأبهام ومنها من هو مستل من الدستور وموضع خلاف، وجميعها تحتاج الى جهد كبير ومتخصص للتحليل والتفسير، خاصة وإن سدى ولحمة المسودة يتركز على "عقود المشاركة" سيئة الصيت، والمسماة في المسودة ب "عقود التنقيب والتطوير والإتناج" المادة/15، والتي كتب عنها الكثير بقدر ما يتعلق الأمر بشؤون حماية الملكية العامة والسيادة الوطنية، بالإضافة الى إشكالية حل النزاعات بين أطراف العقد وأولوية الأخذ بآلية القانون الدولي عند اللجوء الى التحكيم في حالة المتعاقد الأجنبي (الشركات الإحتكارية)، وهذا بدهياّ سيصب في مصلحة المتعاقد الأجنبي /المادة/ 45  ، بالإضافة الى إشكالية التنازع القانوني في الصلاحيات بين الأقاليم والمركز ، وأمور خلافية أخرى..!؟ ولمعرفة المزيد من التداعيات المحتملة للقانون ، يمكن الإطلاع على تفاصيل أكثر في الرابط أدناه..!(2)

ومما يجعل الأمر أكثر تعقيداّ أمام مجلس النواب، هي تلك القطيعة السياسية التي أعلنتها كل من جبهة التوافق والتيار الصدري إزاء مسودة القانون وبعيداّ عن النوايا، وإعلانهما صراحة عدم الموافقة على تمرير القانون بشكله الحالي وأبديتا ملاحظات كثيرة معلنة عن أسباب الرفض.. كما وأعلن التحالف الكوردستاني عن رفضه لإقرار المسودة المعدلة لتعرضها للمسائل الجوهرية المتفق عليها قبل التعديل، رغم إعلان الناطق الرسمي للحكومة السيد علي الدباغ بأن التعديلات كانت مجرد لغوية وقانونية وغير ملزمة، ولا أدري ما يعنيه الناطق الرسمي بذلك..!؟؟(3)

وبالتالي، فبين حالة الإصرار التي تتبناها الحكومة والتردد والرفض الذي تبديه أوصاط غير قليلة من النواب، بل وحتى كتل برلمانية يكاملها، يصبح معه من العسير فهم موقف الحكومة، ولا يمكن معه تفسير هذا الإصرار، إلا بما ذهب اليه السيد النائب أسامة النجيفي أعلاه..!؟؟

وبنفس الإتجاه، فقد حذر الكثير من العراقيين؛ من الأكاديميين والمتخصصين  والكتاب وأوساط سياسية ونقابات العمال ومن منظمات المجتمع المدني، من مغبة التعجل بإقرار مسودة القانون لما فيها من إنتقاص لحقوق العراق السيادية والتفريط بثروته الوطنية، وهي منشورة في  العديد من المواقع الألكترونية والصحافة..!

من كل ما تقدم يبدو أن مجلس النواب العراقي قد وضع في الإمتحان العسير، والكرة في ملعبه الآن، وفي مواجهة أدق حالة من الحساسية والمسؤولية التأريخية؛  وفي كلتا الحالتين؛ الرفض أو الإقرار، سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، إذ هو مشدود بين مطرقة ضغوط الإدارة الأمريكية وشركات النفط الإحتكارية من جهة وسندان المسؤولية الوطنية التأريخية من جهة أخرى، وكمن يصح عليه القول: "ألقاه في اليم مكتوفاّ وقال له ، إياك إياك أن تبتل بالماء"..!!؟

فلم يعد أمام السادة أعضاء المجلس والحال، إلا خيار من ثلاثة؛ إما اللحاق بالمارثون الحكومي المتسارع،  وكأنما " أقتربت الساعة وإنشق القمر"، و أصبحت القيامة قاب قوسين أو أدنى، وبالتالي القفز فوق كل إعتبارات النقد والخلاف والنصيحة ، وإقرار مسودة القانون كما هي عليه الآن، وبذلك، سيضعون ثقة الشعب بهم في كفة الميزان، وهذا هو الرهان الأصعب، والمجازفة الأخطر..!؟؟

 أو إمعان النظر، بعين الحكمة والتبصر، وإستلهام دروس وعبر التأريخ في قضايا النفط، وهي كثر في العراق، وفيها ما يغني ويجنب عن الزلل ، فالشعب أحق في أن يطاع؛  والإقدام على إرجاء البت في المسودة  إذا ما تعذر عدم إقرارها في شكلها الحالي، الى وقت آخر تسمح فيه ظروف الشعب أن يبدي فيها رأيه بقناعة وأمن وسلام، لا في وقت يسبح فيه الشعب بدماءه؛  منتهكة سيادته؛ تتقاذفه أهواء الطامعين في خيراته، ومهدد فيه مصير الأجيال القادمة  بإرثها في ثرواته..!؟ وفوق كل هذا وذاك، فإنه لا زال هناك من بعض مواد المسودة أمور دستورية خلافية تنتظر التعديل..!؟؟   

 فالإرجاء خيار أقل ما فيه؛ أنه يحفظ ماء الوجه، ويوفر الندم ويحافظ على وحدة المجتمع، ويعطي مزيداّ من الوقت للتأمل والدراسة ومراجعة النفس، ويظل أسلم الشرّين في ظروف العراق الحالية..!؟(4)
  وهذا لعمري أضعف الإيمان..!!؟
______________________________________________________
(1)- http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=58362
(2)- http://iraqihome.org/index.php?option=com_content&task=view&id=25&Itemid=28
(3)- http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=58532
(4)- http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=101175
     

336
باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com



بعد أربع سنوات ونيف إكتشف منظرو السياسية الأمريكية؛ بأن سياستهم في العراق خلال تلك الفترة، كانت ضرباّ من العبث الذي لا طاءل من وراءه ، وأن << الإزهاق الرخيص >> لدماء جنودهم لم يعد يحقق الأهداف التي أرسلوا من أجلها..وأن شعارهم المفضل، "الحرب على الإرهاب"، ليس سوى دوغما أستهلكت لتغدو مجرد << حفنة من الإرهابيين، تقف حجر عثرة أمام التحول السلمي الديمقراطي للعراق.>>..!؟؟

ومع كل هذا الفشل الذريع، لا زال أولئك المنظرون والإعلاميون يروجون لنفس السياسية، ولا زالوا ممسكين  بمثلهم الأعلى الرئيس بوش، وطموحه في << محاولة بناء نموذج عراقي ديمقراطي تعددي لائق، في قلب العالم العربي.>> ولا زالت أعينهم مصوبة نحو الكعكة العراقية..!

ففي مقاله الموسوم ( تعذر العراق الديمقراطي..لتكن وجهتنا كوردستان)* المنشور بتأريخ 2/7/2007 في صحيفة الإتحاد الأماراتيه،  أعرب الصحفي الأمريكي في نيويورك تايمز، السيد توماس فريدمان ، عن بالغ "قناعاته" بفشل النموذج الأمريكي الذي تبناه الرئيس بوش لغرس "شجرة الديمقراطية" في التراب العراقي، لتكون مثلاّ يحتذى في العالم العربي والإسلامي، وقد أرجع أسباب الفشل المذكور، الى عوامل ومبررات تلقي تبعة ذلك على عاتق << القادة العراقيين وأتباعهم >> ممن هم أطراف في العملية السياسية، معززاّ ذلك بقوله؛ << لذلك فإن من رأيي الشخصي أننا إزاء معضلة أغلبية وليست أقلية، كما يتصور بوش. والذي يحملني على هذا الاعتقاد، أن الرؤية الأميركية للعراق، باعتباره دولة تعددية ديمقراطية موحدة تسير على خطى السوق الحرة، إنما هي خيار ثان في نظر الكثير من القادة العراقيين وأتباعهم في واقع الأمر.>>

إن ما يفترضه السيد فريدمان خياراّ أولاّ للعراقيين، ويجعل منه سبباّ رئيساّ من أسباب فشل النموذج الأمريكي في العراق، يختصره في تبعات ثلاث يقصرها في؛  تصورات الشيعة في بناء دولة دينية، وتصورات السنة في إسترداد مجد فقدوه، وتصورات الأكراد في ضمان إستقلال إقليم كوردستان..!؟ أما خيارهم الثاني ووفقاّ لتصوراته، فهو إنموذج الرئيس بوش الديمقراطي ، الذي شكل موقف العراقيين السلبي منه، طبقاّ لتقديره، خيبة أمل للكاتب..!؟

ومن خلال هذه الأرضية أو الخبطة التي يرسمها الكاتب، يحاول أن يجد تفسيراّ لحالة الصراع القائمة في العراق اليوم فيختزلها الى مجرد صراع بين "أقليات وأغلبيات"، مما يدفعه في النتيجة، الى توصيف العنف القائم بقوله؛ << وعليه فإنه يمكن وصف ذلك العنف الذي يمسك بتلابيب العراق اليوم، وتقوم به فئة ضئيلة من العراقيين، بأنه في واقع الأمر يمثل انعكاسا لتطلعات وأحلام ومخاوف "الأغلبيات" التي تمارسه. >> وهو لعمري،  تفسير تعوزه  الدقة في التحليل وإن دعمته شكلية المظهر، ناهيك ما يحيط مفهومي "الأغلبيات والأقليات" من غموض وضبابية..!؟ 
 
وبالتالي ينتهي به المطاف الى الإستنتاج بأن: << الذي يموت من أجله جنودنا هناك، إنما هو خيار ثان بالنسبة للأغلبيات العراقية. ولذلك فمن الواجب وقف هذا الإزهاق الرخيص لدماء جنودنا وأرواحهم هناك، فما السبيل إلى العمل إذن؟ >>

لم يحاول السيد فريدمان البحث في جذور المسائل، أو يعطي توصيفاّ حقيقياّ لمضامين الإنموذج الأمريكي للديمقراطية، ولماذا إعتبره خياراّ ثان بالنسبة للعراقيين وحسب، بل راح يبحث عن أرضيات جديدة في المنطقة تمتلك المقومات المناسبة لتطبيق تجربة نموذج الرئيس بوش للديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، والذي لا زال يعتبره مؤهلاّ للنجاح، وهنا يدخل في تناقض مع نفسه، فهو لا زال يعتقد: <<  إن بعض الأشياء تظل صحيحة حتى وإن كان الداعي لها الرئيس بوش نفسه. ولعل الشيء الوحيد الصحيح الباقي من استراتيجية بوش إزاء العراق، هو التشبث بمحاولة بناء نموذج عراقي ديمقراطي تعددي ولائق، في قلب العالم العربي >> ..!؟

وللهروب من نتائج ما وصل اليه النموذج الأمريكي في العراق، نرى الكاتب يحاول توظيف هذه النتائج في خدمة الفشل، والذي يدفع بإلقاء أسبابه على عاتق العراقيين، وكأنهم لا يفقهون ما تعنيه الديمقراطية،  ويجعل من هذه النتائج الوخيمة أسباباّ لذلك، قالباّ الحقائق رأساّ على عقب، وموظفاّ لها بالقدر الذي يتستر فيه على مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية الأخلاقية لما وصلت اليه أحوال العراق اليوم من الكوارث..!؟ 

وبنفس الطريقة التقسيمية للنسيج الإجتماعي التي كرسها المشروع الأمريكي، وهي المحاصصة الطائفية والعرقية، يعمد الكاتب في تحليله لأسباب ذلك الفشل، بإرجاعه تلك "الأسباب" الى نفس المصادر الطائفية والعرقية، التي هم من إبتدعوها ليكرسوا التقسيم الطائفي وتكييفه، كحقيقة قائمة تقف وراء هذا الخراب الذي أحاق بالعراق، ويالتالي التعكز عليها لتبرير فشل مشروع بوش الديمقراطي..!؟

 وللخروج من مأزق الحقيقة، تراه يطرح إستبدال مكان التجربة ، والتي إنتهت بالفشل بسبب "أحلام ومخاوف الأغلبيات" ، وحرف إتجاهها نحو "الأقليات" ، كما هو وارد في قوله: << بما أنه قد سبق لي القول آنفاً، إن مشكلة العراق هي مشكلة أغلبيات وليست أقليات في الأساس، فإن علينا أن نسلط اهتمامنا على الأقليات إذن.>>ويضيف: << وليكن خيارنا بناء ما نريد وإن جاء مصغراً ومحدوداً في كردستان.>> << ورغم أن كردستان ليست سويسرا، أي رغم وجود ممارسات الفساد في ذلك الإقليم، إلا أن لديه من المقومات والحريات وبنى التحول السياسي، ما يكفي لبناء نموذج تعددي ديمقراطي لائق في قلب العالم الإسلامي.>>

 وهكذا ووفقاّ لما تقدم، فإن فرصة نجاح هذا "الإنموذج" تصبح مكفولة في الأماكن التي تختفي فيها مشكلة "الأغلبيات" حسب رأيه، وطبقاّ لذلك فإن الكاتب يقترح التركيز على إقليم كوردستان وليس مجمل العراق، بإعتباره المنطقة المناسبة والمضمونة لتوفر مقومات النجاح المفترض، داعماّ موقفه هذا، في ما عليه الأوضاع السياسية والأمنية في كل من غزة ولبنان من تدهور، كمؤشرين على حاجة المنطقة الى التغيير الديمقراطي وفق المنظور الأمريكي، وفي ظل رغبة سكان هذه المنطقة حسب فرضيته..!؟   
 
ليست هناك ثمة ما يمكن التستر عليه من حقائق أسباب الفشل التي داهمت الإنموذج الأمريكي الذي تبناه الرئيس بوش في العراق، بكونها تكمن في أصول هذا المشروع نفسه ودوافعه، وطرق وأساليب تنفيذه، وأبتعاده كلياّ عن واقع وظروف تطبيقه الموضوعية، والذي حاولت الماكنة الإعلامية الأمريكية، الترويج له والنفخ في صورته طيلة هذه السنوات ولا زالت..!؟

 ولكن حقيقة إخفاء تلك الأسباب تحت مظلة نتائجها، ما يعزز كل دواعي الريبة والشك المشروعين، لما يبطنه هذا الإنموذج من دوافع وأهداف لم تخدم ما كانت تصبو اليه نفس القوى التي راهنت عليه، في وقت أجبرت فيه حتى الديبلوماسية الأمريكية نفسها وفي أكثر من مرة،على الإعتراف بما إرتكبته من أخطاء إستراتيجية خلال فترة وجودها في العراق..!؟

فالإنموذج الديمقراطي الأمريكي المعد للمنطقة العربية، لم يكن إبن لحظته عندما تقرر غزو العراق وإحتلاله عام 2003 وحسب، بل هو مشروع جرت تهيئته وإعداده للتنفيذ قبل فترة غير قصيرة، وجرى فحصه وتدقيق تفاصيله في مختبرات السياسة والجيش وسائر المؤسسات ذات العلاقة بكل عناية وإهتمام، ولكن أثبتت تجربة غرس "الشجرة الديمقراطية" الأمريكية في التربة العراقية، عن خطل تفكير أصحابها وضيق أفق تجربتهم الميدانية، وكشفت، بأنهم لا يحسنون غير طريق واحد..!!؟

فالديمقراطية الي تنشدها شعوب المنطقة؛  هي تلك الديمقراطية التي تنشأ وتنمو وتترعرع في ظل تربتها ومحيطها وظروف تأقلمها، وتسقى من فرات ماءها؛  ليست هجيناّ فاقداّ للون والطعم والرائحة، أو ديمقراطية غائر رأسها في الرمال الثقيلة ..!! 
وكي لا نبحر بعيداّ للبحث وراء مواصفات هذه الديمقراطية ندعو القاريء الكريم لمراجعة مقالتنا المنشورة بتأريخ 15/8/2006 تحت عنوان ( ما هي اليمقراطية المطلوبة من المجتمع العربي..؟)**

______________________________________________________
*-  http://www.sotaliraq.com/articles-iraq.php?id=56520
**- http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=72831
     

 

337

باقر الفضلي

Bsa.2005@hotmail.com



حينما كنا صغاراّ ، إعتدنا الإحتشاد في أول المساء مرة أو مرتين في الشهر،  في أحدى الساحات الخالية من المدينة ؛ مفترشين تراب الأرض،  يغمرنا الفرح والإبتهاج والتلهف، لمشاهدة الأفلام المتحركة التي كان يعرضها المركز الثقافي البريطاني، الموجود في المدينة آنذاك، حيث تفتقر مدينتنا الى دور السينما، ولم يظهر بعد الى الوجود ما سمي بالتلفزيون، وكانت غالبية منازل السكان تفتقر الى الكهرباء، إلا من رحم ربي من أعالي القوم ؛  فكنا نقضي ساعة من الإستمتاع والذهول ونحن نرقب حركة الدمى السريعة والأفلام الصامته، على الشاشة البيضاء المنتصبة وسط الساحة، وهي تحتضن العشرات من أطفال المدينة الفقراء والعديد من رجالها العائدين الى بيوتهم من العمل، المحتشدين بدافع الفضول والإنبهار بالحدث العجيب..!

لقد دهمتني ذاكرة الصبا هذه فجأة، وأنا أتابع جلسة مجلس النواب العراقي ليوم الثلاثاء 3/7/2007 وكلي آذان صاغية، الى مناقشة السادة النواب لمشروع قانون التقاعد الجديد، وكيف كان الميكرفون يتنقل بين المتحدثين وهم يتناوبون الكلام، حيث أخذتني الدهشة عندما بدأ الصوت يختفي فجأة  واللاقطات تغلق، مع إستمرار المتكلم بالحديث، تماماّ كما كان يحصل ونحن نرقب جلسات المحكمة الجنائية العليا..!

نعم لقد تذكرت أيام الصبا والدمى المتحركة على الشاشة البيضاء، فخيل أليّ وأنا أرقب حركات السادة النواب وإشارات أياديهم وتعابير وجوههم دون سماع أحاديثهم،  وكأنني أمام عرض من أفلام شارلي شابلن الصامتة وحركات الدمى التي كانت تعرضها شاشة سينما المكتب الثقافي البريطاني الجوالة في "العهود الغابرة"  لعراقنا المعاصر، يوم كنا نعيش عصر ما "قبل الحضارة"..!!؟

وبقدر ما آلمني منظر السيدات والسادة النواب وهم يتصببون عرقاّ من شدة الحر، محاولين إستخدام مناديلهم أو ما وقع  في أيديهم من أوراق لتنشيف عرقهم وتحريك الهواء من حولهم،  ونحن نعيش في العصر الأخضر  و"ما بعد الحضارة"، بقدر ما أحزنتني صورة النائب المتفاعل مع كلامه "الصامت"، وهو قد لا يعلم حقيقة الأمر، فإن حديثه  لا يسمعه إلا هو..!!؟

لا أدري كيف ستعلل رئاسة البرلمان ظاهرة قطع الصوت ، والتي أجهدت نفسي بتفسيرها على إنها بسبب خلل فني، لكن واقع الحال وتكرارها لم يدعم تفسيري، فالإنقطاع كما يبدو كان يحصل عندما يبدأ المتكلم في بحث أمور لم ترق للرئاسة أن تخرج بعيداّ عن قاعة المجلس، وكأنها من أسرار المجلس الخاصة، أو أنها تدخل تحت أحكام قاعدة سد الذرائع..!!؟

فهل تعلم رئاسة المجلس بأن عملية إنقطاع الصوت، ومع كل النوايا الحسنة، إنما تفقد الجلسة أهميتها بالنسبة للمشاهد، وتعمل على إلغاء الهدف الذي من أجله جعلت الجلسات علنية، و بذلك تكون قد حالت بين الشعب وممثليه لسماع حقيقة ما يدور من مناقشات لا تهم النواب وحدهم وحسب، بل وسائر أبناء الشعب، خاصة عندما تكون الجلسة إعتيادية، ولا تتعلق بأمور تمس الأمن أو السيادة أو ذات طبيعة أستثنائية، وإلا كان  بالأحرى على الرئاسة أن تعلن عن سرية الجلسة، لما في ذلك من قطع لدابرالقيل والقال ..!!؟

ولا يدري المرء الى متى ستظل ظاهرة قطع الصوت ماثلة في جلسات مجلس النواب، ونحن على أعتاب فصل "الصيف الساخن" للمجلس، على حد تعبير النائب عباس البياتي، حيث سينظر المجلس في مشاريع قوانين غاية في الأهمية، ومنها مسودة قانون النفط والغاز المثير للجدل، بعد أن أقرتها الحكومة في صيغتها النهائية اليوم 3/7/2007 والتي سينظر في أمر تشريعها قريباّ جدا..!
أم سنفاجيء أيضاّ بمسلسل الأفلام الصامته لنستذكر الماضي الذي تعلمنا منه الكثير..!!؟   



 
 

     

338

باقر الفضلي
 
bsa.2005@hotmail.com


إستوقفتني مقالة الأستاذ عريب الرنتاوي المنشورة على صفحات موقع (مركز الحارس للدراسات) بتأريخ 29/6/2007 تحت عنوان (إمارة البصرة)(1)(رابط)،  لما إحتوته من معلومات مثيرة عن أحوال مدينة البصرة في الظروف الراهنة، وكيف يجري التحكم بها ومن يديرها، ولخطورة ما أشار اليه الأخ الأستاذ الرنتاوي حول أوضاع المدينة وما خرج به من إستنتاجات وتوقعات عن مستقبلها، أقتبس الفقرة التالية من مقالته المهمة، والتي يلخص فيها ما عليه الأوضاع الآن، فقد أشار الى أنه : << تتحدث المصادر العراقية عن انفصال واقعي لمحافظة البصرة عن الوطن الأم، فالحكومة العراقية المركزية لا وجود لها أو تأثير هناك، والمدينة خاضعة لسيطرة قوى شيعية رئيسية ثلاث: المجلس الأعلى، التيار الصدري وحزب الفضيلة، والتطهير المذهبي بلغ شأنا عظيما في المدينة والمحافظة، والمنطقة برمتها باتت أقرب للاندراج تحت مظلة النفوذ الإيراني منها للدولة العراقية المركزية.
مئات ملايين الدولارات توزع على القوى المتحكمة بالمحافظة والمدينة الغنية بثرواتها، وهناك ما يشبه تقسيم السلطة وتقاسم الثروة ما بين هذه الأطراف: الفضيلة يتولى إدارة وحماية المنشآت النفطية الأساسية، والمجلس الأعلى وضع يديه على عائدات الجمارك "الكمارك"، والتيار الصدري متسلم لإدارة وعوائد الموانئ، وبين هذا وذاك وتلك، تضيع حقوق العراقيين ومصالحهم وثروات وطنهم، ويتركون للجوع والفقر والموت البطيء. >>

إنه ومهما بلغت درجة مصداقية هذه المصادر التي إستقى منها الأستاذ الرينتاوي معلوماته، فإن ذلك لا يقلل من أهمية ما جاء في المقالة، أو أن يلقي عليها ظلالاّ من الشك أو أنها جاءت من فراغ ، فالإستنتاجات التي توصل اليها الأخ الكاتب، لها ما يعززها على أرض الواقع، من الأدلة والقرائن، التي إذا ما تواصل بقاؤها فإنها ستؤول في النهاية الى تلك النتائج التي أشار اليها..!

ومن حسنات الصدف أن تنشر وكالة أخبار CNN بتأريخ 26/6/2007 نص تقرير منظمة "إنترناشونال كرايسز غروب" التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، في تقريرها المعنون "إلى أين يتجه العراق؟ دروس من البصرة،"(2)(رابط) ، والذي فيه ما يعزز، ما جرت الإشارة اليه فيما تقدم..!

وفقاّ لما ورد في التقرير: << "أن ما يجري في البصرة ينطوي على دروس مهمة؛ إذ ينبغي أن تكون النموذج الذي يجب تجنب تطبيقه في العاصمة بغداد، وفي باقي أنحاء البلاد.
فنتيجة "للعنف وعدم الاستقرار المتجددين، تمثل البصرة حالة جلية على مخاطر عملية الانتقال التي أدت إلى انهيار جهاز الدولة الرسمي، والإخفاق في بناء مؤسسات شرعية،" وفقاً لكبير المحللين في المنظمة بيتر هارلينجغ">>
ووفقاّ ل بيتر هارلينجغ: << "فإن "القتال العنيف الذي يدور بين الجماعات الشيعية في المدينة، يفند وجهة النظر البسيطة التي تقسِّم العراق إلى ثلاث مجموعات متجانسة،" أي السنة والشيعة والأكراد." كما ويستخلص التقرير في نهايته، مكثفاّ حالة مدينة البصرة الراهنة اليوم قائلاّ: "وتبقى الحلبة السياسية للبصرة في أيدي الأطراف التي انشغلت بالمنافسة الدامية على الموارد، مقوضة بذلك ما تبقى من مؤسسات الإقليم، وفارضة قانونها بشكل خاص، ولا يوجد للسكان خيار إلا طلب الحماية من إحدى القوى المهيمنة". ويضيف محذراّ : "أن إهمال البصرة يعد خطأً جسيماً، فهذه المدينة تعد الثانية من حيث المساحة، وتقع في أكثر المناطق الغنية بالنفط في البلاد، كما أنها المنطقة الوحيدة في العراق التي تتمتع بمنفذ بحري، مما يجعلها عملياً العاصمة الاقتصادية للبلاد، وجائزة مهمة للأطراف السياسية المحلية".>>
قبل عام من اليوم 4/6/2006، كنت قد تحدثت عن البصرة وما كانت عليه الأوضاع فيها يومذاك، وذلك في أحدى مقالاتي حول الشأن العراقي وتحت عنوان (البصرة: بين مطرقة العصابات وسندان المليشيات) ( 3) (رابط) ، وخطورة ما كان عليه طابع الصراع الذي كان يدور حول التفرد بالهيمنة والسيطرة على المدينة من قبل العصابات المسلحة والمليشيات العائدة للقوى السياسية المتصارعة والمتحكمة في المدينة، وصادف أن إقترنت تلك المقالة مع زيارة السيد رئيس الوزراء الأستاذ عدنان المالكي الى المدينة  للإطلاع  شخصياّ على تدهور الحالة الأمنية فيها..! ولضرورة أن يستعيد القاريء ذاكرة الأحداث، أرفقت نص المقالة تلك، في الرابط 3..!!
وهاهي اليوم، وبعد عام من التلكؤ وإغماض العين ورمي الحبل على الغارب،  تثبت الأحداث ما أشرت اليه، من مقدمات ما كان يجري في رحاب الساحة السياسية في البصرة من إقتتال، وحذرت من سطوة المليشيات المسلحة، وهي تتطاحن من أجل أن تقتسم البصرة الفيحاء محاصصة بين سادة الأحزاب والمنظمات السياسية المهيمنة في المدينة..! كما نوهت عما كان يجري في المدن الأخرى من أحداث مشابهة، مثل الناصرية وميسان والسماوة والكوت  والديوانية..!؟
 وها هي اليوم أيضا، تقف الأوضاع السائدة في المدينة والمدن الأخرى نفسها، شاهداّ على خطورة ما آلت اليه الحال في ظل حكومة بنيت على أسس من المحاصصة الطائفية السياسية وميليشياتها المسلحة، أما حال أبنائها الميامين، فخير من عبر عنها، ما جاء في الأسطر الأخيرة من مقالة الأستاذ عريب الرنتاوي أعلاه..!!
أن ضعف وجود السلطة المركزية، بل غيابه من جهة، وتسلط الميليشيات المسلحة في الساحة الميدانية من جهة أخرى، كاف لوحدهما؛ أن يخلقا حالة من الفوضى والإقتتال بين أطراف الصراع الدائر في البصرة ومدن الجنوب الأخرى، والذي حصاده الأبرياء من المواطنين، كما جرى عليه الحال مؤخراّ في محافظة ذي قار(4)(رابط)  ، ويمهدا الطريق لعملية شرذمة وتقسيم الجنوب في كانتونات إقليمية منعزلة تهيمن عليها وتديرها لمصلحتها، تلك القوى المستقوية بميليشياتها المسلحة ولمن ستكن لها الغلبة العسكرية ميدانياّ، والتي تحضى بالدعم والمساندة من قبل أطراف داخلية وإقليمية، كما وسيفتح الطريق ممهداّ أمام التدخلات الإقليمية من دول الجوار في الشأن العراقي، ولعل البصرة من المدن الأكثر ترشيحاّ لذلك  إذا ما صحت الأنباء التي تتحدث عن تورط حزب الله اللبناني أخيراّ في المستنقع العراقي لحساب أجندات خارجية..!؟(5) (افتح الرابط للمعلومات)
فهل يا ترى ستكون محافظة البصرة هي المرشحة لنيل "شرف" هذه المهمة..؟؟!       
ولكن ومع كل ما أشرنا اليه فيما تقدم، يظل يحدونا الأمل في أن تلتفت السلطات الحكومية الى خطورة ما تشير اليه الأنباء وما تتحدث عنه التقارير وما ينبه اليه الكتاب، حول تداعيات الأوضاع في مدينة البصرة، آملين أن تكون خطوة الحكومة الأخيرة في تشكيل قيادة عسكرية للعمليات بديلاّ عن لجنة الطواريء الأمنية(6) (رابط) ، ما يشكل خطوة في الطريق الصحيح لدعم وجود مؤسسات الدولة، ويفتح الطريق أمام إنهاء سلطة الميليشيات المسلحة، ويسد منافذ التدخل الخارجي الإقليمي، ويحافظ على عراقية البصرة الفيحاء من كل شائبة غريبة..!
م: جميع الروابط أعلاه جرى تفعيلها   
________________________________________________________
1- http://www.alhares.org/site/modules/news/article.php?storyid=1567
2- http://arabic.cnn.com/2007/middle_east/6/26/reports.basra/index.html
3- http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=66529
4-  http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=57292
5-http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=57311
6-http://www.sotaliraq.com/iraq-news.php?id=57242

339

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

"لا تطلب سرعة العمل وأطلب تجويده"*



التأني في أتخاذ القرارات، سمة من سمات الحكمة والتعقل، وكما قيل في الأمثال: "من تأنى نال ما تمنى"..أو "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة"..
وكذا يبدو الأمر إن أردنا توخي المعرفة ونظرنا بعين التبصر لمدلولاتها؛  أن نحتكم الى منطق التعقل والحكمة، لما قد يبعدنا عن  إرتكاب ما لا يرتضى منتهاه ولا تحمد عقباه؛ إن أحسنا الإختيار، ودققنا في أصول الأشياء، وحسبنا لكل شيء حسابه، ونهلنا من مصادر المعرفة والعلم،  ما يشحذ الفكر وينير الطريق، ويبدد الظلمة..ويجنبنا صدمة الندامة..!

وبقدر ما يتعلق الأمر بخصوصية المشهد العراقي، فإنها تجد أولوياتها في البحث، في ما كثفناه من قول، وما أوردناه من مدلولات الأمثلة، وبالتالي يصبح حصراّ على المراقب، عند البحث في هذا الشأن، أن  يولّي وجهه شطر "المنطق السياسي" أو المنظور بشكل أدق، لأنه الوحيد الذي يحكم الحالة ومسيرة تطورها على مدى أربع سنين ويزيد..!!

فطبقاّ للمنظور السياسي للأشياء، فإن أي قرار أو خطوة سياسية، إنما هي بنت لحظتها، وتمليها ضرورة تحقيق الهدف الذي رسمه أصحابها، والمصلحة التي يبتغوها من وراء ذلك..!

فبقدر تعلق الأمر بمسيرة "العملية السياسية" منذ الإحتلال عام 2003 وحتى الآن ، فإنها وطبقاّ لهذا المنظور، قد عكست الطبيعة الإرتجالية والمتسرعة للقرارات والإجراءات  التي واكبتها، وما أفرزته في تجلياتها ومحصلتها النهائية؛ من صورة الفشل والإحباط التي إتسمت بها نتائجها ، وأظهرت مدى سوء التخطيط والتعجل الذي إنتاب قراراتها منذ البداية. كما وأنها أثبتت هشاشة الأرضية الإجتماعية – الإقتصادية، لمثل تلك القرارات والإجراءات، مما يعزز القول؛ بإندفاعية أصحاب القرار، في التعجيل بتمرير ما أصطلح عليه ب"العملية السياسية" بشكلها الظاهر للوجود ، بعيداّ عن التروي والتدقيق؛ لا في مقدماتها أو هيكلية بناءها ولا في حساب إحتمالات نتائجها وحسب، بل ولا في مدى صلاحية ونضج ظروف تطبيقها، إلا فيما عدا كونها كانت تجسد مصلحة من وقف وراءها وخطط لمستقبلها..!؟

فقد أثبتت النتائح الكارثية لكل ما تقدم، مدى عمق الأزمة السياسية والإجتماعية التي كانت مخيمة على كاهل الشعب العراقي لما يقرب من أربعة عقود، والتي بدلاّ من تلمس الحلول الموضوعية الواقعية للخروج منها، وجدت بعض القوى السياسية العراقية الحالية، أن لا سبيل لكسر طوق الأزمة، والخلاص من براثنها، غير سبيل الإقرار وتأييد الحسم الأمريكي المسلح، رغم عدم شرعيته دولياّ، أو حتى عدم التفكير بالدوافع التي كانت تقف وراء هذا الحسم..!؟؟  وهكذا ترآءى لهم،  فجاءت النتائج على غير ما توقعوه..!؟

فبقدر ما كان التلهف الى السلطة بالغ الشدة والعزم، بقدر ما دفع ذلك، للسير بالأمور على وجه السرعة والعجالة لتنفيذ مسلسل القرارات التي أصر المحتل على تنفيذها في مواعيدها المقررة والمدروسة سلفاّ، لتبدوا مجمل العملية العسكرية للإحتلال، وكأنها كانت تحضى بالإستجابة والقبول، وبالمشروعية..!!؟

ومن هنا بدأت، وفي ظل ظروف غاية في التعقيد والفوضى، وتحت إشراف سلطة الإحتلال واقعياّ، بدأت عملية الطبخ السريع لإمور مصيرية مثل؛  الإنتخابات ، والدستور، والبرلمان،  وبمشاركة جماهيرية واسعة، كان دافعها، توق الجماهير للخلاص من حالتها البائسة المستعصية؛ وهكذا وبوحي من ذلك، رسمت صورة زاهية لمستقبل عراقي زاهر جديد..!؟

 أما على صعيد النتائج، وما ترتب على هذه العجالة والألحاحية في التنفيذ، فيكفي فقط، إلقاء نظرة سريعة على مفرداتها ليتبين المرء؛ مدى الفقر والشكلية التي غرقت فيها هذه "المنجزات"- كما يعبر عنها-، ومدى ما سببه قصورها، وإرتجاليتها، والمآخذ التي سجلت عليها، وردود الفعل التي جابهتها؛  من حالة التردي والإخفاق  الذي أحاق بمجمل "العملية السياسية"  وعلى جميع مستوياتها، وعمق الشرخ والتفكك الذي لحق بمكوناتها السياسية..!؟

فكيف والحال إذن؛ أن تبدو الصورة زاهية في ظل هذا الكم الرهيب من أعداد الضحايا، من القتلى والمشردين، والحجم الهائل لأعداد المهجرين والمهاجرين..!؟؟  إنه حال يبعث على الحزن والأسى والمرارة، ولسنا بحاجة الى تكرار ما تلفظه الأحداث كل يوم..!!؟

فقد شكلت حالة المشهد العراقي صورة كالحة، وتبدو أكثر مأساوية إذا ما أقترنت بالإرهاب وما جلبه على الوطن من كوارث دموية..!؟
 فالإرهاب، وكما يعلم الجميع، وقد أشرنا لذلك مراراّ، هو الوليد الذي أحتضنته ورعته حالة الإحتلال، والذي ناخ بكلكله على كاهل الشعب، ليفسد كل شيء، وليتصدر كل شيء، وليحصد كل شيء، فهو الغائب الحاضر، وهو "السبب والنتيجة"، حتى بات ملاذاّ وموئلاّ  لكل من يحجم عن قول الحقيقة، أو يحاول تبرير حالة العجز والإخفاق..!!؟

وبدلاّ من أن يتعظ الفرقاء السياسيون الجدد، من تجربة تداعيات التعجل  بإتخاذ القرارات المصيرية السابقة كالدستور مثلا، والتي أسهمت في إيصال البلاد الى حافة الهاوية؛  تراهم يحثوا الخطى، لاهثين وراء تشريع قرارات وقوانين جديدة لا تقل أهمية عن سابقاتها ، ومنهاعلى سبيل المثال مشروع قانون النفط والغاز وفدرالية الأقاليم وغيرها، خاصة وإنها ليست في معرض الضرورة القصوى كما يشاع ويتوهم، وتحت ضغوط لم تعد مصادرها ولا المنتفعون منها خافية على الجميع، لطبخها وفقاّ لمواصفات مطابخ "ماكدونالد" للوجبات السريعة..غير آبهين بنتائجها..!؟

فأي حكمة تلك، فيما ستقدم عليه هذه السلطات؛ من تعجيل في وتيرة السباق على إقرار وتشريع قوانين وقرارات مصيرية لا زالت في وارد الإختلاف، وفي أجواء ظروف التناحر والصراع السياسي، وتحت قيود نظام المحاصصة، وفي ظل هجمة إرهابية شرسة وفلتان أمني بلا حدود، وتدخل إقليمي سافر...؟؟!

لقد بات عسيراّ التكهن بالتوقعات، بعد أن إختلطت جميع الأوراق، وتوحد خطاب النقد في شكلياته رغم تمايزه في النوايا والأهداف، من هول بشاعة النتائج التي ألقت بظلالها على الجميع، وما هيأته من مناخ مناسب وتربة صالحة، لتسويق كل شيء؛ للتصيد والإنسلال والتلون وركوب الأمواج والمزايدات المشبهوة..!؟

 لقد كان الثمن باهضا،ّ ومن هول الكارثة بتنا نعيد أنفسنا كل يوم..!؟ 
فعسى في مثلنا الذي سقناه في أعلاه، ما يغني عن الجواب..!!؟
فالعبرة كما يقال؛ دوماّ بالنتائج..!!؟
_____________________________________________________________
  *-  من مأثور كلام الإمام علي بن أبي طالب-ع   
   
                 
 

   



340
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


تسمرت في مكاني، وإنعقد لسانيّ من فرط الدهشة، وتجمدت عينايّ في محجريهما من فرط ما رأيت، وليتني ما رأيت..وبئس ما رأيت..
الصورة توحي ولأول وهلة، بأنها قطعة من لوحة بيكاسو الشهيرة (كورنيكا) ؛ "كتلاّ لحمية" متناثرة ، بعضها مربوط الى أسرة زرقاء بلون الموت.. في صالة فارغة كفراغ القلوب المنخورة..صمت كصمت المقابر.. كل شيء يوحي وكأنك داخل مشرحة بشرية في أحد أقسام الطب العدلي في بغداد في زمن "الدفء الأمريكي"..

المشهد يزداد قتامة وضبابية.. والحقيقة التي سربت نفسها الى كل أرجاء الدنيا.. جوبهت بمن حاول أن يتستر عليها، ويلقي ظلالاّ من الشك والنكران حول وجودها..!!؟

 الوزير المسؤول؛ حاول، وبطريقة الهجوم أحسن وسيلة للدفاع، أن يحرف سهام الإتهام والمسؤولية عن شخصه ووزارته، فإبتدع قصة المؤامرة، والتضليل الإعلامي..!!
 ولزرع الشك في نفوس المتسائلين ، قفد وضع نفسه بين عداد المتسائلين والمتشككين، وهو يطرح السؤال بعد السؤال، دون أن يجيب على الأسئلة، متهماّ الجهة التي أكتشفت الفضيحة، بأنها كانت تدبر لذلك ، والدليل حسب قوله؛  مداهمتها لمكان تواجد الأطفال في ساعة متأخرة من الليل (الثانية صباحا)، وهي جهة معروف عنها كرهها للشعب العراقي، على حد قول الوزير..!!؟؟

إنه مجرد كلام مثير للسخرية والألم، وشر البلية ما يضحك.. فالسيد وزير العمل والشؤون الإجتماعية هو جزء من كل إسمه الحكومة، والحكومة نفسها جزء من كل إسمه السلطات الرئاسية، والإثنان جزء من كل إسمه مجلس النواب، والجميع جزء من كل إسمه السلطة/ والسلطة برمتها جزء من كل إسمه الكتل السياسية الحاكمة بالمحاصصة... فلا سائل ولا مسؤول..!!؟

الدليل أيها السيد الوزير؛ هو نفسه الفضيحة؛  "الكتل اللحمية" للأطفال، المتناثرة أجسادهم في رحاب القاعة الخاوية إلا من ثمة بضع أسرة يبعث منظرها على الشؤم والقرف.. إنها صورة معبرة عن هول الكارثة التي تحيق بالعراق والعراقيين، والتي كشفت جزءّ منها المؤسسة الخبرية CBS ..!!؟*

 فإن كان الفنان ( بيكاسو) قد خلد بشاعة الحرب اللاإنسانية بالألوان، في لوحته الشهيرة (كورنيكا)،  فإن الطبيعة على أرض الواقع، قد رسمت هذه البشاعة بكل تجلياتها في فضيحة دار << شديدي العوق >> الحكومية في بغداد، والتي إعتقدها البعض أو من سماها مجازاّ << مقبرة جماعية>>..!!؟

لقد إستنكرنا وشجبنا وأدنّا الكثير والكثير من إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق، شجبنا وأدنّا ممارسات الإرهاب الإجرامية، إستنكرنا وأدنّا إضطهاد ألأقليات الدينية والعرقية، شجبنا وإستنكرنا ممارسات إنتهاك حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات ، وفي مقدمتها سجن أبي غريب.. حتى بات الإنكار والشجب والإدانة، مجرد وظيفة خاصة بالكتاب  والمثقفين، يرددونها بإستمرار وكأنهم لا يحسنون غيرها، وتبدو وكأنها أعقاب سكائر في طريقها الى المنفظة..!!؟؟

أما المسؤولون؛ فتشكل حالة إنتهاكات حقوق الإنسان ،التي تجري في نطاق مسؤولياتهم ، ضروبا من ردود الفعل الشديدة لديهم؛  ليس من الحدث نفسه، ولكن من حالة المجابهة الإعلامية التي تواجههم بحقيقة الحدث..!؟  وليس طريقة التعامل مع حدث  دار << شديدي العوق>> طبقاّ لتسمية السيد الوزير، إلا مثالاّ صارخاّ على ذلك..!!؟

أما تبرير الأمر؛  بأن دار الأطفال لم يكن داراّ للأيتام بل داراّ لشديدي العوق، فذلك أدهى وأمر..!!؟؟
 
 كما وبدلا من التأكيد على أهمية القيام بالإجراءات المناسبة للتحقيق بالأمر وتحسين ظروف الأطفال الصحية والسكنية ومحاسبة المسؤولين، جرى الرد وبإنفعال ظاهر، خارج إطار الحدث نفسه، وكأن شريط الفديو الذي نشرته الوكالة الإخبارية لم يكن حقيقة قد وصل صداها كل أرجاء المعمورة وأصبحت في متناول الجميع ..!!

إن تحميل وسائل الإعلام مسؤولية نشر الأحداث التي تتعلق بإنتهاكات حقوق الإنسان، لا يلغي من حيث  المبدأ وجود هذه الأحداث على أرض الواقع، ومعرفتها من قبل الآخرين، حتى ولو كانت في بروج مشيدة..!!؟

 أما توظيف كل شيء بما فيه إنتهاكات حقوق الإنسان لأغراض المصالح الخاصة، من خلال التستر عليها ، وعلى المسؤولين المباشرين عن إرتكابها ، فلا يخدم مسيرة العدالة، بقدر ما يزيد الشكوك حول جدية القائمين على متن السلطة، ويضعهم في وارد تحمل المسؤولية القانونية والمحاسبة..!!؟   
_________________________________________________   
*    http://www.cbsnews.com/sections/i_video/main500251.shtml?id=2946323n
 

341
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


تسمرت في مكاني، وإنعقد لسانيّ من فرط الدهشة، وتجمدت عينايّ في محجريهما من فرط ما رأيت، وليتني ما رأيت..وبئس ما رأيت..
الصورة توحي ولأول وهلة، بأنها قطعة من لوحة بيكاسو الشهيرة (كورنيكا) ؛ "كتلاّ لحمية" متناثرة ، بعضها مربوط الى أسرة زرقاء بلون الموت.. في صالة فارغة كفراغ القلوب المنخورة..صمت كصمت المقابر.. كل شيء يوحي وكأنك داخل مشرحة بشرية في أحد أقسام الطب العدلي في بغداد في زمن "الدفء الأمريكي"..

المشهد يزداد قتامة وضبابية.. والحقيقة التي سربت نفسها الى كل أرجاء الدنيا.. جوبهت بمن حاول أن يتستر عليها، ويلقي ظلالاّ من الشك والنكران حول وجودها..!!؟

 الوزير المسؤول؛ حاول، وبطريقة الهجوم أحسن وسيلة للدفاع، أن يحرف سهام الإتهام والمسؤولية عن شخصه ووزارته، فإبتدع قصة المؤامرة، والتضليل الإعلامي..!!
 ولزرع الشك في نفوس المتسائلين ، قفد وضع نفسه بين عداد المتسائلين والمتشككين، وهو يطرح السؤال بعد السؤال، دون أن يجيب على الأسئلة، متهماّ الجهة التي أكتشفت الفضيحة، بأنها كانت تدبر لذلك ، والدليل حسب قوله؛  مداهمتها لمكان تواجد الأطفال في ساعة متأخرة من الليل (الثانية صباحا)، وهي جهة معروف عنها كرهها للشعب العراقي، على حد قول الوزير..!!؟؟

إنه مجرد كلام مثير للسخرية والألم، وشر البلية ما يضحك.. فالسيد وزير العمل والشؤون الإجتماعية هو جزء من كل إسمه الحكومة، والحكومة نفسها جزء من كل إسمه السلطات الرئاسية، والإثنان جزء من كل إسمه مجلس النواب، والجميع جزء من كل إسمه السلطة/ والسلطة برمتها جزء من كل إسمه الكتل السياسية الحاكمة بالمحاصصة... فلا سائل ولا مسؤول..!!؟

الدليل أيها السيد الوزير؛ هو نفسه الفضيحة؛  "الكتل اللحمية" للأطفال، المتناثرة أجسادهم في رحاب القاعة الخاوية إلا من ثمة بضع أسرة يبعث منظرها على الشؤم والقرف.. إنها صورة معبرة عن هول الكارثة التي تحيق بالعراق والعراقيين، والتي كشفت جزءّ منها المؤسسة الخبرية CBS ..!!؟*

 فإن كان الفنان ( بيكاسو) قد خلد بشاعة الحرب اللاإنسانية بالألوان، في لوحته الشهيرة (كورنيكا)،  فإن الطبيعة على أرض الواقع، قد رسمت هذه البشاعة بكل تجلياتها في فضيحة دار << شديدي العوق >> الحكومية في بغداد، والتي إعتقدها البعض أو من سماها مجازاّ << مقبرة جماعية>>..!!؟

لقد إستنكرنا وشجبنا وأدنّا الكثير والكثير من إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق، شجبنا وأدنّا ممارسات الإرهاب الإجرامية، إستنكرنا وأدنّا إضطهاد ألأقليات الدينية والعرقية، شجبنا وإستنكرنا ممارسات إنتهاك حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات ، وفي مقدمتها سجن أبي غريب.. حتى بات الإنكار والشجب والإدانة، مجرد وظيفة خاصة بالكتاب  والمثقفين، يرددونها بإستمرار وكأنهم لا يحسنون غيرها، وتبدو وكأنها أعقاب سكائر في طريقها الى المنفظة..!!؟؟

أما المسؤولون؛ فتشكل حالة إنتهاكات حقوق الإنسان ،التي تجري في نطاق مسؤولياتهم ، ضروبا من ردود الفعل الشديدة لديهم؛  ليس من الحدث نفسه، ولكن من حالة المجابهة الإعلامية التي تواجههم بحقيقة الحدث..!؟  وليس طريقة التعامل مع حدث  دار << شديدي العوق>> طبقاّ لتسمية السيد الوزير، إلا مثالاّ صارخاّ على ذلك..!!؟

أما تبرير الأمر؛  بأن دار الأطفال لم يكن داراّ للأيتام بل داراّ لشديدي العوق، فذلك أدهى وأمر..!!؟؟
 
 كما وبدلا من التأكيد على أهمية القيام بالإجراءات المناسبة للتحقيق بالأمر وتحسين ظروف الأطفال الصحية والسكنية ومحاسبة المسؤولين، جرى الرد وبإنفعال ظاهر، خارج إطار الحدث نفسه، وكأن شريط الفديو الذي نشرته الوكالة الإخبارية لم يكن حقيقة قد وصل صداها كل أرجاء المعمورة وأصبحت في متناول الجميع ..!!

إن تحميل وسائل الإعلام مسؤولية نشر الأحداث التي تتعلق بإنتهاكات حقوق الإنسان، لا يلغي من حيث  المبدأ وجود هذه الأحداث على أرض الواقع، ومعرفتها من قبل الآخرين، حتى ولو كانت في بروج مشيدة..!!؟

 أما توظيف كل شيء بما فيه إنتهاكات حقوق الإنسان لأغراض المصالح الخاصة، من خلال التستر عليها ، وعلى المسؤولين المباشرين عن إرتكابها ، فلا يخدم مسيرة العدالة، بقدر ما يزيد الشكوك حول جدية القائمين على متن السلطة، ويضعهم في وارد تحمل المسؤولية القانونية والمحاسبة..!!؟   
_________________________________________________   
*    http://www.cbsnews.com/sections/i_video/main500251.shtml?id=2946323
n
   

       

342
المنبر السياسي / غزة والتحرير..!؟
« في: 16:45 16/06/2007  »


باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com

الدولة الحديثة؛
  الرايات الخضراء ، ترفع فوق بنايات السلطة؛  شبان " حماس" يتصافحون و يتعانقون ، وثمة تحت اقدامهم جثث أخرى لفلسطينيين آخرين...

 مذيع التلفزيون من غزة يعلن بفرح غامر: لقد أنجزنا التحرير، وها هي "غزة" العصماء، تحرر ثانية بأيادينا.. "لا مستوطنون ولا عملاء"...
 ووسط التهليل والتكبير يسقط من يسقط...

في مؤتمر صحفي يطل السيد هنية رئيس الوزراء ، ليعلن تمسكه بكل التزامات الحكومة .. ويرجو الأخوة من أبناء المقاومة الإسلامية "حماس" أن يعلنوا "العفو" عن أسراهم من فتح وووويدعو الى الحوار... ثم يقوم بجولة في شوارع غزة "المحررة"،  تحف به مجموعات المسلحين من حماس، مهللين مباركين...

جميع مؤسسات السلطة في غزة ، "سقطت"  وهي تحت سيطرة قوات حماس الآن ، ومن جانبها الرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير ، تعلن إقالة الحكومة برئاسة السيد هنية، وإعلان حالة الطواري، وتشكيل حكومة إنقاذ للطواريء...

كنت لأيام خلت وفي مقالة قصيرة،* متوجساّ خيفة من أن تنتهي الأمور الى ما أنتهت اليه اليوم، وفي هذه الصورة التراجيدية، التي إن عبرت عن شيء ، فإنما تعبر عن عمق الهوة بين المسارات المتعددة والمفاهيم المتعارضة والنوايا المتقاطعة، التي تقود مجمل العملية السياسية في فلسطين المحتلة..!

فالحسم العسكري الذي أقدمت عليه المقاومة الإسلامية حماس في قاطع غزة ، والذي كان ثمنه سقوط ما يزيد على مائة شهيد من الفلسطينيين مع مئات الجرحى والمصابين، لا يشكل في رأي كل من يحرص على قضية الشعب الفلسطيني، ويهمه نجاحها، غير نكبة جديدة ، وهذا ما أشرت اليه فيما سبق، وعشرات الخطى الى الوراء، وقد أهدى فرصاّ مجانية الى غلاة المتعصبين والمتطرفين من القادة الإسرائيليين، في تحقيق ما ظلوا يطمحون اليه طيلة مسيرة الشعب الفلسطيني المكافح، في تمزيق وحدته ، وتجزئة أراضيه، وإحتراب أبناءه؛  والأنكى من كل ذلك، تلك الإحتفالية بما سمي "بالنصر وتحرير غزة " ..!؟
وها هو الشعب الفلسطيني اليوم ، يجد نفسه الآن في ظل حكومتين ، محاصر في كانتوين، تحكمه سياستان وتوجهان، وتقرر مصيره إرادتان..!!؟

وإلا، فماذا كان يعني القسم بالإلتزام بميثاق مكة المقدسة، والتمسك بحرمة الدم الفلسطيني "الخط الأحمر" ، والتعهد بالحفاظ على حكومة الوحدة الوطنية..؟! هل كان الأمر مجرد ذر الرماد في العيون، وكسب الوقت، وتأجيل ساعة الحسم، أم هي لعبة محاصصة بين متناحرين، بدأت لتنتهي تحت ركام من فساد السياسة، ودوافع التشبث بالسلطة...؟!

إن أي فئة وطنية مهما كانت عقيدتها الإيمانية، وقاعدتها الشرعية السياسية، ومهما كانت تطلعاتها وأهدافها الغائية، لا يمكنها في ظل ظروف بلد يرزح تحت ظل الإحتلال، ويعيش أبناءه في عالم من القهر والحرمان، والحصار الإقتصادي، أن تمنح نفسها الحق في فرض أولوياتها السياسية، وقناعاتها الفكرية، على جميع مكونات شعب هذا البلد ، وتسمح لنفسها أن تقوده بالإتجاه الذي تريد، إذا لم تتوفر أمامها مقومات الإجماع والتراضي من قبل جميع تلك المكونات. بل إن ظرفاّ مثل هذا، يحتم عليها العمل بإتجاه توحيد الصف، وقطع الطريق على مناورات غلاة الإحتلال، وفضح أجندات المتدخلين، وإعاقة ما يصبون اليه من أهداف..!!؟
   
فهل يا ترى حققت حرب الأخوة الأعداء للأيام السبعة، ما كان يصبو اليه الشعب الفلسطيني، من أهداف وطموحات، أم أن الكل منفردين وراء أجنداتهم الخاصة وأهدافهم غير المعلنة..؟؟!

 وهل أن مجرد إكتساب الشرعية الإنتخابية، يعطي الضوء الأخضر،لأي فئة مهما كانت، أن تنفذ أجندتها الخاصة، بعيداّ عن إرادة الشعب، وعلى حساب تلك الأهداف والطموحات..؟؟!

وهل أن الحسم العسكري الذي قادته وحققته حماس، كان بتفويض من قبل أرادة الناخبين، أو تم الإستفتاء عليه من قبل الجماهير..؟؟! أم أن في الجعبة ما يخفى على المراقب، من الهواجس والتوقعات..؟!  ولكن أهل البيت أولى بالحدس والتصويب..!!؟

لست بصدد البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة، بقدر ما أريد القول: بأن ظاهر الأمور ، فيه من الكفاية ما ينبأ عن بواطنها، وفي سير الأحداث في المنطقة، وتشابك خيوطها،  ما يغني عن فك طلاسمها، وقادم الأيام ما يفضح دوافعها، ويعري من يقف وراءها..!؟

 ولكن شيئاّ واحداّ في كل هذه المعمة المدروسة، والملحمة المحبوكة، هو ذلك الخاسر الوحيد من تداعياتها، والوحيد من يقرأ بداياتها ومنتهاها، ويفضح مراميها؛ الوحيد الذي إكتوى بنارها، وذاق طعم مرارتها، وعاش المأساة بكل معانيها..!؟

 إنه الشعب الفلسطيني الأبي،  المجروح في كبرياءه، المطعون في ظهره، المسلوبة إرادته، المراق دم أبناءه، في غمرة الصراع، وأختلاط المقاصد والنوايا، وتربص الإحتلال والطامعين من وراء الحدود..!!؟؟
هو وحده القادر على فك طلاسم الأحداث، وكشف المستور، وتوحيد الصف، والتمسك بالثوابت الوطنية..!

_____________________________________________     
*   http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,97442.0.html
     

     
 


343
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


ليس هناك من شك، بأن ما جرى من إعتداء إجرامي مستنكر ومدان على مرقد الإمامين العسكريين ع  في سامراء يوم 13/6/2007، يدخل ضمن مسلسل الجريمة الإرهابية المنظمة، التي تخطط لها وتنفذها بعض القوى السياسية، التي تتخذ من الإرهاب أحد وسائلها التكتيكية الرئيسة في تحقيق أهدافها السياسية والمتمثلة في مطامحها  لفرض مشروعها السياسي في أي بقعة جغرافية من الأرض تهيؤها لها ظروف الصراع في اللحظة المعينة..!

وليس غريباّ أيضاّ أن تجد منظمة مثل منظمة (القاعدة) ومنظمات أخرى شبيهة، ملاذاّ آمناّ لها في العراق، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني من جهة، ومن خلل القاعدة الهيكيلية للبناء السياسي الجديد، المتمثلة بالطائفية الدينية المذهبية من جهة أخرى..!

إن هذين العاملين بالذات، بالإضافة لعوامل وأسباب أخرى لسنا بصددها الآن ، قد منحا فرصاّ كبيرة أمام مثل تلك المنظمات في أن تحدد منطلقاتها وتعين أهدافها بصورة أكثر يسراّ مما هي عليه في أماكن أخرى..! فعلى سبيل المثال، كان لتداعيات الفراغ الأمني بعد الإحتلال في عام 2003، دوره الرئيس في فتح الطريق أمام كوادر وأعضاء هذه المنظمات في التسلل  الى داخل العراق وبناء شبكاتها السرية وقواعدها العسكرية في أماكن عديدة من العراق؛ في الأرياف وحول المدن والقصبات، كما هيأ لها سبل تأمين المسالك والطرق المناسبة للإمداد اللوجستي من المعدات والرجال عبر الحدود، وبمساعدة ودعم معروفين، بعيداّ عن أية رقابة فعالة؛ ساعدها في ذلك أيضا، فيض من الحواضن من "إفرازات العهد الجديد" ، التي هيأت لها المقام والبقاء ..! 

كما ومن جانب آخر ، فقد ساعدت، وبشكل فعال، هيكلية البناء الطائفي المذهبي على الصعيد السياسي والإجتماعي، في أن تهيء أفضل المناخات الجيوسياسية للمنظمات التي تنتهج الإرهاب، لأن تمارس تكتيكاتها على أرض الواقع وبنجاح كبير؛ فقد خدمت هيكلية التقسيم الطائفي المذهبي والتي تم تكريسها من قبل سلطة الإحتلال – بريمر- وحضيت بالتأييد والدعم من قبل كتل ما يدعى "بالإسلام السياسي"، إن لم تكن هي ورائها، أقول قد خدمت هذه الهيكلية الجديدة، إيديولوجيا الفكر المتطرف والمتعصب لهذه المنظمات ، ودفعتها في أن تستخدم التقسيم الإجتماعي الطائفي الجديد للسكان ، لتنطلق من نفس الأسس التي بني عليها التقسيم المذكور، مستخدمة أبشع وسائل التحريض ونشر بذور الفرقة والكراهية والتناحر بين أبناء الطائفتين..!
 
وبالتالي ومن حيث أن تكتيك الأرهاب في نظر أصحابه، هو من أنجع الطرق لتحقيق ذلك، لذا فإنه يصبح من نافل القول، أن تلجأ مثل تلك المنظمات وغيرها الى تفجير المراقد المقدسة والجوامع والحسينيات من كلا الطائفتين، لا بقصد التدمير لذاته وحسب، بل لخلق الظروف المؤاتية، لزرع بذور الفتنة وتمهيد الطريق لنشوب الحرب الأهلية، مدركة ما للمقدس والمأثورالديني والمذهبي من تأثير نفسي وأيحائي كبيرين..! ومن وراء كل ذلك فرض منهجها و فكرها التعصبي المؤطر بالدين أخيراّ، للتسلق الى السلطة..!؟

فليس عبثاّ أن تلجأ منظمات تؤمن بالإرهاب كوسيلة، الى تكرار أعمالها الإجرامية ، طالما وجدت الفرصة سانحة أمامها والظروف مؤاتية لتحقيق مشروعها، وطالما أن الأسباب الموضوعية التي ساعدت على وجودها وديمومتها لا زالت قائمةعلى أرض الواقع، بل وفي طريقها للتأصل والثبات. وهذا ما كنت قد أكدت عليه مراراّ وأشرت الى إحتمالية وقوعه، والتي كان آخرها قيل أيام عند تفجير مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني*..!

لا تكفي وحدها عبارات الإستنكار أو الشجب، ولا حتى عبارات الغضب واللعنة، لأن تقلع الإرهاب من جذوره، أو أن تصنع حجباّ وأدعيةّ للناس من شرور تداعياته؛ فألإرهاب المستفحل في العراق لم يأت من فراغ، ولا هو طاريء علق بالأرض بغتة؛ إنه ظاهرة حية وبأشكال متعددة، تقف ورائها منظمات سياسية بلبوس ديني، وترفع شعارات تستأنسها فئات واسعة من شعوب البلدان التي تنشط فيها، حافزها في ذلك، الظروف الإقتصادية الإجتماعية المتردية التي تعيش قي ظلها هذه الشعوب، والمستويات المتدنية في التعليم والثقافة وهيمنة الأوهام والخرافة وسيادة الأمية، مقرونة بالكبت والحرمان، الذي طالها قرون عديدة؛ شعوب لا زالت الميثولوجيا الدينية تهيمن على عقولها لدرجة  تدفعها أحيانا الى إزهاق الروح تحت تأثير الوهم والإعتقاد بفرض "الواجب المقدس"..!؟

فالحديث عن الإرهاب كمجرد ظاهرة موجودة وحسب ، دون التعمق في التعرف على ظروف تواجدها، وعوامل ومسببات هذا التواجد وديمومته وإستفحاله، لا يمكن أن يوصلنا ذلك الى الحقيقة، ولا حتى بإمكانه أن يسعفنا في تلمس الطرق الصحيحة لدرء أخطاره والقضاء عليه. بل وعلى العكس من ذلك، سنبقى ندور في دائرة مغلقة من التحذير والترقب والإستنكار والإدانة. وفي جميع الأحوال فلا نجد أمامنا غير طريق مسدود ...!!؟

فالإرهاب، الظاهرة التي تحمل في باطنها كل تداعيات واقع الصراع الدولي بين العولمة وطرق وأساليب إنتشارها،  كإتجاه يشق طريقه وسط عالم لا زالت  تحكمه قيود وعوامل التخلف الإقتصادي والثقافي ، وبين شعوب هذا العالم؛ بين صراع وتنافس الدول الصناعية على مصادر الطاقة، وبين حالة النهوض التي تشهدها بعض من الدول المصنفة على حساب العالم الثالث. فإنها الظاهرة تفسها وكأحد إفرازات مجمل تلك الصراعات، والتي جري إختزالها الى مجرد ما يسمى ب "الحرب على الإرهاب" طبقاّ لتداعيات أحداث 11 سبتمبر2001 ، إنما تعبر عن مواقف الرفض العنيف لكل ما له صلة بمعالم و مظاهر العولمة الجديدة، وكل ما يمت بصلة الى معالم الدول الصناعية المتطورة وفي مقدمتها أمريكا والدول الغربية، من مظاهر التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة، رغم أنها لا تمتنع من إستخدام منتجات ذلك التقدم العلمي في عملياتها التكتيكية، حتى أطلق عليها في نطاق السوسيولوجيا، وكما يتردد كثيراّ ، ب "صراع الحضارات"..!؟
 
وليس من غريب القول، أن تتعدد صور وأشكال هذه الظاهرة وتمتد مساحة إنتشارها مناطق واسعة في أرجاء المعمورة، لتشمل منطقة الشرق الأوسط تخصيصاّ، الغني بموارده الطبيعية وفي مقدمتها النفط..! كما ومن البدهي أن تتلبس الخطاب الديني، وتعتمد الموروث السلفي ، إدراكاّ منها لقصور الحالة الإجتماعية والإقتصادية المتدنية لشعوب المنطقة والإنغلاق الثقافي الذي تعيش في ظله، وتوفر الأرضية المناسبة لهذه الخطاب ..!

 وهذا لعمري، هو الخطاب الأكثر إنسجاماّ والأقوى تأثيراّ على أمزجة هذه الشعوب، والذي أصبح المحرك الرئيس في توجه تلك المنظمات، مستغلة تلاشي أو ضعف الخطاب العقلاني المعاكس ،  بعد أن تعثر الخطاب العلماني الديمقراطي المبكر وتعددت كبواته، إرتباطاّ بضعف قاعدته الإقتصادية الإجتماعية، وهشاشة مكونات أصوله الثقافية، لسبب حداثتها في التكون ومن ثم التبلور في تقاليد وأعراف يعتادها الناس ويجبلون عليها لتصبح جزءّ راسخاّ من تراثهم ومسالكهم اليومية، مما يصعب المهمة أمام هذه المنظمات ويقطع الطريق عليها في تجنيد الشباب وراء إجنداتها المغامرة..!!

 خلاصة القول ، وإبتعاداّ عن الإستطراد في البحث، وبعيداّ عن الغضب  والإنفعال ؛  فإن إستمرار إغماض العين عن واقع الأرضية التي سهلت تواصل الإرهاب وديمومته؛ بما يفسره إستمرار التمسك بنفس أسس البناء السياسي القائمة اليوم؛ من تفضيل التقسيم الطائفي المذهبي والعرقي للمجتمع على أسس مبدأ المواطنة، والأخذ بنظام المحاصصة كبديل لنظام الكفاءة والمقدرة، والتلكؤ في إنهاء وجود المليشيات المسلحة للطوائف المختلفة - وهي أمور أسرفنا وغيرنا، في تكرارها والتأكيد على أهميتها-  إنما يدفع ، في الحقيقة، أكثر وأكثر في طريق الإنزلاق بإتجاه الفتنة والحرب الأهلية، ويمنح فرصاّ جديدة أمام المنظمات التي تتبنى الإرهاب كوسيلة، لأن توغل في الإستمرار بتكتيكاتها الإجرامية..!؟ 
_____________________________________________________
* http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=98088

     
       

   
 

344
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لو كان النازف جرحاّ لأسعفناه،  لكن النازف نهراّ، بحراّ ممتدا، سيلاّ جارفاّ، شلالاّ هادراّ، من ذرى جبل لبنان، حتى ملتقى النهرين...!؟
  دماء لا تحدها حدود ولا تستوقفها موانع.. فجرها الجهل وتلقفها التعصب، فإذا الجميع يسبح في برك دماء الأخوة، دماء العشيرة، دماء الطائفة، دماء المذهب، دماء الوطن، بل دماء الإنسان..!!؟

من نهر البارد حتى غزة، ينتحر الفلسطينيون، ويختلط رصاص بنادقهم برصاص الإحتلال، يتساقطون صرعى في الأحضان، أبن العم وأبن الجار..
 دماء الوطن الجريح، تعفر تراب الوطن السليب؛ دموع الثكالى تصبغها دماء الأبناء والأحفاد..

 أما زعيق الساسة، فزوبعة في فنجان؛ لا يحسنون سوى التوقيع، ولا يجيدون غير أبراز العضلات، ولا يلوحون إلا بالوعيد والتهديد.. إسترخصوا الوسيلة فإذا الشعب رهين.. مسؤولون عن شريان الدم النازف ، غير عابهين ولا آسفين..

وطن إغتصبته سنوات الظلمة، وإستباحته جرذان الطاعون، وعقرته مصالح الطامعين من كل لون ودين؛ فما عاد يعرف للوحدة طعماّ ولا للألفة مكان.. وطن نزفه لن يتوقف، و أمله يتبدد.. وأرضه تتمزق، ومن هول مصيبته؛ يثأر من نفسه، يأكل من لحمه، يلعن يومه..

وطن رصفت طريقه النكبات، فما أن ينهض حتى يكبو، وما أن يصحو ثانية يكبو.. لم تسعفه السياسة بشيء، ولا أكسبته الحجارة بمنفع.. شبابه نهب, ،  بين مطاحن المتلهفين وشعارات المتحمسين، تلتهمهم خنادق النكبة الجديدة، ليسقوا شجيرات الزيتون، عبير الدماء..

وطن كبلته قيود الوعد ، وإستأسدت بإسمه "جيوش القدس"، من أقصى المغرب حتى طهران،   

فهل يكفي عام ..؟ هل يكفي عامان..؟ بل، ألم تكف ستون..؟

 لقد كان لنا فيكم أسوة حسنة، وبارقة أمل لمستقبل وضاء.. فهل أقسمتم،  أن تنعق البوم في الديار، وأن تثكل النساء، وأن تيتم الأطفال، وأن تموت العصافير في الأعشاش..؟ أم أن تكتب قصة عن شعب يوماّ كان...
 


أن نخفي حزننا ونكظم غيضنا على محنتنا في العراق، فلنا ما نعلل به النفس، من "كلام معسول"،  أو "غد مأمول"..!؟
 ولكن الذي يجري في وطن النكبات؛ ترتجف له قلوبنا، و يعتصرنا الألم، وتبيض عيوننا حزناّ..

لماذا يقتتل الفلسطينيون..؟؟  لماذا ينتحر الفلسطينيون..؟؟
سؤال يعرف جوابه الجميع،  إلا ضحايا النكبة..!!؟

فهل سيحسم سياسيو حماس وفتح الأمر، ويستجيبوا لنداء العقل، ويخمدوا لهيب الفتنة، ويقطعوا الطريق على مؤججي نار الحرب الأهلية، التي أطل لهيبها برأسه من وراء الحدود، ويصونوا وحدة شعبهم المكافح من أجل كرامته وحريته، ويحقنوا دماء أبناء هذا الشعب النبيل..!
 إنهم وحدهم من يقدر، ووحدهم من يتحمل مسؤولية هدر دماء الأبرياء، من الأطفال والنساء والشيوخ.. وحدهم من يتحمل مسؤولية العشرات من الشبيبة الفلسطينيين، الذين يتساقطون صرعى مصالح وأجندات مختلفة للساسة المتصارعين..!
إن فك إرتهان الشعب الفلسطيني من هذه الدوامة المدمرة، لن يتحقق إلا بفك الإرتباط بين قياداته السياسية المتصارعة،  والتخلي عن أي أجندات لمؤثرات وتدخلات أقليمية وأجنبية، والتمسك فقط بأجندة الوطن، وحل المليشيات المسلحة بكل أشكالها، والإحتكام الى الشعب بكل فصائله ومكوناته في إدارة نفسه، ونبذ التسلط وإحتكار السلطة واللجوء الى الحوار والتوافق الديمقراطي، وهذا لعمري، أضعف الإيمان..!

 
   
       











345


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الحشود التركية على حدود العراق الشمالية..!؟


تركيا: الدولة التي تمهد الطريق لنفسها للإنضمام الى الإتحاد الأوروبي، كدولة متحضرة، تلتزم بدستور الإتحاد وتلتزم بأحكام لائحة حقوق الإنسان، وبأنها دولة مدنية علمانية بقيادة إسلامية متنورة..!
تركيا: الدولة التي تذب عن الديمقراطية، ويحرس جيشها الجرار موثل "العلمانية والديمقراطية" التي أرسى قواعدها رئيسها الراحل كمال أتاتورك، منذ أوائل القرن الماضي..!

تركيا: التي تفخر بأنها الدولة الأولى في المنطقة الي إعترفت بحقوق المرأة، وحزبها الحاكم يتباهى بأن أسم الحزب منبثق من لفظة " العدالة "..!؟

تركيا: هذه الدولة المتمسحة بأذيال "الديمقراطية"، هي نفسها تركيا التي تمنع أكبر مجموعة  أثنية في تركيا 20-26 مليون نسمة- 30% من مجموع السكان، من أبناء الشعب الكوردي من حقها في تقرير المصير، وتفرض عليهم اللغة التركية بدون وجه حق، ولا تعترف بهويتهم القومية، وتعتبرهم أتراكاّ من سكنة الجبال..!؟

 هي نفسها من تحتفظ في سجونها ومعتقلاتها بألالاف من أبناء هذه القومية؛ نساءّ ورجالاّ، شيباّ وشبانا، تحت أقسى ظروف المعاملة اللاإنسانية، وهي نفسها من ينتهك أبسط حقوق الإنسان في كامل الجزء الكوردي من جنوب البلاد، حيث تنتشر مخافر الجندرمة البوليسية في كافة المدن والأرياف، وهي تمارس أعتى صنوف الإضطهاد والتنكيل بحق المواطنين الكورد؛ شاهرة في وجوههم السلاح المجرب، سيف " الإرهاب"، ومنزلة بحقهم أقسى العقوبات، وحائلة بينهم وبين ممارستهم لحقوقهم الثقافية والسياسية، تحت طائلة التلويح بشبح "الإنفصال"..!؟   

تركيا: هذه الدولة التي يرزح تحت مظلتها "الديمقراطية"؛ شعب عريق في وجوده، عريق في ثقافته، عريق في تراثه ولغته وتأريخه، شعب يفخر بأنه جزء من أمة عريقة، فرق أوصالها الإستعمار..!!

تركيا: هي نفسها تلك الدولة، التي تقتل البسمة على شفاه أطفاله، وتملأ السجون بخيرة أبناءه، وتنزل عقوبة الإعدام بحق قادته ومناضليه، وترفض الإعتراف بحقه في تقرير مصيره..!؟

تركيا الدولة، وبكل ما تمتلكه من قوة مدمرة، وجنرالات متمرسين، أفزعها وأطار صوابها، أن تكتشف، وعلى حين غرة؛ أن يظهر على الأرض وجود لنفس الشعب، متحرر من العبودية وألإستبداد، متحرر من الظلم والجبروت الديكتاتوري؛ شعب يحكم نفسه بنفسه، شعب يتمتع بكامل حريته في تقرير مصيره، شعب ينعم بالحرية في إتخاذ قراراته، وفي بناء مستقبله؛ إنه الشعب الكوردي في العراق، الظهير الجنوبي للشعب الكوردي في تركيا..!
 
لقد كان وقع الحدث هذا، كالزلزال، وهول المفاجئة كالصاعقة..!
            فجأة، دب الحراك في عظام الهياكل العسكرية المحنطة ، نافضة تراب "الديمقراطية" التي عفرت به بريق النياشين، فأستلت  سيوف دونكيشوت من أغمادها، معلنة بالويل والثبور: أن لا قوة في الأرض تمنعها من مطاردة "الإرهابيين" الأكراد الإنفصاليين، حتى إذا إقتضى الأمر التوغل وإجتياح الأراضي العراقية وأنتهاك سيادتها..!!؟؟

وتبدأ اللعبة القديمة، وتتناسى تركيا أن الحال هي ليست نفسها زمن الديكتاتورية، وليس هناك من قواسم مشتركة كالتي كانت زمن النظام السابق، وأن الشعب الذي ذاق طعم الحرية مستعد للدفاع عنها رغم كل الصعاب..!

وها هي تركيا الدولة اليوم، تحاول أن تطبخ نواياها المبيتة للتوغل في شمال العراق،  على نار هادئة، من خلال التباكي وذرف دموع الشكوى أمام الأمم المتحدة،1 أو من خلال تلميحات الأصدقاء، بإعطائها الضوء الأخضر، كما جرى مع صدام حسين عند غزوه الكويت، والتي كررت مثلها السيدة رايس قبل أيام،” وردا على سؤال يتعلق بموقف بلادها في حال قامت تركيا بعمل عسكري في العراق، قالت رايس: لن يساعد الاستقرار في العراق أن نشهد نزاعا جديدا على هذه الحدود من هذه الجهة أو تلك، ولكن نحن حقيقة نعمل عن كثب مع الأتراك. ”2

ومع ذلك فلا أظن  أن الوقت يجري في صالح جنرالات الحرب الأتراك، ولا في صالح حكومة حزب العدالة، الذي يخوض معركة إنتخابية مصيرية للفوز برئاسة الدولة، ولا في صالح إقامة علاقات حسن جوار متكافئة مع العراق، خاصة وإن الحفاظ على مثل تلك العلاقات فيه مصلحة لتركيا لا تعوض، ناهيك عن ما سيجره أي إقدام على مغامرة مثل تلك، من تداعيات غير محمودة العواقب على مجمل العلاقات التركية العربية والإسلامية، وسيكون بمثابة إنتحار لمشروع تركيا في الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي، الذي لا زال أمر القبول به متعثراّ ومشكوك فيه، رغم أن تركيا تحاول تصوير مشكلتها مع الشعب الكوردي بأنها مشكلة مع "الإرهاب"..!!؟3

أن قيام إقليم كوردستان في العراق، والذي يحضى بأعتراف دولي، إنما هو بلا شك، عامل إيجابي يسهم في أشاعة السلم في المنطقة، ويفتح الطريق أمام دول الجوار التي تقطنها إجزاء من الأمة الكوردية، مثل تركيا وإيران وسوريا، في أن تلجأ الى منهج الحوار والتعاون المثمر مع حكومة الإقليم في كوردستان والحكومة الإتحادية في العراق لحل مشاكلها مع القضية الكوردية في بلدانها بالطرق السلمية والديمقراطية، بعيداّ عن لغة التهديد والعنف العسكري الذي لا يثمر غير التعقيد وتفاقم المشاكل..!     
فهل يا ترى، سوف تستفيد تركيا من عبر التأريخ، أم أن حلم الإمبراطورية الكبرى، لا زال يغازل العيون..؟؟!   

_________________________________________________               
1http://www.kurdistan-times.org/wesima_articles/index-20070604-25451.html
2 http://www.kurdistan-times.org/wesima_articles/index-20070603-25399.html
3http://www.kurdistan-times.org/wesima_articles/index-20070604-25469.html

346
               
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


ما كادت تمضي ساعات معدودة على إصدار مجلس الأمن الدولي قراره المرقم 1757(1)  حول تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، حتى إستنفرت دول إقليمية ومنظمات وطنية، معلنة رفضها للقرار المذكور، وعدم إستعدادها للتعاطي مع المحكمة، ليس هذا وحسب، بل مضت بعيداّ في التوقعات والإستنتاجات في حال وضع المحكمة موضع التطبيق؛ من قبيل ما قد يحصل على الساحة اللبنانية من إضطراب أمني وإختلال في موازين القوى، وإحتمالات تعمق الأزمة اللبنانية بما قد ينذر بالحرب الأهلية..!؟  كل ذلك مقرون بعدم شرعية القرار وإعتباره تدخلا سافراّ في الشؤون اللبنانية الداخلية وإنتهاكاّ لسيادة لبنان، وفي أضعف الإحتمالات؛ أنه كان ينبغي أن لا يصدر طبقاّ لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة..!؟؟

المثير في شأن القرار المذكور؛ هو صدوره وفقاّ لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وإشكالية أحكام هذا الفصل، هي طبيعة التعامل مع من قد يشمله هذا القرار، والمتمثلة بإلزامية التنفيذ للقرارات التي تتخذ بحقه من قبل المحكمة..وهذا هو بيت القصيد، ومن هنا يمكن البحث عن أسباب ردود الفعل التي أعقبت صدور القرار المذكور..!؟ فقوة التنفيذ لأية أحكام محتملة قد تصدرها المحكمة، تصبح ملزمة لكافة الدول التي من المحتمل أن يكون بعض رعاياها تحت طائلة قانون المحكمة، أو ممن قد تشملهم أحكامها، وبالتالي فلا يمكن الدفع بعدم التنفيذ لأي مبرر كان، بما فيه الحصانة..!

عندما التجأت الحكومة اللبنانية الى الأمم المتحدة طالبة مساعدتها في الكشف عمن يقف وراء مسلسل الإغتيالات التي تعرض لها العديد من رجال الدولة والسياسة اللبنانية ، وعلى رأسهم الشهيد رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان، كانت تستخدم حقها كدولة عضو في الأمم المتحدة، حيث يعطيها الميثاق كامل الحق في طلب المساعدة عنما تكون عاجزة نفسها من تحقيق العدالة لأسباب خارجة عن إرادتها أو لقصور في إمكاناتها القضائية أو أية أسباب أخرى مبررة..! ومن هنا لا مجال للبحث في مشروعية القرار من عدمه من زاوية النظر اللبنانية المخالفة، حيث بني صدور القرار بناء على طلب من قبل حكومة لبنان وهي حكومة شرعية منتخبة، وبإتفاق جميع مكوناتها..!

كما وإنطلاقاّ من  تلك الأرضية، فلا معنى للدفع برفض القرار لصدوره وفقاّ للفصل السابع من الميثاق. وهي كما يظهر حجة غير مبررة من الناحية الموضوعية، إذ لو كان بمقدور الحكومة اللبنانية وحدها إتخاذ الإجراءات المطلوبة للكشف عن الجناة ومقاضاتهم وإحقاق العدالة، فإنه يصبح غير ذي معنى، الذهاب الى الأمم المتحدة وطلب مساعدتها في تحقيق العدالة..!؟
وبالتالي فإن اللجوء الى الفصل السابع من الميثاق قد فرضته الحالة الموضوعية في لبنان، وهي حالة لا تخفي على الجميع، إذ بدون ذلك سيبقى مرتكبوا الجرائم في منجى عن الملاحقة والمقاضاة ونيل العقاب المناسب. إذ أن القرارات التي لا تصدر وفقاّ لهذا الفصل لا تمتلك قوتها الإلزامية طبقا للميثاق، وهذا ما يصب في مصلحة الجناة..!؟

أما الدفع بالتجاوز على سيادة لبنان، فهو الآخر لا يصمد للنقاش؛  فمجرد موافقة الأمم المتحدة على طلب الحكومة اللبنانية الشرعية المساعدة في كشف مسلسل جرائم الإغتيال وتشكيل محكمة دولية لهذا الغرض، وحده يفند هذه الحجة، بل إن صدور القرار نفسه جاء تعبيراّ عن هذه السيادة وإعترافاّ كاملاّ بأهليتها..!
 
ومن جانب آخر؛ فإن مطلب تشكيل محكمة دولية خاصة، نفسه كان مطلباّ جمعياّ من قبل كافة مكونات الحكومة اللبنانية، وقد حضي بتأييد كافة أبناء الشعب اللبناني، كما وفرضته طبيعة الظروف الموضوعية التي تمر بها البلاد ، ولإحتمالية مشاركة أطراف أخرى غير لبنانية في وقائع الجرائم التي ستطرح أمام القضاء، مما يستلزم معه تدويل المحكمة، في ظل الظروف الإستثنائية التي يمر بها لبنان..!!؟ 

والخلاصة يمكن القول؛ أن قرار الشرعية الدولية رقم 1757(2) الخاص بالمحكمة الدولية الخاصة للبنان، ينبغي عدم إختزاله الى مجرد قرار فاقد لأسبابه ومنقطع في جذوره، وفرضي في تقبله، كما يريد الرافضون للقرار، بل هو على عكس ذلك؛ كان قراراّ مكتملاّ في كل جوانبه التأريخية وأسبابه القانونية، ويشكل في حالة تطبيقه، دعما للعدالة وإنتصاراّ لها، وتلبية لمطامح الشعب اللبناني، الذي ينشد الطمأنينة والسلام، ودعماّ لسيادته وإستقلاله.. وبأن لا يكون لبنان ساحة لصراع المصالح المتشابكة للآخرين..!! 
إنه في النهاية قرار دولي موجه ضد الإرهاب..!!
____________________________________________   
(1) http://www.un.org/arabic/news/fullstorynews.asp?newsID=7370
(2) http://www.un.org/arabic/docs/viewdoc.asp?docnumber=S/RES/1757(2007)







347

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


بعد أربع ساعات من المواجهة العلنية، ينتهي الإجتماع، تعقد المؤتمرات الصحفية، ثم يعلن الجميع بأن كل شيء سار على ما يرام، وكان الجهد المبذول "إيجابيا"..!؟ إنتهى

كل ما قيل في هذه المؤتمرات، كان مسموعاّ من قبل، ولم يأت لا الأمريكيون ولا الإيرانيون بشيء جديد؛ الإتهامات نفسها والإدانات نفسها، والآمال عينها، والحرص على مستقبل العراق مبتغى الطرفين..!!؟ كما لم يبد من جانب الطرف العراقي أكثر من أمل بأن تتوالى الإجتماعات، وأن ما حصل كان خطوة إيجابية لتمهيد الطريق لخطوات إيجابية أخرى..!؟

ليس هناك ما يلفت النظر في اللقاء الأمريكي – الإيراني، وفيما تمخض عنه من نتائج، بعد إنتظار طويل، وأمل منشود..!؟
ولكن ما لفت النظر بعد هذا اللقاء؛ هو تلك الصحوة المفاجئة التي أيقضت بعض الأخوان العرب بعد غفوة طالت عن المألوف؛ صحوة عكست في الحقيقة، خيبة أمل البلدان العربية، والخليجية منها بالذات، مما وصلت اليه الحال، لتكتشف اليوم بأن إيران لها مصالح وأطماع في العراق، وبأن أمريكا لا تألوا جهداّ في مقايضة العراق مع إيران إذا ما ضمنت مصالحها وحققت إستراتيجيتها ونالت أهدافها، وحفظت ماء وجهها..!؟

كما وأدركت الآن وعلى ألسنة الصحافة، مبلغ الخطأ الذي ما أنفكت تمارسه؛ بعزل نفسها عن الأزمة العراقية، والتعامل معها سلباّ، وترك العراق وحده يتلقى مصيره..!؟ كما وعلمت الآن أيضاّ؛ أن العراق يمتلك ثاني أكبر إحتياطي نفطي في العالم وسكانه 25 مليون نسمة، وأن مدخولاته تزيد على مائة مليار دولار سنوياّ، وأنه يقع في قلب المعادلة السياسية للمنطقة، وفي حالة تركه "سيصبح مستعمرة إيرانية لمدة عشرين سنة مقبلة..!؟؟"1 
 
ولعمري؛ فإنها رسالة موجهة الى كافة قادة ورؤساء الدول العربية والخليجية منها خصيصاّ، تحملها مسؤولية المواقف السلبية لهذه الدول إتجاه المسألة العراقية، وتدق لها ناقوس الخطر لما تتوقعه من إحتمالات ما يهدد مصير العراق، وتحمل إعترافاّ صارخاّ بالمواقف الخاطئة لهذه البلدان، لكنها وللأسف أقول؛ رسالة جاءت متأخرة، بعد كل هذا الخراب الذي عم البلاد وشلالات الدم التي لم تتوقف..!؟؟

لا أحد يتمنى أن تؤول العلاقة بين العراق والدول العربية الى مثل ما آلت اليه اليوم، رغم بعض الإنفراج الذي حصل بعد مؤتمر شرم الشيخ مؤخراّ، وإن كان الحديث ينسب لمسيرة أربع سنوات من المواقف المتشنجة ولا أعفي طرفاّ منها، والتي لست بصدد الخوض فيها، أقول: بأنه كان من المناسب، بل ومن المفروض أن يكون للبلدان العربية دور مميز في علاقاتها مع العراق وهو رهين وضعه الحالي؛ حبيس إرادتين متصارعتين، لا أن تختزل هذه العلاقة الى مجرد علاقات مجاملة ديبلوماسية، تحت مظلة من الشك والريبة والإتهامات المتبادلة وضعف الثقة..!!؟

لقد أشرت في مقالتي السابقة ( على عتبة اللقاء الأمريكي – الإيراني)2 والمنشورة في عدد من المواقع الألكترونية؛ الى أهمية أن يكون لجامعة الدول العربية حضور فاعل مساند للوفد العراقي أثناء اللقاء الأمريكي – الإيراني يوم 28/5/2007،  وهو خطاب عام وضع في صيغة الأمنيات ولكن وللأسف أيضاّ: أن سارت الأمور وفق ما سارت عليه..!!؟
أما اليوم أن نأتي ونكتشف خطل المواقف، وسلبية التصورات، ونعض على أصبع الندم، ونطلق صفارات الإنذار، حذرين متوجسين، لا ننظر إلا بعين واحدة، بعد أن أسلمنا مصير شعب ووطن، وحيداّ أمام طمع الطامعين، وجشع الغاصبين، وفتك إرهاب الظلاميين؛ راكعين أمام نار الفتنة، مذكين أوارها، مترقبين نتائجها، حتى إحترقت أصابعنا، وإنكشفت ظهورنا، فأخذ الذعر منا ما أخذ؛  مفزوعين من فرط الدهشة، وضعف الوسيلة؛ نرضى بالموجود، ونشكر المعبود، لفقدان المنشود..!؟
 فبقدر مافي خطاب الندم والإعتراف هذا، من شحن الإيجاب، يظل قاصراّ أمام مبادرة الفعل وكسر جليد القطيعة، ومد يد الصدق والمحبة والإحترام، وردأ الصدع، وإلتماس سبل التقارب والتعاون..! فالى أي من ذلك نحن ماضون..؟؟   
__________________________________________________   
1-   http://www.asharqalawsat.com/leader.asp?section=3&article=421167&issue=10409
2- http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=91631.0;prev_next=next

348
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com




ليست الأولى ولن تكن الأخيرة؛ تلك الجريمة النكراء التي أقدمت على إرتكابها عصابات أعداء الشعب من فلول المجرمين الظلاميين القتلة هذا اليوم، بتفجيرهم مرقد شيخ الطريقة القادرية (الشيخ عبد القادر بن موسى الكيلاني) وسط بغداد وإزهاق أرواح العشرات من الأبرياء من العراقيين.. نعم إنها ليست الأولى من الجرائم التي يقترفونها كل ساعة؛  من تفجير للمفخخات والجسور والأسواق والجامعات والمدارس، وقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ وطلبة الجامعات وعمال التنظيف؛ فقد سبقتها جريمة تفجير المرقدين المقدسين للأمامين الهادي والعسكري (ع) في سامراء في 23/2/2006، وكانت بمثابة ساعة الصفر لبدأ الفتنة الطائفية في البلاد التي ما فتأت تحصد آلاف الضحايا الأبرياء من أبناء هذا الشعب، والتي من خلالها تمكن من خطط لها؛ أن يحقق مراميه في تمزيق وحدة الصف الوطني وجر نخبه السياسية والإجتماعية الى الإندفاع وراء الأهداف والمرامي المرسومة سلفاّ، في الإحتراب والدخول في صراع تقدم فيه مصالحهم الخاصة على مصالح الشعب والوطن.. لأن يدمر العراق وتستباح أراضيه وتدمر مقدساته وتنهب آثاره، ويهجر أبناءه..!

لقد كان حرياّ بالشعب العراقي وبكل نخبه السياسية والإجتماعية والدينية، أن يلتفت الجميع الى مقاصد هذه اللعبة القذرة،  التي يمارسها أعداء الشعب كل يوم، وأن لا يقعوا فريسة لأهدافها المفضوحة، وهذا ما نبه له الكثير من الكتاب ومن يهمهم مصلحة الشعب والوطن..!*

إنه ومن نافل القول؛ أن على النخب السياسية وعلى الشعب العراقي بكافة مكوناته أن تأخذ بالحسبان؛ بأن القوى الظلامية المتنكرة زوراّ بأسم الدين لن تركن الى التوقف، بعد أن وجدت أمامها الطريق سانحة لتنفيذ أهدافها السوداء، حيث أن الحسابات المبنية على أساس المقاييس الطائفية، هو ما يشجع تلك الزمر الظلامية ويسهل لها المرور الى أهدافها من خلال الإستقطاب الطائفي بين الناس، إذ وجدوا فيه المرتع الخصب الذي يمهد لهم الطريق الى تحقيق تلك الأهداف..!؟؟

لقد مضى عام ونيف على تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وها هو الشعب العراقي يحصد ضحاياه التي جاوزت مئات الألوف من الأبرياء، ويودع مئات الألوف من العوائل المهاجرة طلباّ للأمن والأمان، ويفتقد خيرة أبناءه من الكوادر العلمية ناهيك عن الدمار والتخريب الكارثي في بنيته التحتية وركائزه الإقتصادية، وللأسف نقول أن أحداّ  من سياسيي البلاد لم يستفد من عبرالدرس الأول..!

 وها هو تفجير مرقد (الشيخ عبد القادر الكيلاني)، أحد المعالم الوطنية وإرثاّ بارزاّ من كنوز الثقافة الإسلامية في العراق وعلى صعيد العالم الإسلامي، جاء ليسجل الدرس الجديد، وليثبت بأن الإرهاب لا زال قادراّ أن يضرب في مقتل، بعد أن أدرك هشاشة الوضع السياسي السائد في العراق، وتمزق لحمته الإجتماعية ونجاح مخططه في زرع الفتنة الطائفية، التي وجدت سندها ودعمها في منحى المحاصصة الطائفية الذي أسست بموجبه الهيكلية السياسية في البلاد..!

فإن كان هناك ثمة إستنكار وشجب لهذه الجريمة النكراء، فإن مثل هذا الإستنكار والشجب، لا بد وأن يترجم من قبل الجميع ؛ كافة أبناء الشعب وكافة النخب السياسية والإجتماعية والدينية والسلطات الحكومية، الى أفعال ملموسة وعلى كافة الأصعدة، تعكس موقفاّ موحدأّ يتبلور في شجب للطائفية البغيضة، وإعادة كامل هيكلية البناء السياسي ومؤسسات الدولة والأحزاب السياسية، وبناءها على أسس مدنية ديمقراطية، تكون المواطنة والكفاءة والإخلاص للوطن، هي المعيار في  بناءها الجديد، لقطع الطريق على من يريد إستغلال الطائفية معبراّ لأهدافه..! وأؤكد القول؛ بأنه ليس هناك من مخرج من هذا التيه المظلم غير هذا الطريق..! 
___________________________________________
* http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=57985


   

349


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


عام الى الأمام..عام الى الوراء..!؟


لست الوحيد من يطرح السؤال؛  فجميع الإستفهامات التي ترد على السنة  المواطنين، والمقالات التي يدبجها الكتاب والصحفيون، ومنذ الأحداث المأساوية التي أعقبت زيارة السيد المالكي الى البصرة، وأزمة وزيري الدفاع والداخلية وكذلك الأمن الوطني، جميعها تطرح السؤال نفسه وبصور وأشكال مختلفة..! نعم: هل سينجح المالكي..؟

لا زلنا في بداية الطريق، ومن السابق لآوانه الخروج بإجابة قاطعة، وهذا ما سبق وأن أشرت اليه في عدة مقالات سابقة تناولت الأمر نفسه.*  إلا أن الوقائع التي تزامنت مع أحداث البصرة وما بعدها،  ألقت ضلالاّ من الشك على إمكانية التوصل الى إجابة واضحة وإيجابية على التساؤل المذكور، هذا إذا ما كان التساؤل نفسه موضوعياّ ويعطي القاريء مقاربة لتصور معقول حول طبيعة الحقائق التي تقوم عليها الأوضاع الآن في العراق..!
 
الفشل والنجاح في أي عملية سياسية مسألة نسبية، محكومة دائماّ بظروفها المحيطة من جانب ، وبمدى تأثير العوامل الأخرى، كالشخصانية والبراغماتية على سبيل المثال من جانب آخر..! وبالتالي فإن نجاح أي حكومة في مهامها وتنفيذ برنامجها، أول ما يستدعيه؛ هو حالة وطبيعة الظروف التي ستعمل هذه الحكومة خلالها من جهة، وطبيعة تركيبة الحكومة نفسها والأسس التي تشكلت بموجبها من جهة أخرى..! فحيثما تهيأت ظروف طبيعية من حيث الأمن والإستقرار، وحيثما كانت تشكيلة الحكومة نفسها،  نتاجاّ لعملية برلمانية ديمقراطية، وحيثما إمتلكت هذه الحكومة برنامجاّ واضحاّ ومحدداّ فيه أهم أولويات المرحلة الراهنة وقت تشكيل مثل تلك الحكومة ، كلما كانت فرص نجاحها أكثر إحتمالا، وحظها من التأييد والمساندة الشعبية سيكون كبيرا..!

وبقدر ما يتعلق الأمر بالشأن العراقي، وبخصوصية هذا الشأن في الوقت الحاضر، وللوصول الى توصيف معين أو تقييم مناسب لطبيعة الحكومة الحالية وظروف نشأتها، لابد من التوقف أمام بعض الأمور ذات الأهمية في تحديد مسار الوصول للهدف المذكور، ومن أجل التوصل الى جواب أو أجوبة معقولة وقريبة من واقع الحال تساعد مجتمعة على إجابة  السؤال المركزي حول إحتمالات  نجاح أو فشل حكومة المالكي الحالية، فهذا ما سنحاول إجماله وبإيجاز في ما يلي من النقاط:

أولاّ :  ظروف التشكيل

المقصود بذلك هو الظروف التي تشكلت أثنائها الحكومة..! وهنا يمكن القول؛  بأن طبيعة تلك الظروف، تتسم بخصوصيتها وأستثنائيتها قياساّ لأي ظروف أخرى عاش في ظلها العراق أو أي بلد آخر في الفترة الراهنة نسبياّ، وهذا لا يعني إنفراد هذه الإستثنائية عن غيرها من حيث الشكل أو المضمون، أما ما يتعلق بخصوصيتها، فيمكن القول أن سمة الإنفرادية التي تتسم بها هذه الخصوصية ناتجة من طبيعة المكونات الديمغرافية للسكان،  حيث التشابك الأثني والديني والمذهبي المعقد الذي يتسم به العراق، عن غيره في كثير من البلدان..!

•   أن الظروف المعنية التي تشكلت خلالها الحكومة الحالية، هي إمتداد لنفس الظروف والأجواء التي عاشها العراق منذ التاسع من نيسان 2003 وحتى اللحظة وقد تميزت بالمظاهر التالية:

×- ما رافق سقوط النظام السياسي وإنهيار مؤسسة الدولة،  من إرتفاع نسب البطالة بشكل خطير زاد عن 60% نتيجة حل الجيش والمؤسسة الأمنية وتعطل نشاط المؤسسات الحكومية ونهب ممتلكاتها، بما فيها بنوك الدولة والكنوز الأثرية..!
×- التواجد الأجنبي الذي تمثل بقوات الإحتلال والتي تغيرت تسميتها بعد ذلك الى قوات التحالف متعددة الجنسية بقرار من مجلس الأمن رقم 1483.
×- التركة الثقيلة من مخلفات النظام السابق، على كافة الأصعدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية. والتي أتسمت بتردي الأوضاع الإقتصادية للسكان نتيجة الحصار الإقتصادي، والمديونية الكبيرة للدول الأجنبية، مضافاّ اليها تراكم المعاناة الجماهيرية جراء الطبيعة الدكتاتورية للنظام السابق ونتائج الحروب المدمرة التي تعرضت لها البلاد..!
×- الفوضى العارمة التي سادت البلاد وإنتشار أعمال النهب والسرقة و"الفرهود" التي رافقت سقوط الدولة والتي إستمرت بالتفاقم طيلة السنوات الثلاث الماضية، حتى تحولت الى ظاهرة تحكم العصابات المنظمة من المافيا بحياة الناس الإقتصادية والإجتماعية، وباتت تشكل ظهيرا للمليشيات المسلحة لبعض القوى السياسية، أو تختفي تحت عبائتها ..!
×- انتشار ظاهرة "المليشيات المسلحة" لعدد من المنظمات  السياسية،  وتحكمها في الشارع العراقي، مما افقد الدولة هيبتها من جهة، وفتح الطريق للفلتان الأمني، وساعد على إستغلال هذه "المليشيات" من قبل عصابات المافيا وإستخدامها كغطاء للحماية وللتستر على نشاطاتها الإجرامية مما أشاع ظاهرة التهريب وإنتشار تجارة السلاح والمخدرات وإختطاف الأطفال وغيرها من الأفعال المشينة من جهة أخرى..!؟
×- ألصراع الدموي بين مكونات هذه " المليشيات" والذي هو في حقيقته صراع قائم بين حواضن تلك "المليشيات" من بعض أطراف النخب السياسية، والذي يجري على حساب أمن المواطنين وإزهاق أرواحهم، وإن  الهدف منه على حد تعبير أحد قادة تلك الأحزاب السياسية هو في؛ 
((«التدافع السياسي» وتسابق الاحزاب والتيارات من اجل كسب اكبر مساحة من مراكز القوى في محاولة منها للاستيلاء على مجالس إدارات المحافظات استعداداً للمرحلة الجديدة التي ستشهد نقلة نوعية على مستوى إدارة للمحافظات وتطبيق النظام الفيديرالي.)) د.الدباغ << صوت العراق6/6/06>>
يشاركه الرأي ولكن من منطلقات أخرى كل من؛
النائب حسين علي الشهلان من مدينة الديوانية الذي أشار(( الى تباين اسباب الصراع بين الاحزاب السياسية للسيطرة على مقاليد السلطة، ويقول: «تشير المعلومات الى وجود مافيات تتصارع الان على ملايين الدولارات من ثروات العراقيين»، ولم يستبعد تورط قوى محلية في عمليات الاغتيالات الجارية في الديوانية حيث يتم توجيه الاتهامات الى مليشيات وجهات اخرى، واعتبر ان «عدم الاستقرار السياسي في البلاد ادى الى نشوء حاضنات أمنية لجماعات تسعى الى كسب اكبر قدر ممكن من السيطرة على مدن الجنوب».)) <<صوت العراق 6/6/06>>
وكذلك النائب السابق عن البصرة منتصر الامارة الذي أشار الى(( ان ما يجري في المدينة يكشف عن «صراع مصالح حزبية على السلطة والثروة مما وفر مساحة للايدي الخبيثة من داخل وخارج العراق وحرية حركة لتأجيج الخلافات>>)) <<صوت العراق 6/6/06>>

•   محاربة الأرهاب ؛ وهي من أولويات المهام التي واجهت حكومة المالكي، بل ولعلها تقف في مقدمة الجدول الحكومي للمهام التي يجب الإضطلاع بها والبدأ بتنفيذها. ومن سمات هذه الظاهرة وتعقيداتها يمكن الإشارة الى النقاط التالية:

×- ارتبط وجود هذه الظاهرة مع البدايات الأولى لدخول قوات الإحتلال، بل وتشير بعض المعلومات الى أن وجودها ترافق مع بداية ردود الفعل في بعض المدن العراقية ضد قوات الإحتلال مثل مدينة الفلوجة، مما ساعد على إرباك الصورة التي رسمتها بعض القوى المسلحة عن نفسها والتي أعلنت عن وجودها كقوى "للمقاومة" ضد الإحتلآل، فأصبح من غير اليسير الفصل بين ما تقوم به هذه الفئات من أعمال العنف الموجهة ضد قوات الإحتلال، حسب دعواتها، وما ترتكبه زمر الإرهابيين من أعمال القتل وتفجير السيارات المفخخة، وخطف الأبرياء وأفراد السلك الدبلوماسي..الخ،  مما زاد في إختلاط الأوراق...!

×- ما رافق عمليات قوات الإحتلال العسكرية الموجهة ضد الزمر الإرهابية ، من تجاوزات وإنتهاكات وخروق لحقوق الإنسان ضد المواطنين العراقيين وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، وما رافق ذلك من تدمير وهدم للبيوت ولقرى كاملة، ولعل أحداث مدينتي (حديثة والإسحاقي) وقبلهما مدينتي الفلوجة  وتلعفر من البراهين الدامغة على تلك التجاوزات..!؟

×- إرتباط ظاهرة الإرهاب بإمتدادها الخارجي مع بعض دول الجوار مما سهل من تمويلها لوجستيا بالمال والسلاح والرجال، لدرجة أصبحت معها هذه الظاهرة تشكل خطراّ حقيقياّ على أمن وسيادة البلاد..!؟

•   عملية التطهير العرقي ؛ وتعتبر من أخطر ما يواجة الحكومة الجديدة، لما لها من تداعيات خطيرة للغاية، ليس على مستقبل ضحايا هذه العملية وحسب، بل وعلى مستقبل البلاد أيضا، فتغييرها لديموغرافية السكان له من النتائج المدمرة ما لاتحمد عقباه، فهي ستجلب معها كل عوامل التفرقة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. كما وستؤول الى إختفاء أقليات قومية ودينية صغيرة عاشت في كنف هذا الوطن منذ فجر التأريخ بل وحتى قبل قومياته وأديانه الكبيرة..! إن ما يؤرق كاهل المواطنين، هو هذه الفلترة المتواصلة للسكان، والتي تجري على أسس من الهوية العرقية والدينية، وفي ظل أبشع وسائل الضغط والإكراه والتهديد، بل وحتى القتل والإختطاف وإنتهاك الأعراض. وهي تمارس من قبل العديد من الأطراف التي بعضها يرى فيها خروجاّ من المأزق الذي آلت إليه حالة العراق اليوم. فهناك من القوى السياسية، وخاصة من لها ميليشيات مسلحة، من يعتقد بأن فدرلة العراق في أقاليم معينة، وعلى أسس من العزل الطائفي، أو العرقي، قد يكون فيه المتنفس من هذا الإحتراب...!

•   ظاهرة الفساد المالي والإداري؛ ورغم أن هذه الظاهرة هي من النتائج المتوقعة سلفا، للأسباب المشار اليها في أعلاه، إلا أن إستشرائها في كافة مؤسسات ودوائر الدولة وعلى أعلى المستويات ، جعل منها آفة فتاكة، تلقي بثقلها على كاهل أفراد الشعب. وقد أصبحت منبعاّ للأثراء الفاحش، خالقة طبقة جديدة في المجتمع، لها من النفوذ الإقتصادي والتأثير السياسي ما يشبه تأثير وسلطة المافيات المتمرسة بالجريمة. فهي تقف وراء الكثير من الإنتهاكات للقانون، بل وتدير العديد من العصابات الإجرامية، من عصابات الخطف والإبتزاز، والإغتيال، ولها إرتباطات معلنة وغير معلنة، مع قوى الإرهاب والجريمة، ولها من الإختراقات داخل صفوف القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، ما يجعل الحكومة نفسها عاجزة عن ضبظ الأمن وسيادة القانون..!

•   التدخل الأجنبي الإقليمي؛ وهو من إحدى تداعيات العملية السياسية الجديدة ومن نتائجها غير المباشرة. وهي حالة باتت تؤرق العراقيين لما سببته لهم من معاناة يومية مستمرة، سواء على الصعيد الأمني أو الإقتصادي. فالتدخل الأجنبي والقادم من دول الجوار، بات يلعب دورا أكثر تعقيداّ مما يعتقده البعض، فخلال مسيرة السنوات الثلاث المنصرمة وحتى الآن، شكت جميع الأطراف السياسية بما فيها تلك التي تمسك بزمام السلطة، من هذا التدخل، وأعتبرته أحد عوامل عدم الإستقرار في البلاد، وبأنه يقف وراء كل عمليات الإرهاب وتمويله لوجستيا.  ولكن هذه الشكوى أختلفت من جهة الى أخرى. وأخذت في إنحيازها لهذا الطرف أو ذاك منحى مذهبياّ طائفيا. فبالرغم من إعتراف جميع الأطراف السياسية بهذا التدخل إلا أن البعض منها تغاضت عن حقيقة تدخل بعض دول الجوار، بل وألقت ظلالاّ من الشك والريبة على ذلك، والقت بالتبعة جراء ذلك التدخل على عاتق دول أخرى تختلف معها في المذهب الديني. وكذلك الأمر بالنسبة الى الأطراف الأخرى التي تختلف معها في المذهب الديني، فهي الأخرى قد  ألقت بالآئمة على عاتق الدول التي تختلف معها في المذهب. وبالنتيجة فأن الجميع يعترف بوجود التدخل والمخاطر التي يسببها، ولكنها تختلف في تعيين مصادر هذا التدخل والمسؤولية..! وهذا الأمر يعتبر من أبرز عوامل تقويض حكومة الوحدة الوطنية المعلن عنها، لأنه يدخل في صلب الخلافات القائمة بين مكونات العملية السياسية نفسها..!     
         
ثانيا:   هيكلية البيت السياسي الداخلي

من خلال التعرف على هيكلية البنية السياسية العراقية الداخلية بكل أبعادها ومن جميع نواحيها، تغدو صورة الواقع السياسي العراقي اكثر وضوحاّ وتجلياّ في التعبير عن حالة التشابك المصلحي لمختلف الطوائف السياسية الإجتماعية العراقية، وإرتباطه في شبكة التداخل الأجنبية على شتى المستويات. وبإيجاز مكثف يمكن التركيز على النقاط التالية:

•   في تشكيل الحكومة والهيئات الرئاسية الثلاث، تم إعتماد مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية كأساس في توزيع المناصب الرئاسية والوزارية. وإعتماد هذا المبدأ بكل مساؤوه المعروفة، كان أمراّ لا مفر منه، لكونه كان ملزماّ للجميع، وذلك إعتمادا على تشريعه كطريق في بناء الهيكلية السياسية للعراق منذ ولوجه في العملية السياسية الجديدة بعد إسقاط النظام السابق. وهذا ما توجته نتائج الأنتخابات الأخيرة للبرلمان.
•   حرصا من قبل جميع الأطراف التي شاركت في بناء الحكومة الجديدة عل السير قدما بالعملية السياسية، فإنها إرتضت بالقبول بمبدأ المحاصصة الطائفية – العرقية، وإن كان البعض منها قد عبر عن إمتعاضه لذلك ولكن قبوله به كان من تداعيات الإعتراف بالأمر الواقع.
•   كافة الأطراف التي شاركت في بناء الحكومة الجديدة، لم يظهر عليها من خلال مسيرة الحكومة القصيرة (عام واحد)، بأنها تمتلك أجندة واحدة لقيادة هذه المسيرة، أو خطاب موحد، رغم إعلان السيد رئيس الحكومة عن برنامجه السياسي والذي تناولت الحديث عنه في مقالة سابقة.** فالكتل السياسية التي دخلت في العملية السياسية، سابقا أو لاحقا ، لها أجنداتها الخاصة، التي تتعارض في منطلقاتها وفي أهدافها، وإن توحدت في أساليبها من داخل الأطر الشكلية التي أفرزتها العملية السياسية.
•   كافة القوى السياسية التي شاركت في الحكومة ، جاءت وهي تحمل معها أفكارها المتباينة حول عدد من الأمور الدستورية الخلافية، الأمر الذي ولدت فيه الحكومة وهي تقف على أرضية مهزوزة مزعزعة..!
•   رغم أن رئاسة الحكومة جاءت من نصيب كتلة الإئتلاف العراقي برئاسة السيد المالكي، إلا أنها ولدت في ظل ظروف من الصراع الداخلي ضمن الكتلة المذكورة، وبالنتيجة فإن بقاءها مرهون بطبيعة تلك الصراعات وما ستؤول اليه، فيما يتعلق بتنفيذ برامجها السياسية، وعلاقة ذلك بتعهداتها أمام الكتل الأخرى، خاصة ما يتعلق منها بإنهاء وحل الميليشيات المسلحة، والموقف من إنسحاب القوات الأجنبية..!
 


      ثالثا :   إحتمالات وتوقعات

وبعد أن مر عام على إستيزار حكومة المالكي من قبل مجلس النواب، وطبقاّ لطبيعة ظروف ذلك الإستيزار، أتسمت الكثير من التكهنات حول مستقبل هذه الحكومة، إرتباطاّ بمجمل العملية السياسية، وقياساّ بالنتائج العملية التي تمخضت عنها مسيرة عام كامل من نشاطها الميداني وعلى كافة الأصعدة، بما لا يشجع كثيراّ على التفاؤل، أو يبعث على الأمل القريب بإنفراج في طبيعة الأزمة التي تخيم على المشهد العراقي..!

فإن كان هناك ثمة تغيرات على الصعيد الأمني، وهو الإطار العام لمجمل الأزمة العراقية، والذي كان في مقدمة التعهدات التي ألزمت الحكومة نفسها بها كأحد أولوياتها في برنامجها العام للمرحلة القادمة؛ أقول إن هذه التغيرات جاءت بالإتجاه المعاكس؛ حيث تفاقم الإرهاب أضعافاّ مضاعفة، وإتخذ أشكالاّ أكثر همجية وعدوانيه..؟! ومن جانب آخر تفاقم الوضع الإجتماعي والإنساني للمواطنين بشكل لا يطاق، حتى بات الأمر؛ أن المواطن لا يجد من يتجه اليه لطلب المساعدة، وهذا ما دفع بآلاف العوائل العراقية للهجرة خارج البلاد طلباّ للأمن..!؟؟
وعلى كافة الأصعدة الأخرى جاءت النتائج مخيبة للآمال..!؟؟

وبعيداّ عن الخوض في كافة تفاصيل المشهد العراقي بعد مرور عام على مسيرة الحكومة الجديدة، فإنه يمكن تلمس نتائج وإنعكاسات تلك المسيرة والحكم على أداءها والإحتمالات المتوقعة لهذا الأداء؛ من خلال إنعكاسات مستوى الأداء نفسه وكل ما يبنى عليه من متغيرات على الصعيد العملي، على البنية الهيكلية للحكومة نفسها؛ وبمعنى آخر على حجم ومستوى التلاحم والإنسجام بين مكونات هذه الحكومة، ومدى قدرتها على مواجهة ظروف وجودها وإشتراطات هذا الوجود للمرحلة القادمة..!؟ وهذا لعمري لا تدعمه إيجابياّ حالة الإستقطاب والتمحور التي تعيشها الكتل والطوائف السياسية في الوقت الحاضر، وهذا ما يهدد الكيان الحكومي نفسه..!

فليست لوحة المشهد العراقي هي وحدها تتسم بالتراجيدية، بل هي الحكومة نفسها، تعاني من تداعيات هذا المشهد، بشكل يقلل من فرص الخيارأمامها ، ويضعها، بعد هذا التدهور السريع في الأوضاع الأمنية، أمام خيارات صعبة، أقل ما فيها، هو ضرورة إعادة النظر في بنيتها الهيكلية، على أسس من المهنية والكفاءة والوطنية، وكسر أطر التكوين الأولى، من محاصصة عرقية وطائفية، وإتخاذ قرارت جريئة، على صعيد المصالحة الوطنية، والتعجيل بتشريع قانون ديمقراطي للأحزاب، بعيداّ عن أي توجه طائفي أو ديني، وقانون جديد  للإنتخابات يحترم إرادة الفرد، ويعتمد الترشيح الفردي، والإقتراع السري المباشر..!

وحتى مع إفتراض كل ذلك، فإن هذا سيعيدنا الى المربع الأول، وهو (الكتل السياسية) وطبيعة علاقاتها، وحالة الصراع والإحتقان القائم بينها، فالحكومة نفسها نتاج هذه الكتل وينعكس عليها كل إفرازات الصراع المحتدم بينها، سلباّ كان ذلك أو إيجابا..!
لقد كشفت مسيرة عام من عمر الحكومة العراقية، بأنها لا زالت تراوح في مواقعها في كثير من المسائل الخلافية رغم ما عرضته من إنجازات، وهي تعاني من حالة الوهن والتردد والمحاباة، التي تعكس من جانب آخر، حالة التناقض والتباين الشديد في مواقف الكتل السياسية المختلفة، من عدد من القضايا العقدية؛ فقد أثبتت تلك المسيرة، عجز الحكومة نفسها من إيجاد طريق للخروج من متاهة الإنفلات الأمني وتفاقم الإرهاب..وهما يشكلان الإطار العام لأزمة الصراع الدائر بين هذه الكتل، والذي بات مؤخراّ يأخذ صوراّ أكثر وضوحاّ في سعيه الى السلطة..!

ونخلص أخيراّ للقول: بأن أي نجاح أو فشل لمسيرة الحكومة الحالية بل وحتى وجودها في السلطة، مرهون  بطبيعة هذا الصراع وما يمكن أن ينجم عنه من تداعيات قادمة..!***
-------------------------------------------
* http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=38161.msg124276

** http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=45150.msg146083

*** http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=40235.0;prev_next=next




 



   
   

350

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


بإختتام المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي أعماله بنجاح وفي ظروف العراق الراهنة، وهي لعمري ظروف أقل ما يقال عنها : بأنها ظروف إستثنائية ،غاية في التعقيد، بل هي محفوفة بكل توقعات المخاطرة، إنما أثبت قدرات الحزب وإمكاناته العريقة على المواصلة والإستمرار، حاملاّ على أكتاف أعضاءه وأصدقائه ومناصريه ، آماني وآمال هذا الشعب العظيم الذي حباه بالحب والمساندة، متجاوزاّ أشد أيام المحن والصعوبات على طول مسيرة أكثر من سبعين عاماّ...!
 أن ينهي الحزب مؤتمره هذا، وفي هذا الظرف العصيب ويختتم أعماله بنجاح، إنما هو تعبير عن تماسك وإصرار على الثبات  في المواجهة، وتحمل مسؤوليته كحزب سياسي عريق، لأن تكون له رؤاه ومواقفه في الشأن العراقي، ومن داخل جبهة الصراع، وفي هذه المرحلة بالذات ، التي هي في تقديري، من أعقد المراحل التي يمر بها العراق، وعلى ضوء ما تحدده متطلباتها ، وما سيكون عليه موقفه منها وطبيعة مقراراته أزاءها، كل هذا يمنح الحزب مسؤولية تأريخية أكبر في هذه المواجهة ، التي في صميمها يتقرر مصير البلاد ومستقبل العملية الديمقراطية..!

فإختتام المؤتمر لأعماله إنما ينقل الحزب من طرح ما توصل اليه المؤتمر من قرارات وتوجهات جديدة على صعيد العمل السياسي، الى موضع المجابهة الحقيقية على صعيد التطبيق ؛ في إمتحان تلك القرارات والتوصيات، ومدى صلاحيتها وملائمتها لظروف المرحلة، وهي في الحقيقة ستكون مهمة أصعب وأقسى مما كانت عليه مهمة الإعداد والتحضير للمؤتمر نفسه...! 
وهذا يعني من الناحية العملية ، بأن تلك الرؤى الجديدة التي توصل لها المؤتمر من خلال مناقشاته لوثائقه المعدة سلفاّ  والمطروحة للنقاش الجماهيري، ومن خلال مساهمات الأعضاء والأصدقاء وجملة المقترحات والدراسات التي وصلته، ومقدار تفاعلها مع تلك الوثائق ومستويات إنعكاسها وتأثيرها على قرارات وتوصيات المؤتمر، هي التي ستكون موضع الإمتحان ، والتدقيق والتمحيص من قبل الجماهير، التي ستكون المحك الرئيس والحقيقي لهذا الإختبار..!

إن نجاح إنعقاد المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي، مكسب كبير للإتجاه الديمقراطي العراقي، الذي يشكل فيه الحزب، ركناّ أساساّ مهماّ من أركانه، وباعث أمل كبير لأن يسهم نشاطه اللاحق في التأثير إيجاباّ على سير تطور العملية السياسية، التي باتت عجلتها تتعثر وتكلفتها تتعاظم والثقة بها تتزعزع..!؟

إذن وفي المحصلة النهائية، ستكون المهمة أكثر تحدياّ، ومتطلباتها تفترض مجابهة، أكثر تصميماّ في خضم الصراع القائم وفي ظل ظروف الإرهاب..!!؟ فإرساء الديمقراطية عمل دؤوب وكفاح لا ينقطع وعلى جميع الجبهات، وإن الشيوعيين العراقيين ، كانوا وما زالوا أهلا لذلك..! ولهم في مسيرتهم النضالية المشرفة كل ما تكتنزه كلمات الحب والوفاء والإعتزاز والتقدير، مع التهاني القلبية بنجاح المؤتمر الثامن، والمجد لشهداء الحزب والوطن..!

351
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لا كل ما يتمنى ألمرء يدركه
    تجري ألرياح بما لاتشتهي السفن

( ليتوقف إضطهاد المسيحيين وسائر أبناء  الأقليات الدينية...!!؟)


إذا كان الأمر يدخل في باب الأمنيات فقد صدق الشاعر وكذب السياسيون..!  أما حينما يتعلق الأمر بالسياسة و السياسيين، فلا عذر لمن لا عذر له..! فالسياسيون هم من يقود دفة السفينة وهم من يخطط لمسيرتها ، وهم من يمتلك بوصلة الأتجاه..! فلا غرابة والحال أن يتحملوا من المسؤولية، القدر الأوفى، ومن النقد والمحاسبة ما يفوق ما يتحمله المواطن العادي، بل قد يصل الأمر أحياناّ حد القرف والإستهجان..!!؟؟
         
كل هذه المأساة التي تجري من حولكم وعلى مرمى حجر من خضرائكم الزاهية، وأنتم صامدون كالأبطال ، راسخون كالجبال؛ لا تهزكم صرخة طفل يلوع ، ولا تستنهضكم إستغاثة مفجوع، ولا تحرككم مناجاة أم مفزوعة، ولا تهز ضمائركم رؤوس مقطوعة..!!؟

أيها السياسيون؛ الدافئون في مرابضكم، الآمنون بغلاظ حراسكم؛ هل تساءلتم يوماّ، عن مفزوعي (الدورة)؛  من أطفال ونساء وشيوخ  المسيحيين..؟ هل شنفتم أسماعكم بنداءات الإستغاثة المنهالة عليكم كالسيل العرم.. أم هو وقر، أثقل أسماعكم، وضباب أغشى أبصاركم، فختم على القلوب والأبصار..؟؟!

المسيحيون أبناء هذا الوطن الأمجاد، والمندائيون ملح الأرض والأيزيديون والشبك وكل الأقليات الأخرى عماد خيمة العراق؛ .. يدفعنا ما تعانيه اليوم وما تتعرض له من حملة تهجير وإستباحة وإنتهاك لحقوق المواطنة ، تدفعنا لأن نعلن اليوم أنها أقليات  مضطهدة ومستهدفة بالتهجير وبالتشتت في ربوع الدنيا وبالإنقراض..!؟(*)

  فعلة لم يقدم عليها من قبل؛  لا سعد بن ابي وقاص، ولا قبله كسرى أنوشروان، ولا بعده الأمويون ولا بنو العباس، ولا حتى بنو عثمان..؟!

كيف تسمحون ياسياسيونا المنتخبون  والمستوزرون ، أن يجري كل ذلك أمام أعينكم وبملأ أسماعكم، ولا كأنكم تسمعون أوتبصرون..؟

 يهجر المسيحيون أو تفرض عليهم الجزية أو تهدر دماؤهم، ومثلهم المندائيون والآخرون من أبناء الأقليات الدينية، و تنتهك أعراضهم وتستباح مساكنهم، وكل هذا يجري تحت سمع وبصر القانون ، وبإسم الدين و يصدر من "بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها أسمه"، وفي عز تنفيذ الخطة الأمنية ، خطة فرض القانون..؟؟! فما الذي تنتظرون..؟؟!

ومن هو الأولى بالحماية، ومن هو الأولى بالرعاية يا حضرات المسؤولين..؟؟!  أنتم أصحاب الحل والعقد وأنتم من بيدكم تمسكون زمام أمور البلاد، وأنتم من حملكم الدستور الذي صغتموه بأنفسكم، والذي بموجبه أجلستموها في كراسي المسؤولية؛ مسؤولية حماية أمن المواطنين ، مسؤولية حفظ حقوق الأقليات الدينية بالعيش الكريم، مسؤولية الأمن والسلم للجميع؛  فهل أنتم الأولى قبل غيركم بذلك ..؟؟!، وهل المواطن  وحده من يدفع ضريبة بقائكم في مواقعكم؛ من دمه سيولاّ  ومن عرضه إنتهاكاّ ومن وماله إستلابا..؟؟!

ألستم يا أكثرية الشعب في الدين والطائفة والمذهب، من يتحمل المسؤولية الأخلاقية وما يكفيكم من المسؤولية الدستورية، مسؤولية حماية أقلياته الدينية من عاديات الزمن وطوارق الأيام..؟؟!!

 فكيف وإذا بالحال اليوم ، وأنتم في عز سلطانكم وقوتكم وجبروتكم وقدرة حلفاؤكم؛  بيدكم السلطة، وبيدكم المال والثروة والقرار؛  كيف ومع كل هذا الجبروت العظيم، الذي وفرته لكم "الصناديق البنفسجية"، التي ملأتها بصمات أبناء هذه الأقليات؛  كيف وأنتم الدولة وأنتم البرلمان، وأنتم الشعب وأنتم الوطن، وأنتم كل شيء.. كل شيء؛  أقول كيف وألف كيف تسام الأقليات الدينية سوء العذاب  وتنتهك حرماتها وتستحيا أعراضها، وتسلب أموالها، وتصادر مساكنها، بإسم الدين وتحت راية الدين وأنتم في صمت مطبقون..؟؟!

فإن كانت الديانة الإسلامية هي السائدة في العراق، فالديانات الأخرى لها كامل الحق في أن تعيش وتتنفس، وإن وجودها معززة مكرمة، هو أحد أوجه التعبير عن التعددية الديمقراطية المنشودة وهو الدليل الذي يمكنكم إبرازه للبرهان على صدق ذلك..! أو ليس أبناءها؛ مواطنون عراقيون قبل ذلك...؟؟!

أما إلتزام الصمت، فليس طريقاّ لتجنب المسؤولية، ولا إغماض العين يلغي الحقيقة، والتذرع بالإرهاب يؤكد العجز ويعززالفشل؛  فهول ما يحدث من جرائم بحق أبناء الطوائف الدينية الأخرى، يبعث على الأسى، ويندى له الجبين، ويستصرخ الظمائر، ويستفز مشاعر المواطنة، ويستثير حملات الإدانة والإستنكار في عالم لم تعد تحده حدود، ولم توقفه موانع..؟!!       
فهل  بعد كل  الذي جرى ويجري وبعد كل هذه الإستغاثات التي يطلقها ابناء الأقليات الدينية وشيوخهم وكهانهم ومطارنتهم، وسيل الكتابات والنداءات التي تسطرها أقلام الكتاب ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان، ثمة ما يبرر البحث عن عذر لمن لا عذر له..؟؟؟!!
________________________________________
(*) للزيادة في الإيضاح راجع الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=f2ff6ccb6681cf00453927a560aff960&topic=54824.0;prev_next=prev
       

352
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com
(صورة الأمل...!)


الأنتظار والأمل أمران متلازمان، والجامع بينهما، حاجة يسعى الإنسان لتحقيقها، ضمن ظروف وأحوال معينة، سواء على المستوى الفردي الشخصي ، أم على مستوى العائلة أو مستوى المجموعة او مستوى الشعوب..! ومن هذا الباب، يظهر التباين والإختلاف بين الحاجات..! ومن خلال هذا الإرتباط والتلازم، وجد (التمني) ،بشتى صيغه التعبيرية، مكانه وصورته في حديث المجتمع..!  ولا تستثنى السياسة والتوقعات السياسية للأحداث من هذا الإطار..! وهذا ما نهدف اليه من قصد من وراء ذلك..!

فليس بعيداّ في منظور الزمن الآتي، إلتقاء الأطراف المتناحرة في الساحة العراقية، في مفاوظات ظاهرها الشأن العراقي ، وباطنها ما تخفيه طبيعة العلاقات بين هذه الأطراف في ماضيها المستور أم في حاضرها المتعكر، أو في مستقبل نواياها المخفي..!

وعلى ضوء ما سيتمخض عنه هذا اللقاء، وطبقاّ لما يتأمله الساسة العراقيون على وجه الخصوص ، من إنفراج في العلاقات الأمريكيية الإيرانية، يصب حصاده، حسب تصوراتهم، في جعبة المصالح العراقية، التي في مقدمتها الإنفراج في الأزمة الأمنية القاتلة التي يعيشها العراق اليوم؛ يبني الساسة العراقيون تفاؤلهم وآمالهم المذكورة ، على أرضية التوافق الذي حققوه نتيجة للمبادرة العراقية في جمع تلك الأطراف على أرضية اللقاء المرتقب في بغداد، وفقاّ لما يدعوه..!

وحيث تبدو صورة الآمال العراقية للنتائج المرتقبة لذلك اللقاء، زاهية وردية في إطارها  الخارجي، وهذا أيضا ما يتمناه كل الحريصين على مستقبل العراق، إلا أنه من السابق لإوانه التكهن بطبيعة ما سيتمخض عنه لقاء الأيام القادمة من نتائج يكون في أولوياتها وقف التدهور الأمني المتفاقم من جهة، وتمهيد الطريق الى إنسحاب القوات الأجنبية من جهة أخرى..!
فإيران من جانبها كدولة ذات مصالح حيوية في العراق، حريصة غاية الحرص على تدعيم أسس هذه المصالح بشتى الوسائل التي تمكنها من تحقيق ستراتيجيتها في تعزيز أواصر العلاقات الإيرانية- العراقية الإقتصادية، ومحاولتها ربط السوق العراقي ب(البازار) الأيراني، خاصة وأن سياسة الإغراق Dumping الأيرانية  للأسواق العراقية المحلية، في المناطق الوسطى والجنوبية على وجه الخصوص، قد تعاظمت بشكل ملفت للنظر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وباتت كفة الميزان التجاري تميل وبشدة لصالح الجانب الإيراني، مما عمق من أزمة البطالة وأعاق محاولات النهوض ببناء القطاع الصناعي والزراعي العراقيين، نتيجة ضغط هذه السياسة، بسبب رخص الأسعار لما دون كلفة الأنتاج العراقية، أو التنافس الأجنبي. مما يشكل علامة مميزة لهذا الإهتمام..!

إن ما يهم إيران في هذا الأمر؛ هو أن تحافظ، وبعزم الواثق، على إتجاه دوران العجلة التجارية بين البلدين لصالحها ، مستثمرة بذلك ضعف وتدهور القاعدة الإقتصادية، الصناعية منها أو الزراعية للعراق؛ وهذا ما يضع الجانب العراقي في موضع أضعف في طرح إملاءاته الوطنية بنفس القوة والشدة التي يتطلبها واقع الحال، في وقت هو في وضع تفاوضي لا يحسد عليه..!
ومن هذا المنظور، فإن السوق العراقية، ليست أقل أهمية بالنسبة الى إيران منها الى أمريكا، كما ولا تبدو من مصلحة إيران المفترضة على أقل تقدير، التخلي عن المكاسب الإقتصادية الكبيرة، التي حققتها خلال السنوات الأربعة الأخيرة، ومن هنا تأتي التصريحات الإيرانية ومن أعلى مراكز الدولة، والموجهة كرسائل متناوبة الى أمريكا ، بضرورة مغادرة العراق وهي على أعتاب اللقاء القادم في 28/5/2007..!؟

فما هي الحدود المرتقبة للتنازلات، التي يمكن أن تقدمها إيران على طاولة المفاوظات، في ظل ظرف تجد فيه الطرف الثاني (امريكا) في وضع الغريق في مستنقع الموت الذي أوقع نفسه فيه، وفي ظل خلفية المصالح الإقتصادية المكتسبة ذات الأهمية البالغة التي حصدتها  في العراق، وفي ظل غطرسة القوة العسكرية المتنامية لإيران بإستمرار، وفي ظل الأذرع الأخطبوطية الطويلة لها، التي طالت سوريا ولبنان وفلسطين، وجاوزتها الى المغرب العربي. وفي ظل سياسة الترغيب والتطمين والتهديد في الخليج، وأخيراّ وليس آخراّ، في ظل ضعف وحدة الموقف العربي، وإنقسام الواقع الإجتماعي السياسي اللبناني،  وإحتراب فصائل المقاومة الفلسطينية...الخ

أقول في ظل كل هذه الظروف هل ستقدم أيران على تنازلات ملموسة تصب في مصلحة الجانب العراقي، دون مقابل ملزم وتعهد مضمون من قبل الأطراف الأخرى ، يؤمن لها مكاسبها  ومصالحها في المنطقة، بل ويمهد لها الطريق لتكريس وجودها كدولة ذات شأن وتأثير على صعيد الشرق الأوسط..؟؟! إنه مجرد تكهن وإفتراض قابل للمناقشة، يذكرنا بظروف إتفاقية الجزائر بين العراق وايران في 6/3/1975 وما ترتب عليها من نتائج..!!

أما ما يمكن أن يقدمه الطرف الآخر من تنازلات، فلا أريد أن أخوض في تفاصيل التكهنات أوالإفتراضات المتوقعة؛ حيث أن الورقة الأكثر قوة والتي يحملها المفاوض الأمريكي (خليل زاده) كما يقال، هي ورقة المفاعل النووي الإيراني، فإنه رغم أن الطرفين أعلنا عدم الخوض في أمر ذلك، فليس هناك من أوراق أخرى في يد المفاوض الأمريكي ما تخشاه إيران، ويجعلها في وضع يكرهها على تقديم التنازلات وفق ما تعتقده الأطراف الأخرى؛ اللّهم إلا في حالة وجود نقاط إلتقاء مشتركة متفق عليها سلفاّ بينها وبين أي من أطراف اللقاء الأخرى، وهذه من الأمور العصية على العلم أو التكهن، خاصة، وهذا أمر في غاية الأهمية على الصعيد العملي والسياسي ؛ أن اللقاء المرتقب لا يتم تحت سقف الأمم المتحدة وبرعايتها ، حتى في حالة مباركته من قبلها، كما وليس هناك من وجود مرجعية معينة، من تأخذ على عاتقها أمر التمسك بنتائجه وتحديد آليات تنفيذها إذا ما حصلت..!؟

وفيما يتعلق بمسألة الملف النووي الإيراني، فلا أجد غير القول ؛ بأن سياسة الدفع الى حافة الهاوية التي تنتهجها إيران في هذا المجال، كفيلة بأن تجعلها تفلت من شراك أي ضغط أمريكي يجبرها على تقديم تنازلات، قد يعتقدها الجانب العراقي وبحسن نية، بأنها ستصب بالإتجاه الذي يأمله العراق..!؟ وهذا ما يدفع المرء وفي أضعف الأحوال الخروج بإستنتاجات أقل ما فيها إنها سوف لا تضعف  الدور الإيراني في اللعبة القادمة بهذه السرعة المتوقعة من قبل البعض، بقدر ما تمنحه فرصاّ جديدة للمناورة، خاصة وإن هناك من نقاط الإلتقاء أو على إقل تقدير من حالات التشابك مع الجانب العراقي ما يعززذلك الموقف..!؟

 كما ومن مصلحة النظام في إيران أن يحتفظ بهامش من حالة الفوضى السائدة في العراق وكذا لبنان وفلسطين، ليدرأ بها المصاعب الداخلية التي تجابهه على الصعيدين الإقتصادي والقومي، وتداعيات العقوبات الدولية من جهة ، ولخلق حالة من التوازن في علاقاته بين الدول العربية والضغوط الأمريكية من جهة أخرى ناهيك مما لديه من أوراق الضغط الأخرى..!

كما لا تبدو هناك في الأفق ثمة ورقة عمل عراقية تحمل عروضاّ  قد تناسب الجانبين الإيراني والأمريكي وتضمن مصلحة العراق، فطبقاّ لما تعلنه تصريحات الطرفين، لا يبدو موقف الطرف العراقي في هذا اللقاء أكثر من موقف المراقب لا المشارك، رغم الجهود التي بذلها من أجل تحقيق هذا اللقاء.، والتي كما نعتقد، تنقصها الحاجة الى المشاركة الفعلية والدعم من قبل الجامعة العربية، وهذا لعمري، أضعف الإيمان..!       

وعليه ، وبالتالي؛ فإن عدم التوازن في ثقل ما تحمله حقائب المتفاوضين من أوراق اللعبة، لا يمنح المراقب هامشاّ كبيراّ للتفاؤل، يجعله قادراّ على الخروج برسم صورة زاهية وردية ، حتى ولو كان ذلك بأقل ما يمكن من التوقعات، رغم أنني لست من المتشاءمين، فالكتاب كما يقال : يقرأ من عنوانه..!!
     
______________________________________________

(*) للزيادة في الإطلاع حول العلاقات الأمريكية الإيرانية، راجع الرابط أدناه:
       
http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=62663



353
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

((رفض الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب ألقاه أمام مناصريه في بنسلفانيا بشدة أمس
 انسحابا سريعا للقوات الأميركية من العراق وفق ما تطالب به المعارضة الديمقراطية،
 قائلا إن "الذهاب قبل إنجاز مهمتنا سيؤدي إلى قيام دولة إرهابية في قلب الشرق الأوسط،
 دولة تمتلك احتياطيا ضخما من النفط وتريد الشبكات الإرهابية استعماله لإلحاق الأذى اقتصاديا
 بالذين يؤمنون بالديمقراطية بيننا".
 وأضاف أن انسحابا سابقا لأوانه "سيكون هزيمة للولايات المتحدة" في الحرب على "الإرهاب".))

بعد قراءة النص أعلاه، يدخل المرء في متاهة محيرة لها أول وليس لها آخر. فالرئيس الأمريكي جورج بوش نفسه، غير واثق من حقيقة ما يجري في العراق، وما هي سبل الخلاص من المأزق الذي وجد نفسه فيه بعد ما يزيد على اربع سنوات من "الحرب ضد الإرهاب". فلا زالت إشكالية الإرهاب والديمقراطية غالبة في تصريحاته الكثيرة، أينما حل وحيثما رحل. وفي الصراع مع خصومه الديمقراطين يلجأ في تصريحاته دائماّ الى التلويح بخطر "الإرهاب" مشيراّ الى أحداث الحادي عشر من أيلول/2001 كسيف مسلط على رقاب خصومه وشماعة يلقي عليها أسباب حالة التشتت التي تعيشها إدارته في الشرق الأوسط والتيه الذي يتخبط داخله مشروعه الديمقراطي..!

ولكن ومع  ذلك، فإن هناك من يشارك الرئيس بوش في  مخاوفه تلك، ويقف في مقدمتهم، قوم من أبناء العراق نفسه، ومن بعض قادته السياسيين على وجه الخصوص، بل ويمكن القول؛  ان جلهم، من نتاج، بل و ثمرة "العملية الديمقراطية"، التي أسست لها إدارة الرئيس بوش نفسه، ومن الذين يتبؤون مراكز السلطة السياسية في العراق حالياّ..!؟

فالإدارة الأمريكية ممثلة بالرئيس بوش، كانت أكثر وضوحاّ وأصدق تعبيراّ، في تبيان أسباب تواجدها في العراق وأسباب تمسكها بهذا التواجد. وبهذه الكلمات القليلة التي تفوه بها الرئيس بوش، يكون قد لخص، وبشكل مكثف، كل ابعاد (المشهد العراقي) القائم في العراق اليوم. وبكلمات قليلة أيضا يمكن إختزال ذلك المشهد الى عناصره الأساسية التي تقف وراء هذا الإنسجام بل قل التطابق في وجهات النظر بين تلك الإدارة والساسة العراقيين من ذوي الجاه والسلطان..!؟

فطبقاّ (للمنطق السياسي الأمريكي) ونسخته المنقحة للموقف الرسمي العراقي تتمحور العناصر الأساسية حول ثلاثة مرتكزات مهمة تتلخص في :
•   الديمقراطية
•   الارهاب
•   النفط
 
فمن وجهة النظر الأمريكية، يلعب "الإرهاب" العامل المحرك الأساس لمجمل ذلك المنطق، فحيثما وجد "الارهاب" وجدت الأسباب "الموجبة" للتحرك الأمريكي، أما الهدف، فهو حماية "الديمقراطية" حيثما وجدت في مختلف أرجاء العالم، من خطر تلك الآفة،  حيث ووفقاّ لنفس المنطق، فإن المتضرر من وجود "الإرهاب" هي الشعوب المحبة "للديمقراطية"..!؟

الى هذا الحد تبدو سلاسة هذا المنطق مقبولة "منطقياّ" ؛ فالديمقراطية والإرهاب عنصران لا يلتقيان، وبالتالي فإن احداث 11 سبتمبر2001  شكلت ولا تزال حلقة مركزية في هذا المسار، وإحدى أبرز محفزات هذا المنطق على الإطلاق..!؟

ولكن وفي حالات "محددة" يقفز هذا المنطق فوق "خطوطه الحمراء" المرتبطة  بحماية "الديمقراطية"، إذا ما بات الأمر يتعلق ب"إستهداف"  مصادر الطاقة وفي مقدمتها ((النفط)). حيث يصبح النفط في هذه المعادلة، الدينمو المحرك لمجمل ذلك التحرك ، بل  والعنصر الأساس الذي يقف (وراء) مكونات المنطق الأمريكي الأخرى على الإطلاق..!!؟

فالإرهاب، وهو مفهوم، أو حالة هلامية غير محددة الأبعاد، وبعد دخول ((النفط)) كعنصر جوهري في كامل العملية "الديمقراطية" التي تقودها امريكا في العالم، بات يفقد أولويته عند التحليل، وخاصة بعد آذار/ 2003  كأحد الأسباب الرئيسة المحركة للمنطق الأمريكي، ليخفي وراءه العنصر الرئيس المحرك لمجمل العملية السياسية الامريكية في الشرق الأوسط على الخصوص، الا وهو ((النفط))، رغم تصدره (الارهاب) خطاب الإدارة الأمريكية حتى اليوم، مجسداّ بشعار "الحرب ضد الإرهاب"..!
فالرسالة التي يوجهها الرئيس الأمريكي الى أنصاره ليست أقل دلالة من التواجد الأمريكي نفسه في العراق ، رغم أنها وضعت أولوية "الإرهاب" في المقدمة كسبب لذلك التواجد، وصورت من ((النفط))، كأحد أهم مصادر الطاقة إقتصادياّ،  مجرد "وسيلة" قد يقدم "الإرهاب " على إستخدامها في الحرب على "الديمقراطية"..!

 وفي هذه الحالة يحاول منطق الإدارة الأمريكية من قلب حقيقة المعادلة بعناصرها المختلفة واوليات تلك العناصر، ليظهرها أمام المجتمع الأمريكي من جهة والمجتمع الدولي من الجهة الأخرى، في صيغة يبدو معها وكأن المواطن الأمريكي مهدد في كل لحظة من حياته بخطر الفناء من قبل "الإرهاب"، وأن هذا الخطر سيكون أكثر إحتمالا عندما يمتلك "الإرهاب" بيده سلاحاّ فتاكاّ مثل ((النفط))..!؟؟

 وهكذا تبدو الصورة التي يرسمها المنطق الأمريكي أكثر عتامة وضبابية أمام المواطن العادي، وتحمل معها كل عوامل التصديق المفترض والإيحاء بقبول هذا المواطن، بأسباب التواجد الأمريكي وعلى الأخص في شكله المسلح، في العراق وفي مناطق أخرى من العالم، لتوليد القناعة والإقرار بمشروعية ذلك "التواجد" رغم ما ينتج عنه من تداعيات وخيمة على بلد كالعراق، طبقاّ لهذا المنطق..!!؟؟

وهكذا وفي إطار المنطق الشكلي الأمريكي لترابط عناصر المعادلة السببية القائمة، يصبح مبرراّ إستمرار التواجد العسكري الأمريكي وباقي القوات الأجنبية المتحالفة، في العراق، ويبدو من غير المنطقي، بناء على ذلك، المطالبة، ومن قبل أي جهة كانت، بإنسحاب هذه القوات أوحتى جدولة ذلك الإنسحاب، طبقاّ لهذا المنطق..!؟

فحيثما كان "الإرهاب" يتصدر قائمة أولويات عناصر المعادلة التي تشكل (المشهد العراقي) طبقاّ للخطاب الأمريكي، وحيثما أن ((النفط)) من الوسائل "التدميرية" التي من الممكن إستخدامها من قبل من ينتج "الإرهاب"، وحيث أن "العملية الديمقراطية" التي ترعاها الإدارة الأمريكية هي "المستهدفة" أصلاّ، فإنه ومن تحصيل الحاصل، أن يتم صرف النظر عن كل ما يمت بصلة الى إشكالية الوجود الأمريكي في العراق، لتبدو الصورة وكأن هذا "الوجود" نفسه، هو من عوامل بقاء وسيرورة تلك "العملية الديمقراطية"؛ مهما طال أمده، ومهما كانت تداعياته  السلبية، حتى لو تحولت البلاد الى  خلية "نحل" بشرية من "كونتونات" العزل الطائفية،  وهذا ما توحي به وتعكسه تصريحات كبار رجال الدولة وكبار المسؤولين في الحكومة العراقية وعدد غير قليل من أعضاء البرلمان حول الموقف من بقاء أو جدولة إنسحاب "قوات التحالف" وربط الأمر وإختزاله بمكنة وقدرة القوات العراقية الحديثة من السيطرة على الموقف الأمني؛ وهذا لعمري لا يخرج من إطار المنطق الشكلي البرغماتي الأمريكي، بل ويساعد على تعزيز مواقعه..!؟؟ (*)

وحتى لو سلمنا جدلاّ بمبررات ومنطلقات  الموقف العراقي حول أفضلية إستمرار بقاء "قوات التحالف"، فإنه وطبقاّ لترتيب أولويات (المشهد العراقي)  المرسومة حسب المنظور الأمريكي لهذه الأولويات، يصبح معه من اليسير القول؛ بأن الدوامة والحلقة المفرغة التي يدور في فلكها (المشهد العراقي) ، ستظل قائمة ما دام القمر دائراّ في فلك الأرض..!!؟

إن أي تخلخل أو إعادة ترتيب في الأولويات بين عناصر (المشهد العراقي)، خارج نطاق المنطق الشكلي البراغماتي الأمريكي، سوف يواجه في الحقيقة بممانعة حادة وقوية من قبل الإدارة الأمريكية وعدم رضاّ أوقبولاّ من قبل أية أطراف أخرى تنحى في تفسيرها لهذا المشهد طبقاّ  لمنحى المنطق الأمريكي، أو تلك التي إختلطت عليها أوراق هذه اللعبة، وإن إختلفت أولوياتها في الترتيب بعض الشيء، من حيث الجوهر والغاية، عن الترتيب الأمريكي لعناصر المشهد العراقي ، إلا انها في المحصلة النهائية تصب في خدمة ذلك المنطق من حيث النتائج..!!؟

فإشكالية العلاقة بين مكونات عناصر المشهد العراقي الثلاث من حيث الأولويات وعلى سبيل الإجمال، هي من التداخل والإلتباس مما يبدو معه، من الصعب على الإنسان العادي، تبيان الحدود الفاصلة بين تلك العناصر، خاصة حينما تتعقد الصورة التي يرسمها أصحاب المنطق الأمريكي الشكلي، من خلال عملية ديموغاغية تعتمد خلط الأوراق أساساّ في إعلامها اليومي، على صعيد ساحة الصراع السياسية الداخلية الأمريكية أوالدولية..!

فحينما يبدو "الإرهاب" وكأنه العنصر الوحيد الذي يتحكم في حقيقة ما يجري في الشأن العراقي، وهذا ما يروج له المنطق الشكلي الأمريكي ويبني عليه شكل العلاقة الترابطية بين العناصر الأخرى في المشهد العراقي،  يصبح لا مناص من "القبول" بأهمية وضرورة الحفاظ على مسيرة "العملية الديمقراطية" بأي ثمن كان ، حتى لو جاوز الأمر حدود اللامعقول، وجاوزت اعداد الضحايا والمهجرين والمهاجرين الملايين..؟؟! تلك هي الصورة التي يراد منا قبولها طبقاّ لهذا المنطق، بإعتبارنا أناساّ ديمقراطيين..!؟؟

أما إذا عكسنا ترتيب أولويات المعادلة، وعلى سبيل الفرض والإفتراض والتخمين والتكهن، بحيث نعطي أولوية الترتيب لعنصر "الديمقراطية"، على سبيل المثال، فكيف نتوقع أن تكون عليه صورة (المشهد العراقي) القائم الآن..؟ وهل ستصمد العلاقة التبادلية السببية بين "الديمقراطية والإرهاب" وفق المنطق الشكلي الأمريكي عل نفس ماهي عليه الآن..؟! وهل يمكننا طرح التساؤل؛ بأن "الإرهاب" هو من نتاج "الديمقراطية"، كي نثبت صحة ذلك المنطق، وبأن تسليمنا بذلك هو عين ما يعتقده أصحاب ذلك المنطق..؟؟!

 ولكن وفي النتيجة وبعد التدقيق، يظهر أن هذا التساؤل والترتيب المفترض للأولويات، مرفوض من قبل القائلين بنظرية "الارهاب" قطعاّ، وذلك لإدراكهم بأنه من غير المنطقي الإعتقاد بأن الديمقراطية نفسها هي منتج للإرهاب، ويصبح معه  من المتعذر  تفسير أسباب وجود العديد من الدول ذات الأنظمة الديمقراطية والتي مضى على وجودها مئات السنين وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. فالديمقراطية وحدها، لايمكن أن تصبح سبباّ بذاتها لإنتاج الإرهاب.!!؟
 
وعليه فالأخذ بهذا الترتيب "المفترض" من قبلنا، حتى مع عدم صحته، سوف يضعف الحجة لدى أصحاب نظرية "الإرهاب"، في دعم تبريرات الإدارة الأمريكية بالبقاء لأمد غير معروف في العراق. ولعمري أنه في نظرهم ، يتعارض مع سياسة "الحرب على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، من جهة، ويتعارض مع مشروعها الشرق أوسطي لنشر "الديمقراطية"، بل ويسحب البساط من تحت دعائم هذا المشروع من جهة أخرى ..؟؟!!

وحتى لو سلمنا جدلاّ بذالك وعزينا أنفسنا بما آلت اليه أوضاعنا الآن، تمسكاّ بمشروع "العملية الديمقراطيه"، وبررنا كل هذه التضحيات والمآسي التي رافقتها، يصبح معه من المتعذر علينا إيجاد تفسير معقول لجدلية العلاقة السببية بين الديمقراطية "كهدف" منشود والارهاب "كنتيجة"، إذا ما أخذنا الأمر بمعزل عن ضرورة وجود (عناصر) أخرى تجعل من وجود مثل هذه العلاقة حالة مبررة موضوعياّ، وقد إقتضتها طبيعة دخول هذه العناصر الجديدة في (المشهد العراقي)..! وكي لا نخرج من سياق نص الرئيس بوش؛ فإنه سيقف في مقدمة هذه العناصر، عنصر ((النفط)) كأرخص مصدر للطاقة في العالم، ولكون العراق يمتلك "احتياطياّ ضخماّ من النفط" على حد تعبيره..!!؟

وكي لا أسرف في الحديث، وحيث أن الأمر يتعلق بالتواجد الأمريكي في العراق، ومبررات وأسباب هذا التواجد، أجدني ملزماّ أن أبحث عن صيغة أخرى للتعديل في أولويات العلاقة السببية المتبادلة بين عناصر (المشهد العراقي)، بحيث تكون أكثر قبولاّ وإنسجاماّ مع المنطق العملي الواقعي،على أقل تقدير،  للوصول من خلالها الى تفسير مقبول ومتوازن لأسباب ذلك الوجود ومبررات التمسك به من قبل الإدارة الأمريكية، وإيضاح حقيقة أسباب ذلك التمسك..!!

فلو مسكنا العصا من وسطها إفتراضاّ لأصبحنا أمام حالة تلعب فيها كف اليد الممسكة بالعصا،  دوراّ رئيساّ في التأثير على طرفي العصا وتحديد حركتهما. وإسترشاداّ بمقولة الرئيس بوش، حول سلاح ((النفط)) ، أعدنا ترتيب أولويات العلاقة السببية للمشهد العراقي، وفق ما يتطابق مع هذا المشهد عملياّ، وجعلنا من عنصر(( النفط)) في مقدمة تلك الاولويات لا تابعاّ لها في العلاقة السببية، لتوصلنا، وهذا ما أظنه، الى ذلك التفسير الذي تحدثنا عنه في اعلاه..!

فالنفط عنصر غاية في الأهمية بالنسبة لأمريكا ولجميع بلدان العالم، وكون العراق يحتفظ بأكبر إحتياطي عالمي  من هذه المادة، وخشية أن يقع هذا الإحتياطي – لا سامح الله- بيد "العدو" وهو هنا الطرف الثاني في جدلية "الحرب على الأرهاب" الأمريكية؛ عليه  يصبح لزاماّ على الإدارة الأمريكية الحفاظ على أمن وصيانة هذه المادة وتأمين تدفقها "للعالم" بما تمتلكه من جبروت عسكري وإقتصادي يؤهلها لذلك، في وقت تعجز فيه الدولة المالكة عن تأمين مثل هذه الحماية..؟؟! وكإستنتاج منطقي لهذا "المنطق" ، يصبح من المسلم به أن يترافق ذلك مع إبقاء التواجد الأمريكي في العراق والمحافظة عليه، وحتى مضاعفته،  وإذا إقتضى الأمر، الإحتفاظ به الى أجل غير مسمى..!(**)

 وهذا ما يدفع المراقب الى إعطاء أهمية إستثنائية الى هذا العنصر((النفط))، عند محاولته إستقراء واقع (المشهد العراقي) ودوره الرئيس في بناء هيكلية الترابط السببية بين مكونات المشهد الأخرى، في ترتيب الأولويات..!!؟ مما ينبغي معه وضع ((النفط)) في رأس قائمة  الأولويات في ترتيب عناصر ذلك المشهد، لما يمتلكه ((النفط)) من "خصائص" مميزة في ظل عالم التنافس الدولي على مصادر الطاقة، وما يختزنه من قدرات خارقة على إسالة لعاب جميع المتهافتين على المزيد من ثروة "البترودولار" سواء في الداخل أم الخارج..!!؟؟

   لقد كشف الإهتمام الإستثنائي للرئيس بوش شخصياّ والإدارة الأمريكية بوجه عام، بمسألة التعجيل  بتشريع قانون النفط والغاز وقانون الإستثمار العراقيين، وبالضغط على مجلس النواب العراقي بتأجيل التمتع بالإجازة الصيفية، لحين إقرار القانون أو تقليصها زمنيا، ما يلقي ظلالاّ من الأرتياب والشك على مصداقية ما تقوله هذه الإدارة، ويقدم قرينة على ما أتينا عليه من تفسير حول أسباب وعوامل الوجود الأمريكي في العراق..!!

ومن جانبه "الارهاب" -حسب المواصفات الأمريكية- قد رأى في الوجود الأمريكي الجديد في العراق مدخلاّ له لتحقيق مشروعه المعلن بتأسيس الدولة الإسلامية وخوض معركته من أجل ذلك في الساحة العراقية، وبذلك أصبح وجوده (الارهاب) في العراق بعد ذلك، حقيقة موضوعية، تحت ذريعة وجود الأحتلال في دولة إسلامية، وهذا ما يفسر إنتشار المجاميع المسلحة من منظمة القاعدة في مناطق متعددة من العراق حاليا..!؟

 وقد أصبح من البدهي، ومن حقيقة وجود  كلا طرفي "الحرب" على الساحة العراقية أن تتشكل العلاقة السببية بينهما ،  كتشكل العلاقة بين  "البيضة والدجاجة"..!؟ ناهيك عن إفرازات هذه العلاقة، التي تمخضت عنها إشكالية (التدخل الإقليمي) في شؤون العراق الداخلية، مستفيداّ من ضعف أو فقدان البنى المؤسساتية للدولة العراقية، مما شكل وجود هذا التدخل عنصراّ جديداّ مؤثراّ وفعالاّ في  (المشهد العراقي)، وبات يشكل آصرة سببية جديدة (غير مباشرة) بين مجمل آواصر ذلك المشهد، بل ويلعب دوراّ غاية في الفعالية في التأثير على آفاق وملامح تطور (المشهد العراقي ) نفسه، سلباّ كان ذلك أو إيجابا..!؟؟

ومن هنا وفي تقديري ينتفي الحديث عن علاقة سببية (مباشرة) بين "الديمقراطية والارهاب " طبقاّ للمنطق الأمريكي معبراّ عنه في  نص حديث الرئيس بوش وباقي رجال الإدارة الأمريكية، وإن كان هذا لا يعني من الناحية الأخرى، إنتفاء وجود مثل تلك العلاقة السببية، إلا أنها وبتعبير أدق علاقة سببية (غير مباشرة) إقتضتها وأفرزتها ظروف الحالة الجديدة في العراق بعد الإحتلال  عام/2003، طبقاّ للمنطق الجدلي العلمي، بل ومن جانب آخر تبدو هذه العلاقة وكأنها إنعكاس لوجود العلاقة الأولى ، علاقة "البيضة والدجاجة" للترابط العضوي المتماسك بين العلاقتين ...!!؟
 
وتأسيساّ على ذلك يبدو بدهياّ أن يستثمر  أصحاب المنطق الأمريكي، وجود تلك العلاقة السببية (غير المباشرة) وغيرها من الروابط السببية الأخرى (غير المباشرة) ، ليمرر من خلالها، التبرير المناسب لأسباب التواجد الأمريكي في العراق ، وليتم من وراء ذلك  أيضا - وهذا هو الأهم - إخفاء الأسباب الحقيقية للتمسك  بعدم الإنسحاب بل وحتى رفض التفكير فيه..!؟؟ وليجعلوا من هذه العلاقة، وهي علاقة ناتجة، عكازاّ لتبرير هذا التواجد..! ومن أجل ذلك يعمدوا دائماّ الى تحويل النتيجة الى سبب، والسبب الى نتيجة، ويجعلوا من (الهدف) مجرد وسيلة كما هو الحال في تعاملهم مع عنصر ((النفط))، رغم انهم على الصعيد العملي تفضحهم ممارساتهم وتكشف لا مصداقية تصريحاتهم..!!؟؟

ولا غرابة والحال، ان يلعب وجود "الارهاب" في الساحة العراقية اليوم، دوراّ حاسماّ في تحديد ظروف بقاء القوات الأجنبية وإستمرار هذا البقاء، طالما أن وجوده (الارهاب) يصب في خدمة التعتيم على حقيقة الدوافع التي تقف وراء أسباب بقاء تلك القوات، في نفس الوقت الذي يغذي فيه هذا البقاء من الجانب الآخر ، كل عوامل نمو وإستشراء (الارهاب) كطرف رئيس من أطراف "الحرب الأمريكية " المعلنة على "الإرهاب" وكل إفرازاته الأخرى..!؟؟

فمن حتميات التشابك بين العلاقات السببية، هو إفرازاتها وتفريخها لأواصر سببية جديدة ، يصب بعضها في خدمة آصرة الإرهاب نفسها، حتى وإن جرى ذلك بحسن نية، وتحت عنوانين ولافتات مختلفة، كما هو الحال في تشكيل "المليشيات المسلحة"، مما يضفي  تعقيداّ جديداّ على صورة (المشهد العراقي)، من خلال هذا التشابك المتواصل بين روابط العلاقات السببية المختلفة، ونتيجة لتفريخها المتواصل، بسبب توفر كل عوامل ذلك التفريخ، وطالما ظل (المشهد العراقي) رهين المنطق الشكلي للإدارة الأمريكية وطالما ظل ترتيب أولويات هذا المشهد  جارياّ وفقاّ لهذا المنطق..!!؟؟   

ولكننا وبنفس الوقت نطرح تساؤلاّ مشروعاّ على كل من يهمه أمر المشهد المأساوي في العراق، وكل من يحرص على سلامته ووحدة شعبه وأرضه؛

من ذا الذي يا ترى، يرتهن العراق...؟؟

هل هو النفط...؟؟
هل هو الإرهاب...؟؟
هل هي الديمقراطية...؟؟
هل كل ذلك جميعا...؟؟

في الإجابة على تساؤلنا، وكما نعتقد، يكمن الحل أو الحلول للخروج من ظلام التيه الذي نحن فيه، مع إدراكنا التام إن ذلك لن يتحقق بهذه البساطة، طالما أن حالة الصراع السائدة بين المكونات السياسية_ الإجتماعية العراقية على إختلاف مشاربها، لا زالت تدور وتمارس طبقاّ لمنطلقات المنطق الشكلي البراغماتي الأمريكي، وهي بشكل عام، ما فتأت حبيسة أولويات هذا المنطق..!؟
 وعليه فإنه ومن نافل القول؛ الإشارة الى أهمية وضرورة إعادة قراءة مكونات (المشهد العراقي) من جديد، ومن قبل جميع من يعنيهم أمر هذا المشهد المأساوي، ومن مختلف تلك المكونات، وإعادة ترتيب أولوياتها طبقاّ لما يتلائم وواقع الحال وما تمليه مصلحة الوطن والشعب، لنسج منطق براغماتي عراقي وطني يضع في مقدمة أولوياته، إنتشال الوطن من هول الكارثة الإنسانية التي أحاقت به، حيث أثبتت مسيرة أربع سنوات من "العملية السياسية"؛  بأن البحث عن الحل، في أسار المنطق الأمريكي قد جعل من العراق حالة هلامية غير واضحة المعالم، بل وعسيرة على الحل؛ تنذر بمستقبل كالح لا تحمد عقباه ؛ فعندما يكون الحل المرتجى جزءّ من المشكلة، أو من أسبابها الرئيسة، يبدو الأمر كحال من قال: " ....وداوني بالتي كانت هي الداء"..!!
______________________________________________
(*) http://arabic.cnn.com/2007/middle_east/1/13/iraq.maliki/index.html
(**) http://arabic.cnn.com/2007/middle_east/1/9/noobjection.troops/index.html


 
 
 

354
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com


أي عار هذا الذي أرادوا غسله..؟  وأي شنار هذا الذي أرادوا مسحه..؟
 إنه بئس العار الذي قلدوا به أعناقهم ، ونكسوا به هاماتهم، بما إقترفته إياديهم من مخز الفعل؛ بما سولت لهم أنفسهم للإقدام عليه والتلذذ بهمجيته؛ في نشوة الفرح الأهوج، وعنجهية الظالم العنود، الجاهل المستبد..!؟

أن تقدم ثلة من المتعصبين على إزهاق نفس بشرية، بدم بارد ، بمهرجان دموي، تؤرخه كاميرات الجهلة وتوثقه أدوات التسجيل، ليعلنوا إنتصارهم، وليظهروا غلوائهم وغطرستهم وجبروتهم أمام الملأ ، إبتغاء نيل صكوك الشجاعة والبأس والشرف والعفاف، متناسين أن ما أقدموا عليه لا يعدوا أن يكون إلا مجرد فعل إجرامي، تدينه الشرائع السماوية، وتجرمه الشرائع الوضعية، وتأباه النفوس الطاهرة، وتستنكره قيم الشعوب الحرة، ولا تشفع لمرتكبيه كل دعواتهم بالتمسك بالدين، ولا تعلقهم بالعادات والتقاليد؛ فكل من شارك بالرجم، شارك بالقتل، وكل من دفع أو حرض على ذلك شارك بالقتل..! ذلك هو البعد الإنساني لإزهاق روح الضحية دعاء..!

فليس في الدين ما يمنع الإختلاط بين البشر أو يمنع المحبة، في عصر يسرت فيه سنن التطور تقاليد وعادات البداوة، وقربت بين الناس. فالتباين بين الأديان لن يقف حائلاّ في طريق التلاقي بين البشر، وليس في الشرائع السماوية والوضعية من تحرم التزاوج بين الجنسين بسبب التباين في المعتقد. أما القتل على الشبهة حتى وإن صحت، فلا يعبر إلا عن التمسك ببقايا تقاليد المجتمعات الإقطاعية والعصبية القبلية السالفة، والتي لا زالت عالقة ، بل راسخة بثبات في أدمغة مجتمعاتنا الحاضرة، وخاصة تلك المجتمعات الصغيرة، التي تعاني العزلة والإضطهاد وضياع الحقوق وسط أغلبيات كبيرة وذات أديان مختلفة أو من معتقدات أخرى، فلن تجد نفسها في ظل ذلك إلا مجبرة على التمسك بكل ما لديها من تقاليد وعادات تشكل تراثها الذي تحاول الحفاظ عليه، حتى لو دفعت من أجل ذلك ثمناّ، فلذات أكبادها..! وحتى لو كانت تلك التقاليد في بعضها تتعارض مع سنن الحياة ومظاهر التقدم والحضارة، إلا أنها في عرف أصحابها، وهم أقلية وسط مجتمع لم يعد يبدي شيئاّ من الود والإحترام للأقليات الأصغر، إنما تمثل تأريخهم ووجودهم وتراثهم الذي عليهم أن يحافظوا عليه ويحتظنونه بكل ماتيسر لهم من وسيلة..! وهذا هو البعد الإجتماعي لأزهاق روح الضحية دعاء..!
وليس قليلا ما تبذله منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات النسوية بالذات، من جهد كبير وعمل ثقافي ميداني متواصل للإرتفاع بمستويات الوعي في تلك المجتمعات، وما تسنه الدول الحديثة من قوانين وشرائع تجرم عملية القتل غسلا للعار، وتوقع عليها أقسى العقوبات، وهذا ما نحض عليه حكومات الدول العربية كافة، لتشرعه في قوانينها وتضمنه في دساتيرها، فليس في الحياة ما هو أثمن من حياة الإنسان..! وهذا يدخل ضمن البعد القانوني لإزهاق روح الضحية دعاء..!

ولا يسعني وأنا اكتب هذه الكلمات إلا أن أضم صوتي الى أصوات جميع من إستنكر هذه الفعلة النكراء، التي أودت بحياة فتاة هي بعمر الزهور، رغم أن الإستنكار مهما بلغت شدته وتأثيره، فلا يمكنه أن يطفيء سعير النار الملتهبة في القلوب. كما وأدين بنفس الوقت جريمة أغتيال الأبرياء من العمال الأيزيديين، تلك الجريمة الشنعاء التي لاتقل في بربريتها وهمجيتها عن جريمة إزهاق روح الضحية البريئة دعاء، والتي أستغلت أبشع إستغلال من قبل القتلة لتنفيذ جريمتهم بحق العمال الأبرياء..!!؟   

لقد أصاب الأخ الكاتب ناظم ختاري في مقالته( مقتل دعاء الهزة الأعنف...) المنشورة في موقع الحوار المتمدن بتاريخ 2/5/ 2007 وفي مواقع، عين الصواب، حينما ذكر :

" إن مقتل دعاء بهذه الطريقة البشعة أرعب كل أيزيدي لسببين ، الأول – ليس هناك في تعاليم الديانة الأيزيدية المسالمة ما يشير إلى قتل من يخالف تعاليم الدين الأيزيدي رجما بالحجارة ، أما وإن حصل هذا في بعشيقة وفي قضية دعاء ، فإنه يعني أن الديانة الأيزيدية بدأت تتأثر بما يجري من حولها من تطرف ديني وما إلى ذلك ، وإن مثل هذا الأمر لا يقل خطورة على مستقبل المجتمع الأيزيدي عن التطرف الديني الإسلامي مثلا على المجتمعات الإسلامية . فالتعطش للدماء والقتل الهمجي والتدمير تعد من أبرز سمات ذلك التطرف ، وهذا ما لا يتحمله المجتمع الأيزيدي . والثاني – عن ما جرى الـتأسيس له منذ سنوات طويلة من قبل العديد من الناشطين في مجال الأيزيدياتي ، من تعريف هذه الديانة بالعالم الخارجي وكسب المزيد من الأصدقاء لأبناءها وتقديم الوجه المشرق والمسالم لها ، إنما وجد إن كل ذلك سينعكس بالضد منه وسيعود إليه بالشر ." 

وهذا مايدفعنا وكل شخص تهمه مسألة التعايش السلمي بين الأديان والطوائف المختلفة، ويهمه الحفاظ على سلامة النسيج الإجتماعي العراقي، بكل تلاوينه المختلفة العرقية الإثنية والدينية ومهما بلغت نسبتها السكانية في الوطن، أن يهيب بالأخوة المسؤولين في أعلى مستويات السلطة في العراق، أن يولوا إهتماماّ إستثنائياّ لأحداث شيخان والموصل، التي أنصبت على إزهاق روح الفتاة الأيزيدية البريئة (دعاء)، وجريمة قتل 24 أيزيدياّ من العمال الأبرياء في الموصل، وإنزال أشد العقوبات بمرتكبيها، ناهيك ما تتعرض له الأقلية الأيزيدية من عدوان سافر على أيدي قوى الظلام..!

355
باقر الفضلي

    bsa.2005@hotmail.com


لم يبق غير ايام معدودات على التقاء وفود ما يربو على خمسين دولة من كافة أنحاء العالم وعلى صعيد وزاري، للتداول والبحث في الشأن العراقي، وتحت عنوان مؤتمر مبادرة العهد العراقي ومؤتمر دول الجوار الذي سيعقد في منتجع (شرم الشيخ) المصري يومي 3،4 من شهر مايس، وبرعاية من قبل الأمم المتحدة، وبمشاركة فعالة من قبل منظمة الجامعة العربية وممثلي الدول العربية ودول الجوار بما فيها سوريا وتركيا وأخيراّ ايران. وزيادة في العلم فأن السيد عدنان المالكي رئيس الوزراء العراقي سيكون على رأس الوفد العراقي، لما يراه من أهمية بالغة في ضرورة إنجاح المؤتمر والأمل بالخروج بقرارات وتوصيات تصب في صالح دعم الحكومة العراقية والأخذ بيد الشعب العراقي للخروج من أزمته الطاحنة ومساعدته في إنجاح "العملية السياسية" وإعادة إعمار العراق، وإنهاء الإحتلال، وإرجاعه الى حاضنته العربية بعد عزلة خانقة طويلة ودمار وخراب لا يوصفان..!؟

لاشك في أن الطموحات العراقية وفي وضع العراق الراهن، تبدو لناظرها وكأنها من قبيل الأحلام أو على أقل تقدير من قبيل الأمنيات والتمنيات التي يصبو لتحقيقها كل من يهمه أمر الشأن العراقي، ولكنها، "التمنيات" لوحدها لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تخلق المعجزات أو تمتلك براعة الساحر أو حكمة العارف..!

الحكومة العراقية في سعيها الدؤوب الى كسب تأييد المجتمع الدولي وفي مقدمته المجتمع العربي، يلزمها واقع العراق الراهن أن تكون أكثر وضوحاّ ومبدأية في مواقفها السياسية على الصعيد الداخلي والإقليمي بشكل خاص، وأن تكون إلتزاماتها بشأن معالجة إشكاليات الواقع العراقي في مقدمة كافة الإلتزامات الأخرى، مقرونة بخطط عملية وفعالة لخلق خطاب عراقي موحد تشترك فيه كافة مكونات الشعب العراقي ويحضى بالتأييد الشعبي العام على الصعيد السياسي والإجتماعي، مقرون بتوافق سياسي شامل وبصدق، بعيداّ عن أي توجه إنعزالي أو طائفي محاصصي أي كان شكله. وبكلام مفيد؛ أن تنأى الحكومة العراقية عن حالة التخندق التي تعيشها، وأن تشرع أبوابها أمام الجميع وفق خطط عملية أكثر إنفتاحاّ وديمقراطيةّ على الصعيد الداخلي، وسياسة إقليمية أكثر وضوحاّ وأدق توازناّ مع كافة دول الجوار دون إيثار أو محاباة..!
أما مجرد تكرار الشكوى من حالة الإرهاب التي إرتهنت أرواح العراقيين، والتي إعتادت الحكومة الإكثار من ترديدها بإستمرار، في وقت تزداد فيه وتائر التصعيد الإرهابي والعنف الطائفي، فهي لايمكنها أن تقنع المجتمع الدولي- فيما عدا من له مصلحة بإستمرارها- بأنها كافية لدعم الحكومة العراقية من قبل هذا المجتمع، إن لم تبادر الحكومة نفسها، وبشفافية عالية عن كشف أسباب وعوامل استشراء الأرهاب والعنف الطائفي، والإعلان عن مشاريعها السياسية والإجتماعية للخروج من براثن هذه الدوامة المدمرة، حيث إن التعكز على ما يدعى بالخطط الأمنية وخطط فرض القانون لا تكفي وحدها في إنهاء الإرهاب وإقتلاعه من الجذور، أو تجنيب المجتمع غائلة العنف الطائفي، بعد أن تم تكريسه بوعي أو غير وعي بين طوائف المجتمع..!

ولعل من أبرز ما يؤخذ على الموقف الحكومي العراقي الرسمي، وهو الأول الذي يهمه نجاح المؤتمر، سلبية خطابه الإعلامي، على صعيد الفضائيات أو الصحافة والأنترنيت، والمدعوم بخطاب عدد غير قليل من النواب والكتاب من مؤيدي العملية السياسية، تلك السلبية التي تتجلى في مواصلة توجيه النقد الجارح والإتهام، وأحياناّ بلغة متشنجة وبعيدة عن اللياقة السياسية، الى قادة الدول العربية، ومحاولة تحميلهم كل تبعات ومآسي الوضع الراهن في العراق وتداعياته الحالية، مثلما أستتبع زيارة السيد رئيس الوزراء العراقي الى بعض دول الخليج ، في الأيام الماضية القليلة، من حملات إعلامية حادة طالت في توجهها طبيعة العلاقات العراقية العربية، وبالذات الموقف من إعتذار الجارة العربية الشقيقة المملكة العربية السعودية عن إستقبال السيد رئيس الوزراء العراقي في الظروف الراهنة..!

إنه ومهما يكن عليه أمر تقييم العلاقات العراقية العربية وما إنتابها من فتور وجمود خلال السنوات الأربعة بعد الإحتلال، فإنه ومن باب المصلحة العراقية، أن لا يدفع هذا بالإتجاه الذي يعمق من هوة التباعد والجفوة في هذه العلاقات، وأن على الحكومة العراقية وفي رسمها لسياستها الإقليمية أن يكون خطابها الإعلامي- الرسمي منه على أقل تقدير- أكثر موضوعية وعقلانية، بعيداّ عن المؤثرات الخارجية والتدخلات الأجنبية التي تدفع بالإتجاه الذي يعمق من عزلة العراق وإبعاده عن محيطه العربي الطبيعي، ويفرض عليه عزلة إقليمية خانقة..!

وفي الطريق الى أبواب (شرم الشيخ)، ستواجه الحكومة العراقية العديد من الأسئلة والإستفهامات عن طبيعة إلتزاماتها العملية على صعيد معالجة الأوضاع القائمة اليوم في العراق، قبل أن تبادر هي في تقديم تصوراتها عن طبيعة الإلتزامات التي ستطالب المجتمع الدولي على التعهد بوفائها. وفي تقديري أن على الحكومة العراقية أولاّ وقبل كل شيء أن توحد خطابها الى المؤتمر من خلال الإنفتاح أولاّ على محيطها العراقي، بكل مكوناته السياسية والإجتماعية وما يتطلبه ذلك من إجراءات عملية ميدانية على كافة الأصعدة تثمر بإتجاه عملية المصالحة الوطنية الفعالة، وثانياّ الانفتاح على محيطها العربي من خلال شفافية عالية ومصارحة ومكاشفة، تعيدان الثقة المهتزة بين العراق والعالم العربي، وكلا الإتجاهين سيدعمان موقف الحكومة العراقية أمام المحيط الدولي، إذا ما بلورتهما الحكومة نفسها بصيغ تعهدات عملية ملزمة لها على صعيد التطبيق، وإذا ما أبدت رغبة صادقة في الأستماع للرأي الآخر خاصة وأنها اكثر من الآخرين تحمساّ لنجاح المؤتمر..!

ومما لاشك فيه؛ فإن قاعة المؤتمر ستكون حاضرة لأستقبال مواجهات ربما تكون "ساخنة" بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة، بإعتبارها الطرف الاول الذي يتحمل مسؤولية أخلاقية عن ما آلت اليه الاوضاع في العراق جراء غزوها عام 2003،  وقانونية بعد أن أنيطت بها وبتكليف من مجلس الأمن الدولي مهمة حفظ الأمن والنظام في البلاد وتأمين سلامة وأمن المواطنين وصيانة ممتلكاتهم ..الخ وبين أطراف أخرى مثل ايران وسوريا على سبيل المثال، اللتان ما فتأت الولايات المتحدة تشير بإصبع الإتهام لتدخلهما السافر في الشؤون العراقية الداخلية من جهة أخرى.  ناهيك عن ملفات الخلاف المتشابكة بين تلك الأطراف، والتي تحاول جميعها وعلى أقل تقدير ايران ومن ثم سوريا، تصفية حساباتها مع أمريكا من خلال زيادة الدفع بإتجاه تعقيد الأوضاع الأمنية في الساحة العراقية، وإعاقة أي تقدم قد تحرزه الحكومة العراقية في هذا المجال رغم التأييد والدعم الكبيرين الذي تقدمه أمريكا بهذا الخصوص..!؟

أما موقف الحكومة العراقية من كل هذا، فإنه يتوقف على حالة التجاذب والتناحر التي تخوضها المكونات السياسية المؤتلفة في الحكومة نفسها وموقفها المتباين تحديداّ من طبيعة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة الامريكية والأطراف الأقليمية الأخرى كإيران وسوريا، كما وتحدده طبيعة العلاقة بين بعض أطراف هذه المكونات وبين ايران على وجه الخصوص، والتي بات نفوذها داخل العراق أكثر وضوحاّ، بإعتراف تلك المكونات السياسية نفسها وفي مقدمتها كتلة الأئتلاف العراقي..!؟
 يضاف الى كل ذلك الموقف غير المتجانس من مسألة بقاء قوات الإحتلال "المتعددة الجنسيات" والذي أصبح من الإشكاليات الرئيسة التي تواجه الحكومة نفسها، التي بشكل أو بآخر تعلن عن دعمها لبقاء هذه القوات في الظروف الراهنة. وقد أصبح موقفها المعلن هذا، أحد أسباب القطيعة بينها وبين بعض أطراف العملية السياسية من الكتل السياسية الأخرى، كما تعلن تلك الكتل..؟!

ومما يثقل كاهل الحكومة العراقية ويلقي ظلالاّ من التساؤل والشك على سياستها في الميدان الأمني، هو عدم وضوح موقفها من طريقة التعامل مع المليشيات المنفلته، والمنتسبة علناّ الى بعض القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية، حيث تميز هذا الموقف بالغموض والميوعة في كثير من الأحيان، إذا تجنبنا المبالغة..!؟؟ 

فالحكومة العراقية في وضعها الحالي، وأمام حالة التمزق التي تعرضت اليها في الفترة الأخيرة والتدهور الأمني المتفاقم، وحالة الأنقسام التي تسود مجلس النواب، كلها تضع الحكومة العراقية في موقف لا تحسد عليه، وهي تتوجه الى المؤتمر الدولي حول العراق، مما يتطلب منها أن تبادر الى إتخاذ خطوات أكثر جرأة وإقدام وحزم، في مقدمتها الألتزام بموقف واضح وجريء من حالة الصراع الدائر بين أطراف اللعبة السياسية على الساحة العراقية من دول الجوار وأمريكا، دون أن تحابي بعضها على حساب الآخر، خاصة إذا ما علم المرء بأن حضور بعض هذه الأطراف الى المؤتمر وبالذات الطرف الإيراني لم يكن فقط لأغراض المجاملة الدبلوماسية بعد رفض تكرر عدة مرات على الصعيد الإعلامي، وبعد محاولات غير قليلة من الجانب العراقي لحثها على الحضور..!

إن ردم الهوة بين العراق والدول العربية تقف في مقدمة المهام المطلوبة من قبل الجانب العراقي على الصعيد الأقليمي ، وهذا يتطلب مواقف عملية مدعومة بالدليل الميداني الذي يدفع بإتجاه تغيير النظرة السائدة في الأوساط العربية حول الإنحياز الطائفي للحكومة العراقية، تلك النظرة التي يتواصل تعزيزها، وللأسف نقول، من خلال الخطاب الرسمي العراقي المتشنج والسائرين في ركابه، ومن جملة الممارسات الخاطئة واللاشرعية، التي تدخل في سياق الإنتهاك الفض لحقوق الإنسان التي ترافق ما يدعى بالخطط الأمنية. ناهيك عن مواقف الضعف والإرتباك التي تكتنف سياستها أزاء الفساد المالي والإداري، الذي إستشرى في كل مفاصل مؤسسات الدولة بشكل يثير الإستهجان، ويضعف الثقة عند الأطراف الأخرى التي ترغب حقاّ في تقديم العون المادي والإقتصادي بشكل خاص الى العراق لمساعدته في الخروج من أزمته الخانقة..!!!؟   

أن أمورا كثيرة يمكن أن تقال بهذا الشأن ولكن الأمر الأهم، يعتمد على موقف وفد الحكومة العراقية، والذي تعتبر طبيعة تشكيلته الى المؤتمر من العلامات المميزة لدى الأطراف المشاركة وخاصة الأطراف العربية ودول الجوار الإقليمية وكافة أعضاء المؤتمر الآخرين، ناهيك عن مكونات الشعب العراقي ، إذا ما أحسنت الحكومة العراقية الأختيار، وجاءت تشكيلة الوفد الحكومي معبرة عن واقع النسيج الإجتماعي العراقي بصدق، وليس المقصود هنا التشكيلة (الشكلية) وحسب، بل التعبير الحقيقي عن التوافق السياسي لكافة مكونات ذلك النسيج بكل أبعادها الأثنية بضمنها الأقليات القومية الأصغر ، ومنظماتها السياسية مدعومة بمنظمات المجتمع المدني، دون أن نغفل العلم بأن طابع التشكيلة سيكون حكومياّ رسميا..!

 نقول إن ما سيكون عليه تصرف الوفد العراقي أثناء المؤتمر وطبيعة أجندته المحمولة اليه ، هما اللذان سيقرران مدى جدية الحكومة العراقية في السير قدماّ بإتجاه الخروج من المأزق الخطير الذي تعيش فيه، ومدى قدرتها على إقناع المندوبين الى المؤتمر بتلك الجدية..!؟
إنه ةمن الصعب التكهن بالأمر الآن،  ولكن الجميع يترقب ما ستؤول اليه النتائج وما ستكون عليه الألتزامات..!؟؟     
   

356
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

المقاومة؛ تلك الكلمة الساحرة، الكلمة التي لا تعدلها كلمة أخرى في شمولية المعنى، ومقاصد الهدف. الكلمة التي يمكنها أن تجمع خلفها الملايين من البشر، لتقذف بهم الى المحيط أو تحط بهم في ربوع الجنة..! لها من القوة والسحر والمكنة، ما تعجز عنه كل كلمات اللغة وبلاغة البيان..!

إن تقاوم المرض، تربح نصف العلاج، وإن تقاوم الضعف تكسب القوة والعزيمة، وإن تقاوم الإهانة تستعيد الكرامة، وإن تقاوم النزوات تصون النفس،  وإن تقاوم العدو تربح النصر، وإن تقاوم الإحتلال تستعيد السيادة .. فالمقاومة في كل تجلياتها وفي مختلف صورها، زرعت ثقافة تأصلت في النفوس ، حتى باتت تشكل قاعدة للفكر وبالتالي منطلقاّ للخطاب البشري في كل الميادين، بما فيها ميادين العلم والطبيعة..! ولكنها وفي جميع الأحوال، لايمكن أن تعطي ثمار نشاطها بعيدا عن قوانين التحكم الموضوعية العلمية..!

وفي مجاهل الميدان السياسي- الإجتماعي على وجه التحديد، فإن المقوامة وبجميع مقاييسها، أخذت ومنذ القدم وحتى اليوم تتصدر الخطاب السياسي، بل وتمثل اللب المحرك لهذا الخطاب، على كافة الأصعدة والمستويات، بما فيها الحروب والثورات والإنقلابات والعصيان والتمردات والسياسة..الخ، حيث يجد المرء أن "المقاومة" تحتل مكان الصدارة في هذا الخطاب ، حتى مع إختلاف أهدافها. وليس من باب الصدفة أن تستخدم كلمة "المقاومة"، على سبيل المثال عند القول: "مقاومة الإرهاب" كمرادف ل "مكافحة الإرهاب"..!
 
ويمكن أن تأخذ المقاومة وجها آخر، وهو وجهها السلبي؛ فمقاومة الإصلاح ، هي تعبير عن مقاومة معكوسة، كما هي مقاومة الإستماع للآخر، ومقاومة حرية العقيدة وحرية الرأي، أو مقاومة حق المرأة في التحرر من العبودية؛  جميعها تشكل الوجه السلبي للمقاومة. أما الحدود الفاصلة بين الوجهين، فتحددها طبيعة الشيء الذي ينصب عليه فعل المقاومة، وأحيانا قد يختلط الوجهان..!
 
فثقافة "المقاومة" على الصعيد الإجتماعي بما تقدمه من معان مختلفة، أصبحت جزءّ من إيديولوجية مستخدميها ومحركا دينامياّ يهدف الى تحقيق نتائج "إيجابية" من وجهة نظر "أصحابها" أو المتمسكين بها كسلاح تقليدي يصلح في كل مكان ويعمل في كل زمان..!

كما وإكتسبت في هذا الميدان طابعاّ رومانسياّ أضفى عليها مسحة من الحرمة والقدسية، مكتسبة ذلك من طبيعة الأهداف المعلنة، التي تجد شرعيتها، في أغلب الأحوال، في إقرار المجتمع وإعترافه بأحقية تلك الأهداف؛ وهذا هو الطابع الغالب على " المقاومة " بإعتبار أنها عمل مشروع  ذو غايات نبيلة..! أو بمعنى آخر ما يعكس الوجه الإيجابي للمقاومة في أطرها السياسية..!

فبعد الحادي عشر من ايلول/2001 طرأت أمور بات معها، من الصعب أحيانا التفريق بين وجهي المقاومة نفسها، فهي يمكن أن تفسر من قبل من وقع عليه فعلها بأنه عمل إرهابي، في الوقت الذي يعلن أصحابها بأنها أعمال مشروعة..! وهذه الإزدواجية في فهم المقاومة سياسياّ، قد جعل منها إشكالية تحتاج الى الكثير من البحث والإهتمام في عالمنا الحاضر..!

كما وأصبح التداخل بين المقاومة كفعل محدد الإتجاه والهدف، وبين القائمين على هذا الفعل وكأنهما شيء واحد، وأصبح التمييز بين الفعل ومنشأه، حالة واحدة لا تقبل الفصل. وهذا ما أضفى على خطاب المقاومة بوجهه الإيجابي، نوعاّ من الحصانة ضد النقد أو المحاسبة..!

 وطبقاّ لهذه الحالة فقد غدا من الأمور المسلم بها، فرض "القبول" على الآخرين بالإقرار بكل النشاطات والممارسات التي تقدم عليها المنظمات التي تضفي على نفسها صفة "المقاومة" ، حتى في حالة تعارض هذه الممارسات مع تطلعات المجتمع نفسه، أو لاتتلائم مع الظروف السياسية والأجتماعية في اللحظة المعينة..!   وهذه الإشكالية تبدو أكثر ملموسية في أمثلة محددة على الصعيد السياسي في منطقة الشرق الأوسط، بل وتدفع في أحيان كثيرة الى صراعات وتأزمات داخلية بين طوائف المجتمع الواحد..!

فالتعارض بين الهدف وصلاحية الممارسة في الزمان والمكان، رغم جدلية العلاقة بينهما، ينجم في أكثر الأحيان من حالة الشعور بقدسية المهمة ونبل الغاية..! وبالتالي فمن هذا المنطلق تعتقد المنظمة المعنية وذات الشأن، بحقها "المطلق" بوحدانيتها في إتخاذ القرارات، وتنفيذهاعلى صعيد الواقع، هذا في أحسن الأحوال، أما في الأحوال التي تكون فيه المنظمة صاحبة الشأن، لا تمتلك إستقلالية قرارها أو يشوبه شبهة من ذلك، وبأي شكل من الأشكال، تراها تعمد الى رفض أي نقد أو ملاحظة توجه لذلك القرار و لكافة نشاطاتها الأخرى..!

أما إذا كان التعارض حاصلاّ بين الهدف والممارسة، حيث توجه الممارسة ليس بالإتجاه الذي يخدم الهدف، بل وحتى بالإتجاه الذي يسبب أضراراّ بالجهات ذات المصلحة في تحقيق الهدف المذكور، فإن المنظمة التي تحاول أن تلبس لبوس المقاومة، تفقد هذه الصفة، وتضع نفسها في المواجهة العكسية مع تلك الجهات، وفي هذه الحالة تتولد الصراعات ليس مع العدو المقصود، بل ما بين من يعنيهم أمر المقاومة والقائمين عليها من جهة وبين فصائل أو جهات أخرى لها نفس المصلحة في تحقيق الهدف نفسه..!

 ومما هو جدير بالقول، إن خطاب المقاومة على الصعيد السياسي، رغم سحر جاذبيته، فإن حاله حال اي مفهوم أو أسلوب نضالي _ سياسي آخر، يخضع الى التعامل معه من منظورين مختلفين؛ فهو لا يعدو أن يكون خطاب "مقاومة" فقط من وجهة نظر أصحابه، أو ما يقرره المنادون به، طالما أن مشروعه من الناحية السياسية لا يصب في مصلحة النتائج المبتغاة من   وراء التمسك به، أو لا يأخذ بالحسبان الظروف والعوامل التي تحيط بمجمل "العملية السياسية" على كافة الأصعدة؛ والمقصود هنا تلك الظروف التي تحدد مسار عملية المقاومة نفسها، من آليات ودعم مادي ومعنوي، وظروف سياسية محلية وأقليمية ودولية؛ ظروف تكون في مستوى الملائمة والقبول، من حيث الأسباب والنتائج..!

 فليست هناك مقاومة من أجل المقاومة، وإلا أصبحت إنتحاراّ جماعياّ، وتفريطاّ بالهدف المبتغى تحقيقه، والذي من أجله شرعت المقاومة. ومن خلال هذا المنظور تدخل "المقاومة" بخطابها "المسلح" تخصيصاّ، في تعارض صارخ مع مصالح الفئات أو الطبقات الإجتماعية، التي تعلن هي نفسها ("المقاومة")، أنها أجترحت من أجلها. بل تتحول تلك "المقاومة" المعلن عنها الى مهنة إحترافية، لا تجيد غير خطاب العنف، طريقاّ لتحقيق الأهداف. وبالتالي يتحول شعار المقاومة النبيل الى شعار معرقل في الوصول الى الأهداف التي خط من أجلها، وغير قليلة الأمثلة حول ذلك. رغم ما قد يسوق من تضخيم وتهويل يلصق بكل عمل أو نشاط تقدم عليه تلك القوى التي تتمسك بهذا الشعار بإعنباره الخيار الوحيد لتحقيق الأهاف المعلنة، بل ويبدو وكأن (المقاومة) هي وحدها الهدف المنشود، أو أنها في منأى من التأثر بالتغيرات التي تفرضها التحولات الأجتماعية السياسية في البلد المعني..!

ضمناّ فأن شعار "المقاومة"، هو حالة سياسية قد تفرضها ظروف إستحقاقية محددة، وفي غالبيتها ظروف الدفاع عن النفس ضد خطر داهم، أو إزالة وضع لا شرعي، عجزت عن تغييره كل محاولات التغيير الأخرى. فهو في النتيجة حالة أو أسلوب محدد يلجأ اليه عند الضرورة، وليس خطة إستراتيجية ثابتة لا تتغير، والتمسك به مرهون بطبيعة المتغيرات السياسية والإجتماعية ومجموعة المتغيرات الأخرى، وأن يحضى بتأييد وأحياناّ إجماع من قبل من لهم المصلحة من أبناء الشعب نفسه في التمسك بهذا الإسلوب..! حيث من غير المنطقي أن تستحدث أساليب نضالية تستهدف تحقيق مصالح تهم سائر أوساط المجتمع دون أن تحضى بدعمه أو تأمن عدم معارضته..!

 كما ومن غير الطبيعي أن تلجأ مثل تلك الأوساط الى إنتهاج هذا الأسلوب وهي مدركة في الوقت نفسه، ما قد يجره ذلك الإنتهاج من نتائج سلبية، أو ما ستؤول اليه تداعياته  على المجتمع نفسه من ويلات ومعاناة، إذا ما كانت ظروف التمسك به غير مهيأة لذلك، أو إذا كان مجال نشاطه ينصب على الشعب المنقسم في رؤاه نحو الهدف والوسيلة، أما ضحاياه، فستكون من أبناء ذلك الشعب، حتى وأن جرى ذلك بحسن نية، ولإهداف نبيلة..!

الحاضنة الوحيدة لما يمكن أن يعتبر( مقاومة) في صيغتها الإيجابية، هو شعب موحد في كلمته، وظروف سياسية ولوجستية موائمة، ومجتمع دولي داعم، وقيادة موحدة في قرارها، وإلا وبعكسه، يمكن القول؛ بأنه ليس جميع صيغ المقاومة المعلنة، تمتلك حالتها الإيجابية المشروعة، أو تحضى بأجماع شعبي عام. بل إن هنالك من بعض صيغ خطاب المقاومة، و"المسلحة" منها تحديدا، ما يتداخل مع خطاب العنف الذي تمارسه بعض المنظمات التي تعتبره الشكل الوحيد لنشاطها السياسي اليومي ، بل وتعمل على فرضه على الجميع في أي مكان أو زمان تبتغيه، كما هو مجسد في ممارسات منظمة القاعدة على سبيل المثال..!     

 فالمقاومة و"المسلحة " منها بالذات، كأسلوب نضالي، لا يمكنه وحده أن يهيء الظروف المناسبة لنشاطه وفعاليته، حيثما كان وأينما وجد ، كما وليس وحده الأسلوب الناجع في تحقيق الأهداف المبتغاة من وراء إنتهاجه وحسب، بل هنالك من الأساليب والطرق التي من خلالها، يمكن حتى الأستعاضة عنه ونبذه، وفي مقدمتها على سبيل المثال، أسلوب الحوار المدعوم شعبياّ _ وهو شكل من اشكال المقاومة في صيغتها الايجابية_، حتى لو تطلب الأمر الجلوس على مائدة واحدة مع العدو والتفاوض  بكل شجاعة حول ما ينبغي الإتفاق حوله. وقد علمنا التأريخ أشياء كثيرة وكبيرة دون أن يفقد المرء فيها ماء وجهه، أويضع نفسه في خانة المهزومين..!

 أما التمسك بصيغة خطاب "المقاومة المسلحة" وحده كثابت لا يمكن التزحزح عنه، فإنه لايخدم مصلحة أي شعب يطمح للعيش بحرية وأن يمتلك سيادته على أرضه وأن ينعم بالسلام والطمأنينة، إن لم يكن العكس، رغم ما تمتلكه المقاومة المسلحة من قدسية وطهارة لا غبار عليهما،  طالما وجدت نفسها في المكان والزمان الملائمين، يحددها الأتجاه والهدف المدعومين بإجماع وطني وقبول عام، وعندما يصبح لا مناص من اللجوء اليها، بعد ان تعدم جميع الأمكانات الأخرى..!   

فمن يعتقد أنه بتمسكه بخطاب المقاومة، إنما يمسك بكل أوراق اللعبة السياسية، فإنما هو واهم في تقديره وحساباته. ومن بدهيات السياسة ، أن يأخذ المرء بالحسبان، أن الخصم أو الطرف الآخر يمتلك هو الآخر بعضاّ من أوراق اللعبة نفسها، خاصة إذا ما كانت الظروف المحيطة بخطاب المقاومة لا تمنح أصحابه الدعم المناسب ولا الأرضية الصلبة؛ من إجماع وطني، ومؤازرة ودعم المجتمع الدولي..!

كما وليس من عبث القول؛ الحديث عن ما يسمى ب"سلاح المقاومة" الذي بات يشكل عنواناّ ثابتاّ لخطاب المقاومة، لدرجة أختزل فيه معنى ومضمون (المقاومة) نفسها ، الى مجرد "سلاح" يمكن حمله أو إقتناءه بل وحتى إستخدامه في أي ظرف أو مناسبة مهما كانت، لدرجة أفقدت (المقاومة) قدسيتها وطهارتها بل وأحيانا حتى شرعيتها التي تعارفت عليها الشعوب، خاصة عندما تختلط فيه المقاصد والاهداف المشروعة مع غير المشروعة من خلال الممارسات اليومية المنفذة بهذا السلاح. وكأنه لم يعد أمام (المقاومة) من مدلول آخر غير مدلول "السلاح" ولا وسيلة غيره، وما عداه من أساليب ووسائل إنما تصب في خدمة أهداف الخصم كما يدعى..!؟
حتى أصبح وفي كثير من الأحيان، من العسير على المرء أن يجد خطوطاّ فاصلةّ بين حاملي " السلاح" فيما إذا كانوا من فصائل المقاومة، أو من مليشيات الأحزاب والمنظمات السياسية، أو من ميليشيات السلاح والتهريب، أو حتى من عصابات القتل والمافيات، مما بات يلقي ظلالاّ رمادية على كامل المشهد السياسي بلا إستثناء، ويعرض رومانسية خطاب المقاومة نفسه، الى الضبابية والتساؤل، في وقت أصبح فيه تأثير المجتمع الدولي، يلعب دوراّ غاية في الأهمية والتفاعل، مما يفرض على الجميع أخذ ذلك الأمر بالحسبان ..!

 ومهما أراد المرء أن يدفع بصيغة "سلاح المقاومة" وإعتبارها كافية لتوضيح المقاصد من حمل السلاح، فإنه وعلى الصعيد العملي، يبقى إقتناء وحمل السلاح كممارسة يومية وما قد يترتب عليها من إحتمالات إساءة الإستخدام من قبل حاملي هذا "السلاح"، حالة غير شرعية إذا ما مورست في ظل وجود سلطات حكومية منتخبة لها أجهزتها التنفيذية الشرعية التي كفلها القانون ومؤسساتها الديمقراطية. ناهيك لما يتركه حمل السلاح، ومن قبل أي كان، من تأثيرات نفسية سلبية على نفوس المواطنين، وما يخلقه من مشاهد الرعب والخوف والإثارة، أو ما قد يجره من مهالك وكوارث إنسانية في صفوف من هم أقرب من العين للحاجب بالنسبة للمقاومة؛ هذا إذا ما أفترض المرء حسن النوايا ونبل المقاصد ..!

نعم إن المقاومة بمعناها السياسي حق مشروع للشعوب وقد كفلته لها كل الشرائع والقوانين بما فيها ميثاق الأمم المتحدة والأعلان العالمي لحقوق الأنسان، ولكن كل ذلك لا يحصر المقاومة بشكل أو طراز أو نوع محدد من أنواع المقاومة، بل منحها الحق المشروع في إختيار ما تراه مناسباّ وما يتلائم مع طبيعة الظروف التي تكتنف الحالة التي تفرض عليها مبدأ المقاومة، من أساليب وأشكال الكفاح التي تحقق أهدافها، وبالتالي فإن اللجوء الى طرق أخرى غير إعتماد السلاح كخيار وحيد – إلا في حالات خاصة-  لا يفقد المقاومة شرعيتها أو يضعف من تأثيرها، بل يمنح المقاومين هامشاّ واسعاّ ورحباّ من المناورة، بإتجاه تحقيق أهدافها بأقل الخسائر الممكنة وتجنيب شعوبها ضرراّ كبيراّ، ربما يدفع بإتجاهه العدو نفسه..!
والمقاومة، كأسلوب نضالي، وتأسيساّ على ذلك وبالمعنى العام للكلمة، ليست حكراّ على فئة محددة أو فصيل معين، بسبب تفرده بحمل "السلاح" دون شرائح المجتمع الأخرى، التي تكون قد شقت طريقها للمقاومة بطرق وأساليب أخرى..! فهي حق لكافة أفراد الشعب الذي يدفع برفع الظلم عن كاهله وبشتى الوسائل المستطاعة..!

بل و ليس من المغالاة القول، بأن التركيز في الخطاب السياسي اليوم على خيار المقاومة المسلحة - كخيار وحيد في الساحة السياسية - ومن خلاله ينبغي أن تسوى كل الخلافات في الساحة الداخلية بين الفرقاء والطوائف السياسية المتعارضة في عدد  من بلدان المنطقة تحديدا، قد أفضى الى غياب خطاب الحكمة والتعقل، وفتح الطريق أمام حالة الفوضى السياسية والأمنية، وأدى الى تقويض دعائم الحياة المدنية الديمقراطية بأحزابها السياسية ومؤسساتها البرلمانية، لدرجة أختزلت فيه المسميات المعلنة لبعض الأحزاب السياسية الى مجرد لافتات تحمل تسمية (المقاومة). بل وحتى طرحت جانباّ مهمة التوحد بين أبناء الشعب في هذه البلدان وراء الأهداف المعلنة للمقاومة، لتعلو بدلها لغة القوة والتهديد بالسلاح،  وإرغام الأطراف الأخرى على قبول مشيئة المتحكمين بهذا السلاح..!؟

إنها الطامة الكبرى إذا ما إنحرف "سلاح المقاومة" عن الإتجاه والهدف الذي أعلن من أجله، ليتحول الى مجرد وسيلة للضغط والإكراه، وطريق الى حل المنازعات الداخلية، وتحقيق المصالح..!؟ فما تمثله الميليشيات المسلحة لبعض الأحزاب السياسية في الساحة العربية اليوم، يعطي دليلا واضحاّ على الأختلاط والتشابك بين المكونات السياسية والمنظمات المسلحة، ويعبر عن حالة الارتباك والتشوش وسيادة الفوضى الأمنية وتعدد السلطات، بل ويهدد في تقويض مقدمات اسس بناء الدولة الديمقراطية المستقلة التي هي مطمح وهدف الجميع.؟!

 وفي جميع الأحوال، إذا ما أستثنينا بعض الحالات وفي ظروف محددة، فإن الشعوب هي من يدفع ثمن كل تداعيات القرارات الخاطئة والممارسات الغير مشروعة، التي تقف وراءها بعض فصائل المقاومة، هذا إذا ما نحينا جانباّ مكونات "الميليشيات المسلحة" المنفلته، والتي لاتجمعها مع فصائل المقاومة المعروفة في ساحة النضال الوطني العربي، غير وضعية حمل "السلاح" ليس غير، فإن لهذه الميليشيات حديثاّ آخر..! 

في هذه المقالة المكثفة لم أهدف الى البحث بتفاصيل الخريطة السياسية لفصائل المقاومة المنتشرة في المنطقة ولا الى الأستراتيجيات المرسومة من قبل تلك الفصائل وخلفياتها الأيديولوجية ومكوناتها البنيوية السياسية وعوامل وأسباب تشكلها، فألامر أكبر من أن تحتويه مقالة بهذا الحجم، بقدر ما رغبت في لفت النظر الى بعض المفاهيم والملابسات التي تكتنف مفهوم (المقاومة) وما تعكسه من تصورات ومعتقدات بلغت في تداولها في الشارع السياسي حد المسلمات التي لا يمكن مناقشتها، بل ولربما وبسبب ذلك، قد تخفي وراءها مواقف وأجندات سياسية تبدو وكأنها ترسم لشعوب المنطقة طريقاّ أبدياّ لا محيد عنه، ضمن دائرة مغلقة من الألم والمعاناة..! 

357
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

" روح بغداد ؛ هي الحوقلة والاستسلام،
 وهي الشغب والتمرد، وهي الردع والتقوى،
وهي في هذا الزمان النفط،
 وقد يصير النفط في المستقبل روحها الكيمياوية العظمى
 روحها المركبة في بوتقة هذا الزمان البراق."  1922
                                            أمين الريحاني




حينما قال الريحاني هذا،  " لم يكن نفط كركوك ونفط البصرة ونفط الكويت ونفط الصحراء الغربية قيد الاستثمار، وقد نفذ بفكره الثاقب الى سوء أثر الأستعمار الغربي في العراق" على حد قول المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي.*

خلال ثمانية عقود من السنين، بدأّ من عام 1927 وحتى الساعة، لعب النفط العراقي ولا يزال ، الدينامو المحرك لكل تقلبات الصراع السياسي ¬_الاجتماعي على الساحة العراقية، بكل تناقضاته السلبية والايجابية. وإن أردنا الدقة في القول، فإنه يقف وراء كواليس مسرح المتصارعين، من مختلف الطوائف والاطياف على الصعيد الوطني و الاقليمي والدولي. ولعل تأريخ العراق السياسي خلال هذه العقود، يصدق نبؤة فقيد الادب والفلسفة الكاتب العربي أمين الريحاني حول مستقبل العراق.
 وها هو النفط اليوم وعبر هذه السنين الطويلة ، لا يزال مصدر كل الويلات وسبب كل المعاناة التي أثقلت كاهل الشعب العراقي، والتي رسمت ولا تزال ترسم لوحة مأساته الدامية، حتى بات السؤال: "هل سيكون النفط مصدر ثراء أم لعنة للعراق؟" **  هاجس الجميع بمن فيهم كبار المتخصصين من خبراء النفط والأقتصاديين..!؟  فمن يمتلك النفط يمتلك كل شيء؛  الغنى والسلطة والقوة والمنعة والمستقبل..! فمن يا ترى صاحب هذا الحظ السعيد..؟
في مقال سابق بعنوان (هل يمتلك العراقيون نفطهم..؟)*** نشر في تشرين الاول من عام2006 في عدد من مواقع الانترنيت وأحجم البعض منها عن نشره، عرجت فيه الى المثالب والنواقص التي أكتنفت بنود الدستور المتعلقة بالثروة النفطية وخصوصا المادة 110 منه، فيما يتعلق بكيفية  رسم السياسات  الاسترتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز، وما يكتنفها من غموض وتداخلات في الصلاحيات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم، ومدى حدود مسؤولية الاقاليم في إبرام عقود الإنتاج ، كما تطرقت فيه الى طبيعة وأشكال العقود الممكن إبرامها مع الشركات الاجنبية، مع تلميح خاص الى عقود المشاركة في الانتاج وما يترتب عليها من هدر لثروة البلاد ومس بسيادتها. ويمكن أن نشير اليوم الى أن الأمر لا يتعلق بعقود المشاركة لمجرد كونها عقوداّ للمشاركة، رغم أفضليتها بالنسبة لشركات الإستثمار ، بقدر ما يتعلق الأمر بمحتوى ومضمون شروط هذه العقود ومدى ضمان هذا المحتوى لمصالح الوطن والشعب، على حد ما تفضل به الأستاذ الفاضل والباحث الأقتصادي الدكتور كاظم حبيب، في مقاله المنشور بتاريخ 27/3/2007 بعنوان (ندوة لندن ومشروع قانون النفط العراقي الجديد) على موقع الحوار المتمدن.

      واليوم إذ تزمع وزارة النفط العراقية، وطبقاّ لتصريح السيد وزير النفط العراقي الدكتور الشهرستاني بتأريخ 18/4/2007 على هامش مؤتمر النفط الذي يعقد بنفس اليوم في دبي، على إنه سيتم تقديم مشروع قانون النفط والغاز الجديد الى مجلس النواب خلال اسبوع من الآن لإقراره بعد أن أقر مسودته النهائية مجلس الوزراء وبالاجماع قبل فترة قصيرة، يصبح من المفيد الاشارة الى أن مسودة المشروع المذكور قد تم تناولها بالبحث والدراسة من قبل العديد من المتخصصين في شؤون النفط ومن بعض السادة الاقتصاديين، ناهيك عن الندوات الفضائية، فثمة ما يمكن الاشارة اليه هو أن عدداّ غير قليل من هؤلاء قد تناول مسودة مشروع القانون بالنقد، لما تتضمنه من مثالب وسلبيات تعيد للذاكرة عقود المشاركة مع الشركات الاجنبية كأساس رئيس من أسس الاستثمار التي تزمع الدوائر النفطية العراقية إعتماده في عملية إستثمار الثروة النفطية، رغم ما تتظمنه المسودة من الإيجابيات الأخرى المتعلقة بتشكيل شركة النفط الوطنية والمجلس الإتحادي للنفط، مع حصر التعاقد بالحقول الواردة في الجدول الاول والثاني الملحقة بالمسودة بشركة النفط الوطنية، رغم إغفال الحديث عن حقول الجدول الثالث، والتي يعتقد البعض من المتخصصين أنها ستكون من نصيب الشركات الاستثمارية.
الأمر الآخر والذي أثار حفيظة الأدارة النفطية في إقليم كردستان هو الموقف من تأسيس شركة النفط الوطنية وإعتبار ذلك خروجا على الدستور أو على حد قول الاستاذ أشتي هوراني وزير التفط في اقليم كردستان الذي:"اعتبر أن مسودة القانون الجديدة مخالفة للدستور وتعيد "مركزة" القطاع في العاصمة، واصفاً الأمر بأنه إجحاف بحق إقليم كردستان الذي "قفز قفزات كبيرة إلى الأمام وبات لديه قانون نفطي خاص" على حد تعبيره.
وانتقد هوراني تشكيل مؤسسة مستقلة للنفط العراقي، محتجاً على ذلك بوجود وزارة، مطالباً بالحصول على حصة كردستان من عوائد النفط بصورة مباشرة دون المرور بوزارة المالية." (صوت العراق) - 18-04-2007

مهما قيل أو يقال عن مسودة مشروع قانون النفط والغاز المنوي طرحها على مجلس النواب قريباّ، فهي في تقديرنا وبعد إستقراء ما قيل بهذا الشأن من قبل الجميع بما فيهم الحكومة، فإن المسودة، قد إتسمت بطابع الإستعجال. كما وتشير أكثر الدلائل، بأنها قد أعدت ونضجت في أجواء غير ملائمة، بعيداّ وراء جدران من الكتمان والسرية، وتحت تأثيرات خارجية، لعبت فيها مصالح الشركات الإستثمارية العالمية دوراّ تعدى حدود الإستشارة الى حد صياغة النصوص.****
ولعل من اللافت للنظر أن تقدم الحكومة ممثلة بوزارة النفط على تقديم مسودة مشروع القانون الى مجلس النواب لإقرارها، في الوقت الذي تجري فيه لجنة إعادة النظر في الدستور تدقيقاتها حول نصوص الدستور الخلافية، وفي مقدمتها مسألة توزيع الثروة الوطنية، وفدرالية الأقاليم التي هي نفسها أرجيء البت في أمر تطبيقها لمدة 18 شهرا . علماّ بأن الأمرين سيخضعان الى الأستفتاء العام. وللتنويه نشير بأن مسألة الثروة النفطية وفدرالية الأقاليم مترابطتان عضويا، وفي حل إشكالية الخلاف بشأنهما يكمن جوهر المصالحة الوطنية. وبالتالي فإن التمرير المستعجل لمشروع القانون، لا يعبر عن وقفة جدية للتحرك بإتجاه دفع عجلة الحل السياسي للمشكلة العراقية ووقف نزيف الدم ودحر الارهاب الى الأمام، بقدر ما يفاقم الحالة ويزيد من تعقيداتها الموضوعية..!

فإن كان هناك ثمة تغير أستراتيجي على صعيد الواقع العراقي، يمكن الحديث عنه بعد هذه السنوات الاربع من الإحتلال، إنما يجد أو سيجد تعبيره المكثف في ما ستؤول اليه مسودة مشروع قانون النفط والغاز الجديد، بعد طرحها على مجلس النواب، حيث ستكون هناك وقفة تأريخية تضع الجميع أمام إلتزاماتهم التأريخية في الحفاظ على ثروة الشعب الوطنية وصيانة سيادته. ومن الجدير بالذكر وللإعتبارات اعلآه يصبح من نافل القول أن يقدم مجلس النواب على التريث في الشروع بمناقشة أو إقرار مسودة مشروع القانون قبل أن تنهي اللجنة الخاصة يتدقيق نصوص الدستور ومراجعتها وتقديم مقترحاتها في الوقت المحدد لذلك ومن ثم طرحها على الإستفتاء العام..! فهل سيقدم مجلس النواب على ذلك، أم أن تنور النفط والغاز لا يقبل الإنتظار..؟!
--------------------------------------
*- أمين الريحاني: الاعمال العربية الكاملة- المجلد الرابع
**-  كريك موتيت: *- www.niqash.org
***- هل يمتلك العراقيون نفطهم..؟ منشور في الموقع
****- مثل شركة bearing point-www.niqash.org
]]

358
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


أصبحت مفاهيم علم الرياضيات وعلم الجغرافية والفلك، أدوات جديدة لقياس مدلولات المقولات السياسية، والتعريف بعقد الإرتباط بين هذه المقولات، وبالعوامل المشتركة التي تجمعها أو تفرقها؛  فالمثلث والهلال والقوس و..الخ من المسميات الأخرى باتت تقترن بمفردات أخرى لتعطي مفاهيم  جديدة، ولتعبر عن مدلولات سياسية معينة، يبني عليها الكثير من المحللين والنقاد تصوراتهم وإستنتاجاتهم بشأن أي حدث سياسي في المنطقة المقصودة بالتسمية، على ضوء ما تعنيه تلك التسمية من مدلول ديموغرافي جغرافي – سياسي..!
فما يتعارف عليه اليوم ب"المثلث الشيعي" في منطقة الشرق الأوسط، يعني بالمدلول الجغرافي، تلك الدول التي تقطنها مجموعات كبيرة من السكان التي تدين بالمذهب الشيعي، أو أنه يمثل أغلبية بين سكانها. وهذا يعني بالمفهوم المقابل، أن هذه البلدان يجمعها عامل مشترك هو ( المذهب الواحد)، وبالتالي وفي العرف السائد في الأوساط السياسية والإعلامية، يعتبر هذا العامل المشترك عاملاّ موحداّ للقوى السياسية في هذه البلدان وهو يقف وراء إتخاذ مواقف موحدة أزاء القضايا السياسية في المنطقة أو تلك التي تخص بلدانها..!؟ ولكي يعتبر هذا التفسير لهذا الشكل الهندسي – السياسي، تفسيراّ منطقياّ من الناحية الإستقرائية، يلجأ القائلون بنظرية الهندسة الديموغرافية السياسية الى المفهوم المعاكس لمقولاتهم تلك، فحيث أن المثلث المذكور مبني على أساس أن أضلاعه من مذهب واحد، وإن إختلفت مكونات زواياه نسبياّ،  فإن أساس قاعدته طائفي؛ ولا بد والحال، وبحكم المنطق الهندسي المذكور، من وجود شكل هندسي آخر ومن طائفة مذهبية أخرى، كي يحصل التوازن المطلوب ولتتحقق فرضية الطائفية السياسية منطقياّ..! وهكذا ولتحقيق ذلك، جرى التعارف على تسمية المحور الثاني وعلى أساس المبدأ الجغرافي ب(الهلال السني) وتم بناء قوسه على نفس الأسس..!
من هذا المنطلق والفهم المجتزيء للحقيقة، تجري تجزئة المنطقة وفق إعتبارات طائفية، لا تربطها بالواقع الإجتماعي – السياسي أي علاقة، بقدر ما أنها تخفي وراءها حقيقة الأهداف الطبقية المعبرة عن المصالح الخاصة، التي تدفع بأصحابها الى التلبس بأي لبوس يساعدها على التعتيم وفي إخفاء تلك المصالح..!
 ففي منطقة كمنطقة الشرق الأوسط، التي أغلبية سكانها من العرب المتدينين، ويشكل فيها سواد الناس من الفقراء، أغلبية كبيرة، شيعية كانت أم سنية، تتسم بضعف الوعي والتدني في نسب التعليم والثقافة، وتعاني من إنتشار الأمية، وتتميز بإلتصاقها الشديد بمعتقداتها الدينية؛ يصبح من المسلم به،  أن تكون تلك الفئات هي الأكثر تقبلاّ لأي إثارة تتعلق بمقدساتها الدينية المذهبية، وهي على أتم الإستعداد للجري وراء أي شعارات تستقطب تلك المقدسات، دون وعي منها بحقيقة الأهداف التي يقصدها واضعوا تلك الشعارات..!
إن ما يجري اليوم من تقسيم الصراع في مجمل المنطقة، على أساس طائفي، كما هو الحال في العراق على نطاق محلي، إنما هو في الحقيقة عملية تعتيم على حقيقة الصراع الدائر بين العديد من الطوائف السياسية، والذي يبدو في ظاهره صراع طائفي - وهكذا يروج له من قبل أصحابه ومن قبل جميع الجهات الاخرى ذات المصلحة -،  إنما هو في جوهره، صراع يدور بين مختلف شرائح المجتمع المتخندقة الآن في تشكيلات سياسية ومنظمات عسكرية كالمليشيات وعصابات الإجرام وغيرها من التشكيلات غير المنظبطة ، للمسك بأكبر نصيب من ثروة المجتمع المهدورة بحكم الإحتلال وإنحلال الدولة، والسعي  وبذل أكبر الجهد والتصميم، للأستحواذ عليها  من خلال التفرد بالسلطة، والذي بدوره يتطلب النفوذ والهيمنة مع أكبر قدر من القوة المسلحة في ظل ظروف فقدان الدولة؛ حيث أن هذا لا يمكن تأمينه عن طريق الوسائل الديمقراطية التي عرفتها البلدان المتقدمة، بعد مسيرة كفاحية طويلة، لا لشيء وإنما لفقدان القاعدة الحقوقية لوجود مؤسسات للدولة، يمكنها أن تسير بالعملية السياسية وفق ضوابط قانونية ودستورية..! خاصة وإن عملية التطور الإقتصاإجتماعية لا زالت تحبو في تطورها، إن لم تكن قد أصابتها إنتكاسات خطيرة عرقلت من سيرورتها بل وحتى أوقفتها وجعلتها تراوح في مواقعها إن لم ترجع أشواطا الى الوراء...!
 وكل ما تم بعد ذلك من مؤسسات جديدة كالبرلمان والدستور، وتشكيل حكومة جديدة، فقد تم في ظل إطار حالة من  الفراغ السياسي والأمني والمؤسساتي،  حيث لم يتوفر لها الكفاية من الوقت كي يصبح تأثيرها فعالاّ ومؤثراّ على الصعيد العام، خاصة وفي ظل ظروف العراق بعد إنهيار الدولة ، إذ لم تتوفر تلك القوى التي كان يفترض أن يكون بإمكانها الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنشئاتها الصناعية والإجتماعية وهياكلها الأمنية، بل على العكس من ذلك؛ حيث كان موقف تلك القوى التي وجدت بعد إنهيار الدولة ، والمقصود بها قوات الإحتلال، موقفاّ غاية في السلبية وعدم الإهتمام، إذ كان تخريب وسرقة مؤسسات الدولة يجري أمام عيونها، بل وحتى بمشاركتها في كثير من الأحداث...!

فليس من باب الصدفة أن تلجأ تلك الفئات التي تطمح بالصعود الإقتصادي، وهي جلها من أصول برجوازية تجارية أو ريفية أو فئات طفيلية تهيأ لها أن تغتني وتشكل مراكز نفوذ إقتصادية- سياسية  جديدة في المجتمع بحكم ثرائها المستحدث بعد الإحتلال، أن تلجأ الى العباءة الدينية، وتغلف المسميات الجديدة لأحزابها وتنظيماتها المختلفة بالتسميات الدينية، وتلقي عليها مسوحاّ من القدسية الدينية بربطها وتأمين وجودها بمراجع دينية، لم تكن يوماّ طرفاّ ظاهراّ في اللعبة السياسية. وهذا ما متعارف عليه اليوم  ب"الإسلام السياسي"، وهي، في تقديري، تسمية غير دقيقة من الناحية الموضوعية، بل إنها تمنح أصحاب تلك الأحزاب شرعية دينية مقبولة في مواجهة بسطاء الناس، وتساعد على إخفاء الحقيقة الطبقية لتلك المكونات، شيعية كانت أو سنية، وتجعلها في حما الطقوس الدينية والمذهبية، بعيداّ عن أي نقد أو لوم بل وحتى عتب مهما قل شأنه، وهذا ما ينشده ويروج اليه أصحابها. وبذلك لم يبدو مستغرباّ بعد ذلك، أن تتدفق الملايين من الجماهير وراء قيادات تلك المنظمات السياسية ذات الواجهات  الدينية وبمختلف أشكالها ومنابعها، جاهلة أهدافها، ومبدية إستعدادها للقيام بكل ما يمكن أن يطلب منها تحت تأثير مقدسات الطائفة المذهبية..! ولا غرابة في الأمر إذا ما علمنا بطبيعة القاعدة الثقافية والفكرية، ومستويات التطور الإقتصادي الإجتماعي لمجتمعات تلك البلدان..! ولذلك تبدو مثل هذه المنظمات السياسية هي الأكثر قبولا في الأوساط الإجتماعية في بلداننا في مثل هذه الظروف..!؟

هذا ضمن النطاق المحلي، ولكنه على النطاق الإقليمي يختلف كلياّ، فالتمذهب الطائفي في العراق على الأساس الشيعي أو السني على سبيل المثال، لا يجمعه رابط مع ما يجري الحديث عنه فيما يخص التشيع في سوريا أو في لبنان وأيران. فالتشيع العراقي بالنسبة للعراقيين وغالبيتهم من الفلاحين وكادحي المدن ورغم أنهم يشكلون أغلبية مذهبية سكانية، لا يعبر عن أية أواصر لعلاقة مذهبية حميمة مع الشيعة في لبنان أو سوريا. وإن كان هناك ثمة روابط معينة، فهي في الأساس روابط تحكمها المشاعر العرقية قبل غيرها من المشاعر، وإن وجدت ، فهي بين نخب دينية من أبناء الطائفة من تلك الأطراف، تحكمها في الغالب مصالح متبادلة تتمحور أساساّ حول الشؤون الدينية والحوزوية المذهبية. وكذلك الحال بالنسبة للشيعة في إيران، أو الهند أو باكستان، فهي ليست بتلك المتانة والقوة التي يعتقدها الكثيرون ويبنون عليها نظرياتهم وإستنتاجاتهم في التحليل للمواقف السياسية..!

فما يجري البناء عليه اليوم، من "توحد" المواقف السياسية في كل من لبنان وسوريا والعراق وإيران كما يشاع، بإعتباره ناجم من الإنتماء المذهبي كأساس لذلك، وان كان هذا مشكوك فيه لتباين الأجندات، فهو لا يعبر في الواقع عن حقيقة الدوافع لهذا "التوحد" في المواقف، بقدر ما هو تسويف لطبيعة المصالح التي تتفاعل ديناميكيا بين القوى السياسية الموجودة في هذه البلدان والتي تخوض صراعاّ متعدد الإتجاهات والأهداف، شاءت الصدف أن يكون الإنتماء المذهبي أحد الروافع المساعدة لتحقيق هذا "التقارب"، والذي هو في جوهره متناقض متباعد.  فالأجندة الإيرانية وما تضمه من أهداف محددة لا يجمعها أي جامع مع الأجندة العراقية الهادفة الى بناء الدولة وتأمين الإستقرار وبالإتجاهات التي تخدم مصالح الفئات الجديدة التي تلتقي بشكل أو بآخر مع المصالح الأمريكية في المنطقة حيث هذه الأخيرة تتقاطع مع المصالح الأيرانية التي بدورها تعمل إيران على وضع العصي في عجلة تحقيق تلك المصالح (الأمريكية) من خلال إستخدام التقارب المذهبي بينها وبين العراق..!
   وليس مستغرباّ من ناحية أخرى أن تعمل قيادات بعض النخب السياسية ذات المنشأ الديني الحاكمة في العراق الآن، جاهدة لتقريب وجهات النظر بين الجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة وبين وأمريكا من جهة أخرى، من أجل ايجاد مخرج لها من حالة الإزدواجية التي تعاني منها في طبيعة علاقتها المتعارضة بين إيران وأمريكا..! ولا يعني هذا من جهة أخرى إنعدام وجود أطراف معينة بين الطوائف الدينية من الأغلبية الشيعية في العراق من تبني مواقفها طبقاّ لنظرية (ولاية الفقيه الإيرانية)، بل وتعمل جاهدة لأن يشرع لها عراقياّ وإن كان ذلك وفق أشكال أخرى..!؟

 وكذا هو الحال بين العراق وسوريا. ونفس الشيء يحكم الأمر بين العراق ولبنان..! ومن هنا يمكن القول؛ بأن كل هذه الأطراف مجتمعة تحكمها مصالحها الخاصة، قبل أن توحد مواقفها وحدانية المذهب كما يقال. وأي منها يعمل جاهداّ على أن تبنى علاقاته مع الأطراف الأخرى وفقاّ لما تحدده تلك المصالح، وليس طبقاّ لما تحكمه تقاليد وأعراف المذهب نفسه، حتى وإن لبست تلك العلاقات لبوساّ دينياّ أومذهبيا..! 

وكي يبدو الأمر أكثر منطقية، بأن القول بالتوحد المذهبي لا يمكنه أن يكون سبباّ في التقارب الحاصل اليوم في مواقف بعض تلك الدول، هو التقارب الإيراني مع الحركة الإسلامية (حماس)، فهو لم يبن على أساس مذهبي لإختلاف المذهبين بين الطرفين، رغم أن كليهما مؤطرين ومؤدلجين دينياّ، بل إن أساسه المصالح المتبادلة في التمحور وراء أهداف متباينة في مقاصدها، متفقة في وسائلها، حول كيفية توظيف القضية الفلسطينية في الصراع الدائر في المنطقة على الصعيدين الاقليمي والدولي، رغم عدم التكافيء بين طرفي المعادلة..!  وكذلك الحال في العلاقة المشتركة بين حركة (حماس) مع (حزب الله) في لبنان، رغم الإختلاف في الإنتماء المذهبي، فهما يتقاسمان نفس النظرة فيما يتعلق بالقضيتين الفلسطينية واللبنانية، رغم إختلاف أجندتهما في ما يتعلق بالنسبة لكل قضية على إنفراد، ولكن يجمعهما نفس الخيط الذي يجمع ايران وحماس، حيث تشكل (ايران) في اللعبة السياسية القاسم المشترك بين الطرفين، وكما هوالحال في طبيعة العلاقة بين حماس وسوريا المختلفتين مذهبيا..!
فالمذهب الشيعي على سبيل المثال ، لا يمثل قاسماّ مشتركاّ بالمعنى الدقيق "للتقارب الإيراني- السوري- اللبناني (حزب الله)- العراق" مع ما يشوبه من تعارض واضح في المقاصد والأجندات، حيث أن عوامل التوازن والتكافيء الإقتصادي والسياسي  بين مكونات هذا "التقارب" مقطوعة من جذورها، وليس ثمة ما يجمع بين هذه الأطراف، غير إلتقاءها الميكافيلي لدرء ومجابهة الأخطار التي تهدد مواقعها الجيوسياسية في الواقع العملي، وعلى صعيد الصراع المحلي والإقليمي-الدولي. وكل طرف من هذه الأطراف يجد نفسه في حاجة للأطراف الأخرى، لضمان تواصله في الثبات على مواقفه السياسية التي تجابه في كثير من الأحيان، رفضاّ من قبل المجتمع الدولي أو الجبهة الداخلية..! كما وليس من باب الإكتشاف القول ؛ بأن هذه الأطراف تتفاعل في علاقاتها مع بعضها من خلال مبدأ المصالح المتبادلة، حتى وإن بدت موازين تلك العلاقات تميل في الغالب الأعم الى جانب الطرف الأكثر جبروتاّ من حيث القوة والتأثير الإقليمي والدولي، لدرجة تبدو معه الأطراف الأخرى وكأنها مجرد أذرعة يجري تحريكها طبقاّ للأجندة الرئيسة للطرف المذكور..!

وليس إشكالية العلاقة بين العراق وإيران من جهة والعراق وسورية و(حزب الله) من جهة أخرى، تخرج عن دائرة هذا الإطار، وإن إختلفت بعض الشيء في حالة العلاقة بين العراق وإيران كما بينت أعلاه. وقد كشفت أحداث الأيام الأخيرة حقيقة تلك العلاقة الهشة على سبيل المثال بين العراق وسوريا، أو العراق وحزب الله، ، حيث لا مكان للحديث عن مثلث "شيعي" بقدر ما هو حديث عن أهداف متباينة وأجندات مختلفة،  ساعد وجود ايران كمنظم ومؤثر ولاعب أساسي في الصراع السياسي الأقليمي في المنطقة، على إكسابها مظهر التوحد المذهبي ، أو الإيحاء بذلك، يساعدها تمسك بعض أطراف هذه العلاقة بمقولة (ولاية الفقيه) كأساس حقوقي لنظام الحكم..!
 
إن ما يقال ويكثر الحديث عنه في وسائل الإعلام ، عن المثلث الشيعي وما يقابله من هلال سني، لا يعكس الحقيقة ولا يساعد على كشف الحقائق التي تقف وراء هذا "التقارب المتصور" بين مكونات أي من الاطراف المختلفة. فطموحات جميع الأطراف تعبر عن واقع الصراع على صعيد كل طرف منها وعلى صعيد المنطقة بشكل عام..!

ومن البدهي أن تسعى كافة القوى المتصارعة وخاصة تلك القوى المسماة بقوى "الإسلام السياسي" والمنتشرة في مناطق الصراع الساخنة في الشرق الأوسط، ، الى غطاء شعبي واسع لإضفاء الشرعية المناسبة على تطلعاتها، ولهذا تلجأ الى خطاب "البناء الديمقراطي الجديد"، والمعبر عنه بالمحاصصة الطائفية، كما هو الحال في العراق، لأحتواء حالة التأزم النفسي والكبت وغياب الديمقراطية التي عانى منها الشعب العراقي طيلة ثلاث عقود من الحكم الدكتاتوري الإستبدادي، أو خطاب المقاومة المدعوم معنوياّ ومادياّ بسبب أستمرار تواجد الإحتلال، كما هو الأمر في لبنان وفلسطين، لما لها جميعاّ من تأثير واسع النطاق على الجماهير، خاصة إذا ما جرى تأطيرها بمسحة دينية مذهبية أقرب في تأثيرها من أي منطق سياسي آخر.  فلا غرابة إذاّ، وبقدر ما يتعلق الأمر بالشأن العراقي أن تلجأ القوى السياسية الأخرى من معتنقي المذهب السني ،  الى المنطق المعاكس  داعية الدول المجاورة من معتنقي المذهب نفسه، مطالبة بتأييدها ورفع "الظلامة" عنها، والعكس صحيح من الجانب الآخر بالنسبة لمعتنقي المذهب الشيعي، رغم إدعاء كلا الطرفين بنفي طائفيتهما..!؟

 وهكذا يتعانق "المثلث والهلال"، ليخفيا حقيقة الصراع الطبقي على المصالح الإقتصادية المستعر الأوار بين تلك الفئات، والبعيد كل البعد عن الصراع بين المذاهب، رغم إتخاذه لهذا الشكل وبإرادة مسعري ذلك الصراع نفسه، وبدعم وتأييد من له مصلحة في تأجيجه..!؟ ولست هنا في وارد البحث في تفاصيل ذلك الصراع وتشعباته..!

 وفي جميع الأحوال يتمحور الأمر نحو هدف واحد يشترك الجميع ومن كلا الإتجاهين المذهبيين في السعي للوصول إليه  وهو التمسك ب(السلطة) حتى وإن كانت هشة أو هلامية أو لم تكتمل معالمها بعد..!  فالابعاد السياسية لكافة الاطراف مهما اختلفت في مسالكها وتاكتيكاتها اليومية، فانها تلتقي في تطلعاتها واهدافها في نقاط مشتركة وموحدة ، يصبح معها أشكال المثلث والهلال والاشكال الاخرى، سوى تعبير ليس ذي مغزى..!

وفي خضم هذا الصراع تذوب المصالح العليا لشعوب تلك البلدان في بحر دماء أبناءها، لتطفوا على أمواج هذا البحر مصالح النخب والفئات السياسية التي تقف وراء هذا الصراع..!

فبرك الدماء التي تغطي ربوع العراق والخراب الإقتصادي - الإجتماعي الذي تتعرض له البلاد وسيادة العنف والعنف المضاد، وإستشراء الفتك الإرهابي بصوره المتعددة، جميعها تشكل لوحة تراجيدية لبلد إرتهنته مصالح متصارعة من جميع الأطياف الدولية والإقليمية والمحلية، محولة ربوعه الآمنة الي ساحات لتصفية حساباتها، سلاحها الوحيد والمفضل، هو القتل ثم القتل ثم القتل، حتى يأتي اليوم الذي تهدأ فيه النفوس، وتخلو الساحة للأشد الأقوى، ليتربع العرش، متوجاّ فوق ركام الملايين من جماجم ضحايا الصراع من أبناء الشعب العراقي ، ليغرس شتلاته الجديدة، لتينع على ضفاف نهر دماء الضحايا، الذي سفكته أيدي المتصارعين ولاعبي السياسة المحدثين، ناهيك عن بطش المحتلين، الذي تجاوز في حدوده الإعتبارات الأخلاقية والقانونية، ومباديء حقوق الإنسان..!؟

وليس بعيداّ عن شبكة هذا الصراع ذي الأوجه المتعددة، ما يدور اليوم في الساحة السياسية اللبنانية، التي أنهكتها نتائج حرب تموز/ 2006 وما جرته عليها من ويلات وخراب لايمكن أن يتناسب مع قدرات وإمكانات بلد صغير مثل لبنان، من إحتقان سياسي وتمزق في النسيج الإجتماعي، لدرجة يمكن القول معها؛ بأن إخفاق لبنان في التوصل الى شاطيء الأمان وإعادة بناء ما خربته الحرب، إنما هو من نتائج توظيف المسألة اللبنانية وإستغلالها كأحد الروافع الفعالة في توسيع رقعة الصراع الإقليمي- الدولي في المنطقة لمصلحة المتصارعين وعلى حساب مصالح الشعب اللبناني نفسه..! وضمن هذه الأستراتيجية، تدخل سيناريو وقف تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 أو على أقل تقدير عرقلة تنفيذه..!
ومن المؤسف حقاّ والمحزن ايضاّ، أن تنطلي لعبة الصراع نفسها على الساحة الفلسطينية، التي يجد فيها الجميع تلك الساحة الأكثر نقاءّ والأكثر تفهماّ لطبيعة الصراع الأقليمي والأكثر تجربة والأغنى خبرة، فتنجر بعض فصائلها الوطنية المقاومة وفي مقدمتها حماس وفتح، الى لعبة الصراع الأقليمي – الدولي، المتفاقم في المنطقة، لتشارك، وأتمنى أن يكون ذلك بحسن نية، في تحويل الساحة الفلسطينية الى ميدان لصراع الآخرين ، معطلة بذلك المسيرة الديمقراطية النبيلة التي إنتهجها الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل من أجل الإستقلال وقيام دولته الحرة. ولعل في صيحة الكاتب الفلسطيني الأستاذ محمد موسى مناصرة مدير إدارة موقع (الحارس للدراسات والإعلام الألكتروني)، المنشورة في الموقع بتأريخ 28/1/2007 تحت عنوان(إرفعوا أيديكم عن شعبنا...!) ، ما يغني عن المزيد من القول وما يعبر عن مشاعر ووجدان ، ليس فقط الشعب الفلسطيني وحسب ، بل كل أبناء الشعوب العربية التي تضع القضية الفلسطينية في القلب من إهتماماتها، لما تراه من إقتتال الأخوة وسفك دماء كان حرياّ بأن تقدس، لأنها دماء الأبرياء من أبناء هذا الشعب المناضل، الذي لا زال يقف صامداّ بوجه نظام الإحتلال الإسرائيلي المتعفن..! 
كل ما يأمله المرء أن يفق قادة الفصائل الفلسطينية مجتمعة وأن يثبوا الى رشدهم، وينبذوا بعيداّ الأجندة التي رسمت لتوظيف قضيتهم وحرفها بالإتجاه الذي يخدم مصالح المتصارعين في المنطقة..! وعسى وأقول عسى، أن تكون دعوة العاهل السعودي لإجتماع قادة فتح وحماس في مكة هذه الأيام، من بواعث حفز الأمل بأن يستجيب قادة المنظمتين الوطنيتين الى منطق الحوار ، الهادف الى التحلي بأعلى قدر من الشعور بالمسؤولية، ووضع مصلحة الشعب الفلسطيني العليا فوق أية مصلحة أخرى، وبما يدفع الى إعادة ثقة الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم الأخرى بعدالة القضية الفلسطينية، ووحدة فصائلها المناضلة، وينجح التجربة الديمقراطية الفلسطينية في تبادل السلطة، وعدم الإستئثار بها لتعزيز مكاسب حزبية ضيقة مهما كانت الإعتبارات..!
من كل ما تقدم نخلص الى القول ؛ بأن ما يروج له كثيراّ من تحميل طابع الصراع المحلي- الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وتحديداّ المنطقة العربية، توصيفاّ طائفياّ، لا يعكس في حقيقته جوهر الصراع المذكور من كونه صراعاّ مركباّ ومعقداّ غاية التعقيد، تشترك فيه وتمارسه قوى كونية وإقليمية ومحلية، تختلف في أجنداتها بعضها عن البعض الآخر، من حيث المقاصد والأهداف، التي في أغلبيتها تتمحور حول مصالح إقتصادية توسعية وذات طبيعة هيمنية تقف في مقدمتها مصادر الطاقة، تدفع الى التشابك بخيوط متداخلة متعارضة، لا يكون فيها التمذهب الطائفي سوى أحد تلك الخيوط التي تلعب دوراّ له ما يميزه من التأثير المباشر على النتائج المتوقعة من قبل جميع الأطراف لعملية الصراع المذكورة، وفي مقدمتها أمريكا وأيران اللاعبان الرئيسان في هذه العملية
..!    [/size]

359
[b]باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

يتكرر الحديث وتعلو نبرة المتحدثين من على منابر المساجد والحسينيات، ومن أروقة المجالس والوزارات؛ من على شاشات التلفزة وأمام الميكروفونات؛ أن لا حرب طائفية ولا حرب ميليشيات، فالشيعة والسنة متآخون، والقتل على الهوية قتل مظنون، وآلاف الجثث المغدورة، والرقاب المنحورة، ومجازر المفخخات، ومقاتل الهاونات، ليست إلا مسلك ضار ، وإختلاف في الأراء، وتباين في المواقف..!

إن معرفة من يمارس القتل، مهم بقدر ما هو أكثر أهمية ، وقف القتل وتأمين  سلامة وأمن المواطن العراقي ، أي كان عرقه أو دينه أو مذهبه..! ففي ظل مسلسل القتل الإجرامي الذي تجاوز كل حدود المعقول واللامعقول بحق العراقيين، والذي كان آخره، المجزرة الدموية المدانة والمستنكرة من قبل الجميع في مدينة (الصدر) قبل أيام، تقف الحكومة العراقية في مقدمة من يمكن أن يوجه اليه التساؤل المشروع عن حقيقة ما يجري في البلاد من أعمال إبادة منظمة للسكان المدنيين من كل الطوائف، سواء شيعية أوسنية، وما تتعرض له الأقليات القومية والدينية من قتل وإقصاء وإنتهاك لحقوق الإنسان، وعن مغزى تفسير بعض المسؤولين من رجال البرلمان لما ترتكبه المليشيات المسلحة من أعمال قتل وتدمير، بأنه عبارة عن ردة فعل لأعمال الإرهاب المنظم الذي تحتضنه بعض أطراف مشاركة في العملية السياسية، وتوفر له الغطاء الحامي..؟!
أين أذن هو دور الحكومة الحيادي، في كل ما يجري، خاصة وإنها تعلن وبإستمرار بأنها حكومة للوحدة الوطنية، يدعمها البرلمان ويسندها الدستور. فأين تنتهي حدود مسؤوليتها في حماية أمن المواطنين وضمان سلامتهم..؟

الحكومة قلما تعترف بمسؤوليتها في فشل تحقيق برنامجها في تأمين جو الأمن والطمأنينة للمدنيين  وأحد أبرز أركانه هو حل المليشيات المسلحة، والمصالحة الوطنية، ناهيك عن الجوانب الأخرى المتعلقة بالخدمات والإقتصاد، وقلما تعلن بأن جل أعضاءها تابعون لأحزاب وكتل سياسية تدعم بعضها ميليشيات مسلحة ترفض الإنصياع للدولة، ولها أجنداتها الخاصة ولها مصادر تمويلها المختلفة، كما ولها من يدعمها من دول الجوار، خاصة تلك الدول التي تجد في الساحة العراقية المكان المناسب والمفضل لتفعيل خططها الموجهة للضغط على الطرف الأمريكي من أجل حل نزاعاتها معه بما يتوافق مع أجندتها وطموحاتها في المنطقة وفي المقدمة العراق..!   ولعل ما جاء في تصريحات السيد نجادي رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عشية زيارة السيد جلال الطالباني رئيس الجمهورية العراقي الى إيران، وتصريحات مرشد الجمهورية السيد خامنئي عند لقاءه الطالباني، حول الشأن العراقي ما يلقي ظلالاّ من التساؤل والشك حول النوايا المعلنة وغير المعلنة للدولة الجارة فيما يتعلق بتقديم المساعدة للعراق للخروج من أزمته الخانقة..!؟

فالأحداث الأخيرة قد وضعت النقاط على الحروف؛ وها هو شكل ومضمون الصراع بين أطراف العملية السياسية التي أجمعت في يوم ما على أنها دائبة على السير في طريق بناء العراق الديمقراطي الإتحادي التعددي، قد كشفت الآن عن مواقفها المتعارضة في فهمها لعملية البناء المذكورة، وأصبح لكل كتلة سياسية رأيها الخاص  حول طبيعة هذه العملية، والأسس التي ينبغي الإعتماد عليها؛ فالكل يشمر عن السواعد، ويطلق الوعيد وينذر بالتهديد؛ بل وصل الحال ببعضها حد إعلان التهديد بتعليق عضويتها في البرلمان والحكومة، ومنها من أوقف هذه الأنشطة فعلا. وبدلا من تفعيل أنشطة إحتواء الأزمة، يعلوا تراشق الإتهامات وردود الأفعال المتبادلة ، وتزدحم الفضائيات بصخب الشكاوى وااتهديدات المتعاكسة، وتختلط جميع الأوراق ومن قبل الجميع.  وفي تلبد هذا الجو المشحون، يستمر تدفق شلال دم العراقيين المسفوك ظلماّ وعسفاّ على أرضية صراع المصالح المتهالكة العمياء، للطوائف المتناحرة، التي يعتقد كل منها بأنها وحدها مالكة العراق وشعب العراق وتأريخ العراق، حتى أصبح القتل وسفك دماء الأبرياء من العراقيين، الثمن والسلاح الذي به تتحقق المصالح، ويستتب الأمن ويدوم بقاء السلطة..!؟  فأين نحن من شريعة الغاب..؟؟؟!

إن كان الكل متصالحون ومتوافقون، وإن كان مجلس النواب، رمز هذا التصالح، والحكومة نتاج هذا المجلس، فمن ياترى من له مصلحة في كل هذا التدهور والإنفلات الأمني ومسيل الدماء..؟! ولماذا تنتهك سمعة الدولة ، ولماذا تفتقد الحكومة هيبتها وتضمحل مركزيتها ويسوء حالها يوما بعد يوم..؟؟! ومن يصلح أن يجيب على هذا التساؤل..؟؟!

لا يحتمل الأمر اليوم التنظير والتحليل، فقد بلغت أوضاع العراق حداّ لم تبلغه من قبل، وعلى جميع من يمسك بخيوط اللعبة السياسية أن يكشف أوراقه أمام الآخرين وأمام الشعب، ولتصاغ أقوال السادة من السياسيين وماسكي زمام السلطة الى أفعال ملموسة تعبر حقاّ عن وحدة المسؤولية وعن وحدة الخطاب السياسي ووحدة التوجه لوقف التداعي المهلك، فالخاسر وحده هو الشعب لا غير. وحجب الحقيقة عن الشعب وما يتداوله البرلمانيون من نقاشات وحوارات من خلال منع وسائل الإعلام من حضور جلسات البرلمان بحجة أنها تعمل على شحن الشارع ، لايخدم في الحقيقة المصلحة الحقيقية لهذا الشارع الذي أرهقته الأكاذيب والوعود، ولا يعبر عن أفق ديمقراطي، مهما قيل عن التشبث بحالة الطواريء على حد قول مجلس النواب..!

لقد قيل الكثير والكثير عن مغبة ما ستؤول اليه الأوضاع في العراق، وكتب الكثير من الكتاب العراقيين*، محذرين من مغبة الركون الى مقولة المحاصصة الطائفية وما تجره على الشعب والوطن من ويلات ودمار بلا حدود، وبإنها تبطن في داخلها فتيل الفتنة، وها هي تداعياتها اليوم؛ أن أصبح العراق، معروضاّ في الأسواق الإقليمية والدولية وحاله كحال الرجل المريض، بعد أن تعرضت وحدة الشعب الى التشرذم الطائفي والإحتراب، حداّ منح الإرهاب بكل صوره وأشكاله البربرية الهمجية، فرصة أكبر للنيل من دماء العراقيين، وأعطى قوات الإحتلال "متعددة الجنسية"  كل المسوغات لتواصل وجودها، بل منحها شرعية إستمرار هذا الوجود المقرونة بالقبول والتأييد من قبل بعض القيادات السياسية، لشعورها بالضعف بسبب إنقسامها وصراعها على السلطة..! ويعكس الإختلاف بين أطراف العملية السياسية في الموقف من تسلم الملف الأمني كاملا من قبل تلك القوات الى السلطة العراقية، والذي يتوقع أن يكون أحد نقاط الحوار بين السيد المالكي رئيس الحكومة العراقية والرئيس بوش في لقاءهما في الأردن اليوم، أحد مظاهر الأزمة المتفاقمة بين هذه الأطراف..! 

فهل في مقدور تلك القوى السياسية التي تجتمع تحت سقف قبة البرلمان اليوم، وبعد أن عصفت بها أحداث الأيام الأخيرة ووضعتها أمام مسؤوليتها التأريخية، أقول هل في وسع هذه القوى أن تخرج البلاد من الأزمة الدافعة بإتجاه الكارثة، وتعيد للعراق مكانته الدولية ولشعبه الإحترام والأمان والطمأنينة، وهل ستنجح في لم شمل مكونات النسيج الإجتماعي الذي مزقه التناحر الطائفي، وتعزيز وحدته، ونبذ الطائفية ومشاريعها قولاّ وممارسة..؟ هل ستدرك بأن السير بالعملية السياسية وضمان نجاحها، لا يستقيم إلا بالتوحد الحقيقي للكلمة بعيداّ عن المنطق العاطفي، أو تأجيج مشاعر الشارع، أو التشبث بثوابت ذات نفس مصلحي فئوي، أو حتى طائفي..!

 لعل ما ورد على لسان بعض رؤوساء الكتل السياسية وعدد من رجال الدولة ورئيس الحكومة من تحملهم المسؤولية المباشرة عن حالة التدهور الشديد في الوضع الأمني، ما يبعث على بعض الأمل في إنفراج قريب، ولكن كل ذلك مرهون بما يتبعه من خطوات عملية على كافة الأصعدة ومن قبل جميع الأطراف السياسية الممسكة بخيوط العملية السياسية وكل من يشارك فيها،  وما سوف تقدم عليه من خطط وسياسات يؤمل منها أن تكون أكثر واقعية ومسؤولية؛ تأخذ بعين الإهتمام مصلحة الوطن والشعب العراقي بمجموعه قبل مصالحها الفئوية الطائفية التي أوصلت الحال الى شفا الهاوية..! فهل ستأتي نتائج لقاء (المالكي – بوِش ) بمؤشرات واقعية على التوجه الجاد لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وإعادة النظر في مسيرة الأعوام الثلاث الماضية والنتائج المدمرة التي تمخضت عنها، وهل في جعبة السيد بوش من جديد لوقف التداعيات المتواصلة "للعملية السياسية" ونتائجها الكارثية..؟ وهل ستلعب الدبلوماسية العربية عموما ودول الجوار بوجه خاص دورها في إشاعة الأمن والإستقرار في ربوع العراق، ورفع يدها عن التدخل في شؤونه الداخلية..؟ وهل هناك من مؤشر إيجابي للتحرك العراقي على الصعيد الإقليمي، ما يدفع بإتجاه التعاون المثمر بين دول الجوار والعراق على تأكيد أهمية إحترام إستقلاله وسيادة أراضيه، ووقف إستخدامها ساحة للمناورة ولحسم النزاعات الدولية..؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذه التساؤلات وبما ستؤول اليه الأوضاع، وما سيحدد مصير "العملية السياسية" وآفاقها المستقبلية..!     

ما يأمله المرء أن تكون جميع هذه الأطراف قد أدركت اليوم، بأن طريق الإحتراب والإستقواء بالمليشيات المسلحة على إختلاف مشاربها بما فيها المشاريع المقترحة لما يسمى باللجان الشعبية، ليس هو الطريق الصائب لبناء الديمقراطية المنشودة. ووجود مثل تلك المنظمات العسكرية ليس إلا تقويض لهيبة الدولة وإسقاط فعلي لحكومتها، وتعبير واضح عن أرادة مسبقة في الإنفراد بالتحكم بالقرار السياسي والسلطة..!

 والأدهى أن تكون بعض تلك الأطراف شركاء في تلك الحكومة، إذ تحاول سد الطريق في وجهها ،عندما تخطو لتنفيذ برنامجها الذي إلتزمت به أمام البرلمان بحل تلك المنظمات المسلحة؛ بل أنها وعلى العكس من ذلك، تحاول سوق المبررات والتفسيرات لأسباب تمسكها بهذه التشكيلات العسكرية، رغم إدراكها ومعرفتها المسبقة بأن وجودها هو خارج نطاق القانون، وأن تبريراتها تصب في النهاية في صالح خانة منظمات الإرهاب ومنظمات الجريمة المستفيدة كلياّ من وجود هذه المليشيات المسلحة. بل وإدراكاّ للحقيقة، فأن من بعض أهداف منظمات الإرهاب هذه، هو الترويج لبقاء هذه المليشيات لما تراه من مصلحة في وجودها خدمة لأهدافها في تقويض أسس بناء الدولة وإضعاف الحكومة والدفع بالوضع الأمني بإتجاه الهاوية، ناهيك عن تستر عصابات الجريمة وراء هذه المليشيات والإختباء تحت عباءتها..!   

أما التغني بالوحدة الوطنية والحكومة الوطنية، فلا سبيل لتحقيقه إلا بوحدة الموقف ووحدة الخطاب السياسي ووحدة التوجه، والتخلي عن الإقصاء، وبالمشاركة الحقيقية الفعالة للجميع في إتخاذ القرار. ومن هذا المنطلق، يمكن تفعيل المصالحة الوطنية، بروح الديمقراطية والحوار المفتوح بين جميع مكونات الشعب العراقي دون نبذ أو إقصاء،  والتسامح وسيادة الدستور وإستئصال الجريمة بتفعيل دور القضاء العراقي وإشاعة العدل والمساواة بين الناس..!

 وهذا لا يتحقق ولن يتحقق إلا بالتزام جميع الكتل السياسية وبالمشاركة الفعالة مع منظمات المجتمع المدني، بنبذ المسار الطائفي في حل النزاعات، والإبتعاد عن منطق المحاصصة على أساس طائفي في بناء مؤسسات الدولة وتشكيلات الحكومة. وكي يكون ذلك أمراّ واقعياّ،  فإنه مرهون أولاّ بإستجابة جميع القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية والتي تمتلك ميليشيات مسلحة، أن تعلن عن إلتزامها بحل تلك المليشيات..!

كما ولا يغيب عن البال مغزى التحذير الذي وجهه الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السيد كوفي عنان مؤخراّ حول تردي الأوضاع الأمنية في العراق، ودعوته المجتمع الدولي الى تبني عقد مؤتمر دولي حول العراق، بما لهما من دلالات سياسية بالنسبة لمستقبل العراق، ومجمل العملية السياسية..! وما يعكسه قرار مجلس الأمن المتخذ اليوم بتمديد بقاء قوات المتعددة الجنسية حتى نهاية عام 2007 ، إلا مؤشر قوي على قناعة المجتمع الدولي بهذه الحقيقة التي يأتي طلب الحكومة العراقية لإتخاذ هذا القرار، إقراراّ لها وإعترافاّ قطعياّ بحقيقة التدهور القائم..!   

  أما الخوض في برك النتائج وإستخدامها كذرائع لنتائج أخرى، والتغافل عن البحث في جذور أسبابها، فهو الكارثة بعينها. وهو العامل الديناميكي الذي يدفع دوماّ بإتجاه تسخين مشاعر المواطنين، وتحريك محفزات ردود الأفعال المهلكة، وإستمرار دوامة العنف والعنف المضاد، وتسييد الخطاب العاطفي الإنفعالي، المشحون بروح الكراهية والإنتقام على خطاب التعقل والحكمة وجمع الكلمة..!

 فنحو أي خطاب نحن ماضون..؟؟!
_______________________________
*- راجع مقالتنا حول الموضوع (( الفلتان وما بعده الطوفان))
[/b[/font][/b]]

360
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

تحت عنوان((مطلب الإنسحاب من العراق)) كتبت صحيفة أخبار اليوم (DAGENS NYHETER)  السويدية في عددها الصادر في التاسع من نوفمبر 2006 معلقة على نتائج إنتخابات الكونغرس الأمريكي التي جرت بتأريخ الثامن من نوفمبر2006 بما يفيد؛
 
أن الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يمكن أن يجبر الآن على  عدم التخلي عن عناده ويقدم على مغامرة جديدة في العراق.   في الوقت الذي يرى  فيه العديد من الجمهوريين ضرورة جدولة الإنسحاب العسكري من العراق.  أما وزير الدفاع دونالد رامسفيلد فقد أصبح أول ضحايا الإنتخابات.

 وطبقا للصحيفة، فإن هيمنة الإستياء من الحرب العراقية على الحملة الإنتخابية، قد مكنت الديمقراطيين من النجاح في تصوير إنتخابات الكونغرس وكأنها تصويت شعبي على الحرب العراقية.

هذا ما جعل الأمر صعباّ على الرئيس بوش، أن يتجاهل بأن توازن السلطة في الكونغرس قد تغير. وهذا يعني من الناحية الأخرى بأن الشعب الأمريكي قد قال كلمته في مطالبته بإجراء تغيير في العراق. وعلى حد قول (نانسي بيلوسي) التي تتهيأ لأن تكون رئيس البرلمان الجديد؛  "بأننا لا يمكن أن نستمر  السير في طريق اليوم الكارثي."

ولكن وعلى حد  قول الصحيفة؛ فإن الأمر لا يتعلق فقط  بأن الديمقراطيين سيكون بمقدورهم قول الكثير حول مسألة السيطرة على لجان الكونغرس المهمة،  بقدر ما يمكنهم ذلك من النظر والتدقيق في مسألة الحرب العراقية، بالشكل الذي سيكون مزعجاّ للبيت الأبيض.

وتضيف الصحيفة ؛ بأنه يجب على الرئيس بوش أن يأخذ بالحسبان، بأنه في حالة تقييم الحرب العراقية، بأنها إخفاق تام، فإن القلق في صفوف الجمهوريين سوف يزداد وهم في الطريق الى إنتخابات الرئاسة والكونغرس عام 2008.

قبل الآن وتحت الحملة الإنتخابية، أظهرت الأمور، كيف أن الجمهوريين اليائسين حاولوا  تفادي الهزيمة الإنتخابية، من خلال النقد المفتوح للحرب العراقية، وإشتراطهم الجدولة الزمنية وإستقالة رامسفيلد.
وعندما قال الناخبون الأميركيون كلمتهم الآن، ظهر الأمر وكأن الجمهوريين قد إرتكبوا ستراتيجية إنتحارية بمضييهم قدماّ في العراق، وكأنه لم يحدث شيئاّ، كما تعتقد الصحيفة.

إن الدعم الذي كان يحضى به بوش سبق وأن أصبح خارج الفهم؛ فطبقاّ الى العدد القادم من النشرة الدورية (VanityF&auml;r) ، فإن المحافظين الجدد مثل ريجارد بيرل وكينت أيدلمان، قد وجها نقداّ شديداّ لطريقة معالجة الحرب العراقية. أو كما يقال؛ فإن أصول تلك الرؤى عند الإدارة، يرجع الى عدم الأهلية في القيادة على حد تصورهم. كما وإنه بات جلياّ،  بأنه أصبح من الصعب على الرئيس بوش أن ينجح في إنجاز المهمة في العراق، من وجهة نظر المعتقد الوطني. على حد تعبير الصحيفة..!

لقد ظهر بأنه لا توجد هناك أسلحة للدمار الشامل، كما وأن فكرة خلق نموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط، هي الأخرى قد فقدت الثقة بها،عندما سقط العراق في كارثة من النزاعات الطائفية ودوامة العنف.

 وتضيف الصحيفة قائلةّ؛ ولكن نتائج إنتخابات الكونغرس، قد حفزت الديمقراطيين للتحدي، فالأمر لن يطول كثيراّ حتى يلقون تبعة كل ما جرى على عاتق بوش، ويشترطون رأس رامسفيلد. *(سبق وأن قدم إستقالته)

إن الولايات المتحدة الأمريكية، والى وقت قادم، موجودة في العراق، وكل ما يحتاجه الديمقراطيون الآن هو الأتفاق حول خطة بنائية إستدلالية، كما تعبر الصحيفة. ووفقاّ لتصريح القادة الحزبيين الجدد، فليس هناك من مؤشر على أن مطالب الجناح اليساري للحزب بالإنسحاب المباشر للقوات في طريقه للإقرار. وبدلا عن ذلك يجري الحديث عن حل توافقي منتظر، يشتمل على جدول زمني طويل الأمد للإنسحاب، يكون بإمكانه كبح جماح جميع الأطراف في العراق.

ومع ذلك فإن السؤال المطروح؛ هو كيف سيتصرف الرئيس بوش؛ فهو لحد الآن يرفض جميع أمثال تلك الطلبات، وعلى حد ما أشار اليه (جيمس ثوربر) الخبير بالعلوم السياسية في جامعة واشنطن؛ بأن بوش كرجل سياسي، غير مستعد للتفاهم حول حلول وسطية.
وعلى حد تصور الجريدة من خلال مراسلها في واشنطن لينارت بيرسون، فإنه وكي يفتح باب حفظ ماء الوجه، فإن اللجنة السياسية المتقاطعة تحت قيادة وزير الخارجية الأسبق الجمهوري جيمس بيكر والديمقراطي لي هاملتون، ستقوم وخلال وقت قصير بطرح تقريرها.
وتنتهي الصحيفة بالقول؛ الى أن جيمس بيكر قد كان واضحاّ في قوله ، بأن البدائل (المقترحة من قبل اللجنة) للحالة العراقية القائمة الآن، يجب أن تؤخذ بالإعتبار.

361
باقر الفضلي
bsa2005@hotmail.com

أهي الحرب أوارها يستعر.. أهي قذائف القنابل تنهال على الرؤوس..  لن تستهدف الأطفال ولا الشيوخ أو النساء،  قنابل من نوع ووزن جديد، قنابل أقلها مؤلم وأكبرها مفزع مفجع؛ لا تطال عدواّ معروف ، ولا تستهدف علماّ مرفوع.

النخبة تقاتل النخبة، والكل في البلاء مفجوع.
 أسهل الكلام القذف والقذع، وأفضل الحماية التحصن بالسب؛ والسبّاب هو من يعلو صوته، ويكبر ضجيجه، وتتبلد حكمته، وإن كبرت منزلته؛ أما الشتم؛  فصيغة من صيغ الهجاء. وما كان الفرزدق أو جرير غير شتامين، وكالا لبعضهما غليظ الكلام وأقساه، فكان أبدع الشعر وأحلاه.  وأمسيا في الإبداع العربي، عمودين شامخين  حتى الساعة.. وأقسى الحروب حروب الكلام..!

ما يدهم المثقفين المبدعين اليوم، هو ما أدهمهم بالأمس من سوء؛ من تنكيل وتهميش، وحرمان من حرية التعبير وإن إمتلكوا حرية التفكير. وما بدأته الدكتاتورية من مطاردة وقتل وملاحقة ونفي، تستكمله اليوم، تهم العمالة والإرتزاق والتبعية والتكفير والتخوين والإبتزاز، فما كانوا يوماّ منصفين ( بضم الميم وفتح الصاد) أو منصورين..!

إستقلاليتهم في الرأي، وبالاّ  يصب على الرؤوس، ومحاولاتهم الإقتراب من بعض، جحيماّ تكوى به الأجساد.. إن نهدوا لقول الحقيقة، رشقتهم سهام الشك والضغينه، وهمش ما يكتبون، وبخس "القوم" شأن ما يبدعون..! حتى في زمن الحرية الألكترونية، فحظهم مرهون برغبة ومشيئة الرقيب الجديد..!

المثقف مبدع في ذاته، غال عند نفسه؛ نرجسيته عنوان وحيه؛ نرجسية المتنبي وطلعة كبريائه. وتواضعه رمز حكمته وحلمه؛ تواضع معن بن زائدة وحلمه.  وصبره_ إن أسعفه الصبر_  صبر أيوب؛ لا جزعاّ فيأكل بعضه، ولا يئساّ فتقتله المرارة والحسرة..!

المثقف المبدع، ودود في طبعه، محب لوطنه، مدرك لإرادته، مرهف في حسه، شفاف في علاقاته. عندليب في فضاءه، عصي على أقفاص الحكام.
 فإن سار بطوعه نحو ذلك، ومال بإختياره إليه؛ ماتت قريحته، وهرم شبابه، وشاخت ألحانه.. أو هلك في الزمان؛ نسياّ منسيا.
 وإن أدخل قسراّ، وأستعبد جبراّ؛ ضاق به المكان  ، وعز عليه الفضاء؛  فالهجرة منفاه والغربة فسيح فضاءه..!

فأي مثقف مبدع هذا الذي يشتري نفسه بزهيد المال ويبيعها بأبخس الأثمان، وأي مثقف مبدع هذا الذي يغتال مارده بيده، وأي مثقف مبدع هذا الذي لا "يبدع" إلا تحت سياط الجلاد..!
 
ليس مبدعاّ من أرخى قياده لغيره، وليس مبدعاّ من رهن إبداعه لمشيئة من شاء ومن تحكم. فالإبداع ليس شيئاّ يمسك عليه ،  فيهبه لمن شاء وأنى شاء.. الإبداع موهبة تصقلها الحياة، وثمرة لا تؤكل وهي حصرم، ونتاجاّ لا يقطف إن لم ينضج...! فلا هناك من يصنع المبدع، ولا هناك من يتفضل عليه؛ هو سيد نفسه، وإبداعه تاج رأسه..!

من يعلم كل هذا لا أظنه بعد ذلك؛  يشحذ سيفاّ، أو ينصب مقصلة ليقطع رأساّ، أو يشن حرباّ ليصنع مقتلةّ؛ القاتل فيها مبدع والمقتول بها مبدع..! فما يجمع المثقفين غير الإبداع، وما يفرقهم إلا الإبداع..!

 فإختلاف المبدعين،  خصام مبعثه الحرص، ومنتهاه البحث عن الحقيقة، ونتاجه عبقرية وتجديد وإثراء؛  أما خصام السياسيين، فأصله المصلحة ومبتغاه التحكم والسلطة، وحصيلته القهر والحرمان، وضحاياه المثقفون المبدعون..!

 والعلاقة بين الحقيقة والسلطة، كعلاقة الماء بالنار؛ فإن إندمج الهدفان، وتوحد الغرضان، وتزاوج النقيضان، جاء الوليد مسخاّ، تابعاّ ذليلاّ؛  كسيحاّ لا يقوى على الوقوف ولا يصمد أمام العواصف؛ محني الهامة ، محدودب الظهر؛ رهن الإشارة فيما يطاع وما لا يطاع؛ داجن (بكسر الجيم) فيما يأنسه من مقام؛ سقط متاع،  فلا ثقافة ولا إبداع..!
       
المثقف المبدع، هو عين المجتمع التي بها يبصر، وبوصلته التي بها يبحر، ونتاجه في الصراع مع السلطان، وهو من يلجأ اليه حينما يبحث عن جواب؛  لمّا تلم به الشدة، وتعتصره المحنة، وتضيق به سبل المعرفة، ويخيب ظنه بمعسول الكلام، وترهق أعصابه مواعيد السياسيين؛  فالمثقف المبدع أقرب اليه من حبل الوريد، وأرهف منه في الحس لما تخبئه الهواجس..!
 
عصي على الإنقياد؛ فلا هو سلعة تشترى أو تباع، ولا هو ديكور لحاكم أو سلطان. هو "السهل الممتنع" ، لا تؤطره شهادة ولا تزينه الألقاب.. ولا تؤنسه مقاربة الحكام؛  يذوب في الحقيقة كما تذوب فيه؛ حلاج في عشقه، غاليلو في إصراره، جان دارك في الإيمان..! فلا مظلة تأسره بظلها، ولا هالة تقتنص منه إرادته فيما يقول وما يفكر.. وحده سيد نفسه ومالك إبداعه.. هو عين الشعب ولسانه..!

 وأمة لا تبجل مبدعيها، ممهور عليها بالجهالة والندامة..!

 فالعدل العدل مع المثقف المبدع،  " فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق." " وكفى بالمرء جهلاّ ألا يعرف قدره." 

إن المثقفين المبدعين، أحرار إن إلتقوا وأحرار إن لم يلتقوا، فلا اللقاء يصهر أفكارهم، ولا الإفتراق يدق أسفين بين نواياهم ومحبتهم لوطنهم وشعبهم، وبين إبتعادهم عن بعضهم في الغربة. ما يوحدهم هو الإبداع وليس سقط المتاع، وما يثبت إرادتهم هو الهدف النبيل، وإن إختلفت المسارات وتباينت السكك.. في لقاءهم متعة وفي تفارقهم شوق ومحبة.. وحالهم حال الحبيب، الذي أسلم أمره لقضاءه وقدره،  كما أسلم حبيب إبراهيم ناجي أمره اليه:
 
يا حبيبي كل شيء بقضاء ما بأيدينا خلقنا تعساء
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعدما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلي غايته لا تقل شئنا،وقل لي الحظ شاء !
     

362
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


في الحادي عشر من تشرين الأول/2006 تم إقرار قانون تأسيس الأقاليم من قبل مجلس النواب، وإكتسب شرعيته طبقا لنصوص الدستور، وأصبح وجوده أمرا قائماّ غير قابل للإجتهاد القانوني  من الناحية الشكلية.
العملية تمت وليس لدى المرء ما يقوله من حيث سلامة الإجراءات المعلنة، والمتعلقة بإستكمال النصاب وشرعية الجلسة البرلمانية من الناحية الشكلية، ولكن ومع ذلك، فقد جاءت تداعيات ما جرى في تلك الجلسة، لتعكس صورة الواقع السياسي المنقسم والقائم في العراق الآن، ولتعبر عن طبيعة ردود الفعل التي إستتبعت النتائج التي تمخضت عن إقرار القانون.

ليس من المحبذ التمسك بالحديث فقط عن الجانب الدستوري الذي جرى جدل كثير حوله، فقد إختلطت الأوراق وأصبح من المتعذر أحياناّ، التفريق ما بين الهدف والذريعة.  وهكذا "يقال" اليوم بأن ما جرى تحت قبة البرلمان يوم 11/10/2006، كان إقراراّ  "لفدرالية الجنوب والوسط" الجديدة، التي تواجه ممانعة ورفضا كبيرين من قبل أوساط عديدة، من جميع الكتل السياسية البرلمانية على وجه الخصوص. كما وشنت حملات إعلامية منتقدة للذين كانوا مع التصويت للقانون، وأخرى تشيد بمواقفهم، في الوقت الذي إندفع فيه الطرفان من الجانبين بإتجاه تعميق الهوة بين الأطراف السياسية، دون أن يجري تحديد ما قد جرى تحت قبة البرلمان وما قصدته عملية التصويت من أهداف وغايات..!

هل حقا إن ما تم التصويت عليه وإقراره كان يعني (الفدرالية) بعينها أم كان يعني شيئاّ آخر؟ هذا الأمر لم يحاول منتقدوا المصوتين لإقرار القانون أن يحددوه بالضبط ولا المدافعون عنهم..! بل إقتصر الأمر على التنديد بالمصوتين لصالح القانون، ورميهم بشتى أنواع الأتهامات وأقذعها، ومن جانبهم رد مؤيدوا نتيجة التصويت، بكلام أشد وبردود فعل أقسى وكالوا شتى الإتهامات لمنتقدي النتائج ومعارضيها..! وهكذا عادة، تجري التقييمات في الأمور الخلافية، ويفتقد الخطاب العقلاني المثمر، ويغيب منطق النقد الصحيح، ويكثر الصخب المدوي، وتضيع كلمات الحق بل وحتى الباطل في معمعان الصراخ والهيجان، ناهيك عن دوي المفخخات وأزيز الهاونات، وعويل النساء الثكلى وصراخ الأطفال المفجوعين..! ومع ذلك فقد وردت عدة بيانات وإيضاحات من جانب بعض النواب والكتل السياسية التي دعمت إقرار القانون..!
 
ليس المهم الآن إن كان توقيت التصويت قد جاء في وقته أم لا،  فهذا الأمر قد حسمه الدستور سلفا- المادة/115، كما وليس مهماّ أن كان  أقر "الفدرالية" أم أقر شيئاّ آخر.؟

 المهم في المسألة، هو التساؤل المشروع، فيما إذا كان مجلس النواب قد نجح فعلاّ في وضع النقاط على الحروف، وأزال الغموض الذي يكتنف موضوع (الفدرالية) نفسه، الذي ثبته الدستور، من غير أن يحدد أسس إقامتها ومقوماتها ومسوغات وأسباب تشريعها، وكل ما يتعلق بأشكالها وحدود تطبيقها.  أم أنه عمق ذلك الغموض وكرس الإنقسام ووسع شقة الخلاف بهذا الشأن..؟!

لا شك في أن مجلس النواب قد أقر قانون تأسيس الأقاليم الذي نص عليه الدستور/مادة 115، والذي جاء في جميع مواده باحثاّ في طرق تشكيل الأقاليم، وتفاصيل هذا التشكيل، وطرق الإنتخاب والطعن وغيرها من الإجراءات الشكلية الأخرى. إلا أن الملفت للنظر أن القانون المقر قد أغفل هو الآخر الأمر الأهم الذي أغفله من قبله الدستور نفسه. وقد حسب المرء أن المشرعين سيأخذون ذلك بعين الإعتبار ويعالجون النقص الذي شاب الدستور والذي أشرت اليه في أعلاه، عند إقرارهم لقانون تأسيس الأقاليم، ولكن وللأسف أشير، بأن الأخوة ممثلي الشعب كانوا في غاية العجالة من أمرهم، حيث لم يسعهم الوقت للألتفات الى ذلك، رغم قراءتين للمشروع؛ ومن شاهد جلسة المجلس يوم 11/10/2006 من على الشاشة الصغيرة سيدرك ذلك، ولا أقول سيدرك أسبابه..!

إن عدم الوضوح الذي إكتنف "النص الدستوري" في المادة الأولى من الدستور حول نظام الحكم (الإتحادي)، والذي جرى تكريسه مجدداّ في الباب الخامس/ الفصل الأول من الدستور/ المواد/ 113 و 114 و118، المتعلقة بتأسيس الأقاليم، يقف وراء إحدى أكبر المحن التي تواجه البلاد اليوم، ويفسر لنا الغاية التي قصدتها لجنة كتابة الدستور في حينه من وراء ذلك الغموض، وهي اللجنة التي بنيت على أساس مبدأ لا ديمقراطي، هو مبدأ "المحاصصة" ووليده "نظام القوائم" للترشيح للبرلمان، الذي يعبر عن حالة التوازن اللاشرعي  والمبني على أسس التقسيم الديموغرافي الطائفي الذي فرضه (بريمر) على القوى السياسية، التي قبلت به لأسباب ترتبط بمصالح أي منها، قبل أن يرتبط ذلك القبول بمصالح البلاد العامة. المبدأ الذي أسست دعامتيه على الإثنية والطائفية..!؟  وهو نفس المبدأ الذي يجري تداوله في الوقت الحاضر ، والتي تعتمده أيضا "مقترحات" لجنة ( جيمس بيكر) وزير خارجية أمريكا السابق حول تقسيم العراق الذي سيطرح أمام الكونغرس الأمريكي، كأحد الحلول لحل أزمة أمريكا في العراق..!؟

إن إقرار الدستور لنظام الحكم (الإتحادي) في البلاد مع إقرار وجود الإقليم الكوردستاني في آن واحد، وإقرار الأقاليم الجديدة فيما بعد- المادة/114، بإعتبارها (إقاليم إتحادية)،  دونما أن يعطي صورة واضحة عن طبيعة النظام (الإتحادي) المذكور، وماهيته وشروط تأسيسه وأسس بناءه، وهل أن طابع (الإتحاد) سيكون  (فدراليا) أم (كونفدراليا)، وما هي المقومات التي يجب توفرها في (الإقليم) كي يدعى إقليماّ، وما هي مقومات العلاقة (الفدرالية) التي يجب الإحتكام اليها كي تدعى علاقة فدرالية..!
والأكثر غرابة، أن قانون (إدارة الدولة المؤقت) الذي يعتبر المورث الشرعي للدستور الدائم ، هو الآخر قد وضع مشروع (الفدرالية)، في حالة من الضبابية المقصودة، وترك الباب مفتوحاّ لكل الإجتهادات والتأويلات. ولعل  قراءة المادة الرابعة من القانون المذكور تعطينا بعض الملامح عن هذه الضبابية، وأقول المقصودة، لتضع الجميع فيما بعد، وسط دوامة من الخلافات الشائكة اللامنتهية، ولتنتهي بهذا التناحر الدموي والتجاذب الطائفي المتعصب..!
المادة الرابعة: (قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الإنتقالية)
((نظام الحكم في العراق جمهوري, اتحادي (فدرالي)، ديمقراطي, تعددّي, ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية. ويقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات وليس على أساس الأصل أو العرق أو الإثنية أو القومية أو المذهب.))
ورغم أن قانون إدارة الدولة السابق قد عرف نوع (الإتحاد ) بأنه (فدرالي) إلا أنه لم يكن واضحاّ في تحديد أسس بناء هذه (الفدرالية)، فيما عدا القول بأنها تبنى على:  "اساس الحقائق الجغرافية والتأريخية..الخ" كما ورد في نص المادة الرابعة أعلاه، إلا أنه لم يوضح شيئا عن هذه "الحقائق" وترك الأمر في غاية الغموض والتشوش، خاصة بعد أن ذكر الأسس التي لا يصح أن تبنى عليها الفدرالية وحددها في: " الأصل أو العرق أو الإثنية أو القومية أو المذهب "،  فجاءت خليطاّ غير متجانس من المفاهيم والمصطلحات التي أزادت الطين بلة، ورسمت صورة هلامية عن تلك الأسس، ووضعت المرء أمام حالة من الحيرة والتخبط عند البحث عن ما تعنيه المادة المذكورة، فيما عدا أنه سيكون أمام (فدرالية) لا طعم لها ولا لون، والذين شرعوا لذلك القانون وحدهم يعلمون ما يبتغون..! فإن كانت الفدرالية لا تؤسس على شيء من كل هذا، فيا ترى أي اسس يمكن الركون لها بعد ذلك..؟ وما تعنيه " الحقائق الجغرافية والتأريخية" وما هي حدودها المرسومة..؟!

 أما الدستور نفسه فجاء أكثر وضوحاّ  مما جاء في نص المادة الرابعة من قانون إدارة الدولة أعلاه، وإن تطابق معها في النتيجة، فهو قد ألغى كل ما هو ذا علاقة بشأن إسمه (الفدرالية) وإكتفى فقط بذكر (نظام إتحادي) دون لف أو دوران، تاركاّ فك رموز هذا اللغز، لجهابذة السياسيين وذي الإختصاص، ليحددوا فيما بعد أي فدرالية عناها الدستور، ومن قبله قانون إدارة الدولة المؤقت..!؟  وهذا ما كرسته، المادة الأولى / الباب الأول/ المباديء الأساسية من الدستور..!

المادة الأولى:  (الدستور الدائم)
((جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي.))

 إن هذا الإقرار المشوش لمبدأ (الفدرالية) سواء  في قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الإنتقالية أم في الدستور الدائم قد خلق حالة من الإرباك وعدم الوضوح في المقاصد التي كانت تقف وراء ذلك الإغفال. وللتأريخ أقول، بأن هذه البداية الخاطئة، والتي يبدو أنها كانت مقصودة، من قبل بعض أطراف العملية السياسية، قد وضعت العراق ككيان جغرافي سياسي موحد، على طريق المتاهة والضياع والتمزق، وفتحت الأبواب مشرعة لتدخل من هب ودب في شؤونه الداخلية، والتحكم بمستقبله، ونهب ثرواته..! والمثل العام الذي يقول:  بأن (المقولات الخاطئة تعطي نتائج خاطئة) هو ما يؤكده ما آلت اليه الأوضاع في العراق اليوم..!؟
 
هذا ما دفع ببعض أطراف اللعبة السياسية، أن يفسروا النص الدستوري حسب ما ترتأيه مصالحهم، وأن يفسر ذلك الإغفال، بإعتبارالذي جرى تثبيته دستورياّ بخصوص إقرار إقليم كردستان منذ اللحظة التي أعتبر فيها الدستور قيد التنفيذّ، قد جعل حق تأسيس أقاليم جديدة، أمر ممكن وحق لمن يطلبوه، طالما أنه لا توجد هناك شروط أومعايير معينه يمكن إعتمادها لهذه الغاية، وطالما أن الدستور نفسه قد سكت عن هذا الأمر، فليس هناك من وجه غرابة أن تقدم هذه الأطراف على طلب تأسيس أقليم أو أقاليم جديدة وفقاّ لنص الدستور، حتى لو كان الأمر يتعلق بمسألة خلافية ومصيرية وذات طابع سيادي في ذات الوقت..!؟ ومن جانب آخر فليست هناك في الدستور، من ذكر لموانع معينة من الأسس التي يبنى بموجبها النظام (الإتحادي)، بل جاء النص مطلقاّ وغير محدد، على عكس ما كان عليه الحال في نص المادة الرابعة من قانون إدارة الدولة العراقية الإنتقالية الملغي فيما يتعلق على السبيل المثال: بالأسس المذهبية. وهذا ما أفسح في المجال الى توقع تبني تأسيس أقاليم جديدة حتى وإن كانت على أساس مذهبي، على عكس ما ورد في قانون إدارة الدولة الملغي..!؟

ومن هنا جاء تشريع قانون الإجراءات التنفيذية لتأسيس الأقاليم منسجماّ من حيث الجوهر مع الأسس التي  كتب بموجبها الدستور، ومن هنا جاء التمرير السريع لإقراره، وتسهيل شروط الإقرار بالأغلبية البسيطة طبقا لنص الدستور- مادة/115..!؟

حينما يغفل الدستور إيضاح الأسباب والمسوغات التي إعتمدت لإقرار إقليم كوردستان عند نفاذه، وفي نفس الوقت الذي أقر فيه تأسيس الأقاليم الجديدة وفقا (لأحكامه) دون تبيان أو إشارة الى تلك الأحكام، فهو، والحق يقال،  إنما يعكس حالة الضبابية والغموض التي رافقت كتابة الدستور نفسه، ووصمته بالعيب والفوضى التي تعم العديد من نصوصه وتناقضها غير المعقول. وهذا ما يدلل على طابع الإستعجال الذي أحاط بكتابته ووضعه قيد التنفيذ وتمريره بهذه السرعة اللامعقولة، وفي ظروف أجمع الكثير من المتخصصين من فقهاء القانون والسياسة على أنها ظروف غير عادية وغير مناسبة لحدث مثل هذا..! ولم يعد بخاف على أحد، المقدمات الخاطئة والمقصودة التي أسس لها منذ البداية_ وهذا ما أشرت اليه أعلاه_ والتي تقف وراء صياغة مثل هذا الدستور، الذي دعمته وروجت له بقوة، بعض أطراف العملية السياسية، والتي إعتبر بعضها أنه ومن خلاله، يمكن تحقيق مصالحه الخاصة، التي يمكن أن لا تتحقق في ظل ظروف أخرى أكثر إستقراراّ، ودستور أكثر دقة ومتانة ووضوح وديمقراطية..!
 
 فإن كان هناك من المبررات ما يمكن الركون اليها في إقرار إقليم كوردستان منذ إقرار الدستور، وهذا ما يمكن أن يكون مقنعاّ والى مدى بعيد، لإعتبارات تأريخية وجغرافية وسياسية وديموغرافية إثنية، _وهذا ما أوضحته في عدة مقالات سابقة،* بحيث تم الإقرار وفقاّ لذلك؛  فكيف ياترى يمكن إقرار إقاليم جديدة، مع وجود هذا النقص الواضح والمعيب في أصل الدستور..؟ فألإستقلالية التي كان يتمتع بها إقليم كوردستان قبل سقوط النظام الدكتاتوري من جهة، ومع كل الإفتراضات الأخرى، قد أوجدت من المسوغات والأسباب ما يكفي لإقرار العلاقة مع الإقليم على أساس كونها علاقة (إتحادية فدرالية). فما هي تلك المسوغات والأسباب التي يمكن أن تكون مقنعة، لإقرار أي إقليم جديد، إن  لم يكن الحد الأدنى منها على أقل تقدير، متماثلاّ مع تلك التي إفترض المرء توفرها عند إقرار إقليم كوردستان..؟!

إن ما جرى تحت قبة البرلمان في الحقيقة يوم 11/10/2006، لم يكن غير إقرار تحديد الإجراءات التنفيذية الخاصة بتكوين الأقاليم، ولم يكن عملية إقرار لإقاليم معينة بعد، أو تفعيل علاقة (إتحادية) بين الأقاليم المفترض تأسيسها وبين الحكومة الإتحادية. فهذا أمر قد تم تأجيله الى ما بعد مرور ثمانية عشر شهرا من تأريخ الإقرار.

ولما كان أمر إقرار أقاليم جديدة من الأمور السيادية والمصيرية، وحيث أن قانون تحديد الإجراءات التنفيذية الخاص بتكوين الأقاليم ، هو الآخر قد أغفل ، بل تناسى كلياّ أهمية وضع شروط وضوابط محددة للتعريف بما يعنيه مصطلح (الإقليم) والأسس التي يمكن إعتمادها لإعتبار منطقة جغرافية ما، كونها إقليما أو تتوفر فيها شروط العلاقة الإتحادية الفدرالية،  فإنه ومن الواجب أخذ الأمر  في الإعتبار وفي غاية الأهمية ، وضرورة التوصل الى إتفاق مشترك من قبل الكتل البرلمانية، يأخذ بالإعتبار كل ذلك. وأن على لجنة تعديل الدستور المنصوص عليها في المادة/142 تفعيل ذلك بما يردم أية هوة للإختلاف، ويعالج النقص الجوهري في الدستور، ويعزز المسيرة السياسية ويضعها في الطريق الصحيح الآمن، بعيدا عن الصراع الدموي القائم، والذي وللأسف الشديد وبسبب من الإصرار والإستعجال في تمرير و إقرار القانون الجديد قد فاقم من الحالة المزرية وخلق أجواءّ أكثر تشاؤما، في وقت يتطلع فيه المواطن الى بصيص أمل في الخروج من بحر الدم الغارق فيه، رغم ما قيل ويقال: - بأن مدة تأجيل تنفيذ القانون هي صمام أمان ، وبعد ذلك يمكن النظر بأمر الفدرالية المناسبة..!؟؟
 فالتشريع الذي تم في الحادي عشر من آب /2006 قد فتح الباب لتأسيس الإقاليم،  وليس هناك من أهمية تذكر لتأجيل التنفيذ من الناحية الموضوعية، طالما إن جذر المسألة الرئيسي، التي قسمت صفوف العراقيين وشطرت المجتمع الى مكونات متعارضة متقاتلة، منذ إقرار الدستور/ 2005 ، والتي لا زالت تفتك بالمكون العراقي وتمزق أشلائه، حيث كرست الطائفية المذهبية أساساّ في إعتماد أي شيء، وفي مقدمتها موضوعة تأسيس الأقاليم. إن جذر هذه المسألة لا زال هو المفتاح لتشضية أكبر وطريق غير محمود العواقب. فبدلا من أن يساعد إقرار قانون التأسيس _ وهو إستحقاق دستوري_ على التخفيف من حدة الفتنة المستعرة، ويعمل بإتجاه حقن  نزيف الدم العراقي المهدور بسبب صراع المصالح، نراه  من الناحية الأخرى، قد أستغل من قبل المتصيدين في المياه العكرة ومنحهم فرصة الإستفادة من ذلك، وصب الزيت على النار، مما يفاقم حدة  ذلك الصراع في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد، وكل ذلك تم تحت ذريعة "المستحق الدستوري"، وإغفالاّ للمستحق الوطني المصيري..!

 وليس الهدف من هذا القول هو التخلي عن تنفيذ المستحق الدستوري، بقدر ما هو تأكيد عل أهمية المستحق الوطني في مثل ظروف البلاد الحالية، وإعطاء أهمية قصوى الى ضرورة إيجاد التوافق اللازم للإتفاق على معالجة المأزق الخلافي من خلال إجراء التعديلات المناسبة في الباب الخامس/ سلطات الأقاليم من الدستور، بالشكل الذي يتفق عليه الجميع، ويحقق مصلحة المجتمع بكل مكوناته، ويعزز قيام مبدأ (الفدرالية) على أسس صحيحة وليست هلامية إفتراضية. ويعطي للمادة /142 من الدستور، قيمتها الموضوعية، ويعكس الأغراض التي شرعت من أجلها، وخاصة في معالجة القضايا الخلافية، وفي مقدمتها قانون الأقاليم، وغيره من المسائل الخلافية الأخرى، قبل التعجيل بحسم تلك الأمور من خلال إستعجال تشريعها وقطع الطريق أمام أية محاولة لإعادة النظر في معالجة النواقص التي تكتنفها.

فالأقاليم التي يفترض تأسيسها لاحقاّ، لا بد وأن تكون على أقل تقدير، مستوفاة لشروط وأسباب ومسوغات  تأسيسها، كما هو عليه الأمر بالنسبة لإقليم كوردستان اليوم، وذلك لتجنيب البلاد من الوقوع في دوامة من العنف والعنف المضاد، وإنقاذ الوطن من شر التمزق والتشضي، وقطع الطريق أمام كل من يطمح بجعله ساحة لتصفية حساباته مع الآخرين، والحفاظ على النسيج والسلم الإجتماعي التأريخي. وتطويق الإرهاب وقطع كل أسباب إستمراره وتفاقمه..!
 بذلك نكون قد ساعدنا على تثبيت النظام (الإتحادي) الفدرالي، وفق ظوابط وأسس واضحة ومتينة، بعيداّ عن أي إحتقان طائفي وأسس المذهبية..! 
________________________
 *- راجع مقالتنا الأخيرة حول (الفدرالية : ما هو المبتغى..؟) المنشورة في الموقع
  http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,60113.0.html

363
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

المصالح السياسية وليست العلوم السياسية والفقهية،  طالما وقفت،  وفي كثير من الأحيان، وراء الكثير من التبريرات والمبررات والتأويلات، للعديد من القرارات والقوانين بل وحتى النصوص الدستورية. وفي بلد كالعراق، الغارق في بحر من فوضى التشريع والقانون، ليس غريباّ على المرء، أن يجد نفسه وسط عاصفة من التخبط الفكري والقانوني، حيث يصبح تلقائياّ؛  تفسير الأشياء ورد أسبابها، طبقاّ لما تمليه مصلحة الشخص أو الجهة المعنية، أكثر مما توجبه حالة الشيء الموضوعية نفسها.
وهكذا جرى ويجري الأمر مع إشكالية (الفدرالية) المتصارع على أمر إقرارها في العراق اليوم..! المتصارعون حول قبول أو عدم قبول الفدرالية هم أنفسهم المتصارعون على مبدأ تثبيتها في الدستور من عدمه، وهم أنفسهم المتصالحون توافقياّ على إعادة النظر بالأمر بعد إقرار الدستور-المادة/142..!                               

الفدرالية من وجهة نظر المصالح،  هي وبالتأكيد تحقق مصالح أطرافها إذا ما بنيت على أسس صحيحة، وأقرت بطرق ديمقراطية، تهدف الى رعاية مصالح الجميع؛  وأن يكون تأسيسها مبنياّ وفق أسس وقواعد وشروط موضوعية محددة. ولها أسبابها المشروعة والمنطقية. لا مجرد تحقيق طموحات وأهداف، ذات طبيعة خاصة، أكثر مماتحققه من مصالح عامة تصب في مصلحة الجميع..!

مشروعية (الفدرالية) المنصوص عليها في الدستور تحت عنوان تأسيس الأقاليم، رغم ما يكتنفها من غموض وعدم وضوح في بيان أسباب تشريعها، إلا أنها إذا ما أخذت على علاتها، فإنه على أقل تقدير، ينبغي التعامل معها طبقاّ لنفس (الأسس) التي يفترض أن جرى إعتمادها عند إقرار فدرالية إقليم كردستان. وبهذه الطريقة يمكن التعويل على أسباب وأسس إقرار إقليم كردستان، عند النظر في أي طلب يقدم بهدف تشكيل أقاليم جديدة. أو بمعنى آخر،  ينبغي النص على شروط وأسباب التأسيس وموجباته في متن قانون تأسيس الأقاليم، وإعتبارها شروطاّ تستوجب التوفر عند اللزوم، وذلك بما يتوافق مع (مسوغات) تأسيس إقليم كردستان نفسه، لأنه المرجع الوحيد حاليا.  وبعكسه، وكي لا يقع المرء في إشكالية قيام إقاليم لا تستوفي شروط وأسباب قيامها، رغم جواز ذلك من الناحية الشكلية دستورياّ، وتلافياّ للنقص الذي إعترى الدستور منذ البداية، عندما جرى تثبيت النص الخاص بتأسيس الأقاليم دون الإشارة الى شروط وموجبات التأسيس..! فينبغي من جانب آخر، أن يصار الى تعديل الدستور بما يعالج النقص المذكور طبقا لنص المادة/142. حيث وكما جرى في جلسة البرلمان 11/10/2006 لم يجر التطرق الى هذا النقص الجسيم وأكتفي بمناقشة وإقرار الآليات التنفيذية لتشكيل الأقاليم، وتأجيل مسألة تفعيل القانون الى ثمانية عشر شهراّ قادمة..!؟

خصوصية الأمر هنا؛ هو مطلب تأسيس "فدرالية" "الجنوب والوسط" التي يدعو لها الإئتلاف الموحد، والتي يستند في مشروعية مطلبه هذا على نص المادة/118 من الدستور، التي تجيز تأسيس الأقاليم.  ولكن ما يؤخذ على المطلب المذكور؛ هو ليس عدم دستورية الطلب نفسه من الناحية الشكلية، فهو من هذه الناحية مكفول بالنص أعلاه دستوريا، بل إن الأمر يتعلق بمدى توفر أسباب ومسوغات الطلب نفسه من الناحية الموضوعية.  فإن كان الطلب مطابقا شكلياّ، فليس  بالضرورة أن يكون مطابقاّ من حيث المحتوى والجوهر. ولا أظن أن أحداّ يمكنه تفسير نصوص الدستور شكلياّ، ويرفضها روحيا..! فهل يمكننا القول بأن مطلب إقامة "فدرالية الجنوب والوسط" من حيث أسبابه ومسوغاته، يتطابق مع أسباب ومسوغات إقامة إقليم كوردستان من الناحية الدستورية..؟1   
 
المسوغات التي تطرح لدعم مطلب فدرالية "الوسط والجنوب" اليوم، ترتكز في مجملها على أسباب شكلية لا تمت بصلة للأسباب والمسوغات، التي يفترض قد أعتمدت عند كتابة الدستور، حينما أقر مشروعية تأسيس إقليم كوردستان. إن من أهم المسوغات المطروحة والتي تقدم بإعتبارها الأسباب التي تدفع أصحابها الى طلب تفعيل نص المادة/118 من الدستور، تتمحور في عدة نقاط. هي وبإختصار وكما هو معلن:
 
-   الحق الدستوري؛ بإعتبار حق الطلب بتشكيل الأقاليم منصوص عليه في الدستور، وهو أمر شكلي وسبق أن جرى البحث فيه.(2)
-   الخلاص من الإرهاب؛ وهو الآخر أمر شكلي وخارج نطاق الموضوع، وسبق أن جرى البحث فيه.(3)
-   الحدود الأدارية بين المحافظات، وإعتمادها حدوداّ بين الأقاليم المفترضة. وهذا ما سنتوقف عنده قليلا.
-   المظلومية والتهميش اللتان تعرضت لهما الطائفة الشيعية. وهو أمر إن صحت مقدماته وتأكدت نتائجه، فلا يرقى لأن يكون بمستوى الأسباب التي أعتمدت عند الأخذ بمشروعية إقليم كردستان. وهو الآخر ما سنتحدث حوله لاحقا. 
*****

فيما يتعلق بالنقطة الثالثة، فجل ما فيها، هو أن مفترضيها، يحاولون إضفاء شرعية جيوسياسية على أمر الحدود بين المحافظات العراقية، ومنحها صفة الحدود الدولية أو الحدود بين أقاليم ذات مكونات بشرية متباينة (أثنيا أو لغويا أو دينيا)، ليبرروا بهذا المنطق مشروعية المسوغ لإقامة أو تأسيس أقاليم جديدة إنطلاقاّ من هذا المفهوم الشكلي، وهو لعمري، لا يعبر إلا عن خلط أكاديمي لأوراق اللعبة الفدرالية. هذا في الوقت الذي يعلم فيه العراقيون، ما تعنيه الحدود بين المحافظات؛ وهي التي لا تعدو عن كونها حدودا إدارية بحته، ولا تمت بصلة لمكونات الناس الإثنية أو أديانهم ولغاتهم أو طباعهم وتحركاتهم. فبالنسبة للمواطن العراقي، فإن الحدود بين المحافظات لا تعبر عن شيء ذي معنى، أكثر من أنها حدود إدارية لتسهيل أمور إدارة الدولة في جباية الضرائب وتنظيم العلاقة مع السلطات المحلية، منذ (تنظيمات) الوالي العثماني مدحت باشا الجديدة لعام/ 1869. *

إن إستخدام بعض (آليات) قانون الأقاليم (الحدود الإدارية)، كأحد بواعث تأسيس أقاليم جديدة، لا أظنه تبريراّ منطقياّ أو علمياّ يمكن إعتماده كمسوغ جديد لتمرير إقرار فدرالية "الجنوب والوسط" بعد أن  كشفت الذرائع الأخرى عن ضعف منطلقاتها لتبرير ذلك، أما التعكز عليه، فسوف يضعنا أمام حالة غير مسبوقة من الناحية القانونية والإجتماعية والسياسية، تحتم على الجميع التبصر بالنتائج المحتملة لذلك، خاصة حينما ينتاب المواطن الساكن في محافظة معينة، الشعور بأن جيرانه في المحافظة المجاورة قد أصبحوا قوماّ آخرين، وباتت تفصلهم عنه، حدود ما عهدها يوماّ، قد وقفت بينه وبينهم كجدران للعزل، وكأن لا تربطه بهم صلة قرابة أو لغة أو إقتصاد. أوحينما ينتابه الشعور بأن الحدود الإدارية التي كان يخترقها كل يوم، دون أن يعلم أين تبدأ أو أين تنتهي، ستصبح يوماّ وكأنها بمثابة حدود دولة أخرى، عليه أن يحسب حسابه قبل أن يخترقها، أو حين يرعى أغنامه عند تخومها..!
 
الحدود الإدارية، عبارة عن تقسيمات إدارية رسمتها الحكومات المركزية ولم ترسمها الجغرافية أو التأريخ، والقاطنين داخلها أو على تخومها أو خارجها، هم نفس القوم ومن نفس النسيج الإجتماعي.  وهي عرضة للتغيير والترسيم طبقا لمشيئة وحاجة السلطات الإدارية المركزية في التوسيع أو التقليص. ولم يعهدها العراقيون يوماّ، أنها عزلت بين الطوائف والعشائر، فثمة عشيرة تجد أفرادها وقد شطرتهم الحدود الإدارية بين محافظتين أو أكثر، ولم يغير ذلك من وجود وتواصل أفراد العشيرة فيما بينهم؛  لأن الحدود الإدارية لا تمثل بالنسبة لهم، غير حدود أسمية شكلية؛ وإن جل الناس لا يعرفون مبتداها ولا منتهاها. فعدد المحافظات (الألوية-سابقا)، يزداد أو ينقص تبعا لظروف التحسينات الإقتصادية أو لإعتبارات إدارية أو توجهات خاصة. فعدد المحافظات في العهد الملكي كان (14 لواءّ) وهو الآن ( 18 محافظة).  كما ويمكن تحويل مجموعة قرى الى ناحية أو تحويل الناحية الى قضاء، والقضاء الى محافظة، والأمثلة على ذلك كثيرة. ولكن الأهم في الأمر أن جميع هذه التشكيلات بحدودها الإدارية والبلدية، لم تؤثر من الناحية الإجتماعية الإثنية والنفسية بشيء، على التركيبة السكانية للمنطقة. وبالتالي فلا أعتقد أن تلك الحدود يمكن أن يعول عليها على أن تصبح سبباّ مشروعاّ يمكن التذرع به كأساس مسوغ لقيام علاقة "فدرالية" مع المكونات الأخرى مثل الأقاليم، ومنحها صفة أقليم طبقا لذلك. حيث أن المحافظات نفسها تمتلك تلك العلاقة من خلال إرتباطها بالحكومة الإتحادية أو المركزية، عن طريق وزارة المحافظات أو وزارة الداخلية. وإن كان هناك  ثمة حديث لا بد أن يقال حول هذه العلاقة، فبالأحرى أن ينصرف ذلك الى شكل تلك العلاقة، فيما إذا كانت تلك التشكيلات الإدارية، تتمتع بالإدارة المركزية أم الإدارة اللامركزية..! أما محاولة توظيف تلك التشكيلات، وفقا لمسوغ سياسي خاص، وإعتبارها مرتكزات لإقامة أقاليم جديدة، وإفتراض تلك الحدود، وكأنها تفصل بين أقوام من أجناس مختلفة إثنياّ، أو من أديان أو لغات متباينة،  فلا يعدو إلا أن يكون خلطاّ مقصوداّ للمفاهيم والمصطلحات، وبخلق حالة خاصة غير موجودة أصلا على أرض الواقع، كما بينا أعلاه..!
*****

أما ما  يتعلق بشأن المظلومية والتهميشية، والتي جرى كثير من الحديث بشأنها، درجة أضحت معه وكأنها العامل الأساس في تبرير قيام الأقاليم. وكأنما  وجودها،  يمنح الحق لكل من تعرض لمظلومية ما، بأن يطالب بإقامة إقليم أو كيان منعزل خاص به، يضعه في منجى من الإحتكاك بالآخرين، وأن يكون له الحق في إمتلاك والتصرف بكل ما تحت قدميه من ثروة، أو إرث وهبته الطبيعة، بعيدا عن مشاركة الآخرين ، حتى لو كانوا شركاء في هذا الحق على الشيوع..!؟

المظلومية التي تعرضت لها طائفة الشيعة على مدى عقود طويلة من الزمن، ومنذ أن أصبح العراق تحت هيمنة الدولة العثمانية، لا تعطينا وحدها تفسيراّ صحيحاّ عن طبيعة أنظمة الحكم التي كانت سائدة آنذاك، والتي تقف وراء هذه المظلومية وذلك التهميش..! الملاحظ للتأريخ العراقي على مدى قرن من الزمن، تستوقفه حقيقة يدعمها واقع الحال، وتمنحنا أرضية للوصول الى التفسير الأكثر منطقية وعقلانية في التعرف على مدى التمسك بشعار المظلومية كأساس متين في إسناد مطلب إقامة "فدرالية" الجنوب والوسط " في نظر أصحابه"، من خلال هذا المنظور..!
 
منذ العهد الملكي وحتى إنهيار الدكتاتورية، كانت الطائفة الشيعية من الناحية النسبية تقريبا، تشكل نفس ما هي عليه الآن من أكثرية عددية في المجتمع قياساّ للطوائف الأخرى (السنية، المسيحية، المندائية والأيزيدية...الخ). وكانت هذه الأكثرية كغيرها من المكونات الأخرى، تشارك الجميع في كل النشاطات الإجتماعية والإقتصادية وحتى السياسية، كطائفة إجتماعية لها ثقلها في المجتمع. وكانت تلك المشاركة، لا تتم على أساس من الإعتناق المذهبي، بقدر ما كانت تجري على أساس المواطنة العراقية. وكان الشيعة من الناحية (المجازية) يمتلكون مواقع متميزة في الحياة الإقتصادية، نزولاّ من شمال بغداد وحتى المحافظات الجنوبية. حيث كانت أسواق ( الشورجة) الشهيرة في بغداد وهي تعتبر المصدر الرئيس والمركز المهم للنشاط التجاري في العراق ولا زالت، تدار من قبل أكبر التجار العراقيين، من معتنقي المذهب الشيعي، جنباّ الى جنب مع أبناء الطوائف الدينية والمذهبية الأخرى، وليست هناك ثمة فوارق تفصل بين الجميع في هذا المجال. وكانت العلاقات الإجتماعية والإقتصادية بين المواطنين تجري، ليس على أساس من إعتبارات مذهبية أو دينية، بل ولا زالت، تجري على أساس التبادل الإقتصادي الصرف، حيث تجري عمليات التبادل المالي والتجاري طبقا لقوانين وقواعد الصيرفة المتعارف عليها، ولم يلمس المرء أي تعامل يجري وفق إعتبارات أخرى. وهكذا الحال في جميع المحافظات. كما ولم يشهد المرء أي تمايز في التعامل يجري وفق المعتقدات الدينية أو المذهبية. بل ومن غير المنطق حتى إفتراض ذلك..!

وعلى الصعيد السياسي؛ فمن المبالغة القول بأن الشيعة كطائفة كانوا محرومين من القيام بالنشاطات والفعاليات السياسية، إذا ما إستثنينا الفترة الدكتاتورية وإبتداء منذ عام 1963 وحتى إنهيار النظام الدكتاتوري عام/2003. فأبناء الطائفة الشيعية كغيرهم من أبناء الطوائف الأخرى كانوا مشاركين فعالين في النشاطات والفعاليات السياسية، لا بإعتبار إنتسابهم للمذهب الشيعي وحسب، بل على أساس مواطنتهم كعراقيين لا غير. وكذلك الأمر فيما يتعلق بتسنم الوظائف الحكومية بما فيها الحقائب الوزارية والوظائف العامة. أما مشاركتهم في الأحزاب والتنظيمات السياسية، فهي الآخرى لم تتم وفقا للإنتماء المذهبي وحسب، بقدر ما كان يجري كل ذلك وفقاّ للمصالح الإقتصادية والطبقية، وقلما عرفت الساحة السياسية العراقية أحزاباّ سياسية جرى تأسيسها طبقاّ للإنتماء الطائفي المذهبي، إذا ما إستثنينا الفترة التي أعقبت إنقلاب 8 شباط/1963، وحتى سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان/2003. مع الإشارة الى بدء تكون نواتات  حزب الدعوة الإسلامية من قبل الشهيد  محمد باقر الصدر عام/،1957 وتأثير الثورة الإيرانية فيما بعد عام/1979، حيث بداية تشكل الأحزاب السياسية بمسميات دينية..!
  وحتى التكوين القبلي العشائري للسكان  في مناطق الوسط والجنوب، والذي غالبية سكانه من أبناء الطائفة الشيعية في المدن والأرياف، كان من حيث ولاءاته وإنتماءاته السياسية، منخرطاّ في أحزاب سياسية يغلب عليها الطابع العلماني. وكان الغالب في قيادات تلك الأحزاب مشتركاّ، من بين جميع الطوائف الدينية في المجتمع  وتضم في صفوفها مختلف الفئات السكانية من بين هذه الطوائف ، بما فيهم أعداد غير قليلة من رجال الدين ومن مختلف الديانات..! وكان جميع كبار رؤساء العشائر العراقية في الوسط والجنوب من سنة وشيعة،  ممثلين في البرلمان العراقي ومجلس الأعيان في العهد الملكي. حيث إنحسرت بعد ذلك الحياة السياسية، على كافة المستويات والأشكال، لتطبق على العراق فترة زمنية دامت ما لايقل عن أربعة عقود، من التنكيل والعسف تحت ظل نظام شمولي ديكتاتوري، سام الجميع ومن كافة المكونات القومية والدينية والمذهبية سوء العذاب..!   

فإن كان ثمة مظلومية أو تهميش تعرضت لها الطائفة الشيعية في المجال السياسي، فهي تدخل أو تنحصر في الحقيقة  ضمن مجمل المظلومية التي تعرضت لها كافة القوى (السياسية) للمعارضة الوطنية والقومية من سائر مكونات المجتمع العراقي؛ عربأ وكوردا  وكلدو آشوريين وتركمانا وأرمنا، من شيعة وسنة ومسيحيين ومندائيين وأيزيديين وأقليات دينية أخرى؛ وجميع هذه المكونات قد قدمت ألوف الضحايا من الشهداء، وأرتكبت بحق أبناءها أبشع أشكال الجرائم المنافية لحقوق الإنسان، وقلما تجد فئة أو طائفة من هذه المكونات لا تمتلك رموزها من الأبطال من الشهداء الذين سقطوا في ساحة النضال من أجل الحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير، وأصبحوا رموزا لشهداء الحرية في العراق. وتقف النخب (السياسية) من كافة المكونات الإجتماعية للشعب العراقي، في مقدمة تلك الرموز من شهداء الوطن. وتعتبر الفترة الدكتاتورية، التي إمتدت لما يزيد عن ثلاثة عقود، المثل الصارخ لشمولية المظلومية والتنكيل جميع مكونات الشعب العراقي المختلفة..!     

فليس هناك ثمة طائفة إثنية وعلى أساس ديني أومذهبي، تملك حق الإستئثار وحدها بتأريخ النضال العراقي ضد الظلم والإستبداد والدكتاتورية، وليس لها أن تتذرع بمظلوميتها على حساب مظلومية الآخرين. فإذا أريد أن يكون الأمر كذلك، فإنه من الأولى ، أن يجري الإعتراف بهذا الحق  للطوائف الأخرى من الأقليات الأثنية أو الدينية ، ليصبح بذلك؛ من حقهم إقامة أقاليم "إنعزالية" على أساس طائفي أو مذهبي،  وعلى غرار ما تدعو اليه كتلة الإئتلاف بإسم الطائفة الشيعية، رغم عدم حصولها على الإجماع في ذلك،  بل إنها تقف في مواجهة معارضة معلنة من قبل أطياف واسعة من مكونات الطائفة نفسها، بما فيهم أطراف سياسية أعضاء في هذه الكتلة..! أقول عليها أن تعترف بهذا الحق لتلك الأقليات، لكونها تعرضت ولا زالت تتعرض الى مظلوميتين على مدى تأريخها السياسي والإجتماعي، إحداهما من قبل أنظمة الحكم والأخرى بحكم أقليتها في المجتمع أمام الأكثرية العددية للطوائف الأخرى، إذا ما "إفترضنا" ذلك جوازا..! فإذا ما أخذنا بمقولة المظلومية كأساس لقيام الأقاليم، فلا غرابة والحال، أن نجد العراق وقد تشضى الى عشرات الشضايا من "الكونتونات" المنعزلة وفقاّ لهذه النظرية..!

إن المظلومية المدعى بها من قبل الإئتلاف الشيعي، وهو كتلة سياسية؛ لا يمكن أن تقوم أساساّ لبناء أقاليم جديدة تحت ما يسمى بفدرالية  "الوسط والجنوب" لأنها تفتقد لمدلولها الموضوعي، لكونها تؤسس على أساس "مذهبي"، وهذا مخالف من الناحية الدستورية من جهة، ولأن المظلومية" نفسها عبارة عن حالة (شعورية نسبية) لا تربطها أية رابطة مع حالات الإختلاف الأخرى مثل (اللغة أو الدين ، أو الحالة الأثنية، أو الثقافية..الخ)، التي تسمح بإتخاذها مسوغات مقبولة لبناء علاقة فدرالية قانونية بين مكونين او أكثر من جهة أخرى..!؟
وحتى إن أغفلنا ذلك، فعلينا أن نشير، بأن المنطقة التي يفترض أن تغطيها فدرالية "الجنوب والوسط" المقترحة، جغرافيا، عبارة عن نسيج متماسك من العشائر العربية؛ المتعايشة منذ مئات السنين تحت سقف واحد، هو سقف (المواطنة العراقية المشتركة)، وفي علاقة وطيدة راسخة من المحبة والوئام والقربى والصفاء والإحترام المتبادل. وأغلبية سكانها إثنياّ إذا لم نقل جميعهم ، هم من السكان العرب ذوي الديانة الواحدة، وينطقون بلغة واحدة..! وبإختصار؛ فهم مكون شعبي واحد متحد، لا تتوفر فيه أي من العوامل التي يمكن إعتمادها كأسباب ومسوغات في تأسيس الأقاليم، وربطها مجددا في علاقة فدرالية. اللّهم إلا في حالة إرادوية واحدة، الهدف منها رسم خارطة جديدة لجغرافية المنطقة ولإهداف غير واضحة المعالم..!؟   

وللزيادة في الإيضاح، نود أن نشير هنا؛ الى أن إقرار تأسيس الأقليم الكوردستاني نفسه،  لم يبن على أساس من المظلومية والتهميش وحسب، رغم ما تعرض له الشعب الكوردي والقوميات الصغيرة، التي تعيش في نفس المنطقة الجغرافية، من مظالم وتنكيل وأضطهاد فاق في حدوده كل ما يتصوره المرء من قياسات أو مقارنات على الصعيد المحلي أو حتى العالمي بعد الحرب العالمية الثانية على أقل تقدير. إن إستحقاقات هذا التأسيس، قد فرضت نفسها بحكم موضوعيتها وأسبابها الموجبة ومسوغاتها التي لا تقبل النقاش..!(4)

 
 فأية مخاوف من محاولة تشكيل ما يسمى بإقليم "الجنوب والوسط" على أساس "طائفي مذهبي"، إنما ناجمة من توقع تأسيس كيان "جغرافي _ سياسي"، على شكل "إمارة منعزلة"، تدفع في النتيجة الى أن يؤول الحكم فيها وإدارتها، ليس لأبناءها وحسب_ وهذا ما تتخوف  أوساط واسعة من العراقيين من وقوعه_ بل أن يتحولون فيه الى مجتمع من التابعين الخاضعين لأحكام السادة الجدد، المدعوميين بالمرجعيات الدينية، والمسنودين من قبل دولة الجوار ذات المذهب المشترك..! وما قد يستتبعه ذلك من التخوف من إحتمالية فرض شكل الحكم المبني على قاعدة ما يسمى ب"ولاية الفقيه" الذي يعتمده نظام الحكم في الجمهورية الأيرانية الإسلامية منذ عام/1979. وهناك الكثير من المؤشرات على قبول الأخذ به من قبل بعض المرجعيات الدينية العراقية، ممن يقف وراء مشروع فدرالية "الجنوب والوسط"..!؟

 وللتبصير والتذكير،  فأن هذا الشكل من نظام الحكم (ولاية الفقيه)، يمثل طموحاّ تأريخياّ طالما تمسك به بعض القائمين على الطائفة الشيعية من رجال المرجعية الدينية وليس جميعهم، خاصة بعد تبنيه من قبل آية الله الخميني بعد الثورة الإيرانية عام/1979  ، رغم الإعتراض عليه من قبل عدد غير قليل من رجال الفقه الشيعة في النجف وقم إيران، وفي مقدمتهم رجل الدين الإيراني الروحاني الكبير (شريعة مداري). وهذا الشكل من الحكم بطبيعته الإنفرادية، يتعارض مع المباديء الحديثة لحقوق الإنسان وأنظمة الحكم الديمقراطية، بما فيها أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية بإستثناء الجمهورية الإيرانية الإسلامية، لأنه مبني على أساس من سلطة الفرد الواحد و القائل بالتمثيل الإلهي، ولأنه لا يمنح الفرص أمام المواطنين في المشاركة الفعلية بأتخاذ القرار، ويتقاطع مع حرية إبداء الرأي، ويمتلك من تتمثل فيه الولاية، صلاحيات مطلقة في إدارة الدولة والحكم..!؟

وللتعريف بسمات هذا النمط من أشكال الحكم، ندرج في أدناه نصاّ من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي أعتمد (ولاية الفقيه) (المرشد) كأساس للحكم:

 يقول البند 110 :
المرشد هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وله الصلاحيات المدرجة أدناه :
1.   تعيين الفقهاء المراقبين على صيانة الدستور والقوانين التي يسنها مجلس الشعب .
2.  تعيين أعلى سلطة قضائية في البلاد .
3.  نصب وعزل رئيس أركان الحرب .
4.  نصب وعزل قائد الحرس الثوري .
5.  صلاحية تعيين أعضاء الدفاع الوطني .
6.  تعيين قادة القوات المسلحة (الأرض ، الجو ، البحر ) .
7.  إعلان الحرب والصلح .
8.  تنفيذ رئاسة الجمهورية .
9.  عزل رئيس الجمهورية إذا اقتضت مصالح الأمة .
10. العفو عن المحكومين في حدود قوانين الإسلام وباقتراح من المحكمة العليا .
 
  وليس بعيدا عن النص المذكور، ما تفضل به النائب العراقي عن كتلة الإئتلاف الموحد السيد ( سامي العسكري) بتأريخ 2/10/20066، من مقترح " تشكيل لجنة من فقهاء الشريعة لمراقبة مدى تطابق القوانين التي يشرعها البرلمان ، مع أحكام الشريعة". حيث جاء المقترح المذكور مطابقاّ لظاهر وروح النص أعلاه  من البند/110- الفقرة /1 من الدستور الإيراني وهي تتعلق بصلاحيات (مرشد الجمهورية)، أي بمعنى آخر ما يدعى ب(ولاية الفقيه)..! مما شكل حالة من الريبة والأرباك لدى القوى السياسية الأخرى في البرلمان من مقاصد المقترح المطروح، وأثار إعتراضها، مما دفع برئيس البرلمان السيد المشهداني الى قمع المعترضين وإسكاتهم بطريقة إستهجنها الكثير من المواطنين، والحادثة ما عادت خافية على أحد بعد ذلك..!؟

في الواقع، لا أظن أن الأخذ بهذا الشكل من نظام الحكم، سيكون مقبولاّ من قبل الجماهير بما فيهم أبناء الطائفة الشيعية نفسها، الذين لم يعتادوا في العراق على هذا النمط من الحكم، خاصة وأنه لا زال حتى هذا اليوم،  مسألة خلافية بين فقهاء الطائفة أنفسهم ومحل إعتراض العديد منهم. كما وأنهم وعبر عقود طويلة من الزمن لم يألفوا ربط الدين بالأمور السياسية، كما وأنهم لم يعتادوا في شؤونهم الدينية الإقتصار على تبعية فقيه ديني واحد (مقلد)، بل إن مسألة (التقليد) لديهم، حالة مشاعة لجميع الفقهاء والمجتهدين في أمور الطائفة الشيعية الدينية، لإجماع فقهاء الطائفة الشيعية على القول بمبدأ ( الإجتهاد ) في فقه الشريعة. فكيف سيكون عليه الحال في الشؤون السياسية..؟ ولكن هذا، لا يعني من جانب آخر، عدمية إنخراط رجل الدين في الشؤون السياسية، ولكن ليس بصفته الدينية وحسب، بل وفقاّ لمواطنته، التي يقرها الدستور أسوة بأبناء المجتمع الآخرين حيث لا تمييز في الحقوق السياسية بين المواطنين..!   
 
إن جميع الإعتبارات التي تبني عليها كتلة الأئتلاف العراقي الموحد موقفها من مطلب فدرالية "الجنوب والوسط"، وإصرارها المتواصل على التمسك بها كمشروع مطروح للمناقشة أمام البرلمان، وفي ظل الظروف الشاذة التي تطبق على العراق اليوم، ورغم إتساع دائرة المعارضة السياسية والإجتماعية للمطلب المذكور، وسيول الدماء العراقية الجارفة ، التي ليست بعيدة في بعض أسبابها عن ذلك؛ إن جميع هذه الإعتبارات والمبررات، لا يدعمها واقع الحال؛ وإن مجرد التشبث بها لا يمكن تفسيره، إلا بأنه صادر من منطلقات خاصة، لا تخدم في أهدافها، مصلحة العراق والعراقيين ، بقدر ما تعرض في نتائجها، البلاد الى مخاطر  الضعف والتفتت، والهيمنة المحتملة من دول الجوار، وتعزز أحقية التخوف الذي أظهرته طوائف ومكونات سياسية أو دينية عديدة ، من الدفع بإتجاه ما يدعى بنظام (ولاية الفقيه)، رغم النفي الذي تعلنه بعض  أوساط كتلة الأئتلاف لذلك..!

كما وأنه وطبقاّ للمقولة التي يروج لها كثيراّ من قبل أصحاب مطلب الفدرالية المذكور والقائلة؛  بضرورة رفع الغبن التأريخي الذي لحق بأبناء المنطقة، المفترض شمولها بالفدرالية، فيما يتعلق بالتصرف بثروات مناطقهم، ولذلك فأن من أهداف الفدرالية؛ هو ضرورة إعادة هذا الحق الذي سلبته الحكومات المركزية الى أصحابه؛ أقول وطبقا لهذا الإدعاء، لابد وأن يدرك المرء بأن الثروات الوطنية وفي مقدمتها النفط والغاز والثروات الأخرى في باطن الأرض، إنما هي (ملك مشاع) بين جميع العراقيين وفي جميع الأقاليم.** وأي تجزئة للثروة الوطنية عن طريق تقسيمها ووضعها تحت هيمنة الأقاليم والمحافظات، ليس فقط لا يساعد على تطوير وتنمية تلك الثروة وحسب، بقدر ما يعمل على إهدارها وتبديدها بعيداّ عن مصالح المجتمع والأجيال القادمة. خاصة إذا ما علمنا بأن عمليات التنمية والأستخراج تتطلب مهارة عالية وتمويلات باهضة، لا تقوى أقاليم، أو محافظات "مؤقلمة" على النهوض بمفردها بذلك..!؟(5)

إنه ومن نافل القول، أن تضع الطائفة الشيعية، وكذلك باقي الطوائف الدينية والمذهبية الأخرى ، مصلحتها جميعاّ ضمن إطار مصلحة الوطن. وإنه لمن القوة أن تصبح مظلومية الجميع مجتمعة، هي الدرع المانع من تجزأة الوطن، وتلك المصلحة وحدها، هي الإطار الجامع والموحد للجميع..!   

في الختام أؤكد ما أتيت عليه في مقالات سابقة ومشار اليها ضمن الروابط أعلاه، من الدعوة الى ضرورة الأخذ والتمسك بكل ما يصب في خدمة الصالح العام بعين الحق والعدل، وبما يعزز الوحدة الوطنية ويقوض أسس التجاذب الطائفي، ويوقف نزيف الدم، ويشد لحمة العراقيين للوقوف في وجه الإرهاب، ويعجل في إنجاح المصالحة الوطنية وفق أسس من الديمقراطية والعدالة، ويعزز وسائل بناء هياكل الدولة الديمقراطية الحديثة..!
 إلا أن ما يؤسف له ولإعتبارات سياسية، لايزال الجميع يتحدثون فقط، عن الحق في تأسيس الأقاليم المنصوص عليه دستورياّ ، ولكنهم يغفلون الحديث عن شروط وأسس وقواعد وأسباب ومسوغات التأسيس..!؟
__________________________________
1-   فدرالية الوسط والجنوب: مقال سابق – إضغط الرابط *http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/7fdr.htm
2-   العراق: إشكالية الفدرالية والتوازن الإجتماعي:  مقال سابق – إضغط الرابط *http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/9fdr.htm
3-    نفس المصدر السابق/2 - إضغط الرابط *http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/9fdr.htm
*-  دراسة في الزعامة العراقية: الدكتور خالد التميمي/ص18-19 Ireland P.W., Iraq A study in political Development, p47))
4-   نفس المصدر السابق/1  - إضغط الرابط *http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/7fdr.htm
**-  نص مسودة الدستور الدائم – إضغط الرابط *
5-   هل يمتلك العراقيون نفطهم..؟ مقال سابق – إضغط الرابط  *http://www.al-nnas.com/ARTICLE/BFadli/18oil.htm
[/font
]

364
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

بعيدا عن القدح أو المدح، بعيدا عن النقد أو العتب، فالبرلمان العراقي اليوم وبشكله الديمقراطي الذي قد يحسد عليه، يسجل إنموذجا للبرلمانات الجماهيرية الشعبية الإفلاطونية، التي قلما وجدت لها شبيها في التأريخ. فالجميع من أعضاء وهيئات رئاسية ورئيس وحجاب وكتبة و..الخ من موظفين وحراس، يسبحون في فضاء من  أعلى درجات الحرية والديمقراطية، لا تحده حدود ولا يطوله البصر. لأعضاءه كامل الحق في التعبير عن آرائهم وقول ما يحلوا لهم حتى لو كان ذلك شتماّ أوإهانة، أو تهديدا، وهكذا دواليك. البرلمان العراقي الموقر، وهو نتاج أعظم عملية إنتخابية بنفسجية ديمقراطية شهدها العالم في القرن الحادي والعشرين، والتي باركتها أم الديمقراطيات؛ الولايات المتحدة الأمريكية والعالم المتمدن، ربما هو الوحيد بين أقرانه من برلمانات العالم، من تتجلى في جلساته، وبوعي تام، أسمى صور الحرية والديمقراطية، بل وفاق في تجسيده لهذه الحقوق، حتى الهيئة العامة للأمم التحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان..!

البرلمان العراقي فذ في كل شيء، ودمقراطي في كل شيء، وسمح ومتسامح في كل شيء. وجميع  سكانه من رئيس  وأعضاء، متمسكون بشعار سيدنا المسيح (ع) : "إذا ضربك أحد على خدك الأيمن، أدر له خدك الأيسر." رئيسه وأعضاءه متضامنون متكافلون وإن إختلفوا؛ مشتركهم واحد ومصيرهم واحد وإقتصادهم واحد؛  متسامحون وإن أصابهم ما يخدش أو يجرح الكرامات؛ لا يثير عواطفهم غليظ الكلام، ولا تهز مشاعرهم إساءة أو تجريح؛ الشفافية مبدأهم، والدعابة رائدهم،  والحلم والحكمة ديدنهم؛ حواريون فيما أؤتمنوا عليه، ولسان حالهم يقول: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.)، عصاميون فيما جبلوا عليه؛ لا تهزهم الشدائد، ولا تخل بتوازنهم المصائب؛ صابرون مصابرين، ثابتون في مناصبهم كالأوتاد..!؟

لا غرابة ولا وجه تعجب، فديمقرطية البرلمان العراقي أسمى من أن تحدها حدود، أو تحكمها سنن وشرائع. فيها تمتزج جميع الألوان، وتحلق في أجواءها جميع اللغات واللهجات. وتتميز عن غيرها؛ أنها الأولى من نوعها في العالم، إذ يملك فيها العضو ما يحلو له مما يشاء، من قول أوفعل. فهو الشعب وممثل الشعب، والشعب حر فيما يريد، وتلك وبلا منازع سلطة الشعب، والشعب فوق الجميع..! فهل هناك من يعتقد العكس..؟؟!

 فما يحسبه المرء "أحياناّ" خروجاّ أو إنحرافاّ عن الديمقراطية التي ألفتها المجتمعات الديمقراطية، من تصرف يظنه  شاذاّ يصدر من أي من الأعضاء أو حتى من قبل الرئيس، وهذا "نادرا" ما يحدث، وإن حدث فعن "طيب خاطر"،   فهو الخطأ بعينه، فديمقراطية البرلمان العراقي، هي الوحيدة؛  ديمقراطية بأمتياز. وهناك وتحت قبة البرلمان فقط ، يجد الإنسان نفسه حراّ وبأختيار، وهناك فقط، تجد مقولة الفاروق عمر بن الخطاب (رض) الشهيرة (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، تجد مكانها في الممارسة العملية الحقيقية. فتحت قبة البرلمان فقط،  يتساوى الجميع، فلا سيد ولا مسود، ولا رئيس ولا مرؤوس،  والكل أحرار فيما يقولون وما يفعلون. وتحت قبة البرلمان فقط،  تفقد الكلمات والألفاظ معانيها؛ لتسبح في فضاء من الحرية، واسع بلا حدود؛  فالكلمة وأن غلظت، والإساءة وأن جسمت، فهي كنار إبراهيم (ع)، برداّ وسلاماّ على الجميع..!؟

 فتحت قبة البرلمان "يمكن" أن مفردة مثل ((القندرة))، "وهي مفردة شعبية شائعة الإستخدام"، تقابل في المعنى مفردة أخرى كمفردة "قانون"، فالكلمات وإن تمايزت في اللفظ، فإنها وطبقاّ "للغة" البرلمان "المستحدثة"، يمكن أن تتطابقان في المعنى،  والتشابه بين المفردات هنا، هو كتشابه ((البقر)).   كما وإن المفردة نفسها، لم تعد تمتلك معناها القديم، وبالتالي، وطبقا لنظرية الإستحداث في بناء المفردات اللغوية "البرلمانية" الحديثة، لم يعد هناك بعد، ما يخجل منه، أو يعاب عليه، إن إقترنت، أو جرى التعويض بها بدلا عن مفردة أخرى وفي موقع آخر.  وربما قد "يحار" البرلمانيون أحيانا، بسبب من فضاء الحرية الواسع، للخيار بين مفردة مثل ((القندرة)) وهي الأخرى، "مفردة برلمانية" ومن مقاس جديد يصلح لكل الإستخدامات،  بإعتبارها من المفردات "الديمقراطية" الجديدة، بمعناها الحديث، وهي تعني "قانون"، والقانون من المفردات الديمقراطية حكما، وبين مفردة أخرى، مثل مفردة (الشريعة) وهي من المفردات الراسخة تأريخيا، وتنأى في معناها ومبناها عن كل ما يمت بصلة لمعنى المفردة السابقة. واللبيب من البرلمانيين من يحسن الإختيار بين مفردة ((القندرة البرلمانية)) و مفردة((الشريعة البرلمانية))، دون أن يثير غضب المتحمسين من مجلس فقهاء اللغة المحدثين، رئيسا أو مرؤوسين..!؟   
 

والنائبات في البرلمان العراقي محصنات، معززات مكرمات؛ فأخوتهن من النواب قوامون عليهن في كل شيء، ولا يكلف الله نفساّ إلا وسعها، وليس عليهن من الموجبات، أكثر مما تفرضه (الشريعة) من فروض الطاعة والولاء؛  فسيد البرلمان؛ أخوهن الأكبر وحامي حماهن، وصائن كرامتهن؛ والبرلمانيون من الرجال أخوتهن في السراء والضراء؛  فإن مسهن " لا قدر الله"  من زجر أو سخرية أو حتى بعض التطاول على كراماتهن، بسبب من وقوعهن في خطأ في إختيار المفردات المناسبة، فذلك من موجبات "قوامة" الرجال على النساء..!  فما يبتغى لهن إلا النصح والمشورة والتقويم وحسن العاقبة؛ وحتى لو صدر مثل ذلك من سيد البرلمان، على سبيل الإفتراض _ لا سامح الله _ ، وهو رجل مجلّل بألإيمان والحكمة،  فلا عتب ولا عتاب، ولا إستنكار ولا إحتجاج؛ فبعد قرون من العزل في سراديب الظلمة، ها هن اليوم،  يرفلن في نعيم "ديمقراطية البرلمان"، فأي حظ سعيد، وأية "دمقراطية" منشودة..! وأي معنى بعد ذلك للإساءة أمام هذا السعد وهذا الهناء..! ومن ذا الذي من أجل "مفردة" قيلت، وهي مجرد "فلتة لسان"،  مستعد للتفريط  بنعيم "جنة" البرلمان..؟! حاشا لله، أن يكون هناك من يقدم على ذلك وحتى أن يفكر فيه..!!! فبرلماننا العتيد محروس بسواعد "الأشاوس"، من الحرس الخاص، وهم جاهزون لمعالجة أية إشكالات تحدث وفقاّ لمفردات اللغة البرلمانية "الممستحدثة"، وهم ذو خبرة جيدة وذو باع طويل؛ وكان الله في عون العباد..!!؟

ديمقراطية البرلمان العراقي تسمو فوق كل شيء، ولا يقيدها قانون أودستور، فهي القانون وهي الدستور، وهي المرشح (الفلتر) الذي يفرز الغث من السمين من القوانين، خاصة ذات الطابع "الديمقراطي"  ذي الأصل "القنادري". وهي التي تسمح بما لا يسمح، وهي التي تمنع ما لا يمنع. فمن لم ترق له ديمقراطية البرلمان، فماء البحر أقرب إليه من سراب الماء..! ولا دهشة في ذلك. أليست تلك لغة برلمانية مستحدثة من الطراز الثقيل..؟؟!
 ومن تزعجه حرية البرلمان ، فما له غير "لوك" التساؤل الشعبي المعهود : " فرعون من فرعنك..؟؟!"
ورحم الله شاعر العراق الكبير معروف الرصافي..! وصان برلماننا ودستورنا وعلمنا، وفقهاء لغتنا المحدثين..!

365
باقر الفضلي

bsa.2006@hotmail.com


أود أن أشير في البداية، الى أن أصل مقدمة البرنامج المطروحة،  هو نفسه التقرير الذي كتب عن تأريخ الحزب الشيوعي العراقي تحت عنوان  الحزب الشيوعي العراقي: 1934- 2004      بعد أن تم حذف وتشذيب ما هو غير مناسب لأن يتصدر مسودة البرنامج الجديد، وإن لم يكن هناك من ضير في ذلك، ولكنني أعتقد، أنه كان من الأفضل كتابة مقدمة جديدة للبرنامج، تكون أكثر ملائمة مع التغيرات التي حصلت على مدى عامين، رغم العوامل والقواسم المشتركة للفترتين.

 كما ومن الملاحظات العامة التي يمكن قولها عن المقدمة هو؛ عملية الإطناب والإسترسال والتداخل والتشابك بين الأفكار والأهداف، مما أفقدها صفتها كمقدمة،  كان ينبغي أن تقتصر على تناول المباديء العامة لسياسة الحزب وتجنب الإنتشار الواسع والخلط بين المباديء والأهداف وتفاصيل المشاريع المستقبلية كما هو حاصل الآن. مع ذلك فأنني قد تناولت بعضا من جملة الأفكار التي وردت في المقدمة بهدف إلقاء الضوء وإبداء ما أعتقده مناسبا بشأن مدلولاتها، إسهاما مني في الدعوة المعلنة للمشاركة في المناقشة والحوار.
أما مايتعلق بالبرنامج المطروح نفسه، فيمكنني الإشارة هنا، بأنني سبق ومبكراّ، أن دونت عدداّ من الملاحظات قبل نشر مسودة البرنامج للإعلام، وقد تريثت في نشرها إنتظاراّ من أجل الإطلاع عليها. سأحاول في مقال تال، إستكمال  ما هو ضروري ومحاولة نشرها توخيا للفائدة.

المقدمة

الفقرة الأولى/ التأسيس:

"تأسس الحزب الشيوعي...الخ"

لا أظنه من المناسب منطقياّ؛ القول بأن تأسيس الحزب قد تم " تعبيرا عن  إرادة الشعب من الكادحين_ عمالا وفلاحين وغيرهم"، حيث أن الإرادة تتطلب قرارا تجمع عليه تلك الفئات البشرية التي عددها المشروع، ولعمري أن هذا التصور لا يسنده واقع الحال آنذاك. خاصة وإن الحديث عن الطبقات عموما في العراق آنذاك، لا يجد له صدى في الواقع فلا الطبقة العاملة كانت من النضوج بحيث تفكر بتأسيس حزبها الطبقي، علما وإن نواتاتها نشأت في مؤسسات تابعة لقوات الاحتلال الانكليزي. كما أن البرجوازية في العراق كانت في طور التكون هي الاخرى. إن مجرد البداية التي تجسدت في نشاط الرفيق (فهد) شخصياّ وعدد من المثقفين الأوائل وبعض من الكادحين من أبناء المدن التي عمل فيها كالناصرية والبصرة والتي كانت تربطه معهم علاقات جيدة، لا يمكن أن تعبر عن إرادة الشعب طبقاّ للمعنى الذي أرادته مسودة البرنامج. كما وأن الحديث عن الموضوعية يتعارض مع الإرادوية.

أرى من المناسب لو أن الأمر ، يقتصر على ربط أسباب التأسيس وبواعثه، بالظروف السياسية السائدة آنذاك، لأصبح ذلك، أكثر موائمة مع طبيعة ظروف التأسيس نفسه. ويساعد على الإبتعاد عن إفتراض حقائق قد لا يدعمها الواقع، وبهذا الشكل الذي صيغت فيه في مسودة البرنامج.
فحقيقة أن الحزب قد تأسس في ذلك التأريخ، يكفي وحده للتعبير، عن كون تأسيسه، كان مبادرة سياسية أملتها بهذا القدر أو ذاك، الظروف السياسية السائدة آنذاك، وتجاوب المؤسسين مع تلك الظروف. وليس تعبيراّ عن إرادة غير واضحة المعالم رغم إفتراض وجودها.   
 

الفقرة الأولى/ أهداف النضال:

"تأسس الحزب الشيوعي.....الخ"

رغم أن مسودة البرنامج تتحدث عن فترة التأسيس، قبل (72) عاما، فإن ما صاغته من أهداف لنضال الحزب آنذاك، جاءت محملة التأريخ أكثر مما يحتمل، ولا أظن أن واضعي مشروع التأسيس في حينه، كانوا مشغولين بتلك الشعارات بهذا القدر الذي ورد في المسودة، اللّهم إلا إذا أخذنا بالحسبان سمات تلك الفترة التأريخية وشيوع مصطلحاتها الخاصة، كالإمبريالية والمجتمع الإشتراكي وغيرها من المصطلحات، التي كانت تغطي صفحات الجرائد وبيانات الأحزاب. ويبدو للقاريء ومن أول وهلة وكأن المؤسسين كانوا قد شرعوا بوضع اللّبنات الأولى لإرساء قواعد النضال من أجل تحقيق المجتمع الإشتراكي، كما تصوره المسودة. ولكننا أمام مسودة لبرنامج يكتب لأغراض اليوم..!

 ولكن، إن كان ولا بد من ربط عملية التأسيس بأغراضها، وإن لم أجده ضرورياّ، فإنه من المستحسن،  وأقرب الى الواقع، النظر الى طبيعة الظروف السياسية والإقتصادية – الإجتماعية السائدة يومذاك، لنخلص في النهاية، الى حقيقة العوامل التي دفعت أو أعطت المبرر المنطقي والموضوعي، لتشكيل حزب بتلك المواصفات التي أعلن عنها، وفي ظل ظروف من المنع  والسرية.
أما ما طرحته مسودة البرنامج من توصيف لمهمات النضال التي ربطتها ببواعث التأسيس، وبهذا الشكل الفضفاض، فأظنه أقرب الى المبالغة المفرطة، ولا يفيد في تحديد طبيعة المهمات المعلنة في حينه.

إن التسمية الأولى للحزب ((لجنة مكافحة الإستعمار والإستثمار))،  والتي أعلن الحزب من خلالها عن نفسه،  فإنها جاءت أدق في التعبير عن الهدف والدافع.  ولكن، وربما، أن مركز الأممية في حينه، إشترط تبديل الإسم كي تقبله المنظمة في عضويتها، وكان هذا، في تصوري، أحد سمات التشويه للأممية؛ فإن جوهر فكرة التسمية (الأولى)، يعطينا تصوراّ مقبولاّ عن حقيقة العوامل والأسباب التي وقفت وراء مبادرة التأسيس، وهي لا تبتعد في حينها عن النضال ضد الإستعمار والهيمنة الإقتصادية وتحسين أوضاع الجماهير؛ وهو نضال ذو طابع وطني بحت، وكانت تشارك فيه كافة الأحزاب الوطنية الأخرى آنذاك، وفي مقدمتها (الحزب الوطني) برئاسة المرحوم القائد الوطني (جعفر أبو التمن) وبقية الأحزاب الأخرى. إن هذا يعطينا مؤشراّ حقيقياّ، بأن النضال لم يكن مقتصراّ على الكادحين وحدهم  ("عمالا وفلاحين ومثقفين " وغيرهم" )، بل كانت الطبقة المتوسطة وشرائح من البرجوازية الصغيرة، بما فيها فئات واسعة من رجال الدين، تشكل فيه ركناّ أساسياّ، إستمر لما يزيد عن نصف قرن من الزمن، وحتى ثورة الرابع من تموز/1958.
خلاصة القول فإن الفقرة الأولى من مسودة البرنامج على قصرها، فإنها تتضمن العديد من التصورات والأفكار التي قد لا تتواءم مع الواقع، حسب تقديري، وكما ورد ذكره، وفي تصوري، أنه من الضروري إعادة النظر في صياغتها فكرياّ وتأريخيا.

الفقرة الثانية/ الإسترشاد بالفكر الماركسي:

"ويسترشد الحزب الشيوعي....الخ"

إن أي إسترشاد في سياسة أو تنظيم وحتى نشاط معين، لا بد وأن يخضع في جوهره الى واقع الظروف المكانية والزمانية التي تكتنف ذلك الإسترشاد؛ لا من حيث مصدره فحسب، بل من حيث توجهاته والأهداف التي ينصب عليها. فليس من نافلة القول؛  أن أي فكر، على سبيل المثال، قادر وحده على حل مشاكل البلاد، وكأنه إكسير الحياة.
 
الفكر الماركسي والمنهج الماركسي، حالتان متمايزتان، فالإسترشاد بالفكر الماركسي، كما أشير اليه في مقدمة المسودة،  إنما هو من حيث دلالاته المقصودة، لا يلبي الغرض من هدف الإسترشاد، كخلفية نظرية – إيديولوجية للحزب، وكذلك الحال مع أي حزب آخر يعلن عن إسترشاده بفكر آخر على سبيل المثال. فأي فكر ومهما كانت المسميات، لا يمنح صاحبه، إلا معرفة مضافة في طريقها الى التحول والتغير والتطور، تأثراّ وتأثيراّ بالأفكار الأخرى، وهو مرتهن بتطور العملية الفكرية نفسها، التي هي  في حد ذاتها، نتاج للتطور العلمي والمعرفي الكوني الشامل. أما ما يقال عن (التراث الإشتراكي) فمن الأولى، في نظري، أن يجري البحث أولاّ،  فيما إذا كانت (الحياة) قد وفرت لنا نموذجاّ إقتصا- إجتماعيا، يمكن النهل منه بإعتباره نموذجاّ "إشتراكياّ". وبعد ذلك يمكن الحديث عن التراث الإشتراكي، إن كان هناك ثمة تراث طبقاّ للمعنى الذي قصدته مسودة البرنامج.
 
فالماركسية إصطلاحا لا تعبر في حقيقتها إلا عن منهج علمي، يتمحور حول فلسفة (دايلكتيك التناقض) المنسوب الى الفيلسوف الألماني (جورج فيلهلم فريدرك هيغل)، وأعاد بناء أسسه الفيلسوف (كارل ماركس) على قواعد مادية. فهو أي( المنهج الماركسي) في النتيجة، ليس غير منهج للتحليل والإستقراء والوصول الى نتائج البحث، بإستخدام (قانون دايلكتيك التناقض) كأسلوب لذلك. والمنهج المذكور نفسه عرضة للنقاش والتطور ، وهو محط خلاف بين ذوي الإختصاص، من حيث جذوره وأصول مكوناته، كما كان عليه الأمر بين (هيغل) و(ماركس).  ومن هذا نخلص الى أن القول بالإسترشاد ب "الفكر الماركسي" و "سائر التراث الإشتراكي"، جاءا في غير موضعهما المناسب، ليس إنتقاصاّ من الفكر نفسه، بقدر ماهو إستنطاق للتأريخ بصورة معكوسة.

إن ما يمكن الحديث عنه وما يحتاجه الحزب وأي حزب، هو المزيد من المعرفة ، والنهل من مصادرها المختلفة، والتطلع الى أفق التطور العلمي والثقافي، والى المزيد من تجربة وخبرة الآخرين.  وهذا ما كان (ماركس) و(أنجلز) يفعلانه، حيث شكل جملة تراثهما الفكري، حلقة مهمة في سلسلة التطور الثقافي العالمي تأريخيا.  كما وإن هناك فرقاّ واضحاّ بين إعتماد المنهج والإسترشاد بالفكر،  فرغم أن كليهما مفاهيم نظرية ويعودان إلى مدرسة فكرية تخوض صراعاّ حاداّ مع غيرها وتتناولها التغيرات بمرور الزمن في ضوء متطلبات الواقع وحركته الموضوعية وتناقضاته، لذا أعتقد أن إيراد المفهومين لا ينبئ دائماّ عن حقيقة الحزب الذي يتبناها، خاصة وأن هناك الكثير من المنظمات القومية التي تتبنى مثل هذه المفاهيم.  ودفعاّ لأي إلتباس أو غموض مفاهيمي، أجد أنه بالإمكان التعويض عن ذلك،  بإعتماد (المنهج العلمي) مرشداّ في تناول القضايا الاجتماإقتصادية.

الفقرة التاسعة/الفدرالية

" ويرى الحزب في الفدرالية....الخ"

الفقرة المذكورة والتي تتعلق بمسألة (الفدرالية)، فهي رغم تأكيدها على (الفدرالية) كشكل من أشكال الحكم والأخذ به كخيار مناسب للدولة العراقية، إلا أن عرضها بهذا الشكل دون توضيح الموقف من جوهرها، وأخذها على علاتها وعلى نفس ما جاء في الدستور، إنما يلقي عليها شيئا من الغموض، الذي، وكما أعتقد، يحتاج الى الإيضاح والتفسير وتحديد الماهية.  خاصة وأن الأمر حاليا، هو محل خلاف ونزاع وصراع بين المكونات المختلفة في المجتمع. 

الفقرة 11/ حقوق المرأة

"يدافع الحزب عن حقوق المرأة...الخ"

إن الموقف من المرأة وحقوقها بالنسبة الى حزب شيوعي علماني، هو أعمق من كونه موقفا دفاعيا عن هذه الحقوق ، بقدر ما هو موقف نضالي ثابت منها، وعليه أرى إعادة صياغة الفقرة، بما يؤكد على وجوبية ذلك. وأن يعمل من أجل أن يتم تقديم الدعم المادي والمعنوي لمنظماتها المدنية.

الفقرة 13/ العولمة

" ويرى الحزب الشيوعي نفسه جزءا...الخ"

تعوز هذه الفقرة الدقة في تحديد مفهوم (العولمة) ويشوبها شيء من الغموض، وكأن الأمر يتعلق بالخيار بين شيئين ، هما الخير أوالشر. فمن جهة يضع الحزب نفسه ضمن "معسكر" رافض للعولمة نفسها، على أعتبار إنها فارضة لللبرالية الجديدة، وما تجره من تحكم الشركات العالمية بمصير الشعوب، ومن جهة أخرى يدعو الحزب الى ضرورة الإستفادة من ما تطرحه (العولمة) من أمكانات كبرى لتقدم البشرية حسب قول المسودة. إن هذا التعارض في الموقفين، وكما أعتقد،  يضعف من موقف الحزب في مجال السياسة الإقتصادية، ويدفعه الى موقف الإنعزال، كما ويضعه في موقف التعارض مع طروحاته الأخرى التي تدعو الى تشجيع سياسة الإستثمار كما هو وارد في (نص الفقرة/15 من المسودة، والتي مطلعها :( " وفي شأن الحالة الإستثنائية...الخ").  فالعولمة وكما تصفها مسودة البرنامج، بأنها (ظاهرة موضوعية)، ليست إستثناء عن غيرها من الظاهرات الحياتية الموضوعية، في كونها تحتفظ بوجهيها المتناقضين، الإيجابي منه والسلبي، وهي تعبر عن مرحلة متطورة في النظام الرأسمالي، وتعكس شمولية هذا النظام كأسلوب للإنتاج، كما هو معروف..!

الفقرة، في تقديري، تحتاج الى إعادة صياغة أكثر دقة ووضوحاّ. فعلى الصعيد العملي ، ليس هناك من بلد، يمكنه الوقوف خارج العملية الإقتصادية العالمية، أو أن يدخلها دون أن يضع في حسبانه جوانبها السلبية. فهي سيرورة موضوعية لنظام إقتصاإجتماعي شامل، قائم بقوانينه الخاصة، وله سماته المعروفة..!
 فالوقوف في "معسكر" الرفض، في ظروف العراق الحالية، لا يبدو أنه الحالة الأصوب للنهوض الإقتصادي وإعادة إعمار العراق. إلا أن إشاعة الديمقراطية في المجتمع، وتعزيز الرقابة الشعبية من خلال المؤسسات البرلمانية والدستورية ومنظمات المجتمع المدني، وتشريع الضوابط القانونية، التي تحكم مشاريع الإتفاقيات مع الشركات المستثمرة، كفيل بالحد من الآثار الضارة لظاهرة العولمة، وتبعاتها السلبية المحتملة.

ذلك كان إجمالاّ لما أجده من النقاط البارزة والتي تسترعي الإنتباه والواردة في مقدمة البرناج، وفق ما تضمنته المسودة، آملاّ أن ما أتيت به من الملاحظات سوف يسهم في تفعيل المشاركة الجماعية لمناقشة مسودة البرنامج، بما يساعد على الخروج بمحصلة علمية دقيقة تهدف الى الخروج ببرنامج سياسي أكثر واقعية، وأعمق دلالة في نظرته للمرحلة الحاضرة والمستقبلية..! مضيفا الى ذلك الدعوة مجدداّ الى تكثيف المقدمة، وإعادة صياغتها، بما يساعد على تنقيتها من العديد من الجمل الإنشائية، كما والإقلال من: التحدث والمبالغة في توصيف النفس، والتكرار غير المرغوب في ترديد أسم الحزب، أوالحماس في عرض الإلتزامات. والى ترحيل تلك الفقرات المتعلقة بالشؤون المهنية، أو التي ليست بمصاف المباديء العامة، الى متن البرنامج، كي تكون مقدمة البرنامج، أكثر سلاسة وقبولا، وتعطي البرنامج سمة الحداثة والتواءم مع التطور.
أقترح إعادة صياغة خطاب المقدمة، من شكله الإهابي الحالي، الى الإكتفاء بتدوين المباديء العامة على شكل نقاط محددة ، واضحة ودقيقة. أما التفاصيل فبالإمكان أن تتبع لاحقاّ في نشرات خاصة وإيضاحات صحفية وندوات تلفزيونية ولقاءات جماهيرية..الخ وهذا يمكن أن يمثل جزءا من مهام جهاز الإعلام للمؤتمر، ومشاركة أعضاءه.
       

366
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

تفضل الأستاذ محمد موسى مناصرة المدير العام لمركز الحارس للدراسات والإعلام مشكورا، في موقع الحارس الألكتروني، بالتعقيب على ما جاء في الإستنكار والإحتجاج المنشور من قبلي في موقعكم الموقر، وللأمانة الصحفية أعيد نشر التعقيب المذكور من خلال الرابط أدناه. زيادة في الأيضاح وخدمة للكلمة الحرة، ولما تحلى به التعقيب من روح ديمقراطية ، وشفافية عالية .

  http://www.alhares.org/site/modules/news/

367
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


1.   إكتشفت في ساعة متأخرة من مساء ليلة18/19/9/2006  أن موقع (الحارس الألكتروني)، وهو من المواقع العلمانية المعروفة، قد نشر بتأريخ 17/9/2006 مقالتي (القضاء العراقي: هل كان صدام دكتاتوراّ..؟)، وقد ألصق في واجهة المقالة صورة الدكتاتور صدام حسين، دون أن يسألني رأيي في الأمر.
2.   إعتبر ما قام به موقع (الحارس الألكتروني) بنشره صورة الدكتاتور صدام حسين في واجهة المقالة المذكورة، إستفزازاّ وإساءة معنوية لي ولمواطنيّ وقرائي الأعزاء وكافة المواقع الألكترونية الموقرة التي إعتدت مراسلتها. كما وأجد فيه خرقاّ لقواعد النشر المعتادة..!
3.   إحتجاجاّ وإستنكاراّ مني لما أقدم عليه (موقع الحارس الألكتروني)، قررت وقف تواصلي مع الموقع المذكور، مؤكداّ على طلبي إلغاء ما أقدم عليه الموقع من عمل أساء الى الجميع والى الموقع نفسه، وأطالبه بالإعتذار.
4.   أسجل إعتذاري لقرائي ومواطني الأعزاء وكافة المواقع الألكترونية التي أمتلك تواصلا معها لما حدث، مؤكداّ إستنكاري وإحتجاجي لما أقدم عليه (موقع الحارس الألكتروني) وأعتبره عملاّ إستفزازياّ مسيئاّ، مهما تكن الدوافع والنيات..!

 نسخة منه الى/
موقع الحارس الألكتروني: راجياّ نشر هذا الإستنكار والإيضاح عملاّ بحق النشر.

368
باقر الفضلي


bsa.2005@hotmail.com


]]فيينا: من المقرر أن تبدأ الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم في فيينا أعمال جمعيتها العامة ويتصدر جدول أعمالها الملف النووي الإيراني، علاوة على مشروع قرار عربي يطالب إسرائيل بإخضاع برنامجها النووي للتفتيش الدولي. ويتوقع أن يشارك في الاجتماع الذي سيتواصل طوال الأسبوع ممثلون عن 140 دولة. يأتي ذلك في الوقت الذي تطالب فيه واشنطن الأمم المتحدة بفرض عقوبات على إيران بسبب رفضها وقف نشاطات تخصيب اليورانيوم مع انتهاء المهلة التي حددها مجلس الأمن لهذا الغرض في الـ31 من أغسطس الماضي. وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تواصل تخصيب اليورانيوم.[[*



لقد نشرت جريدة (الداكنز نيهيتر) _أخبار اليوم_ (DAGENS NYHETER) السويدية في الثامن من شهر حزيران/2006، المقال التالي حول النزاع المتعلق بالملف النووي الإيراني، مجيبة فيه على عدد من الأسئلة التي تشغل بال الرأي العام. ولغرض وضع القاريء العربي في محصلة ما تراه الصحيفة من الأجوبة على تلك الأسئلة، وجدت من المناسب نقل تلك الأسئلة وأجوبتها في أدناه :

(DAGENS NYHETER)

أسئلة وأجوبة:
ما الذي يدور حوله النزاع..؟


هل أن إيران في طريقها الى إمتلاك السلاح النووي..؟


ذلك ماتنكره إيران بإصرار، وتحاول إثباته بإدعائها؛ أن السلاح النووي لا يعزز من أمن البلاد.  بإلإضافة لذلك فقد أفتى القائد الأعلى آية الله  علي خامنئي؛  بأن السلاح النووي يتعارض مع الإسلام. غير إن  إيران إحتفظت لنفسها، الحق في إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووفقاّ لإتفاقية حضر إنتشار الأسلحة النووية NPT. وبذلك فإن إيران تريد أن تحتفظ بحقها في التحكم والسيطرة على إنتاج وتخصيب الوقود النووي، طبقاّ لما تسمح به الإتفاقية المذكورة NPT. 


إذن فما هي المشكلة..؟


 ولكن الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي ودول أخرى؛  لا تثق بأن إهداف إيران المعلنة ستقف عند حدود إنتاج الطاقة النووية وحسب، بل تتوقع، بأنه وبطريقة سرية، يمكن إستخدام نفس التكنولوجيا، التي تستخدم لإنتاج الطاقة النووية، في تصنيع القنبلة الذرية. إن الشكوك الموجهة ضد إيران قد جرى تعزيزها منذ عام/2003،  حينما أعلن بأن إيران وخلال ثمانية عشر عاما قد أخفت نشاطاتها الرئيسة عن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية NPT ، وتلك كانت  نقطة البداية في النزاع الذي يدور الآن.


ما هي متطلبات القوي الغربية من إيران..؟   


أن تنهي إيران عملية تخصيب الأوران (uran) وبمعنى آخر _تصنيع الوقود النووي_. وفي المقابل يجري تزويدها بالمساعدة التي تحتاج إليها، في إنتاج الطاقة النووية للأغراض السلمية.


كم من الوقت تحتاجه إيران لتصنيع السلاح النووي، إذا ما أرادت ذلك..؟


التقييمات  تشير الى ما بين 3-5 سنوات وصعودا حتى 10-15 سنة. أن ذلك يتطلب درجة أعلى من التخصيب أكثر مما تم الوصول اليه حالياّ. وبالنسبة لدرجة تخصيب الأوران التي أعلنتها إيران والتي جرت في نيسان الماضي، حيث قد وصلت الى درجة أقل من 4%، في الوقت الذي تتطلبه عملية التخصيب لصنع قنبلة ذرية، الى ما لا يقل عن 80%.


هل يوجد هناك خطر من مواجهة عسكرية..؟


لقد تناقص إحتمال دخول الولايات المتحدة الأمريكية في مفاوضات مباشرة مع إيران، حيث  أن مثل هذه المفاوضات سبق وأن إنقطعت منذ قيام الثورة الإسلامية عام/.1979 ، ولكن توجه واشنطن؛ من أنها سوف لن تسمح لإيران بتطوير سلاح نووي، لا زال باقياّ كما كان، وأن "جميع الخيارات" لمنع ذلك لا تزال مطروحة فوق المائدة.
كذلك إسرائيل، (وهي نفسها دولة نووية)، قد أوضحت؛ بأن القنبلة الذرية الإيرانية غير مسموح بها، مما يفسر بأن الإنسان وفي أبعد الحدود، أن يكون جاهزاّ لتوقع توجيه ضربات ضد أهداف عسكرية، بطريقة مشابهة لما حصل مع المفاعل النووي العراقي الذي تم تدميره من قبل الطائرات المهاجمة الإسرائيلية عام/1981.


ماذا تعني NPT..؟


NPT  هي  مختصر الى Nuclear Non-Proliferation Treaty  وهي تعني إتفاقية حضر إنتشار السلاح النووي. وقد وضعت حيز التنفيذ عام/1970.
تلتزم الدول التي وقعت عليها،  وعددها 188 دولة بالتعاون المشترك، في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، ولكن عليها أن تمتنع عن نشر السلاح الذري. إن الدول العظمى المالكة للسلاح النووي ، وهي كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا العظمى، وفرنسا، وروسيا، والصين، جميعها قد وقعت على هذه الإتفاقية، بما فيها إيران، وبالمثل فعل السويد. وعلى العكس من ذلك فإن دولا نووية؛ إسرائيل والهند وباكستان.  وكوريا الشمالية التي يعتقد بأنها تمتلك للسلاح النووي، فإنها لم توقع على الأتفاقية.


ماذا تعني IAEA..؟     


وهي مختصر International Atomic Energy Agencyوتعني (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)، وهي تضم 135 عضوا.
من أحد مقاصد المنظمة؛ مراقبة إلتزام الدول الأعضاء بإتفاقية حضر إنتشار السلاح النووي، أو بكلمة أخرى منع إنتشار السلاح الذري. إن IAEA  تدعم وبأوجه مختلفة التطوير السلمي للطاقة النووية.  وللفترة من1981- 1997   كان السويدي السيد (هانس بليكس) رئيسا للمنظمة، ثم أعقبه على رئاستها المصري السيد (محمد البرادعي) الحاصل على جائزة نوبل عام/2005.
______________


*- محيط/ موقع مكتوب العربي/18/9/2006]

369
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

حكمة القاضي وتداخل صدام حسين في الجلسة السابعة للمحكمة الجنائية العليا صباح يوم 14/9/2006  والخاصة بقضية (الأنفال)، قد فجرت عاصفة من الإستغراب والإستنكار لدى اوساط واسعة من السكان، وخلقت حالة من البلبلة والإندهاش في الوسط الصحفي والإعلامي وعلى نطاق واسع..!؟

وصف القاضي لصدام حسين بكونه ليس دكتاتوراّ " أنت مو دكتاتور ولم تكن دكتاتور..!!؟" في إجابته له بأن "الآخرين ينعتونه بالدكتاتور"، هي التي تقف وراء العاصفة الإحتجاجية، التي دفعت بقاضي التحقيق السيد (رائد جوحي)، الى عقد مؤتمر صحفي للإجابة على أسئلة وإستيضاحات مراسلي الصحف ووكالات الإعلام والقنواة الفضائية..!

فهل كان قاضي المحكمة بإجابته المذكورة منحازاّ الى جانب المتهم..؟ أم إن ما قيل كان مجرد كلام ملقى على عواهنه، أو كما تفضل السيد القاضي رائد جوحي، أن وصف الأمر وببساطة؛ بأن "القاضي هو أيضاّ بشر." تمثلاّ بقول السيد المسيح (ع)، "من منكم لم يرتكب خطأّ فليرمها بحجارة."!؟ أو قول قس سلامة: " يا قوم إني بشر مثلكم...!"

لست هنا في معرض مناقشة أحكام الإنحياز من قبل الحكام، فالأمر ليس بهذه البساطة وكأنه مجرد تعليق على مفردة قيلت من قبل قاض للمحكمة، بقدر ما يتطلبه ذلك من إثبات الإنحياز بحكم قضائي من المحكمة، بعد الطعن الذي يقدم من قبل أحد أطراف الدعوى وطلب التنحي..!

إن ما يمثله صدام حسين بالنسبة لقاضي المحكمة، هو عبارة عن كونه شخص ماثل أمام المحكمة بسبب إتهامه بإرتكاب فعل يجرم عليه القانون، وبالتالي فهو ليس إلا (متهم ) ولا يهم بعد ذلك ما كان يلصق به من نعوت أو ما يحوزه من ألقاب وصفات قبل ذلك، وكذلك الأمر بالنسبة لجميع المتهمين..!؟ وهذا من البديهيات التي يفترض أن يعلمها وكلاء المتهم نفسه، والذين إعتادوا وربما تملقاّ، أو لأسباب أخرى وفي جميع الأحوال على ترديد إسم المتهم ملصقاّ بالقابه..!

وبالتالي فإن وصف المتهم صدام حسين بكونه دكتاتوراّ من عدمه ، لا يغير من حقيقة الأمر شيئا من الناحية القانونيةّ، من كونه مجرد (متهم) ماثل في قفص الإتهام..! كما وإن تعليق القاضي على هامش كلام المتهم لا يؤثر في مجريات سير الدعوى، ولا يوحي بأن القاضي يقصد من وراء قوله، ما يصب في مصلحة المتهم، رغم إستحسان المتهم لذلك، وشعوره بالإرتياح..! إذ ليس من المنطق الحكم على النوايا، وإستخلاص النتائج من الغيب..!؟

القاضي نفسه يعلم؛ بأن أمامه طريقاّ طويلاّ من النظر في الوثائق والأدلة الكثيرة المتعلقة بالدعوى المنظورة أمامه، وبالتالي فأنه ليس من المصلحة أن يضع نفسه في موقف الشبهة أو الإنحياز لأي طرف من أطراف الدعوى، ولذلك فإنه ومن نافل القول، أن لا يشارك القاضي، المتهم في وصفه لنفسه وعلى حد قوله(المتهم) نقلا عن الآخرين بأنهم ينعتونه بالدكتاتور، وبالتالي يقع في فخ المتهم، الذي مؤداه الطعن بالإنحياز..!

 ونفي القاضي لهذه الصفة عن المتهم، إنما يعبر عن موقف قانوني يؤكد حيادية القاضي طالما كان الشخص الماثل أمامه مجرد (متهم) لا غير..! وطبقاّ للمبدأ القضائي المعروف ، فإن  (القاضي لا يحكم بعلمه)، ومن هنا دفع القاضي أي إلتباس أو شبهة بالإنحياز، بنفيه معرفته للمتهم بأنه دكتاتور..! حتى وإن كان يعلم يقيناّ بحقيقة ذلك..!

أما على الصعيد العام، فقد إستقبل قول القاضي بعاصفة من الرفض وعدم الرضا من قبل الرأي العام، ولهذا ما يبرره من الأسباب، فليس وحده الشعب الكردي من ينعت صدام حسين بالدكتاتور وعلي حسن المجيد بالكيمياوي، بل أن جميع العراقيين على إختلاف مكوناتهم، والرأي العام العربي والعالمي، لايعرفون هذين الأسمين إلا بهذين النعتين، حيث أصبحتا صفتين لصيقتين بشخصيهما، ولايمكن الإستدلال عليهما إلا بذكرهما بالترادف..!

أما القضاء وحكم القانون فله منطقه الخاص. والقاضي وحده هو الذي يتحمل مسؤولية إدارة جلسات الدعوى، وإن إختلف القضاة في طرقهم في الأداء ، فإنهم لايختلفون في الجوهر، وهو تمسكهم بمباديء وأصول قانون المرافعات وأحكام القوانين الأخرى. والقضاء العراقي مشهود له في ذلك، ويمتلك من السمعة الجيدة ما يشهد له بها الجميع..!     

370
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

اشرت في القسم الأول الى جانب من إشكالية شعار "الحرب ضد الإرهاب" وغموض التعريف بالشعار، كما و أشرت الى كيفية إستغلال الشعار في الممارسة وتداعياته في مجال الإستخدام مع ضرب بعض الأمثلة للإنتهاكت التي رافقت إستخدام الشعار. وفي ادناه القسم الثاني المكمل للموضوع:

ومهما كانت المبررات والأسباب _مع كل مشروعيتها_ التي دفعت بالإدارة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/2001، والتي مثلت في شكلها وحيثياتها، جريمة بربرية بحق الإنسانية جمعاء، إلى التمسك بشعار "مكافحة الإرهاب" _ولست بوارد البحث في ذلك_، فإن ما أضعف موقفها في هذا المجال ، هو  ردود أفعالها من الأحداث نفسها، حيث جاوزت في مدياتها الحدود المنطقية والشرعية لمبدأ (الدفاع الشرعي عن النفس)، بل وحتى تجاوزت بذلك حدودها الإقليمية.  وغدا الشعارالذي تقمصته بعد تلك الأحداث، وإستخدمته كمبرر لكل تجاوزاتها في مجال حقوق الإنسان، باعثا لأن تجيز لنفسها من خلاله ، "حق" ما يسمى ب"الحروب الإستباقية". وبهذا قد وضعت نفسها في موضع التناقض من الوثيقة الدولية (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) والمواثيق الدولية الأخرى في هذا المجال وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة. متجاوزة بذلك الحدود الشرعية القانونية لمبدأ (الدفاع الشرعي عن النفس)، ومستخدمة إياه، (عصا موسى) لتحقيق مآرب أخرى..!
وعلى نفس النهج سارت ولا تزال دولة إسرائيل، في تعاملها مع دول المواجهة العربية وإن سبقتها في هذا التفسير. وكان إقدامها على تدمير المفاعل النووي العراقي عام/1981، سوى إجراء إستباقي كمؤشر سابق على ذلك..!؟ أما على صعيد ألإحتلال فيكفي التذكير بأن ما لايقل عن عشرة آلاف فلسطيني وآخرين من المواطنين اللبنانين والعرب، يقبعون اليوم في سجونها ويتعرضون لأسوء صنوف التعذيب والإنتهاكات الفضة لحقوق الإنسان، ناهيك عن إستمرار القتل اليومي بحق الفلسطينين وتدمير أحياء بكاملها وجرف للأراضي الزراعية والبساتين في غزة والأراضي المحتلة..!؟   
وفي هذا السياق،  إختطت الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها، سياسة "تبشيرية" جديدة، أطلقت عليها ما يسمى بنشر "الديمقراطية" في العالم، مدعمة بمبدأ إستخدام القوة للتغيير، حتى درجة غزو تلك البلدان "المشمولة" بهذه السياسة الجديدة إن تطلب الأمر. تلك السياسة التي هي أقرب في عنفها وعنجهيتها، الى الحملات التبشيرية للأديان القديمة، التي كانت تفرض التبشير بقوة السلاح، منها الى نشر "الديمقراطية" وإشاعة السلام..!؟
وفي ظل شعار "الحرب ضد الإرهاب"، ونشر "الديمقراطية"، جرى  إستغلال حاجة الشعوب التي ترزح تحت نير الأنظمة الإستبدادية _ التوتاليتارية، والتي كانت تصبوا  الى الخلاص من هيمنة تلك الأنظمة والنزوع الى الحرية، وذلك من خلال توظيف حالة المساعدة والتعاون مع القوى المناهضة لتلك الأنظمة، الى حالة من الهيمنة العسكرية والإقتصادية..! ولقد كان من تداعيات تلك السياسة على صعيد إنتهاك حقوق الإنسان، أنها :
•   فتحت الطريق واسعاّ أمام قوى الإرهاب الدولية الحقيقية لتجد أمامها موطيء قدم جديد وساحة مهيئة لمقارعة الولايات المتحدة وحلفاءها، تحت شعار "الجهاد" وتطهير الأرض، وتصفية الحسابات، وكان من تداعيات ذلك، إشاعة الإرهاب على نطاق واسع ، وسفك دماء الأبرياء..!؟
وفي هذه الحالة وجدت القوى المناصرة لبناء العراق الجديد على سبيل المثال، والتي كانت في معرض القبول بتلك المساعدة، وجدت نفسها في حالة من الحرج والإرتباك وفرضت عليها حرب غير متكافئة من الناحية الموضوعية، بسبب حالة التداخل وإختلاط الأوراق بين حالة الإرهاب وحالة المقاومة، ناهيك عن التداخلات الأجنبية الأخرى في شؤون المشهد العراقي، وتورط قوات القوات الأمريكية وحلفائها بإنتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان بحق المدنيين..!؟
لقد كانت حصيلة تلك الحرب على صعيد حقوق الإنسان في العراق على _سبيل الحصر_، والتي في واقعها، عبارة عن عدة "حروب متداخلة" مع بعضها وبمسميات مختلفة، هو سقوط مئات ألألوف من الضحايا من المدنيين، وتعرض الألوف من المعتقلين الى مختلف أنواع الإنتهاكات لحقوق الإنسان، وتشريد الألوف من العوائل وإضطرارهم للهجرة وترك مواقع سكنهم تحت شتى الذرائع والأسباب، وتعرض الأقليات الدينية الأصغر كالمندائية والمسيحية الى الأضطهاد والتنكيل، حيث مورست بحقهم أبشع أنواع الإنتهاكات لحقوق الإنسان، وعمليات القتل على الهوية، وإغتيال المئات من رجال الثقافة والإعلام وذوي الكفاءات العلمية، وتشريد وهجرة المئات منهم الى خارج الوطن..!؟  لقد شاركت جميع أطراف هذه الحروب غير المعلنة، بما يتحمله كل طرف منها، بما فيهم قوات الإحتلال، قسطه من هذه الإنتهاكات، وإن كان الجميع يدفع بحجته الخاصة..!؟
وحيث أصبحت ظاهرة  "الحرب ضد الإرهاب" أمراّ مستساغاّ من قبل غالبية الدول التي تنتهجها، وبعيداّ عن أسباب تلك المسوغات، فإن هذه الدول، تبدو بعيدة كل البعد عن الإلتزام بقيود ونصوص القانون الدولي وقوانين الحرب، و الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأصبح إنتهاك تلك القوانين والمواثيق من المسلمات المألوفة لسياسة هذه الدول. ومما يزيد الطين بلة، أن منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها، هي الأخرى، تبدو من الضعف ، درجة من العجز واللامبالاة ، في وضع وصياغة الضوابط التي تحد من هذا التدهور الأخلاقي، حد إغماض العين عما جرى ويجري من تجاوزات وإنتهاكات فضة لحقوق الإنسان في جميع المجالات، ناهيك من أن بعضاّ من أعضائها غارق حتى أذنيه في تلك الممارسات..!؟؟
ومن المفارقات الجديدة لإستخدام شعار "الحرب ضد الإرهاب" وتداعياته، هو إقدام بعض الحكومات على قمع الإضرابات والمظاهرات التي يلجأ اليها المواطنون في بلدانها للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعاشية والإجتماعية، تحت نفس الذريعة، ووصف تلك النشاطات، التي في أغلب الأحيان تضمنها دساتير تلك الدول، بأنها نشاطات "إرهابية"، مسوغة لنفسها ، وفي كثير من الأوقات، حق إطلاق النار على منظميها وإزهاق أرواح العديد من إفرادها..!؟ وعلى الرغم من أن هذه الممارسات ليست بنت يومها، حيث كانت الحكومات قديماّ تصنف مثل تلك النشاطات الجماهيرية وفي أسوء الأحوال، بأنها من أعمال الشغب؛ إلا أن تأثير شعار " الحرب على الإرهاب" يبدو اليوم أكثر فعالية بيد الحكومات، لما له من نتائج سحرية في التعتيم على كافة الإنتهاكات والخروقات لحقوق الإنسان ومنحها "شرعية" إفتراضية،  ولكونه أحد الوسائل المنتجة في قمع أصوات الآخرين..!؟     
إن حقوق الإنسان لم تعد بعد هذا التطور الخلاق في حياة البشرية ، حالة داخلية وحسب، حيث بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عام/1945 ، أرسى المجتمع الدولي القواعد المنظمة والضوابط الكفيلة بحماية تلك الحقوق ومتابعة تلك الحكومات التي ترتكب الإنتهاكات والتجاوزات اللاأخلاقية ضد شعوبها، وتمارس أعمال العنف والعنف المفرط ضد خصومها، من قبيل التعذيب وإهانة كرامة وشخصية الإنسان، وقد جسد ذلك في وثيقة (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)..!
 إن حماية حقوق الإنسان لم تعد اليوم مجرد إقدام الحكومات على تشكيل ما يسمى بلجان حقوق الإنسان أو تأسيس وزارات بهذا الإسم، وهي بوادر تعبر عن إدراك هذه الحكومات لأهمية حماية حقوق الإنسان من زاوية نظر المجتمع الدولي، في الوقت الذي تمارس فيه أجهزتها التنفيذية أبشع صور الإنتهاك والتجاوز لهذه الحقوق، وهذا ما ترصده وبإستمرار منظمة العفو الدولية ، ولجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة..!؟ إن حماية حقوق الإنسان عبارة عن ممارسة يعكسها واقع الأفعال والنشاطات اليومية لأي حكومة أو دولة  وأجهزتها التنفيذية، ضمن أجواء من الديمقراطية الحقيقية، المدعومة شعبيا..!
لقد جسدت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/2001 في نيويورك، أبشع عمل إرهابي في تأريخ حياة الإنسان المعاصر، ولا يمكن حتى، ومن قبيل الإفتراض، مقارنته بإي عمل عسكري حربي، مهما بلغت نتائجه التدميرية، كما حصل في (هيروشيما) ،على سبيل المثال، في نهاية الحرب العالمية الثانية/1945،  لأن الفارق بين الإثنين، بعيد كل البعد عن أوجه المقارنة؛ فأحداث (هيروشيما) على جسامتها ومستوياتها التدميرية بحق البشرية، فهي من أبشع ألأعمال التي وقعت في زمن الحرب ، وإن توقع أي عمل حربي في مثل ذلك الزمن،  هو من الأمور التي تحسب لها جميع الأطراف المتحاربة ألف حساب. أما أحداث نيويورك/2001 فهي بعيدة كل البعد من ذلك، بل إنها كانت عملية غادرة بحق المواطنين الأبرياء، والذين هم أبعد من أن يحتسبوا لأمثال هذه العمليات الإرهابية وبهذا المستوى الفضيع، في ظروف السلم والأمان..!؟
فأحداث نيويورك في الحادي عشر/2001 ، ومهما كانت البواعث الدافعة وراء إرتكابها، فهي لن تخرج في شكلها ومحتواها عن جريمة بحق الإنسانية ولا يمكن لأي منطق شرعي أو إنساني تبريرها أو الدفاع عنها..!؟ أما تداعياتها على صعيد حقوق الإنسان، فهي دوامة ردود الفعل العنيفة التي إستدعتها جسامة الجريمة، والإستنكار وألإدانة من قبل الدول والشعوب في جميع أنحاء العالم. أما حقوق الأنسان نفسها، فهي الضحية التي طالتها تداعيات تلك الأحداث..!؟       
_______________________
 *- منظمة العفو الدولية –المجموعة القانونية- مادة للنقاش/ جريدة (المحامي) السويدية – العدد 5/2006
**-  راجع مقالة   (الإرهاب تلك الآلة العمياء)/
http://se.msnusers.com/Pluto/Dokument/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8%2Edoc
           **- راجع مقالة (ابوغريب بين التضليل والحقيقة)
http://www.msnusers.com/Pluto/Documents/%D8%A7%D8%A8%D9%8A%20%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%A8%2Edoc
          ***- منظمة العفو الدولية – مصدر سابق
(*)  حقوق الإنسان
http://se.msnusers.com/Pluto/Dokument/%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86.doc

371
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


منذ الحادي عشر من سبتمبر/2001  طرحت أمام دول وشعوب العالم أعقد إشكالية في عصرنا الراهن، تلك هي إشكالية  "الحرب ضد الإرهاب"، والموقف من حقوق الإنسان. وقد أصبح هذا الشعار، من أكثر الشعارات السياسية التي لا يتفق حولها إثنان..! بل وحتى مصطلح "الإرهاب" نفسه، لم يجد له تعريفا محدداّ تجمع عليه منظمة الأمم المتحدة حتى اليوم..!

فالشعار نفسه قد أفسح في المجال وللجميع وبدون إستثناء، حرية التفسير والتأويل لأي حدث ما، سواء كان صادراّ من الأفراد أو الجماعات، بل وحتى من الدول، ومنح إمكانية توصيفه بأنه عمل "إرهابي" على سبيل المثال،  وتخويل النفس بإتخاذ ما يلزم من الإجراءات وردود الفعل، حتى وإن خالفت بآثارها،  المباديء العامة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني العالمي والشرائع الدولية والسماوية..!؟

 وفقاّ لمنظمة العفو الدولية،* (( فمنذ أن بدأت الإدارة الأمريكية  حربها على الإرهاب، منذ الحادي عشر من سبتمبر/2001،  قامت بإعتقال 70000 شخص خارج حدودها الوطنية. أكثر من 10000 منهم، وبثقة يقال ، لا زالو تحت الحجز المباشر للولايات المتحدة الأمريكية، في كل من العراق وأفغانستان وكوبا، وفي أماكن أخرى لم معلن عنها.  وإن ما يقرب من  خمسمائة سجين من هؤلاء ومن حوالي خمس وثلاثين بلداّ، وجدوا أنفسهم في معتقل (غوانتانامو)، وبالتالي يمكن إعتبارهم قمة جبل الجليد هذا..!؟ ووفقاّ للعديد من التقارير، فإن كثيراّ من السجناء قد تعرضوا للتعذيب أو أنواع أخرى من القسوة، وللتعامل أللاإنساني والمسيء..! فالسجناء يجري حبسهم في زنزانات صغيرة موزعة في محيط واسع على مدار النهار والليل، أما فترات الإستراحة فقد حددت بخمسة عشر دقيقة، ولمرتين في الإسبوع، ونومهم الليلي يخضع للتعكير والإزعاج بإنتظام..!؟ بالإضافة لذلك،  فإن السجناء يتعرضون الى الممارسات التي تنتهك وتدنس معتقداتهم الدينية؛ فعلى سبيل المثال؛ يجري إجبارهم على إستخدام صفحات من (القرآن) كورق للتواليت. مضافاّ الى ذلك، يقوم المتخصصون النفسانيون على إستخلاص المعلومات عن السجناء ، لإستخدامها لاحقاّ ضدهم من أجل  إسقاطهم في التحقيق. ولم يتحسن الموقف بعد ذلك ولم يتعرف السجناء أبداّ على ماهية الجرائم التي يشتبه بإرتكابها من قبلهم. علماّ بأن كليهما، إستخدام التعذيب والممارسات المسيئة والحارمة للحرية، تشكل إنتهاكاّ للقانون الدولي.))
 
هذا المثل الصارخ لإنتهاك حقوق الإنسان الذي مارسته ولازالت تمارسه الإدارة الأمريكية في معتقل (غوانتانامو) في كوبا ، ليس وحده الذي يدمغها بالإنتهاك وحسب، فإن الإنتهاكات المفزعة لحقوق الإنسان التي مارستها قواتها في سجن (أبي غريب) في العراق**، ضد السجناء العراقيين، والفضائح الإجرامية التي إستنكرها الرأي العام العالمي، والتي جسدتها الصور المخزية، هي الأخرى من الوثائق الدامغة التي تدين الولايات المتحدة وحلفائها للخرق الفض لحقوق الإنسان وإنتهاك كل القيم والشرائع الإنسانسية، بما فيها قوانينها الداخلية التي تحرم اللجوء الى التعذيب والممارسات اللاأخلاقية، وكل ما ينتقص من كرامة وشخصية الإنسان. تلك الممارسات التي أدانتها منظمة العفو الدولية، وطالبت مجلس الأمن والحكومة العراقية، بإتخاذ ما يلزم لوقفها وإجراء التحقيقات اللازمة بحق مرتكبيها؛ فقد جاء  في وثيقة المنظمة المرقمة :     ( MDE 14/027/2006  في14 يونيو/حزيران 2006 )  والمرفوعة الى مجلس الأمن  ما يلي:

 ((  العراق : ينبغي على مجلس الأمن الدولي أن يكفل المساءلة الكاملة عن الانتهاكات التي ترتكبها القوات متعددة الجنسية
تدعو منظمة العفو الدولية مجلس الأمن الدولي والحكومة العراقية إلى ضمان مسائلة أولئك الذين يرتكبون جرائم في العراق منصوص عليها في القانون الدولي، بمن فيهم أعضاء القوة متعددة الجنسية التي تقودها الولايات المتحدة.

وينبغي على مجلس الأمن أن يعيد النظر في قراره بتمديد الحصانة من الإجراءات القانونية بالنسبة للانتهاكات التي ترتكبها القوات متعددة الجنسية أو مقاولوها، على حد قول المنظمة اليوم قبل اجتماع يعقده مجلس الأمن في 15 يونيو/حزيران لمراجعة القرار 1637 (2005) الذي مدد تفويض القوة متعددة الجنسية حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2006.))
كما وعبرت المنظمة عن قلقها البالغ لطبيعة الإجراءات التحقيقة التي كانت تباشرها دول متعددة الجنسية مع رعاياها من مرتكبي تلك الجرائم، فقد جاء في الوثيقة: ((ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن التحقيقات وعمليات المقاضاة العسكرية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها أفراد القوة متعددة الجنسية لم تستوفِ المعايير الدولية للاستقلال والحيدة. وتعتقد المنظمة أن أعضاء القوات المسلحة لا يجوز أن يُحاكموا في محاكم عسكرية على جرائم منصوص عليها في القانون الدولي.  وبموجب القانون الدولي الخاص بالولاية القضائية الإقليمية، يجب أن يكون نظام القضاء الجنائي العراقي قادراً على ممارسة الولاية القضائية على أية جريمة تُرتكب في العراق))

تلك هي بعض الأمثلة الملموسة للتجاوزات والإنتهاكات لحقوق الإنسان التي تمارس من قبل الدول والحكومات ضد معارضيها، في ظل شعار "الحرب ضد الإرهاب" دون إعتبار ومراعاة للمواثيق الدولية التي صادقت هي نفسها عليها. وقد تمادت بعض تلك الدول بإستخدام القوة المفرطة ضد السجناء والمعتقلين السياسين، حداّ دفع بالبعض من هؤلاء، الى الإقدام على الإنتحار تخلصاّ من حالة اليأس التي وجدوا أنفسهم فيها. ولعل ما حصل في معتقل (غوانتانامو)، بإقدام ثلاثة من السجناء على الإنتحار، دليل يدمغ الإدارة الأمريكية، ويدينها لخرقها لحقوق الإنسان..!؟
وهذا ما دفع بمجموعة (غوانتانامو) العاملة ضمن المجموعة الحقوقية في فرع منظمة العفو الدولية في السويد، وتضامناّ منها مع حقوق هؤلاء السجناء، الى المطالبة (( إما بإطلاق سراح السجناء المتواجدين في المعتقلات الأمريكية والسماح بعودتهم الى أوطانهم، طالما لم توجه لهم تهم ما، وبعكسه، إذا ما جرت إحالتهم الى المحاكم، فلا بد أن تضمن حقوقهم في الإتصال مع المحامي، وتوفير محاكة صحيحة وعادلة، وليس أمام لجنة عسكرية. كما أوجبت منظمة العفو الدولية إيقاف كافة أشكال التعذيب، وإنتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها السجناء على الفور.))***

 إنه ومن غير المستغرب،  أن يتحول شعار "الحرب ضد الإرهاب" الى أداة قمعية ضاربة بيد الحكومات، طالما وجدت فيه مفهوما ومتنفساّ جديداّ لمعالجة ما تواجهه من أزمات على الصعيد الداخلي أو الإقليمي والدولي. فالشعار نفسه حمال أوجه مختلفة ، أو كما يقال؛ "في ظاهره الرحمة وفي باطنه العذاب" ..!
 فحيثما يوجه "الشعار" ضد تلك الجهات أو الجماعات، التي قد تلجأ مضطرة الى العنف كسبيل  للرد على ما تواجهه هي نفسها،  من عوامل الضغط والتعسف والإضطهاد وعنف الدولة، سواء من قبل حكوماتها أو من قبل أطراف أخرى، كما هو الحال مع ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من أعمال القمع ودهم الدور السكنية وقتل المدنيين والإضطهاد وخرق حقوق الإنسان الذي تمارسه قوات سلطة الإحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني يومياّ، أو ما تمارسه السلطات الحكومية في بلدان أخرى من أعمال القمع وخرق الحقوق المدنية لمواطنيها،  حيث أصبح شعار "محاربة الإرهاب" هو الشعار المفضل لديها في الوقت الحاضر، أقول حيثما يوجه "الشعار" المذكور، توصم تلك الجماعات والمنظمات المستهدفة، بأنها منظمات "إرهابية" تقع تحت طائلة الحساب والعقاب. ولا يجري التعامل معها إلا وفق هذا الأساس، حتى وإن كانت أهدافها مشروعة، ويسندها القانون الدولي. وما مثل حكومة منظمة حماس الفلسطسنية ، والتي جاءت من خلال إنتخابات ديمقراطية، وطريقة التعامل معها من قبل تلك الدول، إلا دليل قاطع على ذلك..! ولست هنا بصدد البحث عن الأسباب السياسية التي تقف وراء ذلك، بقدر ما يجري التأكيد على الجانب الإنساني ، الذي هو الآخر معلم من معالم الديمقراطية..!
في جميع هذه الأحوال، تعمل الحكومات المختلفة على صياغة شعار "مكافحة الإرهاب"  آنف الذكر بشكل آخر، وتمنحه صفة قانونية شرعية، تسهل لها القيام بأي ممارسة ضد خصومها حتى لو تجاوزت في ذلك حدود القوانين المرعية والشرائع الدولية. وهذه الصياغة الجديدة، القديمة، تتمحور في إستخدام مبدأ شرعية "الدفاع عن النفس"، الذي يجد أساسه في ميثاق الأمم المتحدة / الفصل السابع/ المادة /51، التي كيفتها تلك الحكومات ، وفي مقدمتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة إسرائيل، الى بديل شرعي لشعار "الحرب ضد الإرهاب"، ليس فقط كمبرر لتفسير ممارساتها اللاشرعية وإنتهاكاتها لحقوق الإنسان، بل ولتوفير الغطاء الشرعي للشعار نفسه، بإكسابه شرعية قانونية..!؟ وبهذه الطريقة، فسرت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية _وخارج نطاق الشرعية الدولية_ غزوها لأفغانستان والعراق، مستندة على مدلولات المنطق المذكور.  نفس الشيء يمكن قوله عن العدوان الإسرائيلي على لبنان، والممارسات اللاأخلاقية ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، اللّذين أدرجا تحت واجهة  "الدفاع الشرعي عن النفس" ..!؟
يتبع/2

372
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

لعل من أخطر ما يواجه المجتمع العراقي اليوم، ويخل في توازنه الإجتماعي، الذي عاش في ظله العراق قرونا بعيدة في الزمن. حتى أصبح من البدهي القول؛ بأن المجتمع العراقي يشكل نسيجاّ متجانساّ من أثنيات وديانات ومذاهب مختلفة توحدها مصالح مشتركة في العيش بسلام وأمن في كنف الرافدين، وتشدها الى بعضها لحمة المصاهرة والقرابة وتأريخ المحن والمصائب الذي شملت الجميع. ذلك التوازن الذي لم تقوى على الإخلال به أعتى قوى الإستبداد والطغيان، بل على العكس،  زادته إتساقاّ ومنحته ثباتاّ  وتلاحماّّ عبر القرون التي عاشها العراقيون وهم موحدون؛ كتلة متراصة في مواجهة عاديات الزمن ومخاطر التمزيق والتفرقة الطائفية أوالمذهبية..!
 
إن هذا الخطر الذي يداهم المجتمع المسالم ويهدد بالإخلال بتوازنه الإجتماعي، لم يأت فقط،  وطبقاّ لما يروج له، من هجمة الإرهاب المستفحل والذي تتعاظم مدياته مع الأيام، رغم ما له من آثار مدمرة على المجتمع والبلاد، حيث وقفت ضده كافة مكونات المجتمع بصبر وصلابة، ولا زالت تقدم المزيد من التضحيات والدماء في هذه المعركة المصيرية  وحسب، بل إنه في الغالب الأعم خطر قادم من داخل البيت نفسه وبيد أصحابه من بعض أطراف العملية السياسية، من خلال سياسات وصراعات داخلية ومقترحات مشاريع قوانين، إن كتب لها النجاح فإن نتائجها- لا سامح الله-  ستكون وبالاّ على وحدة التوازن الإجتماعي، ومآلها الى تمزيق وحدة نسيج المجتمع العراقي ..!
   
 بل ثمة ما يؤكد ذلك، هي تلك المشاريع التي تطرح في الساحة السياسية اليوم، والتي يروج لها كثيراّ بإعتبارها الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد من شر الإرهاب؛  تلك المشاريع التي تتعكز على الشرعية الدستورية في تشكيل الأقاليم، وتنسب لنفسها، بما تمتلكه من أكثرية برلمانية "مدعمة"، حق التقرير في أمور مصيرية جرى تثبيتها في الدستور، من قبل أنصار نفس هذه المشاريع، وفي ظل ظروف غير مؤاتية على الصعيدين السيادي والأمني؛  تلك المشاريع ورغم شرعية ما تستند إليه وهو الدستور، فإنها على مستوى الواقع العملي من يقف وراء خطر الإخلال بالتوازن الإجتماعي المذكور , وتمزيقه..!

فالإرهاب مهما بلغت أشكاله ومنابعه، فله أجنداته المختلفة وأهدافه المتباينه ومقاصده المتعددة، وليس بخاف على الجميع إن الإرهاب نفسه ليس هدفا لذاته، إن لم يكن ورقة بيد لاعبيها للوصول الى تحقيق الغايات والمآرب المرسومة؛ وليس بخاف أيضاّ، أن الجهات التي تمارس الإرهاب قد تعددت مصادرها ومنابتها وباتت من الكثرة بحيث إختلطت أهدافها ومراميها. فإذا أخذ المرء بما يقال عن علاقة التمسك  بمشروع "الأقاليم" أو بما يسمى "فدرالية الوسط والجنوب" وتبريره  بالقول:  "من أجل الخلاص من الإرهاب"، فمن البدهي الإستنتاج بأن الإرهاب هو أحد الاوراق التي يجري التعكز عليها، لضعف الأسباب الأخرى التي يمكن التعويل عليها في ذلك..! وحينما نص الدستور على تشكيل (الأقاليم) لم يأخذ في أسباب التشريع،  الإرهاب بإعتباره أحد الأسباب الباعثة على وجود النص..!   

أما فيما يتعلق بالإسناد الدستوري المعول عليه لمقترح تشكيل (الإقليم)، وهو ما جرى طرحه في جلسة البرلمان الثالثة ليوم 7/9/2006 فقد أظهرت المناقشة ومنذ لحظاتها الأولى مدى عمق الإختلاف في وجهات النظر بين الكتل النيابية حد إضطرار رئيس المجلس النيابي،  تحويل الجلسة الى سرية..!؟  وفي مقال سابق بعنوان (الدستور: فدرالية الوسط والجنوب) كنت قد وضحت موقف الدستور من هذه المسألة لما لها من أهمية بالغة وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية غير محمودة العواقب على الصعيد الإجتماعي، أجد من المناسب الآن، وبعد هذا الإصرار على طلب المناقشة البرلمانية السريعة للمقترح وإحتمال إقراره،  إعادة تضمين نص المقال المذكور للسبب أعلاه. الغاية من ذلك هي التأكيد، على أن القراءة الشكلية (السياسية) وحدها لنصوص الدستور دون الوقوف عند  المضامين، ينتهي في النتيجة الى تشريع أو التمسك بمشاريع سياسية تبدو من الناحية الشكلية مقبولة دستورياّ ولكنها في محتواها مخالفة لجوهر النص الدستوري ومقاصده الحقيقية. وإن مجرد ذكرها في الدستور لا يمنح الحق بوجودها إذا لم تستوف شروط ذلك الوجود وأسبابه وهذا ما جرى تناوله في المقال أدناه..!
إن مجرد القراءة "السياسية" وليست الفقهية العلمية لنصوص الدستور، إنما يراد منها تحقيق هدف سياسي واضح المعالم، من خلال التمسك بأغلبية برلمانية ولدت في ظل ظروف غير مؤاتية، إتسمت بديمقراطية شكلية لا تعكس حقيقة الأهداف التي تواخاها الشعب العراقي من تأييده لمجمل العملية السياسية، التي بنى عليها الكثير من الآمال..!؟
 
إن إي إقدام من قبل البرلمان على إقرار مقترح "فدرالية الوسط والجنوب"  في ظروف العراق الراهنة، وفي ظل هذا الإنقسام العميق حول المشروع بين مكونات المجتمع، سيكون في تقديري (تلك القشة التي قصمت ظهر البعير)، وبقدر ما يعتقده أصحاب المشروع من مزايا وحسنات ترتبط بمشروعهم، فإن الواقع ينطق بعكس ذلك..! الأمل أن الجميع من أعضاء البرلمان وفي معرض الشعور  بالمسؤولية السياسية التأريخية، أن يضعوا نصب أعينهم مصلحة الشعب العراقي والوطن، فهم داخل البرلمان لا يمثلون أحزابهم ومنظماتهم السياسية وحسب، بل إنهم ممثلي الشعب، وهو شعور ينبغي أن يسيطر على الجميع،  قبل الإقدام على إتخاذ قرارات مصيرية بهذه الصورة العجلى، بل العمل على تجنيب البلاد المزيد من الإحتقان الطائفي والإحتراب ، وهذا ما نتوخاه من الجميع..!   



ألدستور: ”فدرالية الوسط والجنوب”..!
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com


يطرح اليوم وبإلحاح غير مسبوق ، شعار "فدرالية الوسط والجنوب" بإعتباره مطلباّ جماهيرياّ يسنده الدستور..!
وتوصيفها بالوسط والجنوب ، هو فقط لتفريقها عن (إقليم كوردستان) لأنه يقع في شمال العراق جغرافياّ، والذي  إعتاد الأخوة المنادون بشعار "فدرالية الوسط والجنوب" إعتباره "فدرالية" ويقع معهم الكثيرون في هذا الخطأ المفاهيمي الموضوعي..!؟
   
كما ولا أعتقد أن الأخوة في إقليم كوردستان يرتضون أن يختزل وجود الإقليم، ك( كيان قومي، جغرافي- سياسي ، إجتماعي- إقتصادي)، الى مجرد علاقة قانونية  مع الحكومة المركزية وحسب، وبالتالي فإن الحديث عن "الفدرالية" لا ينصرف الى وجود الإقليم نفسه بقدر ما يعني طبيعة العلاقة القائمة بين الإقليم وتلك الحكومة.وعليه فإن وضع "الفدرالية" بإعتبارها علاقة قانونية، كمرادف لمفهوم (الإقليم)، أمران لا يستقيمان ، بل ويعبر ذلك إما عن جهل بالمفاهيم ومعانيها، أو إستخدام الأشياء في غير محلها لأمر لا يعلمه إلا أصحابه، إذا إفترضنا الإحاطة بمدلولات المصطلحات من قبل مستخدميها ، وهذا ما لا نريد الشك فيه..!
وفي هذا السياق، يصبح القول ب"فدرالية الوسط والجنوب"،  قول مبني على فهم خاطيء للمصطلح نفسه، فمصطلح (الفدرالية) لا يمكن أن يعني كياناّ جغرافياّ- إجتماعيا بقدر ما يعني العلاقة الحقوقية- القانونية بين الكيانات نفسها والحكومة المركزية المنبثقة منها (الإتحاد)، فهي علاقة منظمة لإدارة السلطة في البلد المعني ذي الكيانات المتعددة، أي بمعنى آخر ؛ (( "شكل من أشكال الحكم تكون السلطات مقسمة فيه دستورياّ  بين حكومة مركزية ووحدات حكومية أصغر، كالأقاليم. ويكون كلا المستويين من الحكومة تتقاسمان السيادة في ألدولة. "))
إذن فإن تعدد الأقاليم في الوطن الواحد، هو الأساس الذي يوفر الحاجة الى إرساء قواعد شكل الحكم الفدرالي، ويتم ذلك من خلال عملية الرضى والقبول التي يعلنها مواطنوا تلك الأقاليم في ظل ظروف متكافئة من الديمقراطية والسلم الإجتماعي والإمن والطمأنينة. كما وأن هذا الشكل من نظام الحكم يمكن أن يحصل بين عدة دول تستوجب مصالحها ذلك، وضمن نفس الشروط..!
ومن هنا يمكن إجمال ذلك بأن؛ ((الفيدراليةهي اتحاد اختياري بين ولايات أو دول أو أقوام تختلف قوميا أو عرقيا أو ديانة أو لغة أو ثقافة حتى تتحول إلى شخصية قانونية واحدة او نظام سياسي واحد مع احتفاظ أجزاء هذه الشخصية المتحدة بخصوصيتها وهويتها ويوجد تفويض للكيان المركزي للاتحاد بالبعض من الصلاحيات المشتركة مع الأحتفاظ ببعض الصلاحيات لهذه الاجزاء او الولايات. بما يعني توافر الاستقلال الذاتي للولايات المكونة للاتحاد ولهذا اهم ما تتميز به الدول الفيدرالية او الاتحادات الفيدرالية هو الاستقلال الذاتي لكل ولاية او دولة مشتركة في الاتحاد.))

نظام ألحكم الذي يتحدث عنه الدستور العراقي الدائم، والذي تستند إليه الأطراف التي تطرح شعار "الفدرالية"، هو نظام حكم إتحادي، فدرالي، كما وتحدث ألدستور عن (الأقاليم) كمكونات لهذا الإتحاد.
وعلى صعيد الواقع الحالي، فإن العراق أليوم،  يعيش في ظل حكم إتحادي فدرالي، يشكل فيه (إقليم كوردستان) أحد طرفي العلاقة الفدرالية القائمة حالياّ على صعيد نظام الحكم، و(الإقليم العربي)، يمثل الطرف الثاني في تلك العلاقة، وإن كلا الطرفين بوضعهما الحالي يشكلان الكيان السياسي لدولة العراق. ولا يعني هذا إغفال وجود الأقليات القومية الأصغر، التي يجب أن يكون لها من الحقوق ما لغيرها من القوميات الأكبر. وهذا حق يجب أن يكفله الدستور، وفق صيغ وأشكال دستورية لنظام الحكم. وبدونه فإن أي إتحاد فدرالي بين القوميات الأكبر سيكون مفرغاّ من جوهره الديمقراطي المبني على رضى الجميع، ومن بدهيات الأمور أن تتحمل تلك الأقاليم مسؤولياتها الدستورية والإنسانية في التعبير عن ذلك من خلال التطبيق..!
أما الجوهري في هذا الشكل الجديد لنظام الحكم الحالي في العراق؛  فهو أنه ولأول مرة يجري فيها الإقرار دستورياّ بوجود الأساس الإثني المختلف للنسيج السكاني في العراق، وتجسيد ذلك في شكل العلاقة الفدرالية القائمة الآن بين الإقليمين. إذن فالأساس القومي هو الذي يقف خلف تشكل الإقليمين وليس أساس آخر غير ذلك..! ورغم سبق الإعتراف بالتعدد القومي في العراق، إلا أنه لم يأخذ حيزه في التطبيق ، كما هو عليه الآن..!
نفسه الأساس المذكور، ينبغي أن يكون الأساس القادم لأي تفكير آني أو مستقبلي، حينما يجري الحديث عن تشكيل لإقليم جديد، هذا إذا ما أردنا أن نقرأ الدستور قراءة موضوعية مبنية على التعرف بالأسس التي حكمت الأخذ بمبدأ ( الفدرالية) كشكل جديد لنظام الحكم في العراق..!
وحينما منح الدستور لأي محافظة أو عدة محافظات الحق في تشكيل إقليم جديد / الباب الخامس/ الفصل الأول/ ألمواد (113-118) فإنه لم يغفل القاعدة التي يجب أن  يؤسس بموجبها الإقليم المعني، وحدد الأمر بأحكام الدستور نفسه.(ألمادة 114/ ثانيا)
 وحيث أن المثل الحسي لهذا الأمر يتجسد موضوعياّ ودستورياّ في تشكيل أقليم كردستان نفسه بإعتباره الأنموذج المستوفي لشروطه الدستورية، وبالتالي فإن أي تشكيل لإقليم جديد ينبغي أن يجري وفقاّ  للأسس ألتي بني عليها إقليم كردستان، والتي أشرت إليها في أعلاه. فإن توفرت نفس تلك الشروط التي أسس بموجبها (إقليم كردستان)، وبشكل خاص العامل الأثني-الجغرافي، في أي محافظة أو عدة محافظات يصبح بدهياّ إمتلاكها حق تأسيس إقليم وفقاّ لإحكام الدستور..!
وأحيانا يجري الحديث، تشبيهاّ بأمثلة أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية أو غيرها كمثال على ذلك، فإن إختلاف الأمر هنا، هو أن الأقاليم أو (الولايات) في هذه الإتحادات، كانت موجودة أصلاّ قبل تأسيس الإتحاد ككيانات منفردة، مع تشريعاتها المستقلة.

ومن خلال ما تقدم فإن القراءة الخاطئة لمواد الدستور المبينة أعلاه،  بتفسيرها شكلياّ ودون النظر الى ماهيتها الجوهرية،  قد أوحت للبعض؛  بأنه من الممكن لأي محافظة أو عدة محافظات إذا ما إتفقت، طلب تأسيس إقليم ما ، حتى وإن إفتقد لأسس تأسيسه. وهذا ما نعتقد بأنه الخطأ ألذي قد وقع فيه الأخوة الرافعين لشعار "فدرالية الوسط والجنوب"، رغم ما يعتقدونه من حق قد كفله الدستور..!
فحيث أن سكان الوسط والجنوب هم جميعاّ إن لم نقل الأغلبية العظمى منهم، عرب يقطنون كل مساحة الأرض خارج (إقليم كردستان)، فهم بالتالي، يمثلون مواطني الإقليم العربي الذي يدخل في علاقة فدرالية مع إقليم كردستان وإن كلا الإقليمين يمثلان دولة العراق سياسياّ وإجتماعياّ وإقتصادياّ وجغرافياّ..!
وما يطرح اليوم من المطالبة بتأسيس إقليمي (الوسط ولجنوب)، فإنه وكما أعتقد،  لا يمتلك الأساس القانوني ألذي يدعمه الدستور، وليس ذلك من باب المعارضة للطلب نفسه، بل لأنه مبني على أساس، (ألمذهب الديني) للطائفة، والمبني على أساس الأغلبية المذهبية القاطنة في كلا المنطقتين (الوسط والجنوب)، ولا أجد في هذا الأساس ألذي إعتمده الأخوة أصحاب المشروع المذكور ما يصلح دستورياّ لإعتماده. وإلا فأي أساس يمكن التذرع به غير ذلك..؟!
وحتى في حالة إعتماد الأساس الديني أو بشكل أدق المذهبي، كأساس لهذا المشروع وإعتباره سنداّ موضوعيا لإقامة "اإقليمين"  والتي يدعونها خطأّ ب"ألفدرالية"، فإننا في هذه الحال سنقع في إشكالية دستورية موضوعية، تتعلق بشرعية الإتحاد الفدرالي نفسه، أي بشرعية تأسيس (إقليم كردستان) وأسباب ذلك التأسيس..! فالشعب الكوردي بأغلبيته يدين بنفس الديانة التي تدين بها الأغلبية العربية في منطقة الإقليم العربي، بل ويذهب نفس المذهب في مسألة المعتقد المذهبي. وبهذا المعنى تصبح منتفيةّ أساساّ،  ألحاجة ألى إقامة إقليم كوردستان، إذا ما أخذنا بألمبررات ألتي يقدمها أصحاب مشروع الإقليمين، أي الإختلاف الديني أو المذهبي، إذا ما إعتبرناه أساساّ للإختلاف ألديني..ّ!
إن الأسس ألتي شكل بموجبها (إقليم كوردستان) لا يجمعها جامع مع ما  يتفضل به أصحاب المشروع المذكور، لأنها أسس واقعية ومدعومة بكل ما للشعب الكوردستاني من حقوق تأريخية في تقرير مصيره، نفسها الحقوق التي يتمتع بهاالشعب العربي، وبالتالي فلا وجه للمقارنة أو الشبه بين ما يدعو اليه الأخوة اصحاب "الفدراليتين"  وبين ما هو عليه  (الإقليم الكوردستاني) وهذا كثيراّ ما يطرحوه، وذلك للإختلاف الجوهري بين اسس التكوينين..!؟
"فالفدرالية" التي يدعو اليها الأخوة أصحاب المشروع، والتي تتطلب بدأّ  تأسيس اقليمين جديدين، لا أظنها في تقديري، ورغم فقدانها لأساسها الدستوري، ستساعد على حل المشاكل القائمة اليوم والتي أصبحت ألكابوس ألمطبق على الجميع، بقدر ما ستبعثه من مشاكل جديدة، أقلها تمزيق النسيج السكاني للطائفة الواحدة نفسها، خاصة إذا ما علم المرء، بأن أطراف الإئتلاف السياسي للطائفة غير مجمعة على لب الشعار، ومنها من يقف علناّ ضده. ولا أريد هنا أن أتطرق الى تلتداعيات  المستقبلية ألتي قد تؤدي الى تعميق الإنقسام وزيادة الإحتقان الطائفي بين الطوائف الدينية المختلفة. آخذا بالإعتبار حسن النوايا لأصحاب المشروع، ومصلحة الوطن والمواطنين عموماّ ومستقبل العراق ووحدته وإستقلاله..!
 فالبديل الأصلح في مثل هذه الظروف المعقدة التي يمر بها العراق اليوم، هو عكس ما يوحي به الأخوان أصحاب مشروع "الفدراليتين". وسبيل الخلاص من الأحتقان الطائفي لا يمكن أن يتم من خلال الهروب الى الأمام، بل بالعمل على كل ما يساعد على التقارب بين الطوائف، من خلال الحوار ونبذ العنف، والتخلص من الإحتكام الى السلاح عن طريق الإستقواء بالمليشيات المسلحة من أي طرف كان، ودعم السلطة المركزية في مشروعيها (المصالحة الوطنية وحل المليشيات المسلحة).

خلاصة القول؛ إنه، ليس كل ما يعتقده المرء يبدو صالحاّ دائماّ، للتمسك به كخيار لا بد منه في معالجة المشاكل ، حتى وإن بدى ذلك الشيء في ظاهره مقبولاّ ولا غبار عليه، ولكن حساب النتائج المدروسة هو ما يعول عليه في الغالب. فالفدرالية بكل معانيها الإيجابية في التوحد والتعاون والتماسك بين الشعوب والطوائف والأديان، هي نفسها يمكن أن تكون عنصر تمزق وتشرذم وتباعد، حيثما أستخدمت في غير مواضعها  وظروفها المناسبة، أو أقسر إستخدامها قسراّ على من يهمهم أمر العيش في ظلها، وتحت كنفها، ناهيك إن كانت لا تمتلك أسس شرعيتها الدستورية، فتغدوا وبالاّ وجحيما على تلك الأطراف التي وجدت نفسها بغتة تحت طائلتها.  فليس من المنطق، أن يقوم المرء بتجزأة (الموحد)، من أجل أن يخلق قاعدة لتأسيس (المركب) ..!

373
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

توطئة


الحزب الشيوعي العراقي أحد المكونات الرئيسة ، في تأريخ السياسة العراقية المعاصرة ومنذ بدايات  الثلث الأول من القرن العشرين، وإن حزباّ بهذه العراقة وهذا التأريخ الطويل، يمتلك كل الحق في أن ينظر إليه بكل جدية وإهتمام من قبل الآخرين. سواء على صعيد الداخل أم على صعيد العالم العربي أو الدولي. فقلما حضي حزب عراقي بمثل هذا الإهتمام والدراسة مثلما حضي بها الحزب الشيوعي العراقي. حتى غدت الدراسات والبحوث التي دبجت حوله،  من المصادر المهمة للباحثين في الشأن العراقي وتأريخه السياسي المعاصر..!
 
و لعل من الأمور ذات الأهمية الكبيرة؛ ما شكلته مؤتمراته الدورية من أهمية خاصة على صعيد التأريخ السياسي الحديث للعراق، لما قدمته من صور واضحة المعالم عن طبيعة المراحل التأريخية التي مر بها الحزب منذ تأريخ تأسيسه عام 1934. وما رسمته من خطوط عامة وأخرى تفصيلية لطبيعة الأوضاع الإجتماإقتصادية والسياسية خلال تلك المراحل، وبكل ما فيها من إيجابيات أو سلبيات..!

وفي طريقه الى عقد مؤتمره الثامن، يكون الحزب الشيوعي العراقي في الطريق الى بناء حلقة جديدة في هذا التأريخ؛ حلقة من المهام والمتطلبات التي تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها  السياسية والإجتماعية والإقتصادية  من جهة،  وما تستدعيه تلك المهام، من بلورة أسس فكرية وتحليلات نقدية أكثر ملائمة وطبيعة الظروف التي يمر بها العراق في المرحلة الراهنة من جهة أخرى..!
 فأي مؤتمر يعقده حزب ما، يفترض منه رسم سياسة جديدة على أنقاض سياسة سابقة بما فيها من تطوير أو تعديل بل وحتى إلغاء أو تغيير ، وفي الحالتين، فإن الإلغاء أو القبول يشكلان أعقد بل وأصعب ما سيواجهه الحزب،  إذا ما جرى كل شيء في ظل  ظروف إعتيادية، ناهيك عن تعقيدات الواقع العراقي الراهن..! فإختيار الحزب الشيوعي العراقي لعقد مؤتمره الثامن في مثل هذه الظروف، إنما هو تحد جريء لمواجهة الواقع بكل ما هو عليه. وليس أمام المرء إلا مد يد الدعم والمساندة، لإن يتكلل إنعقاد المؤتمر بالنجاح، وأن تتمخض إجتماعاته عن نتائج مثمرة وإيجابة على كافة الأصعدة ، وهذا ما يتمناه المرء من الأعماق...!
 
فعلى صعيد الزمن، كان مخاض ما يقرب من ثلاث عقود من السنين، قد أولد العديد من المتغيرات على كافة المستويات، النظرية منها أو الإقتصادية أو الإجتماعية، وما إستتبع ذلك من متغيرات على مستوى السياسة والإقتصاد والمفاهيم الإيديولوجية في مجمل نطاق العالم..!
ومع سيرورة تلك المتغيرات لم يعد في مقدور الأحزاب الشيوعية بهيكليتها السابقة وقناعاتها الثابتة، أن تواكب مسيرة تلك المتغيرات، إذا لم تعد النظر في بوصلة إتجاهاتها القديمة وتحدد الإتجاه الصحيح في خضم حركة التأريخ المتسارعة، وأن تعمل على تحديث آلياتها المعتادة بالصورة التي تسمح لها بمواكبة الأحداث والتأثير فيها، بحيث لا يصبح القديم عائقاّ في طريقها للّحاق بمسيرة الحياة والتطور..!

الحزب الشيوعي العراقي وهو أحد  القوى السياسية العراقية الأكثر خبرة، والممتدة جذوره في صلب مكونات المجتمع العراقي،  الأثنية منها أو الدينية، الذي عركته المعارك في مقارعة الظلم والإستعباد، وفي النضال من أجل الديمقراطية، والأعمق غوراّ في سعة قاعدته الثقافية..!

 إن هذا الحزب الوطني في بناءه وممارساته وأهدافه، مدعو، وهو في الطريق الى فتح أبواب مؤتمره الثامن، أن يجعل من هذا المؤتمر أحد المؤشرات الأساسية للدلالة على مدى إستيعابه لمتطلبات المرحلة الراهنة من خلال قراءة موضوعية لكل جزئيات الواقع العراقي الراهن، وفق نظرة متفتحة تأخذ بالإعتبار كافة التغييرات التي طرأت على الواقع الإقتصادي- الإجتماعي العراقي، وتأثير المكونات الإجتماعية الجديدة في المعترك السياسي الحالي للمجتمع وعلى مسيرة العملية السياسية، وطبيعة العلاقة التي يمكن بناءها مع هذه المكونات وآفاق مستقبلها، في الحدود التي تساعد على الوصول الى ما يعزز بناء العراق الفدرالي- الديمقراطي، ويقلص والى حد بعيد حالة الإندفاع نحو التطرف الطائفي بكل اشكاله..!
 إن كل هذا مرهون، على أية حال، بقدرة الحزب على إستقراء واقع سياسته في الفترات السابقة، وقدراته في الوصول الى تقييم واقعي مبني على أسس من التحليل العلمي لمجمل قراراته التي إتخذها في تلك الفترات التأريخية السابقة، بما يساعد على إستنباط الدروس والعبر من مسيرة تأريخه السياسي الماضية، من أجل رسم سياسة واقعية جديدة تتناغم مع المتغيرات الحديثة لمسيرة تأريخه القادمة..!

الحزب الشيوعي العراقي قد أقدم خلال سني كفاحه الطويلة على خطوات إتسمت بالجرأة المتناهية، على الصعيد السياسي ، وكان ولا يزال، لها الأثر الكبير على مجمل مسيرته السياسية والموقف من هذه السياسة، ليس فقط من قبل فئات المجتمع المختلفة أو القوى السياسية الأخرى، بل وحتى من قبل أعضاءه ومناصريه..! وقد تراوحت ردود الفعل على مجمل تلك السياسة ، ما بين منتقد، أو لائم، أو متهم لها باليمينية أو الذيلية، بل وحتى من وصمها ، بالخيانة والعمالة كما يحصل ألآن من قبل بعض منتقديها، أو نعتها أحيانا، باليسارية والتطرف أو التذبذب..!

كل ذلك وجد إنعكاساته في نشوء مواقف متعددة وغير متجانسة من هذه السياسة، تبلورت بعضها في الخروج عليها، ليس عن طريق النقد وحسب، بل وفي تكوين منظمات سياسية ، على يمين ويسار الحزب، جميعها تعلن أحقية تمثيلها لليسار الديمقراطي والطبقة العاملة؛ بعضها من ولد من رحم الحزب نفسه وأخرى وليدة ظروفها الحياتية..! وقول ذلك لا يعني بأن اليسار الديمقراطي هو مشروع مقتصر قيامه على الأحزاب الشيوعية وحسب، بل تمثل داخله تلك الأحزاب، ركنا أساسياّ في البناء الديمقراطي للمجتمع..!

وليس في سمة التغير هذه، التي وسمت الحزب، إن صحت، في رسمه للسياسة، وهذا ما أميل اليه،  والتي طغت على مسيرته التأريخية عبر إثنين وسبعين عاما ، ما يشكل نقطة ضعف أو خروج على قوانين الحياة والمجتمع؛  فأي حزب سياسي هو وليد مجتمعه ونتاج ظروف حياة ذلك المجتمع. ولعل في هذا التباين، اللامحدود أحيانا، في طبيعة السياسات التي يرسمها الحزب وقراراته المتعارضة أحيانا، وهذا ديدن جميع الأحزاب سواء كانت في المعارضة أو في الحكم، ما يعكس للباحث والمراقب لتلك السياسات، طبيعة حركة حياة المجتمع العراقي نفسه، بمكوناته المختلفة، تلك الطبيعة التي لم تعرف الإستقرار والسكون عبر قرون من السنين.
 
كما وإن ما يميز الحزب الشيوعي العراقي، لحد ما عن غيره، وما يدعم صفة التغيرهذه في مواقفه أو سياساته ، هو ذلك الكم الكبير من تدفق الفئات الإجتماعية الشبابية على الإنخراط في عضويته أو من مؤيديه من مختلف قطاعات المجتمع، التي أضفت عليه روحا ديناميكية من النشاط والحركة، وتلاحما متصارعا في الأفكار والآراء، مما طبعته بطابعها هذا، ومنحته بنفس الوقت، أصالة إنعكست في مقاومته الباسلة وصموده المتواصل أمام كافة المحن التي حاولت العصف به وتصفيته، وفي ذلك سر بقاءه وثباته في الحركة السياسية، إذا ما أغفلنا جانبا، عمق قاعدته الفكرية، ونزوعه الوطني..!

حينما يجري الحديث عن الحزب الشيوعي العراقي، وبهذه الخصوصية المركزة، سواء من قبل من يكنون له الحب والإحترام ، او من قبل من يضمرون له الحقد والكراهية، وهو قد يبدو حقداّ أو كراهية منطقية بمنطلقاتها الطبقية،  إنما يعكس  إستثنائية وموضوعية وجود هذا الحزب في تأريخ العراق السياسي الحديث، ليس من منطلق ملكوتي مقدس، بل لما يمثله الحزب نفسه، من (حالة عراقية) تتمثل فيها، وبدون مبالغة، كل عناصر الشخصية العراقية، بإيجابياتها وسلبياتها المعروفة، ولهذا كان دائماّ مصدر طموح الباحثين والدارسين لإشكالية المجتمع العراقي في عصره الحديث..! إنه جزء مهم ومكون لا يمكن إغفاله من مكونات تأريخ العراق السياسي والثقافي على مدى عقود طويلة من الزمن، وبالتالي فإن ما سيرسمه هذا الحزب من سياسات وما يأتي به من مشاريع خطط لبناء العراق، لابد وأن يؤخذ بالحسبان، لا لكونه مجرد مؤتمر لحزب وحسب، بل لعمق تأثير نشاط وسياسة وتضحيات الحزب تأريخياّ في الحالة السياسة_الإجتماعية العراقية..!

إنه ومع كل ما تقدم من توصيف للحزب الشيوعي العراقي، فإن هذا لا يعطيه من الجانب الآخر، ميزة إحتكار العمل السياسي في البلاد، وهو لم يدعيها ، أو أن يمنحه أولوية على غيره من الأحزاب السياسية في الساحة الوطنية، أو يؤطره ضمن هالة مقدسة لا يمكن النيل من قدسيتها من خلال توجيه النقد لسياسته أو تقييمها، بقدر ما يحمله ذلك مسؤولية أكبر في رسم هذه السياسة، ويلزمه بتحديث هيكليته التنظيمية وبناءه الفكري الإيديولوجي ، بما يجعله أكثر تأهيلا وقدرة على مواجهة متطلبات المرحلة الراهنة، ومستجدات ما تفرزه عملية التطور الحياتية على كافة الأصعدة وفي جميع الإتجاهات..!
ومن هذا فإن ما يواجه المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي العراقي من مهام وما سيتخذه من قرارات ، هو في تقديري، سيكون في غاية  الأهمية والمسؤولية، ويترتب عليه مستقبل الحزب كحركة سياسية إجتماعية، لا مؤسسة كهنوتية، يؤدي فيها المصلون طقوسهم الكهنوتيه ليعيدو أداءها بعد حين من الدهر..!

  إذ يطرح الحزب الشيوعي العراقي اليوم، برنامجه السياسي ونظامه الداخلي، وبهذه الروح من الشفافية والعلنية، إنما يعبر عن موقف مبدأي في إدراك ضرورة الإتصال مع المجتمع وألإنفتاح على مكوناته المختلفة، والتلاحم الموضوعي مع قطاعاته المتباينة في الرأي والعقيدة، كما ووضع الناس حكماّ في تقدير أو الحكم على مدى تجاوب وملائمة ما جاء في هذا البرناج مع طبيعة ظروف الواقع الراهن للعراق، وما سيحققه على صعيد الوحدة الوطنية وفي تحقيق الأمن والطمأنينة وقطع دابر أسباب الإرهاب، وإعادة بناء الدولة العراقية على أسس من الديمقراطية والتعدد السياسي والإحترام المتبادل والإعتراف بحق الجميع من كل الأطياف السياسية، التي تؤمن ببناء عراق ديمقراطي فدرالي تعددي لا طائفي، في المشاركة بالعملية السياسية وفق تلك الأسس والأهداف المعلنة، والتي تحضى بقبول الشعب..!

374
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

المادة(12):
اولاً ـ ينظم بقانون علم العراق وشعاره ونشيده الوطني
بما يرمز الى مكونات الشعب العراقي. (الدستور العراقي)



لقد أثار قرار رئيس إقليم كوردستان السيد مسعود البارزاني حول إنزال العلم العراقي في منطقة الإقليم، فيضاّ من الملاحظات والتخرصات والإنتقادات، وتناولته بالتشريح وبالتلميح العديد من الصحف العربية والأجنبية، وكرست له العديد من القنوات الفضائية الندوات الخاصة، , وقد تناوله الكثير من الكتاب، كما وكأن الأمر ينبأ  بحدوث كارثة قومية سوف تعصف بمستقبل العراق ووحدة أراضيه..!؟

لقد فات الجميع أن أمر العلم العراقي بعد التاسع من نيسان/2003 سبق وأن تم حسم أمره عراقياّ وثبت هذا الحسم ضمنياّ في نص المادة/12 الفقرة-أولاّ من الدستور والمشار اليها في أعلاه ، ولا أظن أن قرار الإقليم قد جاء بجديد في هذا الشأن..!

فحيث أن النص الدستوري يؤكد على أن (علم العراق) ينظم بقانون كما هو الحال بالنسبة لشعاره ونشيده الوطني، وبما يرمز الى مكونات الشعب العراقي، فإن هذا يعني، وكتحصيل حاصل، إقرار ضمنياّ من قبل الدستور، والذي كتب وأقر بعد إسقاط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان/2003، والذي حضي بموافقة الشعب العراقي، بعدم شرعية العلم السابق _والذي لا زال يرفع حالياّ من قبل الدولة العراقية_ وإن لم ينص على ذلك، رغم إغفال المشرع تثبيت سريان رفعه حتى إقرار قانون العلم الجديد وسريان تنفيذه، وفي تقديري إن هذا نقص كان من الممكن تلافيه في حينه..!

إن قيام رئاسة الإقليم بإنزال العلم السابق ورفع علم جمهورية 14 تموز بدلاّ عنه، لا أرى فيه خرقاّ لنص المادة الدستورية أعلاه من حيث المبدأ، ولا تعارضاّ مع أهدافها، وذلك وكما أعتقد، لسببين: أولهما، إن إقرار أي (علم) للعراق لا يمكن أن يتم دون تشريع قانون خاص كما نصت عليه الفقرة الدستورية أعلاه. وما أقدمت عليه رئاسة الإقليم من إنزال العلم السابق، وبغض النظر عن دوافع وأسباب ذلك، ورفع علم 14 تموز/1958 بدلا عنه، لم يتم بقانون كما اشارت اليه المادة الدستورية أعلاه، بل تم ذلك بمجرد (قرار) متخذ من قبل السيد رئيس الأقليم ووفقاّ لإجتهاد وجده مبرراّ لإتخاذ ذلك القرار، وبالتالي فليس في الأمر ما يحتاج الى كل هذه الضجة والتأويلات والتفسيرات المختلفة لما جاء به القرار، ويمكن في مثل هذه الأحوال القبول بالأسباب الموجبة التي وقفت وراء هذا التغيير. فإن القرار المتخذ من قبل رئاسة الإقليم ليس بقانون مشرع من قبل البرلمان، وهذا ما يسمح بإمكانية تعديله أو تغييره بل وحتى إلغائه..!

أما السبب الثاني ، ففي تقديري، هو الآخر قد إعتمد على تفسير مأخوذ من نص الفقرة (أولاّ) من المادة الدستورية المشار اليها أعلاه والذي يقول في مواصفات العلم المطلوب بأن " يرمز الى مكونات الشعب العراقي" ، وبالنتيجة فإن إختيار رئاسة الإقليم لرفع علم 14/تموز/1958 جاء موفقاّ؛ لأنه أكثر تطابقاّ من حيث المدلول والمبنى مع نص الفقرة الدستورية أعلاه لما يمثله من قيمة تأريخية وما يرمز له من وحدة وطنية، وبنفس الوقت لا يعني ذلك تثبيت علم جديد للعراق للسبب المذكور نفسه..!

 إن جوهر الأمر في تقديري،  يتعلق بمسألة شكلية فنية إستباقية، إرتبطت بتحديد الوقت المناسب للإجراء المذكور وحالة الإختيار، أكثر مما ترتبط بجوهر الموضوع نفسه، والذي لم أجد حوله خلافاّ من قبل جميع الأطراف. وليس في ذلك ما يخل أو يتعارض مع الدستور كما بينت أعلاه، ومع كل ما تقدم فإن المحكمة الإتحادية العليا هي المرجع القانوني والدستوري لحل الإشكالات التي يختلف عليها بين أطراف العلاقة الفدرالية، كما وأن البرلمان مدعو هو الآخر الى تفعيل نشاطه في تشريع القانون الخاص بعلم العراق تفادياّ لمزيد من الإشكالات وقطع الطريق على من يريد الصيد في الماء العكر..!

وحيث أن جميع الأطراف في الحكومة الإتحادية وفي حكومة الإقليم متفقة سلفاّ على ضرورة تشريع قانون جديد من قبل البرلمان وطبقاّ للنص الدستوري أعلاه يجري بموجبه تثبيت شكل ومواصفات العلم الجديد للعراق، فإنه ومن نافل القول، الأخذ بالدوافع والنوايا الحسنة المعلنة من قبل كافة الأطراف المذكورة وفي مقدمتها توضيح مكتب السيد رئيس الجمهورية وتصريحات السيد رئيس الإقليم*، إذ ليس هناك ما يبرر ما قيل ويقال من كثير الكلام، الذي أقل ما فيه أنه بعيد عن أس وجوهر المسألة المثارة، ولا يخدم مصلحة الوطن والوحدة الوطنية، وشر البلية في التأويل والتهليل والتطبيل..!
____________
*- موقع كردستان الألكتروني 

375
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لقد أصبح من الثابت القول، ومن اليقين التأكيد؛  بأن كافة القوى والمنظمات، سواء سياسية كانت، أو دينية أم مختلطة، والتي كان لها باع في ترويع الأقليات الدينية في العراق، وفي المقدمة طائفة (الصابئة المندائيين) في مدن الجنوب وخصوصاّ في مدينة البصرة الفيحاء، وتدنيس مقدساتهم والإعتداء على دور عبادتهم، وهتك أعراضهم، وإجبارهم على النزوح والتلويح بقتلهم وإختطاف النساء والأطفال؛ إن كافة هذه القوى والمنظمات، ومن خلال ممارساتها الهمجية ضد أقلية دينية ، هي جزء لا يتجزء من مكونات الشعب العراقي، وتمتلك نفس الحقوق التي تمتلكها المكونات الأخرى وعليها نفس الواجبات، إنما عبرت عن همجية لا يقرها دين ولا تقبلها شريعة ، ولا تستسيغها أخلاق ولا تدعمها أعراف أوتقاليد..!

إن ما تتعرض له الطائفة المندائية اليوم من إنتهاك لحقوقها في العيش والحياة والأمن والأمان على يد شلل من المغامرين والخارجين على القانون، والذين يضفون على أنفسهم من الأسماء ما لا يمت بصلة  لما يدعون، إنما يمثل إعتداء صارخ  على حريات وحقوق طائفة دينية كفل حمايتها الدستور وأقرت وجودها كل القوانين والشرائع الدولية والإنسانية..!؟؟
وأن يجري كل هذا الظلم في ظل حكومة منتخبة ونخب سياسية وبرلمان ومجلس رئاسة ومرجعيات دينية شيعية وسنية، وقوات للتحالف وممثلين للأمم المتحدة والجامعة العربية، علناّ جهاراّ، ولا من سامع ولا من محتج ولا من مدين، وآلاف العوائل المندائية، تتقاذفها أمواج القتل والإغتيال والخطف وتفجير البيوت والتهجير، تعج بها دول الجوار والشتات طلباّ للأمن والسلام، ولا يعيرها أحد إذاّ صاغية ولا يوليها أحد ما يستحقه الموقف من إهتمام، إن هذا الذي يجري لعمري هو الطامة الكبرى وأس البلاء. وإن إستمراره يشكل وصمة عار لا في جبين "الديمقراطية العراقية الجديدة" وحسب، بل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي كله، الذي ظل صامتاّ ودون أن يحرك ساكناّ لوقف حملات الإبادة التي تتعرض لها الأقليات الدينية أو الأثنية الأخرى، أو أن يساعد في تقديم المساعدة اللازمة للحكومة العراقية في مساعيها لوقف تداعيات ما يحصل من أعمال الفوضى والإرهاب..!؟ وثمة درس قد كسبناه من سكوت هذا المجتمع زمن الأنفال..!؟
 
المندائيون؛ إن كانوا أقلية في عقيدتهم، فهم أكثرية في وجودهم، وأكثريتهم هذه، هي نفسها أكثرية ألآخرين، من كونهم بشراّ ومواطنين في بلدهم، وجذور عراقيتهم تغور بعيداّ في أعماق التأريخ..! فلا أحد له فضل في هذا الوجود، ولا أحد له منة في هذا التواصل..!

ما يتعرض له المندائيون اليوم من إضطهاد وتنكيل،  يحتم على كافة من يتسنم مسؤولية الحكم في البلاد وفي مقدمتهم الحكومة، ويلزمهم بتحمل مسؤولية إستنكار وإدانة الجرائم التي ترتكبها بحقهم زمر العصابات والمليشيات المسلحة المنفلته، ويوجب على السلطات الحكومية المسؤولة إضفاء كل ما يوفر لهم الحماية الكاملة والأمان والطمأنينة في وطنهم، والعمل على وقف عملية ترويعهم وإجبارهم على ترك البلاد، وهجر ممتلكاتهم وثرواتهم نهباّ بيد اللصوص والمارقين من الخارجين على القانون، كما وأن الدستور يلزم الدولة بالتعويض عليهم، وإعادة الذين هجروا الى مناطق أخرى أو الذين تركوا الوطن مكرهين بتسهيل عودتهم الى مساكنهم وأن تتحمل الدولة جميع نفقات ذلك..! إن الدولة ملزمة  بملاحقة جميع الذين سببوا لهم الأذى؛ من عناصر تلك العصابات والمليشيات المسلحة ووضعهم تحت طائلة القانون، ومقاضاتهم وتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا بما يعيد لهم كرامتهم ومواطنتهم التي أهدرتها قوى التخلف والتخريب والظلام..!؟

المندائيون يمتلكون الحق في توفير الحماية لهم من قبل الدولة والمجتمع، فهم أولاّ مواطنون عراقيون وهم سواسية في جميع الحقوق والواجبات مع الجميع، وهم من جهة أخرى أقلية دينية من ضمن العديد من الأقليات الدينية الأخرى التي كفل لها الدستور حقوقها في الوجود وممارسة شعائرها الدينية والمحافظة على تقاليدها وممارسة تلك الشعائر. وإن إختلفت عقائد الناس، فلن تختلف مصائرهم  كبشر من حيث المساواة في الحقوق والواجبات.. والناس أحرار في معتقداتهم..!                     

إن الدولة ملزمة في حال وجدت نفسها عاجزة، أو أن ما تمتلكه من الوسائل اللازمة لوقف تدهور الحالة الأمنية غير كاف للجم إندفاع زمر الفوضى والتخريب والإرهاب، فبوسعها الطلب من الهيئات الدولية وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة لتقديم المعونة اللازمة لرأب الصدع قبل أن تستفحل الحالة وينفرط عقد الأمن والسلام..!

 إن سلامة وأمن المواطنين تقف في المقام الأول لمهمات الدول التي تنشد خير ووحدة شعوبها، والأمل أن تجد هذه الكلمات المتواضعة طريقها لأذان صاغية ولعقول هادئة، مؤمنة بوحدة وطنها، ووحدة نسيج المجتمع بكل مكوناته الأثنية والدينية دون تمييز أو محاباة، فليس لأكثرية أثنية أو دينية أو طائفية في المجتمع، من الحق ما يميزها أو يعطيها مفاضلة في حقوق (المواطنة والحياة) على غيرها من الأقليات الأخرى، فإن لم يراع الدستور ذلك فعلى المشرعين أن يغيروا مثل ذلك الدستور..!

376
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


لو أظهر المجتمع الدولي، عام 87/1988 نفس القدر من الحماس والحمية التي أظهرهما عند غزو الكويت عام/1990،  لكانت أمور كثيرة قد تغيرت، ولتجنب الشعبان العراقي والكويتي كارثة تلك الحرب، ولوجدت زمرة ساكني (قفص الإتهام) اليوم، نفسها في حال أسوء من الحال التي هي عليه الآن، ولأقتصت ضحايا  جرائم الدكتاتورية من أبناء حلبجة والأنفال  والإنتفاضة من جلاديها أعدل القصاص..!

 المجتمع الدولي الذي أصيب بالعمى، وغلبت عليه مصالحه وأنانيته، قبل أن تستنهضه شيمه وإنسانيته، أسدل ستاراّ كثيفاّ من الدخان على أبشع جريمة أرتكبت في عصرنا الحديث، وأجهض أكبر محاولة بطولية لشعب بأجمعه*، للأقتصاص من جلاديه، ومنح الدكتاتورية دهراّ من العمر للإنتقام والتنكيل..!؟

المجتمع الدولي الذي وجد نفسه غارقاّ في مستنقع الحرب العراقية – الإيرانية، متلهفاّ للوصول الى النتائج التي توخاها من وراء تلك الحرب الهمجية، أغمض عينيه عن كل ما كان يرتكب من جرائم وأفعال شنيعة بحق المدنيين، ولم تحرك ضميره مئات الألوف من الضحايا التي كانت تسحقها آلة الحرب المدمرة في كلا الجانبين..!؟

المجتمع الدولي الذي هب بكل جبروته، وبكل آلته الحربية عام/1991 ليردع عدوان النظام العراقي الديكتاتوري على الكويت، هو نفسه الذي لم تكن تعنيه إنتهاكات قوانين الحرب التي إستمرت لثمان سنين، ناهيك عن قوانين السلم، وهو نفسه الذي كان يصب الزيت على النار المستعرة ويغذي لهيبها بالمال والعتاد، وهو نفسه الذي كان يرى بأم عينيه بشاعة الجرائم المرتكبة، وهو نفسه الذي كان قادراّ على وقف تلك المأساة البشرية منذ لحظة البداية..!؟

 المجتمع الدولي هذا،  قد وسم لطخة عارعلى جبين الإنسانية، حينما غض الطرف عن جريمة إبادة شعب تحت ستار الحرب، وهو نفسه من وفر وسهل وسائل تلك الإبادة..!؟
المجتمع الدولي مدان لصمته، مدان لمساهمته في الفعل، مدان لتركه الفاعلين بلا قصاص..!؟
المجتمع الدولي مدان لمشاركته في الصمت على خرق حقوق الإنسان وإنتهاك قوانين الحرب والشرائع الدولية..!
المجتمع الدولي مدين بالتعويض الى ضحايا جريمتي الدكتاتورية في الأنفال وحلبجة من أبناء الشعب الكوردي، ومن بعدهما ضحايا جريمة قمع الإنتفاضة عام/1991 من سائر العراقيين..! مدين في الأولتين لفعل الصمت والمساهمة، ومدين في الأخيرة، لفعل الإجهاض والمساعدة في قمع الإنتفاضة الشعبية..!؟

   ومن باب التذكير والإستنكار والإدانة، فإنه ليس من نافل القول أن يصر الشعب العراقي، بعد سقوط الدكتاتورية عام/2003 ، على ضرورة وأهمية تقديم جميع المسؤولين من أقطاب النظام الدكتاتوري وفي مقدمتهم رأس النظام الى المحاكم ومحاسبتهم على ما إقترفوه بحق الشعب من أعمال القتل والإرهاب والإبادة البشرية ، والتي في مقدمتها جريمة الدكتاتورية في الأنفال، التي أزهق النظام الدكتاتوري خلالها، أرواح 180000 نسمة بإبادتهم بالغازات السامة، وجريمتها في حلبجة، التي راح ضحيتها ما يقرب من 5000 نسمة بنفس الطريقة، وغيرها من جرائم الإبادة ضد المدنيين وعلى رأسها جريمة قمع الإنتفاضة/1991..!؟  تلك الجرائم التي لزم المجتمع الدولي إزاءها الصمت، والتي لا زال مرتكبيها حتى اليوم _ومن داخل قفص الإتهام_ يبررون فعلتهم النكراء، بأن ما إقترفوه من هذه الجرائم، إنما وقع أثناء وخلال الحرب التي كانت دائرة بين النظام وإيران في الأعوام (1980-1988)، يحاولون بذلك التنصل من مسؤوليتهم الجنائية في إستخدام السلاح الكيمياوي، والإبادة البشرية للمدنيين، وبتصميم مسبق "على إفناء قسم من الأقلية الكردية في العراق عن طريق الإبادة الجماعية."*

إن مسؤولية المجتمع الدولي، التي تجسدها الشرعية الدولية بميثاقها وهيئاتها المختلفة، هي مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قانونية، وهي الجهة التي من خلالها وبواسطتها تلجأ الشعوب والأفراد الى طلب الحماية ورد العدوان. فعندما تخفق هذه الشرعية في ممارسة مسؤوليتها القانونية، بسبب تعقد ميثاقها وإختلال ميزان القوى الدولي، فلا يعفيها هذا من تحمل مسؤوليتها الأخلاقية، من خلال نشاط الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وإن إخفاقها في هذا الجانب، إنما يمثل أحد صور عجزها وضعف ثقة الشعوب في أداءها، وإنحسار دورها في توطيد السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان..!؟
 
إن ضحايا جرائم الدكتاتورية من حلبجة والأنفال والإنتفاضة، هم أيضا ضحايا صمت المجتمع الدولي، وهم يملكون كل الحق  في مقاضاة هذا المجتمع كما يقاضون اليوم مرتكبي هذه الجرائم من رموز الدكتاتورية المقيته..! 
_____________________
*- إنتفاضة الشعب ضد الدكتاتورية/1991
**- كتاب (جريمة العراق في الإبادة الجماعية) –  حملة الأنفال ضد الكرد/ مقدمة أولى /ص12 

377
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


بعد أن أصبحت الأمور أكثر وضوحاّ من قبل الجانب الإيراني فيما يتعلق ب "الملف النووي"، وليست ثمة ما يمكن إخفاءه من توجهات وأهداف الحكومة الإيرانية بشأن إصرارها على المضي قدما في عملية تخصيب اليورانيوم، ورفضها لقرار مجلس الأمن رقم 1697/2006 حول وقف عملية التخصيب والذي تنتهي فترة الإجابة عليه في 31/8/2006 ، أقول بعد أن أصبح ذلك جلياّ، فلم يعد أمام الدول العربية وفي مقدمتها العراق الدولة الجارة ، وكذلك الدول الخليجية وسائر الدول العربية في المنطقة، غير أن تكون مواقفها أكثر وضوحاّ في الموقف من توجهات الحكومة الإيرانية النووية، والتداعيات المحتملة لإستمرارها بعملية التخصيب، بعد أن أعلنت مؤخراّ عن إستكمال بناءها لمعمل إنتاج الماء الثقيل، تلك التداعيات التي بعد رفض قرار مجلس الأمن أعلاه، يمكن أن تجر مجمل منطقة الشرق الأوسط الى حالة من التدهور الأمني، تصبح معها غالبية دول الجوار وفي مقدمتها العراق والدول العربية الأخرى ، مثل لبنان وسوريا والسعودية وسائر دول الخليج، الى مجرد ساحات للصراع وتصفية الحسابات الدولية..! فإن كان هناك ما يخشى منه من تهديد للأمن والسلم في المنطقة، نتيجة لهذا الرفض، فإن تداعيات ذلك لا تمس الجمهورية الإيرانية الإسلامية وحدها وحسب، بل ستشمل بآثارها كافة دول المنطقة وشعوبها، حيث ليست ثمة من منجى من الكارثة..!؟
 وفي مقال سابق كنت قد أشرت الى جسامة  الأخطار المحتملة التي تهدد المنطقة جراء الإصرار من قبل الطرف الإيراني في مواجهة المجتمع الدولي، الذي جسد رفضه لمواصلة إيران لعملية التخصيب بقرار مجلس الأمن الأخير رقم (1697)، وحيث أن ما ورد في ذلك المقال من أفكار لا تزال تحتفظ بأهميتها حسب تقديري الشخصي، ولتعلق الأمر بسؤال الجريدة أعلاه، أدرج في أدناه مختصر من المقال المذكور، والذي في مجمله يتضمن أجابة واضحة في تقديري على السؤال..!

الملف النووي الأيراني والصمت العراقي..!
     
مما يسترعي أنتباه المراقبين، في مسألة الموقف من معركة ما أصطلح عليه "بالملف النووي الأيراني "، هو ذلك الصمت المطبق من الجانب العراقي وكذلك الدول العربية، وجامعتها العربية ، الذي لم تبدر منهم أية بادرة من تعليق أو أعلان موقف معين من هذه "المعركة" التي تجري على تخوم حدوده..؟!  ويبدو وكأن مثل هذا الأمر البالغ ألأهمية ليس ذي شأن ولا يسترعي أي إنتباه..! فهو على أي حال "شأن داخلي" وليس من باب "الثوابت السياسية" أن تتدخل الدول في شؤون بعضها البعض..!!؟ ولعل حق "الجيرة" والدين هو الأكثر فعالية من اي حقوق أو أعراف دولية أخرى.!!؟

الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ البلد الجار، وصاحب أطول حدود تزيد على الألف من الكيلومترات من جهة الشرق مع العراق،- وهنا تكمن خصوصية المسألة- والذي تربطه مع العراق أواصر تأريخية ودينية  بل و"مذهبية" لعقود طويلة من الزمن،  ناهيك عن علاقاته مع دول الجوار العربية في الخليج؛ هذا البلد يمتلك كامل الحق في تقدير ما يناسبه أو لا يناسبه من السياسات التي تتعلق بعلاقاته مع الدول الأخرى على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما وله كامل الحق، كدولة ذات سيادة، أن يقرر أية سياسة دفاعية يراها تتفق مع حاجاته الستراتيجية في بناء قوته العسكرية لحماية وجوده..! كما ولا جدال في أن يعقد ما تيسر له من الإتفاقيات مع أي بلد كان من أجل التزود بكل ما يساعد أهدافه في تحقيق ذلك؛ من صناعة متطورة ومن خبرة وتكنولوجية حديثة..!

 ولكن وبعد كارثة الحرب العالمية الثانية، ما عاد إستخدام الدول لحقوقها المذكورة متيسراّ بهذه البساطة..! فقد جاء ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 مقيداّ وكابحاّ للعديد من هذه الحقوق، بعد أن حدد المقاصد والمرامي من إستخدامها، وحددها فقط بالإستخدامات السلمية، بما يمنع من أن تستغل  بألإتجاه الذي تصبح معه أداة، تمكن الدول من إستخدامها للأغراض العدوانية، أو لبناء ترسانة مسلحة كبيرة تهدد جيرانها وتعرض الأمن والسلم العالميين للخطر..! وقد ألزم الميثاق المذكور كافة الدول الأعضاء بالإلتزام ببنود الإتفاقيات المقررة بهذا الشأن، وفي مقدمتها " الإتفاقية الدولية لعدم نشر الأسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل وإستخدامها"   
           
وليس من الغرابة بمكان،  أن تتعرض جميع محاولات الجمهورية الإسلامية الإيرانية لبناء "مفاعلاتها النووية"، وعلى الصعيد الدولي ومن خلال ( الوكالة الدولية للطاقة الذرية) التابعة للأمم المتحدة، الى الإنتقاد والمعارضة الشديدين، حد إتخاذ  الأعضاء الخمسة الدائمين في(مجلس الأمن) قرارا بالطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بألإعداد لتقديم "الملف النووي الإيراني" الى مجلس الأمن في إجتماعها اليوم الجمعة وعلى أن يطرح للمناقشة في آذار القادم إذا لم تستجد أمور أخرى..؟!
رغم النوايا المعلنة لقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أن الهدف من "تخصيب" اليورانيم هو للأغراض السلمية ومن أجل زيادة حجم الطاقة الكهربائية في البلاد، إلا انها عجزت عن إقناع الرأي العام العالمي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بتلك الحجج، وقد وصلت جميع المحادثات مع الفريق الأوروبي (الترويكا) الى طريق مسدود..!

 ومع الإصرار المعلن من قبل الجمهورية الأيرانية وتهديدها بالقيام "وعلى شكل واسع" بتخصيب اليورانيم، وبالتحدي المعلن من قبل رئيس الجمهورية ألايرانية، بعدم الإكتراث لما قد يترتب من نتائج على إحالة الملف الإيراني الى مجلس ألأمن،  " وعن رفضه للضغوط الدولية على ايران فيما يتعلق بمطامحها النووية، وإصراره على أن بلاده لن تتخلى عن حقها في تطوير برنامج ذري سلمي."(1/2/2006cnn)، تصبح الشكوك حول توجه إيران لصنع "القنبلة النووية" أكثر قبولا لدى أوساط واسعة من الرأي العام العالمي، خاصة وأن الوكالة الدولية نفسها تعزز هذه الشكوك..! 

إن المهم في كل هذا هو موقف الحكومة العراقية والدول العربية من "الملف النووي الإيراني" .؟! والخصوصية في هذا التساؤل تأتي،  من أن العراق بلد جار الى إيران ويرتبط معها بحدود طويلة مشتركة كما أشرنا اليه أعلاه، وهذه الرابطة والتي تبدو لأول وهلة غير ذات أهمية، الا انها على الصعيد العملي والمستقبلي، ومن وجهة نظر "السلامة العامة" على وجه الخصوص، فإن هذه الرابطة ستجعل العراق ودول الجوار الأخرى على سبيل المثال ، تحت رحمة كل إحتمالات الخطأ الفني التي "قد" تصيب المفاعلات النووية الإيرانية _لا سامح الله_  وما  "قد" ينجم من أخطار تسرب "ألاشعاعات النووية "...؟؟! هذا في حالة إفتراض أن طموح إيران في تخصيب اليورانيوم منصرف الى الأغراض السلمية...؟!  ولعل في ايراد ما نشرته وكالة ( (ccnللأخبار  في 22/11/2004 ما يدلل على مثل ذلك الإحتمال :(( نشر علماء سويديون دراسة حديثة تبين أن 800 شخصا يعيشون في شمال السويد، ربما أصيبوا بمرض السرطان نتيجة الإشعاعات التي تسربت في تلك المنطقة، بفعل انفجار المفاعل النووي رقم 4 في منشأة نووية تابعة للاتحاد السوفيتي السابق عام 1986.))**

 أما في حالة تحقق شكوك المجتمع الدولي في مصداقية ما تعلنه الجمهورية الإسلامية، وإنصرافها الى صنع  "القنبلة ألذرية" وأقول أيضا _لا سامح الله_  فإن المخاطر ستكون أكبر وأعظم..؟! وسيجد العراق نفسه وكذا مجمل الدول العربية والشرق الأوسط ضمن " الدائرة النووية"  إمتداداّ من إسرائيل غرباّ وباكستان والهند جنوباّ وإيران شرقا .. كما وسيصبح العراق معبراّ للتهديدات النووية والتهديدات المعاكسة بين إيران وإسرائيل..؟!  وتدمير إسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام/1981أحد المؤشرات على ذلك..؟!           
   

  أم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تهدف – وهذا عكس ما هو معلن_ من وراء تملكها للسلاح النووي وفقا للتكهنات الدولية، _ وهو إفتراض سابق لأوانه_  فقط الى خلق "حالة من التوازن المتكافيء مع جاراتها الهند والباكستان ومن ثم الصين والى مدى أبعد إسرائيل، والتي جميعها تمتلك هذا السلاح..!؟؟ وبالتالي فأن " توازن الرعب " الجديد هذا، لا يهدف إلا، للدفاع عن النفس و ضد الأرهاب..!؟ على حد زعم الجميع..!؟   


 أن رائحة النفط تفوح من كل مكان، والدب الروسي يتمطى في غفوته، فالمجمع الصناعي العسكري، يحاول الوقوف على قدميه من جديد..!  وهاهو الرئيس (بوتين) يعيدنا بالذاكرة الى حالة  (توازن الرعب) و(سياسة سباق التسلح) ؛ وذلك في تلميحه؛  ((بأن القوات المسلحة الروسية ستمتلك قريبا أنظمة صاروخية متطورة غير متاحة لأي دولة أخرى. وقال بوتين أمام مؤتمر لكبار المسؤولين العسكريين " نقوم بأعمال البحوث والاختبارات على أحد أكثر الأنظمة الصاروخية النووية تقدما، والذي أوقن أنه سيكون متاحا للقوات المسلحة في المستقبل القريب،"  نقلا عن وكالة انتر فاكس الروسية.وأكد بوتين إن الأكثر أهمية في تلك الأنظمة هو أن "القوى النووية الأخرى في العالم لن تتمكن من الحصول على مثيلاتها خلال الأعوام القادمة))- 17/11/2004. ccn,. 
وعلى صعيد التعاون الأيراني – الروسي في مجال التسلح وإرتباط ذلك بقصة "الملف النووي الإيراني"  فقد (( أشارت وسائل الإعلام الروسية الجمعة إلى  صفقة عسكرية ستزود بمقتضاها موسكو طهران  بصواريخ وأنظمة دفاعية.  ومن المتوقع أن تؤدي الصفقة، البالغ قيمتها أكثر من مليار دولار، إلى ردة فعل قوية من الولايات المتحدة.
ونقلت وكالة "إيتار تاس" و"إنترفاكس" الروسيتين عن مصادر عسكرية لم تسمها أن مسؤولين من الجانبين وقعوا الصفقة في نوفمبر/تشرين الأول الفائت لتزويد إيران بقرابة 30 من أنظمة صواريخ Tor-M1 على مدى العامين المقبلين، نقلاً عن الأسوشيتد برس.  وذكرت أنترفاكس أن النظام قادر على تحديد 48 هدفاً وضرب هدفين معاً على إرتفاع 20 ألف قدم. ونفت  الوكالة الحكومية الروسية لتصدير الأسلحة "روسوبورون إيكسبورت" علمها بالصفقة، فيما لم تشر وسائل الإعلام الإيرانية إلى الصفقة البتة .. ." {CNN-6\1\2006}

وحول الصفقة قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الروسي، قسطنتين كوسافيك  "أتوقع أن تؤدي الصفقة إلى ردة فعل سلبية من الغرب إلا أن اُسس الانتقاد ستكون سياسية أكثر من كونها قانونية ." {CNN-6\1\2006}
 أن ما يهم في الأمر؛ أن "الملف النووي" الإيراني مع كل ما تقدم، ليس شأنا إيرانيا كلياّ، فأبعاده وتأثيراته السياسية والإجتماعية، تتعدى حدود الجمهورية الإيرانية..! وإن إقدام الدولة العراقية بمكوناتها السلطوية في إتخاذ موقف واضح من هذه المسألة مدفوعة بما يضمن مصالح الشعب العراقي على المدى القريب والبعيد، إنما هي مسؤولية تأريخية، ولا تمت من قريب أو بعيد الى التدخل في شؤون دولة أخرى..! ولا تسيء الى ما يربط ما بين العراق والجمهوريية الإيرانية من روابط حسن الجوار ووشائج الأخوة والروابط الدينية والمذهبية..! كما ولا يتعارض مع مباديء القانون الدولي والأعراف المتبعة..!

 ففي آخر تصريح له؛ ((كتب علي لاريجاني المسؤول المكلف بالملف النووي الايراني في رسالة الى محمد البرادعي "إذا أحيل الملف الإيراني على مجلس الامن في أي شكل من الأشكال، فانه سيتم تقليص مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في شكل ملحوظ، وستستأنف إيران كل أنشطتها النووية المعلقة من دون أي قيود". وتهدد إيران أيضا بعدم تطبيق البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الإنتشار النووي الذي يلحظ عمليات تفتيش سريعة ومعمقة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية)) * إيلاف- 2/2/2006
 أما الرئيس الإيراني فقد كان تمسكه بالمشروع "النووي" أكثر صلابة من السابق حيث (( أكد على  أن  بلاده  لن  تتخلى  "تحت  أي  شرط"  عن  برنامجها  النووي  وخصوصا  "تخصيب  اليورانيوم".))     *إيلاف- 2/2/2006

إن الإعلان عن موقف ثابت وواضح من "الملف النووي الإيراني"  _ مهما كانت مقاصد هذا الملف (سلمية أو "ذرية")_ موقف يحدد المخاطر المتوقعة التي قد يتعرض لها،  ليس العراق وحسب، وإنما كافة دول وشعوب المنطقة جراء الإصرار على تنفيذه، إنما هو موقف تلزمه المسؤولية الوطنية لكل بلد من هذه البلدان وبالخصوص البلدان العربية، التي من خلال منظمة (الجامعة العربية) وهو أضعف الإيمان، أن تبادر الى تبني سياسة واضحة ، تعلن من خلالها ضرورة إعتبار منطقة الشرق الأوسط ، "منطقة خالية من السلاح النووي"، وأن تعمل من خلال وجودها كمنظمة إقليمية على تفعيل " الإتفاقية الدولية لحضر نشر الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل"  في المنطقة، وكذلك دفع مجلس الأمن الى تبني قرار خاص بإخضاع إسرائيل الى أحكام هذه الإتفاقية.

 أما ما يقال بشأن إستخدام الطاقة النووية "للأغراض السلمية"،  فإن ما تفرضه  "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من نظم وأجراءات كفيل بحل كل الإشكالات المترتبة على ذلك، وإن كافة دول المنطقة ملزمة بكشف مؤسساتها العاملة بالطاقة النووية أمام الوكالة المذكورة...!
 أن الهدف من كل ذلك هو تجنيب العالم خطر كارثة نووية محتملة، سواء عن طريق الخطأ، أو عن طريق أستخدام تلك الطاقة لأغراض العدوان أو التهديد بالعدوان..!
____________________
*- سؤال جريدة العرب اليوم الأردنية/ العدد3365 تأريخ 27/8/2006
**- الإنفجار الذي وقع في المفاعل النووي " شورنوبل" في جمهورية أوكرانيا

378
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com


بعد مرور أكثر من شهر من الحرب المدوية، إنتهى الأمر الى مجرد قرار منضود على صفحات أوراق بعدد أصابع اليد ليعلن نهاية ثلاث و ثلاثين يوماّ من القتال بين الطرفين المتحاربين..!؟

لقد مرت ثلاث و ثلاثون يوما من الموت والدمار ، وها هي الحرب الآن تضع أوزارها، وتبدو الحياة وقد دبت فيها الروح من جديد، وبدأ  زحف العوائل التي هجرتها حمم الحرب بالعودة الى مساكنها المخربة، لا يشغلها همّ غير هم إلتقاط أنفاسها وإعادة تدبير أمورها، ولكنها،  ويا للغرابة، إذ بها تفاجأ من جديد بحرب جديدة، ولكن هذه المرة ليست بالقنابل والصواريخ، حرب أكثر إستعاراّ، إنها حرب الكلمات وما تخفيه في باطنها من معان وما تضمره من تهديدات..!؟

نعم الحرب قد أوقفها قرار مجلس الأمن رقم (1701) الذي إتفقت عليه جميع الأطراف، ورحب به الشعب اللبناني الذي تجرع وطأة الحرب وويلاتها، ولكن من سيوقف الحرب الجديدة..؟ 
اللبنانيون ومن وراءهم العرب ودول الجوار الإقليمية، منقسمون بعد الحرب حول جدلية النصر والهزيمة، والقادة السياسيون ومن وراءهم الكتاب والمحللون والمفسرون، يصوغون ما بدى لبعضهم نصراّ، ولغيرهم هزيمة..!؟
ولكن للأحداث منطق آخر، أما الحقيقة، فمن الصعب أن تجد طريقها الى العيان، في خضم تراشق حمم الكلام، وتلاطم موجات السيل الجارف من الإدعاءات والإدعاءات المعاكسة..!

ما بين النصر والهزيمة حدود.. حدود لا يرسمها المنتصر ولا يفترضها المغلوب..! الواقع وحده هو من يقول كلمته في ذلك، والحقيقة يحددها واقع الحال وليس رغبات الرجال..!
حينما تلح كل الأطراف، المتحاربة منها، أو تلك التي تقف وراء الستار، على طلب وقف إطلاق النار، فلا مجال والحال، الحديث عن منتصر أو مهزوم. وفي حالة الحرب العدوانية على لبنان، ليست ثمة غلبة أو هزيمة، فلهذه "الحرب" خصوصيتها التي جعلتها تنفرد عن غيرها من الحروب التي جرى الإعتياد على توصيفها بالحرب ..!
 فالطرفان المشتركان في أحداث هذه "الحرب" غير متماثلين في التوصيف، وهذا ما يمكن ملاحظته من خلال نص القرار (1701) وحيثياته، فالقرار نفسه، لم يسم الأحداث بالحرب ، بل إختزلها الى مجرد (أعمال قتالية) في لبنان وإسرائيل وفي مكان آخر من القرار جرى توصيفها ب(العنف) ، ولهذا دلالته عندما يجري الحديث عن نشوب حرب بين طرفين متكافئين بمقياس الشرعية الدولية، أو بمعنى آخر بين دولتين تتوفر فيهما كافة عناصر الدولة.  وبالتالي فإنه من السابق لأوانه الدخول في عملية تقييم للنتائج من زاوية النصر والهزيمة..!

القرار (1701) والذي أجمعت كل الأطراف على قبوله  وإعتماده حلاّ مقبولاّ للنزاع الإقليمي بين لبنان وإسرائيل،  "يقرر أن الحالة في لبنان تشكل تهديداّ للسلام والأمن الدوليين" وعلى ضوء ذلك بنى توصياته في النقاط التسعة عشر، لتجاوز هذه الحالة. وهذا ما يؤكد القول؛ حول إنتفاء توصيف الحالة المذكورة بأنها تجري بين دولتين محددتين أو عدة دول، أي أنها حالة حرب. وما يعزز هذا الإعتقاد، ما جاء في الفقرة (1) من القرار التي نصت على : " يدعو الى وقف تام للأعمال القتالية، يستند بصورة خاصة إلى وقف حزب الله الفوري لجميع الهجمات، ووقف إسرائيل لجميع العمليات العسكرية الهجومية."
فطلب إيقاف الأعمال القتالية ، كان موجهاّ الى حزب ألله، والى إسرائيل. وحزب ألله لا يمثل هنا طرفاّ دولياّ من وجهو نظر الشرعية الدولية، وأقتصر الأمر تحديداّ في القرار المذكور، على طلب الوقف التام للأعمال القتالية من قبل حزب ألله لا غير ، ولم ينصرف الحال الى أمور أخرى، حيث كل ما كان يتعلق بشؤون الدولة اللبنانية وبشؤون حل النزاع،  وجه الخطاب فيه الى الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية.
أما الطلب الى حزب ألله حصراّ،  بوقف الأعمال القتالية، رغم أنه لا يقوم مقام ألدولة، ككيان شرعي ذي سيادة يعطيه صفة (الدولة) من وجهة نظر الشرعية الدولية، فيمكن تفسير ذلك الى سببين؛ أولهما أن حزب الله يشكل الطرف ألثاني الأساس في الأعمال القتالية وليست الدولة اللبنانية، والآخر يرتبط بالوضع الجيوبوليتيكي لدولة لبنان نفسها، وهذا يمكن فهمه من صيغة القرار (1701) نفسه، حيث كان القرار في أغلب فقراته يشير الى ضرورة مساعدة الحكومة اللبنانية من أجل فرض سيادتها على كامل التراب اللبناني، وحفظ حدودها من الأختراق، والتعجيل بنشر قوات الجيش في مناطق الجنوب حيث الحدود الأسرائيلية..الخ ومن هذا يستدل بأن الشرعية الدولية على علم مسبق بأن الحكومة اللبنانية غير قادرة على وقف العمليات القتالية، لأنها ليست طرفا فيها من جهة، وغير قادرة على التنفيذ بسبب ما هي عليه من أوضاع داخلية من جهة أخرى..!
نخلص من كل ذلك الى أن القرار الدولي (1701) لم يشر من قريب أو بعيد الى حالة يمكن من خلالها إستخلاص ما يمكن نسبه الى حالة من النصر أو الهزيمة. فهو في أسبابه الموجبة؛  "أكد على ضرورة العمل على وجه عاجل لمعالجة الأسباب التي أدت الى نشوب الأزمة الحالية، بما في ذلك إطلاق سراح الجنديين الإسرائيلين المختطفين دون شروط .." 
فحديثه عن (الأزمة الحالية) والتعجيل بمعالجة أسبابها، إنما يشير الى وجود حالة سابقة جرى الإخلال بثوابتها، وعليه أصبح من الضروري إعادتها الى ما كانت عليه قبل نشوب (الأزمة). وهذا ما يعزز القول بإنتفاء حالة النصر أو الهزيمة من وجهة نظر الشرعية الدولية..! إلا في حالة إفتراضية، والمقصود بها الطلب الى "حكومة إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان.." ولا يوجد في هذه الصيغة ما يوحي بالنصر بقدر ما يعني إعادة الحالة الى ما كانت عليه قبل ذلك ، وإنهاء العدوان..!
كما وأن القرار (1701) بمجمل تفاصيله، يطرح آلية جديدة جادة من الإجراءات، تهدف، إذا ما جرى الإلتزام بإتباعها وتنفيذ متطلباتها من قبل كافة الأطراف وبالذات لبنان وإسرائيل، الى وضع معالم خطة طريق كاملة لحل مشكلة النزاع الإقليمي بين كافة الأطراف ذات العلاقة. وفي هذا دليل آخر على ما أردنا تأكيده أعلاه..!

أما في الجانب السياسي وعلى صعيد كافة أطراف الصراع، وكذلك جميع القوى السياسية والإعلامية، وطنياّ وإقليمياّ ودولياّ، فإن إشكالية النصر والهزيمة، تظل إشكالية نسبية، ترتبط بطبيعة النزاع نفسه من جهة، والموقف من طرق حل النزاع وطبيعة القوى المشاركة في هذا الحل من جهة أخرى..!
ومن هذا التباين في إشكالية العلاقة بين هذه الأشياء، يصبح القول بالنصر أو الهزيمة مرهوناّ بجدلية تلك العلاقة. فلا غرابة والحال، ومن موقف الصمود اللبناني البطولي بوجه العدوان الإسرائيلي، أن يصبح النصر النتيجة المنطقية بعد إفشال الخطط العدوانية، كما ونفس الحال يمكن أن يقال بالنسبة للمواقف الأخرى التي تشارك بنظرتها السياسية الى طبيعة النزاع من نفس المنطلقات. تؤيدها في الموقف من جانب آخر بعض القوى الإقليمية التي تعتقد بأن لا طريق آخر غير طريق المقاومة لحل إشكالية النزاع. وبالتالي ومهما كانت النتائج فإنها ترى بأن ما حدث خلال هذا الشهر إنما هو النصر بعينه.
على الصعيد الآخر، وفي المقدمة، فإن طرف النزاع الثاني (إسرائيل) ، هو الآخر يرى في النتيجة التي إنتهت بوقف العماليات القتالية، إنتصاراّ ، من منطلق ثوابته السياسية والعسكرية في إنهاء وجود حزب الله ونزع سلاحه ودفع تأثيره بعيداّ عن إسرائيل..!
أما على الصعيد المتحفظ ، فإنه وبإستحياء ، حاول أن يخفي رفضه للعملية القتالية ونتائجها، من منطلق تقديراته الخاصة بشأن طرق حل النزاع نفسه، وبالتالي فهو لم يتحدث عن شيء إسمه الهزيمة، بل إكتفى بوصف العملية بأنها مغامرة غير محمودة العواقب..!
والمتابع يمكنه ومن خلال ما يكتب وينشر من العثور على كثير من التطرف في مجمل الموقفين..!

أخلص الى القول بأن قرار الشرعية الدولية رقم (1701) هو وحده الذي كان أكثر منطقية وموضوعية في تجنيبه المنطقة والعالم من إحتمال الإنزلاق وراء مخاطر أكبر في  تهديد السلم والأمن الدوليين. وما عداه فإنها تبقى مواقف سياسية لجميع الأطراف محكومة بمصالح أصحابها، وكل طرف منها يمتلك الحق في تقديره للنتائج التي إنتهت اليها ألأعمال القتالية. وللشرعية الدولية منطقها الخاص من جميع تلك التقديرات. أما الشعب اللبناني ومن خلال وحدته الوطنية وبكل مكوناته الإجتماعية والسياسية والدينية ، فهو الوحيد الذي يملك الحق المطلق في ما يراه..!
 والمهم ألآن، هو كيف يمكن للوحدة الوطنية اللبنانية، التي حققت بطولة الصمود بوجه العدوان الإسرائيلي، أن تستثمر الحالة القائمة ، وتعمل بجدية وتفهم كاملين لطبيعة حل النزاع اللبناني – الإسرائيلي من خلال تفعيل القرار (1701) الذي مهد الطريق لتسوية كاملة، وتفويت الفرصة على إسرائيل في التلكؤ بتطبيق القرار، وذلك من خلال التمسك المشروع بتطبيق القرار وحشد التأييد العربي والدولي وراء الإلتزام به نصا وروحا..!             

379
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

 ((النفط والغاز هما ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات.))
                                        المادة( 109-الدستور العراقي)
(( "النفط ملك للشعب العراقي. إنه ثروتهم.))
                جورج بوش/ بعد عودته من العراق ولقاءه بالسيد المالكي (حزيران 2006)



من يمتلك الثروة فهو صاحبها،  ومن له حق التصرف بها في الأطر التي يحددها القانون.
فالنفط العراقي هو أحد ثروات العراق الكثيرة، سواء ما وجد منها على سطح الأرض أو ما هو في باطنها، حالياّ أو مستقبلاّ. ولما يمتلكه النفط والغاز من أهمية إستثنائية على الصعيد الإقتصادي، لذا حضيا بهذه الخصوصية التشريعية على صعيد الدستور، حيث أفرد لهما مادة خاصة في الدستور تأكيداّ لهذه الأهمية..!
 قال؛ "أو لم تؤمن..؟! قال؛  بلى، ولكن ليطمأن قلبي..!!؟
العراقيون حيثما وجدوا يمتلكون النفط والغاز. فهل يمتلك العراقيون النفط والغاز حقاّ..؟؟؟
الدستور العراقي قال ذلك؛ ولكن الدستور لا ينطق ولا يوحي..!
        والرئيس بوش قال ذلك؛ ولكن السيد بوش رئيس دولة أخرى..!
        فمن ياترى ذلك الذي سيطمأن قلوب العراقيين ..؟؟

أن يمتلك العراقيون النفط والغاز، فمن الأولى أن يعلموا كيف يجري التصرف بهذه الثروة العظيمة والتي هي أمل الحاضر والمستقبل في بناء عراق جديد يخرج من شرنقة الخراب ليسبح في فضاء الحرية..! تلك الثروة التي تمول 90% من ميزانية الدولة للقطاعات المختلفة.
هل كل شيء يجري وفق ما قرره الدستور العراقي حقاّ..؟ أو  وفق ما "أكده" السيد (بوش) بإمتياز..؟!

هذا ما سنراه لدى وزير النفط الجديد السيد (حسين الشهرستاني) بكل وضوح، فهل يوجد في إجابته ما يطمأن الشعب العراقي بأنه المتصرف الأول والوحيد بثروته، وهل سيطمأن قلبه بأنه المالك والمتصرف الوحيد لتلك الثروة على حد قول (الدستور العراقي) أو إدعاء السيد (بوش) رئيس الولايات المتحدة الأميركية..؟
 أترك ألإجابة على هذا التساؤل الى فطنة الشعب العراقي، الذي يعيش الآن أسوأ حالات التدهور الأمني والإحتقان الطائفي والسلسلة المترابطة لأزمات الكهرباء والوقود، وغيرها من الأزمات الخدمية الأخرى..!
هكذا أشار السيد الوزير بإعتباره المسؤول الأول عن رسم سياسة تطوير الصناعة النفطية الإستراتيجية، وكما نسب اليه؛ 

((وفي اجتماع عقده وزير النفط العراقي السيد حسين الشهرستاني في مبنى وزارته مع ممثلي شركات نفط دولية منها (إكسون موبيل) و (بي.بي) و(شل اويل) و(شيفرون) وبحضور السيد سام بودمان وزير الطاقة الامريكي ، ذكر السيد الشهرستاني ان العراق قد يوقع اتفاقات لتنفيذ مشروعات مشتركة مع شركات نفط دولية حتى قبل إقرار البرلمان لقانون المحروقات الذي طال انتظاره ، مبينا ان بعض الاتفاقات قد توقع قبل تفعيل البرلمان العراقي المتوقع في نهاية العام لقانون المحروقات حيث سيسمح هذا القانون بتدفق مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية الحيوية لقطاع النفط في العراق.))*

إذن فالسيد وزير النفط الجديد يبدو أكثر إستعجالاّ من الشعب نفسه في حل أزمة الوقود المتفاقمة من جهة ، وفي تدفق مليارات الدولارات على العراق من الإستثمارات الأجنبية..!؟  فهو حتى لا يريد أن ينتظر تشريع قانون المحروقات بالتصديق عليه من قبل مجلس النواب(ممثلي الشعب)، وبالتالي فأن المخرج الوحيد كما يبدو هو الإقدام على عقد الإتفاقات المشتركة، من خلال عقود "مشاركة الإنتاج" مع شركات النفط الإحتكارية، التي تطوع السيد (بوش) بأن يمهد لها الطريق من خلال زيارته الأخيرة للعراق في حزيران الماضي للتهنئة بتنصيب السيد عدنان المالكي رئيسا للوزراء للحكومة الدائمة، حيث كان (النفط) من القضايا الرئيسة التي جرت مناقشتها حسبما قيل. وبعد عودته أرسل السيد (سام بودمان) وزير الطاقة الأمريكية ممثلاّ للإدارة الأمريكية في المناقشات الجارية مع تلك الشركات..!؟

من نصوص الدستور العراقي المهمة النص التالي:
الباب الثاني/ الفصل الأول/ المادة (26:(( تكفل الدولة تشجيع الإستثمارات المختلفة في القطاعات المختلفة وينظم ذلك بقانون.))

يفهم من ذلك أن الحكومة في حالة إقدامها على تفعيل أي نشاط إستثماري، تكون ملزمة بإتباع نصوص (القانون) الذي يحدد الأطر العامة التي يجب إتباعها وفقاّ لذلك. وبالتالي فإن إقدام وزارة النفط على توقيع إتفاقات مشتركة مع شركات النفط الدولية قبل صدور قانون المحروقات يعتبر إخلالاّ بالنص الدستوري نفسه..!

كما وان الإقدام على إتفاقيات بهذه الأهمية الإستثنائية، لتعلقها بثروة البلاد الرئيسة، مع الشركات الإحتكارية الدولية ومن وراء ظهر البرلمان، وبهذا الطريقة المستعجلة، يثير الكثير من الأسئلة المشروعة لدى المواطنين؛ حول ما يقال عن أسباب أزمتي الوقود والكهرباء، وتهريب النفط، كما ويصبح من البدهيات البحث عن الدوافع والعوامل التي تقف وراء الأعمال التخريبية التي تطال محطات الطاقة الكهربائية ومحطات الوقود، ومن يقف خلفها ومن له مصلحة في إستمرارها منذ أكثر من ثلاث سنوات..!؟

فمن هي تلك الجهة الدستورية التي سيكون بمقدورها، مراقبة وتدقيق مدى المصلحة والمنفعة التي ستضمنها هذه الإتفاقيات للشعب العراقي، إذا ما جرى إعدادها والتوقيع عليها وراء الأبواب المغلقة وبمشاركة وإشراف وزير الطاقة الأمريكية على سبيل المثال..؟!  ومن يضمن تلك المصلحة بغياب القانون نفسه..؟؟ وما هي طبيعة القانون نفسه..؟ ومن يضمن كل ذلك وفقاّ لنص الدستور الذي أكد على تحقيق (أعلى منفعة للشعب العراقي)..؟! ولماذا لم يؤجل التوقيع على مثل تلك الأتقاقيات الحساسة لحين إقرار قانون المحروقات ومناقشتها أمام مجلس النواب..؟

الدستور العراقي/ المادة/110 : ثانياّ : (( تقوم الحكومة الإتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معاّ برسم السياسات الأستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث تقنيات مباديء السوق وتشجيع الإستثمار.))

لقد كان من أحد أهم عوامل تفجر ثورة الرابع عشر من تموز/1958، وما قبلها من إنتفاظات الشعب العراقي العديدة، هو مشكلة العلاقة الشائكة مع شركات النفط الدولية الإحتكارية ، التي كانت مهيمنة بل ومستحوذة على الثروة النفطية، والتي كانت في مجملها مبرمة وفق عقود "المشاركة في الإنتاج" سيئة الصيت، الى أن  تم  إستردادها  بالقانون رقم/80 لسنة 1061 من قبل الثورة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم. وأصبح هذا القانون فيما بعد وبالاّ على الشعب العراقي لما جره من موقف عدائي إنتقامي من قبل تلك الشركات ودولها ومن وقف الى جانبها، حتى الإطاحة بتلك الثورة الشعبية وإغتيال قادتها..!؟  وفي هذا مؤشر كبير على مدى الظلم الذي الحقته تلك الشركات بالشعب العراقي والإستغلال والنهب الكبيرين الذي مارسته ضده طيلة فترة قاربت الثلاث عقود في العهد الملكي عن طريق عقود "المشاركة في الإنتاج" التي تمنح شركات النفط الدولية الهيمنة التامة على مصادر الطاقة في البلاد  ..!

فإن أي عملية للتعتيم الإعلامي لا تضع المواطن في صورة ما يجري خلف الأبواب المغلقة من مفاوضات مع شركات النفط الدولية ، إنما هو في الحقيقة  يصب في صالح هذه الشركات، التي تحاول إستغلال تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد، إن لم تكن لها يد فيها من قريب أو بعيد، والصعوبات التي تواجه الحكومة الجديدة على جميع الأصعدة، إن لم تقف هذه الشركات وراءها، فتعمل على تركيز ضغوطها على الجانب العراقي المفاوض لتملي عليه شروطها التي هي نفسها شروط البنك الدولي، وأخيراّ تكبل الشعب العراقي باتفاقيات لا تضمن مصالح الشعب، بل تكون طوقاّ ثقيلاّ بعنقه لسنين طويلة، ناهيك عن نتائجها المأساوية التي ستلحق بالملايين من أبناء الشعب من الكادحين والفقراء، وتخلق فئة من الطفيليين التي ستتربع على رقاب الناس، حراساّ لمصالح هذه الشركات ومن يقف وراءها من صناع القرار..!؟

وحيث أن النفط والغاز هما العماد الرئيسي لإقتصاد البلاد وعصبه النابض، فإن السياسة النفطية التي تتبعها الحكومة تشكل الجوهر الحقيقي لمجمل السياسة الإقتصادية – الإجتماعية للبلاد، ولذلك ومن باب مصلحة الوطن وتحقيقاّ للمبدأ الدستوري (   أعلى منفعة للشعب العراقي )، فإن المنطق الدستوري يلزم  الحكومة عموما ووزارة النفط على وجه الخصوص،  بإحاطة وإشراك الشعب بكل مكوناته السياسية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، وبكل وضوح، بطبيعة المفاوظات الجارية مع شركات النفط الدولية، وعدم إبرام أية عقود معها قبل دراستها وإقرارها من قبل مجلس النواب، ويدخل ضمن ذلك، الكشف عن طبيعة العقود المنوي إبرامها من حيث علاقتها بشكل الإستثمار وأهدافه، ومن حيث أنها عقود مشاركة أم عقود مقاولة..!؟
ولعله من البداهة بمكان أن يدرك المرء، العوامل التي تقف وراء ما دار ويدور منذ ثلاث سنوات من الويلات والمصائب التي تلقي بثقلها على كاهل المواطن العراقي، إذا ما تمعن النظر  في حقيقة ما تبذله شركات النفط الدولية، وخاصة الأمريكية منها، من جهود إستثنائية، علنية كانت أم سرية، وبطرق، مشروعة أم غير مشروعة، مباشرة أم غير مباشرة، من أجل الوصول الى منابع النفط العراقية في سوق معدومة المنافسة العالمية..!
إنها لحظة تأريخية أن يدرك الجميع، مدى خطورة المسؤولية التي تتحملها الحكومة العراقية ومن وراءها جميع النخب السياسية والإجتماعية وفي مقدمتها مجلس النواب، في تحديد وجهة الإستثمار في مجال الثروة النفطية بإلإتجاه الذي يحقق مصلحة البلاد ، ويجنب تلك الثروة من أن تصبح  رهينة مشيئة الشركات النفطية الإحتكارية من جديد..!
ولعله من المفيد  في هذا الإتجاه أن تبادر لجنة إعادة النظر في الدستور العراقي، الى إعادة النظر في نص المادة/110 /ثانياّ، والتوصية بإضافة فقرة ثالثة او تعديل الفقرة نفسها، بما توصي بمنع  إبرام أي عقود من جانب الحكومة الفدرالية وحكومات الأقاليم والمحافظات  تتعلق بالإستثمار الأجنبي في مجال الثروة النفطية ، بكافة مشتقاتها، قبل مناقشتها والتصديق عليها من قبل مجلس النواب تحديداّ، وإبطال كل عقد يتم إبرامه خلاف ذلك..!
الأمل أن الحكومة والقادة السياسيين على إحاطة بكل ذلك، وعسى أن تكون ذاكرة التأريخ حافزا لإتخاذ القرارات الصحيحة في الحفاظ على  ثروة البلاد النفطية وصيانتها. تلك الثروة التي نزف العراقيون من أجل إستردادها بحاراّ من الدماء التي تزهق كل يوم..!

إن الثروة النفطية هي المستهدفة ومنذ البداية، وكل ما يجري خارج ذلك، فإنما يدور في فلك هذا الإستهداف، والأمل أن يدرك الجميع بأن معنى "الحرية" لا يمكن إختزاله الى مجرد صناديق للإنتخابات ومجالس وطنية وأحزاب سياسية وأغلبية وأقلية، وحكومة وطنية، ومظاهر ديمقراطية. إن السيادة الكاملة للبلاد على ثرواتها الوطنية، تملكا وتصرفا وإدارة بلا منازع، هو التعبير الآخر للحرية..!
_________________________________
*-
www.niqash.org

380
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


الحديث عن (الديمقراطية) بمعزل عن حاضنتها التي تولد منها وتترعرع وتنمو داخلها ثم تصبح نهجا وسلوكا عاما للجميع، يسحبنا الى إختزال هذا المفهوم، الذي هو الآن يعتبر قبلة يتجه بأنظاره اليها العالم، الى مجرد مجموعة من ألأسئلة العالقة في الهواء، والتي تفتقد الى اصول وجودها وجذور نشأتها..!
عندما يجري الحديث عن "ديمقراطية" معينة بالأسم او الوصف أو حتى الجنس او العرق، نصبح وكأننا أمام نماذج أو أصناف معينة من "الديمقراطية"، يمكن والحال أن نوزعها حسب الطلب، أو أن نلصقها بالمجتمع الذي نريد..!؟
لا يمكن بأي حال من الأحوال، الحديث عن درجة معينة من  الديمقراطية، بمعزل عن المجتمع الذي خلقت فيه، وأصبحت من نتاجه التأريخي الأجتماعي- السياسي، وباالتالي ليس هناك من إمكانية منطقية أن يطالب مجتمع ما بنوع أو درجة أو صنف معين من "الديمقراطية" ، كي يصبح معه من المستساغ القول بأن هذا المجتمع هو مجتمع ديمقراطي، أو أنه يمكن أن يعتبر متماشياّ مع التقاليد والسلوكيات المطلوبة من أصحاب الشأن الذين يرغبون بأن يروا فيه ذلك المجتمع المنشود..!
من البدهي أنه ليس هناك مجتمع ما مدينا بسلوكيته وعاداته وتقاليده ومجمل ثقافته، الى نمط معين من كل ذلك، يفرض عليه رغم مشيئته، أو يطلب منه إتباعه قسرا ، وبمعنى آخر الأعتياد عليه بهذا القدر أو ذاك..!  ولكن لا يغيب عن البال ان هناك من يعتقد، بل في الحقيقة من يرغب، ان يكتسي بلده او مجتمعه حلة غير حلته، لكونه يرى فيها أكثر نظارة وأحدث طرازا..! 
فالديمقراطية على سبيل المثال ، حتى لو وظفناها كما نوظف أو نستخدم "الوصفة الطبية"، فلا نتوصل بذلك الى معالجة ناجعة للمرض المعين، بسبب بسيط، هو أن الأمراض نفسها تختلف بعضها عن البعض الآخر، ولكل منها أسبابه وأعراضه التي تميزه عن الآخر..! وبالنتيجة فسوف يكون الإخفاق المحصلة الأخيرة في أيدينا، ولم تعد تصبح تلك الوصفة الطبية "إكسير الحياة " الذي كنا نتمناه..!
وإذا كان المجتمع العربي، يجد نفسه اليوم،  في حالة تفرض عليه، أن يكون أكثر وضوحا في تناسقه مع سيرورة المجتمع العالمي، وبأن يثبت أنه ليس ذلك النغم النشاز خارج الجوقة، أو من يدعوها بالأوركسترا، أو ذلك الطير المغرد خارج سربه، فليس أمامه إلا أن يمعن النظر باديء ذي بدأ الى نفسه، ليرى فيما إذا كان هو فعلاّ ذلك المجتمع الموحد، ذا السمات المشتركة، والظروف المشتركة، والجغرافية المشتركة، والإقتصاد المتجانس، أم أنه مجتمع توحده لغة مشتركه، وتفرقه حدود سياسية، بأنظمة حكم متعددة، في المعنى والمبنى..!؟
وإذا ما صورنا المجتمع العربي، على أنه مجتمع نخب حاكمة وشعوب محكومة، يبدو الحديث عن "الديمقراطية" مجرد ترف فكري، ولا يبدو هناك من مسوغ منطقي للتساؤل عن أي "ديمقراطية" مطلوبة من مجتمع بهذا الحال..!؟
أما إذا تحدثنا عن رقعة جغرافية تقطنها مجاميع بشرية نطلق عليها دولا عربية بحدود سياسية، فالأمر يختلف في هذه الحالة، والحديث سيجرنا الى مجتمعات عربية بكيانات سياسية، تختلف في سماتها وعاداتها وثقافاتها بعضها عن البعض ألآخر بهذا القدر أو ذاك، وإن جمعتها لغة واحدة وتأريخ مشترك وديانة واحدة، وأرض واحدة. وفي هذه الحالة يصعب معه الحديث عن ديمقراطية معينة وبسمات محددة لكل هذه الجماعات ، الني نطلق عليها تجوزاّ  "المجتمع العربي"، وبالتالي إذا ما أردنا الحديث عن "الديمقراطية"، فإنه ينبغي التعريف سلفاّ، بأن الديمقراطية المقصودة، لايمكنها أن تكون شيئاّ مستقلاّ عن كل كيان من هذه الكيانات. وهذا سيدفعنا الى الحديث عن المستويات المختلفة لهذه الديمقراطية من شعب معين الى آخر..؟!
وفي جميع الأحوال، فإن الديمقراطية التي أصبحت تشكل أهم إشكاليات العصر، لايمكن أن تكون صورة واحدة أو طبعات متشابهة لأصل واحد ومقاس ثابت. وكثيراّ ما يجري الحديث اليوم عن إشاعة الديمقراطية في أنظمة الحكم في منطقة الشرق الأوسط ، حيث يتم الحديث عن "المجتمع العربي" فرضاّ، وكأنها لقاح مضاد للأستبداد والدكتاتورية يمكن مجرد حقن الناس به، ليتحول المجتمع وبقدرة قادر الى مجتمع ديمقراطي- ليبرالي، بعد أن كان يعيش في دياجير الظلام والخرافات..!
فالمجتمع العربي المتشكل ضمن حدوده الجغرافية السياسية بكياناته المتعددة، هو وحده القادر على خلق وتطوير أي عملية إجتماعية - سياسية ذات سمات ديمقراطية. والحديث هنا يجري عن ديمقراطية نسبية، تمتلك سمات المجتمع الذي ولدت من رحمه عبر عملية التطور ألإقتصادي- الإجتماعي لذلك الكيان، وخلال مراحل تأريخية، نمت ونضجت عبرها معالم تلك الديمقراطية، والتي قد تبدو في بعض سماتها، في مراحل أدنى مما عليه لدى شعوب وأقوام أخرى أكثر رقياّ  في سلم الحضارة والتقدم العلمي..!
أما إذا قصرنا القول على "الديمقراطية" بإعتبارها مشروعاّ جاهزاّ للتسويق، ونموذجاّ صالحاّ، بأن يمكن تبنيه من قبل "المجتمع العربي" إسوة بغيره من ألمجتمعات؛  كصيغة جديدة ملائمة لظروف العصر، فلا بد والحال أن نأخذ بالحسبان عامل التفاوت ألإقتصادي – ألإجتماعي والثقافي – الحضاري لهذا المجتمع مقارنة بذلك "الموديل" المنشود والمعد وفق مقاسات محددة ومفاهيم وقواعد لا تربطها أية روابط مع طبيعة ظروف المجتمع المقصود..!
ولكي يكون الأمر أكثر وضوحاّ، فإن البعض يستدعي أن يقدم "المجمع العربي" نموذجاّ حياّ لديمقراطية جديدة، خارج إطار تكويناته السياسية والإجتماعية، خارج إطار ثقافته ومستوى المنسوب الحضاري الذي هو فيه، نموذجاّ يحاكي ولو ظاهرياّ مستلزمات ومتطلبات سيرورة العولمة التي أخذت مدياتها تأخذ تسارعاّ كبيراّ ونطاق تأثيرها بات شاملاّ أوسع الميادين؛ فالضغوط التي يمارسها رأس المال المالي العالمي على النطاق الدولي، أخذت تستعجل إجراء التغييرات البنيوية التي تحقق مقاصده في المناطق التي لا زالت غير مؤهلة للدخول في عملية العولمة أو أنها لم تستكمل بعد شروطها، وخاصة تلك التي تمتلك مستودعات هائلة من مصادر الطاقة، في الوقت الذي لا زالت فيه مجتمعات هذه المناطق تخضع في بناها الداخلية الى منظومة العلاقات ما قبل الحضارة في أطرها الحالية، رغم أنها في كثير من جوانب تلك الحضارة، تمتلك بعض مظاهرها الخارجية والتي هي في جوهرها ليست من نتاج مجتمعاتها بل هي نتاج مجتمعات قد سبقتها أشواطاّ في عملية الإنتاج الرأسمالي، وبالتالي فإنها تعاني من إشكالية العولمة في جانبين؛ كونها مجتمعات مستهلكة لمنتجات حضارة قد سبقتها في مضمار الإنتاج،  من جهة، ومن جهة أخرى، كونها لا زالت متخلفة في ولوج العملية الإنتاجية العالمية ، بسبب عوامل الكبح التي تعيقها من التحرك في مضمار هذه العملية التي دخلت مراحل متقدمة من التطور والتركز، وهذا ما جعل هذه المجتمعات تجد نفسها في المراتب المتدنية من عملية التطور الإقتصا-إجتماعي، وأنها في الغالب الأعم مجرد مجتمعات إستهلاكية، وأسواق مفتوحة لتصريف منتجات البلدان الرأسمالية المتقدمة، ومسوق كبير لمصادر الطاقة ، التي في طريقها الى النضوب، الى تلك البلدان..!
إن عملية الدمقرطة المنشودة لمثل هذه المجتمعات، إذا ما أخذنا بالإعتبار، (الديمقراطية) كنهج وممارسة في الحياة اليومية، على كافة صعدها السياسية والإقتصادية والإجتماعية، سوف نصطدم بواقع هشاشة الأرضية التي يفترض أن تحتضن هذه الممارسة بأشكالها المتقدمة، والتي هي نتاج مجتمعات بلغت في نضجها الإقتصاإجتماعي شوطاّ بعيدا، ومن هنا منبع تناقضها الصارخ مع واقع المجتمعات المراد دمقرطتها، ذلك التناقض، الذي بات ينعكس في حالات ردود الفعل المضاد لهذا القسر، والذي غالبا ّما يأخذ أشكالاّ من التطرف الديني والقومي، بل وحتى يرقى الى درجة العنف المضاد والتمرد على كل ما يمت بصلة الى هذه المساعي التي تريد حشر هذه المجتمعات، ومنها "المجتمع العربي" في قطار (العوملة) المنطلق قدما بسرعة الى الأمام..!
 والمحصلة النهائية لذلك، هي ان "الديمقراطية" التي يحلم البعض، حتى من أبناء هذه المجتمعات، بأنها ستكون وحدها كافية لأن ترفع من شأن مجتمعاتها وتضعها في مصاف ركب الحضارة الصاعد، بمجرد تسييسها عن طريق القسر الفوقي وفرضها كحقيقة لا مناص منها، وتجاهل طبيعة الظروف الإجتماعية وأرضية الواقع الذي سيجري نثر بذورها فيها، إن هذه " الديمقراطية" بكل محاسنها وإيجابياتها، ستكون نموذجا مسخا، لا تستسيغه هذه المجتمعات رغم كل ما يملكه أصحابها من نوايا حسنة ومقاصد خيرة..! تلك النوايا وفي كثير من الآحيان، تدفع أصحابها، ومن أجل الخلاص من واقع الإستبداد والتخلف الذي تعيشه شعوبها، الى طلب يد العون من الخارج، أو كما يدعى بتفعيل "العامل الخارجي" لمساعدتها في تحقيق ذلك..!؟
وليس من الجهالة بمكان ، أن يدرك المرء؛ أن أي حضارة مهما بلغت درجة نضجها، هي وليدة عملية التطور ألإقتصادي- الإجتماعي للمجتمع نفسه، ولكن هذا لا يعني أنها لا تؤثر أو تتأثر بحضارات المجتمعات الأخرى. وفي عالمنا المعاصر، فإن هذه العملية تجري بوتائر غاية في السرعة بسبب التطور العالمي الهائل للثورة العلمية والتكنلوجية، التي  حطمت كل حدود العزلة والإنفصال بين مختلف شعوب العالم، وحيث أن (الديمقراطية) بإعتبارها نتاج هذه العملية ، فهي الأخرى تخضع لنفس قوانين عملية التطور الحضاري للمجتمعات نفسها، ونموها وتطورها مرهون بنمو وتطور العملية الإقتصاإجتماعية لتلك المجتمعات. ومن هنا جاء هذا التفاوت في الممارسة العملية للديمقراطية بين البلدان المختلفة.
على صعيد "المجتمع العربي" وقد أجملنا فيما تقدم، إشكالية مكونات هذا المجتمع، فإن الحديث يجري دائماّ عن "الديمقراطية" في شكلها السياسي، على صعيد بناء نظام الحكم والدولة ومؤسسات المجتمع المدني، والتعددية السياسية، والحريات العامة ..الخ، أكثر مما يجري عن جوهر هذه "الديمقراطية" في مجال الممارسة العملية، ومستوى المشاركة الحقيقية للمجتمع في الحياة اليومية وصياغة القرار..! ثمة العديد من البلدان في الشرق الأوسط ومنها بعض البلدان العربية، من تتبنى "الديمقراطية" كشكل عام -(الديمقراطية الشكلية)- على الصعيد السياسي – المؤسساتي، ولكنها في الممارسة تنحو الى أساليب القمع والإستبداد بحق شعوبها، وهي بذلك تحاول فقط مجاراة العملية الحضارية العالمية من حيث الشكل، وليس من حيث الجوهر، ومع ذلك فهي تبدو وكأنها خطوة الى الأمام في الإتجاه المساعد لإشاعة الديمقراطية في الحياة اليومية كمنهج وأسلوب وممارسة. ولكن ومع كل ذلك يبقى تطور هذه العملية رهن بمدى تطور عملية التنمية الإقتصادية - الإجتماعية الداخلية لمجتمعات هذه البلدان، ودون تجاهل خصائصها المحلية، فهي وحدها كفيلة برفع وتائر تطور العملية الديمقراطية المنشودة، في خضم شمولية العولمة الكونية..!
___________________________               

*- سؤال موجه من قبل صحيفة العرب اليوم اليومية الأردنية – العدد 3394/ 11/8/2006   
         

381
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com


رغم أن تصريحات السيد عمار الحكيم الى جريدة الأهرام القاهرية يوم السبت المصادف 5/8/2006 والمنشورة في موقع صوت العراق المستقلة، لا تمتلك صفة رسمية، حيث أن السيد عمار الحكيم ليس شخصاّ ذا صفة رسمية ولم ينتدب من قبل  الحكومة العراقية في مهمة رسمية، إلا أنها (التصريحات)  تمتلك من الأهمية ما يدفع المرء الى التوقف امامها، لأنها، في ألحقيقة، قد عبرت عن موقف غاية في الوضوح من مسألة غاية في التعقيد..!  كما وأنها أيضا عكست موقف فريق سياسي كبير ومؤثر ومسؤول في قيادة الحكم والدولة..!

المسألة المعقدة التي عنتها تلك التصريحات، هي، الموقف من نزع سلاح "المليشيات" وحلها ..!

اما الموقف الواضح الذي جاء به التصريح من هذه المليشيات، فهو وحسبما أوردته صحيفة (الأهرام) القاهرية، فإنه يتلخص في قولها؛ ((وحول نزع سلاح الميليشيات قال انه يؤيد نزع سلاح المليشيات بشرط قيام الحكومة بتوفير الأمن، وعندما يتحقق ذلك "لا تكون هناك حاجة لحمل السلاح من قبل المواطنين‏."))..!؟

لو كان صاحب التصريح، شخصاّ آخر، شخصاّ ليست له تلك المكانة، ولا تلك الإمكانية في الحركة والتجوال ولقاء وسائل الأعلام وإطلاق التصريحات حيثما كان وأنى يشاء، وبمعنى آخر، لو كان القائل مواطناّ عادياّ، لأختلف الأمر، ولتعرضت تصريحاته للمسائلة أو للإهمال، وفي الحالين فليس بمقدور هذا المواطن الإدلاء بالتصريحات ، لسبب بسيط، فوسائل الإعلام نفسها لا تجد فيه من تبحث عنه..! ولكن هذه ألتصريحات تكتسب أهميتها من شخصية قائلها..!

المهم في الأمر أن التصريح المذكور ورغم ما أظهر  من إيجابية عالية،  بتأييده لنزع سلاح المليشيات، إلا أنه، وفي ألوقت نفسه، غلف بشرط، أقرب الى (الفيتو) منه الى القبول ، حينما ألقى الكرة في ملعب الحكومة المركزية، مشترطاّ عليها "توفير الأمن" قبل ذلك..!؟
من خلال هذا التصريح يمكن إستنتاج ثلاثة اشياء؛

•   الإقرار بوجود المليشيات، وعدم شرعيتها.
•   التأكيد على ضرورة نزع سلاح المليشيات.
•   التلويح برفض نزع سلاح الميلشيات. وبالتالي رفض حلها.

هذا الموقف الواضح الذي عكسه التصريح المذكور، يضعنا أمام إشكالية، أقل ما فيها،  هو التعارض بين القبول والرفض. وبالتالي فإن تأييد  نزع سلاح المليشيات، يعني في جوهره إقراراّ بعدم شرعية وجود هذه المليشيات، وهذا الموقف ينسجم مع أحكام الدستور ألتي حرمت وجودها أصلاّ. (المادة/9- ثانياّ من الدستور)
اما صيغة الرفض لنزع سلاح المليشيات، والتي جاءت على شكل شرط ، أو قيد ، على تأييد النزع، فهي تعني في واقعها؛  أن مبدأ الرفض لنزع سلاح المليشيات هو الغالب هنا،  خلافاّ لمبدأ التأييد، والشرط المقيد يصب في خانة مبدأ الرفض قطعاّ..!؟؟ وكمحصلة لذلك، فإن النتيجة تضفي الى القول بعدم قبول حل المليشيات المسلحة..!؟
فألشرط المقيد لمبدأ القبول هو من القوة بمكان، حيث جرى إلقاء تبعة الوصول ألى هذه ألنتيجة ( اقصد نزع سلاح ألمليشيات) على عاتق الحكومة، بفرض قيامها اولاّ  "بتوفير الأمن"،  بما يعني أن الحكومة نفسها هي المسؤولة وحدها عن  فلتان الأمن، وأن وجود المليشيات المسلحة، إنما هو عامل لضمان إستتباب الأمن على حد ما يقصده ألتصريح أوهكذا يفهم منه، والذي يمكن إستنباطه من تأييده لنزع سلاح ألمليشات ورفضه له في آن واحد، من خلال شرطه المقيد..!

يعلم كافة أطراف العملية السياسية وجميع الكتل البرلمانية، ومعهم السيد رئيس الوزراء، يعلمون جميعاّ بأن وجود المليشيات المسلحة هو أحد مكونات (الملف الأمني) الإستثنائية الأهمية، التي تقف عثرة بل حائلاّ في طريق وضع الخطة الأمنية للحكومة موضع التطبيق، وهذا ما أشتكى منه السيد رئيس الوزراء حتى أمام مجلس ألنواب وفي تصريحاته الصحفية وآخرها لقاءه مع مندوب قناة العراقية يوم ألثلاثاء 8/8/2006 . كما وأن مسألة حلها كانت من أولويات خطة السيد المالكي الأمنية وقد ضمنها برنامجه السياسي الذي أقره البرلمان، كما وقد أقرته جميع القوى السياسية بما فيها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية..!

فكيف سيخرج المرء من هذه الإشكالية المعقدة، خاصة حينما يكون الذي بيده الحل هو نفسه من يقف حائلاّ دون ذلك..؟؟! وكيف ستقوم الحكومة "بتوفير الأمن" حينما تكون "المليشيات المسلحة"  نفسها من عوامل تعكيره..؟؟! وإذا لم يذهب المرء بعيداّ وراء المقاصد، فإنه ومن خلال إستنطاق التصريح المذكور والقائل؛ عندما(( تحقق الحكومة الأمن "لا تكون هناك حاجة لحمل السلاح من قبل المواطنين‏."))، لا يرى المرء فيه، غير إيحاء،  بأن ألحكومة لا زالت عاجزة عن أداء دورها في تحقيق ذلك..؟!
 ولكن كيف يمكن لأي حكومة أداء ذلك الدور، إذا كان من منحها الشرعية هو أول من يعيق مهمتها في الجانب الأمني،  برفضه الإستجابة الى متطلبات خطتها الأمنية وأقصد به نزع سلاح ألمليشيات وحلها..؟!  نفس الشيء يمكن أن يفهم من وراء إطلاق  المبادرة الجديدة لتأسيس ما يسمى ب"اللجان ألشعبية"، التي اطلقها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية مؤخرا..!؟؟*

هل يراد أن يفهم من وراء ذلك التصريح، بأنه تمهيد للدعوة الى بناء "اللجان الشعبية"..؟!  وبأن وجود ألمليشيات ألمسلحة يمثل حاجة للوجود ألسياسي لمنظمة المجلس الأعلى إسوة بغيرها من المنظمات ذات الميليشيات المسلحة..؟! وبأن إستمرارها ضروري لديمومة ذلك الوجود..؟! وهل ستصبح الحالة وكأن حكومة "الوحدة الوطنية" في واد، والأطراف التي تمتلك "المليشيات المسلحة" في واد آخر..!؟ خاصة إذا ما علمنا بأن كتلة الإئتلاف الموحد تشكل أكبر كتلة في البرلمان وأن السيد المالكي، هو من يمثلها كرئيس للحكومة..!؟ 

أما إذا كان الهدف من تلك التصريحات هو غير الذي توصلنا إليه من تقدير، وهذا ما نتمناه، فإن الجواب الذي يبحث عنه المواطن، يظل ضائعا بين جملة الأسئلة التي طرحناها اعلاه. ولا أظن ان ما يطلب من القوى السياسية في ظل ظروف الإنفلات الأمني الحالي، هو أكثر مما هي نفسها جعلته ركناّ أساسياّ في توجهاتها للمرحلة القادمة، والتزاماّ سياسياّ وأخلاقياّ أمام المواطنين وداخل البرلمان..!؟

فهل من بديل آخر يمكن التفكير فيه، غير بديل الوقوف الى جانب الحل الذي إتفق عليه الجميع ويسنده البرلمان، وكذلك أحكام الدستور..؟! أو ليس هذا هو ما إلتزم به الجميع وأقسموا عليه اليمين في البرلمان، وهو إسناد الحكومة في تنفيذ خطتها الأمنية والتي من اولوياتها نزع سلاح  "المليشيات المسلحة" وحلها، لما فيه من تسهيل لعزل الزمر الإرهابية، ولإشاعة جو من الطمأنينة والأمان بين المواطنين، ولإنهاء المظاهر المسلحة..!  أم أن حساب الحقل غير حساب البيدر..؟؟!   

إن المهم في الأمر، في إعتقادي، ليس ما هو عليه حال الحكومة نفسه، فليس هذا ما أردنا الإشارة إليه، ولكن الذي هو أكثر إلحاحاّ بالنسبة للمواطنين، وإن إرتبط ألأمران، إنما تلك ألمظاهر المسلحة لهذه المليشيات وتجاوزاتها المستمرة..!!
______________________________
*- راجع مقالنا ( الإلتزام السياسي بنصوص الدستور المنشور في الموقع) حول المليشيات،


382
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

((عسى أن تكرهوا شيئاّ وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاّ وهو شر لكم))

بأي من هاتين ألوصيتين يمكننا نحن ألعراقيين  ألتمسك..؟؟!
وما هو هذا ألشيء ألذي على ألعراقيين أن يحبوه أو يكرهوه؟؟!

يطرح أليوم وبإلحاح غير مسبوق، وفي حمى من ألقتل وسفك ألدماء، ومواجهة مباشرة مع ألقوات ألمسلحة، وبمزيد من ألمفخخات وألقنابل ألناسفة، وفي أجواء من ألإستعراضات ألعسكرية من لابسي ألأكفان وحاملي ألسيوف، وفي صخب ألحديث عن ألمصالحة ألوطنية، في مثل هذه ألأجواء ألملبدة بغيوم ألخوف من ألمستقبل، يطرح قادة ألأئتلاف ألموحد ، شعار "فدرالية ألوسط وألجنوب" بإعتباره مطلباّ جماهيرياّ يسنده ألدستور..!
"ألفدرالية" إذاّ هي ذلك "ألشيء" ألذي على ألعراقيين أن يحتضنوه ويحبوه أو أن يكرهوه وينبذوه..! وتوصيفها بألوسط وألجنوب ، هو فقط لتفريقها عن (إقليم كوردستان) لأنه يقع في شمال ألعراق جغرافياّ، وألذي  إعتاد ألأخوة ألمنادون بشعار "فدرالية ألوسط وألجنوب" إعتباره "فدرالية" ويقع معهم ألكثيرون في هذا ألخطأ ألمفاهيمي ألموضوعي..!؟   
كما ولا أعتقد أن ألأخوة في أقليم كوردستان يرتضون أن يختزل وجود ألأقليم، ك( كيان قومي، جغرافي- سياسي ، إجتماعي- إقتصادي)، إلى مجرد علاقة قانونية  مع ألحكومة ألمركزية وحسب، وبالتالي فإن ألحديث عن "ألفدرالية" لا ينصرف ألى وجود ألأقليم نفسه بقدر ما يعني طبيعة ألعلاقة ألقائمة بين ألأقليم وتلك ألحكومة.وعليه فإن وضع "ألفدرالية" بإعتبارها علاقة قانونية، كمرادف لمفهوم (ألأقليم)، أمران لا يستقيمان ، بل ويعبر ذلك إما عن جهل بألمفاهيم ومعانيها، أو إستخدام ألأشياء في غير محلها لأمر لا يعلمه إلا أصحابه، إذا أفترضنا ألإحاطة بمدلولات ألمصطلحات من قبل مستخدميها ، وهذا ما لا نريد ألشك فيه..!
ومن هذا ألسياق، يصبح ألقول ب"فدرالية ألوسط وألجنوب" قول مبني على فهم خاطيء للمصطلح نفسه، فمصطلح (ألفدرالية) لا يمكن أن يعني كياناّ جغرافياّ- إجتماعيا بقدر ما يعني ألعلاقة ألحقوقية- ألقانونية بين ألكيانات نفسها وألحكومة ألمركزية ألمنبثقة منها (ألإتحاد)، فهي علاقة منظمة لإدارة ألسلطة في ألبلد ألمعني ذي ألكيانات ألمتعددة، أي بمعنى آخر ؛ (( "شكل من أشكال ألحكم تكون ألسلطات مقسمة فيه دستورياّ  بين حكومة مركزية ووحدات حكومية أصغر، كألأقاليم. ويكون كلا ألمستويين من ألحكومة تتقاسمان ألسيادة في ألدولة. "))
إذن فإن تعدد ألأقاليم في ألوطن ألواحد، هو ألأساس ألذي يوفر ألحاجة ألى إرساء قواعد شكل ألحكم ألفدرالي، ويتم ذلك من خلال عملية ألرضى وألقبول ألتي يعلنها مواطنوا تلك ألأقاليم في ظل ظروف متكافئة من ألديمقراطية وألسلم ألإجتماعي وألأمن وألطمأنينة. كما وأن هذا ألشكل من نظام ألحكم يمكن أن يحصل بين عدة دول تستوجب مصالحها ذلك، وضمن نفس ألشروط..!
ومن هنا يمكن إجمال ذلك بأن؛ ((الفيدراليةهي اتحاد اختياري بين ولايات أو دول أو أقوام تختلف قوميا أو عرقيا أو ديانة أو لغة أو ثقافة حتى تتحول إلى شخصية قانونية واحدة او نظام سياسي واحد مع احتفاظ أجزاء هذه الشخصيةالمتحدة بخصوصيتها وهويتها ويوجد تفويض للكيان المركزي للاتحاد بالبعض من الصلاحيات المشتركة مع الأحتفاظ ببعض الصلاحيات لهذه الاجزاء او الولايات. بما يعني توافر الاستقلال الذاتي للولايات المكونة للاتحاد ولهذا اهم ما تتميز به الدول الفيدرالية او الاتحادات الفيدرالية هو الاستقلال الذاتي لكل ولاية او دولة مشتركة في الاتحاد.))

نظام ألحكم ألذي يتحدث عنه ألدستور ألعراقي ألدائم، وألذي تستند إليه ألأطراف ألتي تطرح شعار "ألفدرالية"، هو نظام حكم إتحادي، فدرالي، كما وتحدث ألدستور عن (ألأقاليم) كمكونات لهذا ألأتحاد.
وعلى صعيد ألواقع ألحالي، فإن ألعراق أليوم،  يعيش في ظل حكم إتحادي فدرالي، يشكل فيه (إقليم كوردستان) أحد طرفي ألعلاقة ألفدرالية ألقائمة حالياّ على صعيد نظام ألحكم، و(ألإقليم ألعربي)، يمثل ألطرف ألثاني في تلك ألعلاقة، وإن كلا ألطرفين بوضعهما ألحالي يشكلان ألكيان ألسياسي لدولة ألعراق. ولا يعني هذا إغفال وجود ألأقليات ألقومية ألأصغر، ألتي يجب أن يكون لها من ألحقوق ما لغيرها من ألقوميات ألأكبر. وهذا حق يجب أن يكفله ألدستور، وفق صيغ وأشكال دستورية لنظام ألحكم. وبدونه فإن أي إتحاد فدرالي بين ألقوميات ألأكبر سيكون مفرغاّ من جوهره ألديمقراطي ألمبني على رضى ألجميع، ومن بدهيات ألأمور أن تتحمل تلك ألأقاليم مسؤولياتها ألدستورية وألإنسانية في ألتعبير عن ذلك من خلال ألتطبيق..!
أما ألجوهري في هذا ألشكل ألجديد لنظام ألحكم ألحالي في ألعراق؛  فهو أنه ولأول مرة يجري فيها ألإقرار دستورياّ بوجود ألأساس ألأثني ألمختلف للنسيج ألسكاني في ألعراق، وتجسيد ذلك في شكل ألعلاقة ألفدرالية ألقائمة ألآن بين ألأقليمين. إذن فألأساس ألقومي هو ألذي يقف خلف تشكل ألأقليمين وليس أساس آخر غير ذلك..! ورغم سبق ألأعتراف بألتعدد ألقومي في ألعراق، إلا أنه لم يأخذ حيزه في ألتطبيق ، كما هو عليه ألآن..!
نفسه ألأساس ألمذكور، ينبغي أن يكون ألأساس ألقادم لأي تفكير آني أو مستقبلي، حينما يجري ألحديث عن تشكيل لإقليم جديد، هذا إذا ما أردنا أن نقرأ ألدستور قراءة موضوعية مبنية على التعرف بألأسس ألتي حكمت ألأخذ بمبدأ ( ألفدرالية) كشكل جديد لنظام ألحكم في ألعراق..!
وحينما منح ألدستور لأي محافظة أو عدة محافظات ألحق في تشكيل إقليم جديد / ألباب ألخامس/ ألفصل ألأول/ ألمواد (113-118) فإنه لم يغفل ألقاعدة ألتي يجب أن  يؤسس بموجبها ألأقليم ألمعني، وحدد ألأمر بأحكام ألدستور نفسه.(ألمادة 114/ ثانيا)
 وحيث أن المثل ألحسي لهذا ألأمر يتجسد موضوعياّ ودستورياّ في تشكيل أقليم كردستان نفسه بإعتباره ألأنموذج ألمستوفي لشروطه ألدستورية، وبألتالي فإن أي تشكيل لأقليم جديد ينبغي أن يجري وفقاّ  للأسس ألتي بني عليها إقليم كردستان، وألتي أشرت إليها في أعلاه. فإن توفرت نفس تلك ألشروط ألتي أسس بموجبها (إقليم كردستان)، وبشكل خاص ألعامل ألأثني-ألجغرافي، في أي محافظة أو عدة محافظات يصبح بدهياّ إمتلاكها حق تأسيس إقليم وفقاّ لإحكام ألدستور..!
وأحيانا يجري ألحديث، تشبيهاّ بأمثلة أخرى كألولايات ألمتحدة ألأمريكية أو غيرها كمثال على ذلك، فإن إختلاف ألأمر هنا، هو أن ألأقاليم أو (ألولايات) في هذه ألإتحادات، كانت موجودة أصلاّ قبل تأسيس ألإتحاد ككيانات منفردة، مع تشريعاتها ألمستقلة.

ومن خلال ما تقدم فإن ألقراءة ألخاطئة لمواد ألدستور ألمبينة أعلاه،  بتفسيرها شكلياّ ودون ألنظر ألى ماهيتها ألجوهرية،  قد أوحت للبعض؛  بأنه من ألممكن لأي محافظة أو عدة محافظات إذا ما إتفقت، طلب تأسيس إقليم ما ، حتى وإن إفتقد لأسس تأسيسه. وهذا ما نعتقد بأنه ألخطأ ألذي قد وقع فيه ألأخوة ألرافعين لشعار "فدرالية ألوسط وألجنوب"، رغم ما يعتقدونه من حق قد كفله ألدستور..!
فحيث أن سكان ألوسط وألجنوب هم جميعاّ إن لم نقل ألأغلبية ألعظمى منهم، عرب يقطنون كل مساحة ألأرض خارج (إقليم كردستان)، فهم بالتالي، يمثلون مواطني ألأقليم ألعربي ألذي يدخل في علاقة فدرالية مع إقليم كردستان وإن كلا ألإقليمين يمثلان دولة ألعراق سياسياّ وإجتماعياّ وإقتصادياّ وجغرافياّ..!
وما يطرح أليوم من ألمطالبة بتأسيس إقليمي (ألوسط وألجنوب)، فإنه وكما أعتقد،  لا يمتلك ألأساس ألقانوني ألذي يدعمه ألدستور، وليس ذلك من باب ألمعارضة للطلب نفسه، بل لأنه مبني على أساس، (ألمذهب الديني) للطائفة، وألمبني على أساس ألأغلبية ألمذهبية ألقاطنة في كلا ألمنطقتين (ألوسط وألجنوب)، ولا أجد في هذا ألأساس ألذي إعتمده ألأخوة أصحاب ألمشروع ألمذكور ما يصلح دستورياّ لإعتماده. وإلا فأي أساس يمكن ألتذرع به غير ذلك..؟!
وحتى في حالة إعتماد ألأساس ألديني أو بشكل أدق ألمذهبي، كأساس لهذا ألمشروع وإعتباره سنداّ موضوعيا لإقامة "ألأقليمين"  وألتي يدعونها خطأّ ب"ألفدرالية"، فإننا في هذه ألحال سنقع في إشكالية دستورية موضوعية، تتعلق بشرعية إلأتحاد ألفدرالي نفسه، أي بشرعية تأسيس( إقليم كردستان) وأسباب ذلك ألتأسيس..! فألشعب ألكوردي بأغلبيته يدين بنفس ألديانة ألتي تدين بها ألأغلبية ألعربية في منطقة ألإقليم ألعربي، بل ويذهب نفس ألمذهب في مسألة ألمعتقد ألمذهبي. وبهذا ألمعنى تصبح منتفيةّ أساساّ،  ألحاجة ألى إقامة إقليم كوردستان، إذا ما أخذنا بألمبررات ألتي يقدمها أصحاب مشروع ألأقليمين، أي ألإختلاف ألديني أو ألمذهبي، إذا ما إعتبرناه أساساّ للإختلاف ألديني..ّ!
إن ألأسس ألتي شكل بموجبها (إقليم كوردستان) لا يجمعها جامع مع ما  يتفضل به أصحاب ألمشروع ألمذكور، لأنها أسس واقعية ومدعومة بكل ما للشعب ألكوردستاني من حقوق تأريخية في تقرير مصيره، نفسها ألحقوق ألتي يتمتع بها ألشعب ألعربي، وبالتالي فلا وجه للمقارنة أو ألشبه بين ما يدعو أليه ألأخوة أصحاب "ألفدراليتين"  وبين ما هو عليه  (ألإقليم ألكوردستاني) وهذا كثيراّ ما يطرحوه، وذلك للأختلاف ألجوهري بين أسس ألتكوينين..!؟
"فألفدرالية" ألتي يدعو أليها ألأخوة أصحاب ألمشروع، وألتي تتطلب بدأّ  تأسيس أقليمين جديدين، لا أظنها في تقديري، ورغم فقدانها لأساسها ألدستوري، ستساعد على حل ألمشاكل ألقائمة أليوم وألتي أصبحت ألكابوس ألمطبق على ألجميع، بقدر ما ستبعثه من مشاكل جديدة، أقلها تمزيق ألنسيج ألسكاني للطائفة ألواحدة نفسها، خاصة إذا ما علم ألمرء، بأن أطراف ألأئتلاف ألسياسي للطائفة غير مجمعة على لب الشعار، ومنها من يقف علناّ ضده. ولا أريد هنا أن أتطرق ألى ألتداعيات  ألمستقبلية ألتي قد تؤدي ألى تعميق ألأنقسام وزيادة ألإحتقان ألطائفي بين ألطوائف ألدينية ألمختلفة. آخذا بألإعتبار حسن ألنوايا لأصحاب ألمشروع، ومصلحة ألوطن وألمواطنين عموماّ ومستقبل ألعراق ووحدته وإستقلاله..!
 فألبديل ألأصلح في مثل هذه ألظروف ألمعقدة ألتي يمر بها ألعراق أليوم، هو عكس ما يوحي به ألأخوان أصحاب مشروع "ألفدراليتين". وسبيل ألخلاص من ألأحتقان ألطائفي لا يمكن أن يتم من خلال ألهروب ألى ألأمام، بل بألعمل على كل ما يساعد على ألتقارب بين ألطوائف، من خلال ألحوار ونبذ العنف، وألتخلص من ألأحتكام ألى ألسلاح عن طريق ألأستقواء بألمليشيات ألمسلحة من أي طرف كان، ودعم ألسلطة ألمركزية في مشروعيها (ألمصالحة ألوطنية وحل ألمليشيات ألمسلحة).

خلاصة ألقول؛ أنه ليس كل ما يعتقده ألمرء يبدو صالحاّ دائماّ، للتمسك به كخيار لا بد منه في معالجة ألمشاكل ، حتى وإن بدى ذلك ألشيء في ظاهره مقبولاّ ولا غبار عليه، ولكن حساب ألنتائج ألمدروسة هو ما يعول عليه في ألغالب. فالفدرالية بكل معانيها ألأيجابية في ألتوحد وألتعاون وألتماسك بين ألشعوب وألطوائف وألأديان، هي نفسها يمكن أن تكون عنصر تمزق وتشرذم وتباعد، حيثما أستخدمت في غير مواضعها  وظروفها ألمناسبة، أو أقسر إستخدامها قسراّ على من يهمهم أمر ألعيش في ظلها، وتحت كنفها، ناهيك إن كانت لا تمتلك أسس شرعيتها ألدستورية، فتغدوا وبالاّ وجحيما على تلك ألأطراف ألتي وجدت نفسها بغتة تحت طائلتها.  فليس من ألمنطقي أن يقوم ألمرء بتجزأة (ألموحد)، من أجل أنيخلق قاعدة لتأسيس (ألمركب) ..!
 وليس بدون معنى أن تنزل ألحكمة ألآهية، داعية ألى ألتبصر، قبل ألإقدام على دعوة لشيء ، دونما حساب ما قد يترتب عليه من عواقب وأخطار..! 

383
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com


ما ألذي يريده لبنان وما ألذي تبتغيه إسرائيل..؟!

عشرون يوماّ مضت على سعير ألنار ألمتقدة في ألأراضي أللبنانية، ولا من أحد من كتابنا ألمحترمين وأنا أحدهم، من  أتعب نفسه وأجاب على تساؤلنا هذا بما يطفيء لوعة المواطن ، ألذي يحترق أساّ على ما يدور في لبنان، أو لوعة ألأم أللبنانية ألتي تشهق غضباّ وغيضاّ ألى ألسماء لفقد وليدها، أو لوعة ألشيخ ألذي  قصمت  ظهره شضايا ألموت ألمتطايرة في كل مكان،  أو رجفة ألخوف ألتي تلصق ألأطفال في أحضان أمهاتهم في ألمخابيء..!

نحن ألكتاب ، إن قيض لنا ذلك، عزفنا عن ألبحث عن ألحقيقة، وأسدلنا ستر ألضياع وألضبابية على مشهد ألموت ألذي يجتاح لبنان فأحالها ألى أرض محروقة، ليس أبعد منها هيروشيما أو ناكازاكي..!
غير آبهين بما يدور في لبنان، ولم تشغلنا ألمحرقة ألتي تسعر نارها إسرائيل بألمزيد من حمم ألجحيم، بقدر ما نحن مشغولين ، بألحمم ألتي نتقاذفها بعضنا ضد ألآخر؛ من سعير ألكلمات ، وألشتائم ألنارية. فحربنا ألتي نخوضها ،نحن ألكتاب، وبأمتياز، أقسى وأمر من جحيم ألنار ألتي يستعر بلهيبها أطفال لبنان ونساءه وشيوخه ، وألدمار ألذي تتعرض له مدنه وقراه، وحضارته وضياعه. إنها حرب من نوع آخر؛ حرب من ألوضاعة، ما تأنف له ألنفوس، وترفضه ألقيم ألأنسانية..!
ألنار تستعر في كل لبنان ونحن مشغولون بألبحث عن مشعليها، تتقاذفنا أمواج ألأتهامات، ويشدنا سوء ألظن. لا نملك ألدليل ولكن تحكمنا ألشبهات..!
إختلافنا في ألرأي ، طريقنا ألى ألحقيقة، ولكن حيث تشتعل ألنار، مهددة ألبيت  وأهله ، فلا سبيل ألى ذلك، إلا بإطفاء ألنار وإنقاذ ألحرث وألضرع وحماية أرثنا ومستقبلنا من دمار محقق، ليس بعده غير ألندم وألحسرة.
ألبيت يشتعل ويزداد إشتعالاّ، ونحن نغرق ونغرق أكثر وأكثر في دوامة خلافاتنا، محولين ألجهد لأخماد ألنار ألى حرب نجر بعضنا بعضا ألى وطيسها، ونجر وراءنا ألالاف من ألقراء ألمتلهفين لما نقول وما نعتقد وما نفكر، فلن يجدوا غير ألشتم سلاحنا وألكراهية محركنا..!؟

 وما نعتقده من أن سليط ألكلام ضد بعضنا ألبعض، هو ألطريق ألى إطفاء النار ألمشتعلة في لبنان، سنكون واهمين مهما إختلفنا، فلا أجد فيه غير زيت نسعر فيه جحيم ألنار ونزيدها إشتعالا..وما تحويلنا بعض مواقع ألأنترنيت، وبعضها من يضع نفسه في ألصدارة، ألى ساحات للقتال و للنيل من ذواتنا ، مستخدمين غث ألكلام، إلا تعبير عن حربنا ألداخلية، ألتي لم يجن ربحها سوى تلك ألمواقع لما تدره عليها من أرباح ألإثارة وألتهييج ألعاطفي، أما ألقراء فليس لهم من نصيب غير خيبة ألأمل وضياع ألوقت ، وألأنسياق وراء عواطف لا تبصر غير طريق واحد، ولا تجد فينا غير قادة قد أضاعوا بوصلة ألطريق فأصبحوا يخبطون خبط عشواء ..!

ليوم مضى، خاطب رئيس ألوزراء ألأسرائيلي (أولمبرت) مواطنيه، داعيا إياهم ألى ألتماسك وألثبات، وطمأنهم بضمان سلامتهم وأمنهم من ويلات ألحرب.  ولكن كيف وبأي طريقة..؟
ألمزيد من ألقتل، ألمزيد من ألدمار وسفك ألماء، ألمزيد من قتل ألأطفال. بهذا ألمنطق ألنيروني ، خاطب (أولمبرت) مواطنيه، موعداّ أياهم بألسلام وألطمأنينة، ولا يهمه بعد ذلك، كم ستلتهمه آلة ألحرب في لبنان أو في إسرائيل، وكم سيدفع أللبنانيون وألفلسطينيون وألأسرائيليون من ألضحايا، ثمناّ للسلام وألطمأنينة ألأسرائيليتين..؟! وما هي حدود ألموت ألتي يخطط لها (أولمبرت)، وأين منتهاه..؟! 

بهذا ألخطاب ألداعي ألى ألمزيد من إراقة ألدماء وألتدمير، واجه رئيس ألوزراء ألأسرائيلي ألعالم، غير آبه بما تجره هذه ألحرب من ويلات ودمار وآلام ، ليس فقط على أللبنانيين و ألفلسطينيين وحسب، بل إنه بخطاب ألحرب هذا يدفع أطفال ألأسرائيلين وأمهاتهم وشيوخهم وكل ألشعب ألأسرائيلي ألى مطحنة ألحرب،  ألتي لا تبقي ولا تذر، ثمناّ لغلواء ألقادة ألعسكريين وإرضاء لليمين ألأسرائيلي ألمتطرف..!

 فألسلم وألطمأنينة لا يمكن أن يجدا طريقهما ألى ألوجود عن طريق ألحرب وألتطرف وألتطرف ألمضاد، ألعنف وألعنف ألمضاد..! إن ألطفل ألذي يسقط في (قانا) هو نفسه ألطفل ألذي يسقط في (حيفا) وكليهما يملكان ألحق في ألحياة..!  وألقذائف ألتي تسقط في حيفا وعكا وألجليل، هي نفسها التي تسقط في صور وصيدا وبيروت، لا تميز بين دين ودين ، بين جنس وجنس، بين عرق وعرق، بين مذهب ومذهب، إنها جميعا تحمل علامة ألموت، إنها بكماء لا تعي ولا تبصر..!

إن وقف أطلاق ألنار هو ألطريق ألوحيد لدرأ ألحرب وتجنب ألأنزلاق أكثر وأكثر ألى ألهاوية، وإن شعار " ما أخذ بألقوة لا يسترجع إلا بألقوة"  كما هو شعار "ألحرب ضد ألأرهاب" قد أثبت واقع ألحال في لبنان ومثله في أفغانستان وألعراق وفي مجمل ألحروب ألتي خاضتها ألدول العربية وإسرائيل، عن عقمهما،  وقد تسببا ولا زالا يتسببان بإزهاق نفوس ألالاف من ألضحايا من جميع ألأطراف، ولم يوفرا ألسلم وألطمأنينة لأي من شعوب ألمنطقة، بما فيها شعب إسرائيل..!

إن خطاب ألحرب، أي كان مصدره، لا ينتج غير ألدمار وألموت، ولا يمكن أن يكون بديلاّ لخيار ألشعوب في طلب ألسلم وألأمان، أللذين لا يتحققان دون منطق ألحوار وألجلوس ألى مائدة ألتفاوض، وتفعيل دور ألشرعية ألدولية، وإقامة ألعدل من خلال إحترام حقوق ألآخرين، وإعادة ألحقوق ألمسلوبة لأهلها، وبعكسه، ستشهد شعوب ألمنطقة ومنها إسرائيل ولبنان وفلسطين ألمزيد وألمزيد من ألويلات وألآلام، وأي تأجيج لمشاعر ألكراهية وألأنتقام سيصب في هذا ألأتجاه..!

إن كتابنا ألعرب وكل ألمثقفين بما فيهم ألمناهضين للحرب في إسرائيل وألعالم على ألسواء، مدعوون ألى درء عملية ألتصعيد للحرب القائمة على قدم وساق، بالدعوة ألى وقف إطلاق ألنار ألفوري، من قبل ألطرفين ألمتحاربين، وممارسة ألضغط ألشعبي من خلال ألفعاليات ألجماهيرية ألسلمية على ألشرعية ألدولية لأداء دورها في وقف أطلاق ألنار وإدانة ألعدوان ودعوة جميع ألأطراف ألى ألجلوس وألتحاور، كما وأنهم مدعوون ألى فضح زيف ألأدعاءات ألتي تتستر وراء موافقة ألشعب ألأسرائيلي على ألأستمرار في ألحرب، حيث أن حكومة إسرائيل ألآن، هي ألطرف ألأكثر تمسكاّ بالحرب وألذي يدعو ألى استمرارها  ومواصلة ألمجازر ألبشرية بحق ألأطفال والنساء وألشيوخ..! فألحكومة ألأسرائيلية، تدعمها ألولايات ألمتحدة ألأمريكية، لا زالت متعنتة في موقفها من رفض وقف إطلاق ألنار، وتعمل جاهدة، من خلال ديمومة ألحرب، على خلق حالة توازن جديدة في ألمنطقة تحقق ما تهدف أليه..!   

إن ألعدل وألسلم وألطمأنينة لآ تستقيم إلا بخطاب ألسلم، وخطاب ألسلم وحده ، وأي خطاب عداه، سيكون دعوة للمزيد من إزهاق ألأرواح من كلا ألجانبين. أما من يريد ألأصطياد في مياه ألتطرف وألحرب ومن له مآرب في إدامة عجلة ألموت من أي جهة كان، فهو بعمله هذا ، إنما  يهدف ألى تحقيق مشاريعه وأجندته ألخاصة، على حساب ألدماء ألمسفوكة وألأراضي ألمحروقة..!

 وعسى أن لا نكون نحن ألكتاب، ضحية ألمصطادين في ألماء ألعكر، ولا نحسن غير خطاب ألآخرين بوعي منا أو بغير وعي، في ألوقت ألذي تحيط بنا ألنيران من كل حدب وصوب،  وبيتنا تذروه رياح ألحرب كالهشيم..!

 ألأمل أن لا يكون حالنا حال ألذين قالوا: " عثرنا على ألجثة وألمتهم هارب وألتعقيبات جارية" ..!                           [/font
]

384
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com


قانا... لا توقظي ألأطفال ..!



بفم فاغر ، وعينين ماكرتين، كاد ألسفير ألأسرائيلي في ألأمم ألمتحدة، أن يفقد صوابه من فرط ألدهشة وألأستغراب، وكاد قلبه أن يعتصر من شدة ألألم وألمفاجأة، فهذا "صديقه"  ألمندوب أللبناني يفجعه متحدثاّ عن موت جديد؛
 أطفال (قانا) يغطون في نوم عميق ويحلمون؛ أنهم يسبحون في بحر أحمر قان بلا حدود.. مظللين  تحت سماء رمادية بلون ألحجر..
ألسفير ألأسرائيلي تأخذه ألدهشة، ويستولي عليه ألغضب، حينما أكتشف وللتو ؛
 بأن أطفال ( قانا ) يحلمون وهم نيام.. يموتون وهم نيام.. مستيقضون وهم نيام.. يرسمون شارة ألنصر وهم نيام...
إحمرت عينا ألسفير ألأسرائيلي..مذرفة دموعاّ من بخار..
 أشاح ألسفير بوجهه بعيداّ عن  "صديقه " أللبناني، ثم غاص عميقا في ألأروقة ألخلفية..!! 

*****

مهما تذرفه إسرائيل من دموع ألتماسيح، ومهما تدعيه من ذرائع ومبررات، فإن ما أقدمت عليه من جريمة نكراء بحق أبناء قرية ( قانا )، لا تغفره لها كل ألشرائع وألأديان، وبفعلها هذا تكون قد تخطت كل حدود ألأعراف وألمواثيق ألدولية بما فيها قوانين ألحرب. إن ألأعتداء على ألمدنيين من أللبنانيين ألأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ في قرية (قانا) ، لا يمكن أدراجه إلا تحت طائلة ألجرائم ألمرتكبة ضد ألأنسانية، ولا تبرره أي ذرائع بالدفاع عن ألنفس. لقد وضعت إسرائيل نفسها بإرتكابها هذه ألجريمة ألمروعة ألنكراء، في موضع ألأدانة ألسافرة، كما هي أدانة فعلها، لكل قطرة دم لبناني أوفلسطيني تسفكه آلتها ألحربية ألهمجية كل يوم..!
إن ألمجتمع ألدولي يقف أليوم وهو في مفترق ألطرق، كي يحدد مساره بألأتجاه ألذي رسمته بنود ميثاق ألأمم ألمتحدة في حفظ ألأمن وألسلم ألدوليين ، وفي درء ألعدوان عن ألدول ألأعضاء وألحفاظ على سيادتها وأستقلالها ألثابتين.
 فبعد مضي تسعة عشر يوما من ألغزو ألأسرائيلي ألعدواني ألمستمر على لبنان، وألأعمال ألأجرامية ألمتواصلة بحق ألشعب ألفلسطيني ، مع هذا ألموقف ألمتراخ من قبل مجلس ألأمن، وإسرائيل سادرة في غيها، رغم ألمطالبة ألمستمرة ألى مجلس ألأمن ،  من قبل ألحكومتين أللبنانية وألفلسطينية ، ومعهما كافة ألدول ألأعضاء في ألمجلس عدا (ألولايات المتحدة ألأمريكية)،  وكذلك ألدول ألعربية ودول ألأتحاد ألأوروبي وكافة دول وشعوب ألأرض، بوقف أطلاق ألنار ألفوري ومن ثم ألجلوس ألى طاولة ألحوار، إنما يشكل إدانة صارخة للشرعية ألدولية ممثلة في مجلس ألأمن، ويعبر عن عجز غير مبرر، إلا في حالة كونه  تعبيراّ عن موقف منحاز كلية ألى جانب أسرائيل في منحها ألضوء ألأخضر بألأستمرار بألعدوان..!
إن الجريمة ألمروعة وألمدانة ألتي إستهدفت ( قانا )، ستكون ألمعيار لمدى جدية ألمجتمع ألدولي في حفظ ألأمن والسلم ألدوليين..! أما ألإستمرار على نفس ألموقف من قبل ألمجتمع ألدولي ألحالي، فإنما هو عبارة عن مشاركة في أعمال ألعدوان يرتكبها أحد ألأعضاء ألدائميين في مجلس ألأمن من خلال تعطيله لأي محاولة تهدف لوقف إطلاق ألنار، بإستخدام حق (ألفيتو)، وألسماح ألمتعمد للمعتدي (إسرائيل) بإستخدام ألقوة ألمفرطة ضد شعبين؛ شعب مسالم لدولة عضو من أعضاء ألأمم ألمتحدة، وشعب يكافح من أجل تحرره وإقامة دولته ألحرة ألمستقلة..!
إن ألعالم جميعا مدعو ألى إتخاذ كل ما يمكنه من وسائل تجبر أسرائيل فورياّ على وقف عدوانها ألمستمر على دولة لبنان ألحر، ووقف تنكيلها ألهمجي بالشعب ألفلسطيني ألمكافح.
 إن وقف ألعدوان ألفوري ، وإدانة ألبربرية ألأسرائيلية وألأنسحاب ألكامل من ألأراضي اللبنانية، كفيل لفتح ألطريق أمام ألمجتمع ألدولي في إثبات قدرته وصدقيته على وضع بنود  ميثاق ألأمم ألمتحدة في ألتطبيق، وفق ممارسة حقيقية تكفلها تلك ألبنود ألتي ألتزمت بها كافة أعضاء ألأمم ألمتحدة، ومنحتها صفة ألشرعية ألدولية..! 

385
باقر ألفضلي
bsa.2005@hotmail.com

•   من هو ألمخول بألأجابة على هذا ألسؤال ..؟
هل هم:
 أللبنانيون؛ هل وحدهم قادرون على ذلك..؟
ألعرب حكاما وشعوبا؛ هل هم معنيون بذلك..؟
 ألفلسطينيون؛ هل من شيء يربطهم بذلك..؟
 ألجيران؛ هل لهم مصلحة في ذلك..؟
ألمتعاطفون؛ فما يبتغون من ذلك..؟
ألأسرائيليون؛ هل يحق لهم ذلك..؟
ألقاعدة؛ فما شأنهم بذلك..؟

إن يقف أللبنانيون في مقدمة ألقوم، فهم أصحاب ألحق، فبيتهم هو ألذي يحترق، وشعبهم هو ألذي ينزف، وأرضهم هي ألتي تدمر..! وهم أحق من غيرهم في أن يجيبوا وأن يقرروا كيف يطفؤون ألحريق، وهم ألأجدر بتحمل مسؤوليتهم في إتخاذ ألقرار..! فهل هم في موقع يسمح لهم بكل ذلك..؟ ألوقت كفيل بذلك..!  ولماذا..؟
لقد كشف مؤتمر روما بتأريخ 26/7/2006 حقيقة ألموقف في لبنان، ومدى ألألتفاف حول مقترح رئيس ألوزراء ألسيد سنيورة  ذي ألنقاط ألسبع من قبل باقي ألأطراف ألأخرى في أللعبة ألسياسية أللبنانية، وقيل بشأنه ألكثير من قبل ألبعض منها، وأقل ما قيل؛ أنها لم تطلع على مفرداته قبل ألأعلان عنه. ورغم ألوضوح ألذي تجلى به إعلان ألسيد ألسنيورة، بمطالبته ألمجتمع ألدولي بوقف فوري لأطلاق ألنار، إلا أن بقية ألنقاط من ألمقترح لم تحضى بألتأييد  ألكامل من قبل ألطرف ألرئيس في ألنزاع وهو حزب ألله. ولكن ألكل مجمعون على ضرورة وقف إطلاق ألنار، وما بعد ذلك فلكل حادث حديث..! وبهذا أنتهى إجتماع مجلس ألوزراء مساء ألسابع وألعشرين من تموز/2006 وأتفق على ألسير بمبادرة ألسنيورة ألى ألمجتمع ألدولي ..!
ما ألجديد في ألموقف أللبناني، وألذي يمكنه من إخماد نار ألحرب ألمستعرة ويوقف ألعدوان ألأسرائيلي ألمتواصل..؟ بألعودة ألى مقترح ألسنيورة ذي ألنقاط ألسبع، يجد ألمرء نفسه أمام بنود قرار مجلس ألأمن رقم 1559/2004 بتفاصيله ألعديدة، فما هو ألقاسم ألمشترك بين ألأثنين..؟
من ألمفارقات ألصدفية أن يأتي قرار مجلس ألأمن ألمذكور مركباّ من سبع نقاط كما هو مقترح ألسيد ألسنيورة وكأنه يحاكيه في ألأسباب وألمقاصد..! ألرابطة ألتي تجمع بين فقرات ألقرار هي أنها تؤكد جميعا مبدأ سيادة وأستقلال لبنان كدولة عضو في ألأمم ألمتحدة، وألذي كرسته ألفقرة (1) من ألقرار أعلاه. حيث أن جميع ألفقرات ألأخرى تصب في خدمة تلك ألفقرة ومن أجل تحقيقها.
أما ما يميز مقترح ألسيد ألسنيورة ذو ألنقاط ألسبع، إنما هو تركيزه على إستقلال وسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وكل فقراته تؤكد حقيقة واحدة، هي أن هذه ألسيادة لا يمكنها أن تتحقق إلا بعد زوال أسباب إنتهاكها ألمتمثلة بإحتلال أجزاء من أراضيه ووقف ألعدوان ألمسلح على أراضيه..!
فسيادة لبنان وحرمة أراضيه وصيانة تلك ألسيادة إنما هما ألقاسم ألمشترك بين قرار مجلس ألأمن رقم 1559/2004  وبين مقترحات رئيس ألوزراء أللبناني ألمقدمة ألى مؤتمر روما، وألتي حضيت بقبول جميع ألأطراف السياسية أللبنانية..!   فما يطالب به لبنان أليوم من وقف لإطلاق ألنار وتنفيذ مجمل ألإستحقاقات ألأخرى ذلت ألطابع ألأقليمي ، ما هو إلا حق مشروع ، يكفله له ألقرار ألمذكور. وبالتالي فإن ألأجندة أللبنانية في جوهرها لا تتعارض ألبته مع قرار مجلس ألأمن آنف ألذكر، وألذي هو في جوهره وأهدافه شرع من أجل لبنان وحماية لسيادته وتعزيزا لحكومته ألوطنية ألمنتخبة. أما ما يتعلق بألدعوة ألى نزع سلاح ألمليشيات أللبنانية وألأجنبية ألواردة في نص ألقرار- ألفقرة/3،  فهي تدخل في صلب ألشؤون أللبنانية ألداخلية وتنفيذها من عدمه شأن لبناني مناط بألحكومة نفسها، ولا تمتلك دولة أسرائيل أو غيرها من ألدول أو ألجهات ألأخرى، مثل هذا ألحق، ألذي ترك ألقرار أمر تنفيذه ألى لبنان وحده. وجاء وضعه بألصيغة ألتي هي عليه كدعوة للأطراف أللبنانية وألحكومة اللبنانية نفسها من باب دعم إستقلال وسيادة لبنان..!     
ومن ذلك نخلص ألى ألقول، بأن لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة، تمتلك كل ألحق في مطالبة ألمجتمع ألدولي، مدعومة بنصوص هذا ألقرار، بوقف ألعدوان ألأسرائيلي ألمستمر على ألفور، وألمباشرة بتنفيذ بنود ألقرار 1559 ألأخرى وخاصة ما يتعلق بتنفيذ ألفقرة/2 من ألقرار ألمتعلقة بإنسحاب ألقوات ألأجنبية وألمقصود به هنا ألقوات ألأسرائيلية..! وألتأكيد على إن إسرائيل ليست ألطرف ألمخول بتنفيذ قرارات مجلس ألأمن، مهما كانت ألذرائع..!
أللبنانيون ألآن، وبعد توحد موقفهم من مقترح ألحكومة أللبنانية، أصبحوا أكثر وضوحاّ مما كانوا عليه في ألأيام ألأولى للعدوان ألأسرائيلي، وجل ما يطلبوه ألآن، هو نفسه ما يطلبه ألمجتمع ألدولي و ألحريصون على سلامة شعب لبنان ووحدة أراضيه..! وفي وحدة إرادتهم وجمع صفوفهم قادرون على ألصمود بوجه ألعدوان وهزيمته..!
أما يفرضه ألواقع ألراهن أمام  ألمجتمع ألدولي، فهو ألأكثر أهمية وألأكثر مسؤولية. ومن خلال أي موقف يقدم على إتخاذه مجلس ألأمن دون أن يراعي فيه مصلحة ألبلد ألذي يقع عليه ألعدوان، إنما هو تشجيع فض للعدوان نفسه. فإن إطفاء نار ألحرب ألعدوانية ضد لبنان،  وألتي أشعلتها أسرائيل، بتشجيع من بعض أعضاء مجلس ألأمن تحت ذريعة ألدفاع عن ألنفس، يقف ألآن في مقدمة أي إجراء ممكن آخر، وذلك من أجل ألحفاظ على أرواح ألناس وتجنب تدمير ألعمران، وما يقال عن ألتفتيش عن حل شامل وجذري للأزمة، في ألوقت ألذي تدور فيه عجلة ألحرب ألعدوانية بلا توقف، إنما يعبر عن عمق ألهوة ألتي تقع فيها ألشرعية ألدولية وجسامة ألضغط ألذي تتعرض له من قبل ألولايات ألمتحدة ألأمريكية، من خلال أستخدامها لحق ألفيتو، رغم إجماع كافة ألأطراف ألأخرى بما فيها أعضاء مجلس ألأمن ألدائمين، وألسيد ألأمين ألعام لللأمم ألمتحدة،       

أما ألمواقف ألأخرى فقد تعددت أجنداتها، فبعضها تنطلق من حسابات خاصة لا تخلوا من مقاصد وأهداف تصب في خانة لعبها ألسياسية، وأخرى أخذت بصدمة ألأحداث فأستنفرت أدواتها للعمل على وقف ألعدوان ، وشعوب جرحت كراماتها وأستفزت عواطفها همجية ألعدوان،  فغلب عليها ألخطاب ألأنفعالي في غمرة أليأس وخيبة ألأمل. وها هو ألشعب ألفلسطيني ألمكافح يذبح أبناءه في خلسة من ضجيج ألحرب ألمشتعلة في لبنان، وتهدم مدنه في غفلة من أعين ألمشغولين بدخان ألحرائق وأزيز ألطائرات..!

ولست بالغافل حتى أرى..... رحم ألله ألخيام..! 

386
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

لبنان ألذي يحترق، ألدولة ألمنتهكة أراضيها،  ألمسلوبة هيبتها، ألتي تعصف بها رياح ألهمجية وألعدوان، وتمزق شعبها قذائف ألحقد وألكراهية..، لبنان يقف أليوم ببطولة وشجاعة متناهيين صامدا بوجه أعتى هجمة بربرية تشنها دولة عضو في ألأمم ألمتحدة  وأمام مرأى وسمع المجتمع ألدولي، ألذي يقف واهنا بكل جبروته وعظمته ومؤسساته ألشرعية ومنظماته ألأجتماعية، عاجزا أن يوقف ألعدوان ضد شعب مسالم،  تزهق أرواح أبناءه وتدمر حضارته، فقط نزولا عند عنجهية وعجرفة بلد تجاوز كل شرائع ألأرض وألسماء، وتخطى كل حدود البربرية وألهمجية ألتي أعتاد ألعالم على تلقيها من غزوات أسرائيل ألمتواصلة على الشعبين ألفلسطيني وأللبناني على مدى عقود من ألسنين..! أنها إسرائيل أيضا...؟
لنترك ألخطاب ألأنفعالي جانبا، لأنه  ليس بمقدوره أن يوصلنا ألى ألحقائق، ولندخل في جوهر ما يجري في لبنان على ألصعيد ألميداني وألسياسي؛ فما يجري في لبنان والعراق وإن إختلفت ألمظاهر، أمر يذيب ألحجر، فإن كان ألأرهاب عموما، وإرهاب ألدولة "إسرائيل" بشكل خاص، أعمى، فإن ألسياسة، وليس علمها، بكماء..!
ألسياسة لا تعرف إلا طريقا واحدا، أقل مايقال عنه؛ إنه طريق تحقيق ألمصالح، ولا يهم بعد ذلك لو تطلب ألأمر ألملايين من ألضحايا..! وهكذا كان ولا يزال ديدن ألحروب وما تجره ورائها من ألويلات وألالام..!؟
قبل عقد ونيف من ألسنين، إعتادت ألدول ألتي تتعرض لأي عدوان من قبل دولة أخرى، ألجري ألى ألشرعية ألدولية ألمتمثلة بألأمم ألمتحدة لطلب ألحماية عملا بأحكام ميثاق ألأمم ألمتحدة ألصادر في 26 حزيران 1945 في سان فرانسيسكو. ومن ألأمثلة ألتطبيقية لتلك ألأحكام، لجوء دولة ألكويت، ألتي تعرضت لغزو ألنظام ألعراقي في 2/8/1990، ألى ألأمم ألمتحدة لوقف ألغزو وإنهاء آثار ألعدوان..!
ما جرى على هذا ألصعيد؛  أن ألشرعية ألدولية في تكييفها لذلك ألغزو، كعمل من أعمال ألعدوان، كانت جادة في تطبيقها لأحكام ألميثاق، ووضعت حيز ألتنفيذ أحكام ألفصل ألسابع من ألميثاق، ألذي ومن خلاله أنهت حالة ألعدوان على دولة ألكويت، وكبلت ألعراق بسلسلة من ألعقوبات ألسياسية وألعسكرية وألأقتصادية، ألتي كانت نتائجها وبالا على ألشعب ألعراقي نفسه..!؟

وها هي ألآن دولة لبنان ومنذ أكثر من عشرة أيام تتعرض ألى نفس ألظروف ألتي تعرضت لها دولة ألكويت قبل ستة عشر عاما، من منظور ألشرعية ألدولية ، ومهما كانت ألذرائع ألتي تتذرع بها  دولة إسرائيل، فأن ما تقوم به من أعمال بربرية في لبنان، لايمكن تكييفها إلا بالعدوان طبقا لأحكام هذه ألشرعية، رغم إختلاف وجهات ألنظر من قبل أطراف ألنزاع..!

إن ألجديد في ألأمر، ورغم ألتشابه بين ألحالتين أللبنانية وألكويتية، من أوجه متعددة، فإن النجاح ألذي رافق عملية وقف ألعدوان على دولة ألكويت، وألفشل ألذي أوهن مجلس ألأمن ألدولي من وقف ألعدوان ألأسرائيلي على دولة لبنان، لم يكن مردهما بأي حال من ألأحوال ألى تغير في أحكام ميثاق ألأمم ألمتحدة، ونصوصه ألمتعلقة بطبيعة ألأجراءات ألتي يلجأ أليها طبقا للفصل ألسابع من ألميثاق في مثل هذه ألأحوال، بل إن هذا ألتعامل ألجاري حاليا من قبل ألشرعية ألدولية مع ألغزو ألأسرائيلي لدولة لبنان، إنما مرده ألى ألتغير ألحاصل على طبيعة ظروف تطبيق أحكام ألشرعية ألدولية وشروط هذا ألتطبيق..!

فبعد توقف ألحرب ألباردة في نهاية ألثمانينات من ألقرن ألماضي ، وتغير موازين ألقوى على صعيد ألعلاقات ألدولية، وما أستتبع ذلك من إخفاقات عصفت بمجمل حركة ألتحرر ألوطني في ألعالم ، وبالخصوص في منطقة ألشرق ألأوسط ، وما أفرزه ذلك من بروز قوى سياسية جديدة وقيادات أكثر راديكالية من سابقاتها في أواسط ونهايات ألقرن ألماضي، وبأيديولوجيات شعبية تغلب عليها ألمسحة ألدينية، لم تستثنى منها ألمنطقة ألعربية ، مضافا ألى كل ذلك تداعيات أحداث ألحادي عشر من سبتمر/2001 في نيويورك، وألتي رسمت خطاّ جديدا لمسار ألعلاقات ألدولية وأفرزت مفاهيم جديدة، تداخلت حتى مع نصوص ميثاق ألأمم ألمتحدة، وبدت وكأنها جزء منها..!  كل ذلك قد ألقى بظلاله على نشاط وفعالية ألشرعية ألدولية، وأوجد ظروفا جديدة كليا وجدت إنعكاساتها في أداء هذه ألشرعية في  مجال ألصراعات وألنزاعات ألأقليمية. بل وأبعد من ذلك، حد ألتدخل في ألشؤون ألتي تتعلق بسيادة ألدول، ألتي هي من أركان منظمة ألأمم ألمتحدة ألرئيسة..!

جرى كل ذلك بالتوازي مع ألنمو ألمتسارع لعملية ألعولمة بأشكالها ألمختلفة، إن لم يكن ذلك من نتائجها ألطبيعية ، ألأيجابية منها او السلبية. ويعتبر مفهوم " ألأرهاب"  من ألأفرازات ألمهمة لهذه ألعملية، وألمؤثرة غاية ألتأثير في سياق عملية ألصراع ألسياسي على كافة ألمستويات، سواء ألدولية منها أم ألأقليمية، بل وحتى داخل ألدول نفسها. وباتت مضامين هذا ألصراع تقاس وفقا للتفاسير ألمختلفة لمفهوم "ألأرهاب " نفسه من قبل ألجهة ألمعنية..!

هذا بدوره قد أوجد حالة جديدة من ألتعامل وبناء ألعلاقة مع ألمنظمة ألدولية من قبل ألدول ألخمس ألأعضاء ألدائمين لمجلس ألأمن، على سبيل ألحصر، ومنحهم، وبالذات ألولايات ألمتحدة ألأمريكية وبريطانيا،  مساحة واسعة في تفسير ألأحداث وألصراعات، سواء بين ألدول أو داخلها، من منظور فهمها لمدلولات مصطلح "ألأرهاب" وتكييفه طبقا لما يلائم مصالحها..! وهذا ما وضعها، من منظور ألقانون ألدولي، في تعارض مع أحكام ألشرعية ألدولية نفسها، وبألتالي وعلى ألصعيد ألتطبيقي، حررت هذه ألدول نفسها من قيود وإشتراطات ألشرعية ألدولية ، وأخذت على عاتقها ودون ألرجوع ألى ألهيئة ألدولية، مسؤولية تطبيق ألقانون ألدولي...!

فعلى صعيد ألممارسة، لم تعد أعمال "مكافحة ألأرهاب" غاية بحد ذاتهاعلى ألصعيد ألدولي، بقدر ما أصبحت من ألوسائل ألفعالة في يد ألدول ألكبرى في فرض أجنداتها في ألتغيير ألسياسي وألأقتصادي للدول ألأخرى. وقد أفرزت هذه ألتغيرات إشتراطات جديدة على ألصعيد ألدولي، تجسدت بعضها في مشاريع محددة ، منها ألمشروع ألأمريكي- ألبريطاني لنشر "ألديمقراطية " في ألعالم، وألذي لقي ألأستجابة من قبل بعض ألقوى ألسياسية في ألبلدان ألتي كانت ترزح تحت أنظمة حكم ديكتاتورية أو توليتارية، لا تعطشا لمشروع ألديمقراطية نفسه، بقدر ما هو تشبثا بما يسمى بألعامل ألخارجي للخلاص من أنظمة ألحكم ألمذكورة..!

من جانب آخر ؛ فلم ترق ألقيادات ألسياسية ألجديدة، وخاصة ألأسلامية منها في ألشرق ألأوسط على سبيل ألمثال ، ألى مستوى ألتغيرات ألمشار أليها ، بل إنها تعاملت مع ألواقع ألجديد لعملية ألصراع  من موقع ردة ألفعل، وبوسائل تعود في أصلها ألى ألماضي، فإن كانت قد نجحت فيما مضى من ألزمن، فإنها لم تعد تصلح أليوم. بل على ألعكس، فإنها ورغم ما تمتلكه من شرعية من وجهة نظر أصحابها، فإنها قد تحولت ألى حافز وذريعة بيد أطراف ألنزاع ألأخرى لتستخدمها كأمثلة لدعم ألتفسيرات ألجديدة لطبيعة ألصراع، وألأنطلاق منها في وضع مشاريعها في ألتطبيق. وما يشار اليه أخيرا من "شرق أوسط جديد" إلا تعبير عن ذلك..!

ما يجري في لبنان أليوم لا يخرج في جوهره من إطار ما تقدم، وليس لبنان تحت وطأة ألغزو وألعدوان ألأسرائيلي ألغاشم إلا ضحية من ضحايا ألقراءة ألخاطئة للواقع ألدولي ألراهن وجملة ألمتغيرات ألعاصفة ألتي إكتسحت ألعالم عبر ألعقدين ألأخيرين من ألزمن. فألقدسية ألتي تم إضفائها على ألمقاومة لا تعفيها من إرتكاب ألأخطاء، في نفس ألوقت ألذي لا تمنحها سلطة ألأنفراد في إتخاذ ألقرارات ألخطيرة، ألتي تمس مصالح ألوطن ومستقبله..!؟

ولا أظن أن ألقول بأن؛  " ألموقف ألسلبي من قبل ألدول ألعربية هو ألذي أعطى ألضوء ألأخضر لأسرائيل في ألرد بهذا ألعنف ألغير متوقع"،  يصمد حجة بيد أصحابه، حيث أن ألأقدام على أي خطوة مهما كانت ضئالتها في مثل ظروف لبنان، وفي ظل خلفية قرارات مجلس ألأمن ومنها القرار 1559، تستوجب دراسة معمقة وحنكة سياسية عالية تأخذ بالحسبان كل ألنتائج ألتي يمكن أن تترتب على ذلك، مع ألمشاركة ألحقيقية لكافة أطراف أللعبة ألسياسية أللبنانية ألتي يهمها مصير ألبلاد، خاصة إذا ما علمنا بأن ألتعامل مع لبنان على ألصعيد ألدولي يجري بإعتبار لبنان دولة ذات سيادة ولها حكومتها ألدستورية ألمنتخبة ديمقراطيا. وهذا ما أستخدمته إسرائيل حجة قانونية في مواجهتها..!
 وهذا هو أحد ألأسباب ألتي عملت على إخفاق ألشرعية ألدولية في وقف ألعدوان ألأسرائيلي عل دولة لبنان من جهة، وفتح ألطريق أمام إسرائيل وبمساندة ألولايات ألمتحدة ألأمريكية وألدول ألأوروبية في ألأستمرار بتنفيذ ما يسمى بمشروع ألشرق ألأوسط ألجديد" حتى ولو جرى ذلك على حساب ألوف ألضحايا من ألشعب أللبناني، وتدمير لبنان..!

387
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

مهما كانت ألمبررات وألأدعاءات ألتي تقف وراءها حكومة أسرائيل ، لتغطي بها  ممارساتها العسكرية ألموجهة ضد دولة لبنان وألشعب أللبناني، فإنها تفتقد من حيث أسبابها ووسائلها وأهدافها ألى أي شرعية دولية أو إنسانية.
ما تتذرع به إسرائيل من حصول إعتداء على سيادتها بخطف جنودها ، لا يمنحها ألحق ولا يعطيها ألمبرر لما تقوم به قواتها ألمسلحة من شن حرب شاملة على دولة عضو في ألأمم ألمتحدة، متجاوزة بذلك إرادة ألمجتمع ألدولي ومنتهكة كافة ألشرائع وألأعراف.
مهما بلغت خطورة ألفعل،  ألذي أقدم عليه حزب ألله حسب إدعاء إسرائيل ، فإنه وحده غير كاف لأن يكون سببا شرعيا لأسرائيل لأن تقدم على شن حرب مدمرة وبهذا ألنطاق ألواسع ألذي شمل كل ألأراضي أللبنانية، وأدى ألى إزهاق ألمئات من أرواح ألمدنيين، وتدمير ألبنى ألتحتية للبلاد مما عرض ويعرض حياة ألألوف من ألسكان ألمدنيين ألى ألخطر.
حزب ألله وما أقدم عليه، سواء كان ذلك خطأّ أم صحيحاّ، فهو ليس جيشا لدولة لبنان، ولا يمثل قطعة عسكرية حكومية رسمية، ولا يأتمر بأوامر ألحكومة أللبنانية، ولا تمونه ألحكومة أللبنانية لوجستياّ، ووجوده نفسه يخضع ألى أتفاقيات دولية إسرائيل طرفا فيها.  فإدعاء أسرائيل بأنها قد تعرضت ألى عدوان من قبل دولة لبنان ، إنما هو إدعاء باطل ولا تدعمه أية أدلة أو براهين. وإدعاءها هذا إنما أرادت منه أن يكون مسوغا لعدوانها ألبربري ، وليس هناك في أسس ألشرعية ألدولية ما يدعم هذا ألأدعاء، وحتى إن وجد، فليس من حق إسرائيل أن تلجأ بنفسها ألى تكييف مباديء ألشرعية ألدولية على هواها، بل على ألعكس،  فأن ما أقدمت عليه إسرائيل، إنما يخضع لبنود ألفصل ألسابع من ميثاق ألأمم ألمتحدة ويدمغ إسرائيل بألعدوان..!
إن العدوان ألأسرائيلي على لبنان، لا يمكن وصفه، إلا بأنه عمل متهور خارج على ألأجماع ألدولي في صيانة ألأمن وألسلم الدولي وتعريضهما ألى ألخطر. ومهما كانت دعوى إسرائيل، بأنها إنما تقوم بواجب ألدفاع عن النفس ، يؤيدها في ذلك، ألبعض من أعضاء مجلس ألأمن كألولايات ألمتحدة ألأمريكية، فأن ذلك لا يمكن أن يكون مسوغا لها للقيام بهذا ألعدوان ألسافر ضد دولة عضو في ألأمم ألمتحدة.
لقد كان من ألأجدر بمجلس ألأمن أن يبادر وعلى ألفور بألطلب من أسرائيل وقف عدوانها ألغادر على لبنان وسحب قواتها بكافة أنواعها من ألحدود ألأقليمية؛ البرية وألجوية وألبحرية، للدولة أللبنانية.
 إن موقف مجلس ألأمن ألحالي وألذي إنتهى فقط بإصدار بلاغ رئاسي، إنما عكس طبيعة ألعلاقات ألدولية ألقائمة بين أطراف ألمجلس ألمذكور من ألدول ألعظمى، وحالة تجاذب ألمصالح بين تلك ألدول ألتي تهيمن على هذه ألعلاقات. ولعل أللقاء ألثنائي بين ألرئيس ألأمريكي جورج بوش وألرئيس ألروسي فلاديمير بوتين على أعتاب مؤتمر قمة ألثمانية ألكبار ألذي سيعقد هذا أليوم في موسكو ، وألذي أنتهى بمجرد ألتعبير عن قلقهما من ألموقف في ألشرق ألأوسط بلغة دبلوماسية ملتوية، إنما جاء تعبيراّ حقيقيا لبلطجة ألسياسية ألدولية..!
أما موقف ألدول ألعربية من عدوان إسرائيل، فيمكن ألقول وبإيجاز، وبغض ألنظر عما سينجم عن أجتماع وزراء ألخارجية ألعرب ألذي ينعقد ألان في مقر ألجامعة ألعربية في ألقاهرة، إن أقل ما فيه إنه موقف غير واضح ألمعالم، فقد وجدت بعض هذه ألدول، وخاصة دول ألخليج وألسعودية ومصر وألأردن ، وكأنها قد أؤخذت على حين غرة، وألقت تبعة ما يجري ( ألعدوان ألسرائيلي على لبنان) على عاتق حزب ألله ، وكيفت ألأمر بأنه مغامرة غير محسوبة ألنتائج أقدم عليها ألحزب ألمذكور.  ودولا أخرى ومنها أليمن وألسودان وسوريا، فما يهما من أمر، إنما هو دعم ألمقاومة وألوقوف ألى جانبها في مقارعتها للعدوان ألأسرائيلي، أما ما يترب على ذلك من نتائج فأن ألشعبين ألفلسطيني وأللبناني كفيلان بمعالجة ذلك..!
ألحيرة في ألموقف ألعربي ، وألمقصود به ألدول ألعربية، هو أنها تبحث ألأمر من وجهة مصالحها ألخاصة قبل أن تهتم ببحثه من وجهة ما تعلنه من شعارات عن ألموقف ألعربي ألداعم وألمساند للقضية ألفلسطسنية.  فألدعم وألمساندة هما أمران نسبيان؛ فبمقدار كونهما لا يتعارضان مع مصلحة هذه ألدولة أوتلك، أو لا  يتقاطعان مع أولوياتها وعلاقاتها ألخاصة مع ألدول ألأخرى، كان لهما ألأولوية في موقف هذه ألدول وبعكسه فهنا كلام آخر..!
حيث يكون ألموقف ألعقلاني لهذه ألدول ألآن، ألتركيز في ألبحث على ألعدوان ألأسرائيلي وإتخاذ موقف موحد عاجل وفعال من أجل وقفه على ألفور، نراها تشغل نفسها كثيرا في ألبحث في مسببات هذا ألعدوان ألغاشم ومن أعطى مبررات حدوثه..أو في  بحث وسائل ألدعم  أللوجستي لمقاومته على ألأرض ليس إلا..! 
لا إشكال في ألأمر، ولكن على جميع ألأطراف أن تأخذ في الحسبان إن عملية تدمير لبنان هي خسارة جسيمة لكل ألبلدان ألعربية وشعوبها ألمحاصرة بين جدران ألولاءات وألمصالح. وإن إسرائيل باتت تدرك جيدا حالة ألتذبذب في مواقف ألدول ألعربية من ألقضية الفلسطينية ومن جميع قضاياها كدول عربية منذ أمد بعيد، وليس لبنان إلا فخا تصطاد من خلاله كل ما يساعد على فرقة هذه ألدول وتمزق تلاحمها.
إن ألوقف ألفوري للعدوان ألأسرائيلي ألغاشم على لبنان، ينبغي أن يكون في مقدمة ما يعمل من أجله ألجميع، وعلى ألدول ألعربية ألشقيقة أن تبذل كل ما في وسعها من عوامل ألضغط على ألمجتمع ألدولي من أجل تحقيق ذلك ، وإبداء كامل ألدعم وألمساعدة للشعبين ألفلسطيني وأللبناني في ألصمود بوجه ألغزو، فالوقت ليس وقتاّ للحساب، ولا وقتا للإدانةّ وألمشاعر ألجياشة..!                         

388
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

ألدماء العراقية ألمسترخصة أليوم، هي الورقة ألأكثر مردودا، وألأكثر نجاحا ، في عملية ألصراع على ألسلطة في ألعراق، ولا يهم بعد ذلك، إن كانت هذه ألدماء قطرات زكية أم بحاراّ مهدورة..!؟ ولا يهم إن كانت هذه ألسلطة محلية، أم أقليمية أم مركزية..!
 
ألمتصارعون على ألسلطة، وبدم بارد، يطلقون ألأستنكارات، ويدينون ألقتل على ألهوية وجرائم ألتفخيخ وألأختطاف، ويتبادلون ألأتهامات وأللعنات..!؟؟

قوى ألأمن وألداخلية وألجيش، تتبادل رمي ألكرات بعضها في ملعب البعض ألآخر، والجميع ضالعون في لعبة ألصراع، ألتي أوقدت نارها فتنة ألمحاصصة، وأججتها ألتوافقية ألمدروسة، وضحايا هذه ألقوى ألأمنية ألتي تتساقط يوميا بالعشرات، هم ضحايا تلك أللعبة ألمقيته، علمت ذلك أم لم تعلم ..!

السيد رئيس ألوزراء يعد حقائبه للسفر ألى واشنطن، مشغولا بأمر ألأنتهاك ألفض للجنود ألأمريكان، على حرمة ألشهيدة عبير وعائلتها ألمغدورة، وطلب رفع ألحصانة عن ألجنود ألأمريكان.مكرراّ "ألأنتصارات" ألتي حققتها "ألمسيرة ألجديدة"، أكثر مما هو مهموما بحصاد نار ألصراع ألطائفية، ألتي وجدت من يسعرها ويذكيها لأمر في نفس يعقوب...!؟
مجلس ألنواب ساحة لصراع ألأتهامات، وخطابات ألشحن ألطائفي، وندب ألأستغاثات..! وأسئلة ألسيد رئيس لجنة ألدفاع وألأمن ( ألعامري) ألموجهة بأسم ألبرلمان ألى وزراء ألدفاع وألداخلية وألأمن، في 13/7/2006 جاءت عمومية فضفاضة، بعيدا عن تحديد ألمسؤوليات..! 
 أما أجوبة ألسيد وزير ألدفاع (ألعبيدي) ألمعلن منها فكانت أكثر غرابة وأكثر تطرفاّ في ألأختزال؛  فمن يسفك دماء ألعراقيين من كل ألأطراف إنما هم  "ألمتطرفون" من رجال ألشيعة وألسنة، ليس غير..!؟؟  وكأن ألأمر لا يتعدى كونه حرب شوارع  بالحجارة يتبارى فيها ألصبيان أيام زمان..!!؟
ألخطة ألأمنية ألتي طبل لها وزمر كثيرا؛ منحت روحا جديدة لهذا ألصراع، وأعطته أداة شرعية جديدة، لتغزل ألأطراف ألمتصارعة وذات ألتشكيلات ألمسلحة غزلها على نولها ألذي تريد، لتوصل ألأمر حد ألفلتان ألكامل، وعلاماته ظاهرة للعيان، ليعطي ألقناعة للمفزوعين، ألمطاردين، بقبول ألعيش ، شاؤوا أم أبوا،  في كانتونات ، سنية أو شيعية، وسطية كانت أم جنوبية، غربية أم شرقية، فألكل يبكي على ليلاه..!؟  إذ لا سبيل لتحقيق ذلك كما يبدو، إلا بألمزيد من مسيل ألدماء، فألدماء وحدها من يرغم ألناس على ألأستسلام، ويحقق ألأحلام...!؟؟
 فكلما يزيد مسيل ألدماء، كلما تعالت ألدعوات للعزلة ألطائفية، حتى يأتي أليوم ألذي تكون فيه مطلبا جماعياّ ومآلاّ لا بد منه لنيل ألأمان..!؟
 فألناس إن رغبوا فهم صاغرون، وإن أحجموا فهم مساقون..!

من يدفع ألثمن ومن يحصد ألنتيجة..؟؟
من يتحمل ألمسؤولية ومن يدرأ ألكارثة ألقادمة..؟؟
 
ها هي ألعملية ألسياسية ألجديدة تتخبط بدماء ألعراقيين، وعقلاءها من جهابذة ألسياسة وألحكمة، وأساطين ألكفاح ضد ألدكتاتورية، عاجزون حتى عن حماية أنفسهم، مشغولون بألأصطياد في عكر ألماء لبعضهم بعضا. 
أليس ألقادة ألسياسيون من جميع ألطوائف، ألذين قبلوا ألضلوع في ألعملية ألسياسية، هم أولى من غيرهم للمبادرة ألى وقف نزيف ألدم ألعراقي..؟! ألا يتحملون قبل غيرهم مسؤولية هذا ألتداعي ألمخيف للأحداث..؟! أليس بمقدور هؤلاء ألقادة أن يجلسوا ويتحاورا بدلا من كيل ألأتهامات وشحن ألشارع بزيت ألنار ألطائفي..؟!
اليست ألحكومة ألحالية هي نتاج توحد كافة المكونات صاحبة ألعملية السياسية، كما يدعون..؟!
 أوقفوا مسيل دماء ألعراقيين أيها ألسادة ألحكام ألمتوحدون، وحلوا خلافاتكم وراء ألطاولات وليس  وراء متاريس ألشوارع..! وحدكم قبل غيركم من يتحمل  مسؤولية أمن ألمواطنين، ولا تلقوا ألكرة في ملعب ألناس ألأبرياء، فقد جردهم صراعكم حتى من إمكانية ألدفاع عن أنفسهم..!؟ ضعوا ألعقل في ألرأس، قبل أن يضيع ألعراق وتضيعون..! نحوا جانبا مشاريعكم ألخاصة، وألتفتوا ألى مصلحة ألوطن، فليس من مصلحة أخرى، أسمى وأعز منها، فالعنف وألأحتراب، ما بعده إلآ ألدمار وألخراب..!؟
لقد أفسحتم بصراعكم ألدموي ألطائفي، في ألمجال أمام ألأرهاب، أكثر من صراعكم ضده، حتى ضاعت ألحدود، وقلبت ألموازين..!؟   
فأطفؤا لهيب ألفتنة ألطائفية، قبل فوات ألأوان؛ فليس بعد هذا ألفلتان إلا ألطوفان..!   
     
 

389
باقر ألفضلي
bsa.2005@hotmail.com

ألقسم ألثاني
 
العلمانية والتطرف

ومما تقدم في ألقسم ألأول، فأن ألكثير من يعزي أسباب ألتضاؤل ألعددي للمهتمين بأمور ألدين في أوروبا، ألذي يواجهه ألفاتيكان ، ألى ألخطر ألقادم مباشرة من ألأصولين ألعلمانيين، " ألذين هم وبصلابة، في معرض إعادة صياغة ألعقيدة ألكاثوليكية بأعتبارها كذبة وبهتان"، على حد قول ألمفكر ألأسلامي (عبد مصطفى). موردا تعليق Rev. John Wauck     حول  تعاليم ألكنيسة ألكاثوليكية ألتي ترى في ؛(( تنصيب ألنساء لوظيفة ألقس، تحديد ألنسل، ألأجهاض، زواج ألمثلين، حق ألتبني للمثلين، ألقتل ألرحيم، وألأتجار لأغراض ألربح، مجرد ألوطأة العظمى لهذا ألأنقضاض، ألقادم من ألعلمانية ألمتطرفة))، كما يشير ألكاتب. أما ألتعليق ألمشار أليه وألذي ينزع ألى ذلك؛ فهو ألقول ألمنسوب ألى   Rev. John Wauck    كما بينت، وألذي مفاده ؛ "أن ألأتحاد ألأوروبي يبدو وكأنه قد تلوث بالثقافة ألراديكالية ألدينيوية"..! نفس هذا ألتخمين قد ورد على لسان Ratzinger  قبل سويعات من تنصيبه ألى منزلة (بابا) جديد ، حيث قال: " نحن نتحرك بأتجاه دكتاتورية من " النسبية"  "relativism" ... حيث لا أعتراف بشيء محدد ، فيما عدا أقرار أنانية ألفرد ورغباته كمقياس نهائي."  كما أورده ألكاتب أعلاه.-نفس ألمصدر بألأنكليزية

ان التطرف وبمعنى آخر ألتعصب، fundamentalist   ، هو حالة موجودة في جميع ألأشياء وألمواقف، وهو في أغلب ألأحيان يعبر عن قراءة خاطئة للواقع ألقائم وألظروف ألموضوعية ألتي تحيط به. فألأمور ألتي جرى ألحديث عنها وموقف ألكنيسة ألكاثوليكية منها، بأعتبارها تشكل خطراّ حقيقياّ على ألتعاليم ألكنسية ألدينية، أوأنها من أسباب تقلص نفوذها كما أشير أليه، وأقحام كل ذلك على ألعلمانية كمحرك وداعم لها، وكأنما ألعلمانية تنظيم أو حركة مسيسة أو دولة بعينها أو قواعد وسنن ثابته لا تتغير ، تسعى جاهدة ألى تقويض أسس ألكاثوليكية في أوروبا أو أي دين آخر على حد ما قيل. أعتقد أن في ذلك ألكثير من ألتهويل، أن لم يكن ألتهويل بعينه.

لو أخذنا ألأمثلة أعلاه وألتي تؤرق ألكنيسة ورجال ألدين عموما وبصرف ألنظر عن دياناتهم، وعلى سبيل ألتخصيص، تلك ألأمثلة ألتي تتعلق بألسلوك ألشخصي للفرد من جهة وأرتباط ذلك بألموقف ألأخلاقي ألعام ألمتعارف عليه في جميع ألمجتمعات تقريبا، لوجدنا أن ما جرى ألتحذير منه، خاصة ما يتعلق بعلاقة ألمثلين، إنما  يغور وجوده في ألتأريخ،  حتى ألى ما قبل ألأسلام  وألمسيحية وألديانات ألأخرى، بل وحتى ألى ما قبل أن يعرف ألأنسان ألدين وألشرائع ألسماوية، فهو ليس أبن يومه أو أنه من نتاجات ألعلمانية كما يريد ألبعض من رجال ألدين وبعض ألمفكرين توصيفه. فبمجرد ألرجوع، على سبيل ألأشارة، ألى ألكتب ألمقدسة كالقرآن وألأنجيل وألتوراة، سنجدها زاخرة بألحديث عن أمثال تلك ألممارسات ألتي تدخل تحت باب ألأنحراف ألأخلاقي ألشخصي ، ولا أراها تمت بصلة ألى ألعلمانية كمنهج في ألتعاطي مع تطور ألحياة. أما (الموقف)  من هذه ألسلوكيات، فهذا غير مقصور على ألكنيسة ورجال ألدين حصرا. أنه موقف ينفرد به كل أنسان في ألمجتمع وله نظرته ألخاصة نحوه. فكما هم ألأفراد مختلفون في وجهات نظرهم، كذلك هي ألكنائس في ذلك، بل وحتى داخل ألكنيسة ألواحدة يمكن أن يجد ألمرء هذا ألأختلاف. فأذا ما أستثنينا ألكنيسة ألكاثوليكية (ألفاتيكان) على سبيل ألمثال ، فأن ألبعض من ألكنائس أو من رجال ألدين وبعض ألأحزاب ألمحافظة سواء في أوروبا أو ألولايات ألمتحدة ألأمريكية من قال بجواز ألأخذ بذلك بل وحتى ألأقرار به، كالحال مع ألأجهاض، أو زواج ألمثلين، أو حق ألتبني من قبلهما. ولكن بنفس ألوقت، هناك ألعديد من ألأحزاب ألعلمانية وبعض رؤساء الدول ذات ألصبغة ألعلمانية قد وقفت ضد ذلك بما فيهم ألرئيس بوش؛ رئيس ألولايات ألمتحدة ألمريكية، أكبر دولة علمانية في ألعالم على سبيل ألمثال.
 وبالتالي فأن ما قيل عن تلك ألتي كانت سببا في تحفظ ألكنيسة ألكاثوليكية وقلقها، بأعتبارها تمثل موقفا متطرفا من قبل ما سمي بألعلمانيين ألمتعصبين، لا أجده ينسجم مع حقيقة ألأمر، فرغم شخصانية ألمسائل ألمطروحة، ألا أنها تعتبر من ألمسائل ألأجتماعية ألخلافية، وطبقا للمفاهيم ألعلمانية، فأن ألمتعارف عليه، وخاصة في ألمجتمعات ألعلمانية ذات ألديانة ألمسيحية، ونتيجة لتشبعها بألممارسة ألديمقراطية، فأن ألموقف من هذه ألمسائل يحل عادة من خلال أللجوء ألى عملية ألأستفتاء ألشعبي، كما هو ألأمر مع ألموقف من تشريع حق ألأجهاض ، أو ألتصويت ألبرلماني، ولا أظن أن هناك مجالا للقول بأن مثل هذه ألمسائل ألمطروحة تعبر عن تعصب من ألجانب ألذي يتخذ من ألعلمانية منهجاّ في أدارة ألحياة. كما أنها في نفس ألوقت لا ترتبط من قريب أو بعيد بألأمور ألأعتقادية ألأيمانية للفرد نفسه. وما ينسب ألى شخص معين بألذات يمكن أن ينسب ألى غيره، سواء كان متدينا أم غير متدين، فألواقع يرينا ألكثير من ألأمثلة ألتي تتعلق بألسلوك ألشخصي للأفراد، بصرف ألنظر عن مكانتهم ألأجتماعية أو معتقداتهم ألدينية..!
 فأن كان هناك للعلمانية من شأن بهذا ألأمر، إنما هو في تمسكها بمدى ألألتزام ألذي يكفله ألمجتمع بما فيه ألكنيسة وأية مؤسسات دينية أو منظمات إجتماعية أخرى في صيانة حرية ألرأي وألأختيار، وألتعبير عن ألرأي ألشخصي، في ألحدود ألتي قررها ألقانون وألمثبتة في أغلب دساتير ألدول ألعلمانية..!       
أما إذا كان هناك ثمة تطرف في ألعلمانية، فهو في ألحقيقة ناجم من كيفية فهم ألعلمانية كمنهج للحياة أليومية، منهج للسياسة، للأقتصاد، للأدارة وللتعليم ، منهج محكوم بالتطور وألتحرك بأتجاه ألمستقبل، غير محكوم بسنن ثابتة أو قواعد جامدة. أنه نظرة متفتحة للمستقبل، يؤمن بحرية ألفرد ويحترم عقيدته. فالفهم ألناجم عن قراءة خاطئة للواقع هو من يقف وراء كل ألمواقف ألمتعصبة، وردود ألفعل ألمتطرفة عليها من أي جهة جاءت..! 
فالقراءة ألخاطئة على، سبيل ألمثال لا ألحصر، من قبل الثورة ألبلشفية عام 1917 ، للواقع ألأجتماعي ألأقتصادي لروسيا آنذاك، دفعها ألى تعصبها في فرض ألمفاهيم العلمانية ألسائدة في يومها على ألمجتمع ألروسي، غير آخذة بألأعتبار متطلبات نضج ألظروف ألموضوعية، ألأجتماعية منها وألأقتصادية، ألتي يفترض أن تكون مهيأة لمثل ذلك ألتغيير، مما دفعها ألى أرتكاب أخطاء، ليست فاحشة وحسب، بل وقاتلة..! ففهمها ألخاطيء ،على سبيل ألمثال، لمدلول مقولة " ألدين أفيون ألشعوب" ألواردة على لسان ماركس، بعد تجريدها من سياقها ألمنطقي ألصحيح لما عناه قائلها، وتفسيرها وكأنها تعني ألغاءّ للدين أو دعوة للألحاد،  كان ذلك وراء موقفها ألمتعصب، الذي تجسد في غلق ألكنائس وأماكن ألعبادة ألأخرى ، وألتضييق على حرية ألأعتقاد، وألمغالاة في فرض أيولوجيتها ألجديدة على شعب أغلب سكانه من ألفلاحين ألمتدينين ألفقراء، وسحب ذلك على شعوب ألأتحاد ألسوفييتي لاحقاّ، وبلدان أوروبا ألشرقية، على مدى سبعين عاما..!
 وكان من سلبيات تلك ألتجربة ألتي أمتدت كل هذا ألوقت في ألزمن، أنها وسمت بختم ألتطرف وألتعصب كافة ألأحزاب وألمنظمات ألسياسة ألتي تبنت ألفكر ألأشتراكي وبألخصوص ألماركسي منه، وألتي سارت على هدى تلك ألتجربة، بهذا ألقدر أو ذاك.  فمنها من تلقفتها دون وعي وأستدلال بظروف وواقع مجتمعاتها، وحولتها ألى تعاليم وعقيدة جامدة، فكانت "ألثورة ألثقافية " ألمتطرفة في ألصين، ودموية ألماوييين ألمتطرفين في كمبوديا في ظل "بول بوت". وقسم منها من أسترشد بألتجربة وأستخلص من دروسها ألقاسية ألعبر ألتي اصبحت مرشدا له في قراءة ألواقع وفق ما هو عليه وليس وفق ما هو يريد.  أسوق هذا ألمثل للقول ؛ بأن ألقراءة ألخاطئة للواقع، من قبل ألعلمانيين، وما ينجم عنها من مواقف متطرفة، لا يمكن أن تكون دائما، ألمعيار ألصحيح للأسس وألمفاهيم ألتي بنيت عليها ألعلمانية كأتجاه للتغيير في ألأنماط ألثابتة للحياة دون ألمساس بأي شكل من ألأشكال بمعتقدات ألناس ألأيمانية.وليست ألمؤسسة ألدينية هي ألأخرى، بمنجى من ألتطرف وهذا ما ضربنا ألأمثلة عليه في ألقسم ألأول من هذه ألمقالة..!

كما ومن ألأمثلة ألقريبة على ألقراءة ألخاطئة لمفهوم ألعلمانية، يمكن سياق ألمثل ألعراقي كأحد أشكال هذه ألأخطاء. فألقرار ألغير متبصر ألذي أقدمت عليه ألولايات ألمتحدة ألأمريكية وبريطانية بغزوها ألعراق، ورغم ما وجده من تأييد من قبل بعض أطراف ألمعارضة ألعراقية آنذاك، يعتبر من ألناحية ألموضوعية وألواقعية من ألأخطاء ألتي لايمكن غفرانها تأريخيا، أذا ما نظرنا أليها من زاوية ألمفاهيم ألعلمانية ألسائدة في ألعالم ألآن، رغم ما أعلن في حينه وحتى ألآن، بأن ألهدف من كل ذلك، كان من أجل تحرير ألعراق من ألدكتاتورية وأرساء ألديمقراطية وبناء عراق حضاري متمدن يكون نموذجا لدول ألمنطقة..!؟ وحتى مع ألأخذ بصدق وصحة ألنوايا،  ألا أن ألنتائج جاءت  مخيبة للآمال، وأثبتت ألوقائع خطل تلك ألخطوة، وبأنها قد أسست على قراءة خاطئة لظروف ألواقع ألعراقي في حينه، وحقيقة ألأوضاع ألسائدة فيه وطبيعة أوضاعه ألأقتصادية وألأجتماعية، وحدود تقبلها لمثل هكذا تجربة، تفرض من خلال عملية عسكرية خاطفة، لترويض مجتمع لم تكتمل فيه بعد أو تنضج ألظروف ألتي تساعد على خلق تجربة حقيقة مقبولة أجتماعياّ لعلمانية حضارية  بجوهرها ألديمقراطي..!
 فالقراءة ألخاطئة لهذا ألواقع ، قد ولدت ألكثير من ألتعصب وألتطرف في جميع ألأتجاهات، ومن قبل مختلف ألجماعات، بما فيها تلك ألتي وقفت ألى جانب ألعملية نفسها، ناهيك عن ردود ألفعل ألأخرى، ألتي قادتها بعض ألجماعات ألتي أرتدت ثياب ألدين، وألتي سمحت لها ظروف هذا ألوضع، أن تظهر تطرفها وتعصبها ألشديد وأن تتخذ من ألوجود ألأجنبي ذريعة لممارساتها ألمسلحة ألأرهابية ألتي طالت ألعراقيين. نفس ألشيء يمكن قوله بالنسبة لنشر "ألعلمنة ألجديدة" في ألصومال وفي أفغانستان وما آلت أليه من نتائج..!
 فعلمانية ألموقف ألأمريكي و حلفاءه في هذا ألمثال وغيره من ألأمثلة كالصومال وأفغانستان كما أشرت أليه في أعلاه، لا تمت بصلة ألى مفهوم ألعلمانية المتعارف عليه. بل هي مجرد علمانية متطرفة في وسائلها وممارساتها وأهدافها. فألعلمانية لايمكن أن تكون وصفة طبية جاهزة للأستعمال في كل ألظروف وألأزمان وألأماكن. وليس من نافل ألقول، ألتأكيد؛ بأن ألعلمانية ألتي يثار ألجدل حولها وتدار ألمعارك ضدها في مجتمعاتنا ألشرقية، "فأن وجدت في ألممارسة" ، فهي وليدة ظروفها ألأقتصادية ألأجتماعية وألثقافية. وجذورها تمتد في رحم ألمجتمع ألذي يمارسها كنهج في حياته أليومية. وألعلمانيون ألمتطرفون، إنما هم أولئك ألذين يريدون قسر أرادتهم على مقدرات ألناس، لتتحول ألى أرادوية دكتاتورية شمولية، غير آبهين بحقيقة أوضاع تلك ألبلدان من حيث مستوى ألتطور ألأقتصادي وألثقافي، ويمكن أعتبار نشاط بعض ألمنظمات وألأحزاب ألشمولية أحد أشكال هذا ألتطرف ألعلماني..! ومثل هذه ألتجربة قد ذاق مرارتها ألعراقيون  لأكثر من ثلاثة عقود من ألزمن تحت نير ألدكتاتورية ألشمولية، ذات ألسمة ألعلمانية، وألتي جسدها حكم ألحزب ألواحد ..!


أشكالية العصر

أن العلمانية ألتي شقت طريقها كأسلوب ومنهج جديد في أدارة ألحياة، عبر قرون من ألزمن في أوروبا وأمريكا، قد كانت ولازالت من ألحوافز ألفعالة ألتي أثارت فضول ألشعوب ألأخرى في ألبلدان ألأقل تطورا، مثل شعوب ألشرق وخاصة شعوب ألعالم ألأسلامي ألرازحة تحت ظل أنظمة حاكمة أتصفت بألقهر وألأستبداد. وأججت فيها شعلة ألنضال للخروج من أوضاعها ألمتخلفة لمواكبة ألحضارة ألتي طرقت أبوابها حديثا بعد أن غابت عنها منذ قرون من ألزمن..!  ( للزيادة في ألتوضيح يمكن ألرجوع ألى ملامح ألتقدم ألحضاري ألذي واكب مسيرة ألدولة ألأموية وألعباسية وألدولة ألأموية في ألأندلس ، وألذي تجلى في مجال ألمعرفة وألعلوم ألدينيوية، مثل علوم ألفلك وألرياضيات وألبناء وألطب وألكيمياء وعلم أللغة وألترجمة، وكذلك ألأجتهاد في ألفقه وأصول ألدين وألفلسفة، وغيرها من أرهاصات ألحضارة ألمدنية ألدينيوية- ألعلمانية ألتي لا زالت تحتاج ألى ألكثير من ألبحث وألتنقيب...)
ففي ألوقت ألذي ولجت فيه شعوب ألبلدان ألأوروبية وأمريكا ألمسيحية عصر ألنهضة ألجديدة ودخلت معترك ألحضارة وألثورة ألصناعية وما رافقها من ثورة أجتماعية ثقافية في كافة مجالات ألحياة، في ذلك ألوقت كانت ألشعوب في بلدان ألشرق ومنها ألبلدان ألعربية، تمر في حالة من ألسبات أتسمت بألركود ألأقتصادي، وألتخلف ألثقافي، وهيمنة ثقافة ألخرافات وألأوهام، وشيوع ألقبلية  وألعشائرية وهيمنة ألأمية وألجهل وألفقر وألمرض، ناهيك عن أبتلائها بألكوارث ألطبيعية ألتي كانت عاملا من عوامل تدمير ألهياكل ألأقتصادية البسيطة لمجتمع فلاحي شبه أقطاعي ينوء تحت نير ثقل ألسلطة ألثيوقراطية ألمستبدة في ألأستانة وولاتها ألمنتشرين في ألأقاليم ألعربية، لما يقرب من خمسة قرون من ألزمن، حتى حلول ألحرب ألعالمية ألأولى وبداية دخول مرحلة تشكيل ألدول ألعربية ألحديثة في بداية ألقرن ألعشرين،  بأنحلال ألأمبراطورية ألعثمانية، ألتي كانت في حينها تمثل قلب ألخلافة ألأسلامية وألراعي ألرسمي للدين ألأسلامي، والمهيمن ألأكبر على ريع ألأراضي ألعقارية بأعتبارها ألمالك ألأكبر للأراضي في مجمل تخوم ألأمبراطورية، حالها حال ألكنيسة ألمسيحية في أوروبا في ألقرون ألوسطى..!
لقد كان من باكورة ذلك ألتأثير هو نزوع بعض ألنخب ألمثقفة من ألمفكرين ورجال ألدين ومن رجال ألسياسة وألجيش آنذاك ، ألى أستلهام ألدروس وألعبر من مسيرة ألعلمانية ألتي أجتاحت شعوب أوروبا وأمريكا، فأندفع ألعديد منهم ألى ألدعوة ألى ألتجديد في منظومة ألأفكار وألمفاهيم ألتي كانت تسبغ على ألمعتقد ألديني حالة من ألجمود وألتقوقع، ومحاولة مواكبة ألنهضة ألجديدة في أوروبا بما يساعد على خروج بلدانهم من حالة ألأنغلاق على ألنفس وألتشتت. فكانت حركة ألأصلاح ألديني في ألعالم ألعربي ألأسلامي، وألتي لعبت دوراّ مميزا في نهوض شعوب ألمنطقة، ألتي تمثلت بألشيخ محمد عبدة وألمصلح ألكبير جمال ألدين ألأفغاني وغيره من أعلام ألمفكرين وألسياسيين، فمثلا كان للحركة ألوهابية ألتي قادها المفكر ألأسلامي محمد بن عبد ألوهاب في أواسط ألقرن ألثامن عشر وما بعده،  أثر كبير ودور أيجابي في توحيد ألقبائل ألعربية المشتتة في شبه ألجزيرة ألعربية، حيث أستجابت معظم ألقبائل ألبدوية لتلك ألدعوة وفي دعم تأسيس ألدولة ألجديدة في نهاية ألقرن ألتاسع عشر وأوائل ألقرن ألعشرين تحت أسم ألدولة ألعربية ألسعودية. مما أكسب هذه ألدعوة صفتها ألجديدة كمذهب من ألمذاهب ألأسلامية في ألفقه وألتفسير، صنوّ للمذاهب ألأسلامية ألأربع ألأخرى، ومع ألوقت أصبح ألمذهب ألرسمي للدولة ألجديدة، بعد أن أبتعد رواده ألمتأخرون عن نوازع ألعنف ألتي رافقته في بدايات تشكل ألحركة ألوهابية..!
 وعلى صعيد آخر برز ألتأثير ألكبير للعلمانية في ألشرق، في أطار أدارة ألدولة وبناءها على أسس جديدة وألخروج بها من شرنقة عالم ألقرون ألوسطى وألجهالة. كما حصل في ألهند ألتي قادها جواهر لال نهرو ألى عالم ألعلمانية، من خلال تشجيعه للديمقراطية وألأشتراكية، وتفضيله للعلمانية وألوحدة. وذلك بتكييفه للقيم ألحديثة مع ظروف ألهند. ورفضه عندما كان حزب ألمؤتمر تحت قيادته بعد نيل ألهند أستقلالها عام 1934 ألأئتلاف مع ألمنظمات ألأسلامية في بناء ألحكومة في بعض ألمناطق ألساخنة ألتي كانت تشهد علاقات متوترة بين ألهندوس وألمسلمين آنذاك وألتي أدت في ألنهاية ألى ظهور ألباكستان على ألخريطة..!     
 كما كان من تلك ألتأثيرات ألمهمة، تجربة (مصطفى كمال أتاتورك) في وضع تركيا في مصاف ألدول ألحديثة وأدخالها في مسيرة ألقرن ألعشرين ألحضارية ألمتطورة، وذلك من خلال برنامجه ألذي تبناه حزب ألشعب ألجمهوري ألذي تأسس عام 1923، وألذي يتركز في ألأتجاهات ألست ألتالية:  ألجمهورية، ألوطنية، ألشعبية، ألدولانية، ألعلمانية وألثورية. لقد تمكنت تجربة (مصطفى كمال أتاتورك) من ألنجاح بعد ألغاءه نظام ألخلافة في ألثالث من آذار عام 1924 وأتباعه بألغاء ألمحاكم ألدينية في ألثامن من نيسان عام 1925. أما تحرير ألمرأة ، فيمكن ألقول بأن تركيا كانت في مقدمة ألدول ذات ألأنظمة ألأسلامية ألسباقة في منح ألمرأة ألتركية حق ألتصويت وألأنتخاب للبرلمان منذ  كانون ألأول عام 1934. كما جاء ألغاء تعدد ألزوجات وألأخذ  بعقد ألزواج ألمدني دعماّ لتحرير ألمراة، وذلك كنتيجة لتبني ألقانون ألمدني ألسويسري، وألقانون ألمدني ألأيطالي، وكذلك ألقانون ألتجاري ألألماني، مما أعتبر حق ألطلاق للمرأة دعوى مدنيةّ. هذا بألأضافة ألى ألعديد من ألأصلاحات في ألمجالات ألقانونية وألأجتماعية وفي مجال ألسياسية وألأقتصاد. لقد وضعت ألتجربة ألكمالية، بأخذها بالعلمانية كمنهج وأسلوب للحياة وتكييفها مع ظروف تركيا ألأسلامية ، قد وضعت ألدولة ألتركية ألفتية وبعد أربعة قرون من ألتحجر ألظلامي،  على طريق ألتحضر وألحداثة ، في نفس ألوقت ألذي لم تمس فيه قيم ألناس ومشاعرهم ألدينية وعقائدهم ألأيمانية كما وحافظت فيه على  سمات تركيا كأحدى ألدول ألأسلامية..!
ولكن ومع ما أشرت أليه بألنسبة لتجربة تركيا مع ألعلمانية، فأن ذلك لن يمنحها مفاتيح ألجنة ألسعيدة. فألأخذ بالعلمانية لا يمكن أن يكون وحده كفيلا بخلاص ألناس من ألأضطهاد وألتعسف، إن لم تتوفر تلك ألأيادي ألمخلصة لتهيئة أسباب أشباع ألحياة بألديمقراطية ألحقيقية، وتوفر ألظروف ألواقعية ألتي تتلائم مع ألنهج ألجديد، وبعكسه يمكن أن تتحول ألعلمانية،  بيد من له ألأمر وألنهي،  ألى دكتاتورية أقسى وأمر حتى من جبروت وطغيان سلطة ألأقطاع وألتخلف. فتركيا على سبيل ألمثال، لا يمكن وصفها بالدولة ألديمقراطية رغم أن هيكلية ألدولة قد بنيت وفقا للنهج ألعلماني، ومحاكاة مع النموذج ألأوروبي، وبعيدا عن بقايا ألأشكال الثيوقراطية للدولة ألقديمة. إلا أنها على ألصعيد ألعملي لا زالت ترفض حق ألقوميات ألأخرى في تقرير ألمصير كألقومية ألكوردية، وتمارس ضدها أبشع أساليب ألقمع وألأضطهاد. وألأمثلة مع ذلك كثيرة في دول أخرى على هذا ألتناقض ألصارخ بين ألمنهج وألتطبيق كما أشرت في أعلاه..!

        أن وضع ألعلمانية في موضع ألنقيض من ألدين، يعكس طبيعة ألصراع ألمستمر بين تلك ألقوى ألأجتماعية ألصاعدة، وألتي تسعى ألى بناء ألمجتمع على أسس جديدة من ألأنفتاح ألديمقراطي على جميع مكونات ألمجتمع، من قوميات مختلفة وأحترام حقوقها ألقومية، وعدم ألسماح بصهر ألصغيرة منها في بوتقة ألقوميات ألأكبر. وكذلك ألى تكريس ألمفاهيم ألتي توجد ألأساس ألديمقراطي في أدارة شؤون ألدولة، دون غلبة لفئة دون أخرى، وتعمل على تحرير ألمرأة من قيود ألتعسف وألعزلة ألأجتماعية، وأخراج ألمجتمع من هيمنة ثقافة ألأوهام وألخرافات. وتعمل على تحرير ألفرد من عبودية ألجهل وألسير به ألى عالم ألمعرفة وألحضارة..!
هذا من جانب، و بين جملة ألقوى ألمتمثلة بألمؤسسة ألدينية، أيا كانت مسيحية أو أسلامية ألتي عبرت عن قلقها من تزايد أنصار ألجانب ألأول وتأثيرهم في ألمجتمع من ألجانب ألآخر ، وبالتالي ليس مستغربا أن تنحو هذه ألقوى ألدينية ألى ألتقارب ونبذ خلافاتها ألتأريخية ألمزمنة، وألتفتيش عن صيغ جديدة للتقارب وألتفاهم ألمشترك، وهذا ما يلمسه ألمرء من كثرة عقد ألمؤتمرات ألمشتركة وألحوارات ألمتعددة، وبروز ظاهرة ألناشطين من ألجانبين ( ألأسلامي وألمسيحي) للدعوة ألى ألحوار.  وألى " نصيحة بابا ألكنيسة ألكاثوليكية في روما Pope Benedict XVI  ألى توجيه أنظاره ألى ألأسلام وألعالم ألأسلامي، بدلا من وقفته ألقاسية من ألمسلمين وألأسلام ، فإن على ألبابا ألجديد أن يدعم حقوق ألمسلمين عبر ألعالم ألأسلامي ومساعدتهم للأطاحة بألأنظمة ألدينيوية، وأقامة دولة ألخلافة. وبهذه ألطريقة يكون قد أنقذ ألمسيحية، وحماية حقوق شعبه في ألعالم ألأسلامي، مرسلا بذلك بشير فأل للعلاقات ألمستقبلية مع دار ألأخلافة." عبد مصطفى – موقع ألهلال ألألكتروني- نفس ألمصدر بألأنكليزية
ومع ذلك، فأن هذا ألموقف ألمتشدد من قبل بعض ألمفكرين ألأسلاميين  لم يلق أستجابة من قبل ألجميع لما فيه من نزوع للتطرف، رغم ما فيه من دعوة للتفاهم بين ألأديان..! فعلى سبيل ألمثال؛ وحسب قول ألأمير تركي ألفيصل، سفير ألمملكة ألعربية ألسعودية في ألولايات ألمتحدة ألأمريكية؛ فأنه "ليس هناك من متسع في ألنظام ألسياسي ألسعودي، لأي تسييس للأسلام (ألأسلام ألسياسي)،  ومن وجهة نظر ألقيادة ألسياسية للحكم، فأن أستخدام ألأسلام بأي طريقة أو شكل للحصول على مكاسب سياسية، إنما يسيء ألى ألتوافق وألأنسجام داخل مجتمعنا."  وحسب قوله أيضا؛ " فأنه حيثما توجد هناك بعض ألجماعات ألتي تقول بانها  أسلامية ، ولكنها تريد ممارسة ألأفكار ألديمقراطية، فأن السماح لهم بذلك ، إنما هو "أللعب بالنار"، ففي ألوقت ألذي تسم حزبا ما بوسم ألأسلام، فأنه وبعد ذلك، ونتيجة لهذا ألوسم، تمنع ألآخرين من ألأسلام."   ( Mira Oberman  Wed Jun 28   موقع  ألتجديد  PIR   / نقلا عن   Agence France Press  )
اما العلمانيون بكل تنوعاتهم،  فأن نجاحهم يعتمد على مدى مطابقة إفرازات حركة الواقع الموضوعي مع تسلكاتهم وطرق أداءهم. وأن كان هناك خطر ما على مسيرة ألعلمانية فهو يكمن في تحويل العلمنة من منهج وأتجاه في ألتغيير، هو في جوهره حالة متحركة بأتجاه تطور ألمجتمع، إلى عقيدة وثوابت جامدة تأبى التغيير، حيث في هذا تكمن بذور فشلها وأنحسارها..!

قبل ألنهاية

خلاصة لما تقدم فأن ألبحث في أشكالية ألعلمانية لايمكن أن ينتهي في رؤوس ألأقلام أعلاه، بقدر ما تكون هذه ألمقالة في جزءيها حافزا للبحث ألمتواصل في جميع جوانب هذه ألأشكالية ألتي تمثل في تقديري إشكالية للعصر، ألتي لم تعط حقها من ألبحث ألمعمق رغم كثرة ما كتب حولها من قبل ألمفكرين وألكتاب في ألعالم.
من هنا أستطيع القول بأن العلمانية في جوهرها ألديمقراطي، هي كل موقف يحاول التخلص من ألقيود ألتي تعيق مسيرة ألتطور ألأنساني في ألحياة ، فهي تنطلق بالدرجة الاولى من واقع متحرك لا يقبل الثبات، وتتعامل مع ألظواهر ألحياتية من خلال دراسة جزئياتها، وهذا شأن الحياة، وهي في سعيها هذا لا تقحم نفسها في الخوض في إشكالية ألأعتقاد  نفسه، بقدر ما توليه من إحترام وحماية على صعيد ألقوانين ألوضعية وتثبيته كحق لا يقبل ألتأويل أو التحريف في ألدساتير، تحت باب ألحريات..!    اما العقائدية ،بمختلف أشكالها، فهي في ميلها للثبات والتمسك بالأسس، وفي محاولتها وضع ألعلمانية في موضع ألنقيض لها من خلال قحمها مسألة ألأعتقاد وأيمان ألفرد في ألموقف من ألعلمانية، وإغفالها لجوهر ألأتجاه ألعلماني في مسيرة ألحياة ألأجتماعية بالنسبة للفرد ، خالقة بذلك هذا التناقض الصارخ بين الموقفين بكل ما يحمله ذلك من افرازات ومؤثرات ونتائج، وتطرفات  يمينا أوشمالا. فألأساس في وجود (ألعلمانية) على ألمسرح ألتأريخي ألعالمي، يبقى مصدره وهدفه دائما ( ألفرد)، ككائن فريد في قدراته وأمكاناته ألعقلية وديناميكيته في تقبل ألتغيير وسرعة ألتمرد على ألواقع وسرعة ألأنتقال عبر ألمراحل ألتأريخية. أما أساس موقف (ألمؤسسة ألدينية) من كل ذلك، فمصدره جملة ردود ألأفعال على نشاط ألفرد هذا، في محاولة منها ألى تكبيله ضمن ألأطر وألتقاليد ألتي قننتها، وحملتها روحا أيمانية تدخل في صلب معتقد ألفرد، لتترجم حسيا، في حالة ألخروج عليها أو حتى إنتقادها، وكأنما هو خروج على معتقده ألأيماني في أسمى معانيه. ومن هذا ألمنطلق يسعى ألكثير من مفكري ألمؤسسة ألدينية ألى خلق حالة من ألتعارض ألمستمر بين ألطرفين، بما يخدم ألقول ألسائد أليوم؛  بأن ألخطر ألحقيقي على ألمؤسسة ألدينية ليس ناجما من ألصراع بين ألأديان نفسها، بل هو خطر (ألعلمانية) ألذي بات يهدد ألجميع..!

ومن باب ألأستذكار وليس ألتحليل، فهذا ليس مكانه مع هذه أللمحات، ألفت ألنظر ألى ألأنجاز ألكبير ألذي حققته ثورة ألرابع عشر من تموز1958 في تشريعها لقانون ألأصلاح ألزراعي، ألذي حرر ألملايين من ألفلاحين ألفقراء من عبودية ألأقطاع، وتحرير ملكية ألأرض من رقبة ألأقطاعيين وتوزيعها على صغار ألفلاحين، وكذلك أنجازها ألآخر في تشريعها لقانون ألأحوال ألشخصية، ألذي حرر ألمرأة ولو نسبيا من كثير من ألقيود ألأجتماعية ألمرتبطة ببقايا ألنظام شبه ألأقطاعي وفتح أمامها آفاقا من ألمشاركة ألفعلية في ألحياة ألسياسية وألأجتماعية وألأقتصادية وألثقافية؛ أقول أن تشريع هذين ألقانونين ألتأريخيين في ألعراق في عصره ألحديث، قد جلبا ردة فعل شديدة من قبل رجال ألأقطاع من بعض رؤساء ألعشائر ألعربية وألكردية وملاكي ألآرض ألكبار، مرفقة بموقف داعم ومساند من قبل (ألمؤسسة ألدينية)، ألأسلامية منها وألمسيحية، مما  شكل حلفا مقدساّ واسعاّ ضد منجزات ألثورة، أسفر في ألنهاية ألى ألأجهاز عليها في ألثامن من شباط  1963 ..! لقد كان دور ألمؤسسة ألدينية في عملية ألصراع ضد منجزات ألثورة، منصباّ بألأساس على  ألعقيدة ألأيمانية لرجال ألثورة وقادتها وعلى ألمؤازرين لها من ألملايين من فقراء ألفلاحين ومن ألعمال وألكسبة وألنساء وألطلبة وجمهرة ألمثقفين، من رجال ألعلم وألكتاب وألشعراء، وحتى نخبة كبيرة من رجال ألدين، فقد وصمتهم بألألحاد وألخروج على ألشريعة وبالشعوبيين، بل وحتى أفتت بتكفيرهم..!؟
لقد كان هذا مجرد مثل للأستذكار، يوضح لنا بأن ألمؤسسة ألدينية أيما كانت، أسلامية أم مسيحية، فهي تبقى في جوهرها، حيث تمتلك ألرياض وألعقار وتستوفي ألريع من أملاكها( ألوقف ألسني- الوقف ألشيعي) (ألفاتيكان- أملاك ألكنيسة)، جزءّ من مكونات ألمجتمع ألأجتماعية ألأقتصادية، تؤثر وتتأثر بكل ألتغيرات ألتي تجري في ألواقع ألقائم، بعيدا عن عالم ألزهد والرهبانية إلا في ألأحوال ألتي تستشعر فيها خطرا على مصالحها ألخاصة.
وما يطلق عليه أليوم من تسمية " ألأسلام ألسياسي" على سبيل ألمثال إنما هو يعبر عن ألمظهر ألخارجي للمؤسسة ألدينية في شكلها "ألعلماني" ..! وحيث أن أغلب ألشرائع ألدينية ومنها ألشريعة ألأسلامية، ينقسم فيها ألدين ألى قسمين: ألعبادات وألمعاملات. فان قسمها ألثاني (ألمعاملات) يتيح لها ولوج ألعالم ألدينيوي وألأسهام فيه تملكا وبيعا وشراءّ وغيرها من ألمعاملات ألدينيوية ألأخرى ألمرتبطة بذلك، وبالتالي فلا أظن أن ألمؤسسة ألدينية يمكنها أن تعزل نفسها، طالما هي تمارس ذلك، عن دينيوية ما يجري حولها وتتأثر بمتغيراته. أما ألجانب ألأخر وهو قسم ألعبادات، فهو ما يضفي عليها هيبتها وقدسيتها ويعطيها خصوصيتها في تقبل أحترام ألمتدينين من ألمواطنين ومكونات ألمجتمع ألأخرى حتى غير ألمتدينة منها. فهي مؤسسة علمانية- دينيوية من حيث أرتباطها بشؤون ألدولة وألحكم وألأقتصاد؛  دينية من حيث منهجية عقيدتها ألدينية ألتي تشكل ألأطار ألعام لهذه ألدينيوية وألمراقب ألعام على أداءها. ومن هنا تأتي أشكالية علاقتها مع ألقوى ألعلمانية أللبيرالية، فيما يتعلق بشؤون أدارة ألحكم وحرية ألفرد..!
       
مهما يكن ألأمر؛ فأنه وفي ألوقت نفسه، لا يعني هذا عدم وجود خطوط ألتقاء مشتركة بين ألطرفين ، لما يخدم مصلحة ألمواطن، بالقدر ألذي لا يقيد من حريته ألشخصية في أبداء ألرأي وفي ألتفكير وألمناقشة وأتخاذ ألقرار، كما وفي حقه في ألتمتع بتقرير ما يراه يتناسب ومصلحته ألشخصية في ألعمل ألحر وألأتجار وألكسب ألمشروع، وكذلك حقه في ألتمتع بتقرير مستقبله في بناء ألأسرة وفقا لما يمليه عليه ضميره وما يتفق مع رضاه ورضا ألطرف ألآخر دون تقييد أو إكراه ، إلا في ألحدود ألتي  تتعارض وألموانع ألتي حددها ألقانون. كما ومن جانب آخر إحترام حق ألمواطن في معتقده من خلال كفالة حق ألأعتقاد للجميع، وعدم إكراه ألفرد على ألتخلي عن معتقده لصالح معتقد آخر، بأي شكل من ألأشكال، مادية كانت أم معنوية، وأحترام حقه في أداء طقوسه ألدينية، وإحترام مقدساته من كتب مقدسة ومن مواقع للعبادة وآثار مقدسة.  بألأضافة ألى أحترام حقه في ملكيته ألشخصية، وعدم ألتدخل في شؤونه ألأسرية، فيما يتعلق منها بطريقة تربية أبناءه، وعدم ألمساس بحقه في إختيار نمط ألتعليم. فطالما كان ألفرد هو ألعنصر ألمحرك في ألمجتمع، فليس لأحد من سلطان عليه، إلا ما يقرره ألدستور من سلطة وواجبات..! 
إن ألمرونة ألعقلانية وألأبتعاد عن ألتطرف وألمغالاة في ألمواقف، من قبل جميع ألأطراف علمانيين أو متديينين، كفيل في تجنب حالة ألأصطراع وألأحتقان بين ألطرفين، وحل أشكالية ألتعارض عن طريق ألحوار ألمشترك وألتفهم ألصحيح لحالة ألتغير ألمستمرة  في حيا ة ألمجتمع، وألأخذ بمقولة "تغير ألأحكام بتغير ألأزمان" ، وعدم تكفير ألطرف ألآخر أو إقصاءه، فألحياة هبة من موجدها لينعم فيها ألجميع..! "فألناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" ..!       


*- للزيادة في ألبحث راجع :
ألأنسيكلوبيديا ألبريطانية
ألأنسكلوبيديا ألكاثوليكية
ألموسوعة ألحرة- ويكيبيديا
ألأنسكلوبيديا ألوطنية ألسويدية   

390
باقر ألفضلي

bsa.2005@hotmail.com

ألقسم ألأول

ألعلمانية هي  أحدى أهم أشكاليات ألوضع ألراهن على صعيد ألعالم ، وبالذات على صعيد دول ألعالم ألثالث، ومنها بالتخصيص دول ألعالم ألأسلامي في ألشرق، وبالتالي فأن ألموقف من (ألعلمانية) يختلف بأختلاف ألتصورات ألمرسومة حولها وألفهم المتعدد ألأوجه لهذا ألمصطلح وطبيعة ردود ألفعل ألمرافقة له..!
فألعلمانية تشكل أحد محاور الصراع ليس فقط على صعيد المجتمع بكل مؤسساته الدينية والدنيوية، بل هي محور صراع داخل الفرد الواحد عندما يحاول البحث عن جواب لما يواجهه من ظواهر غريبة او صعبة الفهم.  كان هذا شأن الانسان منذ بدأ يعمل لأنتاج غذائه، فقد كان يقع في شبكة الاختيار بين ما ينسجم مع رغباته وبين ما يقول به القيمون على تعاليم الله واسلوب تنفيذها، فاساس العلمنة عريق في حياة الانسان وتكاد ترتبط بوجوده منذ ألقدم. 


توطئة

ألعلمانية، مفهوم أصطلاحي، ( أو ألدينيوية  (secularism، ويعني كل ما لا يرتبط بالأعتبارات ألدينية، أو بمعنى آخر نزع ألصفة ألدينية عن ألشيء وأسباغ ألصفة ألدينيوية أو ألمدنية عليه،  كدراسة ألظاهرات ألكونية ألتي تجري في ألطبيعة وتفسيرها بعيدا عن ألمعتقدات ألدينية ألإلهية، وعلى صعيد ألنظام ألسياسي، ينصرف ألمعنى ألى فصل ألدين عن ألدولة.  وقد أرتبط ألمصطلح ألمذكور بالدين،  كمصطلح أيماني أعتقادي، أرتباطا معاكسا منذ بدأ ظهوره ألى ألوجود في أواسط ألقرن ألسابع عشر، وعند بدأ تشكل ألدول ألقومية في أوروبا، حيث كانت هيمنة ألكنيسة ألأيديولجية على ألمجتمع تلعب دورا معيقا لبدايات تشكل ألرأسمالية كنظام أقتصادي جديد في مواجهة هيمنة ألنظام ألأقطاعي ألسائد آنذاك. فالكنيسة كانت تشكل ألظهير ألأيديولوجي ألذي كان يقف وراء ألنظام ألأقطاعي وألراعي ألديني لكل ألمثل وألتقاليد التي كانت تسبغ صفة ألشرعية ألإّلهية على ألأستغلال ألأقطاعي وألعبودي. وذلك من خلال تحكمها في قوانين ألميراث وحيازتها مساحات شاسعة من ألأراضي وألغابات، حيث كانت هي نفسها ملاكا أقطاعيا بلا حدود وتستغل ألملايين من صغار ألفلاحين.     
   فألعلمانية ألتي كانت في بداياتها عبارة عن مواقف وأفكار خرجت من رحم ألمجتمع ألأقطاعي، وألتي واجهت منظومة ألتعاليم والتقاليد الكنسية الداعمة للنظام ألأقطاعي في أوروبا في بدايات ألثورة ألصناعية في نهايات ألقرن ألثامن عشر وبدايات ألقرن التاسع عشر، ثم أخذت تتبلور في أشكال جديدة من ألمفاهيم ألتي تخدم مصالح ألطبقة ألجديدة ألصاعدة، لم تكن بحد ذاتها مجرد تعاليم جديدة تطورت من خلال عملية تلقائية للأفكار وأللاهوت ألكنسي، بل أنها جاءت وتبلورت كرد فعل طبيعي ومنطقي على منظومة هذه ألتعاليم بأعتبارها شكلت ألعائق ألكبير أمام حركة ألتطور ألطبيعي لتقدم ألمجتمع، ولم تكن بديلا جديدا للديانة ألمسيحية نفسها. إن إرهاصات هذا ألظهور قد دفع برجالات ألمؤسسة ألكنسية ألى ألوقوف بحزم وشدة ضد كل ألأفكار ألتنويرية ألجديدة، لدرجة أتهامها بالشعوذة وألسحر، ووضعها في موقف معارض للدين، أكثر منها موقفا معارضا للكنيسة بأعتبارها مؤسسة تعمل في خدمة بقاء ألنظام ألأقطاعي من خلال منظومة ألنظم وألتعاليم ألمفروضة على ألشعب وتدخلها ألشديد في دقائق أمور ألحياة ألأجتماعية للسكان، لدرجة فاقت فيها ألمعقول من ردة ألفعل على هذه ألأرهاصات ألجديدة للفكر ألتنويري ألجديد. فللأشارة فقط، ألتذكير بألحملة ألدموية ألتي قادتها ألكنيسة ألكاثوليكية في ألبلدان ألأسكندنافية في أواسط ألقرن ألسابع عشر وألثامن عشر ضد من كانت تتهمهم بالسحر وألشعوذة من ألنساء وألرجال، وذلك بأرسالهم ألى ألمحرقة "b&aring;l" ؛  فخلال ألفترة من 1668 ألى 1676 جرى حرق 300 أمرأة بريئة بتهمة السحر فقط في ألسويد، ألدولة ألتي فاقت في علمانيتها ألكثير من ألدول ألأوروبية ألأخرى فيما بعد. وقد تم ذلك بدعم من قوانين (ألوصايا ألقديمة) ألمأخوذة من( روما ألكاثوليكية) وألتي سبق وأن جرى ألعمل بها منذ بدايات ألقرن ألسابع عشر. (ألكاتب ألسويدي Jan Guillou في كتابه : H&auml;xornas f&ouml;rsvarare)

ومع ألتطور ألسريع للثورة ألصناعية منذ أواسط ألقرن ألتاسع عشر، اخذت المفاهيم ألجديدة لأدارة الدولة وتنظيم ألمجتمع، تجد مكانها في صيغ تطبيقية وأفكار فلسفية وقانونية، تبلورت مع ألوقت لتصاغ على شكل قوانين وأنظمة، كما وكرست في دساتير ألدول ألأوربية، ألتي نظمت ألعلاقة بين الكنيسة وألدولة، بالشكل ألذي لم يمس ألعقائد ألدينية للناس، مقرة بحرية ألمعتقد دون تدخل من ألدولة أوألكنيسة. كما وحافظت على حق ألكنيسة في ألأهتمام بشؤون ألناس ألأيمانية وتقديم ألمساعدة لهم في ألجوانب ألأنسانية ألعامة، بعيدا عن ألتدخل في شؤون ألفرد ألشخصية، وممارسة ألطقوس وألشعائر ألدينية، في ألحدود ألتي لا تتعارض مع ألنظام ألعام، في نفس ألوقت ألذي فصلت فيه بين ألدولة والكنيسة في أمور الحياة ألسياسية وألأجتماعية، حيث توقف تدخل ألكنيسة في هذه ألشؤون. وبالتالي ومع ألتقدم ألصناعي وألثورة ألتكنولوجية أصبحت ألمفاهيم ألعلمانية عبارة عن تقاليد وممارسات مقبولة من قبل جميع أفراد ألمجتمع، بل وأصبحت من متطلبات ألمجتمعات ألأوروبية ألحديثة، في نفس ألوقت ألذي حافظت فيه مؤسسة ألكنيسة ألمسيحية على وجودها بعد أن تعرضت هي نفسها ألى ألكثير من ثورات ألأصلاح ألذي مس بناء هياكلها ألتنظيمية وأسسها ألفكرية بما يتلائم ومسيرة ألتطور ألصناعي ألحديث وتخلت بعضها عن منظومة ألأفكار وألتقاليد ألتي كانت تشدها ألى خلفية ألقرون ألوسطى، حينما كانت ألكنيسة ليست مجرد مؤسسة دينية وحسب، بل عبارة عن مؤسسة أقتصادية سياسية تتحكم في حياة ألمجتمع بما يحقق مصالح ألطبقة ألحليفة معها وهي طبقة ملاك ألأراضي من ألأقطاعيين..!

من هذه ألمقدمة ألتأريخية ألمكثفة، نخلص ألى ألقول ؛ بأن إشكالية ألعلاقة بين ألدين وألعلمانية وبدايات تشكلها تعود في جذورها ألتأريخية  ألى بداية ألأرهاصات ألأولى للثورة ألصناعية منذ أواسط ألقرن ألثامن عشر وبدايات ألقرن ألتاسع عشر في أوروبا وأمريكا، ومع تطور ألأنتاج من ألمرحلة ألحرفية ألتي رافقت ولفترة طويلة ألنظام ألأقطاعي ألى ألمرحلة ألصناعية في مختلف مراحل تطورها، حيث تمكنت من كسر ألقيود ألتي فرضتها المرحلة ألحرفية، وفي مقدمتها كسر طوق ألعمل أليدوي ألبيتي ألأسري ألذي كان شائعا آنذاك، حيث كان أحد ألعوائق أمام زيادة ألأنتاج، وأحلال عمل ألمانيفاكتورة بدلا عنه، وألذي كان من نتائجه ألأولى بداية تشكيلات ألطبقة ألبروليتارية، وظهور ألمجمعات ألسكنية للعمال ألتي أنتشرت حول ألمصانع ألجديدة، مما أضعف دور ألقرية، وهمش دور ألأسرة كمؤسسة أنتاجية. ولعل بريطانيا كانت ألأنموذج ألأمثل لذلك، حيث كانت بدايات ألثورة ألصناعية، فقد أنعكس ذلك في ألتشريعات ألجديدة ألتي نظمت حرية ألتجارة وفتحت ألطريق أمام ألمنتجات ألأنجليزية ألجديدة أن تأخذ طريقها ألى أوروبا وغيرها من ألبلدان، وما رافقها من حركة ألتوسع ألكولونيالي ألأستعماري.
فألعلمانية كانت من حيث نشأتها أقرب الى حركة فكرية تهدف ألى أخراج ألمجتمع من عالم ألخرافة ألى عالم ألحياة ألواقعية. فجاءت كرد فعل على ألنزعة ألمتصلبة وألميل ألشديد لتعميق كراهية نشاط  ألأنسان ألتجاري وألمهني، ودعوته فقط ألى ألتأمل وألتفكر بألله واليوم ألآخر، ألتي كان يقودها رجال ألدين في أوروبا في ألقرون ألوسطى.

سيرورة ألعلمانية

 فالعلمانية ألتي تزامنت مع عصر ألنهضة ألذي اجتاح أوروبا وألذي يشكل حركة إنتقالية بين ألقرون ألوسطى وألعصر الحديث وكرد فعل لتلك ألنزعة القروسطية، ألتي تمثلت بسلطة ألكنيسة، وجدت ألعلمانية نفسها تتبلور كأتجاه جديد في ألمجتمع، كحركة إنسانية متطورة، أهتمت بإحياء ألآداب ألكلاسيكية وتعزيز ألروح ألفردية وألنقدية وألتأكيد على إيجاد ألحلول للمشاكل ألدينيوية، وأكدت على قيمة ألأنسان وقدرته على تحقيق ألذات من طريق ألعقل وعدم ألتعويل على أية قوى خارقة للطبيعة. لقد عبرت ألعلمانية عن نفسها في  تطورها كحركة إنسانية عندما أظهر ألمجتمع ميلا أكبر نحو ألمنجزات ألثقافية للأنسانية وأمكانية ملائمتها لهذا ألعالم في حركة تطوره ألمستمرة..!
من ألجانب ألآخر، فأن ألأندفاع بأتجاه ألأخذ بألعلماتية كتيار جديد في ألمجتمع ، ومع ألتقدم ألذي واكبها في سيرورتها في ألعصر ألحديث، فأنها قد وصفت من قبل ألطرف ألآخر بأنها موجهة؛ ضد ألمسيحية كدين..! ولكن مع مضي ألوقت وفي أواخر ألنصف ألثاني من ألقرن ألعشرين أصبح تأثير ألعلمانية كتيار أصلاحي مواكب للتطور ألصناعي وألحضاري في ألعالم، اكثر فعالية في اغلب قطاعات ألمجتمع، ليس فقط على ألنطاق ألأوروبي-ألأمريكي، بل على ألصعيد ألعالمي، بحيث أمتد هذا ألتاثير حتى ألى أوساط ألمجتمع ألكنسي نفسه، وهذا ما دفع ببعض علماء أللاهوت  ألى ألحديث عن علمانية ألمسيحية نفسها، وذلك من خلال ترديدهم؛  بأن ألمسيحية ينبغي أن لا تؤخذ فقط على أساس أنها مجرد عقيدة للعبادة،  أو أنها تتعلق،  فقط بألعالم ألأخروي وألغيبيات، بل على ألمجتمع أن يجد في ألعالم ألفرصة لأعلاء ألقيم ألمسيحية. مؤكدين؛ بأن المعنى ألحقيقي لرسالة ألمسيح يمكن أن يكتشف ويتحقق في كل نشاط دنيوي يومي في ألحياة ألمدينية..!

على ألصعيد ألتطبيقي فقد أخذت ألعلمانية طريقها للتبلور في نظرية فصل ألكنسية عن ألدولة، كما وأنعكست تأثيراتها في مدلولات ألليبرالية بأشكالها ألدينية كالليبرالية ألبروتستانتية، ألتي تؤكد على ألحرية العقلية وعلى ألمحتوى ألروحي وألعقلي للنصرانية، وألليبرالية ألأقتصادية، ألتي تؤكد على ألحرية ألفردية وحرية ألمنافسة، وألليبرالية ألسياسية، ألتي تؤمن بالتقدم وأستقلال ألفرد ألذاتي، وتنادي بحماية ألحريات ألسياسية وألمدنية. ولعل من أنعكاساتها ألأخيرة ما جسده ميثاق ألأمم ألمتحدة من المواثيق وألأتفاقيات ألدولية ألصادرة بموجبه، خاصة ألأعلان العالمي لحقوق ألأنسان، وغيرها من ألنظريات ألقانونية وألفلسفية، ومنها مبدأ ألفصل بين ألسلطات في ألدولة..!
 ففي ألولايات ألمتحدة ألأمريكية على سبيل ألمثال، وفي نقاطه ألتسع أدناه أوضح الأتحاد ألعلماني ألأمريكي وفدرالية ألفكر ألحر متطلبات برنامجه ألليبرالي بالشكل ألتالي:
1.   وقف ألأستمرار بأعفاء ممتلكات ألكنيسة وألمؤسسات ألأكليركية ألأخرى من شمولها بألضريبة.
2.   عدم ألأستمرار لوظيفة "القس" في ألكونكرس ومؤسسات ألدولة ألتشريعية، وفي ألجيش وألبحرية، وفي ألسجون، وكذلك في  أماكن أللجوء وفي جميع ألمعاهد ألمدعومة بألمال العام. كذلك ألغاء جميع ألخدمات ألدينية ألتي تمول من قبل ألجمهور، أو ألدولة، أو من قبل ألبلديات ألحكومية.
3.   وقف جميع التخصيصات ألعامة للمعاهد ألتعليمية وألمؤسسات ألخيرية ذات ألسمعة ألطائفية ألتعصبية.
4.   بينما يجري الدفاع عن التعاليم ألمثلى وغرس السلوك ألصارم في ألأخلاق ، فأن ألتعليم ألديني وأستخدام ألأنجيل للأغراض ألدينية في ألمدارس ألعامة يجب أن يلغى.
5.   وقف أستمرار ألتمثيل من قبل رئيس الولايات ألمتحدة وحكام ألولايات المختلفة في ألمهرجانات ألأحتفالية ألدينية، كالصوم، وأيام ألصلاة، وعيد ألشكر.
6.   ألغاء ألقسم أللاهوتي في ألمحاكم ومؤسسات ألدولة، ويستعاض بدله بشهادة بسيطة تحت طائلة ألعقاب في حالة ألحنث باليمين.
7.   ابطال كافة ألقوانين، ألتي بشكل مباشر أو غير مباشر وبأي درجة كانت، تقوي التعاليم ألدينية وأللاهوتية لطقوس وشعائر "السبوت" أو "ألآحاد".
8.   ألغاء جميع ألقوانين ألتي تتطلع لوضع قواعد ألسلوك وألأخلاق  ألمسيحية في وضعها ألحالي  قيد ألتنفيذ، وأن جميع ألقوانين يجب أن تكون متوافقة مع قواعد ألسلوك وألأخلاق ألطبيعية؛ حقوق متساوية وعدالة نزيهة.
9.   بالتوافق مع دستور ألولايات ألمتحدة ودساتير ألولايات ألمتعددة، لا تمنح أي أمتيازات خاصة أو مزايا ألى ألمسيحية (ألنصرانية) أو أي من ألأديان ألأخرى؛ حيث أن نظامنا ألسياسي ألمتكامل يجب أن يتوافق ويدار طبقا لقواعد دنيوية خالصة ألنقاء.

 موقف ألكنيسة

ومن هذا ألمنطلق فأن ألكنيسة وخاصة ألكاثوليكية منها، لم تقف موقفا متفرجا من كل ألتغيرات ألتي عصفت بألمجتمع ألغربي نتيجة للتأثيرات ألقوية وألحاسمة للحركة ألعلمانية، مما قوض وألى حد بعيد من دورها  في مجال أدارة ألدولة وألأقتصاد وفي مجال ألتعليم، بل أنها أعتبرت ألعلمانية، ألعدو ألحقيقي لوجودها ألمستقبلي؛ وحولت ألصراع معها ألى صراع حول ألمعتقدات ألأيمانية؛ فهي لم تسلم بأن ألدين هو مجرد شأن خاص بين ألمرء وما يعتقده،  بل وأكدت؛  إنما ألآله هو ألخالق وألمسيطر ليس على ألأفراد وحسب،  بل وعلى ألمجتمع أيضا. ومن هنا فأن ألدولة يجب ألا تكون محايدة في ألمسائل ألدينية. وبقدر ما يتعلق ألأمر بهذا في ألتطبيق، فأن ألدولة وألكنيسة يجب أن يسيرا سوية أعتمادا  على عدد من ألظروف ودون أن يتقيدا بأية قاعدة عامة، حيث أن ألقاعدة ألرئيسة ألباقية، هي أن ألدين؛ كما هو أجتماعي فأنه واجب شخصي.
 
وفي موقفها من ألتعليم، على ألصعيد ألتطبيقي فأنها ترى؛ بأنه ولظروف خاصة حيث ألثقافة ألعلمانية في ألمدارس ألعامة هي الوحيدة ألواجبة ألتطبيق، فأنه وفي نفس ألوقت فأن ذلك يعتبر خللا خطيرا ويجب أن يعالج بطريقة أخرى. وانه من غير ألكفاية للطفل أن يتعلم مختلف ألعلوم ألأنسانية فقط، بل أيضا يجب تزويده بمعرفة ألمعاني ألضرورية للخلاص من ألخطيئة. فألكنيسة لا يمكنها أن تنكر رسالتها ألتبشيرية لتعليم ألحقائق ألتي أستلمتها من خالقها ألألهي. كما وترى ألكنيسة بأن ألأنسان ليس فقط كشخص وحسب، بل كمواطن، ولذلك فأن جميع ألناس يملكون ألحق في أنجاز ألواجبات ألدينية التي تمليها عليهم ضمائرهم. ولذلك أيضا فهي ترى؛  بأن أضفاء صبغة ألعلمانية على جميع ألمعاهد ألعامة في الدول ألمسيحية إنما هو أمر غير مقبول. وعليه فلا يجب تعليم ألأنسان ألعلوم ألأنسانية فقط، بل أن كل حياته يجب أن تكرس ألى  ألسعي ألسامي وألنبيل للدين وألأخلاق؛ نحو ألله نفسه. ومع ألأقرار ألكامل بقيمة ألحياة ألحالية، فأن ألكنيسة لا يمكنها أن تنظر أليها كنهاية في نفسها، بل تراها فقط ، حركة بأتجاه حياة مستقبلية، حيث ألأعداد لها يجب أن يتم من خلال ألمطاوعة مع قوانين ألطبيعة وقوانين ألله. ومن هنا ، فهي ترى؛ بأنه من غير ألممكن ألتوصل ألى تفاهم  أو إيجاد حلول وسط بين ألكنيسة وألعلمانية، طالما أن ألعلمانية ماضية في خنق وتقييد ألأنسان، ألذي هو بالنسبة للكنيسة يمثل ألحافز ألأعلى وألأصدق للنشاط وألطموح ألنبيل.
وبألأضافة ألى ما تقدم، فأن ألعلاقة بين ألدين وألعلمانية ، وخاصة في ألعالم ألغربي، حيث ألعلمانية ولأسباب معروفة قد وجدت طريقها كنهج جديد في ألمجتمع وألدولة، قد كشفت عن ألتأثير ألقوي وألفعال للعلمانية في دول هذا ألعالم، فألأعتراضات ألتي كانت توجه ألى تهديد ألأسلام للمسيحية وألتي بولغ بها كثيرا من قبل ألفاتيكان، تتضاءل كثيرا أذا ما قورنت مع تأثير ألعلمانية على عالم ألبليون كاثوليكي كما يدعى. فالخطر ألأعظم على حد رأي بعض ألمفكرين ألأسلاميين(عبد مصطفى)-موقع ألهلال ألألكتروني 25/6/2006، إنما يكمن في علمانية ألكاثوليكيين في أوروبا ، ألتي تعتبر من حيث ألمغزى ، أعلى قياسا بغيرها من ألقارات ألأخرى؛ فقط 21% من ألأوروبيين قالوا بأن ألدين    "مهم جدا"  بالنسبة أليهم وفقا ألى دراسة European Values Study . وفي تقييم مشابه في ألولايات ألمتحدة أجري من قبلPew Forum on Religon and Puplic Life  ، فأن ألرقم يقترب من 60%. وأنه ضمن دراسة حول أوروبا من قبل Mass weekly ؛ فأن ضمن ألكاثوليكيين في هولندا كان هناك 10% و 12% في فرنسا، و15% في كل من ألمانيا وألنمسا، بألأضافة ألى 18% في أسبانيا و25% في أيطاليا، ممن يهمهم أمر ألدين. ولذلك فأنه ليس بمستغرب أن تجد بعض ألأصوات ألكاثوليكية ألمتطرفة، وألتي تمت بصلة ألى مستقبل ألمسيحية  في أوروبا ألدينيوية. " كألبعض ألذي  ينظر ألى أوروبا ويراها تعبة روحيا، أن لم تكن ميتة" على حد قولRev. John Wauck    ألأستاذ في Pontifical University of the Holy Cross in Rome. نقلا عن ألمفكر ألسلامي (عبد مصطفى)- نفس ألمصدر

مما تقدم، فأن ألارقام أعلاه ومهما بلغت دقتها، ومهما كانت ذات مغزى، فمن ألصعب أخذها كدلالة يركن أليها في تسبيب  تضاءل أعداد ألمهتمين بألدين في أوروبا على أعتبار أن ذلك ناجم عن علمانية ألمجتمع ألكاثوليكي. فمهما بلغ تأثير ألعلمانية على المجتمع من شدة وفعالية، فأنها من حيث توجهاتها لم تستهدف ألدين في جوهره ألأيماني ألأعتقادي. فالعلمانية في جوهرها ليست عقيدة أيمانية تدعو ألى دين جديد، أو ترسم طقوسا وشعائر دينية، أو لها أماكن للعبادة ومراسيم مقدسة، كما وأن متطلبات ألحياة أليومية وألمتجددة بأستمرار، وألنزعة ألأستهلاكية ألمتعاظمة ومستلزمات إثراءها، من جهة، وعجز ألمؤسسة ألدينية بكل إمكانياتها، عن تلبية متطلبات ألمرحلة ألجديدة في تطور ألنظام ألأقتصادي، كل ذلك مجتمعا كان له ألأثر ألكبير في حياة ألفرد ألمتدين، ألذي وجد نفسه وسط عالم جديد من ألمنافسة ألحرة وألأبداع ألأنساني في جميع ألمجالات، وثورة عارمة في ألعلم وألتكنولوجيا، قفزت به من عالم متخلف منعزل، تسوده ألخرافات وألاوهام، ألى عالم مبني على أسس من ألعلم وألمعرفة وألتقدم وألأزدهار في مجال ألصحة وألرفاهية، وأكتشاف أسرار ألمجهول من ألطبيعة ووضعه في خدمة تحسين بيئته ألحياتية، وسبر غور ألمستقبل من أحتمالات ما قد يواجهه من أخطار ومداهمات ألطبيعة غير محمودة ألعواقب وألتقليل من نتائجها ألسلبية، وغيرها ألكثير من ألمتغيرات ألتي وضعته وجها لوجه أمام مسؤوليته كفرد يمتلك ألأستقلالية ألذاتية في ألتفكير وأتخاذ ألقرار ألتي منحتهما له ظروف ألأنتقال ألسريع للمجتمع، أن يسهم بقسطه في عملية أنتاج هذا ألعالم ألجديد، ألذي عبر عن نفسه بالشعار ألمشهور: "دعه يمر دعه يعمل".
أن هذا ألواقع ألجديد، في تقديري، هو من يقف وراء ألتضاؤل ألذي تعرضت له ألمؤسسة ألكنسية ألمسيحية في أعداد ألمهتمين بشؤون ألدين في أوروبا. وهذا لا ينصرف من زاوية ألنظر من ألناحية ألدينية ألأيمانية؛ بأعتبار هذا التضاؤل ألذي عكسته ألأرقام ألأحصائية أعلاه، بانه تضاؤل أو أنحسار بأيمان ألفرد ألأعتقادي الديني، بقدر ما هو أنصراف عن ألألتزامات ألكهنوتية ألتي تتمسك بها ألكنيسة، وألأتجاه ألى ساحة ألعمل وألأنتاج ألتي لم تعد توفر له ألوقت ألكافي لأداء تلك ألطقوس ألدينية كالسابق، أما معتقده ألأيماني، فلم تمسه تلك ألمتغيرات ألجديدة  بشكل مباشر، إذ أنها لم تتمحور حول عقيدته ألأيمانية بألذات بقدر ما تركزت حول نشاطه ألأنساني كمنتج للحياة، من جهة، وفجرت ينابيع فكره ألتي حبستها قرون طويلة من ألأوهام وألخرافات. فألأوربيون ألمسيحيون ما فتأوا يتمسكون بعقديتهم ألأيمانية، ولا زالوا يأمون ألكنائس أيام ألآحاد جرياّ على عادات أبائهم وأجدادهم، ولا زالت ألكنائس منتشرة في كافة ألأقطار ألأوروبية محتفظة بملكيتها وتراثها ، في ألمدن وألقرى على ألسواء. بل وأزدادت أعدادها بشكل ملفت للنظر، وظهرت تجمعات جديدة ( collection ) ذات طابع ديني وأهداف خيرية. وهم يكنون إحتراما متميزا لكل تراث ألكنيسة ألتأريخي، ويولونه قدرا كبيرا من ألأهتمام، في نفس ألوقت ألذي يحترمون فيه قدسية ألأديان ألأخرى، ويتيحون لها فرص ألقيام بطقوسها ألدينية وبناء معابدها، ومنها ألطائفة ألأسلامية، ألتي لها شأن وموقع كبير في أحضان ألمجتمع ألأوروبي ألعلماني..!
يليه ألقسم ألثاني

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 [/font
]

391

   
قراءة سريعة في برنامج الحكومة المالكية..! 2/2
[/size]

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

ما اتناوله في أدناه ليس ألا قراءة سريعة  في فقرات الورقة الحكومية لحكومة السيد نوري المالكي، التي أقرها البرلمان في جلسة منح الثقة بالحكومة العراقية الدائمة، والتي أصطلح على تسميتها ب(البرنامج الحكومي)، الغاية منها هو مجرد ألقاء الضوء على طبيعة تركيب هذه الورقة ، وليس الخوض في محتويات نصوصها، أملا في العودة لذلك من خلال قراءة لاحقة لنصوص الدستور.

•   يتكون برنامج الحكومة الجديدة من اربع وثلاثين فقرة سطرت وفق نظام غير مترابط، وغير متجانس من حيث المحتوى أو المضمون.

•   غالبية الفقرات التي أحتوتها الورقة، كانت أنتقائية ولا ترتبط مع بعضها بأواصر معينة، ولا تقع تحت تبويب محدد يفهم منه أهداف وخطط الحكومة في المجالات المختلفة؛ على سبيل المثال؛ الجانب ألأمني، الجانب السياسي، الجانب ألأقتصادي، ألجانب ألأجتماعي، الجانب ألثقافي، الجانب الخدمي ...الخ مما جعل من الصعوبة ألأهتداء الى معالم سياسة الحكومة في المجالات المختلفة، مما ترك الباب مفتوحا للتخمين والتكهن بسياسة الحكومة للفترة القادمة..! وكتابة برنامج بهذه الصيغة المختلطة للأولويات يفقده صفة البرنامج، بقدر ما يربك المراقب أو المواطن بمعنى أدق، في التعرف وألأهتداء على خطة الحكومة في أي مجال من المجالات ، وهذا ما اسدل ستارا  من الضبابية على طبيعة مكونات برنامج الحكومة بصيغته الحالية، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون برنامجا متكاملا في كل أجزاءه ومكوناته لحكومة دائمة لفترة أربع سنين، وليس مجرد فقرات غير مترابطة منتقاة من الدستور أو من مقولات عامة ..!


•   على صعيد المحتوى؛  فأنه لا يغير من الهدف لبرنامج  ولحكومة دائمة، ويكتب لفترة أستثنائية، أن يكون برنامجا متكاملا في جميع ألأتجاهات، وألا  فما الحاجة الى حكومة بهذا الحجم غير الطبيعي وهذا الترهل في عدد الوزارات، لدرجة ضمت فيها الحكومة الجديدة سبع وزارات دولة عاطلة عن العمل، مكبدة الدولة أنفاقا طائلا من الرواتب والمخصصات والتخصيصات المختلفة للنقل والسكن والحماية وغيرها من نفقات المكاتب، خاصة أذا ما علمنا بأن حماية الوزير الواحد تكلف راتب ثلاثين شخصا وبمعدل ثلاثة آلاف دولار للشخص الواحد شهريا..!

•   الفقرة (1) من البرنامج؛  تتحدث عن حكومة الوحدة الوطنية، وتربط تشكيلها بألأستحقاق ألأنتخابي وبمقتضيات المصلحة الوطنية، وبذلك فهي تدخل في تناقض تأسيسي، حيث أن ألألتزام بألأستحقاق ألأنتخابي أولاّ يضعف من أهمية ألأخذ بمقتضيات المصلحة الوطنية، بل ويغلب عيها ، ناهيك عن عمومية مصطلح (المصلحة الوطنية) الذي غلبت عليه صفة التقديرية، في الوقت الذي يفترض فيه، أعطاء ألأولوية في ألأختيار لمتطلبات (الحالة ألأستثنائية) التي تمر بها البلاد ، وألا فما هي الحاجة الى عملية التطعيم بهذا الشكل الذي جرى في تشكيل الحكومة، أذا كانت مقتضيات ألأستحقاق ألأنتخابي لها ألأولوية في بناء حكومة الوحدة الوطنية..؟ وتأسيسا على هذا التشكيل الذي بنيت عليه حكومة السيد المالكي، يصبح من غير الممكن أضفاء صفة حكومة (الوحدة الوطنية)  على الحكومة الجديدة..! فهي في الواقع أقرب الى (حكومة أئتلافية) منها الى (حكومة للوحدة الوطنية)، أما أضفاء هذه الصفة ألأخيرة عليها والواردة في "البرنامج" ، فلا أرى فيه ألا حرفا للأنظار عن طبيعة التشكيل وأهدافه الحقيقية، وما يؤكد ذلك تحفظ بعض الكتل البرلمانية على وثيقة البرنامج الحكومي ورفضها وأنسحاب بعضها من ألأشتراك في الحكومة، ناهيك عن طابع المحاصصة الذي بنيت عليه التشكيلة الوزارية..!

•   الفقرة (2) من البرنامج، لا تقدم شيئا يمت بصلة لبرنامج حكومي، وهي بمثابة تحصيل حاصل، فالحكومة سبق وأن أقرها البرلمان وفقا للدستور وهي ملزمة بالتقيد ببنوده. أما ما يتعلق بالتعديلات الدستورية ، فهي من مهام البرلمان قبل أن تكون مهمة للحكومة، وبالتالي فلا أرى ما يستدعي حشرها في "برنامج" حكومي..!

•   الفقرة (3) من البرنامج؛ جاءت تكرارا  لما جاء في الفقرة (1)، والغاية كما يبدو هي ترك الباب مفتوحا أمام الكتل الرافضة للمشاركة في الحكومة، وطبقا للأسس المشار اليها في تلك الفقرة..! ولا أرى فيها ما يستوجبه برنامج أو خطة حكومية للمستقبل، وبأمكان الحكومة الجديدة ورئيسها القيام بهذا النشاط من خلال الأتصالات واللقاءات التي يمكنه أن يجريها مع تلك ألأطراف..!

•   الفقرة (4) من البرنامج؛ لا يمكن النظر اليها كفقرة برنامجية، بقدر ما هي الا ممارسة يومية وسلوك أخلاقي وألتزام سياسي، يفترض أن يكون من ثوابت العمل الحكومي اليومي. خاصة ما يتعلق بمباديء حقوق الأنسان التي كفلتها نصوص ميثاق ألأمم المتحدة، ولا يكفي مجرد ألأحترام لتلك النصوص، ضمن نص عمومي، وانما ألأعلان عن ألألتزام بتلك النصوص، دعما للحق والعدالة ..!

•   الفقرة (5) من البرنامج؛ العمل على صيانة العراق وتعزيز وحدته وأستقلاله، فهي أقرب الى أعتبارها ألتزام حكومي تعهدي وواجب وطني، قد أقسمت عليه الحكومة ورئيسها أمام البرلمان، ولا يوجد مسوغ في تثبيها كفقرة برنامجية. أما ما يتعلق بوجود القوات ألأجنبية في البلاد وآفاق أنسحابها، وربط تواجدها ببناء القوات المسلحة الوطنية كشرط لذلك، فبقدر ما في هذه الفقرة من ضعف وعدم وضوح في الأهداف، فأنه كان من الموجبات على الحكومة الدائمة، أن تحدد سقفا واضحا وجدولة تقريبية لأنسحاب تلك القوات، وعدم ربط ذلك ألأنسحاب بشرط بناء القوات المسلحة الوطنية وقدرتها على القيام بمهامها ألأمنية، حيث أن تلك القدرة هي مسألة نسبية تقديرية..! وكان يجدر بواضعي البرنامج أن يعطوا لهذه الفقرة أولوية على غيرها من الفقرات، وأن يفرد لها نصا خاصا بها كألتزام حكومي ذي طبيعة أستثنائية، وأن يكون له نفس القدر من ألأهمية كما هو ألأمر بالنسبة للملف ألأمني ، ألذي هو ألآخر لم يحض بألأهمية المطلوبة وألأستثنائية..!
•   الفقرة (6) والفقرة (7) من البرنامج؛ يمكن ألأستعاضة عنهما من خلال التوجيهات العامة والتعليمات التي تصدرها رئاسة مجلس الوزراء الى الوزارات المختلفة، ولا تملكان أية صفة برنامجية، ويقعان ضمن صلب صلاحيات الحكومة المنصوص عليها دستوريا..!

•   الفقرة (8) والفقر (9) من البرنامج؛ رغم أنهما اقرب الى نصوص الدستور منهما الى برنامج حكومي وبالتزامات محددة ومحدودة في الوقت والمكان، فقد أخفقت الحكومة الجديدة ومنذ اللحظة ألأولى لتشكيلها في وضع مباديء الدستور موضع التطبيق، خاصة ما يتعلق بتطبيق روح النص للمادة الدستورية 48/الفقرة /رابعا؛  المتعلقة بنسبة تمثيل النساء في البرلمان، فجاء تمثيل المرأة في الحكومة الجديدة ضئيلا ولا يتعدى نسبة 10%. ولا تتضمن الفقرتان معالم واضحة عن خطتها في هذين المجالين..!

•   الفقرة (10) من البرنامج؛ تناولت العناية بالعتبات المقدسة وتقديم الرعاية والدعم للسياحة الدينية، ورغم محدودية النص، فأنه كان من ألأولى ألأشارة الى شمولية سياسة الحكومة في تطوير السياحة ، لتشمل ليس فقط ألعتبات المقدسة، بل كافة المواقع التأريخية والمعالم الوطنية، وتوجهات الحكومة لتحقيق ذلك..!

•   الفقرة (11) من البرنامج؛ تتحدث عن رعاية الجامعات وصيانة أستقلالها، ولكنها في نفس الوقت تمنح الحكومة الحق في أعادة النظر في المناهج التعليمية في جمبع المراحل (دون تحديد مستوياتها) أو تسميتها، مما يمكن تفسيره تعارضا مع أستقلالية الجامعات في وضع مناهجها ألتعليمية؛ فالنص في صياغته كان عموميا، كما أنه لم يتعرض الى طبيعة الخطط التي ستقدم الحكومة على وضعها موضع التنفيذ، ولم يحدد وجهة التغيير المطلوبة  للمناهج التعليمية وألأسس التي ستبنى عليها. لقد كان بألأمكان أن يكون أحد جوانب البرنامج الحكومي،  هو الجانب التعليمي بمختلف مكوناته وبيان تفاصيل الخطط المنوي تنفيذها، على كافة ألأصعدة بما فيها المناهج التعليمية، وعدم تشضية ألأمر بهذا الشكل وكأن المرء يقف أمام رؤوس أقلام لمواضيع غير واضحة المعالم..!
   
•   الفقرة (12) من البرنامح؛ المتعلقة بضمان استقلالية شبكة ألأعلام العراقية والهيئة الوطنية للأتصالات، جاءت تكرارا لنص المادة (102) من الدستور، وهو ألتزام دستوري مفترض، ويعتبر كأحد واجبات الحكومة ألثابته على صعيد الممارسة. اما الشبكة والهيئة نفسيهما، فيخضعان للمسؤولية أمام مجلس النواب، وبالتالي فأن حشر هذه الفقرة ضمن فقرات "البرنامج" مثل بعض ألأخريات أنما هو بمثابة أثقال عليه..!

•   الفقرة (13-18) من البرنامج؛ كافة هذه الفقرات تتعلق بالجانب الآقتصادي، وكان بألأمكان حصرها تحت هذا العنوان وبيان تفاصيل خطة التنمية الآقتصادية المقترحة للسنوات ألأربعة القادمة في خطوطها العامة، وعدم بعثرتها في فقرات تفتقد الترابط والتجانس البرنامجي..!

•   الفقرة (19-21) من البرنامج، تميزت بالتداخل بين الشأن الداخلي و الشأن الخارجي، وكان بألأمكان الفصل بين ألأثنين في بابين مستقلين، بعد أضفاء الوضوح على المباديء ألأساسية للحكومة في مجال بناء العلاقات مع الدول ألأخرى..!

•   الفقرة (22) من البرنامج؛ المتعلقة بتطبيق نص المادة (58) من الدستور، والخاصة بتطبيع ألأوضاع في منطقة كركوك. فقد وردت في البرنامج المطروح بصيغة التعهد وألألتزام من قبل الحكومة، وهي في حقيقتها ألتزام دستوري يلزم أي حكومة تستلم المسؤولية البدأ بتفعيل نص المادة الدستورية المذكورة، وبالتالي فله أستقلالية خاصة عن باقي خطة الحكومة البرنامجية، ولا يرى فيه المرء،  جزءّ من البرنامج الذي ترسمه الحكومة، بل هو مجرد ألتزام تنفيذي منصوص عليه في بنود الدستور..!

•   الفقرة (23-24) من البرنامج؛ تتعلقان بالملف ألأمني، وأن جاءا محشورتين بين فقرات أخرى من "البرنامج"، وقد كان بألأمكان أن تضع الحكومة وتحت باب خاص هو (الجانب ألأمني) المباديء العامة لخطتها ألأمنية القادمة، وسبل تطبيقها، بما فيه نص الفقرة (34) المتعلقة بتطبيق قانون المليشيات رقم( 91 ) ، وأعطاء هذا الجانب ألأهمية  وألأولوية في مفردات البرنامج، لأستثنائية المرحلة الحالية، لا ألصاقه في خاتمة البرنامج المطروح وفي نفس مستوى الفقرات الأخرى، حيث أن الترتيب في تسلسل الفقرات يعطيها أهمية خاصة من حيث ألأولية  ..!

•   الفقرات من (25-33) من البرنامج؛ جاءت متداخلة مع بعضها رغم عدم التناظر، فمنها ما هو ذو طابع تعليمي، وآخر أقتصادي، والبعض ذو طابع قضائي أو أداري قانوني..!

مما تقدم نخلص الى القول بأن الورقة التي تقدمت بها الحكومة والتي اقرها البرلمان على أنها "برناج حكومي" في جلسة التنصيب، لا أراها تمثل من حيث تحديد طبيعة وجوهر السياسة ألأقتصادية وألأجتماعية ناهيك عن السياسية، خطة واضحة المعالم لحكومة دائمة ولأربع سنوات قادمة  ، بقدر ما تبدو  عبارة عن تعهدات وألتزامات عامة، يغلب عليها طابع المرحلة ألأستثنائية، بكل سماتها المتقلبة، وعلاقاتها المتشابكة على جميع ألأصعدة، كما ويظهر عليها طابع ألأنجاز المستعجل. فهذه الورقة باعتقادي كان دورها فقط،  جزءّ من مراسيم تشكيل حكومة ولدت بعملية قيصرية ولكن جاءت مشلولة..!  أو على حد قول السيد المشهداني رئيس مجلس النواب:  «إن حكومة المالكي تم تشكيلها في ظرف استثنائي وقد تجاوزت رئاسة المجلس على بعض الإجراءات البروتوكولية بهدف إقرارها بالسرعة التي تخدم العملية السياسية في العراق في هذا الوقت الحرج» وأن « البرلمان تساهل في منح الثقة للحكومة خدمة لمصلحة الوطن التي هي فوق مصلحة هذه الجهه أو تلك التي لم تتح لها الفرصة لأن تأخذ دورها كاملا في المشاركة بها ، لان العراق فوق الجميع». صوت العراق:2/6/2006 – بغداد/ البيان

وتأكيدا لما أوردناه أعلاه نود أن نشير الى أن الورقة الحكومية لم تعط تلك ألأهمية المبتغاة من وراء كل ما جاء فيها، الى الملف ألأمني على سبيل التخصيص، بل أن بعض الفقرات المتناثرة بين السطور، والتي كتبت على أستعجال، قد أشارت وبشكل ينقصه الوضوح والتصميم، الى نوايا الحكومة بهذا الشأن، ولعل أبرزها أشارتها المستعجلة والمكتوبة على ما يبدو على مضض وفي آخر فقرة من الورقة، وهي المتعلقة بتطبيق قانون حل المليشيات رقم (91)- الفقرة(34)..!؟ هذا في الوقت الذي يشكل فيه الملف ألأمني وبأقرار الجميع، المفتاح الرئيس لأي برنامج حكومي مهما كانت كثافته أو فترة تنفيذه، لأن يجد طريقه للتنفيذ. ومع ذلك فأن هذا لا ينسي المرء أهمية تصريحات السيد المالكي وتعهداته المتواصلة في مكافحة ألأرهاب في المؤتمرات الصحفية، ومنها نشاطه الفعال والشخصي في معالجة ألأحوال ألأمنية في مدينة البصرة.!

أنه ومع كل ما تقدم ، فأن خلاصة القول؛ هو أن كل ما يتعلق بتنفيذ التعهدات الحكومية، التي تضمنتها الورقة الحكومية، رهن في تحقيقه، ألى طبيعة الظروف التي تسير خلالها العملية السياسية ومدى أصرار مكوناتها على تحقيق أهداف تلك العملية ، وصدقية تلك المكونات، آخذا بألأعتبار طبيعة التركيبة الوزارية نفسها، والتي في مقال سابق قد أشرت الى ملامح هذه التشكيلة*؛  فهي وكما أعتقد لا تستطيع ان تعمل بيسر وديناميكية بسبب تركيبتها الحالية وأسس بنائها، وأخفاقها حتى ألآن في أستكمال قوامها الهيكلي بسبب عامل الصراع وألأحتراب بين مكوناتها السياسية، وعوامل التدخل والتأثير المباشر وأللامباشر الخارجي،  ولعل ازمة وزيري الدفاع والداخلية أحد المؤشرات القوية على ذلك.  ولا اغالي بالقول؛ بانها ولدت وهي تحمل في رحمها بذور هلاكها..!  فربما لو بنيت على اساس من الاستحقاق الانتخابي لكانت اكثر فاعلية ، لانها ستكون في هذه الحالة اكثر تماسكا على أقل تقدير، أما لو كانت حكومة وحدة وطنية حقا، وكما يجري توصيفها حاليا، لتبدلت الارادات ولكانت مصلحة الوطن في المقدمة، وهذا ما كنا نتمناه وندعو اليه دوما، وألأمل، كل ألأمل أن يدرك الجميع حقيقة ذلك..!  [/b]

392
ألزرقاوي: ألأسطورة وألظاهرة...! ألجزء ألأول


باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

ألجزء ألأول

لقد قتل الزرقاوي وتباينت وجهات النظر في قتله، بين قادح ومادح،  بين فرح وحزين، وبين صامت ومجلجل..، فمنهم من لا أعار للأمر أهتماما، ومنهم من هدد وأرعد وأزبد، ومنهم من أعتبر ألأمر وكأنه نهاية ألعالم، ومنهم من هنأ وبارك وأوعد..!
نعم أن قتل ألزرقاوي يعني شيئا ما،  ولكل قوم رأي في ذلك،  فما يعنيه قتل ألزرقاوي ياترى..؟
ومن هذا "الجن" ألذي أشغل ألعالم، وأرعب ألأجنة في بطون ألأرحام..؟ من هذا "ألمارد" ألذي أهتز (ألبيت ألأبيض) بقتله، وتبادل زعماء ألدول ألتهاني  والتبريكات بموته..؟ من هذا " العفريت " ألذي كان وراء نزيف دماء ألوف ألضحايا ألأبرياء من ألعراقيين..؟
من هذا ألذي حزنت لفقده فضائيات بعينها، وأقيمت له مآتم ألحزن، وسميت بأسمه "ساحات" في فلسطين، وذرفت  لفقده دموع في أفغانستان ولندن.. وألقائمة تطول..؟؟!

"ألزرقاوي" هذا ، قد أنقسمت حوله ألأرآء، وتباينت بسببه المواقف، ووظف مقتله في شتى ألصور وألمقاصد..! ونشبت بسبب موته معارك من نوع جديد وكثرت ألتقولات حول شخصيته في مختلف وسائل ألأعلام، عربية وأجنبية..!
 فمن قائل قادح: 
أن "ألزرقاوي"؛ ما هو  إلا نكرة ، خائبة ألحظ ، بليدة ألفكر، تلقفتها يد  صانع ماهر، فحورتها وسبكتها ألى آلة عمياء، تقودها حيثما تريد، وتوجهها حسبما ترغب..، آلة عمياء، تقترف ألدمار وألخراب حينما يطلب منها، عمياء لا تفرق بين ألأبيض وألأسود، بين ألضار وألنافع.. تقتل آنى يشاء منها، فلا تميز بين صغير أو كبير، رجلا كان أم أمرأة ، صبيا أم شيخ..!
أن "ألزرقاوي" هذا ، صنيعة ليس ألا، وأمثاله بألأوف؛ إن سقط أحدهم أليوم قام غيره غدا؛ مدجنين كألخراف، لا بصر لهم ولا بصيرة، دهماء،  مقادون مأمورون؛  جرائمهم ألشنيعة بحق ألأبرياء، ترقى ألى هول وبشاعة جرائم صانعيهم؛ ألمتسترين وراء كل ما تقدسه ألنفوس وما تؤمن به ألعقائد؛ غلاظ عتاة، متمترسين وراء كنوز ألمال ألسحت، من فيض ألأموال ألمغسولة، من تجارة ألسلاح و ألمخدرات..!؟
ومن قائل متشكك:
 أنه مجرد إنسان غير طبيعي، ذو شخصية سايكوباثية مشوهة بالفطرة، تتصف بالتطرف والعنف بشكل جنوني في ارتكاب الجرائم وفي أي ظرف كان.
       وآخرون مباركون أو مؤيديون وهم يدعون:
ما "ألزرقاوي" إلا "شيخ" من مشايخ ألتقى وألهداية، نذر نفسه لكسب ألشهادة.. وقد فاضت روحه، في سبيل تطهير أرض ألأسلام من رجس ألصهيونيين، ودنس المحتلين ألصليبين، من أجل أقامة دولة ألمسلمين. فهو مسلم مجاهد، فرض عليه إيمانه سنة الجهاد..وإحتباه ألله أن يكون واحدا من جنوده في ألأرض ليقيم ألعدل ويعيد ألحق ألى أهله في فلسطين، ويحرر ألعراق من ألمحتلين، أما وسيلته لذلك ، فهي في مقاومته ألمسلحة ودك قلاع ألصليبين أنى رحلوا وحيثما كانوا..!

مع كل هذا فقد تبدو شخصية ألزرقاوي حالة أسطورية "غامضة" تختلط كغيرها من أوراق أللعبة ألسياسية بكل تلاوينها في ألشرق ألأوسط، مع كل عوامل وأوراق عملية ألصراع الدائر في ألعالم بين قوى ألعوملة بجبروتها وقدراتها أللامحدودة وبين ردود ألفعل ألمختلفة وألناجمة من واقع هذه ألعملية، وما تعكسه تلك ألردود من حقيقة ألتباين في ألمستويات ألحضارية وألأقتصادية لشعوب البلدان ألتي تستهدفها تلك ألعملية..!  ولكن ما يسمح به ألقول،  فأن ظاهرة أسطورة  "ألزرقاوي" نفسها، ليست عديمة ألأصل أو ألجذور أو أنها ولدت من خيال ..!
 
[[ ففي الخامس من شباط 2003 أعلن وزير ألخارجية ألأسبق ( كولين باول) أمام مجلس ألأمن، شكواه ألتي أصبحت حدثا تأريخيا وألتي يتذكرها ألكثيرون بدقة، متهما ألنظام ألعراقي بتصنيع وحيازة أسلحة ألدمار ألشامل، وبأنه يمتلك علاقة تعاونية خفية مع منظمة "ألقاعدة"..! وكصلة أرتباط بين صدام حسين وأسامة بن لادن، ألفت (باول) ألنظر ألى ألأردني ألمولد وألغير معروف، ألأرهابي "أبي مصعب ألزرقاوي"..! وهكذا خلال لحظات ولدت "أسطورة الزرقاوي"، تلك ألأسطورة، ألتي رغم أن فرضية وجود علاقة خفية سريعا ما ثبت عدم صحتها، فأنها وبدون أدنى شك، قد أثرت على ألتطور في ألشرق ألأوسط والعالم ألأسلامي..!]] - الصحيفة السويدية/  22/03/2006 Svenska Dagbladet-  CARL JOHAN GARDELL
ومما جاء في تعليق ألصحفي (كارل يوهان كاردل) ألمشار أليه في أعلاه، على كتاب ألصحفية وألكاتبة ألأيطلية (لوريتا نابوليوني) ألموسوم  ب(ألتمرد ألمسلح في ألعراق)، فأنه وعلى حد قول ألصحفية ألأيطالية: فأن أسطورة "ألزرقاوي" قد وظفت في مقاصد كثيرة. فمن خلال عملية ألتماثل للرابطة ألخاطئة بين صدام وألقاعدة ، حاولت أدارة (بوش) إضفاء صفة من ألحقيقة عليها لغاية ألفترة ألتي أتخذت فيها ألقرار بأسقاط ألنظام..!
ويضيف الصحفي ألمذكور ونقلا عن ألمؤلفة: " فأن ألزرقاوي، مثله مثل أبن لادن من قبل، عبارة عن شخصية زائفة صنعتهما حكومة ألولايات ألمتحدة وحركة ألمجاهدين." وبعد هذا ألأختراق ألحسي وغير ألمنتظر، وجد نفسه، يسهم في ألدور كشخص عالمي فائق ألشهرة..!" لاحظ ألصحيفة ألسويدية أعلاه

 مهما قيل أو يقال عن شخصية "ألزرقاوي" فأنه في أغلبه يتمحور حول "ألزرقاوي" كشخصية "أسطورية"، وألنادر منه  تناول "ألزرقاوي" كظاهرة تأريخية، لها أبعادها ألسياسية وألأقتصادية وألأجتماعية، وخلفياتها ألفكرية، وجذورها ألتأريخية..! ولست هنا في معرض ألحديث أو ألدخول في تفصيلات ذلك،  فألزرقاوي وغيره أمثال أبن لادن وألظواهري وألشخصية ألجديدة ألتي بانت أرهاصات تألقها( كأسطورة جديدة) على ألصعيد ألدولي في بداية ألطريق ، بعد أن أعلن عنها هذه ألمرة ألرئيس (بوش) بنفسه في زيارته ألمفاجأة للعراق في14/03/       2006 وليس وزير خارجيته كالسابق، وألمقصود هنا ألخليفة ألجديد ألمدعو ["أبو حمزة ألمهاجر"] ألذي كثر ألسؤال عن هويته بعد مقتل "ألزرقاوي". إن جميع هؤلاء وغيرهم من ألتابعين لا يشكلون بمفردهم (ألظاهرة) نفسها، رغم ما لعبوه ويلعبوه  من أدوار ذات تأثير بالغ على ألصعيد ألدولي؛ وحينما يجري ألحديث عن أي منهم يستدعي ألأمر تناول ألظاهرة نفسها وبكل أبعادها ، وهذا ما لا تتناسب معه مقالة بهذا ألشكل وألمضمون..!

وهكذا تبدو ألمواقف من مقتل ألزرقاوي ونهاية ألأسطورة ألتي رسمت حوله، موضع جدل ونقاش لا ينتهيان، طالما أن عوامل وأسباب ظهور مثل هذه ألشخصيات وما يحاك حولها من قصص وتصورات، ماثلة حية بالملموس، تفرزها حقيقة عملية ألصراع ألأقتصاأجتماعي ألعالمية وسيرورتها ألمستمرة..!
 ولكن ألأمر قد يختلف عن سياقه ألمذكور، حينما يتعلق ذلك بما يجري فعليا على صعيد ألممارسة ألعملية أليومية لمفردات ذلك ألصراع وألنتائج ألمترتبة عليها وردود ألفعل ألتي تحدثها، وطبيعة ألآثار ألتي تتركها على ألمديين ألقريب وألبعيد، ومدى تقبل أو رفض طبيعة ألوسائل ألمستخدمة في أدارتها، كما ونفس ألشيء فيما يتعلق بطبيعة ألذرائع ألتي تسندها..!

يليه ألجزء ألثاني



ألزرقاوي: ألأسطورة وألظاهرة...!  ألجزء ألثاني

باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

ألجزء ألثاني

ومن هذا ألمنطلق، يمتلك ألعراقيون كامل ألحق في تحديد موقفهم من "أسطورة ألزرقاوي" ورسم تصورهم عنها، لا لشيء  ، إلا لكون ما جرى ولازال يجري في بلادهم ، قد مسهم في صميم حياتهم أليومية، وسبل عيشهم ، وتجاوز حدود ألمعقول وأللامعقول، فلم يعد هناك ما يمكن وصمه بألأرهاب ألمنظم ألذي يتعرض له ألعراقيون يوميا، بل أصبح ألعراقيون وجها لوجه أمام( أبادة جماعية) يندى لها جبين أي أنسان متحضر مؤمن بالعدل؛  أبادة تشن عليهم بذرائع ما أنزل ألله بها من سلطان، ولم تقرها سنن ولا أعراف..!؟           
 فالزراقي قد قتل في ربوعهم، وما كانوا براغبيه، ولا بمنصبيه ، فلو كان ضيفا لأستضافوه، أو مستجيراّ لأجاروه..! دخل عليهم بغتة، ولما بعد ينفضوا عن كواهلهم براثن ثلاث عقود من الدكتاتورية وألطغيان، ولما بعد يخرجوا من أحزانهم، ويعيدوا ألبسمة ألى ألوجوه..!
 
بغتة دخل "ألزرقاوي" على ألعراقيين، شاهرا سيفه دون أستئذان، وملوحا بألموت لكل من يعترض سبيله، فأخلى ألناس له المكان ألذي وطأته قدماه، مكرهين فزعين، وذاكرتهم لن يغيب عنها ما كانت تفعله عصابات البدو ألوهابية ألمتعصبة "ألأخوان" في نهاية ألعشرينات من ألقرن ألماضي، حينما كانت تغير على أبناء ألعشائر ألعراقية في تخوم بادية ألسماوة وألناصرية( بصية) وكربلاء؛ تقتل ألشيوخ وألنساء وألأطفال، وتحرق ألبيوت، وتهدم ألشواخص وألعتبات ألمقدسة كما حدث مع (ألمرقد ألحسيني) سابقا في بداية ألقرن ألتاسع عشر/ 1802، مروعة سكان تلك ألمناطق، ألى أن وضع جيش ألأحتلال ألبريطاني آنذاك وبقيادة كلوب باشا (أبي حنيك) حدا لسطوتها وأعمالها ألتي أتسمت بألأجرام بحق ألناس ألأبرياء في بداية ألثلاثينات من ألقرن ألماضي..!؟ وبعد أن دب ألخلاف بينهم وبين آل سعود في بدايات تأسيس ألدولة ألسعودية ألحديثة، فأجهز عليهم ألملك وكانت نهايات قادتهم ومنهم رئيس عشيرة (مطير) فيصل ألدويش..!؟
 أن ما يجمع ذاكرة ألعراقيين من أيام جماعات "ألأخوان" الوهابية ألمتعصبين في نهاية ألعشرينات من ألقرن ألعشرين وذاكرتهم الحالية عن ألزرقاوي وتابعيه  في بداية القرن ألحادي وألعشرين، هو راية كليهما ألطائفية، ووسيلتهما ألدموية؛  ف"ألأخوان" كانوا يقودون حملاتهم ضد سكان مدن ألوسط وألجنوب تحت راية تكفير ألناس، وخاصة أبناء ألطائفة ألشيعية من غالبية سكان تلك ألأصقاع، ونعتهم لهم ب "ألرافضة" وأعتبارهم كفارا، وبذلك كانوا يبررون أفعالهم ألتي تحرمها ألشريعة ألأسلامية وكل ألشرائع وألأديان ألأخرى وألأعراف ألأنسانية..!؟
أما ما أقترفته أيادي "ألزرقاوي" وتابعيه من أفعال أبادة بحق ألعراقيين، فهي في ذريعتها وفي شكلها نفس أفعال " ألأخوان"_ ألوهابيين ألمتشددين، قبل ما يقرب من مائة عام، وأن كان هناك ما يميزها عن تلك، فهو نوع ألوسائل ألمستخدمة وسعة وشدة فتكها وشموليتها ألواسعة، فأن كان "ألأخوان" ينفذون غزواتهم ضد ألسكان ألآمنين، عن طريق مجاميع من ألبدو ألغزاة حاملي ألسيوف , وبعض ألبنادق، فأن سلاح ألزرقاوي وتابعيه ألمفضل ، هو ألسيارات ألمفخخة وألمتفجرات، لقدرته على حصد ألألوف من ألأبرياء في لحظات، ناهيك عن حز ألرقاب..!
لم يكن "ألزرقاوي" ذلك ألكريم ألذي أرخص دمه في سبيل أسعاد ألعراقيين، بقدر ما أساء ألى سمعتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وأصبح وبالا عليهم وطلعة شؤوم على مستقبلهم؛ فألوف العراقيين ألأبرياء سقطوا صرعى بيده جراء تعصبه ألأعمى ومغالاته في ألكراهية..!  "ألزرقاوي" أصبح ذلك ألكابوس ألرهيب ألذي سبق أن عانى منه أجدادهم قبل قرن من ألزمن على يد جماعات "ألأخوان" من ألبدو من غلاة "الوهابية" ألمتعصبين..!؟
 أما ما أدعاه "ألزرقاوي" ومن يدعمه أو يتعاطف معه أو تستهويه طموحاته، فمهما كانت أهدافه وألذرائع ألتي يتوسل بها، فهذا شأن ليس للعراقيين فيه ناقة ولا جمل..! فأن غمر نفوس العراقيين الفرح لنهاية " ألزرقاوي" فليس ذلك لتشف أو كراهية لشخصه، فالعراقيون قد جبلوا على ألتسامح وألطيبة حتى مع من يؤذيهم..! أن مدعاة فرح ألعراقيين بموت "ألزرقاوي" أنما هو في جوهره، فرح  بزوال ذلك ألكابوس ألرهيب ألذي جثم على صدورهم، وأذاقهم طيلة ثلاث سنوات، شتى صنوف ألويل وألعذاب زيادة على ما هم فيه من محنة ومعاناة..!؟  فهل هناك من يعقل ، أن شخصا يدعو الناس للجهاد ضد ألمحتلين " أن كان صادقا في قصده" وفي ألوقت نفسه، يحرض ألناس طائفة ضد أخرى للأقتتال وسفك ألدماء ، بل ويوغل هو بنفسه، في سفك دماء ألعراقيين لتحقيق ذلك، وهذا ما اعلنه جهارا ومارسه عمليا وكشفته ألوثائق.؟؟؟! *لاحظ ألصحيفة ألسويدية أعلاه- ألجزء ألأول
تلك هي ألصورة ألتي رسمها "ألزرقاوي" لنفسه ، ولا أظن أن أنسانا سويا مهما كان مذهبه أودينه أو عرقه، سوف يرضى لنفسه أن يتمثل بصورة كصورة "ألزرقاوي" في ألعراق، فألعراقيون ليس وحدهم من أكتوى بنار طغيان "ألزرقاوي" بل حتى أبناء جلدته وقومه من ألشعب ألأردني ألشقيق،  أذ كان لهم نصيب من ذلك..!؟
لقد أدرك ألعراقيون حقيقة دعوة "ألزرقاوي" وأهدافه في تمزيق لحمة ألعراقيين بشتى مكوناتهم ألعرقية وألدينية والمذهبية بهدف تأجيج نار ألحرب ألأهلية..! 
وأن تواجد " ألزرقاوي" وتابعيه على أرض ألعراق، قد جاء في وقت لا زال فيه ألعراق في مراحله ألأولى من تثبيت أعادة كيانه كدولة مستقلة ديمقراطية ذات سيادة بعد أنهيار هيكلية ألدولة، جراء ألأحتلال عام 2003، وأن ظروف ألصراع ألداخلي على ألسلطة بين أطرافها المتعددين كان واحدا من أسباب ذلك ألتواجد، حيث سهل ألطريق أمامه وأمام غيره من ألآخرين للعبث بألشأن ألعراقي..! ولا غرابة أن تكون محنة  ألعراقيين مع " ألزرقاوي" وتابعيه، تعيدهم في ألذاكرة ألى محنة أجدادهم مع أسلاف هؤلاء من "الوهابيين- ألأخوان" ألمتعصبين قبل قرن من ألزمن، فظروف ألحدثين أشبه ببعضهما من حيث ألذرائع وألوسائل وأن أختلفت من حيث ألأسباب وألأهداف،  وكليهما سابقا أم حاليا كانا جزءّ من عملية سياسية واسعة النطاق، ألأولى أقترنت بتخطيط ألحدود بين ألمملكة ألعربية ألسعودية وألكويت وألأردن وألعراق وتأسيس ألمملكة ألعربية ألسعودية،   أما ألثانية فسعيرها لا زال مستمرا وأهدافها متباينة، وألكبش فيها هو ألعراق وحده..! ومن خلال عملية ألصراع ألقائمة بين جميع من يهمهم شأن ألعراق، سيتقرر مصير هذا ألبلد ألذي أكتوى بنار نفطه وحلاوة خيراته..!   
 فألزرقاوي، رجل قد خسر معركة هو صانعها، وخاض حربا هو مؤجج نارها، وأستباح أرضا لم ترحب به، وأرهب قوما لم  يأنسوا "لأستضافته"..! إلا أن ألسؤال ألذي يطرح نفسه ألآن ؛ هل أن نهاية "ألأسطورة" ، قد قطعت ألطريق على مسيرة ألأرهاب، أم أنها مجرد إنهاء لحلقة في مسلسل من "ألأساطير" ألقادمة..؟؟ أما ألأجابة عليه فهي رهن بما تخبؤه ملفات ألمتصارعين من خطط وسيناريوهات، وما يملكه أي منهم من قدرات وأمكانات..!! ان ألقادم من ألأيام كفيل بأيضاح ألصورة ، وفك رموز أللعبة ألسياسية ألشائكة في ألعراق رغم تعقدها، فبصيرة ألشعوب أقدر على قراءة مستقبلها مهما وضعت أمامها من ألصعاب وألعراقيل..!

خلاصة ألقول؛ فأن ظاهرة "الزرقاوي" وأمثاله وسبل مكافحتها، أبعد من أن تكون مجرد بحث أمني _ مخابراتي يمكن أختزاله في أطار عمليات عسكرية _ أمنية تحت مسميات "ألحرب على ألأرهاب" وحسب؛ بل أنها في ألحقيقة احدى أشكال ألصراع ألقائم على ألصعيد ألدولي وألذي تفرزه عملية (العولمة) في سيرورتها ألمستمرة، بكل سلبياتها وأيجابياتها، وبصورها ألمختلفة، واستشرائها في ألعراق كان أحدى أفرازات حالة ألأحتلال/2003 ألذي هيأ ألمناخ وألأرضية ألمناسبة لوجودها، ناهيك عن تفاقمها في ظل ظاهرة "ألمليشيات " ألمسلحة لعدد من ألأطراف ألسياسية ألمتصارعة  على ألسلطة،  وألتي تعبث بأمن المواطنين وتزرع ألرعب وألخوف في نفوسهم، وما يصاحب كل ذلك من ممارسات خرق حقوق ألأنسان من قبل قوات ألأحتلال وأجهزة ألدولة ألأمنية، مما عمق شعور ألمواطنين ألدائم بعدم ألأطمئنان وألخوف وفقدان ألثقة بأجهزة ألدولة، وأختلاط ألأمور عليهم، لدرجة بات من ألصعب ألتفريق بين من يقف وراء كل ذلك، ولكنها( ألظاهرة) من جانب آخر، إنما تعكس من ألناحية ألعملية وألممارسة أليومية، شكلا  متخلفا وبوسائل لا أنسانية، مرفوضة على جميع ألأصعدة ألشرعية وألدينية وألقانونية، ولا يبرر وجودها كل ألذرائع وألأدعاءات، هذا أذا ما جردناها من محاولات توضيفها من قبل مختلف ألأطراف ألتي لها مصلحة في ألشأن ألعراقي، كل حسب هواه ومبتغاه ..!؟
 أن بناء عراق مستقل أتحادي ديمقراطي تعددي، بعيد عن كل ما يمت بصلة للطائفية، هو ألغاية ألأسمى ألتي يناضل من أجلها جميع ألمخلصين من ألعراقيين دون هوادة..! 
_________________________________________________________________       

393
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

ألجزء ألأول

لقد قتل الزرقاوي وتباينت وجهات النظر في قتله، بين قادح ومادح،  بين فرح وحزين، وبين صامت ومجلجل..، فمنهم من لا أعار للأمر أهتماما، ومنهم من هدد وأرعد وأزبد، ومنهم من أعتبر ألأمر وكأنه نهاية ألعالم، ومنهم من هنأ وبارك وأوعد..!
نعم أن قتل ألزرقاوي يعني شيئا ما،  ولكل قوم رأي في ذلك،  فما يعنيه قتل ألزرقاوي ياترى..؟
ومن هذا "الجن" ألذي أشغل ألعالم، وأرعب ألأجنة في بطون ألأرحام..؟ من هذا "ألمارد" ألذي أهتز (ألبيت ألأبيض) بقتله، وتبادل زعماء ألدول ألتهاني  والتبريكات بموته..؟ من هذا " العفريت " ألذي كان وراء نزيف دماء ألوف ألضحايا ألأبرياء من ألعراقيين..؟
من هذا ألذي حزنت لفقده فضائيات بعينها، وأقيمت له مآتم ألحزن، وسميت بأسمه "ساحات" في فلسطين، وذرفت  لفقده دموع في أفغانستان ولندن.. وألقائمة تطول..؟؟!

"ألزرقاوي" هذا ، قد أنقسمت حوله ألأرآء، وتباينت بسببه المواقف، ووظف مقتله في شتى ألصور وألمقاصد..! ونشبت بسبب موته معارك من نوع جديد وكثرت ألتقولات حول شخصيته في مختلف وسائل ألأعلام، عربية وأجنبية..!
 فمن قائل قادح: 
أن "ألزرقاوي"؛ ما هو  إلا نكرة ، خائبة ألحظ ، بليدة ألفكر، تلقفتها يد  صانع ماهر، فحورتها وسبكتها ألى آلة عمياء، تقودها حيثما تريد، وتوجهها حسبما ترغب..، آلة عمياء، تقترف ألدمار وألخراب حينما يطلب منها، عمياء لا تفرق بين ألأبيض وألأسود، بين ألضار وألنافع.. تقتل آنى يشاء منها، فلا تميز بين صغير أو كبير، رجلا كان أم أمرأة ، صبيا أم شيخ..!
أن "ألزرقاوي" هذا ، صنيعة ليس ألا، وأمثاله بألأوف؛ إن سقط أحدهم أليوم قام غيره غدا؛ مدجنين كألخراف، لا بصر لهم ولا بصيرة، دهماء،  مقادون مأمورون؛  جرائمهم ألشنيعة بحق ألأبرياء، ترقى ألى هول وبشاعة جرائم صانعيهم؛ ألمتسترين وراء كل ما تقدسه ألنفوس وما تؤمن به ألعقائد؛ غلاظ عتاة، متمترسين وراء كنوز ألمال ألسحت، من فيض ألأموال ألمغسولة، من تجارة ألسلاح و ألمخدرات..!؟
ومن قائل متشكك:
 أنه مجرد إنسان غير طبيعي، ذو شخصية سايكوباثية مشوهة بالفطرة، تتصف بالتطرف والعنف بشكل جنوني في ارتكاب الجرائم وفي أي ظرف كان.
       وآخرون مباركون أو مؤيديون وهم يدعون:
ما "ألزرقاوي" إلا "شيخ" من مشايخ ألتقى وألهداية، نذر نفسه لكسب ألشهادة.. وقد فاضت روحه، في سبيل تطهير أرض ألأسلام من رجس ألصهيونيين، ودنس المحتلين ألصليبين، من أجل أقامة دولة ألمسلمين. فهو مسلم مجاهد، فرض عليه إيمانه سنة الجهاد..وإحتباه ألله أن يكون واحدا من جنوده في ألأرض ليقيم ألعدل ويعيد ألحق ألى أهله في فلسطين، ويحرر ألعراق من ألمحتلين، أما وسيلته لذلك ، فهي في مقاومته ألمسلحة ودك قلاع ألصليبين أنى رحلوا وحيثما كانوا..!

مع كل هذا فقد تبدو شخصية ألزرقاوي حالة أسطورية "غامضة" تختلط كغيرها من أوراق أللعبة ألسياسية بكل تلاوينها في ألشرق ألأوسط، مع كل عوامل وأوراق عملية ألصراع الدائر في ألعالم بين قوى ألعوملة بجبروتها وقدراتها أللامحدودة وبين ردود ألفعل ألمختلفة وألناجمة من واقع هذه ألعملية، وما تعكسه تلك ألردود من حقيقة ألتباين في ألمستويات ألحضارية وألأقتصادية لشعوب البلدان ألتي تستهدفها تلك ألعملية..!  ولكن ما يسمح به ألقول،  فأن ظاهرة أسطورة  "ألزرقاوي" نفسها، ليست عديمة ألأصل أو ألجذور أو أنها ولدت من خيال ..!
 
[[ ففي الخامس من شباط 2003 أعلن وزير ألخارجية ألأسبق ( كولين باول) أمام مجلس ألأمن، شكواه ألتي أصبحت حدثا تأريخيا وألتي يتذكرها ألكثيرون بدقة، متهما ألنظام ألعراقي بتصنيع وحيازة أسلحة ألدمار ألشامل، وبأنه يمتلك علاقة تعاونية خفية مع منظمة "ألقاعدة"..! وكصلة أرتباط بين صدام حسين وأسامة بن لادن، ألفت (باول) ألنظر ألى ألأردني ألمولد وألغير معروف، ألأرهابي "أبي مصعب ألزرقاوي"..! وهكذا خلال لحظات ولدت "أسطورة الزرقاوي"، تلك ألأسطورة، ألتي رغم أن فرضية وجود علاقة خفية سريعا ما ثبت عدم صحتها، فأنها وبدون أدنى شك، قد أثرت على ألتطور في ألشرق ألأوسط والعالم ألأسلامي..!]] - الصحيفة السويدية/  22/03/2006 Svenska Dagbladet-  CARL JOHAN GARDELL
ومما جاء في تعليق ألصحفي (كارل يوهان كاردل) ألمشار أليه في أعلاه، على كتاب ألصحفية وألكاتبة ألأيطلية (لوريتا نابوليوني) ألموسوم  ب(ألتمرد ألمسلح في ألعراق)، فأنه وعلى حد قول ألصحفية ألأيطالية: فأن أسطورة "ألزرقاوي" قد وظفت في مقاصد كثيرة. فمن خلال عملية ألتماثل للرابطة ألخاطئة بين صدام وألقاعدة ، حاولت أدارة (بوش) إضفاء صفة من ألحقيقة عليها لغاية ألفترة ألتي أتخذت فيها ألقرار بأسقاط ألنظام..!
ويضيف الصحفي ألمذكور ونقلا عن ألمؤلفة: " فأن ألزرقاوي، مثله مثل أبن لادن من قبل، عبارة عن شخصية زائفة صنعتهما حكومة ألولايات ألمتحدة وحركة ألمجاهدين." وبعد هذا ألأختراق ألحسي وغير ألمنتظر، وجد نفسه، يسهم في ألدور كشخص عالمي فائق ألشهرة..!" لاحظ ألصحيفة ألسويدية أعلاه

 مهما قيل أو يقال عن شخصية "ألزرقاوي" فأنه في أغلبه يتمحور حول "ألزرقاوي" كشخصية "أسطورية"، وألنادر منه  تناول "ألزرقاوي" كظاهرة تأريخية، لها أبعادها ألسياسية وألأقتصادية وألأجتماعية، وخلفياتها ألفكرية، وجذورها ألتأريخية..! ولست هنا في معرض ألحديث أو ألدخول في تفصيلات ذلك،  فألزرقاوي وغيره أمثال أبن لادن وألظواهري وألشخصية ألجديدة ألتي بانت أرهاصات تألقها( كأسطورة جديدة) على ألصعيد ألدولي في بداية ألطريق ، بعد أن أعلن عنها هذه ألمرة ألرئيس (بوش) بنفسه في زيارته ألمفاجأة للعراق في14/03/       2006 وليس وزير خارجيته كالسابق، وألمقصود هنا ألخليفة ألجديد ألمدعو ["أبو حمزة ألمهاجر"] ألذي كثر ألسؤال عن هويته بعد مقتل "ألزرقاوي". إن جميع هؤلاء وغيرهم من ألتابعين لا يشكلون بمفردهم (ألظاهرة) نفسها، رغم ما لعبوه ويلعبوه  من أدوار ذات تأثير بالغ على ألصعيد ألدولي؛ وحينما يجري ألحديث عن أي منهم يستدعي ألأمر تناول ألظاهرة نفسها وبكل أبعادها ، وهذا ما لا تتناسب معه مقالة بهذا ألشكل وألمضمون..!

وهكذا تبدو ألمواقف من مقتل ألزرقاوي ونهاية ألأسطورة ألتي رسمت حوله، موضع جدل ونقاش لا ينتهيان، طالما أن عوامل وأسباب ظهور مثل هذه ألشخصيات وما يحاك حولها من قصص وتصورات، ماثلة حية بالملموس، تفرزها حقيقة عملية ألصراع ألأقتصاأجتماعي ألعالمية وسيرورتها ألمستمرة..!
 ولكن ألأمر قد يختلف عن سياقه ألمذكور، حينما يتعلق ذلك بما يجري فعليا على صعيد ألممارسة ألعملية أليومية لمفردات ذلك ألصراع وألنتائج ألمترتبة عليها وردود ألفعل ألتي تحدثها، وطبيعة ألآثار ألتي تتركها على ألمديين ألقريب وألبعيد، ومدى تقبل أو رفض طبيعة ألوسائل ألمستخدمة في أدارتها، كما ونفس ألشيء فيما يتعلق بطبيعة ألذرائع ألتي تسندها..!

يليه ألجزء ألثاني

394


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

تابعت وبأهتمام بالغ، رحلة السيد نوري المالكي ، رئيس الوزراء المستوزر حديثا ألى مدينة البصرة، وأنصت الى كل كلمة من كلماته، بل وتطلعت حتى الى تعابير وجهه وهو يتحدث في مؤتمراته الصحفية، ولم يساورني شك ؛ بأن السيد الوزير ألأول آخذ أمر ما يجري في البصرة بجدية وأهتمام كبيرين، وبأنه عازم على وقف لعبة أمراء الحرب الجدد في البصرة، وحقن دماء البصريين ألتي أهدرت، وصيانة أعراض وأملاك الناس التي أنتهكت، وزرع الطمأنينة في نفوس المواطنين التي روعت..،  نعم كنت وكغيري من ابناء الفيحاء الغيارى نرقب ونتابع ونتطلع الى كل ذلك، وألأمل رائدنا بأن نقاطا ستوضع على الحروف المبهمة، وشواخص ستنصب،  وأسماء ستعلن، وحدودا سترسم، وسوف يبان الخيط ألأبيض من ألأسود، وستنجلي الصورة، ويزول الغموض..!  فلا غموض أزيل ولا صورة أنجلت، وهاهم البصريون يقبعون أسارى حالة الطواريء، فلا حدة التصريح آمنتهم، ولا شدة التهديد والوعيد أسعفتهم..!

لم يرّ البصريون ما يقر عيونهم أو يبعث الفرحة في نفوسهم..!  نعم سمعوا الكثير من التنديد بألأفعال ألأجرامية والعتاب الشديد الموجه لممثلي الطوائف السياسية والتأنيب الذي أستهدف مسؤولي المحافظة، ولكن لا شيء يمت بصلة الى من يقف وراء كل ما حدث ويحدث، ولم تحدد المسؤوليات، بل أختزل ألأمر الى مجرد ألقاء المسؤولية على عاتق جهة لا هوية لها؛ جهة يكتنفها الغموض،  هلامية الملامح، مجهولة العنوان والمكان، لا يعرف لها أسم، ولا تحدها حدود..!

لقد جاءت تصريحات السيد رئيس الوزراء، عند وجوده في البصرة وبعد ألتقاءه بالشاكين والمشتكى منهم، من مسؤولين مدنيين وعسكريين، وقادة نخب سياسية ودينية وزعماء عشائر ورؤساء منظمات مدنية وغيرهم من ذوي العلاقة، جاءت هذه التصريحات واضحة لا لبس فيها؛ فالذي يقف وراء أستباحة مدينة البصرة، أنما هي "العصابات" التي لا سلطان عليها لا غير، والحكومة عازمة على وضع حد لأستهتارها وأفعالها ألأجرامية..! وهكذا كانت النتيجة؛ أعلان حالة الطواريء في البصرة لمدة شهر من الزمن..!؟
من هي تلك العصابات المسلحة يا ترى..؟ وكيف وجدت طريقها بهذه السهولة لترويع المواطنين..؟ وما هي الرابطة بين "عصابات مسلحة"، عادة ما تكون أهدافها السرقة والتهريب وألآختطاف، وبين قتل الناس على الهوية، وارهاب المواطنين العزل وأجبارهم على هجر المدينة الى المدن ألأخرى طبقا للطائفة المذهبية، وأغتيال أساتذة الجامعات ورجال الدين وأصحاب المهن الحرة من مختلف ألأصناف، بما فيهم النساء..؟؟  كيف يمكن لمثل هذه العصابات أن تمارس جرائمها في عرض وطول المدينة ولا من أحد يوقفها، أو يعترض سبيلها، لا من قوى ألأمن ولا من قوى المنظمات وألأحزاب السياسية والدينية المسلحة، خاصة وأن مدينة البصرة غاصة بالعديد من الجيوش المسلحة، من أمثال جيش المهدي، وبدر، والفضيلة وحزب الله وغيرها من " المليشيات" غير المنظورة وغير المحسوبة، ناهيك عن قوات ألأحتلال البريطانية..؟؟
لو سلمنا بفرضية مسؤولية "العصابات المسلحة"،  فما سيكون تفسيرنا لوجود هذا العدد الكبير من "المليشيات" أللاقانونية في مدينة من مدن العراق ذات ألأهمية الكبيرة.؟ وما هو الدور ألأمني وألوطني الذي يمكن أن تقوم به أمثال هذه المليشيات، التي يجمع الجميع، وفي مقدمتهم مواطنو البصرة الفيحاء،  بأنها باسطة يدها في كل مكان من المدينة، وتظهر سيطرتها وتحكمها بمصير أبناءها  دون سائل أو رقيب..؟؟ كيف أذن تسنى ويتسنى لمثل هذه "العصابات المعنية" أن تمارس كل هذا النشاط ألأجرامي، بوجود هذا الكم الهائل من المليشيات المسلحة، المحتضنة من قبل بعض أطراف العملية ألسياسية..؟؟!

لا أريد في الحقيقة ألأكثار من ألأسئلة حول دور "المليشيات" وأهداف ألأبقاء على وجودها، ولكن للأشارة الى ما أعلنه السيد رئيس الوزراء؛ بأن أمرها يسير بالتوازي مع مسيرة المصالحة الوطنية، مما يوقع ظلالا من التساؤل وألألتباس على حقيقة ما ينوى أتخاذه بصدد هذا الوجود..؟؟ فهل يفهم من ذلك أن ما جرى ويجري في البصرة كان ولا يزال بمعزل عن دور ونشاط هذه المليشيات وحواضنها من أحزاب ومنظمات دينية، وما يدور بينها جميعا من صراع وأحتراب من أجل فرض الهيمنة وألتحكم بأمور المحافظة..؟؟ وأن جميع ما قيل ويقال عن هذا الدور والنشاط ، هو مجر دعاية أعلامية مفبركة..؟؟؟
 
أن أي عصابة مسلحة مهما أوتيت من قوة، لا يمكنها أن تولد وتعيش وتستفحل ، أن لم يكن هنالك من ألأجواء والتربة الصالحة التي تسمح لمثل هذه العصابة  بالوجود..! وقد شكلت المظاهر المسلحة المستشرية في البصرة وغيرها من المدن العراقية ألأخرى، والتي تمثلت بميليشيات بعض ألأطراف الدينية والسياسية، شكلت المناخ المناسب لظهور وتواجد مثل تلك العصابات المسلحة التي أستغلت الواقع ألأمني المنفلت، والتواجد المليشياوي المسلح والمدعوم من قبل تلك ألأطراف ،  فأصبح وجودها وأستمرارية هذا الوجود مرهونا سلفا بوجود هذه "المليشيات ألعسكرية" التي أصبحت بمثابة المظلة أو العباءة التي تتستر  وتختفي تحتها هذه العصابات..!! ولم يعد من الصعوبة بمكان تأشير الرابطة الجدلية بين المكونين..!؟

أنه لمن المسلم به أن لا تكون فرضية وقوف "العصابات المسلحة"  ألأرهابية، التي وردت على لسان السيد رئيس الوزراء،  هي وراء ما يجري في البصرة، رغم ما لهذه العصابات من دور مدمر ومخرب في حياة المواطنين والبلاد، فهذا ما يبطله وجود المليشيات المسلحة من غالبية ألأطراف بهذه الكثافة في المدينة، ألا اذا كان ألأمر يقصد منه أو يفسر على اقل تقدير، بأنه أبعاد لتسليط  ألأضواء على وجود هذه المليشيات ودورها الذي لم يعد خافيا على أحد بما فيهم ذوي ألشأن من حكام ونواب وقادة طوائف سياسية  ودينية،  في تعكير صفو ألأمن وأطمئنان المواطنين..!! (*)

خلاصة القول؛ فان كان الطريق ممهدا لمحاربة العصابات المسلحة ألأرهابية، فليس من المنطقي أن يلجأ المرء الى معالجة النتيجة ويترك السبب..! ولا يشك المرء بأن السيد رئيس الوزراء غافل عن هذه الحقيقة، أما الحسابات السياسية فلها موازينها الخاصة، وهذا ما يخشاه البصريون وكل عراقي حر يحترق ألما لما آلت أليه أحوال الوطن العزيز..!

    (*) للمزيد من المعلومات راجع مقالتنا السابقة (هل هي صرخة في واد..؟؟) المنشورة في نفس الموقع

395
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

ما اتناوله في أدناه ليس ألا قراءة سريعة  في فقرات الورقة الحكومية لحكومة السيد نوري المالكي، التي أقرها البرلمان في جلسة منح الثقة بالحكومة العراقية الدائمة، والتي أصطلح على تسميتها ب(البرنامج الحكومي)، الغاية منها هو مجرد ألقاء الضوء على طبيعة تركيب هذه الورقة ، وليس الخوض في محتويات نصوصها، أملا في العودة لذلك من خلال قراءة لاحقة لنصوص الدستور.

•   يتكون برنامج الحكومة الجديدة من اربع وثلاثين فقرة سطرت وفق نظام غير مترابط، وغير متجانس من حيث المحتوى أو المضمون.

•   غالبية الفقرات التي أحتوتها الورقة، كانت أنتقائية ولا ترتبط مع بعضها بأواصر معينة، ولا تقع تحت تبويب محدد يفهم منه أهداف وخطط الحكومة في المجالات المختلفة؛ على سبيل المثال؛ الجانب ألأمني، الجانب السياسي، الجانب ألأقتصادي، ألجانب ألأجتماعي، الجانب ألثقافي، الجانب الخدمي ...الخ مما جعل من الصعوبة ألأهتداء الى معالم سياسة الحكومة في المجالات المختلفة، مما ترك الباب مفتوحا للتخمين والتكهن بسياسة الحكومة للفترة القادمة..! وكتابة برنامج بهذه الصيغة المختلطة للأولويات يفقده صفة البرنامج، بقدر ما يربك المراقب أو المواطن بمعنى أدق، في التعرف وألأهتداء على خطة الحكومة في أي مجال من المجالات ، وهذا ما اسدل ستارا  من الضبابية على طبيعة مكونات برنامج الحكومة بصيغته الحالية، في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون برنامجا متكاملا في كل أجزاءه ومكوناته لحكومة دائمة لفترة أربع سنين، وليس مجرد فقرات غير مترابطة منتقاة من الدستور أو من مقولات عامة ..!


•   على صعيد المحتوى؛  فأنه لا يغير من الهدف لبرنامج  ولحكومة دائمة، ويكتب لفترة أستثنائية، أن يكون برنامجا متكاملا في جميع ألأتجاهات، وألا  فما الحاجة الى حكومة بهذا الحجم غير الطبيعي وهذا الترهل في عدد الوزارات، لدرجة ضمت فيها الحكومة الجديدة سبع وزارات دولة عاطلة عن العمل، مكبدة الدولة أنفاقا طائلا من الرواتب والمخصصات والتخصيصات المختلفة للنقل والسكن والحماية وغيرها من نفقات المكاتب، خاصة أذا ما علمنا بأن حماية الوزير الواحد تكلف راتب ثلاثين شخصا وبمعدل ثلاثة آلاف دولار للشخص الواحد شهريا..!

•   الفقرة (1) من البرنامج؛  تتحدث عن حكومة الوحدة الوطنية، وتربط تشكيلها بألأستحقاق ألأنتخابي وبمقتضيات المصلحة الوطنية، وبذلك فهي تدخل في تناقض تأسيسي، حيث أن ألألتزام بألأستحقاق ألأنتخابي أولاّ يضعف من أهمية ألأخذ بمقتضيات المصلحة الوطنية، بل ويغلب عيها ، ناهيك عن عمومية مصطلح (المصلحة الوطنية) الذي غلبت عليه صفة التقديرية، في الوقت الذي يفترض فيه، أعطاء ألأولوية في ألأختيار لمتطلبات (الحالة ألأستثنائية) التي تمر بها البلاد ، وألا فما هي الحاجة الى عملية التطعيم بهذا الشكل الذي جرى في تشكيل الحكومة، أذا كانت مقتضيات ألأستحقاق ألأنتخابي لها ألأولوية في بناء حكومة الوحدة الوطنية..؟ وتأسيسا على هذا التشكيل الذي بنيت عليه حكومة السيد المالكي، يصبح من غير الممكن أضفاء صفة حكومة (الوحدة الوطنية)  على الحكومة الجديدة..! فهي في الواقع أقرب الى (حكومة أئتلافية) منها الى (حكومة للوحدة الوطنية)، أما أضفاء هذه الصفة ألأخيرة عليها والواردة في "البرنامج" ، فلا أرى فيه ألا حرفا للأنظار عن طبيعة التشكيل وأهدافه الحقيقية، وما يؤكد ذلك تحفظ بعض الكتل البرلمانية على وثيقة البرنامج الحكومي ورفضها وأنسحاب بعضها من ألأشتراك في الحكومة، ناهيك عن طابع المحاصصة الذي بنيت عليه التشكيلة الوزارية..!

•   الفقرة (2) من البرنامج، لا تقدم شيئا يمت بصلة لبرنامج حكومي، وهي بمثابة تحصيل حاصل، فالحكومة سبق وأن أقرها البرلمان وفقا للدستور وهي ملزمة بالتقيد ببنوده. أما ما يتعلق بالتعديلات الدستورية ، فهي من مهام البرلمان قبل أن تكون مهمة للحكومة، وبالتالي فلا أرى ما يستدعي حشرها في "برنامج" حكومي..!

•   الفقرة (3) من البرنامج؛ جاءت تكرارا  لما جاء في الفقرة (1)، والغاية كما يبدو هي ترك الباب مفتوحا أمام الكتل الرافضة للمشاركة في الحكومة، وطبقا للأسس المشار اليها في تلك الفقرة..! ولا أرى فيها ما يستوجبه برنامج أو خطة حكومية للمستقبل، وبأمكان الحكومة الجديدة ورئيسها القيام بهذا النشاط من خلال الأتصالات واللقاءات التي يمكنه أن يجريها مع تلك ألأطراف..!

•   الفقرة (4) من البرنامج؛ لا يمكن النظر اليها كفقرة برنامجية، بقدر ما هي الا ممارسة يومية وسلوك أخلاقي وألتزام سياسي، يفترض أن يكون من ثوابت العمل الحكومي اليومي. خاصة ما يتعلق بمباديء حقوق الأنسان التي كفلتها نصوص ميثاق ألأمم المتحدة، ولا يكفي مجرد ألأحترام لتلك النصوص، ضمن نص عمومي، وانما ألأعلان عن ألألتزام بتلك النصوص، دعما للحق والعدالة ..!

•   الفقرة (5) من البرنامج؛ العمل على صيانة العراق وتعزيز وحدته وأستقلاله، فهي أقرب الى أعتبارها ألتزام حكومي تعهدي وواجب وطني، قد أقسمت عليه الحكومة ورئيسها أمام البرلمان، ولا يوجد مسوغ في تثبيها كفقرة برنامجية. أما ما يتعلق بوجود القوات ألأجنبية في البلاد وآفاق أنسحابها، وربط تواجدها ببناء القوات المسلحة الوطنية كشرط لذلك، فبقدر ما في هذه الفقرة من ضعف وعدم وضوح في الأهداف، فأنه كان من الموجبات على الحكومة الدائمة، أن تحدد سقفا واضحا وجدولة تقريبية لأنسحاب تلك القوات، وعدم ربط ذلك ألأنسحاب بشرط بناء القوات المسلحة الوطنية وقدرتها على القيام بمهامها ألأمنية، حيث أن تلك القدرة هي مسألة نسبية تقديرية..! وكان يجدر بواضعي البرنامج أن يعطوا لهذه الفقرة أولوية على غيرها من الفقرات، وأن يفرد لها نصا خاصا بها كألتزام حكومي ذي طبيعة أستثنائية، وأن يكون له نفس القدر من ألأهمية كما هو ألأمر بالنسبة للملف ألأمني ، ألذي هو ألآخر لم يحض بألأهمية المطلوبة وألأستثنائية..!
•   الفقرة (6) والفقرة (7) من البرنامج؛ يمكن ألأستعاضة عنهما من خلال التوجيهات العامة والتعليمات التي تصدرها رئاسة مجلس الوزراء الى الوزارات المختلفة، ولا تملكان أية صفة برنامجية، ويقعان ضمن صلب صلاحيات الحكومة المنصوص عليها دستوريا..!

•   الفقرة (8) والفقر (9) من البرنامج؛ رغم أنهما اقرب الى نصوص الدستور منهما الى برنامج حكومي وبالتزامات محددة ومحدودة في الوقت والمكان، فقد أخفقت الحكومة الجديدة ومنذ اللحظة ألأولى لتشكيلها في وضع مباديء الدستور موضع التطبيق، خاصة ما يتعلق بتطبيق روح النص للمادة الدستورية 48/الفقرة /رابعا؛  المتعلقة بنسبة تمثيل النساء في البرلمان، فجاء تمثيل المرأة في الحكومة الجديدة ضئيلا ولا يتعدى نسبة 10%. ولا تتضمن الفقرتان معالم واضحة عن خطتها في هذين المجالين..!

•   الفقرة (10) من البرنامج؛ تناولت العناية بالعتبات المقدسة وتقديم الرعاية والدعم للسياحة الدينية، ورغم محدودية النص، فأنه كان من ألأولى ألأشارة الى شمولية سياسة الحكومة في تطوير السياحة ، لتشمل ليس فقط ألعتبات المقدسة، بل كافة المواقع التأريخية والمعالم الوطنية، وتوجهات الحكومة لتحقيق ذلك..!

•   الفقرة (11) من البرنامج؛ تتحدث عن رعاية الجامعات وصيانة أستقلالها، ولكنها في نفس الوقت تمنح الحكومة الحق في أعادة النظر في المناهج التعليمية في جمبع المراحل (دون تحديد مستوياتها) أو تسميتها، مما يمكن تفسيره تعارضا مع أستقلالية الجامعات في وضع مناهجها ألتعليمية؛ فالنص في صياغته كان عموميا، كما أنه لم يتعرض الى طبيعة الخطط التي ستقدم الحكومة على وضعها موضع التنفيذ، ولم يحدد وجهة التغيير المطلوبة  للمناهج التعليمية وألأسس التي ستبنى عليها. لقد كان بألأمكان أن يكون أحد جوانب البرنامج الحكومي،  هو الجانب التعليمي بمختلف مكوناته وبيان تفاصيل الخطط المنوي تنفيذها، على كافة ألأصعدة بما فيها المناهج التعليمية، وعدم تشضية ألأمر بهذا الشكل وكأن المرء يقف أمام رؤوس أقلام لمواضيع غير واضحة المعالم..!
   
•   الفقرة (12) من البرنامح؛ المتعلقة بضمان استقلالية شبكة ألأعلام العراقية والهيئة الوطنية للأتصالات، جاءت تكرارا لنص المادة (102) من الدستور، وهو ألتزام دستوري مفترض، ويعتبر كأحد واجبات الحكومة ألثابته على صعيد الممارسة. اما الشبكة والهيئة نفسيهما، فيخضعان للمسؤولية أمام مجلس النواب، وبالتالي فأن حشر هذه الفقرة ضمن فقرات "البرنامج" مثل بعض ألأخريات أنما هو بمثابة أثقال عليه..!

•   الفقرة (13-18) من البرنامج؛ كافة هذه الفقرات تتعلق بالجانب الآقتصادي، وكان بألأمكان حصرها تحت هذا العنوان وبيان تفاصيل خطة التنمية الآقتصادية المقترحة للسنوات ألأربعة القادمة في خطوطها العامة، وعدم بعثرتها في فقرات تفتقد الترابط والتجانس البرنامجي..!

•   الفقرة (19-21) من البرنامج، تميزت بالتداخل بين الشأن الداخلي و الشأن الخارجي، وكان بألأمكان الفصل بين ألأثنين في بابين مستقلين، بعد أضفاء الوضوح على المباديء ألأساسية للحكومة في مجال بناء العلاقات مع الدول ألأخرى..!

•   الفقرة (22) من البرنامج؛ المتعلقة بتطبيق نص المادة (58) من الدستور، والخاصة بتطبيع ألأوضاع في منطقة كركوك. فقد وردت في البرنامج المطروح بصيغة التعهد وألألتزام من قبل الحكومة، وهي في حقيقتها ألتزام دستوري يلزم أي حكومة تستلم المسؤولية البدأ بتفعيل نص المادة الدستورية المذكورة، وبالتالي فله أستقلالية خاصة عن باقي خطة الحكومة البرنامجية، ولا يرى فيه المرء،  جزءّ من البرنامج الذي ترسمه الحكومة، بل هو مجرد ألتزام تنفيذي منصوص عليه في بنود الدستور..!

•   الفقرة (23-24) من البرنامج؛ تتعلقان بالملف ألأمني، وأن جاءا محشورتين بين فقرات أخرى من "البرنامج"، وقد كان بألأمكان أن تضع الحكومة وتحت باب خاص هو (الجانب ألأمني) المباديء العامة لخطتها ألأمنية القادمة، وسبل تطبيقها، بما فيه نص الفقرة (34) المتعلقة بتطبيق قانون المليشيات رقم( 91 ) ، وأعطاء هذا الجانب ألأهمية  وألأولوية في مفردات البرنامج، لأستثنائية المرحلة الحالية، لا ألصاقه في خاتمة البرنامج المطروح وفي نفس مستوى الفقرات الأخرى، حيث أن الترتيب في تسلسل الفقرات يعطيها أهمية خاصة من حيث ألأولية  ..!

•   الفقرات من (25-33) من البرنامج؛ جاءت متداخلة مع بعضها رغم عدم التناظر، فمنها ما هو ذو طابع تعليمي، وآخر أقتصادي، والبعض ذو طابع قضائي أو أداري قانوني..!

مما تقدم نخلص الى القول بأن الورقة التي تقدمت بها الحكومة والتي اقرها البرلمان على أنها "برناج حكومي" في جلسة التنصيب، لا أراها تمثل من حيث تحديد طبيعة وجوهر السياسة ألأقتصادية وألأجتماعية ناهيك عن السياسية، خطة واضحة المعالم لحكومة دائمة ولأربع سنوات قادمة  ، بقدر ما تبدو  عبارة عن تعهدات وألتزامات عامة، يغلب عليها طابع المرحلة ألأستثنائية، بكل سماتها المتقلبة، وعلاقاتها المتشابكة على جميع ألأصعدة، كما ويظهر عليها طابع ألأنجاز المستعجل. فهذه الورقة باعتقادي كان دورها فقط،  جزءّ من مراسيم تشكيل حكومة ولدت بعملية قيصرية ولكن جاءت مشلولة..!  أو على حد قول السيد المشهداني رئيس مجلس النواب:  «إن حكومة المالكي تم تشكيلها في ظرف استثنائي وقد تجاوزت رئاسة المجلس على بعض الإجراءات البروتوكولية بهدف إقرارها بالسرعة التي تخدم العملية السياسية في العراق في هذا الوقت الحرج» وأن « البرلمان تساهل في منح الثقة للحكومة خدمة لمصلحة الوطن التي هي فوق مصلحة هذه الجهه أو تلك التي لم تتح لها الفرصة لأن تأخذ دورها كاملا في المشاركة بها ، لان العراق فوق الجميع». صوت العراق:2/6/2006 – بغداد/ البيان

وتأكيدا لما أوردناه أعلاه نود أن نشير الى أن الورقة الحكومية لم تعط تلك ألأهمية المبتغاة من وراء كل ما جاء فيها، الى الملف ألأمني على سبيل التخصيص، بل أن بعض الفقرات المتناثرة بين السطور، والتي كتبت على أستعجال، قد أشارت وبشكل ينقصه الوضوح والتصميم، الى نوايا الحكومة بهذا الشأن، ولعل أبرزها أشارتها المستعجلة والمكتوبة على ما يبدو على مضض وفي آخر فقرة من الورقة، وهي المتعلقة بتطبيق قانون حل المليشيات رقم (91)- الفقرة(34)..!؟ هذا في الوقت الذي يشكل فيه الملف ألأمني وبأقرار الجميع، المفتاح الرئيس لأي برنامج حكومي مهما كانت كثافته أو فترة تنفيذه، لأن يجد طريقه للتنفيذ. ومع ذلك فأن هذا لا ينسي المرء أهمية تصريحات السيد المالكي وتعهداته المتواصلة في مكافحة ألأرهاب في المؤتمرات الصحفية، ومنها نشاطه الفعال والشخصي في معالجة ألأحوال ألأمنية في مدينة البصرة.!

أنه ومع كل ما تقدم ، فأن خلاصة القول؛ هو أن كل ما يتعلق بتنفيذ التعهدات الحكومية، التي تضمنتها الورقة الحكومية، رهن في تحقيقه، ألى طبيعة الظروف التي تسير خلالها العملية السياسية ومدى أصرار مكوناتها على تحقيق أهداف تلك العملية ، وصدقية تلك المكونات، آخذا بألأعتبار طبيعة التركيبة الوزارية نفسها، والتي في مقال سابق قد أشرت الى ملامح هذه التشكيلة*؛  فهي وكما أعتقد لا تستطيع ان تعمل بيسر وديناميكية بسبب تركيبتها الحالية وأسس بنائها، وأخفاقها حتى ألآن في أستكمال قوامها الهيكلي بسبب عامل الصراع وألأحتراب بين مكوناتها السياسية، وعوامل التدخل والتأثير المباشر وأللامباشر الخارجي،  ولعل ازمة وزيري الدفاع والداخلية أحد المؤشرات القوية على ذلك.  ولا اغالي بالقول؛ بانها ولدت وهي تحمل في رحمها بذور هلاكها..!  فربما لو بنيت على اساس من الاستحقاق الانتخابي لكانت اكثر فاعلية ، لانها ستكون في هذه الحالة اكثر تماسكا على أقل تقدير، أما لو كانت حكومة وحدة وطنية حقا، وكما يجري توصيفها حاليا، لتبدلت الارادات ولكانت مصلحة الوطن في المقدمة، وهذا ما كنا نتمناه وندعو اليه دوما، وألأمل، كل ألأمل أن يدرك الجميع حقيقة ذلك..! 

*- راجع الرابط أدناه للمزيد من المعلومات:
http://rezgar.com/m.asp?i=1189

396



باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

وهاهي الحكومة الجديدة تطل علينا بتشكيلتها الجديدة، ودون اي جهد جهيد تم أقرارها في جلسة البرلمان بألأغلبية ، ودون ما يعكر صفاء الأجواء..رغم معارضة رئيس كتلة الحوار الوطني على لا ديمقراطية عملية تشكيل الحكومة..!

كتلة ألأئتلاف، متفقة، رغم تحفظات حزب الفظيلة على الحكومة، وتصويته الى جانب الحكومة حفاظا على وحدة ألأئتلاف..!
كتلة التحالف الكردستاني، متفقة وبدون أية تحفظات..!
كتلة التوافق، متفقة وبدون أعلان اية تحفظات..!
الكتلة العراقية، متفقة بعد ان حصلت على وزارة خامسة، رغم تحفظاتها السابقة، ولكن حرصا  منها على أستمرار سير العملية السياسية..!
كتلة الحوار الوطني، معترضة على مجمل سير العملية، وقاطعت جلسة البرلمان،  بعد الطعن الذي وجهه السيد صالح المطلك رئيس الكتلة للجنة الحوار الخاصة لدى ألأئتلاف..!
كذلك أنسحاب ألآشوريين وألأيزيدين، من عملية التصويت..!

ليس المهم التعليق على آلية تشكيل الحكومة، فمهما تكن هناك من تحفظات على هذه ألآلية، فأن كافة الكتل البرلمانية السياسية قد اقرت هذه ألآلية وقبلت بالنتائج التي ترتبت عليها،  بأستثاء البعض، وبالتالي فأن أقرار هذه الكتل للتشكيلة الوزارية وأسقاط تحفظاتها السابقة ، يدخل ضمن باب المسؤولية المشتركة لهذه الكتل مجتمعة في تحمل نتائج أداء الحكومة ، بعيدا عن أي مبرات أخرى، قد يتذرع بها البعض ، من قبيل المحافظة على سير العملية السياسية أو غيرها من المبررات...!

ومن السابق لأوانه الحكم على مستقبل الحكومة الجديدة، فهي في يومها ألأول،  ألا أن ما يميز الظروف التي تشكلت خلالها، قد يسبغ عليها شيئا من التساؤل حول آفاق سيرورة هذه الحكومة للأيام القادمة وكيفية أدائها؛ ولعل من نافل القول ألأشارة الى ما يلي:

-   أقرار السيد رئيس الوزراء بأن كافة الملفات السابقة وفي مقدمتها الملف ألأمني لا زالت مفتوحة،  يضع الحكومة أمام مسؤولية أستثنائية، خاصة وأن السيد المالكي قد أخذ على عاتقه شخصياّ مسؤولية ثلاث ملفات رئيسة، هي ألأمن والفساد ألأداري والخدمات..!
 
-   أن عددا غير قليل من السادة المستوزرين، هم من نفس أعضاء الحكومة السابقة، وأقرب الى المعرفة بكافة الملفات الحكومية المطروحة.. مما قد يوصف هذه الحكومة بأنها أمتداد للحكومة السابقة، وبالتالي فهي ملزمة بأن تقدم على الصعيد العملي ما يميزها عن سابقتها في هذا المجال..! رغم ما يسبغه عليها السياق الدستوري من وصفها بأنها حكومة دائمية للسنوات ألأربع القادمة..!

-   البيان الوزاري والتصريح الصحفي أللذين أدلى بهما  السيد المالكي بعد أقرار التشكيلة الحكومية، يمثلان عهدا من قبل رئيس الحكومة أمام البرلمان والشعب، ومنذ لحظة األأقرار، بالسعي ألى ألألتزام بما جاء فيهما نصا وروحا،  وكل ما ورد فيهما يعبر عن مؤشرات أولية وأعلانا عن وجهة الطريق التي تنوي الحكومة الجديدة السير فيها، وبذلك فأن ألألتزام التطبيقي  لهذه التعهدات سوف يكون محكا حقيقيا على أرض الواقع، وأمتحانا لصدقية النوايا..!

-   أعتراض كتلة الحوار الوطني وأنسحابها من عملية التصويت، وكذلك ألأمر بالنسبة للاشوريين وألأيزيديين وقسم من كتلة التوافق، يضع في الحسبان ما ستكون عليه عملية المعارضة البرلمانية مستقبلا، وكيفية أدارتها من قبل البرلمان  والحكومة، وألأثار التي تنجم عن طبيعة المعارضة التي بنيت على أساس خلل في الممارسات التي وقعت أثناء عملية التشكيل الوزاري، ووصمها بالمحاصصة الطائفية حسب أدعاء هذه ألأطراف..!

-    وهذا ما يعطي مبررا للتساؤل، فيما أذا كانت الحكومة الجديدة ؛ هي حكومة للوحدة الوطنية أم حكومة للتعهدات..؟ والجواب على هذا التساؤل سيظل رهنا بما تفرزه حصيلة أداء هذه الحكومة في ألأيام القادمة، ناهيك عن شائبة أقرارها ناقصة من تسمية  مسؤولي منصبي أهم وزارتين؛ وهما الدفاع والداخلية...!؟ وكذلك ضئالة نسبة النساء المستوزرات؛ ثلاث من سبع وثلاثين وزيرا.. أي بنسبة ثمان في المائة...!؟

-   أنه من غير المسوغ ألآن وبعد أن اصبح تشكيل الحكومة الراهنة أمرا مقضيا، الحديث عن طبيعة الصراع الذي أكتنف عملية الوصول الى هذه التشكيلة، وهذا ما أشرت اليه في مقالات سابقة؛  فالصراع سيظل قائما،  طالما كانت هناك مصالح متعارضة بين الكتل وألأحزاب السياسية، وطالما كانت هناك آراء وأيدولوجيات مختلفة في النظر الى مستقبل البلاد، ولكن ألأهم وألأكثر مسؤولية، هو مدى صدقية كل هذه المكونات السياسية في وضع مصالحها الخاصة ضمن أطار مصلحة واحدة ، هي مصلحة الوطن والمواطن، وأعطاءها أولوية استثنائية في سير العملية السياسية..!

 أن تنفيذ التعهدات التي أخذها السيد رئيس الحكومة الجديدة على عاتقه اليوم أمام البرلمان ، ستكون الحكم الفاصل في الحكم على صدقية هذه التعهدات، وستكون في حالة تحققها، مفتاحا للسير بالعملية السياسية خطوات بألأتجاه الصحيح، في تحقيق ألأمن وضمان ألأطمئنان  للمواطنين والمحافظة على وحدة النسيج ألأجتماعي ووحدة البلاد وهذا ما يأمله كل من تهمه مصلحة الوطن والمواطن..!

خلاصة القول: أن ما تحقق اليوم يلقي على عاتق البرلمان والحكومة والكتل ألبرلمانية مسؤولية أستثنائية لتحقيق برنامجها الذي أقرته في البرلمان، وذلك على صعيد الملموس في أرض الميدان..!  وهذا ما ينتظره الجميع،  وأني معهم لمنتظرون..!


397


باقر الفضلي


bsa2005@hotmail.com

حين يبلغ ألأمر حد تدخل مجلس الرئاسة العراقية المنتخب حديثا، محذرا ومنذرا من تداعيات ما يجري في مدينة البصرة وفي العاصمة بغداد والمدن العراقية ألأخرى، من تدهور مخيف في الوضع ألأمني، حيث الجماعات المسلحة لبعض ألأحزاب السياسية والدينية وأفراد العشائر، تتحكم بأمور مدينة البصرة عابثة بألأمن، وفارضة سلطانها على سكان المدينة بالخوف والرعب؛ تقتل من تقتل وتخطف من تخطف، لا يردعها رادع، ولا قوة تمنعها، لدرجة أصبحت فيه المدينة تعيش تحت ظل كابوس من الأرهاب، الذي دفع بمجلس ألرئاسة نفسه الى أعلان تحذيره على لسان رئيس الجمهورية يوم الخامس عشر من مايس 2006 ومبادرته لتكوين لجنة برئاسة السيد نائب الرئيس عادل عبد المهدي ، لتدارك ألأمر، ووضع حد لما يجري من تسيب أمني وغياب لوجود السلطة..!  نعم؛ حينما يبلغ ألأمر هذا الحد، وهو حد أقرب الى "ألأستغاثة" منه الى مجرد بيان رئاسي، فلا غرابة بعدئذ، أن يصاب المرء بخيبة أمل كبيرة، وتساوره الهواجس والشكوك من حقيقة ما تدعو اليه ألأطراف السياسية،_ التي يبدو أنها قد تمرست خلال هذه السنوات الثلاث، في أدارة أللعبة السياسية_، من سعيها الى أنقاذ البلاد من جبروت الديكتاتورية، وبناء نظام ديمقراطي فدرالي تعددي، كما صاغته في وثيقة الدستور..؟!

 أنه لمن المحزن حقا أن تؤول فيه ألأوضاع ألأمنية في العراق ألى الدرك ألأسفل من التدهور وألأنفلات، تحت مرأى ومسمع ألأدارة الحكومية في المركز، وكأن ألأمر لا يعنيها بشيء، أو أنها تغفر لنفسها جريرة  ما يجري في الميدان، على أنها حكومة تصريف أعمال، لا يمسها ألأمر من قريب أو بعيد، وكأن لسان حالها يقول: }  "للبيت رب يحميه" ، وهاهو  المالكي في الطريق وهو أجدر من أن يضع حدا لهذا ألأنفلات فأمامه فرصة أربع سنوات من الحكم تمنحه المزيد من الوقت لفعل ذلك..! أما  سيل الدماء المراقة، والجثث المتناثرة في كل حدب وصوب، ومسلسل أغتيالات الكوادر ألأكاديمية والمثقفة من محامين ومحاميات وأطباء وأساتذة الجامعات وكتاب ورجال دين وعمال وطلبة وطالبات ونساء وأطفال، فليس هناك من غرابة في ألأمر، فألأرهاب وحده، يحصد من العراقيين أكثر مما تحصده بنادق المليشيات والقوى الخارجة على القانون..!!؟؟{
 المؤلم في ألأمر أن الذي جرى ويجري في البصرة اليوم، والذي تطلب هذا ألأجراء السريع من قبل مجلس رئاسة الجمهورية، أنما هو  يجري بين فئات وأحزاب وقوى سياسية دينية، قد أرتضت ألأنخراط في العملية السياسية، وكلها تدعي أنها تعمل في خدمة المواطن ومن أجل وحدة الوطن وأنهاء ألأحتلال..!؟ ومما يزيد الطين بلة؛ أن صراع هذه القوى فيما بينها أنما يجري على حساب أبناء المدينة الفيحاء، بعيدا عن كل مظاهر الحضارة والقيم ألأخلاقية وألأنسانية..!؟ فما يحدث في البصرة من فرض السيطرة المسلحة على المدينة من قبل مجموعات خارجة على القانون، وتعطيل دور قوات الشرطة وحفظ ألأمن من ألقيام بواجباتها، وترويع الناس وأرهابهم، وأستباحة الحريات والمحرمات، أنما هو خروج على النظام العام والقانون، وأنتهاك لأمن وسلامة المواطنين، مما يستدعي التوقف فورا ويتطلب المسائلة القانونية، والقضائية..!؟
ولعل ألأسوء من كل ذلك، أن عملية الصراع الجارية في المدينة، تدور في ظل أشاعات، بل وربما حقائق عن ضلوع بعض هذه الفئات في عمليات أدخال السلاح من بعض دول الجوار، أو تحضى بدعمها كما تتناقله الصحف ووكالات ألأنباء، خاصة أذا ما علمنا ما لمدينة البصرة الفيحاء من موقع أستراتيجي مهم، فهي ثغر العراق الوحيد، ومنبع أهم خيراته وهو (النفط) الشريان الرئيس لثروة العراق، والجميع يعلم أطماع ألآخرين في المدينة، من ألذين يعملون ليل نهار على خلق حالة عدم أستتباب ألأمن وألأستقرار فيها، وتأزيم حالة الفوضى ونشر بذور الفتنة المذهبية والطائفية بين أبناءها..!؟  فما تتناقله ألأنباء عن حالة ألأضطراب ألأمني وسيادة المجموعات المسلحة في شوارع المدينة وتزايد أعداد العوائل المجبرة على نزوح المدينة وترك مساكنها، وحالة التطهير المذهبي والديني، وعمليات تهريب النفط الى الدول المجاورة والخ من أعمال الشقاوة والفلتان ألأمني (راجع جريدة الزمان 16/5/2006 وتصريحات وزير النفط السابق- بحر العلوم في 16/5/2006 حول ملف النفط_  صوت العراق)، جميع ذلك يدفع الى التساؤل حول مصير العملية السياسية نفسها، خاصة أذا ما علمنا بطبيعة الصراع الفئوي السياسي بين مكونات بعض الكتل السياسية البرلمانية، وفي مقدمتها كتلة (ألأئتلاف) ذات ألأغلبية البرلمانية، والذي أنعكست حقيقته في عملية الصراع على المناصب الوزارية بين مكونات هذه الكتلة، والذي تجسد في أنسحاب أحد هذه المكونات وهو (حزب الفضيلة) ذو الخمسة عشر مقعدا من بين جملة مقاعد ألأئتلاف نفسه ذي ألأغلبية البرلمانية كما أشرنا في أعلاه، والذي_ الفضيلة_ يمتلك قاعدة جماهيرية في مدينة البصرة، وتسنده مرجعية دينية وله ممثلين في السلطة المحلية للمدينة وفي مقدمتهم المحافظ نفسه..! فألى أين يتجه حزب الفضيلة بعد هذا ألأنسحاب..؟ وهل من أحتمال تحالفات جديدة ياترى..؟ أم أن في ألجعبة، ما ينبأ بتحولات جديدة قريبة على صعيد الواقع السياسي والديمغرافي في العراق، يعزز من ذلك موقف كتلتي العراقية والحوار اللتين أوحيتا بعدم المشاركة في الحكومة القادمة من منطلق ضئالة أهمية المناصب الوزارية التي منحت لهما من ناحية التأثير السياسي، ومؤشرات التقارب الكردستاني_ الصدري، رغم ما يبطنه من تعارض في ألأهداف والمنطلقات..؟؟!   

أن المشهد السياسي وألأمني في مدينة البصرة، ومثله في المدن ألأخرى كمدينة السماوة (محافظة المثنى) والعمارة (محافظة ميسان) والناصرية(محافظة ذي قار) ناهيك عما عليه الأوضاع في المناطق ألأخرى من البلاد، يلقي ظلالا من الشك والريبة، على أمكانية نجاح السيد المالكي في القيام ببناء وقيادة حكومة للوحدة الوطنية،_ أن تحقق له ذلك_ في مثل هذا الخضم الهائل من التنافس الفئوي على المناصب الوزارية من قبل مختلف مكونات العملية السياسية، وفي مقدمتها تلك التي تمتلك مفاتيح عملية التوازن ضمن الكتلة البرلمانية الرئيسة، والمقصود بها كتلة (ألأئتلاف)..!؟ وفي مقال سابق (ملامح الحكومة المرتقبة)* كنت قد أشرت الى طبيعة الصعوبات التي ستواجه السيد المالكي في محاولته تشكيل الحكومة الجديدة..! ولقد أثبت واقع الحال حقيقة ما أشرت اليه حول هذه الصعوبات..! ولا أظن أن أحدا من أطراف العملية السياسية غافل عن طبيعة الصراع الدائر بين النخب السياسية وأسباب تفاقمه، وما قد يترتب عليه من نتائج وخيمة على أمن وسلامة الوطن والمواطن..! وما هو مرسوم سلفا من خطط للمستقبل القادم للعراق ..؟
أنه لمن المؤسف حقا؛ أن يرى المرء ، كيف تتدهور ألأوضاع في العراق الى حالة من الضياع والتمزق ، ليس فقط بما تنزله ضربات ألأرهابيين، بل بما تسببه حالة الصراع المستميت بين فصائل الكتل السياسية_ التي تعلن ليل نهار عن تمسكها بأولويات بناء الدولة الحديثة على أسس من العدل والديمقراطية، بعيدا عن ألأحتقان الطائفي الفئوي_ على السلطة من خلال ألأستئثار بالمناصب الوزارية الرئيسة، بل وألأقتتال على السيطرة على مراكز المدن في المناطق الجنوبية، من خلال الهيمنة المسلحة وتعطيل أجهزة الدولة..!؟
وما يبعث على الخزي وألأستنكار، أن يرى المرء جموع النازحين من أبناء البلد يلجأون الى هجرة الوطن الى الدول المجاورة تحت ظروف ألأرهاب وأقتتال الطوائف، وفي ظل قوى سياسية عانت هي نفسها من التشريد والهجرة لما يقرب من ثلاث عقود من الدكتاتورية، وهي ألآن تتحكم في مسيرة البلاد السياسية والحكم..!؟
أن الخروج من هذه ألأزمة المستعصية، لا يمكن أن يتم بالتمني وألأمنيات الطيبة، ولا تسعفه وصفات الكتاب ومقالاتهم التي ضاقت بها صفحات المواقع ألألكترونية، وندواتهم التي أزدحمت بها الفضائيات؛ فلا سبيل للخروج من المحنة، ألا من خلال الماسكين بخيوطها، وفي مقدمتهم ألكتل السياسية التي أقرت لعبة الديمقراطية الجديدة، أذ أنهم ملزمون وفي حدود مسؤولياتهم التأريخية والوطنية التنازل عن مصالحهم ألطائفية والفئوية الضيقة وألأنانية، والتجرد من السعي وراء تنفيذ خططهم المرسومة سلفا، حتى وأن كان ما يروجون له منها، مقبولا في نظرهم من قبل أوساط معينة من السكان، كفدرالية الوسط والجنوب، حيث أثبت الواقع الراهن بأنه من السابق لأوانه التمسك بمثل هذه النظريات في ظل ألأحتراب الطائفي_ المذهبي، وسيادة قوانين الغاب في العديد من مراكز المدن في الوسط والجنوب، التي كانت أحداث البصرة والمثنى أحد أبرز أمثلتها..!؟ كما وتتحمل الكتل ألسياسية ألأخرى ومنها في المقدمة كتلة التوافق مسؤوليتها المباشرة في تحديد مواقفها من التخندق الطائفي، وتشجيع التعاون مع الكتل ألأخرى على أساس من المسؤولية الوطنية لأنقاذ البلاد من حالة الفوضى والتمزق، وعدم ألأنزلاق في مستنقع المحاصصات الطائفية ألأنانية، والتي وللأسف الشديد تلقي بظلالها على تشكيلة الحكومة المالكية المقبلة _ فيما أذا وجدت النور_..!!؟
أما مسؤولية ألآخرين من قوات أحتلال ودول جوار، فأقل ما يقال فيها؛ انها ليست عراقية، ,ولها أجدناتها الخاصة، والحر تكفيه ألأشارة..!


 وخلاصة القول: فأنه ليس أمام المرء ألا أن يتمنى بأن لايكون هذا النداء وغيره من دعوات المواطنين الخيرين، كمثل صرخة في واد، أو على حد قول الشاعر:
 لقد أعييت أذ ناديت حيا -  ولكن لا حياة لمن تنادي

حفظ الله سياسيينا من مغبة ذلك، ولكن العراق يحترق بأيدينا.. فماذا نحن فاعلون..؟؟؟؟!


*  يمكن متابعة الرابط ادناه:
http://rezgar.com/m.asp?i=1189

398


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

لو سلمنا جدلا ، وأحتكمنا في أمورنا الخلافية على صعيد السياسة وأمور ألدولة ، الى الدستور  بأعتباره الفصل في ذلك، وهذا بحق من أهم المباديء التي يركن اليها في ظل الظروف السياسية ألأعتيادية،  ناهيك عن  ظروف العراق الراهنة..،  فهل سيبلغ بنا التفاؤل حد التصور بأتفاق الكتل السياسية البرلمانية على برنامج وطني موحد للحكومة الجديدة، والتي دأب الجميع على توصيفها بحكومة ( الوحدة أالوطنية ).؟؟  لست من المتشائمين..ولا من المفرطين بالتفاؤل بحدوث ذلك، ولكن نزولا عند تلك المقولة والتي دأب على تكرارها العديد من السياسين وفي أكثر من مناسبة في ألأيام ألأخيرة، خاصة في المؤتمرات الصحفية؛ سنبحث قليلا فيما يقوله الدستور:

المادة (6):
((يتم تداول السلطة سلمياً عبر الوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في هذا الدستور.))

•   أن مدلول نص هذه المادة، وهي تتعلق ب"تشكل" الحكومة تحديدا، واضح وصريح في تحديده للوسائل التي بموجبها يجري تبادل السلطة ، وتأكيده، على أن يكون هذا التبادل (سلميا)، أي بمعنى آخر أن لا يلجأ أي طرف من ألأطراف في محاولته حيازة السلطة أو ألأحتفاظ بها،  الى أتباع وسائل غير سلمية؛  من عنف أو أكراه ، أو أية وسائل أخرى  يمكن أن تفسر من قبل ألأطراف ألأخرى على أنها قسرية، أو ضاغطة، أو تبطن شيئا من ألأكراه. علما بأن المفهوم المعاكس ل(سلميا) المنصوص عليه في المادة أعلاه، مفهوم يتسع لكثير من التفسيرات..!
•   و تحت نفس المدلول ويعتبر من أركان عملية التداول نفسها، ويدخل في صلب مقاصد الدستور، وهذا ما نعتقده، هو مبدأ الشعور بالمساواة والتكافؤ بين جميع الكتل البرلمانية، من حيث المشاركة في التنافس المشروع في عملية التداول، أي بمعنى آخر أن لايكون هناك ما يميز بعضا منها عن ألأخرى من حيث فرص التنافس، كأستغلال الوجود في السلطة، على سبيل المثال، وأستخدامه كأحدى وسائل الضغط أو ألأكراه ضد ألكتل ألأخرى.! نفس الشيء ينطبق على تلك الكتل التي تمتلك " ميليشيات" أو أدوات ضغط وأكراه غير معلنة..!         

 فالساحة العراقية التي شهدت ، سيلا من اللقاءات واالمحادثات والمؤتمرات الصحفية لعدد من ممثلي القوائم ألأنتخابية التي فازت في ألأنتخابات والتي جرت في الخامس عشر من كانون الأول 2005 ، اضافة الى التصريحات المختلفة للعديد من رؤساء تلك القوائم، حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعيدا عن مبدأ المحاصصة الطائفية، لم تفلح ولحد ألآن في بلورة آلية مناسبة توفق بين ما يدعى بألأستحقاق ألأنتخابي وبين ألأستحقاق الوطني، الذي أقر الجميع على ألألتزام به كقاعدة أساسية في تشكيل الحكومة الجديدة، أدراكا منهم للحالة ألأستثنائية التي تمر بها البلاد..! وهذا ألأخفاق هو ما يميز الحالة السياسية القائمة ألآن؛ فبعد أن تخطت البلاد أزمة رئيس الوزراء السابق الدكتور الجعفري، ها هي ألآن تسقط مجددا في مستنقع المحاصصة الطائفية، رغم ما تدعيه الكتل السياسية البرلمانية، وخاصة تلك التي تمتلك النسبة ألأكبر من التمثيل البرلماني، من أنها دائبة على السير في طريق تشكيل الحكومة الجديدة على أسس من المشاركة الوطنية لجميع تلك الكتل في العملية السياسية بعيدا عن مبدأ المحاصصة، الذي بني منذ البداية على أسس من الطائفية المذهبية، التي تبطن في ثناياها كل مخاطر التقسيم الطائفي العرقي للبلاد...!  ولعل في الخطوات ألأولى التي جرى من خلالها أنتخاب الهيئات الرئاسية الثلاث؛ وهي هيئة رئاسة الجمهورية، وهيئة رئاسة البرلمان، وأخيرا أقرار ترشيح السيد المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، ما يلقي ضلالا على أعتماد المحاصصة كطريق مقبول ومناسب من قبل تلك الكتل التي وجدت لها مكانا ضمن تلك الهيئات الرئاسية في عملية توافقية جرت خارج جدران البرلمان الجديد، وخلف جدران مغلقة، أستبعد عنها كتل برلمانية أخرى، تحت ذرائع غير مقبولة..!

كما وأن عملية توزيع المناصب الوزارية على أسس من سيادية أوخدمية هو ألآخر، قد كشف عن الطبيعة التساومية التي تجري بين هذه الكتل على أساس من المحاصصة الطائفية، وبما يخدم مصالح الكتل الفئوية الخاصة، مما تبدو معه تشكيلة الحكومة المرتقبة، عبارة عن تجمع لكتل غير متجانسة لا في وسائلها ولا في أهدافها المعلنة..! فمعالم التشكيلة المرتقبة لا يفصلها من حيث التكوين،  شيء عن ألأسس التي بني بموجبها (مجلس الحكم) السابق، والتي في مجملها أسس عرقية، طائفية_ مذهبية، فرضها ألأحتلال، وجعل منها أساساّ لبناء مستقبل العراق القادم، مستغلا مكونات المجتمع العراقي ألأثنية والدينية، بالطريقة التي تسهل تحقيق مصالحه على حساب تفتت التلاحم السكاني للمجتمع، حتى لو تطلب ألأمر تشكيل كونتانات تبنى على أساس المذهب أو الدين أو العرق أو الطائفة..! 

ووفقا لهذه القاعدة والتي يعترف بها الجميع ، يصبح من الصعب معها، القول بأمكانية تشكيل الحكومة القادمة على أسس من التوافق المبني على مبدأ المواطنة والكفاءة ، بعيدا عن الولاء للطائفة أو الحزب وبهذه البساطة التي قد يتصورها البعض أو كما يشاع عنها..!  فالكتل السياسية نفسها تفتقر الى برامج سياسية واضحة المعالم، تصلح لأن تكون أساسا للمنافسة البرلمانية النزيهة، بقدر ما هي ألا عبارة عن مركبات ذات مكونات متباينة  في وسائلها ومقاصدها السياسية، وقد جمعتها وحدة الطائفة أو العرق لتضفي عليها قوة أستثنائية في مواجهة القوى ألأخرى، لتبدو للعيان وكأنها مكون متجانس واحد..! فهي تحمل في داخلها عوامل وأسباب تفرقها، أكثر مما تحمله من أسباب بقاءها وديمومتها كأحزاب سياسية مبنية على أسس موحدة من التجانس الفكري أوالتقارب الطبقي..!  وما يقال عن تشكيل حكومة للوحدة الوطنية يفتقد في حقيقته لأبسط مقومات بناء مثل هذه الحكومة، من وحدة البرنامج السياسي وألالية الديمقراطية في أختيار المناصب الوزارية على أسس من الكفاءة والنزاهة، طالما تسير عملية البناء الجارية ألان وفق نفس ألأسس القديمة التي سارت عليها الحكومات السابقة..!؟

ومن نافل القول، أن ما سيواجه السيد المالكي من مصاعب تشكيل مثل هذه الحكومة المتوخاة، هو من الصعوبة بمكان، فالسيد المالكي نفسه،  له أسبابه الذاتية التي تعتبر من اهم العوائق التي تقف في طريق بناء مثل تلك الحكومة، وفي مقدمتها، أستحقاقات ألولاء الحزبي من جهة ومتطلبات ألأئتلاف الذي يشكل حزبه أحد مكوناته من جهة أخرى، ناهيك عن التزامات الحزب نفسه أمام ألأتفاقيات المعقودة مع أطراف أخرى كالتيار الصدري، الذي هو ألآخر من مكونات ألأئتلاف..! وليس أقل صعوبة من ذلك، الموقف من تشكيلات المليشيات العسكرية وكيفية التعامل معها، وهو أمر يتطلب الكثير من الحنكة لأنه يرتبط مباشرة بقوى مؤثرة في الساحة السياسية من خلال تمسكها بهذه المليشيات، ولها تفسيرات مختلف عليها في تعليل أسباب ذلك التمسك*، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تلبية ألأستحقاق الدستوري الذي لا يسمح بوجود أي تشكيلات عسكرية خارج أطار القوات المسلحة الحكومية الرسمية..!؟

ومع كل ما تقدم، يمكن  أيضا، أضافة آلية التعامل مع متطلبات الكتل السياسية ألأخرى، التي ما أنفكت تواصل ضغطها بأتجاه أحراز أكبر ما يمكن من المناصب الوزارية، مقرونا بالتنافس الشديد بينها على ألأستحواذ على مناصب معينة بالذات، كالخارجية والنفط والمالية..!؟ ناهيك عن الصراع على التمسك بوزراة الدفاع ووزارة الداخلية..! فرغم أعلان السيد المالكي عن تولية أمورهما الى أشخاص مستقلين وذوي كفاءة، لازال ألأئتلاف متمسكا بحيازة وزارة الداخلية كأستحقاق خاص..؟؟

أن عملية تشكيل الحكومة القادمة، ليست بأقل صعوبة من نظيرتها بالنسبة للحكومة السابقة، أن لم تكن أكثر تعقيدا وأكبر أحتداما بين مكونات العملية السياسية من الكتل المتصارعة..!  وأن كان السيد الجعفري، مع كل ما يملكه من حنكة وتجربة حزبية، قد أخفق في أدارة دفة السفينة لفترة أطول نتيجة لعملية الصراع نفسها، فلا أظن أن الظروف السائدة في البلاد وللأسباب التي ذكرتها في أعلاه، وهي غيض من فيض، سوف تسمح أو تنتج حكومة جديدة بالمواصفات التي يأملها المواطنون؛ حكومة قادرة على أرساء قواعد ألأمن والطمأنينة وتنهي ألأرهاب، وتجنب البلاد شر الوقوع في أتون حرب أهلية؛  حكومة قادرة على حفظ وحدة النسيج ألأجتماعي، وترعى مصالح جميع مكونات الوطن العراقي، وتحافظ على سلامة وحدة البلاد وصيانة أستقلاله الوطني، وتنهي ألأحتلال وآثاره المقيته..!؟ 

أن كل ما يتمناه المرء، هو أن لا يكون ضحية التأمل والتمني، في الوقت الذي منح ولا زال  يمنح فيه العراقيون المزيد والمزيد من التضحيات على مذبح الصراع التي تخوضه الكتل السياسية من أجل السلطة..!!؟ 
     
*- للمزيد من ألأيضاح حول "المليشيات" راجع المقالات التالية في الرابط أدناه: 

- ألألتزام السياسي بنصوص الدستور
- الملف ألأمني- الحالة المستعصية
- الملف ألأمني واللعبة السياسية
    http://rezgar.com/m.asp?i=1189
 

399
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

يعود يوم العمال العالمي  في أصله الى الحركة العمالية  ألأمريكية.  ففي عام 1884 قرر ألأتحاد ألأمريكي للعمل  والبالغ عدد أعضاءه 40000 النضال في سبيل يوم عمل  بثماني ساعات، أبتداء من ألأول من آيار عام 1886. وأستجابة لذلك القرار أعلن عمال شيكاغو في ذلك اليوم، ألأضراب العام وتجمعوا في ساحة (هاي ماركت)، حيث تعرضوا الى أطلاق النار من قبل كاسري ألأضراب..!
 ومنذ ذلك الوقت وبموجب أقتراح مقدم من قبل ممثلي ألأتحاد ألأمريكي المذكور الى المؤتمر العالمي ألأول للحركة العالمية عام 1889 أقر المؤتمر أعتبار اليوم ألأول من آيار يوما عالميا للحركة العمالية. حيث أصبح تقليدا ثابتا للطبقة العاملة في أمريكا والدول ألأوربية ومجموعة الدول ألأعضاء في ألأتحاد السوفييتي السابق وكذلك دول الديمقراطيات الشعبية وعدد من دول الشرق ألأوسط  ومنها بعض الدول العربية ، ألأحتفال به سنويا ليكون معبرا عن وحدتها ورمزا لنضالها في سبيل حقوقها المشروعة..!

فألأول من آيار لم يعد معبرا عن وجود الطبقة العاملة كطبقة متميزة في المجتمع ، أرتبط  وجودها بالمراحل ألأولى للثورة الصناعية في بريطانيا وأمريكا وأواسط أوروبا في  أواسط القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، بل أصبح رمزا تأريخيا يعبر عن المصالح المشتركة لأبناء هذه الطبقة حيثما وجدوا،  لما يعنيه ذلك من وحدة الوجود والهدف المشترك..!

ولما كان كفاح الطبقة العاملة من أجل تثبيت حقوقها في توفير ظروف العمل ألأكثر أنسانية، وألأعتراف بوجودها المتميز في المجتمع، كطبقة أجتماعية لها دورها الفاعل في بناء المجتمع وفق أسس من العدالة، وقواعد تضمن لها وللأجيال القادمة حياة من الرفاه وألأستقرار وألطمأنينة، مما يتطلب مشاركتها في العملية السياسية – ألأقتصادية، كل ذلك قد وضعها في المواجهة المباشرة مع الطبقات ألأخرى في المجتمع ، خاصة الطبقة المالكة لوسائل ألأنتاج من أرباب المصانع والرأسماليين ألزراعيين والدولة..! وعلى طريق هذه المواجهة، شكلت معاناة الطبقة العاملة جزءّ  من عملية التطور  ألأقتصادي – ألأجتماعي  للبلدان التي دخلت الصيرورة ألصناعية بمختلف مستوياتها ، بل كانت هذه المعاناة هي الثمن الباهض والمستمر الذي دفعته الطبقة العاملة ولا زالت تدفعه من أجل أن تستمر عملية التقدم العلمي والتطور الصناعي بمستوياتها العالية، حدا أخذت فيه معايير التوصيف للطبقة العاملة نفسها تأخذ مدى ابعد مما كانت عليه في المراحل ألأولى من  نشوءها،  مما تصبح معه مقولة (ماركس) حول تعرف (البروليتيريا)، بأنها تلك ألطبقة التي ترتبط بأرقى وسائل ألأنتاج،  أكثر تجليا على الصعيد العملي منها على صعيد النظرية..!

وبعيدا عن الغور عميقا في مدلولات ما تقدم، أشير هنا فقط ، الى  أنعكاسات  مغزى ألأول من آيار بالنسبة الى  الحركة النقابية العراقية كأحدى مكونات المجتمع المدني، وبأعتبارها التنظيم الجماهيري الوحيد الذي يمكن من خلاله تجميع التشتت الراهن للعمال العراقيين على أختلاف مستوياتهم المهنية في دائرة العمل، في منظمة واحدة ترعى شؤونهم ألأقتصادية وألأجتماعية ، وتنظم كفاحهم في سبيل تحسين ظروف عملهم وضمان أجور عادلة، وأوقات عمل تنسجم مع ما نصت عليه الشرائع وألأتفاقيات  العمالية الدولية ، بألأضافة الى تأمين الضمان الصحي ، وتشريع قوانين التقاعد والضمان ألأجتماعي وغيرها من ألأنظمة والقوانين التي ترعى مصالح العمال في جميع قطاعات العمل وألأستخدام..!

لقد تجلت معاناة العمال العراقيين في صراعهم من أجل ألأعتراف بحقوقهم ضمن تشريعات للعمل، من خلال ما تعرضت له تنظيماتهم النقابية من حضر قانوني، وتحريم للأضراب والتظاهر، بما فيه ألأعتداء على تجمعاتهم بأطلاق النار من قبل الشرطة (1)،  والتنكيل بقياداتها العمالية ومطاردتهم وزجهم بالسجون، وتشريدهم، وتعريضهم للتصفيات الجسدية، كما وفي أفضل ألأحوال بتزوير أرادتهم، وتحويل منظمتهم النقابية المتمثلة ب(ألأتحاد العام للنقابات العمالية) الى منظمة حكومية، تأتمر بأمر السلطة..!؟  ولم تألو جهدا حتى السلطات الحكومية الحالية من مواصلة المسيرة ألأضطهادية للتنظيمات النقابية العراقية طيلة أكثر من نصف قرن من الزمن، جريا على نفس النهج الذي كانت تمارسه أنظمة الحكم السابقة، سواء منها الملكية أو الجمهورية، بشكليها الديمقراطي  أو الديكتاتوري..!؟  فالقرار رقم 8750 في 8/8/2005 القاضي بوضع اليد على ممتلكات ألأتحادات والنقابات العمالية وتجميد نشاطها، وحده كفيل بأعطاء صورة واضحة لتلك الممارسة اللاشرعية من قبل الحكومة ، ناهيك عن أستمرارها بمواصلة العمل بالقانون رقم 150 لسنة 1987 الذي شرعته الديكتاتورية والقاضي بألأغاء التنظيم النقابي في القطاع العام..! هذا أذا ما علمنا بأن هذا القطاع يمثل العصب الرئيس للوجود العمالي في البلاد منذ بدأ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ومع بوادر بناء أولى المؤسسات الصناعية والخدمية في العراق، مثل منشأة السكك الحديدية ومنشأة الموانيء والمنشأة النفطية وغيرها من المنشئات الحكومية..!
 
أن ما تواجهه الحركة النقابية العراقية اليوم ، وهي تلملم جراحها، بعد تشتت وغياب زاد في واقعه عن نصف قرن من الزمن،  وفي ظل ظروف العراق الحالية، و ما أفرزته مرحلة تدمير الدولة ومؤسساتها بعد ألأحتلال/ 2003 ، من حل وتخريب للمؤسسات الأنتاجية والخدمية على صعيد القطاع الحكومي، وتدهور للقطاع الخاص،  ومن زيادة مذهلة للبطالة، ناهيك عن تردي ألأوضاع ألأمنية وألمعيشية، وفقدان الخدمات العامة،  يلقي على كاهلها من المهام الشاقة والعسيرة،  أذا ما صح القول، ما يضعها في مواجهة حقيقية مع تلك القوى التي تحاول أستثمار تلك الظروف لزيادة تمزقها ، وأستثمار مأساتها وتعميق أستغلالها، مما يدفعها الى اليأس وألأستسلام ..!؟
فليس أمام الحركة النقابية اليوم من طريق، غير طريق وحدة صفوفها في منظمة نقابية واحدة، تعمل على  شد لحمتها في الصراع من أجل حقوقها النقابية وألأقتصادية وألأجتماعية، وأستعادة موقعها كقوة أجتماعية مؤثرة في الحياة ألأجتماعية -ألأقتصادية والسياسية ..!


(1)   راجع مقالنا حول الممارسات أللاشرعية ضد العمال من خلال الرابط أدناه:

  http://rezgar.com/m.asp?i=1189


400
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

الطرفان الرئيسان الممسكان بخيوط  اللعبة السياسية في العراق، يدركان جيدا ما يجره موقفهما الحالي، على الشعب العراقي من ويلات وآلآم يعجز الوصف عن تحديد أبعادها ونتائجها على صعيد الحاضر والمستقبل..! هذان الطرفان اللذان،  ومن خلال مسرحية سياسية مفضوحة، قادها الطرف العراقي،  ليضف شكلا من البراءة ولا أقول السذاجة السياسية على طبيعة العلاقات ألأمريكية – ألأيرانية في العراق، وكأن الطرفين المذكورين في غفلة عن تداعيات تواجدهما على الأرض العراقية..!  هذا الطرفان ما أنفكا يعلنان وبصريح العبارة بأن سبب تواجدهما على الساحة العراقية ، أنما تمليه مصالحهما "المشتركة" في أن ينعم العراق وشعبه "بالطمأنينة وألأستقرار"..!!؟؟

وغير خاف على المواطن العراقي ما تعنيه حقيقة  التواجد ألأمريكي - ألأيراني على الساحة العراقية، حتى أذا ما أفترضنا جدلا وأخذنا بحسن نية الجانب العراقي في أدعاءه نفي وجود أي تدخل في شؤونه الداخلية من قبل الطرفين المذكورين، أو بألأخص الطرف ألأيراني،  الإ ان الطرفين المذكورين كانا أكثر حرصا على بيان  حقيقة أسباب هذا التواجد من الجانب العراقي نفسه..! وهذا ما يدركه المواطن العراقي خير أدراك..!

 فالرئيس ألأيراني ألأسبق السيد علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام والشخصية الثانية في النظام ألأيراني،  وفي زيارته ألأخيرة الى سوريا بتأريخ 12/4/2006 كشف الغرض من زيارته هذه بشكل واضح ولا لبس فيه، حيث أجمل ذلك في تصريحه الى جريدة "الرأي العام" الكويتية والمنشور في موقع أيلاف بتأريخ 11/4/2006  بأنه:  " وفي الظرف الراهن وفي ظل المستجدات فان القضايا التي بيننا وبين سورية اصبحت اكثر تقاربا ، وان الطرفين يواجهان تهديدات مماثلة ولديهما فرص مماثلة ايضا ، وفي الماضي كان العراق يمثل حائلا بين البلدين، وان شاء الله اذا مضت الامور بصورة جيدة في العراق وتمت تسوية المشاكل في هذا البلد، فاننا الى جانب سورية والعراق سنشكل مجموعة اقليمية جيدة تعمل على ضمان وامن وسعادة وتطور بلدان المنطقة الاسلامية والعربية."

ولا أظن أن أحدا بعد هذا التصريح يمكنه التشكيك بحقيقة ألأسباب التي تدفع بالجارة ألأيرانية الى زج نفسها في المشهد العراقي بهذه الطريقة الصارخة، التي تحجم الحكومة العراقية حتى عن التلميح اليها، رغم كل المؤشرات الميدانية والسياسية التي تؤكد ذلك..!؟

فمن وجهة النظر ألأيرانية،  يمكن أن تجد الجمهورية ألأسلامية من المبررات الكافية ما يدفعها الى زج نفسها في الشأن العراقي، وهذا ما لم تخفيه..!؟   "فالتهديدات" التي تواجهها أيران بسبب التواجد العسكري ألأمريكي في العراق، حسب زعمها، يقف في مقدمة تلك المبررات،  وبالتالي فأنها تجد نفسها حرة في التصرف بالشكل المناسب الذي يتفق مع ما لم تعلنه من أهداف أخرى ترتبط بهذا التواجد وكيفية أستثماره لما يحقق مصالحها في العراق وفي عموم المنطقة ..!!  وهذا ما أشار اليه السيد هاشمي رفسنجاني مؤكدا: " ان للطرفين مصالح مشتركة في العراق ، فنحن نتطلع إلى تعزيز الامن والاستقرار في العراق ، والاميركيون مرغمون على ان يحصل الاستقرار في هذا البلد، لانه لو استمرت الامور على ماهي عليه فانه سوف لن يبقى لاميركا ماء وجه ، لذلك انهم بادروا وتقدموا بطلب اجراء محادثات في شأن العراق كما حصل في الشأن الافغاني وكانوا هم ايضا المبادرين حينها."

قألأمن وألأستقرار في العراق الذي يتطلع اليه القادة ألأيرانيون هو نفسه الذي يرغم عليه ألأميركيون، على حد قول السيد الرفسنجاني ..!!؟  والسؤال هنا،  يثار  حول  تلك الجهة التي سترغم ألأمريكيين على أن يسود ألأستقرار في العراق،  أن لم تكن هي نفس الجهة التي من مصلحتها أستمرار حالة عدم ألأستقرار والتدهور ألأمني المستمر والمهدد بنذر الحرب ألأمنية..! ؟؟ وما علاقة المصالح "المشتركة" بين الطرفين التي تستدعي لقائهما للبحث في الشأن العراقي  يا ترى..؟؟ ولماذا ألأميركيون هم من يبادر الى مثل ذلك اللقاء أن لم يكن الجانب الثاني طرفا في اللعبة نفسها..؟؟!  بل  وما هي مصلحة ألأميركيين في عدم أستقرار الوضع في العراق في الوقت الذي هم فيه، الطرف ألأساس في عملية التغيير وأسقاط النظام السابق..؟؟ ولماذا أيضا يجري الخيار على أيران بالذات من قبل أمريكا للتباحث في مسألة أمن وأستقرار العراق، في الوقت الذي توجد فيه أطراف أخرى لها دورها الواضح والمفضوح في عملية تمزيق العراق وأشاعة الفوضى وعدم ألأستقرار..؟؟ 

هذا ولا يغيب عن الذهن أن السيد الرفسنجاني هو من مثل الطرف ألأيراني في أتفاقية (ايران كيت)/ كونترا عام/1986 ، عندما كان الرئيس (رونالد ريغان) الجمهوري رئيسا للولايات المتحدة ألأمريكية يومذاك..!؟  فالطرفان ألأمريكي وألأيراني ليسا غريبين عن بعضهما كما أن العلاقات بين البلدين لم تعرف ألأنقطاع بشكل تام، فلهما من قنوات ألأتصال ما يسهل ضمان مصالحهما وليس أحد آخر..! (1)  ومن هذا  فأن توقعات أمكانية تقاربهما هي أكبر من توقعات المجابهة في أعتقادي، فالمصلحة المشتركة للطرفين في المنطقة تلزمهما بالتوصل الى أتفاق يوفر لهما أعادة ترتيب ألأوضاع بما يحقق ذلك..!!؟ وهذا ما نوه اليه السيد الرفسنجاني عند أستبعاده قيام أمريكا بمهاجمة أيران، لأعتبارات كثيرة..!؟

أن تداعيات الملف ألنووي ألأيراني(2)، لا يمكن أن تكون بمعزل عن حالة التشابك ألأمريكية – ألأيرانية في العراق ، وبالتالي فأن ما يدعيه الطرفان بأن مباحثاتهما ستنصب فقط على الشأن العراقي لا يغير من حقيقة ألأمر شيئا. والسيد رفسنجاني كان واضحا في تأكيد ذلك، عند قوله:   " لو استشرفنا التاريخ لرأينا حصلت امور مشابهة، اذ تم البدء من قضية صغيرة ثم توسع الامر الى قضايا كبيرة ، والامر مرهون بالمحادثات نفسها، كم ستكون صادقة وجادة في التوصل الى نتائج ، وانا اعتقد انه اذا توصلت المحادثات الى نتائج فانه بالامكان توسعتها."

من هذا نخلص الى القول : بأن أستمرار حالة عدم ألأمن  وألأستقرار التي تهيمن على الساحة العراقية اليوم وتداعيات العملية السياسية برمتها وفي مقدمتها عجز ألأطراف السياسية المعنية بهذه العملية ، من تشكيل الحكومة الجديدة، يصب في مصلحة الطرف الذي يستخدم الورقة العراقية كأداة ضغط فاعلة في تحديد أتجاهات العملية السياسية في العراق من جهة ، وفي حل أشكالية الملف النووي ألأيراني من الجهة ألأخرى..!!
فمن الجانب ألأيراني ، يبدو ألأمر أكثر وضوحا،  اذا ما أخذنا بنظر ألأعتبار أزمة الملف ألنووي ألأيراني، وتداعياته المتسارعة، وعوامل الضغط الذي تمارسه ألولايات المتحدة ألأمريكية على أيران، ومنها أحالة الملف المذكور الى مجلس ألأمن ، وما في ذلك من تهديد بأتخاذ عقوبات سياسية وأقتصادية وربما عسكرية ، وفقا للفصل السابع من ميثاق ألأمم المتحدة، وهو أمر مشكوك فيه، وبالتالي فأن أنزلاق أمريكا في المستنقع العراقي ، قد منح الجمهورية ألأسلامية ألأيرانية أقوى ورقة فعالة في عملية الصراع ألأمريكي – ألأيراني..! حيث تمكنت أيران من لعب هذه الورقة بحذاقة وأقتدار كبيرين، يساعدها في ذلك، عدة أعتبارات جيو سياسية مؤثرة، أجبرت الولايات المتحدة ألأميركية أخيرا، على ألأعتراف بقدرة أيران في أستغلال هذه الورقة،مما دفعها الى طلب الدخول في محادثات مباشرة معها ، تحت غطاء مناقشة المصالح العراقية، المهدورة من قبل الجميع..!؟ ومن بعض هذه ألأعتبارات  التي تخدم أيران في عملية الصراع هي: 

*- أن العراق  بلد جار لأيران وتربطه معها حدود تجاوز ألألف كيلومتر، وهذا ما يمنحها حرية أكبر في الحركة والمناورة.
*- أن العراق  بلد غالبية سكانه من المسلمين، وأن نسبة الطائفة الشيعية منهم تشكل الغالبية. وهذا ما يمنح أيران من وجهة نظرها الجيوسياسية، عمقا دينيا طائفيا يمكن أستثماره بأي شكل من ألأشكال. خاصة ذلك الشكل الذي يكون مدعاة قلق وأزعاج للتواجد العسكري ألأمريكي في العراق،  حيث ان أيران بلد أسلامي وغالبية سكانه من الطائفة الشيعية.

 وبسبب تداعيات الملف النووي ألأيراني هذا ، يصبح من المسلم به أن تسعى أيران الى لعب كل ألأوراق المتاحة لها في صراعها مع ألولايات المتحدة ألأمريكية،  وأحد تلك ألأوراق وأقواها ، هي  الورقة العراقية، من أجل تخفيف الضغط ألأمريكي عليها؛  وبالتالي فكلما زاد أنزلاق ألولايات المتحدة ألأمريكية في المستنقع العراقي ، آلت النتائج  في النهاية الى مصلحة أيران قبل أي مصلحة أخرى..!؟ ناهيك عن ألأوراق ألأخرى، والتي أشار اليها السيد الرفسنجاني بصورة ضمنية في تصريحاته الى جريدة "الرأي العام" آنفة الذكر، والمقصود بها كل من سوريا ولبنان وحركة المقاومة الفلسطينية ودول الخليج، حيث جميعها صالحة لأن تكون أوراقا فعالة في لعبة الصراع بين الدولتين طبقا لخصوصية كل منها في هذا ألأطار..!!
 
ومما يفاقم من وضع العراق في لعبة الصراع هذه،  وجراء هذا ألأشتباك ألأمريكي – ألأيراني ، هو ما يرسمه له السيناريو ألأيراني من دور قادم في هذه اللعبة ، والذي تعتقد أيران أنها في الطريق الى أنجازه على حد قول السيد الرفسنجاني:  " في الماضي كان العراق يمثل حائلا بين البلدين، وان شاء الله اذا مضت الامور بصورة جيدة في العراق وتمت تسوية المشاكل في هذا البلد، فاننا الى جانب سورية والعراق سنشكل مجموعة اقليمية جيدة تعمل على ضمان وامن وسعادة وتطور بلدان المنطقة الاسلامية والعربية."

ولا أظن أن احدا لا يفهم ما يعنيه السيد الرفسنجاني من وراء مثل هذا التصريح؛ أن لم يكن المقصود منه بناء محور تشكل فيه كل من سوريا والعراق، ممتدا الى لبنان وفلسطين، ذراعه ألأيمن ، ودول الخليج وفي مقدمتها الكويت، جناحه ألأيسر، أما قلبه أيران، فهي الدولة الكبيرة "النووية " المؤهلة لقيادة المنطقة وعلى جميع دولها  ألأعتراف بها والرضوخ الى جبروتها  النووي "الجديد"..!!؟ وهذا ما حاول السيد الرفسنجاني، أشهاره عند زيارته للكويت في 17/4/2006 تحت ذريعة تطمين دول الخليج، وازالة  قلقهم من تداعيات الملف النووي؛ من أن مصالح دول الخليج ترتبط بالمصلحة ألأيرانية، كما عبر عنها  قول السيد الرفسنجاني في حديثه عن العلاقات ألأيرانية الكويتية:   " والبلدان يوليان اهتماما مشتركا للقضايا في الخليج الفارسي ، مثل قضية الجرف القاري، ولنا مصالح مشتركة كثيرة وفي الوقت نفسه نواجه تهديدات مشتركة، والمصالح المشتركة تتجلى في امن المنطقة وامن العراق.."  فمن زاوية ما أسماه بالمصالح "المشتركة"، أقحم السيد الرفسنجاني الدول الخليجية في معترك الصراع ألأيراني ألأمريكي، الذي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، وحملهم تبعة تهديدات "مشتركة" لا علم لهم فيها ولا خبر..!؟

 فعلى ضوء زيارة السيد الرفسنجاني الى سورية والكويت، عبرت الدول الخليجية على لسان ألأمين العام لمجلس التعاون الخليجي مساء 17/4/2006 عن القلق البالغ الذي تبديه هذه الدول من مغبة تصاعد أزمة الملف النووي ألأيراني، وألأحتمالات الممكن توقعها وآثار ذلك على سلامة تلك الدول وأمنها البيئي، رابطة كل ذلك بالتصعيد الذي تمارسه أيران، والذي آخره تصريح السيد الرفسنجاني عند زيارته للكويت ، معلنا بأن أيران لن تلتزم بقرار مجلس ألأمن الذي يطالب أيران بوقف ألأستمرار بعملية تخصيب اليورانيوم، عطفا على ذلك، تصريح مسؤول الملف النووي علي لاريجاني الذي أكد تمسك أيران بمواصلتها عملية التخصيب رغم هذه القرار..!!؟
أن لدول الخليج مبرراتها ومخاوفها المعقولة لأن تقلق من تداعيات الملف النووي ألأيراني، وأن كان هناك من خطر محتمل فهو يتمثل في تداعيات الملف ألأيراني نفسه وما قد يجره ذلك من نتائج خطيرة على كافة ألأصعدة،  تكون معها هذه الدول في مقدمة من يتعرض الى خطر تلك النتائج،  رغم تأكيدات أيران وتطميناتها لها  بأن أهدافها من أمتلاك القدرات النووية هو لأغراض سلمية..!؟  وعلى حد  قول الكاتب الخليجي عبد الرحمن الراشد في جريدة الشرق الأوسط في 18/4/ 2006 :  "فالنزاع مع طهران رغم انه ساكن حاليا فهو يحتمل الاندلاع في اي لحظة. إضافة الى انه حتى بدون التصعيد النووي هناك خوف حقيقي من التمدد الايراني في العراق جنوبا المحاذي للحدود السعودية ـ الكويتية"

أما موقف الحكومة العراقية من حقيقة ما يدور بين الطرفين المتشابكين، فأقل ما يقال فيه ؛ أنه موقف يشوبه الغموض والصمت المطبق، وكأن ألأمر لا يعني العراقيين لا من قريب ولا من بعيد،  بل وحتى يأخذ  حد نفي أي تدخل او وجود للطرف ألأيراني في العراق أو في ألعملية ألسياسية ، أن لم يكن فيه تعريضا لأمن البلاد  وخطر وقوعها ضحية، بين فكي الكماشة النووية للبلدين المتصارعين، في حالة المجابهة، لا سامح ألله، وأن كان ألأمر أفتراضيا في وقته الحاضر على أقل تقدير ..!!؟

من كل ماتقدم وحيث أن عملية "فك ألأشتباك" بين أمريكا وأيران باتت من ألأمور المصيرية بالنسبة للبلدين المذكورين،  وحيث أن هذه العملية تجري على الساحة العراقية ووفق شروط الطرفين المذكورين، يصبح من أللازم معه ، أن تكسر الحكومة العراقية جدار الصمت وتعلن موقفها من هذه العملية بكل وضوح، مما يتطلب معه كشف كل أبعادها وما قد يترتب عليها من نتائج قد يتوصل اليها الطرفان المتصارعان، وهذا ما نتوقعه،  وذلك بضمان  ما لا يضر مصالح العراق، أو يلزمه بما يمس سيادته ووحدة أراضيه،  أو التدخل في شؤونه الداخلية..!  كما أن الحكومة العراقية الحالية أو القادمة ، وطبقا لنصوص الدستور الدائم ملزمة بعرض كل ما يتعلق بمفردات وأوليات مسألة المحادثات ألأمريكية – ألأيرانية  على مجلس النواب العراقي المنتخب،  لمناقشاتها وأبداء رأي المجلس فيها، وما يتطلبه الموقف الوطني من أشراك العراق فيها كطرف أساس طالما أن الطرفين المذكورين، وحسب أدعائهما،  قادمان على بحث الشأن العراقي وليس غيره..!؟ وألله علام الغيوب...!!؟؟

(1)   ولمجرد ألأشارة ننوه هنا وعلى سبيل المثال بما نشرته أيلاف في 18/4/2006 مما له علاقة بألأمر:  "وقال المتحدث باسم الخارجية الاميركية شون ماكورماك امس الاثنين ان محمد نهونديان المستشار الاقتصادي لكبير مفاوضي الملف النووي الايراني علي لاريجاني موجود في واشنطن. واضاف "حسب علمي، لم يأت لعقد اجتماعات مع مسؤولين في الحكومة الاميركية، وبالتأكيد ليس مع مسؤولين في الخارجية الاميركية". واوضح المتحدث ان المسؤول الايراني لم يطلب تأشيرة دخول إلا انه جاء الى الولايات المتحدة بطريقة شرعية."   
(2)   
  وللزيادة في ألأيضاح حول الملف ألنووي ألأيراني يمكن ألأطلاع على مقالتنا حول( ألملف ألنووي ألأيراني- والصمت العراقي )من خلال الرابط أدناه. 
http://rezgar.com/m.asp?i=1189

401
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

بقدر ما أسعد المرء تصرف وزارة الخارجية العراقية وكياستها في التعامل ، مع تصريحات  الرئيس حسني مبارك حول العراق، وأعتمادها الفطنة الذكية وألأساليب الدبلوماسية في هذا التعامل المسؤول، بقدر ما كدر وأصاب بخيبة أمل وأسف كبيرين، لجوء الحكومة العراقية الى أتخاذ قرارها بمقاطعة الحضور الى لقاء وزراء الخارجية العرب المخصص للأزمة العراقية بتأريخ 12/4/2006..!؟

فمهما كانت المبررات التي ساقها السيد رئيس الوزراء،  والتي وقفت وراء اتخاذ القرار المذكور، فهي، في تقديري، لا ترقى الى تلك الدرجة التي تدفع بأعضاء الحكومة، الى تناسي الحالة العراقية المأزومة ، وألأندفاع وراء سورة الغضب وألأنفعال لتجيز مثل هذا القرار، مما أزم الموقف الى أكثر مما هو عليه، ودفع بأتجاه تصعيد ردود الفعل التي بدأت مظاهرها تطفوا على سطح الساحة الداخلية..!؟     
 
 المعروف في حالة التعامل مع ألأزمات التي تحصل فيما بين الدول المختلفة، أن  تلجأْ هذه الدول الى الوسائل والطرق الدبلوماسية المعهودة،  وضمن قواعد القانون الدولي وألأعراف الدولية، آخذة  مصالح دولها بألأعتبار..! فهل كان في قرار الحكومة العراقية ما  يغني ويدعم موقف العراق ويفي بألتزاماته..؟ وهل كان في  هذه السرعة في أتخاذ القرار، ما يعكس نفس أهتمام الحكومة العراقية في معالجاتها للأزمات ألأخرى ..؟  فهل على سبيل المثال،  يحضى ألوضع ألأمني بنفس هذا القدر من ألأهتمام الذي حضيت به تصريحات  الرئيس مبارك المدانة ..؟

أن الشيعة في العراق ليسوا بحاجة لأثبات وطنيتهم أمام ألآخرين ، وهذا ما عبر عنه شخصيا حتى رئيس الوزراء السيد الجعفري في مؤتمره الصحفي بتأريخ11/4/2006 بكل جلاء..!  أما مقاطعة حضور جلسات أجتماع لجنة وزراء الخارجية العرب المتعلقة بالملف العراقي فهذا شأن آخر؛  شأن يتعلق بدولة عضو في الجامعة العربية، وما يترتب على هذه العضوية من ألتزامات أدبية وسياسية، ناهيك عن  أن  العراق اليوم في وضع يتطلب منه أن يكون أكثر فعالية مما كان عليه سابقا في علاقاته  على صعيد الجامعة العربية، على أقل تقدير..!

لقد كان من مصلحة العراق الوطنية حضور السيد وزير الخارجية للأجتماع،  فبهذا الحضور كان بأمكان السيد الوزير أن يثبت وبشكل واضح ، كيف أن العراق لا يتأثر بتلك ألأصوات  التي تريد النيل من سمعة الطائفة الشيعية أو أي طائفة أخرى من مكونات الشعب،  ولسجل بحضوره موقفا أكثر أيجابية من موقف المقاطعة التي أقدمت عليه الحكومة وهو موقف سلبي من الناحية السياسية على أي حال..!  ولكان حضوره اللقاء شاهدا قويا على التأكيد المباشر  :  بأن أي أساءة الى مكون من مكونات هذا الشعب أنما هو أساءة لوحدة الشعب بجميع مكوناته..!  فأن حضور العراق لمؤتمرات الجامعة العربية،  سيكون له تعبير مؤثر يعكس حقيقة وحدة هذا الشعب ..! أما غيابه فلا يعني ألا عزلته عن محيطه العربي، وضعف دوره في التأثير بألأحداث..!

أن المقاطعة لحضور ألأجتماع، رغم ما قيل عنها؛  بأنها تعبير عن رفض وأستنكار العراقيين لتصريحات رئيس الدولة المصرية،  فأنها من الناحية الموضوعية والسياسية ، وفي هذا الظرف بالذات، لم تخدم أهداف المصلحة العراقية، في  تأمين الدعم والمساندة للشعب العراقي ، وهي مطلوبة،   للخروج من مأزق النفق المظلم الذي هو فيه، وفي ألقاء الحجة على  ألأخوة أعضاء الجامعة العربية، لبيان موقف واضح وداعم للشعب العراقي، للخروج من ألأزمة..!  فالمقاطعة لا تؤدي ألآ  الى حالة ألأنعزال وألتقوقع ، أما ألأستنكار وألأدانة فهناك ما يكفي من الطرق والوسائل الديبلوماسية، مما يغني عن ذلك..! 

فأن كانـت ألأساءة قد وجهت الى طائفة معينة من مكونات الشعب العراقي ، ففي تقديري أن التعامل معها كان ينبغي أن يكون ، وضمن ألأطر الديمقراطية ، تحت أسم الشعب العراقي بمجموعه، وحيث أن ألأمر يتعلق بالحكومة العراقية ، فأن أي رد فعل تتبناه تلك الحكومة ، ينبغي أن يأخذ مصلحة الشعب العراقي بنظر ألأعتبار..!  فالتعامل مع الحدث من زاوية ألأنتصار للطائفة بشكل يعزلها  عن باقي مكونات الشعب ألأخرى، أثنية كانت أم دينية أو مذهبية، انما فيه أضعاف لموقع تلك  الطائفة نفسها ، و بالتالي يمكن أن يكون مدعاة للتخندق الطائفي ، حيث يولد شعورا من الغبن ممزوجا بشعور من ألأستهداف لدى الطائفة المعنية، مما يدفع الى الكراهية والبغض، ويعمق حالة ألأحتقان التي تهيمن على الشارع العراقي..! ومن هنا يأتي دور الحكومة كعامل موحد لكافة فئات الشعب وطوائفه المختلفة..! وهذا ما كان ينبغي فعله..!

فأن كان بعض قادة العرب لا يدركون حقيقة واقع الشعب العراقي بمكوناته المختلفة، وطبيعة العلاقات الي تربط هذه المكونات بعضها ببعض، جغرافيا و تأريخيا لدرجة التلاحم ،  فهم يرتكبون خطاّ فادحا أذا ما  تعاملوا مع هذه المكونات على أساس من الطائفية- المذهبية أو العرقية بل وحتى الحزبية..! وأذا ما أرادوا التعامل مع العراق فليس هناك من طريق ، غير طريق العراق الموحد بشعبه ذي المكونات   المتعددة المتساوية في حق المواطنة دون تفريق..!  أما من يبني حساباته على أساس اللعب على وتر  الطائفية، فهو أنما يلعب بالنار..!؟

ومن هذا المنطلق فأن على الحكومة العراقية ، أن تكون أكثر وضوحا في تعاطيها مع المسائل الدولية عموما،  ومع المسائل العربية وألأقليمية على وجه الخصوص، فهي أذ تمثل كل مكونات الشعب العراقي، وليس مكونا بحد ذاته، لذا كان بأمكانها التعامل مع ألأساءة التي وجهت للطائفة الشيعية على أساس هذا المبدأ، لا  أختزالها الى مجرد  ردة فعل عكست في أطارها العام ما يفهم منه وكأنه موقف ذو طابع طائفي خاص..!
  أن للجمهور حقه في التعبير عن ردة فعله بالشكل والطريقة التي تعبر عن مشاعره في اللحظة المنفعلة  المعينة، محكومة بمراعاة ألأنظمة المرعية في أحترام النظام العام للدولة..!  أما الدولة نفسها، فهي ألأخرى يمكنها التعبير عن ردة فعلها كممثلة لكل المكونات الشعبية ولكن ضمن ألأطر المتعارف عليها في العلاقات بين الدول، بعيدا عن تبني الموقف ألأنفعالي- العاطفي للطائفة المساء اليها، مأخوذا فقط ، بحسابات أحتواء ألأزمة..!
فالحكومة هي رمز جميع العراقيين..! وفي تقديري أنه كان من الحصافة السياسية عدم ربط تلك التصريحات  بأمر أجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب، وألأتخاذ منها مبررا للمقاطعة، مما شجع على تصاعد الدعوات الواردة من العديد من مؤسسات المجتمع المدني في المناطق الوسطى والجنوبية و بعض قيادات المحافظات، الى المطالبة  بقطع العلاقات الديبلوماسية مع جمهورية مصر العربية ومقاطعة بضائعها..!؟

لقد كان حريا بالحكومة العراقية أن لا تنجر وراء ألخطط  التي تعتقدها مرسومة للنيل من وحدة الشعب العراقي  ودفعه بأتجاه الأحتراب الطائفي،  بقدر ما يفترض فيها،  أن تعكس ممارساتها وردود  افعالها وحدة هذا الشعب لا طائفة معينة بعينها..! أم أن الحكومة العراقية والسيد رئيس الوزراء كانوا ضحايا فخ هذه الخطط وتداعياتها..؟؟

402
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

بين المحاورة الهادئة وألأنفعال، كثيرا ما يفقد المرء  من حجته ويخسر أهدافه..! ولا غرو أن قلنا، أنه يفقد الكثير من عناصر قوته؛ من متعاطفين مع قضيته أو من أصدقاءه ..! 

لعدة أيام خلت، وفي لقاء تلفزيوني مع قناة العربية، وردت على لسان السيد رئيس جمهورية مصر العربية السيد حسني مبارك، بعض عبارات  تمت بصلة الى الشأن العراقي، الشيء الذي يمكن تفسيره ، أذا ما حسنت أو ضمرت النويا ما تخفيه، بألأتجاه المعاكس،  الذي لا يخدم القضية العراقية بل قد يضرها..!
لقد جاءت كلمات السيد رئيس جمهورية مصر العربية من حيث التوقيت ، في وقت بات فيه المشهد العراقي، في حالة من التأزم والغليان يصعب معها التكهن بالنتائج الخطيرة المحتملة، أذا ما أستمرت حالة الفوضى وغياب المسؤولية وأحتدام الصراع حول تشكيل الحكومة، على ما هي عليها الآن..! مما يمكن وصفه اذا ما أحسنا القول: أنه برميل بارود جاهز للأنفجار..!
السؤال ألأكثر أهمية هنا، يمكن حصره في أمرين؛ ألأول هو؛ هل أن توقيت التطرق الى المسألة العراقية كان مرسوما له سلفا أن يتم في هذا الوقت الملتهب، وهل أن السيد رئيس الجمهورية شخصيا،  كان راغبا الحديث عن ذلك في هذا الوقت..؟؟  ألأمر الثاني، وهو؛ هل أن السيد الرئيس حسني مبارك، كان يعني ما يقول، وبالمعنى "الظاهر" للعبارات التي تفوه بها، والتي جرى  تفسيرها، بأنها كانت موجهة "قصدا" بهدف ألأساءة الى طائفة الشيعة عموما وشيعة العراق بوجه خاص..؟!
لا أظن أن رئيس دولة وبألأخص رئيس قد بلغ من الحنكة والتجربة مثل الرئيس المصري السيد حسني مبارك، وهو رئيس أكبر  دولة عربية، يمكن أن يجر الى لقاء صحفي أو تلفزيوني بتلك البساطة التي يعتقدها البعض، هذا أذا ما ظن أحد بأنه قد أستدرج الى مثل هذا اللقاء، بهدف وضعه في هذا الموقف، الذي كان "يهدف" منه صب الزيت على نار المشهد العراقي لأزدياده أشتعالا كما يقال..!؟  وما يدحض مثل هذا التصور أن اللقاء نفسه قد أنصب على جملة نقاط مختلفة ، من ضمنها كانت المسألة العراقية، التي لم تحضى بهذا القدر من ألأولوية في الحديث مثل المسائل الأخرى؛ كالقضية السورية- اللبنانية ، ومسألة دارفور السودانية وأشكالية الحكومة الفلسطسنية الجديدة وغيرها من المسائل المصرية ذات الشأن الداخلي..!
 أن توقيت اللقاء في مثل هذا الوقت لا يعني شيئا متميزا يعطيه صفة مميزة عن غيره من اللقاءات ألأعتيادية التي يجريها رؤساء الدول ألأخرى..! وأن أراد المرء أن يعطيه مثل هذه الصفة، ففي تصوري أن ما يميزه أنه جاء في وقت، تضطرم فيه أحداث المنطقة العربية والشرق ألأوسط بشكل بالغ التعقيد..!

أما ظاهر العبارات التي خص بها السيد رئيس جمهورية مصر العربية في تعليقه على أسئلة مراسلة  الفضائية، فيما يتعلق بألأوضاع المأساوية في العراق، فهي قد تمحورت في نقطتين؛ أولهما: أن العراق يعيش ظروف حرب أهلية، وثانيهما:  أن ولاء الشيعة هو لأيران، وهما من ألأهمية بمكان ما يسستوجب القول؛ بأنهما وخاصة النقطة الثانية، قد أثارتا ردة فعل قوية في جميع أوساط المجتمع العراقي، حيث قوبلت التصريحات بألأستنكار  و ألأستهجان وجرى فهمها  ، بأنها أستفزازية وتذكي نار ألأحتراب الطائفي، بل أنها قد  حركت حملة واسعة من ردود الفعل الجماهيرية تطالب بمقاطعة كل ما هو مصري الصنع، والطلب من الحكومة العراقية أعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية المصرية وعدم ألأكتفاء بمجرد ألأعتذار..!؟ وقد وردت مثل تلك التصريحات حتى على لسان أقطاب معروفة من النخب السياسية..!

فهل كان الرئيس مبارك لا يدرك حقيقة ما يجري في العراق..؟ وكيف كانت منهجيته في تفسيره للأحداث..؟؟ أم أن تعقد ألأوضاع في المنطقة، وأنعكاسات طبيعة النشاط ألأيراني في منطقة الخليج على ذلك، قد أفقدت السياسة العربية ومركزها المتقدم مصر العربية، البوصلة السياسية في تحديد ألأتجاهات..؟؟
   
كيف يتعاطى الرئيس مبارك نفسه مع طبيعة ردود الفعل على تصريحاته المسموعة..؟  وهل يمكن ألأعتقاد بأن ما جاء من تفسير لاحق من ديوان الرئاسة لفحوى التصريحات المذكورة، سيكون كافيا لأقناع الملايين من العراقيين على أختلاف مشاربهم ومستوياتهم ألأجتماعية والثقافية، بأن السيد الرئيس مبارك، لا يعني في دواخله ماتظهره الكلمات..؟!وأنما يقصد فقط ((حرصه على وحدة العراق وشعبه واستعادة الهدوء والاستقرار وتحقيق الوفاق الوطني منوها بأن بلاده تتعامل مع جميع طوائف واطياف الشعب العراقي من دون تفرقة أو تمييز..))..؟؟

كيف ياترى يمكن ،  أن يفسرالمواطن العراقي مهما كان مذهبه الطائفي أو معتقده الديني،  أو أن  يقرأ ما يبطنه ظاهر الكلمات..؟ ومتى كان بأمكان ألأرادة الظاهرة أن تفسر ما تخفيه ألأرادة الباطنة، حسنا كان ذلك أم سيئا..؟؟
أن الخروج من هذا المأزق الخانق ، مقصود كان أم غير مقصود ، ليس بألأمر ألهين على أية حال..! ألا أن ما تقتضيه المصلحة الوطنية العراقية خصوصا،  والمصلحة العربية عموما،  هو أمر أكثر أهمية من مجرد التصريحات  نفسها، ولا أريد هنا التسويف أو التقليل من تأثير تلك التصريحا ت  على المواطن العراقي، بمسها مشاعره الوطنية، وبطعنها بحقيقة ولائه لوطنه الذي ليس عليه غبار..! أن هذه المصلحة، في أعتقادي،  تقف في أولويات المقترحات التي يجب أن تتخذ لرأب الصدع بين القطرين ألشقيقين، ألأمر الذي يستوجب معه أقدام   جمهورية مصر العربية والسيد الرئيس حسني مبارك شخصيا، بغض النظر عن البواعث التي كانت تقف وراء تلك التصريحات، على توضيح  ألأمر للشعب العراقي ، حتى لو تطلب ألأمر، الظهور في مؤتمر صحفي ، لتبيان الحقيقة، وأزالة ألأحتقان الذي ترتب على تلك التصريحات ..! مما يساعد على  وقف الدخول في مماحكات كلامية،  ويمنع ألأتجاه نحو تعقيد العلاقات ألأخوية بين الشعبين الشقيقين..! وحسنا فعلت الخارجية العراقية في فتحها ألأتصالات الديبلوماسية مع الشقيقة مصر لتلافي هذا ألأحتقان..!

أن من حق أي شعب ،  كبيرا كان أم صغيرا،  الثأر لكرامته أذا  مست ، ومن حقه أن يشجب أو يستنكر أو يدين،  بالطرق والوسائل التي تتناسب مع حجم تلك  ألأساءة،  وبالشكل الذي يظهر حقه في ذلك،  ضمن الأساليب الديمقراطية، من ألأحتكام الى الوسائل وألاليات المشروعة،  التي من خلالها ودون أن يتجاوز حدود المعقول، يمحي آثار تلك ألأساءة ..!

وفي الحالة التي تعرض لها الشعب العراقي وشعوره بألأساءة التي وجهت اليه من قبل رئيس اكبر دولة عربية، وبعيدا عن الولوج في تحليل أبعادها التأريخية والسياسية، تلعب النخب السياسية والطلائع المثقفة دورا كبيرا في أحتواء مثل تلك ألأزمات ، موجهة ردود الفعل المتوقعة  الى الطريق الذي يساعد على عدم تضخيم ألأحداث وتحويلها الى كوارث أجتماعية  تدفع الى الكراهية  وألأحتراب والتخندق الطائفي..!

أن ألأنسياق وراء الخطاب العاطفي- ألأنفعالي،  وتأثيراته الفورية على الجمهور وما ينجم عنها من ردود فعل غاضبة ومنفلتة ، أنما يضيع كل الفرص التي تخدم وتساعد في أطفاء نار ألأنتقام،  بل يزيد في أستعار لهيب ألأزمة، في وقت يحاول فيه كل المخلصين لشعبهم ووطنهم تجنيب الوطن  كارثة ألأنقسام الطائفي وما قد يترتب عليها _لا سامح ألله_ من المزيد من أراقة الدماء الزكية..!

 أن الكتاب والصحفيين ورجال الثقافة والنخب السياسية هم في مقدمة من يعمل على أحتواء ألأزمة قبل أستفحالها ، وعلى قطع الطريق على المصطادين في المياه العكرة،  لا ان يذكوا نارها بلهيب كلماتهم الساخنة وتحريضهم الذي لا يضر ألا مصالح الشعب العراقي و شقيقه الشعب المصري الذي هو ألآخر يرنو الى مد  يد التضامن الى نضاله من أجل الديمقراطية..!  أن الجميع مطالبون أن يرتقوا فوق الحدث وأن يراعوا في خطابهم الحكمة والعقلانية،  بعيدا عن روح التجريح والتشهير التي تسيء الى منطق العقل والتحضر.

403
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

 لعل المثل الشعبي المعروف " يا شدة أشتدي تنفرجي" قد يعطينا تفسيرا تقريبيا لحقيقة العوامل  التي تقف وراء موقف السيد رئيس الوزراء  المنتهية مدة رئاسته.  أذ ليس من باب الجهل بألأحداث أو عدم المعرفة بما تكتبه أو تعلنه المؤسسات ألأعلامية على أختلاف مشاربها ،  من دعوات موجهة الى السيد رئيس  الوزراء،مطالبة أياه بسحب ترشيحه لرئاسة مجلس الوزراء القادمة،  أن لم يكن ذلك  من باب التجاهل ، بل وحتى ألأستخفاف..!  فموقف الدكتور الجعفري المتصلب، والمعلن عنه  بأستمرار،  من جميع تلك الدعوات والمناشدات ، بما فيها المناشدات الآتية من حلفاءه في كتلة ألأئتلاف، ومن قبل أطراف في الحوزة العلمية، انما هو تعبير عن تمسكه ، وبأصرار، بقواعد وآليات الديمقراطية، التي منحته أحقية الترشيح لهذا الموقع .  ورغم ذلك فلم يجد هذا الموقف تجاوبا من أغلبية ألأطراف السياسية في العملية السياسية مما تسبب في وقوع البلاد في أزمة سياسية خانقة ، تنذر بالتداعي الى ما هو أسوأ مما هي عليه ألآن..؟!  وفي الملاحظات التالية أحاول ألأشارة الى بعض ما يقف وراء موقف السيد الجعفري وكيفية أدراته للأزمة:

•   قد يكون السيد الجعفري محقا في ما لديه من المبررات الدستورية، والتي هي في صلبها مظهرا من مظاهر الديمقراطية، ما يدعم موقفه هذا ويدعوه الى ألأصرار على ثوابته في التمسك بشرعية ترشيحه من قبل كتلة (ألأئتلاف) الى منصب رئيس الوزراء، أذا ما سلمنا جدلا بصحة ذلك، حيث يجد هذا الموقف سنده في الدستور_المادة/ 74 أولا..!

•   بما أن منصب (رئيس الوزراء) هو منصب سياسي قبل أن يكون منصبا وظيفيا، وبالتالي فأن تمسك السيد الجعفري بحقه في الترشيح، مدعوما بالأسناد الدستوري، رغم ألأعتراضات الموجهة من قبل ألأطراف السياسية ألأخرى على هذا الترشيح، وتأكيده المستمر على حسم النزاع داخل البرلمان ، رغم علمه المسبق  بأحتمالات النتائج المتوقعة بعدم قبول ترشيحه  عند عرض ألأمر على التصويت في البرلمان، أنما يجد تفسيره في الدوافع السياسية التي تقف وراء هذا الموقف المتشدد..!

•   انه ومن نافل القول، فأن عملية ترشيح السيد الجعفري قد تمت عبر عملية صراع سياسي  متفاوت في شدته بين أطراف (ألأئتلاف الشيعي) الذي يضم في عضويته سبعة  أحزاب سياسية متباينة المصالح وألأهداف، الجامع بينها هو أنتمائها الطائفي ليس غير.  وحيث أن البناء السياسي في الدولة برمته ومن بداياته قد بني على أساس "طائفي - قومي" ،  فهذا لن يمنع من بقاء الفوارق بين مكونات هذه الكتل ألأئتلافية، التي عادة ما  تجد قوتها وشعبيتها من خلال أنتماءها الى الطائفة أو القومية.  وليس حالة  (ألأئتلاف الشيعي) شذوذا على هذه القاعدة..!!  وتأسيسا على ذلك يمكن أدراج الملاحظات التالية كمؤشرات أولية لتفسير الدوافع السياسية لموقف السيد الجعفري من  أشكالية الترشيح لمنصب رئيس الوزراء :

*-  أن كافة مكونات كتلة (ألأئتلاف الشيعي) حريصة على بقاء وأستمرار  وحدة ألأئتلاف، للأسباب المذكورة في أعلاه، وهذا ما تؤكده يوميا جميع المكونات المنضوية تحت خيمة ألأتلاف، والذي تعززه من خلال الدعم الذي تنشده لدى المرجعيات الدينية للطائفة الشيعية، وهذا ما أكدته المرجعيات الدينية نفسها في أكثر من مناسبة..!   وتحت غطاء (وحدة ألأئتلاف) تخفي هذه المكونات، كل ما يمت بصلة الى وجود أية خلافات فيما بينها رغم ظهورها  للعيان..!  فرغم تكذيب سماحة السيد عبد العزيز الحكيم،  وهو يمثل رئيس كتلة ألأئتلاف،  لوجود مثل تلك الخلافات داخل صفوف ألأئتلاف، جاءت تصريحات السيد الجعفري لتؤكد العكس..!

*-   في لقائه مع قناة العالم الفضائية يوم السادس من نيسان 06 أكد السيد عمار الحكيم من ألأئتلاف على ألأهمية ألأستثنائية  لوجود ألأئتلاف ككيان يجمع بين دفتيه الطائفة الشيعية، وكان صريحا في ربط هذا الوجود بمسألة الترشيح الى منصب رئيس الوزراء، موحيا  ومكررا ولأكثر من مرة بأن هذا المنصب هو  حق وكأنه "مطلق" للأئتلاف وليس لغيره. مما يعطي تفسيرا لأسباب تمنع ألأئتلاف من دفع قضية السيد الجعفري الى البرلمان خوفا من مجازفة غير محمودة النتائج.  وألأدل على ذلك رفض ألأئتلاف أنعقاد الجلسة الثانية للبرلمان التي كان يفترض أنعقادها يوم الخميس 6/4/2006  لتوقعه بفشل مرشحه ، وما  قد يستتبع ذلك من أحتمال قيام الكتل ألأخرى بتسمية مرشح بديل من خارج كتلة ألأئتلاف، وفي ذلك الطامة الكبرى..!؟

*-   هذه الحقيقة المعروفة للجميع ومنهم السيد الجعفري، في أعتقادي، ولجميع قيادات المكونات السياسية داخل الأئتلاف، قد تحولت الى  ورقة ضغط  داخلية تستخدم من أجل منع ألأئتلاف من التراجع عن ترشيحه للسيد الجعفري وأستبداله بمرشح آخر ،  نزولا عند رغبة ألأطراف السياسية ألأخرى في البرلمان؛  وهي عادة ستكون في صالح كتلة ألأئتلاف نفسها أذا ما أقدمت عليها ، حيث أنها ستحتفظ بحقها في الترشيح للمنصب لكونها ألكتلة ألأكبر في البرلمان..! وهذا ما يدركه السيد الجعفري والقوى التي يمثلها، وبالتالي فأن رفضه لمطالب تلك ألأطراف مبني على هذا ألأساس، مما خلق حالة من التبلبل والحيرة بين صفوف ألأئتلاف نفسه، من كيفية أيجاد مخرج من هذه ألأزمة ..!!

*-   فالتلويح بورقة (وحدة الأئتلاف) قد وضع  قيادة ألأئتلاف في مأزق لا تحسد عليه، حيث في حالة رفضها  لأستبدال مرشحها، سيعرضها ذلك الى مخاطر فقدان حقها، كأكبر كتلة برلمانية، في تسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء، لتوقعها الفشل في البرلمان بسبب أصرار القوى ألأخرى على تمسكها برفض السيد الجعفري كمرشح لهذا المنصب، مما قد يعرضها الى خسارة جسيمة ويفقدها  مكاسبها التي حصلت عليها  من العملية ألأنتخابية.  وهذا ما دفعها للمماطلة المستمرة في أنعقاد جلسات البرلمان ..!

*-  أما في حالة قبولها بالتغيير وأستبدال السيد الجعفري بمرشح آخر قبل الذهاب الى البرلمان، فهو ألآخر قد يعرض كتلة (ألأئتلاف) الى ألأهتزاز الداخلي والى التفكك والتشرذم، وربما الى التحارب بين مكوناتها، التي هي أصلا تعاني من أختلاطات وخلافات قديمة، وهذا ما أنفك بعض قادة المكونات السياسية للأئتلاف، ومنهم السيد الجابري رئيس حزب الفضيلة ينبهون اليه. وفي كلا الحالين يصبح حال (ألأئتلاف) كحال من أستجار من الرمضاء بالنار..!؟ وأن كانت هناك بعض الشكوك في مسألة تفكك ألأئتلاف ..! فعلى سبيل المثال وتفاديا لحدوث ما لا تحمد عقباه.  وتحاشيا من الدخول في المحضور، وهو الذهاب الى البرلمان ، وهو ما يتمسك به السيد الجعفري بأستمرار، تقدمت بعض المكونات من ألأئتلاف ومنهم السيد الجابري رئيس حزب الفضيلة وفي ندوة تلفزيونية مع قناة العربية مساء الجمعة 7/4/2006، أعلن  خلالها  عن مشروع مقترح لنقل مناقشة هذه ألأشكالية وحلها الى الشارع ، من خلال ندوات مفتوحة وألأبتعاد عن اللقاءات المغلقة..!

*-  أن معرفة السيد الجعفري بحقيقة المعادلة السياسية، مسندا بقوى من داخل (ألأئتلاف)،  مدعومة بميليشيات مسلحة، وقوى أخرى من خارج ألأئتلاف، قد تلتقي مصالحها مع المواقف السابقة للسيد الجعفري فيما يتعلق بالموقف من قضية كركوك، أو من الفدرالية على سبيل المثال ، قد وضعه في موقف أللاعب ألأكثر خبرة في اللعبة السياسية، ساترا كل أوراقه ألأخرى في مواجهة ألآخرين، ألا الورقة الدستورية التي تمنحه حق التشبث بالبقاء، وهذا الواقع بكل أحتمالاته، ما يراهن عليه في حالة الذهاب الى البرلمان..! غير عابيء بكل ما يقال أو يعلن عن أخفاق وفشل حكومته في أدائها السياسي والوظيفي والنتائج الكارثية لذلك ألأداء..؟! مستفيدا من خشية (ألأئتلاف) على وحدته من التفكك من جهة، وعارفا  بحيرة الأطراف ألسياسية ألأخرى في أتخاذ القرار المناسب،  حفاظا منها على أستمرار مسيرة العملية السياسية، وتجنبا للمزيد من ألأحتقانات الحزبية – الطائفية من جهة أخرى..!

*-   مضافا لكل ذلك المناورة والتلويح بورقة ألأتفاق على السلطة التنفيذية التي تشمل رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء..! وهي ايضا من ألأوراق الضاغطة في عملية تسمية رئيس الوزراء..!؟  وقد كشفت تصريحات السيد جواد المالكي الناطق بلسان ألأئتلاف والقيادي في حزب الدعوة في تصريح لإذاعة ''سوا'' الأميركية أمس 6/4/ 2006  حيث قال((''سنرفض مرشحي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب وسنرفض أشياء كثيرة، فالرفض يفتح باب الرفض لذلك لانريد أن نذهب وهناك اعتراض على مرشحنا أو عملية لسحب البساط من تحت أقدامنا''• وقال النائب من الائتلاف علي الأديب ''هناك ضغوط على الائتلاف من أجل سحب مرشحه وهي تهدف إلى تفتيت وحدته باعتباره أكبر كتلة في البرلمان، لكنه صامد حتى الآن ويعد المسألة داخلية''•))،  هذا اذا ما كانت هناك أوراق أخرى غير معلنة، ومع استبعادنا لكل عوامل التأثير ألأقليمي والدولي من اللعبة السياسية..!

*- وفق هذا السيناريو الذي بدت معالمه أكثر وضوحا، ما يفسر أسباب صمت السيد الجعفري وأكتفاءه فقط،  بألأعلان عن أستناده على الدستور في أستمرار رفضه لمطالب القوى ألأخرى، دون أن يقدم ما يدحض ألأسباب التي دفعت بتلك القوى بما فيها قوى من ألأئتلاف نفسه لرفض ترشيحه الى منصب رئيس الوزراء لمرة ثانية..؟!

أن موقف السيد الجعفري أنما يعبر وبكل وضوح عن موقف سياسي  واضح المعالم مدعوم من قبل قوى وأطراف من مصلحتها بقاءه على رأس السلطة التنفيذية، وقد نوهنا عن بعض تلك المصالح في أعلاه ، ولا يعبر هذا الموقف عن مجرد طموحات ذات نفس شخصي  بحت كما يعتقد البعض ، بقدر ما هو يعكس حالة سياسية يمكن التعبير عنها بمقولة: أما أنا أو..!!؟؟؟     
أما دماء العراقيين فأن نزيفها يشتد ويشتد، ثمنا مدفوعا على حساب الصراع من أجل السلطة ونهم المتعطشين اليها ..!؟             

[/font
]

404
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

في مقالة للأستاذ الفاضل د. علي الدباغ تحت عنوان (ديمقراطية أم كونفدرالية للعراق) المنشورة في عدة مواقع ألكترونية، تناولت المقالة جملة افكار جديرة بألأهتمام، حيث تناولت واقع العراق بعد سقوط النظام الشمولي ألأقوى في المنطقة وفشل تجربة السنوات الثلاث في بناء الدولة  كأساس للبحث. ولأهمية ما ورد في هذه المقالة من أفكار طرحت على شكل بدائل مقترحة للخروج من أزمة الحكم الخانقة التي تمر بها البلاد، والتي لخصتها في بديلين؛ هما: الديمقراطية المباشرة، والثاني شكل من أشكال الكونفدرالية..! وحيث أن فكرة "البديلين" المذكورين قد بنيت على أساس من التعارض والتضاد بين المفهومين، حيث وضعت الديمقراطية مقابل الكونفدرالية، وكبديل لها، وهذا في أعتقادي أساس تعوزه الدقة في تحديد طبيعة المفهومين والعلاقة بينهما. وتوخياّ للتوصل الى ما هو مفيد في  مناقشة هذه ألأفكار، وبوحي منها، وليس من باب الرد،  وجدت من المناسب كتابة بعض الملاحظات  السريعة التي أعتقد أنها تساعد في ألقاء  الضوء على ما تقدم، وذلك تحت العنوان اعلاه؛ (هل أن الكونفدرالية بديل للديمقراطية..؟)           
•   أن "الديمقراطية" التي جرى طرحها كأحد البديلين، أنما هي عبارة عن أسلوب في أدارة نظام الحكم وليست شكلا لذلك النظام، ويعبر مصطلح الديمقراطية عن نظام سياسي يقوم على أن عامة الشعب في المجتمع هي التي تسير و تتحكم بالحكومة. ونقيضها هو الديكتاتورية وألأستبداد.. أما الكونفدرالية فهي وكما نعلم شكل لنظام الحكم تمليه ظروف وأسباب معينة كما هو الحال بالنسبة للأنظمة الفدرالية، أو الجمهورية أو الملكية ..ألخ
•   أن العلاقة بين "الديمقراطية " و"الكونفدرالية"،  وكماهو متعارف عليه، عبارة عن علآقة ديناميكية متفاعلة ويمكن القول، ومتلازمة في ألأحوال ألأعتيادية، فأن أفتقدت الكونفدرالية أو غيرها من أنظمة الحكم المختلفة لأي سبب من ألأسباب الى (الديمقراطية) كأسلوب لأدارة هذا النظام أو غيره، وكتنظيم للعلاقة بين مكوناته، يتحول ذلك النظام في هذه الحالة، الى مجرد كيان خاو، تصبح الدولة فيه، مجرد كابوس يجثم على رقاب المواطنين، مما يسبغ على مثل هذه ألأنظمة طابع ألأستبداد، والدكتاتورية..! وبالتالي فأن وضع "الديمقراطية" بالمقابل للكونفدرالية أو لأي نظام حكم آخر وأفتراض أمكانية أستبدال الواحدة بألأخرى ومن ثم الخيار بينهما على حد قول المقالة ((أمامنا خياران وعلينا أن نختار أحد الحلين المتعاكسين.)) أنما يعكس حالة من خلط للمفاهيم، وتوجيه ألأحداث بأتجاه آخر قد لا يتلائم مع واقع المرحلة الحالية..!
 
•   أن وضع "الديمقراطية" في التضاد والتعاكس من "الكونفدرالية" وهما شيئان مختلفان من حيث المفهوم والمقصد، وتحويل الكونفدرالية وهي احد أشكال الحكم، من حاضن للديمقراطية الى نقيض لها، انما  يضع القاريء في حالة من التشوش والحيرة في فهم ما يهدف اليه هذا  التوليف،  ويبدو له  ألأمر وكأنه  أمام عملية أختيار ما بين "ألأبيض أوألأسود" وكما هو معروف أنهما، شكلان متميزان  لشيء واحد، أذ كليهما يعبران عن جنس واحد هو (اللون) وتعاكسهما نابع من ذاتية ذلك اللون، أو بمعنى آخر من الصورة التي يتمظهر بها للعيان، وقد يأخذ هذا التمظهر أشكالا عدة كما هو في حالة (اللون)  والخيار ما بينها ناجم من هذا التعاكس أو التمظهر  ..! ونفس الشيء يمكن أيراده عن وجهي العملة، وألأمثلة كثيرة..! أما ما يقال حول "الديمقراطية" و"الكونفدرالية" ك((متعاكسين)) وبالتالي أفتراض كونهما من جنس واحد، أو شكلين مختلفين لعملة واحدة، مما يسمح معه ألأختيار بين أي منهما كما هو الأختيار بين أللون الأبيض واللون ألأسود، فهو أفتراض لا يستقيم مع المنطق العلمي..!

•    وعليه فأن مسألة الخيار بين "الديمقراطية" وبين" الكونفدرالية" وكأنهما شيئان متعاكسان، أنما يوحي الى تغليب البديل المطروح للحل المقترح وهو "الكونفدرالية" من خلال وضع " الديمقراطية" في وضع البديل  "المتعاكس" خطأّ، وألصاق فشله على الصعيد التطبيقي برفض ألآخرين له..! مما سيساعد ويدفع الكثيرين من عامة الناس الى القبول بمثل ذلك الطرح، وكأنه مسلمة صحيحة أوأستنتاج منطقي لتلك المقارنة ، رغم أنها قد بنيت على أساس خاطيء وعكست نوعا من الخلط بين مفهومين مختلفين من حيث الشكل والمضمون..!؟ 

ومن خلال ما تقدم ومن  التعريف بالطبيعة الخاطئة للأساس الذي بني عليه مبدأ "ألأختيار" للحلول التي جاءت بها المقالة للخروج من أزمة الحكم القائمة، يمكننا أستخلاص ما يلي:

*- أن الفشل الذي أصاب "العملية السياسية" خلال مسيرة السنوات الثلاث بعد الغزو وألأحتلال، ووفقا للأسباب التي أعتمدتها المقالة، لا  يجد حله في "نقيضه" أو "عكسه" حسب ماتسميه المقالة نفسها وهو "الكونفدرالية"، اذ ليس هناك من علاقة تعاكسية بين "اليمقراطية" كأسلوب لأدارة نظام الحكم ،  وبين نظام الحكم نفسه، المنصوص عليه دستوريا بأنه أتحادي فدرالي ..!
 
*-  أن التركيز على خيبة الأمل التي أنتهت اليها تجربة "الأسلوب الديمقراطي" في أدارة الدولة خلال السنوات الثلاث وما آلت اليه من نتائج كارثية على كافة ألأصعدة، وهذا ما تناولته المقالة في بعض جوانبها: (( بأن ما تم إعتماده من إسلوبٍ توافقي يتجه بنا الى تدهورٍ حاد وسريع في الوضع الأمني والسياسي ودائماً تكون النتائج وليدة المقدمات ووليدة المنهج الخطأ وسيعرض مروجي منهج التوافق العراق لأزمات كبيرة جداً من هذا النوع مستقبلا وفي كل إختلاف وتضارب في المصالح،)) وكذلك التعلل، بأن رفض العديد من النخب السياسية "للمشروع السياسي" المطروح، والذي يبدو غامضا في طبيعته وفي مفرداته ، والذي ((أصبح النحر اليومي)) أنعكاسا له، وبأن ((الجزء ألأكبر)) من هذا النحر ((هو رسائل سياسية تعبر عن رفض للمشروع السياسي الذي يتعثر بإطراد ويلاقي معارضة ليست قليلة من البعض لأنهم يرفضون معادلة حكم جديدة للعراق ويريدون للعراق أن يحكم بالمعادلة السابقة أو بمعادلة اخرى لاتحتكم لنتائج صناديق الإقتراع وبذلك فان هذا الحل الكونفدرالي سيكون منقذاً للعراق.)) ((وفي هذا النظام الكونفدرالي ستنتهي مشكلة البعض الذي يتهم الأكراد يتمددون على السلطة الإتحادية في بغداد بالإضافة الى أنهم شبه مستقلين في كردستان.))  على حد قول المقالة. أن هذا التركيز، وكما أعتقد، لا يصح  أعتباره سببا كافيا  لطرح "الكونفدرالية" المقترحة، كحل للمناطق ألأخرى من العراق، وأقرانها بالكونفدرالية في كردستان، وأعتباره طوق نجاة للخروج من المأزق الذي تمر به البلاد. رغم عدم التناظر من حيث ألأسباب الموضوعية والمبررات المنطقية  بين النموذجين المطروحين، وأنني هنا لست بوارد البحث في تقاصيل ذلك ..! ولعل من باب التساؤل، التذكير مجددا، بأن "الكونفدرالية" بحد ذاتها، ليست ضمانا أكيدا للخروج من أزمة الحكم الحالية، فهناك العديد من نماذج الحكم الكونفدرالية أو الفدرالية قد تهاوت لأفتقادها للديمقراطية..! 

*- أن سبب ((التدهور الحاد والسريع في الوضع ألأمني والسياسي)) في تقديري، لا يعود الى "الديمقراطية" نفسها كأسلوب للحكم، أو كما عبر عنه مجازا برفض ((المشروع السياسي)) ولا الى ((منهج التوافق)) الذي أعتبرته المقالة حلا أضطراريا فرضته مرحلة معينة، _ رغم أن منهج التوافق نفسه، ليسا معيبا أذا ما بني على ألأتفاق التام على (برنامج سياسي) من قبل كل مكونات العملية السياسية، وبالنوايا الحسنة، ووفق أسس مبدئية؛ من أحترام لمبدأ المواطنة، وصيانة وحدة وسيادة البلاد وألألتزام بنصوص الدستور_،  بقدر ما يعزى ذلك الى طبيعة ممارسات مؤسسات نظام الحكم وفي مقدمتها الحكومة، التي أخذت على عاتقها مسؤولية التحكم في أدارة السلطة خلال الفترة الأخيرة، بما أرتكبته من أخطاء وممارسات تتعارض مع جوهر الديمقراطية كأسلوب لأدارة السلطة، وأعتمادها وسائل وطرق لا تمت بصلة للديمقراطية نفسها، كالتخندق الحزبي والطائفي في دوائر ومؤسسات الدولة، والسماح بالنشاط اللاشرعي للتنظيمات المسلحة "المليشيات"، وتفشي الفساد ألأداري والمالي، وألأخفاق في حفظ ألأمن وصيانة سلامة المواطنين، والفشل في معالجة أزمة البطالة والخدمات، وغيرها من الأسباب ألأخرى، مما أضعف الثقة بأدائها من قبل ألأطراف ألأخرى، وأنعكاس ذلك سلبا على مسيرة "العملية السياسية" برمتها، وتفجير أزمة أختيار رئيس وزراء للحكومة الجديدة بعد ألأنتخابات، ألأمر الذي يبدو في ظاهره وكأنه رفض من قبل تلك ألأطراف لمبدأ الديمقراطية لرفضها قبول مرشح (كتلة ألأئتلاف) في البرلمان، وهذا ما أشارت اليه المقالة بأنه: ((هناك أزمة كبرى تحيط بتسمية رئيس الوزراء ويٌطلب من أحد الفرقاء الآن تناسي ما أفرزته الديمقراطية وآلياتها ووضعها جانباً والذهاب الى توافقٍ لاتحكمه قواعد وقوانين بل يبقى خاضعاً للقوى التي تجلس على الطاولة وهي متغيرة كل يوم بحجم قواها))،  في الوقت الذي هو في حقيقته عبارة عن رفض لأداء مرشح الكتلة المذكورة والمبني على أساس ألأداء الفاشل للسلطة القائمة حاليا وهو رئيسها، وليس رفضا لما أفرزته الديمقراطية وآلياتها المختلفة. حيث يمكن التعلل به كسبب للأخذ بالكونفدرالية كحل آخر لأزمة الحكم..! أن هذا الرفض بعينه يدخل ضمن آليات الممارسة الديمقراطية نفسها بغض النظر عما اذا كانت أسبابه مقبولة أو غير مقبولة، فهي تدخل في أعتقادي ضمن حق أبداء الرأي وألأجتهاد وهذا مبدأ كفله الدستور، وهو أحد أركان الممارسة الديمقراطية وليس العكس..!   
 
*- أن مثل هذا (البرنامج السياسي) المشار اليه في الفقره أعلاه، أذا ما جرى ألأتفاق عليه من قبل الجميع، كفيل بالمساعدة على أخراج البلاد من أزمتها الحالية، في نفس الوقت الذي يهيء فيه، الظروف المؤاتية لتشكيل حكومة وطنية تلتزم ببنود البرنامج المذكور لما فيه مصلحة الوطن والشعب، ولا ينتقص من أهميته في أعتقادي حتى لو بني على أساس منهج التوافق بين الكتل السياسية في المرحلة الراهنة، اذا ما كان هذا التوافق يضمن التطبيق الصحيح لبنود الدستور وفق الأسس التي أشرت اليها في الفقرة أعلاه..!

*- أما خيار "الكونفدرالية" وبالصورة الموضحة في أعلاه، ففي تصوري وفي ظل الظروف الراهنة ألأستثنائية والتي أكدت المقالة نفسها على  مدى خطورتها،  فلا أرى فيه العلاج المناسب والجذري للتدهور المذكور، أذا ما أفترضنا على عكس ذلك؛  بأنه قد يدفع الى التقوقع وألأنعزال، ويشجع على التخندق والعزل الطائفي، ويساعد على خلق كيانات هشة تساعد على تفتت لحمة النسيج ألأجتماعي وتضعف وحدته ألأقتصادية،  ناهيك عن تعرض سيادة ووحدة البلاد الى خطر التمزق، خاصة في وقت بلغ فيه ألأحتقان الطائفي والحزبي حدا خطيرا، وأصبح ((الحديث يدور علناً وليس همساً عن الحرب الأهلية التي نجح العراقيون وبصورة شجاعة ومذهلة أن يحاصروها لحد الآن على رغم أهوالٍ عصفت بهم وكادت أن تطيح بوحدة العراق..!)) على حد تعبير المقالة نفسها..!

*- أن حلا مثل هذا لا يمكن تصوره، ألا هروبا من الحل نفسه. في وقت يحتاج فيه الجميع الى التوحد ولم الشمل بعيدا عن كل أحتقان حزبي أو طائفي أو مذهبي.. اذ لا مجال هنا للأختيار بين "الديمقراطية" و"الكونفدرالية"  كمتعاكسين  طبقا لمبدأ ألأختيار الذي أعتمدته المقالة.  ومن هذا السياق جاءت مقالتنا و بالعنوان أعلاه (هل أن الكونفدرالية بديل للديمقراطية..؟) طبقا لفهمنا عن العلاقة  الديناميكية بين الديمقراطية والكونفدرالية،  وبوحي من مضامين ألأفكار الواردة في مقالة ألأستاذ الفاضل د. علي الدباغ التي تميزت بالطرح الصريح والشجاع للمسألة العراقية ومن موقع المسؤولية..!

   أما أذا أردنا أن نبحث عن الحلول، فلابد، في تصوري، أن يكون أختيارنا منصبا قولا وعملا على ألأختيار فيما بين ( الديمقراطية) كجوهر وكأسلوب لأدارة نظام الحكم وعمل السلطة ومؤسساتها المختلفة تحت أشراف ورقابة البرلمان والتمسك بنصوص الدستور، وبين "الدكتاتورية" كنقيض عركناه وعشنا في ظله رغم أرادتنا ودفعنا ثمنا لذلك، ثلاث عقود من الجور والطغيان وهذا ما لا نبتغيه..!   
[
font=Arial][/font]

405
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

ليس هناك ما يدعو المواطن العراقي للقلق من شيء، رغم كثرة هذه ألأشياء،  مثل قلقه في ألأبقاء  على وجوده حيا. فوجوده هذا، لم يعد ملك يديه..!
وها هنا يطرح (الوضع ألأمني المنفلت)، السائد في العراق اليوم، يطرح نفسه،  كتحد صارخ في وجه الحكومة ومدى قدراتها وجديتها في مواجهة ذلك ألأنفلات، الذي أجمعت، كل أطياف الشعب العراقي بما فيها نخبه السياسية، والحكومة نفسها وأجهزتها ألأمنية،  على تدهور هذا الوضع لدرجة بات معها (الفلتان ألأمني وحرية الفوضى) هما البديلان السائدان عمليا للأمن وألأستقرار في الشارع العراقي، لدرجة أصبحت  فيه أباحة دماء المواطنين، حالة مألوفة تواجه المواطن العراقي أينما كان وحيثما وجد..!  فبالقدر الذي تتساقط فيه الضحايا من ألأبرياء من المواطنين، تتساقط الضحايا من ألأبرياء من أبناء القوات المسلحة، من عسكريين ومنتسبي الشرطة وألأجهزة ألأمنية..!؟

 وبدل الطمأنينة وألأمان أصبحت مشاعر الخوف والقلق والرعب هي المهيمنة على مشاعر سائر المواطنين العاديين ، العزل من السلاح؛  يلاحقهم الموت، حتى حينما يكنون الى مضاجعهم ويؤون الى بيوتهم..!؟ فأن حالفهم الحظ وأخطأتهم حمم المفخخات نهارا، ضاع مصيرهم في مصائد المداهمات ليلا..!؟
لقد أصبح ليل بغداد، ليلا للرعب والهلع.. ليلا للخوف والموت الصامت..!؟  فمن يقف وراء ذلك..؟ ومن هو المستفيد..؟؟

أن حيرة السؤال تأتي من حيرة ألأجابة عليه..!

 فها هو السيد وزير الداخلية  في لقائه مع صحيفة (الشرق ألأوسط) العدد/ 9981تأريخ 27/آذار/2006  يفسر ألأمر بهذا الشكل:
" أن الاتهامات التي توجه الى وزارة الداخلية بأنها وراء بعض العمليات الارهابية، سببها اختراق عناصر مخربة للاجهزة الامنية، مشيرا الى انه «كلما يتم إلقاء القبض على احد الاوكار الارهابية يوجد في تلك الاوكار ملابس لعناصر من قوات وزارة الداخلية»، وأضاف «يمكنكم ان تجدوا هذه الملابس معروضة للبيع في الاسواق العراقية (سوق الباب الشرقي)."
وفي نفس السياق، يوضح السيد الوزير ألأمر كما يأتي:
" أن 3 آلاف عنصر «مخرب» اخترقوا اجهزة الأمن، منذ الشروع في عملية تكوين الشرطة والأجهزة الموازية الاخرى. مبينا ان «فرق الموت» تسمية أطلقها ضابط في الجيش الاميركي."

أن تداعيات الوضع ألأمني بهذا الشكل المريع ، وبعدما بات من المتعذر على المواطن أيجاد تلك الجهة التي ترعى مصالحه وتضمن أمنه وسلامته..! دفعت بالسيد وزير الداخلية الى تطمين هذا المواطن "بخمس سنوات أخرى من ألأنتظار حتى تستتب ألأوضاع ألأمنية..!!؟؟"
 لقد تفاقمت ألأوضاع  حد حافة الهاوية..! وأختلطت أوراق اللعبة السياسية، كأختلاط ألأطماع والمصالح،  سواء على الصعيد الداخلي، أم على صعيد دول الجوار،  ناهيك عن تعدد مراكز القوى ومراكز القرار..! لقد أصبح قتل المواطنين وحرق وتدمير ألأماكن المقدسة ودور العبادة والتطهير الطائفي، مظاهر يومية لهذا التفاقم ولحالة الفوضى وشيوع ألأرهاب، ألأمر الذي وقفت أمامه كل أجهزة الحكومة عاجزة لا تلوي على شيء..!؟ أما تصريحات المسؤولين فلا تعبر ألأ عن حالة عدم ألأكتراث وغياب المسؤولية.؟!
 ناهيك عن خرق قوات ألأحتلال "لمسؤوليتها" في (صيانة ألأمن وحماية أرواح المواطنين)، بممارساتها ألأستفزازية،  وبأطلاقها النار وقصفها العشوائيين لبيوت الناس وأزهاق أرواح المواطنين ألأبرياء في العديد من مناطق العراق ، وآخرها أطلاقها النار العشوائي على العزل من أبناء حي أور في وسقوط العديد من ألأبرياء..!؟ 
لقد تصدر "الملف ألأمني" كافة الملفات الساخنة ألأخرى "كالملف ألأقتصادي" "والملف ألأجتماعي"، رغم ما لهما من أهمية أستثنائية كأحد عوامل تفاقم ألأمن في البلاد؛  فالبطالة وتسريح العاملين في مؤسسات الدولة العسكرية والاقتصادية قد وفرا جيشا هائلا من الناس الذين هم على أستعداد للقيام باي شيء من اجل مواصلة الحياة لهم ولاولادهم، حتى لو كان ذلك على حساب أمن المواطنين الآخرين وسلامتهم..!
أن هذا التصدر للملف المذكور ليس ألآ أنعكاس لحدة الصراع القائم بين كافة أطراف العملية السياسية، الصراع بين كافة ألأجندات المختلفة، بدءّ من أجندة ألأحتلال وأنتهاءّ بأجندات دول الجوار وكل من يجعل منها ظهيرا له في تحقيق أهدافه..!  فالساحة العراقية لم تعد عراقية، و"الملف ألأمني" لم يعد حالة طارئة، بقدر ما أصبح آلة ضاغطة وفاعلة في عملية الصراع..!؟  فلا غرابة والحال، أن يجري هذا التنافس الحاد بين النخب السياسية حول من سوف يتحمل مسؤولية هذا  "الملف"،  ولا غرابة أيضا أن يتأخر تشكيل الحكومة طيلة هذه المدة الطويلة..؟؟! ولا غرابة كذلك أن يتمحور هذا الصراع وبشدة حول تحديد شخصية (رئيس الحكومة القادمة)..!؟ ولعل ألأكثر غرابة هو تصريح السيد رئيس الحكومة الحالية الدكتور الجعفري من "انه ينظر الى الميليشيات »في اطار الواقع الفعلي في العراق.. اي شخص هو جزء من الواقع العراقي يجب ان يكون جزءا من البيت العراقي«."وبأن هذه المليشيات: " ستختفي وتذوب داخل المؤسسة الحكومية المركزية"./انتهى. صوت العراق_30-31/3/2006 
   أن " الملف ألأمني " هو المفتاح الرئيس للتشبث والبقاء في السلطة، وهو الممهد للأستئثار بها؛  أنه "السلطة" بعينها، وهو الفاصل في تحديد ألأتجاه..! أما دور "المليشيات" وطبقا الى مفهوم السيد رئيس الحكومة المؤقته، فهو رغم تناقضه مع نص المادة التاسعة-فقرة/ ب من الدستور، فأنه وفقا لهذا التصور المطروح يمكن أن يكون هذا الدور أحدى وسائل الضغط عبر العملية السياسية الجارية ألآن، ومثار قلق مستمر لدى المواطن العادي من شمولية المظاهر المسلحة في الساحة العراقية المحتقنة بسبب ألأنفلات ألأمني، وغياب دور السلطة..!؟  أما دوره لاحقا فمرهون بطبيعة من سيتولى مهام الحكومة القادمة، والكيفية التي تجري وفقها عملية "الأختفاء والتذويب" والله أعلم..! 
  أما ثمن هذا الصراع فهو المزيد والمزيد من سفك دماء ألأبرياء..!؟؟ ولا أظن من الوطنية بشيء، السكوت على ذلك والتفريط بوحدة الوطن، ومصلحة الشعب وتعريضهما للتمزق وألأختراق  من أجل مصالح فئوية حزبية خاصة..! فلأن كان للمتدخلين الطامعين في خيرات الوطن أجندتهم في تمزيق وحدة البلاد وتشتيته في كيانات هزيلة، تروي عطش اللاهثين وراء السلطة، فلا أظن أن المخلصين من أبناء هذا الشعب وقواه الوطنية ستسمح بتمرير ذلك..!               
لقد أشرت وفي مقالين سابقين:  (الملف ألأمني- الحالة المستعصية) و( ألألتزام السياسي بنصوص الدستور) الى مخاطر الوضع ألأمني وألى دور (مجلس النواب) الجديد في تحمل مسؤوليته لحل أشكالية هذا الملف، حيث لم يبق أمام النخب السياسية البرلمانية من مآل غير تحمل مسؤوليتها الكاملة، بعد أقرارها بهذا الواقع المأساوي، وذلك بالتخلي عن مصالحها الضيقة، والشعور بمسؤولية الحفاظ على وحدة الوطن، وتجنيب الشعب المزيد من أراقة الدماء، وذلك بالمبادرة الى تشكيل الحكومة الجديدة؛  حكومة خارج المصالح الضيقة لأحزابها وطوائفها، وعسى أن يكون ما صرح به الدكتور الجعفري مؤخرا حول مواصفات  من يتولى الوزارات الامنية  " ألا يكون من حزب لديه ميليشيا ولا يعمل لان يجعل وزارته تقع تحت تأثير الحزب الذي ينتمي اليه بل يجب أن يكون غير طائفي وغير منحاز"...!؟31/3/2006 ، عسى أن يكون ذلك مؤشرا لصدق النوايا من قبل الجميع،  وذلك للخروج من ألأزمة المستعصية ولأنهاء حالة الفراغ الحكومي، وفي جميع ألأحوال ، فأن (مجلس النواب) هو ألأكثر مشروعية في تحمل المسؤولية لأنهاء حالة ألأحتقان الطائفي –السياسي، التي أوصلت البلاد الى شفى الكارثة..!؟    فهل أنتم فاعلون، بل هل أنتم قادرون..؟؟!

406
المنبر السياسي / وطنية حزب..!
« في: 09:56 26/03/2006  »
باقر الفضلي


 
قد يبدو من الملفت للنظر أن يتحدث المرء عن مناسبة للذكرى أعتاد حزب من ألأحزاب أن يحييها كل عام، بالعنوان أعلاه. ولكن لما لهذا العنوان من مدلولات ذات مغزى، في ظل ظروف العراق ألأستثنائية الحالية، دفعنا الى تناول مناسبة أحتفال الحزب الشيوعي العراقي بذكرى تأسيسه الثانية والسبعين بمثل هذه الخصوصية..!
 أن (الوطنية) صفة أقترنت بأظهار مشاعر ألألتصاق بالوطن، بمختلف ألأشكال التي تعبر عن هذا ألألتصاق، وفي مختلف الظروف التي توجب أبداء هذه المشاعر وتأكيد حقيقتها. أن مشاعر ألألتصاق بالوطن، وما يعبر عنها أصطلاحا ب(الوطنية) أو (حب الوطن) أو ألأخلاص لمصالحه والدفاع عن حياضه، حتى درجة ألأستشهاد في سبيل ذلك.. أنما هي بدهية من البدهيات المسلم بها بالنسبة لأي مواطن يعلن أنتمائه للوطن، ويمتلك مشاعر (الوطنية)، وهي بالنسبة للمواطن العادي "ارادة باطنة" مفترضة ..!

أما (الوطنية) بالنسبة لأي كتلة  أو حزب سياسي أو حركة جماهيرية أو تنظيم أجتماعي، فلها سماتها الخاصة التي تميزها عن (وطنية) المواطن العادي، فهي مشاعر معبر عنها وفق "أرادة ظاهرة" تنعكس في برامجها وأهدافها وفي سياساتها المعلنة وأنظمتها الداخلية، وعلاقاتها وممارساتها الفعلية..! فهي مفترضة من خلال "ألأرادة الباطنة " لمنتسبيها كأعضاء أو كمناصرين، ومشترطة من خلال " ألأرادة الظاهرة" لها كمنظمات أوأحزاب.!  وبمعنى آخر؛ أنها -الوطنية-  تعبير عن التطابق التام بين "ألأرادة الظاهرة" و "ألأرادة الباطنة"، المعبر عنهما في الولاء المشترك ل(الوطن) من كلا الطرفين..!

وكأحزاب ومنظمات،  تتداخل سمة (الوطنية) مع نضالها من أجل (السلطة)، حيث يفترض أن حيازة السلطة لا يمكنه أن يكون غاية بحد ذاتها، بقدر ما هو وسيلة لتحقيق مشاريع وسياسات وأهداف تلك ألأحزاب والمنظمات السياسية، التي يفترض أنها مؤسسة كليا على أساس مبدأ (الوطنية) بمعناه العام والخاص..! فأي تعارض في ذلك، سيحول النضال من أجل السلطة الى مجرد هدف بذاته وتصبح (السلطة)  مجرد غاية لتحقيق أهداف حزبية ضيقة، مآلها التخندق في قلاع السلطة، وقمع القوى وألأحزاب ألأخرى التي تعارضها، بحيث يتحول مفهوم (الوطنية) الى مفهوم مختزل مبتسر، يعني فقط،  مصلحة ذلك الحزب أو الكتلة التي وضعت يدها على السلطة. وهنا يمكن القول بأن مثل هذا الحزب قد يفقد معنى وجوده كحزب (وطني) بالمعنى الذي أشرنا اليه في أعلاه، أذ تتحول (السلطة) بيده الى أداة قمع خالصة، ويختزل مفهوم ( الوطن) لديه الى مفهوم (وطنه) و(الشعب) الى(شعبه)، وبهذه الطريقة يكتسب نظام الحكم تدريجيا سمة النظام الدكتاتوري، هذا أذا ما أستثنينا حالات ألأنقلابات العسكرية، و تبادل السلطة الذي يجري عبر وسائل غير ديمقراطية..!!       

أن ألأنتماء للوطن وحده، لا يمثل دائما مقياسا دقيقا لوطنية أي حزب سياسي، رغم التسميات المختلفة لذلك الحزب، وتصبح (الوطنية) حالة نسبية تختلف حسب المكان والزمان وألأتجاه، تحكمها تكتيكات التحالفات والمساومات التي يقدم عليها خلال نشاطاته السياسية. فهناك العديد من ألأحزاب السياسية من يحمل تسميات وعناوين ترتبط شكليا بتسمية الوطن والوطنية، ولكنها على صعيد الممارسة العملية، لاتمت بصلة الى جوهر وماهية هذا المفهوم، بل وفي بعض ألأحيان، قد تحيد كليا عنه، رغم أنتمائها الوطني..! وتظل الممارسة العملية عند التطبيق هي المقياس المعول عليه في تحديد مدى مصداقية هذا الحزب أو ذاك، فيما يتعلق بولاءه الوطني، قبل أي ولاء آخر..! ولا نغالي أذا قلنا بأن هذا الولاء أنما يتجسد باديء  ذي بدأ،  في الحفاظ على سيادة البلاد، وصيانة وحدة تراب الوطن، والحفاظ على وحدة نسيجه ألأجتماعي،  ووحدة مكوناته ألأقتصادية. كل ذلك مقرونا بتوفر نهج سياسي ديمقراطي يهدف الى تحقيق ألأمن والسلم ألأجتماعي، ويعمل من أجل تحسين ألأحوال ألأجتماعية ألأقتصادية لكافة المواطنين، وضمان تمتعهم بحقوقهم السياسية والنقابية والثقافية، وفي مقدمتها حقوقهم القومية، والدينية..!
أن وطنية أي حزب سياسي لا تعني بالضرورة ما يعتنقه هذا الحزب من عقيدة أو نظرية فلسفية- أقتصادية، بقدر ما يحمله في مضامين مشروعه أومنهجه السياسي من قراءة صحيحة لواقع المجتمع الذي يعيش في كنفه، وما تعكسه هذه القراءة من شعارات ملموسة ، وغير هلامية أو طوباوية، تلبي الحاجة الموضوعية لأفراد هذا المجتمع في مكانها وزمانها المعينين؛ شعارات ذات طبيعة عامة تتعلق بمسائل جوهرية تخص عامة أفراد المجتمع، وأخرى ذات طابع خاص تتعلق بألأشكاليات المختلفة على كافة ألأصعدة ومختلف الطبقات والفئات ألأجتماعية..!

ما يميز الحزب الشيوعي العراقي في أطار هذه اللوحة، هو أساسه البنائي وقاعدته التأسيسية، التي منحته هذا التميز عن غيره من ألأحزاب والمنظمات السياسية العراقية المختلفة، وأعطته سمة التواصل والديمومة على صعيد العمل الوطني السياسي، وأكسبته هذه السمعة الشعبية العالية، وألأحترام الكبيرين على النطاق الوطني وألأقليمي والعالمي..!
لقد بنيت قاعدته التأسيسية على اساس مبدأ،  كان غاية في البساطة وسهولة على الفهم من قبل جميع أبناء الشعب العراقي؛ من النخب المثقفة وأعالي القوم حتى الى أبسط المواطنين من العمال وصغار الكسبة والتجار والفلاحين..! مبدأ كان في شكله وجوهره يعبر عن تطلعات المجتمع العراقي بمختلف مكوناته، في ذلك الوقت، حينما كان العراق يرزح تحت وطأة النفوذ البريطاني وأستغلال الشركات ألأحتكارية. مبدأ تمثل فيه كل ما يعنيه مفهوم (الوطنية) الحقة من معنى ألولاء للوطن، كأساس ثابت لمسيرته اللاحقة عبر أثنين وسبعين عاما من النضال الوطني.!  ولعل تسميته كحزب سياسي عند تأسيسه بأسم (مكافحة ألأستعمار وألأستثمار) يعكس حقيقة تشبثه بمبدأ (الوطنية) كمرشد ودليل في نشاطه السياسي عبر هذه العقود الطويلة من السنين..!
أنه ورغم تغيير أسم الحزب الى تسمية (الحزب الشيوعي العراقي) فيما بعد، ورغم ما يقال عن مدلولات هذه التسمية ألآن، فأن نظرة وفهم الجماهير العراقية ظلت نفسها كما كانت عليه عند وما بعد تأسيسه، ولا يخامرها شك بوطنية هذا الحزب وأخلاصه في الكفاح من أجل الوطن والشعب..!
ومن بدهيات ذلك التصور ، أن غالبية أعضاء الحزب ومناصريه وأصدقائه، كانوا من عامة الشعب ومن مختلف طوائفه وطبقاته، من مختلف القوميات ألأثنية، ومن مختلف ألأديان والمذاهب.. لقد كان فسيفساء حقيقية لكافة مكونات الشعب العراقي..! مما وضعه في مقدمة القوى السياسية العراقية المناضلة من أجل أستقلال الوطن وحرية الشعب..!
 وهذه الحقيقة قد أدركتها ألأمبراطورية البريطانية وتوابعها من الحكام العراقيين وألأقطاعيين، حيث وجدت فيه تهديدا خطيرا لمصالحها في العراق وفي المنطقة العربية، بسبب التأييد الواسع لمشروعه الوطني والزخم الكبير لأنصاره ومؤيديه..! الذي عكسته وثبة كانون الثاني/1948 التي عصفت بخطط ألأنكليز وعملائهم، بألغاء معاهدة (بورتسموث) وأسقاط وزارة (صالح جبر)..! وهذا ما دفع بريطانيا والنظام الملكي الى ألأنتقام من الحزب؛ بشن حملة بربرية أرهابية ضد أعضائه وأنصاره، توجتها بأعدام مؤسس الحزب الشهيد (يوسف سلمان يوسف-فهد) ورفاقه من قادة الحزب، الشهداء (حسين محمد الشبيبي و محمد زكي بسيم) في شباط/1949..!
أن جميع من سقط من شهداء الحزب خلال هذه العقود السبعة، من قادته وفي مقدمتهم الشهيد (سلام عادل) ومن أعضاءه وأنصاره، من مختلف مكونات الشعب العراقي، أنما يعطي البرهان والدليل القاطع  على وطنية الحزب الشيوعي العراقي، ويؤكد أن بناء هذا الحزب قد شيد على أساس مبدأ الولاء للوطن ليس غير، وأن جماهيريته التي أكتسبها عبر هذه العقود من السنين، أنما تحققت طبقا لهذا المبدأ..! وبسببه سقط شهيدا ألألوف من أبناء الوطن الغالي..!
أن وطنية هذا الحزب العريق بالنضال الوطني، والتي كرستها كلمات مؤسسه الشهيد (يوسف سلمان-فهد) في المحكمة، حيث قال: " لقد كنت وطنيا قبل أن أكون شيوعيا وعندما اصبحت شيوعيا شعرت بمسؤولية اكبر اتجاه وطني..!"  أنما هي من الثوابت التأريخية التي لا يمكن المساس بأصالتها، وهذا ما نحن واثقين منه،  رغم تعقد الأمور وتشابك ألأولويات في ظروف العراق الحالية، والصعوبات التي تواجهها قيادته ومنظماته وأنصاره وجماهيره..!
 مجدا لوطنية الحزب الشيوعي العراقي في ذكرى تأسيسه، وأكبارا لنضالاته الوطنية في سبيل أرساء قواعد الديمقراطية، ودعما لجهوده في أنهاء ألأحتلال وصيانة الأستقلال، والحفاظ على الوحدة الوطنية..!           
 

407
المادة/9
الدستور العراقي
اولا ًـ
أ. تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، تراعي توازنها وتماثلها دون تمييز او اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولاتكون اداة في قمع الشعب العراقي ولاتتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة.
ب.  يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة.


باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

بعد أن أشارت الفقرة (أولا-أ) من نص المادة التاسعة من الدستور العراقي الجديد الى (القوات المسلحة)  و(ألأجهزة ألأمنية) ومصادر تكونها  ووظائفها ونطاق قيادتها و حدود  مسؤولياتها وشكل أرتباطها بالدولة ، فأنها لم توضح شكل تلك القوات وكيفية بنائها، ولم تحدد الفارق بين القوات المسلحة من جهة وألأجهزة ألأمنية من جهة أخرى، وهل أن المقصود بالقوات المسلحة هو (الجيش) فقط ، وأن المقصود بألأجهزة ألأمنية هو (الشرطة وقوات ألأمن وألمخابرات) وهي جميعا قوات حاملة للسلاح. ألا أن هذه المادة في (الفقرة-ب) قد أعطت صفة عامة وواحدة لكل ما تقدم من أنواع هذه القوات ووصفتها ب(القوات المسلحة) وذلك من خلال حضرها تكوين أي قوات أخرى خارج نطاق تلك القوات، والمقصود به (القوات المسلحة) الموصوفة في الفقرة (اولا- أ) أعلاه.
مما تقدم تكون أية دعوة أو خطوة لتكوين قوات مسلحة غير القوات التي تكونها الدولة نفسها، خارجة على النص الدستوري، وتستوجب المسائلة القانونية، بأعتبارها خروج على الدستور..! وحيث أن " الميليشيات " تختلف في مهامها وأهدافها ومنشأها وألأنظمة التي تحكمها أختلافا كليا عن ( القوات المسلحة) التي تقودها الدولة، فقد كان المشرع مصيبا حينما حضر في الفقرة (أولا- ب)  تكوين " المليشيات" لما فيه من تعارض مع هداف ومقاصد ( القوات المسلحة ) للدولة ، مما يشكل خطرا وتهديدا أن تستغل مثل تلك "الميليشيات" لأغراض سياسية وحزبية ضيقة، تصبح معه خطرا على ألسلم ألأجتماعي  وأمن المواطنين..!
 وكلنا يعلم بما فيه قادة النخب السياسية، بأن " المليشيات" في ظروف عدم ألأستقرار والفلتان ألأمني، تلعب دورا معيقا، بل وخطرا ،في كثير من ألأحيان، على أداء قوات الدولة الشرعية لنشاطاتها ألأعتيادية في حفظ ألأمن ألجتماعي والسلامة الوطنية. وحيث أن هذه " المليشيات" هي مجرد توابع لمنظمات سياسية أو طائفية أو دينية، فأنها تفقد أساسها الدستوري في الوجود، ناهيك عن عدم قانونية نشاطاتها وممارساتها اليومية ، لتعارضها مع نص المادة التاسعة ، الفقرة (أولا- أ) أعلاه، التي قد حرمت على (القوات المسلحة) للدولة ممارسة أي تدخل أو نشاط سياسي مهما كان شكله ونوعه..!

أن حضر تكوين "المليشيات" والنص عليه دستوريا، قد عبر عن فهم وأدراك ثاقبين من قبل مشرعي الدستور، لما يمثله وجود هذه المليشيات من خطر على وجود الدولة نفسها، لتعارضه مع أهداف الدولة لأقامة نظام قائم على أسس الديمقراطية والحرية، ومثل هذا النظام أضحى اليوم الشعار المفضل الذي ترفعه القوى السياسية في العراق على أختلاف مشاربها..!؟  رغم ما هي عليه من أحتراب، وما هي فيه من صراع على السلطة..!
فأن كانت بعض القوى السياسية العراقية في ظرف سابق ، وحينما كانت تجد نفسها في موقع المعارضة ، تبرر لنفسها تشكيل "الميليشيات" الخاصة بها، وفقا لهذه المقاييس ، فليس هناك اليوم ما يبرر  لها مواصلتها ألأبقاء على  هذه  "التشكيلات"..!  حيث أنتفت ألأسباب الموضوعية لوجودها، وذلك بعد زوال السلطة السابقة من جهة، وتشكل نظام دولة جديد له قواته المسلحة الخاصة، وتشريع دستور دائم  يحرم تكوين مثل هذه التشكيلات، من جهة أخرى..! وبقدر ما يتعلق ألأمر بأستمرار بعض ألأطراف السياسية العراقية ، سواء من هي في السلطة أو خارجها، في الحفاظ على تشكيلاتها المسلحة الخاصة، أو تلك التي أنشأت " ميليشيات " جديدة، أنما يعبر عن خرق فاضح لأحد مباديء الدستور ألأساسية، من ناحية، وتكريس للتخندق الحزبي والطائفي من ناحية أخرى ، مما يشكل على الصعيد العملي تقويضا حقيقيا، لمقومات الدولة الجديدة، ويضعف من وحدتها، ويهيء الظروف المناسبة لخلق كيانات وتجمعات مسلحة ذات أستقلالية، مبنية على الولاء الحزبي، أو الطائفي، أو الشخصي "العشائري- الديني"، وتفاقم  لحالة ألأحتقان الطائفي والمناطقي التي تعيشها البلاد، ويبعدها عن تحقيق أهافها المعلنة في بناء دولة "الديمقراطية"..!؟
السلطة الحكومية، من جانبها،  تتحمل وزر أستمرار الميليشيات القائمة حاليا، في ممارسة نشاطاتها ألأعتيادية، وتتحمل هذه السلطات مسؤولية هذا ألأستمرار، لكونه وجودا لا دستوريا، ويتعارض مع أهداف الدولة في مكافحة ألأرهاب وضمان ألأمن وسلامة أرواح المواطنين..! وما يقدم من تعليلات وتبريرات لهذا الوجود، لا يستقيم أساسا مع نصوص الدستور المعلن، وتعتبر الجهات السياسية، مهما كان لونها، في حالة خرق دائم للدستور منذ أن طرح كمسودة للأستفتاء، وليس أمامها ألآن ألا أن تحل نفسها تلقائيا أو أن تضع نفسها تحت تصرف السلطات المحلية لتقوم هذه ألأخيرة بأجراءات حلها قانونيا.
أن التذرع بألأرهاب كسبب من أسباب بقاء هذه "ألمليشيات"،  أنما هو تذرع فاقد لمسوغاته القانونية والموضوعية، وأن التمسك به من قبل البعض من الطوائف السياسية، أنما يعبر عن حالة من التمرد على سلطة الدولة، ويشيع جوا من الشعور بأرهاب موجه الى الطوائف ألأخرى في المجتمع لأغراض خاصة، وهذا ما تدركه السلطة الحكومية نفسها، وهو ما عبر عنه السيد رئيس الوزارة المؤقت بصريح العبارة في حديثه الى (الواشنطن بوست) والمنشور في جريدة (الشرق ألأوسط) بتأريخ 21/3/2006 حيث قال: "وخلال فترة حكمي باعتباري رئيس وزراء منتخباً، لم تهاجم مجموعة الصدر أيا من وحدات قوات الائتلاف"،  ناهيك عن اشاعة مظاهر التسلح والعسكرة في الشارع العام، وما قد ينجم عنها من حالات ألأستفزاز والتشابك أو التقاطع في تنفيذ المهام ألأمنية مع أجهزة السلطة نفسها..؟!
 كما وأن حالة التعدد والتنوع المنتشرة في أرجاء البلاد لهذه "المليشيات"،  أنما يشكل مصدر قلق دائم، وتهديد مستمر لأمن وسلامة المواطنين، وأشاعة للفوضى، وتعطيل لعمل مؤسسات الدولة، وأرباك للأجهزة ألأمنية،  في حالة نشوب أشتباكات مسلحة بين هذه المليشيات المتصارعة..!؟ وهذا ما نوه عنه السيد رئيس الوزراء في حديثه، المشار اليه في  أعلاه، وما عززته الوقائع..!

أن مكافحة ألأرهاب هي مسؤولية الجميع، ولا يمكن أن يدعي أيا كان أنه أولى من غيره بالقيام بهذه المهمة، او بتقدير أي من ألأعمال هو عمل أرهابي أم لا..؟ كما أن أيا كان، لا يملك حق أيقاع القصاص بألآخرين، أو أن يأخذ بيده حق تطبيق القوانين، كما حصل في مدينة الصدر قبل أيام..!؟؟؟  وهذا غيض من فيض طالما ظلت "الميليشيات" تتحكم بأمور الدين والدولة..!؟؟ نعم أنها مسؤولية الجميع ، ولكنها في حدود الدستور والقوانين المرعية، طالما يعترف الجميع بوجود الدولة ويحترم الدستور الذي أفتى بمشروعيته، والقوانين الصادرة بموجبه، وبعكسه فما هي ألا الفوضى وحكم "المليشيات" ، وبمعنى آخر "شريعة الغاب"...! فهل هذا ما تبتغيه نخبنا السياسية..؟؟!
أما " ميليشيلت" الدولة نفسها؛  فهي أكثر وبالا وأشد فتكا وأبلغ عتيا، وأقوى سلاحا، من نظيرتها "ميليشيات" ألأحزاب السياسية والطوائف الأخرى، لما تمتلكه من غطاء  "شرعي- حكومي"  لوجودها و أهدافها المعلنة، ومرجعياتها المعلومة، ألا أنها تفتقد شرعيتها الدستورية لتعارض وجودها مع أحكام المادة التاسعة من الدستور..!! وهي تلتقي مع الميليشيات ألأخرى في كل المساويء التي أشرنا اليها في أعلاه..! تحميها عباءة الدولة،  لتصنع منها سيفا مسلطا على رقاب الناس، وأرهابا مشرعنا، لا يردعه قانون ولا تكبح جماحه قوة..!؟ فهل نحن بصدد تكرار تجربة ألآنظمة الدكتاتورية ألأخرى..؟؟ وهل أن مكافحة ألأرهاب تستدعينا "شرعنة" أرهاب الدولة..؟؟ وألا فماذا يعنيه موقفنا من رفض وأستنكار وجود "منظمات" "وتشكيلات" مسلحة، كتشكيلات "الجيش الشعبي" و "الحرس القومي" و "جيش القدس" و "فدائيي صدام" و..الخ من التشكيلات سيئة الصيت، التي كانت ترعاها الدولة، تحت مختلف الحجج وألأدعاءات والذرائع..؟؟ أم أن البعض من نخبنا السياسية ، نسوا أو تناسوا أنهم بصدد بناء دولة "حرة ، ديمقراطية،" تحكمها القوانين ويسودها العدل..؟! وهل ستكون " المليشيات" مهما أختلفت ألوانها وأنتمائاتها ومسمياتها- جيوشا كانت أم لجانا- ، بديلا عن الدولة، في حفظ أمن المواطنين وسلامة البلاد، ومكافحة ألأرهاب..؟؟ أم أن مؤسسات الدولة المسلحة، قاصرة عن أداء مهامها الدستورية، لتصبح بدائلها أو رديفا لها، "المليشيات" المسلحة، ويا بأسه من رديف..؟؟

أن النخب السياسية التي أخذت على عاتقها السير ب"العملية السياسية" الى "نهايتها"، هي ألأولى من غيرها في أبداء حرصها وأظهار تمسكها وألتزامها بأحكام الدستور ودعم مؤسسات الدولة ضمن هذا ألأطار، والمساهمة البناءة، ومن خلال البرلمان، في تفعيل أحكام الدستور، وخاصة ما يتعلق منها بحماية أمن المواطنين وسلامة البلاد، وفي مقدمتها تفعيل نص المادة التاسعة من الدستور، والتسريع بتشكيل الحكومة، قبل التفكير ببناء "الميليشيات"..!!
 

408
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

 الكل حائرون، بدءّ من السفير ألأمريكي السيد خليل زادة، وأنتهاءّ برئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني..! ولا نريد الذهاب بعيدا لنشرك السيد (بوش) في حيرة الجميع..! لقد أطلقوا "المارد" من قمقمه، وهم في نشوة النصر؛ حسبوه منقادا..  شاكرا لجميل "عرفانهم"، ساجدا في محراب ملكوتهم، مطيعا مسبحا بحمد آلائهم.. فيالها من خيبة أمل لم يحسبوا لها حساب ، وفرحة لم يكتب لها دوام..!
 قادة النخب السياسية حيارى وهم  في مواجهة بعضهم البعض..!؟ و"العملية السياسية" التي رعوها وغذتها دماء مئات ألألوف من أبناء هذا الشعب التي حصدها ألأرهاب، تلفظ أنفاسها، تحت وثير كراسيهم..!؟  وهاهم في مربعهم ألأول، عاكفون على أيجاد مخرج من مأزقهم الذي أوصل البلاد الى حافة الهاوية، أن لم تكن قدماه منزلقة فيها..!؟
"الطوائفية" التي وضعوا لبناتها ألأولى أساسا لبنائهم الجديد ، فرحين متفائلين، بعراق النخبة الجديدة، قد أرتدت الى نحورهم، عاصفة ب"ديمقراطيتهم الجديدة"، فاضحة حقيقة نواياهم..!
فالشعب الذي لم يعرف فسحة للديمقراطية منذ نصف قرن، ولم يعتد الحياة السياسية البرلمانية، وجبل على ثقافة الطاعة والتبعية للقبيلة والحاكم ورجل الدين؛ الشعب المحروم من ممارسة حقوقه السياسية، المكبل بقيود الدكتاتورية، هو أكثر سلاسة من غيره للأنقياد الى عملية سياسية شكلية لم تعبر ألا عن مقاصد راسميها؛  ولأن تمحورت "العملية السياسية" بما سمي بشرعية "صناديق ألأنتخاب"، فهي في الحقيقة لا تعكس المعنى الصحيح للديمقراطية كممارسة حضارية ذات مدلول سياسي واضح المعالم..! فالقوائم ألأنتخابية التي بنيت على أساس "الطوائفية" لا يمكن بأي حال من ألأحوال أن تعبر بشكل دقيق عن ممارسة سياسية  حقة ، بقدر ما جسدته من تعبير شكلي عن توزيع للسكان على أساس ألوانهم ( العشائرية ، العرقية، الدينية "المذهبية" ) ولا تمت بأي صلة لمنافسة برنامجية أقتصاأجتماعية..!  وبالتالي فأن ما ترتب عليها من نتائج أنتخابية، لا يعكس في الحقيقة، الجوهر الديمقراطي المنشود من وراء هذه النتائج، عدى عن كونه قد كرس من الناحية ألأخرى ، الطابع الطائفي العرقي في البلاد، وجعل منه أساسا مستقبليا للنظام السياسي المبني على ألأسس "الطوائفية"،  وهذا ما أستهدفتة النخب الرئيسة المشاركة في "العملية السياسية" منذ بدايتها ..!؟ فليس هناك من وجه للغرابة في أن تتخندق كل فئة أجتماعية في موقعها خشية من أن تجد نفسها وقد همشت من قبل الفئات ألأخرى ألأكثر عددا وألأقوى نفوذا..!
   
فالطريق "المسدود" الذي وصلت اليه  هذه العملية،  يعكس بما لا يقبل الشك، ما آلت اليه السياسة "الطوائفية"، التي سارت عليها بل وأنتهجتها النخب السياسية منذ البداية، من نتائج سلبية ومن تقاطع غير محمود العواقب بين "الطوائف" نفسها..!

فلقد فجرت النتائج ألأنتخابية،  بما لها وما عليها، حدة الصراع بين تلك "الطوائف" المختلفة، والتي وجد البعض فيها، ضالته ووسيلته لتحقيق حلمه في التشبث بالسلطة وبناء دولته "الطوائفية" على هذا ألأساس..!   فلا غرو أن تتمسك بعض هذه النخب  ب"ألأكثرية العددية"  كأحد ثوابتها في تشكيل الحكومة الجديدة..!؟ وهذا ما صدم النخب ألأخرى في صميم تطلعاتها ووضعها في موضع المواجهة مع هذا التمسك الذي قد تعدى  حق الدفاع عن ألأغلبية البرلمانية ، ليصبح تعبيرا عن حق "الطائفة" في قيادة العملية السياسية برمتها..!! ولا غرابة في أن يعلن أصحاب هذا  الحق ، وعلى لسان قياديهم، وردا على طلب ألقوائم ألأخرى بتغيير مرشحهم لرئاسة الوزراء، بأنه "أنتحار سياسي"..!؟ تلك النتيجة التي وضعت البلاد في أزمة خانقة، سدت أمامها جميع الطرق للوصول الى حل مقبول من الجميع..؟!

أن "العملية السياسية" الجديدة التي أستتبعت سقوط الديكتاتورية، لم تكن بحد ذاتها مستكملة شروطها الموضوعية ولا حتى الذاتية،  فأن أطرافها المشاركين فيها، محكومون عمليا كل بمصالحه وأهدافه الخاصة، في الوقت الذي أثبتت مسيرة السنوات الثلاث الدامية، حاجة بعضهم لبعض في مواجهة التحديات التي شكلت ولا زالت تشكل تهديدا على وجود العملية نفسها..!
 فألأرهاب الذي أستشرى دماره في طول البلاد وعرضها حتى حصد مئات ألألوف من ألأبرياء، قد أصبح أحد أوراق الضغط التي يمارسها الجميع قي اللعبة السياسية..!؟ فما يعلنه بعض القادة اليوم؛ بان الصراع القائم في البلاد هو فقط بين "مركب الشعب كله ضد مركب ألأرهاب كله"، وما يصرح به الجميع من بيانات الشجب وألأدانة قد يبدو في ظاهره دعوة الى التماسك والتوحد ضد ألأرهاب، وكأنه الخطر الوحيد الذي تواجهه البلاد..!  أما أسبابه وعوامل أستشرائه وأهدافه، فلا تبدو ذات أهمية في عقول ألمستنكرين..؟!  ولكن ذلك لا يخفي حقيقة الصراع القائم بين المصالح المتعارضة للنخب الطوائفية نفسها..؟ ذلك الصراع الذي يقف اليوم حائلا دون تشكيل الحكومة الجديدة ، وواضعا كل فصيل من هذه الطوائف في عزلة، لا يحسد عليها..! مما شل فعالية جميع ألأطراف بما فيها (سلطة ألأتتلاف) ذات ألأغلبية العددية، وصاحبة المسؤولية الحكومية..!؟ وأصبح عدم المبالاة سمة من سمات عدم الشعور بالمسؤولية عما يجري في الشارع العراقي من حرب مشرعة تحصد ضحاياها من ألأبرياء ممن ليس لهم مصلحة فيما يجري من صراعات بين الكتل المتنازعة..!؟

فأذا كان  "مركب الشعب كله ضد مركب ألأرهاب كله" ، فما الذي يمنع الكتل السياسية من أطراف العملية السياسية،  أن تجمع قواها وتسرع في تشكيل الحكومة الوطنية، التي أجمع الكل على أن غيابها يصب في خانة ألأرهاب..!؟ فهل من حيرة على الشعب أقسى في نتائجها من حيرةالسياسين.؟؟ أم أن ألأرهاب نفسه بات احد لاعبي الساحة ومن وسائل الضغط في توجيه العملية السياسية.؟! 

لقد أعمى التمترس وراء المصالح ألأنانية الخاصة، جميع أطراف أللعبة السياسية، فهم رغم أدراكهم لأولوية التوحد وراء صيغة برنامجية وطنية، تراهم يغمضوا أعينهم عن واقع العراق المأساوي، الذي أغلقت فيه جميع الملفات الساخنة، بدأ من الملف ألأمني وأنتهاء بملف النفط والغاز والكهرباء و..الخ من الملفات ألأخرى، وأصبحت لعبة الكراسي ديدنهم ألأول ، رغم ألأقرار؛ بأن هذه اللعبة قد وصلت الى طريق مسدود..!؟ فهل وراء اللعبة من بصيص نور للخروج من ظلمات النفق السياسي..؟؟
أم ان تصريحات  السيد (خليل زاده) حول "انشغال الساسة العراقين بالمراكز وليس بمصير البلاد"، تلميح الى "دايتون" جديد كدايتون يوغسلافيا..؟ فالطريق الى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة..!

أما  المواطن العراقي؛ فهو مجرد رهينة بيد المتصارعين..؟؟!


409
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

هل ينتصر الرجل للمرأة..؟
هل يعدل الرجل ان كان خصما للمرأة..؟
هل جاء الدستور ملبيا لحقوق المرأة..؟
أسئلة كثيرة، وأجاباتها تبطن في مضامينها ما يبخس حق المرأة..!؟

تحتفل المراة في العالم في الثامن من آذار من كل عام بالعيد السنوي للمرأة الذي أحتفلت به لأول مرة عام 1911 مخلدة فيه كفاح المرأة ألأوروبية وألأمريكية ونضالاتها من أجل حقوقها السياسية وألأقتصادية وفي مقدمتها حق التصويت والمشاركة في البرلمان بألاضافة الى حقوقها في تكوين منظماتها النقابية وألأجتماعية، في وقت كانت فيه المرأة في الشرق وخاصة في البلدان العربية وألأسلامية ترزح تحت نير الأستعمار العثماني، وتأن تحت ثقل عادات وتقاليد القرون الوسطى العبودية ألأستغلالية..!
             
 أن "حقوق المرأة" في العالم ألأسلامي والعربي  "أشكالية" تأريخية غاية في القدم؛  فمن وجهة النظر الدينية وألأجتماعية ، تبدو غاية في التعقيد. بل يمكن القول: بأنها أشكالية عسيرة على الفهم، وعسيرة على القبول بالبحث في أبعادها ألأنسانية والمستقبلية، بل ويظهرها البعض في عصرنا الحاضر، وكأنها مسلمة ثابتة لا تقبل النقاش ولا تتحمل التفسير أوالتنظير..؟! فحقوق المرأة في واقعها القائم وطبقا لما تقوم عليه تلك المفاهيم؛  فهي  مقبولة  مكفولة.  وبعكسه  فأن ما يقال أو يشار اليه من أهمية البحث بشأن ذلك ، أنما هو من "البدع" التي يتلبسها المنادون بحقوق المرأة المتأثرون بثقافة الغرب "ألأباحية"..!

اما ألمرأة نفسها؛ وهي ذلك "الكائن الرقيق"،  فقد حباها "ولاة ألأمر" صدرا رحبا من الحنان والمحبة، صدرا يتسع لكل حاجاتها وعواطفها، وحتى لأمانيها..!؟  فهم يقررون عنها ما يلآئمها من ملبس بمقاساته وبمظاهره ومحدودية أغواءاته، فهم؛ "وجلهم رجال"، أعلم من غيرهم بأمر الرجال ومكرهم واغراءاتهم،  ولذلك فهم أفضل من "يحمي" عفتها وطهارتها من رجس الطامعين فيها..!؟ وهم من يحدد، اين تبدي  زينتها وأين تخفيها، وهم أولى منها عن نفسها، حين يختارون لها عنها ليزوجوها أو يطلقوها،  فهم؛ ألأب وألأخ والزوج، وهم العم وأبن العم، وهم "العشيرة وفصل الدم"، وهم ولاة أمرها في الدين والعقيدة..!!؟ فهم أحق من أن يطاعوا ومن أن يسمعوا ومن أن يأمروا، أنهم "قوامون" على رقبتها في كل شيء،  فهي شرفهم ومنعتهم، كرامتهم ومجدهم، وهي سمعتهم ومستقبلهم ؛  فلأن أخطأت في ما يمس كل ذلك، فالويل لها فيما صنعت، فلترجمن أو لتقتلن، فالعار لا يغسل الا بالدم..؟؟!   تلك هي المستعضفة المسترقة، زوجا كانت ام بنتا، أختا كانت أم أما.. فليس لها على نفسها ولا عليهم من سلطان..!!؟ ان مانعت في شيء من نذرهم،  فهي عاقة عاصية، وان جادلت بالحق في مسائلهم فهي ملحدة مرتدة..!   أما هم؛  فألأرفع منزلة، وألأعظم جبروتا.. لهم الطاعة وعليهم أبداء المشورة..! كلمتهم هي المسموعة.. وقولهم هو الفصل..!؟

فألمرأة العراقية، وهي التي تشكل نصف المجتمع العراقي، مرتهنة لواقعها ألأجتماعي، بكل عاداته وتقاليده، التي أصبح الكثير منها سننا وتشريعات على مر العصور، حتى وأن لم ينص عليها شرعا. وأصبحت ، منسجمة معها وكأنها جبلت لأن تعيشها وكأنها سنن سماوية لا تقبل التفسير أو التأويل، حتى باتت ألأغلبية من النساء مع الجهل المطبق وألأمية ، والتسلط ألأقطاعي، والحمية الدينية والعشائرية، متقبلة  لتلك التقاليد والعادات على علاتها وعاشت معها ولا زالت قرونا من السنين..!
   
أن ما يحكم وضع المرأة من أحكام شرعية أو قوانين وضعية، أو عادات شرعت نصوصا بحكم التقادم، ليس هو نفسه مايحكم وضع الرجل، وأن كانا متشابهين من حيث الخلقة والوجود، وأن كانا مكملين بعضهما ألاخر، وأن كانا بأتحادهما يخلقان ألاخر..! وبهذا  التناقض بين الوضعين والتعارض بين الحالين، وضع الرجل في موضع ألأمتياز، و"شرف" بلقب رب ألأسرة..! و"أستحق" بذلك أن يكون "قواما" على المرأة، وأن يحتكر حق نسبة أولادهما لأسمه..! وهكذا، وعلى تلك السنة، يشبو الذكور وارثين مجد ألأباء.. وتشبو ألأناث وارثات مسكنة وقهر ألأمهات..!؟
   
فالأحكام الشرعية تقر بالتمايز بين ألأثنين، أما في ألأحكام الوضعية فمنها من تأخذ بالقاعدة الفقهية "لا ينكر تغير ألأحكام بتغير ألأزمان" التي حررت على يد خلفاء الأسلام من القيود التي كانت تضيق دائرة استخدامها وتقصرالتغيير حصرا فيما بني على العرف والعادة..! (( فكانوا بتحرير تلك القاعدة آخذين بالحكمة المكنونة في آيات الله، مأولين أياها خير تأويل تبعا للقصد الالهي في التنزيل. وليس القصد الالهي في أحكام المعاملات الدنيوية، الا الخير لعباد الله في الدنيا. وطرائق الخير في الدنيا المتقبلة، تختلف بحسب ألازمنة المتحولة، فلأهل ألأزمنة أن يذهبوا وفاقا للحديث الشريف: " أنتم أعلم بأمور دنياكم" ما شاؤوا من المذاهب في سبيل خيرهم ونفعهم، ولا يعوقهم عن السير في سبيل ذلك، نص كان فيه لغير زمانهم خير كثير ونفع جليل. وحيث يتم الخير والنفع للناس في الزمان الذي هم فيه، يتم القصد الالهي. انه ينبوع الخير واليسر والرقي للعباد.))*ص79
  ومنها من يأخذ بحق "المساواة بين الجنسين"..! وهذا ما كرسته أغلبية القوانين الوضعية في البلدان الغربية، بعد عهود طويلة من الصراع بين سلطة الكنيسة ومؤسسات المجتمع المدني الذي أقترن ببدايات الثورة الصناعية والنهوض ألأقتصادي. وهناك من المذاهب الفقهية ألأسلامية من تقول بمبدأ ألأجتهاد، وأن أقصرته على المسائل التي لم يرد بها نص قاطع في القرآن والسنة..الا أنها  في المسائل التي تتعلق بأمور ألاحوال الشخصية، فهي أبعد ما تكون عن ألأخذ بمبدأ ألاجتهاد، حتى في تلك ألأمور التي لم يرد فيها نص قاطع؛ كالزواج المؤقت "المتعة"، أو الحجاب، على سبيل المثال..! وكانت في أحكامها وفتاواها أقرب الى النصوص الشرعية القطعية منها ألى ألأجتهاد الباعث على تنشيط العقل وأستنباط ألأحكام العادلة ، مكرسة بذلك تقاليد وعادات تتناسب وحاجات المجتمع ألأقطاعي العشائري، الذي لا تشكل المرأة بالنسبة له ألا حاجة لأنتاج وتربية ألأولاد، وملاذ للتسلية والمتعة..! 

ومع بدايات النهضة العصرية الحديثة بأعلامها الشهيرة أمثال؛ محمد عبدة، وجمال الدين ألأفغاني ومصطفى كامل، وكمال أتاتورك، والزهاوي ، والشاعر القروي، وقاسم أمين والرصافي والجواهري..ألخ، كانت باكورة نضال المرأة من أجل حقوقها الشرعية والمدنية التي كفلها لها الشرع والتطور الحضاري، غاية في الصعوبة والتعقيد، وواجهت فيها المرأة في مختلف ألأقطار العربية، ومن مختلف القوميات وألأديان ، والتي تعيش في نفس الظروف وفي نفس المجتمع، ردود فعل شديدة من قبل المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة وشرائح واسعة من أطياف المجتمع المدني وطبقاته المختلفة، اللهم ألا اذا أستثنينا البعض من الفئات المتنورة وأعلام النهضة الحديثة..! الذين وقفوا الى جانب تحررها من أسار العادات والتقاليد المتخلفة التي توارثتها من القرون الوسطى..! ونادوا بضرورة أنعتاقها من عزلتها و نيل حقها في التعليم وألأنخراط في سوق العمل أسوة بأخيها الرجل..فهما صنوان متساويان ، متكافئان في الحياة الدنيا..!
ومنذ بدايات القرن الماضي شكلت الخطوات ألأولى لكفاح المرأة من أجل حقوقها في التطلع الى حياة حرة بعيدة عن ألأغلال، اللبنات ألأساسية لمسيرة طويلة من الكفاح الشاق والمرير من أجل نيل تلك الحقوق..! وتأتي معركة (السفور والحجاب) التي خاضتها ألمرأة في مصر ولبنان وسورية ولحد ما في العراق في مقدمة المعارك التي لازالت تواصل المرأة في الشرق عموما وفي البلدان العربية وألأسلامية خوضها في سبيل ذلك..!
ومن الكلام المأثور  للقائد الوطني المصري (مصطفى كمال)  ونصير المرأة قوله المشهور: "لقد أحرزت نصرا مبينا على ألأعداء، يرجع نصف الفضل فيه للجند، والنصف الآخر لتمزيق الحجاب عن وجوه النساء"**ص56
أما الرائدة في الدفاع عن حقوق المرأة ( نظيرة زين الدين) ففي كتابها المشهور ] الفتاة والشيخ[ الصادر عام 1928،  قد أجملت نضال المرأة من أجل تحررها من العبودية المجتمعية والسياسية بهذه الكلمات :
(( .. فسلموا أيها الرجال الى أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وزوجاتكم حقوقهن ، وليسلم بعضكم الى بعض حق الحرية في الفكر ، والأرادة، والقول والعمل، باللسان والقلم، تكونوا ذلك الشعب.
أن النساء في ألأمة أحدى قوتين، ويد من اليدين، وعين من العينين، بل جناح من الجناحين ، ولسن دونكم حرصا على ألأستقلال ، ولا أختلاف في ألأمة ألا في أختيار الطريق المؤدية اليهما ، أو الطريق الضال. ولنا في الغرب السافر عبرة، حيث لا أمة مستعبدة، لأن ألأم فيها حرة. أن حقوق المرأة يا أخواني، مساوية مساواة تامة لحقوق الرجل بلا زيادة ولا نقصان. يأمر بذلك الدين والشرع، والعقل والطبع. وأي حق في الدنيا أقدس من حق التمتع بالهواء والنور؟ وهل ذلك يا ترى يتجلى في الحجاب أم في السفور؟ ))***ص56

هذا كلام قيل قبل ما يقرب قرن من الزمن،  وعبر بصدق عن تطلع المرأة الطبيعي للأنعتاق من عالمها المظلم، وهو دعوة مخلصة للمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية والسياسية وفي التحرر من قيود ألأمية والتخلف...!  فأين حقوق المرأة منها اليوم..؟  أوليس  اليوم أشبه بالبارحة..؟!

 بعد أكثر من ثلاثة عقود من ألعسف والقهر السياسي المصحوب بالأنغلاق ألأجتماعي المضغوط بما يسمى ب"الحملات ألأيمانية" التي قادتها الدولة الديكتاتورية بكل مؤسساتها القمعية والدينية والثقافية والعشائرية والحزبية، والتي كانت المرأة ضحيتها ألأولى، رغم أحتفاظ الدولة بمنظمات شكلية نسوية، مثل "ألأتحاد النسائي" الحكومي، أو بمشاركة رمزية  في "المجلس الوطني"، فأن المرأة كانت مغيبة من حيث الواقع من أداء دورها الطبيعي في المجتمع..! وكانت مشاركتها في الحياة السياسية مجرد صورة شكلية مسخرة للعمل في خدمة الدكتاتورية..! أما حقوقها المدنية فكانت أسوء بكثير عما كانت عليه حتى في زمن العهد الملكي، رغم سريان قانون (ألأحوال الشخصية) رقم 188 لسنة 1959 الذي شرعته ثورة الرابع عشر من تموز عام1958  والذي يعتبر من أنجازاتها المهمة على الصعيد ألأجتماعي وعلى صعيد حقوق المرأة، مضاهيا لأنجازها في تشريع قانون تأميم شركات النفط وتأسيس شركة النفط الوطنية على الصعيد ألأقتصادي..!
أقول بعد هذه الحقبة الثقيلة من السنين، بكل مآسيها وويلاتها، عادت المرأة العراقية اليوم وبعد أنتظار طويل ، لتجد نفسها مراوحة في نفس المكان الذي كانت تقف فيه المرأة في البلدان  العربية قبل قرابة قرن من الزمن وهي تصارع بقايا عادات وتقاليد القرون الوسطى.   وها  هي المرأة العراقية الآن، وبجدارة وموهبة وكفاءة وفضل قادة الحكم الجدد، تكبل من جديد بتلك التقاليد، وتفتقد، مرغمة غير مخيرة، كل المكاسب التي حققتها بعد كفاح عقود من السنين من عهد الملكية..!؟  وكأنما  الرواد الجدد والحالمين بالعهد الجديد كانوا على موعد مع حقوق المرأة التي يبدو أنها -(المرأة العراقية)- قد "أغتصبت" بعضا منها في عهد ثورة الرابع عشر من تموز1958،  ليقرروا في باكورة حكمهم وخلال فترة مجلس الحكم القصيرة، بعد أنهيار الدكتاتورية، أقرار مشروع القرار المرقم 137 بتأريخ 29/12/2003 القاضي بألغاء ( قانون ألأحوال الشخصية ) آنف الذكر، والذي حتى الديكتاتورية نفسها لم تجرؤ على ألغائه،   ممهدين بذلك الطريق الى أمكانية تشريع قانون جديد وفقا لأغلبية برلمانية،  يستعيدون  بواسطته ما قد "سلبته" المرأة العراقية من "حقوقهم" التي حفضتها لهم العادات والقيم القديمة، قيم القرون الوسطى، مبتغين منها  تكبيل الفرس الجامح بقيد من حديد..!؟

أما المادة/ 20 من الدستور، والتي أقرت للمواطنين كافة؛ رجالا ونساء حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية بما فيها حق التصويت وألأنتخاب والترشيح. فهي رغم أقرارها بالتساوي بين المرأة والرجل في حق التمتع بهذه الحقوق، وخاصة ما يتعلق منها بالحقوق السياسية.  الا انه في التطبيق العملي ، وفي ألأنتخابات ألأخيرة للمجلس النيابي التي جرت في 15/12/2005 لم تتعدى نسبة تمثيل المرأة العراقية في البرلمان نسبة الربع في المائة 25%. وهي الحد ألأدنى الذي ضمنته المادة/ 30 الفقرة /ج من قانون أدارة الدولة العراقية ألأنتقالي.  في الوقت الذي كان ينبغي فيه،  أن تكون قراءة أو تفسير نص تلك المادة مغايرا لما جرى عليه في التطبيق؛  فالنص قد أطلق نسبة التمثيل للمرأة في البرلمان دون تحديد،  الا في حدها ألأدنى، وعطفا على نص المادة عشرين من الدستور ينبغي من الناحية العملية منح المرأة حق المساواة مع الرجل في التمثيل وهو حق كفلته المادة الدستورية أعلاه، أما نسبة ال25% الواردة في قانون أدارة الدولة، والتي تنص على تحقيق نسبة تمثيل للنساء لاتقل عن الربع من اعضاء الجمعية الوطنية، فيبدو أنها شرعت فقط لضمان تمثيل المرأة في البرلمان في حدوده الدنيا، ولا تعني أنها تمنح أمتيازا للرجال بأن يلتهموا ال25% الباقية كحق مضاف ومكفول دستوريا..!!؟ وهنا يأتي دور المرأة ممثلة بمنظماتها النسوية في الكفاح من أجل تغطية نسبة ال 50% من المقاعد البرلمانية التي كفلها لها الدستور من خلال مبدأ المساواة السياسية طبقا لنص المادة عشرين أعلاه ، طالما أن ألأنتخابات تجري وفقا  لأسلوب "القوائم ألأنتخابية" المطعون في ديمقراطيته أصلا..؟!  وبذلك يصبح النضال من أجل حقوقها السياسية حجر الزاوية في نضالها من أجل حقوقها المدنية، وهذا ما أغفلته كافة القوائم ألأنتخابية المشاركة في ألأنتخابات ألأخيرة حيث خصصت حصتها من الترشيح دون الحد المطلوب، ويمكن القول، بأن أقرار تلك الحصة،  كان أقرب الى المبدأ ألأرثي (للذكر مثل حظ ألأنثيين) منه الى مبدأ المساواة..!

أما المادة / 17 الفقرة/ اولا من الدستور ، التي أعطت الفرد (المواطن) الحق في الخصوصية الشخصية، رغم عدم تفسير أو تحديد ماهية هذه الخصوصية وضمانات صيانتها وآلية تلك الصيانة، فأنها قيدتها وبشكل غامض لم يجد له تفسيرا في الدستور ، بأن أقرنت أستخدام هذا الحق بما لا يتنافى و"ألاداب العامة" ..!  وهو مفهوم فضفاض يمكن تفسيره وفقا لمشيئة الجمهور في اللحظة المعينة، وحسب أهواء ومقاصد من يأخذ منه سلاحا ليستعمله في تعطيل أستخدام هذا الحق الشخصي للآخرين..! فهو حق قد منحه الدستور دون أن يكفل شرعية أستخدامه..!؟  بل ومن خلال التعكز على نص هذه المادة يمكن أجهاض أي مشاريع قوانين قد يراها البعض تتعارض مع عقائده أو مفاهيمه الحياتية،  أو لا تنسجم مع عادات سار عليها أو نهج نهجها حتى وان كانت تلك المفاهيم والعادات لا تنسجم مع التمدن الحضاري أو التقدم العلمي، وذلك من خلال الطعن بعدم ملائمة تلك المشاريع مع "الآداب العامة"..!؟  أن نص هذه المادة قد شرع وكأنه يبيت فخا للأيقاع  بأية محاولة قد تجرؤ المرأة العراقية ألأقدام عليها لأستعادة حقوقها المغيبة، وذلك خوفا أو تحسبا من ألألتفاف على ألأهداف التي من أجلها ألغي  قانون ألأحوال الشخصية 188 لعام 1958 ..!؟

 أن المهام التي تواجه المرأة العراقية الآن  وفي ظل ظروف العراق الحالية ، هي أكبر واوسع من أن يمكن حصرها  في الكفاح من أجل الحقوق السياسية وخاصة توسيع نسبة مشاركة المرأة البرلمانية فقط ، بل تتعداها لتشمل مساحة واسعة من هموم المرأة على كافة الأصعدة..! وهي هموم ترتبط عضويا ومعنويا وصحيا وأقتصاديا وأجتماعيا بالهموم ألسياسية التي هي مفتاح كل ذلك..!   ملايين النسوة العراقيات يفترشن ألأرصفة لكسب لقمة العيش، دون غطاء نقابي  أو حركة أجتماعية،   ودون ضمان صحي  أو حقوق تقاعدية،  وملايين ألأطفال تزدحم بهم المناطق الشعبية والساحات العامة، دون مدارس ولا عناية صحية أو رعاية أجتماعية، طعما للشذوذ وألأنحراف الأخلاقي وألأنجراف نحو الجريمة..!؟ وغيرها وغيرها كثير..!؟

أن هذه المهام الشائكة ستلقي بظلالها على مسيرة المرأة العراقية ، وستحمل النخب المثقفة والمتنورة من طبقة النساء، مسؤولية لا طاقة لهن وحدهن في حملها،  حتى ولا من خلال كفاحهن السياسي البرلماني وحده، وهذا ما لابد منه، بل أن كفاحهن هذا أن أريد له النجاح،  لابد أن يجد طريقه الى ذلك عبر بناء المنظمات ألأجتماعية الشرعية للملايين من نساء العراق وتوحيد المنظمات النسوية المختلفة في جبهة واحدة للكفاح من أجل حقوق المرأة العراقية...!  فالواقع المأساوي للمرأة العراقية سواء في المدينة أو في الريف، بألاضافة الى جبروت القوى الرافضة لطريق التقدم والتحرر الحضاري، والتي تجهد في تشريع أجندتها برلمانيا، كل ذلك يجعل من  مهمة المرأة  والمناصرين لقضية تحررها من التخلف ونيل حقوقها السياسية والمدنية ، مهمة أستثنائية تتطلب جهدا أكبر وعملا متواصلا ودعما من أخيها الرجل، الذي بعبودية المرأة،  لا يمكن يوما ان يشعر نفسه حرا..!؟ والديمقراطية  هي السبيل الوحيد وألآمن الذي يفتح الطريق للمرأة في الوصول الى تحررها ألأقتصادي وألأجتماعي والسياسي..!

أن ملف حقوق المرأة  ملف مفتوح وأبوابه كثيرة  وغاية في التعقيد، وليس أمام المرأة العراقية  الا أن تأخذ بالحكمة والجرأة المتناهية التي أقدمت عليها (نظيرة زين الدين) عام/1928،  والتي كان شعارها وملهمها قول الشاعرالعربي:
                             تريدين أدراك المعالي رخيصة         ولا بد دون الشهد من أبر النحل         
 
(*)(**)(***)-  الفتاة والشيخ : (نظرات ومناظرات في السفور والحجاب)- نظيرة زين الدين – مراجعة : د. بثينة شعبان



410

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


 يعد "التلاعب السياسي" من أشد ألأخطار التي تواجهها الشعوب في حياتها السياسية، فتكا وتدميرا. ولعل الشعب العراقي يمثل نموذجا حيا لتداعيات ما لحقه من نتائج هذا التلاعب على مدى ثلاث سنوات، من هدر للدماءه، وهتك  للمقدسات، وأنتهاك للكرامات، وأستباحة للمقدرات..! وها هي  ثلاث سنوات تمر من عمر ألأنتظار الذي زرعه في قلبه نخب السياسة وأبطال "العملية السياسية" من مخططين أو من ذوي النيات الحسنة أو المتورطين في حسابات ليست حساباتهم، أو من في قلوبهم مرض من المنتفعين والمتلونين ..!

لقد أعطت السنوات الثلاث من عمر ألأحتلال مثلا سيئا  ل"ديمقراطية" لم تقنع حتى أولئك المدافعين عنها والنافخين في صورتها..! وحتى هذه الساعة تراهم منقسمين في تعريف ما حصل في العشرين من آذار 2003 فيما أذا كان "تحريرا أم أحتلال".؟  فهم في حيرة من أمرهم بعد ذلك الفشل المريع لتجربة "التحرير" التي صوروها عروسا في ليلة زفافها، عاجزون عن ألأقرار بأن " الديمقراطية" لا تقسر قسرا، ولا تشترى من حوانيت الباعة المتجولين..! وقد أدرك السيد رئيس الجمهورية السيد جلال الطالباني هذه الحقيقة في تصريحه بعد لقاءه بقادة الكتل السياسية اليوم 19/3/2006 حيث قال" وحول الذكرى الثالثة للحرب في العراق التي تحل غدا اوضح طالباني ان هناك خلافا حولها بين القوى السياسية قائلا انه يعتبرها حربا تحريرية بينما يرى اخرون انها غزوا مشيرا الى ان المهم الان هو تعزيز قدرات القوات العراقية لتمهيد الطريق امام القوات متعددة الجنسيات مغادرة العراق ."  أيلاف-19/6/2006

لقد أسلم الشعب العراقي أمره طيلة هذه المدة ولم تشغله هرطقة التحليل، فيما أذا كان ما حصل قبل ثلاث سنوات، "أحتلال أم تحرير"..؟  أن ما يشغله من أمر، هو أن ما حدث قبل ثلاث سنوات، هو من  يقف وراء محنته وهمومه؛ فهو غير آمن على  نفسه وماله وعرضه..! لقد أشبع وعودا بالحرية والديمقراطية والأمان ، وأنساق متحمسا الى صناديق ألأنتخابات يحدوه ألأمل بالبديل القادم..! بعد ضياع ثلاث عقود من العسف وألأضطهاد والحرمان..! ولكن ألأمر كان خيبة أمل ما ورائها خيبة، فها هي نخب السياسة مشغولة بألأحتراب، ناسية وعودها، عازفة عن تحمل مسؤوليتها، مشغولة بتعريف ما حدث قبل ثلاث سنوات "أحتلالا كان أم تحرير..؟؟

لقد أعتادت الناس أن تقول شيئا سارا في الذكريات السارة ، فهل سينقسم العراقيون في  تقييم هذه الذكرى ، كما أنقسم رجال السياسة، فيما أذا كانت هذه" الذكرى" نافعة أم ضارة، مشؤومة أم سارة..!؟
أم أن على العراقيين دخول دورات خاصة، كدورات تدريب وتأهيل العراقيين التي تقوم بها قوات "التحرير والأحتلال" من أجل التفريق فيما أذا كانت هذه "الذكرى"  محمودة أم مذمومة..؟؟

ولكن العراقيين مشغولون  ب"أبتلاع" جرعة "اليمقراطية"، فأن لكل داء  دواء..!؟   

فهل لابد من أن يقول المرء شيئا بالمناسبة، جريا على عادة نخب السياسة والمتضلعين فيها، أم أن وقع ما حدث للعراق أصعب من أن تختزله بضع كلمات..؟؟!!

   

411
باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com

يظل الملف ألأمني العراقي في مقدمة الملفات الساخنة التي تستأثر بأستثنائية خاصة قياسا بالملفات الأخرى، وكي لا أدخل في تفاصيل ما يعنيه ذلك من أمر، حيث أن الواقع الراهن في العراق وحده كاف أن يعبر عن مسببات هذه ألأستثنائية، أشير هنا الى جلسة( البرلمان الجديد) التي عقدت  يوم أمس، وفي ظل ظروف، أقل ما يقال عنها؛  أنها ظروف أزمة حادة على جميع ألأصعدة، وفي مقدمتها الصعيد ألأمني الذي أصبح هاجس ومثار قلق الجميع، في وقت تفتقر فيه البلاد الى حكومة تحضى بقبول الجميع أو قادرة على أشاعة ألأمن وألأطمئنان في نفوس المواطنين..!؟
فالعجز الوظيفي المتسلط على كيان الحكومة القائمة، في كل مجالات الحياة، وخاصة في مجال الملف ألأمني، والذي لسنا في صدد البحث في عوامله وأسبابه،  قد وصل حدا بات معه أي ترقب أو أنتظار لمعجزة قد تأتي بها الحكومة الحالية لأنتشال البلاد من كابوس ألأزمة الدموية القاتلة، ضرب من المستحيلات..!؟ فللحكومة ما يكفيها من ثقل ما تنوء تحته من  تحديات أعجزتها حتى من أمكانية الدفاع عن نفسها..؟!
أن هذه الحقيقة الكارثية، التي يعترف بها كل قادة النخب السياسية، قد وضعت البلاد تحت رحمة وكابوس ألأرهاب، حد التكهن بأحتمالية نشوب "حرب أهلية" حاول السيد (رامسفليد) وزير الدفاع ألأمريكي التنصل من مسؤولية العمل على درئها ومن  تبعاتها المدمرة، بأعلانه عدم تورط القوات ألأمريكية وحلفائها في حالة نشوب مثل تلك الحرب البغيضة التي لم يستبعد حدوثها، (( وتأتي تصريحات نائب قائد العمليات في القيادة المركزية الوسطى، العميد دوغلاس رابيرغ، تأكيدا لإفادة وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد أمام الكونغرس الأسبوع الفائت والتي نفى فيها إمكانية انقياد العراق إلى حرب أهلية.
وقال رامسفيلد إنه في حال حدوث ذلك، فإن مسؤولية مواجهة العنف ستقع على عاتق القوات العراقية دون سواها.
وقال رابيرغ "عندما يحدث ذلك، فهذا شأن عراقي وعلى العراقيين مواجهة الأمر.. مسارعتنا للتدخل ليست هي الحل"، نقلاً عن الأسوشيتد برس.
وأوضح أن دور القوات الأمريكية، في حال اندلاع أي عنف طائفي بين الشيعة والسنة، سينحصر في إغلاق الحدود وفرض حظر التجوال، فضلاً عن الضغط على القيادات الدينية والسياسية العراقية لطلب التهدئة.))cnn 13/3/2006
 وكأنه يريد بهذا أعطاء  الضوء ألأخضر لتلك القوى الظلامية التي تسعى بكل الوسائل ألأجرامية لدفع العراق الى مستنقع هذه الحرب التي أن حصلت ،لا سامح الله، فأنها لا تبقي ولا تذر..!! وهذا ما يذكرنا  بالضوء ألأخضر الذي كان وراء كارثة غزو العراق للكويت في 2/8/1990..؟! الذي كانت تقف وراءه السفيرة ألأمريكية في بغداد المسز (كلاسبي)..!
 واليوم نفسه  (رامسفيلد) ، الذي كان عراب الحرب العراقية ألأيرانية، ينسى أن قواته التي يزيد تعدادها على 130 الف والموجودة في العراق تحت غطاء قرار مجلس ألأمن بأعتبارها قوات أحتلال،أن   ذلك القرار يلقي عليها مسؤولية حفظ ألأمن وصيانة الممتلكات وحماية المواطنين وغيرها من المسؤوليات التي قررتها نصوص أتفاقيات جنيف الخاصة بالحرب لعام 1949 وتعديلاتها اللاحقة..ناهيك عن درء حرب أهلية، فالتنصل من هذه المسؤولية أنما هو جزء من المخطط المسبق لأيصال الحال في العراق الى أسوء ما يمكن من دمار وخراب، يصبح العراق بعده أثر بعد عين..! وها هو ألرئيس ألأمريكي نفسه وفي مقابلة مع قناة التلفزيون ألأمريكية (اي بي سي) بتأريخ 28/2/2006 حول ألأوضاع ألأمنية المتدهورة في العراق بعد ألأعتداء الغاشم على مرقد ألأمامين (ع) في سامراء، وأحتمالات نشوب حرب ألأهلية،   يعلن "  ان القوات الاميركية لن تتدخل بقوة اكبر في حال تصاعدت اعمال العنف. واوضح ان  "القوات تطارد الارهابيين. وهي تحمي نفسها وتحمي الشعب ولكن احدى مهماتها تتركز على تأهيل (رجال الامن) العراقيين"..!؟"  مثل هذه "المهمة "، المشكوك في مصداقيتها، تجري ألآن ومنذ عدة في ضواحي مدينة سامراء، مخلفة وراءها أعدادا من الضحايا من النساء وألأطفال والشيوخ، ودمارا مفجعا للحياة المدنية..؟؟! 

أزاء هذا الوضع تبدو مهمة (مجلس النواب) الجديد، غاية في التعقيد، وغاية في المسؤولية، خاصة بعد أن دخلت عوامل جديدة للتأثير في أزمة الصراع القائم بين النخب السياسية..! مما يفاقم الوضع ألأمني لدرجة يصبح معها الترقب وألأنتظار من قبل (المجلس) لحين وصول تلك النخب الى حالة من التوافق وألأتفاق، نوع من المراهنة على مستقبل البلاد، وتسليم للقوى التي تسعى الى تمزيق النسيج ألأجتماعي، الهادف الى تجزئة البلاد من خلال التصيد بالماء العكر ونثر بذور الشقاق بين المذاهب وألأديان المختلفة المتآلفة، أن تنفذ مخططاتها اللئيمة، في جو من ألأرهاب وسفك دماء ألأبرياء..؟

أن التسريع بتشكيل الحكومة الوطنية، وفق أي استحقاق كان، ليس هدف بحد ذاته، بقدر ما هو ألا وسيلة للخروج من حالة الشلل التي تعيش بها البلاد في ظل سلطة مؤقتة لا تملك حولا ولا قوة..؟ أن ألأمر ألأكثر أهمية ألآن، ألأمر الذي أرهق ويرهق المواطن العراقي كل لحظة من حياته؛  هو سلامة هذا المواطن وأمنه وأطمئنانه على نفسه وعائلته وعيشه..! فالمواطن غير مستعد أن يعيش وفق قانون الغابة بينما قادة الطوائف والنخب السياسية منشغلون بتسويات حساباتهم بطرقهم الخاصة، بما فيها أشراك قوى أقليمية للدخول على خط اللعبة السياسية..؟

 أن وجه الغرابة هنا أن تدعوا، وعلى سبيل المثال،  قائمة ألأئتلاف ومن وراء ظهر الحكومة نفسها ووزير خارجيتها،  الجارة أيران للدخول مع أمريكا في حوار يتخصص موضوعه ومحتواه بالقضية العراقية، وبتشكيل الحكومة الجديدة..؟؟  فما هو دور البرلمان المنتخب هنا وهو لم ينه بعد أولى جلساته ، يا ترى..؟؟ وكيف يمكن أن تكون أحدى أكبر القوائم الفائزة في ألأنتخابات ممرا يسهل للدولتين التدخل في شؤون البلاد الداخلية السيادية، وبالخصوص ، تشكيل الحكومة..؟ القائمة التي ما أنفكت تعلن دوما عن "أستقلالية" العراق وأدارة شؤونه الداخلية بنفسه..!؟  أم أن التجاذب ألأمريكي – ألأيراني ومسألة الملف النووي ألأيراني، والصراع الداخلي حول تسمية رئيس الوزراء بين الفرقاء أنفسهم ، على صعيد القوائم الفائزة ، أم على صعيد القائمة الواحدة ، قد أصبحت جميعا ملفا واحدا، زمانه ومكانه العراق "الديمقراطي الجديد" ..؟؟! وهل  أن البرلمان العراقي الجديد في جلسته "المفتوحة المغلوقة" في معرض أنتظار نتائج المباحثات (ألأيرانية- العراقية- ألأمريكية) حتى يبدأ بالتعرف والتعريف بنفسه والبدأ بمهامه التشريعية..؟؟

كل ما أتينا عليه من قول، يرتبط أصلا وفرعا ب(الملف ألأمني) الذي أصبح هدفا ووسيلة لكل من يريد تحقيق أهدافه وفقا لحساباته الخاصة..! وبعد أن أصبحت معالم الصورة أكثر وضوحا من جميع جوانبها الظاهرية على أقل تقدير، فليس أمام ( مجلس النواب) الجديد، ألا أن يأخذ على عاتقه مباشرة مهمة مسؤولية (الملف ألأمني) بأعتباره السلطة العليا في البلاد مسنودا بالدستور الذي منحه صلاحياته، وبالناخبين الذين وهبوه ثقتهم..! وعلى أعضاءه من النواب أن يثبتوا أن ولائهم للشعب قبل أن يكون لأحزابهم أو لطوائفهم، وأن قضية (ألملف ألمني) هي قضية الشعب العراقي كله، والتفريط بها ضربا من التنكر لمصالح الشعب والوطن..!
 أن حالة الفوضى ألأمنية، التي تطبق على البلاد، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى،   وأقرار كافة الكتل البرلمانية بفشل السلطات المسؤولة في حماية أمن المواطنين، وأعتراف هذه السلطات نفسها بأختراقها من قبل قوى ألأرهاب، ونزيف دم ألأبرياء  الذي لا ينقطع، كل ذلك يحمل البرلمان الجديد مسؤولية مضاعفة وتأريخية في أخذ ألمسؤولية ألأمنية على عاتقه وتشكيل اللجان البرلمانية التي يمكنها قيادة عملية حماية أرواح الناس ألأبرياء وصيانة أملاكهم وضمان عيشهم..! ومنح ذلك صفة أستثنائية وطارئة...! أذ لا خيار فوق خيار مصلحة الشعب، التي أصبحت رهنا للمساومات وصراع المصالح..!!؟
 
فهل أن مجلسنا الجليل قادم على القيام بمهامه بعيدا عن التأثير والمحسوبيات..!؟؟ كلمة نقولها وسؤال ستجيب عليه ألأيام..!       


412
حلبجة..ألأنفال..!
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

(بين الذكرى والذاكرة)

السادس عشر من آذار/1988  تأريخ وذاكرة

ما كان حدثا عابرا ولا غلطة  من سوء تقدير ، أنه الموت ألأصفر الذي مرّ  مثل ريح خريفية مجنونة أشعلت اليابس وألأخضر ، لتسجل للأجيال القادمة ذكرى موت عاصف ما بعده موت، ذكرى مجزرة بربرية أرتكبتها أياد قوم أعمى  بصيرتهم شغفهم القاتل بحب السلطة وتمسكهم الجارف بتلابيب ألأمرة ، فأحالهم الى مجرد قتلة سفاحين... متعطشين  لدماء ضحاياهم...!؟

من عاش الحدث سترعبه الذكرى ، ومن ولد يوم الحدث وعاش، ستفزعه المأساة.. كابوس من الفزع والخوف، تعجزعن تخيله الذاكرة، وتستعصي على وصفه الكلمة..؟!

لقد عشت (ألأنفال) تأريخا وذكرى، حدثا ومصيبة، شهداء ومصابين.. فكان مشهدا جحيميا لم تبصره من قبل العيون..ولم تألفه القلوب..!  أما  (حلبجة) فكانت رهينة "الموت الصامت" الذي أطبق عليها في وهدة من سكون، مزهقا أرواح ألألاف من أبنائها،  مقيما بينها وبين العالم، سدا من ركام الموت، وألأبادة البشرية..!!؟

أن كانت لليابانيين (هيروشيما و ناكازاكي ) رمزا لجرائم الحرب وهمجية ألأنسان ، فلنا نحن العراقيين ( حلبجة وألأنفال ) رمزا لبربرية الدكتاتورية والطغيان..!!

 أما شهداء  (حلبجة وألأنفال ) فتظل ذكراهم نصبا شامخا في قلوب العراقيين أبد الدهر..!   

 
   

413
العراق: المسؤولية المفقودة وصراع المصالح..!
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

مسلسل ألأتهامات، وألأتهامات المتبادلة  بين قادة وزعماء "الطوائف " السياسية في العراق، الحكومية منها أو المانحة لنفسها هذا الحق، حيث هي ألأخرى تمتلك "الجيوش" بمسمياتها المختلفة وملابسها المميزة، ولها من يمثلها على الصعيد الوطني والأقليمي بل وحتى الدولي ولها مقابلاتها الرسمية، وكأنها حكومة للظل، تحت الطلب..!   
هذه الأتهامات المتبادلة بين هذه ألأطراف المتجانسة المتباينة، المتفقة المتعارضة، التي تلقي اللوم على بعضها البعض عن مسؤولية ما يحدث في العراق ، قد وضعت جميع هذه ألأطراف على منصة واحدة من حيث المسؤولية المشتركة أزاء ما يحدق بالشعب العراقي من أخطار وكوارث جسيمة لن يسلم من آثارها الوخيمة حتى أولئك الذين يظنون أنهم في منجى منها..!؟ فالعراق اليوم يغوص في بركة من الدم لا يسبر غورها أحد، ولا يعرف لنهايتها معبود..!!؟
 لقد أدعت جميع ألأطراف ، ألآ ما ندر منها،  ومنذ ولوجها منتدى لندن عام  ، بأنها عازمة على بناء "عراق جديد"  لحمته  "التحرر من الكتاتورية" وسداه "الديمقراطية"؛  عراق للمساواة والعدالة والطمأنينة..!؟  وكانت حقائبهم جميعا،  وهذا ما أعلنوه ويعلنوه دائما،  ناصعة بيضاء من كل سوء، وهم يتقاطرون على قاعة المؤتمر، تحدوهم "مصلحة العراق" ولا غيرها مصلحة أخرى..؟!   
ألا من روح مصالحهم الخاصة، شخصية كانت أم طائفية، والتي حرصوا على أن يخفوها بعضهم عن البعض الاخر، فيما عدا خاصيتهم وحافظي أسرارهم..!
ليس لأحد من رجال السياسة والحكم والدين ، وهم الان كل في مشترك واحد،  أن ينفض يده من تداعيات وتبعات ما آلت اليه أوضاع العراق اليوم، ويجرد نفسه من مسؤولية ثلآث سنوات من الفوضى والخراب الأقتصادي وألأنفلات ألأمني  ومئات ألألوف من الضحايا.   
فهم ومنذ بداية  ما أطلق عليه  ب "العملية السياسية"، كانوا شركاء فيها  وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية ما  قد تفرزه تلك العملية من نتائج على كافة ألأصعدة الوطنية وألأقليمية والدولية..! وتمسكهم بما يسمى "أنجاح" مسيرة "العملية السياسية" بأي ثمن كان ، جعلهم يغمضون أعينهم عن بحر دماء العراقيين ودموع ثكلاهم..!؟

  ففي ندوته التلفزيونية يوم 28/2/2006 مع قناة العراقية ، كان السيد وزير الداخلية (بيان جبر صولاغ) غاية في الوضوح، عندما أفصح عما في جعبته من معلومات غاية في الأهمية والخطورة على الصعيد ألأمني ، ومعرفته بخفايا خطط وشخوص ألأرهاب، وأقراره بعجزه عن القيام بشيء ذي معنى لوقف ذلك، حرصا منه على نجاح "العملية السياسية" أو لأسباب أخرى لا يرغب السيد الوزير ألأفصاح عنها خدمة لهذه "العملية" والله أعلم..!؟   
أن هذا بحد ذاته  يشكل فضيحة سياسية ، أقل ما تستوجبه، اتخاذ موقف حكومي واضح منها، والكشف عن أبعاد وتفاصيل ملابساتها، وليس أقل من أن يتقدم السيد الوزير بأستقالته حفظا  لماء الوجه ، وهو أضعف ألأيمان..!     
فما يجري ألآن في العراق أنما يعكس صراعا حادا مستميتا بين طوائف أجتماعية تدعمها قاعدة أقتصادية هلامية  غير واضحة المعالم، و مسيسة بفكر ما قبل المرحلة الصناعية، بتقاليده وقيمه المتوارثة عن الماضي، المستمدة أصولها من أدلجة دينية أو قبلية أو عرقية ، والتي من خلالها تؤكد  ذاتها ووجودها الطائفي في المجتمع، بعد أن كانت يوما محبطة ومغيبة عن القيام بدورها كسلطة قيادية في المجتمع الذي تعيش فيه، رغم أكثريتها العددية..! وطموحها في الوصول الى  السلطة  يعتبر  من أهدافها المركزية.. وتصبح "ألأغلبية العددية" في أعتبارها،  مقياسا شرعيا للأفضلية ألأجتماعية وقاعدة قانونية للحكم، وأيديولوجية للتصور ..!
  ومن خلال هذا الفهم يجري التعامل مع الطوائف ذات ألأقلية العددية وكأنها طوائف من الدرجة الثانية، ليس أمامها ألا التسليم بأحقية الطائفة ذات "ألأغلبية العددية" في قيادة الدولة، كما لو انها تمتلك هذا الحق بتفويض خاص من تلك ألأكثرية، المبنية على أساس "الطائفة ألأجتماعية" ذات الموروث الديني أو القبلي، أو كليهما معا..؟ وليس لسبب أو أعتبار آخر..؟ ¨
وفي كلا الحالين يجري عرض هذا الموروث بصيغة سياسية عصرية تتلائم مع  الاوضاع الجديدة..! فالمؤسسة الدينية على سبيل المثال، جرى تسيسها بالشكل الذي وضعها في الموضع المركزي من العملية السياسية، وكأنما الدين نفسه أو المذهب هو المستهدف في عملية الصراع من أجل السلطة..!  نفس الشيء يمكن قوله عن المؤسسة العشائرية التي في أحسن أحوالها، تجد قوة تأثيرها حينما تعيد بناء كياناتها تحت خيمة المؤسسة الدينية وحمايتها..!   

أما في كردستان، رغم أن ألأغلبية العددية للأكراد تدين بالديانة ألأسلامية ، فكان للموروث العرقي ومشاعر ألأضطهاد القومي الدور الأول في التأثير على نتائج ألأنتخابات، وهنا لعبت ألأكثرية العددية للأكراد الدور الحاسم في تحديد النتائج مقارنة بألاقلية العددية لباقي القوميات العرقية التي تعيش ضمن نفس النطاق الجغرافي.
وكنتيجة منطقية لهذه العمليةأندرجت هذه ألأقليات في الموقع الثاني على الصعيد المراتبي ألأجتماعي، مما يجعلها عرضة للتهميش طالما ظلت ألأسس التي بنيت عليها "العملية السياسية" مرتهنة لمبدأ "الطائفة" ذي "ألأغلبية العددية"..! وكذلك الحال بالنسبة للأقلية الدينية أو المذهبية..!

وبالنتيجة فأن كافة أفرازات "العملية السياسية" المصنعة وتداعياتها المختلفة على كافة ألأصعدة، أنما هو أنعكاس للواقع السياسي- ألأجتماعي العراقي، لمجتمع أستهلاكي، بقيم وتقاليد موروثة من ماض بعيد، لم تتح له الفرص الطبيعية لتثبيت أقدامه على أرض صلدة من ألأنتاج وأعادة ألأنتاج، لخلق قيمه الجديدة التي تتلائم ومتطلبات هذه ألأرضية، من الديمقراطية الحقة، والتحرر من قيود وأغلال الماضي المتعارضة مع آفاق تطور الحياة على صعيد المستوى العالمي..!

وأعتمادا على ما تقدم يصح القول؛  بأن مبدأ أللامساواة  بين ألأغلبية الدينية أو المذهبية من جهة وباقي ألأقليات الدينية أو المذهبية من جهة أخرى هو المبدأ الذي ستكون له الصدارة في السيادة  على صعيد الممارسة الفعلية..! كذلك ألأمر فيما يتعلق بألأغلبية القومية والقوميات ألأصغر..!

ومن خلال هذا المنظور لمجمل "العملية السياسية" التي أعقبت أنهيار الدكتاتورية، جاءت النتائج السياسية  طبقا لما مرسوم لها سلفا ، منتهية بصراع حاد لا يقبل الرحمة والهوادة، بين مختلف الطوائف المنخرطة في هذه العملية، والذي بات يعبر عن أبشع صور ألأحتراب وعدم الشعور بالمسؤولية..!
وأصبح التعارض في المصالح المختلفة لجميع فئات المجتمع هو الرائد لمجمل العملية السياسية ، أما مصلحة الوطن، وهي التي ينبغي أن تكون المصلحة المشتركة لجميع تلك الطوائف، فقد ركنت في مدارج قاعات مؤتمر لندن منذ يوم مغادرته..؟ وما أزمة الحكم الحالية المجسدة في تشكيل الحكومة، ألا أحدى صور هذا الصراع المقيت..!؟ 
"فالديمقراطية الجديدة" قد كشفت  سقم ما تخفيه، من طائفية فضة، لا تجسد الا مصالح فئوية ومكاسب شخصية، وأذلال وأضطهاد جديدين..!؟   

أن التداعيات المريرة للعملية السياسية في العراق، قد وضعت الجميع في موضع المسؤولية التأريخية للخروج من هذا المأزق المأزوم وتلك النتيجة الوخيمة.  وأزاء هذا الوضع المأساوي ، فليس هناك من مخرج أمام القوى المتصارعة، الا التعايش السلمي فيما بينها من خللال التنازلات المتبادلة، لتجنيب الوطن كارثة ألأنزلاق في ما هو أعظم.. وقطع الطريق على كافة المتربصين بالعراق أقليميا أو دوليا..[/b] [/size][/font] 

414
الفتنة الفتنة...!!؟
(من يقف وراء الفتنة ..؟ من المستفيد من الفتنه..؟؟!)
باقر الفضلي

الكل يدرك ويعلم بل ويفهم، ماذا تعنيه الفعلة النكراء التي أستهدفت مراقد ألأئمة ألأطهار في سامراء صباح هذا اليوم، من زرع لبذور الفتنة داخل صفوف أبناء الشعب الواحد، لتمزيق وحدة الصف الوطني وجر البلاد الى حرب أقتتال ألأخوة التي لا تبقي ولا تذر..!!؟؟ أنه الفعل الدنيء الذي أقترفته  قوى ألأرهاب وألظلام، في وقت فيه العراق بأمس الحاجة ألى حسم طريقه بألأتجاه الذي يوفر له ألطمأنينة والسلام، عاقد آماله على تشكيل الوزارة الجديدة، وزارة الوحدة الوطنية المنتظرة..!!
وبقدر ما يستنكر المرء ويدين هذا العمل ألأرهابي الدنيء ضد العتبات المقدسة في سامراء التي يكن لها الشعب العراقي  بجميع طوائفه الدينية والمذهبية كل ألأحترام  والتقديس، يأتي التساؤل المشروع ليفرض نفسه على كل من هزته هذه الفعلة المشينة.. وهو التساؤل؛ عن الذي يقف وراء هذه الفتنة وعن المستفيد من وراء تأجيجها في هذا الوقت بالذات..؟؟!!
ورغم أختلاط ألأوراق في هذا الظرف المعقد، يصبح من السابق لأوانه أستعجال توجيه ألأتهامات ألى جهة معينة بالذات، طالما أن التحقيق قائم على قدم وساق لمعرفة الجهة التي تقف وراء تأجيج الفتنة الطائفية  بين أبناء الشعب الواحد. وهذا ما أعلنه السيد رئيس الوزراء في مؤتمره الصحفي مساء اليوم..!
ألأكثر أهمية ألآن هو تبصير الشعب بكل طوائفه عن مقاصد هذه الفعلة النكراء، والمساعدة على  تجنيب الشعب مخاطر ألأنجرار الى المزالق التي رسمها أولئك الذين يقفون ورائها، والعمل على أفشال المخطط الجهنمي الذي أستهدفه صانعي هذه الفتنة..! وحث السلطات الحكومية على القيام بواجباتها في كشف المجرمين  ألأراهبيين ..!

 لقد كان لموقف سماحة السيد آية الله العظمى السيستاني في أستنكار الفعلة النكراء ودعوته المباركة للتهدئة وعدم ألأنجرار وراء ردود الفعل الغضبى ، كما ونداء ألأستنكار الذي وجهه رئيس الوقف السني للجريمة البغيضة، ودعوته الى السلم ألأجتماعي والتعقل وعدم ألأنجرار وراء الدعوات المغرضة للأنتقام التي يروج لها من لا يريد لهذا الشعب أن يعيش في أمن وسلام، كان لكل ذلك  وقع طيب وأثر كبير في النفوس ، مما سيفوت الفرصة على المصطادين في الماء العكر، ويبعد ردود فعل الجماهير الغاضبة من ألأنتقام ألأعمى  الذي تسبب في التعرض  بألأساءة  لمساجد الطائفة السنية في بغداد وعدد من المدن العراقية ألأخرى..،     وسقوط عدد من الضحايا ألأبرياء من المواطنيين العراقيين..! كما وكم هو ضروري أختفاء المظاهر المسلحة من قبل أي طرف كان وذلك لفتح الطريق أمام السلطات الحكومية للقيام بمسؤوليتها في  حفظ النظام وألأمن، وبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين..!   

أن  سماحة المرجعيات الدينية الموقرة الشيعية منها والسنية  وقيادات كافة الكتل السياسية وجميع منظمات المجتمع المدني وكافة رؤساء العشائر وكل ابناء الشعب، مدعوون جميعا ألى اطفاء فتيل الفتنة الطائفية والدعوة الى التهدئة ، وتفويت الفرصة على مشعليها، من أجل الحفاظ على وحدة الشعب وحقن دماء المسلمين..! أنها مسؤولية تأريخية وأسلامية واخلاقية..! أن وحدة صفوف الشعب  والتآخي بين المسلمين بمختلف مذاهبهم، مسؤولية الجميع ولا يمكن التنصل عنها لأي سبب كان..!   

أضم صوتي مستنكرا ومدينا تلك الجريمة النكراء بحق العتبات المقدسة، الى صوت الملايين  من أبناء شعبنا، الذي سيثبت أنه أكبر من أن تطاله الخدع والمؤامرات، أو أن تجره المكائد الى حرب طائفية غير محمودة العواقب....![/b][/size] [/font]      
             

415
أبو غريب...!؟؟
 (بين التضليل والحقيقة..!)
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

أنه لمن ألسذاجة  بمكان، أن يعتقد المرء؛ بأن أحداث سجن "أبي غريب" مجرد أفعال فردية، تعبر عن نزوات لأناس مرضى نفسيا أو مصابين بعاهات خلقية، أو أنها حصلت بمجرد الصدفة، أوعن ردة فعل عمياء..؟؟!
فالصور المخزية، والتي لم ينشر منها ألا النزر اليسير لحد ألآن، وذلك بتأثير من ألأدارة ألأمريكية وألبنتاغون، قد هزت مشاعر الرأي العام العالمي، بما فيه الرأي العام ألأمريكي، الذي جاوزت فيه منظمات المجتمع المدني حد ألأستنكار وألأدانة، بأقامتها (( دعوى رفعها الاتحاد الامريكي للحريات المدنية (American Civil    Liberties Union -ACLU) ومنظمة أطباء من اجل حقوق الانسان (Physicians for Human Rights) وجمعية المحاربين القدامى من اجل الحس العام (Veterans for Common Sense) وغيرهم من المنظمات. تطالب الدعوى بالكشف عن 87 صورة و اربعة اشرطة فيديو يعتقد أنها تتضمن صور اغتصاب و لواط وأفعال أخرى أكثر بشاعة مما تم الكشف عنه لحد الآن")) ]أدوارد سباناس[ في مقال نشر في مجلة أكزكتف  أنتلجنس ريفيو/ العدد الصادر يوم 26 آب 2005

فأية صدفة تلك التي جمعت كل أولئك المراتب من أفراد قوات ألأحتلال ألأمريكية والبريطانية – والتي لا زال البعض وحتى اليوم وبعد كل هذا القرف والتعدي، يطمس رأسه في الرمال خشية أن يسمي ألأشياء بأسمائها- لأن ترتكب مثل تلك الفعلة ألأجرامية بحق المواطنين العراقيين المعتقلين في السجون العراقية،  والمحجوزين تحت ذمة تلك القوات بدون وجه حق، وخلافا لما يدعيه المسؤولون العراقيون دائما؛ بالسيادة على مجمل ألأراضي العراقية...؟؟! وكيف يحدث ذلك بمعزل عن معرفة وعلم قادة ومسؤولي هذه القوات نفسها..؟؟!
لقد فضحت تلك ألأحداث الوجه المزيف " لديمقراطية ألأدارة ألأمريكية وحليفتها البريطانية " وفضحت كل الستر والبراقع التي يستتر ويتبرقع بها كل من يحاول  تبرير وجود هذه القوات المحتلة، وبأستحياء يطلق عليها،  تارة " صديقة " وأخرى " حليفة " ومرة ثالثة  " قوات تحالف " وغيرها من المسميات..!!؟

وما مثلته أدانة وأستنكار بعض المسؤولين العراقيين لهذه الجرائم – وكان ذلك أضعف ألأيمان- لم يرّّّق حتى الى تلك الصورة التي حاول من خلالها وزير الدفاع ألأمريكي السيد ( دونالد رامسفيلد) توصيف تلك الأفعال، بهدف التنصل من المسؤولية الجنائية وألأخلاقية، وألأنسلال من الحدث كما تنسل الشعرة من العجين، فأغرق في وصف بشاعتها ولاانسانيتها "بمشاعر" لا يمكن أن يقال عنها سوى أنها غير صادقة وتخفي ورائها اهدافا مرسومة سلفا، غايتها أذلال هذا الشعب والحط من كرامته و من قدره، وتدمير نفسية المواطن العراقي، بأذلاله وأصابته باليأس والقنوط..!؟  ف((حينما أدلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ في مايو 2004، حذر هو من ان صور أبو غريب التي لم تكشف بعد أسوء بكثير من تلك التي كشفت حتى الآن، مضيفا أن تلك الصور فيها أفعال "لا يمكن وصفها إلا بالسادية الواضحة، و أنها قاسية و غير إنسانية". ))  ]أدوارد سباناس[ في مقال نشر في مجلة أكزكتف  أنتلجنس ريفيو/ العدد الصادر يوم 26 آب 2005
أن الصور التي نشرتها قبل أيام محطة SPS التلفزيونية ألأسترالية، والتي تحدثت عنها في مقال سابق، ليست جديدة في موضوعها بالنسبة للسيد (دونالد رامسفيلد) . وأن تحذيره المنوه عنه في أعلاه، ما كان بدافع من الحرص على " القيم الديمقراطية للجيش ألأمريكي" أو من ألأستنكار وألأدانة لجرائم قواته بحق المواطنين العراقيين، بقدر ما هو ألا تحذير لتلك القوات، بأن تكون  أكثر حذرا وأشد حرصا، في ألا تنكشف  ممارساتها اللاأنساسية بحق ضحاياها ، خشية ما قد يترتب على ذلك من ردود فعل لا تحمد عقباها..؟!! وهذا ما أكده (( رئيس قيادة الأركان الأمريكي ريتشارد مايرز في شهادة خطية قدمت الشهر الماضي في قضية "الاتحاد الامريكي للحريات المدنية" ولم يكشف النقاب عنها إلا مؤخرا.  حسب أقوال مايرز قد يؤدي الكشف عن تلك الصور رسميا "قد يشكل خطرا واضحا وجديا للتحريض على العنف وحدوث أعمال عنف ضد القوات الأمريكية وقوى التحالف... وقد يؤدي ذلك إلى تزايد تجنيد الإرهابيين". وأضاف مايرز: "سيتم تصوير هذه المشاهد وكأنها جزء من مما يزعم أنها حملة أمريكية مستمرة لإذلال المسلمين". ))  ]أدوارد سباناس[ في مقال نشر في مجلة أكزكتف  أنتلجنس ريفيو/ العدد الصادر يوم 26 آب 2005

فألادارة ألأمريكية حريصة جدا على سرية  تلك ألأعمال البربرية وعدم أفتضاح أمرها، يشاركها الهم نفسه، السلطات الحكومية العراقية المسؤولة، لما يسببه ذلك من حالة الحرج في موقفها من وجود تلك القوات، والتي حتى اليوم لم تضع أمر أنسحابها في أولوياتها المعلنة..!!؟ وكذلك ما قد يرتبه ذلك من تداعيات غير معروفة العاقبة من ردود الفعل الشعبية المحتملة على تلك ألأعمال المشينة..؟!
كما يخطيء من يعتقد أو من يريد أن يصور تلك الجرائم ضد ألأنسانية، بأنها مجرد أعمال تتصف بالفردية والصدفية، ولم يسبق وأن تم التخطيط لها بأتقان من قبل جهات عليا في ألأدارة ألأمريكية أو البريطانية، بل وتغالط السلطات الحكومية العراقية حينما تطالب بمعاقبة الذين قاموا بهذه ألأفعال وكأنهم مجرد جناة عاديون، أو عتاة متجاوزون حدود مسؤولياتهم ..!؟ وكذلك من يدعي بأن "صدام قد أرتكب أبشع منها"..!؟ أقول؛ ولا خلاف في حصول ذلك،  فلا وجه للشبه والمقارنة  بين ألأثنين، اللهم ألا اذا كان المقصود من وراءه،  تبرير تلك الفعلة النكراء ..! وكأن هذا الشعب قد كتبت عليه الذلة والهوان..!!؟ ولا كأن ألأمر  يشمل سياسة مرسومة لدولة تخرق كل السنن والشرائع السماوية والوضعية، بما فيها قوانين الدولة نفسها..!؟  وتتجاهل ولا تريد أن تقر بأن هذه ألأفعال ألأجرامية تدخل في صلب السياسة المبنية على أذلال هذا الشعب بتلقينه دروسا ساخنة  في "الديمقراطية الجديدة "..!!؟؟ والثأر منه بدفع حسابات الماضي من أستحقاقات مكاسبه التأريخية التي حققها في ثورته الخالدة في الرابع عشر من تموز 1958 بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم وما سببته من أضرار للمحتلين..؟؟! أنه عين ألأنتقام الوحشي الذي لا يعرف حدود..!؟
 أن في الوثائق ألأمريكية نفسها ما يعزز ما ذهبنا اليه حول منهجية التعذيب وأستخدامه كوسيلة للأذلال بكل ما يعني ذلك من معنى؛  ففي مقال ( أدوارد سباناس ) أعلاه جاء ما يلي:  (( فعلى ضوء جلسات الشهادة الأخيرة التي عقدت في مجلس الشيوخ، وأيضا في ضوء المقالة التي نشرت في نيويورك تايمز بقلم المراسلة التحقيقية جين ماير (Jane Mayer) التي وثقت باستفاضة أكثر أن انتهاكات السجناء و تعذيبهم كانت سياسة متبعة ومقصودة وأنها جاءت بأوامر من أعلى الجهات في وزارة الدفاع، وأن تلك الأفعال قد أدخلت عمداُ الى العراق, بعد ان جربت في غوانتانامو. )) ثم يعود مضيفا (( إلا انها في مقالتها المطبوعة في نيويورك تايمز في 11 مايو بعنوان "التجربة" تقدم عرضا مقنعا بأن التقنيات المستعملة لإذلال السجناء جنسياً ودينياً ,و ايضاً اكثر التقنيات المستعملة في غوانتانامو و ابو غريب, كانت قد طورت من قبل علماء في السلوك و غيرهم من المرتبطين بالجيش الامريكي, وان طرقا مثل هذه تستخدم بشكل منتظم في تدريب افراد الجيش لمقاومة التحقيق في حال أسروا من قبل قوة عدوة. )) فمختبر التحقيق ألأمريكي سيء الصيت (غوانتنامو) في كوبا، أصبح المثل الذي يحتذى به بالنسبة للأمريكيين، في تحويل المعتقلات والسجون التي يشرفون عليها في أفغانستان والعراق وحتى المعتقلات السرية في أوروبا وبعض الدول العربية الضالعة معهم تحت ذريعة "مكافحة ألأرهاب" الى العمل بنفس المنهجية..!؟ و هكذا يأتي سجن (أبو غريب) ليصبح المثل الثاني وألأخ الصنو لمعتقل (غوانتنامو) سيء الصيت..!؟
 فمنذ بداية أحتلال العراق في نيسان 2003 دأبت قوات الأحتلال على وضع خططها موضع التطبيق في تحويل سجن (أبي غريب) الى "مختبر تحقيقي" لمقاصدها الخاصة..؟! وهذا ما يؤكده ( ادوارد سباناس) نفسه في مقالته المذكورة حيث أشارقائلا: (( في أواخر شهر أغسطس 2003 بعث وكيل وزارة الدفاع الأمريكية ستيفن كامبون ومساعده بويكن، ميلر إلى العراق. زار ميلر في أبو غريب فرقة "الصيد والقتل" المعروفة باسم "القوة الخاصة 20". كانت مهمة ميلر "غوانتنمة" مراكز الاعتقال والتحقيق في العراق و (جعلها مثل غوانتانامو). كما وصف ميلر بنفسه في التقرير الذي يلخص زيارته إلى العراق فإنه ذهب "ليناقش قدرة العمليات الحربية في استغلال المعتقلين بسرعة لصالح عمليات الاستخبارات". من توصياته المعروفة هي استخدام عمليات الاعتقال (مثلاً استعمال شرطة عسكرية كحراس سجون) "لتهيئة ظروف تحقيقات ناجحة . ومما هو غير معروف جيدا هو أن ميلر أيضاً أوصى بالاستفادة من فريق مستشاري علم السلوك (فريق البسكويت) "للمساعدة في تعزيز عمليات التحقي". و يشرح ميلر هذا الأمر قائلاً : "الفرق هذه المتكونة من أطباء نفسيين والعصبيين الخبيرين في علم السلوك تلعب دورا أساسيا في تطوير استراتيجيات تحقيق موحدة وفي تقييم انتاج المعلومات الاستخبارية من التحقيقات".))
وأخيرا وليس آخرا أكد السيد (دونالد رامسفيلد) وزير الدفاع ألأمريكي متذرعا بنفس الحجة التي تكررها ألأدارة ألأمريكية والبريطانية على الدوام وهي "مكافحة ألأرهاب"، أكد رفضه غلق ( المختبر التحقيقي) في (غوانتنامو)، منتقدا طلب السيد ألأمين العام للأمم المتحدة السيد (كوفي عنان) بغلق السجن المذكور –(( في تعليق على دعوة الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان لإغلاق معتقل غوانتانامو، قال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد الجمعة إن البنتاغون لن يغلق المنشأة التي تعتقل فيها الإدارة الأمريكية المئات من "الإرهابيين.")) 17/2/2006.نيويورك، الولايات المتحدة (CNN)
الكثير من هذا ما يؤكد ضلوع ألأدارتين ألأمريكية البريطانية في أعمال التعذيب وألأذلال التي يتعرض لها المعتقلون والسجناء في سجون العراق، والتي يشكل السكوت عنها وعدم ألأشارة الى الفاعلين والمخططين الحقيقين الذين يقفون ورائها، أسهاما في تشجيع وتمادي قوات ألأحتلال على أرتكاب المزيد منها..؟؟!!
 لعله ومن باب ألأفتراض،  أن قوات ألأحتلال تجد نفسها "محقة" فيما تمارسه من أنتهاكات وتجاوزات على حقوق ألآنسان، وذلك قياسا وربما أسوة بالممارسات أللأشرعية،   وألأنتهاكات الفضة  لتلك الحقوق، "المحسوبة على قوات ألأمن والداخلية"، حتى درجة تشكيل "فرق للقتل" على حد أقرار السيد وزير الداخلية والتي نسبها الى عناصر أرهابية ومندسة داخل صفوف قواته..!؟؟ أم أن سجن (ابي غريب) هو المكان المناسب لمواصلة أعمال البطش والتعذيب وكل ألأنتهاكات ضد حقوق ألأنسان، التي كانت تمارسها الدكتاتورية الغاشمة بحق أبناء هذا الشعب داخل هذا السجن البغيض..؟؟؟ ولعل لسان حالها يقول: " أنتم العراقيون أولى بأن تنظروا ألى أنفسكم قبل أن تنظروا للآخرين..؟؟!  وها هي الأدارة ألأمريكية ألآن تجعل من هذا السجن (مختبرا تحقيقيا) لتنفيذ مقاصدها العسكرية والسياسية على غرار معتقل (غوانتنامو) سيء السمعة.. وتقدم من خلال الممارسات ألأجرامية لقواتها ، خدمة مجانية للأرهاب الذي تشهر "سلاحها" ضده ليل نهار..!؟   
لقد جاوزت جرائم قوات ألأحتلال البربرية بحق المعتقلين والسجناء العراقيين، حدود ردود الفعل المتعارف عليها من أستنكار وأدانة، فهي  أكثر من كونها أنتقاصا للسيادة العراقية، فهذه السيادة بدءا منتقصة بوجود هذه القوات على ألأرض العراقية، رغم التشريع لها سياسيا، بل انها أعتداء وأستفزاز متعمد لكرامة ومشاعر العراقيين ومس لا أخلاقي بعاداتهم وخلقهم، وتعرض لا مشروع لمقدساتهم، وتشويه لمستقبلهم ووطنيتهم..؟؟؟!
أن ألأدارة ألأمريكية ومثلها البريطانية وألأخرى الضالعة معها، جميعا تتحمل المسؤولية ألأخلاقية والجنائية أتجاه النتائج المتربة على تصرفات أفرادها البربرية وألأجرامية، بما يترتب على ذلك من عقوبات تفرضها المحاكم الجنائية الدولية، حيث أن هذه الجرائم تدخل في نطاق الجرائم التي تستهدف أستعباد الشعوب من خلال أذلالها وأنتقاص كرامتها وتعريض مستقبل أجيالها القادمة للخطر..!!
أما مسؤولية السلطات الحكومية العراقية، - مع أخذنا بالحسبان خصوصية وطبيعة العلاقة العراقية ألأمريكية- فهي أكبر وأكبر من ان تحدها حدود..! وأقل ما يقال فيها ، هو أنها مسؤولية أخلاقية وتأريخية، بل وحتى ترقى لأن تكون جنائية، في حال أستمرار هذه السلطات  بالسكوت عن تحريك ملف (فضائح أبي غريب ألآمريكية) وملف (فضائح معتقل البصرة البريطاني) وغيرها من ملفات أنتهاك حقوق ألأنسان في العراق، ورفعها الى الهيئات الدولية من هيئة ألأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية ، لمقاضاة الحكومات المسؤولة عن ما لحق الشعب العراقي عموما والمواطن العراقي من الذين طالتهم تلك ألجرائم بصفة خاصة، من أضرار جسدية ونفسية، والمطالبة بحقوقهم بكل ما تعنيه تلك المطالبة من حق التعويض المادي وألأدبي و..ألخ من التعويضات التي تكفلها القوانين الدولية..!!
ولأن كانت منظمات المجتمع المدني ألأمريكية أو غيرها سباقة في رفع الدعاوى ضد تلك ألأنتهاكات التي تقوم بها قوات ألأحتلال ، فألاولى بمنظمات المجتمع المدني العراقية والعربية، وكذلك المنظمات ألأقليمية كالجامعة العربية أن تكون سباقة ألى القيام بما يلزم من أتخاذ أجراءات قانونية وأعلامية، بما يكفل للشعب العراقي المغلوب على أمره، حقه في الدفاع عن كرامته ومقدساته.!! فالجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي هي جرائم ضد ألأنسانية، وليس من ألأنصاف والعدل أن يترك أمر البت في مسؤوليتها الى دول مرتكبيها..؟! 
 أن مما يؤسف له في هذا المجال هو أن غالبية وسائل ألأعلام العراقية والعربية ؛ أما أن تلتزم الصمت عما يجري ولا زال يجري داخل السجون والمعتقلات في العراق من أنتهاكات فضة لحقوق ألأنسان، أو أن تتلذذ بنشر الصور الشائنة لهذا ألأنتهاك ليس ألا..؟؟؟! والكل يعلم بأن لنا من "منظمات المجتمع المدني" من الغزارة ما يكفي لأن نقتحم به أبواب هيئة ألأمم المتحدة أو نغزو به دساتير وقوانين ومواثيق العالم..!!؟[/b] [/size][/font]         

416
حقوق ألأنسان حسب المقاس..!
باقر الفضلي
16/02/06

من الانتهاكات في سجن أبو غريب
   
أتلانتا، الولايات المتحدة (CNN) --
بثت قناة SBS التلفزيونية الاسترالية الأربعاء صوراً ولقطات فيديو جديدة لجنود أمريكيين وهم يسيئون لسجناء عراقيين في سجن أبو غريب وينتهكون حقوقهم، وذلك ضمن برنامجها Dateline، بما ذلك إجبارهم على القيام بممارسات جنسية أمام الكاميرا.
طالما ان العراق لا زال في حاجة ماسة لتواجد قوات التحالف على أراضيه، من أجل بناء قواته المسلحة ، فمن ألأولى بالعراقيين أن يغمضوا عيونهم ويغلقوا أسماعهم عن كل ما تقترفه هذه القوات من الجرائم والكبائر بحق العراقيين أنفسهم..! فالعراقيون مدينون للأمريكان وحلفائهم بحريتهم وديمقراطيتهم، وبالتالي فأن ما قد يرتكبه جنودهم وضباطهم من تعذيب وقتل للمعتقلين في السجون العراقية، لا يدخل في حسابات المسؤولية الحكومية العراقية، بل هو شأن من شؤون بلدان تلك القوات ويدخل في صلب قوانينهم..! حتى وأن كانت مثل تلك الجرائم ترتكب بحق عراقيين وفي داخل ألأراضي العراقية..؟؟!! ولكن بأمكان وزيرة حقوق ألأنسان في الحكومة العراقية، أن تقوم بزيارة المعتقلات والسجون المنتشرة في كل أرجاء العراق للأطلاع على أوضاع المعتقلين والسجناء أن رغبت بذلك..!!؟

بهذه الصيغة العجيبة والتي رغم مجافاتها للمنطق ولحقوق ألأنسان التي دبجتها مواد الدستور الدائم العراقي الجديد، ولا أريد أن أقول حقوق ألأنسان الواردة في (ألأعلان العالمي لحقوق ألأنسان)،  فقد وردت بهذا المعنى على لسان مستشار السيد رئيس الجمهورية العراقية السيد وفيق السامرائي في أجاباته على أسئلة قناة الجزيرة الفضائية مساء يوم 15/2/2006 المتعلقة بالصور التي نشرتها بنفس اليوم المحطة التلفزيونية ألأسترالية  SPS  والتي فضحت الجرائم أللاأنسانية التي أرتكبها جنود الأحتلال الأمريكي بحق المعتقلين العراقيين في سجن (أبي غريب) وكذا قبلها ممارسات القوات البريطانية في البصره..؟؟! بهذا المعنى  تتنصل الحكومة العراقية عن تحمل مسؤوليتها في استنكار وأدانة هذا العمل المشين، أو أتخاذ موقف سياسي واضح أزاء ذلك..؟!   

رغم "ألقدسية" التي يتمتع بها المواطن العراقي_ وذلك على حد قول السيد مستشار السيد رئيس الجمهورية_ فأن هذه "القدسية" لا تعني في ألأمر شيئا ، بل ولا تساوي حتى حبة خردل عندما يتعلق ألأمر بأنتهاكات قوات ألأحتلال لهذه "القدسية" أمام مرأى ومسمع السلطات الحكومية..!؟ فالسيد المستشار لا يرى أي رابطة بين هذه الصور المفزعة، وألأجرامية- حسب وصف الناطق بلسان الخارجية ألأمريكية- والتي يندى لها الجبين، وبين تواجد تلك القوات وأمر أنسحابها..!!؟ ومثل هذه ألأفعال تقع مسؤولية مرتكبيها على عاتق دولهم ووفق قوانينهم.. حسب تفسيره؟! أما تواجد القوات نفسها فله شأن آخر..؟! 

لقد أقض نشر هذه الصور الفاضحة مضاجع ألأمريكين وحلفائهم لتك الجرائم البشعة التي يرتكبها جنودهم وقادة قواتهم بحق العراقيين، وأعلنوا أستنكارهم لها، أما مدى جدية أهتمامهم بهذا ألأمر فقد فضحه موقفهم من الصور السابقة التي نشرت في آب من العام الماضي، وحول نفس الموضوع..! فهل أقض هذا ألأعتداء الشنيع والخرق الفاضح لحقوق ألأنسان مضاجع مسؤولينا..؟؟  فأن كانت هناك "قدسية" للمواطن العراقي، كما ردد السيد المستشار ، فيبدو أن "قدسية" المحتل أرفع وأسمى من أن يطالها حتى أستنكار أو أدانة..؟
و(عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم..!) [/b] [/size][/font]


417
عفوية ألحدث.. و المنطق...!
( تداعيات الرسوم الكاريكاتورية المسيئة )
باقر ألفضلي
bsa.2005@hotmail.com

صيحة الغضب وألأستنكار وألأدانة؛  التي عمت الشارع العربي وألأسلامي من أقصاه الى أقصاه، ضد "ألرسوم  ألأستفزازية" المشينة والتي تناولت شخصية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، قد كان لها مايبررها من حيث كونها جاءت معبرة عن موقف  طبيعي من الحدث ألأستفزازي الذي أستهدف المشاعر الدينية لملايين المسلمين في عقيدتهم، وبصفة خاصة رمز تلك العقيدة نبي ألأسلام محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)..!
وما يميز هذا الموقف، كونه فاق في حدوده كل التصورات المتوقعة، من حيث سعته المكانية ، أذ شمل كل أرجاء العالم التي يتواجد فيها المسلمون؛  ومن حيث حجمه ومستوى المشاركين فيه ، أذ تميز بشموليته لكل الطوائف الأسلامية وعلى كافة المستويات الشعبية منها والرسمية..!؟
كما ولأول مرة تقريبا،  يمكن القول؛  بأن هذا التلاحم الجماهيري الشعبي والرسمي،  قلما  كان  له  نظير فيما سبق ..اللهم الا في تلك المراحل وألأوقات ، التي تكون فيها ألأمم والشعوب في مواجهة حقيقية بعضها ضد البعض ألآخر، أو في حالة دريء خطر داهم أو كارثة طبيعية، حيث يتهادى الجميع لأتخاذ موقف واحد موحد..!
ردة الفعل تلك، كانت بمستوى الغليان والهيجان العارم، الذي أستحال معه، بل وأستعصت كل أمكانيات وقفه أوحتى التخفيف من حدته..!؟ 

فهل ردة الفعل هذه كانت فعلا  "عفوية"،  كما يروج لها ..؟ السؤال حمال أوجه وألأجابة عليه اكثر تعقيدا من السؤال نفسه..!  فلو كان ألأمر حقا كذلك، فأن ثمة سؤال آخر يطرح نفسه بألحاح، وهو سؤال يبطن في طياته عوامل الشك وألارتياب في المقاصد التي تقف وراء ذلك..! 
لو أن ردة الفعل هذه كانت عفوية فعلا ، وما يفهم عن ردة الفعل العفوية ؛  أنها تحدث، وفي اغلب ألأحوال ، مباشرة بعد الفعل نفسه ، وكعمل مضاد له في ألأتجاه والفعالية..
فالمعروف أن هذا الفعل والذي أسميه "بالخبيث" قد خطط له وجرى تنفيذه منذ شهر أيلول 2005 وكان عملا ظاهرا للعيان، والكل يقر بذلك من مسؤولي حكومات أو ممثلي منظمات أجتماعية ، أو قادة سياسيين، أو رجال دين و..الخ من منظمات المجتمع المدني ورجال ألصحافة وألأعلام، وأخيرا التجمعات ألأسلامية التي تقطن الدنمارك ولها وجود فعال فيه،  فكيف ياترى، يصاب الجميع بنوع من الغشاوة في البصر والوقر في السمع ، وكأن ما حدث لا يمت بقرابة أو صلة لكل ما يتعلق "بردة الفعل" التي هزت العالم من أقصاه الى أقصاه...  ولكن، ( بعد ما يقرب من نصف عام ..) !!؟

 وتأسيسا على ذلك تنفي مقولة "ردة الفعل العفوية" نفسها ، لعدم أستنادها لمقومات منطقية أو أدلة مادية، فالفعل "الخبيث" قد أستوفى شروطه من حيث مقاصده ومراميه ، أما  "عفوية"  ردة الفعل عليه  - أذا ما أفترضناها-  فجاءت ليس فقط  متأخرة في الزمان ، بل ومنقطعة في التسبيب، وظهرت على السطح وكأنها فعل منفرد قائم بذاته، بل ومفاجيء في حدوثه، ومبالغ في حجمه، وفعاليته، وأتجاهه..! 
أن توجه ألأساءة - وهي أساءة فاقت في حدودها كل ألأعتبارات ألأخلاقية والقانونية-   في أيلول من العام الماضي، ويأتي ألرد عليها في شباط  من العام الحالي، فذلك ما  يضع مسألة القول "بعفوية" ردة الفعل، في موضع التساؤل وألأستغراب..!!؟
فألأحداث التي عصفت في العالمين العربي وألأسلامي خلال ألأسبوعين الماضيين جاءت وكأنها قد وقتت لأن تحصل ألآن،  وما قيل بأن محاولات لأحتواء ذلك،  قد جرت في حينه، أي حين ظهور تلك ألأساءة، مع السلطات الرسمية الدنماركية من قبل بعض الهيئات الحكومية العربية وبعض الهيئات ألأسلامية في البلدان العربية، أنما يعزز القول بأن تلك ألأحداث لم تكن أحداثا عفوية، بقدر ماتكون عن فعل مقرر ومؤجل حتى تحين ساعته المناسبة للتنفيذ..!

  ومن زاوية نظر المواطن المسلم الذي شارك فيها، فهي بالنسبة له وكما عبرنا في ما تقدم،   تمثل تعبيرا عن مشاعره الرافضة والمستنكرة للأساءة ، ولا صلة لمشروعية ألأحداث نفسها،  بالتوقيت الذي حصلت فيه تلك ألأحداث..!
وأن دعوة المواطن المسلم للمشاركة في أستنكار مثل تلك ألأفعال ألأستفزازية ، هي دعوة مستجابة لأنها تضرب في صميم مشاعره ألأعتقادية، وهو جاهز أبدا للأستجابة لرد أي فعل يستهدف تلك المعتقدات.. ولا غرو القول بأن المظاهرات المليونية، يمكن أستنهاضها حيثما تكون هناك الفرصة المناسبة لذلك.. فليس الملايين من المسلمين كلهم يمتلكون ذات الوعي الذي يمتلكه ألأخرون سواء كانوا  حكاما أو رؤساء دول أو قادة سياسين أو وزراء أو فقهاء في الدين..أو رهطا من المثقفين..!! 
أنهم عامة الناس من عمال وفلاحين وكسبة  وجماهير غفيرة من الكادحين، بل والغالبية منهم  تنقصه أمكانية القراءة والكتابة، أو تفسير "الكاريكتير".. وهم أبعد ما ان يكونوا ذو صلة بما يدعى ب(حرب الثقافات، صدام الحضارات، حوار الحضارات، وغيرها من المسميات..)،  حتى يمكنهم أن يستحضروا ردة الفعل المنشودة حسب مشيئتهم وأرادتهم العفوية..!         
ولعل في المشاركة الرسمية للسلطات الحكومية في العديد من الدول العربية وألأسلامية وكذلك مشاركة رموز دينية معروفة على صعيد العالم العربي وألأسلامي في أحداث الغضب وألأستنكار، ما أضفى عليها، طابعا مميزا أفقدها صفة العفوية والفجائية، أو ما يدعى أحيانا بحالة الهيجان المنفلت..! 

لقد شارك الملاين من المسلمين في ردة الفعل المقررة  لا  لأنهم  تابعين فقط ، ولكن لأن( الفعلة المنكرة)  قد مست صميم مشاعرهم، المقدسة لديهم، فجاءت تلبيتهم لدعوة الأحتجاج وألأستنكار على هذه الفعلة، ممتزجة مع هذه "التابعية" التي كانوا وما زالوا يعتبرونها الطريق الى أرشادهم وتقويم أعوجاجهم ووضعهم في الصراط المستقيم.. أو هكذا هم يعتقدون..!! 
وهم لا يجدون أنهم مسؤولون عن تداعيات عمليات ألأستنكار وما رافقها من أعمال  شغب وأعتداء على ممثليات الدول ألأجنبية وحرق أعلامها ، كالدنمارك والنروج وفرنسا، أو حرق الكنائس والتجاوزات على المواطنين المسيحين.. ؟!
ففي أعتقادهم انهم قاموا بواجب كانوا ملزمين بأدائه، وهم لبوا  نداءات أولياء أمورهم الشرعيين، والتي تدعوهم ليل نار لأستنكار الهجمة الغربية على مقدساتهم...!
ومن غير المنطقي وألمألوف أن رئيس دولة أو وزيرا أو رجل دين..قادر أن يتسلق جدارا لسفارة أو يرمي حجرا أو قنينة حارقة لأحراقها.. فالجماهير الغاضبة أولى بالقيام بكل ذلك.. أليس ذلك هو الغضب بعينه..؟؟؟!
أليست قرون من ألأذلال وألأضطهاد التي عاش في ظلها ملايين العرب والمسلمين كفيلة بأن تجد لها متنفسا في أعمال العنف التي سادت العالمين العربي وألأسلامي..؟ 
أليس التخلف الضارب بأطنابه في العالم العربي وألأسلامي، دافعا لأنقياد تلك الجموع الغفيرة من المسلمين الى مثل تلك الدعوات،  بعيون مغمضة وعقول مغلقة..؟!   
الحرب المستعرة اليوم ،  هي حرب من طرف واحد ، في شكلها لا تعدو ان تكون ألا هيجان بحر عصفت به الريح، فتعالت أمواجه لتغرق سفن الجنود، وتمزق أشرعة التضليل..! و في محتواها، لا تعبر الا عن مسعى لأسترداد مجد غاب، للثأر من قهر طال قرونا من السنين، وها هو ألأحتلال يشبعها أذلالا  يوما بعد يوم ...!

المهم في أمر "ردة الفعل العفوية "  هو أنه بقدر ما تعبر عنه من حق في ألأستنكار وألأدانة لعمل مسيء لمشاعر المسلمين المقدسة ، وما تمتلكه هذه الجماهير أو الدول التي تمثلها من حق مقاضاة القائمين بهذه ألأساءة،  فأنها بنفس القدر قد تسببت في ردود فعل آنية ضد سلوكية وتصرفات غير محمودة لا شرعا ولا أنسانيا، مما كان له أثر  سلبي على العلاقات بين العالمين، ألأسلامي والغربي..! 
ولعل في مظاهر ألأحتجاج والتخندق ضد الجاليات العربية وألأسلامية في الدول ألأوربية ، وسماع صيحات وزعيق المتطرفين في هذه الدول بأعادة  المسلمين الى بلدانهم، ووصمهم بألأرهابيين، بعض من ردود الفعل تلك على الصعيد ألأجتماعي..!
أما على الصعيد الرسمي؛ فقد لوحت بعض دول ألأتحاد ألأوربي : بمعاقبة تلك الدول التي تدعوا الى "مقاطعة" البضائع الدنماركية أو النرويجية..!!  ومن ردود الفعل ايضا؛  هو بدلا من توقف عملية التشهير وألأساءة الى المقدسات ألأسلامية، قامت العديد من الصحف ألأوروبية بل وحتى بعض الصحف العربية بأعادة نشر تلك الرسوم المسيئة.. تحت التذرع بالدفاع عن حرية النشر وأبداء الرأي..؟!

فهل أن أحدا من شيوخنا ألأفاضل، من رجال الدين وأئمة المساجد، من قادة سياسيين أو رجال سلطة.. من دقق في ألأمر.. ؟ من  أوقد  ذهنه وأعاد ألأمر الى أصله.. !!؟ هل  من سأل نفسه عن دوافع وأهداف هذه ألأساءة ..!؟ 
هل أن  أحدا  منهم  من أرجع أمر هذه  ألأثارة الخبيثة  الى من يقف من ورائها، ومن يسندها،  ومن له مصلحة في تأجيجها..؟؟! ولماذا غلب أمر تلك الرسوم البذيئة والمسيئة، على أصل المسألة وأهدافها..!؟  أم أن الجمع يقود ألأمر على هواه،   وحسب ما تقرره مصالحه النفعية في أستثمار الحدث "العفوي"..!؟ فالخاسر الوحيد في اللعبة هي تلك الجموع الغفيرة التي لبت النداء ولا تعرف الهدف..؟؟!
فلا غرابة أن تستفز مشاعر  الملايين من المسلمين في عقيدتها ، جراء فعل أنكرته كل القوانين  بما فيها قوانين دولة الفاعل  (الدنمارك)، والتي يجب أن يكون لها موقف واضح من ألأساءة، فحرية الرأي والنشر لها حدودها في عدم المس وألأضرار بسمعة ألآخرين أو التعرض للمعتقدات والرموز الدينية ..!
ولكن  وجه الغرابة أن تترجم هذه المشاعر الحقة لملايين المسلمين، بأفعال فاقت في حدودها حد التعبير المنطقي والمشروع عن ردة الفعل وألأستنكار وألأدانة لذلك الفعل ألبغيض ؛ الفعل الذي أستهدف المشاعر الدينية للمسلمين، بغرض تحقيق أهداف مرسومة سلفا أذا ما توخينا الدقة في تحديد ألأهداف المتواخاة من وراء هذه ألأثارة المقصودة لتأجيج المشاعر المقدسة لأكثر من مليار أنسان..!!
لو عرف الجميع بأن ( الدنمارك) وهي البلد ألأسكندنافي الصغير  والمشهور بتصنيع منتجات ألألبان، قد حققت أكبر نجاح أقتصادي لها خلال أكثر من عقد من الزمان،  حيث اصبحت ألأسواق العربية في مقدمة ألأسواق العالمية  المستهلكة لمنتجاتها، والشرق الأوسط  أكبر سوق لشركة (آرلا ) الدنماركية خارج أوروبا وتبلغ إيراداته السنوية نحو 500 مليون دولار.
وتصل حصة السعودية إلى 60 في المئة من هذه المبيعات.*  فهل أن دولة تحقق مثل تلك الأرباح، الى هذا الحد من" البطر"،  حتى تعرض مصالحها ألأقتصادية الى الخطر، فتقدم على مثل هذا الفعل "المشين" الذي نفذه أحد رعاياها..!؟ 
أليس في ألأمر ما يبعث على الشك وألألتباس في حقيقة من يقف وراء ذلك..؟ وبأن ألأمر يتعدى عن كونه مجرد "هواية" عنصرية مرفوضة ومدانة..؟ 
أليس من منطق العقل والتروي والعدل ، أن لا يربط ألمرء  بين " عملية نشر الرسوم المسيئة " ، _ رغم ما تركته من آثار سلبية على العلاقات بين هذه الدولة الصديقة ومجمل العالم ألأسلامي_  وبين العلاقة  الحميمة التي تربط العالمين ألأسلامي والمسيحي على مد العصور..!؟  أليس من الواجب الشرعي الدعوة الى التسامح وضبط النفس..؟ أليس من العدل التفريق بين الحق والبهتان..!؟؟
  أما الدعوة الى "المقاطعة" ، فالمستفيد ألأول منها هو ذلك الذي كان يقف وراء هذه الفتنة اللئيمة، وهي عقوبة أقتصادية أكثر منها رد على ألأساءة، ولا تخدم مصالح الألوف من العاملين في المصانع الدانماركية من المسلمين..!؟ والسؤال الذي يطرح نفسه هو متى سنصنع جبنتنا بأيدينا يا ترى..؟؟

أن ألأدانة وألأستنكار "لفعل التشهير وألأساءة" الذي أستهدف شخص الرسول(ص) عمل مشروع، ولكن في الحدود التي لا تخرج عن أهداف هذه ألأدانة، أو تسيء الى الوجه المشرق والمشرف للدين ألأسلامي كدين للتسامح والمحبة والتآخي  والسلام..!  كما هو مشروع ومطلوب أيضا، أدانة وأستنكار  أعمال الحرق والتجاوز على  الكنائس و على رموز الدول ألأجنبية من أعلام وسفارات..!
 أما  الدعوة الى  "العالم الغربي" بتغير "قوانينه"،  ففيها من  العسف السياسي  ما يخرج ألأحتجاج وألأستنكار عن أهدافه الطبيعية، ويحمل ألأمر أكثر مما يحتمل،  ويصب في خانة من يريد ان يخلق من ألأزمة طريقا الى تحقيق أهداف سياسية لا ترتبط بأي حال من ألأحوال بالهدف من أدانة التشهير وألأساءة..؟! هذا إذا اغفلنا الكراهية المتزايدة لأمريكا في العالم بسبب ممارساتها التدميرية، وهشاشة الموقف الغربي وتحالفاته في مواجهة العنف وهذا ما يشجع دعاة العنف إلى مواصلة الاحتجاجات بل وطرح مطاليب تتزايد كما ونوعا على لسان هذا او ذاك من دعاة التصعيد مستفيدين من الزخم الجماهيري الواسع والعنيف في الاحتجاج على الرسوم، فهم يريدون الحصول على قرار من الامم المتحدة بمنع مثل هذه الاعمال مستقبلا وهذا يعني في مضمونه الحقيقي وضع الامم المتحدة وحرية التعبير رهن إرادة بعض المرجعيات الدينية المتخلفة التي لا تخفي مطامحها في استعادة مجدا مفقودا مضى عليه مئات السنين دون ان تتعب نفسها في الاستفادة من دروس التاريخ وعبره..!؟ 
    فللغضب حدوده، "ولا يؤخذ سعد بجريرة عمر " .."وكل ما زاد عن حده أنقلب ضده".. . وحكمة العقل هي الفاصل ما بين ألأشياء..!؟

* cnn 2140 (GMT+04:00) - 04/02/06[/b][/size][/font]

418
الملف "النووي" الأيراني  و "الصمت العراقي"..!!
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

مما يسترعي أنتباه المراقبين، في مسألة الموقف من معركة ما أصطلح عليه "بالملف النووي الأيراني "، هو ذلك الصمت المطبق من الجانب العراقي وكذلك الدول العربية، وجامعتها العربية ، الذي لم تبدر منهم أية بادرة من تعليق أو أعلان موقف معين من هذه "المعركة" التي تجري على تخوم حدوده..؟!  ويبدو وكأن مثل هذا الأمر البالغ ألأهمية ليس ذي شأن ولا يسترعي أي أنتباه..! فهو على أي حال "شأن داخلي" وليس من باب "الثوابت السياسية" أن تتدخل الدول في شؤون بعضها البعض..!!؟ ولعل حق "الجيرة" والدين هو ألأكثر فعالية من اي حقوق أو أعراف دولية أخرى.!!؟

الجمهورية ألأسلامية ألأيرانية؛ البلد الجار، وصاحب أطول حدود تزيد على ألألف من الكيلومترات من جهة الشرق مع العراق،- وهنا تكمن خصوصية المسألة- والذي تربطه مع العراق أواصر تأريخية ودينية  بل و"مذهبية" لعقود طويلة من الزمان، هذا البلد يمتلك كامل الحق في تقدير ما يناسبه أو لا يناسبه من السياسات التي تتعلق بعلاقاته مع الدول ألأخرى على الصعيدين الأقليمي والدولي، كما وله كامل الحق، كدولة ذات سيادة، أن يقرر أية سياسة دفاعية يراها تتفق مع حاجاته الستراتيجية في بناء قوته العسكرية لحماية وجوده..! كما ولا جدال في أن يعقد ما تيسر له من الاتفاقيات مع أي بلد كان من أجل التزود بكل ما يساعد اهدافه في تحقيق ذلك؛ من صناعة متطورة ومن خبرة وتكنولوجية حديثة..!
 ولكن وبعد كارثة الحرب العالمية الثانية، ما عاد استخدام الدول لحقوقها المذكورة متيسراّ بهذه البساطة..! فقد جاء ميثاق ألأمم المتحدة عام 1945 مقيدا وكابحا للعديد من هذه الحقوق، بعد أن حدد المقاصد والمرامي من أستخدامها، وحددها فقط بالأستخدامات السلمية، بما يمنع من أن تستغل  بألأتجاه الذي تصبح معه أداة، تمكن الدول من أستخدامها للأغراض العدوانية، أو لبناء ترسانة مسلحة كبيرة تهدد جيرانها وتعرض ألأمن والسلم العالميين للخطر..! وقد ألزم الميثاق المذكور كافة الدول ألأعضاء بالألتزام ببنود الأتفاقيات المقررة بهذا الشأن، وفي مقدمتها " ألأتفاقية الدولية لعدم نشر ألأسلحة النووية واسلحة الدمار الشامل وأستخدامها"             
وليس من الغرابة بمكان،  أن تتعرض جميع محاولات الجمهورية ألأسلامية ألأيرانية لبناء "مفاعلاتها النووية"، وعلى الصعيد الدولي ومن خلال ( الوكالة الدولية للطاقة الذرية) التابعة للأمم المتحدة، الى ألأنتقاد والمعارضة الشديدين، حد أتخاذ  ألأعضاء الخمسة الدائمين في(مجلس ألأمن) قرارا بالطلب من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بألأعداد لتقديم "الملف النووي ألأيراني" الى مجلس ألأمن في اجتماعها اليوم الجمعة وعلى ان يطرح للمناقشة في آذار القادم أذا لم تستجد أمور أخرى..؟!
رغم النوايا المعلنة لقادة الجمهورية ألأسلامية ألآيرانية من أن الهدف من "تخصيب" اليورانيم هو للأغراض السلمية ومن أجل زيادة حجم الطاقة الكهربائية في البلاد، ألا انها عجزت عن أقناع ألرأي العام العالمي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بتلك الحجج، وقد وصلت جميع المحادثات مع الفريق ألأوروبي (الترويكا) الى طريق مسدود..!
 ومع ألأصرار المعلن من قبل الجمهورية الأيرانية وتهديدها بالقيام "وعلى شكل واسع" بتخصيب اليورانيم، وبالتحدي المعلن من قبل رئيس الجمهورية ألايرانية، بعدم ألأكتراث لما قد يترتب من نتائج على أحالة الملف ألأيراني الى مجلس ألأمن،  " وعن رفضه للضغوط الدولية على ايران فيما يتعلق بمطامحها النووية، وأصراره على أن بلاده لن تتخلى عن حقها في تطوير برنامج ذري سلمي."(1/2/2006cnn)، تصبح الشكوك حول توجه أيران لصنع "القنبلة ألأرانية" أكثر قبولا لدى أوساط واسعة من ألرأي العام العالمي، خاصة وأن الوكالة الدولية نفسها تعزز هذه الشكوك..! 

أن المهم في كل هذا هو موقف الحكومة العراقية من "الملف النووي ألأيراني" .؟! والخصوصية في هذا التساؤل تأتي،  من أن العراق بلد جار الى أيران ويرتبط معها بحدود طويلة مشتركة كما اشرنا اليه أعلاه، وهذه الرابطة والتي تبدو لأول وهلة غير ذات أهمية، الا انها على الصعيد العملي والمستقبلي، ومن وجهة نظر "السلامة العامة" على وجه الخصوص، فأن هذه الرابطة ستجعل العراق،  كبلد جار الى أيران، تحت رحمة كل أحتمالات الخطأ الفني التي "قد" تصيب المفاعلات النووية ألايرانية _لا سامح الله_ وما  "قد" ينجم من أخطار تسرب "ألاشعاعات النووية"...؟؟! هذا في حالة أفتراض أن طموح أيران في تخصيب اليورانيوم منصرف الى الأغراض السلمية...؟!  ولعل في ايراد ما نشرته وكالة ( (ccnللأخبار  في 22/11/2004 ما يدلل على مثل ذلك ألأحتمال :(( نشر علماء سويديون دراسة حديثة تبين أن 800 شخصا يعيشون في شمال السويد، ربما أصيبوا بمرض السرطان نتيجة الإشعاعات التي تسربت في تلك المنطقة، بفعل انفجار المفاعل النووي رقم 4 في منشأة نووية تابعة للاتحاد السوفيتي السابق عام 1986.))

 أما في حالة تحقق شكوك المجتمع الدولي في مصداقية ما تعلنه الجمهورية الأسلامية، وأنصرافها الى صنع "القنبلة ألذرية" وأقول أيضا _لا سامح الله_ فأن المخاطر ستكون أكبر وأعظم..؟! وسيجد العراق نفسه وكذا مجمل الدول العربية والشرق الأوسط ضمن " الدائرة النووية" من أسرائيل غربا وباكستان والهند جنوبا وايران شرقاّ .. كما وسيصبح العراق معبرا للتهديدات النووية والتهديدات المعاكسة بين أيران وأسرائيل..؟!  وتدمير أسرائيل للمفاعل النووي العراقي عام 1981أحد المؤشرات على ذلك..؟!           
   
كما ولا يمكن أغفال الأشارة الى حالة ( الملف العراقي – الأيراني) وتداعياته.وأشكالياته غير المحسومة بعد حرب دامت ثمان سنوات. السؤال هنا؛ هو أين ستكمن قوة الطرف العراقي في حالة وضع هذا الملف _ المؤجل الخوض فيه_ على الطاولة..؟؟! وهل يمكن وضع أفتراض أمتلآك أيران " للقنبلة النووية" في ألأعتبار..؟؟! وهل سيكون للمصالح دور أكبر من دور "الجورة" و"القرابة المذهبية"..؟!

  أم أن الجمهورية الأسلامية ألأيرانية تهدف – وهذا عكس ما هو معلن- من وراء تملكها للسلاح النووي _ وفقا للتكهنات الدولية، وهو أفتراض سابق لأوانه-  فقط الى خلق "حالة من التوازن المتكافيء مع جاراتها الهند والباكستان ومن ثم الصين والى مدى أبعد أسرائيل، والتي جميعها تمتلك هذا السلاح..!؟؟ وبالتالي فأن " توازن الرعب " الجديد هذا، لا يهدف ألا، للدفاع عن النفس و ضد الأرهاب..!؟ على حد زعم الجميع..!؟"   

هل وضعت الحكومة العراقية كل ذلك في الحسبان.. وهل تشاورت على الصعيد ألأقليمي، على أقل تقدير" عن تداعيات هذا الملف، مع البلدان الشقيقة ودول الجوار..خاصة وأن "الملف النووي الأسرائيلي" لا يزال يؤرق الجميع.. ؟؟  وهل حددت القوى السياسية العراقية المجتمعة ألان في بغداد للتباحث في أبعاد وطبيعة الحكومة العراقية "المنتظرة"، أقول هل وضعت هذه القوى " الملف النووي " ألأيراني في الحسبان؟ وهل رسمت موقفا موحدا من النوايا الأيرانية "المحتملة"  لتصنيع "القنبلة النووية"؟؟ أم أنها سوف ترجيء  ذلك الى حين تشكيل الحكومة الجديدة، ورمي مسؤولية ذلك على عاتقها؟؟!

 لم يسمع احد موقفا واضحا على الصعيد الرسمي أوالسياسي حول ذلك..! اللّهم ألا ما أعلنه السيد رئيس الوزراء الدكتور الجعفري؛ عن تكليفه من قبل الدول الأوروبية المعنية بالملف النووي ألأيراني ( الترويكا) بأيصال رسالة "مجرد أيصال لاغير" الى الجانب ألأيراني، دون تعليل لأسباب ذلك..؟؟!  ما يثير التساؤل هنا، هو اسباب أختيار (الترويكا) للعراق في حمل رسالتها الى أيران، في الوقت الذي تمتلك فيه هذه الدول، أفضل العلاقات مع الجمهورية الأسلامية ألأيرانية، وفي نفس الوقت الذي تجري معها الأتصالات والمحادثات المكثفة حول "ملفها النووي"؟؟!!  وهل أن العراق تؤهله ظروفه الراهنة للقيام بمثل هذه المهمة..!؟ من الصعب التكهن بأسباب ذلك..! يبدو ألأمر وكأنه "طلسم" يستعصي على الفك..!؟ ويظهر العراق وكأنه  طرف " في لعبة " الملف النووي" الأيراني،  التي " وحسب ما يعتقد" ؛  يمسك مفاتيحها  التحالف (ألأمريكي-ألأوروبي) والعراب الكبير (روسيا) واللاعب الجديد (الصين)..!!

 أن رائحة النفط تفوح من كل مكان، والدب الروسي يتمطى في غفوته، فالمجمع الصناعي العسكري، يحاول الوقوف على قدميه من جديد..!  وهاهو الرئيس (بوتين) يعيدنا بالذاكرة الى حالة  (توازن الرعب) و(سياسة سباق التسلح) ؛ وذلك في تلميحه؛  ((بأن القوات المسلحة الروسية ستمتلك قريبا أنظمة صاروخية متطورة غير متاحة لأي دولة أخرى. وقال بوتين أمام مؤتمر لكبار المسؤولين العسكريين "نقوم بأعمال البحوث والاختبارات على أحد أكثر الأنظمة الصاروخية النووية تقدما، والذي أوقن أنه سيكون متاحا للقوات المسلحة في المستقبل القريب،" نقلا عن وكالة انتر فاكس الروسية.وأكد بوتين إن الأكثر أهمية في تلك الأنظمة هو أن "القوى النووية الأخرى في العالم لن تتمكن من الحصول على مثيلاتها خلال الأعوام القادمة))- 17/11/2004. ccn,. 
وعلى صعيد التعاون الأيراني – الروسي في مجال التسلح وأرتباط ذلك بقصة "الملف النووي ألأيراني"  فقد (( أشارت وسائل الإعلام الروسية الجمعة إلى  صفقة عسكرية ستزود بمقتضاها موسكو طهران بصواريخ وأنظمة دفاعية.  ومن المتوقع أن تؤدي الصفقة، البالغ قيمتها أكثر من مليار دولار، إلى ردة فعل قوية من الولايات المتحدة.
ونقلت وكالة "إيتار تاس" و"إنترفاكس" الروسيتين عن مصادر عسكرية لم تسمها أن مسؤولين من الجانبين وقعوا الصفقة في نوفمبر/تشرين الأول الفائت لتزويد إيران بقرابة 30 من أنظمة صواريخ Tor-M1 على مدى العامين المقبل، نقلاً عن الأسوشيتد برس.  وذكرت أنترفاكس أن النظام قادر على تحديد 48 هدفاً وضرب هدفين معاً على ارتفاع 20 ألف قدم. ونفت  الوكالة الحكومية الروسية لتصدير الأسلحة "روسوبورون إيكسبورت" علمها بالصفقة، فيما لم تشر وسائل الإعلام الإيرانية إلى الصفقة البتة .. ." {CNN-6\1\2006}

وحول الصفقة قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الروسي، قسطنتين كوسافيك "أتوقع أن تؤدي الصفقة إلى ردة فعل سلبية من الغرب إلا أن اُسس الانتقاد ستكون سياسية أكثر من كونها قانونية ." {CNN-6\1\2006}
 أن ما يهم في الأمر؛ أن "الملف النووي" الأيراني مع كل ما تقدم، ليس شأنا أيرانيا كلياّ، فأبعاده وتأثيراته السياسية وألاجتماعية، تتعدى حدود الجمهورية الأيرانية..! وأن أقدام الدولة العراقية بمكوناتها السلطوية في أتخاذ موقف واضح من هذه المسألة مدفوعة بما يضمن مصالح الشعب العراقي على المدى القريب والبعيد، أنما هي مسؤولية تأريخية، ولا تمت من قريب أو بعيد الى التدخل في شؤون دولة أخرى..! ولا تسيء الى ما يربط ما بين العراق والجمهوريية الأيرانية من روابط حسن الجوار ووشائج ألأخوة والروابط الدينية والمذهبية..! كما ولا يتعارض مع مباديء القانون الدولي وألأعراف المتبعة..!

 ففي آخر تصريح له؛ ((كتب علي لاريجاني المسؤول المكلف بالملف النووي الايراني في رسالة الى محمد البرادعي "اذا احيل الملف الايراني على مجلس الامن في اي شكل من الاشكال، فانه سيتم تقليص مراقبة الانشطة النووية الايرانية من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية في شكل ملحوظ، وستستانف ايران كل انشطتها النووية المعلقة من دون اي قيود". وتهدد ايران ايضا بعدم تطبيق البروتوكول الاضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي الذي يلحظ عمليات تفتيش سريعة ومعمقة من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية)) * أيلاف- 2/2/2006
 أما الرئيس الأيراني فقد كان تمسكه بالمشروع "النووي" أكثر صلابة من السابق حيث (( اكد على  ان  بلاده  لن  تتخلى  "تحت  اي  شرط"  عن  برنامجها  النووي  وخصوصا  "تخصيب  اليورانيوم".))     *أيلاف- 2/2/2006

أن الأعلان عن موقف ثابت وواضح من "الملف النووي ألأيراني"  _ مهما كانت مقاصد هذا الملف (سلمية أو "ذرية")_ موقف يحدد المخاطر المتوقعة التي قد يتعرض لها،  ليس العراق فقط وأنما كافة دول وشعوب المنطقة جراء الأصرار على تنفيذه، أنما هو موقف تلزمه المسؤولية الوطنية لكل بلد من هذه البلدان وبالخصوص البلدان العربية، التي من خلال منظمة (الجامعة العربية) وهو أضعف ألايمان، أن تبادر الى تبني سياسة واضحة ، تعلن من خلالها ضرورة أعتبار منطقة الشرق الأوسط ، "منطقة خالية من السلاح النووي"، وان تعمل من خلال وجودها كمنظمة أقليمية على تفعيل " ألأتفاقية الدولية لحضر نشر ألأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل"  في المنطقة، وكذلك دفع مجلس ألأمن الى تبني قرار خاص بأخضاع أسرائيل الى أحكام هذه الأتفاقية.

 أما ما يقال بشأن أستخدام الطاقة النووية "للأغراض السلمية"، فأن ما تفرضه "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" من نظم وأجراءات كفيل بحل كل ألأشكالات المترتبة على ذلك، وأن كافة دول المنطقة ملزمة بكشف مؤسساتها العاملة بالطاقة النووية أمام الوكالة المذكورة...!
 أن الهدف من كل ذلك هو تجنيب العالم خطر كارثة نووية محتملة، سواء عن طريق الخطأ، أو عن طريق أستخدام تلك الطاقة لأغراض العدوان أو التهديد بالعدوان..!
ولعله من المفيد في نهاية المقال: ألأشارة هنا بأن " الوكالة الدولية للطاقة النووية" قد أحالت صباح اليوم السبت "الملف النووي ألأيراني" الىمجلس ألأمن ، بعد التصويت على هذا القرار بأغلبية 27 صوتا ورفض كل من سوريا وفنزويلا وكوبا. مع امتناع كل من الجزائر وليبيا وأندنوسيا وجنوب أفريقيا وبيلاروسيا عن التصويت..!  وتضمنت مسودة القرار المعدلة المكونة من صفحتين ونصف الصفحة فقرة جديدة أدخلت بناءً على طلب مصر تقول "الاعتراف بأن حل القضية الإيرانية سيساهم في جهود الحد من نشر أسلحة الدمار الشامل دولياً ولتحقيق أهداف خلو الشرق الأوسط من أسلحة دمار شامل."*
 
4/2/ 2006[/b] [/size] [/font] 

419
الارهاب..تلك ألالة العمياء...!!
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com

       لم يعد مصطلح "الارهاب" يعبر عن معناه الذي استخدم فيه لغويا، بما يعنيه تحديدا بمعنى؛ الرعب أو الأخافة، أي بما لا ينصرف في الأساس الى الفعل المادي البحت..! ولعل ما اجمع عليه المفسرون والفقهاء الاسلاميون من معنى لهذا المصطلح ما يغني عن الافاضة..!  فورود مفردة (الارهاب) في القرآن الكريم في قوله تعالى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن  رباط الخيل ، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ،لا تعلمونهم الله يعلمهم.))"سورة الانفال. أنما ينصرف الى اخافة العدو ، وزرع الرعب في نفسه، من خلال اظهار الاستعداد القتالي ، وليس القتال نفسه أو العنف بحد ذاته..!

لقد أكتسبت جملة الأفعال المطبوعة بطابع العنف،  والموجهة ضد المدنيين -على مختلف مشاربهم أوالملكية الخاصة او العامة،  والتي تسبب الأذى والأضرار بألأفراد أو الأطيان، اكتسبت صفة "الأرهاب" لا طبقا لما يعنيه مفهوم الارهاب لغويا، بل تعداه ذلك  الى الافعال المتسمة في جوهرها بالعنف المادي في صيغته الملموسة..!  فألأرهاب بمفهومه الحديث يتعدى ما تعارف عليه بالرعب أو التخويف، وأصبحت هذه المسميات أحد نتائج العنف بشكله المادي المألوف.
العنف بشكله المادي وعلى مر السنين، أخذ مسارا تصاعديا في جسامته وأهدافه ومدياته ووسائله..! فبألأضافة الى العنف الذي يطول ألأفراد لأهداف شخصية بحت، أصبح العنف يستهدف أهدافا يغلب عليها الطابع السياسي أو يقصد منها ألأنتقام. وأصبح مصطلح "ألأرهاب" في يومنا الحالي اكثر شمولية ، وأغراضه لا تعرف الحدود..! ومجالات أستخدامه أوسع من أن تطال ..! أما اشكاله فتستعصي على أن تحصى.. لدرجة بات معها ، تفجير الشخص لنفسه بحزام ناسف، واحدا من تلك الأشكال، طالما يؤدي ذلك الى نفس الغرض الذي يهدف اليه صاحبه أو الجماعة التي يدور في فلكها..!؟ وحيث أن ما ينتج جراء ذلك يمتد بآثاره بعيدا  ليشمل ليس  فقط من أرتكبه بل دائرة واسعة من المتضررين..!؟ 

لقد برزت ظاهرة ألأغتيال السياسي _ وهي فعل مادي بشكله، أرعابي في محتواه _ منذ القدم، ولعل في التأريخ المدون للمجتمع الأنساني ، ما يسجل عن استشراء هذه الظا هرة منذ القرن الاول الميلادي وأرتبطت في دوافعها الى حالة" التعصب الديني أو الطائفي"، كما هو الحال في (( اليهود المتعصبين الذين كانوا يلجأون الى قتل أولئك المتعاونين مع الرومان من أبناء طائفتهم.. بقصد ترويعهم، أو في حالة طائفة من المتعصبين من المنسوبين الى أحدى الفرق الشيعية ( الأسماعيلية)، وهم المعروفون ب"النزارية- بني صباح" في القرنين الحادي عشر، والثاي عشر، حيث كانوا يغتالون المعارضين لطائفتهم من خلال شن الحملات الأنتحارية،وقد عرفوا فيما بعد بجماعة " الحشاشين" حتى تم القضاء على آخر تنظيماتهم في الشام من قبل االمماليك على يد قائدهم الظاهر بيبرس، عام 1270 ))*

أما في العصور الحديثة، وبعد أن أكتسبت ظاهرة "الأستعمار" وأستعباد الشعوب، ، وما يدعى الان ب"العولمة" طابعا شموليا ،  فقد أخذ "اللجوء للعنف" أبعادا أوسع من حيث الدوافع وألاسباب..! لقد  فسرت الكثير من أعمال العنف بما فيها ألاعمال ذات الطابع التدميري الشامل- الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة- بأنها ذات مشروعية أخلاقية ..؟! لأنها تستهدف المستعمر المحتل لأراضي الغير..!؟ وكذلك فسرت ما تقوم به بعض الفصائل الفلسطينية من استخدام العنف ضد الاحتلال السرائيلي، بما فيه الهجمات الأنتحارية، بأنها تكتسب شرعيتها لكونها موجهة ضد المحتل ، وأنها مجرد أعمال مقاومة لأجبار المحتل على ألانسحاب، وكذلك هو الحال بالنسبة للأعمال المسلحة ضد القوات العسكرية الأمريكية وحلفائها الموجودة ألان  في العراق – رغم أختلاف وجهات النظر حول أسباب تواجدها- ..!   

أن أعمال العنف آنفة الذكر، من وجهة نظر من توجه ضدهم تلك الأفعال،  فأنها تقع تحت طائلة مفهوم " ألارهاب"، حيث أكتسب هذا المفهوم هو الآخر طابعا شموليا، واستنادا للأتفاقية العربية لمكافحة الأرهاب  1998 فقد عرفت الارهاب بأنه ((كل فعل من افعال العنف او التهديد به اياً كانت بواعثه او اغراضه يقع تنفيذاً لمشروع اجرامي فردي او جماعي يهدف الى القاء الرعب بين الناس او ترويعهم بايذائهم او تعريض حياتهم وحيرتهم للخطر او الحاق الضرر بالبيئة او بالمرافق والاملاك العامة او الخاصة او الاستيلاء عليها او تعريض احد الموارد الوطنية للخطر)) وعرفت الجريمة الارهابية (( بأنها اية جريمة او مشروع فيها يرتكب تنفيذاً لغرض ارهابي وحدد عدداً من الجرائم الواردة في الاتفاقات الدولية واعتبرها جرائم ارهابية منها اتفاقيات مكافحة الاستيلاء على الطائرات وسلامة الطيران المدني ومعاقبة الافعال ضد الاشخاص المشمولين بالحماية الدولية واختطاف واحتجاز الرهائن ولم يعتبر هذه الجرائم من الجرائم السياسية ولو كانت بدافع سياسي واعتبر من ذلك القتل العمد المصحوب باكراه ضد الافراد والسلطات او وسائل النقل والمواصلات واعمال التخريب والاتلاف للممتلكات العامة والخاصة.))**

أنه  وطبقا لهذا التعريف،  يصبح من المسلمات البديهية نبذ أي أعمال عنف تقع تحت طائلة هذا التفسير، حتى وأن كانت ذات مقاصد سياسية..!  فألارهاب اليوم  ومن الناحية الشكلية ، أصبح مفهوما عاما يغطي مساحة جد شاسعة من أنواع واشكال الاعمال المتسمة بالعنف، بل وأصبح من المسلم به - طبقا للولايات المتحدة الامريكية- على وجه الخصوص، بأن "الارهاب" عدو دولي يجب القضاء عليه وأستئصاله، وبهذا التفسير تعطي الولايات المتحدة لنفسها الحق في غزو أي بلد تعتقد "هي" بأنه يحتضن "الارهاب" أو يمارسه..!؟ حتى أصبح من المتعذر معه التفريق بين ما هو "أرهاب"،  طبقا لما هو موضح أعلاه، وبين أعمال المقاومة ضد المحتل التي أقرها ميثاق "الأمم المتحدة"،  خاصة عندما تتداخل الحالتان في حيز واحد، كما هي حالة العراق..!؟ حيث الصورة أكثر ضبابية، والفعل الارهابي  طاغ في كل مكان..!؟

أما الصورة الثانية للارهاب فهي صورة أرهاب الدولة، التي تتعدى أحيانا حدود واجباتها في حفظ الامن وحماية المواطنين، لتصبح مجرد أرهاب مسلط على رقاب الناس..!؟ ولعل من نافل القول الاشارة الى ما تمارسه سلطات الاحتلال ،في جميع البلدان التي تتعرض الى الاحتلال، من ارهاب غاشم ضد المواطنين، بما فيه استخدام الطائرات الحربية، تحت حجة "مكافحة الارهاب"..!؟

وفي دوامة الارهاب التي تعصف بالعراق اليوم ، يتصدر أرهاب "الطائفة" كأسوء اشكال الارهاب التي توجه ضد المواطنين من الطوائف الأخرى..!

أن ما تعرضت له الطائفة المسيحية في العراق يوم 29/1/2006، ((- حيث استهدفت عدة اماكن للعبادة من الكنائس المسيحية، الى محاولة تفجيرها ، وأزهاق أرواح أكثر من عشرين مواطنا جراء التفجيرات- ))،  يلقي بظلاله القاتمة على ما يدور في الساحة السياسية.. ..؟؟!  أن ذلك، وبلا أدنى تأجيل، يدعو الى الادانة والاستنكار من قبل الجميع وفي مقدمتهم الحكومة ورجال السياسة والدين وكل الذين تهمهم مصلحة العراق الوطنية، وشجب كل ما يمت بصلة الى "التعصب الطائفي" من أي جهة جاء..!؟

أن التماسك واللحمة الوطنية بين كافة طوائف المجتمع هو السلاح الكفيل بمكافحة الارهاب وكشف زيف مقاصده وغاياته..!  فالفعل الذي يستهدف تمزيق أوصال المجتمع أنما هو عمل أرهابي مهما كانت الجهة التي تقف ورائه، دينية كانت أم سياسية..!؟  فألارهاب هو تلك الالة العمياء..!؟

* انسكلوبيديا : ويكبيديا
** جريدة الصباح : الارهاب بين قرار مجلس اللأمن ومكافحته في قانون الجمعية الوطنية الجديد[/b][/size][/font]

420
باقر الفضلي
bsa.2005@hotmail.com


في حمى الاتصالات  واللقاءات الساخنة، التي تجري الآن  على قدم وساق، بين جميع اطراف العملية  السياسية العراقية الرئيسية، وبالذات النخب السياسية الفائزة بالأنتخابات، للتداول في أمر تحديد شكل وطبيعة " الحكومة" المقبلة   للسنوات الاربع القادمة؛ في مثل هذا الجو الصاخب،  المشحون بالمفاجئات من كل لون؛  أعلن رئيس قائمة (ألأئتلاف الموحد) سماحة السيد عبد العزيز الحكيم ؛ مؤكدا  تمسك قائمته بنفس "الثوابت" التي اشرت اليها في مقالة سابقة، تحت عنوان ( رباعية الثوابت والمخاض المرتقب ) حيث تناولت في تلك المقالة تداعيات هذه الثوابت على مسيرة العملية السياسية لبناء "العراق الجديد" ، كما وحذرت وغيري كثيرون ، بما فيهم أطراف فاعلين في هذه العملية، من مغبة أن تتحول أو تصبح هذه "الثوابت" مجرد عوائق في الطريق للوصول للهدف المنشود في بناء (حكومة المرحلة الراهنة)..!  أذا ما استخدمت كشروط  أذعانية لقبول مشاركة الطرف الاخر في تشكيل هذه الحكومة..!؟
رغم أن هذه الثوابت،  والتي هي حصرا من بديهيات، ما  تناوله الدستور الذي أقر من خلال الأستفتاء العام ، فأن التمسك بها بهذه الطريقة المشروطية، لا يعدو الا  أن  يعبر عن حالة من التخندق وراء هذه  "الثوابت" على حساب أمور هي غاية في ألأهمية على الصعيد الوطني في المرحلة الراهنة.. رغم ما لهذه الثوابت من مغزى على المدى اللاحق من العملية السياسية..! ومع ذلك يمكن التوقف أمام "الثوابت" المذكورة ، بما يعزز الرأي الذي أتينا عليه..!
•   ما يتعلق برفض الارهاب، وأجتثاث البعث: لقد كرست الفقرة الاولى من المادة السابعة من الباب الاول –المباديء الاساسية-  من الدستور ، نصا خاصا يتعلق بالارهاب والعنصرية وعلى الوجه التالي: " أولا: يحضر كل كيان أو نهج  يتبنى العنصرية أو ألارهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له. وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه زتحت أي مسمى كان، ولا يكون ذلك ضمن التعددية السياسيو في العراق، وينظم ذلك بقانون.
•   ثانيا: تلتزم الدولة محاربة ألارهاب بجميع أشكاله، وتعمل على حماية أراضيها من أن تكون مقراّ  أ و ممراّ أ و ساحة لنشاطه.
•   ما يتعلق بقيام الاقاليم:  لقد كرست المواد (113- 118 ( من الباب الخامس /سلطات الاقاليم/ الفصل الاول. كافة النصوص المتعلقة بقيام الاقاليم. فمثلا ّ نصت المادة ( 113) على ما يلي: "يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وأدارات محلية.
•   ما يتعلق بعدم المساس بجوهر  الدستور :  فهي غير واضحة وتتسم بالعمومية . فأن كان يراد بها عدم اجراء أي تغيير في مواد  الدستور، فهذا يتعارض مع أحكام الباب السادس/ الفصل الاول/ احكام ختامية/ المادة (123) الفقرة/ أولا ، التي نصت على دستورية حق التعديل وفقا للاحكام الواردة في نص هذه المادة.

نخلص مما تقدم، الى أن أصرار قائمة (ألأئتلاف الموحد)،  على  أعتبار هذه (النصوص) الدستورية ؛  بمثابة شروط  للتفاوض حول المشاركة بالحكومة القادمة،  يفقد معناه منطقيا ؛  حيث ان جميع الاطراف التي شاركت في العملية السياسية،هي نفسها الاخرى،  قد شاركت في الاستفتاء على (الدستور) رغم تحفضاتها المعلنة على بعض بنوده..  كما وان الدستور نفسه قد ضمن لها  الحق في اجراء التعديلات على النصوص التي لم تحضى بالاجماع. وهذا ما تم الاتفاق عليه في اللحظات الاخيرة من قبل جميع أطراف العملية السياسية، قبل طرح مسودة الدستور للأستفتاء..! وبالتالي فما المغزى من الطلب الى الاطراف الاخرى،وهي _  المدعوة للمشاركة في تشكيل "حكومة المشاركة" كما سمتها قائمة (ألأئتلاف) ، أن تعلن عن موقفها من ما تسميه  القائمة "بالثوابت"..؟!  خاصة وأن هذه "الثوابت " هي نفسها تمثل؛  تلك البنود التي جرى بصددها الاختلاف بين قائمة (الأئتلاف) وبقية القوائم الأخرى، الامر الذي يلقي ظلالاّ  من الشك والريبة على  الأهداف المتوخاة من وراء ذلك..؟؟!   ولا اظن ان قائمة (الأئتلاف الموحد) في سعيها هذا ، تهدف الى  استحصال صك من الاطراف الاخرى؛ بالاقرار مقدماّ عن تنازلها في  أجراء أي تعديل على الدستور ..! ونأمل أن يكون لهذا الظن ما يدعمه على أرض الواقع.. !

أن مستحقات "المرحلة الراهنة" هي غاية في التعقيد..!  وتتجاوز في أهميتها وخطورتها فوق ما  لنتائج "صناديق الاقتراع " من اهمية  بالغة، في حياة الشعوب ..!؟  كما  وان الاستحقاقات الانتخابية ، مهما بلغت من شان ، فلا أظن أن هناك من يختلف على ،( استعصاء الحالة التي تمر بها البلاد على الحل)،  فأن هذه الاستحقاقات وحدها غير كفيلة بذلك..!   كما ولا اظن ان طرفاّ  بمفرده قادر على مواجهة  متطلبات الحل مهما أوتي من جماهيرية أو غلبة..!؟  أما استحقاقات  الاحزاب وجميع الاطراف السياسية مجتمعة ، فليست لها الاولوية على استحقاقات الوطن الذي (محنته) أكبر من أي مستحق آخر..! خاصة وان جميع الاطراف السياسية ، بما فيها (قائمة الأئتلاف) تقر بذلك..!

لقد أكدت مسيرة السنوات الثلاث المنصرمة، وبما لا يقبل الشك أو التأويل ، أكدت الفشل الذريع الذي منيت به كافة الحكومات الثلاث التي تسنمت دفة أدارة الحكم في العراق،  أبتداءّ  من مجلس الحكم وأنتهاء بالحكومة الحالية، في معالجة الحالة المأساوية التي وصلت اليها أوضاع البلاد في ظل الاحتلال..!؟  وان ما تدعيه: ( بأنها قد حققت الكثير من "النجاحات" على المستوى" الديمقراطي"، حيث تمكنت من أتمام ثلاث عمليات أنتخابية _ بضمنها الاستفتاء على الدستور_ ) فهي ليست  الا عملية شكلية،  اذا ما قورنت  بعمق ألأزمة التي تعيشها البلاد وأستمرار تفاقمها...!؟  ولا تعطي انعكاسا حقيقياّ  عن توجه جاد نحو  تخليص العراق من براثن ما هو فيه، بقدر ما تعكس من تهافت على حصحصة كل شيء، ومن خلال نفس العملية المذكورة_النجاحات_ للوصول الى الحصة الأكبر..!   
 
 أن الحكومات الثلاث بما فيها الاخيرة المنتخبة، لم تكن تمتلك هدفا محددا تسعى نحوه..! بل ولا حتى برنامجا واضح المعالم تحتكم اليه..!  وقد تذرعت جميعها  " بقصر المدة، وبالارهاب والتخريب ، وبتركة الديكتاتورية، مما قد حال بينها وبين أنجاز مهامها، حسب مما تدعيه..!؟"   في الوقت الذي لا تمثل فيه هذه "المعوقات" الا احد مظاهر الازمة ونتيجة من نتائج الاحتلال..!!  ومن الجانب الثاني فأن كافة القوى السياسية التي ساهمت في "العملية السياسية" منذ بدايتها،  لم تعر بالاّ  لما سوف  تؤول اليه الاوضاع فيما بعد..!   ولم تأخذ بالحسبان،  النتائج التي تحملها  معها تلك العملية..!!؟
لقد أنشغل الجميع في ترتيب البيت الداخلي لكل منهم، وشكلت الحكومات على أساس من  التراض والمحاصصة في توزيع المناصب الوزارية، وتم حسم معركة الانتخابات وفق تصورات مصالح كل بيت،  الآنية منها والمستقبلية ..! ولم تندفع أغلبيتها ألا لتدعيم مواقعها على الارض، وبناء عساكرها الخاصة من "المليشيات" المسلحة..! وتعزيز مواقعها في السلطة، بأنصارها وذويها من أقارب ومحسوبين، حتى باتت كل وزارة على سبيل المثال ، تحمل لون وزيرها..!! أو بمعنى آخر لون كيانه السياسي ، وبصورة أكثر دقة،  لون "طائفته"  أو حتى "مذهبه"، حتى نسي الجميع مستحقات الوطن، وأولويات الخروج من ألأزمة..!!  فرمي الحبل على الغارب، وأختلط الحابل بالنابل، والمواطن غارق في بؤسه حتى أذنيه..!!؟

أن حقيقة ما عليه الواقع الراهن في البلاد؛  (من خراب أقتصادي، وتمزق مذهبي طائفي، وفلتان أمني، وأرهاب يحرق بناره الأخضر واليابس، ونهب للثروات العامة، وفساد وأفساد أداري، وفوضى تضرب بأطنابها كل شيء، وأمن وأمان مفقود، وأنحسار في الخدمات،  وتغييب للقوانين ،  وأنتهاك للسيادة..) كلها  مظاهر متداخلة، متشابكة؛ اسباباّ ونتائج، لأزمة العراق المرتهن،؛  بماءه ونفطه، بموقعه وشعبه...!!؟   هذه الحقيقة التي لا ينكرها الا أولئك الذين أغمضوا أعينهم عن كل شيء، ألا  عن  مصالحهم الخاصة ومآربهم الشخصية، فتلك من أولويات ما يطرحون..؟! هذه الحقيقة تضع اليوم على  عاتق كل الكيانات  السياسية مجتمعة؛  وخاصة تلك التي تبنت وأخذت على عاتقها، وشاركت متحمسة في " العملية السياسية"، مسؤولية أخراج الوطن من محنته الحالية، وأن تثبت بالعمل وليس بالقول والادعاء، بانها جادة حقا   في  أيجاد السبل للخروج من الازمة..!
وما تعلنه قائمة (الائتلاف) من دعوة الى تشكيل " حكومة المشاركة" أنما هي في  مقياس "التمنيات " تعتبر خطوة أيجابية ، أذا ما تجردت من القيود المفروضة عليها..!   ألا انها في مقياس " الطموحات" للخروج من واقع الازمة، فأنها تعتبر قاصرة عن بلوغ الغاية التي يفرضها الواقع وتستلزمها  آفاق المستقبل لبناء عراق حر ديمقراطي ، فالمشاركة  المبنية على  اساس الاغلبية البرلمانية ، لا تلبي مستحقات الخروج بحلول مقنعة لكل الاطراف من واقع الازمة الحالية، والتي  هي في الحقيقة،  اقرب في وصفها الى أزمة حرب منها الى أزمة أجتماعية أقتصادية..!   حيث أن برنامج مثل هذه الحكومة  سيكون معبرا فقط عن ما تعتقده هذه الاغلبية  بأنه البرنامج المناسب والذي تدعو الاخرين للمشاركة في تنفيذه في أطار الحكومة التي تشكلها.. !

أن تعقيدات الوضع العراقي  بكل ما فيه من مخاطر على مستقبل العراق ووحدته، على الصعيد الوطني والاقليمي والدولي ، لا اظنها،  وحتى في أحسن الاحوال ، تعطي فرصة جيدة لأي حكومة مهما كانت ، حتى وأن كانت حكومة للأغلبية؛ أن تأخذ على عاتقها وحدها أو حتى بالمشاركة مع من يسندها ، مسؤولية مثل هذه المهمة الصعبة والمعقدة غاية التعقيد؛ لتشعب ابعادها على كافة المستويات، الداخلية والخارجية، من جهة، ومن جهة أخرى، فأن أولويات هذه المهمة غاية في التشابك والتداخل، وتستدعي جهود كافة الاطراف السياسية وحتى الاجتماعية بمختلف أطيافها لتحمل مثل هذه المسؤولية..!

أن البديل الاخر، والمطروح من قبل اطراف سياسية اخرى، حول تشكيل حكومة خارج أطار الاغلبية البرلمانية، والموسوم بحكومة ( الوحدةالوطنية)، وأحيانا يدعى بحكومة " أنقاذ وطني" ، فأنه ألاخر ،يبقى مدعاة للشك والريبة، _رغم كونه أكثر ملائمة من حيث الشكل ، على أقل تقدير، مع مستحقات الخروج من الازمة،_ أذا ما أفتقر الى برنامج واضح يتضمن  كافة  اولويات الحل ، وأذا ما بني على أسس من المحاصصة بين اطراف معينة من مكونات العملية السياسية...! أو بمعنى آخر أذا كان شكلا بدون محتوى..؟!

أن صياغة (برنامج) عام شامل للوحدة الوطنية ، يعكس في مضامينه كل أبعاد الازمة الراهنة، وعلى كافة المستويات، ليصبح بمثابة (عهد) أو (ميثاق) للوحدة الوطنية، هو وحده كفيل بتشكيل حكومة (للوحدة الوطنية) ..!  ولكن صياغة برنامج مثل هذا على الصعيد العملي ، هي الأخرى مهمة غاية في الصعوبة، ومتطلبات أخراجه للوجود، تبدو وكأنها من المستحيلات في ظل الواقع السياسي الراهن..! طالما أن ألأغلبية من الاطراف السياسية،  ورغم أقرارها بحقيقة الازمة الخانقة،   تنظر للأمر من زاوية المكاسب المستحصل عليها من نتائج الانتخابات، لا من زاوية أستحقاقات الخروج من ألازمة..؟! وقد أكدت تداعيات عملية الانتخاب ذلك التوجس..!

فهل يا ترى سيتوصل قادة الفصائل السياسية من القوائم الانتخابية التي فازت في الأنتخابات الاخيرة في لقاءاتهم الجارية الآن، الى ادراك هذه الحقيقة وينجحوا في تشكيل حكومة (الوحدة الوطنية) المنشودة..؟! هل سيتمكنوا من تشكيل حكومة (الضرورة الوطنية) المبنية على أساس برنامج اولويات حل الازمة..؟؟  هل فعلا هم قادرون على تجاوز مصالحهم الحزبية أو الطائفية او القومية الضيقة ، ويضعوا في اساس مناقشاتهم، مصلحة الوطن والمواطن قبل أي مصلحة أخرى..؟؟
 أن حقيقة الواقع الراهن التي اشرت اليها في، أعلاه تتضمن بين اسطرها، وبشكل أجمالي ، مقومات الاولويات التي تستدعي  وقفةّ  صادقة من الجميع..!!  أن أرهاصات الايام القادمة كفيلة بألأجابة على هذه التساؤلات..؟؟!  فهل سيكتب مثل هذا( الميثاق)، وهل ستكون اسسه ومقوماته ، معبرة عن اولويات حل الازمة، أم أنه سيحشر بالعبارات الرنانة ، كما حشرت من قبل مسودة الدستور..؟؟!  أم أنه  لا يعدو الا  مجرد بيان يمهد الى ظهور حكومة " الألوان القوسقزحية"....؟؟!   الله  جل جلاله وحده  من يعلم الغيب..!!

421
السادة اعضاء هيئة التحرير المحترمين

تحية طيبة

أتقدم بخالص الشكر والتقدير لنشركم مقالتي الاولى، متمنيا لكم النجاح والتوفيق في أعلاء صوت الكلمة الحرة ، وتعزيز دور الأي والرأي الاخر. كما اتقدم بجزيل الشكر لاعتباري احد  الاعضاء المشاركين في المنتدى.

أرفق طيا نص مقالة جديدة بعنوان ( قناة الفيحاء ليست أستثناء ) آمل نشرها مع الشكر والتقدير

باقر الفضلي

bsa.2005@hotmail.com


422
ألقضاة لا يكذبون...!
تداعيات استقالة القاضي رزكار محمد امين..!!
باقر الفضلي
baker2005@maktoob.com

قد يبدو ذلك من نافل القول، فأن القضاة لا يكذبون ..!  فأن كذب القضاة  زهق الحق، وعلا الباطل..!!؟   وقصة العراق مع القضاء أكبر من أن تتناولها مقالة بهذا الحجم..! ومنذ أن ابتدأت هذه القصة منذ حمورابي ومسلته المشهورة، ومرورا بالتراث القضائي والفقهي الاسلامي، وعمالقته الكبار، مثل قضاء الصحابة- الخلفاء الراشدين- ومن بعد، أعلامه النوابغ، امثال، قاضي القضاة- ابي يوسف- والقاضي التنوخي  وأبي حنيفة  وغيرهم وغيرهم الكثير من القضاة حتى عصرنا الحديث، فأن النظام القضائي في العراق،  العريق- في مسيرة الحضارة- ظل دائما، نبراسا للأخلاص والنزاهة واحقاق الحق، وأزهاق الباطل..!!
ولأن اعترى تاريخ مسيرتة المشرفة، بعضاّ من التجاوز عليه وانتهاك قيمه وأعرافه، و تطاول  الحكام على مقدساته، وتسخيره لخدمة مآرب السلطان،  والنخب الحاكمة، والاعتداء على حرمة استقلاليته ونزاهته، وحتى تلويث صفحته الناصعة، بأغراقه بنكرات مسخ من زبانية لا يسبحون الا بحمد الاسياد ، ولا تربطهم بمهنة القضاء صلة، عدا ما يمليء بطونهم من السحت الحرام ...!
فهؤلاء ومهما بلغوا فأنهم لا يشكلون الا نسبة تافهة في عداد هذا الخضم العظيم من ابناءه البررة الافاضل على مر العصور..!   
رغم كل ذلك بقت مؤسسة القضاء الأمل الكبير لدى المواطن العراقي، ألأمل الذي يجد فيه  ضالته  في البحث عن العدل بعيدا عن تسلط  الحكام...!

لقد كانت سمعة القضاء العراقي دوما من سمعة رجاله، تلك السمعة التي جسدها قضاته بالافعال وبالمواقف المشرفة خلال حياتهم القضائية وعلى مر العصور..! ولعل في المثل الذي أسوقه ما يعبر عن احترام القاضي العراقي لشرف مهنته وقدسيتها ورفضه السماح لاي كان ومهما بلغت مرتبته في السلطة النيل من هذه القدسية بأي شكل كان..!
(( لقد حصل يوما ان تم تعيين احد القضاة العراقيين قاضياّ في قضاء "الشطرة" من محافظة الناصرية، وربما كان ذلك في الاربعينات او الخمسينات من القرن الماضي- لا تسعفني الذاكرة في تذكر الاسم- ، وبعد ان أنتقل القاضي المذكور من مكانه الموجود فيه الى مدينة "الشطرة" وطبقا للعرف الاداري القائم آنذاك، قدم قائمة " بالنفقات" وهي عبارة عن تكاليف الانتقال الى موقعه الجديد، وارسل القائمة الى مديرية الحسابات لدى وزارة العدل في بغداد، بهدف صرفها. فما كانت النتيجة..!؟؟
لقد أعادت الوزارة القائمة المذكورة الى القاضي، بعد أن حسمت وغيرت في مفرداتها...!  وهذا ما دفع القاضي المذكور الى؛ أستنكار تلك الفعلة من قبل الوزارة، وحزم أمتعته مجددا عائدا الى مكانه الاول، بعد أن أبرق الى وزارة العدل، مبلغا أياها "بألاستقالة"..رادا لها الصاع صاعين.. بقوله في البرقية:
"بأن القضاة لا يكذبون..!! 
لقد كان لهذه الحادثة وقع مثير في أوساط وزارة العدل، مما اضطر معه الوزير ومجلس القضاء التدخل لعلاج الأزمة، التي أنتهت بألاعتذار للقاضي ومحاسبة المسؤولين عن المساس بصدقيته.     

هذا مجرد مثل واحد على نزاهة القاضي العراقي، واعتداده بأخلاصه لشرف هذه المهنة المقدسة، ورفضه ان يطعن بهذا الاخلاص ..!    ومثل آخر أسوقه عن نقاء  سمعة القضاء العراقي واستقلاليته، جسده أحد قضاة  " محكمة التمييز " وهي -اعلى هيئة قضائية-؛ حينما رفض الاستمرار في العمل المنتدب اليه، كمستشار قانوني لرئيس الجمهورية "احمد حسن البكر" بعد عام 1968  بعد ان لاحظ بأن توجهات وأغراض الحاكم تتعارض مع مبادئه كقاض ، فقدم استقالته من المنصب المذكور، ولم يرضخ لأي ضغوط أو أغراءات..!! رافضا المنصب بكل امتيازاته وأغراءاته.
 
ذلك هو ديدن القضاء العراقي عبر العصور..! كما هو ديدن قضاته..! وفي هذين المثلين فقط، وليس غير، تتجلى تلك الصورة المشرقة لهذه المؤسسة المستقلة..!

وليس غريبا، أن من يكون قد عاش في ظل هذه المؤسسة، واستلهم مبادئها وتنور في ظل تجربتها وتخلق بأخلاقها، وسبر تأريخها الساطع بالعبر والدروس الغنية بالمعرفة والحكمة، والشجاعة..! ليس غريبا على شحص مثل هذا، ان يقف هذا الموقف الشجاع، ويعلن بكل جرأة وأقدام، تقديم أستقالته من منصب رئيس (المحكمة الجنائية الخاصة) بمحاكمة رموز النظام السابق، رموز الديكتاتورية البغيضة،  لا لشيء ما،  ألا لرفضه تدخل السلطات الحكومية والمؤسسات السياسية- وهذا ما رددته وسائل الاعلام-   في شؤون المحاكمة وصلاحياتة كقاض..!؟
وأنه لمن المؤسف ان تتعرض قدسية وطهارة هذه المؤسسة الحيادية، والتي تمثل احدى واجهات السيادة العراقية الى ذلك التدخل الفض الذي لحقها من قبل الحاكم المدني الامريكي سيء الصيت "بريمر"

لقد جسد القاضي (رزكار محمد أمين) بموقفه الجريء هذا، كل ما يعنيه مبدأ  أستقلالية القضاء من معنى، غير مبال بكل الضغوط التي مورست ضد ادارته لجلسات المحاكمة، من اي جهة كانت، واثبت أنه لم يخضع لأبتزاز الحملات الاعلامية وتخرصات الفضائيات وأنتقادات المنتقدين...! 
لقد كان القاضي (رزكار محمد أمين)، مثالاّ  للقاضي الذي (لا يحكم بعلمه) ولا يدير اجراءات المحاكمة حسب ( أهوائه..أو أنفعالاته..!)  لم يفزعه من وقف امامه قي قاعة المحاكمة، من المتهمين، ولم يهزه زعيق المحتجين..!

لقد وضع موقف القاضي الفاضل (رزكار محمد أمين) في رفضه العدول عن الاستقالة، وضع هذا الموقف، السلطات الحكومية في وضع لا تحسد عليه، حيث لزمت الصمت، ولم تبد اي تعليق على ذلك..! حتى ان السيد رئيس الجمهورية، الاستاذ جلال الطالباني حينما سؤل بتاريخ 18/1/2005 عن اسباب الاستقالة ، اجاب بانه يجهل السبب..؟؟!
أنه ووفقا لنصوص الدستور، فأن القضاء مستقل ولا يحق لأي كان التدخل في شؤونه. وبناء على ذلك فان كانت الاسباب التي تقف وراء استقالة القاضي الفاضل (رزكار محمد أمين) تدخل في معنى ممارسة الضغوط عليه لحرفه عن أداء واجبه الشرعي؛  من خلال توجيهه نحو وجهة معينة، أو حشره في حلبة المماحكات والصراعات السياسية، أو استمالته نحو طرف معين بالذات، وغيرها من أنواع الضغوط الاخرى.. - وهذا ما يشاع في وسائل الاعلام-  فأن ذلك يشكل خرقا فضا للدستور يستوجب التوقف عنده، ومسائلة الذين يقفون ورائه، وتلك هي مسؤولية السلطات العليا من برلمان ورئاسة الجمهورية ومجلس القضاء..! ومن غير المناسب أهمال حدث بهذا المستوى، والسكوت عليه، وكأن لم يحدث شيء..!؟؟
وبعيدا عن كل ما يمت بصلة لظروف تشكيل المحكمة الجنائية من حيث شرعيتها أو عدمه، وحتى من حيث طبيعة الظروف التي نسب بسببها القاضي الفاضل لهذه المهمة؛  فليس من باب الكفاية أن يعلن فقط:      ( بأن أسباب الاستقالة كانت "شخصية"..!؟) 
وحتى أن كان الامر كذلك- وهذا موضع شك-، فأنه ولأهمية هذه المحاكمة ولكونها تحضى بأهتمام الشعب باجمعه، فأنه يصبح من البديهيات، أن يعلن القاضي الفاضل (رزكار محمد أمين) شخصيا، موضحا موقفه من كل ما حصل، وعدم الاكتفاء باللقاءات التي تجري فيما وراء الكواليس..!  اذا ما اريد بناء الديمقراطية كنقيض للدكتاتورية. تلك الديمقراطية التي في محتواها ما هي الا مبدأ "الفصل بين السلطات"، مع "الاستقلالية" التامة للسلطة القضائية..!  فهل  هذا حاصل في "العراق الجديد" ..!؟؟    "...ولكن ليطمأن قلبي.!"

أما أجهزة الاعلام الموقرة، وخصوصا الصحافة المقرؤة والمرئية ومنها الفضائيات، فتبدو الصورة أكتر عتامة مما يعتقد، ويبدو أن الامر يحتاج الى الكثير من الوقت حتى يصبح بالامكان التمييز بين ما هو جائز قانونا وبين مالا يجوز..! للاعلام ان يقول ما يشاء فتلك هي حرية ابداء الرأي..
ولكن أن يذهب الامر حد تجريح القضاة او السماح بالتدخل في طرق ادائهم وادارتهم للمرافعات، أو حد ممارسة الضغط عليهم في استعجال اصدار الاحكام والايحاء بطبيعتها..!  فلا أظن ان في ذلك ما يتوائم مع حرفية مهنة الصحافة ولا يستقيم مع أحترام مبدأ أستقلالية القضاء.. ...!! مثله مثل القول؛ بمشروعية ألأخذ "بصناديق الاستفتاء" في اصدار الأحكام وتنفيذها، فهو الآخر شيء لا يستقيم مع مباديء العدالة.؟؟  وغني عن البيان، القضاء الذي حكم به الأمام علي بن ابي طالب (ع)، في حق غادره "ابن ملجم" ، حين حال بين الحسن والحسين (ع) من ان يقتصا من "غادره"، دون مقاضاة، فيما اذا وافته المنية..! 
نعم فأن  للجمهور الحق، في ان يعبر عن غضبه  واستيائه، ولكنه سبق وقد أناب عنه (العدالة) المتمثلة (بالقضاء) ، في الاقتصاص من ظالميه، وللعدالة أحكامها..!
أن القضاء المستقل المحايد، وجه من أوجه السيادة، ومظهر من مظاهر الرقي والتمدن، وصورة من صور الديمقراطية، اذا ما ظل في منجى من التدخل في سلطته التي لاسلطة فوقها غير سلطة الشعب، واذا ما احترمت ولايته العامة في المنازعات..!
 لذلك تبقى مسألة استقالة القاضي الفاضل (رزكار محمد أمين) وأسبابها، من المسائل ذات الاهمية البالغة، ومن الاحداث البارزة في تأريخ القضاء العراقي في العصر الحديث..! وأن التوقف أمامها، أمر ذو ابعاد دستورية قانونية، وسياسية..؟! [/b] [/size][/font]         

صفحات: [1]