عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبدالخالق حسين

صفحات: [1]
1
تدمير الآثار الحضارية، توحش بثوب القداسة

د.عبدالخالق حسين

هناك تصعيد في همجية خوارج العصر، الفاشية الدينية، أو ما أطلق عليهم في أول الأمر "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش، ISIS)، ثم اختزلوا الاسم إلى الدولة الإسلامية (IS)، عندما امتدت شرورها إلى ما وراء العراق وسوريا، وطرحت نفسها كبديل عن القاعدة (الأم)، حيث تفوَّقت على الأخيرة في القسوة والوحشية والهمجية، وكان استخدام الحرق في قتل الضحايا وهم أحياء لنشر أقصى ما يمكن من الخوف والذعر بين البشر، لأن الإرهاب يعتمد في إخضاع الخصوم على نشر الذعر. وآخر تصعيد لهم في الهمجية هو الهجمة الوحشية الشرسة على الآثار التاريخية في متاحف الموصل، وإزالة المعالم حضارية التي تثبت للعالم الدور الريادي لشعوب وادي الرافدين، مهد الحضارة الإنسانية. 

فقد شاهدنا من خلال الفيديو (رابط رقم 1 و2 في الهامش)، كيف انهال الأوباش على التماثيل والمعالم التاريخية والآثار في الموصل بالمطارق والفؤوس لتحطيمها بلا تأنيب من ضمير أو رادع من أخلاق. وأين لهم الضمير والأخلاق بعد أن قامت مشايخ الضلال الوهابيين بغسل أدمغتهم، وجمَّلت لهم الأعمال الوحشية باسم الدين، وأحالوهم إلى وحوش بشرية كاسرة تغلي بالحقد والعداء ضد الإنسانية والحضارة، ولم يسلم منهم بشر، ولا شجر، ولا حتى الحجر إذا وجدوا فيه رمزاً للحضارة الإنسانية. لقد أعطى هؤلاء المجرمون صورة سيئة وقبيحة عن الإسلام لا يصحو منها إلى الأبد، فالإسلام صار أيديولوجية للإرهابيين وضد الحضارة، والإنسانية، خاصة وأنهم يدعمون جرائهم بالنصوص الدينية والاقتفاء بالتراث ديني عميق والسلف الصالح.

لقد استخدم مشايخهم النصوص الدينية المتشددة، من الكتاب والسنة، والتراث العربي الإسلامي خارج سياقها التاريخي لخدمة الشر وإضفاء القداسة الدينية على جرائمهم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قاموا بتشبيه أعمالهم البربرية في تدمير الآثار التاريخية بما قام به النبي إبراهيم، والنبي محمد في تحطيم الأصنام، وشتان بين الحدثين والزمنين. نسي هؤلاء أو تناسوا عمداً ولأغراض كيدية ضد الحضارة والإنسانية، أن ما قام به الأنبياء من تحطيم الأصنام في العصور الغابرة كان نتيجة صراع بين دين جديد يريد تثبيت أقدامه، ودين قديم عفى عليه الزمن وتجاوزه العقل السليم. في حين ما يقوم به الدواعش الأوباش في القرن الحادي والعشرين هو ليس تحطيم الأصنام في المعابد، بل تحطيم المعالم الحضارية في المتاحف وإعادة البشر 1400 سنة إلى الوراء.
فالمتاحف والأماكن الآثارية هي مراكز تثقيفية تجمع فيها الآثار التاريخية لتبين مراحل تطور العقل البشري ودور الإنسان العراقي في بناء الحضارة. فالدواعش لم يفرقوا بين المعابد والمتاحف. فالمتاحف إضافة إلى كونها تشبه المدارس والمعاهد في التعليم والتثقيف، فهي مراكز جذب السواح إلى البلاد، ومراجع تاريخية للباحثين من شتى أنحاء العالم. وحتى المعابد، ومهما اختلفت في المعتقدات، فقد وصلت البشرية إلى قناعة بوجوب التعايش السلمي بينها.
والجدير بالذكر أن مشايخ الإرهاب يتناسون عن قصد، ويغضون النظر عن النصوص الدينية التي تمنح الإنسان حرية الارادة والاختيار وتترك حكمه إلى الله ليوم الحساب. وعلى سبيل المثال نذكر ما جاء في القرآن: (لكم دينكم ولي ديني)، و(لا إكراه في الدين)، (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون)، وغيرها الكثير من الآيات البينات التي تمنح الإنسان حرية الاختيار، وإلا لا ذهب على من لا خيار له. وبعد كل ذلك، فبأي حق تحاربون معابد ومعتقدات الآخرين؟ والمفارقة أن نقرأ مقولة: (لا تشتم إلهاً لا تعبده) على أحد المعابد في تدمر السورية باللغة الآرامية التدمرية، كتبت قبل ألفين وخمسمائة سنة.

لقد تم اكتشاف هذه الكنوز الآثارية عن طريق حفريات دقيقة بجهود مضنية بذلها خبراء في الحفريات والتاريخ القديم، من مختلف أنحاء العالم وعراقيون منذ القرن التاسع عشر وإلى يومنا هذا. هذه الكنوز التاريخية لا تقدر بثمن، وهي ملك البشرية، وقد بقيت آلاف السنين، متحدية الزمن، ربما لأنها كانت مطمورة في باطن الأرض، وإذا بها تتحطم بالمعاول والجرافات في قرن الحادي والعشرين، فأية كارثة حضارية هذه تحدث في بلاد الرافدين، مهد الحضارة الإنسانية؟

ولم يكتف الأوباش المتوحشون باستخدام المطارق والفؤوس في التحطيم، بل واستخدموا الجرافات (بلدوزرات) لإزالة آثار مدينة نمرود وسووها بالأرض (نفس المصدر، 1 و2). هذه المعالم الآشورية والكلدانية في محافظة نينوى (الموصل) كانت تضم آثار حضارة العراق من مختلف الأزمان والعصور. إن حجم الخسارة لا يقدر، إلى حد أن البشرية أصيبت بالصدمة والذهول وعدم التصديق، وهل حقاً مازال هناك بشر بهذا القدر من التوحش والتخلف؟
قبل أكثر من عشر سنوات، ورداً على بعض دعوات العراقيين في المطالبة بإعادة آثارنا من متاحف الدول الغربية إلى العراق، كتبت مقالاً ذكرت فيه أنه أسلم لهذه الآثار أن تبقى في المتاحف الغربية على أن تعاد إلى متاحفنا العراقية، فهذه الآثار، مثل مسلة حمو رابي في متحف لوفر في باريس، في أمان، يشاهدها سنوياً عشرات الملايين من مختلف أنحاء العالم، بينما لو كانت في العراق لتعرضت للخطر، كما حصل لمتاحفنا من سرقة الآثار الثمينة من قبل أبناء صدام حسين وأزلامه، ومن ثم للسرقة والفرهود بعد سقوط النظام، وما حصل الآن لهذه الآثار في الموصول من دمار وخراب. لذلك أعيد التأكيد أننا يجب أن نشعر بالامتنان إلى الدول الغربية التي حفظت لنا كنوزنا التاريخية في متاحفها، وإلا تعرضت للدمار والسرقة.
 
والسؤال الملح هو: من المسؤول عن هذه الجرائم البشعة؟
في رأيي، تقع المسؤولية على عاتق جميع من خلقوا (داعش) وساندوها بدوافع طائفية لوأد الديمقراطية الوليدة في العراق، ابتداءً من الأخوين النجيفي وأياد علاوي والمطلق وطارق الهاشمي، وبارزاني وغيرهم كثيرون، ومروراً بمملكة الشر، السعودية، ودويلة قطر، وتركياً، و إلى باراك أوباما الذي امتنع عن دعم العراق في حربه على داعش في أول الأمر بتأثير اللوبي الطائفي في واشنطن مردداً خرافة (العزل والتهميش)، وأن الحل هو تشكيل حكومة شاملة (Inclusive government)...الخ، بعبارة أخرى التخلص من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. ولما تم لهم ذلك، وخرجت داعش عن سيطرتهم، وفوجؤا بالنتائج غير المقصودة، كما هو شأن التاريخ، ووصلت داعش إلى تخوم أربيل تهدد الشركات الأمريكية ومصالحها، عندئذ فقط انتبه أوباما إلى أن داعش منظمة إرهابية متوحشة، و ليست إسلامية، ولا تعرف لغة التفاهم، ولا يمكن حل المشاكل معها سياسياً، (صح النوم !) ولكن (بعد خراب البصرة)، أو بالأحرى (بعد خراب الموصل). بل وراحت أمريكا ومعها الإعلام الغربي، يبشرون بأن داعش يمكن أن تبقى إلى أجل غير محدود، وهذا دليل على أنهم يريدون داعش أن تبقى ليستخدمونها في اداء الأعمال القذرة ضد أية حكومة تشق عصا الطاعة على أمريكا في المنطقة(4). 
إن لم تكن هذه مؤامرة على العراق وديمقراطيته الوليدة ودول المنطقة فما هي المؤامرة إذنْ؟
ولكن لينتبه أنصار الشر، أن النتائج غير المقصودة هي دائماً تفوق النتائج المقصودة. ولكم من كارثة 11 سبتمبر 2001، دروس وعبر.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- التلفزيون العراقي: جماعة"داعش"الإرهابية تدمر آثار مدينة نمرود التاريخية في الموصل بالجرافات
http://www.alalam.ir/news/1682615
2- Nimrud: Outcry as IS bulldozers attack ancient Iraq site
http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-31760656
3- شكر خلخال: لماذا يشكّك العراقيّون بجديّة الولايات المتّحدة الأميركيّة في القضاء على داعش؟
http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2015/02/iraq-doubts-us-eliminate-islamic-state.html##ixzz3TV9tluSm

4- د.عبدالخالق حسين: هل داعش صناعة أمريكية؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=711


2
مدى الجدية في تحرير الموصل
د.عبدالخالق حسين

المتابع للحرب على (داعش) في العراق لا بد وأن يستنتج أن الجهة الوحيدة التي تحارب بجدية وإخلاص، هي القوات العراقية والحشد الشعبي وقوات عشائر الأنبار. والمفارقة أن هذه القوات الجادة والمتفانية تواجه في نفس الوقت إعلاماً مضاداً، واتهامات باطلة، وحرباً نفسية في الداخل والخارج وحتى من أمريكا.
فالقوات الجوية الأمريكية لا تضرب (داعش) إلا إذا اقتربت من المناطق الكردية، وخاصة المناطق التي يطلق عليها بـ"المناطق المتنازع عليها"، ولتسهيل استعادتها من قبل قوات البيشمركة من الدواعش، ولتعتبرها حكومة الإقليم تابعة لكردستان، ولم تعد متنازع عليها مع الحكومة المركزية، و خارجة عن المادة 140 من الدستور على حد تعبير السيد مسعود بارزاني. وهذا يجعلنا نعتقد أن هناك اتفاق مسبق بين حكومة الإقليم و(داعش) لهذه الأغراض، و بالمقابل تتلكأ أمريكا ومعها قوات البيشمركة في دعم القوات العراقية لتحرير الموصل.
فمن رئيس حكومة الإقليم نسمع تصريحات تسقيطية للدولة العراقية بأنها "دولة مفلسة"(1 و2)، وأن قوات البيشمركة لن تشارك في تحرير الموصل، في نفس الوقت الذي يطالبون فيه الحكومة الإتحادية بدفع نفقات البيشمركة من رواتب وتكاليف التسليح أسوة بالجيش العراقي الفيدرالي، إضافة إلى 17% من الميزانية التي يأخذونها قبل استقطاعات الديون والصرفيات المشتركة، وبذلك فحصة الإقليم تعادل 24% من ميزانية العراق، ورغم أن هذه القوات لم تكن تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة حسب ما أقره الدستور.
أما إدارة أوباما، فمع الأسف الشديد، تلعب على أكثر من حبلين، إذ الكل يعلم ما جرى قبل الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة من حملة إعلامية أمريكية وغربية وعربية منسقة بقيادة قائد أوركسترا واحد، أنه إذا ما فاز المالكي في الانتخابات فستكون هناك حرباً أهلية، مع تصريحات رئيس الإقليم والقيادات السنية أنهم لن يشتركوا في حكومة يترأسها المالكي...الخ. وهذا يعني أن جميع هؤلاء كانوا يهيئون لحرب أهلية ولكن باسم (داعش)، وفي نفس الوقت يصرحون ولو على استحياء بإدانة داعش، ولكنهم يبررونه ويلقون اللوم على المالكي أن سبب توسع داعش وفوزه السريع في احتلال المناطق السنية هو "عزل المالكي للسنة والكرد وتهميشهم". كما وقامت إدارة الإقليم بتوظيف السفير الأمريكي السابق في بغداد، زلماي خليل زادة، وموظف بارز سابق في السفارة (علي الخضيري)، وربما آخرين، تم تعيينهم كمستشارين للسيد مسعود بارزاني وضمن اللوبي في واشنطن. وهؤلاء أبلوا بلاءً حسناً في دعم السيد مسعود في مشاكساته ضد الحكومة المركزية وتأليب الرأي العام الأمريكي على المالكي خصوصاً، ولحد الآن، مدعين أن المالكي هو الذي جلب داعش لذا يجب مقاضاته وتصفيته!!! علماً بأن الإرهاب كان على أشده حتى قبل أن نسمع باسم المالكي.
كما ونقرأ هذه الأيام تصريحات لجنرالات أمريكان يضخمون فيها قدرات (داعش)، ويشككون بقدرات الجيش العراقي، وآخر تقرير في هذا الخصوص بعنوان: (ضابط أمريكي يشكك بخطة اقتحام الموصل: العراقيون ليسوا مستعدين لحرب شوارع والسكان لا يرحبون بقوات شيعية)(3). لاحظ النغمة الطائفية "والسكان لا يرحبون بقوات شيعية"، علماً بأن الجيش العراقي يشمل جميع مكونات الشعب بلا تمييز، سواء على مستوى الضباط أو الجنود. كذلك تصريحات من الإدارة الأمريكية، يرددون على الدوام أن تحرير الموصل قد يستغرق ثلاث سنوات!! في الوقت الذي لم تستغرق حرب تحرير العراق عام 2003، أكثر ثلاثة أسابيع. وهذا يدل على أن لأمريكا أغراضاً خاصة ومبيتة في تمديد بقاء داعش في العراق وإلى أجل غير معلوم.
فالملاحظ أن القوات الجوية الأمريكية تتعامل مع (داعش) بازدواجية، وحسب المناطق التي تتعرض لها داعش، إذ كما قال الفريق وفيق السامرائي:"... كلما ظهر تحرك أو وجود لـ«داعش» على مشارف الموصل، خصوصا باتجاه إقليم كردستان، يصبح هدفا مباشرا وسريعا للقوات الجوية الأميركية، بخلاف حالات أكثر خطورة وكثافة تظهر في غرب الأنبار؛ يبقى رد الفعل الأميركي فاترا تجاهها، إلى درجة تثير مشاعر الغضب بين أهل محافظة الأنبار، وتضع شكوكا وتساؤلات ترتقي إلى مستوى نظريات المؤامرة!"(4)
وهناك مسألة أخرى تجعلنا نشك بجدية هذه الأطراف لتحرير الموصل، وهي إعلانهم عن خطط وتفاصيل الحملة مسبقاً وبفترة طويلة نسبياً. فالمعروف من الأبجديات العسكرية والحروب، أنه من الواجب إبقاء هذه الخطط سرية، لأن أهم عامل من عوامل نجاح أية حملة عسكرية هو عامل السرية والمباغتة، وأن تأخذ العدو على حين غرة، بينما الجماعة وبما فيها الحكومة العراقية، يعلنون مسبقاً وبوقت كاف عن خططهم، تقابلها حملات إعلامية أمريكية وإقليمية في التشكيك بقدرات القوات العراقية كجزء من الحرب النفسية ضد القوات العراقية، ولصالح داعش.

ومع تقدم القوات العراقية، وتحقيق المزيد من الانتصارات على (داعش)، هناك تقارير موثقة عن قيام طائرات أمريكية بإنزال مواد حربية وغذائية في المناطق الغربية التي تحتلها قوات داعش. وقد "أقر السفير الأمريكي بإلقاء طائرات عسكرية أمريكية الصنع أسلحة لداعش في العراق". و"أجهزة استخباراتنا تشك بوجود جهة اخرى تملك طائرات أمريكية الصنع تحاول الإساءة إلى جهودنا المشتركة"(5). وهذه الجهة الأخرى ما هي إلا دويلة قطر، وهي نفس الدويلة التي ألقت أسلحة بكميات هائلة في الصحراء الليبية على الحدود المصرية، راجع رابط الفيديو(6).

تزامن كل ذلك مع إثارة حملة إعلامية لتشويش وبلبلة الرأي العام العراقي، وإرباك حكومة العبادي، بنشر تقارير تثير الشكوك حول وزير الدفاع السيد خالد العبيدي، لا نعرف مدى صحتها، مفادها أنه (العبيدي)، يخطط للانقلاب على العملية السياسية، بدأها بإحالة الطيارين الشيعة على التقاعد، وإرسال رسائل مشفرة إلى أمريكا، والعثور على كميات كبيرة من الأسلحة في بيته(7)، في الوقت الذي نرى فيه الرجل يتنقل في جبهات القتال، و يطلق تصريحات إيجابية في دعم القوات العراقية والحشد الشعبي، ونفى فيه أخبار إحالة الطيارين الشيعة على التقاعد. وفي جميع الأحوال لا تخلو هذه الحملات من تآمر على العراق وإرباك العراقيين.

ما العمل؟
بما أن السيد رئيس الوزراء، الدكتور حيدر العبادي، استلم دعوة من الرئيس الأمريكي لزيارة واشنطن قريباً، نشير عليه أن يفاتح الرئيس أوباما بما يلي:
أولاً، لا يمكن للعراق وبعد كل كوارث دكتاتورية المكون الواحد أن يتخلى عن الديمقراطية الحقيقية، ودولة المواطنة والقانون،
ثانياً، الشعب العراقي أنهكته الحروب، لذا يريد أن يعيش بسلام مع دول الجوار وكل دول العالم، ولا يريد أن يكون طرفاً في الصراع الجاري في المنطقة بين المحور الأمريكي- السعودي- القطري-التركي من جهة، والمحور الروسي- الإيراني- السوري من جهة أخرى،
ثالثاً ونتيجة لثانيا، لن يقبل العراق أن يكون قاعدة لشن حرب على إيران أو سوريا أو أي بلد آخر. ومن مصلحته ومصلحة أمريكا أن يقيم العراق علاقة جيدة مع إيران وكل دول المنطقة.
رابعاً، نظام بشار الأسد هو دكتاتوري بغيض، ولكن البديل عنه الآن هو أسوأ منه، أي نظام يقوده التطرف الدموي الهمجي الإسلامي المتوحش المتمثل في (داعش وجبهة النصرة)"، كما حصل في أفغانستان بعد إسقاط النظام الشيوعي وقيام حكم طالبان، لذا فبعض الشر أهون.
خامساً وأخيراً، من مصلحة العراق وأمريكا أن يربطهما تحالف استراتيجي في جميع المجالات المدنية والعسكرية، إذا ما وافقت الأخيرة على الشروط المذكورة أعلاه.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- برزاني: العراق دولة "مفلسة" وسنوقف تصدير النفط لانقطاع الرواتب
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185202.html

2- جمال فاروق الجاف :هل كان افلاس العراق سببا لفشل مباحثات بغداد-اربيل؟
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185419.html

3- ضابط أمريكي يشكك بخطة اقتحام الموصل: العراقيون ليسوا مستعدين لحرب شوارع والسكان لا يرحبون بقوات شيعية
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185515.html

4- وفيق السامرائي: أميركا وتحرير الموصل.. ما سر الغرام؟
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185574.html

5- السفير الأمريكي يقر بإلقاء طائرات عسكرية أمريكية الصنع أسلحة لداعش في العراق
أجهزة استخباراتنا تشك بوجود جهة اخرى تملك طائرات أمريكية الصنع تحاول الإساءة إلى جهودنا المشتركة
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185525.html

6- فيديو يكشف كمية كبيرة جداً من الذخيرة مُلقاة عبر الطائرات علي الحدود مع ليبيا
https://www.youtube.com/watch?v=ck3cmbTl-yk

7- عمليات ″ فوق الحمراء″ تشهدها المنطقة الخضراء بعد العثور على اسلحة واعتدة بمنزل العبيدي
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185471.html


3
المنبر الحر / الإرهاب مآله الفشل
« في: 12:04 22/02/2015  »
الإرهاب مآله الفشل

د.عبدالخالق حسين


مشكلة العرب السنة أنهم لم يستفيدوا من الأخطاء التي أرتكبها الشيعة بعد قيام الحكومة البريطانية بتحرير العراق من الاستعمار العثماني في الحرب العالمية الأولى، تلك الأخطاء الفادحة التي أدت إلى عزل الشيعة السياسي وحرمانهم من حقوق المواطنة لثمانين عاماً. فالسنَّة العرب أدمنوا على إنفرادهم بحكم العراق رغم أن نسبتهم لا تزيد على 20% من مجموع الشعب العراقي. ولإضفاء الشرعية على "حقهم التاريخي" في احتكار السلطة، بدأوا منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 بترويج خرافة مفادها أن الشيعة ليسوا عرباً، ولا عراقيين، بل هم من بقايا الساسانية، وأهل الجنوب جلبهم القائد الأموي محمد القاسم مع الجواميس من الهند، ثم ربطوا التشيع بالصفوية والعجمة والشعوبية.

ولذلك فالعرب السنة اعتبروا الأغلبية الشرعية ليست الأغلبية داخل العراق، وإنما في البلاد العربية، وأنهم (السنة) الامتداد الشرعي للشعوب العربية في العراق، ولذلك فلهم وحدهم الحق في حكم العراق دون غيرهم. ولهذا السبب اتخذوا موقفاً مناهضاً للديمقراطية طوال التاريخ الحديث، لأن الديمقراطية تفرض دولة المواطنة والمساواة أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص لجميع أبناء الشعب بدون أي تمييز في اللون والعرق والدين والمذهب واللغة والجندر..الخ، كما ويتم التبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع. فطوال 8 عقود التي سبقت عام 2003، كان تبادل السلطة يتم عن طريق الانقلابات العسكرية بين مجموعات من العرب السنة دون غيرهم، أما بقية المكونات فمجرد متفرجين. وحتى العهد الملكي كان نظاماً ديمقراطياً في الظاهر فقط، ويتم حل البرلمان عند تبديل رئيس الوزراء الذي كان يقوم بتعيين النواب عن طريق انتخابات شكلية مزيفة، يفوز فيها عادة أغلبهم شيوخ العشائر من الاقطاعيين. 

ولكن انفراد المكون السني بالسلطة وعزل الآخرين، (ومشاركتهم جزئياً للديكور فقط)، تسبب في عدم الاستقرار، أنتهى إلى إفلاس الدولة العراقية، وقتل مليونين، والمئات من المقابر الجماعية، والأنفال وحلبجة، وتشريد نحو 5 ملايين من الشعب في الشتات، والاحتلال... إلى آخر قائمة الكوارث. لذلك فإدعاء السنة بأن من حقهم التاريخي بحكم العراق هو دعوة للمزيد من الكوارث، فقد أثبت التاريخ فشلهم، وعليهم أن ينزلوا عن بغلتهم. فالديمقراطية، ورغم مشاكلها، هي الحل الأنسب والوحيد لحكم العراق، وبعد كل هذه الكوارث لا يمكن التخلي عنها مطلقاً ولو على أسنة الحراب، فالبديل عن الديمقراطية هو حكم الإرهاب الذي يجلب المزيد من الدمار وبالأخص على السنَّة أنفسهم.

وبعد عام 2003، ولتبرير مناهضتهم للديمقراطية، خرجوا علينا بحجة محاربة الاحتلال الأمريكي، ولما خرجت القوات الأمريكية، واصلوا إرهابهم بدعوى محاربة (الاحتلال الإيراني الصفوي)، واعتبار الشيعة المشاركين في السلطة هم امتداد وعملاء لإيران. ولما اتضح هزال هذه الفرية، اخترعوا فذلكة (عزل العرب السنة وتهميشهم)، وأن جيش المالكي الشيعي الصفوي، والمليشيات الشيعية "يقتلون السنة لا لشيء إلا لأنهم سنة". هذا ما سمعته من سيدة موصلية من راديو بي بي سي مساء 18/2/2015، وهي هاربة من داعش إلى تركيا بعد أن خسرت كل شيء، ولكن رغم ما جلبه الدواعش عليها من كوارث فإنها ما زالت تصر على أن "الشيعة يقتلون السنة لا لشيء إلا لأنهم سنة"، ودون أن تقول الحقيقة أن الذين يحاربهم الجيش العراقي هم إرهابيون.
كما وجعل السنة مناطقهم ومساكنهم حواضن للإرهابيين، وكرست قياداتهم السياسية مشاركتهم في السلطة لشل الحكومة، والدفاع عن الإرهابيين وتسهيل مهامهم... فبعد تحضيرات لعدة سنوات، ومخططات في منتهى الخبث والخبرة والدقة، حددوا لها ساعة الصفر يوم 10 حزيران 2014، أعلنوا انتقال الحكم في الموصل إلى (داعش)، ومن ثم السيطرة على محافظة صلاح الدين، وسموّا الجريمة بـ"ثورة السنة على ظلم المالكي الشيعي الصفوي"، وتم تمرير الكذبة على عدد غير قليل من الناس، بل وحتى رددها الرئيس الأمريكي أوباما عندما رفض دعم الجيش العراقي في محاربة داعش وفق الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بين البلدين، قائلاً أن الحل سياسي وليس عسكري، إلى أن وصل داعش إلى مشارف أربيل مهدداً الشركات الأمريكية، وافتضحت جرائمهم البربرية ضد الإنسانية، عندئذ فقط، اعترف أوباما أن داعش فئة همجية ضالة لا يمكن التفاهم معها سياسياً، بل يجب محاربتها عسكرياً.

وأخيراً اتضحت الحقيقة، وتأكد لجماهير العرب السنة أن قياداتهم السياسية خدعتهم، فظلم داعش طال أهل السنة مثلما طال المكونات الأخرى، حيث فرض الدواعش على أهل الموصل أسلوب حياة طالبان في أفغانستان، وفرض النقاب الأفغاني حتى على الطبيبات والطالبات الجامعيات، وصادروا أموالهم، وهتكوا أعراضهم، وأوسعوا فيهم القتل ذبحاً، ومن ثم حرقاً والتنكيل بأبشع الوسائل الهمجية.
والمفارقة أن هذه القيادات السنية التي دعمت "المقاومة الوطنية الشريفة" ضد الاحتلال الأمريكي، والاحتلال الإيراني الصفوي، ودعمت (داعش) لاحتلال مناطقهم، نراهم اليوم يتوافدون على واشنطن متوسلين بالإدارة الأمريكية لإرسال قواتها لتحرير مناطقهم من داعش. بل وأرسلوا الوفود حتى إلى إيران "الصفوية" متوسلين إليها لمساعدتهم في التخلص من داعش. حقاً ما قاله الشاعر:
إذا كان الغراب دليل قوم .... سيهديهم إلى دار الخراب

فما المطلوب من العرب السنة؟

أولا، أيها السادة، لقد جربتم الانفراد بحكم العراق لثمانين سنة، أدى بالتالي إلى إفلاس العراق تماما، إلى أن قيض التاريخ المجتمع الدولي بقيادة أمريكا لتحريره، ولو كان قد أسقط حكم البعث على يد الشعب العراقي وبدون التدخل الأمريكي لكان مصير العراق أسوأ من مصير الصومال وليبيا واليمن.

ثانياً، لقد جربتم الإرهاب منذ عام 2003 وإلى الآن، ونشرتم ملايين الأطنان من الأكاذيب والافتراءات، والإشاعات الباطلة، واستخدمتم الإعلام المضلل، ومعكم السعودية وقطر وتركيا والأردن، وحتى بعض مرتزقة الإعلام الغربي، واستأجرتم شركات العلاقات العامة (PR)، ومنظمي اللوبيات في أمريكا، ولكن مع ذلك كان مردود إرهابكم وبالاً ليس على العراق فحسب، بل وعلى أنفسكم أيضاً. ففي نهاية المطاف لا بد وأن ينقلب السحر على الساحر.

ثالثاً، لقد أثبت التاريخ أن الإرهاب في كل مكان وزمان، محكوم عليه بالهزيمة والفشل الذريع، ولا يمكن أن يحقق أهدافه، فعهد الأنظمة الديكتاتورية، وحكم المكون الواحد قد ولىّ وإلى الأبد. ولا يمكن لكم أن تتبادلوا الأدوار المختلفة قدم مع الحكومة وأخرى مع الإرهاب، وتقومون بتعليق مشاركتكم في العملية السياسية وحسب مزاجاتكم المتقلبة، مرة مع السلطة، وأخرى مع الإرهاب، مليشياتكم وحماياتكم تدعي محاربة داعش نهاراً، ومع داعش تحارب القوات الحكومية ليلاً. هذا التقلب في الأدوار لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية... فحبل الكذب قصير.. والنجاة في الصدق والتعامل بالشرف والنزاهة.

وأخيراً، وبناءً على كل ما تقدم، فإن الحل الوحيد للأزمة العراقية هو النظام الديمقراطي، واتخاذ صناديق الاقتراع، وليس الإرهاب، وسيلة للتبادل السلمي للسلطة، وتحقيق حقوقكم كاملة غير منقوصة في المشاركة في حكم العراق والتوزيع العادل للثروة، والعمل على إنضاج هذه الديمقراطية الوليدة الفتية، وذلك بتشكيل الكتل السياسية المختلطة، عابرة الأديان والمذاهب والأعراق، و أي أسلوب آخر لن يجديكم نفعاً، وأن الإرهاب لن يجلب لكم سوى المزيد من الدمار والخراب والكوارث.
21/2/2015
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

4
مرة أخرى، داعش يفضح مناصريه

د. عبدالخالق حسين

لنتحدث بصراحة، ونسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ودون لف أو دوران. إن من سوء حظ المكون السني أن تسلط فلول البعث الفاشي على قيادته. والبعثيون لا يشرفون أحداً يرتبط بهم، إذ كان المطلوب بالمكون السني التبرؤ من هذه الفئة الفاشية الضالة التي أهلكت الحرث والنسل ودمرت العراق، فكما قال الجواهري: (أهينِوا لِئامكمُ تُكْرمَوا) .
ورغم أن غالبية "داعش" هم من البعث، إلا إنه يضم في صفوفه أناس تحركهم الأيديولوجية الإسلامية الوهابية، وعلى عجلة من أمرهم في لقاء حور العين والولدان المخلدين، هدفهم بث الرعب في صفوف خصومهم، وكل من لا يبايعهم ولا يوافقهم على جرائمهم، وبالأخص إذا كان من أهل السنة العرب، فبارتكابهم الإرهاب ضد العرب السنة يحققون هدفين بحجر واحد. الأول، معاقبة أهل السنة الذين لا يسيرون في ركابهم، والثاني، لإشعال الفتنة الطائفية بإلقاء تهمة قتل السنة على الشيعة.

ولداعش تاريخ حافل بمثل هذه الجرائم، ففي العام الماضي، وبعد جريمة تفجير مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى، والتي راح ضحيتها نحو 30 شهيداً وإصابة 20 من المصلين السنة، انطلقت المشاعر العدوانية بلا أي قيد أو حياء من ممثلي المكون السني في العملية السياسية، بتوجيه الاتهام إلى الشيعة والمليشيات الشيعية، بل وتم تحديد واحدة منها وهي مليشيات التيار الصدري. راجع رابط مقالنا في الهامش (1). وعلى أثر هذه الجريمة "اعلنت كتلتا (ديالى هويتنا) برئاسة سليم الجبوري، و(ائتلاف القائمة العربية) برئاسة صالح المطلك، انسحابهما من مفاوضات تشكيل الحكومة...."
وبعد أيام من تلك الجريمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها وقال في بيان على موقعه في "تويتر"، إن "تفجير الجامع وقتل المرتدين جاء بسبب رفضهم مبايعة الخليفة ابي بكر البغدادي". واضاف مهدداً: "اننا سنكرر هذا العمل في أي مكان وضد أي جهة ترفض مبايعة الخليفة". (نفس المصدر-1). والملاحظ أن الدواعش يعتبرون أهل السنة الذين لا يبايعونهم "مرتدين" وذلك لتبرير قتلهم.

ثم تكررت الجريمة في قتل أئمة مساجد أهل السنة في مدينة الزبير/ محافظة البصرة، لتلحقها نفس الصيحات الطائفية من القيادات السياسية السنية في الشحن الطائفي، والتهديد بالويل الثبور وعظائم الأمور ضد الشيعة وقياداتهم السياسية. وبعد أيام اعترفت (داعش) بمسؤوليتها عن الجريمة وأنها كانت عقاباً لهؤلاء الأئمة لأنهم أدانوا في خطبهم جرائم داعش، ورفضوا مبايعة خليفتهم الذي صار مسخرة العالم.
وأخيراً وليس آخراً، تكررت الجريمة قبل أيام بـ"اختطاف النائب زيد الجنابي ومقتل عمه قاسم كريم سويدان وافراد حمايتهُ". ومرة أخرى، انطلقت صيحات وهتافات الشحن الطائفي، ولكن الأدهى هذه المرة أنها حصلت بحضور السيد صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء، ورئيس كتلة سياسية، إثناء مراسيم التشييع، على شكل شتائم بذيئة ودون أن نسمع صوتاً من عاقل ليخرس أهل الفتنة. (راجع الفيديو في الهامش-2)
والمفارقة أنه بعد اختطاف النائب زيد الجنابي وإطلاق سراحه، ومقتل عمه وحمايته، "قررت المحكمة الاتحادية العليا نقض مصادقة مجلس النواب على عضوية 3 مرشحين بينهم النائب زيد الجنابي"(3). ومن العراقيين أن يسألوا: لماذا وكيف تم إطلاق سراح زيد الجنابي واكتفى الجناة بمقتل عمه وحمايته؟

ومرة أخرى، وبعد كل هذا الشحن الطائفي بلا خجل أو حياء، أصدرت داعش بياناً اعترفت فيه مسؤوليتها عن الجريمة، "وقال التنظيم في بيان نشره موقعه الرسمي في (تويتر): "أن حادثة الاختطاف جاءت بناءاً على تصريحات النائب الاخيرة ضد تنظيم "داعش”، فضلا عن استقباله في منزله مواطنين من مختلف الطوائف من اجل الاستماع الى معاناتهم. واضاف، اننا سنكرر هذا العمل في أي مكان وضد أي جهة تخالف اوامرنا وتتجاوز على التنظيم بتصريحات اعلامية او غيرها.."(4)

فأية وحدة وطنية هذه التي نطالب بها؟ وهل هناك أمل في بث الحياة في هذه الوحدة التعبانة؟
لذلك، نهيب بعقلاء أهل السنة أن يحاولوا تطهير صفوهم من السفهاء الذين ديدنهم تمزيق الشعب ووحدته الوطنية، فجميع المحاولات السابقة في الاعتماد على الإرهاب ومنظماته من فلول البعث والقاعدة وداعش، لم تجلب لهم سوى القتل والدمار والتشريد، إذ كما قال الشاعر العربي:
لا يصلـح النـــاس فـــوضى لا ســراة لهـم..... ولا ســراة إذا جهــالهم ســادوا

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة لاموضوع
1- عبدالخالق حسين: داعش يفضح مناصريه السياسيين http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=679

2- بالفيديو..مشيعو جثمان الجنابي يشتمون الشيعة بحضور “صالح المطك”
http://8th-day.com/?p=96091
 
3- المحكمة الاتحادية تنقض عضوية النائب [زيد الجنابي] مع نائبين آخرين
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185239.html

4- داعش يتبنى حادثة اختطاف النائب زيد الجنابي ومقتل عمه وافراد حمايته
http://www.akhbaar.org/home/2015/2/185181.html




5
حول التعامل مع حزب البعث
عبدالخالق حسين

نشر الصديق الدكتور عبدالرحمن جميل مقالاً بعنوان: "من يرفع الحظر عن حزب البعث؟"، ناقش فيه محنة مجلس النواب العراقي "في كيفية التعاطي مع بعض مشاريع القوانين من بينها، مع ما يتعلق بالاستمرار في حظر حزب البعث وتجريمه أو  رد الاعتبار له في هذه المرحلة الحساسة والمعقدة التي يمر بها النظام السياسي في العراق... من النواب من يرى أن استقرار البلاد وأمنها مرهون بعودة حزب البعث ووجوده ، فيما آخرون يشككون في نوايا البعث مستندين في مواقفهم على ممارساته السابقة عندما كان الحزب الوحيد الحاكم في العراق ورفضه، بل انتقامه من كل المنتمين لأحزاب سياسية دونه." و "ويعتمد المشككون في نوايا حزب البعث في موقفهم أيضاً على بيانات الحزب المنشورة على صفحته الإلكترونية (ذي قار)، وتأكيده الأخير على عبارة (سنعود بقوة السلاح) كما يبثه تلفزيون(الفارس العربي) المملوك للحزب."(1)
وبعد مناقشة موضوعية، توصل الكاتب إلى استنتاج أجتزئ منه:
".. اذا كانت لديه [البعث] النية في نبذ شعاره المقزز (بعث تشيده الجماجم والدم...)، ويعتذر عن كل الذي ارتكبته تنظيماته وأجهزته خلال حقبة ما قبل 2003 ويتعهد أمام الشعب العراقي بقبوله الدخول في العملية السياسية على أساس مبدأ التنافس الحر في الانتخابات، ويتخلّى عن مبدأ اللجوء الى العنف ونزعة الكراهية والعنصرية والاستعداء الواردة لحد الآن في شعاراته وأدبياته وبما يتفق مع مبادئ الدستور... إن خطوة صريحة وجريئة في هذا الاتجاه لا تحتاج الى وساطة آخرين.. بل أنها اذا ما جاءت من الحزب وعلى لسان قيادته (الحالية أو الجديدة) فأنها ستُسقط كل الأسباب الموجبة لاستمرار الحظر المفروض عليه، وبعكسه لماذا يريدون رفع الحظر عن حزب البعث؟"(نفس المصدر-1).

ونظراً لأهمية المقال، و خطورة ما تضمن من اقتراح واستنتاج، قمت بتعميمه على مجموعة من المعارف والأصدقاء. وبدوري استلمت نيابة عن الكاتب، تعليقات مهمة من عدد من القراء الأفاضل، ركزوا فيها على نقطة مهمة مفادها، أنه حتى ولو اعتذر البعث و"تعهد أمام الشعب العراقي بقبوله الدخول في العملية السياسية على أساس مبدأ التنافس الحر في الانتخابات...الخ"، فمن الغباء التصديق به والركون إليه، وذلك لما نعرف من تاريخ هذا الحزب الفاشي الطائفي في التنكر لتعهداته وتحالفاته. وأذكر في هذا الخصوص نموذج واحد من صديق جاء فيه: "في رأيي ان التاريخ الذي منح البعثيين فرصة تسلق السلطة لمرتين، فان منحها لهم للمرة الثالثه، فالذنب حينذاك ليس ذنب التاريخ، بل ذنب العراقي الذي يسمح (للمؤمن ان يلدغ من جحر مرتين).

والحقيقة، أن الأخ الكاتب أكد هذه المسألة عندما أعاد على الأذهان نوايا حزب البعث وترديده لعبارة (سنعود بقوة السلاح). وهذا يعني أن الكاتب أراد تجريد دعاة رفع الحضر عن البعث من حججهم، وأكد في نهاية المقال بقوله: "... وبعكسه لماذا يريدون رفع الحظر عن حزب البعث؟". وهذا يعني أنه من المستحيل أن يتخلى حزب البعث عن عنجهيته في "العودة بقوة السلاح".

فالتاريخ لم يمنح أي حزب عراقي، الفرصة لحكم العراق لوحده ولخمسة وثلاثين سنة، كما أعطى حزب البعث. ولكن هذا الحزب، ولأسباب فاشية وعنصرية وطائفية، فوَّت الفرصة على نفسه وعلى الشعب العراقي، فلو كان صادقاً مع نفسه، ومخلصاً لشعاراته البراقة المرفوعة، لانتقل بالعراق إلى مصاف العالم الأول في التحضر والتقدم. ولكن بدلاً من ذلك أهدر حكم البعث الثروات المادية والبشرية الهائلة على حروبه العبثية، الداخلية والخارجية، وأحال العراق الذي كان يسمى ببلاد السواد، إلى صحارى وخرائب وأنقاض، وملأه بالمقابر الجماعية، وقتل نحو مليونين، وشر نحو خمسة ملايين من شعبه في الشتات. وعليه فهذا الحزب هو أسوأ من الحزب النازي الألماني. وإذا كان الحزب النازي مازال محظوراً ورغم مرور نحو 70 عاماً على إسقاط حكمه، فحظر حزب البعث مطلباً ملحاً أكثر لا يقل إلحاحاً وشرعية عن حظر الحزب النازي الألماني.

هذا الموضوع ليس جديداً، فأنصار البعث لهم وجود واسع و ملحوظ ومؤثر منذ 2003، في الحكومة والبرلمان، ومنظمات الإرهاب التي ترتكب جرائمها اليوم باسم "داعش"، وتخطط لتغيير الاسم إلى (الحرس الوطني) لإضفاء الشرعية على تنظيمات الإرهاب، وبتكاليف تدفعها لهم الحكومة العراقية من أموال الشعب المظلوم. وقد ناقشتُ هذا الموضوع في عدة مقالات قبل سنوات، منها مقالي الموسوم: (مخاطر عودة البعث بين الحقيقة و"الخروعة")(2) عام 2009، رداً على مقال السيد عودة  وهيب بعنوان ("خرّوعة" البعث لن تخيف طيور الحرية). وألحقته بمقال آخر بعنوان: (التحذير من عودة البعث، بين المعقول واللامعقول)(3).
حذرت في المقالين وما تلاهما من مقالات، أنه حتى لو اعتذر قادة حزب البعث للشعب العراقي عن أخطائهم، وتعهدوا بدعم الديمقراطية، (وهو من سابع المستحيلات)، فإنهم لن يلتزموا بعهودهم ومواثيقهم، لذلك يجب عدم الثقة بهم مطلقاً. وللتذكير أعيد الفقرات التالية:
صحيح أن الشعب العراقي بمعظمه هو ضد حزب البعث، ولكن متى أعار البعث اهتماماً بموقف الشعب منه؟ وهل كان البعث في أي فترة من تاريخه تمتع بشعبية لدى العراقيين؟ وهل الشعب العراقي هو الذي انتخب البعث في 8 شباط 1963، أم اغتصب السلطة عن طريق مجزرة بشعة؟ وكذلك في عودتهم الثانية للحكم عن طريق ما أسموه بالانقلاب "الأبيض" في 17-30 تموز 1968؟ فكلنا نعلم أن البعث مكروه من قبل الشعب، والبعثيون يعرفون هذه الحقيقة قبل غيرهم، لذلك يقترفون أبشع الجرائم بحق الشعب انتقاماً منه، سواءً كانوا في السلطة أو خارجها.
كذلك من الخطأ المطالبة بمصالحة البعثيين والسماح لهم بممارسة السياسة ومشاركتهم في السلطة أسوة بما حصل في الاتحاد السوفيتي وجمهورية جنوب أفريقيا. لأن قادة الشيوعيين السوفيت هم الذين قادوا الإصلاح السياسي، فغورباتشوف بدأ الغلاسنوت والبرسترويكا، ويلتسن كان عضو المكتب السياسي للحزب، ورئيساً لجمهورية روسيا السوفيتية، وكذلك فلاديمير بوتين (الرئيس الحالي) كان رئيساً للإستخبارات السوفيتية(KGB) ، وبذلك فالحزب الشيوعي الحاكم هو الذي مهد للتحولات السياسية.
كذلك فيما يخص التحولات الثورية في جمهورية جنوب أفريقيا في الانتقال من النظام العنصري إلى النظام الديمقراطي الليبرالي عام 1994، فرئيس الوزراء ديكلرك (في النظام العنصري) هو الذي بادر في الاتصال بقيادة المعارضة وعلى رأسها المناضل نيلسون مانديلاً. فهل قام البعثيون بأية مبادرة إصلاحية في العراق؟ أم كانوا يشنون حملات الإبادة ضد القوى الوطنية، و مازالوا يحرقون العراق ويناهضون العملية السياسية الديمقراطية؟ لذلك فتشبيه البعثيين العراقيين بشيوعيي روسيا وغيرها من جمهوريات الإتحاد السوفيتي، أو بما جرى في جنوب أفريقيا غير وارد، والفرق واسع كالفرق بين الأرض والسماء.

وبناءً على ما سبق، فالبعث لن يعتذر وهو أسوأ من النازية، ولا يمكن أن يقبل بالديمقراطية، وهذا جزء من دستوره الذي يستهين بالوسائل الديمقراطية في استلام السلطة، ويعوِّل على الانقلابات العسكرية وقوة السلاح والإنفراد بالسلطة. لذلك فمن واجب كل القوى الوطنية الخيرة، وبالأخص المثقفين، عدم الاستهانة بمخاطر البعث الفاشي، وتذكير الشعب دوماً بجرائمه، إذ كما قال الفيلسوف جورج سانتايانا: "الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بإعادة أخطائه".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- عبدالرحمن جميل، من يرفع الحظر عن حزب البعث؟
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=178595#axzz3RQTX8FKX

2- عبدالخالق حسين: مخاطر عودة البعث بين الحقيقة و"الخروعة"
http://www.sotaliraq.com/articlesiraq.php?id=51922#axzz3RQTX8FKX

3- عبدالخالق حسين: التحذير من عودة البعث، بين المعقول واللامعقول
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=333


6
بلا شماتة..هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم
د.عبدالخالق حسين

لقد بات واضحاً تعاطف العرب، شعوباً وحكومات، مع ما يجري من إرهاب وحشي وهمجي في العراق وسوريا، وبدوافع طائفية وكيدية. وعلى سبيل المثال كشف استطلاع رأي قبل سنوات أن نحو 64% من الشعب الأردني يتعاطف مع القاعدة، أما بقية الشعوب العربية فبنسب متفاوتة ومتقاربة من هذه النسبة. أما الحكومات العربية، وحتى أشدها رجعية واستبداداً، كانت ومازالت تبرر الإرهاب وتوعزه في العراق إلى عزل السنة وتهميشهم من قبل "الصفوي" نوري المالكي، وفي سوريا إلى دكتاتورية نظام "العلوي" بشار الأسد. متجاوزين الحقيقة أن الإرهاب الإسلامي هو ظاهرة دولية متفشية في كل العالم وبالأخص في البلدان الإسلامية مثل باكستان وأفعانستان، وبلدان أفريقيا وغيرها، وبدون أن يكون هناك تهميش أو استبداد. فالأنظمة التي تدعم الإرهاب مثل السعودية وقطر وتركيا، وحتى الأردن هي من أشد الأنظمة استبداداً و تمييزاً ضد مكونات شعوبها.

و حتى قبل أيام شاهدنا على اليوتيوب كيف تم استقبال شعبي ورسمي في الأردن للدواعش الأردنيين العائدين من العراق، ويشكل الأردنيون أعلى نسبة من الأجانب في صفوف داعش وجبهة النصرة. كما ويعرف الجميع كيف أقام الأردنيون مجالس عزاء لكل إرهابي أردني يُقتل في العراق، من أمثال المنفوق الزرقاوي وغيره، إضافة إلى أن العاصمة عمان، كما اسطنبول وأربيل،  صارت ملاذاً آمناً للدواعش والمتعاطفين معهم، ومقراً لعقد مؤتمراتهم لتدمير العراق وسوريا وقتل شعبيهما، كما حصل في المؤتمر الذي هيأ لسقوط الموصل قبل سبعة أشهر، ودافعت الحكومة الأردنية عنه بأنه كان قانونياً.
والأردن هو البلد الوحيد الذي يتحقق مع المسافرين العراقيين في مطار عمان عن المذهب (سني أم شيعي)، وكل من لقبه الموسوي يمنع من الدخول.

ورغم تحذيراتنا لهم أن من يحفر جباً لأخيه يقع فيه، ومن أشعل الحرائق في بيت جاره فلا بد أن تلتهم النيران بيته، إلا إن صيحاتنا هذه وقعت على أذن صماء. وما بشار الأسد بأفضل منهم، إذ كان إلى أواخر عام 2010 قد جعل من سورياً محطة لاستقبال وتدريب وتمويل وإرسال الإرهابيين القتلة إلى العراق للفتك بشعبه، وتدمير ممتلكاته ومؤسساته الاقتصادية، إلى أن انقلب السحر على الساحر، فوصلت نيران الإرهاب إلى بلدانهم، فها هي سوريا عبارة عن خرائب وأنقاض، ونصف شعبه مشرد ومهجر إما في الداخل أو في الخارج تدمى عليهم القلوب.

وأخيراً وصلت النيران إلى الأردن، وما حصل من قتل بربري للطيار الأردني، معاذ الكساسبة عن طريق الحرق حياً، تلك الجريمة البشعة التي اقشعرت منها الأبدان، وأصابت العالم بالصدمة والذهول لهول القسوة في قتل البشر، فهو أول الغيث. وهذه الطريقة في القتل هي اختراع جديد ونقلة نوعية وتصعيد في الوحشية في الاعدامات التي تمارسها داعش لتحقيق أكبر قدر من الرعب وعلى الطريقة الداعشية. فالإرهاب يراهن على ما يثيره من رعب في المجتمع عن طريق القسوة. ويبدو أنهم نجحوا في ذلك، إذ ما أن اعلنت داعش عن الإعدام وبهذه الطريقة الوحشية حتى وأعلنت حكومة الإمارات العربية انسحابها من التحالف الدولي ضد الإرهاب، خوفاً من وقوع طياريها في الأسر وحرقهم. وهذا بحد ذاته نصر للإرهاب ونجاح لطريقتهم الوحشية.

والجدير بالذكر أنه تبين أن الدواعش قد نفذوا الإعدام بحق الطيار الأردني قبل أسابيع، ومع ذلك كانوا يساومون الحكومة الأردنية على إطلاق سراح البهيمة الإرهابية، ساجدة الريشاوي التي شاركت في عملية إرهابية في عمان قبل 9 سنوات، وفشلت في تفجير الحزام الناسف، الأمر الذي يدل على مدى خبث ودهاء الدواعش، فكان الغرض من هذه المساومات هو الكسب الإعلامي ليس غير. 

ورب ضارة نافعة، فجريمة إعدام الطيار الأردني، رغم وحشيتها وقسوتها، إلا أنها كانت ضربة صادمة لإيقاظ الأردنيين، حكومة وشعباً، من غفلتهم وغفوتهم وحتى غيهم وتعاونهم مع الإرهاب، وليأخذوا الموقف الصحيح منه. وأعتقد أن الاجراءات التي أعلنها العاهل الأردني "أننا نخوض هذه الحرب لحماية عقيدتنا وقيمنا ومبادئنا الإنسانية، وأن حربنا لأجلها ستكون بلا هوادة، وسنكون بالمرصاد لزمرة المجرمين وسنضربهم في عقر دارهم". كان موقفاً صحيحاً، وعليه أن يستثمر هذه الفرصة لضرب المشاركين الأردنيين في الإرهاب، والمتعاونين معه، و المتخاذلين الذين يطالبون الحكومة الأردنية بالانسحاب من التحالف الدولي ضد الإرهاب، لكي يحموا أنفسهم من شرور داعش، كالموقف الإماراتي، فهؤلاء في الحقيقة إما هم من أنصار الإرهاب، أو المتخاذلين الجبناء. إذ كما قال هاري ترومان: "إذا واجهت وحشاً يجب أن تعامله كوحش". فأي تخاذل وتساهل مع الإرهاب يؤدي إلى تمادي الإرهاب وتفشيه وخراب البلاد والعباد.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
في الاردن استقبال رسمي وشعبي للدواعش القتله
https://www.youtube.com/watch?v=EmhwIwC5ybs

عبدالخالق حسين: مشكلة العرب أن الطائفية عندهم أقوى من القومية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=0&userID=26&aid=118028


7
إياكم وقطع الأرزاق!!

د.عبدالخالق حسين

قالت العرب: "قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق". يجري في العراق الآن قطع الأرزاق وتحت مختلف الحجج، وهذا نذير بقطع أعناق المتسببين، إذ للصبر حدود. فالكثير من مشاكل العراق هي صناعة محلية، ومن إنتاج أبناء البلد، وسوء الإدارة ولاأبالية الذين بيدهم الحل والعقد وهم في قمة السلطة. فلو لم تكن عقلية المجتمع مهيأة للخديعة لما استطاع الأجانب تمرير مؤامرتهم التدميرية. ونحن لا نتكلم هنا عن "داعش" وأخواتها، ومن وراءها، فقد كتبنا الكثير عن هذه الكارثة، بل نتحدث عن إجراءات تعسفية من قبل المسؤولين ضد المواطنين العزل العاملين في المؤسسات الحكومية، ليس لهم أي مصدر آخر للعيش سوى رواتبهم، مقابل ما يبذلونه من جهود فكرية وعضلية في عملهم ليجعلوا ماكنة الدولة تعمل كما يجب.

تفيد الأنباء أن السلطة قطعت رواتب العاملين في عدد من المعامل والمؤسسات بذريعة عدم صدور قانون الموازنة لعام 2014، ونحن الآن في عام 2015. والسؤال الذي يجب توجيهه للمسؤولين، سواء كانوا أعضاء في البرلمان، الذين عرقلوا صدور القانون، أو أعضاء في مجلس الوزراء (السلطة التنفيذية)، هل عدم صدور هذا القانون أدى إلى وقف رواتبهم الخيالية ورواتب عناصر حماياتهم؟
الجواب ألف كلا، فما زلنا نقرأ ونسمع عن البذخ الحكومي على أمور تافهة بمليارات الدولارات مثل نثريات الرئاسات الثلاث والوزارات، ومئات وكلاء الوزراء، وآلاف المستشارين بالاسم، ليس لشيء إلا لأنهم أقرباء وأصدقاء المسؤولين الكبار في الدولة لاستلام رواتب بدون مقابل، إضافة إلى أعداد كبيرة من "الفضائيين" الذين تذهب رواتبهم إلى المسؤولين الكبار. كذلك ما تقدمه الحكومة من تبرعات بملايين الدولارات أيضاً إلى حركات سياسية خارجية، وأخيراً سمعنا عن دعوة العراق لعقد مؤتمر الدول الإسلامية في بغداد في العام القادم، طبعاً لأغراض دعائية فقط، ولا شك فإن عقد هكذا مؤتمر سيكلف خزينة الدولة الملايين إن لم نقل مليارات الدولارات ... والناس من حقها أن تسأل الحكومة عن جدوى هذا البذخ في أيام الشدة وإنهيار أسعار النفط.

أستلم يومياً رسائل استغاثة من عدد غير قليل من القراء في العراق، يشكون همومهم بسبب عدم دفع رواتبهم، كما حصل لموظفي وموظفات (شركة الزيوت النباتية في بغداد)، مما أدى إلى القيامهم بتظاهرات احتجاجية، ولكن دون أن يستجيب لهم أي مسؤول. فهل سأل المسؤولون أنفسهم كيف يعيش هؤلاء الموظفون بدون راتب وهو المصدر الوحيد لمعيشة عائلاتهم؟

وليس معمل الزيوت النباتية هو الوحيد في هذه المحنة، بل هناك الكثير من المؤسسات الحكومية تواجه نفس المحنة، ومن بينها (معمل الورق في مدينة الدير بالبصرة) الذي أنشأه الزعيم عبدالكريم قاسم قبل خمسين سنة، وكان ينتج سنوياً آلاف الأطنان من مختلف أنواع الورق والكارتون، يغطي حاجة العراق، وحتى كان يقوم بإعادة تصنيع الأوراق المستهلكة من الجرائد القديمة وغيرها، مما يحافظ على نظافة البيئة. وتعرض المعمل للتلف في بعض أجزائه أيام حروب الطاغية العبثية، وبقي عاطلاً عن العمل رغم مرور 11 عاماً على تحرير العراق. وقد علمتُ من مصدر مطلع، أن الشركة الأجنبية التي بنت المشروع قبل خمسة عقود، أبدت استعدادها لإعادة إعماره وتحديثه إلى أرقى ما توصلت إليه التكنولوجية اليوم وبإنتاجية أكبر وأفضل، ولكن رفض المسؤولون ذلك وكأنهم متعمدون في إبقاء الخراب، وإبقاء العراق بلداً مستورداً لكل شيء. فقد كتب لي صديق يعمل في هذا المعمل وهو يسكن في منطقة المعقل، ويقطع يومياً مسافات طويلة ذهاباً وإياباً للدوام، ولكنهم لا يعملون ولا ينتجون أي ورق. ويداومون يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع لتسجيل حضورهم فقط، وكذلك رواتبهم توقفت في الآونة الأخيرة بعد أن كانت تدفع لهم بصورة متقطعة في السنوات السابقة.

فالمفروض بالحكومة الوطنية الديمقراطية أن تشجع الصناعات الوطنية وتحميها من غزو الصناعات الأجنبية، من أجل إيجاد الوظائف للأيدي العاملة وحل مشكلة البطالة. هذه السياسة اتبعتها الصين الشعبية وحققت بها نهضة اقتصادية كاسحة. ولكن مع الأسف الشديد ما يجري في العراق هو العكس. فكم تصرف الدولة لمحاربة الإرهاب، لا شك بالمليارات. بينما تكاليف إيجاد الوظائف للعاطلين عن العمل يكلف أقل بكثير. فالوقاية خير من العلاج، وأقل تكلفةً.

وماذا عسى الموظف والموظفة أن يعملا في حالة انقطاع الراتب؟
فكتب التراث تخبرنا أن أبا ذر الغفاري قال: " إني لأعجب من امرئٍ لا يجد قوتا في بيته ولا يخرج شاهرا سيفه  في وجوه الناس". أما في يومنا هذا فهناك مجال واسع لإستغلال المعدَمين من قبل الإرهابيين. إذ قرأت قبل سنوات في إحدى الصحف البريطانية عن مهندس عراقي عاطل عن العمل، استلم عرضاً من قبل الإرهابين لتفجير أنبوب نفط في محافظة البصرة مقابل 600 دولار. فقطع الأرزاق يوفر أرضية خصبة لجر هؤلاء البؤساء إلى الإرهاب، ولسان حالهم يقول: (وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان). فالبطالة والفساد وسوء الإدارة وجه آخر للإرهاب.

لقد صرفت الدولة مئات المليارات الدولارات على إعمار العراق، ولذلك من حق المواطن أن يسأل المسؤولين في الدولة: أين ذهبت هذه المليارات، ولماذا معظم المعامل الإنتاجية عاطلة عن الانتاج مثل معمل الورق في البصرة، رغم مرور 11 سنة على تحرير العراق من الفاشية البعثية؟ هذه المشكلة يمكن حلها إذا كان المسؤولون في قمة الدولة حريصين على مصلحة الوطن، ويقدمون أنفسهم كمثال للوطنية ووالنزاهة والتضحية وخدمة المواطنين، واحترام القوانين.
فالعراق ليس بلداً فقيراً ليعاني شعبه من الفقر. لذلك نعتقد أن بإمكان الحكومة أن تدفع رواتب الموظفين دون أي تعطيل، وإلا فإن ثورة الجياع قادمة، وستحرق الأخضر بسعر اليابس، وعندها سوف لا يفيد الندم.
سُئل شيشرون ما هي صفات الحكومة الجيدة، فأجاب: "عندما يطيع الناس الحكام، والحكام يطيعون القوانين".

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl


8
هل داعش صناعة أمريكية؟
د.عبدالخالق حسين

منذ ظهور منظمة (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، اختصاراً "داعش" الإرهابية، على الساحة، بدأ سجال فيما إذا كان لأمريكا يد في تأسيسها. فهناك العديد من الكتاب يرون أن أمريكا هي التي صنعت داعش بمثل ما صنعت من قبل "القاعدة" وعشرات المنظمات الجهادية في أفغانستان لإسقاط النظام الشيوعي فيه والاتحاد السوفيتي منه واستنزافه وإنهياره فيما بعد. وآخرون، ينفون ذلك بشدة. ولكل فريق أدلته، مستندين على حقائق التاريخ القريب والبعيد، كما وهناك خلط الأوراق والالتباس والضبابية في الرؤيا. وإذ نعود إلى هذا الموضوع ليس لترف فكري، أو أكاديمي، بل لما له من تأثير عملي في مواجهة هذا الوحش الذي بات يهدد البشرية في كل مكان.

وفي هذا الخصوص يقول الكاتب الكويتي الليبرالي المعروف، الأستاذ أحمد الصراف: " إن «داعش» ليس صنيعة صهيونية ولا أميركية أو روسية أو إسرائيلية، بل حركة دينية متطرفة، قد تجد تمويلا هنا أو هناك، إلا أن افرادها ليسوا بمرتزقة، فالمرتزقة هدفهم المال، أما مقاتلو «الدولة» فهدفهم السبايا والغنائم، أو الحور العين إن قتلوا، فالموت بالنسبة اليهم شهادة، والدليل أن بينهم من ترك عمله وأهله وجامعته ليقاتل أو يقتل. ولو نظرنا للشحن الديني، الذي قامت به عشرات آلاف المدارس والكتاتيب الدينية في دولنا وحتى في مدارس المسلمين في الدول الغربية، على مدى نصف قرن تقريبا التي سبق أن تسببت في ظهور طالبان والقاعدة والتنظيمات المتطرفة الأخرى في باكستان وافغانستان وسوريا والعراق وغيرها، لما استغربنا أبدا ظهور داعش بيننا، فهؤلاء هم ثمار ذلك الغرس الطائفي المتطرف."

لا شك أن معظم هذا الكلام صحيح ومنطقي لا غبار عليه، ولكنه ليس كل الحقيقة فيما يخص وجود داعش في العراق وسوريا، إذ نتحفظ على الجملة الأولى (إن «داعش» ليس صنيعة صهيونية ولا أميركية أو روسية أو إسرائيلية،)،لأنها مثيرة للخلاف والجدل، وتحتاج إلى مناقشة هادئة عسى أن نصل إلى الحقيقة. فالنصوص الدينية التي تستند عليها المنظمات الإرهابية في ارتكاب جرائمها ضد الإنسانية كانت موجودة منذ أكثر من 1400 سنة، وهي عبارة عن ألغام خامدة وقنابل موقوتة تنتظر من يفجرها. وبإمكان القوى الشريرة أن تفجر هذه الألغام متى ما تشاء، وهذا الذي حصل. كذلك أتفق مع الأخ الكاتب أنه لا دخل لروسيا في صناعة الإرهاب، أما إسرائيل فتستغل داعش وتستفيد منها لذا تدعمها عن طريق قصف القوات السورية وحلفائها بين حين وآخر، وهذا يخدم الإرهابيين. أما الدور الأمريكي فيحتاج إلى توضيح.

نود التوكيد أولاً، أن "داعش" وخاصة في العراق، هي ليست مكونة من أناس جهاديين مؤمنين بأيديولوجية دينية فقط، بل هناك جهات خارجية وداخلية تأخذ من الدين وسيلة، التقت مصالحها مؤقتاً مع مصلحة الجهاديين الحقيقيين في "داعش"، لذلك قدمت لهم الدعم بشتى أشكاله وللسيطرة عليهم وتوجيههم لأغراض سياسية معينة على أمل أن تتخلص منهم فيما بعد كما حصل في أفغانستان. ومن هذه الجهات، فلول البعث بمن فيهم ضباط الحرس الجمهوري الصدامي، وجميع الجهات التي لا تريد للعراق نظاماً ديمقراطياً مستقراً، أما أمريكا فتستفيد من داعش لتتخلص من أية حكومة لا ترضى عليها.

فالرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومعه مساعدوه في البيت الأبيض، وتحت تأثير لوبيات وشركات العلاقات العامة (PR)، كانوا يدعون أن سبب وجود داعش في العراق هو "دكتاتورية" نوري المالكي، و"عزله وتهميشه للسنة والكرد في الحكومة"، وأن الحل ليس عسكرياً، بل سياسي، وذلك بتشكيل حكومة شاملة تضم كل مكونات الشعب العراقي، وكأن حكومة المالكي ما كانت شاملة بما فيه الكفاية. وهذا هو الانطباع الذي ضللوا به الرأي العام الغربي والعالمي، ولتبرير امتناع أوباما لمساعدة العراق في حربه على داعش في أول الأمر، ودون أن يسألوا أنفسهم: هل وجود عشرات التنظيمات الإرهابية في العالم سببها المالكي؟ وهل حقاً كان هناك عزل وتهميش للسنة والكرد في حكومة المالكي؟ فالنشاط الإرهابي بدأ في العراق قبل تسلم المالكي لرئاسة الحكومة واستمر بعد تنحيه.

هذه الفرية مع الأسف انطلت على الكثيرين، بينهم أصدقاء طيبين مثل الكاتب المصري، الأستاذ مجدي خليل الذي ذكر في مقاله الموسوم: (أمريكا وداعش)، وفي معرض تبرئته لأمريكا من داعش يقول: "كما أن نور المالكى الذى خرب العراق وأضطهد السنة بتعليمات إيرانية ورفض توقيع اتفاقية أمنية مع أمريكا بتعليمات إيرانية، رغم أن أمريكا هى التى انقذت الشيعة من قبضة صدام، نوري المالكى هذا بعد أن خرب العراق صرخ لأمريكا لكى تنقذه من داعش، فهل يقبل شخص أمريكى عاقل أن يحارب حروب هذا الدكتاتور الفاشل التابع لحكم ولاية الفقيه؟..." انتهى
حقاً، أنه مؤلم أن يصدر هذا الكلام من كاتب ليبرالي، متوقع منه أن يتوخى الدقة والأمانه فيما يكتب، ولكنه مع الأسف يصدق كل ما يتلقاه من الإعلام المضاد، وتنقصه متابعة لما يجري في العراق، إذ يبدو أنه لا يعرف أن الرئيس أوباما هو الذي أصر على سحب القوات الأمريكية منذ حملته الانتخابية الأولى، وأن الاتفاقية العراقية- الأمريكية قد تم التوقيع عليها، وأن الرئيس أوباما رفض دعم العراق ضد داعش إلا بعد أن انقلب السحر على الساحر، وتجاوزت داعش على الخطوط الحمراء المرسومة لها وخرجت عن السيطرة. فأوباما لم يأمر بضرب داعش بالقوة الجوية ويشكل التحالف الدولي من أجل المسيحيين واليزيديين، كما قال السيد مجدي خليل، إلا بعد أن توجهت داعش لإحتلال أربيل وباتت تهدد المصالح الأمريكية المتمثلة في عشر شركات أمريكية كبرى فيها.(1)

كذلك نشير إلى الحملة الضارية منذ سنوات ضد تسليح الجيش العراقي من قبل الشركاء في (حكومة الشراكة الوطنية) من الكرد والسنة العرب وتحت مختلف المعاذير، فالسيد مسعود بارزاني ضد تسليح الجيش العراقي، متذرعاً بجرائم صدام حسين والأنفال وحلبجة، و"دكتاتورية المالكي" المزعومة، فيعامل الحكومة الفيدرالية الديمقراطية، التي للكرد حصة الأسد فيها، كتعامله مع نظام صدام المستبد الجائر. وتبين فيما بعد أن غرض هؤلاء جميعاً، وامتناع أوباما عن تسليح الجيش العراقي هو لتسهيل مهمة داعش.
فداعش اليوم تضم في صفوفها ليس فقط  أولئك المهووسين بحور العين والولدان المخلدين ودخول الجنة في أقرب وقت، بل هناك فلول البعث، والذين يرفضون الديمقراطية لأنهم يرفضون المساواة مع المكونات الأخرى في حكم العراق، وقالها صراحة مفتي العراق، الشيخ رافع الرفاعي، أنهم يرفضون شيعياً على رأس الحكومة، أي أنهم يرفضون الديمقراطية. وهذا كل ما في الأمر.

فالبعث تنظيم مايفيوي أخطبوطي متفنن في توظيف كل شيء لصالحه، ولم يتردد في التعاون والتحالف مع أية جهة، وحتى مع إسرائيل، ومع أشد الحكومات رجعية مثل السعودية وقطر وتركيا والأردن في سبيل الاستيلاء على السلطة. والمعروف أن البعث جاء إلى السلطة في العراق مرتين، عام 1963 ، وعام 1968 بالقطار الأمريكي، وهناك مذكرات لبعثيين، ودراسات أكاديمية أمريكية تؤكد ذلك. والنظام الأردني ليس بريئاً في دعم داعش، إذ أصبح حاضناً لأعداء العراق الجديد، أدرج أدناه رابط فيديو يشاهد فيه إستقبال رسمي وشعبي للدواعش القتلة(2). وهذا لا يمكن أن يحصل بدون موافقة الحكومة الأردنية.
وخلافاً لما يردده الإعلام الغربي بأن البعث علماني لا يمكن أن يتعاون مع "القاعدة" و"داعش" وغيرهما من المنظمات الإسلامية الإرهابية، فهذا الكلام للتغطية والتضليل وليس عن سذاجة والجهل. فقد ذكر الباحث الدكتور فالح عبدالحبار لفضائية (العربية)، أن صدام حسين في السنوات الأخيرة من حكمه أدخل نحو 6 آلاف مقاتل من تنظيم "القاعدة" إلى العراق. كما وقام خلال حملته الإيمانية بجلب مشايخ وهابية لوهبنة العراقيين السنة، وتكفير الشيعة وجعل قتلهم مفتاحاً لدخول الجنة.

هل لأمريكا دور في صنع داعش؟
يرى البعض أني طالما دعوتُ وما زلتُ أدعو إلى علاقة استراتيجية حميمة مع أمريكا، فهذا يعني أني أناقض نفسي إذا ما انتقدت أمريكا. ففي رأي هؤلاء يجب أن أقبل كل ما يصدر من أمريكا حتى ولو كان ضد العراق. وهذه النظرة ناتجة عن قصر نظر وعمى الألوان لا يرى غير الأسود والأبيض. وقد وضحت موقفي هذا في مقال سابق بعنوان: (العلاقات العراقية-الأمريكية إلى أين؟) قلت فيه: ((في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة، لذلك وبعد الهجمة البربرية الشرسة من قبل منظمة داعش الإرهابية، وتلكؤ أمريكا في تقديم الدعم لجيشنا الباسل في مقارعة الإرهاب ضمن إطار الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية الموقعة بين البلدين، وتحت مختلف الأعذار الواهية، انتقدنا أمريكا. ولهذا السبب، فعندما تبنت أمريكا موقفاً جديداً من العراق، فمن الطبيعي أن نمارس حقنا في أخذ موقف جديد منها. إذ نعتقد أن إدارة أوباما قد وقعت تحت تأثير اللوبيات في واشنطن والتي هي نتاج جهود شركات العلاقات العامة التي يُدفع لها بسخاء من قبل أعداء الديمقراطية العراقية الوليدة في الداخل.(3 و 4)
كما وبات معروفاً أن المنظمات الجهادية الإسلامية مثل القاعدة وطالبان في أفغانستان وباكستان وغيرها، ساهمت أمريكا ودول غربية أخرى في صنعها، وبأموال سعودية، بشحنهم بالفكر الوهابي التكفيري، في محاربة النظام الشيوعي في أفغناستان وطرد القوات السوفيتية. ونجحت هذه المحاولات وتم لهم ما أرادوا، ولكن من نتائجها الجانبية غير المقصودة، جريمة 11 سبتمبر 2001، التي غيرت سياسات أمريكا والغرب 180 درجة، ولو إلى حين!

كذلك يعرف الجميع أن الجهات المتورطة مباشرة في تشكيل ودعم داعش هي السعودية وقطر وتركيا والأردن. ولاشك أن هذه الحكومات تحت سيطرة أمريكا ولا يمكنها أن تقوم بهذه الأعمال الخطيرة بدون موافقة ومباركة أمريكا. وأكد الباحث الأمريكي مايك وتني (Mike Whitney) دور أمريكا في دعم داعش. (رابط رقم1)، وبحث آخر يؤكد أن ما يجري في المنطقة هو جزء من إستراتيجية إسرائيل منذ الثمانينات من القرن الماضي (5). فالغرض من خلق داعش هو لضرب أية حكومة لا تساير سياسات أمريكا وإسرائيل في العالم.
كما وصرح الدكتور حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي لصحيفة (الحياة) اللندنية في عددها الصادر يوم 20/1/2015، أن أبوبكر البغدادي هو خريج معتقل بوكا في البصرة، الذي كان تحت إدارة الأمريكيين.(6)، وهذا السجن يعتبر كلية أو جامعة تخرج منها أغلب الإرهابيين العراقيين من تنظيم داعش.
ولكن في معظم الأحيان هناك نتائج غير مقصودة، فداعش في العراق ليست منظمة متجانسة مائة بالمائة، إذ كما بينا أعلاه، هناك من الجهاديين وآخرون من البعثيين انضموا لداعش لتحقيق أغراضهم.   

العلاقة مع إيران
والملاحظ أيضاً أن الذين يدعمون داعش يؤاخذون على الحكومة العراقية علاقتها المسالمة مع إيران، فهم يريدون من العراق أن يتبع نهج البعث الصدامي في تبني سياسة العداء لهذه الدولة التي نشترك معها بحدود تقدر بأكثر من 1400 كيلومتر، وتاريخ لآلاف السنين، في الوقت الذي هم يرسلون إلينا الإرهابيين للقتل والتخريب. إذ كما قال الدكتور العبادي في نفس المقابلة مع صحيفة الحياة: «...كانت إيران سباقة، فهي منذ الأسبوع الأول [من هجمة داعش]،أنشأت جسراً جوياً لنقل الأسلحة إلى العراق، إلى كردستان وبغداد، وهذا لم يكن سراً... وهناك مصالح مشتركة عراقية- إيرانية في الحرب على "داعش"، فأنا لا أشك في أن الإيرانيين يدافعون بصدق عن العراق، لأن تهديد "داعش" يتجاوز العراق، وهو خطر حقيقي على ايران...التدخل الإيراني بهذه السرعة لمساعدة العراق، كان قضية استراتيجية...» (نفس المصدر-6).
كذلك صرح الجنرال مارتن ديمبسي رئييس هيئة الاركان المشتركة الامريكية، أن (الوجود الإيراني في العراق "إيجابي")(7)، إضافة إلى ما صرح به مستشار للرئيس أوباما: «على الكونغرس ترك إيران وشأنها»(8). وأخيراً، قال الرئيس أوباما في خطابه يوم 20/1/2015: "فرض عقوبات على ايران سيفشل الجهود الدبلوماسية".

وهكذا، نرى أن علاقة العراق الإيجابية مع إيران تخدم العراق وأمريكا على حد سواء. كما وبات مؤكداً أن السعودية، وليست إيران، هي التي تشكل خطراً على المنطقة والعالم، وقد بدأ الأمريكان يدركون هذه الحقيقة. فهاهو (سيناتور أمريكي سابق اطلع على 28 صفحة سرية بتحقيقات تمويل هجمات 11 سبتمبر: هناك إشارة قوية موجهة نحو السعودية.)(9)
وإذا كان كل ما ذكرنا آنفاً لم يكفِ لإثبات دور أمريكا في صنع القاعدة وداعش، فنعيد على أذهان تصريحات السيدة هيلاري كلنتون، (وشهد شاهدً من أهبها)، لتؤكد فيها هذه الحقيقة المرة بالصوت والصورة. يرجى مشاهدة الفيديو في الهامش(10).
ومن كل ما سبق، نعرف أن لا بد ولأمريكا دور في صنع داعش، ولكن في أغلب الأحيان ينقلب السحر على الساحر، وعلى أمريكا والحكومات الغربية وأتباعها في المنطقة، أن لا تلعب بالنار، فداعش والقاعدة وطالبان وغيرها من المنظمات الإرهابية التي صنعوها، لا بد وأن تخرج عن سيطرتهم، وتنقلب عليهم كما انقلبت "القاعدة" وقامت بجريمة 11 سبتمبر 2001.

ولكن على رغم كل ما تقدم من أخطاء أمريكا، فإننا مازلنا ندعو الحكومة العراقية إلى إقامة علاقة إستراتيجية مع أمريكا لكي يعيش العراق بسلام، فالعراق بوضعه الحالي الممزق، وتكالب الأعداء عليه، لا يستطيع التخلص من مشاكله الكثيرة والوحوش الإرهابية الداعشية البعثية الضارية إلا بمساعدة الدولة العظمى. وأقول للإسلاميين وغيرهم من المؤدلجين بأيديولوجية العداء لأمريكا، أن يتذكروا ما قاله الرسول (ص) عند فتح مكة وهو في حالة قوة: "من دخل بيت أبي سفيان فقد آمن"، وهو يعرف جيداً حقيقة أبي سفيان وزوجته هند آكلة كبد عمه الحمزة. وبالمثل، أقول: من تحالف مع أمريكا فقد آمن. وهذه العلاقة لا تعتبر انبطاحاً كما يحلو للبعض ترديد هذه العبارة النشاز. فثلث العراق الآن تحت بساطيل داعش، وهل هناك إهانة للعراق أكبر من هذا؟
لذلك أؤكد أنه لا يمكن حل المشاكل الكبرى بالعنجهية والمكابرة، بل، بالاعتراف بأن السياسية وراء المصالح، و فن الممكن، وليس فن العنتريات والبلطجة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- MIKE WHITNEY: Splitting up Iraq: It’s all for Israel
http://www.counterpunch.org/2014/06/20/its-all-for-israel/

2- في الاردن إستقبال رسمي وشعبي للدواعش القتلة
https://www.youtube.com/watch?v=EmhwIwC5ybs

3- عبدالخالق حسين: العلاقات العراقية- الأمريكية.. إلى أين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=664

4- د.عبدالخالق حسين: تقسيم العراق لصالح إسرائيل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=663

5- A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties, Oded Yinon, monabaker.com
http://www.monabaker.com/pMachine/more.php?id=A2298_0_1_0_M

6- العبادي لـ «الحياة»:: معلوماتي أن الأميركيين والإيرانيين يتجهون نحو اتفاق
تعرضت لمحاولة إغتيال (مقابلة صحيفة الحياة)
http://alhayat.com/Articles/6925786/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8

7- ديمبسي : الوجود الإيراني في العراق "إيجابي"
http://alghad-iq.com/ar/news/19865/%D8%AF%D9%8A%D9%85%D8%A8%D8%B3%D9%8A-

8- مستشار للرئيس أوباما: على الكونغرس ترك إيران وشأنها
http://www.akhbaar.org/home/2015/1/183810.html

9- سيناتور سابق اطلع على 28 صفحة سرية بتحقيقات تمويل هجمات 11 سبتمبر: هناك إشارة قوية موجهة نحو السعودية
http://www.akhbaar.org/home/2015/1/183553.html

10- هيلاري كلينتون تعترف أنهم من أنشأ تنظيم القاعدة
https://www.youtube.com/watch?v=9_2B0S7tj9E


9
الأغبياء يخدمون أعدائهم

د.عبدالخالق حسين

قالوا: "يفعل الجاهل بنفسه كما يفعل العدو بعدوه". وهذا ينطبق كلياً على الإرهابيين الجهلاء. ولو لم يكونوا جهلاء لما نجح المحتالون النصابون من مشايخ الإرهاب في غسل أدمغتهم الفارغة وملئها بالأفكار التكفيرية التدميرية. فهؤلاء الجهلة هم أيضاً ضحية آلهة الشر الذين أسسوا القاعدة ولقيطاتها: داعش، وجبهة النصرة، وبكوحرام وغيرها، ورضوا أن يقدموا أنفسهم طواعية كقنابل و روبوتات بشرية لتنفيذ ما أملي عليهم، بقتل الأبرياء وقتل أنفسهم، بعد شحنهم بثقافة تمجيد الموت واحتقار الحياة، والكراهية ضد الآخر المختلف، والهوس الجنسي بحور العين والولدان المخلدين في جنة وهمية من صنع الخيالات المريضة لأناس عاشوا في العصور الغابرة، عندما كانت الحضارة في مراحلها الجنينية، أي مرحلة الخرافة واللاعقلانية.

فبعد جريمة باريس (7/1/2014 )، نسأل: من الخاسر ومن الرابح من هذه المجزرة الرهيبة؟
الخاسر الأول والأكبر هو الإسلام والمسلمون. والرابح الأكبر هم المستهدفون من هذه الجريمة، أي الشعوب والحكومات الغربية وإسرائيل، التي أراد الإرهابيون الانتقام منهم. وكذلك اليمين الأوربي المتطرف، الذي يغذي العداء ضد الأجانب وبالأخص الجاليات الإسلامية في الغرب، فيريدون إظهار الإسلام كدين بدوي متخلف، وايديولوجية للإرهاب ضد الحضارة الإنسانية، وتشويه صورة المسلمين وإبرازهم كبرابرة معادين للحضارة البشرية والقيم الإنسانية النبيلة و الحرية والإخاء والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة وغيرها كثير. وقد نجح الإرهابيون بامتياز في تحقيق هذه الأغراض لأعدائهم.

فعلى أثر هذه الجريمة، تمسكت الشعوب الغربية وحكوماتها بوحدتها، وتصلبت عزيمتها، واشتد تصميمها على السير قدماً في الدفاع عن قيمها الحضارية، إذ دائماً هناك "نتائج غير مقصودة لأفعال المقصودة" كما يقول آدم سميث. حيث عبرت الجماهير في كل أنحاء العالم، وخاصة في الدول الغربية عن إرادتها، وتضامنها، ووحدتها ورفضها الشديد للابتزاز، وعدم التخلي عن قيمها الحضارية الإنسانية النبيلة التي كانت شعار الثورة الفرنسية (الحرية والإخاء والمساواة)، والتي هي نتاج  تراكمات الفلسفات الغربية ابتداءً من اليونانية القديمة ومروراً بمرحلة النهضة والتنوير، وإلى يومنا هذا، ولا يمكن أن يتخلوا عنها بالإرهاب ليتبنوا أفكار الوهابية وتعاليم بن لادن والقرضاوي وصالح الفوزان وغيرهم من الدينصورات البشرية. فالذي حصل هو بالضبط عكس ما أراد له الإرهابيون ومن وراءهم. وهذا هو منطق التاريخ.

وعلى سبيل المثال، ورغم اهتمامي بالقضايا السياسية و الإعلامية والفكرية، لم أسمع يوماً بمجلة اسمها (تشارلي إبدو). وهاهي اليوم صارت المجلة أشهر من نار على علَم، حيث كان عدد النسخ المطبوعة أسبوعياً لا يزيد على 60 ألف نسخة، وإذا بها وبعد أسبوع من الجريمة طبعت يوم 14/1/2014 ثلاثة ملايين نسخة، فنفدت بعد ساعات، فقامت الإدارة بطبع مليونين نسخة أخرى "فبلغ مجموع النسخ المطبوعة من العدد الأخير خمسة ملايين بعدما كانت تطبع في الماضي 60 الف نسخة اسبوعياً. كما وطبع العدد الجديد بست لغات، من بينها الإنجليزية، والعربية، والتركية، ...". كما وشاهدنا من على شاشات التلفزة، الطوابير أمام محلات بيع الصحف لشرائها، و يظهر على صفحتها الأولى الرسم الكاريكاتيري للنبي محمد وهو يبكي بينما يحمل ورقة مكتوبا عليها "أنا شارلي".(1)
فمن الرابح في هذه الحالة؟

المشكلة أنه بعد "غزوة باريس"، طلع علينا عدد غير قليل من الكتاب بمقالات يحاولون فيها تبرير الجريمة وإلقاء اللوم على الدول الغربية. بل وبلغ التطرف بالبعض ليقول أن الحكومة الفرنسية وإسرائيل هما وراء هذه الجريمة لأغراض دعائية ولتشويه صورة الإسلام والمسلمين، وإيجاد المبررات لضرب الشعوب العربية والإسلامية، نفس المعاذير التي سمعناها بعد جريمة 11 سبتمبر 2001، إذ أدعوا أن القائمين بها هم من الاستخبارات الأمريكية (CIA) والإسرائيلية (موساد)، من أجل خلق الذريعة لاحتلال أفغانستان والعراق، وإضعاف الدول الإسلامية. ومازال البعض من ذوي النوايا الحسنة يؤمنون إيماناً قاطعاً بهذه النظرية. في الحقيقة، هذا التفسير والتبرير لا يقل خطورة من الإرهاب نفسه. ولا أدري لماذا تقوم هذه الحكومات بقتل الأبرياء من شعوبها لتوفير الذريعة لإسقاط حكومة طالبان الإرهابية في أفغانستان، وحكومة البعث الصدامية الفاشية في العراق، وكل المبررات موجودة مسبقاً.

كما وأود التوكيد أني لا أريد هنا تبرئة بعض الدول الغربية في تشكيل المنظمات الإرهابية الإسلاموية لخدمة أغراضها، إذ بات معروفاً دور أمريكا في تأسيس "القاعدة" بأموال السعودية وأيديولوجتها الوهابية من أجل طرد القوات السوفيتية من أفغانستان، والإطاحة بالحكومة الشيوعية فيها، وهذا الموضوع يحتاج إلى مقال مستقل. ولكن أن نقول أن الحكومة فرنسية وإسرائيل خططتا لجريمة باريس الأخيرة ولأغراض دعائية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين فهو غير قابل للتصديق مطلقاً، ومثير للضحك والسخرية. فالذي يقوم بتشويه صورة الإسلام والمسلمين هم الإرهابيون الإسلاميون أنفسهم ومن يدعمهم من حكومات قبلية رجعية مثل السعودية وقطر وتركيا، وأصحاب الفتاوى المضحكة المسيئة لٌلإسلام.

يجب أن يعرف الإرهابيون ومن وراءهم، أنه لا يمكنهم مطلقاً إلحاق الهزيمة بالغرب المتسلح بالعلم والفلسفة، والفنون، والتكنولوجية المتطورة، والذي بإمكانه أن يحوِّل أكبر كارثة إلى فرصة للنجاح له، وإلحاق الهزيمة بالعدو. وعلى سبيل المثال استغلت إسرائيل هذه الجريمة لمصلحتها، فعملت على نقل جثامين القتلى اليهود الأربعة وهم مواطنون فرنسيون، إلى إسرائيل لدفنها هناك، للكسب الدعائي وإظهار نفسها بالضحية، وأنها مهددة بالإبادة من قبل العرب والمسلمين، وبذلك فهي معذورة لما تقوم به من إجراءات ضد الفلسطينيين !!

فالعقلية الوهابية البدوية هي التي تقدم المبررات لتشويه صورة الإسلام والمسلمين، ومنظمو الإرهاب  هم المسؤولون عن هذه الحملة ضد العرب والمسلمين في العالم. إذ كما قال الباحث في الدراسات الإسلامية، الدكتور غسان ماهر السامرائي: " ولكننا نحن الذين نقدم أنفسنا بأنفسنا على طاولة المشرحة، أولاً بالفكر الهمجي البعيد عن الدين الحق، وثانياً بإشاعة الجهل وغسيل الدماغ لهؤلاء "الصبية" ليكونوا أدواة بيد من لا يرحم...". 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- بي بي سي: شارلي إبدو تطبع 5 ملايين نسخة من عددها الجديد ورسم النبي محمد على غلافه
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2015/01/150114_france_paris_charlie_new_issue

2- عبدالخالق حسين: الحضارة في مواجهة البربرية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=708

3- سعيد ناشيد: ما هو النفاق؟
http://www.alarab.co.uk/?id=9033

4- عادل نعمان : أنتم منافقون وفى الدرك الأسفل من النار
http://www.elwatannews.com/news/details/640902


10
الحضارة في مواجهة البربرية

د. عبدالخالق حسين


قال العلامة ويل ديورانت (Will Durant) في سِفره العظيم (قصة الحضارة)، "أن استمرار الحضارة ليس مضموناً، فمازال هناك احتمال العودة إلى الهمجية والعصور الحجرية". وإذا كان الخطر إبان الحرب الباردة متأتٍ من الحرب النووية بين المعسكرين العملاقين، الشيوعي والرأسمالي، فاليوم الخطر هو من فاشية العصر، الإرهاب الإسلامي الوهابي. فما يجري من تصعيد للأعمال الإرهابية في مختلف مناطق العالم من قبل المتطرفين الإسلاميين وباسم الإسلام، دليل واضح على صحة ما قاله هذا العالم الموسوعي الكبير.

فالجريمة الإرهابية البربرية البشعة التي حصلت في باريس يوم الخميس (7/1/2015) من قبل أتباع المنظمة الإرهابية (الدولة الإسلامية- داعش)، على مقر مجلة "شارلي ابدو" الساخرة، وما حصل بعدها بيوم من هجوم على سوبرماركت يهودي، وراح ضحية الجريمتين المترابطتين 17 قتيلاً، هزت الضمير العالمي، شعوباً وحكومات، ودقت جرس الإنذار بالخطر الماحق على الحضارة، لذلك انطلقت تظاهرات في باريس يوم الأحد 11/1/2015، يتقدمها رؤساء سبعة وأربعين دولة، يداً بيد، لإدانة هذه الأعمال البربرية، كما وانطلقت في نفس اليوم تظاهرات تضامنية في كل أنحاء العالم شاركت فيها الملايين، للتعبير عن التضامن الأممي مع الشعب الفرنسي وحكومته ضد الإرهاب وما يتهدد حضارتنا من مخاطر جدية رهيبة يجب عدم الاستهانة بها، أو التساهل معها.

ولهذا التضامن الواسع وعلى كل المستويات وفي مختلف أنحاء العالم، دلالته الحضارية العميقة، فهو إشارة إلى أن الشعوب والحكومات ليست مستعدة للخنوع والخضوع لابتزاز هؤلاء الإرهابيين، يهددون الحضارة البشرية، ومهما كانت الأسباب التي تدعيها التنظيمات الإرهابية ومن يقوم بإيجاد المعاذير لها.
وخاصة إذا كان هذا الإرهاب موجهاً ضد حرية التعبير التي تعتبر ذروة الحريات التي وفرتها الديمقراطية الغربية كأسلوب حياة للإنسان المعاصر المتحضر، لا تقل قيمة عن الحياة نفسها، وليسوا مستعدين بالتنازل عنها لإرضاء نزوات أناس يريدون إعادة المجتمعات لـ 14 قرناً إلى الوراء أو إلى العصور الحجرية.
غني عن القول، أن هذا الإرهاب هو ليس نتاج تصرفات فردية أو مجموعات صغيرة تتصرف من تلقاء ذاتها، بل هو نتاج تنظيمات إرهابية واسعة ينتمي إليها مقاتلون يعدون بمئات الألوف، تم تحويلهم إلى روبوتات مستعدة للموت بسبب تعريضها لغسيل الدماغ بأيديولوجة التطرف الإسلامي الوهابي، و وراءها حكومات تغذيها عقائدياً، وتدعمها مالياً وإعلامياً وبطرق ملتوية خبيثة تتظاهر بمحاربة الإرهاب، ولكنها في نفس الوقت تدعمه بالخفاء، وتتمتع هذه العصابات بدعم شعبي بنسبة عالية تصل إلى 64% في بعض البلدان العربية والإسلامية حسب بعض استطلاعات الرأي.

ولكن المشكلة أن هناك أناساً نتوسم فيهم سلامة النوايا الحسنة، وغالباً ما يدينون الإرهاب، ومنهم ضحايا الإرهاب ومستهدفون منه، ولكنهم مع ذلك يعانون من ضبابية الرؤيا بسبب كرههم للغرب رغم أنهم يعيشون فيه، فيحاولون إيجاد المبررات والمعاذير لهذا الإرهاب وإلقاء اللوم على الضحايا.

ومن هذه المبررات التي طلع علينا بها البعض، أن مجلة (تشارلي أبدو) نشرت صوراً مسيئة لنبي الإسلام قبل ثلاثة أعوام. وقبلها بسنوات أقيمت ضجة ضد صحيفة دنيماركية ولنفس السبب، وعلى أثرها أقيمت تظاهرات احتجاجية ضد هذه الصحيفة، رافقتها اعتداءات الغوغاء ضد المسيحيين وحرق عدد من السفارات الغربية في البلاد العربية والإسلامية.

ففي الوقت الذي ندين فيه أية إساءة للمقدسات والرموز الدينية، كذلك ندين جميع الأعمال الوحشية البربرية ضد الأبرياء وضد حرية التعبير. لذلك نسأل هؤلاء: لماذا لا يتم الرد على هذه التصرفات المسيئة بالمثل؟ لماذا لا يتم الرد على القلم بالقلم، والفكر بالفكر، وكاريكاتير بكاريكاتير، لماذا يرد على القلم بالرصاص والمتفجرات وبالقتل والاعتداء على الناس الأبرياء العزل؟
فإذا كان المتطرفون الإسلاميون يردون على الفكر بالإرهاب فهذا دليل على إفلاسهم الفكري والأخلاقي وعدم ثقتهم بإمكانياتهم، وقوة دينهم في مواجهة الحجة بالحجة. فالإسلام كدين يعتنقه أكثر من مليار ونصف المليار من البشر، هل حقاً يتأثر برسم كاريكاتير تنشره صحيفة هنا، أو ينشر مقال أو كتاب ضد الإسلام هناك، ويحتاج كل هذه الضجة والإرهاب والأعمال الغوغائية؟ ألا تعتبر هذه الأعمال بحد ذاتها إساءة للإسلام نفسه ومن قبل المسلمين الجهلة؟

البادئ أظلم

ولنسأل: من البادئ؟ فالسبب الذي دفع هذه الصحف الغربية لنشر إساءات لرسول الإسلام هم الإرهابيون أنفسهم الذين ارتكبوا أبشع الجرائم الوحشية، من ذبح الأبرياء وأمام الكاميرات التلفزيونية وهم يصرخون بهستيريا (الله أكبر، لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ويبررون جرائمهم البشعة بنصوص من الكتاب والسنة، والذبح على الطريقة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى تشويه صورة الإسلام ونبي الإسلام وجميع المسلمين في العالم. ولذلك وكما يقول المثل: (البادئ أظلم). في العالم المتحضر تأني حرية التعبير على رأس الحريات، ونقد الأديان على رأس كل نقد، ولم يسلم منهم حتى الديانة المسيحية والمسيح نفسه، وحتى البابا لم يسلم من السخرية، ولكن المؤمنون بالمسيحية يقابلون كل ذلك برحابة صدر، لأن الحضارة الغربية وديمقراطيتها عودت شعوبها على روح التسامح والتعايش مع المختلف، وتقبل النقد ومهما كان جارحاً. وكثيراً ما شاهدنا رؤساء حكومات يُرجمون بالبيض الفاسد والطماطم دون أن يحاسبوا المتجاوزين. فهذه هي روح التسامح التي يمارسونها عملياً، على خلاف المسلمين الذين يدعو دينهم إلى التسامح (وجادلهم بالتي هي أحسن)، ولكنهم يمارسون العنف عملياً، ولا يتحملون حتى صورة كاريكاتير.   

يحاول الاعتذاريون إيجاد المعاذير للإرهابيين، وكل حسب ظروفه وأنواعه، وأحياناً بشكل مضحك ومثير للسخرية. فالاعتداء على مقر مجلة (تشارلي أبدو) وقتل 12 صحفياً من طاقمها إضافة إلى قتل شرطيين (أحدهما مسلم)، كان بسبب نشر كاريكاتير مسيء للرسول محمد. ولكن في نفس الوقت يحاول البعض إلقاء التهمة في هذه الجريمة على إسرائيل بأنها هي وراءها للانتقام من الحكومة الفرنسية لأن الأخيرة اعترفت بحل الدولتين في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي!! طيب، وماذا عن الهجوم على السوبر ماركت الخاص بالمواد الغذائية لليهود (كوشير)، هل إسرائيل كانت وراءه؟
وانبرر الإرهاب يتفير فجأة في حالة الإرهاب في العراق وحرب الإبادة فيه حيث قالوا أن السبب هو تهميش السنة في السلطة من قبل نوري المالكي رئيس الحكومة سابقاً، علماً بأن الإرهاب في العراق بدأ منذ 2003 وقبل أن نسمع باسم المالكي، واستمر حتى بعد تركه رئاسة الحكومة وإلى الآن. فهل هو بسبب توجيه الإهانة للرسول؟
 
كتب لي أحد القراء الكرام تعليقاً على مقالي الموسوم (الشر في خدمة الدين، والدين في خدمة الشر) قال بحق: "وهل العمل الاجرامي في لبنان يوم امس السبت [10/1/2015] في طرابلس وقتل حوالي 35 شخصا كان بسبب اهانة الرسول ايضا علما انهم جميعا مسلمون؟ ما هذا الذي يحدث يا دكتور في البلدان الاسلامية، وأين مشيخة الازهر التي استنكرت حادث باريس ثم في آخر الاستنكار تقول يجب عدم المساس بالرسول وكأنها تؤيد ما حدث من قتل الابرياء لأن لا يوجد طرق اخرى بالرد الا بالقتل مع الأسف."

وتأكيداً لتعقيب الأخ القارئ، فقبل شهر قام طالبان باكستان بقتل 140 تلميذاً وهم في عمر الورود، هل كان ذلك بسبب إهانة الرسول يا مشيخة الأزهر، ويا أيها المبررون للإرهاب؟

وماذا عما يجري من جرائم بشعة في نيجيريا من قتل الأبرياء بشكل عشوائي، واختطاف المئات من الطالبات وإجبارهن على الزواج من "المجاهدين" في تنظيم بكو حرام، وآخرها جريمة ربط طفلة عمرها 10 سنوات بحزام ناسف دون علمها بأنه حزام ناسف، و يفجرونها عن بعد في سوق مزدحم قتلت 19 وجرحت العشرات وأغلب الضحايا مسلمون، فهل كان ذلك بسبب توجيه الإهانة إلى الرسول أو الإسلام... وهناك المئات، بل والألوف من الأعمال الإرهابية التي حصلت وما زالت تحصل كل يوم، ومعظم ضحاياها أبرياء ومسالمون مثل ضحايا 11 سبتمبر 2001، وتفجيرات قطارات الأنفاق في لندن، ومحطة قطار في مدريد، وغيرها كثير وكثير، فهل أساء هؤلاء الضحايا إلى الرسول والإسلام؟
نطالب هؤلاء الإعتذاريين بالكف عن إيجاد المعاذير المضحكة، فبدلاً من اختلاق هذه الأعذار والمبررات، عليهم أن يتخذوا الاجراءات الصحيحة لوقف هذا الجنون لإنقاذ الإسلام الذي اختطفه الإرهابيون.

ما العمل؟
العمل أيها السادة هو ليس في إيجاد التبريرات وتبرير جرائم الإرهابيين، بل بالإجراءات التالية:
أولاً، العمل الجاد، وبالأخص من قبل رجال الدين إدانة الإرهاب، وإصدار الفتاوى بتحريمه واستخدام الحجة والمنطق في مواجهة الخصوم (وجادلهم بالتي هي أحسن). وهذه المسؤولية تقع بالأساس على مشيخة الأزهر لكونها أعلى مرجعية للإسلام السني، ولأن الإرهابيين هم سنة وتبنوا العقيدة الوهابية.

ثانياً، على رؤساء الحكومات العربية والإسلامية أن يحذوا حذو الرئيس المصري الشجاع، السيد عبدالفتاح السيسي، الذي دعا مشيخة الأزهر إلى الثورة لإصلاح الإسلام وتنقيته من العنف. (رابط الفيدو في الهامش)(1)

ثالثاً،
تشجيع حرية التعبير للمثقفين في البلاد العربية والإسلامية، بنشر دراسات للإصلاح الديني، وفسح المجال لهم بنقد الدين ونقد الحكومات، والمطالبة بإيقاف العمل بما يسمى بآيات السيف أو القتال، وبالأحاديث النبوية التي تدعو للعنف (أغلبها ضعيفة)، خاصة وهناك نصوص دينية تؤيد هذا التوجه الإصلاحي مثل علم أسباب النزول الذي يؤكد على السياق التاريخي لهذه الآيات والأحاديث، وأن ذلك السياق لم يعد موجوداً في ظروفنا التاريخية الراهنة، لذا بطل العمل بها.

رابعاً،
محاسبة المشايخ الذين ينشرون التطرف الديني، ويدعون للإرهاب مثل مشايخ الوهابية في السعودية، والشيخ يوسف القرضاوي في قطر، ورافع الرافعي و حارث الضاري في العراق. والضاري هو الذي قال: "القاعدة منا ونحن منها". كذلك محاسبة أولئك الذين يصدرون فتاوى سخيفة ومضحكة تثير السخرية على الإسلام وتشوه صورته، مثل فتاوى بول البعير في معالجة الأمراض، وإرضاع الكبير وغيرها، أدرج أدناه رابط لمقال الكاتب المصري المتنور، عادل نعمان في هذا الخصوص، بعنوان: (هيا نضحك على فتاوى السلف والتابعين)(2).

خامساً، لقد بات معروفاً لذى القاصي والداني، أن الحركات الإرهابية هي نتاج حكومات غنية مثل السعودية وقطر وتركيا، وتدعمها مالياً وعقائدياً وعسكرياً واستخباراتياً وإعلامياً. وكفى تستر الحكومات الغربية على جرائم هذه الحكومات لأسباب اقتصادية نفعية. أدرج أدناه رابط لبحث سفير أمريكي سابق بعنوان (السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية)(3)، يفضح فيه دور السعودية، ويذكر بالأرقام ما صرفته على نشر التطرف الديني الوهابي (87 مليار دولار خلال 25 سنة)، في مختلف أنحاء العالم. فالسعودية تمتلك المال والأيديولوجية الوهابية، وتنشر الإرهاب الديني لكي توقف أو تعطل المد الديمقراطي في المنطقة وإبقاء حكم العائلة الحاكمة الاستبدادي القروسطي المتخلف مدة أطول على جاثماً على صدور الشعب السعودي.
لا شك هناك إجراءات أخرى، ولكن بدون اتخاذ هذه الإجراءات فالنتيجة ستكون وخيمة على البشرية، وخاصة على العالم الإسلامي، وبالأخص على الجاليات العربية الإسلامية في الغرب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- السيسي للأزهر: محتاجين ثورة دينية والدنيا كلها منتظرة كلمتكم
https://www.youtube.com/watch?v=o_Q_xoJG1eE

2- عادل نعمان: هيا نضحك على فتاوى السلف والتابعين
http://www.elwatannews.com/news/details/636820

3- كورتين وينزر: السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية
http://www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11
The link to the original English version
http://www.mideastmonitor.org/issues/0705/0705_2.htm

4- حملة لادانة الهجوم الوحشي على صحيفة (شارلى ايبدو) والوقوف ضد مثيري النعرات العنصرية والكراهية القومية والدينية
http://ehamalat.com/Ar/sign_petitions.aspx?pid=690

5- رجاء بن سلامة: مسؤوليّتنا أمام الإرهاب باسم الإسلام : بيان
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=450116

6- بالفيديو.. أحد المشاركين باعتداءات باريس يبايع أبوبكر البغدادي
http://www.lebanon24.com/featured/details/982376?utm_source=Newsletter&utm_medium=Email&utm_campaign=January2014


11
الشر في خدمة الدين، والدين في خدمة الشر

د.عبدالخالق حسين

هناك شبه إجماع لدى الفلاسفة وعلماء الاجتماع، أنه لولا الخوف من المرض والكوارث الطبيعية والموت، لما وجدت الأديان، ولولا الموت لما آمن الإنسان بالله، فالإنسان يبحث عن الخلود، إذ كما جاء في ملحمة كلكامش، لما فشل الإنسان في تحقيق الخلود في الحياة الدنيا تصورها في الآخرة أي بعد الموت. لذلك قال فولتير: (لو لم يكن الله موجوداً لاخترعناه"، وذلك لحاجة الإنسان النفسية إلى الله والدين. وإذا ذكر في الكتب الدينية المقدسة أن الله خلق الإنسان على صورته، فيقول الفلاسفة الملحدون أن الإنسان هو الذي خلق الله على صورته، ويضربون مثلاً، أن المسيحيين السود في أفريقيا رسموا عيسى المسيح بصورة رجل أسود، وفي الصين بصورة رجل صيني، وفي أوربا بصورة رجل أبيض، وهكذا...

والملاحظ أيضاً أن الدين ينتعش في أي مجتمع يعم فيه الشر بأنواع من المصائب والبلاء، ويتراجع في فترات يعم فيها الخير مثل الرخاء والأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي والتعليم والتثقيف..الخ. 
فقبل إنفراد الشرير صدام حسين بالسلطة وجلبه البلاء على العراق باضطهاده للشعب وحروبه العبثية، كان الدين في انحسار وتراجع، وكان أغلب الناس متسامحين يبحثون عن الإمتاع والمؤانسة وغير متدينين، ولكن ما أن بدأت مصائب حكم البعث الصدامي تنزل على العراقيين بسبب الاضطهاد، والحروب الداخلية والخارجية، وفرض الحصار الأممي كعقوبة لاحتلاله للكويت، بدأت النزعة الدينية في تصاعد عند الناس، بل وحتى صدام حسين نفسه، الذي كان ضد الدين ويضطهد رجال الدين، أعلن الحملة الإيمانية لما تأكد أن الأمريكان عازمون على إسقاطه، فلجأ إلى الدين وكتب القرآن بدمه، واختزل الاسلام بفرض الحجاب وغلق الملاهي ومحلات بيع الخمور، وإطلاق سراح السجناء لأسباب جنائية إذا ما حفظوا القرآن عن ظهر القلب، وتطبيق العقوبات وفق الشريعة الإسلامية مثل قطع اليد وجدع الأنوف وفقء العيون و صمل الآذان ...الخ. وكذلك تصاعدت الموجات الدينية في البلاد العربية والإسلامية بسبب مظالم حكوماتها المستبدة، وتفشي الفقر والجريمة، ومعها تصاعدت الحركات السياسية الإسلاموية.
وقد وردني سؤال من صديق أكاديمي متميز: كيف يمكن بناء الانسان العراقي؟
كان جوابي له: تحسين ظروفه المعيشية، فالإنسان ابن بيئته كما قال ابن خلدون وغيره من علماء الاجتماع. فأغلب الإسلاميين الشيعة اليوم هم أبناء وأحفاد اليساريين، ولكن بعد أن حلت بهم الكوارث في عهد حكم البعث الصدامي، وعم بهم البلاء بمختلف أشكاله، وفقدوا الأمل في الخلاص بقواهم المادية البشرية، لجأوا إلى القوى الغيبية وإلى الله والدين لحل مشاكلهم وتخفيف آلامهم. والآن هم مهددون بحرب الإبادة (جينوسايد) من قبل الإرهاب السني الوهابي الداعشي المدعوم من السعودية وقطر، لا لشيء إلا لأنهم شيعة، لذلك لا يرون الخلاص إلا بالخندق الديني الطائفي. أما التعليم الصحيح فرغم أهميته، إلا إنه لا يكفي لوحده ما لم يقارن بإصلاح البيئة المعيشة وتوفير الأمن والاستقرار، وأن يكون الحكام مثالاً لهم في السلوك والنزاهة والإخلاص والأخلاق والتضحية والوطنية.

الدين أفيون الشعوب!

دائماً يعيد الناس من أتباع الدين وحتى من خصومه، مقولة كارل ماركس (الدين أفيون الشعوب) للطعن بماركس والشيوعية، أو لتأكيد صحة المقولة إذا كان من خصوم الدين. في الحقيقة هذه العبارة لم يقلها ماركس للإساءة إلى الدين بل قالها ضمن فقرة طويلة لتبريره للدين كبلسم لجراحات البؤساء والمعذبين في الأرض. ولكن أعداء ماركس والشيوعية استلوا هذه العبارة (الدين أفيون الشعوب) من فقرة طولية على طريقة قراءة الآية (ويل للمصلين) مبتورة دون أن يكملها (الذين هم عن صلاتهم ساهون). فما قاله ماركس هو كالتالي:
" الدين هو تأوهات المخلوق المضطهد وسعادته المتخيلة لرسم القلب في عالم بلا قلب، وروح في أوضاع بلا روح. انه أفيون الشعب... ونقد الدين هو نقد هذا الوادي من الدموع المليئة بالزهور الخيالية، والذي يمثل الدين الهالة الضوئية التي تحيط به. ونقد الدين يقتطف هذه الورود الخيالية التي يراها المضطهد في السلسال أو الجنزير الذي يكبله، ولكن لا يفعل النقد ذلك ليحرم الرجل المضطهد من سعادته برؤية الزهور الخيالية، وإنما يفعل ذلك ليمكّن الإنسان من التخلص من السلسال الذي يكبله حتى يستطيع الحركة بحرية ليقتطف الزهور الحقيقية..."

ففي الوقت الذي يتخذ خصوم ماركس والماركسية هذه المقولة كدليل على عداء ماركس للدين، بينما يقول الفيلسوف الإنكليزي، كرستوفر هتشنز (Christopher Eric Hitchens) في كتابه (God Is Not Great)، وبعد أن يستشهد بها كاملة، ليقول أن هذه المقولة دليل على دعم ماركس للدين وحاجة الإنسان له.
كما ويقول المفكر المصري فؤاد زكريا في كتابه (الصحوة الإسلامية في ميزان العقل)، بأن ماركس لم يقل هذه العبارة في سياق التحامل على الأديان أو التشنيع بها، بل في سياق يُعدُّ فيه الدين تعويضاً للإنسان عما فقده في العالم الفعلي المحيط به، وتخفيفاً لما يعانيه من بؤس. وأن الدين في هذا هو عزاء لإنسان مطحون. في حين اعتبر التيار الإسلامي أن عبارة " أفيون الشعوب" تعني أن الأديان تخدِّر أتباعها بالأمل في الآخرة، فلا يطالبون بالإنصاف ولا بالنعيم في هذه الدنيا". 

وتأكيداً لما ذهب إليه ماركس وتوضيح زكريا عن حاجة الإنسان للدين وخاصة في الأوقات العصيبة، أقتبس فقرة من مقال الأديبة المميزة، رشا إرنست، في الحوار المتمدن، بعنوان: (إعاقات متنوعة) يوم 18/12/2006 بدأته بالفقرة التالية: "منذ أكثر من ست سنوات تعرضت لحادث قطار نتج عنه جلوسي على كرسي متحرك مدى الحياة. و يومها لم اشعر بأسى أو حزن ولو لحظة واحدة لما حدث لي، و رغم أن كل آلامي وطموحاتي تبدلت على الفور إلا أن ثقتي بوجود الله معي في كل لحظة، فهو لم يُعطيني الفرصة للبكاء على الأطلال. و دائماً كان السلام والأمل يملأ قلبي الصغير واستطعتُ أن احلم من جديد و رغم انه حتى الآن معظم أحلامي لا استطيع أن أحققها - ذلك ليس لضعفي- إلا إنني مازلت قادرة على أن احلم."(1)
فهل هناك مسكن للأوجاع أقوى من هذا الإيمان بالدين وبالله؟

والدين أيضاً في خدمة الشر

لو قرأنا التاريخ لوجدنا أن معظم الحروب بين البشر كانت لأسباب دينية وخاصة الأديان السماوية (الإبراهيمية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام)، لأن أتباع كل ديانة من هذه الديانات يعتبرون دينهم هو دين الحق والخير المطلق، ولا مجال للشك فيه، وأن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى هم على باطل وشر مطلق، ولا يستحقون الحياة، وقتلهم واجب ديني! ولديهم النصوص من كتبهم المقدسة تؤكد و تبرر لهم ذلك. وما الإرهاب الإسلامي المؤدلج بالعقيدة الوهابية المتطرفة إلا دليل على صحة ما نقول. فمعظم الإرهابيين كانوا قبل تعرضهم لغسيل الدماغ بالتطرف الديني كانوا أناساً أخيار يسعون لحياة هانئة كبقية البشر المسالمين. ولكن ما أن تعرضوا للفايروس الوهابي الإرهابي وبدعم من السعودية، حتى وتحولوا إلى أشرار. وأحسن مثال للتوضيح هو ما حصل في جريمة باريس يوم الخميس (7/1/2015) في عملية إرهابية شنيعة على مقر صحيفة "شارلي ابدو" الساخرة، التي قتل فيها 10 صحفيين وشرطيين، وجرح 11 آخرين من قبل الأخوين، جزائريين الأصل "شريف وسعيد كواشي"، إذ نقلت الأنباء عن الجيران قولهم عن أحدهما  أنه كان مسالماً ولطيفاً مع الجميع قبل أن يتعرض لعملية غسيل الدماغ وأنهم استغربوا من قيامه بهذه الجريمة الشنعاء. لا شك أنه الدين الذي حولهما والآلاف غيرهما إلى إرهابيين. وفي هذا الخصوص، يقول ستفين وينبرغ، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء: "
." فالدين يمكن أن يحول الأخيار إلى أشرار.
 والجدير بالذكر أن الإرهابيين لا يعتمدون فقط على ما يتسببون من أضرار مباشرة بإرهابهم، بل على ردود الأفعال، وهي سلسلة التفاعلات التدميرية التي تلي العمل اٌرهابي وتحرق الأخضر بسعر اليابس. فعلى أثر الهجوم على مقر صحيفة "شارلي إبدو"، " أفادت تقارير بتعرض بعض المواقع الإسلامية لاعتداءات في مناطق عدة بفرنسا، فقد وقع إطلاق نار أثناء أداء الصلاة في إقليم اود جنوبي البلاد" (موقع بي بي سي). وبالتأكيد ستكون هناك ردود أفعال من قبل اليمين الأوربي المتطرف ضد الجاليات العربية والإسلامية في أوربا والعالم.
ولكن المشكلة أن المسلمين الذين يعتبرون أنفسهم معتدلين، بدلاً من أن يبذلوا جهودهم للإصلاح الديني، فإنهم يبحثون عن مبررات غير صحيحة لتبرير هذه الجرائم. لقد حان الأوان أكثر من أي وقت سبق، ليقوم رجال الدين والحكومات العربية والإسلامية ووسائل الإعلام والتعليم، بشن حملة واسعة للإصلاح الديني، وملاحقة التنظيمات الإرهابية، ومحاسبة الحكومات والجهات التي تدعمها وتمولها وتنشر التطرف الديني في العالم، مثل السعودية وقطر و أثرياء البترودولار، المتخفين وراء واجهات جمعيات خيرية مزيفة.
فنحن أمام حلقة مفرغة: الشر في خدم الدين والدين في خدمة الشر، ولا بد من عمل شيء من قبل الأخيار  لوقف هذه الكارثة، وسحب البساط من تحت أقدام الإرهابيين ومن يغسل أدمغتهم ويحولهم لإلى قنابل بشرية موقوته، ويدعمهم من الحكومات والمنظمات والأفراد.
9/1/2015
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
رابط مصدر:
1- رشا أرنست : إعاقات متنوعة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=83721
   

12
الحرس الوطني هو الغطاء الشرعي لداعش

عبدالخالق حسين


بات واضحاً الآن أن ما يسمى بسقوط الموصل بيد "داعش" ما هو إلا الاسم الحركي لعملية انفصال المحافظات الشمالية الغربية عن العراق بإعلان ساعة الصفر يوم 10 /6/2014 ، ابتداءً من الموصل ومن ثم محافظة صلاح الدين (تكريت)، بسيطرة فلول البعث وبتواطؤ من الإداريين في هذه المناطق، على إدارة هاتين المحافظتين، وأجزاء من محافظة الأنبار، وبدعم وتخطيط من جهات دولية وإقليمية وداخلية، تعمل على تفتيت العراق كدولة ديمقراطية ذات سيادة، وتحويلها إلى دويلات طوائف متحاربة فيما بينها لتبدد قواها البشرية والاقتصادية في حروب عبثية دائمة.

وما داعش إلا الاسم الحركي لفلول البعث المؤلف من الحرس الجمهوري الصدامي وتنظيماته الإرهابية الأخرى بمختلف الأسماء مثل النقشبندية، وجيش محمد، وأنصار السنة...الخ. من المؤكد أن البعثيين يشكلون أكثر من 90% مما يسمى بتنظيم داعش، والبقية من الأجانب الذين تم غسل أدمغتهم بالعقيدة الوهابية الفاشية، والشحن الطائفي ضد الشيعة "الصفوية" و"الجيش الشيعي"، وفذلكة عزل السنة العرب ومنعهم من المشاركة في الحكومة التي "يهيمن عليها الشيعة وإيران" ... إلى آخر الاسطوانة المشروخة والمفضوحة والتي غذتها وسائل الإعلام الغربية والعربية ولأغراض كيدية خبيثة.

وما لهذه المؤامرة أن تمر لولا مشاركة أعداء الديمقراطية من الطائفيين العراقيين وعدد من قادة الشيعة الأغبياء الذين يساهمون في حفر قبورهم بأيديهم كما فعلوا في مؤامرة 8 شباط 1963، وكذلك الدعم المالي والاستخباراتي من السعودية وقطر وتركيا، وبمباركة من إدارة أوباما لخدمة إسرائيل من أجل تفتيت المنطقة وإبقاء إسرائيل القوة العظمى في الشرق الأوسط.

إن خيوط المؤامرة القذرة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، حيث بدأت بمؤتمر عمّان، ولم تنتهي بمؤتمر أربيل الذي حضره نحو 1200 من النشطاء السياسيين العرب السنة وبدعم ومباركة رئيس حكومة الإقليم الكردستاني، وممثلين عن الأمم المتحدة وأمريكا وبريطانيا، والذي انتهى بمطالبة تأسيس الحرس الوطني، وعدم إدانة داعش حتى ولو بالاسم.

قلنا مراراً، أن داعش هي ورقة لعب بوكر دولية وإقليمية ضد العراق ولكل غايته، ومن المفيد بيان المشاركين فيها والمستفيدين منها:
1- أمريكا أرادت التخلص من المالكي، وقد روجوا وحذروا إثناء الحملة الانتخابية الأخيرة أنه في حالة فوز المالكي ستنفصل كردستان والمناطق السنية عن العراق، وستشتعل الحرب الأهلية. وما كان لهم أن يطرحوا هذه التوقعات وبمنتهى الثقة، لو لم يكونوا على علم، وأنهم هم الذين خططوا لهذا المصير. لذلك فما أن أعلن فوز المالكي كزعيم أكبر كتلة برلمانية حتى وأدخلوا داعش على الخط، وعملية نقل سلطة الموصل كانت واضحة وهي عملية تسليم ليس غير، و"هروب بعض الضباط والإداريين إلى أربيل كمسرحية مفضوحة.

2- وما يؤكد الدور الأمريكي وحلفائها في المنطقة في خلق ورقة داعش، تصريح السفير الأمريكي السابق في العراق جيمس جيفري، ضمن تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إنه "لا يمكن الحصول على الهدف المطلوب لعراق مستقر وهزيمة دائمة لتنظيم داعش بدون تواجد اميركي طويل المدى"، مشددا على ضرورة "أن يكون لدينا تواجد يمكن السنة والكرد من التواجد ببغداد التي يهيمن عليها الشيعة وايران بشكل غير مباشر".)(1). يعني تقول أمريكا: إما أن يكون لنا وجود دائم في العراق أو نطلق عليكم كلاب (داعش) تنهش بكم ونقسم العراق. طبعاً التقسيم يعني حروب دائمة بين دويلات الطوائف.

3- المستفيد الأكبر من هذه المخطط الإجرامي هو رئيس إقليم كردستان السيد مسعود بارزاني المشارك  في هذه المؤامرة مقابل الكثير من المكاسب ومنها:
سيطرة  البشيمركة في نفس اليوم (10/6/2014) على كركوك وإعلان بارزاني أن المادة 140 من الدستور قد انتهى دورها، وبالتالي تمت السيطرة الكاملة له على المناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك، وعلى الواردات النفطية في كردستان وكركوك. ومن ثم مسرحية سيطرة داعش على بعض الأقضية والنواحي في الموصل وصلاح الدين وقيام البيشمركة بتحريرها، وبالتالي ضمها إلى الإقليم وكأنها غنائم حرب. وبهذه اللعبة نجح السيد بارزاني بإعلان نفسه المحارب الصامد ضد داعش، والحصول على الاعتراف الدولي بالبيشمركة وتسليحه وتدريبه من قبل أمريكا وبريطانيا و دول الوحدة الأوربية، وحتى بدون الحاجة إلى أخذ موافقة الحكومة الإتحادية، بل وأن ترغم الحكومة الإتحادية على دفع رواتب و تكاليف تسليح البيشمركة.

4- مطالبة مؤتمر أربيل وأمريكا بتعجيل تشكيل ما أطلق عليه بـ(الحرس الوطني) في المحافظات العربية السنية. وقد طبل زعماء الكتل السياسية السنية في مؤتمر أربيل، مثل أسامة النجيفي وغيره، أن السنة يعانون من داعش والمليشيات الشيعية، و لا يمكن تحرير مناطقهم من "هذين الشرين" إلا بتشكيل الحرس الوطني وتسليح العشائر السنية لتحرير مناطقهم. والجدير بالذكر أن هؤلاء ومنذ سنوات يطالبون بإبعاد الجيش العراقي "الشيعي" عن مدنهم، وأن يكون الضباط من أبناء مناطقهم، والمؤسف أنه تم تنفيذ مطالبهم، وتبين فيما بعد أن غرضهم من هذه المطالبات "المشروعة" هو تسهيل نقل الإدارة إلى داعش وبسلام آمنين كما حصل يوم 10/6/2014.

5- هذا الطلب المشبوه بتشكيل الحرس الوطني لقي الدعم من أمريكا، حيث سارع السيناتور جون ماكين (الجمهوري) بزيارة العراق واللقاء مع زعماء العشائر السنية والمطالبة بتشكيل مليشيات عشائرية مسلحة بسرعة على غرار ما تم في عملية الصحوات عام (2007 – 2008) في مواجهة القاعدة في عهد الرئيس بوش. إضافة إلى قيام وفود من رؤساء العشائر السنية بزيارة واشنطن لترتيب تدريب وتسليح هذا الحرس الوطني وأبناء العشائر، وكأن لا توجد في العراق حكومة مركزية ولا جيش عراقي.
وبالتأكيد فهذا الحرس الوطني إذا ما قدر له أن يتشكل فهو عبارة عن رد الاعتبار إلى جيش الحرس الجمهوري العثي الصدامي وتغيير اسمه من "داعش" الآن، إلى (الحرس الوطني) وعودة جميع الضباط البعثيين إليه، وأن تقوم الحكومة الفيدرالية بدفع الرواتب وتكاليف التسليح. يعني أصبحت داعش أو الجيش البعثي الصدامي جزءً من الجيش العراقي، و(تي تي مثل ما رحت إجيتي!)، وعندها إقرأوا على الدولة العراقية والديمقراطية الفاتحة، وليتحول العراق ثانية إلى قاعدة لشن الحروب على إيران ودول المنطقة، وتأتي أمريكا لإعادة تدمير العراق وإيران.
 
6- وقد بلغت الصفاقة والصلافة والخبث بهؤلاء المتآمرين أنهم بعد أن نجحوا في تنفيذ مخططهم الإجرامي راحوا يطالبون بمحاكمة السيد نوري المالكي بتهمة التواطؤ على تسليم الموصل إلى الدواعش. وهذه لعبة بعثية قذرة بامتياز ينطبق عليهم القول: ( رماني وبكى، سبقني واشتكى). إنهم بعثيون وتلامذة غوبلز لا يستحون. وقديماً قيل: (إذ كنت لا تستحي فافعل ما تشاء).

فإذا كانت هذه الجهات، بما فيها إدارة أوباما، والحكومات الغربية والإقليمية الداعمة لمشروع الحرس الوطني المشبوه...، إذا كانت حقاً حريصة على وحدة العراق والديمقراطية، و جادة في دحر داعش، وكل العصابات الإرهابية، فالطريق السليم الصحيح لتحقيق ذلك هو مساعدة الحكومة الفيدرالية على تدريب وتسليح الجيش العراقي وتطهيره من المندسين البعثيين والمتخاذلين الجبناء والضباط الخونة الفاسدين، وليس بتشكيل مليشيات عشائرية طائفية، الغرض منها تفتيت العراق.

وبناءً على كل ما سبق، نهيب بجميع الوطنيين العراقيين الشرفاء، من السياسيين والإعلاميين وجماهير المثقفين المخلصين لوطنهم، والحريصين على سلامة شعبهم، ونظامه الديمقراطي، أن يبذلوا كل ما في وسعهم لإفشال مشروع (الحرس الوطني)، المخطط الإسرائيلي الصهيوني الأمريكي السعودي وقبره.
8/1/2015
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- السفير الأميركي السابق في العراق جيفري: استقرار العراق ودحر داعش يستدعي تواجداً أميركياً طويل المدى
http://www.sotaliraq.com/mobile-news.php?id=182702#axzz3O7vJ9bQP

 2- أبو فراس الحمداني: عباءة المرجعية … وخطوط الدم الحمراء
http://www.akhbaar.org/home/2015/1/183086.html

3 - ISIS Terrorists Have U.S. Passports
https://www.youtube.com/watch?v=weThYAVqvcw&feature=youtu.be
4- هيلاري كلينتون تعترف أنهم من أنشأ تنظيم القاعدة
https://www.youtube.com/watch?v=9_2B0S7tj9E

5- عبدالخالق حسين: العلاقات العراقية- الأمريكية.. إلى أين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=664

6- عبدالخالق حسين: أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=660



13
العقل في خدمة العاطفة
د.عبدالخالق حسين

غالباً ما نسمع من يقول بانفعال شديد عن شخص تصرف بشكل عدواني أهوج بأن لا عقل له، إذ يتوقع من كل ذي عقل سليم أن يتصرف بمثل ما يريد. وبالتأكيد هذا العدواني الأهوج هو الآخر يستغرب منا لماذا لا نقره على سلوكه ولا نتصرف مثله. لماذا لا نرى الأمور كما يراها هو و بمنظاره؟ فالإرهابي الإسلاموي الذي يذبح الأبرياء ويدفن أناساً وهم أحياء لا لشيء إلا لأنهم ليسوا من دينه ومذهبه، يعتقد أن تصرفه هذا هو عين العقل والحق والصواب ولمرضاة الله ورسوله!.
 
ففي كتابه الموسوم: (جاهلية القرن العشرين) للشيخ محمد قطب (شقيق سيد قطب، وأستاذ بن لادن)، يعتبر كل ما أنتجه الغرب من معارف وثقافات وفلسفات وعلوم وطب وجراحة وتكنولوجيا وحضارة وحداثة وغزو الفضاء...وغيره ، وكل ما هو في خدمة الإنسان وصالحه، منذ ما قبل سقراط وإلى الآن، هو جهل في جهل، وأن الثقافة الحقيقية هي الإيمان بالقرآن والسنة فقط . كما وصرح إمام مكة قبل عامين في مقابلة مع تلفزيون بي بي سي العربية، أن غير المسلمين، وحتى المسلمين الشيعة، يجب إنذارهم، ومنحهم مهلة ثلاثة أيام بأن يتحولوا إلى مسلمين سنة، وإلا يجب قتلهم، ومصادرة أموالهم واعتبارها مغانم حرب مع الكفار أو المشركين، وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة، تماماً كما كانوا يفعلون قبل 14 قرناً من الزمان، وكما يفعل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في شمال العراق وسوريا الآن. لا شك أن هذه الدعوة فاشية مدانة وفق معايير اليوم، و خطيرة تهدد الحضارة البشرية، يجب الوقوف ضدها بكل حزم، ولكن في نظر الإسلام الوهابي الإرهابي، هي عين العقل والحق والصواب.(1).

وحسب تعريف موسوعة الويكيبيديا: "العقل (mind) هو مجموعة من القابليات المعرفية التي تمكن من الوعي والإدراك والتفكير، والحُكم، والذاكرة، وهي سمة من سمات البشر، ولكن قد تنطبق أيضا على أشكال الحياة الأخرى."
وأرى أنه يجب التمييز بين العقل (Mind) والحكمة (Wisdom). فالحكمة هي أرقى مراحل المعرفة والثقافة، و تميل إلى الحق والصواب والعدالة والفضيلة وفق معايير وثقافة إنسانية كونية وليست وفق ثقافة مجموعة معينة من البشر.

الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم David Hume  (1711-1776)، من فلاسفة عصر التنوير المهمين جداً، قال عن العقل في كتابه (دراسة في طبيعة الإنسان)، ما معناه أن "العقل هو عبدٌ للأهواء والعواطف، ولا يمكن أن يكون غير ذلك. ولكن لا بد من العقل، فهو مازال ضرورياً، إذ لا خيار لنا فإما أن نختار هذا العقل رغم قصوره، أو لا عقل على الإطلاق".

والعقل موضوع فلسفي معقد، وكثيراً ما نردد أن الإنسان يختلف عن بقية الحيوانات بالعقل الذي هو مصدر التفكير، ومن خلاله نعي الوجود، ونحكم على الأشياء. فإلى جانب وحشية الإنسان، هناك الجانب الإيجابي فيه ألا وهو غريزة الفضول (Curiosity)، أي حب الاستطلاع، الغريزة التي تدفعه للمعرفة واكتشاف أسرار الطبيعة والكون، ولولا هذه الغريزة لما وجدت الحضارة. ولكن مشكلة العقل أنه قاصر، ولا يوثق به في التمييز بين الحق والباطل، والعدالة والظلم، لأن هذه الأمور يراها الإنسان من خلال مصالحه. أما الضمير، فرغم أنه كوني أي موجود عند كل البشر، ولكنه يختلف باختلاف الثقافات والأديان. لذلك فالإرهابي الوهابي الذي تعرض لغسيل الدماغ من قبل مشايخ الوهابية يرتكب أبشع الجرائم بحق الإنسانية وهو مرتاح الضمير.

تطرقتُ إلى موضوع
العقل قبل 9 سنوات (عام 2005)، في مقال بعنوان: (هل للعقل دور في اختيار الحلول الصائبة؟)(2)، وأنا أتأمل العراقيين، وغير العراقيين من مختلف الدول العربية والإسلامية وغيرها، من قيادات سياسية، ودينية، وزعماء أحزاب، المفترض بهم أنهم من أصحاب العقول المستنيرة، ولكنهم يساهمون مساهمة فعالة في تدمير بلدانهم، وعدم استقرارها، وكل منهم يتهم الآخر بالجهل، و الخيانة، أو الكفر، أو الإرهاب، مما يجعل الإنسان يحتار ويسأل: أين العقل من كل هذه الأعمال الوحشية؟ ولماذا لا يتفق زعماء البلد الواحد على كلمة سواء، ويوحدوا صفوفهم وكلمتهم وقراراتهم في خدمة شعبهم، خاصة وأن أغلب المتخاصمين يحملون شهادات تعليمية جامعية عالية، مما يؤكد أنهم أناس أسوياء ومتعلمين أو مثقفين، وغير مصابين بلوثة عقلية أو نقص في المعرفة.
المشكلة هنا أن كل واحد منا يرى أن عقله هو، وليس عقل غيره هو الصائب، ومن يختلف معه إما جاهل وإما متعمد وعميل للأجانب. وهذا ناتج عن كون العقل منحاز للمصالح، فمواقف الإنسان تحدده مصالحه، بغض النظر عن كون هذه المصالح تتفق مع "العقل" أو "الحق" أم لم تتفق.

في عصرنا الراهن أفاد علم الكومبيوتر الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع بمصطلحات كومبيوترية تساعدهم على وصف العقل وتشبيهه بالكومبيوتر. فالكومبيوتر ينقسم إلى قسمين رئيسيين: المواد الصلبة الملموسة (Hardware)، والمواد الرخوة أو غير الملموسة (Software)، أي البرامج والأفاكار. والكومبيوتر يخرج من المصنع وهو مجرد جهاز مادي معقد ولكنه فارغ من أي برنامج، لا يعمل إلا بعد أن تزوده بالبرامج التي يحتاجها صاحب هذا الجهاز، وأداءه يعتمد على نوعية هذه البرامج. وكذلك الإنسان، إذ يولد الطفل وفي رأسه جهاز كومبيوتر وهو الدماغ (hardware)، ولكنه فارغ عند الولادة، أي صفحة بيضاء من الناحية العقلية والفكرية، والدينية واللغوية والمعتقدات، ولكن هذا الجهاز العظيم، الدماغ، مستعد لتقبل ما ينصب فيه من برامج أي عقل، من لغة الأم والأعراف والتقاليد والعادات، والمعارف، وغيرها من الأفاكار، ابتداءً من البيت والروضة والمدرسة إلى الجامعة والحياة العملية، وما يتلقاه من المهد إلى اللحد لتكوين عقله. فالطفل له قدرة عجيبة على التقليد، فيتعلم بتقليد أقرب الناس إليه في كل شيء. لذا فالعقل هو الجزء غير المادي من الإنسان.

نعم هناك جينات وعوامل وراثية من الأبوين تقرر استعداد الوليد لقضايا وحرف معينة أفضل من غيرها، ولكن نوعية العقل والمعتقدات الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية وغيرها تعتمد على البيئة الاجتماعية من الأسرة إلى الدولة التي تزق دماغ هذا الإنسان بالأفكار والتعاليم والمهارات. قد تكون هناك جينات تجعل الإنسان يميل إلى الدين خاصة في حالة تعرضه للكوارث، ولكن ليست هناك جينات لدين معين أو ثقافة معينة كما يعتقد البعض. فلو كان بن لادن قد ولد وتربى في عائلة هندوسية لتبنى الديانة الهندوسية، ولما صار مسلماً وهابياً إرهابياً.
كذلك يمكن القول، أن البشر متشابهين في تركيب أدمغتهم من الناحية التشريحية (Anatomy)، ولكنهم يختلفون في العقل، ودرجة الذكاء، والمعتقدات المختلفة، لأن هذه الأمور تتأثر كثيراً بالبيئة، والبيئات تختلف باختلاف الشعوب والتاريخ والجغرافية، وبالتالي بيئاتهم الاجتماعية. فكما يبدأ الإنسان طفلاً فارغاً من أية معارف وثقافة ومهارات، كذلك المجتمع البشري بدأ من العصور الحجرية. فكما يعيد الجنين في رحم الأم تاريخ التطور البيولوجي للنوع (species) من الخلية الواحدة المخصبة (Zygote) إلى الجسم الكامل، كذلك تطوره الاجتماعي يختصر خلال عمره القصير التطور الاجتماعي للمجتمع البشري من قبل العصر الحجري إلى عصر الانترنت ونانوتكنولوجي. ولكن مهما بلغت المجتمعات البشرية من تطور فائق وتقارب نحو التآخي الإنساني فهي مازالت تتصارع على المصالح كجزء من الطبيعة البشرية، لأن وظيفة العقل الأساسية هي الدفاع عن النفس وتحقيق أكبر قدر من المصالح، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار بالعدو أو الخصم.

التاريخ البشري منذ العصور الحجرية وإلى الآن حالة مستمرة من الحروب والمظالم والقتل وسفك الدماء وهتك الحقوق والأعراض، قد تتخللها فترات الهدنة التي إذا ما حصلت فهي للتحضير للحروب القادمة. فعمر نوع الإنسان القائم (homo erectus) أكثر من 2.5 مليون سنة، وعمر الإنسان العاقل أو الذكي (Homo sapiens) يقدر بمائتي ألف سنة، بينما عمر الحضارة لا يزيد على سبعة آلاف سنة في أحسن الأحوال لذلك فعمر الحضارة قصيرة جداً مقارنة بعمر الوحشية والهمجية.

لذلك لا نستغرب من شهادة أستاذ في علم النفس (ستور Storr ) الذي وصف الإنسان بأنه: "... كائن عدواني نادراً ما يجادل حول عدوانيته. باستثناء بعض القوارض، لا توجد بين الفقريات الأخرى حيوانات تعودت على تدمير أعضاء من نوعها ... ينحصر التطرف في السلوك الوحشي للإنسان، وليس هناك ما يوازيه في الطبيعة، وليس لدينا العلاج للتعامل الوحشيي الذي يعامل بعضها البعض ... نحن أقسى وأكثر الأنواع قسوة من أي نوع مشى على الأرض وفي أي وقت، وعلى الرغم من أننا قد نشمئز رعباً عندما نقرأ في صحيفة أو كتاب التاريخ عن الفظائع التي ارتكبت من قبل الإنسان ضد الإنسان، ونحن نعلم في قلوبنا أن كل واحد منا يحمل في نفسه تلك النبضات الوحشية التي تؤدي إلى القتل والتعذيب والحرب ..)) (Richard Gross, Psychology, P. 452)

والآن، ورغم كل هذا التطور في العلوم والفنون والتكنولوجيا لدى الشعوب المتحضرة، إلا إن الجانب الأخلاقي والموقف من الحق والباطل فمازال متخلفاً وفي صراع شديد. وعندها يسأل الإنسان المتأمل: أين دور العقل في كل هذا؟ فبإلقاء نظرة فاحصة على ما يجري الآن من أعمال إرهابية همجية ضد الشعب العراقي والشعوب العربية والإسلامية الأخرى، والتي تتلقى الدعم بالفتوى من قبل رجال الدين، والمال والسلاح من الحكام والأثرياء، والإعلام من الإعلاميين والسياسيين العرب وغير العرب، خاصة من أولئك الذين نفترض فيهم العقل والمعرفة، يبقى السؤال ذاته ملحاً، أين العقل من كل هذا؟

فهل للعقل أي دور في التمييز بين الحق والباطل أو الصواب والخطأ، أو بين الخير والشر، أم تسير الأمور بشكل عاطفي وعشوائي، خارج عن سيطرة "عقل" الإنسان؟ في الحقيقة يبدو أن ما نسميه بالعقل ما هو إلا مجرد غشاء خفيف يغطي الطبقات السميكة من المراحل الحيوانية الوحشية التي مر بها الإنسان خلال تطوره البيولوجي والإجتماعي، أما دور العقل في التمييز بين الحق والباطل أو أخذ المواقف والقرارات العقلانية الصائبة فمحدود وربماً لا شيء يذكر، بل الذي يقرر الموقف هو المصالح والقوة. والعقل معرض للخطأ والوهم كما تخطأ حواسنا الخمس في إدراك العالم الخارجي، مثل العين تنخدع بالسراب فتحسبه ماءً.

فقبل خمسين عاماً نشر عالم الاجتماع الراحل علي الوردي، كتابه القيم (مهزلة العقل البشري) ناقش فيه دور العقل ووظيفته عبر التاريخ العربي- الإسلامي، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن العقل ليس لمعرفة الحق والباطل، والتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، بل هو أداة دفاعية يستعملها الإنسان للدفاع عن النفس وعن المصالح، إذ يقول: " إن العقل الإنساني لا يعمل وفق قوانين المنطق والحكمة والمثاليات، بل هو عضو للبقاء مثل ناب الأفعى وساق النعامة ودرع السلحفاة." ويرى «أن طبيعة البشر واحدة والاختلاف يرجع في الغالب إلى اختلاف في تكوين المجتمع، والذي جعل أهل العراق أهل فطنة ونظر وأهل شقاق ونفاق هو واحد لا يتجزأ".

فالإنسان يتمسك بمبدأ معين ويسميه (حقيقة)، طالما تطابق مع مصالحه، أما إذا تعارض مع مصالحه فإنه يقف ضده ويبحث عن الأدلة العقلية والنقلية ليثبت صحة موقفه ويقلب الحق إلى باطل والباطل إلى حق وفق ما يلائم مصالحه، وأوضح مثال هو دور المحامي عندما يدافع عن موكله في المحاكم، فهو لا يبالي فيما إذا كان هذا الموّكل معتدياً أو معتدى عليه، على حق أم على باطل. كذلك الحال في موقف الإنسان من الدين، فهو مع الدين طالما اتفق مع مصالحه، أما إذا تعارض الدين مع مصالحه فهو إما أن يتمرد عليه أو يلجأ إلى وعاظ السلاطين، لإيجاد تفسيرات تلوي عنق الدين ليتوافق مع مصالحه.

قال ونستون تشرتشل عن الأمريكان أنهم "لا يستخدمون الطرق الصحيحة لحل المشاكل إلا بعد أن يستنفدوا جميع الطرق الخاطئة". في الحقيقة هذه المقولة تنطبق على معظم البشر في كل مكان وزمان. فالبشر يلجأون أولاً إلى الطرق الخاطئة في حل مشاكلهم وحسم خلافاتهم مع الآخرين، وكل طرف يتشدد في شروطه على أمل أن يحقق كل ما يريده، ويحرم الخصم من كل شيء، ويعتبرون ذلك شطارة (نزعة التغالب). ولما تفشل هذه الطرق يتبنون حلولاً أقل خطأ وهكذا إلى أن يستسلموا للحلول الصحيحة التي عادة ما يسمونها بالحل الوسط، ولكن بعد خسائر بشرية ومادية كبيرة، فيقبلون بالممكن في نهاية المطاف، وعندها يقولون أنهم توصلوا إلى ذلك بالعقل والحكمة!
و رغم كل هذه المعوقات والقصور، فالعقل البشري مبرمج أن يتقدم ويشق طريقه نحو الرقي والتكامل الحضاري والإنسانية، ولكن من خلال الكبوات والتجارب والآلام المريرة، ومازال الطريق طويلاً.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. عبدالخالق حسين: غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=557

2- د. عبدالخالق حسين: هل للعقل دور في اختيار الحلول الصائبة؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=39696


14
مشكلتنا مع الذين لا يفهمون ما يقرأون!

د. عبدالخالق حسين

ينقل عن موشي دايان، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق قوله: "أن العرب لا يقرأون، وإن قرأوا لا يفهمون، وإن فهموا فسرعان ما ينسون". ولكي لا نتهم بالتعميم نقول شريحة من القراء العرب تنطبق عليهم هذه الصفة. وقد تعرض عالم الاجتماع العراقي، الراحل علي الوردي، إلى نفس المحنة بعد صدور كتابه (وعاظ السلاطين) في أوائل الخمسينات من القرن المنصرم، حيث تعرض ليس إلى الهجوم والتشهير فحسب، بل وحتى إلى محاولة إغتيال. لذلك فعندما أصدر كتابه الآخر (مهزلة العقل البشري) كتب في (الإهداء) تحذيراً قال فيه: "أهدي هذا الكتاب إلى الذين يفهمون ما يقرأون. أما الذين يقرأون في الكتاب ما هو مسطور في أدمغتهم فالعياذ بالله منهم. إني أخشى أن يفعلوا بهذا الكتاب ما فعلوا بأخيه (وعاظ السلاطين) من قبل، إذ اقتطفوا منه فقرات معينة وفسروها حسب أهوائهم ثم ساروا بها في الأسواق صارخين... لقد آن لهم أن يعلموا أن زمان الصراخ قد ولّى، وحلَّ محله زمان التروّي والبحث الدقيق."
ورحم الله الوردي الذي قال هذا الكلام قبل خمسين سنة، فماذا سيقول لو جاء اليوم ليرى الوضع أسوأ بكثير عما كان عليه في الماضي، حيث أضافوا قراءة مبتورة، وربما متعمدين، وعلى غرار قراءة: (لا تقربوا الصلاة...) ثم يتوقفون عن القراءة ليبرروا تركهم للصلاة!!

قبل عامين نشرت مقالاً بعنوان: (قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف)، وكانت مساهمة ضمن عدد من المقالات ظهرت بعناوين مشابهة. وكما هو واضح من العنوان، ذكرت فيه مشتركات ومفارقات بين المرحلتين، أي (مرحلة ثورة 14 تموز 1958، ومرحلة العراق ما بعد التحرير من الفاشية البعثية عام 2003)، وهو: تكالب أعداء العراق في الداخل والخارج، ومن قبل نفس الجهات الخارجية والداخلية، والجماعات والأسر المتنفذة، وحتى المناطق والمكونات، هي هي. وأما نقاط الاختلاف فإن أمريكا وبريطانيا هذه المرة هما إلى جانب العراق، وشاه إيران قد ولىّ إلى غير رجعة، كما وهناك نقاط اختلاف بين شخصية الزعيم الشهيد عبدالكريم قاسم، كشخص وطني وعسكري، وعلماني، وبين السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق في وقت كتابة المقال المشار إليه، وأنهما يشتركان في الوطنية وانحيازهما للفقراء، ويواجهان نفس الأعداء. ويبدو أن الذين لم يعجبهم المقال لم يتذكروا نقاط الاختلاف التي ذكرتها. أدرج رابط المقال في الهامش(1).

لم أرغب بالعودة إلى هذا الموضوع لولا مقال الدكتور لبيب سلطان، الموسوم (هل من وجه حق مقارنة الزعيم عبد الكريم قاسم بالسيد نوري المالكي)، المنشور على عدد من مواقع الإنترنت يوم 23/12/2014، حيث بدأه بالتالي:
((لا بد من الإشارة بدء أني لا أعتقد  مطلقا ان هناك نقاط تقارب بين الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم وبين رئيس الوزراء السابق السيد  نوري المالكي عدا النقطة التي يشير لها  الأستاذ  الوطني  الدكتور عبد الخالق حسين الذي يرى ان محاربة البعث لكلاهما (وهو محق بذلك) هو ما يجعلهما متقاربان -ولكني ارى ان  الدكتور عبد الخالق الذي أعتز بمعرفته وبافكاره المدنية الوطنية - كأنما يغلب هذه النقطة على جوهر الصراع الذي يجب ان يخوضه المثقف العراقي اليوم الذي أرى ان يركز على "التقدمية" ضد الرجعية التي تشكلها اليوم في العراق قوى من  فلول البعث  و"ودعاة الأسلام" "والتقسيم العرقي والطائفي"التي تنهش الدولة العراقية من احزاب التشيع او التسنن او التكرد التي تسيطر على مقومات المجتمع العراقي اليوم.)) انتهى.
أشكر الدكتور لبيب سلطان على مشاعره النبيلة نحوي، وأبادله بالمثل. ولكن كنت أتمنى عليه لو قرأ أيضاً نقاط الاختلاف التي ذكرتها.
كما ويعتقد البعض أني أتعمد في الدفاع عن السيد نوري المالكي، وأحاول تشبيهه بالزعيم قاسم.
في الحقيقة، لو يراجع أي قارئ منصف يفهم ويتذكر ما يقرأ، يجد أني لم أشبه السيد نوري المالكي بالزعيم قاسم إلا بالظروف الموضوعية التي عاشها كل منهما، وهوية الأعداء، لأن لكل منهما شخصيته، ونشأته، ومزاجيته وظروفه التاريخية...إلى آخره. وإنما أكدت على التشابه في الهجمة الشرسة على العراق، وعلى الشخصيتين، كما ورد أعلاه. أما إذا ظهرت نتائج بعض مقالاتي لصالح السيد المالكي فهذا تحصيل حاصل الاستقراء. فتفنيد الافتراءات لا يعتبر دفاعاً عن الشخص المفترى عليه بقدر ما هو دفاع عن عقولنا وحماية للرأي العام من التضليل، وهذا واجب كل كاتب. أعيد إدراج رابط بقائمة الافتراءات على المالكي وحكومته، وليحكم القراء عقولهم فيها(2).

وبمناسبة الأخبار الكاذبة والافتراءات والفبركات على السياسيين، فهناك معايير خاصة ومنطقية يمكن للمتلقي استخدامها بإعمال عقله، لمعرفة ما إذا كان هذا الخبر حقيقة أم ملفق ومفبرك. فغالباً يكون الخبر المفبرك خطير جداً، وعلى سبيل المثال نشر قبل عدة سنوات بمناسبة زيارة المالكي لواشنطن، تقرير في موقع بعثي بعنوان: (صهر المالكي يصفع السفير العراقي في أمريكا في مكتب نائب الرئيس الأمريكي)، تم تعميمه حتى من قبل ناس نتوسم فيهم الوطنية والعداء للفاشية البعثية. فلو كان الخبر صحيحاً لنشرته وكالات الأنباء العالمية المعروفة بالمصداقية، مثل الـ سي أن أن، والبي بي سي، ورويترز وغيرها، لأن هكذا خبر مهم جداً، وطالما لم تهتم به هذه الوكالات فإن الخبر مزيف وكاذب.

وهناك طريقة أخرى لترويج الافتراءات، وهي كتابة تقرير مزيف ضد سياسي معروف وغالباً شيعي، يدعي المروِّج له أنه نشر في صحيفة غربية مشهورة مثل الغارديان أو التلغراف أو واشنطن بوست وغيرها. ولما تذهب إلى الصحيفة، وهو ليس صعباً في عصر الانترنت وغوغل، فلم تجد أي أثر لهذا الخبر في تلك الصحيفة، وبذلك تعرف أنه كاذب ويجب إهماله وعدم ترويجه، بينما يقوم البعض بتعميمه وهو يعلم أنه كذب، بمجرد أن يضيف عبارة (كما وصلني)، وهكذا يريد أن يقول لنا أنه بريء وقصده شريف جداً من نشر هذا الافتراء!.
وفي هذه الأيام تتداول رسالة مفادها أن "ألقت السلطات البريطانية القبض على الملحق التجاري العراقي في لندن القيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامية تنظيم المالكي المدعو حسن مسعود، يأخذ مساعدات حكومية من دائرة العاجزين عن العمل لأمور صحية منذ 20 عام ويأخذ مساعدات بدل إيجار السكن وغيرها من المنافع الإجتماعية التي تُقدم للعاطلين عن العمل."
فجاء الرد الواضح من أحد المتنورين قائلاً : "أنه استلم هذا الموضوع من ثلاث جهات وبحث عنه في Google   بالإنكليزية فلم يعثر على اي رابط، ولا يوجد الشخص المعني في السلك الدبلوماسي العراقي في بريطانيا منذ سنة 2011. اما اثناء البحث العربي فوجد الموضوع في أربعة مواقع والكل تنقله عن موقع (العودة) وهو موقع باسم حزب البعث والموضوع جاء مسترسلا بدون مصدر ." وينصح المرسل بحق: " ارجوا عدم إرسال اي موضوع مجهول المصدر يراد منه الإساءة الى كل العراقيين".
وهكذا بدأت الناس تدرك ألاعيب البعثيين في الافتراءات، ولكن مع الأسف مازالت تعبر على آخرين الذين لديهم الاستعداد النفسي لتصديق هذه الأكاذيب.
*****
فالعراق غارق بالمشاكل و من الخطأ شخصنتها، وليس بإمكان أحد حلها بالتمنيات والأفكار الرغبوية، ومهما أوتي هذا الشخص، الذي وضعته الأقدار في موقع المسؤولية العليا، من قدرات وخاصة في النظام الديمقراطي الإئتلافي المكون من كيانات سياسية متناحرة، ورئيس الوزراء مكبلة يداه من الخلف ولا يجوز له اختيار وزرائه الذين يدينون ولائهم لرؤساء كتلهم، وليس للحكومة، بل وكثير منهم شاركوا في الحكومة من أجل إفشالها، ويقاطعون جلسات مجلس الوزراء تحدياً لرئيس الحكومة وبأوامر من رؤساء كتلهم. هذا الوضع لم يكن معروفاً قبل 2003، ولا في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم ولا في أي نظام ديمقراطي أو دكتاتوري في العالم أو في التاريخ إلا في العراق بلاد العجائب والغرائب ومصائب.
والذين يتغنون الآن بنزاهة و وطنية الزعيم عبدالكريم قاسم ليس حباً به، بل ليستخدموه ضد المالكي بحجة أن المالكي فشل في وقف الإرهاب ومحاربة الفساد، ولم يكن في عهد الزعيم إرهاب ولا فساد. ولكن الزعيم الذي يضربون به المثل في الوطنية والنزاهة الآن، هل كان العراقيون راضين عليه عدا الفقراء منهم والذين دافعوا عنه ببسالة وبصدورهم العارية أما وحش الفاشية في ذلك اليوم الشباطي الأسود؟ ألم يقتلوه شر قتلة ولم يتركوا له حتى قبراً يضم جسده الممزق برصاص الغدر والخيانة؟ وهل سيتخلص العراق من الإرهاب والفساد بمجرد إزاحة المالكي عن رئاسة الحكومة؟ لا أعتقد ذلك، لأن الإرهاب والفساد من مكونات حملة دولية وإقليمية للتخلص من الديمقراطية في العراق وإعادته إلى ما كان عليه قبل 2003.

نعم، أنا مع التقدمية والعلمانية والديمقراطية والليبرالية، وجميع القيم الحضارية الإنسانية النبيلة، ولكن أولئك الذي خاصموا المالكي وسعوا للتخلص منه، كيف يريدون الجمع بين الديمقراطية ورفضهم لنتائجها؟ شئنا أم أبينا، فالشعب منقسم على نفسه وفق التخندق الطائفي والعرقي، وشعار كل كتلة سياسية (أنا وحدي وليذهب الآخرون إلى الجحيم!!)، وشعار البعث الداعشي بعد أن فقد الحكم (عليَّ وعلى أعدائي يا رب... وليكن من بعدي الطوفان). أما وأن يقول التقدميون أن هذا التخندق الطائفي خطأ، فأنا أيضاً أقول خطأ، وأتمنى لو يكون العراق مثل الدول الإسكندنافية، ولكن المسألة نسبية، فالانقسام الطائفي والعرقي مفروض بحكم الواقع الموضوعي المرير، وغير قابل تغييره في الوقت الحاضر وحتى في المستقبل المنظور؟
فكل مكون يختار قيادته بانتخابات حرة ونزيهة، و60% من الناخبين الشيعة اختاروا نوري المالكي. ورفضه ممثلو الكرد والسنة، والأقلية من قادة الشيعة الذين طلعوا علينا بفذلكة "المقبولية". ماذا لو أصر قادة الشيعة أنهم لا يقبلون العمل مع من اختارهم الشعب الكردستاني أو السنة العرب؟ فهل يقبل السنة والكرد بلعبة المقبولية في هكذا تعامل مع قادتهم؟ وفي هذه الحالة، ما قيمة الديمقراطية وصناديق الاقتراع إذا كانت ترفض ويفضل عليها "المقبولية" لتنال قبول السيد مسعود بارزاني وإلا نطلق عليكم كلاب داعش تنهش بكم؟ هل هذه هي الديمقراطية التي يريدونها للعراق؟
فالسنة العرب وبعد أن فقدوا احتكارهم للسلطة تماهوا مع البعث الداعشي وجعلوا مناطقهم حواضن للإرهاب، ومؤتمر أربيل يشهد بذلك. والقسم الكردي بجناحه البارزاني يرى أن مستقبل الكرد في تدمير الدولة العراقية، وأمام هذا وذاك يرى الشيعة أنفسهم مهددين بالإبادة والفناء لا لشيء إلا لأنهم شيعة، وفي هذه الحالة فلا بد وأن أغلبية الشيعة يرون حمايتهم ونجاتهم في التخندق والوقوف مع الأحزاب الدينية الشيعية. فالشيعة وحدهم يضحون بمصالحهم وشبابهم في سبيل الوحدة الوطنية، بينما الآخرون يطالبون بالتقسيم مستقوين بالسعودية وقطر وتركيا وضباع داعش. وفي هذه الحالة، فمحاربة الحكومة المنتخبة بحجة أن رئيسها من حزب الدعوة، سيؤدي إلى فقدان الديمقراطية رغم مشاكلها، وبالتالي يصب في خدمة الإرهاب البعثي الداعشي ومن وراءهم من أعداء العراق والديمقراطية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين: قاسم والمالكي بين زمنين، التشابه والاختلاف
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=518

2- قائمة الافتراءات ضد المالكي والعراق الجديد بصورة عامة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=698


15
مؤتمر أربيل لدعم الإرهاب

د.عبدالخالق حسين


نحن نعيش في عصر الخديعة، وقلب المفاهيم والقيم، إذ تُعقد مؤتمرات باسم مكاحة الإرهاب، بينما هي تعمل على دعم الإرهاب، ويشارك بها ناس ملاحقون قضائياً بسبب دورهم الإجرامي في الإرهاب. فقبل سقوط الموصل بيد داعش، عقد في الأردن مؤتمر ضم غلاة الطائفيين العراقيين السنة العرب ومن يخدعهم في تخريب بلادهم، والكثير منهم مشاركون في الإرهاب، رافعين شعارات المظلومية، والعزل، والتهميش. ومن ثمار ذلك المؤتمر سقوط الموصل ومن ثم محافظة صلاح الدين (تكريت)، ومناطق من محافظة الأنبار بأيدي داعش، واحتلال قوات البيشمركة لمحافظة كركوك، ولم يكن ذلك بدون تنسيق مسبق.
وبعد سقوط الموصل سمعنا تصريحات من مشاركين في السلطة من المحافظات الغربية، يباركون فيها حكم (داعش) مدعين أن أهل الموصل يعيشون بسلام وأمن وبركة، وحكم داعش أفضل لهم من حكم المالكي. أما فرار مئات الألوف من السكان فهو ليس لخوفهم من داعش، بل لخوفهم من قصف المالكي لهم بالطائرات!! كما وكان مفتى العراق (السني) الشيخ رافع الرافعي أكثر صدقاً حين صرح من أربيل قبل شهرين، أنهم (السنة) يرفضون أن يكون على رأس الحكومة شيعي، سواءً المالكي أو غيره، وصرح قبل أيام من الأزهر الشريف أنه لا يدين داعش.

عُقد في أربيل يوم الخميس، 18/12/2014، مؤتمر آخر، برعاية ومباركة حكومة الاقليم باسم (المؤتمر العربي لمكافحة الإرهاب والتطرف)، عقدته القيادات السنية العراقية، دون أن يدعو إليه أي عربي شيعي أو أي من المكونات العراقية الأخرى المبتلية بالإرهاب الداعشي. وقالت الأنباء: "شاركت في المؤتمر أكثر من 1200 شخصية عربية سنية بينهم مطلوبين للقضاء العراقي بتهم الإرهاب والفساد، وتشجع على الفوضى، وتساند الجماعات والعصابات الاجرامية في المحافظات الغربية".
كما وحضر المؤتمر مسؤولون قياديون سنة مثل أسامة النجيفي، نائب رئيس الجمهورية، وصالح المطلق نائب رئيس الوزراء، وكل النواب العرب السنة، وعدد من شيوخ العشائر العربية السنية، وحضر أيضاً المحكوم عليهم بالإرهاب مثل طارق الهاشمي، ورافع العيساوي وعبدالناصر الجنابي، وأمثالهم. ولإضفاء الشرعية الدولية عليه، حضر المؤتمر ممثل الأمم المتحدة في العراق، وسفراء أمريكا وبريطانيا، والوحدة الأوربية.

والجدير بالذكر أن أغلب الذين حضروا هذا المؤتمر قد ساهموا في توفير الأجواء لداعش، إذ جعلوا مناطقهم حواضن للإرهابيين بحجة التهميش والعزل الذي مارسه ضدهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حسب إدعائهم المكرر !!، وأخيراً أدركوا، أن من يزرع الشر لا يحصد إلا الشر. فبعد أن ارتكبت (داعش) جرائم فضيعة بحق الإنسانية، لم يسلم منها حتى عرب السنة، إذ قتلت من عشيرة عربية سنية واحدة (ألبو نمر) في الرمادي وحدها أكثر من 700 شخص، ناهيك عن المقابر الجماعية في غابات الموصل، والجرائم الأخرى بحق الأقليات الدينية والعرقية. ولمّا لم يبق لدعاة التهميش أية حجة يدافعون بها عن داعش، راحوا يطلقون تصريحات فجة يساوون فيها بين داعش وفصائل الدعم الشعبي التي تقاتل من أجل تحريرهم من الإرهابيين الدواعش.
وبهذا النفس الطائفي، قال نائب رئيس الجمهورية العراقية، أسامة النجيفي في المؤتمر: أن "المحافظات السنية تواجه المأساة بسبب الإرهاب المتمثل بداعش والميليشيات الطائفية...". ويقصد بالمليشيات الطائفية الجيش العراقي، وفصائل الدعم الشعبي، رغم أنها تضم عناصر من مختلف المكونات.
كما وطالب أسامة النجيفي خلال المؤتمر، بالإسراع بتشكيل قوات الحرس الوطني من أبناء المحافظات السنية، وهو الغرض الرئيسي من هذا المؤتمر، إضافة إلى تسليح العشائر. والمقصود بالحرس الوطني هو تشكيل قوات مسلحة في المحافظات السنية على أسس طائفية لمواجه الجيش العراقي الذي يحارب الإرهاب. والتجارب القريبة أثبتت أن أغلب الأسلحة التي سُلِّمت إلى أبناء العشائر السنية تسربت إلى داعش. (راجع مقال السيد وفيق السامرائي- 3).
وهكذا نعرف أن الغرض الرئيسي من المؤتمر هو تشكيل القوات المسلحة العراقية على أسس طائفية، وهي الخطوة الرئيسية لتمزيق العراق. لذلك اعتبرت أوساط سياسية عراقية ان مؤتمر مكافحة الارهاب هذا وجّهته اجندات خارجية تسعى الى تقسيم العراق، فيما رفضت جهات عراقية من المكون السني المشاركة باعتباره خطوة أولى على طريق التقسيم. ومن هذه الشخصيات التي رفضت حضور هذا المؤتمر المشبوه هو رئيس البرلمان، الدكتور سليم الجبوري، وكتلته النيابية. كما اعترضت عليه محافظتا كركوك وصلاح الدين واهم تنظيمات "ديالى" و"العربية" و"جماعة علماء العراق و"مجلس انقاذ الانبار".(6)
والغريب أن السيد مسعود بارزاني الذي اعترض على تسليح أبناء العشائر العربية والتركمان في محافظة كركوك، رحب بتسليح العشائر العربية من خارج مناطق الإقليم، وهذا تعامل بمكيالين.
فغاية المؤتمر كما أكد كثيرون من المخلصين هو  لعزل الجيش و"الحشد" عن التصدي لداعش في المناطق الغربية (4)
وصرح النائب مثال الآلوسي أن "المؤتمرين في أربيل يحاولون لملمة القيادات السنية الفاشلة والتي سرقت المال العام والمتهمين بالإرهاب لفرضهم على الساحة وعلى الواقع السياسي من جديد...
و"إقامة هذا المؤتمر جاء بدعم إقليمي لتهديد الأمن والسلام الاجتماعي بين صفوف الشعب العراقي وإبراز القيادات الفاشلة في محافظات الانبار وصلاح الدين والموصل بشكل جديد".(5)

وأخيراً: اعتبر مراقبون للشأن العراقي، ان "مؤتمر أربيل لمكافحة الإرهاب" هذا، تحول الى محفل لمناصرة تنظيم "داعش" الإرهابي، باعتباره القوة التي تحمي اهل "السنة" في العراق من بطش المليشيات، كما ورد ضمنا في الكثير من التصريحات والكلمات التي القيت في اثناء المؤتمر.(6)

خلاصة القول: إن مؤتمر أربيل هو محاولة يائسة من قبل الطائفيين أعداء الديمقراطية في العراق لإعادة الوضع إلى ما قبل 2003، وهذا مستحيل. لذلك فعلى عقلاء العرب السنة أن لا يتركوا المكون السني بأيدي سياسييهم الفاشلين الذين ينفذون أجندات أجنبية، والبعثيين الدواعش وتحت أي مسمىً جاؤوا، بل أن يعملوا على دعم العملية السياسية بجد وإخلاص، وإنجاح الديمقراطية، والعمل على إنضاجها وتخليصها من معوقاتها مثل المحاصصات الطائفية والعرقية. أما اللجوء إلى الإرهاب وتحت أي مبرر كان، فمن شأنه أن يزيد من عذابات شعبنا، وبالأخص معاناة أهل السنة أنفسهم. وما يعانيه شعبنا من فوضى الآن هو نتاج حتمي لاحتكار المكون الواحد للحكم واستبداده لعقود طويلة، ورفضهم لدولة المواطنة والقانون. لذلك فالديمقراطية رغم مشاكلها في أولى مراحلها، إلا إنها هي الحل الوحيد لمشاكل العراق المتراكمة.
ومن يزرع الشر لا يحصد إلا الشر. 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1-  النجيفي: المحافظات السنية {تواجه إرهاب داعش} والميليشيات الطائفية
مؤتمر للقيادات السنية في أربيل يطالب بسرعة تشكيل قوات الحرس الوطني
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/182060.html

2- شخصيات "سنية" ترفض مؤتمر أربيل: التقسيم تحت عباءة "حرب داعش"
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/182062.html

3- وفيق السامرائي: تسليح العشائر بين المحاذير والمبررات
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/182059.html

4- مؤتمر بأربيل لعزل الجيش و"الحشد" عن التصدي لداعش في المناطق الغربية
http://almasalah.com/ar/news/43175/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8

5- الآلوسي: هدف مؤتمر اربيل للملمة الفاشلين والمتهمين وفرضهم على الساحة
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/182100.html

6- مؤتمر أربيل: داعش يحمي أهل السنة
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/182183.html

16
المنبر الحر / ذهنية الإستغفال!
« في: 14:36 20/12/2014  »
ذهنية الإستغفال!
د.عبدالخالق حسين

في اللغة الإنكليزية كلمة (Gullible) ومنها (Gullibility)، وتعني الشخص الساذج البسيط، الطيب السريرة الذي يصدق كل ما يقال له ويتلقاه من أخبار مهما كانت كاذبة وغير معقولة وتفتقر إلى أدلة مادية، أو عقلية. وهناك كلمة أخرى (suggestible) و (suggestibility)، وتعني الاستعداد الذهني أو النفسي عند الشخص للتأثر بإيحاءات الآخرين، وجميع هؤلاء معرضون للخديعة بسهولة. و المؤسف أن هذه الصفة، (سرعة التصديق وتقبل الإيحاء) متفشية بين العراقيين بنسبة عالية منهم رغم أنهم يعتقدون، ويؤكدون على الدوام، أنهم (مفتحين باللبن، ويقرؤون الممحي، وما بين السطور)، ولكن في الحقيقة أنهم من أكثر الشعوب عرضة للخديعة والتصديق بالشائعات الباطلة ومهما كانت غير معقولة، ولذلك نرى هذا الشعب ضحية الإشاعات، والافتراءات في مختلف العصور والعهود.
وقد عرف قادة البعث، ومن يدعمهم، هذه الخاصية في الشعب العراقي، فاستغلوها أبشع استغلال، لذلك استطاعوا حكمه لخمسة وثلاثين سنة، أهلكوا فيها الحرث والنسل، وهم يرقصون له ويهتفون: (بالروح بالدم نفديك يا صدام). كما واصل البعثيون تضليل هذا الشعب بعد سقوط حكمهم الجائر، ومع الأسف الشديد حققوا نجاحات باهرة في التضليل وتفتيت المجتمع العراقي وتبديد طاقاته.

عوامل ساعدت على نجاح البعثيين في التضليل
1- كما ذكرنا أعلاه، ذهنية الشعب العراقي، القابلة لتصديق الإشاعات والدعايات المضادة، خاصة إذا كانت موجهة ضد  السلطة. فنتيجة لما تعرض له الشعب العراق من مظالم عبر تاريخه الطويل، وبالأخص في العهد العثماني الغاشم، صارت معاداة الحكومة جزءً من ثقافة الشعب الإجتماعية أو الموروث الاجتماعي (culture)، وشرطاً من شروط الوطنية، حتى ولو كانت هذه السلطة منتخبة من قبل الشعب نفسه. وعرف البعثيون هذه الخاصية، لذلك عندما اغتصبوا السلطة لم يبالوا بمشاعر الناس إزاءهم، فاستخدموا معهم سياسة القبضة الحديدية، وجعلوه غير صالح إلا لهذا النوع من الحكم.
2- الخبرة في التضليل: أرسلتْ حكومة البعث الألوف من البعثيين في بعثات دراسية إلى الغرب في مختلف الاختصاصات، مثل: علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم النفس الإجتماعي، والأنثروبولوجيا، والإعلام... الخ. فالخبرات العلمية سيف ذو حدين، يمكن استخدامها للخير والشر. ففي الانظمة الديمقراطية والظروف الطبيعية يمكن توظيف هذه العلوم والخبرات لخدمة الشعب و وحدته وسعادته، ولكن العكس حصل في حكم البعث، حيث استخدم هؤلاء خبراتهم للسيطرة على المجتمع، وتضليله، و تجهيله، وتفتيته، و قولبته بما يلائم أيديولوجيهم الشريرة، ومنع الإنسان العراقي من التفكير السليم، والتعبير الحر عن آرائه، مما أدى إلى شل قدراته العقلية، وبذلك يسهل عليهم السيطرة عليه، وزرعوا في روعه أن حكم البعث باق إلى الأبد كالقدر المكتوب، ولا خلاص لهم إلا أن يستسلموا لإرادته ويتكيفوا معه. وفي نفس الوقت شنوا حملة بتشويه صورة معارضيهم، وإبرازهم وكأنهم أشرار، ودون مستوى البشر، وتجريديهم من الصفات الإنسانية، وأنهم لا يستحقون الحياة، لتبرير اضطهادهم و إبادتهم. وهي نفس السياسة التي تتبعها تنظيمات الإرهاب الإسلامي الوهابي مثل القاعدة وطالبان، وداعش، وجبهة النصرة، وبكو حرام ، وغيرها من العصابات الإرهابية الإسلامية الوهابية المعادية للحضارة والإنسانية.
3- استثمر البعث التناقضات والصراعات في المجتمع العراقي مثل الطائفية وعمل على تأجيجها، تضخيمها، وطرح نفسه الممثل الشرعي الوحيد للسنة العرب، وراح يشعل الفتن الطائفية بصراحة غير معهودة من قبل، وبمنتهى الوقاحة، وشن حملة تشويه ضد الشيعة، و تسقيط رموزهم السياسيين، والمبالغة بحجم الفساد وإلقائه على عاتق السياسيين الشيعة في السلطة وحدهم دون غيرهم.
4- اتبع الكتاب البعثيون أساليب شيطانية خبيثة في الدعاية المضادة وصناعة الإشاعة، وذلك بالكتابة تحت أسماء مستعارة، والهجوم على السياسيين الشيعة وتسقيطهم بكتابة مقالات بأسماء شيعية للتضليل، فيبدأ الكاتب بذكر فضائل الإمام علي وتاحسين، وما حل بأهل البيت من مظالم، ويظهر نفسه وكأنه حريص على مصلحة فقراء الشيعة!، فيذرفون عليهم دموع التماسيح، وما لحق بهم من ظلم وفقر على أيدي ممثليهم "الحرامية" في السلطة!!! ونجحت حكومات خليجية، وخاصة السعودية، في شراء ذمم كتاب شيعة لإشراكهم في شن الهجوم على السياسيين الشيعة دون غيرهم وتحميلهم مسؤولية الفساد والإرهاب والمحاصصة الطائفية في السلطة... وكل مشاكل العراق المتراكمة عبر قرون.
5- كما و تفنن البعثيون في صياغة الأخبار والتقارير الكاذبة والمقالات الملفقة بمنتهى المهارة والخبث، مستفيدين من التكنولوجيا المتطورة في التقنية المعلوماتية مثل برنامج (الفوتوشوب) لتلفيق وثائق وصور مزيفة، وإظهار أكاذيبهم بالموثقة، إلى درجة أنههم في تمريرها حتى على الأكاديميين والمثقفين والوطنيين المخلصين ناهيك عن الناس البسطاء، ولا أدعي أني محصن ضد هذه الإشاعات والأحابيل. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتذكر كثيرون ما نشر قبل عامين عن طريق الإيميلات، إشاعة مفادها أن حكومة المالكي دعت الوحدة الأوربية لبناء مكب للنفايات النووية لهم في العراق.
ومثال آخر الذي نجح البعثيون في دفع  أكادميين إلى تصديقهم، حيث استلمت تقريراً تأثر به أستاذ جامعي محترم، وهو من ضحايا البعث، فقام بدوره بتعميم هذا التقرير و مفاده أن 50% من سكان محافظة البصرة مصابون بالسرطان بسبب تلوث التربة باليورانيوم المخضب، دون أي يشيروا  إلى مسؤولية نظام البعث الصدامي الذي زج بالعراق في حروب عبثية مع إيران، ومع المجتمع الدولي في حرب تحرير الكويت ومن ثم تحرير العراق...الخ.
على أية حال، أجبت الأستاذ الفاضل أن هذا الخبر لا بد وأن يكون ملفقاً ولأغراض سياسية. فإذا صدقنا به، فهذا يعني أن نحو مليون إنسان مصاب بالسرطان في البصرة حيث يبلغ نفوس المحافظة نحو مليونين. وإذا اعتمدنا الإحصائيات، فخلال خمس سنوات سيموت أكثر من نصف هؤلاء المصابين كما وتظهر سرطانات في 50% من غير المصابين حالياً، وهكذا فبعد 20 أو 30 سنة ستخلو محافظة البصرة من سكانها. فهل هذا الكلام علمي ومعقول؟ ولو كان الخبر صحيحاً بوجود مليون إصابة بالسرطان في محافظة واحدة، فلماذا لم تتحرك منظمة الصحة الدولية، ووكالات الأنباء وهي التي تقيم الدنيا في حالة تفشي أي وباء في أي مكان من العالم مثل انفلونزا الطيور وإيبولا غيرهما؟
والجميل في الأمر، أن الأستاذ الذي استلم ردي أيدني حالاً، وأدرك أن بث هذه الأخبار لأغراض سياسية ليس إلا. في الحقيقة هناك تقارير تفيد أن نسبة الإصابة بالسرطانات والتشوهات الولادية في العراق لا تختلف عنها في أي مكان آخر في العالم.
وليت الوقوع في فخ الخديعة توقف عند هذا الحد، بل تعداه حتى إلى رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي وهو يسعى لمحاربة الفساد، و المفترض به أن يكون قوياً في الرياضيات لكونه يحمل شهادة دكتوراة في الهندسة الالكترونية من جامعة بريطانية عريقة، ولكن مع ذلك فشل في هذا الامتحان عندما قدموا له رقم (50 ألف جندي فضائي- شبحي، أي وهمي) في أربع فرق عسكرية، فسارع في نشر "الفضيحة" دون تدقيق، علماً بأن ملاك أربع فرق عسكرية لا يزيد عن 49 ألف عسكري، أي أقل من عدد الفضائيين. أليس هذا استغفال وسقوط في الفخ يا دولة الرئيس؟
كان كاتب تقرير أمريكي أكثر تحفظاً حين ذكر عن التغيب في القوات المسلحة العراقية عند سقوط الموصل فلم يذكر رقماً، بل أعطى نسبة مئوية، فقال هناك فرق عسكرية وأجهزة أمنية فيها نسبة التغيب تصل إلى 30% وهم يستلمون رواتبهم. وهذا التعبير أقرب إلى الواقع والمصداقية.

كما تكونوا يولى عليكم
و يحاول بعض الكتاب إلقاء اللوم على من تضعه الأقدار في قيادة السلطة ليحمِّلونه مشاكل العراق المتراكمة عبر قرون، ومنها الفساد والإرهاب والصراعات العرقية والطائفية والعشائرية، ويقولون مثلاً: لماذا لا يكون في العراق زعماء مثل زعماء دول نجح رؤساؤها في قيادة بلدانهم من التخلف إلى مستوى متقدم في الحضارة والإستقرار والازدهار الاقتصادي؟ لماذا لا يظهر نلسن مانديلا عراقي مثلاً؟ نسي هؤلاء الأخوة، سامحهم الله أن الأحزاب وزعمائها، والحكومات و رؤساءها، هم إفراز ونتاج شعوبهم، إذ تفيد الحكمة: (كما تكونوا يولى عليكم). وعلى سبيل المثال، ينقل في هذه الأيام عن الرئيس الماليزي السابق، السيد مهاتير محمد عن سبب نجاحه في جهوده لبناء بلده أنه قال: "عندما أردنا الصلاة إتجهنا صوب مكة، وعندما أردنا بناء البلاد إتجهنا صوب اليابان". وكتب الصديق، الدكتور محمد علي زيني، مقالاً في هذا الخصوص بعنوان: (متى يحكم العراق رجل مثل مهاتير محمد؟). فأجبت الصديق: (يحكم العراق رجل مثل مهاتير محمد عندما يكون في العراق شعب مثل الشعب الماليزي، وليس شعب ممزق إلى طوائف وأعراق متناحرة ومتصارعة، فمهاتير محمد هو نتاج شعبه، ولو كان قد وُلِد ونشأ في العراق لما سمع به أحد). فأيدني الصديق قائلاً: (شكراً على التعليق. أتفق معك،  ونحتاج الى جيلين جديدين بتعليم حديث ومركز حتى نرى شعباً أفضل مما عندنا الآن).
كيف تريد لرئيس حكومة أن ينجح في عمله ويقدم البلد، وهو مكبل اليدين، ويُفرض عليه وزراء ولاؤهم لقادة كتلهم وليس للحكومة ورئيسها، وهدفهم في المشاركة في الحكومة هو إفشالها وشلها عن عملها؟

ومن كل ما سبق نفهم أن الشعب كله مسؤول عما يجري في العراق. فهناك من يقول إن داعش هو مستورد من الخارج، وهذا خطأ. نعم، هناك نسبة قليلة من الدواعش الوافدين من الخارج، ولكن نسبتهم لا تزيد عن 10%، أما الـ 90% فهم إنتاج محلي وبالأخص من البعثيين الذين تظاهروا بالإسلاموية. وإذا تريد الدليل المادي فما عليك سوى مشاهدة الفيديو القصير (الرابط أدناه) ، وكيف قتل الدواعش جنوداً عراقيين، في ناحية يثرب، و هجم أهل المنطقة وحتى أطفالهم وهم يركلون جثث الشهداء الذي ضحوا بحياتهم في سبيل تحريرهم من الدواعش.(1)

دعوة لتصفية المالكي
لقد حصل في الآونة الأخيرة تصعيد حاد لهجمة شرسة ضد السيد نوري المالكي لتصفيته سياسياً واجتماعياً وحتى جسدياً، من أطراف عديدة، وجرّوا إليها أناس لا يشك في وطنيتهم من أصحاب النوايا الحسنة الذين صدقوا بهذه الدعايات المضادة، إذ نقرأ على سبيل المثال العناوين التالية:
* (المطالبة بمحاكم المالكي وتحميله مسؤولية احتلال الموصل من قبل داعش).
والكل يعرف أن الذين تآمروا لتسليم المحافظات الغربية إلى داعش، هم الأخوين النجيفي ومن لف لفهما من إداريين في هذه المحافظات، وبتنسيق من جهات دولية وإقليمية واسعة، ودفعوا الثمن فيما بعد.
* (تحقيق خطير يكشف بالوثائق كيف فاز نوري المالكي في الانتخابات العراقية الاخيرة)،
*( محاولة محاكمة الرئيس المالكي من خلال الإدعاء بوجود مقاتلين فضائيين)(2)
* مقال نشرته إيلاف السعودية بعنوان: (المالكي فشل في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان) والذي ردينا عليه بمقالنا الموسوم: (لماذا "فشل" المالكي في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان؟)(3).
* وأخيراً وليس آخراً، وصلني فيديو قصير لمظاهرة في إحدى مدن الوسط، تطالب رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، بإعدام رئيس الوزراء السابق نوري المالكي!!!!!! فهل هذا الشعب قابل للحكم؟

خلاصة القول: نحن أمام شعب من الصعب جداً حكمه، لأنه سهل التصديق بالإشاعات والافتراءات والأكاذيب،(على حس الطبل خفّن يرجلية!)، يواجه عدواً يتمتع بإمكانيات هائلة وخبرة واسعة في الخبث والتضليل، لا يقيم وزناً لحياة الإنسان ولا الأخلاق والقيم. وفي هذه الحالة فهل من الصحيح أن يبقى المثقفون على التل متفرجين لتتكرر جريمة 8 شباط 1963، وإدخال البلاد مرة أخرى في نفق مظلم، ودورة جديدة من العنف والقتل والتهجير، والتشريد، والحروب العبثية، والدمار الشامل؟ أم نقوم بواجبنا لتنبيه الناس أن يعوا أبعاد المؤامرة الخطيرة، واللعبة الشيطانية التي تحاك ضدهم؟
أعتقد أن من واجب المثقف أن يلعب دوره الوطني والإنساني لمواجهة المؤامرة الشريرة، إذ كما قال مارتن لوثر كنغ: "المصيبة ليس في ظلم الأشرار، بل في صمت الأخيار".
 ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1- قتلى ميليشيات العدو [الصفوي] بمعارك ناحية يثرب ومحيطها
http://www.dhiqar.net/Vid.php?id=6614

2- محاولة محاكمة الرئيس المالكي من خلال الإدعاء بوجود مقاتلين فضائيين
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181813.html

3- عبدالخالق حسين: لماذا "فشل" المالكي في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=699

17
لماذا "فشل" المالكي في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان؟

د.عبدالخالق حسين

" قول الصدق في زمن الخديعة عمل ثوري" – جورج أرويل


رغم أني أمر في فترة ينتابني فيها النفور من الكتابة، ومع اعتذاري الشديد للقراء والأصدقاء الذين افتقدوني، صرت أشعر بنوع من الاغتراب عن العراق، لأن ما يجري فيه من فوضى في إدارة الحكم والاستسلام لمطالب ممثلي داعش في السلطة الآن، يشعرك وكأن أمر العرق ليس بأيدي أبنائه، بل يملى عليهم من الخارج، وصار من المؤكد أن وراء داعش دول كبرى(1).

ذكرت مراراً أنه لم يتعرض أي زعيم عراقي لموجة الأكاذيب والافتراءات في تاريخ العراق الحديث كالتي تعرض لها الزعيم عبدالكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز 1958، ورئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي، منذ تسلمه منصب رئاسة مجلس الوزراء عام 2006، ومن قبل نفس الجهات الحاقدة على العراق.
يلومنا البعض عندما نتصدى لهذه الأكاذيب بأننا ندافع عن المالكي، وبمقابل أجر!! في الحقيقة نحن لا ندافع عن المالكي، ناهيك للأجر، بل ندافع عن الحقيقة واحتراماً لعقولنا، ولأننا نرفض التصديق بالأكاذيب أو السكوت عنها، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

أستلمتُ مراراً في هذه الأيام  رابط لمقال أو تقرير بعنوان: (المالكي فشل في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان)، لكاتب لم نسمع به من قبل، على الأغلب اختفى وراء اسم مستعار، وآخر رسالة استلمتها عن هذا المقال التقريري، هي من صديق عزيز قال فيها: "ارسل اليك مقال منشور في موقع ايلاف والذي يبين الى اي مدى وصل مستوى الانحطاط الاخلاقي والفكري، حتى على مستوى اغلب المعلقين على المقال مع الاسف الشديد."

يبدأ المقال بالتالي: "أتى نوري المالكي إلى لبنان ليخلي سبيل ابنه أحمد، الذي يُحتجز بعد العثور على 1,5 مليار دولار في حوزته. لكنه غادر سريعاً إذ تبيّن أنه مطلوب بتهمة تفجير سفارة العراق في بيروت في العام 1981".
علماً أن زيارة المالكي كانت رسمية وليست خاصة، إذ حتى الكاتب نفسه اعترف بقوله أن المالكي: "... إلتقى خلالها مسؤولين لبنانيين وأمين عام حزب الله حسن نصرالله". فإذا كان مطلوباً فلماذا لم يتم إلقاء القبض عليه وهو في لبنان ؟؟؟؟؟؟؟
أما مصدر الخبر الذي اعتمد عليه الكاتب، فيقول: "كشف نائب رئيس الجمهورية العراقية السابق، طارق الهاشمي، الثلاثاء، أن نجل المالكي محتجز في لبنان، بتهمة تهريب 1,5 مليار دولار، وقد أتى ساعيًا لتخلية سبيله".
ونحن إذ نسأل: متى كان المجرم الهارب من وجه العدالة، والمحكوم بالإعدام بجوره في الإرهاب، طارق الهاشمي مصدراً يوثق به لمثل هذه الأخبار؟

طبعاً هذه ليست المرة الأولى، ولا الأخيرة التي يتعرض لها السيد نوري المالكي إلى مثل هذه الأكاذيب، إذ تم استهدافه منذ تسلمه رئاسة مجلس الوزراء عام 2006، وإلى الآن دون توقف، وإلى أجل غير منظور. أدرج في هامش هذا المقال رابط لقائمة تضم عدداً من هذه الافتراءات التسقيطية ضد المالكي(2)، وقد أثبت الزمن بطلانها، ورُدَّت سهام مؤلفيها إلى نحورهم.

وجوابي للصديق وغيره من الأصدقاء الذين استلموا مثل هذه الكذبة هو كالتالي:
لا شك أن التهمة خطيرة ولكنها في نفس الوقت غبية، فلو كانت صحيحة، ونظراً لخطورتها (فيما لو كانت صحيحة)، لصرحت بها الحكومة اللبنانية، ولتناولتها وكالات الأنباء العالمية المشهورة و المحترمة مثل البي بي سي، و رويتر،  وغيرهما، ولم نقرأها فقط في مقال بائس منشور في أحد المواقع صفراء لا شغل لها سوى فبركة الأكاذيب ضد المالكي. وهذا التقرير المفبرك والمئات غيره دليل على نزاهة نوري المالكي وشعبيته، ودناءة ولآمة خصومه فلم يعثروا على ما يشوه صورته لذلك لجأوا إلى الأكاذيب، وهو أسلوب يستهين ويستخف بعقول العراقيين، ودليل على الإفلاس السياسي والفكري والأخلاقي لمفبركي هذه الأخبار الكاذبة.
وحملة التشويه ضد المالكي سوف تستمر من قبل أعدائه ومنافسيه على السلطة، وخاصة من البعثيين الدواعش، لأنه تجرأ ووقع على أخطر قرار حكم في تاريخ العراق وبمنتهى الشجاعة والعدالة، وهو قرار المحكمة الجنائية بإعدام مجرم العصر ورمز الطائفيين والدواعش وجميع الإرهابيين، صدام حسين.
وبالمناسبة، أنا لا أعتبر الإعدام أشد عقوبة بحق المجرم، لأن فيه نهاية عقابه وراحة له، ففي حالة موته لا يشعر المجرم بأي شيء إذ يعود كما لم يكن مولوداً أبداً، بينما العقاب الشديد هو السجن مدى الحياة، أي مصادرة حرية المجرم. ولكن بالنسبة لصدام حسين، وبقية الإرهابيين من أتباعه، للإعدام معناه الرمزي، ومبرراته الخاصة، وهي أن صدام كان يمثل رمزاً للإرهابيين البعثيين (الدواعش)، ويمنحهم الأمل في تهريبه من السجن والعودة إلى السلطة لأنه وضع في روع أتباعه أنه "القائد الضرورة الذي لا يقهر). فلو بقي حياً لاستمات البعثيون الإرهابيون في إخراجه عنوة وبشتى الوسائل الإجرامية، حيث هربوّا المئات منهم في عمليات الهجوم على السجون، كما حصل في سجن أبو غريب والتاجي، و سجن الموصل...الخ. لذلك فإعدام المحكوم عليهم من الإرهابيين هو للردع أولاً، وللقضاء على آخر أمل لهم في استرجاع حكمهم المنهار ثانياً. 
وبالعودة إلى السؤال الذي في العنوان: لماذا "فشل" المالكي في إطلاق ابنه وأمواله المحتجزة في لبنان؟
الجواب: لأن الخبر كله مفبرك ولا أساس له من الصحة، وابن المالكي لم يحتجز، لا في لبنان ولا في غيره لكي يطلق سراحه.

والسؤال الآخر: لماذا كل هذه الافتراءات الشرسة ضد المالكي أكثر من غيره؟
الجواب كالتالي:
1- كما أشرنا أعلاه، أن المالكي وقع على تنفيذ حكم الإعدام بحق مجرم العصر صدام حسين، الذي صار رمزاً للطائفيين السنة بقيادة مفتي الإرهاب الطائفي يوسف القرضاوي، ليس في العراق فحسب، بل وحتى في خارجه. وقد جنى هؤلاء على أهل السنة حين ربطوا اسم صدام وأمثاله من الإرهابيين بالسنة، فهذا الربط لا يشرف أهل السنة ولا المسلمين، والمؤسف أنه حتى في الإعلام العالمي يسمون الإرهابيين الإسلاميين الآن بـ(المتطرفين السنة)، وهذا ظلم بحق أهل السنة.
2- تصلب المالكي في الالتزام بالدستور، وتوزيع ثروة البلاد على العراقيين بالتساوي والعدالة، وهذا ما أغضب السيد مسعود بارزاني الذي أراد الاحتفاظ بنفط كردستان له، مع حصته 17% من الموازنة العراقية والتي صارت الآن 24%، علماً بأن الكرد يشكلون 12% فقط من الشعب العراقي، أي أنهم يحصلون الآن على ضعف استحقاقهم على حساب بقية العراقيين، إضافة إلى صرف ميزانية بيشمركة الذي لا يأتمر بأمر الحكومة الإتحادية، ويجب أن تكون مصروفاته ضمن الـ 17% من حصة الإقليم.
3- فشل المالكي في كسب أمريكا إلى جانبه، لأنه رفض الموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق مع الحصانة من القانون العراقي، وكذلك رفض صرف أموال الشعب العراقي على تأجير شركات العلاقات العامة (PR) في أمريكا لتشكيل لوبيات في واشنطن تدافع عنه وتفند تهمة التهميش والعزل التي رفعها السياسيون السنة والكرد (جناح بارزاني) ضده، كما رفعوا قميص عثمان من قبل.

ولهذه الأسباب وغيرها، فستستمر الحملة ضد المالكي من قبل أعدائه، ولو شاء لهم لتمت تصفيته جسدياً كما يسعون الآن لتصفيته سياسياً واجتماعياً، والنيل من شعبيته المتزايدة. ولكن كما قال ابراهام لنكولن: "يمكن أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وبعض الناس كل الوقت، لكنك لن تستطيع خداع كل الناس كل الوقت".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة:
1) فيديو (11 دقيقة) ضابط سابق في الاستخبارات البريطانية: هكذا صنعنا داعش وهكذا نقرع طبول الحرب ضدها
https://www.youtube.com/watch?v=_v41GLU2Mn0#t=14

2) قائمة الافتراءات ضد المالكي والعراق الجديد بصورة عامة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=698

3) أياد السماوي: نوري المالكي ... لن يسقط بالأكاذيب والأساليب الرخيصة
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181649.html


18
علاقة أردوغان بداعش

د.عبدالخالق حسين

الملاحظ هذه الأيام أن أنقرة صارت محجاً للقادة الكبار في العالم، فقبل أسابيع قام نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن بزيارة أردوغان، وقبل يومين قام البابا فرانسيس بزيارة مماثلة، وما أن غادر حتى وحط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مطار العاصمة التركية. طبعاً الأسباب المعلنة لهذه الزيارات تختلف عن الأسباب الحقيقية، والسؤال هنا لماذا صارت أنقرة محجاً لهؤلاء القادة؟ كل هذه الزيارات من أجل إقناع أردوغان ليتوقف عن دعم الإرهاب الداعشي. ولكن ولماذا يتواطأ أردوغان مع الإرهاب، هذا السؤال وغيره وجهته لي إذاعة عربية قبل يومين، والمقال هذا هو ملخص ما جاء في الحوار مع بعض الإضافات.

السبب الرئيسي لهذه الزيارات لأنقرة هو علاقة أردوغان مع ما يسمى بمنظمة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، إختصاراً (داعش). لقد بات واضحاً الدور المحوري الذي تلعبه تركيا أردوغان في دعم (داعش) لأسباب واضحة، أهمها: أن أردوغان، حاله حال السعودية وقطر، سعت للإطاحة بنظام بشار الأسد في دمشق، وحكومة نوري المالكي في بغداد. و ما أن يئسوا من إسقاط الأخير عن طريق صناديق الاقتراع استخدموا ورقة (داعش) باحتلالها للموصل يوم 10/6/2014، وبطريقة في منتهى الخبث والدقة، وما جرى بعده من احتلال للمحافظات الغربية. وبإتفاق مسبق مع أردوغان، قامت (داعش) باعتقال 49 موظفاً في القنصلية التركية بالموصل، لإبعاد الشبهة عن دوره في هذه المؤامرة القذرة، ولمنحه العذر في عدم السماح لأمريكا باستخدام القاعدة الجوية التركية أنجرليك لقواتها الجوية لضرب داعش، بالإدعاء أنها تخاف على مصير موظفي قنصليتها المختطفين. بينما غرض أردوغان هو دعم داعش في المنطقة. وقد تم إطلاق سراح "المختطفين" الأتراك فيما بعد دون أن يصيبهم أي أذى.
ولم يكتفِ أردوغان بعدم التعاون مع التحالف الدولي لضرب داعش فحسب، بل وطالب بحضر الطيران على سوريا وخاصة المناطق التي تحتلها داعش. والغرض من هذا الطلب واضح وهو حماية مقاتلي داعش من القصف الجوي.
كما وأفاد تقرير من مراسل بي بي سي في بيروت، عن تجدد تصعيد الهجوم الداعشي على مدينة كباني (عين العرب) السورية الحدودية مع تركيا، يوم 30/11/2014، وأن مقاتلي داعش هجموا على المدينة من الجانب التركي، الأمر الذي دفعت حكومة أردوغان إصدار بيان النفي!!.
والجدبر بالذكر أن تركيا هي البوابة التي يدخل من خلالها المتطوعون الإرهابيون من مختلف أنحاء العالم للالتحاق بداعش وجبهة النصرة، إضافة إلى قيام تركيا بتنظيم المؤتمرات للمتآمرين على العراق وسوريا.
في الحقيقة صار دور أردوغان في دعم داعش واضحاً للعيان، وقد أشارت الصحف الغربية الكبرى بذلك. وكانت زيارة بايدن لأنقرة قبل أسابيع لحث أردوعان على التخلي عن هذا الدعم.

أما زيارة البابا فرانسيس، فقد نشرت وسائل الإعلام العالمية عن تصريحاته أن: "دعا البابا فرانسيس كافة قادة وزعماء الدول الإسلامية إلى إدانة الإرهاب بشكل واضح. ونبه إلى إن ذلك يساعد على محاربة الصورة النمطية التي تربط بين الإسلام والإرهاب. وقال البابا فرانسيس - في تصريحات صحفية عن متن طائرته لدى عودته من تركيا - إنه قدم مقترحا بهذا الصدد خلال مباحثات خاصة عقدها الجمعة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وأضاف البابا "قلت للرئيس إنه سيكون جميلا لو تحدَّث كافة قادة الدول الإسلامية بمختلف أنحاء العالم، سواء القيادات السياسية أو الدينية أو الأكاديمية، صراحة وانتقدوا ذلك". (1)

وكذلك زيارة بوتين لأنقرة، رغم الإعلان عن أنها لبحث العلاقات الاقتصادية و"تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات شتى، وعلى وجه الخصوص مجال الطاقة، وذلك رغم خلافاتهما حول اوكرانيا وسوريا"، إلا إن السبب الحقيقي للزيارة هو لإقناع أردوغان بالتخلي عن دعمه للإرهاب الداعشي في المنطقة، خاصة وأن روسيا أيضاً مستهدفة بهذا الإرهاب، وأن ما يجري في سوريا والعراق هو صراع على مناطق النفوذ بين القوى الكبرى، والعودة إلى الحرب الباردة.

أما لماذا يسعى أردوغان لدعم (داعش) وغيرها من المنظمات الإرهابية في سوريا مثل (جبهة النصرة) الموالية للقاعدة، فالهدف هو، أولاً، الانتقام من النظام السوري في دعمه لقوات حزب العمال الكردستاني (PKK) بقيادة زعيم الحركة السجين عبدالله أوجلان، في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد. وثانياً، أن تركيا رغم دعمها الانتهازي لحكومة إقليم كردستان العراق، إلا إن هذا الدعم هو نكاية بالحكومة الاتحادية المركزية في بغداد من أجل إضعاف العراق، ولكنه (أردوغان) في نفس الوقت يقف ضد مقاتلي أكراد سوريا، إذ يعتبرهم امتداداً لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ولذلك رفض بشدة طلب أكراد تركيا بالإلحاق بأشقائهم في سوريا، كما ورفض السماح حتى للتحالف الدولي باستخدام مطاراته ضد داعش، وآخر دليل هو أن الهجوم الأخير على مدينة (كباني) كان من الجانب التركي.

و في آخر تقرير لمركز أبحاث كندي: "كشف أن تركيا توفر الحماية لخطوط تموين داعش، ولتدفق مقاتليه، وتجدد الاشتباكات بين اللجان الشعبية المدافعة عن بلدتي نبل والزهراء ومسلحي جبهة النصرة على الجبهة الجنوبية الشرقية لبلدة الزهراء، ومواجهات بين الجيش السوري والمسلحين في منطقة اللجاة وبلدتي جاسم ودير العدس بريف درعا".(2)

إن تورط أردغان في دعم داعش ليس خافياً على العالم وبالأخص على الحكومات الغربية ووسائل إعلامها، فقد كشف الكاتب الأمريكي توماس فريدمان، في مقال له نشر في (نيويورك تاميس)، أن التحالف الدولي الذي أعلن مؤخراً يضم قطر وتركيا واللتان تدعما مجاميع "داعش" الإجرامية، فيما أكد أن أوباما يعرف أن أعضاء حزبه والحزب الجمهوري ممن يحضّونه الآن على ضرب داعش هم أنفسهم أول من سيتخلون عنه حال التورط أو الفشل أو الخطأ.(3)

وأخيراً، قام مراسل الصحيفة الألمانية المعروفة (ديرشبيغل) بمقابلة مع رئيس مكتب تجنيد داعش في تركيا، ودخل معه في نقاش فكري عميق حول نظرة المنظمة للعالم وللديمقراطية ولمن يختلف معهم في الرأي، وكيف يتم رفد التنظيم، وأن الديمقراطية تصلح للكفار فقط ...الخ، (رابط المقابلة في ذيل المقال، الهامش رقم 4). والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل بإمكان منظمة إرهابية مثل (داعش) أن تفتح لها مكتباً في تركيا بدون علم وموافقة الحكومة التي لها جهاز استخباراتي واسع؟

خلاصة القول، إن أردوغان يستطيع أن يخادع ويراوغ وربما يعتقد أنه يستطيع أن يضحك على القوى الكبرى، ولكن التاريخ أثبت أن من يلعب بالنار، وخاصة مع الكبار، فلا بد وأن يدفع الثمن عاجلاً وليس آجلاً، وليتخذ من صدام والقذافي عبرة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- البابا فرانسيس يحث قادة العالم الإسلامي على إدانة الإرهاب
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2014/11/141130_pope_francis_muslim_leaders_terrorism

2- مركز أبحاث كندي: تركيا توفر الحماية لخطوط تموين داعش
http://www.akhbaar.org/home/2014/12/181011.html

3- فريدمان يؤكد ان التحالف ضد "داعش" يضم أطرافاً تدعم الأخير ويرجح فشله
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=29733

 4- Interview with an Islamic State Recruiter: 'Democracy Is For Infidels'
http://www.spiegel.de/international/world/islamic-state-interview-with-an-extremist-recruiter-a-999557.html




19
العرب وسياسة النعامة!!

د.عبدالخالق حسين

يُعرف عن النعامة في الفولكلور العالمي، أنها تدفن رأسها في الرمال، كمحاولة منها لتحمي نفسها من الصياد!. ومهما كان غرض النعامة من هذه العملية، سواء للبحث عن الماء كما يعتقد البعض، أو التهرب من الصياد، فالمثل ينطبق على الواقع العربي البائس. فالعرب عموماً يتهربون من النقد، وبالأخص النقد الذاتي في كشف الأخطاء. فالنقد ضروري، إذ كما قال ماركس: "النقد أساس التقدم، ونقد الدين أساس كل نقد". ولكن العرب والمسلمون عامة ضد أي نقد وبالأخص نقد الدين، الأمر الذي أدى إلى تخلفهم وسهل على الدجالين والنصابين الاستفادة من هذا التخلف، واستثمار الدين للهدم والتخريب، الإرهاب، وحتى تحويله إلى سلاح الدمار الشامل، ليس ضد أعداء الإسلام كما يدعون، بل ضد الإسلام والمسلمين أنفسهم.
مناسبة هذه المقدمة أني نشرت قبل أيام، مقالاً عن كتاب قيم قرأته حديثاً، بعنوان: (آفاق العصر الأمريكي)، للباحث الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي، ذكرت فيه بعض المقتطفات من الكتاب، الغني بالمعلومات، وأن المؤلف ذكر ما لأمريكا وما عليها، وأنه (الكتاب) جدير بالقراءة من قبل القراء العرب، لكي يعرفوا موقعهم من الإعراب، كما يقولون!. وأكدت في ختام المقال، "أن مشاكل العالم لا يمكن حلها عن طريق الأحكام العاطفية المسبقة والتمنيات والأفكار الرغبوية، بل بالعلم والمعرفة والتخطيط المسبق".

بعد نشر هذا المقال، وكالعادة في عصر الانترنت، استلمتُ ردود أفعال لعدد غير قليل من القراء الأفاضل، وهذه واحدة من حسنات الثورة التقنية المعلوماتية. ويسعدني أن أقول أن معظم التعليقات كانت إيجابية، وحتى المعارضة منها كانت ملتزمة بأدب الحوار الممتع. وعليه، أرى من المفيد أن أعود إلى بعض هذه التعليقات التي لم تتفق مع ما جاء في الكتاب أو مقالي عنه، إذ اعتبره هذا البعض ترويجاً مجانياً لأمريكا وسياستها العدوانية ضد العرب والمسلمين!!. 

في الحقيقة أنا لم أشر فقط إلى النقاط الإيجابية عن الكتاب، بل وأشرت أيضاً إلى بعض النقاط السلبية، مثلاً، اقتبست فقرة تفيد، أن أمريكا لم تسمح لدول العالم الثالث أن تتطور وفق التطور الطبيعي التدريجي، بل تعمل على فرض نموذجها الذي تريده، أي التطور الموجه. كما وذكرت عن استراتيجية أمريكا الثابتة في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها أمن إسرائيل، وضمان تدفق النفط، وحماية حليفاتها، وأن سياسة أمريكا تتمثل بمقولة بوش- الابن (من لم يكن معنا فهو ضدنا)... الخ. وبالطيع ليس ممكناً التطرق إلى كل ما جاء في الكتاب  في مقال  موجز عنه.

أما مسألة الترويج للكتاب، فلا أنكره، لأنه عندما يكتب أي شخص عن كتاب ما، فهو يريد الترويج له، وهذا ليس عيباً، فالكتاب غزير بالمعلومات والإحصائيات والحقائق، جمعها المؤلف من أكثر من ألف مصدر من جهات أكاديمية مختلفة، بمن فيهم خصوم السياسة الأمريكية مثل المفكر الأمريكي نعوم جومسكي وغيره، ونظمها في كتاب واحد بشكل متماسك ومتسلسل، وبلغة سلسلة وجميلة، سهل الفهم والتناول. فما الخطأ في ذلك؟ ويا حبذا لو يقرأه كل عراقي وعربي ليفهم مكاننا في العالم وأين نقف. وحتى لو فرضنا أن أمريكا عدوة لنا، واعتبرنا الكتاب ترويج لها، أليس المفروض بنا أن نعرف عن عدونا لكي نهيئ أنفسنا لمواجهته؟
لعل أعظم ما قاله الرئيس العراقي الأسبق، المرحوم عبدالرحمن محمد عارف، في هذا الخصوص هو قوله عن إسرائيل: (أن العدو يعرف عنا أكثر مما نحن نعرف عن أنفسنا). أليست هذه حقيقة؟ وإلا كيف استطاعت القوة الجوية الإسرائيلية أن تقصف في لحظات مفاعل تموز جنوبي بغداد عام 1981؟

كذلك كتب أحد القراء ما معناه، أنه يجب عدم ذكر مساوئنا في هذه المرحلة العصيبة، لكي لا نفضح أنفسنا أمام العالم وخاصة أمام الأعداء، لأن في ذلك تثبيط لعزيمة الأمة و معنوياتها !!!
أقول: أليس هذا دعوة لتطبيق سياسة النعامة التي أوصلتنا إلى هذا المصير الأسود؟

فهذا الموقف هو الآخر خطأ وضار جداً بمستقبل الأمة، فالعدو يعرف هذه الأخطاء والفضائح أكثر منا، فلماذا حرام على أبناء هذه الأمة النقد الذاتي لتنبيه الأمة عن مساوئها وأخطائها؟ إذ كيف نريد أن نصلح الأوضاع المتهرئة والأخطاء القاتلة ما لم نستخدم سلاح النقد ونشر الأخطاء على الحبل!!. كيف تريدون أن نعالج المرض ونحن نرفض تشخيصه، أو نتجنب التشخيص الصحيح وإخبار المريض بما عنده من أمراض وما يهدد سلامته؟
لقد جمع المفكر المغربي الراحل، محمد عابد الجابري، أخطاء العرب في أربعة مجلدات بعنوان: (نقد العقل العربي)، فهل أراد فضح الأمة وتثبيط عزيمتها وتدمير معنوياتها ؟؟؟؟ عجبي!

طيب، وما هي سياسة أمريكا المعادية للعرب والمسلمين؟ أليست أمريكا وبريطانيا "الكافرتين" هما اللتين أنقذتا مسلمي البوسنة وغيرها من شعوب البلقان من جرائم صربيا المسيحية؟ كما و تفيد الأرقام أن 60% من المساعدات الغذائية للشعوب الفقيرة في العالم الثالث هي من أمريكا.

لنتصور ولو لحظة، كيف كانت عليه حال العرب والمسلمين اليوم لولا الغرب، وخاصة أمريكا وبريطانيا؟ أليست أمريكا وبريطانيا وغيرهما من الغرب "الكافر" هم الذين اكتشفوا النفط في البلاد العربية والإسلامية واستثمروه لصالح الجميع؟ ولولا هذا الاستثمار الغربي لنفط العرب كيف كانت عليه أحوال هذه الشعوب النفطية الآن؟ ماذا عسى هذه الشعوب أن تعمل بثرواتها النفطية الهائلة وهي مدفونة في باطن الأرض دون أن تعلم بها كما كانت الحال في الأزمنة الغابرة، أو لها الإمكانية لاستثمارها؟

إن احتلال أمريكا لموقعها الحالي كقائدة للنظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد، هو نتاج ظروف موضوعية فرضتها العولمة وما تتمتبع به أمريكا من قدرات هائلة. والعولمة هي حتمية تاريخية وفق مسار التاريخ، وهي نتاج  الثورة التقنية المعلوماتية، فجعلت الشعوب تلتقي وتتقارب، وتولي أهمية أكبر للعامل الاقتصادي ورفع المستوى المعاشي على أي اعتبار قومي آخر، وكل من يقف ضد هذا التيار الجارف سيسحقه التاريخ بعجلاته الثقيلة التي لا ترحم، فمبدأ التطور هو: إما أن تتكيف مع المستجدات أو تنقرض.
أما إذا كان على العراقيين معاداة أمريكا لأنها تدعم إسرائيل، فهذه هي الأخرى سياسة انتحارية، لأننا لا نستطيع وبإمكانياتنا المتواضعة وانقساماتنا هذه أن نغير سياسة أمريكا وإستراتيجيتها في المنطقة. شئنا أم أبينا، إسرائيل وجدت لتبقى، خاصة بعد أن اعترفت بها قيادة الشعب الفلسطيني، لذلك أقول، لا يجوز لنا نحن العراقيين أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم.

فليس بإمكان العرب، أو محمود أحمدي نجاد أن يمحوا إسرائيل من الخارطة. كان العرب لعشرات السنين، يرددون أنهم (سيلقون اليهود في البحر لتأكلهم الأسماك). ونتيجة لهذه السياسة العدمية، جاءت هزيمة 5 حزيران عام 1967، و صار العرب، وليس اليهود، طعاماً للأسماك.
إن عقلية معاداة الشعوب، وخاصة معاداة أمريكا، الدولة العظمى، التي بيدها الحل و العقد، هي التي أنتجت قادة بلطجية من أمثال صدام  والقذافي وبشار الأسد، وبن لادن وأبو بكر البغدادي، وغيرهم من الطغاة الذين قادوا شعوبهم إلى هذا المصير الأسود.
لذلك، أرى من المفيد أن نعيد النظر في مواقفنا من العالم. فسياسة (كل شيء أو لا شيء) دائماً تنتهي بلا شيء، وأفضل مثال هو مصير الفلسطينيين الذين أصروا على (تحرير الأرض من النهر إلى البحر) فانتهوا بلا شيء.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو صلة
عبدالخالق حسين: قراءة في كتاب: آفاق العصر الأمريكي -السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=695



20
قراءة في كتاب: آفاق العصر الأمريكي -السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد


د. عبدالخالق حسين

صدر في أوائل هذا العام، 2014، كتاب بعنوان: (آفاق العصر الأمريكي -السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد)، للدكتور جمال سند السويدي، وهو من الحجم الكبير، في 858 صفحة، وبإخراج جميل وورق صقيل، وطباعة أنيقة، وغزير بالعلومات. والمؤلف هو مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، وخريج جامعة ويسكونسن الأمريكية،التي تعد من الجامعات الراقية، والتى حصل منها على درجة الدكتوراه فى العلوم السياسية، فى أواخر القرن الماضى.
يضم الكتاب بين دفتيه، تمهيد، ومدخل: (بنية القوى في النظام العالمي الجديد)، وسبعة فصول، وخاتمة، تليها الملاحق، والهوامش والمراجع، والفهارس، إضافة إلى جداول الإحصاءات، والبيانات وبالألوان، مع قرص مدمج بالصوت (Audio CD). وهو بحث علمي بكل معنى الكلمة، اعتمد فيه المؤلف على مئات المصادر والدراسات الأكاديمية الموثقة، واقتبس من مشاهير المفكرين والأكاديميين والسياسيين، أمريكيين وغير  أمريكيين، مع وضد أمريكا، وبلغة واضحة وبليغة وسلسلة، سهلة على الفهم، إذ كما وصفه رئيس مركز ابن خلدون، عالم الاجتماع المصري المعروف، الدكتور سعدالدين إبراهيم، في تقييمه للكتاب: أنه موسوعة، كتب بأسلوب السهل الممتنع.

ولا شك أن في عصرنا هذا لا يسلم الشخص الذي يتطرق إلى هكذا دراسة واسعة، وبمثل هذا العنوان (آفاق العصر الأمريكي)، من تهمة الترويج لأمريكا. إلا إن القارئ يُفاجأ عندما يواصل القراءة ليجد أن المؤلف ذكر لأمريكا ما لها وما عليها بروح حيادية وأكاديمية عالية دون أي تحيُّز. ولكن هل هو انحياز إذا ما ذكر المؤلف حقائق تؤكد إمكانات أمريكا الهائلة في مختلف المجالات، الاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية وغيرها، تفوق إمكانات أقرب منافساتها مثل الوحدة الأوربية، وروسيا والصين واليابان مجتمعة؟
فنحن بلا شك نعيش في النظام العالمي الجديد، ذو القطب الواحد بقيادة أمريكا، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. وفي هذا الخصوص يقول المؤلف عن بنية النظام العالمي الجديد: "ربما يكون سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 بعد أكثر من 28 عاماً من بنائه، هو نقطة البدء في اتباع النظام العالمي الجديد، فقد أعيد توحيد ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية في دولة واحدة في 3 أكتوبر 1990، بعد أن قرر الشباب الألماني الشرقي التخلص من الدكتاتورية، والانطلاق نحو الحرية بالمفهوم الغربي، واستعادة دولته الموحدة، ثم جاء إنهيار الاتحاد السوفيتي السابق وتفككه في 25 ديسمبر 1991، لينهيا حقبة من نظام عالمي ثنائي القطبية، وقد واكب نهاية هذه الحقبة عام 1991، نهاية معجزة الاقتصاد الياباني ووراثة الصين بعد مذبحة ميدان تياننمن Tiananmen Square في الرابع من يونيو 1989، موقع اليابان كاقتصاد سريع النمو قائم على التصدير، وتمت صياغة معاهدة ماستريخت الموقعة في 7 فبراير 1992، لهيكلة الاتحاد الأوربي، وقيام التحالف الدولي الواسع تحت إمرة الولايات المتحدة الأمريكية الذي أجبر العراق على الانسحاب من الكويت وحررها في 26 فبراير عام 1991". ( ص 42-43).

و الدولة العظمى، أمريكا، تنافسها دول كبرى مثل الوحدة الأوربية وروسيا والصين واليابان، ثم تأتي مجموعة الدول الخمس، الصاعدة التي تسمى اختصاراً:(BRICS)، وهي: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجمهورية جنوب أفريقيا.
فليس انحيازاً إذا ما قال المؤلف أن أمريكا هي الدولة العظمى، مستنداً إلى حقائق وأرقام تؤهلها لهذه المكانة في قيادة العالم، والنظام العالمي الجديد، إذ يقول: " تفوق أمريكا في مجال التعليم والثقافة: من خلال استقراء مؤشرات التعليم نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها 83 جامعة من أفضل 400 جامعة في العالم، فضلاً عن عدد هائل من الكتب الجديدة التي يتم إصدارها كل عام، والتي يصعب مجاراتها. وتشير إحصاءات عام 2011 إلى أن عدد العناوين الصادرة للمرة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية بلغ 347178 ، بينما بلغ عدد الكتب الصادرة في جميع الدول العربية -22 دولة- نحو 15 ألف عنوان عام 2011، أما اليونان، التي أوردتُها هنا على سبيل المقارنة بحكم حضاراتها وتاريخها ووضعها الاقتصادي الحالي، فقد شهدتْ في العام ذاته صدور نجو 8333 عنواناً، وهذه الاحصاءات تكشف عن فجوة هائلة على صعيد المعرفة والثقافة ونشر الكتب بين القوة العظمى المهيمنة على النظام العالمي الجديد وبقية عناصر المقارنة." (ص 57),

كما ويرى المؤلف أن المستقبل للديمقراطية، فبمقارنة بين عدد الدول الديمقراطية اليوم وما كان عليها قبل أربعة عقود، نعرف أن مسار التاريخ هو لصالح الديمقراطية، فيقول: "في عام 1977 كان هناك 89 بلداً تخضع لحكم استبدادي... ولكن بحلول عام 2011 اخفض العدد إلى 22 دولة فقط. واليوم يعيش أكثر من نصف سكان العالم في ظل حكومات ديمقراطية. كما أجريت في عام 2011 انتخابات ديمقراطية في 117 دولة من أصل 193 دولة، مقارنة بعام 1989، حيث جرت الانتخابات الديمقراطية في 69 دولة من أصل 167 دولة". (ص 80)

يتسم النظام العالمي الجديد بدعم الديمقراطية والترويج لها وانتشارها، والتأكيد على مكانة الفرد والمجتمع  وحقوقهما، وفي هذا الخصوص يقول الباحث: "أما خلال النظام العالمي الجديد وتوجهاته الإنسانية وسعيه إلى الحفاظ على الحقوق القانونية للفرد والمجتمع، فقد تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية في 11 إبريل 2002 كهيئة مستقلة لا تتبع الأمم المتحدة، وهي أول هيئة قضائية تحظى بولاية عالمية، ولفترة زمنية غير محددة، وتخص بمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية ضد الإنسانية، وجرائم الحرب وجرائم العدوان، وتعد الملاذ الأخير في المستويات القضائية للفرد والمجتمع في حالة صعوبة قيام المحاكم الوطنية بدورها..." (ص 112-113).

وبسبب التطور السريع في الثورة المعلوماتية والتقنية المتطورة في مجالي الاتصال الانترنتي، والفضائيات، وكذلك سهولة وسرعة التنقل والسفر بين الشعوب، فالعالم راح يتغير ويتطور، ولكن أمريكا وبحكم إمكانيتاها وهيمنتها في قيادة النظام العالمي الجديد لم تترك التطور يحصل بشكل طبيعي وتدريجي لا يلائمها. فيقول المؤلف: "... نلحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تنتظر العالم ليتغير وفق منهج التدرج الطبيعي في التطورات والتحولات الاستراتيجية التي تؤثر في صياغة هذا العالم، بل سعت وفق خطة منهجية إلى صناعة العالم الذي تريده بعد أن استطاعت امتلاك القوة والقدرة والآليات اللازمة لصنع هذا العالم." (ص125)
وهناك من يرى أن أمريكا في طريقها إلى أن تخسر مكانتها كدولة عظمى لتحل محلها الصين أو روسيا أو الوحدة الأوربية. هذه الرؤية في الحقيقة ما هي إلا من الأفكار الرغبوية أو التمنيات لدى خصوم أمريكا. فأمريكا تتفوق على منافساتها بفارق كبير، إذ يقول الباحث: "ويستشهد بعض الباحثين في البرهنة على التفوق الأمريكي أساساً باعتبارات اقتصادية، حيث يشيرون إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي (15.685 ترليون دولار) يساوي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي الصيني والياباني والروسي معاً (16.202 ترليون دولار)، كما ويساوي تقريباً الناتج المحلي الإجمالي للإتحاد الأوروبي (28 دولة) الذي يبلغ 16.641 تريليون دولار". (ص 202).
وعلى ضوء هذه المعطيات، فكيف يمكن لمنافسات أمريكا أن تتفوق عليها، وهي الأخرى تحث الخطى في الحفاظ على مكانتها لتكون في المقدمة وفي مختلف المجالات.
 فالولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها وخاصة في المجال العسكري، وفي هذا الخصوص ينقل لنا الباحث: " إن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ بتفوقها العسكري بفضل إنفاقها العسكري الضخم الذي يبلغ نحو 633 مليار دولار في عام 2014، ويمثل نحو 40% من إجمالي الإنفاق الدفاعي في العالم، وميزانيتها الدفاعية التي تقترب من ثلاثة أضعاف الميزانية الدفاعية لدول الاتحاد الأوربي مجتمعة (28 دولة) كما تبلغ أكثر من ستة أضعاف الميزانية الدفاعية للصين التي تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي في الانفاق العسكري". (ص 217)

ويستشهد المؤلف بـ [فرانسيس] فوكوياما، أنه يرى "أن منطق السياسة الخارجية الأمريكي منذ اعتداءات 11/9/2001 قد وضعها في موقع تتحمل بموجبه مسؤولية حكم الدول الفاشلة، إذ اعتبر فوكوياما أنه برغم النفي الأمريكي المتكرر لأي توجهات إمبريالية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قد عبَّرت عن هذه التوجهات صراحة في خطاب الرئيس السابق جورج دبليو بوش (الابن) في كلية ويست بوينت العسكرية خلال الأول من شهر يونيو 2002، حيث ذكر أنه "يجب على الولايات المتحدة الأمريكية الكشف عن الخلايا الإرهابية في 60 دولة أو أكثر باستخدام أي وسيلة مالية أو إستخباراتية. وفي واقع الأمر تحدث الرئيس يوش الابن في خطابه هذا عن رؤية أمنية واسعة ومختلفة عن الإدارات الأمريكية السابقة حين قال إن "كل الدول التي تلجأ إلى العدوان والإرهاب ستدفع الثمن". مؤكداً أن "واشنطون لن تترك أمر سلامة الولايات المتحدة الأمريكية وسلام العالم رحمة بضعة إرهابيين وحكام مستبدين". (ص 285-6).

ويتوقع أن تظل الولايات المتحدة الأمريكية محافظة على تفوقها التقني، وتحقيق أعلى نسبة من الابتكارات، إضافة إلى تميز جامعاتها، وكونها الأكثر عدداً في العلماء والخبراء في المجالات كافة، على مستوى النظام العالمي الجديد ما سيدفعها إلى فرض سيطرتها على انتشار التقنية المتقدمة، ومنع وصولها إلى الدول التي تقف على الطرف الآخر من المصالح الأمريكية، والتي لن تعترف بهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام العالمي الجديد. (ص 493).

على أن الأزمة ستشتد في العالم الثالث، فيقول المؤلف: في "المجال الاجتماعي: سوف تزداد المخاطر المحيطة بالاستقرار العالمي نتيجة تعرض الأوضاع البشرية لمزيد من التدهور، وخاصة في الدول الأكثر فقراً في العالم بسبب الانفجار السكاني والهجرة من المناطق غير الحضرية إلى المدن والمناطق الحضرية، ما يؤدي إلى زيادة المحرومين ووجود مئات الملايين من العاطلين عن العمل من الشباب. لذا، سوف يتزايد السخط بمعدلات عالية، وستزيد وسائل الاتصال الحديثة من حدة تمردهم على السلطة التقليدية، في الوقت نفسه الذي سيزيد فيه وعيهم واستياؤهم نتيجة عدم المساواة في العالم، فيصبحون قابلين للتطرف، ما يعرض دولهم ومجتمعاتهم لحالة من عدم الاستقرار وافتقاد الأمن المجتمعي". (ص 493-4) 

أما عن الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، فيقول المؤلف:
"إن النظرة الأمريكية إلى منطقة الشرق الأوسط كجزء من النظام العالمي الجديد ذات أربعة أبعاد رئيسية تشمل: الأمن المطلق لإسرائيل، والتنمية السياسية، والإسلام السياسي، وأمن الطاقة، ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستعمل على الاعتماد على بعض القوى الإقليمية للتعامل مع هذه الأبعاد الرئيسية، وخاصة إسرائيل وتركيا والسعودية وقطر، وهي الدول التي تستطيع تطوير اقتصادها واللحاق بموجة العولمة". (ص 512)

وعن النظرة المستقبلية يستشهد المؤلف بوجهة نظر "العالم الروسي البارز في مجال الدراسات الأمريكية، أناتولي تي. أوتكين Anatoly T. Otkin في نظرته إلى النظام العالمي الجديد للقرن الحادي والعشرين، أن المستقبل الذي يحمل في داخله تقارب الشعوب، سيصبح الناس فيه متشابهين كمنظمات، ليس في ملابسهم فقط، ووجود لغة عالمية الاستخدام، وعولمة الثقافة، والطعام، والإدمان، والتسلية، وآليات العمل، وإنما الشيفرة النفسية أيضاً. ويرى أنهم يتقاربون، ويتشاركون بشكل أعمق في القيم العامة متحولين فعلياً إلى قرية كونية واحدة، بما سيؤدي مستقبلاً إلى اختفاء الحدود الفاصلة بين "نحن" و"هم"، وستغير علوم هندسة البيولوجيا الجزئية، والاستنساخ، وصناعة الربوتوتات، والمعلوماتية، العالم المألوف بالنسبة إلى البشر بشكل جذري، الأمر الذي سيضمن لهم البقاء على قيد الحياة والتقدم". (ص 532).

ويستخلص المؤلف من بحثه الموسوعي القيم حول مستقبل العالم و عولمة الثقافة فيقول:
"وقد ينظر بعض المهتمين إلى هذا التوجه غير المتوازن لعولمة الثقافة لمصلحة الثقافة الأمريكية نظرة سلبية، ولكن في الوقت ذاته لا بد من الأخذ في الاعتبار أن الثقافة الأمريكية في حد ذاتها هي ثقافة مشتقة من مزيج ثقافات المهاجرين إليها، ما يجعلها تعرف بأنها بوتقة تذوب فيها الثقافاتMelting pot وتمتزج. وبالتالي يمكن النظر إلى الثقافة العالمية الموحدة بقيادة الثقافة الأمريكية في النظام العالمي الجديد على أنها توسيع للتجربة الأمريكية في تفاعل الثقافات الغربية". (ص 570-1).

"وأول هذه الملامح أنه نظام عالمي جديد يتسم بالقطبية الأحادية، تحقق فيه الولايات المتحدة الأمريكية السبق، نظراً إلى عوامل متعددة في مصلحتها، اقتصادية وسياسية واجتماعية، منها مجالات الطاقة والابتكار والمجال العسكري. وسيكون من الصعوبة بمكان على الدول المنافسة، وعلى رأسها الصين، أن تلتحق بالولايات المتحدة الأمريكية لتصبح قطباً ثانياً في النظام العالمي الجديد". (ص 571)

وبناءً على كل ما سبق، فمن "المؤكد تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في المجالات العسكرية والتقنية والعلمية والثقافية والتعليمية ومجال النقل، فضلاً عن قدرتها على التجدد والتكيف، يشكك بإمكانية بروز قوى متوازية لها في قيادة النظام العالمي الجديد خلال العقود الثلاثة المقبلة على أقل التقديرات". (ص 583)

الكتاب عبارة عن موسوعة عن النظام العالمي الجديد، ذي القطبية الأحادية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وسعيها لمنع منافساتها في بزها في أي مجال كان. هذا الكتاب جدير بالقراءة من قبل جمهرة المثقفين والسياسيين وكل من يهتم بالشأن السياسي، المحلي والدولي. فمشاكل العالم لا يمكن حلها عن طريق الأحكام العاطفية المسبقة والتمنيات والأفكار الرغبوية (wishful thinking)، بل بالعلم والمعرفة والتخطيط المسبق.*
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أتقدم بالشكر الجزيل للصديق العزيز، الإعلامي الأستاذ رائد جباري، المقيم في الإمارات العربية المتحدة، على إهدائه لي نسخة من الكتاب.
 

21
مائة عام على ميلاد الزعيم عبد الكريم قاسم*

د. عبدالخالق حسين

تمر في هذا الشهر (يوم 21، تشرين الثاني/نوفمبر، 2014)، الذكرى المئوية لميلاد أشرف وأنزه وأخلص حاكم وزعيم وطني عرفه العراق في تاريخه الحديث. وهذا الكلام ليس مني بدوافع عاطفية منحازة، بل بشهادة ألد خصومه من قيادات حزب البعث من أمثال: هاني الفكيكي، عضو القيادة القطرية للحزب، والمشارك في انقلاب شباط عام 1963، وعلي كريم سعيد، عضو القيادة القومية للحزب في التسعينات من القرن المنصرم، وفؤاد الركابي، أول أمين عام للحزب في العراق، والذي تآمر على اغتيال الزعيم عام 1959، إذ نقل لي أحد القراء، وكان مع الركابي في سجن بعقوبة في السبعينات، أن قال له الأخير، أنه إذا أطلق سراحه، فأول عمل سيقوم به هو تأليف كتاب يؤكد فيه أن عبدالكريم قاسم كان أشرف وأنزه زعيم عرفه العراق الحديث.

لقد حاول حزب البعث الصدامي، ليس التعتيم على شخصية الزعيم قاسم فحسب، بل و تشويه صورته وسمعته بشتى الأكاذيب والافتراءات عن طريق كتبته من المرتزقة، وحتى تشويه تاريخ العراق. ولكن لا يمكن حجب الشمس بالغربال، فقد أنصف التاريخ عبدالكريم قاسم، ففي الوقت الذي أسقط الشعب تماثيل صدام في نيسان 2003، قامت جمهرة من محبيه بنصب تمثال له في شارع الرشيد، وفي نفس المكان الذي حاول صادم وعصابته إغتيال الزعيم. وهذا هو منطق التاريخ، إذ لا يصح إلا الصحيح.


لذلك، فمن واجبنا، ككتاب، ومؤرخين، ممن عايش تلك الفترة التموزية العاصفة وما بعدها، القيام بدورهم الوطني في تصحيح كتابة التاريخ، وذلك بتفنيد الافتراءات، وإنصاف قادتنا الأشاوس وإزالة ما ألصق بذاكرة أبناء شعبنا من تشويه في العهد الصدامي، وبالأخص الجيل الحالي. وهذه المقالة هي محاولة في هذا المجال.

تشكل شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم، الوجه الآخر المكمل لثورة 14 تموز 1958، إذ غدا هو والثورة وجهين لعملة واحدة. وبمناسبة مئوية الزعيم، أقدم جوانبَ من هذه الشخصية الوطنية الفذة التي أصبحت رمزاً للوطنية العراقية والنزاهة والإخلاص للشعب والوطن والإنسانية.

لماذا شخصية قاسم مثيرة للجدل؟
لم تكن هناك شخصية في تاريخ العراق الحديث، أثارت من الجدل والاختلاف ونشرت عنها كتب ومقالات ودراسات، كشخصية الزعيم عبدالكريم قاسم. فكأي شخص دخل التاريخ من أوسع أبوابه في مرحلة التحولات الثورية الحادة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لا بد وأن يكون له أعداء كثيرون ومحبون كثيرون. فتعرض قاسم إلى الكثير من التشويه ووجهت له تهم شتى منها مثلاً تهمة شق الشعب، وشق الأحزاب السياسية، وضرب بعضها ببعض متبعاً ما سمي بـ "سياسة التوازنات". كما ووجهت له تهمة الشعوبية، والشيوعية، والعمالة لبريطانيا وأمريكا وروسيا، بل وحتى تهمة الجنون وغيرها. وبالمقابل بالغ محبوه في إضفاء المناقب، وإلصاق صفات أسطورية به من فرط حبهم له إلى حد أن البعض من الناس البسطاء لم يصدقوا بقتله لسنوات ما بعد مصرعه. أعتقد من المفيد مناقشة هذه الصفات والتهم التي ألصقت بقاسم لنرى مدى صحة أو خطأ هذه المثالب والمناقب.

موضوعة شق الشعب
يذكر الضابط سالم عبد القادر العباسي الذي نقل عبدالكريم قاسم وطه الشيخ أحمد بدبابته من قاعة محكمة الشعب قرب وزارة الدفاع إلى محطة الإذاعة يوم 9 شباط 1963، حيث أجريت تصفيته مع رفاقه الآخرين، بعد استسلام قاسم إلى الانقلابيين، وتحاشى حرب أهلية لمنع المزيد من سفك الدماء، وتصديقه لوعودهم، حيث أن أعطوه وعداً بالمحافظة على حياتهم، ليلقى مصيره المحتوم على أيدي الإنقلابيين فيقول الضابط العباسي: "… اتجهنا في شارع الرشيد إلى الباب الشرقي حيث جسر الجمهورية. وكانت الشوارع خالية من أي بشر… وبعد لحظات قال لي عبدالكريم قاسم: "لماذا ثرتم عليَّ..؟ قلت له لأنك قسّمتَ البلد .. وماشيت الشيوعيين".

لقد نسي هذا الضابط وآلاف غيره إن انقسام الشعب في مراحل التغيير ونقاط الإنعطافات الحادة في حياة الشعوب مسألة حتمية لا مفر منها ولم يسلم منها أي شعب أو أي قائد أو مصلح أو ثائر يقود عملية التغيير في المنعطفات التاريخية الكبرى كثورة 14 تموز 1958. فالتحولات الاجتماعية الجارية من شأنها أن تثير الكثير من ردود الأفعال البالغة العنف أحيانا.
يخبرنا التاريخ أن الإمام علي بن أبي طالب(ع) كان أكثر الخلفاء الذين اختلف حوله المسلمون، وبسببه انشقوا إلى معسكرين متحاربين لأول مرة في تاريخ المسلمين. فيقول الدكتور علي الوردي في هذا الخصوص: "مشكلة (تفريق جماعة المسلمين) وهذه المشكلة هامة جداً. وهي في الواقع من أهم مشاكل المجتمع البشري بوجه عام. ويطلق عليها علماء الاجتماع اليوم مصطلح (المشكلة ذات حدين).
"ففي كل مجتمع متحرك نجد زمرة من الناس تدعو إلى مبدأ جديد فتفلق المجتمع به وتمزق شمله. وهذه الزمرة المفرِّقة تعد في أول الأمر ضالة عاصية وتكال لها التهم من كل جانب. إنها تمزق الجماعة وتشق عصا الطاعة حقاً. ولكنها في نفس الوقت تبعث في المجتمع روح التجدد والتطور. ولولاها لجمد المجتمع ولبقي في خمود متراكم قد يؤدي به إلى الفناء يوماً ما."
لذلك فمسألة شق الشعب مسألة حتمية ترافق مراحل الثورات والتحولات الاجتماعية الكبرى وهي ليست من صنع قادة الثورات، بل ملازمة لهذه التحولات. الانشقاق نتيجة الصراع بين فئة ضد التحولات الاجتماعية وفئة تناضل من أجل التغيير والعدالة الاجتماعية. ففي المجتمعات الديمقراطية الناضجة والمتحركة، تحصل هذه التحولات بصورة سلمية عن طريق صناديق الاقتراع، أما في المجتمعات المتخلفة الجامدة والمحكومة بالأنظمة الديكتاتورية، أو الديمقراطية المزيفة كما كان الوضع في العهد الملكي، فتحصل هذه التحولات عن طريق العنف والكفاح المسلح. 

تهمة الجنون
أول من اخترع هذه التهمة ضد الزعيم عبدالكريم قاسم هو الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل الذي أدعى أنه سأل صديق شنشل عن قادة الثورة فأجابه (أن عبدالكريم قاسم نصف مجنون وعبدالسلام عارف نصف عاقل.!!). ومن صياغة الجملة نعرف أنها جملة منحولة، صيغت بخبث ودهاء وخبرة صحفي محترف في التضليل والتلاعب بالألفاظ من أجل تمرير أغراضه التسقيطية. ومن معرفتنا بعلاقة شنشل بالزعيم قاسم نعرف أنه من المستحيل أن يصدر منه مثل هذا التصريح. فقد ظهر في الوثائق السرية البريطانية التي يسمح لها بالنشر بعد ثلاثين سنة، عن مقابلة السفير البريطاني لشنشل في داره في بغداد بعد استقالته من حكومة الثورة ضمن قائمة الوزراء القوميين الآخرين بالجملة، أنه حتى في تلك اللحظة، كان شنشل واضعاً صورة الزعيم قاسم على جهاز التلفزيون في غرفة الضيوف وأنه كان يكن احتراماً كبيراً له. وهذا ينفي ما ادعاه هيكل المعروف ببراعته في فبركة القصص الصحفية ودوره في تضليل الرأي العام العربي.

أما تهمة شق الأحزاب السياسية وضرب هذا الحزب بذاك، فهي الأخرى لم تصمد أمام أية مناقشة منصفة. إذ كيف يمكن لعسكري ومجنون أو نصف عاقل، على حد تعبير هيكل، أن يقنع القادة السياسيين المحترفين لهذه الأحزاب ويشقهم ويضرب بعضهم بالبعض ما لم يكن سياسياً محنكاً وداهية أين منها دهاء معاوية أو مكيافيلي!! أليس هذا إهانة لذكاء قادة تلك الأحزاب ناهيك عن الاستهانة بذكاء القراء؟
أما الحقيقة والواقع، وحسب خطابات الزعيم المدونة وتصريحاته ومقابلاته الصحفية، وتصريحات خصومه عنه فيما بعد، تؤكد أنه كان يتمتع بعقل متفتح وناضج، ورباطة جأش، وشجاعة وثقافة تجعله من أثقف ممن حكم العراق قبله وبعده. وفي معرض المقارنة بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف يقول إسماعيل العارف: "وكان متوقعاً أن ينفجر الخلاف بين عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف في كل لحظة بعد الثورة لتناقض شخصيتيهما، وتعارض مزاجيهما في السلوك والرغبات. وقد جمع بينهما هدف واحد، هو تحقيق الثورة وإسقاط النظام الملكي. فعبدالكريم قاسم يختلف عن عبدالسلام في إتزانه وقيمه الخلقية وعمقه وكتمانه وحذره، أما عبدالسلام عارف فقد كان متسرعاَ كثير الكلام متعجرفاً محدوداً، ولكنه جسوراً مقداماً. وبالرغم من أن كليهما يتصفان بالشجاعة والإقدام إلا إن جرأة عبدالسلام تتميز بالتهور. أما عبدالكريم قاسم فكان ينفذ ما يريد بجرأة وتصميم بعد حساب دقيق للاحتمالات، ولا يندفع وراء المغريات المادية وحب الظهور. ولم يكن ذلك حال عبدالسلام عارف."

تهمة الشعوبية
هذه إحدى التهم التي وجهت لقاسم من قبل القوميين العروبيين، وكانت في مقدمة البيان الأول لإنقلاب 8 شباط 1963. والمقصود بالشعوبية العداء للأمة العربية طبعاً. ولكن في المفهوم العروبي العراقي يقصد به الخروج على الموروث التركي الطائفي ضد الشيعة العرب وغيرهم. والمعروف عن قاسم أنه نبذ الطائفية في عهده حيث نشأ في بيئة عائلية مكونة من أب سني وأم شيعية، وأفراد الأسرة خليط من السنة والشيعة ولا يعرفون التمييز الطائفي. لذا كان من الطبيعي من رجل نشأ في مثل هذه البيئة السليمة أن ينبذ الطائفية وجميع أشكال التمييز بين أبناء الشعب الواحد، بل عاملهم حسب انتمائهم الوطني العراقي بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي الذي كان معمولاً به في العهود الغابرة. فاعتبرت هذه السياسة خروجاً على الموروث التركي، عملاً شعوبياُ معادياً للأمة العربية!!
فهل حقاً كان قاسم ضد الأمة العربية؟
إن تاريخه، سواءً قبل ثورة تموز، حيث خاض المعارك البطولية في حرب فلسطين الأولى عام 1947-1948، التي تعتبر القضية المركزية العربية الأولى، أو بعد الثورة وتبنيه المواقف القومية في الصميم وفي مقدمتها كفاح الشعب الفلسطيني والجزائري ونضال شعب عمان (مسقط) ودعم حركة التحرر الوطني العربية.
فمواقفه من الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي معروفة، وقد خصص مليوني دينار (2 مليون دينار) لدعم الثورة سنوياً، وهذا المبلغ كان كبيراً في ذلك العهد إذ كان يشكل نحو 2% من الموازنة السنوية، إلى حد أن أنتقده أحد قادة الأحزاب الوطنية متهماً إياه بتفريط أموال الشعب العراقي!! ولم يكتف قاسم بالدعم المالي للثورة الجزائرية بالمال فحسب، بل وكان يرسل للثوار كميات كبيرة من الأسلحة وتدريبهم.. الخ، إذ قال الزعيم قاسم في هذا الخصوص: "إنني أبشركم بأن الأسلحة التي خصصت للجزائر كانت بدرجة كافية. وقد خصصنا أسلحة أخرى، وسوف تخصص أسلحة أخرى حتى تتحرر الجزائر. وسوف ندعمها بكل ما أوتينا من قوة. فهذه معاهدنا ومدارسنا العسكرية ومعاهد العلم الأخرى، مفتوحة أبوابها أمامهم فهم إخواننا وما عليهم إلا أن يحضروا هذا البلد ويدرسوا على حساب هذه الدولة وهي دولتهم". فهل هذا الرجل شعوبي؟

كما إن عبدالكريم قاسم هو الذي أسس جيش التحرير الفلسطيني في العراق، وطالب بتأسيس الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية قبل احتلالها من قبل الصهاينة. فهل من الإنصاف اعتبار هذا الرجل شعوبياً وحاقداً على القومية العربية؟
وهذا ما أشار إليه في أخر تصريح صحفي له رداً على سؤال الصحفي إدوارد صعب من صحيفة (اللوموند) الفرنسية، حول وجود مؤامرات تهدد النظام، فأجاب :
"هناك مؤامرة الأخطر، وهذه ليست موجهة ضد العراق ولا ضد سوريا، إنما ضد فلسطين بشكل خاص. فهناك مؤشرات في الأجواء توحي بوجود مؤامرة لتصفية المشكلة الفلسطينية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. وهم يدركون أن النجاح في تنفيذها يقتضي التخلص قبل كل شيء من الحركات التقدمية المناهضة لإسرائيل. والأمريكيون يتمتعون سلفاً بتواطؤ عدد من الدول العربية ولم يبق عليهم سوى خنق سوريا والعراق". ألا يشير هذا الكلام وكأنه قيل اليوم؟ وهل هذا التنبؤ هو كلام نصف مجنون أو نصف عاقل؟
ولم يكتف الزعيم بدعم حركات التحرر العربية فحسب بل وكان يدعم جميع حركات التحرر العالمية، ويقول بهذا الخصوص: " نحن لا نحارب فئة معينة من الاستعماريين وحسب، نحن نحارب كل قوى الاستعمار الغاشمة التي تقيد الشعوب وسنبذل العون لبقية الشعوب في كفاحها من أجل تحررها الوطني"

تهمة شق الأحزاب وسياسة التوازنات
أما التهمة الثالثة وهي شق الأحزاب، فهي الأخرى لم تصمد أمام الزمن. لأن من الواضح أن الأحزاب هي التي بدأت تتصارع فيما بينها ولم تحتاج إلى تحريض من قاسم، وذلك بتفضيل مصالحها الذاتية والفئوية على المصالح الوطنية وعدم إدراكها لما يحاك ضدها وضد الوطن. ويقول بهذا الصدد الأستاذ محمد أمين: "لا أجدني بحاجة إلى التحدث عما جرى بعد ذلك، فذلك ليس بمهمة هذه الكلمة، ولكني أؤكد على عظمة هذه الثورة وأهميتها في تاريخ العراق الحديث. هذه الثورة التي ظهر اليوم كثيرون مع الأسف ينددون بها ويشوهون وجهها لأنها لم تبلغ غايتها التي كنا نريدها لها، ولا يدرون أن التقصير لم يكن من جانبها وان النكسات الكثيرة المؤذية التي تعرضت لها ومن ورائها شعب العراق لحد اليوم، جاءت من أن القوى الوطنية لم تكن في مستوى مهماتها الحقيقية إزاء حدث كبير مثلها، فانشغلت بالتناقضات الداخلية فيما بينها غير ملتفتة إلى أن العدو الأكبر للجميع يقف لها كلها بالمرصاد."
كما ويشهد بنزاهة قاسم، الأستاذ مسعود برازاني فيقول: "... . يُتَهَمّ عبدالكريم قاسم بالانحراف والديكتاتورية، أتساءل هل من الإنصاف تجاوز الحق والحقيقة؟ لقد قاد الرجل ثورة عملاقة غيَّرت موازين القوى في الشرق الأوسط، وألهبت الجماهير التواقة للحرية والاستقلال، وشكل أول وزارة في العهد الجمهوري من قادة وممثلي جبهة الاتحاد الوطني المعارضين للنظام الملكي، ومارست الأحزاب نشاطاتها بكل حرية. ولكن لنكن منصفين ونسأل أيضاً من انقلب على من؟"

أما قاسم فكان يتوسل إلى الأحزاب وقادتها أن ينبذوا صراعاتهم وتوحيد صفوفهم لحماية الثورة من المؤامرات التي كانت تحيق بهم وبالوطن، وقال مرة في خطاب له في هذا الصدد: "يقول واحد: هذا قومي، ويقول الأخر هذا شيوعي وذاك بعثي والثالث ديمقراطي. وأنا أقول هذا وطني وابن هذا البلد". وكان أكثر عمقاً لفكرته عندما أفصح عنها بالقول: " قمت بالثورة لصالح كل الناس إني دوماً مع الناس كلهم. أني فوق الميول والاتجهات والتيارات دوماً، وليس لدي انحياز لأي جانب كما إني أنتمي إلى الشعب بأسره، وإني أهتم بمصالح الجميع، وأسير إلى الأمام معهم كلهم، كلهم أخوتي."
كما وناشد القوى المتصارعة بالقول: "أيها الديمقراطيون، أيها الشيوعيون، أيها القوميون، أتوسل إليكم أن تنبذوا خلافاتكم ووحدوا قواكم في خدمة البلد". فهل الذي تصدر منه هذه الأقوال هو مجنون وشعوبي وقليل الخبرة بالسياسة، ويعمل على شق الصفوف والأحزاب؟ عجبي!!!!!!!

فالصراعات بدأت منذ الأيام الأولى من الثورة عندما طرح القوميون وبتعليمات من ميشيل عفلق، الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقيادة المصرية، وتبنته قوى القومية العربية الأخرى، شعار الوحدة العربية الفورية. علماً أن هذا الهدف لم يكن من أهداف الثورة. فالقوميون رفعوا شعار الوحدة العربية، واليساريون(الشيوعيون والوطنيون الديمقراطيون والمستقلون) رفعوا شعار الإتحاد الفيدرالي، وهو الأقرب للواقع والتنفيذ آنذاك.

الواقع هو أن البلاد كانت تمر في مرحلة ثورة وطنية لو قدر لها البقاء، لكانت ثمارها عظيمة للجميع، ولكنها كانت مهددة بالأخطار. وقد توسل قاسم بكامل الجادرجي (زعيم الحزب الوطني الديمقراطي)، أن يقبل منصب نائب رئيس الوزراء خلال المرحلة الانتقالية إلى أن تجرى الانتخابات البرلمانية فرفض الجادرجي ذلك، كما رفض التعاون مع قاسم. أما وجهة نظر محمد حديد وأغلب أعضاء قيادة الحزب فكانت مع دعم الثورة والوقوف مع قاسم.

وعندما أجيزت الأحزاب للعمل العلني، رفض وزير الداخلية إجازة حزبين فقط، وهما حزب التحرير الإسلامي، والحزب الشيوعي العراقي، الذي أجيز حزب داود الصائغ بدلاً عنه، ولكن اعترض حزب التحرير الإسلامي على قرار الوزير وقدم شكوى على الحكومة إلى محكمة التمييز، فأصدرت المحكمة قراراً بإجازة الحزب، ولم يتدخل قاسم بقرار المحكمة رغم أن هذا الحزب كان يجاهر بعدائه لقاسم وحكومته وانتهى دوره مباشرة بعد إسقاط حكومة الثورة في انقلاب 8 شباط 1963. لذلك كان على الحزب الشيوعي أن يحذو حذو حزب التحرير، فيقدم شكوى إلى محكمة التمييز للنظر في قرار إجازته، إلا إنه لم يعمل ذلك.

ثقافة قاسم
لم يتعرض كاتب سياسي أو ناقد إلى ثقافة أي حاكم، سواء في العراق أو في البلاد العربية، كما تعرضوا لثقافة عبدالكريم قاسم. فبعد أن فشلوا في الطعن بوطنية قاسم وإخلاصه ونزاهته وحبه للشعب والوطن، حاولوا الطعن في عروبته وإخلاصه للشعوب العربية، ووصموه بالشعوبية، ولما فشلوا في إثبات هذه التهم، فلم يبق أمامهم سوى اللجوء إلى الطعن بثقافته. فهل حقاً كان قاسم غير مثقف؟
يؤكد الأستاذ حسن العلوي الذي كان يسكن في بيت مجاوراً ليبت الزعيم، عندما كان تلميذاً في المدرسة، فيقول: "كثيراً ما أسررت لأم حامد (أم عبدالكريم قاسم) رغبتي باستعارة كتاب…من خزانة قاسم، فصحبتني إلى غرفته لأنتقي أحد الكتب، وهي حافلة بكتب الجغرافيا والتاريخ واللغة والأدب مع مجموعة من الكتب الأجنبية. وكنت كلما فتحت كتاباً وجدت الخطوط بالقلم وقد سودت ما بين السطور، فأريها ذلك كي لا تتهمني بالعبث بالكتب، فتولول قائلة (هذه عادة عبدالكريم). وقد أثار انتباهي كثرة قراءاته النحوية. وبعد أن أخذ مكانه في زعامة العراق، وصرت صحفياً ومدرساً للغة العربية أتابع باهتمام -وكأي معلم- جملة إعرابية. فأشعر بارتياح لأنه لا يلحن باللغة العربية فأعود بذاكرتي إلى تلك الخطوط مرة أخرى."
ولكن مع ذلك يصر هؤلاء على أن عبد الكريم "غير مثقف". فما المقصود بالثقافة في هذه الحالة. فالرجل خريج الكلية العسكرية وكلية الأركان العراقيتين وسانت هيرز البريطانية. وكان يقرأ الكتب الأدبية والتاريخية وغيرها، بشغف، وقارئ للصحف البريطانية. وكان يقرأ الصحف الوطنية وخاصة صحيفة الأهالي حتى اعتبر نفسه تلميذاً لجماعة الأهالي ومؤمن بمبادئها كما هو معروف.

ويقول وزير خارجيته هاشم جواد أنه كان يقرأ الكتب عندما يذهب لبيته أيام الجمعة. نعم لم يكن قاسم متأدلجاً في ثقافته. وفي رأيي هذه من الصفات الحميدة في السياسي في بلد متعدد الاتجاهات الفكرية والقومية والدينية والمذهبية كالعراق. فالآيديولوجية السياسية هي قوالب فكرية جامدة عصية على التغيير والحياد بين أبناء الشعب، تفرض على المؤدلج تطبيقها بغض النظر عن ملاءمتها للواقع، إي فرضها على الواقع بالقوة في حياة متحركة أبداً وظروف متغيرة باستمرار. وقد أثبت الزمن صحة مواقف قاسم. ومن سوء الحظ أن قاسم جاء في وقت كان فيه التنافس والتصارع الآيديولوجي على أشده إلى حد الصراع الدموي، ولم يكن فيه مكان لخط الوسطية والاعتدال والعقلانية. فأراد قاسم أن يكون للجميع حسب شعاره الذي رفعه منذ البداية: "فوق الميول والاتجاهات". وقد أدركنا الآن أن فكرة قاسم كانت صحيحة، وبذلك فكان قاسم الرجل المناسب لوقت غير مناسب، لم يعرفوا قدره إلا بعد فوات الأوان.
أما إذا كان المقصود بالمثقف بأن نقارن ثقافة قاسم ببرتراند راسل أو جان بول سارتر أو روجيه غارودي وغيرهم من محترفي الثقافة، نعم فثقافة عبد الكريم قاسم دون ثقافة هؤلاء بكثير لأنه لم يكن فيلسوفاً، وربما هذه الصفة في صالح الشعب. إذ كما يقول علي الوردي، وأنقل من الذاكرة، (ليس من صالح الشعب أن يصير الفيلسوف حاكماً، كما طالب إفلاطون، لأن الحاكم الفيلسوف يحمِّل شعبه فوق طاقته.) ولكن لو قارنا ثقافة قاسم بمن حكم العراق من قبله ومن بعده لتبيَّن لنا أنه كان أثقفهم.
فكما يقول الدكتور علاء الدين الظاهر: "فتقافة الملك فيصل الأول عثمانية، وثقافة ابنه غازي شبه معدومة، وعبدالإله لم ينه الدراسة الثانوية. وثقافة نوري السعيد، كمعظم السياسيين الملكيين، عسكرية عثمانية. والرجل عاش ومات من دون أن نعرف هل نجح أو فشل في دورة الأركان العثمانية. وثقافة عبد السلام عارف لا تستحق الذكر، وثقافة أخيه عبدالرحمن أقل منها كما هي ثقافة أحمد حسن البكر وطاهر يحيى. وثقافة عبدالناصر عسكرية مصرية. قارن هذا بذاك .. وإذا أخرجنا الهذر العفلقي من رأس علي صالح السعدي لما بقي لديه غير السكر والعربدة."

هل كان لقاسم برنامج سياسي؟
يتهم عبدالكريم قاسم بأنه كان يفتقر إلى منهج سياسي واضح لحكم البلاد. والسؤال هو: ما المقصود بالمنهج السياسي؟ إذا كان المقصود أنه كان يفتقر إلى آيديولوجيا بالمعنى المتعارف عليه، نعم لم تكن لقاسم آيديولوجية معينة، ولكني أعتبر هذه الصفة من إيجابياته وتصب في صالحه وصالح الشعب، كما ذكرت آنفاً، ونتمنى أن يكون جميع قادة العراق بلا آيديولوجيا كذلك، لأننا نريد من القائد السياسي أن يكون عملياً، متفتح الذهن على الأفكار الجديدة والنيرة، يعيد النظر في حساباته ومواقفه بين حين وآخر، ويغيرها حسب ما تقتضيه المستجدات، دون أن يكون مقيداً بسلاسل آيديولوجية جامدة.

نعم لم يكن لقاسم آيديولوجيا معينة، ولكن هذا لا يعني أنه كان بلا برنامج سياسي. كان لقاسم برنامجان سياسيان، وليس برنامج سياسي واحد، وكان كل منهما مكملاً للآخر. الأول، كان البرنامج الذي وضعته اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، والثاني هو برنامج الحزب الوطني الديمقراطي.
البرنامج الأول، وكما دونه اللواء محسن حسين الحبيب، أحد أعضاء اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار، وسكرتيرها، وهو قومي عروبي التوجه، والذي ناصب قاسم ألد العداء منذ الأسابيع الأولى للثورة، يذكر في كتاب له عن الثورة وقد حدد البرنامج بعشرين هدفاً.

وقد أجرى حسن العلوي شبه اختبار مدرسي لعبد الكريم قاسم في كتابه (عبدالكريم قاسم رؤية بعد العشرين) توصل إلى أن قاسم قد نفذ 17 من 20 هدفاً من البرنامج الذي ذكره اللواء محسن حسين الحبيب، وبذلك يكون قاسم قد نفذ 85% من برنامج الضباط الأحرار، وهذه درجة امتياز.
أما البرنامج الثاني الذي تبناه عبدالكريم قاسم فهو برنامج الحزب الوطني الديمقراطي، وحسب شهادة الباحث حنا بطاطو الذي أكد أن قاسم كان متأثراً بأفكار الحزب المذكور، وقد أناط مسئولية كتابة أغلب القوانين التي أصدرتها حكومة الثورة بأعضاء قيادة الحزب بما فيه الدستور المؤقت. ونتيجة لهذا التعاون، كما يشهد بطاطو، حصل إزدهار في الاقتصاد والصناعة لم يشهد العراق له مثلاً في تاريخه. كما واختار قاسم خيرة الرجالات العراقية خبرة وإخلاصاً من زعماء الحركة الوطنية في الوزارة الأولى لحكومة الثورة لتنفيذ مشاريعها التنموية.

شعبية قاسم
المعروف عن عبد الكريم قاسم أنه نال أوسع شعبية، أكثر من أي زعيم سياسي في تاريخ العراق الحديث. والسر في ذلك هو بساطته ونزاهته وإخلاصه وحبه للشعب، وخاصة للطبقات الفقيرة، فقد بنى لهم عشرات الألوف من الدور السكنية وعمل على رفع مستواهم المعيشي وكان يلتقي بهم بتكرار. وهو أول عراقي من عامة الشعب يصل إلى رئاسة الحكومة، فهو الذي كان يعتز بكونه ابن نجار. ونتيجة لذلك فقد كسب قلوب وعقول الناس، فهو بالنسبة لجماهير الشعب يعد بحق بطلهم الأسطوري. وفي مثل هذه الحالات، وفي مرحلة تاريخية معينة كالتي كان يعيشها العراق آنذاك، لا يكتفي الإنسان بالصفات البشرية المعروفة على البطل، بل لا بد وأن تتدخل الأسطورة في الواقع، لإضفاء صفات أسطورية عليه فوق مستوى البشر. والتاريخ مليء بالأمثلة.

ولم تخذله الجماهير المحبة له، فقد خرجت بمئات الألوف في بغداد والمحافظات الجنوبية لنصرته يوم إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود، إلى حد أنه عندما سمع قاسم بالانقلاب وهو في بيته، وأراد الذهاب إلى وزارة الدفاع عن طريق شارع الجمهورية لم يستطع لأن الشارع كان مكتظاً بالجماهير التي تهتف (ماكو زعيم إلا كريم). وقد شاهدت بعيني ذلك اليوم، وأنا قادم من البصرة إلى بغداد بالقطار في طريقي إلى الموصل للالتحاق بكلية الطب بعد انتهاء عطلة نصف السنة، حيث كنت في السنة الأولى من دراستي فيها، وبعد أن غادرت القطار توجهت إلى ساحة التحرير، فوجدتها، وكذلك شارع الرشيد، عبارة عن بحر بشري متلاطم، والجماهير حاملة صور الزعيم وهي تردد نفس الهتاف (ماكو زعيم إلا كريم). ويقال أن طاهر يحيى أراد أن يشق طريقه ليلتحق برفاقه الإنقلابيين قرب وزارة الدفاع، فشق طريقه بصعوبة وسط الجماهير وهو يردد معهم (ماكو زعيم إلا كريم).

وتحت عنوان (الرعب في خدمة الثورة -إنقلاب 8 شباط-) يذكر طالب شبيب في مذكراته: "وفي المدخل الرئيسي للمعسكر (الرشيد) قام أنور عبد القادر الحديثي بعمل مرعب، لا أعرف ماذا ستكون نتائجه علينا، لكنه أثر كثيراً على معنويات الجنود والضباط داخل المعسكر. فقد تجمهر أمام بوابة معسكر الرشيد الرئيسية حشد من الجنود وضباط الصف وبعض الضباط والمدنيين يهتفون "ماكو زعيم إلا كريم" و"عاشت الجمهورية العراقية الخالدة"، وآنذاك نادى أنور الحديثي على أحد الهاتفين وطلب منه إعادة هتافه، ولما أعاده، أطلق عليه أنور من مسدسه الذي صوبه نحو رأس الجندي مباشرة فسقط على الفور ميتاً. وفرغت الساحة من كل المتظاهرين، بسبب ما سببته العملية من رعب وذعر."

وفيما يتعلق بالسخرية من شعبية قاسم، يقول قاسم الجنابي (مرافق الزعيم) وهو شاهد عيان خلال حوار الإذاعة، فيقول أن وجه عبد الستار عبد اللطيف كلامه إلى عبد الكريم قاسم قائلاً: "إنك مسيطر والشعب معك، ولكن دبابة واحدة أسقطتك". ويعلق الدكتور علي كريم سعيد بحق قائلاً: "كان ذلك بمثابة رسالة رعب لشعب أدَّعوا أنهم ثاروا من أجله. فجاءت تلك، رسالة استفزاز همجية لا تنتمي إلى حضارة إنسانية عمرها ستة آلاف عام. وكأنها رسالة تقول: إن الحكومة الجديدة قاسية. كما إنها تعني بأن الثوار أذعنوا لفكرة: إن لهم الدبابة ولخصومهم التعاطف الشعبي. (ألا يذكرنا هذابسلوك البعثيين الدواعش وما يجرونه اليوم في العراق؟). كذلك كان المشهد التلفزيوني في إهانة جثة الزعيم. كان ذلك المشهد التلفزيوني أسوأ اللقطات المسجلة في تاريخ العراق المعاصر، فلم يكن العراقيون حتى يُمَيَّزوا بهذه المعاملة عن غيره. بل ربما كان صراعاَ لعب فيه قاسم دور أكثر المتصارعين وداعة وتسامحاً وأقلهم همجية وأدلجة وتشريعاَ للقتل، فقد سن عملياً قاعدة: "عفا الله عما سلف". وكان فيها أقرب إلى عقلية العراقيين البسطاء قبل عصبية الأيديولوجيا الواردة..."

هل كان قاسم دكتاتوراً ؟
الدكتاتورية ظاهرة لها صفات معينة. وهذه الصفات تمتد من الحاكم الدكتاتور في قمة السلطة إلى أوطأ الطبقات في الدولة، فتجدها في الشارع وفي الدائرة وفي المعمل وفي الصحافة والإعلام وفي كل مكان. في النظام الدكتاتوري هناك جواسيس ورجال الأمن منتشرين في كل زاوية من زوايا المجتمع يحصون على الناس أنفاسهم. والناس في حالة هلع خوفا أن تبدر منهم بادرة يحاسبون عليها. هذه الصفات لم تكن موجودة في عهد قاسم باعتراف خصومه قبل محبيه. فالصحافة كانت تتمتع بالتعددية ولم تكن مؤممة. يقول حسن العلوي (بعثي سابق): "أقيمت مناقب نبوية على أرواح الطبقجلي ورفاقه، ساهم فيها قارئ المقام يوسف عمر، وقارئ القرآن عبدالستار الطيار، وكان كل منهما يقرأ قصائد معادية للوضع القائم آنذاك، وتنصب المايكروفونات في الأماكن العالية، دون أن يتعرض لها أحد من أفراد الشرطة والأمن والإنضباط العسكري، لكونها أماكن دينية ولم يتعرض لها عبد الكريم قاسم طيلة فترة حكمه، مع إنها كانت مراكز نشاط معارض لحكمه.. وبرز إسم يوسف عمر ليس مطرباً، بل محرضاً من أهم المحرضين ضد ذلك الحكم. وكانت حفلاته الغنائية العادية تنقل بالإذاعة والتلفزيون بشكل مستمر."
كان بيت عبدالكريم قاسم بدون حراسة مما أمكن حزب البعث دس المناشير في غرفة نومه بواسطة طفل من الجيران. ولما اكتشف ذلك لم يحاسب أحداً وهو يعرفهم، بل تحول إلى بيت آخر كما يشهد بذلك حسن العلوي. فيا ترى هل هذا الشخص دكتاتور؟

لا تنطبق صفات الدكتاتور على قاسم، بل كان من أقرب السياسيين إلى الديمقراطية. فعندما أقدم حسين جميل وزير الإرشاد (الإعلام) على غلق صحيفة الحزب الشيوعي (إتحاد الشعب)، رفض ذلك القرار وأعاد نشرها، وعندها استقال الوزير احتجاجاً على ذلك. ومن الغريب أن يقدم رجل قانون وديمقراطي مثل حسين جميل بغلق صحيفة بسبب خلاف سياسي. فمن كان أقرب للديمقراطية، عبدالكريم قاسم العسكري، أم حسين جميل السياسي المدني وهو الشخص الثاني في الحزب الوطني الديمقراطي بعد زعيمه الجادرجي؟
كما وقال محمد حديد عن قاسم أنه كان أقرب أقرانه العسكريين إلى روح التسامح وفكرة الديمقراطية، فقد ظلت مناصب الدولة في عهده موزعة على الجميع وليس على تيار سياسي واحد.
وقاسم معروف عنه بالرحمة. فهو أول حاكم عراقي بشر بروح التسامح وشعاره المعروف (عفا الله عما سلف) وأبناء ذلك الجيل يتذكرون تصريحاته بعد خروجه من المستشفى الذي عولج فيه من إصاباته البالغة إثر إطلاق الرصاص عليه في شارع الرشيد من قبل الطغمة العفلقية من ضمنها صدام حسين، حيث عفا عنهم بعد أن حكمت عليهم المحكمة بالإعدام. هذا الموقف المتسامح يؤاخذه عليه اليساريون فيقول الشاعر كاظم السماوي في مذكراته بهذا الخصوص: "نهض عبد الكريم قاسم بعد محاولة اغتياله، وكان المؤمل أن يضرب بيد من حديد، ولكنها كانت من خشب" (كذا). نعم أراد قاسم أن يضرب مثلاً في روح التسامح في بلد تشبع شعبه بقيم الثأر والانتقام والعنف.

مصرع قاسم
كثير من الناس وخاصة من محبيه ومن قوى اليسار، يلومون قاسماً لرفضه تسليح الجماهير من أنصاره يوم 8 شباط 1963 لسحق الانقلاب. لقد رفض تسليح أنصاره لسبب معروف، وهو منعاً لوقوع حرب أهلية، إذ كان يفضل استشهاده على إغراق البلاد في هذه الحرب. وكان مصمماً على القتال إلى الاستشهاد، ولكن عندما اتصل بعبدالسلام عارف يوم 9 شباط،، وكان يونس الطائي هو الذي يتفاوض بين الجانبين، مؤكداً له أنهم سيضمنون سلامته ومن معه من رفاقه الضباط الآخرين، وأن (بينهم خبز وملح-على حد تعبير عارف)، مصدقاً بوعود عارف حيث أن قاسم نفسه عفا عنه عندما حكمت عليه محكمة الشعب بالإعدام. لذلك صدق بوعودهم فأنهى القتال واستسلم حقناً للدماء. فلماذا نلوم قاسماً على ذلك، فاللوم على أولئك الذين نكثوا بعهودهم.
أما حول ما يسمى بالمحاكمة فيقول طالب شبيب: دار بيننا حديث غير منظم سادته حالة من التوتر، ولم يكن هناك أي شيء يمكن تسميته بمحاكمة. وكل كلام قيل أو يقال عن إنشاء هيئة حاكمتهم إنما هو نوع من "التسفيط" والتخيل ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! ومن الممكن أن يكون قد تدخل علينا رجال يحثون على موقف معين مثل خالد مكي الهاشمي، وكلهم يحثون على الإعدام أو الإسراع به".

وشاهد عيان آخر من الإنقلابيين وهو (عبدالستار الدوري) كان حاضراً، قال في برنامج (بين زمنين) أنه عندما دخل عبد الكريم قاسم القاعة راح ينظر في وجوه الإنقلابيين واحداً واحداً يتأملهم باندهاش وكأنه غير مصدق أن هؤلاء ينقلبون عليه، ولما حان وقت إعدامه اعتدل في مكانه ووضع سدارته على رأسه وكأنه يتهيأ لأخذ صورة له والبنادق المصوبة نحوه كأنها كاميرات. هكذا كانت شجاعة قاسم وهو يواجه الموت. ثم نفذ حكم الإعدام به وبرفاقه الشهداء فاضل عباس المهداوي، وطه الشيخ أحمد وخليل كنعان. "ومع إنهمار ذخيرة الموت انطلق صوت قاسم هاتفاً بحياة الشعب".

قوة قاسم في موته:
من المعروف أن الشهداء الأبرار هم أقوى في موتهم مما هم عليه في حياتهم. هكذا كان المسيح والحسين وغاندي وجيفارا وغيرهم. وبكل تأكيد كان قاسم المعروف بتسامحه، ومصرعه بهذه القسوة والوحشية من قبل رفاق الأمس قد جعله أقوى في موته مما كان عليه في حياته. هذه الحقيقة أدركها الشباطيون وأرعبتهم كثيراً منذ اللحظات الأولى من انقلابهم، وهذا هو السبب الذي جعلهم  يلقون جثته الممزقة بالرصاص في النهر خوفاً من أن يتخذ الشعب من القبر مزاراً أو رمزاً بعد أن يعود الوعي الغائب أوالمغيب قسراً. وفعلاً صار قاسم أسطورة في مخيال الجماهير الشعبية الفقيرة التي لم تصدق مصرعه وراحوا يتصورونه حتى في القمر.

وختاماً، من هو عبدالكريم قاسم؟
كان عبدالكريم قاسم يجسد في شخصه وبصورة مكثفة، الجوانب الإيجابية والمشرقة من القيم والأعراف والتقاليد العراقية الجميلة المحببة إلى العراقيين في الوطنية والقومية والإنسانية والنبل والشهامة والشجاعة والكرم والمروءة والتسامح والبساطة والعفو عند المقدرة، وحب الناس، وبالأخص الفقراء منهم، والثقة العالية بالنفس وبالشعب وبالناس المحيطين به والاعتماد عليهم. هذه الصفات النبيلة والقيم المثالية العالية التي آمن بها هي التي أحالت بينه وبين استخدام المكر الذي يلجأ إليه السياسي الداهية أحياناً لإيهام الخصوم والإيقاع بهم وإبقاء الموالين له متماسكين من حوله، والحفاظ على التوازنات ووحدة القوى الوطنية.
وقد وضعته الأقدار في قمة القيادة، وسلمته أعلى مسئولية لقيادة البلاد وهي تمر في مرحلة من أشد مراحل تاريخ العراق غلياناً وعربدة وهياجاً وانفجاراً (كما اليوم). في تلك الانعطافة التاريخية الكبرى التي لا بد من حصول الانشقاقات العميقة والصراعات العنيفة بين مكونات الشعب وقواه السياسية التي لم يسلم منها أعظم رجالات التاريخ ومهما أوتوا من قدرة وكفاءة ودهاء. والظروف التي مر بها قاسم ومعاناته كانت فوق طاقة أي قائد آخر مهما كان حكيماً وداهية، أشبه بتلك التي مر بها الإمام على بن أبي طالب (ع) عند تسلمه الخلافة.
ويمكن القول أن عبدالكريم قاسم كان يمتلك في شخصه مواهب وطاقات كامنة وإمكانيات كبيرة كعسكري وسياسي ورجل دولة، لم تسمح له الظروف العاصفة بعد الثورة لإبرازها كاملة في السياسة والإدارة، لأنه رغم تلك الظروف العاصفة، استطاع الرجل أن يحقق الكثير للعراق ودون أن يكون عنده حزب أو مؤسسات استخباراتية نشطة لتحميه. وعليه أعتقد أن نهاية قاسم بتلك الطريقة اللئيمة لا تدل على ضعفه في شيء، بل كانت حتمية فرضتها ظروف المرحلة التاريخية التي جاءت بالثورة والقوى السياسية التي ساهمت بها، ولأن تلك القوى كانت وما تزال في مرحلة المراهقة السياسية، لم تدرك المخاطر المحيقة بها. ولذلك كان قاسم وكأي شهيد ملتزم بالأخلاق المثالية، وصاحب مبادئ ورسالة إنسانية في التاريخ، برز وهو أقوى بعد مصرعه مما كان عليه في حياته. وسيبقى عبدالكريم قاسم، ابن الشعب العراقي البار رمزاً للوطنية العراقية والعدالة الاجتماعية، حياً في وجدان الأغلبية الساحقة من الشعب العراقي.
ـــــــــــــــ
* هذا المقال هو موجز لفصل من كتابي الموسوم( ثورة وزعيم)، ولم أذكر المصادر تلافياً للإطالة.
 
روابط ذات صلة
فيديو: المجد لثورة 14 تموز: لوحات وصور مهمة عن مرحلة 14 تموز مع نشيد وطني جميل
http://www.youtube.com/watch?v=Yt6i1I13VrI

عبدالخالق حسين: جوانب من شخصية الزعيم عبد الكريم قاسم
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=387

* يمكن الاستماع إلى الشريط الصوتي لخطاب الزعيم قاسم في يوم الانقلاب، ومن ثم مسرحية محاكمة الإذاعة وجريمة إعدامه: شريط كاسيت
http://www.youtube.com/watch?v=CtLQ5-mf3zA&feature=email

* في آخر مقابلة صحفية لعبد الكريم قاسم لـ اللوموند الفرنسية .
http://www.almutmar.com/index.php?id=20124601

* ملحق صحيفة المدى بمناسبة مائة عام على ميلاد عبدالكريم قاسم
http://almadasupplements.com/news.php?action=list&cat_id=14


22
هل ممكن دحر داعش بدون قوات برية دولية؟

د.عبدالخالق حسين

هذه المساهمة هي الخامسة لي في الجدل المثار حول حاجة العراق لقوات برية دولية لمساعدة جيشه في حربه على الإرهاب البعثي- الداعشي. فالموضوع مثير للجدل والاختلاف ليس لدا العراقيين فحسب، بل وحتى لدا التحالف الدولي، الذي ليست لدا حكوماته لحد الآن، الرغبة لإرسال قوات برية إلى العراق بسبب ما تواجهه من ضغوط في بلدانها، وكذلك رفض الحكومة العراقية. ونظراً لخطورة الوضع وشراسة و وحشية داعش، ممكن أن يتغير الموقف الدولي في أية لحظة إرسال قولا برية. إذ (أعرب أوباما - خلال اجتماع مع قادة عسكريين بارزين من أكثر من 20 دولة - عن "قلق عميق" بسبب هجوم مسلحي تنظيم "الدولة الإسلامية" على مدينة عين العرب "كوباني" السورية وتقدمه صوب محافظة الأنبار العراقية... وتوقع أن تكون الحملة ضد التنظيم طويلة الأجل، وإنها قد تشهد تقدما وانتكاسات)(1)

لقد بات مؤكداً أن القصف الجوي الدولي وحده غير كاف لتدمير داعش، لذلك، فلا بد من القوات البرية. وهذا ليس رأيي فحسب، بل يشاركني فيه الكثير من المثقفين والكتاب والإعلاميين العراقيين في الداخل والخارج. وفي الداخل اتصل بي العديد من إعلاميين وسياسيين معروفين يطالبوننا، نحن الكتاب العراقيين في الخارج، بمواصلة الكتابة في هذا الاتجاه، و الضغط على المسؤولين العراقيين أن يدركوا خطورة الموقف ويقبلوا بالقوات البرية قبل فوات الأوان، وأنهم لا يستطيعون الجهر بآرائهم هذه وهم في الداخل خوفاً على حياتهم وسلامة عوائلهم من الإرهابيين المتغلغلين في المجتمع العراقي، وكذلك من المليشيات الموالية لإيران. فنحن في الخارج نتمتع بأمان وحرية أوسع وعلينا أن نؤدي واجبنا الوطني.

وفي هذه المقالة أود مناقشة الأسباب الضرورية الملحة لتواجد القوات البرية الدولية، وتصريحات بعض المسؤولين، والاستشهاد بآراء عدد من القراء الذين علقوا على مقالاتي، سواء على الانترنت أو على شكل رسائل شخصية، بين مؤيد و رافض، حيث يرى الرافضون أن وجود القوات البرية الأجنبية في العراق يؤدي إلى تقسيم العراق، إضافة إلى كونه إساءة إلى كرامة شعبه وسيادته الوطنية!!!

في الحقيقة كان العراق موحداً بوجود القوات الأجنبية، وحصل هذا الإنقسام بعد رحيلها نهاية عام 2011، حيث احتل تنظيم (داعش) نحو ثلث مساحته، وظلت الأجهزة الأمنية بما فيها الجيش والشرطة المجهزة بأحدث الأسلحة، عاجزة عن حماية سيادة العراق ووحدة أراضيه. ولذلك أعتقد أن الذين يعارضون وجود القوات البرية الأجنبية يخدمون أغراض داعش في  تقسيم العراق من حيث لا يدركون.
فالحرب الدائرة في العراق الآن هي حرب دولية بالوكالة بين إيران من جهة، وبين أربع دول إقليمية هي تركيا والسعودية وقطر ودول خليجية أخرى عن طريق داعش، تدور رحاها على الأرض العراقية وبدماء العراقيين. لذلك نرى قوات داعش مجهزة بأحدث الأسلحة والمعدات والتجهيزات اللوجستية الحديثة والمعلومات الاستخباراتية، ويتحدى الجيشين، العراقي والسوري. ولكن المفارقة، ولإضافة المزيد من الالتباس والعتمة على المشهد، أن الدول الداعمة للإرهاب هي مشاركة في مؤتمرات التحالف الدولي لمحاربته. والمفارقة الثانية، أن المسؤولين العراقيين، من رئيس الوزراء، و وزير الخارجية، وبعض الكيانات السياسية الشيعية أيضاً ضد دعم القوات البرية للعراق. أما الكيانات السياسية مثل  اتحاد القوى الوطنية، و(متحدون) ممثلو المكون السني في العراق، فقد أعربوا  "عن خشيتهم من احتلال الامريكان للعراق بدخولهم اليه بريا، تحت ذريعة مقاتلة عناصر تنظيم داعش". فهؤلاء جميعاً يدافعون عن داعش بغطاء الحرص على السيادة والوحدة الوطنية.

لا نريد هنا أن نكون جزءً من جبهة الحرب النفسية ضد قواتنا البطلة في حربها على داعش، فبشهادة وزير الدفاع الأمريكي جاك هيغل: " إن قوات الأمن العراقية تسيطر تماما على بغداد وتواصل تعزيز مواقعها هناك." ولكن هذا لا يكفي، ولنكن واقعيين، فداعش مازال ماسكاً الأراضي التي احتلها في العراق وسوريا، وتهدد بالتوسع. وفي هذا الخصوص ((حذّر العقيد الأمريكي المتقاعد، ريك فرانكونا، من خطر التقليل من قدرات تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا بـ"داعش"، قائلا إن التنظيم يسعى لمحاصرة العاصمة العراقية بغداد وإسقاطها في نهاية المطاف لتكون "عاصمة خلافته". مضيفا أنه قد فرض بالفعل طوقا حول المدينة في حين أثبت الجيش العراقي أنه "غير فعال.")) (موقع الحزب الشيوعي العراقي، نقلاً عن CNN).

ويجب التأكيد هنا مرة أخرى أن 90% من منتسبي داعش هم من البعث وخاصة من ضباط الحرس الجمهوري من أصحاب الخبرة والقسوة والشراسة. فنجاح داعش لا يعتمد على فعالياته وقدراته العسكرية فحسب، بل وعلى استخباراته الأخطبوطية الواسعة والتي هي الاستخبارات الصدامية السابقة التي نجحت في اختراق مؤسسات الأجهزة الأمنية والعسكرية للعراق الجديد، مستغلين المصالحة الوطنية لهذه الأغراض. فهؤلاء يوصلون المعلومات عن خطط الجيش وتحركاته إلى داعش من داخل هذه المؤسسات الأمنية أولاً بأول. وفي هذا الخصوص أنقل مقتطفات من رسالة بعثها لي صديق مطلع جاء فيها:
((الوضع في العراق جدا معقد وكما ذكرت لك سابقا أن الاهل والأقرباء في ارياف محافظة ديالى تركوا بساتينهم العامرة الى منطقة كردستان، وكادت ان تخلوا 20 قرية من سكانها تماما بعد ان تعرض الاهالي الى القصف من قبل الدواعش البعثين وقوات الحكومة والميليشيات وراحت ضحية  المناوشات والقصف عشرات العوائل الآمنة والتي لا ناقة لها ولا جمل، مجرد تريد ان تعيش بأمان.
(( الناس كلهم فلاحون، وينتظرون هذا الموسم لجني الفاكهة من التمور والرمان والحمضيات وهي تمثل دخلهم السنوي الذي يعتاشون عليه. تركوا كل شئ، بيوتهم وبساتينهم العامرة والجميلة خوفا من الذبح والقتل. عصابات داعش كلهم من حثالات المجتمع والمنبوذين اجتماعيا من المتسكعين والأميين، والجهلة، واللصوص، وقطاع الطرق، يستغلهم بقايا شراذم البعث بالمال والسلاح فتحولوا الى اسلامين وأضافوا الى تقاليدهم الارهابية الاجرامية التي تربوا عليها في مدرسة عفلق الارهاب القاعدي الاسلامي، واصبح البعثي الداعشي سوبر بلطجي وذباح من الطراز الاول.))

وحول اختراق الجيش يضيف الصديق:
((الجيش العراقي منخور ومخترق، وبالتالي غير قادر على مواجهة تنظيمات داعش، ولهذا لا يمكن سحق هذه التنظيمات الارهابية وحواضنها إلا من خلال دعم بري من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى. انا ايضا ارفض دخول قوات برية عربية وتركية الى العراق لأنهم سيحاولون فرض اجندتهم وخباثاتهم والتدخل في شؤون العراق.
((يروي لي اهلي وبعض الاصدقاء والأقارب وجلهم من المحسوبين على اليسار ان بعض الافراد يخبرون الاجهزة الامنية والعسكرية عن تحركات الدواعشن البعثيين بالمنطقة وممارسة الارهاب والتخريب، فبعد مدة يقتل هذا الشخص المخبر من قبل الدواعش البعثين. وهذه الظاهرة حدثت لعدة مرات. ولذلك تخاف الناس ان تقوم بإخبار الاجهزة الامنية والعسكرية عن تحركات الدواعش.))

ويروي قصة فيقول: (عندما كنت في آخر زيارة للعراق، ولي اثنان من اقرباء لي من قادة الصحوات احدهما ابن عمي ومحسوب على اليساريين، قال أن احدى نقاط التفتيش العائدة للصحوات وكلهم من ابناء عمومتي بان القوا القبض على سيارة محملة بأسلحة وقنابل ومسدسات كاتمة الصوت وحاولوا اغرائهم بالمال ولكنهم رفضوا واتصلوا بالقاعدة العسكرية للجيش العراقي، القريبة منهم وسلموهم الجناة. ويا للسخرية وفي نفس اليوم هربوا من السجن وعددهم اربعة، وكانوا من الفلوجة وجبل حمرين. وبعد شهر تعرضت نقطة التفتيش العائدة للصحوات الى اطلاق نار وقتل فيها اربعة من شباب الصحوة.))
ويواصل بث همومه فيقول: (( لو كنت معك لرويت لك قصصاً يشيب لها الرأس. البعثيون لديهم خبرة بالإجرام والغدر والتجسس والاختراق وقتل كل من يقف أمامهم، ولديهم المال الضخم وتجربة 35 سنة من حكمهم، ويعرفون كل مكان في العراق. وداعش هي مجرد واجهة للبعث. استطاعوا اختراق الاجهزة الامنية والعسكرية بعد اختراقهم للاحزاب الدينية من قبل البعثين الشيعة. الكثير من البعثيين السنة هم من يتزعمون اليوم داعش وواجهتم السياسية (متحدون) وجماعة صالح المطلق والكربولي، وقسم من جماعة علاوي، ودورهم هو تخريب العملية السياسية من داخلها والدفاع عن الدواعش البعثيين. السؤال الذي يطرح نفسه اين ذهب البعثيون الشيعة؟؟ وما هو دورهم اليوم؟؟؟ هناك الف علامة استفهام؟؟؟؟؟؟ كيف يستطيع الارهابيون الوصول الى ادق الاماكن الحساسة وفي قلب الاحياء والمدن الشيعية ان يفجروا ويقتلوا.......؟؟؟؟؟؟؟))أنتهى
فهذا هو حال الجيش العراقي والأجهزة الأمنية.
******

وفي تعليق من القارئة السيدة (ام علي) على مقالي (هل العراق بحاجة إلى قوات برية دولية لمواجهة “داعش”؟) على موقع شبابيك تقول:
((نعم نحن بحاجه لقوات بريه متعددة الجنسيه لأسباب كثيرة أهمها ما يلي:
اولا، امريكا جاءت للعراق ليست لسواد عيوننا وإنما لالتقاء المصالح، ويجب ان نكون واعين وأذكياء لاقتناص هذه الفرصة، وتوقيع اتفاقيه بين الطرفين لغرض تواجد قوات برية وهذا ليس بمعيب ابد، فلأمريكا قواعد عسكريه في دول كثيرة وحتى دول كبرى متقدمه جدا مثل بريطانيا.
ثانيا، حماية العراق من أهله، لأننا في بداية الطريق ونحتاج الى مساعدة حتى نعتاد على الديمقراطيه وننسى لغة الانقلابات والعنتريات وهذا يحتاج إلى وقت طويل.
ثالثا، ليكون لدينا وقت كافي لإعادة بناء الجيش وفق اسس علمية، والاهم قطع الطريق على المفسدين والخونة، لان امن البلد معتمد على قوات مهنية مخلصة.
رابعاً، ايجاد صيغة للتفاهم مع الاكراد دون احساسهم بضعف العراق وابتزازه على طول الخط لوجود الضامن الدولي (ايجاد حل جذري لهذه المشكلة التي سببت وتسبب المشاكل، يا إما الطلاق دون رجعة، و يا إما أن نتعايش اخوة وتحت سقف العراق الكبير وبالعدالة والقانون لا يضيع حق احد).
وخامساً وأخيرا والأهم، يجب ان نصارح انفسنا بالحقيقة لنجد العلاج وننتهي، وهي أن أخواننا السنة لحد الآن لا يستوعبون وجود المكون الاكبر مشاركين لهم في الحكم بالرغم من اخذ اكثر من حقهم بسبب تنازل وانبطاح معظم ساسة المكون الاكبر لهم، وهم يقولون نحن مهمشون. وعدم ثقتنا ببعضنا، وشعورنا نحن العرب قاطبة بالدونية تجاه الغرب، لأننا نتصور هم افضل منا بكل شيء، وهي حقيقة لا ننكرها. فهم ليسوا أذكى منا، ولكنهم منظمين ومنضبطين جدا ويحترمون القوانين. فوجود قوات أجنبية تشعرنا بالهدوء لإحساسنا بمهنيتها بعيدا عن التحزبات والعنتريات. وكذلك تصرف نظر اطماع دول الجوار بنا لان معظم من يقوم بما يسمونه "مقاومة المحتل" هي من انتاجهم وهم لا يريدون الخير للعراق ويحاربون باسمنا وعلى اراضيا ويجنون المنافع.)) أنتهى

ويعلق القارئ الكريم (ابو العوف) على نفس المقال في عراق القانون، جاء فيه:
((نحن بحاجة الى قوات اجنبية لخمسين عام أخرى حتى ينشأ جيل متعلم ومثقف يستطيع ان يدافع عن الحرية والنظام الديمقراطي، طبعا لا اعتقد أن الأحزاب الاسلامية تسمح بذلك لأنها تريد ان نعيش في الماضي، والتوقف عند نقطة معينة، وليس من مصلحتها التغيير والانفتاح على باقي الحضارات..كذلك ابقائنا جهلة متخلفين خير نصير للأحزاب الدينية والقومية الفاشية. السيد المالكي بإخراجه الحلفاء من العراق ارتكب خطأ فظيعاً سيكلف العراق الكثير...)).
طبعاً أتفق مع جميع التعليقات أعلاه. وهو غيض من فيض من هموم العراقيين، ودعوتهم الصادقة للسماح للقوات البرية الدولية لدعم الجيش العراقي في حربه على داعش.

ولكن هناك أصوات رافضة للدعم الدولي وحجتها "أن أمريكا لا تريد دحر داعش، وإنما تريد احتلال العراق بحجة داعش، وإلا كيف استطاعت إسقاط حكم صدام بالقصف الجوي ولم تستطع دحر داعش بنفس الأسلوب؟".
في الحقيقة هذا الكلام غير دقيق. فقوات صدام كانت قوات نظامية متواجدة بكثافة في مناطق معينة يسهل قصفها بصواريخ عن بعد. إضافة إلى مشاركة قوات التحالف البرية. بينما الدواعش عبارة عن عصابات، موزعين على ثلث مساحة العراق ومتغلغلين بين السكان يصعب قصفهم خوفاً على السكان المدنيين. وحتى رئيس الوزراء العراقي أمر بوقف قصف الدواعش في المدن. لذلك فلا بد من القوات البرية الدولية.
أما التحجج بأن كل ما يحتاجه الجيش العراقي هو السلاح المتطور، فهذه الحجة هي الأخرى لم تصمد أمام أية محاجة منطقية. فكما ذكر السيد باقر جبر الزبيدي، وزير النقل، وزعيم حزب المواطن (المحبس الإسلامي الأعلى)، أن الجيش كان متخماً بالأسلحة الثقيلة والخفيفة المتطورة.. وأن قيمة الاسلحة التي كانت للفرق العسكرية بالموصل تقدر بسبعة مليارات دولار استولى عليها داعش.
فإذن، سبب صعود داعش ليس النقص في الأسلحة، بل في اختراق هذا الجيش والأجهزة الأمنية بالبعثيين الدواعش بشكل مكثف. ولذلك فالموقف خطير جداً ولا بد من وجود القوات البرية الدولية.
وإذا منعنا القوات البرية الدولية خوفاً على السيادة فسنخسر السيادة والوطن معاً.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذو صلة
أوباما: الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" طويلة الأجل
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/10/141014_obama_is_campaign
عبدالحليم الرهيمي: يا ويلنا.. العالم معنا !
http://www.akhbaar.org/home/2014/10/178165.html

رئيس الأركان الأميركي: معركة الموصل ستكون فاصلة.. والتدخل البري وارد
http://www.qanon302.net/news/2014/10/14/33432

طلال شاكر: الاستعانة بقوات امريكية لدحر داعش ضرورة وطنية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=437330


23
هل العراق بحاجة إلى قوات برية دولية لمواجهة "داعش"؟

د.عبدالخالق حسين

في عام 2004 نشرتُ مقالاً بعنوان: (اللهم أحفظ العراق من العراقيين). وبعد عشر سنوات مازال العراقيون يتنافسون على الانتحار الجماعي، وتدمير أنفسهم و وطنهم بمختلف الدوافع والذرائع، و يلقون اللوم على الغرب. نعم هناك حكومات إقليمية تعمل على تصدير الإرهاب ودعمه لقتل العراقيين، ولكن من الذي ينفذ المخططات الأجنبية هذه غير العراقيين أنفسهم؟ ولماذا يقبلون أن يكونوا أدوات طيعة بأيدي المتآمرين الأجانب؟

خطابنا هذا ليس موجهاً إلى تنظيم "داعش" الذي يشكل البعثيون نحو 90% منهم(1)، وإنما نوجهه إلى العراقيين الحريصين على سلامة وطنهم وشعبهم، وخاصة الذين هم في السلطة. فتنظيم داعش صناعة السعودية وقطر ودولة الإمارات وتركيا. وهذا ليس تخميناً أو توزيع الاتهامات عشوائياً، بل هناك تقارير من الاجهزة الاستخباراتية الغربية، نشرتها صحف أمريكية كبرى مثل واشنطن بوست، ونويورك تايمس، وبريطانية، مثل الديلي تلغراف والغارديان، أكدت على دور هذه الحكومات الإقليمية في تأسيس ودعم داعش.(2).
 وأخيراً جاء الخبر اليقين من السيد جو بادين، نائب الرئيس الأمريكي، الذي أدلى بتصريحات في جامعة هارفارد يوم الخميس [2/10/2014]، قال فيها: "إن تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة والسعودية ودولا خليجية أخرى ساعدت تنظيم الدولة الإسلامية من خلال دعم تنظيمات تحارب ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد."(3)
كما واتضح دور تركيا في دعم الإرهاب الداعشي بعد أن رفض الرئيس التركي أردغان المشاركة في ضرب داعش في مدينة عين العرب (كوباني) السورية الحدودية الصامدة، وتحت مختلف الذرائع الواهية(4).
و لما تجاوز داعش الخطوط الحمراء المرسومة له، وتحول إلى فرانكشتاين الذي قتل صانعه، وبات يشكل خطراً يهدد السلام العالمي كله، وليس العراق وسوريا فحسب، وحدت 50 دولة كلمتها بقيادة أمريكا وعزمت على مقاتلة داعش بالضربات الجوية كخطوة أولى.

ولكن لحد الآن أثبتت الأحداث أن القصف الجوي لوحده لم يكن كافياً ما لم تدعمه قوات على الأرض. إلا إن المفارقة أن مختلف الأطراف العراقية، صاحبة المشكلة الأساسية والمصلحة بالتحالف الدولي ودعمه، ترفض بشدة وجود قوات دولية في العراق بدلاً من الترحيب بها لمواجهة الإرهاب وسحقه. وإذا كنا نشارك المسئولين المخلصين في التخوف من القوات البرية العربية، ومن تركيا، المشكوك بنواياها لأن هذه الحكومات هي داعمة لداعش ولا تريد الخير للعراق، ولكن لا أرى أي مبرر لرفض القوات البرية من الدول الغربية وخاصة من أمريكا وبريطانيا، لأن ليس لهذه الدول أغراض طائفية ومطامع بالعراق عدا كونها تريد مساعدة الشعب العراقي وحماية شعوبها من شر الإرهاب الداعشي الذي بات يهدد العالم كله.

والجدير بالذكر، أنه لحد الآن ليس لهذه الدول الرغبة في إرسال قوات برية، ولكن في نفس الوقت يجب أن لا يضع المسؤولون العراقيون اشتراطات وعقبات أمام هذه الدول فيما لو غيرت رأيها، ورأت أن من الضروري إرسال قوات برية إلى العراق. فباعتراف الجميع أن الحرب على الإرهاب هي حرب عالمية ثالثة. وأي اشتراطات من الحكومة العراقية لمنع الدعم الدولي هو نوع من البطر واستخفاف بحياة الألوف من العراقيين الذين تعرضوا للقتل الوحشي على أيدي البعثيين الذين انضموا إلى داعش ويرتبكون جرائمهم باسمه.
ذكرنا في مقال سابق أنه نجح أنصار "داعش"، وإيران، من الإعلاميين أن يستغلوا تعلق العراقيين بالسيادة الوطنية إلى تحويلها لخدمة أغراض الإرهابيين. فراحوا يروجون أن الدعم الدولي يسيء للسيادة الوطنية!! ويحاولون إثارة العداء بين الشعب العراقي والحلفاء الغربيين. ونحن إذ نسأل: ما معنى السيادة ومفهومها، والشعب يعاني من رعب الإرهاب الداعشي وقواته الأمنية عاجزة عن توفير الأمن والسلام لهم؟ وما قيمة هذه السيادة لعوائل 1700 شاب تم قتلهم في قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين؟ وماذا تعني السيادة لآلاف العائلات من سكان تلعفر والشبك والإيزيديين والمسيحيين الذين تم نحر رجالهم، وهتك أعراضهم، وسبي نسائهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة، وقد عجزت القوات الحكومية عن حمايتهم من الأوباش الذين تم غسل أدمغتهم بعشق الموت واحتقار الحياة؟
كما واعتدنا على سماع أخبار مؤلمة ومخجلة في نفس الوقت، عن محاصرة قوات داعش للمئات من الجنود العراقيين في مختلف المناطق الساخنة، والقوات الحكومية عاجزة عن إنقاذهم، فيتم قتلهم بالجملة وبدم بارد. فماذا تعني السيادة الوطنية لذوي الضحايا؟

تواجه هذه الأيام شعوب غرب أفريقياً مثل سيراليون ولايبيريا وغينيا، وباء الإيبولا، فبالإضافة إلى المساعدات الطبية التي تقدمها لهم الدول الغربية "الكافرة"!، كذلك أرسلت بريطانيا نحو 700 جندي إلى سيراليون لدعم المجهود الطبي في مكافحة هذا الوباء الخطير. لم تعترض حكومة سيراليون على تواجد القوات البريطانية في بلادها، ولم تشعر بأية إساءة  لسيادتها وكرامتها، بينما العراقيون مهووسون بهذه السيادة والتي هي أساساً أسيء لها من قبل الإرهابيين، علماً بأن وباء داعش أخطر من وباء إيبولا بملايين المرات.
وباعتراف خبراء عسكريين غربيين، أن تنظيم داعش لا يمكن دحره بالقوات الجوية وحدها، وإنما لا بد من مشاركة قوات برية.

وبناءً على كل ما تقدم، أرى من واجب الحكومة العراقية تقديم طلب للتحالف الدولي بإرسال قوات برية إلى العراق لمساعدة قواته في حربها على الإرهاب. نعم، ليس هناك شحة في عدد المنتسبين للقوات العراقية المسلحة (الجيش والشرطة)، والألوف منهم انضموا للجيش بدوافع وطنية لحماية الشعب والوطن، ومستعدون للتضحية بأرواحهم في سبيل الواجب الوطني، ولكن يجب أن لا ننسى أن هذه القوات حديثة التكوين، تنقصها الخبرة والتجهيزات الحديثة الدقيقة في ضرب الأهداف المحددة في المدن خاصة وعد إلحاق الأذى بالمدنيين، والضرورية لمثل هذه المهمات المعقدة، وهناك أعداد غفيرة انضموا للجيش بدافع الراتب كأية وظيفة في الدولة غير مستعدين لهذه المهام الخطيرة. وهناك مشكلة عدم الالتزام بالانضباط العسكري، واستفحال التغيب مع استلامهم لرواتبهم دون أدائهم للواجب، وهناك ضعاف النفوس من المرتشين والجبناء الذين فقدوا الحس الوطني فتركوا ساحات القتال لينجوا من الموت، ولكن أغلبهم لحق بهم الدواعش وقتلوهم(5).
كذلك وصلتني معلومة خطيرة من مصدر مطلع وموثوق به، أن اكثر قيادات الجيش هم من ضباط صدام ومن المخترقين للمؤسسات العسكرية والأمنية وبعضهم يتصل بالدواعش لحظة بلحظة، ويخبرهم بخطط هجوم الجيش العراقي. وهذا ما حصل في معظم الجبهات ومنها جبهة تلعفر حتى اضطر القائد الوطني ابو الوليد الى الانسحاب بعدما اكتشف رسائل في الهواتف النقالة لضباط القوة التي يديرها، محملة برسائل تحذر الدواعش قبل الهجوم، الأمر الذي يفشل كل الهجمات. فانتبه لهذه الخيانة وقبض على الضباط واتصل بالمالكي الذي امره بالانسحاب بعدما تأكد من خيانة جميع ضباط الموصل.
وكنتيجة مباشرة لهذه المشاكل، استفحل الإرهابي الداعشي ونجح في احتلال نحو ربع مساحة العراق. لذلك يجب أن نعترف أن الجيش العراقي يحتاج إلى دعم دولي، وأن داعش لا يمكن القضاء عليه بالقصف الجوي وحده، بل ولا بد من وجود قوات برية دولية أيضاً لمساعدة الجيش العراقي وقبل فوات الأوان.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مسؤول عراقي يكشف هوية من يقوم بتدريب عناصر داعش الجديدة .
http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/10/08/iraq-isis-training

2- جنرال بريطاني بارز يفجر قنبلة إعلامية ويحمل قطر والسعودية مسؤولية إنتشار داعش
http://alkhabarpress.com/%D8%AC%D9%86%D8%B1%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A-

3- الفيديو الذي إتهم فيه بايدن دول الخليج بدعم المنظمات الإرهابية- مع الترجمة العربية
http://www.akhbaar.org/home/2014/10/177816.html

3- نفس الفيديو (7 دقائق) بشكل مفصل مع تحليل سياسي
*Joe Biden accuses Turkey and the Gulf nations of being unscrupulous in their pursuit of ousting President Assad and, in doing so, funding terrorists for the cause.
 https://www.youtube.com/watch?v=11l8nLZNPSY&feature=youtu.be&app=desktop

4- صحيفة أميركية: أردوغان يقوم بلعبة خطيرة برفضه قتال داعش في كوباني
http://www.akhbaar.org/home/2014/10/177820.html

5- حميد الكفائي: التخطيط والتضحية سيهزمان الإرهاب إلى الأبد
http://www.alkifaey.net/5389.html


24
حوار حول الموقف من الدعم الدولي للعراق ضد داعش

د.عبدالخالق حسين

بعد نشر نص المقابلة الإذاعية التي أجراها معي الكاتب والإعلامي الأستاذ ملهم الملائكة يوم 25/9/2014 على راديو (DW) في ألمانيا بالتعاون مع راديو دجلة في العراق، ومحورها: (هل يتراجع الدعم الدولي للعراق ضد داعش بسبب اشتراطاته؟)(1) على العديد من مواقع الإنترنت، ومن بينها موقع عراق القانون، حيث شارك عدد من القراء الأفاضل في التعليق على إجاباتي في المقابلة، ومن بينهم الكاتب، الصديق محمد ضياء عيسى العقابي، الذي قدم تعليقه على شكل استفسارات أشبه بالمقابلة الصحفية. لذلك رأيت من المفيد تقديم إجاباتي وعلى شكل مقابلة صحفية أيضاً.

في البدء، أتقدم بالشكر الجزيل للصديق الأستاذ العقابي ولجميع الأخوة الذين شاركوا في التعليق، وكلها تعليقات مفيدة ومهمة، و مكملة للحوار و جديرة بالاعتبار والتأمل. ونظراً لأن الأخ العقابي طلب مني الإجابة على تساؤلاته المشروعة، أدرج أدناه إجاباتي متمنياً أن تكون وافية وحسب إمكانياتي واستيعابي للمعضلة العراقية. ولكن قبل الإجابة على الأسئلة، أود أن أذكر بعض الحقائق التي قد نتفق عليها، عسى أن تساعدنا للوصول إلى حل مقبول للمسائل الخلافية:
الحقيقة الأولى، وكما ذكرتُ مراراً أن (السياسة فن الممكن)، وأنها وراء المصالح، وقد تتضارب أحياناً حتى مع الأخلاق. ويعتبر البعض هذا القول تطبيقاً للمكيافيلية (الغاية تبرر الوسيلة)، ولكن ألا يردد العرب والمسلمون عامة مقولة مشابهة وهي: (الضرورات تبيح المحظورات)؟ فكما أخبرني صديق متفقه في الدين الإسلامي، أن هذه المقولة هي قاعدة فقهية يستدل بها من نص قرآني:"فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه" والتي بموجبها يجوز اكل الميته ولحم الخنزير...وحتى شرب الخمر... وحلف اليمين كذبا لدفع الضرر وماشابه ..)
ولو راجعنا كتب التاريخ لوجدنا حتى في الحركات اليسارية قادة كبار مثل لينين وستالين طبقوا هذا المبدأ، وعلى سبيل المثال عقد لينين (صلح بريست) عام 1918 مع الألمان لإنقاذ الثورة البلشفية، فانتقده اليساريون المتطرفون، ورد عليهم لينين بعنف ووصفهم باليسارية الطفولية. وكذلك تحالف ستالين مع أمريكا وبريطانيا ضد ألمانيا النازية الهتلرية في الحرب العالمية الثانية. فإذا كان هذا مقبولاً للسوفيت وليس ماكيافيلية، فلماذا لا يجوز للعراق أن يتحالف مع أمريكا وهو يواجه الإرهاب الداعشي-البعثي الذي هو أسوأ من النازية الهتلرية بكثير؟

الحقيقة الثانية، هي أن أمريكا ليست جمعية خيرية تقدم المساعدات لوجه الله أو لوجه الإنسانية أو لسواد عيون الشعب العراقي، بل هي دولة مؤسسات تسعى وراء مصالح شعبها. وكذلك علينا نحن العراقيين أن نسعى وراء مصالح شعبنا، ونمد الجسور مع أية دولة تتفق مصالحها مع مصالحنا وبالأخص أمريكا الدولة العظمى.
الحقيقة الثالثة، في عصر العولمة، والقطب الواحد، لا يمكن حل أية مشكلة كبيرة مثل الإرهاب الداعشي بدون الدعم الدولي وبقيادة أمريكا.
الحقيقة الرابعة، العراق تحكمه حكومة ديمقراطية إئتلافية (حكومة الوحدة الوطنية الشاملة). وهذه الحكومة غير متجانسة، بل ومتعادية فيما بينها، وهناك شركاء في السلطة  لهم علاقة مع الإرهاب ومستعدون أن يتحالفوا حتى مع الشيطان في سبيل مصالح شخصية وحزبية وفئوية وطائفية وعنصرية على حساب بقية مكونات الشعب.
الحقيقة الخامسة، القوات العسكرية العراقية حديثة التكوين وغير ملتزمة بالطاعة والانضباط العسكري. ففي تحقيق صحفي لصحيفة الإندبندنت اللندية، ينقل الكاتب باتريك كوكبرن عن تقرير للبنك الدولي نشر للتو، يكشف أن من أصل 8206 من الحراس الذين تستخدمهم وزارة واحدة، فقط 603 كانوا يعملون في الواقع والبقية غياب ويستلمون رواتب. وقد تم مؤخرا إقالة 132 من كبار الضباط من قبل رئيس الوزراء السيد العبادي، ولحد الآن ليست هناك أية علامة تشير إلى قدرة الجيش على تقديم هجوم مضاد ناجح ضد داعش. وأسوأ من ذلك، أن القوات الأمنية غير قادرة على وقف موجة السيارات المفخخة والانتحاريين في بغداد، التي لا تزال تسبب خسائر فادحة في أرواح المدنيين.... وإثناء سيطرة داعش على الموصل كان هناك نحو 60 ألف من القوات الحكومية المسلحة (الشرطة والجيش) لم يقوموا بواجبهم في حماية المحافظة ونسبة الغياب بين القوات المسلحة نحو الثلثين.(2)
هذا هو وضع العراق وأجهزته الأمنية، فكيف تريد أن تحمي وطناً وشعباً ودولة من مخاطر الإبادة وبهذه الإمكانيات الهزيلة، وبدون الدعم الدولي بحجة السادة والكرامة ؟؟؟؟

وآخر الأنباء تفيد أن الدكتور العبادي تلقى تهديداً من قادة الحشد الشعبي (وبتأثير من إيران) أنه إذا ما وافق على تواجد قوات برية دولية فإنهم سيسحبون إسنادهم للجيش، وربما حتى دعمهم للحكومة. ولذلك اضطر العبادي أن يصرح للإعلام بأنه ضد تواجد القوات البرية الأجنبية في العراق. وقريباً سيجد العبادي نفسه في نفس الوضع الذي كان فيه سلفه المالكي.
*********
والآن لنجيب على الأسئلة،
يبدأ الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي بالتالي:
الدكتور عبد الخالق...تحية، حقاً أريد أن أراجع نفسي. فأرجو مساعدتي بإفادتي برأيك عما يلي:
س1– لماذا لم تجهزنا أمريكا بطائرات م – 16 والأباتشي التي دفعنا ثمنها منذ مدة طويلة وهي القادرة على حراسة الحدود؟
ج: هذه الأسلحة ليست مواد غذائية أو مساعدات إنسانية يمكن تقديمها كيفما كان، بل هي تشكل جزءً مهماً من الاستراتيجية الأمريكية في علاقاتها مع الدول. ونظراً لرفض الجانب العراقي لبقاء قوات أمريكية رمزية محدودة في العراق وفق اتفاقية (SOFA) لتدريب جيشه ومساعدته عند الضرورة، إضافة إلى الحملة التي شنتها الجبهة الكردستانية والجبهة العربية السنية في الإعلام الغربي والأمريكي وبدعم من السعودية وغيرها، ضد السيد نوري المالكي، وأظهروه بأنه يميل إلى إيران ضد أمريكا، لذلك لم تسلم أمريكا هذه الأسلحة (طائرات م – 16 والأباتشي) إلى العراق خوفاً من وقوعها في أيدي الإيرانيين.
وكما علق مشكوراً القارئ الكريم حسين كاظم، على السيد العقابي قائلاً:
((هل تريد امريكا ان تجهز جيش بغداد النظامي حتى تذهب الطائرات الأمريكية لطهران او تذهب لداعش السنية كما حصل بالموصل من استيلاء المسلحين السنة على اسلحة الجيش؟ ماذا لو ان داعش حصلت على الطائرات الامريكية الحديثة من المطارات في الموصل؟؟ هل الجيش النظامي لبغداد مؤهل لاستلام اسلحة امريكية حديثة؟؟ في وقت يضم الجيش عشرات الألوف من المليشيات والجماعات المسلحة المعادية لأمريكا.. وتجهر بعدائها ضد امريكا... حتى المالكي اعترف بان ما حصل بالموصل من (تبخر للجيش) لم يكن بسبب قلة السلاح او نقصه، بل كان الجيش متخم بالأسلحة الثقيلة واعترف باقر صولاغ جبر .. بان قيمة الاسلحة التي كانت للفرق العسكرية بالموصل تقدر بسبعة مليارات دولار استولت عليها العشائر السنية المسلحة داعش. ارجو ان لا تجدوا مبررات وأعذار لفشل المسؤولين المحسوبين شيعيا .. والمؤسسة العسكرية المتهرئة .. ارجو ان لا تجعلوا امريكا علاكة لفشلكم وفشل العملية السياسية البائسة.. ورئيس وزراءها المحسوب شيعيا.. ارجو ان لا تجعلوا الاخرين سببا للانتكاسات.. لتجملون وجه زعماءكم المتهرئين..))(1)
كذلك نشرت صحيفة المدى قبل أكثر من عام، أن أمريكا رفضت قبول طيارين شيعة لتدريبهم على هذه الطائرات. وما جعل الإدارة الأمريكية تصدق بهذه الدعايات المضادة هو المظاهرات التي يقوم بها التيار الصدري (الشيعي) ضد أية علاقة مع أمريكا (كلا كلا أمريكا... وإن عدتم عدنا... وسنجعل العراق مقبرة للأمريكان...الخ). وإذا كانت القوة الجوية كافية لحراسة الحدود، فالعراق الآن لديه طائرات روسية لماذا مازالت الحدود غير محروسة؟ وهذا يؤكد ضرورة وجود قوات برية أيضاً.
   
س2: هل تتفق مع قول الرئيس أوباما للإعلامي توماس فريدمان: لا نريد ان تكون أمريكا قوة جوية للشيعة لضرب السنة؟
ج- طبعاً لا أتفق، وهي حجة واهية لكن نجح أعداء الديمقراطية أن يبرزوا الإرهاب الداعشي وكأنه صراع سني – شيعي ونتاج عزل المالكي للسنة والكرد. وكما قال أوباما في نفس المقابلة "أن الشيعة أهدروا الفرصة". في الحقيقة الشيعة هم أعداء أنفسهم، يضربون اليد التي تقدم لهم المساعدة. فهكذا فوَّت قادتهم الدينيون والعشائريون الفرصة في الحرب العالمية الأولى عندما أعلنوا حرب الجهاد على بريطانيا التي جاءت لتحرير العراق من الاستعمار التركي العثماني، ثم ثورة العشرين، وموقفهم المناهض للدولة الفتية، الأمر الذي أدى إلى تهميشهم وعزلهم لثمانين سنة. وبعد عام 2003 جاء الأمريكان وحرروهم من أشرس دكتاتورية همجية، فقام بعض قادة الشيعة من أمثال مقتدى الصدر والحكيم في موالاة إيران ومعاداة أمريكا وعلى حساب الشعب العراقي. فكيف تريد من أمريكا أن تتصرف في صالح الشيعة أو العراق وعلى رأس حكومته حكومة ترفض الدعم الأمريكي لهم؟

س3– هل تستطيع ان تحدد ما قصده الرئيس اوباما عندما قال لفريدمان: لم نعطِ مساعدات للمالكي كي لا نشجعه على عدم التنازل؟ أي تنازل أراد؟
ج: أنا لست الناطق الرسمي عن البيت الأبيض!!، ولكني أعتقد أنه قصد المزيد من مشاركة السنة والكرد. فكما بينتُ أعلاه أن خصوم المالكي نجحوا في إقناع أوباما ومعظم السياسيين والإعلاميين في الغرب بأن المالكي دكتاتور وهمش السنة والكرد وأنه موالي لإيران. وهذا الرأي رغم خرافيته وكذبه إلا إنه هو السائد في الغرب الآن، والسبب هو إهمال السيد نوري المالكي الجانب الإعلامي في الغرب، وكذلك لرفضه وجود قوات أمريكية في العراق مما جعل العقلية الغربية تصدق بهذه الافتراءات.

س4– هل تتفق مع ما دأب الرئيس اوباما والاعلام الأمريكي على طرحه ومنذ سنتين على ان السنة في العراق مهمشون ومقصيون وغير ممثَلين (هذه الأخيرة قالها لفريدمان)؟

ج: كلا، وألف كلا، لا أتفق مع ما يردده أوباما عن خرافة التهميش. و نشرت عدة مقالات نفيت فيها هذه الكذبة والخرافة، أدرج رابط إحداها في الهامش وهي بعنوان: (التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة)(3)
 
س5– هل تعتقد بعقلانية قول امريكا بأنها تشرك السعودية وقطر وتركيا على راس التحالف الدولي لمكافحة الارهاب لكي تشرك السنة في العملية؟ هل هؤلاء يمثلون السنة؟ اليست السعودية وقطر وهابيتان متطرفتان على عكس باقي السنة الوسطيين؟
ج: يا أخي أنت "تبيع الميه في حارة السقايين" كما يقول إخواننا المصريون. مرة أخرى أذكرك بأني كتب ونشرت عدة مقالات في هذا الخصوص بينت فيها أن داعش وغيره من الإرهاب الوهابي هو نتاج هذه الدول (السعودية وقطر وتركيا) بل وحتى الأردن، و بعلم من أمريكا وربما بمباركتها لاستخدام داعش في حالات معينة كما هي الحال في العراق حيث استخدموه لإزاحة السيد نوري المالكي بعد أن فشلوا في إزاحته عن طريق الانتخابات. راجع مقالنا ( نفاق السعودية في محاربة الإرهاب والتطرف الديني)(4)، ومقال آخر (لماذا نجح المالكي في الانتخابات وخسر "المقبولية"؟)(5).
وما الحماس الظاهري لهذه الدول في محاربة داعش، وتنظيمها للمؤتمرات الدولية إلا لخدع الرأي العام العالمي، ولإبعاد التهمة عن دورها في دعم داعش.
ولكن من الجانب الآخر، نعم أعتقد بعقلانية سعي امريكا في شمول هذه الدول في محاربة الإرهاب، لأن هذا الإرهاب هو سني، ومحاربته يعطي الذريعة لداعمي الإرهاب بأن أمريكا تحارب السنة لصالح الشيعة. وكما جاء في سؤالك الأول أن أوباما قال: "لا نريد ان تكون امريكا قوة جوية للشيعة لضرب السنة". لذلك فهذا الموقف الأمريكي لا بد وأن يكون عقلانياً وحكيماً لأنه جر هذه الدول وضمها إلى تحالفه الدولي ولو رمزياً وبالاسم فقط، وشئنا أم أبينا، فهذه الحكومات هي سنية وهي التي ساهمت في تأسيس ودعم الإرهاب الإسلامي السني الوهابي و وهبنة المسلمين السنة من بقية المذاهب الإسلامية المعتدلة ونشر التطرف.

س6– لماذا وافقت أمريكا على دخول الإرهابيين الى سوريا وعلى الحدود العراقية؟

ج: أمريكا تريد الإطاحة ببشار الأسد وبأي ثمن كان، لأن الأسد حليف إيران و روسيا. والصراع على الشرق الأوسط هو صراع بين روسيا والصين من جهة، وبين أمريكا والوحدة الأوربية من جهة أخرى. ولذلك تريد أمريكا تغيير كل حكومة في المنطقة تتعاطف مع المعسكر الروسي- الصيني. فمثلاً خلقوا مشكلة أوكرانيا ضد روسيا، والآن أشعلوا مشكلة هونكونغ ضد الصين، وجاؤا بداعش ضد المالكي. والتاريخ يخبرنا أن النصر دائماً إلى جانب الحلفاء الغربيين. وكل من وقف ضد الغرب أنتهى كما أنتهى هتلر وصدام والقذافي. لذلك فمن مصلحة العراق أن يقف مع المعسكر الغربي الذي حرره من حكم الطغيان البعثي ولأنه مع حركة التاريخ.

س7– اما ترى أن المشاكل التي اثيرت بوجه صفقة السلاح الروسي كانت مفتعلة؟ من كان وراء الافتعال ولماذا؟
ج: بالتأكيد كانت مفتعلة وذات غايات كيدية، وأوضحنا هذه المسألة في عدة مقالات لنا. وهذه المشاكل أفتعلها الإعلام المؤيد للسيد مسعود بارزاني مثل المدى، لأن رئيس الإقليم يعتقد أنه لا يستطيع تحقيق طموحه في تشكيل الدولة الكردية إلا بتدمير الدولة العراقية، وبإضعاف القوات المسلحة الإتحادية. لذلك كسب بارزاني أمريكا إلى جانبه، وعيَّن العديد من موظفي السفارة الأمريكية السابقين بمن فيهم السفير الأمريكي السابق زلماي خليل زاد، مستشارين له. وهؤلاء راحوا يدعمونه بتقديم الاستشارات التي تخدم قضيته، وتكوين لوبيات في واشنطن لصالحه. فأين الحكومة المركزية من هذه النشاطات؟ والآن استغل بارزاني ورقة داعش لتسليح جيشه (بيشمركة) مباشرة من أمريكا ودول الوحدة الأوربية، وبدون الرجوع إلى الحكومة المركزية الاتحادية. هذه هي اللعبة السياسية وفن الممكن التي نجح فيها السيد بارزاني وفشل المالكي، وربما حتى العبادي. فأين السيادة الوطنية في هذا الوضع المزري؟

س8– أليست العناية بكردستان قبل بغداد (حتى هرعت ايران وروسيا لمساعدتنا) نابعاً من حقيقة أن كردستان تأخذ بصيغة “المشاركة في الإنتاج النفطي” التي تعطي شركات النفط ربحاً اكثر ب (25) ضعفاً من صيغة بغداد “عقود خدمة”؟ وكذلك لأن البرزاني ينفذ اجندات اسرائيلية لتفتيت العراق كجزء من حملة تفتيت الدول العربية واحدة بعد الاخرى؟
ج: نعم، أتفق معك، لذلك كان على الحكومة المركزية أن لا تدير ظهرها على أمريكا وتستجيب لمطالب إيران، فإيران ومنذ الحرب العالمية الأولى استخدمت شيعة العراق لأغراضها ضد مصلحة الشعب العراقي. وقد حان الوقت لشيعة العراق أن ينتبهوا إلى أن مصلحتهم مع الغرب وليس مع إيران. وهذه ليست دعوة لمعاداة إيران، بل يجب أن تكون العلاقة متكافئة وعدم التدخل بالشؤون الداخلية، ومن واجب الحكومة العراقية أن تضع مصلحة الشعب العراقي فوق كل شيء وكل اعتبار.

س9– أما ترى أن ما أزعج امريكا ان العراق لم يساهم في تدمير سوريا؟ وان العراق لم يفتعل التوتر والحرب مع ايران؟ وبالتالي فان العراق لم يساهم في تصفية القضية الفلسطينية؟

ج: كلا، أمريكا لا تريد من العراق أية مشاركة في تدمير سوريا، أو شن الحرب على إيران، ولكن في نفس الوقت لا تريد أمريكا من العراق أن تدعم نظام بشار الأسد البعثي، وأن لا تكون علاقة العراق مع إيران على حساب أمريكا. وكان بإمكان السيد نوري المالكي، وبديله السيد العبادي، مفاتحة أمريكا وإقناعها بأن البديل عن الأسد هو داعش وجبهة النصرة، وأنكم أيها أمريكان تخلقون لكم ولنا دولة طالبان أخرى في سوريا على حدود بلادنا وفي منطقتنا الملتهبة أصلاً، وهذا خطر عليكم وعلينا جميعاً. والآن أمريكا اعترفت بالأمر الواقع، فهناك أمريكان متنفذون، يطالبون الإدارة الأمريكية بالتحالف مع إيران وحتى مع بشار الأسد لضرب داعش. ويستشهدون بتحالف تشرتشل وروزفلت مع ستالين في الحرب العالمية الثانية. وحجتهم أنه إذا كنت مهدداً من شرين، فعليك التحالف مع الأقل شراً للقضاء على الأكثر شراً. وبشار الأسد أقل شراً من داعش وجبهة النصرة. 
كذلك لا أحد يريد تصفية القضية الفلسطينية، فأمريكا وحلفائها الغربيون يريدون حل القضية الفلسطينية بإنشاء الدولتين، ولكن حماس وبدعم من إيران، هي التي تقف حجر عثرة فتعطي الذريعة لليمين الإسرائيلي المتطرف المتمثل في نتنياهو ضد حل المشكلة الفلسطينية. وتطرف حماس في صالح التطرف الإسرائيلي. وليس المطلوب من العراق أن يضحي بآخر عراقي في سبيل فلسطين وأن يكون فلسطينياً أكثر من الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي وافق على حل الدولتين، وليس الحل الذي تطرحه إيران وحماس بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والتمسك بسياسة "كل شيء أو لا شيء" والتي تنتهي دائماً بلا شيء.

س10– كيف تتهم جميع من ينادي بصيانة السيادة والإستقلال الوطني والمحافظة على ثروة النفط الوطنية بانه يقول كلمة حق يراد بها باطل لخداع البسطاء؟ أليس من حقنا ان ندعو الى الحيطة والحذر؟
ج: أبداً، أنا لم أتهم الناس بشكل عشوائي، معاذ الله، بل أتهم فقط أولئك الذين يذرفون دموع التماسيح على الكرامة والسيادة، وغايتهم خدمة الإرهاب البعثي الداعشي. وهؤلاء يعتبرون أية دعوة لعلاقة متكافئة مع أمريكا ولصالح العراق هي دعوة للانبطاح تحت جزمة الأمريكان!! (لاحظ المفردات التي يستخدمونها)، بينما هذا الإذلال الذي ألحق بالعراقيين وخاصة من الأقليات الدينية حيث هتك الأعراض، وبيع الحرائر والأطفال في سوق النخاسة في القرن الواحد والعشرين لا يعتبرونه انبطاحاً تحت جزمات الدواعش الأوباش.
ومن حقكم أن تدعوا إلى الحيطة والحذر، ولكن دعواتكم وغاياتكم تختلف عن دعوات وغايات أنصار داعش وأنتم لستم المقصودين بـ"كلمة حق يراد بها باطل لخداع البسطاء".
أليست مفارقة أن تسمح حكومة إتحاد الإمارات العربية لأكثر من 600 من القوات الاسترالية ضيوفاً عليها لضرب داعش في العراق وترفض الحكومة العراقية استضافتها خوفاً على السيادة؟
فهل القوات الاسترالية أساءت لكرامة وسيادة اتحاد الإمارات؟
مع خالص الشكر والتقدير
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- نص المقابلة الإذاعية مع الدكتور عبد الخالق حسين - إعداد وتقديم ملهم الملائكة
http://www.qanon302.net/in-focus/2014/09/28/32469#comment-44695

2- PATRICK COCKBURN: Isis an hour away from Baghdad - with no sign of Iraq army being able to make a successful counter-attack
http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/isis-an-hour-away-from-baghdad--with-no-sign-of-iraq-army-being-able-to-make-a-successful-counterattack-9763658.html

3- عبدالخالق حسين: أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=660

4- عبدالخالق حسين: التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=626

5- عيدالخالق حسين: نفاق السعودية في محاربة الإرهاب والتطرف الديني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=678

6- د.عبدالخالق حسين: لماذا ربح المالكي الانتخابات وخسر"المقبولية"؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=677


25
هل يتراجع الدعم الدولي للعراق ضد داعش بسبب اشتراطاته؟

مقابلة إذاعية، إعداد وتقديم ملهم الملائكة

فيما يلتئم الموقف الدولي باتجاه ضرب داعش تحت مظلة تحالف دولي شاركت فيه دول عربية طالما اتخذت مواقف متعاطفة مع الاسلام المتشدد ، بدأ الموقف العراقي مرة اخرى بالتشرذم ، وصارت بعض نخبه السياسية تغرد بالضد من توجه الموقف الدولي، مقاربة بذلك مواقف ايران من ضرب داعش. (DW) في ألمانيا بالتعاون مع راديو دجلة في العراق حاورت الكاتب والمحلل السياسي د. عبد الخالق حسين في 25/9/2014 وناقشت معه احتمالات تراجع الدعم الغربي عن حكومة العراق في ظل المواقف الجديدة.

س1. يبدو أن حكومة العراق غير متفقة بشأن الدعم الغربي، خاصة  بعد أن أعلنت إيران اعتراضها على ضرب داعش، ما تعليقك على ذلك؟

ج: شكراً جزيلاً على دعوتكم الكريمة.
فيما يخص اشتراطات بعض قادة الكيانات السياسية، فعلاً تبدو أنها مفارقة غريبة وعجيبة، لا تحصل إلا في العراق، حيث نرى العالم كله يقف في وحدة متراصة تمثلت يوم أمس (24/9/2014)، في اجتماع خاص لمجلس الأمن الدولي، برئاسة الرئيس أوباما، وحضره رؤساء 15 دولة وصدر قرار بالإجماع لدعم العراق في حربه على الإرهاب، بينما نجد المسؤولين العراقيين غير متفقين على هذا الدعم، وحتى قسم منهم معارض لضرب داعش، وخاصة من فئة المستهدفين بحرب الإبادة من قبل داعش، ومن يدعم داعش. هذا الموقف هو نتيجة التدخل الإيراني الفض بالشأن العراقي. ويبدو أن إيران تريد التضحية بالعراق وبشيعة العراق خاصة، من أجل مصالحها. ومع الأسف تتمتع إيران بنفوذ سياسي في العراق عن طريق كيانات سياسية لها مليشيات مسلحة، تغدق عليها بالمال والسلاح، وهناك كيانات سياسة مستعدة لبيع الوطن في سبيل حفنة من الدولارات.
 
س2. كيف يتسنى للغرب ان يدعم حكومة العراق وقواتها فيما يقول قادة عراقيون بارزون إنهم سيهاجمون القوات الأمريكية إذا دخلت العراق، " ان عدتم عدنا " ؟
ج: الحكومات الغربية وباستخباراتها الواسعة والقوية تعرف جيداً تعقيدات الوضع العراقي، وأن كياناته السياسية ليست موحدة، وأن النظام السياسي الديمقراطي الذي يتمتع به العراق الجديد يسمح لهذه التعددية في المواقف والآراء، ويسمح لها بإسماع صوتها للعالم، ولكن في نفس الوقت يعرف الغرب أن هذه الأصوات المخالفة هي أصوات الأقلية من الكيانات السياسية التي ولائها لجهات أجنبية وليس للعراق. ولذلك فهي لا تمثل غالبية الشعب. فالغالبية العظمى هي التي تمثلها الحكومة والتي طالبت بالدعم الدولي. فهذا التحرك الدولي جاء استجابة لدعوة رسمية تقدم بها رئيس الحكومة العراقية الدكتور حيدر العبادي، قدمها إلى أمريكا وبريطانيا وغيرهما في المجتمع الدولي إثناء حضوره اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، لدعم العراق في حربه على الإرهاب الداعشي. وجاءت الاستجابة بسرعة و بقوة وبالإجماع. لذلك سوف لا يهتم الغرب بهذه الأصوات النشاز التي تردد شعارات صبيانية مستوردة من إيران مثل: (كلا كلا أمريكا)، (وإن عدتم عدنا)... وغيرها من العبارات الضارة بسمعة العراق، والتي لا تسمن ولا تغني من جوع.

س3. ظاهر المشهد في العراق، أنهم ما زالوا مختلفين حول المغانم السياسية، وليسوا متفقين حول أسلوب الحرب على الإرهاب، ما تعليقك على هذا؟
ج: هذه الظاهرة معروفة وعادية في العراق، فالشعب العراقي منقسم على نفسه، وخاصة كياناته السياسية التي تتصارع على مغانم السلطة والنفوذ والثروة، وهي ليست فقط غير متفقة في أسلوب الحرب على الإرهاب، بل هناك كيانات سياسية مشاركة في الحكومة تعارض الحرب على الإرهاب أصلاً، وهناك مؤتمرات عقدت في عمان وحتى في العراق لدعم داعش وتسميهم بالثوار. و كما بينتُ أن هناك كيانات سياسية ولاءها لحكومات أجنبية، وهؤلاء رغم أنهم يدينون الإرهاب الداعشي علناً، إلا إن أجنداتهم مع بقاء داعش، لذلك يعارضون الدعم الدولي للعراق بذرائع واهية مثل إدعائهم أن الدعم الدولي يسيء للكرامة والسيادة الوطنية وغيرها من المعاذير الفارغة.

س4. كثافة ضربات التحالف الدولي على مواقع داعش في سوريا، تكشف توجها جديا للقضاء على التنظيم، لكننا لا نلحظ مثل هذه الكثافة في العراق، ما تفسيرك لذلك؟
ج: تفسيري هو أن تجمعات داعش في العراق موزعة على مساحات واسعة تبلغ ثلث مساحة العراق، وبشكل غير مكثف. والقصف الأمريكي على مواقع داعش في العراق أعطاهم شعور واهم بالأمان الزائف في سوريا بأن مدينة الرقة وغيرها من المناطق السورية التي يحتلها داعش. وهذا الشعور بالأمان الزائف جعل أعداداً كبيرة من الدواعش بالفرار من العراق إلى سوريا وتكثيف وجودهم في مصيدة في الرقة وغيرها. لذلك حصلت كثافة ضربات التحالف الدولي على مواقع داعش في سوريا.
وخلافاً للوضع السوري، في العراق هناك البديل القوي لدحر داعش حيث القوات العسكرية العراقية مدعومةً بالحشد الشعبي وقوات البيشمركة، إضافة إلى القوة الجوية العراقية والأمريكية. بينما هذه الإمكانيات غير متوفرة في سوريا لذلك يعوض عنها بالقصف الأمريكي المكثف. 

س5. في الصقلاوية يدور الحديث عن هجوم سكان الفلوجة ضد الجيش العراقي وقتلهم، كيف يمكن للتحالف الدولي أن يتدخل في هذه الحالة؟
ج: التحالف الدولي لا يمكنه التدخل إلا بالقوة الجوية فقط في الوقت الراهن على الأقل، لأن الحكومات الداعمة تواجه معارضة من شعوبها وبرلماناتها على إرسال قوات برية إلى العراق، إضافة إلى أن العراق لا يحتاج إلى قوات برية أجنبية، إذ يبلغ عدد منتسبي القوات المسلحة العراقية حدود المليون، من ضباط وجنود وإداريين. فكل ما يحتاجه العراق من الدعم الدولي في هذا الخصوص هو دعم الجيش العراقي بالتدريب والمعدات والمعلومات الإستخباراتية والغطاء الجوي وليس بالقوات البرية.
أما الحديث عن هجوم سكان الفلوجة ضد الجيش وقتلهم أعتقد أنه مبالغ به، كيف يمكن لسكان عزل أن يقتلوا جنودا مدججين بالسلاح؟ فهذا القتل الذي حصل، هو من قبل الدواعش المتحالفين مع فلول البعث الذين معظمهم كانوا ضباط في الحرس الجمهوري.
كذلك جاء هذا التصعيد في قتل الجنود العراقيين على أثر بيان رئيس الحكومة الدكتور العبادي بوقف القصف الجوي على مراكز تجمعات داعش في المدن وذلك استجابة لنداءات مشبوهة بوقف القصف بحجة الخوف على المدنيين. في الحقيقة لم يكن القصف عشوائياً إذ لا يتم إلا بعد الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة عن تواجد الإرهابيين في أماكن معينة، لذلك استغل الإرهابيون وقف القصف لصالحهم، وتكثيف جرائمهم. كما وأصدرت قيادة فلول البعث ما يسمى بـ(القيادة القومية) بياناً حثت فيه الإرهابيين على استغلال وقف القصف الجوي لإنزال المزيد من الضربات على "الجيش الصفوي" حسب تعبيرهم الطائفي المقيت، وكذلك تصعيد المطالبة في وسائل الإعلام بوقف القصف الجوي. وهذا يؤكد ما قلناه عشرات المرات أن البعث وداعش وجهان لإرهاب واحد. وعلى الحكومة العراقية إعادة النظر في موقفها من وقف القصف الجوي على الدواعش في المدن، فالطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة. 

س6. عدنا نسمع النغمة القديمة، عن السيادة الوطنية، وعن مخاطر الاستعمار، وعن مطامع أمريكا في العراق، كيف هذا والعراق وسوريا يتوسلان بالمجتمع الدولي للتدخل؟
ج: كما بينت ، إن ترديد هذه النغمات: السيادة الوطنية، وعودة الاستعمار، ومطامع أمريكا في العراق لنهب ثرواته النفطية...الخ، ليس جديداً وإنما هي أقوال حق يراد بها باطل، يحاولون بها خدع البسطاء من أبناء شعبنا، ولكن مع الزمن اكتشف شعبنا زيف هذه الأقاويل بعد أن خدعوه لعقود من السنين، والآن حصلت عنده مناعة ضد هذه النغمة النشاز. والغريب أن أغلب الذين يرددون هذه الأباطيل هم عراقيون مقيمون في الدول الغربية التي وفرت لهم العيش الكريم والحرية والأمان، ولكن إذا ما حاولت هذه الحكومات الغربية مد يد العون والمساعدة إلى الشعب العراقي لدحر الإرهاب، رفعوا عقيرتهم بالصراخ وامعتصماه، الكرامة الكرامة.. السيادة الوطنية في خطر. وإذا ما دعونا المجتمع الدولي بدعم العراق يتهموننا بالعمالة والانبطاح لأمريكا وغيرها من الاتهامات الجاهزة. 

س7. بغداد تهددها داعش، ولذا نرى ان ضربات أمريكية قد وجهت إلى مناطق شمال وجنوب بغداد، كيف تفسر برود النخب السياسية تجاه هذا التهديد؟
ج: يمكن تفسير هذا البرود إلى سببين لا غيرهما: الأول هو أن بعض هذه النخب هي الأذرع السياسية والوجوه المرئية للإهاب البعثي- الداعشي في العملية السياسية. والثاني: أن هناك كيانات سياسية مؤيدة للضربات الأمريكية لداعش ولكنها جبانة تخاف من اتهامها بالعمالة لأمريكا من قبل الفئة الأولى والإعلام المضلل الذي يستخدم الإرهاب الفكري ضد المخلصين من السياسيين والكتاب العراقيين. لذا نهيب بالناس المخلصين أن يتخذوا مواقف شجاعة مما يجري في العراق وأن لا تأخذهم في الحق لومة لائم، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.
 
س8. بعد هذه المواقف، هل ترجح أن يستمر التحالف الدولي بخطة الإسناد الجوي للعراق وسوريا؟
ج: نعم، وبلا شك، وخاصة في الاسناد الجوي، لأن هناك قناعة لدا الحكومات وخاصة الغربية، وبالأخص أمريكا وبريطانيا وفرنسا بعد أن تم ذبح مواطنين لهذا الدول يعملون في مجال الصحافة وحقوق الإنسان وتقديم المساعدات الإنسانية للأهالي المنكوبين، تم ذبحهم في سوريا بطريقة وحشية بربرية أثارت سخط واشمئزاز العالم المتحضر أجمع، كذلك جرائم داعش في العراق في إبادة الجنس ضد الشيعة والمسيحيين والشبك والأيزيديين وغيرهم. لذلك، تأكدت هذه الحكومات وشعوبها أن الإرهاب هو دولي ويهدد الإنسانية والحضارة البشرية، لذا يجب سحقه ودحره، وإلا سيصل الحريق إلى بلدانهم، خاصة هناك نحو ألفين من الدواعش من أوربا، بينهم  500 داعشي من بريطانيا وحدها، فعند عودتهم إلى بلدانهم لا بد وأنهم سيقومون بالإرهاب في هذه البلدان التي آوتهم. لذلك أعتقد جازماً أن الدعم الدولي للعراق وسوريا هو جدي وسيستمر إلى أن يتم سحق الإرهاب بالكامل.
25/9/2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* استمع الى الحوار كاملا وحوار حول سوق النخاسة الداعشي في تلعفر ، ومسرحية من الادب الكلاسيكي الالماني على الرابط التالي
http://www.dw.de/بعد-مواقف-بغداد-هل-يتجه-الدعم-الدولي-إلى-كردستان/a-17955060 



26
الكرامة والسيادة في خدمة "داعش"

عبدالخالق حسين

يواجه العراق اليوم هجمة شرسة من عدو إرهابي شرس وخبيث، اسمه (داعش)، والذي وهو نتاج تحالف البعث وجناح منشق من القاعدة. يتمتع هذا العدو بقدرات كبيرة في مختلف المجالات: العسكرية، والسياسية، والإعلامية، والمالية، وبدعم دولي، وإمكانية فائقة في تسخير الدين والتراث العربي الإسلامي وكل المفاهيم والقيم الاجتماعية لخدمة أغراضه الشريرة، وتضليل الناس وقيادتهم إلى الهاوية. فكما نجح قادة الأخوان المسلمين ومشايخ الوهابية في تحويل الإسلام إلى أيديولوجية للإرهاب ضد الحضارة والبشرية، كذلك نجح البعث الداعشي في تسخير الكرامة والسيادة لأغراضه الإرهابية.   

فالثقافة الاجتماعية العربية(الموروث الاجتماعي- culture)، منبعها البداوة التي قال عنها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، "أنها حضارة متجمدة". والمجتمع العراقي كما وصفه العلامة علي الوردي هو "نتاج التلاقح بين البداوة والحضارة". ورغم أن الشعب العراقي قطع شوطاً كبيراً في التحضر منذ تأسيس دولته الحديثة عام 1921، إلا إن الجانب البدوي فيه مازال متغلباً في شخصية الفرد العراقي، وبنسب متفاوتة حسب درجة ثقافة الناس، خاصة وقد حاول البعث خلال 35 سنة من حكمه الجائر قمع الجانب الحضاري وإحياء البداوة وقيمها الصحراوية، وبالأخص السلبية منها مثل الثأر والانتقام، ومناهضة الحداثة والديمقراطية. لذلك فمازالت قيم البداوة هي السائدة في الثقافة الاجتماعية في العراق ولصالح الإرهاب.

فالبدوي لا يمكنه أن يتخلص من نزعة الثأر والانتقام، والعداوات السابقة، فهو لا يفهم مقولة: (ليس في السياسة عداوات دائمة ولا صداقات دائمة بل مصالح دائمة)، وغالباً ما يستهزئ منها ويعتبرها مسيئة للكرامة، لأنه يعاني من عقد الكرامة. وهذا واضح من مواقف شريحة واسعة من العراقيين، وخاصة ما يطلق عليهم بالتيار الصدري، من عداء مستفحل ضد أمريكا ورغم أن الأخيرة أسقطت لهم أبشع نظام همجي عرفه التاريخ، النظام الذي أعدم العديد من أفراد عائلة السيد مقتدى الصدر(زعيم التيار)، ومئات الألوف من أبناء الشعب العراقي، وبالأخص من أبناء طائفته، الشيعة، إلا إننا نرى هذا التيار يغالي في رفع الشعار الإيراني: (كلا كلا أمريكا) والذي صار نشيد إنشادهم، وحتى لبعض المتعلمين والمثقفين العلمانيين الذين تشبعوا بكراهية الغرب مع حليب الرضاعة.

فالعراق اليوم مهدد بحرب إبادة الجنس من قبل أخطر تنظيم إرهابي يهدد البشرية كلها وباسم الإسلام، وليس بإمكان الشعب العراقي لوحده، أو أية دولة أخرى لوحدها القضاء عليه. لذلك قلنا مراراً وتكراراً، أن الإرهاب الوهابي- البعثي (داعش) هو ليس مشكلة عراقية أو سورية فقط، بل مشكلة دولية، و لدحره وسحقه يجب تضافر وتنسيق جهود دولية بقيادة الدولة العظمى أمريكا. ونظراً لتفاقم خطر داعش حيث راح يهدد أمن وسلامة جميع دول المنطقة، بما فيها تلك التي ساهمت في صنعه وتمويله وتسلحيه وتلقينه بالأيديولوجية الوهابية التكفيرية، مثل السعودية وتركيا وقطر، حيث أنقلب الآن السحر على الساحر، مما أدى إلى قيام هذه الدول بعقد مؤتمرات دولية عديدة لدعم العراق في حربه على الإرهاب الداعشي البعثي. 
ولكن المفارقة، و بدلاً من الترحيب بهذه الجهود الدولية وتوظيفها لصالح العراق، قابلت  شريحة من العراقيين هذه الجهود بالرفض والجحود بحجج واهية، مدعين أن الدعم الدولي بقيادة أمريكا للعراق يمس كرامة الشعب العراقي، ويسيء إلى السيادة الوطنية!!! والغريب أن هذا الاعتراض يأتي من قيادات للمكون الشيعي الذي هو الأكثر تعرضاً للإبادة من قبل داعش. فقد دعا التيار الصدري إلى تظاهرة "مليونية" في بغداد والمدن الأخرى ضد أمريكا، مردداً هتافات و شعارات إيرانية مثل (كلا كلا أمريكا). و نائب صدري يهدد: "أنهم سيجعلون العراق مقبرة لأمريكا إذا ما حاولت إرسال قوات برية للعراق". فيا ترى، من المستفيد من هذه التهديدات الفارغة؟ ألا يصب ذلك في خدمة داعش؟
وماذا لو جاءت هذه المساعدة من إيران؟ و هل سيردد التيار الصدري هتافات (كلا كلا إيران)؟ أم يرحب بها؟ والغريب أننا نسمع تصريحا مجانياً لوزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، أدعى فيه "انه لولا المساعدة الايرانية العاجلة للعراق لسقط بيد داعش". نرى أن في هذا التصريح الكثير من التجني على الحقيقة وادعاء أدوار لم تقم بها إيران. فالذي ألحق الهزيمة بداعش، وحمى العراق من السقوط في براثنه، هو الجيش العراقي، وفصائل الحشد الشعبي وقوات البيشمركة، والقوات الجوية العراقية والأمريكية. ولم نسمع لإيران أي دور في محاربة داعش في العراق إلا من السيد ظريف بعد أن بدأ الدواعش بالهزيمة وذلك لسرقة النصر من القوات الأمنية العراقية المدعومة بالقوة الجوية الأمريكية. وإذا كانت هناك إساءة للكرامة والسيادة من تواجد قوات أجنبية في العراق، فلماذا يسكت هؤلاء السادة عن وجود قوات إيرانية وهي أجنبية أيضاً، فيما لو صح إداع وزير خارجية إيران؟

والأسوأ والأغرب من كل ذلك، أن هناك كتاب علمانيون ويساريون لا يختلفون عن البدو وعن التيار الصدري في فهمهم للكرامة والسيادة. فهم أيضاً يعتبرون أي نوع من التعاون مع الدولة العظمى وحلفائها في مواجهة الإرهاب الداعشي الوهابي هو إساءة لكرامة الشعب والسيادة الوطنية. عجيب أمرهم.
ونحن إذ نسأل: أية سيادة وطنية هذه وقد احتل داعش ثلث مساحة العراق؟ وأية كرامة بقيت والمئات وربما الألوف من الأطفال والنساء العراقيات يتم بيعهن في أسواق النخاسة من قبل عصابات داعش في القرن الحادي والعشرين؟ أيهما إساءة للكرامة والسيادة الوطنية، هذا الوضع المزري، حيث ثلث مساحة العراق تحت هيمنة داعش، ومجرمين من شذاذ الآفاق ينتهكون أعراض وحرمات شعبنا، أم التحالف مع المجهود الدولي بقيادة الدولة العظمى وفق قرارات دولية شرعية لدحر الإرهاب الداعشي وغيره من التنظيمات الإرهابية؟

لا شك أن هذه النداءات والمطالبات الغبية برفض المجهود الدولي ومعاداة أمريكا تصب في خدمة الإرهاب الداعشي سواءً بقصد أو بجهل وغياب الوعي. ونحن نعرف أن معظم أتباع التيار الصدري هم من البعثيين الشيعة وفدائي صدام، الذين وجدوا في التيار الصدري ومليشياته ملاذاً آمناً لهم لضرب العملية السياسية بذريعة محاربة "المحتل الأمريكي"، وهم في الحقيقة ينفذون المخطط الإيراني والسعودي والبعثي لتخريب العملية السياسية. فعن أية كرامة وسيادة يتحدثون؟ أنهم في الحقيقة يعيدون إلى الذاكرة لعبة معاوية وعمرو بن العاص يوم رفعوا المصاحف على أسنة الرماح صارخين "لا حكم إلا لله"، ونجحت الخدعة. واليوم تتكرر ذات اللعبة فيرفعون شعارات الكرامة والسيادة زيفاً، ويصرخون: (كلا كلا أمريكا) في حرب العراق على الإرهاب، والغرض واضح وهو إنقاذ داعش من ضربات التحالف الدولي.     

هناك من يبرر العداء لأمريكا وفي هذه الظروف بما ارتكبته من حروب في فيتنام وغيرها في فترة الحرب الباردة. ففي رأي هؤلاء كان من الأفضل إبقاء نظام البعث الصدامي يضطهد الشعب العراقي بدلاً من إسقاطه بدعم أمريكي، وحجتهم أن أمريكا هي التي جاءت بالبعث عام 1963 و 1968. طيب، أمريكا جاءت بالبعث ودعمت صدام في حربه على إيران وعملت ما عملت في فيتنام في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، فلماذا لا نوظف ما حصل الآن من تغييرات في السياسة الدولية والنظام العالمي الجديد، ونستفيد من إمكانيات أمريكا في إسقاط هذا النظام الجائر، ومساعدتنا في ضرب الإرهاب؟ أيهما أفضل للعراق إبقاء حكم صدام الجائر وتعريض شعبه للإرهاب، أم قبول الدعم الأمريكي؟ أليست السياسة وراء المصالح؟ فلماذا العراقيون وحدهم يقفون دائماً ضد مصالحهم بحجة الكرامة والسيادة؟ أليس هذا تنفيذاً لمقولة: " شيِّم البدوي وخذ عباته"؟ 
فالذين يطالبون الحكومة العراقية برفض الدعم الأمريكي والتحالف معه بحجة الإساءة للكرامة والسيادة، في الحقيقة لا يختلفون عن فهم البدوي الجلف للكرامة والسيادة. لذلك أود أن أذكرهم للمرة الألف أن هناك 28 دولة أوربية بما فيها بريطانيا العظمى، وتركيا ضمن حلف الناتو، و هناك العديد من دول جنوب شرق آسيا ودول خليجية، فيها قواعد عسكرية أمريكية، فهل هذه الشعوب بلا كرمة ولا سيادة؟

وهذا يذكرني بقصة ذكرها عالم الاجتماع الدكتور علي الوردي في أحد كتبه، وهو يتحدث عن مفهوم الشرف عند البدو، فقال أن شيخ قبيلة بدوية جاء إلى بغداد في العهد العثماني يبحث عن عائلة بغدادية شريفة ليتصاهر معها. فراح يستفسر من الناس، فذكروا له بعض البيوتات البغدادية المعروفة مثل بيت الباججي، والجادرجي، والجرجفجي، والدفتردار والكليدار.. الخ. فاستغرب الرجل أن يصفوا هذه العائلات التي تحمل ألقاباً مهنية بالشرف. لأن البدوي يعتبر المهنة إهانة وأصحاب المهن غير شرفاء حسب مقاييسهم البدوية للشرف. والمهن الشريفة عندهم هي الغزو، والتجارة وزراعة الحبوب (الحنطة والشعير) فقط. فقالوا له إذا تريد عائلة شريفة حسب مفاهيم الصحراء، فلن تجده إلا في الصحراء.
لذلك نقول لهؤلاء السادة أن مقاييس الشرف والكرامة والسيادة الوطنية ليست بمعاداة العالم، وشعارات "كلا كلا أمريكا"، فلو قارنا مفاهيم الثقافة العربية السائدة الآن لوجدناها لا تختلف كثيراً عما كان عليه في العهد الجاهلي حيث المبالغة في التباهي والتفاخر الفارغ كما عبر عنه عمرو بن كلثوم:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌ.....تخر له الجبار ساجدينا.

ولم يسلم من هذه الآفة البدوية في مفهوم الكرامة والسيادة حتى كتاب يعتبرون أنفسهم علمانيين وماركسيين، مثل الكاتب السيد عبدالرضا حمد جاسم الذي كتب مقالاً مطولاً في حلقات بعنوان (عبدالخالق حسين وأمريكا)، جاء في نهاية الحلقة الثالثة، موجهاً لي قوله بصيغة أمر: "عندما تريد ان تتكلم عن شعب العراق تَعَّلَمْ ان تقرأ جيداً التركيبة الاجتماعية و السياسية له وأن تدرس تاريخه لتعرف كيف تحلل حاضره لتقدم شيء لمستقبلة...لا أن تقارن الامور بسطحية.... الخ"
لا أنوي الدخول في مناظرة مطولة مع السيد عبدالرضا في كل ما قال، فهذا يتطلب وقتاً وجهداً بلا نفع وجدوى. ولكني أؤكد له في هذه العجالة أني مدمن على قراءة كتب التاريخ وبالأخص ما يتعلق بتاريخ الشعب العراقي الذي تابعته من العصور الجليدية والحجرية وإلى الآن ولمختلف المؤلفين، إضافة إلى أوضاعه الاجتماعية والسياسية من مؤلفات الوردي وعبدالرزاق الحسني وحنا بطاطو وغيرهم كثيرون. ولكني أختلف عن السيد عبدالرضا بأني أقرأ بعقل منفتح ومتحرر من أية أحكام مسبقة، وليس من خلال فلتر أيديولوجية معينة، إذ أرفض الطريقة الببغاوية في قراءة التاريخ، فالأمور مرهونة بأوقاتها وظروفها. والسطحيون هم الذين يرددون ما حفظوه عن ظهر القلب دون أن يدركوا المعنى ودرجة علاقته بظروف العراق الراهنة وحسب "تركيبته الاجتماعية والسياسية".
والغريب أن السيد الكاتب يوجه كلامه لي وبثقة عالية فيقول: "و انصحك ان لا تتبع الدكتور الراحل علي الوردي". و أوعدنا بأنه ينوي كتابة مقالات عن الوردي في هذا الخصوص. وبالمناسبة هناك كاتب آخر يدعي أنه أستاذ أكاديمي ومؤرخ، يتهجم بمناسبة ودونها على أفضل باحثيَن في الشأن العراقي وهما الوردي وبطاطو.

ولماذا لا نتبع الوردي يا سيد عبدالرضا؟
الجواب واضح، لأن الوردي هو أكثر من درس المجتمع العراقي دراسة علمية وبحيادية وعمق، واكتشف عيوبه وأمراضه الاجتماعية ونشرها على الحبل، وهو الذي شخص مرض الازدواجية في الشخصية العراقية، وبالأخص لدا الكثير من المتعلمين والكتاب والخطباء والوعاظ العراقيين، ومن أدعياء اليسارية والعلمانية وهم في حقيقتهم لا يختلفون عن أسلافهم البدو، إذ قال عنهم بحق: "يجب أن لا ننسى أن الكثيرين منا متحضرون ظاهرياً بينما هم في أعماقهم لا يزالون بدواً أو أشباه بدو، فإن قيم البداوة التي تمكنت من أنفسهم على توالي الأجيال ليس من السهل أن تزول عنهم دفعة واحدة بمجرد تقمصهم الأزياء الحديثة أو تمشدقهم بالخطب الرنانة."
ورحم الله نزار قباني حين قال: (لبسنا ثوب الحضارة والروح جاهلية).

خلاصة القول، وكما ذكرانا أعلاه، يواجه شعبنا اليوم أخطر هجمة إرهابية شرسة، يهدده بالإبادة، ومن مصلحة العراق توظيف هذا التعاطف الدولي معه، و المؤتمرات الدولية لصالحه، و عدم الإذعان لنعيق الغربان (كلا كلا أمريكا)، بل يجب عقد تحالف إستراتيجي مع هذه الدول بقيادة الدولة العظمى، واستثمار هذا التعاطف الدولي معنا ولصالح شعبنا.
أما إذا كانت أمريكا لا تعمل كل ذلك لسواد عيوننا، بل من أجل مصالحها المتمثلة بالنفط، فهذا من حسن حظ شعبنا أنه يملك شيئاً يربط مصلحة أمريكا بمصلحة العراق، فأمريكا لن تأخذ النفط منا بالمجان، بل تشتريه بسعر السوق الذي يقرره قانون العرض والطلب، وتدفع ثمنه بالعملة الصعبة. وإذا لم نبع النفط على أمريكا وغيرها فماذا سنعمل به، تذكروا ما حل بالشعب العراقي خلال 13 عاما من الحصار الاقتصادي، خاصة وأن هذه الثروة قد تنضب أو تصبح بائرة كالفحم الحجري. وعلى العراق الاستفادة من الدولة العظمى إلى أقصى حد ممكن.
قال حكيم: "العقل مثل المظلة، لا يعمل إلا إذا كان منفتحاً"
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
مصطفى الصوفي : اطماع في العقلية القديمة
http://mufaker.org/?p=30193

عبد الحليم الرهيمي: مؤتمر جدة والعلاقات العراقية السعودية
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/176804.html
 
بهاء الدين الخاقاني: الرؤية السياسية والنظرة الستراتيجية العراقية
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/176848.html

فاضل بولا: امريكا تلبي طلب النجدة والمستنجد يشكك بمراميها
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/176831.html



27
درس حضاري من اسكتلاندا
د.عبدالخالق حسين

يمكن اعتبار استفتاء الشعب السكتلاندي يوم 18 أيلول/سبتمبر 2014، عملاً تاريخياً مهماً، ودرساً حضارياً بليغاً، ليس لشعوب المملكة المتحدة البريطانية فحسب، بل وللعالم أجمع، وبالأخص لشعبنا العراقي ذو التعددية القومية والدينية المشابهة لبريطانيا، مع الفارق في المرحلة التاريخية والحضارية.

لقد رفض 2001926 أي بنسبة 55% من الاسكتلنديين الانفصال عن الاتحاد البريطاني مقابل 1617989 أي بنسبة 45% مؤيدون للاستقلال، بفارق 10% لصالح الاتحاد. وقد شارك في التصويت 3619915، وهي مشاركة عالية جداً بنسبة 84% من الذين يحق لهم التصويت من عمر 16 سنة فما فوق.
إن مطالبة الحزب القومي السكتلاندي (SNP) بقيادة أليكس ساموند (الوزير الأول لحكومة الإقليم)، بالاستقلال هي انعكاس للشعور القومي القوي لدى نسبة عالية من هذا الشعب في تحقيق دولته القومية، وهو حق مشروع وفق مبدأ تقرير المصير (مبدأ ويلسون، رئيس الولايات المتحدة)، الذي أقرته الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. فالشعب السكتلاندي فخور جداً بهويته القومية، وبتاريخيه المجيد الذي أنجب شخصيات تاريخية فذة تركت بصماتها على الحضارة البشرية من أمثال آدم سميث، وديفيد هيوم، وجيمس واط وغيرهم كثيرون في مختلف مجالات المعرفة، إضافة إلى ما يتمتع به من ثروات طبيعية.
ولكن ما يهمنا هنا هو الدرس الحضاري الذي يجب ان نستخلصه من هذه التجربة، وهو أن ما حصل عن طريق الاستفتاء كان يتم في الماضي، ولحد الآن في شعوب العالم الثالث، عن طريق الحروب المدمرة. إذ بدأت حملة الاستفتاء قبل عامين، ومارس كل فريق حقه في ترويج لـ(نعم) أو(لا) للاستقلال بمنتهى الحرية وبروح رياضية عالية يسودها المرح في أعلب الأحيان، وبدون أي حادث من شأنه أن يعكر صفاء الأجواء. والجدير بالذكر أن الاتحاد بين مملكتي سكوتلاندا وإنكلترا قد حصل اختيارياً قبل 300 سنة في عام 1707، والذي وضع نهاية وإلى الأبد للحروب الطاحنة بين المملكتين قبل ذلك التاريخ. 
إن أول استفتاء اسكوتلاندي للحكم الذاتي كان قد جرى في عهد حكومة حزب العمال برئاسة الراحل جيمس كالاهان عام 1979، وفشل. ثم تلاه استفتاء آخر عام 1997، وكان أيضاً في عهد حكومة العمال، وبرئاسة توني بلير وبدعم من الحزب، والذي نجح في تحقيق الحكم الذاتي، وتأسيس برلمان يتمتع بصلاحيات واسعة ما عدا تقرير الضريبة وأمور أخرى قليلة بقيت من شأن البرلمان المركزي (مجلس العموم) في لندن. وهذا النجاح شجع القوميين فيما بعد إلى المطالبة بالانفصال والاستقلال التام والذي فشل يوم أمس.
إن سبب الفشل هو أن أغلبية الشعب السكتلاندي أدركت أن الاتحاد أفضل من الانفصال والاستقلال لأن خلال 300 سنة من عمر الاتحاد حصل اندماج كلي في مختلف المجالات بين الشعب السكوتلاندي وبقية شعوب المملكة المتحدة، وأهمها الاندماج الاقتصادي والثقافي والعسكري..الخ. فمن الصعوبة على حكومة اسكوتلاندا المستقلة أن تُبقي الجنيه الاسترليني عملة لها، وحتى الحفاظ على الاستقلال الاقتصادي بدون دعم المملكة المتحدة، وعلى سبيل المثال، انهار قبل أعوام البنك الملكي السكوتلاندي (Royal Bank of Scotland)، فقام البنك المركزي الإنكليزي بإنقاذه، ولولا هذا الدعم لحصل إنهيار مريع في الاقتصاد السكوتلاندي. هذه الحقيقة باتت معروفة لدا الشعب السكوتلاندي. إضافة إلى نظام الرعاية الصحية الوطنية (NHS) التي هي من أروع الخدمات في العالم، والتي هي مضمونة أكثر في ظل الاتحاد. ولذلك وجد 55% من الشعب السكوتلاندي مصلحتهم مع البقاء في الاتحاد بدلاً من مغامرة الانفصال ومخاطر المستقبل المجهول.     
 
ما بعد الاستفتاء
هذا الاستفتاء قد يكون الأخير من نوعه، ولن يتكرر في المستقبل لجيل واحد على الأقل، وهو لم يمنع إنفصال اسكوتلاندا من المملكة المتحدة فحسب، بل قدم تحذيراً للقوميين الآخرين في إقليم ويلز، وشمال أيرلندا أيضاً، فهؤلاء كانوا ينتظرون نتائج الاستفتاء، ففي حالة نجاحه كانوا ينوون السير على نفس الخطى ويركبوا الموجة ويجربوا حظوظهم في استفتاء مماثل والمطالبة بالاستقلال وبالتالي تفتيت المملكة المتحدة، إلا إن فشل التجربة السكوتلندية وضع حداً لطموحاتهم القومية.

ولكن مع ذلك، فهذا الاستفتاء ليس نهاية المطاف، بل هو أشبه بزلزال سياسي أجبر قيادات الأحزاب الكبرى الثلاثة (المحافظين، والعمال، والأحرار) إلى أن تعيد النظر في دستور الاتحاد. فجميع الأقاليم (سكوتلاند، ويلز، وشمال أيرلاندا) عدا إنكلترا، تتمتع بالحكم الذاتي حيث لها برلماناتها وحكوماتها الإقليمية.
ولهذا السبب، فهناك مطالبة من الشعب الانكليزي، ووعود من قيادات الأحزاب الرئيسية بالشروع في سن قانون يعتبر نقلة نوعية في الديمقراطية، يزيد من صلاحيات برلمانات الأقاليم وحكوماتها بما فيها تحديد الضريبة، ولكن في نفس الوقت أن ينصف الشعب الإنكليزي بتأسيس برلمانه الإقليمي الخاص به أسوة ببقية الأقاليم، وربما تنقسم إنكلترا إلى ثلاثة أقاليم، (جنوب، ووسط، وشمال)، والحفاظ على البرلمان المركزي الاتحادي (مجلس العموم البريطاني) والحكومة المركزية الاتحادية في لندن.

والمشكلة الأخرى بعد هذا الاستفتاء هو التغييرات التي وعد بها قادة الأحزاب الكبرى المشار إليها أعلاه. حيث بدأ التذمر وسط نواب الأحزاب وخاصة حزب المحافظين (الحاكم)، أن قادتهم أجزلوا بوعودهم لسكوتلاندا وغيرها بصلاحيات واسعة دون مشاورة نواب أحزابهم. وهذا فتح الباب أمام جدل واسع قد يستغرق وقتاً طويلاً، وربما يؤدي إلى إنشقاقات وعدم إمكانية الإيفاء بالوعود كلها.

وبعد إعلان النتائج، اعترف بها زعيم الحزب القومي السكوتلندي، أليكس ساموند، ودعا أتباعه بقبولها، ولم يحاول أحد من فريقه التشكيك بها كما هي الحال في دول العالم الثالث ومن ثم فاجأ حزبه والعالم بتقديم اسنقالته من قيادة الحزب ورئاسة حكومة سكوتلاندا كوزير أول. كما ورحب رؤساء الأحزاب المعارضة للإنفصال بالنتائج دون أية شماتة أو تشفي بالجهة الخاسرة. وفي هذا الخصوص قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون: "أن هناك فرصة الآن لتغيير المملكة المتحدة نحو الأفضل". ولكنه أضاف "أنه يجب توفير توازن عادل في عملية تصويت النواب البريطانيين الإنجليز على قوانين تخص إنجلترا." وهذا يعني أن نواب (سكوتلاندا و ويلز، وشمال أيرلندا)، لا يحق لهم التصويت في البرلمان العمومي على قوانين تخص إنكلترا. وإذا تحقق هذا النظام الجديد فسيكون حزب العمال من أكثر المتضررين به لأن نسبة كبيرة من نوابه هم من سكوتلاندا وويلز.

أما الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه القيادات السياسية العراقية من مختلف مكونات الشعب العراقي من هذه التجربة، أولاً، حضارية الحملة الانتخابية بصورة هادئة وروح رياضية عالية وبدون تسقيط المنافسين، أو تشكيك بهم. كذلك، على قيادات المكونات الطامحة في الانفصال أن لا تتسرع في اتخاذ أية خطوة انفصالية في هذه المرحلة العاصفة من تاريخ العراق يصعب عليهم التراجع عنها عندما تثبت فيما بعد أنها كانت خاطئة. وإنما العمل على إنضاج التجربة الديمقراطية، واستعادة الثقة، ومن ثم اتخاذ الخطوات التدريجية العلمية لإنشاء الأقاليم وتوسيع صلاحياتها.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/



28
هل أمريكا دولة إستعمارية؟
عبدالخالق حسين

مقدمة

من بين الفوائد الكثيرة للإنترنت والنشر الإلكتروني هو التواصل والتفاعل(Interaction) بين الكاتب والقارئ. وبذلك يعرف الكاتب ردود الأفعال عند القراء بشكل مباشر وسريع. وهذا التواصل هو مصدر مهم للكاتب يوحي له بالمزيد من الأفكار والمقالات، ولا أغالي إذا قلت أني محظوظ في هذا الخصوص.

لم يكن لي أي دور في كتابة المقال أدناه عدا هذه المقدمة التوضيحية، فقد وردني كرسالة من صديق متابع لمقالاتي، ونتبادل الآراء عبر الرسائل والمكالمات الهاتفية حول الكثير من المشاكل السياسية التي تعصف بالعراق والعالم. بعث لي هذه الرسالة عن أمريكا ودورها في العالم، طالباً مني إبداء رأيي فيما إذا كنت أوافقه على آرائه هذه أم لا. وبالطبع أني أتفق معه على معظم ما قاله. ورأيت أن هذه الرسالة من الأهمية بحيث تصلح أن تنشر كمقالة بحد ذاتها. وأشكر الصديق على سماحه لي بنشرها لتعميم الفائدة، وبدون ذكر اسمه.
ولا شك أن هناك كثيرون لا يتفقون معه في كون أمريكا ضد الاستعمار، ولا بد أنهم سيستشهدون بدورها في التآمر على بعض الحكومات التقدمية في العالم الثالث إبان الحرب الباردة، ومن بين ضحاياها، حكومة ثورة 14 تموز الوطنية المجيدة بزعامة الزعيم عبدالكريم قاسم، وقبلها حكومة محمد مصدق في إيران...الخ
وجوابي على هذه الاعتراضات هو، نعم، أن أمريكا تدخلت وبشكل فض عن طريق المؤامرات التي خططتها وكالة مخابراتها (CIA) لدعم القوى الرجعية ضد الحركات التقدمية في العالم الثالث. ولكن كان ذلك إبان الحرب الباردة حيث الصراع بين المعسكرين الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، والغربي بزعامة أمريكا. وبعد انهيار المعسكر الشيوعي لصالح الغربي، وخاصة بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001، غيرت أمريكا سياستها لصالح الشعوب المبتلية بالأنظمة الدكتاتورية، ومنها شعبنا العراقي حيث ساعدته على الإطاحة بأبشع نظام دكتاتوري همجي ألا وهو حكم البعث الصدامي الفاشي. أما ما حصل بعد ذلك من تداعيات فهو نتيجة تداخل وتقاطع مصالح جهات خارجية وداخلية تضررت من التغيير الذي حصل في العراق، وشرحناها في عشرات المقالات. أدرج أناه نص الرسالة (المقال).
*******

نص الرسالة:

عزیزی عبدالخالق،
ما دمتَ تکتب عن امریکا و دورها الایجابی فی العالم، سمحتُ لنفسی ان ارسل لك بعض ملاحظاتی عن امریکا. ارجو ان تقرأها و ابلاغی ان کنت تتفق معی أم لا.
١- أمریکا التی یحلو للبعض ان یسمیها زعیمة الاستعمار العالمی، لم تکن لدیها فی کل تأریخها ولو مستعمرة واحدة. العکس هو الصحیح، إذ أنها ساهمت فی تصفیة النظام الاستعماری فی العالم. قد یقول البعض بأن هاوایي (Hawaii) مستعمرة أمریکیة. هاوایی تتکون من مجموعة من الجزر الصغیرة فی المحیط الهادی عاصمتها هونولولو. تبتعد بمسافة ٣٨٥٠ کلیومتر من کالیفورنیا. کانت تُحکم من قبل عائلة مالکة رجعیة متخلفة الی ابعد الحدود، و کانت لأمریکا بعض المصالح الاقتصادیة هناک، و خاصة فی مجال صناعة السکر. حیث کان لدی الأمریکان عدد کبیر من مزارع قصب السکر بحیث کان من الممکن ان تسمی هذە الجزر بشبە مستعمرة أمریکیة. فی سنة ١٨٩٣ تم الاطاحة بالنظام الملکی هناک. و فی سنة ١٩٠٠ و حسب رغبة زعمائها الجدد اصبحت هذە الجزر تابعة لأمریکا. و فی سنة ١٩٥٩ اصبحت ولایة من "الولایات المتحدة الأمریکیة"، و اصبحت لها کامل الحقوق کای ولایة امریکیة أخری.
بالمناسبة، أم براک أوباما من هوایی و والدە من کینیا.

٢- لیست هناک دولة لها پرلمان و شعب حر و حکومتها تعادی أمریکا. نعم قد تحدث خلافات بینها و بین امریکا، و لکن لا تصل الی درجة المعاداة. الدول التی تعادی او تتظاهر بمعاداة امریکا جمیعها تُحکم من قبل دکتاتوریین کصدام حسین بالعراق، و القذافی بلیبیا، و البشیر فی السودان، و الاسد فی سوریا و خامنئی فی ایران وستالین فی روسیا. و السبب هو ان الدکتاتور لا یمکنە البقاء فی السلطة و تشدید قبضتە علی اعناق شعبە بدون عدو خارجی. اما الرئیس المنتخب فعلیە ان یرحل بعد اتمام الفترة القانونیة مهما کانت الظروف. لهذا السبب لا یحتاج الرئيس المنتخب الی عدو لکی یحاول ان یخلق لدولتە اعداء.
٣- لذلک، وعبر التاریخ، لم تحدث ولا مرة واحدة حرب بین نظامین دیمقراطیین، فجمیع الحروب حدثت بین دکتاتوریات او بین نظام دکتاتوری و آخر دیمقراطی.
٤- ان الشعب الأمریکی متکون من عدد کبیر من القومیات؛ هنود حمر، انگلیز، المان، یهود، عرب، اسپان ...الخ و کذلک من اسود و ابیض و اصفر ...الخ، و من جمیع الدیانات؛ المسیحیة، الیهودیة، الاسلام، البوذیة ....الخ. و جمیعهم يعيشون بسلام و وئام و حقوق جمیع افرادە محفوظة ان کان ذلک الفرد مسیحیا متزمتا او ملحدا متطرفا، بشرط ان لا یعتدی علی حقوق الآخرین. ویرجع سبب هذا الوئام و الازدهار و التقدم فی جمیع المجالات الی نظامهم الدیمقراطی الذی یحمی حقوق الجمیع و لا یکبت افکاهم.
٥- منذ تحررها من الاستعمار البریطانی، امریکا لم تعتدی علی ایة دولة. و حتی ساعدت بعض الدول التی تعتبر نفسها عدوة لأمریکا، لتخفیف اثر القهر و المجاعة علی شعوبها. کما حدث مع الاتحاد السوڤێتی فی الثلاثینات من قرن الماضی عندما تفشت المجاعة هناک بسبب السیاسة الهمجیة لستالین. واستمرت هذە المساعدات للاتحاد السوڤیتی حتی الی ما بعد الحرب العالمیة الثانیة و الی ان احتاج ستالین، لتبریر دکتاتوریتە و همجیتە و بقائە فی الحکم، الی توتر جدید فی العلاقة مع الغرب. فطلب من کیم ایل سونغ ان یهاجم کوریا الجنوبیة، مما دفع بأمریکا و الدول الغربیة الدیمقراطیة الی تکوین حلف عسکری للدفاع عن شعوبها و انظمتها الدیمقراطیة. وهکذا بدأت الحرب الباردة.

٦- الی ما قبل حوالی ٥٠ سنة من الآن، کان هناک تميیز عنصری فی بعض الولایات الأمریکیة. ولکن بفضل وجود النظام الدیمقراطی و النمو الحضاری و الاقتصادی تم القضاء تدریجیا علی هذا التخلف الفکری و الغیر انسانی و خاصة بعد ظهور عدد غیر قلیل من المثقفین المصلحين بین السود من امثال پۆل روبسن، مارتن لوثر کنگ، و جیسی جاکسن الذین اختاروا النضال السلمی لمعالجة هذە الظاهرة المؤلمة. و یجب ان لا ننسی دور بعض الریاضیین من امثال محمد علی کلای، و الفنان الکبیر مایکل جاکسون، و آخرین من السود الذین کانوا محبوبین من قبل جمیع اطیاف الشعب الأمریکی فی القضاء علی التمیز العنصری.
 ٧- صحیح، أن المانیا و الیابان کانتا دولتین صناعیتین قبل الحرب. إلا إنهما لم تکونا دیمقراطیتین. ولکن بعد أن خسرتا في الحرب العالمية الثانية، اصبحتا دولتین دیمقراطیتین و صناعیتین اکثر من قبل. و صناعات هاتین الدولتین، خاصة فی مجال صناعة السیارات، اصبحت تملأ اسواق العالم و تزاحم هذە الصناعات امریکا و اوروپا. أما کوریا الجنوبیة التی کانت مستعمرة يابانیة و متخلفة الی ابعد الحدود، اضحت دولة صناعیة کبری ومستقلة. بینما لیس لدی کوریا الشمالیة سوی بعض الصواریخ و القنابل الذریة التی تهدد بها السلام العالمی. و کلها من اجل ماذا؟ من اجل ابقاء دکتاتورهم "المحبوب" من آل کیم ایل سونغ علی دست الحکم.
٨- انا اعتقد بان امریکا کانت ترغب بإسقاط صدام مباشرة بعد تحریر الکویت ولكنها توقفت فی آخر لحظة لأنها أیقنت بان البدیل سوف لا یکون دیمقراطیا و سیٶدي الی حرب اهلیة لا نهایة لها بین طوائفها الدینیة. ونفس السیناریو یتکرر الآن فی سوریا. فأمریکا توقفت عن مساعدة المعارضة لنفس الاسباب. لان البدیل قد یکون داعش او جبهة النصرة او کلاهما. و حکام الدول العربیة الأخری تدرک هذە الحقیقة و تحاول الاستفادة منها قدر الامکان. حیث تقمع القوی الدیمقراطیة بجمیع الوسائل والاسالیب و تعطی بعض المجال لقوی اسوأ منها، کما فعل السادات فی مصر. حیث قمع الشعب و فتح المجال للأخوان المسلمین الذین اغتالوە فیما بعد. والسعودیة تقوم بنفس الشئ حیث تقمع الشعب و تفتح المجال لقوی اسلامیة متطرفة، و تقول لأمریکا و الدول الدیمقراطیة الأخری؛ علیکم بحمایتی، فبدیلی سیکون اسوأ منی. و هذا ما کان یقولە شاه ایران ایضا، ومن بعده حسني مبارك في مصر، وزين العابدين بن علي في تونس.
٩- و السید پوتین یحاول توتير الوضع مع الغرب لکی تکون لە حجة لمحاربة منافسیە السیاسیین و إبقاء نفسە و حکومتە الفاسدة فی الحکم. حیث انە یحکم روسیا منذ ١٤ سنة و لیست لديه نیة ان یتخلی عنها الی یوم مماتە.
هذه هي أمريكا التي ينطبق عليها المثل العراقي: (مثل السمك، مأكول ومذموم).
ـــــــــــــــــــــــ
رابط مقال ذو صلة
عبدالخالق حسين - لولا أمريكا...
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=59875
 


29
عودة إلى مقال: الاتفاقية... أو الطوفان!!
د.عبدالخالق حسين

مقدمة توضيحية
يبدو أن ذاكرة بعض الناس ضعيفة، أو أنهم لم يواكبوا ما نكتب ونحذر من مخاطر قبل وقوعها، وبما أنه ليس من حقنا معاتبة من لا يتابع كل ما نكتب، ولكن ألا يحق لنا أن نقول أنه ليس من حق هذا البعض اتهامنا بما لا يعلم. فبعد نشر مقالي الموسوم: (مناقشة حول العلاقة مع أمريكا)(1)، كتب أحد الأخوة القراء الكرام تعليقاً على موقع عراق القانون باسم (IRAQ 4 EVER)، ينتقدني بدعوى أن "نصيحتي جاءت متأخرة"، و"بعد ان وقع الفأس بالرأس"على حد قوله. ونظراً لأهميته، استميح القراء عذراً أن أنقل نص التعليق كاملاُ:
((كان من الممكن أن يكون الطرح أكثر جدية، فيما لو سجّل د. عبد الخالق حسين موقفه وبشكل مبكر، أي في فترة الانسحاب الأمريكي، طالما انه يعتقد بأن عدم السماح كان السبب وراء البرود الأمريكي ازاء ما مرّ بالعراق من ظروف مربكة على كل الصُعد.. ، وعلى سبيل المثال هناك مقال للأستاذ عبد الرحمن أبو عوف مصطفى هو الآخر كان قد طرح أمرا كهذا مؤخرا في مقاله (المالكي: القدرات القيادية وشراسة الاستهداف المضاد)، وفي نفس الوقت قد أشار الى موقف له سابق في فترة الانسحاب من أنه كان معترضاً على (عدم منح الحصانة)، لأسباب تطرق لها في المقالين السابق والحالي.. والقصد هنا أن د.عبد الخالق كان من الممكن إسماع صوته للسيد المالكي بطريقة ما آنذاك .. في كل الأحوال هي قناعة قد تجد الكثيرون ممّن بدركون أهمية أن يكون للعراق علاقة استراتيجية من هذا النوع .. ولكن لطريقة الطرح أهمية خاصة وما تضمّنه المقال من مباشرة دون تدرج في شرح الأسباب الموجبة والنتائج المترتبة بشكل علمي .. يعطي الحق لكل من رفض الفكرة جملة وتفصيلا .. ثم ان الكاتب معني بطرح الفكرة من حيث إطارها العام وتبيان الضرورة وليس من حقه استباق صانع القرار في التفاصيل واقتراح ما لم يرد فيه الخلاف والذي كان محصورا في (منح الحصانة).. فما دخل القواعد [العسكرية] وانها كيلومتر مربع وهذه العلاقة هي “مفتاح الفرج”، “والعصا السحرية ” .. فما هكذا يا سيدي تورد الإبل.. فهناك استفزاز واضح لمشاعر الناس وتسطيح كبير إذا ما طرح بهذه الشاكلة !.. ويبقى السؤال قائماً.. اليوم تتناول اقتراحا كهذا بعد ان وقع الفأس بالرأس .. فأين كنت فيما سبق، وخاصة وانك كنت من المقربين!.. وما الذي يمنع من الاشارة لكاتب سبقك في الطرح وبشكل بناء وحذر، بل ويبدو مما أشار اليه من رابط في أسفل المقال أنه قد أعلن مسبقا عن قناعته وليس اليوم ولم يتوجه الى العبادي ليضع المالكي في خانة المقصّر في هذا الجانب .. أمرنا بالفعل يدعو الى الغرابة !!!!!)).(1)

في الحقيقة أنا لم أكن متأخراً في تقديم النصائح في هذا الخصوص، والدعوة إلى بناء علاقة وثيقة مع أمريكا، وإنما بدأت بها قبل سقوط النظام البعثي الصدامي بسنوات، ومنذ عهد المعارضة أكدت على ضرورة العلاقة الإستراتيجية مع أمريكا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نشرت مقالا في صحيفة المؤتمر اللندنية بعنوان: (المعارضة العراقية والدعم الأمريكي.. ضرر أم ضرورة؟). أما بعد سقوط النظام فقد نشرت سلسلة من المقالات أدعو فيها إلى هذه الأهداف. ولم أقصر في "شرح الأسباب الموجبة والنتائج المترتبة بشكل علمي" في جميع مقالاتي بما فيه المقال الأخير قيد المناقشة، إضافة إلى إدراج روابط المقالات التي تطرقت فيها إلى هذه الأمور.

ولأبرهن على صحة قولي للأخ المعلق وغيره ممن لا يعلم بكتاباتي السابقة حول هذه المسألة أعيد نشر مقال لي في هذا الخصوص نشرته إثناء المفاوضات عام 2008، بعنوان (الإتفاقية أو الطوفان)(2) بتاريخ 22/10/2008، نبهت فيه حاجة العراق إلى هذه الاتفاقية وطالبت المسؤولين بالموافقة على إبقاء عدة آلاف من القوات الأمريكية في العراق، ولحقته بمقالات أخرى، أدرج روابط البعض منها في الهامش. وهذا نص المقال التحذيري الذي نشرته عام 2008 وقبل "وقوع الفاس بالراس" بسنوات.   

الاتفاقية... أو الطوفان!!
د.عبدالخالق حسين
22/10/2008

كل شيء في العراق صعب، وكل مشاريعه ومراحله التاريخية لا تولد إلا بالعملية الجراحية القيصيرية، ولذلك لن أمل من الاستشهاد بمقولة حكيم السياسة البريطانية ونستون تشرتشل أن «العراق تشكل في لحظة جنون»، أو كما وصفه العلامة على الوردي، "أنه ثمرة اللقاء بين البداوة والحضارة، وهو لقاء دموي، لكنه لا بدَّ منه في نهاية المطاف".

من المؤلم القول أن تاريخ العراق، القديم والحديث، دموي في كل مراحله. فالعراقيون، وخلافاً للشعوب الأخرى، هم وحدهم الذين يسعون دائماً ضد مصالحهم وتحت مختلف الذرائع والشعارات الخادعة، وبتأثير من القيم البدوية تارة، أو بتأثير رجال الدين، أو بشعارات اليسار الطفولي والقومية العربية. وفيما يخص موقف هؤلاء من الاتفاقية الأمنية العراقية- الأمريكية، فقد التقت كل الأيديولوجيات الشمولية، الإسلاموية والقومية واليسارية الطفولية على التضحية بالعراق وبمستقبل أجياله القادمة باسم السيادة الوطنية والعداء لأمريكا، وكأن كل هذه الكوارث التي مر بها العراق خلال ثمانية عقود الماضية لم تكفهم، بل راحوا يصرون على مواصلة التدمير، للمزيد من الآلام والدماء والدموع.

حينما حررت بريطانيا العراق من الاستعمار التركي العثماني في الحرب العالمية الأولى (1914 -1918)، كان هذا الشعب على وشك الإنقراض، إذ بقي منه في حدود مليون ونصف المليون نسمة فقط بعد أن كان في حدود ثلاثين مليون نسمة في عهد الرشيد والمأمون كما أخبرتنا كتب التاريخ. ولكن مع ذلك وقف العراقيون ضد محرريهم دفاعاً عن جلاديهم الأتراك، فكانت حرب الجهاد وثورة العشرين وغيرها من الانتفاضات. فعند ولادة الدولة العراقية عام 1921 وبمساعدة بريطانيا، كان العراق بأمس الحاجة إلى دعم دولة عظمى مثل بريطانيا آنذاك، حيث كان الشعب العراقي يعش في ظلام دامس من الجهل، ينوء تحت تراكمات سبعة قرون من التخلف منذ غزو هولاكو عام 1258إلى الإحتلال البريطاني عام 1914. فكانت الأمية في حدود 99%، و"أهل العراق لم يندمجوا بعد لتكوين شعب، بل كانوا كتلات بشرية متناحرة" على حد تعبير الملك فيصل الأول. ولم تكن لهم أية خبرة في إدارة الدولة الوليدة، لذا عقد الإنكليز معهم معاهدات واتفاقيات لمساعدتهم إلى أن يكسبوا الخبرة الكافية في إدارة دولتهم الحديثة. ولكن ثار العراقيون على الإنكليز، وتوالت في العهد الملكي انتفاضات شعبية وانقلابات عسكرية، إلى أن قضي عليه في ثورة 14 تموز 1958. وكان ما كان بعد ذلك.

لقد تشرب الشعب العراقي بثقافة معاداة الغرب وبالأخص أمريكا وتحت ظروف الحرب الباردة، وصارت معاداة الغرب ورفض العلاقة معه دليل على الوطنية، حتى ولو كانت في هذه العلاقة مصلحة الشعب. وهذه الثقافة التدميرية أدت بالتالي إلى ظهور أشرس جلاد في التاريخ وهو صدام حسين الذي تسبب في جلب الكوارث على العراق وشعبه. وإذا كان لهذا العداء مبرراته في ظروف الحرب الباردة، ولكن استمراره إلى ما بعدها أمر يصعب فهمه، وبالتأكيد يضر بالمصلحة الوطنية. فمنذ انهيار المعسكر الاشتراكي، وولادة النظام الدولي الجديد ذو القطب الواحد، تغيرت الدنيا ومعها العلاقات الدولية، وأصدر التاريخ حكمه العادل، فلأول مرة تلتقي مصالح أمريكا مع مصالح شعبنا. وفي هذه الحالة، أليس من الحكمة أن نستفيد من هذه الفرصة في استثمار امكانيات الدولة العظمى لمصلحتنا الوطنية؟

يكرر أعداء العراق، والمدمنون على مفاهيم الحرب الباردة، أن أمريكا لم تحرر العراق من حكم البعث الصدامي البغيض من أجل سواد عيون العراقيين، بل لمصالحها. وأن أمريكا لها مصلحة في هذه الاتفاقية الأمنية...الخ. وهذه حقيقة لا ننكرها، كما ولا تنكرها أمريكا أيضاً. ولكن في نفس الوقت، نسأل، أليس من الوطنية أن يسعى العراقيون أيضاً لمصالحهم؟ فعندما نطالب بتوقيع الاتفاقية الأمنية مع أمريكا، لا يعني أننا نريد ذلك من أجل خضرة أو زرقة عيون الأمريكان، بل من أجل مصالحنا أيضاً. فالاتفاقية فيها مصالح مشتركة، والسياسة هي وراء المصالح فقط، وليست وراء ألوان العيون. لقد بحت أصواتنا حتى مللنا من تكراراالمبدأ القائل: "ليس في السياسة أعداء دائميين ولا أصدقاء دائميين، بل هناك مصالح دائمة". وعليه فإننا نعتقد أنه من الخطأ، إن لم نقل من الغباء المفرط، إضاعة الفرصة في توقيع الاتفاقية الأمنية مع أمريكا.

فالعراق يحتاج إلى هذه الاتفاقية أكثر من أمريكا، لأن مستقبله مازال مهدداً بسبب تكالب بعض دول الجوار والإرهاب الإسلامي عليه. فبعد استئصال السرطان البعثي بعملية جراحية كبرى، مازال العراق يعاني من عواقب العملية، ومن إرهاب فلول البعث الفاشي وحلفائهم من أتباع منظمة القاعدة الإرهابية، والمليشيات المدعمة من إيران. والقوات العراقية المسلحة مازالت في طور البناء ولم تكتمل بعد، وهي مازالت مخترقة بالألوف من البعثيين والإرهابيين وأعضاء المليشيات الحزبية التي تدين بالولاء لأحزابها وليس للدولة. وقد برز ذلك بكل وضوح في عملية (صولة الفرسان) في البصرة في شهر آذار الماضي، عندما رفض أكثر من ألف من منتسبي القوات المسلحة تنفيذ أوامر القائد العام، وانحازوا إلى جيش المهدي. ولولا تدارك الأمر بمجيء القوات الأمريكية التي انقذت الموقف، لكانت كارثة ومجزرة كبرى بحق المواطنين بمن فيهم السيد نوري المالكي رئيس الوزاء الذي قاد الحملة بنفسه. وهذا يعني أن القوات العراقية مازالت غير جاهزة لحماية أمن المواطنين من المجرمين.

فبناء قوات مسلحة مدربة وملتزمة بالانضباط العسكري، والولاء الوطني، واحترام وتنفيذ أوامر السلطة المدنية الديمقراطية، يستغرق وقتاً طويلاً. إن تركة حكم البعث من الخراب البشري في العراق واسع وعميق، لا يمكن معالجته في أشهر، أو بإصدار قرار، بل يحتاج إلى سنوات وربما إلى عقود من السنين من المعاناة، وبحاجة إلى حملة تثقيف لإزالة آثار ومخلفات البعث المدمرة. وعليه فالعراق وبامكانياته المحدودة هذه بأمس الحاجة إلى دعم الدولة العظمى لتدريب قواته ومساعدته على بناء دولته العصرية، وحمايته من الأعداء في الداخل والخارج وهم كثرُ، إلى أن يكتمل ويقوى على مواجهة أعدائه بقواه الذاتية.

والأدهى والأنكى، أنه حتى الذين تسنموا مناصب عالية في الدولة العراقية الوليدة، تنكروا اليوم لجميل أمريكا وفضلها مؤكدين مقولة تشرتشل (العراق، يا له من بركان ناكر للجميل). فماذا نقول إذا جاء نكران الجميل هذا من السادة، إبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي وأياد علاوي، الذين ركبوا موجة مناهضة الاتفاقية، مدعين أنها ليست في صالح الشعب العراقي. فهل حقاً هم واثقون مما يقولون؟ إن موقفهم هذا ناتج عن انتهازية صارخة وجهل مخز بقراءة الواقع العراقي. فادعاؤهم بالحرص الشديد على السيادة الوطنية كذبة لا تنطلي على أحد.  فمن يصدق دعاوى هؤلاء بعد كل ما حدث؟ وكان آخر المزايدين في هذا الخصوص هو الدكتور أياد علاوي، رئيس الوزراء العراقي السابق، وزعيم قائمة "العراقية" الذي صرح لـ "إيلاف يوم 21/10/2008 قائلاً: " يجب تأجيل الإتفاقية مع واشنطن والتمديد عامًا للمتعددة". أليس هذا اعتراف ضمني من الدكتور علاوي أن العراق بحاجة إلى وجود القوات المتعددة، لأن القوات العراقية المسلحة ليست جاهزة بعد لمواجهة الإرهاب لوحدها؟ فأيهما أفضل يا دكتور، التمديد من مجلس الأمن الدولي، أم قرار يتخذه العراقيون بأنفسهم كدولة ذات سيادة مع الأمريكان؟ 
أما الدكتور إبراهيم الجعفري فيبدو أنه فضّلَ مصلحة الحكومة الإيرانية على المصلحة الوطنية العراقية، إذ قال في تصريحات نقلتها وكالة الانباء الايرانية الرسمية، خلال لقائه مع رئيس مجمع تشخيص مصلحه النظام الايراني، علي اكبر هاشمي رفسنجاني، الاحد، ان الاتفاق الامني مع واشنطن "لا يخدم مصالح الشعب العراقي".
ومن هنا نعرف أن الدوافع الحقيقية وراء مناهضة الإتفاقية من قبل هؤلاء هي إنتهازية ناتجة عن قصر نظر. فبدلاً من مصارحة الشعب بخطورة الموقف في حالة عدم توقيع الاتفاقية، وما يترتب عليه من كوارث على شعب العراق، نرى هؤلاء يتلاعبون بمشاعر الجماهير و يزايدون على السيادة الوطنية، ويهيجون الرأي العام أكثر في التحريض ضد الاتفاقية، اعتقاداً منهم أنهم سيزيدون من رصيدهم الشعبي في الانتخابات القادمة. ولكنهم على خطأ كبير في فهم مزاجية الشعب وما يترتب على موقفهم الخاطئ من مخاطر كارثية. والمصيبة أن معظم المؤيدين للاتفاقية فضلوا الصمت طلباً للسلامة، وخوفاً من تعريض أنفسهم وعوائلهم لبطش بلطجية التيار الصدري الممول من إيران، ومن فلول البعث والإرهاب القاعدي.
أقولها بصراحة، وكنصيحة أخوية مخلصة أسديها للثلاثي، الجلبي والجعفري وعلاوي، أنكم دخلتم العراق على ظهر الدبابة الأمريكية، ولا عيب في ذلك، إذ دخل ديغول باريس على ظهر دبابة أمريكية وبريطانية، ولكنه لم يتنكر لفضل الأمريكان والبريطانيين لتحرير بلاده من الإحتلال النازي الأماني ودميته حكومة فيشي. وقد وفر لكم الأمريكان فرصة ذهبية لتختبروا إمكانياتكم القيادية والسياسية في حكم البلاد، فتسلمتم قيادة العراق، ولكنكم فشلتم فشلاً ذريعاً في أداء مهمتكم، ولم تعرفوا كيف تلعبوا أوراقكم بصورة صحيحة.
ونصيحة مخلصة أسديها إلى المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد نوري المالكي، أن هناك ظروفاً ومناسبات حرجة تتطلب من القائد المحنك الشجاعة والصراحة في أخذ القرارات الجريئة الصائبة من أجل مصلحة الشعب حتى ولو واجهت معارضة عنيفة من الدهماء والديماغوجية الغوغائية، وحتى لو تطلب الأمر الشهادة. تذكروا أنور السادات وما قدمه من خدمة رائعة لشعبه باتفاقية كامب ديفيد عام 1978.
كما وأود أن أذكر السيد المالكي ومناهضي الاتفاقية، بالتحذيرات التي أطلقها رئيس اركان القوات الامريكية الاميرال مايكل مولن للعراقيين يوم الثلاثاء 21 أوكتوبر الجاري [2008]، من عواقب عدم توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن بالقول ان من شأن ذلك تعريض الأمن في العراق الى مخاطر جدية، "إن أمن العراق سيواجه عواقب وخيمة" اذا لم يوقع تلك الاتفاقية، التي توفر الغطاء القانوني للوجود العسكري الأمريكي في العراق. واضاف: "صار واضحا ان الوقت بدأ ينفد" وانه مع نهاية هذا العام لن تكون القوات العراقية قد اتمت استعدادها وقدرتها على تولي مهام الامن في البلاد. وكرر مولن الاتهامات الامريكية لطهران في التدخل بالشأن العراقي، بالقول ان "صار واضحا ان الايرانيين يعملون بقوة وجدية لوقف تمرير الاتفاقية". (تقرير موقع بي بي سي العربية، 21/10/2008).

لقد راجعت النسخة النهائية من مسودة الاتفاقية، فلم أجد فيها ما يضر بمصلحة العراق، أو يسيء إلى سيادته الوطنية كما يدعي مناهضو الاتفاقية، بل على العكس، وجدتها تؤكد على مصالح مشتركة، ومصلحة العراق فيها أكثر من مصلحة أمريكا. كما وهناك تأكيد وإطمئنان  للمتباكين على السيادة الوطنية، في المادة 25، الفقرة 6  تنص على ما يلي: " يجوز انسحاب قوات الولايات المتحدة في تواريخ تسبق التواريخ المحددة في هذه المادة بناء على طلب أي من الطرفين. وتعترف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت." إضافة إلى فوائد كبرى كثيرة للعراق مثل، الدعم الاقتصادي والثقافي والمساعدة في إخراج العراق من البند السابع، وتحرير اقتصاده من سيطرة الأمم المتحدة، والعمل على إسقاط مئات المليارات الدولارات من الديون وتعويضات الحروب التي كبل صدام حسين العراق بها. إضافة إلى التأكيد على حماية العراق من أي عدوان خارجي في المستقبل.
والمعروف عن الأمريكان في هذه الحالات أنهم يعطون التنازلات تلو التنازلات خلال المفاوضات إلى حد معين، وعنده إذا تمادى الطرف الآخر في طلباته التعجيزية فإنهم سيغلقون الأبواب وينسحبون. أعتقد أن الأمريكان قد وصلوا إلى هذا الحد. فقد "أعرب وزير الدفاع الأمريكي، روبرت غيتس، عن تحفظه تجاه مطالب العراقيين بتعديل مشروع الاتفاقية الأمنية... وحذر مما أسماه بالعواقب الوخيمة لعدم وجود اتفاق حول وضع القوات الأمريكية او تجديد تفويض الأمم المتحدة الذي ينتهي بنهاية العام الحالي. " وقال الوزير الأمريكي إن "الوقت يمر وعلينا ان نستمر في السير قدما لكي لا يداهمنا الوقت". وأضاف: "أن المفاوضات التي استغرقت شهورا وصلت إلى مراحلها الأخيرة ما يعني أن الباب أغلق تقريبا أمام إمكانية إعادة التفاوض." أرجو من المسؤولين العراقيين أن يحملوا تحذيرات المسؤولين الأمريكيين محمل الجد.

خلاصة القول: مر العراق بكوارث متتالية كان بالإمكان تجنبها لو تصرف أبناؤه بالحكمة وبسياسة عقلانية بعيدة عن الغوغائية والدوغماتية، ولما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. ولكن من حسن حظ العراق أن التقت مصالح الدولة العظمى مع مصالحه، لذلك أعتقد جازماً أن الاتفاقية هي الفرصة الذهبية الأخيرة، و بمثابة حبل النجاة الذي جاد به التاريخ للشعب العراقي، أرجو عدم التفريط به للمرة الألف. وإذا لم يتم التوقيع على الاتفاقية هذه، فسيكون العراق في مهب الريح، وسيتعرض إلى كوارث ماحقة، والمستفيد الأكبر في هذه الحالة هو إيران وغيرها من أعداء العراق، والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي، وعندها يجب أن لا يلوم العراقيون إلا أنفسهم. فالخيار لهم، إما توقيع الاتفاقية بنسختها الأخيرة.. أو استعدوا للطوفان.
ألا هل بلغت؟ اللهم إشهد.
22/10/2008
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر
1- عبدالخالق حسين: مناقشة حول العلاقة مع أمريكا
http://www.qanon302.net/in-focus/2014/09/07/31045

2- عبدالخالق حسين: "الاتفاقية .... أو الطوفان":  http://www.aafaq.org/masahas.aspx?id_mas=2594

3- عبد الخالق حسين:على العراق توقيع الإتفاقية الأمنية مع أميركا أو انتظار الطوفان (صحيفة آفاق)
http://www.aafaq.org/news.aspx?id_news=7249
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين - الاتفاقية العراقية-الأمريكية، ضرر أم ضرورة؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=137467

2- عبدالخالق حسين: الاتفاقية العراقية-الأمريكية، مرة أخرى
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=138039

3- عبد الحليم الرهيمي: 11 سبتمبر والإطاحة بنظام صدام
http://www.akhbaar.org/home/2014/9/176380.html


30
حوار هادئ مع الأستاذ علي الأسدي

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن الحوار الديمقراطي الهادئ ضروري لأنه يساعدنا للوصول إلى الحقيقة أو ما يقرب منها. ويؤسفني القول أن شريحة واسعة من المثقفين العراقيين لحد الآن يفتقرون إلى هذا الأسلوب الحضاري في الحوار حول ما يختلفون عليه من أفكار ومواقف. فقد اعتادوا على العنف اللغوي لتصفية الخصم سياسياً واجتماعياً، والذي لا يختلف عن العنف المستخدم للتصفية الجسدية، ولا نغالي إذا قلنا أن العنف في التصفية الجسدية هو نتاج العنف في التصفية المعنوية.

وكمثال واضح في الحوار الهادئ المتحضر، أشير هنا إلى مقال الأستاذ علي الأسدي الموسوم: (أمريكا في مقال الدكتور عبد الخالق حسين)(1)، المنشور في صحيفة الحوار المتمدن، يوم 8/9/2014. ورغم اختلافي معه في الموقف من العلاقة مع أمريكا، إلا إني استمتعت كثيراً بقراءة مقاله القيم، وذلك لأدبه الجم وأسلوبه الراقي في مناقشة الأمور الخلافية، وأنا إذ أشكره على ذلك أدعو الآخرين إلى الاقتداء به في أدب الحوار حول ما نختلف عليه.

يبدأ الأستاذ علي مقاله قائلاً:
((كتب أستاذنا العزيز الدكتور عبد الخالق حسين مقالين متتابعين "خطاب مفتوح الى الدكتور حيدر العبادي"(2)، (وتلاه بتاريخ 5-9 الجاري بعنوان " مناقشة حول العلاقة مع أمريكا"(3)، نشرا في صحيفة الحوار المتمدن وصحف أخرى. فقد تابعتُ مقالاته بانتظام وتابعتُ أيضا بعض التعليقات الهابطة على مقاله المسيئة لكتابها قبل أن تسيئ اليه وكان لي ردي المناسب على بعضها مؤنبا وهكذا فعل زملاء اعزاء وليتهم يأخذوا درسا في الاخلاق من أدب ونزاهة استاذنا عبد الخالق حسين.)) انتهى

قارن هذا الرد المؤدب والهادئ مع مقال كاتب آخر على الضد تماماً من هذا الأسلوب الراقي في أدب الحوار. إذ كتب هذا الآخر مقالاً على موقع الأخبار وربما مواقع أخرى، بدأه قائلاً: "يُثير عجبي حماسُ بعض الكتّاب العراقيين والمتأمركين الجُدد .. أثاروا عَجَبي بل والكثير من ذهولي بخيانتهم لما كانوا يحملون من قناعات وعقائد ومواقف سياسية من الإستعمار عامة والإمبريالية الأمريكية على وجه الخصوص. ألا ما أقبحهم" (كذا).
 
أقول، هذا ليس أسلوب مثقف يحترم نفسه، ويحترم حق الاختلاف، وإنما هو بلطجة يبغون من ورائها الإرهاب الفكري، وهم أعجز من أن يقارعوا الحجة بالحجة. لذلك يلجئون إلى الصراخ والزعيق والاتهامات الجاهزة والتخوين، وهو أسلوب داعشي- بعثي بامتياز، حتى ولو تسربلوا بجبة اليسارية والماركسية والشيوعية. فالبعث سلوك قبل أن يكون انتماء، إذ كما قال صدام حسين: "بعثيون وإن لم ينتموا". ففي رأي هذا الكاتب كل من يختلف عنه في الرأي ويتخلى عن قناعة سابقة هو خائن وعليه أن يتوارى عن الأنظار. ونحن إذ نسأل: وماذا عن قناعة تبنيتها في مرحلة مبكرة من حياتك ثم اكتشفت بعد سنوات أنها خاطئة عفا عليها الزمن؟ هل تبقى عليها رغم قناعتك ببطلانها؟ أليس هذا مكابرة وأخذ العز بالإثم؟
ففي الأوضاع العاصفة التي يمر بها العراق لا بد وأن يحصل اختلاف في الآراء والمواقف بين المثقفين والمتعلمين، وخاصة إذا كان الوطن يمر بأزمات تهدد وجوده. وفي هذه الحالة فما أحوجنا إلى الحوار الهادئ لما يفيد هذا الشعب. ولهذا السبب فإني أأنف أن أرد على التعليقات البذيئة من أدعياء احتكار "الحقيقة المطلقة" الذين اعتادوا على اتهام كل من يختلف معهم في الرأي بالعمالة والتخوين.

فكما يختلف البشر في ملامح وجوههم وأذواقهم في المأكل والملبس، كذلك يختلفون في أفكارهم ومعتقداتهم الدينية والسياسية والفكرية. وفي هذه الحالة فالمطلوب من كل واحد منا أن يضع احتمالات الصواب والخطأ من قناعاته وقناعات الآخرين قبل أن يكيل الاتهامات البذيئة لمن يختلف معهم. حقاً لقد ابتلينا بمخلفات ودينصورات الحرب الباردة، "ألا ما أقبحهم !".

و في خصوص التخلي عن قناعات سابقة يقول الراحل علي الوردي: "الأفكار كالأسلحة تتبدل بتبدل الأيام. والذي يريد أن يبقى على آرائه العتيقة هو كمن يريد أن يحارب الرشاش بسلاح عنترة بن شداد". ويضيف الوردي في مكان آخر: "كلما أزداد الإنسان غباوة ازداد يقيناً بأنه أفضل من غيره في كل شيء". ويقول برتراند راسل: "أنا لست مستعداً أن أموت في سبيل أفكاري لأنها قد تتغير". أما فكتور هيجو فيقول: "إنه لثناء باطل أن يقال عن رجل إنَّ اعتقاده السياسي لم يتغيَّر منذ أربعين سنة… فهذا يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث… إنه كمثل الثناء على الماء لركوده وعلى الشجرة لموتها".

أعود إلى مقال الأستاذ علي الأسدي لمناقشة بعض النقاط الخلافية المهمة، وبإيجاز:
يلقي الأستاذ علي اللوم على أمريكا في فشل العراقيين في تحقيق الأمن والتقدم في الخدمات والإعمار بعد 2003، فيقول: "كنت أعتقد أن الدكتور قد غير رأيه بعد أن كان معي شاهدا على الفشل المستمر منذ عشر سنوات الذي رافق الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تغب أصابع الأمريكيين أبدا عن اختيار قادتها والإشراف على سياساتها وإدارتها علنا تارة ومن وراء الستار تارة أخرى منذ عام 2003".

أنا أعتقد أن أمريكا ساعدت الشعب العراقي على إسقاط أشرس وأظلم دكتاتورية في التاريخ، و وفر للشعب الديمقراطية أسلوب حضاري (صناديق الاقتراع) لاختيار حكامهم بملء إرادتهم. ولكن العراقيين هم الذين فشلوا في ترتيب بيتهم. والسبب هو لتراكمات الخراب الذي دمر النسيج الاجتماعي، وإصرار المكون العربي السني الذي تفرد بالحكم لثمانين سنة، على رفضه الديمقراطية، ومشاركة المكونات الأخرى، وبالأخص الشيعة منها في الحكم وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع. وقد ذكرنا هذا السبب وشرحناه مراراً إلى حد الملل، ولا أرى ضرورة لتكراره.
كذلك لا ننسى أن النظام الساقط أهمل البنى التحتية دون صيانة وإدامة منذ بدء الحرب العراقية الإيرانية عام 1981م. إضافة إلى الإرهاب الذي عرقل الإعمار. ولدي شواهد كثيرة تؤكد محاولة الأمريكان مساعدة العراقيين في الإعمار ولكن كان العراقيون، وبدفع ودعم من إيران وسوريا والسعودية وغيرها يعرقلون أعمالهم عن طريق الإرهاب.

ثم يشير الأستاذ علي إلى اليابان وألمانيا في نهضتهما الرائعة بعد الحرب العالمية الثانية، ويؤولها إلى عظمة الشعبين وتاريخهما المجيد في الصناعة والتقدم الحضاري قبل الحرب، لا إلى علاقاتهما بأمريكا. وأنا أتفق معه كلياً في هذا الخصوص. ولكن يا أستاذنا العزيز يجب أن لا ننسى دور أمريكا في إعادة إعمار أوربا وفق خطة مارشال. كذلك، لم تكن هذه الشعوب منقسمة على نفسها إلى سنة وشيعة وكرد ومكونات أخرى متعادية فيما بينها، ولم تجاورها دول تريد تدميرها بالإرهاب. فالقيادة السياسية لكل مكون في العراق مستعدة للتعاون مع الشيطان لإبادة المكونات الأخرى. كذلك، لم يتعرض الشعبان الألماني والياباني إلى الإرهاب كما تعرض له الشعب العراقي. وهذا كان ممكناً لو لم تكن لهما علاقات ودية حميمة مع أمريكا. وهذه العوامل وغيرها كثيرة تجعل حاجة العراق الجريح المريض، أكثر لزاماً لتوقيع اتفاقية أمنية وعسكرية مع أمريكا.
ودليل ثان على ضرورة العلاقة القوية مع أمريكا هو النهضة الحضارية والاقتصادية التي حققتها كوريا الجنوبية. قارن بين كوريا الجنوبية الحليفة لأمريكا مع شقيقتها كوريا الشمالية الشيوعية، حيث نفس الشعب، ونفس البلاد ونفس الظروف الجغرافية والتاريخية ونفس الموروث الثقافي الاجتماعي (culture)، ولكن مع اختلاف النظامين، واختلاف العلاقة بينهما مع أمريكا والغرب. ولحد علمي لا أعتقد أن الشعب الكوري كان متقدماً صناعياً مثل الشعبين الألماني والياباني قبل الحرب العالمية الثانية.

ودليل ثالث على ضرورة العلاقة مع الغرب عامة، وأمريكا خاصة، خذ الدول الخليجية، إذ لا بد وأنك تتفق معي أن شعوب هذه المنطقة كانت لحد وقت قريب (قبل 50 سنة)، تعيش أوضاعاً فقيرة مزرية جداً لا تختلف عن أوضاع أسلافهم قبل 1400 سنة. وكان ثورجية  وقومجية العراق وبقية البلدان العربية يسمون حكام الخليج بـ(بعران الخليج) استهانة بهم. أنظر حالة هذه البلدان وقارنها مع أوضاع العراق وسوريا وليبيا واليمن واحكم بنفسك. فمع كل ذلك التخلف قفزت هذه البلدان إلى مصافي دول أوربا الغربية وأمريكا الشمالية في العمران والاستقرار خلال أقل من خمسين سنة، كل ذلك تحقق بفضل علاقتهم الإستراتيجية الوثيقة مع الغرب. بينما أعاد الثورجيون المؤدلجون بلدانهم العامرة إلى القرون الوسطى بسبب معاداتهم وعنترياتهم ضد الغرب.

ثم يقول الأستاذ علي ما معناه أن الإرهاب كان على أشده حتى بوجود الجيش الأمريكي.
وهذا صحيح، ولكن السؤال هو: ماذا لو لم يكن الجيش الأمريكي موجوداً، خاصة والجيش العراقي الجديد كان في مراحله الأولية من تأسيسه، بالتأكيد لاحتلت العصابات البعثية كل العراق وعادوا إلى الحكم أشد وأقسى. لذلك أعتقد أن من حسن حظ الشعب العراقي أن تورطت أمريكا في إسقاط حكم البعث، فلو سقط حكم البعث الصدامي على أيدي العراقيين، أو حتى لو كان صدام قد مات موتاً طبيعياً وهو في الحكم، لكان مصير العراق كمصير الصومال.

ثم يقول الأستاذ العزيز علي الأسدي: ((إن حماية سيادة العراق وازدهاره الاقتصادي ورخاء شعبه ممكنة فقط اذا اتفق العراقيون على أن يتفقوا والا فلن تنفعهم بوارج الولايات المتحدة وحلفائها... ولهذا يتطلب منا مناقشة كافة موضوعات الخلافات التي تفرق حاليا بيننا بكل صراحة ووضوح وبدون حرج أو تردد بحضور ممثلي الشيعة والسنة والمسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والكرد والتركمان بسنتهم وشيعتهم دون استثناء لأي مكون مهما كان اتجاهه السياسي من أقصى اليسار الى أقصى اليمين. وأن يأخذ المشاركون في المناقشات عهدا بأن لا ينهوا اجتماعاتهم قبل اتفاق نهائي على كل شيئ مختلف عليه حتى ولو استمرت الاجتماعات عاما أو أكثر. وليعرف المجتمعون مقدما أنهم وحدهم بدون وسطاء وبدون اتفاقهم على مصير بلادهم هو نهاية العراق أرضا وشعبا وتراثا وممتلكات ومقدسات وذكريات واذا كانوا يحبون العراق حقا فلن يحبه أحدا مثلهم أو أكثر منهم أو أفضل منهم. وليأخذوا بالمثل الشعبي العراقي " ما يحك جلدك أحسن من إيدك ."))

هذا الكلام جميل جداً، ولكنه نظري ومثالي غير قابل للتطبيق. فهل بإمكان أكبر منطقي عقلاني أن يقنع قيادات سياسية مثل طارق الهاشمي، والأخوين النجيفي، وعلي حاتم سليمان، وأحمد العلواني، وطه الدليمي وحارث الضاري، والشيخ عبدالمالك السعدي، ومئات غيرهم، أن شيعة العراق هم عراقيون وليسوا هنود وإيرانيين صفويين، ومن حقهم المشاركة في الحكم حسب ما تفرزه صناديق الاقتراع؟؟ هؤلاء يا عزيزي ناس متعصبون لا يختلفون في تعصبهم الطائفي عن الزرقاوي، وأبو بكر البغدادي، وعزة الدوري، وغيرهم. تفيد الحكمة (أن من يجادل المتعصب كمن يجادل الميت). فلا جدوى من الجدال مع المتعصبين، ودون أن أقلل من أهمية وتأثير نشر ثقافة الحوار والتآخي والمحبة، ونبذ العنصرية والطائفية، والدعوة للوحدة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد. ولكن هذه الدعوة لن تثمر إلا بعد سنوات طويلة وليس بين عشية وضحاها... كن فيكون!
واقتراحك هذا يا أستانا العزيز يذكرني بحكاية (من يشد الجرس)، أي حكاية القط مع الفئران التي أوردها الراحل علي الوردي في كتابه مهزلة العقل البشري، ومفادها:
"يحكى أن جماعة من الفئران اجتمعوا ذات يوم ليفكروا في طريقة تنجيهم من خطر القط، وبعد جدل عنيف قام ذلك الفأر المحترم فاقترح عليهم أن يضعوا جرساً رناناً في عنق القط حتى إذا داهمهم القط سمعوا به قبل فوات الأوان وفروا من وجهه".
ويعلق الوردي: "إنه اقتراح رائع لا ريب في ذلك، ولكن المشكلة الكبرى كامنة في كيفية تعليق الجرس على عنق القط. فمن هو ذلك العنتري الذي يستطيع أن يمسك بعنق القط ويشد عليه خيط الجرس ثم يرجع إلى قومه سالماً غانماً". ويضيف: "لعلنا لا نغالي إذا قلنا: أن معظم أفكار القدماء هي من هذا النوع، فهي أفكار رائعة وجميلة ولكن فيها عيب كبير هي أنها غير عملية".

ويختم الصديق العزيز الأستاذ علي الأسدي مقاله القيم:
((رجائي الأخوي للصديق الطيب الدكتور عبد الخالق حسين أن يوجه جهوده وخطابه الى قوى شعبنا للتوحد وحل مشاكلهم التافهة التي لا معنى لها التي أضحكت شعوب العالم من نزاعاتنا غير المجدية وغير المثمرة وغير الجدية حولها. وأن ينفض يديه كليا من العون الأمريكي ومن الأمريكيين الذين ليس لهم صاحب ولا صديق. ))
أيها الصديق العزيز، هذا بالضبط ما أفعله، ولكن هذه المشاكل "التافهة" قابلة للتضخيم وقد نجح أعداء العراق في تحويلها إلى سلاح الدمار الشامل كما هو جاري خلال 11 سنة الماضية، والسبب هو أن هذه المشاكل كانت موجودة ولكن أيقضها وضخمها أعداء العراق من السعوديين الوهابيين وغيرهم، وصرفوا مليارات الدولارات لتأجيجها، فاشتروا بها أحزاباً وقوى سياسية ومؤسسات إعلامية، وذمم كتاب ورجال دين لإشعال هذه الفتن. والشعب العراقي منقسم على نفسه ومهدد بالفناء، ولذلك فالجهة الوحيدة القادرة على إيقاف هذا النزيف وهذه الفتن هي أمريكا وليس غيرها. فبرفضنا لها، أمريكا تقف مع أعداء العراق في الداخل والخارج، ويختلقون ألف حجة وحجة للتخلي عن العراق العربي ليسحق بعضه بعضاً كما تركوا داعش يحتل الموصل وصلاح الدين وترتكب مجزرة سبايكر ضد 1700 تلميذ شيعي في القوات الجوية في تكريت، ومجازر سجناء بادوش من الشيعة أيضاً، ثم المذابح ضد الشبك والمسيحيين والأيزيديين، ولم تتحرك أمريكا إلا بعد أن وصل داعش إلى حدود أربيل حيث باتت الشركات الأمريكية، وأكبر مركز تنصت في أربيل مهددة بالسقوط بأيدي الدواعش. عندئذ فقط تحركت أمريكا لوقف داعش عند حده المرسوم له.
ولا تتصور أن أمريكا تريد القضاء المبرم على داعش، بل ستحتفظ به كورقة ضغط  تستخدمها عند الحاجة ضد أية حكومة في المنطقة تشق عليها عصا الطاعة. والعراق المريض الجريح المفتت ليس بقوة الصين أو روسيا لكي يتحدى أمريكا ويشاكسها، وخاصة في مثل هذه الظروف العصيبة، فقد دفع الشعب العراقي أكثر مما يستطيع.
وفي الختام أشكر الصديق العزيز الأستاذ علي الأسدي على دفاعه عني ضد أصحاب التعليقات الهابطة، ومقاله القيم الذي أتاح لي الفرصة لتسليط المزيد من الضوء على المشاكل التي يواجهها العراق، وضرورة العلاقة الودية بما فيها العسكرية مع أمريكا. فلأمريكا قواعد عسكرية في مختلف دول العالم بما فيها بريطانيا وتركيا ولم تثلم هذه العلاقة من سيادة تلك الدول. ولا ننسى أن حاجة العراق لأمريكا أكثر من حاجة أمريكا للعراق.
وألف تحية للأستاذ علي، متمنيا له دوام الصحة والعطاء، والمزيد من هذا الحوار الراقي لخدمة بلادنا العزيزة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر:
1- علي الأسدي : أمريكا في مقال ... الدكتور عبد الخالق حسين ...؟؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=431814

2- عبدالخالق حسين: خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر العبادي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=680

3- عبدالخالق حسين: مناقشة حول العلاقة مع أمريكا
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=681


31
مناقشة حول العلاقة مع أمريكا
د.عبدالخالق حسين

مقدمة
بعد نشر مقالي الأخير الموسوم (خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر العبادي )(1)، نشر العديد من القراء الكرام، من بينهم كتاب متميزين، ردوداً متباينة على دعوتي للمكلف بتشكيل الحكومة القادمة بإقامة علاقة إستراتيجية طويلة الأمد مع أمريكا، أغلبها مؤيدة. وهذه ليست المرة الأولى التي أدعو فيها إلى علاقة ودية مع الدولة العظمى، إذ بدأتُ بهذه الحملة أيام المعارضة لنظام البعث الصدامي قبل 2003م في صحيفة المؤتمر اللندنية آنذاك، وصحف المعارضة الأخرى. كما و نشرت في هذا الخصوص عدة مقالات في السنوات الأخيرة وحتى هذا العام(2014)، أدرج روابط البعض منها في الهامش.

ونظراً لأهميته، وجدت من المفيد العودة للموضوع ومناقشة بعض هذه الردود، وقد اخترت أربعة من العشرات، لأنها تمثل القاسم المشترك لمعظم التعليقات، سلباً أو إيجاباً، وهي تعكس موقف الشارع العراقي إلى حد ما. ومن بين هذه الردود المختارة، مقال للصديق إ.د. حسين حامد حسين بعنوان: (مداخلة مع مقال الدكتور عبد الخالق حسين)، المنشور على صحيفة الأخبار الإلكترونية(2)، وتعليق من الكاتب السيد كامل العضاض، على موقعه في الفيسبوك. وتعليق ثالث من السيد وداد عبدالزهرة فاخر/ رئيس تحرير جريدة السيمر، على موقع عراق القانون، وهم معارضون للخطاب مع الاختلاف في الدرجة واللهجة. كما واستلمت رسالة من صديق بتوقيع (شيوعي سابق) مؤيد للفكرة، ونظراً لأهميتها، أنقلها كملحق للمقال وأشكره على سماحه لي بنشرها.
   
لا شك أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية موضوع شائك ومعقد ومثير للجدل. لذلك، فكل من يجازف بالدعوة لعلاقة ودية مع الدولة العظمى لن يسلم من الاتهامات الجاهزة بالخيانة للوطن، والعمالة لأمريكا وحتى لإسرائيل. وهذا المرض السياسي العضال هو من مخلفات الحرب الباردة التي انتهت بانهيار المعسكر الشيوعي لصالح المعسكر الغربي الديمقراطي وفق مبدأ البقاء للأصلح. ورغم العداء المستفحل بين التيارات السياسية العراقية والعربية المؤدلجة بالأيديولوجيات الشمولية (الشيوعي والإسلامي والقومي العروبي)، إلا إن هذه التيارات متفقة في عدائها المعلن ضد الغرب وبالأخص لأمريكا. ونتيجة لهذا الموقف التدميري انتهى العراق (وكذلك سوريا وليبيا)، بالخراب الشامل، مقارنة بالدول الخليجية التي لحد قبل 50 عاماً كانت عبارة عن صحارى قاحلة، وقرى ساحلية فقيرة لصيد الأسماك والمحار، تحولت إلى مدن عامرة وغابات من ناطحات السماء، تنافس في ضخامتها وجمالها وعمرانها أعظم عواصم الدول الغربية المتقدمة في العمران والجمال والمستوى المعيشي لشعوبها، كما وإنها أنشأت أكبر مزارع النخيل والأعناب في العالم. حدث كل هذا التطور والعمران خلال فترة قصيرة وبفضل العلاقات الوثيقة بين هذه الدول الخليجية والغرب.

مناقشة
أولاً: تعليق إ.د حسين حامد حسين بعنوان
: (مداخلة مع مقال الدكتور عبد الخالق حسين).
أشكر الصديق الكاتب على أدبه الجم في الحوار، إذ يبدأ مداخلته بقوله: "لا اختلف مع رأي الدكتور عبد الخالق حسين على اهمية إقامة علاقة إستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن علينا ان نفهم أولا، هل ان الولايات المتحدة تمتلك نفس الرغبة والتطلع من جانبها الى مثل هذه العلاقة الإستراتيجية مع العراق؟"
فالأخ الكاتب يتفق معي في إقامة علاقة إستراتيجية طويلة الأمد مع أمريكا، ولكنه يشك في رغبتها في هذه العلاقة. أؤكد للأخ الكاتب أن أمريكا راغبة في هذه العلاقة، بدليل أن عدم موافقة الجانب العراقي في إبقاء عدد محدود من القوات الأمريكية في العراق في اتفاقية (SOFA)، هو السبب الرئيسي للموقف الأمريكي السلبي من حكومة المالكي، والذي كان من نتائجه هذه الأزمة الداعشية التي يعيشها العراق الآن. 
ويسأل السيد الكاتب: "وما مقدار ثقة الولايات المتحدة بالنظام السياسي "الديني" في العراق وهي التي لا تثق بالانظمة السياسية الدينية حتى وان كان هذا النظام الديني ديمقراطيا ومعتدلا كما هو في العراق؟"
جواب: أعتقد من الخطأ اعتبار النظام العراقي الجديد بأنه نظام ديني، فهو نظام خليط يضم ممثلين عن مختلف الكيانات السياسية، منها دينية دون أن تفرض النظام الإسلامي مثل حزب الدعوة (الشيعي) والحزب الإسلامي (السني) وغيرهما، ومعظم الشركاء من الأحزاب الأخرى هي علمانية. فهل رئيس الجمهورية مثلاً يمثل نظام إسلامي؟ كما و أكد السيد نوري المالكي، مراراً خلال الثمان سنوات الماضية التي كان فيها رئيساً لمجلس الوزراء، أنه يسعى لبناء دولة مدنية ودولة القانون وليس دولة دينية، طبعاً مع احترام الأديان.
كذلك لا أعتقد أن أمريكا ضد الأنظمة الإسلامية، وإنْ تفضل عليها الأنظمة العلمانية الديمقراطية، بدليل أنها أيدتْ حكم الأخوان المسلمين في مصر ودافعت عنه. لذلك فأمريكا لا يهمها هل نظام الحكم في أي بلد هو إسلامي أو علماني، سني أو شيعي، بل كل ما يهمها هو مصالحها، ونحن لنا مصالحنا أيضاً. فلماذا لا نسعى نحن العراقيين وراء مصالح شعبنا، خاصة إذا ما التقت مع مصالح أمريكا؟

ثم يسأل الدكتور حسين: "وماذا عن ما تعتقده الولايات المتحدة من علاقة العراق بايران؟"
الجواب: في الآونة الأخيرة، شاهدنا أمريكا نفسها تسعى للتقارب مع إيران. وبالتأكيد لا مانع لديها في أن تكون للعراق علاقة سليمة مع إيران. فكل ما تريده أمريكا هو أن تسمح الحكومة العراقية بوجود قوات محدودة في العراق ليس غير، وكان علينا بقبول هذا الطلب لأنه في صالح شعبنا. 

ويضيف الدكتور حسين: "والسؤال الاكثر اهمية هو ما السر وراء الدفاع والدعم المبالغ به من قبل الادارة الامريكة للاقليم، وعلى حساب الشعب العراقي باجمعه؟"
الجواب: لأن رئاسة الإقليم لعبت ورقتها مع أمريكا بأسلوب علمي صحيح يخدم مصلحة الشعب الكردستاني ومصلحة أمريكا. فالكرد لم يكونوا ناكرين للجميل الأمريكي في تحريرهم من أسوأ نظام همجي عرفه التاريخ، بل قابلوا الأمريكان بالورود، ولم يحتفلوا يوم رحيل آخر جندي من العراق نهاية عام 2011، ولم يعلنوا ذلك اليوم عطلة وطنية يعلنون فيها الأفراح، ولم يحرموا الشركات الأمريكية من عقد الصفقات النفطية وغيرها من المشاريع العمرانية والاقتصادية كما عملت الحكومة العراقية التي منحت العقود إلى شركات الدول التي وقفت مع صدام حسين، مثل روسيا وفرنسا والصين وحتى تركيا. وهذا هو سبب دفاع أمريكا عن الإقليم لحماية مصالحها وشركاتها في كردستان وأخذت موقفياً سلبياً من حكومة المالكي.
****
ثانياً، تعليق الكاتب السيد كامل العضاض على موقعه في الفيسبوك (رابط المقال في الحوار المتمدن في الهامش):
يقول الأخ العضاض: "دعوة السيد عبد الخالق لخلاص العراق من داعش والتقسيم والفشل هي بمنح أمريكا قواعد عسكرية وإقامة حلف متين معها. والسؤال هو، هل تعوز امريكا قواعد في الشرق الأوسط؟"
الجواب: نعم، أمريكا لا تعوزها قواعد في الشرق الأوسط، ولكن طالما هي التي ترغب بهذه القواعد في العراق، وهذه الرغبة هي في صالح العراق لتدريب جيشه والمشاركة في حمايته من الإرهابيين الدواعش وغيرهم، فليكن وما الضير في ذلك؟ ماذا يضر العراق لو سمحت حكومته بكيلومتر مربع من صحرائه الواسعة لأمريكا لبناء قاعدة فيها؟ لذلك كان على العراقيين أن يستفيدوا من هذه الفرصة الذهبية، والتخلي عن العناد والمكابرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
ثم يسأل السيد الكاتب: "الم تؤمِّن أمريكا مصالحها البترولية في العراق في عقود لعقود؟"
الجواب: كلا، لم تؤمِّن هذه المصالح لعقود وعقود، فمنذ ثورة 14 تموز عام 1958، وعلاقات العراق مع الغرب وبالأخص مع أمريكا بين مد وجزر. وبسبب هذا التأرجح في المواقف ومشاكل الحرب الباردة، وانحياو العراق إلى روسيا السوفيتة خسرنا ثورتنا الوطنية، ثورة 14 تموز المجيدة وقيادتها الوطنية المخلصة. لذلك كفى عناداً ومكابرة، وكفى دماراً.

يسأل السيد كامل العضاض: "ماذا تريد أمريكا من العراق؟ حتى الكرد وضعتهم تحت جناحها ومكنتهم من إقامة دولة داخل دولة".
الجواب: أحيلك إلى جوابي على سؤال الأخ الدكتور حسين أعلاه في هذا الخصوص.

السيد كامل: "ألا تملك أمريكا أكبر سفارة، تقترب من حجم قاعدة في قلب بغداد؟"
جواب- وجود سفارة كبيرة في بغداد لا يضمن المصالح، فمعظم العقود النفطية ذهبت إلى الشركات غير الأمريكية وحكومتنا كانت وما زالت تتباهى بذلك وهي التي خسرت.
السيد كامل: "هل تريد إعلان بغداد الإعتراف بإسرائيل؟"
جواب: كلا، أمريكا لم تفرض على أحد الاعتراف بإسرائيل، فالسعودية وغيرها من الدول الخليجية لها علاقات ودية حميمة مع أمريكا ولم تعترف بإسرائيل لخد الآن علناً على الأقل. 
السيد كامل: "السيد عبد الخالق يعرف أن داعش صناعة أمريكية، هل نجحت قبلها القاعدة لفرض الهيمنة الأمريكية؟ في اي مجال عادى عراق ما بعد الغزو الأمريكي الولايات المتحدة؟ هل جيش جيوش ضد مصالحها وحليفتها إسرائيل؟ ليقل لنا السيد عبد الخالق ما هو المطلوب بالضبط؟ تقسيم العراق؟ مسحه من الخارطة؟ ندعوه لتنويرنا، وهم كثيرون من يوجهون النصائح هذه الأيام للسيد العبادي، رئيس الوزراء المكلف؟؟!!"
جواب: ذكرتُ في عدة مقالات أن (داعش)، مثل أمها (القاعدة)، صناعة أمريكية وبأموال سعودية وبأيديولوجية وهابية تكفيرية وضباط بعثيين. تستخدمه أمريكا لضرب كل حكومة تقف ضد مصالحها في المنطقة، أو على الأقل لن تتدخل لمساعدة تلك الحكومة في حالة تعرضها لعدوان داعش كما حصل مع حكومة المالكي. لذلك فالمطلوب منا أن نكون أذكى من السعودية والبعثيين، ونكسب أمريكا إلى جانب شعبنا. أما هتافات وشعارات مقتدى الصدر (كلا كلا أمريكا)، فلن تجلب لهذا الشعب المبتلى غير المزيد من الدمار وسفك دماء الأبرياء والقتل المجاني. فالمطلوب بالضبط من الحكومة العراقية يا أخ كامل هو إعادة كتابة الاتفاقية الإستراتيجية العراقية الأمريكية (SOFA)، بحيث تسمح بوجود قوات أمريكية محدودة في العراق، كما هو الحال في الكويت وغيرها من الدول الخليجية.

التعليق الثالث من الصديق وداد عبد الزهرة فاخر / رئيس تحرير جريدة السيمر، أنقله نصاً وبالكمال والتمام : (عبد الخالق حسين يتحدث بدون تخويل باسم الشعب العراقي، وهو حق غير مكتسب اطلاقا وتجاوز على مشاعر العراقيين الذين يعرف الصغير والكبير منهم حجم المؤامرة الامريكية على العراق من خلال تشكيل داعش ودعمها وتوجيهها لسوريا ثم العراق. والحديث يطول اصلا. ثم ان العراق جزء من امة العرب ويتأثر بما يحصل في كل جزء عربي ونضال جميع القوى المناهضة لإسرائيل في فلسطين المحتلة وانتصارها انتصار للعراق ايضا لان اسرائيل جزء من المخطط الارهابي الامريكي الذي يصفق له عبد الخالق حسين. فابراهيم السامرائي او ابو بكر [البغدادي] قد تدرب باسرائيل. والمقال برمته دعاية واضحة لإعادة الاحتلال الامريكي الشامل للعراق الذي بدأت مظاهره تطل علينا من جديد حيث دخل من شباك داعش الذي افتعله بعد ان خرج من الباب.) أنتهى

الجواب: يا أخ وداد أنا مثلك، وكأي مواطن عراقي، في الداخل أو الخارج، مخول من الشعب العراقي من خلال الدستور الذي صوت عليه عام 2005 حيث أتاح لي ولك ولكل العراقيين حرية التعبير والتفكير. فلماذا تريد أنت مصادرة هذه الحرية وتحرمني منها؟ أما إذا كنت تقصد بـ(تخويل باسم الشعب) كأن أقوم باستفتاء الشعب على كل مقال أنشره، فهذا شرط تعجيزي مستحيل تنفيذه إطلاقاً، ولتوقف الناس عن الكتابة والنشر. والتخويل الشعبي الذي تعنيه كذلك ينطبق عليك، لأنك أنت أيضاً لم تحصل على هذا التخويل الشعبي لكي تحاول منعي من هذا الحق. وفي النهاية لنترك الأمر للقراء ليحكموا بأنفسهم، إما أن يأخذوا به أو يرفضوه. إذ كما جاء في القرآن الكريم: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ".

الاستنتاج:
أقول لأولئك الذين مازالوا يرون الوطنية مرادفة لمعاداة الغرب وأمريكا، ويرددون هتافات بائسة مثل (كلا كلا أمريكا)، و(الموت لأمريكا) و (الرأسمالية المتوحشة)...الخ، وتحرضون على العداء للغرب، أنكم تقودون شعبكم نحو الهاوية. فنتيجة لهذه العقلية التدميرية انتجتم صدام حسين، وجلبتم الدمار الشامل لشعبكم، وكفى ضحكاً على الذقون، فكما قالت الكاتبة السعودية الشجاعة، وجيهة الحويدر: (استغفلونا ونحن صغاراً)، فلم نعد نصدقكم بعد.
يجب أن يعرف هؤلاء أننا نعيش في عصر العولمة، وصار كوكبنا عبارة عن قرية كونية، والمشكلة الوطنية أو المحلية هي مشكلة دولية، فالإرهاب في أي مكان هو إرهاب يهدد كل مكان. فداعش ليست مشكلة عراقية أو سورية فحسب، بل مشكلة دولية. وأنا أكتب هذا المقال، وعلى بعد بضعة مئات من الأميال مني يعقد في مقاطعة ويلز البريطانية، مؤتمر قمة حلف الناتو الذي حضرته 28 دولة من بينها أمريكا و بريطانيا، إضافة إلى ملك الأردن ورئيس أوكرانيا (يعني 30 دولة)، لمواجهة مشكلتين أساسيتين تهددان السلام العالمي. المشكلة الأوكرانية، ومشكلة داعش في العراق وسوريا. لذلك، سواءً كان داعش والقاعدة صناعة أمريكية أم لا، فقد انقلب السحر على الساحر، وبدأ داعش يقطع رقاب الصحفيين الغربيين بمنتهى الوحشية والهمجية. ومن مصلحتنا توظيف هذا الاندفاع الدولي ضد داعش لمصلحتنا.
ترى السعودية وغيرها من الدول الخليجية ليس من مصلحتها أن ينافسها العراق لتكون له علاقة إستراتيجية حميمة مع الدولة العظمى. لذلك نجد وسائل إعلام هذه الدول تحرض الشعب العراقي ضد أية علاقة مع أمريكا وتعتبر وجود عدة آلاف جندي من القوات الأمريكية في العراق إساءة للسيادة الوطنية العراقية. فاستجاب لهم أعوانهم من أمثال أتباع مقتدى الصدر وفق مبدأ "شيِّم البدوي وخذ عباته"! في الوقت الذي نرى هذه الدول تتسابق فيما بينها لكسب ود أمريكا التي قواعدها العسكرية تملأ أراضيها.
فأية سيادة بقيت للعراق وثلثه محتل من قبل شذاذ الأفاق من مجرمي داعش، وما تعرضت له الأقليات الدينية من مجازر يندى لها جبين الإنسانية؟ في الحقيقة إن حاجتنا لأمريكا اكثر من حاجتها إلينا.
فأيهما أفضل للعراق وأقل إساءةً للسيادة الوطنية أو(قميص عثمان): إحتلال داعش لثلث مساحة العراق وارتكاب المجازر الوحشية ضد شعبه، أو منح أمريكا كيلومتر مربع واحد تقيم عليها قاعدة عسكرية، تقوم بتدريب الجيش العراقي وتساعده على محاربة الإرهاب؟ أيهما أفضل ؟ أفتونا يرحمكم الله!!!

يجب أن يفهم هؤلاء أن عصر الضحك على الذقون قد ولى وإلى الأبد، وأن كل ما أنتجته الحضارة من علوم وآداب وفنون وأيديولوجيات يجب وبالضرورة أن تكون في خدمة الإنسان وليس العكس. ولذلك فالأيديولوجيات الشمولية قد انتهت في مزبلة التاريخ.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر:
1- عبدالخالق حسين: خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر العبادي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=680

2- أ. د. حسين حامد حسين: مداخلة مع مقال الدكتور عبد الخالق حسين ...
http://alakhbaar.org/home/2014/9/175896.html
ـــــــــــــــــــــ
ومن يرغب في قراءة المزيد من التعليقات أرجو فتح الروابط التالية:
1- رابط المقال على موقع الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=431099

2- رابط المقال على موقع عراق القانون
http://www.qanon302.net/in-focus/2014/09/04/30844

3- - رابط المقال على موقع شبابيك
http://www.shababek.de/pw3/?p=5072
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط مقالات ذات صلة:
1- عبدالخالق حسين: نحو علاقة عراقية- أمريكية متكافئة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=570

2- عبدالخالق حسين: لماذا يحتاج العراق إلى الدعم الأمريكي؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=630

3- عبدالخالق حسين - لولا أمريكا...
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=59875

4- سالم مشكور: «البطل» و«الحليف» وواشنطن!
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=167215#axzz3CW0qfP5i

ملحق
أدناه رسالة من أحد الأصدقاء، وهو شيوعي سابق، بعثها لي معقباً على مقالي (خطاب مفتوح للدكتور حيدر العبادي)، ونظراً لأهميتها ولأنها مكملة للمقال، فقد سمح لي مشكوراً بنشرها وبتوقيع (شيوعي سابق).
نص الرسالة:
الى الصديق الدكتور عبداالخالق حسين
تحية عراقية واتمنى ان تكون بوافر الصحة والعافية
اتفق تماما مع كل ماورد في مقالك الرائع واشيد بشجاعتك وصراحتك، وسبق لي قبل عدة اشهر اني وعدتك ان ارسل لك رسالة بهذا الخصوص وأرى ان مستقبل العراق مرهون بمدى قوة العلاقة مع الغرب وبالذات مع الولايات المتحدة الامريكية ذات الفضل الكبير علينا بتحرير بلدنا من الاستعمار البعثي النازي. وأضيف الى مقالك ان يسعى العراق للانضمام الى حلف الناتو اسوة بتركيا لأنه سيكون الضمانة لأمن العراق عسكريا وأمنيا واقتصاديا وثقافيا. قوة اقتصاد تركيا يأتي من تحالفها مع الغرب وعضويتها في الناتو، وبالتالي الاستثمارات الغربية الهائلة في تركيا. في حين تفتقر الى النفط والغاز كما يمتلكه العراق. برأيي ايضا منح الشركات الامريكية والبريطانية وبقية الدول التي دعمت حرب تحرير العراق الأولوية والتسهيلات للإستثمار، وبعدها الدول الاخرى للعمل بالعراق مكافئة لدورها في تحرير العراق. وأتصور بعد ذلك سنسحب البساط من تحت دول الخليج، دول البداوة والتخلف والإرهاب، وحتى سلاطين تركيا بعد ربط مصالح الغرب وبالذات امريكا وبريطانيا في العراق. ولذلك فان الغرب سيكون مجبراً على حماية العراق من شرور هذه الدول وغيرها. فمثلا ستمنع اي من هذه الدول بالتدخل في شؤون العراق لان ذلك سيعرض مصالحها في العراق للخطر ثم تستطيع امريكا والغرب بالضغط على تركيا بعدم قطع المياه عن نهري دجلة والفرات، وهناك كثير وكثير من الامور الذي سيستفاد العراق من تحالفه مع امريكا صناعيا وزراعيا وعلميا وثقافيا.
يا أخي
هل هؤلاء بدو الخليج اكثر دهاءً وذكاءُ منا ؟؟؟؟ القواعد الامريكية والبريطانية وحتى الفرنسية منتشرة في كل بقعة من اراضي هذه الدول واقتصادها وأمنها مرتبط  ومرهون باقتصاد الغرب بشكل وثيق؟؟؟؟ يا دكتور يجب علينا التخلص من الشعارات الثورية والفنتازية التي دمرتنا من خلال معاداة الغرب ودفعنا ثمنا باهظا.
سؤالي: هل الدكتور العبادي له القدرة ان يخطو هذه الخطوة  الشجاعة وإنقاذ العراق ؟؟؟؟
اشك في ذلك!!! لان ملالي التخلف في طهران لا يسمحون بأي موطئ قدم للغرب، وبالذات للولايات المتحدة الامريكية في العراق اطلاقا. لاعتبارات تعرفها انت اكثر مني وإيران لها سطوة كبيرة على الاحزاب الدينية الشيعية، لنكن واقعين، وهذا تحالف ديني وطائفي كما كنا نحن الشيوعين سابقا، كان ولائنا المطلق للسوفيت بحكم الآيديولوجيا الواحدة. اتمنى من كل قلبي ان ينفذ الدكتور العبادي ما نحلم به، وينقذ العراق من هذه الفوضى، ويكون رجل العراق التاريخي؟؟

اما بخصوص مطالب قائمة حثالات البعث وشروطهم التعجيزية للمشاركة في الحكومة ومنها الغاء المسائلة واجتثاث البعث، فهذا مطلبهم الاول والأخير، ومهمتهم الاساسية لعودة البعث وضرب العملية السياسية من داخلها وهم يمثلون الواجهة السياسية للبعث، وداعش والنقشبندية، والتنظيمات الارهابية الاخرى تمثل الجناح العسكري الارهابي للبعث، لان قادة هذه التنظيمات وأمرائها هم من قيادات الجيش السابق وضباط المخابرات والأمن الخاص للنظام البعثي المقبور. من هو ظافر العاني، ومنه صالح المطلق، ومنه الكربولي، ومنه علاوي، ومنه النجيفي، ومنه طارق الهاشمي وسلمان الجميلي وغيرهم من الحثالات؟؟ تاريخهم السياسي وتصريحاتهم تؤكد بعثيتهم من خلال دفاعهم عن النظام المقبور من على شاشات التلفزة، ورفضهم للتغيير الذي حصل في العراق. ولذلك يجب عدم التنازل عن الغاء قانون اجتثاث البعث ولكن يجب ان يشمل البعثيين سواء من المكون السني او الشيعي، او أي مكون آخر وبدون انتقائية. بصراحة هذه الانتقائية سمحت للبعثيين الشيعة ان يخترقوا الاحزاب الدينية الشيعية ويتصدرون المشهد السياسي، وهنا تكمن الخطورة من خلال اختراق البعثيين للاجهزة الامنية والعسكرية والمؤسسات المهمة للدولة والقيام بأعمال ارهابية خطرة. اكثر مستشاري المالكي كانوا بعثيين ومن اجهزة المخابرات الصدامية في حين يمتلك حزب الدعوة كوادر مناضلة ومثقفة ومهنية تم تهميشها والاستعانة بهؤلاء البعثين والبعثيات. صحيح لا يمكن ابعاد كل البعثيين، لكن يجب عدم السماح لهم بتصدر المشهد السياسي. هؤلاء خطرين ويُشك في إخلاصهم مهما كانوا صادقين خوفا من الخطوط المائلة والاختراقات، ونحن اصحاب تجارب مع النظام البعثي ودوره التخريبي وعمليات الاختراق الامنية والتجسس. ولذلك اتمنى ان لا يلغى قانون اجتثاث البعث.

اشاركك الرأي بخصوص ان لا يكون الشيعة ملوك اكثر من الملك بخصوص المقاومة والقضية الفلسطينية، واعتبرها تجارة سياسية مارستها الانظمة العربية السابقة وبالذات التيار القومجي العروبي بشقيه الناصري والبعثي وحتى اليسار، وعفى الزمن على هذه التجارة وأصبحت من الماضي، ولن تخدم المكوَّن الشيعي. ويجب عدم الإنجرار وراء مشاكل ملالي طهران وصراعهم وصدامهم مع الغرب. اعتقد هذا لا يخدم الشيعة في كل مكان بمعاداتهم للغرب ولن يكسبوا شيئا. دائما اتحاور مع بعض الاصدقاء والمعارف من الاسلاميين الشيعة وأقول لهم ، أما كان من الاجدر للنظام الايراني ان يدعم الاصلاحيين مثل خاتمي وغيره والتقرب من الغرب وبالذات مع الولايات المتحدة الامريكية وبناء علاقات استراتيجية كما يفعل بدو الخليج وكسبها بدل العداء لها؟؟ ماذا ستكسبون من هذا العداء؟؟ وادعموا الاصلاحيين لتوسيع الديمقراطية وعدم التدخل في شؤون الدول الاخرى وبناء نموذج ديمقراطي حقيقي بمنطقة الشرق الاوسط والعالم الاسلامي والانتقال للمجتمع المدني العلماني بالتدريج...!!! والتخلي عن هذا التهريج الأيديولوجي والخرافات التي عفا عليها الزمن. والشعب الايراني يمتلك عمق حضاري افضل من شعوب المنطقة، ودولة غنية بمواردها الطبيعية والبشرية وقادرة خلال عقدين ان تتجاوز حتى ماليزيا وتكون مركز اشعاع في المنطقة وشعوبها التي ستنهض وتحطم هذه الانظمة المتخلفة..؟؟
منهم من يؤيد هذا الموقف ومنهم المؤدلج حتى النخاع يرفض ذلك ويعتقد ان النظام الحالي افضل نظام بالعالم في العراق حاليا.
طبعا الآمال الشعبية تنتظر تشكيل الحكومة وعودة مئات الآلاف من المهجرين لديارهم ومنهم اهلي واقربائي الذين تركوا املاكهم وبساتينهم وبيوتهم من قضاء المقدادية والتجأوا الى المناطق الكردية كأربيل وخانقين ومدن آخرى خوفا من عصابات داعش. يوميا اتصل بهم وهم ينتظرون الفرج للخلاص من دواعش البعث.
قد اطلت عليك حديثي
اتمنى لك الموفقية والصحة
تحياتي
شيوعي سابق
3/9/2014


32
خطاب مفتوح إلى الدكتور حيدر العبادي

د.عبدالخالق حسين

بعد التحية والتقدير،
لا شك أن تكليفكم بتشكيل الحكومة الجديدة قد وضعكم في موقف لا تحسدون عليه. فالمطلوب منكم تشكيل حكومة جامعة وشاملة تضم ممثلين عن جميع مكونات الشعب العراقي المتعادية، وكناية نقول "المتآخية". فكتلة كل مكوَّن قدمت لكم قائمة من المطالب أغلبها تعجيزية كشرط لمشاركتهم في الحكومة، ومعظم طلبات كل كتلة يتعارض مع طلبات الكتل الأخرى، وحتى مع الدستور، ولسان حال كل منهم يقول: "لو ألعب لو أخرِّب الملعب"، خاصة وبإمكانهم تخريب الملعب، لأن (داعش) بندقية جاهزة لإيجار. 

فمهمتكم صعبة جداً، ولكنها ليست مستحيلة، لذلك، و كمواطن عراقي في المهجر، متابع ومهتم بالشأن العراقي، أجازف بتقديم بعض الاستشارات لكم، أعتقد أنها تساعدكم على جعل مهمتكم ممكنة فيما لو تفضلتم بالأخذ بها.

حقائق أولية
في البدء، أرجو أن تسمحوا لي بذكر بعض الحقائق المتفق عليها في السياسة وهي كالتالي:
الحقيقة الأولى، السياسة فن الممكن، وكل من يحاول المستحيل، فقد "أضاع العمر في طلب المحال". ورفض سياسة (كل شيء أو لا شيء)، فمن يصر على هذه السياسية ينتهي بلا شيء.
الحقيقة الثانية، أن النزاهة، والوطنية، والأخلاق الرفيعة، والنوايا الحسنة، والشعبية الواسعة، رغم ضرورتها في القائد السياسي، إلا إنها لا تكفي لنجاحه في تنفيذ برنامجه الوطني وحمايته من الفشل. فالذي سبقك في المنصب، ورفيقك في حزب الدعوة، السيد نوري المالكي، لم تنقصه هذه الخصال الحميدة، ولكنه مع ذلك لم يستطع نيل "المقبولية" من بقية الفرقاء في الداخل والخارج.(نشير عليكم بقراءة مقالنا: لماذا ربح المالكي الانتخابات وخسر"المقبولية"؟)(1).
وقبل أكثر من خمسين عاماً، حاول الزعيم عبدالكريم قاسم، الذي يضرب به المثل في النزاهة والوطنية والشعبية، أيضاً فشل في إرضاء الجميع فغدر به رفاق الأمس وقتلوه مع صحبه الأبرار شر قتلة، ولم يتركوا له حتى قبراً يضم جسده الممزق بالرصاص. وقبل ذلك بـ 1400 عاماً، حاول الإمام علي تحقيق العدالة، فملئوا قلبه قيحاً حتى استشهد.
الحقيقة الثالثة، أن مهمة السياسة هي السعي من أجل مصلحة الشعب. ولذلك نرى السياسيين الناجحين المخلصين لشعوبهم يبذلون كل ما في وسعهم لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح لشعوبهم. فمجال الأخلاق ليس في السياسة، بل في الدين والفلسفة. وحتى الدين في زماننا هذا تم تسخيره للشر وضد الأخلاق، كما هو واضح من سياسات بعض الدول التي سخَّرت الإسلام للإرهاب ضد الإنسانية.

الحل في العلاقة الاستراتيجية مع أمريكا

وبناءً على ما تقدم، ولكي تنجحوا في مهمتكم الصعبة وتقودوا العراق وشعبه إلى بر الأمان والسلام، عليكم بتحقيق مشروع في منتهى الأهمية، ألا وهو: إقامة علاقة إستراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية. فهذه العلاقة هي مفتاح الفرج، والعصا السحرية لحل جميع مشاكل العراق المستعصية والمتراكمة عبر قرون. وإذا ما كسبتم أمريكا إلى جانب العراق فستكسبون كل شيء، وجميع المشاكل الأخرى هي فرعية يمكن حلها، بما فيها الصراع العربي – الكردي، والسني – الشيعي، وعلاقات العراق المتوترة مع بعض الدول الإقليمية. لأن جميع الجهات التي تخلق المشاكل للعراق الجديد، وخاصة تأجيج الفتن الطائفية، في الداخل والخارج، تأتمر بأوامر أمريكا ومطيعة لها، "فالقول ما قالت أمريكا"، وما داعش إلا ورقة من أوراق لعبة 'بوكر' إقليمية ودولية، صنعت لمعاقبة كل حكومة لم تكن على وئام تام مع أمريكا وحليفاتها في المنطقة.

وأمريكا حقاً تستحق الشكر وإقامة العلاقة الحميمة والوثيقة معها، إذ كما ذكرنا في مقال لنا: "وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية فقد قدمت أمريكا تضحيات كثيرة لتحرير العراق، منها: نحو4500  قتيل من جنودها، و حوالي 40 ألف جريح، وترليون دولار من الخسائر المادية، وفي النهاية يتنكر العراقيون لهذا الفضل واتجهوا إلى إيران وروسيا، العدوتان لأمريكا"(1).
وهنا أود التوكيد على إن العلاقة الإستراتيجة الحميمة مع أمريكا لن تضر بالسيادة الوطنية، ولا تعني الانبطاح أو العمالة لها كما يدعي المهووسون بمعاداة أمريكا. فأية سيادة للعراق الآن وثلث مساحته محتل من قبل عصابات داعش الإرهابية؟ فلو كان لأمريكا وجود عسكري في العراق لما تجرأت عصابات داعش على انتهاك السيادة الوطنية العراقية، وارتكاب هذه الجرائم البشعة ضد عشرات الألوف من المواطنين الأبرياء، وشن حرب الإبادة والتطهير العرقي والطائفي؟ فأية مصلحة للعراق الجريح بمعاداة الدولة العظمى؟

ما هي السبل لتحقيق العلاقة الجيدة مع أمريكا؟
ولتحقيق هذه العلاقة نشير عليكم بما يلي:
1- تعديل الاتفاقية الاستراتيجية العراقية- الأمريكية لعام 2011 بما يخدم مصلحة الدولتين، بأن يوافق الجانب العراقي على وجود قواعد عسكرية لأمريكا في العراق من أجل حمايته، وتدريب قواته المسلحة وأجهزته الأمنية بالأساليب الحديثة والتكنولوجية المتطورة، وتحويله إلى جيش محترف يتمتع بقدرات عالية ليحمي الشعب من أي عدوان خارجي أو داخلي.
2- يجب الاهتمام بالإعلام في الداخل والخارج، وبالأخص لكسب الرأي العام الأمريكي. لقد نجح أعداء العراق الديمقراطي في تشويه صورة الديمقراطية الوليدة، وبالأخص صورة السيد نوري المالكي في أمريكا، فأبرزوه بأنه دكتاتور أسوأ من صدام، وموالي لإيران، ومعادي لأمريكا، وطائفي همش السنة والكرد، وحتى بعض الكيانات من طائفته الشيعية!! وأنه بسياساته هذه، سهل على داعش احتلال ثلث مساحة العراق!.
ولنشر هذه الافتراءات في الغرب وإبرازها وكأنها حقائق لا تقبل الشك، استأجروا شركات العلاقات العامة (PR)، وكتاب كبار، وصحافة كبرى، دفعوا لها ملايين الدولارات، وبذلك تمكنوا من كسب الرأي العام الأمريكي إلى جانبهم، وكونوا لوبيات (مجموعات الضغط) من شخصيات متنفذة في المجلسين: الكونغرس والشيوخ، مما أثروا على موقف إدارة الرئيس أوباما في أخذ الموقف المضاد من السيد المالكي والعملية السياسية برمتها.
لذلك، نشير عليكم بعدم إهمال الجانب الإعلامي، وتكوين اللوبيات في الغرب وخاصة في أمريكا لإعطاء صورة صحيحة ومشرفة ومشرقة عن العراق الجديد. وهناك في أمريكا عراقيون أكفاء
يمكنهم القيام بهذا الدور فيما لو قدمتم لهم الدعم.
3- موقف العراق من إيران: يجب التوضيح لأمريكا بأن ليس من مصلحة العراق معاداة إيران أو أية دولة إقليمية، وأن من مصلحة أمريكا أن تكون للعراق علاقة حميمة مع الدولتين أمريكا وإيران، خاصة وهناك دلائل تشير إلى تحسين العلاقة بين هاتين الدولتين.
 
4- الموقف من تأهيل البعث: لقد نجح حلفاء البعث الحاليون وهم بعثيون سابقون، من أمثال أياد علاوي والنجيفي والمطلق، والهاشمي عن طريق اللوبيات، في إقناع الإدارة الأمريكية ببراءة البعث من جرائمه ضد الإنسانية، وتشويه صورة قانون اجتثاث البعث (Debaathification)، ولذلك صرح الرئيس أوباما بأن هذا القانون كان خطأً. وهذا تمهيد لتأهيل حزب البعث، وبالتالي فرضه عليكم كشريك في العملية السياسية والحكومة ضمن مخطط إعادة تبعيث العراق (Re-baathification of Iraq)(2). لقد حصلت هذه القناعة لدا الرئيس أوباما بسبب غياب الصوت العراقي الديمقراطي المخلص في أمريكا ليشرح لهم الحقيقة. لذلك عليكم بسد هذا الفراغ، ومحاولة إقناع الإدارة الأمريكية بأن البعث هو أسوأ من النازية الهتلرية، وتأهيله وقبوله كشريك سيقضي على كل ما تحقق للعراق من مكاسب ديمقراطية، وسيعيد دورات العنف والحروب العبثية المدمرة في العراق والمنطقة. فحزب البعث لا يؤمن بالديمقراطية، ولا بالشراكة إلا كإجراء تكتيكي مؤقت ليتحين الفرص المناسبة ويغتصب السلطة كما هو معروف من تاريخه الدموي الأسود. والمؤسف أن هناك قيادي شيعي وهو السيد عمار الحكيم، راح يتحدث عن "انتفاء الحاجة الى قانون المساءلة والعدالة" أي (اجتثاث البعث). فتأهيل البعث خط أحمر للشعب العراقي ومخالف للدستور، أرجو أن تقفوا ضده بكل ما أوتيتم من قوة.

5- الموقف من القضية الفلسطينية: لقد أصدرت الأمم المتحدة قراراً يقضي بقيام الدولتين، أي دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، و قبلت القيادة الفلسطينية بهذا الحل. فهل المطلوب من الشيعة في العراق وإيران ولبنان والبحرين وغيرها من بقاع العالم، وهم يواجهون حرب الإبادة من الإرهاب السني الوهابي، أن يكونوا فلسطينيين أكثر من القيادة الفلسطينية، خاصة وقد اعترفت معظم الحكومات العربية بما فيها الحكومة الفلسطينية بإسرائيل؟ فلماذا الشيعة وحدهم يريدون معاداة أمريكا وإسرائيل برفع شعار التحرير من النهر إلى البحر؟(3)

حكومة الأغلبية
لا شك أنكم تعلمون أن هدف بعض الكيانات السياسية من المشاركة في الحكومة هو شلها من الداخل، ليلقوا اللوم عليكم، كما حصل في السنوات السابقة. لذلك أشير عليكم بحكومة الأغلبية السياسية، تتألف من كيانات سياسية منسجمة ومتقاربة في الأهداف ومتفقة على برنامج حكومي يخدم الشعب، وفي نفس الوقت تضم جميع المكونات الأثنية والدينية والمذهبية. فتشكيل حكومة الأغلبية تساعد على خلق معارضة ديمقراطية تحت قبة البرلمان بدلاً من معارضة لها رجل مع الحكومة وأخرى مع الإرهاب الداعشي.
وبناءُ على كل ما تقدم، نهيب بكم أن تجعلوا مصلحة العراق فوق كل شيء، وفوق أي اعتبار، وفوق مصلحة أية جهة أخرى، وأن تكون هي البوصلة لتقرير اتجاه العلاقة مع القوى السياسية في الداخل، والدول الأخرى في الخارج.

وفقكم الله لما فيه الخير للشعب العراقي
وتقبلوا منا فائق التقدير والاحترام
د.عبدالخالق حسين

إنكلترا
2 أيلول/سبتمبر 2014
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر
1- د.عبدالخالق حسين: لماذا ربح المالكي الانتخابات وخسر"المقبولية"؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=677

2- SHANE HARRIS: The Re-Baathification of Iraq
http://www.foreignpolicy.com/articles/2014/08/21/the_re_baathification_of_iraq
 
3- شاكر حسن - هل محاربة اسرائيل والدول الداعمة لها وقف على الشيعة؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=430689&nm=1

33
داعش يفضح مناصريه السياسيين
عبدالخالق حسين

منذ إسقاط حكم البعث الصدامي عام 2003 صار العراق ساحة لحروب إبادة الجنس على الهوية الدينية والطائفية. ولم يكن هذا الصراع الطائفي وليد اللحظة، بل هو نتاج ثمانين عاماً من احتكار المكون الواحد للحكم، وعزل وتهميش بقية المكونات. لذلك لم يتحمل هذا المكون نظاماً ديمقراطياً يشارك فيه الجميع وفق نتائج صناديق الاقتراع. لا شك أن أي كاتب يحاول قول هذه الحقيقة يشعر بالإحراج إذا ما أراد أن يسمي الأشياء بأسمائها، مثل الصراع الطائفي السني- الشيعي. ولكن بعد أن صار كل شيء على المكشوف، إذ بات معروفاً لدى القاصي والداني أن الإرهابيين القتلة هم من المذهب السني، وأغلب  الضحايا المستهدفين هم من الشيعة والمسيحيين و الأزيديين. وبالتأكيد، إذا قلنا هذه الحقيقة في تسمية الجناة والضحايا فلن نسلم من تهمة الطائفية، فسياسة النعامة في دفن رأسها بالرمال ما زالت سائدة.

لقد كانت الطائفية في العراق موجودة قبل 2003، ومنذ تأسيس الدولة العراقية، ولكن لم يستطع المهمشون التعبير عن سخطهم علناً بسبب قمع السلطة الطائفية لهم. والملاحظ أن جميع الأعمال الإرهابية التي وقعت ضد الشيعة بعد 2003، لم يوجه أي سياسي أو رجل دين سني إدانة لهذه الجرائم، إذا ما استثنينا الشيخ خالد الملا (رئيس جماعة علماء العراق)(1)، ونفر قليل مثله، بينما إذا وقعت جريمة ضد أهل السنة نلاحظ إدانة الجانب الشيعي لهذه الجرائم فوراً.
وآخر هذه الجرائم كانت الجريمة المروعة التي وقعت في مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى، يوم 22/8/2014، التي راح ضحيتها نحو 30 شهيداً وإصابة 20 من المصلين السنة، و التي هزت وجدان كل إنسان سوي عنده ضمير حي، بغض النظر عن انتمائه الديني والمذهبي.

ولكن الغريب أن العديد من الزعماء السياسيين السنة ومشايخهم الدينيين، وحتى البعض منهم من اتصف بالاعتدال، تسرعوا في الاستنتاج بأنه طالما كان الضحايا من السنة، فلا بد وأن يكون الجناة من الشيعة. لذا، أطلقوا العنان لمشاعرهم بالتصريحات الطائفية النارية لتأجيج الوضع والشحن الطائفي. وعلى سبيل المثال، "اعلنت كتلتا (ديالى هويتنا) برئاسة سليم الجبوري، و(ائتلاف القائمة العربية) برئاسة صالح المطلك، انسحابهما من مفاوضات تشكيل الحكومة احتجاجا على اطلاق مجموعة مسلحة النار على مصلين اثناء خروجهم من جامع مصعب بن عمير شرقي بعقوبة." (2). طبعاً لم نقرأ أو نسمع من هؤلاء أية إدانة عندما تحصل جرائم مشابهة، وأسوأ منها ضد غير أهل السنة. فالسيد سليم الجبوري هو رئيس البرلمان العراقي وليس رئيس البرلمان السني، كان المفروض به أن يسيطر على مشاعره إلى أن تتكشف الحقيقة، ولكن مع الأسف الشديد لم يستطع الصبر بدوافع طائفية.
 
أما علي حاتم السليمان، رئيس ما يسمى بـ"مجلس ثوار العشائر” فقد هدد بالثأر السريع والحاسم، واتهم ”ميليشيات تابعة للتيار الصدري بارتكاب ابشع مجزرة في التاريخ”، مطالباً السياسين السنة بـ”الانسحاب من العملية السياسية”.(3). وأما الفضائيات الطائفية فحدث عن البحر ولا حرج، فقد استغلت هذه الجريمة إلى أبعد الحدود لتصعيد الاحتقان الطائفي، والتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وأخيراً جاء الخبر اليقين، حيث أفادت الأنباء أن (تنظيم "داعش"، أعلن مسؤوليته عن حادثة مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى في بيان على موقعه في "تويتر"، إن "تفجير الجامع وقتل المرتدين جاء بسبب رفضهم مبايعة الخليفة ابي بكر البغدادي". واضاف "اننا سنكرر هذا العمل في أي مكان وضد أي جهة ترفض مبايعة الخليفة".(نفس المصدر في رابط رقم: 2). بذلك فقد فضح داعش أنصاره السياسيين، وأخرسهم.
والجدير بالذكر أن تنظيم داعش قتل نحو 17 من أئمة أهل السنة في الموصل لرفضهم مبايعة "الخليفة" المدعو أبو بكر البغدادي. وتكررت العملية في أماكن أخرى تحت سلطتهم. كما و"أبلغ إمام جامع النبي إبراهيم في محافظة ديالى الشيخ سعدون الهبهب، المركز الخبري،أن عصابات داعش الإرهابية هددت جميع المساجد السنية في المحافظة، لأنها لم تبايعها، مؤكدا أن التهديد كان قبل أسبوع من الهجوم الإرهابي الذي استهدف مصلي مسجد مصعب بن عمير شرق بعقوبة."(4)

إن حادثة مسجد مصعب بن عمير في محافظة ديالى المأساوية وقبلها، وما رافقها من تصريحات نارية للشحن الطائفي، يجعلنا في حيرة من أمرنا، ونسأل، هل يمكن أن يعيش هكذا شعب منقسم على نفسه بسلام في دولة واحدة ونظام ديمقراطي؟ أين كان يكمن كل هذا الحقد الطائفي طوال ثمانين سنة؟
يخطأ من يعتقد أن الفتنة كانت نائمة وجاء الأمريكان فأيقظوها. فالطائفية كانت موجودة ولكنها كانت مقموعة بالقبضة الحديدية من قبل سلطة المكون الواحد. فهي أشبه بالبركان الخامد تحت السطح ينبعث منه الدخان الخفيف ينتظر الوقت المناسب للانفجار، وهذا الوقت توفر بعد زوال القمع عام 2003.

وللتذكير، نعيد ما أكدناه مراراً، أن العرب السنة يرفضون أن يكون رئيس الوزراء شيعي حتى ولو جاء عن طريق صناديق الاقتراع، وهذا هو جوهر المشكلة. ولذلك فهم يرفضون الديمقراطية، ولكن إلى متى؟
إن احتكار السلطة من قبل المكون العربي السني بالقبضة الحديدية لثمانية عقود، هو المسؤول الأول والأخير عن فشلهم في بناء الأمة وتكوين الوحدة الوطنية، والتعايش السلمي بين مكونات الشعب. وبذلك فقد شجعوا على ترسيخ الولاء للهويات الثانوية على حساب الولاء للهوية الوطنية. ولذلك راح زعماء الكتل السياسية يستقوون بالحكومات الأجنبية، و نرى ولاء الأخوين النجيفي وطارق الهاشمي لتركيا أكثر من ولائهم للعراق. وهذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.

كما ونسمع اليوم الحديث عن العودة إلى مخطط جوزيف بايدن، نائب الرئيس الأمريكي، الداعي إلى نظام الفيدرالية على أساس الانقسام العنصري والطائفي. فلو كان هذا النظام يقدم الحل الناجع، ويوفر الأمن والسلام للشعب العراقي فمن الجنون عدم الأخذ به، ولكن الواقع يفند جدوى هذا الحل. إذ هناك فيدرالية كردستانية، تتمتع بحقوق أكثر من الكونفدرالية، بل وحتى أكثر من الدولة المستقلة، ولكن مع ذلك هناك صراع شديد ومحتدم بين حكومة الإقليم والحكومة المركزية. أما المحافظات العربية السنية فهي الأخرى شبه مستقلة بإدارتها الذاتية منذ 2003، إذ تدار من قبل ناس منتخبين من أهل المنطقة، دون أي تدخل من المركز، إضافة إلى ممثليهم في البرلمان والحكومة في بغداد وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع. ومع ذلك ملأوا الدنيا صراخاً وضجيجاً مدعين العزل والتهميش... إلى آخر الأسطوانة.   

كما و ردد الإعلام المضلل، بما فيه الإعلام الغربي، أن سبب وجود داعش في العراق هو تهميش وإقصاء السنة والكرد من قبل المالكي، لذلك اضطر العرب السنة من سكان المنطقة الغربية تسهيل اجتياح داعش. وفضلوا حكم داعش على "حكم المالكي الطائفي" كما يزعمون. لذلك ألقوا اللوم على السيد نوري المالكي في وجود داعش في العراق وكل ما حل من عراق من مصائب منذ بدء الخليقة وإلى الآن.
أقول لهؤلاء، هناك صراع دموي في ليبيا، ليس فقط بين الإسلاميين والدواعش من جهة، وبين القوى العلمانية من جهة أخرى، بل وحتى بين الجماعات الإسلامية المسلحة ضد بعضهم البعض، والسلطة مشلولة لا حول لها ولا قوة. فهل تفشي الإرهاب الإسلاموي في ليبيا هو بسبب الصراع السني- الشيعي ولا يوجد شيعي واحد في ليبيا كما هو معروف؟ وكذلك القتال في سوريا بين جبهة النصرة وداعش، والإسلاميين الآخرين. ونفس الكلام ينطبق على المناطق الأخرى المبتلية بالإرهاب الوهابي في العالم.

لذلك، أعتقد جازماً أنه لو لم يكن في العراق انقاسم سني - شيعي، لاخترعوا شيئاً آخر للصراع، كأن يؤججوا الصراع المناطقي بين الشمال والجنوب، وصراعات بين التنظيمات والفصائل المتنافسة على السلطة والنفوذ. وحتى لو تم تقسيم العراق إلى ثلاثة كانتونات طائفية وعرقية، فستشتعل الحروب الدموية بين العشائر العربية السنية فيما بينها، ناهيك عن الصراع العربي- الكردي على كركوك، وما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، ومشكلة التطهير العرقي والطائفي. فالمشكلة ليست في تقسيم العراق إلى فيدراليات أو دويلات، وإنما المشكلة فيما بعد التقسيم على الحدود بين هذه الكيانات الجديدة.(5)

لذلك يسعى قادة الكتل العربية السنية إلى إلغاء الديمقراطية، والعودة إلى نظام حكم المكون الواحد، بالقبضة الحديدية كما كان قبل 2003، وحتى عودة حكم البعث، وبأسماء ديمقراطية مزيفة للتمويه. وهذا ما نلمسه من قوائم المطالبات والشروط التعجيزية التي قدموها إلى المكلف بتشكيل الحكومة الدكتور حيدر العبادي.
وآخر الأنباء في هذا الصدد، تفيد عن لقاء بين ائتلاف القوى الكردستانية واتحاد القوى الوطنية [العربية السنية] واتفاقهما على ان يضم برنامج الحكومة المقبلة قضايا المصالحة الوطنية، والمساءلة والعدالة [اجتثاث البعث سابقا]"(6). يعني التحالف الكردستاني يطالب بإلغاء قانون اجتثاث البعث!! وفي هذه الحالة يجب على اتحاد القوى الوطنية [العربية السنية] بيان موقفه من كركوك أيضاً و هيمنة حكومة الاقليم على واردات مداخل الحدود والنفط المستثمر في كردستان دون مشاركة الحكومة المركزية ليكون الشعب على بينة من برامجهم التي يحاولون فرضها على الحكومة الاتحادية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر
1-جماعة علماء العراق: تفجيرات يوم الاثنين نتيجة واضحة لتحريض أبواق الفتنة
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175256.html

2-  " داعش" يتبنى حادثة مسجد مصعب ابن عمير
http://almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=37167

2- داعش يحرج (أمراء الحرب) ويعلن مسؤوليته عن حادثة جامع مصعب بن عمير
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175236.html

3- السليمان يهدد السيد مقتدى الصدر
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175348.html

4- داعش هددت جميع مساجد ديالى قبل أسبوع
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175116.html

5- سعدي شرشاب ذياب : لا تخافوا من التقسيم الخوف مما بعد التقسيم.
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=424339

6- الائتلاف الكردستاني واتحاد القوى يعلنان الاتفاق على ان يضم البرنامج الحكومي قضايا الشراكة وأجتثاث البعث
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175417.html



34
نفاق السعودية في محاربة الإرهاب والتطرف الديني

د.عبدالخالق حسين

تتظاهر المملكة العربية السعودية وإعلامها الاخطبوطي الواسع الانتشار بعدائها الشديد لـ(داعش) والقاعدة وحزب الأخوان المسلمين، ولكل شيء اسمه الإرهاب والتطرف الديني!!. ولكن الواقع ضد هذا الادعاء. فالسعودية تملك المال والنفوذ السياسي والعقيدة الوهابية السلفية التكفيرية. فبالمال تشتري النفوذ والإعلام وكتاب وحكومات، وأخيراً حتى اشترت الأمم المتحدة، وبالعقيدة الوهابية ضللت الشباب المسلمين وحولتهم إلى أدوات تدميرية لنشر الإرهاب في العالم.

لقد قامت السعودية بتأسيس عشرات الألوف من المدارس، والمعاهد الدينية، والمساجد في العالم بذريعة نشر التعاليم الإسلامية "السمحاء"، ولكن في الحقيقة كانت تنشر التعاليم الوهابية التكفيرية المتشددة التي تنشر الكراهية والبغضاء بين البشر، وتكفر وتهدر دماء غير المسلمين، وحتى المسلمين من غير المذهب الوهابي السلفي مثل الشيعة والأحمدية وغيرهم. فقام هؤلاء من مشايخ الوهابية بعملية غسيل أدمغة مئات الألوف من الشباب المسلمين، وتحويلهم إلى وحوش وربوتات وقنابل بشرية موقوتة لنشر الإرهاب، والخراب والدمار في العالم، وبالأخص في العالمين العربي والإسلامي، وآخر هذه التنظيمات الإرهابية هو تنظيم (داعش) في العراق وسوريا.

وأكاد أجزم أنه لولا السعودية وعقيدتها الوهابية لما كان هناك شيء اسمه الإرهاب الإسلامي، أو بالأحرى الإرهاب الوهابي. ولما سمعنا بحزب أخوان المسلمين الذي منه وُلدت القاعدة، وطالبان وداعش، وجبهة النصرة، وبكو حرام، ومحاكم الشباب، ولشكر طيبة، وغيرها كثير من التنظيمات الإرهابية المنتشرة في العالم والتي تهدد الحضارة البشرية.
والسعودية هنا تلعب دوراً مزدوجاً فيه الكثير من النفاق والخديعة. ففي الوقت الذي تنشر فيه التطرف الديني وتدعم الإرهاب، تظهر نفسها كالحمل الوديع، وأنها رائدة السلام والمحبة والوفاق بين البشر! فقد أفادت وكالات الأنباء العالمية قبل أيام، أن السعودية تبرعت للأمم المتحدة بمبلغ مائة مليون دولار لمكافحة الإرهاب! ومنذ سنوات، والسعودية تصرف عشرات الملايين من الدولارات على تنظيم وعقد مؤتمرات دولية في الخارج والداخل تحت شعارات براقة وجذابة مثل (الحوار بين الأديان)، و(التقارب بين المذاهب الإسلامية)... الخ. ولكن عملياً تمارس الحكومة السعودية أبشع أنواع التمييز الديني والطائفي في كل مكان، وهي التي تنشر تعاليم الكراهية والبغضاء في مناهج التعليم ابتداءً من سن مبكرة بين تلامذة الابتدائية وإلى طلبة الجامعات في بلادها وفي العالم. وكلما تمادت في دعم الإرهاب تصاعدت أبواقها مدعية بأنها ضد الإرهاب والتطرف، إذ ينطبق عليها قول الروائي الفرنسي بلزاك: "حذار من امرأة تتحدث عن الشرف كثيرا".
فعلى نطاق الممارسة يمنع على غير المسلمين من أتباع الأديان الأخرى إدخال أي كتاب من كتبهم المقدسة في المملكة، ويعاملونها كما لو كانت من مجلات البورنو الفاحشة، ناهيك عن السماح لغير المسلمين من العاملين في المملكة بفتح دور العبادة لهم لممارسة طقوسهم الدينية والمذهبية. أما في التمييز الطائفي فحدث ولا حرج، فنحو 20% من الشعب السعودي هم شيعة يسكنون في المنطقة الشرقية من البلاد، الغنية بالثروات النفطية الهائلة، ولكن الحكومة السعودية تعاملهم دون مستوى البشر وتحرمهم من أبسط مقومات العيش اللائق بكرامة الإنسان.
وخلال ما يسمى بالربيع العربي، انطلق الشعب البحريني الذي يشكل الشيعة 80% منه، بتظاهرات سلمية ضد التمييز الطائفي، فأرسلت السعودية قوات ما يسمى بـ(درع الخليج)، وحتى بدون دعوة من الحكومة البحرينية (كما كتب روبرت فيسك في الانديبندت اللندنية)، وسحقت التظاهرات بمنتهى القسوة، بذريعة أن هذه الانتفاضة مدعومة من إيران.

وعن دور السعودية في بث التطرف الديني نشرت مجلة ميدل ايست مونيتر-MidEast Monitor  (عدد تموز/ يوليو 2007) دراسة للسفير الأمريكي السابق لدى كوستاريكا (كورتين وينزر)، ذكر
بأن "السعودية أنفقت 87 مليار دولار خلال العقدين الماضيين لنشر الوهابية في العالم (لحد عام 2001) "، وأنه يعتقد أن مستوى التمويل قد ارتفع في السنوات الأخيرة نظرا لارتفاع أسعار النفط. ويجري وينزر مقارنة بين هذا المستوى من الإنفاق بما أنفقه الاتحاد السوفيتي لنشر أيديولوجيته الشيوعية في العالم بين 1921 و1991م حيث لم يتجاوز الـ 7 مليار دولار. ويلاحظ وينزر جهود نشر الوهابية في عدد من بلدان جنوب شرق آسيا، وأفريقيا والدول الغربية من خلال بناء المساجد والمدارس الدينية والمشروعات الخيرية واستقطاب الشباب العاطل والمهاجرين في هذه البلدان. وتقول الدراسة إن خريجي المدارس الوهابية كانوا وراء الأعمال الإرهابية مثل تفجيرات لندن في يوليو 2005م واغتيال الفنان تيودور فان جوخ الهولندي عام 2004م."(1).

وكما أكدنا مراراً، فداعش نتاج لعبة دولية وإقليمية هدفها إخضاع الحكومات التي لم تساير أمريكا وحلفائها في المنطقة مثل السعودية، وقطر، والأردن وتركيا، بما فيه الكفاية، والعمل على تحويل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى صراع انتحاري سني- شيعي لإبادة الشيعة. فبشهادة الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية MI6 سير رتشارد ديرلوف (Sir Richard Dearlove) كانت السعودية تخطط لهذا المشروع لثلاثين سنة إبادة الشيعة في العالم اٌسلامي ومعاملتهم كما عاملت النازية اليهود في ألمانيا الهتلرية، (رابط الفيديو في الهامش- 2)
وآخر شهادة بدور السعودية في الإرهاب جاءت من الباحث الأمريكي إد حسين، زميل مساعد في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية، نشر في صحيفة نيويورك تايمز يوم 23/8/2014، مقالاً بعنوان: (يجب على السعودية وقف تصدير التطرف. داعش ترتكب الفظائع بالدعم السعودي لنشر الكراهية السلفية). يقول: "دعونا نكون واضحين وصريحين: إن تنظيم القاعدة، والدولة الإسلامية (داعش) في العراق وسوريا، بوكو حرام، والشباب وغيرها، كلها تجمعات سنية سلفية عنيفة. ومنذ خمسة عقود، كانت المملكة العربية السعودية هي الراعية الرسمية للسنة السلفية في جميع أنحاء العالم".(3)
ولكن مشكلة الكاتب أنه يحاول تبرئة الملك السعودي من هذا الدعم للإرهاب والتطرف، ويلقي اللوم على عاتق مشايخ السلفية وحدهم. وهذا غير معقول في دولة بوليسية يتمتع ملكها بالحكم المطلق.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- كرتن وينزر: السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية           http://www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11

رابط النسخة الإنكليزية المفصلة
Saudi Arabia, Wahhabism and the Spread of Sunni Theofascism
by Ambassador Curtin Winsor, Jr. 
http://www.onlineopinion.com.au/view.asp?article=6107

2- Sir Richard Dearlove on Re-appraising the Counter-Terrorist Threat
http://www.youtube.com/watch?v=XeFFtiEtriA

3- ED HUSAIN: Saudis Must Stop Exporting Extremism
ISIS Atrocities Started With Saudi Support for Salafi Hate
http://www.nytimes.com/2014/08/23/opinion/isis-atrocities-started-with-saudi-support-for-salafi-hate.html?smid=fb-share&_r=1

روابط مواد ذات صلة
د. احمد صبحي منصور: كتاب جذور الارهاب فى العقيدة الوهابية
 http://www.ahl-alquran.com/arabic/book_main.php?page_id=10

د. عبدالخالق حسين: السعودية والوهابية وجهان لإرهاب واحد   
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=440

داعش يحرج (أمراء الحرب) ويعلن مسؤوليته عن حادثة جامع مصعب بن عمير
http://alakhbaar.org/home/2014/8/175236.html

كيف ساعدت السعودية (داعش) في العراق؟ رئيس جهاز المخابرات البريطاني السابق يؤكد أن ما حدث كان خطة سعودية منذ البداية
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172506.html


35
لماذا ربح المالكي الانتخابات وخسر"المقبولية"؟

د.عبدالخالق حسين

في بلد مثل العراق، متعدد الأديان والمذاهب والأثنيات، وقواه السياسية متخندقة وفق هذه الانقسامات، وفي نظام ديمقراطي لم يألفه من قبل بعد عقود من الظلم والجور، ليس متوقعاً أن يفوز أي حزب أو كتلة سياسية أو زعيم سياسي بالأغلبية المطلقة في أي انتخاب برلماني، وإنما لا بد وأن يكون الفائز بالأغلبية النسبية. وفي الانتخابات الأخيرة حصل رئيس الوزراء المنتهية ولايته، السيد نوري المالكي على أعلى نسبة من أصوات الناخبين له ولكتلته دولة القانون. و وفق المادة 72 من الدستور العراقي، فاالمالكي هو الأولى من غيره بتشكيل الحكومة الجديدة.، و رغم ذلك أزيح لأنه خسر "المقبولية".

فقد كان هناك شبه إجماع لدى القيادات السياسية العراقية (بارزاني، علاوي، قيادة متحدون، مقتدى الصدر، عمار الحكيم...وغيرهم) على رفض الولاية الثالثة لرئيس الوزراء السيد نوري المالكي. وقد عولوا في البداية على الانتخابات البرلمانية عسى أن لا يفوز، ولما خاب أملهم في ذلك سهلوا دخول تنظيم (داعش) الإرهابي، ولما فشل داعش في إزاحته، أطلقوا فذلكة "المقبولية".

فما هي هذه "المقبولية"؟
المقبولية، مصطلح جديد في القاموس السياسي العراقي، سكه السيد عمار الحكيم، رئيس المجلس الإسلامي العراقي الأعلى (تنظيم المواطن)، للتخلص من المالكي في ترشيحه للولاية الثالثة. والمقصود بالمقبولية أن يكون المكلف بتشكيل الحكومة مقبولاً من قبل رؤساء الكتل السياسية الأخرى، و من حكومات إقليمية ودولية وخاصة أمريكا. وأضافوا إليها كلمة (الوطنية)، لتجميلها وتكون أكثر جاذبية لدى المتلقي، فصارت (المقبولية الوطنية). وهذا يعني أن فوز زعيم أي كتلة في الانتخابات لا يكفي لتكليفه بتشكيل الحكومة ما لم يكن مقبولاً من قبل رؤساء الكتل الأخرى، وحكومات خارجية وبالأخص أمريكا. ومن هنا فقد أصبحت للمقبولية الأولوية على نتائج الانتخابات. وهذا يتعارض مع أهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية، وهي سابقة خطيرة ستتكرر في المستقبل للاستهانة بنتائج الانتخابات.

وفي خضم هذه الأوضاع التي تهدد البلاد بحرب طائفية، حصلت قناعة لدى قيادات حزب الدعوة ودولة القانون اللتان يرأسهما السيد المالكي، أنه حتى لو تم تكليفه بتشكيل الحكومة لكان بإمكان الكتل السياسية المعارضة إفشاله في البرلمان. وأخيراً، حتى المرجعية الدينية المتمثلة بالسيد علي السيستاني، انضمت إلى جماعة المقبولية بعد أن تلقت رسالة من قيادة حزب الدعوة لتقديم المشورة للخروج من المأزق، فأجاب المرجع: (انني أرى ضرورة الاسراع في اختيار رئيس جديد للوزراء يحظى بقبول وطني واسع و يتمكن من العمل سوية مع القيادات السياسية لبقية المكونات لإنقاذ البلد من مخاطر الارهاب و الحرب الطائفية و التقسيم)(1). لا شك أنه كلام معقول وحكيم.
ولذلك، وبعد مشاورات بين هؤلاء القادة، كمخرج من عنق الزجاجة كما يقولون، تم اختيار الدكتور حيدر العبادي الذي هو من نفس حزب وكتلة المالكي، لتكليفه بتشكيل الحكومة. وبذلك تم اختيار البديل ضمن السياقات الدستورية، وعلى هذا الأساس قدم السيد المالكي بيان تنازله مساء 14/8/2014. 

والسؤال هنا، لماذا ربح المالكي الانتخابات، وخسر المقبولية الوطنية؟
ولتبرير رفضهم للمالكي شنوا عليه منذ عام 2010 عند تسلمه رئاسة الوزراء للمرة الثانية، حملات دعائية مضادة اتهموه بشتى الاتهامات، بأنه طائفي، ودكتاتوري، وأنه قام بتهميش السنة والكرد، وحتى قادة بعض الكيانات الشيعية عارضته، وألقوا عليه تفشي الفساد، إلى آخره من الاتهامات التسقيطية. فهل حقاً كان المالكي سيئاً إلى هذا الحد؟ وإذا كان كذلك، فلماذا زادت شعبيته في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ وكيف استطاع قيادة السلطة التنفيذية لدورتين (8 سنوات) والعراق يمر بأخطر مرحلة تاريخية عاصفة؟

في الحقيقة، وإذا أردنا الإنصاف، إن بغضهم للمالكي لم يكن للأسباب المذكورة أعلاه، وإنما لأنه حاول تطبيق الدستور ومحاربة الإرهاب، وإعمار البلاد، وهناك شركاء ضد هذا الاتجاه ولأسباب مختلفة. وهنا نحتاج أن نعيد ما ذكرناه مراراً في مقالاتنا السابقة وذلك لتوضيح الصورة، وعلى سبيل المثال:
السيد مسعود بارزاني يريد التصرف بثروات كردستان لكردستان مع احتفاظه بـ17% من ثروة العراق وحكم العراق، والمالكي يرفض ذلك.
والسنة العرب لا يريدون أي شيعي "شروكي" رئيساً للوزراء، لأنهم يعتبرون حكم العراق حقاً وراثياً ومشروعاً لهم وحدهم تاريخياً، إضافة إلى حقدهم على المالكي لأنه وقَّع على حكم الإعدام بحق المجرم صدام حسين وأزلامه المقربين، وغايتهم إلغاء كلما تحقق من تغيير بعد 2003.
أما مناهضة بعض الزعماء الشيعة في (التحالف الوطني العراقي) للمالكي، فأرادوا إزاحته لأسباب عديدة، منها المنافسة على المنصب، ومقتدى الصدر يريد أن ينتقم من المالكي لأن الأخير شن حملة عسكرية ضد مليشياته في البصرة ومدينة الصدر في عملية (صولة الفرسان)عام 2008 التي صعدت من شعبيته. أما السيد عمار الحكيم، فيعتبر المالكي واحد من عامة الشعب، وأسرة الحكيم لها الحق بالوراثة في السيادة الدينية والسياسية على الشيعة ومن خلالهم على العراق كله. فقد كتب لي صديق مطلع على هذه المنافسات الشيعية قائلاً: ((ربما لا تعرف سبب عداوة آل الحكيم لعبد الكريم قاسم، لا لأنه كان متعاطفاً مع الشيوعيين فحسب، وإنما لأنه من خلفية عائلية بسيطة (في تعبيرهم الناقص 'ابن فقر'). وهذا نفس الكلام سمعته من بعضهم في لندن عن المالكي انه 'معيدي وابن فقر'!)). لا شك أن في هذا الكلام الكثير من الصحة.
 أما الدول الإقليمية، تركيا والخليجية، وحتى إيران، فلا تريد للعراق أن تقوم له قائمة لأسباب مختلفة منها: طائفية وسياسية واقتصادية ذكرتها مراراً في مناسبات سابقة. فرغم عداء هذه الدول لصدام حسين وحكم البعث، إلا إنهم كانوا ضد إسقاطه، لأنهم كانوا يفضلون عراقاً ضعيفاً تحت حكم صدام، على عراق محرر ينعم شعبه بالديمقراطية والأمن والسلام والرفاه الاقتصادي.

غلطة المالكي الكبرى 
ولكن كل هذه الأسباب المذكورة أعلاه هي مختلقة ولا أساس لها من الصحة وأمريكا تعرف ذلك جيداً، وحتى لو كانت صحيحة لغضت أمريكا الطرف عنها و تجاوزتها لو لم يرتكب المالكي الغلطة القاتلة الكبرى، والتي أعطت زخماً هائلاً للاتهامات التسقيطية بحقه مثل الدكتاتورية، والتهميش وإقصاء الكرد والسنة، وأبرزتها وكأنها حقائق لا تقبل الشك. والغلطة القاتلة الكبرى هذه تتمثل في رفض المالكي إبقاء قوات أمريكية في العراق وفق الاتفاقية العراقية- الأمريكية الاستراتيجية، اختصاراً SOFA.
والسبب الرئيسي لارتكاب المالكي لهذه الغلطة هو إذعانه لضغوط شديدة من إيران والمتعاطفين معها من  السياسيين الشيعة في (التحالف الوطني). فقد هددت إيران المالكي أنه إذا وافق على إبقاء قوات أمريكية في العراق، فإنها ستحيل العراق إلى جهنم، رغم أن إبقاء هذه القوات كان في صالح العراق في الوقوف بوجه الإرهاب، ولتدريب جيشه الجديد. والمفارقة أن الذين ضغطوا على المالكي لصالح إيران هم الذين سعوا للتخلص منه، وكانت إيران السباقة في تأييد هذا التوجه.
 ولذلك حصل سوء فهم لدى الأمريكان بأن المالكي أدار ظهره ضدهم، وتنكر لفضلهم وتضحياتهم في سبيل تحرير العراق، و أنه عميل إيراني يجب التخلص منه بأي ثمن. إضافة إلى دور الإعلام العربي المضاد، واللوبيات وشركات العلاقات العامة (PR) المأجورة في واشنطن ضد المالكي التي راحت تؤكد للرأي العام الأمريكي بأن المالكي هو سبب كل مشاكل العراق. ومما زاد في الطين بلة، وبعد رفض أمريكا تجهيز العراق بالسلاح والعتاد لمواجهة الإرهاب وخاصة بعد دخول داعش، اضطر المالكي إلى التوجه إلى روسيا، الأمر الذي أثار غضب أمريكا عليه أكثر.
فلو كان المالكي قد أقام علاقة وثيقة وحميمة مع أمريكا، ووافق على إبقاء بعض قواتها في العراق، لما حصل في العراق من جرائم داعشية الآن، وتحركت أمريكا لإسكات معارضيه.

لقد بات واضحاً أن أوباما لم يأمر قواته الجوية بضرب داعش لحماية المسيحيين والأيزيديين والأقليات الأخرى من الإبادة الجماعية، إلا بعد أن احتلت قوات داعش بعض الحقول النفطية ووصلت إلى أطراف أربيل، وراحت تهدد الشركات النفطية الأمريكية العشرة هناك. وهذا ما اعرب به بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق لويس ساكو في رسالة مفتوحة ان "الرئيس الاميركي باراك اوباما يريد حماية أربيل لا المسيحيين"(2)
وأكد ذلك، الصحفي الأمريكي مايك ويتني، في تقرير مفصل بعنوان: (لماذا يريد أوباما إزاحة المالكي؟)(3)، فيقول: "أوباما يريد خلق ذريعة لإعادة نشر الآلاف من القوات الامريكية المقاتلة في العراق، عن طريق تخويف صناع السياسة العراقيين بالإرهابيين (داعش) المتعطشين للدماء وقطع الرقاب". ويضيف وتني: "المالكي طائفي أو غير طائفي، هذا غير مهم، المهم عند واشنطن هو أن المالكي رفض التوقيع لبقاء قوات أمريكية في العراق (SOFA). ويؤكد على (ملاحظة: من السهل أن نرى أن - داعش قد لا تكون مباشرة تحت سيطرة الولايات المتحدة – ولكن وجودها في العراق بالتأكيد يخدم الأهداف الاستراتيجية الشاملة لواشنطن.)

والطريف في الأمر، أن الشاعر العراقي سعدي يوسف الذي كان يصف نفسه بـ"الشيوعي الأخير"،
والي ما قبل تنحيه كان سعدي يشتم المالكي، واليوم يدافع عنه ويستخدمه لشتم الآخرين، فكتب على موقعه خاطرة  بعنوان (الإنقلاب الأميركي رقم واحد ...) جاء فيها:
((كما كان يحْدثُ في فيتنام الجنوبية ، قبل التحرير، يحْدثُ الآن في العراق المحتلّ .
تمّتْ إطاحةُ المالكيّ في انقلابٍ واضح، غير دمويّ، وجيءَ بحيدر العبادي .
أسبابُ الإنقلاب الرئيسة هي الآتيةُ :
1-  رفضُ المالكيّ التوقيع على اتفاقية الأمن المتبادل مع المستعمِر الأميركي.
2- رفضُ المالكيّ منح الحصانة لعسكريّي الاحتلال.
3- رفضُ المالكيّ تمدُّد الإقطاعيّين الأكراد في المحيط العربي والتركماني وسهل نينوى المسيحيّ .
4- رفض المالكيّ تصدير النفط العراقي إلى إسرائيل عن طريق الإقطاعيّين الأكراد.
5- محاولة المالكيّ بناءَ جيشٍ بقيادته هو، لا بقيادةٍ أميركية، مع مسعىً لتنويع مصادر السلاح.
6- علاقة المالكيّ الوثيقة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، والجمهورية العربية السوريّة.))(4)

في الحقيقة أرى الكثير من الصحة فيما كتبه الشاعر سعدي يوسف، وهذه من المرات النادرة التي يقول فيها كلاماً معقولاً وواقعياً، رغم اختلافي معه في اعتبار أمريكا دولة مستعمرة للعراق. 

والجدير بالذكر، وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية لأمريكا في تحرير العراق من الفاشية البعثية، فقد كان الشعب العراقي من أكبر المستفيدين من التحرير، وأمريكا قدمت تضحيات كثيرة منها: نحو4500  قتيل من جنودها، و40 ألف مصاب، ونحو ترليون دولار من الخسائر المادية على تحرير العراق، وفي النهاية يتنكر العراقيون لهذا الفضل واتجهوا إلى إيران وروسيا، العدوتان لأمريكا. وما (داعش) إلا عصا أمريكية غليظة تم صنعها بأموال السعودية وقطر، وبأيديولوجية الوهابية التكفيرية، لمعاقبة أية حكومة في المنطقة لا تكون على وئام مع أمريكا وحليفاتها في المنطقة.

ونحن إذ نسأل: ما هي مصلحة العراق بمعاداة الدولة العظمى؟ أمريكا لم تضرب العراق بالقنبلة النووية كما ضربت اليابان في الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك هناك علاقة إستراتيجية قوية بين البلدين. فلحد الآن لأمريكا 50 ألف جندي في اليابان، ومثله في كوريا الجنوبية، وألمانيا، ولها أكبر قاعدة عسكرية في قطر، ووجود عسكري في الكويت، ولم يسئ ذلك للسيادة الوطنية لهذه الدول. أنظر إلى التقدم المذهل في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا، والدول الخليجية وغيرها من الدول التي تربطها علاقات استراتيجية جيدة مع أمريكا. فلماذا العراق المعرض للإرهاب والدمار والخراب يجب أن يكون في حالة عداء مع الدولة العظمى التي قدمت الكثير في سبيل تحريره من أعتى نظام دكتاتوري فاشي؟   

ما العمل؟
نشير على رئيس الوزراء المكلف، الدكتور حيدر العبادي، كما أشرنا على السيد المالكي من قبل، أنه إذا أراد أن ينجح في حكمه، ويجعل شعب العراقي يعيش بسلام ورفاه، يجب عليه أن يقيم علاقة إستراتيجية وثيقة وحميمة مع أمريكا. ومن مصلحة العراق تعديل الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية العراقية-الأمريكية (SOFA) Status of Forces Agreement ، والموافقة حتى على تواجد قوات أمريكية في العراق. فالعلاقة مع الدولة العظمى ضرورية لأمن وسلامة واستقرار وازدهار العراق. ويجب على القوى السياسية العراقية، وخاصة اليسارية والإسلامية أن تتخلص من عقلية فترة الحرب الباردة، والعنجهية المعادية لأمريكا التي لم نحصل منها سوى الدمار الشامل.

وأخيراً أتمنى على كل المخلصين للعراق أن يتركوا المناكفات والصراعات الداخلية، وأن نعمل سوية لدعم الدكتور حيدر العبادي في مهمته الشاقة. وتحية للسيد المالكي الذي قال أخيراً عن تكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة:”حيدر العبادي ابن (الدعوة) ودولة القانون وابن العراق وابن الشيعة، واذا سقط او وقع العبادي لا سمح الله سأقع قبله، وانا سأبقى مستعداً لحمل البندقية وأقاتل معه دفاعاً عن العراق والحق والقانون، فقد قاتلنا ونحن خارج السلطة وقاتلنا معاً داخلها، وسنبقى نقاتل وندافع عن الحق والعراق دائماً، وأنا شخصياً حين اعلنت بيان انسحابي لصالح العبادي عدت للبيت وانا أشعر بأني القيت حملاً ثقيلاً عن كتفي، لكني في الصباح تساءلت مع نفسي وقلت ..على ظهر من القيتُ الثقل يا ابا اسراء”.(5)
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- توضيح من موقع السيد السيستاني: كيف ولماذا تنحى السيد نوري المالكي؟
http://www.sistani.org/arabic/in-news/24950/

2- بطريرك الكلدان: أوباما يريد حماية اربيل لا المسيحيين
http://www.middle-east-online.com/?id=182064

3- MIKE WHITNEY: Why Obama Wants Maliki Removed
http://www.counterpunch.org/2014/08/15/why-obama-want-maliki-removed/

4- سعدي يوسف: الإنقلاب الأميركي رقم واحد ...
http://www.saadiyousif.com/home/index.php?option=com_content&task=view&id=1773&Itemid=1

5- المالكي لـ (الحقيقة):حيدر العبادي ابن العراق ودولة القانون واذا وقع سأقع أنا قبله
http://www.shababek.de/pw3/?p=4639

36
المالكي يعطي درساً في التداول السلمي للسلطة

د.عبدالخالق حسين

رغم ما يمر به العراق من كوارث الإرهاب الداعشي- البعثي، المدعوم محلياً، وإقليمياً، ودولياً، إضافة إلى الصراعات الطائفية والقومية، إلا إن هناك جوانب مشرقة تؤكد على أن العملية السياسية تسير نحو النجاح ولو ببطء ومعوقات، وأن الحل الوحيد للأزمات والمشاكل العراقية االمزمنة هو الديمقراطية التي لا بد من نجاحها وإلا الانقراض.
وما بيان رئيس الوزراء السيد نوري المالكي المتلفز مساء 14/8/2014 الذي أعلن فيه تنازله عن جميع المناصب الحكومية، لصالح خلفه الدكتور حيدر العبادي، إلا دليل على صحة ما نقول(1). فقد حقق الرجل نقلة نوعية حضارية وأخلاقية فريدة في تاريخ العراق الذي لم يعهد الانتقال السلمي للسلطة من قبل، وحتى داخل الحزب الحاكم. وبذالك فقد أثبت المالكي (الإسلامي)، أنه أكثر التزاماً بالدستور والديمقراطية، وحرصاً على العراق الجديد والدولة المدنية، من بعض أدعياء العلمانية والديمقراطية والمتياسرين الذين ضربوا نتائج الانتخابات عرض الحائط، وحتى لجأوا إلى الدواعش بغية إزاحته بالإرهاب بعد أن فشلوا في إزاحته بصناديق الاقتراع. وهذه نقطة مهمة جداً يسجلها التاريخ لصالح المالكي، ووصمة خزي وعار لخصومه.

فالتبادل السلمي للسلطة لم يحصل في العراق في عهود ما قبل 2003 ، بل عن طريق الدبابات والانقلابات العسكرية، وحتى داخل الحزب الواحد كما حصل في الأعوام 1963، 1968، و 1979 حين ارتكب صدام مجازر عن طريق مؤتمرات صيد الفئران، وقتل نحو 400 من كوادر حزبه، بينهم  19 من القيادات العليا في الدولة والحزب.

فما حصل للمالكي مساء 14/8/2014 يشبه إلى حد كبير ما حصل للزعيم عبدالكريم قاسم في يومي 8-9 شباط 1963، مع الفارق، أن هذه المرة لم يأت المتآمرون بدباباتهم وقتل المالكي في دار الإذاعة وإبادة الألوف من الوطنيين بصورة وحشية لا يجيدها إلا البعثيون. وهذا يؤكد أن العراق يسير في الاتجاه الصحيح في تبني الأساليب الحضارية في الانتقال السلمي للسلطة، وقد فوَّت المالكي على البعثيين وغيرهم من أعداء العراق، ما ارتكبوه في 8 شباط 1963 من مجازر.

من المفيد أن أنقل هنا فقرة كاملة من مقال الأستاذ ميثم الجنابي الموسوم: (المالكي وعبد الكريم قاسم - نهاية المأساة وبداية المهزلة) لتوضيح الصورة:
"فعندما نتأمل محاولات وحالة إزاحة المالكي عن السلطة، فإننا نقف أمام تكرار لما حدث مع عبد الكريم قاسم من حيث الأسلوب والقوى الخارجية والداخلية. الأمر الذي يشير إلى أن الغاية هي هي. فقد كان سيل المعارضة محصورا باتهام عبد الكريم قاسم بالدكتاتورية والفردية ومحاربة القومية العربية. وسيل المعارضة الحالية ضد المالكي هي الأخرى محصورة باتهامه بالدكتاتورية والتفرد و"الصفوية". ذلك يعني أنه في كلتا الحالتين كانت أطرافها هي هي. ففي حالة عبد الكريم قاسم كانت القوى الداخلية هي قوى بعثية ودينية (عائلة الحكيم) وكردية (بارا زانية) أما أطرافها الخارجية فقد كانت بريطانيا والسعودية. وفي حالة المالكي نقف أمام امتداد هذه القوى- بعثية طائفية وبقايا شيوعية أقليات خربة (نموذج جريدة المدى) ومؤسسة دينية (مرجعيات صامتة في سراديب النجف)، وأخرى ناطقة (نفس عائلة الحكيم وعائلة الصدر وعائلات اقل شهرة) وكردية (بارا زانية)، أما أطرافها الخارجية فهي أمريكا (بريطانيا المحدثة) والسعودية."(2)

واللافت للنظر أن المالكي لم يقف خلف الميكروفون لوحده كما جرت العادة في هذه المناسبات، وإنما جمع حوله معظم القياديين في حزب الدعوة، وكتلة (دولة القانون)، في إشارة ذكية وشجاعة منه ليؤكد لهم أنه تنازل عن استحقاقه الانتخابي حفاظاً  على وحدتهم ووحدة العراق، وكذلك لفضح المتآمرين من رفاقه، وكشف أكذوبة المنافقين الذين روجوا أن المالكي عميل لإيران، وإذا بالذين لهم علاقة بإيران في في التحالف الوطني، هم الذين تآمروا عليه وسارعت إيران بإعلان تأييدها لهم للتخلص من المالكي. فهل استوعبت إدارة الرئيس أوباما الرسالة؟
لقد حاول خصوم المالكي وشركاؤه في السلطة، تحميله كل مشاكل العراق المتراكمة عبر قرون وتبرئة أنفسهم منها، وشاركوا في العملية السياسية وتسلموا أهم الوزارات السيادية والخدمية، لا لإنجاحها بل لشل عمل الحكومة وإلقاء اللوم كله على المالكي. ولعله الرئيس الوحيد في تاريخ العالم يكون في موقع المسؤولية العليا وهو مكبل اليدين في تنفيذ ما يريد من إعمار العراق، ورغم كل هذه المعوقات أنجز الكثير.
قال المالكي في بيانه التاريخي:" اليوم اقول للشعب العراقي لأسالمن ما سلم العراق وشعبه، ولن اكون سببا في سفك قطرة واحدة من دم العراقيين، وأقول لا اريد اي منصب وإنما منصبي ثقتكم بي وهو منصب لا ارقى ولا اشرف منه، وأعلن امامكم اليوم ولتسهيل سير العملية السياسية، وتشكيل الحكومة الجديدة، سحب ترشيحي لحيدر العبادي وكل ما يترتب على ذلك حفاظا على المصالح العليا للبلاد".(هامش رقم-1).
وهذا عين الإيثار والحكمة والأخلاق والحرص على المصلحة الوطنية.

كان من حق المالكي التمسك باستحقاقه الانتخابي والدستوري، ولكنه وتحت ضغوط داخلية ودولية، وحتى المرجعية الشيعية، استجاب أخيراً، لأنه لو تخلى من أول يوم بناء على طلبات خصومه لاتهموه بخذلانه لملايين الناخبين الذين صوتوا له ولكتلته (دولة القانون).
وقد شبه الكاتب السيد مصدق الموسوي بحق، ما حصل للمالكي واستحقاقه الانتخابي كما لو ان طالباً في البكالوريا حصل على معدل 98% يؤهله لكلية الطب ولكن الوزارة تمنعه من القبول ولا بد له من ترشيح طالباً غيره لكلية الطب؟ أي قانون هذا وأي ديمقراطية مغلفة مسمومة جاءتنا ونحن (معدان السياسة)؟(3).

و"الوزارة" هنا تشمل السيد مسعود بارزاني، وأسامة النجيفي، ومقتدى الصدر، وعمار الحكيم صاحب فذلكة "المقبولية"، أي أن يكون المكلف بتشكيل الحكومة مقبولاً من هؤلاء بدلاً من الشعب وصناديق الاقتراع.
فالديمقراطية تعني تبديل الحكومة بقصاصة ورقة بدلاً من الرصاص (Ballot instead of bullet). أما في العراق فرغم أنه اجتاز مرحلة الرصاص في تبديل الحكومة، ولكنه دخل مرحلة جديدة فريدة من نوعها في العالم كله، اسمها (المقبولية)، أي أن يكون المكلف بتشكيل الحكومة مقبولاً من النخبة بدلاُ من صناديق الاقتراع. لذا، فعندما فشلوا في إزاحة الفائز عن طريق صناديق الاقتراع، أطلقوا كلاب (داعش) المسعورة لتنهش بالشعب والقوا اللوم عليه. فهل هذه هي الديمقراطية التي يريدونها للعراق ولتصبح (المقبولية) من قبل النخبة هي القاعدة بدلاً من الانتخابات؟ والمؤسف أن بعض الكتاب من أدعياء الديمقراطية راحوا يتهكمون على الانتخابات ونتائجها والاستحقاق الانتخابي للتقليل من شأنها، وهذا أمر معيب كشف حقيقتهم.

قال المالكي في بيانه: " ادرك جيدا ان المستهدف ليس المالكي بعينه وإنما العراق بأجمعه، وقد بذلت كل جهدي ووقتي واستخدمت كل الوسائل المتاحة لإحباط المخطط الذي اختلطت اطرافه هدفا ووسيلة وآليات مع ضرورات ادراك واعي لخطورة المخطط الذي يستهدف وحدة العراق وسيادته". واشار المالكي: " انني سابقى جنديا مدافعا عن العراق وشعبه وسندا له لينهض بأعباء المسؤولية والأمانة بكل وطنية وشرف وحزم وشجاعة في احقاق الحق ودحر الباطل والدفاع عن المظلومين".

لقد أثبت المالكي أنه سياسي واقعي، فرغم إدراكه العميق بحقه الدستوري، ولكن، و كما ذكرنا في مقال سابق لنا ماذا عساه أن يعمل إزاء هذه الأوضاع المتفجرة، فقد نجح خصومه في شق الجبهة الشيعية، وبدأ صراع جديد وهو الصراع الشيعي- الشيعي، إضافة إلى الصراع العربي- الكردي، والسني – الشيعي. لذا أشرنا عليه أن يعلن للشعب عن تنازله في الترشيح لتشكيل الحكومة، و يتمنى للسيد العبادي كل النجاح في مهمته الشاقة وشبه المستحيلة، وأنه سيواصل النضال من أجل خدمة الشعب وإنجاح الديمقراطية تحت قبة البرلمان وبالوسائل السلمية.(4) 
وبتنازله عن حقه في الترشيح، فقد سجل المالكي سابقة في التضحية والإيثار في التاريخ، وسيندم كل الذين خاصموه من داخل كتلته، لأنهم سيدركون عاجلاً أم آجلاً، أن المستهدف هو ليس شخص المالكي وإنما العراق كله والعملية السياسية كلها. وهاهي الشروط التعجيزية بدأت تظهر. فقد طالب نائب عن ائتلاف الوطنية الذي يتزعمه آياد علاوي بإحياء (المجلس الوطني للسياسات الستراتجية)، وتسليم رئاسته الى علاوي(5)
أما كتلة (متحدون)  فكالعادة مطالبهم "المشروعة" التعجيزية لا تنتهي، من بينها إلغاء قانون مكافحة الإرهاب، وإلغاء قانون المساءلة والعدالة (اجتثاث البعث)، وإطلاق سراح جميع المتهمين بالإرهاب وحتى المدانين منهم من قبل القضاء...الخ(6)
أما السيد مسعود بارزاني فيريد "كردستان دولة مستقلة مصرفها على العراق"، وضم كركوك وإلغاء مادة 140 من الدستور، والآن المسرحية الداعشية فسحت له المجال لتسليح قواته البيشمركة من الخارج وبدون موافقة "حكام بغداد". فهل بإمكان أي رئيس وزراء أن يستجيب لكل هذه الطلبات التعجيزية المتضاربة مع الدستور؟
لذلك، أتوقع أنه عما قريب ستبدأ الأسطوانة المشروخة من جديد حول التهميش والإبعاد والإقصاء والدكتاتورية، وعقدة الشيعة بالمظلومية، وأنهم تحولوا من مظلومين إلى ظالمين...الخ، إلا اللهم إذا استجاب الدكتور العبادي لجميع طلباتهم، وعندئذ نقرأ على العراق السلام.

نحن نعيش في عصر اللامعقول، خاصة عندما يصرح باراك أوباما، رئيس الدولة العظمى التي تدعي أنها تعمل على نشر الديمقراطية والسلام في العالم، يصرِّح بأن اجتثاث البعث كان خطأً. فهل أخطأ الحلفاء عندما اجتثوا النازية الألمانية بعد انتصارهم على ألمانيا الهتلرية ودول المحور في الحرب العالمية الثانية؟ والكل يعرف أن البعث أسوأ من النازية. أليس القصد من هذا التصريح هو تأهيل البعث الفاشي تمهيداً لعودته لحكم العراق؟

لقد حاولوا تحميل المالكي كل مصائب العراق، بما فيها جرائم داعش بأنه أقصى السنة والكرد مما وفر الأجواء الملائمة لداعش، بينما هذه المصائب وخاصة الإرهاب قد حل بالعراق منذ اليوم الأول من سقوط الفاشية، وعلى سبيل المثال أُعيد ثانية بعض الحقائق التي تؤكد براءة الرجل من هذه المشاكل، وأن أعداء العراق الجديد من الدواعش البعثيين وحلفائهم خططوا لإفشال العملية السياسية، وللأسف أيدهم بعض المثقفين المحسوبين على اليسار والعلمانية ودعم الديمقراطية، فراحوا يهيئون مبررات الفشل المحتمل من الآن وإلقائه على كاهل المالكي مدعين أن تركة المالكي ثقيلة غير قابلة للحل، وهنا نعيد قائمة من الفضاعات التي حصلت قبل تسنم المالكي لرئاسة الحكومة.
فهل المالكي هو السبب؟
((لم يكن المالكي رئيساً للوزراء عندما ذبحتم أكثر من ألف شخص على جسر الأئمة،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وكنتم تقفون في اللطيفية تذبحون الموتى ومن معهم الذين جاؤوا لدفنهم،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وفجرتم الضريحين العسكريين في سامراء،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وقتلتم في يوم واحد بمفخخاتكم في مدينة الصدر أكثر من 500 شخص،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وفجرتم الحلة وراح ضحيتها أكثر من 300 شخص،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وقتلتم عزالدين سليم وباقة من الشهداء،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وذبحتم 40 طفلاً في بغداد الجديدة،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء ودمرتم الجسور والوزارات وكل بنى العراق التحتية،
قلتم إن تنحي الجعفري فسنقبل بأي مرشح وها أنتم اليوم تقولون أن تنحي المالكي سنضمن الأمن.
غاياتكم ونياتكم مكشوفة عسى المغرر بهم من جمهور الشيعة يعرفون من أنت ولماذا تحاربون)).أنتهى.
 
وختاماً، هناك أسئلة كثيرة يطرحها المواطنون الشرفاء: لماذا صار المالكي مغضوباً عليه من قبل جميع قيادات الكتل السياسية في العراق بما فيه قيادات من داخل التحالف الشيعي، وكذلك حكومات إقليمية ودولية بما فيها الدولة العظمى أمريكا؟ وهل حقاً كان المالكي دكتاتوراً، وهمش السنة والكرد، مما سهل دخول داعش واحتلال مساحات واسعة من العراق؟ ولو كان المالكي سيئاً إلى هذا الحد كما يصوره خصومه، فلماذا نال أعلى نسبة من أصوات الناخبين في الانتخابات الأخيرة، وبرزت كتلته النيابية هي الأكبر؟ أم هناك أسباب أخرى للتخلص منه؟ أعتقد هذه الأسئلة مهمة جداً وتحتاج إلى إجابات صريحة وشافية، وسأحاول الإجابة عليها في مقالي القادم.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر
1- المالكي يتنازل عن جميع المناصب الحكومية ويقول:لن اكون سببا في سفك قطرة واحدة من دم العراقيين
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174472.html

2- ميثم الجنابي : المالكي وعبد الكريم قاسم - نهاية المأساة وبداية المهزلة
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=428530

3- مصدق الموسوي: المالكي بيم مؤامرة الاشيقر والشهرستاني وتبريك رغد وداعش
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=165683#axzz39xYH4QZ1

4- عبدالخالق حسين: هل تكليف العبادي حل لمحنة المالكي؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=674

5- إئتلاف علاوي: سنشارك في الحكومة وندعو لاحياء منصب المجلس الوطني للسياسات الستراتيجية
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174454.html

6- متحدون” من التوسل بالتحالف من أجل التغيير فقط الى الحديث عن فرض الشروط الطائفية
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174460.html
 

37
أما حان الوقت لإنصاف المسيحيين؟
نقترح مسيحي نائباً لرئيس الجمهورية أو لرئيس الوزراء

د.عبدالخالق حسين

لا يختلف اثنان أن المسيحيين هم من السكان الأصليين في العراق (بلاد الرافدين)، سكنوا هذه البلاد منذ ما قبل التاريخ، وهم من الأوائل الذين اعتنقوا الديانة المسيحية عند ظهورها قبل ألفي سنة. والآثار والمتاحف التاريخية في العراق، من الدولة الآشورية والكلدانية وغيرها تشهد لهم بذلك ومازالت قائمة.
وقد لعب المسيحيون في العراق خاصة، والبلاد العربية عموماً، دوراً كبيراً في نقل الحداثة والحضارة الغربية إلى بلداننا. وهم لا يفتقرون إلى الكفاءة في جميع المجالات: العلمية، والطبية، والأدبية والفنية والإعلامية والأكاديمية والسياسية وغيرها.   

أما دورهم في تاريخ العراق الحديث فهو واضح، فقد شاركوا في جميع الحركات الوطنية التقدمية، ونالوا حصة الأسد من المظالم والاضطهاد، سواءً من الحكومات الجائرة في الدولة العراقية الحديثة، أو من قبل العصابات الإجرامية والإرهابية في هذا الزمن الرديء. وقد بلغ هذا الاضطهاد والتعسف الذروة ضد الأقليات الدينية وخاصة المسيحية والأزيدية، منذ أن استولت العصابات الداعشية التكفيرية على مناطق واسعة من محافظة نينوى (الموصل).

والآن يناضل الشعب العراقي من أجل ترسيخ نظامه الديمقراطي الوليد، والمفترض به تطبيق مبدأ دولة المواطنة والقانون بدون أي تمييز بين المواطنين في تسنم المناصب والوظائف في الدولة، ورغم ما تعانيه هذه الديمقراطية من آلام المخاض العسير، ومعارضة من قبل أعدائها، فالكل يطالب أن تكون الحكومة الجديدة تشمل جميع مكونات الشعب العراقي دون أي استثناء، وحسب مبدأ الكفاءة، والشخص المناسب في المكان المناسب.

وفي مقال سابق لي بعنوان (لماذا لا يكون الرئيس القادم مسيحياً؟)(1)، والذي أيده مشكوراً، الشخصية الوطنية، الأستاذ الدكتور جواد هاشم، وزير التخطيط الأسبق، بمقاله القيم بعنوان: (ليكن الرئيس العراقي القادم مسيحياً)(2)، ولقي المقالان ترحيباً واسعاً من جمهور القراء، اقترحنا فيهما أن يكون رئيس الجمهورية من نصيب المسيحيين في الدورة البرلمانية الجديدة (الحالية)، ومن ثم ينسب المنصب إلى شخصية من إحدى الأقليات الدينية الأخرى في الدورات القادمة كما يجري في الهند مثلاً. ولكن للأسف الشديد لم يتحقق هذا الاقتراح نظراً للصراعات والمنافسات الحادة بين الكتل السياسية الكبرى على المنصب. ولكن مازلنا نأمل أن تكون هناك فسحة من الأمل لإنصاف الأقليات الدينية في الحصول على ما تبقى من هذه المناصب العليا في الدولة.
 
إن ما تعرض له المسيحيون والأقليات الدينية الأخرى وخاصة الأيزيدية في محنتهم الحالية، المحنة التي هزت الضمير العالمي في كل المعمورة، وجلبت الخزي والعار على العصابات الداعشية التكفيرية التي ترتكب كل هذه البشاعات ضد الإنسانية باسم الإسلام السياسي السني، والإسلام والسنة منهم براء، أقول، ألم يحن الوقت، وبعد أن فاتهم منصب رئيس الجمهورية الذي طالبنا به أن يسند للمسيحيين أحد المنصبين، نائب رئيس الجمهورية، أو نائب رئيس الوزراء.

وهذا لا يجب أن يُحسب من باب المحاصصة، فكل القوى الوطنية والجهات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، طالبت القيادات السياسية العراقية بتشكيل حكومة جامعة (Inclusive government)، لا تقصي أي مكوَّن، وإنما هو الجمع بين الكفاءة وحق المواطنة في المشاركة في المناصب العليا، دون استثناء أي مكون من مكونات الشعب. وإذا ما تحقق ذلك، فسيثبت النظام العراقي الجديد أنه لا يميِّز بين أبناء الشعب بسبب الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي، و يكسب احترام ودعم وعطف العالم.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين : ليكن الرئيس العراقي القادم مسيحياً
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=633

2- الدكتور جواد هاشم: لماذا لا يكون الرئيس القادم مسيحياً؟
http://alakhbaar.org/home/2014/3/165269.html





38
هل تكليف العبادي حل لمحنة المالكي؟
د.عبدالخالق حسين

تتسارع الأحداث في العراق بحيث ما كُتِبَ اليوم يمكن أن يتغير ويحتاج إلى تعديل غداً أو حتى بعد ساعات من نشره. فقد وصلت عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة وفق الاستحقاقات الانتخابية و السياقات الدستورية "الصحيحة" إلى مأزق وطريق مسدود. ولا شك أن الدستور هو إلى جانب السيد نوري المالكي كونه رئيس أكبر كتلة برلمانية. ولذلك بقي المالكي متمسكاً باستحقاقه الانتخابي والدستوري.
ولكن في نفس الوقت لجأ خصومه الكثيرون من قادة الكتل الأخرى إلى استخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، بما فيها استخدام الإرهاب، والتحالف مع تنظيم (داعش) الإرهابي لإرغامه على التنحي. كما وطلع علينا منافسوه في التحالف الوطني بفذلكة (المقبولية) كبديل عن الاستحقاق الانتخابي. والمقبولية هذه تعني أن يكون المكلف بتشكيل الحكومة مقبولاً من جميع رؤساء الكتل السياسية بدلاُ من الناخبين وصناديق الاقتراع، وهذا غير وارد في الدستور، وبالطبع خرق للديمقراطية، وربما ستتحول إلى قاعدة وسنة في الدورات الانتخابية القادمة، وهذا التفاف على نتائج الانتخابات والديمقراطية.

ولعبت إدارة أوباما دوراً رئيسياً في إزاحة المالكي، بما فيه دخول داعش في العراق، وذلك انتقاماً منه لعدم قبوله إبقاء قوات عسكرية أمريكية في العراق. وهذا واضح من ترحيب الإدارة الأمريكية بإزاحة المالكي، إذ نقلت صحيفة (الغارديان) اللندنية، "أن ترشيح العبادي جاء بعد أن قام نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بأربع اتصالات هاتفية يوم الإثنين (11/8/2014)، بالمسؤولين العراقيين، ودعا كل من الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، والرجل الذي تم اختياره كبديل للمالكي، حيدر العبادي، مشيرا إلى أن مزيدا من الدعم العسكري الامريكي سيأتي للعراق بسرعة إذا ما نجحوا في جهودهم لتشكيل حكومة جديدة" (الغارديان، 12/8/2014).
 
ولذلك فالمالكي لا يستطيع في هذه الأجواء المتوترة التي تنذر بالانفجار و المعارضة الشرسة والواسعة له في الداخل والخارج، بما فيها أمريكا، أن يشكل الحكومة، فهو في محنة شديدة وبين شرين، أو خيارين، أحلاهما مر. فهو من جهة أمام مسؤولية أخلاقية، فإن تنحى تحت ضغوط معارضيه قالوا عنه أنه خذل ملايين الناخبين الذين صوتوا له ولكتلته (دولة القانون)، وتنازل عن استحقاقه الانتخابي والدستوري. ومن جهة أخرى، إن أصر على مواجهة هذه العواصف فلا يمكن أن يحقق شيئاً سوى المزيد من التوتر والدماء والدموع، ويقولون عنه أنه لا يبالي بأرواح العراقيين من أجل البقاء في السلطة!.
ولذلك، فما حصل من تكليف حيدر العبادي، رغم أني لا استسيغه، لأنه تم بأسلوب ملتوي بالالتفاف على الدستور لإضفاء الشرعية على هذا التكليف، ولكن لا ننسى أن حيدر العبادي هو قيادي في حزب المالكي (الدعوة) وكتلته (دولة القانون)، والأخيرة هي ضمن كتلة الجبهة الشيعية الشاملة (التحالف الوطني العراقي). وبذلك فهذه اللعبة رغم ما فيها من التفاف على الدستور إلا إنها نوع مما يسمى بـ(الحيل الشرعية !!) وربما يقدم مخرجاً من المأزق، ورغم أن ترشيح الدكتور العبادي يواجه مشكلة قانونية.
فوفق سياقات الانظمة الداخلية للكيانات والكتل السياسية، يجب أن يرشح من قبل حزبه (الدعوة) أولاً، فإن فاز، يرشح من قبل كتلته (دولة القانون)، ومن ثم يتم ترشيحه من قبل التحالف الوطني. وهناك تضارب في الأخبار عن موقف نواب حزب الدعوة من العبادي. ففي تصريح للسيد عزت الشابندر لإذاعة DW الألمانية أن معظم نواب الدعوة صوتوا لصالح العبادي. ولكن تصريح مضاد من أنصار المالكي أن العبادي لم يحضى بتأييد نواب وقيادة حزب الدعوة، إذ "كشف النائب عن ائتلاف دولة القانون خلف عبد الصمد، أن 43 نائباً من اصل 53 في كتلة الدعوة لم يصوتوا لتكليف حيدر العبادي بتشكيل الحكومة."، وأن الحزب تبرأ منه. وإن صح الأخير فهذا يعني أن ترشيح العبادي هو قفزة على المرحلة الأولى والثانية، أي لم يتم ترشيحه لا من قبل حزب الدعوة ولا من كتلة دولة القانون، بل من قبل التحالف الوطني مباشرة. فكما أفادت الأنباء: أن "اعلن رئيس التحالف الوطني ابراهيم الجعفري، عن جمع  130 نائبا [127 في تقرير آخر] من التحالف الوطني وقعوا على ترشيح نائب رئيس البرلمان حيدر العبادي لمنصب رئيس الوزراء). وبعد ذلك مباشرة قام رئيس الجمهورية، السيد فؤاد معصوم، بتكليف العبادي لتشكيل الحكومة. و حسب الدستور، فأمام الدكتور العبادي مهلة شهر لتشكيل حكومته وتقديمها للبرلمان للتصويت عليها. وفي جميع الأحوال فتكليف العبادي سيواجه مشكلة دستورية، يعتمد على قرار المحكمة الاتحادية.

ردود الأفعال
ما أن تم الإعلان عن تكليف شخصية غير المالكي لتشكيل الحكومة حتى وتوالت التهاني والتصريحات المؤيدة لترشيح العبادي من كل الجهات وعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ العناوين التالية:
* قال الرئيس الأمريكي أوباما، إن "العراق اتخذ خطوة واعدة إلى الأمام بتكليف رئيس وزراء جديد"،
* بايدن يهنئ العبادي ويعد بدعم اميركي لحكومة شراكة عراقية لا تقصي أحداً،
* الخارجية الأمريكية تهنئ العبادي وتبدي استعدادها لدعم حكومته كاملا،
* بان كي مون يثنى على قرار تكليف العبادي،
* ميلادينوف يرحب بتكليف العبادي ويطالب قوى الأمن بعدم التدخل بالموضوع،
* الإتحاد الأوربي يرحب بقرار رئيس الجمهورية ترشيح الدكتور حيدر العبادي رئيسا للوزراء،
* إيران: الخارجية الايرانية تدعو الى تشكيل حكومة وفاق وطني في العراق،
* المجلس الاعلى يهنئ العبادي ويدعوه الى تشكيل حكومة الفريق القوي المنسجم.

أما ردود الأفعال المضادة فهي:
* المالكي: تكليف العبادي لا قيمة له ودولة القانون هي الكتلة الأكبر (تسجيل صوتي)،
* المالكي ردا على تكليف العبادي بتشكيل الحكومة المقبلة: لا يحق لأي عضو بحزب الدعوة التوقيع نيابة عني،
* كتلة الدعوة البرلمانية: العبادي يمثل نفسه،
* الصيهود: ترشيح العبادي غير دستوري وتواقيع التحالف الوطني لا قيمة لها،
* مريم الريس: لا قيمة للاتفاق بين بعض نواب القانون والتحالف الوطني بشأن ترشيح العبادي.

هل تكليف العبادي سيحل الأزمة؟
فيما لو وافقت المحكمة الاتحادية على تكليف العبادي لتشكيل الحكومة، فمن الانصاف أن ننتظر ونعطي الرجل فرصة لا تقل عن ستة أشهر لنعرف كيف سيواجه الأزمات العراقية المتراكمة، وطريقة حله لها. ولكني في نفس الوقت أعتقد أنه ما لم يتمتع بقدرات سياسية وإدارية وفكرية وثقافية متميزة، فعلى الأغلب سيكون الدكتور العبادي أفشل وأضعف رئيس حكومة في تاريخ العراق وذلك لأنه أولاً، مطرود ومنبوذ من حزبه (الدعوة)، وكتلته (دولة القانون). وثانياً، ولذلك، سيكون أسيراً وخاضعاً لإرادات رؤساء الكيانات السياسية التي رشحته وصوتت له مثل السيد عمار الحكيم ومقتدى الصدر والجعفري وغيره. وثالثاً، سيكون أسير رغبات السيد مسعود بارزاني الذي من الصعوبة إرضاءه، ما لم يتجاوز العبادي على الدستور، وهذا غير ممكن.
أما الجبهة السنية، فإزاحة المالكي هي مطلب مرحلي، لأن مطلبهم الحقيقي والرئيسي، وكما صرحوا به مراراً، فهو رفضهم لأي شيعي أن يكون رئيساً للحكومة. وتأكيداً لهذا القول، سمعت البارحة تعليقاً للسيد عدنان الباججي (الليبرالي المعتدل !)، لراديو بي بي سي عندما سئل فيما إذا كان متفائلاً من ترشيح العبادي فأجاب بالنفي، قائلاً أن العبادي هو من نفس تنظيم المالكي الشيعي الخاضع لإيران. لذا فنغمة تبعية الرئيس الشيعي لإيران لن تختفي بمجرد ترشيح العبادي أو أي شيعي آخر. أما أمريكا فتريد من العبادي معاداة إيران وحكومة بشار الأسد، وأن يكون "مقبولاً" من قبل تركيا والسعودية والدول الخليجية الأخرى، وهذا مستحيل.

ما الذي على المالكي عمله؟
لو كان المالكي هو حقاً مشكلة وليس الحل لأزمات العراق، كما يردد خصومه، لما نال حصد أكثر من منافسيه من الأصوات في الانتخابات، وكذلك هناك آليات ديمقراطية لإزاحته دستورياً وذلك كما يلي:
أن يتم تكليف المالكي من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة بصفته رئيس الكتلة النيابية الأكبر، وخلال شهر عليه أن يشكل الحكومة ويعرضها على البرلمان للتصويت، فإن فشل سيكلف رئيس الجمهورية شخصاً آخر أما من كتلة التحالف الوطني أو من كتلة أخرى. وبذلك يتم التخلص منه بالطرق الديمقراطية والدستورية، وكفى الله المؤمنين شر الجدال والقتال.
على أي حال، وطالما تم ترشيح الدكتور العبادي، ويبدو لي أنه غير قابل للإلغاء إلا بقرار المحكمة الاتحادية الدستورية. وعلى الأغلب ستصدر المحكمة قراراً غامضاً "حمال أوجه"، قابلا للتأويل من قبل جميع الأطراف المتنازعة، كل يفسره لصالحه.

وإزاء هذه الأوضاع المتفجرة، فقد نجح خصوم المالكي في شق الجبهة الشيعية، وبدأ صراع جديد وهو الصراع الشيعي- الشيعي، إضافة إلى الصراع العربي- الكردي، والسني – الشيعي. لذا أعتقد أن على المالكي وبعد أن أدى ما عليه، و لعب دوره بشجاعة وشرف وبمنتهى الوطنية لإنجاح العملية السياسية ودعم الديمقراطية الوليدة والدستور، ولكن الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية تكالبت عليه بما فيها جهات من الجبهة الشيعية كما تكالبت على الزعيم عبدالكريم قاسم من قبل. ولا يمكن في هذه الحالة إلغاء ترشيح الدكتور العبادي، لذا فأي عمل مضاد من قبل المالكي سيزيد الوضع تعقيداً وتأزماً، وربما  يؤدي إلى عواقب وخيمة، لذا أشير على السيد المالكي أن يعلن للشعب بأنه بذل قصارى جهوده لإنجاح العملية السياسية والديمقراطية، ولكن الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية كلها تحالفت ضده، ولا يمكن لأي إنسان في موقفه أن يواجه كل هذه الصعوبات ويخرج منها منتصراً، وحفاظاً على أرواح ودماء العراقيين، فإنه يتنازل عن حقه في الترشيح لتشكيل الحكومة، و يتمنى للسيد العبادي كل النجاح في مهمته الشاقة وشبه المستحيلة، وأنه سيواصل النضال من أجل خدمة الشعب وإنجاح الديمقراطية تحت قبة البرلمان وبالوسائل السلمية.
 12/8/2014 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


39
لماذا بدأت أمريكا بضرب داعش الآن؟
د.عبدالخالق حسين

" قالت الولايات المتحدة إن طيرانها الحربي شن غارة جوية لاستهداف مسلحي تنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش) في العراق... وهاجم مواقع لمدفعية التنظيم كانت تستخدم لقصف القوات الكردية المدافعة عن مدينة اربيل... وكان الرئيس الامريكي باراك اوباما قد اوعز بشن مثل هذه الغارات يوم الخميس (7/8/2014)، ولكنه اكد على انه لا ينوي اعادة اي قوات برية الى العراق."(1)

والسؤال الملح الذي يفرض نفسه هو: لماذا الآن؟
الملاحظ أن معظم الأعمال الإرهابية تبدأ عادة بمبررات "مشروعة"، أو هكذا يدعي القائمون بها ومن يساندها من السياسيين والإعلاميين، بدءاُ من تأسيس منظمات المجاهدين الإسلاميين، بما فيها القاعدة وطالبان في أفغانستان، وإلى داعش في سوريا والعراق الآن. فهناك دراسات لباحثين غربيين تؤكد أن منظمة داعش هي صناعة أمريكية، الغرض منها إثارة الفوضى العارمة في أية دولة تخرج على سياسة أمريكا و حليفاتها في المنطقة، لتحويلها إلى دولة غير قابلة للحكم (Ungovernable). وهذا هو سر الصعود الصاروخي المفاجئ لداعش، وقدرتها العسكرية الفائقة على اجتياح المحافظات الشمالية الغربية في العراق.
والجدير بالذكر، فقد بدأت حملة التهديد بالحرب الأهلية وتقسيم العراق منذ بدء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إذا ما فاز المالكي وأصر على الترشيح للولاية الثالثة. هذه الحملة قامت بها قادة الجبهة السنية، ورئيس حكومة اقليم الكردستان، ورؤساء كيانات سياسية ضمن كتلة التحالف الوطني الشيعيىة التي ينتمي إليها السيد المالكي نفسه. وهذه المعارضة حظيت بدعم أمريكا وحلفائها في المنطقة مثل السعودية وقطر، والأردن، وتركيا، وإسرائيل، ولكل غرضه.

داعش صناعة أمريكية
قلنا أن داعش هي صناعة أمريكية، وهذا ليس إيماناً بـ(نظرية المؤامرة)، كما يردد البعض، بل نشاهد دلالاتها على أرض الواقع وكما يلي:
أولا، هناك عدة تقارير من كتاب ومحللين سياسيين غربيين، وكذلك تصريحات إدوارد سنودون، تؤكد هذه الحقيقة، وقد ذكرنا هذه المصادر في مقالات سابقة لنا، نشير هنا إلى واحد منها (في الهامش رابط رقم 2).
ثانياً، لعبت الدول الإقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا والأردن دوراً مهماً في تأسيس داعش، وتمويلها وتسليحها وتدريبها وشحنها بالعقيدة الوهابية التكفيرية، وآخر دليل هو عقد مؤتمر أنصار داعش في عمان قبل أسابيع. وهذه الدول هي تابعة لأمريكا ولا يمكن لها أن تتصرف بدون موافقة ومباركة أمريكا. كما و نشر تقرير بعنوان(بندر بن سلطان موَّل مؤتمر عمان، اجتماع لداعمي الإرهاب في اسطنبول الشهر المقبل)(3)
ثالثاً، إصرار أمريكا على عدم دعم العراق في حربه على داعش بحجج واهية، وهي نفس الحجج التي يرددها خصوم رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، عن التهميش والإقصاء والدكتاتورية... الخ. وكان المالكي قد طلب في يونيو/ حزيران مساعدة امريكية وفق اتفاقية الاطار الاستراتيجي، لمواجهة تقدم داعش، ولكن واشنطن تجاهلت الطلب.
رابعاً، معارضة أمريكا لفتوى الإمام السيستاني ضد داعش، وتضايقت من الاستجابة القصوى من الجماهير لها، علماً بأن هذه الفتوى لم تكن موجهة لطائفة ضد طائفة أخرى، بل فيها دعوة للوحدة الوطنية وحمل السلاح ضد داعش التكفيريين. بينما أمريكا لم تستنكر مئات الفتاوى التي أصدرتها شيوخ الوهابية في السعودية وقطر لإبادة الشيعة "الروافض" حسب تعبيرهم، منذ ما قبل إسقاط حكم البعث وإلى الآن.


لماذا الآن؟
نعود إلى سؤالنا أعلاه: لماذا إذن بدأت أمريكا بضرب داعش الآن؟
هل حقاً الجرائم الفظيعة بحق الأقليات الدينية في محافظة ننوي هي السبب؟ لا أعتقد ذلك، لأن هذه الجرائم بدأت منذ اليوم الأول من اجتياح داعش للموصل في 10/6/2014)، بقتل ليس المسيحيين والأيزيديين، والشبك فحسب، بل وقتل الألوف من الشيعة حيث قتلوا (1700 تلميذ) من كلية القوة الجوية في تكريت، والمئات من السجناء الشيعة في سجن بادوش بالموصل، كما وقتلوا الالوف من التركمان الشيعة في تلعفر وطوز خرماتو، وغيرها من المذابح الرهيبة التي بدأت منذ الأيام الأولى من "غزوة" داعش للمنطقة، فلماذا لم تحرك كل هذه المجازر رمش أوباما، إلا بعد أن وصلت مدفعية داعش إلى مشارف أربيل، وبعد أن بلغ السيل الزبى في محنة المسيحيين واليزيديين، وصارت لطخة عار في جبين أمريكا على سكوتها عن هذه الجرائم؟ راجع ما كتبته الصحف البريطانية عن تلكؤ الغرب وبالأخص أوباما في دعم العرق(4)

السبب الحقيقي لتحرك أمريكا ضد داعش هو  ما يلي:
أولاً، أن داعش مثل القاعدة، يرسم لها مؤسسوها أهدافاً معينة لتحقيقها، ويضعون لها خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها، ولكن في أغلب الأحيان ينقلب السحر على الساحر، وتعبر الخطوط الحمراء مما يتطلب دخول المؤسس لإيقاف التنظيم عند حده.
ثانياً، تجاوزت عصابات داعش الخطوط الحمراء حيث وصلت إلى مشارف أربيل، وبالأخص خطر سيطرتها على المصالح الأمريكية في المؤسسات النفطية القريبة وشركاتها الأخرى. وهذا ما سمعته من مقدم نشرة أخبار بي بي سي مساء 8/8 وهو يحاور أحد المسؤولين الأمريكيين الذي أنكر ذلك بالطبع. 

ثالثاً، راحت إدارة أوباما تردد أن الحل هو سياسي وذلك بتشكيل حكومة شاملة للجميع. وكأن الحكومةالحالية ليست شاملة، فصدق بفرية التهميش والاقصاء!! لذلك فضرب الطيران الحربي بداعش جاء متزامنا مع ما نشرته بعض التقارير الى "ان المالكي ربما أُجبِر على اصدار ضمانات بأنه سيتنحى لقاء العون العسكري الامريكي". (تقرير بي بي سي)(نفس المصدر-1). كما أفادت الأنباء أن هناك ضغوط على المالكي حتى من قياديين في حزبه (الدعوة) وكتلته (دولة القانون)، يطالبونه بالتنحي رغم أنه الأحق من غيره في الترشيح لرئاسة مجلس الوزراء وفق الاستحقاق الانتخابي، وذلك لتهدئة الوضع وإقناع أمريكا في مساعدة العراق بضرب داعش، وإسكات المناهضين له. وقيل أن المالكي رضخ لهذه الضغوط لقاء العون العسكري الامريكي. وهذا في رأيي هو السبب الحقيقي لشن الطيران الأمريكي غارات جوية على مدفعية داعش بعد أن حققت أغراضها.

رابعاً، وتأكيداً لما جاء في الفقرة 3، قال في شهادته أمام إحدى لجان الكونغرس مساعد وزير الخارجية الاميركي المكلف بملف العراق، بريت ماغورك، حول الموقف الاميركي بعد دخول "داعش" الى الموصل ومدن أخرى: "الموضوع يحتاج الى حل سياسي، وواشنطن لا يمكنها عمل شيء قبل ان نرى تغييرا سياسيا في العراق". وعندما سأله احد الاعضاء: وماذا لو بقي المالكي في رئاسة الحكومة؟. أجاب ماغورك: "في هذه الحالة سنكون مضطرين للوقوف مع حلفائنا في المنطقة".(5)
وهذا يعني الوقوف مع السعودية وإسرائيل متفرجين على جرائم داعش ضد الانسانية في سوريا والعراق.

أما تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري يوم الجمعة "إن تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ينذر بإبادة جماعية وإن المخاطر بشأن مستقبل البلاد لا يمكن أن تصبح أكثر وضوحا."(6)، فهي مجرد تبريرات لإنقاذ ماء الوجه لسكوتهم عن جرائم داعش ضد الإنسانية و التي بلغت من الفظاعة بحيث راح الرأي العام العالمي يوجه انتقادات شديدة إلى الدولة العظمى عن سكوتها عن هذه الجرائم البشعة التي يندى لها جبين الإنسانية، أمريكا التي تمتلك الامكانيات التكنولوجية والخبرة الهائلة لسحق هذه العصابات.

وماذا بعد تنحي المالكي؟
منذ البداية قلنا أن داعش هي نتاج حكومات إقليمية ودولية، تُستخدم كقوة بربرية وحشية ضاربة لتحقيق أغراض هذه الجهات وبدعم من قوى داخلية معارضة للديمقراطية. فبعد أن دمروا سوريا باسم الديمقراطية للتخلص من حكم بشار الأسد، جاؤوا إلى العراق للتخلص من نوري المالكي الذي يختلف كلياً عن بشار الأسد في كون المالكي داعم للديمقراطية، ولكنه يلتقي مع الأسد لأنه لا يرى من مصلحة شعبه معاداة إيران إرضاءً لأمريكا وإسرائيل والسعودية وغيرها.
وقد رحب جميع خصوم المالكي بدخول داعش على الخط، وبتشفي وشماتة رغم أن جرائم داعش هي ضد الشعب العراقي الذي يدَّعون تمثيله والدفاع عن مصالحه، والحقيقة كان دخول داعش بترتيب منهم، لتحقيق غرضهم الرئيسي، وهو إلغاء نتائج الانتخابات والتخلص من المالكي وتشكيل حكومة وفق إرادة النخبة وليس وفق نتائج صناديق الاقتراع. والآن أنقلب السحر على الساحر، حيث تجاوزت داعش على الطوك الحمراء، وراحت تلحق بهم الأذى، وتهدد باحتلال مدنهم، فبدأوا يدفعون الثمن ويدمون أصابعهم من العضاض ندماً على تعاونهم مع الإرهاب بغضاً للمالكي وللتخلص منه.

وإذا ما صحت الأنباء عن إذعان المالكي للضغوط بالتنحي عن حقه في الترشيح حفظاً على سلامة العراق، فإني أتوقع أن تحصل الهدنة المفاجئة مع داعش وسيعم الهدوء عموم العراق، وربما ستنسحب عصابات داعش عن المناطق التي احتلتها، وسيحتفل خصوم المالكي معلنين الأفراح، وكل جهة ستدعي أنها هي التي ألحقت الهزيمة بداعش، فللنصر آباء كثيرون، وسيدقون أجراس "النصر العظيم"، ولكن إلى حين. فشهر العسل هذا سيكون قصيراً، وسيليه شهر البصل! أو بالأحرى شهور حالكة، وربما دون المرور بشهر العسل أصلاً، لأن أغراض معارضي المالكي متقاطعة، ومخالفة للدستور، فالعداء الخفي فيما بينهم أشد من عدائهم المعلن للمالكي، ولكن يجمعهم شيء واحد، وهو التخلص من المالكي بغية تشكيل حكومة مركزية ضعيفة في بغداد على حساب مصلحة الشعب، وضرب الديمقراطية ومخالفة الدستور.
ولذلك أعتقد أن المالكي سيكون هو المنتصر حتى في حالة تنحيه، لأن حقيقة خصومه ستنكشف للشعب وللعالم بكل وضوح، ويكفي الملكي فخراً وشرفاً و وطنية أن خصومه لم يستطيعوا إزاحته بالوسائل الدستورية المشروعة، فاستعانوا بمنظمة (داعش) الإرهابية للتخلص منه.
ولذلك فقد أصاب المالكي كبد الحقيقة عندما قال: (أن مخالفة السياقات الدستورية سيفتح "نار جهنم" على العراق ويفتح ثغرات هائلة للتدخل الخارجي). فعاب عليه بعض صغار العقول هذا القول، وفسروه بأنه يهدد العراق ومن يخلفه بفتح نار جهنم، بينما الحقيقة أنه كان يقصد أن عدم الالتزام بالسياقات الدستورية لتشكيل الحكومة ستكون سابقة للاستهانة بالدستور والاستحقاقات الانتخابية والديمقراطية، والعودة إلى الرصاص والاستعانة بالإرهاب والبلطجة وقوى خارجية، وابتزاز الشعب والتهديد بالحرب الأهلية وإبادة الجنس، بدلاً من صناديق الاقتراع للتبادل السلمي للسلطة.

ومهما يحصل للمالكي، سواءً بقي في المنصب أم خرج منه، فقد أثبت أنه أقوى وأرفع مكانة من خصومه، وكشف للشعب وللعالم حقيقتهم بكل وضوح، وأنه أكثر التزاماً بالدستور والديمقراطية وحرصاً على المصلحة الوطنية، وأن غداً لناظره قريب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
  http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- الطيران الحربي الامريكي يغير على مسلحي "الدولة الاسلامية" بالعراق
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/08/140807_iraq_sistani_new_govt.shtml

2- MIKE WHITNEY: Splitting up Iraq: It’s all for Israel
http://www.counterpunch.org/2014/06/20/its-all-for-israel/

3- بندر بن سلطان مول مؤتمر عمان، اجتماع لداعمي الإرهاب في اسطنبول الشهر المقبل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172911.html

4- الصحف البريطانية: التراخي الغربي أدى إلى تنامي "داعش"
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174147.html

5- سالم مشكور: غيابنا.. وحضورهم
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174069.html

6- كيري: تقدم المتشددين في العراق يحمل نذر ابادة جماعية
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174030.html

7- رابط ذو صلة
سالم المرزوك: فيلم "النبي" البغدادي
http://alakhbaar.org/home/2014/8/174152.html



40
حول مفهوم حكومة التكنوقراط
د. عبدالخالق حسين

لا شك أن ممارسة الديمقراطية عملية جديدة على العراقيين، وكل جديد مصحوب بالمصاعب والمشاكل، لذلك فبعد كل جولة انتخابية تبدأ صراعات بين قادة الكتل السياسية حول تشكيل الحكومة الجديدة. وانفجر الصراع على أشده بعد الانتخابات الأخيرة وفوز كتلة السيد نوري المالكي (دولة القانون التي هي ضمن التحالف الوطني)، كأكبر كتلة انتخابية، وبرلمانية. و وفق الدستور، فالمالكي هو أول من يجب أن يُكلَّف من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل الحكومة. وبما إن رؤساء عدد من الكتل السياسية في خصام شديد مع السيد المالكي، و هددوا بالحرب الأهلية وتقسيم العراق إذا ما فاز المالكي في الانتخابات ودُعي لتشكيل الحكومة للمرة الثالثة، وبلغ بهم الأمر إلى أن دعوا داعش الإرهابية، وتواطئوا معها لاحتلال محافظة نينوى وصلاح الدين، وإعلان دولة الخلافة الإسلامية فيها، وتنصيب أبو بكر البغدادي خليفة فيها، وما نتج عن ذلك من مجازر ضد الأقليات الدينية في المنطقة. كل ذلك من أجل التخلص من المالكي.

وفي خضم هذه الأزمة طلعت علينا جماعات تطالب بتشكيل حكومة التكنوقراط كـ"حل وسط" من أصحاب الكفاءات والنزاهة الوطنية و فوق الطائفية، للحفاظ على الوحدة الوطنية...الخ، بدلاً من الاستحقاق الانتخابي. وبما أن الكتل السياسية هي منقسمة على نفسها، ومتخندقة وفق الانقسام الديني والقومي، لذا فالمطالبة بتشكيل حكومة التكنوقراط، وفق المواصفات أعلاه، يعني تشكيل الحكومة من خارج هذه الكتل السياسية التي خاضت الانتخابات الأخيرة، وهذا يعني أيضاً إلغاء الاستحقاق الانتخابي وخارج السياقات الدستورية.
وبعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (لا بديل عن صناديق الاقتراع)(1)، استلمت رسائل من عدد من الأصدقاء، عرفت من خلالها أن هناك اختلاف وإلتباس حول مفهوم حكومة التكنوقراط . لذلك رأيت من المفيد طرح هذه المسألة للنقاش كمساهمة في توضيح هذا الأمر، و إزاحة سوء الفهم.

أورد هنا مثالاً واحداً من هذه الرسائل، وهي رسالة صديق من صلب العملية السياسية وحريص عليها، كتب لي قائلاً: "أعتقد أن هنالك إلتباس في فهم حكومة التكنوقراط. حكومة التكنوقراط لا تعني إلغاء الديمقراطية كما تفضلتَ، بل هي فلتر لتصفية المرشحين للوزارات من المجاميع السياسية المشاركة في الحكومة. يعني بدلا من ان يكون وزير السياحة طبيب أسنان، ووزير الصحة محامي، أو وزير الثقافة ضابط سابق أو شرطي سابق، ووزير النقل نائب ضابط سابق، يطلب من أي حزب مشارك أو تحالف أو مجموعة سياسية في الحكومة أن ترشح ثلاثة مرشحين (من حملة الشهادات العليا وذوي الإختصاص والتجربة والمشهود لهم بالنزاهة والعفة)، ورئيس الوزراء وفريقه يختارون أحدهم ليكون الوزير للوزارة التي أصبحت من حق ذلك الحزب أو المجموعة السياسية التي باستحقاقها الانتخابي أصبحت تلك الوزارة من نصيبها". انتهى

لا شك أن هذا الحل هو أفضل الحلول، وأنا أتفق مع الصديق كلياً، بل ونشرتُ مقالاً قبل سنوات حول هذا الموضوع اقترحتُ فيه نفس الشروط في اختيار الوزراء، بأن يرشح كل كيان سياسي مشارك في تشكيل الحكومة أفضل ما عنده من أصحاب النزاهة الوطنية والاختصاصات والكفاءات والأكاديميين من حملة الشهادات الجامعية العالية، كأن يتم اسناد كل منصب وزاري إلى شخص مختص في شؤون تلك الوزارة، مثلاً، يتم تعيين طبيب وزيراً للصحة، ومهندس كهربائي وزيراً لوزارة الكهرباء، وخبير نفطي وزيراً للنفط... وضابط عسكري ذي رتبة عالية متقاعد وزيراً للدفاع... وهكذا بقية الوزارات. وبذلك يتم الجمع في تشكيل الحكومة بين الاستحقاق الانتخابي و أصحاب الكفاءة من التكنوقراط،.

ولكن، ما يقصده دعاة حكومة التكنوقراط هو ليس هذا النوع من الحكومة التي فهمها الصديق، وإنما يطالبون بحكومة من أصحاب الكفاءات والاختصاص من غير الحزبيين، بل وحتى من لا اهتمام له بالسياسة. وللتأكيد على هذا المفهوم لحكومة التكنوقراط ، راجعتُ موسوعة الويكيبيديا، فحصلت على التعريف التالي:   
"التقنوقراط هم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطه بهم، وهم غالباً غير منتمين للأحزاب. والتقنوقراط كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: التقانة (التكنولوجيا): وتعني المعرفة أو العلم ، وقراطية (كراتس) وهي كلمة اغريقية معناها الحكم، وبذلك يكون معنى تقنوقراط حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة. والحكومة التقنوقراطية هي الحكومة المتخصصة في الاقتصاد والصناعة والتجارة، غالبا تكون غير حزبية فهي لا تهتم كثيرا بالفكر الحزبي والحوار السياسي."(2)

والجدير بالذكر، أن الوزارات هي مناصب سياسية، لا تتطلب الخبرة والتخصصات التكنوقراطية في وزارة ما، وإن وجدت فهي نقاط إضافية لصالحه وصالح المجتمع، بل كلما هو مطلوب من المرشح لمنصب الوزارة أو أن يتمتع بالعفة والنزاهة الوطنية، وتاريخ مشرف، وخبرة إدارية والقدرة على العمل ضمن فريق، وعادة يكون من منتمي إلى حزب فائز أو مشارك مشارك في تشكيل حكومة إئتلافية، وهو في رأيي أفضل من المستقل، لأن الحزب يقدم برنامج انتخابي متكامل لإدارة الدولة وخدمة الشعب. لذلك فالناس عادة يصوتون للمرشح الحزبي بدلاً من المستقل ومهما كان الأخير صاحب معرفة وخبرة وشهادات جامعية عالية، إلا نادراً وفي حالات استثنائية. فالحزب هو مظهر حضاري بديل عن القبيلة والعشيرة في المجتمعات المتخلفة، يجتذب إليه ناشطين سياسيين وقياديين، لهم اهتمام كبير بالشأن العام وخدمة الشعب والمصلحة العامة. ويتطلب من القياديين السياسيي النزاهة والحماسة لخدمة المجتمع، والاستعداد للتضحية بالمصلحة الخاصة، والقدرة على التفاهم والتواصل والاقناع، والتمتع بقدر كبير من المعرفة والثقافة والصبر والدبلوماسية وفن الخطابة والإدارة. لذلك، فليس من الضروري أن يكون وزير الصحة طبيباً، و وزير الدفاع عسكرياً، أو خبيراً بالأمور العسكرية والحروب. ففي الدول الديمقراطية العريقة نادراً ما يكون الوزير مختص بشؤون وزارته، فمثلاً قبل عامين كان وزير الدفاع في بريطانيا طبيب، ولكن في جميع الأحوال، يكون الوزير مدعوماً بعدد غير قليل من المستشارين التكنوقراط، يساعدونه على تمشية شؤون وزارته.   

وأخيراً، حتى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، نيكولاي ملادينوف، الذي حُشر اسمه ضمن المطالبين بتشكيل حكومة التكنوقراط ، "حث رئيس الجمهورية السيد فؤاد معصوم لأداء مسؤولياته الدستورية بتكليف رئيس الوزراء المُكلف بتشكيل حكومة جديدة تراعي الاستحقاقات الدستورية والسياقات الديمقراطية"، ولم يشر إلى كلمة التكنوقراط (3)

وبناءً على كل ما تقدم، نؤكد على ضرورة التمسك بالاستحقاق الانتخابي والدستور، وإلا لماذا تم صرف كل هذه الأموال على الانتخابات، وحث الملايين من الناخبين على الإدلاء بأصواتهم، وتعريضهم لمخاطر تفجيرات الإرهابيين، ومن ثم نضرب نتائج الانتخابات عرض الحائط، ونطلب من أناس غير منتخبين تشكيل حكومة غير منتخبة؟ أليس هذا ضحك على الذقون، وتجاوز على حقوق الناخبين ومخالفة للدستور؟ 
لذلك، فإني أتفق كلياً مع مقترح الصديق، الداعي إلى أن " يطلب من أي كتلة سياسية مشاركة في الحكومة أن ترشح ثلاثة مرشحين (من حملة الشهادات العليا وذوي الاختصاص والتجربة، والمشهود لهم بالنزاهة والعفة)، ورئيس الوزراء وفريقه يختارون أحدهم ليكون الوزير للوزارة التي أصبحت من حق ذلك الحزب أو المجموعة السياسية التي بإستحقاقها الإنتخابي أصبحت تلك الوزارة من نصيبها". وأضيف، أن على رئيس الكتلة تقديم خلاصة خدمة (سيرة حياة C.V.) عن كل مرشح من مرشحيه للمناصب الوزارية، ومن حق المكلَّف بتشكيل الوزارة اختيار الأفضل.
وبذلك يمكن الجمع بين الاستحقاق الانتخابي والتكنوقراط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- عبدالخالق حسين: لا بديل عن صناديق الاقتراع
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=671

2- موسوعة ويكيبيديا: حكومة التكنوقراط http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9

3- ميلادينوف يدعو إلى تشكيلٍ سريع للحكومة وفق السياقات الدستورية
http://alakhbaar.org/home/2014/8/173937.html

41
البعث يدَّعي إعلان الحرب على داعش!

د.عبدالخالق حسين

بدون الخبث والمكر والغدر والقتل، والتدمير فالبعث لم يكن شيئاً يذكر. هذه الحقيقة يعرفها الشعب العراقي بجميع مكوناته بمن فهم العرب السنة، بل وحتى البعثيون أنفسهم. ولولا هوس السياسيين السنة باحتكار السلطة لهم وعدم تحملهم ليكون للشيعة دور في صنع القرار السياسي بما يناسب ثقلهم السكاني واستحقاقهم الانتخابي، لكانوا من ألد أعداء البعث. لذلك يستخدم السياسيون السنة كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بما فيها التحالف مع البعث والإرهاب لإلغاء الديمقراطية في العراق.
فالبعث هو شر مطلق وبكل معنى الكلمة. وأكاد أجزم أنه لولا البعث وارتكابه جريمة 8 شباط 1963 لكان العراق الآن بمصاف الدول المتقدمة وذلك لما يملكه من كفاءات بشرية وثروات طبيعية هائلة. وقد ذكرنا مراراً أن البعث يمتلك القدرة الفائقة على التلون والتقلب، وعقد تحالفات حتى مع ألد خصومه الأيديولوجيين، وارتكاب أبشع الجرائم الفظيعة بأسماء أفراد وتنظيمات إرهابية، وبعد أن يحقق أغراضه منها يقوم بسحقها وإدعاء البطولة والشطارة والفهلوة.

خلفية داعش
بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 لحماية النظام الشيوعي فيه، ساهمت الدول الغربية بقيادة أمريكا على تشكيل التنظيمات الجهادية الإسلامية المتطرفة، ومن بينها طالبان والقاعدة، وبتمويل سعودي وخليجي وبأيديولوجية الوهابية. وبعد طرد السوفيت والقضاء على النظام الشيوعي في أفغانستان وهيمنة طالبان على الحكم، انقلب السحر على الساحر، فكان من عواقبها الوخيمة، ونتائجها غير المقصودة، كارثة 11 سبتمبر 2001. ولذلك حاولت أمريكا شق القاعدة لمحاربتها من داخلها عملاً بفكرة (وداوني بالتي كانت هي الداء). فنجحت في اختراق القاعدة، وشقها بكسب جماعة منها باسم (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، اختصاراً (داعش). فقواعد داعش هم من المتطرفين الإسلاميين الذين تعرضوا لغسيل الدماغ واعتناقهم المذهب الوهابي التكفيري. أما قياداته العسكرية فهم من الضباط العسكريين البعثيين المتشددين في الحرس الجمهوري، تم تجنيدهم عندما كانوا في سجن (بوكا)، على أيدي ضباط من السي آي آيه. فمنهم من أعيد إلى الجيش العراقي والأجهزة الأمنية كخلايا نائمة للبعث (داعش)، ومنهم من تظاهر بالدين والتدين وارتدى الزي الوهابي فتم رفدهم لقيادة بهائم داعش وتحويلهم إلى ضباع ضارية وقنابل بشرية. لذا، وكما أكدنا مراراً، فداعش نتاج لعبة دولية وإقليمية هدفها إخضاع الحكومات التي لم تساير بما فيه الكفاية، أمريكا وحلفائها في المنطقة: السعودية وقطر والأردن وتركياـ والعمل غلى تحويل الصراع العربي- الإسرائيلي إلى قتال سني- شيعي، وإبادة الشيعة، الخطة التي عملت عليها السعودية لثلاثين سنة حسب شهادة الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية (MI6)(1).

ما الجديد في المحافظات الغربية؟
في الحقيقة إن ما جرى في الموصل وصلاح الدين وغيرها من المناطق السنية يوم 10 حزيران/يونيو 2014، لم يكن جديداً. فهذه المنطقة لم تكن تحت سلطة الحكومة المركزية منذ سقوط حكم البعث يوم 9/4/2003 إلا بالاسم، ودفع حصتها من ميزانية الدولة العراقية. أما ما جرى يوم 10 حزيران، فهو اعلان المسؤولين ومعظمهم بعثيون، سواءً كانوا موظفين إداريين أو عسكريين، إعلانهم التمرد على الحكومة الفيدرالية، وتم تسليم السلطة إلى منظمة اسمها (داعش) والتي هي تحت سيطرة البعث، وجاءوا بشخصية مجهولة باسم (أبو بكر البغدادي) أعلنوه "خليفة" على الدولة الإسلامية القرقوشوية. وقاموا بارتكاب المجازر ضد جميع مكونات الشعب هناك من قتل الشيعة والمسيحيين والشبك والإيزيديين، وصولاً إلى السنة عرباً وأكراداً وتركماناً، والسلب والنهب، إضافة إلى تفجير دور العبادة وقبور الأنبياء، وفرض الحجاب والختان على النساء، وهتك الأعراض باسم (جهاد النكاح)، حتى وصل إلى قتل رجال الدين السنة وكل من لا يبايع الخليفة أبوبكر البغدادي... إلى آخر اللعبة القذرة التي لا يجيدها إلا البعثيون. ولما بلغ السيل الزبي، وبعد أن أدرك أهل الموصل وغيرها من المناطق السنية أنهم خُدعوا من قبل قياداتهم السياسية التي حرضتهم على السلطة المركزية (حكومة المالكي الشيعي الإيراني الصفوي...الخ)، و التأليب على الجيش العراقي (الشيعي الصفوي) على حد أوصافهم التسقيطية.
وبعد أن حقق  الجيش العراقي انتصارات رائعة على العصابات الداعشية البعثية الإجرامية، وفي محاولة منهم لسرقة النصر من الجيش العراقي، أعلن البعثيون حربهم على داعش ليقولوا للشعب العراقي وللعالم، أن البعث هو وحده القادر على سحق داعش، وخلاص الشعب من إرهابه. بينما في الحقيقة والواقع، إن مصدر كل هذه اللعبة الداعشية والإرهاب الداعشي هو البعث وبدعم دولي وإقليمي، الغرض منه إلغاء الديمقراطية في العراق وعودة البعث إلى السلطة وبمباركة إدارة أوباما، وحلفائها التقليديين في المنطقة.

فقد جاء في تقرير موقع الأخبار: (تحت الضربات المدمرة لقوات الجيش العراقي بمساعدة طيرانه وقوته الجوية وهروب الكثير من عناصر داعش بإتجاه سورية واتساع تحرير مساحات الاراضي والمناطق المدنسة من داعش وشركائهم من اقطاب الخيانة والتآمر، فقد انبرى البعض من المناوئين للعملية السياسية من شاكلة أثيل النجيفي ومسعود البرزاني الذين هللوا لسقوط الموصل، حيث غيروا مواقفهم الى إدعاء محاربة داعش بهدف تحرير الموصل، انضم الى هؤلاء الأدعياء حزب البعث العربي الإشتراكي بدعوى الإنتقام من تدمير مراقد الأنبياء والأولياء.)(2)

وفي هذا الخصوص، أصدرت قيادة البعث بيانا اعتبرت فيه "داعش" منظمة إرهابية، وأبدت استعدادها للدفاع عن المسيحيين وغيرهم من المضطهدين، جاء فيه " ان جرائم داعش بدأت تتسع وتتفاقم ، وآخرھا تھجیر الإخوة المسیحیین من مدینة الموصل بشكل یبعث على الأسف، وھو ما نرفضه، ولن نسمح لأحد أن یكون خنجراً مسموماً بظھر مكونات المجتمع، فالعراق ھو وطن الجمیع، عرباً وأكرادا وتركمان وسنة وشیعة ومسیحیین وایزیدیین .. وھو مشروعنا الذي حمله الرئیس الشھید صدام حسین رحمه الله ولازال یقود مسیرته الرفیق المناضل والقائد المجاھد الأمین العام للحزب عزة إبراھیم ھو ورفاقه المیامین ."(نفس المصدر)
بينما اجتمع هؤلاء في عمان قبل أيام قليلة، واعتبروا داعش منهم وإليهم، وقال أحد المشاركين في ذلك اللقاء الاجرامي، وهو صلاح المختار البعثي، أن من يقوم بقتل وتهجير المسيحيين وتفجير دور العبادة في الموصل هو جيش المالكي الشيعي الصفوي وليس داعش (الثوار) !!.

فللبعث تاريخ دموي حافل في ارتكاب الجرائم البشعة ضد الشعب، وبعد أن يحقق أغراضه منها يقوم بتمثيلية اكتشاف الجريمة والقضاء عليها، بينما الحقيقة هي إن البعث نفسه مصدر الجريمة في جميع الأحوال، ولنؤكد صحة ما نقول نذكر المثال التالي:

تمثيلية أبو طبر
في منتصف السبعينات ظهر مجرم سفاح، يقوم بالسطو على عوائل بغدادية معروفة بمعارضتها للسلطة البعثية، اشتهر باسم (أبو طبر) لأنه كان يستخدم طبر (فأس) في قتل ضحاياه، وعادة في حمام البيت. وتكررت هذه الجريمة لأكثر من شهر، مما أثار الرعب بين سكان بغداد. و استغلت السلطة البعثية هذه الحوادث البشعة لتحقيق غاياته، ومنها إعلان منع التجول في يوم معين في مدينة بغداد، وقام الحزبيون والأجهزة الأمنية بتفتيش البيوت بحثاً عن الأسلحة والمعارضين بحجة البحث عن (أبو طبر)، وتمت مصادرة الأسلحة الشخصية التي كانت بحوزة بعض الناس من أجل الدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم من المجرمين. وبذلك حقق البعثيون غرضهم الرئيسي من اللعبة. وبعد فترة أعلنوا إلقاء القبض على (أبو طبر) و أدعوا أن اسمه (حاتم كاظم هظم) من مدينة المسيب في محافظة بابل.
والجدير بالذكر أن العراقيين وبحسهم الوطني، وخبرتهم بأساليب البعث، نسَّبوا جرائم أبو طبر إلى المخابرات العراقية، لان معظم الجرائم طالت معارضين سياسيين كما ذكرنا آنفاً. وأجرت السلطة محاكمة صورية للمدعو (حاتم كاظم هظم)، وأعدمته، وتم طمس الحقائق، ولا ندري مدى صحة المحاكمة والإعدام. وهكذا أدعى البعث بطولة اكتشاف المجرم والقبض عليه وإعدامه.
وعليه، فما داعش اليوم إلا أبو طبر بعثي آخر من الوزن الثقيل، وعلى شكل تنظيم ضخم يضم الألوف من (أبو طبر)، ساهمت في تشكيله حكومات واستخبارات دولية عملاقة مثل أمريكا، وإقليمية مثل السعودية وقطر والأردن وتركيا، لتطبير أية حكومة لا تسير وفق سياسة أمريكا وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة.
وأخر لعبة قام بها البعث هي لعبة البعثي الداعشي، أثيل النجيفي، الذي منذ أن صار محافظاً للموصل راح يطالب حكومة المالكي بإخراج الجيش (الشيعي الصفوي) من المحافظة واستخدم أخس الوسائل التسقيطية ضد الجيش العراقي. وبعد أن سلم مفاتيح الموصل إلى داعش يوم 10/6 ولجأ إلى أربيل في لعبة مفضوحة بحماية بارزاني، كما وحاول المشاركة في مؤتمر عمان الإرهابي الطائفي السيئ الصيت الذي طرد منه ذليلاً مهاناً، والآن يحاول تشكيل ميليشيات مسلحة من عناصر يسميها بـ(الجيش القديم)، للمشاركة بتحرير محافظة نينوى من سيطرة داعش، وليلغي دور الحكومة العراقية التي يحاول شقيقه، أسامة، الحصول على منصب نائب رئيس وزراء فيها!  ومن دون التطرق الى مصادر تمويل وتسليح هذه المليشيات!!!
طبعاً الغرض من تشكيل هذه المليشيات من الجيش القديم هو محاربة الحكومة وخلق داعش ثاني باسم البعث هذه المرة... يرجى مشاهدة الفيديو أدناه.(3)
يرتكب هؤلاء جرائمهم باسم الوطنية، ونحن على ثقة عالية أن سهامهم سترتد إلى نحورهم.
وكما قال ساميول جونسون: الوطنية آخر ملاذ للأوغاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر
1- Sir Richard Dearlove on Re-appraising the Counter-Terrorist Threat
http://www.youtube.com/watch?v=XeFFtiEtriA

2- مع اقتراب نهاية داعش تحت ضربات الجيش العراقي .. حزب البعث يلحق بالنجيفي وبرزاني في إدعاء الحرب على داعش
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173320.html

3 اضغط على الرابط للاستماع الى بيان أثيل النجيفي
http://www.youtube.com/watch?v=bmyd_48gg3o&sns=em

روابط ذات صلة: مقالات جديرة بالقراءة
عمار البازي:كيف تشعرون الان يا اهل الموصل؟؟؟
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=164331#axzz391iLHFG0
 
غسان نعمان ماهر السامرائي:
بعد تفجير مرقد يونس (ع) ، وأوامر ختان النساء وأمثالها ، ماذا أنتم قائلون ؟ وماذا أنتم فاعلون؟
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173449.html
 


42
إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء
د.عبدالخالق حسين

إن رأسمال البعثيين هو الكذب والتلفيق وتشويه صورة وسمعة خصومهم السياسيين، وكل من لا يسير على سكتهم. وقد عُرفوا بشراستهم في التعامل مع معارضيهم، لذلك تم اختيارهم من قبل الاستخبارات الغربية في التآمر على حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، كرأس الحربة في انقلاب 8 شباط 1963 الأسود. وهم لا يبالون بحجم القتل والخراب الذي يجلبونه على الشعب والمنطقة. وكل من يحاول إلقاء اللوم على صدام حسين وحده ويبرئ البعث من الجرائم بحق العراق والمنطقة، فهو على خطأ، فصدام هو نتاج البعث، ولو لم يكن صدام لأنتج الحزب صداماً آخر وباسم آخر، مثل ناظم كزار، وعزت الدوري، وطه الجزراوي وغيرهم. فالمهم عند البعث هو الاستيلاء على السلطة وبأخس الوسائل دموية. إذ كما قال مشيل عفلق في هذا الخصوص: "حزب البعث هدية الأمة العربية للعراق، وصدام حسين هدية العراق للأمة العربية" !!
ووبعد تحرير العراق عام 2003، وعندما خاب أمل أمريكا في جر العراق إلى معاداة إيران في ظل حكومة نوري المالكي، عادت إلى عميلها السابق، البعث، للقيام بالمهمة القذرة، خاصة وهو المجرب، ومن أصحاب السوابق في هذا المجال، لذا أثاروا كذبة تهميش وإقصاء السنة والكرد من قبل المالكي الدكتاتور الطائفي!!.
فالبعث يستطيع أن يتلون ويتخذ مختلف الأشكال والألوان وحسب الظروف، وينفذ ما تخطط له الاستخبارات الأجنبية والقيام بما تسنده له من أدوار إجرامية بحق الشعب والوطن. واليوم أنتهى عهد الانقلابات العسكرية، لذلك أنيط به دور قيادة داعش والاستفادة من كل الظروف المحلية والإقليمية والدولية، فالبعث مطية لتحقيق أغراض الآخرين مقابل إعادته إلى السلطة التي فقدها عام 2003.

قلنا مراراً، وبات معروفاً اليوم، أن ما يسمى بداعش هو تنظيم منشق من القاعدة، وبجهد استخباراتي أمريكي، وتمويل سعودي قطري ودعم تركي، جندوا له ضباط بعثيين من الجيش العراقي السابق، وأغلبهم من الحرس الجمهوري، تم رفدهم من قبل خبراء السي آي أيه، عندما كانوا في معتقل (بوكا) في جنوب العراق.(1)
ونجح هؤلاء الضباط  في اختراق القوات العسكرية والأجهزة الأمنية وجميع مؤسسات الدولة، مستغلين حملة المصالحة الوطنية ومبدأ (عفا الله عما سلف)، وبقوا كخلايا نائمة ينتظرون ساعة الصفر التي جاءت يوم 10 حزيران 2014 في احتلال الموصل والتي كانت عملية تسليم من قبل الضباط البعثيين بالاتفاق مع الضباط الكرد في الجيش الذي كانوا يسمونه بجيش المالكي الشيعي الإيراني!!! ويثيرون عليه نقمة أهل الموصل. وقد تأكد ذلك من مؤتمر عمّان الذي ضم لملوماً من مختلف "فصائل المقاومة"، من رجال الدين وعلى رأسهم حارث الضاري وعبدالملك السعدي، وشيوخ عشائر، والبقية من البعثيين.

لقد ارتكب تنظيم داعش أبشع الجرائم بحق الإنسانية في المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم مثل الموصل وصلاح الدين، حيث القتل والتهجير والسلب والنهب على الهوية الدينية والطائفية والعنصرية وغيرها من الجرائم التي لحقت بالمسيحيين والأقليات الدينية والمذهبية الأخرى. واليوم وردت أنباء أن عناصر "داعش" بدأت حملة التطهير العنصري ضد الأكراد وإرغامهم على الرحيل من محافظة نينوى. وهذا الإجراء التعسفي يؤكد بعثية داعش وبغطاء ديني وهابي. فجرائم التهجير وتغيير ديموغرافية المناطق لم يعرفها العراق إلا في عهد حكم البعث. فلو كانت داعش حقاً منظمة إسلامية تبشر بدولة الخلافة، ولا تعترف بحدود وطنية كما قالوا: (العراق ليس للعراقيين وسوريا ليست للسوريين)، فلماذا تطرد الأكراد من بلادهم وهم مسلمون سنة ومن نفس مذهب داعش؟ ألا يؤكد هذا بعثية داعش؟
وهو في نفس الوقت درس للسيد مسعود بارزاني الذي غامر بالقضية الكردية عندما تحالف مع داعش (البعث) بتأثير الدول الإقليمية كرهاً في المالكي والعراق. وعندما نقول بارزاني يكره العراق، فليس هذا افتراءً منا عليه، معاذا الله، بل هو الذي أنكر وجود أي انتماء عراقي عند العراقيين، ويعمل ليل نهار على إضعاف الحكومة العراقية المركزية. لذا، فكما خسر والده عندما تحالف مع البعثيين في عهد حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، كذلك سيعيد التاريخ نفسه مع السيد مسعود، الابن، السائر على نهج الوالد في التآمر على العراق. فقد صرح السيد بازاني مراراً أنه إذا تم اختيار المالكي رئيساً للوزراء فإنه لن يتعاون مع حكومة بغداد!! والسؤال هنا: متى تعاون السيد بارزاني مع حكومة بغداد وله وزراء متنفذون في الحكومة المركزية؟ فأنت يا سيد بارزاني ضد حكومة بغداد سواءً كان على رأسها المالكي أو الجعفري أو أي شخص آخر. فمهمتك تدمير العراق، تنفيذاً لما يصلك من أوامر من السعودية وقطر وتركية أردوغان.

ودليل آخر يؤكد بعثية منظمة داعش وجرائمها، هو ما ينشره الإعلاميون البعثيون من أكاذيب وافتراءات بلغت حد المسخرة والضحك عليها، نورد مثالين:
الأول، كتب البعثي صلاح المختار، أحد جرذان مؤتمر عمّان، في مقال له وصلني عبر البريد الاكتروني، مدافعاً عن داعش، قائلاً ما معناه: إن الجرائم التي ترتكب في الموصل ضد المسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية والمذهبية والأثنية، لم يرتكبها "الثوار"، بل ارتكبها جيش المالكي!! إذ يصفون الدواعش بالثوار، وجرائمهم بـ"ثورة السنة ضد ظلم وطائفية المالكي".
والثاني، بثته فضائية الشرقية لصحابها البعثي سعد البزاز، مفادها أن المسيحيين في الموصل يفضلون العيش في المناطق التي تحكمها داعش على أن يعيشوا في المناطق التي تحت سيطرة حكومة المالكي!!

فمن نصدق، التقارير والصور المأساوية التي تصلنا من وكالات الأنباء و اليوتيوب عن مآسي المسيحيين والأقليات الأخرى، أم نصدق فضائية سعد البزاز، ورفيقه صلاح المختار في دفاعهما المحموم عن داعش؟ ندرج في الهامش رابط نداء من قداسة البطريك لويس ساكو(3)، وفيديو عما يحصل للعوائل المسيحية في الموصل(4)، وكذلك روابط عن جرائم عصابات داعش في الموصل، فماذا يقول كتبة داعش الذين لا يستحون.
يقول المثل: (إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء). وهذا ينطبق تماماً على البعثيين وحلفائهم في كل زمان ومكان.   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- د. علي حسن الشيخ حبيب: قراءة في البعد الستراتجي لصناعة داعش؟
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172979.html

2-  ياسين مجيد: فرحة العرب في الموصل وغزة
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173085.html

3- نـــداء من قداسة البطريرك لويس روفائيل ساكو - بطريرك بابل على الكلدان
http://aljeeran.net/inp/view.asp?ID=21473

4- بالفيديو .. شاهد حقيقة ما يحصل للعوائل المسيحية في الموصل على لسان هذه المواطنة العراقية من مسيحيين "فيديو حزين"
http://www.knoozmedia.net/?p=55633

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض العناوين عن جرائم عصابات داعش في الموصول
عصابات داعش تطوق جامع النبي شيت بهدف تفجيره وسط الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173191.html

"داعش" للموصليات: النقاب أو العقاب
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173193.html

فيديو: لحظة تفجير مرقد النبي يونس في الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/173158.html
 

43
مؤتمر عمّان نتاج تساهل الحكومة العراقية مع داعمي الإرهاب

د.عبدالخالق حسين

عقد قبل أيام، في عمان العاصمة الأردنية، مؤتمر تحت شعار "مؤتمر عمّان لإنقاذ العراق ودعم الثورة" حضره نحو 300 مشارك "من مختلف القوى العشائرية والبعثية والفصائل المقاتلة المسلحة والضباط العراقيين السابقين وهيئة علماء المسلمين في العراق،..."، بينهم عدد كبير من المطلوبين للقضاء العراقي ومدانين بالارهاب. وقد أكد المؤتمر في بيانه "على ضرورة عقد مؤتمر موسع مقبل خلال أشهر قليلة مقبلة"، ودعوات للتحالف مع "داعش" ومواجهة "المد الصفوي" الإيراني، واتفاق على إسقاط النظام الحالي... وأقصى المؤتمر، كل من شارك في العملية السياسية في العراق.

والجدير بالذكر أن هكذا مؤتمر لا يمكن عقده في فندق خمس نجوم في عمان ما لم يكن بمباركة وإشراف الحكومة الأردنية، وتمويل دول البترو دولار الخليجية. والأردن ليس البلد الوحيد الذي يأوي الإرهابيين الذين يقتلون الشعب العراقي، بل هناك بلدان مجاورة أخرى مثل تركيا والسعودية وقطر. ولا ننسى هوَس ملك الأردن بخطر "الهلال الشيعي".

لقد بات معروفاً للقاصي والداني أن هناك جهات دولية (أمريكا)، وإقليمية (السعودية وتركيا وقطر والأردن)، تسعى لإسقاط العملية السياسية في العراق وتحت مختلف الحجج الواهية، مثل الإدعاء بدكتاتورية المالكي، وتهميش السنة العرب وملاحقتهم...الخ، ولكن الهدف الرئيسي هو إلغاء الديمقراطية وإقامة حكومة معادية لإيران، تدور في فلك السعودية وإعادة العراق إلى ما قبل 2003، إلى حكم البعث وبأيديولوجية جديدة مزيجة من هذيانات البعث، والوهابية الطائفية المتطرفة لإبادة الشيعة والأقليات الدينية الأخرى، ومحو كل أثر لهم بما فيها أضرحة أئمتهم ومقدساتهم كما عمل الحكم السعودي الوهابي بأضرحة الشيعة في مقبرة البقيع في المدينة المنورة أوائل القرن العشرين.
ولذلك خصصت هذه الحكومات مليارات الدولارات لتأسيس منظمة داعش الإرهابية للقيام بالدور الإرهابي القذر ونشر الرعب في أوساط الشعب العراقي بارتكاب القتل الجماعي على الهوية الدينية والطائفية. وآخر هذه الجرائم البربرية هي توجيه إنذار من خليفة الدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي إلى المسيحيين في الموصل بما يلي:
إما إعلان إسلامهم، أو دفع الجزية، أو مغادرة المنطقة بملابسهم فقط، وترك ممتلكاتهم كغنيمة لدولة الخلافة الإسلامية، أو يواجهوا القتل.
إضافة إلى جرائم بربرية أرتكبتها داعش ضد الحضارة البشرية مثل تدمير المكتبات، وهدم دور العبادة،  والتهديد بحرق المكتبة المركزية في جامعة الموصل، وهذا يذكرنا بما قام به المغول إبان غزوهم لبغداد عام 1258م. (1)
والجدير بالذكر أن مؤتمر عمّان لم يدن جرائم داعش، بل مؤيد لها بدليل اعتبار داعش حليف لهم وعضو فاعل في المؤتمر، وهذا يعني أن المؤتمرين ومهما تعددت انتماءاتهم تحت مختلف الأسماء والتنظيمات الوهمية، وحاولوا الظهور بمظهر الاعتدال، وأنهم يدافعون عن حقوق كل العراقيين بدون تمييز، فهذا للدعاية وذر الرماد في العيون، فبسكوتهم عن جرائم داعش البشعة ضد الإنسانية، بل وتحالفهم معها، دليل على موافقتهم على جرائمها، ومن المؤكد أنهم من مكوناتها، ومهما تعددت انتماءاتهم، فداعش ما هو إلا الاسم الحركي لهذا اللملوم من الإرهابيين. لقد اختطف هؤلاء اسم أهل السنة، وبموقفهم المخزي هذا فقد أساءوا إلى سمعة أهل السنة في العراق والسنة منهم براء.

والحكومة الأردنية، وكافة الحكومات التي مولت وساندت هذا المؤتمر التآمري، تتحمل مسؤولية الإرهاب الذي ارتكبته ومازالت ترتكبه عصابات داعش الإرهابية في العراق ضد الناس الأبرياء العزل من المسيحيين والشيعة والإيزيدية، والشبك والتركمان، ولم يسلم منهم حتى السنة الذين رفضوا مبايعة داعش وخليفتها أبو بكر البغدادي.
وهناك مصادر تؤكد "ان بندر بن سلطان بن عبد العزيز آل سعود رئيس الاستخبارات السعودية السابق مول مؤتمر عمان لداعمي الارهاب في العراق. وبحسب هذه المصادر، فقد دفع سلطان الى المملكة الاردنية مبلغ 20 مليون دولار كدفعة اولى لتستضيف المؤتمر الذي شهد حضور عدد كبير من المطلوبين للقضاء العراقي ومدانين بالارهاب." (يرجى فتح رابط التقرير أدناه 2).

والسؤال الذي نود طرحه هو: لماذا تسكت الحكومة العراقية عن الحكومة الأردنية، وقبلها الحكومة التركية الأردوغانية بإيواء الإرهابيين، والسماح لهم بعقد مؤتمراتهم بكل حرية والتآمر لإسقاط الحكومة العراقية المنتخبة، وإلغاء الديمقراطية وإغراق العراق في حروب إبادة الجنس؟

فالأردن، ومنذ العهد الصدامي، المستفيد الأكبر من المحنة العراقية، واليوم في عراق ما بعد صدام يحصل الأردن على التسهيلات الاقتصادية، وبالأخص على النفط العراقي بأسعار رمزية (في حدود 10 دولار للبرميل، أي أقل من عِشر سعر السوق)، إضافة إلى مشروع مد أنبوب نفطي إلى ميناء العقبة، كذلك من مجالات اقتصادية أخرى في صالح الأردن.

ما الذي يجب عمله
ومن كل ما تقدم، أرى أن من واجب الحكومة العراقية حماية شعبها من الإرهابيين، ومقاضاة الحكومات الحاضنة للإرهاب، لدى الأمم المتحدة والمحافل الدولية، و أن ترفض ما نقله السفير العراقي في بيان صحافي إن "الحكومة الأردنية تقدم اعتذارها الرسمي للعراق عما حصل من إقامة مؤتمر مناوئ للعملية السياسية على ارضها". إن قيمة هذا الاعتذار لا تساوي الحبر الذي كتب به. فالحكومة الأردنية تلعب دوراً انتهازياً واضحاً ودون خجل، تريد الاستفادة من العراق بالحصول على التسهيلات الاقتصادية من جهة، وفي نفس الوقت تواصل التآمر مع الإرهابيين على العراق ونظامه الديمقراطي. لذا على الحكومة العراقية ازدراء هذا الاعتذار الرخيص، والإسراع بقطع المساعدات الاقتصادية عنها فوراً، وحتى تجميد مشروع مد الأنبوب النفطي إلى ميناء عقبة.

ونفس الموقف يجب على العراق اتخاذه من تركيا، فالميزان التجاري مع تركيا في حدود 17 مليار دولار في صالح تركيا، الأمر الذي أدى إلى انتعاش الاقتصاد التركي والذي رفع من شعبية أردوغان، الشخص الذي يتآمر على العراق. لذا على الحكومة العراقية إلغاء العقود الاقتصادية مع تركيا والأردن فوراً. فكما قال الشاعر العربي زهير ابن أبي سلمى:
ومن يجعل المعروف في غير أهله... يكن حمده ذماً عليه ويندمِ

أما الموقف من السعودية، فهناك دليل مادي قدمه رئيس الاستخبارات البريطانية MI6 السابق Sir Richard Dearlove (3) على وجود مخطط سعودي لإشعال حرب طائفية في المنطقة ضد الشيعة وإبادتهم، ومعاملتهم في العالم الإسلامي كمعاملة النازية الهتلرية لليهود. أُدرج أدناه رابط فيديو لمحاضرة السير رتشارد، وتقرير الصحفي البريطاني باتريك كوكبرن في الاندينبندت اللندنية (الترجمة العربية والنسخة الإنكليزية) تأييداً وتوضيحاً لما قاله السير ريتشارد. (4)
لذا، يجب على الحكومة العراقية تقديم هذه الوثيقة إلى الأمم المتحدة لمقاضاة السعودية على دعمها للإرهاب في العراق وإشعال حرب طائفية في المنطقة لا تبقي ولا تذر. وأرجو أن لا يصدق أحد الأكاذيب التي تبثها السعودية والأردن وتركيا أن داعش تهددها... فهذه دعاية لذر الرماد في العيون لتغطية دور هذه الحكومات في خلق داعش لتحقيق أغراضها الإجرامية في نشر الفوضى العارمة الهدامة وليست الخلاقة، كما يدعون.

على العراق اللجوء الى مجلس الأمن، ومحكمة العدل الدولية، والى الجامعة العربية وكل الدول الكبرى، وذات العلاقة، من اجل كشف أﻻعيب اأردن والدول الداعمة له، و وضع حد لكل المؤامرات ورمي الكرة في الساحة الأردنية والسعودية وكل المتآمرين. ويجب على العراق ان يضع في حسبانه ان العالم اليوم ﻻ يوجد به صديق ثابت يعتمد عليه، الكل يبحث عن مصالحه، فلماذا لا يبحث العراق عن مصالحه أيضاً.
فإلى متى تسكت الحكومة العراقية عن جرائم هذه الحكومات ومنظماتها الإرهابية؟ إن سكوت الحكومة العراقية أدى بهذه الحكومات إلى التمادي والإمعان في التآمر على العراق وارتكاب المزيد من الجرائم ضد الشعب العراقي.
فمن يهن يسهل الهوان عليه... ما لجرح بميت إيلام
وحاشا للعراق أن يكون كذلك.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- داعش تهدد بحرق المكتبة المركزية في جامعة الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172825.html

2- بندر بن سلطان مول مؤتمر عمان، اجتماع لداعمي الإرهاب في اسطنبول الشهر المقبل
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172911.html

3- فيديو (محاضرة سير رتشارد ديرلوف رئيس الاسخبارات البريطانية الأسبق عن الدور السعودي في الإرهاب) جدير بالمشاهدة
Sir Richard Dearlove on Re-appraising the Counter-Terrorist Threat
http://www.youtube.com/watch?v=XeFFtiEtriA

4- مقال باترك كوكبرن في الانديبندنت اللندية: كيف ساعدت السعودية (داعش) في العراق؟
رئيس جهاز المخابرات البريطاني السابق يؤكد أن ما حدث كان خطة سعودية منذ البداية
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172506.html





44
لماذا رشح الجلبي لمنصب النائب الأول لرئيس البرلمان؟

د.عبدالخالق حسين

كتب العديد من الكتاب عن اللغز وراء ترشيح النائب الدكتور أحمد الجلبي لمنصب النائب الأول لرئيس البرلمان يوم 15/7/2014، والذي انتهى بانسحابه بعد أن تأكد من فشله كمنافس للدكتور حيدر العبادي الذي هو زميله في نفس الكتلة (التحالف الوطني). فما هو السر وراء هذا الترشيح والانسحاب إثناء التصويت وعد الأصوات للمرة الثانية؟
المعروف أن العملية السياسية في العراق تواجه عسر الولادة في كل خطوة من خطواتها، وفي هذه الحالة لا بد من توافقات، أو ما يسمى بالديمقراطية التوافقية. وهذه التوافقية ليست شراً مطلقاً كما يتصور البعض، إذ لا بد منها، وخاصة في الديمقراطية العراقية الوليدة. فالتوافقية موجودة حتى في الدول الديمقراطية العريقة عندما يفشل أي حزب في الفوز بالأغلبية المطلقة، وفي هذه الحالة لا بد من مشاورات وتفاهمات وعقد اتفاقات وراء الكواليس بين قيادات الكتل السياسية المتقاربة في البرامج والأهداف لتشكيل حكومة إئتلافية.
وفي الحالة العراقية، ونظراً لتعددية مكونات الشعب العراقي، وانعكاس هذه التعددية في هيكلية الكتل السياسية وفق الانقسام المذهبي والأثني، فهناك صراع حول اختيار الرئاسات الثلاث، الذي بدأ باختيار رئيس البرلمان ونائبيه، حيث تم بالتوافق بين قيادات الكتل أولاً، وبتصويت البرلمان ثانياً، على اختيار الدكتور سليم الجبوري من الجبهة السنية، رئيساً للبرلمان، والدكتور حيدر العبادي، من كتلة التحالف الوطني (الشيعي) نائباً أول له، والسيد آرام الشيخ محمد، من التحالف الكردستاني نائباً ثانياً. وهذه خطوة مهمة اجتازها البرلمان بنجاح. 

إلا إن المفاجأة الغريبة جاءت من النائب الدكتور أحمد الجلبي الذي رشح نفسه كمنافس للدكتور حيدر العبادي الذي هو زميله في كتلة التحالف الوطني كما أسلفنا. قيل في البداية أن الجلبي مرشح تنظيم الأحرار (التيار الصدري)، علماً بأنه (الجلبي) من تنظيم (المواطن- المجلس الإسلامي الأعلى) الذي يقوده السيد عمار الحكيم. ولما اعترض البعض على مصدر الترشيح، أعلن الجلبي أن ترشيحه شخصي. وهذا مقبول حسب القانون، ولكنه يدل على أن الجلبي خرج على ما اتفق عليه قادة التحالف الوطني الذي ينتمي إليه. المهم أن جاءت النتيجة، وبعد إعادة التصويت وعد الأصوات للمرة الثانية، بحصول العبادي على 149 صوتا مقابل 107 للجلبي.

وهنا يبرز السؤال المهم، لماذا رشح الجلبي نفسه لمنافسة زميل له من نفس الكتلة وهو شبه متأكد من فشله؟
في رأيي أن هناك عدة أسباب وليس سبب واحد لترشح الجلبي نفسه، ولم يكن فوزه بهذا المنصب الجانبي أحدها، فالجلبي يطمح أن يكون رئيساً للوزراء، وهو الذي قاد المعارضة في عهد صدام بكفاءة  تحت مظلة (المؤتمر الوطني العراقي)، وأسس لوبي واسع في أمريكا لنصرة العراق في عهد الرئيس كلنتون الذي أصدر قانون تحرير العراق...إلى آخره. ولكنه بعد التحرير عام 2003، أضاع الجلبي بوصلته للأسف، فراح يرتكب أخطاءً أضرت بالعملية السياسية، و أساءت إلى سمعته ومكانته، ليس بين الأمريكان فحسب، بل وحتى بين أبناء الشعب العراقي، حيث خسر في الانتخابات البرلمانية لعام 2006، ولولا انضمامه إلى جماعة الحكيم لما صار نائباً في الدورة المنتهية والحالية.

إذنْ، ما هي أغراض الجلبي من ترشيح نفسه:
الأول، هو أن يكون اسمه في الأخبار (Publicity stunt)، فقد دأب الجلبي منذ مدة على إطلاق تصريحات غريبة بين حين وآخر في موقعه الشخصي على الفيسبوك فتتناوله وسائل الإعلام بالنشر. والثاني، الإعلان أن التحالف الوطني هش ومخترق، وفيه من هو ضد كتلة السيد نور المالكي (عراق القانون) الذي رشح منها الدكتور حيدر العبادي. وثالثاً، لإلحاق الضرر بالتحالف الشيعي، إذ رضي الجلبي أن يكون حصان طروادة لإحداث شرخ في التحالف الوطني، ونشير في هذا الخصوص إلى مقال السيد كريم الشماع: (أحمد الجلبي عرّاب قيام البيت الشيعي وعرّاب تهديمه اليوم ؟؟؟؟).
ورابعاً، والأهم في رأيي، أن الجلبي أراد من ترشيحه لنفسه جس نبض البرلمان لمعرفة عدد النواب الذين يمكن أن يصوتوا للمالكي في حالة ترشيحه لرئاسة الوزراء للولاية الثالثة.

فالجلبي، لكونه يحمل درجة دكتوراه في الرياضيات من جامعة أمريكية مرموقة (MIT)، لا بد وأن يكون له اهتمام بالغ بالأرقام والإحصائيات واستطلاعات الرأي. ولكنه وللأسف الشديد، ولعدم ممارسته الرياضيات لمدة طويلة عدا فترة ترأسه لبنك البتراء الأردني والذي انتهى بكارثة، وربما هو لاعب شطرنج فاشل كما أثبت في السنوات الأخيرة أنه سياسي فاشل، فالسياسة هي الأخرى تعتمد على الإستراتيجية. لذلك، أعتقد أنه أخطأ في الحساب. فقد أراد الجلبي من ترشحه أن يعرف عدد النواب الذين يصوتون لمرشح دولة القانون الدكتور حيدر العبادي، والذي حصل على 149 صوتاً مقابل 107 للجلبي. ووفق هذه النتائج أراد الجلبي أن يقول للعالم وخصوم المالكي أن الأخير سوف لن يحصل على أصوات أكثر من 149 من 328 العدد الكلي للنواب. وهذا يعني و وفق هذه الحسابات، أراد الجلبي أن يزف البشرى إلى خصوم المالكي أنه سيفشل في تشكيل الحكومة للولاية الثالثة. وهذا هو الغرض الرئيسي من ترشيح الجلبي لنفسه لمنصب النائب الأول لرئيس البرلمان.

ولكني أعتقد أن الجلبي أخطأ في الحساب، فـ(حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر) في أغلب الأحيان. فالجلبي صوت له النواب الصدريون وعددهم 28 نائباً إذ انشق عنهم أربعة نواب، وبقية ألأصوات جاءت له من الكتل المعادية للتحالف الوطني وللعملية السياسية، نكاية بالمالكي لا حباً في الجلبي. ولكن الذي خسر في هذه اللعبة الغبية هو الجلبي نفسه إذ صار في نظر الشيعة إلى جانب أعدائهم، خاصة في هذه المرحلة العصيبة التي يواجه الشيعة فيها حرب إبادة الجنس من داعش وحلفائه. وهذا بحد ذاته سيزيد من شعبية المالكي، سواء في أوساط الشيعة الذين يشكلون نحو 60%، أو في البرلمان، بل وحتى في أوساط السنة، لأنه (المالكي) أثبت حرصه على وحدة العراق أكثر من خصومه، والسنة سيكونون من أكثر المتضررين بتقسيم العراق، خاصة وأن كركوك تحت سيطرة حكومة كردستان، فما يجري من تقارب بين الجبهة السنية وبارزاني مؤقت ينذر بحروب كارثية بين الطرفين في حالة تقسيم العراق.

فوفق الدستور، لم يكن ترشيح رئيس الوزراء مفتوحاً لكل من يرغب، بل يتم من قبل رئيس الجمهورية الجديد الذي من واجبه تكليف رئيس أكبر كتلة برلمانية لتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً، وفي هذه الحالة لا بد وأن يكون السيد نوري المالكي وليس غيره لحد كتابة هذه السطور.
وعندما يجد خصوم المالكي من كتلة التحالف الوطني أن رئاسة الوزارة ستخرج من يدهم، فلا بد وأن يصوتوا للمالكي وحكومته. وهذا يعني أن المالكي من الأرجح سيحصل على أكثر من 165 من أصوات النواب على أقل تقدير.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
فيديو ذو صلة
حنان الفتلاوي ما جرى خلف الكواليس لانتخاب حيدر العبادي قناة الديار16 07 2014
https://www.youtube.com/watch?v=aDKX_o_PL2Y&sns=em

45
ماذا لو تحقق ما يريده أنصار داعش؟

د.عبدالخالق حسين

كان أعداء الديمقراطية الوليدة في العراق يعرفون مسبقاً أنهم لن يحققوا أغراضهم بالوسائل السلمية الديمقراطية، لذلك هددوا قبل إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة أنه في حالة فوز السيد نوري المالكي وترشيحه لولاية ثالثة، فإن حرباً أهلية ستشتعل، وسينقسم العراق إلى ثلاث دول أو دويلات ما لم يتنحى المالكي. ولما أعلنت النتائج بفوز المالكي وتمسك باستحقاقه الانتخابي والدستوري، فاجئوا الشعب العراقي بداعش. وهذا يعني أن داعش الإرهابية تم تشكيلها منذ سنوات لهذه المناسبات.

إذ كما قال المفكر السعودي، تركي الحمد، أن " داعش هي في النهاية ورقة من أوراق لعبة 'بوكر' إقليمية ودولية، لا يلبث دورها أن ينتهي بعد أن تُلقى على مائدة اللعب الخضراء أو الحمراء في هذه الحالة."
هذه العبارة هي أصدق ما قاله الأستاذ الحمد في مقاله الموسوم (ليس حباً في معاوية، ولكن كرها في علي: ما هو أبعد من داعش)(1). ويقصد بذلك أن العرب السنة في العراق والعالم العربي، أيدوا داعش لا حبا بها، وإنما كرهاً في نوري المالكي. ولكن هذا نصف الحقيقة، أما النصف الثاني الذي لم يذكره الأستاذ الحمد، هو كرهاً للديمقراطية في العراق.

لقد خيَّب الأستاذ الحمد أملنا به في بقية مقاله هذا، حيث ركب الموجة في تبرير الإرهاب الداعشي، لرد الجميل للحكومة السعودية مقابل إطلاق سراحه من المعتقل لذنب لم يرتكبه غير دفاعه عن حرية شعبه السعودي، إذ راح وللأسف، يبرر الإرهاب الداعشي في العراق مدعياً بأنه لمواجهة "المشروع الإيراني في الهيمنة على المنطقة" حسب قوله، ولينضم إلى جوقة أوركسترا الاعلام العربي والعالمي المضلل، ويردد معها نفس النغمة بإلقاء اللوم على نوري المالكي في كل مشاكل العراق المتراكمة عبر قرون، فيقول:
"وكانت الطامة الكبرى مع نوري المالكي، حين أشعل شرارة النار الطائفية، التي كانت دائما كامنة تحت رماد التاريخ، فحوّل العراق إلى مقاطعة إيرانية تُدار من طهران، ولم يعد إلا امتدادا إيرانيا، وجزءا من المشروع السياسي الإيراني في “تشييع" المنطقة لأغراض سياسية. بطبيعة الحال، فإن سُنّة العراق، من العشائر وقاطني غرب العراق وشماله، لن يرضوا بالتهميش لأجل نجاح مشروع غير عربي، فطوال تاريخ العراق كانت لهم اليد الطولى في البلد، وذكريات الحروب والصدامات مع إيران، وكذلك الطريقة المهينة وتوقيتها لإعدام صدام حسين (صبيحة عيد الأضحى)، كانت كلها من العوامل التي أدت إلى انتفاضتهم، وإن كان التهميش والتمييز الطائفي هو العامل الأهم في انتفاضتهم، وخاصة مع الوعي بأن العراق يتحول يوما بعد يوم إلى مقاطعة إيرانية ليس إلاّ". أنتهى.

فإذنْ، إرهاب داعش في العراق في رأي مفكرنا الليبرالي السعودي هو انتفاضة العرب السنة على التهميش والمشروع الإيراني. ففي رأيه أن مجرد مشاركة الشيعة في السلطة المنتخبة وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع هو مشروع إيراني. أليس ما قاله الحمد في هذا الصدد هو نسخة طبق الأصل من أقوال الشيخ يوسف القرضاوي؟ ألا يكشف هذا عن بؤس العقل العربي "الليبرالي"، ناهيك عن العروبي و الإسلاموي؟

كذلك نلاحظ نشاطاً إعلامياً ملحوظاً في الغرب، لمقالات مطولة تنشر في كبريات الصحف الأمريكية مثل واشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وصحف بريطانية مثل الغارديان. وبطبيعة الحال هذا ليس مجاناً كعمل خيري لوجه الله أو الحقيقة المسكينة، بل مقابل أجور سخية ولأجندات معينة، وإلا كيف نفسر نشر مقال مطول في حدود 15 صفحة بحجم A4، في واشنطن بوست لكاتب أمريكي من أصل عراقي مغمور باسم: علي الخضري Ali Khedery، بعنوان: (Why we stuck with Maliki- and lost Iraq)(2)، يعطي لنفسه دوراً كبيراً، وأهمية بالغة في إقناع الأمريكيين لتعيين المالكي رئيساً للوزراء عام 2006، كما يدعي، وبذلك يضرب إرادة العراقيين عرض الحائط، وليعلن ندمه على ذلك فيما بعد، ويعيد نفس الأسطوانة: (نوري المالكي دكتاتور طائفي، عزل و همش العرب السنة والكرد واحتكر جميع السلطات بيده وأعوانه الفاسدين، وأنه ضد المصالح الأمريكية في العراق إرضاءً لإيران، ...السلطة التي يهيمن عليها الشيعة...الخ).
فمن قراءة واعية ومتأنية لمقال السيد (Ali Khedery)، يستنتج القارئ، أن الكاتب يتمتع بخيال خصب وقدرة جيدة لكتابة القصص الخيالية، ففي مقاله هذا أجاد في خلط الحقائق بالأوهام وبذلك أستخدم الحقائق لتمرير الافتراءات وإظهارها وكأنها حقائق لتضليل القراء.

كما ونشرتْ جماعة من العراقيين في أمريكا أطلقوا على أنفسهم (لجنة لعلمنة العراقCommittee for a Secular Iraq)(3)، نداءُ مطولا أخذت صفحة كاملة من صفحات واشنطون بوست على شكل إعلان، بعنوان: (An Open Letter to the People of the United States )، ولا ندري كم يكلف نشر إعلان في صفحة كاملة من حجم(Broadsheet ) في صحيفة أمريكية كبرى مثل واشنطن بوست. طبعاً رددوا فيه نفس النغمة: التهميش والإقصاء وتزييف الانتخابات لصالح المالكي الشيعي الموالي إيران..الخ. والملاحظ أنهم رغم إدعائهم بالعلمانية والسعي لعلمنة الحكم في العراق وإلغاء المحاصصة الطائفية، إلا إن المطلب الأول هو دعوتهم للرئيس أوباما بجعل منصب رئاسة الجمهورية للعرب السنة، وأنه إذا ما تحقق لهم هذا المطلب فإن السنة سيتكفلون بإخراج داعش من العراق وتنتهي الأزمة!! أي مقايضة. وهذا يعني أنهم مع داعش، وهم من خطط وجلب داعش للعراق ليعيث فيه فساداً وينشر الإرهاب ضد شعبه في سبيل أغراض سياسية لأصحاب النداء ومن يدعمهم.

والملاحظ أيضاً، أن إدارة أوباما، تتعامل بازدواجية مع داعش والأزمة العراقية، فمن جهة تعترف أن داعش منظمة إرهابية منشقة من القاعدة، وأنها تشكل خطراً على الغرب، ولكن من جهة أخرى لم تحرك ساكناً في دعم العراق لمحاربة داعش الإرهابية، وراحت تردد مع بقية الجوقة، القول (أن الحل سياسي وذلك بتغيير قيادة السلطة في العراق، وتشكيل حكومة تضم جميع الأطراف بشكل عادل)، وكأن السلطة الحالية هي فعلاً من مكون الشيعي وحده، يهيمن عليها الشيعة كما يرددون.
وهذا الموقف الأمريكي الجديد من العراق وداعش يجعلنا نشك في مقاصد أوباما من إرسال نحو 300 استشاري عسكري إلى العراق (لدراسة الموقف وتحديد مواقع تجمعات داعش، وجمع معلومات استخباراتية عن تحركات داعش وتقديمها للقوات العراقية). أقول وإزاء هذه الازدواجية الأمريكية فمن حقنا أن نشك بنشاط هؤلاء الاستشاريين، وربما القصد من وجودهم في بغداد هو لمساعدة قوات داعش عن تحركات القوات العراقية وليس العكس. ونترك الحكم لتقديرات القادة العسكريين العراقيين الميدانين، فيما إذا كان وجود المستشارين الأمريكيين أدى إلى تحسين الأداء العسكري العراقي أم تراجعه.

والجدير بالذكر أني نشرتُ مقالاً بعنوان:(أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين) (4)، وتأكيداً لهذا الرأي، نشر اليوم تقرير بعنوان (مساعدو بوش: أوباما يتحمّل مسؤولية عودة الارهاب الى العراق) جاء فيه:( اعتبر الكاتب بيير روسلين في صحيفة لوفيجارو، أن العراق اصبح ضحية الخلافات بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، مشيرا الى ان السجال حول العراق بيْن الساسة الامريكيين مستمر، وسيظل هؤلاء يتقاذفون مسؤولية الفشل في العراق ككرة لهب استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ويعتقد روسلين ان "العراق تحول إلى مقبرة، يسعى كل طرف الى دفن خصمه فيها، ففي حين يعتبر أوباما الذي انتُخب على خلفية معارضته النادرة لتلك "الحرب الحمقاء" كما يصفها، ان حرب العراق كلفت الكثير من الاموال والارواح من دون فائدة، يبدو هو أيضاً محاصر بتهم انسحابه الاستراتيجي المبكر من العراق".(5)

فالمتابع لتصريحات معظم السياسيين العرب والغربيين بمن فيهم الأمريكان، يراها منسجمة ومتناغمة تماماً مع ما ينشر في الإعلام العربي والغربي المعادي لدمقرطة العراق. إذ يعتقد كثيرون أن استجابة أوباما لمطالب الكرد والعرب السنة وتغاضيه عن جرائم داعش، هو نتيجة ضغوط اللوبيات وشركات العلاقات العامة (PR)، التي استأجرتها الجهات المعادية للديمقراطية في العراق. وعلى وجاهة هذه الفرضية، إلا إني أعتقد أن العكس هو الصحيح، أي أن ما يجري في العراق هو بتخطيط من إدارة الرئيس أوباما، وبتأثير اللوبي الإسرائيلي ولوبي السلاح ولوبي السعودي الخليجي التركي، لتشكيل حكومة في العراق على الضد من نتائج الانتخابات، ومعادية لإيران، وإفشال المشروع الديمقراطي الذي أكد عليه الرئيس بوش. ومع ذلك فإني أدعو الحكومة العراقية إلى أن لا تهمل جانب الدعاية وشركات العلاقات العامة واللوبيات لشرح الحقيقة للشعب الأمريكي والعالم، وعدم فسح المجال للإعلام المضاد.
كما وهناك حرب نفسية يشنها الإعلام الغربي ضد القوات العراقية لصالح داعش، وعلى سبيل المثال: نشرت صحيفة (واشنطن تايمز) تقريراً يوم 10 تموز/ يوليو 2014 بعنوان: (داعش تهدف للإستيلاء على مطار بغداد)، جاء فيه "أن قوات الأمن العراقية ليست بالكفاءة الكافية التي تمكنها من الدفاع عن المطار بنفسها." (كذا)
وفي الأيام الأولى من سقوط الموصل بيد داعش نتيجة مخطط خبيث، راح الإعلام الغربي ينشر أن زحف داعش نحو بغداد غير قابل للتوقف!! وكرروا تعبير (انهيار الجيش العراقي) في حربهم النفسية، بينما الواقع يؤكد خلاف ذلك، إذ حققت القوات العراقية انتصارات ميدانية كاسحة على داعش.

كذلك ما تقوم به قوات البيشمركة من استغلال الوضع، فالمفترض أن إقليم كردستان جزء من العراق، وهم شركاء حقيقيون في السلطة، وأن تكون قوات البيشمركة سنداً للقوات العراقية في محاربة الإرهاب، إلا إن رئاسة الإقليم استغلت هجمة داعش لتستولي على كركوك، والمناطق المتنازع عليها، وإلغاء المادة 140 من الدستور، إضافة إلى ما قامت به حكومة الإقليم من السطو على حقول النفط في كركوك قبل يومين. وهذا لم يحصل ما لم يكن هناك ضوء أخضر من أمريكا كجزء من الحملة ضد المالكي ومطالبته بالتنحي.
وبناءً على كل ما تقدم، نعتقد أن لإدارة أوباما دور رئيسي فيما يجري في العراق من إرهاب وصراعات بين الكتل السياسية، بعضها متعاطفة علنا مع داعش، وتدافع عنها وتسميها بـ"الربيع السني" و"ثورة السنة ضد التهميش). وما لهذه الأزمة أن تتصاعد لولا مباركة أومابا لها.
والسؤال الآخر هو كيف اجتمعت كل هذه الأطراف المتناقضة في الأهداف مثل داعش الوهابية التكفيرية، والمنظمات البعثية التي تعمل تحت أسماء إسلامية، وقادة العرب السنة، والسعودية وقطر وتركيا وأمريكا، ورئيس إقليم كردستان، وتتلقى كل هذا الدعم الإعلامي حتى من بي بي سي الحريصة على مصداقيتها، للتآمر على العراق؟
الجواب هو أن ما يحصل من تآمر على العراق الآن حصل من قبل على ثورة 14 تموز حيث تآمرت ذات الأطراف و دبرت انقلاب 8 شباط 1963 الدموي وما تلاه من كوارث. فقواعد داعش مهووسيين بالجنس والجنة وحور العين، وتأسيس دولة الخلافة الإسلامية، ولكن القيادة العسكرية لهذه المنظمة الإرهابية بيد ضباط الجيش السابق من البعثيين، وهدف القادة السياسيين للعرب السنة هو تغيير العملية السياسية بإلغاء الديمقراطية عملياً والتمسك بها بالاسم فقط، ومشكلتهم أنهم لا يطيقون رئيس وزراء شيعي منذ العهد الملكي وإلى الآن. أما الكرد فيريدون دولة مستقلة لهم مع إبقاء حصتهم في حكم العراق وثرواته، وكغطاء لهم لحمايتهم من غضبة إيران وتركيا، وأن تكون الحكومة المركزية ضعيفة لا حول لها ولا قوة، أما الدول الإقليمية فغرضها عراق ضعيف وممزق.
ولتحقيق هذه الأغراض، فالمستهدف المؤقت والمعلن عنه من كل هذا التحالف والتآمر هو نوري المالكي، وإسقاط حكومته، ولكن هناك ما هو أبعد من المالكي، وهو تحقيق الأهداف المشتركة وعلى رأسها الأهداف الأمريكية التي أشرنا إليها في مقال سابق وهي:
1- التخلص من المالكي، (كهدف مرحلي)،
2- وتشكيل حكومة معادية لإيران، وقريبة من السعودية وحليفاتها في المنطقة،
3- إعادة كتابة الاتفاقية الأمنية بين العراق وأمريكا تسمح لوجود قواعد عسكرية أمريكية في العراق،
4- تقسيم العراق إلى دويلات متصارعة إرضاءً لإسرائيل.

ولتحقيق هذه الأغراض، فلا ضير من العودة إلى حزب البعث المجرب بشراسته لمثل هذه المناسبات، والذي تم بواسطته إسقاط حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم من قبل. فلو كان المالكي سيئاً إلى هذا الحد، وهو سبب كل هذه المشاكل كما تردد وسائل الإعلام والسياسيون المعارضون له ليل نهار، فلماذا فاز بأعلى نسبة من أصوات الناخبين، وفازت كتلته بأكبر عدد من النواب؟ أليس المطلوب من الديمقراطيين احترام نتائج الانتخابات وترك مصير المالكي للبرلمان ليقرر بدلاً من فرض التنحي عليه؟ وإذا ما اعترضوا بأن الانتخابات ليست كل شيء في الديمقراطية، فهل هناك ديمقراطية بدون انتخابات؟ وإذا قالوا أن هتلر جاء عن طريق الانتخابات فهذا يعني أن العالم يجب أن يتخلي عن الديمقراطية بالكامل لكي لا تتكرر كارثة هتلر، والقبول بحكم الأقلية التي جلبت لنا صدام حسين. فهل هذا هو الحل المطلوب الذي يسعى له خصوم المالكي من أنصار داعش في السر والعلن؟
لقد استقى الأستاذ تركي الحمد عنوان مقاله (ليس حبا في معاوية، ولكن كرها في علي) من التاريخ، وهو على حق، لأن الحاضر هو امتداد للماضي، والتاريخ يعيد نفسه الآن في المنطقة على شكل ملهاة ومأساة. فها هي لعبة عمر بن العاص تتكرر بنسخة جديدة تناسب القرن الحادي والعشرين، بشخص جون كيري، وأسامة النجيفي وأياد علاوي وعشرات غيرهم. كذالك دور أبو موسى الأشعري أنيط بمقتدى الصدر، وعمار الحكيم، وأحمد الجلبي، وعادل عبدالمهدي، وباقر صولاغ، وعشرات غيرهم.  فهل يُخدع الشعب العراقي بهذه اللعبة التاريخية ويلدغ من نفس الجحر عشرات المرات؟
الحقيقة بإختصار شديد، أن المستهدف المعلن عنه الآن هو المالكي، ولكن المستهدف الحقيقي ما بعد المالكي هو العراق والديمقراطية الوليدة لإعادة العراق إلى ما قبل 2003. وعندئذ، وكما يقول المثل العراقي: "تي تي مثل ما رحتي أجيتي".
 ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- تركي الحمد، ليس حبا في معاوية، ولكن كرها في علي: ما هو أبعد من داعش
http://www.alarab.co.uk/?id=25904

2- Ali Khedery:  Why we stuck with Maliki- and lost Iraq
http://www.washingtonpost.com/opinions/why-we-stuck-with-maliki--and-lost-iraq/2014/07/03/0dd6a8a4-f7ec-11e3-a606-946fd632f9f1_story.html?wpisrc=nl_popns

3- The Committee for a Secular Iraq: An Open Letter to the People of the United States
http://www.committeeforaseculariraq.com/2014/07/10/an-open-letter-to-the-people-of-the-united-states/?utm_source=Sailthru&utm_medium=email&utm_term=*Situation Report&utm_campaign=JULY 11 2014 SITREP

4- عبدالخالق حسين: أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=660

5- مساعدو بوش: أوباما يتحمّل مسؤولية عودة الارهاب الى العراق
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172380.html

6- عبدالخالق حسين: العلاقات العراقية-الأمريكية.. إلى أين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=664

مقال جدير بالقراءة
PATRICK COCKBURN: Iraq crisis: How Saudi Arabia helped Isis take over the north of the country
http://www.independent.co.uk/voices/comment/iraq-crisis-how-saudi-arabia-helped-isis-take-over-the-north-of-the-country-9602312.html

46
بارزاني على منزلق خطير
د.عبدالخالق حسين

من المؤسف أن نرى السيد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، يقف اليوم مع أشد عتاة الرجعية والفاشية في العالم، وعداءً للعراق مثل السعودية وقطر وتركية أردوغان، وأخيراً داعش (لقيطة البعث والقاعدة)، في محاولة يائسة من هؤلاء جميعاً لتدمير العراق الديمقراطي. كان المفروض بالسيد بارزاني، وهر يقود حركة قومية، وصاحب قضية عادلة في مقارعة الظلم، وتحقيق طموحات شعبه المشروعة، أن يكون من أحرص الناس على مستقبل العراق، لأن مستقبل شعبه، كردستان، مرتبط بمستقبل العراق، وأي دمار للعراق لا بد وأن يشمل كردستان.
فمنذ الستينات من القرن الماضي والقوى الوطنية رافعة لشعار(الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان). وبعد إسقاط حكم الفاشية البعثية، تحققت الديمقراطية لكل العراق، وتحقق لكردستان أكثر من الحكم الذاتي، أي الفيدرالية الأقرب إلى الدولة المستقلة. فبدلاُ من حماية هذه المكتسبات العظيمة، راح بارزاني يغامر ويقامر بها، ويعمل مع أعداء الديمقراطية على تدمير العراق من أجل مكاسب خادعة ومؤقتة، وبذلك سيعرض ما تحقق للشعب العراقي عموماً، والشعب الكردي خصوصاً إلى الخطر.
وفي هذا الخصوص سمعتُ السفير الأمريكي السابق في بغداد، رايان كروكر يقول لـ (BBC Radio4) مساء 3/7/2014 ما معناه: أنه في جميع لقاءاته مع القيادات الكردية، كان ينصحهم بأن لا يفرطوا بما تحقق لهم من مكاسب لم يعرفوها طوال تاريخهم الحافل بالمظالم والتهميش. والآن هم لاعبون رئيسيون في العراق الجديد، وهو إذ يتفهم طموحاتهم في تأسيس دولتهم القومية، ولكن عليهم أن يتصرفوا بحكمة ولا يستعجلوا في إعلان دولتهم في هذه الظروف، لأنهم قد يواجهون هجوماً من إيران، أو تركيا، أو العرب، أو من كل هذه الأطراف مجتمعة، وبذلك سيعودون إلى الجبال كما كانوا في الماضي.
يقول مؤسس علم السياسة ماكيافيلي: "لا يمكن للإنسان أن يستفيد من النصيحة الحكيمة ما لم يكن المتلقي نفسه حكيماً". لقد رفض بارزاني أية نصيحة قُدمت له، وحتى من قياديين أكراد. وعلى سبيل المثال حذر النائب الكردي الدكتور محمود عثمان، بارزاني من مغبة الوقوع في الفخ التركي فقال: "إن المرونة التي ابداها رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان ستتلاشي بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية التركية... وأن هذه المرونة تأتي لحاجة اردوغان الى الصوت الكردي للفوز بمنصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات التي ستجرى في آب المقبل، بعد أن أعلن رسميا عن ترشحه للمنصب". ولفت عثمان إلى ان "تركيا تسعى لان يتحول اقليم كردستان الى دويلة وليست دولة مستقلة، كي يستفاد من نفطها وستستغل ثرواتها".(1)

ولكن بارزاني مصر على موقفه التدميري، إذ أفادت الأنباء أنه [أكد اليوم الاحد (29/6/2014)، في لقائه مع ميلادينوف- ممثل الأمم المتحدة في العراق- أن المادة 140 انتهت وقوات البيشمركة ستبقى في كركوك والمناطق الكردية الأخرى الواقعة على خط المواجهة، فيما أكد ميلادينوف على ضرورة أن يكون الحل السياسي هو الخيار الأول وجعل الدستور العراقي أساسا لمعالجة المشاكل].(2)
 وهذا يعني أن السيد بارزاني هو الذي يرفض العمل بالدستور، في الوقت الذي يتهم فيه رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي بخروجه على الدستور.

والجدير بالذكر أن احتلال البيشمركة لكركوك تزامن مع هجمة داعش على الموصل وبتنسيق معها إذ كشفت ((صحيفة “أوزغور غونديم” الكردية، التابعة لـ”حزب العمال الكردستاني PKK” والصادرة باللغة التركية، عما وصفته بالخطة الكاملة التي هيأت لاحتلال الموصل وباقي المناطق العراقية من قبل تنظيم (داعش)، وذكرت الصحيفة إن الاجتماع هذا تم في العاصمة الأردنية عمّان في الأول من حزيران الماضي، وهو اليوم الذي بدأت فيه “غزوة داعش” للعراق، وبرعاية من الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والأردن وتركيا. و أنه تم الإعداد للاجتماع من قبل رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني نفسه بوصوله إلى عمان قبل أربعة أيام من الاجتماع))(3)

كما وهناك كتاب مقربين من بارزاني، يدفعونه إلى المستنقع الطائفي، إن لم يكن هو نفسه مدفوعاً لأغراض سياسية وبتحريض من السعودية وقطر وأردوغان، فعلى سبيل المثال، مقال للسيد عبد الغني علي يحيى في صحيفة الشرق الأوسط السعودية، بعنوان: (لماذا تحول الكرد إلى الخندق السني المذهبي؟) مليء بالتحريض الطائفي لينتهي بدعوته للكرد:" وفي أجواء الصراع الطائفي الحاد في معظم البلدان الإسلامية التي تضم أنصار المذهبين السني والشيعي، فلا مناص للكرد إلا التخندق في الخندق السني، ولولا السياسة الشوفينية التركية إزاء الكرد في تركيا، لكان إقبال الكرد على هذا الخندق أوسع."(4).
كذلك لاحظنا تصاعد أصوات نشاز من عدد من النواب الكرد في الدورة البرلمانية السابقة هجوماً طائفياً على قياديين كرد شيعة، ومن هذه الأصوات: الاتروشي وطه شوان، ومؤيد الطيب، ممثل الكتلة الكردستانية النيابية في البرلمان المركزي سابقاً، وأربعة غيرهم لم ينتخبهم احد في الانتخابات الأخيرة. وهذا يعكس موقف الشعب الكردي النبيل الرافض للطائفية ودعاتها. 
كما و نذكر القراء الكرام بمحاولات بارزاني توجيه دعوة شخصية إلى مفتي الإرهاب وراعي الطائفية، الشيخ يوسف القرضاوي لزيارة كردستان العراق أيام الاعتصامات، لتأجيج الفتنة الطائفية. وقد وجه الدعوة من خلال مستشاره الصحفي، ولما استنكر الشارع الكردي هذه الدعوة الطائفية، قام بارزاني بإلغائها ونفى أنها صدرت منه، وادعى أن مستشاره تصرف من تلقاء نفسه وليس بتكليف منه. ولكننا نعرف أنه لا يمكن لهذا الصحفي أن يتصرف من تلقاء نفسه وإلا فمصيره الموت. والجدير بالذكر أن هذا الصحفي المقرب من بارزاني كتب مقالا بعنوان: (ارحل يا رجل واستر على ما تبقى؟)، طبعاً بأوامر من سيده، يدعو فيها المالكي إلى الاستقالة، ويشبهه بصدام حسين الذي نصحه رؤساء العالم بالرحيل لينقذ العراق من حرب ماحقة. في الحقيقة ليس هناك أي منطق في هذا التشبيه، فصدام اغتصب السلطة بانقلاب عسكري، بينما المالكي تم انتخابه من قبل الشعب ونوابه. وصدام احتل دولة ذات سيادة (الكويت)، بينما المالكي لم يحتل أي بلد، وإنما العكس هو الصحيح، إذ تآمرت عليه حكومات ومنظمات إرهابية، فأحتلت أجزاءً من بلاده وبمشاركة من أطراف مشاركة في العملية السياسية مثل السيد بارزاني وكتلة متحدون، وكتلة الوطنية، وبمباركة من أمريكا وحليفاتها في المنطقة. وهذه المؤامرة انكشفت خيوطها للعيان، وفضحتها جهات غربية معروفة. فهذا التشبيه دليل الخبث واللؤم، وهو على غرار (رمتني بدائها وانسلت).
فالظروف الراهنة تفرض على المالكي أخلاقياً، أن لا يخذل ملايين الناخبين الذين انتخبوه، وكتلته التي هي الكتلة البرلمانية الأكبر. وإذا كنتم حقاُ تؤمنون بالديمقراطية والدستور، فلماذا ترفضون نتائج الانتخابات؟ ولماذا لا تتركون مصير المالكي ليقرره البرلمان؟ ولماذا تعرقل الكتل النيابية المناصرة لداعش عقد اجتماع البرلمان الجديد؟ أليس هذا دليل على أنكم أنتم تعملون على إلغاء الديمقراطية وأنتم الأقرب شبهاً بصدام؟
فلو أردنا مقارنة منصفة لا بد وأن نتوصل إلى أن السيد مسعود بارزاني هو الأقرب شبهاً بصدام، (بل هو صدام مارك2)، فحتى في عهد المعارضة استنجد بارزاني بصديقه صدام لـ"تحرير" أربيل من أتباع غريمه طالباني، وما حصل من اقتتال بين الحزبين عام 1996. والأن، بارزاني وليس المالكي، الذي يقف إلى جانب نفس الأطراف الذين تآمروا على عراق 14 تموز، نفس قوى البغي والضلالة التي احتشدت على حكومة الزعيم الشهيد  عبد الكريم قاسم، وهي نفسها تحتشد اليوم على حكومة السيد المالكي، بعد أن استبدلوا بدلات الرفاق الزيتونية بدشاديش قصيرة ولحى نتنة.(5)

لقد وقفتم بإرادتكم الحرة إلى جانب أسوأ منظمة إرهابية في التاريخ، وهي داعش. فقد كشف “إدوارد سنودن”، المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي الأمريكية أن الأخيرة، وبالتعاون مع نظيرتيها البريطانية MI6، ومعهد الاستخبارات والمهمات الخاصة الموساد، مهدت لظهور تنظيم دولة العراق والشام "داعش" " لخلق تنظيم ارهابي قادر على استقطاب المتطرفين من جميع انحاء العالم  في مكان واحد في عملية يرمز لها ب"عش الدابير". أما زعيم المنظمة، أبوبكر البغدادي، فقد كشفت تسريبات  "ذي إنترسيبت  The Intercept"، أنه تم رفده عندما كان معتقلاً في السجن الأمريكي (بوكا) في جنوب العراق، وخضع لدورة مكثفة استمرت عاماً كاملاً خضع فيها لتدريب عسكري على ايدي عناصر في الموساد الاسرائيلي بالإضافة لتلقيه دورات في فن الخطابة ودروس في علم اللاهوت.(6)

لقد نجحت القيادة الكردستانية، وبنضال الشعب الكردستاني، وبدعم دولي في تحقيق مكتسبات لم يعرفها من قبل، بما فيها تهيئة البنى التحتية للدولة الكردستانية المستقلة إذا شاء. وبإمكان الشعب الكردستاني أن يعيش ضمن الدولة العراقية الفيدرالية الديمقراطية وفق الدستور الذي صوت عليه الكرد إلى جانب بقية مكونات الشعب العراقي. وإذا أرادت القيادة الكردية الاستقلال بدولة قومية فهناك وسائل حضارية مشروعة يمكن اتباعها بدلاً من التآمر مع أسوأ الأطراف الرجعية في العالم مثل السعودية وقطر وتركيا وإسرائيل وإستخدام داعش داعش وفلول البعث الفاشي لتحقيق أغراضهم.
فمن حق الشعب الكردي أن ينعم بدولته القومية إذا أراد، ولكن ما يؤاخذ على بارزاني هو اعتقاده الخاطئ أنه لا يمكن تأسيس الدولة الكردية إلا بتدمير الدولة العراقية. وأي عراق يريد تدميره؟ ليس عراق صدام بالطبع، بل العراق الديمقراطي الذي يلعب فيه الشعب الكردستاني دوراً رئيسياً. ومن هنا يضع بارزاني نفسه ومشروعه وقضية الشعب الكردي على منزلق خطير نحو هاوية سحيقة كما انزلق صدام حسين وعرض الشعب العراقي إلى هذه الكوارث. فهو يعارض كل ما في صالح العراق. وعلى سبيل المثال، ما أن يحاول المالكي شراء أسلحة للجيش العراقي حتى وبدأت وسائله الإعلامية ولوبياته ومرتزقته من أصحاب الأقلام المأجورة، بالنقر على طبول الفساد وتلفيق الاتهامات، علماً بأن شراء الأسلحة من الروس والجيك كان من خلال حكومات وليس من خلال شركات خاصة، فالغرض من تلك الحملة التضليلية هو حرمان الجيش العراقي من التسليح لمواجهة الإرهاب، وتبين فيما بعد أن كل ذلك كان تمهيداً للهجمة الداعشية، في الوقت الذي يسعى بارزاني جاهداً لتسليح جيشه (بيشمركة) بالأسلحة الثقيلة ومطالبة الحكومة المركزية بدفع تكاليفها.

لقد جعل بارزاني كردستان ملاذاً آمناً للإرهابيين البعثيين والداعشيين الوهابيين، وكل من يتآمر على العراق، و وفر لهم "غرفة عمليات داعش والقاعدة والبعثيين" في أربيل وبحماية حكومة الإقليم. وهناك معلومات مؤكدة تفيد أن الطوابق العليا من عدد من مستشفيات أربيل مخصصة لجرحى داعش. وكذلك إيوائه لقياديهم وعوائلهم، والسماح لهم بإطلاق تصريحات تحريضية لإشعال الفتنة الطائفية، من أمثال حاتم علي السليمان، ورافع الرفاعي وأثيل النجيفي وغيرهم.
وفي حوار نشرته صحيفة “فيلد آم زونتاغ” الألمانية، قال بارزاني: "أن العراق سيتفكك لا محالة..." ولم يخفي شعوره المعادي للعراق إذ قال: “لدينا هنا هوية كردية وأخرى سنية وثالثة شيعية ورابعة مسيحية، لكن ليس لدينا هوية عراقية”.(7)

فهل حقاً هذا هو موقف الشعب الكردي؟ كلا وألف كلا. إذ أستلم تعليقات من قراء كرد في كردستان يعربون فيها عن تذمر الشارع الكردستاني من سياسات بارزاني، وعلى سبيل المثال، رسالة جاء فيها: 
((بارزاني مندفع جدا وهذا بشهادة ناس مقربين له وعندما يأخذ قراره لا يفكر بالغير. اليوم وأنا في سيارة تكسي تحدثت مع السائق وهو رجل بسيط قلت له ما رأيك بما تفعله الحكومة بالمطالبة بالاستقلال؟ هل تعرف ماذا كان رده؟ والله لخص في رده كل القصة وبكل بساطة وبدون اي رتوش، قال: اخي ذولة الحكومة اللي عدنه، ويقصد بهم مسعود وجماعته، هم مجرد رجال اعمال ويقفون مع مصالحهم فقط، وكل همهم هي جني الاموال، متناسين الشعب تماماً، فهم لا يعرفون معنى التعب للحصول على لقمة العيش، ولا يعرفون سوى الركض وراء مصالحهم. و قال: اي استقلال يريده مسعود وهو لم يصمد يومين في وجه حكومة بغداد عندما قطعت عنه الميزانية، وبدوره هو اوقف الرواتب؟ وأي استقلال وهو لا يستطيع ان يواجه مشكلة واحدة تواجه البلد وهو شحة البنزين؟
لقد اخذ كركوك ونحن نعاني شحة البنزين، أخذ كركوك ليحصل على مصادر اكثر، وأما الشعب فليذهب الى الجحيم))
ويضيف صاحب الرسالة:((ما يؤلمني الآن هو أن الناس في باقي العراق والإعلام ينظر الى الاكراد وحكومتهم ككيان واحد ولا يفكرون في ان يفصل بين الحكومة والشعب، وانت اعلم يا دكتور بهذا الشيء، مثل ما حصل مع العراق وصدام، فعندما ارتكب صدام الجرائم لم يكن الشعب له علاقة بالموضوع، ولكن كان هناك شلة من المستفيدين يصفقون له ويسوقون له، ونفس الشيء يحصل هنا في كردستان، فمسعود يصرح ويتكلم باسم الشعب وهناك المستفيدين الذين يصفقون له ولكن هناك ايضا اناس كثيرين ليسوا معه ولا يوافقونه على قراراته ابدا.ً هذا الشيء مؤلم لي جدا جدا))
ورسالة أخرى من أربيل قال مرسلها أن خرجت مظاهرة ضد الفساد والبطالة ولكن لم يشر الإعلام لها لأنهم يخافون نشر هذه الاحتجاجات ضد الحكومة.

الخلاصة، أن وقوف بارزاني إلى جانب قوى الشر ضد العراق، وضع نفسه والشعب على منزلق خطير، إلى حد أن يعتقد البعض أن هناك قوى دفعته لاحتلال كركوك من أجل الإطاحة به كما دفعت صدام حسين لاحتلال الكويت. فكركوك الغنية بالنفط هي كويت مسعود بارزاني. (راجع مقال د.علي ثويني: كركوك الإنكليزيه ولورنس العربي وبرزاني الكردي)(8) 
نعم، بارزاني يغامر الآن بالقضية الكردية عندما وضع كل بيوضه في سلة المحور السعودي- القطري التركي- الداعشي، مثلما غامر والده ملا مصطفى بوضع كل بيوضه في سلة الشاه في السبعينات، وكانت النتيجة أن خسر قضيته عندما نجح صدام في توقيع اتفاقية الجزائر مع الشاه عام 1975، وهذا غير مستبعد أن يحصل لمسعود الآن. فهو على منزلق خطير يؤدي يه إلى الهاوية. 
لذلك ننصح السيد بارزاني أن يفكر ثانية وأن لا يصغي إلى أصحاب الأقلام المأجورة الذين يدفع لهم بسخاء، فيجملون له أخطاءه، وبكتبون ما يسعده، فهؤلاء ليسوا أصحاب مبادئ وأخلاق ولا طلاب حق، بل هم عبيد الدنيا ودينهم دينارهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- محمود عثمان: مرونة اردوغان تجاه اقليم كردستان مؤقته
http://alakhbaar.org/home/2014/7/172011.html

2- بارزاني لـ ميلادينوف المادة 140 انتهت وقوات البيشمركة ستبقى في كركوك
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171456.html

3- صحيفة كردية تتهم بارزاني بالتعاون مع داعش لاحتلال الموصل والتقدم نحو بغداد
http://www.qanon302.net/news/2014/07/08/24776

4- عبد الغني علي يحيى: لماذا تحول الكرد إلى الخندق السني المذهبي؟ (صحيفة الشرق الأوسط)
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=695693&issueno=12347#.U0egwFVdWrg

5- رابط (فيديو) خبر اذيع من تلفزيون العراق بشأن تقديم مساعدة من صدام الى مسعود لضرب طالباني:
https://www.facebook.com/photo.php?v=625846990856064&set=vb.100002923074682&type=2&theater
6- سنودن: ابو بكر البغدادي نتيجة تعاون مخابرات ثلاث دول
http://www.aliraqnow.com/ar/news/17565/%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%AF%D9%86-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A8%D9%83%D8%B1-
7- البارازاني : ليس لدينا هوية عراقية و العراق سيتفكك لا محالة
http://www.mepanorama.net/457566/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D8%A7%D9%86%D9%8A-

8- د.علي ثويني: كركوك الإنكليزيه ولورنس العربي وبرزاني الكردي
 http://www.newsaliraq.com/inews.php?NewsID=153247
 
روابط فيديو ذات صلة
ISIS Terrorists Have U.S. Passports
https://www.youtube.com/watch?v=weThYAVqvcw&feature=youtu.be

هيلاري كلينتون تعترف أنهم من أنشأ تنظيم القاعدة
https://www.youtube.com/watch?v=9_2B0S7tj9E



47
العلاقات العراقية-الأمريكية.. إلى أين؟
د.عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (تقسيم العراق لصالح إسرائيل)(1)، علق عدد من القراء الأفاضل أني غيرت موقفي من أمريكا، من مؤيد إلى معارض لها. كما وأعتقد آخرون أني في هذا المقال تراجعت عن دعوتي إلى استفتاء شعبي حول الوحدة الوطنية أو الانفصال، في مقال قبله بعنوان (لا للوحدة القسرية)(2). أعتقد أن هاتين المسألتين مهمتان جداً، لذلك رأيت من المفيد العودة إليهما لتسليط المزيد من الضوء عليهما تلافياً للالتباس وسوء الفهم.

العلاقة مع أمريكا
لا شك أني كنت وما زلتُ، أدعو إلى علاقة إستراتيجية متكافئة بين العراق والدولة العظمى(الولايات المتحدة الأمريكية). وكتبت مقالاً بهذا الخصوص قبل عام بعنوان: (نحو علاقة عراقية- أمريكية متكافئة)(3)
فهناك انقسام في الرأي العام العراقي والعربي بشأن هذه العلاقة، وهو من تركة فترة الحرب الباردة، عندما كان المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، نصيراً للحركات الوطنية التحررية، بينما كان المعسكر الرأسمالي الديمقراطي الغربي بقيادة أمريكا ضد هذه الحركات. ونتيجة لهذه الصراعات خسرنا في العراق حكومة ثورة 14 تموز الوطنية المجيدة. ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشرقي لصالح الغربي، وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، تغيرت سياسة أمريكا لصالح نضال الشعوب في سبيل الديمقراطية والتقدم. لذلك رأينا في أمريكا والدول الغربية أملاً ونصيراً لدعم شعبنا للتخلص من أبشع نظام دكتاتوري همجي عرفه التاريخ. وفعلاً ساعدت أمريكا شعبنا فأسقطت النظام الجائر وأقامت مكانه النظام الديمقراطي البديل، بغض النظر عن التداعيات التي رافقت هذه العملية من إرهاب. و لْكي لا نكون من ناكري الجميل الأمريكي، دعونا إلى علاقة حميمة مع الدولة العظمى، خاصة وأن هناك دول ساعدتها أمريكا في تحررها من النازية والفاشية والعسكرتارية وغيرها، بقيت على علاقات إستراتيجية بعيدة المدى معها، مثل الدول الأوربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك كوريا الجنوبية، هذه الدول حققت نتائج إيجابية رائعة لصالح شعوبها. لذلك طالبنا وما زلنا نطالب بهذه العلاقة المتكافئة بين العراق وأمريكا، مبنية على احترام سيادة الدولة العراقية وحق الشعب العراقي في خياره الديمقراطي، واختيار حكامه عبر انتخابات حرة ونزيهة وبدون أي تدخل خارجي سواء من أمريكا أو غيرها في تقرير من يحكم العراق.

والمعروف أن (في السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة)، لذلك وبعد الأحداث الأخيرة في بلادنا العزيزة (الهجمة البربرية الشرسة من قبل منظمة داعش الإرهابية وحليفاتها من فلول البعث وغيرها من تنظيمات تحت أسماء إسلامية، والمدعومة من قبل دول محور الشر: السعودية وقطر وتركيا)، وتلكؤ أمريكا في تقديم الدعم لجيشنا الباسل في مقارعة الإرهاب ضمن إطار الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية بين البلدين، وتحت مختلف الأعذار الواهية، قمنا بانتقاد أمريكا لوقوعها تحت تأثير الدعايات المضللة التي تشنها بعض القوى الداخلية والخارجية المشار إليها أعلاه.
لذا، فعندما تبنت أمريكا موقفاً جديداً من العراق، فمن الطبيعي أن نمارس حقنا في أخذ موقف جديد منها. إذ نعتقد أن إدارة أوباما قد وقعت تحت تأثير اللوبيات في واشنطن والتي هي نتاج جهود شركات العلاقات العامة (PR)، التي يُدفع لها بسخاء من قبل أعداء الديمقراطية العراقية الوليدة في الداخل والخارج.
فما تعرض له العراق يوم 10/6/2014، من احتلال الموصل من قبل داعش، وكركوك من قبل البيشمركة الكردستانية، كان نتيجة مخطط واسع ومحكم، شاركت في وضعه أطراف داخلية ودولية عديدة من فلول البعث، ومنظمات إرهابية، وشركاء في العملية السياسية، إضافة إلى حكومات خارجية،(4)، الهدف منها إلغاء الديمقراطية الحقيقية، وفرض حكومة هزيلة على الضد من إرادة الشعب، ولتزج بالعراق في علاقة معادية لإيران إنسجاماً مع سياسات السعودية وغيرها من الدول الخليجية، وحتى احتمال شن حرب عدوانية جديدة على إيران لا تبقي ولا تذر كتلك التي شنها صدام حسين، و التي دامت ثمان سنوات أهلكت الحرث والنسل.
والجدير بالذكر، أني قرأت في أحد كتب الرئيس الأمريكي أوباما نقداً شديداً لسياسة أمريكا في الخمسينات، وبالأخص نحو حكومة الزعيم الوطني الإيراني الدكتور محمد مصدق، الحكومة العلمانية التي تم انتخابها ديمقراطياً في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، فتآمرت عليه أمريكا وأسقطته بإنقلاب عسكري دموي. ولولا تلك السياسة الأمريكية المعادية لإرادة الشعوب لكان وضع إيران على غير ما هو عليه الآن، وعلى الأغلب نحو الأفضل. ولكن المفارقة أن أوباما الذي ينتقد تلك السياسة الرعناء، راح هو نفسه يمارسها في العراق اليوم وبطرق جديدة تناسب المرحلة باستخدام قوى إرهابية مثل داعش وفلول البعث لتحقيق غاياته في إلغاء الديمقراطية أو تقزيمها وبوسائل لا أخلاقية (أي الماكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة).

 فحسب ما نشرته صحيفة (الحياة) السعودية اللندنية من (محضر لقاء بين كيري والمالكي مسرب الى صحيفة أمريكية)، تصرف السيد جون كيري بأسلوب فض يتعارض مع أبسط الكياسة الدبلوماسية، حيث رفض تقديم المساعدة لضرب داعش، بل راح يتصرف وكأنه وزير خارجية السعودية وليس وزير خارجية دولة عظمى ساعدت العراق على إسقاط الدكتاتورية وإقامة الديمقراطية فيه. إذ راح كيري يكرر ما اقترحه السعوديون أن الحل ليس عسكرياً وأنه ليس تنظيم داعش وحده الذي يحارب الحكومة، بل هناك مسلحون سنة، ثاروا على الظلم والتهميش والإقصاء، لذلك فالحل هو سياسي، والعراق بحاجة إلى قيادة جديدة تشمل كل الشركاء وبدون عزل أو إقصاء!!(كذا)
والجدير بالذكر أن السيد علي الموسوي، المستشار الصحفي لرئيس الوزراء نفى هذا الخبر نفياً قاطعاً عن تسرب المحضر المزعوم (5). ولكن مع ذلك، فما يجري على أرض الواقع يعكس السياسة الأمريكية في تقاعسها لدعم العراق في حربه ضد الإرهاب البعثي الداعشي، مما يجعلنا أن نصدق أن لأمريكا دور فيما يجري في العراق من "الفوضى الخلاقة!".

فهل حقاً الإدارة الأمريكية، وبإمكانياتها الاستخباراتية الأخطبوطية العملاقة التي مدت أقدامها إلى جميع مفاصل الحياة في العالم، هل حقاً مقتنعة بأن المالكي مارس الدكتاتورية وعزل السنة والكرد في الحكومة؟ في الحقيقة والواقع إن هذه الحجة هي مجرد تلفيق وفذلكة، القصد منها انتقام أوباما من بوش بترك العراق فريسة للإرهاب من أجل ابتزاز المالكي وإلغاء الديمقراطية(6)، وتعيين رئيس (طرطور) على حد تعبير الكاتب السيد رفعت الكناني في مقاله القيم الموسوم (نريد رئيس وزراء عراقي طرطور!!)(7) والذي نقل لنا مشكوراً ما سمعه وشاهده "من على قناة الحرة عراق من خلال لقاء اجرته مع النائبة ميسون الدملوجي، الناطق باسم القائمة الوطنية (قائمة أياد علاوي)، والتي حددت وأكدت ما تريده جحافل قوات الدواعش بكل اصنافها ومسمياتها سواء الصريحة او الحركية، والتي اوجزتها بعدد من المطالب وعلى رأسها،، الغاء نتائج الانتخابات، وعدم تولي السيد المالكي رئاسة الوزراء مهما كانت اصواته ومقاعده، وإلغاء قانون اجتثاث البعث، والغاء قانون 4 إرهاب، والغاء قانون المخبر السري، وو.. الخ، وهي في مصايف لبنان والوطن تهدده الذئاب. من يكون رئيس وزراء طرطور ليفاوض الناطقة بأسم...!!!!    ". انتهى
هذا بالضبط ما ينوون تحقيقه في العراق، وهذا بالضبط أيضاً ما يطالب به أدعياء التقدمية والوطنية الذين باعوا ضمائرهم وأقلامهم لتحقيق المطالب السعودية وحليفاتها في نداءاتهم ومقالاتهم المشبوهة، وإذا بهم يرون أنفسهم في أحضان أخس رجعية في التاريخ. فهل نهنئهم أم نعزيهم على هذا المصير الكارثي الذي أوقعوا أنفسهم فيه؟   

ولكن ليفهم الرئيس أوباما، و وزير خارجيته جون كيري، أن الشعب العراقي قد تجاوز مرحلة الاستغباء والإستحمار، والضحك على الذقون، فقد أرادوا تحطيم معنويات جيشه وقواته الأمنية بالمؤامرة الحقيرة القذرة التي تم تنفيذها في الموصل وكركوك، وهاهي القوات العراقية ذاتها تطارد جرذان داعش في كل مكان، وها هي المرجعية الدينية أصدرت فتوى تحض الشعب العراقي بكل مكوناته إلى الوحدة لمواجهة الإرهاب التكفيري الفاشي الدولي، وها هو السيد نوري المالكي أصدر بياناً أكد فيه إصراره على ترشح نفسه وفق استحقاقه الانتخابي والديمقراطي الذي ضمنه له الدستور، والذي جاء فيه: (ان الانسحاب من أرض المعركة مقابل التنظيمات الارهابية المعادية للإسلام والإنسانية، يعد تخاذلا عن تحمل المسؤولية الشرعية والوطنية والاخلاقية، وأني قد عاهدت الله باني سابقى أقاتل الى جنب ابناء القوات المسلحة والمتطوعين حتى الحاق الهزيمة النهائية بأعداء العراق وشعبه).(8)

ونتيجة لهذه المواقف الوطنية من قبل غالبية الشعب، ومراجعه، وسياسيه المخلصين، وقواته المسلحة الباسلة، تم إلحاق الهزيمة بالمخطط التآمري الخطير لإلغاء الديمقراطية. وفي هذه الحالة لا بد لإدارة أوباما ومن خدعها من اللوبيات، أن يعيدوا النظر في حساباتهم وموقفهم من العراق، فقد خرج الجني من القمقم، ولا يمكن إعادته إلى الدكتاتورية مطلقاً وتحت أي مسمى كان، فالشعب العراقي بجميع مكوناته مستعد لتقديم التضحيات من أجل حريته، وها هي الأنباء المأساوية ترد حتى في الإعلام الغربي عن الجرائم الوحشية التي ترتكبها عصابات داعش وحليفاتها بحق أبناء شعبنا في الموصل وتكريت وغيرها من المناطق الواقعة تحت هيمنتها، وها هي العشائر العربية السنية راحت تنظم المقاومة مع القوات الأمنية المسلحة لمطاردة الإرهابيين في كل مكان. كما وصرح محافظ صلاح الدين أن داعش هربت من المحافظة(9). فكل هذه الأنباء تؤكد أن الذين خططوا المؤامرة وخدعوا الناس بها قد آلت مؤامرتهم إلى الفشل الذريع، فما بني على باطل فهو باطل، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، ولذلك ردت سهامهم إلى نحورهم.

موضوعة الانفصال والوحدة الوطنية
والآن نأتي إلى المسألة الثانية، وهي الدعوة إلى استفتاء مكونات الشعب لبيان موقفهم فيما لو يريدون العيش معاً في دولة واحدة، أو الانفصال وتقسيم العراق إلى ثلاث دول. فرأى البعض تناقضاً بين المقالين، وتراجعاً مني في مقالي (تقسيم العراق لصالح إسرائيل) عما دعوت إليه في مقالي الذي قبله (لا للوحدة الوطنية القسرية).
في الحقيقة، ليس هناك أي تناقض بين المقالين. فأنا ضد التقسيم لأنه سيكون بداية لحروب طاحنة على الحدود الفاصلة بين هذه الدول أو الدويلات. ولكني في نفس الوقت ضد الوحدة القسرية. ففي أحد المقالين شبهت الوحدة بالزواج، أي يجب أن يكون اختيارياً وليس مفروضاً بالقوة، وكذلك الوحدة بين مختلف مكونات الشعب، لا يجب أن تكون مفروضة بالقوة بل بالإرادة الحرة للمواطنين. و (رب ضارة نافعة)، إذ أدرك أهل السنة العرب أنهم خُدِعوا من قيل قياداتهم السياسية، وبالتالي جعلوهم ضحية الإرهاب الداعشي البعثي. فاقتنعوا أن لا خيار لهم إلا بالتمسك بالوحدة الوطنية. وكذلك أدرك الكرد مخاطر المنزلق الذي يقودهم فيه السيد مسعود بارزاني الذي رضي أن يشارك في هذه المؤامرة مع داعش الإرهابية وفلول البعث، لمكاسب خادعة وآنية، فجعل عاصمة بلاده مأوىً للإرهابيين لتدمير العراق. ولا شك أن هذه السياسة عرضت المكاسب العظيمة التي حققها الشعب الكردي عبر نضاله الطويل والعسير إلى الخطر. وهذا يحتاج إلى مقال مستقل.

أن المعركة لم تحسم بعد، ولا بد أن تنتهي لصالح الشعب الذي ناضل من أجل الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والعيش الكريم بسلام مع دول الجوار وجميع دول العالم. ونؤيد موقف السيد نوري المالكي رئيس الوزراء، الذي صمد أمام التحديات بمنتهى الصلابة فأكد في بيانه على ترشح نفسه لرئاسة الوزراء وفق استحقاقه الانتخابي والدستوري. ويكفيه فخراً وشرفاً أنه تعرض  ومازال لأشرس الحملات الإعلامية التسقيطية من قبل أعداء شعبنا من البعثيين والداعشيين وأعوانهم في العملية السياسية، ومن يناصرهم من حملة الأقلام المأجورة.  لذلك تراهم مستميتين في حملة تشويه صورته وسمعته، ويبذلون قصارى جهودهم للتخلص منه بشتى الوسائل.
كما ونهيب بالقوى الوطنية المخلصة أن تترك خلافاتها الثانوية جانباً وتوحد صفوفها وتلتزم بالدستور والديمقراطية لإلحاق الهزيمة بالمخطط الإجرامي الاخطبوطي الذي يريدون به وأد الديمقراطية الوليدة وإعادة العراق إلى ما قبل 2003.
فما يجري في العراق هو حرب بالوكالة بين إلسعودية وحليفاتها من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، وعلى الأرض العراقية وبدماء العراقيين، إذ لم تكفهم الحروب الصدامية مع إيران في الثمانينات لحماية البوابة الشرقية للأمة العربية والتي أهلكت الحرث والنسل. لذلك، نتمنى على إدارة الرئيس أوباما أن تراجع سياستها الجديدة في العراق، وأن لا تستجيب لمطالب السعودية وحليفاتها في المنطقة في إلغاء الديمقراطية وزج العراق في علاقات متوترة مع إيران، فلهذه السياسة مردود عكسي على أمريكا والمنطقة، إذ تدفع العراق إلى المزيد من التقارب نحو إيران و المحور الروسي- الصيني- الإيراني-السوري. فالمعركة مع داعش الإرهابية وحليفاتها هي معركة مصيرية، وإذا ما أصرت أمريكا على عدم تقديم الدعم للشعب العراقي ضد داعش الإرهابية، فلا بد وأن تتجه الحكومة العراقية إلى طلب السلاح والدعم من مصادر أخرى مثل روسيا والصين وحتى إيران. وهذا ليس في مصلحة أمريكا.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة بالمقال
1- د.عبدالخالق حسين: تقسيم العراق لصالح إسرائيل
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=663

2- د.عبدالخالق حسين: لا للوحدة الوطنية القسرية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=662

3- عبدالخالق حسين: نحو علاقة عراقية-أمريكية متكافئة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=570

4- الخليل علاء الطائي: التكتيك البعثي لمشروع الإنقلاب
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171467.html

5- تكذيب لما نشرته بعض الصحف ووسائل الإعلام عن محضر اجتماع دولة رئيس الوزراء مع وزير خارجية الولايات المتحدة
http://alakhbaar.org/home/2014/7/171784.html

6- عبدالخالق حسين: أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=660

7 - رفعت نافع الكناني: نريد رئيس وزراء عراقي طرطور!!
http://alakhbaar.org/home/2014/7/171735.html

8- بيان من دولة رئيس الوزراء نوري المالكي
http://alakhbaar.org/home/2014/7/171785.html

9- محافظ صلاح الدين لـ[أين]: داعش هربت من المحافظة وسنزف بشرى قريبة للسكان
http://alakhbaar.org/home/2014/7/171786.html




48
تقسيم العراق لصالح إسرائيل
د.عبدالخالق حسين

من الأقوال المأثورة للزعيم البريطاني الراحل، ونستون تشرتشل: "أن الأمريكان لن يستخدموا الطرق الصحيحة لحل المشاكل إلا بعد أن يستنفدوا جميع الطرق الخاطئة". ولذلك كان إقدام بوش الإبن على تحرير العراق جاء بعد أن جرب بوش الأب، جميع الطرق الخاطئة. والآن يعود الرئيس باراك أوباما إلى المربع الأول، إلى الطرق الخاطئة في التعامل مع منظمة (داعش) الإرهابية في العراق وسوريا، أي التجربة التي مارستها أمريكا في أفغانستان في دعمها للقاعدة وطالبان وغيرهما من "الجهاديين" والتي انتهت بكارثة 11 سبتمبر 2001. فما يجري الآن هو طلبنة العراق وسوريا. إذ نسمع هذه الأيام عن تقديم أوباما طلباً إلى الكونغرس الأمريكي بتخصيص نصف مليار دولار لدعم الجيش السوري الحر، بينما في الحقيقة ستسلم هذه الأسلحة إلى داعش، لأن لا وجود للجيش السوري الحر على أرض الواقع في سوريا، وإنما المجموعات الإسلامية الإرهابية، داعش وجبهة النصرة وغيرهما.

نشر في الآونة الأخيرة العديد من الصحفيين الغربيين تقارير تفيد أن (داعش) صناعة أمريكية، وبأموال واستخبارات سعودية وقطرية وتركية، تستخدمها أمريكا وحلفائها لتغيير أنظمة غير مرغوب بها في المنطقة. فالمعروف أن (داعش) انشقت من القاعدة (تقرير بي بي سي)، وفي العراق أضم إليها ضباط بعثيون من الجيش القديم لقيادتها وتوجيه عملياتها الإرهابية ضد حكومة المالكي وتحت مختلف الحجج التي روجوا لها ليل نهار مثل التهميش والإقصاء وأنها ثورة المهمشين!. وهذه ليست من أوهام "نظرية المؤامرة" كما يتصور البعض، فأنا من أوائل محاربي هذه النظرية، ولكن هذا لا يعني عدم وجود مؤامرات، إذ نكاد نلمسها على أرض الواقع، وسنبين ذلك لاحقاً.   

امتنع أوباما دعم العراق عسكرياً، وحتى امتنع عن تجهيز الجيش العراقي بالسلاح لمواجهة الإرهاب الداعشي، بحجة أن الحل ليس عسكرياً، وصدق أوباما الكذبة أو تظاهر بالتصديق بها، بأن المالكي حرًّم الشركاء الكرد والعرب السنة من المشاركة العادلة في السلطة وصُنع القرار السياسي، ولذلك فهو لا يريد أن يتدخل لضرب طائفة على حساب طائفة أخرى! (كذا). والغريب أن راح الإعلام الغربي والعربي يتجنب حتى ذكر اسم داعش، بل تسميهم الجماعات السنية المتطرفة أو المسلحة. فقبل أيام اتصلت بي إذاعة في دولة خليجية، وهي تتصل بي بين حين وآخر منذ أكثر من عشر سنوات للمساهمة في تعليق كلما حصل تصعيد في الأزمة العراقية، اتصلت بي هذه المرة مع طلب غريب وهو أن لا أذكر اسم (داعش) بل اسميهم (الجماعات المسلحة في العراق)، وقال هذه التعليمات من الوزير. طبعاً لم التزم بهذا الأمر.
وهذا يعني أن (داعش) صارت طرفاً في العملية السياسية، تمثل السنة العرب في العراق بينما الحقيقة عكس ذلك، فداعش منظمة إرهابية تقتل العراقيين سنة وشيعة، ومن جميع الأطياف، وهاهي أعلنت يوم 29/6/2014، (دولة الخلافة الإسلامية) على المناطق التي تحت سيطرتها في العراق وسوريا، ونصبت زعيمها أبو بكر البغدادي، خليفة على المسلمين، و من لا يبايعه فهو معرض للقتل(1).

فهل حقاُ (داعش) تمثل السنة العرب في العراق؟ وكما جاء في مقال للسيد عبدالصحب الناصر، بعنوان: (و جعلوا منه امام ابو الخرك؟)(2)، أنه لو صدقنا إدعاءاتهم بأن (داعش) هم ثوار أهل السنة ضد ظلم المالكي، وهم يرتكبون كل هذه الفظائع الإرهابية ضد سكان المناطق التي تحت سيطرتهم وأغلبهم من السنة، فهذا يعني أن جميع أهل السنة هم دواعش وإرهابيين! وهذه إهانة لأهل السنة ومخالف للمنطق والعقل السليم، خاصة وقد أستنكر رجال الدين السنة البارزين جرائم داعش، مثل الشيخ خالد الملا، رئيس علماء المسلمين السنة في العراق(3)، والشيح مهدي الصميدعي، رئيس الإفتاء في العراق(4).
فإذن، الغرض من امتناع أوباما بمساعدة العراق ضمن إطار الاتفاقية الإستراتيجية العراقية – الأمريكية لعام 2011، في ضرب الإرهاب الداعشي هو لمنح داعش الوقت الكافي لإزاحة الرئيس نوري المالكي، وتقسيم العراق إلى ثلاث دول، ومن ثم فرض هذا التقسيم كأمر واقع، وضرب ما يسمى بالهلال الشيعي.   

ففي تقرير مفصَّل للصحفي (MIKE WHITNEY)، بعنوان: (Splitting up Iraq: It's all for Israel)، جاء فيه: "باراك أوباما يبتز رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بحجب الدعم العسكري عنه حتى يوافق على التنحي. وبعبارة أخرى، نحن أمام عملية تغيير نظام آخر من تأليف واشنطن. في الحقيقة أن أوباما يستخدم جيشاً إرهابياً (داعش) وصل الى مسافة 50 ميلا من بغداد ليوجه سلاحه الى رأس المالكي. وليس مستغرباً أن يرفض المالكي الاستجابة لضغوط أوباما، مما يعني أن الوضع المتوتر على نحو متزايد قد ينفجر إلى حرب أهلية".(6)
ويستشهد السيد وتني بفقرة من تقرير آخر جاء فيه: " إنه من غير المعقول القول بأن داعش كانت نتيجة غير مقصودة من قبل الولايات المتحدة. بل هي جزء واضح من استراتيجية امريكية لتفتيت تحالف بين إيران والعراق وسوريا وحزب الله. والآن أثبتت هذه الاستراتيجية فشلها الذريع، و بنتائج عكسية، ولكن يجب أن لا نخطأ، فداعش هي الاستراتيجية".
وفي اقتباس آخر: "لقد كانت أمريكا المحرض الرئيسي للطائفية في المنطقة، كجزء من استراتيجية (فرق تسد) في احتلال العراق، إلى إثارة حرب أهلية طائفية لإسقاط الأسد في سوريا".

فالإدارة ألأمريكية لا تستطيع صراحة أن تطالب المالكي بالتنحي، لأن في هذه الحالة تثبت أنها ضد الديمقراطية التي تدعي أمريكا أنها تعمل على نشرها في العالم. ولذلك، فمطالبة المالكي بالتنحي تظهر على ألسنة شخصيات من الكونغرس الأمريكي وليس من أوباما أو مساعديه في البيت الأبيض. وبالتالي تنصيب حكومة معادية لإيران، مع ضرب نتائج الانتخابات عرض الحائط.
وينقل وتني عن تقرير للوول ستريت جورنال ما قاله دبلوماسيون أمريكيون وعرب ما نصه أن: "هناك عدد متزايد من المشرعين الامريكيين والحلفاء العرب، وخاصة من المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، يضغطون على البيت الأبيض لسحب دعمه للمالكي. بعضهم يضغط من أجل التغيير مقابل تقديم المساعدة في تحقيق الاستقرار في العراق." ويجب الانتباه إلى الجملة الأخيرة: "بعضهم يضغط من أجل التغيير مقابل تقديم المساعدة في تحقيق الاستقرار في العراق."
وهذا يعني أن لهذه الحكومات (الخليجية) دور في عدم استقرار العراق، ويساعدون على استقراره فقط في حالة تشكيل حكومة وفق شروطهم ولتذهب الديمقراطية ونتائج الانتخابات إلى الجحيم !!.
ويضيف الكاتب: "هذا هو جوهر ما يجري وراء الكواليس. باراك أوباما ومساعدوه يلوون ذراع المالكي لإجباره على التنحي عن منصبه. ففي مؤتمر صحفي يوم الخميس 26/6 حدد أوباما مجموعة داعش كإرهابيين، واعترف أنها تشكل خطرا كبيرا على أمريكا، ولكنه رغم ذلك، قال أنه لن يحرك ساكنا لتقديم المساعدة للمالكي. لماذا؟ نعم، لماذا أوباما متحمس لضرب الارهابيين في اليمن وباكستان وأفغانستان، ولكنه لحد الآن يرفض ضربهم في العراق؟ فهل حقاً أوباما غير ملتزم لمحاربة الإرهابيين في كل مكان أم أن الإرهاب حيلة، وتمويه و مجرد ورقة التوت لخطط أعظم من ذلك بكثير، مثل الهيمنة العالمية؟ طبعاُ هذا هو الغرض الحقيقي من هذا التلكؤ."

وفي كل الأحوال، من الواضح أن أوباما لن يساعد المالكي إذا كانت هذه المساعدة ضد الأهداف الاستراتيجية الأوسع نطاقا لواشنطن. وفي الوقت الحاضر، ومن هذه الأهداف هي التخلص من المالكي، الذي تراه واشنطن على علاقة حميمة مع طهران، والذي رفض الموافقة على إبقاء 30 ألف جندي في العراق حسب ما أرادت الإدارة الأمريكية ضمن اتفاقية عام 2011 التي عرفت باسم (SOFA) اختصاراً. فرفض المالكي الموافقة على هذا الشرط هو الذي قرر مصيره وجعلت منه عدوا للولايات المتحدة. كان فقط مسألة وقت قبل أن تتخذ واشنطن خطوات لعزله من منصبه.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن أوباما يريد أن يفرض مبدأ (إما معنا أو ضدنا). فلا يريد نظاماً في سوريا والعراق على علاقة مع إيران. ولسان حاله يقول:"إذا كنتَ معنا فنحن نحميك من الإرهاب ونضمن استقرار بلادك. وإن لم توافق على هذا الشرط فنهد عليك الإرهاب يمزقون شعبك ويحرقون جنودك ويدمرون بلادك وينشرون فيها الفوضى العارمة بحيث تصبح غير قابلة للحكم. ولذلك يقولون للمالكي: الخيار لك إما معنا أو تهيأ لمواجهة العواقب الوخيمة".

ويشبِّه الكاتب أوباما برئيس عصابة مافيا، فيقول أن رئيس الولايات المتحدة يهدد الزعيم المنتخب ديمقراطيا، لأنه لم يبدِ بما فيه الكفاية من الخنوع والخضوع لمطالبهم. لذلك، يريدون أن يحل محله جاسوس فاسد مثل أحمد الجلبي، الذي ظهر فجأة على المسرح، وتبذل جهود ليحل محل المالكي كما جاء في تقرير نيويورك تايمز ما نصه: "أن القادة السياسيين بدأوا مناورات مكثفة لإيجاد من يحل محل رئيس الوزراء نوري المالكي وتشكيل حكومة من شأنها أن تعمق الانقسامات الطائفية والعرقية في البلاد، مدعوما باجتماعات مشجعة مع مسؤولين اميركيين يدعمون تغيير قيادة السلطة". والأسماء المطروحة هي: عادل عبدالمهدي، أحمد الجلبي، بيان جبر، من الكتلة الشيعية التي تتمتع بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية".
لقد أضيف مؤخراً اسم طارق نجم الذي لم نعرف عنه كثيراً إلى قائمة المرشحين كبديل عن المالكي، فهل يسلم أي شخص بديل من حملات التشويه والتضليل كما تعرض إليه المالكي؟ إذ بدأت حملة التشويه ضد طارق نجم وحتى قبل أن نتأكد من ترشحه حيث راحت المواقع المأجورة تنهش به.(6)

فما هي الغاية من كل هذه الزوبعة الداعشية والمجازر في العراق؟ يقول مؤلف التقرير المشار إليه أعلاه، أن الغرض هو تحقيق أربعة أهداف في الاستراتيجية الأمريكية وهي:
1- إزاحة المالكي،
2- تحقيق مكاسب من خلال صيغة جديدة للاتفاقية الإستراتيجية بين العراق وأمريكا(SOFA) أي الموافقة على جلب قوات أمريكية في العراق قوامها نحو 30000 جندي، 
3- تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة،
4- تقسيم العراق .

والسؤال الذي أطرحه هنا هو: هل ستسكت إيران عن وجود قواعد أمريكية على حدودها في العراق؟ لقد أشرنا في مقال سابق لنا أن إيران هددت المالكي عشية توقيع اتفاقية SOFA عام 2011 أنه في حالة الموافقة فإنها ستحيل العراق إلى جهنم. فكيف تريد أمريكا أو الرئيس العراقي الذي سيحل محل المالكي أن يحل هذه المعضلة العويصة؟ ففي حالة الموافقة، إيران ستحيل العراق إلى جهنم، وفي حالة الرفض، السعودية وشقيقاتها ستحيل العراق إلى جهنم، فما الحل وأين المفر؟ هل هذا هو مصير العراق؟ وهل هذه هي عدالة الرئيس أوباما؟ وهل يوافق البديل عن المالكي على تحقيق الأهداف الأربعة أعلاه أو بإمكانه تحقيقها؟

"ما فائدة الولايات المتحدة من تحقيق هذه الأهداف؟" سؤال يطرحه السيد وتني ويجبل عليها قائلاً:
فالولايات المتحدة لديها الكثير من القواعد والمنشآت العسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وهي لا تستفيد شيئا من وجود قواعد أخرى في العراق. نفس الشيء ينطبق على إزاحة المالكي. كما وليس هناك أي ضمان للنتائج، قد تكون جيدة وربما سيئة. انها أشبه باليانصيب. ولكن، هناك شيء واحد مؤكد؛ انها ستزعزع الثقة بالولايات المتحدة كداعمة للديمقراطية التي أصبحت خرافة بعد الآن. فالمالكي فاز لتوه في الانتخابات الأخيرة، ولماذا يريدون خرق أهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية؟
أما "دحر النفوذ الايراني في المنطقة" فلا معنى له. لقد كان هدف الولايات المتحدة من غزو العراق هو إزالة البعثيين من السلطة لتحل محلها حكومة منتخبة من كل الأطياف، وكان الشيعة من المستفيدين.
فالاستراتيجية الأمريكية هي التي جعلت التقارب بين بغداد وطهران أمراً لا مفر منه! فالعراق لم يتحرك باتجاه إيران، وإنما واشنطن هي التي دفعت العراق لأحضان إيران. والجميع يعرف ذلك."
ويستنتج الكاتب، أنه ليس هناك عودة إلى الوراء، فما حدث قد حدث. بغداد شيعية، وستبقى الشيعة. وهذا يعني ستكون هناك علاقة مع طهران لا بد منها. لذلك، إذا كان أوباما ينوي دحر النفوذ الايراني، فربما لديهم شيء آخر في الاعتبار. انهم يريدون تقسيم العراق بما يتفق مع الخطة الإسرائيلية التي تم طبخها قبل أكثر من ثلاثة عقود. كانت خطة بارعة من عوديد ينون الذي رأى العراق باعتباره يشكل تهديدا خطيرا لتطلعات الهيمنة الاسرائيلية في المنطقة، فوضع خطة لمعالجة المشكلة بعنوان "إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات من القرن الماضي"، والتي هي خريطة الطريق التي سيتم استخدامها لتقسيم العراق:
يقول ينون: "العراق، بلد غني بالنفط من جهة وممزق داخليا من جهة أخرى، ويضمن كمرشح لأهداف إسرائيل. انحلاله أكثر أهمية لنا من سوريا، لأن العراق أقوى من سوريا. وفي المدى القصير هو السلطة العراقية (الكلام عن حكومة صدام في الثمانينات من القرن الماضي)، التي تشكل أكبر تهديد لإسرائيل. سوف تؤدي حرب العراقية الإيرانية إلى تمزيق العراق وتسبب سقوطه إلى مستوى لم يكن قادرا على النهوض وتنظيم صراع ضدنا. فأية مواجهة بين الدول العربية هي في صالحنا في المدى القصير، وسيختصر الطريق إلى الهدف الأكثر أهمية من تفتيت العراق الى طوائف كما هو الحال في سوريا وفي لبنان. العراق، مقسم على أسس عرقية و دينية كما هو الحال في سوريا خلال العهد العثماني. لذلك يمكن تقسيم العراق إلى ثلاث دول: شيعية في الجنوب منفصلة عن الشمال السني والكردي. فمن الممكن أن المواجهة الإيرانية العراقية الحالية سوف تعمق هذا الاستقطاب. "(7)

أليس ما يجري في العراق الآن هو التطبيق العملي لهذا المخطط الإسرائيلي، وعلى يد داعش، وبقيادة الضباط البعثيين، ومن يمثلهم في العملية السياسية، وبتمويل ودعم إعلامي وعسكري من حليفاتها في المنطقة: السعودية وقطر وتركيا وبارزاني وبمباركة من الرئيس ألأمريكي أوباما؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المصادر
1- داعش” يعلن إقامة "الخلافة الإسلامية" في العراق
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/06/140629_iraq_isis_caliphate.shtml

2- عبدالصاحب الناصر: و جعلوا منه امام ابو الخرك؟
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171461.html

3- فيديو(7 دقائق)، موقف علماء السنه في العراق (لقاء مع فضيلة الشيخ خالد الملة، هام جدا)
https://www.youtube.com/watch?v=60G2pq8mYuo&feature=youtu.be

4- رئيس هيئة افتاء اهل السنة الشيخ مهدي الصميدعي عن احداث الموصل وداعش (فيديو 7 دقائق)
https://www.youtube.com/watch?v=OgifAa68gx0&feature=youtu.be

5- جواد كاظم الخالصي: أنامل مُقيّدة: طارق نجم والحقيقة الغائبة
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171525.html

6- MIKE WHITNEY: Splitting up Iraq: It’s all for Israel
http://www.counterpunch.org/2014/06/20/its-all-for-israel/

7- A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties, Oded Yinon, monabaker.com
http://www.monabaker.com/pMachine/more.php?id=A2298_0_1_0_M

8- رابط ذو صلة
 لنستمع لهؤلاء النازحين من داعش ...هل هذه هي الثورة العراقية ضد الحكم ...!!!
https://www.youtube.com/watch?v=a03YYOnAOgo&feature=youtu.be


49
لا للوحدة الوطنية القسرية
د.عبدالخالق حسين

إن ما حصل يوم 10/6/2014 باحتلال داعش للموصل، والبيشمركة لكركوك، هو كارثة كبيرة في تاريخ العراق الحديث، أجبرت العراقيين على التخلي عن سياسة النعامة في طمس رأسها في الرمال وترك مؤخرتها ظاهرة للصياد. لقد حان الوقت لمواجهة الحقيقة بكل ما فيها من مرارة وقبح. الحقيقة المرة هذه أن "الوحدة الوطنية" التي كنا نتغنى بها طوال 93 عاماً، وهو كل عمر الدولة العراقية الحديثة، كانت وهماً وخدعة أشبه بثياب الإمبراطور الجديدة.

لم يكن الشعب العراقي يوماً موحداً بالإرادة الحرة لمكوناته، بل كانت هذه "الوحدة" مفروضة عليه بالقوة الغاشمة من الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت العراق عبر عصور. ولما امتلك الشعب العراقي إرادته الحرة لأول مرة بعد تحريره من النظام البعثي الفاشي عام 2003، صار بإمكان العراقيين أن يفكروا ويعربوا عن أنفسهم بمنتهى الحرية، فاكتشفوا الحقيقة المرة، وهي أنهم غير متجانسين، ولا موحدين، ولا يريدون العيش في دولة واحدة. فإما أن يحكمهم نظام من المكون السني العربي الذي حكم العراق لوحده طوال قرون، أو الانفصال. فالسنة العرب لا يريدون نظاماً ديمقراطياً يساوي بينهم وبين المكونات الأخرى في الحكم. هذه هي الحقيقة التي ينكرها كثيرون علناً ويؤمنون بها سراً.

وتأكيداً لما تقدم، انقل للمرة العاشرة، شهادة موثقة من أحد مؤسسي الدولة العراقية، هو الملك فيصل الأول في مذكرة له عممها على النخبة الحاكمة عام 1933، قائلاً:
"العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً أكثريته جاهلة، بينه أشخاص ذوو مطامع شخصية يسوقونه للتخلي منها بدعوى أنها ليست من عنصرهم، وأكثرية شيعية جاهلة، منتسبة عنصرياً، إلى نفس الحكومة،...الخ" ويستشهد الملك بما يشكو إليه زعماء الشيعة من مظلمومية: "أن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني، ما الذي هو للشيعي، حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها" (1).
فما الذي تغيَّر منذ ذلك التاريخ وإلى الآن؟

أما في عهد البعث الصدامي، فرغم وجود نسبة كبيرة من الشيعة في الحزب والدولة والجيش، إلا إن وجودهم كان للديكور فقط، وليكونوا حطباً للحروب العبثية والمقابر الجماعية.

لذلك وبعد 9/4/2003، انفجر الوضع بتمردات لمنظمات إرهابية معظمها من المكون العربي السني ضد المكون الشيعي، تدعمها فتاوى مشايخ الوهابية السعودية لقتل "الشيعة الروافض الصفويين"على حد تعبيرهم، تحت يافطة "المقاومة الشريفة" ضد "المحتل الغاشم"، ولكن الضحايا كانت دائماً الشيعة. والاستثناء هنا هو جيش المهدي الشيعي الذي كان ضد القوات الأجنبية وبدعم من إيران، ولم يكن يوماً ضد السنة إلا في الحالات الدفاعية النادرة يوم هدد الإرهابيون بإفراغ بغداد من الشيعة، وبعد تفجير ضريح الإمامين العسكريين في سامراء بغرض إثارة الشيعة ضد السنة وإشعال حرب طائفية لا تبقي ولا تذر.
ولما انكشفت للعراقيين هذه الحقيقة المرة عن الوحدة الوطنية الهشة والمزيفة، هالهم الواقع البشع وراحوا يستنكرونه، وفي نفس الوقت يبرؤون أنفسهم من هذه البشاعة، فألقوا اللوم على أمريكا والحاكم المدني لقوات الاحتلال بول بريمر، أنه هو الذي جلب علينا الطائفية المقيتة وفرض علينا نظام المحاصصة الطائفية والعنصرية البغيضة!! بينما الحقيقة أن هذه الشروخ في الوحدة الوطنية كانت موجودة منذ قرون ولكنها كانت مغطاة بطبقة سميكة من الأصباغ و ورق الحائط (Wallpaper)، أما  دور أمريكا فينحصر في كونها جلبت الديمقراطية والشفافية التي من شروطها مشاركة جميع مكونات الشعب العراقي في الحكم، فأزالت هذا الغطاء السميك، أو ورق التوت عن عورات العراقيين، فظهروا ربي كما خلقتني، وبدأت بينهم الصراعات الدموية ورضي سكان المناطق السنية أن يجعلوا من مناطقهم حواضن للإرهاب. (راجع مقالنا: الديمقراطية فضحت المجتمع العراقي) (2).

قد يعترض البعض ان "الفتنة كانت نائمة ولعن الله من أيقظها " كما في الحديث، ويلعنون أمريكا أنها هي التي أيقظت الفتنة. ولكن الحقيقة التي ينكرها هؤلاء، هي أن الذي أيقظها ليس الأمريكان، وإنما حكم البعث الصدامي يوم رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم)، وملأ العراق بالمقابر الجماعية من الشيعة والكرد، وقام بحملات الأنفال وحلبجة، وحرق آلاف القرى الكردية، وتصحير مناطق الأهوار في الجنوب. وما قام به بول بريمر هو أن شارك كل مكونات الشعب في حكم بلادهم ولكل مكون حسب ما تفرزه صناديق الانتخابات، وهذه هي الديمقراطية. ولكن قادة السنة العرب لم يوافقوا على الديمقراطية و نتائج الانتخابات، ولسان حالهم  يقول: نحن مع وحدة العراق في دولة واحدة ولكن على شرط أن نحن نحكمكم وإلا نبيدكم. فالسنة مازالوا يعتقدون أنهم وحدهم يحق لهم حكم العراق، أما بقية المكونات فهم مواطنون من الدرجة الثانية.
لذلك لجأوا يعد 2003 إلى الكذب وحملات التسقيط البشعة ضد الحكومة المنتخبة ووصفوها بالفساد والعمالة لإيران، وصدق كثيرون بهذه الأكاذيب إلى حد أنه أصبح حتى مجرد الشك فيها عملية انتحارية لأي كاتب يحترم عقله. وهنا أود أن أذكر القراء من جيلي، بالحملة التسقيطية التي شنها البعثيون في الستينات ضد طاهر يحيى، رئيس الوزراء في العهد العارفي، فألصقوا به شتى الألقاب البذيئة مثل: (أبو فرهود، وحرامي بغداد، وعلي بابا وأربعين حرامي...الخ). وبعد فوات الأوان أثبت الباحث الأمريكي (من أصل فلسطيني)، حنا بطاطو في كتابه القيم (تاريخ العراق) وهو دراسة أكاديمية ميدانية، أثبت أن جميع تلك التهم كانت ملفقة من البعثيين ولا أي أساس لها من الصحة. ونفس الدور يلعبه البعثيون منذ إسقاط حكمهم الجائر في 2003 وإلى مستقبل غير منظور، يواصلون نشر الأكاذيب حول الفساد وعمالة المالكي لإيران. ولجأوا إلى تأجير شركات العلاقات العامة (PR) في أمريكا لتشويه صورة حكومة المالكي واختلاق مظلومية المكون السني والكردي من قبل الحكومة "العميلة لإيران التي يهيمن عليها الشيعة" كما يرددون باستمرار.

و في هذا الخصوص وصلني تقرير مطول نشر في مجلة نيوزويك الأمريكية بقلم الباحث: جف ستاين Jeff Stein بعنوان (Iraq’s Sunnis Will Kick Out ISIS After Dumping Maliki: Ex-CIA Official)، يشير إلى ضابط سابق في وكالة المخابرات الأمريكية (CIA)، اسمه جون ماغواير، الذي يدير الآن مكتب استشارات الأعمال النفطية في فرجينيا، أن الأخير ألتقى بعض زعماء القبائل السنية في أربيل من بينهم علي حاتم سليمان الذي أكد له أنهم (السنة العرب) يستخدمون داعش الآن لاسقاط المالكي، وبعد ذلك ستقوم القبائل بسحق داعش بمنتهى السهولة!! تماما مثلما فعلت عشائر الصحوة مع تنظيم القاعدة في العراق خلال الاحتلال الأمريكي عام 2006 و 2007.
ويقول ماغواير انه نصح زعماء العشائر السنية لتحسين صورتهم. و في اتصال هاتفي "قلت لهم، يا رفاق يجب أن نفعل شيئا لتغيير النظرة عما تفعلونه. الصورة التي تقدمونها الآن هي صورة رجل في عمامة سوداء على مواقع يوتيوب لا تخدمكم. وإذا تريدون إيصال رسالتكم إلى العالم بشكل مؤثر، يجب عليكم أن تبرزوا بعض الشباب من السنة من ذوي الملامح الجميلة، وبملابس أنيقة على شاشات التلفزيون لعرض الوضع في العراق بأنه جحيم لا يطاق في ظل حكومة المالكي". وأن تروِّجوا بأن "المالكي دمية فاسدة لإيران، جمع له ولأقربائه وأعوانه ثروة شخصية مذهلة، يحيط به شلة من الفاسدين، وأن الناس ليست لديهم الرغبة في القتال دفاعاً عن حكومة المالكي الفاسدة".(كذا).
أليس هذا بالضبط ما نسمعه باستمرار من الإعلام العربي والبعثي، ومن كتاب شيعة باعوا أقلامهم وضمائرهم للإعلام الخليجي مثل رشيد الخيون، وجوقة فخري كريم، وغيرهم من مرتزقة بارزاني والسعودية؟

و يلتقي كاتب التقرير، جف ستاين، بخبراء سابقين آخرين في وكالة المخابرات المركزية ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض والبحرية الأمريكية، يفندون أقوال مهغواير، ويشكون بقدرة القبائل السنية في التخلص من داعش، حتى ولو استطاعوا احتلال بغداد وإسقاط المالكي، وهو أمر مشكوك به.
فداعش المنشقة من القاعدة، ويقودها ضباط بعثيون، هي أقوى بكثير من القاعدة وأشرس منها في ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية إلى حد أن أدانها أيمن الظواهري، خليفة بن لادن في زعامة القاعدة. فعملية التخلص من القاعدة عام 2006-2007 تطلبت جماعة الصحوة التي بلغ عدد مسلحيها نحو 25 ألف مقاتل، وأرسل الرئيس بوش قوة عسكرية قوامها 50 ألف جندي أمريكي إضافة إلى وجود 130 ألف جندي أمريكي في العراق آنذاك ليكون مجموع القوات الأمريكية نحو 180 ألفاً، بالإضافة إلى الجيش العراقي الجديد. وبهذه الإمكانيات الكبيرة فقط تم القضاء على القاعدة، بينما الوضع يختلف الآن، فداعش أقوى من القاعدة في العراق حيث تضم في صفوفها نحو 10 آلاف مقاتل مدرب أحسن تدريب، ومجهز بأحدث الأسلحة الفتاكة، ومدعومة من السعودية وقطر وتركيا، والقوات الأمريكية غير موجودة، والصحوة لن تعاد، لذالك لا يمكن للقبائل السنية التخلص من داعش فيما لو أرادوا. ويستنتج الباحث أن السنة يقومون الآن بعملية انتحارية. وأن قادتهم أخطأوا حين خدعوا السنة بأن المالكي دكتاتور أسوأ من صدام ...الخ، وأنه همش السنة، وبذالك فإنهم وقعوا على شهادة وفاتهم.
ومسؤول آخر في وزارة الخارجية سابقاً، يدعى بيتر فان بورين، قال أن ما ذكره ماغواير (عن قدرات القبائل السنية وإمكانياتها في إسقاط المالكي عن طريق داعش، ومن ثم التخلص من داعش أنه "مجرد تطرف في الوهم."، أي أضغاث أحلام.

فهل حقاً السنة مهمشين؟
راحوا يرددون الكذبة المفضوحة بأن السنة العرب مهمشين ومقصيين من قبل "الدكتاتور المالكي العميل لإيران". وصدق سياسيون في البيت الأبيض هذه الأكاذيب، أو تظاهروا بتصديقها، ومنهم الرئيس أوباما، ووزير خارجته جون كيري، فطالبوا بتشكيل حكومة أكثر تمثيلاً للسنة والكرد, فهل حقاً هناك إقصاء وتهميش في حكومة المالكي الحالية، والقادمة التي ستشكل في الدورة البرلمانية الجديدة؟ وقد تطرقت إلى هذا الموضوع وفندت هذه الفرية في مقال لي بعنوان (التهميش وثياب الإمبراطور الجديدة) (3).
و" في دراسة أجراها باحث لبناني هو الاستاذ الجامعي أمين حطيط، حول التركيبة السكانية العراقية ومقارنتها بخريطة توزيع الحكم، يستنتج الباحث أن نسبة العرب السنة في العراق لا تتعدى الـ19 بالمئة، في حين ان نسبة مشاركتهم في المناصب تبلغ 26 بالمئة، فيما يشاركون بنسبة الثلث في الرئاسات الثلاث. أما إذا أخذنا بالاعتبار كل السنة (عربا وكردا) فستكون مشاركتهم أكثر من النصف". (4)
فماذا يجري الآن في العراق؟ لقد فشلوا في إسقاط المالكي عن طريق صناديق الاقتراع، لذلك سبقت إعلان نتائج الانتخابات، حملة إعلامية عالمية واسعة وتصريحات قادة سياسيين عراقيين مثل السيد مسعود بارزاني، وأياد علاوي والنجيفي وغيرهم، تهيئ الرأي العام لما يجري الآن في العراق، فأشاعوا فكرة مفادها أنه إذا ما فاز المالكي بالولاية الثالثة فإن العراق سينقسم إلى ثلاث دول. وهذا التهديد هو اعتراف صريح بعدم إيمانهم بالديمقراطية. لذلك ما أن اعلنت النتائج بفوز المالكي حتى وجاءوا بداعش الإرهابية لتنفذ لهم المهمة القذرة بعزل المناطق العربية السنية عن سيطرة الحكومة المركزية. أما إقليم كردستان فو مستقل منذ عام 1990. ومما يؤلم أن البعض من أدعياء الديمقراطية راحوا يصفون داعش بالثوار، وأن أهل الموصل رحبوا بهم أجمل ترحيب، نافين ما ارتكبته داعش في محافظة نينوى من جرائم فضيعة ضد السكان، وتدمير المعالم الحضارية عن تاريخ وادي الرافدين (ميزو بو تيميا).

واستغل الشركاء في العملية السياسية بالمطالبة بتشكيل (حكومة الانقاذ). وهذا يعني أنهم يريدون ضرب الديمقراطية ونتائج الانتخابات عرض الحائط، وتشكيل حكومة غير منتخبة فرضتها داعش التي تضم في صفوفها مقاتلين مرتزقة من الشيشان وباكستان وأفغانستان والسعودية وغيرها، بعد أن أخضعوهم لعملية غسيل الدماغ، فحولوهم إلى وحوش كاسرة وقتلة مجرمين مهووسين بالجنس والجنة وحور العين، يريدون أن يفرضوا إرادة هؤلاء المجرمين على إرادة الشعب العراقي التي عبر عنها عبر صناديق الاقتراع. في الحقيقة إن (حكومة الانقاذ) هذه هي انقلاب على الديمقراطية. لذلك حسناً فعل السيد نوري المالكي عندما رفض هذا الطلب المخالف للديمقراطية. ولما تأكدت أمريكا أن الرأي العام العراقي يرفض مقترح حكومة الانقاذ التي طالب بها و روج لها السياسيون الداعمون لداعش، غيرت إدارة أومابا موقفها، إذ جاء في تصريح للخارجية الأمريكية أن: "اكدت الولايات المتحدة الامريكية، اليوم الخميس (26/6)، رفضها لتشكيل حكومة طوارئ في العراق ودعت الى الاسراع في تشكيل حكومة شاملة في اسرع وقت ممكن طبقاً للدستور."(5)

ما العمل وما الحل؟
لقد تعرض الشعب العراقي بكل أطيافه إلى أخطر مؤامرة قذرة خططتها المخابرات الدولية الغربية والسعودية والقطرية والتركية لتقسيم العراق، وبتمويل السعودية وقطر، يكون فيها السنة العرب من أكثر المتضررين. وما كان لهذه المؤامرة أن تنجح لولا الاستعداد النفسي لسكان المناطق التي غالبيتهم من العرب السنة والذين تم خداعهم بفذلكة وخرافة التهميش. أما الكرد فحلمهم بدولتهم القومية ليس جديداً ومن حقهم تحقيق هذا الحلم وفق مبدأ حق تقرير المصير.
لذلك أقترح على الحكومة العراقية القادمة، أن تواصل حربها على داعش وبمساعدة الدعم الدولي من أية جهة كان، فالجيش العراقي الجديد هو ليس كما حاولوا تصويره في عملية تسليم الموصل إلى داعش وكركوك إلى البيشمركة، في عملية تآمرية مفضوحة لتدمير معنوباته. فها هو الجيش العراقي يحارب داعش الآن بكل شجاعة وصمود رغم امتناع أمريكا عن تسليحه. وها هي أخبار الانتصارات تتوالى وبدعم من العشائر العربية السنية الرافضة لتنجيس أراضيها برجس داعش. وعلى سبيل المثال، جاء في تقرير أمريكي أنه عندما أرادت داعش فرض حكم الشريعة على سكان الرطبة انتفض شباب المدينة وقتلوا نحو 30 داعشياً.
لذلك أقترح، وبعد أن تطهر القوات العراقية الباسلة العراق من رجس مرتزقة داعش، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة طبقاً للدستور، أن يجرى استفتاء شعبي لكل مكونات الشعب العراقي، وبمساعدة الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، وتحت إشراف دولي، فيما إذا كانت هذه المكونات والأطياف تريد العيش في دولة واحدة أم ثلاث دول، (دولة للكرد ودولة للسنة العرب، ودولة للشيعة). ويجب تنفيذ نتائج الاستفتاء بالطرق الحضارية بعيداً عن العنف وبمساعدة دولية لتحديد الحدود وحسب رغبات السكان في المناطق المتنازع عليها. فإذا كانت الوحدة الوطنية في دولة واحدة غير ممكنة، فليس من الحكمة فرضها بالقوة. فالوحدة القسرية تشبه الزواج القسري الذي هو نوع من الاغتصاب. فالطلاق رغم أنه بغيض، إلا إنه ابغض الحلال الى الله.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، ص11، مطبعة دار الكتب بيروت،  1983
2- عبدالخالق حسين: الديمقراطية فضحت المجتمع العراقي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=559

3- عبدالخالق حسين: التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=626

4- سالم مشكور: الهدف.. دويلات متفجرة متحاربة! http://alakhbaar.org/home/2014/6/171220.html

5- واشنطن ترفض فكرة تشكيل حكومة طوارئ في العراق اكدت على ضرورة تشكيل حكومة شاملة طبقا للعملية الدستورية
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171223.html

  رابط ذو صلة
ميثم الحمدي (فيديو 6 دقائق) هل تغير الموقف الامريكي تجاه العراق بعدما صدور فتوى السيستاني؟!  وهل يمكن ان تكون هناك حكومة وطنية مع دواعش؟!
https://www.facebook.com/photo.php?v=727635087297142&set=vb.100001519736100&type=2&theater


50
هل حقاً المالكي هو السبب؟
د.عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الموسوم (أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين)(1)، وصلتني مقالات لصحفيين وباحثين غربيين ترقى إلى مستوى دراسات موثقة، تؤكد ما ذهبتُ إليه، وتلقي أضواءُ كثيرة على ما يجري من هجمة شرسة على العراق لاغتيال النظام الديمقراطي وإعادة حزب البعث للسلطة، أي انقلاب على كل ما تحقق منذ عام 2003 في العراق. والغرض من هذه العملية هو إسقاط حكومة المالكي وإقامة حكومة بديلة معادية لإيران، وبمشاركة حزب البعث أو حتى استلام البعث للسطة كاملة. والغرض الثاني من هذه الهجمة هو تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كما خطط له نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن عام 2009، كجزء من مخطط لتفتيت البلدان العربية خدمة لإسرائيل وإبقائها الدولة العظمى الوحيدة في المنطقة. وهذه ليست من نظرية المؤامرة، بل هي حقيقة ظاهرة للعيان كما نرى نتائجها الملموسة.
ففي مقال للصحفي الأمريكيMIKE WHITNEY  بعنوان (The ISIS Fiasco: It’s Really an Attack on Iran)، فيه الكثير من الأدلة والبراهين تؤكد هذه الحقيقة وبشيء من التفصيل(2). لقد بدأت الحملة منذ تسنم السيد نوري المالكي رئاسة الوزارة في ولايته الثانية عام 2010. وبرزت المعارضة العنيفة ضد المالكي تحت مختلف الحجج والاتهامات بعمليات إرهابية، ترافقها حملة إعلامية واسعة لتشويه سمعة الحكومة بالفساد وسرقة الأموال، ومطالبة أمريكا بعدم تسليح الجيش العراقي، وقد جندوا لها إعلاميين وكتاب شيعة ليكون تأثيرهم أقوى على الشيعة، فسخر هؤلاء المرتزقة أقلامهم في الإعلام الخليجي والسعودي لهذا الغرض، كما ونجحوا في اختراق الجبهة الشيعية (التحالف الوطني) بكسب التيار الصدري وجماعة الحكيم، من أمثال أحمد الجلبي وغيره ليرددوا ذات الاتهامات ضد المالكي أنه عزل السنة والكرد وحتى كيانات سياسية من الجبهة الشيعية. وآخر من تم تجنيده لهذا الغرض هو الناطق الرسمي السابق للحكومة العراقية علي الدباغ، فاخترع لنفسه وظيفى جديدة وهي "الناطًق الرسمي للجبهة الشيعية ضد المالكي"، وفجأة صار النجم اللامع للإعلام بما فيه بي بي سي، ليردد كالببغاء نفس الاتهامات ضد المالكي دون أي تحريف مما لقنه الأسياد، مع التركيز على تعبير (سنة وشيعة)، وحتى تسمية داعش بالمسلحين السنة! وليس بالإرهابيين.

تركزت حزمة الاتهامات ضد المالكي فراحوا يرددونها ليل نهار، واستأجروا لها شركات العلاقات الاجتماعية وكتاب عمود مشهورين مثل توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمس، الذي أوجز هذه الاتهامات كما يلي:
"لقد أثبت رئيس الوزراء العراقي الشيعي نوري المالكي، أنه ليس صديقا للديمقراطية ولا للتعددية في العراق. فمن اليوم الأول استغل منصبه لتثبيت الشيعة في الوظائف الأمنية الرئيسية، وطرد الساسة والجنرالات السنة، و وجه المال مباشرة إلى المجتمعات الشيعية. باختصار، كان المالكي فاشلاً كلياً. إضافة إلى كونه رئيسا للوزراء، جعل نفسه القائم بأعمال وزير الدفاع وزير الداخلية ومستشار الأمن القومي، ونصب رفاقه للسيطرة على البنك المركزي ووزارة المالية. وللمالكي خيار - إما الحكم بطريقة طائفية أو بطريقة يشمل جميع الفرقاء - وأنه اختار الطائفية. ونحن لسنا مدينين له بشيء. " (المبادئ الخمسة للعراق، توماس فريدمان، نيويورك تايمز، نقلاً عن مقال مايك وتني)(2).

ذات الاتهامات تكررت على لسان جي غارنر الذي قال: "لا أحد هناك يريد أن يُحكم من قبل بغداد، قمنا بدعم المالكي في العام 2010 وكنا على دراية تامة بأنه سيحرم الأكراد وسيضطهد السنة وسيكون دمية للإيرانيين،"(كذا)، لافتا إلى أن العراق وأمريكا فشلتا بالتوصل إلى اتفاق في العام 2011 لإبقاء قوات على أراضيها وأن هذا الأمر عرض "المكاسب والعمل الجيد الذي قمنا به" للخطر.(3)
 
هذه الاتهامات راحت تتكرر وبعبارات موحدة على لسان أغلب الإعلاميين والسياسيين في الغرب والخليجيين، وحتى بعض العراقيين الذن تم تجيندهم لهذا الغرض، وكأنها منظمة عملاقة خاضعة لقيادة مركزية موحدة تلقنها بما يجب أن تقول وبمنتهى الانضباط والالتزام، أشبه بفرقة الأوركسترا الخاضعة لإشارات من قائدها.

فهل حقاً هناك تهميش وعزل للسنة والكورد من قبل المالكي في العملية السياسية؟
لقد ناقشنا هذا الموضوع في مقالات عديدة، وأهمها مقال لنا بعنوان (التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة)، ذكرنا فيه زيف هذه الادعاءات والاتهامات أنقل فقرة من هذا المقال:
((فهل حقاً يمكن تهميش مكونة كبيرة من مكونات الشعب العراقي من الحكم في النظام الديمقراطي؟ وماذا عسى لهذه الحكومة، ومهما كانت الهوية المذهبية لرئيسها، أن تفعل إذا قام قياديون عرب سنة في السلطة مثل طارق الهاشمي، ورافع العيساوي، و أحمد العلواني وغيرهم بأعمال إرهابية؟ فهل تسكت عنهم لأنهم سنة، ولأن رئيس الحكومة شيعي لكي لا يتهم بالطائفية؟علماً بأن الجهة التي وجهت التهمة لهؤلاء هي (مجلس القضاء الأعلى) الذي رئيسه ومعظم أعضائه من السنة. كذلك قال الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في العراق سابقاً، أنه كان على علم بتورط طارق الهاشمي بالإرهاب. أما رافع العيساوي فقد ظهر على شاشة التلفزة وهو ينقر على الدف ويرقص في ساحات الاعتصامات مع المعتصمين وهم رافعين رايات "القاعدة" السوداء. أما أحمد العلواني فبالإضافة إلى خطاباته البذيئة في الشحن الطائفي على منصات ساحات الاعتصامات، والمسجلة على اليوتيوب، ألقي القبض عليه وعلى حمايتهم بالجرم المشهود وهم يواجهون القوات الأمنية بإطلاق النار عليهم حتى نفد عتادهم. وهل هناك سلطة تحترم نفسها تسكت عن هؤلاء من أجل أن لا تتهم بمطاردة إرهابيين من مذهب معين؟ وهاهي الأنباء تفيد أن وزارة المالية الأميركية وضعت أربعة عراقيين من بينهم حارث الضاري (الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق) تحت طائلة أمر رئاسي يقضي بتجميد أرصدتهم وممتلكاتهم داخل الولايات المتحدة ومنع المواطنين الأميركيين من إجراء أي تعاملات تجارية معهم كونهم يهددون السلام والاستقرار في العراق. http://alakhbaar.org/home/2014/1/161527.html
فهل أمريكا جمدت أموال هؤلاء لأسباب طائفية؟ في الحقيقة أمريكا تأخرت عشر سنوات عن توجيه التهمة لحارث الضاري وعصابته، وهو الذي صرح على رؤوس الأشهاد قبل سنوات أن "القاعدة منا ونحن منها". (4)

فكيف يمكن للمالكي عزل السنة والكرد وهم يشغلون المناصب العليا التالية: رئيس الجمهورية سني كردي، وله نائب عربي سني، رئس البرلمان عربي سني وله نائب كردي، وللسنة نائبان لرئيس الوزراء، وللسنة عرباً وأكراداً أكثر من نصف مجلس الوزراء، بما فيها وزارات سيادية مثل الخارجية والدفاع. أما البرلمان فحسب ما تتمخض عنه صناديق الاقتراع ولا دور للمالكي فيه.

المالكي متهم بالدكتاتورية، ونحن نعرف أن الدكتاتور هو الذي يصدر القرارات والقوانين دون الرجوع إلى برلمان إن وجد. بينما المالكي لا يستطيع إصدار أي قرار أو قانون إلا من خلال البرلمان. بل صار البرلمان عقبة أمام إصدار القوانين العاجلة التي لها علاقة مباشرة بحياة الشعب مثل قانون الموازنة، وإعمار العراق اللذين رفض البرلمان التصويت عليهما نكاية بالمالكي، ولم يستطع "الدكتاتور" المالكي أن يعمل أي شيء إزاء هذا الوضع ومع ذلك فهو دكتاتور !!.
وهكذا تعودنا على تكرار نفس الاتهامات كلما حصل تصعيد إرهابي أن المالكي همش الكرد والسنة، وأن ما يجري في المناطق السنية ليس إرهاباً، بل انتفاضة العرب السنة المظلومين المهمشين من قبل المالكي!!

المالكي هو السبب؟
وافضل رد على هذه الاتهامات وصلني عبر الإيميل، وأذيع على اليوتيوب جاء فيه ما يلي:
((لم يكن المالكي رئيساً للوزراء عندما ذبحتم أكثر من ألف شخص على جسر الأئمة،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وكنتم تقفون في اللطيفية تذبحون الموتى ومن معهم الذين جاؤوا لدفنهم،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وفجرتم الضريحين العسكريين في سامراء،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وقتلتم في يوم واحد بمفخخاتكم في مدينة الصدر أكثر من 500 شخص،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وفجرتم الحلة وراح ضحيتها أكثر من 300 شخص،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وقتلتم عزالدين سليم وباقة من الشهداء،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء وذبحتم 40 طفلاً في بغداد الجديدة،
لم يكن المالكي رئيساً للوزراء ودمرتم الجسور والوزارات وكل بنى العراق التحتية،
قلتم إن تنحي الجعفري فسنقبل بأي مرشح وها أنتم اليوم تقولون أن تنحي المالكي سنضمن الأمن.
غاياتكم ونياتكم مكشوفة عسى المغرر بهم من جمهور الشيعة يعرفون من أنت ولماذا تحاربون)).أنتهى.

ما هي ألأسباب الحقيقية للتخلص من المالكي؟
إذن ما هي أسباب الصراع ضد المالكي؟ هل حقاً كل هذه الأزمة أنتجها المالكي، وما أن يتنحى حتى و يعود الأمن والاستقرار والازدهار إلى العراق و"يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم"؟
كلا وألف كلا، فحملة مطالبة المالكي بالتنحي (Maliki must go)، ما هي إلا ذريعة واهية لأغراض شريرة أهمها إعادة العراق إلى ما قبل عام 2003، وإلغاء الديمقراطية، وتسليم السلطة إلى البعث ورما باسم آخر، المهم تنصيب حكومة معادية لإيران، ومتحالفة مع السعودية وتركية وقطر وغيرها، لتنفذ ما يملى عليها من بارزاني وغيره. والغرض الأبعد هو تدمير المحور الروسي الصيني الإيراني.
وتأكيداً لما نقول هو ما صرح به مقتي الديار العراقية الشيخ رافع الرفاعي لصحيفة الشرق الأوسط اللندية السعودية قائلاً: «... والثورة لن تقف عند تنحي المالكي، بل نحن ماضون إلى تغيير العملية السياسية الحالية برمتها، لأنها بُنيت على خطأ يجب تغييره».(5)
ونقلت صحيفة (جاودير) عن القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني الملا بختيار قوله: ".. إن (داعش) والمتعاونين معها لا يهدفون الى تشكيل اقليم سني، بل ان هدفهم تدمير العملية السياسية والديمقراطية في العراق." (6)
وهذا يؤكد لنا أن المالكي ليس السبب، بل العملية السياسية والديمقراطية في العراق برمتها، فهؤلاء مخربون وليسوا طلاب حق.

احتلال أمريكي جديد
وما حصل من احتلال للمحافظات الغربية هو في الحقيقة احتلال أمريكي جديد وبدون قوات أمريكية، حيث سخروا له منظمة (داعش) الإرهابية، وهي بالأساس فرع منشق من القاعدة، وفي العراق أنظم إليها الضباط البعثيون في الجيش العراقي السابق لقيادتها، فوجهوها لتحقيق أغراضهم، كما وتم اختراق الجيش العراقي الجديد بالضباط البعثيين، وتم التخطيط لما يحصل الآن منذ سنوات. فهناك تلاقي وتطابق في الأغراض الآنية بين أمريكا وداعش والبعث. داعش تريد إبادة الشيعة، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، البعث يريد إعادة السلطة المفقودة، أمريكا تريد حكومة معادية لإيران وحكومة بشار الأسد في سوريا وضد روسيا والصين في المنطقة.

وإضافة إلى الأدلة التي ذكرناها في مقالنا السابق(1)، عن دور واشنطن في هذه الجريمة، هناك أدلة أخرى حصلنا عليها مؤخراً، تؤكد أن ما يجري في العراق تم بتخطيط من إدارة أوباما، والسعودية وتركيا وقطر. ففي رسالة من صديق عراقي أكاديمي بارز يعمل في أحد المعاهد الأمريكية، وناشط في مجال إعمار العراق، قائلاً:
"هل تعلم ان الشركات العملاقة هنا توقفت عن متابعة البناء في العراق قبل سنة، وأخبرني رؤساء هذه الشركات ان الوزارة الخارجية الأمريكية لا تشجع اعمال بناء المصافي والبتروكيميائيات في العراق لان الوضع قريبا سينفجر وهذه معلومات قبل سنة الخ"
ومعلومة أخرى من الصديق نفسه قال: "قبل أسبوعين اتصل بي تلفونيا، رجل كردي حاصل على الجنسية الامريكية ويعمل مستشار لشركة في تكساس، قال لي عنده نفط بكميات كبيرة وهو في الناقلات من كردستان، ومستعد ان يقدمه لمشتري معروف عندي بسعر تحت سعر السوق بعشرين دولار على البرميل، فقلت له قبل الحديث معه أني أعمل حسب قوانين الحكومة ألمركزية في بغداد ومن خلال مؤسسة التسويق SOMO ولا اعمل أي شيء إلا بما يتناسب مع قوانين الحكومة العراقية لوزارة النفط العراقية ولا توجد اية مؤسسة قانونيه للنفط العراقي غيرها... وقلت له: هل ممكن ان اعرض هذا الطلب على مؤسسة SOMO ليصادقوا عليه، فرفض رفضا باتا. وفي مكالمة أخرى عرض عليَّ مبلغ كبير جداً عدة ملايين دولارات، وقال اذا لم اقبل فسوف اندم لان الخارطة ستتغير خلال اقل من شهر... فأغلقت التلفون بوجهه...)) أنتهى.
فماذا نريد أكثر من هذه الأدلة على أن ما يجري من تصعيد للإرهاب الداعشي وبقيادة البعثيين وبهذه القوة الغاشمة، هو طبخة أعد لها في واشنطن منذ سنة وحانت ساعة الصفر يوم 10/6/2014 ؟

كما ويشهد رئيس المجلس المركزي لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني السيد عادل مراد عن الهجمة  التي شنتها جماعة داعش، على العراق، قال”هذا المخطط أعد له في اجتماع جرى في عمّان العاصمة الأردنية، وحضره مندوب عن زعيم جماعة داعش أبوبكر البغدادي، وممثلون عن عزة الدوري والبعثيين، وكتائب ثورة العشرين، والجيش الإسلامي، وجيش المجاهدين، والطريقة النقشبندية، وتم رفض مشاركة جناح حزب البعث الذي يقوده يونس الأحمد، وهناك وضع مخطط هجوم داعش على الموصل ثم تقدمت هذه الجماعة  الإرهابية الى بقية المناطق العراقية وخلقت حالة الفوضى التي نشهدها حالياً."(7)
وفي تتابع خطير لتداعيات التقارير التي تحدثت عن خطط اميركية وبريطانية لاعادة البعثين الى مسرح السلطة في العراق للمشاركة، او السيطرة على الحكم، نشرت صحيفة " ليفتس كانك " النرويجية تقريرا خطيرا عن الاتصالات الجارية بين البعثيين والمخابرات المركزية الاميركية الـ(CIA) والإدارات البريطانية المسؤولة عن ملف العراق. وكشف التقرير عن ضغوط سعودية وأردنية وخليجية تمت ممارستها على الادارة الاميركية لتقليص النفوذ الشيعي والعمل على اعادة ضباط الجيش والمخابرات البعثيين الى السلطة في العراق. وكشفت الصحيفة عن قيام طائرات خاصة بثلاث رحلات لنقل ضباط وسياسيين بعثيين مع عوائلهم من صنعاء الى بغداد في الاسبوعين الماضيين(8)

كذلك رفضت إدارة أوباما مساعدة العراق بمد جيشه بالسلاح والذخيرة والطائرات التي اشترتها حكومة المالكي منذ مدة وفق الاتفاقية الأمنية المعقودة بين البلدين، والغرض من هذا التلكؤ هو منح الوقت الكافي لداعش لتحقيق المهمة القذرة الموكولة بها، وهي احتلال كافة المناطق السنية لضمان تقسيم العراق وفرضه على الحكومة العراقية الحالية أو القادمة كأمر واقع. واكتفت إدارة أوباما بتكرار القول أن الحل سياسي، بتشكيل حكومة جديدة تشمل السنة والكرد بشراكة أكبر، وكأن هذه الشراكة غير موجودة الآن. 
 
وماذا عن أخطاء المالكي:
يعاتبني بعض الأصدقاء أني لم أذكر شيئاً عن أخطاء المالكي. نعم، المالكي غير معصوم عن الخطأ، فحياة الإنسان عبارة عن سلسلة من الأخطاء، والعاقل من يتعلم من أخطائه. ولكن المفارقة، أن هذه أخطاء المالكي هذه تعتبر عند خصومه حسنات. على أية حال، فمن أخطاء المالكي في رأيي ما يلي:
الخطأ الأول، أنه وافق على إعادة الضباط البعثيين في الجيش. وما حصل يوم 10/6/2014 من تسليم الموصل لداعش، وكركوك للبيشمركة نتيجة مباشرة لهذا الخطأ القاتل، خطط له منذ سنوات وبمنتهى الاتقان والخبث والدقة.
الخطأ الثاني، أنه وافق على نقل السجناء من بغداد والمناطق الأخرى من العراق إلى سجن بادوش وغيره في الموصل. وقد حصل مراراً فرار السجناء الإرهابيين من سجون الموصل خلال السنوات الماضية، ولا شك عندي أن الهروب كان يتم بتنسيق من الإدارة والمحافظ. ثم جاءت الكارثة الكبرى عندما سيطرت داعش على الموصل فتم إطلاق سراح الإرهابيين، وإعدام نحو 500 من السجناء الشيعة المحكومين بجرائم غير إرهابية.
الخطأ الثالث، إبقاء كلية القوة الجوية في شمال تكريت، ونتيجتها قتل 1700 من تلامذتها من الشيعة أيضاً على أيدي إرهابيي البعث الداعشي الطائفي.
رابعاً، إذعانه لضغوط إيران بعدم الموافقة على إبقاء قوات أمريكية في العراق لتدريب القوات العراقية ومساعدتها في محاربة الإرهاب عند الضرورة خاصة والعراق مهدد بالإرهاب ومن قبل دول الدول الجوار. لذلك أرجو من صناع القرار السياسي في العراق أن يعيدوا النظر في هذه المسألة بعد هذه الكارثة.
خامساً، عدم الاهتمام بالعلاقات العامة وتكوين لوبيات لحكومته في أمريكا وأوربا. فأمريكا تدار من قبل اللوبيات. ولذلك نجح خصوم المالكي (علاوي، والنجيفي والمطلك وبارزاني وغيرهم) في كسب المتنفذين في مجلسي: الشيوخ والكونغرس، وإدارة أوباما في البيت الأبيض، وبالأموال والضغوط السعودية والخليجية الأخرى، ولذلك نجد المالكي محاصر من كل حدب وصوب، وهو الآن مشروع شهادة، ليذبح العراق مرة أخرى كما ذبح في شباط 1963، وعلى أيدي نفس الجهات الداخلية والخارجية.

الاستنتاج:
نستنتج من كل ما تقدم، أن التحجج بدكتاتورية المالكي، وعزله للسنة العرب والكرد، وتفرده بالسلطة وصنع القرار السياسي، ما هو إلا غطاء لمخطط رهيب يهدد الشعب العراقي والمنطقة بأسرها، فما يجري هو احتلال أمريكي جديد ولكن ليس بجيوشها هذه المرة، بل بجيش داعش الإرهابي، مدرب أفضل تدريب ومجهز بأحدث الأسلحة الفتاكة، يقوده أشد الغلاة من الضباط البعثيين. أي أنه انقلاب على الديمقراطية، للمجيء بالبعث كمشارك فعال في السلطة أو يقود السلطة لتكون في بغداد حكومة معادية لإيران، وبالتالي إدخال العراق مرة أخرى في نفق مظلم قد يستغرق عشرات السنين. ويبدو أن مخطط تقسيم العراق إلى ثلاث دول مهيأ للتنفيذ، وليتحول قريباً إلى الأمر الواقع، وأن يقبل العراقيون ما لم يكن في الحسبان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
روابط المراجع
1- عبدالخالق حسين: أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=660

2- MIKE WHITNEY: The ISIS Fiasco: It's Really an Attack on Iran
http://www.globalresearch.ca/the-isis-fiasco-its-really-an-attack-on-iran/5387832

3- رئيس إعادة إعمار العراق لـCNN:  طريق طويل من الأخطاء الأمريكية بالعراق
 http://alakhbaar.org/home/2014/6/170897.html

4- عبدالخالق حسين: التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=626
 
5- مفتي العراق: الثوار ماضون لتبديل العملية السياسية برمتها.. وما تفعله «داعش» لا يقيم الدولة
http://www.aawsat.com/home/article/123996

6- الخطاب الكردي المعتدل يثبت ان بارزاني يغرد خارج السرب بموضوع (الانفصال)
http://alakhbaar.org/home/2014/6/171168.html

7- عادل مراد: هجمة «داعش» خطط لها في الأردن
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170951.html

8- صحيفة نرويجية تكشف عن اتصالات مكثفة بين البعثيين وبين الاميركيين
والبريطانيين لتامين وصولهم للسلطة في العراق
http://burathanews.com/news/61955.html

 رابط ذو صلة
فيديو(7 دقائق)، موقف علماء السنه في العراق (لقاء مع فضيلة الشيخ خالد الملة، هام جدا)
https://www.youtube.com/watch?v=60G2pq8mYuo&feature=youtu.be


51
أوباما ينتقم من بوش بترك العراق للإرهابيين

د.عبدالخالق حسين

لم تكن الهجمة المفاجئة والسريعة لاحتلال الموصل وصلاح الدين من قبل (داعش) التي أذهلت العالم، أن تتم بدون دعم دول إقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا، وحتى أمريكا وبريطانيا.
فالمتابع لما يتعرض له العراق من هجمة إرهابية شرسة جديدة من قبل هذه العصابات الإرهابية المسلحة، وبطريقة متقنة من جميع الجوانب، وما يرافقها من دعم الإعلام العربي والدولي، والعبارات الموحدة التي يرددها الإعلاميون والسياسيون العرب والغربيون، وبروح التشفي، لا بد وأن يصل إلى قناعة أن هذه الحملة المنسقة لا يمكن أن تكون من صنع هذه المنظمة الإرهابية وحدها، بل وراءها حكومات إقليمية ودولية وإمكانيات ضخمة بما فيها الغرب، وبالأخص إدارة أومابا، وأن هذه المنظمة الإرهابية هي من صنع حكومات إقليمية ودولية لتوظيفها كقوة ضاربة ضد أية حكومة في العالم تخرج على سياسات هذه الحكومات.
والدليل كما يلي:
أولا، طريقة سيطرة داعش على الموصل بدون إطلاق رصاصة واحدة بسبب خيانات الضباط الكرد والضباط المحليين حين جاءتهم أوامر من مراجعهم العليا بترك واجبهم الوطني، وطلبوا من الجنود والمراتب بالذهاب إلى بيوتهم وبالملابس المدنية. فالضباط الكرد ذهبوا إلى أربيل، والضباط المحليين أنضم قسم منهم إلى داعش، إضافة إلى الخلايا النائمة التي كانت تنتظر ساعة الصفر لتنفذ مهمتها التي أنيطت بها حسب خطة مدروسة تم إعدادها منذ مدة وبمنتهى الدقة.
 
ثانياً، بعد سقوط الموصل، ومن ثم تكريت تم تسليم إدارتهما إلى البعثيين، لتواصل بهائم داعش، كقوة ضاربة، عملها في احتلال مناطق أخرى، مع إبقاء بعض الداعشيين يستمرون في إرهاب الناس بمعاملتهم بمنتهى القسوة من القتل والتعذيب لكل من لا يستجيب لطلباتهم، ولم يسلم منهم حتى رجال الدين السنة، وما قاموا به من هتك الأعراض، وتدمير الآثار التاريخية، وسرقة المتاحف وغيرها، وهدم التماثيل والآثار بالجرافات، كما و قاموا بجلد رجل دين في ساحة عامة في الموصل لأنه استخدم اسم  (داعش) بدلاً من (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، فالداعشيون يغضبون من تسميتهم بداعش. و تعمل داعش على نشر هذه الجرائم بالفيدو لإرعاب الناس وشل إرادتهم، وهي طريقة عرف بها البعثيون منذ 8 شباط 1963 إلى هذه اليوم.

ثالثا، طريقة تعامل الإعلام العربي والعالمي مع هذه الأحداث، بما فيها مؤسسة (BBC)، حيث نسمع عبارات موحدة وبتكرار، مثلاً، لحد اليوم لم يصفوا داعش بالإرهاب، بل بـ(السنة المتطرفين) ضد الشيعة ( (Sunni extremists against Shiits، بينما هم ذبحوا حتى رجال الدين السنة في الموصل وبمنتهى القسوة والوحشية وأمام الناس.
رابعاً، إبراز هذه الحرب بين القوات العراقية والإرهابيين بأنها حرب أهلية بين الشيعة والسنة، في حين أن منتسبي الجيش العراقي هم من جميع مكونات الشعب العراقي دون استثناء، إضافة إلى مشاركة عشائر سنية مع الجيش لمحاربة داعش في المناطق الغربية والموصل.

خامساً، تكرار الإعلام والسياسيين العرب والغربيين اتهام رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، بأن هذه الكارثة من صنعه وذلك بعزله وتهميشه للشركاء في العملية السياسية من السنة والكرد، وهذا غير صحيح. فجميع المكونات ممثلة في الحكومة وحسب نتائج الانتخابات التي أعترف بنزاهتها مراقبون دوليون. فإذا كانت غاية بعض الشركاء في العملية السياسية إفشالها من الداخل، وقاموا بأعمال إرهابية، ودعم الإرهاب وسعوا لإلغاء لإلغاء جميع القوانين والإجراءات الرادعة للإرهاب من أمثال طارق الهاشمي، ورافع العيساوي وأحمد العلواني وعشرات غيرهم، فماذا عسى أن يعمل المالكي إزاء هؤلاء الشركاء وهم في السلطة والإرهاب في آن واحد؟

سادساً، محاولة الإعلام إعفاء داعش من مسؤولية هروب مئات الألوف من أهل الموصل إلى كردستان، فيقابل المراسلون البعض من النازحين وبانتقائية واضحة، وربما تلقينهم ليقولوا ما يريده المراسلون، فيرددون أنهم لم يفروا خوفاً من داعش وإنما خوفاً من تنفيذ المالكي لتهديده باسترجاع المناطق المحتلة بقصفها بالطائرات. فالمالكي ملام في جميع الأحوال.

سابعاً، تقاعس إدارة الرئيس الأمريكي أوباما في الاستجابة لطلب العراق بمساعدته في مواجهة الإرهاب، ضمن اطار الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية المعقودة بين الدولتين عام 2011، وتبرير أوباما لتقاعسه وكما جاء في بيانه الذي ألقاه في البيت الأبيض يوم 19/6/2014، أنه "لا يوجد حل عسكري للأزمة في العراق وأن الأمر يتطلب حلا سياسيا". هذه العبارة هي الأخرى تتكرر باستمرار من قبل معظم السياسيين الغربيين والخليجيين، وكأن داعش التي تضم في صفوفها مرتزقة من الشيشان والأفغان وباكستان، وفلول البعث، هم شركاء في العملية السياسية.

لماذا يتقاعس أوباما في دعم العراق؟
والسؤال هنا، لماذا يتقاعس أوباما في دعم العراق وتركه ضحية لهذا الإرهاب المتوحش؟
الجواب هو، أن أمريكا يحكمه حزبان يتنافسان بشراسة على السلطة وهما: الديمقراطي، والجمهوري. وكل حزب يحاول أن يحارب الآخر ويدمر شعبيته بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وهذه الحالة ليست جديدة، بل معروفة ومتبعة في أمريكا لعشرات السنين، إذ سمعنا بفضيحة ووترغيت في عهد الرئيس رتشارد نيكسون، والكونترا ضد حكومة ساندانيستا اليسارية في نيكاراغوا، وعملية إيران غيت في عهد الرئيس رونالد ريغن، وغيرها كثير.

فالرئيس أوباما يعاني من عقدة الرئيس الجمهوري السابق، جورج دبليو بوش، وصار من أولوياته إلى حد الهوس هو إفشال كل ما حققه بوش في العراق بإسقاط حكم البعث الجائر وإقامة النظام الديمقراطي فيه. والمعروف أن أوباما كان معارضاً لسياسة بوش في العراق قبل أن يصبح رئيساً. ولذلك ومنذ تسلمه الرئاسة عام 2009، راح أوباما يعمل على إفشال مشروع بوش في العراق وبمختلف الوسائل والحجج. إذ نراه اليوم يتردد في بيع السلاح لتسليح الجيش العراقي لمواجهة الإرهاب، وسكوته عن دور الشركاء في العملية السياسية في الإرهاب، بل ويلقي اللوم على المالكي.
وفي هذا الخصوص لا بد وأن يتحمل السيد المالكي نصيبه من اللوم في معارضته لإبقاء نحو 15 ألف جندي أمريكي في العراق حسب ما طلبت به أمريكا إثناء المفوضات بين العراق وأمريكا لإبرام الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية بينهما، وذلك لإصرار العراق على شرطه أن يحاكم العسكري الأمريكي إذا ما ارتكب جريمة في العراق بقوانين عراقية. وقد نصحنا الحكومة العراقية بتقوية علاقتها مع أمريكا والموافقة على وجود بعض القوات الأمريكية في العراق لتدريب جيشه، ومساعدته في مواجهة الإرهاب عند الحاجة. ولكن للأسف الشديد لم يستجب لندائنا أحد.
ولكن من جهة أخرى، علمتُ من قيادي سياسي عارف بالأمور، أن إيران هددت المالكي أنه في حالة موافقته على إبقاء قوات أمريكية في العراق، فإنهم (الإيرانيون) سيحيلون العراق إلى جهنم! وأعتقد بإمكان إيران تنفيذ هذا التهديد عن طريق بعض المليشيات الشيعية (اتباع الصدر). وهذا هو الذي جعل المالكي يمتنع عن إبقاء قوات أمريكية في العراق. والمفروض بالأمريكان أن يعرفوا هذه الحقيقة ويتفهموا الموقف العراقي الحرج .

علاقة أمريكا بداعش
هناك مقالات صدرت في الغرب بعد كارثة داعش في العراق، تساعدنا على فهم الأزمة العراقية وحقيقة داعش. ففي مقال للسيد خالد سنجاري بعنوان: الكارثة العراقية والجيوبوليتكس (Iraqi Calamity and Geopolitics) (1)، توصل الباحث إلى استنتاج مقنع أن داعش هي صناعة مخابرات دول إقليمية (السعودية وقطر وتركيا) وبدعم ومباركة أمريكا، لاستخدامها في زعزة أمن واستقرار الدول التي تخرج على سياسات أمريكا وصديقاتها في المنطقة، كما حصل في سوريا ضد حكومة بشار الأسد، ويجري الأن في العراق ضد حكومة المالكي، والقضية أبعد من العراق، فالهدف هو زعزعة إيران وروسيا والصين.
وفيما يخص إيران ومحاولة أمريكا "التقرب" منها لدعم العراق ضد داعش، يرى الباحث البريطاني فنيان كننغهام في مقال له بعنوان: (الولايات المتحدة تقود إيران إلى المستنقع العراقي US Leading Iran into Iraqi Quagmire)، أن ما يجري في العراق هو من صنع أمريكا وسبب تردد أوباما في دعم العراق هو منح داعش الوقت الكافي لاحتلال أكبر مساحة ممكنة من العراق لتضمن مصادر بقائها من جهة، ومن ثم إقناع إيران للتورط في المستنقع العراقي. والغاية الأخرى من هذه الحملة هي تجزئة العراق، الدعوة التي بدأها نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل سنوات,

وهذه اللعبة تعني أن أمريكا تريد الانتقام من إيران، كما انتقمت من سوريا، لأن سوريا وإيران جعلتا العراق مستنقعاً لأمريكا بعد 2003. وإن صح ذلك فهذا يذكرنا بجر الاتحاد السوفيتي إلى المستنقع الأفغاني، الأمر الذي استنزف الاقتصاد السوفيتي إلى حد الإنهيار.
وعن منظمة داعش الإرهابية يقول كننغهام: "إن منظمة داعش المتطرفة بشكلها الحالي هي صناعة أمريكا وتدعمها سراً، جنباً إلى جنب مع حلف شمال الأطلسي وحلفاء واشنطن في الخليج. ففكر داعش هو انعكاس لشيوخ الوهابية في السعودية وقطر، وكلاهما قد خصص أكثر من 10 مليار دولار في دعم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى، مثل جبهة النصرة." (2)
وتأكيداً لدور السعودية وقطر في دعم داعش، "اتهم السيناتور الامريكي جون ماكين ، الكيان السعودي بتمويل مجاميع "داعش" الاجرامية في العراق، مطالبا واشنطن بالضغط على حكام آل سعود لوقف تمويل ودعم تنظيم" داعش" التكفيري. (3)

ورداً على سياسات أوباما المدمرة في العراق شن ديك جيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق، هجوماً كاسحاً على أوباما حول سياسته الخاطئة في التعامل مع الملف العراقي في حديث له في (معهد أميركان إنتربرايز للأبحاث السياسية العامة) في واشنطن العاصمة قائلاً:
"نادرا ما كان أي رئيس أمريكي على هذا القدر من الخطأ، وبهذا الحجم، وعلى حساب الكثير. في كثير من الأحيان قال لنا السيد أوباما انه "ينهي" الحروب في العراق وأفغانستان، كما يرغب. والآن تحطم خطابه باصطدامه بالواقع ". إذ نرى جهاديي داعش وهم في ملابسهم السوداء يحتلون الأراضي التي أمنت عليها أمريكا عن طريق الدم الأمريكي وهو الدليل النهائي، أي إذا كانت هناك حاجة لأي دليل، أن أعداء أمريكا لم "يهلكوا" وإنما هم مازالوا يستقوون ويواصلون مسيرتهم. (4)
 
هذه المواقف المتخاذلة من أوباما ورد فعل القادة الجمهوريين ضده، وما كتبه الإعلام عن حقيقة ما يجري، وسكوت أوباما على ما ترتكبه داعش الإرهابية في العراق، وبعد صدور فتوى الإمام السيستاني للعراقيين المقتدرين على حمل السلاح، والتجاوب الشعبي الواسع للفتوى الذي أذهل العالم، وخوف أوباما أن تخرج الأمور من يد أمريكا كما حصل في دعمهم للقاعدة وطالبان في أفغانستان، والتي كانت من عواقبها كارثة 9 أيلول/سبتمبر 2001، كل هذه الأمور دفعت أوباما إلى تغيير موقفه نسبياً وربما لتهدئة العراقيين واللرأي العام الأمريكي والعالمي، عندئذ، قال أوبما: (إن بلاده مستعدة لتنفيذ "ضربات عملية عسكرية محدودة في العراق إذا تطلب الأمر" لمواجهة الخطر المتنامي للمتطرفين، لكنه أكد في الوقت ذاته أنه لا عودة لوحدات قتالية أمريكية إلى العراق. وأن الولايات المتحدة سترسل 300 مستشار عسكري إلى العراق، وإنها ستنشئ مراكز عمليات مشتركة في بغداد وشمالي العراق. وعززت من نشاطاتها الاستخبارية وعمليات الرصد في العراق من أجل دراسة المخاطر التي تهدد العاصمة بغداد." (5)
وليفضح دوره في دعم داعش، قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، "إن قيام الولايات المتحدة بشن ضربات جوية على عصابات "داعش" في العراق يمكن أن يؤدي لسقوط أعداد كبيرة من القتلى المدنيين وإن واشنطن لا تحبذ هذه الاستراتيجية". بينما أردوغان لم يعترض على جرائم داعش الفضيعة في القتل الجماعي ضد العراقيين العزل في المناطق التي احتلتها.

الموقف الأمريكي من المالكي
رغم أن الرئيس أوباما تحفظ في إعطاء رأيه الخاص في بقاء أو رحيل المالكي، وهل سيتمكن المالكي من إعادة الاستقرار السياسي إلى العراق؟ حين سأله أحد الصحفيين، فأجاب:
"كما قلت، انها ليست وظيفتنا أن نختار الزعماء للعراق. وكان من بين ما حارب الامريكان من أجله خلال سنوات عديدة في العراق، هو توفير الفرصة للعراقيين لتقرير مصيرهم واختيار قادتهم.)(6)

والجدير بالذكر، أن هناك حملة في الإعلام الغربي وخاصة في أمريكا ومنذ السفرات المكوكية التي قام بها أسامة النجيفي وصالح المطلق في العام الماضي، وتأجيرهم لشركات العلاقات العامة (Public Relation=PR)، للتأثير على أعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكيين، وبالتالي للتأثير على موقف إدارة أوباما. ويبدو أن هذه الشركات نجحت في تكوين لوبيات في واشنطن لصالح النجيفي والمطلق، وهي نتاج الملايين الدولارات التي صرفها هؤلاء وبدعم من السعودية وقطر.
ومهمة هذه الشركات واللوبيات تشويه صورة المالكي، وإظهار الزبائن بالمساكين المظلومين المهمشين من قبل المالكي!!. والتركيز على فكرة مفادها أن المالكي دكتاتور، قام بتهميش وعزل السنة والكرد، وسياسة المالكي هذه أدت إلى تفشي الفساد والإرهاب، وأنه فشل في تحقيق الاستقرار وتوفير الخدمات للشعب، وإرضاء الشركاء في العملية السياسية. وراح الإعلام الغربي وبعض القادة السياسيين يرددون هذه العبارات بمناسبة ودونها.
وإنصافاً للحقيقة نقول، لا يمكن للمالكي أن يهمش أحداً، وإنما هناك حملة للتخلص منه لأنه صمد أمام العواصف، والتزم بالدستور، فالسنة لم يتحملوا أن يكون شيعياً رئيساً للوزراء، وقالها مستشار أسامة النجيفي صراحة: "الحكم للسنة و هم من حكموا العراق طيلة القرون الماضية ولا نسمح للشيعة باختيار رئيس الوزراء". وإذا ما نجحوا في إزاحة المالكي فالبديل إذا كان شيعياً لن يدوم أكثر من ستة أشهر.
أما الكتلة الكردستانية بجناحها البارزاني، فيريدون التخلص من المالكي لأنه يرفض أن يخالفوا الدستور بالتصرف بنفط كردستان كما يشاؤون. هذا كل ما في الأمر.
ولذلك لجأ خصوم المالكي بإثارة الاضطرابات في البلاد على شكل اعتصامات ، وتصعيد الأعمال الإرهابية وسيطرة داعش على بعض المناطق في محافظة الأنبار، تكللت مؤخراً بما حصل في الموصل والذي كان مخططاً له أن يحصل قبل عام، ولكن اجلوه إلى ما بعد الانتخابات، فإذا فاز المالكي وأصر على الولاية الثالثة يطلقون العنان لداعش بكل طاقاته، كما حصل باحتلال الموصل وبمساعدة رئيس الإقليم الكردستاني، والسعي لاحتلال بغداد وإسقاط الحكومة بالقوة. وهذه الخطة بدأت خيوطها تتكشف للعيان، وهي ليست من هذه العصابة الداعشية التي ما هي إلا بهائم للتنفيذ تتصرف بلا عقل، إذ وراءها دول أقليمية (السعودية وقطر وتركيا) وكذلك بعض الدول الغربية وخاصة أمريكا، ومن هنا نجد تقاعس الرئيس الأمريكي في دعم العراق ومساعدته في دحر الإرهاب.
والسؤال هنا، كيف تقبل أمريكا الديمقراطية الليبرالية التي تسعى لنشر الديمقراطية في العالم، أن تضرب نتائج الانتخابات في العراق عرض الحائط، وتترك الأمر بيد عصابات إرهابية من مرتزقة الشيشان والأفغان وباكستان والسعودية، ليقرروا من يشكل الحكومة؟
إن موقف أوباما من داعش، والضغط على المالكي بالتنحي، وترك داعش لتقرر من يحكم العراق، هذه خيانة كبرى للديمقراطية والعدالة والقيم الإنسانية، وإذا ما تحقق لهم ما يريدون، فلن تبقى أية مصداقية لأمريكا في العالم.
لذلك، نؤكد للرئيس أوباما، وكل من استخدم الوسائل الداعشية لتنفيذ الأعمال القذرة في العراق، ولأغراض مخالفة للدستور أن "حساب الحقل لا ينطبق على حساب البيدر"، و أن كيدهم سيرتد إلى نحورهم. يبدو أن هؤلاء المراهنين لم يعرفوا طبيعة الشعب العراقي وسايكولوجيته الاجتماعية. الشعب العراقي يرفض الإملاءات الخارجية عليه. فالمالكي حصل على أكبر عدد من أصوات الناخبين، نحو ثمانمائة ألف صوت في بغداد وحدها، أما كتلته (دولة القانون) فقد حصلت على 95 مقعداً، فهل من الديمقراطية بمكان أن يزاح هذا الرجل وهو الذي قاد العراق لثمان سنوات في أحلك الظروف، ويحل محله أحمد الجلبي الذي لم يحصل على أكثر من ألفين صوت؟ أية ديمقراطية هذه؟ ولذلك، وكما نشرت صحيفة الواشنطن بوست أن الأزمة الأخيرة رفعت من شعبية المالكي. لذلك فأية محاولة لإزاحة المالكي بالقوة إرضاءً لأسياد داعش فسيكون مردودها كارثة على العراق وعلى الذين يحاولون تنفيذ هذه الخطة الجهنمية. وليتمسك الرئيس أوباما بما صرح به في مؤتمره الصحفي: " إن بلاده لا تستطيع اختيار قادة العراق فهو أمر يعود للعراقيين أنفسهم". 
ونضيف: أن من يقرر مصير المالكي ومن يتسنم رئاسة الحكومة في العراق، هم نواب الشعب وتحت قبة البرلمان العراقي وليس الداعشيون من مرتزقة السعودية وقطر وتركيا.
ــــــــــــــــــــــــ
روابط المراجع
1- Khalid Sanjari: Iraqi Calamity and Geopolitics
http://www.middle-east-online.com/english/?id=66644

2- Finian Cunningham:  US Leading Iran into Iraqi Quagmire
http://www.informationclearinghouse.info/article38847.htm

3- جون ماكين يتهم سعوديون بتمويل العمليات الاجرامية في العراق
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=23117

4- Former Vice President Dick Cheney: The Collapsing Obama Doctrine
http://online.wsj.com/articles/dick-cheney-and-liz-cheney-the-collapsing-obama-doctrine-1403046522

5- أوباما: مستعدون لتنفيذ"ضربات محددة" في العراق ضد المتشددين
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2014/06/140619_iraq_obama_us_actions.shtml

6- عبد الصاحب الناصر: تحليل لبعض نقاط الرئيس اوباما
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170814.html




52
مرحى لفتوى الإمام السيستاني في مواجهة الإرهاب البعثي الداعشي

د. عبدالخالق حسين
يتعرض العراق الآن إلى أخطر كارثة في تاريخه، لا تقل خطورة عن غزو المغول عام 1258م وانقلاب 8 شباط 1963. والخطر الداهم اليوم هو من نفس الشباطيبن في الداخل والخارج، ولكنهم جاؤوا هذه المرة بالعمامة واللحى الطويلة واللباس الوهابي وبأيديولوجية التكفيريين تبرر لهم حرب إبادة الجنس باسم الله والإسلام. وما حصل في مجزرة تكريت من قتل 1700 من الشباب في عمر الورود من طلبة الكلية الجوية ما هو إلا تمارين إحماء لما هو أدهى وأمر لو هم انتصروا. وما يسمى بانقلاب الموصل فقد دبر بمنتهى الخبرة والدهاء شاركت فيها جهات عديدة ومنها السعودية وقطر وتركيا والقيادة الكردستانية البارزانية، بدأ التنفيذ في ساعة الصفر بتدمير معنويات الجيش العراقي بطريقة خبيثة بعد أن انسحب الضباط الأكراد الموالين لبارزاني بالاتفاق المسبق مع الضباط من منطقة الموصل الموالين للبعث، والذين نجحوا في اختراقهم للجيش والتحضير لمثل هذه المناسبة الشريرة، رافقتها ومازالت حملة إعلامية واسعة من الإعلام العربي المضاد في شن حرب نفسية على الشعب العراقي وجيشه الباسل بأنهم نزعوا ملابسهم العسكرية واستبدلوها بملابس مدنية جلبت لهم من قبل المخططين لهذا الغرض الخبيث(1)
لقد ذكرنا، أن القصد من هذه الكارثة هو إعادة حكم البعث، وتدمير العراق. ولمواجهة هذه الجريمة الكبرى فلا بد من أن تكون المهمة الرئيسية للمخلصين العراقيين في هذه اللحظة التاريخية الحرجة والحاسمة هي التركيز على الوحدة الوطنية، وأن يكون كل شيء من أجل دحر الإرهاب وإفشال المؤامرة الخبيثة، والعمل على رفع المعنويات، وتوظيف كل المشاعر الوطنية والدينية والإنسانية لمواجهة الوحوش البشرية الكاسرة.

لقد عرف الإمام السيد علي السيستاني بحرصه الشديد على السلام الأهلي في العراق، ومنذ عام 2003، كان بمثابة صمام الأمان، يحث أبناء طائفته الشيعية التي تعرضت إلى حرب إبادة الجنس من قبل الإرهابيين التكفيريين، كان ومازال يحثهم على الصبر وضبط النفس، ويردد دائماً أن (السنة هم أنفسنا وليسوا أخواننا فقط). ولمواقفه المشرفة هذه، نال السيستاني تقدير واحترام الرأي العام العالمي حيث رشحته الصحافة البريطانية لجائزة نويل للسلام. ولما تعرض العراق إلى خطر الهجمة الداعشية الأخيرة مصحوبة بالحملة الإعلامية الشرسة في الحرب النفسية وتدمير معنويات الجيش والشعب أصدر الإمام فتواه التي دعا فيها إلى الوحدة الوطنية والتي جاءت في وقتها المناسب كحاجة وطنية وإنسانية ملحة، غيرت موقف أمريكا المتردد في مساعدة العراق لمواجهى الإرهاب.(2)
إذ جاء في تقرير راديو اوستن النرويجي: ” ان مسارعة الولايات المتحدة لتوجيه ضربات جوية لمواقع المتمردين في الموصل وصلاح الدين، وربما الفلوجة، جاءت بهدف اقناع العراقيين بان اميركا تقوم بمهامها وهي تتكفل بمحاربة المتمردين وانه لا حاجة لتطوع مئات الآلاف من العراقيين للالتحاق بجبهات القتال” .(3)
ومن قرأ الفتوى الإمام السيستاني، أو سمعها من خلال خطاب وكيله الشيخ عبدالهادي الكربلائي في خطبة الجمعة (13/6/2014)، لم يعثر على كلمة واحدة تشير إلى أبناء طائفة معينة، سنة أو شيعة، أو ضد أية طائفة، بل أنها موجهة إلى كل الشعب العراقي بكل طوائفه وبدون أي إستثناء، لمواحهة الخطر الداهم من خوارج العصر من الإرهابيين الداعشيين الذين حولتهم آلهة الشر إلى روبوتات لتدمير الحرث والنسل. لذلك نالت هذه الفتوى استسحان وارتياح جميع الأخيار الشرفاء في العالم بمن فيهم الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون.
لكن هناك من في قلوبهم مرض من كتاب سخروا أقلامهم للطعن بهذه الفتوى الوطنية ومحاولة تشويهها تحت غطاء العلمانية ومناهضة الطائفية، والحرص على الوحدة الوطنية لأغراض كيدية تصب في خدمة الطائفية وداعش ومن سخر داعش لتدمير العراق. لا أريد هنا أن أذكر كل هؤلاء الحاقدين من أصحاب الأقلام المأجورة، ولكني أكتفي بالإشارة إلى واحد منهم لأني كنت أتوسم فيه الحرص على الوطنية، ولخلفيته اليسارية، ولكن يبدو أن ثقافته الماركسية لم تخلصه من آفة الطائفية التي ابتلى بها العراق. والكاتب هذا هو السيد حامد الحمداني الذي نشر مقالاً له في موقع الأخبار، بعنوان: (حذار: العراق بات على شفير الحرب الأهلية الطائفية المدمرة). لا شك أن العنوان جميل ولكن الشيطان في التفاصيل، إذ يقول: "لقد راعني تحول موقف المرجع الشيعي الأعلى السيد السيستاني الذي التزم به فيما سبق لجمع سائر اطراف الصراع والحفاظ على السلم الأهلي في العراق، ليعلن وبكل صراحة فتواه الجديدة التي دعا فيها سائر ابناء الطائفة الشيعية الى حمل السلاح ضد اخوتهم ابناء الطائفة السنية واصفاً من يموت منهم في هذه الحرب المجنونة بالشهيد، وهكذا زج المرجع الأعلى السيد السيستاني نفسه كطرف في الحرب الأهلية التي باتت على الابواب، وانا هنا ادعو السيد السيستاني ان يعيد النظر بدعوته الخطيرة هذه لكي لا يتحمل وزر هذه الحرب التي يجري الاعداد لها قبل فوات الأوان".(4)
فهل هناك تزييف أكثر من ذلك؟

كنت أتمنى على الكاتب أن يحترم ماضيه اليساري، وعمره الذي تجاوز الثمانين، وشيبته، ويتجنب الوقوف إلى صالح الإرهابيين. ولا أدري من أين أتى بعبارة (دعا فيها سائر ابناء الطائفة الشيعية الى حمل السلاح ضد اخوتهم ابناء الطائفة السنية).أليس في هذا الكلام تحريض على الفتنة الطائفية؟ فكما أوضحنا أعلاه، أن الفتوى موجهة لكل العراقيين بدون تمييز وبدون ذكر اسم أية طائفة، وضد منظمة داعش الإرهابية التي أغلب مقاتليه أجانب من الشيشان والأفغان وغيرهم، لذلك فقد أساء الكاتب إلى أبناء طائفته السنية حين اعتبرهم دواعش، وهم براء من داعش.
لقد أساء السيد حامد الحمداني إلى سمعته حين وقف مع الطائفي ومفتي الإرهاب الشيخ يوسف القرضاوي الذي تهجم على فتوى السيستاني. ويكفي السيستاني فخراً وشرفاً أن أبناء السنة استجابوا لفتواه قبل الشيعة، وهنا أستشهد ببعض الشهادات التي يمكن أن تفضح تعصب الحمداني وأمثاله من أدعياء اليسار والعلمانية المزيفين ومقاصدهم الكيدية.
قال فضيلة الشيخ خالد الملا، رئيس جماعة علماء العراق فرع الجنوب، والوجه الأبرز في تأسيس جماعة علماء العراق، ما يلي: " إن سماحة السيد السيستاني ابلغني بان السنة هم انفسنا وليسوا اخواننا فقط. وأيد الملا في حديث متلفز، ما ذهب اليه المرجع الديني الاعلى سماحة اية الله العظمى السيد علي السيستاني وحثه العراقيين على الابتعاد عن التصرفات التي تسيئ لوحدة الشعب العراقي، منتقدا القرضاوي الذي اعتبر ما یحدث في العراق “ثورة شعبیة”، قائلاً: لم أستغرب من بیان القرضاوي لأن جذور اتحاد هیئة علماء المسلمین معروفة." (5)

كما وأعلن النائب عن قائمة الرافدين يونادم كنا (مسيحي)، في تصريح صحفي عن دعمه وتأييده للفتوى التي أصدرها المرجع السيد علي السيستاني للجهاد ضد داعش وأعوانها من العصابات الإرهابية. وقال إن فتوى السيد السيستاني موجهة لكل العراقيين وليس لطائفة أو مذهب معين، والمراد منها إسناد ودعم الجيش العراقي والقوى الأمنية في حربها ضد عصابات داعش الإرهابية، لتحرير الأرض العراقية المغتصبة في الموصل وغيرها من المدن العراقية. وأضاف: "أننا ندعم الشباب العراقي في تطوعه دفاعاً عن الموصل وكنائس الموصل التي دنسها داعش الإرهابي، ونقوم بهذه المهمة كعراقيين وليس كطائفة أو دين، فالموصل مدينة عراقية" (6)

وإذا لم يكفي هذا، فنقدم إلى المفكر الماركسي سابقاً، والديمقراطي الليبرالي حد النخاع حالياً، السيد الحمداني، شهادة السيد بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، وهو بالتأكيد ليس شيعياً رافضياً، ولا من أتباع السيد السيستاني، انتقد بشدة الممارسات الاجرامية لعصابات "داعش" في العراق. فيما اعلن دعمه الكامل للبيان الذي أصدره المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد علي السيستاني الذي اكد ضرورة حفظ وحدة العراق. وأفادت وکالة "آسوشیتد برس" الامریکیة في تقرير بأن" بان کي مون اعرب عن قلقه البالغ ازاء المجازر التي ترتکبها عصابات داعش الاجرامية، و طالب بمحاکمة مرتکبیها محذرا من العواقب الوخیمة للعنف  في العراق، الذي یمکن أن یزید من تفاقم الصراع و یأتي بعواقب وخیمة على المنطقة بأسرها".
ويذكر ان شیخ الفتنة الطائفیة یوسف القرضاوي وصف الهجمة الاجرامية الشرسة على العراق بقیادة عصابات "داعش" بـ"الثورة الشعبیة". (7)
والملاحظ أن هؤلاء الكتاب الذي أثاروا كل هذه الضجة ضد فتوى السيستاني الوطنية الداعية لوحدة العراق، سكتوا سكوت أبي الهول عن مئات الفتاوى وربما الآلاف التي صدرت وتدعو إلى قتل الرافضة، الشيعة، الصفوية، الفرس المجوس، الأنجس من اليهود ...الخ،  لم يحذر مثقفو الطائفية من هذه الفتاوى الصريحة لإشعال الفتن الطائفية والحرب الأهلية، ولكن عندما صدرت فتوى واحدة من السيد السيستاني للدفاع عن العراق من الإرهاب انبرى هؤلاء المثقفون بالتحذير من الحرب الأهلية. ولكن لكونهم اقرب للإرهاب طالما هدفهم الرئيسي هم الشيعة، سيحذرون ويحذرون من الحرب الأهلية حينما ينبري الشيعة للدفاع عن وجودهم.
كما سكت هؤلاء سكوت الشياطين الخرس عن فتاوى العشرات من مشايخ الوهابية التي أفتت بقتل الروافض، مثل الشيخ عبدالمالك السعدي، شيخ التكفيريين الذي أفتي مؤخراً لمجرمي داعش باغتصاب النساء في نينوى. (8)

وبناءً على كل ما تقدم، نقول، نحن أيضاً من حقنا أن نحذر السيد حامد الحمداني وأمثاله من أدعياء اليسار الذين يمارسون الطائفية بلباس العلمانية واليسارية، وهم في الحقيقة أعداء اليسار والعلمانية لأنهم سخروا أقلامهم لتحقيق المؤامرة الكبرى التي تورط فيها أحط الرجعيين في العالم وحتى الغرب، وسخروا لها السعودية وقطر وتركيا، وللأسف الشديد ضموا إليها حتى حكومة الإقليم الكردستاني. فهذه الهجمة الشرسة أكثر شراسة من هجمة 8 شباط 1963، تهدف لعودة البعث إلى حكم العراق ثالثة عن طريق عصابات الإرهاب الإسلامي الوهابي، وسخروا لها الإعلام العالمي الذي تجنب لحد الآن تسمية داعش بالإرهاب، بل اكتفوا بتسميتها بـ(السنة المتطرفين)، والسنة منهم براء. كما وما انفك الإعلام الغربي والقادة السياسيين يرددون عبارة مفادها أن سبب هذه "الانتفاضة الشعبية" هو عزل السنة والكرد من قبل المالكي وتفرده بالسلطة. وهم يعرفون حق المعرفة أن ليس هناك عزل ولا تهميش، ولا يمكن للمالكي أو أي شخص آخر في هذا المنصب أن يكون دكتاتوراً وهو لم يستطع حتى الدفاع عن نفسه إزاء هذه الحملة المسعورة من موجة الأكاذيب ضده، والشتائم عليه علناُ وفي الإعلام المضاد في العراق وحارجه. ولكنها ذريعة تستغلها الدول الغربية لتبرير تقاعسها في نصرة العراق وترك الجريمة أن تمر، وبعد ان ترتكب المجازر الوحشية وإبادة الجنس وفوات الأوان، لينتبهوا ويذرفوا دموع التماسيح على حقوق الإنسان في العراق. 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1- فيديو، شهاده الجنود لماذا ترك الجيش العراقي الموصل بعد دخول داعش
http://www.youtube.com/watch?v=96Zbp7v9Gtg&feature=youtube_gdata_player

2- المرجعية الدينية العليا تفتي بوجوب الدفاع عن العراق وشعبه وتعتبر من يقتل دفاعا عن بلده شهيدا
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170287.html

3- ” راديواوستن” النرويجي: قلق امريكي بريطاني من تشكيل جيش ثاني في العراق
http://www.abna.ir/arabic/service/iraq/archive/2014/06/16/616374/story.html



4- حامد الحمداني : حذار: العراق بات على شفير الحرب الأهلية الطائفية المدمرة
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170537.html

5- خالد الملا : السيد السيستاني أبلغني أن أهل السنة هم أنفسنا وليسوا فقط أخواننا
http://www.qanon302.net/news/2014/06/17/21803

6- كنا : فتوى المرجع السيستاني ليست للشيعة فقط
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170572.html

7- بان كي مون يعلن دعمه لبيان السيد السيستاني
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22798

8- السعدي شيخ التكفيريين يفتي لمجرمي داعش باغتصاب النساء في نينوى
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22895






53
كلهم داعشيون، ومن بعث واحد

د.عبدالخالق حسين

أفادت الأنباء أن "23 مجموعة ارهابية غير داعش احتلت نينوى من بينها الحركة النقشبندية، وشباب الموصل الارهابية، وكتائب الحدباء، وجماعة نصرة العراق، واهل الجنة، وغيرها من مجاميع مختلفة المرجعيات والقيادات والاهداف ".(1)

في الحقيقة، إن معظم هذه التنظيمات هي مجموعات إرهابية بعثية، خرجت من رحم البعث الفاشي، وكل مجموعة أسند لها دور معين تقوم به. فتنظيم (داعش)، متخصص في العمليات العسكرية وشراسة الانتقام، والقسوة في قتل الأبرياء العزل لبث الرعب بين الناس، وإلقاء الجرائم البشعة التي يرتكبها البعثيون على تنظيم باسم داعش وتبرئة ساحتهم منها.

تنظيم آخر باسم:(القيادة العامة للجيش العراقي) نشر بياناً يشبه (البيان الأول) الذي يصدر عادة بعد كل انقلاب عسكري يقوم به البعثيون، جاء فيه: "يا ابناء أمتنا العربية .. يسجل أبنائكم الشجعان انتصارات وطنية خالدة افتتحت بتحرير محافظة نينوى مدينة الرماح الباسلة من القوات الحكومية المعتدية وهاهم الثوار من الفصائل والقوى كافة يزحفون لتحرير وتطهير المدن العراقية وعلى رأسها بغداد الحبيبة من براثن الطائفيين الذين عاثوا فساداً وظلماً وقتلا بالشعب العراقي المظلوم ومن ورائهم الاحتلالين الأمريكي والايراني الغاشمين."

و تحاول هذه "القيادة" أن تظهر نفسها بالوجه الحضاري، والإلتزام بالقوانين الدولية، إذ أدعى ناطق باسمها للبي بي سي، أنهم ضد تنظيم (داعش) وما يرتكبه من جرائم، فهم ليسوا ضد الشيعة، وملتزمين بإتفاقية جنيف لحماية اسرى الحرب وحقوق الإنسان...الخ. هذا الكلام للتضليل فقط ، فهذه التنظيمات هي بعثية وقد عاثوا فساداً وقتلاً في المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم. إذ تفيد الأنباء أنهم أعدموا إمام الجامع الكبير في الموصل لأنه رفض أن مبايعتهم، كما و هرب 17 إماماً إلى أربيل خوفاً من القتل، كذلك انتحرت أربع نساء بعد اغتصابهن، إضافة إلى فرض أحكام الشريعة على الناس وخاصة على النساء بارتداء النقاب الأفغاني.
وتقرير آخر مصور، وفيديو سرب من داعش، يبين ارتكابهم جريمة نكراء كبرى وهي "تنفيذ الاعدام بـ 1700 من طلبة كلية القوة الجوية في قاعدة "سبايكر" شمال تكريت (175 كم شمال غرب بغداد) بعد أيام على تسليم انفسهم. وأوضح أنه أفرج عن 800 من "مرتدي السنة"، الذين يعملون بالقاعدة بناء على أوامر من اميرها ابو بكر البغدادي" (2).

لا نريد هنا الحديث عن خبث البعث وأساليبه الشيطانية في ارتكاب العمليات الإرهابية البشعة، وتضليل الناس بواجهات إسلامية، فقد بات هذا الأمر معروفاً للجميع. ولكن المشكلة أنه مازال هناك البعض، وحتى من بين الذين نتوسم فيه المعرفة والوعي والحس الوطني، مازالت تعبر عليهم أساليب البعث وحيلهم الخبيثة. لقد أكدنا مراراً أن البعثيين يرتكبون إرهابهم بأسماء تنظيمات إسلامية وهمية لكي يحموا سمعة حزبهم من الإرهاب ويتجنبون نقمة الجماهير، خاصة وهم يحلمون بالعودة للحكم. كما وأكدنا أن ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش- إختصاراً)، هو تنظيم بعثي تشكل بادئ الأمر ضمن القاعدة، وبتوجيه المدعو أبو بكر البغدادي من مواليد سامراء، ولكن بعد أن اتسع هذا التنظيم واشتهر بالجرائم البشعة التي ارتكبها في سوريا، إلى حد أنه حتى أيمن الظاهري، زعيم القاعدة أدان جرائمهم وتبرأ من داعش.

ودليل آخر يؤكد أن داعش هو تنظيم بعثي أن الداعشيين سلموا إدارة المدن التي وقعت تحت سيطرتهم إلى إداريين بعثيين كانوا يديرون هذه المدن في عهد صدام.

لماذا تبنى البعثيون أيديولوجية الإسلام السياسي بعد سقوط حكمهم؟
السبب هو أن أيديولوجية البعث ليست فيها قوة جذب ليضحي الإنسان بحياته من أجلها، فهي أيديولوجية هجينة خليط غريب من النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية والماركسية، و البداوة العربية، وشيء خفيف من الإسلام. إذ كان ميشيل عفلق، المؤسس  للحزب، والمنظر له ماركسياً في أول شبابه، ثم تخلى عنها وتبني أفكار فلاسفة النازية مثل فيختة، وقالها صراحة، أنهم أسسوا حزب البعث لحماية الشباب العربي من الفكر الماركسي. وكانت مؤلفاته تتسم بالغموض. لذلك اعتمد البعثيون في كسب الشباب على التحريض والتأجيج، وتحريك الغرائز البدائية من المشاعر العنصرية والعصبية القومية. كما وأعلن عفلق (المسيحي) إسلامه كذباً للضحك على الذقون، وسمّى ابنه محمد، تماماً كما خدع الألمان المسلمين في الحرب العالمية الأولى بأن الإمبراطور الألماني غليوم، أعلن إسلامه وصار يُخاطب بالحاج محمد غليوم!!
لذلك وبعد سقوط حكمهم في العراق لم يكن لدى البعثيين فكر قوي يجذبوا به الشباب ليجازفوا بحياتهم في حركة جهادية من أجل إعادتهم للسلطة. فوجدوا ضالتهم في أيديولوجية الإسلام السني السياسي المتمثل بالوهابية الجهادية التكفيرية، وبدعم مالي سعودي وقطري، وتخطيط الاستخبارات البعثية، والتركية وغيرها، باستخدام الطائفية كمحرك للتعصب، وغسل أدمغتهم بالشحن الطائفي، وبالوعود المعسولة بسعادة الدارين. وبذلك فقد نجحوا في تحويل قطاع واسع من الشباب الفارغين فكرياً بتحويلهم إلى قنابل ووحوش بشرية، وبرابرة متعطشة لقتل الأبرياء، ليس لديهم ذرة من الاحترام لحياة الإنسان، فكان داعش وأخواتها، هدفهم المعلن كهدف الأخوان المسلمين والقاعدة، وهو: إعادة دولة الخلافة الإسلامية، أما هدفهم الحقيقي في العراق غير المعلن لدى قياداتهم العليا فهو إعادة حكم البعث.

الحياة في الصمود
وما تحقق لداعش من انتصار رخيص وسريع على جيش جرار يفوقه عدداً بثلاثين مرة، ومجهز بأحدث الآليات والأسلحة يحتاج إلى دراسة علمية عميقة لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذه الحالة الشاذة والغريبة. ولكن يمكن في هذه العجالة أن نقول أن العملية لم تخلو من شراء ذمم الضباط القياديين بالرشوات والخيانات، والصراعات السياسية بين شركاء العملية السياسية، وضعف الولاء الوطني، ودور الإعلام المضلل المعادي في شن الحرب النفسية، ومحاولاتهم المستمرة لتدمير معنويات الجيش العراقي، كل هذه العوامل لعبت دوراً أساسياً في وقوع هذه الكارثة.

والدرس الذي يجب استخلاصه هو أن العسكري الذي يتخلى عن واجبه المقدس في الدفاع عن الوطن وشرفه العسكري خوفاُ من الموت، فالموت يلحقه في جميع الأحوال، وقد أثبتت المجازر التي أرتكبتها برابرة داعش ضد الجنود الذين بقوا في معسكراتهم و بدون قتال أن الحياة ليس في الإستسلام الرخيص بل في الصمود، فلو كان الجيش قد صمد لألحق الهزيمة بالداعشيين، ولكان أغلب الجنود الضحايا الذين قتلوا على أيدي برابرة داعش أحياء الآن.

والجدير بالذكر أن هناك حملة إعلامية مضللة تساند الداعشيين البعثيين، يحاولون إبراز وجه داعش بالوجه الإنساني والحضاري، مثلاً يقولون أن الحياة في الموصل وتكريت عادت طبيعية وهادئة وجميع الخدمات متوفرة، وإنما الناس يغادرون هذه المدن ليس خوفاُ من داعش بل خوفاً من المالكي لأنه هدد بإعادة هذه المناطق بالقصف الجوي. وهكذا يحاول الإعلام المضلل أي يبرئ الإرهابيين من جرائمهم وإلقائها على الحكومة العراقية في جميع الأحوال.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
مصادر
1)  23 مجموعة ارهابية في نينوى
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170474.html

2) داعش: أعدمنا 1700 طالب بكلية الطيران العراقية
http://www.elaph.com/Web/News/2014/6/914120.ht

روابط ذات صلة
داعش تمنع موظفات تربية نينوى من الدوام وتفرض اللباس الافغاني على موظفي المديرية
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22781

الاتحاد الأوربي: مجرمو داعش احرقوا الكنائس بشكل كامل في الموصل
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22787

بان كي مون يعلن دعمه لبيان السيد السيستاني
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22798

* شاهد عيان لما حصل ليلة سقوط الموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170614.html


54
أبعاد مؤامرة تفتيت العراق
د.عبدالخالق حسين

والآن، وبعد خراب البصرة، (سقوط الموصل وتكريت ومناطق أخرى بيد داعش، واحتلال كركوك من قبل البيشمركة)، بدأت خيوط المؤامرة تتكشف للذين يبصرون. وقد يعترض البعض: وهل عدنا إلى نظرية المؤامرة؟ الجواب: نحن ضد تعليق غسيلنا وكل مصائبنا على شماعة الآخرين، ولكن هذا لا يعني عدم وجود مؤامرات، فالسياسة بحد ذاتها سلسلة من الخطط السرية وتظهر للعلن عند التنفيذ. فهناك من يوظف تعددية مكونات الشعب العراقي لتدمير العراق وعدم السماح لهذا الشعب بالعيش بسلام في دولة ديمقراطية مستقرة.
فالشعب العراقي لم يمارس الديمقراطية طوال تاريخه حتى عام 2003، و معروف بالتعددية الأثنية والدينية والمذهبية بحكم التاريخ والجغرافية. وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 على يد الاحتلال البريطاني، وكنتيجة لثورة العشرين، ضمت بريطانيا هذه الكتل البشرية المتصارعة في حدود بلد يسمى بالعراق في دولة واحدة وبمركزية مفرطة. إن الشعب العراقي لم يكن يوماً موحداً بإرادته الحرة التي لا تتوفر إلا في النظام الديمقراطي. لذلك فـ"الوحدة الوطنية" التي سادت منذ التأسيس عام 1921 وإلى يوم السقوط عام 9/4/2003، كانت وحدة مزيفة لم تكن اختيارية بملء إرادة هذه "الكتل البشرية"، بل كانت مفروضة عليهم بالقمع من قبل دكتاتورية حكم المكون واحد. وما يجري الآن في العراق من صراعات دموية بين هذه المكونات، واستعداد قادة كل مكون للتعاون حتى مع الإرهاب في سبيل الانتقام من غرمائه قادة المكونات الأخرى. وما حصل من احتلال المناطق السنية من قبل الإرهابيين الداعشيين دليل على صحة ما نقول.
ولا بد من القول أيضاً، أنه لو ترك أمر العراقيين لأنفسهم وبدون أي تدخل خارجي، لنجحوا في تحقيق الوحدة الوطنية الحقيقية، ولكن، وكما بات واضحاً للعيان أن تدخل حكومات المنطقة (تركيا والسعودية وقطر) ساهم في إشعال الفتن الطائفية لتمزيق الوحدة الوطنية التي كانت هشة أصلاً.

نعم هناك مؤامرة واسعة وخطيرة، وضعت بمنتهى الدقة والدهاء من قبل خبراء السياسة والعلوم العسكرية، ساهمت فيها حكومات ونفذتها قوى عراقية، مؤامرة لا تقل خطورة عن مؤامرة 8 شباط 1963 التي أغرقت العراق في بحور من الدماء، وأدخلته في نفق مظلم لم يخرج منه حتى الآن، ومن نفس الجهات والحكومات والأسر، وحتى ضحايا هم أبناء ضحايا الأمس.

لقد واجهت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية عصابات الإرهاب منذ عام 2003 وحتى وقت قريب بمنتهى الشجاعة والبسالة، فما الذي حصل يوم 10/ 6/2014 لتنهار هذه القوات في الموصل وبقية مدن المحافظات العربية السنية لتسقط بيد داعش، وتسيطر البيشمركة على كركوك؟ والسؤال هنا: كيف استطاعت قوات (داعش) التي لا يتجاوز عدد أفرادها عن 1600 أن يهزموا جيشاً مؤلفاً من أكثر من 20 ألف، إضافة إلى 30 ألف من الشرطة، كلهم مجهزون بأحدث الأسلحة المتطورة، أن يحتلوا كل هذه المناطق وبدون إطلاق رصاصة واحدة، و ليتكرر نفس السيناريو في كركوك من قبل البيشمركة وبهذه السهولة؟
لقد بدأت الحملة ضد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من قبل فلول البعث ووسائل الإعلام العربية المعادية للعراق الجديد، حيث أستأجروا لها كتاباً عراقيين وغير عراقيين الذين نعتوا هذا الجيش بأقذع الصفات، مثل: الجيش الصفوي، وجيش المالكي، وجيش الشيعة، والمليشيات الشيعية. وأخيراُ نفذوا مخططهم لتدمير معنويات هذا الجيش عملياً وبخبث، بأنه فر من داعش، وانهارت معنوياته. فرغم التطبيل بأن هذا الجيش هو شيعي، إلا إنه تبين أن "جميع قادة الالوية والافواج وقادة الاستخبارات في الموصل هم اكراد وأول الفارين امام داعش" إذ جاء في تقرير نشرته المسلة: ان "امراء الافواج والالوية في الجيش العراقي المتجحفل في مدينة الموصل وضواحيها هم من الاكراد وأبناء المناطق المجاورة، الذين كانوا يدينون بالولاء لحكومة اقليم كردستان، وللمسؤولين المحليين ورؤساء العشائر في المنطقة، ولا يعبئون للأوامر التي تصدرها القيادات العسكرية العليا إلا بعد تلقي الضوء الاخضر من اربيل". واعتبرت المصادر ان "احد اسباب فشل قوات الجيش في التصدي لداعش هو التحريض عليه من قبل أثيل النجيفي حين دعا الى خروجه من المدينة." (1). وهذه التركيبة لضباط الجيش ينفي الادعاءات بأن الجيش العراقي هو جيش الشيعة، إذ تبين أن معظم ضباطه من الكرد والعرب السنة وبدون تمييز.
وقد تخلى هؤلاء الضباط عن مسؤولياتهم، وحنثوا بالقسم، وخانوا وطنهم وتخلوا عن شرفهم العسكري، وفروا إلى أربيل بأوامر من جهة عليا (سلطة الإقليم). ونفس الشيء تكرر في القوات المرابطة في كركوك.
وهكذا انكشفت خيوط وأهداف المؤامرة التي شارك في حبكها كل من تركيا والسعودية وقطر، وحكومة الإقليم لمنح الموصل وغيرها من المحافظات العربية السنية لداعش، وكركوك للكرد وبدون حرب، مع تصعيد الحملة الإعلامية لتدمير معنويات الجيش العراقي كتمهيد لما هو أسوأ. وظهر جلياً أن أداة تنفيذ هذه المؤامرة هي حكومة الإقليم، والحكومات المحلية في المناطق الغربية وكركوك، والدليل كما يلي:
 
أولاً، تزامن احتلال الموصل وكركوك مع وجود السيد مسعود بارزاني خارج العراق ولقاءاته مع جهات مشبوهة مثل أحمد الجربا، رئيس المعارضة السورية ومناقشة موضوع الولاية الثالثة للمالكي معه. فما علاقة هذا الرجل بتجديد ولاية المالكي التي هي شأن عراقي داخلي؟ فوجود السيد بارزاني في الخارج ليس صدفة، بل كان مخططاً له مسبقاً وبدقة ليبرئ ساحته بعذر(Alibi). فقام بمنح كافة صلاحياته العسكرية لنائبه السيد كوسرت رسول علي الذي لم يكن يوماً شخصاً هاما لدى السيد بارزاني، إذ كانت العلاقة بينهما متوترة إلى حد أن السيد علي قدم استقالته قبل أيام من سفر بارزاني إلى الخارج، فرفض الأخير الاستقالة وكلفه بهذه المسؤولية، وهذه محاولة لتوريط كاك كوسرت رسول علي وإلقاء اللوم عليه اذا ما تدهورت الأمور، وجاءت النتائج على غير ما يرغب الشعب الكردي، فيعلن بارزاني براءة ذمته من العملية فيما لو فشلت الخطة التركية- السعودية !!!
وإنصافاً للحق، فإذا كنا أمام خيارين كلاهما شر، فمن الحكمة أن نختار الأقل شراً. فبعد كارثة انسحاب الجيش من كركوك وبهذه الطريقة التآمرية، سواءً بشراء ذمم الضباط العسكريين بالمال السعودي والتخطيط التركي، أو لولائهم لغير العراق، لذا نرى أن تحرك قوات البيشمركة لسد الفراغ، لحماية الأرواح والممتلكات، أفضل مليون مرة من سقوط كركوك بيد برابرة داعش. ولكن نأمل أن لا يكون هذا الحل النهائي لمصير كركوك، بل يجب أن يبقى الحل وفق ما جاء في المادة 140 من الدستور العراقي.

ثانياً، تم اختطاف القنصل التركي في كركوك، والسيطرة على القنصلية التركية واحتجاز 80 من موظفيها في الموصل، وهذه مسرحية فاشلة، وذر الرماد في العيون لإبعاد التهمة عن دور تركيا في هذا المخطط الإجرامي، وربما لمنح تركيا حق احتلال الموصل (وفق معاهدة لوزان)، وكذلك احتلال كركوك بحجة حماية التركمان، فيتحقق الحلم التركي. ونحن نعرف من تاريخ تركيا أنها لن تترك أرضاً تحتلها ابدا كما حدث في قبرص.(2)

ثالثاً، كركوك الآن تحت سيطرة البيشمركه بعد "طرد" الجيش منها!! ولا بد وأن هذه الخطوة جزء من اتفاق مسبق، داعش تحتل الموصل، وحكومة الإقليم تحتل كركوك وبدون حرب. كما وأخبرني صديق وهو كاتب كردي مقيم في كردستان، أن غالبية الكرد البسطاء سعيدون بما يجري وبالأخص بعد "تحرير" كركوك من "قوات المالكي"!!!! معتقدين بان الفرصة سانحة للانفصال.

رابعاً، وفي تقرير لـ (صوت كوردستان)، جاء فيه: "أخبر مواطنون كورد نزحوا من الموصل صوت كوردستان أن قوات داعش كانت تتجول في الجانب الكوردي من محافظة الموصل و أخبرت الكورد بأنهم لا يستهدفون الكورد و أن حربهم هي مع المالكي و الشيعة الصفويين.(3)

خامساً، هذه الأحداث أسقطت الأقنعة عن أقطاب مهمة في العملية السياسية، إذ ساهم رئيس البرلمان أسامة النجيفي وعدد غير قليل من نواب كتلتي التحالف الكردستاني والعراقية، في عدم اكتمال النصاب لجلسة البرلمان الخاصة يوم الخميس 12/6/2014، لمناقشة قانون إعلان حالة الطوارئ لمواجهة الأخطار التي تهدد البلاد. وهذا الموقف يصب في صالح الجماعات الإرهابية والتكفيرية ومن وراءها.(4)
سادساً، ومما يؤكد أن تنظيم (داعش) هو بعثي ويسعى لإعادة حكم البعث، ما أفادت به الأنباء أن (اختار تنظيم (داعش) خلال الاجتماع العشائري الذي عقد في مدينة تكريت، احمد عبد رشيد محافظاً لصلاح الدين والذي كان محافظاً سابقاً في عهد صدام في نفس المحافظة.(5)

سابعاً، تزامن كل ذلك مع حملة واسعة من قبل مجموعة محسوبين على اليسار، وهم ضد نتائج الانتخابات، قاموا بنشر نداء لجمع التواقيع، في ظاهره إدانة الإرهاب وحماية الوطن، والديمقراطية، ولكن في جوهره هو في صالح داعش والمزيد من التردي في الوضع العراقي، إذ جاء أول مطلب في النداء البائس: "عدم تجديد الولاية الثالثة للسيد نوري المالكي"، وهو نفس المطلب الذي يلح عليه جميع أعداء الديمقراطية ومنها السعودية وقطر وتركيا وداعش وأنصارها. فهؤلاء راحوا يستغلون مأساة شعبنا للشماتة، ولتصفية حسابات مع خصومهم السياسيين خدمة لأولياء النعمة. فلو كان هؤلاء حقاً يؤمنون بالديمقراطية لاحترموا نتائج الانتخابات، وتركوا مصير المالكي بيد البرلمان الجديد المنتخب ليقرر بالوسائل الديمقراطية, فشعار هؤلاء (لا للإرهاب، لا للمالكي) يشبه شعار انتهازي سابق: (لا للحرب لا للدكتاتورية). والجدير بالذكر لاحظت أن عدد زوار الحملة ولحد كتابة هذه السطور بلغ 7318 بينما عدد الموقعين والمؤيدين للحملة: 471. وهذا يعني أن نحو 94% هم ضد هذا النداء.

يجب أن يعرف هؤلاء السادة أن التخلص من المالكي ما هو إلا الخطوة الأولى لتتبعه خطوات أخرى كثيرة، لا تنتهي إلا بعودة البعث الفاشي، ولكل غايته الخاصة: فغاية بارزاني هي استقلال الإقليم مع الاحتفاظ بحصته في حكم العراق و17% من ثروته، أما قادة الكيانات السياسية السنية فغايتهم رفض أي شيعي يتبوأ منصب رئاسة الحكومة، وقد قالها مستشار النجيفي بصراحة: ان "الحكم للسنة و هم من حكموا العراق طيلة القرون الماضية ولا نسمح للشيعة باختيار رئيس الوزراء". وإذا ما وافقوا على شيعي آخر فهم يأملون أن يكون ضعيفاً يستجيب لإملاءاتهم، ولن يصمد في المنصب أكثر من ستة أشهر. ولهذا يريدون التخلص من المالكي لأنه أثبت أنه قوي وملتزم بالدستور.

والغريب، أن بعض المثقفين، ومنهم أكاديميون فقدوا توازنهم، فبعد أن خسروا الانتخابات، راحوا يشتمون الشعب صراحةً إلى حد أن وصفه أحدهم بالكلاب، واتهمه باللاوطنية. وآخر ما تفتقت به عبقرية هذا "العالم الجليل"، أن كتب مقالاً بعنوان: (ليلة سقوط الموصل!) أوعز فيه السقوط إلى مؤامرة من صنع الحكومة لـ "ثلاثة أسباب:
الأول: ان الحكومة وقتتها قبل عشرة ايام من انتهاء عمرها لتخلق ظرفا يفوضها بالاستمرار.
الثاني:عقوبة من الحكومة ضد اهل الموصل مستخدمة تكتيك محاربة الخصم بضده النوعي.
الثالث:بداية تنفيذ مخطط يتبناه فريق من ساسة الشيعة لإقامة دولة شيعية تمتد من سامراء الى البصرة. قد تكون هذه الاسباب الثلاثة مترابطة"
انتهى.
إذا كان هذا الكلام اللامعقول والمضحك المبكي يصدر من أكاديمي، فماذا نقول عن أشباه المثقفين، أو المحرومين من نعمة الثقافة؟
وفي هذا الخصوص بعث لي السيد يوسف الشطري تعليقاً جاء فيه: "ان الموقف العراقي الحرج يتطور بسرعة مذهلة ... صعقتُ حين رأيتُ ردة فعل بعض العلمانيين واليساريين الذين خلطوا الاوراق ومسكوا ذيل الحقيقة. فتحليلات السادة تؤكد على ان عنترة مازال يعيش بيننا، فترى على سبيل المثال ان بعضهم شامتا بما حصل اليوم من سيطرة داعش على الموصل واعطاء هذا التنظيم الارهابي مظلة اعلامية وسياسية من خلال  كم من الشتائم والشماتة بالجيش العراقي الذي يقاتل الارهاب في انحاء كبيرة من العراق. وما رايته من بعض التعليقات "العلمانية" جردتهم من الموقف الوطني الواضح. ولو ناقشتهم لصبوا عليك شتى التهم وهذا ما افهمه، ولكن مالا استطيع فهمه هو ان بعضهم يقول ان "داعش منظمة ايرانية صفوية"، ونفس الاشخاص يعلقون على اعمال هذا التنظيم في الانبار او سوريا ويسموهم بالثوار المنقذين من المد الصفوي، وحين اسألهم عن (طالبان باكستان)، يقولون هذه صناعة أمريكية، وحين أسالهم عن (تنظيم القدس في مصر) يقولون هذا بسبب السيسي، وحين اسألهم عن (بوكو حرام)، يقولون هذا التنظيم صناعة اسرائيلية...الخ".

خلاصة القول
أن ما يحصل في العراق هذه الأيام من تصعيد للأزمة بسبب احتلال داعش للموصل وغيرها من بعض المناطق السنية، واحتلال البيشمركة لكركوك، هو نتاج مخطط رهيب ذو أبعاد وغايات خطيرة، تهدد بصوملة العراق، وراءها السعودية وقطر وتركيا، سخروا لتنفيذه قادة سياسيين مثل بارزاني، وقادة الكيانات السياسية الشيعية والسنية، نكاية بالمالكي بتنفيذ تهديدهم أنه إذا ما فاز المالكي في الانتخابات ولولاية ثالثة، فإن العراق مقبل على التقسيم، ضاربين الديمقراطية ونتائج الانتخابات عرض الحائط. هذا الموقف هو لا وطني ولا ديمقراطي. وقد تم توظيف البعث الداعشي لتنفيذ هذا المخطط كما اختير البعث لتنفيذ إنقلاب شباط 1963 وذلك لشدة قسوته وشراسته في القتل. فحكام هذه الدول ليسوا حريصين على مصلحة السنة، أو الأكراد، ولا على العراق. ومن المؤسف أن زج السيد بارزاني نفسه مع هؤلاء، فحقوق الشعب الكردي العادلة لن تتحقق بالماكيافيلية والتعاون مع الشيطان، ويجب عدم تلويثها بمخططات هذه الحكومات الرجعية الحاقدة على العراق لأسباب طائفية واقتصادية وسياسية، فستكون نتائجها وخيمة ليس على العراق فحسب، بل وعلى جميع مكونات الشعب العراقي وشعوب المنطقة، وحتى على المنفذين لهذا المخطط التآمري القذر، إذ كما قال ماركس: "يصنع الناس تاريخهم بأنفسهم، ولكن النتائج تأتي على غير ما يرغبون".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مصدر: جميع قادة الالوية والافواج وقادة الاستخبارات في الموصل هم اكراد وأول الفارين امام داعش
http://www.almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=31832

2- تركيا تتفاوض لإطلاق سراح رهائنها بالعراق وتدعو مواطنيها هناك الى المغادرة
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170281.html

3- صوت كردستان: عزت الدوري ينتقل الى الموصل ... داعش أخبرت المواطنين الكورد أنهم لا يستهدفونهم.. و خطة تنفيذ أزاحة الشيعة من السلطة في العراق كانت بأشراف تركي
http://www.sotkurdistan.net/index.php?option=com_k2&view=item&id=38923:%D8%B9%D8%B2%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A
 
4- نائبة عن القانون: الأحداث الأمنية الأخيرة أسقطت الأقنعة عن أقطاب سياسية باعت كركوك والموصل
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170286.html

5- مسلحو (داعش) يسمون محافظاً في عهد صدام حاكماً لصلاح الدين - المدى
http://www.almadapress.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=32471

6- عبدالخالق حسين: تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=656

55
تسليم الموصل لداعش بالتواطؤ
د.عبدالخالق حسين

بدءً أود التوضيح والتوكيد، أن ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ما هو إلا جيش الحرس الجمهوري الذي أسسه حزب البعث بعد اغتصابه السلطة عام 1968. وقد حافظ صدام حسين على قوة هذا الجيش، فلم يزجه في حروبه العبثية، و جهزه بأرقى الأسلحة والتكنولوجية، والتدريب، والولاء الأيديولوجي، والانضباط العسكري، وكانت مهمة هذا الجيش حماية السلطة البعثية من الشعب.

والجدير بالذكر أنه منذ سقوط حكم البعث وإلى الآن لم يقم البعثيون بأية عملية إرهابية باسم حزبهم، بل ارتكبوا جميع أعمالهم الإرهابية ضد المواطنين بأسماء تنظيمات إسلامية وهمية مثل: جند الإسلام، وجيش محمد، وجيش النقشبندية، وأخيراً استقروا على اسم (داعش). يعتقد البعض في الإعلام الغربي أن داعش هي فرع من القاعدة، وهذا خطأ، فداعش ليست فرعاً من القاعدة بل في تحالف مع القاعدة.

فحزب البعث يمتاز بالقدرة الفائقة على التلون والتقلب في سياساته، وعقد تحالفات مع جهات تختلف كلياً مع أيديولوجيته و حسب متطلبات الوقت والمرحلة. لقد تحالف في السبعينات مع الشيوعيين، وفي السنوات الأخيرة من حكمه، أعلن صدام الحملة الإيمانية، وبعد سقوط حكمه تحالفت فلوله مع القاعدة الوهابية. فالبعث ليس حزباً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه، بل هو عصابة مافيوية سرية هيمنت على السلطة بطرق غير مشروعة، مثل التآمر والانقلابات العسكرية، وبدعم من الاستخبارات الأجنبية في ظروف دولية معقدة كالحرب الباردة. لذلك سميت سلطة البعث بـ(دولة المنظمة السرية).

والبعث لم ولن يتردد في توظيف أخس الوسائل خبثاً ولؤماً من أجل الحفاظ على سلطته إذا كان في السلطة، أو استرجاعها إذا كان قد طرد منها كما هو الآن. فهو يدعي العلمانية ولكنه راح يعزف على الوتر الطائفي لإشعال الفتنة الطائفية ودغدغة مشاعر أهل السنة لكسب عطفهم واستغلاهم من أجل العودة للاستيلاء ثالثة على السلطة.
وبهذه الطرق نجح البعث في كسب شريحة واسعة من السياسيين السنة، خاصة وأن معظم هؤلاء كانوا، وبعضهم مازالوا، أعضاء في عصابة البعث. وقد استفاد هؤلاء من مشروع المصالحة، وحكومة الشراكة الوطنية، فشاركوا في السلطة من أجل تدميرها من الداخل. وأفضل مثال هو كتلة العراقية بقيادة أياد علاوي (البعثي السابق)، الكتلة التي ضمت كيانات سياسية سنية يقودهم علاوي (الشيعي) للتغطية بأن هذه الكتلة علمانية وضد الطائفية.

دور الأخوَين النجيفي في تسليم الموصل إلى داعش
بترأس السيد أسامة النجيفي تكتل سياسي باسم (متحدون) ضمن كتلة العراقية (سابقاً)، وأخوه السيد أثيل النجيفي، محافظ نينوى (الموصل). وبات معروفاً لدى القاصي والداني كيف استغل السيد أسامة النجيفي منصبه كرئيس للبرلمان، في تعطيل إصدار القوانين، ومنها قانون الموازنة لحد الآن، بغية شل عمل الحكومة. كما و رفض تنفيذ قرارات السلطة القضائية في رفع الحصانة البرلمانية عن 17 نائباً متهمين بتهمة الإرهاب والفساد. كذلك نعرف دور نواب كتلته (متحدون) وعددهم 22 نائباً، في الدفاع عن (داعش) وجرائهما في محافظة الرمادي، حيث أعلنوا استقالتهم الجماعية من المجلس احتجاجاً على إرسال الحكومة القوات المسلحة لحماية السكان العزل في الفلوجة والرمادي من إرهاب داعش والقاعدة. كما وطالب الشقيقان ونواب كتلتهما (متحدون) رئيس الوزراء السيد المالكي بسحب القوات المسلحة من الموصل والرمادي والفلوجة، وذلك لتسهيل دخول الداعشيين إلى هذه المدن بسلام آمنين. ولحد وقت قريب كان كل قادة الكيانات السياسية في كتلة (العراقية)، ينفون أصلاً وجود تنظيم إرهابي باسم (داعش)، وينكرون حتى وجود الإرهاب في محافظات المنطقة الشمالية الغربية، بل أدعوا أن ما يجري في هذه المناطق هو انتفاضة شعبية يقوم بها أهل السنة ضد ظلم وتهميش المالكي لهم. ويا للمفارقة، أن هذه الاسطوانة المشروخة رددها حتى قياديون في حزب السيد عمار الحكيم مثل الدكتور أحمد الجلبي الذي يحلم بمنصب رئاسة الحكومة.
وبعد أن طالب شقيقه (أثيل) بإخراج الجيش من الموصل وتسليمه مفاتيح المدينة إلى داعش، طالب أسامة النجيفي بإجراء تحقيق في ازمة نينوى ومحاسبة القيادات العسكرية التي اهملت واجبها !! وفي هذه المرة راح يطالب بتدخل الجيش لإنقاذ الموصل من الإرهابيين بدلاً من الاعتراض على "زج" الجيش في الحفاظ على الأمن.
 
كما وبات دور الطائفية في هذه الأزمة واضحاً إذ صرح المدعو [(ناجح الميزان) الذي يعتبر نفسه شيخا قبليا، وسياسيا معارضا، ومستشاراً لأسامة النجيفي، قائلاً: ان "الحكم لنا نحن السنّة وليس للشيعة، ولن نسكت حتى يعود الحكم لنا" واعتبر أن "الحكم للسنة و هم من حكموا العراق طيلة القرون الماضية ولا نسمح للشيعة باختيار رئيس الوزراء"، ما يعني رفضه للعملية الديمقراطية ونتائج الانتخابات.](1)

وهذا الكلام الصريح الخطير بدون لف أو دوران، يفضح جميع الإدعاءات بأن معارضة السياسيين في المناطق الغربية للمالكي هي لأنه يهمش السنة ويظلمهم، بينما الحقيقة هم الذين يرفضون أن يكون للشيعة أو أي مكون آخر من غير العرب السنة، دور في المشاركة الحقيقية في السلطة واختيار رئيس الوزراء.
ومن مجريات الأمور بات واضحاً، أن معظم الحكومات المحلية في المحافظات العربية السنية هي متعاطفة مع فلول البعث (داعش) ورافضة للديمقراطية وصناديق الاقتراع وبدوافع طائفية وأيديولوجية البعث.
وبناءً على ما تقدم، نستنتج أن ما حصل في الموصل يوم الإثنين 9/6/2014 من احتلال داعش للمدينة بشكل كامل كان تتويجاً لتآمر وتخطيط متقن شاركت فيه جهات عديدة، منها حكومات أجنبية (تركيا والسعودية وقطر)، انتهت بتسليم محافظ نينوى مفاتيح المدينة إلى داعش بما فيها من مطار وطائرات وأسلحة وأموال لا تقدر، ونحو 500 مليار دينار في بنك المدينة، كلها أصبحت تحت تصرف داعش. أما الإدعاء بأن أثيل هرب مع حمايته، فهذا مجرد للتغطية ومسرحية بائسة. فلو كانت الحكومة المحلية برئاسة أثيل النجيفي حقاً ضد الإرهاب لما ألح بسحب القوات المسلحة من المدينة.
كذلك، وبعد خراب البصرة، وفوات الأوان، وللتغطية أيضاً، عقد أسامة النجيفي مؤتمراً صحفياً يوم أمس (10/6/ 2014) أعترف فيه لأول مرة بوجود منظمة إرهابية باسم داعش، وطالب الحكومة بإرسال القوات المسلحة لإنقاذ الموصل وبعد أن سلمها أخوه إلى داعش.

والسؤال الملح هنا، وبعد كل هذه الكوارث، هل سينتبه السياسيون العراقيون إلى الحاجة الماسة لنبذ خلافاتهم الشخصية جانباً، وتوحيد جهودهم وصفوفهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من العراق الجريح؟ ألا تؤكد كارثة الموصل والكوارث الأخرى أن كل الشعب العراقي، وبمختلف مكوناته هم في سفينة واحدة، إن غرقت غرقوا جميعاً، وإن نجت نجوا جميعاً؟
فهل من مجيب؟ أم أنهم "صم بكم عميٌ فهم لا يفقهون"؟
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
مستشار أسامة النجيفي يدعو الى ازاحة "الشيعة" عن حكم العراق
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170031.html

القدو: الأقليات تتعرض لمذبحة جماعية ونناشد الحكومة لتسليحنا
http://alakhbaar.org/home/2014/6/170100.html

مصدر مطلع لـ/الأنصار/: النجيفيان سلما "داعش" مفاتيح الموصل
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=22389

مصدر: جميع قادة الالوية والافواج وقادة الاستخبارات في الموصل هم اكراد وأول الفارين امام داعش
http://www.almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=31832
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحق
بعد تعميم المقال وصلني التعليق التالي من السيد يوسف الشطري، ونظراً لأهميته أنشره  كملحق، شاكراً له موافقته على نشر تعليقه مع ذكر اسمه الكريم.

السيد عبد الخالق المحترم
تحية طيبة
اكتب لك رسالتي, ذلك ان الموقف العراقي الحرج يتطور بسرعة مذهلة وأنا اشاهد الاخبار واتابع صفحات التواصل الاجتماعي وصعقت حين رأيت ردة فعل بعض العلمانيين واليساريين الذين خلطوا الاوراق ومسكوا ذيل الحقيقة. فتحليلات السادة المذكورين تؤكد على ان عنترة مازال يعيش بيننا، فترى على سبيل المثال ان بعضهم شامتا بما حصل اليوم من سيطرة داعش على الموصل وإعطاء هذا التنظيم الارهابي مظلة اعلامية وسياسية من خلال  كم من الشتائم والشماتة بالجيش العراقي الذي يقاتل الارهاب في انحاء كبيرة من العراق. وما رايته من بعض التعليقات (العلمانية) جردتهم من الموقف الوطني الواضح. ولو ناقشتهم لصبوا عليك شتى التهم وهذا ما افهمه، ولكن مالا استطيع فهمه هو ان بعضهم يقول ان داعش منظمة ايرانية صفوية ونفس الاشخاص يعلقون على اعمال هذا التنظيم في الانبار او سوريا ويسموهم بالثوار المخلصين من المد الصفوي , وحين اسالهم عن قاعدة باكستان، يقولوا هذه صناعة امريكية، وحين اسالهم عن تنظيم القدس في مصر يقولون هذا بسبب السيسي، وحين اسالهم عن بوكو حرام يقولون هذا التنظيم صناعة اسرائيلية .

ونفس الاشخاص يطالبون الحكومة بسحب الجيش ثم يتباكون بسبب "خذلان الجيش لهم" وحتى السيد اثيل النجيفي كان قد صرح قبل ايام ودعا الى سحب الجيش من الموصل والانبار، ثم البارحة يدعو الجيش الى الصمود ! بوجه الارهاب . يسمونه جيشا صفويا ثم يقولون خذلنا وانه غير مهني وغير شجاع "مو مثل جيش كبل!!" ستون سنة عجاف دون نهضة ودون حرية والسبب اسرائيل فهل نحن مقبلون على مثلها بسبب المد الصفوي ؟؟ لعن الله عنترة العبسي
عفوا استاذي المحترم ولكني في حيرة من امري فعنترة ما زال حيا
مع الاعتزاز والتقدير

يوسف الشطري

56
مع تعليقات القراء على مقال: هل حقاً المالكي أسوأ من صدام؟

د.عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الأخير الموسوم (هل حقاً المالكي أسوأ من صدام)(1)، تفضل عدد من القراء الأفاضل بالتعليق عليه في مواقع الانترنت (نحو 26 تعليقاً في موقع شبابيك و20 في عراق القانون لحد كتابة هذا المقال)، إضافة إلى العديد من الرسائل استلمتها بالبريد الإلكتروني، معظمها مؤيدة، إلا القليل جداً منها معارضة. واللافت للنظر أن أغلب الرسائل التي استلمتها من القراء الكرد مؤيدة للمقال، وهذا دليل على تذمر قطاع واسع من الشعب الكردي من سياسات السيد مسعود الذي راح يقامر، ليس بمصلحة الشعب الكردي المغلوب على أمره فحسب، بل ويعرض مصلحة كل الشعب العراقي إلى خطر جسيم. ولذلك اخترت رسالتين من كاتبين معروفين يؤيدان مضمون المقال تجنبت ذكر اسميهما حفاظاً على سلامتهما لأنهما يقيمان في كردستان، وتعليق ثالث ضد المقال وبتشنج واضح، أذكر اسمه لأنه نشر في موقع شبابيك.

كتب السيد (ج.م.):
((... شكرا لمقالتكم القيمة والتي تعبر عن خوالج الغالبية العظمى للشعب الكردي. ان مغامرات الحزب الديمقراطي تنذر بالخطر وربما سيكون الحزب الديمقراطي بنفسه الضحية الاولى.. وان غدا لناظره قريب. لدي ملاحظتان ربما يمكنك الاستفادة منهما لمقالتكم القيمة.
الملاحظة الأولى: ففي هذا المقطع تذكر ما يلي: [ "بينما حكومة الإقليم تصدر النفط وتستحوذ على ريع الصادرات النفطية، إضافة إلى واردات المداخل الحدودية (نقطة إبراهيم الخليل وغيرها... )"
يمكن اضافة التالي ان وجدتموه مفيدا: "من المفترض ان تكون لحكومة الإقليم عشرات المليارات الدولارات، فلماذا لا تدفع رواتب أبناء الإقليم من رصيدها الهائل؟ بل لابد من السؤال عن مصير ريع الصادرات النفطية، فصندوق النفط المشار اليه في دستور الاقليم خالي من النقود، وبنوك كردستان هي الاخرى خالية بحيث اضطرت حكومة الاقليم الى الاستجداء من الشركات الاهلية لدفع جزء من رواتب الموظفين، اذن أين طارت واردات النفط؟ وفي اي بنك عالمي استقرت؟ وفي حساب من اودعت ؟؟

والملاحظة الثانية، هي  في هذه الجملة من مقالتكم: "...بينما بارزاني يريد نفط كردستان لكردستان ونفط العراق للجميع"، من الممكن القول: بينما بارزاني يريد نفط العراق للجميع و نفط كردستان لكردستان. وليته كان لشعب كردستان، فهذه الاحزاب الكردية تتساءل: اين ذهبت عائدات النفط؟
تقبل تحياتيٍ], أنتهى التعليق.

جزيل الشكر للسيد (ج.م) على تعليقه الصائب، وتحليله الموضوعي. نعم، وكما بينتُ في مقالي المذكور أنه ليس هناك قطع رواتب أصلاً، وإنما رُفعت هذه اللافتة للإبتزاز والدعاية والتشهير ضد المالكي. فقد أشرتُ إلى رابط تقرير أدرجته في هامش المقال السابق وأعيده في المقال الحالي أيضاً، جاء فيه " في الوقت الذي أكدتْ فيه وزارة النفط العراقية أن الاتفاق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان العراق كان ينص على تسليم الأخير 400 ألف برميل يوميا من النفط لشركة تسويق النفط العراقية، أكد خبراء أن حكومة الإقليم استولت على 6 مليار دولار أمريكي من عائدات النفط العراقي الذي يستخرج من كردستان فقط خلال هذا العام، و21 مليار دولار أمريكي خلال عامين ونصف)) (2).

لذلك، فالإدعاء بقطع رواتب الإقليم ما هو إلا لغرض الدعاية والتشهير إذ "نقل بيان لمكتب رئيس الوزراء في مقابلة تلفزيونية حول تصدير النفط من إقليم كردستان وما ترتب عليه من آثار، اكد فيها بأن "العملية فيها انتهاك للسيادة والدستور، ولا يمكن قبولها بأي حال من الاحوال، ولا يوجد شيء اسمه قطع رواتب الاقليم ولكن هذه لافتة ترفع للتعبئة والتحريض". (3)

الرسالة الثانية جاءت من صديق كردي نرمز له (ج.ب.) جاء فيها:
((أنا لست من أتباع المالكي؛ ولكن، هذا الاتهام ووصفه بأنه اسوأ من صدام أمر شائن. وأود أن أضيف إلى مقالك أنه حينما كان صدام تحت الحصار الدولي [بعد غزوه للكويت]، تعرضتْ كردستان للحصار المزدوج، إذ توقف صدام عن تزويد البترول والديزل الى كردستان. وجميع الأكراد يتذكرون محنتهم في ذلك الشتاء القارس بلا وقود، مما اضطر الناس إلى قطع الأشجار لاستخدامها كوقود للتدفئة والطبخ..الخ، لدرجة أنهم أصيبوا بالهلع مما تسببه قطع الأشجار من دمار للبيئة  في دهوك وأربيل والسليمانية خلال أيام صدام. كان هذا آخر هدية من صدام للكورد بالإضافة إلى الأنفال وحلبجة. يبدو أن السيد احسان هماوندي نسي قطع الأشجار يوما، وربما لأنه كان يسكن في منزل دافئ مجهز بالتدفئة المركزية.)) أنتهى.
وبالتأكيد أتفق مع الصديق في تعليقه القيم، وجريمة قطع الوقود عن كردستان نتذكرها جميعاً.

 أما التعليق الثالث الذي اخترته لهذا المقال فهو من القارئ (ازاد هماوندي) في موقع شبابيك، فيه الكثير من التحامل والتشنج، قال: ((يتحدث هذا الكاتب الغشيم وكانهم احسنوا الى الكورد (على اساس انهم ليسوا مواطنين!!!!) اقول لك ولمن يدور في فلك القومجية والطائفجية امثالكم بان الكورد باقون وشوكة بعيون كل من تسول له نفسه النيل من الشعب الكوردي البطل …..الكورد باق الى نهاية الزمان والظالمون والشوفينيون امثال هذا الكاتب (...) في مزابل التاريخ ….انظر كم مات وقبر من الروؤءساء العراقيين ولكن الشعب الكوردي باق وشامخ رايته …..وبعون الله سننتصر ونعلن دولتنا لنغيض به العرب الكفار الكاولية والشروكية والمعدان ….. نفط الكورد للكورد ... الخ)) انتهى

يلاحظ القراء مدى التشنج والتوتر في هذا التعليق، فالشوفيني الكردي لا يختلف كثيراً عن نظيره الشوفيني العربي، لا بد وأن يلجأ إلى العبارات النابية في الطعن بالشعوب كقوله: "العرب الكفار الكاولية والشروكية والمعدان"، فهذه اللغة البذيئة تخدم البعثيين الشوفينيين وغيرهم من أعداء العرب والكرد  لإثارة البغضاء بين مكونات الشعب العب الواحد وفق مبدأ (فرق تسد). ولا أدري لماذا أساء المعلق فهمي رغم وضوح المقال، إذ اعتبر الأخ آزاد نقدي للسيد بارزاني تهجماً على الشعب الكردي، معاذ الله، فبارزاني فرد وليس الشعب الكردي، وأي نقد له ليس تهجماً على الشعب الكردي. فالأفراد زائلون والشعوب باقية.
قال حكيم: "ليس من الفاشية أن تحب قوميتك وتعتز بها، ولكن من الفاشية أن تعادي الآخرين لأنهم ليسوا من قوميتك". لذا فالمطلوب منا أن نتعلم أسلوب الحوار الهادئ، وتجنب الإساءة والكلمات النابية، إذ على صاحب القضية أن يطرح قضيته بأسلوب منطقي مقنع ليكسب المتلقي. فالشتم مردوده معكوس على الشاتم ويضر يقضيته. والسيد بارزاني إنسان غير معصوم من الخطأ، وأخطاء القائد السياسي خطيرة جداً، وهناك كتاب كرد انتقدوا السيد بارزاني ووصفوه بأنه يقامر بالقضية الكردية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أنقل أدناه فقرة مما كتبه الكاتب الكردي القدير، الأستاذ جمال فاروق الجاف في مقال له جاء فيه: 
((اما الشارع الكردي فقد بات يتحذر من مقامرة حكومة الاقليم بمكتسبات الشعب الكردي اعتمادا على وعود حكومة تركيا التي ما زالت  تخجل من تلفظ اسم كردستان! فهذا وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي "طانر يلدز" قائلا  قبل ايام لوكالة اناضول: (إيرادات النفط العراقي والتي تم إيداعها في بنك "خلق" التركي، سيتم توزيعها بشكل عادل.. وهو ما أكدت عليه "حكومة شمال العراق" ). نعم حكومة شمال العراق يا سادة !! وليست حكومة اقليم كردستان، فهل وصلت الرسالة؟))(4)
هذا رأي كاتب كردي عقلاني معتدل، حريص على مصلحة شعبه، وليس من الذين "يدورون في فلك القومجية والطائفجية".

المشكلة أن السيد بارزاني أنضم إلى محور الثلاثي (السعودية- قطر- تركيا) ضد المالكي، لأنه يعتقد خطأً أنه لا يمكن تأسيس الدولة الكردية المستقلة إلا بتدمير الدولة العراقية، متذرعاً بجرائم البعث وصدام حسين، وكأن الشعب العراقي هو المسؤول عن هذه الجرائم، بينما الشعب العراقي، بجميع مكوناته هو ضحية أسوة بالشعب الكردي. ولذلك يريد بارزاني رئيساً ضعيفاً للحكومة المركزية في بغداد، يذعن له بما يشاء، ويعارض تسليح الجيش العراقي. فهل حقاً يعتقد أن هذه الحكومات (السعودية- قطر- تركيا)، حريصة على مصلحة الشعب الكردي؟ أم هي تكتيكات آنية ومرحلية لاستخدام بارزاني آلة لإفشال العملية السياسية في عراق ما بعد صدام، ولأغراض شرحناها مراراً، وهي: طائفية وسياسية واقتصادية؟. فمصلحة الشعب الكردي من مصلحة الشعب العراقي ككل. وقوة العراق لكل مكونات شعبه وليس لمكون واحد، لذا فأي ضرر يلحق بالعراق لا بد وأن يصيب الشعب الكردي. 
أكتفي بهذا القدر وأترك الحكم للقراء الكرام وللتاريخ، مع الشكر الجزيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين: هل حقاً المالكي أسوأ من صدام؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=654

2- بارزاني أستولى على 21 مليار دولار من النفط العراقي خلال عامين ونصف
http://www.almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=31084
3- المالكي: تصدير الاقليم للنفط انتهاك للسيادة وقطع رواتب موظفيه لافتة للتحريض والتعبئة
http://alakhbaar.org/home/2014/6/169586.html

4- جمال فاروق الجاف: مخاطر تصديرالنفط الكردي من خلال بوابة تحتفظ تركيا بمفتاحها الوحيد
http://alakhbaar.org/home/2014/6/169607.html



57
هل حقاً المالكي أسوأ من صدام؟
د.عبدالخالق حسين

لجرائمه الكثيرة بحق الإنسانية، صار اسم صدام حسين شتيمة بذيئة بالنسبة لمعظم العراقيين، وبجميع انتماءاتهم الأثنية والدينية والمذهبية، باستثناء المستفيدين منه. لذلك، فإذا ما أراد أحدهم شتم حاكم يعارضه قارنه بصدام حسين، كأن يقول أنه أسوأ من صدام، أو يشبه صدام. هذه الشتيمة مقبولة إذا صدرت من إنسان بسيط في حديث عابر مع صديق أو عدو، للمبالغة في التعبير عن مشاعره ازاء شخص يكرهه. ولكن أن يصدر من سياسيين وإعلاميين في وسائل الإعلام فمردوده معكوس على الشاتم ودليل الجهل والحقد الأعمى.
لا نريد هنا التطرق إلى تاريخ صدام وكيف تسلط على رقاب العراقيين، وما جلبه من دمار على العراق وشعبه، مقارنة بطريقة المالكي في تسنمه لرئاسة الحكومة، فقد بات هذا معروفاً لدى القاصي والداني إلا من في قلبه مرض. فقد كان صدام الحاكم المطلق لا يرد له أمر، ومن يحاول أن يبدي أقل اعتراض عليه، أو نقد بسيط له ولو بالهمس مع أفراد عائلته، كان مصيره الإعدام بأبشع الوسائل.

فمن يطالع مقالات بعض الكتاب والصحفيين، أو تصريحات بعض السياسيين المعارضين لرئيس الوزراء السيد نوري المالكي في وسائل الإعلام، لا بد وأن يقرأ جملة مثل "المالكي أسوأ من صدام حسين" تتكرر باستمرار. هذا ما يكرره على الدوام كتاب صحيفة (المدى لصاحبها فحري كريم) ووسائل إعلامية أخرى.
كما وأفادت الأنباء عن ((ناشط سياسي كردي يدعى احسان هماوندي، قد قال في لقاء بُث على قناة السومرية الفضائية انه رغم كل سياسات رئيس النظام السابق صدام حسين السابقة، إلا أنه أفضل بكثير من رئيس الحكومة نوري المالكي، لكونه لم يتعمد قطع رواتب أبناء إقليم كردستان.))(1).
في هذا التصريح لم يقل أن المالكي أسوأ، ولكن النتيجة واحدة، فبما أن صدام السيئ أفضل من المالكي، فهذا يعني أن المالكي أسوأ من صدام.
و رغم أن النائبة، الدكتورة حنان الفتلاوي ردت على هذا الناشط السياسي الكردي بما فيه الكفاية(1)، إلا إني أود تناول الموضوع من جوانب أخرى، وهي: هل حقاً أن المالكي سيئ إلى هذا الحد بحيث أنه أسوأ من صدام؟ وما هي الدوافع وراء هذه المبالغة في معاداة المالكي، واستخدام أبشع العبارات البذيئة بحقه، وخاصة من قِبل أتباع السيد مسعود بارزاني، وأيتام صدام حسين، و كتاب عراقيون يكتبون في الصحف السعودية الوهابية المعادية لعراق ما بعد صدام؟ فلو كان المالكي أسوأ من صدام أو حتى مثله، هل كان بالإمكان وجود صحافة في العراق تنتقده وتشتمه بهذه البشاعة دون أن يذاب منتقدوه في أحواض التيزاب؟

هذه الظاهرة هي عراقية بامتياز، والمطلوب من علماء النفس والاجتماع دراستها ومعالجتها. ولكن المشكلة والأنكى، أن البعض ممن يدعون أنهم علماء النفس، هم أيضاً ركبوا الموجة وراحوا يعرضون ما تحقق للعراق من ديمقراطية وحرية التعبير إلى الخطر وفي وسائل الإعلام ذاتها مثل المدى وغيرها.
وعلى سبيل المثال، نشرتُ قبل سنوات مقالاً بعنوان (التظاهرات كعلاج نفسي)(2)، طالبت فيه السلطة بتشجيع التظاهرات الاحتجاجية، وحتى فتح ساحات في المدن العراقية على غرار ساحة الـ(هايد بارك) في لندن، لأنها وسيلة من وسائل التعبير من جهة، و حق من حقوق المواطنين للمطالبة بحقوقهم المشروعة، والتنفيس عما يعتلج في نفوسهم من إنفعالات، لذلك فالتظاهرات و الاضرابات، عبارة عن صمامات أمان لتفريغ شحنات الغضب لدى المواطنين. وفي حالة منع الناس من ممارسة هذه الوسيلة المشروعة، فإن الغضب يتراكم ويؤدي إلى احتقانات، وبالتالي إلى عقد نفسية وما يرافقها من دماء وعواقب وخيمة. لذلك لوحظ أن العقد النفسية الناتجة عن الحرمان والضغوط هي أكثر في الشعوب المحكومة بالأنظمة المستبدة منها في الأنظمة الديمقراطية.
فرد عليّ كاتب في صحيفة المدى، يحمل شهادة في علم النفس، فسر كلامي هذا عن قصد سيئ، بأني أعتبر الذين يتظاهرون ضد الحكومة مصابين بعقد نفسية ومجانين!!. ولذلك فالمتظاهرين في الدول الغربية هم مجانين!!. وبهذه الوسيلة استخدم صاحبنا "علمه" في ليّ عنق الحقيقة للتضليل. علماً بأن الكاتب كان من الذين يرتدون الزيتوني في العهد البائد، ونال شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة بغداد في بحث عنوانه: (القيم الخالدة في أحاديث القائد صدام حسين). ولا أدري ما هي المعارف العلمية التي كسبها هذا "العالم الجليل" من هذيانات صدام حسين، حتى يحتج عليّ، وأنا على الأقل من خلفية طبية، ولي اهتمام بالغ بالثقافة العامة، وبالأخص في علم النفس، والاجتماع، والتاريخ، والعلوم السياسية وغيرها. فهؤلاء السادة لا يكتفون باستخدام ثقافتهم للتضليل وتشويه الحقائق فحسب، بل ويريدون منعنا من ممارسة حقنا في التعبير عما اكتسبناه من خلال التثقيف الذاتي وتجاربنا الحياتية، ولخدمة الخير، ونشر القيم الإنسانية وليس القيم الصدامية.

لذلك أعتقد جازماً، أن المبالغة في شتم الحكومة، وخاصة عندما يأمن الشاتم العقاب، هو للتعويض ونتاج العقد النفسية المتراكمة لعشرات السنين من القمع والإخصاء في عهود الاستبداد. إذ كما ذكرتُ في مقالي المشار إليه أعلاه، "لقد أرغم صدام أصحاب الشوارب المفتولة من شيوخ العشائر على الحضور أمامه يقدمون له الولاء وهم صاغرون و يرددين الأهازيج والهوسات التي تمجد الجلاد مثل "صدام اسمك هز أمريكا"، و"بالروح بالدم نفديك يا صدام". وإذا ما قامت مجموعة من العراقيين بتظاهرة احتجاجية ضد الحكومة فمصيرهم ومصير أقاربهم إلى الدرجة السابعة الفناء والإبادة والإذلال والمقابر الجماعية.
"أما الجانب العسكري، فقد أهانهم صدام بمنح نفسه رتبة المهيب الركن (فيلد مارشال)، وهو لم يخدم يوماً واحداً في الجيش. وللتمادي في إذلال الضباط وإهانتهم، منح مرافقه العسكري رتبة فريق، يقدم له الكرسي في الاجتماعات ويقف خلفه كالصنم، في إشارة لها مغزى أنه استطاع أن يخضع الجيش العراقي لإرادته ويذله."
ونتيجة لهذه السياسة المهينة لكرامة الإنسان، نعرف ما يشعر به المواطن العراقي من إذلال وإخصاء على يد حكم البعث. يريد هؤلاء في العهد الديمقراطي أن يستعيدوا كرامتهم ورجولتهم ليثبتوا بأنهم ليسوا مخصيين وأنهم شجعان، وهاهم يتحدون رئيس الحكومة، لا لأنهم يأمنون العقاب بسبب الديمقراطية وحرية التعبير، وإنما لشجاعتهم. لذلك فهم يؤكدون على الدوام أن الوضع في العراق ليس ديمقراطياً بل دكتاتورياً، وأن المالكي أسوأ من صدام، ومع ذلك فهم يتحدونه ويشتمونه !!!

فهل حقاً المالكي دكتاتور وطاغية أسوأ من صدام؟
نعود إلى قول الناشط السياسي الكردي احسان هماوندي، أن صدام حسين لم يتعمد قطع رواتب أبناء إقليم كردستان، بينما المالكي قطعها.
نعم، صدام لم يقطع الأرزاق، بل كان يقطع الأعناق عن طريق الأنفال والغازات السامة والمقابر الجماعية.
نعم، صدم لم يقطع الرواتب، بل كان يسرق قيمة العملة العراقية حتى جعل القوة الشرائية لراتب الأستاذ الجامعي لا تزيد عن قيمة دولارين أو ثلاث دولارات شهرياً مما اضطر إلى بيع ممتلكاته، والعمل في الليل سائق تاكسي ليدبر بالكاد معيشة عائلته.
وإذا ما جئنا إلى " قطع رواتب أبناء إقليم كردستان" فمن المسؤول الحقيقي عن قطع الرواتب إن كان هناك حقاً قطع الرواتب؟ أليست الكتلة النيابية الكردستانية في البرلمان المركزي، التي وقفت مع كتل أخرى معادية للحكومة، فلم يحضروا جلسة البرلمان الخاصة لمناقشة قانون الموازنة لكي لا يحصل النصاب، نكاية بالمالكي؟ وهؤلاء بالطبع لم يحضروا إلا بأوامر من رئيس الإقليم السيد مسعود بارزاني. لذلك، وبالمحصلة النهائية فالمسؤول عن قطع الرواتب هو السيد بارزاني الذي لم يجرأ أي سياسي أو صحفي أو كاتب كردي في كردستان انتقاده، لأنه يعرف أن مصيره الاختطاف، والموت تعذيباً، تماماً كما كان يفعل صدام حسين بمعارضيه، بينما يسهل انتقاد رئيس الوزراء العراقي، وحتى شتمه و الصراخ في وجهه في لقاءات وندوات سياسية بدون أي خوف من التعذيب والملاحقة أو الاغتيال. وإذا ما كان هناك اغتيالات لبعض الصحفيين والكتاب في العراق فالجناة معروفون، وهم ألد أعداء المالكي وحكومته، وهم من يقوم بتفخيخ السيارات والتفجيرات في الأسواق المزدحمة.
وهنا نود أن نشير إلى ما حصل لأستاذ التاريخ في جامعة السليمانية، (الدكتور عبدالمصور سليمان بارزاني) الذي وجه مجرد نقد خفيف لرئيس الإقليم فتم اختطافه وتعذيبه ونجى بأعجوبة. نورد التفاصيل في الرابط في في ذيل المقال(3)     
لنتصور أن صحفيين من أمثال عدنان حسين وبقية جوقة فخري كريم، وغيرهم من الذين يشتمون المالكي ليل نهار وهم مقيمون في بغداد، لو أنهم وجهوا انتقاداتهم وتهجماتهم ضد رئيس الإقليم بدلاُ من المالكي، وهم مقيمون في كردستان بدلاً من بغداد، فماذا كان مصيرهم؟ أما كان مصيرهم الاغتيال كما حصل للعديد من الصحفيين الكرد الذين تجرأوا فانتقدوا حكومة الاقليم فتم اغتيالهم وبدم بارد ؟
فقطع الرواتب إن حصل، لم يشمل كردستان فقط، بل كل العراق، وهم من أكثر المتضررين بسب وقف المشاريع العمرانية، بينما حكومة الإقليم تصدر النفط وتستحوذ على ريع الصادرات النفطية، إضافة واردات المداخل الحدودية (نقطة إبراهيم الخليل وغيرها). فحكومة الإقليم لها رصيد بعشرات المليارات الدولارات، فلماذا لا تدفع رواتب أبناء الإقليم من رصيدها الهائل؟ أليس ذلك ذريعة لتصعيد الصراع مع الحكومة الفيدرالية نكاية بالمالكي؟(4)

لماذا عداء السيد مسعود مع المالكي؟
السبب هو ليس لأن المالكي دكتاتور أسوأ من صدام كما يدعي السيد بارزاني والكتبة الذين يمولهم، بل لأن المالكي ملتزم بالدستور، ويطالب الإقليم بتسليم الواردات النفطية إلى خزينة الدولة الفيدرالية، بينما بارزاني يريد نفط كردستان لكردستان ونفط العراق للجميع. ولذلك يريد أن يكون في بغداد رئيس وزراء ضعيف ينفذ أوامر رئيس الإقليم، ويستطيع رئيس الإقليم إقالته وتعيين غيره متى شاء كما فعل مع الدكتور إبراهيم الجعفري من قبل. و ليتباهى السيد بارزاني بأن حكومة الإقليم أقوى من حكومة المركز!
في الحقيقة إن الأقرب شبهاً بصدام حسين، ولا نقول أسوأ منه، هو رئيس الإقليم وليس غيره. فمعظم مواصفات صدام تنطبق عليه، فقد صار له أكثر من 23 سنة وهو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس حكومة الإقليم منذ أن فرضت الحماية الدولية لكردستان عام 1991 وإلى الآن. كذلك هيمنة عائلته على الحزب وحكومة الإقليم، إذ بعث لي صديق كردي من السليمانية وهو من الانتلجنسيا الكردية، تعليقاً على مقالي السابق جاء فيه: " أشكركم على المقال، أن مسعود ومنذ أن أصبح رئيسا للحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس حكومة الإقليم، أحكم قبضته على كردستان. تصور أن الكورد يسمونه، وابنه مسرور، وصهره بـ(المثلث) الذي يسيطر على كل مفاصل الحياة في كردستان. لم تعرف كردستان طوال تاريخها تفشي الفساد بهذا القدر الذي تراه اليوم، فالقوانين تطبق على الضعفاء فقط، وحسناً فعلتم في ذكر علاقات السيد بارزاني بتركيا والسعودية وقطر".
هذه شهادة من مثقف كردي. لذلك فاتهام المالكي بأنه أسوأ من صدام ينطبق على السيد بارزاني نفسه وحسب المثل: "رمتني بدائها وانسلت" 

للمرة العاشرة نقول، لقد وفر التاريخ للعراق فرصتين ذهبيتين لإخراجه من التخلف ولينعم شعبه بالاستقرار والازدهار لو أحسن قادته السياسيون التصرف العقلاني، الأولى في 14 تموز 1958، فتحالف قادة الكرد مع أعداء الشعب العراقي في الداخل والخارج، واغتالوا الثورة وقيادتها الوطنية، وأغرقوا البلاد والعباد في ظلام دامس وأنهار من الدماء، نال الشعب الكردي حصة الأسد من جرائم حكم البعث.
وبعد خمسين سنة من الدمار وفر التاريخ فرصة أخرى لصالح الشعب العراقي، وما تحقق للشعب الكردي من إنجازات بعد عام 2003 لم يعرفها من قبل، ولكن مرة أخرى يحاول البعض من قادة الكرد الاصطفاف مع أعداء الشعب العراقي في إضاعة هذه الفرصة أيضاً. لذلك نناشد السيد مسعود بارزاني وأتباعه أن لا يفرطوا بهذه الفرصة التاريخية، فما يتمتع به الأكراد ضمن الفيدرالية العراقية أكثر بكثير مما لو كانوا في دولة مستقلة. ففي الفيدرالية يتصرفون كدولة مستقلة، إضافة إلى حصتهم في حكم العراق وثرواته. فهذه الفرصة الذهبية لن تتكرر إلا مرة كل خمسين سنة إن لم يكن كل ألف سنة.
ــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1- الفتلاوي: تمجيد ناشط كردي لصدام نسيان للمجازر وتجاوز لمشاعر ضحايا العرب والاكراد
http://alakhbaar.org/home/2014/5/169308.html

2- عبدالخالق حسين: التظاهرات كعلاج نفسي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=464

3- تفاصيل إختطاف الدكتور "عبدالمصور سليمان برزاني على يد قوات "البارزاني" في أربيل؟
http://www.nakhelnews.com/pages/news.php?nid=14712

4- بارزاني أستولى على 21 مليار دولار من النفط العراقي خلال عامين ونصف
http://www.almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=31084

5- حمزة الجواهري : سياسة الاقليم النفطية وحتمية تقسيم العراق
http://alakhbaar.org/home/2014/6/169479.html


58
حول الشراكة الحقيقية من منظور السيد بارزاني

د.عبدالخالق حسين

لم يخطر على بالي يوماً أن أكون ناقداً أو معارضاً للسيد مسعود بارزاني، رئيس الاقليم الكردستاني، إلا إنه وللأسف الشديد هو الذي تبنى سياسة تعريض العراق الديمقراطي، وما تحقق للشعب الكردستاني من مكاسب عظيمة، إلى الخطر تماماً كما عملت قيادة الحركة الكردستانية بقيادة والده بعد ثورة تموز، خاصة وهو (السيد مسعود) انتقد موقف هذه الحركة وتمنى لو لم تكن قد انفجرت الثورة الكردية في عهد الزعيم قاسم. مشكلتي هي أني لا استطيع السكوت عن أي شيء أره خطئاً، خاصة إذا كان هذا الخطأ يهدد أمن وسلامة الشعب، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، و"صديقك من صدقك لا من صدّقك". والنقد البناء الهادف هو أساس التقدم. فالكرد اليوم، وكغيرهم من مكونات الشعب العراقي، هم شركاء حقيقيون في هذا الوطن، يتمتعون بكافة حقوق المواطنة دون أي تمييز. والعراق تكالبت عليه جهات عديدة لإجهاض الديمقراطية وما تحقق لشعبه من مكتسبات عظيمة في جميع المجالات، ووضعه مازال هشاً لا يتحمل المزيد من الصراعات والمناكفات، فعلى الجميع دعم العملية السياسية والعمل على تكاملها لا هدمها.

الملاحظ، أن الجملة المكررة في معظم تصريحات السيد مسعود بارزاني ومساعديه، ومؤيديه هي "إما شراكة حقيقيىة أو الانفصال"، ودائماً يستشهدون بالدستور. ونحن مع هذا التوجه، ولكنه في نفس الوقت يطالب بإمتيازات لا تتوفر إلا بالكونفيردرالية، وهو فعلاً قد بدأ يطالب بالكونفدرالية بدلاً من الفيديرالية التي أكد عليها الدستور وتم استفاء الشعب العراقي عليه بما فيه الشعب الكردستاني. على أية حال، وكمواطن عراقي عربي، أرى من حق الشعب الكردي، وكغيره من الشعوب، أن يتمتع بحق تقرير المصير، وإذا أراد الانفصال والاستقلال لتحقيق حلمه في تأسيس دولته القومية، ولكن ليكن بالوسائل السلمية الديمقراطية الحضارية. فالشعب العراقي عانى أكثر مما يتحمل من الحروب العبثية والسياسات الطائشة للحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وإلى سقوط الفاشية عام 2003.
كما اكد النائب عن التحالف الكردستاني محمد خليل، الثلاثاء (27/5/2014)، "أن جميع الخيارات أمام الكُرد مفتوحة بما فيها انفصال الإقليم عن المركز في حال تولي رئيس الوزراء نوري المالكي ولاية ثالثة."(1). هذا التصريح الذي ينسجم مع تصريحات السيد رئيس الإقليم، يدل على رفض السيد برزاني وأنصاره لجوهر الديمقراطية وهو احترام خيارات أغلبية الناخبين.
بينما نائب آخر عن التحالف الكردستاني، شريف سليمان أكد، في (4 أيار 2014)، "أن الكرد لن يوافقوا على منح ولاية ثالثة للمالكي حتى لو تم إعطاؤهم موازنة الإقليم والموافقة على تصدير نفط كردستان الى الخارج "(نفس المصدر).
فماذا لو قال نائب من العرب، من تحالف سني أو شيعي، أنهم يختارون الانفصال عن كردستان لو بقي السيد مسعود بارزاني لولاية أخرى في رئاسة الإقليم؟ فهل هذه التصريحات تدل على الإيمان بالديمقراطية؟
الديمقراطية ترفض سياسة ليّ الأذرع، وترفض حق النقض (الفيتو) الذي طالب به أحد الأخوة من الكتاب الكرد، بما معناه أن في مجتمع متعدد الأقوام والديانات مثل الشعب العراقي، يجب تعديل الدستور بحيث يسمح للأقلية استخدام حق النقض ضد قرارات الأكثرية. هذا يعني تفريغ الديمقراطية من مضمونها الحقيقي، لأن الديمقراطية تعني حكم الأكثرية السياسية، مع حق الأقلية الدفاع عن حقوقها ضمن القوانين المرعية.


والملاحظ أيضاً، أنه كلما هبطت شعبية السيد مسعود بارزاني في الشارع الكردستاني، أو حصلت له مشكلة مع منافسيه في كردستان، اختلق أزمة مع "حكام بغداد"، على حد تعبيره الذي يطلقه على الحكومة المركزية الفيدرالية رغم أن الشعب الكردي يشارك فيها برئاسة الجمهورية، وخمسة وزراء، والمراكز القيادية الحساسة في الجيش، وجميع مفاصل الدولة العراقية. فالأزمات التي يختلقها السيد رئيس الإقليم بلا انقطاع ولكن خطها البياني في صعود وهبوط. وآخر تصعيد له هو قراره تصدير النفط عن طريق تركيا بدون موافقة "حكام بغداد".

يؤكد الدستور العراقي بوضوح وبدون أي تأويل، أن الثروات الطبيعية، ومنها النفطية في جميع أنحاء العراق بما فيها كردستان العراق، يتم استخراجها وإنتاجها وتصديرها من قبل الحكومة الاتحادية وحدها، لتقوم بدورها في توزيع ريعها على المحافظات وحسب النسب السكانية فيها وبعدالة. كذلك الدفاع عن البلاد، ونقاط الحدود والسيطرة على مداخل البلاد الدولية، والسياسة الخارجية، وتوقيع العقود مع الشركات والاتفاقيات مع الحكومات، من صلاحيات وواجبات الحكومة الاتحادية المركزية. ولكن الذي يجري الآن هو أن الاقليم يتمتع بجيشه الخاص به (بيشمركة)، لم يكن لرئيس الحكومة الاتحادية أية علاقة به، لأنه خاضع لأوامر رئيس الإقليم فقط، ومع ذلك يطالب الحكومة الاتحادية بدفع رواتب منتسبيه وتكاليف تسليحه. كذلك يريد السيد بارزاني أن يتصرف بالسياسة الخارجية ويسطر على مداخل البلاد في الإقليم، ويسمح لسكان أية دولة بدخول كردستان من دون تأشيرة دخول (فيزة) من السفارات العراقية في الخارج، في الوقت الذي لا يسمح فيه بدخول العراقيين إلى الاقليم إلا بتأشيرة دخول، وتعريضهم للإذلال في طوابير انتظار عند نقاط التفتيش الحدودية مع الإقليم، ومنع الكثير منهم من الدخول. كما ويحق للإقليم المشاركة في الحكومة المركزية ولا يحق للحكومة المركزية أن تبدي أي رأي فيما يخص الاقليم. هذه هي (الشراكة الحقيقية والفيدرالية) التي يفهمهما السيد البرزاني ومؤيدوه، والتي لا يوجد لهما مثيل في أي مكان في العالم إلا في العراق.
في الحقيقة هذا النوع من العلاقة لا يوجد في الانظمة الفيدرالية وإنما في الأنظمة الكونفيدرالية والتي هي اتحاد بين الدول، وليس بين أقاليم الدولة الواحدة. فما يطالب به السيد مسعود هو أن تكون كردستان دولة مستقلة، وكما قالت الدكتورة ناهدة التميمي (كردستان دولة مستقلة مصرفها على العراق).(2)

وآخر أزمة فجرها رئيس الإقليم، هو قراره بتصدير النفط بدون موافقة بغداد مما أثار حتى معارضة الإدارة الأمريكية التي دفعت الكثير من أجل تحرير العراق من الفاشية، فقد أثبتت أمريكا حرصها على نجاح العملية السياسية ووحدة العراق أرضاً وشعباً أكثر من بعض الكيانات السياسية. فقد صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، جين ساكي، "إن موقف واشنطن منذ وقت طويل، هو عدم تأييد تصدير النفط من إقليم كردستان من دون موافقة الحكومة العراقية الاتحادية...".(3)
هذا التصريح الأمريكي أثار غضب حكومة إقليم كردستان التي ردت بالقول على لسان الناطق باسمها، السيد فلاح مصطفى: ((إن الأكراد إما أن يكونوا "شركاء حقيقيين" ضمن العراق الفيدرالي الاتحادي، أو أنهم "سيقررون بأنفسهم" ما يتعلق بمصلحة الإقليم وشعبه.))، وأضاف: ((يتوجب على السلطات في بغداد أن تشعر بأن الكرد يجب أن يكونوا شريكاً حقيقيا ضمن إطار الدستور، وأن يُمنحوا حقوقهم، وإلا فإنه يجب قطع العلاقة بين بغداد وأربيل")).(نفس المصدر 3)

ولم يكتفِ السيد مصطفى بهذه المطالبات، بل راح يطالب الحكومة المركزية بتعويضات تقدر بمئات المليارات دولار عن جرائم حكم البعث الصدامي بحق الشعب الكردي إذ تساءل : "لماذا لا تجيبنا بغداد بخصوص تعويض المتضررين من القصف الكيمياوي لمدينة حلبجة، ولماذا لا تجيبنا بشأن تدمير نحو 4500 قرية في إقليم كردستان، ولماذا لا تجيبنا بشأن قتل ثمانية آلاف من البارزانيين وآلاف المؤنفلين في منطقة كرميان و12 ألف كردي فيلي، ولماذا لا يحترمون القوانين والأعراف الدولية، ويقدمون شكوى بشأن تصدير الإقليم للنفط".

إن من يقرأ هذه المطالبات يعتقد كأن النظام الصدامي الساقط قد اضطهد الشعب الكردي وحده دون غيره من مكونات الشعب العراقي وخاصة سكان محافظات الوسط والجنوب، حيث استخدم الغازات السامة ضد عرب الأهوار، وقتل خلال الانتفاضة الشعبانية نحو 300 ألف من الثوار، وبلغ عدد القتلى العراقيين نتيجة حروبه الداخلية والخارجية ومضاعفاتها نحو مليونين، ولحد الآن تم اكتشاف أكثر من 400 مقبرة جماعية، ودمر الحرث والنسل في الوسط والجنوب، وتشرد من العراق نحو 4 ملايين، فمن يعوض هؤلاء؟

نعتقد أن محاولات السيد مسعود البرزاني في اختلاق الأزمات الدائمة مع بغداد، وتفسيره للدستور حسب اجتهاداته كما يشتهي، ليست بمعزل عن أجندات السعودية وقطر وتركيا، إذ كما صرح السيد عادل مراد، القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني: أن"الاجندة السعودية والتركية تحاول إبعاد الكرد من العملية السياسية في بغداد، مشددا على عدم السماح لهذه المحاولات والعمل على المشاركة في الحكومة المقبلة ايا كان الفائز فيها لضمان الأمن والاستقرار في اقليم كردستان".(4)

فتصعيد الأزمة بين بغداد وأربيل من قبل السيد بارزاني لا يخدم العراق، وبالأخص الشعب الكردي، بل يصب في خدمة أعداء الجميع. وقد حذر العقلاء من الكرد مثل السيد عادل مراد (التصريح أعلاه)، والدكتور محمود عثمان حكومة الإقليم من مغبة الاندفاع ضد بغداد، والإعتماد على تركيا والسعودية في تحقيق بعض المكاسب الآنية الزائلة. إذ صرح الدكتور محمود عثمان قائلاً: "الإعتماد على تركيا لغرض تصدير النفط من كردستان أمرٌ خاطئ وغير مضمون بنظري، وهذا النفط هو نفط العراق والكل متفق على ذلك ولا بد من وضع اتفاق لتصديره، وأن سياسة تركيا ليست مع الأكراد وأنا لا أؤيد الاعتماد عليها".(5)

فحكومة تركيا الأردوغانية تتبع سياسة خبيثة في علاقاتها مع دول الجوار، فإذا أرادت تدمير دولة ما بدأت معها بتقوية علاقاتها معها أولاً، كما حصل مع سوريا حيث استغلتها في دعم الإرهاب ضد العراق. ثم انقلب أردوغان على بشار الأسد وراح يدعم الإرهاب ضد الشعب السوري. ويجب أن يعرف السيد بارزاني أنه ليس أذكى من أردوغان الذي يضطهد الشعب الكردي في تركيا، ويمنع عليهم حتى تسميتهم بالكرد إذ يسميهم (أتراك الجبال), فغرض أردوغان من علاقته مع بارزاني هو إضعاف الدولة العراقية الفيدرالية، وإذا ما نجح في تحقيق هذا الغرض اللئيم، وهو مستحيل، فسينقلب على البرزاني نفسه كما انقلب على بشار الأسد من قبل ويكون الخاسر الأكبر هو الشعب العراقي والكرد بشكل خاص.

ما العمل؟
نتمنى على السيد مسعود بارزاني أن لا يعيد غلطة والده عندما انضم إلى جوقة المتآمرين على ثورة 14 تموز، حيث وجلب المصائب على الشعب العراق وخاصة على الشعب الكردي. فاليوم توفرت للعراق فرصة ذهبية، على السيد مسعود وكل المسؤولين العراقيين عدم التفريط بها، وإلا فالتاريخ لا يرحم. أما شعار الانفصال الذي يستخدمه بارزاني، فهو شعار فارغ غير عملي هدفه الابتزاز فقط، فالبارزاني يريد نفط كردستان لكردستان ونغط البصرة للجميع، مع الاحتفاظ بـ 17% للإقليم من ثروات العراق(علماً بأن استحقاق الإقليم هو 13% حسب نسبته السكانية).
كما وأهيب بالحكومة الاتحادية المركزية أن لا تذعن لسياسة الابتزاز، فإما نظام فيدرالي حقيقي كما أقره الدستور وليس بمفهوم بارزاني، أو الانفصال بالمعروف وبالطرق السلمية الحضارية الديمقراطية. والسيد بارزاني يعرف جيداً نتائج انفصاله عن العراق في هذه الظروف المحلية والدولية.
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- نائب كُردستاني: الانفصال وجميع الخيارات مفتوحة في حال تولى المالكي ولاية ثالثة
http://alakhbaar.org/home/2014/5/169170.html

2- د. ناهدة التميمي - كردستان دولة مستقلة مصرفها على العراق
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=265929

3- إقليم كردستان في بيان غاضب: على واشنطن الحياد أو الصمت، أن الأكراد إما أن يكونوا "شركاء حقيقيين" ضمن العراق الاتحادي، أو أنهم "سيقررون بأنفسهم" ما يتعلق بمصلحتهم
http://alakhbaar.org/home/2014/5/169034.html

4- -عادل مراد : الأجندة "السعودية" و "التركية" وراء ابتعاد الكرد عن العملية السياسية في بغداد
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168801.html
 
5- قيادي كردي ينتقد بشدة اعتماد الاقليم على تركيا بتصدير النفط العراقي
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168989.html





59
دلالات نتائج الانتخابات الأخيرة
د.عبدالخالق حسين

في لقاء تلفزيوني مع قناة الحرة- عراق مساء يوم 25/4/2014 حول الانتخابات العراقية، آخر جملة قلتها أن الانتخابات القادمة ستأتي بمفاجئات سارة لمن يريد الخير للعراق والديمقراطية. لم يكن توقعي ذاك من باب تفاءلوا بالخير تجدوه فحسب، فإني متفائل بالطبع، ولا التنجيم أو رجماً بالغيب معاذ الله، وإنما نتيجة المتابعة المتواصلة والقراءة الصحيحة للواقع، ومعرفة حس الشارع العراقي. وموقفي هذا هو على الضد من موقف سجناء كهوف الأيديولوجيات المظلمة التي عفا عليها الزمن، الذين يصورون الواقع كما يشتهون ويتمنون، ويتبعون أبشع الوسائل في الحط من قدر خصومهم السياسيين بإتباع أساليب (البلطجة والقرجية) بلا حياء. وأخيراً قال الشعب كلمته.

ومن دلالات نتائج الانتخابات ما يلي:
أولاً، أن الناخب العراقي تعلم قواعد اللعبة الديمقراطية ولم يتأثر بضجيج الاعلام المضاد، إذ تجاهل شريحة واسعة من الكتاب الذين استخدموا اسلوب القذف والتشهير، فأثبت الشعب أن هؤلاء الكتبة بعيدون عن الواقع ولم يصغ لهم أحد. ولا أغالي إذا قلت أن ما تعرض إليه رئيس الوزراء العراقي، السيد نوري المالكي من حملة إعلامية ظالمة من التهجم والافتراءات والتلفيقات لم يتعرض لها أحد إلا الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم. وهاهو الشعب يكافئه بالتصويت إليه أكثر مما حصل عليه في انتخابات عام 2010 من ناحية عدد أصوات الناخبين و المقاعد البرلمانية من 89 إلى 95. بينما خصومه في تنازل. وكذلك النائبة الشجاعة، الدكتورة حنان الفتلاوي التي تعرضت للهجوم الشرس من قبل الطارئين على الكتابة من بلطجة القلم، والذين لم يتركوا عبارة نابية إلا ونعتوها بها، وهاهو الشعب يكافئها برقم قياسي من الأصوات في محافظة بابل بمنحها 90781 صوتاً أي ثلاثة أضعاف القاسم الانتخابي. وهذا اعتراف عظيم من الشعب العراقي بمكانة المرأة العراقية، وصفعة ماحقة في وجوه بلطجة القلم.

ثانياً، أثبتت هذه النتائج أن هناك شريحة من الكتاب يعيشون في حالة انفصام تام عن الشعب العراقي، فإذا ما جاءت النتائج مغايرة لتوقعاتهم وخيالاتهم راح قسم منهم يتهم المفوضية بالتزوير، و آخرون فقدوا توازنهم  فلم يتوانوا عن شتم الشعب العراقي ووصفه بالكلاب والتخلف و باللاوطنية. عجبي!

ثالثاً، الملاحظ أنه ليس الشعب في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية، صوت لصالح كتلة المالكي وعاقب الكتل المناوئة له، بل وحتى في المحافظات العربية السنية حيث عاقب الناخبون الكتل المتشددة وصوتت للمعتدلين الذين يريدون التعايش السلمي والتخلص من الصراعات الطائفية والقضاء على داعش والقاعدة وفروعها. فهاهي كتلة (الوطنية) برئاسة أياد علاوي (العراقية سابقاً) هبط رصيدها من 91 مقعداً عام 2010 إلى 21 فقط في الانتخابات الأخيرة.

رابعاً، نتائج الانتخابات في كردستان
كشفت نتائج الانتخابات أن هناك توجه عام في كل العراق، وبين جميع مكونات الشعب العراقي، نمو التأييد لحكومة السيد نوري المالكي، ليس في المحافظات العربية (الشيعية والسنية) فحسب، بل وحتى في الاقليم الكردستاني.. وفي هذا الخصوص نود أن نناقش مقالاً للسيد أمين يونس، بعنوان (نظرة على نتائج إنتخابات 30/4/2014)(1) جاء فيه: أن "الحزب الديمقراطي الكردستاني خسرَ حوالي 14% من قوتهِ التي كان يمتلكها في 2010 حيث كان له 29 مقعدا، واليوم 25 مقعدا فقط. بينما الإتحاد الوطني الكردستاني، زادَ بنسبة 50% ، فعنده الآن 21 مقعدا، وفي 2010 كان عنده 14 مقعدا فقط." انتهى.
ونقولها بألم، فبدلاً من أن يوعز السيد الكاتب هذا التغيير إلى رغبة الشعب الكردي وبإرادته الحرة إلى مكافأة حزب الإتحاد الوطني الكردستاني على دوره الوطني في التقريب بين الإقليم وبغداد، وعاقب حزب البرزاني الذي ما انفك يفتعل الأزمات مع "حكام بغداد" كما يسمي الحكومة الفيدرالية، نقول وبدلاً من تفسير هذا التغيير إلى إرادة الشعب الكردستاني الحرة، راح هو الآخر يردد نغمة الطائفيين ومرتزقة السعودية في تأويل كل شيء يحصل في العراق إلى إيران والجنرال قاسم سليماني. وفي هذا الخصوص يذكر كل سيئات الدنيا وحتى سيئات حزب برزاني ليلصقها بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ويسأل: "فلماذا حصلَ الإتحاد ، رغم كل ما ورد أعلاه، على أصوات كثيرة الى درجةٍ فاجأتْ حتى أكثر المُراقبين قُرباً للإتحاد؟ الجواب في إعتقادي، يكمن في [[الدَور الإيراني ]] !".

وبعد هذا "الاكتشاف العظيم" يضيف الكاتب قائلاً: "فالكثير مّنا، كان يعتقدُ متوهماً، ان " قاسم سليماني" أو وكلاءهُ ، كانوا يأتون الى محافظات الإقليم للسياحة والإستجمام، بينما كانوا يأتونَ للعَمَل!. فعدا زياراتهم العلنية القليلة، فأنهم كانوا مُتواجدين بصورةٍ شُبه دائمة، طيلة السنتَين الماضيتَين. وهُم كما يبدو، وبدهائهم المعروف وأساليبهم المتنوعة، استطاعوا التأثير على مُجريات الإنتخابات. وأوقفوا تدهور الإتحاد الوطني". (كذا)
وبهذا الاستنتاج، فقد توصل السيد الكاتب إلى لحظة ذروة الشعور بفرحة الاكتشاف ليصرخ كما صرخ أرخميدس وجدتها وجدتها(Eureka, Eureka)!!!.
لا أعرف كيف استطاع قاسم سليماني أن يسحر الناخبين من الشعب الكردستاني الذين صوتوا لحزب الاتحاد، بل وكل الذين صوتوا من مكونات الشعب العراقي لصالح المالكي؟ أليس هذا إهانة لذكاء الناخب العراقي، عرباً وكرداً ومن كل المكونات، وإظهاره وكأنه بلا إرادة ولا وعي، وأنه ألعوبة بيد شخص جعلوا منه بطلاً أسطورياً، ذا إمكانيات خارقة يدعى الجنرال قاسم سليماني؟

ولم يتردد كاتبنا من تحذير الشعب الكردستاني من أي تقارب يقوم به حزب الاتحاد الوطني الكردستاني من كتلة المالكي لتشكيل الحكومة فيقول: "والخِشية كُل الخشية، من يكون الإيرانيون، قد وضعوا خطةً بعيد المدى، من أجل جَر الإتحاد الوطني للتحالُف " مُنفرِداً " مع دولة القانون، أي المالكي. وبهذا سيمزقون وحدة الصَف الكُردي من جهة، ويُقوون جبهة المالكي ضد خصومه، من جهةٍ أخرى! (ومن الواضح ان هنالك بعض قياديي الإتحاد يميلون الى التنسيق مع المالكي منذ فترة طويلة). وإذا حدث هذا السيناريو اللعين، فليس من المُستبعَد، ان يسوء الوضع الأمني في داخل الأقليم نفسه، وإحتمال إندلاع معارك بين الأطراف الكردية ... مما سينسف الطموحات الكردية الى أجلٍ غير مُسَمى!" .

إذنْ، خطة التقارب الكردي العربي وخاصة التقارب من كتلة المالكي هي خطة لعينة، ستؤدي إلى معارك طاحنة بن الأطراف الكردية!!.
أود أن أشير هنا إلى مقال للسيد واثق العاني جاء فيه: " كما لم يلاحظ احد ان جميع النواب الاكراد الذين واصلوا لسنوات هجومهم على المالكي وحكومته من امثال الاتروشي وطه شوان واربعة غيرهم لم ينتخبهم احد وخصوصا في دهوك. وأنا من الناس المتفائلين رغم حجم التهويلات للخلاص من المالكي بان الوضع بعد هذه الانتخابات اوضح ان كل النواب الذين تركوا مهامهم الحقيقية وذهبوا للتهريج في شاشات التلفزيون قد اسقطهم الناخب بعدما كانوا يعتقدون ان ذلك سيجعلهم نواب دائميين" (2).
وأنا إذ أسأل السيد أمين يونس: هل الجنرال قاسم سليماني هو الذي أوعز للناخبين الكرد بأن لا ينتخبوا الاتروشي وطه شوان واربعة غيرهم؟
وكذلك هناك أسماء كبيرة معروفة من النواب العرب فشلوا في الفوز في الانتخابات الأخيرة مثل عبد الحسين عبطان، مرشح الحكيم لرئاسة الوزراء، وعدد من مرشحي كتلة دولة القانون مثل: خالد العطية،  وليد الحلي، علي الشلاه، حسن السنيد ، كمال الساعدي، حيدر العبادي، مريم الريس، عبدالكريم العنزي، شاكر الدراجي، سامي العسكري، وكذلك حسن العلوي من جماعة الصدر، وأسماء أخرى كثيرة، فهل فشل هؤلاء بتأثير قاسم سليماني؟؟ 
تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق، فإن صدق فلا عقل له".

الحقيقة التي لم يشر إليها السيد أمين يونس وأمثاله من الكتاب الذين صارت عندهم عقدة نفسية مستعصية من المالكي، أن الشعب الكردي، كغيره من مكونات الشعب العراقي، قد ملَّ من الحروب والصراعات الأثنية والطائفية وتهديدهم بالحروب الأهلية، وافتعال الأزمات مع "حكام بغداد" من قبل السيد بارزاني كلما هبطت شعبيته في الشارع الكردستاني، فكغيره من شعوب العالم، يحلم الشعب الكردستاني بالتعايش السلمي والازدهار الاقتصادي في بلاده مع بقية مكونات الشعب العراقي، خاصة وأن ما حققه الشعب الكردي في العراق الديمقراطي الفيدرالي، لم يعشه طوال تاريخه من قبل. ولا أعرف لماذا يريد هؤلاء الأخوة الكتاب أن يفرطوا بكل هذه المكتسبات وتحميل الحكومة الفيدرالية والمالكي جرائم الحكومات العراقية المعاقبة وخاصة فترة المجرم صدام حسين.

وفي هذا الخصوص قال القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني السيد عادل مراد في مؤتمر صحفي اليوم 21/5/2014، أن"الاجندة السعودية والتركية تحاول إبعاد الكرد من العملية السياسية في بغداد، مشددا على عدم السماح لهذه المحاولات والعمل على المشاركة في الحكومة المقبلة ايا كان الفائز فيها لضمان الأمن والاستقرار في اقليم كردستان".(3)

وأخيراً، أنصح هؤلاء السادة أن العراق بحاجة إلى دعم أبنائه وبالأخص دعم المثقفين منهم للعمل على التقارب والتلاحم الوطني بين جميع مكونات الشعب العراقي بدون استثناء، ودعم الديمقراطية. فالعراق فيه ثروات كثيرة بددها حكم البعث الصدامي على الحروب والدمار، وقد وفر له التاريخ الآن فرصة ذهبية لا تتكرر، يجب على العراقيين عدم الإفراط بها تحت تأثير السعودية وقطر وتركيا. فهذه الحكومات تريد الشر بالشعب العراقي ولا تريد له خيراً، لذا يجب أن نعمل جميعاً من أجل أن لا نسمح بتكرار مؤامرة 8 شباط 1963. وإلى متى يلدغ العراقيون من جحر عشرات المرات، ويعيدون نفس الأخطاء؟
ألا هل من مجيب؟ اللهم اشهد.
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1- أمين يونس: نظرة على نتائج إنتخابات 30/4/2014
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=415662

2- واثق العاني: اغلب النواب حبسوا عقولهم بمسلمات خاطئة للاجترار
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168787.html

3-عادل مراد : الأجندة "السعودية" و "التركية" وراء ابتعاد الكرد عن العملية السياسية في بغداد
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168801.html
 

 


60
هل ممكن تشكيل حكومة الأغلبية بجميع مكونات الشعب؟

د.عبدالخالق حسين

شيئاً فشيئاً، ورغم المصاعب والعراقيل، وتكالب أعدائها، تسير الديمقراطية العراقية بخطى ثابتة نحو النضج والتكامل ولو ببطء. ومن علامات هذا النضج هو نجاح الانتخابات الأخيرة، وإعادة اصطفاف القوى السياسية بصورة أفضل، ودعوة معظم السياسيين والإنتلجنسيا العراقية إلى تشكيل حكومة الأغلبيىة السياسية المنسجمة، بدلاً من حكومة الشراكة الوطنية المتناحرة التي أدت إلى شل الحكومة خلال السنوات الأربع الماضية. كما ووضعت الانتخابات الأخيرة العديد من الكتل والكيانات السياسية على المحك، فكشفت معدنها الحقيقي في التمييز بين أنصار الديمقراطية الحقيقيين، وبين أدعيائها المزيفين الذين أرادوا أن تكون لهم قدم في الحكومة وأخرى مع إرهاب فلول البعث (داعش)، وفرض إرادتهم بالقوة والإبتزاز.

فبعد إجراء الانتخابات البرلمانية يوم 30 نيسان/أبريل الماضي، توجهت أنظار العالم إلى العراق ثانية في انتظار النتائج وتشكيل الحكومة. وكالعادة، نتوقع أن تمر ولادة الحكومة الجديدة بمخاض عسير ومواجهة العقبات. والجدير بالذكر أن النتائج الأولية تشير إلى فوز كتلة دولة القانون برئاسة السيد نوري المالكي في بغداد العاصمة والمحافظات الوسطى والجنوبية. ففي بغداد صوَّت للمالكي نحو مليون ومائتي ألف صوت، أي ضعف العدد في الانتخابات السابقة عام 2010، بينما هبط رصيد خصمه اللدود أياد علاوي إلى 200 ألف أي إلى نصف ما حققه في الانتخابات السابقة. كما وتشير هذه النتائج إلى أن كتلة المالكي ستبرز كأكبر كتلة برلمانية يحق لها وفق الدستور تشكيل حكومة الأغلبية السياسية، رغم اعتراضات بعض الكتل التي مازالت تطالب بحكومة الشراكة التي اثبتت تجربة السنوات العشر الماضية فشلها. إن فوز كتلة المالكي لا يسر أعداء الديمقراطية في الداخل والخارج الذين يريدون تجاهل إرادة الأغلبية، وفرض إرادة الأقلية وتحت مختلف الحجج والذرائع، ومعهم بعض الصحف الخليجية الوهابية التي راحت تدق طبول الحرب الأهلية، وتقسيم العراق إذا ما تسنم المالكي رئاسة الوزراء للمرة الثالثة. وهذا بالطبع ضد أهم مبدأ من مبادئ الديمقراطية. والغريب أن الإعلام السعودي الوهابي يريد أن يعطي للعراقيين درساً بالديمقراطية!!! كذلك فوز المالكي قدم دليلاً مادياً قوياً أن شعبنا لم ولن يتأثر بضجيج وطنين وهذيانات الإعلام المضلل، والكتبة المرتزقة الذين سخروا أقلامهم ضد مصلحة شعبهم وباعوا أنفسهم للشيطان مقابل السحت الحرام من الحكومات النفطية.

فالذين يشعرون بعزلتهم وخسارتهم في الانتخابات الأخيرة، أو هبوط رصيدهم في عدد المقاعد البرلمانية، راحوا يلفقون الأكاذيب ويرعدون ويزبدون ويحذرون من تزوير نتائج الانتخابات. وعلى سبيل المثال، صرح الدكتور أحمد الجلبي، من كتلة المواطن (الحكيم): أن (قوات عسكرية وسوات اقتحمت مراكز الاقتراع وأخرجت المراقبين وصادرت الصناديق)(كذا). هذا الخبر رغم خطورته إلا إننا لم نسمعه إلا من الجلبي! ولله في خلقه شؤون.
أما السيد عمار الحكيم، رئيس المجلس الأعلى الإسلامي "فقد هدد المفوضية العليا للانتخابات بـ"رد حاسم" اذا كانت نتائج الانتخابات غير منطقية". ولا بد أنه يقصد بـ(غير منطقية) إذا كان عدد المقاعد التي حصل عليها تنظيمه دون توقعاته.
ولكن الأغرب من كل هذا هو تقرير نشرته المسلة جاء فيه: (ابتدع رئيس ائتلافِ "متحدون" اسامة النجيفي، ورئيس المجلس الاعلى الاسلامي عمار الحكيم، مفهوماً جديداً في المصطلحات السياسية العراقية، حين اشترطا "المقبولية" داخلياَ واقليمياَ ودولياَ لرئاسة الوزراء في العراق، ما يعني ضرب ارادة الناخب العراقي عرْض الحائط، والاذعان لإرادات الدول الاقليمية والتدخل الخارجي، وميول الكتل السياسية، في تحديد رئيس الحكومة العراقية المقبلة).
ونحن إذ نسأل: إذا كان من شروط تشكيل الحكومة العراقية هذه الخلطة العجيبة والغريبة من "المقبولية" فلماذا كل هذه الصرفيات الكبيرة على الانتخابات وتعريض 12 مليون ناخب عراقي لمخاطر الإرهابيين؟
أما الإعلام المضاد وعلى رأسه الإعلام السعودي، فراح يروج للحرب الأهلية إذا ما فاز المالكي. يعني طز بالانتخابات والديمقراطية! وبعد أن تأكد لديهم أن كتلة دولة القانون برئاسة المالكي ستكون الكتلة البرلمانية الأكبر مما يحق له دستورياً ولاية ثالثة في تشكيل الحكومة، راحوا يهددون الشعب العراقي بتقسيم العراق. وفي هذا الخصوص قامت صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية بإجراء مقابلة مع أربع شخصيات، ثلاث منها عراقية، وأكاديمي لبناني. والملاحظ أن اللبناني هو الوحيد الذي التزم بالمنطق، حيث منح الحق للمالكي في تشكيل الحكومة إذا ما نجح في اجتذاب كتل سياسية أخرى. فقد طرحت الصحيفة السؤال التالي: هل ثمة ما يمنع من التقسيم الفعلي وانفصال كردستان؟ فالجواب من السيد عدنان حسين، المحرر في صحيفة المدى لصاحبها فخري كريم، وكما هو متوقع منه قائلاً: "لا.. العوامل الخارجية مواتية.. وخصوصا إذا بقي المالكي".
والجدير بالذكر أن هؤلاء يعتبرون أنفسهم ديمقراطيين وعلمانيين حد النخاع، ولكنهم في نفس الوقت يرفضون ما تفرزه صناديق الاقتراع، وما تصوت عليه الأغلبية البرلمانية، لذلك راحوا يهددون بتقسيم العراق، وهذا ابتزاز فج ومدان، ودليل على عدائهم الصريح للديمقراطية وموقف الأغلبية. ولكن كما قال أحد الحكماء: "أحكم على الشخص بأفعاله وليس بأقواله". فسلوك هؤلاء لا يختلف عن سلوك البعثيين. وهذا يذكرنا بمقولة صدام حسين: (أكثر  العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا). فالبعث هو سلوك قبل أن يكون انتماء رسمي لحزب سقط في مزبلة التاريخ.

والمؤسف أن السيد مسعود بارزاني هو الآخر أنضم إلى الذين يفرضون شرط المشاركة في الحكومة المركزية بمنع المالكي من الولاية الثالثة، إذ نقل عنه قوله أن كتلته ستقاطع البرلمان المركزي، والحكومة المركزية إذا ما فاز المالكي وتم تكليفه بتشكيل الحكومة القادمة. وهذا موقف ضد الديمقراطية. والمعروف أن السيد بارزاني يسمي الحكومة المركزية برئاسة المالكي بـ(حكام بغداد)، وهذا الأسلوب في المخاطبة يستخدم عادة من قبل ناس معادين للحكومة، ولا يليق بشخصية قيادية كبيرة مثل السيد مسعود بارزاني في مخاطبة حكومة لحزبه مشاركة فعالة فيها.   

أود أن أذكر هؤلاء السادة الذين اعتمدوا أسلوب الابتزاز وتخويف الشعب من تقسيم العراق والحرب الأهلية، بدراسة نشرتها مؤسسة راند الأمريكية عام 1993، أي قبل 22 سنة، بعنوان: (العراق في العقد القادم: هل سيبقى العراق لغاية عام 2002 ؟) للباحث غراهام إي فولر، وهي دراسة مستفيضة ترجمت إلى العربية، ونالت في وقتها اهتمام السياسيين والمثقفين العراقيين، شكك الباحث في إمكانية بقاء العراق موحداً إلى عام 2002. واليوم نحن في عام 2014، والعراق رغم مشاكله الكثيرة، إلا إنه مازال موحداً، أرضاً وشعباً يتحدى مراهنات أعدائه. 
وفيما يخص انفصال كردستان، ورغم أني مع حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، وتشكيل دولته القومية، لأن الانفصال السلمي من مصلحة الطرفين، فهكذا زواج بائس غير مرغوب به، ورغم أن (الطلاق أبغض الحلال إلى الله) إلا إنه حلال في حالات صعوبة استمرار الزواج المصحوب بالمشاكل، وليكن الطلاق بالمعروف وتسريح بإحسان وبطريقة سلمية وأخوية. فالانفصال ليس سبة، بل في كثير من الأحيان فيه راحة وسعادة للجميع. فهناك العديد من الفيدراليات انفصلت بسلام، مثل انفصال السلوفاك عن الجيك. وهاهي سكوتلاندا تهيئ للاستفتاء الشعبي في شهر أيلول/سبتمبر القادم للإستقلال من المملكة المتحدة (بريطانيا العظمى). ولكن العقبة الكأداء التي تواجه الزعيم الكردي، السيد مسعود بارزاني، أنه سيكون من أكبر الخاسرين إذا ما انفصل في الظروف الدولية الحالية، وذلك لأن دول الجوار، إيران وتركيا، ستبتلعان جمهوريته أو إمارته، ناهيك عن احتمال اشتعال الاقتتال بين "الأخوة الأعداء" من مكونات الشعب الكردي كما حصل في عام 1996 يوم طلب كاكا مسعود من صدام حسين إرسال قواته العسكرية لطرد أنصار مام جلال وبقية المعارضة العراقية من أربيل، وقسمت كردستان إلى حكومتين، شرقية عاصمتها السليمانية، وغربية عاصمتها أربيل. وعليه نرى أن من مصلحة كاكا مسعود والشعب الكردي دعم الجمهورية العراقية الفيدرالية الديمقراطية وعدم الانجرار مع أعداء العراق (السعودية وقطر وتركيا)، وضياع الفرصة كما أضاع والده الملا مصطفى البرزاني عندما تحالف مع البعث الفاشي في اسقاط حكومة 14 تموز، ومن ثم دفع الشعب الكردي ثمناً باهظاً نتيجة لهذه الغلطة القاتلة، اعترف بها كاكا مسعود نفسه.

والآن نأتي للإجابة على السؤال الوارد في العنوان: هل ممكن تشكيل حكومة الأغلبية بجميع مكونات الشعب و دون مشاركة جميع الكيانات السياسية كما كانت حكومة الشراكة الوطنية؟؟
الجواب: نعم، ممكن وللأسباب التالية:
أولاً، صحيح أن معظم الأحزاب السياسية العراقية تشكلت وفق الانتماء القومي والجغرافي والمذهبي، إلا إن كل مكون هو الآخر منقسم على نفسه في كيانات سياسية عديدة متنافسة فيما بينها. فتمثيل المكون الواحد ليس محصوراً على حزب سياسي معين ليكون الممثل الشرعي الوحيد دون غيره لذلك المكون. وعلى سبيل المثال، ليس من حق المالكي، أو عمار الحكيم أو مقتدى الصدر، الادعاء بأنه الممثل الشرعي الوحيد لشيعة العراق. وبالمثل لا يحق للسيد مسعود بارزاني، أو جلال طالباني أو أنوشروان مصطفى الادعاء بأن حزبه هو الممثل الشرعي الوحيد للشعب الكردي، وإذا لم يشارك حزبه في الحكومة المركزية الفيدرالية فهذه الحكومة لا تمثل الشعب الكردي. ونفس الكلام ينطبق على قيادات الكيانات السياسية العربية السنية : (متحدون) بقيادة أسامة النجيفي، و(العربية) بقيادة صالح المطلق، و(الوطنية) بقيادة أياد علاوي...الخ.
لذلك فيمكن أن يعاد اصطفاف الكتل البرلمانية في تحالفين كبيرين أو أكثر، كل تحالف يضم نواب من كيانات سياسية من جميع مكونات الشعب العراقي، عرباً وكرداً، سنة وشيعة وتركماناً ومسيحيين... وغيرهم. والتحالف الأكبر هو الذي يُكلف بتشكيل الحكومة الإئتلافية. وفي هذه الحالة فالحكومة المركزية تمثل جميع مكونات الشعب دون عزل أو إقصاء أي مكون.
يؤكد هذا الطرح ما أفادت به الأنباء عن تحركات واسعة ولقاءات متواصلة بين قيادات الكيانات والكتل السياسية لتشكيل هذه التحالفات. وعلى سبيل المثال جاء في الأنباء أن (دولة القانون، والمواطن، والاتحاد الكردستاني، والعربية، يسعون لتشكيل حكومة برئاسة المالكي). وهذا لا يمنع من تشكيل تحالفات أخرى تضم كيانات سياسية أخرى، ليكلف رئيس الجمهورية الجديد التحالف الأكبر بتشكيل الحكومة، والتحالف الأصغر يجب أن يقبل بالقيام بدور المعارضة الديمقراطية تحت قبة البرلمان، وليس في ساحات الاعتصامات والتهديد بالحرب الأهلية، أو الابتزاز بتقسيم العراق.

هذا فيما يخص تحالف الكيانات السياسية لتشكيل الحكومة. أما حصة كل كيان مشارك في الحكومة الإئتلافية من الأغلبية السياسية فيتناسب مع نسبة المقاعد البرلمانية التي حصل عليها ذلك الكيان السياسي. و لاختيار الشخص المناسب في المكان المناسب في الحكومة من كل كيان، ندعو قادة الكيانات السياسية الاستفادة من تجاربهم السابقة، وتصحيح الأخطاء الماضية. وفي هذا الخصوص نقترح أن يكون هناك نوع من التعاون والتفاهم والانسجام بين رئيس الوزراء، وقادة الكيانات السياسية المشاركة. إذ من الأفضل أن يتم مسبقاً توزيع الحقائب الوزارية ونوعيتها، الخدمية أو السيادية ...الخ، وعلى قيادات الكيانات السياسية اختيار الأكفأ من بين أعضائها، ويفضل أن يكون هذا السياسي المرشح لوزارة ما من التكنوقراط يعرف متطلبات الوزارة التي سيكلف بتسنم مسؤوليتها، وتقديم خلاصة سيرة ذاتية (C.V.) عن المرشح لهذه الحقيبة الوزارية أو تلك إلى رئيس الوزراء. ومن حق رئيس الوزراء أن يتمتع بفسحة من الحرية في اختيار الأفضل، وإقالة الوزير الفاشل، وأن ينذرهم في أول اجتماع، بأن الحكومة الجديدة تحت الاختبار والمراقبة من الشعب والإعلام والبرلمان ومنظمات المجتمع المدني، ليس لمائة يوم، بل للسنوات الأربع من عمر الدورة البرلمانية. ويعمل مجلس الوزراء بانسجام كفريق عمل (Team work) أشبه بفريق كرة القدم، يمكن لرئيس الوزراء إقالة الوزير أو الوزيرة في حالة الفشل والعجز في أداء الواجب بما يرضي الشعب والمؤسسات الديمقراطية، وتبديله بالأكفأ.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
عبدالخالق حسين: لماذا حكومة الأغلبية السياسية؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=647

حميد الكفائي: الحياة - الانتخابات تمنح المالكي تفويضاً للبقاء في السلطة
http://alhayat.com/Opinion/Writers/2361992/%D8%A7%D9%84%D8%A7%
 
الحكيم يتوعد بـ"رد حاسم" اذا كانت نتائج الانتخابات غير منطقية
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168318.html

المالكي رفض شرطاً للمجلس الأعلى بمنح احمد الجلبي منصب نائب رئيس الوزراء
http://arusalahuar.com/archives/20362

علاوي يعلن فوزه بالانتخابات ويتهم المفوضية “بعدم الاستقلالية
http://arusalahuar.com/archives/20338

زعماء عراقيون يمهّدون لتدخل إقليمي في اختيار رئيس الحكومة العراقية
الحكيم والنجيفي اتفقا على ضرورةِ توَفـُر (المَقبولية) داخلياً واقليمياً ودولياً في المُرَشّح لرئاسة الوزراء
http://alakhbaar.org/home/2014/5/168426.html

القانون والمواطن والاتحاد الكردستاني والعربية يسعون لتشكيل حكومة برئاسة المالكي
http://www.al-ansaar.net/main/pages/news.php?nid=20635


61
محاولة لتفسير التخندق الطائفي في الانتخابات

د. عبدالخالق حسين

لا شك إن أخطر ما يهدد الشعب هو الاعلام المضلل، خاصة في زمن التقنية المعلوماتية المتطورة حيث يسهل على خبراء صنع الإشاعات تمرير إشاعاتهم بخلط الزيف مع الحقيقة كما يدس السم بالعسل، وإخراج الإشاعة وكأنها حقيقة لا شك فيها. وللأسف الشديد، ليس هناك إنسان محصن ضد تصديق الإشاعة والتشويش بشكل مطلق ومهما أوتي من معرفة وحذر. ففي كثير من الأحيان استلم إشاعات كيدية من شخصيات أكاديمية مرموقة تؤمن بصحتها، ولكن ما أن أقدم لهم أدلة تثبت بطلانها حتى ويغيروا آراءهم ويعربوا عن أسفهم لتعميمها. وعلى سبيل المثال، استلمتُ مرة إشاعة بعثها أستاذ أكاديمي محترم، مفادها أن 50% من سكان محافظة البصرة مصابون بالسرطان بسبب التلوث باليورانيوم نتيجة القصف الأمريكي!!.
فقلت للأستاذ، أن تعداد سكان البصرة في حدود مليونين نسمة، وهذا يعني أن هناك نحو مليون إصابة بالسرطان في هذه المحافظة، وإذا ما أخذنا تردي الخدمات الصحية في نظر الاعتبار، فبعد 5 سنوات سيموت نحو مليون نسمة وستظهر إصابات جديدة في نحو 50% في المليون الباقي من السكان، وهكذا فخلال 20 أو 30 سنة سينقرض أهل البصرة عن آخرهم. ولو كان التقرير المزعوم صحيحاً، لأثار اهتمام منظمة الصحة الدولية (WHO). وسألتُ: هل تتفق هذه الأرقام مع المنهج العلمي في البحوث العلمية؟
والجميل، أن الأستاذ أنتبه فوراً إلى هذه الملاحظة واعترف بأن هذا لا بد وأن يكون من صنع جهات مغرضة، وما أكثرها في زمننا هذا، زمن الخديعة. بينما تقارير أخرى تؤكد أن نسبة الإصابة بالسرطان في العراق لا تختلف عما في البلدان الأخرى، وما هذه الحملة إلا لأغراض سياسية كيدية. ولابد أن يتذكر القراء الكرام الفرية ألأخرى التي تم تعميمها على نطاق واسع، ونالت اهتمام الأكاديميين، مفادها، أن حكومة المالكي "الصفوية العميلة الفاسدة" تعاقدت مع الاتحاد الأوربي لجعل العراق مكباً للنفايات النووية الأوربية!!!. فإذا كان الأكاديمي يمكن استدراجه لتصديق الافتراءات والإشاعات حتى في القضايا العلمية، فكيف بالإشاعات السياسية التسقيطية مع الناس العاديين؟

لقد وفرت شبكة الانترنت المجال لأي كان أن ينشر ما يشاء من آراء، والمشاركة في الشؤون العامة. وهذا ما شجع بعض الأكاديميين ليدلوا بدلوهم، ليس لنشر ما يخص مجالهم الأكاديمي ولأغراض تقريب العلوم إلى فهم العامة، بل وللخوض في مجالات خارج اختصاصهم، مثل السياسة أو أي مجال آخر، وهو حق مشروع. فالسياسة هي مهنة من لا مهنة له، كما أفعل أنا وآلاف غيري من مختلف الاختصاصات، وهذا من حقنا، لأننا نعتبر السياسة جزء من الثقافة العامة تخص الجميع. كذلك نجد الكثير من الزعماء السياسيين من خلفيات مهنية مختلفة لا علاقة لها بالسياسة، مثلاً الزعيم السوفيتي الأسبق غورباتشوف كان مهندساً، وهناك نسبة عالية من الأطباء بين السياسيين العراقيين، مثل الدكاترة: أياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وموفق الربيعي، وحنان الفتلاوي، وغيرهم.

ما الفرق بين الأكاديمي والمثقف؟
يجيب على هذا السؤال الفيلسوف البريطاني A. C. Grayling بما معناه، أن الأكاديمي متفرغ للتدريس الجامعي، وباحث متخصص في مجال علمي معين مثل الفيزياء، أو الكيمياء، أو علم النفس، أو علم الاجتماع، أو هندسة الجينات الوراثية...الخ. ولذلك  فجمهوره محصور في مجال اختصاصه، مؤلف من تلامذته وزملائه وقرائه المهتمين بهذا الاختصاص، وينشر بحوثه في مجلات متخصصة معروفة بين الجماعات التي تشاركه في ذلك الاختصاص.
أما المثقف، فهو ما يطلق عليه في اللغات الأوربية بـ (Intellectual)، ومجاله أوسع وأرحب بكثير من مجال الأكاديمي، وهو يشبه الصحفي حيث يخوض في كل مجال، وينشر في الصحافة العامة، وجمهوره من مختلف الفئات والمجالات المعرفية والناس العاديين.
والأكاديمي هو مثقف بحكم ما اكتسب من معارف، ومن حقه أن يخوض في الشأن العام إذا شاء، كأن يتبنى أي موضوع خارج مجال اختصاصه، ويكتب وينشر عنه بلغة بسيطة سلسة ومفهومة لدى القارئ العام، متجنباً رطانة (Jargon) الاختصاصات العلمية التي لا يفهمها إلا أصحاب الاختصاص. ومن حقه أيضاً أن يعلن لقبه العلمي (الأستاذ، الدكتور...الخ).
ولعل أخطر ما يجابه الأكاديمي هو إذا أراد الخوض في السياسة. فالسياسة مجال رحب يتقبل أياً كان، ولكنه في نفس الوقت معقد ومتشابك لا يخلو من مشاكل واتهامات والرجم بالحجارة. والأكاديمي هنا يشبه رجل الدين في أن كليهما يتمتعان باحترام وتقدير المجتمع طالما بقيا ضمن مجاليهما، ولكن إذا ما اختارا الخوض في السياسة فعليهما تقبل النقد، ولا يحق لهما التمترس وراء حصانة الدين، أو الأكاديمية ضد من ينتقدهما في آرائهما السياسية. فكما لا يحق لرجل الدين إضفاء القداسة على آرائه السياسية، كذلك الأكاديمي، لا يحق له إضفاء الحصانة الأكاديمية العلمية على آرائه السياسية، واعتبارها علمية منزهة من الزلل و فوق النقد !.

مناسبة هذه المقدمة أني قرأت مقالاً للأكاديمي في علم النفس، الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح، عن الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة التي جرت يوم 30/4/2014، بعنوان: (الطائفية والعشائرية واللاأبالية..هي الفائزة!)، وعنوان ثانوي: (حقائق جديدة عن طبيعة الشخصية العراقية). والجدير بالذكر أن السيد الكاتب قد رشح نفسه ضمن (التحالف المدني الديمقراطي)، الذي ضم طيفاً عريضاً من المثقفين والأكاديميين وأصحاب الكفاءات، ومن مختلف الاتجهات السياسية، يجمعهم التمسك بالعلمانية والديمقراطية، وتبني الكفاءة، هدفهم، كما أعلنوا في حملتهم الانتخابية، إخراج العراق من مأزق المحاصصة الطائفية والعشائرية، والقضاء على الإرهاب والفساد والبطالة والفقر... وغيره من المشاكل السياسية والاجتماعية المتراكمة.
ويبدو أن الدكتور صالح متشائم من فوزه، لذلك استبق الاعلان الرسمي النهائي للنتائج الانتخابية معتمداً على النتائج الأولية، فكتب مقاله هذا ليبرر فشله في حالة عدم فوزه.
طبعاً من حق الكاتب أن يكتب ما يشاء ضمن ما يبيح له قانون الصحافة وحرية التعبير والنشر، ومن حقه أيضاً أن ينتقد الناخبين الذين صوتوا لقوائم الأحزاب الدينية والأثنية والعشائرية، ولكن في هذه الحالة يحق لنا أيضاً كقراء، أن ننتقده على تحليلاته وآرائه السياسية، ورغم أنه حاول جاهداً إضفاء صفة العلمية والأكاديمية على آرائه هذه، إلا إنها تبقى آراء سياسية وشخصية، وليست حقائق علمية مطلقة غير قابلة للنقد والنقاش.
الملاحظ أن موقف أ.د.قاسم حسين صالح من نتائج الانتخابات لا يختلف كثيراً عن موقف السياسي الداعية، مثل السيد طارق الهاشمي، إلا في أسلوب التعبير. فالكاتب لأكاديمي هنا يصف معظم الناخبين الذين لم يصوتوا لقائمته بالجهل والطائفية والعشائرية واللاأبالية، وحتى باللاوطنية، فيقول:
((وفيما كان المفروض ان تجري هذه الانتخابات تحت شعار (الوطن أولا) فإنها جرت تحت معادلة (ضد او مع المالكي)..وتفيد المؤشرات (التي ستثبتها النتائج الرسمية) أن الغالبية من جماهير الشيعة اختارت المالكي، والغالبية من جماهير السنّة اختارت من هو ضده، فيما الأقلية اختارت (الوطن!)... فعلى ماذا يدل هذا؟))
ويتوصل إلى الاستنتاجات التالية:   
((- ان الشعور بالانتماء للوطن قد مات عند نصف  العراقيين العرب!،
- ان الغالبية المطلقة في النصف الثاني من العراقيين العرب تتحكم بهم الطائفية والعشائرية،
- ان المتبقي الذي لا يتجاوز المليون عراقي عربي يتمتعون بالنضج السياسي والوعي الانتخابي.
- ان العراقيين في الخارج.. قد طلّقوا العراق!.)).

أعتقد أن هذه الأحكام مجحفة بحق العراقيين، ومجافية للحقيقة كان على الكاتب الأكاديمي تجنبها. فهو في هذه الحالة لا يختلف عن السياسي الذي يعتبر تحالفه وحده هو لصالح الوطن، أما القوائم الأخرى فهي ضد الوطن. وبطبيعة الحال فالذي يقف ضد الوطن هو خائن، وهذه التهمة شنيعة تشبه تهمة التكفيريين  لكل من لا يسير على سكتهم.
فمثلاً السيد طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية المُقال، والمطلوب للقضاء بتهم الارهاب، والمحكوم بعدة احكام بالاعدام، وكما نقلت مواقع الانترنت من تغريدته: "وصف العراقيين الذين انتخبوا رئيس الوزراء نوري المالكي بأنهم اما فاسدون مثله، او جهلة مغفلون انطلت عليهم اكاذيب المالكي."

 نحن لا نعتب على السيد طارق الهاشمي على أقواله تلك، لأنه سياسي ذو أغراض سياسية معينة ضد خصومه السياسيين، ولم يضفِ صفات علمية أكاديمية على أقواله، فمن غير المتوقع أن يقول غير ذلك وهو محكوم عليه بالإعدام بتهمة الإرهاب، ولكن من حقنا أن نعاتب الأكاديمي أ.د. قاسم حسين صالح، ونناقشه على ما كتبه، خاصة في وصفه لعراقيي الخارج بأنهم طلقوا العراق، وأن مليون عراقي فقط من مجموع العشرين مليون الذين يحق لهم التصويت هم وطنيون!
فتفسيره للنتائج الانتخابية وتخندق الناخبين في الطائفية والعشائرية غير دقيق. نعم هناك تخندق طائفي وأثني وعشائري ومناطقي، ولكن لهذا التخندق أسباب موضوعية كان على الباحث الأكاديمي تفسيرها علمياً لا إطلاق أحكام اعتباطية وتجريد الناس من الوطنية.

أسباب التخندق الطائفي والعرقي
في رأيي ، إن سبب هذا التخندق هو 40 سنة من الظلم والجور والقتل على الهوية المذهبية والأثنية، ونشر المقابر الحماعية، والتشريد بسبب الانتماء المذهبي والعرقي. كذلك النظام البعثي البدوي هو الذي قاد حملة إحياء العشائرية والقبلية، ناهيك عن حملة التهجير القسري لنحو مليون شيعي من مختلف القوميات بتهمة التبعية الإيرانية لأسباب طائفية بحتة. وحكم البعث هو الذي رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم)، وقصف أضرحة أئمتهم، وأساء إلى مقدساتهم المذهبية، وقتل رموزهم الدينية. كما ويواجه المواطن الشيعي من كل القوميات اليوم حرب الإبادة الجماعية بسبب هويته المذهبية، إضافة إلى حملة التشكيك في دونه وقوميته وعراقيته.

يطالب بعض المعلقين نسيان الماضي، وأن صدام وحكمه قد ولىّ. ولكن ماذا عما يجري الآن من القتل على الهوية، وحرب الإبادة الجماعية، وحتى التهديد بقطع مياه دجلة والفرات عن الوسط والجنوب لقتل الشيعة عطشاً ؟ وفعلاً قبل أيام قامت فلول البعث (داعش) بغلق بوابات سدة الفلوجة لتنفيذ هذا التهديد، ولم يفتحوا السدة إلا بعد أن غرقت مدنهم. ألا يعني هذا أن الشيعي مهدد لكونه شيعي؟ فكيف والحالة هذه تريد منه ألا يتحصن بالخندق المذهبي؟ وكيف تريد من المواطن الكردي أن يصوت لقائمتك وليس لمرشحي أحزابه الكردستانية، وهو الذي تعرض للأنفال وحرب الغازات السامة في حلبجة؟ 

لذلك فمن الطبيعي، وبدافع غريزة حب البقاء (الداروينية)، وجد المواطن نجاته في التخندق بالعشيرة والمذهب والأحزاب الدينية والقومية. أما الكلام عن مساوئ الطائفية فقد سمعه من حكم البعث الصدامي أيضاً، وكذلك يسمعه الآن من "داعش" وهي تشن عليه حرب الإبادة وتصفه بأقذر الصفات اللاإنسانية. فكثير ممن يحاربون الطائفية قولاً إلا إنهم يمارسونها عملاً وبغطاء علماني. فالبعثيون علمانيون في الظاهر ولكنهم من أشد غلاة الطائفيين.
ولدينا مثال آخر يؤكد أن التخندق بالطائفة والقومية هو بدافع غريزة حب البقاء، ولأن الإنسان العراقي مهدد بالقتل على الهوية المذهبية والأثنية، والمثال هو انفصال الشيوعيين الأكراد عن الحزب الشيوعي العراقي، وتشكيلهم لحزبهم الشيوعي الخاص بهم (الحزب الشيوعي الكردستاني). وهذا دليل على أن الشعور بالانتماء القومي (الأثني) أقوى عندهم من الانتماء الطبقي. ونفس الكلام ينطبق على الذين تخندقوا بالأحزاب الدينية.
يبدو أن أ.د. قاسم حسين صالح يتوقع الخسارة في الانتخابات لذلك حاول الاستباق في إيجاد التبريرات والمعاذير لهذه الخسارة، فأوعزها إلى اللاوطنية، وعدم مشاركة 40% من الناخبين الذين وصفهم باللاأبالية ، وتجاهل الـ 60% الذين شاركوا في التصويت وتحدَّوا تهديدات الإرهاب، وهي نسبة عالية نالت اعجاب وتقدير العالم.

فغني عن القول، أن عدم مشاركة نسبة من المواطنين في التصويت لا يلغي شرعية نتائج الانتخابات. إذ لا أحد يشك بديمقراطية سويسرا مثلاً. ففي هذه الدولة الديمقراطية الاتحادية نادراً ما تتعدى نسبة المشاركة في التصويت فيها الـ 30%، ومع ذلك لا أحد يتهم الشعب السويسري باللاوطنية أو اللاأبالية. ولا أدري على أي دليل استند الكاتب في اعتبار لو شارك 40% الآخرون لصوتوا لقائمته؟ إن أغلب الظن أنه لو شارك الممتنعون عن التصويت لتوزعت أصواتهم على القوائم بنفس النسب الـ 60% الذين أدلوا بأصواتهم. وهذا ما تؤكده مؤسسات استطلاع الرأي عندما يأخذون عينة من الشعب ما بين 500 إلى 2000، ومن هذه العينة يعرفون بشكل تقريبي رأي الشعب كله، (كما يمكن معرفة طعم برميل من الماء بأن تذوق قطرة واحدة منه ولا تحتاج أن تشرب البرميل كله!)، وفي أغلب الأحيان تكون توقعاتهم قريبة للحقيقة. لذلك فالطعن بمشاركة 12 مليون (60%) من المشاركين والاعتماد على 8 مليون (40%) الذين لم يصوتوا قول يخالف المنهج العلمي.
ولإضفاء صفة العلمية على تفسيره، يذكر السيد الكاتب تجربة علمية أجريت على مجموعة من الكلاب بالصعق الكهربائي في غرفة دون أن يترك لها منفذاً للهرب، " وبعد تعرضّها لعدد من الصدمات استسلمت هذه المجموعة من الكلاب وظلت رابضة على ارضية الغرفة المكهربة دون ان تحرّك ساكنا". ثم كرر الباحث التجربة على مجموعة أخرى من الكلاب مع توفير منفذ للخروج، فعثرت عليه وخرجت منه، بينما رفضت المجموعة الأولى الخروج. و يستخلص الكاتب أن الشعب العراقي استمرأ الظلم، ورغم أن توفر له المنفذ (الانتخابات) للخروج منه، وهو أن يصوت لقائمته، إلا إنه رفض الاستفادة. أعتقد أن الماتب لم يكن موفقاً في هذا التشبيه أو المثال، (أي تطبيق تجربة الكلاب على الشعب)، وهذا ما يسمى بـالعلم المزيف (pseudoscience). لذلك أستدرك الكاتب قائلاً: "ولكي لا يجري تأويل خبيث لما قلناه، فان نتيجة التجربة تنطبق على كل انسان تعرض لخيبات متتالية سواء كان عراقيا، اوربيا ،او من أي بلد او ملّة أخرى."

المسألة هنا لا تحتاج إلى "تأويل خبيث"، بل الكاتب نفسه طبق تجربة الكلاب على العراقيين وبصراحة لا تقبل التأويل. فهناك نقاط ضعف في سحب هذه التجربة على الشعب العراقي أو أي شعب آخر، الأولى، أن الحيوانات لا عقل لها، وإنما تحركها الغرائز فقط ، بينما الإنسان له عقل إضافة إلى الغرائز. والثانية، وكما يؤكد باحثون في علم النفس وعلم الاجتماع، أن الظروف المختبرية التي تجرى فيها التجارب، سواءً على الحيوانات أو على البشر، تختلف عن الظروف الطبيعية التي يعيشها الإنسان خارج المختبر في حياته اليومية. لذلك لا يمكن تطبيق هذه التجارب على الإنسان، ناهيك عن تطبيقها على الشعب كله.   
لذا،أعتقد إنه لا يجوز لنا اتهام الشعب العراقي بأنه رضخ للظلم ورضى به، فالشعب بجميع مكوناته انتفض عدة مرات على الحكم البعثي الجائر، خاصة في انتفاضته (الشعبانية) في آذار 1991، ومازال يواجه الإرهاب بشجاعة وتفاني.

خلاصة القول، إن التخندق بالطائفة والعشيرة والأحزاب الدينية والقومية لها أسبابها الموضوعية، وسيبقى إلى أجل غير معلوم طالما بقي المواطن العراقي مهدداً بالقتل على الهوية المذهبية القومية، ولا يمكن التخلص منه بإلقاء المواعظ والإرشاد عليه، على طريقة وعاظ السلاطين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
قاسم حسين صالح - الطائفية والعشائرية والاأبالية هي الفائزة ..
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413021
 
الهاشمي: الذين صوتوا للمالكي اما فاسدون او جهلة مغفلون 
http://alakhbaar.org/home/2014/5/167672.html

الصياد‘‘ يكشف عن مخطط تقسيم العراق الفاشل بقيادة خميس الخنجر ورافع العيساوي
http://alsayaad.com/archives/41002


62
نجاح الانتخابات دليل على التزام شعبنا بالديمقراطية

د.عبدالخالق حسين

رغم تهديدات الإرهابيين من فلول البعث (داعش)، والقاعدة، ومرتزقتهما من الإعلاميين المضللين في محاولاتهم اليائسة لإلغاء الانتخابات البرلمانية أو تأجيلها على الأقل، إلا إن الشعب العراقي خيَّب آمالهم، وأصرَّ على إجرائها في وقتها المحدد، دون تأخير ولو لساعة واحدة، وكانت المشاركة في التصويت بنسبة أعلى مما في الدورات السابقة، الأمر الذي أثار إعجاب واعتراف العالم، فاعتبروا هذه المشاركة الواسعة دليل على تمسك الشعب العراقي بالنظام الديمقراطي، وأنه لم ولن يذعن لتهديدات الإرهابيين، كما ويعتبر هذا النجاح مفاجأة غير سارة لأعداء الديمقراطية، وهزيمة شنيعة للإرهاب، ومن يدعمه من سياسيين محليين، وحكومات إقليمية معادية للديمقراطية. فقد اجريت هذه الانتخابات يوم الاربعاء، 30/4/2014، بمشاركة اكثر من 12 مليون ناخب في عموم البلاد حيث وصلت نسبة المشاركة 60% حسب المفوضية، تنافس اكثر من 9000 مرشح على 328 مقعد نيابي.

اعترافات وشهادات دولية بنجاح الانتخابات
فعلى المستوى الدولي هنأت شخصيات دولية الشعب العراقي على خوضه الانتخابات بنجاح، فعلى سبيل المثال نقرأ تصريحات من الشخصيات والجهات التالية:
* بان كي مون: انتخابات العراق معلم مهم في التحول الديمقراطي،
* الأمم المتحدة: الانتخابات مطابقة للمعايير الدولية، والعراقيون اثبتوا تفانيهم،
* مجلس الأمن يدعو العراق إلى الإسراع بتشكيل حكومة تمثل إرادة وسيادة الشعب،
* الرئيس الامريكي باراك اوباما أشاد بتدفق الناخبين العراقيين وإقبالهم على التصويت.
* جون كيري يشيد باقبال العراقيين على التصويت في الانتخابات البرلمانية، جاء فيه " اشاد وزير الخارجية الامريكي جون كيري بالملايين من العراقيين الذين صوتوا بشجاعة في الانتخابات البرلمانية مؤكدين التزامهم بالديمقراطية والعزم على تحقيق المزيد لمستقبل يسوده الامن والسلام."
* السفير البريطاني لدى العراق سايمون كولس، نقل تحيات وزير خارجية بلاده [وليم هيغ] الى "العراق والمفوضية وللشعب العراقي بانجاز الانتخابات البرلمانية". وقال أن "بلادنا شاركت في مراقبة الانتخابات بطلب من المفوضية وزرنا نحو 12 مركزا انتخابيا في بغداد ومناطق اخرى منها اقليم كردستان ووجدنا اجراءات ومشاركة ممتازة بالإضافة الى الظروف الامنية". وأضاف ان "الشعب العراقي حقق واجبه في الديمقراطية وحقوقهم بهذا المجال، وعلى القادة الجدد القيام بواجباتهم بتشكيل حكومة جديدة لتحقيق تطلعات الشعب العراقي".
* موسكو: اجراء انتخابات العراق رغم الارهاب هو محل اعتراف وتأييد من قبل المجتمع الدولي.
* ايران: انتخابات العراق أكدت بأن الارهاب لا مكان له فيه.
* سفير الأردن: انتخابات اليوم كانت بحق ديمقراطية.

شهادات على المستوى المحلي
أما على المستوى المحلي، فقد صرح القائمون على سير هذه الانتخابات بما يؤكد اقبال وحماس الناخبين للإدلاء بأصواتهم رغم تهديدات الإرهابيين، إذ نقرأ ما يلي:
* لجنة أمن الانتخابات تعلن نجاح الخطط الأمنية في عموم البلاد،
* السلطة القضائية تبارك الشعب العراقي على نجاح العملية الانتخابية،
* مفوضية الانتخابات: لم نسجل خروقات حمراء،
* مؤيد اللامي (نقيب الصحفيين): 15 الف صحفي غطى عملية الاقتراع،
* مفوضية البصرة: نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت [77%]،
* مفوضية بابل: نسبة التصويت في الانتخابات بالمحافظة بلغت 73% ،
* المفوضية في كردستان: أكثر من 70% نسبة المشاركة في مدن كردستان وكركوك،
* مفوضية ميسان: ارتفاع نسبة المشاركة في ميسان الى أكثر من [70%]،
وحتى محافظة الأنبار التي تعتبر منطقة ساخنة، بلغت نسبة المقترعين فيها 60%
* وعلى مستوى العراق ككل، فقد شارك في هذه الانتخابات أكثر من 12 مليون ناخب، أي بنسبة 60% والاقتراع الخاص 91 في المائة  بحسب ما اعلنته مفوضية الانتخابات.
فماذا تعني هذه الأرقام ونسب المشاركة العالية والاعترافات الدولية بسير الانتخابات، رغم ضجيج الاعلام المضاد للعملية السياسية والانتخابية؟
إنها تعني نجاح الديمقراطية وهزيمة شنعاء للإرهابيين البعثيين (داعش)، وحلفائهم القاعدة الوهابيين، من الطائفيين والعنصريين أعداء القيم الحضارية والإنسانية.

ولكن نجاح الانتخابات لا يسر أعداء العراق، فأمراء الظلام يسوءهم أي نجاح يصيب العراق، وخاصة في مجال الديمقراطية، فهم ما انفكوا ينشرون الشؤم ويدقون طبول الحرب الأهلية، ما لم يكن أعداء الديمقراطية هم الفائزون. وفي هذا الخصوص خرجت علينا صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية، يوم 1/5، بعنوان بارز: (واشنطن تخشى حربا أهلية في العراق إذا فاز المالكي). طبعاً هذا ليس رأي واشنطن، والذي عبر عنه الرئيس أوباما، وجون كيري كما ورد أعلاه، وإنما هو رأي السعودية وغيرها من المرعوبين من نجاح الديمقراطية، وخاصة إذا كان المالكي هو الفائز، ففي هذه الحالة نراهم يدقون طبول الحرب الأهلية، معولين على "اطراف سياسية خاسرة في الانتخابات الى اشاعة الفوضى والاضطرابات، وتوجيه الاتهامات الى مراكز الاقتراع بالتزوير لصالح جهات سياسية حصدت النسب الاعلى من الاصوات".. وهذا يعني أنهم لا يعترفون بالانتخابات كوسيلة حضارية سلمية لاختيار الحكام، وإنما بالقوة الغاشمة، والحرب الأهلية.
وفريق آخر راح يروِّج للنصابين من أدعياء التنجيم وعلم الغيب، فطلع علينا من أسموه بـنوستراداموس العرب في أحدث تنبؤاته عن (اغتيال نوري المالكي بعد فوزه في الانتخابات !!!!!!!).
وما هذه التحذيرات بالحرب الأهلية، والتنبؤات الخرافية، إلا تعبير واضح عن أفكار رغبوية (wishful thinking)، ودليل على إفلاسهم، فكرياً وسياسياً وأخلاقياً، واعترافهم بشعبية المالكي واحتمال فوزه بالولاية الثالثة، لذلك يسعون إلى تهيئة الرأي العام من الآن للطعن بالنتائج لإشاعة الفوضى من قبل الخاسرين.
وكما قال رئيس الوزراء، السيد نوري المالكي في أول مؤتمر صحفي عقده بعد انتهاء الانتخابات البرلمانية مباشرة: إن "ما يميز هذه الانتخابات وقبلها من انتخابات مجالس المحافظات، أنها تمت بإدارة وحماية وتخطيط وتمويل من قبل الحكومة العراقية والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ولم يكن على الأرض العراقية جندي واحد غريب، حتى يقال إن العراقيين لا يستطيعون إنجاز الانتخابات، ما لم تكن هناك حماية ومساعدة من الخارج".
إن نجاح الانتخابات وبهذا الاقبال الشديد، هو الرد العملي على أعداء الديمقراطية، الذين طعنوا بشرعيتها، فدبج أحدهم مقالاً بعنوان (ماراثون انتخابات غير مشروعة)، لأنه يعتبر الدستور الذي صوت عليه الشعب العراقي بغالبيته العظمى غير مشروع. وهذا دليل على أن هؤلاء ضد الديمقراطية ومازالوا يحنون إلى عهد احتكار السلطة من مكون واحد، والذي ولى إلى غير رجعة.

قلنا مراراً أن الديمقراطية في العراق، كما في أي بلد آخر، ومهما حاول الإرهابيون وضع العراقيل أمامها، لا بد لها أن تنجح، ولا بد لأعدائها أن يندحروا، لأنها (الديمقراطية) نتاج حضاري إنساني تقدمي، مع منطق ومسار حركة التاريخ. أما أتباع الأيديولوجيات الشمولية مثل البعث- الوهابي، فمحكوم عليها بالفشل الذريع، ولا بد أن تنتهي كما انتهت الحركات العنصرية الفاشية الأخرى في مزبلة التاريخ.
وبمناسبة هذا العرس التاريخي للديمقراطية في العراق، نقدم أعطر التحيات، وأحر التهاني إلى شعبنا الكريم على هذه المشاركة الشجاعة الواسعة، وصموده في وجه الإرهاب وتحديه له، لاختيار حكامه، عن طريق بطاقة الاقتراع بدلاً من الرصاص والتفجيرات، البطاقة التي الحقت الهزيمة بتفجيرات الإرهابيين وهمجيتهم، أعداء الانسانية والديمقراطية والدستور.
تحية إلى القوات المسلحة و القوات الأمنية على جهودهم في حفظ الأمن وسلامة الناخبين، و تحية إلى مفوضية الانتخابات المستقلة على نجاحها في سير الانتخابات بالوسائل الحضارية رغم الظروف المعقدة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


63
يا أعداء المالكي اتحدوا !!!
د.عبدالخالق حسين

لمجرد أني أرفض تصديق الأكاذيب والإشاعات، والمشاركة في الترويج لها، فأنا متهم بأني أروِّج للمالكي وأدافع عنه، وأني تخليت عن علمانيتي و"لأسباب طائفية!!". وإذا كان الأمر كذلك، فليكن، لأن رضاء الناس غاية لا تدرك، وأية محاولة لإقناع هؤلاء بعكس ذلك، مضيعة للوقت والجهد، إذ كما قال أحد الحكماء (النقاش مع متعصب ومتشدد أشبه بالنقاش مع الميت). فهؤلاء ومنذ نعومة أظفارهم تربوا على ثقافة الهدم، والمشاكسة، ومحاربة السلطة وأية سلطة كانت، حتى ولو كانت منتخبة من الأغلبية وتعمل لصالح الشعب. ولهذا السبب، وقع البعض من أدعياء العلمانية والديمقراطية واليسارية في الفخ البعثي، وصارت مواقفهم متناغمة مع مواقف البعث الفاشي الذي يعمل اليوم تحت اسم "داعش"، وحليف للقاعدة. والتراث العربي عموماً، والعراقي خاصة، مليء بكل ما يشبع رغبات الكاتب المعارض للتهجم على الحكومة أو رئيسها تحديداً. ففي تاريخ العراق الطويل، نادراً ما يموت الحاكم فيه موتاً طبيعياً، إذ أغلبهم انتهوا بالقتل.

وكنموذج للهبوط إلى القاع في محاربة الديمقراطية والانتخابات والعراق الجديد الحر، أنقل نموذجاً من اللغة الهابطة من أحد أدعياء الثقافة والأكاديمية والعلمانية، في مقال هستيري بائس يندى له الجبين يبدأه بقوله: (يبدو العراق مثل غابة يتحكم فيها الضواري والقرود .. ولم يعد في العراق اية مقاييس للغباء والذكاء .. او الحق والباطل .. او الغيرة والنذالة .. او المحافظة والانفلات .. او قيم وطنية ازاء فوضى الانقسامات. اذ يأكل الحكم المتسلط قوة الاحرار  من خلال المال والسلطة والترهيب والترغيب ، ومع وجود الكلمة الشجاعة وهموم المعارضين الاخرين من النزهاء المتمدنين والاذكياء والساسة الوطنيين الاشداء ، ولكن المحنة اشد ، وان العراقيين في دوامة ليس باستطاعتهم الخروج منها  .. دعوني اقول: ان لا عدالة ولا نزاهة في الانتخابات التي ستجري ، والتي يلهج بذكرها اغلب العراقيين ، فهي غير دستورية ابدا بحكم الخلل في الدستور ، والاستمرار في عملية سياسية خاطئة). انتهى الاقتباس

لا تعليق على هذا الهذيان المحموم، وأترك الحكم للوطنيين الشرفاء الذين هم ليسوا من مقاييس هذا المحموم طبعاً، ولكن لا بأس من القول، أنه إذا كان خصوم المالكي والعراق الجديد من هذا النوع، فهذا شرف للعراق وللمالكي، على غرار ما قاله المتنبي: إذا أتتك مذمتي ...

أود التوكيد مرة أخرى، أن ما يتعرض له العراق، والسيد نوري المالكي يشبه إلى حد بعيد ما تعرض له الزعيم عبدالكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة من مؤامرات ودسائس وتخريب، وتكالب ومن نفس الجهات الداخلية، والخارجية. فخصوم العراق في العهدين هم أنفسهم، أبناء نفس الزعامات الوراثية، السياسية التي حكمت في العهد الملكي، والدينية ذات التأثير في الجماهير وخاصة في الجانب الشيعي، والتي كان لها دور كبير في إنجاح انقلاب شباط 1963 الأسود، إذ لم يرض هؤلاء أن يحكمهم شخص من عامة الشعب، مثل عبدالكريم قاسم (ابن الصويرة)، أو نوري المالكي (ابن طويريج).
فمن سخرية الأقدار أن يتبوأ قيادة تنظيمات سياسية مؤثرة، شابان هما مقتدى الصدر، وعمار الحكيم، لا لخبرتهما وكفائتهما القيادية، بل لأنهما من أبناء زعماء دينيين. لا شك أن شعباً يفضل الزعامة الوراثية على الخبرة والكفاءة في اختيار قادته لا بد وأن يمر بالكوارث. 

على أية حال، هناك فوارق كبيرة بين الزمنين، الحالي وزمن ثورة تموز، منها:
أولاً، إن مكر التاريخ جعل الدولة العظمى، أمريكا، وحلفائها الغربيين يقفون اليوم مع العراق، وليس مع أعدائه، حيث حصل تغيير جذري في الظروف المحلية والإقليمية والعالمية. ثانياً، السيد نوري المالكي يختلف عن الزعيم عبدالكريم قاسم، رغم سعي الزعيمين لمصلحة الشعب وخاصة الفقراء منهم، والأخلاص للوطن، إلا إن المالكي وراءه كتلة سياسية كبيرة، تضم كيانات لها ثقلها في الحراك الجماهيري، بينما الزعيم قاسم لم يكن له حزب سياسي يدعمه، رغم تمتعه بجماهيرية واسعة، فهذه الجماهير لم تكن منظمة، ولا حول لها ولا قوة سوى حبها لزعيم الفقراء. ثالثاً، لم يعد الجيش العراقي اليوم يخضع لأهواء بعض العسكريين المغامرين المسيَّسين الذين اتخذوا الانقلابات العسكرية أسهل وأقصر الطريق (short cut) للوصول إلى السلطة، فعهد الانقلابات العسكرية قد ولّى إلى الأبد، ولكن مع ذلك يحاول أعداء العراق أن يتبنوا نفس الطرق القديمة في الظروف الحديثة المختلفة جداُ، ولذلك نعتقد أن مصير هؤلاء (الأخوة- الأعداء) الذين يعملوا وفق شعار (يا أعداء المالكي اتحدوا) مصيرهم الفشل.

وآخر هذا التحالفات هو ما سمي بحلف أربيل الأخير الذي ضم السيد مسعود برزاني، وأياد علاوي، وعمار الحكيم، ومقتدى الصدر، و النجيفي وصالح المطلك وغيرهم. ولهؤلاء أتباع وعلاقات وكيانات سياسية من بينها فلول البعث (داعش) والقاعدة، تدعمهم حكومات إقليمية مثل تركيا والسعودية وقطر.
وهذا الحلف غير المقدس، ليس جديداً، فقد بدأ بعد ترشح السيد نوري المالكي لرئاسة السلطة التنفيذية للمرة الثانية عام 2010. فطلع علينا ما سمي بـ(اتفاق أربيل) في السباق المارثوني لتشكيل الحكومة برئاسة السيد المالكي، وبشروط مجحفة، حيث فرض اتفاق أربيل أسلوب بعثي بامتياز، وهو تشكيل ما سمي بـ(المجلس السياسي الأعلى) برئاسة البعثي أياد علاوي، يتمتع بصلاحيات تعادل صلاحيات رئيس الحكومة، ومجلس يشبه مجلس قيادة الثورة في عهد صدام، والذي كانت قراراته فوق قرارات البرلمان الصدامي الصوري. وبذلك أرادوا بأساليب خبيثة الالتفاف على الديمقراطية، وإلغاء دور البرلمان الحالي وجعله صورياً فقطز وهذا يعني صنع القرارات السياسية بيد مجلس لم ينتخبه الشعب.
ولكن بعد تشكيل الحكومة انتبه المخلصون إلى أن هذا المجلس السياسي الأعلى، هو مخالف للدستور، لذلك وقف السيد نوري المالكي بشدة ضده، فاتهموه بالخروج على اتفاق أربيل "المقدس!!"، وهو خروج يسجل له لأنه في صالح الشعب العراقي والدستور والديمقراطية.

ولذلك راح أعداء المالكي بقيادة أياد علاوي بالتحرك مرات ومرات، والحج إلى حائط المبكى في أربيل. وفي إحدى المرات كانت المحاولة لترتيب اتفاق على سحب الثقة من رئيس الوزراء في البرلمان. ولكن كان واضحاً، أن الشيء الوحيد الذي جمع هؤلاء هو عداءهم للمالكي ورغبتهم الجنونية في إزاحته عن طريقهم، ودون أن يكون لديهم البديل المتفق عليه، ولذلك فشلوا في محاولة سحب الثقة. كما وحاول أياد علاوي من جانبه إسقاط حكومة المالكي في الدورتين وذلك بسحب وزرائه من الحكومة، فارتدت سهامه إلى نحره، حيث تمرد عليه وزراؤه وفضلوا البقاء في حكومة المالكي حرصاً منهم على المصلحة الوطنية. وبذلك فقد علاوي السيطرة حتى على وزرائه بعد أن فقدها على كتلته "العراقية" التي تفتت إلى شذر مذر.

واليوم، والانتخابات على الأبواب، ورغم الضجيج الإعلامي المضاد، فإن أغلب المؤشرات تشير إلى أن كتلة (دولة القانون) برئاسة المالكي، ستحقق الأغلبية في البرلمان. وإذا ما تم تكليف دولة القانون بتشكيل حكومة الأغلبية السياسية، كما وعدت به، بدلاُ من (حكومة الشراكة)، فهذا يعني أن بإمكان كتلة دولة القانون عقد تحالفات مع كيانات سياسية أخرى وتشكيل الحكومة وحصول المالكي على الولاية الثالثة. وهذا السيناريو يُعد كابوساً يقض مضاجع خصوم المالكي. لذلك سارعوا إلى تشكيل حلف أربيل (مارك 2)، وهو حلف رباعي وربما أكثر. وكالعادة، فمن أهم ما يجمع هؤلاء "الأصدقاء - الأعداء" هو منع المالكي من ولاية ثالثة، ويبدو أنهم على استعداد للتنازل عن حقوق الشعب العراقي في توزيع الثروة بصورة عادلة، فيطلقون يد السيد بارزاني في احتكار نفط الإقليم وثرواته له، وحقه في 17% من ثروات العراق، وأن تتصرف حكومة بارزاني كدولة مستقلة ضمن العراق أي(دولة داخل دولة)، مع حق دولة الإقليم في حكم العراق، ودون أن يكون للعراق أي دور في الإقليم، وكركوك قدس الأقداس! ويحق للخليجيين زيارة كردستان العراق بدون تأشيرة دخول (فيزة)، بينما يمنع المواطن العراقي من دخول كردستان بدون فيزة.
ولكن، المشكلة التي تواجهها كيانات سياسية شيعية (التيار الصدري والحكيم) ضمن التحالف الوطني هو أنهم يرون أنفسهم في تحالف مع كيانات سياسة تدعم الإرهابيين مثل داعش والقاعدة الذين يقتلون جماهيرهم، إذ نقرأ عناوين مثل: (متحدون تكشف عن تحالفها مع المواطن والاحرار لتشكيل الحكومة الجديدة). ومن هنا نرى السيد أحمد الجلبي، من المواطن (المجلس الإسلامي الأعلى)، يدافع بضراوة عن داعش وينفي ما يجري في الأنبار من إرهاب، ويصفه بأنه ثورة أهل السنة على الظلم والتهمبش من قبل المالكي.!!! وهذا التحالف مع ممثلي الإرهاب في حلف أربيل الجديد أدى إلى تنبيه جماهير التيار الصدري والحكيم بهذه التحالفات المريبة، والتي هي بمثابة التآمر على مصلحة العراق. فكتلة (متحدون) تمثل منظمة "داعش" الإرهابية التي تشن حرب الإبادة على الشيعة، والآن على أهل السنة أيضاً، إذ جاء في الأنباء أن"داعش" قتلت 300 من مواطني الفلوجة وحدها في الأشهر الثلاثة الماضية. كما و قرأنا تقريراً عن ردود أفعال لسلوك هذه القيادات بعنوان:(انشقاقات مُتوقّعة في "الصدري" و "المجلس" لتحالفهم مع جهات "تجامل" الارهاب وتدعمه). وهذا يعني أن قسماً كبيراً من جماهير التيار الصدري والحكيم سيصوتون لصالح المالكي، وليس لحلفاء داعش.
على أية حال، وكما فشلت الأحلاف الأربيلية السابقة، فلابد من أن تفشل الأحلاف الجديدة، ومهما نجح هؤلاء في شراء أقلام معروضة للإيجار، والتي تحاول التأليب والتأجيج والعزف بالوتر الطائفي خدمة للحكومات الوهابية التي تضمن بقاءها على محاربة الديمقراطية في المنطقة وبالأخص في العراق.

كتب محلل سياسي أمريكي قبل أسابيع مقالاً عن الوضع العراقي توصل فيه إلى استنتاج: أن العراق غير قابل للحكم (ungovernable). وتأكيداً لهذا الاستنتاج، وصلتني قبل أيام بالبريد الإلكتروني رسالة تكشف بوضوح كيف يتحجج خصوم المالكي عليه في أي إجراء يتخذه وأي تصريح ينطق به، قال صاحب الرسالة ما يلي: 
(الله يعينك يا نوري المالكي
يأمر بانسحاب الجيش يقولون المالكي فشل في موضوع الأمن
يأمر بدخول الجيش يقولون المالكي ضرب السنة،
يرفض الحوار، يقولون الحوار هو الحل،
يذهب للحوار، يقولون المالكي اصطلح مع داعش،
يطرد البعثيين، يقولون المالكي قطع أرزاق العالم،
يعالج موضوع البعثيين يقولون المالكي بعثي،
يذهب لشراء سلاح، يقولون المالكي يريد يضرب السنة،
يترك شراء السلاح يقولون جيش المالكي فاشل وغير مسلح،
يفوز المالكي في الانتخابات يقولون الانتخابات مزورة)

يا أعداء المالكي اتحدوا، ففي اتحادكم إعادة اصطفاف القوى السياسية، وتتضح الأمور، ليعرف الناخب العراقي، الغث من السمين، وليميز بين المخلصين للشعب، وبين أعدائه مثل أنصار داعش والقتلة الآخرين، وليتضح لهم من هم مع الديمقراطية يريد الخير والأمن والازدهار للشعب، ومن هم الذين لا يفكرون إلا بنرجسيتهم المتضخمة، ومصالحهم الشخصية والفئوية و الأبهة الفارغة. ففي إتحادكم هزيمة لكم وانتصار للقوى الخيرة التي تريد الخير للشعب.
هذا هو العراق، ولكن رغم كل هذه العقبات والعقليات التدميرية، فالمرحلة التاريخية الراهنة هي للديمقراطية أي حكم الشعب، وفي هذه الحالة، لا بد للديمقراطية أن تنتصر، ولا يصح إلا الصحيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
ياسين مجيد: حلف أربيل 1-2
http://alakhbaar.org/home/2014/4/166509.html

ياسين مجيد: حلف أربيل 2-2
http://alakhbaar.org/home/2014/4/166557.html

انشقاقات مُتوقّعة في "الصدري" و "المجلس" لتحالفهم مع جهات "تجامل" الارهاب وتدعمه
http://alakhbaar.org/home/2014/4/166770.html

متحدون تكشف عن تحالفها مع المواطن والاحرار لتشكيل الحكومة الجديدة
http://alakhbaar.org/home/2014/4/165978.html

فيديو .. اياد علاوي لا يعرف داعش
http://alakhbaar.org/home/2014/4/166657.html

صالح المطلك ودعاية الكراهية الإنتخابية – الصياد
http://alsayaad.com/archives/35909
 
عاطف العزي: شبيه الشيء...مقتدى الصدر وأتباعه
http://alakhbaar.org/home/2014/4/166353.html

داعش قتلت 300 مواطن فلوجي في الأشهر الثلاثة الماضية
http://alakhbaar.org/home/2014/4/167131.html





64
لماذا حكومة الأغلبية السياسية؟
د.عبدالخالق حسين

الديمقراطية لا تأتي على طبق من ذهب، بل من خلال الصراعات والثورات والحروب الأهلية، وفي العراق كان مخاض الديمقراطية عسيراً أحتاج إلى عملية جراحية على يد الجراح الأمريكي. ومنذ سقوط الفاشية صار العراق مختبراً تعاد فيه تجارب خاضتها الشعوب من قبل، وبدلاً من أن يستفيد العراقيون من هذه التجارب، إلا إنهم أصروا على تكرارها. ومع ذلك نقول، لا بأس، كرروا التجارب والأخطاء، ولكن على شرط أن تستخلصوا منها الدروس والعبر.

من نافلة القول أن الديمقراطية هي آلية حضارية لحل الصراعات والخلافات بين الجهات السياسية المتصارعة، بالوسائل السلمية، أي بالحوار، والتصويت، وبالتالي الأخذ برأي الأغلبية، مع حق الأقلية في مواصلة جهودها لإقناع الأغلبية بوجهة نظرها مع شرط الالتزام بقرارات الأغلبية.

لقد ساعد المجتمع الدولي بقيادة أمريكا وبريطانيا، الشعب العراقي بإسقاط حكم الفاشية البعثية، وأقاموا مكانه نظاماً ديمقراطياً يحترم التعددية، فتشكلت (حكومة الشراكة الوطنية) التي ضمت ممثلين عن جميع مكونات الشعب العراقي دون عزل أو إقصاء جهة. ومن مساوئ هذه الشراكة الواسعة أنها ضمت عناصر معادية للديمقراطية، لها رِجل في الحكومة وأخرى مع الإرهاب، غرضها الرئيسي من المشاركة هو القيام بدور حصان طروادة لشل عمل الحكومة وتفجيرها من الداخل، ليثبتوا للعالم أن الديمقراطية لا تصلح للشعب العراقي. ولتحقيق هذا الغرض السيئ ، استخدموا الإرهاب لنشر الرعب بين الناس العزل، والأقلام لتشويه صورة الديمقراطية. لذا أطلقوا على حكومة الشراكة الوطنية المنتخبة اسم (حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية)، وراحوا يلفقون آلاف الأطنان من الأكاذيب والافتراءات ضد النظام الجديد.
كانت تجربة حكومة الشراكة الوطنية ضرورية في وقتها إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ظروف المرحلة الصعبة، والرغبة في عدم عزل أية جهة سياسية. ولكن بعد 11 سنة من هذه التجربة تأكد أن مساوئها أكثر من منافعها، حيث تم شل عمل الحكومة وما ترتب عليه من معاناة الشعب. ولذلك توصل الحريصون على إنجاح التجربة السياسية إلى أنه حان الوقت لتخطو خطوة أخرى إلى الأمام، وذلك بالتخلي عن حكومة الشراكة الوطنية الواسعة الفاشلة، وتبني حكومة الأغلبية السياسية (وليست الأغلبية الطائفية أو الأثنية). وهذا يتطلب النضال من أجل تشكيل تحالفات تضم كيانات سياسية منسجمة مع بعضها البعض، و متقاربة في البرامج والأهداف من مختلف الانتماءات الدينية والمذهبية والأثنية، تتعهد بالعمل المشترك النزيه بروح الفريق في حكومة إئتلافية من أجل خدمة الشعب. وهذا الذي نتمناه ونأمل أن تتمخض عنه الانتخابات القادمة المزمع إجراؤها في الثلاثين من هذا الشهر (نيسان/أبريل الجاري).

والعقبة الكأداء أمام حكومة الأغلبية هي رغم أن الجميع يشتمون حكومة الشراكة والتي يسمونها بحكومة المحاصصة الطائفية، إلا إننا بدأنا نسمع من يقف ضد حكومة الأغلبية، وبالطبع ليس صعباً عليهم إيجاد المبررات ضدها، منها الادعاء بعزل بعض المكونات من المشاركة في الحكومة، وبذلك يمكن الإدعاء أن هذه الحكومة هي حكومة الأغلبية الطائفية ولا تمثل المكون الفلاني. هذه الحجة يمكن تلافيها بمشاركة أي كيان سياسي من ذلك المكون، ينسجم مع برنامج الكتلة البرلمانية الكبرى المكلفة بتشكيل الحكومة. وليس هناك شحة في هذه الكيانات السياسية من أي مكون كان.

ومهما كانت مبررات المعارضين لحكومة الأغلبية، فإن تجربة 11 سنة الماضية المريرة أثبتت فشل حكومة شراكة الجميع، حتى أنها فسحت المجال أمام من يمثل منظمات الإرهاب مثل "داعش" و"القاعدة" وتحت مختلف الأسماء مثل (العراقية) و (متحدون) وما أشبه. فالديمقراطية الحقيقية تتطلب أغلبية تحكم، وأقلية معارضة تراقب نشاطات الحكومة وتنتقدها تحت قبة البرلمان، وليس في ساحات الاعتصمات التي تقام فيها ورشات تفخيخ السيارات المسروقة لتفجيرها في الأسواق المزدحمة، وساحات المسطر وقتل الألوف من الفقراء الأبرياء وبشكل عشوائي.

كما ويجب أن نحذر من إن تهمة، او لعنة (حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية) ستستمر في إلصاقها حتى بحكومة الأغلبية، وخاصة من قبل أولئك الذين لم يسعفهم الحظ في الفوز في الانتخابات أو المشاركة في الحكومة. فطالما يتكون الشعب العراقي من مختلف المكونات الدينية والمذهبية والأثنية، فلا بد وأن تكون في حكومة الأغلبية السياسية وزراء سنة وشيعة وكرد وتركمان ومسيحيين وغيرهم، وبذلك لا يمكن إسكات الأصوات من أطلاق تسمية (حكومة المحاصصة) إلا إذا تشكلت حكومة دكتاتورية يكون فيها صناع القرار السياسي من مكون واحد كما كان الوضع قبل 2003، أو تأجير حكومة مستوردة من سويسرا كما يتم تأجير شركات العلاقات العامة الأجنبية، أو شركات حماية مثل بلاك ووترز، ليس فيها سني أو شيعي أو من أي مكون من مكونات الشعب العراقي، وهذا مستحيل، لذلك، نهيب بالمخلصين أن يحثوا الخطى نحو تشكيل حكومة الأغلبية السياسية، مؤلفة من كتل سياسية متقاربة في البرامج والأهداف، تقبل العمل بإخلاص في تحالف منسجم لخدمة الشعب ومحاربة الإرهاب والفساد.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


65
العلمانية الديمقراطية لا تُبنى على الكذب
د.عبدالخالق حسين

قالوا إن (حبل الكذب قصير)، ولكن في العراق صار الكذب أحد أسهل وأشهر الوسائل والأسلحة الفتاكة لتشويه سمعة وصورة النظام الجديد والخصوم السياسيين، إذ يتعرض العراق منذ سقوط النظام البعثي الفاشي إلى حملة تضليل بمنتهى الخبث والدهاء. وقد تطرقنا إلى هذه الحملة في عدة مقالات لنا، وهذه ليست الأخيرة في حربنا مع التضليل، فنحن نعيش في عصر الخديعة، وكما قال جورج أورويل: (قول الصدق في عصر الخديعة عمل ثوري).
 
أكدنا مراراً أنه ليس هناك أفضل من النظام العلماني الديمقراطي، وبالأخص لشعب متعدد القوميات والأديان والمذاهب واللغات مثل الشعب العراقي. ولكن في نفس الوقت لا يمكن محاربة الخصوم السياسيين، وبناء نظام ديمقراطي بالكذب والتلفيق وكيل الاتهامات الباطلة. وتبريرهم في الافتراء على النظام الجديد هو أن الذي يقود السلطة التنفيذية إسلامي، لذا يجوز الافتراء عليه. وهذه ماكيافيللية بإمتياز. نسي هؤلاء أن وجود إسلامي على رأس السلطة هو نتاج ظروف موضوعية لا يمكن تغييرها بالوسائل اللا إخلاقية مثل الكذب والتلفيق والافتراء. فنتيجة لما مر به الشعب العراقي من مظالم الأنظمة الدكتاتورية الطائفية الجائرة، وبالأخص في المرحلة الصدامية التي وزعت الظلم على مكونات الشعب إلى درجات، وحسب الانتماء العرقي والديني والمذهبي. لذلك، فقد تخندقت هذه المكونات بالأحزاب القومية والدينية والمذهبية التي تشكلت قبل سقوط حكم البعث بسنوات، مع انحسار دور الأحزاب العلمانية التقليدية بسبب الاضطهاد والتشرد. لذلك، فصعود الأحزاب الدينية، وخاصة الشيعية منها، لم يكن من صنع أفراد، بل هو تحصيل حاصل للظروف الموضوعية القاهرة التي مر بها الشعب لعشرات السنين، وما القادة السياسيين إلا نتاج وإفراز لهذه الظروف. ولا يمكن تغيير هذا الوضع بالشتائم وكيل الأكاذيب والافتراءات والتهويل والصراخ بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتحميل شخص واحد أو جهة أو حزب كل مشاكل العراق المتراكمة. كما ولا يمكن التخلص من هذه التركة الثقيلة البغيضة بين عشية وضحاها.

قضية الفساد الإداري والمالي
لا أحد ينكر الفساد في العراق ولكنه ليس جديداً ومبالغ به. فالفساد كان على أشده في عهد حكم البعث، ولكن لا أحد كان يستطيع أن ينبس به حتى ولو بالهمس مع عائلته، لأنه يعرف أن الحكم يقطع لسانه عملاً كما حصل مع عمر الهزاع. والفرق في النظام الديمقراطي أن الناس أحرار لفضح الفساد. ولكن استغل الخصوم الفساد الإداري والمالي لتهويله وتحميل مسؤوليته على كاهل الشخص الذي تضعه الأقدار على رأس السلطة التنفيذية. واختلفوا في حجم الأموال المسروقة، إذ كتب أحدهم بأنه بلغ 300 مليار دولار، وآخر 700 مليار. وآخر رقم قرأته في هذا الخصوص هو ما كتبه أحدهم تعليقاً على مقال لي في الحوار المتمدن قائلاً (أن الحكومة هرَّبت إلى الخارج 1400 مليار دولار). لاحظوا الرقم الأخير، ويبدو أن المعلق ضعيف بالرياضيات، ولا يعرف حجم 1400 مليار دولار والذي يساوي ترليون وأربعمائة مليار، والذي يقارب ميزانية أمريكا.
فبعملية حسابية بسيطة، يمكن أن نعرف أن الواردات النفطية منذ 2003 ولحد الآن لا يمكن أن تبلغ حتى ثلث هذا الرقم، إضافة إلى أن الحكومة تدفع رواتب خمسة ملايين موظف، وملايين المتقاعدين، والأرامل والأيتام وعوائل الشهداء، و تعويضات الحروب الصدامية العبثية التي بلغت للكويت وحدها أكثر من 57 مليار دولار لحد الآن، زائداً تكاليف إعمار العراق، وتجهيزات الجيش والقوات الأمنية والمؤسسات الخدمية وغيرها. وأدعى المعلق أنه مسيحي ومستقل ولا يهمه من يحكم العراق، ولكنه يندفع بمنتهى الوقاحة في شتم المالكي بأقذع الشتائم. ولما حذفت أحد تعليقاته الشتائمية البذيئة لمخالفته شروط النشر، كتب لي "تهديداً"، أنه "كاتب" وسوف يرد عليً بمقال!! (كذا). ومن أسلوبه عرفته من هو، إذ جاءت بعض تعليقاته مطابقة لجمل وأفكار تتكرر في مقالات كاتب أعرفه يتعرض لي بتعليقات بذيئة، تارة باسمه الصريح، وأغلب الأحيان بأسماء مستعارة. فهو ليس مسيحي، ولا لأنه ضد الفساد، بل لأنه طائفي وبعثي سابق، وضد تحرير العراق. والغريب أنه يمتدح المالكي أحياناً "ولكن بشروط"!! في مقالاته التي ينشرها في موقع (عراق القانون)، ويشتمه بأقذع الشتائم في تعليقاته على مقالات الآخرين في المواقع الأخرى وبأسماء مستعارة، و يتهم هذا الكاتب الجهبذ، كل من لا يوافقه على آرائه بالعمالة لأمريكا وإسرائيل!. نؤكد لهذا (القارئ الكاتب) وأمثاله أن الإفراط في المبالغة بالفساد يخدم الفساد والفاسدين والمفسدين، لأنه يؤدي إلى عدم التصديق وبتالي تضيع الحقيقة.
فالفساد مرض فتاك ابتلت به الشعوب، وتكلف العالم نحو ترليون دولار سنوياً (حسب تقرير بي بي سي)، فكيف للحكومة العراقية وحدها أن تهرب ترليون وأربعمائة مليار دولار؟ وفي هذا الخصوص نشير إلى قراءة مقال قيم للسيد شلال الشمري بعنوان: (الفساد الإداري والمالي)(الرابط في الهامش). وحسب تقارير البي بي بي سي أيضاً، أن الهند التي تعتبر أكبر ديمقراطية في العالم، هي الأولى في الفساد الإداري والمالي إلى حد أن تشكل مؤخراً حزب ضد الفساد باسم: (Anti-corruption party). ويتمتع بشعبية واسعة.

من وراء اغتيال الصحفيين؟
وتعليق آخر من قارئ على مقال لي، ينفي وجود حرية التعبير والإعلام في العراق، فيقول إن عشرات الصحفيين قتلوا في العراق. وهذا صحيح، ولكن السؤال هو: من الذي قتل هؤلاء الصحفيين؟ هل الحكومة؟ فإذا تريد أن تعرف حرية التعبير في العراق، فما عليك إلا وأن تلقِ نظرة على ما تنشره صحيفة (المدى) من شتائم وتلفيقات ضد الحكومة، وضد رئيسها المالكي تحديداً، وهي تصدر في بغداد. الحقيقة التي ينكرها المعلق و أمثاله، إن الجهات التي اغتالت عشرات الصحفيين هي نفسها التي اغتالت المئات من العلماء والأطباء وأساتذة جامعيين، وغيرهم من أصحاب الكفاءات لإرغامهم على الهجرة لتفريغ العراق من أصحاب الكفاءات، ولشل العقل العراقي. وهي نفس الجهات التي قتلت عشرات الألوف من أبناء شعبنا بالتفجيرات والكواتم، وهي نفس الجهات التي تعبث بأمن وأرواح شعبنا في محافظة الأنبار وديالى، وهي فلول البعث وداعش والقاعدة، أعداء الديمقراطية والحرية، وأعداء الإنسان والإنسانية. 

نفي من مكتب رامسفيلد

أشرت في مقالي الموسوم (الانتخابات، وهستيرية الحملات التسقيطية)، إلى أن الأكاذيب لم يسلم منها حتى المرجع الديني الأكبر، آية الله السيستاني، حيث أدعوا أن دونالد رامسفيلد قدم له رشوة مقدارها  200 مليون دولار مقابل عدم إصداره فتوى الجهاد ضد القوات الأجنبية وأنه استجاب لهم. و فندتُ هذه الفرية الخبيثة في المقال المذكور. واستلمت العديد من التعليقات تؤكد صحة ما ذهبتُ إليه، وأهمها تعليق من صديق مقيم في أمريكا لأكثر من 30 سنة، وذو إطلاع واسع بالشأن العراقي، وله دور مميز في عملية تحرير العراق، كتب ما يلي:
 ((قرأت مقالك الأخير وفيما يخص إشاعة أن دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي أيام الحرب التي أسقطت الحكم الصدامي الغاشم، ذكر في مذكراته أنه قدم مبلغ 200 مليون دولار للسيد علي السيستاني مقابل تعاونه مع الأمريكان. وكما تفضلت فإن هذا الكلام كذب في كذب وعاري عن الصحة. ما أردت أن أوضحه أيضا هو أن هذا الكلام نشر قبل صدور المذكرات في ربيع 2011 بأشهر قليلة من قبل عدة جرائد عربية مشبوهة)). وأضاف الصديق: "فقد تم الاتصال، وبمساعدة السفير الأستاذ سمير الصميدعي عندما كان سفيرا في واشنطن، وطلبنا من مكتب رامسفيلد في كشف حقيقة هذا الخبر وتوثيق هذه الحقيقة في بيان رسمي من مدير مكتب رامسفيلد لنشره في وسائل الإعلام". 

فاستجاب مدير المكتب على الفور، وأرسل البيان المطلوب المؤرخ في 5 كانون الثاني 2011 إلى السفارة العراقية في واشنطن، ونسخة منه إلى الصديق الذي تفضل مشكوراً بإرسال نسخة منه مع رسالته التوضيحية لي، أنقل النص الكامل للبيان باللغة الإنكليزية في نهاية هذا المقال، وأدرج أدناه الترجمة العربية بإيجاز، كما يلي:
"إن الشائعات التي تنشر في بعض وسائل الإعلام العربية، والتي تزعم أن مذكرات رامسفيلد التي ستنشر قريباً، يحتوي على معلومات حول لقائه مع آية الله العظمى السيستاني وإرشائه، هي معلومات
عارية عن الصحة و مثيرة للضحك. والناس سيتمكنون بأنفسهم ليروا بالضبط ما جاء في كتاب رامسفيلد الموسوم: (المعروف وغير المعروف Known and Unknown)، والذي سينشر في 8 شباط 2011. ويكفي ان نقول ان رامسفيلد لم يلتق قط بالسيد السيستاني ولا بأي شخص من مكتبه. إن آية الله السيستاني رجل شجاع وصوت مستقل بامتياز في العراق.- كيث أوربان، مدير مكتب دونالد رامسفيلد" انتهى.

هذه خلاصة ما جاء في بيان مدير مكتب رامسفيلد، فهل يُسكت أصوات النشاز من المفترين والكذابين؟
لا أعتقد، لأن من يمارس الكذب لا يستحي، ومن شب على شيء شاب عليه. ولكن العتب على أولئك الذين يسهل عليهم تمرير الأكاذيب.
لا شك أن اللجوء إلى الكذب في تشويه سمعة الخصوم السياسيين لدليل على الإفلاس السياسي والفكري والأخلاقي. ويشرفنا أن نقوم بفضح الكذابين وتفنيد أكاذيبهم. وبسبب موقفنا هذا في خدمة الحقيقة، راحوا يكيلون لنا شتى التهم الغبية المضحكة بأننا تخلينا عن علمانيتنا!! وكأن من شروط العلمانية أن تشوه سمعة الخصم بالأكاذيب. وبالتأكيد فإن تفنيدنا لكذبة قبول السيد السيستاني رشوة من رامسفيلد يجعلنا في خانة الإسلاميين ومقابل أجر!!.
إن سلوك أدعياء العلمانية والديمقراطية بهذه الطريقة الفجة، يسيء إلى العلمانية والديمقراطية وهم أشبه بمشايخ الوهابيين الذين أساؤوا إلى دينهم بإصدار فتاوى مضحكة مثل إرضاع الكبير، وشرب بول البعير، اعتقاداً منهم أنهم يخدمون الإسلام، بينما هم في الحقيقة أساءوا إلى الإسلام وأضروا به.

يقول ابراهام لنكولن: "تستطيع ان تخدع كل الناس بعض الوقت، او بعض الناس كل الوقت، ولكن لا تستطيع ان تخدع كل الناس كل الوقت".
***********
أدناه النص الكامل لرسالة مدير مكتب رامسفيلد باللغة الإنكليزية وعدد من الروابط للمواقع الصفراء التي نشرت الافتراء.

Inquiry From Embassy of Iraq On Sistani Rumors
January 5, 2011
FOR IMMEDIATE RELEASE

Statement by Keith Urbahn, Chief of Staff, Office of Donald Rumsfeld:

“The rumors currently making the rounds in some Arabic press outlets that allege Mr. Rumsfeld’s forthcoming memoir contains information about meeting with and bribing Grand Ayatollah Sistani are as laughable and inaccurate as they are disprovable.  People will be able to see for themselves exactly what is in Known and Unknown when it
becomes public on February 8.
Suffice it to say that Rumsfeld did not offer to pay for any of Grand Ayatollah Sistani’s opinions, nor would he have even entertained the thought. Furthermore, Rumsfeld never met with Sistani.  Suggestions to the contrary are flat untrue.
Grand Ayatollah Sistani was and remains a courageous but distinctly independent voice in Iraq.  It’s worth noting that the misinformation campaign began in Iranian-backed press outlets and looks to be nothing more than a not so clever attempt to mislead and sow mistrust among Iraqis.”
Examples:
http://www.akhbar-alkhaleej.com/#!420890

http://www.slaati.com/inf/news.php?action=show&id=19885

http://forums.islamicawakening.com/f18/we-paid-sistani-200-million-dollar-fatwah-help-us-occupying-iraq-40898/

Press Contact:
Keith Urbahn
Chief of Staff
Office of Donald Rumsfeld
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
شلال الشمري: الفساد الإداري والمالي
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=409239

عبدالخالق حسين: الانتخابات، وهستيرية الحملات التسقيطية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=642

فيديو: إفتراءات الإعلام العربي   
https://www.youtube.com/watch?v=d-KqwowEDRA


66
إسقاط حكم البعث في الميزان (2-2)

د. عبدالخالق حسين

لتقييم عملية إسقاط حكم البعث بالحرب وما نجم عنها من تداعيات ومضاعفات: إرهاب و تفجير الصراعات الطائفية والعرقية في المجتمع العراقي وفضيحة كشف عيوبه.. الخ، يجب أن نتعامل معها وفق حسابات تجارية في الربح والخسارة. فهل ما تحقق بعد إسقاط حكم البعث من أرباح يفوق الخسائر أو العكس؟ وماذا لو لم يسقط حكم البعث؟ وهل كان بالإمكان إسقاط حكم البعث بأقل خسائر كما يعتقد البعض؟ أو هل لو ترك البعث يواصل حكمه الجائر كان أقل خسارة للشعب العراقي من تكاليف إسقاطه؟ وآخرون يعتقدون أن النظام كان مكروهاً من الجميع، فلو تُرك لأربع أو خمس سنوات أخرى لتمكن الشعب من إسقاطه بدون خسائر تذكر!! الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع هذا المقال.
المشكلة، أن بعض المساهمين في هذا الجدال، ونعني أصحاب النوايا الحسنة وليس المغرضين، ينظرون إلى المسألة نظرة شخصية، فيصورون الأمور كما يتمنون ويرغبون...معتقدين أن أمريكا، كدولة عظمى، كان بإمكانها إسقاط حكم البعث بأسهل الطرق وأقلها تكلفة، ولكنها تعمدت اتباع أخطر الطرق و أكثرها خسارة لأنها (أي أمريكا)، دولة شريرة تريد نشر الفوضى في العالم، ولخدمة إسرائيل.

في الحقيقة هذه مجرد تكهنات ورغبات غير قابلة للتطبيق، إذ كما يقول المثل الانكلزي:
(after the event everybody is clever). فالكل يعرف أن صدام حسين، صاحب عبقرية في الشر (criminal genius)، بما عرف عنه من سلوك عدواني دموي، وعقلية تدبير انقلابات خيالية من أجل استدراج الانقلابيين المحتملين لإيقاعهم في المصيدة (راجع كتاب ليلة الهرير، للسيد أحمد الحبوبي)، واستخدام العنف في حل المشكلات، كان قد خطط لتحويل العراق إلى إمارة بعثية تحكمها سلالته إلى أمد غير منظور. فصدام كان قارئاً نهماً لكتب التاريخ والسياسة، والخبث والدهاء، جمع بين القديم والحديث من الأفكار التي تخدم أغراضه لإحكام قبضته على رقاب العراقيين والحفاظ على السلطة بشتى الوسائل.
لقد طبق صدام نظرية بن خلدون في تأسيس سلطة السلالة (توافر العصبية)، وطوَّرها، وحولها إلى مختلف العصبيات: العصبية الأسرية، والعصبية القبلية، والعصبية الحزبية، والعصبية الطائفية والعصبية المناطقية. لقد غذّى صدام جميع هذه العصبيات، ووظفها لصالحه من أجل الحفاظ على السلطة، وجعل نفسه وأسرته نواة ورمز لها، إضافة إلى تبني سياسة (فرق تسد) بين مكونات الشعب العراقي، وإثارة الأحقاد والصراعات فيما بينها لإضعافها. كما وأنفق مليارات الدولارات من أموال الشعب على تكوين كوادر إعلامية وتعليمية لنشر أيديولوجية البعث الصدامي، وللهيمنة على تفكير الشعب العراقي وسايكولوجته، وتوجيهه وقولبته وفق مبادئ الحزب والعشيرة، وزرع اليأس والإحباط في نفوسهم، فصار العراقي يعتقد بأن حكم البعث كالقدر المكتوب، لا مفر منه، والحل الوحيد له هو الاستسلام التام لمشيئة البعث، إما أن يتكيف مع هذا الحكم، أو مصيره السجن، أو النفي أو الإعدام.

وأمام هذا البلاء انشق المجتمع العراقي إلى عدة فرق: فريق من النفعيين الانتهازيين استسلموا للحزب ومارسوا النفاق السياسي من أجل البقاء وتحقيق المنافع، وفريق آخر يئس من القوى المادية لخلاصه، فتوجه إلى الله والدين والغيبيات و الخرافات، ولسان حاله يقول: أمري إلى الله الواحد القهار. وفريق ثالث لجأ إلى الجريمة والجريمة المنظمة ولسان حاله يقول: (وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان). وفريق رابع فر بجلده إلى الخارج لينظم فصائل المعارضة لإسقاط هذا النظام المجرم.
ولكن هناك ما يسمى بمكر التاريخ الذي لم يخطر ببال أحد، فالأحداث التاريخية تحدث دون أن تكون للإنسان الفرد أية سيطرة عليها ومهما أوتي من قوة وذكاء ودهاء، وكل ما يستطيع القادة السياسيون عمله هو التفاعل مع هذه الأحداث بعقلانية لتحقيق أكبر قدر ممكن من أرباح وتقليل الخسائر إلى الحد الأدنى، وهذا ما حصل. فبنظرة سريعة إلى سياسات البعث، نعرف أن صدام حسين كان يقود العراق إلى حالة مواجهة دموية غير متكافئة مع المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، وخاصة بعد غزوه للكويت وبرنامجه النووي، واضطهاده للشعب العراقي. وقد ناقشنا هذه الأمور في القسم الأول من هذا المقال، واستنتجنا أنه لولا التدخل الدولي بقيادة أمريكا لما سقط حكم البعث.

عندما نطرح هذه الحقائق وغيرها، يتهمنا البعض بأننا ندافع عن أمريكا، وبالخيانة الوطنية!!. في الحقيقة نحن لا ندافع عن أمريكا، وإنما ندافع عن شعبنا وعن عقولنا لأننا نرفض تصديق التلفيق والتزييف والكلام العاطفي المؤدلج. ويبرر آخرون هجومهم على أمريكا في إسقاط حكم البعث بأن في أمريكا نفسها مفكرون كبار ينتقدون الإدارة الأمريكية على شنها الحرب على صدام. وهذا صحيح، ولكن سبب وجود هذه الأصوات الناقدة في أمريكا هو لأن أمريكا دولة ديمقراطية ليبرالية تسمح بتعددية الآراء وحرية التعبير، ولكن مقابل مناهضي الحرب على صدام في أمريكا، هناك أضعافهم من المؤيدين للحرب، ولذلك فاز جورج بوش للمرة الثانية في الانتخابات الرئاسية التي جرت بعد الحرب على صدام.
لا شك أن أمريكا حاولت اتباع أقل الطرق خسارة في إسقاط حكم البعث، وإلا من الجنون أن تفضل حرباً كلفتها نحو ترليون دولار، و4500 قتيل، وأكثر من ثلاثين ألف إصابة . ومن هنا نستنج أن أي طريقة أخرى أقل كلفة هي مجرد تمنيات وأفكار رغبوية ليس غير.
كذلك لا بد من الإشارة إلى أن هناك حالات تفرض الحرب رغم المخاطر بالخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات، لأن خسائر الإذعان للمعتدي أكثر من خسائر عدم مواجهته بالحرب. وأفضل مثال على ذلك هو مواجهة دول الحلفاء لدول المحور في الحرب العالمية الثانية رغم أنها كلفت أوربا نحو 55 مليون قتيل، وأضعاف هذا العدد من المعوقين والأرامل واليتامى، وعشرات المدن سويت بالأرض، وأوصلت أوربا إلى الإفلاس التام، والخراب الشامل لولا خطة مارشال الأمريكية لإعادة بنائها. ولكن مع ذلك، أثبت التاريخ أن هذه الحرب كانت ضرورية، ولولاها لكانت البشرية الآن مستعبدة تحت نير الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية وطغيان العسكرية اليابانية.

نفس العواقب المرعبة كانت ستتكرر في العراق ومنطقة الشرق الأوسط لو تركت أمريكا حزب البعث الصدامي يحكم العراق ويعيث في المنطقة. كذلك يعتقد بعض الناس وعن حسن النية، أنه كان بالإمكان إزاحة صدام وعدد قليل من أتباعه وترك بقية المؤسسات، العسكرية والأمنية والثقافية وغيرها على حالها، وإقامة نظام ديمقراطي بدون هذه التكاليف الباهظة. هذا الكلام في رأيي هو الآخر مجرد تمنيات غير قابلة للتطبيق، إذ كما يقول الإنكليز: (Easy said than done). فصدام جعل من الدولة العراقية أشبه بهرم مقلوب قائم على رأس صدام نفسه، فما أن يسقط صدام حتى وتنهار الدولة بجميع مفاصلها ومؤسساتها.

يريد هؤلاء الأخوة، سامحهم الله، إسقاط أشرس نظام دكتاتوري شرير، وإقامة أنضج نظام مثالي ديمقراطي مكانه بأقصر وقت وبأقل خسائر.. كن فيكون!. كذلك يعتقد العراقيون بأنهم معصومون من الخطأ، لذلك يعلقون غسيلهم وجميع نتائج أخطائهم على شماعة القوى الأجنبية، وبالأخص أمريكا، ويعفون أنفسهم من أية مسؤولية، يتغافلون عن أن أمريكا ساعدت شعوباً أخرى مرت بظروف مثل ظروفنا مثل المانيا، واليابان وكوريا الجنوبية، وكلها الآن تنافس أمريكا نفسها في التقدم الحضاري والازدهار الاقتصادي، فلماذا نجحت هذه الشعوب وتلكأ شعبنا؟ ألا يعني ذلك أن العيب فينا؟

مشكلة الناس أنهم بعد فترة قصيرة من إسقاط الحكم الجائر ينسون معاناتهم منه، وينشغلون بهموم العهد الجديد. فمن المستحيل، وبعد عشرات السنين من حكم الاستبداد، تحويل العراق إلى جنة عدن بغمضة عين، إضافة إلى الإرهاب الذي شنه البعثيون لتنغيص معيشة الناس لكي ينسوا مظالم البعثيين ويترحمون عليه، إضافة إلى تعقيدات ومشاكل المجتمع العراقي وصراعاته الطائفية والعرقية الموروثة عبر قرون. إن ثقافة الديمقراطية تحتاج إلى وقت ليهضمها شعب عاش كل حياته تحت حكم الاستبداد الغاشم.
بعد نشر القسم الأول من هذا المقال، استلمت العديد من التعليقات الذكية أرى من المفيد إيجاز البعض منها في هذا القسم:
قال أحد الأصدقاء، أن الحرب بدأت عام 2003، وكانت بين الشعب العراقي وحلفائه من جهة، وبين البعث وحلفائه من جهة أخرى، ولم تنتهِ لحد الآن. والبعث لم يشارك في الحرب وجهاً لوجه، بل على شكل إرهاب وباسم القاعدة. ولذلك لجأ البعث إلى أحط الوسائل خسة ودناءة في إثارة النعرات الطائفية من أجل أن يحرك أهل السنة لصالحه ويربط مصيرهم بمصيره. وما الاعتصامات ورفع الشعارات الطائفية البذيئة في المنطقة الغربية إلا دليل على هذا السلوك البعثي الخبيث. كذلك ما يسمى بـ"دولة العراق والشام الإسلامية" (داعش)، هي في الحقيقة "دولة" بعثية، ولكن تحت اسماء إسلامية، فمعظم قادة هذه الدولة الخيالية بعثيون يتنقلون في مثلث الموت (المحمودية- اللطيفية- الاسكندرية)، والآن في مدن محافظة الأنبار، وكذلك في محافظة ديالى.

كما وكتب الصديق الأستاذ ليث رؤوف حسن، تعليقاً يذكِّر به القراء بحياة العراقيين في عهد البعث قائلاً:  "لو تسأل العراقيين الموجودين في العراق: هل الآن أحسن أم نرجع لزمن الطاغية أفضل؟؟ حيث كانوا بدون كهرباء... والماء وسخ، والناس يبيعون أبواب بيوتهم وشبابيكها في الأسواق لتسديد لقمة العيش، ولا يوجد نظام تلفوني، ولا يستطيع الإنسان أن يقول نكتة إلا والحزب والثورة تعلقه، ويدفع أهله سعر الحبال والطلقات." ويضيف: "والذي يقول أن أمريكا جاءت من أجل النفط، أقول لهم اقرؤوا ما صرفته أمريكا  اثناء الاحتلال في العراق والتي تقدر بأكثر من تريليون دولار!!! أي أكثر من كامل الدخل العراقي من النفط لعشر سنوات!!!  فمن كان سيصرف بمثل هذا السخاء لينتظر عشرات الأعوام لإسترجاع المبلغ (غير خسائرهم البشرية)، حتى لو فرضنا أنهم لن يدفعوا للعراقيين ولا فلساً مقابل نفوطهم!!! نعم لقد جاؤوا لإزاحة النظام الذي هم خلقوه ووضعوه هنا في عراقنا لأنه أصبح لهم مكلفا ومثيرا للصداع في المراحل المقبلة من التأريخ وبعد زوال الخطر الشيوعي بزوال الإتحاد السوفياتي.)) انتهى

ماذا تحقق بعد إسقاط حكم البعث؟
نعود الآن إلى السؤال المهم وبيت القصيد: ماذا تحقق للشعب العراقي حتى يستحق كل هذه التضحيات؟ أي ما هي المنجزات؟
رغم الحملات الإعلامية الضخمة من الدس والتلفيق وكيل الأكاذيب في نفي الإيجابيات وتضخيم واختلاق السلبيات وتشويه الحقائق من قبل وسائل الإعلام العربية الرسمية وغير الرسمية المناوئة للتغيير في العراق لأسباب طائفية وعنصرية وسياسية، ورغم الإرهاب البعثي- القاعدي المدعوم من قبل هذه الدول ومشايخ الوهابية، لقد تحقق ما يلي:
1-  تم إسقاط أشرس نظام دكتاتوري عشائري همجي جائر، كان سقوطه حلماً يراود أبناء الشعب العراقي، و فوق قدراتهم الذاتية.
2-  تم إصدار دستور دائم يرقى إلى مستوى أرقى الدساتير في العالم المتحضر، رغم بعض الثغرات فيه، وأهم مادة في هذا الدستور هو: ((المادة(1): جمهورية العراق دولةٌ مستقلةٌ ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ (برلماني) ديمقراطيٌ اتحاديٌ )). كما وجاء في المادة الثانية: ((ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور)).
ومنذ إصدار هذا الدستور ولحد الآن تم الالتزام به نصاً.

3-  هناك احترام التعددية بجميع أشكالها، القومية، والدينية والمذهبية، والسياسية... أما ما يحصل من صراعات طائفية فهي نتاج الإرث الثقيل من الماضي البغيض، وبسبب الدور التخريبي الذي تلعبه فلول البعث والقاعدة لإفشال العملية السياسية. ولكن مع ذلك، فمسيرة الديمقراطية تحث الخطى إلى الأمام .
4-  خلال السنوات العشر الماضية، أجريت ثلاثة انتخابات برلمانية والرايعة على الأبواب في نهاية هذا الشهر (نيسان/أبريل الجاري)، ومثلها انتخابات مجالس محلية، نزيهة وعادلة بشهادة آلاف المراقبين الدوليين، لم يشهد العراق مثيلاً لها في تاريخه قبل 2003.
5- تم بناء جميع مؤسسات الدولة، الخدمية (المستشفيات، والمدارس والمعاهد والجامعات)، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها، وفق المبادئ الديمقراطية، فالجيش للدفاع عن حدود الوطن وليس للعدوان على الشعب وعلى دول الجوار، والشرطة في خدمة الشعب قولاً وعملاً، وليس ادعاءً كما كان في السابق، والقوات المسلحة خاضعة لأوامر القائد السياسي المدني المنتخب من قبل الشعب، ووزير الدفاع مدني أيضاً.
6- إرسال آلاف البعثات الدراسية إلى أرقى الجامعات الغربية بدون تحيز للانتماء الحزبي أو عشيرة الحاكم، للحصول على الشهادات العليا، الماجستير والدكتوراه وغيرها.
7- إعادة صيانة وتأهيل المؤسسات النفطية، العمود الفقري للاقتصاد العراقي، وزيادة انتاج النفط وبلوغه أرقاماً قياسية، والعمل للوصول الى 12 مليون برميل يوميا. وقد بلغت واردات النفط أرقاماً قياسية، تجاوزت مائة مليار دولار في العام الماضي. والجدير بالذكر أن هذه الواردات هي للشعب ولإعادة إعمار العراق ورفع مستواه المعيشي، وليس ملكاً للأسرة الحاكمة والحزب الحاكم ومرتزقته دون أن يعرف عنها الشعب كما كان في عهد حكم البعث الصدامي المقبور إلى غير رجعة.
8- في الوقت الذي يعاني العالم من ركود وكساد اقتصادي، بلغت التنمية في العراق في العام الماضي نحو 11% ، وفي العام الحالي تجاوزت نسبة 9 % ، وحتى وتجاوزت الصين.
9- - تبنى العهد الجديد نظام اقتصاد السوق والإنفتاح الإقتصادي وتشجيع القطاع الخاص لبناء مؤسسات اقتصادية تنافس قطاع الدولة في جميع المجالات الانتاجية والخدمية والتجارية دون استثناء بما فيه التعليم.
10- زيادة الميزانية لتصل الى 130 مليار كأعلى ميزانية في تاريخ العراق لحد الآن. وتحويل هذه الميزانية الى مشاريع ورواتب وإعانات لأبناء الشعب وليس إلى هبات للأسرة الحاكمة وزبانيتهم، وكوبونات نفط للصحفيين المرتزقة كما كان في عهد البعث.
11- إقامة شبكة واسعة من الاعانة الاجتماعية، ورعاية مئات الألوف من الأرامل واليتامى والمعوقين من تركة حروب وجرائم البعث، وإرهابه بعد سقوطه.
12- رعاية ذوي الشهداء وإنصاف السجناء السياسيين السابقين.
13- الشروع بالعمل بمخطط واسع لمشاريع الإسكان، وقد تمت المباشرة في بناء عشرات الألوف من الوحدات السكنية وبيعها على المواطنين بسعر الكلفة.
14- إعادة تأهيل المصانع العراقية التي كانت متوقفة في زمن صدام، والتي حرمت من الصيانة والإدامة، وكانت بحاجة إلى مليارات الدولارات لصيانتها، والآن أعيد تأهيل معظمها.
15- بناء مستشفيات جديدة وتوفير افضل الأجهزة الطبية والأدوية والحفاظ على العلاج المجاني فيها، إضافة إلى إرسال مرضى إلى الخارج لمن يصعب علاجه في الداخل وعلى نفقة الدولة.
16- لا يوجد سجين سياسي واحد بسبب الرأي، وإذا كان هناك سجناء فبسبب الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب عندما كانوا في السلطة البعثية، أو لارتكابهم الإرهاب بعد سقوط البعث.
17- حرفية الجيش وجعله تطوعياً مما ساعد اقتصاديا جميع افراده، وبذلك فقد أزاح العهد الجديد ثقلاً كبيراً عن كاهل الشباب الذين كانوا معرضين للخدمة الإجبارية، وفي عهد البعث هناك أجيال قضت زهرة شبابها في الحروب العبثية.
18- حرية الصحافة، وحرية التفكير والتعبير، وحرية الأحزاب والرأي والنقد، والتظاهر، والتنظيم، والمعتقد، وفتح محطات إذاعية وفضائيات تلفزيونية وانترنتية من قبل القطاع الخاص، أغلبها معارضة للسلطة، بل وحتى يدعو البعض منها لإسقاط الحكومة صراحة وبمنتهى الحرية ودون ملاحقة إلا إذا تجاوز القانون.
19- زيادة دخل الفرد الى مئات المرات عما كان عليه في عهد حكم البعث. فكان راتب الأستاذ الجامعي مثلاً لا يزيد على دولارين أو ثلاثة في الشهر، مما يضطر إلى العمل كسائق تاكسي خارج الدوام ليضمن الحد الأدنى من العيش. كذلك، اضطرت آلاف العوائل إلى بيع أبواب وشبابيك وأثاث بيوتها ومكتباتها من أجل الحصول على لقمة العيش أو توفير الدواء لمريض.
20- توأمة الجامعات العراقية مع كبريات الجامعات العالمية في الغرب. إضافة إلى دعوة وتشجيع الأساتذة العراقيين والأجانب في الخارج إلى زيارة الجامعات العراقية كمحاضرين وممتحنين وتقديم المشورة والخبرات لتطويرها.
21- زيادة الطاقة الكهربائية بحيث سجلت ولأول مرة في تاريخ العراق فائضا قدر بـ 1000 ميغاواط
22- وضع خطة لربط العراق مع سوريا والأردن ومصر بشبكة انابيب نفطية ستساهم في نهضة اقتصادية في مجال البتروكيمياويات والمشتقات النفطية في هذه الدول، الأمر الذي يقوي العلاقة مع هذه الدول الشقيقة.
23- السعي لإقامة خط سكك الحديد مع الإتحاد الأوربي لاعتبار العراق ممرا للتجارة الأوربية مع الشرق وجنوب اسيا.
24- توقيع اتفاقيات التعاون في شتى المجالات مع الاتحاد الأوربي.
25- توقيع اتفاقية التعاون الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
26- محاربة المنظمات الإرهابية والفكر التكفيري والإقصائي.
27- نجاح العراق في المبادرة الزراعية مما زاد من الغلة الزراعية اضعاف ما كان عليه قبل 2003، بحيث سيكتفي العراق من الحنطة ذاتياً بعد خمس سنوات.
28- هناك حملة تقوم بها وزارة الزراعة لمكافحة التصحر، وقد نجحت في عدد من المناطق التي تمت مكافحتها.
29- عاد أكثر من 300 عالم وأكاديمي عراقي في العام الماضي بعد ان تم تولى مكتب وزير التعليم العالي متابعة معاملاتهم حيث لاقى هؤلاء الأكاديميون مشاكل كثيرة من دوائر الدولة والموظفين في انجاز معاملاتهم مما دفع وزير التعليم العالي الى تبنيها بنفسه، حيث يقوم الان من يود العودة للعمل في العراق رفع طلبه الى الوزير شخصياً، وان العائدين يتمتعون بإمتيازات تقابل امتيازاتهم في بلد المهجر كما يتم تخصيص دار سكن لائق على حساب الدولة لكل عائد منهم.
30- - لأول مرة في تاريخ العراق تهتم الدولة بالمتقاعدين بحيث تزيد رواتبهم مع التضخم، ووضع حد ادنى لضمان العيش اللائق، اضافة الى تخصيص مكافاءات (رواتب شهرية) لطلاب المدارس من الابتدائية الى الجامعات والدراسات العليا، ناهيك عن المباشرة بحملة محو الأمية ومنح الدارسين فيها مكافاءات ايضا، والشروع ببناء أقسام داخلية وفق مواصفات معتمدة عالميا.
هذه الانجازات وعشرات غيرها هي أخبار مفرحة لمحبي العراق الديمقراطي، وسيئة ومحزنة لأعداء العراق الذين يعتبرون أي نجاح له بمثابة كابوس لهم، وعند قراءتهم لمثل هذه الأخبار يسارعون لتدبيج المقالات لإنكارها ووضع قائمة طويلة من السلبيات بديلاً لها، وعلى رأسها الإرهاب الذي يشنه البعثيون باسم القاعدة، ليثبتوا أن عهدهم كان عهد تقدم وازدهار وأمان، بينما في الواقع كان عهد خراب ودمار شامل.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
1- عبد الخالق حسين حول إستراتيجية أمريكا في الشرق الأوسط
http://www.aafaq.org/masahas.aspx?id_mas=859

2- عبدالخالق حسين: "هل كان إسقاط حكم البعث بسبب النفط؟
http://www.aafaq.org/masahas.aspx?id_mas=688

3- د عبدالخالق حسين هل كان إسقاط نظام البعث خطأً؟  http://www.elaph.com/Web/ElaphWriter/2006/3/137525.htm?sectionarchive=ElaphWriter

4- عبدالخالق حسين: إسقاط حكم البعث في الميزان(1-2)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=643

5- عبدالخالق حسين: بمناسبة مرور 11 عاماً على تحرير العراق من الفاشية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=641

67
إسقاط حكم البعث في الميزان(1-2)

د.عبدالخالق حسين

بمناسبة مرور 11 سنة على إسقاط حكم البعث الفاشي في العراق، وما نجم عنه من تداعيات، ومضاعفات، وصراعات، وعمليات إرهاب، وفضح المستور من عيوب المجتمع العراقي، وخاصة الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة، والأثنية بين الكرد والعرب، ومعانات الأقليات الدينية، يتجدد السجال ويطرح العراقيون والمحللون السياسيون في العالم العربي والغرب، المتابعون للأزمة العراقية، أسئلة مهمة و مشروعة مثل: هل ما تحقق بعد إسقاط حكم البعث كان يستحق كل هذه التضحيات التي دفعها الشعب العراقي من أرواح أبنائه وممتلكاته، وتخريب مؤسساته الاقتصادية والخدمية؟(Was it worth it?)، أما كان الأفضل الانتظار ليسقط حكم البعث بطريقة وأخرى أقل خطراً وتكلفة مما حصل؟ وهل العراق اليوم أفضل من عراق في عهد صدام؟ وهل العالم اليوم أفضل مكاناً للعيش بإزاحة البعث عن الحكم في العراق؟
بالتأكيد من غير المتوقع أن نحصل على اتفاق في الجواب على كل هذه الأسئلة، فالناس يختلفون في مواقفهم من كل شيء، فكيف من قضية مثيرة للجدل إلى حد العداء والاقتتال مثل قضية تحرير العراق، خاصة وقد تم هذا التحرير على يد أمريكا، الدولة العظمى، التي أدمن المؤدلوجون في العراق والبلاد العربية على معاداتها منذ الرضاعة؟

ولكن على قدر ما يخصني الأمر، ففي رأيي، الجواب على جميع هذه الأسئلة: نعم، العراق أفضل الآن مما كان عليه في عهد صدام، وتحقق الكثير، خاصة في مجال الديمقراطية. فالعراق يكاد يكون البلد الوحيد في المنطقة العربية والشرق الأوسط الذي يتمتع شعبه بالحرية والديمقراطية، ولكن كما قال الكاتب السياسي الإيراني المعروف أمير طاهري: "العراق ليس طريقا مفروشا بالورود.. لكنه في طريقه نحو الأحسن".(1)
صحيح أن حياة العراقيين لم ترق إلى ما كنا نتمناه ونطمح إليه، ولكن هذا النقص ليس بسبب الحكومة المنتخبة، أو الديمقراطية، بل بسبب أعداء الديمقراطية الذين هيمنوا على السلطة لعشرات السنين بالقبضة الحديدية، ورأوا في الديمقراطية ضرراً عليهم. لذلك فبمقارنة منصفة بين العهدين نعرف مدى التغييرات الإيجابية التي طرأت على حياة العراقيين، اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً، وخاصة في حرية التعبير والتنظيم. فهناك عشرات الفضائيات، والإذاعات، ومئات الصحف، وأغلبها ملك القطاع الخاص، إضافة إلى آلاف المواقع الإنترنت،  تمارس الحرية في نقد الحكومة بما فيها أعلى الرئاسات في الدولة، بل وحتى كيل الشتائم والافتراءات على الحكومة والتحريض ضدها، والدعوة لإسقاطها ودون أية محاسبة. كذلك هناك مئات الأحزاب السياسية، وأكثر من أربعة آلاف منظمة اجتماعية وثقافية، ناهيك عن الهاتف النقال الذي بلغ عدده ما يقارب ثلاثة أرباع عدد سكان العراق إذا ما طرحنا منه الأطفال دون سن السادسة. وهذه الحالة لم يعرفها العراق في تاريخه من قبل.

يحاول أعداء الديمقراطية تضخيم السلبيات، واختلاق الكثير منها وإنكار ونفي الايجابيات التي تحققت خلال 11 سنة الأخيرة، بل واستعاروا جميع التركة الثقيلة التي ورثها العراق من حروب البعث الصدامي، الخارجية والداخلية، من ملايين المعوقين والأرامل والأيتام والخراب في البنى التحية، ونسبوها إلى العهد الجديد وتبرئة حكم البعث منها.
إذ كما قال توني بلير للبي بي سي في العام الماضي: "...أن قضية العراق تبقى خلافية... لقد اقتنعتُ منذ مدة بعدم جدوى محاولة إقناع الناس بأن القرار الذي اتخذناه كان صائبا." ولكنه يضيف: " فلو أننا لم نزح صدام حسين من السلطة، ما الذي كان سيحدث لو أن هذه الثورات العربية قائمة، وصدام حسين، يحاول قمع انتفاضة في العراق، مع العلم أنه أسوأ من بشار الأسد في سوريا 20 مرة."

في الحقيقة كلنا نعرف أن صدام ليس أسوأ من بشار بعشرين مرة، بل آلاف المرات، فصدام لا مثيل له في القسوة، وربما أقرب شخص له هو ستالين وبول بوت. فعدد القتلى من الانتفاضة السورية بلغ نحو 130 ألفاً خلال الأعوام الثلاثة، والقسم الأكبر من الضحايا قتلوا على أيدي الجيش السوري الحر، والجبهة الإسلامية و"جبهة النصرة" التابعة للقاعدة. بينما قتل صدام حسين من العراقيين خلال انتفاضة آذار (الشعبانية) عام 1991، نحو 300 ألف خلال ستة أسابيع فقط. وصدام كان مستعداً لإبادة كل الشعب العراقي في سبيل بقائه في السلطة. والذي ينكر هذه الحقيقة إما جاهل، أو مع إبقاء حكم البعث الفاشي.
ليس هناك إنسان سليم العقل يرغب بالحرب، وخاصة على بلاده، ولكن ما العمل إذا كان البديل هو الأسوأ شراً. لذلك، نعتقد أن حرب تحرير العراق كان لا بد منها ومبررة. فنظام البعث كان حرباً دائمة على الشعب العراقي، إضافة إلى حروبه الخارجية حيث شن حرباً على إيران دامت 8 سنوات أهلكت الحرث والنسل، كذلك احتل الكويت، وتسبب في فرض الحصار الاقتصادي الأممي على الشعب العراقي لـ 13 سنة. وفي هذه الحالة كانت الحرب عادلة على حرب عبثية جائرة. وفي هذا الخصوص يقول الفيلسوف الكوبي خوسيه مارتي، صاحب جائزة  السلام باسمه: "مجرم من يخوض حربا يمكن تفاديها. ومجرم من لا يخوض حربا لا يمكن تفاديها." لا شك أن الحرب على الفاشية البعثية ما كان بالإمكان تفاديها في جميع الأحوال، لأن هذا النظام المجرم قد أذل الشعب العراقي إلى أبعد الحدود.

اعتراضات أعداء تحرير العراق
يعترض أعداء تحرير العراق بالقول أن بوش وبلير قد رتبا إسقاط صدام على الكذب بامتلاك صدام أسلحة الدمار الشامل، ولم يكن لسواد عيون العراقيين، أو لإقامة نظام ديمقراطي، بل لنهب نفط العراق واسعتباد شعبه وقتله، ولخدمة إسرائيل، والحرب غير مشروعة لأن أمريكا لم تحصل على تخويل من الأمم المتحدة...الخ، ويرددون القول: "ما بني على باطل فهو باطل"، وهو منطق ينطبق على موقف البعثيين وحلفائهم بالدرجة الأولى. على أي حال، لنناقش هذه الاعتراضات كالآتي:

أولاً، مسألة عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل
صحيح، لم يعثر المفتشون الدوليون بعد إسقاط حكم البعث على هذه الأسلحة، وهذا لا يعني أن صدام ما كان يمتلكها قبل سقوطه، ولكنه دمرها أو أخفاها في رمال الصحراء الواسعة فيما بعد. وبالتأكيد كان يخطط لامتلاكها، فقد بدد الطاغية ثروات البلاد على برنامجه النووي بشهادة الخبراء العراقيين في الفيزياء النووية الذين عملوا في هذا المجال. وفي هذه الأيام هناك شهادة لخبير أمريكي قال أنه من المحتمل أن صدام أخفى أسلحته النووية لدى سوريا بنصيحة من روسيا.(2).
والجدير بالذكر، أن سلاح الدمار الشامل لا يعني القنبلة النووية فقط، بل يعني أيضاً، الأسلحة الجرثومية والغازات السامة. والمعروف أن صدام استخدم الغازات السامة المحرمة دولياً ضد الكرد في حلبجة، وضد عرب الأهوار، وضد الجيش الإيراني في حربه مع إيران. وهذه حقائق مثبتة لا جدال فيها. وحتى لو سلمنا جدلاً بعدم وجود السلاح النووي، فصدام هو الذي جعل العالم يعتقد بامتلاكه له، أو كان يخطط لامتلاكه، حيث كان يتباهى أمام الإعلام العالمي مهدداً بحرق نصف إسرائيل، وهذا التهديد لا يمكن تنفيذه إلا بالسلاح النووي. أما إذا تبين أن تهديداته كانت فارغة ولتخويف إيران كما أدعى أتباعه فيما بعد، فالذنب والمسؤولية في هذه الحالة يقعان عليه هو وليس على من اتخذ تهديداته بالجدية.
أما أمن إسرائيل فهو جزء من إستراتيجية أمريكا وكل الدول الغربية، وهذا ليس سراً يخفونه. ولكن، هل حقاً، كان صدام حسين يشكل خطراً على أمن إسرائيل؟ الحقيقة المرة هي أن سياسات صدم الطائشة كانت قد خدمت إسرائيل وأضرت بالقضية الفلسطينية وذلك عن طريق إدعاءاته الزائفة بحرق إسرائيل، ودعمه للمتطرفين الفلسطينيين من أمثال عصابة أبو نضال وغيره، وكذلك دوره التخريبي في لبنان إثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

ثانياً، أمريكا لم تسقط حكم البعث لسواد عيون العراقيين!.
هذا الاعتراض صحيح، ولم ينكره أحد، وقد أكدناه مراراً بالقول أن في السياسة لا يوجد شيء اسمه (سواد عيون)، بل مصالح، إذ كما يقول الإنكليز: لا توجد وجبة مجانية (There is no free lunch). وكعراقي، لا يهمني أن ما قام به بوش وبلير لسواد عيون العراقيين، أو لوجه الله، أو لمصلحة بلدانهم، أو لدمقرطة العراق والمنطقة، وإنما الذي يهمني هو: أن إسقاط حكم البعث كان أكبر خدمة للشعب العراقي وشعوب المنطقة، فلأول مرة في التاريخ تتطابق مصلحة الشعب العراقي مع مصلحة الدولة العظمى بعد انتهاء الحرب الباردة. لذلك، فمن الجنون والعبث تفويت الفرصة وعدم الاستفادة منها، بغض النظر عن أغراض الآخرين من هذه العملية. فالعراق كان محتلاً من قبل حزب البعث الذي ألحق به أشد الدمار الشامل وأذل شعبه.

ثالثاً، جاءت أمريكا لنهب النفط العراقي!
هذه الحجة هي الأخرى لم تصمد أمام أية مناقشة منطقية منصفة. والسؤال هنا: هل حقاً منع صدام النفط عن أمريكا؟ الجواب: كلا وألف كلا، فاغتصاب حزب البعث للسلطة لم يتم إلا بمساعدة الاستخبارات الأمريكية بسبب منافسة الشركات الأمريكية للشركات الفرنسية التي تعاملت حكومة الرئيس الراحل عبدالرحمن عارف مع الأخيرة، ودعم أمريكا لصدام معروف في الحرب العراقية- الإيرانية. وحتى لو افترضنا جدلاً، بأن أمريكا جاءت من أجل النفط، فما الضير في ذلك؟ إذ نحمد الله على أنه وهب العراق شيئاً يجذب أمريكا لتحريره من طغيان حكم البعث الصدامي. وهل أمريكا تريد النفط مجاناً، فإذا لم نبعه على أمريكا وغيرها، فماذا عسى أن يعمل الشعب العراقي بنفطه، خاصة وقد عانى الشعب أشد المعاناة إثناء الحصار؟
كذلك هناك مبالغة في دور النفط، إذ، صعدت أسعار النفط بعد سقوط حكم البعث أرقاماً قياسية خلقت أزمة اقتصادية لأمريكا وللعالم، وهذا يؤكد الحقيقة أن أسعار النفط لا تتحكم بها أمريكا، بل يقررها قانون السوق (العرض والطلب). كما وأثبتت صفقات أو تراخيص استثمار النفط التي وقعتها الحكومة العراقية مؤخراً، تمت مع شركات تابعة لدول وقفت ضد الحرب على صدام، (روسيا والصين خاصة)، أما الشركات الأمريكية فكانت هي المتضررة. وهذا يدحض جميع الإدعاءات القائلة أن أمريكا أسقطت صدام من أجل نهب ثروات العراق النفطية، كما ويدحض القول بأن الحكومة العراقية الحالية هي عميلة، نصبها الاحتلال وتأتمر بأوامره!!. والمفارقة أن آخرين يدعون أن هذه الحكومة نصبتها إيران، عدوة أمريكا الأولى، وتأتمر بأوامرها، وهنا التناقض في أقوال أعداء العراق الجديد، ومعظمهم من سجناء كهوف الأيديولوجيات الشمولية المظلمة التي فضلت إبقاء الطاغية صدام في الحكم يضطهد الشعب العراقي على تحريره من قبل أمريكا.

رابعاً، الحرب على صدام غير مشروعة لأنها لم تحظى بالموافقة الدولية!

يقولون أن هذه الحرب لم تحظ على موافقة مجلس الأمن الدولي، ولذلك فهي غير مشروعة!!. الكل يعرف أن أصدقاء صدام في المجلس من الدول الكبرى (روسيا، والصين وفرنسا) كانوا مستعدين لاستخدام حق النقض (فيتو) ضد القرار لو حاز بأكثرية الأصوات. كذلك نعرف أن توني بلير، وبل كلنتون شنا حرباً على حكومة الفاشي الصربي ميلوسوفيج لإنقاذ شعوب البلقان (بوسنيا وكوسوفو وغيرهما) بدون الموافقة الدولية، إذ كما قال علي عزت بيغوفيتش، أول رئيس جمهورية للبوسنة والهرسك، لو انتظر الحلفاء موافقة مجلس الأمن، أو الوحدة الأوربية لأبيدت شعوب البلقان. وحتى لو كانت أمريكا قد حصلت على التخويل الدولي لقالوا أن الأمم المتحدة تابعة لأمريكا وطعنوا في القرار.

إذَنْ، لماذا أقدمت أمريكا على إسقاط حكم البعث؟

السبب واضح، وهو أن صدام هو الذي جعل القضية العراقية قضية دولية، بشنه الحرب على إيران وغزوه للكويت وبرناوجه النووي، وادعائه الزائف بحرق إسرائيل. لذا، فحتى بعدم العثور على أسلحة الدمار الشامل، إلا إنه هو الذي أشاع هذه الفكرة، وبالتأكيد كان يعمل على امتلاكها، وهذا خط أحمر لا يسمح به لأية دولة مارقة في المنطقة. وفي هذا الخصوص ذكر صموئيل هانتنغتون (صاحب كتاب صدام الحضارات)، أنه لو أجَّل صدام حسين احتلال الكويت لثلاث سنوات لما استطاعت أمريكا إخراجه منها، لأنه كان سيمتلك السلاح النووي في نهاية هذه المدة، وعندئذ لم يكن بمقدور أمريكا مواجهة محتل يمتلك السلاح النووي، ولأقدم صدام على احتلال كل الدول الخليجية بما فيها السعودية، وهيمن على كل نفط الخليج، وهذا ما يعرفه جيداً واضعو إستراتيجية الدول الغربية، ويعتبرونه كابوساً لم ولن يسمحوا له أن يحصل. كذلك لا ننسى دور عملية 11 سبتمبر 2001 الإرهابية في تغيير موقف أمريكا من الأنظمة المستبدة المارقة، مثل حكومة طالبان وصدام، والقذافي وغيرهم، والمنظمات الإرهابية التي كانت تدعمها وترعاها إبان الحرب الباردة، فصارت هذه الدول والمنظمات تهدد أمن أمريكا نفسها، حيث انقلب السحر على الساحر، وفي هذه الحالة، فالشعوب المضطهدة من قبل هذه الأنظمة المستبدة، هي المستفيدة من هذا التحول، وهذا هو حكم التاريخ العادل، أو ما يسمى بمكر التاريخ.

ما هو ثمن الخلاص من حكم الطغيان؟
لا شك أن ثمن إسقاط حكم البعث كان باهظاً، ومازال الشعب العراقي يدفع، وفي هذا الخصوص يسأل توني بلير في مذكراته: "هل كان من الأفضل ترك صدام يحكم العراق ويضطهد شعبه، ويشكل خطراً على شعوب المنطقة؟" فيجيب: "كنا نعرف أن إزالة حكم صدام لها عواقب، ولكن عواقب عدم إزالته أوخم وأسوأ."
وقد ذكرنا سابقاً عن عواقب عدم إسقاطه، فلو بقي حكم البعث عشر سنوات أخرى لهلك هذا الشعب وأغلب الاحتمال لفرغ العراق من سكانه عن طريق الإبادة، والحصار والهجرة. وبذلك فخسائر عدم إسقاطه تفوق خسائر إسقاطه. كما وتؤكد الحقائق أن أكثر من 95% من الضحايا العراقيين تم قتلهم على أيدي الإرهابيين البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة الوافدين من السعودية وغيرها من البلدان العربية.
 
وفي المحصلة النهائية، لو قارنا الأعداد الهائلة من القتلى، والمصابين والمعوقين والأرامل والأيتام في العراق، التي حصلت في عهد حكم البعث، نراها تفوق عشرات المرات مما حصل بعد إسقاطه، خاصة وأن البعث كان قد خطط في سبيل بقائه في السلطة حتى ولو كلف العراق الدمار الشامل. فالبعث قد مارس إرهاب الدولة يوم كان في الحكم، ويمارسه الآن وهو خارج الحكم وبأسماء منظمات إسلامية وهمية، ومنظمة القاعدة الإرهابية، علماً بأن أتباع القاعدة هم تحت سيطرة وقيادة فلول البعث (داعش الآن).
قد يعترض البعض فيقول: أنت لا تهتم بما يدفعه الشعب في الداخل من تضحيات، لأنك تعيش في الخارج، وهل توافق أن تكون من بين الضحايا؟ جوابي هو كالتالي: إن فلسفتي في الحياة أن أعيش حراً، وأني أؤمن إيماناً عميقاً بأن حياة الذل والعبودية لا تستحق أن تعاش، فالعبرة ليست في بقاء الإنسان حياً لأطول فترة، بل لنوعية الحياة التي يعيشها. ولذلك أقسم بكل مقدساتي، أنه لو كنت مخيراً بين العيش تحت حكم البعث الصدامي عبداً ذليلاً، أو الموت، لفضلت الموت، سواءً عن طريق التفجيرات أو غيرها. ومن المؤكد، أني لو لم أخرج من العراق عام 1979، لكنت واحداً من الذين قتلهم حكم البعث.

كان الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت Kant قد رحب بالثورة الفرنسية عام 1789م، وحينما نقلوا له صور الرعب والرؤوس المتطايرة على المقصلة، أجابهم قائلاً: "إن كل هذه الفظاعات لا تقترب بشيء من استمرار حكم الطغيان؟". علماً بأن الملك لويس السادس عشر كان أقل ظلماً من جميع أسلافه من ملوك فرنسا، وجميع ملوك أوربا في زمانه، ويعتبر ملاكاً مقارنة بصدام حسين.

نعم، كل ما يواجهه الشعب العراقي من فظاعات على أيدي الإرهابيين، هو ثمن كان عليه أن يدفعه ليتخلص من حكم الطغيان البعثي الصدامي، وكان يدفعه في جميع الأحوال حتى في عدم إسقاطه وربما بأرقام مضاعفة، وعدم إسقاطه كان مجرد ترحيل السقوط وتداعياته ومضاعفاته إلى جيل آخر ليدفع الثمن أكثر، ولو سقط صدام على أيدي الشعب العراقي لصار العراق نسخة من الصومال. لذلك فإسقاطه على يد أمريكا كان في صالح الشعب العراقي، ويستحق التضحيات، فالشعب الآن عرف طعم الحرية ولن يتخلى عنها، ومستعد لبذل المزيد في سبيلها، إذ كما قال الشاعر التونسي الخالد، أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيب صعود الجبال... يعش أبد الدهر بين الحفر

يتبع
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1-  أمير طاهري: العراق ليس طريقا مفروشا بالورود.. لكنه في طريقه نحو الأحسن
http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12533&article=721778&feature=

2-  Saddam hid his WMD in Syria
* http://www.rawstory.com/rs/2013/03/22/fox-news-analyst-very-high-probability-iraq-hid-wmds-in-syria/

3- د. عبدالخالق حسين: بمناسبة مرور 11 عاماً على تحرير العراق من الفاشية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=641



68
الانتخابات، وهستيرية الحملات التسقيطية
د.عبدالخالق حسين

في الثلاثين من هذا الشهر (نيسان/أبريل الجاري) سيخوض الشعب العراقي الانتخابات النيابية للمرة الرابعة، يتنافس فيها مرشحون بلغ عددهم أكثر من تسعة آلاف مرشح ومرشحة على 328 مقعداً. وكما ذكرتُ مراراً، أن هذه الحملات الانتخابية عبارة عن دورات تدريبية للشعب العراقي على تعلم قواعد لعبة الديمقراطية. لذلك فلا نستغرب عندما يمارس بعض المرشحين أساليب غريبة وعجيبة، سواء لتسقيط منافسيهم، أو لتسويق أنفسهم للناخبين، منها على سبيل المثال، أن أقسم أحدهم أغلظ الإيمان أنه مرشح من قبل الرسول (ص) كما ظهرتْ العبارة في ملصقه الذي يحمل صورته، وآخر مسيحي أشهر إسلامه وانضم إلى إحدى قوائم الإسلام السياسي الشيعي (الشرق الأوسط، 5/4/2014). ومنذ مدة تصاعدت الحملات الإعلامية التسقيطية إلى حد كسر العظم ضد الخصوم السياسيين وعلى الطريقة العراقية واحذروا التقليد !!!
لعل أخطر ما يهدد الديمقراطية في أي بلد هو الانتقال المفاجئ من الدكتاتورية الجائرة إلى الديمقراطية المنفلتة بدون مقدمات لتحضير الشعب بعد عشرات السنين من الفاشية البعثية التي انتهكت كرامة الإنسان العراقي، والقيم الإنسانية، ومحاولة النظام الساقط قولبة المجتمع وفق أيديولوجيته الفاشية، وأن لا يصلح معه إلا الحكم بالقبضة الحديدية. إضافة إلى الاحتقان الطائفي والعرقي، وتراكمات الماضي البغيض، وتدخل دول الجوار في تحريض مكون على آخر. فهكذا ديمقراطية منفلتة تفسح المجال للتدخل الخارجي، ويستفيد منها الإرهابيون من عصابات التفجيرات والكواتم، وبلطجة الأقلام المأجورة الذين سخروا أقلامهم لكل من يدفع.
ولكن من الجانب الآخر، ولنكن منصفين، فالانتقال التدريجي من الدكتاتورية البعثية إلى الديمقراطية ما كان ممكناً إلا إذا كان قد قام به صدام حسين نفسه، وهذا من سابع المستحيلات كما يقولون. لذلك، فما حصل من تدخل خارجي لم يكن له بديل عملي إلا في مخيلة الحالمين الطوباويين الذين أضاعوا العمر في طلب المحال.
فالديمقراطية لها أعداء أللداء من الذين انفردوا بحكم العراق لعشرات السنين، لا يمكن أن يتخلوا عن مواقعهم بهدوء وسلام. لذلك عارضوها بشراسة وبمختلف الوسائل، منها: بالمقاومة المسلحة وتحت مختلف الحجج، فمرة باسم (مقاومة الاحتلال الأجنبي)، وبعد أن خرجت القوات الأجنبية، تذرعوا بحجة مقاومة "الاحتلال الصفوي"، على اعتبار المشاركين الشيعة في السلطة، ورئيس وزراء شيعي هم صفويون، وادعوا أن حاكم العراق الحقيقي هو الجنرال الإيراني قاسم سليماني!!.
ومن وسائلهم الأخرى لمنع الديمقراطية محاربتهم للإنتخابات، ففي كل دورة انتخابية لا بد وأن يقوموا بتصعيد الإرهاب والحملات الدعائية الهستيرية التسقيطية، وخلق أجواء متوترة عسى أن يؤجلوا الانتخابات كما هي الحال من حروب "داعش" و"الغبراء" في محافظة الأنبار، حيث بلغ بهم الأمر حتى بقطع المياه من سدة الفلوجة. وهذا ما وعد به أحدهم أنهم إذا ما استقلوا فسيقطعون الماء عن الوسط والجنوب!!.
كما تذرعوا في الهجمة على الانتخابات أنها لا تعني الديمقراطية!! وقد أجبنا مراراً على هذه الخرافة، نعم، (ليس على الانتخابات وحدها تحيى الديمقراطية)، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات ولا بد منها، لأنها الطريقة الحضارية الوحيدة لتبادل السلطة سلمياً بقصاصة ورقة بدلاً من الرصاص.

كما ونجح أعداء الديمقراطية من دول المنطقة في تأجير أقلام عراقية كنا نكن لهم الاحترام لخلفياتهم اليسارية، ومناهضتهم لحكم الدكتاتور صدام حسين، وإذا بهم بعد التحرير، يركضون وراء أول عظمة يرميها لهم رئيس تحرير أية صحيفة خليجية معادية لدمقرطة العراق، ليجعل من قلمه معولاً يهدم به عراق ما بعد صدام. وأوضح مثال هو فخري كريم وجوقته في المدى، و رشيد الخيون، النجم اللامع في الصحف السعودية والإماراتية، الذي راح يتهم كل من لا يوافقه على آرائه بالعمالة (1 و2). وعلى سبيل المثال، فقد كتب الخيون مقالاً بعنوان: (شكوى إلى والي العراق.. "سليماني"!)، ليغمز أن العراق بعد صدام صار مستعمرة إيرانية تناغماً مع ما يردده البعثيون والحكومات الداعمة لهم. فالبعثيون وحلفاؤهم راحوا يرددون هذه الفرية ليل نهار حتى صدق بها السذج من بسطاء الناس وفق مقوله أستاذهم غوبلز، وزير الإعلام في حكومة هتلر: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس، وحتى تصدق نفسك!!". فهل حقاً كان الخيون مقتنعاً بهذه التهمة، أم كتب ما أملاه عليه أولياء النعمة؟ إن إنتهازية الخيون تؤكد لنا مدى ضعف الإنسان أمام المغريات المادية، بحيث يقفز وبمنتهى الخفة والرشاقة من الانتماء الشيوعي إلى أداة طيعة بأيدي أعداء وطنه من الحكومات الوهابية مثل السعودية التي عداؤها للعراق جزء أساسي من أيديولوجيتها الوهابية. حقاً ما قاله لينين: «المثقفون أكثر من يخونون الثورة لأنهم الأقدر على تبرير الخيانة».
الملاحظ أيضاً، أن حملة تسقيط الخصوم السياسيين تركزت ضد شخصيات من كتلة (دولة القانون) وبالأخص ضد رئيسها السيد نوري المالكي، وفي مختلف وسائل الإعلام المضاد. إذ هناك كتّاب فقدوا توازنهم فراحوا يكتبون بعناوين بذيئة يندى لها الجبين مثل:(... قرج ميسان)، و(أسكتي يا أدبسز)، ومقالات مليئة بالشتائم والألفاظ البذيئة والاتهامات الباطله... الخ.
ولم يسلم من هذه الحملة الهستيرية حتى رجل الدين الوقور الزاهد مثل آية الله السيستاني، الذي لولا مواقفه المشرفة ومطالبته أبناء طائفته بالصبر وضبط النفس في مواجه التفجيرات وحرب إبادة الجنس، لكانت الكارثة أضعاف مضاعفة على السنة والشيعة، حتى أن الصحف الغربية مثل (الديلي تلغراف) اللندنية رشحته لجائزة نوبل للسلام.
وفي كذبة مفضوحة، بثت فضائية (الإتجاه) المشبوهة افتراءً ادعت فيه أن دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي أيام الحرب على صدام، كتب في مذكراته بأنه التقى بالسيد السيستاني قبل الحرب ودفع له 200 مليون دولار مقابل إصدار فتوى للشيعة بعدم محاربة القوات الأجنبية، وأن السيستاني وافق وحقق له الغرض!! وقبل أيام قام شخص يتباهى بانتمائه البعثي بتعميم رابط هذه الفرية التلفزيونية، مع رسالة بدأها بقوله: (شاهدوا الفضيحة من العيار الثقيل عن السيستاني). طبعاً هذا كذب وإفتراء، فلو كان السيد حقاً قد أصدر مثل هذه الفتوى، فلماذا لم يطعه جيش المهدي وهم شيعة؟ كذلك سألتُ العديد من الذين قرأوا مذكرات رامسفيلد فيما إذا كان قد أشار إلى هذا الخبر، فنفوا ذلك جملة وتفصيلاً. فلو كان رامسفيلد قد ذكر هذا الشيء لتناولته وسائل الإعلام العربية والعالمية وطبلت له على جميع الموجات. وكذلك إذا  كان رامسفيلد قد دفع هذه الرشوة فلماذا بفضح نفسه؟ كذلك يمكن لأي باحث عن الحقيقة أن يحصل على نسخة من هذه المذكرات من أية مكتبة في أوربا أو عن طريق البريد من(amazon.com) ليتأكد بنفسه. ولكن تلامذة غوبلز لا يستحون. إذ كما قيل: "إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء".
فالسيد السيستاني يُسجَّل له موقفه المشرف من الانتخابات حيث أكد مراراُ على تشجيع الناخبين على الإدلاء بأصواتهم، ووقف على الحياد من القوى المتنافسة، وأفتى بمنع استخدام الرموز الدينية في الدعابات الانتخابية. وهذا ما طالب به العلامة علي الوردي، رائد الديمقراطية الليبرالية في العراق منذ الخمسينات من القرن الماضي، إذ قال ما معناه: لو كنت رجل دين لأفتيت بجعل المشاركة في الانتخابات واجباً دينياً. وعلى النقيض من موقف آية الله السيستاني الداعم للديمقراطية، طلع علينا رجل دين آخر وهو السيد كاظم الحائري، المقيم في قم/إيران، والذي أفتى بتحريم التصويت للمرشح العلماني. وهذا تدخل فض وسافر من رجل دين.
وفريق آخر من أعداء الديمقراطية مهمتهم بث روح اليأس والإحباط في نفوس العراقيين، إذ يروجون لعناوين مثل: (اقرأوا الفاتحة على بلد كان اسمه العراق)، على اعتبار أن العراق كان بألف خير أيام حكم البعث الفاشي. 
كما وتنشر هذه الأيام إشاعة مفادها أن بالإمكان المتاجرة ببيع البطاقات الانتخابية الإلكترونية، واستخدامها عدة مرات وفي مختلف المحطات والمراكز الانتخابية. وقد رد على هذه الفرية الأستاذ محيي الدين الخطيب، سفير العراق السابق في اليونسكو، في رسالة له تم تعميمها على البريد الإلكتروني مشكوراً، بعنوان: "تكذيب إمكانية المتاجرة ببيع البطاقات الانتخابية" قائلاً: ((الملاحظات التي تقرأونها هي لصديق عزيز أثق به كنفسي، ينفي فيها جملة وتفصيلا ما كان قد أذاعه (مركز قياس اتجاهات الرأي) عن إمكانية المتاجرة ببيع البطاقات الانتخابية، وبالتالي التلاعب بنتيجة الانتخابات. هذه كلها أكاذيب وتلفيقات الهدف منها التشكيك بنتائج الانتخابات المقبلة. أنا تحققت من الأمر من المفوضية نفسها وقد أخبرني أحد المديرين أن البطاقة لا يمكن استخدامها إلاّ في المركز الانتخابي المحدد فيه، فإن استُخدِمَتْ في غيرِه فإن الكمبيوتر لا يميزها ولن تعمل. كذلك فإن المقترع يجب أن يصطحب معه وثائق أخرى لإثبات هويته أي أن البطاقة وحدها لا تكفي)). وأضاف السيد الخطيب: ((هناك حملة لتزوير الحقائق في العراق والكذب في كل شيء وعلى كل شيء وفي كل الاتجاهات للأسف. ويتوهم مروجو هذه الأخبار والإشاعات أنهم سيُلحقون الهزيمة بخصومهم، ولكن يبدو أن العراق كلَّهُ اصبح خصماً للبعض ... حجم الحقد الذي يحمله البعض ضد كل شيء لا يوصف... إنها المأساة الحقيقية... تحياتي، محيي الدين الخطيب)). انتهىى.

كما وصارت الطائفية سلاحاً فعالاً في هذا المجال للتأجيج والتأليب ومهاجمة الخصوم إلى حد أن وصلت عدوى الطائفية حتى إلى الشعب الكردستاني الذي كنا ولحد وقت قريب نعتقد أن سياسييه ومثقفيه محصنون ضد وباء الطائفية، وعقدنا الأمل على نواب التحالف الكردستاني في البرلمان المركزي لدحر القوانين الجائرة التي تتضارب مع القيم العلمانية التقدمية. إلا إن البعض من نواب وكتاب الكرد، وللأسف الشديد، خيبوا أملنا، كما هو واضح من مقال لكاتب كردي بعنوان: "بنات البارزاني يلقنون ابناء العلقمي دروسا في الادب"(3). فأية لغة هذه التي اعتاد عليها تلامذة ساطع الحصري، منظر الطائفية وعرابها في العراق الحديث، ولكن أن يرددها كتاب كورد، فهذه قمة المأساة والملهاة.
وقبل ذلك، فقد أطلق نائبان من التحالف الكردستاني تصريحات فجة تنضح بالطائفية ضد الشخصية الوطنية والكردية السيد عادل مراد، القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني لكونه من الكورد الفيلية (شيعي). وقد  رد عليهم الكاتب الكوردي المميز، الأستاذ جمال فاروق الجاف بمقاله القيم الموسوم: (الى الاخوة في الحزب الديمقراطي الكردستاني مع تحياتي)، قال في مقدمته:
((قرأت وببالغ الاسف بعضا من التصريحات اللامسؤولة لأشخاص من قيادة  حزبكم والتي تنبعث منها رائحة الطائفية المقيتة، وهي حالة شاذة عن مجتمعنا الكردي. فقد صرح السيد عارف طيفور قبل ايام واصفا لقاء السيد عادل مراد سكرتير المجلس المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني والذي هو بمثابة برلمان الاتحاد، مع رئيس وزراء العراق السيد  نوري المالكي بلقاء شيعي!! وقبله باشهر صرح النائب في البرلمان العراقي والمحسوب على حزبكم السيد شوان طه ايضا قائلا بان عادل مراد ينتمي للمذهب الشيعي ولا علاقة لنا به!!  وبسخرية قال بان السيد مراد كردي شيعي فيلي!! ولكون السيدان عارف وشوان  يتقلدان مناصب رفيعة في حزبكم ويمثلانكما في البرلمان العراقي، ولكون حزبكم اصبح الحزب المهيمن على ادارة امور الاقليم وإدارة ملف السياسة الخارجية والنفط والغاز للاقليم بعد غياب الرئيس مام جلال، فان هكذا تصريحات من شأنها ان تسيء الى سمعة حزبكم. هذه التصريحات الشاذة عن المجتمع الكردي هي بادرة خطيرة لدق اسفين الفرقة ليس بيننا وبين اخوتنا  الشيعة في العراق فحسب، بل وحتى داخل البيت الكردي الذي يحتوي على مذاهب واديان متعددة ايضا كالكاكائية والشبك الشيعة والايزدية والمسيحيية واليهودية، فان لم تتداركوا الوضع فاني اخشى ان تولد تصريحات ممثليكم  مردودات سلبيه لا تحمد عقباها.))(4).
يبدو أن هناك خطة منسقة من قبل حكومات نفطية خليجية لجر كردستان إلى مستنقع الصراع الطائفي الذي يحرق المنطقة. فقد تم تسخير كتاب وسياسيين كرد من مختلف المستويات لهذا الغرض في وسائل الإعلام وخاصة صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية. وهذا الموضوع يحتاج إلى مقال مستقل.

والطامة الكبرى أنه حتى الدكتور أحمد الجلبي، رئيس حزب المؤتمر الوطني، الذي عقدنا عليه الآمال عندما كان يقود المعارضة ضد نظام صدام، وإذا به يفقد توازنه بعد السقوط لا يعرف كيف يتصرف مما أدى إلى إفلاسه سياسياً حتى ابتعد عنه أصدقاءه ومريدوه بحيث فشل في الانتخابات النيابية عام 2006، مما اضطره إلى الترشيح عام 2010 تحت عباءة السيد عمار الحكيم الذي لولاه لما صار نائباً. ففي الآونة الأخيرة راح الدكتور الجلبي يطلق تصريحات متناقضة لا تليق به، تكشف عن تقلباته ومعاناته النفسية، إذ يعتقد أنه الأفضل في قيادة العراق ويحلم بأن يكون رئيساً للوزراء، لذلك انضم إلى جوقة الحالمين بالمنصب من الذين رفعوا شعار (يا أعداء المالكي اتحدوا). فقبل فترة قرأنا له في وسائل الإعلام قوله: أن "مصادر كثيرة تؤكد أن القيادات في الإقليم تقف مواقف متناغمة مع الإرهاب في العراق من أجل أن لا تكون مناطق الإقليم ضمن نطاق العمليات الإرهابية، ومصادر تمويل الإرهاب الآن في بنوك أربيل تحت علم القيادات في كردستان، وأيضاً هناك العشرات من المتورطين في الإرهاب يتخذون من الإقليم إقامة لهم ولعوائلهم، لهذا ندعو الإقليم الكف عن مد يد العون لهذه الجماعات" (5)
ثم عاد الجلبي أخيراً ليقول في قناة (الميادين) أن "مسعود البارزاني هو الشخص المناسب لتبوئ منصب رئاسة الجمهورية". وعن الإرهاب في العراق قال لا فض فوه: "لا توجد دول داعمة للارهاب، وداعش “مساكين” يعيشون ويمولون قتالهم بأموال النفط السوري، وعددهم قليل جدا في العراق، وما يجري في المنطقة الغربية ليس ارهاباً وإنما انتفاضة السنة المظلومين المهمشين من قبل المالكي" . (6)
وإزاء هذه التقلبات من شخصية كالجلبي، ما لنا إلا أن نقول: سبحان مغير الأحوال، وإنا لله الواحد القهار، والله في عون الشعب العراقي.

خلاصة القول، إن الانتخابات وسيلة حضارية لتبادل السلطة سلمياً، يقوم الشعب باختيار حكامه عن طريق صناديق الاقتراع بدلاً من الانقلابات العسكرية. ورغم هذه الحملات الهستيرية لإرباك الوضع، إلا إنه ولحسن الحظ، الشعب العراقي لم يتأثر بها، فالأغلبية الساحقة مصممة على خوض الانتخابات، حيث "اظهر استبيان للرأي اجراه مركز مختص أن 70 بالمئة من المواطنين المشمولين بالانتخابات قرروا المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة"(صحيفة الصباح البغدادية).
لذلك نهيب بكل السياسيين والكتاب المخلصين لشعبهم أن يدعموا العملية الديمقراطية ويتجنبوا الدعايات السلبية التسقيطية، وإذا كانت هناك نقاط ضعف سلبية حقيقية ضد أي مرشح فليبروزها ولكن بدون مبالغة وافتراءات. فواجب المثقف التنوير ونشر الحقيقة وليس التضليل وصب الزيت على الفتن الطائفية والعرقية. فالشعب قد سأم من الحروب والإرهاب وعدم الاستقرار، والشعب العراقي، كغيره من الشعوب، يحلم بان يعيش بسلام واستقرار، ونظراً لتعددية مكوناته، لا يصلح له إلا النظام الديمقراطي العلماني وفق مبدأ (الدين لله والوطن للجميع). 
ــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات صلة
1- زهير شنتاف: يا رشيد الخيون : اذا كنا عملاء فمن تكون انت؟
http://www.shababek.de/pw3/?p=1033

2- زهير شنتاف:  رشيد الخيون و دراهم الامارات
 http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=100372#axzz2oOo8k3dV

3- محمد رضا عباس: كتاب طائفيون
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=157032#axzz2xtVLNem9

4- جمال فاروق الجاف:  الى الاخوة في الحزب الديمقراطي الكردستاني مع تحياتي http://alakhbaar.org/home/2014/3/164704.html

5- الجلبي: مواقف كردستان متناغمة مع الارهاب ومصادر تمويله في بنوك اربيل
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=1733615

6- الجلبي: ما يجري في الانبار ليس ارهاباً وإنما انتفاضة السنة المظلومين المهمشين من قبل المالكي
http://www.qanon302.net/news/2014/04/03/15727

69
بمناسبة مرور 11 عاماً على تحرير العراق من الفاشية

د.عبدالخالق حسين

تمر هذه الأيام الذكرى الحادية عشرة على قيام قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا لتحرير الشعب العراقي من الفاشية البعثية، نفس القوات التي حررت أوربا في الحرب العالمية الثانية من النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية، وحررت اليابان من العسكرتارية. ولكن المشكلة أن عملية تحرير العراق كانت وما زالت مثيرة للجدل، وحتى يستكثر علينا البعض استخدام كلمة (التحرير)، إذ يفضلون عليها كلمة "الاحتلال"، أو "الغزو" مع كلمات الإدانة مثل "الغاشم"...الخ. والمؤسف أن هذه الإدانة تأتي حتى من قبل بعض ضحايا النظام البعثي، ومن بعض المثقفين في العالم، وبالأخص من اليساريين. وسبب هذا الاختلاف هو أن الناس ينسون بسرعة معاناتهم على يد النظام الساقط وينشغلون بهمومهم الحاضرة. وهذا الجدل مستمر لحد الآن.

وعذرهم في استخدام كلمة "احتلال"، أن أمريكا نفسها تستخدم هذا التعبير، ويتهموننا بأننا ملكيون أكثر من الملك!! نسي هؤلاء أن سبب استخدام أمريكا لكلمة (الاحتلال) هو لأسباب قانونية دولية كي تحصل على تخويل قانوني من الأمم المتحدة لحماية العراق خلال الفترة الانتقالية إلى أن يتم تسليم الحكم إلى أهله. وهذا ما حصل بعد عام ونصف العام من إسقاط حكم البعث. لذا فبالنسبة لي كعراقي، فالعراق كان محتلاً احتلالاً داخلياً من قبل عصابة البعث المافيوية لخمس وثلاثين سنة، وكان أبشع احتلال في التاريخ. على كل حال، هناك أسباب كثيرة لاستمرار الجدل حول تقييم تحرير العراق من البعث الفاشي، وهي كالتالي:
1- تم التحرير بقيادة الدولة العظمى، أمريكا وبريطانيا، وهناك اسباب تاريخية لعداء مزمن من القوى السياسية المؤدلجة في العراق، اليسارية، والقومية، والإسلامية ضد أمريكا والغرب عموماً، فمن الشعارات التي رفعها الحزب الشيوعي العراقي قبل التحرير مثلاً، شعار: (لا للحرب ..لا للدكتاتورية). والكل يعرف أن الشعب العراقي حاول مراراً تحرير نفسه بقواه الذاتية، ولكن النتيجة كانت حرب الإبادة ومئات الألوف من القتلى وأكثر من 400 مقبرة جماعية تم اكتشافها لحد الآن.

2- أدَّعوا أن هدف أمريكا من احتلال العراق هو نهب ثرواته النفطية واستعباد شعبه وقتله، "وليس لسواد عيون العراقيين...!". ونحن نعرف أن أمريكا لم تنهب النفط، بل تشتريه بالعملة الصعبة، وارتفع سعر النفط إلى أضعاف سعره عما كان عليه قبل التحرير. كذلك دفعت أمريكا نحو 60 مليار دولار لإعمار العراق، إضافة إلى ما دفعته من تكاليف الحرب، البشرية والمالية. كما وساعدت أمريكا على إطفاء 90% من ديون العراق. فهل هذا احتلال استعماري كما يدعي أعداء العراق الجديد؟ 

3- شن أعداء تحرير العراق من فلول البعث وحلفائهم أتباع القاعدة، حرب الإرهاب وإثارة الفتنة  الطائفية، بدعم من الحكومات المنطقة مثل السعودية وقطر وتركيا، ومؤسساتها الإعلامية مثل قناة الجزيرة وغيرها، المعادية للديمقراطية في العراق الجديد لأسباب طائفية وسياسية واقتصادية، حاولت إفشالها بمختلف الوسائل.

4- بأوامر من حكوماتهم، أصدر رجال الدين السعوديون وغيرهم من أمثال القرضاوي، فتاوى لقتل العراقيين الشيعة ووصفوهم بـ"الروافض" و"الشيعة الصفوية، و"عملاء الفرس المجوس"، وقاموا بتدمير البنى الاقتصادية والركائز التحية بذريعة محاربة الاحتلال، وباسم "المقاومة الوطنية الشريفة". بينما الحقيقة تؤكد أن أعمالهم تلك كانت ومازالت حرباً طائفية وعنصرية بدليل أنه حتى بعد رحيل القوات الدولية نهاية عام 2011، استمرت حرب الإبادة ضد الشيعة، وهذه المرة  بحجة مقاومة "الاحتلال الصفوي". وكذلك الشعارات والشتائم الطائفية البذيئة التي رفعها البعثيون والقاعدة في التظاهرات الاعتصامات الأخيرة في المناطق الغربية. والمخزي والمخجل، أن هذه التظاهرات الطائفية وما رفع فيها من شعارات ومطالبات مخالفة للدستور، نالت مباركة البعض المحسوبين على اليسار العراقي الذين أدعوا أنها مطالب مشروعة، رغم أن من بينها مطالب مثل: إسقاط الدولة العراقية، وإلغاء الدستور، وإطلاق سراح جميع المتهمين بالإرهاب بدون تحقيق، وإلغاء قانون العدالة والمساءلة، بل وحتى المطالبة بمنع الشيعة من ممارسة طقوسهم المذهبية بحجة أنها شعائر طائفية ضد أهل السنة!!. فهل هذه المطالب مشروعة؟
 
5- مبالغة الإعلام العربي بحجم القتلى العراقيين إلى مليون ونصف المليون، والادعاء أن القتل حصل على أيدي القوات الأمريكية وحلفائهم "الصفويين"، وأن ومعظم الضحايا هم من العرب السنة. بينما الحقيقة تؤكد أن حرب الإبادة حصلت ضد الشيعة، وعلى أيدي فلول البعث الطائفيين، وحلفائهم الإرهابيين من القاعدة، المدعومة من الحكومات الخليجية وخاصة السعودية وقطر، وكذلك تركيا منذ انسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011.

6- لقد اثبتت الاحصائيات التي قامت بها جهات دولية محايدة مثل منظمة (Body count)، أن عدد القتلى بلغ في حدود 100 ألف، وإحصائية أخرى نشرتها الوكيليك، أن العدد بلغ في حدود 130 ألفاً خلال العشر سنوات الماضية. وبالتأكيد هذا الرقم يشكل فاجعة كبيرة على الشعب العراقي، فقتل كل نفس بريئة من بنات وأبناء شعبنا كارثة إنسانية رهيبة، ولكن أين هذا الرقم من مليون ونصف المليون ضحية؟ إن الغرض من تضخيم أرقام الضحايا ليس تألماً على شعبنا، أو دفاعاً عنه، بل للتحريض ضده، واعتبار معظم الضحايا من السنة، قتلوا على أيدي القوات الأمريكية والشيعة "الفرس المجوس"، للشحن الطائفي، وإثارة غضب العرب والمسلمين وتحريضهم لدعم الإرهاب في العراق... وحققوا النجاح في ذلك.
7- منذ سقوط البعث الفاشي، ادعوا أن الشيعة همشوا السنة في المشاركة في الحكم. والحقيقة أن السنة هم همشوا أنفسهم في أول الأمر، حيث قاطعوا العملية السياسية، ورفضوا المشاركة في السلطة والانتخابات على أمل إسقاط النظام الجديد وإعادة التاريخ إلى ما قبل 2003... وأخيراً انتبه العقلاء من أهل السنة، فشاركوا في العملية السياسة، ولكن اندس البعثيون في صفوفهم لغرض إسقاط العملية السياسية من الداخل باستخدام الورقة الطائفية. فرغم مشاركتهم في السلطة، ووفق ما افرزته صناديق الانتخابات، إلا إنهم شاركوا في الحكومة من أجل شلها وتفجيرها من الداخل كحصان طروادة، وفي نفس الوقت مارسوا الإرهاب. وجرائم طارق الهاشمي ورافع العيساوي ومحمد الدايني وأسعد الهاشمي وأحمد العلواني باتت معروفة للجميع... فمعظم العمليات الارهابية التي جرت وتجري في المناطق الشيعية تدار من قبل المشاركين في السلطة، تنفذ من قبل حماياتهم وأتباعهم من الإرهابيين.

8- شن أعداء الديمقراطية من البعثيين وحلفائهم حملة ضارية لتشويه صورة الديمقراطية وإيعاز جميع الشرور والجرائم التي ارتكبوها مع القاعدة ضد الشعب إلى الديمقراطية، والمحاصصة، والحكومة، أو بالأحرى إلى رئيسها، والإدعاء أن الإرهاب والفساد والنهب نتاج هذه الديمقراطية التي جلبتها "أمريكيا سيئة الصيت!".   
في الحقيقة كل فقرة أعلاه تستحق أن تكون مقالاً مستقلاً، وقد مررنا على الكثير منها في مقالات سابقة.

من جرائم البعث
لقد توفرت لحزب البعث، خلال 35 سنة من حكمه، أفضل الفرص والظروف السياسة والاقتصادية والدولية ليطور العراق ويخرجه من دولة متخلفة إلى مستوى الدول المتقدمة في العالم الأول، ولكن بدلاً من ذلك، بدد البعث الثروات الهائلة على عسكرة المجتمع، وسباق التسلح، والحروب العبثية والخراب الشامل، وارتكب قائمة طويلة من الجرائم التي لا تعد ولا تحصى بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة وخاصة الشعبين الإيراني والكويتي.
لقد جلب حكم البعث على العراق خلال 35 سنة من حكمه الجائر، وباختصار شديد الكوارث التالية:
أولاً، قبل اغتصاب البعث للسلطة عام 1968 كان الدينار العراقي يعادل 3.5 دولار أمريكي، بدأ سعر الدينار بالهبوط منذ استلام صدام رئاسة الدولة إلى أن بلغ في الأيام الأخيرة من حكمه مستوى الصفر حيث صار سعر الدولار يعادل 3500 دينار، أي صارت القوة الشرائية للدينار العراقي دون سعر الورقة التي يطبع عليها، أي إفلاس تام وانهيار كامل لاقتصاد بلد عائم على بحر من النفط. فهل هناك فساد وفشل أسوأ من ذلك؟
ثانياً، لقد بلغت واردات النفط أرقاماً عالية وقياسية غير مسبوقة في عهد حكم البعث، فقبل أن يسيطر صدام على رئاسة الجمهورية عام 1979، بلغ رصيد العراق من احتياطي العملة الصعبة والذهب نحو 45 مليار دولار، ولكن نتيجة لسياساته الطائشة، عند سقوط حكمه بلغت الديون نحو 120 مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات من تعويضات الحروب، يعني دولة مفلسة.
ثالثاً، بلغ عدد قتلى العراقيين خلال حكم البعث نحو مليونين، إضافة إلى التهجير القسري لأسباب طائفية، والهجرة الطوعية للذين فروا بجلودهم حيث بلغ عددهم نحو 5 ملايين، موزعين على شتى أنحاء المعمورة.
رابعاً،، حقق حكم البعث قفزة كبرى ولكن إلى الوراء، حيث أعاد المجتمع العراقي إلى عهد العشيرة والقبلية والطائفية، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، وما حصل من ردة حضارية، وانهيار فكري وأخلاقي، وتدمير روح المواطنة والولاء للعراق... و الذي يدفع الشعب ثمنه الآن.
خامساً، قبل اغتصاب البعث للسلطة كان في العراق نحو 40 مليون نخلة، وبسبب حروبه العبثية هبط العدد ‘لى أقل من 8 مليون نخلة، إضافة إلى قيامه بتجفيف الأهوار وتدمبر البيئة. يعني أن حكم البعث قد أهلك الحرث والنسل، وأحال العراق من (بلاد السواد) لكثرة مزارعه إلى صحراء قاحلة.
وعليه فكل ما ألحق بالعراق من خراب ودمار وأضرار وجرائم، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن، يتحمل مسؤوليته البعث الفاشي.

لقد أثبت البعثيون خلال 35 سنة من حكمهم الجائر وهم في السلطة، و11 سنة من إرهابهم وهم خارج السلطة، أن البعث ليس حزباً سياسياً، بل عبارة عن مافيا إجرامية مسلحة أدعت بعض المبادئ السياسية، وتقمصت السياسة، وبغفلة من الزمن، وبمساعدة ظروف دولية شاذة مثل الحرب الباردة، استطاعت أن تغتصب السلطة بانقلاب عسكري، وتحكم الشعب العراقي بالنار والحديد، وتنهب ثرواته وقتل شعبه وتشريد الملايين من أبنائه. لذلك فنحن لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن حكم البعث كان أبشع أنواع الاحتلال، وعليه، كان واجباً أخلاقياً على المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى تحرير الشعب العراقي من أبشع احتلال فاشي جائر عرفه التاريخ.
بالله عليكم، إن حزباً هذا تاريخه البشع، وألحق بالشعب العراقي وشعوب المنطقة الخراب والدمار الشامل، هل يستحق العطف والدفاع عنه والمطالبة بعودته أو حتى مشاركته في السلطة؟ غني عن القول إن من يدافع عن هكذا نظام جائر هو إما مازوخي (Masochistic) يستلذ بالتعذيب والعبودية وحياة الذل والإهانة، أو هو واحد من المافيا البعثية. وفي جميع الأحوال نحن ضد هؤلاء، ولا بد من العمل لتوفير الظروف الطبيعية لشعبنا ليبدأ حياة طبيعية كريمة أسوة بالشعوب المتحضرة.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/



70
مشروع القانون الجعفري وُلِدَ ميتاً
عبدالخالق حسين
3/4/2014
استلمت رسائل من عدد من الأصدقاء، مشكورين، يعاتبونني على "صمتي" ازاء ما يسمى بـ: (مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري والقضاء الجعفري). وكذلك علق قارئ، على مقالة لي، اتهمني بتأييد القانون أو السكوت عنه لأسباب طائفية! نسي الأخوة سامحهم الله، أني كنت من أوائل الذين انتقدوا هذا المشروع المشبوه، وبشدة، وفي الأيام الأولى من نشره في أواخر العام الماضي، وكان عنوان مقالي: (قوانين لتكريس الصراعات الطائفية)(1). كما وقد أجاد عدد كبير من الكتاب الأفاضل في نقدهم له بما فيه الكفاية ولم يبقوا لي شيئاً أضيفه في هذا الصدد، إذ لا فائدة من التكرار وإعادة ما قيل.

على أية حال، في العراق إذا وجهت لك تهمة أو إشاعة مسيئة وتسكت عنها فهذا يعني أن التهمة أو الإشاعة صحيحة!!، لأن ذهنية المجتمع العراقي مهيأة لتصديق الإشاعات. ولذلك رأيت من الضروري العودة إلى الموضوع لتوضيح ما استجد عنه، وكذلك لأطمئن الحريصين على حماية المجتمع من القوانين الرجعية، وبأني لست مؤيداً لهذا القانون الرجعي الطائفي!!
في البدء، أُطمئِن الأخوة أن هذا "القانون" ولد ميتاً وهو مازال مسودة، أو لائحة، أو ما يسمى بمشروع قانون. وإن الذي كتب مسودته واقترحه على مجلس الوزراء، (السيد حسن حلبوص الشمري) وزير العدل، له أغراض شيطانية ونوايا مشبوهة متعكزاً تارة على الدين، وتارة على الدستور، وبذلك فقد فضح جهله، وأساء إلى سمعته، وسمعة الحزب الذي ينتمي إليه (حزب الفضيلة)، وحتى إلى الدين والمذهب الذي ينتمي إليهما أكثر مما أساء إلى النظام العراقي الجديد. فلو كان هذا الوزير حقاً حريصاً على العدالة، ووحدة وسلامة الشعب العراقي (المتمزق أصلاً)، لما أصدر مثل هذا المشروع المتخلف المثير للجدل، وللمزيد من التفرقة، وكأن الشعب العراقي تنقصه أسباب التفرقة والتشرذم. ففي رأيي أن غرض الوزير من تقديم هذا المشروع هو فتح أبواب الجحيم على النظام العراقي الجديد، وتحديداً على رئيس الوزراء السيد نوري المالكي. فهو يعرف أن خصوم المالكي معبئين بمناسبة ودونها، لشن حرب عليه وإلصاق كل سيئات الدنيا ومشاكل العراق به، وإن لم يجدوا سيئة عليه فيختلقون الكثير منها وإلصاقها به. وإذا ما نصحنا بعدم التصديق بهذه الافتراءات احتراماً لعقولنا وعقول القراء، اعتبرونا من مثقفي السلطة، ومدافعين عن المالكي و بأجر مدفوع !!!
كما وعلمتُ أنه لما قدم الوزير المشروع لأول مرة إلى مجلس الوزراء، رفضه رئيس الوزراء، ويبدو أنه أخيراً وافق لتقديمه إلى البرلمان لاعتقاده أن البرلمان سيرفضه، وهذا في رأيي من المؤكد، وربما ليفضح عقلية الذين فُرضوا عليه من قبل حلفائه في السلطة للعمل معهم. فمشروع هكذا قانون أثار كل هذا الجدل من شأنه تكريس انقسام المجتمع على أسس طائفية، ومنح أعداء الديمقراطية ذخيرة حية للهجوم على عراق ما بعد صدام، وإظهار حكم صدام بالتقدمي ...الخ، لذلك فلا بد وأن يُرفض هذا المشروع ويُلقى به في حاوية القمامة. 

فالمشروع رجعي ومتخلف ومعارض لمسار التاريخ، ومعادي لأبسط حقوق الإنسان، خاصة حقوق المرأة، وبالأخص الطفولة البريئة، إذ يسمح بالاغتصاب الجنسي للأطفال بذريعة الزواج، أي يروج لمرض البيدوفايل (Paedophile) في المجتمع العراقي المصاب أصلاً بألف علة وعلة اجتماعية. وإذا كان عذر الوزير بحق الزواج من طفلة في التاسعة من العمر أنه أراد الاقتداء بالنبي محمد الذي تقول عنه الروايات أنه تزوج من السيدة عائشة وهي في الرابعة من العمر، وبنا بها وهي في التاسعة، فهذه الحجة باطلة ومرفوضة اليوم ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين. وهذه الحجة مرفوضة أيضاً حتى دينياً لأن كثيراً من الأمور كان مسموح بها للرسول، وغير مسموح بها لغيره من المسلمين في نفس العصر وإلى الآن، ومنها على سبيل المثال، كانت للرسول نحو 12 زوجة في آن واحد، بينما لا يجوز للمسلم الزواج من أكثر من أربع نساء، وبشروط تعجيزية، أهمها توافر العدالة والتي هي مستحيلة إذ كما جاء في الآية: (ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم). كذلك لم يجز القرآن لزوجات النبي بالزواج بعد وفاته، وهذا الشرط لا يُطبق على مطلقات وأرامل المسلمين. ويمكن تطبيق هذا المنع على الزواج من الطفلة قبل سن البلوغ أي 18 سنة. فالخليفة عمر بن الخطاب اجتهد و قام بتغيير نحو أربعين مادة كان معمولاً بها في عهد الرسول وأبي بكر، واجتهد حتى في النص القرآني حيث حرَّم زواج المتعة، وحقوق المؤلفة قلوبهم. وكذلك أوقفت إيران الإسلامية، وتركية التي يحكمها حزب إسلامي، عقوبة الرجم بالحجارة للزاني والزانية. وهذا يعني أنه يجوز إيقاف العمل بالكثير من قوانين الشريعة الإسلامية التي تخالف حقوق الإنسان ومتطلبات العصر.

كما واستند وزير العدل في كتابة مشروع قانونه إلى المادة الثانية من الدستور:
"أ- لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام."
ولكنه أهمل الفقرتين الأخريين من المادة نفسها وهما:
ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور."
فمشروع القانون المطروح للتصويت يتعارض مع هاتين الفقرتين.

ولعل مصدر آخر استند أليه السيد الوزير في جواز الزواج من الطفلة، وهو ما جاء في كتاب (تحرير الوسيلة) لأية الله السيد روح الله خميني، ما نصه: "مسألة 12- لا يجوز وطء الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواماً كان النكاح أو منقطعاً، وأما سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ فلا بأس بها حتى مع الرضيعة، ...." (الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ج2، ص216، دار المنتظر، بيروت- لبنان، ط2، 1405هـ ، 1985م).
وقبل سنوات كتبتُ رداً على هذه الفتوى الخمينية بمقال عنوانه (الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ) (2)، الذي أثار جدلاً مفيداً وبناءً لتنبيه المجتمع وتحذيره من هذا الوباء، فكتب أحدهم دفاعاً عن فتوى الخميني، قائلاً أن هناك اتفاق بالإجماع بين جميع المذاهب الإسلامية (سنة وشيعة) حول جواز الزواج من الطفلة في التاسعة.

والجدير بالذكر أن السيدة مريم الريِّس، المستشارة القانونية للسيد رئيس الوزراء نوري المالكي، شنت هجوماً عنيفاً على وزير العدل، لتقديمه مشروع هذا القانون سيئ الصيت إذ قالت فيه: "لا يسعني إلا ان اقول بأنك قد أهنت المرأة التي ولدتك وبأن العقد النفسية التي تربيت ونشأت عليها لن تبني بها بلداً... فبموجب هذا المشروع تقوم النفقة وتنعدم مع وجود الاستمتاع... فالمرأة المريضة والكبيرة والعاجزة لا تستحق النفقة!!!!" وتساءلتْ: " أي عدالة هذه يا وزير العدل...؟ ولا يسعني هنا الا أن اعود واسأل هل لك أن تزوج أبنتك وهي في عمر التسع سنين؟؟ لا بل تسقط النفقة عنها اذا لم يستمتع بها زوجها ...؟"
وهناك سؤال مهم نوجهه للسيد الوزير وهو: هل العراق بحاجة إلى هذا القانون الطائفي، إذ لدينا قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 الذي أصدره الزعيم عبدالكريم قاسم، وهو خلاصة ما توصل إليه المتضلعون في القوانين، آخذين بنظر الاعتبار التعددية الدينية والمذهبية في العراق الذي كان بحاجة إلى قانون مدني موحِد لمختلف مكونات الشعب العراقي، وليس إلى قانون طائفي مفرق لا يقل خطورة وتدميراُ عن تفجيرات الإرهابيين. إضافة إلى أن القانون رقم 188 يسمح لأي فرد إجراء عقد الزاج والطلاق أمام رجل الدين من مذهبه، إضافة إلى أمام القاضي المدني.
وعليه فمشروع القانون هذا جائر وخطير على السلم الاجتماعي، ويتعارض مع الدستور، وضد حقوق الإنسان والمرأة والطفولة، لذلك فهو باطل، ولا بد للبرلمان القادم من إلغائه وإلقائه في حاوية القمامة.
ـــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- عبدالخالق حسين: قوانين لتكريس الصراعات الطائفية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=611

2- عبدالخالق حسين: الإسلام بين التفخيخ والتفخيذ...!
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=88920

3- مريم الريس لوزير العدل: أنت معقد نفسيا ولم تمارس المحاماة إلا أشهر
http://www.uragency.net/women-s-issues/911-2014-03-31-10-22-51.html

عبدالخالق حسين: مشروع القانون الجعفري وُلِدَ ميتاً
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=640
 
 


71
هل السيسي أتاتورك مصر؟

د.عبدالخالق حسين

أفادت الأنباء أن الفريق أول عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء المصري، قد استقال من منصبه العسكري للترشح إلى منصب رئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية القادمة. وقد قوبل ترشحه بترحاب شعبي واسع، ولكن في نفس الوقت هناك من يعارضه حتى من بين العلمانيين الديمقراطيين لخلفيته العسكرية وشخصيته القوية، كما عارضوا اجراءاته بإزاحة الأخوان المسلمين من السلطة رغم أن عمله هذا كان استجابة لمطالب الشعب الذي عبر عنها نحو 32 مليون في مظاهرات صاخبة ضد حكم الأخوان، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف الذين صوتوا في الانتخابات الرئاسية لمرشح لأخوان. والجدير بالذكر أن الأخوان المسلمين ما أن سيطروا على السلطة حتى وبدأوا بتنفيذ برنامجهم في أسلمة المجتمع ومؤسسات الدولة، خلافاً لما وعدوا به الشعب قبل استلامهم السلطة بالاحتفاظ على الديمقراطية.
فهل السيسي كان على حق في إزاحة الأخوان عن السلطة، وترشحه للرئاسة، وقيادة الشعب المصري وهو يواجه أخطر أزمة تهدد استقراره ووحدته الوطنية؟

يؤكد لنا التاريخ أن سبب فشل معظم القادة السياسيين في مهماتهم كان إما لجهلهم بالسياسة، أو لتمسكهم الأعمى بالمبادئ النبيلة وترجيحها على البراغماتية، أي ما تفرضها عليهم الواقعية ومتطلبات المرحلة. فالسياسة تعني الاهتمام بمشاكل الشعب وفق فن الممكن، والعمل على إيجاد الحلول الناجعة لها. والقادة الناجحون العظام تفرزهم ظروف تاريخية معينة وفق مبدأ الضرورة والصدفة. فالصدفة تلعب دوراً كبيراً في إبراز زعيم مناسب لتلك المرحلة لقيادة شعبه إلى بر الأمان، أشبه بالطفرات الوراثية (Genetic mutation)، أو سحبة اليانصيب (Lottery).
فهناك شعوب محظوظة عندما تعصف بها أزمات كبرى كالتي مر بها الشعب التركي في الحرب العالمية الأولى التي أطاحت بالإمبراطورية العثمانية، قيَّضَ التاريخ له ظهور زعيم فذ جمع في شخصه صفات عسكرية ومدنية ودهاء سياسي، ومعرفة عميقة بمتطلبات المرحلة التاريخية التي مر بها الشعب التركي. هذا الشخص هو الجنرال مصطفى كمال الذي لُقِبَ بأتاتورك أي (أب الأتراك)، فهو مؤسس الدولة التركية الحديثة على أسس الحداثة والعلمانية والديمقراطية، ومبدأ فصل الدين عن السياسة. لقد نجح الرجل بقيادة الشعب التركي، وتحقيق وحدته الوطنية، وإخراجه من ظلمات القرون الوسطى إلى عصر الحداثة الأوربية، وبناء نظام علماني ديمقراطي ناجح لأول مرة في دولة غالبية شعبها مسلمون. كما جعل من الجيش التركي، المدافع الأمين وحامي حمى النظام العلماني الديمقراطي.

لا شك أن هناك انتقادات كثيرة ضد إصلاحات أتاتورك، منها أنها كانت إصلاحات فوقية، أي من القمة إلى القاعدة (Top down)، والمطلوب هو الإصلاح من القاعدة إلى الأعلى (Bottom up). وعذرهم في ذلك أن الإصلاح الفوقي سطحي لا يدوم ويزول بزوال الحاكم المصلح، بينما الإصلاح من القاعدة جذري ويدوم كما حصل في أوربا، والذي استغرق نحو أربعة قرون ليكتمل، فبُني على قواعد رصينة وثابتة.
 ورغم قوة حجة أصحاب الطريقة الثانية، إلا إن الإصلاح من القاعدة لوحده غير ممكن في المجتمعات العربية والإسلامية ما لم يكن مدعوماً من القمة أي السلطة. فخلال أكثر من مائة سنة الماضية ظهر مفكرون كثيرون في الشعوب العربية، ابتداءً من رافع الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده...وغيرهم إلى يومنا هذا، حاولوا الإصلاح إلا إنهم فشلوا ومعظمهم انتهوا في السجون والقتل والتشريد أو الانكفاء والعزلة كما هو الوضع في معظم البلدان العربية والإسلامية اليوم.
أما الطريقة الأتاتوركية فأراها ناجحة لأنها اختصرت الزمن في التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في فترة قصيرة. ولذلك أعتقد أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح إلا إذا توفرت سلطة تقدمية تحمي المفكرين وتسمح لهم بنشر الفكر التنويري وإصلاح المجتمع من القاعدة. أي أننا نحتاج إلى الإثنين معاً وفي آن واحد.

أما ظهور حركة إسلامية في تركيا مثل حزب (العدالة والتنمية) التركي الذي نجح في استلام السلطة خلال 12 عاماً الماضية، فهذا لا يعني فشل الأتاتوركية، أو زوالها. ففي الوقت الذي تجتاح البلدان العربية والإسلامية حركات إسلاموية متطرفة تهدد شعوبها بحروب أهلية ماحقة، وإرهاب يهدد الحضارة البشرية، وصلت عدوى الحركة الإسلامية إلى تركيا بنسخة مخففة، وبوجه علماني وحضاري أعطت للإسلام وجهاً إنسانياً منسجماً مع الحضارة الحديثة. ولم يحصل هذا إلا بتأثير الأتاتوركية، وتشرب الشعب التركي بمبادئ الحرية والعلمانية والديمقراطية والحرية الفردية.
فبغض النظر عن تصرفات أردوغان الأرعن الذي أصيب بالغرور، وسياساته الطائشة في التدخل الفض في شؤون دول المنطقة، وفي مصادرة الحريات الفردية، وكان آخرها إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر واليوتيوب، لأنه عن طريقهما تم فضح مؤامرة كان يدبرها لإرسال عسكريين إلى الأراضي السورية المحاذية لتركيا وإطلاق صواريخ منها على تركيا، للتتخذها حكومات أردوكان ذريعة لشن حرب على سوريا وإسقاط حكومتها بالحرب. وع كل ذلك نقول إنه لولا تأثير الأتاتوركية في ترسيخ العلمانية والديمقراطية في الشعب التركي لما اختلف حزب أردوغان عن بقية الأحزاب الإسلاموية المتطرفة في العالم الإسلامي.
فعندما زار أردوغان مصر بعد استلام الأخوان المسلمين للسلطة، استقبله الإسلاميون استقبالاً جماهيرياً حاشداً وصاخباً في مطار وشوارع القاهرة، ولكن بعد لقاءاته ومحادثاته مع قادة الأخوان المسلمين، واقتراحه عليهم قبول العلمانية والديمقراطية في الحكم، رفضوه وخابت آمالهم به.
فالمد الإسلامي الذي يجتاح المنطقة على شكل إرهاب في هذه المرحلة التاريخية العصيبة، وصل إلى تركيا بشكل مخفف، ودون حرب أهلية وعمليات إرهابية. ولما ركب الغرور رأس أردوغان، وحاول التجاوز على الحريات المدنية التي تعوَّد عليها الشعب، انفجر الشعب التركي بمظاهرات صاخبة ضده دفاعاً عن حرياته، وعلى الأغلب فإن المرحلة الإسلاموية الأردوغانية في أفول وقد اتنهي بسلام  قريباً وإلى غير رجعة، وهذا ما أتوقعه في الانتخابات البرلمانية القادمة، رغم أنه حقق نجاحاً الانتخابات المحلية التي اليوم (30/3/2014)، وذلك بفضل ما حققته حكومته من نجاخات في مجال الاقتصاد. ولكن حتى هذا النجاح له حدوده إذا ما تمادى أردوغان في تجاوزاته على الحريات الشخصية، إذ كما قال السيد المسيح: (ليس على الخبز وحده يحيى الإنسان). 

أعتقد أن جميع بلدان العالم الثالث، وبالأخص العربية والإسلامية، بحاجة ماسة إلى قادة تقدميين أقوياء مثل مصطفى كمال أتاتورك. لقد ظهر مثل هذا الشخص في العراق بشخص الزعيم عبدالكريم قاسم، وكان قد بذل كل ما في وسعه لتحقيق أكبر قدر ممكن من الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي والانتقال التدريجي إلى الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ولكن ثورته هذه تم اجهاضها بالتكالب المحلي والإقليمي والدولي عليه، وتعقيدات الوضع العراقي، حيث الصراعات السياسية والأيديولوجية، والدولية (كما الحال اليوم بعد سقوط الفاشية)، ولتغليبه مبادئه الأخلاقية السامية على البراغماتية وما تتطلبه السياسة من دهاء ومراوغة وحتى العنف مع الخصوم عند الحاجة، رغم أنه استخدم العنف في حده الأدنى في مرحلة كانت تتطلب الكثير، على حد تعبير حنا بطاطو.
كما وظهر أتاتورك آخر في مصر عام 1952 بشخص الرئيس جمال عبدالناصر، ولكنه أضاع الفرصة الذهبية، فحارب الديمقراطية رغم أنه كان يتمتع بشعبية واسعة جداً وكان بإمكانه بناء نظام ديمقراطي تدريجي، إلا إنه أصر على الحكم الفردي الدكتاتوري، وتآمر على الثورة العراقية وزعيمها قاسم، وساهم في إدخال العراق في النفق البعثي المظلم، إلى أن انتهى بجلب سلسلة متواصلة من الكوارث على مصر وعلى البلدان العربية الأخرى.

فالمشكلة ان البشر نادراً ما يستفيدون من تجارب الآخرين، بل ويصرون على التعلم وكسب الخبرة من تجاربهم الشخصية فقط، ومن هزائمهم وهي باهظة التكاليف. وعليه فقد جرب الشعب المصري، كما الشعب العراقي وغيرهما، أنظمة مختلفة انتهت بنتائج كارثية. لذلك فقد آن الأوان للشعب المصري أن يستخلص الدروس والعبر مما ناله خلال المائة سنة الماضية من كوارث وذلك بتبني النظام العلماني الديمقراطي، وفصل الدين عن السياسة وفق شعار الزعيم المصري الأسبق سعد زغلول: (الدين لله والوطن للجميع). وهذا النظام، في المرحلة الراهنة، غير ممكن إقامته وإدامته إلا بقيادة شخصية قوية مثل الفريق أول عبدالفتاح السيسي، حيث أثبت حنكته السياسية وشجاعته من خلال وقوفه إلى جانب الشعب، وإنقاذه من كارثة محققة على يد الأخوان المسلمين. فالشعب المصري يتمتع بقاعدة عريضة من المثقفين العلمانيين يؤمنون بالديمقراطية الليبرالية. وهذا ما يخفف نسبياً من مهمة السيسي الثقيلة.

أعترض العديد من المثقفين العرب، ومن بينهم علمانيون وديمقراطيون، وكذلك مفكرون غربيون، على إزاحة الأخوان المسلمين والرئيس الأخواني محمد مرسي بالتدخل العسكري، واعتبروه خروجاً على الشرعية لأن الأخوان استلموا السلطة عن طريق الانتخابات. هذا الكلام صحيح في الظاهر ومخالف للشرعية في الجوهر... لماذا؟
فلو نعود إلى الانتخابات الرئاسية المصرية السابقة التي جاءت بالأخوان إلى السلطة لوجدنا أن نسبة المشاركة فيها لا تتجاوز الـ 51% من الذين يحق لهم التصويت. والذين صوتوا للرئيس الأخواني لا يزيد عن 51%، (نحو 11 مليون صوت) أي نحو 25% فقط من الذين يحق لهم التصويت، وهذا يعني أن نحو 75% من الشعب المصري لم يصوتوا له. ولكن لحد هذه النقطة يعتبر استلام الأخوان للسلطة مشروعاً، فالذين قاطعوا الانتخابات عليهم أن لا يلوموا إلا أنفسهم في فوز الأخوان. إذ كما قال إدموند بيرك: "كلما يحتاجه الشر لينتصر، على الأخيار أن يعملوا لا شيء"
ومن المناسب هنا أن نذكر أن الأرقام التي فاز بها الأخوان في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مصر مشابهة تماماً للأرقام التي فاز بها الحزب النازي الهتلري عام 1933، والذي ما أن استلم السلطة حتى و بدأ باضطهاد المعارضة، وقولبة المجتمع الألماني إلى ما يلائم أيديولوجيته النازية العنصرية، ونشر الرعب في المجتمع وبالتالي أدى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية الكارثية والهولوكست... ودمار أوربا بما فيها دمار ألمانيا نفسها.
وهذا بالضبط ما حاول الأخوان المسلمون عمله في مصر، حيث شنوا حملة واسعة لأسلمة وأخونة المجتمع ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية بما فيها السلطة القضائية، وكذلك التدخل الفض في الشؤون الشخصية الفردية للمواطن المصري، إضافة إلى تأزيم الوضع وما رافقه من انهيار اقتصادي الذي عانى منه الشعب المصري معاناة شديدة، الأمر الذي أدى إلى الانفجار الشعبي الواسع الذي شارك فيه ما بين 30 إلى 32 مليون مواطن مصري. وهو كما أشرنا أعلاه، يعادل ثلاثة أضعاف الذين صوتوا للرئيس الأخواني محمد مرسي. الأمر الذي دفع الجيش بقيادة الفريق السيسي لإنقاذ الموقف وحماية الشعب من فوضى عارمة لا يعرف أحد نتائجها الكارثية.
فأيهم أفضل، ترك الأخوان يعملون ما يشاؤون في تحويل مصر إلى نسخة من حكم أفغانستان الطالبانية، وبالتالي تهديد كل البلاد العربية بكارثة ماحقة بفرض الحكم الأخواني على شعوبها، أم التدخل العسكري لإنقاذ الموقف، ودرء الخطر الإسلاموي الفاشي والطائفي الماحق؟
وفي هذا الخصوص، نشر الكاتب الأمريكي، الدكتور روبرت رايلي (صاحب كتاب: إغلاق عقل المسلم)، مقالاً قيماً يدعم فيه السيسي، وينتقد بشدة موقف الغرب الانتهازي منه، بعنوان: (الجيش المصري عمل ما كان يجب على  الجيش الألماني عمله عام 1933) (Egypt’s Military: Doing What Germany’s Should Have Done in 1933). فأجرى مقارنَة بين ما فعله الأخوان المسلمون بعد فوزهم في الانتخابات وما قام به الحزب النازي الألماني بعد فوزه عام 1933. ويسأل أما كان الأفضل للبشرية لو قام الجيش الألماني بانقلاب على هتلر وبذلك لأنقذ البشرية من الحرب العالمية الثانية والهولوكست، وما حصل من دمار شامل لأوربا واليابان ودول أخرى؟ (رابط المقال في الهامش)

وبناءً على كل ما تقدم، أعتقد أن إقدام الفريق السيسي على إزاحة الأخوان من الحكم كان استجابة لنداء الشعب الذي عبر عنه نحو 32 مليون مصري هبوا في انتفاضة شعبية عارمة، و إنقاذ لمصر والبلاد العربية من خطر الفاشية الإسلاموية لا تقل خطورة عن الفاشية النازية الهتلرية. فلو تُرِك الأخوان المسلمون لثلاثة أعوان أخرى لربما نجحوا في تنفيذ برنامجهم في أسلمة وأخونة المجتمع والدولة بذريعة شرعية الانتخابات، و لقادوا إلى كوارث ماحقة لا تقل كارثة عن تلك التي حصلت على أيدي النازية والفاشية الأوربية في الحرب العالمية الثانية، ولأكتفى نقاد السيسي بكتابة المناحات والحظ العاثر، وندموا ولكن بعد فوات الأوان.

لذلك ، فمن الإنصاف والمنطق والحكمة أن نعتبر تدخل الجبش إلى جانب الشعب وإنقاذه من حكم التخلف، وترشيح السيسي نفسه لرئاسة الجمهورية هو عمل صائب ورائع لإنقاذ الشعب المصري، وتكريس العلمانية الديمقراطية. وبذلك فما يقوم به السيسي لمصر هو نفس الدور الذي قام به أتاتورك لتركيا.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
 Robert Reilly: Egypt's Military: Doing What Germany's Should Have Done in 1933
http://www.intercollegiatereview.com/index.php/2013/08/16/egypts-military-doing-what-the-wehrmacht-should-have-done-in-1933/

دور المخابرات النازية والأميركية في نشوء ونشاط التنظيم الدولي للإخوان ...
http://www.nmc.sy/nmc/public/read/79


   


72
حرية نشر البغضاء والفتن الطائفية

د.عبدالخالق حسين

إن الشرائع ألقت بيننا إحنا .... وعلمتنا أفانين العداواتِ – أبو العلاء المعري


يعيش العالم الإسلامي، وبالأخص الشعوب العربية، فترة حرجة وخطيرة جداً تهدد بإبادتها. وهذا الخطر ناتج عن سوء استخدام تكنولوجيا الثورة المعلوماتية المتطورة من الفضائيات والشبكات العنكبوتية (الانترنت) ليس لأغراض التنوير والحداثة ونشر المعرفة، بل لنشر الكراهية والبغضاء والفتن الطائفية، مستخدمين الاختلافات الدينية والمذهبية وسيلة لتحقيق الأغراض اللئيمة والخبيثة.

ففي تقرير لفضائية البي بي سي العربية شاهدنا كيف يقوم رجال دين من السنة والشيعة باستخدام الدين المذهب لبث العداوات والبغضاء وإشعال الفتن الطائفية بين المسلمين. رجل ديني شيعي يشتم من على المنابر الرموز الدينية المقدسة عند أهل السنة، فينبرى رجال دين سنة ليشتموا المعتقدات الشيعية ورموزهم على الفضائيات، فتتناولها مواقع التواصل الاجتماعي لتنشرها على نطاق واسع... وهكذا لا ندري إلى أي درك ينزل بهم الوضع.
 
كنا نعتقد أن رجال الدين، وكما هو مفترض، أن يكونوا نزيهين ومن أشد الناس حرصاً على السلم الاجتماعي وتماسك الأمة، وأن يعملوا على نشر روح التسامح وتقبل الآخر المختلف، وأن يتركوا اختلاف الناس في الدين والمذهب إلى الله وحده، وليس من حق أي إنسان أن يفرض نفسه حكَماً على الناس فيما يخص معتقداتهم الدينية. فالدين مسألة شخصية بين الإنسان وربه، ودور رجال الدين ينحصر في شرح أمور الدين وإرشاد المتدينين فيما استعصى عليهم فهمه، و نشر الأخلاق الحميدة، وتقديم النصائح المفيدة... إنما الدينة النصيحة، ولا إكراه في الدين.
ولكن مع الأسف الشديد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن هناك شريحة من رجال الدين هم أكثر شراً من الشيطان الرجيم. إذ لجأ هؤلاء إلى نبش كتب التراث ينهلون منها ما يشبع نهمهم في نشر التفرقة وتمزيق شمل الشعب الواحد مثيرين العداوة والبغضاء بينهم، معتمدين على روايات كتبت قبل مئات السنين، أغلبها مشكوك بصحتها لأنها وضعت من قبل مرتزقة من الوعاظ لإرضاء أولياء النعمة من السلاطين الجائرين.

ووفق ما بثته الفضائية البريطانية (بي بي سي العربية)، بالصوت والصورة (الرابط أدناه)، هناك رجال دين من السنة والشيعة رضوا أن يقوموا بهذا الدور المشين لتمزيق شمل المسلمين وإشعال فتن طائفية ودفعهم للاقتتال فيما بينهم، ولا شك أن هذه دعوة لحروب الإبادة. ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن الشعب العراقي هو من أكثر الشعوب تضرراً من هذه الحملة الجنونية المنفلتة. ففي هذا البرنامج نتعرف على الشيخ محمد الزغبي (مصري سني) وآخر، الشيخ ياسر الحبيب (شيعي كويتي)، من أشد المتطرفين في هذا المجال. فياسر الحبيب يشتم رموزاً دينية مقدسة عند المسلمين بمن فيهم الشيعة، مثل السيدة عائشة، والخليفتين أبو بكر وعمر، ويفتري عليهم ويشتمهم بكلمات نابية تحاشت القناة ذكرها. أما الشيخ محمد الزغبي فهو يقوم بإثارة مشاعر المصلين، فبعد دعائه على هلاك اليهود، يوجه دعائه على الشيعة "الروافض": (اللهم عليك بالروافض، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم جمد الدماء في بطونهم وظهورهم، اللهم جمد الدماء في شيوخهم وأئمتهم.. اللهم سلط عليهم السرطان!!!!.). ثم يذرف دموع التماسيح على السيدة عائشة بما نالها من شتائم من المعتوه ياسر حبيب. والمشكلة أن كل شيخ لا يدعو على نظيره من الطرف الآخر، بل يخلط الحابل بالنابل، فالشيخ السني لا يستثني شيعياً في دعائه بهلاكهم جميعاً، ولا الشيعي يستثني سنياً بشتائمه البذيئة.

مقدم البرنامج عربي مسلم يعمل لصالح الفضائية البريطانية، بحث عن الذين يقفون وراء هذه الفضائيات التي راحت تتكاثر كالفطر في البلاد العربية وفي أوربا وخاصة في لندن. والصدمة الصاعقة التي يفاجئنا بها هي أن أغلب الممولين لهذه الفضائيات هم رجال أعمال كويتيين وراء قناة الصفا السنية. كما وهناك قناة سنية أخرى باسم (وصال) في لندن تبث باللغة الفارسية ضد النظام الإيراني، مدعومة من السعودية. وقناة شيعية (أهل البيت) يمولها شخص عراقي يدعى ثائر الدراجي في العراق. 

فلماذا هذا الانفجار في بث الحقد الطائفي، ومن المستفيد منه و في هذا الوقت بالذات، أي بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، حيث تحاول الشعوب العربية والإسلامية النهوض والتخلص من تخلفها، وتبني الديمقراطية كأفضل نظام للحكم واللحاق بالشعوب التي سبقتها في هذا المضمار؟؟

محاولة لتفسير الظاهرة
الإنسان هو بالأساس حيوان في أعلى سلم التطور وفق نظرية داروين (أصل الأنواع) التي أصبحت حقيقة لا تقبل التأويل، بحيث حتى البابا، الراحل جون بول الثاني اعترف بها، وقد نسبها إلى الله. فكما يؤكد العلماء أن عدد الجينات الوراثية المشتركة بين الإنسان وأقرب حيوان له، الشمبانزي، حوالي 98.8%، أي أن الفرق بين الإنسان وأقرب حيوان لنا في سلم التطور هو 1.2% من الجينات فقط. كما ويقدر العلماء عمر الإنسان البايولوجي في حدود مليونين وأربعمائة ألف سنة، بينما عمر الحضارة منذ استقرار الإنسان البدائي في قرى شمال العراق لا يتجاوز 10 آلاف سنة. ومعظم هذه الفترة كانت بدائية، العصر الحجري مثلاً. لذا فعمر الحضارة قصير جداً بالقياس إلى عمر الإنسان البيولوجي.
وتعريف الإنسان أنه حيوان اجتماعي ناطق يصنع أدوات ويمتلك عقلاً. و العقل هنا لا يعني الحكمة والبحث عن الحق والصواب، بل وكما قال العلامة علي الوردي، العقل هو سلاح للدفاع عن النفس والمصالح. ومهما تطور الإنسان حضارياً وتحذلق بلغة راقية إلا إنه مازال ذلك الحيوان الذي يحمل في داخله جميع الغرائز الحيوانية ومنها العدوانية. وبمعنى آخر، الإنسان وحتى المتحضر، يحمل في نفسه الخير والشر في آن. وفي الظروف الحضارية الهادئة والتربية الراقية تكون نزعة الخير هي السائدة عليه ونزعة الشر خامدة، ولكن يمكن إيقاظها وتفعيلها في أي وقت إلى حد يمكن أن تتغلب عنده النزعات الشريرة على النزعات الخيرة فيتحول إلى أشرس حيوان مدمر في الوجود. وفي هذا الخصوص يقول الدكتور ستور (أستاذ علم النفس):
"الإنسان هو كائن عدواني شرس نادراً ما يجادل في عدوانيته. وباستثناء بعض القوارض، لا توجد بين الفقريات الأخرى حيوانات اعتادت على تدمير أعضاء من جنسها أو نوعها ... إذ ينحصر التطرف في السلوك الوحشي للإنسان، وليس هناك ما يوازيه في الطبيعة، وليس لدينا العلاج لهذا السلوك الوحشي الذي يعامل البشر بعضهم بعضاً ... نحن أقسى وأكثر الأنواع قسوة من أي نوع مشى على الأرض، وفي أي وقت، وعلى الرغم من أننا قد نشمئز رعباً عندما نقرأ في صحيفة أو كتاب التاريخ من الفظائع التي ارتكبت من قبل الإنسان ضد الإنسان، إلا إننا نعلم في قلوبنا أن كل واحد منا يحمل في نفسه تلك النبضات الوحشية التي تؤدي إلى القتل والتعذيب والحرب .."

حقيقة أخرى عن الإنسان وسهولة تحويله إلى وحش في لحظة معينة هي أن الإنسان في الجمهور يفقد ذاته و فردانيته ويذوب في الجماهير، ويسلك ما تسلكه الجماهير بدون وعي منه ومهما كان ذلك السلوك وحشياً يدينه هو عندما يكون واعياً ولوحده. وهذه الظاهرة نجدها واضحة في لقطة الفيديو (أدناه) عندما هجمت جماهير غاضبة بعد إثارتها على بيت الشيخ حسن شحاتة في شمال مصر وقتلته مع عدد من أتباعه بمنتهى الوحشية. والجدير بالذكر أن تاريخ العراق حافل بأحداث مشابهة، وآخرها مقتل السيد عبدالمجيد الخوئي في النجف وسحلهم ، والذي اتهم فيها مقتدى الصدر وأتباعه، ناهيك عن تفجيرات الإرهابيين المدعومة من قبل التكفيريين كأحداث يومية ضد الشعب العراقي.
ومن كل ما تقدم، نعرف أنه ليس صعباً على من يمتلك الخبرة في سلوك الإنسان وعلم النفس الاجتماعي ، إثارة المشاعر العدوانية وتحويل الإنسان إلى وحش ضد أبناء جنسه. وقد بات معروفاً أن المشاعر الدينية والمذهبية هي من أقوى المشاعر لدى البشر يمكن تحويلها إلى طاقة تدميرية وخاصة لدى الشعوب العربية والإسلامية المتشربة بالثقافة البدوية وتناهض الحضارة والحداثة. وقد مرت الشعوب الأوربية بهذه المرحلة العصيبة قبل أربعة قرون.

من المستفيد من إشعال الفتن الطائفية؟

إن المستفيد الأكبر من الفتن الطائفية هم أعداء الديمقراطية وبالأخص الأسر الحاكمة في السعودية وقطر ورجال أعمال خليجيين أثرياء ومرتزقتهم، وكذلك النظام الإيراني. هؤلاء جميعاً يحاولون إشغال الشعوب بالصراعات الدموية لمنع وصول عدوى الديمقراطية إلى شعوبهم. وليس أسهل عليهم من إثارة المشاعر الطائفية وإشعال الحروب الأهلية ليقولوا لشعوبهم أن هذه الحروب هي النتاج المباشر للديمقراطية، ولذلك إبقاؤنا جاثمين على صدوركم أفضل من هذه الديمقراطية المصحوبة بالإرهاب!!.
وقد استغل العامل الديني من قبل الأخوان المسلمين في مصر ضد المسيحيين الأقباط الذين عانوا الكثير من القتل والإضطهاد خلال الستين سنة الماضية. ومنذ تحرير العراق من الفاشية البعثية، بدأت مشايخ الوهابية والإسلام السياسي السني بإصدار الفتاوى التكفيرية وحث الشباب بالتوجه إلى العراق للجهاد ضد الشيعة الروافض وإنقاذ أخوتهم أهل السنة.
وتدريجياً، و بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، توسعت هذه الحملة عبر الفضائيات والإنترنت لتشمل الشيعة في كل مكان، في البحرين ومصر والكويت وغيرها.
وفي هذا الخصوص يقول مقدم البرنامج: "فالحرية الجديدة خلقت مساحة واسعة لقيادات ومذيعين جدد ذوو خلفيات دينية أصبحوا بين نجوم الإعلام الجديد. ولكن هناك جانب مظلم لنجوميتهم هذه، فبعض الرسائل التي يتم بثها لمنطقة الشرق الأوسط من قبل قنوات سنيّة أو شيعيّة، اليوم طائفية بشكل علني، بل استفزازية للغاية ومسيئة دون شك."

وقد بات من المؤكد أن القنوات السنية والشيعية التي تنشر العداوة والبغضاء هي مدعومة من مصدر واحد، ومن نفس الحكومات والجهات، ولغاية واحدة وهي إغراق الشعوب العربية والإسلامية في حروب طائفية لا تبقي ولا تذر.
إن الحكومات والشخصيات التي تدعم هذه القنوات تحفر قبورها بأيديها، ويجب أن لا تتصور أن بإشعالها الحرائق الطائفية في العراق وسوريا ومصر هي بمنجى عنها، فلا بد وأن تصلهم هذه الحرائق يوماً، إن عاجلاً أم آجلاً، وليتعلموا الدرس من نظام بشار الأسد الذي كان يستقبل الإرهابيين من السعودية وغيرها ويبعثهم إلى العراق لقتل شعبه. فهاهو بشار الأسد يحصد ما زرع. لذلك ننصح هؤلاء جميعاً بإغلاق قنوات الشر، وإلا سيدفعون الثمن يوماً.

إن حرية بث الكراهية والفتن الطائفية ليست من حرية التعبير، بل هي حرية التدمير. إذ كما قال المفكر الليبرالي السعودي السجين تركي الحمد: "الحرية والمسؤولية وجهان لحقيقة واحدة، رغم تعارضهما الظاهري. فالمسؤولية دون حرية هي الرق بعينه، كما ان الحرية دون مسؤولية هي الفوضى بذاتها."
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
فيديو (25 دقيقة) تحقق بمصادر تمويل قنوات تثير الفتنة الطائفية مدعومة من الكويت مقطع مرفق .. قناة البي بي سي
http://www.qanon302.net/news/2014/03/19/14704

نفس البرنامج بالتفصيل، فيديو (50 دقيقة) تقرير بي بي سي عربي عن العراق والقنوات التي تبث الكراهية الطائفية
http://www.youtube.com/watch?v=sqxVEFptfdI#t=169

3-  مقالة صحيفة الانديبندنت
PATRICK COCKBURN
Sunni monarchs back YouTube hate preachers: Anti-Shia propaganda threatens a sectarian civil war which will engulf the entire Muslim world
http://www.independent.co.uk/voices/comment/sunni-monarchs-back-youtube-hate-preachers-antishia-propaganda-threatens-a-sectarian-civil-war-which-will-engulf-the-entire-muslim-world-9028538.html

4- موجز المقالة باللغة العربية كما نشرتها صحيفة البيان البغدادية:
صحيفة بريطانيــة: السعودية تدعم دعاة الحــــرب والفتنة الطائفية ضد الشيعة ومنها في العراق
السعودية وحلفاؤها تؤسس لحرب طائفية في العالم الإسلامي
http://alakhbaar.org/home/2013/12/160168.html




73
المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، ما له وما عليه

د.عبدالخالق حسين

في عشية عقد المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في بغداد في يومي 12 و13 آذار الجاري)، دعاني مشكوراً الإعلامي المتميز السيد فلاح الفضلي في قناة الفيحاء الموقرة، لمناقشة الجوانب السلبية والإيجابية لهذا المؤتمر. إذ تساءل:
هل الأزمة العراقية تحتاج إلى مؤتمرات؟ وهل سيتمخض المؤتمر عن نتائج تفيد الشعب العراقي؟ أليس الأجدى صرف هذه الأموال على فقراء العراق بدلاً من صرفها على مؤتمرات لا تجدي نفعاً؟ وفي جدول أعمال المؤتمر هناك نحو أربعين بحثاً، فهل بالإمكان إلقاء كل هذه البحوث ومناقشتها من قبل الحضور في غضون يومين؟...الخ

بإيجاز، أدون أدناه إجاباتي على هذه التساؤلات المشروعة كالآتي:
أولاً، أتفق مع الأستاذ الفضلي على الجوانب السلبية للمؤتمرات، وخاصة التكاليف المادية الباهظة لوفود من 56 دولة و12 منظمة عربية وعالمية وشخصيات وخبراء ومختصين، إضافة إلى إشغال قطاع واسع من الأجهزة الأمنية لتوفير الحماية لهم... الخ، ولكن هناك دائماً الوجه الآخر المشرق للقمر كما يقولون، إذ لا بد من جوانب إيجابية لهذا المؤتمر.

في البدء، أود التنبيه إلى أنه ليس بإمكان حل مشكلة كبيرة ومعقدة كمشكلة الإرهاب بعصا سحرية وبهذا المؤتمر وحده، ولكن من المؤكد أن هكذا مؤتمر ضروري، وفي الاتجاه الصحيح ضمن العديد من الاجراءات الأخرى اللازمة لمواجهته.
فأهمية هذا المؤتمر تكمن في البحث في أخطر وباء يهدد العراق والعالم أجمع، ألا وهو وباء الإرهاب المدعوم من أغنى دولتين في المنطقة وهما السعودية وقطر، إضافة إلى جهات سياسية وإعلامية في داخل العراق وخارجه، تتعاطف مع الإرهاب لأغراض سياسية وطائفية واقتصادية، ورغم أن هذه الدول والجهات تحارب الإرهاب في بلدانها، ولكنها تعتبره جهاداً مشروعاً في العراق، تحاول إضفاء شتى النعوت والصفات الإيجابية عليه وإظهاره بأنه حركات شعبية أو ثورات عشائرية لها مطالب مشروعة، وإلقاء اللوم على الحكومة العراقية المنتخبة وترديد تهمة "إقصاء وتهميش" العرب السنة وحرمانهم من حقهم في المشاركة العادلة بالحكم، وتزويق ودعم هذه الاتهامات بالتلاعب باللغة واستخدام حذلقات لفظية مضللة.

فالإرهاب هو واحد وأيديولوجيته واحدة وغايته واحدة في كل مكان وهي السيطرة على السلطة بالقوة الغاشمة وإعادة الشعوب إلى الوراء لـ 14 قرناً، وإلغاء الديمقراطية والحداثة والحضارة، ولكن يتخذ الإرهابيون ذرائع وحجج مختلفة. ففي العراق يشنون حربهم بغطاء طائفي (سنة وشيعة)، وفي البلدان الأخرى مثل مصر وليبيا والجزائر والصومال ونايجريا ومالي وغيرها، حيث لا يوجد الإنقسام السني- الشيعي، فاخترعوا ذرائع وحجج أخرى. لذلك، فلو لم يكن في العراق الانقسام السني- الشيعي، وكذبة التهميش، لأوجدوا حججاً أخرى، إذ أنهم يقتلون المسيحيين والأيزيديين والصابئة، وهم ليسوا شيعة ولا علاقة لهم بتهميش السنة، ولا ينافسون أحداً في السلطة. فالإرهابيون لهم أجنداتهم التي هي أجندات الحكومات والجهات التي تمولهم وتدعمهم بالمال والسلاح والإعلام. وهناك دليل آخر على كذبة التهميش والصراع السني الشيعي، وهو اندلاع الاقتتال الشرس بين المنظمات الإرهابية نفسها في سوريا، بين داعش وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية، والجيش السوري الحر، رغم أنهم جميعاً من المذهب السني وضد نظام بشار الأسد.

كما ويمكن استخدام هذا المؤتمر لأغراض إعلامية لفضح الدول الراعية للإرهاب مثل السعودية وقطر. فقد صرح السيد نوري المالكي رئيس الوزراء، لفضائية فرنسية، أن لديه أدلة تثبت ضلوع السعودية وقطر في شن حرب الإرهاب على العراق، لذلك فالمطلوب منه توظيف هذا المؤتمر وعرض الأدلة على الوفود لفضح هذه الدول.
فدور السعودية في دعم الإرهاب بات معروفاً للقاصي والداني، إذ نتذكر تصريحات قائد القوات الأمريكية في العراق، ديفيد بترايوس قبل سنوات، حين قال أنه نحو 50% من الإرهابيين الأجانب و100% من الانتحاريين هم من السعودية.
وفائدة أخرى من المؤتمر، وهي الاستفادة من خبرات وفود الدول التي تعرضت للإرهاب، لطرح ما اكتسبوه من خبرات في مواجهته ودحره. يعني توفير فرصة للمسؤولين العراقيين للتعرف على كيف تعاملت حكومات هذه الدول مع الإرهاب، فهي فرصة للتعاون وتبادل الأفكار والخبرات. مثلاً الجزائر ومصر وسوريا ولبنان وليبيا، ودول افريقية أخرى مثل نايجيريا ومالي، ودول أوربية مثل بريطانيا وفرنسا واسبانبا، جميعها تعرضت وما زالت تتعرض للإرهاب، فمن المفيد الإطلاع على خبرات هؤلاء.
وكدليل على فائدة المؤتمر لفضح الحكومات الراعية للإرهاب هو تولي قياديين في كتلة العراقية وقيادي في كتلة متحدون مثل السيد أثيل النجيفي محافظ نينوى، للدفاع عن السعودية في الرد على تصريحات السيد المالكي عن دور السعودية في دعم الإرهاب في العراق.
كما وانبرى السيد اياد علاوي، زعيم كتلة العراقية مهمة الرد بالنيابة عن السعودية ايضا، إذ نقلت قناة العربية السعودية المؤتمر الصحفي لعلاوي كاملا ومباشرة، وقالت انه رد على اتهامات المالكي للسعودية بدعم الإرهاب في العراق.
وكذلك طارق الهاشمي، الهارب من وجه العدالة، والمحكوم عليه بالإعدام لضلوعه في الإرهاب، صرح ضد عقد هذا المؤتمر الدولي في بغداد ودعا الدول العربية والإسلامية إلى عدم المشاركة فيه.
ولا ننسى أن قيادات كتلة العراقية دائما يطلبون الحكومة والبرلمان بإلغاء كل قانون يحارب الإرهاب في العراق.

فمحاربة المؤتمر والتقليل من شأنه من قبل هؤلاء، أدلة على فائدته في محاربة الإرهاب، فلو كان المؤتمر بلا فائدة لما حاربته السعودية وقطر ومن يمثل مصالحهما في العراق من السياسيين العراقيين، من أمثال علاوي والنجيفي والهاشمي. وهذا يعني أيضاً، أن هؤلاء القادة السياسيين العراقيين حريصون على مصلحة السعودية وسمعتها أكثر من حرصهم على مصلحة العراق وشعبه.

ومن كل ما تقدم، أرى أن المؤتمر يوفر للعراق مناسبة دولية جيدة لتحشيد الجهود والطاقات من أجل مواجهة الإرهاب، وفضح الدول التي ترعاه وتدعمه، خاصة وأن هذا المؤتمر مدعوم من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة والوحدة الأوربية.
فالإرهاب ليس مشكلة عراقية فقط ، بل ومشكلة دولية تهدد الحضارة البشرية، لذا، فالحرب على الإرهاب هي الحرب العالمية الثالثة، تتطلب تضافر جهود دولية وبالأخص من الدول الكبرى لمواجهته ودحره.
ـــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو علاقة
العالم معنا ضد الإرهاب، المالكي يفتتح مؤتمر بغداد اليوم بكلمة يدعو العالم فيها للتوحد في مواجهة التطرف
بغداد مقرا للأمانة العامة للمؤتمر الدولي لمكافحة الارهاب. اعتماد البيان الختامي وثيقة دولية تسمح بمعاقبة داعمي «داعش»
http://alakhbaar.org/home/2014/3/164447.html
المالكي: الارهاب امة واحدة على اختلاف مناطقه والعراق قدم تضحيات كبيرة في حربه ضد الارهاب
http://alakhbaar.org/home/2014/3/164477.html


74
ليكن الرئيس العراقي القادم مسيحياً

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن أخطر ما يهدد العراق الديمقراطي هو غياب وحدته الوطنية وانقسام شعبه، وعدم تماسكه. والانقسامات عادة من طبيعة النظام الديمقراطي كما هو ملاحظ في الغرب، لأن النظام الديمقراطي يسمح بالتعددية والمعارضة الشرعية، وكل شيء فيه على المكشوف، على الضد من النظام الدكتاتوري ألذي يقمع أي رأي مخالف، ويظهر الشعب وكأنه كتلة واحدة متراصة، ولكن في الحقيقة هي وحدة ظاهرية مزيفة، ينكشف زيفها بعد سقوط هكذا نظام جائر.
ولكن الانقسام العراقي في ظل النظام الديمقراطي هو من نوع آخر، عدائي وخطير في جوهره يهدد وجوده كدولة. وهذا الوباء ليس جديداً ولا من صنع أمريكا أو بول بريمر كما يحلو للبعض تفسيره، بل ولد مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، استمراراً للموروث التركي العثماني. ولإثبات ذلك، أستميح القراء عذراً أن استشهد للمرة العاشرة أو العشرين بما جاء في مذكرة أحد مؤسسي هذه الدولة، وهو الملك فيصل الأول، عام 1933 حين قال: (...لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على أي حكومة كانت..." .
ومما زاد الطين بلة أن هيمنت على الدولة الحديثة جماعة من بقايا الحكم العثماني يمتلكون الخبرة في انتهاز الفرص بحكم انحدارهم، فادعوا العروبة والانتماء لطائفة دينية معينة وانتهجوا نفس السلوك التركي العثماني في التمييز الطائفي وعزل الأغلبية الساحقة من الشعب وبذر التفرقة بينهم ليسهل عليهم حكمه وفق مبدأ (فرق تسد). وبشهادة الملك أيضاً: أن "العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية، مؤسسة على أنقاض الحكم العثماني،...الخ". وقد شدد الرجل على عزمه قائلاً: " فنحن  نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه...الخ).

ولسوء حظ العراقيين أن مات هذا الملك الحكيم بعد أشهر من كتابة مذكرته تلك، مما أتاح لحكام العهد الملكي بالإيغال في التفرقة والتمييز الطائفي والعنصري رغم إدعائهم بالديمقراطية الليبرالية، إلا إن العهد الملكي كان ديمقراطياً في الظاهر، وإقطاعياً وطائفياً وعنصرياً في الممارسة، حيث كانت الانتخابات تزيف علناً مما أعطى صورة مشوهة للديمقراطية، الأمر الذي شجع على انتشار أيديولوجيات الأحزاب الشمولية المعادية للديمقراطية. والجدير بالذكر أن سلكت الحكومات المتعاقبة هذا السلوك (عدا حكومة ثورة 14 تموز بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم)، وبلغ هذا التمييز والقمع أقصاهما في عهد حكم البعث الصدامي حيث اختزلت السلطة بالعائلة والعشيرة.
هذه السياسات الطائفية والعنصرية وخاصة في العهد البعثي الصدامي، دفعت الناس إلى التخندق في العشيرة والدين والطائفة من أجل البقاء، الأمر الذي شجع على انتعاش الأحزاب الدينية وانحسار الأحزاب العلمانية الديمقراطية، والولاء للانتماءات الثانوية على حساب الولاء للوطن، والوحدة الوطنية. والجدير بالذكر أن تشكيل الأحزاب الدينية لم ينحصر على المسلمين فقط، بل وشمل حتى المسيحيين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى حيث دخل المسيحيون في الانتخابات الأخيرة بأربعة قوائم وما يرافق ذلك من تبديد لأصوات الناخبين.

هذه الانقسامات دفعت قادة بعض الكتل السياسية إلى الإستقواء بالحكومات الأجنبية من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الشخصية والفئوية، وإلحاق أشد الأضرار بالخصوم السياسيين وعلى حساب الشعب الجريح الممزق. كما ولجأ بعض السياسيين حتى إلى الإرهاب ودعم منظماته. وقد اعتمدت الحكومات الأجنبية مثل السعودية وقطر وتركيا العزف على وتر الطائفية بغية إشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة، ونتيجة لهذا الاستقواء بالأجنبي وتدخله الفض وممارسة الإرهاب، دفع الشعب العراقي عشرات الألوف من الضحايا.

وقد حاولت أمريكا التي حررت الشعب العراقي من الطغيان البعثي العنصري الطائفي أن تحل مشكلة صراع الكيانات السياسية على السلطة بإقامة نظام ديمقراطي بديل، يشارك فيه ممثلون عن جميع مكونات الشعب، وحسب حجم هذا الكيان والمكوَّن وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، ودون عزل أية مكونة ومهما كانت صغيرة. وقد تم تطبيق هذا النهج خلال السنوات العشر الماضية إلا إنه اصطدم بعقبات، أهمها أن الكيانات السياسية التي تمثل المكون العربي السني لم توافق على معاملتها على قدم المساواة مع بقية المكونات الأخرى، ولم تقبل بالتخلي عن امتيازاتها السابقة، فاعتبرت مساواتها بالآخرين وفق نتائج الانتخابات هو إقصاء وتهميش لها، لذلك نسمع كثيراً باتهام النظام الحالي بتهميش العرب السنة وحرمانهم من حقهم التاريخي في حكم العراق. وأطلقوا على هذا النظام أسماءً تسقيطية بذيئة مثل (حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية)!!! بدلاً من التعبير الآخر وهو: (حكومة الوحدة أو الشراكة الوطنية).
وعليه فالعراق يعيش الآن في حلقة مفرغة من الصراعات السياسية التي تزيد في انقسامات الشعب، وانقسامات الشعب تزيد في الصراعات الدموية ودوامة العنف، لذا يجب كسر هذه الحلقة المفرغة بشكل وآخر وقبل فوات الأوان.
من نافلة القول، أن السبب الرئيسي لتمزيق الوحدة الوطنية وإضعاف الشعور بالولاء للوطن، والتخندق بالطائفة والعشيرة هو التمييز الطائفي والعنصري وعدم معاملة المواطنين بالمساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص أمام القانون. وعليه يجب على المسؤولين العمل على خلق أجواء تعيد الثقة للمواطن بنفسه وبانتمائه للعراق، وإشعاره، وخاصة إذا كان من الأقليات الدينية والعرقية، بأن الولاء للوطن لا يتقاطع ولا يتناقض ولا يتضارب مع الولاء للانتماءات الثانوية. فالمسيحي والصابئي والشبكي والأيزيدي، والكردي والسني العربي، والشيعي العربي لهم مطلق الحرية في ممارسة ثقافاتهم وتقاليدهم وأعرافهم وطقوسهم الدينية والمذهبية مع الاحتفاظ بولائهم للوطن العراقي الواحد. وأن من حق أي عراقي أن يتبوأ أعلى المناصب في الدولة بما فيها رئاسة الجمهورية بغض النظر عن انتمائه القومي والديني والمذهبي. وبالتأكيد لا يمكن تحويل العراق إلى سويسرا بين عشية وضحاها، ولكن يمكن أن نبدأ بخطوة جيدة في هذا المضمار، فكما قيل: (رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة).

وهذه الخطوة هي أن يحذو العراق حذو الهند وألمانيا وسويسرا وغيرها من الدول الديمقراطية العريقة ذات المكونات الأثنية، والدينية، المتعددة، يكون منصب رئيس الجمهورية شرفي يمثل الوحدة الوطنية، ودوره ينحصر في قيادة الاحتفالات بالمناسبات الوطنية وما يصاحب ذلك من بروتوكولات، ودون حصر هذا المنصب في مكونة معينة. فمرة يكون مسيحياً، وأخرى صابئي، وثالثة من الشبك، أو الأيزيدي وكردي فيلي، وأن يكون المرشح ذا ماض مجيد كأن يكون أكاديمي مرموق، وهكذا تنضج الديمقراطية وتصبح جزءً من ثقافة الشعب العراقي. وبذلك سيشعر المواطن أنه منتم حقاً إلى العراق، ومستعد ليتفانى في سبيله طوعاً لا قسراً.
وهناك فوائد كثيرة يجنيها العراق الجديد فيما لو تم اختيار رئيس الجمهورية من المكون المسيحي في الدورة البرلمانية القادمة، كخطوة أولى في رحلة الألف ميل، ومن هذه الفوائد ما يلي:
1- إشعار الأقليات في العراق بأنهم مواطنون أصلاء، وهم فعلاً وتاريخياً كذلك، يعمق ذلك شعورهم بالانتماء والولاء إلى وطن أجدادهم العظام الذين جعلوا من العراق مهد الحضارة البشرية.
2- إزالة السمعة السيئة التي يبثها الخصوم أن النظام العراقي الجديد هو نظام ديني إسلاموي، بل وراح البعض يصفه بأنه نظام ولاية الفقيه يدين بالولاء لإيران... إلى آخره من الدعاية المضادة.
3- يقنع العالم الغربي المسيحي أن النظام العراقي الجديد هو ليس كما يصفه الاعلام المضاد، وبذلك يكسب دعم العالم الغربي وتأييده للعراق الجديد.
فهل من مجيب؟
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

75
على العراق أيضاً سحب سفيره من قطر

عبدالخالق حسين

بدأت دويلة قطر تواجه نتائج سياساتها في اللعب بالنار، فهي أصغر دولة عربية، ولكن أميرها السابق (حمد بن خليفة آل ثاني) ويبدو حتى أميرها الحالي (تميم بن حمد)، بدد مليارات الدولارات من أموال الشعب القطري المغلوب على أمره، على إثارة الفوضى والاضطرابات في العديد من البلاد العربية، مثل العراق، وسوريا، ومصر وليبيا ولبنان. ولعل العراق من أشد المتضررين من سياسات التدخل العربي، وبالأخص القطري والسعودي، في شؤونه الداخلية وذلك عن طريق دعم المنظمات الإرهابية في إثارة الشغب والفتن الطائفية وأعمال القتل الجماعي.
وكما قيل (ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع)، فها هي دويلة قطر بدأت تدفع الثمن، لتواجه العزلة من أقرب الدول إليها وهي دول مجلس التعاون الخليجي، إذ أفادت الأنباء أن "قررت السعودية والبحرين والإمارات يوم الأربعاء، 5/3/2014، سحب سفرائها من قطر احتجاجا على سياستها التي تشجع علنا الإسلاميين أن كان ذلك في بلدان الشرق الأوسط مرورا بشمال أفريقيا وانتهاء بجيرانها مباشرة". وتزامناً مع هذا القرار الخليجي، "جددت وزارة الخارجية المصرية، دعوة قطر إلى الابتعاد عما وصفتها بـ"السياسات والمواقف التي تؤجج الفرقة، وتفتت وحدة الصف العربي،" وأن مصر أيضاً سحبت سفيرها من قطر أسوة بالدول الثلاث المذكورة أعلاه.

وبما أن العراق من أشد المتضررين من سياسات قطر العبثية، لذا كان الأجدر به أن تبادر حكومته بعزل هذه الدويلة منذ مدة، ولكن مع ذلك فقد حان الوقت أن تستفيد الحكومة العراقية من هذه الفرصة بأن تقوم هي الأخرى بسحب سفيرها لكي يشعر المخططون لسياسات قطر العبثية الطائشة بالعزلة وإلى  أين تقودهم هذه السياسة الرعناء في دعم تنظيم الأخوان المسلمين، الذي منه تفرخت التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وطالبان وجبهة النصرة وداعش وغيرها.

من نافلة القول أن حزب الأخوان المسلمين لا يقل خطورة على السلام العالمي من فلول حزب البعث، بل وحتى من القاعدة وفروعها ومشتقاتها من التنظيمات الإرهابية، لأن هذه التنظيمات خرجت من عباءة الأخوان المسلمين، وتم غسل عقول الشبيبة بأفكار منظرين من هذا الحزب من أمثال سيد قطب، صاحب كتاب (معالم في الطريق)، وأخيه الشيخ محمد قطب، صاحب كتاب (جاهلية القرن العشرين)، الذي يعتبر فيه كل ما أنتجه الغرب من معارف وثقافات وفلسفات وعلوم وتكنولوجيا وحضارة وحداثة...الخ، منذ ما قبل سقراط وإلى الآن، هو جهل في جهل، وأن الثقافة الحقيقية هي الإيمان بالقرآن والسنة فقط .

ورغم أن السعودية تتصدر هذه الأيام في مناهضة حزب الأخوان المسلمين والتنظيمات الإرهابية، إلا إن هذا الموقف لا يعدو كونه مؤقت وتكتيتي بسبب افتضاح أمرها لدى الغرب وتذمر الإدارة الأمريكية منها في نشر الفكر الظلامي ودعم الإرهاب في العالم. إلا إن الموقف السعودي هذا من الأخوان المسلمين هو انتقائي، ففي الوقت الذي تعارض فيه السعودية الإسلاميين في مصر وبلدان الخليج، إلا إنها تدعمهم في العراق وسورية ولبنان.  

ولا ننسى أن حزب الأخوان المسلمين ولد بالأساس من رحم الوهابية في محاولة لوهبنة المسلمين بالاعتماد على الكفاءات المصرية في أوائل القرن العشرين، خاصة وأن اسم (الأخوان) هو مشتق من الوهابية حيث يطلق الوهابيون على أنفسهم (الأخوان) أيضاً.
ووفق عقيدتهم الوهابية هذه فإن غير المسلمين، يُعتبرون كفاراً يجب قتلهم، كما ويعتبرون المسلمين الشيعة مشركين، يجب إنذارهم ومنحهم مهلة ثلاثة أيام بأن يتحولوا إلى مسلمين سنة وفق المفهوم الوهابي للإسلام، وإلا يجب قتل رجالهم، وسبي نساءهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة كما كانوا يعملون إثناء الغزوات في العصر الجاهلي والفتوحات الإسلامية فيما بعد. هذا ما صرح به إمام مكة في مقابلة له مع تلفزيون بي بي سي العربية قبل عامين. لا شك أن هذه الدعوة وفق معايير اليوم تعتبر فاشية تهدد الحضارة البشرية. وعلى سبيل المثال، لما سُئِلَ أبو حمزة المصري، إذا كان يكره ويحتقر الغرب إلى هذا الحد، فلماذا هو مقيم في بريطانيا؟ فأجاب أن وجوده في الغرب مؤقت، و بريطانيا بالنسبة له عبارة عن مرحاض لقضاء الحاجة!!. هذا هو رده على الجميل البريطاني! كما ويردد الإسلاميون قولاً لابن تيمية:"إذا اقمت في دار الكفر للتعلم أو التطبب أو التجارة، فأقم بينهم وأنت تضمر العداوة لهم".

والجدير بالذكر أن نُشِرَ قبل عامين كتاب قيم للباحث الأمريكي إيان جونسن بعنوان: (جامع في ميونيخ: دور المخابرات النازية والأميركية في نشوء ونشاط التنظيم الدولي للإخوان المسلمين). يذكر المؤلف جذور نشوء التنظيم الدولي لهذا الحزب في أوربا منذ الثلاثينات من القرن الماضي بدعم من النازية الألمانية الهتلرية، خاصة وأن الإسلاميين والقوميين العرب قد عوَّلوا على النازية في محاربة الاستعمار البريطاني والفرنسي وقضية فلسطين وفق مبدأ (عدو عدوك صديقك)، وعلاقة أمين الحسيني بالنازية باتت معروفة. وبعد هزيمة النازية الألمانية والفاشية الإيطالية في الحرب العالمية الثانية، استفادت المخابرات الأمريكية من هذا التنظيم الإسلامي الدولي وجندته لمحاربة الحركات الشيوعية في العالم العربي والإسلامي. (رابط ملخص هذا الكتاب القيم في الهامش وهو جدير بالقراء).

خلاصة القول، إن حزباً يقسِّم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب، وإلى مؤمنين وكفار، ويبيح إبادة كل من يختلف معه في الفكر والمعتقد الديني والمذهبي، وينشر التطرف والحقد والعداء والتحريض على قتل غير المسلمين وحتى المسلمين الذين لا يوافقونهم على منهجهم، لا شك أنه حزب فاشي، بل هو أخطر من جميع أنواع الفاشية والنازية والعنصرية. وأن الحكومة القطرية التي تدعم هكذا تنظيم فاشي هي الأخرى لا تقل خطورة على العالم، ولا بد من عزلها ومعاقبتها إلى أن تتخلى عن سياستها الطائشه. لذا أهيب بالحكومة العراقية خاصة، وكافة دول العالم عموماً، مقاطعة هذه الدويلة نظراً لما تشكله من خطورة على السلام العالمي.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو علاقة
ملخص كتاب: جامع في ميونيخ: دور المخابرات النازية والأميركية في نشوء ونشاط التنظيم الدولي للإخوان المسلمين
http://www.nmc.sy/nmc/public/read/79




76
مبادرة علاوي لإنقاذ داعش من الهزيمة

د.عبدالخالق حسين

تمر هذه الأيام ذكرى أقذر مؤامرة بعثية على العراق، ساهمت فيها جهات محلية ودولية واستخبارات غربية، وحكومات عربية وإقليمية، ألا وهي مؤامرة انقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود الذي أدخل العراق في نفق مظلم ومجازر مستمرة خلال إحدى وخمسين سنة الماضية وإلى اليوم. لقد بات معروفاً للقاصي والداني أن داعشي اليوم هم أبناء الشباطيين لعام 1963. فأياد علاوي كان من شقاوات البعث في وقته، مهد مع رفاقه البعثيين قبل الانقلاب بفرض الاضرابات على طلبة جامعة بغداد وأساتذتها. وبعد نجاح الانقلاب كان يشارك رفيقه صدام حسين في الحرس القومي سيئ الصيت في تعذيب الوطنيين العراقيين في المعتقلات. (ولمعرفة من هو علاوي يرجى فتح رابط الفيديو في الهامش)(1).

وبعد تحرير العراق من الفاشية البعثية عام 2003، بدَّل علاوي جلده وتظاهر بالديمقراطية، فترأس كتلة سياسية باسم "العراقية" بدعم السعودية ودول خليجية أخرى، والتي لعبت أكبر دور في شل عمل الحكومة، وخلق الاضطرابات، ولكن أرتد عليه عمله هذا حيث أدى إلى تفكك كتلته بعد أن انفض عنها كثيرون من نوابها الذين فضلوا مصلحة الوطن على أحلام علاوي الفنطازية الرامية إلى قيامه بدور صدام في العراق الجديد، ليشكل تكتلاً جديداً آخر باسم (إئتلاف الوطنية العراقية). وعلاوي هذا يريد أن يلعب اليوم نيابة عن داعش نفس الدور الذي لعبه عام 9631 باسم حزب البعث الفاشي ولكن بأشكال أخرى. والكل يتذكر دور علاوي في الجلسة الأولى من الدورة البرلمانية الحالية، فما أن حقق غرضه بانتخاب صاحبهم (أسامة النجيفي) رئيساً للبرلمان، حتى وأمر نواب كتلته بترك الجلسة لتعطيل تنفيذ بقية جدول أعمالها في انتخاب رئيس الجمهورية والذي بدوره يرشح زعيم أكبر كتلة برلمانية لتشكيل الحكومة. ولكن خاب أمله حيث تمرد عليه نحو 40 نائباً من كتلته ففضلوا البقاء في الجلسة، والمصلحة الوطنية على مصلحة زعيمهم  المهووس بالتخريب. 

أفادت الأنباء أن "اعلن رئيس إئتلاف الوطنية إياد علاوي عن سعيه لإنجاح مبادرة تهدف لتخفيف التوتر الحاصل ووقف نزيف الدم العراقي من خلال عقد مؤتمر في النجف."
لاحظوا اختيار الكلمات: "لتخفيف التوتر الحاصل ووقف نزيف الدم العراقي." ولم يفت علاوي هنا بأن يدين الطائفية وهو المدعوم من السعودية وقطر، الدولتان اللتان همهما الوحيد إثارة المشاكل في دول المنطقة عامة، والعراق خاصة بإثارة الفتنة الطائفية. كذلك "حذر من مغبة استمرار الحكومة في تجاهل مطالب العراقيين". فالصراع في الفلوجة والرمادي في نظر علاوي ليس بين الإرهابيين (داعش والقاعدة)، وبين الشعب العراقي، بل هو بين الحكومة والعراقيين!! وفي هذه الحالة، لا بد وأن علاوي البعثي هو من يمثل العراقيين.
وفي مكان آخر صرح علاوي قائلاً: أن "احتجاجات الأنبار انطلقت من أجل مطالب مشروعة، لكن الحكام تذرعوا بأنها ملاذ للقاعدة والارهاب، وهذا غير صحيح". فالعمليات الإرهابية في الفلوجة والرمادي التي شردت أكثر من عشرة آلاف عائلة هي مجرد احتجاجات من أهل الأنبار من أجل مطالب مشروعة وليست أعمالاً إرهابية!!!
ليفهم السيد علاوي أن الصراع ليس بين السنة والشيعة، أو بين الحكومة والشعب العراقي في الأنبار كما يحلو له وللإعلام المضاد تصويره لتضليل الرأي العام، بل هو بين الإرهابيين بشتى تشكيلاتهم من جهة، وبين الشعب العراقي سنة وشيعة وكل مكوناته من جهة أخرى، ومن واجب الحكومة حماية الشعب من الإرهاب البعثي – الوهابي وتحت أي مسمىً كان. فهاهي عشائر محافظة الأنبار بقيادة شيوخهم يقفون إلى جانب الأجهزة الأمنية والقوات العسكرية، يدكون أوكار الداعشيين وحلفائهم. فعلى من يريد علاوي تمرير لعبته بحذلقاته اللغوية، وتلاعبه بالألفاظ لتضليل الناس؟

فها هو رئيس مجلس اسناد الانبار الشيخ حميد الهايس يقول في تصريح صحفي له: "ان احد ابناء مدينة الفلوجة الاسيرة قام بقتل نفسه وزوجته وأخته بعد تهديده بالقتل من قبل ارهابيي "داعش" جراء رفضه اخذ اثنتين من نسائه ليتزوجن من الارهابيين وفقا لذريعة "جهاد المناكحة" حفاظاً على شرفه وسمعة عشيرته التي تعد من العشائر العراقية الاصيلة. وكشف الهايس ايضاً عن وجود محكمتين شرعيتين تنفذان احكاماً جائرة بحق اهالي الفلوجة، مؤكداً ان المحكمتين فيها قضاة ارهابيون من حملة الجنسية الباكستانية وجلادون من حملة الجنسية الافغانية ينفذون احكام الجلد بسلاسل حديدية، مبيناً ان التذمر وصل الى اعلى حدوده لدى اهالي الفلوجة جراء الافعال الاجرامية والجائرة التي تنفذها زمر "داعش" الارهابية، مشيراً الى ان نوايا التنظيم في تأسيس دولة ارهابية في محافظة الانبار ومحافظات سورية تكشفت بعد العثور على نسخة من العملة المالية التي اصدرها التنظيم والتي تتضمن صورة للمقبور اسامة بن لادن امير تنظيم القاعدة الارهابي." (2)
فمن نصدق يا ترى، تصريحات علاوي التي ينفي فيها وجود الإرهاب، أم الشيخ الهايس وهو من أحد شيوخ عشائر الأنبار؟
   
وأضاف علاوي، كما جاء في التقرير، أن " استمرار فوضى ادارة الملفات السياسية والأمنية في البلاد بسبب التوجهات العرقية والطائفية والمذهبية سيجر البلاد إلى كارثة".
جميل جداً هذا الكلام، ولكنه قول حق أريد به باطل، وتاريخنا الدموي مليء به، أو كما يقول أخواننا المصريون: (ضربني وبكى، سبقني واشتكى). فرأي علاوي أن حكومة المالكي هي التي تدير الملفات السياسية والأمنية بتوجهات عرقية وطائفية، وليس البعثيون ومن ورائهم السعودية الذين راحوا يعزفون على الوتر الطائفي حتى قبل إسقاط البعث الفاشي عندما اصدر أكثر من سبعين من وعاظ البلاط السعودي بيانا دعوا فيه الشباب الى التوجه الى العراق لاداء "فريضة الجهاد" لإنقاذ أخوتهم السنة من "الروافض الفرس المجوس". فمن الذي يقوم بالشحن الطائفي؟ إن السيد علاوي يراهن على ضعف ذاكرة الناس فيطلق تصريحات ضد أمور هو من أثارها واعتاش عليها.
يبدو أن فلول داعش قدمت فرصة ذهبية لمن يريد المزايدة على الوطنية، ولمكاسب انتخابية. فقبل فترة تقدم السيد عمار الحكيم بمبادرة (أنبارنا الصامدة) حيث وهب نحو أربعة مليارات دولار للأنبار (وهب الأمير ما لا يملك)، إضافة إلى تسليح العشائر وضمهم إلى القوات العسكرية المسلحة، وتشكيل مجلس أعيان مؤلف من شيوخ عشائر المحافظة، وهذا يعني إلغاء الديمقراطية والعودة إلى حكم العشائر.

واليوم يطلع علينا أياد علاوي بمبادرة لم يشر فيها إلى أي دور لداعش في الإرهاب، بل يعتبرهم بصورة غير مباشرة وكأنهم قوة سياسية شرعية مشاركة في العملية السياسة يجب الاستجابة لمطالبها، وذلك بعقد مؤتمر في مدينة النجف الأشرف. يعني على غرار مؤتمر جنيف بين الحكومة السورية والمعارضة. وبذلك يريد علاوي منح داعش والقاعدة دوراً شرعياً وبطولياً. والسؤال هنا: من سيمثل المسلحين الإرهابيين في محافظة الأنبار بعد أن يسقط عنهم علاوي صفة الإرهاب ويضفي عليهم لقب العراقيين؟ وماذا عن العناصر الأجنبية المشاركة في هذا الإرهاب من الشيشانيين والليبيين والأفغان والسعوديين وغيرهم من شذاذ الآفاق؟ فما هي حقوقهم الشرعية في العراق، أفتونا يرحمكم الله!!

إن التاريخ العربي- الإسلامي مليء بحوادث النصب والاحتيال. فمبادرة أياد علاوي لإنقاذ داعش تذكرنا بمبادرة عمرو بن العاص حين بانت علامات الهزيمة على جيش معاوية، فطلع بمبادرة التحكيم ورفع المصاحف على أسنة الحراب والصراخ بأن لا حكم إلا لله، وأن نحتكم بالقرآن. ورغم تأكيد الإمام علي لأصحابه بأنها خدعة، وقول حق أريد به باطل، ولكن في نهاية المطاف نجحت اللعبة، وتم انقاذ جيش معاوية من الهزيمة. واليوم يقوم أياد علاوي بدور عمر بن العاص ولكن في القرن الحادي والعشرين.
يريد علاوي من مبادرته هذه تحقيق غرضين، الأول إبراز نفسه بأنه مازال لاعباً كبيراً في العراق الجديد بعد أن صار لاعباً صغيراً لا يعتد به حيث تخلى عنه أكثر أنصاره، وحتى الجهات الخارجية التي اعتمدت عليه في شل العملية السياسية. والغرض الثاني هو: بعد أن تأكد من النصر المؤزر على داعش وبقية الإرهابيين طلع علينا علاوي بمبادرته هذه لإنقاذ الإرهابيين من الهزيمة المنكرة المؤكدة.
لذلك نؤكد للشعب العراقي، ولكل المخلصين من أبناء الوطن، أن أية مبادرة تدعو إلى التفاوض مع داعش، فهي بمثابة القاء حبل النجاة لهم ولبقية الإرهابين ومنحهم فرصة للملمة صفوفهم بعد أن اقترب وقت تصفيتهم وهزيمتهم المنكرة على يد القوات الأمنية والعسكرية المسلحة الباسلة، وقوات الإسناد من عشائر الأنبار الشرفاء. وها هو محافظ الأنبار السيد أحمد الدليمي، وهو من أبناء المحافظة، أكد في تصريح له ان "لا خيار للتفاوض مع مسلحي "الدولة الاسلامية في العراق والشام" (داعش)، ومجددا منح المهلة للمسلحين في مدينة الفلوجة سبعة ايام لإلقاء السلاح ضمن مبادرة لانهاء النزاع الدائر منذ اكثر من شهر".
هذه هي المبادرة الصحيحة وليست مبادرة علاوي التي يريد بها إنقاذ داعشيي اليوم من أبناء شباطيي الأمس، فهؤلاء لا أمان لهم وهم سبب البلاء.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمعرفة المزيد عن أياد علاوي، يرجى فتح رابط الفيديو
Our Man in Baghdad – Iraq1-
http://www.youtube.com/watch?v=mGKcgI_XKng&feature=fvsr

2- إرهابيو باكستان وأفغانستان يحكمون الفلوجة {داعش} يستبيح الحرمات ويجبر النساء على {جهاد المناكحة}
 http://alakhbaar.org/home/2014/2/162637.html



77
لماذا يحتاج العراق إلى الدعم الأمريكي؟

د.عبدالخالق حسين

قبل عام كتبت مقالاً بعنوان (نحو علاقة عراقية-أمريكية متكافئة) ذكرت فيه أنه من مصلحة العراق إبرام اتفاقية إستراتيجية قوية بين الدولتين. وكالعادة، تلقى المقال تأييداً حاراً من قبل الواعين المخلصين من العراقيين، ولكن في نفس الوقت انبرى نفر من المصابين بـ(أمريكا فوبيا)، ينتقدون ويكيلون لنا الاتهامات الجاهزة بالعمالة، ليس لأمريكا فقط بل وحتى لإسرائيل. وقد أثبتت الأحداث الجارية الآن صحة ما ذهبنا إليه.

فالعراق بعد أربعة عقود من حكم الفاشية غارق بمشاكل كبيرة وكثيرة لا تعد ولا تحصى، فهناك التمزق والشقاق والنفاق، والصراعات السياسية والأثنية والدينية والطائفية بين مكونات شعبه وكياناته السياسية، إضافة إلى تكالب أعداء الخارج من حكومات يمتلكون الثروات النفطية الهائلة مثل السعودية وقطر وغيرهما، بإمكانهم شراء أصحاب الذمم الميتة، وما أكثرهم في العراق لتدمير بلدهم. والحكومات الإقليمية تريد عراقاً ضعيفاً تحكمه حكومة دكتاتورية تضطهد شعبه، وتبذر أمواله على الحروب العبثية بدلاً من صرفها على البناء والإعمار والازدهار الاقتصادي لرفاه شعبه. وفي هذه الحالة، لا يمكن لأي من يقود الحكومة وفريقه، ومهما أوتي من وطنية وإخلاص وقدرات معرفية وصبر وحكمة أن يقود هكذا وطن وشعب إلى بر الأمان ويخلصه من هذه المشاكل (الكوابيس) التي تهد الجبال، إلا بمساعدة الدولة العظمى، أمريكا. ويجب أن نعرف أن معظم خالقي هذه المشاكل هم يأتمرون بأوامر أمريكا. وتاريخ العراق الحديث يخبرنا أن الجهة التي معها أمريكا هي التي تنتصر، وأفضل مثال هو ما حصل لثورة 14 تموز من تآمر داخلي ودولي إلى أن تم ذبحها في 8 شباط 1963 الدموي الأسود. لذا لا نريد تكرار شباط آخر. فما يجري الآن في محافظة الأنبار على أيدي الداعشيين، وهم أبناء الشباطيين، إلا محاولات يائسة مستميتة لتكرار مجازر شباط الأسود. يقول الفيلسوف الأمريكي، الاسباني المولد جورج سانتايانا: " الذين لا يستطيعون تذكر أخطاء الماضي محكوم عليهم بتكرارها."

وبغض النظر عن مقاصد أمريكا في تحرير العراق من أبشع نظام دكتاتوري همجي في التاريخ، إلا إن الشعب العراقي هو المستفيد الأكبر من هذا التحرير رغم ما حصل من خسائر بسبب تبعات إسقاط حكم البعث، والشعب الأمريكي هو الآخر دفع خسائر بشرية، ومادية كبيرة. وهذا ما يسميه آدم سميث بـ(يد التاريخ الخفية) وراء الأحداث الكبرى، فيقول: "نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف تكون في صالح المجتمع البشري". وفي هذه الحالة، في صالح العراق خاصة، والعالم عموماً، حيث تخلص من أبشع نظام فاشي كاد أن يُفرغ العراق من شعبه.

ونتيجة للتركة الثقيلة من الفاشية، وعلى رأسها الصراع بين مكونات الشعب العراقي وغياب الوحدة الوطنية، واستعداد قيادات هذه الكيانات السياسية للتعاون حتى مع الشيطان في سبيل مكاسب شخصية وفئوية عابرة على حساب مصلحة الشعب الدائمة، لذلك نرى قيادات بعض الكيانات السياسية، مثل (متحدون) وجبهة الحوار في زيارات مكوكية إلى السعودية وقطر وتركية من أجل الدعم المالي وتلقي الأوامر والتعليمات، إضافة إلى دور هذه الدول في دعم التنظيمات الإرهابية لوأد الديمقراطية.

وقد استفاد أعداء الديمقراطية من الموروث السياسي العراقي بتأثير من اليسار في عهد الحرب الباردة، بإثارة العداء لأمريكا خاصة والغرب عامة، ورفض أي دعم أمريكي للعراق، ليجعلوه فريسة سهلة لأعدائه، في الوقت الذي يسعى فيه أعداء العراق كسب أمريكا إلى جانبهم واستعدائها على الحكومة العراقية. وهذا واضح من الإعلام العربي، وعلى رأسه فضائية الجزيرة التي كل همها حث الشعب العراقي والرأي العام العربي نفاقاً، على معاداة أمريكا، في الوقت الذي لا تبعد أكبر قاعدة أمريكية عن مقر هذه القناة إلا بضع مئات من الأمتار، وقد بات معروفاً أن أمريكا هي التي تقرر من يحكم دولة هذه القناة، قطر. ونفس الكلام ينطبق على السعودية التي أمرت وعاظ بلاطها من مشايخ الوهابية بإصدار بيانات وفتاوى دعوا فيها الشباب الى التوجه الى العراق لاداء "فريضة الجهاد" بعد أن حقنوهم بالشحن الطائفي ضد الشيعة "الروافض عملاء الفرس المجوس"، لنصرة أخوتهم أهل السنة، واستمرت حملة الشحن الطائفي إلى هذه اللحظة. ونتيجة لهذه الفتنة دفع الشعب العراقي عشرات الألوف من أبنائه الأبرياء ضحايا الإرهاب الأعمى. والأسوأ، أنه حتى القيادات السياسية للمكونة التي دفعت أكبر قسط من الضحايا على استعداد للتعاون حتى مع الشيطان في سبيل المناصب ومعاداة أمريكا. فزعيم التيار الصدري (مقتدى الصدر)، المستفيد الأكبر من إسقاط نظام قتل والده وعمه وعمته وأخوته، كان أول من ينكر الجميل ليرفع السلاح بوجه محرريه ويضرب اليد التي أحسنت له.
فمن نافلة القول، أن شعباً عانى كل هذه المظالم طوال تاريخه الدموي المرير لا يمكن أن ينتقل من أبشع نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي بين عشية وضحاها بسلام وسلاسة، لذلك كان من حسن حظه أن تم إسقاط حكم البعث الصدامي الجائر على يد أمريكا، وهذا ما يسمونه بمكر التاريخ. فحكم البعث كان أسوأ من أي سرطان خبيث في جسم العراق. لقد تم استئصال هذا السرطان بعملية جراحية كبرى وخطيرة على يد الجراح الأمريكي، والمريض كان ومازال بحاجة إلى رعاية الجراح وفريقه إلى أن يعبر دور النقاهة، ويتعافى بالكامل. وكيف له أن يستعيد العراق كامل عافيته وقد تكالبت عليه الأعداء من كل حدب وصوب، في الداخل والخارج لقتله وهو في غرفة الإنعاش؟

لذلك، ناشدنا المسؤولين في الحكومة أنه من مصلحة العراق إبرام اتفاقية استراتيجية متكافئة ودائمة مع أمريكا التي ضحت بالكثير في هذه العملية. ولكن من المؤسف أن نرى حتى من أقرب الناس الى رئيس الوزراء، مازالوا يعتبرون العلاقة الاستراتيجية مع أمريكا وصمة عار. فهؤلاء لا يعتبرون العجز في دحر الإرهاب وصمة عار، ولا يرون استشهاد العشرات من أبناء شعبنا الأبرياء يومياً وصمة عار. ولا يبالون بالمخاطر الكبرى التي تهدد الشعب بالإبادة على أيدي شذاذ الآفاق من داعش والقاعدة ومنظمات الجريمة المنظمة وصمة عار.

لقد ساهمت أمريكا مع حلفائها في تحرير القارة الأوربية من النازية والفاشية، واليوم لها قواعد عسكرية في أقوى الدول اقتصادياً مثل ألمانيا، واليابان وكوريا الجنوبية، وحتى الكويت، وقطر وعشرات الدول الأخرى، بل لها قواعد عسكرية حتى في بريطانيا العظمى، ولم يخدش الوجود العسكري الأمريكي من سيادة وكرامة هذه الدول ومكانتها في المجتمع الدولي. ولكن بمجرد وجود بضعة آلاف عسكري أمريكي في العراق لتدريب العسكريين العراقيين على الأسلحة والتكنولوجية العسكرية المتطورة لمواجهة الإرهاب يعتبر مساً بالعزة والكرامة والسيادة الوطنية، ويتصاعد الصراخ وامعتصماه!! أيها السادة، إنه الشعور بالنقص، والإزدواجية في شخصية الفرد العراقي التي أشار إليها عالم الاجتماع الخالد علي الوردي.

نؤكد مرة أخرى، أنه لا تقوم للعراق قائمة، ويتخلص من الإرهاب إلا بمساعدة أمريكا. لذلك نعتقد أن الحكومة العراقية ارتكبت خطأً إستراتيجياً جسيماً حين رفضت إبقاء عدة آلاف من القوات الأمريكية في العراق.
والجدير بالذكر، أنه قبل مغادرة آخر جندي أمريكي العراق في نهاية عام 2011، سلَّمت أمريكا للحكومة العراقية عدة قواعد عسكرية كلفتها عشرات المليارات الدولارات، قدمتها هدية للجيش العراقي. فماذا حصل لهذه المعسكرات الأمريكية الجاهزة؟ لقد سطى عليها الحماة اللصوص (حاميها حراميها) ونهبوها وباعوها في سوق الخردة بأثمان بخسة. فلو بقيت قوات أمريكية وحتى بأعداد رمزية لحماية هذه المعسكرات وتدريب العسكريين العراقيين لما حصل هذا النهب والدمار، ولما عاد اليوم الداعشيون من أبناء الشباطيين ليحتلوا محافظة الأنبار وينشروا في مدنها الإرهاب. بينما الآن يتوسل العراقيون بأمريكا لتدريب العسكريين العراقيين، ليس في العراق، بل في الأردن!. ولماذا ليس في العراق؟ لأن عقدة الكرامة والشعور بالنقص، والمكابرة والعناد. وهنيئاً للأردن على ما يكسبه من فوائد من كوارث العراق. (مصائب قوم عند قوم فوائد).

يمر العراق اليوم بأزمة خطيرة تهدد وجوده بالكامل من قبل المنظمات الإرهابية، القاعدة، وداعش وتجمعات إرهابية أخرى مدعومة من السعودية وقطر وغيرهما. وغني عن القول أن منظمة داعش هي تجمع جيش الحرس الجمهوري المؤلف من غلاة البعثيين منذ عهد صدام لحماية حكمه من الشعب. نهبوا جميع معدات الجيش وذخيرته قبل التحرير وخزنوها في مخازن سرية معدة مسبقاً لهذا الغرض، وحافظوا على طاقاتهم استعداداً لهذه الهجمة. ويتلقى هذا الإرهاب الدموي الشرس الدعم من الشركاء في العملية السياسية، وحكومات إقليمية أشرنا إليها آنفاً. وإذا كان الإرهابيون ركزوا وجودهم في الفلوجة والرمادي والموصل وديالى، فإنهم يواصلون تفجيراتهم اليومية في جميع أنحاء العراق. كما ويخططون لضرب المؤسسات الاقتصادية وعلى رأسها المنشآت النفطية (العمود الفقري لاقتصاد العراق). لذلك شعر المخلصون في الحكومة بهذا الخطر الداهم، فقام وفد عراقي برئاسة نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، الدكتور حسين الشهرستاني بزيارة إلى أمريكا ولقائه بوفد نظير له للتعاون في مجال حماية المنشآت الاقتصادية العراقية.(2) ولكن رغم كل ذلك ينبري بعض المحسوبين على رئيس الوزراء بمكابرة وعناد لينفوا عقد مثل هذه الاتفاقيات الأمنية لأنهم يعتبرونها وصمة عار!!.

ومن كل ما تقدم، نناشد الحكومة العراقية بتنشيط الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية مع أمريكا، وبشكل نزيه، إذ ليس من الإنصاف أن يتجاهل العراقيون هذه الاتفاقية ويطلقوا تصريحات معادية لأمريكا، ولكن ما أن يتعرضوا إلى تصعيد موجة الإرهاب، ليركضوا إلى أمريكا ويرجونها بتقديم المساعدة، وكأن أمريكا صاحبة دكان لبيع الخردوات يمكن الشراء منها عند الحاجة. يجب على الحكومة العراقية أن تعيد النظر في هذه الاتفاقية، وتنشطها نحو تعاون عسكري صريح إلى جانب التعاون في المجالات الأخرى. فالوضع العراقي لا يتحمل المزايدات في الوطنية المزيفة، والمكابرة والعناد، والاجتهادات الخاطئة والأخلاقيات البدوية الرعناء. الذين يعتبرون معاداة أمريكا شرط من شروط الوطنية يلحقون أشد الأضرار بالشعب والوطن، فهم سجناء كهوف الحرب الباردة والتي انتهت بهزيمة أيديولوجياتهم الفاشلة وفق مبدأ البقاء للأصلح. فالسياسة فن الممكن، والبحث وراء مصلحة الشعب. وكما قيل: "ليس في السياسة أصدقاء دائمين، ولا أعداء دائمين، وإنما هناك مصالح دائمة".   
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- عبدالخالق حسين: نحو علاقة عراقية-أمريكية متكافئة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=570

2- Crucial Iraq energy security seeks U.S. focus
http://www.iraqoilreport.com/beyond-the-headlines/crucial-iraq-energy-security-seeks-u-s-focus-11802/


78
نهاية البعث في تحالفاته الأخيرة

د.عبدالخالق حسين

ليس هناك أي تنظيم سياسي أو إجرامي أخطبوطي يتمتع بالقدرة الفائقة في عقد التحالفات التكتيكية مع القوى السياسية الأخرى مثل حزب البعث. فهذا التنظيم كالحرباء يستطيع التلون وحسب الظروف، ففي أوج الحركات الوطنية التحررية في الخمسينات طرح البعث نفسه في العراق كحركة تحررية وطنية وتقدمية، رافعاً شعارات براقة جذبت إليه الكثير من الوطنيين التقدميين العروبيين. وتم قبول حزبهم في جبهة الاتحاد الوطني في عام 1956، والذي ضم الحزب الشيوعي العراقي، والوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال. ولكن بعد ثورة 14 تموز 1958 سرعان ما كشف البعثيون عن وجوههم الحقيقية، فتآمروا على الثورة مع القوى الرجعية في الداخل والخارج، واغتالوا قيادتها الوطنية النزيهة المخلصة في 8 شباط 1963، وأدخلوا العراق في نفق مظلم قاد إلى احتلاله من قبل القوات الدولية بقيادة أمريكا عام 2003، ولم يتخلص الشعب العراقي من شرور هذه العصابة المافيوية الإرهابية وتبعات سقوطه لحد الآن.
وفي السبعينات من القرن الماضي، وعندما كانوا ضعفاء في الحكم، تظاهروا بالميول التقدمية والاشتراكية والانحياز إلى المعسكر الاشتراكي، فأبرموا معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفيتي، واعترفوا بجمهورية ألمانيا الشرقية، وورطوا الحزب الشيوعي العراقي في تحالف معهم دفع الشيوعي ثمنه من مكانته ومازال يدفع لحد الآن. كما وتحالف البعث في عهد تموز مع الحركة الكردية ثم انقلب عليها بعد ثلاثة أشهر من انقلابهم الدموي الأسود عام 1963.
وفي السنوات الأخيرة من حكمه الدموي، دشَّن صدام حسين ما سمِّي بالحملة الإيمانية، فتظاهر بالحرص على الإسلام والالتزام بتعاليمه، وخطط لبناء أكبر جامع في العالم يكلف مليارات الدولارات خلال سنوات الحصار الاقتصادي. وهناك معلومات مؤكدة تفيد أن صدام تحالف في عامه الأخير من حكمه حتى مع القاعدة، فسمح بدخول نحو ستة آلاف من أعضاء هذا التنظيم الإرهابي في العراق. واليوم أصبح هذا التحالف علناً، وما الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) إلا تنظيم بعثي تلبس بلبوس الإسلام مندمجاً مع القاعدة.
المشكلة مع الغربيين أنهم لا يتصورون إمكانية تحالف البعث "العلماني" مع تنظيم القاعدة "الإسلامي". وهذا خطأ، ولكن تدريجياً بدؤوا يدركون هذه الحقيقة. فالبعث لن يتردد في سبيل الوصول إلى السلطة من تبني أسوأ ما في الماكيافيلية من وسائل (الغاية تبرر الوسيلة).

لقد أسست المخابرات الغربية، البريطانية والأمريكية، عن طريق عميلهم ميشيل عفلق، حزب البعث لضرب الحركات الوطنية وبالأخص اليسارية منها في العراق وسوريا خلال سنوات الحرب الباردة، وذلك بعقد تحالفات مؤقتة لأغراض تكتيكية، وليلفظها لفظ النواة بعد قضاء حاجته منها. وإذا نجح البعث في الماضي في عقد تحالفاته الخادعة، فهذه المرة وبظهوره برداء إسلامي باسم (داعش) وتحالفاته مع منظمة إرهابية دولية معروفة مثل القاعدة، لا بد وأن فيه نهايته الأخيرة الماحقة. وإذا كان قد نجح في الماضي فلأنه كان بإيحاء ولخدمة أسياده الغربيين، أما اليوم فتحالفاته الأخيرة مع القاعدة هي على الضد من مصالح الأسياد السابقين، لأنه اختار الحليف الخطأ الذي يهدد الإنسانية في كل مكان. وعليه فالبعث وتحالفاته الأخيرة محكوم عليه بالفناء التام هذه المرة وإلى الأبد.
ليس هذا فحسب، وإنما حتى السياسيين العراقيين الذين شاركوا في العملية السياسية من أجل إفشالها، من أمثال "كتلة العراقية، ومتحدون" وأغلبهم إما بعثيون سابقون أو بعثيون حاليون، ربطوا مصيرهم بسفينة غارقة. وهذا واضح من مواقفهم المخزية في البرلمان حيث كرسوا كل نشاطاتهم على شل عمل الحكومة وإفشال القوانين التي تجرِّم البعث والإرهاب، وكذلك وقفوا عقبة كأداء أمام تمرير القوانين التي هي في صالح الجماهير.

وهاهم نواب (متحدون) الذين استقالوا احتجاجاً على ضرب الجيش لـ"داعش" و"القاعدة"، طالبهم رئيسهم النجيفي بالتخلي عن قرارهم المخزي بعد أن فشلوا فشلاً ذريعاً في تحقيق غاياتهم السيئة، وخاصة بعد أن  فشل قادتهم (أسامة النجيفي وصالح المطلك) في زيارتهم الأخيرة إلى واشنطن، حيث فشلوا في كسب الإدارة الأمريكية إلى جانبهم، وكان من مواقفهم الخيانية مطالبة أمريكا بعدم تسليح الجيش العراقي، وإنما طالبوا بتسليح العشائر بالأباتشي وصواريخ الهيل فاير! طبعاً ضحك الأمريكان عليهم، وعادوا بخفي حنين(1). ونتيجة لهذا الفشل، طالب النجيفي نواب كتلته المستقيلين بالعودة إلى البرلمان، ولحفظ ماء الوجه أدعى أن دعوته هذه هي: " استجابة الى مناشدات القوى السياسية من رئيس المجلس الاعلى الاسلامي العراقي عمار الحكيم والتيار الصدري وغيرهما من القوى السياسية". (2)

في الحقيقة، إن النجيفي وبقية أتباعه من قائمة (متحدون)، وبعض شيوخ العشائر في الأنبار الموالين لداعش والقاعدة، يلعبون دورهم بمنتهى الخبث في صالح الإرهاب، فتراهم يتظاهرون بـ"الحرص على الوحدة الوطنية ومنع سفك المزيد من الدماء"، فيطالبون الحكومة بسحب القوات العسكرية من الرمادي والفلوجة، وأن وجهاء المحافظة هم يتكفلون بإخراج داعش والقاعدة بسلام حفظاً على أرواح المدنيين. وللأسف الشديد استجابت الحكومة لمطالباتهم هذه، بينما القصد الحقيقي من هذه الوساطات والمطالبات هو منح الوقت الكافي لقوات داعش لتثبيت أقدامهم في المدينتين للتحضير للخطوة القادمة وهي الهجوم على بغداد "لتحريرها من حكم الصفويين"، و"من جيش المالكي الصفوي". لذلك نحذر حكومة السيد المالكي من الإصغاء إلى هؤلاء الأشرار. فمن الحكمة عدم منح العدو أي وقت للملمة صفوفه. أما مطالبة القتلة بمغادرة المدينتين فهي الأخرى عملية انتحارية، لأن المطلوب إبادتهم وليس السماح لهم بالخروج مع أسلحتهم سالمين ليعدوا في الوقت الذي يناسبهم.
ويا للسخرية، فآخر الأنباء تفيد أن رئيس مجلس النواب اسامة النجيفي، وقَّع مع عدد كبير من النواب يوم السبت (1/2/2014)، على اطول وثيقة للسلام ونبذ العنف والطائفية، وأن طول هذه الوثيقة 2014 متراً وهو رقم هذا العام 2014!!. نقول ما قيمة توقيع النجيفي على أية وثيقة ومهما بلغ طولها، وهو الذي وقع قبل أسابيع على وثيقة الشرف، وبعد أيام انسحب منها؟ يعني وكما يقول العراقيون: (اعصرها واشرب مايها!!)، فكل تاريخ البعثيين يؤكد أن لا أمان ولا ذمة لهم.

وها هي حكومة السيد المالكي تحقق انتصارات على الذين ربطوا مصيرهم بالبعث المهزوم، فبالإضافة إلى الدعم الدولي للعراق (عدا الدول الممولة والحاضنة للإرهاب مثل السعودية وقطر)، أكدت أمريكا موقفها على دعم العراق في محاربة الإرهاب، وها هي تركيا تتراجع عن مواقفها الانتهازية بتصدير النفط الكردستاني عبر موانئها على الضد من الحكومة الإتحادية. فآخر الأنباء في هذا الصدد تفيد أن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن حذر رئيس حكومة الاقليم من "الاقدام على اي خطوة من شانها ان تأزم الموقف"، مؤكدا ان "الدستور العراقي ينص على ان الحكومة الاتحادية وحدها يمكن ان تكون مسؤولة عن مسألة تصدير النفط وبيعه في السوق العالمية ولا يحق للإقليم التلاعب بهذه الثروة كونها ملكاً لجميع العراقيين". (3)

وبناءً على كل ما تقدم، نؤكد تفاؤلنا بأن الديمقراطية العراقية محكوم لها بالنجاح ومهما بلغت الصعوبات ومهما حاول البعثيون العبثيون، وحلفاؤهم الذين ربطوا مصيرهم بهم لأسباب مختلفة، ولقصر نظرهم ومصالحهم الشخصية والانتهازية، وتحت مختلف الواجهات: اليسارية أو العلمانية أو العروبية الخادعة، من وضع العراقيل أمام مسيرة العراق الديمقراطية، فمصيرهم في مزبلة التاريخ.
كما ونؤكد أنه لا يشرف العرب السنة أو أية طائفة أخرى ربط مصيرها بالبعثيين، بمثل ما لا يشرف أية طائفة مسيحية في أوربا ربط نفسها بالفاشية والنازية الأوربية. فالبعث عصابة مافيوية، تبنى الأسوأ ما في الحركات الفاشية العنصرية الطائفية في العالم من مبادئ معادية للإنسانية، ويعمل على تنفيذها بالإرهاب. وأخيراً كشف البعث عن وجهه الحقيقي فتحالف مع أخطر منظمة إرهابية دولية ألا وهي "القاعدة" عدوة البشرية وحضارتها الإنسانية.
لذا ننصح القيادات السياسية لجميع مكونات شعبنا، وخاصة القيادات التي تدعي تمثيلها للسنة العرب،  أن يتخلوا عن المراوغة والخداع والتغالب والتآمر في خلق المشاكل للحكومة الاتحادية التي هم شركاء فيها، فقد آن الأوان لإعلان الوحدة الوطنية الحقيقية لدحر الإرهاب الذي يهدد الجميع، ودعم العملية السياسية بصدق وشرف وبلا مراوغة. فالبعث وأعوانه وتحالفاته محكوم عليهم بالزوال الأبدي.
إذ كما تفيد الحكمة: "تستطيع ان تخدع كل الناس بعض الوقت، او بعض الناس كل الوقت، ولكن لا تستطيع ان تخدع كل الناس كل الوقت".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1- المؤتمر الصحفي للنائب من ائتلاف دولة القانون ياسين مجيد - 30 -1-2014 (فيديو -7 دقائق، جدير بالمشاهدة).
https://www.youtube.com/watch?v=xpmKuERvstc

 2- النجيفي يعلن عودة نواب متحدون لجلسات البرلمان
http://alakhbaar.org/home/2014/2/162163.html

3- بايدن يحذّر البارزاني هاتفيا: لا يحق للإقليم التلاعب بالثروة النفطية والمركز هو المسؤول
شركة محاماة أجنبية لملاحقة مشتري نفط الإقليم
http://alakhbaar.org/home/2014/2/162198.html

4- خبر خطير: ضبط غاز السارين بمعسكر للإرهابيين في صحراء الأنبار
http://alakhbaar.org/home/2014/2/162218.html
الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية، عدنان الأسدي اوضح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في السماوة وحضرته (الصباح)، أن الإرهابيين كانوا ينوون استخدام غاز السارين ضد الجيش والمدنيين في محاولة لخلط الاوراق وإثارة الرأي العالمي، والادعاء بان الجيش هو من استخدم هذه الغازات، مؤكدا عثور القوات الأمنية على غاز السارين بعد مهاجمتها لأحد معسكرات الإرهابيين في مدينة الرمادي الذين لاذوا بالفرار اثر الضربات الموجعة من جانب القوات الامنية.



79
الداعشيان في واشنطن

د. عبدالخالق حسين

لم يتوقع العارفون بمسار التاريخ أن يكون التخلص من النظام البعثي الصدامي في العراق سهلاً وسلساً، فتراكم الإرث البغيض الثقيل عبر قرون من الحكم العثماني وما قبله، وعقود من جور البعث الفاشي وما قبله من الحكومات المتعاقبة في العراق الحديث، التي تبنت الموروث التركي في التمييز الطائفي، لا يمكن إزاحته بعصا سحرية حتى ولو كانت حاملة هذه العصا هي الدولة العظمى أميركا، خاصة وقد حصل التحرير في وقت تفشى فيه إرهاب متوحش، تحركه أيديولوجية الوهابية المعادية للحضارة الإنسانية، تدعمه مليارات البترودولار السعودي والقطري. 
فقبل سقوط النظام كان الشعب العراقي منقسماً دينياً وطائفياً وأثنياً، وحتى قواه السياسية تأسست وفق هذا الانقسام كما شاهدنا ذلك في مؤتمراته في الخارج، ولكن يحاول البعض إنكار هذه الحقيقة، ويدعي نفاقاً، أن شعبنا لم يعرف الطائفية في تاريخه!!
وقد بدى هذا الانقسام واضحاً منذ تشكيل مجلس الحكم الوطني الذي ضم ممثلين عن جميع المكونات، وكان الغرض من ذلك عدم عزل أية مكونة من المشاركة في الحكم ومهما كان حجمها. ولكن هذا المبدأ لم يرض به أولئك الذين احتكروا السلطة وأدمنوا عليها لقرون. فأول رصاصة لغوية بلاغية أطلقوها على الديمقراطية الوليدة هي رصاصة العبارة التسقيطية (حكومة المحاصصة الطائفية).
فالاستقطاب السياسي وفق الانقسام المذهبي والأثني هو نتاج تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 على أساس طائفي وعرقي ظالم، والكل يتحملون المسؤولية بمن فيهم القيادات الشيعية عند تحرير العراق من الاستعمار العثماني التركي.
وشاءت الظروف أن تكون أيديولوجية الإرهاب القاعدي تتناغم مع أيديولوجية كتلة سياسية وهي كتلة "العراقية" التي معظم أعضائها بعثيون سابقون أو مازالوا بعثيين تمثل المحافظات الغربية، ويدعون العلمانية وهم طائفيون حد النخاع. وهذه المحافظات صارت الحاضنة للإرهابيين الذين راحوا يشنون حرب الإبادة على الشيعة بمختلف مكوناتهم الأثنية (عرباً وكرداً وتركماناً وشبكاً).
ويوماً بعد يوم راحت الصورة تتضح أكثر فأكثر، إلى أن أعلنت نسبة كبيرة من نواب العراقية انحيازها الصريح إلى الإرهابيين منذ اليوم الأول من قيام القوات الأمنية المسلحة بمواجهة "داعش" و"القاعدة"، في محافظة الأنبار، حيث أعلن 44 نائباً من كتلة "العراقية"(متحدون) استقالتهم من البرلمان، وكذلك أسامة النجيفي رئيس البرلمان تخلى عن التزامه بوثيقة الشرف.
وأخيراً، قام القياديان في كتلة العراقية، أسامة النجيفي وصالح المطلك، بزيارة إلى واشنطن لإقناع الإدارة الأمريكية بعدم تسليح الجيش العراقي، "لأن هذا السلاح سيذهب مباشرة إلى إيران"، وأن المالكي هو رجل إيران، وأن ما يجري في الأنبار ليس حرب العراق ضد القاعدة وداعش، وإنما حرب المالكي "الشيعي الصفوي الإيراني" ضد السنة!!.
هذا ملخص ما قاله صالح المطلك للأمريكان في لقاءاته مع المسؤولين، وفي مقالاته ومقابلاته في الصحف الأمريكية، ليتبعه زميله النجيفي ويعيد على أسماع الأمريكان نفس الأسطوانة المشروخة التي ملوها ليقول لهم: "أننا نحتاج لإعطاء سلطات أكبر للمحافظات السنية وجعل مقاتلي العشائر السنية جزءا لا يتجزأ من القوة العسكرية العراقية... والحاجة إلى تسليح مجندي العشائر السنية ودمجهم بالقوات المسلحة العراقية بنحو دائم." (1)
فالمحافظات السنية لا تنقصها صلاحيات إذ تتمتع بصلاحيات واسعة وكأنها إمارات مستقلة، وليس بإمكان أي شيعي دخولها حتى ولو كان من وحدة ميدان طبية، إذ كما حدث أن استدرجت سيدة اربعة عناصر من الوحدة الطبية وهم من محافظة ميسان، تظاهرت لهم بالحاجة الملحة إلى اسعاف طبي عاجل، فاستجابوا لها وإذا بها نصبت لهم فخاً وليتم ذبحهم من قبل داعش بدم بارد.
أما الغرض من المطالبة "بتسليح مجندي العشائر السنية ودمجهم بالقوات المسلحة العراقية بنحو دائم." فهذا معناه ضم عناصر "داعش" الذين معظمهم من الحرس الجمهوري البعثي إلى القوات العسكرية المسلحة، أي إطلاق آخر رصاصة على الديمقراطية، وعلى حيادية الجيش، والعودة إلى حكم البعث والانقلابات العسكرية.
وهذا يذكرني بمقولة (عسكر محمد العاكول)، فبعد تخرجنا من الجامعة أيام زمان، كان علينا أداء خدمة العلَم، فدخلنا كلية الضباط الاحتياط لأربعة أشهر من التدريب العملي والتثقيف النظري المكثفين. وفي ساحة العرضات كان يدربنا عرفاء ونواب ضباط. فعندما كنا نخطأ في شيء يصرخ علينا العريف متهكماً: (انتم مثل عسكر محمد العاكول)، أي مخربطين غير منضبطين. وعسكر محمد العاكول هذا يبدو أنه كان في زمن ما عسكر عشائري غير منضبط (عسكر جته!) بقيادة شيخ اسمه محمد العاكول.
واليوم السيد أسامة النجيفي وزملائه يطالبون الحكومة والأمريكان بتحويل الجيش العراقي إلى عسكر محمد العاكول. وهذه المحاولة جرت في فترة الصحوات الأولى (2006 - 2008) لاختراق الجيش بالبعثيين ومن أتباع القاعدة، وكان عددهم نحو 30 ألف مجند، وطالبوا بدمجهم بالقوات المسلحة ومكان إقامتهم في بغداد!!. وهذا يعني وضع الحكومة الديمقراطية المنتخبة تحت رحمة المجندين العشائر وبينهم ألوف البعثيين الداعشيين، ومن أبناء العشائر المتقلبي الأهواء والولاءلات، فكما نقل لنا الدكتور أحمد كاظم: إن "شيخ الصحوات الحردان صرح بان عشائر الأنبار وشيوخها معنا في النهار و مع داعش في الليل، و هذا دليل صريح و صادق، لأن الشيخ من الأنبار، و شهد شاهد من اهلها. العشائر التي شعارها العزة و الكرامة و الشرف لا تحتضن ارهابيين من بقاع الارض شعارهم جهاد النكاح ونكاح الجهاد واغتصاب البنات والفتيان."(2)
في الحقيقة يتصرف الداعشيان، النجيفي والمطلك بأسلوب بعثي في زمن غير بعثي مع الأمريكان الذين هم دربوا البعثيين في الزمن الغابر لضرب الحركات الوطنية التحررية في فترة الحرب الباردة. واليوم أنتهى مفعول هذا الدواء. أجل، ذهب االثنائي ليخاطبا إدارة الدولة العظمى باكين ناحبين أن السنة مهمشون من قبل "الدكتاتور المالكي"!. فكيف يريدان إقناع الأمريكان بالتهميش وهما يحتلان المناصب العالية في الدولة، أحدهما رئيس البرلمان، والآخر نائب رئيس الوزراء، ولكتلتهما سبعة وزراء، وعشرات النواب في البرلمان؟ وكيف لجيش أن يسيطر عليه الشيعة ووزير الدفاع ورئيس أركانه وقادة عدة فرق عسكرية وقائد القوة الجوية هم من السنة؟ نسي الداعشيان أن المرحلة تغيرت وأن الأهم في نظر الأمريكان والعالم اليوم هو القضاء على الإرهاب وتحت أي مسمى كان، داعش، أو القاعدة، أو جبهة النصرة أو النقشبندية...وغيرها.
قال النجيفي، للمسؤولين الاميركيين "إن المالكي هو سبب العنف والتشدد المتزايد في البلاد". والنجيفي يتجنب وصف ما يجري في العراق بالإرهاب، فيكتفي بكلمة "عنف". وهذا يعني أنه لولا المالكي لما حصل الإرهاب في البلاد!! والكل يعرف أن الإرهاب بدأ منذ اليوم الأول من إسقاط حكم البعث وقبل أن نسمع باسم المالكي. وهل المالكي هو المسؤول عن العنف في سوريا ومصر وليبيا والصومال وغيرها من المناطق المبتلية بالإرهاب وليس فيها شيعة، ولا شيعي واحد في جيوشها؟
والأنكى من كل ذلك أن قال النجيفي: "ولكن السكان يكرهون الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة، ... ويعدون تنظيم القاعدة كما لو انه أهون الشرين. إنهم يكرهونه، لكنهم ليسوا على استعداد لمحاربته". فهل هذا مجرد زلة لسان، أم تذاكي أم غباء أم ماذا؟ يعني أنه يقول للأمريكان أن أبناء المكونة التي ينطق النجيفي باسمها غير مستعدين لمحاربة القاعدة كرهاً للمالكي والشيعة! فالعذر هنا أقبح من الفعل.
كيف لرئيس برلمان أن يعتبر جيش بلاده أخطر من القاعدة؟ وهل بإمكان أي مسؤول في دولة أخرى أن ينحاز إلى الإرهاب ضد بلاده وشعبه وجيشه وبهذه الصفاقة والصراحة والغباء وبدون أية مساءلة ما لم يتهم بالخيانة العظمى؟
ثم يتذاكى السيد أسامة النجيفي أكثر، فيحاول استدراج الأمريكان "المغفلين" للضغط على المالكي لإطلاق سراح المعتقلين بتهمة الإرهاب فيقول: "من بين الطرق التي يمكن للمالكي بناء الثقة معهم إطلاق سراح المعتقلين السنة غير المرتبطين بتنظيم القاعدة الذين تم سجنهم لحملهم السلاح في الماضي". يا سلام !! هكذا الشطارة وإلا فلا.
وهذا يعني اطلاق سراح جميع الذين ارتكبوا جرائم التفجيرات وزرع المفخخات وقتل عشرات الألوف من الأبرياء في الأسواق المزدحمة والمطاعم وساحات مساطر العمال الفقراء، وتدمير البنى التحتية والركائز الاقتصادية لأن الإرهابيين ليسوا من القاعدة، وبذلك يمكن للمالكي كسب ثقة النجيفي والمطلك و44 نائباً من كتلته الذين استقالوا تضامناً مع الإرهابي أحمد العلواني واحتجاجاً على شن الحرب على داعش والقاعدة.

فماذا كانت نتيجة زيارة الداعشيَن إلى واشنطن؟

لقد فوَّت السيدان النجيفي والمطلك وزملاؤهما فرصة ذهبية في إنقاذ البلاد من شرور الانقسامات الطائفية، فلو كانوا حقاً غير طائفيين لكان عليهم استثمار هذه الفترة العصيبة التي يتعرض فيها الشعب والوطن إلى الإرهاب، بإبداء النوايا الحسنة بنبذهم للطائفية حرصاً منهم على أمن واستقرار البلاد، ويعلنوا وقفوهم مع الحكومة في وحدة وطنية متراصة لمواجهة الإرهاب، وإدانتهم لداعش والقاعدة، وبذلك كانوا يكسبون شعبية واسعة بين السنة والشيعة، وجميع المكونات، وأثبتوا أنهم وطنيون حقاً ويشعرون بالمسؤولية ازاء الشعب والوطن.
ولكن للأسف الشديد، ونتيجة لقصر نظرهم، وتفضيل مصالحهم الشخصية على المصالح الوطنية، اختاروا العكس، فوقفوا بملء إرادتهم مع داعش والقاعدة، وبذلك خسروا مصداقيتهم ومكانتهم، ليس لدا الشعب العراقي فحسب، بل وحتى لدا الأمريكان وقادة العالم، فجاءت نتائج زيارتهم تماماً على الضد مما أراد الداعشيون، إذ حصل المالكي على المزيد من التأييد الأمريكي في حربه على الإرهاب، ومطالبة الإدارة الأمريكية والكونغرس ومجلس الشيوخ بالإسراع في تسليح الجيش العراقي، وإرسال مدربين لرفع قدرات منتسبي القوات المسلحة على حرب الإرهاب.
تفيد الحكمة: "يتعلم العاقل من أخطائه، والأعقل من أخطاء غيره".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1- النجيفي: سكّان الأنبار يعدّون القاعدة أهون الشرّين! يكرهون الجيش العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة.
http://alakhbaar.org/home/2014/1/161735.html

2- احمد كاظم: صحوة امريكا لمكافحة الارهاب الوهابي لم تدم طويلا
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=151849#axzz2rLDrfcXo

3- سالم مشكور: حائط المبكى "الواشنطني"!
http://alakhbaar.org/home/2014/1/161764.html

4- كشف النقاب عن الساسة الذين طالبوا الاسد إدخال (جهاديين) للعراق
http://www.alalam.ir/news/1559454
 كشفت مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان لمراسل "كل الاخبار" في دمشق بأن السياسيين الذين طلبوا من الاسد فتح الحدود على من اسموهم بـ (المجاهدين) وضرب العملية السياسية في العراق هم من القائمة العراقية. وقالت شعبان بان 3 وفود رفيعة المستوى وصلت دمشق بعد تفجير الخارجية العراقية بايام طالبين من الاسد فتح الحدود امام (المجاهدين). واكدت شعبان ان الوفد الاول كان برئاسة طارق الهاشمي، والثاني برئاسة العيساوي، والثالث خليط من مكونات القائمة العراقية والتحق بهم آنذاك حارث الضاري وعدنان الدليمي وسليم الجبوري وسلمان الجميلي ورشيد العزاوي وان اللقاء تم تسجيله بالصورة والصوت.

80
التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة

د.عبدالخالق حسين

حكاية ثياب الإمبراطور الجديدة للكاتب الدنماركي هانس كريستيان أندرسون (1805- 1875م) باتت معروفة عالمياً، ودخلت ثقافات جميع الشعوب، وتدل على خبرة الكاتب العميقة في سايكولوجية البشر، ومدى سهولة خدعهم من قبل النصابين وقيادتهم إلى الهاوية. ملخص الحكاية: "أن إمبراطورا غبيا كان ينفق الكثير من ماله على شراء الملابس الغالية... طرق باب قصره ذات يوم محتالان ادعيا أنهما من أمهر الخياطين، وأن بمقدورهما حياكة ملابس جميلة ورائعة جداً، وذات خاصية سحرية كونها لا تبدو لأحد في الإمبراطورية بأسرها، ممن ليس مخولا برؤيتها كالحمقى والأغبياء. أُعجب الإمبراطور بالفكرة، وخولهما بالبدء في حياكة الثياب ... نفذ المحتالان خدعتهما، وأبدى الجميع إعجابهم الشديد بتلك الملابس السحرية المدهشة، وإن لم يروها خوفاً من اتهامهم بالغباء. وفي الموعد المحدد، ووسط صيحات الإعجاب المفتعل من المحتالين وبقية الحاضرين ارتدى الإمبراطور ملابسه الجديدة وخرج إلى الجموع المحتشدة أمام القصر احتفالاً بالمناسبة، خرج عاريا تماما كما ولدته أمه وسط إعجاب مفتعل من الجميع وهم يصيحون: يا لها من ملابس رائعة يا جلالة الإمبراطور !!!واستمر هذا النفاق يلعب بعقول الناس .. والوهم يلعب بعقل الإمبراطور، إلى أن صاح أحد الصبية قائلا: ولكنه بلا ملابس.
ولم يمض وقت طويل حتى صاح أحد الكبار: نعم إنه بلا ملابس .. ثم تبعهما آخر .. وآخر .. إلى أن خرجت الرعية بأسرها عن صمتها فصاحت وبصوت واحد: ولكنه بلا ملابس !!!
وعند ذاك فقط أدرك الإمبراطور أنهم على صواب.. ولكنه وبغبائه المعروف وعناده المعتاد .. كان قد تابع موكبه الكبير دونما اكتراث ... وذلك في محاولة منه للمحافظة على هيبته رغم تغير الظروف (1).

في الحقيقة، هذه الحكاية، تتكرر يومياً في كل مكان، ولكن بصيغ وظروف وأشكال ومضامين مختلفة، وأحسن مثال في عراقنا المبتلى بالبعث الطائفي الفاشي من تلامذة غوبلز، هو نغمة "تهميش العرب السنة في الحكم".
منذ سقوط حكم البعث الفاشي ونحن نسمع بلا توقف نغمة التهميش والإقصاء والعزل ترافقها حملة الشحن الطائفي. ولم يتوقف التصديق الغبي بهذه النغمة على شريحة من السياسيين المنتفعين بها في الداخل، بل وصلت حتى إلى مسؤولين كبار في الغرب (خدمة لأغراضهم)، بأن الحكومة التي "يهيمن عليها الشيعة" تطارد السياسيين السنة لأسباب طائفية!
فهل حقاً يمكن تهميش مكونة كبيرة من مكونات الشعب العراقي من الحكم في النظام الديمقراطي؟ وماذا عسى لهذه الحكومة، ومهما كانت الهوية المذهبية لرئيسها، أن تفعل إذا قام قياديون سنة في السلطة مثل طارق الهاشمي، ورافع العيساوي، و أحمد العلواني وغيرهم بأعمال إرهابية؟ فهل تسكت عنهم لأنهم سنة، ولأن رئيس الحكومة شيعي كي لا يتهم بالطائفية؟ علماً بأن الجهة التي وجهت التهمة لهؤلاء هي (مجلس القضاء الأعلى) الذي رئيسه ومعظم أعضائه من السنة. كذلك قال الجنرال ديفيد بترايوس، قائد القوات الأمريكية في العراق سابقاً، أنه كان على علم بتورط طارق الهاشمي بالإرهاب. أما رافع العيساوي فقد ظهر على شاشة التلفزة وهو ينقر على الدف ويرقص في ساحات الاعتصمات مع المعتصمين وهم رافعين رايات "القاعدة" ذات اللون الأسود. أما أحمد العلواني فبالإضافة إلى خطاباته الطائفية البذيئة في الشحن الطائفي على منصات ساحات الاعتصامات، والمسجلة على اليوتيوب، ألقي القبض عليه بالجرم المشهود وهو يواجه القوات الأمنية بتبادل النار. وهل هناك سلطة تحترم نفسها تسكت عن هؤلاء من أجل أن لا تتهم بمطاردة إرهابيين من مذهب معين؟
وهاهي الأنباء تفيد أن وزارة المالية الأميركية وضعت أربعة عراقيين من بينهم حارث الضاري (الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق) تحت طائلة أمر رئاسي يقضي بتجميد أرصدتهم وممتلكاتهم داخل الولايات المتحدة ومنع المواطنين الأميركيين من إجراء أي تعاملات تجارية معهم كونهم يهددون السلام والاستقرار في العراق. http://alakhbaar.org/home/2014/1/161527.html
فهل أمريكا جمدت أموال هؤلاء لأسباب طائفية؟ في الحقيقة أمريكا تأخرت عشر سنوات عن توجيه التهمة لحارث الضاري وعصابته، وهو الذي صرح على رؤوس الأشهاد قبل سنوات أن "القاعدة منا ونحن منها".
وهاهي النائبة عن كتلة "العراقية الحرة"، السيدة عالية نصيف، (اتهمت رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي بالعمل على "تأمين اجواء مناسبة لداعش" في العراق والمنطقة من خلال زياراته لبعض دول الخليج، فيما اكدت وجود دعم سياسي للمجاميع المسلحة المتواجدة في الانبار). والسيدة نصيف سنية وليست من كتلة رئيس الوزراء، ولكنها أثبتت أن ولاءها للعراق قبل أن يكون للطائفة.
http://www.alkashf.org/news.php?action=view&id=894

فما هي حقيقة "التهميش"؟
خلال 83 سنة من عمر الدولة العراقية الحديثة سيطرت على السلطة مكونة واحدة وهي مكونة السنة العرب (باعتراف أحد مؤسيسها وهو الملك فيصل الأول)، والذين اعتبروا أنفسهم وحدهم دون غيرهم، المخولين تاريخياً لحكم العراق، أما غيرهم من المكونات فمواطنون من الدرجة الثانية أو دون ذلك. وكان تبادل السلطة يتم بين الفئات المتصارعة من نفس المكونة عن طريق الانقلابات العسكرية. وهذا الوضع أدى إلى تشرذم الشعب العراقي إلى مكونات متصارعة فيما بينها، وإلى كوارث أوصلتنا إلى مجيء أسوأ طاغية في التاريخ ألا وهو صدام حسين للحكم والذي قاد إلى احتلال العراق عام 2003 لإنقاذ شعبه من الإبادة.

أما بعد 2003 فقد تأسس نظام ديمقراطي يحق لجميع مكونات الشعب المشاركة في السلطة، تبني صناديق الاقتراع بدلاً من صناديق الرصاص والانقلابات العسكرية لتبادل السلطة. وهذا الوضع لم يناسب فلول البعث الذين ينتمون إلى المكونة التي أدمنت على الحكم، لأنهم يرفضون مساواتهم ببقية مكونات الشعب، ولهذا رفعوا يافطة: "تهميش السنة"، وهي خدعة ابتكرها البعثيون من أجل استمالة أهل السنة إلى مشروعهم، ونجحوا في ذلك للأسف إلى حد ما، وساندتهم في الداخل شريحة واسعة من  السياسيين معظمهم من خلفية بعثية في "كتلة العراقية" والتنظيمات التي فشلت في الانتخابات. كما وتلقوا الدعم من الحكومات العربية الرافضة للديمقراطية في المنطقة. فلم يتردد البعثيون في توظيف أخس الوسائل الدنيئة من أجل الوصول للسلطة، فاستخدموا قائمة من الشتائم الطائفية البذيئة ضد مكونة نشكل نحو 60% من الشعب على أقل تقدير، وتعاون جميع هؤلاء المتضررين من الديمقراطية في دعم الإرهاب من أجل إفشال العملية السياسية، وراحوا يمنحون محاربة الحكومة للإرهاب بعداً طائفياً، مطبلين بأن ما يجري في العراق هو ليس محاربة الإرهاب وإنما حرب بين الحكومة الشيعية والعرب السنة!!.
فالصراع السياسي والإرهاب في العراق ليس بسبب التهميش الذي هو وهم من اختراع البعث، وإنما نتاج توافق عدة جهات تلاقت مصالحها الآنية في محاربة الديمقراطية في العراق، وهذه الجهات هي: أولاً، فلول البعث، ثانياً، السياسيون الذين يدَّعون تمثيل السنة، أي (كتلة العراقية)، يعتقدون أنهم وحدهم يحق لهم حكم العراق، وثالثاً، القاعدة. وما يسمى بـ(داعش) فهو تنظيم مكون من ضباط ومراتب الحرس الجمهوري الذي كان يضم غلاة البعثيين.
فللبعث قابلية فائقة وقدرة تكتيكية عجيبة في عقد التحالفات حتى مع أشد الخصوم الأيديولوجيين وفق ما تقتضيه مصلحته الآنية.  ففي عهد حكومة ثورة 14 تموز تحالف البعث حتى مع المرجعية الدينية الشيعية والحركة الكردية ضد حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم والحزب الشيوعي. وفي السبعينات تحالف مع عدوه التقليدي اللدود الحزب الشيوعي، وفي كل مرة ينقلب على الحليف بعد قضاء الحاجة. واليوم مع القاعدة والسعودية الوهابية.
 
فمن نافلة القول أن في النظام الديمقراطي لا يمكن تهميش أية مكونة، لذلك شن أعداء الديمقراطية حملة إعلامية واسعة لتشويه سمعة الديمقراطية العراقية مدعين بأن الحكومة هي من صنع أمريكا وإيران، ناكرين دور الملايين من الشعب العراقي الذين تحدوا مفخخات وتفجيرات الإرهابيين وذهبوا إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لاختيار حكامهم. هذا الأسلوب في تبادل السلطة لا يناسبهم لذلك استخدموا لغة الإرهاب (الرصاص في مواجهة الانتخابات) والحط من الديمقراطية.

فهل حقاً هناك تهميش ضد السنة؟
هناك خمس رئاسات في العراق، أربع منها يرأسها سنة (رئاسة الجمهورية، رئاسة البرلمان، رئاسة السلطة القضائية ورئاسة حكومة الإقليم الكردستاني)، وواحدة فقط (رئاسة الحكومة المركزية الاتحادية) يرأسها شيعي ووفق الدستور الذي يحتم أن يكون رئيس السلطة التنفيذية من أكبر كتلة برلمانية. ولكن مع ذلك ليس هناك تهميش مطلقاً إذ كل مكونة ممثلة في الحكومة وحسب نسبة تمثيلها في البرلمان. أما المحافظات والأقضية والنواحي في المناطق الغربية التي يدعي البعثيون تهميشها فيمنع على الشيعي أو أي شخص يحمل اسم شيعي مثل عبدالزهرة دخولها. وهذه المناطق تدار من قبل حكومات محلية منتخبة من قبل سكانها السنة. أما منطقة الإقليم الكردستاني فممنوع على المواطن العراقي من غير الكردي دخولها إلا بعد حصوله على تأشيرة دخول (فيزة)، وكأنه داخل إلى دولة أجنبية، بينما يحق لمواطني الإقليم السفر والعيش والتوظيف في أي مكان من العراق.

ولدحض فرية التهميش، استلم هذه الأيام مقارنة تتداول عن طريق البريد الاكتروني، وهي  مقارنة بين محافظتي الأنبار والبصرة، على شكل سؤال: (هل تعلمون؟؟؟؟)، إذ يسأل السائل:
هل تعلمون: أن محافظة الأنبار عدد سكانها لا يتجاوز المليون فقط، ولها خمسة وزراء في الحكومة الحالية، ونائب رئيس الوزراء، ولا تنتج دولاراً سنوياً للدولة وتدعي التهميش، وتصدر القتل والخراب والإرهاب للعراق؟؟؟!!!
بينما محافظة البصرة عدد سكانها يتجاوز المليونين، وليس لها وزير واحد في الحكومة الحالية، وتغطي من خيراتها 80% من ميزانية الدولة سنوياً، ورغم هذا لا تدعي التهميش، وتدعم سيادة القانون والأمن في العراق!!!!؟؟؟
 لذلك ونحن نسأل: أيها السادة أين التهميش ومن هم المهمَّشون الحقيقيون؟

تصور الأمر معكوساً وخذ مثلاً
بعد ثورة 14 تموز 1958، عرف الشعب العراقي أشرف وأنزه زعيم حكم العراق في تاريخه الحديث، وذلك باعتراف الذي قتلوه حسب ما نقل لنا الباحث الفلسطيني الأمريكي الراحل حنا بطاطو في كتابه القيم عن تاريخ العراق الحديث. حاول الرجل لأول مرة في تاريخ العراق أن يعامل العراقيين جميعاً كمواطنين من الدرجة الأولى ودون أي تمييز في الحقوق والواجبات بسبب الانتماء القومي أو الديني أو المذهبي. فحاربوه، وأغلب الذين حاربوه هم من نفس المنطقة التي تُرفع فيها اليوم يافطة التهميش. قتلوه شر قتلة ولم يتركوا له قبراً، علماً بأن الرجل كان من خلفية سنية، وكادت حكومته تخلو من وزراء شيعة، ولكن كان ذلك عن طريق الصدفة وليس بدوافع طائفية. قام البعثيون بقيادة البلطجي صدام حسين بمحاولة اغتياله عام 1959، فنجا منها بأعجوبة، وعندها أعاد الشاعر محمد مهدي الجواهري قراءة ونشر قصيدة قديمة له كان قد نظمها بعد انقلاب بكر صدقي عام 1936، فرآها مناسبة لظروف ثورة تموز، حذر فيها الزعيم عبدالكريم قاسم من التساهل مع العدو الغاشم، قال فيها:
تصور الأمر معكوساً وخذ مثلاً.... مما يجرونه لو هم نُصروا
تالله لاقتيد زيــدُ باسم زائــدة ....ولأصطلى عامر والمبتغى عمرُ

وهذا بالضبط ما حدث بعد انقلابهم الدموي الفاشي في 8 شباط 1963، حيث قاموا بالمجازر، وقتلوا الألوف من الوطنيين خلال بضعة أيام، وبعد أن ضاقت السجون بالمعتقلبن السياسيين أحالوا المنتديات والساحات الرياضة وحتى بعض الشوارع إلى معتقلات. أما خلال حكمهم الأسود الثاني (1968- 2003) فقد أحالوا العراق كله إلى أكبر سجن ومقابر جماعية في العالم.

أقول وكما قال الجواهري، تصور الأمر معكوساً، فماذا كانت الحكومة ستفعل لو كان يهيمن عليها دعاة التهميش من قادة ساحات الاعتصامات من أتباع داعش الذين معظمهم بعثيون، ولهم علاقة بكتلة العراقية، لو قام أهل المحافظات الوسطى والجنوبية بالاعتصامات في مدنهم، وارتكبوا جرائم التفجيرات في المناطق ذات الأغلبية السكانية السنية؟ وهل سمحوا للشيعة ولو بمجرد النطق بكلمة (تهميش)، علماً بأنهم (الشيعة) كانوا مهمشين حقيقيين لأكثر من ثمانين عاماً؟ لا تقل لي أن معظم منتسبي حزب البعث وقياديين في حكومة البعث كانوا شيعة، فما قيمة سعدون حمادي الشيعي كرئيس للوزراء، أو محي الدين معرف الكردي كنائب لرئيس الجمهورية  في دولة يرأسها الطاغية صدام حسين الذي يعامل نوابه ووزراء كخدم و فراشين يسحقهم متى ما شاء؟

خلاصة القول ، إن الإدعاء بتهميش أية مكونة من الشعب العراقي هو فرية وفبركة لا وجود حقيقي لها، الغرض منها إلغاء الديمقراطية، والعودة بالعراق إلى حكم المكونة الواحدة، والحزب الواحد، والحاكم الواحد، وإحياء عهد الانقلابات العسكرية في تبادل السلطة. وهذه الخدعة تشبه تماماً رديفتها التي ورط بها المحتالان الإمبراطور الغبي في حياكة ثيابه الجديدة.
فالإمبراطور عاري بلا ملابس!
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــ
رابط لموجز قصة ثياب الامبراطور الجديدة
 http://shqawatbanat2010.yoo7.com/t8-topic

***************
ملحق
قبل عام استلمت رسالة من صديق مسيحي رائع يقيم مع عائلته في إحدى الدول الأوربية، والرسالة من زوجته إلى صديقتها المسلمة السنية نرمز لها بـ (أم مروان)، وكان صدام قد أعدم زوجها العسكري برتبة فريق بعد أن أغدق عليه بالأوسمة الرفيعة لما أبداه من تفاني في الحرب العراقية- الإيرانية. ولم يكتف صدام بإعدام زوجها بل اعتقل الأبناء والأم وعرضهم للتعذيب. وبطريقة ما استطاعت أم مروان وأبنائها الخروج من السجن الكبير والهجرة إلى الغرب.
ولكن رغم كل ما تعرضت له هذه السيدة من العذاب على يد نظام البعث الصدامي الفاشي إلا إنها حاقدة على النظام العراقي الجديد لا لشيء إلا لأن رئيس السلطة التنفيذية شيعي.
هذه الرسالة من زوجة الصديق المسيحي إلى صديقتها أم مروان تعاتبها على موقفها السلبي من العهد الجديد. والرسالة تعبر عن موقف وطني وإنساني متحضر ونبيل، ونظراً لأهميتها رأيت من المفيد نشرها، وبدوري أتقدم بالشكر الجزيل للصديق وزوجته الرائعين على موافقتهما على نشر الرسالة ودون ذكر الأسماء.
**********************************

نص الرسالة

عزيزتي أم مروان
كان عندنا واحد بلطجي اسمه صدام، لا خريج ولا عنده شهادة، وصار قائد الامة العربية ورائدها،
وكان عندنا واحد بائع ثلج وصار نائبه. وكان عندنا واحد نائب عريف وصار رئيس التصنيع العسكرى ووزير الدفاع ورئيس المؤسسة الذرية. وكان عندنا واحد نائب عريف شرطي وصار وزير الدفاع وغيرها من الوظائف التي بضمنها علي كيمياوى.
متى ننسى هذه الامور ونتركها للآخرين ونعطيهم مجالاً لاثبات انفسهم في ظروف حصلت بعد 2003 اى ما يسمى الديمقراطية الفتية التي لم يعرفها العراق ولا اى دولة في المنطقة، أم الافضل ان نعود الى حكم الفرد المطلق الذى تعودنا عليه وكان هو الكارثة الحقيقية؟
لا ننسى ان زعيماً وحيداً وصل العراق وكان عراقيا لا يفرق بين اى عراقي سواء كان سنيا او شيعيا او كرديا او تركمانيا او مسيحيا او من باقي الاقليات، كل همه كان ان يعامل العراقيين جميعهم كعراقيين بعيدا عن هذه المسميات لكي يبني دولة حقيقية تسمى دولة المواطن العراقي، بغض النظر عن كل هذه المسميات، وكان اشرف من كلمة الشرف نفسها لرقته وحساسيته وشرفه وحبه للبلد ولشعب هذا البلد. وكان سنيا سنيا سنيا، ولكن مع هذا تمت محاكمته محاكمة تمثيلية صورية في الإذاعة وقتله بدقائق معدودة لا محاكمة حقيقية ولا محامين. ومن الذى قام بقتله مع الاعتذار عن الجواب: الجانب السني. ولماذا؟ لانه لا يجوز لشخص في الحكم التصرف بمثل ذلك  (أي معاملة كل العراقيين بالتساوي) وهذا غير مقبول.

انا اذكر تلك الفترة التي كانت مفترق الطرق بالنسبة لمصير العراق وما وصلنا اليه الآن، وأقولها كل مرة للكثير من الاصدقاء، سواء الشيعة او السنة. لماذا هذا الحقد تجاه شخص يقوم بخدمة العراقيين بدون استثناء بعيدا عن انتماءاتهم مهما كانت، سواء الدينية او القومية او المذهبية؟. 
ولكن لا  يمكن لأحد ان يعطي جواب مقنع لهذا السؤال بعد هذه السنين المريرة الكارثية التي مرت على وطننا الحبيب وما آلت اليه الأمور.  حدث ما حدث، وانهار الصنم على يد الأمريكان. هل المفروض ان نبقى نشتم ونسب الامريكان على ما قاموا به لوصول من وصل للحكم لأن البعض منهم شيعة وبالأخص في رئاسة إحدى السلطات؟ وماذا لو كان في الرئاسة رئيس وزراء سني؟ هل كانت ردة الفعل نفسها؟. اتمنى أن نعطي الفرصة للآخرين مهما كانوا قبل ان نحكم عليهم. 

انا وزوجي كنا في بغداد نهاية العام الماضي واستمتعنا بأوقات لم نستمتع بها ونحن في دولة أوربية متقدمة، من الكرم العراقي من قبل الاحباء، سواء الاقرباء او الاصدقاء، والتنقل بحرية بدون عوائق او خوف، ولم يحدث ما يعكر صفوة زيارتنا التي  طالت اكثر من ثلاثة اسابيع. انا لا اقول انه ليس هناك مشاكل او نواقص ولكن متى كان هناك كل شيء كامل في العراق؟ هل في زمن صدام واعوانه الذين اذاقوا العراقيين شتى المصائب التي لا يمكن لأى بشر أن يراها حتى في أحلامه المرعبة؟؟ 

عزيزتي أم مروان، انت اكثر من عانى من كلنا لأننا لم نعاني مثلك فأرجو على الاقل ترك هذه الامور للمستقبل، لان العراق محارَب من كل الدول التي تجاوره سواء كانت ايران او الدول العربية "الديمقراطية" الاخرى، طبعا الديمقراطية للكشر التي تسمى السعودية وعلى رأسها ملكها عبدالله بن عبدالعزيز السعود. وتصورى دولة مسماة على اسم العائلة وأمراؤها الذين هم بالألوف. هل المطلوب منا ان يكون العراق بهذا الشكل؟
ما المراد من هكذا معلومات؟ هل نريد الرجوع الى حكم البعث او صدام او عزة الدورى الذين خربوا البلد، وكانوا السبب بتركنا اوطاننا؟. هل تركت انا وعائلتي واولادى وانتِ واولادك البلد في ظل الحكام الحاليين الذين ننعتهم بكل هذه الاوصاف الحقيرة؟ ارجو ان لا تفهمينا غلط انا لا انزه احداً والكل يخطأ، ولكن الخطأ الذى لا يمكن ان يٌغفر هو كيف يتم تخريب بلد مثل العراق في نهاية السبعينات الذى كان في مقدمة كل الاقطار العربية، ويعتبر الاول في المنطقة العربية باستيعابه اكثر من اربعة ملايين من العرب يعملون فيه ويحولون الاموال لأهاليهم في بلادهم وعبر قنوات مصرفية بدون أىة صعوبة عدا تحويل اموال خارج المصارف، لقد أحالوا هذا البلد العظيم الى واحد من افقر البلدان في العالم وبضمنها الصومال، مع العلم ان البلد من اغنى بلدان العالم بثرواته؟.  هل كان هذا بسبب الحكام الحاليين يا ترى كما يشاع؟. ارجو المعذرة والذى اشعر به ان الموضوع لا علاقة له بذلك وانما لكون ان جزءً من الحكم وخاصة رئاسة الحكومة بيد شيعي؟ وهذا يبدو غير مقبول لديكم، لا الآن ولا في المستقبل ما لم نستوعب الحقيقة اننا كلنا عراقيين قبل ان نكون سنة او شيعة او مسلمين او مسيحيين او تركمان او ازيدية الى غيرها من طوائف. انا وعائلتي مسيحيين ولكن اذا احد سألني عن هويتي اقول انا عراقية والمفروض بكل انسان مهما كان انتمائه، سواء كان مسلما أو مسيحيا او يزيديا او صابئيا او تركمانيا او كرديا ان يقول انا عراقي، وبعكسه فإن النتيجة ستكون كارثية وهو تقسيم العراق الى دويليات من السهل ابتلاعها من قبل دول الجوار.  فهل هذا هو المراد منا نحن العراقيين لكوننا لا نقبل الآخرين ممن لم يكونوا من نفس الدين او الطائفة او العرق؟  انا شخصيا لا يمكن أن اقبل بذلك، ولا يمكن يوما ان اتصور ان ذلك سيحدث يوما من الايام وان حدث لا اتمنى ان يحدث وانا على قيد الحياة.
تحياتي


81
الدعم الدولي للعراق يفضح حماة الإرهاب

د.عبدالخالق حسين

لا شك لدي أن جميع الحكومات العربية وحتى المكون السني العربي في العراق كانوا يتمنون سقوط حكم البعث الصدامي، ولكن ما لم يكونوا يريدونه هو قيام حكم ديمقراطي بديلاً عنه، إذ كانوا يتمنون إسقاطه وتسليم الحكم إلى نفس المكونة التي احتكرت السلطة لتسعين عاماً مع بعض التحسينات في المظهر والديكور، يرافقه تغيير جذري في السياسات الخارجية كالانفتاح الكلي على "الأخ الأكبر" السعودية. أما أن يأتي نظام ديمقراطي يعامل جميع مكونات الشعب العراقي على قدم المساواة، ولهم حق المشاركة في حكم بلادهم وصنع القرارات السياسية، ووفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، فهذا ما لم يدر بخلدهم، ولم يرتضوه مطلقاً، ولذلك بدأت الحملة من جميع الأطراف العربية بمحاربة النظام العراقي الجديد، وتحت مختلف الحجج الباطلة، وعلى رأسها يافطة "تهميش السنة في الحكم"، بينما الحقيقة تؤكد عكس ذلك تماماً. فشنوا حملة إعلامية ضارية لتشويه صورة النظام الجديد، وسخروا لها جميع إمكانياتهم من فضائيات ومشايخ المساجد والفتاوى التكفيرية، والشحن الطائفي ودعم الإرهاب، وحتى الجامعة العربية تعاملت مع الحكومة الجديدة بجفاء، بينما تلقت المعارضين لها بالأحضان. 

ورغم أن النظام الجديد انفتح على جميع الكيانات السياسية من ممثلي جميع المكونات الدينية والمذهبية والأثنية، بما فيها المكون السني العربي، ومشاركتهم في جميع سلطات الدولة ومفاصلها الإدارية، إلا إن نغمة التهميش استمرت تتصاعد وتتلقى الدعم من الحكومات العربية ومؤسساتها الدينية والإعلامية، كما وصار الهدف الرئيسي لبعض المشاركين من هؤلاء في العملية السياسية هو إفشالها، حتى صاروا الواجهة السياسية للإرهاب المتمثل في تحالف فلول البعث والقاعدة وداعش، بل أصبحت هذه الأسماء متماهية في تنظيم إرهابي واحد.
 
كما وبلغ تأثير أصحاب معزوفة "التهميش الطائفي" إلى الدول الغربية و حتى إلى إدارة أوباما، والضجة التي أفتعلها سناتور جون ماكين ضد زيارة الوفد العراقي برئاسة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي إلى واشنطن في نهاية العام الماضي. وهؤلاء جميعاً، رغم أنهم يتعاملون مع الإرهاب في العالم كإرهاب وعدو مشترك دون أي تأويل، إلا إنهم تعاملوا مع الإرهاب في العراق بشكل مختلف، حتى بلغ بهم الأمر إلى اعتبار سبب الإرهاب في العراق هو سوء تصرف المالكي مع المكون السني. فالدول العربية تحارب الإرهاب في بلدانها، ولكنها تعامل الإرهابيين في العراق كمجاهدين وطلاب حق ضد حكومة المالكي "الشيعية الصفوية" "العميلة لإيران".

وأخيراً طلعت الشمس على الحرامية، كما يقول المثل. إذ بلغت تجاوزات العصابات الإرهابية على أهل السنة وخاصة أهالي محافظة الأنبار إلى حد لا يطاق، فطالب شيوخ عشائر الأنبار الحكومة بالتدخل لخلاصهم من شرور الإرهابيين في ساحات الاعتصامات وفي داخل مدن المحافظة. وكبادرة حسنة منهم قامت العشائر بقيادة شيوخهم بحل ساحات الاعتصامات وبدون سفك قطرة دم واحدة، أو أي تدخل من القوات المسلحة، مقارنة بما حصل في حالات مماثلة في بعض دول المنطقة. "فتظاهرات ساحة الاعتصام في رابعة العدوية في القاهرة التي استمرت 44 يوماً انتهت بمذبحة راح ضحيتها ما يزيد على 800 متظاهر بين قتيل وجريح، كما سقط عشرات الضحايا اثناء عملية فض تظاهرات ساحة تقسيم في اسطنبول التي لم تستمر سوى 17 يوماً، اما تظاهرات ساحة اللؤلؤة في المنامة فقد انتهت بإزالة الميدان من العاصمة واحتلال قوات درع الجزيرة والجيش السعودي للبحرين". (ياسين مجيد)(1).
 


 كما واستجابت القوات المسلحة لنداء الأهالي في مدن المحافظة لخلاصهم من الإرهابيين. وهنا كشف محامو الإرهاب، المتخفون وراء واجهات سياسية عن وجوههم الحقيقية، فأعلن ائتلاف (متحدون) الذي يرأسه رئيس مجلس النواب، السيد أسامة النجيفي، "تقديم نوابه استقالاتهم من عضوية مجلس النواب احتجاجا على الاحداث الجارية في محافظة الانبار".
والجدير بالذكر أن إئتلاف متحدون هو ضمن كتلة "العراقية" التي يتزعمها الدكتور أياد علاوي الذي هو الآخر أخذ موقفاً ضد محاربة الإرهاب وتحت مختلف الذرائع الواهية. فمن الذي خسر في هذه المحاولات البائسة التي تقودها قيادات كتلة العراقية؟

الدعم الدولي للعراق
وأخيراُ انتبه العالم إلى لعبة هؤلاء السياسيين الذين ارتضوا أن يكونوا واجهات سياسية للإرهابيين، وأبواقاً لهم يبثون في الإعلام المضاد أن حرب الحكومة ليست على الإرهاب وإنما هي حرب طائفية ضد السنة، وتحديداً ضد أهالي محافظة الأنبار!!.
وللأسف الشديد انطلت اللعبة على بعض السياسيين والإعلاميين الغربيين إلى أن انكشفت لهم الحقيقة، فانتبه  المجتمع الدولي المتمثل في مجلس الأمن الذي أصدر قراراً بالإجماع يوم 10/1/2014 "أقر فيه بأن قوات الأمن العراقية والشرطة المحلية وزعماء العشائر في محافظة الأنبار يظهرون قدرا كبيرا من الشجاعة في قتالهم لدحر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن مدنهم... وأكد مجلس الأمن ضرورة تقديم مرتكبي هذه الأعمال الإرهابية المشينة، ومنظميها، ومموليها ومن يرعونها إلى العدالة. كما أكد أن الدولة الإسلامية في العراق والشام تخضع للحظر المفروض على الأسلحة وتجميد الأصول المفروضة بموجب قرارات مجلس الأمن. وأعاد المجلس تأكيد دعمه لاستقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامته الإقليمية."(2)
كذلك قام السيد بان كي مون بزيارة إلى بغداد ولقائه مع رئيس الوزراء وعدد من القادة السياسيين، معلناً تضامنه مع الحكومة العراقية في حربها على الإرهاب. وكذلك الإدارة الأمريكية أكدت تضامنها وأمرت بالإسراع بدعم القوات العراقية المسلحة بالسلاح والعتاد، والوسائل اللوجستية وغيرها، وغير المجلسان، الكونغرس والشيوخ الأمريكيين موقفهما المتردد من الرئيس العراقي بسبب الدعايات المضادة واللوبي السعودي، وإذا بهما يطالبان بالإسراع لدعم العراق عسكرياً واستخباراتياً. بل وبلغ الأمر من الوضوح للعالم حتى السناتور جون ماكين، الذي ناهض زيارة المالكي إلى واشنطن، غيَّر موقفه وطالب بدعم القوات العراقية في حربها على الإرهاب. إضافة إلى دعم الاتحاد الأوربي للعراق.
ولم يتوقف الأمر على هذه الجهات الدولية، بل وحتى الجامعة العربية التي بعد أن رأت كل هذا الدعم الدولي للعراق، هي الأخرى أعلنت دعمها في التفاتة نادرة، لكي لا ينكشف انحيازها للجهات الراعية والحاضنة للإرهاب في العراق.
لذلك نتمنى على الحكومة العراقية توظيف هذه الصحوة الدولية و الأممية مع العراق بمطالبة الأمين العام للأمم المتحدة والإتحاد الأوربي بتسمية وفضح ومعاقبة الحكومات التي ترعى الإرهاب وتوفر له الحواضن وتموله وتمده بالمال والسلاح مثل السعودية وقطر.

فماذا كان رد فعل محامي الإرهاب إزاء الدعم الدولي للعراق؟

قلنا مراراً أن نسبة من قياديي "كتلة العراقية"، ومعظمهم من خلفيات بعثية، دخلوا العملية السياسية كحصن طروادة لتفجيرها من الداخل. فهؤلاء لا تلائمهم الديمقراطية، فهم اعتادوا على المؤامرات والانقلابات العسكرية في السيطرة على السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 إلى عام 2003. لذلك فطوال فترة مشاركتهم في حكومة الوحدة الوطنية كانوا يعرقلون أعمال الحكومة، وخاصة في مجال تقديم الخدمات وإعمار البلاد، ويدافعون عن الإرهاب بمختلف الطرق الملتوية والادعاءات الباطلة.

وأخيراً كشفوا عن وجوههم الحقيقية، إذ بدأت الحملة بالاستقالة الجماعية لـ 44 نائباً من إئتلاف (متحدون)، ودفاعهم المحموم عن النائب المتهم بالإرهاب أحمد العلواني الذي أُلقي القبض عليه بالجرم المشهود وهو يطلق النار على القوات المسلحة وقتل وجرح عدداً منهم.

فعن زيارة السيد بان كي مون للعراق، قال أياد علاوي رئيس كتلة العراقية في تصريح صحفي ان "زيارة الأمين العام للأمم المتحدة الى العراق كانت فاشلة وكان عليه اللقاء مع رؤساء عشائر الانبار وليس المسؤولين في الحكومة". وكأن السيد بان كي مون هو (أمين عام للمشيخات العشائرية المتحدة) وليس أمين عام للأمم المتحدة. فالبعثيون لم يكتفوا بإحياء العشائرية في العراق، بل ويسعون إلى عولمتها، ومنح العشائرية أهمية أكبر من الدولة.
أما القيادي الآخر في كتلة العراقية، السيد أسامة النجيفي، ففي لقائه مع الأمين العام للأمم المتحدة لم يعلن تضامنه مع حكومة بلاده في مواجهة الإرهاب، بل راح يشكو إليه عن "وسائل التعذيب الجديدة" التي تمارسها الحكومة ضد السجناء من المتهمين بالإرهاب. [كما وتداولت وسائل الاعلام ومواقع رقمية، خبراً نشر على موقع "ويكيليكس" يتحدث عن وثائق، تفيد بوجود اتصالات سرية بين كل من رئيس البرلمان العراقي اسامه النجيفي، والنائب احمد العلواني، بالمخابرات السعودية...]

أما صالح المطلك، المفروض به أن يقف بحزم ضد الإرهابيين بصفته نائب رئيس الحكومة، ورئيس كيان سياسي، إلا إنه ذهب إلى أمريكا ليؤلب على الحكومة ويعطي الحرب على الإرهاب بعداً طائفياً، ففي معظم تصريحاته ولقاءاته ردد ما مؤداه، وكما جاء في صحيفة واشنطن تايمز: "اتهم أحد أبرز الساسة السنة في العراق رئيس الوزراء نوري المالكي بإذكاء العنف الطائفي للحد من أصوات السنة في الانتخابات المقبلة، وانتقد إدارة أوباما لعدم بذلها المزيد من الجهد في بلد قامت الولايات المتحدة بتدميره".
كما و نشر المطلك مقالة كُتبت له ونُشرت مدفوعة الثمن في صحيفة (الوول ستريت جرنال) يوم 15 من الشهر الجاري بعنوان: (مقاتلة تنظيم القاعدة لن تحل الطائفية التي تمزق بلدي إربا). من كل ذلك يريد المطلك أن يقول للإدارة الأمريكية وللعالم، أن الحرب في الأنبار هي ليست على القاعدة وداعش، وإنما هي حرب نوري المالكي على السنة!! وإن هذا الصراع لا ينتهي بالحرب وإنما بالحل السياسي!
والغريب في الأمر أن مطالبة الحكومة بالحل السياسي مع الإرهاب لم يقتصر على قيادة تحالف "العراقية" من أمثال علاوي والنجيفي والملطلك، بل تعداهم إلى بعض القياديين في المجلس الإسلامي الأعلى، إما بسذاجة أو بدوافع اللعب على الحبلين والتزلف بمناسبة الانتخابات القادمة. وإذا كان دافعهم هو الانتخابات، فهم على خطأ كبير لأن الناخب العراقي ليس مع من يتساهل مع الإرهابيين الذين يتمادون في سفك دماء الأبرياء بالجملة في حرب الإبادة.
إن من يعتقد بأنه يمكن فتح حوار سياسي مع القاعدة وداعش الذي هو في معظمه من منتسبي جيش الحرس الجمهوري السابق ومن عتاة البعثيين الطائفيين، فهو في منتهى السذاجة في أحسن الأحوال. أما دعاة الحل السياسي من قيادة كتلة العراقية فهم ليسوا سذجاً مطلقاً، بل هم حماة والوجوه السياسية المرئية للإرهابيين. فما يسمى بالمطالب المشروعة للمحافظات الغربية هي نفسها مطالب جميع المحافظات العراقية، لأن معاناة المحافظات الوسطى والجنوبية هي أشد من غيرها، ولم يلجؤوا إلى الاعتصمات والتفجيرات والمفخخات ليفرضوا شروطهم بإبتزاز الحكومة عن طريق الإرهاب.
وإذا كان لدى هؤلاء شعور بالتهميش والغبن والعزل والإقصاء كما يدعون، ويرددها لهم في الخارج إعلاميون مأجورون، فليذكروها لنا إن كانت هي حقيقة، فالمحافظات السنية لها ممثلوها في البرلمان وفي الحكومة، وعندئذ يمكن حل هذه المشاكل بالوسائل السياسية إن كانوا صادقين. ولكنهم يعرفون جيداً أن المطالب المشروعة هي ليست مشكلتهم الحقيقية، بل مشكلتهم الرئيسية هي المطالب غير المشروعة، وهي إلغاء الديمقراطية والعملية السياسية برمتها وإعادة عجلة التاريخ إلى ما قبل 2003. وهذا مستحيل.
فهل حقاً هناك تهميش السنة في النظام الجديد، أم هو الإصرار على إفشال العملية السياسية برمتها وإلغاء الديمقراطية، وهو نوع آخر من الوهم لخدع الناس على طريقة "ثياب الإمبراطور الجديدة"؟
وهذا سيكون موضوع مقالنا القادم.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- ياسين مجيد: الخاسرون في أزمة الانبار
http://alakhbaar.org/home/2014/1/161073.html
 
2- النص الرسمي لبيان مجلس الأمن بشأن أحداث محافظة الأنبار: المجلس يعرب عن دعمه الشديد للحكومة لمحاربة [داعش]
http://alakhbaar.org/home/2014/1/160913.html

3- الإرهاب السعودي يتنكر بزي منحة للجيش اللبناني
الأموال السعودية الملوثة بالطائفية والدماء تدمر سلام اللبنانيين والعراقيين والسوريين
http://www.aljaml.com/node/103698


82
شاكر النابلسي في ذمة الخلود

د.عبدالخالق حسين

ببالغ الحزن والأسى توفي في الولايات المتحدة الأمريكية في 14 كانون الثاني (يناير) 2014، وبعد معاناة طويلة من المرض، قطب من أقطاب الليبراليين العرب، بل عميدهم، الصديق العزيز الدكتور شاكر النابلسي، وقد ناهز الثالثة والسبعين من العمر وهو مازال في أوج عطائه الفكري التنويري.

كان فقيدنا نجماً لامعاً في المؤتمرات واللقاءات الفكرية التي تقام عبر القارات من أجل نشر الحداثة والفكر الليبرالي، ولمحاربة الجهل والتخلف في العالم العربي. كان حاملاً هموم كل العرب دون استثناء، ويتألم بعمق، حتى وهن قلبه وارتفع ضغطه، فكان يحمل معه كيساً من الأدوية في حله وترحاله. وكما قيل (لا مكان لنبي في وطنه)، اضطر النابلسي مغادرة وطنه الأردن ليسلم بجلده، وليقيم في كولارادو /أمريكا مع عائلته الكريمة مكرماً ومعززاً في بلاد "الكفار". ومن هناك، وبعد أن ضمن سلامته من ملاحقة الذئاب له، قام بمواصلة رسالته التنويرية، فنشر أكثر من ستين كتاباً، وعدة آلاف من المقالات والبحوث في الصحف العربية ومواقع الانترنت، إضافة إلى حضوره العديد من المؤتمرات والندوات، وعشرات اللقاءات التلفزيونية والإذاعية رغم متاعبه الصحية.

كرس النابلسي حياته للإصلاح السياسي والديني والاجتماعي في  البلاد العربية، والقضايا الإسلامية، بالإضافة إلى كونه باحث ليبرالي في الفكر العربي، ويصنف بـ"الليبراليين الجدد"  في المنطقة العربية، كما وصف البعض أفكاره بـ"الراديكالية" و"المتطرفة"، وهو لم يكن كذلك، بل كان في غاية الإعتدال، وقد عارض الكثير من الكتاب الذين كانوا ينتقدون الإسلام بعنف، ويمسون معتقدات المؤمنين، مؤكداً لهم أن هذه السياسة تؤدي إلى المزيد من التخندق والتشدد من قبل المؤمنين، ويخدم الإسلاميين المتطرفين. وكان متفائلاً  بمستقبل العرب، وحتى بالوضع السعودي، ففي كثير من المرات كنا نتحاور عبر الهاتف، فيؤكد لي أن النظام السعودي يحث الخطى نحو الحداثة، ولكن بالتدريج ودون خلق هزات عنيفة وردود أفعال قوية من القوى الرجعية وعلى رأسها شيوخ الوهابية.

وهو أحد المفكرين الأربعة الذين قدموا دعوى إلى الأمم المتحدة لملاحقة كل رجل دين يفتي بقتل المثقفين العرب بسبب الاختلافات الفكرية. كما وكان أحد المؤسسين والموقعين على إعلان سان بطرسبرج عام 2007 الذي دعى المجتمعات الإسلامية لمعارضة حكم الشريعة الإسلامية لأنها لا تلائم المرحلة.
إن أهم ما يميز فكر النابلسي هو التفاؤل في نظرته نحو العلمانية في العالم العربي فقد رأى أن انتصارها هو نتيجة حتمية، إذ قال في صفحته على الويكيبيديا:» ونحن نتصور بأن يستمر تجاذب الأطراف على هذا النحو طيلة القرن الحادي والعشرين بين دعاة الدولة الدينية ودعاة الدولة العلمانية، مع يقيننا بأن التيار العلماني هو الذي سيتغلب في النهاية، ولنا في ذلك أسبابنا التالية: إلغاء المحاكم الشرعية في معظم الدول العربية وإنشاء المحاكم المدنية بقوانين وضعية، وفي بعض الدول بقيت المحاكم الشرعية ولكن قُلصت صلاحياتها بحيث اقتصرت على النظر في القضايا التي لها علاقة بالدين كالزواج والطلاق والإرث ومسائل الوقف وخلاف ذلك - إلغاء إقامة الحدود والعقوبات الشرعية من رجم وجلد وتعزير وقطع رقبة في معظم البلدان العربية، واستبدالها بعقوبات مدنية موضوعة - زوال العهد العثماني رمز الدولة الدينية، وزوال الاستعمار الغربي الذي من أجله حوربت الدولة العلمانية - وأخيراً، فإن سقوط الاتحاد السوفياتي وانمحائه من الخارطة السياسية العالمية وانفراد أمريكا –والغرب العلماني إلى جانبها- في قيادة العالم والتأثير عليه سياسياً وعلمياً واقتصادياً، ووقوف أمريكا ضد الدولة الدينية..، كذلك محاربتها ومعاقبتها ومطاردتها للجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط والأقصى قد شدَّ من ساعد التيار العلماني في الوطن العربي، وسوف يشدُّ من ساعده أكثر فأكثر في القرن الحادي والعشرين ويشجع الدولة العربية الحديثة على المزيد من التطبيقات العلمانية«.

كباحث قدير، أهتم النابلسي بتاريخ العرب قبل وبعد الإسلام، وفي هذا السياق يلوم ما حصل للمصادر التاريخية لمرحلة ما قبل الإسلام من تلف متعمد، فقد رأى النابلسي أنهم تعرضوا للظلم والحيف بسبب أن الإسلام قام بتعمية ذلك التاريخ وأغلق دونه حجاباً، فيقول في هذا الخصوص: »من الصعوبات التي يواجهها الباحث في هذا الشأن، إشكالية أنه قد تمَّ التعتيم على تاريخ ما قبل البعثة المحمدية تعتيماً يكاد يكون تاماً على اعتبار "أن الإسلام يجبُّ ما قبله"، أي أن الإسلام يُلغي ما قبله، ولم يكُ بين أيدينا غير شعر ما قبل الإسلام (ق.س)، وبعض روايات الإخباريين، وهذا هو حال صراع الأيديولوجيات في التاريخ، فكلما جاءت أيديولوجيا ألغت سابقتها، ورمتها بالجهل والتخلف والانحلال، وتصدرت هي واجهة التاريخ وحدها، وكان كل ما سبقها جهلاً وجهالة وسفهاً وسفاهة، ومن العهود البائدة، والأزمنة الفاقدة«.
قبل أشهر خسرنا علَماً من أعلام الليبراليين، وهو العفيف الأخضر، وقبله حامد نصر أبو زيد، ومحمد أركون، واليوم نخسر علماً شامخاً آخر وهو شاكر النابلسي، لا شك إن في رحيله خسارة كبيرة للعرب لا تعوض، وبالأخص لنا نحن الإصلاحيين والليبراليين، ولكن تبقى أفكارهم تنير الدرب للجيل الصاعد والأجيال القادمة.
كان النابلسي إصلاحياً بكل معنى الكلمة، ولم يكتف بالجانب النظري بنشر الأفكار التنويرية ودفاعه عن الديمقراطية والحرية وحرية التعبير فحسب، بل وكان نصيراً للأقليات القومية والدينية المضطهدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ولترجمة ذلك إلى عمل، حضر العديد من المؤتمرات التي أعدها الأخوة الأقباط في تنظيم (أقباط متحدون) بقيادة المناضل الراحل المهندس عدلي أبادير يوسف. وقد تشرفتُ بحضور مؤتمرين منها، الأول في واشنطن عام 2005، حيث حظيتُ بلقاء الصديق العزيز النابلسي لأول مرة رغم أننا كنا متعارفين فكرياً وعن بعد عبر قراءة مقالات بعضنا البعض، ومن ذلك اللقاء توطدت الصداقة بيننا.
ثم أسعفني الحظ ثانية بلقاء الصديق الكبير في آذار/مارس 2007، فكان لي شرف الحضور مؤتمر الأقليات في الشرق الأوسط في زيورخ، والذي نظمته منظمة (الأقباط متحدون) أيضاً برئاسة الصديق الراحل عدلي أبادير يوسف، حيث ألقيتُ مداخلة بعنوان (محنة الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا)، وتوصل المؤتمر إلى تأسيس منظمة (الدفاع عن حقوق الأقليات والمرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) برئاسة الفقيد النابلسي. كما وحضر فقيدنا مؤتمراً للأكراد في كردستان العراق والتقى بالرئيس العراقي والزعيم الكردي السيد جلال طالباني.
ثم التقينا ثالثة في مؤتمر روما لٌلإصلاح الذي نظمته مؤسسة (المصلح) برئاسة الصديق الأكاديمي الدكتور ستيفن أولف، في كانون الأول/ديسمبر 2011.
لا شك أن رحيل الدكتور النابلسي خسارة كبيرة للحركة الإصلاحية والليبرالية، ولنا نحن من قرائه ومحبيه وأصدقائه، ولي شخصياً كصديق عزيز، سأفتقده كثيراً إذ كنت أتجاذب معه أطراف الحديث وتبادل الأفكار عبر الهاتف بين حين وآخر، أسعد بأحاديثه الشيقة والمفيدة واستمتع بضحكاته العميقة. وبهذه المناسبة نقدم عزاءنا الحار لعائلته الكريمة وكافة محبيه، نرجو لهم الصبر والسلوان، ولفقيدنا العزيز الذكر الطيب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
ــــــــــــــــــــــــــ
  أرشيف مقالات الدكتور شاكر النابلسي على موقع (الحوار المتمدن)
http://www.ahewar.org/m.asp?i=171

رابط مقالات المرحوم شاكر النابلسي المنشورة في "الأخبار"
http://akhbaar.org/home/for-the-author/?auid=6

83
من المستفيد من توجيه تهم الفساد إلى الشخصيات الوطنية؟

د. عبدالخالق حسين

لا شك أن أخطر ما يهدد العراق اليوم هو الإرهاب والفساد. والأشد خطورة أن لكل من هذين الشرين امتداد ودعم من قبل مسؤولين متنفذين في كل مفاصل النظام الجديد. فقد شاهدنا كيف قدم 44 نائباً من كتلة (متحدون) استقالاتهم احتجاجاً على ضرب الجيش لأوكار الإرهابيين في محافظة الأنبار... وكذلك الفساد له جذوره العميقة، حيث صار أداة لتصفية حسابات لحرق الأخضر بسعر اليابس وذلك بتوجيه اتهامات كيدية ضد شخصيات وطنية معروفة بتضحياتها من أجل الوطن.

لقد علمنا من وكالات الأنباء خبراً مفاده أن "مجلس القضاء الأعلى"، قد أصدر مذكرة القاء قبض يوم الإثنين 9 كانون أول 2013، بحق السيد سمير شاكر الصميدعي، سفير العراق في واشنطن سابقاً، بتهمة تعود إلى الفترة القصيرة التي شغل فيها منصب وزارة الداخلية وهي شهرين فقط قبل تسع سنوات. وكما أوضح السيد الصميدعي في تصريح له نشر على مواقع الانترنت، أن الدائرة المالية في الوزارة وضعت تحت تصرفه "سلفة مستديمة" مقدارها حوالي أثنى عشر ألف دولاراً لإنفاقها على الحمايات، وأمور أخرى من باب النثرية لنفقات مكتب الوزير، وهو العرف المتبع الذي سار عليه الوزراء قبله وبعده مباشرة. ولما ترك الوزارة أعاد ما تبقي من النثرية إلى الدائرة المالية، وترك سجل المصروفات ذلك في مكتب الوزير، وقام بإجراءات براءة الذمة عن فترة خدمته كعضو في مجلس الحكم، وكوزير للداخلية، ثم عهد إليه بمنصب ممثل العراق الدائم في الأمم المتحدة، ومن ثم سفير العراق لدى الولايات المتحدة من 2006 حتى بداية 2012.

ومن كل ما تقدم، نعرف أن توجيه هكذا تهمة عن مبلغ زهيد في وزارة سيادية، وبعد عشر سنوات من تركه الوزارة، وحصوله على براءة الذمة في وقتها، وضد شخصية وطنية معروفة بمكانتها النضالية، لا بد وأن يثير الكثير من الشكوك حول الأغراض الحقيقية وراء هذه التهمة.
فتاريخ السيد الصميدعي معروف لنا، حيث بدأ حياته السياسية كيساري، وفي عهد الطاغية صدام حسين، وكغيره من ملايين العراقيين، أضطر إلى الهجرة وأقام في لندن، وشارك مع زملاء له في تأسيس تنظيم (إتحاد الديمقراطيين العراقيين في بريطانيا)، وكنت أحضر مؤتمراتهم السنوية. وقد ناضل الرجل بإمكاناته الجيدة، فهو متعدد المواهب، سياسي، وأديب وشاعر مرهف، لذلك كان قد قارع النظام الفاشي البائد على جميع الصعد، وبالأخص في الإعلام البريطاني والعربي، فساهم في الكثير من المقابلات والندوات التلفزيونية والإذاعية، وكتب في الصحافة الغربية والعربية، والعراقية في المهجر عن القضية العراقية في عهد صدام. ولما سقط النظام الفاشي، كان من أوائل الذين عادوا إلى العراق لتحمل مسؤوليته في بناء العراق الجديد، فشغل المناصب الرفيعة التي أشرنا إليها في أعلاه. وكما أعرفه شخصياً، فالسيد الصميدعي ضد الطائفية، وحريص جداً على إنجاح العملية السياسية، وأدى دوره خلال السنوات العشر الماضية من خدماته في مختلف المناصب بمنتهى المهنية.

نحن مع الحكومة في محاربة الإرهاب والفساد وبناء العراق الجديد على أسس علمية رصينة، وترسيخ حكم القانون، ودولة المواطنة والعدالة الاجتماعية. ولكن يبدو أن هناك أشخاصا استغلوا تفشي الفساد في دوائر الدولة لأغراض كيدية، ولتصفيات سياسية، وخاصة في هذا الوقت حيث اقتراب الانتخابات البرلمانية. لا شك إن توزيع الاتهامات بالفساد يميناً وشمالاً وبشكل عشوائي، له أضرار بليغة بحق الوطنيين المخلصين الذين كرسوا حياتهم لخدمة الشعب والوطن، ناهيك عن استغلال البعض هذه التهمة للتأليب ضد الحكومة. فخلط الحابل بالنابل يخدم الفاسدين المرتشين الحقيقيين، ويشل نشاط الموظفين المخلصين الحريصين على سمعتهم، لأن الفاسدين لا يبالون بسمعتهم، ويعرفون كيف يتخلصوا من العقاب من أمثال حازم الشعلان وأيهم السامرائي، كما ويجعل الشعب أقل اهتماماً بهذه المسألة لأن فيها الكثير من التشويش والشكوك.
لقد أخبرني صديق عراقي، وهو أكاديمي متميز، يشغل كرسي الأستاذية في جامعة لإحدى الدول الغربية العريقة، يزور العراق بين حين وآخر تطوعاً للمساهمة في رفع مستوى الجامعات العراقية، نقل لي هذا الصديق أخباراً مقلقة عن رعب المسؤولين في الجامعات والمعاهد العراقية من تعرضهم لتهمة الفساد العشوائية، فقال في رسالة له مشيراً إلى محنة السيد الصميدعي:
"... هذه هي حال الدولة العراقية هذه الأيام، كل مسؤول او موظف متهم بالفساد، وكل ما ازور العراق اسمع عشرات القضايا حول تهمة الفساد ضد ناس في الجامعات، قضايا في نظري تافهة، وإذا بهم يتعاملون معها وكأنها أساسية ومصيرية، وقد تؤدي بالمتهم الى السجن وباتهامات باطلة. ان هذه الحالة وحسب معرفتي قد ادت الى شل حركة الجامعات، فبالرغم من ان رؤساء الجامعات والعمداء عندهم صلاحيات الصرف، ولكنهم لا يستفيدون منها لتخوفهم من هيئات النزاهة، فيرجعون مرة أخرى الى الوزير لأخذ موافقته حتى لا يقع بالمصيدة. وإذا ما صادف الوزير في مهمة خارج العراق، فهذا يعني تعطيل أعمال هؤلاء المسؤولين. نفس الكلام ينطبق على بقية دوائر الدولة، الأمر الذي أدى إلى عرقلة نشاطاتها. فقضية سمير مسألة سياسية لأن هناك من يضمر له الشر وقد قام بالتنبيش، فلم يجد إلا هذا الشيء البائس ليتهمه وهذا كاف في العرف السياسي."
وصديق آخر وهو كاتب وإعلامي كبير أخبرني عن مثال آخر في اتخاذ الفساد ذريعة لتصفية حسابات ضد الخصوم السياسيين المخلصين فقال: "أحمد البراك هو الآخر شخصية وطنية ليبرالية غير طائفية من الحلة يرزح في السجن منذ سنة وثمانية أشهر لسبب تافه... الطائفيون بخير لأن الطائفة تقف وراءهم... بينما الوطنيون مهددون وملاحقون لأنه لا وطن يقف معهم... فالوطن اختزل بالطوائف."

إن معظم المخلصين المؤازرين للنظام الجديد، والحريصين على إنجاح العملية السياسية وخلاص شعبنا من الإرهاب والفساد، وكل مخلفات العهد البعثي البائد، يعتقدون أن الغرض من توجيه هكذا تهمة للوزير والسفير السابق السيد سمير الصميدعي، وبعد عشر سنوات من تركه الوزارة على مبلغ لا يعد شيئاً مقارنة بحجم المبالغ الضخمة التي يسرقها الفاسدون الحقيقيون، يرون أن الغرض من هذه التهمة هو تصفية حسابات سياسية وتلويث السمعة ليس غير.

ورغم كون التهمة موجهة من سلطة قضائية، إلا إنه لا بد من جهات سياسية قامت بفبركة هذه التهمة، لذلك، أناشد دولة رئيس الوزراء، وكل  المخلصين من أصحاب الضمائر الحية بالتدخل للتحقيق في البحث عن أساس هذه التهمة، وغلق ملفها، ومحاسبة أولئك الذين أثاروها لأغراض كيدية وتصفيات سياسية... إن السياسيين المخلصين بحاجة إلى حماية، وبدون هذه الحماية لن يبقى للنظام الجديد من مخلصين يحمونه، وهذا خطر يهدد العملية السياسية برمتها لا يستفيد منها غير أعداء الديمقراطية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- الصميدعي لـ"المسلة": صدور مذكرة اعتقال بحقي بسب..
http://www.krtkrt.com/@almasalah/28145

2- لقاء قناة البغدادية مع السيد سمير الصميدعي، مساء 27/12/2013 مدة الفيديو 58 دقيقة، الفترة الخاصة بمقابلة السيد الصميدعي من الدقيقة 24 إلى 58.
http://www.youtube.com/watch?v=CPxOAAgG6kk&feature=c4-overview&list=UUjN7GohXU00fynUQD2UMYy

84
نواب يمثلون الواجهة السياسية للإرهاب

د.عبدالخالق حسين

الوضع العراقي غريب وعجيب وفريد من نوعه، ففي جميع دول العالم إذ ما تعرض أي بلد إلى هجوم إرهابي، أو حرب، أو كارثة طبيعية، تترك المعارضة خلافاتها جانباً وتقف مع الحكومة، ولكن في العراق يحدث العكس، فالمعارضة تقف مع الإرهاب، بل هناك كيانات سياسية أثبتت أنها امتداد وواجهة سياسية مكشوفة للإرهاب، وغرضها من المشاركة في العملية السياسية هو تدميرها من الداخل، ناهيك عن تآمرها وسعيها لتحقيق أجندات أجنبية ضد مصلحة الشعب العراقي.
وحتى الحكومات الأجنبية تتضامن مع، وتدعم أية حكومة يتعرض شعبها للإرهاب والكوارث الطبيعية، ولكن في العراق الأمر يختلف، إذ هناك حكومات عربية رغم أنها تحارب الإرهاب في بلدانها، إلا إنها تدعمه في العراق، كما هو موقف السعودية وقطر وتركيا. وبلدان أخرى تشكك عبر وسائل إعلامها في نوايا الحكومة العراقية في حربها على الإرهاب، فتعطيها بعداً طائفياً، والإدعاء أن هذه الحرب هي على السنة "المهمشين" وليس على الإرهاب.
ظهر ذلك جلياً وبدون أي لبس أو تأويل، حين شنت قواتنا الباسلة هجوماً ساحقاً على أوكار القاعدة البعثية (داعش) في صحراء الأنبار، فأعلن ائتلاف متحدون الذي يرأسه رئيس مجلس النواب، أسامة النجيفي، "تقديم نوابه استقالاتهم من عضوية مجلس النواب احتجاجا على الاحداث الجارية في محافظة الانبار ". كما أعلن النجيفي انسحابه من وثيقة الشرف الوطني والسلم الاجتماعي "لتنصل رئيس الوزراء نوري المالكي من بنودها" حسب ادعائه. والمقصود بهذه الحجة هو، إعلان المالكي الحرب على الإرهابيين في محافظة الأنبار. كما وقرأنا أن ويكيليكس قد كشف مؤخرا أن أسامة النجيفي، مثل أحمد العلواني، لديه اتصال هاتفي مباشر مع الأمير بندر بن سلطان السعودي. وكذلك نعرف سفراته المكوكية وتنقلاته بين الدول الخليجية وتركية باتت مكشوفة. كما وطالب أياد علاوي، رئيس كتلة العراقية، المالكي بإخراج الجيش من مدن الانبار.

فماذا يعني استقالة هؤلاء النواب الجماعية من البرلمان احتجاجاً على شن الجيش حربه على أوكار القاعدة البعثية الإرهابية؟ ألا يعني، ويؤكد وقوفهم مع الإرهاب وكونهم الواجهة السياسية والوجوه المرئية للإرهاب، في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب إلى القتل الجماعي من الإرهابيين؟ فلو حصل هذا الموقف من نواب أو أي كيان سياسي في أي بلد آخر، لتعرض هؤلاء إلى تهمة الخيانة العظمى، و وُضعوا وراء القضبان في السجون، أو حتى أُعدموا، ولكن في العراق هذا السلوك مسألة عادية!!. والسبب هو أن أي إجراء تتخذه الحكومة ضد الإرهاب يُفسَّر بالطائفية، لا لشيء إلا لأن رئيس الحكومة شيعي، وجميع الإرهابيين في داعش هم من السنة، لذا فالمطلوب من الحكومة، في هذه الحالة، أن تسكت عن الإرهابيين ليواصلوا حرب الإبادة على الشعب. ولكن عندما تقع تفجيرات وهجمات إرهابية، يملؤون الدنيا صراخاً ونعيقاً يدَّعون أن الحكومة ضعيفة لا تستطيع حماية الشعب، وإذا ما تحركت القوات الأمنية ضد الإرهابيين قالوا أنها بدوافع طائفية والمالكي يستهدف السنة!!!

وليت الأمر توقف عند نواب إئتلاف (متحدون)، ووزرائهم الذين انسحبوا من جلسة مجلس الوزراء ولنفس السبب، بل تعداه إلى عدد من وسائل الإعلام مثل صحيفة المدى، وكتاب محسوبين على اليسار، وقفوا إلى جانب الإرهابيين بلا خجل أو وجل، وعندما تعاتبهم: ("لماذا تتهجمون على المالكي في الوقت الذي يجب عليكم مهاجمة الارهاب؟"، أجاب أحدهم: "يجب عدم الوقوف مع الحاكم الاسلامي!!") (كذا).
يعني في رأي هذا المتياسر الفاقد بوصلته، يجب الوقوف مع الإرهاب نكاية بالمالكي، وكأن الوطن ملك المالكي. بل وبلغ بهم الحقد إلى حد أن راحوا يسمون الجيش العراقي بـ"جيش المالكي!" و"الجيش الشيعي"، من أجل الاستعداء عليه. وإذا ما نشرت السلطة لقطات فيديو عن انتصارات جيشنا على فلول الإرهاب وهم يفرون كالجرذان المذعورة، وجثثهم منتشرة في الصحراء، أدعوا أن هذه الصور مزيفة، وهي مأخوذة من أفغانستان قبل سنوات ولا علاقة لها بالعراق!!، ويلحون في تثبيط معنويات جنودنا الأشاوس، المعَّرضين للشهادة من أجل الشعب. هذا الموقف البائس ناتج عن التعصب الأيديولوجي، ودليل على دور الأيديولوجيات المتحجرة في تبليد الأدمغة المتكلسة، وتدمير العراق وتفتيت الوحدة الوطنية.
والسؤال الذي نطرحه على هؤلاء المؤدلجين هو: هل المالكي "الإسلامي" فرض يوماً أيديولوجية حزبه على الشعب كما فعل حزب البعث الفاشي بشكل ممنهج؟ فأين كنتم أيها المتياسرون يوم فرض البعث الصدامي أيديولوجيته الفاشية على الشعب كله؟ فبدلاً من معارضته تحالفتم معه، والذي أنتهى بمأساة. فمتى يتعلم هؤلاء الدرس من خيباتهم وهزائمهم؟ يقول لينين: "اليسار المتطرف واليمين المتطرف يلتقيان، ولكن عند حوافر الفرس". وهكذا نرى المتياسرين الجدد يقفون اليوم مع القاعدة البعثية الفاشية وهي تفتك بأرواح شعبنا، ومع ذلك يلقون اللوم على الأحزاب الإسلامية إذا ما لفضتهم الجماهير في الانتخابات، في حين يجب أن لا يلوموا إلا أنفسهم لفشلهم قراءة الواقع ومتطلبات المرحلة، لأنهم مازالوا يعيشون في كهوف أيديولوجياتهم المظلمة، فهم كالخفافيش لا يقوون الرؤية في نور شمس الحرية.

ولم يتوقف الأمر عند نواب (متحدون) وصالح المطلك، والهارب طارق الهاشمي في دعوة الجيش بالانسحاب من مقاتلة الإرهابيين، بل تعداه إلى شخصيات سياسية موالية للحكومة مثل السيد بيان جبر صولاغ، القيادي في التحالف الوطني، والذي ركب موجة التزلف والرياء في "المطالبة بسحب افواج الجيش العراقي من الانبار". فاستجابت الحكومة لهذه النداءات على مضض من أجل تهدئة الوضع. فماذا كانت النتيجة؟
النتيجة أن استغلت فلول داعش الفراغ الأمني في داخل مدينة الرمادي والفلوجة، فهجمت على مراكز الشرطة والدوائر الحكومية واحتلت المدينتين وأشعلت النيران في المؤسسات الحكومية، الأمر الذي كلف باهظاً استعادتهما وبطلب وإسناد عشائر الأنبار الأشاوس. وكما قال النائب ياسين مجيد أن "ذئاب داعش ظهرت في الانبار وهي تقتل وتذبح بعد انسحاب الجيش بدعوة متحدون، فهل هناك تنسيق بينهما؟". الجواب واضح.
هذه الأمور الشاذة لن تحدث إلا في العراق. وهذا درس يجب أن يتعلمه المسؤولون المخلصون بعدم الإذعان والاستجابة لمطالبات صادرة من قيادات، إما متعاطفة مع الإرهابيين، أو بدوافع انتهازية.

وهناك رجل الدين، الشيخ عبد الملك السعدي، الذي ظهر علينا قبل عامين مع بدء الاعتصامات، فتظاهر بالورع والوقار والحيادية، وأدعى أنه لا يفرق بين طوائف المسلمين، فاستبشرنا به خيراً، ولكن ما أن كسب ثقة الناس حتى وبدأ يصدر فتاوى ضد الحكومة وإثارة الفتن الطائفية... فتاوى تدعم تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام= داعش" المرتبط بالقاعدة. بل وراح يدعو العشائر إلى قتال الجيش العراقي والقوات الأمنية “إلى الدفاع عن العقيدة والعرض والأرض” حسب ما جاء في إحدى فتاواه. هذا التحريض على الفتنة الطائفية لا يمكن أن يصدر من رجل دين حقيقي، بل من بعثي طائفي تلبس بالدين، وليستغل الدين لهلاك الزرع والضرع. وهو بالتأكيد يتحمل مسؤولية إراقة الدماء في الأنبار، وعلى المسلمين فضحه.
قلنا في مقال سابق، أن الإرهاب الإسلامي الوهابي المدعوم من السعودية وجهات خليجية أخرى، هو طاعون العصر، ومتفشي في جميع القارات الخمس. والملاحظ أن جميع البلدان العربية وغيرها تحارب الإرهاب في بلدانها دون أن تتعرض إلى أية ضغوط محلية أو دولية إلا العراق، وهناك أمثلة كثيرة نذكر منها:
* قبل عام اكتشفت الحكومة الإماراتية مؤامرة تخططها جماعات الأخوان المسلمين للاستيلاء على السلطة، فألقت القبض عليهم وحاكمتهم، وزجت بهم في السجون. ولم يعترض على الحكومة الإماراتية أحد، ولكن لو حصل ذلك في العراق لأقاموا الدنيا، واتهموا المالكي بالطائفية وأنه يستهدف السنة. 
* كما وقامت الحكومة المصرية بالهجوم المسلح على اعتصام الأخوان المسلمين في مسجد رابعة العدوية في القاهرة وقتلت منهم العشرات وأصابت المئات، ومازالت الصدامات المسلحة مستمرة بين القوات الأمنية وفلول الأخوان المسلمين إلى اليوم، كما وأعلنت الحكومة أن حزب الأخوان المسلمين تنظيم إرهابي محظور. فلو حصل ذلك في العراق لأعطت الحكومات العربية ووسائل إعلامها بعداً طائفيأ لهذه الاجراءات الأمنية الضرورية. والجدير بالذكر أن الاعتصمات في العراق تم فضها بدون إراقة دماء وبناءً على طلبات العشائر السنية نفسها.

خلاصة القول، يخوض جيشنا الباسل والقوات الأمنية، وبإسناد من عشائر الأنبار الأشاوس معركة المصير لتطهير العراق من رجز الإرهابيين، وعلى جميع المخلصين دعمهم بكل ما أوتوا من قوة. ومن يقف مع الإرهاب فمصيره في مزبلة التاريخ.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
عزت يوسف إسطيفان: تعقيب على مقال د.عبد الخالق حسين [تحية لجيشنا الباسل في حربه على الإرهاب]
http://alakhbaar.org/home/2014/1/160435.html

د. مؤيد عبد الستار: نواب المجلس ... بين الاستقالة والزعل
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=394070

نائب يحمل عبدالملك السعدي مسؤولية الدماء بالأنبار
http://arabic.cnn.com/2014/middle_east/1/2/allaq.saadi/

صولاغ يطالب بسحب افواج الجيش العراقي من الانبار
http://www.qanon302.net/news/2014/01/03/8718

صحيفة بريطانية: أصدقاؤنا السعوديون هم الذين يمولون جرائم القتل الجماعي
http://alakhbaar.org/home/2014/1/160391.html
 
فضيحة كبيرة لكتلة متحدون يفجرهما موقع ويكليكس | صدى الحقيقة
http://www.sdhnews.com/?p=24960

سالم مشكور:  "البنادرة"  العراقيون!! 
http://alakhbaar.org/home/2014/1/160509.html

85
تحية لجيشنا الباسل في حربه على الإرهاب

د.عبدالخالق حسين

الحرب على الإرهاب مطلب وطني وإنساني وحضاري وعالمي. فالإرهاب الإسلامي الوهابي المتمثل بالقاعدة وفروعها وتحت مختلف الأسماء (جبهة النصرة، داعش، جيش محمد، بكوحرام في نايجريا، وحركة الشباب الإسلامية في الصومال، فتح الإسلام في لبنان، طالبان في أفغانسان وباكستان، ولشكر طيبة في باكستان وكشمير، ومنظمات إرهابية أخرى بمختلف الأسماء في مالي، وبلدان شمالي أفريقيا وغيرها، أصبحت قوة تدميرية خطيرة تهدد البشرية كلها، ومحاربتها هي معركة مصيرية واجبة على الجميع، تتطلب تضافر جهود دولية، فهي بحق الحرب العالمية الثالثة.

ولا نغالي إذا قلنا أن أكثر شعب عانى من الإرهاب هو الشعب العراقي، حيث دفع من الضحايا منذ سقوط حكم البعث عام 2003 وإلى الآن نحو 130 ألف شهيد، وفي هذا العام 2013 وحده بلغ عدد الضحايا أكثر من 8 آلاف شهيد.
إن مشكلة الإرهاب في العراق أكثر تعقيداً مما هو في أي بلد آخر، إذ اختلط الإرهاب الذي تشنه القاعدة بجهات إرهابية أخرى من بينها فلول البعث، إضافة ألى الصراع الطائفي، وصراع الكيانات السياسية، والمكونات السكانية على السلطة.
فكما ذكرنا في مقال سابق بعنوان (البعث والقاعدة وجهان لتنظيم إرهابي واحد)، هذا الخليط فسح المجال أمام فلول البعث للاندماج بالقاعدة والسيطرة عليها وتوجيهها لأغراضه في العراق، ومواصلة جرائمه ضد الشعب باسم القاعدة. كما واستفاد الطائفيون ومن بينهم شركاء في الحكومة والبرلمان ليعيقوا عمل الحكومة في مواجهة الإرهاب، وهم بذلك يلعبون على الحبلين ضد الحكومة التي يشاركون فيها. وما مشاركة هؤلاء بالعملية السياسة إلا للقيام بدور حصان طروادة لتدميرها من الداخل.

فهؤلاء الشركاء هم الوجه المنظور من الإرهابيين بغطاء سياسي "مشروع". فإذا ما وقعت جريمة إرهابية ضد الشعب رفعوا عقيرتهم بالصراخ مدعين أن الحكومة ضعيفة لا تستطيع حماية الشعب. ولكن ما أن تقوم الأجهزة الأمنية و القوات المسلحة بواجبها الوطني في مواجهة الإرهابيين حتى وخرجوا علينا صارخين ثانية بأن الإرهاب قضية أمنية داخلية، ولا يجوز زج الجيش فيها. وآخرون من أمثال النواب: سليم الجبوري، وحيدر الملا، وطلال الزوبعي وغيرهم من كتلة العراقية، راحوا يذرفون دموع التماسيح على حقوق الإنسان، مدعين في وسائل الإعلام أن العمليات التي تقوم بها القوات المسلحة في الأنبار هي عمليات ضد المدنيين العزل، وعلى الحكومة إيقافها فوراً. ولما ألقي القبض على النائب أحمد العلواني بالجرم المشهود وهو يواجه القوات المسلحة بالنار، قامت كتلته (متحدون) تطالب بإطلاق سراحه فوراً.
والجدير بالذكر أن قوة مشتركة من الجيش وقوات الطوارئ (سوات) اتجهت في ساعة متأخرة من ليلة الجمعة 12/12/2013 الى منزل علي سليمان، شقيق النائب في القائمة العراقية احمد العلواني، ولم يكن الأخير هو المطلوب للقبض عليه، إلا إنه ساهم في الاشتباك  مع حراسهما لأكثر من ساعة، قتل فيها علي سليمان، وجرح ابن عمه، اضافة الى 15 آخرين من حمايته وافراد اسرته، فقامت القوات بإلقاء القبض على أحمد العلواني بالجرم المشهود.

فعندما يتعرض أي شعب للإرهاب، تتعاطف جميع الحكومات مع ذلك الشعب وحكومته ضد الإرهاب. كما وتقف المعارضة مع الحكومة ضد أي خطر يهدد الشعب، ولكن المشكلة تختلف في العراق، فعندما يتعرض شعبه للإرهاب أو أي خطر آخر تقف المعارضة مع الإرهاب وتعمل على تكبيل الحكومة من أخذ أي إجراء ضد الإرهاب. وهكذا نرى اليوم  كتلة "العرقية" ومعها بعض الحكومات العربية وإعلامها بإدانة إجراءات الحكومة العراقية ضد الإرهابيين وتحت مختلف المعاذير الزائفة.
لقد بات واضحاً أن بعض المشاركين في السلطة هم شركاء في الإرهاب أيضاً، وأوضح مثال هو مشاركة طارق الهاشمي (نائب رئيس الجمهورية)، ورافع العيساوي (وزير المالية سابقاً) وأسعد الهاشمي (وزير الثقافة سابقاً)، التي باتت معروفة لدى القاصي والداني. ولأسباب طائفية، يتلقى هؤلاء الدعم المالي والإعلامي من بعض الحكومات العربية، وخاصة من السعودية وقطر، وبعض دول الجوار مثل تركيا.

إن اندماج فلول البعث بالقاعدة، والصراع الطائفي على السلطة جعل من مواجهة الإرهاب في العراق عملية صعبة. ولزيادة الطين بلة، هناك كيان سياسي شيعي باسم (التيار الصدري)، أغلب أعضائه بعثيون شيعة وجدوا ملاذهم الآمن في هذا التيار الذي هو الآخر نراه يتغازل مع الإرهابيين بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك من خلال افتعال أزمات وصراعات مع رئيس الحكومة، والتشكيك بأية عملية ضد الإرهابيين.
بعد نشر مقالي الأخير المشار إليه أعلاه، استلمتُ العديد من التعليقات القيمة التي اعتبرها مكملة للمقال، لذا، أرى من المفيد نقلها هنا تعميماً للفائدة:
التعليق الأول، هو للدكتور هاني شاكر محسن، على موقعه في الفيسبوك يقول: ".. اود التعليق على فقرة وردت في المقال ذكرتَ فيها عن خبث ودهاء البعثيين في عقد التحالفات... وآخرها مع الصدريين لاستخدامهم كحصان طروادة. انا اجزم لك ولكل قرائك بأن لا حاجة للبعثيين لنهج هكذا اسلوب مع الصدريين، والسبب هو أن اغلب البعثيين الشيعة هم في التيار الصدري، ولهذا لا حاجة للمغازلة، كل المشاكل التي خلقها الصدريون في الحكومة هي من صميم البعث واسلوبه. أوجه لك سيدي سؤالاً: اين ذهبت القيادات البعثية والكادر الحزبي في المحافظات الجنوبية؟ وهل البعثي السني يختلف عن البعثي الشيعي؟؟ إن خطر الصدريين (البعثيين الشيعة)، اشد وأعظم من غيرهم لأنهم في هيكل التحالف الوطني وهيكل الحكومة... ".

كذلك وصلتني رسالة من صديق قال فيها: (ستكون قضية اعتقال أحمد العلواني ومقتل اخيه هي الموضوع الذي سوف يستعمله الطغمويون! ويوجه الموضوع ضد العمليات العسكرية، وأتوقع ان تعمل زمرة المطلك والنجيفي الآن مع السفير الأمريكي لفبركة الموضوع، والضغط على الحكومة دوليا لإيقاف العمليات، ويستعمل نفس السناريو في الحويجة، وبدأت الحملة الإقليمية والداخلية لتشويه العملية العسكرية ضد داعش، ودعم قوى الإرهاب ومن يعمل معها).
وهذا بالضبط ما يجري الآن، إذ نقرأ عناوين لتصريحات من قياديين في كتلة العراقية مثل:
* "جبهة المطلك تحذر من اقتحام الاعتصامات وتعلن: المطلك يبذل جهودا لمنع تحويل الخلاف السياسي الى نزاع طائفي".
* "متحدون تطالب باطلاق سراح العلواني وتشكيل لجنة للتحقيق في مقتل شقيقه"
* "انتصار علاوي: دعوة وزراء العراقية للانسحاب من الحكومة جاءت لما يتعرض له الشعب في الانبار"
* "أسامة النجيفي: القاء القبض على احمد العلواني سابقة قانونية خطرة وخرقا للدستور.!!"
*"السعدي والهاشمي يستنفران سنّة الأنبار.. والصدر يخاطب الجيش
الهاشمي: لنشكل جبهة... تتصدى لمشروع المالكي الصفوي"


ألا يعني أن هؤلاء شركاء مع الإرهاب؟ أليس هؤلاء الوجوه المرئية من الإرهابيين؟
(توضيح: إن وزراء كتلة "العراقية" رفضوا الانصياع لأوامر قيادتهم قبل أشهر للانسحاب من الحكومة، وهذا ما ذكره أياد علاي في لقاء مع البي بي سي أن هؤلاء الوزراء لم يعودوا أعضاء في كتلته "العراقية"، لذلك فتصريحات انتصار علاوي هذيان فارغ).
ولتضليل الرأي العام، يرى هؤلاء أن ضرب الإرهابيين (القاعدة البعثية) هو ضرب للشعب في الأنبار!!

كما بدأ الاعلام العربي حملته ضد حملة الجيش على أوكار القاعدة في الصحراء الغربية في الانبار، وإعطائها بعدا طائفيا، علما بأن كبار قادة الجيش في هذه الحملة هم من أهل السنة ومع عشائر الأنبار. ويحاول هذا الإعلام المضلل أن يضخم حجم الطائفي احمد العلواني، وإبراز العيساوي وسلمان الجميلي وغيرهم من كتلة العراقية بالدفاع عن الاعتصامات، وعن العلواني. كما وأكد لي صديق من هذه المناطق أن هؤلاء لا يمثلون الا قلة قليلة من اهالي الأنبار لكن الاعلام يضخم حجمهم.
الغرض من كل هذا الإعلام المضاد هو تصعيد ضغط دولي على الحكومة العراقية ومطالبتها بإيقاف العمليات العسكرية، وبالتالي إجهاض النصر، وإبقاء الإرهاب البعثي القاعدي في العراق يفتك بأرواح الشعب وبدوافع طائفية.
وتعليق آخر نشر على موقع (عراق القانون) لقارئ باسم: (شايب من العراق)، جاء فيه:
(والله يا دكتور عبد الخالق لقد قلت الحق، ونطقت الصدق، فالبعث هو المحرك الخفي لكل الدماء التي تسيل منذ سقوط صنم العوجة. وليسأل العراقيون أنفسهم, أين ذهبت الألوف من عناصر أجهزة المقبور؟ هل ماتوا جميعآ؟ هل تبخروا؟ هل تابوا وأصبحوا ملائكة وجلسوا في بيوتهم؟ كلا أنهم يقاتلون بشراسة لاستعادة حكمهم على العراق، ولكن بمسميات جديدة للتمويه وليس هناك أفضل من تسمية القاعدة.)

 كما واتصل بي هاتفياً صديق عراقي، وهو طبيب إستشاري في إحدى الدول الأوربية، ومن خلفية سنية وأهله يسكنون في المنطقة التي تسمى بـ(مثلث الموت) الواقعة جنوب بغداد. وقد عاد قبل أيام من زيارة قام بها لأهله هناك، أخبرني أنه في زيارته الأخيرة علم من أحد أقاربه (بعثي سابقاً)، أن اهتمام البعث بالعقيدة الوهابية ليس جديداً، بل بدأت حملة نشر الوهابية بين البعثيين والمجتمع السني خلال السنوات الأخيرة من حكم صدام. وقال أنهم كانوا يعقدون اجتماعات في المساجد يحضرها المئات من عامة أهل السنة، وبحضور قياديين بعثيين يبثون العقيدة الوهابية بتكفير الشيعة وتبرير قتلهم. فالبعث قام بترويج العقيدة الوهابية لا إيماناً بها، بل لاستخدامها سلاحاً ماضياً للتأثير على الجهلة من السنة لشن هكذا حملة طائفية لإبادة الشيعة تحسباً لسقوط نظامهم في المستقبل. وما اندماجهم بالقاعدة، وداعش وغيرها من الأسماء والتنظيمات إلا تنفيذاً لتلك الاستعدادات التي اتخذوها في عهد صدام.

كذلك استلمت تعليقاً حافلاً بالمعلومات القيمة من صديق طبيب آخر، وهو من عشيرة الجبور، ومن المناطق السنية، ليبرالي الفكر، قال فيه:
» قرات مقالك في اول ظهور له على موقع الاخبار واتفق مع كل كلمة كتبتها فيه، وأؤكد لك هذا هو رأيي الشخصي منذ سقوط النظام. قائمة "العراقية" جل اعضائها متعاونون مع البعث، ويمثلون الواجهة السياسية للبعث لتخريب العملية السياسية من داخلها وهذا ما برهنتْ عليه تجربة السنوات الماضية، وظهرت كل حقارتهم. اما القاعدة وأخواتها من تنظيمات ارهابية كالنقشبندية، والهتلية، فتمثل الجناح العسكري الإرهابي للبعث. قبل عدة سنوات كتبت مقالة نشرتها على شبكات الانترنيت ومنها موقع الحوار المتمدن، بهذا المعنى. ودعمتها بتأكيدات واقعية وموثقة.
»في زياراتي الى العراق ولقائي بأصدقاء شيوعيين قدامى، أكدوا لي ذلك من خلال وقائع عاشوها بأنفسهم تؤكد ان بعض ضباط الجيش المنحل وضباط مخابرات وامن وأمن خاص، وبعض البعثيين انضموا الى تنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى، وهذا ما اكده المجرم الهارب ابو الثلج [عزت إبراهيم الدوري]، في بيان له نشر قبل عدة اشهر على موقع إيلاف، والذي اشاد فيه بتنظيم القاعدة والعلاقات الوشيجة بينهم، فقط نسى ان يقول ان تنظيم القاعدة في العراق تحت سيطرتنا.
»لاحظ دكتور كل الاسلحة المخبئة والتي يتم اكتشافها عند القاء القبض على الإرهابيين هي اسلحة مطمورة وقديمة من أيام النظام الساقط يعلو عليها الصدأ. فالسؤال: منْ خزنها، ومن هو الذي يعرف مواقعها؟؟ إذ لا يمكن لشخص ارهابي تونسي او سعودي او غيره يأتي إلى العراق ويعرف بهذه الدقة اين تتواجد مخازن الاسلحة المخبأة ؟؟؟ فالبعث يملك عشرات المليارات التي هربت ابان حكم النظام وكان المقبور برزان اخو صدام يشرف عليها، ومنها عوائد شركة كولبنكيان التي فضحها الدكتور هاشم جواد، وتعد بعشرات المليارات، ومبالغ اخرى باسم سجودة وبنات صدام وشلته وعصاباته. وابسط مثال هو مهرب الاغنام والأمي خميس الخنجر، والذي تقدر ملكيته بـ 2 مليار دولار، وكان يتعامل معه المقبور عدي بعمليات التهريب ومنها السكاير والاغنام وغيرها، وهو كان الداعم المالي مع ابنة المقبور هدام للاعتصامات في الحويجة والرمادي وغيرها، وهذا ما صرحت به بنت المقبور هدام، وبعدها خنجر الذي يرشح نفسه للانتخابات ويشيد ويدافع عن اعتصامات الرمادي.
»دكتور، الاخبار تأتي من العراق  عن الحملة الواسعة لتطهير المنطقة الغربية من فلول القاعدة البعثية وإلقاء القبض على المجرم البعثي الطائفي ابو اللسان الطويل احمد العلواني، وقتل واسر العشرات من الارهابين وجثثهم متناثرة كالكلاب. يجب على كل وطني شريف ان يدعم هذه الحملة لأن الإرهابيين معادين للإسلامين والعلمانيين على حد سواء.
» قد نختلف مع المالكي من باب الحرص على تقويم وتصحيح العملية السياسية الديمقراطية الجارية مع كل السلبيات والأخطاء، ولكن يجب ان نحافظ على العملية السياسية بكل ما نستطيع وبأسناننا. إن القوى الرجعية من بعثيبن وغيرهم تتربص للعودة إلى الوراء، ولكن هيهات لان عجلة التاريخ لم تعد إلى الوراء. 
» سوف نسمع ونرى على شاشات التلفزة الأصوات الطائفية النشاز التي تدافع عن الإرهابيين وعن  الاعتصامات التي يجب فضها بالقوة وأفضل ان يقوم بذلك قائد الصحوات بالانبار الشيخ حميد الهايس، وعشائر الأنبار، وبمساعدتهم عسكريا، لكي يعرف اقطاب "كتلة العراقية" ومتحدون، وغيرهم من بعض اليسارين الطايحين الحظ، ان ابناء الرمادي هم انفسهم من فض هذه الاعتصامات التي كانت ولازالت وكر لإرهاربي القاعدة البعثية. وقد ضاق أهالي الأنبار ذرعا بهم وقرروا ازالتهم. اعتقد هذه الايام افضل فرصة لإزالة هذه البؤر الخبيثة.
»دكتور، اكيد أن هناء ادور راح تحزن لانها زارتهم ودافعت عنهم؟؟ والله أنها لمفارقة، إذ كيف لامرأة يسارية تدعم مجاميع ارهابية بعثية، وهي نفسها عانت من البعث؟؟ طز على هيج يسار طايح حظه.
وبالعكس، أني عرفت من قيادة منظمة الحزب الشيوعي في الدانمارك ان الحزب يدعم هذه الحملة
تحياتي لك دكتور«. أنتهى

جزيل الشكر للأصدقاء الذين وافوني بتعليقاتهم القيمة والتي هي مصدر إلهام لي ومكملة لمقالاتي، لذلك رأيت من المفيد نشرها لتوضيح الصورة وإكمالها، وتبيان موقف أبناء شعبنا الواعين مما يجري في بلادهم.
وبناءً على ما تقدم، أهيب بالسيد نوري المالكي رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، أن يفي بوعده حين قال:"هذه الجمعة هي آخر ايام ساحات الاعتصام ساحة الفتنة، ومن يريد الصلاة الموحدة مكانها الجوامع وليس في قطع الطرق لإقامة صلاة، داعيا العشائر الانبارية التي نصبت خيما في ساحة الفتنة مكرَهين أن يسحبوها حتى لا تتعرض للحرق اكراما لهذه العشائر قبل اللجوء إلى حرقها".
كما وأرجو من السيد المالكي عدم الإذعان للضغوط التي توجهها بعض المنظمات الشريرة المتعاطفة مع الإرهاب في العراق، وربما سيستميلون بعض الحكومات العربية والأحنبية ووسائل إعلامها لتشويه سمعة الحملة العسكرية، بفرض ضغوط على الحكومة العراقية لإيقاف الحملة وتحت مختلف الذرائع بغية إجهاض النصر في لحظة اقتطافه.
كذلك، أرجو من الإعلام العراقي المؤازر للديمقراطية في العراق عدم عرض أشلاء الإرهابيين الممزقة على شاشات التلفزة، لأن هذه المناظر مقززة ويستغلها الإعلام المضاد.
فألف تحية لقواتنا المسلحة الباسلة والأجهزة الأمنية وهي تقوم بأقدس حرب ضد أقذر مجموعات بشرية ضالة اتخذت من الولوغ بدماء أبناء شعبنا مدخلاً لهم في الجنة، أتمنى عليهم مواصلة نضالهم في سحق الإرهابيين بلا رحمة، وتطهير أرض العراق من رجسهم.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
عبدالخالق حسين: البعث والقاعدة وجهان لتنظيم إرهابي واحد
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=619

مالوم ابو رغيف: العلواني هل يستحق كل هذا الجدل؟ 
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=150155#axzz2owxs54Yy

صحيفة بريطانيــة: السعودية تدعم دعاة الحــــرب والفتنة الطائفية ضد الشيعة ومنها في العراق
السعودية وحلفاؤها تؤسس لحرب طائفية في العالم الإسلامي
http://alakhbaar.org/home/2013/12/160168.html

النسخة الأصلية باللغة الإنكليزية
PATRICK COCKBURN
Sunni monarchs back YouTube hate preachers: Anti-Shia propaganda threatens a sectarian civil war which will engulf the entire Muslim world
http://www.independent.co.uk/voices/comment/sunni-monarchs-back-youtube-hate-preachers-antishia-propaganda-threatens-a-sectarian-civil-war-which-will-engulf-the-entire-muslim-world-9028538.html

 

86
البعث والقاعدة وجهان لتنظيم إرهابي واحد
د.عبدالخالق حسين

أكاد أجزم أن ابتلاء العراق بسرطان البعث الفاشي منذ الخمسينات من القرن الماضي لا يقل وبالاً و كارثة عن غزو المغول لبغداد بقيادة هولاكو عام 1258م، أو عن أي طاعون يصيب البلاد. فمنذ أن سمعنا بهذا الحزب (الوباء الخبيث)، والشعب العراقي يعاني من القتل والدمار دون توقف، ابتداءً من خيانتهم لثورة 14 تموز 1958، ومحاولتهم لاغتيال قائدها الزعيم عبدالكريم قاسم عام 1959، ومروراً بانقلابهم الدموي الأسود في شباط 1963، واغتصابهم السلطة ثانية عام 1968، وزج العراق في حروب عبثية داخلية وخارجية، وانتهاءً بتحالفهم الشرير، بل اندماجهم الكلي مع أقذر تنظيم إرهابي عرفته البشرية، ألا وهو تنظيم القاعدة في حرب الإبادة ضد الشعب العراقي.

فتاريخ البعث حافل بالخبث والمكر والغدر والدمار، إذ ليس هناك أكثر خبرة ودهاءً وخبثاً من البعثيين في عقد التحالفات حينما يكونون ضعفاء وحسب الحاجة، وحتى مع أعداء سابقين ممن يختلفون عنهم آيديولوجيا، والتلون بمختلف الألوان التي تساعدهم على التمويه على وفق ما تقتضيه ظروفهم. ولكن ما أن تنتهي حاجتهم للحليف حتى وينقلبوا عليه ويمزقونه شر تمزيق، كما حصل في تحالفهم مع الحركة الكردية في عهد حكومة ثورة 14 تموز، ومع الشيوعيين والأكراد في السبعينات. وبعد 2003 تحالفوا مع القاعدة والحركات الإسلامية السنية، ومازالوا لحد الآن، ومغازلتهم للتيار الصدري على أمل استخدامه كحصان طروادة ضد التحالف الوطني.
واليوم يعتقد أغلب الناس، أن ما يجري في العراق من إرهاب وحروب إبادة هو من فعل القاعدة وحدها، ويقولون لنا أننا باتهامنا البعثيين بالإرهاب نعطيهم دوراً أكبر من حجمهم لا يستحقونه، وهم على خطأ. ولكن في الحقيقة، إن معظم الأعمال الإرهابية هي من صنع فلول البعث. وهذا لا يعني عدم وجود القاعدة في العراق، فالقاعد موجودة ولكنها ليست بهذه القوة والسعة، وهي تحت إشراف وقيادة البعث بعد أن ارتدى البعثيون ملابس الوهابية وأطالوا لحاهم وتظاهروا بالتدين الزائف لخدع الناس. ولهذا نؤكد على الاندماج الكلي بين البعث والقاعدة إلى حد التماهي بحيث صار البعث والقاعدة وجهان لتنظيم إرهابي واحد.
كما ونجح البعث في توظيف تعقيدات الوضع العراقي وتعددية مكوناته ومذاهبه لأغراضه، فراح يثير الفتن الطائفية ويشتم الشيعة بلغة طائفية بذيئة لا عهد لشعبنا بها طوال تاريخه المديد، والغرض من هذه السياسة الاجرامية هو إشعال حرب طائفية بين السنة والشيعة، فطرَح البعث نفسه بأنه الممثل الشرعي الوحيد للسنة العرب "المهمشين"، يحارب من أجل استرداد حقهم التاريخي في حكم العراق!!. يعني العراق كله ملك طابو دائم لمكونة واحدة فقط، والبقية مواطنون من الدرجة الثانية.
وقد استفاد البعثيون من الموقف الطائفي للدول الخليجية وعلى رأسها السعودية وقطر. فرغم أن السعودية وقطر تحاربان القاعدة في بلديهما، ولكنهما لأغراض طائفية تدعمانها في العراق وسورية. ورغم عداء السعودية لحزب الأخوان المسلمين في مصر، إلا إنها تدعم هذا الحزب في العراق وسوريا. وهكذا فقد نجح البعثيون في تجيير هذه التناقضات، العراقية والعربية لصالحهم.

وليكن معروفاً لدى الجميع أن الإرهاب الذي يُرتكب الآن باسم القاعدة (داعش، أو داعر أو عاهر) في العراق هو بالأساس يرتكبه البعثيون، فمعظم عناصر داعش كانوا ضباط بعثيون في الحرس الجمهوري، وهم مختفون اليوم وراء القاعدة لكي لا يتحملوا آثام الجرائم البشعة التي يرتكبونها بحق الشعب، على أمل أنهم إذا انتصروا سيقطفون ثمار النصر لهم وحدهم، ويلقون آثام جرائمهم على القاعدة. وهذا تحايل خبيث لا يجيده إلا البعثيون.

لقد أدمن البعثيون على السلطة خلال 35 سنة من حكمهم الجائر إلى حد الجنون، لذلك فهم أشبه بالمدمنين على المخدرات، لا يطيقون الفطام منها والحياة خارج السلطة. وهم على أتم الاستعداد لإبادة الشعب في سبيل استرجاع الحكم لهم. والبعث مثل الاخطبوط، له أقدام في كل مكان، في الكتل السياسية المشاركة في الحكومة والبرلمان باسم كتلة العراقية. ومنهم من ارتدى العمامة وادعى أنه رجل دين يصدر الفتاوى ليؤلب ضد الديمقراطية والانتخابات مثل المدعو الشيخ عبدالملك الساعدي وآخرين الذين استنجدوا بأردوغان "حفيد السلطان محمد الفاتح" ليحرر العراق ثانية من "الاحتلال الصفوي". وقد اعترافات رغد ابنة صدام، أن البعثيين هم الذين يقودون ساحات الإعتصامات في المحافظات الغربية.

كما وكشف رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة السيد نوري المالكي عن وجود معلومات دقيقة تؤكد على وجود اكثر من {30} قياديا بارزا من تنظيم القاعدة في ساحة الاعتصام في الانبار. وهم في الحقيقة بعثيون، إذ لا فرق بين الاسمين، القاعدة والبعث. وحسناً فعلت الحكومة بدعوة المعتصمين الذين لهم مطالب مشروعة، من غير البعثيين وأتباع القاعدة، بالانسحاب من ساحات الاعتصام وتركها للقاعدة البعثية لكي تواجهها القوات المسلحة باللغة التي يفهمونها. والجدير بالذكر أن الحكومة استجابت لجميع المطالب المشروعة، ولكن رغم ذلك استمرت الاعتصامات رافعة أعلام القاعدة.

فمنذ ظهور كتلة العراقية بقيادة البعثي، أياد علاوي بعد تحرير العراق، وقيادات ونواب هذه الكتلة، ومعها دعم إعلامي من جوقة المرتد فخري كريم في صحيفته المدى، ما انفكوا يدافعون عن الإرهابيين ويحاولون تبرئتهم من الجرائم، وتسهيل مهماتهم القذرة بمختلف الوسائل وتحت مختلف الإدعاءات الوطنية والإنسانية المزيفة. فقد وقف نواب كتلة العراقية منذ البداية ضد تجريم حزب البعث واجتثاثه، و مازالوا يطالبون الحكومة والبرلمان بإلغاء قانون ملاحقة الإرهاب، وإلغاء قانون العدالة والمساءلة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين والمحكومين بتهمة الإرهاب، بل وحتى إلغاء الدستور، وكل ما تحقق من منجزات بعد 2003. كما وتسبب نوابهم في البرلمان في عرقلة إصدار قوانين المشاريع الإعمارية، وبالتالي شل نشاط الحكومة ليقولوا أن الحكومة ضعيفة لا تستطيع تقديم الخدمات للشعب وحمايته من الإرهاب. وهو يصرخون في وسائل إعلامهم ليل نهار أن الشعب يعاني من الإرهاب وأن الحكومة عاجزة عن حمايته، ولكن ما أن تتحرك القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ضد الإرهابيين حتى وتصاعدت صيحاتهم أن الحكومة تضرب المدنيين، ويذرفون دموع التماسيح على حقوق الإنسان التي أهدرها الدكتاتور نوري المالكي على حد زعمهم، ليدعمهم السيناتور ماكين في الجانب الآخر من الأطلسي.

والبعثيون معروفون بقسوتهم وشراستهم في التعامل مع من لا يوافقهم على نهجهم، لذلك ارتكبوا القتل ضد كل سني خرج على سكتهم. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قتلوا نجل الشيخ حميد الهايس (رئيس مجلس الإسناد في الأنبار)، وقائد الفرقة السابعة في الجيش العراقي اللواء الركن محمد احمد الكروي الذي نفذ عملية مداهمة برفقة مجموعة من الضباط والجنود على معسكر حوران التابع لتنظيم القاعدة غرب مدينة حديثة، الا ان عبوة ناسفة انفجرت لحظة دخول القوة بقيادة الكروي، ما اسفر عن مقتله والمجموعة التي كانت معه، كما وقتلوا الصحفية الشابة نورس النعيمي أمام بيتها في الموصل.

وما يؤكد وقوف كتلة العراقية مع الإرهاب هو موقفهم المخجل من جيشنا الباسل وهو يقوم بملاحقة فلول البعث والقاعدة حيث يشن نواب العراقية حملة تثبيط عزائم القوات المسلحة. ففي العمليات الأخيرة، طلع علينا النائب البرلماني عن كتلة العراقية حامد المطلك، بتصريحات غريبة لـ"السومرية نيوز"، ضد الجيش مدعياً إن "ما حصل في الانبار فشل أمني، ناتج عن عدم أخذ الجيش لمهامه الرئيسية بعين الاعتبار وانشغاله بالمهام الجانبية"، مدعياً ان "الجيش ترك مهامه الأساسية بضرب القاعدة وتوجه نحو الزيارة الأربعينية، الأمر الذي استغلته القاعدة لضربه في الانبار، ما اسفر عن مقتل قائد الفرقة السابعة وضباط بارزين الى جانب إصابة عدد كبير من الجنود".
وبهذه التصريحات فقد كشف حامد المطلك عن نواياه ونوايا كتلته الحقيقة في المطالبة بعدم حماية الملايين المشاركة في الزيارة الأربعينية، ليتمكن الإرهابيون من قتلهم. في الحقيقة لا علاقة لإرسال قوات لحماية الزيارة الأربعينية بأحداث الرمادي، فالمحافظة لها قواتها. ولكن القصد من هذه التصريحات الخبيثة البائسة هو إرباك السلطة وتضليل الرأي العام و تسهيل مهمة الإرهابيين. إذ كما قالت النائبة الوطنية الشجاعة السيدة عالية نصيف: إن "التشكيك في قدرات الجيش عبر وسائل الاعلام هو الوجه الآخر للإرهاب". وفي تصريح آخر لها طالبت بحق " قوات الجيش التي تنفذ عملية أمنية ضد المجاميع الإرهابية بإعدام عناصر تنظيم القاعدة و{داعش} ميدانياً بدلاً من الإحتفاظ بهم كسجناء، للحيلولة دون مطالبة حكومات الدول التي جاءوا منها بتسليمهم لها أو محاولة بقية المسلحين تهريبهم من السجون".
حبذا لو يتم تطبيق هذه النصيحة الرصينة العادلة. فالإرهابيون هم وحوش بأجساد بشرية، وإذا ما أسروا خصماً لهم في الميدان لا يتركونه حياً، بل يذبحونه وحتى يأكلون قلبه وكبده حقداً، وإقتداءً بهند آكلة الكبود.
والأسوأ من كل ذلك، هو البيان السيئ الصيت الذي أصدره مؤخراً أياد علاوي، زعيم كتلة العراقية التي يبدو أنها انتهت وصارت في خبر كان، فتم تبديل اسمها إلى (إئتلاف الوطنية)، إذ جاء بيانه بعنوان: (بيان صادر من الدكتور اياد علاوي رئيس ائتلاف الوطنية)، الذي فيه الكثير من اليأس والاستماتة، والتناقضات والمغالطات، وكأنه أنين من يستحضر في المقابر، إذ يدين فيه استخدام الجيش لضرب القاعدة، فيقول: ((...ان استهداف الجيش وضباطه ومراتبه هو خطاً احمراً، كما هو الحال عندما يُزج الجيش في الامن الداخلي ولهذا جاء في الدستور العراقي وبشكل واضح من ان الجيش هو للدفاع عن الوطن وليس الا.))
فالدكتور أياد علاوي (زعيم العراقية سابقاً وتحالف الوطنية حالياً)، لا يعتبر تعرض الشعب لحرب الإبادة سبباً كافياً لدعوة الجيش لمواجهة الإرهابيين. علماً بأنه عندما عينه بول بريمر رئيساً للوزراء استخدم هو الجيش بكل قسوة لضرب جيش المهدي في النجف، ومجموعات إسلامية أخرى في أرياف الفرات الأوسط، وقتل منهم أكثر من 700 عنصراً. وكان وزير دفاعه، اللص حازم الشعلان على رأس هذه القوات. والآن عندما يكون العراق مهدداً بما يسمى بقوات داعش، يستنكر علاوي استخدام الجيش لمواجهة الإرهابيين ويعتبره خطاً أحمراً. أليس في هذه الدعوة دعماً للإرهاب؟ وهل القوات المسلحة هي فقط لمواجهة الجيوش الكلاسيكية في الحروب بين الدول؟ فإذا كان الأمر كذلك، لماذا استخدمت بريطانيا جيشها ضد التمرد في أيرلندا الشمالية؟ ولماذا يحارب الجيش الباكستاني والأفغاني والقوات الدولية بقيادة أمريكا عصابات طالبان؟ ولماذا أرسلت الولايات المتحدة قواتها آلاف الأميال خارج حدودها لمحاربة الإرهابيين في كل أنحاء العالم؟ وكذلك أرسلت فرنسا قوات عسكرية إلى مالي لمحاربة الإرهاب الإسلامي القاعدي؟ فهل على الحكومة العراقية وحدها دون غيرها أن لا تستخدم قواتها المسلحة لحماية شعبها من الإرهابيين؟ أليس في هذه الدعوة دعماً للإرهاب، بل هو شكل من الإرهاب؟

والجدير بالذكر أن الحكومات الغربية وبعض منظمات حقوق الإنسان (التي صارت مهمتها الرئيسية الدفاع عن حقوق الإرهابيين، لا حقوق الضحايا)، قد تؤاخذ الحكومة العراقية على ضرب الاعتصامات البعثية القاعدية. وفي هذه الحال نحن نسأل: ماذا ستفعل هذه الحكومات لو حصل الشيء نفسه في بلدانها؟ إذ كما جاء في افتتاحية عرب تايمز أنه "عندما اعتصم ديفيد كورش قبل سنوات في كنيسته في تكساس ولم يسمح للشرطة بدخول مزرعته للتحقيق في اتهامات بوجود اسلحة وخمور غير قانونية، قامت الشرطة وبأمر من الرئيس كلينتون بالهجوم عليه بالدبابات ... وتم حرق المزرعة [والكنيسة] بمن فيها".
ولذلك نقول لا يحق لأية حكومة الاعتراض على الحكومة العراقية لملاحقة فلول الإرهابيين من أجل حماية أرواح أبناء شعبنا وممتلكاتهم. فهذه الاعتصمات لو كانت في الدول الغربية أو العربية لقصفتها بالطائرات، ولكنهم يطالبون الحكومة العراقية بالتساهل معها وضبط النفس باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
كتب لي صديق قائلاً: "بعد العملية الإرهابية في المنصورة، أعلنت الحكومة المصرية اعتبار حزب الاخوان المسلمين منظمة ارهابية رغم أنهم من اكثر الاحزاب المصرية اعضاءً ومؤيدين، وصوَّت لهم اكثر من 11 مليون ناخب. تصوروا لو أن الحكومة العراقية اعتبرت أي من الاحزاب او التنظيمات او المليشات السنية ارهابية لقامت القيامة من قبل حكومات العربان واعتبروا المالكي طائفي للنخاع، بينما لم يفتح اي عربي فمه ضد قرار مصري يطعن الديمقراطية بالصميم".
نعم، الحكومات العربية تحارب الإرهاب في بلدانها وتدعمه في العراق بدوافع طائفية لأن أغلب الضحايا من الشيعة. ولكن ماذا يقولون الآن والإرهاب بدأ يحصد أرواح أهل السنة أيضاً؟
 
لقد نفذ صبر الشعب من منح الحكومة عامين كمهلة للمعتصمين وقطعهم للطرق الخارجية، وابتزازهم للشعب، وقتلهم الأبرياء، فقد بلغ السيل الزبى، وآن الأوان لقواتنا المسلحة الباسلة أن تخوض معركة الشرف ضد الإرهابيين، وعلى الشعب والإعلاميين مؤازرة الجيش بكل قوة، وعلى الحكومة محاسبة كل من يؤازر الإرهابيين من الإعلاميين ومن السياسيين الذين لهم قدم في الحكومة وقدم مع الإرهاب.
فألف تحية للقوات العراقية المسلحة والأجهزة الأمنية الباسلة في معركة الشرف ضد الإرهابيين القتلة، والمجد والخلود لشهداء شعبنا، والخزي والعار للإرهابيين وكل من يؤازرهم ويدعمهم بالمال والسلاح والإعلام.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- لجنة الأمن والدفاع النيابية: لا علاقة بين حادثة مقتل الكروي والزيارة الاربعينية
http://alakhbaar.org/home/2013/12/159758.html

2- أمريكا تدعو قادة المنطقة لوقف تمويل وتسليح "داعش" والنصرة"
http://alakhbaar.org/home/2013/12/159823.html

3- فيديو لضربة جوية لمعسكرات "داعش" في صحراء الانبار
http://alakhbaar.org/home/2013/12/159830.html

وفيديو آخر: https://www.facebook.com/photo.php?v=233609766808997

وفيديو قصير آخر
http://www.youtube.com/watch?v=lhMS7k-zVr0

4- عبد الملك السعدي يدعو المتظاهرين على الثبات والاستمرار
http://www.qanon302.net/news/2013/12/25/7907

5- دولة القانون: الصدر اصبح جاهزا لان (يُستخدم) بضرب الوضع الشيعي
http://alakhbaar.org/home/2013/12/159867.html

6- نصيف تطالب بإعدام عناصر القاعدة و"داعش" ميدانياً بدلا من سجنهم
http://alakhbaar.org/home/2013/12/159880.html

7- حميد كشكولي: الزرقاوي و العروبيون: وحدة الأهداف واختلاف الأساليب
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=46072


87
بمناسبة أعياد الميلاد وحلول العام الجديد، أتقدم لكم بالتهنئة الحارة، مع أزكى التبريكات وأطيب الأمنيات لكم بالصحة والعافية والسعادة والرفاه، ولشعوبنا والبشرية جمعاء السلام والاستقرار والإزدهار

 
وكل عام وأنتم بألف خير
عبدالخالق حسين

88
العراق ولعبة الشركات الوهمية

د.عبدالخالق حسين

غني عن القول أن العراق الجديد ورث تركة ثقيلة جداً من العهد البعثي الفاشي البائد، فبعد 35 سنة من الحروب الداخلية والخارجية، والحصار الاقتصادي والتجويع والتشريد، وحرمان الركائز الاقتصادية والبنى التحتية من الصيانة والإدامة، إضافة إلى تفتيت النسيج الاجتماعي، وما أصاب العراق من دمار مادي وبشري شامل، فإن مجرد التفكير بحكم العراق، ناهيك عن اعماره، هو نوع من الكوابيس.

فبعد كل هذا الخراب، مازال البعض من الكتاب يتعاملون مع العراق كما لو كان بلداً طبيعياً ومستقراً، فإذا ما أرادوا انتقاد حكومته على النواقص، قارنوا وضعه بما يجري في الدول الأوربية الديمقراطية العريقة. نسي هؤلاء أو تناسوا عمداً، أن العراق يمر بحالة فريدة من نوعها، ولأسباب عديدة، منها ما أشرنا إليه في أعلاه، إضافة إلى الإرهاب البعثي- القاعدي المدعوم من الخارج، والصراع الطائفي، وتشرذم القوى السياسية إلى مئات من الكيانات المتصارعة على السلطة والنفوذ، وإستعداد البعض منها التعاون مع الإرهاب وإلحاق الأذى بالشعب نكاية بالحكومة، ودور البعث في تدمير الروح الوطنية وتصعيد الولاءات الثانوية على حساب الولاء الوطني.
كما وذكرنا مراراً عن خبرة البعثيين الفائقة في الإعلام المضاد، وتضليل الشعب والرأي العام، وتشويه سمعة خصومهم، وحتى قبل ظهور التقنية المعلوماتية الجديدة المتطورة، فهم يقومون بكل هذا التضليل باسم الوطنية، والحرص على مصلحة الشعب. والمؤسف أن هناك شريحة من الناس، وبدافع الحرص على المصلحة العامة يصدقون الإشاعات السامة ويساهمون في ترويجها.

وبعد كل هذا الخراب، لا شك أن العراق يحتاج إلى إعمار واسع في جميع المجالات، الاقتصادية والتنمية البشرية، تقدر تكاليفها بمئات المليارات من الدولارات، ولا يمكن تحقيق هذا الإعمار في بضع سنوات أو حتى بجيل، رغم أنه يتمتع الآن بموارد نفطية غنية تؤهله للقيام بهذه المشاريع.

ولكن المشكلة التي تواجهها حكومة الشراكة الوطنية المنتخبة، أنها محاصرة بالكثير من المعوقات التي تصد الشركات الكبرى من العمل في العراق رغم ما تقدمه الحكومة من مغريات مالية. ومن هذه المعوقات، البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي فُرض على العراق بسبب احتلال حكم البعث الصدامي للكويت عام 1990. ورغم خروج العراق من هذا البند الجائر مؤخراً، إلا إن تبعاته مازالت مستمرة، ومنها أن أية شركة عالمية تتقدم لبناء مشروع في العراق تفرض نسبة 40% زيادة على التكاليف التي تطلبها في البلدان التي تتمتع بظروف طبيعية، وهذه الزيادة تسمى بالعامل العراقي (Iraqi factor).
العامل الآخر الذي يمنع الشركات الكبرى من العمل في العراق هو الإرهاب. والعامل الثالث هو قيام بعض الشركاء في العملية السياسية بتحريض الشركات الأجنبية العالمية بعدم العمل في العراق، من أجل عرقلة الاعمار وإفشال العملية السياسية. إضافة إلى عوامل مثبطة أخرى مثل تفشي الفساد والرشوة واللابالية وقلة الخبرة...الخ
ونتيجة لهذه الأوضاع انتعش النصابون والمحتالون من أصحاب الشركات الوهمية والمفلسة، فاستغلوا الوضع العراقي للنهب والثراء السريع عن طريق توقيع عقود لبناء مؤسسات اقتصادية، غير قادرين على إنجازها. وعلى سبيل المثال، قام الدكتور جواد هاشم، وزير تخطيط سابقاً، قبل عامين بتنبيه المسؤولين العراقيين عن شركة وهمية مقرها في كندا، والتي وقعت عقداُ أو مذكرة تفاهم لبناء محطات كهربائية في العراق بتكاليف تبلغ 2 مليار دولار. وبذلك فقد أنقذ الرجل العراق مشكوراً من كارثة اقتصادية.

ولكن وجود شركات وهمية تسبب في الخلط بين الحق والباطل، بين شركات وهمية وأخرى تتمتع بمصداقية. وعلى سبيل المثال، بعد أن وقعت هذا العام، وزارة النفط مذكرة تفاهم مع شركة سويسرية "سا تارم"، لبناء مصفى نفطي في محافظة ميسان، قام أكاديمي عراقي آخر، وهو الدكتور مثنى كبة، وبدوافع وطنية، بالبحث عن إمكانية هذه الشركة ومصداقيتها، فاستنتج أن هذه الشركة غير مؤهلة لبناء هكذا مشروع تبلغ تكاليفه 6.5 مليار دولار. فكتب رسالة مفتوحة إلى السيد رئيس الوزراء والمسؤولين في وزارة النفط عن الموضوع بغية التأكد من حقيقة هذه الشركة وربما هي وهمية. بطبيعة الحال، أثارت هذه الرسالة قلقاً مشروعاً لدى العراقيين الحريصين على مصلحة الشعب العراقي.
إلا إن الرسالة هذه تم استغلالها إلى أقصى حد في تشويه سمعة الحكومة، ورئيس الوزراء بالذات من قبل أعداء العملية السياسية، ولعرقلة إعمار العراق.
كما يجب أن لا ننسى الضجة التي افتعلتها حكومة الإقليم، ومعها أنصارها من الكتاب، حول المفاوضات التي أجراها وفد عراقي برئاسة رئيس الوزراء مع الحكومة الروسية قبل عام لتجهيز الجيش العراقي بالطائرات وهليكوبترات مقاتلة لمواجهة الإرهاب، فأثاروا ضجة الرشوة والفساد، وكان القصد منها عرقلة تسليح الجيش العراقي، في الوقت الذي كان السيد مسعود بارزاني يتجول في الدول الأوربية لتسليح البيشمركة بالسلاح الثقيل. وقد أكد الدكتور سعدون الدليمي، وزير الدفاع وكالة، كذبة الفساد حول الصفقة الروسية، وهو إنسان وطني ونزيه لا يحتاج إلى شهادة أحد حول وطنيته ونزاهته.

وعلى قدر ما يهمني الأمر، فقد أرسلت رسالة الدكتور كبة إلى السيد علي الموسوي، المسؤول الإعلامي في مكتب رئيس الوزراء، مستفسراً عن حقيقة الموقف، راجياً منه إصدار توضيح حول الموضوع. فرد الرجل بجواب سريع جاء فيه: ((عزيزي د عبد الخالق المحترم، سأستفسر عن الموضوع من الجهات المختصة لكن ما أردت الإشارة اليه الآن هو ان المشروع المشار اليه مشروع استثماري وليس عقداً، اي ان الحكومة لا تلتزم إزاءه بأي التزام سوى تزويده بالنفط الخام وإعطائه قطعة ارض ينشأ عليها المصفى على ان تسحب منه بعد مضي أربعة اشهر اذا لم يقم بعمل يثبت انه ماض حقاً نحو بناء المشروع... تحياتي)) أنتهى

ولكن الكثير من العراقيين الذين عممتُ عليهم رسالة السيد الموسوي الجوابية لم يكتفوا بهذا الرد. ثم تلاه بيان من وزارة النفط (1)، ثم بيان رسمي من السيد علي الموسوي في وسائل الإعلام، يؤكد على ما جاء في توضيحه لي، إضافة إلى التأكيد على أن الشركة السويسرية ليست وهمية، بل تتمتع بقدرات مالية كبيرة وضمانات من البنوك السويسرية الكبرى المعتبرة، وتتمتع بدعم شركات عالمية ذات تاريخ في بناء المصافي النفطية في العالم ...الخ. وأخيراً، ظهر الدكتور حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة، في لقاء تلفزيوني خاص على قناة العراقية، مساء 22/12/2013، أكد فيها المعلومات الواردة أعلاه. وأنا لا أعتقد أن الدكتور الشهرستاني، المعروف بمكانته العلمية والدولية، يكون من السذاجة بحيث يستطيع عدد من النصابين إيقاعه في فخ النصب والاحتيال.

رب ضارة نافعة
وبعد هذه الضجة التي استغلها البعثيون وحلفاءهم بحجة الحرص على المصلحة الوطنية، أرى أنها (أي الضجة) حققت بعض المنافع ومنها كالتالي:
أولاً، أن هناك رقابة شعبية من قبل وطنيين مخلصين في مختلف بقاع العالم، يتابعون ما تقوم به الحكومة العراقية من إبرام عقود ومذكرات تفاهم مع الشركات، فيقومون بدورهم المشرِّف للتأكد من مصداقية هذه الشركات وقدرتها على إنجاز هكذا مشاريع.

ثانياً، قيام الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه العقود بحملة إعلامية لتوضيح المسألة للرأي العام، وعدم ترك المجال للمتصيدين بالماء العكر من البعثيين وحلفائهم يضللون الناس بغية عرقلة إعمار العراق وتركه خراباً ليقولوا أن الحكومة العراقية فاشلة ولا يمكن بناء المشاريع إلا بعودة البعثيين للسطلة...!!!

ثالثاً، هذه القضية تجعلنا نقترح على الحكومة عدم إهمال الجانب الإعلامي عند القيام بأي إجراء وخاصة في حالة توقيع عقود إعمارية واستثمارية مع الشركات الأجنبية. فمن المعروف، أن غياب الإعلام الصريح والشفافية من قبل الحكومة، يفتح المجال للتكهنات وتنتعش الإشاعة وخاصة تلك التي يبثها الأعداء، وتصبح هي الموجهة الرئيسية للرأي العام، وبذلك يقع الشعب والحكومة ضحية التضليل.

رابعاً، وبناءً على الفقرة (ثالثاً)، أقترح على دولة رئيس الوزراء أن يقدم حديثه الأسبوعي على شكل مؤتمر صحفي، أي يلقي حديثه عن نشاطات الحكومة خلال الأسبوع ويقدم ما عنده من أفكار...الخ، في مؤتمر صحفي، ليقوم الصحفيون بطرح الأسئلة عليه نيابة عن الشعب بصفتهم يمثلون الرأي العام ويحركونه، فيحيطون دولة رئيس الوزراء بما يدور من إشاعات وتساؤلات في الشارع العراقي، وبذلك يمكن الاستفادة من هذه الفرصة للتواصل بين رئيس الحكومة والشعب. لقد أعتاد أعداء الرئيس ومنافسوه توجيه اتهامات له بأن هذا الحديث أو المؤتمر الأسبوعي هو لأغراض انتخابية، كما هو شأنهم في كل ما يقوم به من نشاطات، أقول على رئيس الوزراء عدم الالتفات إلى هذه الاتهامات التي فقد قيمتها وصارت مثيرة للقرف، وليواصل سيره قدماً في كل ما يراه في صالح الشعب ومن صلب واجباته إزاء الوطن.

خامساً، وعطفاً على الفقرة (رابعاً)، أقترح على السيد علي الموسوي أيضاً، بصفته المسؤول الإعلامي لمكتب رئيس الوزراء، أن يعقد صباح كل يوم مؤتمراً صحفياً يلقي فيه ما استجد من نشاطات الحكومة. هذا ما يجري في الدول الغربية، حيث يقوم الناطق الرسمي باسم الحكومة بلقاء مختصر مع مراسلي الإعلام صباح كل يوم يطرح أمامهم أنباءً عن نشاطات الحكومة لذلك اليوم.

سادساً وأخيراً، طالما الرأي العام العراقي معرض لحملة واسعة من الدعايات المضادة، خاصة الإشاعات السامة التي تخرج من مصانع فلول البعث المتخصصة وبمهنية عالية في التضليل، أقترح  على المكتب الإعلامي لرئاسة الوزراء تعيين أشخاص لهم خبرة بالصحافة يتفرغون لمتابعة الإشاعات والافتراءات التي تنشر على الفضائيات ومواقع الانترنت، والرد عليها وتفنيدها أولاً بأول. 

أعتقد جازماً أنه إذا ما تم العمل بهذه المقترحات، فإن الحكومة ستنجح لحد كبير في حماية نفسها من الإشاعات المسمومة، وصيانة الرأي العام من التضليل.
 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة   
1- وزارة النفط: شركة استثمار مصفى ميسان مذكرة تفاهم وليس عقد كما روجت له بعض الجهات
http://akhbaar.org/home/2013/12/159504.html

2- محمد ضياء عيسى العقابي: وزارة النفط ومصفى ميسان والشركة السويسرية
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=392193



89
مانديلا في مسيرته الطويلة إلى الحرية

د. عبدالخالق حسين

كل ما قيل من ثناء وتقدير بفضائل نيلسون مانديلا عن نضاله وتضحياته وحكمته ليس فيه أي مبالغة، بل يستحقه بكل جدارة واستحقاق، خاصة وأن معظم الإشادة به، جاءت من قيادات في مختلف المجالات الثقافية والدينية والسياسية من شتى أنحاء العالم، من رؤساء الدول، وبالأخص الدول الكبرى مثل أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا وألمانيا وغيرها، والتي قامت بتنكيس أعلامها بهذه المناسبة، وهذه من المناسبات النادرة، كما وحضر مهرجان تأبينه في جوهانسبرغ يوم 10/12/2013 قبل تشييع جثمانه زعماء لأكثر من 100 دولة. فقد قال عنه الرئيس أوباما: "اليوم، الولايات المتحدة فقدت صديقا قريبا، وجنوب أفريقيا فقدت محررا عظيما، والعالم فقد ملهما للحرية والعدل والكرامة الانسانية". أما رئيس الحكومة البريطانية، ديفيد كامرون فقال عنه أنه ليس أعظم قائد في زماننا الحالي فحسب، بل وفي كل الأزمنة. وكذلك تصريحات من شخصيات دولية مثل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي قال: "إن مانديلا كان مصدر إلهام للعالم ،علينا أن نستلهم من حكمته وتصميمه والتزامه لنسعى إلى جعل العالم أفضل. " فمانديلا، يمكن مقارنته بالقديسين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الخير للبشرية أجمع. ومن شدة إعجاب العالم به وصفه بوب غلدوف بـ "رئيس العالم".

لقد ضحى الرجل بحريته وحياته العائلية، وعرض حياته للموت في سبيل حرية شعبه، وضرب مثلاً في النزاهة وعفة النفس، والزهد في السلطة والمال والنفوذ، وصار مصدر إلهام  للشعوب المضطهدة في النضال ضد جميع أشكال الظلم. فعندما تمثل امام المحكمة العنصريه عام 1964 في جنوب افريقيا، والتي عرفت بمحكمة تريفونيا Trevonia مواجها حكم الاعدام، وقف مانديلا بكل شجاعة وبلاغة مدافعا عن قضية شعبه قائلا: "لقد حاربتُ ضد هيمنة البيض وحاربت ضد هيمنة السود، وأثمن قيمة وجود مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه الجميع في تناغم وفي ظل فرص متساوية.. إنها قيمة أتمنى أن أعيش من أجلها وأن أحققها، ولكن إذا ما استدعت الضرورة، فإنني مستعد للموت من أجلها". وبهذه الجملة أحرج القضاة والسلطة العنصرية وكسب الرأي العام العالمي.

فمن يقرأ مذكراته (المسيرة الطويلة إلى الحرية Long walk to Freedom) يعرف ما عاناه هذا الرجل العظيم الحكيم على أيدي الحكومة العنصرية، وفي تلك المحاكمة حكم عليه وعلى عدد من رفاقه بالسجن المؤبد حيث قضى 27 سنة من أثمن سنوات عمره في السجن (1964 – 1990) منها 18 سنة مع الأشغال الشاقة في جزيرة روبن (Robin Island) دون أن تكسر إرادته في سبيل قضيته العادلة.

كسب مانديلا شهرة عالمية بسبب مواقفه البطولية الصلبة في سبيل قضيته العادلة، فبدأت حملات شعبية واسعة في الغرب من قبل القوى السياسية التقدمية، ومنظمات المجتمع المدني، والمفكرين الأحرار، وفرق الموسيقية الشعبية، والروك أند رول في العالم، يقيمون المهرجانات الغنائية لحشد الجماهير المليونية، مطالبين بإطلاق سراحه وسراح رفاقه وتحقيق أهدافه النبيلة في الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية. ونتيجة لهذه الحملات بدأ المجتمع الدولي تدريجيا في تشديد العقوبات ضد نظام الفصل العنصري (الابارتايد)، التي بدأت في عام 1967.

وبعد 18 عاماً قضاها مانديلا، ورفاقه في قيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) في جزيرة روبن، ومع تزايد الضغوط الدولية، وتأثير الحصار الاقتصادي على النظام العنصري، اضطر هذا النظام إلى نقله ورفاقه عام 1982 إلى سجن خاص في كيب تاون يدعى (Pollsmoor prison) ، مع معاملة أفضل نسبياً.
وفي 7/12/1988 نقل مانديلا لوحده إلى بيت خاص تابع لسجن (Vector Verster prison) يبعد عن مدينة كيب تاون حوالي 50 كم، فيه الكثير من وسائل الراحة والرفاهية، وله طباخه الخاص، سمحوا له باستقبال عائلته وبعض الشخصيات لزيارته، الأمر الذي أثار شكوك البعض من رفاقه أن مانديلا باعهم إلى النظام العنصري، وتخلى عن مبادئه التي ضحى الكثير من أجلها، ولكنهم كانوا على خطأ، إذ كان هذا الإجراء محاولة النظام العنصري لتهيئة الأجواء إلى المفاوضات معه للخروج من المأزق. فكما أخبره الضابط المسؤول عن حراسته ومراقبته أن هذه الخطوة هي المرحلة الانتقالية من السجن إلى الحرية الكاملة.
وفي 4 تموز 1989 قابله رئيس النظام العنصري (بي دبليو بوتا) كخطوة أولى في بدء المفاوضات معه.
وفي 15 أكتوبر 1989 تم إطلاق سراح رفاق مانديلا الذين حُكموا معه في المحاكمة التي سميت بمحاكمة ريفونيا (Rivonia trialists).
وفي 13/12/1989 قابله الرئيس دي كلرك (خليفة بوتا)،
وفي 2 شباط 1990 رفع دكلرك الحظر عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي  والحزب الشيوعي، وحزب (PAC)،
وفي 11 شباط/فبراير 1990 تم إطلاق سراح مانديلا من سجن فكتر فرستر، لتبدأ مفاوصات مضنية بين الحكومة العنصرية برئاسة ديكلرك ووفد المؤتمر الوطني الأفريقي برئاسة مانديلا، لتنتهي بالنصر المؤزر، 
وعلى أثر نجاح المفاوضات، نال مانديلا ودكلرك جائزة نوبل للسلام في عام 1993، وليصبح مانديلا أول رئيس لجمهورية جنوب أفريقيا الديمقراطية، وبذلك يعتبر الأب المؤسس لهذه الجمهورية بعد تحريرها من نظام الفصل العنصري (Apartheid)، ونفذ مانديلا ما وعد به في التسامح والمصالحة حيث عفا عن كل من أساء له ولشعبه، بل وأقام علاقة صداقة حتى مع سجانيه وصار رمزاً وملهماً للوحدة الوطنية.
كما تلقى مانديلا أكثر من 250 جائزة، من بينها ميدالية الرئاسة الأمريكية للحرية، ووسام لينين من النظام السوفيتي. يتمتع ماندبلا بالاحترام العميق في العالم عامة وفي جنوب أفريقيا خاصة، حيث غالبا ما يشار إليه بإسمه في عشيرته ماديبا أو تاتا ، وفي كثير من الأحيان يوصف بأنه "أبو الأمة".

فما السر وراء كل هذا الاعجاب بنيلسون مانديلا، سواء في حياته، أو التثمين غير المسبوق و الذي انفجر كالطوفان بعد وفاته، حيث خصصت كل وسائل الاعلام في جميع أنحاء العالم برامجها وصفحاتها عن فضائل هذا الرجل وتقديراً له؟ 

لم يكسب مانديلا هذا الاعجاب بقوته العضلية، ولا بقوته العسكرية وفتوحاته الحربية، ولم ينتصر على النظام العنصري عن طريق قيادة ثورة مسلحة في غابات أفريقيا الجنوبية، بل حقق كل هذه الانتصارات لشعبه ولشخصه بسلطته الأخلاقية (Moral authority) وسياساته الحكيمة، وصبره الجميل واستعداده للتضحية بحياته وحريته من أجل حرية شعبه ليصبح قدوة وملهماً للبشرية. لقد أحرج مانديلا النظام العنصري عندما وضع دستوراً لحزبه (حزب المؤتمر الوطني الأفريقي ANC) للنضال من أجل قيام دولة ديمقراطية لا عنصرية، لا فرق بين مواطنيها بسبب اختلافهم في اللون أو الدين أو اللغة، الكل  فيها متساوون في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص أمام القانون. هذه السلطة الأخلاقية هي التي أكسبته إعجاب الجميع بمن فيهم أعداءه، وجعلت منه أشهر سجين في العالم من أجل العدالة لشعبه، ليقوم المجتمع الدولي بنبذ النظام العنصري ويفرض عليه الحصار الاقتصادي، الأمر الذي أرغم السلطة العنصرية على المباشرة في التفاوض مع مانديلا وترضخ لشروطه العادلة.

والجدير بالذكر، أن دعوته للمصالحة والعفو العام عن الذين أساؤوا له ولشعبه لم تكن عن ضعف أو جبن أو خوف، فخلال محاكماته كان متماسكاً وصوته هادراً وهو الذي حاكم النظام وليس العكس، وإثناء سجنه في جزيرة روبن فرض احترامه على الجميع بمن فيهم سجانيه ومن بينهم قساة. كذلك يجب أن نعرف أنه لما ارتكب النظام العنصري مجزرة رهيبة ضد مظاهرة سلمية في (Sharpeville) عام 1960 احتجاجاً على فرض بطاقات المرور على السود راح ضحيتها 69 قتيلاً و180 جريحاُ، عندئذ تبنى حزب مانديلا الكفاح المسلح ضد المؤسسات الحكومية فقط دون التعرض للمدنيين. وبسبب هذا الاعلان تم استدعاء مانديلا ورفاقه من السجن في تهمة سابقة، وأعيدت محاكمتهم هذه المرة بتهمة الإرهاب ضد السلطة، وكان المقرر أن يحكم عليهم بالإعدام، ولكن بسبب الضغوط الدولية استبدل الحكم من إعدام إلى السجن المؤبد.

لم تكن المفاوضات بعد إطلاق سراح مانديلا ورفاقه سلسة وسهلة، بل كانت معقدة استمرت نحو 3 سنوات، حاول النظام العنصري شق السود إلى كتل متنافسة وحتى إثارة صراعات دموية فيما بينهم ولكن بلا جدوى. كما وقام متطرف أبيض باغتيال المناضل الأسود كريس هاني (Chris Hani) الذي كان يتمتع بشعبية واسعة، على أمل تفجير الصراع بين السود والبيض ولكن بحكمة مانديلا خابت آمالهم.
ولم يكن ما تحقق من نصر هو تنازل من الرئيس العنصري ديكلرك بدوافع إنسانية أو يقظة ضمير، بل كان مضطراً لأنه كان تحت ضغوط دولية، وعزلة شبه كاملة مفروضة عليه، و كان يعرف أنه بدون الاستجابة لهذه الضغوط فإن نظامه سينهار اقتصادياً. وقد حاول ديكلرك خلال مفاوضاته مع مانديلا وضع دستور يجرد الديمقراطية من مضمونها، وذلك بفرض حق النقض (الفيتو) في الدستور للأقلية البيضاء، ولكن أصر مانديلا ورفاقه على رفض هكذا مادة.
ومن المفيد أن أشير هنا إلى حادثة تدل على خبث دكلرك خلال المفاوضات المارثونية، وقد ذكرها مانديلا في سِفره العظيم (المسيرة الطويلة إلى الحرية)، مفادها أن ديكلرك اتصل به تلفونياً قبل بدء إحدى الجلسة بساعات راجياً منه أن يسمح له بالكلمة الأخيرة في نهاية الجلسة. فوافق مانديلا برحابة صدر. ولما حانت اللحظة قام دكلرك وفاجأ الحضور بتهجم عنيف على مانديلا، واصفاً إياه بالغدر والمكر، وأنه غير أمين، مدعياً أن مانديلا يتفاوض مع الحكومة ويتآمر ضدها في نفس الوقت، ولذلك فمانديلا شخص لا يمكن الثقة به!! وبعد انتهاء دكلرك من كلمته قام مانديلا غاضباً وحتى دون السماح من رئيس الجلسة، ورد عليه قائلاً، من الذي يخون الأمانة ولا يستحق الثقة يا سيد ديكلرك، أنا أم انت؟ أنت الذي رجوتني قبل ساعات أن أسمح لك بالكلمة الأخيرة واستجبتُ لطلبك بحسن نية ولثقتي بك على حسن نواياك، لتستغل هذه المناسبة فتتهجم عليَّ وتصفني بكل ما قلت من كلام غير معقول، لذلك فمن الآن وصاعداً لن اسمح لك بذلك.

يحاول البعض التقليل من أهمية ما تحقق بقيادة الرئيس مانديلا بذريعة استمرار الفوارق الكبيرة بين الفقراء والأغنياء، وعدم تمكن مانديلا من القضاء على الفقر. في الحقيقة هذه الفوارق الطبقية لا يمكن التخلص منها في جيل أو حتى جيلين، بل تبقى الفوارق ومع تحسن حالة الطبقات الفقيرة. وكان مانديلا رغم تحالفه مع الشيوعيين في مرحلة النضال إلا إنه كان في جدال معهم حول طبيعة الصراع بين السود وحكومة البيض، فكان الشيوعيون يرونه صراعاً طبقياً، أما مانديلا فكان يراه عنصرياً ولكن تأثر بقراءات كتب ماركسية في السجن. المهم أن النضال بقيادة الرئيس مانديلا حقق أهم أهدافه وهو القضاء على نظام الفصل العنصري (Apartheid) وإعادة البلاد إلى سكانه الأصليين مع الاعتراف بوجود وحقوق المهاجرين البيض وغيرهم كمواطنين من الدرجة الأولى ضمن الوحدة الوطنية.

دروس من مانديلا
إن مسيرة الفقيد مانديلا غنية بالدروس والعبر يمكن أن تفيد الشعوب المناضلة في سبيل الديمقراطية والحرية والكرامة الانسانية، وخاصة تلك الشعوب التي تتميز بالتعددية الأثنية والدينية والمذهبية واللغوية مثل شعبنا العراقي.
الدرس الأول، هو تبني روح التسامح والمصالحة الوطنية. لقد أدرك مانديلا منذ أن غادر السجن أنه لا سلام في جنوبي أفريقا إلا بتطبيق مبدأ التسامح والمصالحة الوطنية، ونبذ روح الثأر والانتقام. وبدون هذه السياسة الكل في خسران مبين. ويبدو أن جميع الأطراف قد أدركوا هذه الحقيقة وآمنوا بها وتبنوها لحكم البلاد. ولذلك نجحوا بأقل ما يمكن من خسائر في الأرواح والممتلكات.
ولكن هناك عقبة تواجهنا في قضيتنا العراقية وهي قضية الثقافة الاجتماعية(culture) والأيديولوجيات السياسية المتشربة بروح الانتقام والثأر البدوي. فقد حاول الزعيم عبدالكريم قاسم قبل أكثر من خمسين سنة نشر مبدأ (عفا الله عما سلف) و(العفو عند المقدرة)، وطبقه على نفسه قبل غيره، فعفى حتى عن الذين تآمروا على حياته، وأراد أن يتخلص من الطائفية والعنصرية. ولكنه فشل، حيث استغلوا تسامحه وانتقموا منه ولم يتركوا له حتى قبراً يضم جسده الممزق برصاص رفاق الأمس الذين غدروا به. لذلك أكاد أجزم أنه لو كان مانديلا أو غاندي ولدا في العراق لما سمع بهما أحد، و لكان القتل نصيبهما من أول خطوة في النضال.
فهل يمكن للعراقيين إعادة التفكير في ثقافتهم الاجتماعية، وأن يستلهموا من فلسفة مانديلاً أن لا سلام لهم إلا بتبني روح التسامح والمصالحة الوطنية وقبول الآخر المختلف في اللون والدين والمذهب والعرق، و القبول بحكم صناديق الاقتراع، وإلا ليس هناك منتصر أو خاسر، بل الجميع خاسرون. 

الدرس الثاني، في انتصار نضال شعب جنوب أفريقيا بقيادة مانديلا وهو دور العولمة والتضامن الأممي في مواجهة الظلم. فبفضل الثورة المعلوماتية وتقنية النشر والتواصل والمواصلات وتداخل مصالح الشعوب وثقافاتها، صار العالم قرية كونية صغيرة، ومشكلة كل شعب هي مشكلة دولية. فلولا المواقف المشرفة للأحزاب السياسية التقدمية، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام العالمي، وقرارات الأمم المتحدة، ودور المفكرين والمثقفين والفنانين التقدميين الذين أقاموا المهرجانات الغنائية في العواصم الكبرى في العالم لربما نجح النظام العنصري في إبادة شعب جنوب أفريقيا الأصليين كما نجح المحتلون الأوربيون في إبادة السكان الأصليين في أمريكا قبل قرون.

والجدير بالذكر أن الأحزاب اليمينية في الغرب مثل الحزب الجمهوري في أمريكا في عهد ريغن، وحزب المحافظين في بريطانيا في عهد السيدة تاتشر اعتبروا مانديلا وحزبه ANC إرهابياً. والمفارقة أن مانديلا وقادة حزبه بقيت أسماءهم على قائمة الإرهاب في أمريكا إلى عام 2008، وتم رفعها أخيراً بطلب من وزيرة الخارجية آنذاك، كونداليزا رايس لأنها وجدت المسألة محرجة لأمريكا.
والغريب أن اللورد نورمان تبت، أحد قادة حزب المحافظين في عهد تاتشر، المعروف بتطرفه اليميني علق قبل أيام أن موقف حزبه المناهض لمانديلا  كان صحيحاً وهو الذي ساعد على هذه النتائج الجيدة!!

والحقيقة، كان مانديلا كفاءة فكرية وأخلاقية لا تقدر، فبعد انتهاء فترة رئاسته للجمهورية عام 1999، وعدم الترشيح لدورة ثانية، استمر في نشاطه السياسي والاجتماعي لخير البشرية، فأسس جمعية خيرية لمكافحة مرض الأيدز المتفشي في أفريقيا خاصة، ونجح في كسب مؤسسات مالية وصيحة وشركات مصانع الأدوية ضد هذا المرض. وكان أحد ضحايا هذا المرض هو ابنه الوحيد الذي توفى ولم يتردد مانديلا عن الاعلان أن ابنه كان مصاباً بمرص الأيدز لكي يرفع الوصمة عن المصابين به.

وآخر نشاط قام به بمناسبة عيد ميلاده الـ 89 في عام 2007 أعلن أنه والمطران ديزموند توتو قاما بتشكيل مجموعة من كبار رجال الدولة في العالم – تضم كل من غراسا ماشيل، كوفي عنان، إيلا بهات، وغرو هارلم برونتلاند، جيمي كارتر، لى تشاو شينغ، وماري روبنسون و محمد يونس - للمساهمة بحكمتهم والقيادة المستقلة لمعالجة المشاكل الدولية الشائكة، وهذه المجموعة أن تتحدث "بحرية وجرأة، والعمل على حد سواء، علنا أو وراء الكواليس، عن كل ما تحتاج الإجراءات الواجب اتخاذها". وأن يترأس مجموعة الحكماء، المطران ديزموند توتو.

قال ذات مرة عن نفسه: "لم أكن المسيح، ولكني رجل عادي أصبح زعيما بسبب ظروف استثنائية".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
رابط فيديو ذو صلة
برنامج ممتع قدمه تلفزيون بي بي سي عن مسيرة نيلسون مانديلا النضالية، جدير بالمشاهدة، يستغرق ساعة واحدة.
Nelson Mandela: The Fight for Freedom
http://www.bbc.co.uk/iplayer/episode/b00ymjlj/Nelson_Mandela_The_Fight_for_Freedom/



90
الانتخابات القادمة والحملات التسقيطية

د.عبدالخالق حسين

من المقرر أن تُجرى الانتخابات البرلمانية المقبلة يوم 30 نيسان 2014. والانتخابات في الأنظمة الديمقراطية هي أشبه بالثورات لتبديل الحكام، ولكن يستخدم فيها الناخبون ورقة الاقتراع بدلاً من الرصاص (Ballot instead of Bullet) وبدون سفك دماء. وعادة تسبق الانتخابات فترة يقوم خلالها المتنافسون بحملات دعائية وإعلامية، أحياناً تكون شرسة، للترويج عن أنفسهم وبرامجهم، كل يعرض بضاعته للشعب.

وفي البلدان الديمقراطية العريقة المتحضرة يتنافس قادة الأحزاب المتنافسة في كسب الناخبين عن طريق نشر بيانات انتخابية واضحة غير قابلة للتأويل، يطرحون فيها برامجهم لحكم البلاد وتقديم الخدمات فيما لو فازوا بالسلطة، كما ويعملون على كشف سلبيات الخصوم إنْ وجدتْ دون اللجوء إلى الأكاذيب و الافتراءات، وإلا فالناتج ستكون معكوسة على مخترع السلبيات الكاذبة.

وفي العراق، يمكن اعتبار المناسبات الانتخابية، رغم ما يشوبها من مشاكل وإثارة، وأحياناً اضطرابات وتجاوزات، إلا إنها على العموم هي عبارة عن دورات دراسية عملية للجماهير والتنظيمات السياسية لتعلم قواعد لعبة الديمقراطية.
وبما أن الديمقراطية جديدة في العراق، ومجتمعنا متشرب بثقافة العنف، ومن تجارب السنوات الماضية منذ أول انتخاب برلماني عام 2005 وإلى الآن، فقد لاحظنا لجوء المتنافسين ليس إلى إبراز ما عندهم من إيجابيات في كسب الناخب بتقديم أفضل ما عندهم للصالح العام، بل التفنن في اختلاق السلبيات ضد الخصوم والعمل على تشويه سمعتهم، أي الاعتماد على الدعاية السلبية بشن حملات تسقيطية.

في الحقيقة، إن القوى السياسية هي في حالة حملات انتخابية دائمة تبدأ بعد تشكيل الحكومة مباشرة، فما هذه الصراعات بين الكتل السياسية داخل البرلمان و خارجه، وفي وسائل الاعلام، إلا حملات انتخابية غير معلنة، ولكن تتصاعد حدتها قبل الانتخابات بأشهر قليلة، أغلبها تسقيطية، فكل كتلة تحاول النيل من الكتل المنافسة لها، بحق أو بدونه، وحتى اللجوء إلى كيل الافتراءات والتلفيقات. وبالطبع، ستنال كتلة رئيس الحكومة حصة الأسد من هذه الأكاذيب والتهجم، ويبقى الرئيس مُراقَباً في جميع تنقلاته وسفراته وأفعاله وأقواله، والسعي لتحويلها إلى سلبيات ضده. وحتى إذا كانت نشاطات رئيس الوزراء في صالح الشعب ومن صلب واجباته الدستورية، فإنهم يطرحونها في وسائل الإعلام بأنها لأغراض انتخابية إلى حد أن امتنعت كتل نيابية التصويت على قوانين التنمية والإعمار، وتسببت في تعطيل الكثير من القوانين الضرورية نكاية برئيس الوزراء. بينما المفروض بهؤلاء المسؤولين المنافسة على خدمة الشعب لكسب الناخبين، وليكن لأغراض انتخابية، فإذا فازت كتلة سياسية بسبب ما كالت من الوعود المعسولة للشعب ومن ثم حنثت بتنفيذ وعودها فهذه الكتلة ستنتهي سياسياً في الانتخابات اللاحقة. كذلك للشعب حس غريزي يعرف تمييز الوعود الصادقة الممكن تحقيقها من الوعود الزائفة والتي هي من أجل الانتخابات ليس غير.

والملاحظ أيضاً، أنه مع كل دورة انتخابية جديدة هناك تصعيد في الدعايات السلبية التسقيطية. وقد بدأت بوادر هذا العنف الإعلامي التسقيطي منذ أشهر، تم فيها الطعن بالخصم إلى حد كسر العظم كما يقولون، استخدموا فيها حتى الأطفال لأغراض سياسية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، استلمتُ قبل أسابيع فيديو يظهر فيه طفل بريئ في عمر الروضة، تم تدريبه بمهارة ليقول ما لقنه به الكبار لأنه يكون أكثر تأثيراً على المتلقي مما لو خرج من أفواه الكبار. وفعلاً استلمت هذا الفيديو من بعض المعارف وهم من المثقفين لا يشك بوطنيتهم وعدائهم للبعث الفاشي، والمفترض بهم أن يدركوا الحيل والأساليب الخبيثة التي يلجأ إليها مرجو هذا النوع من الدعايات المضادة المضللة والأغراض السياسية منها. ولكن مع الأسف الشديد يتلقاه هؤلاء بحسن نية وبدون أي سؤال، معتقدين بأن ما قاله الطفل أمام الكاميرا هو من عنده أو"إلهام رباني"! وحقيقة غير قابلة للشك، و كأن هذا الطفل متابع للأحداث السياسية. بل استغل أحدهم فيديو آخر من هذا القبيل فكتب مقالة "عصماء" وبعنوان مثير، تعليقاً على ما قالته طفلة بريئة أنطقوها أقوالاً مفادها أن حياة العراقيين الآن هي جحيم لا يطاق أسوأ بآلاف المرات مما كانت عليه في عهد صدام!!. وقد رد عليه القارئ الكريم أحمد عبدالله بتعليق جاء فيه: "ألا تعتقد أن هذه الطفلة تم تلقينها لساعات وساعات بهذه الدعاية المضادة فهناك مؤلف ومدرب وملقن ومخرج، ومحطة تلفزيونية، دربوها على هذا الإلقاء المثير حتى أنت وغيرك تكتبون ما تكتبون من أجل التأليب على المسؤولين؟
في الدول المتحضرة يمنع استخدام الأطفال للدعايات السياسية، ولكن في العراق هذا العمل مباح وما تقوله الطفلة بعد تلقينها يعتبر حقائق ثابتة. هذه آخر ما تفتقت به عبقرية البعثيين في الحرب الدعائية التسقيطية... لا استبعد أن يأتوا غداً ببغاء ويلقنونه بهذه الكلمات لتقول: ألا تخجلون من أنفسكم حتى الببغاء يرفضكم؟ أجل، حتى الأطفال لم يسلموا من استغلالكم لهم في حملات الدعاية المضادة." انتهى

حقاً، إنه لأمر محزن محاولة استدراج ناس كانوا من ضحايا البعث وتسخيرهم لترويج الدعايات البعثية المضللة. ولا بد أن الكاتب قد اطلع على فيديو ظهر فيها إسلامي متطرف يستخدم طفلاً في شتم اليهود والدعاء عليهم بالهلاك، وبالتأكيد استهجن الكاتب هذا السلوك، فلماذا يقبله في الحالة العراقية لمجرد أنه للتأليب على خصومه السياسيين؟
فالمطلوب من قادة التنظيمات السياسية التي خسرت في الانتخابات السابقة أن يعملوا على إقناع الجماهير بالمنطق وبالتي هي أحسن للتصويت لهم في الانتخابات القادمة، وذلك بطرح البديل الأفضل من برامج انتخابية عملية قابلة للتنفيذ، وليس باستغلال الأطفال في الدعاية والتلاعب بمشاعر الناس بكيل الأكاذيب والافتراءات لتشويه سمعة الخصوم السياسيين في الدعاية المضادة، لأن هذه الأساليب الرخيصة هي اهانة لذكاء الناس.

وهذه الجهات هي نفسها بدأت تمطرنا هذه الأيام بالدعايات التسقيطية، فثروة الدكتور إبراهيم الجعفري بلغت مائة مليار دولار، والسيد علي الأديب، وزير التعليم العالي، أغنى رجل في العالم، أما ثروة الأخوين النجيفي فقد بلغت 22 مليار دولار. وآخر ما تم تعميمه هو صورة فوتوغرافية لـ"تقرير" زعم كاتبه ومصوِّره أنه نشر في صحيفة ليبراسيون الفرنسية، مفاده أن السيد أسامة النجيفي اشترى 50% من شركة سامسونغ الكورية بمبلغ 11 مليار يورو (=15 مليار دولار). يعني أن النجيفي استثمر كل ثروته التي نهبها من الشعب العراقي في شركة واحدة. وبلغة المستثمرين، وضع جميع بيوضه في سلة واحدة!! وهذا غير ممكن. نسي مؤلف هذه الكذبة أن الحكومات لا تسمح لأي أجنبي أن يستحوذ على نسبة قريبة من 50% من أسهم أية شركة في بلادها. ورغم غباء الكذبة إلا إنها عبرت على البعض للأسف الشديد.

كذلك هناك نوع من التحايل والتفنن في استخدام اللغة الطائفية لتسقيط قادة سياسيين وبدوافع طائفية مفضوحة وبالأخص من السياسيين الشيعة، ويستخدم لهذا الغرض كتّاب من نفس الطائفة، وأحياناً لكتاب يستعيرون أسماءً شيعية مثلما طلع علينا أخيراً كاتب باسم (عبدالحسين الملا لعيبي، وآخر باسم قاسم السهيل، وثالث باسم أحمد الحسيني... الخ)، يبدأ هؤلاء عادة بمناحة على الحسين وأهل البيت ومظلومية شيعتهم عبر التاريخ!!، ليستدرجوا القارئ إلى أن يصل إلى بيت القصيد وهو تسقيط السياسيين الشيعة ووصفهم بـ "اللصوص الحرامية الذين استغلوا أبناء طائفتهم لأغراضهم الشخصية...الخ". بطبيعة الحال لا ننكر أن هناك لصوص وحرامية، ولكن هذا ليس حصراً على سياسيين من طائفة واحدة، والشيعة تحديداً، بل هم موزعون على جميع المكونات الدينية والمذهبية والعرقية. والمقصود من هذه الكتابات ليس الفاسدين واللصوص الحقيقيين، بل الشرفاء من السياسيين فقط، أي بحرق الأخضر بسعر اليابس.   

لا أجافي الحقيقة إذا قلت أن معظم الحملات الإعلامية التسقيطية موجهة بالأساس ضد شخص واحد وهو السيد نوري المالكي، لتصفيته سياسياً واجتماعياً، وإن تمكنوا، حتى جسدياً، للتخلص منه لأنه أثبت كفاءة وجدارة وحرصه الشديد على إنجاح العملية السياسية والديمقراطية، وخدمة الشعب والحفاظ على أمواله. وخصومه يسعون لإزاحته عن الساحة واختيار شخص ضعيف بديلاً عنه يستطيعون توجيهه وفرض إراداتهم عليه كما يشاؤون. أما إذا جاء البديل من التيار الصدري، كما تردد مؤخراً اسم (قصي السهيل، نائب رئيس مجلس النواب) فعندئذ ستكون مصيبة المصائب واقرؤوا على العراق السلام. فقبل أسابيع وجه السيد مقتدى الصدر نقداً لاذعاً للسهيل، مما اضطر الأخير إلى تقديم استقالته من منصبه لولا تدخل زملائه وثنيه عن قراراه. وهذا يعني أنه إذا اختير رئيس الوزراء من التيار الصدري فمصيره بيد السيد مقتدى، واستمراره في رئاسة الحكومة يعتمد على مزاجية ونزوات السيد مقتدى وليس على قدرته في إدارة السلطة ودعم البرلمان له، أشبه بسيف ديموقليس معلقاً على رأسه بشعرة واحدة من حصان!!

على أي حال، أتوقع أن الحملة الانتخابية المقبلة ستكون شرسة جداً وقذرة جداً، يستخدمون فيها الأديان والمذاهب وكل ما في اللغة من مفردات قذرة لتشويه صورة الخصم وتلويث سمعته، لا يتورعون فيها عن استخدام الأطفال والحيوانات والببغاوات، وحتى رواديد اللطميات في مواكب العزاء.

نتمنى على أصحاب الشأن يكون قد تعلموا دروساً من التجارب السابقة، وأن يترفعوا عن الإساءات، وأن يتمسكوا بالقواعد الأخلاقية وتجنب الوسائل الرخيصة المبتذلة، وأن يضعوا أسساً صحيحة وشريفة في منافساتهم السياسية وبروح رياضية نزيهة، وأن لا يعتبروا الخسارة في الانتخابات الديمقراطية جريمة مخلة بالشرف. 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


91
الاتفاق النووي الإيراني انتصار للعقل والاعتدال

د.عبدالخالق حسين

وأخيراً، وبعد مفاوضات ماراثونية مضنية دامت عشر سنوات بين إيران والدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائداً المانيا، مجموعة(5+1)، انتهت بنجاح وذلك بالتوقيع على الاتفاق النووي الإيراني فجر يوم الأحد 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، الذي أرضى جميع الأطراف المتفاوضة.

ولاقى هذا الاتفاق ترحيباً عالمياً إلا من السعودية وإسرائيل واليمين الأمريكي المتشدد بقيادة جون ماكين، الذين اعتبروا الاتفاق هزيمة للغرب وانتصاراً لإيران. إذ جاء على لسان بنجامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن الاتفاق "خطأ تاريخي"، وأن العالم صار في خطر أكبر بسببه!! وهذا متوقع من نتنياهو الذي تشاءم جداً من فوز الدكتور حسن روحاني المعتدل والذي وعد بالانفتاح على العالم وبالأخص على العالم الغربي، لأن نتنياهو كيميني متطرف يعتمد في استمراره في السلطة على التوتر ووجود متشدد مثله في إيران كالرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، لذلك شن حملة إعلامية ضد روحاني مشككاً به وواصفاً له بأنه "الحمل في ثوب ذئب"! لأن نتياهو يرى أن التقليل من التوترات مع إيران يمكن أن يعيد الانتباه العالم إلى الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. إضافة إلى كون استخدام البعبع النووي الإيراني يدفع الدول الخليجية لشراء المزيد من الأسلحة الفتاكة بمئات المليارات دولار خدمة لشركات الأسلحة في الغرب.
بينما دافع عن الاتفاق الرئيس الأمريكي باراك أوباما في رده على انتقادات الجمهوريين قائلاً: "إن التحديات الكبيرة باقية، إلا أنه لا يمكننا الوقوف ضد الخيار الدبلوماسي، ولا يمكننا استبعاد الحلول الدبلوماسية للمشاكل التي يواجهها العالم". مشيراً إلى أنه "في الاشهر المقبلة، سنواصل جهودنا الدبلوماسية بهدف التوصل الى حل يعالج نهائيا تهديد البرنامج النووي الايراني". وأوضح "اذا انتهزت ايران هذه الفرصة وقررت الانضمام الى المجتمع الدولي، اذن يمكننا البدء بوضع حد للريبة الموجودة منذ اعوام طويلة بين بلدينا".(1).

لقد حققت إيران ما تريده، أهمها رفع العزلة الدولية التي عانت منها كثيراً خلال العشر سنوات الأخيرة، واعتراف المجتمع الدولي بحقها في امتلاك التقنية النووية، وحق تخصيب اليورانيوم إلى 5%، وهذه النسبة كافية للأغراض السلمية التي أكدت عليها إيران دائماً، والاحتفاظ بكل ما لديها من تكنولوجيا في هذا الخصوص. إضافة إلى أنها حققت رفع الحصار جزئياً مما يسمح لها بتصدير النفط وتحسين اقتصادها، حيث تم "الافراج عن ثمانية مليارات دولار من الودائع الايرانية المجمدة في البنوك الاميركية منذ سقوط نظام الشاه بعد التوقيع على اتفاق جنيف...كما وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ان الاتحاد الاوربي سيرفع العقوبات الاقتصادية في شهر كانون الثاني المقبل." كل هذه المكاسب لإيران مقابل تجميدها التخصيب بنسبة 20%. والحقيقة إن إيران قبل عشر سنوات كانت تطالب بحقها في التخصيب بنسبة 5% فرفض الغرب ذلك وأصروا على وقف التخصيب كلياً، لذلك لعبت إيران ورقتها بذكاء، فراحت تخصب بنسبة 20% لكي يرضى الغرب بنسبة الـ 5% ، وهذا ما حصل، وهو انتصار لإيران وبدعم روسيا أيضاً.

كما ويرى المراقبون أن المفاوضات الأخيرة لم تكن من أجل منع إيران من صنع السلاح النووي فحسب، فالنووي كان مجرد عنوان لها، أما الأهم في هذه المفاوضات هو الدور السياسي الذي تلعبه إيران في المنطقة حيث تم الاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي وخاصة الدول الكبرى كلاعب أساسي. وهذا هو سبب انزعاج وجنون إسرائيل والسعودية من الاتفاقية.

لقد فضحت الاتفاقية السعودية التي ما انفكت تدعي أنها حامية الحرمين، والإسلام والعروبة، والقضية الفلسطينية...الخ، إذ لم تسطع أن تخفِ نواياها الحقيقية في تحالفها مع إسرائيل. وفي هذا الخصوص (قال الأمير السعودي والملياردير العالمي، الوليد بن طلال، إن المسلمين السنة في العالم العربي يقفون وراء إسرائيل ويدعمون أي هجوم تقوم به على إيران لتدمير برنامجها النووي، ولو أنهم لا يصرحون بذلك علنا. وزعم بن طلال في حديث مع الصحفي الأميركي ـ الإسرائيلي الشهير "جيفري هيلدبرغ" لشبكة "بلومبيرغ" الاقتصادية من مقر إقامته في فندقه الخاص "فور سيزن" في شيكاغو بالولايات المتحدة، أن الرئيس الأميركي في ضائقة سياسية عشية الانتخابات البرلمانية التي ستبدأ حملتها في غضون شهرين، ولهذا اندفع إلى إبرام صفقة مع إيران!)(2).
لم يتجرأ الأمير السعودي بإطلاق هذه التصريحات الفجة ما لم يعرف أنها تمثل السياسة السعودية الرسمية. وليس من حقه أن يتحدث باسم أهل السنة العرب إذ لا أعتقد أن المسلمين السنة العرب سيقبلون بهذه التصريحات ليفضلوا الوقوف مع ألد عدو لهم نكاية بإيران التي برزت كأشد الداعمين للقضية الفلسطينية. وهذه فضيحة للسعودية ونصر لإيران.

أما الطاعنين بالموقف الإيراني في هذه الاتفاقية، والمقللين من أهميتها وما حققته من مكاسب لإيران، فحجتهم أن الاتفاق مؤقت، وأن إيران ربما لن تلتزم بتعهداتها..الخ. نعتقد أن هذه الطعون مجرد أفكار رغبوية وتمنيات من المشككين بجدوى الاتفاقية، إذ نعرف أن معظم الاجراءات المؤقتة تتحول إلى دائمة. فكلا الطرفين، الإيراني والأمريكي، يرغبان بصدق في التقارب وتطبيع العلاقات بعد أكثر من 30 سنة من القطيعة التي ألحقت الضرر بجميع الأطراف. واليوم على رأس أمريكا وإيران رئيسان مسالمان ومعتدلان، فالرئيس الإيراني حسن روحاني، وبعد عشرات السنين من معاناة الشعب الإيراني بسبب العزلة والحصار الاقتصادي، توصلا إلى قناعة بأن سياسة التطرف والتشدد ستلحق المزيد من الكوارث بالشعب الإيراني. ولا أعتقد هذا الاتفاق قد تم دون مباركة المرشد السيد علي خامنئي له.

أما الرئيس أوباما فهو لا يريد خلال ما تبقى من رئاسته الثانية والأخيرة، توريط أمريكا بالمزيد من الحروب في الشرق الأوسط، خاصة وقد عرف عنه أنه رجل سلام ويتمتع بالحكمة والصبر في مواجهة المشاكل. فمنذ فوزه الأول بعث برسائل ودية إلى الشعب الإيراني بغية التوصل إلى حل شامل بين بلديهما، ولكن تشدد الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، وتصريحاته الاستفزازية أحال دون ذلك.
كذلك هناك مقالات ودراسات من باحثين ومتنفذين في الإدارة الأمريكية من بينهم رايان كروكر(3)، تؤكد على مفاوضات سرية جرت بين إيران وأمريكا خلال الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وحتى قبل سقوط حكم البعث العراقي عام 2003،  بينت أن إيران ساعدت أمريكا في مواجهة الإرهاب وخاصة في عملية إسقاط حكم الطالبان في أفغانستان، وكانوا قبل الإطاحة بنظام صدام حسين قريبين من تحقيق تقارب كبير يبشر بعودة العلاقات بين الشعبين لولا إعلان الرئيس جورج دبليو بوش في خطاب له قبيل إسقاط حكم صدام وضع فيه إيران ضمن (محور الشر الثلاثي: كوريا الشمالية وسوريا وإيران). وأن هذه الجملة نسفت كل الجهود التي بذلوها لسنوات، الأمر الذي دفع إيران وسوريا لدعم الإرهاب ضد القوات الأمريكية في العراق. ومع ذلك توصل الأمريكيون إلى قناعة أن النظام الإيراني عدو عاقل يمكن التعامل معه والاستفادة من إمكانياته. ولذلك اتصفت مفاوضات جنيف النفس الطويل والصبر الجميل، مع تنازلات بالأقساط من الطرفين وصولاً إلى توقيع الاتفاق.
إن هذا الاتفاق هو نتاج مفاوضات طويلة استغرقت عشر سنوات، توصلت فيها أمريكا والدول الغربية إلى قناعة أن إيران ليست مصدر خطر، وإنما الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب والعالم هو الإرهاب الإسلامي الوهابي الذي تدعمه وتموله السعودية وقطر وجهات خليجية أخرى. فالإدارة الأمريكية التي تتمتع بأكبر جهاز استخباراتي في العالم (CIA)، لا يمكن أنها لا تعرف هذه الحقائق. كذلك أصدر مرشد الجمهورية الإسلامية السيد على خامنئي فتوى حرم فيها صنع القنبلة النووية. كما وأكد وزير خارجية إيران السيد محمد جواد ظريف لممثلي مجموعة(5+1) في جنيف أن امتلاك إيران للقنبلة النووية يعرض إيران للخطر وذلك لأنه سيطلق العنان في المنطقة في سباق التسلح وامتلاك القنبلة النووية من قبل السعودية ودول خليجية أخرى، لذلك فهم لا ينوون امتلاك هذا السلاح.

والجدير بالذكر أن التوقيع على هذا الاتفاق لم يكن بمعزل عن أمور سياسية أخرى في المنطقة، أهمها تخلي أمريكا عن سياسة إسقاط نظام بشار الأسد بالضربة العسكرية، والتركيز على مؤتمر جنيف2 يشارك فيه جميع الأطراف بما فيها العراق وإيران، وكذلك الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في نهاية عام 2014، وحاجة أمريكا للتعاون الإيراني في مواجهة الإرهاب واستقرار الوضع في العراق وأفغانستان.
كما وتزامن ذلك مع زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي إلى أمريكا والتي من ثمارها: محاولات الحكومة التركية لتحسين علاقتها مع العراق. وآخر الأنباء تفيد أن وزارة الخارجية الامريكية أعلنت اليوم الخميس (28/11/2013)، عن رفضها لتصدير النفط من أي مكان في العراق من دون موافقة وتصديق الحكومة الاتحادية في بغداد. وكذلك غيَّر رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان موقفه في التعامل المباشر مع حكومة اقليم كردستان في الصفقات النفطية، وانه سيتعامل في هذا الخصوص مع الحكومة الاتحادية.(4)
 
كل ذلك يجعلنا نعتقد أن المنطقة مقدمة على مرحلة جديدة يتم فيها حل المشاكل الكبرى العالقة، وأن سياسة التطرف التي تقودها إسرائيل والسعودية للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني بالضربة العسكرية، ودور السعودية في إشعال الحروب الطائفية، تقود إلى المزيد من الكوارث وسفك الدماء وعدم الاستقرار، الأمر الذي يهدد مصالح الجميع بما فيها المصالح الأمريكية في المنطقة. لذلك هناك استجابة من الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا في حل هذه المشاكل بالوسائل السلمية. إضافة إلى أن الدور السعودي في مد أمريكا بالنفط بدأ يقل، إذ هناك مصادر اخرى لإشباع حاجة أمريكا للطاقة منها الاعتماد على الانتاج المحلي، ومصادر أخرى غير النفط، وكذلك النمو المضطرد في إنتاج وتصدير النفط العراقي. ولكل هذه الاسباب جن جنون إسرائيل والنظام السعودي من السياسات العقلانية الخيرة التي تبنتها إدارة أوباما ازاء القضية السورية والنووي الإيراني وحلهما بالطرق الدبلوماسية السلمية. وبذلك فقد أثبت الرئيس أوباما أنه يستحق بجدارة جائزة نوبل للسلام التي نالها في السنة الأولى من حكمه.
خلاصة القول: إن الاتفاق النووي الإيراني انتصار للعقل والاعتدال، وهزيمة للتطرف الإسرائيلي  والسعودي واليمين الأمريكي.
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
   ــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1) أوباما يدافع عن الاتفاق النووي الإيراني
http://alakhbaar.org/home/2013/11/158221.html

2) ) الأمير السعودي الوليد بن طلال: نحن "المسلمين السنة" سنقف مع إسرائيل إذا ما هاجمت إيران "الشيعية"، فإيران هي عدوتنا وليس إسرائيل
http://alakhbaar.org/home/2013/11/158277.html
3) الحديث إلى إيران هو الحل - ريان كروكر - الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&issueno=12761&article=749043#.UpWvRNJdWgA

4) واشنطن "ترفض" تصدير النفط من أى مكان بالعراق دون موافقة الحكومة الاتحادية
http://akhbaar.org/home/2013/11/158346.html
روابط أخرى ذات علاقة
رسائل إيرانية للعالم (تقرير وفيديو) 
www.slabnews.com/article/48066

إيران: التوصل إلى اتفاقية في محادثات جنيف
http://alakhbaar.org/home/2013/11/158101.html

اتفاق نووي إيران: مصر والإمارات ترحب والسعودية ترفض
http://alakhbaar.org/home/2013/11/158126.html

التقارب الإيراني الأمريكي يمثل تحديا لنتنياهو
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/10/131001_israel_iran_us.shtml

رصد موجز لتاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/09/130929_iran_us_ties_timeline.shtml


92
هل حقاً المالكي هو سبب الإرهاب السعودي في العراق؟

د.عبدالخالق حسين

هناك مبدأ خطير وهو (عدو عدوي صديقي)، والخطورة تأتي من كون هذه الصداقة مؤقتة، فكل طرف يوظّف الآخر لأغراضه سرعان ما تتحول إلى عداء بعد التخلص من العدو المشترك. وللأسف الشديد، وبسبب المنافسة الشرسة على السلطة والنفوذ، هناك كيانات سياسية عراقية تعمل وفق هذا المبدأ بقوة حتى مع حكومات أجنبية إلى حد التهديد بسلامة الشعب والوطن. لم نستغرب إذا تبنت كتلة "العراقية"هذا المبدأ في تقوية علاقتها مع ألد أعداء الشعب العراقي مثل السعودية وقطر مقابل الدعم السياسي والإعلامي والمالي، رغم صدور تصريحات لمسؤولين أمريكيين كبار يؤكدون فيها أن السعودية تدعم الإرهاب في العراق وتشن حرباً طائفية في المنطقة. ولكن من الغرابة أن يقوم كيان سياسي شيعي مثل التيار الصدري بالدفاع عن موقف السعودية التخريبي في العراق ويحمِّل المسؤولية على رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي.

تقول الحكمة: "يفعل الجاهل بنفسه كما يفعل العدو بعدوه". وها هو التيار الصدري بتزلفه للسعودية يفعل بنفسه وبالعراق ما يفعل العدو بعدوه. فالكل يعرف ما ارتكبه حكم البعث الصدامي من جرائم بحق الشعب العراقي، وقد نال آل الصدر الكثير من قتل وتعذيب وتشريد. ولكن المفارقة أنه عندما أسقطت أمريكا هذا النظام الجائر كان مقتدى الصدر أول من يقود تياره ومليشياته (جيش المهدي) لمحاربة القوات الأمريكية وزعزعة النظام العراقي الجديد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل راحت مليشياته تنشر الرعب بين الناس في المحافظات الوسطى والجنوبية، وخاصة البصرة بفرض حكم الشريعة عليهم ومحاربة المسيحيين والصابئة، وفرض الحجاب على النساء وحتى على غير المسلمات، وتفجير محلات بيع الخمور وأقراص الموسيقى والغناء، ودور السينما وغيرها من أماكن الترفيه.. وفرض المحاكم الشرعية فحوَّل حياة الناس إلى جحيم، الأمر الذي دعى رئيس الوزراء السيد نوري المالكي للقيام بحملة (صولة الفرسان) ضد جيش المهدي في البصرة ومدينة الثورة (الصدر) عام 2008 فألحق بهم الهزيمة وأنقذ الناس من شرورهم، فتنفس الناس الصعداء وبذلك ارتفعت شعبية المالكي.

إن تقليم المالكي لمخالب مليشيات التيار الصدري هو سبب حقد نواب هذا التيار عليه بالرغم من أنهم ضمن كتلته (التحالف الوطني). وقد بلغ بهم الحقد إلى حد أنهم راحوا يدافعون عن النظام السعودي الوهابي الذي بدأ بحملة إثارة الفتنة الطائفية في العراق قبل إسقاط حكم البعث، ومنذ التحرير راح يرسل الإرهابيين والانتحاريين لقتل العراقيين بحجة تهميش السنة العرب، والغرض هو إفشال العملية السياسية ووأد الديمقراطية.

ورغم الحقائق التي يعرفها القاصي والداني عن دور السعودية في الإرهاب، والتي اعترف بها حتى المسؤولون الأمريكيون، طلع علينا السيد بهاء الأعرجي، رئيس كتلة الأحرار (التيار الصدري) البرلمانية، ليقول في لقاء تلفزيوني في (قناة السومرية) ان المالكي يتحمل مسؤولية ما تفعله القيادة السعودية بالعراق من تفجيرات واغتيالات وقتل وتخريب، لأنه لم يتصل بالسعودية ولم يرسل لهم مبعوثين ليشرح لهم توجه العراق وقيادة العراق!!. طبعا تناسى السيد الأعرجي ان للصدريين علاقات وثيقة مع السعودية، وسبق ان التقى مقتدى الصدر بملك السعودية والحكومة السعودية، وهو الزعيم الشيعي العراقي الوحيد الذي تستقبله السعودية كرجل دولة، لا لشيء إلا لأن وجدتْ فيه الشخص المناسب ليقوم بدور حصان طروادة لضرب الوحدة الوطنية والعملية السياسية وتمزيق التحالف الوطني. كما وأكد الأعرجي متباهياً ان الصدريين سيلتقون قريبا بالقيادة السعودية.

لا نريد الدفاع عن الحكومة العراقية، فالتيار الصدري جزء منها ولهم فيها أكثر من خمس وزارات خدمية، ولكن الساكت عن الحق شيطان أخرس، فنحن نعرف منذ أن تولى السيد نوري المالكي رئاسة الحكومة عام 2006 وهو يطالب بتحسين العلاقة ليس مع السعودية فحسب، بل ومع جميع الدول العربية والإقليمية والعالم، ولكن في كل مرة تتعنت السعودية حتى أنها رفضت تمثيل بلادها في مؤتمر القمة العربي في بغداد بمستوى لائق.
وهناك أمثلة كثيرة تدحض ادعاءات بهاء الأعرجي في إلقاء اللوم على المالكي في الإرهابي السعودي في العراق، نذكر منها: إذ نعرف أن الإرهاب يحصد أرواح الشيعة في باكستان منذ انتشار تعاليم الوهابية وبتمويل من السعودية قبل أكثر من عشرين عاماً، علماً بأن علاقة الحكومة الباكستانية جيدة جداً مع السعودية، ولكن مع ذلك لم يسلم الشعب الباكستاني وخاصة الطائفة الشيعية والمسيحيين من الإرهاب المدعوم من السعودية لأسباب أيديولوجية.
كذلك كان الإرهاب في العراق على أشده عندما كان أياد علاوي المدعوم من السعودية، رئيساً للوزراء عام 2004-2005. فإذنْ، الإرهاب السعودي في العراق لا علاقة له بكون المالكي أو غيره، يتقرب أو لا يتقرب إلى النظام السعودي. والغريب أنه لما صرح السيد المالكي في الآونة الأخيرة بدعوته للنظام السعودي بتبادل الوفود لتحسين العلاقة، وأنه يرحب بزيارة أي شخصية من القيادة السعودية، وأنه مستعد للذهاب إلى السعودية إذا تلقى منها دعوة لحل المشاكل بيننا ونعيد العلاقة الطبيعية، قال السيد بهاء الأعرجي في ذلك اللقاء، أن هذه الدعوة ليست عراقية، بل فرضت عليه من أمريكا!! وهكذا فكل ما يقوم به المالكي أو يقوله هو خطأ في رأي هؤلاء. ولما سأله مقدم البرنامج (السيد غزوان جاسم) لماذا لم تصوتوا على قانون إعمار العراق؟ فلم يجد جواباً معقولاً، فأطلق كذبة مضحكة أنه حتى نواب من كتلة القانون امتنعوا عن التصويت على القانون!!.
فالسيد بهاء الأعرجي يطالب المالكي بإرسال الوفود إلى السعودية ويتذلل لها حتى دون أن يتلقى أي دعوة منها. ووفق هذا المنطق، فعندما يحصل برود في العلاقة بين دولتين فمن حق أي منهما إرسال الإرهابيين لإبادة شعب الدولة الأخرى!!. هذا منطق مغلوط ومفلوج ويدل على مدى حقد الصدريين بحيث تحالفوا مع ألد أعداء الشعب العراقي نكاية بالمالكي.
قلنا مراراً أن السعودية تحارب العراق لثلاثة أسباب: طائفية، وسياسية، واقتصادية. والسعودية هي وراء نشر التطرف الإسلامي الوهابي في العالم، وفي هذا الخصوص كتب الباحث الأمريكي فريد زكريا في التايم: " إذا كانت هناك جائزة للسياسة الخارجية الاكثر انعداما للمسؤولية، ستمنح بالتأكيد إلى المملكة العربية السعودية. فهي أكثر الدول المسؤولة عن صعود التطرف الإسلامي والتشدد في جميع أنحاء العالم. فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، تم استخدام الثروة النفطية الهائلة في المملكة لضمان تصدير الصورة المتطرفة والمتعصبة والعنيفة من الإسلام من خلال رجال دينها الوهابيين...إذهب إلى أي مكان في العالم - من ألمانيا إلى إندونيسيا - وستجد المراكز الإسلامية المنتعشة بأموال السعودية تنفث التعصب والكراهية." 
كما وأكدت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وفق ما جاء في وثيقة سربها موقع ويكيليكس في شهر كانون الأول/ديسمبر 2009، أن المملكة العربية السعودية تبقى "القاعدة المالية الأساسية" للإرهاب وأن الرياض "اتخذت إجراءات محدودة فقط" لوقف تدفق الأموال إلى طالبان وجماعات أخرى مشابهة".

ويضيف السيد زكريا: (ومنذ هجوم تنظيم "القاعدة" المباشر في الرياض في العام 2003، قضى السعوديون على الارهاب في الداخل. لكنهم لم يوقفوا دعمهم لرجال الدين الوهابيين والمراكز والمدارس الدينية والمتشددين في الخارج. خلال حرب العراق، كان الكثير من الدعم للمتشددين السنة يأتي من مصادر سعودية.)

يجب أن يعرف بهاء الأعرجي وتياره، أن كل المسؤولين العراقيين الشيعة من وزراء ونواب وغيرهم في العراق الجديد يعتبرون إيرانيين (عجم) وفق النظرة الطائفية السعودية.. "لدرجة ان وزير خارجيتها قال مرة، في ندوة في واشنطن ان من يزور بعض الوزارات العراقية يحتاج الى مترجم للغة الفارسية، في اشارة مليئة بالنفس الطائفي للوزارات التي يتولاها شيعة" (من مقال للسيد سالم مشكور في جريدة الصباح).

وقبل سنوات أكد ديفيد بترايوس قائد القوات الدولية في العراق آنذاك، أن خمسين بالمائة من الإرهابيين الأجانب ومائة بالمائة من الانتحاريين هم من السعودية. كما وأكد السفير الأمريكي السابق في العراق رايان كروكر، أن السعودية تشن حرباً طائفية في العراق وسوريا.... وغيرها كثير من تصريحات الأمريكيين، فهل بعد كل هذا يبقى أي شك عن الموقف السعودي المعادي للعراق ونلقي اللوم على المالكي أنه لم يرسل وفوداً للسعودية للتفاهم مع حكومتها؟

ويقول حسن العلوي، كما نقلت عنه مواقع النت، أنه "بعد دعوة طارق الهاشمي للسعودية، ذهبتُ معه برفقة أعضاء آخرين في القائمة العراقية، وعند استقبالنا تقدم الملك السعودي نحو الهاشمي مباشرة فسلّم عليه وهو يقول له.. مليارين ونص اعطيتك ولا زال الشيعة في الحكم.. ثم اعاد الملك هذه العبارة مرة أخرى". يبدو أن السيد الاعرجي لا تهمه هذه الإهانة، ويصر على ضرورة وأهمية اللقاء مع قادة النظام السعودي لأغراض فئوية على حسب مصلحة الشعب والوطن.

والجدير بالذكر أن السعودية وجهت الدعوة لنحو ألف من شيوخ العشائر الشيعية بمناسبة موسم الحج، ليس حباً بهم وتقديراً لهم أو مرضاة لله،  بل في محاولة منها لشرائهم وكسبهم لضرب العملية السياسية. ولكن رؤساء العشائر الشرفاء أدركوا الغاية اللئيمة من هذه الدعوة الماكرة فرفضوها بإباء وشموخ. اعتقد السعوديون أن العراقيين دائماً مستعدون لبيع أنفسهم ووطنهم وشرفهم مقابل السحت الحرام كما حصل في 8 شباط 1963, وكما يحصل مع البعض الآن، لكن خاب أملهم.

الحقيقة التي يجب أن يعرفها الصدريون، حلفاء السعودية الجدد، وكما جاء في تقرير ندرج رابطه في الهامش، أن "هدف السعودية الأول، هو القضاء على الشيعة فكراً ووجوداً، ولن تغير هذا الهدف مهما تبدلت الأوضاع في المنطقة والعالم، فالسياسة السعودية متجمدة على عقلية المؤسسين لحكم العائلة
المالكة، والتي قامت على أساس الطائفية الصرفة". ويضيف التقرير: "السعودية اتخذت قراراً من قبل في قتل الشيعة، وهي اليوم تبدأ خطواتها العملية بهذا الاتجاه، إنها ماضية نحو حرب طائفية تشعل فيها المنطقة، مستغلة تراخي القيادات الشيعية، وعدم اكتراثها بما يدور حولها، لاسيما في العراق الذي يمثل منطقة القلب بالنسبة للشيعة، حيث تفرق قادتهم على كيانات متنافسة متخاصمة، مما يجعل اختراقهم سهلاً، وسيجعل ضربتهم متاحة في أي وقت".
فهل سيكون مقتدى الصدر حصان طروادة الجديد للسعودية بعد أن احترقت أوراق الحصان السابق طارق الهاشمي؟
ــــــــــــــــــــــــــ
راوبط ذات علاقة بالموضوع
سالم مشكور، تفجيرات بندرية
http://alakhbaar.org/home/2013/11/157945.html

فريد زكريا: السعوديون غاضبون؟ يا له من أمر جلل!
http://www.syriatruth.org/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D9%88%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/tabid/97/Article/11031/Default.aspx

Zakaria: The Saudis Are Mad? Tough!  (النسخة الإنكليزية)
http://content.time.com/time/magazine/article/0,9171,2156259,00.html

صحيفة أمريكية: كبير جواسيس الشرق الأوسط يشن حربا طائفية في العراق وسوريا
http://alakhbaar.org/home/2013/11/158019.html

السعودية تعمل على تشكيل "جيش محمد" لقتال الشيعة في المنطقة
http://www.m3arej.com/news/13154-

93
الفعل ورد الفعل في التجاوز على الشعائر الدينية

د.عبدالخالق حسين

أفادت وسائل الإعلام عن قيام مصري، و بريطاني، يعملان في شركة حماية (G4S) في حقول الرميلة النفطية، بالإساءة للشعائر الحسينية وعدم احترامهما لشهر محرم الحرام، والمشاعر الدينية للسكان مما أثار غضب الأهالي، فتم إبعادهما من العراق. وقد شاهدنا لقطات الفيديو لجمع من الشباب الغاضب الهائج ينهالون بالضرب على البريطاني وتسيل الدماء من وجهه مما أثار سخط واستنكار المشاهدين. والجدير بالذكر أن مدير الشركة رحب بطرد العاملين إلى بلديهم (1).

أشغلتْ هذه الأنباء والتعليقات عليها، حيزاً في الإعلام، وأثارت جدلاً واسعاً في المجتمع العراقي ومواقع التواصل الاجتماعي. كما وطالبني عدد من الأصدقاء أن أبدي رأيي بمقال عن هذه الأحداث المؤسفة لأن هناك من يستغلها للتصيد بالماء العكر وتجييرها للطعن بالعملية السياسية والإساءة لسمعة الشعب العراقي. فترددت في أول الأمر، لأنه في رأيي لا يمكن الدفاع عن أي من الطرفين. فالموظفان الأجنبيان اللذان أنزلا ومزقا الراية الحسينية ارتكبا تجاوزاً على المشاعر الدينية للسكان، إذ ظهر أن المصري هو من أخوان المسلمين، وتصرفه الأهوج هذا كان بدوافع طائفية مقيتة. أما تصرف البريطاني فكان بسبب التكبر والعجرفة والجهل بثقافة وأعراف الشعب العراقي وعدم احترامه للمشاعر الدينية لأهل البلاد، خاصة وأن البريطانيين وغيرهم من الشعوب الغربية ما انفكوا يرددون القول أن على المهاجرين احترام قوانين ومعتقدات وأديان وأعراف الشعب المضيف، ونحن نؤيدهم على ذلك بحرارة، فلماذا لم يحترم هذا الموظف البريطاني مشاعر الشعب العراقي وهو لا بد وأن يعرف دور الدين في حياة العراقيين وبالأخص في هذه الفترة الانتقالية العصيبة؟ إذ تفيد الحكمة:
"لا تنه عن خلق وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيم"
كما وكان رد فعل العراقيين في ضرب الموظف البريطاني كان بشعاً ومثيراً للإستنكار.

كذلك كتب لي صديق مطَّلع على الوضع، ما يلي:
((استباقا لما قد تكتب عن موضوع ضرب الأجانب في حقول النفط في البصرة، أودّ تبيان بعض الأمور التي قد تفيد لمعرفة حقيقة ما يجري. فمن خلال عملي هناك لاحظت كثرة تجاوزات رجال الحمايات على من يعمل معهم من العراقيين كسواق وأعمال بسيطة اخرى. وقد توقعت ان تحصل مشكلة كبيرة في أحد الأيام، فكتبت الى مسؤول في الدولة واقترحت عليه ان يحجب الفيزا عن بعض من قليلي الأدب من الأجانب. وقد اجاب المسؤول قائلا: "ليذهبوا الى القضاء عند حصول اي تجاوز"، وهذا الاقتراح لا يمكن تنفيذه لأن من يقدم على خطوة كهذه سيخسر عمله فورا...)).
وأضاف الصديق في مكان آخر من رسالته: ((إن معظم المشاكل تأتي من شركات الحماية وهم في الغالب من العسكريين السابقين والمرتزقة الذين يعتاشون على أزمات الشعوب المغلوبة على أمرها. أما المهندسون وباقي الاختصاصات الأخرى فهم من ذوي الخبرة وقد عملوا في بلدان ذات ثقافات مختلفة، وهم غالبا بمنتهى الأدب وخاصة الأمريكان منهم. اما شركات الحماية فهم في الغالب أما من الاسكتلنديين او من جنوب افريقيا وهم بمنتهى النزق والشراسة. ولو كانت الحكومة تستمع للاختصاصيين لشكلت فرقة من الجيش لحماية حقول النفط بحيث نتحرك داخلها من دون الحاجة لجيوش الحمايات الأجنبية، وبذلك توفر أموالاً طائلة. ولو نظرت الى تقرير التعداد اليومي ستجد بأن عدد الخبراء لا يتجاوز العشرات، بينما هناك جيش من الحمايات. سمعت بان الراتب الشهري لكل فرد من أفراد الحماية يزيد على 20 ألف دولار، يعمل معهم سواق وحمايات عراقيون يتقاضون ٦٠٠ دولار في الشهر فقط وهم عرضة لابتزاز الارهابيين في محلاتهم ومدنهم الجنوبية....للعلم رجاء)). انتهى
إذنْ، هذه الحادثة وأمثالها كانت متوقعة بسبب سوء تصرفات البعض من الأفراد العاملين في شركات الحمايات الأجنبية ضد العراقيين.
لذلك وجدت من المفيد أن أدلو بدلوي فوجدتني لأول مرة أتفق مع ما صرح به السيد مقتدى الصدر كما نقلته (السومرية نيوز) بغداد – حيث وصف (حادثة إنزال راية الإمام الحسين "عليه السلام" من قبل عامل بريطاني في حقل الرميلة بـ"الشنيع والجريمة"، فيما أكد أن الاعتداء على الموظف كانت "اشنع وأفظع"، مشدداً على أن من قام بالاعتداء عليه "بلا قلب أو أدب أو عقل".) (2)

لا شك أن العراق يمر في مرحلة حساسة وعصيبة جداً من الصراعات الطائفية الدموية، وهناك فئات في الداخل، ومؤسسات دولية وحكومات أجنبية في الخارج تغذي هذه الصراعات ولا تريد للعراق الاستقرار، بل تعمل على إثارة المزيد من المشاكل، ودعم حرب الإبادة ضد الشعب العراقي وبالأخص الشيعة وإظهارهم بمظهر الوحوش لتبرير إبادتهم. إن المنظر المقزز في فيديو الاعتداء على الموظف البريطاني بشع لا يزيده بشاعة إلا فيديو عملية قتل الشيخ حسن شحاته وأربعة من أتباعه في مصر، والتي ارتكبها بوحشية مجرمون من السلفية وبتواطؤ من الرئيس المخلوع محمد مرسي العياط في تأجيج الطائفية، كجزء من مخطط دولي رهيب، شديد الاتقان، لإشعال حروب طائفية في دول المنطقة.

سيكولوجية الجماهير
إن ما يحصل في هذه الحالات من أعمال وحشية بشعة لها علاقة بسيكولوجية الجماهير. فمعظم الدراسات التي قام بها متخصصون في علم النفس الاجتماعي تؤكد أن الإنسان الفرد تذوب شخصيته ويفقد فردانيته في الجمهور. ومن المفيد هنا أن نشير إلى مقال للدكتورة حنان هلسة حول كتاب العالم الفرنسي غوستاف لوبون، الموسوم (سايكولوجية الجماهير) فتقول: 
(يرى لوبون أن للجماهير خصائص تميزها عن الافراد، حيث تتناول الخاصية الاولى ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد. الجمهور النفسي "ايا تكن نوعية الافراد الذين يشكلونه، وايا يكن نمط حياتهم متشابها او مختلفا، وكذلك اهتماماتهم ومزاجهم او ذكاؤهم، فإن مجرد تحولهم جمهوراً يزودهم نوعاً من الروح الجماعية، هذه الروح تجعلهم يحسون ويتحركون بطريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي كان سيحس بها ويفكر كل فرد منهم لو كان معزولا". في حالة الجمهور تتلاشى الشخصية الواعية للفرد وتصبح شخصيته اللاواعية في حالة من الهياج، ويخضع الجميع لقوة التحريض وتصيبهم عدوى انفلات العواطف، بحيث تلغى شخصية الفرد المستقل ويصبح عبارة عن انسان آلي ابتعدت ارادته عن القدرة على قيادته". (د. حنان هلسة، الحوار المتمدن، 6/2/2011)(3)

غني عن القول أن هذه الحالة العنفية ليست خاصة بشعب معين، كما يحاول البعض إلصاقها بالشعب العراقي دون غيره من الشعوب، بل هي عامة لها علاقة بالطبيعة البشرية في كل مكان وزمان وخاصة في مرحلة الثورات والهيجانات الجماهيرية، إذ حصلت في الثورة الفرنسية، وإثناء الحروب الطائفية في أوربا، والثورة الثقافية في الصين، وكذلك في العراق في السنة الأولى من ثورة 14 تموز 1958.
كذلك أعتقد أنه ليس كل الناس معرضين لعدوى الذوبان في الجمهور في مثل هذه الحالات، إذ هناك من لهم مناعة تحميهم من هذا السقوط، أشبه بالمناعة ضد الأوبئة، فمثلاً عندما يحل وباء الكوليرا في بلد ما لا يصاب به جميع السكان وإنما تصاب به نسبة منهم.

الموقف من الشعائر والطقوس الدينية
قد يعترض البعض على ممارسة هذه الشعائر، كما جاء في بعض التعليقات كقولهم أن الحسين قتل قبل 14 قرناً، فلماذا كل هذه المراسم والشعائر والطقوس وغيرها الآن ونحن في القرن الواحد والعشرين. أقول، بغض النظر عن كوننا نتفق أو نختلف مع هذه الشعائر والطقوس، فهذا الاعتراض غير مقبول، لأسباب عديدة منها أن تراجيدية مقتل الحسين وصحبه ومعظمهم من عائلته وأقربائه بينهم ستة من أخوته، لها رمزيتها ضد الظلم، ومصدر إلهام للمظلومين للثورة على ظالميهم، وثانياً، لأن الشعائر الدينية يجب احترامها في جميع الأحوال، فحق ممارسة الطقوس والشعائر الدينية جزء من حقوق الإنسان. فإذا كنا حقاً نطالب بحرية الأديان والعبادة وممارسة الطقوس والشعائر الدينية فعلينا احترام مشاعر الطائفة الشيعية أيضاً، وإلا سقطنا في الانتقائية والتحيز لطائفة دون أخرى. فهذه الشعائر والطقوس حتى ولو كانت خاطئة، لا يمكن التخلص منها عن طريق القسر والقوة والتجاوزات على من يمارسها، لأن هذه السياسة تؤدي إلى المزيد من التخندق والتعصب والإصرار على ممارستها. فما يجري الآن في العراق من تطرف ومبالغة في ممارسة هذه الطقوس هو رد فعل على سياسة البعث الطائفية لمنع الشيعة من ممارسة مراسم عاشوراء خلال 35 سنة وباسم التقدمية المزيفة. إذ كما قال لينين: "الدين كالمسمار في الخشبة فكلما طرقتَه زاد ثباتاً فيها".

ومما يجدر ذكره أن اللطم وضرب الجسم بالسلاسل والتطبير هو سلوك البعض من عوام الشيعة، لا علاقة له بالفقه الشيعي، فأغلب فقهاء الشيعة أصدروا فتاوى ضد هذه الممارسات. ولدي مجموعة كبيرة من هذه الفتاوى آخرها فتوى مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي حرم فيها التطبير والزحف على البطون أمام أضرحة الأئمة واعتبرهما بدعة وضلالة. كذلك أفتى المرحوم آية الله السيد محمد باقر الصدر، مؤسس حزب الدعوة الاسلامية قائلاً: "إن ما نراه من ضرب الأجسام وإسالة الدماء هو من فعل عوام الناس وجهالهم ولا يفعل ذلك أي واحد من العلماء بل هم دائبون على منعه وتحريمه". (4 و 5)

التعامل مع الشعائر والطقوس الدينية
من نافلة القول أن الطقوس والشعائر الدينية لها مكانة عميقة في نفوس المؤمنين بها، وفي حالة الطائفة الشيعية فهم يشكلون الغالبية العظمى من الشعب العراقي، ونسبة كبيرة منهم يؤمنون بها كما نلاحظ ذلك من زحف الجماهير المليونية في مناسبات عاشوراء وزيارة الأربعين. لذلك فهذه المسألة حساسة جدا يجب التعامل معها بمنتهى العقلانية والشعور بالمسؤولية. وقد قرأنا في الأدبيات السياسية أن الحزب الشيوعي العراقي في العهد الملكي كان يستثمر هذه المناسبات ويجيرها لصالح الحركة السياسية المناهضة للسلطة آنذاك، فكان الشيوعيون يتصدرون مواكب العزاء ويؤلفون الأهازيج (الردات) ويجعلون من ذكرى واقعة الطف مناسبة لربطها بما يجري في ذلك العهد من مظالم، ويحيلونها إلى تظاهرات وأهازيج سياسية ضد السلطة، والمعروف أن أغلب الرواديد كانوا متهمين بالشيوعية.
إن هذه الطقوس تنتهي تدريجياً بالتثقيف وتطور المجتمع وليس بالإكراه والقسر والاستعلاء والاستهانة بمعتقدات ومشاعر الناس الدينية، فالمردود في هذه الحالة يكون معكوساً، وعلى الأجانب الذين يعملون في العراق أن يحترموا معتقدات وأعراف المجتمع العراقي ويلتزموا بالحكمة: يا غريب كن أديب.
 
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
 http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــ
مصادر:
1- شركة بريطانية ترحب بقرار طرد أحد عامليها لتمزيقه الرايات الحسينية في البصرة
http://alakhbaar.org/home/2013/11/157526.html

2- الصدر ينتقد ردة فعل المواطنين تجاه الموظف الأجنبي في حقل الرميلة
http://alakhbaar.org/home/2013/11/157530.html

3- حنان هلسة: سيكولوجية الجماهير
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=244767

4- أسامة مهدي، إيلاف: مرجع شيعي يفتي بحرمة التطبير
http://www.elaph.com/Web/news/2010/12/618056.html

5- أراء بعض المراجع لمسألة التطبير 
http://bahrainonline.org/showthread.php?t=196379

روابط ذات علاقة
المالكي يوجه بطرد مهندس أجنبي "مزق راية حسينية" في حقل الرميلة
http://akhbaar.org/home/2013/11/157377.html

عمليات البصرة تبعد موظفا مصري الجنسية إلى خارج العراق
http://akhbaar.org/home/2013/11/157394.html

94
زيارة المالكي لأمريكا، نجاح أم فشل؟

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن السيد نوري المالكي أصبح اليوم من أكثر الشخصيات السياسية العراقية إثارة للجدل في كل ما يقوم به، ولعل زيارته الأخيرة لأمريكا كانت الأكثر إثارة للجدل العنيف بين السياسيين والكتاب. ففي رأي خصومه كل ما يفعله المالكي هو شر مطلق وتبذير لأموال الشعب!!.

يحكى أن ﺳﻔﻴﻨﺔ كانت تشق ﻋﺒﺎﺏ ﺍﻟﺒﺤﺮ وعلى متنها مائة بحار، 99 منهم من عشيرة واحدة، وواحد فقط من عشيرة معادية. فراح التسعة والتسعون بحاراً يدعون الله أن تغرق السفينة لكي يهلك هذا البحار. دائماً أتذكر هذه الحكاية وأقارنها بما يحصل لمن تضعه الأقدار رئيساً للحكومة العراقية، حيث يُلحِق خصومه أشد الأضرار بالشعب نكاية بهذا المسؤول.

يمكن التأكد من هذه الحقيقة بمراجعة سريعة لمواقف النواب البرلمانيين والعديد من الكتاب والإعلاميين. لقد رفض النواب في عدة مناسبات التصويت على قانون إعمار العراق، والكهرباء، وأي مشروع خدمي أو اقتصادي نافع للشعب، لاعتقادهم أن تمرير هذه القوانين يكون في صالح رئيس الوزراء نوري المالكي، تخدمه لأغراض انتخابية وتزيد من شعبيته، ولذلك يفضلون الإضرار بالشعب كله نكاية بالمالكي. وهكذا كل قانون في صالح الشعب لم يتم التصويت عليه إلا بعد أشهر من الصراعات والمعانات والتسويف والمماطلات والمقايضات... وفي المحصلة النهائية الشعب هو الذي يدفع الثمن.

ظاهرة إلحاق الأذى بالشعب بغضاً لرئيس الحكومة تجلت بأوضح أشكالها عند زيارة المالكي الأخيرة إلى واشنطن. فمن المعروف أن هذه الزيارة كانت بدعوة من الإدارة الأمريكية قبل عدة أشهر، وتم تأجيلها بطلب من المالكي إلى أن تحققت في يوم 29/10 2013. ولكن الخصوم لم يريدوا لهذه الزيارة أن تمر بسلام، لذا اثاروا حولها ضجيجاً عالياً للتقليل من أهميتها وما حققته من منافع للشعب العراقي وخاصة في مجال دحر الإرهاب. بدأت الحملة قبل الزيارة بأسابيع بمقالات لفخري كريم صاحب جريدة المدى، وجوقته، أدعو فيها أن الرئيس الأمريكي أوباما رفض لقاء المالكي في نيويورك بمناسبة اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة مما أدى إلى غضب المالكي ورفض السفر إلى نيويورك!!. طبعاً قصة مفبركة. ثم أذيعت أخبار زيارة المالكي إلى واشطن، وهنا راحوا يبحثون عما يخدمهم، فلم يحصلوا على شيء فراحوا يفبركون الأكاذيب، مرة أن المالكي هو الذي ألح على الزيارة، وأخرى أن الدعوة لم تكن من الرئيس أوباما، بل من جو بايدن نائب الرئيس، نسي هؤلاء أن القضية بروتكولية ليس غير، فالرئيس يوجه الدعوة لرؤساء الجمهوريات، أما نائب الرئيس الأمريكي فهو بمثابة رئيس الوزراء في النظام الأمريكي، وبالتالي هو الذي يوجه الدعوة إلى رؤساء الحكومات.

وأخيراً تمت الزيارة وشاهدنا اللقاءات الودية على شاشات التلفزة وترحيب المسؤولين الأمريكيين بالوفد العراقي بمن فيهم الرئيس أوباما، وكلها كانت ناجحة. ولكن الخصوم ركزوا هنا على رسالة رفعها خمسة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بينهم جون مكين، في محتواها لا تختلف عما يردده رئيس الكتلة العراقية أياد علاوي وأمثاله في لقاءاتهم مع الإعلام مثل إدعائهم بتهميش الأقليات، وتفرد المالكي بالحكم ، وعلاقته بإيران...الخ، ويطالبون الرئيس أوباما أن يفرض بعض الشروط على المالكي مقابل الدعم الأمريكي له. وهذه المسألة جداً طبيعية في دولة مؤسسات ولوبيات مثل أمريكا، فبإمكان أية جهة شراء لوبيات وتسخير شركات العلاقات العامة بالمال. وحتى بعض المقالات السلبية التي نشرت في الصحافة الأمريكية ضد الزيارة، وكما قال جو بايدن، أن هذه الظاهرة نتاج الصراع الأمريكي- الأمريكي، وليس المقصود بها العراق أو السيد المالكي.
ثم تم اللقاء بين الوفدين العراقي برئاسة المالكي والأمريكي برئاسة أوباما، الذي استغرق أطول ما يسمح له من وقت في مثل هذه اللقاءات الرسمية، ولكن "جماعة الخير"، ولغاية في نفس يعقوب، ادعوا أن اللقاء كان مختصراً، وأن المالكي لم يرحب به مما اضطر إلى قطع زيارته قبل الموعد المحدد. وهذا أيضاً كذب في كذب، إذ كان قد خطط للزيارة أن تكون خمسة أيام من ضمنها يوم للذهاب ويوم للعودة، ولما أنجزوا كل ما يريدون عاد الوفد في وقته المحدد أيضاً. وقد بلغ بهم الحقد إلى حد ان راحوا يركزون في انتقادهم للمالكي عن لون بدلته، وعدد ابتساماته وأنه لا يعرف التحدث باللغة الإنكليزية، بل وحتى عن حركة يديه وغيرها من الهراء الفارغ الذي يدل على إفلاسهم الفكري والأخلاقي.

لم يكن هذا الموقف السلبي من بعض الجهات السياسية المعروفة بعدائها للمالكي وحكومته فحسب، بل وشمل حتى بعض المحسوبين على كتلة التحالف الوطني التي ينتمي إليها المالكي، مثل السيد مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، والدكتور أحمد الجلبي رئيس حزب المؤتمر "الحزب الذي لا يعرف الناس عضوا آخر فيه غير رئيسه" على حد قول تقرير موقع المسلة(1). فالأول أصدر بياناً تهجم فيه على المالكي قال فيه: (إن المالكي ذهب إلى واشنطن "لاستجداء سلاح من أمريكا وأن زيارته كلفت ملايين الدولارات وأنه ذهب إلى واشنطن دون إذن من البرلمان". ورد بيان رئاسة الوزراء بأن "مثل هذه الزيارات تدخل في إطار مسؤولية رئيس الحكومة الذي لا يوجد مانع دستوري لها، كما أنها لا تحتاج إلى إذن من أحد." وأضاف البيان أن "العراق لم ولن يستجدي سلاحا من أية دولة... إنما يطلبه علنا للدفاع عن الشعب الذي استباحت دماءه وحرماته العصابات الارهابية." (2)

في الحقيقة إن بيان مقتدى الصدر يصب في صالح المالكي، فزعيم التيار الصدري كغيره من خصوم العراق الجديد، لا يريد أن يمتلك العراق أسلحة وأجهزة متطورة لمواجهة الإرهاب، ونحن نعرف أن أمريكا هي مصدر التكنولجيا في جميع المجالات، فإن لم نطلبها من أمريكا فكيف يمكن لقواتنا الأمنية مواجهة الإرهاب ودحره؟
أما الدكتور أحمد الجلبي فكتب على تغريدته أن زيارة المالكي كلفت 100 مليون دولار. ولا نعرف من أين حصل على هذه المعلومة. ربما ينبري أحدهم ليقول: ألم تسمع بويكيليكس؟ إذ صار مألوفاً لكل من يريد تمرير الأكاذيب فينسبها إلى ويكيليكس ليجعل من أكاذيبه حقائق ناصعة غير قابلة للدحض!!.
و رد السيد علي الموسوي، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء نوري المالكي على الجلبي قائلاً ان الكلفة الكلية لزيارة الوفد العراقي برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي الى واشنطن كانت 50 الف دولار فقط ، ... ". وأضاف الموسوي ان “حديث الجلبي يدل على الإفلاس وعدم دراية ونأسف لان يلجأ شخص كان يعتبر نفسه سياسيا مهما والآن هو نائب في البرلمان العراقي الى هذه الأكاذيب والمبالغة وخصوصا عندما يتحدث عن مبلغ 100 مليون دولار”.(3)

هل حقاً كانت الزيارة فاشلة؟

لا نريد أن نطيل في الرد على كل ما كتب عن هذه الزيارة من قبل الذين يرون النجاح فشلاً، فهذه خاصية عراقية بامتياز، فهم دائماً يعادون النجاح ويحاولون وضع العراقيل أمام أي إنسان يسعى لخير بلاده. فالغرض الرئيسي من الزيارة كان البحث في أهم الملفات: تسليح القوات العراقية بالأسلحة الحديثة، والتقنيات المتطورة لمحاربة الإرهاب، وتذكير واشنطن بالتزاماتها تجاه العراق في إطار الاتفاق الاستراتيجي، وبحث القضايا الإقليمية مثل القضية السورية، والنووي الإيراني."وتم البحث في جميع هذه الأمور، واستجابت الإدارة الأمريكية لكل طلبات الوفد العراقي، وصدر بيان ختامي بحقها(4).
وبشهادة الدكتور سعدون الدليمي، وزير الدفاع وكالة والعضو الأساسي في الوفد قال في لقاء في فضائية العراقية مساء الأربعاء 6 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، أن الأمريكان استقبلوهم بكل حفاوة وحميمية، ومن علامات هذه الحميمية، أن اللقاء بين الوفدين: العراقي برئاسة المالكي، والأمريكي برئاسة أوباما كان المخطط له ساعة واحدة، دام 3 ساعات، وطرح كل شيء في هذا اللقاء. ندرج أدناه رابط لفيديو ينقل جزءً من هذا اللقاء.  فهل هذه علامة من علامات الفشل؟
كذلك اللقاء المغلق بين الرئيس أوباما ورئيس الوزراء المالكي، كان مخططاً له لمدة 45 دقيقة، فدام 3 ساعات أيضاً، وهذا نادر في اللقاءات الرسمية. فهل هذا يدل على فشل الزيارة؟
وأخيرا، وكما قال الدكتور الدليمي، أن نائب الرئيس الأمريكي جو بايدين دعى الوفد العراقي إلى منزله لوجبة غذاء أو إفطار، وهذا أيضاً نادر جداً في الدول الغربية في تعامل المسؤولين مع الوفود الرسمية. فهل هذا دليل على الفشل وعدم الاحتفاء بالوفد العراقي؟
إضافة إلى لقاء الوفد مع وزير الدفاع جاك هاجل الذى دعا إلى عمل مشترك لدحر الإرهاب وزيادة التعاون والتنسيق لإلحاق الهزيمة بالقاعدة. كما واستضاف الجانب الأمريكي الوفد العراقي لزيارة معرض في البنتاغون لمشاهدة أرقى ما توصلت إليه أمريكا من تكنولوجياً المتطورة في جميع المجالات ومنها القضايا العسكرية، وفي محاربة الإرهاب، وقد استجابوا لكل طلبات العراقيين من أجهزة وأسلحة بما فهيا طائرات الهليكوبتر الأباتشي، أغلبها ستصل العراق في نهاية هذا الشهر ونهاية هذا العام، حسب ما صرح به الدكتور سعدون الدليمي للفضائية العراقية.
والجدير بالذكر وكما ذكرنا مراراُ أن هناك جهات في الداخل وحكومات في الخارج لا تريد الخير للعراق، فتعارض تسليح الجيش العراقي لإبقاء العراق ضعيفاً في مواجهة الإرهابيين، وليتهموا الحكومة العراقية بالضعف وعدم قدرته على حماية شعبه.
معلومة خطيرة أدلى بها الدكتور الدليمي للفضائية العراقية، أنه عندما تفاوضوا مع روسيا لشراء طائرات متطورة لا تبيعها روسيا للأجانب لأنها خاصة بالجيش الروسي، ومع ذلك وافقت حكومة الرئيس بوتين على بيعها للعراق. يقول أن حكومة عربية طلبت من روسيا عدم بيع العراق هذه الطائرات وأنها مستعدة لشرائها بضعف السعر الذي يدفعه العراق (ولم يذكر اسم هذه الدولة الحاقدة، ولكننا نعرف أنها إما السعودية أو قطر، فهما تمتلكان الأموال وتمولان الإرهاب في العراق وسوريا). فمتى يفهم العراقيون المخاطر التي تحيق بهم وما يخطط ضدهم؟ 

نعم لعلاقة استراتيجية متكافئة مع أمريكا(5)
مرة أخرى نذكِّر المسؤولين العراقيين، أن العراق يواجه حرب ابادة الجنس من قبل الإرهاب الدولي، لذلك فهو بأمس الحاجة إلى علاقة استراتيجية متكافئة مع الدولة العظمى، أمريكا، وبدون هذه العلاقة لا أمل للعراق في خلاصه من الإرهاب والتمزق والتشرذم، خاصة وأن الأمريكان هم الذين يلحون على هذه العلاقة وذلك لعلمهم بمستقبل العراق المشرق فيما إذا تم دحر الإرهاب ووحد العراقيون كلمتهم. فهناك مسؤولون عقلانيون في الإدارة الأمريكية يدركون هذه الحقيقة، ويعملون على هذا النهج، لأن أمريكا تتحمل مسؤولية أخلاقية لما يجري في العراق، إذ كما كتب السيد رايان كروكر، السفير الأميركي السابق في العراق قائلاً: "نحن مرتبطون بقوة بالنظام السياسي العراقي... لأننا ساعدنا في خلقه، ولدينا الآن فرصة لعلاقة جديدة تماما مع العراق وبحاجة للتعامل معه كحليف، وليس تركه لمصيره."

خلاصة القول، رغم كل ما قيل عن هذه الزيارة من قبل جوقة فخري كريم ومقتدى الصدر والبعثيين وحلفائهم من أقاويل وافتراءات وهذيانات كدليل على يأسهم وحقدهم على النجاح، نستنتج من كل ما تقدم، أن زيارة رئيس الوزراء السيد نوري المالكي والوفد المرافق له إلى أمريكا كانت موفقة وناجحة، حققت كل الأغراض المرجوة منها لخدمة الشعب العراقي وعلى رأسها دحر الإرهاب، ولاقت ترحيباً سياسياً من قبل المسؤولين الأمريكان وعلى رأسهم الرئيس أوباما، كما هو واضح من هذا الفيديو، يرجى فتح الرابط: لقاء االمالكي - اوباما     http://wh.gov/lW6SS
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1 الجلبي.. من عراب تحالفات إلى مدوّن "فيسبوكي"
http://alakhbaar.org/home/2013/11/157101.html

2 المالكي يتهم الصدر بذكر "معلومات كاذبة" حول زيارته واشنطن
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/11/131104_iraq_maliki_sadr.shtml

3- الموسوي: تكلفة زيارة الوفد العراقي لواشنطن 50 الف دولار
http://qanon302.net/index.php

4 البيان العراقي الأمريكي المشترك حول زيارة ومباحثات رئيس الوزراء نوري المالكي لواشنطن
http://alakhbaar.org/home/2013/11/156879.html

5 عبدالخالق حسين: نحو علاقة عراقية-أمريكية متكافئة
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=570

6 عبدالخالق حسين: في عشية زيارة المالكي إلى واشنطن
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=607



95
قوانين لتكريس الصراعات الطائفية
د.عبدالخالق حسين

يبدو أن بعض السياسيين العراقيين لا همَّ لهم سوى الإصرار على مواصلة تمزيق ما تبقى من الوحدة الوطنية لأنهم ابتلوا بهواية الصراعات الأثنية والطائفية حتى صارت عندهم نوعاً من التسلية كالمهتمين بمشاهدة المباريات الرياضية.
إلا إن الفرق بين نوعي المنافسات (الطائفية والرياضية) هو أن الصراعات الطائفية والأثنية تتفشى في المجتمعات المتخلفة وتأخذ أشكالاً دموية، بينما المنافسات الرياضية تنتشر في المجتمعات المتقدمة وتأخذ أشكالاً حضارية، الغرض منها تفريغ الشحنات والطاقات لدى الشباب بأسلوب سلمي حضاري نافع.
في كتابه الموسوم (مهزلة العقل البشري)، خصص العلامة علي الوردي فصلاً كاملاُ عن (أنواع التنازع وأسبابه)، إذ قال: "والظاهر أن الإنسان مجبول على التنازع في صميم تكوينه فإذا قلَّ التنازع الفعلي في محيطه لجأ إلى اصطناع تنازع وهمي ليروِّح عن نفسه". وهذا بالضبط ما يفعله بعض السياسيين في العراق، رغم أن العراق لا تنقصه منازعات لكي يلجأ سياسيوها إلى اصطناعها، فهي كثيرة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.  
فيبين الوردي أن التنازع بين البشر مسألة غريزية وتتخذ أشكالاً مختلفة حسب تطور المجتمعات. ففي المجتمعات البدائية يتخذ التنازع شكل الصراعات الدموية، القتل والإيذاء، ولكنه يتحول تدريجياً إلى أقل عنفاً، مثلاً إلى التحايل والسرقات..الخ. وفي المجتمعات الراقية يتخذ شكل حملات انتخابية، ودعايات ترويجية للشركات، ومباريات رياضية...الخ.

أما في العراق، وبسبب الردة الحضارية التي أصيب بها المجتمع خلال حكم البعث الفاشي لخمسة وثلاثين عاماً، فقد عاد القهقرى إلى القبلية وإحياء الصراعات الطائفية والأثينة الدموية، ومحاربة المنافسات الرياضية السلمية، لذلك لاحظنا هجوم  السيد مقتدى الصدر، وشيوخ الوهابية على الرياضة وبالأخص على سباقات كرة القدم.
مناسبة هذه المقدمة هي ما نشرت وسائل الإعلام عن مشروع (قانون الأحوال الشخصية والقضاء الجعفري)، كمحاولة للإلتفاف على قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، وخلق المزيد من الصراعات الطائفية.
 
نبذة تاريخية عن قانون الأحوال الشخصية
غني عن القول أن من أهم عوامل الوحدة الوطنية هو توحيد القوانين ومعاملة أبناء الشعب كمواطنين من الدرجة الأولى في دولة المواطنة وحكم القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم القومية (الأثنية)، والدينية والمذهبية. ولذلك، بعد ثورة 14 تموز 1958، فكرت قيادة الثورة بسن قانون للأحوال الشخصية يلائم ظروف العصر وتكوينات الشعب العراقي، فقامت بتشكيل لجنة من المختصين بالقوانين لكتابة هكذا قانون، وتم إصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي رد الاعتبار للمرأة.
وحسب ما أقر معظم علماء الاجتماع والحقوقيين أن هذا القانون كان من أحسن ما شرع من قوانين للتخلص من تعقيدات الأحوال الشخصية، يلائم الشعب العراقي المتعدد الأعراق والأديان والطوائف والمرحلة التاريخية.
ولكن لا بد لكل جديد أن يواجه معارضة من قبل شريحة من المجتمع وخاصة من قبل رجال الدين، وهذا ما حصل لهذا القانون وبالأخص من قبل رجال الدين الشيعة، وفي مقدمتهم المرجع الديني السيد محسن الحكيم، فاعتبروه خروجاً على الإسلام!. لذلك وبعد نجاح انقلاب 8 شباط 1963 الدموي، الطلب الوحيد الذي قدمه السيد الحكيم لحكومة الانقلابيين هو إلغاء هذا القانون. ولم يتجرأ الإنقلابيون إلغائه، فأجروا عليه بعض التعديلات ضد حقوق ال المرأة إرضاءً لرجال الدين الذين مهدوا بفتاواهم لهذا الانقلاب الدموي الذي أدخل العراق في نفق مظلم لم يخرج منه حتى الآن. ولكن بعد مجيء البعث الثاني للسلطة عام 1968 أجروا عليه بعض التعديلات الإيجابية في صالح المرأة، ولم يستطع رجال الدين الاعتراض عليهم.
وبعد إسقاط حكم البعث الفاشي عام 2003، وتشكيل مجلس الحكم، وجعل رئاسته دورية شهرية، وجاء دور المرحوم السيد عبدالعزيز الحكيم (نجل السيد محسن الحكيم) لرئاسة مجلس الحكم عام 2004، أول عمل قام به هو إصدار قرار رقم 137 يوم 1/1/2004، ألغى بموجه (قانون الأحوال الشخصية).
وقد أحدث هذا القرار سيئ الصيت رد فعل عنيف لدى الشعب وأوساط السياسيين والكتاب التقدميين، مما اضطر تدخل بول بريمر، رئيس الإدارة المدنية لقوات التحالف، فألغى مشكوراً القرار 137.

يبدو أن الجماعات الإسلامية، وخاصة الشيعية منها، لم يقر لهم قرار، وصار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 شغلهم الشاغل، وكأن العراق أنتهى من كل مشاكله فلم يبق لديهم سوى هذا القانون للتخلص منه، فعادوا من جديد وخرجوا علينا بلعبة (قانون الأحوال الشخصية والقضاء الجعفري).

ما هي الحكمة من قانون لكل طائفة؟
ذكرنا أعلاه أن أهم عامل للوحدة الوطنية هو وحدة القوانين. ولكن يبدو أن الجماعة مصرون على تعددية القوانين وبأسماء طائفية مثيرة لتحقيق غرضهم الأساسي وهو تمزيق ما تبقى من الوحدة الوطنية. يقول النائب السيد حسين سلمان المرعبي في دفاعه عن القانون الطائفي: "ان نقطة القوة التي يجب ان نركز عليها في الترويج الى مشروع القضاء والأحوال الشخصية الشيعي هي ان القانون الجديد لا يلغي القانون السابق".
في الحقيقة، هذه نقطة ضعف وليست نقطة قوة في القانون الجديد، إذ يعني أن القانون السابق، أي قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، مازال صالحاً ويؤدي الغرض ويناسب أتباع جميع الطوائف والأديان، إذ كما قال عنه الخبير القانوني السيد طارق حرب في هذا الخصوص أن "القانون الحالي سليم الى حد ما، وأخذ تشريعاته من مذاهب اسلامية عدة، فبعضها استند الى المذهب الحنفي وأخرى الى الجعفري وغيرها اخذت من المذهب الظاهري ولم يقتصر القانون على مدرسة اسلامية واحدة".
ولتبرير القانون الجديد، يستشهد السيد النائب حسين سلمان المرعبي بالمادة (41) من الدستور حيث نصت على:"العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون".
في الحقيقة هذا الخيار موجود في القانون السابق، فمنذ العهد الملكي وإلى الآن هناك قضاة شرع حسب ديانات وطوائف المواطنين للنظر في قضايا الزواج والطلاق والإرث وغيرها. ألا يعني هذا أن الغرض من سن قانون باسم طائفة معينة هو العزف على الوتر الطائفي والإمعان في تمزيق الوحدة الوطنية الممزقة أصلاً؟
أما الشروط التي فرضها الإسلام، واستشهد بها السيد المرعبي، مثل تحريم تعدد الزوجات والزواج بالإكراه،  وتجريم النهوة العشائرية ...الخ، فهذه الشروط لا يحترمها أحد، لا في العراق ولا في أي بلد إسلامي. فالقرآن كما وصفه الإمام علي، (حمال أوجه)، كل رجل دين يستطيع أن يفسره كما يشاء، ويلقى فيه ما يشاء. وكذلك في الدستور العراقي هناك مواد كثيرة قابلة للتأويل. لذلك نطالب المخلصين من السياسيين أن في مثل هذه الأوضاع العاصفة التي يمر بها العراق الآن، أن يتجنبوا إثارة أية قضية من شأنها تكريس التفرقة وخلق المزيد منها.

فإصدار قانون الأحوال الشخصية والقضاء الجعفري، يعني أن يطالب أتباع الديانات والمذاهب الأخرى بإصدار قوانين خاصة بمذاهبهم وحسب متطلباتهم الدينية والطائفية، وهذا يعني تكريس الصراعات الطائفية وتمزيق الوحدة الوطنية. فالعراق اليوم بأمس الحاجة إلى دولة المواطنة التي وظيفتها الأساسية سن قوانين لإدارة شؤون المواطنين الدنيوية. أما مشاكلهم ما بعد الموت فأمرها بأيدي رجال الدين، وكل حسب دينه ومذهبه. أما أن تتدخل الدولة وتفرض على المواطنين قوانين دينية تم تشريعها لحل مشاكل مجتمع بدوي قبل 1400 سنة فهي عملية انتحارية لأنها ضد قوانين التطور.
هناك قول مأثور للإمام علي  قلما يذكره الإسلاميون وهو: (لا تقسروا أولادكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم). وهذا دليل على أن الإمام كان مدركاً للتغيير ومتطلبات المستقبل.
كما ويخبرنا التاريخ أن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، أجرى أكثر من أربعين تعديلاً على الشريعة الإسلامية خلال عشر سنوات من وفاة الرسول (ص). ورغم القول أن (لا اجتهاد في النص) إلا إن عمر قد اجتهد في النص القرآني مثل الغائه زواج المتعة، وحصة المؤلفة قلوبهم من الغنائم وغيرها كثير. ونحن إذ نسأل: إذا كان عمر شعر بالحاجة الماسة إلى التغيير والتعديل بعد عشر سنوات فقط من وفاة الرسول، فكم من الأمور الأخرى التي سيقدم على تغييرها إذا ما جاء اليوم وبعد ما يقارب 14 قرناً من الزمان؟

وأخيراً، من الإنصاف هنا أن نذكر أنه ليس رجال الدين الشيعة الذين طالبوا بسن قانون الأحوال الشخصية والقضاء الجعفري، فهذه الفذلكة من "إبداعات" بعض السياسيين الشيعة المستفيدين من تكريس الصراعات الطائفية، لا حباً بأبناء طائفتهم، بل لضمان بقائهم في مناصبهم. وأفضل دليل على ذلك هو ما صرح به المرجع الديني الشيعي المعروف آية الله السيد حسين إسماعيل الصدر حيث طالب الدولة بعدم "إرغام" المواطنين على "الإيمان والالتزام بالشريعة"، مؤكدا ان هذا سـ"يخلصنا من الطائفية". وقال الصدر ردا على سؤال من احد اتباعه بشأن طرح مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفرية من قبل بعض الأحزاب للتصويت عليه، إن "الإيمان والتدين والالتزام بالشريعة أمر شخصي لا يصح للدولة المحاولة لإرغام المواطنين عليه". وأضاف الصدر أن "الأفضل أن تكتفي الدولة بتشريع قوانين مدنية عامة متوافقة مع الاتفاقيات الدولية ولا تخالف الشريعة الإسلامية في نفس الوقت، وتدع المسائل الشرعية لأهلها، ليتاح لكل من المؤمنين الرجوع إلى من يقلده في أعماله الشرعية"، مؤكدا أن "هذه الطريقة ستخلصنا من التنافس الطائفي وستضمن مصالح أتباع الأديان والمذاهب المختلفة في البلد جميعا".
يرجى فتح الرابط: الصدر: الالتزام بالشريعة أمر شخصي لا يصح إرغام المواطنين عليه
http://alakhbaar.org/home/2013/11/156858.html
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط مقالات أخرى للكاتب، ذات علاقة بالموضوع
1- اللهم أحفظِ العراق من العراقيين
http://www.ebaa.net/wjhat-nadar/12/527.htm

2- الاتفاق على تدمير العراق
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=475

3- إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=606




96
مَنْ الذي تسبب في كوارث العراق؟

د.عبدالخالق حسين

يتداول هذه الأيام عن طريق البريد الإلكتروني "تقرير" بعنوان (إحصائية مرعبة)عن الكوارث التي حلت بالشعب العراقي منذ عام 2003، يتضمن أرقاماً منها قد تكون قريبة للواقع مثل عدد الأرامل(1 مليون)، والأيتام (4 مليون)، وأخرى مبالغ فيها مثل: الشهداء(2.5 مليون)، والمفقودين (800 ألف)، والسجناء (340 ألف)، والمهجَّرين (4.5 مليون)، لاحظ التركيز على كلمة مهجَّرين وليس مهاجرين، أي أن الحكومة قامت بتهجيرهم قسراً...إلى آخر القائمة. كاتب التقرير لم يذكر اسمه، ويدعي أن كل هذه الكوارث حصلت بعد سقوط حكم البعث عام 2003، وأنها نتاج الاحتلال الأمريكي و"حكومة الاحتلال". كما ويدعي أنه استل هذه الأرقام من الوزارات المختصة في الحكومة ولغاية عام 2008. ولا أعرف كيف استطاع هذا "الخبير" أن يتسلل إلى أعماق الوزارات ويتصفح سجلاتها بهذه السهولة، علماً بأن الأرقام التي نشرتها الوزارات ذاتها والجهات الأجنبية مثل ويكيليكس ومنظمة (Iraq Body count)*، لم تبلغ في بعضها عشر هذه الأرقام.
 
لا ندعي أن العراق بخير منذ سقوط حكم البعث وإلى الآن.. وإلى أجل غير معروف، كلا، فرغم أن العراق تخلص بفضل التحالف الدولي بقيادة أمريكا، من أبشع نظام همجي في التاريخ، إلا إنه ابتلى بالإرهاب، والذي هو أساساً تمارسه أعداء الديمقراطية من فلول البعث وحليفه تنظيم القاعدة. وقد هيأ نظام البعث لهذا الوضع منذ تسلطه على الحكم عام 1968. ولكن من أسلوب التقرير التحريضي وتضخيم الأرقام، يفهم منه أن الغرض هو تشويه سمعة النظام الجديد والتأليب عليه، والغرض من تضخيم هذه الأرقام هو حث المتطرفين لرفد منظمات الإرهاب، وإظهار حكم البعث البائد وكأنه كان أفضل نظام عرفه الشعب العراقي في التاريخ، وتبرئته من كل الكوارث التي ورثها العهد الجديد، فكأنه لم تكن هناك حروب، ولا أنفال، ولا حلبجة، ولا حرق خمسة آلاف قرية كردستانية، ولا قصف السكان بالغازات السامة في مناطق الأهوار، ولا 4 ملاين مهاجر، ومليون مهجَّر لأسباب طائفية وعنصرية، وأكثر من 400 مقبرة جماعية اكتشفت لحد الآن. ففي رأي كاتب "الاحصائية المرعبة" أن كل هذه الكوارث وغيرها حلت بالعراق بعد عام 2003!!!... تقول الحكمة: "إذا كنت لا تستحي فقل ما تشاء". وبطبيعة الحال، البعثيون لا يستحون.
لقد عودنا البعثيون على أمور كثيرة لم يعرفها العالم ولا الشعب العراقي من قبل، منها مثلاً، أنهم يقتلون القتيل ويسيرون في جنازته، ويرتكبون أبشع الجرائم بحق الشعب ويلقون اللوم على خصومهم وحتى على الضحايا، ويرتكبون الإرهاب ليقولوا أن الحكومة ضعيفة لا تستطيع حماية الشعب. ويشوهون سمعة الديمقراطية ويضربون مؤسساتها ليقولوا أن الديمقراطية لا تصلح للشعب العراقي، ويدمرون المؤسسات الخدمية ليثبتوا أن الحكومة عاجزة عن تقديم الخدمات للشعب، ويحاولون بث اليأس في صفوف الشعب وإحباط معنوياته ليقولوا لا خلاص لكم من الإرهاب إلا بإلغاء الديمقراطية وعودة حكم البعث والمكونة الواحدة.

لا أريد هنا مناقشة كل ما جاء في "التقرير" لأن لا طائل من ذلك ومضيعة للوقت، بل أكتفي بمناقشة ثلاثة من هذه الإدعاءات، كمثال على الكذب والمبالغة:
أولا، يختتم الكاتب بيانه فيقول: "سيطر التخلف على المجتمع العراقي، فبعد أن كان العراق قد محى الأمية في العام 1977 وكان الدولة الأولى بالعالم التي تمحو الأمية بالكامل حسب منظمة اليونسكو".
يسند الكاتب هذا القول إلى منظمة اليونسكو. وربما أثنت المنظمة على العراق في السبعينات على حملته لمحو الأمية، ولكن لا يعقل أن العراق أول دولة في العالم تخلص من الأمية وسبق الدول الأوربية وشمالي أمريكا واليابان في هذا المجال.

ولكن مع ذلك دعونا نناقش هذه "المعلومة"... يقول أن العراق تخلص من الأمية عام 1977، وعادت إليه بعد عام 2003. ونحن الآن في نهاية عام 2013، أي بعد عشر سنوات على إسقاط البعث. فإذا كان الشعب كله يقرأ ويكتب لحد عام 2003، فهذا يعني أن عودة الأمية حصلت من خلال الأطفال الذين ولدوا بعد هذا العام، وإذا طرحنا الذين هم دون سن السادسة، أي دون سن الدراسة، ولا يمكن احتسابهم على الأمية، فيبقى الذين ولدوا بعد 2003 لحد 2006 وهم الآن في المدارس الإبتدائية، فكيف عادت الأمية والجهل للعراق بمجرد دخول الأمريكان إلى العراق؟ وهذا يعني أن نسبة من البالغين العراقيين وبقدرة قادر نسوا القراءة والكتابة وغاصوا في الجهل فجأة بعد عام 2003. نسي كاتبنا أن الأمية والجهالة لا يمكن إنتاجهما في شعب مثقف في سنة أو حتى في عشر سنوات، بل هي مسألة تراكمية ونتاج 35 سنة من التجهيل المتعمد خلال حكم البعث. أما حملة محو الأمية التي يتباهى بها الكاتب فكان القصد منها غسل أدمغة الأميين من ابناء شعبنا وحشوها بهذيانات ومبادئ حزب البعث. ولذلك كان الناس يسمونها بحملة (نحو الأمية).
ثانياً، يدعي الكاتب أن 40% من الشعب العراقي دون خط الفقر. بينما في الواقع أن رواتب جميع العاملين في الدولة تضاعفت مئات المرات عما كان عليه في عهد البعث. فراتب الأستاذ الجامعي، على سبيل المثال، لم يتجاوز 3 دولارات شهرياً في عهد حكم البعث، مما اضطر كثير منهم العمل كسواق تكسي وأشغال أخرى خارج الدوام الرسمي، أما الآن فقد بلغ راتبه نحو ألف دولار أو أكثر. كذلك نعرف من علامة بسيطة وهي انتشار تلفون النقال في العراق الذي كان ممنوعاً في عهد البعث، إذ تفيد إحصائية أمريكية لغاية منتصف عام 2011 أن عدد التلفونات النقالة التي كانت ممنوعة في العراق في عهد حكم البعث، بلغ نحو 26 مليون جهاز في شعب تعداده نحو 34 مليون، وهذا يعني أنه فقط الأطفال الصغار لا يملكون هذا الجهاز. ولا يمكن لإنسان يعيش دون خط الفقر أن يمتلك تلفون نقال على حساب قوت عياله.
ثالثاً، يقول في مكان آخر أن "هناك ثلاث حالات طلاق من كل أربع حالات زواج بعد الاحتلال". وهذا يعني أن 75% من حالات الزواج انتهت بالطلاق. بينما الواقع يؤكد على هبوط نسبة الزواج وتصاعد العنوسة بسبب الحروب والفقر في عهد البعث، وحصل العكس بعد 2003. تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له".
ومن هذه الأمثلة نعرف أن الكاتب فضح نفسه، ولذلك إذا كانت هذه غير قابلة للتصديق، فبقية الأرقام هي الأخرى من هذه الشاكلة، أي كلها افتراءات. البعثيون يتاجرون بمشاكل الناس ويستغفلونهم ويستهينون بذكائهم في تمرير أكاذيبهم، ومع الأسف تمر على البعض.

وحتى تعددية المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية والوسائل الإعلامية التي هي في صالح الشعب وعلامة نجاح الديمقراطية، إلا أن الكاتب يجعلها مسائل سلبية، فيقول: هناك [550  كيان سياسي، و11,400 منظمة مجتمع مدني (رقم مبالغ به، يقال أن هناك 4000 منظمة)، و67  محطة راديو، و45  قناة تلفزيونية، و220  صحيفة وجريدة,,,الخ). و لكي يفرغ تعددية هذه المؤسسات من دلالاتها الإيجابية، يدعي أنها ممولة من أجهزة المخابرات الأجنبية. وهذه العقلية هي نتاج ثقافة الديكتاتورية.

بطبيعة الحال نحن ضد هذا العدد الهائل من الكيانات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، لأن فيها تشرذم وتبديد للجهود والطاقات... ولكن هذه الظاهرة هي رد فعل على سياسة دكتاتورية الحزب الواحد واحتكار الحزب الحاكم للصحافة ومؤسسات المجتمع المدني لعشرات السنين. فقد حصلت هذه الظاهرة في معظم دول أوربا الشرقية بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية الشيوعية التي كانوا يسمونها مجازاً بـ"الديمقراطيات الشعبية". ولكن هذه التعددية المفرطة حالة مؤقتة ستزول مع الزمن بعد استتباب الوضع وفهم الشعب لقواعد الديمقراطية. ولا نستبعد بعضها أن تكون ممولة من جهات أجنبية، ولكن ليس من الانصاف اتهامها جميعاً بالعمالة وحرق الأخضر بسعر اليابس.

نعم، هناك أرقام حقيقية رهيبة من الأرامل واليتامى والشهداء والمهاجرين، وليس مهجَّرين من قبل الحكومة الحالية، فالمهجَّرون داخل العراق وخارجه فروا بسبب الإرهاب البعثي- القاعدي، وتم التطهير الطائفي في بعض المناطق من الشيعة في بغداد من قبل الإرهابيين، وليس من قبل القوات الأمنية التي تجهد ليل نهار لتحقيق أمن المواطنين. ولكن تضخيم هذه الأرقام عشرات المرات حتى فاقت أرقام فضائية الجزيرة القطرية (1.5 مليون شهيد مثلاً)، هنا مسألة تثير الشكوك في صحة الأرقام التي قدمها الخبير الاحصائي العليم الفهيم! ولغاية في نفس يعقوب.

لقد أجرينا أكثر من مرة مقارنة سريعة بين العراق قبل اغتصاب البعث الصدامي للحكم والعراق في أواخر عهد البعث، ونرى من المناسب إعادة هذه المقارنة ليكون القراء على بينة مما قدمه حكم البعث للعراق من "منجزات".
أولاً، قبل اغتصاب البعث للحكم كان الدينار العراقي يعادل 3.5 دولار أمريكي، وصار الدولار في نهاية حكمه يعادل 3500 دينار، أي انهيار كامل للاقتصاد العراقي.
ثانياً، قبل حكم صدام بلغ رصيد العراق من العملات الأجنبية والذهب حوالي 45 مليار دولار، فبدد هذا الرصيد ومئات المليارات من واردات النفط على الحروب واستدان عليها، بحيث عند سقوطه بلغت الديون نحو 120 مليار دولار، إضافة إلى 400 مليار دولار تعويضات الحروب. يعني دولة مفلسة وغارقة بالديون.
ثالثاً، بلغ عدد قتلى العراقيين بسبب الحروب العبثية، الداخلية والخارجية، خلال حكم البعث نحو مليونين، وملايين من المعوقين واليتامى والأرامل، إضافة إلى الهجرة القسرية والاضطرارية نحو 5 ملايين، بحيث صار العراقيون يغامرون بحياتهم في الغرق عبر البحار على البقاء في عراق يحكمه البعث، والألوف منهم صاروا طعاماً للأسماك.
رابعاً، أما في مجال الجهل والردة الحضارية فقد أعاد البعث المجتمع العراقي إلى عهد القبلية والطائفية، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، والانهيار الفكري والأخلاقي، وتدمير روح المواطنة والوحدة الوطنية، والولاء للعراق...الخ، يدفع الشعب ثمنه الآن.
خامساً، كل ما ألحق بالعراق من خراب ودمار وأضرار وجرائم، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن، يتحمل مسؤوليته البعث الفاشي.
سادساً، لم يكتف حكم البعث بقتل البشر، بل نشر دماره على الشجر أيضاً. فالعراق الذي كان يسمى ببلاد السواد لكثرة نخيله حيث كان فيه نحو 40 مليون نخلة قبل مجيء البعث لم تبقى فيه غير 8 ملايين نخلة عند سقوط البعث. أرجو فتح الرابط أدناه لمشاهدة ما حل بمزارع النخيل من قبل أعداء الحياة، أعداء البشر والشجر. أرجو مشاهدة الصور إلى النهاية. إنها مقابر النخيل الجماعية
http://www.iraker.dk/aljezany/nakhel/nakhel.htm

فلو بقي حكم البعث لعشر سنوات أخرى لهلك هذا الشعب وفرغ العراق من سكانه عن طريق الإبادة، والجوع والحصار والهجرة. وبذلك لكانت خسائر عدم إسقاطه تفوق خسائر إسقاطه. كما وتؤكد الحقائق أن أكثر من 95% من الضحايا العراقيين بعد 2003 تم قتلهم على أيدي الإرهابيين البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة الوافدين من السعودية وغيرها من البلدان العربية.
فبالله عليكم، إن حزباً هذا تاريخه البشع، ألحق بالشعب العراقي وشعوب المنطقة كل هذا الخراب والدمار الشامل، هل يستحق العطف والدفاع عنه والمطالبة بعودته أو حتى مشاركته في السلطة؟ غني عن القول إن من يدافع عن هكذا حزب فاشي هو إما مازوخي يستلذ بالتعذيب والعبودية والإهانة، والذلة، أو هو واحد منتفع من المافيا البعثية. وفي جميع الأحوال نحن ضد هؤلاء، ولا بد من العمل لتوفير الظروف الطبيعية لشعبنا ليستعيد عافيته ويبدأ حياة طبيعية كريمة أسوة بالشعوب المتحضرة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إحصائيات القتلى من منظمة Iraq Body Count لغاية 2013
http://www.iraqbodycount.org/


97
التقارب الإيراني الأمريكي وجنون البقر السعودي

د.عبدالخالق حسين

قالوا: "الجنون فنون"، فهناك نوع من الجنون يسمى بجنون البقر(Mad cow disease) الذي أصاب في أوائل التسعينات من القرن الماضي نحو 180 ألف من أبقار بريطانيا، فقتلت الحكومة 4.4 مليون بقرة لاستئصال المرض. ومثيله في الإنسان يسمى بـ(C.J.D.) نسبة إلى العالم الألماني (Creutzfeldt–Jakob ) الذي اكتشف المرض. المهم أن هذا المرض أنتقل هذه الأيام إلى حكام السعودية الذين فقدوا صوابهم لأن أمريكا اتخذت مواقف عقلانية مغايرة لما يريدون. وظهر ذلك جلياً عندما وافقت أمريكا على المشروع الروسي بعدم شن الحرب على سوريا مقابل تدمير السلاح الكيمياوي السوري، وكذلك بروز علامات التقارب والانفراج في العلاقة بين إيران وأمريكا.

إن إلصاق صفة الجنون بحكام السعودية ليس مني، بل من مسؤول أممي كبير، حيث (كشفت صحيفة الأخبار اللبنانية عن انتقاد حاد وجهه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان – وهو دبلوماسي أمريكي سابق- للسلطات السعودية اتهمها فيه بالحقد، مؤكدًا أن المسؤولين السعوديين جن جنونهم عندما رأوا علامات التقارب بين اميركا وجمهورية ايران الإسلامية).(1)

فالمضحك المبكي أن تدعي السعودية أنها تناضل من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في سوريا أو في أي بلد عربي آخر. فالنظام السعودي هو قروسطي قبلي متخلف إلى أقصى حد، والدولة كلها بما فيها من بشر وأرض وممتلكات وثروات تعتبر ملك العائلة الحاكمة، فهناك نحو 10 آلاف أمير يسيطرون على مقدرات البلاد والعباد. والسعودية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمى باسم العائلة الحاكمة، والمرأة التي تشكل 50% من الشعب محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية بما فيها حق قيادة السيارة والتي تعتبر في النظام السعودي جريمة تعاقب عليها المرأة بالسجن.

والجدير بالذكر، أن للسعودية دور كبير ورئيسي في عدم استقرار دول الشرق الأوسط، وبالأخص الدول العربية. فلو أمعنا النظر في تاريخ الصراعات في المنطقة، وخاصة في نشر التطرف الإسلامي والإرهاب الوهابي وتفريخه وحضانته وتصديره إلى العالم لوجدنا أن وراء هذه الكوارث هو النظام السعودي. وفي هذا الخصوص نشرت مجلة (ميدل ايست مونيتر، عدد يونيو/ يوليو 2007) دراسة تحليليه للسفير الأمريكي السابق لدى كوستريكا ( كورتين وينزر) والمبعوث الخاص للشرق الأوسط في بداية عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، بعنوان "السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية السنية"، استهلها بالقول إنه على الرغم من النجاح الذي حققته الولايات المتحدة حتى الآن في تدمير البنية التحتية لتنظيم القاعدة وشبكاتها الإرهابية، إلا أن عملية "التفريخ الأيديولوجي" للقاعدة ما يزال مستمرا على المستوى العالمي وإن جهود أمريكا لمواجهتها تظل قاصرة لأن مركز دعمها الأيديولوجي والمالي هو السعودية التي تقيم فيها العائلة الملكية الموالية للغرب ولسنوات طويلة تحالفا مع الوهابية الإسلامية، كما تحرص على تمويل انتشار الوهابية الى بلدان العالم بما فيها الولايات المتحدة.
ويورد وينزر على لسان اليكسي اليكسيف إثناء جلسة الاستماع أمام لجنة العدل التابعة لمجلس الشيوخ في 26 يونيو 2003م  بأن "السعودية أنفقت 87 بليون دولار خلال العقدين الماضيين لنشر الوهابية في العالم"، وأنه يعتقد أن مستوى التمويل قد ارتفع في العامين الماضيين نظرا لارتفاع أسعار النفط . ويجري وينزر مقارنة بين هذا المستوى من الإنفاق بما أنفقه الحزب الشيوعي السوفيتي لنشر أيديولوجيته في العالم بين 1921 و1991م حيث لم يتجاوز الـ 7 بليون دولار. ويلاحظ وينزر جهود نشر الوهابية في عدد من بلدان جنوب شرق اسيا، وأفريقيا والدول الغربية من خلال بناء المساجد والمدارس الدينية والمشروعات الخيرية واستقطاب الشباب العاطل والمهاجرين في هذه البلدان.(1)
وهذه شهادة من أهلها، ولا ننسى أن 15 من 19 إرهابياً الذين نفذوا جريمة 11 سبتمبر 2001 في أمريكا هم من السعودية. وهذا ليس محض صدفة.
إن دور المملكة السعودية في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة هو أشبه بـدور جمهورية جنوب أفريقيا في عهد النظام العنصري ضد حركات التحرر في أفريقيا. لذلك أعتقد أنه لا تستقر الأوضاع في دول الشرق الأوسط وخاصة في الدول العربية إلا بتغيير النظام السعودي.

ومن علامات الجنون السعودي هو رفض السعودية مقعد غير دائم في مجلس الأمن الدولي... حيث أشار المتحدث عن النظام لتبرير الموقف السعودي هذا إلى قضيتين؛ الأولى القضية الفلسطينية، والثانية الحالة السورية. وتناسى المتحدث التقارب الإيراني الأمريكي. في الحقيقة إن السعودية أرادت برفض المقعد في مجلس الأمن التعبير عن سخطها وغضبها على أمريكا لاتخاذ الأخيرة الموقف العقلاني الصحيح من إيران وسوريا. أما القضية الفلسطينية فهي آخر ما يشغل بال النظام السعودي الذي يعرف الجميع أنه أقرب إلى إسرائيل منها إلى الشعب الفلسطيني. فلو كانت السعودية حقاً مهتمة بمحنة الشعب الفلسطيني لرحبت بنيل عضوية المجلس لأنها ستوفر لها الفرصة للدفاع عن القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى بفعالية أكثر. لذا، فعذر السعودية أقبح من فعلها.   
وهذا التبرير السخيف يذكرني بطريفة ذكرها طه حسين في سيرته الذاتية (الأيام)، (وأنا إذ أنقل من الذاكرة)، أنه عندما كان طالباً في الجامعة أضرب الطلاب في أحد الأيام لسبب ما. ولما جاء أستاذ الدرس اللاتيني وهو إيطالي ليلقي المحاضرة، وجد الطلاب مجتمعين خارج القاعة، فطلب منهم الدخول ليلقي عليهم الدرس، فرفضوا وقالوا له أنهم مضربون. فقال لهم ولكن بإضرابكم تضرون أنفسكم فتخسرون المحاضرة. وأضاف مازحاً، أنكم أشبه بذلك الرجل الذي تشاجر مع زوجته وأراد أن يغيضها فأخصى نفسه!!! وقال طه حسين: فضحكنا، ومن يومه كرهتُ الإضرابات الطلابية.
وهذا بالضبط ينطبق على السعودية في رد فعلها للانتقام من أمريكا برفضها لعضوية مجلس الأمن.

إن موقف السعودية من الربيع العربي منافق إلى آخر درجة، فمن جهة تدعم السعودية الأخوان المسلمين والتطرف الإسلامي في سوريا والعراق وفي نفس الوقت تناهضهم في مصر. والسبب هو أنها تريد إشغال العرب بالحروب الداخلية لتبعد عن نفسها ثورة الشعب السعودي عليها. ولكن معظم المحللين الغربيين يؤكدون أن الثورة الشعبية على النظام السعودي قادمة لا بد منها، وإنها فقط مسألة وقت: متى؟

إن التقارب الإيراني الأمريكي هو نتاج انتصار العقل والحكمة على جنون المحرضين على الحروب. فقد توصل الإيرانيون وبعد 34 سنة من ثورتهم الإسلامية، ورفع شعارات متطرفة صبيانية مثل الموت لأمريكا، ووصفها بـ(الشيطان الأكبر)، تأكدوا أن هذه السياسة سوف لن تجلب لهم غير العزلة والدمار الاقتصادي. فلحد الآن خسرت إيران نحو مائة مليار دولار بسبب الحصار، وفقدت عملتها أكثر من 35% من قيمتها. وكما تفيد التقارير، أن الرئيس الإيراني الدكتور حسن روحاني عاش لعدة سنوات في بريطانيا ونال من إحدى جامعاتها درجة الدكتوراه، وهو إنسان معتدل ومعجب بالديمقراطية البريطانية وثقافتها...الخ. وكذلك الرئيس الأمريكي أوباما يسعى من جانبه لتجنيب زج أمريكا في حرب أخرى في العالم، وبالأخص في الشرق الأوسط. وحتى دول الوحدة الأوربية تريد إطفاء بؤر التوتر في المنطقة والتفرغ لدحر الإرهاب الذي بات يهدد الجميع. ولكن هذه التحولات في المواقف لا يفهمها البدو السعوديون الذين أغرتهم الثروات النفطية فظنوا أن بإمكانهم إخضاع الدولة العظمى والوحدة الأوربية لإرادتهم وجر أمريكا لحرب جديدة ضد سوريا وإيران نيابة عنهم. ولما فشل السعوديون في جر أمريكا إلى ما يريدون جن جنونهم.
خلاصة القول، أن السعودية وقطر ومن لف لفهما هم على الجانب الخطأ من التاريخ، وحان الوقت لسقوط هذه الأنظمة كأوراق الخريف عندما تهب العاصفة. إن ما يجري في دول المنطقة من صراعات عاصفة عبارة عن المخاض العسير للتحولات الاجتماعية والسياسية الثورية وولادة الديمقراطية، والتخلص من التخلف المتراكم عبر قرون. إذ كما قال هيغل: "إن ولادة الأشياء العظيمة مصحوبة بألم".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1- فيلتمان: حكام السعوديون حاقدون وجنوا من التقارب الأميركي الإيراني ...
http://www.observerme.com/modules.php?name=News&file=article&sid=44095

2-  كورتين وينزر: السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية           http://www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11

3- عبدالخالق حسين: السعودية والوهابية وجهان لإرهاب واحد
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=440

4- داود رمال (صحيفة السفير اللبنانية): هل يعمّم الأميركيون «التغيير القطري» في الخليج؟
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2603&ChannelId=62949&ArticleId=2434&Author=%D8%AF%D8%A7%D9%88%D8%AF%20%D8%B1%D9%85%D8%A7%D9%84#.Um4_tHCpWrg

98
في عشية زيارة المالكي إلى واشنطن
د.عبدالخالق حسين

سيقوم رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بزيارته الثالثة إلى واشنطن في نهاية هذا الشهر (تشرين الأول/ أوكتوبر الجاري) أو مطلع الشهر المقبل، وأعتقد أنه في هذه المرة سيحضر اللقاء مع الرئيس أوباما وهو أقوى مما كان عليه في زيارته السابقة عام 2011، فالنقاط التي اختلف المالكي فيها مع أوبما في لقائمها الأخير أثبت الزمن صحة موقف المالكي وتبناها أوباما، وبالأخص فيما يتعلق بالأزمة السورية والموقف من إيران، حيث رفض المالكي التدخل الخارجي في إسقاط حكومة بشار الأسد، وأصر على ترك هذه المسألة إلى الشعب السوري ليقررها سلمياً بدلاً من الحرب. وهكذا ثبت للسيد أوباما وفريقه في الإدارة الأمريكية أنهم يتعاملون مع رجل دولة يستحق الاحترام وأن يحسب له ألف حساب.

فهاهي الأمور بدأت تتحسن نسبياً، فسوريا استجابت لقرارات مجلس الأمن فيما يتعلق بتدمير السلاح الكيمياوي، كذلك خسرت المعارضة السورية بجناحها الإسلامي المتشدد مكانتها وسمعتها بسبب ما ارتكبته من جرائم بشعة ضد الإنسانية يندى لها الجبين. كذلك التطور الكبير الذي حصل في إيران بفوز المرشح الإصلاحي المعتدل الدكتور حسن روحاني رئيساً للجمهورية الإسلامية، وما حصل من تفاهم وتقارب بين إيران وأمريكا، الأمر الذي أقض مضاجع المتشددين الصقور في إسرائيل وأمريكا وبعض السياسيين والإعلاميين العرب الضاربين على طبول الحرب، وبالأخص المسؤولين السعوديين الذين جن جنوهم من التقارب الإيراني الأمريكي، حسب تصريحات وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان.(1)

كذلك كشف الزمن علاقة خصوم المالكي في حكومة الشراكة الوطنية مع المتطرفين وبالأخص الإرهابيين البعثيين وأتباع القاعدة، كما وتراجع خصوم المالكي في الخارج مثل سقوط أمير قطر الشيخ حمد، وما يواجهه أردوغان من معارضة في تركيا إلى حد أن بعث وفداً من بلاده إلى بغداد بغية التقارب حيث وجه دعوة للمالكي لزيارة أنقرة. كل هذه التغييرات جاءت في صالح المالكي الذي أثبت أنه رجل المرحلة وكسب ثقة الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية الأخرى بصبره وهدوئه في تعامله مع الأزمة العراقية ومعارضيه وما يجرب في المنطقة.

ولكن هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام، فقادة الكتلة العراقية يحاولون أن يجعلوا لأنفسهم دوراً، وعلى الأغلب تخريبياً في محادثات المالكي مع الإدارة الأمريكية، إذ قرأنا أن السيد أياد علاوي، رئيس كتلة "العراقية" سيسافر إلى أمريكا لإجراء عملية جراحية على ركبته التي أصيبت إثناء محاولة اغتياله من قبل رجال صدام حسين في الثمانينات. فهذه الإصابة يجب استغلالها في هذه المناسبة. كذلك سمعنا أن دعوة وجهت إلى كل من السيدين مسعود بارزاني وأسامة النجيفي من قبل نائب الرئيس الأمريكي  جو بايدن لزيارة واشنطن، في محاولة منه أن يجمع الزعماء العراقيين هناك للوصول إلى حل للمعضلة العراقية وتقارب وجهات النظر بين الأخوة- الأعداء.

جدول أعمال الملكي في واشنطن
المواد المعلنة التي سيناقشها رئيس الوزراء والوفد المرافق له مع الإدارة الأمريكية، حسب ما أوضح النائب عبدالهادي الحساني، المقرب من الرئيس العراقي في تصريح لصحيفة «الحياة» أن "من أهم الملفات هي: تسليح القوات العراقية بالأسلحة الحديثة، والتقنيات المتطورة لمحاربة الإرهاب، وتذكير واشنطن بالتزاماتها تجاه العراق في إطار الاتفاق الاستراتيجي".

لا شك أن هناك مواد أخرى تخص دول المنطقة وخاصة الأزمة السورية، والملف النووي الإيراني، وتوحيد الجهود لمحاربة الإرهاب الذي صار يهدد البشرية كلها. فالعراق مرشح أكثر من غيره ليلعب دوراً رئيسياً في حل الأزمات المزمنة التي تعاني منها دول المنطقة، والحفاظ على المصالح الأمريكية. ولكن على قدر ما يهم العراق أننا نعتقد أن من مصلحة الشعب العراقي تكمن في تقوية العلاقة مع الدولة العظمى، أمريكا، ضمن إطار الاتفاق الاستراتيجي الذي تم توقيعه عام 2011 عشية انسحاب القوات الأمريكية.

فشعب العراق مهدد بالإبادة من قبل الإرهاب المحلي والعالمي المدعوم من قوى داخلية وخارجية، وخاصة من قبل السعودية وقطر وتركيا. وهذه الجهات تتمتع بإمكانيات كبيرة في دعم الإرهاب وإشاعة الفوضى والتخريب في العراق ولا تريد له خيراً وأن يسترد عافيته وينعم بالأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي. لذلك فهذه الحكومات رغم أنها تحارب الإرهاب في بلدانها، إلا إنها تدعمه في العراق وسوريا وتسميهم بالمجاهدين، إضافة إلى دور شيوخ الوهابية بإصدار الفتاوى لحث الجهلاء للذهاب إلى العراق لقتل الشيعة "الروافض"، وكذلك دور موظفي مداخل حدود بعض الدول العربية  في الشحن الطائفي بأن يسألوا القادم إلى بلادهم هل أنت سني أو شيعي، كما يحصل في الأردن ومطار الدوحة.(2)

وكما أكد السيد المالكي مراراً، أن الإرهاب هو دولي وليس مشكلة عراقية فقط، لذا لا يمكن دحره إلا بتكاتف جهود دولية. لذلك ونعتقد أن أمريكا، بما تملك من خبرات وتكنولوجية متطورة، هي المؤهلة أكثر من أية دولة أخرى في شن الحرب على الإرهاب ودحره ولا يمكن دحر الإرهاب بدون أمريكا. ومن هنا نرى ضرورة إقامة علاقة حميمة مع الدولة العظمى، وعلى السيد المالكي أن لا يستمع إلى الأطراف التي ربطت الوطنية بعنجهية معاداة أمريكا. فكثير من هؤلاء يشتمون أمريكا علناً ويخدمونها في السر، وأوضح مثال على ذلك هو ناجي الحديثي، وزير خارجية صدام حسين، الذي تبين أنه كان عميلاً للسي آي أيه .(يرجى فتح الرابط رقم 3 في الهامش). بل وحتى صدام حسين نفسه كان عميلاً للسي آي أيه، وبشهادة الأمريكان أنفسهم، شاهد الفيديو وأقرأ التقرير في الرابط رقم 4 في الهامش رجاءً.
إن مهمة السياسة هي البحث عن مصلحة الشعب وحمايته من أعدائه. فخطباء المساجد يدعون ليل نهار (اللهم أهلك أعدائنا)، وتبيَّن أخيراً لدى شيوخ الوهابية وعدد غير قليل من خطباء الإسلام السياسي السني، أن أعداءهم هم الشيعة واليهود، لذلك صار دعاءهم  في هذه الأيام : "اللهم أهلك الشيعة واليهود". بل قالوا أن الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود (رابط الفيديو رقم 5). فواجب كل إنسان سوي وبالأخص المثقف إدانة الإرهاب وحروب إبادة الجنس ضد أية مجموعة بشرية. ولكن في العراق أنك ما أن تدين إبادة الشيعة حتى واتهموك بالطائفية!! ففي عرفهم يجوز إبادة الشيعة!!

فأمريكا لأول مرة في التاريخ التقت مصلحتها بمصلحة شعبنا، ولم تكتفِ بتحرير العراق من الفاشية البعثية فحسب، بل وعملت على تخفيض ديونه بنحو 90%، إضافة إلى إلغاء مئات المليارات من تعويضات حروب صدام العبثية. وهذا نصر عظيم للعراق بجهود أمريكا، وعلينا أن لا نكون ناكري الجميل.
وعليه، أعتقد أن العراق بحاجة ماسة إلى علاقة حميمة ومتكافئة مع أمريكا ضمن إطار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2011، وتفعيلها والاستفادة منها إلى أقصى حد ممكن على أسس المصالح المشتركة بين دولتين ذات سيادة كاملة. فالعراق غارق بمشاكل متراكمة عبر قرون، وبالأخص ما ورثه من مخلفات البعث، وما يواجهه من إرهاب دولي يهدد وجوده بالفناء، وليس بإمكان حكومته حلها لوحدها بدون دعم أمريكا ومهما بلغ المسؤولون من دهاء وخبرة وإخلاص.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
1- فيلتمان: حكام السعوديون حاقدون وجنوا من التقارب الأميركي الإيراني ...
http://www.observerme.com/modules.php?name=News&file=article&sid=44095
2-  سالم مشكور: المناخ الإقليمي.. طائفي
http://alakhbaar.org/home/2013/10/156342.html

3- ناجي الحديثي وزير خارجية صدام بحسب وثائقي البي بي سي جاسوس للسي آي أي
https://www.youtube.com/watch?v=TUvH66CKEOQ&feature=youtube_gdata_player

4- Iraq's Saddam Hussein: CIA Asset - Client Dictator On the US Payroll Since 1959.
http://www.forbiddenknowledgetv.com/videos/history/iraqs-saddam-hussein-cia-asset---client-dictator.html
5- فيديو إمام جامع يحرض  المسلمين في خطبة الجمعة على قتل الشيعة
https://www.facebook.com/photo.php?v=10201972332169527&set=vb.1221882258&type=2&theater


99
إصرار العراقيين على تدمير أنفسهم
د.عبدالخالق حسين

قبل عامين نشرتُ مقالاً بعنوان (الاتفاق على تدمير العراق)(1)، وأردت هذه المرة استخدام نفس العنوان، ولكني رأيت أن هناك تطوراً نحو الأسوأ، وهو اصرار العراقيين بقيادة فلول البعث ومن يناصرهم بعلم أو بدونه، على مواصلة سياسة الانتحار الجماعي التي إن نجحت فسيكون فيها دمارهم جميعاً، أي وفق مبدأ شمشون الذي أصر على هدم المعبد على رأسه وأعدائه قائلاً: "عليَّ وعلى أعدائي يا رب .. وليكن من بعدي الطوفان". وهذا ما عزم عليه العراقيون.

يتوهم من يعتقد أن نوري المالكي، هو سبب الأزمة، وأن هذا الصراع سينتهي بمجرد إزاحته عن رئاسة الحكومة بشكل وآخر. فصراع العراقيين هو ليس مع المالكي كزعيم كتلة سياسية وينتمي إلى مذهب ديني وسياسي معين، بل هو العداء للديمقراطية، وعداء الكل ضد الكل، وحرب الكل على الكل، وما التركيز على المالكي دون غيره الآن إلا لأنه في عين العاصفة كرئيس للسلطة التنفيذية، وفي العراق من الوطنية أن تخاصم السلطة حتى وإن كانت منتخبه من قبل الأغلبية الشعبية والبرلمانية ومتمسكاً بالدستور ويعمل لصالح الشعب.

فصراع العراقيين مع السلطة و فيما بينهم ليس جديداً، بل ضارب جذوره في عمق التاريخ، إذ قيل أن الإسكندر المقدوني عندما احتل وادي الرافدين في القرن الرابع قبل الميلاد، عانى كثيراً من شعبه، فقرر إبادته ونقل أناس من مناطق أخرى من العالم للسكن فيه ليغير طبيعة شعبه بتغيير سكانه. فاستشار أستاذه أرسطو الذي رد عليه أنه لو عمل ذلك، فبعد جيل أو جيلين سيعود الناس إلى نفس السلوك طالما عاشوا في نفس البيئة. كما وعزى الجاحظ صراع العراقيين مع السلطات إلى ذكائهم المفرط، على عكس أهل الشام الخانعين للحكام!!

على أي حال، إن صراع العراقيين فيما بينهم ومع السلطة هو نتاج عوامل تاريخية وجغرافية وسياسية، شاءت الظروف أن يتكون شعبه من مكونات مختلفة دينياً ومذهبياً وعرقياً ولغوياً، وهيمنة مكونة واحدة على السلطة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وحتى سقوطها عام 2003 وفق ما يسمى بالاستبداد الشرقي. وهكذا نظام لا بد وأن يتبع سياسة "فرق تسد"، وإشاعة العداء بين مكوناته، وفرض الوحدة الوطنية الخادعة المزيفة بالقوة والقمع. لذلك ما أن سقط حكم القمع حتى وأزيح الغطاء عن الحقيقة المرة.
لقد ذكرنا هذا الكلام مراراُ، ونعيده الآن لأن البعض يحاول أن يتخذ من الأسباب التاريخية مبرراً لمواصلة دكتاتوربة المكونة الواحدة على السلطة، ويعتبر اعتراضنا على هذا الاحتكار هو بدوافع طائفية. إذ كتب السيد خالد عبدالحميد العاني (على الأغلب الاسم مستعار) مقالاً بعنوان: (بكتابات الدكتور عبد الخالق حسين)، على موقع صوت العراق يوم 14/10/2013، مليء بالمغالطات والاتهامات الباطلة، جاء فيه: "لقد تعمد [عبدالخالق حسين] عدم الإشارة إلى الأسباب التاريخية والموضوعية لذلك الاحتكار السني للحكم". وهنا يعترف الكاتب أن كان هناك احتكار للحكم من قبل الطائفة السنية قبل 2003، ولكنه يتهمني بأني تعمدت عدم الإشارة إلى هذه الحقيقة، أي "الأسباب التاريخية"، فيضيف: "وفي هذا التعمد أيهام للقراء ودق للوتر الطائفي... كما وانه يعرف تماما ان لا ذنب للطائفة بكل ذلك وان الحسابات الدولية والسياسات الاستعمارية الخبيثة ...الخ" انتهى

يعرف متابعو كتاباتي أني أؤكد دائماً على الأسباب التاريخية، كما وأكدتُ أن السنة العرب هم وقعوا ضحية هذه "السياسات الاستعمارية الخبيثة"، إذ معظم الذين أصروا على السياسة الطائفية عند تأسيس الدولة العراقية كانوا من بقايا الأتراك والمماليك الذين استعرقوا واستعربوا، بل وتبنى قسم منهم ألقاباً عربية عريقة مثل (الهاشمي...الخ)، فتبنوا السياسة العثمانية التركية في عزل الشيعة وتهميشهم، والطعن بوطنيتهم وهم يشكلون نحو 60% من الشعب العراقي وأكثر من 80% من عرب العراق. والمؤسف أن عبرت هذه الحيلة على العرب السنة فسقطوا في الفخ الذي بسببه حرِّمَ الشعب العراقي من الاستقرار والتمتع بثرواته الهائلة وراح يدفع الثمن بالاقتتال الذي يهدد وجوده الآن. 

نحن لسنا ضد النقد وبالأخص نقد السلطة، لأن (النقد أساس التقدم) كما قال ماركس. ولكن يجب أن يكون النقد بناءً وهادفاً للإصلاح، إذ تقع على المثقف مسؤولية كبيرة في محاربة الزيف والكذب والتضليل، ويجب عليه نشر الوعي الصحيح بين أبناء الشعب. أما إذا لجأ الكاتب إلى الكذب، والكذب الصريح الذي لا يمكن تصديقه، فهذا عيب عليه ومردوده معكوس على سمعته. لذلك، فمشكلتنا أنه إذا قلنا لهذا الكاتب لا تكذب وإننا لا نصدق اتهاماتك لأنها غير صحيحة ومخالفة للعقل؟ أتهمك بالطائفية، فطالما يترأس السلطة التنفيذية رجل شيعي، وأنت لا تصدق الافتراءات والأكاذيب ضده فأنت طائفي. أما الشتائم الطائفية البذيئة التي يكيلها قادة الاعتصامات مثل العلواني، والبدراني، واللافي وغيرهم، فهي ليست طائفية في عرفهم، وإنما الاعتراض عليها هو موقف طائفي!! أليس هذا المنطق غريب وعجيب، خاصة إذا صدر من كتاب يدعون أنهم يساريون وعلمانيون، بل وحتى ليبراليون إلى حد النخاع!!

نسي هؤلاء السادة أن اللجوء إلى الكذب والافتراء على رئيس أو مسؤول سياسي كبير بدون أدلة كافية دليل على إفلاسهم الفكري والسياسي والأخلاقي، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر الأمثلة التالية:
1-  قرأنا حملة ضارية من مقالات هجومية مفادها أن حكومة نوري المالكي وافقت على جعل العراق مكباً للنفايات النووية لدول الوحدة الأوربية. وسبب هذه الحملة أن وزير العلوم والتكنولوجيا قدم طلباً إلى الوحدة الأوربية يستشيرهم في مساعدة الحكومة العراقية لبناء مكب للنفايات النووية الناتجة في العراق للأغراض السلمية، لأن ليس هناك دولة تحترم نفسها تقبل نفايات نووية من دولة أخرى، إذ يجب على كل دولة بناء مكب خاص في بلادها للتخلص من نفاياتها النووية. هذا ما قاله الوزير في مقابلة مع القناة الحرة - عراق.
لكن هذه الاستشارة العلمية تحولت عند عدد من الكتاب إلى دعوة للدول الأوربية لجعل العراق مكباً لنفاياتها النووية، حيث  استغل هؤلاء هذا الخبر للتضليل فكتب أحدهم: (استياء دولي من موافقة العراق لبناء مكب نووي: جريمة من نوع جديد بحق العراق الحبيب. هؤلاء الانذال يودون بيع العراق وتلويثه لعشرات السنين قادمة قبل ان يتركوا الكرسي، انهم خونه بحق الشعب، استياء دولي من اتفاق العراق مع الاتحاد الاوربي لبناء مكب للنفايات النووية.) وشارك في هذه الحملة كتاب كنا نتوسم فيهم الصدق والوطنية، ويعتقدون أنهم كباراً وضحوا في سبيل العراق!!! وإذا ما عارضتهم ورفضت تصديقهم اتهموك بالطائفية!

2-  العراق هو البلد الوحيد الذي قدم عدد من البرلمانيين طلباً إلى الاتحاد الأوربي بعدم توقيع اتفاق تعاون مع بلدهم كي لا يعد دعما لرئيس الحكومة. فلو قام نواب في أي بلد آخر بهذا العمل لعد خيانة وطنية، ولكن في العراق يعتبر هذا السلوك من الأعمال الوطنية، ومن يعترض عليه فهو طائفي يدافع عن المالكي!! (2)

3-  كذلك قرأنا عن نواب عراقيين طالبوا المستثمرين الأجانب بعدم الاستثمار في العراق لأن العراق غير مستقر وسيخسرون أموالهم!. هذا العمل وفق جميع المقاييس خيانة وطنية ولكن في العراق هو عمل من صلب النضال الوطني والقومي والإسلامي، والاعتراض عليه موقف طائفي.

4-  تقرير بعنوان: (الناشطة الجنسيه تصل العراق في إكمال مهمتها) ورئيس الوزراء نوري المالكي بالذات سمحوا لعاهرة بولونية دخول العراق لمدة خمسة أيام مع الحرس الخاص بها وقد استحصلت تأشيرة الدخول من السفارة العراقية في القاهرة (صحيفة الزمان، وعدد من مواقع الانترنت). (راجع مقال محمد ضياء عيسى العقابي: من أتى بآنيا ليوسكا إلى بغداد؟)(3)
طبعاً الخبر تلفيق من أوله إلى آخره، ولكن في عراق اليوم كل من يكذِّب هذه الفرية فهو طائفي!

5-  تسعى حكومة الاقليم الكردستاني لإيقاف صادرات العراق النفطية بمقدار 500000 برميل يومياً وذلك عن طريق الإيعاز لمقاتلي حزب العمال الكردستانيPKK  بتفجير الأنبوب النفطي إلى تركيا، ويتسبب في خسائر مالية تقدر بـ 16 مليار دولار سنوياً. وتستغل هذه الجريمة ليس فقط في إلحاق الضرر بالعراق مالياً، بل واستغلالها ضد الحكومة المركزية بتشويه الحقائق وذلك بتضخيم الخسائر إلى ثلاثة أضعاف بغية التحريض ضد الحكومة المركزية وإثارة النقمة عليها بتحميلها سبب هذه الخسائر والدكتور حسين الشهرستاني بالذات، (راجع تقرير صحيفة المدى: "التميمي: خسرنا 45 مليار دولار وازداد عجز الموازنة إلى الثلث بسبب تقديرات الشهرستاني".)
وإذا اعترضت على هذا التقرير اتهموك بالعنصرية والعداء لحكومة الاقليم. (راجع مقال الخبير النفطي الأستاذ حمزة الجواهري بعنوان: مستر5%) (4)

6- العراق هو البلد الوحيد الذي يقوم فيه نائب رئيس الجمهورية (طارق الهاشمي) استخدام وحدات من حمايته لأعمال إرهابية ضد الشعب ومؤسسات الدولة، وعندما يتم الكشف عنه يهرب إلى القسم الآخر من العراق (كردستان) ويواصل تحديه للحكومة المركزية وبدعم من حكومة الإقليم، ومن ثم يلجأ إلى تركيا ويتجول في أنحاء العالم حراً طليقاً يحرض ضد العراق مستمراً في تقديم نفسه نائباً لرئيس الجمهورية، بل ويستلم دعوة من الإتحاد الأوربي لتقديم خطاب عن "حقوق الإنسان"، نعم عن حقوق الإنسان، وهو الذي انتهك حقوق الإنسان في بلاده بأعماله الإرهابية، ومحكوم عليه بالإعدام وفق مادة 4 إرهاب لضلوعه بالإرهاب. لا تحصل هذه المهزلة إلا في العراق.

7- العراق هو البلد الوحيد الذي صوَّتَ وفده الرياضي ضد بلاده على قرار رؤساء الاتحادات الخليجية في المنامة، بنقل بطولة خليجي 22 الى جدة بدلاً من إقامتها في البصرة. لا شك أن هذه خيانة وطنية وفق جميع المعايير إلا في العراق فيعتبر عملاُ وطنياً وقومياً عظيماً يستحق الوفد عليه أعلى وسام الدولة. (5)

8- العراق هو البلد الوحيد الذي يقاطع فيه رئيس البرلمان (أسامة النجيفي) الجلسة الأولى للدورة الحالية بأمر من زعيم كتلته "العراقية"، ولم يعد إلا بعد أن اتصل به هاتفياً وزير خارجية بلد آخر (تركيا) وأمره بالعودة ومواصلة إدارة الجلسة؟
كما وحرض رئيس البرلمان في تلفزيون الحرة-عراق، ضباط ومراتب القوات المسلحة على عدم تنفيذ أوامر رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة. وكذلك يرفض رئيس البرلمان رفع الحصانة عن 17 برلمانياً لمواجهة القضاء لضلوعهم في الإرهاب. أليس هذا الموقف خيانة وطنية؟

9- العراق هو البلد الوحيد الذي يستطيع رئيس حكومة الإقليم أن يطالب الحكومة المركزية بسحب قواتها العسكرية من المناطق المتنازع عليها، لكي تحتلها قوات البيشمركة. وتعبير (المناطق المتنازع عليها) مصطلح جديد دخل القاموس السياسي العراقي، فحكومة الإقليم تتصرف وكأنها دولة مستقلة لا جزءً من العراق الفدرالي.

10-  العراق هو البلد الوحيد الذي يستطيع محافظ أية محافظة مطالبة الحكومة المركزية بسحب قواتها العسكرية من المحافظة، كما طالب محافظ الموصل بذلك، والغرض كي يسهل للإرهابيين احتلال المنطقة وارتكاب جرائمهم بحرية ودون ملاحقة من القوات الحكومية المسؤولة عن أمن وسلامة المواطنين وممتلكاتهم. وإذا ما وقعت عملية إرهابية اتهموا الحكومة المركزية بالضعف والتقصير.

11- في العراق وحده يستطيع نواب كتلة برلمانية المطالبة بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب وإطلاق سراح جميع المعتقلين بتهم الإرهاب في الوقت الذي صار البلد مرتعاً للإرهاب... والغرض من ذلك طبعاً هو وضع العراق تحت سيطرة الإرهابيين الذين يعملون بإمرة هذه الكتلة البرلمانية.

12- العراق هو البلد الوحيد الذي ما أن تقع فيه عملية إرهابية حتى وتنبري صحافته بإلقاء التهمة على الحكومة وإبعادها عن الإرهابيين الحقيقيين. هذا ما تقوم به صحيفة المدى لصاحبها فخري كريم وهي تصدر علناً في بغداد، ومع ذلك يتهم الحكومة بالدكتاتورية، بل ويحرض ضد رئيس الحكومة كما جاء في مقال له بعنوان: (الدكتاتور يعلنُ موتَ الدولة: ظاهرة احمد نوري المالكي وشرعَنَة الفساد). في الحقيقة إن وجود محرضين من أمثال فخري كريم ورهطه بدون محاسبة هو من علامات موت الدولة.
********
ما ذكرنا أعلاه هو غيض من فيض من إصرار العراقيين على تدمير بلدهم وانفسهم، يقومون بكل هذه الأعمال بحجة محاربة (حكومة المحاصصة الطائفية)، بينما في الحقيقة هم أشد إصراراً وحرصاً على عودة الحكم الطائفي. فالسلطة التي يريدونها هي دكتاتورية الطائفة الواحدة كما كان قبل 2003، ولهذا يشنون إرهابهم ليوصلوا العراقيين إلى اليأس من الديمقراطية ويقبلوا بعودة حكم البعث. ولهذا نواجه هذه الأيام حملة ضارية لتشويه صورة الديمقراطية ومؤسساتها.

يعتبر البعض من الكتاب والسياسيين أنه من حقهم أن يكيلوا الشتائم ضد من يختلف معهم في الآراء ويعتبرون أنفسهم محصنين من النقد لأنهم من حزب كذا وعارضوا صدام... الخ. نسي هؤلاء أن معارضتهم لصدام لا تكفي، بل ما هو دورهم الآن في إنجاح العملية السياسية والديمقراطية ومحاربة الإرهاب لإيصال العراق إلى بر الأمان؟ بينما في الحقيقة نراهم يقفون مع الصداميين في ساحات الاعتصمات ويناصرونهم ويطلبون المنظمات الدولية بدعمها.

المشكلة أن أي كاتب، خاصة إذ كان من خلفية شيعية ولم يساير حملة الأكاذيب، اتهموه بالطائفية، ولكن لحسن الحظ هناك كتاب مسيحيين لا يخافون في الحق لومة لائم، وأخص منهم بالذكر الأستاذ عزت يوسف إسطيفان، الذي سخر قلمه في الدفاع عن الحق ومواجهة الباطل، وأيا كان مصدره. (6، 7)

لا ندعي أن الديمقراطية في العراق قد بلغت مرحلة النضج بعد أربعة عقود من الظلم المكثف، ولكننا نؤكد أن اصلاح الوضع لا يأتي عن طريق الهدم وكيل الافتراءات والأكاذيب، بل بالنقد البناء ونشر الوعي الوطني، والثقافة الديمقراطية، وروح التسامح وتوفير الظروف لإعمار العراق الذي دمره البعثيون. إذ كما أكدنا أعلاه، اللجوء إلى الكذب والتضليل وتزييف الحقائق دليل على الإفلاس الفكري والسياسي والأخلاقي.

في عام 1933 نشر الملك فيصل الأول مذكرة رفض فيها أن يسمي أهل العراق شعباً، فوصفهم بأنهم "كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتقاض على أي حكومة كانت..."
فما الذي تغير بعد 80 سنة من كتابة تلك المذكرة؟ نعم، أضيفت المفخخات والإبادة الجماعية إلى الأحقاد والأباطيل الدينية.

المشكلة أن كل فريق مساهم في حملة التدمير يعتقد أنه بمجرد إسقاط هذه الحكومة ستتحقق أغراضه، بينما في الحقيقة غرض كل فريق يتقاطع مع أغراض الفرقاء الآخرين، وإذا ما نجحوا في التخلص من المالكي فستشتعل المعركة فيما بينهم وبمنتهى الدموية. إنهم يصرون على تدمير العراق وتدمير أنفسهم. ولذلك لا أرى أي بصيص أمل لإنهاء المأساة على المدى القريب وحتى المتوسط. وهذا ثمن الديمقراطية والحداثة والتخلص من الفاشية وتركمات الماضي البغيض، فلا بد من المرور بمرحلة الإرهاصات وعذابات المخاض الدموي العسير. إنه القدر المكتوب على هذا الشعب المبتلى بسياسييه ومثقفيه المؤدلجين. هذا هو العراق وهذه عقلية أهله المبتلى بالبعث الذي شعاره: (إما أن نحكمكم أو نبيدكم- وليكن من بعدي الطوفان).   
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1 عبدالخالق حسين: الاتفاق على تدمير العراق
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382589

2 وثائق: برلمانيون طالبوا الاتحاد الأوربي بعدم توقيع اتفاق تعاون مع العراق كي لا يعد دعما للمالكي
  http://www.akhbaar.org/home/2013/2/142129.html

3 محمد ضياء عيسى العقابي: من أتى بآنيا ليوسكا إلى بغداد؟)
http://alakhbaar.org/home/2013/9/155110.html

4 حمزة الجواهري: مستر 5%
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382589

5  فالح حسون الدراجي:وفد العراق يصوِّت ضد العراق
http://www.sotaliraq.com/mobile-item.php?id=145115#axzz2hlwe5gmW

6 عزت يوسف إسطيفان:  جاسم الحلفي بعيد عن الواقع !!! ــ 1ــ
http://alakhbaar.org/home/2013/8/153289.html

7 عزت يوسف إسطيفان: جاسم الحلفي بعيد عن الواقع !!!! ــ 2ــ
http://alakhbaar.org/home/2013/9/153406.html

8 وصلني تواً: إحصائية انفجارات اخوتنا العرب في العراق وهدياهم للعراقيين!!
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=31263

9  فيديو جدير بالمشاهدة، يكشف ما يرتكبه الجناة البعثيون والقاعدة بحق أبناء شعبنا، اخترقوا القوات الحكومية وحتى يستخدمون ناقلات قوات سوات وملابسهم في إرتكاب جرائمهم.
https://www.facebook.com/photo.php?v=172332229626113&set=vb.146210315571638&type=2&theater


100
الفتنة أكبر من القتل

د.عبدالخالق حسين

يبدو أن العراق لم تكفه ما يواجهه من أزمات، وشرور وفتن طائفية وعنصرية والقتل الجماعي المستمر يومياً، لذلك يعمل البعض من أبنائه "الغيارى جداً" على تفعيل وتفجير ما تبقى من الألغام التاريخية المدفونة، وصنع المزيد منها؟
وفق جميع المقاييس يواجه العراق اليوم حرب الإبادة الجماعية، إبادة الجنس وعلى أيدي أبنائه الذين رضوا أن يبيعوا أنفسهم للشيطان ويكونوا مطايا للأجنبي لتنفيذ مخططات تآمرية كارثية لا تقل خطورة عما فعلوه في مؤامرة 8 شباط 1963، تحيكها نفس الجهات من قوى شريرة وراء الحدود.

علمونا منذ الدراسة الابتدائية أن الشعب العراقي هو الذي اخترع العجلة، والحروف الأبجدية، وعلَّم البشرية الكتابة، وسنَّ أول قانون في التاريخ...وأنه يقرأ الممحي، وما بين السطور ...الخ. وسؤالنا هنا لماذا ينخدع أبناء هكذا شعب ليكونوا مطايا لمن يريد بشعبهم الشر والهلاك؟ صحيح أن هؤلاء الأشرار أقلية، ولكن تأثيرهم التدميري كبير على أبناء الشعب، خاصة وأن وراءهم إعلام مضلل واسع، ويمتلكون قدرات تكنولوجية تدميرية كبيرة.

ليس عي العالم أي شعب متجانس عرقياً ودينياً ومذهبياً ولغوياً، ولو كانت التعددية مبرراً للاقتتال بين أبناء الشعب الواحد لأبيدت البشرية عن آخرها، ولكن الذي نلمسه لدى الشعوب المتحضرة هو العكس، فشعارهم (الوحدة في التعددية unity in diversity). فالتعددية سبب للوحدة والتماسك، والتحضر والتلاقح الفكري والحضاري، وإنتاج المزيد من الطاقات العقلية الخلاقة. ولذلك نلاحظ الشعب الأمريكي الذي هو شعب المهاجرين من كل القارات تفوَّق في جميع المجالات وأصبح صاحب أعظم دولة.

نقول إنها مؤامرات أجنبية، وهي لا شك كذلك، ولكن من الذي ينفذ مؤامرات الأجانب؟ أليسوا هم أبناء الوطن؟ فمن هم الذين يصبون يومياً المزيد من الزيت على نيران الفتن المشتعلة، أليسوا هم من أبناء هذا الوطن متسترين بالوطنية واليسارية، بل وحتى التقدمية، وبكاؤهم على "الديمقراطية الحقيقية" وحقوق الإنسان من أمثال جاسم الحلفي ورفيقته هناء إدوارد (محامية فراس الجبوري سفاح الدجيل)، الذين يزورون ساحات الاعتصامات الطائفية التي تقودها فلول البعث والقاعدة ويدافعون عنها بشهادات تزكية؟ أليس أحمد العلواني وسعيد اللافي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وهارون محمد، وكذلك عدنان حسين وغيره من شلة فخري كريم هم من أبناء هذا الوطن، فبدلاً من أن يسعوا لإطفاء الحرائق نراهم يساهمون مع أعداء العراق لوأد الديمقراطية وباسم الديمقراطية والوطنية؟

لو كان جاسم الحلفي كاتباً عادياً لهان علينا الأمر، ولكن المصيبة أنه عضو مكتب سياسي للحزب الشيوعي العراقي، الحزب الذي أدعى يوماً أنه حزب أوسع الجماهير، وعلم العراقيين معنى الوطنية!. إن شخصاً كهذا يقف في ساحة الاعتصامات إلى جانب أحمد العلواني وسعيد اللافي والبدراني، وأمثالهم من مشعلي الفتن الطائفية ويمنحهم الشرعية، أقول، إذا استطاع هكذا شخص أن يتبوأ موقع قيادي في الحزب فلا غرابة أن نرى شعبية هذا الحزب تراجعت وتدهورت إلى الحضيض.

أجل، يواجه العراق اليوم حرباً طائفية ضارية بتمويل دول معادية مثل السعودية وقطر وتركيا وغيرها، تدعمهم مشايخ الوهابية بالتحريض وإصدار الفتاواى لحقن الشباب وحثهم على الذهاب إلى العراق وتفجير أنفسهم لقتل الشيعة "الصفوية الروافضة المشركين" الذين يقتلون أهل السنة، كما يدعون. أرجو من القراء الكرام فتح الرابط أدناه قبل مواصلة القراءة ليتأكدوا إلى أي حضيض يقود هؤلاء الأئمة الضالين شعوبهم. (مدة الفيدو 5 دقائق)
https://www.facebook.com/photo.php?v=10201972332169527&set=vb.1221882258&type=2&theater

لاحظتم كيف مثّل الواعظ دوره خير تمثيل، حيث ألقي خطابه متظاهراً بالبكاء من شدة التأثر على ما يجري من قتل أهل السنة على أيدي الشيعة الروافض في العراق، فيصرخ بالدعاء: "اللهم اهلك الشيعة واليهود!!" وقد نجح أيما نجاح في إبكاء الحاضرين في المسجد من المؤمنين، وربما كان بينهم من يمثل أيضاً من أجل نشر عدوى البكاء في صفوف البسطاء لإبكائهم وإثارتهم. فهل حقاً يؤمن هذا الشيخ بما يقول؟ وهل حقاً لا يعرف أبناء أية طائفة يتعرضون يومياً للقتل الجماعي في العراق؟ ولماذا تم تصوير الخطبة في فيديو ونشره على أوسع نطاق؟ أليس الغرض منه هو تمزيق المسلمين بتحريضهم على قتل بعضهم بعضاً وباسم الإسلام؟ هل أمريكا وإسرائيل قالت لهذا "الإمام" الدجال أن يحرض على تمزيق المسلمين وتكفير من يختلف عنه في المذهب؟ فمن الحضور الواسع في المسجد،والعلنية والصراحة في إلقاء خطبة الفتنة نعرف أنه ما كان بإمكان هذا الإمام إلقاء موعظته التحريضية المسمومة ما لم يكن يحظى بموافقة ومباركة السلطة.

ولا شك أن الذين يقومون بحرب إبادة الشيعة في العراق وباكستان يحتاجون إلى مبرر ديني ليثبتوا به للبسطاء من أهل السنة أن الشيعة فعلاً كفرة، منحرفون، يشتمون الصحابة وزوجات الرسول، لذلك فقتلهم فرض عين على كل مسلم متمكن. ولهذا الغرض بالذات وكما تناقلت عدة مواقع التواصل الاجتماعي، تم نشر "مقطع فيديو يظهر فيه مجموعة من الشباب في إحدى مناطق بغداد يقودهم شخص يدعى ثائر الدراجي، وهم يحملون لافتات ويرددون هتافات بمكبرات الصوت عند مرورهم بالأعظمية ضد صحابة الرسول محمد (ص) وزوجته عائشة". *

بالتأكيد، إن الذين قاموا بهذا العمل الشنيع ليسوا جهلة ولا سذج كما أدعى البعض، بل هم خبثاء مرتزقة متآمرون جندوا أنفسهم لتمزيق شعبهم، ليمدوا دعاة الحروب الطائفية بالذريعة لتبرير جرائمهم ضد الشيعة مقابل المال الحرام.
وحسناً فعلت القيادات الشيعية (الدينية والسياسية والشعبية)، في إدانة هذه الفتنة وتجريمها واحتوائها بسرعة، إذ أفادت الأنباء أن المرجع الديني الشيعي الكبير آية الله السيستاني "استنكر ما قامت به مجموعة من الأشخاص بسب الصحابة، معتبرا ان ذلك يخالف ما أمر به اهل البيت لشيعتهم". (نفس المصدر)
وجاء في نفس التقرير: ((ندد رئيس الوزراء نوري المالكي، الأربعاء (9 تشرين الأول 2013)، بتجاوز "بعض المشبوهين" على الصحابة وتعدي على رموز دينية كبيرة، واصفا إياه بـ"العمل المشين" لتنفيذ مخطط يدعو الى الفتنة، فيما أكد صدور أوامر بإلقاء القبض ضد "ثائر الدراجي" لتقديمه للعدالة.)) وأضاف التقرير: ((كما قدم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، في ( 8 تشرين الأول 2013)، اعتذاره للمسلمين من "أهل السنة" عن ما قام به بعض من وصفهم "بالسذج أصحاب العقول الناقصة" ومن "ارتفع عوائهم في منطقة الأعظمية بأمور استفزازية"، ولفت إلى أنهم يفعلون ما أمرهم به "أسيادهم"، لتأجيج "الكراهية"، وتثبيت "الملك"، وأكد "شجبه وتبرؤه منهم".)) (نفس المصدر)
كذلك دعا رئيس كتلة دولة القانون النيابية الشيخ خالد العطية مجلس النواب الى تشريع قانون خاص يشدد العقوبة على من يتطاول على الرموز الدينية لجميع الطوائف والأديان.

لم أتذكر أن قامت أية مجموعة شيعية أو رجل دين شيعي، بتحريض ضد أهل السنة أو سب الصحابة إلا في حالات نادرة كما حصل قبل سنوات من قبل رجل دين شيعي مشبوه في الكويت، وتم طرده وإدانته من قبل الجميع. بينما أصبح التحريض ضد الشيعة من قبل بعض المشايخ السنية وبالأخص الوهابية فرض ديني وغذاءهم اليومي المفضل دون أن يقابل بأية إدانة أو حتى النصيحة. فقبل عامين وفي مقابلة تلفزيونية مع البي بي سي، أباح إمام مكة قتل الشيعة وأسر نسائهم وأطفالهم وبيعهم في سوق النخاسة كما كانوا يفعلون في صدر الإسلام إثناء الفتوحات مع غير المسلمين، وغيرها كثير من حملات التحريض ضد الشيعة دون أن يحرك أي زعيم سني ساكناً، ولكن ما أن يصدر تصرف سخيف من نفر ضال أدعوا أنهم شيعة في ترديد هتافات مشينة ضد رموز دينية سنية حتى وانطلقت موجة الإدانات من كل حدب وصوب، وكأنهم كانوا على موعد مع الحدث، مثل اللعبة السخيفة التي قامت بها جماعة مشبوهة أخرى في الزبير ضد أفراد من عشيرة السعدون وتمت إدانتها واحتواءها بسرعة.
واستغلت قادة الاعتصامات في المحافظات الغربية هذه السلوك المشين من زمرة المدعو ثائر الدراجي،  فاستغلوه أشد اسغلال، إذ أفادت الأنباء عن (إضراب عام في محافظات العراق الغربية تنديدا بالإساءة إلى الصحابة).
أكاد أجزم أن ردود الأفعال هذه كان مخططاً لها مسبقاً، إذ كما جاء في مقال السيد فراس الخفاجي عن "مقطع الشاعر الفلوجي وهو يخاطب الجمهور في تمجيد البعث المخلوع وصدام المقبور عندما يقول له "اضل لحد القبر احب صدام ولحد المنية"، وهذا يدل على ان الجهة التي تمول امثال هؤلاء واحدة".

فالمطلوب من القيادات الدينية والسياسية من السنة والشيعة إدانة مثيري الفتن من أي مذهب كانوا. ولكن الذي يحصل أن القادة السنة (إذا ما استثنيا منهم فضيلة الشيخ خالد الملاّ)، يدينون فقط إذا كان الجاني شيعياً ضد أهل السنة، أما إذا كان مثير الفتنة سنياً ضد الشيعة فيقابلونه بالصمت المطبق وربما يبررونه. نتمنى على السيد أسامة النجيفي والقياديين الدينيين من السنة الذين سارعوا في إدانة فتنة (ثائر الدراجي)، ودعوا إلى إضرابات عامة، أن يدينوا الفتن الأخرى أيضاً ومن جميع مصادرها. وأن يواصل النجيفي في حث"المواطنين كافة ابداء روح التسامح والتهدئة ونبذ التفرقة وعدم انجرارهم وراء الفتنة الطائفية".

ليعلم العراقيون من جميع مكوناتهم، أن هذه الأعمال التآمرية هي مخططات ترسمها أيادي أجنبية شريرة من وراء الحدود، سواء باسم أهل السنة أو الشيعة، الغرض منها تدمير العراق وعلى أيدي العراقيين أنفسهم. لذلك نهيب بالعراقيين الشرفاء أن ينتبهوا إلى هذه اللعبة القذرة وما يحاك ضدهم، وعلى المسؤولين عن أمن الشعب القبض على هؤلاء المجرمين، سنة وشيعة، ومن أي مستنقع جاؤا، وإجراء التحقيق معهم وفضحهم أمام الشعب والعالم، وإنزال أشد العقوبات بحقهم بما فيه عقوبة الإعدام ليكونوا عبرةً لمن اعتبر، لأن في الإسلام وكما جاء في القرآن: "الفتنة أشد من القتل"، ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.
ــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو علاقة بالمقال
* المرجع السيستاني: سب الصحابة مستنكر ومدان ويخالف ما أمر به اهل البيت
http://alakhbaar.org/home/2013/10/155676.html


101
من يهن يسهل الهوان عليه

د.عبدالخالق حسين

عنوان هذا المقال مقتبس من صدر بيت شِعر للشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي حين قال:
من يهن يسهل الهوان عليه....... ما لجرح بميت إيلام
هذه الحكمة تنطبق كلياً على وضعنا العراقي البائس في علاقاته مع الحكومات العربية "الشقيقة". وقد ضعتُ كلمة الشقيقة بين قويسات التنصيص " "، لأنها تعني عكس معناها القاموسي، إذ صارت تعني للعراقيين أسوأ من داء الشقيقة (الصداع النصفي)، والعياذ بالله!

جاء في الأخبار، وأغلبها أخبار سيئة في هذا الزمن الأغبر، أنه عندما يدخل المسافر العراقي إلى الأردن يواجه أسئلة محرجة ومذلة من قبل المسؤولين الأردنيين في مداخل الحدود، ومنها على سبيل المثال: "هل أنت سني أو شيعي، وهل سافرت إلى إيران؟". لم يخطر على بالي أن الأردن الذي يصنف الغربيون حكومته بالليبرالية (ما شاء الله!)، أن يتصرفوا بهذا الأسلوب المخجل مع ضيوفهم من المسافرين، طبعاً مع العراقيين فقط.

هذه المعاملة الهمجية إن دلت على شيء فإنما تدل على تخلف هؤلاء، وأنهم يمارسون العصبية الطائفية والتي هي أسوأ من جميع أنواع العصبيات القبلية البدوية، والعنصرية والفاشية. كما وسمعنا أسوأ من ذلك مثلاً عندما ينفق (أو يفطس) أحد الإرهابيين الأردنيين مثل الزرقاوي وغيره في العراق تقيم عشيرته حفلات الأعراس وتقديم التهاني بدلاً من مجالس العزاء، ويجعلون من نفوقه في العراق مناسبة استقباله من قبل الرسول على بوابة الجنة، وزفافه على 72 عذراء!! مكافأة لهم على قتله أبناء شعبنا من "الصفويين الروافض!!" على حد تعبيرهم.
وقبل ذلك بفترة اطلعتُ على تقرير عما يعانيه أطفال الصابئة المندائيين العراقيين في الأردن من مضايقات في المدارس الأردنية ومعاملتهم كفجار وكفار، علماً بأن الأمم المتحدة تدفع مبالغ كبيرة للأردن مقابل قبوله اللاجيئن العراقيين، إضافة إلى ما تقدمه الحكومة العراقية من مساعدات اقتصادية كبيرة.
المؤسف هو سكوت الحكومة العراقية عما يرتكبه الأردنيون بحق العراقيين. فرد الفعل اليتيم الوحيد الذي اطلعتُ عليه من المسؤولين العراقيين هو ما صرح به النائب الشيخ همام حمودي، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، في كلمة له نشرها على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، قائلاً: "اننا نقول للأردن و بقوة ان النفط الذي تأخذونه من الجنوب وتهينون ابناءهم لديكم بعنوان أنهم شيعة، ويزورون إيران، غير مقبول"، و"أننا سيكون لنا موقفا من الأردن إذا استمرت معاملة العراقيين غير الجيدة عند دخولهم أراضيها".
والجدير بالذكر، أن الحكومة الأردنية "كانت قد رحبت في وقت سابق بقرار العراق منح المملكة مساعدة بقيمة 25 مليون دولار على شكل كميات من النفط الخام." ربما كان ذلك مقابل الإهانات التي قدمتها  المملكة الأردنية للعراقيين.
ولم يقتصر تساهل الحكومة العراقية مع من يذل العراقيين ويهينهم في الخارج، بل وحتى في الداخل هناك تساهل مع الإرهابيين البعثيين الطائفيين الذين يرتكبون حرب إبادة الجنس ضد الشيعة بغطاء القاعدة، وبحجة أنهم يدافعون عن "السنة المهمشين" على حد إدعائهم، فهناك تساهل غريب وعجيب إلى حد الإذلال، الأمر الذي شجع الجناة وإعلامهم في الإمعان بجرائمهم. لقد أكدنا مراراً أن ما يسمى بالقاعدة والدولة الإسلامية في العراق، وغيرها من تنظيمات الإرهابية ما هي إلا تنظيمات إرهابية بعثية.
إن البعثيين ليسوا ضد الشيعة فحسب، بل وحتى ضد أهل السنة الذين يرفضون مجاراتهم في جرائمهم، لذلك نسمع عن نشاطاتهم الإرهابية في المناطق السنية مثل تكريت وعنة وراوىَ وغيرها في هجومهم المتكرر على المؤسسات الحكومية، بل وحتى تفجير مساجد أهل السنة في ديالى لأنهم أدوا صلاة مشتركة مع الشيعة كإشارة منهم ضد الإرهاب الطائفي.

لقد طالبنا الحكومة بأن تعامل البعثيين بنفس الطريقة التي يعامل البعثيون خصومهم. فالعراق في حالة حرب الإبادة، يواجه عدواً شرساً لا يقيم لحياة الإنسان أية قيمة، ويتمتع بإعلام قوي متمرس في التضليل، ويرتكب أبشع الجرائم ليلقي التهمة على الحكومة وبدعم من الإعلام المضلل.
فالحكومة لديها دستور يحرم التحريض الطائفي والعنصري فلماذا تسكت عن العاملين في صحافة التضليل مثل صحيفة المدى وقناة الشرقية والبغدادية وغيرها؟ أليس من واجب الحكومة تقديم هؤلاء إلى العدالة ليلقوا جزاءهم العادل؟ أية دولة ديمقراطية عريقة تسكت عن صحيفة أو مؤسسة إعلامية تمارس الكذب والتضليل والتحريض الطائفي والعنصري؟
وحتى البعثيون وإعلامهم استغلوا تساهل الحكومة مع الإرهابيين لصالحهم إذ بعد كل عملية إرهابية يرتكبونها، يشن الإعلام البعثي وحلفاءهم هجوماً والإدعاء بأن الحكومة ضعيفة لا تستطيع مواجهة الإرهاب وحماية أرواح الناس وممتلكاتهم، بل و تدعي أن "مليشيات" الحكومة هي التي تقوم بالتفجيرات. فنحن في زمن يسمى الجيش العراقي بالمليشيات، وتنظيمات الإرهابيين بالجيش الشرعي!!!

وبودنا أن نذكر رئيس الوزراء السيد نوري المالكي أنه لما قام بـ(صولة الفرسان) عام 2008 وأنقذ أهل البصرة ومدينة الصدر من شرور الجيش المهدي لقي ترحيباً حاراً من الشعب، كسب على أثرها شعبية واسعة. واليوم يقوم المجرمون من فلول البعث باسم القاعدة بقتل أبناء شعبنا الأبرياء في اللطيفية وغيرها من مناطق مثلث الموت، والجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية أقوى بعشرات المرات مما كان عليه عام 2008، لذا فالمطلوب من القائد العام للقوات المسلحة بالقيام بصولة فرسان أخرى في هذه المناطق وسحق الجناة. فالقتل يجري في مثلث الموت على الهوية الطائفية يومياً، ففي عملية واحدة تمت إبادة عائلة شيعية من 18 شخصاً. وبعد أيام من تلك الجريمة المروعة أفادت الأنباء عن تهجير نحو مائتين عائلة شيعية بتهديد من "القاعدة"، أنذروهم إما أن يرحلوا ويتركوا كل ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة كغنائم حرب، أو يبادوا عن آخرهم . فاختاروا الهجرة وتم اقتلاعهم من مناطق سكناهم لأسباب طائفية ليس غير. الغرض من هذه الجرائم هو التطهير الطائفي وتفريغ المناطق المختلطة من الشيعة إما عن قتلهم أو إرغامهم على الترحيل. هذه الجريمة استغلت من قبل أحد مرتزقة (المدى) ليكتب مقالاً يذرف فيه دموع التماسيح ليشن هجومه لا على الإرهابيين، بل على الحكومة بأنها ضعيفة لا تقوى على مواجهتهم وحماية أرواح الناس. كلمة حق أريد بها باطل.

ونحن لا ننكر تضحيات الجيش والأجهزة الأمنية وبطولاتهم في مقارعة الإرهاب، ولكن من حق المواطن أن يسأل، لماذا صمت الحكومة عن الكثير من الجرائم التي حصلت في اللطيفية؟ وما الغرض من وجود جيش وقوات أمنية تضم نحو مليون عنصر؟ لماذا لا تقوم هذه القوات بعمليات صولات فرسان أخرى لتطهير المناطق الموبوءة وكل العراق من الإرهابيين؟
لعل إقدام المالكي على صولة الفرسان ضد جيش المهدي لأنهم شيعة، فلا يتهمه أحد بأن حملته كانت بدوافع طائفية ضد السنة، الاتهام المحتمل توجيهه للمالكي فيما لو شن هجوماُ على فلول البعث/القاعدة في المحافظات السنية. ولكن هذه التهمة يجب أن لا توقف القائد العام من القيام بواجبه لحفظ أرواح الناس، فحتى في حالة الهجوم على جيش المهدي (الشيعي) لم يسلم المالكي من اتهام من نوع آخر، إذ اتهموه بأنه حارب الجيش المهدي ليزيح التيار الصدري المنافس له في المناطق الشيعية!!. ولكن أثبت الزمن تفاهة وسخف وهراء هذه التهمة. وبنفس المنطق نقول، على السيد المالكي أن يقوم بحملة أخرى ضد فلول البعث ولا يخاف في الحق لومة لائم، ومهما شن الإعلام البعثي القاعدي ومن ورائه من الإعلام العربي من ضجيج طائفي. فأهل السنة تم اختطافهم من قبل فلول البعث والقاعدة، وهم أيضاً يطالبون بإنقاذهم من شرور تحالف الإرهابيين البعثيين والقاعدة، وأفضل دليل على ذلك، ما ذكره الدكتور سعدون الدليمي بصفته وزير الدفاع بالوكالة، عن مطالبات أهل الموصل والأنبار وتكريت له لخلاصهم من ابتزاز البعثيين. 

وبالعودة إلى ما يتلقاه العراقيون من إذلال وإهانات على أيدي الأردنيين، ومقابل هذه الإهانات تقدم الحكومة العراقية مساعدات اقتصادية للحكومة الأردنية، الأمر الذي جعل إهانة العراقيين من قبل الأردن، وشن حرب الإبادة ضدهم من قبل البعثيين المتحالفين مع، والمتسترين وراء "القاعدة" أمراً سهلاً يتمادون فيه.
لقد وقع البلدان (العراق والأردن) في التاسع من نيسان الماضي اتفاقية إطارية لمد أنبوب لنقل النفط الخام العراقي من البصرة، جنوب العراق، إلى مرافئ التصدير في ميناء العقبة. وكان العراق قرر في 27 تشرين الثاني من العام الماضي تقديم مئة ألف برميل مجانا للأردن بهدف مساعدته في أزمته الاقتصادية. ويستورد الأردن حاليا حوالى عشرة آلاف برميل من النفط العراقي الخام وبأسعار تفضيلية {بفارق يقل عن 18 دولارا عن السعر العالمي للبرميل} وهي كميات تشكل 10 في المئة من احتياجاته النفطية التي يستورد معظمها من السعودية.
لا شك أن هذا الكرم الحاتمي العراقي للأردن جعل الأردنيين يتمادون في إهانة العراقيين.

الشعب العراقي وبالأخص المكون الشيعي منه، يواجه حرب الإبادة على أيدي البعث القاعدي، ومن الخطأ معاملة الإرهابيين كجناة عاديين، بل يجب معاملتهم كمجرمي حروب الإبادة، وهذا يعني على الحكومة العراقية ضرب الإرهاب في الداخل بيد من حديد، ومنح القوات المسلحة والأجهزة الأمنية صلاحية إبادتهم عند المواجهة، وتنفيذ حكم الإعدام بهم فور صدور حكم القضاء بحقهم دون تأخير أو تسويف.
كذلك يجب معاملة "الأشقاء" العرب بمثل ما يعاملون العراق، فهؤلاء يفسرون المعروف ضعفاً.
إذ كما قال زهير بن أبي سلمى قبل نحو 1400 سنة :
من يصنع المعروف في غير أهله... يكن حمده ذماً عليه ويندمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذو علاقة بالموضوع:
الشيخ حمودي يستهجن رفض الاردن لدخول العراقيين الشيعة اراضيه ويقول انه امر غير مقبول
http://alakhbaar.org/home/2013/9/154201.html


102
التفاهم الإيراني – الأمريكي انتصار للسلام والحكمة

عبدالخالق حسين

منذ فوز الدكتور حسن روحاني في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، وإعلانه سياساته الوسطية المعتدلة برزت علامات تشير لأول مرة إلى بدء مرحلة جديدة في العلاقات الإيجابية بين إيران والعالم الغربي بقيادة أمريكا منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979. فقد بدأ الرئيس روحاني انفتاحه على العالم  خلال حملته الانتخابية، وبتصريحات عقلانية هادئة بعد فوزه، ومن ثم تأكيده عليها بخطابه في الأمم المتحدة، وما تلاه من اللقاء التاريخي بين وزيري خارجية البلدين: الإيراني محمد جواد ظريف، والأمريكي جون كيري، وتصريحاتهما الودية والإيجابية للصحفيين بعد ذلك اللقاء. وأخيراً تكللت هذه الجهود بالمكالمة الهاتفية مساء 27 أيلول الجاري، بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الإيراني حسن روحاني، الأولى من نوعها منذ اربع وثلاثين عاما.
كما وكرر روحاني مرات عدة خلال زيارته إلى نيويورك ولقاءاته الصحافية المتعددة أنه «لا مكان للأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في عقيدة إيران الدفاعية«. ومن جانبه أكد أوباما بعد المكالمة الهاتفية مع روحاني، أن من حق إيران امتلاك التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية.

كذلك انتصار الدبلوماسية الروسية على متشددي اللوبيات الأمريكية من قارعي طبول الحرب في حل الأزمة السورية، هو الآخر يبشر بمرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وكذلك "تبني مجلس الأمن الدولي بالإجماع مشروع قرار يلزم سوريا بتفكيك ترسانتها من الأسلحة الكيمياوية، بعد موافقة منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية على جدول زمني لتنفيذ هذه العملية"، وإصرار المندوب الروسي بعدم اللجوء إلى استخدام القوة فيما لو خالفت سوريا الالتزام بوعودها إلا بقرار جديد من المنظمة الدولية.
 
لا شك أن كل هذه التطورات الإيجابية هي في صالح شعوب الشرق الأوسط، والتي تبشر بمرحلة جديدة من السلام والازدهار لم تألفها المنطقة من قبل.

ولكن يبدو أن هذه التحولات الإيجابية السريعة في العلاقات بين إيران وأمريكا وحلفائها، وحل الأزمة السورية سلمياً، أغاضت كثيرين من كتاب المقالات والإعلاميين العرب، وبالأخص مرتزقة السعودية ولوبيات مصانع وتجارة السلاح في أمريكا، الذين شغلهم الشاغل هو دق طبول الحرب، والتبشير بأن أمريكا وإسرائيل على وشك شن حرب على إيران لتدمير منشآتها النووية، وأن إيران ستقابل ذالك بالهجوم على حلفاء أمريكا في المنطقة...الخ.

ذكرنا مراراً في مقالات سابقة أن الغرض من إثارة مخاوف الدول الخليجية من البعبع النووي الإيراني هو حمل هذه الحكومات على شراء الأسلحة من الغرب وخاصة من أمريكا بمئات المليارات الدولارات، فما تحصل عليه الدول الخليجية من واردات نفوطها، يسترجعها الغرب ببيع السلاح عليها، والذي من غير المتوقع أن تستخدمه هذه الحكومات أبداً.

فبعد أن حققت أمريكا غرضها من بيع الأسلحة، وتم تدمير الجيش السوري على يد "جبهة النصرة" (القاعدة) بدعم خليجي (السعودية وقطر) نيابة عن إسرائل، وبعد أن انتصرت الدبلوماسية الروسية والصينية والإيرانية في حل المعضلة السورية سلمياً، وتأكد الرئيس أوباما أن البديل لنظام بشار الأسد هو نظام إسلامي متشدد بزعامة (جبهة النصرة) على غرار ما حصل في أفغانستان في عهد حكم طالبان، وما حصل من كوارث على أمريكا بعد كل ذلك، انتصر صوت العقل على صوت طبول الحرب. وها هو الرئيس أوباما لعب لعبته الحكيمة في الخروج من الأزمة مع حفظ ماء الوجه، ليجنب أمريكا من خوض حروب جديدة في عهده. ولهذا السبب تعرض أوباما خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى حملة إعلامية ضارية من قبل المتشددين في أمريكا، ومحاولة إظهاره بالرئيس الضعيف، وتشويه صورته... ولكن أثبت أوباما أنه يتمتع بالحكمة والصبر والحنكة السياسية إلى حد أن وصفه أستاذ في جامعة كولومبيا في كتاب له بماكيافيللي العصر. 

أجل، التقارب الإيراني- الأمريكي أغاض الكثيرين من مرتزقة لوبيات الحروب، وكتاب الأعمدة، فراح كل يفسره على هواه وحسب موقفه السياسي، وكما يشتهي ويتمنى أن يكون الوضع... أتفق مع بعض هذه المواقف وأختلف مع الآخر. أنقل أدناه بعضاً من هذه النماذج.

كتب السيد عبدالباري عطوان في صحيفته (القدس العربي)، مقالاً بعنوان: (أمريكا تغازل إيران، والعرب أضحوكة جديدة) جاء فيه: "بدأت الهجمة الدبلوماسية الايرانية التي يقودها الرئيس حسن روحاني تعطي ثمارها في كسر العزلة السياسية، تمهيدا لكسر الحصار الاقتصادي الخانق، وبما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الاعتراف بدور إيران كقوة اقليمية عظمى في منطقة الشرق الأوسط." وبحق، يتشمت السيد عطوان بالسعودية وغيرها من الدول الخليجية التي دفعت نحو عشرة مليارات دولار لتدمير سوريا، فيختتم مقاله بالقول: "فهنيئا للامريكان ولا عزاء للاغبياء".
وهذه من المرات القليلة التي أتفق فيها مع السيد عبدالباري عطوان، فلا عزاء لكم مني أيضاً أيها الأغبياء، وموتوا بغيضكم يا مرتزقة السعودية على الانفتاح الإيراني - الأمريكي، واحتقار أمريكا للسعودية وغيرها من الدول الخليجية.

مقال آخر في هذا الخصوص بعنوان: ((»التسوية«  الأميركيّة الروسيّة: إيران أكبر الرابحين والسعودية أول الخاسرين))، بقلم السيد ابراهيم ناصرالدين، على موقع (بانوراما الشرق الاوسط، يوم الاثنين 16 ايلول 2013)، هو الآخر يندب حظ السعودية، ويؤكد أن أمريكا تجاهلت استشارة حلفاءها الخليجيين حتى ولو من باب المجاملة في تفاهمها مع إيران.
في الحقيقة لم يبق أمام الملك السعودي لحفظ ماء الوجه سوى توجيه دعوة للرئيس روحاني للمشاركة في موسم الحج، واتخاذ هذه المناسبة فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. وحتى في هذه الحالة تكون إيران هي المنتصرة أيضاً لأنه في حالة كسب رضا إيران، على السعودية أن تتخلي عن حملتها في إشعال الحروب الطائفية ضد الشيعة في دول المنطقة (العراق وسوريا ولبنان).

أما الموقف الثالث من التقارب الإيراني الأمريكي هو رأي (المدى) صحيفة فخري كريم، في مقال غفل من اسم الكاتب، مليء بالحقد والتوتر والتشنج والكذب، بعنوان: (أوساط البيت الأبيض: العد العكسي بدأ لمرحلة ما بعد المالكي). والمعروف عن صاحب المدى أنه كرس صحيفته وجوقته ضد نوري المالكي وكأن هناك عداء شخصي بينهما، فيصور الموقف كله كما لو أن التقارب الإيراني – الأمريكي مخطط خصيصاً للإطاحة بنوري المالكي!!!. إذ يبدأ التقرير بالقول: "تتجمع مؤشرات لافتة على أن التقاطعات الأمريكية ـ الإيرانية التي شكلت العامل الأساس في اسناد السلطة الى رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي قبل ثلاث سنوات، سقطت سقوطا كاملا، وعلى مسافة أشهر قليلة من انتخابات 2014 البرلمانية، كل شيء يدل على أن حسابات ما بعد المعركة لا تشبه ما قبلها".

يقول المثل العراقي (حِب واحكي، أكره واحكي). فأقل ما يقال عن هذا المقال أنه كشف عن رغبات فخري كريم وخياله المريض وحقده الدفين ضد شخص نوري المالكي. ولإثبات فنطازياته يذكر أن أوباما ألغى لقاءً كان مقرراً عقده مع المالكي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مما أثار غضب المالكي ...الخ. وحتى لو صح الخبر عن الغاء اللقاء، فقد ألغى أوباما ولأسباب خاصة به لقاءات مع رؤساء عديدين، منها لقاءه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، وآخر مع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، وربما رؤساء آخرين، ولكن هذا لا يعني أن أمريكا تخطط للإطاحة بهؤلاء الرؤساء لمجرد إلغاء لقائهم مع الرئيس الأمريكي.

كذلك يصوِّر فخري كريم أن المالكي تم تنصيبه رئيساً للوزراء ليس من خلال صناديق الاقتراع، وتصويت الأغلبية البرلمانية، بل من قبل إيران وأمريكا. وطالما تم التقارب بين إيران وأمريكا فقد انتهى دور العراق ولا بد أن يتم إسقاط المالكي!!.
هذا الكلام فيه تجاوز على الشعب العراقي وملايين الناخبين العراقيين الذين تحدوا الإرهاب البعثي القاعدي، للإدلاء بأصواتهم. نسي أن عهد تنصيب الحكام من وراء الحدود قد ولى وإلى غير رجعة، ولهذا السبب خسر فخري كريم ومن لف لفه ثقة الجماهير، ولذلك انضم المفلسون سياسياً وفكرياً وأخلاقياً ومنهم فخري كريم وشلته إلى جماعات الإعتصمات الذين تبنوا الطائفية وسيلة لإعادة سلطتهم. وصارت صحيفتهم (المدى) لسان حال البعثيين وحلفائهم في ساحات الاعتصامات وبلا خجل.
نسي هؤبلء أن الشخص المفضل لدى أمريكا لتبوئ منصب رئاسة الحكومة كان أياد علاوي، ولكن الأغلبية البرلمانية هي التي قررت تنصيب نوري المالكي وليس علاوي رئيساً للحكومة.   

يتصور فخري كريم في تقريره وكأنه مشارك في لقاءات البيت الأبيض، أو على الأقل على علاقة مقربة مع الإدارة الأمريكية، أو هكذا يريد أن يوحي للقراء لتأكيد مصدر معلوماته!!، فيقول أنه بعد ما حصل من تفاهم وتقارب بين إيران وأمريكا، فلم تكن هناك حاجة للمالكي، وهذا التفاهم بداية رحيل المالكي!!.. في الحقيقية فضح فخري كريم نفسه في محاولة إظهار التقارب الأمريكي- الإيراني وكأنه موجه ضد العراق، وهذا ما يسمى بالأفكار الرغبوية (wishful thinking)، العكس هو الصحيح، فأي تقارب بين البلدين (إيران وأمريكا) هو في صالح العراق وجميع دول المنطقة.
ومن هنا فإننا نبارك لشعوب المنطقة هذا التقارب، لأنه من شأنه نزع فتيل الفتن الطائفية، وإلحاق الهزيمة بالمحور الطائفي السعودي-القطري-التركي، واعتباره انتصاراً لشعوب المنطقة. ولذلك نردد مع السيد عبدالباري عطوان: "لا عزاء للأغبياء".

الملاحظ أيضاً هذه الأيام، مع هزيمة المحور السعودي- القطري- التركي، تصاعد الحملة الضارية من قبل كتاب شيعة ضد السياسيين الشيعة. ففي مقال قيم له بعنوان (مخطط - حرق الأعشاش- الجديد) ذكر الكاتب الوطني المعروف الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي، قائمة من الإجراءات التي اتخذها أعداء النظام الديمقراطي في العراق الجديد، من ضمنها: (شراء مثقفين وكتاب من الشيعة وإبرازهم على أنهم ضد الأحزاب الشيعية في مسعى لخلخلة ثقة الناخبين الشيعة بسياسييهم ومرشحيهم ممن هم خارج دائرة الولاء لحزب البعث، فتوجيه اللوم والنقد للشيعة على لسان أشخاص من طائفتهم يلقى آذانا صاغية بعكس الأمر فيما لو تم ذلك من خلال أشخاص آخرين.)

في الحقيقة هذه الحملة مستمرة منذ مدة، سواءً من كتاب شيعة معروفين أو من كتاب طائفين يكتبون بأسماء شيعية مستعارة يبدؤون مقالاتهم الحاقدة بالمناحات على الحسين...!!، ولكن حصلت نقلة نوعية في الآونة الأخيرة بدخول عدد من الكتاب المحسوبين على اليسار للأسف الشديد، ودون أي مراعات لشيبتهم، إذ راحوا يستخدمون عبارات شتائمية وتهكمية نابية يندى لها الجبين ضد بعض السياسيين الشيعة، ما كنا نتمنى لهم هذا المنزلق وهم في أرذل العمر.

الخلاصة:
وكما أكد الزعماء الإيرانيون والأمريكيون، أن هناك مشاكل كبيرة وأزمة ثقة مزمنة بين البلدين عمرها 34 سنة، فمن غير المتوقع حلها بين يوم وليلة، ولكن في نفس الوقت جميع الأطراف متفائلون، وأكد الرئيس روحاني أنه يتوقع حل المشاكل ما بين 3-6 أشهر. وأعرب الجميع عن حسن نواياهم في هذا المجال. وعليه، أرى من واجب كل إعلامي شريف ومخلص لوطنه يريد الخير والاستقرار والازدهار لشعبه أن يرحب بأي تقارب بين إيران وأمريكا وجميع شعوب المنطقة. والتطورات الأخيرة هي في صالح العراق بالدرجة الأولى، لأنها تعتبر هزيمة للإرهابيين الطائفيين ومن يساندهم من أصحاب الأقلام والأبواق المأجورة، وتحت أية أيديولوجية تلحفوا، فرحلة الألف ميل بدأت بالخطوة الأولى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1 - محمد ضياء عيسى العقابي: مخطط - حرق الأعشاش- الجديد
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=377289

2- عبدالباري عظوان: امريكا تغازل ايران علنا والعرب اضحوكة مجددا
http://www.raialyoum.com/?p=5897

3- عبدالخالق حسين: على أمريكا إما أن تحتل سوريا أو تتركها لحالها
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=601


103
على أمريكا إما أن تحتل سوريا أو تتركها لحالها

عبدالخالق حسين

"لا تترك عدوك جريحاً، فإما أن تقتله أو تصادقه" - مكيافيلي


كثير من الناس، وأنا منهم،  يتوسمون بالرئيس الأمريكي باراك أوباما سلامة السريرة والنوايا، وأنه رجل مسالم ومتعقل يحب أن يعم السلام ربوع العالم. وعلى هذا الأساس مُنِح أوباما جائزة نوبل للسلام خلال الأشهر الأولى من ولايته الأولى وحتى دون أن تنتظر لجنة نوبل للتأكد من سياساته اللاحقة، وقيل في وقته أن اللجنة منحته الجائزة كمحفز لدفعه إلى السلام. ولذلك أرى أن التحول المفاجئ في موقف أوباما من سوريا وحماسه الظاهري للضربة الخاطفة بتوريط أمريكا مرة أخرى في حروب لا يعرف كيف يخرج منها، ناتج عن ضغوط من التيار المتشدد في الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، ومختلف اللوبيات، وخاصة اللوبي الإسرائيلي، فهؤلاء هم الذين يحكمون من وراء الكواليس، و أوباما يعرف أنه إذا لم ينفذ ما يطلب منه، فسيكون مصيره كمصير الرئيس جون كندي، سيقتل، ويقتل القاتل مباشرة لإخفاء معالم الجريمة.

على أغلب الاحتمال، ستقوم أمريكا لوحدها بالضربة وحتى بدون موافقة الأمم المتحدة. إذ يبدو أن معظم حلفاء أمريكا في الناتو غير راغبين في المشاركة، لذلك راحوا يبحثون عن مخرج من هذا المأزق مع حفظ ماء الوجه كما خرجت بريطانيا بعد رفض البرلمان، وكذلك فرنسا بدأت تمهد لتبني النهج البريطاني، حيث صرح وزير خارجيتها لوران فابيوس "إنّ التقرير المتوقع من مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة حول الهجوم الكيماوي بسوريا سيكون مخيبا.." لأنه "لم يطلب من المفتشين التوصل لهوية منفذ الهجوم، وهذا هو السؤال الحاسم." منوِّهاً إلى أنه من المحتمل استشارة البرلمان قبل اتخاذ القرار.
وحتى لو صوتت غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي لصالح القرار الأمريكي، فمن المؤكد أن روسيا والصين ستستخدمان حق النقض (الفيتو)، وبذلك تكون الضربة الأمريكية غير شرعية، وربما سيتخذ أوباما هذه الحجة ذريعة للخروج من المأزق. فجميع الاحتمالات مفتوحة، وربما ستحصل الضربة كما يطالب بها التيار المتشدد في الإدارة الأمريكية ويمهد لها الإعلام الغربي.

ما الغرض من الضربة الأمريكية؟ وتحت أي غطاء؟

الغطاء هو اتهام نظام بشار الأسد باستخدامه السلاح الكيمياوي المحرم دولياً ضد شعبه، ولذلك يطالب أوباما المجتمع الدولي بالقيام بواجبه الأخلاقي ضد هذه الجريمة المنكرة  دفاعاً عن حقوق الإنسان في سوريا و أنه يريد إنقاذ الشعب السوري من قسوة دكتاورية متوحشة، وأن الضربة هي رسالة ردع لجميع المستبدين في العالم بأن المجتمع الدولي لن يسكت عن جرائمهم ضد الإنسانية.
 
وليكسب أوباما الرأي العام العالمي، وخاصة الشعب السوري، والجانب الأخلاقي للضربة العسكرية، يعيد القول بأنها ستكون ضربة محدودة، وخاطفة ودون احتلال الأرض أو إسقاط النظام، وأن الغرض منها تأديب بشار الأسد، وإضعاف قواته المسلحة لتغيير موازين القوى لصالح قوات المعارضة، وبالتالي لكي يسهل على الأخيرة إسقاط حكم البعث.

لا شك أن الأغراض المعلنة من الضربة هي مجرد واجهة إعلامية لتضليل الرأي العام، أما الأغراض الحقيقية والنتائج فستكون على العكس تماماً، أي إلحاق أشد الأضرار بالشعب السوري، ولصالح إسرائيل والسعودية... وهناك أخبار تفيد أن السعودية عرضت على أمريكا ستين مليار دولار مقابل شن الهجوم على سوريا.

خطة أوباما لسوريا هي تكرار لخطة كلينتون مع صدام
إذا كان الغرض من خطة ضرب سوريا هو إسقاط النظام وحماية الشعب السوري من شروره، فهي خطة فاشلة من الآن، لأن لدينا تجربة مشابهة للخطة الأمريكية الحالية للتعامل مع سوريا، وهي خطة إدارة الرئيس الأسبق بِل كلينتون مع نظام صدام حسين، باسم "ضربة ثعلب الصحراء" المحدودة والمكثفة جدا لمواقع عراقية عام 1998... حيث كانت القوات الأمريكية تقصف بغداد ومناطق أخرى، نتج عنها تدمير المنشئات الاقتصادية وغيرها، وألحقت المزيد من الكوارث بالشعب العراقي، ودون أن تضعف النظام. وهاهو أوباما يريد تكرار خطة كلينتون مع بشار والتي أثبتت فشلها مع صدام. لذلك كانت خطة الرئيس جورج دبليو بوش في إسقاط النظام الصدامي عن طريق الاحتلال أفضل بكثير من الضربات الصاروخية عن بعد وتدمير البلاد والعباد مع إبقاء النظام.

بالتأكيد يختلف كثيرون معي في الدعوة للاحتلال بدلاً من تدمير القوات العسكرية السورية، والسبب هو ما رافق التجربة العراقية من كوارث الإرهاب المنفلت بعد التحرير، والذي شنته فلول البعث وبهائم القاعدة، وعصابات الجريمة المنظمة، والاقتتال الطائفي...الخ، وأنكروا جميع محاسن هذه التجربة وفوائدها، واتخذوا منها بعبعاً لردع أية عملية مشابهة ومهما كانت الحاجة ماسة إليها، ولم يسألوا أنفسهم ماذا كان سيحصل للعراق لو لم يتم إسقاط البعث بالغزو الأمريكي؟ وإذا ما سُئِلوا، فيجيبون كما يتمنون وليس كما كان عليه الواقع.

هل حقاً فشلت التجربة العراقية؟

إن الذين شوهوا سمعة التجربة العراقية فريقان: الأول، هم أعداء التغيير والديمقراطية من داخل العراق، مثل فلول البعث وأعوانهم الذين أدمنوا على احتكار السلطة لطائفة معينة، تدعمهم جهات خارجية من حكومات ومؤسسات إعلامية وتنظيمات إرهابية، لا حباً بالبعث، بل كرهاً للديمقراطية ولأسباب طائفية وعنصرية واقتصادية لا يريدون للعراق أن ينهض.
الفريق الثاني، هم من أصحاب النوايا الحسنة الذين عارضوا حكم البعث الصدامي وكانوا من ضحاياه، وعانوا من ويلاته، ولكنهم كانوا يتصورون أنه بمجرد إسقاط حكم البعث سيتحول العراق بين عشية وضحاها إلى سويسرا... وهذا ما يسمى بالتوقعات غير الواقعية (high expectations)، وهي ظاهرة خطيرة تؤدي إلى الإحباط.

مشكلة هؤلاء الناس الطيبين أنهم لم يدركوا حجم الخراب الذي ألحقه حكم البعث بالمجتمع العراقي، وجبروت صدام وطغيانه وجنونه، واستعداده لإبادة الشعب في سبيل البقاء في الحكم، وصعوبة إسقاط حكم دكتاتوري همجي وحش، حكم العراق 35 سنة بالقبضة الحديدية، عانى شعبه خلالها من الحروب الداخلية والخارجية والحصار، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والردة الحضارية وما رافق ذلك من احتقانات طائفية وعنصرية وعداء وأحقاد بين مكونات الشعب الواحد وفق مبدأ (فرق تسد)، ظهرت نتائجها بعد سقوط النظام، أشبه بالخرّاج الذي بمجرد أن لامسه مشرط الجراح راح القيح يتدفق مدراراً بروائحه العفنة. وبدلاً من دراسة هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها الحقيقية، راحوا يلومون الأمريكان والديمقراطية "المزيفة" وشخصنة المشاكل وإلقائها على عاتق من تضعه الأقدار في موقع المسؤولية العليا، ناسين أن إسقاط هكذا حكم وحشي لم يكن سهلاُ كما كان يحصل في الانقلابات العسكرية في العراق قبل 2003، ولا بد وأن ترافق إسقاط هكذا حكم مشاكل كثيرة وكبيرة. يقول المثل الإنكليزي: (After the event everybody is clever) أي بعد فوات الأوان كل واحد يدعي الذكاء.
ينكر هؤلاء أن المشاكل والتضحيات ومهما بلغت، فهي أقل بكثير مما لو ترك النظام يواصل سياسته الاجرامية بحق الشعب في نشر السجون والمقابر الجماعية وتشريد الملايين إلى الشتات حيث صار الألوف منهم طعاماً للأسماك.

كما ويعتقد آخرون أنه لو تُرِك صدام لاستطاع الشعب إسقاطه دون الحاجة إلى الاحتلال الأمريكي وما رافقه من اقتتال طائفي، ولأن حكمه كان ضعيفاً في أواخر أيامه، يحتاج إلى مجرد ركلة لإسقاطه (كذا).
هذا الكلام إما ناتج عن سذاجة وجهل في أحسن الأحوال، أو عن خبث وكذب في أسوئها. لقد ذكرت مراراً أن صدام كان يتمتع بعبقرية شريرة (criminal genius)، حيث استطاع مثل بطل السيرك، أن يروِّض الوحوش البعثية الضارية ويخضعها لطاعته المطلقة، وشكَّل منهم جيوشاً ومنظمات مدججة بالسلاح طوع بنانه دفاعاً عنه وعن نظامه حتى الموت، في مواجهة شعب أعزل جائع بالغَ في إذلاله بحكمه الجائر  والحروب وزوار الفجر والحصار الاقتصادي.
وقد اعترف صدام  باستحالة سقوط حكمه عندما خاطب رئيس المحكمة الجنائية العليا بلغته السوقية قائلا: (لو لا أمريكا، "لا إنت ولا أبوك " تستطيعان إحضاري للمحكمة). وهذا هو الواقع، فلولا أمريكا لبقي صدام  يواصل إجرامه بحق الشعب العراقي ومن بعده أبناءه وأحفاده إلى أجل غير مسمى.

وأقولها للمرة العاشرة، أنه من حسن حظ الشعب العراقي أن "تورطت" أمريكا في إسقاط حكم البعث، وهذا ما يسمى بمكر التاريخ. فلو سقط حكم البعث عن أي طريق آخر مثل موت طبيعي لصدام، أو انقلاب عسكري، أو انتفاضة شعبية...الخ، لكان مصير العراق أسوأ من مصير الصومال بعد الانقلاب على الدكتاتور محمد سياد بري، علماً بأن الشعب الصومالي متجانس قومياً ودينياً وطائفياً ولغوياً، ولم يكن سياد بري جائراً بدرجة صدام حسين. لذلك، فلو سقط حكم البعث بدون التدخل الأمريكي لقتل العراقيون بعضهم بعضاً عن آخرهم ودون وجود قوات دولية تحميهم من أنفسهم، وللحد من هذا القتل الجماعي.
وبناءً على ما تقدم، أعتقد جازماً أن كل ما حصل في العراق بعد سقوط حكم البعث، كان شراً لا بد منه وكان الحد الأدنى من الثمن الباهظ المطلوب من الشعب العراقي دفعه مقابل خلاصه من هذا النظام الهمجي الشرس، يحصل بعد سقوط أي نظام جائر، وما كان بالإمكان تفاديه في جميع الأحوال. أما الذين يتصورون العكس وأنه كان بالإمكان تجنب هذه الكوارث لو خطط بشكل أفضل كما يتصورون، فهذه الخطط كثيرة في التنظيرات ومخيلات الطوباويين الحالمين الذين أضاعوا حياتهم في طلب المحال. ولهذه الأسباب، أرى أن التدخل الأمريكي كان في صالح الشعب العراقي. ورغم كل الإعلام المعادي للعراق وما يتعرض له من إرهاب البعثيين، فلا بد للعملية السياسية أن ينتصر.

ما العمل في سوريا؟

وبالعودة إلى الأزمة السورية، أرى أن أوباما في ورطة، فالعالم، وحتى أقرب حلفاء أمريكا ليسوا مستعدين للتورط في حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط السريعة الاشتعال. وظهر ذلك جلياً من عزلة أوباما في مؤتمر مجموعة العشرين (G20) في سينت بيترزبورغ/ روسيا. وعلى الأغلب يتمنى أوباما لو يخرج من هذا المأزق بشكل وآخر مع حفظ ماء الوجه، إما برفض الكونغرس الأمريكي للضربة على غرار ما قام به البرلمان البريطاني الذي أنقذ ديفيد كاميرون من الاحراج، أو رفض مجلس الأمن الدولي للضربة، وفي جميع الأحوال أمام أوباما السناريوهات التالية:
السيناريو الأول، وهو المخطط الآن، ضربة سريعة تضعف حكومة بشار الأسد ، بتدمير جميع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الاقتصادية والخدمية، تتيح الفرصة للجيش السوري الحر والقاعدة (جبهة النصرة) إسقاط الحكومة، وما يترتب على ذلك من كوارث بشرية ومادية تشمل المنطقة بكاملها. وهذا السيناريو سيحول سوريا إلى أسوأ من الصومال، وربما ستعيد السيناريو الأفغاني بعد إسقاط الحكم الشيوعي فيه (1)، وتبدأ حروب إبادة الجنس (الجينوسايد) ضد جميع الأقليات الدينية، وهذه الأقليات وخاصة العلويين ليسوا مستعدين ليُذبحوا كالخراف، فلا بد وأنهم أخذوا الحيطة والاستعدادات لمواجهة هكذا احتمال، وبذلك فإن الأغلبية السنية ليست بمنجى عن الإبادة أيضاً. وبعد أن يبيد الجيش السوري الحر جميع الأقليات، ستنشب حرب الإبادة بين جناحيه، الديني المتشدد "جبهة النصرة (القاعدة) وهي الأقوى، وبين الجناح العلماني، وقد تمتد نيرانها إلى جميع دول المنطقة وبالأخص لبنان والعراق. ولهذا نرى أن الضربة الخاطفة جريمة بحق الشعب السوري وشعوب المنطقة.

السيناريو الثاني، عدم ضرب سوريا، وحل الأزمة بالمفاوضات السياسية أي العودة إلى (مؤتمر جنيف2). ومن المناسب أن أذكر هنا ما قدمه رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي من مقترحات لحل الأزمة السورية سلمياً من تسع نقاط، كما جاء في صحيفة الشرق الأوسط (2)

السيناريو الثالث: وإذا كان لا بد من إسقاط حكم البعث في سوريا بالقوة، فمن الأفضل إسقاطه بنفس الطريقة التي تم فيها إسقاط حكم البعث الصدامي في العراق مع الاستفادة من أخطائها لتجنبها، ولكن يجب أن نضع في الحسبان أن كل تجربة لها خصوصياتها، والقيام بهكذا عمل ضخم وخطير لا بد من حصول أخطاء ومشاكل من نوع جديد، ولكن ترك الحالة بلا حل أخطر.

وكما ذكرت أعلاه، إن هذا السيناريو سيلاقي معارضة من قبل الكثيرين وبالأخص من قبل الطوباويين، كذلك لا يريد أوباما السير على خطى سلفه جورج بوش، ولكني أعتقد جازماً أن هذا الحل يوفر وجود القوات الدولية بقيادة أمريكا للسيطرة على الوحوش الضارية والنزعات الانتقامية البدوية المنفلتة لإرتكاب جرائم إبادة الجنس. ولكن على الأغلب، لا الشعب الأمريكي ولا  الرئيس أوباما في مزاجية القيام بمثل هذا العمل.
وعليه فاختيار الحل السلمي بالمفاوضات السياسية هو الأسلم والأصوب.
ــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1 عبدالخالق حسين: هل ستعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=512

2 المالكي يطرح مبادرة من تسع نقاط لحل الأزمة السورية
http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12700&article=742375&feature=#.UigwHdLBMQM

104
هل ستقضي التكنولوجية على البشرية؟

د.عبدالخالق حسين

إن وضع البشرية اليوم مع التكنولوجية المتطورة وما يتعرض له من مخاطر، يذكرنا برواية "عقدة فرانكشتاين" للأديبة الإنكليزية ماري ولستونكرافت شلي عام 1818، والاسم مشتق من اسم بطل الرواية فيكتور فرانكشتاين الذي قام بابتكار "كائن ذكي" يفوق طاقة البشر، وكان شكله رهيباً جداً، لذا تخلى عنه مخترعه فيكتور مما أدى في نهاية المطاف إلى موته في الثأر بينه وبين مخلوقه.

ربما أرادت المؤلفة شرلي أن ترمز بهذه الرواية إلى أن الإنسان في سعيه الحثيث في التقدم العلمي والتكنولوجي سيقضي على نفسه في نهاية المطاف بهذه الاختراعات. إذ كما قال سومرست موم في هذا الخصوص: "كلما ازداد الإنسان ذكاءً تفنن في تعذيب نفسه". فالعلوم، والتكنولوجيا نتاج ذكاء الإنسان المبدع، ولكن، كأي شيء في الحياة، فهما سيف ذو حدين، يمكن استخدامه للخير وللشر معاً، يعتمد على المستوى الأخلاقي لدى المالك لهذا السلاح (التكنولوجيا) الذي أصبح امتلاكه سهلاً حتى من قبل الجهلة والأشرار والساقطين أخلاقياً.
هناك حقيقتان جديرتان بالذكر، الأولى، أن التقدم الحضاري لم يكن على مستوى واحد بين الشعوب والأمم. فهناك شعوب وصلت أعلى مراحل التطور والرقي في العلوم والتكنولوجية والفنون والآداب والفلسفة...الخ، وأخرى مازالت تراوح في العصر الحجري، والبقية موزعة على نقاط الخط البياني بين هذين المستويين، الأدنى والأعلى.
الحقيقة الثانية، هي أن التقدم المادي وخاصة في العلوم الطبيعية والتكنولوجية يسير بوتيرة أسرع من التقدم والرقي في الأخلاق والقيم الإنسانية. وهذا يعني أن أخطر تكنولوجيا يمكن أن تقع في أيدي أناس إرهابيين متخلفين ومنحرفين وساقطين أخلاقياً، تحركهم أيديولوجيات شريرة وغرائز حيوانية بدائية معادية للبشرية، تستخدم تكنولوجيا الدمار والإعلام لأغراض شريرة، وهذا ما هو حاصل الآن.

وأحسن مثال في هذا الخصوص ما تقوم به القوى الظلامية الإرهابية (الفاشية دينية والبعثية)، في الاستفادة من الانترنت والفضائيات لتضليل ونشر أيديولوجية الإرهاب. وكذلك في استخدام تكنولوجيا الدمار الشامل في قتل البشر، وعلى سبيل المثال: استخدمت أمريكا القنابل النووية في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان في هيروشيما ونكازاكي، وكانت الحصيلة قتل مئات الألوف في دقائق، إضافة إلى الدمار المادي الشامل للمدينتين وما نجم عن هذا السلاح من أضرار الإشعاع النووي بقي تأثيره المدمر لعشرات السنين.
كذلك السلاح الكيمياوي الذي استخدمه صدام حسين في حربه مع إيران، وحتى ضد شعبه حيث قتل الألوف في حلبجة والأهوار.
ونسمع هذه الأيام عن استخدام السلاح الكيمياوي (غاز الأعصاب- السارين) في سوريا... وبغض النظر عن الجهة التي استخدمته فهو كارثة بشرية مدانة، وأغلب الدلائل تشير إلى إن "جبهة النصرة (القاعدة)" هي التي استخدمته في "الغوطة"، إحدى ضواحي العاصمة دمشق بشهادة مراسلة وكالة الأسوشيتد برس، التي "نقلت عن والد أحد المقاتلين قوله إن ابنه"عبد المنعم"، قُتِل مع 12 آخرين على رأسهم السعودي "أبو عائشة" الذي كان يقود كتيبة في المنطقة، جاء يسأله قبل نحو أسبوعين عن رأيه بالأسلحة التي طلب منه أن ينقلها. ووصف تلك الأسلحة بأن بعضها كان على هيئة أنابيب بينما كان بعضها الآخر يشبه اسطوانات غاز ضخمة/ مشيرا إلى أن المتمردين كانوا يستخدمون المساجد والبيوت الخاصة للنوم، بينما كانوا يخزنون السلاح في الأنفاق. وقد أعلنت "جبهة النصرة" ( بلسان زعيمها "أبو محمد الجولاني")، أنها ستلجأ إلى الأمر نفسه مع "القرى العلوية" في الساحل السوري ردا على ما حصل في الغوطة". (1).
كذلك سمعتُ مساء 2/9/2013، من إذاعة (BBC Radio 4) في مقابلة مع مسؤول في الأمم المتحدة، قال أن سوريا مقدمة على حرب إبادة الجنس وبالأخص ضد الأقليات، ونقل عن قيادي في المعارضة قوله أنهم إذا ما أسقطوا نظام الأسد فسيبيدون العلويين بالغازات السامة، مما يؤكد ما نقلته مراسلة الأسوشيتد برس.
كما ونلاحظ ما يجري في العراق منذ إسقاط حكم البعث الفاشي عام 2003 من حرب الإبادة ضد الشيعة من قبل التحالف البعثي- القاعدي الوهابي، واستخدام البهائم البشرية من الانتحاريين، وزرع الألغام في الطرق، وتفخيخ السيارات وتفجيرها عن بُعد بالريموت كونترول في الأسواق الشعبية المزدحمة لتحقيق أكبر عدد ممكن من القتلى والإصابات، وهي بالتأكيد حرب إبادة الجنس ضد الشيعة.

لنتصور لو انتصرت قوى الردة  المتمثلة في التحالف بين البعث والقاعدة في العراق، وانتصار القاعدة (جبهة النصرة) في سوريا، فماذا سيحل بهذين البلدين؟
ليس لدي أدنى شك، أنهم في العراق سيستخدمون الغازات السامة والمفخخات للقتل الجماعي في حرب إبادة الجنس ضد الشيعة في الوسط والجنوب، وكذلك إبادة الأقليات الدينية والعرقية الأخرى. وهذا ما سيحدث في سوريا أيضاً، وصولاً إلى لبنان. وبعد انتصارهم على خصومهم سينقلبون على كافة القوى العلمانية من أهل السنة الذين لا يشاركونهم في أيديولوجيتهم الفاشية. وهذا ما حصل في الجزائر، وأفغانستان، وباكستان، والصومال ومالي، والآن في مصر وغيرها، والحبل على الجرار.

في عهد الحرب الباردة وسباق التسلح، كانت ترسانات أسلحة الدمار الشامل لدى المعسكرين، الشرقي    والغربي، ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية وما عليها من بشر والزرع والضرع لعدة مرات. ونحن الآن على أبواب حرب باردة جديدة بين الصين وروسيا وحلفائهما من جهة، وبين دول حلف الناتو بقيادة أمريكا من جهة أخرى.
والخطر هنا يكمن ليس فقط في الاستخدام المتعمد لهذه الأسلحة من قبل الحكومات في حروبها الساخنة القادمة، بل والخطر الأكبر يكمن أيضاً في احتمال نشوب حرب نووية عن طريق الخطأ في أجهزة الانذارات، إذ حصل مرة إنذار مزيف قبل انهيار المعسكر الاشتراكي عن هجوم نووي روسي على أمريكا بسبب خطأ في الكومبيوتر.
كذلك ممكن أن يقع السلاح النووي بأيدي الإرهابيين، وهو وارد في حالة باكستان وبعض دول آسيا الوسطى، فيما لو نجحت هذه القوى في اغتصاب السلطة.

وهناك مشاكل تفجير محطات الطاقة النووية لتوليد الكهرباء نتيجة الخطأ والإهمال البشري كما حصل في تشيرنوبل عام 1986، أو نتيجة كوارث طبيعية كما في حالة التسونامي في اليابان عام 2011 وما نتج من تدمير محطات الطاقة النووية في مدينة فوكو شيما وانتشار كميات هائلة من الوقود المشعة تبقى تأثيراتها المدمرة على البشر والأحياء المائية لسنوات.

والغريب في الأمر أن الدولة العظمى، أمريكا، هي الأخرى انقلبت على القوى الديمقراطية والربيع العربي باسم الشرعية المزيفة لحزب الأخوان المسلمين في مصر، فهي تحارب القاعدة وطالبان في أفغانستان، ولكنها تريد أن تحارب في سوريا إلى جانب القاعدة، وتناصر حكم الأخوان المسلمين في مصر. وكذلك فرنسا تحارب الإرهاب الإسلامي في مالي ودول أفريقية أخرى، ولكنها متحمسة في ضرب سوريا لصالح جبهة النصرة الإرهابية. وهذا الموقف يزيد من احتمال وقوع تكنولوجية الدمار الشامل في أيدي الإرهابيين، وعندها نقرأ على الحضارة البشرية السلام.
وليت التحريض على استخدام تكنولوجية القتل الجماعي توقف على الجهلة من الإرهابيين المغسولة أدمغتهم، بل المصيبة أن أستاذ جامعي كويتي يدعو الإرهابيين في محاضرة له أمام جمع من المثقفين، يدعو إلى شن حرب جرثومية (أنثراكس)على أمريكا. رابط الفيديو في الهامش(3)

خطر تكنولوجي آخر يهدد البشرية، وهو حرب السايبر (Cybernetic war) عن طريق الانترنت، لا يقل خطراً عن أي إرهاب آخر، إذ يستطيع الهاكر زرع برنامج مساعد داخل آلاف الكومبيوترات واستخدامها من دون معرفة أصحابها لمهاجمة كومبيوترات أخرى. وإذا ما عرفنا أن صارت اليوم إدارة جميع أعمال الحكومات والمصارف، ومؤسسات القطاع الخاص والعام، والمستشفيات ووشركات الطيران، والمطارات، والقطارات، والمواني، والاتصالات، والكهرباء والماء، وحتى قيادة الطائرات في الجو مبرمجة مسبقاً من بدء إقلاعها من مطار بلد ما إلى أن تحط في مطار بلد آخر.. وغيرها كثير تعتمد كلياً في تسيير أعمالها على برامج كومبيوترية... يستطيع الهاكر شل نشاط  جميع هذه المؤسسات، وإحداث الفوضى في العالم، وسرقة مليارات الدولارات من المصارف ونقلها إلكترونياً إلى حسابه أين ما كان على الأرض.
وعلى سبيل المثال، وكما جاء في برنامج قدمته إذاعة البي بي سي، أن قامت جماعة بشن هجوم على المفاعلات النووية الإيرانية وأوقفتها عن العمل لعدة أيام. إلا إن الإيرانيين استطاعوا حل المشكلة، واعتقدوا أن الهجوم كان من الاستخبارات الأمريكية، فقاموا بالرد وذلك عن طريق شن هجوم مماثل على شركة أرامكو في السعودية التي تتركز فيها المصالح الأمريكية، لكي يشعروا الأمريكان بأنهم (أي الإيرانيون) يعرفون من كان وراء الهجمات السايبرية على مفاعلاتهم، وأنهم يمتلكون الخبرة للرد بالمثل.
فحروب السايبر هي حروب مستقبلية ومعارك جديدة بين الدول، والمؤسسات والشركات دون تحريك أية قطعة عسكرية أو إطلاق رصاصة. وحتى الحروب العسكرية تبدأ اليوم بحروب السايبر وذلك باختراق أجهزة كومبيوترات العدو وشلها منظوماتها وتعطيلها عن العمل وإحداث الفوضى والبلبلة في قوات العدو وشل إمكانياته.
فتصور لو وقعت هذه الخبرات في أيدي الإرهابيين من جماعة القاعدة أو فلول البعث، وهو ممكن، فماذا سيفعلون بالبشر؟

لا شك، إن الشعوب العربية هي أكثر الشعوب تعرضاً لخطر التكنولوجية لأسباب كثيرة، منها لأن هذه الشعوب صارت منبعاً للإرهاب وأكثر من غيرها تعرضاً له، إضافة إلى الجهل المتفشي فيما بينها، وما يمتلك أعداؤها من خبرات هائلة في تكنولوجية الدمار، وسهولة تحريك الفئات العربية ضد بعضها البعض  إذ كما طالبت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية: "دعوا العرب يقضون على أنفسهم بهدوء".
والجدير بالذكر، أنه رغم أن الإرهابيين يشكلون الأقلية، ولكن بسبب امتلاكهم لتكنولوجية التفجيرات والقتل الجماعي، ونزعتهم العدمية والعدوانية الشرسة، واحتقارهم للحياة، واستعدادهم لتدمير الذات على غرار "عليَّ وعلى أعدائي يا رب .. وليكن من بعدي الطوفان"، نرى تأثيرهم في القتل والتدمير يفوق حجمهم الحقيقي بآلاف المرات. وهذا ما يضع الحضارة البشرية على كف عفريت.

abdulkhaliq.hussein@gmail.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- مراسلة"أسوشييتد برس" في عمان: السلاح الكيميائي الذي استخدم في "الغوطة" أرسلته السعودية للمتمردين
http://www.syriatruth.org/news/tabid/93/Article/10444/Default.aspx

2- جورج غالاوي في تحليل دقيق لحادثة الكيماوي بسوريا في مجلس العموم البريطاني
http://www.youtube.com/watch?v=aIwhLihx2f4&feature=share&desktop_uri=%2Fwatch%3Fv%3DaIwhLihx2f4%26feature%3Dshare&nomobile=1

3- الدكتور عبدالله النفيسي يدعو إلى ضرب أمريكا بالأنثراكس
http://www.youtube.com/watch?v=M32M-2B2mz8

4- "يديعوت أحرونوت": دعوا العرب يقضون على أنفسهم بهدوء
http://www.ammonnews.net/article.aspx?articleno=156314

5- حروب «السايبر». ساحة المعارك الجديدة بين الدول
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=528342&eid=1103




105
حرب الناتو على سوريا بالنيابة عن إسرائيل والسعودية

د.عبدالخالق حسين

منذ مدة ودول حلف الناتو بقيادة أمريكا، تبحث عن مبررات "مشروعة" لشن الحرب على سوريا لإسقاط حكومة بشار الأسد على غرار ما عملوا في أفغانستان والعراق وليبيا، ولكن هذه المرة ستكون حرباً خاطفة ومدمرة ودون احتلال الأرض. فالحرب المخطط لها حسب ما نشرت عنها صحيفة الاندبندنت اللندنية: "تكون حرباً سريعة ومدمرة لن تدوم أكثر من ثلاثة أيام".

كما وتفيد الأنباء أن الهجوم سيستند إلى تحالف أميركي وبريطاني وفرنسي، مع دعم خارجي من تركيا ودول عربية أخرى، يتم فيه تدمير جميع المطارات والثكنات والمؤسسات العسكرية والاقتصادية، والموانئ، حرباً مشابهة لحرب الأيام الست في 5 حزيران/يونيو 1967، أو بالأحرى "حرب الساعات الست"، التي شنتها إسرائيل على مصر وتم فيها تدمير جميع القوات الجوية المصرية خلال الساعات الست الأولى من الحرب. ولكن هذه المرة ستقوم قوات حلف الناتو بقيادة أمريكا بالحرب على سوريا بدلاً من إسرائيل وذلك لكسب الأنظمة العربية إلى جانب الحرب وعدم استفزازها بالتدخل الإسرائيلي.

لقد بدؤوا المعارضة قبل أكثر من عام بتحذير الحكومة السورية من استخدام الغازات السامة ضد قوات المعارضة عندما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن استخدام الكيمياوي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وبذلك التحذير كانوا يهيئون الرأي العام العالمي لتوظيف هذه التهمة لاحقاً. وكان الغرض من ذلك إيجاد مبررات لقيام حلف الناتو بالتدخل المباشر بما يجري في سوريا ولصالح المعارضة. وقبل أشهر أدعوا أن القوات الحكومية استخدمت غاز السارين، ولكن المدعية العامة السابقة في المحكمة الجنائية الدولية قالت أن مقاتلي المعارضة هم الذين استخدموا غاز السارين (1).

وبعد أن حققت القوات الحكومية انتصارات كبيرة على قوات المعارضة وبات انتصار الأخيرة ميئوساً منه، خرجوا بتهمة السلاح الكيمياوي، فأدَّعوا في 21 آب الجاري، أن القوات الحكومية استخدمت الغازات السامة في منطقة الغوطة الريفية في ضواحي دمشق، وأن هناك أكثر من ألف قتيل وثلاثة آلاف إصابة، ولكنهم لم يقدموا أي دليل مقنع لإثبات هذه التهمة لحد كتابة هذه السطور. فأية حكومة تقبل باستخدام السلاح الكيمياوي في ضواحي عاصمتها؟
كما وطالب الأمين العام للأمم المتحدة منح خبراء المنظمة الدولية أربعة أيام أخرى قبل إصدار أي قرار ضد سوريا للتأكد من استخدام هذا السلاح ومن الذي استخدمه. والجدير بالذكر أن ناطقاً باسم الحكومة الروسية قال: "إن مسلحي المعارضة هم المسؤولون عن الهجوم الكيماوي المفترض". وهناك من يقول أن النظام السعودي متورط في هذه الجريمة. كما وقال روبرت فيسك في الاندبندنت والمقيم في بيروت: "أن ثلاثة أعضاء من حزب الله اللبناني الذين كانوا يقاتلون إلى جانب النظام السوري أصيبوا بهذه الغازات السامة وهم يعالَجون الآن في مستشفى في بيروت. فكيف تستخدم الحكومة غازات سامة ضد قواتها وحلفائها وفي ضواحي عاصمتها؟" (2).
وقد مهدت حكومة واشنطن لتبرير عدم وجود الأدلة بالقول أن وصول خبراء الأمم المتحدة جاء متأخراً.

ومن كل ما تقدم نستنتج أن اتهام حكومة بشار الأسد باستخدام الكيمياوي هو لإيجاد ذريعة لشن الحرب على سوريا ولأسباب إنسانية!! بينما الغرض من هذه الحرب هو تدمير الجيش السوري كما دمروا جيوشاً عربية أخرى من قبل، لضمان أمن وسلامة إسرائيل، وجعل إسرائيل القوة العظمى الوحيدة في المنطقة.

وبتدمير الجيش السوري والمؤسسات الحكومية، سيمهدون الطريق لما يسمى بـ"الجيش السوري الحر" لإسقاط حكومة بشار الأسد، بنفس الطريقة التي مهدوا بها لإسقاط نظام القذافي وذلك بعدم إرسال جيش مشاة يحتل البلاد مباشرة كما حصل في أفغانستان والعراق. والجدير بالذكر إن وزيرة الخارجية الايطالية ايما بونينو صرحت أمام البرلمان أن "ايطاليا لن تشارك في اي حل عسكري دون تفويض من مجلس الامن الدولي". واعتبرت ان "حتى خيار التدخل المحدود قد يتحول الى تدخل غير محدود زمنيا" وقالت "ليس هناك حل عسكري للنزاع السوري، ان الحل الوحيد هو حل سياسي تفاوضي."(3)
 
قد يرى البعض أن في هذا المقال تحولاً في موقفي من أمريكا، إذ كنت من المؤيدين للدور الأمريكي في إسقاط حكم الطالبان في أفغانستان، وحكم البعث الصدامي في العراق، فلماذا أعارض اليوم أمريكا في قيامها بضرب سوريا تمهيداً لإسقاط حكم بشار الأسد وهو بعثي أيضاً؟
إن سبب هذه النظرة من قبل البعض هو أنهم لا يرون الأشياء إلا بالأسود والأبيض فقط. فطالما أيدتُ أمريكا في حربها على العراق وأفغانستان فعليَّ أن أؤيدها في حربها على سوريا أيضاً، وفي كل ما تفعله أمريكا...بغض النظر عن الصح والخطأ. ولتوضيح موقفي هذا أقول:
إني لست متعاطفاً مع نظام بشار الأسد، أو حليفه النظام الإيراني، إذ كما ذكرت سابقاً في عدة مقالات أن الوضع في الشرق الأوسط، لن يستقر إلا بعد تغيير الأنظمة الشمولية في سوريا وإيران والسعودية. وعن الأخيرة ذكرت في مقال بعنوان: (السعودية والوهابية وجهان لإرهاب واحد).(4)

ولكن ما تخطط له أمريكا في سوريا، في رأينا، هو خطأ لا يمكن السكوت عنه تترتب عليه كوارث وخيمة ليس على الشعب السوري فحسب، بل وعلى جميع شعوب المنطقة. فالجهة الأقوى التي تقود المعارضة المسلحة في سوريا هي (جبهة النصرة) التي اعلنت قبل أشهر انضمامها إلى القاعدة، وبايعت أيمن الظواهري، خليفة بن لادن، كزعيم لها. لذلك فالبديل عن حكم بشار هو حكم القاعدة كما حصل في أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي. كذلك قال زعيم حزب الأحرار البريطاني السابق، بادي أشداون: "أن الحرب في سوريا هي ليست من أجل الديمقراطية بل هي حرب طائفية". كما وكتب روبرت فيسك يوم أمس (27 آب الجاري) في الإندبندنت مقالاً بعنوان: هل يعلم أوباما أنه يحارب إلى جانب القاعدة؟"(2). لذا نرفض حرب الناتو على سوريا لأن البديل عن حكم الأسد هو حكم القاعدة الوهابية.

ونؤكد مرة أخرى، إننا مع أمريكا طالما تطابقت مواقفها ومصالحها مع مصالح شعوبنا، لذا نشكرها على دعمها لشعبنا العراقي في إسقاط حكم البعث الفاشي لأن لم يكن هناك حل آخر، ولم يكن البديل عن صدام حكم طالبان أو القاعدة، بل النظام الديمقراطي الذي هو الآن في حالة حرب مع القاعدة وفلول البعث أعداء الديمقراطية. ولكن من حقنا أن ننتقد أمريكا وغيرها، إذا ما اتخذت قراراً أو قامت بإجراء خاطئ ضد مصالح شعوبنا، لأن الحرب على سوريا ستؤدي إلى انتشار الحرب إلى دول أخرى في المنطقة وبالتالي إلى تدمير المنطقة بكاملها، وهي في صالح القاعدة التي تحاربها أمريكا في أفغانستان وكل أنحاء العالم وتساعدها في سوريا وتدعم الأخوان المسلمين في مصر، وهو موقف غريب.

كما ويعرف الجميع موقف السعودية الوهابية من انتفاضة الشعب العراقي في آذار (شعبان) 1991، والتي كادت أن تطيح بحكم صدام الفاشي، إلا إن النظام السعودي، وبدوافع طائفية بغيضة، أقنع الرئيس الأمريكي بوش الأب بالتخلي عن دعم الانتفاضة والسماح لصدام حسين بضربها. بينما يقف النظام السعودي اليوم ومشايخ الوهابية أصحاب الفتاوى التكفيرية مع "الثورة" السورية التي تقودها "جبهة النصرة" وهم وحوش يأكلون أعضاء بشرية علناً وأمام وسائل الإعلام بلا خجل أو حياء. وهذا يعني أن البديل عن نظام الأسد هو حكم القاعدة، تماماً كما حصل في أفغانستان بعد أن ساعدت الدول الغربية بقيادة أمريكا إسقاط الحكم الشيوعي بدعم منظمات المجاهدين ومن بينها تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن، والذي مهد لمجيء حكم الطالبان، وكانت نتائجها كارثة 11 سبتمبر 2001.

يبدو أن أمريكا لم تستخلص أي درس من أخطائها في أفغانستان، فها هي تعمل على إعادة ذات الأخطاء في سوريا. وربما يفكر هؤلاء بمقولة: "اضرب رأس الأفعى بيد العدو"، فيستخدمون "جبهة النصرة" لإسقاط حكم بشار الأسد، ليقوموا فيما بعد بحرب أخرى لإسقاط حكومة جبهة النصرة، أي تكرار ما جرى في أفغانستان مع طالبان. هذه اللعبة خطيرة جداً، ومكلفة جداً، ولها نتائج مدمرة جداً على شعوب المنطقة وعلى الحركة الديمقراطية الناشئة. فهي حرب تشنها أمريكا بالنيابة عن المعارضة السورية وإسرائيل، والسعودية، تستفيد منها القاعدة وتنظيمات الأخوان المسلمين.
ـــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع 
1- المدعية العامة السابقة في المحكمة الجنائية الدولية تقول ان مقاتلي المعارضة في سوريا استخدموا غاز السارين
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/146694.html

2- Robert Fisk: Does Obama know he's fighting on al-Qa'ida's side?
http://www.independent.co.uk/voices/comment/does-obama-know-hes-fighting-on-alqaidas-side-8786680.html

3 روما ترفض اي تدخل عسكري في سوريا بدون تفويض من الامم المتحدة
http://alakhbaar.org/home/2013/8/153097.html

4 عبدالخالق حسين:  السعودية والوهابية وجهان لإرهاب واحد
   http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=440

5 عبدالخالق حسين: هل تعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=512


6  سوريا: انتصار الخراب/صور مروعة عن الخراب في سوريا.
http://www.informationclearinghouse.info/article34758.htm


106
العراقي المغترب وحلم العودة.. هل ثمة ما يغري؟*

مقابلة من إعداد ابتسام يوسف الطاهر

* ظروف التغرب.. من الدراسة الى الإقامة
- الدكتور عبدالخالق حسين أمدني مشكورا، بأجوبته ووجهات نظره القيمة والصريحة في هذا الأمر، والتي تعبر عن حالة صادقة ومؤلمة بنفس الوقت. كما هو الحال بالنسبة للكثير من العراقيين الذين تغربوا في تلك المرحلة الظلامية. لعل البعض ممن يحن للماضي الاكثر ظلاما يفتح ضميره وعينيه ويفكر في عراق اليوم، ويقف بوجه كل من يعمل لجعل الحياة هناك أكثر حلكة وألما، وعن تجربة الدكتور في الغربة وظروف التغرب، قال:

جزيل الشكر على استفتائكم لرأيي عن تجربتي مع الغربة.
بدأت حياتي لأول مرة مع الغربة عندما غادرت العراق متوجهاً إلى بريطانيا يوم 5/1/1979 بغرض إكمال تدريبي في الجراحة ونيل شهادة الزمالة (FRCS) من إحدى الكليات الملكية البريطانية للجراحين وعلى نفقتي الخاصة. وقبل المغادرة كنت أعاني من مضايقات من حزب البعث الحاكم، إذ كنت منتمياً إلى اليسار ورفضت محاولات التبعيث. كما وظهر لي فيما بعد أن الحزب اليساري هذا كان ملغوماً بالبعثيين ويعرفون كل شيء عن أعضائه. ولم يدر بخلدي أني سأقضي ما تبقى من عمري في الغربة.

أتذكر في الليلة التي سبقت يوم سفري مع عائلتي، زارني مدير المستشفى في البيت ليودعني، وكان بعثياً رغماً عنه، ولكنه كان نظيفاً ونبيلاً لأنه كان من عائلة يسارية دفعت الكثير. فودعني بحرارة ونصحني بعدم العودة. ولا يمكن أن أنسى كلماته التي مازالت ترن في أذني حين قال: "روح إطلع وتصحبك السلامة، وأنصحك أن لا تعود إلى العراق حتى ولو اضطررت أن تعمل كصانع مطعم. وإذا رفضتْ بريطانيا منحك حق الإقامة فارحل إلى إسرائيل ولا تعد إلى العراق، لأن إسرائيل أشرف من حكم البعث بكثير... فإنهم (أي البعثيون)، يخططون لحرق العراق وإذلال شعبه وتدميره عن آخره". وحكى لي نماذج فظيعة تعرض لها عدد من أقاربه ومعارفه على أيدي البعثيين. فشكرته على ثقته الغالية بي ونصائحه الأخوية الصادقة.

وفي بريطانيا بعد عبوري امتحان تعادل الشهادات واللغة، عملت في الجراحة. ثم نلت شهادة التخصص (FRCS) بعد عام، ولم استطع العودة لأسباب معروفة منها ما حصل في العراق من طغيان البعث الصدامي، وظروف الحرب العراقية- الإيرانية. وكنا ننتظر الفرج لكي نعود ولكن كان الوضع في العراق يتدهور مع الزمن أكثر فأكثر، إلى حد أن بدأت موجات هجرة العراقيين تتدفق إلى الخارج بأعداد غفيرة غير مسبوقة وخاصة بعد غزو الكويت. لذلك كانت فكرة العودة غير حكيمة أو مستحيلة، لذا بقيت في بريطانيا التي عملت في مستشفياتها معززاً ومكرماً حتى التقاعد.

ظروفي في الغربة مريحة من جميع النواحي: العائلية، والسكن، والراتب التقاعدي، والمنطقة التي أسكن فيها، والعلاقات الاجتماعية...الخ. ينقل عن الإمام علي (ع) قوله: "الغني فى الغربة وطن .. والفقر فى الوطن غربة". ورغم أني لم أعاني من الفقر المادي في العراق قبل الهجرة، إلا إني كنت أشعر بالغربة والاغتراب لأن المواطنة في عهد البعث كانت على درجات مختلفة ومتفاوتة حسب الانتماء الحزبي والمذهبي والقبلي، والقرب أو البعد من المكونات الحاكمة.

* هل تفكر بالعودة؟ هل جربتها؟
- كلا لا أفكر بالعودة، ولم أجربها ولا أريد أن أجربها أو بالأحرى لا يمكن أن أجربها!!. فعراقيو الخارج لا يحتاجون إلى إثبات وطنيتهم وانتمائهم للعراق بالعيش فيه، لأن العراق يعيش فيهم ورغم بعدهم عنه بآلاف الأميال ولعشرات السنين. لا أعود لأسباب عديدة، منها أني غادرت العراق قبل 35 سنة، ونشأ أبنائي ودرسوا وبلغوا سن الرشد في بريطانيا، ويعملون فيها مرتاحين. وأنا بلغت عمراً غير قابل للتوظيف، ولا أملك في العراق أي سكن أو حتى قطعة أرض لبناء سكن، ولا أي مورد للعيش، ولا راتب تقاعدي رغم أني عملت في العراق نحو عشر سنوات، ودفعت جميع تكاليف دراستي، بما فيها كفالة العودة عند السفر ومقدارها ألفين دينار عندما كان الدينار يعادل 3.5 دولار.
لم أجرب العودة عدا أني قمت بزيارة قصيرة إلى بغداد لخمسة أيام فقط في نهاية عام 2009، بدعوة من وزارة الدولة لشؤون المصالحة الوطنية للمشاركة في ملتقى فكري.

* هل تفكر بالاستقرار في العراق؟ ولماذا لا يحصل ذلك الآن؟ وما هي الظروف التي تشجع العراقي على العودة لخدمة الوطن!؟
- كما ذكرت آنفاً، لا أفكر بالعودة إلى العراق لكي أستقر فيه، فأنا مستقر في بريطانيا، خاصة وإن جميع وسائل معيشتي متوفرة لي هنا في الغربة. والجدير بالذكر أن سبب هجرة الناس الآن من دول العالم الثالث إلى دول العالم الأول هو ليس الاضطهاد السياسي فقط، بل هناك أسباب كثيرة أخرى، منها الأمن والاستقرار، وسيادة حكم القانون، والديمقراطية، واحترام حرية الفرد وكرامته...الخ. بينما هذه المتطلبات الحضارية مفقودة في معظم بلدان العالم الثالث ومنها العراق. والخراب المادي والبشري الذي ورثه النظام العراقي الجديد من حكم البعث لا يمكن علاجه والتخلص منه بجيل أو جيلين. لذلك، لا أبالغ إذا قلت أن أمنية معظم سكان العالم الثالث، ومنه العراق، هي الهجرة إلى الغرب، خاصة إذا كان من أصحاب الكفاءات.

الأسباب التي تمنع العراقيين من العودة كثيرة، منها لأننا نعيش في مرحلة العولمة وما بعد الحداثة، حيث كل إنسان مهتم بشأنه الخاص قبل أي شيء آخر. فأنا طبيب جراح متقاعد مقييم في بريطانيا نحو 35 سنة، معززاً ومكرماً، ولا أملك في العراق أي شيء، ليست لي أية طموحات في المناصب أو الوظائف، خاصة وإن فلول البعث لم يكتفوا بإثارة الفتن والأحقاد والتمييز بين أبناء الشعب الواحد على أسس طائفية وعرقية فحسب، بل راحوا يؤلبون عراقيي الداخل ضد ضد عراقيي الخارج ويثيرون العداء ضدهم، وينظرون إليهم نظرة الريبة والشك والاتهامات، فلماذا أجازف بالعودة إلى العراق؟ فالبعث ترك العراق خرابة حقيقية، وشعبه مصاب بألف علة وعلة.
لذلك، لا أعتقد أن أي عراقي مستقر في الغرب سيعود إلى العراق. وحتى كردستان التي يعتبرونها مستقرة وصارت هونكونك العراق، مازال هناك مواطنون أكراد يهاجرون منها إلى الدول الغربية بحثاً عن حياة أفضل لهم ولأبنائهم. وحتى حكومة الإقليم طالبت الحكومات الغربية بعدم إجبار الأكراد المهاجرين على العودة.
ومن كل ما تقدم نعرف أن سبب عدم العودة إلى العراق هو ليس الاضطهاد السياسي، بل مجمل الأوضاع المحلية والدولية، وبعيداً عن المزايدات في الوطنية أقول: الذين استقروا في الدول الغربية وكسبوا جنسياتها لن يعودوا إلى العراق وحتى لو استقر الوضع فيه وتخلص من الارهاب والصراعات الطائفية المقيتة.
ومن الجانب الآخر، أرى فائدة كبيرة للعراق أن تكون له جاليات واسعة في الدول الغربية المتقدمة وخاصة من أصحاب الكفاءات. فهذه الجاليات تشكل جسراً يربط الدول الغربية المتطورة بالعراق الذي يحتاج إلى إعادة بناء وتعافيه من الإرث البعثي المدمر.
وشكراً.
عبدالخالق حسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت هذه المقابلة، مع شخصيات عراقية أخرى في الغربة، في صحيفة (الصباح الجديد) البغدادية يوم 24/8/2013، من إعداد الإعلامية ابتسام يوسف الطاهر. للإطلاع على المقابلة كاملة يرجى فتح الرابط التالي:
العراقي المغترب وحلم العودة.. هل ثمة ما يغري؟
http://www.newsabah.com/ar/2649/10/102080/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A8-%D9%88%D8%AD%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%87%D9%84-%D8%AB%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D8%9F.htm?tpl=13



107
في مواجهة الدعايات المضلِّلة(2)

د. عبدالخالق حسين

مرة أخرى أعود إلى موضوع التضليل الإعلامي وخطره على الشعب، وخاصة في مرحلة التحولات السياسية والاجتماعية العاصفة التي يمر بها العراق الآن. إذ تعرضتُ لهذا الموضوع بعدة مقالات وبمختلف العناوين، ولكني رأيت اخيراً التمسك بعنوان واحد، واعتبار هذه المقالة هي الثانية في سلسلة مقالات لاحقة في المستقبل كلما اقتضى الأمر في مواجهة التضليل. فالكل يعرف أنه ليس هناك أشطر من البعثيين في فن صناعة الإشاعات وترويج الأخبار الكاذبة بغية تسقيط خصومهم السياسيين والفكريين، ولن يتورعوا في سبيل ذلك عن استخدام أخس الوسائل الدنيئة لتحقيق أغراضهم الشريرة. فالبعثيون وبعد كل ما جلبوه على الشعب العراقي من كوارث، بشرياً واقتصادياً وبيئياً، يعرفون أنهم مفلسون فكرياً وسياسياً وأخلاقياً، وأنهم منبوذون من الشعب، ولا يملكون أي شيء يكسبون به العراقيين، لذلك يلجؤون إلى الكذب وتضخيم السلبيات واختلاق المزيد منها لتشويه صورة العراق الجديد وسمعة خصومهم.

ذكرت مراراً على سبيل المثال، حملة الإشاعات التي شنها البعثيون في الماضي على خصومهم وذكرت حملتهم على طاهر يحيى كمثال في الستينات لتشويه سمعته حيث اسبغوا عليه أسوأ الألقاب الدنيئة مثل حرامي بغداد، وأبو فرهود...الخ، وقد أثبت الباحث الأكاديمي حنا بطاطو في كتابه القيم (تاريخ العراق)، أن كل تلك الدعايات كانت كاذبة. وعن طريق الكذب أسقطوا أشرف وأنزه حكومة وطنية تتمتع بأوسع شعبية، ألا وهي حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم. فبعد استيلائهم على الإذاعة في صبيحة رمضانية وعطلة الجمعة، يوم 8 شباط 1963، أذاعوا أن عبدالكريم قاسم قد قتل، وراحوا يذيعون برقيات تأييد مزيفة أدعوا أنها من قادة الفرق وأمراء الألوية العسكرية، يعلنون فيها تأيدهم "للثورة"، وإسقاط "الطاغية الأرعن"، وكانت كذب في كذب.

فالبعثيون تفننوا في صناعة الإشاعات وبثها، متخفين وراء أسماء مستعارة، ليعزفوا على كل وتر حساس حسب المكونة التي يخاطبونها. فإذا أرادوا مخاطبة العرب السنة، استخدموا اللغة الطائفية ضد الشيعة مثل: "الشيعة الصفوية، عملاء الفرس المجوس.. تهميش السنة أصحاب الحق التاريخي في حكم العراق.. الخ". وإذا ما أرادوا مخاطبة الشيعة للحط من قياداتهم السياسية، تخفوا وراء أسماء شيعية مثل كاظم وعبد الحسين، وألقاب عشائر شيعية مثل الأسدي والركابي، ولكن أكثر الألقاب استخداماً هذه الأيام هو لقب (المالكي)، ليوحي للقراء أن الكاتب شيعي وحتى من عشيرة نوري المالكي، ولكنه يريد قول الحقيقة حتى ولو كانت ضد ابن عشيرته!! كما ويستخدمون عبارات مثل (الحسين المظلوم)، ونحن شيعة الحسين!! ويحلفون برأس الحسين!!... ويذرفون دموع التماسيح على الشيعة كقولهم: "ماذا قدمت القيادات الشيعية للشيعة الفقراء المساكين غير الفقر والقتل ... هذه الحكومة، حرامية، لصوص... إلى آخر المعزوفة... طبعاً لا حباً بالحسين أو الشيعة ولكن للعزف على وتر حساس يحقق لهم ما يريدون. 

وحتى الزعيم عبدالكريم قاسم الذي قتلوه شر قتلة ولم يتركوا له حتى قبراً يضم جسده الممزق برصاص الغدر، حاولوا سرقته منا واستخدامه كسلاح لمحاربة القيادات الشيعية. ففي أخر عينة من هذا التضليل، وصلتني رسالة من أستاذ أكاديمي محترم حريص كل الحرص على مصلحة العراق وشعبه، مع مقال بعنوان: (سخط شعبي كبير على المالكي لتوزيعه منتزه ألف ليلة و ليلة على حاشيته). يبدأ المقال بعبارة: "بادئ ذي بدء .. قام الزعيم الوطني خالد الذكر المغفور له بأذن الله تعالى، عبد الكريم قاسم، ببناء منتزه ألف ليلة وليلة على طريق قناة الجيش وبالتحديد في منطقة البلديات وملاصق لمستشفى الحبل الشوكي الوحيدة في العراق. ويعتبر هذا المنتزه المتنفس الوحيد لأهالي شرق بغداد وملاذهم الآمن من حرارة الصيف الكارثية في ضل انقطاع شبه تام للكهرباء حيث وصل اليوم إلى 20 ساعة." ويدعي الكاتب أن الخبر نشرته وكالات أنباء (صحيفة اخبار جهينة/ وكالات) وهي أسماء وهمية، أو مجرد مواقع بعثية على الإنترنت.
طالبني الصديق الذي أرسل لي "المقال" أن أكتب إلى السيد نوري المالكي أنصحه بالكف عن تبديد ممتلكات الشعب.
وبدوري رحت أبحث عن الخبر فيwww.google.com  عسى أن أعثر على التقرير في وكالة معروفة ذات مصداقية للتأكد من صحة الخبر فلم أفلح.

تقرير آخر مؤرخ في 30 تموز/ يوليو 2013، أدعى كاتبه أنه (بيان صحفي صادر عن استرون استيفنسون، رئيس هيئة العلاقات مع العراق في البرلمان الاوربي)، بعثه لي صديق آخر معروف بإخلاصه للعراق والديمقراطية، ومن ألد أعداء البعثيين، يسألني رأيي إن كان هذا التقرير حقيقة أم زيف؟ فبعد قراءتي له وجدته مشحوناً بلغة شتائمية وتلفيق مثل قوله "فحالياً خرج مواطنو المحافظات الشيعية في جنوب العراق إلى الشوارع بالملايين احتجاجا على نوري المالكي وحكومته. إن الاجواء في محافظات البصرة وذي قار وميسان وكربلاء  والمثنى متفجّرة ...إلى آخره". فهذه اللغة فيها انحياز واضح ضد حكومة المالكي لا يمكن لأي مسؤول غربي يحترم سمعته استخدامها في مثل هذه الحالات، ناهيك عن كونه رئيس هيئة العلاقات في البرلمان الاوربي. ولذلك كتبت للصديق بأن هذا التقرير ملفق لأنه يحمل نفس بعثي واضح. فأيدني بحرارة.
وهكذا يلجأ هؤلاء إلى انتحال حتى أسماء مسؤولين غربيين، مراهنين على أن القارئ سوف لا يتكلف عناء البحث للتأكد من مصداقية الخبر. 

ونظراً لعدم انضمامي إلى جوقة الطبالين في حملة الاشاعات ضد حكومة المالكي، حرصاً مني على العملية السياسية، والحذر من خطر عودة الفاشية، وشعوري بالمسؤولية لحماية الرأي العام من التضليل، اعتقد البعض أني أدافع عن المالكي، وأني مقرب منه، فيطالبونني بالكتابة إليه وأنصحه بكذا وكذا... والحقيقة ليست كذلك. إذ أرى أن مهمة المثقف هي قول الحقيقة وعدم السقوط في الفخ البعثي، وركوب الموجة والسير مع القطيع.

فلتر سقراط الثلاثي
قبل فترة وصلتني حكاية طريفة عن الحكيم اليوناني سقراط (399-469 ق.م) بعنوان "فلتر سقراط الثلاثي" تفيد الحكاية كالتالي:
"في أحد الأيام صادف الفيلسوف أحد معارفه الذي جرى له وقال له بتلهف: "سقراط ، أتعلم ما سمعت عن أحد طلابك؟"   
رد عليه سقراط: " انتظر لحظة قبل أن تخبرني أود منك أن تجتاز امتحان صغير يدعى امتحان الفلتر الثلاثي"   
"الفلتر الثلاثي؟"
تابع سقراط: "هذا صحيح قبل أن تخبرني عن طالبي لنأخذ لحظة لنفلتر ما كنت ستقوله. الفلتر الأول هو الصدق، هل أنت متأكد أن ما ستخبرني به صحيح؟"
رد الرجل: "لا، في الواقع لقد سمعت الخبر".
قال سقراط: " حسنا، إذا أنت لست أكيد أن ما ستخبرني صحيح أو خطأ. لنجرب الفلتر الثاني، فلتر الطيبة، هل ما ستخبرني به عن طالبي شيء طيب؟"
"لا،على العكس"
تابع سقراط : "حسنا إذاً ستخبرني شيء سيء عن طالبي على الرغم من أنك غير متأكد من أنه صحيح؟"
بدأ الرجل بالشعور بالإحراج .
تابع سقراط: "ما زال بإمكانك أن تنجح بالامتحان، فهناك فلتر ثالث، فلتر الفائدة، هل ما ستخبرني به عن طالبي سيفيدني؟"
"في الواقع لا"
 تابع سقراط: " إذاً، إذا كنت ستخبرني بشيء ليس بصحيح ولا بطيب ولا ذي فائدة أو قيمة، فلماذا تخبرني به من الأصل؟" فسكت الرجل وشعر بالهزيمة والإهانة. لهذا السبب كان سقراط فيلسوفا يقدره الناس ويضعونه في مكانة عالية.))
انتهى
قد تكون الحكاية خيالية، ولكنها لا تخلو من مغزى وحكمة. وبطيعة الحال ليس ممكناً أن يتحول كل منا إلى سقراط ليدخل كل ما يتلقى من أخبار وإشاعات في فلتره الثلاثي ليميز بين الحقيقة والزيف. ولكن أرى من واجبنا أن نبذل قصارى جهدنا لتفحص ما نتلقاه فيما إذا كان معقولاً أم لا. إذ كما تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل".

يعتمد البعثيون في بث الاشاعات على ساكولوجية شريحة واسعة من المجتمع العراقي، سريعي التصديق بكل ما يصلهم من أخبار، ومهما كانت غير معقولة، يطلق عليهم باللغة الانكليزية (gullible). ولكن الأخطر أنهم تفننوا في إخراج الإشاعة إلى حد أنهم نجحوا في تمريرها أحياناً حتى على المثقفين والأكاديميين دون أن استثني نفسي، إذ تعرضت أكثر من مرة إلى مثل هذه الخديعة فعممت مادة استلمتها من شخص أثق به في حسن اختياراته، اعتقدت بصحتها، تبين فيما بعد أنها كذب... ولكني أحاول أن لا أكرر الخطأ قدر الإمكان.
 
على أي حال، نعود إلى الخبر حول توزيع المالكي لمنتزه ألف ليلة وليلة على حاشيته، وأي تقرير آخر من هذا النوع. فلو عرضناه على (فلتر سقراط الثلاثي) لما عبر الامتحان. أولاً، رفض الكاتب حتى الكشف عن اسمه حتى ولو اسم مستعار. فكل ما نعرف عنه أنه صدر في (صحيفة اخبار جهينة/ وكالات) وهي أسماء لجهات وهمية على الأغلب. ثانياً، لو كان الخبر صحيحاً لما سكتت عنه الصحافة ووكالات أنباء محترمة، وخاصة تلك المعارضة للمالكي.
والبعثيون يعملون على عدة جبهات، منها ابث الإشاعات، وحتى لهم وجود وامتداد في الحكومة، يعملون علة شلها وعلى سبيل المثال لا الحصر إقرأ هذا التقرير:
وثائق: برلمانيون طالبوا الاتحاد الأوربي بعدم توقيع اتفاق تعاون مع العراق كي لا يعد دعما للمالكي
  http://www.akhbaar.org/home/2013/2/142129.html

* أنا لا أدعي أن الحكومة معصومة من الأخطاء معاذ الله، فهي مؤلفة من أكثر من 40 كيان سياسي، أغلبها في صراعات فيما بينها (وكل فئة لعنت أختها)، ولكني أعتقد أنه في النظام الديمقراطي يجب على المثقفين معالجة الأخطاء بالنقد البناء لتحسين أداء المسؤولين، وليس بالهدم والتشهير والتلفيق والتخوين. فالتلفيق اعتراف ضمني من الملفقين أن ليس لديهم ما يحاسبوا الحكومة عليه فيلجئون إلى الافتراءات.

* حالتنا مع البعثيين النصابين في تشويه صورة العراق أشبه بحالة التعامل الصابين الذي فصلوا للامبراطور ثيابه الجديدة. فكل واحد صار مرغماً على إطراء ثياب الامبراطور غير الموجودة أصلاً لكيلا يتهم بالغباء وسوء الذوق. وهذه هي حالتنا العراقية إذ بلغ بنا الأمر إلى حد أنه من لا يصدق افتراءات البعثيين المحتالين فهو من مرتزقة الحكومة ومن وعاظ السلاطين!! والمشكلة أن سقط كثيرون في الفخ البعثي لأسباب أيديولوجية ومنافسات سياسية عملاً بمبدأ (عدو عدوي صديقي). وهذا المبدأ خطر جداً على العراق. يقول المفكر ج. مورتي: "ليس مقياساً سليماً لصحتك العقلية أن تكون متأقلماً بصورة جيدة مع مجتمع مريض للغاية".

* بعد نشر مقالي الأخير الموسوم: (دروس من أبو غريب) الذي طالبت فيه تنفيذ حكم الاعدام بحق الإرهابيين الذين صدر بحقهم هذا الحكم من قبل القضاء لكي نسد عليهم أبواب الهروب والعودة لقتل المزيد من أبناء شعبنا، فعلق أحدهم متهكماً: "أنها العودة إلى أيام إعدم...إعدم، جيش وشعب يحميك من كل ظالم)، الهتاف الذي كان يردده اليسار العراقي في عهد حكومة 14 تموز لمواجهة المؤامرات القذرة. وهذا الأخ طالما تباهى بانتمائه اليساري، وربما كان هو أحد المرددين لهذا الهتاف، ليتخذه اليوم ضد ما أطالب به في مواجهة مجرمين حقيقيين، أدانتهم المحاكم الجنائية بالإرهاب وقتل الألوف من أبناء شعبنا الأبرياء. إنه يخلط عمداً بين الحق والباطل، ونذكره بالمثل العراقي (مو كل مدعبل جوز!). فموقف صاحبنا هذا يؤكد أن للإرهابيين أقلام تدافع عنهم باسم الرحمة والعدالة وحقوق الإنسان. فأين هي حقوق ضحايا الإرهاب يا دعاة حقوق الإنسان؟ إذ كما قال الإمام علي (إنه قول حق أريد به باطل) في تحذيره لأصحابه من خدعة معاوية وعمرو بن العاص يوم رفعوا المصاحف على أسنة الحراب صارخين: "لا حكم إلا لله" ومطالبين بالتحكيم. واليوم هناك ألف ألف معاوية وعمر بن العاص يخدعون الناس باسم الوطنية وحقوق الإنسان.

* لقد أثبت التاريخ أن السياسة والأخلاق لا تلتقيان. طيبو القلب ينخدعون، وتلامذة ابن العاص وغوبلز يعيشون على الخديعة. قال الإمام علي في هذا الخصوص: "والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر، لكنتُ من أدهى العرب". وهكذا نجد القادة الذين يتمسكون بالأخلاق يذهبون ضحية أخلاقهم الرفيعة في السياسة. ولذلك خسر الإمام علي وعبدالكريم قاسم، ونجح معاوية وبن العاص والبعثيون ومن سار على دربهم في الغدر والمكر والفجور.

* ذكر الروائي العراقي الراحل ذوالنون أيوب في مذكراته، وكان مدير عام للإذاعة والتلفزيون في عهد الزعيم الشهيد عبدالكريم قاسم، أن الإعلام المصري وخاصة بوق (صوت العرب) أحمد سعيد، كانوا يصبون الحمم في حملة إعلامية مسعورة ضد العراق وبالأخص ضد شخص الزعيم، وكانون يسمونه بـ(قاسم العراق، وآثم العراق...الخ)، يقول أيوب أنه أبلغ الزعيم مرة بمخاطر السكوت عن هذه الحملة وطالبه بأن يسمح لهم بالرد عليهم، أو على الأقل التشويش على إذاعاتهم، فرفض الزعيم هذا الاقتراح قائلاً: ان هؤلاء جهلة وسيعودون يوماً إلى رشدهم نادمين. وكان ما كان. 

فمن نافلة القول، أن للإعلام المضلل تأثير مدمر على الرأي العام وتشويه صورة العراق الجديد والعملية السياسية والديمقراطية، وبالأخص في مجتمعات ما بعد حقبة الدكتاتورية مثل المجتمع العراقي، إذ هناك استعداد نفسي وأيديولوجي، وبدافع المنافسة لتصديق الدعايات المضللة وترويجها.

ومن كل ما تقدم، أعتقد أن من واجب المثقفين الحريصين على شرف الكلمة ومصلحة الشعب، التصدي لهذه الافتراءات وليس ركوب الموجة، أو كما يقول المثل العراقي "وعلى حس الطبل خفن يا رجلية!!".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذو علاقة بالموضوع
عبدالخالق حسين: في مواجهة الدعايات المضلِّلَة(1)
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=592

عبدالخالق حسين:  دروس من أبو غريب
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=595

****************************
ملحق
قائمة بالافتراءات ضد المالكي وحكومته
أدرج أدناه للمرة الثانية، قائمة من الافتراءات والإشاعات ضد حكومة المالكي، وهي غيض من فيض، أضيفت إليها افتراءات جديدة.
- المالكي أهدى أربع فرق عسكرية لمقتدى الصدر،
- عاجل عاجل... حجز صهر المالكي في مطار دبي ومعه اثار عراقية مهربة،
- صهر المالكي يصفع السفير العراقي في أمريكا في مكتب نائب الرئيس الأمريكي،
- ابن المالكي يشتري فنادق في دمشق ويفصل العمال العراقيين ويعين مكانهم إيرانيين،
- ابن بيان جبر يشتري عمارة بنصف مليار دولار في الإمارات،
- السيستاني يكشف عن وصيته: الحكيم يصلي على جنازتي.. وامنعوا المالكي وأعضاء حكومته من السير فيه،
- هكذا باع نوري المالكى سيارة الملك غازى وقبض ثمنها 8 مليون دولار،
- قيادات سياسية توجه بتصوير افلام جنسية فاضحة لمعارضيها،
- استبعاد المكون الشيعي من مجموع الطيارين الذين سيتم إرسالهم الى الولايات المتحدة الامريكية لغرض التدريب، (تقرير نشرته صحيفة المدى لصاحبها فخري كريم.)
- ثروة أسامة النجيفي بلغت 24 مليار دولار!!،
- ثروة السياسيين الجدد بلغت ما قيمته 700 مليار دولار،
- بريطانيا تضبط مقتنيات أثرية عراقية مرسلة إلى مقر حزب الدعوة في لندن،
- المالكي مشروع إيراني أم عراقي؟ (عبدالرحمن الراشد في الشرق الأوسط)
- وزير التربية محمد تميم يهدم المدارس ويشتري لعشيقته منزلا بـ 350 الف دولار في بغداد
- حاكم العراق الإيراني  مقال افتتاحي في الشرق الأوسط بقلم طارق الحميد
- قاسم سليماني الجنرال الإيراني الذي يدير العراق سرا
- استياء دولي من موافقة العراق لبناء مكب نووي: جريمة من نوع جديد بحق العراق الحبيب. هؤلاء الانذال يودون بيع العراق وتلويثه لعشرات السنين قادمة قبل ان يتركوا الكرسي، انهم خونه بحق الشعب، استياء دولي من قيام العراق يتفق مع الاتحاد الاوربي بناء مكب للنفايات النووية. (وكالة الاستقلال للاخبار بتاريخ: الإثنين 07-01-2013 06:46 مساء) وتليه عبارة: (الرجاء حوِّل هذا الإيميل لأكبر عدد ممكن من معارفكم)،
* رئيس الوزراء نوري المالكي يتسلم أعلى راتب بين الرؤساء في العالم،
* إعتقال العطية بلندن بتهمة تبييض أموال الحسينيات (الأحد،23  حزيران، 2013)
الشيخ خالد العطية وهو قيادي من دولة القانون معمم وبجنطته مليون دولار جمعها من رواتبه ليتبرع بها الى حسينيات بريطانيا، السؤال هو كم عائلة شيعية نعم شيعية وليس سنية او مسيحيية بحاجة الى اعانة يسدون بها رمق اطفالهم؟ يا ناس يا عالم .. ان الله  يمهل ولا يهمل ...صدقوني وراس الحسين

* عاجل عاجل عاجل: المالكي يوجه تهديد باسم الشيعة الى اهل السنة. مخاطبا اهل السنة. لماذا السيارات المفخخة تستهدف الشيعة بالعراق فقط ولماذا لها اسناد شرعي من أهل السنة العراقيين والعرب .. جوابي لكم احذروا غضبنا وان فقدنا صبرنا والله ان ثرنا عليكم لم يبقى شخص منكم في ارض العراق- مجموعة العراق فوق خط احمر
* عاجل عاجل.... ايران تسرق نفط العراق بموافقة المالكي في تقرير من قناة العربية (السعودية).
* وأخيراً وليس آخراً، سخط شعبي كبير على المالكي لتوزيعه منتزه ألف ليلة و ليلة على حاشيته.
************************************
يقول غاندي: يستطيع الأعداء أن يوجهوا لي مائة تهمة، ولكن لا يستطيعون أن يثبتوا عليَّ واحدة.


108
المنبر الحر / دروس من أبو غريب
« في: 21:28 02/08/2013  »
دروس من أبو غريب

د.عبدالخالق حسين

إن الهجوم الإرهابي على سجن أبو غريب مساء يوم 21 تموز يعتبر كارثة حقيقية بكل معنى الكلمة وبجميع المعايير، وانتصاراً لقوى الشر المتمثلة بالتحالف البعثي- القاعدي، وأعداء العراق في الداخل والخارج، وهزيمة مؤقته للديمقراطية وأنصارها. وعندما نقول هناك تحالف بين البعث والقاعدة فليس ذلك تخميناً أو مجرد رأي أو تهمة، بل لمعرفتنا بسياسات البعث وتقلباته وتحالفاته حتى مع أشد أعدائه الأيديولوجيين كما حدث في السبعينات من القرن الماضي، وذلك حسب ما تمليه مصلحتهم وفق مستجدات المرحلة، كذلك اعترف عزة الدوري أخيراً بهذا التحالف.

التقارير الاخبارية التي نُشِرت عن هذا الهجوم ، أو كما وصفه البعض بـ(غزوة أبو غريب)، توحي أن هذا الهجوم، الغزوة، ليس من عمل عصابات إرهابية مستميتة فحسب، بل ومن قبل جيش نظامي محترف يقوده قادة عسكريون أكفاء في التخطيط وقيادة هكذا عمليات هجومية في حرب العصابات. هذه المواصفات متوفرة في قيادة فلول البعث بلا شك. فالبعث معروف بخبرته في التخريب واستخدامه للوسائل الجهنمية في ارتكاب المجازر ضد الشعب والظهور بمنظمات تنتحل أسماء دينية مثل «جيش رجال الطريقة النقشبندية»، و"جيش محمد"، و"جند الإسلام"...الخ. فهذه التنظيمات الوهمية هي مجرد أسماء دينية منتحلة يستخدمها البعثيون للتمويه كغطاء لهم، يرتكبون جرائمهم في حرب الإبادة ضد الشعب العراقي بجميع مكوناته. أما تنظيم "القاعدة" فقد توسع في العراق وصار مصدر خطر ليس على العراق وحده، بل وعلى دول المنطقة والعالم أجمع. وبالتأكيد هناك تحالف إلى حد الاندماج في المرحلة الراهنة بين فلول البعث و"القاعدة".
 
قال صدام حسين مرة في اجتماع لمجلس الوزراء أوائل السبعينات، ما معناه، أن ما حصل لحكم البعث في عام 1963 سوف لن يتكرر في المستقبل، وأنهم جاؤوا هذه المرة ليبقوا في السلطة إلى مئات السنين. ولذلك قاموا بتبعيث الدولة (دولة المنظمة السرية)، وتسخير كل إمكانياتها: المالية والعسكرية والتعليمية والإعلامية لهذا الغرض.
ومن الاجراءات التي اتخذها صدام حسين لضمان بقائه وحزبه في السلطة إلى "الأبد"، قام بتبعيث الجيش، وتشكيل فرقة عسكرية كاملة باسم (الحرس الجمهوري)، تم اختيار عناصرها بعناية فائقة وفق مواصفات خاصة من أقرب العسكريين إليه من ناحية القرابة العائلية والعشيرة والحزب والمدينة والمنطقة والطائفة...الخ، وخصَّ هذه الفرقة العسكرية بأعلى الامتيازات، من التدريب العسكري والتثقيف الحزبي والأيديولوجي، والانضباط، والشحن الطائفي، والولاء لصدام وحزبه. وجعل كل واحد منهم جاسوساً على رفاقه، كما وأغدق عليهم بالامتيازات وجهزهم بأحدث التقنية الحربية، والتدريب في حرب العصابات، تحسباً لأي طارئ يطرأ في المستقبل. وقد حرص صدام حسين على سلامة (الحرس الجمهوري) بعدم زجه في أية حرب من حروبه العبثية.

نُقِلَ عن أحد القياديين البعثيين أنه قُبَيْلَ سقوط حكمه، أصدر صدام حسين تعليمات إلى جيش الحرس الجمهوري بعدم خوض الحرب مع الجيش الأمريكي وجهاً لوجه، بل عليه أن يختفي عن الأنظار ويأخذ معه كل ما يستطيع حمله من أسلحة وعتاد وحتى معامل صنع المتفجرات...الخ، ليحتفظ بقوته وإمكانياته الحربية، ومن ثم يشن حرب العصابات على القوات الأمريكية والحكومة الجديدة "عملاء أمريكا وإيران". وهذا بالضبط ما حصل منذ سقوط حكم البعث عام 2003 وإلى الآن.

كما ويعتقد البعض بحق، أن البعثيين، وبأوامر وتخطيط من صدام قاموا بتشكيل حكومة سرية إلى جانب حكومتهم العلنية الرسمية، بعد اغتصابهم السلطة للمرة الثانية في عام 1968 إلى جانب الحرس الجمهوريتنفيذاً لمبدأ (دولة المنظمة السرية).
وهذه الحكومة السرية أعلنت عن نفسها بعد سقوط حكم البعث باسم (دولة الإسلام في العراق). وفي الحقيقة هذه "الحكومة" أو "الدولة" هي مظلة تضم مجموعات إرهابية تتألف من فلول البعث و"حكومة البعث السرية"، إضافة إلى مجموعات تابعة للقاعدة. وتفيد موسوعة الويكيبيديا أن هذه "الدولة" (تدعي أن لها وجودا في محافظات بغداد، ديالى، الأنبار، كركوك، نينوى، صلاح الدين وأجزاء من واسط وبابل. فيما أعلنت في أول الأمر أن بعقوبة هي "عاصمة" لها).

أخبرني بعض العارفين بالأمور، أن أغلب قيادات (دولة الإسلام في العراق) كانوا قياديين في حزب البعث، والآن أطالوا لحاهم، ولبسوا دشاديش قصيرة وسراويل طويلة مقلدين بها الوهابيين من أتباع القاعدة، وعدد منهم لبسوا العمائم وأدعوا أنهم رجال دين كبار، وتظاهروا بالتدين، والدفاع عن أهل السنة لاسترجاع "الحق إلى أهله" وبغداد إلى أهلها من الصفويين "بغداد النا وما ننطيها!!".

و من كل ما تقدم، نستنتج أن فلول البعث والقاعدة يتصرفون الآن كحكومة ثانية في العراق، باسم (دولة الإسلام في العراق)، تمتلك جيشاً محترفاً متماسكاً بالانضباط العسكري الحديدي والأيديولوجي، وهو (الحرس الجمهوري) يمتلك خزيناً هائلاً من الأسلحة والذخيرة، بل وحتى معامل صنع المتفجرات والصواريخ التي أسسوها في مناطق سرية مختلفة عندما كانوا في السلطة. إضافة إلى ما نهبوا من أموال الدولة بلغت نحو 30 مليار دولار عام 1990، حسب ما جاء في مذكرات الدكتور جواد هاشم، وزير التخطيط أوائل السبعينات.

والأخطر من كل ذلك، أن لهذه "الدولة السرية" و"الجيش السري" تمثيل وامتداد في البرلمان والحكومة وجميع مؤسسات الدولة، تعمل على شل الحكومة والبرلمان، وتنغيص حياة المواطنين بالفساد الإداري، وبث التذمر ضد الحكومة الشرعية المنتخبة ولتبييض وجه صدام وحزبه الفاشي. فهناك تسلل واختراقات تمتد إلى أعمق أعماق أجهزة الدولة الشرعية، بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والإدارية وإدارات السجون وحراسها..الخ.

إضافة إلى ذلك، فإن حكم البعث عمل خلال 35 سنة من حكمه المدمر على تدمير الشعور بالوطنية والمسؤولية، لذلك صار من السهل على فلول الإرهاب شراء ذمم بعض المسؤولين العاملين في أجهزة الدولة وتسخيرها لتنفيذ أغراضهم الشريرة. لذا، لا نستغرب عندما نسمع بين حين وآخر هروب جماعي من السجون العراقية.
مقابل دولة البعث والقاعدة هذه، هناك حكومة شرعية منتخبة ضعيفة لأنها غير متجانسة، ومتصارعة على الدوام في سبيل المصالح الفئوية والشخصية على حساب المصلحة العامة، تسمى بحكومة (الشراكة الوطنية)، حيث نجد قسماً غير قليل من هؤلاء "الشركاء" في السلطة الشرعية هم شركاء في الإرهاب أيضاً، غرضهم الرئيسي من المشاركة في السلطة هو شل عملها، وإيقاف إصدار القوانين والخدمات، وإفشال العملية السياسية، ووأد الديمقراطية تمهيداً لإعادة البعث إلى الحكم.
هذه باختصار شديد الصورة الحقيقية للوضع في العراق اليوم، وما كشفت عنه غزوة السجنين: التاجي وأبو غريب.
والجدير بالذكر، أن الهجوم على هذين السجنين سبقته منذ أواخر العام الماضي حملة إعتصامات في مدن المحافظات الغربية بتنظيم وقيادة فلول البعث والقاعدة بعد أن اختطفوا أهل السنة وطرحوا أنفسهم كممثلين شرعيين لأهل السنة، والسنة منهم براء. والمشكلة أن بعض القياديين في التحالف الوطني (الشيعي)، يطمحون بمنصب رئاسة الحكومة راحوا يغازلون قادة الاعتصامات، وفرضوا ضغوطاً على رئيس الوزراء لإطلاق سراح نحو 17 ألف من المعتقلين بتهمة الإرهاب ترضية لقادة الاعتصمات. ونحن نعرف أن البعث والقاعدة لا يمكن أن يكتفوا بهذه الإجراءات لأن غرضهم النهائي هو إلغاء كل ما تحقق بعد عام 2003 وإعادة حكمهم البغيض.

وكنتيجة مباشرة لإطلاق سراح هذه الأعداد الغفيرة من المعتقلين الإرهابيين، تصاعدت موجة حرب الإبادة في المناطق الشيعية، حيث بلغت أرقام الشهداء إلى نحو 2500  وأضعاف هذا العدد من المصابين خلال شهري مايس وحزيران فقط، 1057 لشهر تموز/يوليو. وهي أرقام تذكرنا بما حصل في أوج الحرب الطائفية في الأعوام 2006-2008. كما وأصدرت الأمم المتحدة قبل يومين تقريراً حديثاً جاء فيه: "توضح الأرقام أن 4137 قتلوا، وما يقرب من 10 آلاف آخرين أصيبوا منذ بداية العام الجاري، وكانت أكثر المدن تعرضا للتفجيرات والعمليات الانتحارية هي العاصمة بغداد". (الخبر منشور على موقع بي بي سي العربي، 1/8/2013)

نحن نقدر موقف رئيس الوزراء السيد نوري المالكي لما يتعرض له من ضغوط لإبداء المرونة والتساهل في التعامل مع الاعتصامات، وتبني سياسة "عفا الله عما سلف" إزاء أعداء العراق الجديد. ولكن، وكما قالها المالكي نفسه، أنه ليس من حقه أن يتنازل عن حقوق الضحايا وذويهم ويعفي عن المتهمين بالإرهاب. فهذه السياسة تبناها الزعيم عبدالكريم قاسم من قبل وجلبت الكوارث عليه وعلى الشعب، والآن العراق مهدد بالدمار الشامل نتيجة لهذه السياسة اللينة إزاء أعداء الشعب.

كما ونذكر السيد رئيس الوزراء أن الجماهير تحترم القائد القوي وترفعه على الأكتاف عندما يكون مرهوباً من قبل الأعداء. وهذا هو سبب تصاعد شعبية المالكي عندما شن حملة (صولة الفرسان) عام 2008 ضد عصابات مقتدى الصدر في البصرة ومدينة الصدر، ومن ثم في الموصل ضد فلول البعث والقاعدة. ونتيجة للانتصارات التي حققها على قوى الشر كسب المالكي شعبية واسعة ليس في المناطق الشيعية فحسب، بل وحتى في المحافظات السنية مثل الأنبار، فطالبوه بشن (صولة الفرسان) في الرمادي أيضاُ لإنقاذ الناس من شرور أتباع القاعدة.

أما الآن، وبعد كل ما حصل، وإظهار السيد المالكي برئيس لا حول له ولا قوة ازاء جبروت قطعان الوحوش الضارية من فلول البعث والقاعدة، وتخاذل بعض المسؤولين في الأجهزة الأمنية وإدارات السجون، وانتهازية بعض القياديين في الإئتلاف الوطني، فهذا الموقف ينعكس سلباً على السيد المالكي نفسه وربما يخسر حياته، ويخسر الشعب معه ليعود العراق إلى المربع الأول الذي بدأه في شباط 1963 الدموي الأسود.
كما واستغل خصوم العراق الجديد هذا الوضع المزري، ليلقوا اللوم  كله على المالكي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، وكذلك وجدها البعض فرصة لخلط الأوراق وإلقاء اللوم على أقوى حليف للعراق، والادعاء بأن أمريكا هي وراء تصاعد الإرهاب بما فيه هروب السجناء. لذلك، نعتقد أن على السيد المالكي تبني سياسة الحزم ازاء أعداء العراق الجديد ويضرب أعداء الشعب بيد من حديد. فالشعبية التي كسبها بعد صولة الفرسان عام 2008 من السهولة أن يخسرها اليوم بتساهله مع ما يجري على أيدي فلول البعث والقاعدة.
وفي هذا الخصوص، يقول المفكر الفرنسي الكبير غوستاف لوبون حول «سيكولوجية الجماهير» في كتابه الذي يحمل هذا العنوان «...أن الجماهير  تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلا من أشكال الضعف. وما كانت عواطفها متجهة قط نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس. وهي لا تقيم النصب التذكارية العالية إلا لهم. وإذا كانت تدوس بأقدامها الديكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقرين وغير المهابين. إن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القيصر. فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها».

ونحن لا نطالب المالكي بتبني الاستبداد، أبداً، ولكن يجب أن يعرف ومعه كل المخلصين العراقيين، أن الديمقراطية بلا تطبيق القانون تعني الفوضى والكارثة. فالشعب العراقي وحكومته المنتخبة يواجهون اليوم عدواً شرساً لا يعير أية قيمة للإنسان وللشعب، إذ كما خاطب صدام مرة مجموعة من الأطباء أن (قطع الأعناق أسهل عنده من قطع الخيار!). فحزب البعث وأتباع القاعدة لا يحترمون حياة الانسان، ولا رأي الشعب ويسخرون من الديمقراطية والشعبية. إذ يذكر المرحوم على كريم سعيد، وكان قيادياً في حزب البعث (الجناح السوري)، في كتابه الموسوم (عراق 8 شباط 1963، من حوار المفاهيم إلى حوار الدم..)، فيما يتعلق بسخرية البعثيين من الشعبية، نقلاً عن قاسم الجنابي (المرافق الأقدم للمرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم)، وهو شاهد عيان خلال حوار الإذاعة الذي وجهه أحد المشاركين في انقلاب 8 شباط الأسود، عبد الستار عبد اللطيف كلامه إلى عبد الكريم قاسم قائلاً: "إنك مسيطر والشعب معك، دبابة واحدة أسقطتك". فيعلق المؤلف: "كان ذلك بمثابة رسالة رعب لشعب أدّعوا أنهم ثاروا من أجله. فجاءت تلك، رسالة استفزاز همجية لا تنتمي إلى حضارة إنسانية عمرها ستة آلاف عام. وكأنها رسالة تقول: إن الحكومة الجديدة قاسية. كما إنها تعني بأن الثوار أذعنوا لفكرة: إن لهم الدبابة ولخصومهم التعاطف الشعبي..."
فيا دولة رئيس الوزراء، هذا هو العدو الذي يواجهه العراق الجديد ولا تنفع معه سياسة اللين وعفا الله عما سلف.

ما العمل؟
أعتقد أن العراق مهدد اليوم بالدمار الشامل وحرب إبادة الجنس على أيدي قطعان الوحوش الضارية أكثر من أي وقت مضى. وهذه القطعان تدعمها مؤسسات إعلامية مأجورة من اليمين واليسار، في الداخل والخارج، يساهمون في إرباك الوضع وتشويش وعي المواطنين، وبلبلة الرأي العام. فإذ لم يتخذ رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الاجراءات الفورية الحازمة الرادعة لإنقاذ الموقف ولحماية أرواح الناس وممتلكاتهم من عبث العابثين والإرهابيين، فسوف يخسر التعاطف الشعبي، والذين صوتوا له في الانتخابات السابقة، ويمكن أن يخسر حتى حياته، وبالتالي إدخال العراق في نفق مظلم أخطر من النفق السوري...وعليه نقترح اتخاذ الاجراءات التالية:
أولاً، تنفيذ حكم الإعدام فوراً بحق كل إرهابي أصدر القضاء عليه هذا الحكم. فرغم أني لا اعتبر الإعدام أشد قسوة من السجن المؤبد، إلا إني اعتقد جازماً بأن الإعدام في هذه المرحلة من تاريخ العراق العاصف، هو إجراء رادع لغيرهم من الإرهابيين المحتملين. كذلك التسويف في تنفيذ حكم الإعدام يعطي المحكوم عليهم الأمل بإطلاق سراحهم بطريقة ما، مثل دفع الرشى إلى الفاسدين من الإداريين وحراس السجون، أو عمليات الهجوم واستخدام القوة كما حصل في سجني التاجي وأبي غريب. ولماذا يتحمل الشعب تكاليف إطالة أعمار الارهابيين ومتطلبات معيشتهم وحراستهم في السجون؟
ثانياً، يجب أن تكون هناك شبكة استطلاعية استخباراتية للكشف عن المندسين من عملاء البعث والقاعدة والمخربين في الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة وجميع مؤسسات الدولة، والقيام بحملة تطهير مستمرة لهذه الأجهزة.
ثالثاً، تغيير قيادات الأجهزة الأمنية، ومدراء السجون على فترات متقاربة وبشكل مفاجئ أحياناً.
رابعاً، معاقبة المندسين والمتخاذلين من المسؤولين بشدة، وفضحهم في الإعلام، وتقديمهم للقضاء لمعاقبتهم.
خامساً، بما إن العراق في حالة حرب مع الإرهاب، وشعبه مهدد بالإبادة، لذلك أقترح إعلان حالة الطوارئ وبقرار من البرلمان. وكل من يتخاذل في دعم هذا القرار من البرلمانيين يعني أنه يدعم الإرهاب. وأن يقوم رئيس الوزراء بحملة شبيهة بحملة صولة الفرسان في كل مناطق العراق، وأن لا تأخذه في الحق لومة لائم.
بدون هذه الإجراءات الحازمة الصارمة، فالعراق مهدد بالدمار الشامل.
ألا هل بلغت، اللهم اشهد.

109
في وداع العفيف


د.عبدالخالق حسين

العفيف أسم على مسمى، كان عفيفاً في حياته وسلوكه وفكره وصراحته وعلاقاته مع الناس من أصدقاء وخصوم، كان عفيفاً وشجاعاً في نضاله الطويل في مقارعة الظلم والتخلف والجهل والتعصب بجميع أشكاله وخاصة التعصب الديني. قد لا يكون مناسباً أن يتفلسف الإنسان في كتابة التأبين خاصة إذا كان يتعلق بشخص عزيز عليه، ولكن عندما يكون الفقيد مفكراً كبيراً وفيلسوفاً فلا أرى ضيراً في ذلك. إذ يتذكر القراء أن العفيف نفسه استشهد مرة في أحد مقالاته قبل أشهر بقول للفيلسوف مونتنيه: "الفلسفة فن يعلمنا كيف نحيا جيداً وكيف نموت جيداً ". هذه الفلسفة طبقها العفيف على نفسه بكل صدق وإخلاص، فلم تفارقه الابتسامة وهو يتحدث عن الموت الذي كان يتوقعه في أية لحظة.

فالموت ليس مشكلة الميِّت، لأنه فيه راحة أبدية، إذ كما قال سقراط: "الموت نوم بلا أحلام"، بل هو مشكلة أحبائه ومريديه، وخاصة إذا كان الراحل مفكراً كبيراً من وزن وقامة العفيف، "المشاغب"، أو "محامي الشيطان" على حد تعبير الصديق العزيز الدكتور شاكر النابلسي. لذلك ربما سيكتب النابلسي نعياً بعنوان: (رحيل محامي الشيطان) إذ كتب قبل سنوات مقالاً عن العفيف قريباً من هذا العنوان. لذلك فأنا أتمثل بقول مارك توين عن الموت: "أنا لا أخاف من الموت، لأني إذا مت سأعود وكأني لم أولد، وأنا ما كنت مولوداً لمليارات السنين ولم يزعجني ذلك".

فكل مصلح هو مشاغب لأنه يتمرد على القبيلة ويخرج على المألوف، ويناضل من أجل إخراج المجتمع من التخلف ويدفعه إلى مستقبل أفضل. وفي هذه الحالة لا بد وأن يشق المجتمع إلى معسكرين، معسكر محافظ متمسك بالقديم، يريد إعادة المجتمع إلى الماضي الغابر، ومعسكر متجدد يتطلع إلى الحداثة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومساواة المرأة، ودولة المواطنة والقانون، لا فرق فيها بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والأثنية. لذلك فهو في نظر المعارضين له إنسان مشاغب! ومتمرد على القبيلة.

لقد نذر العفيف نفسه منذ شبابه إلى مقارعة التخلف بالفكر المستنير. وعرف أن هذا الطريق محفوف بالمخاطر والمتاعب وربما الموت المبكر. لذلك لم يتزوج، راكباً صهوة المخاطر مهاجراً من بلد إلى بلد بعيداً عن وطنه تونس. أقتبس أدناه بعضاً من أقواله في حوار بينه وبين قرائه نشر في إيلاف عام 2004، أدرج الرابط في الهامش وهو جدير بالقراءة(1).

لقد عاش العفيف حياة صعبة في جميع مراحلها بدءً من طفولته في الريف التونسي الفقير إلى ساعة رحيله في باريس إلى عالم الخلود. فيقول عن نفسه: "توفي أبي وعمري 13 عاماً وكانت صدمة مروعة لم أنجح في إقامة الحداد عليه ربما حتى الآن، مات أبي في كوخنا المعزول، وعندما عدت إلى العاصمة تونس لمواصلة سنتي الثانية في التعليم الزيتوني كنت أذهب كل مساء إلى "سوق العصر" الذي يأتيه الفلاحون من إحدى الاحياء الفقيرة جداً "الملاسين" التي يسكنها الريفيون النازحون. وكلما رأيت فلاحاً يرتدي برنوساً ركضت لأنظر إليه من أمام عسي أن يكون هو أبي الذي دفنته بنفسي في مقبرة القرية. يعني ذلك أنني لم أصدق موته وهي حالة تقود عادة إلى الجنون."

من حسن الصدف أنه تلقى تعليماً على يد معلم تقدمي في عمر مبكر فيقول: "وكيتيم مفجوع اندفعت أبحث عن أب بديل أتماهي معه. تماهيت بالشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان يأتي إلى الزيتونة يعطي درسه في حلقة التعليم العالي... وفي الوقت ذاته تماهيت بطه حسين إلى درجة الذوبان فكنت أضع عصابة على عيني كما لو كنت أعمي وأرتجل أمام زميل لي هو الهادي بالأخضر مقلداً طه حسن". كما وتماهى ببورقيبة مدافعاً عن خطه السياسي وخاصة "عندما أصدر غداة الاستقلال 1956 قوانين الأحوال الشخصية لتحرير المرأة التونسية" .

كما وعى العفيف الشاب "خطورة التعليم الديني العتيق فكتب مقالات في جريدة "العمل" في صفحة الشباب مطالباً بغلق جامع الزيتونة ودمج التعليم الزيتوني العتيق في التعليم الحديث الذي ورثته تونس المستقلة عن فرنسا، وفعلاً بعد بضعة شهور أصدر بورقيبه قراراً بتوحيد التعليم وغلق الزيتونة."

وكمصلح لا بد وأن يصطدم باليسار واليمين معاً، بما فيها سلطة أبورقيبة، الأمر الذي أجبره على الهجرة إلى عدن في عهد النظام الماركسي، فيقول: "في سنة 1969 حضرت اجتماع مجلس وزراء جنوب اليمن فنصحتهم بدلاً من الاشتراكية الماركسية اللينينية باتخاذ اجراءات حداثية منها إصدار قانون أحوال شخصية كالقانون التونسي ، فقال لي سالم ربيع رئيس الجمهورية مازحاً: هل أنت سفير لبورقيبه أم معارض له؟، فأجبته: الاثنان معاً. فطلب من وزير الخارجية أن يطلب من سفير تونس في عدن تزويدهم بنسخة من "مجلة" [قوانين الأحوال الشخصية التونسية] وفعلاً صدرت بعد ذلك قوانين شخصية يمنية مشابهة جداً للقوانين الشخصية التونسية".

وقد عانى كثيراً من الفقر المدقع، لذلك راح يبحث عن أسبابه وعلاجه. ولعله أول من انتبه إلى خطورة الانفجار السكاني على العالم العربي، فحذر من مخاطره، ولكن لا حياة لمن تنادي، فقال في هذا الخصوص: "طبعاً أعي الآن أفضل الأسباب الموضوعية لهذا الفقر الكوني: الانفجار السكاني. لكن ذلك لا يعفي أغنياء العالم دولاً وشركات وأفرادً من خطيئة عدم التفكير في نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني."
 
ماركسية العفيف
وعلى سؤال من السيد عبد القادر الجنابي: "ماذا تبقى اليوم من ماركسيتك التي اعتنقتها ودافعتَ عنها طوال السبعينات..؟" فيجيب قائلاً: "فقري الذي مازال رفيق حياتي كان وربما مازال وراء قناعاتي الماركسية التي وصلت إليها في 1963... إذن لم أكن مدفوعاً بقناعات نظرية عميقة بل بغريزة طبقية فقط. .. فقد بلورت قناعاتي النظرية بعدما آمنت سلفاً بالماركسية.. ولكن، منذ الستينات بدأت أتساءل عن مدى اشتراكية المعسكر الاشتراكي."  ويضيف: "... من زيارة لتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية اللذين وجدتهما أشبه بالمعتقل لسكانهما منهما بالمجتمع. قالت لي فتاة تشيكوسلوفاكية عاملة عندما سألتها إن تعرِّف لي النظام الذي يحكمها: "نظاماً فاشياً". أما في ألمانيا الشرقية، وقد كنت يومياً أستمع إلى نكات العمال على حساب "جنة الاشتراكية الألمانية". في برلين الغربية كنت في حانة نحتسي البيرة فسألت مجموعة من العمال الشباب عن رأيهم في الماركسية فقادني أحدهم إلى خارج الحانة وأشار بسبابته إلى جدار برلين الشهير قائلاً: "هذه هي الماركسية".. في الحقيقة كانت أوهامي عن الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا .. الخ، والأحزاب الشيوعية في العالم العربي والعالم قد تلاشت قبل ذلك. دخلت مع المعسكر الاشتراكي والأحزاب الشيوعية العربية في سجال عنيف. وردوا إليّ الصاع صاعين فاتهموني في 1967 بأني عميل لألمانيا الغربية بسبب موقفي من ألمانيا الشرقية.. باختصار حاربتني الأحزاب الشيوعية بالشائعات. كانت مشاعري إزاء ذلك مزيجاً من الشعور بالاضطهاد والعزلة والاعتزاز. الاعتزاز بأنني غير مفهوم وأكلف الشرق والغرب مشقة فهمي: الغرب يرفضني لأنني ماركسي والماركسيون اللينينيون يرفضونني لأنني عميل للغرب. ساعدني ذلك على أن أفكر بنفسي باستقلال عن المرجعيتين الشرقية والغربية."

عاش العفيف عدة سنوات في بيروت ثائراً ينشر الأفكار التقدمية في ندوات أسبوعية، ومقالات ناقداً فيها الماركسية اللينينية والأنظمة العربية، ووصفه للاتحاد السوفيتي والصين بأنهما إمبرياليان في مجلة "دراسات عربية"، مما أخرج المتعاطفين مع هذه الاتجاهات عن طورهم. "كان اليسار يرى فيّ يمينياً واليمين يرى فيّ يسارياً متطرفاً".

موقف العفيف من الإسلام السياسي:
رأى العفيف "أن إسلام القرون الوسطي يشكل عائقاً دينياً هائلاً يعتقل عقول المسلمين فلا تعود قادرة على التفكير الواقعي فضلاً عن العقلاني في أمور دينها ودنياها.. فالمرأة المسلمة وغير المسلمين يعاملون في بداية الألفية الثالثة معاملة أكثر ضراوة بما لا يقاس من معاملة الرأسمالية المتوحشة في القرن التاسع عشرة للنساء والأطفال".
والجدير بالذكر أن مشكلة العفيف هي مع الإسلام السياسي وليس مع الإسلام كدين الذي يؤكد أن "العلم يعترف بالدين في مجاله الخاص، الذي هو الروحانيات وتقديم العزاء والسلوى للحزانى..." ولكنه ينتقد الإسلام السياسي  فيقول: "الاتجاه المضاد الذي يقوده الإسلام السياسي والإرهابي الهادف إلى العودة إلى عصر ذهبي موهوم في ماضيه السحيق لا يبدو أنه يمتلك زمام المستقبل... وكارثة على المسلمين لأن المسيحيين بينهم هم خميرة الحداثة أي العلمانية والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والمساواة بين المسلم وغير المسلم".
أما الحل لهذه الأزمة فهو في التخلص من التعليم الجهادي التكفيري "والمطالبة بتعليم ديني بديل متصالح مع العلم ومع المرأة ومع غير المسلم ومع الديمقراطية ومع حقوق الإنسان ومع علوم الحداثة العقلانية والإنسانية وهذا ممكن" ويؤكد على  "أن للدين وظائف روحية ونفسية مازالت قوية في النفسية البشرية المسكونة بإعطاء حياتها معني بعد الموت: الخلود في عالم البقاء. ولا ضير من ذلك عندما لا يعترض الدين المعلمن والمرشد عن إعطاء الآخرين معني لحياتهم في الحياة لا فقط بعد الممات".
 
اللقاء مع العفيف
لا شك أن اللقاء مع مفكر كبير متعة فائقة، خاصة إذا كنت منسجماً معه فكرياً إلى حد التماهي. فأول ما قرأت للعفيف كان مقالاً له نشر في الحياة اللندنية قبل نحو 15 سنة، ومن تلك المقالة أصبت بالإدمان على قراءة كل ما ينشر للعفيف، إذ كان له عمود أسبوعي في الصحيفة المذكورة. ولسوء حظنا، أنه منع من النشر في تلك الصحيفة بأمر مالكها الأمير السعودي خالد بن سلطان، لأنه انتقد في إحدى مقالاته التخلف السعودي.
وبعد ذلك ظهرت مقالاته في إيلاف بشكل منتظم لعدة سنوات إلى أن توقفت إيلاف عن نشر كتاباته لأسباب لا نعرفها. وأخيراً ظهر في الحوار المتمدن بشكل منتظم إلى رحيله.

مشكلة العفيف الشخصية أنه لم يكن على وئام مع التكنولوجيا، فلم يطق الكومبيوتر واستخدام الكيبورد، بل تمسك بالقلم في كتابة مقالاته. ثم أصيب قبل سنوات بعجز في يديه فلم يستطع الكتابة لفترة، ولم ينشر إلا بمساعدة بعض أصدقائه الذين يزورونه فيملي عليهم مقالاته بين حين وآخر. وعندها تشمت به رئيس حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي، أن الله شل يديه عقاباً له على كفره!! وهكذا عامل الغنوشي الله كبشر يغضب وينتقم..!!
وأخيراً تعافى العفيف واستعاد قوة يديه وعاد للكتابة والنشر. وكان يبحث عن سكرتيرة ليملي عليها فلم يفلح إلا في الآونة الأخيرة وبمساعدة أحد أصدقائه الخيّرين. لذلك لاحظنا في الأشهر الأخيرة من حياته نشاطاً ملحوظاَ في نشر سلسلة من المقالات الطويلة وهي عبارة عن فصول لكتاب له كان ينوي نشره.

وفي نهاية العام الماضي (ديسمبر 2012) أسعفني الحظ بلقائه مع نخبة ممتازة من المفكرين الإصلاحيين العرب وغير العرب، فتحققت الأمنية بمناسبة حضورنا مؤتمر روما للإصلاح الإسلامي الذي نظمه الدكتور ستفين ألف، مدير مؤسسة الإصلاح، فكانت حقاً فرصة سعيدة جداً. ورغم معاناته من المرض إلا إنه كان مفعماً بالنشاط الفكري، مرحاً والابتسامة لم تفارقه.

عاش متمرداً ومات متمرداً، إذ تمرد حتى على الموت. فقد أخبرني عن مرضه، وأن الأطباء أبلغوه بأن لم يبق له سوى ستة أسابيع فقط. لذلك كان في سباق مع الزمن والموت لإنجاز سلسلة من مقالات ودراسات عن الإصلاح الديني. فحاول أن ينشر أكبر ما يمكن خلال ما تبقى من عمره فتحدى الموت والأطباء معاً وبقى أكثر من 8 أشهر بدلاً من ستة أسابيع، أنجز خلالها أفضل مقالاته في مقارعة الفكر الظلامي.
سألته مرة ونحن في مصعد الفندق، ما رأيك بدور الفرد في التاريخ؟ فقال وهو يضحك: هذا السؤال شغلني نحو ستين سنة. باختصار فإن كلما يستطيع الفرد عمله هو أن يفهم متطلبات المرحلة التاريخية ويتكيف مع مسارها.

وأخيراً، من هو العفيف الأخضر؟
وفي حواره مع القراء سأله الكاتب الصديق أشرف عبدالقادر: "يتهمك الكثيرون بأنك تغيِّر أفكارك، حتى إن أحدهم قال لك في فضائية الجزيرة، بأنك أخضر، وأصفر، وأحمر، فهل على الكاتب أو المفكر أن يراجع أفكاره أم يتراجع عنها؟ وهل هناك فرق بين التراجع والمراجعة؟
فأجاب قائلاً: " نعم أغيِّر أفكاري بمجرد أن أكتشف أن الواقع تجاوزها أو لم تكن متكيفة معه، تذكر يا أشرف كلمة ماركس الجميلة" كل شيء يتغير إلا قانون التغير"، في نظري من يكابر أمام الوقائع والواقع لا يمكن أن يكون مثقفاً حقاً، ذكرتني بالإسلاموي الذي وصفني بالأخضر والأصفر والأحمر وبكل ألوان الطيف .. لا بأس، فأنا ثوري ورجعي، متدين وملحد، مادي وروحي، شاعر سراً وناثر جهراً، فأنا كتلة متفجرة من المتناقضات المتعايشة سلمياً ..أنا ثوري عندما يتعلق الأمر بالوقوف بحزم ضد حروب العرب الانتحارية ضد إسرائيل وغيرها، و"رجعي" عندما يتعلق الأمر بتوقيع السلام، فأنا مع السلام بأي ثمن كان لأن السلام هو أثمن ثمن. ... وأنا متدين بكل دين يكون ملاذاً روحياً للغلابي والحزاني والمتألمين، ديناً يكون زفرة الإنسان المكبل بالأغلال وقلباً في عالم لا قلب له وروحاً لحقبة لا روح فيها، فأنا متدين بكل دين روحي، أي فصل بين الزمني والدنيوي وعانق فيه يسوع روح الله غاندي .. دين هو :"من يرتضي غير التسامح ديناً فلن يقبل منه، كما قال صديقي د. محمد عبد المطلب الهوني" وتذكر قول ابن عربي :
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي / إذا لم يكن ديني إلى دينه دانى
وقد صار قلبي قابلاً كل صورة / فمرعي لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف / وألواح توراة ومصحف وقرآن
أدين بدين الحب أنّي توجهت / ركائبه ، فالحب ديني وإيماني
فأنا على دين ابن عربي. وأنا ملحد بكل دين يكون دين دولة، يكون دين تعصب، وبكل دين جهادي واستشهادي، وبكل دين يضطهد الفرد والمرأة وغير المسلم بغرائزه البدائية وعقوباته البدنية. وأنا مادي بالمعني الفيزيائي للمادة القائل بأن "المادة هي الطاقة التي تأخذ شكلاً"، وأنا روحي بمعني أن الروح هو الطاقة التي تسري في العالم،على الكاتب أن يعيد التفكير في أفكاره دون توقف، أي أن يراجع أفكاره دائماً ليمتحنها على ضوء حركة الواقع وأن يتراجع عنها كلما اكتشف أنها لم تعد أو لم تكن أصلاً متكيفة مع الواقع. إذاً لا وجود لفارق جوهري بين المراجعة والتراجع فالهدف هو دائماً واحد: البحث عن الحقيقة التي هي دائماً تاريخية، أي نسبية. لماذا؟ لأن معرفتنا بالواقع نسبية وقدرة عقولنا على الإحاطة به والأدوات التي تستخدمها لإدراكه بها نسبية هي الأخرى، فلا يمكننا إدعاء امتلاك الحقيقة التي لا تحول ولا تزول إلا إذا سقطنا في مهاوي التعصب والعياذ بالله." انتهى

نعم، هذا هو العفيف الأخضر. أنه مع قانون التغيير. ولذلك فالعفيف لم يمت، لأنه باحث عن الحقيقة التاريخية (النسبية) بلا تعصب، وسوف يبقى حياً في وجدان محبيه ومريديه، إذ تبقى أفكاره التنويرية مشاعل تنير الدرب للمناضلين في سبيل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والانعتاق والتجديد.
موت هذا المفكر العملاق خسارة لنا جميعاً لا تعوض. عزاؤنا الحار لأهله وأصدقائه وقرائه ولأنفسنا، وله الذكر الطيب.


العفيف الأخضر وعبدالخالق حسين مساء يوم 8/12/2012 في روما

 
الاخضر في مؤتمر روما ديسمبر 2012 بمصاحبة (من اليمين إلى اليسار):
هاشم صالح، شاكر النابلسي وعبد الخالق حسين

ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة
1- حوار ساخن أجراه معه قراء إيلاف، نشر يوم الثلاثاء 30 مارس 2004
http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/6/820723.html#sthash.w8YzR2ay.dpuf

2- العفيف الأخضر (1934-2013)
http://www.almuslih.net/index.php?option=com_content&view=article&id=281:-1934-2013&catid=38:obstacles-to-reform&Itemid=207



110
رحيل المفكر التونسي العفيف الأخضر


ببالغ الحزن والأسى أنتقل إلى عالم الخلود صباح اليوم، 26/7/2013، في باريس، المفكر والمناضل التونسي الكبير الأستاذ العفيف الأخضر (1934- 2013) عن عمر ناهز 79 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض عضال دام عدة سنوات. ورغم صراعه مع المرض الخبيث إلا إنه كان يواصل بشجاعة وصلابة كتابة المقالات التنويرية ونشرها في مواقع الإنترنت العربية وخاصة موقع الحوار المتمدن في السنوات الأخيرة، وكان يعلم أنه في سباق مع الموت، حيث أبلى بلاءً حسناً ضد التطرف الإسلامي وفي سبيل الإصلاح الديني.
قضى فقيدنا معظم سنوات حياته في الغربة منها في بيروت، ومن ثم في باريس منذ السبعينات إلى وافته المنية صباح اليوم 26/7/2013.
عزاءنا الحار إلى ذويه وأصدقائه وقرائه في شتى أنحاء العالم، ولفقيدنا العزيز الذكر الطيب.

عبدالخالق حسين  

 


111
المنبر الحر / لا يصح إلا الصحيح
« في: 12:03 16/07/2013  »
لا يصح إلا الصحيح

د.عبدالخالق حسين

البقاء للأصلح (survival of the fittest) مقولة خالدة خلدت اسم قائلها الفيلسوف وعالم الاجتماع الإنكليزي  هربرت سبنسر، والتي استعارها داروين فيما بعد لنظريته (أصل الأنواع وفق الاختيار الطبيعي). الملاحظ هنا أنه لم يقل البقاء للأقوى أو الأضخم، بل أكد على (الأصلح)، أي الذي يستطيع التكيف مع ما يطرأ من تغيرات على البيئة، فالأحياء في منافسة شرسة فيما بينها على مصادر العيش، والأنواع التي لا تستطيع التكيف تنقرض كما انقرضت الدينصورات وغيرها من الأنواع (species). ونفس المنطق ينطبق على العلوم الاجتماعية و(منها السياسة)، فعبارة (البقاء للأصلح) في علم البيولوجيا تقابلها عبارة (لا يصح إلا الصحيح) في حركة التاريخ، إذ هناك علم في هذا الخصوص باسم (الداروينية الاجتماعية Social Darwinism). ورغم ما يحصل من انتكاسات وتراجعات بين حين وآخر  في الخط البياني لمسار التاريخ البشري، إلا إن على العموم، الحضارة البشرية في تطور وتقدم نحو الأفضل على المدى المتوسط والبعيد، أي أن مسار التاريخ هو تقدمي.

في أكثر من مقال ذكرتُ أن الجهات التي ناهضت الشعب العراقي بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، هي نفسها تناهض العراق الديمقراطي اليوم. والمشاكل التي واجهت الزعيم قاسم هي نفسها تقريباً تواجه السيد نوري المالكي. هذه المقاربة والمقارنة أغاضت الكثيرين مع الأسف الشديد، وحتى من الذين ناهضوا الزعيم قاسم في وقته ليستغلوا نزاهته في الطعن بالعراق الجديد لما يواجهه من مشاكل الإرهاب والفساد، وذلك بشخصنة هذه المشاكل وإلقائها على كاهل من وضعته الأقدار في موقع المسؤولية.

لم أقل أن السيد نوري المالكي هو نسخة من الشهيد عبدالكريم قاسم، فلكل إنسان شخصيته وظروفه. ولكن من المؤكد أن القوى الظلامية التي تكالبت على العراق في الداخل والخارج في عهد الزعيم قاسم هي نفسها اليوم تثير له المشاكل، مع الاختلاف في الوسائل وتسمية الاتهامات. فالتهمة في عهد تموز هي هيمنة الشيوعية على السلطة وأن قاسم شيوعي، والعراق صار تابعاً للإتحادي السوفيتي. أما اليوم فالتهمة هي هيمنة الشيعة على السلطة، والمالكي هو مشروع إيراني، والعراق صار مستعمرة إيرانية! وكذلك الجهات المتكالبة هي نفسها، البعث وحلفائه في الداخل، والحكومات الاقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا وغيرها في الخارج.

والاختلاف بين العهدين، في عهد تموز كان التدخل عن طريق التآمر والانقلاب العسكري، أما اليوم فعن طريق المفخخات وإرسال الإرهابيين الوهابيين من بهائم القاعدة في حرب الإبادة الطائفية، والعبث بأمن العراق وقتل شعبه وتدمير مؤسساته الاقتصادية، وعرقلة تقدمه، وتنظيم الاعتصامات وإثارة الفتن الطائفية لضرب الوحدة الوطنية. 
 
ومع الأسف الشديد، انخدع البعض وحتى من المحسوبين على اليسار، متلحفين بلباس التقدمية وخاصة من دعاة الماركسية، فتراهم يفسرون النصوص الماركسية حرفياً بنفس طريقة الإسلاميين التكفيريين في التفسير الحرفي للنصوص الدينية. كذلك يحاولون استنساخ التجارب الثورية من بلدان أخرى دون أي اعتبار لاختلاف الظروف الموضوعية. فما قاله ماركس لحل مشاكل القرن التاسع عشر في أوربا يصلح لمشاكل القرن الواحد والعشرين وفي كل زمان ومكان!! وهذا في رأيي أحد أهم أسباب تراجع اليسار وانحساره في العراق والمنطقة العربية. فالصراع الطبقي ليس السبب الوحيد في حركة التاريخ، بل هناك عوامل أخرى مثل الصراعات العنصرية والدينية والطائفية وغيرها.

إن مهمة اليسار في العراق اليوم هي النضال من أجل العدالة الاجتماعية، وحماية ما تحقق من مكتسبات ديمقراطية وتطويرها، ومعالجة المشاكل التي تعرقل مسيرته نحو الأفضل. ولكن كالعادة، واصل هذا اليسار نفس النهج القديم الذي مارسه في العهد الملكي، أبلسة السلطة وإظهارها بالشر المطلق، أي نفس النهج الذي تمارسه فلول البعث والقاعدة اليوم في تخوين وتكفير الخصم لتبرير إبادته. فالمفروض بالقوى السياسية التقدمية مواجهة النواقص والخلل بالنقد البناء وتشخيص المشاكل ومعالجتها، بينما الذي يجري هو ترديد ونشر نفس الاتهامات التي تصنع في مختبرات البعثيين والطائفيين. وحلهم الوحيد لمعالجة المشاكل المتفاقمة والمتراكمة عبر قورن هو إسقاط النظام القائم ودون أن يكون لديهم البديل المعقول. فبالنسبة للبعثيين وحلفائهم هو عودة البعث للسلطة! 

يحاول هؤلاء عرقلة مسيرة العراق الجديد بأية وسيلة كانت ومها كلف الأمر، فما أن تحصل انتفاضة في أي بلد عربي حتى وراحوا يدعون الشعب العراقي بتقليدها والقيام بمثلها. فعندما حصلت انتفاضة الشعب المصري في 25 يناير 2011، التي أطاحت بحكم حسني مبارك، قاموا بتنظيم مظاهرات في ساحة التحرير في بغداد ومدن عراقية أخرى واختاروا يوم 25 شباط 2011، تقليداً لرقم 25 يناير للانتفاضة المصرية، وأما شباط، فكان لرد الاعتبار لشهر شباط الأسود وما يمثله من ذكريات مؤلمة للشعب العراقي إثر انقلاب الفاشيست عام 1963. طبعاً فشلوا، ولكن المهزلة أنه بعد أشهر، كتب أحد كتاب صحيفة (المدى) المعارضة، تمجيداً لتظاهرة 25 شباط 2011 فأطلق عليها صفة الانتفاضة الشعبية، وأن التاريخ سيذكرها في المستقبل كواحدة من ملاحم شعبنا الكبرى مثل ثورة العشرين!! (كذا)! وهي في الحقيقة لم تكن أكثر من عاصفة في فنجان نظمها البعثيون وأتباع القاعدة الذين نظموا فيما بعد الاعتصامات في المنطقة الغربية، وما دور اليسارويين إلا تابعين حيث ركبوا الموجة بحجة أنهم دائماً مع الجماهير!!.
وبعد انتفاضة الشعب المصري الثانية يوم 30 يونيو(حزيران) 2013 التي أطاحت بحكم محمد مرسي، تحركت شهية هؤلاء ثانية،لإعادة نفس التجربة الفاشلة، فراحوا يدعون شعبنا بالاقتداء بالشعب المصري والقيام بانتفاضة مماثلة للإطاحة بنوري المالكي!!

نسي هؤلاء أن لكل شعب ظروفه الموضوعية الخاصة ومبرراته المشروعة. فالثورات لا تقوم بإصدار فرمانات من أحد، بل هي نتاج ظروف موضوعية وتاريخية، لا يمكن أن يكتب لها النجاح ما لم تكتمل لها شروط نجاحها. فالربيع العراقي سبق الربيع العربي بـ 21 عاماً عندما هب الشعب بانتفاضته الكبرى في شهر آذار (شعبان) 1991، يوم سيطر الثوار على 14 محافظة من مجموع 18، ولولا تدخل السعودية، ولأسباب طائفية، في إقناع الرئيس الأمريكي بوش الأب في التخلي عنها، لسقط النظام البعثي منذ ذلك الوقت، ولما احتاج بوش الابن إلى حرب دولية أخرى لاسقاطه عام 2003. والجدير بالذكر أن نفس المحافظات التي عارضت الانتفاضة على صدام عام 1991 وقفت ضد تحرير العراق عام 2003، وهي نفسها التي وفرت المأوى لفلول البعث والقاعدة، والذين ينظمون فيها الآن الاعتصامات ضد النظام الديمقراطي بحجة التهميش و"تحرير العراق" من هيمنة الشيعة الصفوية وإيران المجوسية!!.

ينكر هؤلاء أن ما تريده الجماهير المصرية اليوم قد تحقق في العراق قبل عشر سنوات، فلأول مرة في التاريخ يمارس العراقيون ديمقراطية حقيقية، ليس عبر صناديق الاقتراع فحسب، بل وجميع الحقوق التي هي من صلب الديمقراطية. الاستنساخ الببغاوي يقود إلى كوارث، إذ تقول الحكمة: "التقليد هو تحية الأغبياء للأذكياء".

نصحنا مراراً أنه إذا كان غرض هؤلاء السادة من الدعوات للانتفاضة والحملات الاعلامية المضللة، وبث الإشاعات السامة هو إسقاط المالكي (وغيره من السياسيين)، فيمكن تحقيق ذلك ديمقراطياً وذلك بسحب الثقة منه ومن حكومته تحت قبة البرلمان. ولكن يبدو أنهم لم يجدوا على المالكي وفريقه مخالفات دستورية لإثارة غضب غالبية الشعب عليه، لذلك لجئوا إلى اختلاق الأكاذيب ونشر الإشاعات. نحن لا نريد الدفاع عن المالكي وغيره من السياسيين، إذ هناك فساد وإرهاب، ولكن لا يمكن معالجة هذه الأمراض بالإشاعات المسمومة والهدم والحملات التسقيطية، بل بالنقد الإيجابي البناء والمساهمة في إصلاح الوضع.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا بقى المالكي على رأس السلطة التنفيذية لحد الآن رغم المعارضة الشرسة ضده، بينما معارضوه في تراجع وانحسار؟
في يوم 18/6/2013 ظهر أياد علاوي في برنامج (Hard talk) لبي بي سي، وكانت تلك الحلقة من تقديم الإعلامية القديرة سارة مونتكيو. فسألته عن سبب توتر العلاقة بينه وبين المالكي، فقال: أن المالكي دكتاتور ومدعوم من إيران. ولما سألته عن سبب فشله في كسب الكتل السياسية مثل الكتلة الكردستانية لتشكيل الحكومة برئاسته بينما نجح المالكي في ذلك؟ فردد نفس الحجة: "تدخل إيران!". وراح يلقي على إيران فشله في كل مجال. فسألته: إذا كان المالكي دكتاتوراً ومدعوماً من إيران، فلماذا شاركتَ في حكومته؟ فأجاب: "أن كتلته اسحبت من حكومة المالكي". فردت عليه: "ولكن ثلاثة من وزراء كتلتك مازالوا في الحكومة؟". فقال أنه فصلهم ولم يعودوا أعضاء في كتلته. ومن هنا جاءت الضربة القاضية إذ ردت عليه قائلة: "إذنْ، أنت فقدتَ السيطرة على كتلتك، وحتى وزرائك لم يطيعوك، وفي جميع الأحوال تلقي اللوم على المالكي وإيران؟". 
حقاً كان موقفاً بائساً ومحرجاً لعلاوي كشف فيه ضعفه إلى حد أني لأول مرة شعرت بالشفقة عليه. السبب الحقيقي الذي ينكره علاوي لفشله هو أنه لا يختلف عن صدام حسين، واستخدامه أساليب بعثية في زمن غير بعثي. والكتل السياسية الأخرى وغالبية الشعب يعرفون أنه لو كان قد نجح في تشكيل الحكومة برئاسته لأعاد البعثيين إلى السلطة وتحت أسماء أخرى وبلباس ديمقراطي زائف. 

إن سبب بقاء المالكي صامداً في وجه الأعاصير رغم كل المحاولات الداخلية والخارجية للإطاحة به هو لأنه يقف إلى الجانب الصحيح من حركة التاريخ، بينما خصومه في تراجع وانحسار لأنهم يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ. فنحن نعيش في قرن الحادي والعشرين، قرن الديمقراطية وانتصار الشعوب. ولذلك راح أعداء الديمقراطية وأعداء المالكي يسقطون الواحد تلو الآخر في الداخل والخارج. فها هو خصمه اللدود أياد علاوي تفككت كتلته وتخلى عنه حتى وزراءه وانضموا إلى حكومة المالكي. وقادة الاعتصامات يبحثون الآن عن مخرج يحفظ لهم ماء الوجه بعد أن سقط ممولوهم. أما أعداءه في الخارج، فهاهو بشار الأسد الذي كان يرسل الإرهابيين إلى العراق انقلبوا عليه وهو في محنة، أما أردوغان الذي كان يدعم ويثير الفتن الطائفية ويأوي قادة الإرهابيين مثل طارق الهاشمي وعدنان الدليمي، وينظم لهم المؤتمرات للإطاحة بحكومة المالكي، يواجه اليوم انتفاضة شعبية في بلاده يمكن أن تسقطه، وأما الشيخ حمد بن خليفة، أمير قطر، فقد أزيح عن الحكم وصار في خبر كان، ومفتي الإرهاب،  القرضاوي طرد تلاحقه لعنات ذوي الشهداء،  ومحمد مرسي الذي كان أحد مثيري الفتن الطائفية سقط إلى غير رجعة.
ومقابل سقوط هؤلاء، بقي المالكي صامداً يواصل عمله بهدوء وحكمة وصبر جميل مع السياسيين المخلصين في حل الملفات العالقة، والمشاكل المتراكمة، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

دروس وعبر
ومن كل ما تقدم، نستنتج عدة دروس جديرة بالاعتبار إذا تبناها من يهمهم الأمر من سياسيين وكتاب، وفرنا على شعبنا الكثير من الآلام والخسائر في الجهد والوقت، وعجلنا في بناء دولته العصرية الديمقراطية التي نحلم بها. على المثقفين أن يتخذوا موقفاً تقدمياً منسجماً مع حركة التاريخ. فالتقدمية ليست ادعاءات وشعارات براقة، والتمسك الأعمى بأيديولوجيات انتهى مفعولها، بل القدرة على فهم المرحلة التاريخية التي نعيش فيها، والتجاوب الصحيح مع متطلباتها. وأخيراً، نعيد ما قلناه في مقالنا السابق: أن كل ما بني على باطل فهو باطل، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


112
في مواجهة الدعايات المضلِّلَة

د.عبدالخالق حسين

بين حين وآخر أعود إلى موضوع الدعايات المضادة والإشاعات المسمومة كلما استجد منها، والتي يصنع معظمها ويبثها فلول البعث والمتعاطفون معهم من الإعلام العربي لتشويه صورة العراق الجديد. ولدي قائمة طويلة من هذه الاشاعات والأكاذيب، وهي غيض من فيض ولولا الرغبة في تفادي الإطالة لأدرجتها في الهامش، وقد ذكرت بعضاً منها في مقالات سابقة.

تضليل الرأي العام في الدعاية المضادة هو جزء من الحرب الإعلامية والنفسية بين الخصوم السياسيين، تستخدم في كل زمان ومكان، ولكن درجة تأثيرها يعتمد على مهارة صناع الإشاعة ودقة فبركتها، ومستوى الوعي الثقافي والسياسي للشعب الذي يتلقى هذه الدعاية. وللأسف، فإن ذهنية الشعب العراقي خصبة جداً لتصديق الإشاعات، خاصة إذا كانت موجهة ضد الحكومة وأيٍة حكومة كانت، وذلك بسبب الموروث الاجتماعي من العداء الدائم بين الشعب والسلطة منذ قديم الزمان. كما وساعدت التكنولوجيا على تسهيل فبركة الأكاذيب وإظهارها وكأنها حقيقة لا تقبل الشك، إذ يقول المثل" كذب مسفط خير من صدق مخربط"، إضافة إلى سهولة نشر هذه التلفيقات بسرعة البرق وعلى أوسع نطاق عن طريق الفضائيات والانترنت.

حقيقة أخرى جديرة بالذكر، وهي أن في العراق كل من يرفض تصديق الأكاذيب الموجهة ضد مسؤول حكومي يتهم بأنه يدافع عن الحكومة، فالمفروض بمتلقي الإشاعة أن يصدقها، أو على الأقل أن يسكت!. سأذكر في هذا المقال نماذج "طازجة!" من هذه التلفيقات، نشرت مؤخراً في وسائل الإعلام، أو وصلتنا عن طريق الإيميل، وسأدرج روابط ما توفر منها في الهامش، تاركاً الحكم للقراء الكرام. ودوري هنا لا يتعدى نقل بعض هذه التلفيقات بإيجاز شديد، وردود بعض السادة الأفاضل ممن يهمهم الأمر، ومن أصحاب الخبرة الذين تصدوا لها مشكورين لتنوير الرأي العام في قول الحقيقة، عملاً بالحديث الشريف: "الساكت عن الحق شيطان أخرس".

فمنذ سقوط حكم البعث نشاهد حملة تسقيطية واسعة وشرسة لتشويه صورة العراق الجديد، وضد المسؤولين في الدولة وخاصة الذين من خلفية مذهبية معينة، وبدوافع سياسية وطائفية، الغرض منها تصفية حسابات. هناك مبدأ قانوني يفيد: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". ولكن في العراق يريد الإعلام أن يكون هو القضاء وهو الحكَم، وإذا ما برأت المحكمة المتهم، اتهموا القضاء بأنه مسيَّس. في العالم المتحضر لا يجوز ترك الأحكام إلى الإعلام، وقد عاقب القضاء في الغرب العديد من المؤسسات االإعلامية بغرامات كبيرة جداً عندما وجهوا تهماً لشخصيات أثبت القضاء زيفها وبراءة المفترىَ عليه.

أدناه نماذج من الافتراءات الجديدة:
1- خبر مفاده قيام وزير التجارة السابق عبد الفلاح السوداني بمحاولة شراء نادي سوانزي سيتي، أجتزئ من التقرير ما يلي:
لندن/ المستقبل نيوز: "رفضت محكمة سوانزي مشروع بيع نادي سوانزي سيتي بطل كأس الأندية المحترفة وتاسع الدوري الإنكليزي البريمر ليغ للموسم 2012 – 2013 للقيادي في حزب الدعوة ووزير التجارة السابق عبدالفلاح السوداني المطلوب للقضاء العراقي لإدانته بالفساد...." (1)
ومن قراءة التقرير، وما تلاه من مقالات، يلمس القارئ اللبيب أن التقرير ملفَّق. و رد عليه الشاعر والإعلامي المعروف الأستاذ فالح حسون الدراجي في مقال له بعنوان: (فلاح السوداني .. شهيد الخلافات السياسية!!)(2)، جاء فيه: "... إن الأمور إتضحت على حقيقتها أمس، حين أتصل بي أحد الزملاء الصحفيين العراقيين المقيمين في لندن، ليخبرني بأنه اتصل بإدارة النادي أمس، وعرض عليها الخبر المنشور في عدد من الصحف العراقية، ومواقع الأنترنيت، مستفسراً عن مدى صحته، فجاءه الجواب، مصحوباً بالدهشة والإستغراب، وبالنفي القاطع جملة وتفصيلاً لما نشر، مع النفي الأشد لفكرة بيع النادي!! ". ويضيف الأستاذ الدراجي في ختام المقال: " نعم، لقد ظلِم السوداني، ولم يزل يُظلَم حتى هذه الساعة، بخاصة وإنه الضحية الأكبر في مسلخ الخلافات، والحروب، والتنافسات السياسية والطائفية والمصلحية.. فهو البريء من الوريد الى الوريد، بشهادة القاضي ستار ورور رئيس محكمة جنايات الرصافة السابق، الذي أعلنها بصراحة أمام العالم كله حين قال: لقد أشرفت على محاكمة عبد الفلاح السوداني شخصياً، وتابعت ملفه القضائي مفردة مفردة، ولم أترك، أو أهمل شاردة، أو واردة في قضيته إلا وعالجتها، فلم أرَ له غير البراءة قط. فهو ليس بريئاً فحسب إنما هو مظلوم أيضاً." (2)

2 - إعتقال العطية بلندن بتهمة تبييض أموال الحسينيات (الأحد، 23  حزيران، 2013).
تلقيت هذا الخبر عبر البريد الإلكتروني (الإيميل) جاء فيه: "اعتقلت السلطات البريطانية خلال الساعات الاخيرة رئيس كتلة ائتلاف دولة القانون البرلمانية ‏‏"ألشيخ" خالد العطية في مطار هيثرو بلندن حاملا اوراقا نقدية بمليون دولار واتهمته بممارسة عمليات ‏تبييض اموال.‏.. الشيخ خالد العطية وهو قيادي من دولة القانون معمم وبجنطته مليون دولار جمعها من رواتبه ليتبرع بها الى حسينيات بريطانيا.." . ويسأل كاتب الرسالة: "السؤال هو كم عائلة شيعية نعم شيعية وليس سنية او مسيحية بحاجة الى اعانة يسدون بها رمق اطفالهم؟ يا ناس يا عالم .. ان الله  يمهل ولا يهمل ...صدقوني وراس الحسين."

تبين فيما بعد أن مصدر هذا "الخبر" هو صادق الموسوي أدلى به خلال مقابلة مع قناة البغدادية. وللأسف الشديد، نجح في تمرير هذا التلفيق التحريضي على الكثيرين وبينهم أشخاص حذرون لا يشك في إخلاصهم للعراق، فراحوا يعممونه كل حسب دوافعه. وأخيراً جاء الرد من الشيخ خالد العطية نفسه في تقرير نشر على وسائل الإعلام، أدرج رابطه أدناه، (3)، جاء فيه: "بغداد (المسلة) - اكد رئيس كتلة دولة القانون النيابية الشيخ خالد العطية، الاثنين، انه أقام دعوى قضائية ضد رئيس مؤسسة العراق للإعلام صادق الموسوي في المحاكم البريطانية على خلفية ادعاء الاخير بتوقيف العطية في مطار هيثرو بلندن بسبب اصطحابه لحقيبة تحوي ملايين الدولارات في برنامج عرض من على شاشة قناة البغدادية. واضاف ان "خبر حملي لحقيبة مليئة بالدولارات غير صحيح ومفبرك ولم احمل اي حقيبة فيها اي مبلغ وهذا الخبر يكذب نفسه بنفسه حيث لم تتطرق له أي وسيلة اعلام ولا قنوات الحكومة البريطانية والحقيبة الدبلوماسية لا يحملها إلا دبلوماسي مسجل في السفارة وأنا لست بدبلوماسي".

3-  ايران تسرق نفط العراق بموافقة المالكي
تقرير آخر يبدأ بعبارة: (عاجل عاجل)، وصلني عبر البريد الإلكتروني من صديق معروف بمناهضته  للبعثيين، وحرصه على العراق، وقدعمم هذا التقرير التلفزيوني بدوافع وطنية، جاء فيه: "إيران تسرق النفط العراقي ومن ثم تعود لبيعه للعراق وبموافقة عراقية. برفض العراق الى مراقبة استخراج النفط عبر الاقمار الصناعية، او بوضع عداد الكتروني على بعض الحقول المشتركة. تنبيه هام: هناك حقول هي عراقية وتقع في الاراضي العراقية وليست مشتركة. من لا يصدق، عليه بمشاهدة هذا الفديو".

والفيديو بثته قناة العربية السعودية، ومن يشاهده يرى مدى التألم الكاذب على وجه مقدم التقرير المدعم بالصور والخرائط تداخلت فيه عمليات البرمجة الإلكترونية (animation)، ليضمن تمريرها على المشاهدين، خاصة وأن أدعى أن التقرير من تأليف "مركز دراسات" في الغرب!. الملاحظ من أول التقرير إلى آخره أن الغرض هو إثارة عداء العراقيين والعرب ضد إيران والسيد نوري المالكي.(3).

وأخيراً رد الخبير النفطي العراقي الأستاذ حمزة الجواهري مشكوراً، في رسالة موجزة بعثها للصديق الذي عمم التقرير جاء فيها: "هذا التقرير اعدته [الفضائية] العربية، وكما هو معروف أن العربية همها الأول والأخير الإيقاع بين العراق وإيران. التقرير يقول أن حجم المشتقات الإيرانية التي تباع للعراق هو أربعة ملايين برميل يوميا، وهذا يفضح مدى الكذب والفبركة في التقرير، لأن كل التصدير العراقي لا يزيد على مليونين ونصف برميل يوميا، ولا يملك العراق موانئ لتصدير المشتقات اطلاقا، فإذا كان العراق لا يستطيع تصدير اكثر من مليونين ونصف مليون برميل نفط خام، كيف يستطيع تصدير اربعة ملايين برميل مشتقات لصالح إيران؟ التقرير تنقصه اللغة المهنية والمعلومات والكثير من المعلومات التي وردت به ما انزل بها من سلطان، فهو تقرير اعلامي بامتياز وتحريضي خبيث بامتياز أيضا."

ثم جاء رد ثان تأييداً لرد الأستاذ حمزة الجواهري من خبير نفطي آخر وهو الأستاذ ضياء البكاء، مدير عام سابق في وزارة النفط، في رسالة جاء فيها:
"فعلا إن تقرير العربية يستفز كل من يتوخى الموضوعية والمهنية وهو تقرير دعائي لا يستند إلى الحقيقة بل الى الفبركة والتهويل وإلى مركز دراسات لا نعرف من هو القائم بإدارته ولا درجة الوثوق بإستنتاجاته. ومن أبرز نقاط ضعف التقرير هو إنه يجعل حجم السرقة المزعومة من الحقول الحدودية أكبر حتى من  مجموع إنتاج هذه الحقول مجتمعة وهذا ما لا يقبله المنطق، ولا يبين التقرير أيضا كيف يتم نقل الكميات" المسروقة" وهي كبيرة وبأي واسطة !!؟؟ كذلك  لا نعرف كيف أحتسب التقرير "مركز الدراسات" إحتياطيات الحقول الحدودية  بأكثر من 100 مليار برميل أي حوالي 70 بالمئة من الإحتياطيات النفطية الإجمالية في العراق علما أن غالبية الحقول الحدودية ذات إحتياطيات متوسطة، وكيف يخطأ في حجم  إستيراد العراق للمنتجات النفطية (الديزل) من  إيران من واقع 2-4 مليون لتر يوميا حوالي 12 - 25  الف برميل يوميا إلى 4 مليون برميل يوميا " البرميل حوالي 160 لتر" أليس ذلك من قبيل المبالغة والتهويل؟" .

4- الخطاب المنسوب للجنرال الأمريكي جورج كيسي، والمزعوم أنه ألقاه في احتفال "منظمة مجاهدي خلق" الإيرانية في باريس، والذي ادعى فيه أن إيران هي التي فجرت المرقدين في سامراء، يبدو أنه ملفق. فبعد نشر مقالي السابق بعنوان: (لماذا الآن اتهام إيران بتفجير المرقدين في سامراء؟) كتب لي صديق، وهو إعلامي قدير قائلاً: 
"تابعت هذا الموضوع وبحثت طويلا عن مصدر يؤكد الفيديو الذي بثته القناة الاخبارية المشبوهة
وفيه ترجمة مركبة على صوت قديم للجنرال كيسي، فلم اجد اي شيء، ولم يصدر عن امريكا ما يؤكد وقوع مثل هذا الخطاب. عندي معلومات ان وراء فبركة ونشر الفيلم هو (....  ....) شخصيا" [وذكر اسم الشخص، أتحفظ على ذكره لأسباب قانونية]. ويضيف الصديق: "اكرر القول هنا، الفيلم مصنوع، يمكنك ان تخاطب وزارة الخارجية الامريكية وتسألهم عن حقيقة الخطاب وسترى بماذا يجيبوك". أنتهى
 
وبدوري راجعت غوغل عسى أن أعثر على الخطاب المنسوب للجنرال كيسي فلم أفلح. كما ويوجد عندي رابط عن احتفالات "مجاهدي خلق" في باريس ليس فيه أية إشارة إلى حضور الجنرال الأمريكي، لذا وعلى الأغلب، فالخطاب المزعوم هو ملفق رغم أني صدقت به في أول الأمر، بسبب الضجة التي افتعلها المعتصمون في المنطقة الغربية حول تصريحات الجنرال الأمريكي المزعومة.

5- محاولة البعض المتاجرة بمآسي الآخرين وتجييرها لأغراضهم الطائفية والسياسية.

وأخيراً وليس آخراً، وصلتني قبل أيام من صديق عزيز، رسالة مؤلمة عن فاجعة اغتيال الدكتور أحمد شاكر، بعنوان: "امام انظاركم الكريمة تعليق لعراقي أصيل .. وحسب علمي انه يعرف الشهيد المغدور حق المعرفة. خبر مؤلم عن استشهاد الدكتور أحمد شاكر". بقلم الدكتور محمد الحسوني، (لست متأكداً، هل هو اسم حقيقي أو مستعار).
وأنا إذ أعرب عن حزني العميق لإستشهاد الزميل الدكتور أحمد شاكر، وأدين الجريمة بأشد ما يمكن من كلمات، وأصب اللعنات على المجرمين القتلة الذين عاثوا بأمن بلادنا واغتالوا الأبرياء من جميع الفئات، ومنهم أصحاب الخبرات لشل العقل العراقي، ولكن في نفس الوقت أدين كل من يتاجر بمأساة الضحايا من أبناء شعبنا لأغراض طائفية وسياسية ويستخدمها لإشعال الفتن.
يبدأ كاتب الاستغاثة بعبارة: "ساسة طائفيون سفلة يقايضون أمننا وسلمنا الاجتماعي بصمتنا عن الفساد واللصوصية والفشل". ثم يطرح أسئلة من نوع (قول حق يراد به باطل)، وتلافياً للإطالة، أذكر بعضاً من هذه الأقوال (الأسئلة) مع تعليقي عليها.
لا بد وأن يلمس القارئ اللبيب النفس الطائفي في تجيير هذه الفاجعة الأليمة لصالح البعث وحلفائه، إذ نعرف قدرة البعثيين على قتل القتيل والسير في جنازته، وإلقاء التهمة على خصومهم.
معظم الأسئلة هي تحريضية ضد طائفة معينة، وضد أناس لا ذنب لهم في هذه الجريمة لخلط الأوراق، إذ يقول: "هل تعلمون أنه (أي الشهيد المغدور) إختصاص غدد صماء يا أهل العقول الصماء؟".

يا ترى، من هم أهل العقول الصماء؟ إذا كان يقصد القتلة المجرمين الحقيقيين فأنا معه. ولكن من قراءة الأسئلة اللاحقة نرى أنه يريد إبعاد التهمة عن المجرمين الحقيقيين وإلقائها على أناس هم أنفسهم مشاريع ذبح من قبل البعثيين وحلفائهم التكفيريين، حيث يواصل طرح أسئلته متظاهراً بحرقة من هول الفاجعة فيقول: "هل تعلم أنه استاذ كلية طب بغداد يا وزير التعليم الأصم؟". و"هل تعلمون أنه طبيب يا نقابة الأطباء الصماء البكماء؟". إذنْ، وزير التعليم "الأصم" ونقابة الأطباء "الصماء البكماء" هم الذين يوجه لهم تهمة قتل الشهيد الدكتور حامد شاكر، أو كان بإمكانهم حمايته من القتل.
ولكن هذا ليس نهاية بيت القصيد، فيضيف: "هل تعلمون أنه (أي القتيل) سني وسمى ولديه منتظر والسجاد يا أصحاب العقائد الصماء؟"
يعني أن القتلة هم شيعة والمغدور هو سني ولم يسلم السني من انتقام الشيعة له حتى ولو سمّى ولديه أسماءً شيعية (منتظر والسجاد). أي أن الشيعة "أصحاب العقائد الصماء" هم الذين قتلوه!! وبذلك يبعد التهمة عن القتلة الحقيقيين من البعثيين والقاعدة التكفيريين، ولا استبعد أنهم قتلوه لأنه سمى ولديه بأسماء شيعية.

والأشد هولاً هو دعوته للأطباء بالإضراب العام!! إذ لا أعرف كيف يسمح كاتب "الاسثغاثة" لنفسه، وعلى الأغلب هو طبيب، إذ وضع لقب (دكتور قبل اسمه)، بتحريض الأطباء على الإضراب لشل عمل المستشفيات. فهذا ليس منطق طبيب أدى القسم الطبي (قسم أبوقراط) يوم تخرجه من كلية الطب (أن لا يلحق ضرراً بمريض). فما ذنب ألاف المرضى بجريمة بشعة ارتكبها إرهابيون سفلة نعرف لأية جماعة قتل ينتمون، ومن يفتي لهم ويغريهم بأن قتل العراقيين هو مفتاح لبوابة الجنة، والتمتع بحور العين!!.

وراح "المستغيث" الدكتور محمد الحسوني في تساؤلاته إلى أبعد من ذلك، يدعو الشعب العراقي كله ويحاول أن يحرك فيهم "الغيرة" لينتفضوا على "رأس السلطه التنفيذية " ويقصد نوري المالكي طبعاً، كما انتفض الشعب المصري على مرسي، فيقول: ((أيها العراقيون وهل تعلمون شيئاً بسيطاً هو أن الشعوب تقرر مصيرها... أخيراً هل تشاهدون شعباً يظهر على التلفزيون اسمه شعب مصر؟ .. ألا تغارون؟.. لم يقتلوا منهم أستاذاً أو مئات الأطباء والأساتذة ولم يسرقوهم لـ 10 سنوات ..سنة واحدة فقط بعده مرسي ماحاك راسه ...لا ماكو داعي المقتول طبيب سني اسمه أبو منتظر أبو السجاد ....من المسؤول عن أمنه؟ محمد مرسي !!!!!؟ )).
ثم يحرض على الإضراب العام فيقول: "هل تم إلغاء مصطلح الإضراب وحل مكانه مصطلح الإرهاب ...اليوم على د.احمد وغداً على الباقين...أضربووووووووا يا أطباء العراق، أضربوا لكي تتحرك غيرة المسؤولين لحمايتكم متى تضربون؟؟؟  كفى دم." أنتهى.

السؤال هنا، هل هذه هي الطريقة الصحيحة لتأبين عزيز استشهد على أيدي شذاذ الآفاق من القتلة، ونحن نعرف أية طائفة عانت أكثر من الإرهاب البعثي- الوهابي ودفعت عشرات الألوف من القتلى؟ وهل يقبل أهل الشهيد الدكتور أحمد شاكر أن يستغل أحد فاجعتهم، ودم فقيدهم لأغراض طائفية وسياسية يتاجر بها بهذا الشكل المفضوح؟
لم أسمع بالدكتور محمد الحسوني من قبل، وقد يكون هذا اسمه الحقيقي، ولكني أشك في ذلك، وأعتقد أن اختياره لهذا الاسم ليس صدفة، وإنما لغرض. فقد أختار اسماً قريباً من اسم طبيب معروف وهو الصديق الدكتور محمد حسون، (وليس الحسوني)، ليوهم القراء أن الذي يتهم الشيعة "أصحاب العقائد الصماء" بقتل طبيب سني هو أيضاً شيعي وليس بدوافع طائفية!!؟

ما العمل؟
إن ما يواجهه العراق اليوم من حملات التضليل والتشويه يشبه ما واجهه العراق في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم من أبواق الدعاية المصرية الناصرية التي كانت تشنها إذاعة صوت العرب والبوق الأكبر أحمد سعيد، إضافة إلى الاعلام العربي وبقية الجوقة في الداخل والخارج. واليوم الدعاية أشد ضراوة وشراسة، نظراً للتطور المذهل في تكنولوجية صنع الأكاذيب ووسائل الاتصال. صحيح أن مواجهة الإعلام المضلل واجب جميع المثقفين الوطنيين، ولكن المثقفين هم أيضاً منقسمون على أنفسهم شأنهم شأن السياسيين. لذلك أقترح على المسؤولين في الإعلام الرسمي تشكيل جهة تضم عدداً من إعلاميين نهمتهم مراقبة وسائل الإعلام، وخاصة ما ينشر على مواقع الانترنت من أكاذيب وإشاعات مسمومة، لمحاربتها وفضحها وتفنيدها أولاً بأول.
نؤكد للسادة من صناع الإعلام المضلل أن كل ما بني على باطل فهو باطل، فحبل الكذب قصير، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1 بريطانيا ترفض بيع نادي «سوانزي سيتي» لفلاح السوداني
: http://www.sotaliraq.com/mobile-news.php?id=106720#ixzz2XuIBPofP

2 فالح حسون الدراجي : فلاح السوداني .. شهيد الخلافات السياسية !!
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=25055

3 ايران تسرق نفط العراق بموافقة المالكي
http://www.youtube.com/watch?v=gjv1vUTp2gU

113
مصير الديمقراطية في مصر

د.عبدالخالق حسين

منذ بدء الانتفاضة المصرية الثانية يوم 30/6/2013 لخلع الرئيس المنتخب السيد محمد مرسي، وأنظارنا، كما أنظار كل العالم، متجهة إلى مصر المحروسة، وأيدينا على قلوبنا خوفاً من أن يحصل المكروه، إذ هناك من يراهن على الحرب الأهلية. فبعد عام من فوز حزب الأخوان المسلمين بالسلطة عبر صناديق الاقتراع، نفذ صبر الشعب المصري من سوء أدائهم فقام بالمرحلة الثانية من ثورته التي بدأها يوم 25 يناير 2011 لخلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، من أجل ثلاثة أهداف رئيسية: "الخبز، والحرية، والعدالة الاجتماعية"، إذ فشل الرئيس مرسي (الأخواني) وحزبه الحاكم في تحقيق أي من هذه الأهداف.

كانت الاحزاب الإسلامية تردد منذ عشرات السنين أن "الإسلام هو الحل"، أي حل مشاكل القرن الحادي والعشرين بقوانين مر عليها 14 قرناً، ودون الاعتراف بالعلم وما حصل من تطورات مذهلة على الحياة في جميع المجالات. فالشعوب العربية تطغي عليها نزعة المحافظة والتدين، وقد عانت الكثير من استبداد حكومات فاسدة وجائرة أدعت العلمانية، لذلك تأثرت نسبة كبيرة من هذه الشعوب بشعارات الأحزاب الإسلامية فمنحتها أصواتها في الانتخابات بعد انتصار ثورات الربيع العربي.

أكدنا مراراً على أن أفضل طريقة للتخلص من الإسلامويين هو استلامهم السلطة لوضع شعاراتهم على المحك، لأننا كنا واثقين من أنهم سيفشلون، إذ لا يمكن معالجة أمراض اليوم إلا بطب الحديث، وليس بوصفات القرون الغابرة مثل الحروز والتعاويذ والطلاسم، وحفلات الزار...الخ!!. لذلك نعتقد أن فوز الإسلاميين في تونس ومصر قبل عام كان خطوة "رائعة" وفق مقولة "رب ضارة نافعة" للتخلص منهم، وإلا سيواصلون التأثير على ذهنية الجماهير برفع شعارهم: (الحل في الإسلام) وامنحونا الفرصة لنجرب!.

كذلك نعرف من التجربة الجزائرية الدموية المريرة عندما حصد الإسلاميون في الجولة الأولى من الانتخابات عام 1992 غالبية الأصوات، مما أثار رعب الكثيرين في الجزائر وخارجها من الهجرة الجماعية، وفرض حكم "الشريعة"، لذا قامت الحكومة العسكرية بإلغاء الانتخابات ونتائجها، وكان ذلك في رأينا، خطأً كبيراً لأنه أدى إلى حرب أهلية دامت أكثر من عشر سنوات راح ضحيتها نحو ربع مليون قتيل. أعتقد أن مرحلة استلام الاسلاميين للسلطة ما بعد إسقاط الحكومات العربية المستبدة عقب انتفاضات الربيع العربي، مرحلة لا بد منها، بل وربما ضرورية لفضح حقيقة الإسلاميين.

إن مشاكل الشعب المصري، وكأي شعب من الشعوب العربية والعالم الثالث، كبيرة جداً وخاصة الاقتصادية منها، لا يمكن حلها بعصا سحرية، وبعقلية ميتافيزيقية دينية لا تؤمن بالوسائل العلمية والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان و تحرر المرأة...الخ، خاصة ونحو 70% من السكان لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر، وتبلغ نسبة البطالة بين الشباب نحو 40% أغلبهم من المتعلمين وخريجي الجامعات، بلا أمل في المستقبل، وفي هذه الحالة لا بد وأن يثوروا، إذ ليس لديهم ما يخسرونه.

لقد منح الشعب المصري الإسلاميين، الفرصة للكشف عن نواياهم الحقيقية من الديمقراطية، وقدراتهم على حل مشاكل الشعب الاقتصادية المتفاقمة. بالتأكيد لا يمكن لأي نظام حكم أن يحل مشاكل الشعب المصري في سنة واحدة، ولكن هذه السنة أكدت فشل الرئيس الأخواني الدكتور محمد مرسي وفريقه في هذا الامتحان. إذ فشلوا في الديمقراطية، لأن مرسي تصرف وكأنه حاكم مستبد يتخذ القرارات كما يشاء، وأنه رئيس للإسلاميين فقط وليس لكل الشعب المصري، وضيَّق الخناق على الحريات وعلى السلطة القضائية وعلى الإعلام، وراح يحكم مصر بنظام إسلامي صارم لا يختلف عن حكم طالبان في أفغانستان. ونتيجة لهذا الفشل، نفد صبر المعارضة التي انضمت إليها غالبية الشعب بمن فيهم نسبة كبيرة من الذين صوتوا لمرسي، فنظمت الحراك الجماهيري الأخير في غاية الحكمة والتنظيم والتكتيك، وقامت بانتفاضتها الثانية يوم 30/6/2013. كما وقام الأخوان المسلمون بمظاهرات مضادة، مما أدى إلى صدامات بين جماهير المعارضة لمرسي والجماهير المؤيدة له، فوقع نحو 30 قتيلاً ومئات الجرحى، الأمر الذي هدد بانزلاق البلاد إلى حرب أهلية خطيرة. وفي هذه الحالة، فالجيش المصري لا يمكن أن يبقى متفرجاً، إذ من واجبه الوطني التدخل وحماية الشعب من كارثة محتملة. وهكذا فإن الانتفاضة الشعبية سبقت تحرك الجيش، أي أن الجيش استجاب لرغبات الغالبية العظمى من الشعب في لحظة تاريخية حاسمة بل وضرورية لتجنب الانزلاق إلى حرب أهلية.

لذلك فقد تصرف الجيش بقيادة وزير الدفاع، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، بحكمة وعقلانية، لإخراج البلاد من أزمته، ومنح الرئيس مرسي وقيادات المعارضة 48 ساعة مهلة للتباحث والوصول إلى حل معقول، وإلا فإنه سيتدخل لحل الأزمة على طريقته وفق "خارطة الطريق" التي تضمنت، كما تبين فيما بعد: "تعطيل العمل بالدستور بشكل مؤقت، ومراجعة تعديلات دستورية مقترحة، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة."

كان المفروض بالرئيس مرسي تبني المرونة والتصرف بحكمة، ووضع مصلحة الشعب والديمقراطية فوق مصلحته الشخصية والحزبية، ولكنه بدلاً من ذلك واجه العاصفة بتعنت، فألقى خطابا طويلاً ومملاً عشية انتهاء المهلة، شدد فيه على تمسكه بـ"الشرعية" التي اكتسبها عبر صناديق الاقتراع في انتخابات الرئاسة العام الماضي، وأنه مستعد أن يموت في سبيلها.

كان على مرسي الاجتماع  بقادة المعارضة لبحث الأزمة معهم، وتشكيل حكومة إئتلافية، أو من التكنوقراط المستقلين، وإعلان موعد لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وكان من حقه إعادة ترشيح نفسه. أعتقد لو اتخذ مرسي هذا القرار، لما تدخل العسكر، ولما أوصل البلاد إلى هذا الوضع المخيف الذي يهدد بحرب أهلية على غرار ما حصل في الجزائر في التسعينات.

لقد فاز مرسي بنسبة 52% من الذين شاركوا في انتخابات العام الماضي، وإذا ما أخذنا في نظر الاعتبار أن نسبة المشاركين كانت في حدود 50% من الذين يحق لهم التصويت، لعرفنا أن الذين صوتوا لمرسي لا يزيد على 26% من الذين يحق لهم التصويت، أي أن نحو ثلاثة أرباع الشعب المصري لم يصوتوا له، وهذا يجعله في موقف ضعيف، كان عليه أن يتصرف بمنتهى الحكمة.

ومهما قيل عن تحرك الجيش بعزل محمد مرسي مساء الأربعاء، 3/7/2013 بعد انتهاء المهلة، هو في رأينا انقلاب عسكري رغم أن العسكر ينفون ذلك، ولكنه انقلاب ضروري ومبرر جاء في لحظة تاريخية حاسمة وخطيرة، استجابة لرغبة غالبية الشعب لدرء ما هو أسوأ. وحسناً فعل العسكر في عدم تسلمهم أي منصب في السلطة الانتقالية، إذ تم تكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا المستشار عدلي منصور لتولي منصب رئيس البلاد بصورة مؤقتة، والذي أدى اليمين الدستورية يوم الخميس 4/7/2013.



اعتراضات على تدخل الجيش
هناك اعتراضات كثيرة مشروعة من مؤيدي مرسي، ومن خارج البلاد أيضاً على تدخل الجيش وعزل رئيس منتخب من الشعب ومهما كانت نسبة الذين صوتوا له. ولكن السؤال هو حول مدى عدالة وسلامة هذا الموقف؟ أيهما أفضل، التمسك بالدوغمائية "الشرعية" وترك البلاد تنزلق في فوضى عارمة وحرب أهلية لا تعرف عواقبها الوخيمة، أم أن يتدخل الجيش لفرض النظام، وحل معقول لحماية الشعب ومستقبل الديمقراطية نفسها؟
أعتقد أن الحل الثاني هو الصحيح لأن اختارته غالبية الشعب المصري. قد يبدو غريباً أن يرحب الشعب بتدخل العسكر ليخلصهم من رئيس منتخب ديمقراطياً. ولكن يجب أن نعرف أن الانتخابات وحدها لا تعني كل شيء في الديمقراطية، إذ هناك حقوق الأغلبية والأقلية، ولا تعني أن يتصرف الحاكم المنتخب كدكتاتور، وإلا صارت دكتاتورية منتخبة. لا ننسى أن هتلر جاء إلى السلطة عن طريق الانتخابات ولكنه قاد إلى كوارث الحرب العالمية الثانية. فهل يعتبر خطأً لو كان الجيش الألماني قد بانقلاب ضد هتلر المنتخب وتجنيب العالم حرباً عالمية؟ وفعلاً كانت هناك محاولات من قبل البعض للتخلص من هتلر، ولكن تم اكتشاف محاولتهم واعدموا. لذلك أرى أن تدخل الجيش المصري كان عملاً صحيحاً فرضته ظروف خاصة لحماية الشعب من حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

ومن أخطاء مرسي أن حزبه ساهم في إثارة التفرقة الطائفية، وتفشي العنف والتمادى في شق صفوف الشعب عبر وسائل إعلامه مثل "فضائية الناس" التي تم إغلاقها مؤخراً لهذا السبب. لذا لقي تدخل الجيش تأييداً كبيراً من غالبية الشعب. وعندما نقول غالبية الشعب فليس ذلك من باب التخمين أو التحيز، بل لما رأيناه من حجم الجماهير المشاركة في التظاهرات المليونية في شتى أنحاء البلاد ضد مرسي، وكذلك من عدد الموقعين على النداء الذي نظمته قيادة المعارضة والذي بلغ 22 مليوناً، لمطالبته بالتنحي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. لذا فهذا الرفض الشديد من 22 مليوناً هو بمثابة تصويت على سحب الثقة بالرئيس المنتخب وفقدانه لشرعيته.

كما وفسر البعض تدخل الجيش لإزاحة رئيس منتخب هو إعلان عن موت الديمقراطية في مصر، أو على الأقل أن الشعب المصري مازال لم يكن مؤهلاً للديمقراطية بعد. أعتقد أن هذا الحكم غير دقيق، فليس هناك شعب مؤهل وآخر غير مؤهل للديمقراطية، بل الديمقراطية لن يتعلمها أي شعب إلا من خلال الممارسة، إذ نعرف من تاريخ الشعوب الأوربية التي سبقتنا في هذا المضمار أنها في بداية ممارساتها للديمقراطية مرت بنفس المراحل المؤلمة التي تمر بها الشعوب العربية الآن، ثم تعودت عليها حتى صارت جزءً من ثقافتها الاجتماعية. فالديمقراطية لم تولد ناضجة ولم تكتمل دفعة واحدة، ولم تكن بلا ثمن، إذ كما قال الفيلسوف الألماني هيغل: "أن ولادة الأشياء العظيمة دائماً مصحوبة بألم". ولا شك أن الديمقراطية من أعظم ما أنجزته الحضارة البشرية، لذا لا بد وأن تكون ولادتها عسيرة ومؤلمة وفي أغلب الأحيان تتم بعملية جراحية قيصرية.

كذلك يجب أن نعرف أن الحكومات العربية اعتمدت في حكم شعوبها على سياسة "فرق تسد"، لذلك فهذه الشعوب تحتاج إلى عشرات السنين للتخلص من حالة التمزق والتشتت، والتركة الثقيلة التي ورثها من الحكومات المستبدة.

وبناءً على ما تقدم، أرى أن ما قامت به جماهير الشعب المصري مؤخراً كان عملاً عظيماً وفي الاتجاه الصحيح. والمفرح في هذه الانتفاضة هو النسبة العالية لمشاركة النساء فيها تكاد تكون مساوية للرجال. وهذا دليل على أن حاجز الخوف قد انهار، ونحن نشهد مرحلة جديدة لجيل جديد واع لا يهاب الخروج على السلطات الجائرة، وأن الشعوب العربية حقاً دشنت مرحلة خوض المعركة من أجل الحداثة والديمقراطية والتخلص من الإذلال والتخلف.

*****************************
ملاحظة ما بعد كتابة هذا المقال Postscript:
بعد كتابة هذا المقال بيوم حصلت تطورات متسارعة إذ بدأ أنصار الرئيس المخلوع محمد مرسي يستخدمون العنف والتحريض عليه والدعوة إلى حرب الجهاد. وللأسف الشديد، آخر الأنباء تفيد عن سقوط عشرات القتلى وأكثر من ألف إصابة في عدد من المدن المصرية أكثرها في القاهرة. يبدو أن الإسلامويين ينوون جر مصر إلى حرب أهلية على غرار ما حصل في الجزائر في التسعينات. أدناه رابط لفيديو معتصمي رابعة العدوية حيث مكان تجمع (الأخوان المسلمين) يهددون بحرب "جهادية" في مصر على طريقة طالبان والقاعدة في أفغانستان.
 https://www.youtube.com/watch?v=v90HtmrJPOs

 

114
لماذا الآن اتهام إيران بتفجير المرقدين في سامراء؟

عبدالخالق حسين

يواجه المثقف العراقي حالة من الابتزاز إذا ما أراد احترام عقله في قول الحقيقة، وتفنيد اتهامات باطلة موجهة إلى جهات تعتبر معادية تمَّت أبلستها وإبرازها بالشر المطلق مثل إسرائيل وأمريكا وإيران، وطبعاً السياسيين الشيعة "الصفويين" في العراق، ومهما بدت هذه الاتهامات غير معقولة. فإسرائيل عدوة للعرب لأنها اغتصبت أرض فلسطين، ومازالت تحتل الجولان السورية، ومزارع شبعا اللبنانية. وأمريكا هي حليفة إسرائيل في السراء والضراء، لذا فهي الأخرى عدوة. لذلك صار من السهولة على أية غاشمة أو منظمة إرهابية مثل فلول البعث والقاعدة ارتكاب أية جريمة بشعة في العراق وغيره، وإلقاء التهمة على أمريكا وإسرائيل، ومن لا يصدق هذه الاتهامات ويحاول تفنيدها، فهو عميل لهما!.

أما إيران، ورغم أنها تعرضت لمعاداة الغرب، والحصار الاقتصادي بسبب برنامجها النووي ومواقفها المتشددة من إسرائيل، ومساعداتها غير المشروطة للشعب الفلسطيني، فهي الأخرى تم ضمها إلى جبهة إسرائيل – أمريكا في تعليق الغسيل على شماعتها. فإيران الآن، في رأي الكثير من الحكومات العربية ووسائل إعلامها ووعاظها، هي أخطر من إسرائيل على الشعوب العربية! لذلك فكل من لا يصدق التهم الباطلة الموجهة ضد إيران، فهو عميل إيراني!.

وقد بلغ الأمر في العراق في سعار الشحن الطائفي حداً أن أي كاتب من خلفية شيعية لم يساهم في شتم إيران وإلصاق التهم بها ومهما كانت غير معقولة، ولا يشارك في تشويه سمعة السياسيين الشيعة، فهو طائفي صفوي وعميل للفرس المجوس!!. وآخر مصطلح خرج من مختبرات البعث الوهابي في هذا الخصوص هو (الصهيوصفوي) من قبل مرشح لمجلس محافظة الرمادي... ولله في خلقه شؤون.

فهؤلاء مازالوا يصرون على العداء لإيران، وجعل العراق "حارس البوابة الشرقية للأمة العربية!" كما كان في عهد حكم البعث الصدامي يوم ضحك عليه فهد، ملك السعودية، عندما قال له: "منا المال ومنك العيال -الرجال!". والمال الذي دفعوه لإدامة الحرب العراقية-الإيرانية طالبوا به بعد سقوط صدام واعتبروه ديناً مع أرباحها التي تجاوزت حجم الديون الأصلية. وهكذا يريد هؤلاء أن يكون الشعب العراقي كبش الفدى لهم وفي حالة حرب دائمة مع إيران.

شخصياً، لا أحتاج إلى شهادة تزكية من أحد لأثبت موقفي المناهض لنظام الحكم الإسلامي في إيران أو حكم البعث في سوريا، إذ نشرتُ عدة مقالات في هذا الخصوص، مؤكداً أن لا استقرار للمنطقة إلا بتغيير هذين النظامين بالبديل الديمقراطي. ولكن أن يطالبني البعض بتصديق اتهامات لامعقولة ضد إيران وسوريا، فهذا غير ممكن، وذلك لأني أحترم عقلي وأحافظ على استقلاليتي الفكرية، إذ لا يمكن أن أصدق كل ما أقرأ لا لشيء إلا لأنه ضد الثلاثي، أمريكا وإسرائيل وإيران، وإلا فأنا عميل وطائفي. من نافلة القول، أن لغة تخوين المختلف أصبحت مفضوحة، وسلاح المفلسين فكرياً وسياسياً وأخلاقياً.

مناسبة هذه المقدمة هي ما قرأنا مؤخراً في وسائل الإعلام عن «انضمام الأنبار إلى محافظة صلاح الدين في سعيها لتدويل قضية تفجير مرقدي سامراء، إثر تصريحات منسوبة إلى القائد العسكري الأميركي السابق في العراق الجنرال جورج كيسي بشأن «ضلوع» فيلق القدس الإيراني في تفجير مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء في 22 فبراير (شباط) 2006، وينوي معتصمو محافظة صلاح الدين رفع دعوى في المحاكم الدولية بذلك.» (الشرق الأوسط، 26/6/2013). (1)
 
والجدير بالذكر أن الجنرال كيسي أطلق هذه الاتهامات خلال مشاركته في مؤتمر للمعارضة الإيرانية (منظمة مجاهدي خلق) الذي عقد في باريس السبت الماضي (22/6/2013)، قائلاً أن النظام الإيراني «متورط بتنفيذ التفجيرات التي استهدفت مرقدي الإمامين العسكريين في سامراء... ومسؤول عن أغلب الهجمات المسلحة في العراق التي تستهدف المواطنين الأبرياء» (نفس المصدر).

ونتيجة لهذه التصريحات، تحرك "الغيارى" من قادة الاعتصامات في صلاح الدين والأنبار لتدويل القضية وذلك لفضح المجرم الحقيقي، أي إيران في هذه الجريمة الشنيعة. كما وذكر المتحدث باسم المعتصمين، أن «أهالي صلاح الدين عامة وسامراء خاصة سيكلفون أعضاء مجلس النواب عن المحافظة برفع دعوى قضائية ضد فيلق القدس الإيراني، لتدويل القضية»

السؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: لماذا سكت الجنرال الأمريكي كل هذا الوقت ولم يصرح بهذه التهمة إلا بعد سبع سنوات من الجريمة الشنيعة؟
ألسبب هو أن الحرب الأهلية في سوريا بلغت ذروتها وهي حليفة إيران في المنطقة، وبانت علامات هزيمة "جبهة النصرة"، ومحاولات الغرب تسليح المعارضة السورية، وبعد أن رفعت أمريكا منظمة مجاهدي خلق من قائمة الإرهاب لاستخدامها ضد إيران، بنفس الطريقة التي استخدمت فيها "القاعدة" و"منظمة طالبان" ضد النظام الشيوعي في أفغانستان. فها هي أمريكا تعيد نفس الخطأ الآن في سوريا، وربما في إيران مستقبلاً، لذلك رفعت "تنظيم مجاهدي خلق" من قائمة الإرهاب لاستخدامه كحليف محتمل. وإذا كانت التهمة بتورط إيران في التفجيرات في العراق صحيحة، فيجب محاسبة الجنرال كيسي على سكوته طيلة هذا الوقت.

نرى اتهام إيران بتفجير المرقدين في سامراء وتحميلها مسؤولية أغلب الهجمات المسلحة في العراق، تهمة من الصعوبة هضمها. فالبعثيون والمتعاطفون معهم يصفون الشيعة بعملاء إيران، وأن العراق صار مستعمرة إيرانية، وحاكمها الحقيقي هو الجنرال سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، ...الخ، وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تقوم إيران الشيعية الصفوية المجوسية بقتل عملاءها الشيعة الصفويين في العراق وتفجر مراقد أئمتهم، المقدسين لدى الشعب الإيراني أيضاً؟ تفيد الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له".

إن حقيقة التفجيرات هي كما نقل التقرير عن مسؤول أمني قوله: «الثابت لدينا أن تنظيم القاعدة هو الذي قام بتنفيذ هذه الجريمة التي أدت إلى إشعال الفتنة الطائفية في البلاد للسنوات 2006 – 2008». وأن «من نفذ العملية تم اعتقاله، وقد اعترفت المجموعة بكاملها، وهي نفسها التي اغتالت الصحافية العراقية أطوار بهجت في اليوم التالي»، مبديا استغرابه «من شهادة كيسي الآن ولماذا لم يعلن ذلك في وقته».

والسؤال الآخر هو، لماذا تقوم  قيادات الاعصامات في تكريت والرمادي بحملة تبرئة المجرم الحقيقي من جرائم تفجير المرقدين في سامراء وحرب الإبادة ضد الشيعة؟ فالمتهمون معروفون لكل ذي عقل سليم، وقد ألقي القبض على الألوف منهم وهم من فلول البعث وحلفائهم من أتباع "القاعدة". ألا يعني ذلك أن المعتصمين متعاطفون مع المجرمين الحقيقيين، إن لم يكونوا منهم ؟

إن لعبة توجيه الاتهامات إلى إيران في جرائم البعث ليست جديدة. فعندما استخدم صدام الغازات السامة في حلبجة ألقى التهمة على إيران، وكانت أمريكا على علاقة ودية مع صدام آنذاك، حيث ساعدته عسكرياً وإعلامياً واستخباراتياً في حربه على إيران، فأيدت اتهام إيران بالجريمة. ولكن بعد ان تغير الوضع بارتكاب صدام حسين جريمة غزو الكويت، غيرت أمريكا موقفها منه فاتهمته بجريمة حلبجة. ونفس اللعبة تقوم بها بعض الجهات الأمريكية ضد إيران اليوم، وما تصريحات الجنرال كيسي إلا جزء من هذه اللعبة. فالعرب مغفلون يمكن التلاعب بعقولهم، ولماذا لا يعاد إنتاج الكذبة بإلقاء تهمة التفجيرات في العراق على إيران الآن؟

وتكررت محاولة إبعاد التهمة عن المجرم الحقيقي وإلقاءها على إسرائيل في حملة روج لها الإعلام البعثي وأعداء العراق الجديد في جريمة قتل المئات من أصحاب الكفاءات العلمية والطبية بعد سقوط حكم البعث. فقام هؤلاء بإلقاء التهمة تارة على إسرائيل، وأخرى على أمريكا، وثالثة على إيران ومليشياتها "الشيعة الصفوية"! جاء ذلك في تقرير مفبرك بعناية فائقة ألقيت التهمة على الموساد، وبعنوان مطوَّل: (ما لا تعرفه عن تشريح قضية مقتل 730 عالم وأكاديمي عراقي على يدِ الموساد.. وتخطيط بياني موثق لمن تمّ استهدافهم ولماذا.! - صور بيانية مرفقة ) (2)، مع صور وجداول وخطوط بيانية "أكاديمية" في محاولة من مؤلفيها لخدع العراقيين وغيرهم، وإبعاد التهمة عن المجرمين الحقيقيين الذين هم فلول البعث، الذين قرروا تدمير العقل العراقي بعد أن دمروا المؤسسات الاقتصادية وقتلوا مئات الألوف من أبناء شعبنا. وقد فضحنا أكذوبتهم هذه في مقالنا الموسوم: (من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟)(3).

فكعراقيين، نحن أعرف من غيرنا بتاريخ البعثيين وأخلاقيتهم وطرقهم الخبيثة في قتل الخصم والسير في جنازته، وإلقاء التهمة على جهات معادية لهم، لتبرئة أنفسهم من الجريمة وبذلك يرمون عصفورين بحجر واحد.

على أثر انتقادي لأمريكا على محاولتها لتسليح المعارضة السورية، كتب أحد المعلقين على المقال بأني غيرت موقفي من أمريكا !. في الحقيقة أنا مازلت أعتقد أن أمريكا تحارب الإرهاب، وتعمل على نشر الديمقراطية في العالم وبالأخص في دول الشرق الأوسط. ولكن المشكلة في غاية التعقيد. فأمريكا دولة ليبرالية، وأنا كإنسان مؤمن بالديمقراطية الليبرالية، أمتلك الحق في تأييد أمريكا عندما تقوم بعمل أراه صحيحاً، وانتقدها إذا ما ارتكبت أخطاءً من وجهة نظري، خاصة إذا كانت هذه الأخطاء تمس مصلحة العراق ودول المنطقة، ومستقبل الديمقراطية فيها. النظام الأمريكي ليس ضد النقد مطلقاً، فالنقد أساس التقدم، وبدونه لا يمكن تصحيح الأخطاء.

قلنا مراراً أن أمريكا ليست جمعية خيرية، بل هي دولة عظمى، ودولة مؤسسات، تتكون من جهات عديدة متصارعة فيما بينها، ومختلفة في مواقفها من القضايا العالمية حسب ما تقتضيه مصالحها. والذين يعتقدون أني غيرت موقفي من أمريكا لا يرون الأمور إلا بلونين، الأبيض والأسود، غير قادرين على رؤية الألوان الأخرى. فإذا كان يحق لحزب أمريكي معارض، وحتى أعضاء في الحزب الحاكم أن ينتقد الإدارة الأمريكية على بعض سياساتها في منطقتنا، فلماذا لا يحق لنا، نحن أصحاب القضية، أن ننتقدها عندما نرى أنها ترتكب خطأ يمس مصلحتنا، بل وحتى مصلحتها على المدى المتوسط والبعيد؟ فالنقد ليس عداءً كما يراه العقل العربي الذي لا يميز بين النقد والعداء.
عندما انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمريكا في مؤتمر صحفي مع كاميرون في لندن بقوله: "أمريكا تقاتل الإسلاميين في أفغانستان.. و تحاصرهم في غزة.. و تحاربهم في مالي .. وتناصرهم في مصر .. و تسلحهم في سوريا"، فهذا ليس رأياً قابل للاختلاف والجدال، بل معلومة نعرفها من وسائل الإعلام وهي حقيقة على أرض الواقع. لذلك ننتقد أمريكا في هذه السياسة لأننا نعتقد أنها على خطأ هذه المرة في تعاملها مع الإسلاميين بمعايير مختلفة. وحتى تشرتشل الذي كان أقرب حليف لأمريكا أنتقد الأمريكيين بقوله: "الأمريكيون ينتهون بالعثور على الحل الجيد لكن بعد أن يكونوا قد استنفدوا جميع الحلول السيئة".

إن الغرض من شحن الناس بالعداء ضد إسرائيل وأمريكا وإيران، هو لتبرئة البعثيين وحلفائهم أتباع القاعدة من الجرائم الشنيعة التي يرتكبونها ضد الشعب العراقي، ومن يعارضهم على ذلك يلصقون به  صفة العمالة لأمريكا والصهيونية وإيران!!
إن رفضنا تصديق اتهامات غير معقولة ضد إيران أو إسرائيل أو أمريكا هو لأننا نحترم عقولنا، فكيل هذا النوع من الاتهامات ضد الخصوم إهانة لذكاء جمهور القراء، ونحن نرفض أن نكون من السذج  الذين يصدقون كل ما يتلقون دون إعمال عقولهم لمعرفة الحقيقة من أكاذيب البعثيين.

كذلك هناك جماعة تتظاهر بالبساطة المصطنعة، فيردون: يا أخي البعث انتهى منذ عشر سنوات وأنت باتهامك البعثيين بكل مصائبنا تمنحهم شرفاً لا يستحقونه!! في الحقيقة، هذا الكلام ليس بريئاً، بل هو جزء من محاولة البعثيين لتمرير أكاذيبهم. فالبعثيون الآن مندمجون مع القاعدة بحيث من الصعب التمييز بين البعثي والقاعدي، ويعملون علناً باسم أهل السنة تحت يافطة الاعتصامات التي يقودونها بحجة تهميش العرب السنة، والغرض الحقيقي من أعمال الشغب هذه هو إسقاط النظام الديمقراطي، وعرقلة الاستقرار وإشعال حرب طائفية على أمل إعادة حكمهم الساقط... ولكن هيهات. 
 ـــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1- الأنبار تنضم إلى محافظة صلاح الدين في سعيها لتدويل ... - الشرق الأوسط
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12629&article=733867#.Uc3MQTuThdE
2- ما لا تعرفه عن تشريح قضية مقتل 730 عالم وأكاديمي عراقي على يدِ الموساد.. وتخطيط بياني موثق لمن تمّ استهدافهم ولماذا.! - صور بيانية مرفقة
http://www.almorabit.com/main/ar/almorabit-arabic-articles/34-articles-cat-ar/9839--730-.html

3- عبدالخالق حسين: من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=533



115
حول الرواتب التقاعدية الفاحشة للبرلمانيين

د. عبدالخالق حسين

العراق بلد الغرائب والعجائب، ومن هذه الغرائب غياب العدالة في توزيع الثروة بين أبناء شعبه، وأوضح مثال على ذلك هو التمييز الجائر في الرواتب التقاعدية بين أصحاب المناصب السياسية وغير السياسية. فالسياسيون على مختلف مواقعهم (مجلس الرئاسة، مجلس الوزراء، أعضاء البرلمان، وأعضاء مجالس الحكومات المحلية)، يتمتعون برواتب خيالية ضخمة إثناء الخدمة، تتراوح ما بين عشرة ملايين وعشرين مليون دينار شهرياً، لا تتناسب إطلاقاً مع ما يقدمونه من خدمات للشعب، مقارنة بفئات أخرى من العاملين في مؤسسات الدولة من عمال وموظفين في مختلف المجالات والدرجات.

وعند التقاعد يكون الراتب التقاعدي للسياسيين يعادل 80% من رواتبهم إثناء الخدمة، أي في حدود 8 - 16 مليون دينار شهرياً على الأقل، بغض النظر عن مدة خدمتهم حتى ولو كانت أسبوعاً واحداً!. وهذا النظام فريد من نوعه، لا مثيل له في جميع أنحاء العالم. والأسوأ من ذلك، أن هناك عدد غير قليل من النواب لم يحضروا جلسات البرلمان أصلاً، ومنهم على سبيل المثال السيد أياد علاوي، رئيس كتلة العراقية، الذي لم يحضر جلسات هذه الدورة أكثر من مرتين. كذلك هناك عدد غير قليل من النواب يتسكعون في شوارع عمان/الأردن، ويتمتعون برواتب خيالية وامتيازات ضخمة مقابل لا شيء، أو القيام يأعمال التخريب والتآمر على العراق، إذ هناك وزراء ونواب شاركوا في الإرهاب مثل رافع العيساوي، وعدنان الدليمي، ومحمد الدايني، وطارق الهاشمي وقريبه أسعد الهاشمي، وغيرهم كثيرون، تدفع لهم الدولة رواتب خيالية لقاء ما يقومون به من إرهاب.

لذلك، فمن حق الناس أن يسألوا لماذا يتمتع البرلمانيون بكل هذه الامتيازات دون أي استحقاق، خاصة وقد تسببوا في عرقلة المصادقة على الكثير من القوانين ومنها قانون الموازنة لهذا العام (2013 ) الذي تأخر لعدة أشهر، وهذا التأخير كلف الشعب العراقي نحو 25 مليون دولار يومياً (راجع مقالنا: غيابهم أفضل من حضورهم)( رابط رقم 1). هذه التصرفات، والامتيازات أدت إلى جلب نقمة الشعب عليهم والإساءة إلى سمعتهم وسمعة السياسة، ليس في العراق فحسب، بل وصل سوء سمعتهم إلى القارات الخمس، حيث كتبت صحيفة (الديلي ميل) البريطانية قبل عامين تقريراً بعنوان: (السياسيون العراقيون يكلفون البلد ألف دولار كل دقيقة..) جاء فيه: "أن الساسة العراقيين يحصلون على ألف دولار للدقيقة الواحدة من دون أن يضعوا ‏قانونا واحدا يهم البلد، ويسكنون مجانا في أرقى فنادق بغداد‎.‎.. وحصلوا على رسوم بمقدار 90000 دولار، وراتب شهري قدره 22500 دولار، وسكنوا أرقى ‏فنادق بغداد، وبعد الاستقالة يحصلون على 80 في المائة من رواتبهم الشهرية مدى الحياة، ويسمح لهم ‏بالاحتفاظ بجوازاتهم وجوازات عائلاتهم الدبلوماسية، في حين يفتقر البسطاء إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء." (الرابطان رقم 2 و3)
وهذا لا يعني أن جميع البرلمانيين سيئون، إذ لا بد وأن يكون من بينهم أعضاء شرفاء مخلصون للشعب، خاصة وإن استنكار الرواتب الفاحشة جاء من عضو برلماني، وهي النائبة الشجاعة الدكتورة حنان الفتلاوي التي قدمت اقتراحاً باسم كتلتها (دولة القانون) بإلغاء الرواتب التقاعدية للبرلمانيين. إذ أفادت الأنباء "أن ائتلاف دولة القانون، قدم الثلاثاء، 18 يونيو/ حزيران 2013 اقتراحاً للبرلمان يقضي بإلغاء الرواتب التقاعدية لأعضائه، وأعضاء مجالس المحافظات،.. وقالت النائبة عن الائتلاف حنان الفتلاوي في مؤتمر صحافي عقده في مبنى البرلمان ان "هذه الرواتب تكلف موازنة الدولة أكثر من 100 مليار دينار سنويا". داعية هيئة رئاسة البرلمان إلى "التعامل مع المقترح بشكل جدي لأنه مطلب شعبي ولا يخص نائباً أو كتلة".(رابط رقم 3) 

والجدير بالذكر أن هذا الاقتراح تلقى ترحيباً شعبياً واسعاً، حيث قامت جماعة من المثقفين بحملة تواقيع لتأييد الحملة الوطنية لإلغاء تقاعد البرلمانيين، نُشِرت على موقع (الحوار المتمدن) (رابط رقم 4). و خلال ساعات قليلة من نشر نداء الحملة بلغ عدد الموقعين عليه أكثر من الفين. وهذا دليل على مدى تذمر وسخط الشعب على السياسيين من الامتيازات التي يتمتعون بها دون استحقاق، خاصة وهناك الملايين من والعاطلين عن العمل والفقراء والأرامل والأيتام والمعوقين بسبب الحروب العبثية التي شنها النظام الساقط، وإرهاب أيتامه بعد سقوطه. رابط النداء في الهامش(رابط رقم 5).

لنكون واقعيين، اعتقد أن إلغاء الراتب التقاعدي كلياُ غير ممكن، إذ لا بد للمتقاعد من راتب تقاعدي يعيش عليه في حالة تقاعده لأي سبب، لعجزه عن العمل بسبب العمر أو المرض، أو لعطل جسمي من أي نوع، إلا إذا كان له مصدر آخر للرزق كأن يكون صاحب تجارة أو حرفة ومازال في عمر وصحة يسمحان له بمزاولة العمل، مثل، الأطباء والمهندسين وغيرهم من أصحاب المهن.

لا أعرف شيئاً عن قانون تقاعد العمال والموظفين في العراق، ولكني أعرف أن هناك قانوناً ظالماً يمنح السياسيين، (وزراء ونواب وأعضاء مجالس الحكومات المحلية)، راتب تقاعدي يعادل 80% من راتبهم إثناء الخدمة حتى ولو كانت مدة خدمتهم لا تتجاوز الأسبوع الواحد كما ذكرنا آنفاً. وهذا ظلم فاحش مقارنة بفئات العاملين الآخرين في مؤسسات الدولة مثل العمال والموظفين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعرف أستاذاً في الطب، له من الخدمة 45 سنة، منها 15 سنة في الجيش، و30 سنة كأستاذ في الكليات الطبية العراقية، تخرج على يديه آلاف الأطباء، اضطر أن يهاجر إلى بريطانيا في التسعينات والعمل فيها كطبيب استشاري. وبعد سقوط حكم البعث قدم طلباً للدوائر المختصة في العراق للتقاعد، فلم يستجاب لطلبه بحجج واهية وسخيفة، وهو الآن تجاوز الثمانين، يعيش على راتبه التقاعدي من عمله في بريطانيا. كذلك أعرف أساتذة جامعيين متقاعدين في العراق خدموا عشرات السنين، راتبهم التقاعدي أقل من 10% من الراتب التقاعدي للنائب البرلماني بغض النظر عن مدة خدمته حتى ولو كانت لأسابيع.

وبناءً على ما تقدم، اقترح تخفيض الراتب التقاعدي ليس للنواب فحسب، بل ولجميع الوزراء والمدراء العامين، وأعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي وغيرهم، وفق قانون منصف يحدد رواتب السياسيين بما يتناسب مع مدة الخدمة وغلاء المعيشة أسوة ببقية العاملين في الدولة العراقية من غير السياسيين. ولتحقيق ذلك، أقترح سن قانون عادل للتقاعد، والاستفادة من القوانين المعمول بها في هذا الخصوص في البلدان الديمقراطية المتحضرة، مثل بريطانيا وغيرها بحيث يتناسب الراتب التقاعدي مع مدة الخدمة. ففي بريطانيا، يحدد راتب المتقاعد وفق المعادلة التالية:
مجموع الرواتب للسنة الأخيرة من الخدمة، يقسم على 80، ويضرب الناتج في عدد سنوات الخدمة، يساوي الراتب التقاعدي السنوي. مثلاً إذا كان راتب الموظف للسنة الأخيرة من الخدمة 60 ألف جنيه، ومدة الخدمة في الدولة أو أية مؤسسة 30 سنة، يحسب راتبه التقاعدي كالتالي:
60000 ÷ 80=  750
750 ×  30 (عدد سنوات الخدمة) = 22500 جنيه الراتب التقاعدي السنوي
22500 ÷ 12= 1875 جنيه الراتب الشهري
ويلحقه راتب تقاعدي آخر من الدولة عندما يبلغ المواطن الخامسة والستين من العمر، يسمى بـ (State pension) يعتمد على ما دفعه للضمان الاجتماعي الوطني (National Insurance) إثناء الخدمة، لا يتجاوز هذا الراتب الـ 150 جنيهاً في الأسبوع.

أعتقد أن هذا القانون عادل، ويستحق الاستفادة منه في العراق. أما معاملة العراقيين بقوانين مختلفة، بمنح السياسيين امتيازات خاصة لا يستحقونها، فهذا نوع من التمييز لا يختلف عن التمييز العنصري والطائفي، يثير نقمة الشعب عليهم. ونحن نريد من السياسيين أن لا يستغلوا مناصبهم لمكاسب وامتيازات شخصية، ففي الأنظمة الديمقراطية، السياسيون هم خدام الشعب وليسوا أسياده.

إن العراق يحتاج إلى إعمار ما خربه البعث لعشرات السنين، وإيجاد وظائف للعاطلين لكي يحموا الشباب من السقوط في براثن تنظيمات الإرهابيين، وهو بلد غني يطفو على بحر من النفط، وكل ما يحتاجه هو إلى سياسيين مخلصين، يعملون على استثمار ثرواته المحدودة بعقلانية وعلم وحرص دون التفريط بها، وليس إلى تحويل هذه الثروات إلى رواتب خيالية لجيش عرمرم من المتقاعدين السياسيين، من وزراء ونواب وأعضاء مجالس المحافظات والأقضية والنواحي. فمنح هؤلاء امتيازات خاصة ظلم فاحش يثير نقمة الشعب عليهم، وله عواقب وخيمة على الجميع، إذ كما يقول المثل: الظلم لو دام دمر، يحرق اليابس والأخضر.
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رابط ذات علاقة
1- عبدالخالق حسين: غيابهم أفضل من حضورهم
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=577

2- نشطاء عراقيون يطلقون حملات مدنية لإلغاء قانون تقاعد البرلمانيين
http://www.akhbaar.org/home/2013/6/149395.html

3- How Iraqi politicians get paid $1,000 a minute, don't make laws and live it up for free at Baghdad's finest hotel.  MailOnline
 http://www.dailymail.co.uk/news/article-1325597/How-Iraqi-politicians-paid-1k-minute-live-free-Baghdad.html#ixzz1EOPy4Rds

4- دولة القانون يقدم اقتراحا للبرلمان يقضي بإلغاء الرواتب التقاعدية لأعضائه
http://www.akhbaar.org/home/2013/6/149112.html

5- حملة تواقيع لتأييد الحملة الوطنية لالغاء تقاعد البرلمانيين
http://www.ahewar.org/camp/i.asp?id=400




116
هستيريا فتاوى الحرب الطائفية، لمصلحة من؟

د.عبدالخالق حسين

لأول مرة في التاريخ العربي- الإسلامي تطلق نداءات وفتواى صريحة بكل وقاحة وصلافة تدعو إلى إشعال حروب طائفية في المنطقة. والملاحظ أن هذه الدعوات الهستيرية تتلقى الدعم بشكل مباشر وغير مباشر من حكومات عربية، بعضها أخوانية تدق طبول الحرب، ليس بين دولة وأخرى فحسب، بل والتحريض على الحرب بين مكونات كل شعب من شعوب المنطقة تكون عواقبها كارثية على الجميع. والملاحظ أن حمى هذه الفتاوى تزامنت مع مطالبة أمريكا وحلفائها بتسليح المعارضة السورية، مما يدل أن هذه الفتاوى جاءت بأوامر من العواصم الغربية، خاصة وأن معظم شيوخ الفتاوى مقيمون أما في الغرب أو في دول هي حليفة للغرب.

بدأت دعوات لهذه الحرب عشية إسقاط حكم البعث الصدامي الفاشي في العراق، حيث شن شيوخ الوهابية في السعودية حملات تحريضية متواصلة على شكل خطابات دينية في المساجد، تدعو مسلمي العالم للجهاد كفرض عين للمتمكن والتوجه إلى العراق لنجدة أخوتهم في الدين من أهل السنة من "الروافض الصفويين!!" عملاء إيران وأمريكا والصهيونية!!، إضافة إلى فتوى مشتركة وقعها أكثر من ثلاثين رجل دين سعودي بنفس المضمون. وفعلاً توجهت الألوف من الإرهابيين العرب وغير العرب من أتباع القاعدة بعد سقوط حكم البعث حيث شهد العراق موجة عارمة رعناء من الإرهاب أودت بحياة عشرات الألوف، إن لم نقل مئات الألوف من أبناء وبنات شعبنا، وأغلب هذه التفجيرات كانت ومازالت في المناطق الشيعية، و مستمرة لحد الآن.

ولكن الجديد في الأمر، أنه بعد اندلاع الحرب الطائفية في سوريا، أخذت هذه الدعوات أبعاداً جديدة لم تألفها شعوب المنطقة من قبل. فمنذ شهر نوفمبر 2012، بدأت تظاهرات ما يسمى بـ"الربيع السني" في المناطق الغربية من العراق، احتجاجاً على الحكومة التي يقودها "الصفويون عملاء الفرس المجوس"، بحجة تهميش أهل السنة في حكم العراق...الخ، شارك فيها معممون أدَّعوا أنهم رجال دين كبار، ومنهم الشيخ عبدالملك السعدي، العراقي المقيم في الأردن، والذي طرح نفسه كمرجعية دينية لأهل السنة في العراق، متظاهراً بالعقلانية والإعتدال، وأنه يدعو المعتصمين بالالتزام بالقانون، وعدم استخدام العنف.. لذلك استبشرنا به خيراً. ولكن تدريجياً بدأت حقيقة الرجل تتكشف إذ راح يطرح شروطاً تعجيزية على الحكومة ويتهمها بشتى الاتهامات، رغم أن حكومة المالكي أبدت الليونة والمرونة وروح التسامح مع المعتصمين، واستجابت لأغلب المطالب المشروعة، بل وأكثر من ذلك حيث أطلقت سراح نحو 17 ألف من المعتقلين بتهمة الإرهاب، وحتى بدون محاكمة أو تحقيق للتأكد من براءتهم من التهم الموجهة لهم، وأغلبهم قد ألقي القبض عليهم بالجرم المشهود.
والجدير بالذكر أن إطلاق سراح هؤلاء المتهمين بدون تحقيق أو محاكمة كانت له عواقب وخيمة على الشعب العراقي حيث تصاعدت موجة التفجيرات في الآونة الأخيرة، إذ بات معروفاً أن أغلب الإرهابيين الذين يطلق سراحهم يعودون للإرهاب.

مناسبة هذه المقالة هي الفتوى الخطيرة التي أصدرها الشيخ مساعد آل جعفر، رجل دين سني عراقي مقيم في الخارج، أفتي بـ"الجهاد المسلح ضد الحكومة ثأرا لدماء القتلى في الحويجة" كما ادعى (1). جاء ذلك في بيان نشر على الموقع الالكتروني للشيخ عبد الملك السعدي، ردا على استبيان رأي تقدمت به اللجان الشعبية للمحافظات الغربية المعتصمة بشأن موقف العلماء من تبني خيار "إقامة الإقليم أو الجهاد المسلح"، فقال: إن "المطالبة بإقليم منفصل هو هروب وتخل عن المسؤولية وتنازل عن حق الضحايا المغدورين في الفلوجة والحويجة والموصل وديالى والبصرة ولهذا فإن المطالبة وفقا لهذه الظروف تحرم شرعا". وقال إن الوقت حان «لإعداد العدة والتجهز للعدو» و«الكفاح المسلح». والجدير بالذكر، أن الشيخ مساعد آل جعفر هو عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومقرب من المرجع السني الشيخ عبد الملك السعدي، ولذلك فموقفه هو انعكاس لموقف الشيخ السعدي "المعتدل".

قلنا في مقال سابق، أن البعثيين وأتباع القاعدة هم ضد تقسيم العراق، ولم يكونوا مع نظام الأقاليم. وأكدنا أن موقفهم هذا ليس من باب الحرص على الوحدة الوطنية وحبهم للعراق أن يكون موحداً، أرضاً وشعباً، وإنما على أمل استعادة حكمهم ليحكموا قبضتهم الحديدية على العراق كله ببشره وثرواته. وإذا ما تم لهم ذلك، لا سامح الله، فإنهم سيعودن هذه المرة مطعمين بجرعة كبيرة من الفكر السلفي الوهابي المدمر ليقوموا بحملة واسعة لتصفية الشيعة عن آخرهم بعمليات إبادة الجنس والتهجير القسري ضدهم كما فعلوا خلال حكمهم الجائر لخمسة وثلاثين سنة، في محاولة منهم لتغيير ديموغرافية العراق كلياً. فالعراق مازال عند هؤلاء "بستان قريش"، وشعب العراق من غير العرب السنة، هم عبيد، أما من بقايا الساسانيين الفرس، أو "هنود جلبهم محمد القاسم مع الجواميس من الهند" كما روجت له صحيفة (الثورة) عام 1991 في سلسلة مقالات سيئة الصيت بعنوان: (لماذا حصل ما حصل)، ويوم رفعوا شعار "لا شيعة بعد اليوم".

وهذا بالضبط ما جاء في فتوى الشيخ مساعد آل جعفر، الذي قال في هذا الخصوص: أن "تشكيل الإقليم يحرم الآن كونَهُ بيعٌ غيرُ شرعي لأرض إسلامية استمر فيها الدينُ منذُ فتحها الصحابة الأوائل إلى يومنا هذا وتسليمها رسميّا لأعداء الدينِ [يقصد الشيعة طبعاً]، فتخرجُ بذلك بصورة رسميّة من ذمّتكم إلى ذمتهم ".

الملاحظ هنا أن الشيخ وصف الشيعة الذين يشكلون غالبية الشعب العراقي بـ"أعداء الدين"، أي أعداء الإسلام. وهذا يعني في نظره أن الشيعة ليسوا مسلمين، وبذلك فهو يبرر لأتباعه وأتباع القاعدة، إبادة الشيعة كضنان لدخول القتلة إلى الجنة. وقبله أفتى صديقه الشيخ حارث الضاري أن "القاعدة منا ونحن منها". كما وشاهدنا على شاشات التلفزة وما نقله اليوتيوب، شيوخ آخرون في الموصل والرمادي يطالبون أردوغان بتحرير العراق من الصفوية على خطى جده محمد الفاتح!!
في الحقيقة أن هؤلاء الشيوخ لا يختلفون عن الداعية السلفي الموتور محمد العريفي الذي كتبتْ صحيفة "عكاظ" السعودية هازئة منه واصفة اياه بـ" شيخ المجاهدين في البيكاديلي" احد شوارع العاصمة البريطانية. والعريفي هو صاحب فتوى "جهاد المناكحة" كما هو معروف، ويقضي عطلته الصيفية الآن في لندن حسب الصحيفة السعودية.

لنتصور أن هذه الفتاوى التحريضية صدرت من مرجع ديني شيعي، مثل آية الله السيد علي السيستاني، يدعو الشيعة إلى "الجهاد المسلح"، وينعت أهل السنة والجماعة بـ"أعداء الدين"، فماذا سيكون رد فعل العالم العربي والإسلامي؟
بينما في الحقيقة اتخذ السيد السيستاني وغيره من المراجع الشيعية دائماً موقفا مسؤولاً دعوا الشيعة إلى الصبر وضبط النفس حتى في أشد فترات تصعيد عمليات القتل على الهوية وتفجير أضرحة أئمتهم في سامراء، خيث قال السيد السيستاني أكثر من مرة "أن السنة هم نحن". وبالمقابل هناك رجال دين سنة شرفاء من أمثال الشيخ الدكتور خالد الملا أدان الدعوات الطائفية البغيضة.

والسؤال هو: من المستفيد من هذه الفتاوى التحريضية الطائفية؟
لقد جاءت هذه الدعوات في حملة هستيرية منسقة، تزامناً مع مؤتمر قمة مجموعة الدول الثمانية (G8) في أيرلندا الشمالية برئاسة الحكومة البريطانية، مع التحضير لدعم المعارضة السورية بالسلاح من قبل أمريكا وبريطانيا وفرنسا بحجة استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي ضد المعارضة!. وهي تهمة نفتها مندوبة الأمم المتحدةز والحقيقة أن المعارضة هي المتهمة الآن باستخدام الكيمياوي لإلقاء التهمة على بشار الأسد وذلك بإيعاز من أمريكا لتوفير الذريعة لتسليح المعارضة.
وبالإضافة إلى فتوى الشيخ آل جعفر، تبنى في محافظة الرمادي أحد المرشحين في دعايته الانتخابية شعار "لا للمد الصهيوصفوي”. كما وأعلن الرئيس المصري قطع العلاقة الدبلومسية مع سوريا، ورفعت شعارات ونداءات الجهاد ضد الشيعة في المنطقة. كذلك كشفت قائمة "العراقية" عن وجهها البعثي الحقيقي، فأعلنت أنها ترفض تمرير قانون حظر البعث... والمعروف أن كتلة "العراقية" تدعم حملة الاعتصامات في المناطق الغربية، والتي كما تبين أنها عبارة عن تمارين إحماء وتحضير لإشعال حرب أهلية في العراق على غرار ما يجري في سوريا.
لذا نسأل: من المستفيد من هذه الفتنة الطائفية؟ الجواب واضح، إذ كل الدلائل تشير إلى أن النظام السوري لم ولن يسقط بالطريقة التي خطط لها اللوبي الصهيوني الإسرائيلي في واشنطن ولندن وباريس.
إن تزامن إصدار هذه الفتاوى الجنونية للجهاد المسلح ضد "أعداء الدين" مع النشاطات والمؤتمرات الدولية حول ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، لم يكن صدفة أبداً. وإنما جاء بتنسيق مركزي دقيق يدفع لمصدري الفتاوى ملايين الدولارات. فها هو وزير خارجية فرنسا السابق لوران دوما، أعلن من تلفزيون (LCP) الفرنسية، أن بريطانيا كانت تخطط للحرب الأهلية في سوريا عامين قبل الربيع العربي(2). كما وذكرت صحيفة الفايننشيال تايمز أن قطر دفعت أكثر من مليارين دولار لتسليح المتمردين في سوريا، والمعروف أن أمير قطر دفع ومازال يدفع مئات الملايين الدولارات لزعزعة الأمن في العراق كما كشف ذلك محافظ صلاح الدين أمام حشد من شيوخ العشائر والإعلام، وأقسم بالقرآن على صحة قوله.

والسؤال الآخر هو: هل حقاً هؤلاء الشيوخ الذين يكفرون الشيعة ويصدرون فتاوى دينية لإشعال فتنة طائفية وإغراق شعوب المنطقة في حرب طائفية، هل هم حقاً يؤمنون بجوهر الإسلام؟ هل هذه هي رسالة الإسلام من أجل السلام وسعادة البشر؟ أليست هذه الفتاوى تخدم منظمة القاعدة التكفيرية الإرهابية وقتل كل من لا يسيرعلى سكتهم؟ هل من الإسلام والوطنية بشيء الدعوة لحرب طائفية تهلك الحرث والنسل في العراق والمنطقة؟ أليس هناك حلول حضارية أسلم وأفضل لحل الخلافات وتحقيق الحقوق المشروعة غير الحرب الطائفية؟.

أقولها صراحة، أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم "علماء" هم في الحقيقة رجال دين ضالين، ومن وعاظ الشياطين، وظيفتهم تمزيق شعوبهم خدمة لألد أعداء الشعوب العربية والإسلامية ألا وهي إسرائيل. فبدلاً من أن تقوم إسرائيل بشن حرب على الشعوب العربية، ها هم المتطفلون على الدين يقومون بنفس الدور وذلك بإصدار فتاوى لإشعال حروب طائفية طاحنة لتفتيت شعوبهم وتدمير طاقاتها البشرية والاقتصادية كما عمل حكم البعث الصدامي في الحرب العراقية الإيرانية وغزوه للكويت. ونحن اليوم نشهد تصعيداً من نوع جديد لتفتيت الشعوب العربية والإسلامية بواسطة علماء دين ضالين باعوا أنفسهم للشيطان مقابل البترودولار، نيابة عن إسرائيل. إذ كما كتب أحد الإسرئيلين: "دعوا العرب يقضون على أنفسهم بهدوء" 

إن رجل الدين الحقيقي هو الذين يعمل على وحدة صف وسعادة شعبه لا لتمزيقه، فكما قال رجل الدين السني الشريف، الشيخ الدكتور خالد الملا رئيس جماعة علماء العراق، إن «العراق يتعرض لهجمة إرهابية دولية تستخدم الطائفية غطاء لها»، وأن هناك رجال دين الصقوا بـ”أنفسهم مناصب دينية كبيرة" وهم ليسوا كذلك. وقبله بسنوات حذر رجل الدين الشيعي المرحوم الشيخ الدكتور أحمد الوائلي العالم الإسلامي من مغبة هذه الحملة الطائفية، في حديث له في فيديو جدير بالمشاهدة والاعتبار، وحبذا لو يطلع عليه جميع المسلمين، يرجى فتح الرابط في الهامش (3 و4)

ما العمل؟
إن تمادي هؤلاء في إصدار فتاوى تحريضية لإشعال الفتن الطائفية ناتج عن سكوت الحكومة عنهم، (راجع مقالنا: من أمن العقاب مارس الإرهاب). إذ جاء في الدستور [المادة(7):- اولاً :ـ يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير أو التطهير الطائفي، او يحرض أو يمهد أو يمجد او يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون.]

لذلك، ومن أجل وضع حد لهذه الحملة الخطيرة وعزل وفضح ومعاقبة مثيري الفتن الطائفية ومشعلي الحروب الأهلية نقترح على الحكومة اتخاذ الاجراءات التالية:

أولاً، محاسبة المحرضين على الفتن الطائفية وتقديمهم إلى القضاء، دون أي تساهل أو تراخي. أما الذين في الخارج من أمثال الشيخ مساعد آل جعفر وحارث الضاري وعدنان الدليمي وغيرهم، فيجب تبليغ الشرطة الدولية (الإنتربول) عنهم لإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للعدالة.

ثانياً، حل مشكلة الفقر والبطالة في البلاد، لأن الإرهابيين يجدون فرصتهم في استغلال حاجة العاطلين من الشباب إلى المال فيورطونهم في أعمال إرهابية. وهذا الموضوع سأعود إليه في مقال مستقل قريباً.

ثالثاً، الكف عن إطلاق سراح المعتقلين بتهم الإرهاب إلا بعد إجراء التحقيق معهم من قبل السلطات القضائية ومن تثبت براءته فقط. إذ كما أشرنا آنفاً، تزامن تصعيد الإرهاب خلال الشهرين الماضيين مع إطلاق سراح أعداد كبيرة من المعتقلين المتهمين بالإرهاب دون التأكد من براءتهم، ولا شك فإن نسبة كبيرة من هؤلاء عادوا إلى الإرهاب.

رابعاً، تصلني أخبار من جهات عليمة في العراق أن عصابات البعث والقاعدة هم أقلية جداً، ولكنهم يمتلكون الخبرة والشراسة والعدوانية وكل الوسائل المادية لتحقيق أغراضهم، وأغلبهم من قياديين بعثيين وضباط في الحرس الجمهوري، كانوا قد أعدوا أنفسهم وحتى بتشكيل حكومة سرية بتعليمات وتخطيط من صدام حسين منذ اغتصابهم للسلطة عام 1968، تحسباً لمثل هذه الظروف. وهم الآن يقومون بفرض إرادتهم على الجماهير الواسعة من أهل السنة والجماعة في المناطق الغربية، ومن يخالفهم يتعرض للإرهاب بما فيه القتل. وقد قتلوا الكثير ممن لم يستجب لهم. وحتى أغلب المشاركين في ساحات الاعتصامات هم مرغمون بالقوة من قبل هذه العصابات. وقد أشار السيد وزير الدفاع وكالة، الدكتور سعدون الدليمي إلى ذلك في مؤتمر صحفي سابق إلى حاجة الجماهير إلى الحماية من بلطجية البعث والقاعدة. والحل في هذه الحالة، على الحكومة توفير الحماية لهؤلاء وملاحقة الإرهابيين ودحرهم.
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملحق
وصلتني اليوم مجموعة من الأقوال المأثورة ذات مغزى وعلاقة بالمقال، أود أن أشارك بها القراء الكرام لتعميم الفائدة، وحبذا لو يقرأها أصحاب الفتاوى عسى أن يريحوا ويستريحوا.

* تلك الجريمة التي يسمونها " كفر، زندقة، هرطقة " قد اخترعها الكهنة من أجل الدفاع عن مذاهب غير قادرة أن تدافع عن نفسها بنفسها. - روبرت انجرسول

* “عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع الى الله، ينبغي عليك ان تعلم أنها دعوة خائن، فكيف الى عمل آخر؟ فالاهتمام بغير إطفاء الحريق، والإنصراف عنه الى عمل آخر، ما هو الا استحمار، وإن كان عملاً مقدساً أو غير مقدس" – علي شريعتي

* عمرها ما كانت مشكلتنا مع الله، مشكلتنا مع الذين يعتبرون أنفسهم بعد الله – محمد الماغوط

* مع بدايات القرن التاسع عشر بدأت مصر نهضتها مع اليابان، ثم حدث أن اليابان انضربت بالقنابل الذرية ومصر انضربت بالتعصب الدينى، فحدث الفارق - جلال عامر

* المختبرات الفضائية تصل إلى الزهرة والمريخ والمشتري وعطارد ونحن غارقون في فلان سني وفلان شيعي وفلان درزي وفلان علوي وفلان مسيحي وفلان اسماعيلي وفلان مرشدي وفلان شافعي وفلان حنبلي وفلان سرياني وفلان تركماني، وفلان من هذه العشيرة وفلان من تلك القبيلة وهذا من تلك الفخذ وذاك من هذا البطن حتى لأشعر بأني أنتمي إلى القوارض الخشبية والتجمعات الحشرية اكثر مما انتمي لهذه الأمة.- محمد الماغوط

* لا يوجد أي فهم تاريخي عقلاني للإسلام في العالم العربي أو الإسلامي ككل، الموجود هو مخيال عاطفي جبار يحرك الشارع بالملايين. – محمد أركون

 *الغريب في الأمر إن الله سبحانه يبحث عن أي سبب ليغفر لنا ويرحمنا، فيما المتحدثون بإسمه يبحثون عن أي سبب ليكفرونا ويخرجونا من رحمته. - تركي الحمد، كاتب سعودي، من سجناء الضمير في السعودية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1 - تصعيد طائفي خطير : الشيخ مساعد آل جعفر، رجل دين المقرب من عبد الملك السعدي، يفتي بالجهاد ضد الحكومة ثأرا لدماء القتلى في الحويجة ويعتبر الدعوة إلى الإقليم تراجعا وتنازلا عن تلك الدماء....
http://www.albadeeliraq.com/article23073.html
2- فيديو (دقيقة ونصف) من المقابلة التلفزيونية للسيد لوران دوما، مترجمة إلى العربية يرجى فتح الرابط:
http://www.youtube.com/watch?NR=1&v=1rMnoUYlsVY&feature=endscreen

3 - درجة الهستيريا الطائفية في اعلى مراحلها...
https://www.facebook.com/video/video.php?v=126578570879433

4- اعلان بدء  نحر الرافضة  في الكويت ــ الشيخ شافي العجمي
http://www.youtube.com/watch?v=6coFXFffRoo
5 -  صوت عقلاني، لقطة فيديو (اربع دقائق) من حديث الشيخ أحمد الوائلي قبل سنوات حذر فيه
العالم الإسلامي من مغبة هذه الحملة الطائفية http://www.youtube.com/watch?v=MCgJrlRcVl8&feature=youtu.be

6- وصوت عقلاني آخر من رجل دين سني إماراتي جدير بالمشاهدة
عالم دين اماراتي يرد بعنف على فتاوى التكفير ضد الشيعة في سوريا ويكشف حقائق خطرة
   http://www.youtube.com/watch?v=L_ZmSvcpwRA




117
المحنة السورية إلى أين؟

د.عبدالخالق حسين

المتتبع للحرب الأهلية المدمرة في سوريا يعلم أنها مأساة بشرية حقيقية كبرى فاقت كل الحدود والتصورات والتحمل من جميع النواحي: الخسائر البشرية (نحو مائة ألف قتيل لحد الآن)، و فرار الملايين من السكان، والخراب الشامل للبنى والركائز الاقتصادية، ووحشية وشراسة "المجاهدين الثوار" في التعامل مع الضحايا، ابتداءً من جرائم هتك الأعراض ودعمها بالفتاوى الدينية الوهابية مثل "جهاد المناكحة"، إلى التمثيل بجثث القتلى وأكل أحشائهم أمام الكاميرات للدلالة على وحشية وهمجية "المجاهدين" أكالين لحوم البشر(cannibalism). ومع مرور الوقت وإطالة المأساة، بدأت خيوط المؤامرة تتكشف أكثر فأكثر، أن هذه الحرب ليست من أجل الديمقراطية كما يدعون، بل هي حرب لتدمير المنطقة بكاملها، وإغراقها في حرب طائفية بين السنة والشيعة لا تبقي ولا تذر، ولصالح إسرائيل.

عندما ننتقد العرب على ولعهم بنظرية المؤامرة، لا نعني أن لا توجد مؤامرات، فهناك كوارث كثيرة حصلت في بلداننا الشرق أوسطية نتيجة لمؤامرات قذرة، وبالأخص من قبل الدول الغربية الكبرى مثل أمريكا وبريطانيا وفرنسا. ولكن انتقادنا ينصب على تعلق العرب بنظرية المؤامرة إلى حد الوسواس في تعليق غسيلهم وتخلفهم وفشلهم عبر التاريخ على شماعة الآخرين، وولعهم بهذه النظرية ابتداءً من مقتل الخليفة عثمان بن عفان واختراعهم لشخصية وهمية باسم "عبدالله بن سبأ" ولحد الآن.

فتاريخ منطقتنا حافل بالمؤامرات الحقيقية، مثل التآمر على حكومة الزعيم الوطني الإيراني محمد مصدق عام 1953، وبعدها على حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم في العراق، وكذلك دور الغرب في إسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان، ودعمهم للجهاديين بمن فيهم القاعدة وطالبان ...الخ. وفي جميع هذه الحالات دفعت شعوب تلك الدول ثمناً باهظاً في الأرواح والبنى الاقتصادية. أما نتائجها على الحكومات الغربية فكانت كارثية أيضاً. إذ لولا إسقاط حكومة مصدق لما وُجد النظام الإسلامي في إيران، ولولا إسقاط حكم الزعيم عبدالكريم قاسم، التقدمي العادل، الواعد بالديمقراطية، لما جاء حكم البعث الفاشي الذي تسبب في كوارث هائلة للمنطقة وللعالم من حروب وغزو الكويت، ولولا إسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان لما جاء حكم طالبان والقاعدة وبالتالي لما كانت كارثة 11 سبتمبر 2001 في أمريكا نفسها... ولما حصل هذا التصعيد الجنوني للإرهاب الإسلامي الذي يهدد الحضارة البشرية... وهكذا وهكذا... فالقائمة تطول من الأسباب والنتائج أشبه بسقوط قطع الدومينو.
ولكن يبدو أن هذا الغرب لم يستفد من دروس الماضي، ولم يستخلص أية عبرة من تسبب مؤامراته للكوارث في دول المنطقة.
لا نريد هنا أن ندافع عن نظام بشار الأسد البعثي المستبد، فهو نظام خارج الزمن، ونحن نشهد بزوغ فجر الديمقراطية في المنطقة لا بد وأن يسقط إن عاجلاً أم آجلاً. ولكن في نفس الوقت لا نريد أن يكون بديل البعث السوري هو "جبهة النصرة" التي اعلنت ولاءها لأيمن الظواهري، زعيم منظمة القاعدة الإرهابية. إذ لا يمكن بناء ديمقراطية بدعم أشد أعداء الديمقراطية في المنطقة من أمثال النظامين الوهابيين: السعودي والقطري.

والغرب يتخذ من جرائم بعض الحكام الطغاة في العالم العربي ضد شعوبها ذريعة ليتدخل عسكرياً لاسقاطها، بشكل مباشر مثل حالة صدام حسين، والقذافي، وغير مباشر لحد الآن، في حالة بشار الأسد، حيث يسعى للتدخل المباشر أيضاً باختلاق ذرائع جديدة مثل الادعاء باستخدام الأسد الغازات السامة ضد "المعارضين". فهناك تقارير غربية تفيد أن أمريكا طلبت من "الثوار" استخدام الغازات السامة لاتهام بشار بها، وهذا ما تم مؤخراً. رابط التقرير في الهامش(1)

وفي مقابلة تلفزيونية مع المحطة الفرنسية (LCP)، كشف الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية السابق رولان دوما، أنه تم التخطيط للحرب ضد سوريا قبل عامين من "الربيع العربي"، إذ قال: "كنت في إنجلترا لأعمال الأخرى قبل عامين من بدء العنف في سوريا. التقيت مع كبار المسؤولين البريطانيين الذين اعترفوا لي أنهم كانوا يستعدون لشيء في سوريا... وكان ذلك في بريطانيا وليس في أمريكا. وكانت بريطانيا تقوم بتنظيم المتمردين لغزو سوريا. وطلبوا مني إذا كنت راغباً في المشاركة على الرغم من أنني لم أعد وزير الشؤون الخارجية آنذاك،... وبطبيعة الحال رفضتُ، وقلت أنا فرنسي لا مصلحة لي في هذا الشأن''. التقرير الكامل في الهامش(2)، ولقطة فيديو قصيرة (دقيقة ونصف) مترجم إلى العربية (3).
لقطة فيديو (دقيقة ونصف) مترجمة إلى العربية من المقابلة التلفزيونية للسيد لوران دوما، يرجى فتح الرابط:
http://www.youtube.com/watch?NR=1&v=1rMnoUYlsVY&feature=endscreen


كما ونلاحظ الحماس البالغ والمتزايد في بريطانيا وأمريكا وفرنسا لمد "الثوار" بالأسلحة. وهذا في رأي بعض المعارضين الديمقراطيين السوريين يؤدي إلى تمديد مأساة الشعب السوري. إذ قالت سيدة سورية مقيمة في لندن، وهي عضو في قيادة المعارضة ضد نظام بشار الأسد، في مقابلة لها مع (BBC Radio 4) أنها ترفض مد الثوار بالسلاح لأن الغرض من ذلك ليس إقامة نظام ديمقراطي في سوريا، وإنما لإشعال حرب بالوكالة بين أمريكا وروسيا في وطنها يكون الشعب السوري ضحية لها.

وقد حاول رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، للتخلى عن موقفه الرافض لتسليح المعارضين، فأصر الأخير على موقفه، وفي مؤتمر صحفي مشترك بعد اللقاء مع كاميرون في لندن: "حذر الرئيس الروسي الغرب من الإقدام على تسليح حركات المعارضة المسلحة في سوريا. وقال إنهم "يأكلون أعضاء بشرية" ولا يجب أن يحضوا بالدعم، في إشارة إلى مقطع فيديو أثار انتقادات دولية ظهر فيه أحد المعارضين السوريين يقطع قلب وكبد أحد قتلى جنود القوات النظامية." (تقرير بي بي سي)(4 و5)

ومن جانب آخر، هناك تقارير تفيد أن الغالبية العظمى من الثوار هم أجانب، إذ تخلى معظم السوريين عن موقفهم المعارض لنظام بشار الأسد بعد معاناتهم من الجرائم الوحشية التي ارتكبتها "جبهة النصرة"، ولاقتناعهم بأن البديل سيكون أسوأ بكثير من نظام بشار. وفي هذا الخصوص كشف تقرير بعنوان (الحرب الطائفية المزيفة -  Syria's Fake Sectarian War) أشار إلى استطلاع رأيي جاء فيه: "تشير بيانات العاملين في المجال الإنساني في سوريا التي جمعتها منظمة حلف شمال الأطلسي إلى أن: 70% من السوريين يدعمون نظام الأسد. واعتبرت 20 في المائة أخرى محايدة، وأعرب عن 10 في المائة المتبقية دعمهم للمتمردين ".والـ 70 في المائة الموالية للأسد هي في معظمها سنية. وهذه البيانات يتجاهلها الاعلام الغربي في مواجهة حملة تشويه مستمرة في الغرب حول ما يحدث في سوريا." ويضيف التقرير: "إن السنة لا يكنون الحب للأسد، ولكن الغالبية العظمى منهم انسحبوا من التمرد... والباقي من المقاتلين هم أجانب برعاية قطر والسعودية، ينظر إليهم من قبل أهل السنة بأنهم أسوأ من الأسد بكثير. "(6)

وبناءً على ما تقدم، نستنتج أن الغرض من الحرب القذرة في سوريا هو ليس لإقامة نظام ديمقراطي وإنما لإشعال حرب طائفية ماحقة بين السنة والشيعة في المنطقة لتحل محل الصراع العربي الإسرائيلي وإدخال المنطقة العربية في صراعات عرقية وطائفية تهلك الحرث والنسل، ولتدمير الطاقات البشرية والاقتصادية لهذه الشعوب، كخطوة أولى لشن حرب على إيران وتدمير برنامجها النووي، وذلك من أجل حماية إسرائيل وإبقائها الدولة العظمى الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وإعادة بقية شعوبها إلى عهد الجمال والحمير.
ــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1
Deleted Daily Mail Online Article: “US Backed Plan for Chemical Weapon Attack in Syria to Be Blamed on Assad”
http://www.globalresearch.ca/deleted-daily-mail-online-article-us-backed-plan-for-chemical-weapon-attack-in-syria-to-be-blamed-on-assad/5339178

  2
  Former French Foreign Minister: The War against Syria was Planned Two years before “The Arab Spring”
http://www.globalresearch.ca/former-french-foreign-minister-the-war-against-syria-was-planned-two-years-before-the-arab-spring/5339112

3 لقطة فيديو (دقيقة ونصف) مترجمة إلى العربية من المقابلة التلفزيونية للسيد لوران دوما:
قنبلة فرنسية فجرها لوران ديما وزير خارجية فرنسا السابق تتعلق بما يجري بسورية
http://www.youtube.com/watch?NR=1&v=1rMnoUYlsVY&feature=endscreen
 
 4 بوتين يحذر الغرب من تسليح المعارضة في سوريا
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/06/130616_syria_putin_cameron_meeting.shtml

5 روسيا ترفض بشدة إقامة منطقة حظر طيران في سوريا
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/06/130617_russia_syria_noflyzone.shtml
 
6
Syria's Fake Sectarian War, Triggered by Washington | Global ...
http://www.globalresearch.ca/syrias-fake-sectarian-war-triggered-by-washington/5338097













118
الفرق بين الربيعين: التركي والعربي

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمر في مرحلة تحولات اجتماعية وسياسية عاصفة وبوتيرة متسارعة، وذلك بفضل العولمة التي هي نتاج الثورة المعلوماتية والتطور المذهل في وسائل الاتصال والنقل، والاختلاط بين الشعوب بشكل غير مسبوق.

فثورات الشعوب العربية كانت ضد حكومات علمانية مستبدة، تمادت في قمع شعوبها، وفشلت في حل مشاكلها وبالأخص الاقتصادية منها، الأمر الذي بلغ نقطة الانفجار، بدأت بقيام الشاب التونسي محمد بوعزيزي بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على ما ناله من تعسف على يد السلطة المحلية، فكان بمثابة الشرارة التي أشعلت براميل البارود في تونس ومنها انتقلت إلى بلدان عربية أخرى فكان ما كان مما سمي بالربيع العربي وإسقاط حكومات جائرة. أما الربيع التركي فهو يختلف عن الربيع العربي في الأهداف والنتائج والاستحقاق التاريخي، نوضحه كالتالي.

إن انتفاضات الربيع العربي قامت بها جماهير من مختلف الأعمار، وخاصة الشباب الذين يشكلون القسم الأعظم من الشعوب العربية، وكانت عفوية، ذات أهداف حداثوية وديمقراطية واقتصادية. ولكن مشكلتهم أنهم لم يكونوا منظمين في أحزاب، ولم يملكوا خبرة سياسية ولا قيادة موحدة، ولا أهداف محددة متفق عليها مسبقاً. وحتى الأحزاب العلمانية الديمقراطية التي شاركت في الانتفاضات كانت ضعيفة ومفككة بسبب ما نالها من قمع السلطات الجائرة على مدى طويل. لذلك استطاعت الأحزاب الإسلامية اختطاف الانتفاضات العربية، والسيطرة عليها وقطف ثمارها، وذلك لتمتع الأحزاب الإسلامية بحسن التنظيم والتماسك الفكري والأيديولوجي وقيادة موحدة، وانضباط حديدي وطاعة عمياء للقيادة. كذلك استفاد الإسلاميون من سكان الأرياف الذين يشكلون نسبة كبيرة من الشعوب العربية وهم على العموم ذو وعي سياسي متدني، وديني محافظ، مما ساعد الإسلاميين على الفوز عبر صناديق الاقتراع، وبالتالي انتقال السلطة من حكومات علمانية جائرة إلى حكومات إسلامية لا تقل جوراً، وتعادي الحداثة والديمقراطية والمرأة وحقوق الإنسان، وليست لديها أية حلول علمية لمشاكلها الاقتصادية.

أما الوضع في تركيا فيختلف تماماً عما عليه في البلاد العربية. فالشعب التركي تشرب بالثقافة الديمقراطية العلمانية منذ تأسيس الجمهورية في أعقاب سقوط الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. ولكن في نهاية القرن العشرين حصل فساد إداري وتفاقمت أزمات اقتصادية، فعاقب الناخبون الأحزاب العلمانية الحاكمة بالتصويت لحزب (العدالة والتنمية) الإسلامي، خاصة وقد وعد أردوغان، زعيم الحزب، بحماية العلمانية والحريات الشخصية. إذ قال «في عام 2002 بأنه يريد ويحلم بتركيا التي لا يوجد فيها قوانين تحد من حرية الفرد»، فصدقه الناخبون. وبتعبير آخر، فما تحقق في البلدان العربية عن طريق انتفاضات الربيع العربي، تحقق في تركيا عام 2002 بهدوء عبر انتخابات نزيهة وعادلة وبدون ثورات أو انتفاضات.

والجدير بالذكر، أن حزب (العدالة والتنمية) لم يحصل على الأغلبية المطلقة (50+) من الأصوات، وإنما بالأغلبية النسبية، أي دون الخمسين بالمائة. وهذا يعني أن غالبية الناخبين لم يصوتوا لحزب أردوغان. إذن، ما الذي حصل وأدى إلى تفجير الوضع ضد أردوغان الآن؟
لقد تخلى أردوغان عن جميع وعوده بحماية العلمانية والحريات الشخصية، وقاد تركيا إلى نظام قريب من حكم الفرد المستبد والنظام الإسلاموي، وحتى هناك تذمر من قياديين داخل حزبه.


قلنا في مقال سابق: "أن التظاهرات التي اجتاحت المدن التركية هي ليست احتجاجاً على "تحويل حديقة تاريخية تدعى (غازي بارك) في اسطنبول إلى مركز ثقافي وتجاري" فحسب، وإنما كانت هناك تراكمات تغلي تحت السطح، وتذمر شعبي واسع ينمو بصمت، وما قضية تغيير حديقة تاريخية في اسطنبول إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة، إذ هناك أسباب كثيرة. لقد تمادت حكومة أردوغان في الاستبداد، والتضييق على الحريات الشخصية، وتقليص العلمانية، وتطبيق أحكام دينية تدريجياً... كذلك زجت حكومة أردوغان بالمئات من الضباط والصحفيين والكتاب العلمانيين في المعتقلات بتهمة التآمر على النظام الديمقراطي، وفصل الكثير من القضاة وتعيين المتعاطفين مع أيديولوجية حزبه مكانهم، الأمر الذي بات يهدد النظام العلماني الذي تشرب الشعب التركي بثقاته منذ مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة وإلى الآن." (1)

وهناك خطر آخر على أردوغان من الجيش، إذ ذكرت صحيفة (SPIEGEL ONLINE) الالمانية في تقرير لها بعنوان: (قبضة أردوغان على السلطة بدأت تضعف)، أن هناك تهديداً لحكومة أردوغان، إذ بدأ الناس يتهامسون أن الجيش يوزع كمامات واقية ضد الغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين وليس على البوليس، الرسالة التي تعني أن الجيش يدعم المحتجين.(2)

والاختلاف الآخر بين انتفاضات الربيع العربي والربيع التركي هو أن في تركيا أحزاب علمانية عريقة وقوية كانت تحكم تركيا قبل مجيء حزب أردوغان الإسلامي للسلطة، مثل حزب الشعب الجمهوري، وأحزاب أخرى، إضافة إلى وجود نقابات العمال والحرفيين، ومنظمات المجتمع المدني، المستقلة تماماً عن تأثير الحكومات، الحالية والسابقة.

يحاول بعض المعلقين الإسلاميين، الأتراك والعرب، الطعن بمبررات انتفاضة الشعب التركي وشرعيتها بوصفها أنها من أجل المشروبات الكحولية!! وذلك لأن بعض الشباب والشابات تعمدوا في أخذ قناني البيرة معهم إثناء تظاهراتهم في ساحة تقسيم في اسطنبول كدلالة رمزية في تحد لقرارات أردوغان في الحد من الحريات الشخصية.
إن وصف الإسلاميين الانتفاضة بأنها من أجل مشروبات كحولية دليل على سطحية تفكيرهم، وكمحاولة منهم لتشويه سمعة الانتفاضة الشعبية. إذ كما أكد جورسال تكين، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط»: « إن ما يحصل هو ثورة على العقلية الأردوغانية التي تستمد قوة استمرارها من منع كل شيء، مثل منع الكحول وتطبيق نظام التعليم 4+4 وتشبيهه معدي الدستور القديم [كمال أتاتورك وعصمت اينونو] بأنهما اثنان من المخمورين، وتطاوله على المذاهب الأخرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وتحويل الحكم البرلماني في تركيا إلى حكم الرجل الواحد، ومحاولة جمع كل الصلاحيات بيده. جميع هذه السلبيات أدت إلى انفجار الوضع في جميع أنحاء البلاد».(الشرق الأوسط، 11/6/2013)(3).
كذلك لتدخلات أردوغان بشؤون دول الجوار، العراق وسوريا، وجر تركيا إلى صراعات طائفية وإقليمية دور في هذه الانتفاضة، إذ أجاب القيادي في حزب الشعب الجمهوري قائلاً: «عندما ننظر إلى خريطة الشرق الأوسط نرى بجوارنا سوريا والعراق وإيران، وجميعها يوجد لنا معهم صلة قرابة بين العائلات. فبعضها (العائلات) يعيش في تركيا والآخر يعيش في سوريا أو العراق أو إيران. والتصعيد يخلق مشكلات وعداء مع هؤلاء الجيران وهذا ليس بالمعقول ولا بالمنطق. ولهذا ستجبر حكومة تركيا على تغيير سياستها العدائية التي تمارسها حيال الجيران خاصة بعد هذا الانفجار الذي عم جميع مدن تركيا. » (نفس المصدر).

وأخيراً، تدخل الشيخ يوسف القرضاوي على الخط في دعم حكومة أردوغان، فأصدر رسالة باسم (الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين) الذي يترأسه، شن فيها هجوماً حاداً على عشرات الآلاف من المتظاهرين الاتراك المطالبين بالديمقراطية واتهمهم بالانسياق وراء "مؤامرات خارجية". والجدير بالذكر أن القرضاوي دعم الأعمال الإرهابية في سوريا والعراق، والاعتصامات في العراق، وأفتى بقتل الشيعة.(4)

والمضحك المبكي أن أردوغان وصف المتظاهرين، بأنهم أقلية متمردة على الديمقراطية، وأنهم إرهابيون ومتطرفون ولصوص..الخ، علماً بأن التظاهرات شملت نحو 40 مدينة تركية، ولكنه (أردوغان) في نفس الوقت يدعم تظاهرات الأقلية الرافضة للديمقراطية في العراق ويدعمها بجميع الوسائل. كما وقابل أردوغان التظاهرات السلمية في بلاده بمنتهى الوحشية مما أثار سخط وانتقاد الحكومات الديمقراطية في العالم وخاصة دول الاتحاد الأوربي. (شاهد رجاءً الفيديو في الهامش وحشية تعامل البوليس التركي مع المتظاهرين)(5 و6).

دروس الربيع التركي
هناك عدة دروس يمكن استخلاصها من انتفاضة الشعب التركي. أولاً، أثبتت أنه لا يمكن التنبؤ بأي ثورة أو انتفاضة شعبية. ثانياً، أعطت الانتفاضة درساً بليغاً للحكام، أن لا يأخذهم الغرور حتى وإن جاؤوا عبر انتخابات نزيهة. لأن فوزهم هذا لا يمنحهم الحق في التجاوز على الديمقراطية والحريات الشخصية، والاستبداد والتفرد في الحكم، فالجماهير التي أتت بهم يمكن أن تركلهم عندما يتجاوزون حدودهم. وكل الدلائل تشير إلى أن أردوغان أصابه الغرور وتجاوز صلاحياته إلى حد أن لم يتحمله الشعب فثار عليه، وهو في طريقه إلى السقوط لا محال.
رابعاً، يمكن اعتبار الربيع التركي هو انتفاضة على الحكم الإسلامي والعودة إلى حكم العلمانيين، ومن المتوقع أن يحصل الشيء ذاته في بلدان الربيع العربي في المستقبل القريب كمرحلة ثانية لإتمام المشوار، أي للإطاحة بحكم الأحزاب الإسلامية وإقامة حكم ديمقراطي علماني صحيح.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع
1 عبدالخالق حسين: هل يطيح الربيع التركي بأردوغان؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=585

2- تقرير صحيفة اشبيغل الألمانية
Revolt in Turkey: Erdogan Losing Grip on Power - SPIEGEL ONLINE
http://www.spiegel.de/international/world/revolt-in-turkey-erdogan-losing-grip-on-power-a-903553.html
 3- جورسال تكين: ما يحصل ثورة على الأردوغانية.. ولا حل أمامه سوى التراجع
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=731976&issueno=12614#.UbbzkOeThdE

4 القرضاوي يحرّم الربيع التركي ويصف التظاهرات بـ ( المؤامرة(!
http://www.akhbaar.org/home/2013/6/148799.html
 
5 فيديو: الديمقراطية التركية، قمع بوليسي للمتظاهرين
  http://safeshare.tv/w/GWrJiyDNKJ

 6 فيديو يكشف عن وحشية تعامل البوليس التركي مع المتظاهرين
Turkish Revolution - police brutality COLLECTION - Istanbul Taksim #Occ
A shocking 10 minute video from TURKEY and the Police Savagery. Make sure to see what happens at the minutes of 5:42, 6:22, 7:00 and 8:00. Absolutely sad and horrible...
 http://youtu.be/iu-wDrZ-bsM




119
هل سيطيح الربيع التركي بأردوغان؟

د.عبدالخالق حسين

وأخيراً وصلت شرارة الربيع العربي إلى تركيا، حيث اجتاحت تظاهرات حاشدة مدينة اسطنبول أولاً، ثم انتشرت إلى مدن تركية أخرى مثل أنقرة وأنطاكيا وأزمير وغيرها، احتجاجا (كما بدى في أول الأمر) على مشروع حكومي يقضي بتحويل حديقة تاريخية تدعى (غيزي بارك) إلى مركز ثقافي وتجاري، ولكن المشكلة أكبر من ذلك إذ تبين أن هناك أسباباً متراكمة أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً.

وقد واجهت حكومة أردوغان التظاهرات السلمية بالعنف من قبل قوات الشرطة، مما تسبب في اصابة العشرات خلال اشتباكات وقعت بين المتظاهرين وقوات الأمن، تطلب إدخال العشرات من المصابين إلى المستشفيات، واعتقال أكثر من ألف وسبعمائة. ولحد كتابة هذه السطور (4/6/2013) دخلت الاحتجاجات يومها الخامس، وقتل شخصان، كما و"أعلن اتحاد نقابات القطاع العام، وهو من أكبر اتحادات العمال في تركيا، عن إضراب لمدة يومين في إطار دعمه للاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة. ويشمل الإضراب المقرر الثلاثاء والأربعاء المدارس والجامعات وكافة المؤسسات الحكومية... ويتهم الإتحاد الحكومة بأنها تقترف "إرهاب الدولة". ولا تزال الاشتباكات مستمرة بين المتظاهرين والشرطة لليوم الخامس على التوالي." ويطالب المحتجون باستقالة رئيس الوزراء التركي أردوغان، الذي ندد في وقت سابق بالمتظاهرين، واعتبرهم مناوئين للديمقراطية. واستخدمت قوات الأمن خراطيم المياه وعشرات من قذائف الغاز المسيل للدموع للتصدي لحشود المتظاهرين. وتحولت المساجد والجامعات والمحال التجارية إلى مستشفيات مؤقتة لمعالجة جرحى الاشتباكات" (تقارير البي بي سي) (روابط: 1 و2 و3 و4 في الهامش).

والسؤال الملح هو: هل وصل الربيع العربي إلى تركيا؟
فمعظم تعليقات المعلقين السياسيين ومراسلي وكالات الأنباء، تشير إلى أن التظاهرات التي اجتاحت المدن التركية هي ليست احتجاجاً على "تحويل حديقة تاريخية تدعى (غيزي بارك) إلى مركز ثقافي وتجاري" فحسب، وإنما كانت هناك تراكمات تغلي تحت السطح، وتذمر شعبي واسع بصمت، وما قضية تغيير حديقة تاريخية في اسطنبول إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أشعلت فتيل الانتفاضة، إذ هناك أسباب كثيرة. لقد تمادت حكومة أردوغان في الاستبداد، والتضييق على الحريات الشخصية، وتقليص العلمانية، وتطبيق أحكام دينية تدريجياً، رغم وعوده في البداية أنه حريص على العلمانية والحريات الشخصية. كذلك زجت حكومة أردوغان المئات من الضباط والصحفيين والكتاب العلمانيين في المعتقلات بتهمة التآمر على النظام الديمقراطي!! وفصل الكثير من القضاة وتعيين المتعاطفين مع أيديولوجية حزبه مكانهم، الأمر الذي بات يهدد النظام العلماني الذي تشرب الشعب التركي بثقاته منذ مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الدولة التركية الحديثة وإلى الآن، مع التزامه بتعاليم الإسلام المعتدل كدين وليس كسياسة لفرض نظام ثيوقراطي قروسطي.
 
كذلك، استغل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الربيع العربي، فطرح نفسه مع أمير دويلة قطر، أنه من أنصار الديمقراطية في البلاد العربية، ويدعو إلى تصالح الإسلام السياسي مع الديمقراطية والحداثة. والمضحك المبكي أن أردوغان وأمير قطر، يريدان تحقيق الديمقراطية في سوريا والعراق على أيدي تنظيمات تابعة للقاعدة مثل "جبهة النصرة" في سوريا، وفلول البعث والقاعدة في العراق، وهي تنظيمات معروفة بعدائها الشديد للديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. كما وطرح أردوغان نفسه كوريث شرعي لسلاطين الدولة العثمانية، والوصي الملكف لحماية أهل السنة في بلاد الشام والعراق.

وبعد نجاحات نسبية في سياساته الداخلية والخارجية، أصيب أردوغان بالغرور، فاعقتد أنه سياسي محنك يضع معاوية وماكيافيللي في جيبه. إذ نتذكر الغضبة المسرحية التي افتعلها قبل سنوات مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرز في لقاء دافوس، وخرج من اللقاء احتجاجاً على مدير الندوة، أنه لم يمنحه وقتاً كافياً لإلقاء مداخلته معادلاً لما منحه للرئيس الإسرائيلي. وعند عودته إلى بلاده استقبلته جماهير حزبه في مطار أنقرة استقبال الأبطال الفاتحين! بينما نعرف حقيقة العلاقة الودية الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل. ومن ثم طرح أردوغان نفسه المدافع الشرعي عن حقوق الشعب الفلسطيني، ولعبته في إرسال المساعدات عن طريق البحر لسكان غزة، وتعرض القوات الإسرائيلية لها. كذلك رفعه شعار الإسلام المعتدل، وغيره من الوسائل التي استبشر الجميع بها خيراً، فصار أردوغان مثالاً يقتدى به من قبل الديمقراطيين العرب. وأخيراً تبين أن كل هذه الأساليب ما هي إلا لكسب الوقت، حيث كشف أردوغان عن وجهه الحقيقي تدريجياً كأي إسلامي أخواني.

لقد كشف أردوغان عن خبثه في موقفه من العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011، فراح يلعب بالورقة الطائفية، ويدعم الفئات المعارضة للعملية السياسية، وخاصة تلك التي تستخدم العنف، بدأ بإطلاق تصريحات بذيئة ضد رئيس الوزراء العراقي لا تليق بمسؤول كبير يحترم نفسه، وتعاونه مع جميع الأطراف المعادية للحكومة المركزية في بغداد. كما وجعل من بلاده ملجأً للإرهابيين العراقيين الهاربين من وجه العدالة من أمثال الإرهابي طارق الهاشمي وعدنان الدليمي، وملتقى لعقد المؤتمرات للتآمر على الحكومة العراقية المنتخبة... وبلغ تدخل أردوغان السافر في الشأن العراقي ودعمه لأعداء الديمقراطية إلى حد أن رفع المتظاهرون في ساحات الاعتصامات في المناطق الغربية صوره وأعلام تركيا، إلى جانب صور وأعلام صدام حسين، بل وخاطبه أحد خطباء الاعتصامات في الرمادي بحفيد السلطان محمد الفاتح، وناشده بالتوجه إلى العراق لتحريره من "الاحتلال الصفوي".

من نافلة القول أن اللعب بنار الطائفية خطر كبير، و تركيا الأردوغانية ليست محصنة ضد إشعال الفتنة الطائفية. فنحو 30% من الشعب التركي هم بكتاشيون (علويون)، أي من نفس مذهب العلويين في سوريا، ولا شك أنهم يتعاطفون مع نظرائهم في سوريا وما يتعرضون لحرب الإبادة بسبب فتاوى يصدرها شيوخ الوهابية، وعلى رأسهم يوسف القرضاوي الذي أصدر فتوى أحل بها قتل (النصيرية) ويقصد (المسلمين العلويين)، ووصفهم بأنهم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى!. ولذلك فالذين يلعبون بالنار الطائفية في العراق وسوريا، يجب أن يعلموا أنهم يجلبون البلاء على أنفسهم وعلى شعوبهم.

لقد حذرنا مراراً أن الديمقراطية لا يمكن إقامتها عن طريق فلول البعث والقاعدة، وأن هذه الحرب المشتعلة في سوريا والتي صرف عليها أمير دويلة قطر نحو ثلاثة مليارات دولار حسب ما جاء بتقرير في صحيفة (فايننشال تايمز) اللندنية، تحت عنوان: "قطر أنفقت نحو ثلاثة مليارات الدولار في العامين الماضيين لتمويل الانتفاضة السورية"(4).

نؤكد مرة أخرى أن هذه الحرب التي تدور رحاها في سوريا، والتي يخطط لها في العراق أيضاً، ليست من أجل الديمقراطية. وقد تبين الآن أن الغرض من إسقاط نظام بشار الأسد، هو لأسباب عديدة مختلفة ليست الديمقراطية من بينها، فلكل جهة متورطة بهذه الحرب هدفها الخاص بها، لا يستفيد منها أي شعب في المنطقة، ناهيك عن الشعب السوري، ومنها مثلاً:
أولاً، مد أنابيب الغاز القطري إلى أوربا و إسرائيل عبر العراق وسوريا،
ثانياً، الحرب في سوريا والعراق بالوكالة بين السعودية والدول الخليجية من جهة، وبين إيران وحزب الله والعراق من جهة أخرى.
ثالثاً، إشعال حرب طائفية في المنطقة لصالح الوهابية السعودية والقطرية، وإسرائيل،
رابعاً، إسقاط نظام بشار الأسد كخطوة أولى لعزل الحكومة الإيرانية تمهيداً لإسقاطها وتدمير برنامجها النووي، على غرار إسقاط حكم البعث الصدامي، والذي ما كان ممكناً إلا بعد عزله إقليمياً وعالمياً.

ولكن للتاريخ منطقه، إذ لا يصح إلا الصحيح، و"تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن". فكما حذرنا، أن من يشعل الحرائق في بيت جاره لا بد وأن تصل النيران إلى بيته، وأفضل مثال هو بشار الأسد. وقد شارك أردوغان، مع حليفة أمير قطر، بنشاط وخبث في إشعال الحرائق في سوريا والعراق، والآن وصل الحريق إلى بيته. وهاهو السلطان أردوغان "حفيد محمد الفاتح" يواجه غضبة الشعب التركي، ولا شك أنها انتفاضة الربيع التركي على غرار انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بعدد من الأنظمة العربية الجائرة.

والجدير بالذكر، أن أردوغان وصف المحتجين في بلاده قائلا: "كل الطرق ماعدا صناديق الاقتراع تظل غير ديموقراطية"، أي أنه لا يتأثر بالاحتجاجات وإنما الحكم لصناديق الانتخابات. ولكن أردوغان هذا أنكر حكم الديمقراطية وصناديق الاقتراع في العراق، إذ وقف دائماً مع التظاهرات والاعتصامات الطائفية، أعداء الديمقراطية، ونظم لقادتها المؤتمرات للإطاحة بنظام منتخب من الشعب العراقي ديمقراطياً. وهذه هي إزدواجية أردوغان. (4 و5و6).

فهل سيطيح الربيع التركي بأردوغان؟
لم يبق من حكمه إلا فترة قصيرة، فالانتخابات القادمة قريبة، وبالتأكيد ستشغله هذه التظاهرات عن تدخلاته السافرة في شؤون دول الجوار، و هي بداية النهاية لمرحلة أردوغان وحزبه الإسلامي الأخواني "المعتدل"، ومن المرجح أن حزبه سيفشل في الانتخابات القادمة إن لم يطاح به بهذه الانتفاضة.
ـــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة
1- اشتباكات بين الشرطة التركية والمحتجين في إسطنبول وأنقرة
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/06/130602_turkey_taksim_clashes.shtml
2- استمرار الاحتجاجات العنيفة في تركيا ضد سياسات الحكومة
http://www.bbc.co.uk/arabic/worldnews/2013/06/130603_turkey_protests_third_day.shtml
3- إضراب عمالي في تركيا دعما للاحتجاجات الشعبية
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/06/130604_turkey_protest_strike.shtml

4- - مظاهرات ضد السعوديه في تركيا وصور الملك تحرق وتداس
https://www.youtube.com/watch?v=PdcqOKpXNyk&feature=player_embedded

5-  بعدما أنفقت ثلاثة مليارات دولار في سوريا... أميركا: وداعًا قطر! - إيلاف
http://www.elaph.com/Web/news/2013/5/812757.html

6- تركيا تجمع مطلوبين للقضاء في مؤتمر يدعو لتغيير النظام بالعنف بينهم الهاشمي والجنابي والكربولي والدايني
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/147948.html

7- العراق يفكك "خلية للقاعدة كانت تنتج سلاحا كيمياويا"
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2013/06/130601_iraq_gas_qaeda.shtml


120
عن مواقف النجيفي اللادستورية
د.عبدالخالق حسين

أثبت السيد أسامة النجيفي، منذ تسلمه رئاسة البرلمان نهاية عام 2010 حسب ديمقراطية التوافق والمحاصصة، أنه مخالف للدستور في معظم مواقفه، وأن ولاءه لتركيا وليس للعراق، وبذلك فهو يشكل خطراً على أمن وسلامة ومستقبل العراق.
يبدو أن نزعة الولاء لتركيا في النجيفي وراثية وفق ما ذكره الكاتب العراقي العروبي، هارون محمد في مقال له بعنوان: (آل النجيفي وعروبة الموصل من الجد الى الحفيد!)، نقلاً من مذكرات متصرف (محافظ) الموصل، عبدالعزيز القصاب من كانون الثاني 1924 الى حزيران 1926 عن يوميات عمل لجنة عصبة الأمم لحل مشكلة الموصل التي كانت قائمة بين الحكومة العراقية وحكومة أتاتورك الذي طالب بالموصل، فقال أن معظم الناس كانوا مع عراقية الموصل، ما عدا محمد النجيفي [جد أسامة] الذي كان متحمساً لتتريكها، ويضيف: "وللمعلومات فقط ، فان محمد النجيفي يكاد يكون الوحيد من أغنياء الموصل الذي صّوَّت لفصل أم الربيعين عن العراق وإلحاقها بتركيا!" (رابط المقال في الهامش).(1)

وللمعلومات أيضاً، نقول، أن هارون محمد هذا ليس شيعياً أو "رافضياً صفوياً"، فهو من غلاة الطائفيين ضد الشيعة إذ لم يتردد في شتم الشيعة كما في مقال له نشر قبل أشهر بعنوان: (يا رافع العيساوي هل يستوي أولاد المتعة مع أبناء الأصالة والعراقة؟) رابط المقال في الهامش.(2)

مناسبة هذه المقدمة هي تمادي السيد أسامة النجيفي في إلحاق الضرر بالعراق ووأد الديمقراطية كما هو واضح من دعمه للمعتصمين في ساحات الاعتصامات، المطالبين بإلغاء الدستور والديمقراطية...الخ، ولقاءاته المتكررة مع حكام تركيا وقطر الذين يتآمرون على العراق، واتهامه لمن لا يوافقه على مواقفه بالتمرد على الدستور، وفق القول المصري: (ضربني وبكى، سبقني واشتكى).

فخلال الدورة البرلمانية الأولى، كنا قد استغربنا من تصرفات الدكتور محمود المشهداني، رئيس البرلمان العراقي السابق، الذي فاجأ الرأي العام بتصرفاته الغريبة، سواءً في تعامله مع وسائل الإعلام، أو استخدامه الفاضاً نابية بذيئة إثناء إدارته جلسات البرلمان، لا تليق بشخص يتبوأ منصباً لأخطر مؤسسة في الدولة، كمنصب رئيس السلطة التشريعية (البرلمان). ومن ألفاضه أنه هدد النواب مرة بقوله أن "أي قانون يخالف الإسلام نضربه بالقندرة"، أي (الحذاء). ثم تكاثرت عليه المشاكل إلى أن أرغم على الاستقالة، مقابل راتب شهري خيالي لا يتصوره العقل في دولة من دول العالم الثالث، وقيل أنه يعادل حوالي 40 ألف دولار شهرياً. (3) أي راتبه اليومي ضعف الراتب الشهري لأستاذ جامعي متقاعد خدم في المهنة أربعين سنة.

وفي الدورة الثانية (الحالية) للبرلمان تم انتخاب السيد أسامة النجيفي من قائمة العراقية، حسب مبدأ التوافق والمحاصصة. وقد استبشرنا خيراً في أول الأمر، ولكن تبين بعد فترة قصيرة أن شهاب الدين (أ...ط) من أخيه! أو كما يقول الشاعر العربي:
بُليتُ بأحمق فعجزت منه... فكيف إذا بُليت بأحمقين!
والله في عون المخلصين للعراق.

فإذا كان الدكتور محمود المشهداني بذيء اللسان، إلا إنه، وكما تبين فيما بعد، طيب السريرة، أقرب إلى السذاجة منه إلى الخبث واللؤم، إذ كما يقول العراقيون، قلبه على لسانه، فهو من النوع الذي يتكلم قبل أن يفكر. أما السيد أسامة النجيفي فقد أثبت أنه من ألد أعداء العراق الجديد، والنظام الديمقراطي، فهو من الذين انضموا للعملية السياسية لتدميرها من الداخل وشل الحكومة، وبالأخص لعرقلة سن القوانين اللازمة للعراق الديمقراطي. فالنجيفي لم يلتزم بصلاحياته الدستورية، وحدود مسؤولياته كرئيس برلمان، مهمته تنظيم جدول أعمال المجلس، وإدارة الجلسات بحيادية، وأنه يترأس مؤسسة تشريعية تمثل كل الشعب، ورئيسها يجب أن يتخلى عن انحيازه لانتماءاته الحزبية والطائفية، ولو في الظاهر على الأقل، وإنما راح يتصرف كما لو كان رئيساً مطلقاً للسلطة التنفيذية والتشريعية، يتنقل من عاصمة إلى أخرى، يطلق تصريحات مشوشة ومتناقضة، ومعادية للنظام الديمقراطي، وفي أغلب الأحيان تحريضية ذات نفس طائفي.

نذكر أدناه على سبيل المثال لا الحصر، عدداً من تصرفاته التي تكشف انحيازه الطائفي ومخالفاته للدستور:
1-  صمته المطبق عن تفجيرات الإرهابيين التي قامت بها فلول البعث والقاعدة خلال السنوات العشر الماضية وإلى الآن، والتي أودت بحياة عشرات الألوف من العراقيين الأبرياء، وخاصة في المناطق الشيعية، والتي تحمل كل مواصفات حرب إبادة الجنس (genocide)، لم يحرك النجيفي ساكناً، ولكن ما أن حصل انفجار واحد قرب مسجد لأهل السنة في ديالى حتى وتحركت عنده النخوة "العربية"، فسارع بدعوة البرلمان لعقد جلسة استثنائية، واستدعاء رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة للمساءلة. نحن مع هذه الدعوات، لأن من حق البرلمان، بل ومن واجبه، محاسبة المسؤولين في مثل هذه الحالات، ولكن لماذا هذه المرة فقط؟ إذ كان الغرض واضحاً من دعوة النجيفي لهذه الجلسة، وهو تحويلها إلى ساحة مباراة للخطابة والمهاترات وتبادل الاتهامات الطائفية. وقد عرف رئيس الوزراء السيد نوري المالكي هذه المقاصد وخطورتها في صب المزيد من الزيت على نار الفتنة الطائفية المشتعلة أصلاً. لذا دعا المالكي النواب إلى مقاطعة هكذا جلسة لأن الغرض منها شق الصف الوطني وإبعاد التهمة عن الإرهابيين الحقيقيين.
والجدير بالذكر أن من حق رئيس الوزراء، كرئيس أية كتلة سياسية، توجيه هكذا دعوة، فهي قانونية ولكنها غير ملزمة للنواب. وفي المحصلة النهائية لم يحضر الجلسة إلا عدد قليل، دون الحد الأدنى المطلوب لاكتمال النصاب، مما أثبت أن الغالبية العظمى من النواب استجابوا لدعوة رئيس الوزراء، ورفضوا دعوة رئيس البرلمان. الأمر الذي أثار حنق وغضب النجيفي، فوصف موقف رئيس الوزراء بـ"التمرد على الدستور"، وهدد بتقديمه إلى القضاء!!، علماً بأن قيادة كتلة النجيفي أمرت نواب الكتلة بعدم حضور جلسات البرلمان منذ أشهر، على أن لا يحضروا إلا في حالة عقد جلسة لسحب الثقة من رئيس الوزراء. فإذا كانت الدعوة لمقاطعة جلسة استثنائية للبرلمان تمرداً على الدستور، فالنجيفي ورئيس كتلته (أياد علاوي) هم أول المتمردين على الدستور، ويجب مقاضاتهم. وللنجيفي وكتلته سوابق كثيرة في هذا الخصوص كما في الفقرة التالية. 

2- خروج النجيفي، مع نواب كتلته، في الجلسة الأولى عام 2010 للدورة البرلمانية الحالية، بعد أن تم انتخابه رئيساً للبرلمان، حيث رتبت كتلته "العراقية" الانسحاب من الجلسة بعد تحقيق أغراضهم، لعرقلة تنفيذ المواد الأخرى في جدول أعمال الجلسة ومنها انتخاب رئيس الجمهورية والذي بدوره يقوم بترشيح المالكي لتشكيل الحكومة حسب اتفاق مسبق بين قيادات الكتل السياسية الكبرى. ولم يعُد النجيفي إلا بعد أن اتصل به وزير خارجية تركيا، السيد أحمد داوود أوغلو تلفونياً، وأمره بالعودة إلى البرلمان لمواصلة إدارة الجلسة. وبذلك فقد أثبت النجيفي أنه كان يمثل كتلته وليس الشعب، ويستجيب لأوامر من تركيا وليس ما يمليه عليه واجبه إزاء الشعب العراقي.

3- وقوفه على منصات الخطابة في ساحات الاعتصامات ومشاركته مع قادتها في تحريض المعتصمين وتسميته العصيان بـ"الثورة"، وإلقائه خطباً تحريضية ضد الحكومة المنتخبة. علماً بأن الدستور طرح آليات ديمقراطية حضارية تحت قبة البرلمان لحل الخلافات وتحقيق المطالب المشروعة بالتفاهم والحوار دون الحاجة إلى العنف. والجدير بالذكر أن هذه الاعتصامات اتسمت بالطائفية، وبذلك فقد طرح النجيفي نفسه كطائفي منحاز لطائفته، وليس رئيساً لبرلمان يمثل الشعب العراقي، ولم يستطع السيطرة على تحيزه الطائفي كما يتطلب منصبه.

4- مطالبته وزراء كتلته "العراقية" بالانسحاب من حكومة المالكي على أمل إسقاطها، مع احتفاظه هو بمنصبه كرئيس للبرلمان للاستفادة من امتيازات المنصب، الأمر الذي انتبه إليه إثنان من وزراء كتلته المستقيلين وهما: وزير التربية محمد تميم، ووزير الزراعة عز الدين الدولة، فصححا الخطأ وعادا إلى الحكومة رغم اعتراض قيادة كتلتهم. والسيد عز الدين الدولة انسحب حتى من كتلته (متحدون).

5- ظهور النجيفي على شاشة تلفزيون الحرة- عراق، " وهو يدعو القوات المسلحة إلى عدم إطاعة أوامر "القائد" على حد تعبيره. إن أداة التعريف هنا تعني بوضوح القائد العام للقوات المسلحة." (راجع مقال السيد محمد ضياء عيسى العقابي: أتهمُ السيد أسامة النجيفي بالخيانة العظمى فحاكموه) (4) .
أتفق مع الأستاذ العقابي بأن هذه الدعوة بحد ذاتها كافية لتقديمه إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى، والتمرد على الدستور والسلطة المنتخبة، والتحريض على العنف في دولة هو رئيس برلمانها!.

6- المفترض برئيس البرلمان أن يكون أعرف من غيره بمواد الدستور، وحرصاً عليه والتزاماً بتطبيقه. ولكن السيد أسامة النجيفي هو أول من خالف الدستور، وتمرد عليه حين أصدر دعوته لحل الحكومة والبرلمان، وتشكيل حكومة مصغرة مؤقتة تهيئ لانتخابات مبكرة. فدعوته هذه مخالفة للمادة (64) من الدستور، التي الزمت رئيس الجمهورية وليس رئيس البرلمان توجيه مثل هذه الدعوة لحل المجلس وإلى إجراء انتخابات عامة في البلد خلال 60 يوما من تاريخ الحل. كذلك من واجب الحكومة أن تستمر بتصريف الاعمال لحين تشكيل حكومة جديدة استنادا للأحكام المادة 76 من الدستور اي بعد اجراء الانتخابات". وبعبارة أخرى، إن احكام الدستور لم تسمح مطلقا بتشكيل حكومة مؤقتة. لذلك فدعوة النجيفي تعتبر "خروجا عن الشرعية الدستورية والمبادئ الديمقراطية التي تضمنها ".

7- وكما جاء في مقال للنائب ياسين مجيد:" نسأل النجيفي عن الأسباب التي منعته من عدم اعتبار عدد كبير من مطالب وشعارات المعتصمين في الانبار وسامراء والموصل تمرداً على الدولة العراقية والدستور ومنها على سبيل المثال: الغاء الدستور – الغاء العملية السياسية – الغاء قانون مكافحة الارهاب – الغاء قانون المساءلة والعدالة – سيطرة القاعدة والبعث والنقشبنديين على الاعتصامات – العصيان المدني – العصيان العسكري – رفع أعلام البعث – رفع صور الطاغية – رفع صور اردوغان والتمجيد بالدولة العثمانية – التمجيد للحرس الجمهوري – طرد الجيش والشرطة الاتحادية من الانبار والموصل وسامراء – قتل واختطاف الجنود – رفع اعلام الجيش العراقي الحر – اعتبار النجيفي الجيش العراقي أداة قتل – تشكيل جيش العشائر – اقامة الاقليم السني – تقسيم العراق – التهديد بالحرب ضد الحكومة الاتحادية – الزحف الى بغداد – اتهام اكبر مكون اجتماعي في العراق بالعمالة وانهم خنازير واولاد زنا – منع دخول عبد الزهرة الى الانبار، يعني الدعوة لاقامة كانتونات طائفية – اهانة شـــيوخ عشائر الوسط والجنوب – وصف الاعتصامات بالثورة"(5).
لا شك أن هذه الشعارات والمطالبات مخالفة للدستور، والتي تهدد أمن وسلام الشعب العراقي، ولكن مع كل ذلك، أيدها رئيس البرلمان العراقي السيد أسامة النجيفي، المفترض به أن يكون حامياً للدستور.

7- صمته عن إهانة تركيا للسيادة الوطنية العراقية حين عقد رجب طيب أردوغان، رئيس الحكومة التركية، اتفاقاً مع زعيم حزب العمال الكردستاني PKKK عبدالله أوجلان السجين، لترحيل مقاتلي الحزب إلى منطقة جبال قنديل في كردستان العراق، دون أخذ موافقة الحكومة المركزية في بغداد. ولعل الغرض الرئيسي من دعوة النجيفي لعقد جلسة برلمانية استثنائية، هو لتصعيد الصراعات الطائفية وإبعاد انتباه الرأي العام عن إتفاقية أردوغان- أوجلان، وانتهاك السيادة العراقية. كذلك سفراته المتكررة إلى ألد أعداء العراق مثل تركيا وقطر، وتلقيه الأوامر من حكام هذين البلدين.

8- دور النجيفي بصفته رئيس البرلمان عرقل عرض لوائح قانونية قدمها مجلس الوزراء لقراءتها ومناقشتها من قبل أعضاء السلطة التشريعية لتحويلها إلى قوانين، ومنها لوائح تخص تجريم البعث وغيره.

9- امتناع النجيفي رفع الحصانة عن عدد من النواب المتهمين بالإرهاب، لمقاضاتهم بالمحاكم الجنائية. وهذا يعني أن النجيفي يتعاون مع الإرهاب وكل من يدعم الإرهاب من المشاركين في العملية السياسية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كان هذا هو موقف أحد كبار المسؤولين بالدولة العراقية، حيث يقف مع أعداء العراق الجديد ويتآمر عليه، معرضاً مصلحة كل الشعب العراقي للخطر في سبيل مصلحة فئة واحدة منه كما يزعم، والحقيقة أن تصرفاته هذه هي ضد حتى أبناء طائفته، أقول إذا كانت هذه عقلية ومواقف شريك كبير في حكم العراق، فكيف يمكن تحقيق الأمن والسلام والازدهار؟ وأي رئيس حكومة تنفيذية يمكن أن ينجح في حكم العراق وهو مكبل بهؤلاء الشركاء؟
كما ونسأل، هل السياسة التي تبناها النجيفي وزملائه في القائمة العراقية من العملية السياسية تدل على الذكاء، و الحرص على المصلحة الوطنية، أو اختلاف في وجهات النظر والاجتهاد؟ أبداً، وإنما سلوكه هذا ناتج عن قصر نظر وتنفيذ أجندات أردوغان وحاكم قطر لحرق البلاد والعباد.

لا شك أن النجيفي ومن على شاكلته في كتلة "العراقية" يعتقدون بأنهم أذكياء، وشطار، وهي صفة ملازمة  لنزعة "التغالب" السائدة في سلوك شريحة واسعة من العراقيين، كما شرحها العلامة علي الوردي في تحليله للشخصية العراقية. لكن نؤكد للسيد النجيفي وزملائه أن هذا السلوك خاطئ ويجلب عليهم الكوارث، إذ كما قال الوردي أيضاً: "كلما ازداد الإنسان، غباوةً أعتقد أنه أذكى من غيره" أنظروا إلى حال بشار الأسد الذي كان يدعم القاعدة وفلول البعث العراقي ليقتلوا العراقيين، كيف انقلبوا عليه عندما غيرَّ دافع رواتبهم موقفه من النظام السوري. هذا هو المصير الذي ينتظر النجيفي وزملائه الذين يساهمون في وأد الديمقراطية، إذ كما تفيد الحكمة: "من حفر جباً لأخيه وقع فيه".
وبالتأكيد، لو كان النجيفي في بلد ديمقراطي آخر لأحيل إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالمقال
1- هارون محمد: آل النجيفي وعروبة الموصل من الجد الى الحفيد!
http://alnahdah.net/NewsDetails.aspx?ID=1985

2-  هارون محمد: يا رافع العيساوي هل يستوي أولاد المتعة مع أبناء الأصالة والعراقة؟
http://www.m3arej.com/article/2010-07-15-21-43-19/5951-%D9%87%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%86-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF.html

3- عبدالخالق حسين: الخراب البشري في العراق: محمود المشهداني نموذجاً
http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphWriter/2006/10/181737.htm

4- محمد ضياء عيسى العقابي:  أتهمُ السيد أسامة النجيفي بالخيانة العظمى فحاكموه
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=355968

5- ياسين مجيد: من هو المتمرد على الدستور؟
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/147895.html

6- فيديو: محافظ صلاح الدين يفضح بعض السياسيين باستلامهم ملايين الدولارات من قطر وغيرها لقتل الشعب العراقي والسوري
http://www.burathanews.com/news_article_196615.html



121
تقسيم العراق بين الممكن والرغبات

د. عبدالخالق حسين

يقول المفكر الألماني اريش فروم، أن الإرهابيين لا يعتمدون على ما تسببه أفعالهم من أضرار مباشرة، بل على ما تسببه ردود أفعال المجتمع. وهذا ينطبق على حالتنا العراقية. فغرض الإرهابيين البعثيين وأتباع القاعدة، هو تمزيق الشعب العراقي إلى كتل متصارعة، وبالتالي إلى تقسيم العراق إلى دويلات صغيرة متحاربة فيما بينها يسهل ابتلاعها من قبل الدول إقليمية التي تغذي هذا الإرهاب.

فبعد نشر مقالي الموسوم (هل ينجح البعث في إشعال حرب أهلية؟؟) اطلعتُ على عدد من التعليقات في الفيسبوك، أنقل خلاصة البعض منها كما يلي:
يرى السيد محسن المالكي، أن لا حل إلا بالتقسيم... " وليعيش كل واحد في مكانه يعيل نفسه بنفسه بدلا من هذا الدم والموت، ونسقط هذا التقديس الفارغ لهذه الخريطة التي تسمى العراق والتي اسسها الانكليز".
وجاء تأييد حار لهذا الحل من القارئة، السيدة بشري التميمي بقولها: "... ولنسقط هذا المسخ غير الشرعي الذي اسمه العراق، ليرتاح الناس، ولتسقط الاقنعة القذرة التي تتلذذ يوميا بدماء العراقيين".
وتعليق ثالث من السيد علي الجنابي، ينكر فيه دور البعث في الأحداث المأساوية ويصف ما ذكرته في المقال بالتضخيم والهروب من الواقع. وكأغلب المعلقين والسياسيين، يوعز سبب البلاء إلى "... بناء العملية السياسية على أساس عرقى وطائفى لا على أساس المواطنة الحقة...". ويطالب بالكف عن التحدث عن "المظلومية والمقابر الجماعية والأنفال والأسلحة الكيمياوية". كما وينتقد " القائمين بالحراك الحالى فى المناطق الغربية والشمالية تحت شعار التهميش، و إبعاد أهل السنة عن المسؤولية". ويضيف: "في الواقع انهم مشاركون أساسيون فى حكومة المحاصصة الطائفية...الخ".

أتفق جزئياً مع هذه التعليقات، مع بعض التحفظات عليها والتي سأبينها لاحقاً ضمن سياق هذه المناقشة وباختصار شديد كالتالي:
لفهم الأزمة العراقية لا بد وأن نرجع إلى التاريخ، مع الحاجة إلى اعادة بعض الأفكار التي ذكرناها في مقالات سابقة وذلك لتوضيح الصورة. في البدء أقول، من السذاجة اعتبار الأزمة الحالية هي وليدة اللحظة أو سقوط حكم البعث عام 2003، فالأزمة التي نعيشها اليوم هي نتاج الجغرافية والتاريخ منذ أمد بعيد.
جغرافياً، ساعد موقع العراق المتميز بمناخه المعتدل، وأنهاره الكثيرة، ومياهه الغزيرة على جذب مختلف الأقوام للسكن فيه، وكذلك الغزوات والفتوحات على مختلف العصور، ولذلك تميز أهل العراق بالتعددية المفرطة، أثنياً، ودينياً ومذهبياً. والصراعات الدموية ليست جديدة، إذ كان سكان العراق في حرب دائمة وخاصة في العهد العثماني، كما يؤكد ذلك عالم الاجتماع علي الوردي.

وعليه فلا بد وأن اتفق مع الرأي القائل بأن العراق لم يكن موحداً، و"أهله لم يبلغوا بعد مرحلة الشعب"، على حد تعبير الملك فيصل الأول.
ففي العهد العثماني كان العراق مقسماً إلى ثلاث ولايات، كل منها مرتبطة مباشرة بأسطنبول العاصمة. وكأية دولة مستعمرة، تبنى الأتراك سياسة "فرق تسد" في حكم جميع الشعوب الخاضعة لحكمهم. ففي العراق مارسوا التمييز الطائفي فقربوا أهل السنة واضطهدوا بقية الطوائف، وبالأخص الشيعة حيث اعتبرتهم الدولة ملة منحرفة عن الإسلام الصحيح وقتلهم حلال! وقصة السلطان سليم الأول معروفة حيث أعلن «أن قتل شيعي يثاب بثواب قتل سبعين مسيحيا»!!

ولما احتل الإنكليز العراق في الحرب العالمية الأولى، ورغم اضطهاد الأتراك للشيعة لأربعة قرون، ارتكب قادة الشيعة خطأً تاريخياً، إذ تطوعوا للدفاع عن الحكم العثماني المسلم، ضد المحتل البريطاني "الكافر". كذلك استقر في العراق بقايا العثمانيين من المماليك والأتراك، وكان معظمهم ضباط في الجيش العثماني، وأصحاب خبرة في السياسة والإدارة، فبعد انهيار الدولة العثمانية، رأوا من مصلحتهم دعم الاحتلال الجديد وتغيير جلودهم، وحتى انتمائهم القومي، فأدعوا العروبة، وتبنوا النهج العثماني في التمييز الطائفي ضد الشيعة في الدولة الوليدة. وراحوا يغذون العداء الطائفي لدى المكون العربي السني ضد الشيعة، وبذلك نجحوا في توظيف العرب السنة لمصلحتهم على حساب أبناء قوميتهم من الشيعة. وجلبوا العديد من الكتاب لنشر النعرة الطائفية وتصعيد العداء ضد الشيعة، والتشكيك في دينهم وقومتهم، وحتى في ولائهم للعراق. وبذلك فقد زرعوا الألغام الناسفة مع حجر الأساس للدولة العراقية الحديثة عام 1921.
وخلال 80 سنة كانت الوحدة الوطنية المزعومة مزيفة وخادعة لأنها كانت مبنية على حكم المكونة الواحدة التي فرضت هويتها على بقية المكونات بالإكراه تحت شعار صهر الجميع في بوتقة الوحدة الوطنية !. وكانت النتيجة على الضد تماماً من الغاية المرجوة، إذ تخندق الناس في هوياتهم الثانوية (الدين والمذهب والقومية) على حساب الولاء الوطني العراقي.

ويخطأ من يدعي أن حكم البعث لم يكن طائفياً لأن كذا عدد من الشيعة كانوا في الحزب والجيش والدولة، فبوجود صدام حسين على رأس الدولة كان دور هؤلاء صفر على الشمال. لذلك، ما أن سقط حكم البعث، وقامت الدولة الجديدة على أسس ديمقراطية، وصار الناس أحراراً في التعبير عن مشاعرهم ومواقفهم دون قيد أو خوف، حتى وانكشفت الشروخ والعيوب في المجتمع العراقي، وتأكد أن كل تلك الأناشيد بالوحدة الوطنية كانت لغواً فارغاً وكذب في كذب.

وأمام هذه الفضيحة أصيب العراقيون بالصدمة والذهول، ولم يصدقوا ما يرونه من مخازي بهذه الفضاعة. إذ كيف نفسر ظهور عراقي يضع قبل اسمه لقب (دكتور)، مثل المدعو طه الدليمي: ليقول في تلفزيون خليجي: أن"محافظة الأنبار تمثل أهل السنة بامتياز لأنها تكاد تكون خالية من قذارة الشيعة!.. .. بقية المحافظات فيها لوثة... محافظة الأنبار تمثل حاجز أمام السرطان الإيراني والسرطان الشيعي... لو قام هذا الإقليم سيكون ذو أثر فاعل في الأمن السوري القادم إن شاء الله، بعد سقوط حثالات الشيعة في دمشق عاصمة الأمويين.. الفرات اليوم، يمكن قطعه، نموّت كل الجنوب!" يرجى الضغط على هذا الرابط:    http://www.youtube.com/watch?v=Oe-zdvO6V0o&sns=em

هذا ليس سلوك فردي، فما قاله طه الدليمي صراحة يقوله كثيرون في مجالسهم الخاصة. والدليل على ذلك هو ظهور جماعة في اعتصامات الأنبار وهي تحمل لافتة مكتوب عليها: (كلنا الشيخ طه الدليمي). ولأجل التخفيف من وطأة الصدمة، نقول أن هذا موقف الأقلية وليس الأغلبية من أهل السنة. على أية حال، وأمام هذه الفضيحة، وليبرئ العراقيون أنفسهم من هذه العيوب الشنيعة راحوا يرددون أن شعبنا ما كان يعرف الطائفية والعنصرية من قبل وإنما جلبها الأمريكان، وفرضها الحاكم المدني للقوات الدولية، بول بريمير، وراحوا يكيلون له الشتائم.

وآخرون يقولون، نعم كانت الطائفية موجودة، ولكنها كانت نائمة، ويستشهدون بالحديث النبوي: "الفتنة خامدة ولعن الله من أيقضها"، ويقصدون الأمريكان طبعاً، ويبرؤون حكم البعث من إيقاضها. بينما الحقيقة تؤكد أن البعث الصدامي هو أول من أيقضها عندما رفع شعار "لا شيعة بعد اليوم" منذ عام 1991، ومارس الطائفية ضد الشيعة في القتل والتهجير القسري منذ السبعينات بحجة التبعية الإيرانية، ومقالات صحيفة الثورة بعنوان (لماذا حصل ما حصل) السيئة الصيت. وكذلك ممارسة العنصرية ضد الأكراد بشنه حروب الإبادة مثل الأنفال، واستخدام الغازات السامة في حلبجة والأهوار.

لذلك نرى من الخطأ مطالبة الناس بالكف عن التحدث بالمظلومية والمقابر الجماعية والشكوى من الانفال والأسلحة الكيمياوية، لأن السكوت عن هذه الجرائم يصب في خدمة البعث، وإجحاف بحق الضحايا. لذا نعتقد أنه من واجب كل مثقف وطني وتقدمي وإنساني أن يواصل فضح الجرائم التي ارتكبها البعث الفاشي في العراق، لا لإثارة العداء بين مكونات الشعب، فالبعث لا يمثل أية مكونة، بل كي لا تتكرر هذه الجرائم في المستقبل. إذ هكذا فعلت الشعوب الأوربية التي أنكوت بنيران الفاشية والنازية، فنراهم ليل نهار، بمناسبة وبدونها، وبجميع وسائل النشر والإعلام والتثقيف والتعليم، يذكِّرون شعوبهم  بتلك الجرائم لكي لا تتكرر. فسياسة النعامة لا تخدم إلا مرتكبي الجرائم.
كذلك من الخطأ القول أن "تضخيم دور البعث الفاشى فى الاحداث المأساوية فى عراقنا العزيز هروبا من الواقع..." لأنه يعني تبرئة البعث والقاعدة مما يجري من قتل يومي على الهوية لأبناء شعبنا بشكل عشوائي في مناطق الشيعة. فمن وراء هذه الجرائم غير البعث والقاعدة؟

نعم، الحكومة مبنية على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية، ولكن هذه المحاصصة مفروضة بحكم الواقع السياسي والجغرافي، وليس من صنع فرد معين أو جماعة معينة. فجميع الأحزاب الكبيرة الفاعلة قبل سقوط البعث كانت على أسس مذهبية، والأحزاب الكردية على أسس أثنية، لأن حكم البعث اضطهد الشعب وفق الانتماء الديني والمذهبي والأثني. ولا يمكن حل هذه المعضلة بمجرد المطالبة بإلغاء المحاصصة والأحزاب الإسلامية، لأن هذا الواقع المؤلم لا يمكن تغييره بالتمنيات والرغبات، وإنما بعد أن تهدأ العاصفة، ويستقر الوضع، وعندها يمكن إعادة إصطفاف القوى والتكتلات السياسية على أسس وطنية شاملةأ وليس على أساس الاستقطاب الطائفي، وهذا يحتاج إلى وقت وليس بكيل الشتائم والتخوين والتكفير.

كذلك، لا أجافي الحقيقة إذا قلت أن الدولة العراقية بنيت منذ عام 1921 على أساس المحاصة. ولكنها كانت محاصصة غير عادلة يفرضها الدكتاتور المستبد القابض على زمام الحكم، سواءً في العهد الملكي أو العهد الجمهوري. وفي هذا الخصوص ينقل لنا الجواهري في مذكراته: (لقد وقف نوري السعيد ذات يوم [في البرلمان] وقد ضاق صدره من هذا المعارض أو ذاك ليقول بالحرف الواحد: " هل بالإمكان أناشدكم الله، أن يخرج أحدنا مهما كانت منزلته في البلاد، ومهما كانت خدماته في الدولة، ما لم تأت الحكومة وترشحه؟ فأنا أراهن كل شخص يدعي بمركزه ووطنيته، فليستقيل الآن ويخرج، ونعيد الانتخاب، ولا ندخله في قائمة الحكومة، ونرى هل هذا النائب الرفيع المنزلة الذي وراءه ما وراءه من المؤيدين يستطيع أن يخرج نائباً.")

وكان النواب الذين يمثلون المحافظات الشيعية معظمهم من المحافظات الشمالية الغربية. وكان يتم تعيين عدد من الاقطاعيين أو شخصيات شيعية معروفة بمكانتهم السياسية والاجتماعية للديكور فقط. وينقل المرحوم عبدالكريم الأزري في مذكراته أنه في مرحلة ما كان هناك أربعون سفيراً ليس من بينهم شيعي واحد. وكان ممنوعاً التحدث عن المظلومية والتمييز الطائفي رغم ممارستهما من قبل الحكام الطائفيين.

أما بعد 2003 فصارت المحاصصة عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع، ولكل مكونة حسب نسبتها السكانية وللأسباب التي ذكرناها آنفاً. ولكن الأزمة المشتعلة اليوم سببها أن المكونة التي ادمنت على احتكار السلطة لثمانين سنة اعتبرت الحكم من استحقاقها التاريخي، وأن الأغلبية ليست للمكونة من داخل العراق، وإنما لتلك التي لها الامتداد العربي السني خارج العراق. لذلك رفع العرب السنة راية القومية العربية ونعتوا الشيعة بالشعوبية والصفوية وأنهم من بقايا الساسانين، لذلك فهم أجانب، والأجانب لا يحق لهم المشاركة في حكم البلد!! واغتالوا ثورة 14 تموز باسم الوحدة العربية لأن قيادتها حاولت إلغاء التمييز الطائفي بالتدريج، ولكن عندما هيمنوا على السلطة بعد إنقلابهم في 8 شباط 1963 الأسود، تنكروا للوحدة العربية، وحاربوا حتى التضامن العربي بحده الأدنى.

ومن كل ما تقدم نعرف أن رفعهم لشعار القومية والوحدة العربية بالأمس، وشعار الطائفية ومحاربتهم للديمقراطية اليوم هو لغرض واضح، وهو إعادة هيمنتهم على السلطة ورفضهم مشاركة الآخرين بنسب عادلة وفق ما تقرره صناديق الاقتراع. ولذلك نراهم يحاربون الديمقراطية ويعتبرونها "غريبة على تراثنا العربي المجيد" مفروضة من أمريكا "عدوة الشعوب"!.

هل ممكن تقسيم العراق؟
من حيث المبدأ، أنا لست ضد تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات أو أقاليم عندما يواجه التعايش معاً في دولة واحدة كل هذه الصراعات والصعوبات، والمجازر، إذ كما جاء في الحديث: "أبغض الحلال عند الله الطلاق". ولكن، هل التقسيم ممكن عملياً؟ وهل غالبية الشعب العراقي يريدون التقسيم؟ ثم، ماذا بعد التقسيم؟ هل سيضع حداً للأزمة؟ هل التقسيم سيوقف الإرهابيين من ارتكاب المجازر؟  وهل من السهولة رسم الحدود؟ الإجابة على كل هذه الأسئلة: كلا، وألف كلا...

نقولها للمرة العاشرة، أن التصعيد الحالي للأزمة هو مفتعل وراءه أجندات تركيا وقطر، وربما دول أخرى، وأداة تنفيذها البعث والقاعدة، وعدد من المشاركين في العملية السياسية الذين باعوا أنفسهم للشيطان، من أمثال طارق الهاشمي، ورافع العيساوي والأخوين النجيفي وغيرهم من أجل مصالح شخصية زائلة على حساب الشعب والوطن. لقد أفتعل هؤلاء هذه الأزمة ومارسوا الإرهاب بحجة الدفاع عن حقوق العرب السنة، وإدعاء التهميش...الخ، بينما في الحقيقة ليس هناك أي تهميش، ولا يمكن أن يكون هناك تهميش في النظام الديمقراطي لأية مكونة. فالعرب السنة مشاركون أساسيون في البرلمان والحكومة المركزية وكل مؤسسات الدولة ومرافقها وفق نسبتهم السكانية كما أفرزته الانتخابات.
أما الحكومات المحلية، فكل أعضاء مجالسها ورؤساء الوحدات الإدارية، (محافظون، وقائم مقام، ومدراء النواحي) فيتم ترشحيهم وانتخابهم من قبل أهالي هذه المناطق ولا يمكن فرض أي شخص آخر من خارجها. وإذا كان هناك تقصير في الأمن والخدمات في هذه المناطق، فالمسؤولية تقع على عاتق الحكومات المحلية والتي هي منتخبة من السكان. وإذا كان الأمر كذلك، فأين التهميش ودكتاتورية المالكي؟

وبناءً على ما تقدم، نؤكد أن حل هذه الأزمة ليس بالتقسيم، لأنه عملياً غير ممكن، ولا بإقامة إقليم للعرب السنة، رغم رفع هذه الشعارات من قبل البعض بين حين وآخر مثل (أما الانفصال أو الحرب)، فهذه مطالب رفعها أفراد قليلون موتورون من أمثال أحمد العلواني ومن على شاكلته، منبوذون من أهل السنة  لأنهم ووجهوا بالمعارضة الشديدة حتى من قبل المعتصمين أنفسهم. فغرض البعثيين والقاعدة من تصعيد الإرهاب ليس التقسيم أو إقامة الإقليم، بل يريدون وأد التجربة الديمقراطية، وإعادة حكمهم الزائل للهيمنة على كل العراق، وليس على جزء منه. أما القاعدة، فهدفها إبادة كل من لا يدين بمذهبهم الوهابي، ويشاركهم في الإرهاب على العالم. يعني حتى أهل السنة لن يسلموا من شرور البعث والقاعدة.
ونؤكد أن أهل الغالبية العظمى من العرب السنة معتدلون، شأنهم شأن بقية مكونات الشعب العراقي، يريدون العيش بسلام في عراق موحد آمن مزدهر. وهذا الذي سيتحقق ولو بعد مخاض عسير.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


122
هل ينجح البعث في إشعال حرب أهلية؟؟

د.عبدالخالق حسين

منذ بدء الاعتصامات في المناطق الغربية رحت استلم رسائل من قراء عراقيين يعربون عن قلقهم العميق والمشروع، من احتمال اندلاع حرب أهلية في العراق لا تبقي ولا تذر، خاصة بعد الاستعراض العسكري لمليشيات سموها بـ"جيش الكرامة" في الرمادي، مدعوماً بنفر طلعوا علينا في ساحات الاعتصامات بالزيتوني والعمامة، أدعو أنهم رجال دين كبار، راحوا يلهبون حماس الجماهير بالخطابات النارية الطائفية، مطالبين العشائر برفد هذا الجيش، بمائة شاب من كل عشيرة،  للدفاع عن أهل السنة من "الغزو الصفوي الجديد". وبالتأكيد، فالأسلوب هو تكتيك بعثي بامتياز، والسؤال هو: هل سينجح البعثيون وحلفاؤهم أتباع القاعدة في إشعال هذه الحرب؟... لنرى.

الملاحظ أنه كلما حصل تصعيد جديد في العمليات الإرهابية في العراق راح الإعلام العربي وعدد من الكتاب، يوعزونه إلى صراع جديد بين الكتل السياسية الحاكمة، رغم أن الإرهاب متواصل منذ إسقاط حكم البعث وإلى الآن، مع صعود وهبوط في الخط البياني له. فبعد انسحاب القوات الأمريكية، أوَّلوا أية عملية إرهابية إلى انسحاب الأمريكان، رغم أن ذروة الإرهاب كانت إثناء وجود هذه القوات. وتكرر نفس الشيء بعد اعتقال عناصر من حماية طارق الهاشمي، ومن ثم رافع العيساوي لضلوعهم في الإرهاب، حيث حصل تصعيد غير مسبوق في الأزمة هذه المرة على شكل اعتصامات في المناطق الغربية، رافقتها أعمال عنف من قتل واختطاف وتفجيرات رغم ادعاءاتهم بأنها اعتصامات سلمية!.

وفريق آخر من الكتاب، اتخذوا الأسهل في تفسير ظاهرة تصعيد الأزمة العراقية بين حين وآخر، وهو: المحاصصة الطائفية، و"تشبث" المالكي بالسلطة، فطالبوا بسحب الثقة منه، ولما يئسوا من الوسائل الديمقراطية لإسقاطه، لجأوا إلى تصعيد الضغوط عبر التظاهرات والاعتصامات وشن الحملات الاعلامية ضده، مطالبينه بالاستقالة!! وفريق ثالث من الكتاب اعتادوا على الانتهازية، والتظاهر بالحيادية والعقلانية، والحكمة، فمسكوا العصا من وسطها، يساوون بين المعتدي والمعتدىَ عليه، ولا شك أن المحايد في هذه الحالة يخدم المعتدي، لذا فقدوا مصداقيتهم.غني عن القول، إن الغرض من كل هذه المحاولات هو تضليل الرأي العام، والتعتيم على السبب الرئيسي للأزمة، لإغراق البلاد في فوضى عارمة لتحقيق أجندات أجنبية، وتكرار السيناريو السوري في العراق.

فما هو السبب الرئيسي للأزمة؟
منذ سقوط البعث راح الإعلام العربي، والسياسيون الذين فشلوا في الانتخابات، وعدد غير قليل من كتاب عراقيين وعرب من الذين لا يريدون الاستقرار للعراق، يروجون ليل نهار بأن الشيعة ما أن تخلصوا من حكم البعث وهيمنوا على السلطة حتى وتحولوا من مظلومين إلى ظالمين، فانفردوا بالسلطة وراحوا ينتقمون من العرب السنة، ويمعنون في تهميشهم وعزلهم، ودليلهم الذي تعكزوا عليه في خطاباتهم التحريضية، هو أن معظم المعتقلين بتهمة الإرهاب هم من السنة! علماً بأن رئيس الوزراء، السيد نوري المالكي شن حرباً ضد مليشيات جيش المهدي في البصرة وبغداد وهم شيعة. ولكن ماذا على الحكومة أن تفعل إذا كان أكثر الإرهابيين والبعثيين الذين تلوثت أيدهم بدماء العراقيين هم من السنة؟ فهل الحل هو جلب عدد مساوي لهم من الشيعة واعتقالهم بتهمة الإرهاب من أجل تحقيق التوازن في هذا الأمر؟ علماً بأنه لا يتم اعتقال أي متهم إلا بأمر قضائي، وأن أغلب أعضاء الهيئات القضائية العليا هم من السنة؟

نؤكد مرة أخرى أن الاستقطاب الطائفي الحالي ليس جديداً وهو من الثمار السيئة لسياسات البعث الساقط خلال 35 سنة من حكمه الطائفي الفاشي الجائر. فالبعث منذ اغتصابه السلطة للمرة الثانية عام 1968، تبنى العشائرية والطائفية لتثبيت حكمه، ولسوء حظ أهل السنة أن معظم البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء العراقيين هم من المناطق الغربية. كما ونجح البعثيون بعد انهيار حكمهم طرح أنفسهم كممثلين شرعيين عن العرب السنة، ولذلك لم يتركوا أية مفردة طائفية بذيئة إلا واستخدموها ضد الشيعة وبمنتهى البذاءة والعلنية وبشكل غير مسبوق. وراحوا يحاربون العملية السياسية والديمقراطية باسم أهل السنة. ومما زاد في الطين بلة، هو تدخل حكومات أجنبية في الشأن العراقي، فراحوا يرسلون آلاف الإرهابيين لشن حرب الإرهاب على الشعب العراقي باسم الدفاع عن حقوق العرب السنة، وحتى تدمير أضرحة أئمتهم لإشعال الفتنة الطائفية وبالتالي إشعال حرب أهلية بين السنة والشيعة، لأن البعث لن يتورع في توظيف أخس الوسائل لتحقيق أغراضه.

في أول الأمر امتنع السياسيون السنة من المشاركة في العملية السياسية وقاطعوا الانتخابات البرلمانية الأولى عام 2004، ولكن بعد ذلك انتبه عقلاؤهم، فرأوا أن من مصلحتهم المشاركة الفعالة بها، وأن لا يعيدوا الأخطاء التي أرتكبها زعماء الشيعة بعد تأسيس الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي. لذلك شاركوا في السلطة، وكان غرض البعض منهم، وخاصة من الذين تسللوا من خلفيات بعثية، أن يفشلوا العملية السياسية من الداخل. ففي النظام الديمقراطي لا بد وأن تكون نسبة المشاركة في السلطة وفق ما تفرزه صناديق الانتخابات، الأمر الذي يرفضه الذين أدمنوا على احتكار السلطة خلال 80 سنة لذلك شنوا حملة إعلامية شعواء لتشويه صورة الديمقراطية بغية التخلص منها في محاولة منهم لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لذلك استغل البعثيون تعقديدات الوضع، فطرحوا أنفسهم كمدافعين عن المكون السني، لا لإنجاح العملية السياسية، بل لتخريبها من الداخل، ولذلك كان ما كان من دور البعض منهم في الإرهاب وهم يحتلون أعلى المناصب في الدولة، من أمثال: طارق الهاشمي، وأسعد الهاشمي، ومحمد الدايني، وأخيراً رافع العيساوي وغيرهم.

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن العلة ليس في كون الحكومة مبنية على المحاصصة الطائفية، أو تهميش أهل السنة، وأن لهم مطالب مشروعة...الخ، بل لأن هناك تحالف اندماجي بين البعث والقاعدة لنشر الإرهاب وإرباك السلطة والأجهزة الأمنية، ودفع المواطنين إلى اليأس من جدوى الديمقراطية، وبالتالي إعادة العراق إلى هيمنة البعث مرة أخرى بعد أن تبنى هذا البعث أيديولوجية "القاعدة" فكراً وتطبيقاً ولحكم العراق بصيغة طالبانية.
ولذلك نؤكد لأصحاب النوايا الحسنة، أن أي تنازل تبديه الحكومة لقادة الاعتصامات لن يحل المشكلة، بل يزيدهم إمعاناً وتأليباً وتصعيداً في المطالب التعجيزية، لأن أغراضهم كما قالوها صراحة هي ليست المطالب المشروعة، بل المطالب غير المشروعة وهي :(إسقاط الحكومة، وتقسيم العراق، وإقامة الاقليم السني والحرب.)

هل ما يجري في العراق حرب أهلية طائفية؟
أولاً، علينا أن نعرف ما هي الحرب الأهلية؟ فإذا كانت العمليات الإرهابية والتفجيرات العشوائية في المناطق الشيعية، وأحياناً سنية، تعتبر حرب أهلية، فهذه الحرب مستمرة منذ سقوط حكم البعث ولحد الآن، حيث مسلسل القتل يشمل العراقيين، سنة وشيعة ومسيحيين وغيرهم مع الاختلاف بالنسب. وفي هذه الحالة، فمعظم دول العالم التي تعرضت وما تزال تتعرض للإرهاب، هي في حالة حرب أهلية. ولكن المشكلة ليست بهذه البساطة. فما هي الحرب الأهلية إذنْ؟
الحرب الأهلية، وفق موسوعة ويكيبيديا: "هي الحرب الداخلية في بلاد ما التي يكون أطرافها جماعات مختلفة من السكان. كل فرد فيها يرى في عدوه، وفي من يريد أن يبقى على الحياد، خائنا لا يمكن التعايش معه ولا العمل معه في نفس التقسيم الترابي... يكون الهدف لدى الأطراف السيطرة على مقاليد الأمور وممارسة السيادة. أما أسباب الحرب، فقد تكون سياسية أو طبقية، أو دينية، أو عرقية، أو إقليمية أو  مزيج من هذه العوامل". انتهى.
قد نرى جزءً من هذا التعريف ينطبق على الحالة العراقية، خاصة وأن ما يجري هو تحت غطاء طائفي، وأغلب الضحايا من طائفة معينة. ولكن لو أمعنا النظر لوجدنا أن هذا الصراع بين السنة والشيعة ليس لاختلافات دينية، وإنما ارهاب تشنه كتلة سياسية مؤلفة من فلول البعث والقاعدة، ضد جميع مكونات الشعب الأخرى، سنة وشيعة. ومن المؤكد أن الجهة التي قامت بتفجيرات ضد المساجد السنية هي نفسها التي تقوم بقتل الشيعة واستهداف الحسينيات، والغرض هو جر أهل السنة ضد الشيعة على أمل إشعال حرب طائفية.

فالإرهابيون لا يدافعون عن حقوق أهل السنة، بل العكس هو الصحيح إذ يستغلون السنة ويحاولون جرهم إلى مواقعهم لخدمة أغراضهم. لقد "اكد وزير الدفاع بالوكالة سعدون الدليمي، ان الارهابيين باتوا يمارسون اساليب ابتزاز ضد المواطنين في مدن عديدة ومنها الأنبار والموصل وان الناس في هذه المدن تستغيث بالجيش منهم. وقال خلال حفل تكريم عدد من ذوي شهداء الجيش العراقي ان هؤلاء الارهابيين لن يفلتوا من العقاب. ومن جانبهم طالب ذوو الضحايا قوات الجيش بملاحقة الارهابيين كما طالبوا السلطات القضائية بالقصاص منهم..." (رابط الفيديو في الهامش)(1)

هل سينجحون في إشعال حرب طائفية؟
لا أعتقد أنهم سينجحون في إشعال هذه الحرب وذلك لأن الشعب العراقي بجميع مكوناته، الأثنية، والدينية، والمذهبية، عرف أسباب اللعبة الخبيثة وأغراضها الدنيئة، ودور البعث والقاعدة والقوى الأجنبية فيها. وفي هذا الخصوص يذكر الكاتب الأمريكي، مايكل روبن، المطلع  على الشأن العراقي، في مقال له جاء فيه: "وقد احتجت القوى السنية لعدة أشهر في سلام نسبي. وتظهر أشرطة الفيديو المتظاهرين مناصرين لتنظيم القاعدة. وقد تساهلت الحكومة مع المعارضة لعدة أشهر وهو أمر لم يكن ممكنا في ظل الديكتاتورية السابقة. ولم تكن الحويجة واحة سلام أبدا. وفي الواقع، ربما كانت أكثر المدن المتشددة في العراق. لقد كانت واحدة من المدن التي لم تتزحزح عنها القاعدة يوما. ومنذ فترة طويلة كانت تُعدُّ منطقة محظورة على العراقيين وعلى الأكراد العراقيين والأجانب. ومع كل هذا كانت الحكومة العراقية تَضبط نفسها: وبدأ الهجوم على مخيم الاحتجاج بخراطيم المياه - وتصاعد فقط عندما رد المتظاهرون الذين كان يفترض انهم مسالمون بأسلحة فتاكة عن قصد وتصميم." (2)

ورغم ما حصلت عليه الاعتصمات من إعلام واسع ومحاولة الاعلاميين إعطاء تبريرات مشروعة لها بشكل مبالغ، إلا إنه وكما قال الكاتب، االسيد عبد الغني علي يحيى، في مقال له بعنوان: (تحليل إعتصامات أهل السنة والجماعة في العراق) جاء فيه: "عدا المبالغة في سعة رقعة الاعتصامات، فأن الذي يشوه  من عدالة قضية السنة، ان مطالب الأخيرة، تكاد تختزل لنصرة البعث المحظور والأرهابيين، كدعوتهم الى الغاء المادة (4) إرهاب، وقانون المساءلة والعدالة واجتثاث البعث، واطلاق سراح منفذي جرائم الأنفال وقتل الكرد والشيعة بالجملة والمفرد، انهم بهذه المطالب اثاروا حفيظة الأكثرية الساحقة من العراقيين ضدهم. ومن عوامل ضعفهم، تعددية قياداتهم: القاعدة، البعث، الضاري، الأخوان المسلمون.. الخ... إضافة إلى ركوب شيوخ العشائر ورجال الدين، والملثمين القابضين على الرشاشة والسكين، ... فالديمقراطية والحريات وحقوق الانسان والحداثة والعصرنة لا يمكن ان تخرج من عباءة شيخ العشيرة ولا من  جبة رجل الدين، ولن تتحقق على يد الملثم الأرهابي. وإذا أراد  السنة لقضيتهم العادلة النصر فما عليهم إلا أن يعيدوا بشيخ العشيرة الى مضيفه، ورجل الدين الى مسجده، ويزجوا بالملثم في السجن." (3)

كذلك هناك تذمر واسع من شيوخ العشائر في مناطق الاعتصامات، وعلى سبيل المثال، أكد الشيخ محمد الهايس، شيخ عشائر البوذياب وأحد قادة أبناء العراق التي تم تشكيلها بالتنسيق مع الحكومة، أن «(القاعدة) لا تزال هي اللاعب الأكبر في المظاهرات».(4)
 
الاستنتاج
وبناءً على كل ما تقدم، نستنتج ما يلي:
أولاً، إن ما يسمى باعتصامات أهل السنة في المناطق الغربية لا علاقة لها بحقوق أهل السنة والجماعة، إذ ليس هناك تهميش ولا عزل، وهم مشاركون في السلطة على جميع المستويات وحسب ما أفرته صناديق الاقتراع. وإنما هي حركة فاشية تقودها فلول البعث والقاعدة، مبنية على أغراض ضد حركة التاريخ، ومنها إلغاء الديمقراطية وإعادة العراق إلى حكم البعث المندمج بالقاعدة. لذلك فهذه الحركة محكوم عليها بالفشل الذريع ومهما بالغوا في إطالة عذابات شعبنا.

ثانياً، لا يشرف أهل السنة قيام تحالف من البعث و"القاعدة" الموغلة أيدهم بدماء العراقيين، بالادعاء بالدفاع عن مصالحهم. لذلك نهيب بأهل السنة الشرفاء أن ينتبهوا إلى هذه اللعبة القذرة ويتبرؤوا من هؤلاء المجرمين وينأوا بأنفسهم عن البعث والقاعدة، فهؤلاء هم خوارج العصر.

ثالثاً، لقد سأم شعبنا بجميع مكوناته من عدم الاستقرار، وأنهكته الحروب والعمليات الإرهابية، فليس بمزاجية الدخول في حرب أهلية والقبول بحكم البعث القاعدي، لذلك، ومهما بالغ البعثيون والقاعديون في الإجرام في حرب المساجد والحسينيات، وأوغلوا في دماء العراقيين، لا يمكنهم أن ينجحوا في استدراج شعبنا إلى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. فهذه الحركة الإجرامية الفاشية محكوم عليها بالهزيمة، ومعها كل أصحاب الأقلام المأجورة الذين ارتضوا دعم الفاشية لأغراض شخصية رغم تلبسهم بلبوس اليساروية وتظاهرهم بالحكمة، والدفاع عن الديمقراطية!!.

رابعاً، لا خوف من تجزئة العراق لأنها غير ممكنة، فالبعث لا يريد التجزئة، لا لحرصه على الوحدة الوطنية، بل للإنفراد بحكمه، واستعباد شعبه ونهب ثرواته وصرفها على وسائل الدمار كما عملوا خلال حكمهم السابق حيث أهلكوا الحرث والنسل. وسواء كان البعث مع التجزئة أو ضدها، فدوره صفر على الشمال، لا يعتد به لأنه كأية حركة عنصرية فاشية، محكوم عليه بالزوال والسقوط في مزبلة التاريخ. وكذلك شعبنا العراقي، ورغم ما يجري من صراعات وأزمات، غير قابل للتجزئة، لأن تكاليف التجزئة في الأرواح والممتلكات سيكون أكثر من تكاليف العيش في دولة واحدة، ولذلك فالشعب العراقي محكوم عليه بالعيش معاً في دولة واحدة، رغم هذه الأزمات، ولا بد وأن يعود الوعي المغيب، وعندها لا بد للديمقراطية أن تنجح.

خامساً، على الحكومة أن تخرج من تساهلها مع الإرهابيين بقصد عدم إثارة الجانب الآخر، خاصة وبعد أن انفضح دور بعض الشركاء في العملية السياسية من أمثال النجيفي والمطلك وعلاوي، فالبعثيون والقاعدة لا يفهمون إلا لغة القوة، وإلا فإن هذا التساهل سيؤدي إلى زعزعة معنويات الجيش والأجهزة الأمنية.
وختاما، لقد أدرك شعبنا بجميع مكوناته، قواعد اللعبة القذرة، وكلما يحتاجه الشعب هو الأمن والاستقرار، وتوفير الخدمات، وهذا لن يتحقق إلا بتطبيق حكم القانون بالقوة للحفاظ على أمن وسلامة المواطنين ودحر الإرهابيين.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
 ــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالمقال
1-  وزير الدفاع وكالة يؤكد ان الارهابيين لن يفلتوا من العقاب وذوو الضحايا يطالبون بالقصاص العادل
http://www.alfayhaa.tv/news/iraq/98726.html
 
2- مايكل روبن: أحزاب تفشل في الصناديق فتسعى للسلاح للتعويض.. مؤسسة أميركية تتهم أطرافا بالسعي لتفتيت العراق
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/147424.html

3-  عبد الغني علي يحيى: تحليل إعتصامات أهل السنة والجماعة في العراق 
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/146962.html

4- شيوخ في الأنبار: تنظيم القاعدة يدير دفة المظاهرات
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/147115.html


123
الإعتصامات في خدمة الديمقراطية والمالكي

د.عبدالخالق حسين

رغم أن الاعتصامات في المناطق الغربية (العربية السنية) تثير القلق وتهدد بحرب أهلية طائفية لما صاحبها من الشحن الطائفي ضد أكبر مكونة من مكونات شعبنا، وبدفع من خارج الحدود لخدمة أعداء العراق الجديد، إلا إن نتائجها جاءت على الضد تماماً مما خطط لها منظموها وقادتها، ولذلك فإني متفائل أن هذه الحرب لن تقع، وأن الاعتصمات وغيرها من الآلام، هي جزء من المخاض العسير لولادة مجتمع عراقي جديد يؤمن بالولاء الوطني والديمقراطية، لأن في نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح.

ففي آخر تطور للأحداث سقط ورق التوت عن عورات الذين لهم قدم في السلطة وأخرى في الإرهاب، إذ قال وزير الدفاع وكالة، سعدون الدليمي في مؤتمر صحفي عقده قبل أيام "ان نائب رئيس الوزراء صالح المطلك طلب منه شخصيا عدم تفتيش ساحة الاعتصام في الحويجة وتسهيل خروج الارهابيين والقتلة. ووجه الدليمي رسالة الى أهالي المناطق التي تشهد اعتصامات بأن يكون دورهم مهماً في التصدي للمؤامرات التي تحاك ضدهم وضد الوطن لأن ما يراد لهم يمثل كارثة حقيقية، وأن على العشائر ان تتصدى لدورها الحازم تجاه من يريدون الاساءة للقيم الوطنية". يرجى فتح الرابط لمشاهدة الفيديو (3 دقائق).
http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=yjji2dhASqo

ومن لقبه، (الدليمي)، نعرف أن الدكتور سعدون هو من عشيرة الدليم، ومن الرمادي، ومن أهل السنة والجماعة، و ليس شيعياً، أو "رافضياً"، ولا "صفوياً"، ولا "عجمياً" .. إلى آخر النعوت التي يكيلونها للشيعة ليل نهار، ولا يعقل أنه يتلقى أوامره من (ولي الفقيه، السيد علي خامنئي!!)، أو اللواء قاسم سليماني، (قائد الحرس الثوري الإيراني) في طهران، ولا أحد يستطيع أن يزايد على وطنيته، أو قوميته، أو دينه أو مذهبه. لقد أثبت الرجل أنه سياسي واقعي، وذو وعي وطني، وضمير حي، حريص على الوحدة الوطنية، وخدمة شعبه، وإنجاح العملية السياسية وإنضاج الديمقراطية.

لقد وقعت نصائح الدكتور سعدون الدليمي على أذن صماء. وهذا يدل على أن غرض قادة الاعتصامات
من أمثال رافع العيساوي، والعلواني، والبدراني، والنجيفي، وأحمد أبو ريشة، وعلي حاتم سليمان، واللافي ومن لف لفهم، ليس المطالب المشروعة التي يطالب بها كل المواطنين الشرفاء، ومن كل مكونات الشعب العراقي، مثل: إطلاق سراح الأبرياء من المعتقلين، وتوفير الأمن والخدمات، وتحسين أحوال المعيشة بإيجاد الوظائف للعاطلين...الخ، بل غرضهم الرئيسي هو المطالب غير المشروعة المخالفة للدستور، ومنها الحرب وتمزيق العراق.

في الحقيقة، لقد قدم قادة الاعتصامات من أيتام صدام وبن لادن، من حيث لا يدرون و لا يريدون، خدمة جليلة إلى عدوهم  اللدود السيد نوري المالكي، وللعملية السياسية من عدة جوانب. فمن جهة نجح رئيس الوزراء، في إدارة الأزمة بكفاءة، وتعامل مع قادة منظمي الاعتصامات بكل صبر وحكمة، وحاصرهم في الزاوية، حيث استجاب للمطالب المشروعة، وبذلك جر البساط من تحت أقدام أصحاب الأغراض الشريرة، وأثبت للمواطنين الشرفاء بأن غرض هؤلاء ليس المطالب المشروعة، بل المطالب غير المشروعة التي كشفوا عنها مؤخراً بصراحة وصلافة وصفاقة، ودون حياء أو خجل، فسمّوها بـ(الخيارات المفتوحة)، وجميعها (خيارات عدوانية) على حد تعبير النائب من دولة القانون، السيد ياسين مجيد، وهي: (إسقاط الحكومة، وتقسيم العراق، وإقامة الاقليم السني والحرب.)(1)

والجدير بالذكر أن فلول البعث، ومنذ سقوط صنمهم ونظامهم، لم يطلقوا أية تسمية من مفرداتهم ورموزهم البعثية على أي تنظيم إرهابي من تنظيماتهم، وذلك لعلمهم الأكيد بأن حزبهم، وبسبب جرائمه الكثيرة ضد الشعب والمنطقة، بات مكروهاً وذو سمعة سيئة يثير قرف المواطنين، لذلك أطلقوا أسماء إسلامية على عصاباتهم الإرهابية مثل: "جيش محمد"، و"جند الإسلام"، و"دولة العراق الإسلامية"، وأخيراً وليس آخراً، "جيش النقشبندية" الذي يقوده الهارب من وجه العدالة، عزت إبراهيم الدوري.
لقد جاء في تقرير نشر على موقع (abc news) أن هذا التنظيم مكوَّن من ضباط الحرس الجمهوري الذي اعتمد عليه صدام في حماية نظامه(2)، ولا علاقة له بالنقشبندية، الطريقة الصوفية الإسلامية المسالمة. فهذا ديدن البعث في التلحف بغطاء إسلامي في ارتكاب جرائمهم، والإسلام منهم براء. كما أثبتت الأحداث إن هذه الاعتصمات لها إرتباطات مباشرة بالمنظمات الإرهابية في سوريا مثل "جبهة النصرة" التي أعلنت مبايعتها للقاعدة، والتي ارتكبت أبشع الجرائم بحق الإنسانية ضد الشعب السوري وليس آخرها استخدام الغازات السامة. فها هي المدعية العامة السابقة في المحكمة الجنائية الدولية والعضو في لجنة التحقيق الدولية في انتهاكات حقوق الانسان في سوريا (كارلا ديل بونتي)، قالت في مقابلة اجرتها معها الاذاعة السويسرية الايطالية ليل الاحد الاثنين (5/5/2013) انه "بحسب الشهادات التي جمعناها، فان المقاتلين استخدموا اسلحة كيميائية مستعينين بغاز السارين".  وهذا ما يخططونه للعراق أيضاً(3 و4).

وفائدة أخرى غير مقصودة لهذه الاعتصامات "السلمية"، أنها كشفت حقيقة العديد من الكتاب المتياسرين المستميتين في الدفاع عن مرتكبي التجاوزات، بمقالات تلفيقية لتضليل الرأي العام، وخاصة جوقة فخري كريم في (المدى)، وعدد من كتاب آخرين يترزقون من بعض الصحف الخليجية، غير مبالين بما يلحقون بالشعب والوطن من أضرار، وخاصة دورهم في الشحن الطائفي رغم علمانيتهم. فهؤلاء مازالوا يذرفون دموع التماسيح على "ضحايا الاعتصامات السلمية" في الحويجة، والتي شبهها أحدهم، بالاعتصامات السلمية التي قادها المهاتما غاندي في الهند ضد سلطات الاستعمار البريطاني!! ويا للهول، أين الإنصاف في تشبيه حكومة وطنية منتخبة بالاستعمار، واعتصام يقوده دمويون من فلول البعث والقاعد بحركات اللاعنف التي قادها غاندي؟ ينكر صاحبنا أن فلول البعث وأتباع القاعدة الدمويين هم الذين تعرضوا للجيش، وقتلوا عدداً من الجنود في نقاط التفتيش مما اضطر الجيش للرد عليهم، فلقنهم درساً لن ينسوه. ولن استبعد أن يدعي صاحبنا، أن الذين قتلوا الجندي في الحويجة، والجنود الخمس في الأنبار هم مندسون من رجال حكومة المالكي لتشويه سمعة الاعتصامات "السلمية الغاندوية"!! (نسبة إلى غاندي)، وربما سيردد هؤلاء ما ردده محامو الإرهاب أن جميع التفجيرات في العراق هو من تدبير حكومة المالكي... وكما نقل لنا الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي: "تعقيب الدكتور صالح المطلك على اعتداءات الأربعاء الدامي بأن الشيعة يفجرون حسينياتهم والمسيحيين يفجرون كنائسهم ليتهموا بها الغير!!!" (5)... ولله في خلقه شؤون.

أدناه فيديو (6)، نرجو مشاهدته ليروا كيف ينتقم "المحتجون المسالمون" في هجومهم على إحدى نقاط التفتيش وهم الذين قتلوا جنودنا الأبرياء عند مرورهم بالرمادي من قبل مسلحين "مندسين" داخل هذه الاعتصامات، والمطلوب من الجيش حسب ما يطرحه هؤلاء السادة الكتاب، عدم الرد على الإرهابيين!!

والجدير بالذكر، أن هؤلاء الكتاب كالوا المديح والثناء لأياد علاوي عندما كان رئيساً للوزراء عام 2004، والذي شن هجوماً ضارياً على جيش المهدي في النجف الأشرف، والإرهابيين في الفلوجة، بينما تهجموا على المالكي عندما قام الجيش بالدفاع عن نفسه، واعتبروا هذه الاجراءات انتقامات طائفية، وطالبوا بمحاكمة القائد العام للقوات المسلحة!! وإذا ما تدخل الجيش الإتحادي لحماية المواطنين من شرور الإرهابيين، اتهموا المالكي بتسييس الجيش وزجه في قضايا سياسية، ولكن عندما تحتل البيشمركة مواقع في كركوك والموصل، فهذا العمل ليس تسييساً، بل لحماية أمن المواطنين، وملء الفراغ الذي تركه الجيش بعد إنسحابه! هذا معناه تدمير هيبة الدولة، وشل الجيش العراقي وإضعاف معنويات منتسبيه، في الوقت الذي قرأنا فيه تقارير تفيد أن العشائر العربية تتوسل بالجيش والقوات الأمنية الحكومية بالبقاء لحمايتهم من الإرهابيين.

يراهن كتاب الاعتصامات على استغفال المواطنين، ولكن لحسن الحظ أثبت المواطنون أنهم أكثر وعياً وإدراكاً بما يخطط ضدهم من قبل قادة الاعتصامات، ومرتزقتهم من أصحاب الأقلام المأجورة، أعداء العراق الجديد، حيث كشفت انتخابات مجالس المحافظات تنامي شعبية المالكي، وكتلته (دولة القانون) في ثمان محافظات من مجموع 12 محافظة، وحتى في محافظة ميسان (العمارة) التي جاء فيها التيار الصدري بالمرتبة الأولى، فالفارق بين كتلة المالكي والتيار الصدري هو مقعد واحد ليس أكثر، والفضل في ذلك يعود إلى المحافظ الشهم المتواضع من التيار الصدري، الذي أثبت إخلاصه، فراح يعمل مع عمال البناء في إعمار محافظته، الأمر الذي قيمه الناخبون عالياً، وهو يستحق التقدير.

كذلك كشفت هذه الإعتصامات عن الوجوه الكالحة لأدعياء الدين الذين وصفهم بحق، الشيخ خالد الملا، أمين عام جماعة علماء العراق، إن "بعض الأشخاص الذين يلصقون بأنفسهم بعض المناصب الدينية الكبيرة، ويتهمون أبناء الجيش العراقي المعروف بعمق التاريخ بتهم تحاول تشويه حقيقته، هي شخصيات لا تمثل الصوت العراقي ولا تمثل إرادة أبناء الشعب العراقي". فهم في الحقيقة رجال دين مزيفين، ظهروا لنا بالزيتوني والعمامة، وراحوا يسممون عقول الناس وبث التفرقة لإشعال الفتنة الطائفية، إذ أفادت الأنباء أن المصلين قد رشقوا إمام مسجد في الفلوجة بالقناني الفارغة حينما دعا في خطبة الجمعة بإقليم سني، ففر "الإمام"، وحل محله آخر راح يصرخ بالجهاد ضد المالكي!!.

لقد فضح هؤلاء أنفسهم وانكشفت حيلهم وأحابيلهم، لذلك ابتعدت عنهم الجماهير، إذ أفادت الأنباء عن ((رفض مجلس عشائر الأنبار ومجلس انقاذ الانبار، والعشائر العربية في محافظة كركوك فكرة تقسيم العراق الى نظام الاقاليم مؤكدا "اهمية التمسك بوحدة العراق". كما وقَّع المئات من شيوخ العشائر من مختلف المحافظات على وثيقة عهد تحرم الدم العراقي وتدعم وتساند القوات الامنية وتمنع منح الدعم للارهابيين. جاء ذلك خلال مشاركتهم في المؤتمر الثاني لشيوخ عشائر العراق.)). وهكذا فالعشائر العراقية انتبهت أخيراً إلى لعبة البعثيين وأتباع القاعدة، فحبل الكذب قصير.

قلنا مراراً أن الديمقراطية ليست بلا أخطاء، ولكنها تمتلك آلية لتصحيح أخطائها، وفضح أعدائها. ونحن لا نعتب على فلول البعث والقاعدة في محاولاتها لتمزيق العراق ومحاربة الديمقراطية، فهذا ديدنها، ولكن من حقنا أن نعتب على، بل ونستغرب من كتاب لهم ماض في اليسار العراقي، نراهم اليوم وهم في خريف العمر، يقفون وقفة مخجلة مع اليمين الفاشي المتطرف المتمثل بالبعث والقاعدة، بغضاً للمالكي وتطبيقاً للمبدأ الخاطئ :(عدو عدوي صديقي)، يحاولون إقناعنا بأن الاعصامات سلمية غاندوية حد النخاع!!  ومطالبها مشروعة، وأن حكومة المالكي تقتل الأبرياء بدافع "الانتقام السياسي والثأر الطائفي..."، وآخر يكتب في صحيفة إماراتية مقالاً بعنوان: "الحويجة... مجزرة وفق الدستور أيضاً)، وغيرها من المقالات المضللة التي من شأنها الشحن الطائفي.

خلاصة القول، لقد حققت الاعتصامات على الضد مما خطط لها منظموها وقادتها، لأن (ما بُنيَ على باطل فهو باطل)، كما وأثبتت عزلة العديد من الكتاب وانفصامهم التام عن الجماهير الشعبية التي طالما تغنوا بها أيام زمان، ومازالوا يعتقدون خطأً أنهم يعبرون عن آمالها! حقاً، "رب ضارة نافعة".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالمقال

1- ياسين مجيد: الخيارات العدوانية
http://www.akhbaar.org/home/2013/5/146616.html

2- ADAM SCHRECK Associated Press: Group Tied to Old Guard Could Gain in Iraq Unrest
http://abcnews.go.com/International/wireStory/group-tied-guard-gain-iraq-unrest-19055602#.UXu4dEq65Fg
 
3- سوريا: انتصار الخراب/صور مروعة عن الخراب في سوريا. الصور تتحدث عن نفسها.
http://www.informationclearinghouse.info/article34758.htm

‫4- المعارضة السورية تهلل و تكبر في التلفزيون الصهيوني بعد القصف الإسرائيلي لمواقع عسكرية سورية
http://www.youtube.com/watch?v=6wAkEIashkw&feature=em-share_video_user

5- محمد ضياء عيسى العقابي: التآمر على العراق في ورطة كبيرة!!
http://www.baghdadtimes.net/Arabic/index.php?sid=136701

6- هجوم "المسالمين" على نقطة تفتيش
http://www.facebook.com/l.php?u=http%3A%2F%2Fwww.youtube.com%2Fwatch%3Fv%3Dae9vIez0_-E&h=SAQHN2CTW&s=1

7- داعية يمني : يحق للمسلمين الفرح بضرب إسرائيل لسوريا
http://mz-mz.net/141531/


124
لماذا مطالبة المالكي بالاستقالة؟

د.عبدالخالق حسين

أنا متهم بالدفاع عن رئيس الحكومة العراقية، السيد نوري المالكي. وليس خافياً على أحد، أن هذه التهمة شنيعة في العرف العراقي، ترقى إلى الخيانة الوطنية معاذ الله، حتى وإن كان الرجل منتخباً من الشعب والبرلمان، ومازال يتمتع بشعبية أكثر من منافسيه في 8 محافظات بما فيها بغداد العاصمة. وقد أكدتُ مراراً وتكراراً بأن لا علاقة شخصية لي بالسيد المالكي، أو بحزبه أو كتلته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وإنما موقفي منه ناتج عن التزامي بالمنطق السليم، وحرصي على مستقبل العراق، والديمقراطية التي أريد لها النجاح، ولعلمي بأن عراقاً لم يعرف الديمقراطية من قبل، لا يمكن أن يتحول إلى سويسرا بين عشية وضحاها، فلا بد وأن يمر بمخاض عسير. فخصوم المالكي يصورون الوضع العراقي المعقد وكأنه هو وحده المسؤول الأول والأخير عن كل مشاكل العراق بما فيه الانقسام العربي- الكردي، والصراع السني – الشيعي، والمحاصصة الطائفية، وحتى الإرهاب وفلول البعث والقاعدة.

فمن يتابع مقالات صحيفة (المدى)، على سبيل المثال لا الحصر، وهي بالمناسبة تصدر من بغداد، وتكيل يومياً أخطر الاتهامات ضد المالكي وحكومته، وبالأخص مقالات السيد عدنان حسين، ومع ذلك يقولون أنه لا توجد في العراق ديمقراطية ولا حرية الصحافة. ففي  مقال له في (المدى) يوم 28/4/2013، بعنوان (تريدون الإنفصال...ليكون ودياً)، وهو عنوان يوعد بنصيحة حكمية موجهة إلى مكونات الشعب العراقي المتصارعة، أن كل من يريد الانفصال فبه، وليكن ذلك ودياً، ولا داعي للعنف المسلح. ولكن الشيطان في التفاصيل، كما يقولون.

إذ يبدأ السيد حسين مقاله: «لا أظن أن أحداً يتمتع بكامل قواه العقلية لا يرى أن البلاد ماضية في اتجاه التقسيم الى ثلاث دويلات إذا ما بقيت الحال على ما هي عليه الآن: حكومة ضعيفة سياسياً تراهن على قوة عسكرية شبه موهومة في تركيع خصومها الذين لا تنقصهم القوة سياسياً وجغرافياً وعسكرياً.
التقسيم حاصل ما لم ينزل رئيس هذه الحكومة من بغلته ويجلس على الأرض ويتحسس ترابها وصخرها ليدرك انه ليس "سوبرمان" الخارق أو "باتمان" الذكي.»

فالكاتب يصور للقراء بأن المالكي هو سبب جميع الأزمات وخاصة (ضعف الحكومة وقوة خصومها)، وبقاءه رئيساً للحكومة يهدد بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، وما أن "ينزل من بغلته" ويستقيل حتى ويتخلص العراق من جميع مشاكله. والكاتب هنا يعترف بأن مشاكل العراق لا يقدر على حلها حتى السوبرمان، وهذا اعتراف ضمني منه أن البديل القادم ليس سوبرمان، فيوجِد له العذر في عدم قدرته على حل مشاكل العراق إذا ما فشل، ولا بد وأن يفشل، لأن منظمي الاعتصامات في المنطقة الغربية، وقادة الإرهاب في العراق، لن يقبلوا بغير إعادة العراق إلى ما قبل 2003، ولكنه يريد من المالكي أن يحلها الآن الآن وليس غداً، وإلا فليستقيل لأنه ليس سوبرمان!.

لا شك أن عدنان حسين كصحفي محترف لعشرات السنين، يعرف كيف ينمق الكلام، ويدبج المقالات النارية التحريضية، ولكن للأسف الشديد، بدلاً من أن يوظف إمكانياته الكتابية لخدمة الحقيقة وشعبه، وتوضيح الأزمة العراقية وأسبابها، وبث الوعي الوطني الصحيح في القراء وتنويرهم ، وترسيخ الديمقراطية، وتهدئة الوضع، أقول، بدلاً من كل ذلك، انضم إلى جوقة فخري كريم لتضليل الرأي العام وتشويه الحقائق، وتمزيق شمل العراقيين، وصب الزيت على نار الفتنة الطائفية المشتعلة أصلاً والتي تفتك بشعب العراق.

وبالتأكيد لم يجهل السيد عدنان حسين كيف يتم تعيين رئيس الحكومة في الأنظمة الديمقراطية، خاصة وأنه قد عاش أكثر من عشرين سنة في بريطانيا، قلعة الديمقراطية الحديثة، عندما كان يعمل في صحيفة الشرق الأوسط السعودية. فمطالبة السيد عدنان حسين للمالكي بـ"النزول عن بغلته" وليس عن طريق البرلمان بسحب الثقة عنه، لدليل واضح على علمه بأن أغلبية البرلمانيين لن يسحبوا الثقة من رئيس الحكومة، ولذلك يرفض السيد عدنان ومن على شاكلته، الأساليب الديمقراطية في إزاحة المالكي، فيطالبونه بالاستقالة وليس عن طريق البرلمان... ولكن السؤال: ماذا بعد الإستقالة، وأين هو "السوبرمان" الذي يحلم به عدنان حسين وأماثله؟ الجواب معروف، وهو أن قصدهم ليس إزاحة المالكي فحسب، بل تخريب العملية السياسية برمتها، وإغراق العراق في فوضى عارمة تلبية لأجندات خارجية وخدمة لأولياء النعمة خارج الحدود على حساب الشعب والوطن. إن سبب تركيز حملتهم التحريضية الشرسة ضد المالكي لأنه أثبت صموده العجيب أمام كل هذه العواصف السوداء خلال ما يقرب من سبع سنوات، وأثبت فشل محاولات خصومه.

وقد جاء مقال السيد عدنان حسين في صحيفة (المدى) متزامناً مع مقال رئيسه السابق، طارق الحميد في صحيفة (الشرق الأوسط) بعنوان: (لماذا لا يرحل المالكي؟) وبنفس المضمون تقريباً ولو بعبارات مختلفة، وكأنه بينهما اتفاق مسبق، إذ يقول الحميد: « ها هو رئيس الوزراء العراقي يسير على خطى جاره وحليفه الطائفي بشار الأسد، حيث تقوم قواته بقتل المتظاهرين العراقيين ثم يطالب بالحوار، محذرا من الطائفية و«القاعدة»، ... والحقيقة أن لا فارق بين المالكي والأسد؛ فكلاهما وجهان لعملة واحدة، حيث يحاولان التذاكي سياسيا، وكلاهما حليف لإيران، ويلعبان على ورقة الطائفية، ويريدان الحكم ولو بإراقة الدماء وتخويف الآخرين من الطائفية و«القاعدة» والمخططات الخارجية، ... ».
وهذا يعني أن في العراق لا توجد صراعات طائفية، ولا «القاعدة» ولا المخططات الخارجية، ولا جيش "النقشبندية"، وإنما هذه كلها أكاذيب سياسية من صنع المالكي... وما أن يرحل المالكي على حد تعبير الحميد، أو "ينزل من بغلته" بتعبير عدنان حسين، حتى ويستقر العراق وكأن شيئاً لم يكن!!

نسي السيد طارق الحميد، أن المملكة العربية السعودية هي أكبر دولة مصدرة وحاضنة للإرهاب، وأكبر دولة طائفية في العالم، فالشيعة الذين يشكلون 20% من الشعب السعودي لا تُقبل منهم حتى شهادتهم في المحاكم، ويعاملون دون مستوى البشر لأنهم، وفق مذهب الدولة الوهابي، كفار أسوأ من اليهود والنصارى!! على حد تعبير مشايخ الوهابية. والحميد مازال يريد من العراق أن يكون "حارس البوابة الشرقية للأمة العربية" ضد إيران، كما كان في عهد المقبور صدام حسين، فلم تكفهم ثمان سنوات من الحروب العبثية الطاحنة، حين خاطب الملك فهد صداماً قائلاً له: "منك الرجال ومنا المال". وبعد سقوط صدام انتقموا من الشعب العراقي ثانية، باحتساب تلك المساعدات المالية ديوناً مع أرباحها المتراكمة التي فاقت حجم الديون الأصلية.

والأشنع من ذلك، أنه في الوقت الذي شكل الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش وفداً برئاسة وزير الخارجية الأسبق، جيمس بيكر، للتفاوض مع الدول الدائنة متوسلاً منها بالتخلي عن ديونها أو بعضا منها على العراق، وحقق نجاحاً باهراً في مساعيه حيث أطفأ نحو 90% من تلك الديون البالغة 120 مليار دولار، راح عدنان حسين، يدبج المقالات في صحيفة (الشرق الأوسط) التي كان يعمل فيها آنذاك (عام 2003)، يطالب فيها السعودية والكويت وغيرهما من الدول الدائنة بعدم التنازل عن ديونها على العراق!! أما تبريره: كي لا يتجرأ الشعب العراقي ثانية فينجب دكتاتوراً أخر مثل صدام في المستقبل!! فرددتُ عليه معاتباً بمقال ودي بعنوان: (هل من الإنصاف معاقبة الشعب العراقي بجرائم صدام؟) مذكراً إياه: "وهل استلم صدام حكم العراق عن طريق الانتخابات الديمقراطية النزيهة، أو استفتى الشعب العراقي في حروبه لكي يتحمل هذا الشعب تبعات حروبه العبثية". فغير المحرر عنوان مقالي إلى (العراق غير قادر على دفع الديون والتعويضات؟)، وهذا لا يهم، ولكن رد عليَّ عدنان حسين وفي نفس العدد من صحيفة (الشرق الأوسط، يوم 21/11/2003) بمقال عنوانه: (وهل الإنصاف في معاقبة ضحايا صدام؟). أضع روابط المقالات المتبادلة أدناه ليطلع العراقيون على الحقائق ومدى "حرص" عدنان حسين على مصلحة العراق. (روابط في الهامش: 2، 3، 4).

يقول السيد عدنان حسين في مداهنة واضحة للكرد والسنة: «الكرد أعادوا أنفسهم وإقليمهم الى الدولة بإرادتهم الحرة وقرارهم الحكيم، وكان يمكن لهم أن يمتطوا صهوة حصان التطرف القومي ويستغلوا انهيار الدولة وما فيها قبل عشر سنوات ليبقوا على كيانهم الذي تمتع باستقلال حقيقي. كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك لو خضعت قيادتهم لنزق، أو قصر نظر، بعض قومييهم.
«السنة (أو ما يطلق عليهم تسمية سكان المناطق الغربية)، كان في مستطاعهم هم أيضاً أن يدوّخوا الدولة الجديدة التي وُلدت كسيحة بفعل مرض المحاصصة الطائفية والقومية، فيواصلوا مقاطعة العملية السياسية وينضووا جميعاً تحت أعلام "القاعدة" وفلول النظام السابق، مستندين الى دعم فعال من وراء الحدود الغربية والجنوبية (1800 كيلو متر) المفتوحة على تضاريس صحراوية صعبة. لكنهم عادوا الى الرشد بعد حين قصير وانضموا الى العملية السياسية..»

لم يوضح لنا السيد عدنان لماذا «عادوا إلى الرشد بعد حين قصير وانضموا إلى العملية السياسية». إن سبب إنضمامهم إلى العملية السياسية يا سيد عدنان هو ليفجروها من الداخل، مع استثناء بعض الشرفاء العقلاء من أهل السنة الذين انضموا بنوايا وطنية شريفة، وهؤلاء الآن معزولون مع الأسف. وبالطبع إن ما يجري الآن من تظاهرات واعتصامات في الحويجة، والمناطق الغربية، وقتل الجنود العزل سببه المالكي في نظر عدنان حسين وزميله طارق الحميد ومن لف لفهما، إرضاءً لأسيادهم من أصحاب المخططات الخارجية.

ويرد قارئ لبيب باسم (مدقق) في قسم التعليقات في (المدى) على مقال عدنان حسين قائلاً: «لقد فاتك سيدي الكويتب بان العراق كله يعيش من خيرات أهل الجنوب .. وأن الاكراد لو كانوا يستطيعون الانفصال لما تأخروا في اعلان دولتهم، ولكن الهراوة التركية والعصا الايرانية هي من ارجعتهم مرغمين وليس بإرادتهم الى العراق... اما المناطق الشمالية والغربية فلا يستطيعون اعلان دولتهم لأنهم معدمون اقتصاديا ولا موارد لهم. اما ما يتكلمون عنه من تشكيلهم جيشا فهو مجرد ميليشيات ارهابية تريد عودة السنة الى الحكم وهذا هو الهدف الحقيقي غير المعلن لكل التظاهرات ... فهؤلاء وانتم معهم لديكم عقدة الحق التاريخي لحكم السنة ولا تستطيعون التعايش في دولة يشارك فيها الشيعة في الحكم ولا تبقوا تنظروا وتتحدثوا بكلام مزيف .. ».

والسؤال الذي أوجهه إلى السيدين عدنان حسين، وزميله السعودي طارق الحميد، هل مجرد "نزول المالكي من بغلته" سيحيل فلول البعث، وعلى رأسها عزت الدوري ومنظمته "النقشبندية" الإرهابية، وفصائل الموت الأخرى، و"دولة العراق الإسلامية" البعثية، والقاعدة في بلاد الرافدين، وجيش العز والكرامة بقيادة سعيد اللافي ومحمد خميس ابو ريشة، وقصي الزين وغيرهم من المتورطين بقتل الجنود الخمس... أقول : هل رحيل المالكي سيحيل هؤلاء إلى قوى ديمقراطية تقبل بصناديق الاقتراع؟
إذ كنت تعتقد ذلك فأنت في منتهى الجهل والسذاجة في أحسن الأحوال، أو أنك أحدهم في أسوئها.

نسي عدنان حسين أن المالكي استلم الحكومة وكانت المحاصصة الطائفية والأثنية والإرهاب والصراعات بين الكتل السياسية حقيقة قائمة على أرض الواقع منذ تشكيل مجلس الحكم بعيد سقوط الفاشية، ولم يكن بإمكانه ولا إمكان أي "سوبرمان" إلغاءها. لقد استلم المالكي رئاسة الحكومة بعد استقالة إبراهيم الجعفري القسرية عام 2006، التي فرضت عليه من قبل كتلة التحالف الكردستاني لأنه تجرأ كرئيس للوزراء فقام بزيارة إلى تركيا دون أن يأخذ موافقة السيد بارزاني. والمالكي لم يفرض نفسه، بل وقع عليه الاختيار من قبل زملائه في كتلة الإئتلاف الوطني آنذاك، وصوتت له الأغلبية البرلمانية، وبنفس الطريقة أعيد انتخابه للدورة الثانية عام 2010. لذلك فتحميل المالكي كل أمراض العراق الاجتماعية والسياسية موقف يجافي الحقيقة لا يخلو من خبث وسوء المقاصد.

وختاماً

 بتاريخ 30/8/2011، نشرت مقالاً على مواقع الإنترنت، بعنون: (أفضل طريقة لإسقاط حكومة المالكي!)(1) وجهت في ختامه نصيحة لخصوم المالكي الذين كانوا يطالبونه بالاستقالة، وأعيدها لهم اليوم عسى أن يستفيدوا منها، وهي كما يلي:
أننا نقدم للسادة المطالبين بإسقاط أو استقالة المالكي النصيحة التالية: إذا كنتم حقاً تؤمنون بالديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، وبما إن المالكي وكتلته (دولة القانون) حصلا على أعلى نسبة من الأصوات في الانتخابات العامة، ونال ثقة الأغلبية البرلمانية، لذلك يجب اتباع نفس الطريقة الديمقراطية لإزاحته عن المسؤولية، إذ توجد في النظام الديمقراطي آلية سهلة دستورية مشروعة لتغيير الحكومة، وذلك من خلال البرلمان بسحب الثقة من رئيس الوزراء وحكومته، وكفى الله المؤمنين شر الجدال والقتال. فإذا صوتت الأغلبية البرلمانية ضد المالكي وحكومته، فبها، أما إذا صوتت لصالحه وحكومته، فيجب أن تحترموا قرار البرلمان، وأن تعلموا بأن أسلوب التأليب والترهيب والتهديد وتهييج الشارع وإغراق البلاد في فوضى عارمة، هو سلاح تستخدمه الأقلية المفلسة سياسياً وأخلاقياً لفرض إرادتها على الأغلبية بالقوة والبلطجة، وهو أسلوب أثبت فشله طيلة السنوات السابقة ولن يكتب له النجاح، لا الآن ولا في المستقبل.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات صلة بالموضوع
1- عيدالخالق حسين: أفضل طريقة لإسقاط حكومة المالكي! 
http://abdulkhaliqhussein.nl/?news=476

2-عدنان حسين : من يرفع الصوت ضد مقتدى الصدر؟  (ملاحظة: عنوان المقال عن مقتدى الصدر، ولكن النصف الثاني منه يطالب الكاتب الدول الدائنة بعدم التخلي عن ديونها على العراق)
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=197808&issueno=9087
 
3- عبد الخالق حسين العراق غير قادر على دفع الديون والتعويضات؟
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=204105&issueno=9124
 
4- عدنان حسين .... وهل الإنصاف في معاقبة ضحايا صدام؟ http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=200375&issueno=9102
 



125
المنبر الحر / العراق إلى أين؟
« في: 13:58 26/04/2013  »
العراق إلى أين؟

عبدالخالق حسين

إن تصعيد العنف المسلح وإسالة دماء العراقيين من جميع الأطراف، (القوات الأمنية والمعتصمين)، كما حصل في بلدة الحويجة قرب كركوك مؤخراً، وتكثيف هجمات مسلحين على مراكز الشرطة ونقاط الجيش في ديالى ونينوى وصلاح الدين، لدليل على إصرار البعثيين وحلفائهم "القاعدة"، والطائفيين، ومن يدفعهم من قوى خارجية إلى تدمير العراق وإعادة سيناريو ما يجري في سوريا. فشعار البعثيين هو "إما أن نحكم العراق أو ندمره"، تنفيذاً لما وعد به سيدهم المقبور صدام حسين.

فـفي بيان أعلنت وزارة الدفاع العراقية، عن مقتل 12 ضابطا وتسعة جنود و 26 مسلحا من المتظاهرين والقبض على 75 آخرين، فضلا عن العثور على عدد كبير من الاسلحة والمتفجرات في ساحة اعتصام الحويجة"... كما وأفادت الأنباء عن ((إعلان جيش الطريقة النقشبندية بقيادة عزة الدوري مسؤوليته عن الهجمات المسلحة ضد القوات العراقية في مناطق مختلفة من المحافظات الغربية والشمالية الأمر الذي اضطر السلطات الى حظر التجوال فيها... ودعا تنظيم رجال الطريقة النقشبندية الجناح العسكري للدوري المتظاهرين الى حمل السلاح وقال المتحدث باسم التنظيم في شريط فيدو إنه على جميع "المجاهدين" حمل السلاح، وقال أن النيران ستطال كل جندي وشرطي يرفض تسليم سلاحه أو الانسحاب من ثكناته العسكرية وبخاصة في بلدة الحويجة)).

وفي هذا السياق، ((أكد قائد القوات البرية علي غيدان في تصريح صحفي أن “الجثث التي دفنت في الحويجة يوم أمس (24/4/2013) وعددها 26 جثة هم من تنظيم النقشبندية الإرهابي وأكد أن “6 منهم هم من قادة النقشبندية المطلوبين”.وأضاف غيدان”هؤلاء الناس هم الذين فتحوا النار وهم الذين قاوموا القطعات العسكرية أثناء تفتيشها للخيم وهم فتحوا النار عليها وتم مقاومتهم وتم قتلهم في المكان. وهذا خير دليل يثبت ان الطريقة النقشبندية لهم تواجد في معظم ساحات الاعتصام”.وتوعد غيدان “اني احذر جماعة النقشبندية من رد فعل قوي للجيش”، مؤكدا “لدينا معلومات بأن النقشبندية لديها تواجد وعمل في سليمان بيك وتم محاصرتهم سنتمكن من القضاء عليهم )).( بغداد/ شبكة أخبار العراق، 25/4/2013)
(روابط ذات صلة في الهامش).

والجدير بالذكر أن تنظيم النقشبندية يعد احدى التنظيمات المسلحة التي برزت في ديالى بعد عام 2006 وهي مرتبطة بنائب رئيس النظام السابق عزة الدوري ومتورطة بالعديد من أعمال العنف. على إن لعبة النقشبندية باتت مفضوحة، وخاصة لدا العقلاء من رجال الدين السنة، ففي هذا الخصوص "اتهم الشيخ خالد الملا، امين عام جماعة علماء العراق، في تصريح صحفي له يوم الخميس (25/4/2013) رجال دين الصقوا بـ”أنفسهم مناصب دينية كبيرة” بالتحريض على قتل القوات العسكرية مقابل "أموال" تسلموها مسبقاً". وقال: "إن هؤلاء يتهمون أبناء الجيش العراقي المعروف بعمق التاريخ بتهم تحاول تشويه حقيقته، هي شخصيات لا تمثل الصوت العراقي ولا تمثل إرادة أبناء الشعب العراقي". وأضاف: "إن الجيش العراقي سيطهر البلاد من هؤلاء الأشخاص الذين ظهروا في ساحات الاعتصام يحملون باجات لجيش الطريقة النقشبندية وحزب البعث”. (1)

من نافلة القول، أن التظاهرات والإعتصامات في المناطق الغربية وبلدة الحويجة ليست من أجل رفع "الظلم أو التهميش" عن أهل السنة كما يدعون، بل من أجل إلغاء الديمقراطية، وإعادة الوضع إلى ما قبل 2003. فالصراع هو بين فلول البعث والقاعدة من جهة، وبين الحكومة المنتخبة من جهة أخرى. والجدير بالذكر أن حصل اندماج بين فلول البعث والقاعدة في بلاد الرافدين. وما يسمى بـ"دولة العراق الإسلامية" هو تنظيم مزيج من فلول البعث والقاعدة يديره أشخاص كانوا في قيادة البعث. واستغل هؤلاء مشاعر البعض من العرب السنة فطرحوا أنفسهم كمدافعين عن حقوقهم ورفعوا شعار المظلومية والتهميش، وهو شعار زائف ومفتعل، (قول حق يراد به باطل)، الغرض منه هو إلغاء كل ما تحقق بعد 2003. 

فالسلطة العراقية كانت بأيدي السياسيين من هذه المنطقة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى 2003، لذلك يرى هؤلاء أنهم أولى من غيرهم في حكم البلاد. ولكن الملاحظ أنهم خلال 80 سنة من حكمهم، فشلوا في بناء شعب متماسك، وتحقيق الوحدة الوطنية، لأن هذه الأقلية الحاكمة، وبدوافع من أنانيتها وقصر نظرها، انفردت بالحكم وعاملت الغالبية العظمى من الشعب العراقي كمواطنين من الدرجة الثانية. وكانت وسيلتهم الوحيدة لتبادل السلطة بين مختلف النخب الحاكمة المتنافسة فيما بينهم على السلطة وهم من نفس المنطقة، هي الدبابة والمدفع عن طريق الانقلابات العسكرية، ومقتهم الشديد للديمقراطية ومبدأ (صناديق الاقتراع بدلاً من الرصاص).

ولذلك، فمنذ سقوط حكم البعث الفاشي، شن البعثيون وحلفاؤهم أتباع القاعدة، والطائفيون من المنطقة الغربية، ومعهم، ويا للمفارقة، نفر من المتياسرين وأدعياء الديمقراطية الذين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات السابقة، شنوا حملة شعواء ضد الديمقراطية الناشئة وبالأخص على الانتخابات، بحجة أن الديمقراطية لا تعني الانتخابات فقط...الخ. وقد أجبناهم مراراً وتكراراً، بنعم، أن الانتخابات ليست كل شيء في الديمقراطية، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات. فجميع شروط الديمقراطية موجودة الآن في العراق، مثل تعددية الأحزاب، وحرية التعبير والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وضمان حقوق الإنسان والأقليات، ومشاركة الجميع في السلطة...الخ، ولكنها في نفس الوقت تعني أيضاً حكم الأغلبية السياسية حسب ما تفرزه صناديق الاقتراع، ويجب على الجميع احترام نتائج الانتخابات، ومن حق الذين لم يحالفهم الحظ في الفوز أن يسعوا سلمياً، ونؤكد على كلمة (سلمياً)، لتغيير آراء الناخبين عسى أن يفوزوا في  الانتخابات اللاحقة. ولكنهم يرفضون هذا المنطق، ويصرون على التخريب بالعنف المسلح، وشعارهم "إما أن ألعب أو أخرب الملعب".

لذلك، فالتظاهرات في المناطق الغربية ليست من أجل رفع المظلومية أو التهميش، أو ضد الاستبداد، كما يدَّعون، لأنه ليس هناك تهميش ولا مظلومية، ولا يمكن أن يكون هناك استبداد بوجود الآليات الديمقراطية. فهذه التظاهرات هي ليست إمتداداً للربيع العربي، كما يدعون، بل هي على ضد تماماً من انتفاضات الربيع العربي، لأنها ضد الديمقراطية، فالمعتصمون رفعوا صور الطاغية صدام وعلمه، وطالبوا بإلغاء الدستور وقانون ملاحقة الإرهاب، وقانون العدالة والمساءلة، أي كل ما من شأنه محاسبة الإرهابيين من البعثيين وأتباع القاعدة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين بتهمة الإرهاب بدون أي تحقيق معهم. كذلك رفعوا شعارات، ورددوا هتافات طائفية شتائمية بذيئة ضد الشيعة الذين يشكلون أكثر من 60% من الشعب، ولما انفضحوا بهذه الشعارات الطائفية، بدلوا نغمتهم وراحوا يرددون أنهم من أنصار الحسين وأهل البيت!!. ندرج أدناه روابط تفضح الذين رددوا مثل هذه الخطابات والشعارات، ومنهم من طالب الرئيس التركي أردوغان "حفيد السلطان العثماني التركي محمد الفاتح" على حد تعبير رجل دين من الرمادي، "ليحرر العراق من الاحتلال الصفوي والفرس المجوس!!". فمشاركة الشيعة في الحكم وفق صناديق الاقتراع هو استعمار صفوي في رأيهم. والمؤسف أن البعض من الكتاب العرب المحسوبين على الليبرالية راحوا يرددون نفس هذه الدعوات الباطلة وبدوافع طائفية.

في الحقيقة هذه التظاهرات ما هي إلا تمارين إحماء وتمهيد لحرب أهلية في العراق على غرار ما يجري في سوريا، والتي هي ليست من أجل الديمقراطية، وليست امتداداً للربيع العربي، بل على العكس تماماً، لذبح الديمقراطية في العراق وإعادة حكم البعث – الوهابي السلفي مندمجاً بالقاعدة. ولذلك ما أن أعلنت "جبهة النصرة" في سوريا مبايعتها للظواهري، زعيم القاعدة، حتى وأعلنت "القاعدة في العراق" اندماجها مع "جبهة النصرة". ونؤكد هنا أن ما يسمى بـ"قاعدة العراق" و"دولة العراق الإسلامية"هو مزيج من بقايا فلول البعث  وأتباع القاعدة. فالشعارات البعثية العلمانية البراقة (وحدة، حرية، اشتراكية) ما هي إلا لخدع الناس. فهدفهم الأول والأخير هو الاستيلاء على السلطة وتحت أي شعار كان، ديني أو علماني.

لقد نجحت "القاعدة" المتمثلة بجبهة النصرة اختطاف الثورة السورية، وهذا ما أكده الإعلام الغربي والحكومات الغربية. وفي هذا الخصوص "قال منسق شؤون مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي جيل دي كيرتشوف لبي بي سي إن مئات الأوروبيين يقاتلون حاليا في صفوف المعارضة المسلحة في سوريا ضد حكم الرئيس بشار الأسد. وأوضح أن عدد هؤلاء يقدر بنحو 500 شخص...ويساور مسؤولو الاستخبارات القلق بأن البعض قد ينضم لجماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة ويعودون لاحقا إلى أوروبا لشن هجمات إرهابية." (تقرير بي بي سي العربي يوم 24/4/2013).

أجل، يمر العراق الآن في أسوأ وأخطر مرحلة تاريخية، فالشركاء في السلطة وتحديداً زعماء قائمة "العراقية" هم مع الإرهابيين، ويعملون على شل الحكومة بغضاً لرئيسها المالكي، وها هو أسامة النجيفي رئيس البرلمان، تزامناً مع نداء عزت الدوري، طالب الجيش صراحة وبلا خجل من قناة (الحرة- عراق) بعدم تنفيذ الأوامر الصادرة من ضباطهم، يعني عدم تنفيذ أوامر القائد العام للقوات المسلحة، وهذا تمرد خطير جداً من مسؤول كبير في الدولة، ومخالف للدستور ويهدد أمن وسلامة الدولة. (راجع مقال السيد محمد ضياء عيسى العقابي) (5).

والملاحظ أنه ما أن تقع عملية إرهابية في بغداد أو أي مكان آخر في العراق، حتى ويسارع قادة كتلة العراقية والاعتصامات في المناطق الغربية إلى اتهام الحكومة بهذه التفجيرات وإلقاء اللوم على الجيش والأجهزة الأمنية، وإبعاد التهمة عن الإرهابيين. يبدو أن هناك تنسيق في توزيع الأدوار بين بعض الكتل السياسية لدعم الإرهاب وإرباك الحكومة والأجهزة الأمنية، فمن جهة إذا وقعت عمليات إرهابية اتهموا الحكومة والأجهزة الأمنية بالضعف، وإذا اتخذت الحكومة إجراءات رادعة ضد الإرهابيين اتهموها بأنها تسيِّس الجيش ضد تظاهرات الجماهير الشعبية "السلمية"، وطالبوا بإقالة المالكي لأنه يشكل خطراً على وحدة البلاد!!
وتأكيداً لكلامنا هذا، قال عضو اللجنة القانونية النيابية لطيف مصطفى أمين: " إن ما حصل في قضاء الحويجة أثبت أن رئيس الوزراء نوري المالكي بات يشكل خطرا على العراق". كما ودعت حركة الوفاق الوطني العراقي [بقيادة أياد علاوي]، حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى تقديم استقالتها فوراً "حفاظاً على وحدة العراق وشعبه"، في حين حذرت من تداعيات مواجهة الجيش للاعتصامات والاحتجاجات "السلمية"، أكدت أن الأجهزة الأمنية "فشلت" في ضبط الأمن في البلاد. (السومرية نيوز- بغداد، 24/4/2013)

ورداً على هذه الادعاءات والاتهامات، قال رئيس الوزراء السيد نور المالكي: "من المؤسف عندما يحصل خرق أمني لا يدان الارهاب ولا يتحدثون عن القاعدة او حزب البعث، وانما يتحدثون عن الضابط، من أجل ان يكسروا هيبة الضابط والجندي ويدينوه ولا يدينوا الارهاب، ودائماً ما نسمع عندما تحصل عملية أمنية، مباشرة الادانة تطلق على القائد العام للقوات المسلحة وعلى الوزير والضابط، وكأنما هم ليسوا شركاء في هذا الجيش الذي يمثل جميع مكونات الشعب العراقي”. (6)

ما العمل؟
إن فلول البعث والقاعدة وعدد من قادة "العراقية" من الطائفيين في المناطق الغربية يدفعون الوضع إلى الانتحار الجماعي، وشعارهم "عليَّ وعلى أعدائي يا رب"، و"ليكن من بعدي الطوفان". وهم وراء هذه الاعتصامات، وعمليات الإرهاب، ويتلقون الدعم من عدد من دول المنطقة: (تركيا، وقطر والسعودية)، في محاولة لإشعال حرب طائفية في العراق على غرار ما يجري في سوريا من دمار شامل.

ولتفادي هذه الكارثة ننصح جميع الأطراف من أصحاب الحل والعقد بما يلي:
أولاً، على عقلاء العرب السنة أن يلعبوا دورهم، وعدم ترك الأمور بأيدي سفهاء القوم من البعثيين وأتباع القاعدة، لأنه إذا تحقق ما يريد هؤلاء المخربون المجرمون فالحريق سيشمل الجميع، وسيندمون يوم لا ينفع فيه الندم.

ثانياً، قال السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء في مقابلة تلفزيونية مع قناة العراقية، أنه يمتلك ملفات السياسيين الداعمين للارهاب، ولكنه "يمتنع عن كشفها خوفا من انقلاب الدنيا". صراحة، نقول للسيد المالكي أن هذا الخوف غير مبرر، وعليه كشف هذه الملفات في البرلمان وأمام الإعلام العراقي والعالمي، ولتنقلب الدنيا على رؤوس المتورطين في الإرهاب بدلاً من أن تنقلب على رأسه هو، وعلى رؤوس أبناء الشعب المساكين، وإلا سيكون مصيره كمصير الشهيد عبدالكريم قاسم.

ثالثاً، يجب أن يعرف أعداء الديمقراطية أن محاولاتهم لوقف عجلة التاريخ محكوم عليها بالفشل، فالمرحلة هي مرحلة الديمقراطية والتي لا بد لها أن تنجح رغم كل المعوقات. فكل ما يستطيع أعداء الديمقراطية من فلول البعث والقاعدة والمتعاطفين معهم عمله بمحاولاتهم الإرهابية هو إطالة عذابات الشعب ومعاناته، ولكنهم لن يستطيعوا إيقاف الديمقراطية مطلقاً.

رابعاً، على أنصار الديمقراطية من اليساريين والليبراليين، وقيادة التحالف الكردستاني، وعقلاء العرب السنة  أن يتركوا جميع خلافاتهم جانباً، فالعراق يمر بأخطر مرحلة تاريخية عاصفة، ومهدد بمؤامرة قذرة لتدميره لا تقل خطورة عن انقلاب 8 شباط 1963، وإذا لم يوحدوا صفوفهم وكلمتهم، ويصغوا إلى صوت العقل وينقذوا العراق من مجرمي البعث والقاعدة والطائفيين، فإن كارثة شاملة قادمة لا تبقي ولا وتذر، ويزجون العراق في نفق مظلم آخر كما عملوا عام 1963، وعندها يجب أن لا يلوموا إلا أنفسهم. 

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات صلة بالموضوع
1- الملا: الجيش العراقي سيطهرالبلاد من هؤلاء الأشخاص الذين ظهروا في ساحات ...
http://iraqiuon.com/index.php/permalink/4222.html

2- مخاوف من تصاعد وتيرة "العنف الطائفي" في البلاد .. مقتل وإصابة 225 شخصاً بينهم 50 جنديا حصيلة أحداث الحويج
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/145918.html 

3- جيش النقشبندية بقيادة الدوري يؤكد مسؤوليته عن الهجمات ضد الجيش العراقي
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/145980.html
4- قائد القوات البرية يؤكد ان الجثث التي شيعت ودفنت يوم أمس تعود لإرهابيين
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=1627880

5- لقطة فيدو قوات سوات تحاصر الحويجة
http://www.youtube.com/watch?feature=player_embedded&v=p1b5k5K5Gu4

6- فيديو يبين مدى طائفية احمد العلواني  (4 دقائق)
http://www.youtube.com/watch?v=SOh-gEYTVG0

7- اهل الانبار نحن وهابية نحن جماعة الكاتم
http://www.youtube.com/watch?v=TlYA7yKwO9Y

8- محمد ضياء عيسى العقابي:  أتهمُ السيد أسامة النجيفي بالخيانة العظمى فحاكموه
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=355968

9- المالكي: كل قطرة دم عراقية تشرف الذين يخونون الامانة من سياسيين وغير سياسيين
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/145914.html

10- أ. د. عبد الحميد العباسي  ماذا وراء تزامن الفلتان الامني مع إشتداد الخلاف بين الكتل:ما لم نقلهُ بعد!!.
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/145897.html


126
هل حقاً فشلت التجربة الأمريكية في العراق؟

د.عبدالخالق حسين


لم أستغرب عندما أقرأ عشرات العناوين لمقالات كتبها أعداء التغيير في العراق وهم يطبلون بفشل التجربة الأمريكية. فهؤلاء طبلوا بالفشل وحتى قبل البدء بعملية تحرير العراق يوم 19/3/2003، وذلك لمختلف الأسباب: الطائفية، والسياسية، والاقتصادية، والأيديولوجية والانتهازية...الخ. ولكننا نصاب بالاستغراب، بل وبالصدمة والدهشة عندما نقرأ مقالاً من هذا القبيل لمن كان لحد وقت قريب من أشد المتحمسين للمشروع الأمريكي في الإطاحة بالأنظمة المستبدة في منطقة الشرق الأوسط، بدءً بأشرس نظام همجي عرفه التاريخ، ألا وهو نظام البعث الصدامي في العراق.

فقبل أيام قرأت للمفكر المصري الأمريكي المعروف، الصديق العزيز الأستاذ مجدي خليل، مقالاً في الحوار المتمدن بعنوان: (عشر سنوات للحرب على العراق: هل فشل النموذج الأمريكى؟)، وعنوان ثانوي: (لماذا فشل النموذج الأمريكى فى العراق؟).
ومن العنوان الثانوي هذا، يحاول الأخ الكاتب أن يوحي للقارئ أن فشل التجربة الأمريكية في العراق حصل بدون أي شك!! ولكن دوره هنا فقط ليناقش أسباب هذا الفشل!

أرى من واجبي الرد على المقال لتوضيح ما يجري في العراق، وأرجو من الصديق العزيز الأستاذ مجدي خليل أن يسع صدره لحق الاختلاف، إذ كما قال سعد زغلول: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية".

إن سبب موقف أعداء التغيير في العراق والتبشير بفشله معروف، وهو أن أمريكا قضت على أهم مصدر من مصادر رزقهم عندما أطاحت بصدام حسين ونظامه الفاشي، صدام الذي حرم العراقيين من التمتع بمواردهم الهائلة، وأنفقها واستدان عليها عشرات المليارات الدورات على عسكرة المجتمع، والحروب العبثية، وشراء ذمم آلاف الصحفيين والسياسيين ومنظمات عربية ودولية بمنحهم كوبونات نفطية لدعم سياساته الطائشة. وبالتأكيد، فإن الأخ مجدي لم يكن من هؤلاء، بل كان أحد ضحايا النظام العربي الدكتاتوري في مصر والذي تم إسقاطه أخيراً بثورات الربيع العربي، وهو من مناصري الديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط.

فإذن، ما السبب الذي جعل الأخ مجدي خليل يغير موقفه من التغيير في العراق مؤخراً، وينضم إلى جماعات المبشرين بفشل التجربة الأمريكية؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا نناقش مبررات فشل التجربة الأمريكية في العراق كما يراها الصديق مجدي. وأنا إذ أتفق مع معظم الأسباب التي ذكرها الكاتب، إلا إني أختلف معه في أن هذه الأسباب لم تؤدِ إلى فشل التجربة، ولكنها خلقت عراقيل وصعوبات أمام العراق الجديد، إلا إن التجربة نجحت ومازالت تحث الخطى باضطراد في طريق النجاح والنضج. لنناقش الآن بعض ما ورد في مقال الصديق و ذلك كما يلي:

1- يقول الأخ مجدي في مقدمة مقاله: "يحار المرء فى فهم الاسباب الحقيقية وراء غزو أمريكا للعراق، أما الاسباب المعلنة فهى معروفة وتتلخص فى ثلاثة أسباب رئيسية وهى اسلحة الدمار الشامل الموجودة لدى نظام صدام والتى ثبت عدم صحتها، والعلاقة بين صدام والقاعدة والتى ثبت عدم صحتها أيضا، والسبب الثالث وهو نشر الديمقراطية فى العراق وفى الشرق الأوسط. فى تقديرى الشخصى أن السبب الثالث هو من أهم الاسباب الحقيقية والمعلنة لغزو العراق..." انتهى

ليست هناك أسباب غير معلنة، فمسألة أسلحة الدمار الشامل إن صحت أو لم تصح، كان صدام هو الذي روج لها وقيل فيما بعد أنه أراد تخويف إيران!!، والأمريكان لا يتركون الأمور للصدف والتخمينات، بل يأخذون تهديدات صدام وأمن بلادهم وأمن أصدقائهم في المنطقة مأخذ الجد. وكان بالتأكيد يمتلك برنامج لصنع السلاح النووي. أما علاقته بالقاعدة، فنشير عليه الاستماع إلى ما صرح به عالم الاجتماع العراقي الدكتور فالح عبدالجبار في مقابلة له مع فضائية العربية، أن نظام البعث العراقي قبل سقوطه استضاف 6 آلاف مقاتل للقاعدة (الرابط في الهامش) (1). كما وأطلق صدام حسين سراح نحو مائة وأربعين ألف سجين جنائي من عتاة المجرمين ليعيثوا في العراق فساداً بعد سقوطه، وأعدم جميع السجناء السياسيين.
 
2- يقول الأخ الكاتب: "قررت الادارة الأمريكية بعد ما حدث فى 11 سبتمبر أن هذا الشرق الأوسط المصدر للإرهاب والعنف والكراهية لابد أن يتغير، وكان حلمهم وقتها أن يتغير بما سماه جورج بوش "أجندة الحرية"،أى دمقرطة المنطقة التى تبدأ من العراق وتنتشر بنظرية الدومينو، وفى نفس الوقت محاصرة مراكز تصدير الإرهاب فى السعودية وإيران من أرض العراق."

نعم، كان لما حدث في 11 سبتمبر دور كبير في القرار الأمريكي لإسقاط حكم البعث، وتم ذلك بسهولة، إذ لم يدافع الشعب العراقي، ولا جيشه عن نظام البعث، عدا بعض المناوشات الخفيفة في الجنوب من قبل بعض المراهقين المخدوعين لما يسمى بـ"فدائيي صدام". وفعلاً سقطت أنظمة أخرى وفق نظرية الديمنو. والقرار الأمريكي بدمقرطة المنطقة صحيح بلا شك، لا حباً بشعوب المنطقة أو رغبة في نشر الديمقراطية، ولكن لأن أمريكا توصلت إلى قناعة مفادها أن الأنظمة المستبدة التي دعمتها في عهد الحرب الباردة، هي التي وفرت البيئة المناسبة لإنتاج الإرهاب، والحاضنة لتفريخه. والحل هو إسقاط هذه الأنظمة ونشر الديمقراطية للتخلص من شرور الإرهاب.
إلا إني أختلف مع الصديق مجدي في قوله: "وعندما فشلت هذه النظرية – نظرية الدومينو- فى تغيير الشرق الأوسط، استعانوا بالبديل الاحتياطى وهو إغراق الشرق الأوسط فى الفوضى والخراب بدون طلقة واحدة وذلك بترك المنطقة تُحكم من قبل أوغادها المخربين، ومن ثم فإن المشهد الذى نراه حاليا فى الشرق الأوسط هو نتيجة غير مباشرة لما حدث فى العراق، والذى هو بدوره نتيجة لما حدث فى 11 سبتمبر." أنتهى

نعم، إن ما حصل من انتفاضات الربيع العربي هو نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لما حدث فى العراق، ولكن النظرية لم تفشل، ولم يتم إغراق المنطقة بالفوضى والخراب كما قال الأخ مجدي خليل. وإذا ما اعتبر انتفاضات "الربيع العربي" فوضى وخراب من صنع أمريكا، [أو من صنع الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي، كما يردد آخرون]، فأنا أختلف معهم، لأن في هذا الادعاء إنكار وجود أنظمة عربية مستبدة، وإساءة وإهانة لذكاء هذه الشعوب وإظهارها وكأنها مجرد دمى تستطيع أية دولة غربية أو مفكر غربي تحريكها وإثارة الثورات أو (الفوضى)  فيها كما يريد، وفي أي وقت يشاء. إن سبب انتفاضات الربيع العربي هو ظلم الحكام المستبدين، وبلوغ وعي الشعوب العربية درجة الانفجار بفضل التقنية المتطورة والثورة المعلوماتية، وما حصل في العراق من ديمقراطية حقيقية، أي نجاح التجربة الأمريكية.

وسبب خيبة أمل الأخ الكاتب من انتفاضات الربيع العربي "..بترك المنطقة تُحكم من قبل أوغادها المخربين"،على حد تعبيره، هو فوز الأخوان المسلمين في السلطة في مصر وتونس، ووجود رئيس وزراء من حزب إسلامي شيعي وهو حزب الدعوة، في العراق.
وعلى قدر ما يخص التجربة العراقية، لقد ساعدت أمريكا الشعب العراقي بإسقاط نظامه الجائر ووفت بوعدها في إقامة النظام الديمقراطي، حيث فسحت له المجال لينتخب حكامه عبر صناديق الاقتراع بمنتهى الحرية، وهذا ما حصل بالضبط بشهادة المراقبين الدوليين. كما حصل في تونس ومصر بعد الإطاحة بالحاكمّيْن المستبدَيْن، بن علي ومبارك على التوالي.
ولكن، المشكلة، أن أعتاد الكتاب العرب، مؤدلجين وليبراليين، مسلمين ومسيحيين لا فرق، إلقاء اللوم على أمريكا في كل شيء بما فيه فوز الإسلاميين في الانتخابات ومهما كانت هذه الانتخابات حرة ونزيهة. ولكن من المسؤول عن فوز الإسلاميين في هذه الانتخابات؟ أليس الناخبون أنفسهم؟ هل من الديمقراطية أن نعتبر الانتخابات حرة ونزيهة فقط إذا فاز بها العلمانيون أو المرشحون الذين نرضى عنهم نحن، ونعتبرها مزيفة، ونشتم أمريكا ونعتبر تجربتها فاشلة إذا فاز فيها الإسلاميون؟
وهل حقاً نظام الحكم في العراق إسلامي لمجرد وجود شيعي يترأس مجلس الوزراء، والشيعة يشكلون أكثر من 60% من الشعب؟ لمعلومات الأخ مجدي، وكل من يعتقد أن نظام الحكم في العراق هو نظام الحزب الواحد وهو حزب الدعوة، فهو على ضلال وخطأ كبير. فحصة حزب الدعوة في السلطة لا تتجاوز ثلاثة وزراء من مجموع 32 وزارة، وكل الوزراء الآخرين من أحزاب أخرى، معظمهم علمانيون، وحتى كان من بينهم وزير شيوعي في الحكومات قبل الحالية. فهل من الإنصاف، والحالة هذه، أن تسمي هذه الحكومة إسلامية وحكومة الحزب الواحد؟
أما فوز الأخوان المسلمين في تونس ومصر فكان بسبب موقف الناخبين العلمانيين المتخاذل يوم رفض 50% منهم الإدلاء بأصواتهم، مما فسح المجال لمرشحي الإسلاميين بالفوز. والمفرقة أنه مازال قادة العلملنيين المصريين يطالبون أتباعهم بمقاطعة الانتخابات القادمة، فمن المستفيد من هذه الدعوات الانتحارية السياسية، أليس الإسلاميون؟. يقول الفيلسوف الإيرلندي إدموند بيرك: "كل ما يحتاجه الشر لينتصر على الأخيار أن يعملوا لا شيء."

3- ثم يسأل الأخ مجدي: "ولكن السؤال المطروح لماذا فشلت أجندة الحرية ونظرية فرض الديموقراطية من العراق؟". ويجيب: "أول هذه الأسباب وأهمها فى تقديرى هو تحالف كل الديكتاتوريات فى المنطقة لإفشال المشروع الأمريكى للديموقراطية، حتى الد الأعداء كالسعودية وإيران اتفقوا على افشال المشروع الأمريكى. وكان الحل الذى يفهمه هؤلاء لعرقلة عدوى الديموقراطية هو تصدير الإرهاب الإسلامى إلى العراق واغراقه فى العنف والفوضى والقتل والتخريب، عشرات الآلاف من الإرهابيين تم اطلاقهم من السعودية وإيران وسوريا وقطر وتركيا لتخريب التجربة العراقية..." (انتهى)

أتفق مع الأخ مجدي في اتفاق أعداء الديمقراطية (السعودية وغيرها) على إفشال التجربة، ولكن ما ذنب أمريكا في هذه الحالة؟ ولماذا نحملها مسؤولية جرائم السعودية وإيران وغيرهما من أعداء الديمقراطية؟ كذلك أؤكد للكاتب مرة أخرى، أنهم لم ينجحوا مطلقاً، إذ انقلب السحر على الساحر، وها هي سوريا التي كانت تدرب الإرهابيين وترسلهم لإشعال الحرائق في العراق أصبحت هي نفسها ضحية الإرهاب وتلعق جراحها، ولا شماتة... أما الدول الأخرى فسيصلها الحريق قريباً. وأما العراق الجديد فيحث الخطى قدماً في طريق النجاح رغم المعوقات.

4- يقول الكاتب: ((وثانى أسباب فشل المشروع الأمريكى فى العراق هى القراءة الأمريكية السطحية للثقافة العربية الإسلامية، حيث تصورتْ أمريكا أنها قادرة على إعادة خلق النماذج الديموقراطية التاريخية كما حدث فى المانيا واليابان وكوريا الجنوبية، ولم تفهم الفروق الشاسعة بين هذه الثقافات والثقافة العربية الإسلامية، حيث أن الأخيرة تعادى بدرجة كبيرة الغرب وتعادى بدرجة أكبر النموذج الغربى للحريات والديموقراطية، كما أنها تعادى العولمة والحداثة وانفتاح رعاياها على النادى الإنسانى.)) انتهى

الجواب: أمريكا لم تخطأ في قراءة الثقافة العربية- الإسلامية، فلديها عشرات مراكز البحوث، ومئات كتب المستشرقين، السابقين واللاحقين، عن الثقافة العربية - الإسلامية المعادية للغرب والحضارة الغربية وللعولمة...الخ. ولكن في نفس الوقت توصل الخبراء والقادة الأمريكيون وغيرهم إلى نتيجة مفادها أن هذه الثقافة يجب أن تتغير، ولا يمكن أن تتغير من تلقاء نفسها، بل بمساعدة الغرب ولو بالقوة إذا تطلب الأمر. وفي هذا الخصوص قال المفكر الفرنسي، جان بيار شوفينمان مرة للبرلمانيين: "لن تغسل الشعوب العربية إذلالها الذي عمره قرونا إلا إذا تداركت تخلفها، ولن تتدارك تخلفها إلا إذا ساعدها الغرب بقوة على ذلك." كذلك نعرف أن الثقافة العربية هي بدوية الأصل والمنشأ، والتي وصفها أرنولد توينبي بأنها "حضارة متجمدة".
لذلك، فلو تُرك العرب لحالهم أن يتخلصوا من تخلفهم بأنفسهم وبمحض اختيارهم لما تخلصوا إلى الأبد، ولنالت شرور إرهابهم العالم كله. والعالم الغربي ليس مستعداً أن يجامل العرب على تخلفهم، ويترك الحضارة البشرية مهددة بإرهابهم. فالتدخل الأمريكي كان نتاج دراسات عميقة محسوب لها ألف حساب، ونتاج قوة غير مرئية محركة لمسار التاريخ يمكن أن نسميها بمكر التاريخ ولصالح البشرية وبالأخص للشعوب العربية نفسها، إذ كما قال آدم سميث: "نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف تكون لصالح المجتمع البشري".
 
5- يقول الأخ مجدي خليل: "من أسباب فشل دمقرطة العراق كذلك الأخطاء الجسيمة التى وقعت فيها الأدارة تحت قيادة السفير بول بريمر فى العراق وخاصة قرار اجتثاث البعث وحل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية بتحريض ومشورة سيئة من القيادات الشيعية التى كانت ملتفة حول بوش وبريمر، وكان البديل هو الفوضى ثم المليشيات الطائفية ثم جيش طائفى وأجهزة أمنية طائفية تتسم بالانحياز المفرط للشيعة ولا تعكس التوازن فى تمثيل الاطياف العراقية بشكل عادل." انتهى.

مع الأسف الشديد، يبدو أن الإعلام البعثي والعربي الطائفي المغرض، المعادي للديمقراطية، قد نجح حتى في إقناع السيد مجدي خليل بهذه الدعايات المضللة. هذه الفقرة تحتاج إلى عدة مقالات وقد كتبت عنها الكثير، ولكن لا بد من الإشارة السريعة في هذه العجالة إلى بطلان هذا الكلام.
أولا، إن تعبير (اجتثاث البعث) جاء ترجمة حرفية للتعبير الإنكليزي debaathification وهو ترجمة حرفية لتعبير denazification في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية. والكل يعرف أن حزب البعث كان أسوأ فاشية وعنصرية من الحزب النازي الألماني. فإذا جاز اجتثاث النازية في ألمانيا لماذا لا يجوز اجتثاث البعث في العراق وهو أسوأ حزب عنصري فاشي في التاريخ؟
أما حل الجيش والقوات الأمنية البعثية، فلم يحلها بريمر، بل هي حلت نفسها واختفت وفق تعليمات صدام حسين بعد أن نهبت مخازن الجيش، وحملت سلاح "المقاومة الوطنية الشريفة" على شكل عصابات الجريمة المنظمة، وأحرقت المكتبات ومراكز الوثائق والذاكرة العراقية وغيرها. وجاء قرار بريمر بحل الجيش بعد ثلاثة أشهر من سقوط النظام بمثابة توقيع شهادة وفاة لهذا الجيش ليس غير، وليس بـ"مشورة سيئة من القيادات الشيعية" كما قال الأخ مجدي. أدرج أدناه رابط لمقال لي حول هذا الموضوع (1).
والجيش الجديد لم يكن طائفياً ومنحازاً للشيعة كما قال الأخ مجدي، بل يضم جميع مكونات الشعب العراقي بدون تحيز لأية لمكونة، وتم تدريبه وتثقيفه على أيدي مدربين أمريكان وبريطانيين لحماية النظام الديمقراطي والدفاع عن حدود الوطن، وليس للعدوان على دول الجوار كما كان في عهد حكم البعث.

6- ويضيف الصديق الكاتب: ((وأخيرا كان من أسباب فشل الديموقراطية فى العراق الكراهية المحبوسة والمكتومة بين مكونات التركيبة العراقية، فقد تسبب القمع الشديد تحت حكم صدام وإضطهاد الشيعة والاكراد، إلى نمو الظلم وتحوله إلى كراهية عميقة تحت السطح، وبمجرد رفع الغطاء عن المرجل بعد الغزو الأمريكى خرجت أبخرة الكراهية السوداء لتعمى عيون العراقيين عن التعايش والمشاركة عبر الديموقراطية الحقيقية وحل محل ذلك الكراهية والعداء والاقتتال من أجل المغالبة بديلا عن المشاركة.)) انتهى
ما تفضل به الأخ مجدي صحيح جداً، إذ كان حكم البعث حكم الحزب الواحد والمكونة الواحدة واضطهاد المكونات الأخرى، واعتماد سياسة (فرق تسد) كما هو حكم البعث في أي مكان وزمان، العراق سابقاً، و سوريا الآن. فما العمل في هذه الحالة؟ هل ترك حزب البعث يواصل ظلمه للشيعة والكرد إلى ما لا نهاية كي لا نستفز المكونة المستفيدة من حكم البعث؟
لقد كان الوضع أشبه بخراج مليء بالقيح ينتظر مشرط جراح ماهر. ولكن السؤال هو: ما الحل إزاء هذه المشكلة؟ وإلى متى يجب ترك هذا الخراج بدون علاج خوفاً من تدفق القيح العفن؟ ولكوني جراحاً أعرف أن الحل الوحيد للخراج هو الفتح وترك القيح السام يخرج إلى أن يتحقق الشفاء وإلا سيقتل المريض. لذلك جاء الجراح الأمريكي وفتح هذا الخراج فتدفق القيح العراقي العفن على شكل "الكراهية والعداء والاقتتال من أجل المغالبة بديلا عن المشاركة" على حد تعبير الأخ مجدي. وفي رأيي لم يكن هناك أي بديل آخر عن مشرط الجراح الأمريكي.

7- وما حصل بعد إسقاط النظام من إرهاب ليس بسبب خطأ بوش أو بريمير، إذ اعترف السيد مجدي في بداية مقاله دور دول المنطقة: (السعودية، وقطر وسوريا وإيران وتركيا" فى إفشال التجربة الأمريكية فى العراق. ونؤكد هنا أن ما حصل في العراق من إرهاب واقتتال وصراعات طائفية وعرقية كانت مرحلة حتمية لا بد منها، وما كان ممكناً تفاديها إلا في مخيلة الطوباويين. فتغيير هكذا نظام فاشي عنصري جائر لا يمكن تبديله بنظام ديمقراطي ناضج بين يوم وليلة وبدون مشاكل. ونعيد للمرة الألف، أن صدام حسين كان قد خطط للعراق أنه لا يصلح إلا لحكمه بالقبضة الحديدية، ولذلك أطلق قوله المشهور "أن من يحكم العراق من بعده سيستلمه أرضاً بلا بشر". ومقارنة العراق الآن بما خطط له من قبل صدام نعرف أن العراق بخير... والخير هنا مسألة نسبية.

الإستنتاج
ومن كل م تقدم نستنتج ما يلي:
أولا، ما يمر به العراق من إرهاصات وصراعات هي مرحلة لا بد منها كالقدر المكتوب، وكل الدلائل تشير إلى أنه سيخرج منها سالماً معافى، إذ هكذا بدأت الديمقراطية في الدول الغربية حيث واجهت الصعوبات لقرون إلى أن صارت الديمقراطية جزءً لا يتجزأ من ثقافتها.

ثانياً، كل هذا الصراخ العربي حول تهميش المكون العربي السني هو مفتعل وافتراء باطل، فالعرب السنة في العراق أدمنوا على احتكار السلطة لثمانين سنة وتهميش المكونات الأخرى وبالأخص المكون الشيعي الذي يشكل أكثر من 60% من الشعب كمواطنين من الدرجة الثانية أو حتى اعتبارهم أجانب (صفويين!). ولما جاءت الديمقراطية رفض أصحاب الامتيازات القبول بمساواتهم مع بقية مكونات الشعب وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، لذلك شهروا السلاح بوجه الديمقراطية بحجة مقاومة الاحتلال. ومن المفيد أن أذكر هنا المعلومة التالية: " في العام 2005 وصل العاصمة الأميركية وزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي [الذي سرق 300 مليون دولار وهرب بها إلى أمريكا]، قائلا انه يحمل رسالة "المقاومة الشريفة " الى الاميركيين. وفي اجتماع مغلق في أحد مراكز الفكر القريبة من مصادر القرار السياسي افصح عن مضمون الرسالة وهو : "المقاومة ليست ضد الأميركان ولا تقتل جنودهم في العراق بل ان حربها هي مع الاحتلال الصفوي في الوسط والجنوب، وان مصالح واشنطن هي معها وليس مع الحكام الجدد". (من مقال سالم المشكور، في جريدة الصباح، 4/4/2013). وكذلك طالب طارق الهاشمي الرئيس بوش أن يعيد السلطة للسنة كما كان قبل 2003 وسيدعمون المصالح الأمريكية في المنطقة، وأن الشيعة هم عملاء إيران. فرد عليه بوش أن حكم المكونة الواحدة قد أنتهى في العراق الجديد.   

ثالثاً، لم تفشل التجربة الأمريكية في العراق، إذ انتهى حكم البعث، وحكم الحزب الواحد، والمكونة الواحدة للسلطة إلى الأبد، فهناك  دستور دائم صوت عليه الشعب، وبرلمان منتخب، وحكومة شراكة وطنية، وفي الانتخابات القادمة نأمل أن تتشكل حكومة الأغلبية بدلاً من حكومة الشراكة الشاملة التي حاول بعض الشركاء إفشالها، فكان لهم رجل في السلطة ورجل مع الإرهاب والتحريض الطائفي. والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ليست طائفية كما يروج الإعلام العربي المغرض، بل هي مؤلفة  من جميع مكونات الشعب العراقي دون تمييز.

رابعاً، تكون التجربة قد فشلت إذا ما أعيد حكم العراق إلى ما قبل 2003، وهذا من سابع المستحيلات. نرجو مراجعة مقالنا (هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟ (2-2)؟) (2).

خامساً، نعم، الديمقراطية العراقية مازلت ناشئة، وهي ليست بمستوى الديمقراطيات الناضجة في الدول الغربية العريقة، ولا يمكن أن تكون هكذا خلال السنوات العشر الأولى من عمرها بعد عشرات السنين من الاستبداد والحروب والحصار والإذلال...الخ ، ولكنها تسير قدماً بثبات نحو النضج. فالديمقراطية لن تتعلمها الشعوب عن طريق قراءة الكتب، أو كما يردد البعض "ثقف الشعب أولاً ثم امنحه الديمقراطية"، هذا الكلام هراء في هراء. فالديمقراطية مثل السباحة، لن يتعلمها الإنسان إلا بالممارسة. وفي هذا الخصوص يقول المفكر الهندي Amartya Kumar Sen الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 1998: "يجب ألا نسأل هل شعب ما مؤهلاً للديمقراطية أم لا، وإنما يجب أن نعرف أنه لن يصبح أي شعب مؤهلاً للديمقراطية إلا من خلال ممارسته لها. لذلك، فالديمقراطية هي ليست الهدف فقط، بل هي أيضاً الوسيلة لتحقيقها".

خلاصة القول أن التجربة الأمريكية في العراق لم تفشل، والديمقراطية العراقية صامدة تتحدى كل العقبات، وهي تحث الخطى في طريق النجاح.
أما الربيع العربي فهو الآخر يعتبر قفزة نوعية نحو الديمقراطية، فرحلة الألف ميل قد بدأت بالخطوة الأولى، ولا بد أن ينجح، وهذا يستحق منا مقال مستقل.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- فالح عبدالجبار: نظام البعث العراقي استضاف 6 آلاف مقاتل من "القاعدة"
http://www.alarabiya.net/articles/2011/11/03/175228.html

2- عبدالخالق حسين: هل حقاً أمريكا قامت بحل الجيش العراقي السابق؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=484

3- عبدالخالق حسين: هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟ (2-2)؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=576
 
4- طلال شاكر: عشر سنوات على انقاذ العراق من الدكتاتورية..
http://www.akhbaar.org/home/2013/4/144976.html



127
غيابهم أفضل من حضورهم

د.عبدالخالق حسين

ممارسة الديمقراطية ليست سهلة، خاصة في شعب لم يمارسها من قبل، حيث كان ضحية الاستبداد طوال تاريخه. لقد أذل حكم البعث العراقيين أيما إذلال، وحاول صدام إخصاءهم. فالشعب العراقي الذي تشكل قيم البداوة أهم ركن من أركان شخصيته وثقافته، يمثل عنده شيخ العشيرة والضابط العسكري قمة الرجولة، حاول صدام إذلال هاتين الشريحتين من الرجال، فمنح نفسه أعلى رتبة عسكرية (مهيب ركن) يعادل رتبة مارشال، وهو لم يخدم يوماً واحدا في الجيش، وللإمعان في إذلال العسكر، منح مرافقه رتبة فريق ركن، يرافقه كظله، وفي الاجتماعات يقدم له الكرسي، ويقف خلفه كالتمثال أو الصنم. أما إذلاله لشيوخ العشائر فكان قد حقق قفزة حضارية كبرى ولكن إلى الوراء، حيث أعاد العراق إلى مرحلة القبلية، ونصب على كل عشيرة أحد مرتزقته من تلك العشيرة، وحوَّل العراق  إلى إتحاد مشيخات، ونصب من نفسه شيخ المشايخ، فأحيى قانون العشائر الذي ألغته ثورة 14 تموز قبل أكثر من خمسين سنة، حيث منح الشيوخ الحق في حل المنازعات بين أفراد عشائرهم، متجاوزاً بذلك السلطة القضائية والمحاكم المدنية. وكان صدام يدعو الشيوخ بين حين وآخر إلى بغداد ليقدموا أمامه رقصات ذليلة مع ترديد أهازيج يمجدون بها شخصه، ليشعرهم بإخصائهم وبأنه هو وحده الفحل في العراق!!.

هذه العقدة النفسية وغيرها من العقد لازمت هؤلاء بعد سقوط صدام في الحفرة التاريخية، وستبقى تلازمهم طيلة حياتهم حتى ولو تسنموا أعلى المواقع في السلطة والعشيرة. لذلك فبعد إسقاط حكم البعث وقيام الديمقراطية وإطلاق الحريات بلا ضوابط ، واكتشاف حقيقة صدام بعد إخراجه من حفرة حقيرة منفوش الشعر أشبه بمجنون، حاول من أذلهم صدام أن يتخلصوا من عقدة النقص والشعور بالدونية، لا بخدمة بلادهم والتجاوب مع الديمقراطية والحرية بمفهومها كمسؤولية، بل اساءوا استخدام الحرية والديمقراطية للتمرد على الحكومة المنتخبة التي هم يشاركون فيها، وأساءوا حتى للشعب الذي انتخبهم. لقد وجد هؤلاء رجولتهم في مخالفة السلطة ومشاكستها في الحق والباطل، ليثبتوا أنهم رجال شجعان وليسوا مخصيين كما أراد لهم صدام.

ويمكن التأكد من صحة ما ذكرنا أعلاه من تصرفات نواب بعض الكتل السياسة في البرلمان، وتصريحات قادة ما يسمى بتظاهرات المناطق الغربية أو "الربيع السني". فمن الأساليب التي اتبعها هؤلاء النواب معارضتهم لأي مشروع قانون تقدمه الحكومة للبرلمان، وعرقلته، لمجرد معارضتهم للحكومة رغم أنهم شركاء فيها.

وعلى سبيل المثال، لقد حاول نواب بعض الكتل السياسية عرقلة قانون الموازنة لأربعة أشهر، لا لسبب إلا نكاية برئيس الوزراء نوري المالكي، وهو تصرف غريب وغير لائق، أضر بالشعب العراقي وكلفه نحو 25 مليون دولار يومياً. فتصور عزيزي القارئ حجم الخراب البشري الذي أصاب هؤلاء النواب لإلحاق الأذى بناخبيهم وحتى بأنفسهم. ولم يقتصر هذا السلوك على نواب التيار الصدري طبعاً، بل شمل نواب ما تبقى من كتلة العراقية، وحتى نواب التحالف الكردستاني باستثناء أولئك النواب الذين انشقوا عن كتلة العراقية، وكذلك نواب كتلة التغيير الكردستانية، الذين فضلوا المصلحة الوطنية على مزاجية قادتهم، فبقوا في الجلسة التي تم فيها التصويت على قانون الموازنة رغم غياب النواب المشاكسين.

والغريب أنه لما تم التصويت على الموازنة بنجاح يوم 7/3/2013، انزعج النواب الكرد الذين قاطعوا الجلسة على أمل عدم اكتمال النصاب، راحوا يعترضون أنه تم تهميشهم، وأنه لا يجوز التصويت على قانون الموازنة بغيابهم!!. ولكن أيها السادة، من همشكم؟ ومن همش من؟ أنتم الذين اخترتم مقاطعة الجلسة بملء إرادتكم لإفشالها، وبالتالي لعرقلة التصويت على قانون الموازنة، وليذهب الشعب إلى الجحيم!!
وحين تم التصويت بدونكم، خرجتم إلى وسائل الإعلام صارخين: "يا عالم لقد تم تهميشنا وهذه مخالفة للديمقراطية!!". نعم، كانت مخالفة لديمقراطية التوافقات سيئة الصيت، ولكنها ليست مخالفة للدستور، ولا للديمقراطية الحقيقية التي تمارس في أرقى الدول الديمقراطية العريقة. لذلك نرجوكم أن تواصلوا مقاطعتكم للجلسات القادمة لما تبقى من عمر هذه الدورة البرلمانية، ففي غيابكم عنها خدمة لا تقدر للشعب العراقي الذي أخطأ في انتخابكم.

إن ما تحقق يوم 7/3/2013  من إصدار قانون الموازنة، ومجموعة قوانين أخرى بفضل مقاطعة المشاكسين المعرقلين كان خطوة إلى الأمام، وفي الاتجاه الصحيح لإنضاج الديمقراطية، وتصحيح مسارها، واختباراً عملياً رائعاً أثبت فشل الديمقراطية التوافقية، وأن لا ديمقراطية حقيقية إلا بحكومة الأغلبية.

لا شك أن الديمقراطية العراقية مازالت ناشئة، وفي مراحلها الأولية رغم مرور عشر سنوات على ولادتها، فعشر سنوات فترة قصيرة في تجارب الشعوب، وبالأخص في تكريس الديمقراطية في شعب لم يمارسها من قبل... على أي حال، إن ما تحقق يوم 7/3/2013 أثبت بدون أي شك أن حكومة الشراكة الوطنية الشاملة هي فاشلة ومعرقلة للديمقراطية، وقد فرضتها مرحلة تاريخية معينة بعد إسقاط  الفاشية. وعشر سنوات فترة كافية أثبتت فشلها، ويمكن التعلم من هذه التجربة الرائدة وتصحيح مسارها، وأنه قد حان الوقت لحكومة الأغلبية، يشارك فيها نواب كتل سياسية توافق على برنامج انتخابي معين، تعمل على تنفيذه خلال أربع سنوات من عمر الدورة البرلمانية القادمة. وفي نفس الوقت يشكل نواب الكتل غير المشاركة في الحكومة جبهة المعارضة الديمقراطية تحت قبة البرلمان لمراقبة نشاطات الحكومة. وهذه هي الديمقراطية الحقيقية.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


128
هل كان إسقاط البعث يستحق كل هذه التضحيات؟(1-2)


د.عبدالخالق حسين

بمناسبة مرور عشر سنوات على إسقاط حكم البعث الفاشي في العراق، وما نجم عنه من تداعيات، ومضاعفات، وصراعات، وعمليات إرهاب، وفضح المستور من عيوب المجتمع العراقي، وخاصة الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة، والأثنية بين الكرد والعرب، ومعانات الأقليات الدينية، يطرح المحللون السياسيون في الغرب، المتابعون للأزمة العراقية، فيسألون: هل ما تحقق بعد إسقاط حكم البعث كان يستحق كل هذه التضحيات التي دفعها الشعب العراقي من أرواح أبنائه وممتلكاته، وتخريب مؤسساته الاقتصادية والخدمية؟ (Was it worth it?)، أما كان الأفضل الانتظار ليسقط حكم البعث بطريقة وأخرى أقل خطراً مما حصل؟ وهل العراق اليوم أفضل من عراق في عهد صدام؟ وهل العالم اليوم أفضل مكاناً للعيش بإزاحة البعث عن الحكم في العراق؟

بالتأكيد من غير المتوقع أن تحصل على اتفاق في الجواب على كل هذه الأسئلة، فالناس يختلفون في مواقفهم من كل شيء، فكيف من قضية مثيرة للجدل إلى حد العداء والاقتتال مثل قضية تحرير العراق، خاصة وقد تم هذا التحرير على يد أمريكا، الدولة العظمى، التي أدمن المؤدلوجون في العراق والبلاد العربية على معاداتها مع حليب الرضاعة؟

ولكن على قدر ما يخصني الأمر، ففي رأيي، الجواب على جميع هذه الأسئلة: نعم، العراق أفضل الآن مما كان عليه في عهد صدام، وتحقق الكثير خاصة في مجال الديمقراطية. فالعراق يكاد يكون البلد الوحيد في المنطقة العربية والشرق الأوسط الذي يتمتع شعبه بالحرية والديمقراطية، ولكن كما قال الكاتب السياسي الإيراني المعروف أمير طاهري: "العراق ليس طريقا مفروشا بالورود.. لكنه في طريقه نحو الأحسن".(1)
صحيح أن حياة العراقيين لم ترق إلى ما كنا نتمناه ونطمح إليه، ولكن هذا النقص ليس بسبب الحكومة المنتخبة، بل بسبب أعداء الديمقراطية الذين هيمنوا على السلطة لعشرات السنين بالقبضة الحديدية، ورأوا في الديمقراطية ضرراً عليهم. لذلك فبمقارنة منصفة بين العهدين نعرف مدى التغييرات الإيجابية التي طرأت على حياة العراقيين، اقتصادياً، واجتماعياً، وسياسياً وخاصة في حرية التعبير والتنظيم. فهناك عشرات الفضائيات، والإذاعات، ومئات الصحف، وأغلبها ملك القطاع الخاص، إضافة إلى آلاف المواقع الإنترنت،  تمارس الحرية في نقد الحكومة بما فيها أعلى الرئاسات في الدولة، بل وحتى كيل الشتائم والافتراءات على الحكومة والتحريض ضدها، والدعوة لإسقاطها ودون أية محاسبة. كذلك هناك مئات الأحزاب السياسية، وأكثر من أربعة آلاف منظمة اجتماعية وثقافية، ناهيك عن الهاتف النقال الذي بلغ عدده ما يقارب ثلاثة أرباع عدد سكان العراق إذا ما طرحنا منه الأطفال دون سن السادسة. وهذه الحالة لم يعرفها العراق في تاريخه من قبل.

يحاول أعداء الديمقراطية تضخيم السلبيات، واختلاق الكثير منها وإنكار الايجابيات التي تحققت خلال السنوات العشر الأخيرة، بل واستعاروا جميع التركة الثقيلة التي ورثها العراق من حروب البعث الصدامي، الخارجية والداخلية، من ملايين المعوقين والأرامل والأيتام والخراب في البنى التحية، ونسبوها إلى العهد الجديد وتبرئة حكم البعث منها.
إذ كما قال توني بلير قبل أسابيع للبي بي سي: "...أن قضية العراق تبقى خلافية... لقد اقتنعتُ منذ مدة بعدم جدوى محاولة إقناع الناس بأن القرار الذي اتخذناه كان صائبا." ولكنه يضيف: " فلو أننا لم نزح صدام حسين من السلطة، ما الذي كان سيحدث لو أن هذه الثورات العربية قائمة، وصدام حسين، يحاول قمع انتفاضة في العراق، مع العلم أنه أسوأ من بشار الأسد في سوريا 20 مرة."

في الحقيقة كلنا نعرف أن صدام ليس أسوأ من بشار بعشرين مرة، بل آلاف المرات، فصدام لا مثيل له في القسوة، وربما أقرب شخص له هو ستالين وبولبوت. فعدد القتلى من الانتفاضة السورية بلغ نحو 70 ألفاً خلال عامين، ونسبة كبيرة من الضحايا قتلوا على أيدي الجيش السوري الحر، و"جبهة النصرة" التابعة للقاعدة. بينما قتل صدام حسين من العراقيين خلال انتفاضة آذار (الشعبانية) عام 1991، نحو 300 ألف خلال ستة أسابيع فقط. وصدام كان مستعداً لإبادة كل الشعب العراقي في سبيل بقائه في السلطة. والذي ينكر هذه الحقيقة إما جاهل، أو مع إبقاء حكم البعث الفاشي.

ليس هناك إنسان سليم العقل يرغب بالحرب، وخاصة على بلاده، ولكن ما العمل إذا كان البديل هو الأسوأ شراً. لذلك، نعتقد أن حرب تحرير العراق كان لا بد منها ومبررة. فنظام البعث كان حرباً دائمة على الشعب العراقي، إضافة إلى حروبه الخارجية حيث شن حرباً على إيران دامت 8 سنوات أهلكت الحرث والنسل، كذلك احتل الكويت، وتسبب في فرض الحصار الاقتصادي الأممي على الشعب العراقي لـ 13 سنة. وفي هذه الحالة كانت الحرب عادلة على حرب عبثية جائرة. وفي هذا الخصوص يقول الفيلسوف الكوبي خوسيه مارتي، صاحب جائزة  السلام باسمه: "مجرم من يخوض حربا يمكن تفاديها. ومجرم من لا يخوض حربا لا يمكن تفاديها." لا شك أن الحرب على الفاشية البعثية ما كان بالإمكان تفاديها في جميع الأحوال، لأن هذا النظام المجرم قد أذل الشعب العراقي إلى أبعد الحدود.

اعتراضات أعداء تحرير العراق
يعترض أعداء تحرير العراق بالقول أن بوش وبلير قد رتبا إسقاط صدام على الكذب بامتلاك صدام أسلحة الدمار الشامل، ولم يكن لسواد عيون العراقيين، أو لإقامة نظام ديمقراطي، بل لنهب نفط العراق واسعتباد شعبه وقتله، ولخدمة إسرائيل، والحرب غير مشروعة لأنها لم تحصلا على تخويل من الأمم المتحدة...الخ، ويرددون القول: "ما بني على باطل فهو باطل"، وهو منطق ينطبق على موقف البعثيين وحلفائهم بالدرجة الأولى. على أي حال، لنناقش هذه الاعتراضات ونرد عليها كالآتي:

أولاً، مسألة عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل
صحيح، لم يعثر المفتشون الدوليون بعد إسقاط حكم البعث على هذه الأسلحة، وهذا لا يعني أن صدام ما كان يمتلكها قبل سقوطه، ولكنه دمرها أو أخفاها في رمال الصحراء الواسعة فيما بعد. وبالتأكيد كان يخطط لامتلاكها، فقد بدد الطاغية ثروات البلاد على برنامجه النووي بشهادة الخبراء العراقيين في الفيزياء النووية الذين عملوا في هذا المجال. وفي هذه الأيام هناك شهادة لخبير أمريكي قال أنه من المحتمل أن صدام أخفى أسلحته النووية لدى سوريا بنصيحة من روسيا. رابط التقرير في الهامش.(2).
والجدير بالذكر، أن سلاح الدمار الشامل لا يعني القنبلة النووية فقط، بل يعني أيضاً، الأسلحة الجرثومية والغازات السامة. والمعروف أن صدام استخدم الغازات السامة المحرمة دولياً ضد الكرد في حلبجة، وضد عرب الأهوار، وضد الجيش الإيراني في حربه مع إيران. وهذه حقائق مثبتة لا جدال فيها. وحتى لو سلمنا جدلاً بعدم وجود السلاح النووي، فصدام هو الذي جعل العالم يعتقد بامتلاكه له، أو كان يخطط لامتلاكه، حيث كان يتباهى أمام الإعلام العالمي مهدداً بحرق نصف إسرائيل بالسلاح النووي. أما إذا تبين أن تهديداته كانت فارغة ولتخويف إيران كما أدعى أتباعه فيما بعد، فالذنب والمسؤولية في هذه الحالة يقعان عليه هو، وليس على من عامل تهديداته بالجدية.
أما أمن إسرائيل فهو جزء من إستراتيجية أمريكا وكل الدول الغربية، وهذا ليس سراً يخفونه. ولكن، هل حقاً، كان صدام حسين يشكل خطراً على أمن إسرائيل؟ الحقيقة المرة هي أن سياسات صدم الطائشة كانت قد خدمت إسرائيل وأضرت بالقضية الفلسطينية، وذلك عن طريق إدعاءاته الزائفة بحرق إسرائيل، ودعمه للمتطرفين الفلسطينيين من أمثال عصابة أبو نضال وغيره، وكذلك دوره التخريبي في لبنان إثناء الحرب الأهلية اللبنانية.

ثانياً، أمريكا لم تسقط حكم البعث لسواد عيون العراقيين!.
هذا الاعتراض صحيح، ولم ينكره أحد، وقد أكدناه مراراً بالقول أن في السياسة لا يوجد شيء اسمه (سواد عيون)، بل مصالح، إذ كما يقول الإنكليز: لا توجد وجبة مجانية (There is no free lunch). وكعراقي، لا يهمني أن ما قام به بوش وبلير لسواد عيون العراقيين، أو لوجه الله، أو لمصلحة بلدانهم، أو لدمقرطة العراق والمنطقة، وإنما الذي يهمني هو: أن إسقاط حكم البعث كان أكبر خدمة للشعب العراقي وشعوب المنطقة، فلأول مرة في التاريخ تتطابق مصلحة الشعب العراقي مع مصلحة الدولة العظمى بعد انتهاء الحرب الباردة. لذلك، فمن الجنون والعبث تفويت الفرصة وعدم الاستفادة منها، بغض النظر عن أغراض الآخرين من هذه العملية. فالعراق كان محتلاً من قبل حزب البعث الذي ألحق به أشد الدمار الشامل وأذل شعبه.

ثالثاً، جاءت أمريكا لنهب النفط العراقي!
هذه الحجة هي الأخرى لم تصمد أمام أية مناقشة منطقية منصفة. والسؤال هنا: هل حقاً منع صدام النفط عن أمريكا؟ الجواب: كلا وألف كلا، فاغتصاب حزب البعث للسلطة لم يتم إلا بمساعدة الاستخبارات الأمريكية بسبب منافسة الشركات الأمريكية للشركات الفرنسية التي تعاملت حكومة الرئيس الراحل عبدالرحمن عارف مع الأخيرة، ودعم أمريكا لصدام معروف في الحرب العراقية- الإيرانية. وحتى لو سلمنا جدلاً، بأن أمريكا جاءت من أجل النفط، فما الضير في ذلك؟ إذ نحمد الله على أنه وهب العراق شيئاً يجذب أمريكا لتحريره من طغيان حكم البعث الصدامي. وهل أمريكا تريد النفط مجاناً، فإذا لم نبعه على أمريكا وغيرها، فماذا عسى أن يعمل الشعب العراقي بنفطه، خاصة وقد عانى الشعب أشد المعاناة إثناء الحصار؟
كذلك هناك مبالغة في دور النفط، إذ، صعدت أسعار النفط بعد سقوط حكم البعث أرقاماً قياسية خلقت أزمة اقتصادية لأمريكا وللعالم، وهذا يؤكد الحقيقة أن أسعار النفط لا تتحكم بها أمريكا، بل يقررها قانون السوق (العرض والطلب). كما وأثبتت صفقات استثمار النفط التي وقعتها الحكومة العراقية مؤخراً، أنها تمت مع شركات تابعة لدول وقفت ضد الحرب على صدام، (روسيا والصين خاصة)، أما الشركات الأمريكية فكانت هي المتضررة. وهذا يدحض جميع الإدعاءات القائلة أن أمريكا أسقطت صدام من أجل نهب ثروات العراق النفطية، كما ويدحض القول بأن الحكومة العراقية الحالية هي عميلة، نصبها الاحتلال وتأتمر بأوامره!!. والمفارقة أن آخرين يدعون أن هذه الحكومة نصبتها إيران، عدوة أمريكا الأولى، وتأتمر بأوامرها، وهنا التناقض في أقوال أعداء العراق، ومعظمهم من سجناء كهوف الأيديولوجيات الشمولية المظلمة التي فضلت إبقاء الطاغية صدام في الحكم يضطهد الشعب العراقي على تحريره من قبل أمريكا.

رابعاً، الحرب على صدام غير مشروعة لأنها لم تحظى بالموافق الدولية!
يقولون أن هذه الحرب لم تحظ على موافقة مجلس الأمن الدولي، ولذلك فهي غير مشروعة. الكل يعرف أن أصدقاء صدام في المجلس من الدول الكبرى (روسيا، والصين وفرنسا) كانوا مستعدين لاستخدام حق النقض (فيتو) ضد القرار لو حاز بأكثرية الأصوات. كذلك نعرف أن توني بلير وبل كلنتون شنا حرباً على حكومة الفاشي الصربي ميلوسوفيج لإنقاذ شعوب البلقان (بوسنيا وكوسوفو وغيرهما) بدون الموافقة الدولية، إذ كما قال علي عزت بيغوفيتش، أول رئيس جمهورية للبوسنة والهرسك، لو انتظر الحلفاء موافقة مجلس الأمن، أو الوحدة الأوربية لأبيدت شعوب البلقان. وحتى لو كانت أمريكا قد حصلت على التخويل الدولي لقالوا أن الأمم المتحدة تابعة لأمريكا وطعنوا في القرار.

إذَنْ، لماذا أقدمت أمريكا على إسقاط حكم البعث؟
السبب واضح، وهو أن صدام هو الذي جعل القضية العراقية قضية دولية، بشنه الحرب على إيران وغزوه للكويت وبرناوجه النووي، وادعائه الزائف بحرق إسرائي. لذا، فحتى بعدم العثور على أسلحة الدمار الشامل، إلا إنه هو الذي أشاع هذه الفكرة، وبالتأكيد كان يعمل على امتلاكها، وهذا خط أحمر لا يسمح به لأية دولة مارقة في المنطقة. وفي هذا الخصوص ذكر صموئيل هانتنغتون، أنه لو أجَّل صدام حسين احتلال الكويت لثلاث سنوات لما استطاعت أمريكا إخراجه منها، لأنه كان سيمتلك السلاح النووي في نهاية هذه المدة، وعندئذ لم يكن بمقدور أمريكا مواجهة محتل يمتلك السلاح النووي، ولأقدم صدام على احتلال كل الدول الخليجية بما فيها السعودية، وهيمن على كل نفط الخليج، وهذا ما يعرفه جيداً واضعو إستراتيجية الدول الغربية، ويعتبرونه كابوساً لم ولا ولن يسمحوا له أن يحصل. كذلك لا ننسى دور عملية 11 سبتمبر 2001 الإرهابية في تغيير موقف أمريكا من الأنظمة المستبدة المارقة، مثل حكومة طالبان وصدام والقذافي وغيرهم، والمنظمات الإرهابية التي كانت تدعمها وترعاها إبان الحرب الباردة، فصارت هذه الدول والمنظمات تهدد أمن أمريكا نفسها، حيث انقلب السحر على الساحر، وفي هذه الحالة، فالشعوب المضطهدة من قبل هذه الأنظمة المستبدة، هي المستفيدة من هذا التحول، وهذا هو حكم التاريخ العادل، أو ما يسمى بمكر التاريخ.

ما هو ثمن الخلاص من حكم الطغيان؟
لا شك أن ثمن إسقاط حكم البعث كان باهظاً، ومازال الشعب الشعب العراقي يدفع، وفي هذا الخصوص يسأل توني بلير في مذكراته: "هل كان من الأفضل ترك صدام يحكم العراق ويضطهد شعبه، ويشكل خطراً على شعوب المنطقة؟" فيجيب: "كنا نعرف أن إزالة حكم صدام لها عواقب، ولكن عواقب عدم إزالته أوخم وأسوأ."

وقد ذكرنا سابقاً عن عواقب عدم إسقاطه، فلو بقي حكم البعث عشر سنوات أخرى لهلك هذا الشعب وأغلب الاحتمال لفرغ العراق من سكانه عن طريق الإبادة، والحصار والهجرة. وبذلك فخسائر عدم إسقاطه فاقت خسائر إسقاطه. كما وتؤكد الحقائق أن أكثر من 95% من الضحايا العراقيين تم قتلهم على أيدي الإرهابيين البعثيين وحلفائهم من أتباع القاعدة الوافدين من السعودية وغيرها من البلدان العربية.
 
وفي المحصلة النهائية، لو قارنا الأعداد الهائلة من القتلى، والمصابين والمعوقين والأرامل والأيتام في العراق، التي حصلت في عهد حكم البعث، نراها تفوق عشرات المرات مما حصل بعد إسقاطه، خاصة وأن البعث كان قد خطط في سبيل بقائه في السلطة حتى ولو كلف العراق الدمار الشامل. فالبعث قد مارس إرهاب الدولة يوم كان في الحكم، ويمارسه الآن وهو خارج الحكم وبأسماء منظمات إسلامية وهمية، ومنظمة القاعدة الإرهابية، علماً بأن أتباع القاعدة هم تحت سيطرة وقيادة فلول البعث.

قد يعترض القارئ الكريم، فيقول: أنت لا تهتم بما يدفعه الشعب في الداخل من تضحيات، لأنك تعيش في الخارج، وهل توافق أن تكون من بين الضحايا؟ جوابي هو كالتالي: إن فلسفتي في الحياة أن أعيش حراً، وأني أؤمن إيماناً عميقاً بأن حياة الذل والعبودية لا تستحق أن تعاش، فالعبرة ليست في بقاء الإنسان حياً لأطول فترة، بل لنوعية الحياة التي يعيشها. ولذلك أقسم بكل مقدساتي، أنه لو كنت مخيراً بين العيش تحت حكم البعث الصدامي عبداً ذليلاً، أو الموت، لفضلت الموت، سواءً عن طريق الانفجارات أو غيرها. ومن المؤكد، أني لو لم أخرج من العراق عام 1979، لكنت واحداً من الذين قتلهم حكم البعث.

كان الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت Kant قد رحب بالثورة الفرنسية عام 1789م، وحينما نقلوا له صور الرعب والرؤوس المتطايرة على المقصلة، أجابهم قائلاً: "إن كل هذه الفظاعات لا تقترب بشيء من استمرار حكم الطغيان؟". علماً بأن الملك لويس السادس عشر كان أقل ظلماً من جميع أسلافه من ملوك فرنسا، وجميع ملوك أوربا في زمانه، ويعتبر ملاكاً مقارنة بصدام حسين.

نعم، كل ما يواجهه الشعب العراقي من فظاعات على أيدي الإرهابيين، هو ثمن كان عليه أن يدفعه ليتخلص من حكم الطغيان البعثي الصدامي، وكان يدفعه في جميع الأحوال حتى في عدم إسقاطه وربما بأرقام مضاعفة، وعدم إسقاطه كان مجرد ترحيل السقوط إلى جيل آخر ليدفع الثمن أكثر، ولو سقط نظامه على أيدي الشعب العراقي لصار العراق نسخة من الصومال. لذلك فإسقاطه على يد أمريكا كان في صالح الشعب العراقي، ويستحق التضحيات، فالشعب الآن عرف طعم الحرية ولن يتخلى عنها، ومستعد لبذل المزيد في سبيلها، إذ كما قال الشاعر التونسي الخالد، أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيب صعود الجبال... يعش أبد الدهر بين الحفر

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1-  أمير طاهري: العراق ليس طريقا مفروشا بالورود.. لكنه في طريقه نحو الأحسن
http://aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12533&article=721778&feature=

2-  Saddam hid his WMD in Syria
* http://www.rawstory.com/rs/2013/03/22/fox-news-analyst-very-high-probability-iraq-hid-wmds-in-syria/

3- عبدالخالق حسين: في الذكرى العاشرة لتحرير العراق من الفاشية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=574


129
في الذكرى العاشرة لتحرير العراق من الفاشية

د.عبدالخالق حسين

تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة على تحرير الشعب العراقي من الفاشية البعثية، على أيدي قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا، نفس القوات التي حررت أوربا في الحرب العالمية الثانية من النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية، وحررت اليابان من العسكرتارية. ولكن المشكلة أن عملية تحرير العراق كانت وما زالت مثيرة للجدل، وحتى يستكثر علينا البعض استخدام كلمة (التحرير)، إذ يفضلون عليها كلمة "الاحتلال"، أو "الغزو" مع كلمات الإدانة مثل "الغاشم"...الخ. والمؤسف أن هذه الإدانة تأتي حتى من قبل بعض ضحايا النظام البعثي، ومن عناصر خيرة من بعض المثقفين في العالم، وبالأخص من اليساريين. وسبب هذا الاختلاف هو أن الناس ينسون بسرعة معاناتهم على يد النظام الساقط وينشغلون بهمومهم الحاضرة. وهذا الجدل مستمر لحد الآن.

وعذرهم في استخدام كلمة "احتلال"، أن أمريكا نفسها تستخدم هذا التعبير، ويتهموننا بأننا ملكيون أكثر من الملك!! نسي هؤلاء أن سبب استخدام أمريكا لكلمة (الاحتلال) هو لأسباب قانونية دولية كي تحصل على تخويل قانوني من الأمم المتحدة لحماية العراق خلال الفترة الانتقالية إلى أن يتم تسليم الحكم إلى أهله. وهذا ما حصل بعد عام ونصف العام من إسقاط حكم البعث. لذا فبالنسبة لي كعراقي، فالعراق كان محتلاً احتلالاً داخلياً من قبل عصابة البعث المافيوية لخمس وثلاثين سنة، وكان أبشع احتلال. 

على كل حال، هناك أسباب كثيرة لاستمرار الجدل حول تقييم تحرير العراق من البعث الفاشي، وهي كالتالي:
1- تم التحرير بقيادة الدولة العظمى، أمريكا وبريطانيا، وهناك اسباب تاريخية لعداء مزمن من القوى السياسية المؤدلجة في العراق، اليسارية، والقومية، والإسلامية ضد أمريكا والغرب عموماً، فمن الشعارات التي رفعها الحزب الشيوعي العراقي قبل التحرير مثلاً، شعار: (لا للحرب ..لا للدكتاتورية). والكل يعرف أن الشعب العراقي حاول مراراً تحرير نفسه بقواه الذاتية، ولكن النتيجة كانت حرب الإبادة ومئات الألوف من القتلى ونحو 500 مقبرة جماعية تم اكتشافها لحد الآن.

2- أدَّعوا أن هدف أمريكا من احتلال العراق هو نهب ثرواته النفطية واستعباد شعبه وقتله، "وليس لسواد عيون العراقيين...!" ونحن نعرف أن أمريكا لم تنهب النفط، بل تشتريه بالعملة الصعبة، وارتفع سعر النفط إلى أضعاف سعره عما كان عليه قبل التحرير. كذلك دفعت أمريكا نحو 60 مليار دولار لإعمار العراق، إضافة إلى ما دفعته من تكاليف الحرب، البشرية والمالية. كذلك ساعدت أمريكا على إطفاء 90% من ديون العراق. فهل هذا احتلال استعماري كما يدعي أعداء العراق الجديد؟ 

3- شن أعداء تحرير العراق من فلول البعث وحلفائهم أتباع القاعدة، حرب الإرهاب وإثارة الفتنة  الطائفية، بدعم من الحكومات الخليجية ومؤسساتها الإعلامية مثل قناة الجزيرة وغيرها، المعادية للديمقراطية في العراق الجديد لأسباب طائفية وسياسية واقتصادية، حاولت إفشالها بمختلف الوسائل.

4- بأوامر من حكوماتهم، أصدر رجال الدين السعوديون وغيرهم من أمثال القرضاوي، فتاوى لقتل العراقيين الشيعة ووصفوهم بـ"الروافض" و"الشيعة الصفوية، و"عملاء الفرس المجوس"، وقاموا بتدمير البنى الاقتصادية والركائز التحية بذريعة محاربة الاحتلال، وباسم "المقاومة الوطنية الشريفة". بينما الحقيقة تؤكد أن أعمالهم تلك كانت ومازالت حرباً طائفية وعنصرية بدليل أنه حتى بعد رحيل القوات الدولية نهاية عام 2011، استمرت حرب الإبادة ضد الشيعة، وهذه المرة  بحجة مقاومة "الاحتلال الصفوي". وكذلك الشعارات والشتائم الطائفية البذيئة التي رفعها البعثيون والقاعدة في التظاهرات الأخيرة في المناطق الغربية. والمخزي والمخجل، أن هذه التظاهرات الطائفية وما رفع فيها من شعارات ومطالبات مخالفة للدستور، نالت مباركة اليساريين العراقيين الذين أدعوا أنها مطالب مشروعة، رغم أن من بينها مطالب مثل: إسقاط الدولة العراقية وإلغاء الدستور، وإطلاق سراح جميع المتهمين بالإرهاب بدون تحقيق، وإلغاء قانون العدالة والمساءلة، بل وحتى المطالبة بمنع الشيعة من ممارسة طقوسهم المذهبية بحجة أنها شعائر طائفية ضد أهل السنة!!. فهل هذه المطالب مشروعة؟
 
5- مبالغة الإعلام العربي بحجم القتلى العراقيين إلى مليون ونصف المليون، والادعاء أن القتل حصل على أيدي القوات الأمريكية وحلفائهم "الصفويين"، وأن ومعظم الضحايا هم من العرب السنة حسب ادعائاتهم. بينما الحقيقة تؤكد أن حرب الإبادة حصلت ضد الشيعة، وعلى أيدي فلول البعث الطائفيين، وحلفائهم الإرهابيين من القاعدة، المدعومة من الحكومات الخليجية وخاصة السعودية وقطر، وكذلك تركيا منذ انسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011.

6- لقد اثبتت الاحصائيات التي قامت بها جهات دولية محايدة مثل منظمة (Body count)، أن عدد القتلى بلغ حدود 100 ألف خلال العشر سنوات الماضية. وبالتأكيد هذا الرقم يشكل فاجعة كبيرة على الشعب العراقي، فقتل كل نفس بريئة من بنات وأبناء شعبنا كارثة إنسانية رهيبة، ولكن أين هذا الرقم من مليون ونصف المليون ضحية؟ إن الغرض من تضخيم أرقام الضحايا ليس تألماً على شعبنا أو دفاعاً عنه، بل للتحريض ضده، واعتبار معظم الضحايا من السنة، قتلوا على أيدي القوات الأمريكية والشيعة "الفرس المجوس"، للشحن الطائفي، وإثارة غضب العرب والمسلمين وتحريضهم لرفد الإرهاب في العراق... وحققوا النجاح في ذلك.

7- منذ سقوط البعث الفاشي، ادعوا أن الشيعة همشوا السنة في المشاركة في الحكم. والحقيقة أن السنة هم همشوا أنفسهم في أول الأمر، حيث قاطعوا العملية السياسية، ورفضوا المشاركة في السلطة والانتخابات على أمل إسقاط النظام الجديد وإعادة التاريخ إلى ما قبل 2003... وأخيراً انتبه العقلاء من أهل السنة، فشاركوا في العملية السياسة، ولكن اندس البعثيون في صفوفهم لغرض إسقاط العملية السياسية من الداخل باستخدام الورقة الطائفية. فرغم مشاركتهم في السلطة، ووفق ما افرزته صناديق الانتخابات، إلا إنهم شاركوا في الحكومة من أجل شلها وتفجيرها من الداخل كحصن طروادة، وفي نفس الوقت مارسوا الإرهاب. وجرائم طارق الهاشمي ورافع العيساوي ومحمد الدايني وأسعد الهاشمي باتت معروفة للجميع... فمعظم العمليات الارهابية التي جرت وتجري في المناطق الشيعية تدار من قبل المشاركين في السلطة، تنفذ من قبل حماياتهم وأتباعهم من الإرهابيين.

8- شن أعداء الديمقراطية من البعثيين وحلفائهم حملة ضارية لتشويه صورة الديمقراطية وشيطنتها، وإيعاز جميع الشرور والجرائم التي ارتكبوها مع القاعدة ضد الشعب إلى الديمقراطية، والمحاصصة، والحكومة أو بالأحرى إلى رئيسها، والإدعاء أن الإرهاب والفساد والنهب نتاج هذه الديمقراطية التي جلبتها "أمريكيا سيئة الصيت!".   
في الحقيقة كل فقرة أعلاه تستحق أن تكون مقالاً مستقلاً، وقد مررنا على الكثير منها في مقالات سابقة.

من جرائم البعث
لقد توفرت لحزب البعث، خلال 35 سنة من حكمه، أفضل الفرص والظروف السياسة والاقتصادية والدولية ليطور العراق ويخرجه من دولة متخلفة إلى مستوى الدول المتقدمة في العالم الأول، ولكن بدلاً من ذلك، بدد البعث الثروات الهائلة على عسكرة المجتمع، وسباق التسلح، والحروب العبثية والخراب الشامل، وارتكب قائمة طويلة من الجرائم التي لا تعد ولا تحصى بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة وخاصة الشعبين الإيراني والكويتي.
لقد جلب حكم البعث على العراق خلال 35 سنة من حكمه الجائر، وباختصار شديد الكوارث التالية:
أولاً، قبل اغتصاب البعث للسلطة عام 1968 كان الدينار العراقي يعادل 3.5 دولار أمريكي، بدأ سعر الدينار بالهبوط منذ استلام صدام رئاسة الدولة إلى أن بلغ في الأيام الأخيرة من حكمه مستوى الصفر حيث صار سعر الدولار يعادل 3500 دينار، أي صارت القوة الشرائية للدينار العراقي دون سعر الورق الذي يطبع عليه، أي إفلاس تام وانهيار كامل لاقتصاد بلد عائم على بحر من النفط. فهل هناك فساد وفشل أسوأ من ذلك؟
ثانياً، لقد بلغت واردات النفط أرقاماً عالية غير مسبوقة في عهد حكم البعث، فقبل أن يسيطر صدام على رئاسة الجمهورية عام 1979، بلغ رصيد العراق من احتياطي العملة الصعبة والذهب نحو 45 مليار دولار، ولكن نتيجة لسياساته الطائشة، عند سقوط حكمه بلغت الديون نحو 120 مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات من تعويضات الحروب، يعني دولة مفلسة.
ثالثاً، بلغ عدد قتلى العراقيين خلال حكم البعث نحو مليونين، إضافة إلى الهجرة القسرية والطوعية التي بلغت نحو 5 ملايين.
رابعاً،، حقق حكم البعث قفزة كبرى إلى الوراء، حيث أعاد المجتمع العراقي إلى عهد العشيرة والقبلية والطائفية، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، وما حصل من ردة حضارية، وانهيار فكري وأخلاقي، وتدمير روح المواطنة والولاء للعراق...الخ الذي يدفع الشعب ثمنه الآن.

خامساً، كل ما ألحق بالعراق من خراب ودمار وأضرار وجرائم، منذ 8 شباط 1963 وإلى الآن، يتحمل مسؤوليته البعث الفاشي.

لقد أثبت البعثيون خلال 35 سنة من حكمهم الجائر وهم في السلطة، وعشر سنوات من إرهابهم وهم خارج السلطة، أن البعث ليس حزباً سياسياً، بل عبارة عن مافيا إجرامية مسلحة أدعت بعض المبادئ السياسية، وتقمصت السياسة، وبغفلة من الزمن، وبمساعدة ظروف دولية شاذة، استطاعت أن تغتصب السلطة بانقلاب عسكري، وتحكم الشعب العراقي بالنار والحديد، وتنهب ثرواته وقتل شعبه وتشريد الملايين من أبنائه. لذلك فنحن لا نتجاوز على الحقيقة إذا قلنا أن حكم البعث كان أبشع أنواع الاحتلال، وعليه، كان واجباً أخلاقياً على المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى تحرير الشعب العراقي من أبشع احتلال فاشي جائر عرفه التاريخ.

بالله عليكم، إن حزباً هذا تاريخه البشع، وألحق بالشعب العراقي وشعوب المنطقة الخراب والدمار الشامل، هل يستحق العطف والدفاع عنه والمطالبة بعودته أو حتى مشاركته في السلطة؟ غني عن القول إن من يدافع عن هكذا نظام جائر هو إما مازوخي (Masochistic) يستلذ بالتعذيب والعبودية والإهانة، أو هو واحد من المافيا البعثية. وفي جميع الأحوال نحن ضد هؤلاء، ولا بد من العمل لتوفير الظروف الطبيعية لشعبنا ليبدأ حياة طبيعية كريمة أسوة بالشعوب المتحضرة.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

130
قراءة في كتاب: إغلاق عقل المسلم

د.عبدالخالق حسين

لم يكن اهتمام الغرب بالإسلام جديداً، إذ سمعنا كثيراً عن المستشرقين ومؤلفاتهم في هذا الخصوص، إلا إن ذلك كان محصوراً في نخبة ضيقة من الاختصاصيين والأكاديميين. ولكن في أعقاب جريمة 11 سبتمبر 2001، حصل اهتمام واسع النطاق في الغرب للتعرف على الإسلام كدين وفهمه، ليس من قبل الانتلجنسيا فحسب، بل وحتى من قبل العوام، وذلك لمعرفة الأسباب التي دفعت 19 شاباً عربياً مسلماً، من حملة شهادات عالية من جامعات غربية، ومن عائلات ميسورة، إلى ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة، يضحون بأنفسهم ويقتلون نحو ثلاثة آلاف من الأبرياء. فالإنسان السليم لا يستطيع فهم هذه الظاهرة بسهولة، ناهيك عن الإنسان الغربي الذي يعتبر حياة الإنسان قيمة مطلقة.

لذلك خصصتْ الحكومات الغربية، وجامعاتها ومراكز البحوث فيها، قسطاً وافراً من طاقات منتسبيها وأموالها لدراسة هذه الظاهرة، لغايات عديدة منها:
أولاً، لحماية شعوبهم والحضارة البشرية من شرور الإرهاب الذي يرتكب باسم الله والإسلام،
ثانياً، لمعرفة الإسلام نفسه كدين، ولماذا وصل به الأمر إلى هذه الأزمة... وأين يكمن الخطأ؟
ثالثاً، لماذا يدعو الإسلام المسلمين إلى احتقار الحياة وتمجيد الموت، والتضحية بالنفس وقتل الآخر لمجرد أنه يختلف عنهم في الدين والمذهب؟

ولفهم هذه الظاهرة، صدرت مئات الكتب والبحوث، وآلاف الدراسات والمقالات، ومنها كتاب قيم نحن بصدده في هذه القراءة، صدر في عام 2011، بعنوان: (إغلاق عقل المسلم) وعنوان ثانوي: (كيف خلق الانتحار الثقافي أزمة الإسلام الحديثة)، للباحث والأكاديمي الأمريكي، الدكتور روبرت رايلي (Robert R. Reilly).

من حسن الصدف أني التقيت بالمؤلف في مؤتمر روما لإصلاح الإسلام في نهاية العام الماضي، ومن خلال محادثاتي معه، و قراءتي لكتابه فيما بعد، عرفته ذا إطلاع واسع في تاريخ الإسلام، مع فهم عميق للعقل العربي والإسلامي بصورة خاصة. لذلك، رأيت من المفيد تقديم عرض لهذا الكتاب القيم، لفائدة كل من له اهتمام بالمشكلة التي تعرض لها المسلمون والعالم من الإرهاب.

يرى المؤلف أن سبب الإرهاب الإسلامي اليوم لم يكن جديداً، وليس لأسباب اجتماعية مثل الفقر...الخ، وإنما لخلل أصاب عقل المسلم كنتيجة لسلسلة من التطورات حصلت في الفكر الإسلامي، بدأت في القرن التاسع الميلادي، وقد وصل إلى ما هو عليه اليوم كنتيجة حتمية لهذه العقلية. لذا فيتتبع المؤلف جذور المشكلة من خلال انعطافات تاريخية منذ بداية ظهور الإسلام، مع التركيز على التطورات الفكرية في العصر العباسي.

يقول المؤلف في المقدمة، أنه يبحث في واحدة من أعظم الدراما في التاريخ البشري، مسرحها عقل المسلم، وكيف تعامل السلف من فقهاء الإسلام مع العقل، خاصة بعد تعرضه للفكر اليوناني في عهد الخليفة العباسي، المأمون، العملية التي يسميها بـ(Helenization of Islam)، أي تلقيح الثقافة الإسلامية بالفلسفات اليونانية (الهيلينية) القديمة، وبالأخص فلسفة أرسطو، كما حصل للمسيحية في أوربا.
فيقارن المؤلف بين الحضارتين، الغربية والإسلامية، ويؤكد الفكرة السائدة أن الحضارة الغربية نشأت من أربعة مصادر: الديانة المسيحية، والديانة اليهودية، والفلسفة اليونانية والقانون الروماني. هذه الحضارة ازدهرت ثم تفسخت في القرون الوسطى، لتنهض من جديد في عصر النهضة والأنوار إلى أن بلغت هذا المستوى المتفوق اليوم من التقدم العلمي والتقني والفني والفلسفي، وحقوق الإنسان، والحرية والديمقراطية...الخ. ويرى أن ما كان لهذا التقدم أن يحصل لولا اهتمام فلاسفة الغرب بالعقل والعقلانية.

أما الإسلام الذي بدأ في القرن السابع الميلادي في الجزيرة العربية، ورغم أنه حقق نهضة سريعة، فخلال ثلاثة قرون انتشرت الحضارة الإسلامية في شمال افريقيا، والشرق الأوسط، ومناطق نائية في وسط وشرقي آسيا، وحتى غربي أوربا، وأسست المدن والمعاهد العلمية والمكتبات، ثم انهارت هذه الحضارة في القرن الثاني عشر الميلادي وغاص العالم الإسلامي في ظلام دامس، ولم تنهض كما نهضت الحضارة الأوربية.

لذا يسأل المؤلف: لماذا لم تحصل النهضة في العالم الإسلامي بعد كبوته على غرار ما حصل للغرب؟

يركز المؤلف على ما حصل للفكر الإسلامي من تطور في العهد العباسي، وبالأخص في فترة الخليفة المأمون، حيث صعدت حركة المعتزلة الفكرية العقلانية، وهي امتداد لحركة القدرية (من القدرة والإرادة الحرة في أخذ القرار). فالمعتزلة هم دعاة منح الأولوية للعقل على النقل، وفلسفتهم تتركز على أن الإنسان مخيَّر ويتمتع بالإرادة الحرة، لأنه يمتلك العقل الذي بواسطته يستطيع التمييز بين الخير والشر، والعدالة والظلم، لذالك فهو مسؤول عن نتائج أعماله وفق الآية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يرى ومن يعمل مثقال ذرة شر يرى)، وبدون هذه الإرادة الحرة في الاختيار، فالإنسان غير مسؤول عن أعماله، ولذلك ليس من العدالة معاقبته إذا ارتكب جرماً. وهذه المدرسة هي على خلاف المدرسة الفكرية الأخرى التي تسمى بـ(الجبرية) التي تقول أن الإنسان مسيَّر، ولا إرادة له في أخذ قراراته وصنع أعماله، لأن كل ما يعمله ويتعرض له هو مكتوب عليه من الله منذ الأزل وقبل ولادته. والجدير بالذكر، أن خلفاء بني أمية شجعوا هذه المدرسة الفكرية لتبرير ظلمهم، بأنهم إذا كانوا ظالمين فإن الله هو الذي سلطهم على رقاب المسلمين، فالظلم ليس ذنبهم، بل بإرادة الله!.
 
والخليفة عبدالله المأمون نفسه كان معتزلياً عقلانياً، محباً للفلسفة ومن أنصار العقل، حيث ازدهرت الثقافة والحركة الفكرية في عصره، فأسس بيت الحكمة في بغداد، وشجع ترجمة الكتب من مختلف الثقافات، الهندية، والفارسية واليونانية.
ويقال أن سبب تحول المأمون إلى المعتزلة والعقل ضد النقل، أنه رأى أرسطو في المنام، فنصحه بأن العقل هو أهم مصدر لمعرفة الحقيقة، فالفرق بين الإنسان والحيوان هو العقل. لذا أيد المعتزلة ودعم حركتهم، وأسند لهم المناصب وخاصة في القضاء. والمعتزلة روجوا لفرضية (خلق القرآن) التي آمن بها المأمون بقوة، حيث فرضها كعقيدة رسمية للدولة، إلى حد أن راح المعتزلة يمتحنون الناس، وكل من لا يقر بهذه الفرضية كان يتعرض للعقاب. لذلك سمي ذلك العهد بعهد المحنة، (من الامتحان). ومفاد هذه النظرية أن الله خلق القرآن وأنزله على محمد بلسان عربي مبين. ولكن يرى خصومهم أن القرآن كان موجوداً منذ الأزل مع وجود الله. ويستند المعتزلة في دعم رأيهم إلى الآية: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، ويفسرون كلمة (جعل) بأنها تعني (خلق)، ولا فرق بينهما في المعنى. وقد يبدو هذا الجدال سفسطائياً، إلا إنه أثار فتنة واسعة في وقته. والجدير بالذكر أن الشيعة يعتقدون بخلق القرآن، فالمعتزلة ليسوا من مذهب واحد، بل يوجد بينهم من السنة والشيعة.

ومن أبرز الذين عارضوا فرضية خلق القرآن، هو الإمام أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب الحنبلي، فتعرض من جراء ذلك إلى السجن والتعذيب، وصمد بشجاعة، مما كسب إعجاب الناس، ونال شعبية واسعة بين أهل بغداد. وتميز الحنابلة (أتباع مذهب ابن حنبل) عن غيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، بميلهم إلى استخدام العنف ضد من يختلف معهم. وفي عصرنا الحاضر، الوهابية هي امتداد للمذهب الحنبلي، لذلك لا غرابة في تبنيهم للعنف بما فيه الإرهاب.

اعتمد المعتزلة على العقل في تفسير النصوص الدينية (الكتاب والسنة- أي الأحاديث النبوية)، بدلاً من الاعتماد على ما نقل إليهم من السلف. ومن هنا بدأ الصراع بين المعتزلة (العقلانيين)، وأهل السنة الذين يعتمدون على ما نقل إليهم من السلف في التفسير الحرفي للنصوص الدينية بغض النظر عن تعارض المنقول مع العقل، ويأخذون بكل ما نقل إليهم من أحاديث نسبت إلى النبي محمد، وأغلبها في رأي بعض الفقهاء مشكوك بصحتها، وبالأخص الإمام أبو حنفية (مؤسس المذهب الحنفي) الذي لم يأخذ من الأحاديث النبوية سوى 17 حديثاً فقط، ورفض الباقي. وكان المعتزلة يسمون أنفسهم بأهل (العدل والتوحيد)، كما أطلق اسم (أهل السنة) على المحدثين، أي الذين يعتمدون على ما نقل إليهم من الأحاديث النبوية.

تصاعد الصراع، وأخذ منحىً جديداً بين المعتزلة وأهل الحديث (السنة) عندما انشق أحد المعتزلة، أبو الحسن الأشعري (260هـ- 324هـ) في القرن التاسع الميلادي، وهو المنظِّر الأول لمواقف أهل السنة، ومؤسس المذهب المعروف باسمه (الأشعرية)، بعد أن انشق عن المعتزلة إثر خلاف بينه وبين شيخه، أبو الهٌذَيل العلاف. وكما اعتنق المأمون العقلانية بعد أن رأى أرسطو في المنام، كذلك الأشعري غيَّر موقفه من المعتزلة بعد أن رأى النبي في المنام ثلاث مرات، معاتباً إياه في المرتين الأولى والثانية على تخليه عن أحاديثه، وأمره بالدفاع عن سنته، ولما عمل الأشعري بما أمره النبي، جاءه في المرة الثالثة وطالبه بالدفاع عن أحاديثه مع الالتزام بالعقلانية. لذلك أقام الأشعري مذهبا وسطا جمع بين منهج المعتزلة في العقلانية والفكر السني المعتمد على الرواية والحديث مع معاداة المعتزلة كمذهب.

بلغ الصراع أشده في عهد المتوكل، حيث اضطهد المعتزلة وطاردهم، وقتل عدداً منهم، وفر من نجى، ليختفوا في المناطق النائية من الدولة العباسية، وذاب كثير منهم في المذهب الشيعي. كما و أحرقوا مؤلفاتهم، ولم يبقَ منها سوى تلك النتف القليلة التي اقتبسها خصومهم لتفنيد آرائهم. وعلى سبيل المثال، كان الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر البصري (159هـ-255هـ) معتزلياً، وقد ألف خلال عمره المديد نحو مائة كتاب، أكثرها في الفقه الإسلامي وفق منظور المعتزلة، إلا إنهم أحرقوا معظم كتبه ولم يتركوا منها إلا تلك الكتب التي لم تتعرض للدين، مثل كتاب الحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين وغيره.

وكانت تلك الحملة ضد المعتزلة هي ردة في تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، وبداية اغلاق عقل المسلم، والانحطاط الحضاري والفكري، وضعف الدولة العباسية، وتمهيداً لسقوطها الأبدي بركلة من هولاكو عام 1258م. ولم يتعافى العقل العربي من هذا الانحطاط لحد الآن، وما بن لادن ومنظمته الإرهابية (القاعدة) إلا ثمرة سامة من ثمار هذا الانحطاط الذي بدأ قبل 11 قرناً على يد الأشعري فكرياً، والمتوكل سياسياً.

وفي القرن الثاني عشر جاء الإمام أبو حامد الغزالي (1058م-1111م)، فشن حرباً شعواء على الفلسفة والعقل والعقلانية، فألف كتاباً بعنوان: (تهافت الفلاسفة) لهذا الغرض. والجدير بالذكر أن الغزالي نفسه كان فيلسوفاً، واسع الاطلاع على علوم زمانه، فقد قرأ كتب الفلسفة إلى جانب ثقافته الواسعة بالمعارف الإسلامية، إلى حد أن يعتبره البعض أعظم مثقف في الإسلام، لذلك لقبوه بحجة الإسلام. ولكن حصلت له أزمة نفسية عندما بدأ يشك في الدين والوحي نتيجة لقراءته كتب الفلسفة والمنطق، ثم صار صوفياً واعتزل العالم في دمشق. وكان يتمتع بمكانة متميزة بين رجال الدين وطلبة العلوم الإسلامية، لذلك كان لانقلابه على العقل تأثير مدمر على الفكر الإسلامي. ومنذ ذلك الوقت وضع الغزالي الختم على عقل المسلم. فالعقل بالنسبة للغزالي هو العدو الأول للإسلام، لذا رأى أن على المسلم الإستسلام الكلي إلى إرادة الله، أي كل ما جاء في الوحي من قرآن وسنة النبي، ومن السلف الصالح من تفسير للنصوص والشريعة بدون أي سؤال أو مناقشة.

تهجم الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) على افلاطون وأرسطو وأتباعهما، وقال أن الفلسفة لا تنقذ الإنسان من الظلام والتناقض وإنما الوحي وحده ينقذه.
ثم جاء ابن تيمية (1263م-1328م)، وهو أحد كبار فقهاء أهل السنة من المذهب الحنبلي المتشدد، فأطلق مقولته: (كل من تمنطق فقد تزندق).

وبعد أقل من قرن من وفاة الغزالي، ظهر ابن رشد ( 1126م - 1198م) في الأندلس، وكان فيلسوفاً متنوراً، ترجم بعض أعمال أرسطو إلى العربية، إضافة إلى مؤلفاته الغزيرة، حاول أن يرد الاعتبار إلى الفلسفة والعقلانية، فرد على كتاب الغزالي (تهافت الفلاسفة) بكتاب (تهافت التهافت). إلا إن أغلبية المسلمين في ذلك الوقت كانوا قد اعتنقوا الأشعرية التي جعلت الإيمان أكثر قبولاً بدون عقل. فوقفت السلطة الحاكمة ضد ابن رشد وسجنته وجمعت مؤلفاته (نحو 108 كتاباً) في ساحة المدينة (قرطبة) وأشعلت فيها النيران. وهكذا انتصر الغزالي والأشعري على ابن رشد، وانتصر النقل على العقل.
 
وفي تلك الفترة (أوائل القرن الثاني عشر الميلادي) أغلق باب الاجتهاد لدى فقهاء الإسلام السني بدعوة من الغزالي، وقالوا أن السلف لم يتركوا شيئاً إلا ووضعوا له تفسيراً وحلاً، وأن أي تفسير جديد للشريعة غير مقبول، فما كان صحيحاً في القرن الثاني عشر هو صحيح في كل زمان ومكان. يعني بلغة اليوم، أنهم وصلوا إلى نهاية التاريخ، حسب تعبير فوكوياما! فالاجتهاد كان وسيلة تسمح للفقهاء إجراء بعض التعديلات حسب ما يتطلبه الوقت وما يفرزه من مستجدات، ولكن حتى هذا الهامش البسيط من الحرية تم إلغاءه.

وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهر في نجد محمد ابن عبدالوهاب (1703م - 1791م) فأسس الحركة الوهابية، دعا فيها إلى العودة إلى أصول الإسلام في عهد الصحابة والرسول، مبرراً استخدام العنف ضد المختلف. والجدير بالذكر أن الوهابية هي وراء الحركات الجهادية، ومنها منظمة (القاعدة) التي أسسها بن لادن في أواخر القرن العشرين، ومازالت تنشر الإرهاب في العالم.

وفي عام 1928 برز في مصر الشيخ حسن البنا، وأسس حزب الأخوان المسلمين. وفي منتصف القرن العشرين، ظهر سيد قطب، وهو منظر الحركات الجهادية وصاحب كتاب (معالم في الطريق) الذي أدان فيه الحضارة الغربية ودعا إلى الجهاد لقيام حكم إسلامي على غرار الخلافة الراشدية. طالب سيد قطب المسلمين أن ينفضوا عنهم تراكم العصور من التخلف، ويعودوا إلى عصر الصحابة ويسيطروا على العالم من جديد ويعيدوا عصر الخلافة. وكغيره من الإسلاميين المولعين بنظرية المؤامرة، أوعز سيد قطب سقوط الخلافة العثمانية إلى تآمر اليهود في اسطنبول. وكداعية للعنف الجهادي، نعت سيد قطب المسلمين غير المتدينين بالأعداء من الداخل الذين يجب التخلص منهم من أجل تحضير الجبهة الداخلية لمواجهة الغرب الكافر دون التلوث بالأيديولوجية الغربية.
وأخيراً ظهر الشيخ محمد قطب، وهو شقيق سيد قطب، وأستاذ بن لادن، وصاحب كتاب (جاهلية القرن العشرين) الذي اعتبر كل ما أنتجه الغرب من معارف وثقافات وفلسفات وعلوم وتكنولوجيا وحضارة وحداثة...الخ، منذ ما قبل سقراط وإلى الآن، هو جهل في جهل، وأن الثقافة الحقيقية هي الإيمان بالقرآن والسنة فقط. 

يستدرك المؤلف أن هذا لا يعني أن عقل كل مسلم منغلق، أو لا توجد مذاهب أخرى في الإسلام فيها انفتاح، وإنما يعني القطاع الأكبر من الإسلام السني الذين أغلقوا العقل وسدوا باب الاجتهاد، وحاربوا الفلسفة، ويستثني الشيعة لأنهم تركوا باب الاجتهاد مفتوحاً، وأشار إلى أن الإسلام الشيعي يحتاج إلى بحث مستقل.

وهنا أود توضيح مسألة لم يشر إليها المؤلف وهي، أن فقهاء الشيعة، رغم إبقائهم باب الاجتهاد مفتوحاً، إلا إنهم نادراً ما يستخدمونه بشكل فعال، أو يجرون أي تغيير يذكر وذلك خوفاً من العامة، لأن وارداتهم المالية تأتي من العوام، وليس من الحكومات كما في حالة رجال الدين السنة.

وبالعودة إلى السؤال الذي طرحه المؤلف: لماذا لم تحصل النهضة في العالم الإسلامي على غرار ما حصل في أوربا؟

يؤكد المؤلف على أن السبب هو تعطيل دور العقل في العالم الإسلامي. فالإنسان يتمتع بغريزة حب الاستطلاع، الفضول curiosity، وكسب المعرفة، واكتشاف أسرار الطبيعة، وإخضاع كل شيء للسؤال، وتوسيع مداركه بالمعارف، ولولا هذا الفضول عند الإنسان لما حصل هذا التقدم الحضاري والعلمي، والاكتشافات والاختراعات، ولبقي الإنسان بدائياً همجياً إلى الأبد. ولكن من الجانب الآخر، يرى الكاتب أن إعمال العقل في البحث والتنقيب والمناقشة والمحاجة، يؤدي بالتالي إلى زعزعة الإيمان الديني الموروث من الآباء.

وهنا يسأل المؤلف: هل من غرابة بعد كل هذا الجمود واغلاق العقل، أن تصدر فتاوى عجيبة وغريبة مثل فتوى إرضاع الكبير، وانتشار الإرهاب؟ كذلك أدمن المسلمون على نظرية المؤامرة، إذ اعتادوا على إلقاء اللوم في تخلفهم على الغرب، بينما يرى أن اللوم  يجب أن لا يقع على الغرب لنجاحه، بل على العالم الإسلامي لفشله. وهذا الفشل لم يكن نتيجة للإسلام كدين، وإنما نتيجة حتمية للانتحار الثقافي والعقلي الذي حصل قبل 11 قرناً.

كما يشخص المؤلف أن هناك مسلمون يعرفون العلة والعلاج، ولكنهم بلا جمهور، ولا أنظمة سياسية حاكمة ترغب في الإصغاء إليهم أو تحميهم. فهناك معركة حامية داخل الإسلام نفسه. وهذا الكتاب يعمل لفهم هذه المعركة ونتائجها. فيستشهد المؤلف بقول لباحث أكاديمي باكستاني وهو الأستاذ فضل الرحمن: "إن شعباً يحرم نفسه الفلسفة لا بد وأن يحرم نفسه من الأفكار الحديثة، أو بالأحرى يرتكب انتحاراً ثقافياً".

يقول المؤلف، هناك سبيلان لإغلاق العقل، الأول، هو إنكار قدرة العقل على إدراك الواقع والحقيقة. والثاني، إنكار وجود الواقع الذي يمكن إدراكه. ويسأل: هل بإمكان العقل إدراك  الحقيقة؟ وهل بإمكان معرفة الله عقلياً؟ ومن هنا حصل شرخ كبير بين العقل والحقيقة، أي بين العقل وبين الله. هذا الإنفصام ليس في القرآن، بل في الثيولوجيا الإسلامية المبكرة، والذي أدى إلى إغلاق عقل المسلم.

من الأشعري إلى بن لادن
ومن كل ما تقدم، يستنتج المؤلف، أن الإرهاب الإسلامي الذي نشهده اليوم هو نتاج إغلاق عقل المسلم الذي بدأ في القرن التاسع الميلادي على يد الأشعري. فالمشكلة فكرية كبيرة لأنها تشمل حرمان المسلمين من التطور والنمو العلمي، ونشوء أنظمة ديمقراطية ذاتياً. إن إغلاق العقل هو السبب الرئيسي لتخلف العرب، وانحدارهم إلى أسفل سلم التنمية البشرية وخاصة في العلوم، مستشهداُ  بتقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي لعام 2002. ويرى أن هذا هو سبب عدم تصديق العرب لحد الآن بنزول الإنسان على سطح القمر مثلاً، أو كروية الأرض ودورانها حول محورها كل 24 ساعة، وحول الشمس كل 365 يوماً وربع اليوم، ويعتقدون أن الكوارث الطبيعية مثل إعصار كاترينا، هو انتقام من الله على البشر لمخالفتهم أوامره.

ويسأل الدكتور رايلي: هل الإرهاب الإسلامي هو نتاج الإسلام كدين، أم الإسلاموية، أي الإسلام السياسي؟ وهل الإسلاموية هي صورة مشوهة من الإسلام؟ وإذا كان الأمر كذلك، فمن أين أتى هذا التشويه؟ ولماذا الإسلام دون غير من الأديان معرض إلى هذا النوع من التشويه؟ ويحاول الإجابة على هذه التساؤلات  في القسم الأخير من الكتاب.   

المشكلة الأخرى عند العرب هي تحفظهم وريبتهم من كل شيء غير عربي. فلما بدأ الانفتاح على الثقافة الهيلينية في عهد المأمون، ونظراً لعدم معرفتهم بالعلوم، أطلقوا عليها تعبير: "العلوم الدخيلة". والمؤسف أنه لحد الآن يستخدمون هذا التعبير التسقيطي للحط من المعارف التي يتلقاه المسلم من بلدان غير مسلمة.

ونستنتج من كل ما تقدم، أنه لولا الأشعري وحربه على المعتزلة، والغزالي وحربه على الفلسفه والعقل، ولو استمر المعتزلة في نهج العقلانية، ولو انتصر ابن الرشد على الغزالي، لما انغلق عقل المسلم، ولما تم تعطيل العقل وشل الفكر، ولما ابتلى المسلمون بنظرية المؤامرة، وإلقاء كل كوارثهم وتخلفهم وفشلهم على الأجانب والمؤامرات الدولية... والصهيونية وغيرها، و لكان وضع المسلمين مختلف الآن. فعقل المسلم هو عقل اتكالي، لا يثق بنفسه، مما أدى إلى حالة الركود والجمود الدائمين.

وهكذا نجد أن هناك سلسلة من التحولات الفكرية التي بدأت في القرن التاسع الميلادي، وكل تحول أدى إلى تحول لاحق أشد ضرراً،(السبب والنتيجة)، أشبه بسلسلة التفاعلات النووية (chain reaction)، ابتداءً بالأشعري، ومروراً بالغزالي، وابن تيمية، ومحمد بن عبدالوهاب، وحسن البنا، وسيد قطب، وصولاً إلى بن لادن، مؤسس وزعيم منظمة (القاعدة) الإرهابية.

علاقة إغلاق العقل بالاستبداد
يرى المؤلف أن انتصار الغزالي على ابن رشد في إلغاء العقل والعقلانية أعطى الحكام ذريعة للاستبداد، والتمسك بأيديولوجية المكتوب من الله، أي(الجبرية). ولذلك عندما جاء كمال أتاتورك للسلطة في تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، منع ترجمة كتب الغزالي إلى اللغة التركية.
ويسأل: لماذا لم تنشأ الديمقراطية في البلدان الإسلامية ذاتياً أي من الداخل؟ وهل تنجح اليوم؟ ويجيب أن إن السبب يكمن في تفوق سلطة القوة على سلطة العقل في الثقافة العربية- الإسلامية. وهذا يعني أن الأشعرية اليوم هي مذهب سائد، ولكن تأثيرها تضاعف في الوهابية التي هي أشد عداءً للعقل من الأشعرية. والجدير بالذكر أن محمد بن عبدالوهاب قال في أحد كتبه: "الفكر والكفر سيان لأنهما من نفس الحروف".
كما ويؤكد المؤلف أن منح الأولوية للعقل شرط أساسي للتقدم الحضاري ونجاح الديمقراطية، إذ لا ديمقراطية بدون عقلانية. وبدون العقل لا يمكن بناء مؤسسات علمية، ولا حكومة دستورية، ولا دولة مؤسسات. فإلغاء السبب المباشر وإيعاز كل شيء إلى إرادة الله، يلغي وظيفة العقل. وأولوية القوة على العقل في العالم الإسلامي السني له نفس العواقب الوخيمة. فبدون سبب ثانوي مباشر لا يمكن أن يحكم الإنسان نفسه ويفكر بحرية ومسؤولية، وبالتالي لا يستطيع أن ينمي قابلياته ويبدع، فالإبداع من البدعة، وفي الإسلام (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).

ما أخذه الإسلام السياسي من الغرب
رغم عداء الإسلام السياسي للغرب، إلا إنه كان انتقائياً في أخذ الكثير من تعاليم الشيوعية والفاشية رغم أنهما من نتاج  الحضارة الغربية، حيث أخذ منظرو الأيديولوجية الإسلاموية منهما الكثير من الأفكار دون الإشارة إليهما. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أخذ سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) فكرة (حزب الطليعة – الأخوان المسلمون)، لقيادة المسلمين إلى الحكم الإسلامي، وهي فكرة لينينية في تأسيس حزب الطليعة، الشيوعي لقيادة جماهير البروليتاريا. وكذلك هناك أفكار أخرى أخذها الإسلام السياسي من الأيديولوجيات الغربية لا مجال لذكرها.

يطرح المؤلف سؤلاً مهماً وهو: لماذا لم يأخذ الإسلام السياسي من الغرب الديمقراطية بدلاً من بعض الأفكار من الأيديولوجيات الشمولية؟
ويجيب كما يلي:
أولاً، لأن هناك تشابه بين بعض الأفكار في الأيديولوجيات الشمولية الغربية والأشعرية في الإسلام، فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف أن الأشاعرة حطوا من دور العقل، ومنحوا الأهمية للإرادة الخالصة لله، وهي نظرية مطابقة للنيتشوية (نسبة إلى الفيلسوف الألماني، فردريك نيتشة) التي تؤمن بالإرادة وأداتها القوة. والأداة السياسية المنفذة لهذه الإرادة هي الحزب النازي الألماني، إذ كما قال هانس فردريك بلانك، رئيس القسم الأدبي للفترة (1933-1935): "هذه الحكومة ولدت من خلال معارضتها للعقلانية".
وفي هذه الحالة إذا كانت الإرادة والقوة من أولويات الواقع، ففي خطوات متعاقبة يؤدي إلى النظام الشمولي (التوتاليتاري)، سواءً كانت الأيديولوجية دينية أو علمانية، فالغاية السياسية واحدة. فعندما تكون الإرادة الخالصة (وليس العقل) هي أساس الواقع، فستؤدي إلى طغيان حكم الاستبداد. وهكذا فالحركات الإسلامية قلدت الأيديولوجيات التوتاليتارية الغربية في هذا الخصوص، أي اتخذت الفاشية والشيوعية مثالاً لها للتقليد، فتبنوا مبدأ حزب الطليعة لقيادة الجماهير والاستبداد في الحكم.

كذلك هناك تشابه وتطابق في الأيديولوجيات الشمولية، الشيوعية والفاشية، مع الثقافات والتقاليد والأعراف الشرقيه. والأهم، أن هذه الأيديولوجيات تنسجم مع فكرة إلغاء العقل، وتبني مبدأ الإرادة والقوة، بينما الديمقراطية لا يمكن تحقيقها إلا بالعقلانية.

يقع الكتاب في 244 صفحة من الحجم المتوسط، جدير بالقراءة، حبذا لو تقوم دار نشر عربية بترجمته إلى اللغة العربية ونشره على أوسع نطاق، وحتى بالنسخة إلكترونية على الانترنت، لتعميم الفائدة.
The Closing of The Muslim Mind
How Intellectual Suicide Created the Modern Islamist Crisis
By Robert R. Reilly, Paperback edition, February 2011
Wilmington, Delaware
لمشاهدة صورة الغلاف يرجى الضغط على الرابط التالي
http://www.amazon.com/The-Closing-Muslim-Mind-ebook/dp/B003Y8XQLK/ref=sr_1_3?s=digital-text&ie=UTF8&qid=1362739414&sr=1-3

البريد الإلكتروني: abdulkhaliq.hussein@btinternet.com





131
نحو علاقة عراقية-أمريكية متكافئة
د.عبدالخالق حسين
توضيح
في أوائل شهر كانون الثاني من هذا العام، استلمت دعوة كريمة من (المجموعة العراقية للدراسات الإستراتيجية)، لحضور مؤتمر بعنوان ((نحو بيئة اقليمية آمنة)) للفترة من 23 - 24  شباط فبراير-2013  فى بغداد. وقد أعد الأخوة منظمو المؤتمر قائمة من المحاور وتركوا لي الخيار في اختيار المحور الذي أود التطرق إليه. فاخترت محور (الـدور الأمريكي والأوروبي المستقبلي في المنطقـــــة وتأثيره في العلاقات البينية لدولها). ولكن مع الأسف الشديد، ولأسباب شخصية خارجة عن إرادتي، لم استطع حضور المؤتمر الموقر، وقبل الأخوة الأعزاء اعتذاري مشكورين. وعليه، أقدم مداخلتي هنا كمقال، متمنياً أن تصل الفكرة إلى من يهمهم الأمر.
*****************

علاقة العراق بالغرب معقدة جداً، بين مد وجزر، مرت بأزمات شديدة، شابتها مشاعر العداء في أكثر الأحيان، منذ الحرب العالمية الأولى وإلى الآن. وللعداء مع الغرب أسباب عديدة، منها التاريخ الاستعماري، وتحيز الغرب لإسرائيل في الصراع العربي- الإسرائيلي، وتفشي الأيديولوجيات الثلاث: الشيوعية، والقومية والإسلامية. فرغم العداء المستفحل بين هذه الأيديولوجيات التي ساهمت في تمزيق الولاء الوطني، إلا إنها متحدة في عدائها للغرب الرأسمالي الديمقراطي، وبالأخص ضد أمريكا التي في نظرهم تمثل الشر المطلق، وحتى صار العداء لأمريكا وحليفتها بريطانيا شرطاً للوطنية، والمطالبة بعلاقة جيدة معهما مرادفة للعمالة والخيانة الوطنية!.

ولكن، في السياسة لا توجد عداوات دائمة، ولا صداقات دائمة، بل هناك مصالح دائمة. فبعد المظالم التي لحقت بالشعب العراقي على يد نظام البعث الفاشي الجائر، وحروبه العبثية، الداخلية والخارجية، تأكد لنا، ولو بعد فوات الأوان والخراب الشامل والتشرد، أن الدول الغربية هي التي مدت يد العون للعراقيين المشردين، وآوتهم، ووفرت لهم الأمان والعيش بكرامة، وكانت أمريكا هي التي قادت التحالف الدولي لتحرير الشعب العراقي وخلاصه من ذلك النظام الفاشي.

وبغض النظر عن مقاصد أمريكا في تحرير العراق، إذ بات مؤكداً لدى الجميع أن الشعب العراقي ما كان بمستطاعه التخلص من هذا النظام بقواه الذاتية، وقد حاول مراراً انتهت محاولاته بقتل مئات الألوف ومئات المقابر الجماعية، وتشريد الملايين في الشتات، إذ كان حزب البعث أو العبث الصدامي مستعداً للقضاء على الشعب كله في سبيل البقاء في السلطة، لذلك أطلق صدام قوله المشهور: "من يحكم العراق من بعده يستلمه خرائب بلا بشر."

مازال البعض يبرر العداء لأمريكا بأن أمريكا هي التي أسست حزب البعث، وهي التي جاءت به إلى السلطة، وعملت كذا وكذا. وهذا صحيح، ولكن كان ذلك في زمن الحرب الباردة، والصراع العنيف بين المعسكرين، الشرقي، الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والغربي، الرأسمالي الديمقراطي بقيادة أمريكا. وصار العراق ضحية في هذا الصراع. ولكن تبدلت الأحوال، وانقلب السحر على الساحر، فوجدت أمريكا أن من مصلحتها التخلص من حكم البعث بعد أن بات يشكل خطراً على مصالحها في المنطقة. لذا فمن الحكمة أن نستفيد من أمريكا في حالة توافق مصالحها مع مصالح شعبنا، وهي القضاء على نظام البعث الفاشي الجائر حتى ولو بمساعدة أمريكا التي جاءت به من قبل، وإلا نبقى نعاني من الجور والجوع والضياع في الشتات إلى أجل غير معلوم، بذريعة أننا لا نريد الخلاص بدعم أمريكا. فالحكمة تفيد: إذا كان بيتي يحترق، لا تهمني هوية فريق الإطفاء، بل ومن الجنون أن أرفض هذا الفريق لأنه من أمريكا.

قالوا أن أمريكا عملتْ ذلك للهيمنة على نفط العراق، وليس لسواد عيون العراقيين!. وجوابنا هو: هل أمريكا تريد النفط بلا مقابل، أم تشتريه بسعر السوق الذي قفز عدة أضعاف بعد تحرير العراق، وليس لأمريكا أي دور في تحديده، بل يتحدد سعر برميل النفط وفق مبدأ السوق: (العرض والطلب"؟
 ثم ماذا يفعل العراق بنفطه إن لم يبعه على أمريكا وغيرها؟ فخلال 13 سنة من الحصار، عم العراق الخراب الشامل، وألوف العراقيين صاروا طعاماً للأسماك لأنهم فضلوا الفرار، ومخاطر البحار على البقاء ليموتوا جوعاً وذلاً وقهراً في عراق البعث.

أمريكا ساهمت مع الحلفاء في تحرير أوربا من النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية التي كلفت الشعوب الأوربية نحو 55 مليون ضحية، وعشرات المدن سويت بالأرض. فالحرية ليست بلا ثمن. وكذلك حررت أمريكا اليابان من الفاشية العسكرتارية، وقصفت أمريكا اليابان بالقنابل النووية، ومازالت قواعدها العسكرية متواجدة فيها، ومع ذلك هناك علاقة حميمة بين اليابان وأمريكا. ومن ثمار هذه العلاقة أن صارت اليابان من أغنى الدول في جميع المجالات. وكذلك حررت أمريكا كوريا الجنوبية، ولنقارن بين كوريا الجنوبية والشمالية، فأيهما أفضل؟

قد يعترض البعض أنه لا توجد في هذه الدول صراعات سنة وشيعة، ولا كرد وعرب..الخ. فإذاً، في هذه الحالة، الخطأ مما يجري في العراق سببه ليس أمريكا، بل الخطأ في الشعب نفسه الذي تمسك بالصراعات الطائفية والعرقية على حساب المصلحة الوطنية. فأمريكا حررت الشعب العراقي من جور البعث الفاشي وتركت له المجال ليختار حكامه بإرادته الحرة في نظام ديمقراطي حر. وهذا موضوع طويل تطرقنا إليه عشرات المرات. وإننا نعتقد أن هذه المرحلة العصيبة التي يمر بها العراق من صراعات هي حتمية لا مناص منها، ولكن في نهاية المطاف لا بد وأن يعود السياسيون إلى وعيهم ورشدهم، وسيدركون أنه لا بد من التعايش معاً بسلام بعد أن يتمرنوا على الديمقراطية ويتعلموا قواعدها. فبعد عشرات السنين من دكتاتورية البعث، من المستحيل القفز إلى ديمقراطية ناضجة بين عشية وضحاها.

ولم تكتفِ أمريكا بتحرير العراق من الفاشية، بل وعملت على تخفيف ديونه البالغة نحو 120 مليار دولار، إضافة إلى مئات المليارات من تعويضات الحروب العبثية، والتي كبله بها نظام البعث والعبث. فشكل الرئيس جورج دبليو بوش وفداً برئاسة جيمس بيكر، وزير الخارجة الأسبق، الذي قام بجولة في عواصم البلدان الدائنة، ونجح في تخفيض الديون بنحو 90%، وهذا نصر عظيم للعراق بجهود أمريكا.
 
وعليه، أعتقد أن العراق بحاجة ماسة ومصيرية إلى علاقة متكافئة بعيدة المدى في إطار الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2011، وتفعيلها والاستفادة منها إلى أقصى حد على أسس المصالح المشتركة بين دولتين ذات سيادة كاملة. فالعراق غارق بمشاكل متراكمة عبر قرون، وبالأخص ما ورثه من مخلفات البعث، وليس بإمكان حكومته حلها دون دعم خارجي ومهما بلغ المسؤولون من دهاء وخبرة وإخلاص.

بعض الأسباب الملحة لعلاقة حميمة مع أمريكا

أولاً، بعد عشرات السنين من سياسة البعث (فرق تسد)، هناك أزمة ثقة وصراعات طائفية وأثنية وقبلية على السلطة والثروة. وإذا كانت هذه المكونات ساكتة نسبياً قبل 2003، فلا يعني ذلك أنها كانت راضية ومقتنعة بنصيبها وحظها العاثر، وإنما كانت مرغمة على السكوت بسبب شراسة قمع دكتاتورية المكونة الواحدة. وفي الحقيقة كانت تحصل انفجارات بين حين وآخر، والثورة الكردية كانت دائمة. أما في النظام الديمقراطي فالكل وجد الفرصة متاحة له ليتظاهر ويصرخ أين حقي، وليس بإمكان الحكومة الديمقراطية إسكات الناس من حق وفره لهم الدستور.

ثانياً، الملاحظ أن كل كتلة  سياسية تستقوي بحكومة أو حكومات أجنبية لتدمير الدولة والمكونات الأخرى لتحقيق مآربها. كما وبات معروفا أن إثارة هذه المشاكل والصراعات وراءها مؤسسات وحكومات خارجية في المنطقة مثل تركيا والسعودية وقطر، تعمل على إبقاء العراق مفككاً وغارقاً في مشاكله، وعاجزاً عن تحقيق الاستقرار السياسي والتقدم الاقتصادي. فالعراق مليء بالألغام، وبإمكان هذه الدول تفعيل وتفجير هذه الألغام الطائفية والأثنية في أي وقت تشاء، كما هو حاصل الآن في المناطق الغربية.

ولا أستبعد أن تكون لأمريكا يد في هذا التأجيج الطائفي. فأمريكا دولة مؤسسات، وبعض هذه المؤسسات ليست بالضرورة تعمل بعلم وأوامر مباشرة من الإدارة، قد تعمل على خلق المشاكل للحكومة العراقية كتحذير لها أنهم بإمكانهم وضع العراقيل أمامها ما لم تكن على علاقة جيدة مع أمريكا. إذ لا يمكن لتركيا والسعودية ودويلة صغيرة مثل قطر، السائرة في ركاب أمريكا، أن يخلقوا كل هذه المشاكل للعراق بدون ضوء أخضر من أمريكا.
وعلى سبيل المثال، المشاكل التي خلقتها الكويت للعراق، مثل إبقاء العراق مكبلاً بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة رغم زوال الأسباب، وكذلك بناء ميناء المبارك في خور عبدالله لخنق الموانئ العراقية، والمشاكل التي أثارتها ضد الخطوط الجوية العراقية، والتجاوزات على الأراضي العراقية... وغيرها كثير... أقول لا يمكن للكويت وغيرها من دول المنطقة خلق هذه المشاكل للعراق بدون موافقة أو حتى بإيعاز من أمريكا.

نعم، أمريكا حريصة على إنجاح الديمقراطية في العراق لأن هذا النجاح يتعلق بسمعتها، ولكن في نفس الوقت هي أكثر حرصاً على مصالحها في المنطقة من مصلحة العراق، لذلك تريد علاقة حميمة مع العراق وفق المصالح المشتركة. لذا، فبإمكان العراق التخلص من معظم هذه المشاكل بكسب أمريكا إلى جانبه، ولا أعتقد أن ذلك يخدش من سيادة العراق، بل العكس هو الصحيح، فإبقاء العراق ضمن الفصل السابع هو الذي يجعل السيادة منقوصة.

قبل أيام عممت على أصدقائي ومعارفي مقالاً بعنوان (لماذا ايران فوبيا، وليس إسرائيل فوبيا؟)(1) للكاتب السيد مروان الجنابي، فبعث لي أحد الأصدقاء تعليقاً قال فيه: ((اسرائيل عزيزة على الغرب و خاصة أمريكا بغض النظر عن الأسباب. فالذين يجاهرون بعدائهم لإسرائيل هم الشيعة فقط ممثلين بإيران و حزب الله و مقتدى الصدر. في المقابل، الحكومات السنية لهم علاقات علنية او سرية مع إسرائيل، مع ان الفلسطينيين سنة. و بهذا كسبوا رضى الغرب. إن معاداة ايران لإسرائيل لا نفع منه وعلى العكس، فيه كل الضرر. فلو غيرت ايران و نصر الله و مقتدى موقفهم من اسرائيل لتغيرت سياسة الغرب العدائية نحو الشيعة.))

لا شك في صحة هذا القول، فهو صحيح في رأيي مائة بالمائة. والدليل على ذلك، أن في عهد الشاه، استولت الحكومة الإيرانية على ثلاث جزر إماراتية، ونصب الشاه نفسه شرطي الحراسة على الخليج، فأرسل قوات مسلحة لحماية عُمان (مسقط) من ثورة ظفار الماركسية، وكل هذه الأعمال لم تحرك ساكناً من قبل الدول العربية، ولم تثر أية ضجة طائفية ضد الشيعة، رغم أن الشعب الإيراني كان شيعياً أيضاً في عهد الشاه!!، بل سكتوا عن كل ذلك لأن الشاه كان على علاقة حميمة مع أمريكا، ومع إسرائيل، وحتى كانت لإسرائيل سفارة في طهران. ولكن بعد الثورة الإيرانية طردت الحكومة الإسلامية البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية لتحل محلها ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية. ولذلك كسبت إيران ليس عداء الغرب وأمريكا فحسب، بل وعداء العرب أيضاً، فسخروا صدام حسين لشن حرب جنونية على إيران، "لحماية البوابة الشرقية للأمة العربية من الفرس المجوس!!"، وقال الملك فهد لصدام يوم ذاك: "منا المال ومنك الرجال". وبعد سقوط حكم صدام حولوا كل تلك المساعدات المالية إلى ديون باهظة على الشعب العراقي مع فوائدها المتراكمة التي فاقت الديون الأصلية.

ثالثاً،
قضية تكبيل العراق بالفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. المعروف أن أمريكا هي التي كبلت العراق بهذا البند عقاباً لصدام حسين عندما غزى الكويت يوم 2/8/1990. وعليه فأمريكا وحدها القادرة على إخراج العراق من هذا البند.
ولكن، وكما ذكرنا مراراً، أن أمريكا ليست مؤسسة خيرية، بل هي دولة كبرى تبحث عن مصالحها. لذا فقد أبقت العراق مكبلاً بهذا البند الجائر لتستخدمه عند الحاجة حسب موقف الحكومة العراقية منها في المستقبل. يعني أشبه بلعبة الشطرنج، فإذا حاولت الحكومة العراقية أخذ أي موقف ضد أمريكا، فأمريكا تمتلك سلاح البند السابع ضده، وتقول له:(كش ملك!). وإبقاء العراق مكبلاً بهذا الفصل يخلق مشاكل اقتصادية وسياسية كثيرة له، إضافة إلى المس بسيادته الوطنية. فمثلاً، قرأت مقالاً لخبير اقتصادي جاء فيه، أن الشركات الأجنبية لا تقبل أية مقاولة في العراق ما لم يضاف إلى التكاليف بنسبة 40% ، وهذا يسمى بـ(العامل العراقي) بسبب البند السابع. يعني إذا كان مشروع ما يكلف 100 مليون دولار في الأردن مثلاً، يكلف العراق 140 مليون دولار. لذا فيمكن أن نتصور حجم الخسائر التي تلحق بالعراق بسبب تكبيله بهذا الفصل وهو مقبل على الإعمار الذي يكلف مئات المليارت.

ومن هنا لا بد من علاقة جيدة مع أمريكا للتخلص من هذا الفصل. إذ كما قال الباحث الأستاذ خدر شنكالى عن قرارات الأمم المتحدة ضد العراق بعد غزوه للكويت، في مقال له بعنوان: (العراق والفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة): "ان جميع هذه القرارات قد صدرت ضمن الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ولازالت سارية المفعول تجاه العراق وان آثارها لا يزال يعاني منها الشعب العراقي. وان بقاء العراق تحت طائلة هذه القرارات والعقوبات المفروضة بموجبها، والتي لا مبرر لبقائها لحد الآن، بالتأكيد سوف يعرقل نموه الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والتكنولوجي وحتى العسكري ولا يستطيع ان يسترد عافيته وسيادته الكاملة، وان يكون عراقا حرا إلا بعد التخلص من تبعات الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة وبشكل كامل...".(2)

المفارقة أن معظم العرب والإعلام العربي يشتمون أمريكا ليل نهار، ويعيبون على العراق علاقته بأمريكا، إذ كشفت دراسة أن 80% من العرب يكرهون أمريكا ويناصبونها العداء، ولكن في نفس الوقت يتمنى 60% منهم الهجرة إليها والعيش فيها كما أظهر ذلك تقرير التنمية العربية للأمم المتحدة لعام 2002. وأنا أعتقد أن النسبة أكثر من ذلك بكثير، بل وحتى الحكام العرب أنفسهم يحلمون بالعيش في أمريكا. فلولا أمريكا لكان صدام يحكم الآن كل دول شبه الجزيرة العربية، ويمارس هوايته المفضلة في نشر المقابر الجماعية. [راجع مقالنا: لولا أمريكا،(3)]
وحتى الشيوعيون العراقيون، الأعداء التقليديون للغرب والرأسمالية "المتوحشة"، وفي عز الكتلة الإشتراكية،  كانوا يفضلون اللجوء إلى الدول الغربية على الدول الشيوعية.

المفارقة الثانية، أنه ليس الإعلام العربي وحده يعيب على العراق علاقته بأمريكا، بل هناك دول عربية مثل دولة قطر أو بالأحرى، دولة فضائية الجزيرة، القناة التي خصصت معظم برامجها للتأليب على أمريكا وعلى العراق الجديد. والحقيقة أن تأليب قناة الجزيرة القطرية على أمريكا هو تمثلية مفضوحة لذر الرماد في العيون، فعلى بعد أمتار من هذه الفضائية توجد لأمريكا أكبر قاعدة عسكرية. ونعرف أن حكومة قطر هي وراء إشعال الفتن الطائفية في سورية والعراق.

وللأسباب أعلاه وغيرها كثير، أعتقد جازماً، أنه لا يمكن للعراق أن يتغلب على مشاكله ويعيش بسلام واستقرار إلا بمساعدة الدولة العظمى. فالعراق بحاجة إلى أمريكا، وأمريكا بحاجة إلى العراق، وأمريكا ليست الشر المطلق كما يتصور البعض، وأنا أيضاً كنت أحمل هذا التصور الخاطئ في الماضي بتأثير الدعاية الشيوعية. ولي مبرراتي في تغيير موقفي من أمريكا ذكرتها في مقالات عديدة، أدرج رابط أحدها في الهامش(3). فلأمريكا الفضل في تحرير العراق، وإطفاء 90% من ديونه، والمساعدة في بناء جيشه وقواته الأمنية. لقد ترك البعث العراق خرائب وأنقاض، ويحتاج إلى عشرات السنين لإعادة بنائه، وشعبه منقسم على نفسه. لذا فالأولوية الأولى للحكومة العراقية هي مصلحة العراق وإعادة إعماره أولاً وأخيراً، وليس زجه في صراعات إقليمية ومعاداة أمريكا أو أية دولة أخرى.

كذلك، وكما ذكر سفيرنا في واشنطن، الدكتور جابر حبيب جابر في مقال له(4) أن من مصلحة البلدين بناء علاقة حميمة بينهما ضمن إطار الاتفاقية الإستراتيجية الموقعة بينهما عام 2011. فالعراق يستطيع أن يلعب دوراً إيجابياً لصالح أمريكا في المنطقة، وبالأخص مع إيران، إذ يمكن العراق أن يؤثر على إيران حول برنامجها النووي. والسؤال الملح هو: ماذا ستكسب إيران لو امتلكت السلاح النووي، والذي بسببه تعرضت إلى هذا الحصار الجائر، فبإمكان الحكومة الإيرانية أن تستفيد من تجربة صدام الذي كان يسعى لامتلاك السلاح النووي، وهو الذي صرح متباهياً أنه سيحرق نصف إسرائيل، وبالتالي أحرق الكويت والعراق، وانتهى في حفرة حقيرة.

والجدير بالذكر، أن هناك إشارات إيجابية من إدارة الرئيس أوبابا في اتجاه تخفيف التوتر في المنطقة. فإصراره على تعيين جاك هاغل (chuck hagel) وزيراً للدفاع، رغم اتهامه من قبل اليمين الأمريكي واللوبي الإسرائيلي "بعدم اقترابه بما يكفي من إسرائيل، وبسذاجته حيال الموقف من إيران"، فيه أكثر من إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تريد السلام في المنطقة وليس إشعال الحروب.

وختاماً، أتذكر، وأنا في مرحلة المتوسطة إثناء حكومة ثورة 14 تموز، وكان الشهيد فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب يحاكم المرحوم محمد فاضل الجمالي، رئيس وزراء سابق في العهد الملكي. وكنا نتابع المحاكمة من الراديو، فقال له المهداوي أنك عميل لأمريكا. فأجاب الجمالي: لا يا سيادة الرئيس، أنا لست عميلاً لأمريكا بل صديقاً لها لأني أعتقد أن مصلحة بلادي تقتضي علاقة جيدة مع هذه الدولة العظمى للإستفادة من إمكانياتها. وكان الجمالي هو أول سياسي عراقي يحمل شهادة دكتوراه من أمريكا، وقد تتلمذ على يد الفيلسوف الأمريكي المعروف جون ديوي. لذلك عندما صار رئيساً للوزراء في الأربعينات، حاول تطبيق الديمقراطية الليبرالية تدريحياً، ولكن نوري السعيد ورهطه من مخلفات العهد العثماني كانوا أقل من أن يستوعبوا هذه السياسة وفوائدها، ولولا إجهاض نوري السعيد لمحاولات الجمالي في دمقرطة العراق لما مر العراق بكل هذه الإرهاصات والكوارث، إذ كما قال الشهيد الزعيم عبدالكريم قاسم: "لو كنا نعلم أن هناك حلولاً سلمية للأزمة لما قمنا بالثورة".

مسك الختام، سيداتي وسادتي، لن يتمكن العراق من حل مشاكله المتراكمة لوحده وهو محاط بالأعداء، إلا بمساعدة أمريكا وذلك بقيام علاقة استراتيجية حميمة معها. فوظيفة السياسة تحقيق أكبر قدر من المصالح للشعب، وفق فن الممكن.
ألا هل بلغت، اللهم أشهد.

العنوان الإلكتروني: abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
الموقع الشخصي: http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:  http://www.ahewar.org/m.asp?i=26   
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
1-- مروان الجنابي: لماذا ايران فوبيا بدل اسرائيل فوبيا؟
http://www.wasatonline.com/index.php?option=com_content&view=article&id=183313:2013-02-22-01-11-51&catid=42:2009-10-14-13-57-23&Itemid=120

2- خدر شنكالى : العراق والفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة
http://www.kbreahaliraq.com/vb/showthread.php?t=31094
3- عبدالخالق حسين - لولا أمريكا...
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=59875

4- JABIR HABEB : Ten years after overthrowing Saddam, Iraq and the U.S. must build partnership
http://www.kentucky.com/2013/02/27/2533801/ten-years-after-overthrowing-saddam.html#storylink=cpy


132
في العراق فقط، الخيانة الوطنية عمل وطني!

د.عبدالخالق حسين

في البدء، أود التوكيد أني ضد إطلاق الاتهامات جزافاً على أناس لمجرد أنهم يختلفون معي في الرأي، فـ"الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" كما تفيد الحكمة. ولكن ما أقصده في هذا المقال عن الخيانة الوطنية، وعلى قدر فهمي لها، هي: قيام المواطن بعمل ما بقصد إلحاق الضرر بالمصلحة الوطنية، بشرياً، أو مادياً، أو معنوياً، خدمة لمصلتحه الشخصية والفئوية. ومَنْ عنده تعريف أفضل فليأت به، لأني أريد أن أتعلم من المهد إلى اللحد.

قبل ما يقارب التسع سنوات نشرتُ مقالاً بعنوان: (اللهم احفظ العراق من العراقيين)، عاتبني البعض عليه بأني أشكك في اخلاص وحب العراقيين لوطنهم. في الحقيقة أنا لا أنكر على العراقيين حبهم وإخلاصهم لشعبهم ووطنهم، فجحافل شهدائهم تشهد بذلك، ولكن هناك الكثير منهم ساهموا ومازالوا يساهمون في تدمير العراق باسم الوطنية، كذباً وزوراً.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، قرأنا قبل أسابيع، مقالات وتقارير تفيد أن موظفي مكاتب الخطوط الجوية العراقية تصد المسافرين عن حجز تذاكر السفر على خطوطهم قائلين أن جميع المقاعد محجوزة، وهي ليست كذلك، بل خدمة لشركات الخطوط الجوية الأجنبية مقابل المال الحرام. وهذا لم يحصل إلا في العراق، وهو عمل خياني بحق الوطن بالتأكيد.

كما قرأنا أن دبلوماسيين يعملون في سفارات عراقية ينصحون الشركات الأجنبية بعدم الاستثمار في العراق كي لا يخسروا أموالهم!، وآخرون يحرضون ضد الحكومة العراقية المنتخبة ويصفونها بأسوأ الصفات. وفيما يخص وزراء فاسدين ينهبون أموال الدولة ويفرون للعيش في الخارج فصار حديث العصر وضربوا رقماً قياسياً.

أما قائمة الافتراءات والإشاعات السامة لتشويه سمعة العراق الجديد والحكومة المنتخبة وتشويه صورة الديمقراطية، فحدث ولا حرج، وقد ذكرت العديد منها في مقالات سابقة. ولكن أود أن أشير هنا إلى فرية جديدة مازالت (طازجة!!) تتناقل بالإيميلات على شكل "تقرير" بعنوان: (استياء دولي من موافقة العراق لبناء مكب نووي) جاء فيه: "جريمة من نوع جديد بحق العراق الحبيب. هؤلاء الانذال يودون بيع العراق وتلويثه لعشرات السنين قادمة قبل ان يتركوا الكرسي، انهم خونه بحق الشعب، استياء دولي من قيام العراق يتفق مع الاتحاد الاوربي بناء مكب للنفايات النووية. (وكالة الاستقلال للاخبار، 07-01-2013) وتليه عبارة: (الرجاء حوِّل هذا الإيميل لأكبر عدد ممكن من معارفكم).
إن وكالة أخبار مستقلة تحترم نفسها، وتسعى لكسب ثقة الناس لا يمكن أن تنشر هكذا خبر، وبهذه اللغة الركيكة و الشتائمية السوقية البذيئة، فهي لغة أيتام البعث بامتياز. ولكن المؤسف أن التقرير المزعوم من "وكالة مستقلة" صدق به ناس معروفون بوطنيتهم وإخلاصهم لشعبهم، ومع ذلك يبدو أنهم غير محصنين ضد الإشاعات والافتراءات، فيصدقون كل ما يقرؤون، ويساهمون بحماس في تعميمه وبدوافع وطنية طبعاً.

وأخيراً، وليس آخراً، الطامة الكبرى، إذ قرأنا عن رسالة وقعها نواب من الكتلة "العراقية"، نعم نواب منتخبون من أبناء الشعب، المفترض بهم أن يكونوا قدوة في خدمة الشعب والوطن، وجهوا رسالة إلى البرلمان الأوربي، طالبوا فيها بالامتناع عن توقيع اتفاق الشراكة والتعاون مع العراق، كي "لا يبدو الأمر وكأن الاتحاد يدعم حكومة نوري المالكي". والرسالة موجهة إلى رئيس لجنة العلاقات مع العراق في الاتحاد الأوربي ستراون ستيفنسن، وموقعة من قبل النواب: أحمد العلواني، ولقاء مهدي، وأحمد المساري، وطلال الزوبعي، وحامد جاسم، وعتاب جاسم، وحسن الجبوري، والمؤرخة في 14 كانون الثاني 2012 . (السومرية نيوز، بغداد، 12/2/2013).
لا شك أن هكذا عمل يعتبر في جميع دول العالم، ووفق جميع المعايير الدولية، خيانة وطنية، لأن القصد منه إلحاق الضرر بالشعب والوطن.

في الأنظمة الديمقراطية لا بد من منافسة بين الكتل السياسية، فمن يراقب المجادلات في البرلمانات الأوربية، يعرف مدى شراسة المنافسة بين نواب أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة. ولكن المنافسة هنا نزيهة وتهدف إلى إقناع الناس بمن هو الأكفأ لحكم البلاد لتقديم أفضل الخدمات للشعب. ولكن حالما يبرز خطر يهدد المصلحة الوطنية، فسرعان ما تقف أحزاب الحكومة وأحزاب المعارضة صفاً واحداً لدرأ الخطر. هذه القاعدة عامة في الديمقراطيات الناضجة والناشئة ما عدا العراق. فهؤلاء النواب العراقيون الذين وجهوا رسالة عدم التعاون مع العراق، و رغم مشاركتهم في السلطة، فضلوا إلحاق الضرر بشعبهم بغضاً لرئيس الوزراء لأنه ليس من طائفتهم.

فلو كان رئيس الوزراء، السيد نوري المالكي من مذهب هؤلاء الموقعين على الرسالة، لما أقدموا على عملهم الشنيع هذا. فطائفيتهم واضحة من قائمة الشتائم التي وجهوها إلى 65% من الشعب العراقي دون خجل، ونعتهم لهم بالفرس المجوس، والصفوية، واتهامهم بالعمالة لإيران...الخ، إلى حد أن قال أحد قادة التظاهرات في الرمادي، الشيخ أحمد أبو ريشة، أنهم يريدون مخاطبة الحكومة وكتابة شعاراتهم باللغة الفارسية !!! في إشارة خبيثة إلى أن الحكومة التي يترأسها السيد المالكي هم إيرانيون لا يفهمون العربية!!. وهذه التهمة الغبية ليست جديدة، بل برزت منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن في الطعن بعراقية وعروبة شيعة العراق. وهذا عيب شنيع عليهم، ويضرهم أكثر من غيرهم، إذ لو صدق قولهم، فهذا يعني أن نسبة "العرب الأقحاح- السنة فقط" في العراق لا يزيد على 15%، وفي هذه الحالة لا يحق لهم اعتبار العراق بلداً عربياً، بل ويحق لإيران إلحاق المناطق الشيعية من العراق بها كما عملت تركيا باحتلال الجزء التركي من جزيرة قبرص!! 

فإذنْ، كل هذه الضجة هي لأسباب طائفية ليس غير. وهذا دليل على أن الطائفية عندهم أقوى من الوطنية، بل وحتى لأقوى من القومية التي كانوا يتشدقون بها، وذبحوا ثورة 14 تموز  باسمها. والمؤسف أنه حتى رئيس البرلمان، المفترض به أن يمثل كل العراقيين وليس مكونة واحدة منهم، لم يستطع إخفاء مشاعره الطائفية، إذ وقف إلى جانب النائب أحمد العلواني الطائفي عندما كان يكيل الشتائم للشيعة.

ولذلك، لا نستغرب من هؤلاء حقدهم الشديد على الديمقراطية. فالديمقراطية تعني حكم الأغلبية وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع، وهذا ليس في صالحهم، خاصة وقد أدمنوا على احتكار السلطة خلال 80 سنة، وعاملوا بقية المكونات من الشعب العراقي كمواطنين من الدرجة الثانية أو العاشرة، أو حتى أجانب لا يحق لهم المشاركة في حكم بلادهم. فمشكلة هؤلاء أنهم مازالوا يعتبرون العراق مستعمرة لهم، وشعبه عبيد في خدمتهم. ننصحهم أن يتكيفوا مع الزمن وفق المستجدات، وأن يتخلصوا من عقلية عفا عليها الزمن، وان يقبلوا بالديمقراطية ودولة المواطنة ومعاملة الجميع بالتساوي أمام القانون والواجبات وتكافؤ الفرص، إذا ما أرادوا أن يعيشوا بأمن وسلام ودولة الرفاهية والازدهار. فمن لم يتطور ويتكيف مع المستجدات ينقرض كما انقرضت الدينصورات.

يوعز البعض من أصحاب النوايا الحسنة انفجار الطائفية إلى الأحزاب الإسلامية وخاصة الشيعية منها. طيب، وهل النائب أحمد العلواني، والهارب من وجه العدالة طارق الهاشمي، ومحمد الدايني وغيرهم كثيرون، هم من أحزاب إسلامية؟ أليسوا علمانيين كما يدعون؟
لذلك نقولها مرة أخرى، أن الطائفية لا علاقة لها بالأحزاب الدينية أو العلمانية، وإنما لها علاقة بوعي وثقافة الإنسان وتربيته العائلية.

لذلك نهيب بالمسؤولين الحريصين على مصلحة وسمعة العراق، العمل على تجريد النواب الذين قدموا الرسالة إلى البرلمان الأوربي لإلحاق الضرر بالعراق، من الحصانة البرلمانية، وتقديمهم للقضاء بتهمة الخيانة الوطنية ومخالفة الدستور، والحنث باليمين الدستورية والانقلاب على الديمقراطية.

أما الذين رددوا شتائم طائفية ضد الأغلبية الشعبية، فبالتأكيد يعتبر عملهم هذا خيانة وطنية، لأن القصد منه تفتيت الوحدة الوطنية، وإشعال حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. فهناك مادة دستورية يجب تطبيقها بحقهم، إذ تنص المادة 7، أولاً : "يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنى العنصرية او الارهاب او التكفير أو التطهير الطائفي، او يحرض أو يمهد أو يمجد او يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون."

كذلك يطالب النائب أحمد العلواني وغيره من قادة التظاهرات والاعتصامات في المحافظات الغربية، بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب، وقانون المساءلة والعدالة...الخ، وهذه الطلبات هي الآخرى ضد الدستور، والمصلحة الوطنية، إذ جاء في نفس المادة 7، ثانياً: "تلتزم الدولة بمحاربة الارهاب بجميع اشكاله، وتعمل على حماية اراضيها من ان تكون مقراً أو ممراً أو ساحةً لنشاطه".
ولا نقول ذلك بطراً ضد أحمد العلواني، بل نؤكده بالصوت والصورة، حيث وضعنا في الهامش رابطاً لمقابلة تلفزيونية معه، يرجى فتحه لمشاهدة اللقاء الذي يفضح موقفه المحرج عندما حاصره المذيع بمنتهى الحرفية بالأدلة الدامغة حول تحريضه الطائفي.(3) 
 
نعم، يرتكب هؤلاء جرائهم بحق الشعب والوطن باسم الوطنية...
حقاً ما قاله صموئيل جونسون: "الوطنية آخر ملاذ للأوغاد".

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــــــــــــ
1-  وثائق: برلمانيون طالبوا الاتحاد الأوربي بعدم توقيع اتفاق تعاون مع العراق كي لا يعد دعما للمالكي
http://www.akhbaar.org/home/2013/2/142129.html

 2- محمد ضياء عيسى العقابي: دعوة نواب إئتلاف العراقية الإتحادَ الأوربي لمحاصرة العراق
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=345090

3- مقابلة تلفزيونية مع النائب أحمد العلواني، يرجى فتح الرابط
http://www.youtube.com/watch?v=WliUDkLaZVk


133
هل صححت السعودية سياستها إزاء العراق؟

د.عبدالخالق حسين

منذ أسابيع ونحن نلاحظ توقف الصحافة السعودية بوصف رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي بأنه رجل إيران، بعد سنوات من الحملات الإعلامية الظالمة ضد العراق الجديد. ذكرنا في مناسبات عديدة أن هناك ثلاثة أسباب للموقف السعودي المعادي من العراق الديمقراطي: سياسي، ضد الديمقراطية، وطائفي ضد مشاركة الشيعة في الحكم، واقتصادي، لأن العراق مقدم على زيادة إنتاج وتصدير النفط في حدود 12 مليون برميل يومياً، وهذا ليس في صالح النظام السعودي.

لذلك، وخلال السنوات العشر الماضية كانت السعودية تشن حرباً بلا هوادة على العراق وعلى جميع الصعد، سياسية، حيث امتنعت السعودية وقطر بالمشاركة في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في بغداد بمستوى لائق، إضافة إلى تصريحات تحريضية طائفية بالادعاء أن حكومة المالكي فشلت في تحقيق التوازن السياسي بين مكونات الشعب العراقي، ونحن نعرف أن السعودية لا تقبل حتى شهادة الشيعي في المحاكم في بلادها رغم أن الشيعة يشكلون نحو 15% من السكان، ناهيك عن رفضهم الشيعي في أية وظيفة حكومية. وإعلامية لتشويه سمعة حكومة المالكي، وإرهابية، لزعزعة الوضع في العراق عن طريق إرسال الإرهابيين العرب، ودعم عصابات الجريمة المنظمة وفلول البعث بالمال والسلاح لقتل العراقيين وتدمير ممتلكاتهم، وزعزعة الأمن والاستقرار.

وإنصافاً  للحقيقة وللرجل، فقد واجه المالكي، كل هذه الحملات الظالمة بالحكمة وصبر أيوب. ويبدو أن هذه السياسة نجحت، فهاهم صناع القرار السياسي في السعودية وصلوا إلى قناعة أن سياستهم هذه تعود عليهم بالضرر الشنيع، وإن استمروا عليها فهم أول من يدفع ثمنا باهظاً. لقد أدركوا أن طموحات أخوان المسلمين لا تقف عند حد، فهم يستخدمون السعودية ودولاً أخرى لأغراض تكتيكية مؤقتة، الغاية منها إسقاط حكومات عربية فاسدة كما حصل في انتفاضات (الربيع العربي)، والتي نجح الأخوان المسلمون في اختطافها وتحويلها إلى ربيع لهم. وهاهي السعودية نفسها صارت هدفاً للأصوليين المتطرفين، ولا بد من أن يصلها الحريق إذا ما واصلت سياستها الداعمة للإرهاب في العراق وسوريا.

إن الدور القذر الذي تلعبه تركية أردوغان، وقطر حمد باللعب بالورقة الطائفية ضد الشيعة، سوف لا يتوقف عند سوريا والعراق، بل ستشمل دول المنطقة كلها دون استثناء بما فيها اللاعبون الكبار وعملائهم الصغار. وهذا ما أدركته أمريكا في الآونة الأخيرة، لذلك جاء تحذير السفير الأمريكي في أنقرة، فرانسيس ريتشاردوني، للحكومة التركية بـ(تسوية الأمور مع بغداد). وهذا التحذير لم يأت من فراغ.(1)

ومن علامات تغير الموقف السعودي من العراق إيجابياً، وبالأخص من رئيس الوزراء العراقي السيد المالكي، قامت صحيفة الشرق الأوسط السعودية بإجراء مقابلة صحفية مع السيد نوري المالكي إثناء تواجده في القاهرة لحضور مؤتمر القمة الإسلامي (2). ومن طبيعة الأسئلة وسياق الإجابات، نعرف أن هذا اللقاء هو الآخر علامة طيبة في تحسن العلاقة بين البلدين. فهناك معلومات تفيد أن أكبر الدول العربية مستهدفة من قبل تآمر دولي، استخدموا له حزب الأخوان المسلمين والقاعدة وفروعها (جبهة النصرة وغيرها)، أداة للتنفيذ، والدول المستهدفة هي: مصر والسعودية والعراق وسورياً. وما يجري في العراق من تظاهرات واعتصامات بحجة مطالب الجماهير المشروعة، ما هو إلا خطوة من خطوات عديدة لتنفيذ هذا المخطط الجهنمي، وهو يشبه إلى حد ما التآمر الدولي الذي تعرض له العراق في شباط 1963 والذي اغتالوا به أشرف حكومة وأنزه قيادة وطنية عرفهما العراق طوال تاريخه. والملاحظ أن المتآمرين في معظم العهود كانوا من المحافظات الغربية "البيضاء" ضد محافظات الوسط والجنوب "السوداء" على حد وصف سيدهم المقبور صدام، وبدوافع طائفية. لذلك، نراهم اليوم يستخدمون نفس الوسائل والأساليب المستهجنة، الكذب، وكيل الاتهامات الباطلة مثل الادعاء بـ: دكتاتورية رئيس الحكومة، والاعتداء على شرف الماجدات المجاهدات (حسنة ملص في عهد تموز، وصابرين الآن)، والإدعاء بقتل أطفال السنة، وكيل أبشع الشتائم ضد أكبر مكونة في الشعب العراقي دون أدنى خجل. فمن نافلة القول، أنه لا يمكن الدفاع عن مطالب مشروعة بالوسائل الباطلة. وإذا نجحت أساليبهم الشريرة في الماضي فلا يمكن أن تنجح هذه المرة، لأن عراق اليوم هو غير عراق ما قبل 2003، لأنها قضية حياة وموت، أن يبقى العراق أو يزول، ولا يمكن لهذا الشعب أن يزول.

كذلك لاحظنا تحسن العلاقة بين العراق واالسعودية من إجابات السيد نوري المالكي في المقابلة المذكورة عندما سأله مراسل الصحيفة: "وماذا عن العلاقة مع السعودية؟" فأجاب: "لدينا مع السعودية تحسن وتطور في العلاقة، ومنذ البداية كنا نرغب في هذه العلاقة، وأول زيارة لي قمت بها الى السعودية، لأنني أعلم أن العلاقة الطيبة بين البلدين، سوف تنعكس بالقوة على المنطقة والوضع العربى... والآن مازلنا في نية البحث عن أفق لعلاقات قوية مع السعودية، ونسعى لأن يكون هناك تعاون مع الدول نعتقد أنها في ظل التطورات الحديثة مثلت حالة الاعتدال، والسعودية تمثل هذا."

خلاصة القول، نتمنى أن نكون قد أحسنا التقدير بإقدام الحكومة السعودية على تصحيح سياستها من العراق، لأن في ذلك مردود إيجابي، ليس على الشعبين الشقيقين فحسب، بل وعلى جميع شعوب المنطقة التي هي بأمس الحاجة إلى الأمن والاستقرار، وبالتالي لتنعم باستثمار ثرواتها الهائلة في الإعمار، والازدهار الاقتصادي، والتنمية البشرية، بدلاً من تبديها في الحروب وتصدير الإرهاب.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
1- واشنطن : نريد من انقرة تسوية الامور مع بغداد لتكون بديلا عن هرمز ونحن قريبون جدا من المالكي
http://www.faceemirates.com/inews.php?id=1384916
 
2- المالكي في حوار مع «الشرق الأوسط»: النظام السوري لن يسلم.. أو ينسحب‎
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12492&article=716568



 


134
هل الحل في تقسيم العراق؟

د.عبدالخالق حسين

أوعدتُ في مقالي السابق الموسوم (العراق في مفترق الطرق )، أن أطرح حلولاً لما يواجهه الشعب العراقي من تصعيد غير مسبوق لأزمته الدائمة في صراعاته الطائفية والأثنية، إلى حد أن رفع الأخوة الأعداء شعارات وهتافات شتائمية بذيئة إلى كسر العظم كما يقولون. فما الحل الآن بعد أن وصل العراق إلى مفترق الطرق. أي طريق يسلك؟ هل الحل في تقسيم العراق إلى ثلاث دول، أو دويلات مستقلة، أو دولتين، واحدة عربية وأخرى كردية؟ أم فيدراليات، أو كونفيدراليات، أو التعايش مع هذا الوضع المزري إلى أن يجتاز العراقيون المراهقة السياسية ويبلغوا سن الرشد؟

بعد نشر المقال المشار إلمشار إيه أعلاه، استلمت جملة من الأفكار ومشاريع حلول، كما وقرأت العديد من مقالات لكتاب أكاديميين ومفكرين، وصحفيين، وكذلك تصريحات بعض السياسيين، وتعليقات ورسائل الكثير من القراء الكرام.
على العموم، يمكن تقسيم الآراء والمواقف إلى قسمين: الأول مع التقسيم، والثاني ضد القسيم... أحاول عرض البعض منها بإيجاز نظراً لأهميتها وقوة طرحها، ومناقشتها للوصول إلى استنتاج.

دعاة التقسيم
يرى دعاة التقسيم أن الشعب العراقي في هذه المرحلة غير قابل للتعايش في دولة واحدة بإرادته الحرة وفي ظل نظام ديمقراطي وفر لجميع مكونات الشعب حق الاختيار في العيش معاً أو افتراقاً. ويرى هؤلاء أن الوحدة الوطنية غير مقدسة، وأنها غير موجودة أصلاً لتكون مقدسة أو غير مقدسة لكي نحافظ عليها. فبعد كل هذا الطوفان من الحقد الطائفي الذي طفح على السطح مؤخراً، وصبه المتظاهرون في المثلث السني على الشيعة، فما الذي يجمع هؤلاء الأخوة الأعداء في دولة واحدة إذا كان البديل (الانفصال) ممكناً؟
وفي هذا الخصوص: "اعرب النائب عن التحالف الوطني، جواد البزوني في تصريح خطير ان حل الازمة التي يمر فيها العراق هو تقسيمه الى ثلاث دول، متهما ارادات وأجندات داخلية وخارجية بالعمل من اجل تقسيم البلد، مشيرا الى ان تقسيم العراق بات اليوم مطلبا سياسيا وشعبيا، حسب قوله، داعيا الشيعة في محافظتي نينوى وكركوك الى "الهجرة للجنوب".

ففي عصرنا كانت هناك شعوب وقوميات موحدة في فيدراليات، مثل الاتحاد السوفيتي، ويوغوسلافيا، ولكن ما أن انهارت الأنظمة الشيوعية حتى وانفرط عقد هذه الفيدراليات، وانتهت بتكوين دولها القومية إما بالوسائل السلمية كما في جمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقاً، أو عن طريق حروب إبادة الجنس، وتدخل دول أجنبية كما حصل في بلاد البلقان، أو عن طريق حروب طويلة المدى كما حصل في تقسيم السودان. 

ومما يجدر ذكره، أن التقسيم ليس خاصاً بدول العالم الثاني والثالث، أو نتيجة التخلف الحضاري..الخ، بل ويحصل حتى في العالم الأول المتقدم كما هو المخطط في سكوتلاندة التي تطالب بالانفصال من المملكة المتحدة (بريطانيا) وتم ترتيب إجراء استفتاء شعبي في العام القادم، وكذلك مقاطعة كتالونيا تطالب بالانفصال من أسبانيا. ففي عصر العولمة يسير العالم في طريق ذي اتجاهين متعاكسين، اتجاه نحو التقارب بين الدول بتكوين فيدراليات اقتصادية بمحض اختيار وإرادة شعوبها، مثل الاتحاد الأوربي، واتحاد أمريكا اللاتينية، واتحاد أمريكا الشمالية، والوحدة الأفريقية، واتحاد جنوب شرقي آسيا...الخ، واتجاه آخر معاكس يقود إلى انفصال شعوب تنتمي إلى دولة واحدة تحلم بتحقيق دولها القومية، مثل كتالونيا وسكوتلاندا وكردستان...

يتكون الشعب العراقي من ثلاث مكونات كبيرة متصارعة فيما بينها، موزعة جغرافياً: العرب الشيعة (محافظات الوسط والجنوب)، العرب السنة (الحافظات الشمالية الغربي)، الكورد (المحافظات الشمالية الشرقية). إضافة إلى أقليات قومية ودينية أخرى، التركمان، والمسيحيين، والصابئة، والأيزيديين، والشبك  وغيرهم.

فبالنسبة لإقليم كردستان، كتب لي صديق رداً على من يعارض التقسيم، قائلاً:
((هل العراق هو موحد حاليا؟ هل يمكن لشرطي عراقي أن يدخل كردستان؟ فحتى المواطن العراقي من المحافظات العراقية غير الكردستانية لا يسمح له دخول كردستان إلا بتأشيرة دخول (فيزة) كأي أجنبي. وهل وهل...الخ؟ بنظري أن العراق مقسم حاليا، فالأكراد مستقلون فعليا وعمليا في موطنهم التأريخي كردستان، و لا سلطة للحكومة الفدرالية على كردستان. وحق تقرير المصير مبدأ كفلته منظمة الأمم المتحدة، فلماذا لا تكون عندنا الشجاعة الكافية ونعترف بالواقع؟ أرى انه من الأفضل ان نفترق وديا وعقلانيا كما فعل الجيك والسلاف عبر مفاوضات مفصلة تعيِّن الحدود والصلاحيات والعلاقات، و نبقى اصدقاء تربطنا بهم علاقات ود و صداقة وتجارة واقتصاد الخ.. هذا هو الحل الحضاري لوضع العراق. و أرى انه أولى بالحكومة المركزية ان تبادر بالخطوة الاولى و تقترح ذلك على حكومة كردستان باستقلال كردستان، الدولة الصديقه التي تربطنا بها علاقات اقتصادية وثيقة سوف لا يكون للأكراد اي نفوذ أو وزراء، أو أعضاء في الحكومة المركزية، او البرلمان المركزي، و لا ندفع  17بالمائة...الخ من قوت ابن الوسط و الجنوب. هذا ما اراه صالحا للعراق و هذا ما اراه قادماً، اي انفصال كردستان عن العراق شئنا ام أبينا، و لكن ارجو ان يكون ذلك سلميا"- مع تحياتي القلبية)) أنتهى.

مناقشة: هذا الكلام سليم جداً، وأنا أتفق معه. فقد حرَّم الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) في معاهدة لوزان عام 1923، الشعب الكردي من التمتع بحقه في إقامة دولته القومية أسوة ببقية الأمم. وقسموا كردستان على أربع دول: تركيا، وإيران، والعراق وسوريا. ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لم يتوقف الاقتتال بين الحكومة المركزية والحركة الكردية إلا في بعض فترات الهدنة. وإذا كان الصراع قبل 2003 بين الحركة الكردية والحكومات العراقية المركزية المتعاقبة، فإن الصراع يهدد الآن ولأول مرة بالتحوَّل إلى ما بين الشعبين، العراقي والكردي، وحتى يرفض الكرد اعتبار أنفسهم عراقيين، ويفضلون عليه تعبير(مواطنو كردستان الجنوبية) وهذا من حقهم.

ومنذ تحرير العراق من حكم البعث الفاشي، لعب السيد مسعود البرزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيس الإقليم، دوراً فعالاً في عدم استقرار العراق، وتحت مختلف الحجج. فهو على الدوام ضد الحكومة الفيدرالية، وأياً كان رئيسها، وضد تسليح الجيش الوطني، وضد تحركات الجيش العراقي في المناطق الشمالية من العراق لملاحقة الإرهاب... الخ، ويقف مع أية حركة في بقية مناطق العراق من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار في العراق كما تجلى ذلك في موقفه من تظاهرات المثلث السني الآن، حيث قام بتوجيه دعوة إلى الطائفي، الشيخ يوسف القرضاوي، العدو اللدود لشعبنا العراقي، ليزور كردستان وليستخدمه في دعم ما يسمى بانتفاضة "الربيع السني"، لإشعال الفتنة الطائفية في العراق. فهكذا وحدة بالتأكيد غير مرغوب فيها، وهي الضد من مصلحة الشعبين، العراقي والكردستاني. وإذا كان الشعب الكردستاني يختار الانفصال بدولته القومية المستقلة فبه، وليكن الانفصال سلمياً، وألف مبروك عليهم.

ولكن،
ولكن، يجب أن نضع في نظر الاعتبار، أن انفصال كردستان سوف لا يكون على طريقة الجيك والسلاف الحضارية والودية كما تصوَّر الصديق، ولا حتى على طريقة انفصال السودان الجنوبية عن السودان الشمالية، فهناك عشرات المناطق المتنازع عليها، ولا على طريقة دول البلقان بعد انهيار يوغوسلافيا، بل سيكون على طريقة الهند وباكستان. فالسيد مسعود برزاني هيأ من الآن قائمة طويلة من مشاريع لحروب مستقبلية لسفك أنهار من الدماء، وتبديد ثروات البلدين في حروب طاحنة بدلاً من صرفها على الإعمار والازدهار الاقتصادي لرفاه الشعبين المتجاورين. ففي رأي برزاني، صارت أجزاءً من الشريط الحدودي الشرقي من العراق تابع لإقليم كردستان يطلق عليها (المناطق المتنازع عليها) ابتداءً من شمال شرق محافظة البصرة مروراً بمحافظة ميسان (العمارة)، والكوت إلى أطراف شرق بغداد وصلاح الدين والموصل. (يمكن التأكد من ذلك بتنضيد عبارة: "خارطة كردستان الكبرى" في مساحة البحث في google)، بل وحتى بدأ الأخوة الكرد يستخدمون عبارة (المناطق المستقطعة) بدلاُ من المناطق المتنازع عليها. 

فالوضع الراهن بين إدارة الإقليم والحكومة المركزية شاذ وغير مقبول مطلقاً بالنسبة للشعب العراقي، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الإقليم يستلم من واردات النفط من الأمم المتحدة في عهد الحصار الاقتصادي زمن صدام نحو 12% من ميزانية العراق، وفي عهد بول بريمر، الحاكم المدني لقوات التحالف، صارت في حدود 13% ، ولكن في عهد تولي الدكتور أياد علاوي أبرم صفقة مع البرزاني فصعدت الحصة إلى 17%. بينما تفيد دراسة أن "في 12 حزيران 2012، نشر تقرير لبرلمان كردستان عن إحصاء حديث لسكان الإقليم جاء فيه: "عدد سكان اقليم كردستان يبلغ 4 ملايين و189 الف شخص، ويشكلون 12.6% من مجموع سكان العراق". حسبما نشرته أكنيوز." (من مقال للكاتب السيد صائب خليل، نشر يوم 11/11/2012 على مواقع الإنترنت).
ولكن الإقليم يستلم 17% بدلاُ من 12.6% وهذا يعني أنه يستقطع من حصة المحافظات الأخرى دون وجه حق، إضافة إلى استحواذ حكومة الإقليم على واردات كمارك الحدود، والتي تبلغ مئات الملايين من الدولارات شهرياً.

نفهم مما تقدم، أن حكومة الإقليم الكردستاني مستقلة ولا نفوذ للحكومة المركزية عليها مطلقاً، و أن حكومة الإقليم هي التي لها حصة الأسد في حكومة المركز. وعليه فهذا الوضع لا ينسجم مع نظام فيدرالي عادل وفق الدستور الذي صوت عليه الشعب. لذا يجب على الحكومة المركزية أخذ المبادرة بالمطالبة باستقلال كردستان ضمن حدود قبل 9/4/2003. أما إذا كانت حكومة الإقليم لا تريد الانفصال الآن لأن الظروف الداخلية والدولية لا تساعدهم على ذلك، ففي هذه الحالة يجب على القيادة الكردستانية أن تراعي مصالح الشعب العراقي وتلتزم بالدستور، وتعترف أن كردستان جزء من الدولة العراقية الفيدرالية، وأن لا تتصرف وكأنها دولة مستقلة وتهيمن على دولة أخرى، ولا تقف عقبة أمام بناء مؤسسات الدولة العراقية الديمقراطية من قوات مسلحة ومحاربة الإرهاب، وأن تحل جيشها الخاص بها (البيشمركه)، أو تضعه تحت تصرف الحكومة المركزية كجزء من الجيش الوطني. وكذلك الحال في التصرف بالثروات الوطنية والعلاقات الخارجية وإبرام الاتفاقيات الاقتصادية وخاصة النفطية، تكون من شأن الحكومة المركزية فقط.

وفي حال اختيار الكرد للإستقلال، يجب تحل قضية المناطق المتنازع عليها، بما فيها كركوك وجلولاء والسعدية وبدرة وجصان، وعشرات المناطق الأخرى غيرها، بالوسائل السلمية، وذلك بتطبيق المادة 140 من الدستور، أي بإجراء إحصاء سكاني عام لسكان العراق في ظروف أمنية ملائمة، ومن ثم إجراء استفتاء لسكان المناطق المتنازع عليها تحت إشراف الأمم المتحدة فيما إذا يريدون البقاء مع العراق أو الالتحاق بجمهورية كردستان. ويجب على جميع الفرقاء احترام نتائج الاستفتاء والتعامل معها بطرق حضارية.

التقسيم الشيعي- السني
في الوقت الذي أرى فيه إمكانية، بل وضرورة، استقلال كردستان سلمياً وبمساعدة أمريكا، والوحدة الأوربية، والأمم المتحدة، ولكن في نفس الوقت أرى استحالة التقسيم بين الشيعة والسنة،لأسباب كالآتي:
العلاقة بين السنة والشيعة أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث تتداخل فيها أمور كثيرة، وليس هناك حل سحري لهذه المعضلة العصيبة المعقدة. قد يبدو أن الحياة المشتركة في دولة واحدة شبه مستحيلة الآن، ولكن لو تأملنا المشكلة بإمعان نرى أن الجهة المهيمنة على القرار السني حالياً هي فلول البعث وحلفاؤهم من أتباع القاعدة، مستخدمين التحريض الطائفي ضد الشيعة، يحاولون إسكات الأصوات السنية العاقلة والمعتدلة بالبلطجة. وقد بات من المؤكد أن هؤلاء ينفذون أجندات أجنبية لإشعال حروب طائفية على مستوى المنطقة تمتد نيرانها من إيران إلى لبنان، ووراءها بعض الدول الكبرى ولا نستبعد دور بعض المؤسسات الأمريكية، والشركات النفطية الغربية تقوم بنفس الأدوار التي لعبتها في الستينات من القرن الماضي والتي قامت بانقلاب 8 شباط 1963، وإنقلاب 17-30 تموز 1968. فحزب البعث هو الأداة الضاربة الشرسة للمؤسسات الغربية، تدعمها اليوم بعض الدول الخليجية وتركيا لتقدم خدماتها للأسياد على حساب شعوب المنطقة وبالأخص الشعب العراقي، وبالتالي سيكون العرب السنة هم من أكثر المتضررين.

فعرب العراق خليط من السنة والشيعة، وليس في العراق عشيرة عربية ليس فيها سنة وشيعة، كذلك هناك مدن في الشمال، غالبية سكانها شيعة محاطة بمدن غالبية سكانها من أهل السنة. ونفس الكلام ينطبق على التركمان في الشريط المحصور بين كردستان والمناطق العربية السنية شرقي دجلة، مثل طوزخرماتو، إضافة إلى تلعفر شمالي الموصل. أما مناطق الوسط والجنوب ذات الأغلبية الشيعية، فهناك مئات الألوف من العرب السنة اختلطت دماؤهم بدناء أخوتهم الشيعة بالمصاهرة. فكيف يتم حل هذه المشكلة؟ هل بالتطهير الطائفي؟ هذه جريمة ومأساة بشرية كبرى. كيف تحل قضية بغداد وديالى والبلد والدجيل وغيرها من المدن والقرى المختلطة؟
كذلك كان صدام حسين، وبعقليته الاجرامية الخبيثة، زرع مشاكل مستقبلية وكأنه كان يخطط لمثل هذا المصير فقام بإعادة ترسيم حدود المحافظات، فاستقطع مساحات واسعة من محافظة كربلاء وألحقها بمحافظة الأنبار (الرمادي)... وغيرها من المشاكل.

ومن الجانب الآخر، نعتقد أن هذه الموجة الجنونية في الشحن الطائفي لا تمثل مواقف الغالبية العظمى من أهل السنة. فليس بين الشيعة والسنة خلاف ديني جوهري يستوجب الاقتتال أو التقسيم، وإن وجد فلا يدعو إلى هذا الصراع، مع التأكيد أن السياسيين المتصارعين غير مهتمين بالخلافات الفقهية المذهبية ولا يفهمونها وغير معنيين بها أصلاً، بل كل همهم هو تحقيق أكبر قدر ممكن من النفوذ والمصالح السياسية على حساب الطرف الآخر. ولو تأملنا جيداً لتأكد لنا أن أهل السنة هم محبو أهل البيت، وتأريخياً كل أهل العراق، سنة وشيعة، كانوا من أتباع الإمام علي ضد معاوية كما أوضح ذلك فضيلة الشيخ أحمد الكبيسي في لقاء تلفزيوني، الأمر الذي أثار غضب الوهابيين ضده، والذين هم وراء إشعال الفتنة الطائفية في العراق. وكذلك الشيعة هم من أتباع السنة النبوية، إذ كما نقل عن آية الله السيد السيستاني قوله: "السنة هم أنفسنا"!
والجدير بالذكر، أن معظم الباحثين في قضية (الطائفية السياسية)، وأنا منهم، استنتجوا أن الصراع ليس دينياً ولا فقهياً، وإنما هو سياسي، حيث يستغل السياسيون الطائفيون أبناء طائفتهم لأغراضهم السياسية. ولو لم يكن هناك انقسام مذهبي لاخترعوا سبباً آخر لهذا الغرض مثل الانقسام المناطقي، أو الجهوي: شمال وجنوب...الخ

فالجهات التي تساعد على إشعال الصراع السني- الشيعي بغية إلحاق الضرر بالشيعة، وفيما لو نجحت الأجندات الأجنبية في تقسيم العراق وإقامة ثلاث دول، يجب أن يعرفوا، وخاصة أبناء المحافظات الغربية أنهم سيكونون من أشد المتضررين بالتقسيم إلى دولة سنية ودولة شيعية، لأن التقسيم سيضع الأكراد والعرب السنة في مواجهة دموية مباشرة، كما وسيضع الكرد في مواجهة مماثلة مع تركيا. إذ كما نقل لنا الأستاذ سالم المشكور: «يوحي أردوغان اليوم بالانفتاح غير المحدود على كردستان لدرجة انتهاك السيادة العراقية والتعامل مع الاقليم ككيان مستقل عن العراق، لكن مسؤولاً في الخارجية التركية انتفض بشدة عندما أخبره سياسي عراقي بان الشارع العربي في العراق بات يدفع باتجاه استقلال الاقليم. نهض من كرسيه بغضب قائلا: "هذا خطر كبير عليكم وعلينا ونحن لن نسمح بذلك ".»
إذنْ، لا نتحاج إلى عبقرية خارقة لنعرف أن تركيا تستغل الأوضاع لصالحها وضد مصالح مكونات الشعب العراقي.

وربما سيكون الشيعة في المحافظات الوسطى والجنوبية من أكثر المستفيدين بالتقسيم، حيث 80% من ثروات العراق من البصرة والعمارة، وهما محرومتان من الاعمار، إذ أخبرني مطلع أنه يتم إعادة نحو 80% من الميزانية المخصصة لإعمار البصرة إلى الخزينة المركزية، لأن وزارة المالية ترفض المصادقة على الصرف. لذلك فباستقلال المربع الشيعي سيستفيد الشيعة من ثرواتهم دون مشاركة غيرهم فيها، إضافة إلى كونهم سيتخلصون من كل مشاكل الشمال بين العرب والكرد وتركيا.

ولكن مع ذلك نلاحظ أن الشيعة هم أشد المعارضين للتقسيم. فقد أثبتت الأحداث التاريخية ان الشيعة قد يكونون سذج وبسطاء معرضين للخديعة طوال تاريخهم، إلا إنهم ليسوا طائفيين بمعنى العداء لأهل السنة أو لأتباع الأديان الأخرى بدليل أنهم رغم اضطهاد الدولة العثمانية لهم لأربعة قرون، واعتبارهم فرقة منحرفة، إلا إن شيعة العراق، وليس غيرهم، هم الذين شنوا حرب الجهاد وثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للذود عن الإسلام والدولة الإسلامية، ودفعوا الثمن باهظاً فيما بعد، بينما وقف قادة أهل السنة مع الاحتلال البريطاني، ولقبوه (أبو ناجي) لأنه أنجاهم من الترك، وحصدوا الفوائد.

ويا للمفارقة، أنه حتى إثناء حرب تحرير العراق بقيادة أمريكا من الفاشية البعثية قاومت المحافظات الشيعية "السوداء" لثلاثة أسابيع، بينما سلمت محافظات المثلث السني "البيضاء" بدون أية مقاومة.
كما ونؤكد أن غالبية أهل السنة هم ليسوا طائفيين ولا مع التقسيم، ولكن لسوء حظهم أن معظم فلول البعث هم من السنة، وهم الذين نشروا المقابر الجماعية، وطرحوا أنفسهم بعد التحرير كمدافعين عن أهل السنة مستخدمين السلاح الطائفي، ومن ورائهم بعض دول المنطقة. فالشيعة تخندقوا بالمذهب لأنهم عانوا من ظلم حكم البعث الصدامي بسبب انتمائهم الشيعي. والسنة تخندقوا بالطائفة اليوم خوفاً من التهميش من قبل الشيعة، وهو وهم بثه البعثيون وحكومات المنطقة. لذا فالشعب العراقي يحتاج إلى فترة زمنية لاستعادة الثقة بنفسه.

هل التقسيم السني- الشيعي ممكن؟
بات واضحاً لكل ذي بصيرة إن ما يجري في المثلث السني من تظاهرات واعتصامات واستخدام الشحن الطائفي، هو مؤامرة قذرة وراءها حكومات ومؤسسات خارجية، الغرض منها إسقاط الدولة والدستور، وبالتالي تدمير العراق وتحويله إلى دولة طالبانية. وهذا السلوك ناتج عن القصور في التفكير السليم من قبل قادة هذه التظاهرات. فصدام حسين منع العراقيين من التفكير واستخدام عقولهم لخمسة وثلاثين سنة، وصار هو وحده يفكر نيابة عنهم. وفي الطب نعرف أن عدم استخدام أي عضو في الجسم يؤدي إلى ضموره (disuse atrophy)، وكذلك عدم توظيف العقل يؤدي إلى ضموره وتوقفه عن التفكير السليم. إضافة إلى دور حكم البعث في التضليل، وتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، ومحاولة القضاء على الشعور بالوطنية، وتكريس القبلية والطائفية.   
لذلك، نعتقد أن هذه الأزمة السياسية والفكرية والعقلية والطائفية والأخلاقية هي مؤقتة، وعلى أبناء شعبنا، وخاصة القادة السياسيين ورجال الدين، ورؤساء العشائر أن لا يسقطوا في الفخ، بل أن يصمدوا ويقاوموا هذه الموجة الجنونية بالصبر والحكمة، فهي ستفشل إن عاجلاً أم آجلاً، وقريباً سينتبهون من غفلتهم ويندمون كما ندم أغلب الذين ساهموا في تنفيذ مؤامرة 8 شباط 1963، و17-30 تموز 1968، وبعد أن دفعوا الثمن باهظاً.
لذا، فثقتنا كبيرة بأبناء شعبنا أنهم لن يسمحوا للمتآمرين بتمرير أجنداتهم هذه المرة، فتقسيم المحافظات العراقية العربية إلى كانتونات سنية وشيعية له نتائج كارثية لا توصف. ولحسن الحظ لا يمكن تحقيقها لسبب مهم، وهو أن التقسيم السني- الشيعي غير ممكن عملياً إطلاقاً. فالعراقيون، شيعة وسنة محكوم عليهم أن يتعايشوا معاً في السراء والضراء، في دولة واحدة إلى أن يبلغوا سن الرشد والنضج السياسي، وعندها سيتذكرون تصرفاتهم المخجلة هذه بندم شديد.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/


135
العراق في مفترق الطرق
د.عبدالخالق حسين

العراق بلد مأزوم طوال تاريخه المدوَّن، ولكن التصعيد الجديد للأزمة يمثل مرحلة جديدة غير مسبوقة في خطورتها، يهدد الدولة بالزوال والسقوط في مستنقع حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. فقد وصل العراق الآن مفترق الطرق، إما أن يكون أو لا يكون، إما التقسيم إلى ثلاث دول أو الصوملة وخروج مكونة واحدة "منتصرة" تهيمن على بقية المكونات كما كان الوضع قبل 2003. فمن مراجعة سريعة لتاريخه الحديث منذ الحرب العالمية الأولى وإلى الآن، نعرف أن الشعب العراقي غير متصالح مع نفسه، وفيه من الصراعات الطائفية والقومية أكثر من أي شعب آخر. فأي موقف يتخذه الشيعة في الوسط والجنوب، يتخذ سكان المحافظات الغربية (العربية السنية) العكس تماماً. حصل ذلك في الحرب العالمية الأولى، حيث حرب الجهاد، وثورة العشرين في الفرات الأوسط، وكذلك الموقف المتباين للمكونين من ثورة 14 تموز 1958-1963، وانتفاضة آذار (شعبان) 1991، وبعد إسقاط حكم البعث 2003، وأخيراً التصعيد الجديد، حيث تم رفع الشعارات الطائفية الصريحة في المحافظات السنية بإسقاط الدولة والدستور.

خلال أربعة قرون من حكم الاستعمار التركي العثماني كان العراق مقسماً إلى ثلاث ولايات، الموصل وبغداد والبصرة. وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة، لم تكن الوحدة الوطنية العراقية خياراً شعبياً، بل فرضت على الشعب العراقي بالقوة عن طريق المولدة (القابلة) البريطانية، ومن ثم دكتاتورية المكونة الواحدة التي اضطهدت المكونات الأخرى بذريعة صهرها في بوتقة "الوحدة الوطنية". والنتيجة كانت العكس، حيث تخندق العراقيون في خندق الأثنية والطائفة على حساب الوحدة الوطنية. والآن تأكد لنا أن كل ما قيل في تمجيد الوحدة الوطنية كان كذباً ونفاقاً كما تجلى ذلك بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003، حيث مارس الشعب العراقي الديمقراطية الحقيقية لأول مرة في تاريخه، إذ كما ذكرنا في مقال سابق، الديمقراطية تكشف حقيقة الإنسان والمجتمع.

في عام 1933 عمم الملك فيصل الأول مذكرة على عدد من الشخصيات المقربة منه، قال فيها عن شعب العراق: "وفي هذا الصدد، أقول وقلبي ملآن أسى: إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد كتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت، فنحن  نريد والحالة هذه أن نشكل من هذه الكتل شعباً نهذبه وندربه ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل. هذا هو الشعب الذي أخذتُ مهمة تكوينه على عاتقي… " 

فما الذي تغير في الشعب العراقي خلال الثمانين سنة الماضية؟ التغيير هو نحو الأسوأ، فقد تحولت الصراعات من مقالات وكتب تشكك بعراقية، وعروبة، وحتى بديانة الشيعة إلى شتائم طائفية صريحة، وتفجيرات ومفخخات وحروب إبادة ضدهم. نؤكد للمرة المائة أن ما يجري من تظاهرات في المحافظات الغربية هو ليس ضد نوري المالكي كشخص، بل ضده كشيعي، لأن في الموروث التركي لا يجوز للشيعي أن يكون رئيساً للحكومة. فالدولة تعتبر شيعية طائفية طالما رئيس وزرائها شيعي، علماً بأن رؤساء أربع من خمس سلطات هم من السنة. فرئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس الإقليم الكردستاني، ورئيس السلطة القضائية هم من السنة، ناهيك عن نسبة الوزراء والنواب...الخ، ومع ذلك لا يتحملون شيعياً على رأس سلطة واحدة وهي السلطة التنفيذية، و لا يعتبرون معارضتهم هذه ممارسة طائفية.

يدعي العلمانيون الديمقراطيون واليساريون، أن هذا الصراع هو نتاج حكومة المحاصصة الطائفية والعرقية، والتخلص من المحاصصة ينهي الأزمة!!. أكدنا لهم أن العكس هو الصحيح، أي أن المحاصة هي نتيجة الصراعات الطائفية المزمنة في العراق وليست السبب لها. فهذا الصراع وكما بينا، كان موجوداً منذ تأسيس الدولة العراقية بل وقبلها بمئات السنين، وشهد بذلك عالم الاجتماع على الوردي، أعيد ما قاله صراحة قبل 50 عاماُ كما يلي:
"إن الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما في أي شعب عربي آخر- باستثناء لبنان- وليس هناك من طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية. ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية، وهذا هو أوان الاعتبار! فهل من يسمع؟"

ولكن حتى هذا الحل الذي اقترحه عالم الاجتماع لم يوافق عليه المدمنون على السلطة بالقوة، لذلك تحججوا بمختلف الذرائع في شن حربهم على الديمقراطية والحكومة المنتخبة، تارة بأنها عميلة نصبها الأمريكان، وأخرى بأنها عميلة لإيران، إضافة إلى قائمة الشتائم الطائفية البذيئة الصريحة.

و حتى السيد مسعود البرزاني، المستفيد الأكبر من العراق الجديد، يعمل الآن على تدميره تحت مختلف الحجج. فبالإضافة إلى تعاونه مع حكومات المنطقة (تركيا والسعودية وقطر) لزعزعة الدولة العراقية وإسقاط حكومة المالكي، نراه ركب موجة التظاهرات الطائفية في المحافظات الغربية، ووجه الدعوة إلى الطائفي الشيخ يوسف القرضاوي لزيارة كردستان. لا شك أن سبب الدعوة ليس حب البرزاني للقرضاوي، بل كرهه للمالكي والحكومة المركزية، فالغرض من هذه الزيارة هو وضع الشيخ قريباً من الأحداث الساخنة في المثلث السني ليشعلها حرباً طائفية لا تبقي ولا تذر.
فما فائدة الشعب الكردي من زيارة هذا الزعيم الديني الطائفي لكردستان، خاصة وقد " اطلق القرضاوي اثناء انعقاد المؤتمر الثالث للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في اسطنبول في 25-6-2010 ، تهمة الارهاب على نضال الشعب الكردي من اجل حقوقه المشروعة في شمال كردستان."؟(1)
لا شك أن السيد مسعود البرزاني يعتبر مبادرته هذه تكتيك سياسي ذكي باستخدام الشيخ القرضاوي كأداة مساعدة لتدمير العراق، وقد نسي أنه بتدميره للعراق الديمقراطي يكون الشعب الكردي، كغيره من مكونات الشعب العراقي، من أشد المتضررين، كما حصل له في تعاون والده مع البعثيين الذين تآمروا على ثورة 14 تموز وذبحوا قيادتها الوطنية النزيهة.
[بالمناسبة: أصدرت رئاسة كردستان بياناً نفت فيه دعوتها الشيخ القرضاوي لزيارة الإقليم، وجاء في البيان: "أن شخصا قام وانتحل صفة مستشار لرئيس إقليم كردستان..". وعلقت صحيفة (الشرق الأوسط) التي نشرت البيان قائلة:"... وعلى الرغم من أن البيان لم يشر إلى اسم أي شخصية وجهت له الدعوة لزيارة كردستان، ولكن الواضح أن المقصود به هو الشيخ يوسف القرضاوي الذي وجه إليه الإعلامي الكردي كفاح محمود سنجاري، الذي يدعي كونه من مستشاري رئاسة إقليم كردستان...الخ" (الشرق الأوسط، 29/1/2013).
ونحن لا نعتقد أن السيد كفاح محمود سنجاري يتجاوز حدوده، ويتصرف بهذا الشكل دون أوامر من البرزاني وهو يعرف ما سيتخذه السيد رئيس الإقليم من عقوبات شديدة ضد كل من يتجاوز حدوده وهو مقيم في كردستان. في رأينا صدور بيان النفي حاء لامتصاص غضب الشارع الكردي الذي كان رد فعله ساخطاً ضد توجيه دعوة إلى القرضاوي الذي هو أحد ألد أعداء الشعب الكردي خاصة، والعراقي عامة.]

غني عن القول أن ما يجري في العراق من فوضى عارمة في المحافظات الغربية، بدفع وتخطيط من حكومات المنطقة، وبالأخص تركيا وقطر. فحكومة أردوغان تتدخل بمنتهى الصلافة والصفاقة بالشأن العراقي بشكل علني وفض لا يجب على الحكومة العراقية السكوت عنها. فقد أفادت الأنباء أن شهدت اسطنبول "يوم 26/1/2013 عقد مؤتمر ثان تحت عنوان نصرة انتفاضة الشعب العراقي والذي دعا خلاله رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الى اقامة حكومة راشدة في العراق". رافق ذلك التصعيد السياسي للقائمة العراقية بعد ان انسحبت من الحكومة وعلقت حضورها في البرلمان. لا شك الغرض من ذلك هو إرباك الحكومة تمهيداً لإسقاطها، وبالتالي إسقاط الدولة وإغراق العراق في فوضى عارمة تهلك الحرث والنسل.
ومن مخططات قادة التظاهرات التحرش بالجيش الوطني لاستدراجه للصدام المسلح كما حصل في الفلوجة قبل أيام، واتخاذه ذريعة لإشعال حرب طائفية طاحنة على غرار ما يجري الآن في سوريا الجريحة، ومن قبل نفس الجهات والحكومات، فهذه الخطة معدة سلفاً، وفي جميع الأحوال، يكون الجيش هو الملام حتى ولو أدى واجباته لحماية أرواح وممتلكات المواطنين.
 
بات من المؤكد أن قادة التظاهرات هم من البعثيين وحلفائهم أتباع القاعدة، وبينهم عراقيون مستعدون ليكونوا أدوات طيعة بيد الحكومات المعادية لتدمير العراق وشعبه مقابل مكاسب شخصية وآنية، وإلا كيف يرضى شخص يدعى (الدكتور طه الدليمي) أن يكيل أبشع الشتائم الطائفية ضد أكبر مكونة من مكونات الشعب العراقي من تلفزيون خليجي، وتظهر جماعة في تظاهرة الرمادي يحملون لافتة مكتوب عليها: (كلنا الشيخ طه الدليمي) في إشارة إلى أن شتائم الدليمي ضد الشيعة ليست تصرفاً شخصياً، بل تمثل موقف كيان سياسي وسحبه على أهل السنة، وهم براء. فهل هذه الهتافات جاءت عفوية أم وراءها مخططات إقليمية لإشعال حرب طائفية تحرق الأخضر بسعر اليابس؟ وهذا يعني أن في العراق أناس على أهبة الاستعداد لحرق بلادهم تنفيذاً لأوامر أمير قطر، والرئيس التركي أردوغان.

وفي جميع الأحوال فهذه التظاهرات ليست من أجل الديمقراطية، كما يدعي البعض، بل لإجهاضها. ولكن مع ذلك نلاحظ أدعياء الديمقراطية والعلمانية وحتى البعض من أدعياء اليسارية، يدعمون هذه التظاهرات ويمنحونها صفة الشرعية، ويدّعون أن مطالبها مشروعة، حتى ولو تضمنت أهدافاً غير مشروعة مثل إسقاط الدولة والدستور، إضافة إلى رفع شعارات طائفية صريحة. ولكنهم في نفس الوقت يستنكرون تظاهرات الجماهير في محافظات الوسط والجنوب المساندة للحكومة المنتخبة. فنحن أمام مفارقة غريبة وعجيبة، نرى ديمقراطيين يساريين يدعمون تظاهرات يقودها أعداء الديمقراطية، ويستنكرون تظاهرات لدعم الديمقراطية.

وفي خضم تصاعد ضجيج دعاة العنف والطائفية، ورغم وجود عدد غير قليل من العقلاء والحكماء في المكون السني من أمثال المفتي الشيخ مهدي الصميدعي، والشيخ حميد الهايس وخلف العليان وغيرهم، إلا إن البلطجية من دعاة العنف والفوضى وتدمير العراق مازالوا هم الأقوى، وصوتهم هو الأعلى صخباً وضجيجاً، ويقتلون كل من لا يسايرهم كما قتلوا النائب المعتدل عيفان العيساوي.

ومما شجع المتظاهرين على التمادي في نشاطهم التخريبي هو تساهل الحكومة واستجابتها لكثير من طلباتهم وتقديم المزيد من التنازلات لهم. بينما الحقيقة إن الغرض من هذه التظاهرات ليس المطالبات المشروعة مثل إطلاق سراح (المعتقلين الأبرياء..الخ)، بل الطلبات التعجيزية غير المشروعة مثل إلغاء قانون الإرهاب، وقانون المساءلة والعدالة...الخ. كما لم تكن غايتهم إسقاط المالكي فحسب، فهذا الطلب يمكن تحقيقه بسحب الثقة منه في جلسة برلمانية واحدة لو أرادوا، ولكن الغرض الرئيسي هو، وكما قالوها صراحة، إسقاط الدولة والدستور. فهل الحكومة مستعدة لتحقيق ذلك لهم؟

كذلك تأكدت لجنة الحكماء وهم من السنة، أن الإدعاء بالاعتداء على شرف السجينات كان باطلاً، إذ أفادت الأنباء أن: "كشف رئيس هيئة إفتاء أهل السنة والجماعة في العراق ورئيس لجنة الحكماء الخاصة بملف المعتقلات، الشيخ مهدي الصميدعي، يوم الخميس [25/1/2013]، أن إحدى القنوات الفضائية عرضت على إحدى المعتقلات المفرج عنهن في الغزالية ببغداد، مبلغ 20 الف دولار مقابل أن "تدعي" بوجود حالات اغتصاب داخل السجون، وأكد أن اللجنة سترفع دعوى قضائية ضد القنوات التي روجت لذلك، نافيا قيام لجنة الحكماء بـ"مقايضة النساء بالمال" مقابل "الستر".(2)
وهذا غيض من فيض من المؤامرة.
فإلى أين يسيرون بالعراق؟ وهل هناك نهاية سلمية لهذه "الانتفاضة" التي يحلو للبعض تسميتها بـ(الربيع السني؟)

ما الحل؟
الآن وصل العراق في مفترق الطرق. أي حل يسلك؟ هل الحل هو في تقسيم العراق إلى ثلاث دول أو دويلات مستقلة، أم فيدراليات، أو كونفيدراليات، أو التعايش مع هذا الوضع المزري إلى مستقبل غير منظور؟؟
هذا هو موضوع مقالنا القادم

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالمقال:
1) شه مال عادل سليم: دعوة القرضاوي لزيارة اقليم كردستان تثير ردود فعل غاصبة ..!
 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=342805

2) الشيخ مهدي الصميدعي: احدى القنوات عرضت 20 الف دولار على معتقلة مفرج عنها
 http://www.sotaliraq.com/mobile-news.php?id=86032#axzz2IsXRVXhg
 
3) فيديو: اخطر 6 دقائق ستسمعها من المالكي عن العراق
http://www.youtube.com/watch?v=t_77uIAtNUk



136
رد متأخر على مقال: أسباب اضطهاد الشيعة

د.عبدالخالق حسين

نشر الدكتور نزار أحمد مقالة له على مواقع الانترنت قبل أكثر من عامين، وتحديداً يوم 25/10/2010، بعنوان (أسباب إضطهاد الشيعة)، رد بها على فصل من كتابي الموسوم (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق) والذي نشرتْ فصوله على مواقع الإنترنت في نفس السنة، تطرقت فيه إلى تاريخ التمييز الطائفي في مختلف العهود منذ العهد العثماني وإلى الآن. وكنت قد اطلعتُ على مقالة الدكتور نزار أحمد في وقتها إلا إني لم أتصور أنها كانت بحاجة إلى رد أو توضيح مني، خاصة وهي أصلاً رد على مقالي. ولكن الغريب في الأمر أن عاد تعميم المقالة مجدداً خلال الأسبوعين الماضيين، وراحت تصلني حتى من أصدقاء مقربين لي بمعدل ثلاث مرات يومياً تزامنا مع اندلاع ما يسمى بـ(الانتفاضة الشعبية) في المحافظات الغربية، والتي يسميها البعض بـ"ثورة الربيع السني" اتسمت برفع شعارات، وإطلاق هتافات مسيئة، وشتائم طائفية ضد الشيعة. لذا شعرتُ أن إعادة التعميم بشكل مكثف لها علاقة بما يجري على الساحة الآن من الشحن الطائفي وإثارة الفتنة الطائفة وبالتالي إلقاء اللوم على الشيعة.
كما وطالبني البعض بتوضيح موقفي، لذا رأيت من المناسب كتابة هذا الرد ولو متأخراً.

يبدأ السيد الكاتب مقاله بنوع من الإطراء بحقي مشكوراً، قائلاً: ((لفت انتباهي حديثا مقال جميل للكاتب عبد الخالق حسين تطرق فيه الى ما اسماه "طائفية العهد الملكي"))... ويضيف: ((لا غبار على صحة ودقة الارقام والإحصائيات التي استند عليها الكاتب لأنها اخذت من مصادر موثوقة. مضافا اليها حقيقة تعرض المكون الشيعي الى اهمال اقتصادي وثقافي خلال العهد الملكي والى اضطهاد دموي خلال الحقبة البعثية.))

كذلك ذكر الكاتب بعض الحقائق التي أتفق ويتفق معه كل قارئ علماني تقدمي منصف يريد الخير للعراق، مثل تأكيده على ضرورة تبني العلمانية والديمقراطية وذمه للطائفية.. الخ. ولكن بعد ذلك بقليل نجد أن الغرض من هذه العبارات القيمة هو لكسب ثقة القارئ بأنه محايد في هذا الموضوع، وأنه لا يقول إلا الحق ولمصلحة الجميع، وبذلك يسهل عليه تسويق أفكاره التي في معظمها مجافية للواقع والحقيقة، إذ كالعادة في مثل هذه الحالات، يلجأ هؤلاء إلى إلقاء اللوم على الضحية وتبرئة الجاني، فيقول: 
((ولكن الكاتب لم يوفق اطلاقا في تفسير اسباب هيمنة المكون السني على الوظائف الحكومية بما فيها الحكومات العراقية التي تلاحقت على حكم العراق منذ نشأته الحديثة. ايضا اهمل الكاتب عن قصد (كذا) تحليلات الدكتور علي الوردي بانيا بدلا عنها فرضيات غير موضوعية في تفسيره لهذه الاحصائيات الواردة في مؤلفات الوردي مناقضا وهاملاً تفسيرات الوردي بهذا الخصوص.))

كنت أنتمنى على السيد الكاتب، لو تفضل علينا بذكر مثال واحد مما أدعى من إهمالي المتعمد لأقوال الوردي ليثبت صحة إدعاءاته.
فإذا كان يقصد بذلك دور بعض القيادات الدينية الشيعية في عزل أبناء طائفتهم، فأنا لم أهمل ذلك، إذ خصصت فصلاً كاملاً من الكتاب في هذا الخصوص بعنوان (دور الفقهاء الشيعة في العزل الطائفي)(1) ولم أهمل أي دور أو تقصير من قبل القيادات الدينية الشيعية، ولمتهم على ذلك، وبالأخص الشيخ مهدي الخالصي، مما دفع أحد الكتاب من أتباع الشيخ الرد عليَّ في هذا الخصوص بمنتهى التشنج بمقال عنوانه: (رداً على مقالة دور الفقهاء الشيعة في العزل الطائفي) وتحت العنوان عبارة: (رداُ على تلبيسات أدعياء الثقافة اليساريين الساقطين في أحضان الإمبريالية). بإمكان القارئ الكريم نقل العنوان إلى مساحة البحث في غوغل للإطلاع على المقالين.
يحاول الدكتور نزار أحمد إلقاء كل ما لحق بالشيعة من عزل وحرمان من حقوق المواطنة، على مرجعيتهم الدينية، فيقول:
((السؤال الذي يطرح نفسه هو هل هذه الهيمنة التي استمرت لأكثر من ثمانين عاما اسبابها كانت طائفية ام ان هناك اسبابا حقيقية اخرى تقف وراء هذه الهيمنة؟ ويجيب: "المجتمع الشيعي ومنذ ولاية الدولة العثمانية يختلف عن المكونين السني والكردي حيث تتحكم به مؤسستان، الأولى المؤسسة الدينية والثانية نظام العشائر. المؤسسة الدينية حاولت ولازالت تنتهج سياسة ابقاء المكون الشيعي متخلفا اقتصاديا وسياسيا وثقافيا لأن ذلك يمثل مفاتيح التحكم به ويعتبر اهم عوامل قوتها واستمرارية ديمومتها وهيمنتها.)) (أنتهى).

هذا الكلام غير دقيق إطلاقاً، فهو ينفي عن العرب السنة والكرد صفة العشائرية والقبلية وحتى طاعتهم لمرجعياتهم الدينية. بينما الواقع يؤكد أن معظم الشيعة والسنة العرب ينتمون إلى نفس العشائر. ففي كل عشيرة (جبور، شمر، الزبيد، وحتى الدليم) هناك سنة وشيعة، يعتمد على التوزيع الجغرافي. مثلا أبناء عشائر الجبور في الوسط والجنوب شيعة، وفي الشمال سنة، وهكذا عن بقية العشائر. وكذلك الأكراد هم عشائر، سنة وشيعة.
أما اختلاف الشيعة العرب عن السنة منذ ولاية العهد العثماني فسببه ليس المرجعية كما أدعى الكاتب، بل عاملت الدولة العثمانية الشيعة كطائفة منحرفة عن الإسلام، واضطهدتهم ومنعتهم من دخول المدارس ووظائف الدولة. وحاولت السلطات الطائفية في العهد الملكي السير على النهج العثماني. (راجع مقالنا: الطائفية في العهد الملكي) الرابط أدناه.(2) 

ويضيف الكاتب: ((لهذا نبين بعضا من سياسات المرجعية والتي كانت نتائجها هيمنة المكون السني
اولا: عند نشأة الدولة العراقية عام 1921, المؤسسة الدينية الشيعية قاطعت العملية السياسية برمتها وحرمت الانتماء الى مؤسسات الدولة العراقية او حتى التعامل معها.
)) أنتهى.

هذا الكلام يمثل نصف الحقيقة، إذ كان الشيخ مهدي الخالصي وعدد من رجال الدين الشيعة اتخذوا هذا الموقف المتشنج من الدولة الوليدة التي هم ساهموا في ولادتها بثورة العشرين، وتم تهجيرهم إلى إيران بتهمة التبعية الإيرانية. ولكن في نفس الوقت كان هناك رجال دين شيعة مثل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والسيد محمد الصدر، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والزعيم السياسي المعروف جعفر أبو التمن وغيرهم كثيرون، كانوا يسعون لإنصاف أبناء طائفتهم ومشاركتهم في صنع القرار السياسي والوظائف الحكومية، ولكن كانت مطالباتهم تواجه بالقمع والرفض الشديد. إضافة إلى جلب كتاب طائفيين من البلاد العربية لتأليف كتب تحط من قدر الشيعة وتؤلب عليهم، وتعتبرهم من بقايا الفرس الساسانيين. وفتنة أنيس النصولي وغيره معروفة لكل من قرأ تاريخ العراق الحديث.
فكان ومازال هناك اتجاه في الوسط السني معارض لمشاركة الشيعة بالسلطة بما يناسب ثقلهم السكاني، وما تفرزه صناديق الاقتراع. وكل ما نشاهده ونقرأه هو نزعة الحط من الشيعة واتهامهم بالتبعية الإيرانية ونعتهم بالصفوية، وحتى التشكيك بعروبتهم وانتمائهم للعراق، دون أن نسمع أو نقرأ أية إدانة من السياسيين والكتاب العرب السنة، بمن فيهم العلمانيون، لهذه الحملة الضارية التي بدأت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد الآن. ففي الثلاثينات من القرن الماضي نشر المدعو (عبدالرزاق الحصان)، وبدعم عدد من رجال السلطة في ذلك العهد كتاباً بعنوان (العروبة في الميزان) واصفاً فيه الشيعة بأنهم “شعوبيون بالإجماع، فرس بالإجماع، وهم من بقايا الساسانيين في العراق، ولا حق لهم في السلطة، أو أي تمثيل في السلطة!! لأن الأجنبي ليس من حقه المساواة مع ابن البلد”.
أي أنه اعتبر الشيعة الذين قادوا ثورة العشرين أجانب!
ونحن بدورنا نسأل السيد نزار أحمد، ما علاقة هذا الكلام بالمرجعية الشيعية؟ الغرض هو تبرئة الطائفيين الذين زرعوا الطائفية مع وضع حجر الأساس منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وإلقاء اللوم كله على الضحية. فما الذي تغير الآن؟ لقد تحولت محاربة الشيعة من حروب كلامية عن طريق مقالات والكتب في العهد الملكي إلى حروب إبادة حقيقية بالمتفجرات في الوقت الراهن.
ثم يأتي الكاتب على: ((ثانيا: تحريم او عدم التشجيع على الانتساب الى الكليات العسكرية. خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الكليات العسكرية سواءً كانت في العهد الملكي او الحكومات الشمولية التي لحقته كانت تقبل جميع المتقدمين اليها والذين يجتازون الفحص الطبي، كذلك فإن الترقية في الجيش العراقي كانت تلقائيا ولا تفرق بين عمر وزيد.)) أنتهى.

هذه أيضاً مغالطة مقصودة ومضللة. فالمعروف أن المرجعية الشيعية ليست موحدة، بل كل من بلغ مرحلة الإفتاء في التراتبية الشيعية (آية الله) له أتباعه من الشيعة. وكما بينا، ليس كل فقهاء الشيعة منعوا أبناء طائفتهم من الالتحاق بالجيش، أو التقديم للكليات العسكرية، وهذا معروف. وإذا كان الأمر كما قال الكاتب في السنوات الأولى من العهد الملكي، فلماذا استمر عدم قبول المتقدمين الشيعة إلى نهاية العهد الملكي إلا نادراً. وهنا أعيد المثال الذي ذكرته في مقالي (الطائفية في العهد الملكي) والذي أغفله الكاتب قصداً، كالتالي:
روي لي الأستاذ عادل حبه (قيادي سابق في الحزب الشيوعي العراقي)، أنه حين أنهى مرحلة الدراسة الثانوية في الخمسينات، وحاز على معدل عال يؤهله للقبول بأية كلية يرغبها، قرر بناءاً على توجيه الحزب الشيوعي تقديم طلب قبول إلى الكلية العسكرية ليتخرج ضابطاً في الجيش، وجرى اجتيازه لكل الاختبارات بما فيها الفحوصات الطبية بنجاح، وعند مقابلته آمر الكلية العسكرية في المقابلة النهائية، لتدقيق أوراقه ومعدلاته والفحوصات الطبية، أبلغه أنه مستوفي كافة شروط القبول في الكلية العسكرية، لكن فاجأه بسؤال: هل أنت سني أم شيعي؟ فأجاب أنه شيعي. فأبلغه أن طلبه للالتحاق بالكلية العسكرية مرفوض.
كما ونقل لنا المرحوم عدنان عليان في كتابه (الشيعة والدولة العراقية الحديثة) شهادة من عراقي سني، وهو الراحل ثابت حبيب العاني، قيادي شيوعي سابق، ذكرها في ندوة فكرية عام 1993 في لندن، بمناسبة ذكرى ثورة 14 تموز 1958، تعرض للمسألة الطائفية وأكد وجودها في إطار التطبيق والممارسة، بكل مرافق الدولة، وبالخصوص القبول في الكلية العسكرية، فأورد حادثة حصلت له حين تقدم للكلية العسكرية هو وزميل له، فقبل هو فوراً، ورفض صاحبه، والسبب أن اسمه العاني، واسم زميله عبدالحسين (لا يسمى به إلا الشيعة)، في حين أكد العاني أن زميله كان أفضل منه من ناحيتين، اللياقة البدنية، والناحية العلمية.
ولا شك أن هناك الكثير من القصص المماثلة التي تعرَّضَ لها الناس بسبب التمييز الطائفي في ذلك العهد.

ثم يأتي الكاتب على ((ثالثا: تأييد المرجعية للإقطاع المسؤول الأول والأخير عن تخلف المجتمع الريفي العراقي... ورابعا: محاربة المرجعية لعبد الكريم قاسم الذي قضى على الاقطاع وحاول القضاء على هيمنة النظام العشائري وأحداث تنمية ثقافية واقتصادية.
((خامسا: محاربة المرجعية للعمل الحزبي وخصوصا الاحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية. فمن منا لا ينسى فتوى المرجعية والتي اعتبرت الانتماء الى الحزب الشيوعي كفرا والحادا. لحد هذه اللحظة يعاني الحزب الشيوعي من آثار هذه الفتوى الجائرة
))

جوابنا هو: من المعروف أن معظم رجال الدين في العراق وخارج العراق، سنة وشيعة هم مع الإقطاع، والقوى الرجعية. وهذه الصفة لا ينفرد بها رجال الدين الشيعة في العراق إلا نادراً. أما موقف المرجعية من الأحزاب العلمانية فهو الآخر معروف، ولماذا ينسحب هذا الموقف على الشيعة وحدهم؟ فالشيعة لم يطيعوا قيادتهم الدينية في هذا الخصوص، إذ معظم الجماهير التي دافعت عن عبدالكريم قاسم وحكومته هم من الشيعة، و80% من المنتمين للحزب الشيوعي وغيره من الأحزاب العلمانية وحتى حزب البعث، هم من الشيعة. فلو كان للمرجعية كل هذا التأثير على الشيعة لتغيرت هذه الأرقام. ونشعر أن في كلام الكاتب هذا محاولة لاستمالة اليسار إلى موقف طائفي ضد الشيعة، نتمنى عليه تجنبها. أما سبب معاناة الحزب الشيوعي وانحسار شعبيته لحد الآن فليس فتاوى المرجعية، بل السياسات الخاطئة التي تبناها الحزب الشيوعي في معظم مراحل تاريخه، وبالأخص في تحالفاته مع الفاشية البعثية في السبعينات، وانهيار الأيديولوجية الشيوعية وبطلان مفعولها عالمياً.

ثم يصل الكاتب إلى بيت القصيد وهو التحريض على السياسيين الشيعة دون غيرهم فيقول:
((والآن وبعد ثمان سنوات من وصول الحكومات الشيعة إلى دفة الحكم محمولة على دبابات العم سام، ماذا قدمت هذه الحكومات للمكون الشيعي غير الفقر والتشرذم والتخلف والأمراض والبطالة ونقص الخدمات والركود الاقتصادي والفقر الثقافي واغتصاب الاوجه الترفيهية وتقسيم المجتمع الشيعي الى بؤرات دينية متناحرة وإعادة هيمنة النظام العشائري.)) انتهى

هناك عدة مغالطات في هذه الأقوال. الأولى، هل حقاً الحكومات منذ ثمان سنوات هي شيعية أم تضم ممثلين من جميع مكونات الشعب؟ وهل مجرد كون رئيس الوزراء شيعي، صارت الحكومة كلها شيعية؟ لا نريد ذكر انتماءات الوزراء الدينية والمذهبية، فهذه الحقائق معروفة للجميع، ولكن الإصرار على وصفها بأنها حكومة شيعية، رغم أن رئيس الجمهورية سني كردي، ورئيس البرلمان سني عربي، وأكثر من 60% من الوزراء هم من السنة (عرب وكرد وغيرهم). فهل كون رئيس البرلمان عربي سني، صار السنة العرب مهيمنين على البرلمان؟ المشكلة هنا أن الجماعة لا يمكن أن يقبلوا شيعياً رئيساً للوزراء.

أما المغالطة الأخرى فهي قوله أن هذه الحكومات الشيعية جاءت إلى دفة الحكم محمولة على دبابات العم سام.
أولاً، يجب أن يعرف السيد نزار أحمد وغيره من الذين يرددون هذه الأقوال ليل نهار، أن النظام البعثي هو بالأساس من صنع العام سام. وباعتراف زعيم حزب البعث الأسبق، علي صالح السعدي، أنهم جاؤوا إلى الحكم عام 1963 على القطار الأمريكي. وهناك بحوث وشهادات تؤكد أنه حتى مجيئهم للحكم عام 1968 كان بتخطيط ودعم العام سام وبدفع من الشركات النفطية الأمريكية والبريطانية. وما حملة الاغتيالات لبعض المشاركين في ذلك الانقلاب (ناصر الحاني، وعبدالرزاق النايف وغيرهما) فيما بعد، إلا لإخفاء دور العام سام.
كما واعترف الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلتنون، أن أمريكا تتحمل مسؤولية أخلاقية لمساعدة الشعب العراقي بتحرير العراق من حكم صدام الجائر، لأن أمريكا هي التي أوصلته إلى الحكم ومدته بالدعم.
وثانياً، صحيح أن القوات الدولية بقيادة أمريكا هي التي اسقطت حكم البعث الفاشي، وهي نفسها التي حررت أوربا من الفاشية والنازية الهتلرية، إلا إن الحكومة منذ 2004 وإلى الآن هي نتاج صناديق الاقتراع. والإصرار على ترديد القول أن الحكومة نصبتها أمريكا (وإيران كما يدعي البعض الآخر) هذه الأقوال مغرضة وكيدية ودليل على معاداة هؤلاء للديمقراطية والانتخابات، وإلغاء شرعية الحكومة المنتخبة لتبرير إسقاطها بالإرهاب.

ويضيف الكاتب بنبرة تحريضية قائلاً: ((من يذهب الى مدن الثورة والشعلة والجمهورية (البصرة) والحي (الكوت) وعلي الغربي (ميسان) لا يجد فرقا بين الامس واليوم بل يجد احوالها اسوأ مما كانت عليه حتى في عهد البعثية. ثمان سنوات ليس بالزمن القصير مقارنة مع عهود عبد الكريم قاسم والعارفين والبكر. كذلك لا يمكن التحجج بتدني الوضع الامني لان مناطق الجنوب والوسط مستقرة امنيا ومنذ يوم سقوط الصنم (كما يسموه) وان كانت تحدث اعمال شغب فسببها خلافات وتناحرات مليشيا احزاب الاسلام السياسي الشيعية.)) (انتهى)

دعونا نناقش هذه النقاط واحدة واحدة:
لقد أهمل حكم البعث جميع الخدمات والبنى التحية والركائز الاقتصادية منذ تورطه بحربه العبثية مع إيران عام 1981، إلى سقوطه عام 2003. إضافة إلى 13 سنة من الحصار الاقتصادي، والخراب البشري. فمن المستحيل تغيير الوضع في ثمان سنوات أو عشر سنوات، ومع ذلك هناك تحسن ملموس في جميع الميادين، ولكن هناك حملة إعلامية مضادة لإنكار الإيجابيات، وتضخيم السلبيات، واختلاق المزيد منها لإظهار العهد البعثي بالعهد الزاهر. بينما يجب على البعثيين أن يتواروا عن الأنظار بعد كل هذا الخراب والمجازر والحروب والدمار الذي ألحقوه بالعراق والمنطقة. فماذا أبقى البعثيون ليواجهوا به الشعب العراقي؟

ثم يذكر الكاتب شهيد الوطنية العراقية الزعيم عبدالكريم قاسم وما حققه من مكتسبات للشعب خلال 4 سنوات ونصف السنة من حكمه القصير. كان الزعيم قاسم قد اعتمد على شخصيات تكنوقراط وطنية فذة مثل محمد حديد، وإبراهيم كبة، وهديب الحاج حمود، وعبداللطيف الشواف، ومصطفى علي وغيرهم كثيرين. ولم يكن لعبدالكريم قاسم برلمان مشاكس له يمتنع عن التصويت على برنامجه الإعماري لكي لا يكون دعاية يستفيد منها رئيس الوزراء كما هو الحال اليوم مع المالكي. كذلك لم يجرأ أحد من وزراء الزعيم قاسم أن تكون له رجل في الحكومة ورجل في الإرهاب، وكذلك لم تكن هناك القاعدة الوهابية الإرهابية  والتفجيرات والمفخخات وغيرها. لذلك فمن المغالطة القول أن غياب الأمن لا علاقة له بالتلكؤ بالبناء والإعمار. والجنوب كغيره من المناطق العراقية لا ينعم بالأمن كما ادعى الكاتب. ومع ذلك لم يسلم الزعيم قاسم من مؤامرات البعثيين المجرمين. فالبعث هو أخطر وأخبث سرطان أصاب الجسد العراقي.
أما البكر فكان يحكم العراق بالحزب الواحد الذي يحصي على الناس أنفاسهم. فالإرهابيون اليوم هم الذين كانوا يحكمون في عهد البكر لذلك شعارهم: (إما أن نحكم العراق أو ندمره). ولذلك تراهم يعادون الديمقراطية لأنهم لا يستطيعون الوصول للسطلة عن طريق الانتخابات النزيهة.

ويسأل الكاتب: "لماذا لا يمثل الشيعة غير الاسلامي؟"
وجوابنا هو: من قال لك لا يمثل الشيعة غير الإسلامي؟ فهناك نحو 30 نائباً من القائمة "العراقية" هم من الشيعة من بغداد ومحافظات الوسط والجنوب. كذلك نسبة كبيرة من كتلة دولة القانون، والإئتلاف الوطني (الحكيم) هم علمانيون شيعة وحتى بينهم سنة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، الدكتور مهدي الحافظ من كتلة دولة القانون، وهو قيادي شيوعي سابق.
كذلك، كون الحزب إسلامياً لا يعني أنه طائفي، إذ أكد رئيس الوزراء نوري المالكي مراراً وتكراراً أنه يسعى لبناء دولة مدنية (أي علمانية). كذلك أكد قياديون سنة من كتلة "العراقية" مثل الشيخ خلف العليان، والشيخ حميد الهايس، أن المالكي ليس طائفياً بل زعيماً وطنياً. كذلك يمكن القول أن الحزب العلماني لا يعني أنه غير طائفي. فالذين حكموا العراق قبل 2003 لم يكونوا إسلاميين، بل كانوا علمانيين حد النخاع، ولكنهم  كانوا طائفيين حد النخاع أيضاً (عدا حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم).
إذ كما قال العلامة علي الوردي: " الإنسان العراقي أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى".(شخصية الفرد العراقي، ص 47).
فهل الذين رفعوا صور صدام حسين ورددوا هتافات طائفية ضد الشيعة في تظاهرات الرمادي والفلوجة هم من أحزاب إسلامية؟ كلا، بل معظمهم بعثيون لا دينيون. ومن الجانب الآخر، هل سمعتم يوماً هتافاً طائفياً من حزب إسلامي شيعي ضد أهل السنة؟ أبداً.

يدعي السيد نزار أحمد ((أن تحكم المؤسسة الدينية وسياستها هما سبب ابقاء المجتمع الشيعي متخلفا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. هذه السياسة مهدت للهيمنة السنية في العهود الماضية ولازالت تضطهد المجتمع الشيعي اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وترفيهيا ولا فرق ان كان الحاكم شيعيا ام سنيا ام كورديا.)) (انتهى)

إذنْ، المجتمع الشيعي في رأي الكاتب متخلف اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا. ولكن بعد فقرات قليلة يقول لا فظ فوه: ((الطائفة الشيعية زاخرة بالعقول العلمية والثقافية والأدبية والإدارية والاقتصادية والأكاديمية ...)).

أما فيما يخص وضعهم الاقتصادي، فنذكر الكاتب أن معظم تجار الشورجة الذين أمم عارف ممتلكاتهم، ومن ثم هجرهم صدام حسين بتهمة التبعية الإيرانية لأسباب طائفية، كانوا من الشيعة. أما عامة الشيعة فحالهم كحال العامة من بقية مكونات الشعب، فهم الفقير وفيهم الغني وفيهم البين بين، ولا أعتقد للمرجعية أية علاقة بوضعهم الاقتصادي.
وفيما يخص تصاعد دور العشائر في هذه المرحلة فسببه ليس "الحكومة الشيعية" بل حكم البعث الذي أحيا القبلية والعشائرية وأعاد الشعب العراقي إلى ما قبل تكوين الشعوب. وهذه الكارثة لا يمكن التخلص منها بإصدار فرمان من رئيس الحكومة، ولا في عشر سنوات، بل يستغرق وقتاً طويلاً.

يقول الكاتب: "المرجعية هي التي صنعت الدستور العراقي؟"
وهذا غلط كبير. المرجعية ساهمت وبطلب من السياسيين، أن تلعب دوراً في دمقرطة البلاد وكتابة الدستور. فالمرجعية أصرت على أن يكتب الدستور من قبل نواب منتخبين من الشعب. ولذلك فقد ساهم أكثر من سبعين نائباً من جميع مكونات الشعب العراقي، في كتابة الدستور الذي صوت عليه الشعب. وهذه هي الديمقراطية. ومع ذلك، فلو تقرأ الدستور لا تجد فيه أي أثر شيعي سوى الديباجة (المقدمة)، وهي لا تقدم ولا تؤخر.
ولم يكتف الكاتب بإلقاء اللوم على المرجعية في كل شيء، إذ يلومها حتى على الفساد. وكأن الفساد من طائفة واحدة فيقول: ((فواجب المرجعية هو حماية والدفاع عن حقوق المواطن المؤمن وليس الحياد عن فساد الساسة وتكاثر برجوازيتهم)). 
فمن جهة يطالب الكاتب المرجعية بعدم التدخل في السياسية، ومن جهة أخرى يطالبها بالتدخل للتخلص من الفساد.
نؤكد للسيد نزار أحمد، أني لا أريد الدفاع عن المرجعية، فهي لا تحتاج دفاعي، ولكن الحقيقة يجب أن تقال. فلحد علمي، وفيما يخص السيد علي السيستاني أنه لا يرغب التدخل في السياسة، وضد حكم ولاية الفقيه. ولكن ظروف المرحلة القاهرة، وعدم وجود زعيم سياسي يتمتع بالاحترام العميق لدى الجميع، اضطر السياسيون الشيعة، اللجوء إلى المرجعية لما لها من المكانة الروحية والتأثير على أتباعهم، وكان دور المرجعية إيجابياً في جميع المناسبات، وأهمها مطالبتهم الشيعة بالصبر وضبط النفس عندما تعرضوا ومازالوا لمجازر الإرهاب وهدم أضرحة أئمتهم.

أما سبب التفاف الشيعة حول الأحزاب الإسلامية فهو من أجل البقاء. وهذه غريزة طبيعية (داروينية) ينفذها الكائن الحي حتى بدون وعي. فعندما يرى الشيعي وجوده مهدداً لا لشيء إلا لأنه شيعي، وهو في نظر السني أجنبي إيراني، صفوي، ابن المتعة وخنزيز وابن خنزير، عندئذ لا يرى بداً سوى التخندق في حزب الطائفة. وهذا هو سبب هزيمة الأحزاب العلمانية في المحافظات ذات الغالبية الشيعية. ولذلك يتمتع التحالف الوطني (دولة القانون+ الإئتلاف الوطني) بأكبر عدد من المقاعد (159). ولا أتوقع أن تكون النتائج أقل من ذلك في الانتخابات القادمة.

يقول الكاتب: ((أن التيار الصدري يمثل صوت ايران في الحكومة العراقية ولا تهمه مصلحة الشيعة بقدر ارضاء النظام الايراني.))
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ترحب به "العراقية" وهي تمثل العرب السنة، والصدر أحد الزعماء الثلاث (علاوي وبارزاني والصدر) لسحب الثقة من المالكي؟ هل إيران تريد سحب الثقة من المالكي؟ إذنْ، لماذا يصرخون ليل و نهار أن المالكي عميل إيراني؟

ثم يعترف الكاتب أن "المكون الشيعي لم يعد مكونا موحدا وانما اصبح متكون من مكونات مذهبية متناحرة مع بعضها البعض".
ونحن نوافقه على ذلك، فشأن الشيعة كبقية مكونات الشعب العراقي، منقسم على نفسه.


ويختم الكاتب مقاله بملاحظة فيقول: ((شخصيا انا ضد جميع اشكال الطائفية سواء كانت قومية او دينية او مذهبية او عشائرية ولكن تطرقي الى الطائفية انطلق من واقعية الوضع الراهن. كذلك احترم حرية المواطن بممارسة العقائد الدينية التي تناسب اعتقاده الشخصي ولكني اقف ضد تسيس الدين وضد الاكراه في الدين واستغلاله لغسل عقل المواطن والتحكم به. في دولة المواطنة الشخص حر في سلوكه وتصرفاته واعتقاداته وافكاره مهما كانت بضمنها الالحادية او ممارسة العقائد غير السماوية. فهل تقبل المرجعية بذلك؟ شخصيا لا اعتقد واكاد اجزم)).

وأنا أتفق كلياً مع الكاتب في هذه الخاتمة الجميلة، ولكن يجب عليه دعم الأقوال بالأفعال. فالمسألة ليست بالتمنيات وترديد مقولات ضد الطائفية، ولا بيد المرجعيات الدينية، بل نتيجة الظروف الموضوعية التي يعيشها الشعب، ومدى تطور وعي الشعب سياسياً وفكرياً وأمنياً واقتصادياً. وقد صدق من قال :"غيِّر ظروف الإنسان تتغيَّر أخلاقه." فالحل الوحيد للتخلص من الأحزاب الإسلامية الشيعية هو نبذ الصراع الطائفي، ودحر الإرهاب الذي يشنه البعث وحليفته القاعدة لإبادة الشيعة، والعمل على إرساء دولة المواطنة والنظام الديمقراطي. فطالما يشعر الشيعي أنه معرض للإبادة بسبب مذهبه، فلا
يرى غير الأحزاب الإسلامية ملاذاً له من أجل البقاء، وكل ما عدا ذلك هراء في هراء.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
1) د.عبدالخالق حسين: دور الفقهاء الشيعة في العزل الطائفي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/news/408.html

2)د.عبدالخالق حسين: الطائفية في العهد الملكي
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=411


137
لماذا يطالبون المالكي بالاستقالة؟
د.عبدالخالق حسين

بدأت الحملة من قبل الشركاء في الحكومة بإسقاط السيد نوري المالكي، وإزاحته عن المسرح السياسي، حتى قبل تشكيل حكومته الثانية نهاية عام 2010، إذ عرقلوا تشكيلها نحو 10 أشهر. والجدير بالذكر أن سبب موافقتهم عليه في تشكيل حكومته الأولى عام 2006 كبديل للدكتور إبراهيم الجعفري هو لعدم معرفتهم الكافية به، إذ كانوا يتصورونه شخصاً ضعيفاً (على قدر أيديهم!) يمكنهم السيطرة عليه وتوجهيه كما يشاؤون!. ولما أثبت الرجل كفاءته، ويعرف كيف يتعامل مع الأزمات، ويتواصل مع الجماهير كخطيب متمكن، ويتعامل  مع الإعلام كمتحدث لبق سريع البديهة، وأنه شخصية قوية، ويتعلم بسرعة، وصار ذا خبرة وحنكة سياسية يحسب له ألف حساب، هنا عقدوا العزم على التخلص منه بأي ثمن لأنهم لم يريدوا حكومة مركزية قوية يرأسها شخص قوي مثل المالكي. ولما لم يجدوا عليه تجاوزات قانونية، لذلك بدأت الحملة بتوجيه شتى الاتهامات الوهمية ضده مثل أنه دكتاتور مستبد، متمسك بالكرسي، محتكر لجميع السلطات، ونسخة من صدام حسين، بل وأسوأ منه!! وحتى ألقوا عليه تبعية المحاصصة والفساد، وكل ما ورثه العراق من مشاكل عبر قرون.

لقد بات معروفاً لدى الجميع أن مشاركة كتلة "العراقية" البعثية في العملية السياسية كانت من أجل تخريبها من الداخل وإفشالها برمتها، وشعارهم هو شعار البعث: (إما أن نحكم العراق أو ندمره). وهم يعرفون جيداً أن الديمقراطية ليست في صالحهم، لذلك راحوا يحاربونها بشتى الوسائل والحجج ومعهم الدول المعادية للعراق وللديمقراطية.

وعلى سبيل المثال، يتذكر القراء الكرام الاجتماع الأول للبرلمان الحالي الذي عقد نهاية العام 2010 كيف لعبت الكتلة العراقية دوراً خبيثاً لعرقلة جدول أعمال الجلسة إذ كان المقرر انتخاب السيد أسامة النجيفي رئيساً للبرلمان، والسيد جلال طالباني رئيساً للجمهورية لولاية ثانية، والذي بدوره يرشح السيد نوري المالكي رئيساً للحكومة لولاية ثانية أيضاً. ولكن ما أن تم انتخاب صاحبهم السيد النجيفي حتى وغادرت أكثرية نواب الكتلة العراقية الجلسة لمنع اكتمال النصاب، وبالتالي عرقلة تنفيذ بقية جدول الأعمال. ولكن لحسن الحظ خاب أملهم، إذ تمرد نحو 30 نائباً وطنياً شريفاً من الكتلة العراقية على قيادتهم، وأصروا على البقاء والمشاركة في بقية أعمال الجلسة. وهكذا فاز السيد جلال طالباني رئيساً للجمهورية رغم غياب كتلة العراقية، والذي بدوره رشح المالكي لتشكيل الحكومة، وبذلك باء رئيس الكتلة أياد علاوي بهزيمة شنيعة، وأثبت أن حضوره وغيابه سيان. وهذا يذكرنا بقول الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة.... ولا النصارى لهم شأن بحنون

وبعد ذلك بدأت اجتماعات أربيل والنجف لسحب الثقة من المالكي. ومما يجدر ذكره في هذا الخصوص، أن تقريراً نشرته صحيفة "البوليتيكو" الأمريكية ومحطة إذاعة "أوستن" النرويجية، أفاد أن السعودية وقطر وتركيا الأردوغانية قدمت ثلاثة مليارات دولار للمشتركين في مؤتمر أربيل الثاني الذي قرر سحب الثقة من الرئيس المالكي؛ وتقديم مليوني دولار لكل نائب يصوت لسحب الثقة منه، ومع ذلك فشلت جهودهم. فإن صح هذا التقرير فهذا يعني، ورغم الحملة الضارية لتشويه سمعة النواب، أن الأغلبية الساحقة من النواب وطنيون شرفاء فضلوا إنقاذ العملية السياسية، والتمسك بالمالكي، على بيع شرفهم بمليوني بترو- دولار سعودي.   

ولما فشلوا في محاولة سحب الثقة راحوا يخلقون للمالكي المشاكل على جميع الصعد، فكانت قضية طارق الهاشمي ومنحه الملاذ الآمن في كردستان، ثم قضية عمليات دجلة... وأخيراً وليس آخراً، اعتقال عشرة من حماية رافع العيساوي، وزير المالية بتهم الإرهاب، والذي أشعل فتيل التظاهرات في المناطق الغربية والتي طغت عليها الهتافات والشعارات البعثية والطائفية بشكل صريح ومخجل لم يألفه الشعب العراقي طوال تاريخه.

يعتقد البعض أنه كان من الخطأ اعتقال حماية العيساوي في هذه الظروف وذلك للحفاظ على "اللحمة الوطنية"، وأنه كان الأجدر بالسلطة غظ النظر عنهم. نؤكد لهؤلاء أن ما يجري في المحافظات الغربية من تظاهرات، وأفعال وردود أفعال، لا علاقة لها باعتقال حماية العيساوي، ولا بالمطالب المشروعة أو غير المشروعة، بل بات مؤكداً أنه حتى لو لم يتم الاعتقال لفبركوا حكاية أخرى، بدليل أنه تم إلقاء القبض على حماية طارق الهاشمي في العام الماضي، وحتى محاولة القبض على الهاشمي نفسه، بل وصدر عليه الحكم بالإعدام، فلم تخرج أية تظاهرة احتجاج، فلماذا كل هذا التجييش والتحشيد الآن؟ السبب هو أن كل تصعيد للأزمة ينتظر وقته المناسب المخطط له من قبل الأسياد في الخارج للشحن الطائفي وصولاً إلى حرب طائفية لا تبقي ولا تذر. لذلك فعلاقة هذه الحملة ليست بشخص المالكي فحسب، بل بمذهب المالكي أيضاً، لأن وجود شيعي في منصب رئاسة الحكومة هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه، يرفضه الطائفيون الذين أدمنوا على احتكار السلطة لسبعين سنة، خاصة ووراءهم السعودية وتركيا الأردوغانية وقطر وغيرها.

المطالبة بالاستقالة
ولما باءت جهودهم بسحب الثقة بالفشل الذريع، لجؤوا إلى مطالبته بالاستقالة، أي أن يقوم المالكي بانقلاب على نفسه بأن يقدم الاستقالة!. وقد بلغ بهم الأمر إلى حد فراحوا يتوسلون برجل الدين السني الجليل الشيخ أحمد الكبيسي، المقيم في دولة الإمارات بتقديم التماس للمالكي عبر فضائية إماراتية يحثه على الاستقالة قائلاً: أن "لدى المالكي فرصة تأريخية يستطيع استثمارها ودخول التاريخ من أوسع ابوابه وهو الظهور على الشاشة في هذه الليلة ويعتذر للعراقيين عن عدم استطاعته تصليح الوضع الداخلي للبلد ويعلن عن استقالته من منصبه كرئيس للحكومة العراقية"، لافتا انه "بذلك يصبح اعظم زعيم عراقي على مدى التاريخ".(موقع الشبابيك).(1).
يعني (شيم البدوي وخذ عباته)، معتقداً أن هذه الطريقة ستنجح مع المالكي، وكأن بديل المالكي يستطيع أن يحل مشاكل العراق بعصى سحرية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا زجوا بالشيخ الدكتور أحمد الكبيسي، وهو معروف بالرصانة والرزانة والكياسة وابتعاده عن السياسة؟ السبب هو أن الرجل منصف ومتفقه في الدين والتاريخ ومحترم من قبل العراقيين سنة وشيعة، فتجرأ قبل أشهر أن يظهر على إحدى الفضائيات متحدثاً في قضية تاريخية مثيرة للجدل وهي أن سبب الصراع السني-الشيعي هو تمرد معاوية بن أبي سفيان على خليفة زمانه الإمام علي بن أبي طالب، حيث أشعل حرب صفين بين المسلمين. وأدان الشيخ أحمد الكبيسي معاوية، وحمَّله مسؤولية شق المسلمين، وأن الحق كان مع الإمام على. وهذا الموقف جعله في حالة صدام مع المؤسسة الوهابية في الخليج، فمنع من الظهور في الإعلام. لذلك فظهوره الجديد مطالباً المالكي بالاستقالة دليل على أنه تعرض إلى ضغوط شديدة من قبل السلطات الخليجية للقيام بهذه المهمة المحرجة له، مقابل أن يغفروا له ما قاله قبل أشهر بحق علي ومعاوية.(1)
وإنصافاً للرجل، أن الشيخ الكبيسي لم يلجأ إلى منح المالكي صكوك الغفران، وكيل الوعود له بالجنة وحور العين العين كما يفعل فقهاء الإرهاب من مشايخ الوهابية في مثل هذه الحالات. وهذه نقطة في صالح الشيخ الكبيسي.

هل يحق للمالكي أن يستقيل؟

طبعاً يحق له متى ما شاء لأسباب صحية أو عائلية أو شخصية، ولكن ليس بسبب الضغوط من خارج البرلمان. فالمالكي تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة، في ظروف صعبة جداً، عن طريق الانتخابات الديمقراطية، حيث حصد نحو 700 ألف صوت من منطقة بغداد وحدها، وهو أعلى رقم ناله زعيم كتلة سياسية. إضافة إلى أنه صوتت له الأغلبية البرلمانية. لذلك، إذا أقدم المالكي على الاستقالة بطلب من الشيخ الكبيسي أو تظاهرات الرمادي وغيرها، فهذا يعني أنه خذل الذين وضعوا ثقتهم به، وصوتوا له من الناخبين والنواب. ففي العرف الديمقراطي، يجب أن يتم إزاحة رئيس الوزراء أو أي مسؤول كبير في الدولة، بنفس الطريقة التي استلم بها رئاسة الحكومة، أي تحت قبة البرلمان وليس عن طريق تأليب الشارع بكتابة مقالات أو مظاهرات خارج البرلمان. صحيح أن المتظاهرين هم جزء من الشعب ولهم حق التظاهر وعرض مشاكلهم ومطالبهم، ولكنهم لا يمثلون كل الشعب، فالقرار النهائي هو لأعضاء البرلمان الذين يمثلون الشعب، ولهم وحدهم الحق في انتخاب أو سحب الثقة من رئيس الحكومة أو أي مسؤول آخر.

والسؤال الآخر الذي نود طرحه على قيادات الكتل السياسية المشاركين في السلطة والمطالبين باستقالة المالكي، وملأوا الدنيا جيجاً وصراخاً وتأليباً أن حكومة المالكي هي حكومة المحاصصة الطائفية وفاسدة ومليشياوية، فلماذا وافقوا على الاشتراك بهكذا حكومة، ولماذا لا يسحبون وزراءهم منها لتبرئة ذمتهم من الفساد والمحاصصة؟ ولماذا كل هذا اللف والدوران وتهييج الشارع، والشحن الطائفي برفع شعارات طائفية وعنصرية، واللجوء إلى رجال الدين والتوسل إليهم لمطالبة المالكي بالاستقالة مقابل ضمان دخوله في التاريخ من أوسع أبوابه؟

في الحقيقة، إن إلحاح خصوم المالكي على مطالبته بالاستقالة دليل على إفلاسهم السياسي والفكري، ومعاداتهم للديمقراطية وآلياتها لحسم المنازعات. لذلك، نراهم يركزون هجومهم دائماً على الانتخابات والادعاء بتكرار ممل أن الديمقراطية لا تعني الانتخابات. وقد أجبناهم مراراً وتكراراً كذلك، بأنه نعم الديمقراطية لا تعني الانتخابات فقط، ولكن لا ديمقراطية بدون انتخابات التي يجب أن تحترم نتائجها من قبل جميع الأطراف، الفائزة والخاسرة.

خلاصة القول
 لقد أثبت المالكي صموده في مواجهة هذه الأزمات المفتعلة بمنتهى الصبر والحكمة والشجاعة، ونهيب به الإستمرار على هذا النهج، وأن لا يذعن لمطالب خصومه بالاستقالة، بل أن يجعل صناديق الاقتراع هي الفيصل. ودعوته الأخيرة لحل البرلمان وتشكيل حكومة تصريف أعمال وإجراء انتخابات مبكرة هو الحل الصحيح.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مادة ذات علاقة بالمقال
فيديو: الشيخ احمد الكبيسي يطالب رئيس الوزراء العراقي بالاستقالة لدخول التاريخ من اوسع ابوابه
http://www.shababek.de/s3/modules/xnews/article.php?storyid=1333




138
إنتفاضة شعبية، أم فتنة بعثية طائفية؟


د.عبدالخالق حسين

في البدء، أود التوكيد على حق الجماهير في التظاهرات السلمية كحق كفله لها الدستور، ووسيلة من وسائل الضغط لتحقيق مطالبها المشروعة. ونؤكد هنا على كلمتين: "السلمية" و"المشروعة"، أي المطالب التي لا تتعارض مع الدستور. فهل توافرت هذه الشروط في التظاهرات الأخيرة التي جرت في مناطق معينة توصف بأنها مناطق عربية سنية دون غيرها؟

أعتقد أن هذه التظاهرات فقدت صفة السلمية لأنها قامت بسد الطرق الدولية التي تربط العراق بسوريا والأردن، كما واستخدمت فيها الأسلحة النارية في محاولة لاغتيال أحد قادتهم (صالح المطلك) مما يكشف عن الصراعات الحادة بين قادة تلك "الانتفاضة". وهنا من حق الدولة استخدام القوة لحماية السلم الاجتماعي ومصلحة الشعب. ولكن مع ذلك نصح السيد رئيس الوزراء، نوري المالكي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، نصح الجيش والأجهزة الأمنية بضبط النفس والتحلي بالصبر. كما وفقدت التظاهرات مشروعية مطالبها لأن معظمها تهدف إلى إشعال فتنة طائفية يحاسب عليها الدستور الذي صوت عليه الشعب، بغض النظر عن معارضتنا لبعض مواده، إذ يجب العمل بهكذا دستور إلى أن يتم تغييره باستفتاء شعبي.

يحاول البعض من المدافعين عن هذه التظاهرات إضفاء صفة "الانتفاضة الشعبية" عليها، وتبرئتها من دور البعثيين فيها، والإدعاء بـ"ان فلول البعث، وتنظيمات عزت الدوري حاولت، وتحاول ركوب الموجة، وحرف المطالب الشعبية باتجاه عنصري، وطائفي بحديثه، وحديثهم عن الصفوية."

في الحقيقة إن فلول البعث لم يحاولوا ركوب الموجة، بل أن هذه التظاهرات هي من الأساس بعثية المنشأ والتنظيم والأهداف والأغراض، ومن إنتاج فلول البعث ومن يدعمهم في الداخل والخارج، إذ كما قال الإعلامي السيد سالم المشكور: ((أن اسئلتنا تتناول من يوجهون التظاهرات ويحددون شعاراتها ومطاليبها. بيان عزة الدوري المتلفز اعلنها صراحة: هم أيتام النظام البائد الداخلون في العملية السياسية لتخريبها من الداخل، تنفيذا لما تعاهدوا عليه في اجتماعهم في عمان نهاية العام 2009. ذلك الاجتماع الذي عقد في منزل واجهة التمويل العراقية، ساعي البريد المالي بين الخليج وبقايا حزب البعث. الاجتماع الذي كشف تفاصيله وزير الثقافة الحالي ونشرته احدى الصحف حينها: "فقدنا الامل في إنقلاب عسكري وليس أمامنا سوى التوغل في العملية السياسية والعمل ككتلة واحدة على تخريبها من الداخل". الراعي القطري - التركي كان صاحب هذه الفكرة التي نشهد فصول تطبيقها منذ الانتخابات النيابية ومخاض تشكيل الحكومة مرورا  بإعاقة عملها رغم مشاركة "الانقلابيين" فيها بكثافة.))(1) انتهى

فهل ما زلتم تعتقدون أن هذه التظاهرات هي انتفاضة شعبية لتلبية مطاليب الجماهير المشروعة؟
وإليكم بعضاً من هذه المطاليب لنرى فيما إذا كانت حقاً "مشروعة":
"إلغاء قانون مكافحة الارهاب وخاصة المادة 4 إرهاب، اطلاق سراح كل المعتقلين دون استثناء، إلغاء قانون المساءلة والعدالة، إعادة كافة منتسبي جيش صدام دون استثناء، اقرار قانون العفو العام"، أما الشعارات: فهي "إسقاط النظام - إسقاط الدستور". وهتاتفات هابطة مثل: "يا ايران يا ايران جيش محمد هب الآن" إضافة إلى شتائم ذات طابع طائفي مثل: زاحفون إلى بغداد لسحق الخنازير، أولاد الزنا، بغداد إلنا وماننطيها، عبدالزهرة لا يدخل الرمادي، وكذلك رفع علم صدام وصوره وصور أردوغان...الخ (2)
بإختصار: العمل من أجل إعادة حزب البعث للحكم بثوبه القاعدي الوهابي.
وأخيراً جاء خطاب عزة الدوري الذي تضمن كل مطاليب "الإنتفاضة" مما قدم دليلاً ساطعاً على أن هذه التظاهرات هي من صنع فلول البعث، وهي تنفيذ لمخطط ذي أبعاد خطيرة تمهد لعودة البعث وإدخال العراق من جديد في نفق بعثي مظلم من كوارث بعثية معروفة. فأين الشرعية في هذه المطاليب؟

يعترف أحد الكتاب المدافعين عن التظاهرات بقوله "أن رفع علم صدام نذير شؤم بالتحضير لحرب اهلية ثانية لا تبقي ولا تذر".  ولكنه في نفس الوقت يدافع عن هذا الشؤم بإيجاد تبريرات له فيقول أنه "دليل على عفوية التظاهرات، وعدم قدرة الداعين اليها على السيطرة عليها". عجبي.

كما ويعترف الكاتب نفسه بدور تنظيمات القاعدة، ومحاولة نقل التجربة السورية، ورفع شعاراتها، وأعلامها الطائفية... ورفع علم اقليم "كردستان"، والتهديد بالاقليم السني...الخ،  وأن ".. كل المطالب حتى الآن لها طابع طائفي، ومحلي، بل شخصي. مثل اطلاق سراح حماية العيساوي، والعفو عن الهاشمي، واطلاق سراح "السجينات" والغاء قانون المسائلة والعدالة...".
ونحن إذ نسأل الأخ الكاتب: وبعد كل هذه القائمة الطويلة من الأهداف الطائفية الخطيرة، فماذا أبقيتَ من مشروعية هذه التظاهرات حتى تسميها بـ"الانتفاضة الشعبية؟". وهل حقاً حصل كل ذلك نتيجة "لعفوية التظاهرات، وعدم قدرة الداعين اليها على السيطرة عليها"؟
 
وعن موقف الإقليم الكردستاني يقول صاحبنا بحق: "ان صمت المدن الكردية دليل واضح على المكر، والخديعة، ومحاولة ضرب الاطراف ببعضها للاستفادة الانانية والمساومات". ولكن حتى هذا الموقف الانتهازي لقيادة الإقليم يحاول الكاتب إلقاء اللوم فيه على المالكي لأنه: "كسب قيادات المنطقة الغربية قبل فترة عن طريق التحريض على الاكراد، وقياداتهم، واستخدام ضباط جيش النظام السابق، وهم بمجملهم من المنطقة الغربية لكسب المنطقة، وإرهاب الزعامات الكردية، التي استفادت هي بدورها من بعض الضباط الذين كانوا في سوريا."
إذاً، فالمالكي هو السبب والملام في جميع الأحوال، حتى عندما يتخذ إجراءات لمحاربة الإرهاب مثل عمليات دجلة، اعتبر تحريضاً على الأكراد، بل ونقرأ إلقاء اللوم على المالكي حتى عند حصول كوارث طبيعية مثل غرق بغداد بسقوط أمطار غزيرة غير مسبوقة، وحتى خسارة فريق رياضي في سباق دولي.

في الوقت الذي نؤيد فيه الكاتب على: "ان المطالب الشعبية الآنية هي توفير الخدمات، وتحسينها. ابقاء البطاقة التموينية مع تحسينها. القضاء على الفساد، محاربة البطالة، والشروع بالبناء، والعمران، وتوفير الامن والامان، ...الخ" إلا إننا نتساءل: كيف يمكن للحكومة تحقيق كل هذه المطاليب مع المطالبة بإطلاق سراح جميع السجناء المتهمين بالإرهاب، وإلغاء قانون الإرهاب... وغيرها من المطاليب التي يطالب بها منظمو "الانتفاضة الشعبية"؟

قلنا مراراً، أن ليس هناك شعب في العالم متجانس أثنياً ودينياً ومذهبياً مائة بالمائة. وهذه الانقسامات أشبه بألغام مدفونة وتبقى خامدة إلى أن يوقظها مشعلو الفتن. ولذلك قيل "الفتنة نائمة ولعن الله من أيقظها". ولكن من الذي أيقظها؟ ليس هناك أشطر من البعثيين وأكثرهم خبرة وخبثاً في إيقاظ الفتن بتفعيل هذه الألغام وتفجيرها في المجتمع في الوقت الذي يناسبهم. لذلك فخطابات أحمد العلواني والشعارات الطائفية التي رفعوها ليست عفوية، بل هي بعثية وهابية بامتياز، يراد منها إشعال حرب أهلية طاحنة على غرار ما يجري في سوريا الآن.

خلاصة القول، إن ما يسمونه بـ"انتفاضة شعبية" هي ليست انتفاضة ولا شعبية، بل فتنة طائفية وراءها البعث والقاعدة، شاركت فيها جهات أجنبية (السعودية وقطر وتركيا) والإعلام العربي، وهي نفس الجهات التي تذبح الشعب السوري الآن، ونفس الجهات التي اغتالت ثورة 14 تموز المجيدة عام 1963، تعود اليوم لتغتال العراق الديمقراطي الجديد. ولكن فاتهم أن العراق اليوم هو ليس سوريا، ولا عراق الستينات. فالانقلابات العسكرية انتهى دورها، وتفجير الوضع من الداخل بشعارات طائفية بات مفضوحاً، وهاهي التظاهرات المضادة انطلقت في البصرة ومطالبها على الضد تماما من مطالب المحافظات الغربية، وهي مجرد البداية، والبقية تأتي في محافظات الوسط والجنوب الأخرى. وهذا بالضبط ما يريده البعث الإرهابي من ردود أفعال لإشعال الفتن الطائفية، لأن البعث لا يمكن له البقاء إلا بالأزمات.
يقول أينشتاين: "الغباء هو أن تفعل نفس الشئ مرتين بنفس الأسلوب، ونفس الخطوات، وانتظار نتائج مختلفة".
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
1) سالم المشكور:
شكراً عزّت الدوري !
http://www.newsabah.com/ar/2467/8/87676/%D8%B4%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%8B-%D8%B9%D8%B2%D9%91%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%8A-!.htm?tpl=13
2) فيديو: النائب ياسين مجيد يطالب رئاسة مجلس النواب لمناقشة الشعارات التي رفعها المتظاهرون
http://www.youtube.com/watch?v=SuRFEOocWDo&list=UUgbMOpF5nb5RFWXE9qd0LDg&index=6
 
3) علاء الخطيب :اقتلوا المالكي فقد كفر
http://nasiriyah.org/ara/post/26516

4) مجموعة صور لجانب من المظاهرات الداعمة للحكومة و موقفها من الارهاب في محافظات الوسط والجنوب
http://iraq2003.net/showthread.php?t=24727


139

أيها الديمقراطيون، هل اتضحت لكم الصورة الآن؟

د.عبدالخالق حسين

حذرنا، مع غيرنا من الكتاب الأفاضل، مراراً وتكراراً، أبناء شعبنا، وسياسييه وكتابه الحريصين على الديمقراطية، حذرناهم من خطر وقوع كارثة شباطية جديدة، وأن الغرض مما يجري على الساحة العراقية من صراعات، وافتعال أزمات متواصلة من قبل جهات متعددة، داخلية وخارجية معروفة، هو ليس لإزاحة المالكي فحسب، وإنما الغرض الرئيسي هو العراق كله، وإفشال العملية السياسية، ووأد الديمقراطية الناشئة، وحرمان شعبنا من الأمن والاستقرار، ولكل من صانعي هذه الأزمات أسبابه الخاصة به.
فالبعثيون الطائفيون أدمنوا على احتكار السلطة بالاعتماد على المؤامرات والانقلابات العسكرية والقوة الغاشمة. وتيار السيد مسعود البرزاني يعمل لإضعاف الحكومة الفيدرالية وإخضاعها لسيطرة الإقليم . وهناك الشركات النفطية التي تفضل الأرباح المغرية التي قدمها لها رئيس الإقليم على ما قدمته حكومة بغداد من عقود. وكذلك، الديمقراطيون الذين لم يحالفهم الحظ في الانتخابات، اتخذوا من المحاصصة والفساد ذريعة لهم للوقوف إلى معسكر إجهاض العملية السياسية، وهناك المنافسات بين حلفاء المالكي من داخل التحالف الوطني على منصب رئاسة الحكومة. وأخيراً، والأخطر، الجهات الخارجية (السعودية، وقطر، وتركية أردوغان)، تريد تفتيت العراق وجعله كياناً هزيلاً تحت سيطرتهم كي لا تقوم له قائمة.

خلاصة ما أكدناه عبر مقالاتنا للسادة الذين طرحوا أنفسهم كديمقراطيين، ويساريين، أن العراق هو المستهدف الرئيسي من هذه الهجمة الشرسة المستمرة، وما تركيزهم على المالكي، واتهامه بالديكتاتورية والطائفية والصفوية، والعمالة لإيران، وخرافة تهميشه للعرب السنة...الخ، إلا لأنه أسهل عليهم مهاجمة شخص واحد، بدلاً من إبراز مقاصدهم الحقيقية من هذه المؤامرات، وعليه فقد بالغوا بإظهار الوضع بالدمار الشامل، وأن سببه هو "المستبد بأمره" المالكي وحده وليس غيره، فما أن يختفي من الساحة حتى ويتخلص العراق بسحر ساحر من جميع مشاكله المتراكمة عبر قرون. ولأننا قلنا الحقيقة ولم نركب موجة الطبالين، اتهموننا بأننا من وعاظ السلاطين ومرتزقة المالكي،... بل راح البعض يتهمنا بأننا نعتبر المالكي هو العراق، والعراق هو المالكي...! فليس صعباً على هؤلاء استعارة الاتهامات الجاهزة وقذفها على كل من لا يسايرهم.

ولا أعرف ما هو موقفهم الآن بعد أن اتضحت الصورة بكل تفاصيلها، وكشف صناع الأزمات عن وجوههم الطائفية الكالحة، فبات كل شيء يطرح على المكشوف وبدون خجل. فما هو موقفهم من خطابات النائب أحمد العلواني، قائد "الربيع السني"، وهو يصف الشيعة بالخنازير، وعملاء إيران، وآخر يصفهم بأبناء المتعة وأبناء الزنا،... وفي تظاهرات الرمادي رفعوا صور صدام حسين وعلمه، وصور أردوغان وعلم الإقليم الكردستاني، كما وصعَّدوا من قائمة طلباتهم بالغاء قانون المساءلة والعدالة، واقرار قانون العفو العام، والغاء قانون مكافحة الارهاب، وإعادة جميع الضباط البعثيين،... أي عودة البعث للحكم. كل هذا يقدم لنا دليلاً ساطعاً على أن التظاهرات الأخيرة في المحافظات الشمالية الغربية وراءها دول إقليمية تريد إشعال الفتنة الطائفية لحرق العراق.
غني عن القول أن مغازلة الطائفيين لرئيس الإقليم، ورفع علمه في المظاهرات، وما عبر عنه عزة الدوري من حرصه الزائف على الشعب الكردي في خطابه الأخير، كل ذلك تكتيك وقتي مثل تكتيكهم في إنقلاب 8 شباط 1963، فبعد أن يتخلصوا من عدوهم الرئيسي "الشيعة الصفوية" سينقلبون على الكرد كما انقلبوا عليهم من قبل. فهل يتعظ الأخوة الكرد من أخطائهم السابقة؟

صناعة الأكاذيب
لقد ملأ المتظاهرون الدنيا صراخاً وضجيجاً على هتك أعراض السجينات "المجاهدات"!!! فهل حقاً حصلت هذه الإنتهكات؟
تفيد الأنباء أن ((أكد عضو لجنة الحكماء الشيخ خالد الملاَّ، (وهو عربي سني) يوم الخميس (3/1/2013)، [بعد زيارتهم لسجون النساء] انه لا توجد أية عملية اغتصاب بحق السجينات، مبينا أن مديرية الإصلاح بوزارة العدل ستقاضي القنوات الفضائية التي روجت "لمثل هذه الأكاذيب")).(1)

والجدير بالذكر أنه بعد صدور قرار لجنة الحكماء المختصة بمتابعة قضية تعذيب المعتقلين والمعتقلات، علق أحد ذوي النوايا الحسنة قائلاً: "لو فتحت سجون النساء امام لجنة محايدة لتوضح الحقائق امام الرأي العام، لما وصل الأمر الى هذا الحد من التجييش للشارع ... ولتم سد الطريق على المتصيدين في الماء العكر". يعتقد الأخ المعلق أن هذا التجييش هو فعلاً من أجل السجينات وليس مخطط لإشعال الفتنة باسمهن، بدليل أنه بعد صدور القرار سرعان ما "اتهم القيادي في القائمة العراقية حامد المطلك، لجنة الحكماء "بتضليل الحقائق وعدم الإفصاح عن الحقيقة"، واصفا إياها بـ"الفاشلة". فهؤلاء لن يقتنعوا بأي تحكيم ما لم يكن مؤيداً لرغباتهم. "لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم".

وقبل كذبة اغتصاب "المجاهدات" بسنوات، روجوا كذبة "المجاهدة" صابرين، وكذبة أبو الدرع والتعذيب بالدريل. في الحقيقة، إن الذين نظموا المظاهرات هم أعرف من غيرهم بعدم وقوع هذه الانتهاكات، ولكنهم خبراء في صنع الافتراءات والإشاعات لإثارة الفتنة الطائفية. وحتى شهادة لجنة الحكماء لم تسكتهم، لأن لتظاهراتهم أبعاداً وأهدافاً بعثية وإقليمية أكثر بكثير من الدفاع عن السجينات.

وبمناسبة صناعة الأكاذيب في مختبرات الإشاعات البعثية، ينقل لنا الأستاذ محمد ضياء عيسى العقابي في مقال له قائلاً: ((سيتساءل الناس: أين التعذيب الذي تدعونه وقد اعترف عرّاب إئتلاف العراقية السيد خميس الخنجر، القاطن في الأردن، للسيد باقر جبر الزبيدي، وكان راقداً في إحدى مستشفيات عمّان، بحضور الدكتور صالح المطلك، بأنه، أي الخنجر، هو الذي اخترع وسوَّق أكذوبة التعذيب بـ"الدريل" اثناء تولّي السيد الزبيدي حقيبة وزارة الداخلية؟ لماذا لم يكذِّب السيد المطلك هذه المعلومة والمعلومة التي ستلي اللتين أطلقهما السيد الزبيدي في فضائية "الحرة – عراق" برنامج "حوار خاص" وقد مضت على إطلاقهما عدة شهور؟ سيتساءل الناس: ما معنى أن يرشح السيدُ خميس الخنجر السيدَ باقر الزبيدي لرئاسة الوزارة (اثناء محاولة سحب الثقة من الرئيس المالكي) للشيخ حمد أمير قطر لإستحصال موافقته حتى دُهش الشيخ حمد وصاح (والكلام مازال للسيد الخنجر): "كيف ترشحونه وهو الذي كان يعذّب بالدريل"؟، هنا ضحك السيد الخنجر أمام الشيخ وقال له: "سيادة الأمير نحن الذين اخترعنا وسوَّقنا هذا الإتهام لتشويه سمعة وزير الداخلية الزبيدي؟")).
ونحن إذ نتساءل: إلى متى يمكن خدع العراقيين والعالم بهذه الأكاذيب؟
إذنْ، نحن الآن، كما في كل وقت، نواجه معركة شرسة مع خبراء في صناعة الأكاذيب والأوهام، مثل "انتهاك أعراض المجاهدات"، والتعذيب بالدريل، ومعهم مئات الفضائيات وغيرها من وسائل الإعلام، وجيش جرار من الإعلاميين لتضليل الناس، والشارع العراقي والعربي. والمشكلة الأخطر أننا إذا ما نبهنا عن خطورة هذه الأكاذيب وصفونا بأننا مرتزقة المالكي. فيا أيها الديمقراطيون، إن كنتم حقاً حريصين على الديمقراطية ومستقبل العراق، هل مازلت الشكوك تخامركم بأن المستهدف هو العراق والديمقراطية الوليدة، وما المالكي إلا الواجهة لتسويق بضاعتهم الكاسدة الفاسدة ضده؟؟.

الحروب الطائفية القادمة
المتتبع لما يجري في العراق منذ 2003 ولحد الآن، يعرف أن هناك مخططاً خبيثاً وضع بمنتهى الدقة، يتم تنفيذ فصوله حسب المرحلة. فما يجري من تظاهرات في المحافظات العربية السنية ليست بمعزل عما يجري في سوريا والمنطقة عموماً. والهدف النهائي هو عودة حكم المكون الواحد، وهو حكم البعث العربي السني بثوبه الجديد، الوهابي القاعدي، وبالتالي ضرب إيران.

فالمشكلة التي أشرنا إليها مراراً وتكراراً أن العرب السنة في العراق، ومعهم الحكومات العربية، لا يتحملون وجود شيعي على رأس السلطة التنفيذية حتى صار عندهم بمثابة الخط الأحمر لا يمكن تجاوزه منذ تأسيس الدولة العراقية، وما حصل للراحل صالح جبر في الأربعينات من القرن الماضي دليل واضح على صحة ما نقول. بل ويذكر حنا بطاطو أنه منع على الشيعة في العهد الملكي حتى رئاسة حزب معارض. ولذلك، أتهم عزة الدوري الحكومة العراقية بزعامة نوري المالكي، بتنفيذ ما وصفه بـ"مشروع صفوي فارسي لتقسيم العراق إلى دويلات منذ 7 سنوات".
يقول المثل: "رمتني بدائها وانسلت". فالبعثيون خبراء في الجرائم وصنع الأزمات، وسباقون في اتهام غيرهم بجرائمهم. فهم الذين يعملون الآن لتقسيم العراق.

وفي هذا الخصوص نشر براين دونغ في صحيفة هيرالد تربيون الأمريكية، تقريراً بعنوان: (تحذير أميركي: المسلحون السُنّة سيواصلون القتال في العراق بعد الاطاحة بالأسد) جاء فيه: "أن المجموعات المسلحة السورية، بعد أن تجد نفسها وقد حققت انتصارا على الأسد، قد تكون تواقة الى مواصلة عملها في أماكن اخرى ـ اما لأسباب ايديولوجية أو لأسباب مالية". ولفت دونغ الى إن "الحماس الديني صار أكثر وضوحا مع تواصل القتال وارتكاب الفظائع. اذ تنقل تقارير ان المجموعات المسلحة أسست شرطة دينية على الطراز السعودي (المطاوعين) في بعض المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، ما يشير الى موقف متشدد ولربما الى نفوذ اجنبي ايضا. وقد تجتذبهم الاراضي المجاورة للبنان والعراق".
ورجح الكاتب أن يكون "العراق مسرح العمليات المستقبلي. فالاقتتال الطائفي قد بدأ فيه منذ أن نزعت الولايات المتحدة عن الاقلية السنية احتكارها لشؤون البلد الوطنية الذي تمتعت به منذ استقلال البلد بعد الحرب العالمية الاولى". ولاحظ ان "السنة العراقيين يشنون حملات تفجير ضد الحكومة الشيعية ببغداد، ويكاد يكون من المؤكد انهم يحصلون في هذا على دعم من دول الخليج السنية، فيما ينخرط بعض السنة العراقيين في القتال داخل سورية ايضا". وقال ان "المسلحين العراقيين الموجودين الآن في سورية سوف يعودون الى البلد بمهارات كبيرة ودعم أكثر رسوخا". وتابع أن "هدفهم سيكون اقامة منطقة حكم ذاتي سنية او ربما حتى دولة سنية مستقلة مرتبطة بدولة ذات غالبية سنية في سورية وبالطبع بدول الخليج السنية ايضا".)(2)

لذلك فرفع أعلام ما يسمى بـ"جيش العراق الحر" و"جيش سوريا الحر" في تظاهرات المحافظات السنية العربية ليس إلا جزء من العملية التمهيدية التي خطط لها بدقة متناهية لتهيئة الأجواء للحرب الطائفية القادمة في العراق والمنطقة وتمزيق العراق إلى كانتونات أو دويلات الطةائف.

كما وأفادت وكالة (رويترز)من الرياض –  أن"حذرت السعودية يوم السبت (5/1/2013) العراق من التطرف الطائفي بعد اسبوعين من الاحتجاجات التي نظمها السنة ضد الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة. وقال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل: "قناعتنا هي أن العراق لن يستتب أمره حتى يتعامل العراق خارج المذهبية والتطرف المذهبي الذي للأسف دب بين العراقيين. وحتى أن تعالج هذه القضية لا نعتقد أنه سيكون هناك استقرار في العراق وهذا يؤلمنا." (3)

ومن معرفتنا لموقف السعودية من الطائفية في العراق نعرف ماذا يعني وزير خارجيتها بقوله: " أن العراق لن يستتب أمره حتى يتعامل العراق خارج المذهبية والتطرف المذهبي"، وهو قول حق يراد به باطل، أي عدم السماح لشيعي تبوئ منصب رئاسة الحكومة، وإعادة الوضع كما كان قبل 2003.
المشكلة عند هؤلاء أن ممارسة الطائفية في الحكم خلال ثمانين سنة من تاريخ العراق الحديث لا تعتبر طائفية، ولكن مجرد الشكوى منها وفضحها وإدانتها تعتبر طائفية.

كما وأشار اللورد (Paddy Ashdown)، الزعيم الأسبق لحزب الديمقراطيين الأحرار البريطاني، في مقال له نشر في صحيفة التايمز اللندنية يوم 12/12/2012 ، أن ما يجري في سوريا من حرب ليس صراع من أجل الديمقراطية، بل حرب طائفية بين الشيعة والسنة، والحروب القادمة في الشرق الأوسط هي حروب بين السنة والشيعة أيضاً. ويتساءل الكاتب في عنوان مقاله: أية جهة ندعم في هذه الحرب بين السنة والشيعة؟ (4) Who should we back in this Sunni-Shia war?

إذنْ، باتت الصورة واضحة، أن ما يجري في العراق من صراعات وأزمات متواصلة ومتصاعدة، سببها الرئيسي هو طائفي، وليس المالكي أو أي شخص شيعي آخر يحتل منصب رئاسة الحكومة. كما ونؤكد إنه ليس بإمكان حل هذه المشكلة بإصدار فرمان من نوري المالكي لإلغاء المحاصصة، وتحويل الأحزاب الدينية إلى أحزاب علمانية بجرة قلم كما يطالب البعض، لأن الشعب وقواه السياسية في هذه المرحلة العاصفة منقسم على هذا الأساس. فالطائفية ليست نتيجة وجود أحزاب دينية، بل العكس تماماً، الأحزاب الدينية والمحاصصة الطائفية هي نتاج ممارسة السياسات الطائفية عبر عقود من قبل الحكومات المتعاقبة قبل 2003. والجدير بالذكر أن معظم الطائفيين هم علمانيون، وهذه حقيقة معروفة.

لم نقرأ لأي من الكتاب الديمقراطيين أي مقال يدينون فيه الخطابات الطائفية النارية والشتائم البذيئة ضد أكثر من 60% من الشعب العراقي. فتصوروا لو كانت هذه البذاءات قد صدرت من سياسي أو كاتب شيعي ضد أهل السنة، فماذا كان ردود أفعال أهل السنة والحكومات العربية ووسائل إعلامها؟ ولكن مع ذلك، وبدلاً من إدانة هذه الشتائم ومطلقيها، نرى التبريرات لهذا التأجيج الطائفي وشتائمهم وكالعادة، إلقاء اللوم على الضحية.
وكما تفيد الحكمة: "ربَّ ضارة نافعة"، فالذين أشعلوا التظاهرات الطائفية بغية إسقاط المالكي فضحوا أنفسهم ومقاصدهم المشبوهة أمام الشعب العراقي، وبالأخص أمام الشرفاء من أبناء السنة العرب الحريصين على الوحدة الوطنية العراقية. وفي نفس الوقت قدموا خدمة لا تقدر لخصمهم اللدود السيد نوري المالكي الذي عرف كيف يواجه الأزمة بمنتهى الهدوء والحكمة، فازدادت شعبيته، ليس في وسط المناطق ذات الأغلبية الشيعية فحسب، بل وحتى في المناطق ذات الأغلبية السنية.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ـــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1) لجنة الحكماء: لا توجد أية عملية اغتصاب بحق السجينات والعدل ستقاضي المروجين لذلك

 http://www.akhbaar.org/home/2013/1/140314.html
2) تحذير أميركي: المسلحون السُنّة سيواصلون القتال في العراق بعد الاطاحة
http://www.uragency.net/index.php/2012-03-11-16-32-27/2012-03-11-16-36-53/14963-2013-01-05-08-19-31

3) السعودية: الطائفية ستطيل أمد الاضطراب في العراق
http://www.akhbaar.org/home/2013/1/140402.html

4) Paddy Ashdown: Who should we back in this Sunni-Shia war? | The Times
http://www.thetimes.co.uk/tto/opinion/columnists/article3628215.ece


140
من المستفيد من إفشال العملية السياسية في العراق؟

د.عبدالخالق حسين

منذ اليوم الأول من إسقاط حكم البعث الفاشي، هب أيتام البعث وحلفاؤهم من أتباع القاعدة الوهابيين الوافدين من السعودية وغيرها، لمحاربة العراق الجديد بحجة تحرير العراق من المحتل الأمريكي الكافر وعملائه !. ولكن مع سقوط هذه الحجة بانسحاب القوات الأمريكية نهاية عام 2011، استمرت العمليات الإرهابية، وفي هذه المرة بحجة محاربة عملاء إيران الصفويين!! والمقصود بهذا الشعار الطائفي هو محاربة آخر شيعي عراقي يخرج على المألوف العثماني فيشترك في حكم وطنه العراق، كما توضَّح ذلك جلياً مؤخراً في خطابات النائب من كتلة "العراقية"، أحمد العلواني، الذي قاد مظاهرات صاخبة في الفلوجة، وبشعارات طائفية صريحة لا لبس فيها، دعى الجماهير للزحف شرقاً لسحق عملاء إيران وصولاً إلى طهران!! جاءت هذه التظاهرات الاحتجاجية على أثر إعتقال عدد من حماية وزير المالية الدكتور رافع العيساوي بتهمة الإرهاب. وحسبما اوردت وكالة رويترز، فقد رفع المتظاهرون في الرمادي صور رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، الذي دأب على انتقاد المالكي في الفترة الاخيرة.

على إن محاربة العراق الجديد لم تقتصر على أيتام البعث وأتباع القاعدة الوهابيين، بل نجح أعداء العراق بتجنيد مختلف الجهات السياسية، مستغلين تعقيدات الوضع والصراعات بين مختلف مكونات الشعب، الدينية والقومية، والكيانات السياسية، فهناك كثيرون يفضلون مصالحهم الشخصية والفئوية على المصلحة الوطنية. لذلك ليس صعباً على السعودية وقطر وتركيا، شراء الذمم من سياسي العراق لتدمير وطنهم وتحت واجهات حق مثل محاربة الطائفية والفساد، ولكن يراد بها باطل.

والأكثر غرابة أن نرى شخصيات سياسية، رغم أنها ساهمت في معارضة حكم البعث الجائر، ولكنها رضيت اليوم أن تساهم مع أيتام البعث في إفشال العملية السياسية ووأد الديمقراطية الوليدة وتحت مختلف الذرائع، تارة بحجة أنهم ضد المحاصصة الطائفية والعنصرية، وأخرى بحجة تفشي الفساد!!. فمنذ أكثر من عام، جند فخري كريم كتّابه في صحيفته (المدى) لشن حملة ضارية ضد رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، مردداً اتهامات رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني له بالدكتاتورية. إذ لا يخلو عدد من الصحيفة المذكورة من مقالات نارية ضد المالكي. والكل يعرف أن إلصاق تهمة الدكتاتورية باطلة، لأنه لا يستطيع أي كان رئيساً للوزراء في الظروف الراهنة أن يكون دكتاتوراً وذلك لأن عدد نواب المعارضة يفوق المؤيدين له، وبإمكانهم إسقاطه في أي وقت أرادوا، وإنما سبب عدم إسقاطه هو أن العداء المستفحل فيما بين الكتل المعارضة أشد من عدائهم ضد خصمهم المالكي، وليس بإمكانهم ترشيح البديل الذي يرضيهم جميعاً أو يرضي حتى الأكثرية البرلمانية البسيطة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، طلع علينا مرة السيد عدنان حسين (أحد كتاب المدى) وهو يحرض صراحة على إفشال العملية السياسية. والجدير بالذكر أن عدنان حسين هذا يكتب دائماً بما يرضي أولياء النعمة. فعندما كان يعمل في صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية، كتب أكثر من مقال طالب فيه السعودية والكويت وجميع الدول الدائنة بعدم التخلي عن ديونها على العراق ليكون درساً للشعب العراقي بعدم إنتاج صدام آخر في المستقبل (كذا)، وكأن صدام حسين استلم السلطة عن طريق انتخابات حرة ونزيهة، وشن حروبه العبثية بموافقة الشعب، لذلك طالب عدنان حسين بمعاقبة هذا الشعب وحتى الأجيال القادمة على جرائم صدام.

واليوم طلع علينا سياسي مخضرم آخر بمقال طالب فيه بمقاطعة الانتخابات القادمة، بذريعة الدفاع عن الديمقراطية بعنوان: (من أجل الديمقراطية في العراق قاطعوا الانتخابات القادمة)، وعلى العكس من هؤلاء، أكد الراحل علي الوردي في معرض دفاعه عن الديمقراطية قائلاً: لو كنت رجل دين لأفتيت بجعل المشاركة في الانتخابات واجباً دينياً.
والسؤال الذي نود طرحه هو: لمصلحة من يريد هؤلاء إفشال العملية السياسية، ومقاطعة الانتخابات، ووأد الديمقراطية الوليدة؟
يردد هؤلاء بتكرار ممل أن الانتخابات ليست كل شيء في النظام الديمقراطي. وهذا صحيح، ولكن يجب أن يعرف هؤلاء السادة أنه لا ديمقراطية بدون انتخابات. فماذا يبقى من الديمقراطية إذا ألغيت منها الانتخابات؟ أما إذا كانت هناك نواقص في الديمقراطية العراقية، فيجب أن يتحمل وزرها جميع الشركاء في العملية السياسية وليس رئيس الوزراء وحده.
قلنا مراراً أننا لا ندعي أن الديمقراطية في العراق ناضجة تنافس الديمقراطيات الغربية، فبعد عشرات السنين من الخراب المادي والبشري، والتجهيل المتعمد، والردة الحضارية، وتكالب دول الجوار على العراق، لا يمكن أن يكون الوضع مثالياً... ولكن هناك بعض الحقائق لا بد من ذكرها:
أولاً، نعرف من تاريخ الدول التي سبقتنا في هذا المضمار أن ولادة الديمقراطية في أي بلد ليست عملية سهلة، بل غالباً ما تتم بعملية جراحية قيصرية مصحوبة بآلام ودماء.
ثانياً، لم يمارس الشعب العراقي الديمقراطية طوال تاريخه قبل 2003، وحتى في العهد الملكي الذي يحلو للبعض وصفه بالعهد الديمقراطي الليبرالي، وأنه كان العهد الذهبي في تاريخ العراق، إذ في معظم الأحيان كان رئيس الوزراء الجديد يحل البرلمان ويعين معظم النواب بعملية انتخابية صورية مزيفة. وهذا ما شهد به معظم رجال العهد الملكي الذين نشروا مذكراتهم مثل الراحل عبدالكريم الأزري وغيره.

الحقيقة الثالثة، لا تولد الديمقراطية متكاملة وناضجة، ولن تكتمل أبداً، ويحتاج الشعب العراقي إلى سنوات طويلة في التمرن إلى أن يتعود عليها، ويقبل بنتائجها وتصبح جزءً من ثقافته الاجتماعية.

الحقيقة الرابعة، أن شعباً منقسماً على نفسه ومتخاصماً فيما بين مكوناته، وأزمة الثقة بين قادته السياسيين، كشعب العراق، لا بد وأن تحصل كل مكونة على حصتها في السلطة وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع حتى ولو أطلقوا على هذه العملية اسماً تسقيطياً مثل المحاصصة. فهذا الوضع هو نتاج التاريخ والجغرافية وليس من نتاج المالكي أو من سبقه في رئاسة الحكومة مثل إبراهيم الجعفري وأياد علاوي، أو حتى بول بريمر. فمعظم الكتل السياسية تشكلت وفق الاستقطاب الديني والقومي، وأتحدى أية جهة تستطيع تغيير هذه التركيبة في حكم العراق في الوقت الحاضر أو المستقبل المنظور. أما الذين يطالبون بحكومة ديمقراطية شبيهة بحكومة السويد فعليهم تحويل الشعب العراقي إلى ما يشبه الشعب السويدي، خالياً من هذه الانقسامات الطائفية والقومية، وبعصى سحرية كن فيكون!.

في الحقيقة إن غرض الذين يدعون إلى مقاطعة الانتخابات هو لتخريب العملية السياسية، ولإنقاذ ماء وجوههم من الفشل، فهم يعرفون مسبقاً أن دورهم السياسي قد انتهى، فتاريخهم حافل بالهدم، وهم يتحملون حصة الأسد فيما حل بالعراق من خراب ودمار، سواء كانوا من خلفية اليسار الشيوعي أو اليمين البعثي. ولذلك يريدون تبرير هزيمتهم في الانتخابات القادمة، كما انهزموا في الانتخابات السابقة، ليقولوا أنهم هم الذين رفضوا المشاركة في الانتخابات، وهم الذين طالبوا بالمقاطعة، بحجة أن العملية السياسية هي محاصصة طائفية وفاسدة لن يرتضوها.

حكاية تزييف الانتخابات:

يدعي هؤلاء أن الانتخابات تم تزييفها بشهادة زعيمي أكبر الكتلتين، المالكي وعلاوي.!!!
نقول لهؤلاء، إذا كان هناك تزييف فالتزييف تم بدهاء وذكاء وعلى حساب كتلة دولة القانون فقط لخلق مشكلة. وعلى سبيل المثال، يعرف الجميع أن في نظام التمثيل النسبي، تكون حصة كل كيان سياسي من المقاعد البرلمانية تتناسب مع نسبة الأصوات الانتخابية. فالكيان السياسي الذي يحصل على 10% من الأصوات يحتل 10% من المقاعد البرلمانية, ولكن الذي جرى هو أن التيار الصدري مثلاً حصل في الانتخابات الأخيرة على 6% من الأصوات الانتخابية، بينما نال 12% من المقاعد البرلمانية..كيف؟ علمه عند المفوضية الانتخابية! أما الكيانات التي فشلت في الحصول على القاسم الانتخابي، فلم يتم إجحافهم كما يدعون. وهذه القاعدة متبعة في جميع الدول الديمقراطية التي تطبق نظام التمثيل النسبي. لذلك فالذين يطالبون بمقاطعة الانتخابات بحجة التزوير أو سرقة أصواتهم، فهم لا يخدعون إلا أنفسهم، وغرضهم إيجاد مبرر لهزيمتهم المتوقعة، فالحقيقة الناصعة تؤكد المثل العراقي: "الماينوش العنب يقول حامض".

درس من مصر في المقاطعة

لو كان دعاة مقاطعة الانتخابات على حق، ويعرفون أنهم يتمتعون بشعبية واسعة لما رفعوا شعارات تخريبية مثل الدعوة للمقاطعة. فالمقاطعة لا يستفيد منها إلا أعداء الديمقراطية. وما حصل في مصر خلال الانتخابات الرئاسية، والاستفتاء الشعبي على الدستور خير دليل على ما نقول. لقد فاز الدكتور محمد مرسي برئاسة الجمهورية بنسبة 26% فقط من الذين يحق لهم التصويت، لأن نحو 50% منهم قاطعوا الانتخابات، أما الاستفتاء على الدستور فقد شارك فيه 33% فقط من الذين يحق لهم التصويت، وصوت لصالح دستور الرئيس مرسي ثلثا الثلث (66%) أي ما يعادل 22% فقط من الذين يحق لهم التصويت. ومعظم الذين يؤمنون بالديمقراطية يعرفون أن سبب فوز الرئيس المصري ودستوره هو مقاطعة خصومه للإستفتاء. لذلك فمقاطعة الانتخابات تخدم أعداء الديمقراطية.

وهذا درس لدعاة المقاطعة في العراق. فالذين رفعوا شعار: (من أجل الديمقراطية في العراق قاطعوا الانتخابات القادمة) غرضهم إفشال الديمقراطية والعملية السياسية بحجة دعم الديمقراطية. إن ماضي هؤلاء لا يبشر بخير، فطوال تاريخهم منذ العهد الملكي وإلى هذه اللحظة كان عملهم هو الهدم والتخريب، ولم يجيدوا عملاً غيره في نشاطهم السياسي، وهم يمارسون هذا التخريب باسم الوطنية والديمقراطية ومن أجل البؤساء والمساكين من أبناء شعبنا، كما يدعون، بينما في الحقيقة قصدهم هو عكس شعاراتهم تماماً، إذ يعرفون جيداً أن الديمقراطية ليست في صالحهم، ولذلك فهم يحاربونها.

خلاصة القول، أن المستفيدين من إفشال العملية السياسية هم أعداء العراق في الخارج مثل السعودية وقطر وأردوغان، وأعداء الديمقراطية المتضررين بها في الداخل الذين استحوذوا على السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية، لا عن طريق صناديق الاقتراع، فحكموا الشعب بالنار والحديد. أما الذين يدعون حرصهم على الديمقراطية فعليهم أن لا يقعوا في الفخ للمرة العاشرة، فحركة التاريخ في صالح الديمقراطية، والذين يحاولون محاربتها وتحت مختلف الذرائع الواهية الزائفة فلا يخدعون إلا أنفسهم ومصيرهم الفشل الذريع.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 


141
غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي

د. عبد الخالق حسين

توضيح لا بد منه
قدمتُ هذه المداخلة في مؤتمر روما "لإصلاح الإسلام" الذي نظمه مشروع "المصلح" البريطاني برئاسة المستشرق والباحث في الدراسات الإسلامية، الدكتور ستيفن أولف، والذي انعقد في جامعة الفاتيكان ما بين 7- 8 ديسمبر 2012، ودعي إليه عدد من المفكرين العرب والغربيين لوضع إستراتيجية من أجل مصالحة الإسلام مع الحرية والعلمانية والديمقراطية والمرأة والحداثة وما المطلوب من الغرب تقديمه لمساعدة المصلحين المسلمين في مجال الإصلاح. و في مداخلتي هذه، وبناءً على طلب من منظم ورئيس المؤتمر، لم أتطرق إلى الإصلاح، لأننا كنا نعرف مسبقاً، أن معظم أوراق الزملاء الآخرين، ستصب في هذا المجال، لذا طلب مني تركيز مداخلتي على تكتيكات الإسلاميين لتوظيف ما في الغرب من تسهيلات لصالحهم، وغفلة الغربيين عن مخاطر الإسلام السياسي.
ــــــــــــــــــ
مقدمة
يواجه العالم المتحضر اليوم خطر الإسلام السياسي المتطرف و"المعتدل". ولتحقيق أغراضهم سلك الإسلاميون عدة وسائل، وتظاهروا بعدة أشكال، منها عن طريق الإرهاب (القاعدة وفروعها)، ومنها بالوسائل السلمية بإدعاء الاعتدال (حزب الأخوان المسلمين وتفرعاته تحت مختلف الأسماء والواجهات)، وذلك بتوظيف ما وفرته لهم الدول الغربية من ديمقراطية وحقوق الإنسان...الخ، ولكن الغاية النهائية واحدة، وهي أسلمة العالم وفرض حكم الشريعة، وبالأخص على الغرب.

في البدء، أود التأكيد على أن مشكلتنا هي ليست مع الإسلام كدين، وإنما مع الإسلام السياسي فقط. فنحن، كعلمانيين وليبراليين، مع حرية الأديان والعبادة، نسعى لإنقاذ الإسلام الديني، والحضارة البشرية من الإسلام السياسي. فالإسلاميون يوظفون الدين لأغراضهم السياسية، ومصالحهم الشخصية لفرض سلطتهم الاستبدادية على الشعوب باسم الله والدين وإعادة مجتمعاتهم إلى الماضي البعيد. لذا، فغايتنا تحرير الدين من السياسة، وتحرير السياسة من الدين.

ولتحقيق أغراضهم، استغل الإسلاميون جميع الوسائل المتاحة لهم في الغرب بمنتهى الذكاء والدهاء، ولتوضيح ذلك نشير إلى النقاط التالية:

1-  صراع الثقافات... ولماذا نحن هنا؟

لا شك أن السبب الرئيسي لهجرة معظم العرب والمسلمين إلى الغرب هو ظلم الحكام في بلدانهم الأصلية، وبؤس أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الظلم والبؤس لم يأتيا من فراغ، بل هما نتاج ثقافاتهم الاجتماعية الموروثة (culture)، والذي يشمل الدين والمذهب أيضاً. فهناك حديث منسوب للنبي محمد: "اسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك". على الأغلب، هذا الحديث ملفق تمت فبركته من قبل وعاظ السلاطين لخدمة أولياء نعمتهم من الحكام الطغاة، ولكن، شئنا أم أبينا، صار هذا القول جزءً من الثقافة العربية- الإسلامية التي تطالب المواطنين "الرعايا" بالطاعة العمياء للحاكم ومهما كان جائراً، بمعنى أن هذه الثقافة هي سبب هجرتنا. وبالمقابل، فالقوة التي جذبتنا إلى الدول الغربية هي الثقافة الغربية وقيمها الحضارية الإنسانية النبيلة التي تشمل: الديمقراطية، والحرية، والتقدم، وحكم القانون، ...الخ، والتي وفرت لنا الحرية والعيش بكرامة.

ولكن المشكلة أنه ما أن يستقر المقام ببعض المسلمين المهاجرين في الغرب، حتى ويبدؤون بمحاربة الثقافة الغربية وقوانينها، والعمل على فرض ثقافتهم عليها، تلك الثقافة التي كانت السبب الرئيسي لفرارهم من بلدانهم، أي أنهم يعملون على أسلمة أوربا وفرض حكم الشريعة عليها.
وهنا أرى من المفيد التذكير بما قالته رئيسة وزراء أستراليا (جوليا غيلارد) للإسلاميين المطالبين بفرض الشريعة هناك، أنهم لم يأتوا إلى أستراليا بدعوة من أحد، وإنما جاؤوا برغبتهم، لذا يجب عليهم أن يحترموا ثقافات وقوانين وأعراف البلد الذي آواهم، لا أن يحاولوا فرض قوانينهم ودياناتهم على شعبنا. وكل من يريد حكم الشريعة عليه أن يرحل إلى البلد الذي يقبل بهذا الحكم.

2- محاولات أسلمة أوربا
هناك محاولات منظمة ومنسقة من الإسلام السياسي، وتحديداً (حزب الأخوان المسلمين) والمنظمات المتفرعة منه تحت مختلف الأسماء والواجهات، لتغيير الثقافة الغربية وفرض الثقافة الإسلامية محلها، أو ما يسمى بحكم الشريعة. تساعدهم في ذلك مجموعة من العوامل، والتي هي ضد المجتمعات الغربية: فمن جهة، كسبت الجهات الإسلامية خبرة فائقة في توظيف ما في الغرب من قيم الحضارة الحديثة مثل، الديمقراطية، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وحرية العبادة، وتغيير الدين والمعتقد، والاعتراف بتعددية الثقافات multi-culturalism وغيرها من التسهيلات، يقابل ذلك، حسن نوايا الغربيين، وبيروقراطية إجراءاتهم الإدارية والقضائية، وغفلتهم عن مخاطر ما يبيته لهم الإسلاميون من مخططات على المدى المتوسط والبعيد. فالغربيون يسيرون نحو الهاوية معصوبي الأعين sleepwalking into abyss، وكما قيل: "الطريق إلى جهنم معبد بالنوايا الحسنة." إضافة إلى قدرة الإسلاميين على  مخاطبة الغربيين باللغة التي يفهمونها وتسرهم. وسأوضح ذلك لاحقاً.

هناك أمثلة كثيرة تؤكد على بيروقراطية وغفلة الغربيين بما يحيق بهم من مخاطر الإسلاميين، فقد منحوا اللجوء إلى قادة الإسلام السياسي، وبعضهم إرهابيون، بغض النظر عن مخاطرهم على الغرب وعلى بلدانهم الأصلية ودورهم في الإرهاب. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أبو حمزة المصري الذي منح اللجوء في لندن، وكانت هناك أدلة كثيرة تثبت علاقته بتنظيم القاعدة، ودوره في تفجير البارجة الحربية الأمريكية (كول) في ميناء عدن، إضافة إلى مساهماته بأعمال إرهابية أخرى، وكان مطلوباً من قبل السلطات الأمريكية. هذه القضية كلفت الحكومة البريطانية ملايين الدولارات، واستغرقت نحو ثمان سنوات من المداولات والمحاكمات إلى أن أصدرت المحكمة قراراً نهائياً قبل شهرين بترحيله إلى واشنطن ليواجه العدالة. مثال آخر، أبو قتادة الأردني، وهو متهم بالإرهاب، وهارب من وجه العدالة في بلاده الأردن، وكان ومازال مقيماً مع عائلته في لندن. ترفض السلطات القضائية البريطانية ترحيله إلى الأردن خوفاً عليه من تعريضه إلى التعذيب هناك. والجدير بالذكر أن عائلته تقيم في سكن فخم يبلغ سعره في حدود مليون جنيه استرليني، أي نحو(مليون ونصف المليون دولار).

3 - قدرة الإسلاميين على التحدث بلسانين، وحتى الكذب
عامل آخر يساعد الإسلام السياسي على خدع الغربيين هو الازدواجية وقدرتهم على التحدث بلسانين، فقد تعمقوا في فهم الذهنية الغربية، وكيفية مخاطبة الغربيين بما يسرهم ويكسبوا رضاهم لتحقيق أغراضهم. فتمكن الإسلاميون من إيصال شخصيات أكاديمية إسلامية إلى منصب الأستاذية في أعرق الجامعات الغربية مثل جامعة أكسفورد الإنكليزية العريقة. وهؤلاء يستطيعون التحدث مع الغربيين بلغة ترضيهم مثل إدعائهم أنهم مع الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص...الخ
كما ولاحظتُ في بعض الندوات التي تنظمها مؤسسات ثقافية في الغرب، والتي تصلنا عن طريق اليوتيوب، أنهم يجلبون فتيات مسلمات سافرات (مودرن)، يشاركن في مناظرات تلفزيونية، يدافعن عن الإسلام السياسي بشكل غير مباشر، ويدعين أن القيم الغربية هي إسلامية. والمقصود هنا تجميل وجه الإسلام السياسي طبعاً. ولكن حينما يتحدثون إلى شعوبهم الإسلامية في بلدانهم الأصلية، عندئذ تتغير اللغة واللهجة، فيكشفون عن حقيقتهم، وعلى سبيل المثال: صرح مرة الشيخ مهدي عاكف، مرشد حزب الأخوان المسلمين السابق في مصر، أنه يفضل رجل ماليزي مسلم أن يكون رئيساً لمصر على القبطي المسيحي المصري. كذلك قيام الرئيس المصري، محمد مرسي، مؤخراً بتركيز السلطات الدستورية في يده متجاوزاً حتى السلطة القضائية.

4- قبول الجامعات الغربية تبرعات بملايين الدولارات من قبل الدول الخليجية النفطية لإنشاء مراكز بها لدراسة الإسلام. هذه التبرعات حلت مشاكل مالية عديدة للجامعات، فردت الجامعات الجميل بأن جعلت نقد الإسلام في الحرم الجامعي نوعاً من التابو قد يؤدي إلى فقد الوظيفة. ومقابل هذا الدعم المالي، غضت الجامعات الطرف عن نشاطات الطلاب الإسلاميين في الحرم الجامعي واستعمال العنف اللفظي، وحتى البدني لترهيب وتهميش أية معارضة لهم. أحسن دليل على ذلك هو اعترافات طلاب إسلاميين سابقين كانوا ينتمون إلى حزب التحرير في بريطانيا، مثلاً Ed Hussein في كتابه الموسوم The Islamist

5- تخويف الليبراليين من نقد الإسلام عن طريق مكاتب محامين ورفع الدعاوى القضائية عليهم وجعلهم يتحملون مصروفات الدفاع عن أنفسهم وبالتالي تكبيلهم مادياً حتى لا يجرؤون مرة أخرى على نقد الإسلام السياسي. ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك. (راجع مقالة المستشرقة الإيطالية الأستاذة فالانتينا كولومبو) (1)

6- النظرة التحقيرية للثقافة الغربية ولغير المسلمين
ينظر الإسلام السياسي لغير المسلمين، وحتى المسلمين الذين لا يسيرون على نهجهم، وبالأخص الليبراليين منهم، نظرة عدائية إلى حد إباحة قتلهم ما لم يعلنوا إسلامهم الذي يقره الجهاديون. كذلك نظرتهم التحقيرية للثقافة الغربية. ففي كتابه الموسوم: (جاهلية القرن العشرين) للشيخ محمد قطب (شقيق سيد قطب، وأستاذ بن لادن)، يعتبر كل ما أنتجه الغرب من معارف وثقافات وفلسفات وعلوم وتكنولوجيا وحضارة وحداثة...الخ، منذ ما قبل سقراط وإلى الآن، هو جهل في جهل، وأن الثقافة الحقيقية هي الإيمان بالقرآن والسنة فقط. ووفق نظرتهم هذه، فإن غير المسلمين، وحتى المسلمين الشيعة، يجب إنذارهم، ومنحهم مهلة ثلاثة أيام بأن يتحولوا إلى مسلمين سنة، وإلا يجب قتلهم، وسبي نساءهم وأطفالهم وبيعهم في أسواق النخاسة، تماماً كما كانوا يعملون قبل 14 قرناً من الزمان. هذا ما صرح به إمام مكة في مقابلة له مع تلفزيون بي بي سي العربية قبل أشهر. هذه الدعوة وفق معايير اليوم تعتبر فاشية تهدد الحضارة البشرية.
سئِلَ أبو حمزة المصري إذا كان يكره ويحتقر الغرب إلى هذا الحد، فلماذا هو مقيم في بريطانيا؟ فأجاب أن وجوده في الغرب مؤقت، و بريطانيا بالنسبة له عبارة عن مرحاض لقضاء الحاجة!!. هذا هو رده على الجميل البريطاني!
كما ويرددون قولاً لابن تيمية:"إذا اقمت في دار الكفر للتعلم أو التطبب أو التجارة، فأقم بينهم وأنت تضمر العداوة لهم". بالمناسبة، هذا القول يدرِّسون به أطفال المدارس في السعودية.
7- العداء للديمقراطية
الإسلام السياسي لا يعترف بالديمقراطية، وإذا ما أعلن قادتهم قبولهم بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فهذا تكتيك مرحلي لكسب الغرب، ولكن ما ان يستلموا السلطة حتى ويتنكرون لجميع وعودهم.
فآية الله السيد روح الله الخميني، زعيم الثورة الإسلامية في إيران، عندما كان لاجئاً في باريس، سأله صحفي فرنسي في مقابلة معه عن النظام الذي يريد إقامته في إيران بعد إسقاط حكم الشاه، أجاب أنه نظام ديمقراطي يشبه تماماً النظام الموجود في فرنسا. وكلنا نعرف ما حصل فيما بعد من ديكتاتورية ثيوقراطية. كذلك سمعنا وقرأنا تصريحات الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة التونسية عندما كان مقيماً في لندن، ونعرف ما حصل في تونس من مضايقات على النساء وطالبات المدارس والجامعات، ومحاولات فرض الحجاب، والعزل بين الطلاب والطالبات...الخ
فالإسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية، ويعتبرها كفراً وإلحاداً حسب تصريحات الكثير من قادتهم وشيوخهم، فهم يتظاهرون بقبول الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة وغيرها من قيم الحضارة الغربية كتكتيك مرحلي حينما يكونون في المعارضة وفي حالة الضعف، ولكنهم ما أن يستلموا السلطة ويصبحوا في موقع القوة حتى ويتنكرون لجميع وعودهم وعهودهم السابقة.
فالإسلاميون، سنة وشيعة، يعتبرون الشعب جاهلاً، يعاملونهم كأطفال قاصرين لا يعرفون ما يفيدهم وما يضرهم، وأنهم غير مؤهلين لسن القوانين، وأن الله وحده المشرِّع، والقرآن هو كلام الله وهو الدستور.
فالإسلام السياسي الشيعي يؤمن بما يسمى بـ(حكم ولاية الفقيه) الذي اعتبره الخميني أهم ركن من أركان الإسلام، والذي يشبه مبدأ (الحاكمية لله) عند الإسلام السياسي السني، أي الأخوان المسلمين.

8- ممارسة العدوان لتحقيق الأغراض، أي الماكيافيلية (الغاية تبرر الوسيلة):
منذ ما يسمى بالربيع العربي والذي تحول إلى (الربيع الإسلامي) حيث اختطف الإسلاميون الثورة، وفازوا في الانتخابات في مصر وتونس، لأنهم كانوا أحسن تنظيماً وتنسيقاً وخبرة من منافسيهم العلمانيين الديمقراطيين، لاحظنا تصاعد موجة الاعتداءات على النساء السافرات بما فيها جرائم التحرش الجنسي في هذين البلدين. والغرض من هذه التجاوزات هو إرغام السافرات على الحجاب والزي الإسلامي.

مخاطر غفلة الغرب عن الإسلام السياسي

مشكلة الشعوب الغربية وحكوماتها أنهم لا يدركون حيل وأحابيل الإسلاميين. فكما ذكرتُ آنفاً، الإسلاميون يستغلون جميع الوسائل والقوانين، والقيم الحضارية الغربية وأنظمتها، بما فيها الديمقراطية، وجمعيات حقوق الإنسان، وحرية التعبير والنشر...الخ، يوظفونها لمصالحهم في رفد منظماتهم، ونشر التطرف الإسلامي.
- كذلك قام الإسلاميون بفرض حكم الشريعة على بعض المناطق في لندن كتب عليها (شريعة زون)، والسلطات ساكتة عن هذه التجاوزات.
- قبل سنوات قامت الحكومة البريطانية بتعيين عدد من رجال دين مسلمين برواتب سخية من أجل إصلاح وتأهيل السجناء الجنائيين المسلمين في السجون، وأغلبهم من الشباب. فقام عدد من رجال الدين المسلمين بنشر ثقافة التطرف بين هؤلاء السجناء، ونجحوا في تحويل عدد منهم إلى إرهابيين.
- كذلك يطالب بعض الإسلاميين بعدم الترويج لاحتفالات كرسمس لأن هذه الاحتفالات تؤذي مشاعر المسلمين!! حسب رأيهم.
- وهناك من طالب بتأسيس مدارس خاصة بأطفال المسلمين تمولها الدولة. لا شك أن فتح هكذا مدارس يؤدي إلى عزل الأطفال المسلمين عن بقية مكونات المجتمعات الغربية وعدم اندماجهم بها، ونشر ثقافة الكراهية، وبالتالي عزلهم في غيتوات شبيهة بغيتوات اليهود في أوربا في الماضي، تلك السياسة التي أدت إلى تصاعد العداء ضد اليهود انتهت بالهولوكست.

أما قيام المتطرفين الإسلاميين بعمليات إرهابية مثل أحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، وتفجيرات قطارات الأنفاق في لندن، وقطار في مدريد، وذبح المخرج الهولندي ثيو فان جوخ في هولندا، وغيرها من الأعمال الإرهابية، أدت إلى ردود أفعال عنيفة لدى مواطني هذه البلدان، كان من نتائجها تصاعد شعبية الأحزاب اليمينية العنصرية المتطرفة ضد المهاجرين وبالأخص ضد المسلمين بمن فيهم الليبراليون، فمن ملامح الوجه والاسم يكفي لتعريض المسلمين جميعاً إلى خطر اليمين المتطرف.

ما العمل لدرء خطر الإسلاميين على الغرب؟
أولاً، العمل على تحقيق برنامج (المصلح) في الإصلاح الديني، والذي قدمه عدد من الإصلاحيين المسلمين الليبراليين وبمساعدة زملائهم المثقفين الغربيين في مؤتمر روما 8-9 ديسمبر 2012، وتوصياته.

ثانياً، يجب علينا، كمثقفين علمانيين مسلمين، مد الجسور مع زملائنا الغربيين العاملين في المؤسسات الإعلامية والثقافية، لشن حملة إعلامية وتثقيفية لإيقاظ الشعوب الغربيىة وحكوماتها من غفلتهم، وتنبيههم بما يحيق بهم من مخاطر الأسلمة. فالإسلام السياسي هو نسخة متطرفة من الفاشية والنازية، بل هو أسوأ وأخطر منهما، لأن الجهاديين يطمحون في ثواب الآخرة أي المكافئة بجنة الخلد وحور العين.

ثالثاً، يجب وقف إنتاج التطرف في بلد المنبع، إذ لا يكفي مواجهة التطرف الإسلامي في الغرب فقط، بينما تأتي موجات جديدة من المهاجرين يحملون معهم التطرف من بلدانهم الإسلامية، وهذا يتطلب مساعدة التيارات الديمقراطية العلمانية الليبرالية في العالمين، العربي والإسلامي، على نشر أفكارهم التنويرية في تلك البلدان، ومطالبة الحكومات الغربية، وخاصة أمريكا ودول الوحدة الأوربية، بربط المساعدات الاقتصادية لهذه الحكومات باحترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير، وعدم ترك القوى الإسلامية تصول وتجول كما تريد في اضطهاد القوى العلمانية، ونشر ثقافة التطرف والتعصب والكراهية ضد الآخر، والتجاوز على حقوق الإنسان وبالأخص حقوق المرأة في البلدان الإسلامية.

رابعاً، هناك دراسات، وأدلة كثيرة تؤكد أن للمملكة العربية السعودية الدور الأكبر في نشر التطرف الديني والإسلام السياسي في العالم. ففي دراسة للسفير الأمريكي السابق في كوستاريكا (Curtin Winsor, Jr.)، أشار إلى (شهادة أحد الخبراء أثناء جلسة الاستماع أمام لجنة العدل التابعة لمجلس الشيوخ في 26 يونيو 2003 م  بأن "السعودية أنفقت 87 بليون دولار خلال العقدين الماضيين لنشر الوهابية في العالم"، وأنه يعتقد أن مستوى التمويل قد ارتفع في العامين الماضيين نظرا لارتفاع أسعار النفط). ويقارن الباحث ذلك بما أنفقه الاتحاد السوفيتي والبالغ سبعة مليار دولار على نشر الأيديولوجيا الشيوعية خلال 70 سنة. (2)
لذلك أكاد أجزم أنه لولا  الدعم السعودي لأحزاب الإسلام السياسي ونشر التطرف الديني الوهابي، لما كان العالم يواجه اليوم هذا الخطر الداهم. وعليه يجب مطالبة الحكومات الغربية بفرض الضغوط على السعودية لوقف الدعم المالي لنشر التطرف الديني والإسلام السياسي.

الخاتمة
إذا ترك الوضع على هذه الحالة ولم نتخذ، نحن من خلفيات إسلامية، إجراءات لوقف هذا الجنون، فصبر الغرب محدود، وربما سيؤدي في المستقبل إلى انفجار الوضع، وظهور أحزاب نازية وفاشية تستلم السلطة مثلما حصل في النصف الأول من القرن العشرين، ويحصل لنا تماماً كما حصل ليهود أوربا، يكون العرب والمسلمون المقيمون في الغرب هم حطباً لمحارق الهولوكوست القادمة.
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
References:
1) Valentina Colombo: Jihad by court is spreading in Europe and needs a counter-jihad
http://www.annaqed.com/en/content/show.aspx?aid=16182

2) Ambassador Curtin Winsor, Jr.,  Saudi Arabia, Wahhabism and the Spread of Sunni Theofascism
http://www.onlineopinion.com.au/view.asp?article=6107

مقالات ذات علاقة بالموضوع
1) العفيف الأخضر: اصلاح الإسلام ضروري وممكن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=336211

2) هاشم صالح: مؤتمر روما وحوار الحضارات -
http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=708324&issueno=12433

3- د.عبدالحميد الأنصاري : الإصلاح الإسلامي في روما
http://www.al-watan.com/viewnews.aspx?n=08C114FB-4EA6-4942-AA92-7BF73CB149F5&d=20121217&writer=0

142
قول الصدق في زمن الخديعة عمل ثوري

د.عبدالخالق حسين

عنوان المقال هو قول لجورج أرويل. ونحن فعلاً نعيش اليوم في زمن الخديعة، حيث صار الكذب فن من الفنون الإعلامية في تضليل الرأي العام. بل ونجح إنقلابيو 8 شباط 1963 في إسقاط أشرف حكومة وطنية كانت تتمتع بأوسع شعبية في تاريخ العراق عن طريق الكذب عندما أذاعوا برقيات تأييد كاذبة من قادة الفرق العسكرية.

من المؤسف حقاً أن السيد فخري كريم رضي أن يقوم بدور غوبلز في العراق الديمقراطي حيث أساء البعض لحرية التعبير بنشر الكذب والتضليل والقذف بالشخصيات السياسية. غوبلز هذا هو وزير الدعاية في حكومة هتلر، وصاحب القول المشهور: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس!". وهذا بالضبط ما يقوم به فخري كريم، رئيس تحرير صحيفة (المدى) البغدادية. وقد نسي أن حبل الكذب قصير، فلا بد وأن تنكشف الكذبة وينتهي الكذاب كما انتهى غوبلز في مزبلة التاريخ.

فمعظم الشيوعيين العراقيين يعرفون من هو فخري كريم، ويتشاءمون منه، ويتجنبونه قدر الإمكان، وأصدق شهادة في هذا الخصوص قدمها الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي الأسبق، السيد بهاء الدين نوري، في مذكراته التي نشرها على حلقات في (الحوار المتمدن)، أنه عندما وصل دمشق عام 1988، قائلاً: "ولم أحاول إقامة أي صلة مع فخري كريم، الذي كان من أبرز الشيوعيين العراقيين هناك وكان متنفذا وعلى علاقات جيدة مع نظام البعث ومع جهاز المخابرات بوجه خاص".
كما ويتهمه البعض بالسطو على مالية الحزب حيث صار يلقب بالشيوعي المليونير. كذلك كتب ضده القيادي الشيوعي الأسبق، الراحل رحيم عجينة في مذكراته. وبإمكان القارئ الكريم أن يقرأ مقالة القيادي الشيوعي الآخر، السيد باقر إبراهيم الموسوي الذي لخص الكثير عن هذا الرجل في مقال له بعنوان: (فخري كريم .. وسيناريو التازيم). (1).

ذكرت في مقال سابق لي نشر على مواقع الانترنت يوم 5/11/2012، بعنوان: (في مواجهة الحرب الإعلامية التسقيطية): "أن العراق سيواجه حملة إعلامية تضليلية قذرة، وقذرة جداً، تمس الأعراض والنواميس والمقدسات، والثوابت الوطنية، الغرض منها إسقاط وتصفية خصوم سياسيين وإفشال الديمقراطية، وتدمير العراق، تمهيداُ للقيام بمجزرة جديدة على غرار مجزرة 8 شباط 1963". وحذرت قائلاً: "فهل سينتبه العراقيون إلى هذه اللعبة القذرة ويمنعوا الكارثة، أم سيقعون مرة أخرى ضحية النصابين والمؤامرات الداخلية والدولية؟".(2)

وهاهو حدسي فقد تحقق مع الأسف الشديد، وأفضل مثال هو ما تنشره صحيفة المدى، لصاحبها فخري كريم، وآخر ما نشره من هذا الوزن الثقيل هو مقاله اليوم ( 12/12/2012)، الموسوم: (السـيـاسة ليست كلّها لعباً..على الحبــال علـى المالـكـي أن يتذكّــر). فتصور عزيزي القارئ، فخري كريم يقدم مثل هذه النصائح الأخلاقية إلى رئيس الوزراء العراقي!! على غرار قصيدة: (برز الثعلب يوماَ... في ثياب الواعظينا).
يقول السيد فخري كريم في معلقته العصماء:
((واسترجاع ما قاله المالكي في لقاء جمعني به مع الرئيس، وهو لقاء من عدة لقاءات لتبادل الرأي والتداول في المسعى لإمرار ولايته الثانية، ويا لها من كبوةٍ لا اغفرها لنفسي، اذكره بالحرف وهو يقول موجهاً الكلام الى الرئيس بحضوري:" ان على الاخوة في الاقليم ان لا يضعوا المادة ١٤٠ شرطاً في الاتفاقيات، لانه ملزمٌ دستورياً، ورغم انف الجميع لابد من تطبيقه، وسأفعل كل المطلوب لتحقيق ذلك في الولاية الثانية". ثم استطرد، وهنا "مربط الفرس" الذي لا بد من اعتباره الأخطر في النهج السياسي الذي يريد المالكي إمراره في ظل غياب الوعي لدى أوساط غير قليلة، من القادة والناس، وانعدام الجرأة لدى قيادات وملوك طوائف: "إنني لا أرى في استعادة المناطق المستقطعة من كردستان مصلحة لناً وفرضاً علينا فحسب، بل انا اقول صراحة وصدقاً، ان علينا ان نعمل معاً لامتداد اقليم كردستان ليضم محافظة نينوى.!، لان هؤلاء - ويعني بهم أهل الموصل الحدباء - هم أعداء لنا، وسيظلون رغم كل شيء سنة وقومجية عربان، وملجأ للبعث والمتآمرين على حكمنا .! "
ويضيف فخري كريم: "هكذا قال المالكي بالحرف، كاشفاً عن دخيلته باعتباره مجرد حاكم عابث، لم يتراجع عن وجهته هذه، حتى بعد أن أوضح له الرئيس ان علينا أن نحفظ للإخوة السنة مواقعهم ودورهم في العملية السياسية، قائلاً له "ولا تنسى أبا إسراء أننا سنة أيضاً". ومن جانبي استدركت وقلت:"خلينا في كركوك ابو إسراء" !.ومن المستور ما يفيض ..وعسى أن تنفع الذكرى
!)). انتهى الاقتباس.

في الماضي السحيق عندما كان البشر غارقين في ظلام الجهل الدامس، كان بإمكان أي دجال ونصاب أن يمرر أكاذيب من هذا النوع على الناس ويستغلهم لمصالحه، ويدق فيهم "عطر منشم"، ويشغلهم في حروب مدمرة لعشرات السنين على قتل ناقة.
ولكن يبدو أن فخري كريم يستخدم أساليب الزمن الغابر في الزمن الخطأ، أي في قرن الحادي والعشرين. صحيح أن البعث دمر العقل والأخلاق والنسيج الاجتماعي لشرائح واسعة من العراقيين، ونجح دجالون في خدعهم، ولكن أن يأتي فخري كريم بكذب من هذا الوزن الثقيل أن رئيس الوزراء يريد التخلص من محافظة الموصل لأنهم  "سنة وقومجية عربان، وملجأ للبعث والمتآمرين على حكمنا .! "فهذا كما يقول الإنكليز: too much ، أي كلام لا يمكن أن يصدقه أي عاقل. وحتى لو افترضنا جدلاً أن نوري المالكي ليس على وئام مع أهل الموصل، فهل بلغت به السذاجة إلى هذا الحد بحيث ينطق بمثل هذا الكلام الخطير أمام رجل إعلامي معروف تاريخه مثل فخري كريم؟ تقول الحكمة: "حدث العاقل بما لا يليق، فإن صدق فلا عقل له".
والسؤال الآخر هو: ما هو موقف فخري كريم إذا نفى السيد رئيس الجمهورية إدعاءه؟ فهل سيقوم بتكذيب رئيس الجمهورية، أم سيصفه بالنسيان لأنه يعاني من مشاكل صحيحة؟

المطلوب من السيد رئيس الجمهورية توضيح الأمر لنعرف الحقيقة، وإذا تأكد صدق إدعاء فخري كريم، فسيكون لنا موقف آخر من السيد نوري المالكي، وإن تأكد كذبه فعلى المالكي مقاضاته لأنه استخدم صحيفته لنشر الكذب وتضليل الرأي العام وإثارة الفتن، والفتنة أشد من القتل... وهذه القنبلة ليست الأخيرة بل هي واحدة من القنابل الانشطارية في الافتراءات لتحطيم الخصوم السياسيين التي يجيدها فخري كريم ومن لف لفه. حقاً نحن نعيش في زمن الخديعة واللا أخلاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحق

مكتب المالكي ينفي تصريحات نسبت اليه من قبل رئيس تحرير”المدى”
14/12/2012
“البوابة العراقية” بغداد – قال مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي في بيان اصدره اليوم الجمعة ان “رئيس تحرير صحيفة المدى نسب في مقال له يوم الاربعاء الماضي  لرئيس الوزراء أشياء وأقوال كاذبة وعارية عن الصحة”.
واوضح اننا “في الوقت الذي نكذب فيه هذه التقولات نؤكد ان مثل هذه المحاولات البائسة لا يمكنها حجب الحقيقة والتشويش على مواقف دولة رئيس الوزراء الوطنية”.
ودعا البيان “جميع الكتاب ووسائل الاعلام الى الترفع عن اسلوب الدعاية المبتذل والارتقاء الى المستوى المهني المسؤول”.
http://www.albawwaba.net/news/118555/

مصادر
1) باقر إبراهيم، رد على فخري كريم .. وسيناريو التازيم
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=574263

2) عبدالخالق حسين: في مواجهة الحرب الإعلامية التسقيطية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=551






143
هل سيحقق البارزاني نبوءة صدام؟

د.عبدالخالق حسين

تنبأ صدام حسين "أن الذي يحكم العراق من بعده سيستلمه أرضاً بلا بشر". وسبب اعتقاده بهذا المصير الأسود للعراق من بعده، هو أن حزب البعث بقيادته عمل خلال 35 سنة من حكمه الجائر على تحويل المجتمع العراق إلى مجتمع غير قابل للحكم إلا بالقبضة البعثية الصدامية الحديدية. ولحد وقت قريب، ورغم تداعيات سقوط حكم البعث، كنا نعتقد أن الشعب العراقي، بقيادة ساسته على مختلف انتماءاتهم، قد نجحوا في منع تحقيق هذه النبوءة السوداء.

ولكن التصعيد الأخير في الأزمة بين الحكومة الفيدرالية بقيادة المالكي، وحكومة الإقليم الكردستاني بقيادة البرزاني، وما يرافقه من تحشيد وتحريض وانقسامات وافتراءات وإشاعات، وحملات إعلامية تسقيطية بشعة، يشير إلى احتمال كبير تحقيق هذه النبوءة الصدامية.

كنت متفائلاً جداً بالسيد مسعود البرزاني، معتقداً بحرصه على إنجاح الديمقراطية في العراق الموحد، خاصة بعد ما قرأت له عن حبه وتقديره للزعيم عبدالكريم قاسم وثورة 14 تموز، وموقفه الناقد للقيادة الكردستانية في مرحلة ثورة تموز، حيث قال بحق: "...كان خطأً كبيراً السماح للسلبيات بالتغلب على الإيجابيات في العلاقة مع عبدالكريم قاسم، مما ساعد على تمرير مؤامرة حلف السنتو وعملائه في الداخل، والشوفينيين وإحداث الفجوة الهائلة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وعبدالكريم قاسم..."

صحيح أن المالكي ليس عبدالكريم قاسم، فلكل زمن رجال وأساليب حكم، ولكن لو تأملنا الوضع جيداً لوجدنا الجهات التي تكالبت على العراق في عهد الزعيم قاسم، وقادت إلى كارثة 8 شباط 1963، هي نفسها متكالبة اليوم على العراق وتحت واجهات وأسباب مختلفة ولكنها تهدف إلى نفس المصير، أي تدمير العراق.
فهاهو الابن (مسعود) يسير على خطى الأب (الملا مصطفى)، في تحالف مع نفس الأعداء السابقين الذين أطاحوا بثورة تموز، لإعادة نفس الغلطة الكبرى، وبالتأكيد ستجلب نفس النتائج الكارثية على الجميع.

ليس هناك عراقي منصف ينكر ما نال الشعب الكوردي من ظلم وإجحاف وحروب إبادة على أيدي الحكومات العراقية المتعاقبة قبل 2003، وخاصة حكم البعث. ولكن، هل الشعب الكوردي وحده تعرض للظلم، مع الاختلاف بالدرجة، من هذا الحكم الفاشي الجائر؟ ولماذا يحاسب السيد بارزاني الحكومة الديمقراطية اليوم بجرائم حلبجة والأنفال وغيرها التي ارتكبها حكم البعث؟ وهل دور الكورد في الحكومة الاتحادية الحالية هو للديكور فقط كما كان في عهد صدام، أم هو شريك أساسي وفعال؟
لا ندعي أن الوضع الحالي هو مثالي، ولا يمكن أن يكون كذلك بعد عشرات السنين من الظلم والقهر والاستلاب، والتخريب والتجهيل المتعمد، ولكن هل المطلوب إصلاح الوضع بالتعاون والنقد البناء، أم بإشعال الحروب لحرق العراق وتدميره كما تنبأ به المجرم صدام حسين؟

الجميع يطالبون المالكي بالقضاء على الإرهاب والفساد وإلا فهو ضعيف، ويطالبونه بالتخلى عن المنصب لغيره أكثر كفاءة!!ّ ولكن في نفس الوقت يرفض هؤلاء السادة، وفي المقدمة منهم، السيد مسعود بارزاني، تسليح الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، وحرية حركة القوات المسلحة لملاحقة فلول الإرهاب، بحجة أنهم لا يريدون تكرار الأنفال وحلبجة!
والآن اتخذوا من ورقة الفساد ذريعة لوضع العراقيل أمام تسليح الجيش العراقي، خاصة وأن ذهنية الشعب العراقي صارت جاهزة لتقبل أية إشاعة عن الفساد وضد أيٍ كان، وبذلك يتم حرق الأخضر بسعر اليابس وتصفية الخصوم بهذه الذريعة. إذ ما أن تعقد الحكومة أية صفقة في هذا الخصوص مع أية دولة إلا وشهروا هذه الورقة بوجهها، سواءً كانت التهمة صحيحة أو كاذبة، ستبقى سيفاً مسلطاً على رقبة الحكومة لمنع تسليح الجيش وإبقائه ضعيفاً مشلولاً إلى الأبد. والجدير بالذكر  أن رئيس الحكومة نوري المالكي، أكد الخميس 29/11/2012، "عدم وجود دليل قاطع عن الفساد بشأن صفقة الأسلحة الروسية.."، وانه "سيتابع هذا الموضوع حتى يتم الحصول على دليل بشأن ذلك".
ولكن، في نفس الوقت يسعى السيد مسعود البارزاني إلى تسليح جيشه البيشمركة، ومطالبة الحكومة المركزية بدفع نفقات تسليحه وميزانيته ودون أن يكون هذا الجيش خاضعاً لقيادة المركز. والجدير بالذكر أن قوات البيشمركة استحوذت على جميع الأسلحة الثقيلة والخفيفة للجيش العراقي بعد انسحابه من كردستان حين إعلان منطقة الملاذ الآمن عام 1991، وترفض إعادتها للحكومة المركزية.

ولم يكتف السيد مسعود بعرقلة تسليح الجيش العراقي فحسب، بل ويأوي قادة الإرهابيين من أمثال طارق الهاشمي وغيره، ويجعل من الإقليم مرتعاً لإيواء الفاسدين واللصوص من أمثال حازم الشعلان وغيره الذين فروا إلى الخارج عبر كردستان. وهناك تقارير تفيد أن ما يسمى بـ"المناطق المتنازع عليها" صارت ملاذاً آمناً للإرهابيين يشنون منها عملياتهم الإرهابية على بقية مناطق العراق عدا كردستان. وإذا ما حركت الحكومة المركزية بعض قواتها مثل قوات عمليات دجلة لملاحقة الإرهابيين في هذه المناطق، قامت قيامة حكومة الإقليم، وادعت أن هذه العمليات هي موجهة ضد الشعب الكوردي، ولن يسمحوا لها أن تمر. والملاحظ، أن السيد بارزاني صعَّد من لهجته في التوتر بين الإقليم والمركز، إذ راح يسمي المناطق المتنازع عليها بـ"المناطق المستقطعة".

والمؤسف حقاً أنه حتى السيد رئيس الجمهورية لم يسلم من الانحياز في الصراع بين المركز والإقليم، إذ نشر تصريحاً له اعتبر فيه عمليات دجلة ضد الشعب الكوردي، وإذا ما رد أحد مساعدي رئيس الوزراء على اتهامات البارزاني وقف السيد طالباني مع البارزاني ضد من يرد عليه. بينما المطلوب من رئيس الجمهورية أن يكون رئيساً لكل العراق والعراقيين، ويقف على مسافة واحدة من القوى المتصارعة والعمل على حل الخلافات بينهم، لا أن ينحاز إلى هذه الجهة ضد جهة أخرى بدوافع قومية. كذلك نلاحظ أن زيارات رئيس الجمهورية مخصصة للمدن الكردستانية فقط، إذ لم يقم بأية زيارة لأية مدينة عراقية عربية.
 
والجدير بالذكر، أن السيد البارزاني يرفض عملياً اعتبار إقليم كردستان خاضعاً للدولة العراقية الفيدرالية حيث جعل من الاقليم دولة منافسة للدولة العراقية، لذا قام بعقد الصفقات مع الشركات النفطية الدولية الكبرى مثل شركة أكسون موبيل الأمريكية المعروفة، تحقق أرباحاً مغرية لها على حساب العراق والإقليم، الأمر الذي كلف الخزينة المركزية مليارات الدولارات دفعتها الدولة لعقود خاسرة أبرمتها حكومة الإقليم خلافاً للدستور. وعلى أثر هذه الصفقات، قال السيد بارزاني مهدداً الحكومة المركزية: أن "شركة أكسون موبيل لها قوة تعادل عشر فرق عسكرية وإذا دخلت بلداً فلا تغادره". ما كنا نتمنى على السيد مسعود أن يطلق مثل هذه التصريحات، الغرض منها ابتزاز الحكومة الفيدرالية والإستقواء بهذه الشركات، فهذا يعني أنه  اتخذ نفس موقف والده حين تحالف مع الشركات النفطية التي ساهمت في الإطاحة بالزعيم عبدالكريم قاسم بعد إصداره قانون رقم ثمانين لعام 1961... والنتائج باتت معروفة للجميع.

 كذلك، قيام السيد بارزاني بالوقوف مع الدول التي تعمل على إفشال العملية السياسية في العراق مثل تركيا وقطر والسعودية. وهنا نود أن نسترعي انتباه السيد رئيس الإقليم إلى ما صرح به القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، السيد عادل مراد: "علينا ان لا ندير ظهورنا لرفاق الأمس و حلفاء اليوم بل علينا ان نعزز اواصر علاقاتنا و العمل معا للقضاء على الإرهاب المصدر الينا من دول باتت معروفه بعدائها لديمقراطيتنا الفتيه في العراق... والأهم هو ان نكون يقظين لمنع اية محاوله لجر قضيتنا الكردية الى مهالك الحروب الطائفيه التي بدأت تحرق الأخضر و اليابس في منطقتنا.. ان قضية شعبنا الكردي قضية سياسية لا ربط لها بمسائل طائفيه مقيتة ... لا احد يعلم  الى اين تنتهي. انها حرب خطيرة و كارثية لن ينجو منها احد. انها مؤامرة مدمره تمولها و بقوه كل من السعوديه و قطر و تركيا... "

من المؤسف أن يقف البارزاني مع الثلاثي (السعودية وقطر وتركيا) لتدمير العراق، لا شك أنه يعتبر موقفه هذا تكتيكاً سياسياً ذكياً بتطبيق المبدأ المكيافيللي:(الغاية تبرر الوسيلة)، وأنه بعد الإطاحة بحكومة بغداد وإضعافها، سيضحك عليهم، تماماً كما اعتقد صدام أنه يستخدم أمريكا لأغراضه في حربه ضد إيران، ومن ثم سيضحك عليها!! فيا ترى، من ضحك على من في النهاية؟ وأين صدام الآن، ولماذا لا يستخلص السيد مسعود بارزاني الدروس والعبر من أخطاء صدام ومصيره الأسود؟

مشكلة العراقيين أن كل منهم يريد أن يكون رئيساً. وهذه الحقيقة أدركها الحاكم المدني الأمريكي لقوات التحالف، بول بريمر، لذلك جعل لمجلس الحكم رئيساً في كل شهر لإشباع رغبتهم في السلطة. فكيف يمكن حكم العراق وهذه سايكولوجية ساسته؟ هناك نحو أربع كتل سياسية كبيرة مشاركة في الحكم، وكل كتلة تضم العشرات من التنظيمات السياسية المتنافسة فيما بينها، ورئيس كل تنظيم يسعى لتدمير منافسه على أمل أن يستلم الموقع الأول في الحكومة، وحتى قادة التنظيمات من نفس كتلة رئيس الوزراء يسعون للإطاحة به على أمل أن يحتلوا مكانه. لذلك نسمع هذه الأيام مغازلات من الدكتور عادل عبدالمهدي وباقر صولاغ جبر للبارزاني لكي يفوزوا بموافقته في حالة ترشيحهم إلى المنصب. ولا أدري، هل يقبل أي من هؤلاء فيما لو احتل منصب رئاسة الحكومة الفيدرالية، أن يكون تحت رحمة رئيس حكومة الإقليم، مكبل اليدين، ويبقي الجيش العراقي ضعيفاً، وبلاده مرتعاً للإرهاب والفساد، ويزاح من رئاسة الحكومة متى ما غضب عليه السيد البارزاني؟

وختاماً نقول، المطلوب من السيد مسعود البارزاني أن يستفيد من دروس الماضي، وأن لا يتأثر بما يدبج له وعاظ السلاطين الإنتهازيين من مقالات تشجيع على نهجه التدميري. ففي الوقت الذي نرى فيه أن من مصلحة الشعب الكوردي أن يبقى ضمن الفيدرالية العراقية، ولكن إذا ما شاء هذا الشعب وقيادته السياسية تحقيق طموحه في قيام دولته القومية، وهذا من حقه، فنحن نبارك لهم دولتهم، ولكن نطالبهم أن يتم ذلك بالطرق السلمية. إلا إنه من المؤسف، أن السيد مسعود بارزاني ومؤيديه في القيادة الكردستانية يعتقدون أن من مصلحة الشعب الكوردي تدمير الدولة العراقية وتفتيتها وجعلها هزيلة لا حول لها ولا قوة، لتكون لقمة سائغة لدول الجوار. أما في حالة بقاء كردستان مع الفيدرالية لإعتقادهم أن الظروف الدولية لا تساعد على الإنفصال، ففي هذه الحالة يريد السيد بارزاني أن تكون حكومة بغداد خاضعة لإرادة حكومة الإقليم، وهو الذي يقرر من يترأس حكومة المركز، ويزيحه متى شاء.

يجب أن يتم تحقيق طموح الشعب الكردي بالطرق السلمية وليس عن طريق تحقيق نبوءة صدام حسين بحرق العراق والتحالف مع أعدائه ضد حكومة بغداد، لأن جميع الذين أشعلوا الحرائق في العراق من أمثال بشار الأسد، ومحمود أحمدينجاد وغيرهما انتقلت النيران إلى بلادهم. فهاهي سوريا صارت نسخة من الصومال، وهذه إيران تواجه نفس الحصار الاقتصادي الأممي الذي واجهه صدام حسين قبل سقوطه. لذا أرجو أن لا يعتقد أي زعيم سياسي من العالم الثالث أنه يستطيع أن يضحك على أمريكا وحلفائها ويجيرها لمصلحته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن: 


144
خطط مُبيَّتة لنهب ثروات العراق

د.عبدالخالق حسين

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 تعرض العراق ومازال لمؤامرات خارجية تم تنفيذها على أيدي العراقيين أنفسهم. وما انقلاب 8 شباط 1963 إلا المثال الواضح لذلك. ومنذ سقوط حكم البعث الفاشي إلى الآن يتعرض العراق إلى تآمر من نوع جديد، تموله وتخططه وتقوده دول الجوار ليتم تنفيذها على أيدي أبناء الوطن. والسؤال هو: لماذا العراق وحده يتعرض إلى كل هذه المؤامرات دون غيره؟
الجواب هو أن العراق عائم على بحر من النفط، وشعبه غير متصالح مع نفسه، وتنظيماتها السياسية هي وفق الاستقطاب الأثني والطائفي، متعادية فيما بينها، ويسهل توظيف القادة السياسيين لكل مكونة ضد بقية المكونات الأخرى، وشراء ولائها لهذه الدولة و تلك من دول الجوار وحسب التماثل القومي والمذهبي، لذلك فالثروات العراقية الهائلة جعلت من العراق هدفاً جذاباً للطامعين، ففي الماضي كان يتم ذلك عن طريق الغزوات والاحتلالات، واليوم يتم عن طريق المؤامرات.

ومن متابعتنا لما حصل في العراق منذ سقوط حكم البعث وإلى الآن نرى أن هناك خطة أو خطط مُحكمة وضعت في منتهى الدقة والدهاء لتدمير العراق، ونهب ثرواته، ودق الإسفين بين أبناء شعبه لكي لا تقوم لهم قائمة. وهذه الخطة تم تنفيذها على المراحل التالية:

المرحلة الأولى، مرحلة الفرهود: فبعد إسقاط حكم البعث الجائر وأصنام الدكتاتور، قام الجياع بعمليات الفرهود (النهب) لمؤسسات الدولة انتقاماً منها، لأن الحكومات المتعاقبة جعلتهم يشعرون أن هذه الدولة ليست دولتهم بل عدوة لهم، لذا حان الوقت للانتقام منها، والمؤسف أن القوات الدولية بقيادة أمريكا سمحت لعمليات الفرهود والتدمير التي طالت حتى المتحف الوطني والمكتبات الوطنية التي أشعلوا فيها النيران. 
المرحلة الثانية، مرحلة تفشي الفساد والرشوة بين الموظفين، وقيام بعض المسؤولين، وزراء ونواب وغيرهم، بالنهب للثروة والفرار بها إلى الخارج من أمثال وزير الدفاع السابق حازم الشعلان (مليار دولار)، ووزير الكهرباء أيهم السامرائي (300 مليون دولار)...الخ

المرحلة الثالثة، منح رواتب خيالية للوزراء والنواب تفوق رواتب نظرائهم في أغنى دولة في العالم، ويتمتع هؤلاء عند تقاعدهم بـ 80% من تلك الرواتب حتى ولو خدموا في مناصبهم لأسابيع قليلة، وبعض النواب لم يحضروا جلسات البرلمان أصلاً، بل يقيمون في عمان وبلدان أخرى، إضافة إلى الامتيازات الخيالية من رواتب الحماية، والمستشارين، وصرفيات المكاتب التي تقدر بالملايين من الدولارات.

المرحلة الرابعة، نهب ثروات البلاد عن طريق عقد مقاولات مع شركات وهمية تقدر بالمليارات من الدولارات،

المرحلة الخامسة: تهريب العملات الصعبة إلى الخارج بمعدل مليار دولار أسبوعياً وبمباركة البنك المركزي والمصارف العراقية الأخرى، ودعم وترويج بعض الاقتصاديين الذين يدعون أن التحويلات الخارجية هذه تؤدي إلى دعم ورفع قيمة الدينار العراقي!!! بينما الذي نعرفه من خبراء الاقتصاد الحريصين على مصلحة الوطن، أن قيمة الدينار تعتمد على حجم الاحتياطي من العملات الصعبة في البنك المركزي وليس بيعها أو تهريبها.
المرحلة السادسة: التحضير لتبديد الثروات النفطية بذريعة توزيعها على أبناء الشعب تحت واجهة ثروة الشعب للشعب! كخطوة أولى للهيمنة عليها من قبل الدهاة الذين يخططون لهذا المصير الأسود، حيث سخروا لها أقلاماً تظهر بمظهر الملائكة والحرص على مصلحة الشعب. وسنركز على هذه المرحلة الخطيرة بالذات.

قبل أيام نشرت مقالاً بعنوان: (حول "إلغاء" البطاقة التموينية)(1) أشرت فيه إلى أن هناك دعوات لخصخصة الثروة النفطية ولحسن الحظ باءت بالفشل، فتلتها دعوات أخرى طالبت بتمليك هذه الثروات لأبناء الشعب على شكل أسهم على طريقة ألاسكا، ولما فشلت، طلع علينا آخرون يطالبون بتوزيع واردات هذه الثروات على أبناء الشعب نقداً. وفي مقالي المشار إليه أعلاه، وصفت هذه الدعوات بالمشبوهة، الأمر الذي أثار ثائرة الكاتب السيد عصام الخفاجي، فنشر مقالاً غاضباً وهجومياً تهكميا في الحوار المتمدن بعنوان: (أنا مشبوه)، اعتبر مقالي نوعاً من الإرهاب الفكري ضد حرية التعبير، وأن كلمة "المشبوهة" تعني الاتهام بالجريمة!!

في الحقيقة أنا لم أتابع مقالات السيد الخفاجي، ولم أشر إليه في مقالي السابق، لا من قريب ولا من بعيد، ولم أعرف أنه متحمس لفكرة الخصخصة أو توزيع الثروات النفطية على أبناء الشعب، على شكل أسهم أو نقداً، وقد دعمت مقالي بمناقشة هادئة وبالأدلة لإثبات وجهة نظري.
يبدو أن السيد الخفاجي لم يجد ما يبرر هجومه عليَّ فراح يبحث عن ذريعة تبرر له ذلك، فعثر على كلمة "المشبوهة"، وتمسك بها، واعتبرها موجهة ضده بالذات، ليبرر من خلالها هجومه.

نحن نقرأ يومياً عشرات العناوين لمقالات وتقارير عن تفشي الفساد، ونهب الثروات في العراق من قبل سياسيين ومقاولين (حقيقيين ووهميين، ونصابين ومافيات ولصوص..) وغيرهم. فهل حقاً، وبعد كل هذا الفساد، لا يوجد بين هؤلاء أناس من تنطبق عليهم صفة "الشبهة" أو"المشبوهين"؟ وإذا كان جميع المسؤولين ومن تنطلق منهم هذه الدعوات هم ملائكة غير مشبوهين، فلماذا إذنْ كل هذه الضجة ضد الفساد والفاسدين في البلاد؟

لقد جاهد السيد الخفاجي لتفسير كلمة (مشبوهة) بما يخدم غرضه فجعلها مرادفة لكلمة الجريمة، وبالتالي على أني وصفت أصحاب تلك الدعوات المشبوهة بالمجرمين! بل وراح إلى أبعد من ذلك، حيث اتهمني أني أعتبر كل من يختلف معي في الرأي هو مشبوه وبالتالي فهو مجرم!. غني عن القول أن هذه المحاولة لا تدل على العلمية في البحث عن الحقيقة، ناهيك عن الحوار الحضاري الذي يدعونا إليه السيد الخفاجي. فالدعوة إلى الحوار الحضاري شيء والممارسة شيء آخر.

فتعبير (دعوات مشبوهة) تعني دعوات مشكوك بها أو بنواياها، ولا تعني التهمة بقيام جريمة كما حاول تفسيرها الكاتب. ولذلك لا نرى أي مبرر لغضبته العارمة، وربما هي مفتعلة لغاية في نفس يعقوب. فكلمة مشبوهة في القواميس تعني الشك أو الريب، ولا تعني التهمة بارتكاب جريمة. والمعروف أن الفيلسوف الألماني عمانئيل كانت، هو أول من وضع أسس فلسفة الشك، وطالب بأن نخضع كل شيء إلى الشك والمناقشة. كذلك قال نيتشة: «ليس الشك، وانما اليقين، هو الذي يقتل!». وكذلك نشر عالم الاجتماع الماركسي البريطاني المعروف، رالف مليباند في التسعينات كتاباً بعنوان (الإشتراكية في عصر شكاك). (وهو بالمناسبة، والد إد مليباند، الزعيم الحالي لحزب العمال البريطاني).
فهل كل هؤلاء على خطأ عندما تحدثوا عن الشك وحثوا عليه؟ وهل يجب أن نحرق كتب عمانوئيل كانت لأنه طالبنا بأن نشك بكل شيء؟
الحقيقة، أن غاية السيد الخفاجي هي ليست الدعوة إلى الحوار الحضاري وتجنب كلمات اتهامية كما ادعى، وإنما هناك تصفية حسابات و ربما غايات أخرى هو أعرف بها.

إذ لمَّح السيد الخفاجي في مقاله إلى أن له (مع عبدالخالق حسين تجربة لا يود الإشارة إليها حول طريقته في كتابة ما يسميها "دراسات"). فما هي هذه التجربة التي خاضها السيد الخفاجي معي ولا يريد الإشارة إليها؟ إليكم هذه "التجربة".
قبل حوالي السنة، استلمت منه رسالة ودية دون أن أسمع به من قبل، ولا صغراً به، أيدني فيها على مقال لي كنت قد نشرته آنذاك أدعو فيه اليسار العراقي إلى ترك النقاء الأيديولوجي، وتبني الواقعية وفق ما تتطلبه الظروف الموضوعية التي يمر بها العراق. أيد السيد الخفاجي هذا الطرح، وبعث لي مع رسالته مقالاً له حول نفس الموضوع مطابقاً لآرائي!!. فشكرته على ذلك، وتكرر بيننا تبادل الرسائل الودية، واعتبرت تلك المبادرة منه بداية صداقة بيننا. والحمد لله أني أتمتع بعدد كبير من الأصدقاء الرائعين من كتاب وأكاديميين وقراء، يتابعون مقالاتي ويتحفونني بتعليقاتهم القيمة التي استفيد منها كثيراً، وغالباً ما تكون مصدر إلهام لي في كتابة مقالات أخرى. وعلى بساطتي أو سذاجتي، وحسن نيتي، طلبت من السيد عصام أن يقرأ مقالاً كنت ثد نشرته قبل سنوات بعنوان: (دور الانفجار السكاني في حروب الإبادة) لأستفيد من رأيه، خاصة وقد قدم نفسه أنه متخصص في علم الاجتماع، وأنا من هواة هذا العلم بفضل أستاذنا الراحل الدكتور علي الوردي، وتعلقي الشديد بمؤلفاته وأفكاره الرصينة.

ولكن، وبعد انتظار دام أكثر من أسبوع، جاء رده بلغة استعلائية مخيباً للآمال، وغاضباً ضد المقال، ولامني أني ضيَّعتُ وقته، وأنه لا يؤمن بالمالتوسية...الخ. أعترف أن هذه النظرية مثيرة للجدل، حيث واجهتْ معارضة شديدة في وقتها، وحتى وقت قريب، إذ لم يكن هناك خطر إنفجار سكاني في القرن الثامن عشر وذلك بسبب الأوبئة التي كانت تفتك بالبشر. أما في القرن العشرين حيث التحسن في الخدمات الطبية، والتلقيحات، ورفع المستوى المعيشي...الخ، حصلت زيادة هائلة في السكان إلى حد الانفجار، وبالأخص في العالم الثالث، الذي تسبب في إثارة الصراعات الدموية والحروب. على أي حال، اعتذرت له وانتهى كل شيء عند هذا الحد. والجدير بالذكر أن مقالي عن خطر الانفجار السكاني نال اهتمام العديد من الباحثيين والصحف، فبعد نشره على مواقع الانترنت، استلمت طلبات من عدد من الجرائد والمجلات، في العراق والبلاد العربية، للسماح لهم بإعادة نشره، فتم لهم ذلك مشكورين. ومازلت أؤمن أن الانفجار السكاني يلعب دوراً خطيراً جداً في عدم الاستقرار السياسي في دول العالم الثالث، والذي أسماه الصديق الكاتب المصري سامي البحيري بحق بـ(الدمار الشامل).

وقبل أيام بعث لي صديق مقالاً للسيد عصام الخفاجي بعنوان (أنا مشبوه) قائلاً لي أنه يخصني. فاطلعت عليه وعلى التعليقات، واستغربت من أسلوبه التهكمي والهجومي، علماً بأني لم أشر إليه، لا في مقالي الأخير ولا في أي مقال آخر لي كما أشرت آنفاً، ولم أعرف أنه مع أو ضد خصخصة الثروات النفطية، أو توزيع مواردها على أبناء الشعب. لذا فقد أصبت بالدهشة من هذا المقال. ولله في خلقه شؤون.

لماذا الشك في دعوات خصخصة قطاع النفط أو توزيع موارده؟
قبل عامين، اتصل بي صديق من بلد عربي مقيم في أمريكا، وهو كاتب وباحث معروف من الوزن الثقيل، طرح عليَّ مشروعاً قال قد وضعه عدد من الخبراء في أمريكا لمساعدة الشعب العراقي وذلك بجعل العراق نموذجاً لنجاح الديمقراطية في المنطقة، ونسخة من دبي في الازدهار الاقتصادي. والمشروع يطالب بخصخصة الثروة النفطية، وإلغاء الضرائب على الصادرات والواردات، وجعل الموانئ العراقية وجميع المداخل من مطارات ونقاط الحدود مناطق حرة، والسماح للأجانب بشراء الأسهم والاستثمار...الخ، وبذلك سيتحول العراق إلى دبي !! والمطلوب مني أن أقوم بالترويج للفكرة في الإعلام العراقي، وأدعو بعض الكتاب العراقيين للمشاركة في هذه الحملة لإقناع المسؤولين العراقيين بتبني المشروع وتنفيذه! فعرضت رسالة الصديق العربي على عدد من أصدقائي من الخبراء العراقيين في شؤون النفط والاقتصاد، راجياً منهم إبداء آرائهم حول المشروع. معظم الأجوبة التي وصلتني كانت على الضد من الفكرة، وأنها مؤامرة على العراق لسرقة ثرواته. لذلك اعتذرت للصديق عن عدم المشاركة.

وبناءً على ما تقدم، وما تعرض له العراق من عمليات فرهود ونهب وفساد وسرقة أموال من قبل مسؤولين كبار وصغار، ومقاولات مع شركات وهمية لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع، أقول، وبعد كل هذه الكوارث، ألا يحق لنا أن نشك في هذه الدعوات ونطرحها للمساءلة لنعرف الحق من الزيف؟ فلماذا كل هذه الثورة لمجرد ورود كلمة "مشبوهة"؟

أنا نادراً ما أرد على المقالات التي تتعرض لي بالهحوم، وغالباً لا أعرف عنها والحمد لله، ولكن يصلني القليل منها من قبل الأصدقاء كما في حالة مقال السيد عصام الخفاجي. فبعد قراءتي لها وتعليقات القراء وجدت معظم هذه التعليقات هي في صالحي، خاصة تعليق الأستاذ الدكتور صادق الكحلاوي، وهو أستاذ في علم الاقتصاد، وكذلك تعليقين للكاتب المتميز الأستاذ مالوم أبو رغيف، وتعليقات قراء آخرين، كلها ردود شافية على كاتب المقال، أشكرهم عليها، ولذلك لم أر حاجة للرد على الكاتب، ولكن بعد أيام وجدت من المفيد الاستفادة من الفرصة بكتابة هذا المقال لألقي المزيد من الضوء على ما يتعرض له العراق من محاولات لتبديد ثرواته وتحت مختلف التبريرات والحجج.

نعم، أنا مازلت ضد الدعوات لخصخصة قطاع النفط، أو حتى توزيعه على أبناء الشعب على شكل أسهم كما طالب به الدكتور أحمد الجلبي، أو توزيع عوائده كما يطالب به السيد مقتدى الصدر، والسيد عصام الخفاجي وآخرون.
فالخصخصة تعني بيع (بيع مجوهرات العائلة) على حد تعبير هارولد مكاميلان، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، في تعليقه على إجراءات السيدة تاتشر عندما باعت المؤسسات الاقتصادية الكبرى في الثمانينات في سوق البورصة. فالعراق مازال من دول العالم الثالث، يفتقر إلى الكوادر الكفوءة لإدارة هذه المشاريع العملاقة وحمايتها من النهب من قبل النصابين والمافيات، في حالة بيعها على القطاع الخاص كما حصل في روسيا بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي حيث أثرى من عمليات الخصخصة اللصوصية نفر قليل من المحتالين صاروا يمتلكون عشرات المليارات الدولارات في غمضة عين، فروا بها إلى الغرب.
أما توزيع القطاع على شكل أسهم على أبناء الشعب، فهو الآخر خطأ عارضه حتى السيد عصام الخفاجي حين قال: "أن هذه الدعوة شديدة الخطورة إذ تقود العراق إلى الوقوع في نمط رأسمالية النهب التي قام عليها نظام بوريس يلتسن في روسيا. إذ أن الطغم المالية والمافيات ستتمكن من عرض مبالغ مغرية على الفقراء والعاطلين ومحدودي الدخل وحتى متوسطيه للإستيلاء على تلك الأصول وتحويلها إلى احتكارات خاصة."
وأنا إذ أؤيد السيد الخفاجي على ذلك، ولكني أخالفه على ترشيحه الطريقة الثالثة حيث قال: "أما توزيع العوائد فسيمكّن الدولة من فرض ضريبة دخل، لنقل أنها ستكون ثلاثين بالمئة، ...الخ"

أعتقد أن هذه الطريقة هي الأخرى فاشلة وشديدة الخطورة، حتى ولو فرضت الحكومة ضريبة بمقدار ثلاثين بالمائة على هذه الحصص. ففي الوثت الذي ينتقد فيه السيد الخفاجي الحكومة على أنها هي أكبر مصدر للتوظيف، وأن معظم هذه الوظائف هي بطالة مقنعة، ولكن الحل الذي يقترحه هو أكثر خطورة، إذ يطالب بتوزيع الثروة على المواطنين العاطلين والعاملين، فقراء وأغنياء على حد سواء، ومن ثم سحب 30% من تلك الحصص كضريبة. يعني ضاعفنا العمل، وبددنا المزيد من الأموال، إضافة إلى إحتمال التلاعب بالضريبة والتهرب من دفعها بشتى الوسائل والحيل، وأحلنا الناس إلى جيش من العاطلين والطفيليين يعتاشون على هذه الحصص وبدون عمل.
بينما الحل الصحيح هو الذي اقترحته في مقالي السابق، وأيدني فيه الأستاذ مالوم أبو رغيف في تعليقه على مقال السيد الخفاجي، وهو: "أن ثروة الشعب يجب أن تبقى بيد الحكومة المنتخبة لتصرفها على الإعمار، والخدمات، ورفع المستوى المعيشي، والتعليمي والصحي وإيجاد فرص التوظيف...الخ، وليس توزيعها نقداً على الناس كرشوة لشراء الأصوات في الحملات الانتخابية".

والجدير بالذكر، أن الركائز الاقتصادية العراقية عانت من الإهمال منذ الحرب العراقية- الإيرانية عام 1981، وإلى 2003، لذلك فيقدر بعض الخبراء أن إعمار العراق يحتاج إلى ترليون دولار (2). وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتم إعماره بتوزيع العائدات النفطية على أبناء الشعب وتحويل الناس إلى إتكاليين على هذه الحصص بدلاً من صرف هذه العائدات على الإعمار؟

خطر آخر يهدد العراق من توزيع العوائد النفطية وهو، أنه يجعل العراق قبلة لهجرة الأجانب إليه، وطلب الجنسية العراقية تحت مختلف التبريرات مثل الزواج والإقامة لمدة معينة، وكذلك الرشوة، إذ يمكن شراء الجنسية العراقية بمبلغ معين في بيئة مشحونة بالفساد. كذلك، هناك منافسة شديدة بين مكونات الشعب حول النسبة السكانية، فكل مكونة تريد أن تزيد نسبتها في الشعب للحصول على المزيد من العوائد النفطية، وبذلك فبعد عشر سنوات يتضاعف عدد السكان إلى 70 مليون نسمة، نصفهم أجانب جاؤوا للحصول على الحصة من عوائد النفط.

أنا مع تشجيع القطاع الخاص، ولا يجب أن تبقى الدولة هي المصدر الوحيد للتوظيف، بل على الدولة تشجيع أبناء الشعب على فتح شركات ومؤسسات إنتاجية وخدمية وتعليمية ومستشفيات...الخ، وتساعدهم مالياً بقروض، وبذلك يمكن بناء القطاع الخاص لتنشيط الاقتصاد وخلق ملايين فرص العمل للعاطلين. وهذا لا يتم عن طريق التفريط بالمؤسسات النفطية وغيرها من الثروات الطبيعية والركائز الاقتصادية عن طريق بيعها كأسهم أو توزيع عوائدها كحصص على الناس.

اختتمَ السيد عصام الخفاجي مقاله بالقول: "أختم بشكر الأستاذ عبد الخالق حسين الذي، لولا اتهامه لمن يخالفه الرأي بكونه مشبوها، لما شحذت فكري وتوسّعت في بلورة أفكاري. وأضيف إلى هذا شكري له لأنه ساعدني على تحذير القارئ من طرح أي فكرة قبل استشارته. فكلنا مشبوهون حتى يصدر الأستاذ حسين فتوى ببراءتنا".
كنت أتمنى على الكاتب أن يترفع عن هذه اللغة الرخيصة التهكمية التأليبية، فهي لا تليق بمن يتباهى أنه "دخل في نقاشات أكاديمية لا حصر لها مع أعلام كبار مثل حنا بطاطو وسمير أمين ومهدي عامل وكثير غيرهم من العلماء ...الخ"، فهل استخدم مع هؤلاء السادة الأفاضل هذه اللغة "الحضارية" جداً؟؟.
أؤكد له وللقراء الكرام أني لا أتهم كل من يختلف معي بالرأي بأنه مشبوه، بل بينت الأسباب التي جعلتني أشك في دعوات الذين يريدون تبذير ثروات الشعب تحت مختلف الواجهات والتبريرات الواهية. فحرية الرأي تبيح لنا جميعاً، في حالة الاتفاق أو الاختلاف، أن نعبر عن آرائنا. والرد على الرأي المختلف لا يعني إلغاء الرأي الآخر، أو إرهاب فكري معاذ الله!.

الخاتمة
1- يمر العراق بمرحلة تاريخية صعبة جداً، تكالبت عليه قوى الشر في الداخل والخارج، وقد تركه البعث خرائب وأنقاض، وشعبه مصاب بألف علة وعلة. لذلك فالعراق يحتاج إلى وارداته النفطية للإعمار والبناء، وخلق ملايين فرص العمل للعاطلين، وهذا لا يتم عن طريق توزيع العائدات النفطية على المواطنين.

2- نحن نرحب بالجدل الحضاري، ممارسة وليس بالإدعاء فقط، إذ نلمس تناقضاً في أقوال السيد عصام الخفاجي حين قال في رده على تعليقات القراء: "كم علينا الإنتظار لنرتقي بمناقشاتنا إلى هذا المستوى الحضاري العلمي؟". فرد عليه القارئ الكريم محمد عباس الشمري، مذكراً إياه بقول الإمام علي (ع): "من نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره."
أتمنى على السيد الخفاجي الالأخذ بهذه النصيحة.

3- وأخيراً، أذكِّر السيد الخفاجي، أن أخطر ما يهدد الكاتب، أو أي إنسان آخر هو: النرجسية، والغرور، ومخاطبة الآخرين بلغة استعلائية فجة. ورحم الله المرحوم علي الوردي حين قال: "إن أحدهم قد يتمشدق بأرقى ما جاءت به الحضارة من مبادئ ومفاهيم، ولكن ذلك ليس سوى طلاء سطحي حيث تعكس تحته الشخصية الزقاقية، فلا تكاد تمس بعض الأوتار الحساسة منها حتى ينتفض صاحبها "سبعاً" ضارياً كأنه من "أشقياء " ذلك الزمان."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
1- عبدالخالق حسين: حول "إلغاء" البطاقة التموينية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=552

2- Iraq Needs $1 Trillion to Rebuild
http://www.iraq-businessnews.com/2012/11/09/al-araji-iraq-needs-1-trillion-to-rebuild/


145
حول "إلغاء" البطاقة التموينية

د.عبدالخالق حسين

أفادت الأنباء "أن مجلس الوزراء قرر يوم (6 تشرين الثاني 2012)، استبدال البطاقة التموينية المطبقة حالياً بمبالغ نقدية توزع على المشمولين بالنظام المذكور بواقع (15) ألف دينار لكل فرد... واعتبر المتحدث باسم الحكومة علي الدباغ، أن هذا القرار جاء للقضاء على حالات الفساد المرافقة لتوزيعها، مشيراً إلى إن الحكومة أضافت مبلغ 3 آلاف دينار لكل فرد على سعر المواد التموينية والمقدر بنحو 12 ألف دينار."
أرجو ملاحظة العبارة التي وردت في قرار مجلس الوزراء: "استبدال البطاقة التموينية المطبقة حالياً بمبالغ نقدية" وليس إلغاء البطاقة التموينية، كما ورد في معظم المقالات، ولذلك وضعت كلمة إلغاء بين قويسات التنصيص " "، للدلالة على عكس المعنى.

وكأي عمل تتبناه الحكومة، (صح أو خطأ)، لقي هذا القرار معارضة تباينت بين الشدة والاعتدال، منها بدافع الحرص على مصلحة الفقراء، ومنها بدوافع انتهازية لتوظيف هذا القرار للكسب السياسي. لذا، أرى من المفيد مناقشة هذه المسألة بهدوء وموضوعية للوصول إلى وضع حل عادل يحمي الفقراء من العوز، ويحمي أموال الشعب من الضياع والفساد.

إن نظام البطاقة التموينية جاء كضرورة لا بد منها بعد فرض الحصار الاقتصادي الأممي على العراق على أثر غزو صدام حسين للكويت عام 1990. واستجابة لمطالبة المعارضة العراقية آنذاك، وضعت المنظمة الدولية (برنامج النفط مقابل الغذاء) بموجب قرار مجلس الأمن الرقم 986، لعام 1995؛ وهو برنامج يسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة. ولهذا السبب وضعت حكومة البعث نظام البطاقة التموينية لمنع ثورة الجياع، وإلا لحلت كارثة مروعة في الشعب العراقي.

وبعد سقوط حكم البعث عام 2003 استمرت الحكومات المتعاقبة بالعمل على هذا النظام لأسباب كثيرة منها، وجود شرائح واسعة من الفقراء والعاطلين عن العمل. ولكن مع ذلك، لم يخلو هذا النظام من سلبيات، منها: خلق مجال للفساد المالي، وجلب مواد غذائية فاسدة، ووصول هذه المساعدات إلى أناس هم بالأساس لا يحتاجونها لأنهم يتمتعون بدخول جيدة.

كذلك نسمع بين حين وآخر، تصريحات يطلقها قادة سياسيون يطالبون بتوزيع الثروات النفطية على الشعب بذريعة أن النفط ملك الشعب...الخ. وهذه الدعوات مشبوهة ولأغراض انتهازية ومكاسب سياسية حزبية ضيقة. فثروة الشعب يجب أن تبقى بيد الحكومة المنتخبة لتصرفها على الإعمار، والخدمات، ورفع المستوى المعيشي، والتعليمي والصحي...الخ، وليس توزيعها نقداً على الناس كرشوة لشراء الأصوات في الحملات الانتخابية.

لا شك أن مخلفات العهد البعثي البائد لا يمكن التخلص منها في سنوات، فهناك شرائح واسعة من الفقراء والأيتام والأرامل والمعوقين من الحروب العبثية والعمليات الإرهابية... وأصحاب الدخل المحدود دون مستوى خط الفقر. ولكن صحيح أيضاً أن ليس كل الذين يستلمون البطاقات التموينية هم فقراء كما أشرنا أعلاه، لذا فنظام البطاقات التموينية يحتاج إلى إصلاح دون شك. فلو استمر نظام التموين على وضعه الحالي بدون ضوابط، و استجيبت مطالبات توزيع الثروات النفطية على الناس، فهذا يعني تحويل الإنسان العراقي إلى إنسان يعيش ليأكل بدلاً من أن يأكل ليعيش. وهذا يؤدي إلى تفشي الكسل والخمول، وبالتالي القضاء على المحفزات التي تدفع الإنسان للعمل والبناء والإبداع والتقدم.
لذا، فترك نظام التموين على وضعه الحالي أمر غير مقبول، وكذلك منح كل فرد 15 ألف دينار بغض النظر عن وضعه المالي، كما جاء في قرارا الحكومة، أمر غير عادل.

من الحكايات التي كنا نسمعها في المقارنة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي في مساعدة الشعوب الفقيرة، أن الرأسمالي إذا أراد مساعدة شخص فقير قدم له المال نقداً لشراء احتياجاته، فما ان ينتهي هذا المال حتى ويعود الفقير الجائع إلى الرأسمالي يطالب بالمزيد، وهكذا يبقى مصير الشعوب الفقيرة بيد الأنظمة الرأسمالية. أما الدول الإشتراكية، فتساعد الفقير العاطل عن العمل بأن تقدم له عدة صيد السمك مثلاً، وتدربه، وتشجعه على العمل ليعيش من وراء هذا العمل. وهذا يعني أن الدول الإشتراكية كانت تساعد الشعوب الفقيرة بتقديم المساعدات على شكل بناء معامل ومدارس ومعاهد تدريب... الخ، كي تنهض هذه الشعوب وتتعلم كيف تحل مشاكلها الاقتصادية بنفسها.

هذه السياسية صحيحة حتى في العلاقة بين الحكومة والشعب في الدولة الواحدة. نعم، الثروة النفطية وغيرها من الثروات الوطنية هي ملك الشعب كما جاء في الدستور، ولكن هذا لا يعني أن تقوم الحكومة بتوزيع هذه الثروة على الناس على شكل هبات نقدية دون ضوابط. فالثروة النفطية هي ثروة ناضبة وليست ملك هذا الجيل فقط، وإنما هي ملك الأجيال القادمة أيضاً، ويجب أن لا يرحل هذه الجيل مشاكله المالية إلى الأجيال القادمة.

فمن واجب الحكومة أن تتصرف بهذه الثروة بعقلانية، وذلك عن طريق استثمارها ببناء الركائز الاقتصادية، مثل المعامل، والطرق، والمدارس، والمعاهد، والجامعات، والمحطات الكهربائية، ومشاريع إسالة الماء، والصرف الصحي وتقديم الخدمات...الخ، وبذلك تخلق ملايين الوظائف للعاطلين. كذلك مطلوب من الحكومة مساعدة الطلبة الفقراء بفتح الأقسام الداخلية المجانية للطلبة، وحتى تقديم المساعدات المالية لهم لتوفير تكافؤ الفرص أمامهم لإكمال دراساتهم الجامعية...الخ، وليس بتبديد الثروة بتوزيعها على الناس كيفما اتفق كما يطالب بها بعض السياسيين لأغراض انتهازية ودعائية حزبية رخيصة.

ولحسن الحظ، انتبه شعبنا إلى هذه الدعوات المشبوهة، ففي انتخابات عام 2005 رفع الدكتور أحمد الجلبي، رئيس حزب المؤتمر العراقي، شعار: (توزيع واردات النفط على الشعب) وتطبيق ما يسمى بنظام ألاسكا...الخ، وحاول كسب أهل البصرة في دعايته الانتخابية برفع شعار (نفط البصرة لأهل البصرة)، ولكن مع ذلك لم يفز حزب الجلبي حتى بمقعد واحد في تلك الانتخابات. وهذا دليل على أن شعبنا لم يعد تنطلي عليه هذه الشعارات المشبوهة، ولا مقالات المتزايدين والمتاجرين بمآسي وبؤس الفقراء.

ما العمل؟
وعليه فالحل الصحيح في رأيي هو، وضع نظام يشبه ما هو متبع في الغرب مثل الضمان الاجتماعي (social security)، ودفع مساعدات مالية للعاطلين عن العمل (unemployment benefit).
وهذا يتطلب وضع دراسة علمية رصينة من قبل خبراء الاقتصاد والمال والاجتماع لمعرفة المستوى اللائق من الدخل للعائلة العراقية وفق معدلات التضخم الاقتصادي والمستوى المعيشي في العراق. ومن هذه الدراسة يمكن معرفة خط الفقر، وعلى ضوئه تمنح الحكومة المساعدات المالية للعوائل والأفراد الذين يعيشون دون مستوى هذا الخط. أما منح هذه المساعدات على شكل هبات مالية بدون ضوابط، وحتى للمقتدرين مالياً فهذا تبذير بل سرقة لأموال الشعب. إن ضخ الترليونات من الدنانير في السوق يؤدي إلى تضخم إقتصادي مريع (inflation) من نتائجها هبوط قيمة العملة ورفع أسعار السلع، وبالتالي تكون النتائج معكوسة، وأول المتضررين منها هم الفقراء.
 abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملحق
إلى الذين نصبوا سرادق العزاء للبطاقة التموينية

حسن أسد

عشرون عاماً كانت قد مضت على هروبي من وطني حين عدت إليه بعد تحريره من أعتى وأقسى طاغية عرفته الدنيا والتاريخ، صدام حسين . بفضل الرئيس الأمريكي جورج بوش سنة 2003 ..
لأن الموضوع الذي اخترت الخوض فيه هو قرار الحكومة العراقية إلغاء البطاقة التموينية اعتباراً من شهر آذار 2013 فلا داعي للتطرق إلى مشاهداتي وملاحظاتي التي قد يجدها القاريء العزيز هي محاولة مني لإطالة المقالة ليس إلا ...
خلال تجوالي في الشوارع والأزقة التي اشتقت لرؤيتها صادفت عربات تجرها الأحصنة أو الحمير، بأيدي قوادها قضبان حديدية يطرقون بها على قطعة اُخرى من نفس المعدن فتصدر صوتا عالياً ليتنبه السامعون لما سيصرخ به وهو: طحين ، تمن (رز)، حليب ، وكل شي، نبدلها بفلوس او بملابس وحاجيات منزلية جديدة !!!
تعجبت حين استجاب البعض لندائه !!!!
استغربت من هذه الحالة، فاستفسرت من رفيقي عن سبب بيعهم لمواد البطاقة التموينية وتساءلتُ عن كيفية معيشتهم حتى الموعد الآخر بعد شهر ؟؟؟؟
رد عليَ قائلاً .. إنهم يبيعون الفائض منها، فالكمية التي تستلمها كل عائلة تزيد عن حاجتهم !!!!!
قلت: ولكننا في الخارج نسمع الكثير من العراقيين عند ظهورهم على شاشات الفضائيات يشكون من قلة المواد التموينية او فقدانها فنتألم لوضعكم ؟!!
إبتسم وهو يجيب: لسنا أوربيون او يابانيون كي نرضى بالواقع وقت الأزمات، بل نحن عراقيون شكاة متذمرون. في العهد السابق كانوا يخرجون في تظاهرات شكر لصدام حين كان يزيد حصة كل عائلة عراقية دجاجة في شهر رمضان (كمكرمة) منه، أما الآن فبإمكان كل فرد شراء دجاجة يومياً مع ذلك تجدهم يتذمرون. الناس في العراق الجديد صاروا كنار جنهم حين تُسأل: هل إمتلأتي فتجيب: هل من مزيد ؟!!!!
وأضاف: ألم يلفت نظرك إنتزاع شبابيك غرف البيوت المطلة على الأزقة والشوارع من قبل أصحابها ليحولونها إلى سوبر ماركتات؟. حدق في اللافتات الموضوعة فوقها، هذه سوبر ماركت اُم عطية، وتلك سوبرماركت الحاج راضي، وهناك سوبر ماركت ابو محمود. ملاكها ينافسون اصحاب العربات الذين يشترون المواد التموينية من الراغبين ببيعها. المضحك هو أن غالباً ما يعود الذي باع حاجياته لشراء بعضها من المشتري بضعف سعرها حينما يزوره ضيف لم يتوقع قدومه !!!!
رفيقي طرح عليَّ السؤآل التالي: كم تعتقد هو عدد العراقيين المتواجدين في خارج الوطن؟
اجبته: يقال بأن عددهم يتجاوز الخمسة ملايين فرد ..
قال: صدقني إذا قلت لك بأن أكثر من سبعين بالمائة منهم يستلم أهاليهم او أقربائهم او معارفهم حصصهم التموينية هنا في العراق!!
هنا التفتَ إلىً متسائلاً: خلال وجودك هنا، ألم يطلب منك أحد ممن كنت عندهم عن هويتك الشخصية؟
أجبته: نعم ، فلقد طرح عليَ هذا السؤآل عدة مرات عند زياراتي لمعارفي .. وكنت أرد عليهم بالنفي. ولكن لم أعرف لحد الآن سبب سؤآلهم عن هويتي، هل ليتأكدوا من أني حسن أسد ؟؟
قهقه رفيقي قائلاً: لا يا حبيبي، بل ليحصلوا بها على بطاقة تموينية كما فعلوا مع الآخرين كما قلت لك سالفاً !!!!!!
هنا تذكرت واقعة حدثت ليَ في السويد إذ قال أصحابي الذين قدمت لهم لبناً صنعته بنفسي من حليب طازج اشتريته من راعي أبقار مباشرة طالباً منهم إبداء رأيهم بطعمه.
إن اُم حسين تصنع لبناً أطيب مذاقاً من لبنك ..
اتصلت باُم حسين مستفسراً منها عن نوعية الحليب الذي تستخدمه في صنع لبنها، فأجابت: ابني، هذا الحليب لا يوجد منه في السويد!
قلت: أين يتواجد إذنْ ؟؟؟
قالت: في العراق، إنه حليب مجفف ضمن الحصة التموينية التي توزع على العراقيين... ابنتي التي هناك تبعث لي شهرياً حصتنا منها .....
مناسبة كتابتي لهذا المقال هي إستلامي لإيميل يطالبني مرسله التوقيع على مطالبة الحكومة العراقية إلغاء قرار بإنهاء العمل بالبطاقة التموينية إعتباراً من شهر آذار 2013 ..
العجيب والغريب هو أن المطالبين بالإبقاء على البطاقة التموينية هم أنفسهم الذين لطالما دبجوا المقالات الهجومية على فساد الوزارات والهيئات وجميع مسؤولي عملية البطاقة التموينية واتهموهم بالثراء والسرقة من جراء حصولهم على الكومشين عند توقيع العقود مع المستوردين لموادها وطالبوا في كتاباتهم الحكومة إلى إلغائها وإيجاد بدائل لها ..
واليوم وبعد أن قررت الحكومة إستبدال البطاقة بالمال نقداً، نجد نفس تلك الأقلام تشن هجوماً شرساً على القرار وتدعو إلى إبطاله !!!!

وأخيراً، إن الذي يرفض إلغاء عملية البطاقة التموينية إنما يعمل لتكريس ثقافة إذلال المواطن العراقي بإبقائه مستمراً على انتظار قدوم قوته إليه بدل الذهاب بنفسه بحثاً عنه.
يقول برناردشو : "يلوم الناس ظروفهم على ما هم فيه من حال، ولكني لا اُؤمن بالظروف، فالناجحون في هذه الدنيا اُناس بحثوا عن الظروف التي يريدونها، فإذا لم يجدوها وضعوها بأنفسهم".
في الختام أقول: لتصير قيلولة ظهيرة العراقي أقل وقتاً من نوم ليله ..

حسن أسد


146
في مواجهة الحرب الإعلامية التسقيطية

د,عبدالخالق حسين

الحرب الإعلامية ضد عراق ما بعد البعث بدأت حتى قبل سقوط حكم البعث، تم تدشينها من قبل مشايخ الوهابية في السعودية بإصدار فتوى وقَّع عليها أكثر من ثلاثين شيخاً، دعوا فيها الشباب المسلمين في جميع أنحاء العالم بالتوجه إلى العراق للجهاد في سبيل الله ولإنقاذ أخوتهم أهل السنة من الاحتلال الأمريكي وعملائهم "الروافضة". ومنذ صدور تلك الفتوى وفتاوى متتالية أخرى، بدأ زحف الجراد الوهابي الإرهابي على العراق ليهلك الحرث والنسل. وقد رافقت عمليات الإرهاب حملات إعلام ضد العراق الجديد، وبالأخص لتشويه صورة شريحة من السياسيين من طائفة معينة دون غيرهم.

وقد سعت السعودية وغيرها من دول الجوار والمنطقة بكل الوسائل لإفشال العملية السياسية وإعادة الأمور إلى ما قبل 2003، ولكنها فشلت. كما ولجأت إلى شراء قادة بعض الكتل السياسية، فكان مؤتمر أربيل وغيره في محاولة لسحب الثقة من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي وإسقاط حكومته لإغراق البلاد في فوضى عارمة، ولكن بلا جدوى، حيث ارتدت سهامهم إلى نحورهم خائبين.

وأخيراً، تأكدوا أنه لم يبق أمامهم غير محاولة التركيز على الانتخابات البرلمانية القادمة والعمل على تضليل الناخب العراقي بما يخدم أغراضهم. وهذا يحتاج إلى حرب إعلامية تسقيطية شرسة لتضليل الشعب العراقي، وإرباك الوضع، وتسقيط من يريدون إزاحته عن المسرح السياسي العراقي. ولهذا الغرض، عقد قبل أسابيع في الدوحة/قطر، عاصمة "الديمقراطية العربية" مؤتمر بعنوان "الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي"، تم فيه التركيز على مفهوم "الأغلبية والأقلية". ورغم أنهم طرحوا هذا المفهوم ليشمل الديمقراطية في البلاد العربية كلها، إلا إنه واضح من المقالات التي تلت عقد المؤتمر، أن العراق وحده المستهدف من هذا اللقاء، وذلك للالتفاف على الديمقراطية وتفريغها من مضمونها الحقيقي، ورفض ما تفرزه صناديق الاقتراع، حيث خرج علينا أحد المشاركين في ذلك المؤتمر بمقال يؤكد على هذا المعنى. والجدير بالذكر، أن كاتب المقال هذا سخر قلمه منذ سقوط حكم البعث في العراق إلى اليوم في تدبيج المقالات يشتم أو يمدح فيها المشاركين في العملية السياسية حسب انتمائهم المذهبي.

لقد خططوا لهذه الحملة بمنتهى الخبث والدهاء، وتنفيذها بحرفية عالية لتحقيق أغراضهم، حيث تم توزيع الأدوار في نشر مقالات تسقيطية، منها بأسماء كتاب معروفين، ومنها بأسماء مستعارة، وأخرى تنتحل أسماء وألقاب خاصة بالشيعة لكسب ثقة القراء بأن نقده للسياسيين الشيعة ليس بدوافع طائفية، فهو شيعي ولكنه يريد أن يقول الحقيقة!!، وكتابات أخرى على شكل رسائل الإيميل دون ذكر أسماء أصحابها، ولكن كلها يجمعها قاسم مشترك واحد وهو تشويه سمعة السياسيين الشيعة وتصفيتهم سياسياً واجتماعياً. ولم يسلم من الطعن والتدنيس والتدليس حتى مقدساتهم ومذهبهم وشعائرهم الدينية، بل وشملت حتى مرجعيتهم الدينية مثل السيد على السيستاني الذي عمل كصمام أمام يدعو أبناء طائفته إلى ضبط النفس، وعدم الرد على الأعمال الإرهابية التي استهدفتهم في حرب إبادة الجنس وهدم أضرحة أئمتهم.

واستغلوا ما يعانيه الشعب من مشاكل الفساد ونقص الخدمات، والاستعداد النفسي لدى البعض لتصديق كل ما يروج في هذا الخصوص، وتضخيمه وتحميل رئيس الوزراء ومساعديه وحدهم مسؤولية كل مشاكل العراق المتراكمة عبر قرون. وللأسف نجحوا في تمرير مقالات مقذعة مليئة بالطعن والدس والتسقيط، فصدقها البعض وقام بتوزيعها على أوسع نطاق غير مدرك أنه هو المستهدف بهذه السموم.

في هذه المداخلة أجتزئ مقتطفات بإيجاز شديد من بعض هذه المقالات التي يحاول كتابها الظهور بالحرص على الديمقراطية "الحقيقية" وفق منظورهم.

أولاً، نشير إلى مقال أحد المشاركين في مؤتمر الدوحة، ومنه نعرف أن المؤتمر كان قد عقد من أجل العراق وحده، لتنظيم حملة إعلامية منسقة وقذرة لتسقيط سياسيين معينين، وإزاحتهم عن الساحة في الانتخابات القادمة. يقول هذا الكاتب في مقال له بعنوان: (الأغلبيّة والأقليّة .. تصويب مفاهيم خاطئة): "لا يمكن أبدا استخدام كل من هذين المصطلحين في أي مجتمع من المجتمعات، للتفرقة على أساس الدين أو العرق أو المذهب أو الطائفة أو الثقافة.. الخ، وإلا نكون قد أدخلنا أنفسنا في مأزق تاريخي خطير، كما حدث في لبنان والعراق، وما يمكن أن يكون عليه الحال في بلدان عربية أخرى. إن قياس “الأغلبية والأقلية” لا يتم إلا على أسس سياسية، سواء في الحياة العامة، أو الانتخابات والبرلمانات،...".

ونحن نتفق مع هذا الطرح، وندين التمييز بين أبناء الشعب الواحد على أساس الدين والمذهب والعرق، ولكم مع تحفظنا على النوايا، خاصة إذا صدر هذا الكلام من شخص عرف بعدائه الشديد لسياسيين من طائفة معينة ودعمه لآخرين من طائفة أخرى. فهو من نوع "كلام حق أريد به باطل". ففي حالتنا العراقية، أين الحزب السياسي الذي يضم في صفوفه أعضاء من جميع مكونات الشعب العراقي بما يضمن له كتلة برلمانية كبيرة كما في الديمقراطيات الغربية الناضجة؟

وحتى لو أخذنا بتعبير "الأغلبية السياسية"، فما هو موقفنا إذا كانت هذه "الأغلبية السياسية" موجودة الآن ولكنها مبنية على أسس طائفية وعنصرية كما في العراق اليوم، وليس هناك البديل الآخر إلا كرغبة لدى شريحة من الديمقراطيين الليبراليين الذين لا يتمتعون بأي ثقل سياسي في الشارع العراقي؟ فما العمل في هذه الحالة؟... هل نلغي الديمقراطية ونعود إلى ما كان عليه الحكم قبل 2003 حيث كان حكم طائفة واحدة بشهادة المرحوم الملك فيصل الأول عندما قال في مذكرة له: "العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية...الخ"؟
وخلال 80 سنة من عمر الدولة العراقية الحديثة كان الطائفيون يسخرون أقلامهم لتكريس هذا النظام الطائفي، ويطعنون بوطنية وانتماء نحو 60% من أبناء العراق لهذا السبب، ولكن ما أن تحقق لهم نظام ديمقراطي بعد 2003 والذي أتاح لجميع أبناء الشعب بالمشاركة الفعالة في حكمه، حتى وطلع علينا فرسان البيان الذين لم تعجبهم مشاركة المكونات الأخرى في الحكم، فاخترعوا عبارات تضليلية منمقة مثل "حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية" لتقبيح الديمقراطية وتشويه صورتها.
وعلى هذا الأساس، فحتى لو تحققت هذه "الأغلبية السياسية" غير الدينية والعرقية، فإنها بالتأكيد لن تسلم من الطعن، بل سيخرج علينا المتضررون من الديمقراطية بتعابير منمقة أخرى للطعن بهذه الأغلبية السياسية.
وفعلاً مهدوا من الآن لهذا في خطوة استباقية، إذ كتب أحدهم في هذا الخصوص قائلاً: "وإذا ما كان صحيحا معرفة القول من قائله فسيكون من الصعوبة حقا أن نصدق بحكاية إسمها الأغلبية السياسية لمجرد أنها وصلت إلى أسماعنا، بل ان علينا أن نتجاوز دور عريس الغفلة الذي بتنا نلعبه ببراعة متناهية، وأن نقوم بفحص صدقية هذا المشروع الجديد وذلك على ضوء قدرة أصحابه على الإجابة على بضعة أسئلة مشروعة، وفي مقدمتها لماذا هذا المشروع الآن وعلى يد من سوف يتحقق."
نعم، هذا هو بيت القصيد، "على يد من سوف يتحقق؟". وهذا دليل على أن الجماعة لا يريدون الديمقراطية أساساً ولا يعترفون بنتائج الانتخابات ما لم تكن في صالحهم، وتعيد الوضع إلى ما قبل 2003. أما إذا جاءت نتائج الانتخابات لصالح منافسيهم، فعندئذ فالأغلبية السياسية هي دينية وعرقية مرفوضة.

كما وطلع علينا كاتب آخر باسم "قاسم السهيل" بمقال بعنوان: (الشيعة يرسمون نهايتهم، ونهاية الوطن العراقي)، طرح نفسه أنه شيعي ليوحي إلى القارئ أن انتقاده للسياسيين الشيعة ليس بدوافع طائفية، بل لحرصه على مصلحة الشيعة والعراق. وهذا تكتيك يجيده البعثيون الطائفيون. يبدو أنه نجح في كسب العديد من الناس وخاصة من الشيعة، بغض النظر عن مكانتهم الثقافية، فراح يعزف على وتر حساس لديهم ليكسب ثقتهم، ومن ثم ليوجه نيرانه على الشيعة ورموزهم السياسية والدينية بلا استثناء.

بدأ الكاتب مقاله بالتالي: "منذ سنوات طويلة، منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام وطائفتنا الشيعية تبكي المظلومية وتضرب برسالة الحسين العادلة مثلا. فتقيم مآتم العزاء وتحرض المشاهدين والمستمعين على الأعداء وعلى أعداء الحسين وأعداء أهل بيت الرسول الذين هم الأولى بالحكم والسلطة كونهم أحفاد الرسول وحاملي رسالته العادلة التي حاول حفيده الحسين إعادة الاعتبار لها بعد أن تدهور الحال في المجتمع الإسلامي فخرج الحسين من المدينة متوجها إلى العراق وهو يقول "لم أخرج أشرا ولا بطرا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر" ويدعي شيعتنا أنهم حاملو هذا الهدف وهذه الرسالة."

بهذه المقدمة نجح الكاتب في كسب ثقة البسطاء ليفرغ بعد ذلك سمومه الطائفية ليقول: "يأتي الأمريكيون والمجتمع الغربي المسيحي ليحرروا لهم العراق ويطيحوا بالدكتاتور ممثل الطرف السني في المعادلة المعاصرة. وتسلم للشيعة العراقيين مقاليد الحكم السياسي...". ليضيف في مكان آخر: "تربع الشيعة لأول مرة في تاريخهم على كرسي الحكم، لكنه كرسي بخازوق. جلسوا مرتاحين عليه ولم يفكروا بإزالة هذا الخازوق ويبدو أنه يزيد رعشة النشوة في وجدانهم بعد انتظار لهذا الكرسي أستمر لأكثر من ألف وأربعمائة عام."

فهل حقاً سلَّم الأمريكيون مقاليد الحكم للشيعة دون غيرهم، أم قاموا بإشراك جميع ممثلي مكونات الشعب بالحكم دون تمييز؟ وهل الشيعة وحدهم يحكمون أم هم جزء من كل؟ وهل حقاً الأمريكيون هم الذين فرضوا الحكام الجدد، أم 12 مليون ناخب عراقي جازفوا بحياتهم وتحدوا الإرهابيين وشاركوا في انتخابات حرة ونزيهة؟
إن كل ما قام به الأمريكيون هو مساعدتهم للشعب العراقي بإسقاط النظام الفاشي الجائر الذي عجز الشعب إسقاطه بقواه الذاتية، ثم فسحوا المجال للعراقيين أن يحكموا أنفسهم بإرادتهم الحرة عبر صناديق الاقتراع.

واضح من مقال المتخفي وراء اسم "قاسم السهيل"، أن الغرض من هذه الافتراءات هو الطعن بالديمقراطية وتجريدها من مضمونها، وليصل إلى بيت القصيد وهو ما يردده البعثيون الطائفيون الذين لبسوا الآن ثياب الوهابية، وصاروا يتحدثون باسم "دولة العراق الإسلامية"، فيقول: "تعرض الشيعة عبر التاريخ للاضطهاد كما يروون هم أو كما يدعون أو يبالغون حتى يعطوا المظلومية بعدا تراجيديا وملحميا". هنا فضح الكاتب نفسه عندما قال: " كما يروون هم أو كما يدعون أو يبالغون". يعني كل هذه المظلومية عبر قرون هي كذب في كذب.
ويضيف: "لقد ظهر دعاة المظلومية على حقيقتهم اليوم، وكشفهم الأمريكيون والمجتمع الغازي للعراق عندما أعطوهم مفاتيح النفط، وطلبوا منهم أن يسرقوه ويحولوه باتجاه المصارف في بلدانهم، ويمنحونهم مقابل بيع الوطن جنسية مواطنة وبيتا ومصروفات زيجات المتعة والمساجات مقابل المليارات التي تهرب خارج العراق."
نترك الحكم للقارئ الكريم ليعرف حقيقة هذا الكاتب ومن أي مستنقع طائفي ينفث كل هذا الحقد بعد أن لبس ثوباً شيعياً مزيفاً ومهلهلاً لا يغطي عوراته.
ويقول في مكان آخر طاعنا بالناخبين الشيعة دون غيرهم: "لقد أنتخب المواطن الشيعي صاحب الأكثرية السكانية من نفوس العراق برلمانيين كلهم من اللصوص دونما استثناء. لصوص بقانون وبتشريع....شلة من اللصوص الذين نهبوا العراق بدون ضمير، فخاب ظني أنا المواطن الحالم بأن الشيعة أكثر مواطني العراق حبا لوطنهم... ليعودوا اليوم بعد أن حماهم مبدأ التقية، يعودون شيعة لصوص ينظمون إلى جوقة الحرامية القابعين في ما يسمى بالمنطقة الخضراء وداخل بناء البرلمان وفي المحافظات وفي مبنى وزارة الخارجية سيئة الصيت، يسير وراء كل حاكم جاهل من نفايات سقط المتاع وسكان السجون ومغتصبي الصبية من اللوطيين، يسير وراءهم رجال الحماية مدججون بالسلاح وتحميهم لدى الله وتباركهم لدى رسوله طبقة من رجال الدين المعممين الذين يتقنون اللغة الفارسية من الأغوات وعناصر حرس الثورة الإيرانية، يباركون عمليات النهب ويبكون الإمام الحسين ويرشونه بأبواب الذهب وشبابيك الفضة!"

إذنْ، النواب الذين انتخبهم الشيعة هم لصوص ولوطية وجوقة الحرامية، أما الذين انتخبهم غير الشيعة فهم شرفاء ومخلصون... ويتابع هذا "الشيعي" قوله: "أن الشيعة العراقيين وشيعة الفرس والصفويين تمكنوا من خلال غباء مطبق وتخلف نادر وأنانية مقيتة من الإجهاز على مكونات الحياة ... إن المرحلة الراهنة التي يعيشها العراق هي مرحلة ليست كالمراحل، ولأول مرة تشرعن الجريمة ويشرعن النهب ويشرعن الجهل ويشرعن اللواط.. وكل شيء بقانون... والشيعة هم الذين جعلوا الطريق سالكا نحو وطن مهدم وبقايا مراقد ستزول وستتحول إلى مواقع لقضاء الحاجة!"
ما معنى الجملة الأخيرة؟ مرة أخرى فضح الكاتب نفسه، إذ يعني أنهم يخططون لإزالة مراقد الشيعة وتحويلها إلى "مواقع لقضاء الحاجة"... أي إلى مراحيض. بالله عليكم هل هذا كلام يصدر من كاتب يحترم نفسه ما لم يكن مدفوعاً بدوافع بعثية طائفية قذرة؟ والغريب أن العديد من الأكاديميين راحوا يعممون هذه السموم معتقدين أنهم يقدمون خدمة جليلة للشعب العراقي.

وحتى المرجعية الدينية الشيعية لم تسلم من هجوم هذا الكاتب، فختم مقاله بالتالي: "إن المرجعية الشيعية التي أفتت في الماضي بتحريم الفكر الشيوعي، لماذا لا تفتي بتحريم الفساد وسرقة أموال الفقراء، كل الفقراء من أهل العراق، وإحالة لصوص العراق للعدالة أم هي تشكل مفصلا من الشيعة الذين يرسمون نهايتهم وبجدارة نادرة يكون العراق فيها هو الضحية أكلت النمور جانبا من جسد الغزال وسيأكل حملة الرماح بقايا الغزال الجميل.. الوطن العراقي، وطن الأنبياء والمبدعين ؟!"

هؤلاء يعرفون جيداً كيف يستخدمون أقوال حق لخدمة أغراضهم الباطلة السيئة. فالكاتب ينتقد المرجعية على فتوى بتحريم الفكر الشيوعي في أوائل الستينات، وأنا واثق أنه كان من نفس الجوقة الذين رقصوا لهذه الفتوى وروجوها على أوسع نطاق، ليأتي اليوم ويستخدمها لأغراضه وذلك بالطعن بالمرجعية. أما بخصوص إصدار فتوى ضد الفساد، فالمرجعية الشيعية لم تقصر ولم ينكر هذا الموقف إلا من كان في قلبه مرض. إنهم يستغلون كل شي ء لخدمة أغراضهم وتضليل البسطاء من الناس وفي مختلف المناسبات. فلو تأمل القارئ اللبيب محتوى مقال المدعو "قاسم السهيل"، يراها مقتبسة من سلسلة المقالات التي نشرتها صحيفة الثورة عام 1991 بعنوان (لماذا حصل ما حصل)، والتي يعتقد أن صدام حسين كتبها بنفسه. فهو لا شيعي ولا سني، وإنما بعثي- وهابي يريد إشعال فتنة طائفية.

ونموذج آخر من المقالات، بعنوان: (رسالة مفتوحة إلى السيد علي السستاني) أدعى كاتبها أن اسمه (اسماعيل مصبح الوائلي، شقيق محافظ البصرة الذي اغتيل مؤخرا)، يشكو إلى المرجع الشيعي السيد علي السيستاني من تصرفات نجله السيد محمد رضا، ودوره في الفساد والنهب، وتدخلاته في شؤون الدولة العراقية. ويوجه للمرجع الأكبر 15 سؤالاً عن نجله كلها تبدأ بـ (هل تعلم أن...)، ومن هذه الأسئلة أدرج سؤالين بإيجاز:
((هل تعلم ان بريمر حاكم العراق السابق وسفراء بريطانيا وإيران وأمريكا يتصلون بولدكم السيد محمد رضا لغرض اصدار بيانات وتوجيهات باسمكم ولا زال هذا الاتصال مستمر ولم ينقطع؟
((هل تعلم ان ولدكم السيد محمد رضا يتقاضى دولارين على كل برميل نفط يصدر ـ أي ما يعادل مليار وخمسمائة مليون دولار سنويا؟....الخ)).
وللأسف الشديد، هذه "الرسالة المفتوحة" هي الأخرى مرت على الكثيرين من الناس الطيبين فراحوا يعممونها ظناً منهم أنهم يخدمون القضية الوطنية، دون أن يسألوا أنفسهم: كيف حصل الكاتب على كل هذه المعلومات التي إن صحت فلا بد وأن تكون في منتهى السرية؟ إذ كيف علم أن بول بريمر وسفراء إيران وبريطانيا وأمريكا يتصلون به لإصدار بيانات باسم والده...الخ؟ فهذه المعلومات لا يمكن أن يحصل عليها أحد إلا إذا كان يعمل أمين سر مكتب السيد محمد رضا السيستاني... وهذا مستحيل. إذنْ، فكل ما أدعاه الكاتب هو كذب وافتراء. يبدو أن هؤلاء يعتمدون في نشر أكاذيبهم على جهل وسذاجة وبساطة وسرعة تصديق شريحة من العراقيين. ومهما كانت هذه الشريحة صغيرة إلا إنها تكفي لعمل ضجيج واسع تشغل الناس الجادين عن قضاياهم الوطنية.

مقالة أخرى في منتهى القذارة والشحن الطائفي بعنوان: (حديث سمر بين الشيطان والشروكي عبد شناوه...) نكتفي بذكر العنوان فقط ليعرف القراء ما يخططه كتاب هذه السموم لتدمير العراق.

وفي مجال الإيميلات، تتداول هذه الأيام رسائل تسقيطية فاحشة لأغراض الشحن الطائفي، رغم أن كتابها يحاولون تبرئة أنفسهم من الطائفية، ولكن الغرض واضح من سياق التحريض، أذكر ثلاث منها على سبيل المثال لا الحصر:

الأولى، رسالة بعنوان: (شلون ويه المشرگة؟.. مخلوقات عراقیة أيام العيد..! – صور) جاء فيها: "في عراقنا المنكوب هناك مجتمعان.. متحضرون وشروكية.. والشروكي هو ليس شخصا قادما من منطقة معينة أو ينتمي لمذهب معين، إنما هي حالة أخلاقية وتربوية تبيح لأصحابها السرقة والقتل والعمالة وانتهاك الحرمات دون رادع من دين أو أخلاق، وبذلك يشمل هذا التعريف شخصيات كبيرة بدءا بالمالكي وانتهاءا بكثير من سياسيي المزبلة الخضراء. وبسبب انعدام أي منظومة أخلاقية أو حضارية لهذه الفئة، فقد كان (الشروكية) من أكبر المساهمين في ظواهر (الفرهود) قديما وحديثا، وعاثوا في العراق قتلا وفسادا وتخريبا من خلال عملهم في جيش المهدي، ولم يكن للمشروع الطائفي أن ينجح في العراق لولا وجود هذه الثلة من القتلة والمجرمين، والذين يطوقون الآن بغداد بأعداد هائلة في أحياء الثورة والشعلة وغيرها..."
ومع هذه الفقرة عدة صور لشباب تبدو من ملامحهم أنها مأخوذة من مجلات أجنبية، ولكن صاحب الرسالة ينسبها إلى "الشراكوة". ولا يحتاج القارئ أن يكون عبقرياً ليعرف من المستهدف من هذه الأقوال البذيئة. فالبعثيون منذ اغتصابهم السلطة عام 1968، شنوا حملة احتقار لشريحة من الشعب العراقي وأطلقوا عليهم "شراكوة" لتشمل هذه التسمية كل شيعة العراق. تذكروا الشينات الثلاثة، (شيعي شيوعي شروكي).

ورسالة أخرى تقول: "كشف مصدر مقرب في مكتب الصدر ببغداد، عن تورط قيادات صدرية بفضائح جنسية داخل الهيئة الاجتماعية التي تعنى بتوزيع المساعدات على الارامل والمطلقات. وقال الشيخ(م.د) لمراسل قراءات في جلسة خاصة، أمس الاثنين، ان قيادات في التيار تساوم مطلقات وأرامل على شرفهن مقابل منحهن مساعدات مادية."
لا شك أن عدم تصديقنا لهذه الإشاعة المغرضة يجعلنا في خانة التيار الصدري!

نموذج ثالث من هذه الرسائل: شتيمة موجهة لطائفة معينة على شكل بطاقة "تهنئة" وفيها دس طائفي خبيث مقذع جاء فيها ما يلي: [تتقدم أسرة "العــالم" بوافر التهاني إلى الباحث الشاعر والزميل مجاهد أبو الهيل مدير دائرة تنظيم المرئي والمسموع في هيئة الإعلام والاتصالات لمناسبة نيله شهادة الماجستير عن رسالته المعنونة (المثلية في مراسم الزيارة الأربعينية- دراسة اجتماعية ميدانية).]

ما ذكرته أعلاه هو غيض من فيض مما ينشر هذه الأيام من سموم، الغرض منها الشحن الطائفي، وتسقيط رموز سياسية ودينية لأتباع مذهب معين، وهو جزء من حملة إعلامية تسقيطية قذرة استعداداً للانتخابية القادمة.

المشكلة أن السادة الذين يعتبرون أنفسهم حريصين على إقامة عراق علماني ديمقراطي، يسكتون عن هذه الافتراءات ولا يعتبرونها كتابات طائفية، ولكنهم يتهمون كل من يتصدى لها ويفضحها بالطائفي.

والجدير بالذكر، أن الحملة التسقيطية الجارية الآن لا تعتمد على الإعلام وحده، بل تشمل كل المجالات، منها العمل على إيقاف قانون التنمية، وعرقلة الإعمار، وتمير الاقتصاد العراقي بتهريب العملة الصعبة إلى الخارج، وما قضية البنك المركزي الأخيرة وتهريب نحو 800 مليون دولار أسبوعيا إلى الخارج، حسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز، إلا دليل على مخطط واسع النطاق وراءه دول، وقوى سياسية داخلية مشاركة بالسلطة لتنفيذه.

ومن كل ما تقدم، نفهم أن الفترة الممتدة من الآن إلى الانتخابات القادمة، سيواجه العراق حملة إعلامية تضليلية قذرة، وقذرة جداً، تمس الأعراض، والنواميس، والمقدسات، والثوابت الوطنية، الغرض منها إسقاط وتصفية سياسيين وإفشال الديمقراطية، وتدمير مستقبل العراق، بل وحتى القيام بمجزرة جديدة على غرار مجزرة 8 شباط 1963. 
فهل ينتبه العراقيون إلى هذه اللعبة القذرة ويمنعوا الكارثة، أم يقعوا مرة أخرى ضحية النصابين والمؤامرات الدولية؟

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
  http://www.ahewar.org/m.asp?i=26أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:
ـــــــــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
محمد ضياء عيسى العقابي : هل هي مشكلة البنك المركزي أم مشكلة المثقفين العراق... 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=330944




147
من يحاكم المتَّهّم...القضاء أَم الإعلام؟

د.عبدالخالق حسين

في الأنظمة الديمقراطية لا بد من وجود معارضة ديمقراطية مسؤولة، تراقب نشاطات الحكومة وتحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، إذ لا توجد حكومة جيدة إلا بمعارضة جيدة. ولكن في العراق، العلاقة بين السلطة والمعارضة تشبه لعبة القط والفأر، أقرب إلى العداء منه إلى معارضة ديمقراطية حريصة على مصلحة الشعب، فهدف المعارضة هنا الطعن في كل ما تفعله وما لا تفعله السلطة، تتصف باستخدام العنف في الخطاب، ولغة التسقيط والتحقير والتخوين، والتأليب، وحتى بعضها يلجأ إلى العنف المسلح، والتعاون مع حكومات أجنبية للإطاحة بحكومة وطنية منتخبة والمعارضة مشاركة بها. فالحالة العراقية فريدة من نوعها، إذ يمكن لأي كيان سياسي أن يكون مشاركاً في السلطة ومعارضاً لها، وحتى يتآمر عليها في نفس الوقت.

والعنف في خطاب المعارضة ليس جديداً، بل ولد مع ولادة الدولة العراقية المشوهة على يد القابلة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى، وكنتاج مباشر لثورة العشرين، واستمر هذا العنف إلى يومنا هذا. وكل ما تغير هو الجهة التي نتهم السلطة بالعمالة لها. ففي نظر المعارضة، كان حكام العهد الملكي عملاء للاستعمار البريطاني، وفي عهد ثورة 14 تموز كان الزعيم عبدالكريم قاسم عميلاً للسوفيت، أراد إعلان الشيوعية، أما اليوم فنوري المالكي هو عميل لإيران، يريد إقامة حكم ولاية الفقيه، وينفذ أوامر السيد علي خامنئي. هذه هي لغة المعارضة بالأمس واليوم دون تغيير.

والملاحظ أيضاً، أن المعارضة تحاول إبراز كل قضية وكأنها صراع بين شخصين، أحدهما يمثل الشر المطلق، وعادة هو رئيس الوزراء، والآخر يمثل الخير المطلق وأياً كان حتى ولو كان إرهابياً مثل طارق الهاشمي! فالمعارضة تتهجم على الحكومة عند حصول أية عملية إرهابية، أو فساد مالي وإدراري، وتتهمها بالضعف والتهاون، وتطالب رئيس الوزراء بالاستقالة لأنه فشل في دحر الإرهاب. ولكن ما أن تقوم الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على المشتبه بهم في الإرهاب أو الفساد حتى وترفع بعض أطراف المعارضة عقيرتها بالصراخ وتتهم الحكومة بإلقاء القبض على أناس أبرياء، والتجاوز على حقوق الإنسان، وتطالب بإطلاق سراحهم دون محاكمة، وقد حصل هذا حتى في حالة سفاح الدجيل.   

وآخر صراع نشهده في هذه الأيام هو ما يخص قضية البنك المركزي ومحافظه، الدكتور سنان الشبيبي، حيث أثيرت حولهما ضجة واسعة على شكل مقالات، ورفع مذكرات احتجاجية، وحملة تواقيع على نداءات للدفاع عن الشبيبي، المتهم، وحتى قبل أن تتضح حيثيات المشكلة. وكأية أزمة عراقية، تمت شخصنتها، فطرحت على أنها صراع شخصي بين رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، ومحافظ البنك المركزي، الدكتور سنان الشبيبي. وحجة المدافعين عن الأخير هي أن رئيس الوزراء يريد الانتقام لأنه طلب قرضاً بـ 15 مليار دولار، فرفض محافظ البنك ذلك حرصاً منه على أموال الشعب، ثم نشرت مقالات أخرى رفعوا المبلغ إلى 65 مليار دولار! ربما كتاب هذه المقالات لم يعرفوا ضخامة هذه الأرقام، ولا يدرون أن صرف أي مبلغ لا يتم إلا بموافقة البرلمان وبمنتهى الشفافية والعلنية.

المشكلة هنا، أنك إذا ما تورطت في الكتابة عن أية قضية عراقية، ولم تساير التيار المعارض في كل ما يقولون ضد السلطة، فأنت متهم بالعمالة للسلطة ومنتفع منها، علماً بأن العديد من هؤلاء المعارضين يستلمون رواتب سخية من سلطة إقليم كردستان، ومنهم برتبة وزير متقاعد...الخ.
على أي حال، تعالوا نستعرض الأمور عسى أن نتوصل إلى الحقيقة، ولنبدأ ببعض الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان وهي:
أولاً، البنك المركزي هيئة مستقلة، ولكن هذا لا يعني أنه محصن من الفساد وطليق اليدين غير خاضع لأية جهة مراقبة ومساءلة. فالبرلمان أعلى سلطة تشريعية منتخبة في البلاد من حقه، بل ومن واجبه، مراقبة أية هيئة، مستقلة أو غير مستقلة.

ثانياً، تركزت كتابات معظم المدافعين عن الدكتور سنان الشبيبي، محافظ البنك، على انتمائه العائلي وحسبه ونسبه. ومع احترامنا الكبير لأسرة الشبيبي، ومكانتها المرموقة، وتضحياتها في سبيل القضايا الوطنية، إلا إنه من نافلة القول أن الانتماء العائلي لا يمنح الشخص المناعة ضد الفساد. وهذا لا يعني أني أشك بنزاهة الدكتور الشبيبي، فالرجل صاحب كفاءة ونزاهة، التقيته مرة بشكل سريع في مؤتمر المعارضة العراقية عام 1999 في نيويورك، وهو معروف بالكفاءة والخلق الكريم. ولكن ما أريد قوله هو أن كيل المديح لشخص بالاعتماد على الحسب والنسب هو أسلوب بدوي قديم غير مقبول في عصرنا الراهن، إذ ليس هناك شخص معصوم عن الخطأ و فوق المساءلة، وهذه قاعدة عامة في المجتمعات المتحضرة وخاصة الديمقراطية منها. لذلك أعتقد أن الذين دافعوا عن الشبيبي من منطلق انتمائه العائلي فقد أساءوا له أكثر مما أفادوه.

ما هي المشكلة؟
لتوضيح الصورة للقارئ الكريم، أرى من المفيد أن أذكر شيئاً عن المشكلة ولو بإيجاز شديد كما نشرتها وكالات الأنباء، وهي كما يلي:
أولاً، قبل أشهر تصاعدت وتيرة الاتهامات بشأن عمليات تهريب العملة التي أثرت على أسعار بيع الدولار في الأسواق المحلية وأدت إلى زيادة سعر صرفه، مما طالب نواب بضرورة أن تبادر الحكومة إلى إيقاف عمليات بيع العملة في مزادات البنك المركزي، لأن العراق يخسر أموالاً كبيرة جراء تهريبها يومياً إلى خارج الحدود.
ثانياً، طلب الدكتور سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي، من رئيس الوزراء فصل 4 مدراء عامين في مؤسسته، ولم ينفذ الطلب.
ثالثاً، كشف رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي في (7 تشرين الأول 2012)، عن وجود شبهة فساد في عمل البنك المركزي العراقي، مشيراً إلى أن المجلس باشر بتحقيق "معمق" في سياسة البنك المركزي منذ العام 2003، وتعهد بمتابعة التحقيق "شخصيا" لأهمية القضية.
رابعاً، كان عضو اللجنة التحقيقية بشأن عمل البنك المركزي هيثم الجبوري أكد في 14 تشرين الأول الحالي، صدور مذكرات اعتقال ومنع سفر بحق محافظ البنك المركزي سنان الشبيبي ومسؤولين في البنك، وفيما اعتبر أن بقاء المحافظ في الخارج سيثبت تهم الفساد.

وكما ذكرنا أعلاه، أن خصوم المالكي من الكتاب والسياسيين، يقتنصون كل فرصة لتوظيفها من أجل الطعن والهجوم عليه وتحميله مسؤولية الأزمة. لذلك طرحوا قضية البنك المركزي وكأنها مسألة خصومة وثأر بين رئيس الوزراء ومحافظ البنك، وتبين أن الأمر ليس كذلك.

ففي لقاء له مع الصحافة، أكد رئيس الحكومة نوري المالكي، الاربعاء، (24 أكتوبر/ تشرين الأول 2012 السومرية نيوز، بغداد) – ["عدم صلة حكومته بمذكرة اعتقال محافظ البنك المركزي سنان الشبيبي، موضحا أن الاضطراب الذي حدث بسعر العملة العراقية حفز العديد من الجهات الرقابية للتحقيق في نشاط البنك". وأضاف المالكي أن "اللجنة رفعت تقريرها الموقع من قبل رئيس البرلمان أسامة النجيفي، الى هيئة النزاهة مباشرة دون ان يمر على الحكومة"، مبينا أن"الهيئة رفعت هي الأخرى تقريرها مع تقرير اللجنة الى محكمة التحقيق الخاصة بقضايا النزاهة في مجلس القضاء الاعلى... وأن المحكمة أصدرت اوامر القبض بحق محافظ البنك سنان الشبيبي وعدد من موظفي البنك للتحقيق معهم"، مشيرا إلى أن "مجلس الوزراء صوَّت بالإجماع تقريبا بعد حصول هذه التطورات على تكليف عبد الباسط تركي رئيس ديوان الرقابة المالية للقيام بمهام محافظ البنك حتى اشعار اخر".(1)
ومن كل ما تقدم، نفهم أن الهجوم الذي شنه مناصرو الدكتور الشبيبي على المالكي كان مخالفاً للواقع، وإنه كان بدوافع كيدية وليس الدفاع عن السيد الشبيبي. ومن هنا خسر هؤلاء السادة مصداقيتهم.

من الرابح والخاسر من هذه الضجة؟
لا شك أن الضجة مفتعلة ولا مسوغ لها، ولو من حق الكتاب والسياسيين إدلاء آرائهم في كل ما يخص الشأن العام، ولكن الطريقة التي تعاملوا بها مع الأزمة كانت تنم عن نوايا انتقامية، وكان مردودها معكوساً على المعارضين أنفسهم. ولعل أكثر الخاسرين هو السيد سنان الشبيبي بسبب توظيف قضيته لأغراض سياسية وللكسب السياسي، بينما كان المفروض معالجة الأزمة دون تحزب وإثارة، وترك الأمور للسيد الشبيبي نفسه ليختار الطريقة الصحيحة لمواجهة الأزمة بالطرق القانونية لتبرئة ساحته. والرابح هنا هو المالكي حيث ترك خصومه يصعدون من حملتهم ضده في قضية لا علاقة له بها أصلاً كما أثبت ذلك في تصريحاته الأخيرة المشار إليها أعلاه، وبذلك فقد سحب البساط من تحت أقدامهم، وخسروا مصداقيتهم أمام الرأي العام العراقي. 

ما المطلوب عمله؟
لا أحد يشك بنزاهة الدكتور سنان الشبيبي وبراءته من التهمة، لذلك فالمطلوب منه أن يعود إلى العراق، ويواجه التحقيق بنفسه ليثبت براءته. أما إذا اختار البقاء في الخارج وعدم حضوره التحقيق فإنه سيحاكم غيابياً، وفي هذه الحالة ستثبت عليه التهمة، ونحن لا نريد له هذا المصير. أما الذين تظاهروا بالدفاع عنه فكان غرضهم ليس الدفاع عن الشبيبي، بل نكاية بالمالكي الذي أثبت أنه لم يكن طرفاً في الصراع. وأنا واثق لو كان المالكي قد دافع عن سنان الشبيبي منذ البداية، لاتخذ المدافعون عنه اليوم موقفاً مغايراً منه، ومشابهاً لموقفهم من عبدالفلاح السوداني، وزير التجارة السابق.
إن أخطر ما يهدد العدالة هو عندما يتدخل الإعلام في شأن القضاء ويحاول فرض الضغوط عليه لتحريف سير التحقيق. فالقضاء هو وحده المسؤول للبت في هذه الأمور وليس الإعلام.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:
ـــــــــــــــــــــــ
1- المالكي: لا علاقة لنا بمذكرة اعتقال الشبيبي
http://www.akhbaar.org/home/2012/10/137257.html


148
عبد الخالق حسين للطيف: الشريعة الإسلامية غير صالحة للقرن الحادي والعشرين(2-2)

اجرى الحوار : معد الشمري
 عبد الخالق حسين كاتب عراقي مثير للجدل. بدأ حياته يساريا منتميا إلى الحزب الشيوعي العراقي، لكنه غادر الحزب الشيوعي منتصف التسعينيات وتحول إلى الديمقراطية الليبرالية مع الإبقاء على حبه واعجابه السابق بالزعيم عبد الكريم قاسم الذي ألف فيه كتابا قبل عشر سنوات. وأثناء المعارضة لنظام صدام حسين، أيد عبد الخالق حسين، الشيوعي السابق، الرأسمالي المليونير أحمد الجلبي، زعيم المؤتمر الوطني العراقي. أما الآن فهو يؤيد رئيس الوزراء العراقي الإسلامي نوري المالكي مع البقاء علمانيا ليبراليا معارضا للحكم الديني. هذه القفزات الفكرية والسياسية لم تؤثر على شعبية عبد الخالق حسين بل رفعتها وازداد عدد قرائه أضعافا بمرور الزمن. الجميع يقرأ لعبد الخالق حسين، نقاده قبل مؤيديه ولكن يا ترى ما السبب؟ ولماذا تحول عبد الخالق من الشيوعية إلى الرأسمالية ثم إلى تأييد حكم يقوده حزب إسلامي؟ كل هذا جعل صحيفة الطيف تطرق أبواب هذا الطبيب الستيني المتقاعد الذي يعيش مرفها، كما قال، شمالي إنجلترا، وكان لنا معه هذا الحوار، الذي ننشره على حلقتين لتشعبه واتساعه. 

عبد الخالق حسين:
-أعارض تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، وفي أي مكان آخر في العالم
- لست طائفياً وأدين الطائفية بقوة لأنها سبب خراب العراق، وانقسام شعبه
- اتهموني بالتحول من العلمانية إلى الإسلام السياسي، لأنني تحدثت بــ (المظلومية)
- لا يمكن تجاوز المرحلة الراهنة عبر تحدي المشاعر الدينية
- أنا واثق من انتصار الديمقراطية في النهاية، لأن ليس للعراق حل آخر
- الكتاب الشيعة الذين يهاجمونني مصابون بعقدة النقص
- أنا علماني ديمقراطي ليبرالي أؤمن بحرية الفرد وحقوق الإنسان والحيوان
- كامل الجادرجي  يتهم صالح جبر بالطائفية لأنه تزعم حزباً سياسياً

 
* الطيف: انت متهم بالانحياز للمالكي ولهذا الاتهام ما يبرره إذ أصبحت مقالاتك تنشر على موقع (عراق القانون) المتشدد في دعمه للمالكي؟
 عبد الخالق حسين: وكذلك مقالاتي تنشر على مواقع متشددة في عدائها للمالكي، فأنا أنشر في أكثر من ثمانين موقعاً وبدون مقابل، بينما يكتب خصوم المالكي مقابل مكافئات سخية لقاء هجومهم على المالكي في الصحف الخليجية وغيرها، ليعاد نشرها على بعض المواقع العراقية التي صارت ذيولاً أو ملاحق لتلك الصحف. فغاية الكاتب إيصال أفكاره إلى أكبر عدد ممكن من القراء، ولا يهمه الموقع. وإذا كان أعضاء هيئة تحرير موقع عراق القانون يرحبون بمقالاتي فأنا أشكرهم، وأشكر أي موقع آخر ينشر لي ومنهم صحيفة الطيف الغراء، فهل صحيفة الطيف متشددة في دعم المالكي؟
بالمناسبة، لو تزور موقع عراق القانون ستجد فيه مقالات وتقارير وتعليقات ضد المالكي وضد كتلة دولة القانون. فهذه التعددية في الآراء تجربة ديمقراطية جديدة على العراقيين، يجب أن نرحب بها، لا أن نتطير منها.

* الطيف: مالذي يجمعك، وأنت العلماني اليساري، مع الإسلاميين الذين يريدون تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق التي كنت تعارضها؟

عبد الخالق حسين: أنا مازلت أعارض تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق، وفي أي مكان آخر في العالم، لأن الشريعة فشلت في التطبيق حتى في عهد الخلافة الراشدة، ولذلك قتل ثلاثة خلفاء راشديين من أربعة. فالشريعة الإسلامية كتبت لحل مشاكل قبل 15 قرناً، ولا تصلح لحل مشاكل القرن الحادي والعشرين، فهل يقبل أي مريض اليوم بأن يعالج بطب مورس قبل 15 قرناً؟ كذلك إني واثق من أن الإسلاميين (سنة وشيعة)لا يستطيعون تطبيق الشريعة في العراق، لأن المعارضة العلمانية في البرلمان وخارجه أوسع من قدرات الإسلاميين. ولكن من حق الإسلاميين أن يبشروا بأيديولوجيتهم، فكل تيار يسعى لتطبيق أيديولوجيته التي يتبناها ويبشر بها، الإسلاميون يريدون تطبيق الشريعة، والشيوعيون يريدون تطبيق الماركسية- اللينينة، والبعثيون والقوميون العرب يريدون إلغاء الدولة العراقية وصهرها في بوتقة الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، والعلمانيون الديمقراطيون، وأنا منهم، يريدون تطبيق النظام العلماني الديمقراطي، والحفاظ على وحدة الدولة العراقية أرضاً وشعباً. وهكذا نرى كل حزب بما لديهم فرحون. وأنا أعتقد أنه يجب التمسك بالديمقراطية وإنجاحها، لأن الديمقراطية، رغم أنها لا تخلو من أخطاء، إلا إنها تمتلك آلية تصحيح أخطائها. وأنا واثق من انتصار الديمقراطية لأن ليس للعراق حل آخر، وفي نهاية المطاف، لا يصح إلا الصحيح.

* الطيف: بعد كل هذا التأييد للمالكي، هل ما زلت علمانيا أم أن تحولا أيديولوجيا قد طرأ على أفكارك؟

عبد الخالق حسين: كما بينت في الاجابة السابقة، أنا علماني، ديمقراطي، ليبرالي، أؤمن بحرية الفرد، وحرية التعبير، وحقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحماية البيئة…الخ، ولكن هناك البعض لم يجد عليَّ شائبة فاضطر إلى تلفيق إدعاءات باطلة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، اتهمني أحدهم بالتحول من العلمانية إلى الإسلام السياسي، ودليله هو أن وردت كلمة (المظلومية) في إحدى مقالاتي، وادعى أن هذه الكلمة هي إسلامية ودليل على انتمائي الإسلامي!! والمفارقة، أرسل لي أحد الأصدقاء مقالاً لنفس الكاتب، بعنوان: (أسئلة حول مقالة من الاصلح للدكتور عبد الخالق حسين)، نشر قبل مقالي المشار إليه بعامين، وكان قد استخدم فيه كلمة (المظلومية) عدة مرات. فتصور مدى الإسفاف وبؤس فكر هؤلاء وحججهم.

* الطيف: هناك من يتهمك بالطائفية لأنك تقف مع الأحزاب الشيعية رغم اختلافك السياسي معها فكيف ترد؟

عبد الخالق حسين : شكراً على هذا السؤال المهم جداً، لأن هذه التهمة تتردد عند البعض، وخاصة من قبل كتاب منحدرين من خلفيات شيعية. ومشكلتي أني أيضاً منحدر من خلفية شيعية، ويبدو أن هذه الخلفية لا تخلو من خطورة. لذلك أرجو أن تسمح لي بأن أتوسع في الإجابة على هذا السؤال، وربما يصلح ليكون مقالاً مستقلاً بذاته.

الطائفية سبب خراب العراق
 كلا، أني لست طائفياً، وأدين الطائفية بقوة، فالطائفية هي سبب خراب العراق، وانقسام شعبه على نفسه. والطائفية أساس معظم مشاكل العراق، وإذا قال كارل ماركس “أن تاريخ البشرية هو نتاج الصراع الطبقي”، فأنا أقول: “أن تاريخ العراق الحديث هو نتاج الصراع الطائفي”. ولذلك، أعتقد أنه لا يمكن حل مشكلة الحكم في العراق إلا بالتخلص من الطائفية. وهذا الحل لا يأتي بالسكوت عن الطائفية، كالنعامة التي تطمس رأسها بالرمال وتكشف مؤخرتها للصياد. فالطائفية مرض اجتماعي وبيل لا بد من تشخيصه وفضحه، وبالتالي إيجاد العلاج الناجع له. ولكن، وللأسف الشديد، يرى بعض المثقفين والسياسيين، وخاصة المنتفعين منها، أن من يتعرض للطائفية هو كمن يدعو لها، ولم يسلم من إلصاق تهمة الطائفية به.
لقد أكدت في كتابي (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق)، أنه نظراً لتعددية مكونات الشعب العراقي، الدينية والمذهبية والعرقية والسياسية، لا يصلح للعراق إلا نظام حكم علماني ديمقراطي ليبرالي. والمفارقة، أني عندما أنشر مقالاً أدافع فيه عن الأقليات الدينية، والأثنية المضطهدة في العراق، أو عن الأقباط في مصر، أو أي مكان آخر في العالم، تصلني رسائل الثناء والإطراء والشكر. ولكن ما أن أنشر مقالاً أفضح وأدين فيه مظلومية الشيعة عبر التاريخ في العراق والبحرين والسعودية ومصر، وما يتعرض له الشيعة من حرب الإبادة من قبل الإرهاب البعثي- القاعدي في العراق، حتى ويشهر في وجهي سيف تهمة الطائفية، والانحياز للشيعة، وكأن الشيعة ليسوا بشراً، ولا يجوز الدفاع عنهم في حالة تعرضهم إلى الظلم، ولا تشملهم مواثيق ومبادئ حقوق الإنسان الدولية.

نقادي الشيعة مصابون بعقدة النقص
والمفارقة الأخرى، أن معظم موجهي هذه الاتهامات الشنيعة لي هم من الكتاب الشيعة ولأغراض سياسية انتهازية، وهذا ناتج عن إصابتهم بعقدة النقص والشعور بالدونية بسبب تعرضهم للمظالم طوال التاريخ حتى صار عندهم تعرض الشيعة إلى الاضطهاد أمر طبيعي ومسلم به، لا داعي لإثارته والاحتجاج عليه للتخلص منه. وصار في عرفهم، أن أية إثارة لمشكلة الطائفية، خاصة من قبل كاتب صادف أن يكون من خلفية شيعية، فلا بد وأن تلصق به تهمة الطائفية والترويج لها. فالفئات التي حكمت العراق ومارست الطائفية عملياً لم تسمح بالحديث عنها، بل فرضت الصمت على ضحايا الطائفية، وإذا ما تجرأ كاتب ولو بالشكوى منها، شهروا سيف تهمة الطائفية عليه لإسكاته. وهذا خطأ، فكما ذكرت، أن الطائفية مرض سياسي عضال لا ينتهي بالسكوت عنه، بل بتشخيصه وفضحه وإيجاد العلاج الناجع له.

معظم مرتكبي جرائم الإرهاب هم من السنة
كذلك ربطوا تهمة الطائفية بتهمة التهجم على العرب السنة. وهذه التهمة طبعاً باطلة وشنيعة ولا أساس لها من الصحة، يراد منها الابتزاز وممارسة التخويف والإرهاب الفكري، فأنا أفضح جرائم البعثيين الذين تسببوا في تدمير العراق. ولسوء حظ الجميع، أن معظم البعثيين الذين ارتكبوا الإرهاب ضد الشعب العراقي بعد سقوط حكم البعث هم من السنة، وتلقوا الدعم من السنة وبعض الشيعة والدول العربية، بحجة مقاومة الإحتلال، ولكن أكثر الضحايا كانوا من الشيعة، وهذا معروف لا يختلف عليه اثنان. وهذه السياسة هي ضمن تكتيكات حزب البعث. فالمعروف أن البعث يستميل له الأقلية في كل بلد عربي يهيمن فيه على السلطة، ويستغلها لدعم سلطته، فيغدق عليها بالمال والنفوذ والمناصب في السلطة ليربط مصيرها بمصير الحزب. ففي سوريا مثلاً، ربط البعث السوري مصير العلويين به، وأكد لهم أنه إذا ما ذهب الحزب فسيبادون. ولذلك نرى العلويين في سوريا متفانين في الدفاع عن حكم البعث لأنهم في هذه الحالة يدافعون عن أنفسهم. وحصل الشيء نفسه في العراق. وقد نجح البعثيون بعد سقوط حكمهم، في طرح أنفسهم بأنهم الممثلون الشرعيون للسنة العرب في العراق. وقد وقع العرب السنة في هذا الفخ البعثي، فراح كثيرون منهم يدافعون عن البعثيين ويأوون الإرهابيين الجناة الوافدين من السعودية وغيرها من أتباع القاعدة لقتل الشيعة، وأعلنوا أن قانون اجتثاث البعث هو اجتثاث للعرب السنة. ليس هذا فحسب، بل راح البعثيون والمتعاطفون معهم يعتبرون أي نقد للبعث هو تهجم على السنة العرب. لذلك كتبتُ في مناسبات عديدة حذرتُ أنه على العرب السنة أن ينأوا بأنفسهم عن البعثيين، ويدينوا جرائمهم، ولكن دون جدوى…

السنة يعتقدون أنهم وحدهم لهم الحق في الحكم
والمشكلة الأخرى التي نواجهها في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية وإلى الآن هي، أن الكثير من السياسيين العرب السنة صارت عندهم عقيدة راسخة أشبه بالبديهية المسلَّم بها ولا تقبل النقاش، مفادها أنهم وحدهم يحق لهم حكم العراق، واستلام المناصب الرئيسية في الدولة، والتفرد بصنع القرار السياسي، وبالأخص منصب رئيس الوزراء الذي صار عندهم خط أحمر لا يجوز التجاوز عليه، ولا يمكن أن يخرج منهم. وهذا الموقف تبنوه منذ العهد الملكي، فأقاموا الدنيا ضد رئيس الوزراء الشيعي صالح جبر عام 1948 بحجة الاعتراض على معاهدة بورت سموث، بدليل أنه حتى بعد إلغاء هذه المعاهدة، وإسقاط حكومة صالح جبر، وتبديله بشيعي آخر وهو السيد محمد الصدر لتهدئة الوضع وامتصاص غضب الشارع العراقي، ولكن بعد ثلاثة أيام من تعيين الصدر رئيساً للوزراء، وكما أخبرني شاهد عيان ثقة، خرجت مظاهرة من جامع الشيخ عبدالقادر الكيلاني ضد الصدر، يرددون هتاف (ردناك عون، طلعت فرعون يا بو لحية النايلون)!!
وحتى في عهد الرئيس الراحل عبدالرحمن محمد عارف، عندما اختير الفريق ناجي طالب، القومي العروبي الشيعي، رئيساً للوزراء، خرجت مظاهرة في الأعظمية تطالب بإقالته لأنهم لا يريدون حكومة يرأسها “شروكي!!” على حد قولهم. المشكلة أنهم لا يعتبرون رفضهم الشيعي لمنصب رئاسة الوزراء سلوكاً طائفياً، ولكنهم يتهمون كل من يعارض هذا السلوك طائفياً، يعني: “رمتني بدائها وانسلتْ”.
لذلك، أعتقد أنه يجب الوقوف بحزم إزاء هذا الموقف الطائفي الخطير، والذي هو موروث تركي، إلى أن يتم التخلص منه، ومن هذا الادمان على احتكار السلطة واحتقارهم للشيعة. فالشيعة عندهم شراكوة، وعجم، وتبعية إيرانية، وصفوية… إلى آخر النعوت التي ما أنزل الله بها من سلطان. فإطلاقهم هذه التسميات على أكثر من 60% من الشعب العراقي لا يعتبر موقف طائفي وإهانة للشعب، ولكن من يطالب بالتخلص منها هو طائفي!!

على السياسي الشيعي أن يضطهد الشيعة كي يثبت عدم طائفيته
كذلك نشروا مفهوماً آخر راحوا يرددونه باستمرار حتى صار أشبه بالبديهية، وهو أن كل شيعي سياسي، هو طائفي. وليثبت هذا السياسي الشيعي عدم طائفيته لا بد وأن يساهم في اضطهاد الشيعة إذا كان في السلطة، كما شاهدنا ذلك في لقطات الفيديو الذي بيَّن سلوك عزيز صالح نومان الخفاجي، ومحمد حمزة الزبيدي، حيث كانا يتنافسان مع علي حسن المجيد (الكيمياوي) في ركل وتعذيب ثوار انتفاضة آذار 1991. وإذا كان الشيعي كاتباً، فهو طائفي ما لم يساهم في شتم السياسيين الشيعة ويتهمهم بالطائفية، والتبعية الإيرانية، وأنهم يريدون تطبيق حكم ولاية الفقيه…الخ. وقد بلغ الأمر حداً أنه حتى السيد حميد مجيد موسى، زعيم الحزب الشيوعي العراقي، لم يسلم من هذه التهمة، إذ أخبرني صديق أن شيوعياً سنياً ترك الحزب، ولما سألوه عن السبب قال: ما كنت أعرف أن سكرتير الحزب شيعي طائفي… فتصور لا يجوز للشيعي أن يتبوأ حتى زعامة حزب معارض مثل الحزب الشيوعي، المفترض به فوق القوميات والأديان والطوائف!!
خلاصة القول، إذا أراد العراقيون بمختلف أديانهم وطوائفهم وأعراقهم أن يعيشوا بسلام، عليهم أن يتحلوا بروح التسامح، ويتقبلوا التعددية والاختلاف في الأديان والمذاهب، واعتبارها معتقدات شخصية بين الإنسان والإله، وليس من حق السياسيين، أو أي إنسان آخر التدخل فيها، ومن حق الإنسان أن يؤمن بما يشاء، إذ (لا إكراه في الدين)، وعلى العراقيين أن يدركوا أن العراق وطنهم جميعاً، ويركزوا على ما يوحدهم، وهو الانتماء للعراق والولاء له، ليعيشوا بسلام آمنين مرفهين، ويتبنوا الشعار (الدين لله والوطن للجميع).
 
* ألا تعتقد أن اتهامك للعرب السنة بأنهم وحدهم يحق لهم حكم العراق فيه قدر من الظلم والاجحاف لأنك وضعتهم كلهم في خانة واحدة بينما هم يختلفون حول الأمور السياسية وغيرها كباقي شرائح المجتمع؟ ألا ترى في هذا الطرح نوعا من الطائفية التي تقول إنك تعارضها؟

عبدالخالق حسين: بالتأكيد هناك عرب سنة علمانيون، وضد الطائفية، ومع مشاركة جميع مكونات الشعب العراقي في الحكم وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع، وأنا لم أضعهم جميعاً في خانة واحدة، معاذ الله، كما جاء في سؤالك. ولكن المشكلة أن أغلب هؤلاء، صامتون وإن كتبوا فأغلب نقدهم للطائفية موجه ضد الأحزاب الشيعية، فالإنسان يرى القشة في عين غيره ولا يرى الخشبة في عينه.
فالأكثر شيوعاً هو الاتجاه المعارض لمشاركة الشيعة بالسلطة بما يناسب ثقلهم السكاني، وما تفرزه صناديق الاقتراع. وكل ما نشاهده ونقرأه هو نزعة الحط من الشيعة واتهامهم بالتبعية الإيرانية ونعتهم بالصفوية، وحتى التشكيك بعروبتهم وانتمائهم للعراق، دون أن نسمع أو نقرأ أية إدانة من السياسيين العرب السنة، بمن فيهم العلمانيون، لهذه الحملة الضارية التي بدأت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد الآن. ففي الثلاثينات من القرن الماضي نشر كاتب يسمى (عبدالرزاق الحصان)، وبدعم عدد من رجال السلطة في ذلك العهد كتاباً بعنوان (العروبة في الميزان) واصفاً فيه الشيعة بأنهم “شعوبيون بالإجماع، فرس بالإجماع، وهم من بقايا الساسانيين في العراق، ولا حق لهم في السلطة، أو أي تمثيل في السلطة!! لأن الأجنبي ليس من حقه المساواة مع ابن البلد”. أي أنه اعتبر الشيعة الذين قادوا ثورة العشرين أجانب!

* وهل يجوز أن تلام طائفة على أفكار شخص كتب كتابا قبل ثمانين عاما؟
عبد الخالق حسين: لو تقرأ تاريخ العراق الحديث، وخاصة كتاب حنا بطاطوا، وكتب حسن العلوي، والدكتور سعيد السامرائي، وعبدالكريم الأزري…وآخرين، مروراً بسلسلة مقالات صحيفة الثورة عام 1991 بعنوان (لماذا حصل ما حصل)، وإلى الآن ما ينشر من شتائم ضد الشيعة على مواقع الانترنت، تجد الاتجاه المناهض للشيعة هو السائد لدى أغلب السياسيين العرب السنة إلا ما ندر. وحتى الراحل كامل الجادرجي، الديمقراطي الليبرالي، لم يخفِ مشاعره المعادية لصالح جبر (الشيعي)، واتهامه بالطائفية، لا لشيء إلا لأن الأخير تزعم حزباً سياسياً. كما وإن الجادرجي رفض مذكرة الشيخ محمد رضا الشبيبي عام 1965 في عهد الرئيس عبدالسلام عارف، والتي طالب فيها بالإصلاح السياسي والتخلص من الطائفية. وتهكم مرة حول مطالبة زعماء الشيعة بحقوقهم، قائلاً أن الشيعة طلاب وظائف في الدولة. وكأن الشيعة العراقيين لا تشملهم حقوق المواطنة ولا يحق لهم الحصول على وظائف في الدولة. وإذا كان هذا هو موقف الجادرجي، رائد الديمقراطية الليبرالية من الشيعة، فما بالك بمواقف غير الديمقراطيين؟ وهنا نشير إلى قراءة كتاب الراحل عبدالكريم الأزري، الموسوم (مشكلة الحكم في العراق)، الذي خصص فصلاً كاملاً لهذا الموضوع. وهناك كتب كثيرة أخرى تؤكد على هذا الموقف المعادي للشيعة وضد مشاركتهم في الحكم حسب استحقاقهم الانتخابي. لذلك أؤكد مرة أخرى أنه لا تقوم للعراق قائمة، ما لم يتخلص الجميع من نزعة احتكار السلطة من قبل طائفة معينة، وأياً كانت هذه الطائفة، سنة أم شيعة. إن اتهام كل من يدين الطائفية بالطائفي هو بحد ذاته موقف طائفي ومسعى لتكريس الطائفية، وابتزاز كل من يدينها. ولهذا السبب وكما قال حسن العلوي: “يتحاشى معظم الشيعة بحث موضوع كهذا لكي لا يتهموا بالطائفية التي تلاحقهم وتثير فيهم الرعب”.

* الطيف: ولكن بعد كل هذا الكلام عن طائفية السنة، ألا تعطي الحق لمن يتهمك بالطائفية وهو يجد هذا التناقض الكبير بين مدعيات عبد الخالق حسين بالعلمانية ومواقفه الحقيقية المؤيدة للحكم الشيعي؟
عبد الخالق حسين: أين هو التناقض؟ للأسف الشديد، اعتاد العراقيون على التعامل مع الرأي الآخر المختلف بالعنف، سواء عنف الخطاب، أو العنف الجسدي، وتاريخنا مليء بالأمثلة المؤلمة. فلغة التخوين والعمالة والارتزاق، أصبحت هي السائدة في القاموس السياسي العراقي والعربي، يطلقونها بسهولة على كل من يختلف معهم في رأي أو موقف، ودون رادع من أخلاق أو وازع من ضمير. فكل إنسان يبحث عن تبريرات للطعن بخصمه، وتلفيق اتهامات ضده لتشويه صورته، وابتزازه، وتصفيته اجتماعياً وسياسياً، وحتى جسدياً لو تمكن من ذلك. ولكن، ولحسن الحظ، مقابل الذين يتهمونني بالطائفية والتناقض بين الأفكار والمواقف، هناك أضعاف مضاعفة من الأخيار الشرفاء الذين يتفقون معي، ويطالبونني بالاستمرار على نهجي الصريح في التصدي للأفكار الشوفينية والمواقف الخاطئة. فالسياسة موضوع مثير للجدل والاختلاف، ومن يخوضها، تنظيراً أو ممارسة، لن يسلم من النقد والهجوم الاتهامات الشنيعة. ومن يريد تجنب النقد، يجب عليه أن يكتب عن الأزهار والحدائق والطبخ، بدلاً من الكتابة في الشأن العام المثير للجدل والاختلاف وحتى الخصومة، إذ كما قيل: “رضى الناس غاية لا تدرك”.

* الطيف: هناك من يقول إن عبد الخالق حسين يعيش مرفها وحرا في دولة علمانية كبريطانيا بينما يؤيد نظاما إسلاميا قاسيا في العراق لأنه بصراحة غير متضرر منه ولو عاش هناك لكان له موقف مختلف؟
عبد الخالق حسين: نعم، أنا أعيش حياة مريحة نسبياً في بلاد متقدمة بلغت مبلغاً عظيماً في الحضارة والديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان. ولكن حياتي هذه لم تنزل عليَّ من السماء بطبق من ذهب، بل بذلتُ في سبيلها جهداً وعرقاً شديدين طوال حياتي الدراسية والعملية، سواءً في العراق أو في بريطانيا. وأنا من أشد المتضررين من الحكومات المتعاقبة في العراق وإلى الآن. وموقفي من الحكومة الحالية لا علاقة له بالأشخاص، وإنما بالعراق وشعبه فقط، فكل ما نريده للعراق هو أن يخرج من هذه المرحلة العصيبة بأقل الأضرار، إلى أن يستقر ويتحقق حلم العراقيين في بناء دولتهم الديمقراطية المزدهرة.
وهناك من يقول أن عراقيي الخارج لا يعرفون ما يجري في العراق. وهذا خطأ، فنحن نعيش في عصر التقنية المعلوماتية، والانترنت، والفضائيات، وعلى اتصال دائم مع أهلنا وأصدقائنا في الداخل، ونتابع كل صغيرة وكبيرة لما يجري في العراق أولاً بأول. والتقنية المعلوماتية المتطورة قضت على الحواجز والمسافات والحدود، فحوَّلت العالم إلى قرية كونية صغيرة. لذا فتهمة كوني لا أعرف ما يجري في العراق لأني بعيداً عنه لا تصمد أمام أية مناقشة منصفة في ظروفنا الحالية.

* الطيف: هل لديك نية بالعودة النهائية إلى العراق خصوصا وأنك تؤيد حكومته الحالية؟
 عبد الخالق حسين: لا نية لي للعودة إلى العراق وذلك، لأني لا أملك أي شيء مادي فيه يساعدني على العيش هناك، لا أرض ولا سكن ولست في عمر التوظيف، إذ أني متقاعد الآن، وهذا لا علاقة له بموقفي من الحكومة، الحالية واللاحقة.
* الطيف: لماذا لا تعود وتشارك الشعب العراقي شظف العيش وتؤيد الحكومة من الداخل؟
 عبد الخالق حسين: أحيل القارئ الكريم إلى جوابي على السؤال السابق. وأضيف هنا أني على اتصال بالعراقيين في الداخل، مع الأهل والأصدقاء، وكذلك أستلم رسائل الإيميل من القراء في العراق، والغالبية تؤكد لي أن المستوى المعيشي تحسن كثيراً عما كان عليه في عهد البعث بمئات المرات. فالأستاذ الجامعي الذي كان راتبه لا يزيد عن ثلاثة دولارات شهرياً، وكان يضطر لبيع أثاث بيته، ويعمل سائق تاكسي في الليل، بلغ الآن نحو ألف دولار وأكثر. وهكذا بالنسبة للفئات الأخرى، وكل حسب وظيفته وإمكانياته. لذلك، وبعد أن نسي الناس مصائب شظف العيش والاضطهاد أيام البعث الفاشي، استغل معارضو الحكم المشاكل الجديدة فراحوا يبالغون في الادعاءات عن التدهور المعيشي. ويمكن أن نعرف التحسن الكبير في مداخيل الناس من تصاعد أسعار العقارات والأراضي في المدن، وخاصة في بغداد، إلى مستويات خيالية تنافس حتى أسعار العقارات في لندن وباريس ونيويرك. وهذا دليل على ضخ كميات هائلة من النقد في السوق، حيث بلغ الناتج الوطني الإجمالي GDP لهذا العام نحو 12% وهو أعلى نسبة في العالم، في الوقت الذي يعاني فيه العالم من الكساد الاقتصادي. طبعاً هذا الكلام يغيض أولئك الذين لا يستبشرون بالأخبار السارة للعراق، إذ صار كل همهم وديدنهم العزف على وتر التشاؤم، وبث الأخبار السيئة، والتأكيد على أن الحكومة الحالية هي أسوأ من حكومة صدام حسين، على حد قول أحدهم.

* الطيف: هل تعقتد أن آراءك وأفكارك المؤيدة للمالكي ربما تتغير لو كنت تعيش في العراق؟

عبد الخالق حسين: في سؤال سابق قلت أني تغيرت لصالح المالكي بسبب زيارتي لبغداد قبل ثلاث سنوات، وفي هذا السؤال تقول أني لو ذهبت إلى العراق لتغيرت أفكاري ضد المالكي!!، أليس في ذلك تناقض؟ على أي حال، جوابي هو: كلا، لا أعتقد ذلك، وكما بينت أعلاه، المالكي لم يفرض نفسه على أحد، بل اتفقت عليه الكتل السياسية، أي وضعته الأقدار في موقف صعب جداً، فالعراق يمر بمرحلة تاريخية عاصفة، ومن السهولة لأية كتلتين كبيرتين سحب الثقة منه وإسقاط حكومته لو أرادوا، ولكنهم لم يعملوا ذلك لأنهم لم يعثروا على البديل الأفضل. وأعداء العراق هم الذين أثبتوا أن المالكي مخلص للعراق بدليل تكالبهم عليه لإزاحته والتخلص منه لتخلو لهم الساحة لتدمير العراق مرة أخرى.

* الطيف: وكيف تستشرف عراق ما بعد هذه الأزمات؟
عبد الخالق حسين: الأزمات لن تنتهي، فالعراق بلد مأزوم منذ فجر التاريخ، ولكن هناك صعود وهبوط في الخط البياني للأزمات. وأنا متفائل بأن العراقيين سيتمرنون على الديمقراطية ويحسنون ممارستها واحترام نتائجها، إذ هكذا بدأت الديمقراطية في الدول الغربية المتقدمة، حيث مرت بمراحل صعبة، حروب وثورات، إلى أن تعودوا عليها وصارت جزءً من ثقاتهم وتقاليدهم. والعراقيون كغيرهم من البشر، لا بد وأن يتعودوا على الديمقراطية ويقبلوا بنتائجها، ويعيشوا معاً بسلام في السراء والضراء.

* الطيف: ماذا يفعل عبد الخالق حسين حاليا؟

عبد الخالق حسين :أنا أعتبر نفسي محظوظاً جداً لأني مدمن على القراءة، فبالإضافة إلى متابعتي للشأن العراقي، وما يجري في العالم من أحداث، أقرأ كتباً في مختلف المجالات، السياسية والفلسفية والاجتماعية والتاريخية، والعلمية، والأدبية. كذلك أحاول تنقيح مقالاتي، وإعادة تصنيفها وتبويبها حسب المحاور على أمل نشرها في كتب بعد العثور على ناشرين.
http://www.alteif.com/?p=12584
لمتابعة الجزء الأول من اللقاء:
عبد الخالق حسين للطيف: لست تابعاً للمالكي.. والعلمانية أفضل نظام لحكم العراق(2-1)
http://www.alteif.com/?p=12410
 






149
من وراء رفع صور خامنئي في العراق؟

د.عبدالخالق حسين

تفشت في العراق في الآونة الأخيرة ظاهرة غريبة وهي ظاهرة انتشار صور رجال الدين الإيرانيين، السيد الخميني، قائد الثورة الإسلامية في إيران، والسيد علي خامنئي، مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران، في مناطق عديدة من بغداد والعراق، وخاصة في تلك التي تسكنها أغلبية شيعية. وقد أثارت هذه الظاهرة استغراب واشمئزاز العراقيين من كل الأديان والمذاهب، وكذلك إزاء سكوت المسؤولين الحكوميين عنها وعدم مواجهتها بحزم.

فما هي الجهات التي تقوم بطبع ونشر هذه البوسترات الكبيرة بكثرة ودفع تكاليفها الباهظة وفي هذه الفترة بالذات؟
لحد كتابة هذه السطور، ولحد علمي، لم تعلن أية جماعة مسؤوليتها عن هذه الحملة، لذلك، ولمعرفة القائمين بها، علينا إخضاع هذه العملية لمناقشة منطقية وعقلانية، والرجوع إلى تاريخنا الحديث والتجارب السابقة. وفي هذه الحالة يجب أن نبحث عن المستفيد، والمتضرر من هذه الظاهرة.
المستفيدون هم أعداء العملية السياسية والديمقراطية في العراق، وهم معروفون لدينا: المليشيات التي تدعمها إيران، وفلول البعث.
والمتضررون هم الشعب العراقي والحكومة العراقية.

الاحتمال الأول، وهو تورط المليشيات التي تدعمها إيران بالمال والسلاح والتدريب، وخاصة تلك التي تفرعت من التيار الصدري وجيش المهدي، والتي عاثت بأمن المواطنين قبل سنوات مما اضطر رئيس الحكومة، السيد نوري المالكي شن حملة (صولة الفرسان) عليهم ودحرهم. والجدير بالذكر أن معظم المنتسبين لهذه العصابات هم من البعثيين الشيعة الذين وجدوا في التيار الصدري ملاذاً آمناً لهم. لذلك فهم يريدون الانتقام من الحكومة ورئيسها بمختلف الوسائل. وهؤلاء يتلقون أوامرهم من أولياء نعمتهم في إيران وعن غباء وقصر نظر. نقول عن غباء، لأن رفع صور قادة إيرانيين في العراق له مردود معاكس لما يريدون، فهكذا عمل يستفز مشاعر العراقيين، ويعتبر تجاوزاً على السيادة الوطنية، إضافة إلى ما يسببه من إحراج للحكومة العراقية التي رفضت معاداة إيران، وحرصت على إقامة علاقة حسن الجوار، مبنية على المصالح المتبادلة وعدم التدخل في شأن الآخر.

الاحتمال الثاني، هو قيام فلول البعث بنشر هذه الصور. وقد يتساءل القارئ الكريم،  لماذا البعث، وهم من ألد أعداء إيران ورجال الدين الشيعة، وبالأخص الإيرانيين منهم؟
والجواب هو: أننا نعرف أساليب البعثيين الخبيثة في توظيف جميع الوسائل بما فيها استخدام المشاعر الدينية والطائفية والسياسية وغيرها في إثارة المشاكل ضد خصومهم، وتشويه سمعتهم، منذ ان سمعنا بالبعث أيام ثورة 14 تموز 1958 ولحد الآن. فخلال ثورة تموز، وعند نشوب الصراع الدموي بين التيار القومي العروبي، والتيار الوطني الديمقراطي اليساري، مارس البعثيون مختلف الوسائل الخبيثة لتشويه سمعة الشيوعيين، وحكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، فاندسوا في صفوف الشيوعيين خلال المظاهرات، وأطلقوا هتافات غوغائية كانت موضع إدانة واستهجان سُجِّلتْ على الشيوعيين. ويذكر حسن العلوي (وهو بعثي سابق) في هذا الخصوص، أن البعثيين ساهموا مساهمة فعالة في بث الإشاعات، ونشر شعارات، وهتافات غوغائية، بل وحتى قاموا بتمزيق القرآن وإلصاق التهمة بخصومهم الشيوعيين، وحبسهم من قبل محكمة شمس الدين عبد الله. (حسن العلوي، عبد الكريم قاسم.. رؤية بعد العشرين، ص57.)
كما ويذكر العلوي مثالاً آخر على خبث البعثيين في هذا المجال، فيقول: "البعثيون يتقمصون سلوك الشيوعيين في تشويه سمعة الشيوعيين، كبة حلب أم كبة موسكو!! حدث في تلك الفترة، وكانت مجاميع من أنصار الحكومة تحكم سيطرتها على الشارع. فدخلنا مطعم تاجران في الباب الشرقي، بعد أن تسلحنا بوضع حمامات السلام على صدورنا، والتي كانت تباع على قارعة الطريق، حتى إذا أخذنا مكاننا على مائدة وسط الصالة، وحضر العامل لإستطلاع رغباتنا، بادره أحدنا، حميد رجب الحمداني.. جيب كبة موسكو… فاعتدل العامل بدهشة.. متأسفين لا توجد مثل هذه الكبة. فاصطنع حميد الانفعال وعلا صوته.. لماذا يا ناس، كبة موسكو لا توجد؟ ماذا عندكم يا متآمرين. هنا حضر صاحب المطعم وقد تدلى كرشه إلى الأمام، وهو يعتذر بخوف وانتهازية عن التقصير قائلاً: هل تسمحون بوصف هذه الكبة حتى أحضرها لكم غداً؟ قال حميد.. هات قائمة المأكولات .. وأشار بإصبعه إليها قائلاً هل فهمتم؟ هذه التي كان أعداء الجمهورية والزعيم يسمونها كبة حلب. ولم يكن من صاحب المطعم إلا أن يبادر على الفور لشطب حلب وكتابة الاسم الجديد." (نفس المصدر).

وكذلك نعرف دور البعث إثناء حكمهم، في الحط من مكونات الشعب العراقي، وبالأخص سكان الوسط والجنوب. فنظام البعث المقبور شن حملة تسقيطية ضد الشيعة بعد انتفاضة آذار الشعبانية عام 1991، ووصفهم بعملاء "الفرس المجوس"، وأبشع النعوت البذيئة في سلسلة مقالات في صحيفة الثورة، بعنوان (لماذا حصل ما حصل). كذلك ساهم بعض الحكام العرب في هذه الحملة التسقيطية ضد العرب الشيعة والعراق الجديد، إذ صرح الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، أن ولاء العرب الشيعة ليس لأوطانهم العربية بل لإيران. وكذلك الملك الأردني عبدالله الثاني صاحب مقولة (الهلال الشيعي).

إذنْ، الغاية من رفع هذه الصور ليؤكد البعثيون، ومن يساندهم من المشاركين في السلطة، للرأي العام، ولأمريكا بالذات، أن ولاء الشيعة وحكومة المالكي هو لإيران وليس للعراق، وأنه منذ سقوط حكم البعث بفضل أمريكا، صار العراق مستعمرة إيرانية، وأن الحكومة العراقية التي يرأسها رجل شيعي، هي تابعة لحكومة ولاية الفقيه، والامتثال لأوامرها وتعليماتها!!
كذلك لرفع هذه الصور في المناطق الشيعية من العراق وفي هذه المرحلة بالذات، علاقة بتصاعد الأزمة بين الغرب بقيادة أمريكا وإيران حول برنامج الأخيرة النووي، واحتمال اندلاع حرب تحرق المنطقة كلها. لذا، فالقائمون بنشر هذه الصور يريدون أن يقولوا لأمريكا أن حكومة المالكي هي متعاونة مع إيران ضدكم وهذا هو الدليل!

مثال آخر في حملة نشر الصور بأساليب خبيثة ولغايات بعثية معروفة، نشرت صحيفة أمريكية قبل أشهر، تقريراً جاء فيه أن خصوم المالكي يقومون بالليل بلصق صوره على الجدران في شوارع بغداد، ليقولوا للعراقيين أن المالكي دكتاتور نرجسي مثل صدام حسين. وأضافت الصحيفة أن أنصار المالكي كانوا يقومون بإزالة هذه الصور من الشوارع في النهار.

وفي عام 2009، قامت مجموعة عسكرية في الموصل بحمل بوستر كبير للمالكي على الأكتاف، تتقدم مسيرة عسكرية تشبه تماماً ما كان يجري لصدام حسين في عهده البائد، في محاولة متعمدة ومخططة مسبقاً لأغراض كيدية، لمنح خصوم المالكي ذريعة للهجوم عليه وتشبيهه بصدام. قارن رجاءً بين الصورتين في هذا الرابط:
http://akhbaar.org/home/2012/10/136434.html

وفعلاً نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية في اليوم التالي (2/7/2009) تقريراً يضم تلك الصورة لتشبيه المالكي بصدام، واعتبرت المالكي معادياً لأمريكا. وقد حذرنا في وقتها المسؤولين من هذه اللعبة بمقال لنا بعنوان: (هذه الصورة ليست في صالح المالكي).

ونفس العملية تتكرر اليوم، فيتهم البعثيون الشيعة وقادتهم بالعمالة لإيران، و يقومون برفع صور الخميني وخامنئي في بغداد والنماطق الجنوبية، ومع الأسف وقع بعض السياسيين الشيعة في الفخ البعثي فراحوا يدافعون عن تلك الظاهرة بدلاً من إدانتها، رغم صدور أوامر من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بإزالتها.

خلاصة القول، نستنتج من كل ما تقدم، أن الغرض الرئيسي من نشر صور الخميني وخامنئي في المدن العراقية هو لإثارة بلبلة فكرية، وإشعال فتنة طائفية، وتشويه سمعة الحكومة العراقية وإرباكها، وكذلك له علاقة بالصراع بين الكتل السياسية حول المناصب، والصراع الإيراني - الأمريكي، ولتحريض أمريكا ضد المالكي وإظهاره بأنه متعاون مع إيران ضد أمريكا، وها هي الصور تشهد بذلك!

لذا نطالب الحكومة، وكافة المسؤوليين في المحافظات، وكل الخيرين الحريصين على مصلحة العراق وشعبه عدم السقوط في الفخ البعثي وأنصار البعث، بل مواجهة هذه الظاهرة بحزم، وذلك بإزالة جميع صور الزعماء الأجانب فوراً، والبحث عن القائمين بهذه اللعبة القذرة، ومعاقبتهم والتشهير بهم، ليكونوا عبرة لمن اعتبر.
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26



150
عراقيو الداخل...عراقيو الخارج

د.عبدالخالق حسين

يبدو أن الشعب العراقي لم تكفه الانقسامات المتعددة لمكوناته: الدينية، والطائفية، والعرقية واللغوية...الخ، لذا تفتقت عبقرية البعض على خلق انقسام جديد من نوعه، وهو: عراقيو الداخل ضد عراقيي الخارج، على غرار الفيلم الأمريكي (Kramer versus Kramer).

أكاد أجزم أنه ليس في العالم شعب منقسم على نفسه مثل الشعب العراقي. والسبب ليس لتعددية مكوناته فحسب، إذ نادراً ما يوجد شعب في العالم متجانس، مكوَّن من أثنية واحدة، ودين واحد، وطائفة واحدة، ولكن سبب الصراع بين مكونات الشعب العراقي هو حكم الاستبداد طوال تاريخه، ومحاولة الحكم الجائر االاعتماد على مكونة واحدة واستخدامها لإخضاع واضطهاد المكونات الأخرى، وبث الفرقة والعداء بينها وفق مبدأ(فرق تسد). والحجاج المشهور بجوره، هو الذي وصف العراقيين بقوله: "أهل شقاق ونفاق". وحاول البعض جزافاً أن ينسب هذا القول إلى الإمام علي بن أبي طالب، ولكن ما قاله الإمام لأهل العراق: " قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً... ". كما ويحدثنا التاريخ أن معظم الذين حكموا العراق قُتلوا، كدليل على صعوبة حكم العراق.

مناسبة هذه المقدمة، هي قيام البعض بشن حملة جائرة ضد عراقيي الخارج، والتشكيك بولائهم لوطنهم بل، وحتى ربط كل مشاكل العراق من فساد بهم. وهذه الحملة ليست جديدة، بل بدأتها فلول البعث منذ سقوط حكمهم الجائر في 9 نيسان 2003. ولكن للأسف الشديد أنه حتى بعض ضحايا العهد البعثي البائد أصيب بعدوى فايروسات هذا الوباء الوبيل في دق الأسفين بين العراقيين.

وسبب حقد البعثيين على عراقيي الخارج معروف، وهو دورهم الفعال في حث المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، أمريكا، في إسقاط حكمهم الجائر، لذلك فهم يريدون الثأر البدوي للانتقام منهم، وذلك بشن حملة تشويه سمعتهم، ومنعهم من المساهمة في إعمار بلدهم، وإعادة بنائه، بل وحتى حرمانهم من الشعور بالانتماء إلى وطنهم. أما سبب حقد بعض المسؤولين في البرلمان على عراقيي الخارج فهو المنافسة على المناصب، خاصة وأن عراقيي الخارج توفرت لهم الفرصة في كسب الخبرة والكفاءة والشهادات الجامعية العالية. ولا شك أنه من مصلحة العراق وشعبه توظيف هذه الكفاءات والطاقات في الإعمار والبناء، إضافة إلى كون عراقيي الخارج يشكلون جسراً بين العراق والشعوب الغربية المتقدمة، وبذلك يقومون بدور فعال للتعجيل في البناء والتعويض عما فات العراق من الوقت الضائع خلال حكم الفاشية الذي أعاده قروناً إلى الوراء.

نشرت صحيفة المدى البغدادية خبراً بعنوان: (النزاهة تخيّر المسؤولين: إما إسقاط الجنسية المكتسبة أو الاستقالة) جاء فيه: "دعت لجنة النزاهة النيابية، جميع الوزراء ووكلاء الوزراء والنواب والمستشارين الذين يمتلكون الجنسية المكتسبة إلى إسقاطها بأسرع وقت ممكن، لافتة إلى أن بعض المسؤولين يستخدمون الجنسية المزدوجة كحصانة لهم في سرقة أموال الشعب والهرب الى الخارج والاحتماء بالدول التي منحتهم هذه الجنسية."

إن صح هذا الخبر، فهو يدل على العقلية العدوانية المريضة لدا البعض الذين لا يريدون الوحدة الوطنية، بل يجهدون ليل نهار لخلق المزيد من الوسائل لتمزيق مكونات الشعب العراقي، وهو إبداع تسجل براءة اختراعه إلى (لجنة النزاهة النيابية). فكما ذكرنا أعلاه، الشعب العراقي لا تنقصه صراعات وانقسامات عرقية ودينية وطائفية ومناطقية، واليوم تتفتق عبقرية لجنة النزاهة النيابية باختراع صراع جديد بين عراقيي الداخل وعراقيي الخارج. والعذر هنا "سرقة أموال الشعب والهرب الى الخارج والاحتماء بالدول التي منحتهم هذه الجنسية." وكأن المسؤولين الذين لم يغادروا العراق ملائكة محصنون من السرقة والرشوة والفساد. لا شك أن موضوع اسقاط الجنسية المكتسبة خطير جداً، الهدف منه هو إفراغ العراق من أصحاب الكفاءات والطاقات الخلاقة، بل ومن كل من عارض حكم البعث الصدامي.

نسي أصحاب هذا الاقتراح المريب أن سرقة الأموال والهرب إلى الخارج لا تحتاج إلى جنسية دولة أجنبية، فأغلب اللصوص، سواء في العراق أو غير العراق، سرقوا المليارات من خزائن شعوبهم وهربوا، ومُنِحوا اللجوء وعاشوا في بحبوحة من العيش في الدول المضيفة دون أن يحملوا جنسيتها. فإسقاط جنسية الدولة المضيفة أيها السادة لا يمنع اللصوص من السرقة والفساد. وأفضل مثال على ذلك هو عمرو ديكو، وزير مالية نايجيريا الأسبق، الذي سرق أربعة مليارات دولار وهرب بها إلى بريطانيا، ونجى من العقوبة والملاحقة، ولم يكن قبل ارتكاب الجريمة حاملاً للجنسية البريطانية.
كذلك، معظم مرتكبي الجريمة المنظمة والسرقة والفساد والإرهاب في العراق ليسوا من عراقيي الخارج ولا من حملة جنسيات أجنبية، وأحسن مثال على ذلك هو طارق الهاشمي الذي تبوأ منصب نائب رئيس الجمهورية، ورجال حمايته الذين حكمت عليهم المحكمة الجنائية بالإعدام لإرتكابهم جرائم الإرهاب بحق الشعب، لم يغادروا العراق ولم يحملوا جنسية أية دولة أجنبية. فالإرهاب واللصوصية لا دين ولا جنسية لهما.

ولذلك فالغرض من هذا الاقتراح هو ليس لمنع الفساد والسرقة كما يدعي أصحابه، بل هناك حملة مريبة ضد عراقيي الخارج لتمزيق اللحمة الوطنية وحرمان العراق من التعافي. وهذه الحملة ليست جديدة فقد بدأت حتى قبل 9 نيسان 2003. لأن البعثيين أدركوا أن عراقيي الخارج كان لهم دور مؤثر في إقناع المجتمع الدولي بقيادة الدولة العظمى، أمريكا، لإسقاط حكم البعث الصدامي، كما أسقطت النازية الألمانية والفاشية الإيطالية وحررت الشعوب الأوربية من طغيانهما من قبل.

ومن نافلة القول، أن عراقيي الخارج لم يغادروا بلدهم للسياحة والنزهة والبطر، بل فروا بجلودهم لمعارضتهم للنظام البعثي الجائر، وإلا كان معظمهم من ضحايا المقابر الجماعية. وهم لم يسكتوا ولم يستكينوا في الخارج متفرجين، بل شكلوا تنظيماتهم السياسية لمعارضة فعالة ضد أشرس نظام دكتاتوري همجي في العالم، وشنوا النضال ضد الفاشية البعثية إلى أن أسقطوها. كذلك لا ينكر أحد دور عراقيي الخارج في دعم أهاليهم في الداخل زمن الحصار الاقتصادي الذي أذل الإنسان العراقي، حيث غامر كثيرون للهرب حتى صار البعض منهم طعاماً لأسماك البحار... إن الجنسية التي تتحدثون عنها ما هي إلا ورقة رسمية تساعد العراقي على التنقل بحرية دون مصاعب، وهم ليسوا ناكري الجميل للشعوب التي آوتهم ووفرت لهم العيش بكرامة. أما اسقاط هذه الجنسية فلا يغير من أخلاقية حاملها سلباً أو إيجاباً، وإنما هذه الدعوة مشبوهة والغرض منها تحريك الغرائز البدائية عند بعض العراقيين لأغراض انتخابية، فتارة يعزف هؤلاء على الوتر الطائفي وأخرى على الوتر العنصري، واليوم على وتر إثارة الحقد على عراقيي الخارج.

يتعكز هؤلاء على (الفقرة رابعاً) من (المادة  18) من الدستور النافذ، التي تنص:"يجوز تعدد الجنسية للعراقي، وعلى من يتولى منصبا سياديا أو امنيا رفيعا التخلي عن أي جنسية أخرى وينظم ذلك بقانون".
هذا القانون لم يتم سنه لحد الآن، لأن هذه المادة خاطئة بالأساس وغير قابلة للتطبيق، وهي لغم زرعوه في الدستور لدق الاسفين في الوحدة الوطنية في الوقت المناسب. لذلك فمن مصلحة الشعب العراقي إلغاء هذه المادة الجائرة عند توافر أول فرصة لتعديل الدستور من جميع مواده الضارة. إن الغرض من حرمان العراقي حامل الجنسية المكتسبة ليس منعه من منصب سيادي وأمني فحسب، بل لمنع أي عراقي في الخارج من تسلم أي منصب كان حتى ولو موظف من الدرجة الخامسة. فهذه الحملة مجرد البداية، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.

ومما يجدر ذكره، أن امتداد أي شعب خارج الوطن هو لصالح الشعب في داخل ذلك الوطن، وهناك أمثلة كثيرة في العالم. فالشعب اللبناني في الداخل لا يزيد تعداده على أربعة ملايين، بينما الجاليات اللبنانية في الخارج يزيد تعداد نفوسها على 14 مليون نسمة، ولولاها لكان لبنان بلداً فقيراً. كذلك تأثير اليهود خارج إسرائيل على دول العالم وبالأخص يهود أمريكا، في دعم إسرائيل. لذا فالغاية من هذه الحملة، حرمان العراق من الاستفادة من أصحاب الكفاءات وإثارة الغرائز البدائية عند البعض لأغراض انتخابية ليس غير.

وكجزء من الحملة التسقيطية ضد عراقيي الخارج، نلاحظ منذ مدة مقالاً يتناقل عبر البريد الإلكتروني يحاول كاتبه الظهور بمظهر الإنسان الفقير البسيط (من أهل الله يا محسنين!)، وحتى بدون اسم، ولكنه كتب بأسلوب كاتب بعثي محترف في الخبث والدهاء، يجيد دس السم بالعسل، وتمريره على الناس الطيبين، وحتى المثقفين منهم، مما أثبت أنه ليس هناك أي عراقي محصن ضد ألاعيب البعثيين في التضليل والمراوغة باستخدام الأساليب الفنية الشيقة في كسب ثقة القارئ وبث سمومهم.
وإزاء تفشي موجة الإجرام بعد سقوط البعث الفاشي، يقول الكاتب: "ولقد شملتني حمى الخوف على الرغم من إني لم أكن أملك مالاً ...كل ما أملكه هو سيارة عتيقة أعمل بها كسيارة أجرة، وكان كل من يركب بها يقسم أغلظ الإيمان أن لا يركب بها مرة أخرى لأنها ببساطة سيارة مصابة بمرض باركنسن، لأن كل جزء منها يرتجف على حده أعان الله من ركب بها مرة."
نصحه صديق له: "إقتني لك كلباً يعينك على الحراسة ليلاً وينبهك في حالة غفلتك.." أعلن رغبته باقتناء كلب فبادر أحدهم وأرسل له كلباً كبيراً..اعتنى به وأطعمه إلى أن تعود عليه. ولكن مع ذلك سرقت سيارته، فسجل شكوى في مركز الشرطة، (سألني ضابط الشرطة وهو يقف أمام منزلي "يبدو إنَّ لديك كلباً"، فأجبته بالإيجاب وعاد يسألني "ألم ينبح كلبك أثناء الليل؟". أجبته بالنفي.). وأخيراً عثر الشرطة على سيارته، وعلى سارقها أيضاً، الذي "كان شقيق الرجل الطيب الذي أهداني الكلب".

وهنا يصل الكاتب إلى بيت القصيد: (قال لي رجل حكيم: "إياك والكلب ذو الصاحبين، أتعرف لماذا؟ لأنك لو ربيت كلباً وهو صغير فسيكون انتمائه وولائه لك، أما إذا أخذت كلباً وهو كبير فسيكون انتمائه لك ولكن ولائه لغيرك فهو يدرك غريزياً أنه إذا احترق بيتك أو سرق سيكون دوماً هنالك دار أخرى له". ويضيف كاتبنا قائلاً: "لهذا يا عزيزي إنَّ كلبك الشرس لم ينبح على اللصوص لأنهم  بكل بساطة..أهله." ويختتم مقاله بملاحظة: "إهداء  لكل الساسة العراقيين الذين أتونا من بلدان أخرى يحملون جنسياتها". 

فمن المقصود من كل هذا الكلام؟ المقصود هو أن الخمسة ملايين عراقي في الخارج الذين شردهم البعث الصدامي، هم كلاب ذو صاحبين وولائين، انتماءهم للعراق ولكن ولاءهم للدول التي آوتهم  ووفرت لهم الخبز والحرية والكرامة، حسب رأي هذا البعثي الذي يدس السم بالعسل ليحرمنا حتى من حقنا في الولاء للعراق وليجردنا من عراقيتنا وانتمائنا إلى وطننا!!

من المناسب هنا أن استشهد بما كتبه الصديق ليث رؤوف حسن في تعليق له في هذا الخصوص فقال بحق: ((أما كون البعض منا قد هاجر وسكن رغما عنه خارج الوطن، يسمى بأجنبي فهذا مالا أستطيع أن أطيقه. هل يشكك البعض بعراقيتي بالرغم من تشردي ومعيشتي ولو كأمير في هذا البلد أو ذاك، لن ولا يجعلني غير قادر على أن أفكر أو أعمل لخير العراق، بل بعضاً أحسن من الذي قاسى وعانى وتعب وشقى داخل الوطن والعكس أيضا صحيح. هؤلاء الذين قدموا للعراق للعمل من أجل عراق مستقل ومستقبل زاهر ليسوا كلهم أو حتى بعضهم غريبا عن العراق. عاش صديِّم ومات في العراق ولكن!!! هل كان هناك أسوأ منه في تأريخ العراق كله؟؟؟ حتى هولاكو لم يتسبب بهكذا كوارث ومقاتل للعراقيين  كالتي سببها حزب الأفاكين والقتلة البعثفاشي!!! الملك فيصل الأول لم يكن عراقيا بالولادة ولكنه خدم العراق بإخلاص. فكيف بشخص ترك العراق مرغماً، ألا يحق له العودة والعمل من أجل العراق بصدق وإخلاص؟؟؟))

إن ما يحتاجه العراق هو خلق أفكار تساعد على وحدته، لا إلى تمزيقه وتشرذمه.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقال ذو علاقة بالموضوع
أ.د. محمد الربيعي: هل يريد الوطن الاستفادة من علمائه وكفاءاته فـي الخارج حقا؟
http://www.alrafidayn.com/2009-05-26-22-21-36/20756-2010-08-11-23-00-23.html


151
مخاطر تمرير قانون العفو العام عن مرتكبي الإرهاب والفساد

د.عبدالخالق حسين

يدور في الرأي العام العراقي سجال محتدم هذه الأيام حول إصدار قانون العفو العام عن المتهمين بجرائم الإرهاب والسرقة والفساد. وكالعادة، نلاحظ أن أغلب المطالبين بإصدار هذا القانون وإعفاء المجرمين من العقاب هم من كتلة "العراقية". وقد عودنا هؤلاء عند اندلاع كل أزمة سياسية، بالتهديد تلميحاً أو تصريحاً بأن إذا لم تحل الأزمة وفق شروطهم فإن البلاد مقدمة على موجة جديدة من الإرهاب والحرب الطائفية!. وفعلاً تحصل هذه الموجة ويقتل فيها المئات من الأبرياء، وأغلبهم من طائفة معينة ومن مناطق معينة. وقد توضح دور كتلة العراقية في الإرهاب بشكل واضح عندما افتضح أمر طارق الهاشمي في هذا الخصوص، وهو أحد قياديي الكتلة المذكورة. والجدير بالذكر أن الهيئة القضائية أصدرت يوم الأحد 23-09-2012 تقريراً كشفت فيه تفاصيل تورط طارق الهاشمي وحمايته بنشاطات إرهابية.(1)

وعندما ورد في الأخبار أن في نية السلطة تنفيذ حكم الإعدام بحق عدد من الجناة الذين صدرت بحقهم أحكام الإعدام لقيامهم بجرائم الإرهاب، سارع عدد من البرلمانيين في كتلة "العراقية" مطالبين بالتريث في التنفيذ إلى ما بعد صدور قانون العفو العام على أمل أن يشملهم العفو. وهذا يدل بشكل واضح تعاطف هؤلاء النواب مع الإرهابيين، وعدم اهتمامهم بدماء الضحايا الأبرياء من فقراء عمال المسطر والعسكريين ورجال الأمن وغيرهم من الذين لقوا حتفهم على أيدي الإرهابيين بكواتم الصوت، والمفخخات والبهائم الانتحاريين.

وآخر ما قرأنا في هذا الصدد، تصريحات لنائبة عن "كتلة العراقية" تصف فيها قانون العفو العام بـ"السياسي"، ودعت إلى الإسراع بالإفراج عن الأبرياء في السجون. طبعاً هنا يختلف الموقف عما يقصدونه بالأبرياء. ننقل للقراء الكرام فقرة من مشروع القانون ليكونوا على بينة، وكم صار الدم العراقي رخيصاً في نظر حماة الإرهابيين. "تنص الفقرة الأولى من القانون بعد التعديل المقترح لهذه المادة على أن يعفى عفوا عاماً وشاملاً عن العراقيين (المدنيين والعسكريين) الموجودين داخل العراق أو خارجه من المحكومين سواء كانت أحكامهم وجاهية أوغيابية ويعفى عما تبقى من مدة محكوميتهم سواء اكتسبت درجة البتات أم لم تكتسب".
"كما تنص المادة الثانية من القانون على أن تسري أحكام المادة (1) من هذا القانون على المتهمين كافة الموقوفين منهم ومن لم يلق القبض عليه ويعفون من الجرائم كافة مهما كانت درجتها سواء اتخذت فيها الإجراءات القانونية أم لم تتخذ إلا ما ورد منها استثناء بموجب هذا القانون وتوقف الإجراءات القانونية بحقهم كافة، فيما تضمن التعديل المقترح للمادة الثانية أن يتم إيقاف الإجراءات القانونية المتخذة بحق المتهمين سواء كانت دعاواهم في مرحلة التحقيق أو المحاكمة أو الذين لم تتخذ بحقهم الإجراءات القانونية." (2) لاحظ عبارة: "ويُعفَون من الجرائم كافة مهما كانت درجتها".

يدافع هؤلاء عن المتهمين المعتقلين والهاربين وكأنهم متهمون في قضايا بسيطة مثل المخالفات المرورية، أو كما جاء في تعليق السيد هيثم الغريباوي على مقال السيد حسن حاتم المذكور، قائلاً: "...اتساءل معك استاذ حسن عن نوع العراقيين الذين تكتظ بهم السجون اليوم، فهل هم معتقلون بسبب التهجم على القائد الرمز؟ أم ممن نظروا شزراً الى صورة "السيد الرئيس"، أم من رأى في المنام وقوع انقلاب على الحزب والثورة؟، أم ممن حكى نكتة على "أمّ المناضلين" وضحك لها القوم فزُجّ بهم في غياهب الموت؟ ليسوا احداً من أولئك كلهم. فالسجون والمواقف تكتظ بجملة من الارهابيين والزناة والقتلة والسُرّاق والخاطفين والمتاجرين بالنساء والأطفال، والمخدرات والمهربين. لقد دعونا البرلمان العراقي المملوك لرؤساء كتلهم ان يجتهدوا بدلاً من اصدار قانون عفو غير مبرر، دعوناهم الى دعم المؤسسة الأمنية والقضائية في حسم قضايا أولئك الذين سقطوا غفلة في زحمة العنف اليومي وقذارة اساليب الارهابيين اللا اخلاقية في حرق الاخضر واليابس. ولكن اثنّي كما باقي العراقيين على حقيقة تورط برلمانيين في كل ذلك الجنون". (3)

مخاطر تمرير القانون؟
في البدء، أود التوكيد أننا مع العدالة، ولسنا ضد العفو عن الأبرياء الحقيقيين من الموقوفين، ولكن أن يصدر قانون بإيقاف التحقيقات عن الموقوفين المتهمين بجرائم الإرهاب والفساد، واعتبارهم جميعاً أبرياء، فهذا ضد القانون وضد العدالة، بل وضد مبدأ  "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". وبالتأكيد ليس كل المعتقلين مجرمين، إذ يحتمل أن يكون من بينهم أبرياء، ولكن كيف يمكن التمييز بين البريء والمذنب ما لم تجرى لهما محاكمة قانونية عادلة؟ إذنْ، غرض المطالبة بإلغاء التحقيق ومحاكمة المتهمين هو من أجل خلط المجرمين بالأبرياء ومعاملتهم كأبرياء دون المرور بمحاكمة عادلة، وبالتالي تضييع حقوق الضحايا وذويهم.

إن جميع الشرائع السماوية والوضعية تؤكد على العدالة، والعدالة تعني تطبيق القوانين الجيدة على المواطنين بدون أي تمييز. لذلك، وإذا ما تم التصويت على هذا المشروع السيئ وتحوَّل إلى قانون بصيغته الحالية، فهناك ثلاثة مخاطر نحذر المشرعين منها:
الأول، انهيار ثقة الشعب بأعضاء البرلمان، لأن في حالة تصويتهم على قانون جائر يعني أنهم غير مكترثين بحياة وأمن وسلامة المواطنين وأعراضهم وأموالهم، وهو بلا شك استهتار بدماء العراقيين التي صارت أرخص من ماء البحر.

ثانياً، هذا القانون يشجع الجناة على ارتكاب المزيد من الجرائم طالما هناك من يحميهم في السلطتين، التشريعية والتنفيذية،  بإصدار قانون العفو العام. وهنا نذكر من يهمهم الأمر بمبدأ الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم:"عفا الله عما سلف" حيث عفا حتى عن الذين تآمروا على قتله. أراد الزعيم بذلك أن يحقق سابقة تاريخية بنشر روح التسامح في مجتمع قبلي تشبع بروح الثأر والانتقام. ونحن نعرف ما حصل له وللعراق جراء هذه السياسة، فوفق هذا المبدأ ابتلى العراق بحكم البعث الفاشي الذي جلب له الدمار الشامل، ومازال الشعب يدفع تبعاته وتداعيات سقوطه. والحكمة تفيد (لا يلدغ العاقل من جحر مرتين). كذلك أثبتت التجربة العراقية وتجربة غوانتينامو أن نسبة كبيرة من المتهمين بجرائم الإرهاب والذين أطلق سراحهم لمختلف الأسباب، عادوا إلى الإرهاب ثانية. لذلك فلا أمان لهؤلاء إلا إذا أثبت القضاء براءة البعض منهم. وعلى كل من تلوثت يداه بدماء العراقيين الأبرياء أن يتلقى جزاءه العادل.

ثالثاً، والأخطر من كل ذلك ، إذا تم الإعفاء عن الإرهابيين القتلة، فمن المحتمل أن تنفجر الجماهير، وخاصة ذوي الضحايا، فيخالفون القانون السيئ ويقومون بالثأر والانتقام لضحاياهم بأنفسهم، وفي هذه الحالة ستحصل أعمال الانتقام بصورة عشوائية، خاصة في مجتمع تم فيه إحياء القيم والتقاليد والأعراف العشائرية والقبلية من قبل البعث المقبور... يعني سيتم حرق الأخضر بسعر اليابس، ويذهب البريء باسم المجرم.

من المفيد هنا أن نذكر السادة مشرعي القوانين بموقف القس مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة السود في أمريكا في الستينات، عندما دعا أتباعه إلى مخالفة القوانين السيئة، قائلاً: (يمكن للمرء أن يتساءل: "كيف يمكنك أن تدعو لمخالفة بعض القوانين وطاعة قوانين أخرى؟ الجواب هو أن هناك نوعان من القوانين: قوانين عادلة، وقوانين جائرة. وأنا أتفق مع القديس أوغسطين أن "القانون الجائر ليس قانونا على الإطلاق.")
 
ولهذه الأسباب مجتمعة، نطالب أعضاء السلطة التشريعية، وقيادات الكتل السياسية بعدم الاستهانة بدماء العراقيين، وأن يضعوا العدالة نصب أعينهم، وأن يفكروا في جميع الاحتمالات الكارثية التي يمكن أن تترتب على إصدار مثل هذا القانون الجائر، قبل الإقدام على التصويت عليه وتمريره. فالقانون الجائر يستفيد منه الإرهابيون الأشرار ومن يدافع عنهم، ويتضرر منه الأبرياء. فالقانون الجائر ليس قانوناً على الإطلاق، ولذلك من حق الجماهير مخالفته والثورة عليه.
ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com 
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي للكاتب:
أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26
ـــــــــــــــــــــ
المصادر
1- الهيئة القضائية تكشف تفاصيل تورط الهاشمي وحمايته بنشاطات ارهابية
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=22467
   
2- نائبة عن العراقية تصف قانون العفو بـ"السياسي" وتدعو إلى الإفراج عن الأبرياء
http://www.akhbaar.org/home/2012/9/135899.html

3- حسن حاتم المذكور: دم الضحايا على طاولة العفو العام
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=22385


152
بهنام أبو الصوف في ذمة الخلود

أنتقل إلى عالم الخلود في عمان/الأردن، يوم الأربعاء 19/9/2012، العالِم الآثاري الدكتور بهنام أبوالصوف عن عمر ناهز الثمانين سنة على أثر أزمة قلبية لم تمهله طويلاً. وهو واحد من أعلام العراق ورمزا للعالِم والباحث والاستاذ الجامعي المتفاني.

عرف الفقيد بحبه للعراق وتعلقه بتاريخه، لذلك نذر حياته في التخصص بتاريخ العراق القديم، دراسة وتخصصاً وبحثاً وتنقيباً، وإدارة للمتاحف، وأستاذاً في جامعاتها، ومؤلفاً للعديد من البحوث والكتب في تاريخ العراق القديم.

تفيد خلاصة سيرته الشخصية أنه ولد في مدينة الموصل، قرب جامع النبي جرجيس، عام 1931، وكان والده تاجرا يأتي بالأخشاب من إطراف ديار بكر وجزيرة ابن عمر حيث كان سكن العائلة الأصلي كما كان يتاجر بالأصواف.

أكمل دراسته الابتدائية، والمتوسطة والثانوية في الموصل، ودخل جامعة بغداد/ كلية الآداب/ قسم التاريخ - وتخرج متخصصا بالتاريخ القديم والآثار سنة 1955. وكان من أساتذته الذين تعلم على أيديهم الأستاذ طه باقر، والأستاذ فؤاد سفر، وهما من أثارا في نفسه حب التنقيب عن الآثار. وكذلك الدكتور صالح احمد العلي.

سافر إلى بريطانيا عام 1960 بمنحة دراسية في جامعة كمبريدج الإنكليزية الشهيرة، حيث حصل منها على درجة الدكتوراه بامتياز في موضوع "جذور الحضارة وعلم الأجناس البشرية"، عام 1966، وكانت أطروحته بعنوان: "أصالة عصور ما قبل التاريخ في العراق"، تناول فيها نواة الحضارات و(علم الإنسان: انسان العراق القديم). وكانت حضارة الوركاء هي العمود الفقري في منهجه واطروحته، لان عصر الوركاء يعد عصرا متميزا في ماضي العراق القديم وازدهار الحضارة الانسانية عموما.

عمل الراحل لسنوات عديدة في التنقيب عن الآثار في عدد من مواقع العراق الأثرية في وسط وشمال العراق، وكان مشرفا علميا على تنقيبات إنقاذية واسعة في حوضي سدي حمرين (في محافظة ديالى)، وأسكي الموصل على نهر دجلة في أواخر السبعينات وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، وكشف عن حضارة جديدة من مطلع العصر الحجري الحديث في وسط العراق في أواسط الستينات، بالتحديد في تل الصوان في سامراء حيث كشف عن بقايا قرية من العصر الحجري الحديث، تعود الى مطلع الألف السادس قبل الميلاد،، كما ادى عمله في موقع قاينج آغا قرب قلعة اربيل الى الكشف عن مستوطن واسع من عصر الوركاء، مع معبدين قائمين وسط حي سكني مقام على مسطبة من اللبن تشكل بدايات الزقورات (الابراج المدرجة) في وادي الرافدين.

وله مؤلفات عدة منها: فخاريات عصر الوركاء...أصوله وانتشاره (بالإنكليزية)، ظلال الوادي العريق (بالعربية)، العراق: وحدة الأرض والحضارة والإنسان (بالعربية)، قراءات في الآثار والحضارة، تاريخ من باطن الأرض.
اشرف على عدد كبير من الرسائل للدكتوراه  والماجستير  لطلبة العراق وعدد كبير من الطلبة العرب والأجانب،  
أسهم وأقام العديد من المؤتمرات  والحلقات الدراسية داخل وخارج العراق.


من المحزن أن صار موت العراقيين في الغربة بعيداً عن الأهل والوطن حدثاً مألوفاً. نرجو من حكومتنا أن تتكفل بنقل جثمان الفقيد إلى مدينة الموصل الحدباء حيث مسقط رأسه ليدفن فيها، كما نرجو من المؤسسات العلمية والثقافية العراقية منحه بما يستحقه من التقدير.
وبهذه المناسبة الأليمة، نقدم عزاءنا الحار لأسرة الفقيد، وأهله، وأصدقائه، وتلامذته، وكافة محبيه، داعين لهم بالصبر والسلوان، ولفقيدنا الذكر الطيب.

د. عبدالخالق حسين، كاتب سياسي، بريطانيا
أ. د. علي الشيخ حسين الساعدي - بروفسور قانون واقتصاد
أ.د. محمد الربيعي، بروفسور علم البايوتكنولوجي/جامعة دبلن
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المدونة الشخصية للراحل الدكتور بهنام أبو الصوف
http://www.abualsoof.com/


153
الفلم المسيء والرد الأسوأ

د.عبدالخالق حسين

المتوفر من اللقطات القصيرة من الفيلم المسيء للنبي محمد (ص) والإسلام والمسلمين، والذي يحمل اسم "براءة المسلمين"، كشف عن هزالة وغباء القائمين بإنتاجه وإخراجه وتمثيله، فهي لقطات مثيرة للقرف والاشمئزاز. وكذلك كشف الفيلم عن النوايا والأغراض السيئة من انتاج الفيلم، كما فضح هشاشة ردود الأفعال العنيفة من قبل الجماهير في البلاد العربية والإسلامية والتي أقل ما يقال عنها أنها أفعال انعكاسية reflex actions، وليست أفعال إرادية صادرة عن العقل والتفكير السليمين.

الفيلم هو من إنتاج ناس متطرفين محسوبين على الديانة المسيحية، كما تحسب منظمة القاعدة الإرهابية على الإسلام. والمعروف أن الديانة المسيحية مرت بمرحلة تبنت فيها العنف في مواجهة الخصوم بمن فيهم المفكرين من الفلاسفة الإصلاحيين، وأبشع مرحلة مرت بها المسيحية الأوربية هي مرحلة محاكم التفتيش، وبيع صكوك الغفران، والحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت عند نشوء المذهب الأخير في القرن السادس عشر. ولكن أوربا المسيحية تعلمت من كوارثها، وحروبها، وأخطائها، وخيباتها، ونجحت أخيراً في فصل الدين عن السياسة والدولة، واليوم الديانة المسيحية معروفة بتسامحها وسعيها للسلام على الأرض. والشعوب العربية والإسلامية تمر الآن بنفس المرحلة العنفية التي مرت بها أوربا قبل قرون، وكأنها مرحلة لا بد أن تمر بها الشعوب في تطورها للوصول إلى سن الرشد الحضاري.

والمؤسف أنه حتى في الدول المتحضرة، هناك حالات شاذة واستثناءات تطفح على السطح هنا وهناك بين حين وآخر من أعمال مسيئة تصدر من قبل أشخاص محسوبين على الديانة المسيحية رغم التقدم الحضاري في الغرب، مثل نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للنبي محمد في الدنيمارك قبل سنوات، وحرق القرآن على يد القس الأمريكي المتطرف تيري جونز، واليوم انتاج فيلم مسيء لمشاعر المسلمين.

يقابل هذا العنف عنف غير مبرر في الجانب الآخر (الإسلامي). وفي هذه الحالة، وكما عودنا المتطرفون الإسلاميون، أنهم يردون بعنف مضاعف وبشكل إنفعالي وغوغائي، وأعمال انتقامية منفلتة دون مبرر، يذهب ضحيتها أبرياء لا علاقة لهم بالأفعال المسيئة التي قام بها متطرفون في الغرب، وهذا مخالف لتعاليم الإسلام نفسه الذي يؤكد: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
 
وأول هذه الأفعال الإنعكاسية اللاعقلانية هو الهجوم المسلح على القنصلية الأمريكية في بنغازي/ليبيا، وقتل السفير الأمريكي، وثلاثة من زملائه، إضافة إلى تدمير القنصلية بإشعال الحرائق فيها. وتكررت المظاهرات المصحوبة بالعنف ضد سفارات أمريكا وبريطانيا وألمانيا في بلدان عربية وإسلامية عديدة ذهب ضحيتها العشرات وخاصة من بين المتظاهرين أنفسهم في صدامات مسلحة مع الشرطة.

إن ردود أفعال المسلمين قدمت خدمات لا تقدر لأعدائهم. ففي عام 1989 كانت حكاية رواية (الآيات الشيطانية) للروائي البريطاني من أصل هندي، سلمان رشدي، حيث انفجرت التظاهرات الاحتجاجية من قبل المسلمين في جميع أنحاء العالم، وأصدر الإمام الخميني فتوى بقتل المؤلف، الأمر الذي جعل من سلمان رشدي أشهر من نار على علم بعد أن كان كاتباً مغموراً لم يسمع به أحد، وصارت الناس في كل أنحاء العالم تتسابق على قراءة روايته. وهكذا بالنسبة لبقية الأفعال الأخرى المسيئة للمسلمين في الغرب. فهذه الأفعال اللاعقلانية ضد السفارات الأمريكية، والأوربية الأخرى، قدمت خدمة لا تقدر لهذا الفيلم الهابط البذيء، وبذلك نجح منتجو الفيلم في تسخير المسلمين أنفسهم لأغراضهم الإعلامية والدعاية للفيلم ومضمونه، فلو كانوا عارضوه بالوسائل الحضارية السلمية لكان أفضل لهم ولما سمع به أحد.

إن الأفعال السيئة وردود الأفعال الأسوأ، يقوم بها متطرفون من الجانبين لأنهم يعرفون بأنهم لا يملكون أسباب عقلانية مشروعة وسليمة لنشر دعوتهم وكسب الجماهير لهم، فيلجئون إلى أعمال مسيئة لمشاعر الجماهير من الطرف الآخر بقصد استفزازها، ودفع التطرف الآخر ليقوم بعمل مسيء مشابه أكثر تطرفاً، على أمل أن ينجح كل طرف في استقطاب جماهير بلاده لقضيته.

حجة التطرف الغربي هو وجود الإرهاب الذي تقوده المنظمات الإرهابية باسم الإسلام، وهي نتاج تعاليم الوهابية مثل القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان وباكستان وفروعها في العالم. والجدير بالذكر أن الأضرار التي ألحقتها هذه المنظمات الإرهابية بالبشرية ليس في البلدان الغربية فحسب، بل وأغلبها في البلدان الإسلامية، إذ تفيد دراسة أكاديمية أن نحو 80% من ضحايا إرهاب التطرف الإسلامي هم من المسلمين.

فالغرض الأساسي من هذا الفيلم، وغيره من الأعمال التي سبقته، هو إشعال الفتن الدينية والطائفية، والتي يأمل منها تأجيج مشاعر المسلمين الدينية ضد المسيحيين، وبالتالي رفد منظماتهم الإرهابية بالمزيد من الانتحاريين المستعجلين لدخول الجنة بأقصر طريق والزواج من حور العين. ولم استبعد أن يكون هناك جهة واحدة مشتركة وراء هذا التطرف في الجانبين، فتحرك كل طرف لإثارة الطرف الآخر ودفعه للقيام  بعنف معاكس.

والجدير بالذكر أن المتطرفين الإسلاميين يستخدمون المواطنين المسيحيين في بلدانهم الإسلامية كرهائن، فما أن يقوم متطرف في الغرب بعمل مسيء للمسلمين حتى وسارع الإسلاميون بالانتقام من مواطنيهم المسيحيين، والقيام بأعمال يندى لها الجبين مثل القتل وحرق الكنائس، وهم يعتبرون أعمالهم هذه شجاعة وبطولة وتضحيات في سبيل الإسلام، بينما في الحقيقة هي أعمال وحشية تدل على الجهل والجبن والتهور ومخالفة لتعاليم دينهم الذي يدعون الدفاع عنه.

إن الإعلان عن الفيلم المسيء، ونشر لقطات منه على الانترنت، والهجوم على السفارات الأمريكية في العالم، والذي دشنه متطرفون بالهجوم المسلح على القنصلية الأمريكية ببنغازي، وقتل السفير وزملائه، لم تكن عفوية ومحض صدفة، إذ كما قال مسؤولون أمريكيون لرويترز، إن ثمة مؤشرات إلى أن عناصر ميليشيا يطلق عليها "انصار الشريعة" قد خططت للهجوم منذ فترة، وأن وقوع كل هذه الأعمال في وقت واحد لدليل على أنها مدبرة بمنتهى الدقة، خاصة وقد جاءت متزامنة مع ذكرى جريمة 11 سبتمبر، فتم استغلال الفيلم كتبرير لهذا الهجوم.

قالوا أن وراء هذا الفيلم أقباط مصريون يقيمون في الخارج، وهذا افتراء، وحتى لو وجد شخص قبطي واحد أو أكثر في إنتاج هذا الفيلم فلا يجب أن نسحب هذه الجريمة على الأقباط في مصر أو أقباط الخارج، فهم أناس مسالمون، خاصة وقد أصدرت الكنيسة القبطية في مصر، وكذلك الجاليات القبطية في الغرب بيانات نددت فيها بإنتاج الفيلم عقب التقارير التي أشارت إلى أن بعض الأقباط في الولايات المتحدة شاركوا في تمويله.
لا شك أن الغرض من اتهام الأقباط بهذا الفيلم هو لإثارة الإسلاميين المتشددين في مصر ضد الأقباط الذين يشكلون أكثر من 10% من الشعب، خاصة وقد تعرضوا للعدوان على أيدي المتطرفين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مما أدى إلى هجرة الملايين منهم إلى الخارج طلباً للسلامة والكرامة. كذلك يعرِّض هذا الفيلم المسلمين في الغرب للانتقام من قبل المنظمات اليمينية الأوربية المتطرفة. لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: أية فائدة ترجى للأقباط أو المسيحيين في البلدان الإسلامية من هذا الفيلم المسيء؟ الغرض واضح وهو التأجيج والتأليب على الأقليات وإشعال الحرائق، ومنع الشعوب الإسلامية من التفرغ لحل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، وإبقائها متخلفة مبتلية بصراعات دينية وطائفية وعنصرية لا نهاية لها.

أما اتهام أمريكا بهذا الفيلم، فهو الآخر لم يصمد أمام أية مساجلة منطقية ومنصفة. فإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ومنذ يومها الأول، تبنت سياسة التصالح والتقارب "بحثاً عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي استنادا إلى الاحترام المتبادل". وقد دشن الرئيس أوباما حملته السلمية التصالحية مع العالم الإسلامي بخطابه المشهور في جامعة القاهرة، في 4 حزيران 2009. تبعت ذلك تعليمات من إدارة أوباما يمنع بموجبها الربط بين الإرهاب والإسلام. ولكن هناك ناس متطرفون من الجانبين لا يريدون السلام، وتحسين العلاقات بين الشعوب والحكومات، ولا يريدون إعلاء صوت العقل والاعتدال على صوت التطرف والتشدد والتزمت والعدوان.

لا شك أن أكبر إساءة وجهت للإسلام والمسلمين هي على أيدي المنظمات الإرهابية الوهابية التي أسستها ورعتها المملكة العربية السعودية. فهذه المنظمات تبرر عداءها لأمريكا بأن الأخيرة تدعم إسرائيل، بينما معظم جرائم القتل والعدوان حصلت في البلدان الإسلامية وبالأخص في العراق لقتل الشعب العراقي، ولم تقم هذه المنظمات بأية عملية ضد إسرائيل، أو لتحرير الجولان وغيرها من الأراضي العربية المغتصبة.
والجدير بالذكر أن السفير الأمريكي السابق لدى كوستاريكا، كورتين وينزر، أورد في بحث  له "على لسان اليكسي اليكسيف أثناء جلسة الاستماع أمام لجنة العدل التابعة لمجلس الشيوخ في 26 يونيو 2003م  بأن "السعودية أنفقت 87 بليون دولار خلال العقدين الماضيين لنشر الوهابية في العالم"، وأنه يعتقد أن مستوى التمويل قد ارتفع في العامين الماضيين نظرا لارتفاع أسعار النفط. ويجري وينزر مقارنة بين هذا المستوى من الإنفاق بما أنفقه الحزب الشيوعي السوفيتي لنشر أيديولوجيته في العالم بين 1921 و1991م حيث لم يتجاوز الـ 7 بليون دولار. ويلاحظ وينزر جهود نشر الوهابية في عدد من بلدان جنوب شرق آسيا، وأفريقيا والدول الغربية من خلال بناء المساجد والمدارس الدينية والمشروعات الخيرية واستقطاب الشباب العاطل والمهاجرين في هذه البلدان. وتقول هذه الدراسة إن خريجي المدارس الوهابية كانوا وراء الأعمال الإرهابية مثل تفجيرات لندن في يوليو 2005م واغتيال الفنان تيودور فان جوخ الهولندي عام 2004م." (1).

خلاصة القول، في الوقت الذي ندين فيه هذا الفيلم المسيء البائس والهابط في كل شيء، كذلك ندين ردود أفعال المسلمين ضد السفارات الغربية، لأنها كانت أبشع من الفعل، وخدمت الفيلم بالترويج له، وإظهار المسلمين بأنهم أناس همج سريعو الانفعال، تحركهم غرائزهم البدائية. كما واستغلت منظمات التطرف الإسلام السياسي هذا الفيلم لأغراض سياسية بتعبئة الجماهير العربية والإسلامية وشحنها بالحقد والعداء ضد الولايات المتحدة خاصة، والغرب عامة. فما يحتاجه العرب والمسلمون هو التخلص من التطرف، وإعمال العقل في مواجهة ما يسمى بصراع الحضارات والثقافات.

أضع في الهامش رابطاً لخطاب مفتي سوريا في البرلمان الأوربي الذي يدعو فيه إلى التقارب والتآلف بين الثقافات والأديان والمذاهب، وبين الشرق والغرب، فنحن بأمس الحاجة الآن إلى صوت العقل والاعتدال كصوت هذا المفتي، لا إلى التحريض وتهييج الجماهير ودفعها إلى حتفها بإشعال الفتن الدينية والطائفية.(2)

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26
ـــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1-  كورتين وينزر: السعودية والوهابية وانتشار الفاشية الدينية
http://www.aafaq.org/malafat.aspx?id_mlf=11

2- خطاب سماحة المفتي السوري في البرلمان الأوربي و كلمات ألهبت القاعة، فيديو يستحق المشاهدة
http://www.youtube.com/watch?v=1ZoQBnPSbxc


154
حول إغلاق النوادي الاجتماعية في بغداد

عبدالخالق حسين

أفادت وكالات الأنباء "أن قوات مسلحة يرتدي أفرادها زي الشرطة الاتحادية قد هاجمت في (4 أيلول 2012)، العديد من النوادي الاجتماعية في بغداد وقامت بالاعتداء على مرتاديها بالضرب وإطلاق الرصاص في الهواء لإخافتهم، فيما ذكر شاهد عيان أن أفراد الشرطة حاصروا العديد من رواد النوادي وانهالوا عليهم بالضرب المبرح."

ويذكر أن مجلس محافظة بغداد قام في (26 تشرين الثاني 2010) بإغلاق النوادي الليلية ومحال بيع المشروبات الكحولية في بغداد بحجة أنها لا تملك إجازة بممارسة المهنة. وكتبنا في وقتها خطاباً مفتوحاً للسيد رئيس الوزراء، طالبناه بالتدخل الشخصي لوقف تلك الممارسات التعسفية المناوئة لأبسط الحريات الشخصية وحقوق الإنسان(1). والجدير بالذكر أنه منذ سقوط حكم البعث ظهرت عصابات مسلحة فرضت أحكامها القرقوشية على الناس بالقوة بفرض الحجاب حتى على النساء غير المسلمات، ومنعوا الموسيقى والغناء، وأغلقوا محلات بيع الخمور، وفجروا عدداً منها كما وقتلوا العديد من أصحاب هذه المحلات. وكنا نأمل في وقتها أن هذه الأعمال الاجرامية ستزول بمجرد استعادة السلطة الجديدة نفوذها وتعمل على فرض القانون لحماية أرواح الناس وممتلاكاتهم وحقوقهم وحرياتهم. ولكن، وللأسف الشديد تكررت الممارسات نفسها، وفي عدد منها ليس من قبل المليشيات المنفلتة، بل وحتى من قبل القوات الأمنية المفترض بها حماية أمن الناس وحرياتهم الشخصية.

قد يستغرب البعض من موقفي الناقد للسلطة على هذه الممارسات، وخاصة من قبل المؤيدين لها لأسباب دينية وشخصية، وفق مبدأ: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، ولكن الذي أفهمه عن نصرة أخيك الظالم أن تنصحه بتجنب الظلم، لا أن تؤيده وتشجعه عليه. وآخرون من التطرف الآخر لم يرضيهم النقد الهادئ، إذ يريدونني أن أنضم إلى جوقة التأجيج والتأليب على السلطة، والصراخ بالويل والثبور وعظائم الأمور، أن هذه السلطة هي أسوأ من نظام صدام! فهؤلاء وأولئك لا يرون الأشياء إلا بالأسود والأبيض فقط.

ومما يؤاخذ على المسؤولين، أنه لا يوجد تنسيق بينهم عن هذه الحوادث المأساوية. فكل مسؤول يصرح بشكل مناقض لما صرح به زميله في المؤسسة الحكومية الأخرى، إذ ["قال رئيس لجنة التخطيط في مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "مجلس المحافظة والشرطة المحلية ليس لديهما علم بخطة الجهات الأمنية بمهاجمة النوادي الاجتماعية في الكرادة"، معتبراً أن "ذلك لا يرتقي إلى مستوى الدولة والمؤسسات والقانون والإنسانية ولا تقوم به إلا السلطات الدكتاتورية"] (2).

ولكن بعد يوم واحد فقط، وصلَنا عن طريق البريد الإلكتروني بيان منسوب إلى الناطق الرسمي لمكتب دولة رئيس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة، جاء فيه ما يلي:
((ان إجراءات غلق النوادي الاجتماعية والمطاعم الليلية في بغداد خلال الايام الماضية جاءت استنادا لأوامر قضائية واستجابة لشكاوي المواطنين المتضررين من تواجد الحانات والمطاعم والنوادي الليلية غير المرخصة في مناطق سكناھم وبما يتنافى مع التقاليد والأخلاق والقيم الاجتماعية السائدة وأصبح بقائها مثار قلق وإزعاج وتجاوز على الحريات العامة، والأجهزة الأمنية المسؤولة عن تطبيق القانون وحماية الامن نفذت الاوامر الصادرة من القضاء بمهنية وانضباط عالي، والمراجع العسكرية العليا تتابع باھتمام وتتقصى الحقيقة حول ما اثير في الاعلام عن حدوث تجاوزات خلال عملية الغلق وتؤكد ان ما روج من صور وافلام وتقارير مضللة عن الموضوع هي جزء من حملة مغرضة ومريبة تستهدف سمعة المؤسسة الامنية التي ستحاسب بشدة من تثبت ادانته في ھذا الأمر مؤكدة ان من يسيء الى المواطن لا يمثل قيم وتقاليد المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية التي تعتز بواجبها  في خدمة وحماية المواطن والدفاع عن الوطن، وعلى أصحاب المحال المشمولة بالغلق مراجعة هيئة السياحة لاستصدار إجازات ممارسة المهنة وفقا للقانون.)) والجدير بالذكر، وكما نشرت صحيفة المدى، أن مجلس القضاء الأعلى تبرأ من قرار غلق النوادي.

كذلك أعلن القيادي في المجلس الأعلى الاسلامي، ورجل الدين السيد صدر الدين القبانجي، خلال خطبة صلاة الجمعة (7/9/2012)، أن الإجراءات التي اتخذتها القوات الأمنية بحق النوادي الليلية في العاصمة بغداد تمثل موقفاً صحيحاً وينطلق من الدستور، داعيا إلى غلقها في جميع أنحاء البلاد وإحياء "سنة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر". (السومرية نيوز، 7/9/2012)(3)

كما وقرأنا تقريراً بعنوان: "الأوقاف النيابية تكشف عن مقترح قانون لمكافحة الخمور". ونتمنى أن لا يعني ذلك منع الخمور كما في السعودية وإيران والسودان، بل عدم تشجيع تناول الخمور عن طريق التثقيف والتحذير بمخاطرها. وسنأتي على هذه النقطة لاحقاً.

ومن كل ما تقدم، نعرف أنه تم إغلاق نوادي اجتماعية بشكل استفزازي مخالف للقوانين، وهذا العمل يعتبر إجراء تعسفياً ضد أبسط حقوق الإنسان والحريات الشخصية، إضافة إلى الفوضى في المواقف والتصريحات الرسمية، ودعوات من رجال الدين الذين لهم نفوذ في السلطة، مثل السيد القبانجي، بإغلاق النوادي في جميع أنحاء البلاد وإحياء "سنة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر"، أي تطبيق النظام السعودي والإيراني في العراق.

لا نعرف ما هي المبررات الحقيقية وراء هذه الحملة، مما يفسح المجال للتكهنات أن الدافع هو أيديولوجي ديني تحت غطاء أن بعض النوادي التي تم إغلاقها غير مرخصة، وان بعضها أثارت استياء السكان  فقدموا شكاوى إلى المسؤولين الأمنيين، وأن هذه الاجراءات جاءت استجابة لطلبات السكان! على أي حال، أن ردود الأفعال لم تكن في صالح الحكومة ولا للبلاد. فلا شك أن هذه السياسة تقود البلاد إلى الهاوية، وتلحق أشد الأضرار بالعراق وشعبه ومستقبله، لا لأن مستقبل العراق يعتمد على النوادي والملاهي والخمور، بل لأن هذه الاجراءات التعسفية تعطي الذخيرة الحية لأعداء العراق الجديد للتصيد بالماء العكر. فالحكومة العراقية، وبالأخص رئيسها السيد نوري المالكي لا ينقصهما أعداء. فأعداء المالكي كثيرون في الداخل والخارج، يتربصون به الدوائر ويستغلون كل صغيرة وكبيرة لشن حملات التأليب والتشويه ضده، بل وحتى اختلاق المزيد منها وتحويلها إلى مواد صحفية دسمة للنيل منه ومن حكومته وكتلته، بل وحتى من الطائفة التي ينتمي إليها. فكثيراً ما نسمع أن الشيعة كانوا مظلومين في عهد حكم البعث الصدامي، ولكن بعد أن تخلصوا من البعث وشاركوا في السلطة تحولوا إلى ظالمين، وأنهم فشلوا في الحكم!!
فالسيد المالكي ومساعدوه وحزبه وكتلته (التحالف الوطني) يعرفون جيداً أن لهم أعداء شرسون يتمتعون بالخبرة الواسعة في التضليل، ويمتلكون وسائل إعلام مؤثرة في استغلال الفرص للنيل منهم. وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعضاً من هذه الأقلام:
كتب السيد عدنان حسين  في صحيفة (المدى) مقالاً بعنوان: (أسوأ من نظام صدام)، جاء فيه:
"حكومة السيد نوري المالكي زعيم حزب الدعوة الإسلامية وائتلاف "دولة القانون" تُثبت من جديد انها حكومة سيئة للغاية، تفوق نظام صدام حسين في السوء، فالنظام الساقط منذ نحو عشر سنوات لم يتجرأ على التجاوز بهذا القدر من الصلافة على الحريات الشخصية."
ففي رأي السيد عدنان حسين، النظام الحالي أسوأ من نظام صدام لأن صدام لم يغلق نوادي ليلية، ولكننا نعرف أنه أغلق الحسينيات، ونشر المقابر الجماعية في طول البلاد وعرضها، وتسبب في قتل نحو مليونين عراقي، وتشريد نحو 4 ملايين عراقي إلى الشتات، وهجَّر مليون من الشيعة العرب والكرد الفيلية بتهمة التبعية لإيران، وأهلك الزرع والضرع، ودمر الاقتصاد العراقي حيث صارت قيمة  الدينار العراقي لا تساوي قيمة الورقة التي طبع عليها...الخ، فهذه الجرائم دون غلق عدد من النوادي في رأيي كاتب المدى، ولذلك فالنظام الحالي أسوأ من نظام صدام!!

وليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل ادعى زميل له في نفس الصحيفة أن مدير مكتب المالكي قال "لا مكان للمسيحيين في العراق" جاء فيه: " إذنْ ليس علينا إلا أن نسمع و نطيع، فقد تصور الفريق فاروق الاعرجي مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة، أن اهالي بغداد مجموعة من السبايا والعبيد في مملكته، ليس مطلوبا منهم سوى الاستماع إلى تعليماته و تنفيذ ما يأمر به، و أن يقولوا له بصوت واحد: سمعاً و طاعة يا مولانا.. أعطنا يدك لنقبلها".

كما واستعار البعض مجموعة من صور لكنيسة في الكرادة احتلها الإرهابيون ودمروا اثاثها ومحتوياتها قبل سنوات، فقاموا الآن بتوزيعها بالبريد الإلكتروني بعنوان: (المالكي يأمر بإرهاب عوائل وأطفال ألمسيحيين بغية تهجيرهم من وطنهم الاصلي)، والإدعاء بأن تدمير الكنيسة حصل حديثاً من قبل رجال المالكي لإجبار المسيحيين على الهجرة.

وبناءً على هذه التداعيات وغيرها كثير، نرى أن قرار غلق النوادي والملاهي ومحلات بيع الخمور كان تعسفياً وغير مدروس، وقد أحرج موقف الذين يدعمون العملية السياسية، ويسعون لدعم الديمقراطية وإنجاحها، وأعطوا ذرائع لأعداء الديمقراطية للتأليب على السطة وابتزازها. فهل انتهت الحكومة من كل مشاكل العراق مثل الإرهاب البعثي- الوهابي، ووفرت الخدمات للشعب كي تتوجه الآن إلى قضية النوادي؟ وهل غلق النوادي له أولوية على الإرهاب، وهل رواد النوادي يشكلون تهديداً على الأمن الوطني؟
لهذه الأسباب نعتقد أنه كان على الذين اتخذوا هذا القرار أن يستشيروا المختصين في علم الاجتماع وعلم النفس، والتربويين وغيرهم من أصحاب الخبرة في هذا المجال وتدارسه، وإذا كانت هناك نواد غير مجازة كان يجب إنذارها مباشرة وفي الصحف قبل الإقدام على أخذ هذا الاجراء. فنحن نعيش في عصر العلم ولسنا في العصور الغابرة، ولا يمكن استعارة حلول من الأزمنة الغابرة لمواجهة مشاكل القرن الحادي والعشرين، إضافة إلى كون العراق الآن يحكمه نظام ديمقراطي المفترض به أن يحترم حق التنوع في كيفية ممارسة الناس لحياتهم، وحقهم في الاختلاف.

إن النوادي والملاهي والمقاهي والمسارح وغيرها، لها وظائف اجتماعية ترفيهية يلجأ إليها الناس بعد عناء العمل للترويح عن النفس وتخفيف المتاعب، ليقضوا ساعات ممتعة مع أصدقائهم وزملاءهم، وهي صمام أمان لتخفيف الضغوط النفسية التي إن تركت تتراكم ستتحول إلى أمراض وعقد نفسية. ففي الدول المتحضرة تقدم المسارح والتلفزيونات مسلسلات فكاهية حيث يقف فنان كوميدي على المسرح يضحك الناس لساعة أو أكثر، وهذه البرامج تعتبر علاجاً نفسياً للناس.

أما الخمور، فرغم أني لست من مشجعيها لما لها من أضرار صحية واجتماعية، ولكني قطعاً ضد منعها بقوانين صارمة لأن كل ممنوع متبوع، حيث أثبتت البحوث أن استهلاك الخمور في الدول التي فرضت المنع أكثر مما في الدول التي تسمح بتناولها. وفي هذا الخصوص كتب الأستاذ الدكتور حسين رستم، المختص في الأمراض النفسية: "هناك حلان لمعالجة اضرار المشروبات الكحولية، الاول هو منع انتجاها وبيعها واستهلاكها  باسم الدين او القانون. والثاني، السيطرة على انتاجها وبيعها واستهلاكها للحد من ضررها. الحل الاول ثبت فشله، و دول الخليج، وخاصة السعودية دليل على ذلك. في دول الخليج المنع العلني يرافقه استهلاك سرّي اكبر من الاستهلاك العلني في بلد مثل لبنان، وما علينا إلا الاخذ بالحل الثاني."

لذلك، فأفضل طريقة لمعالجة أضرار الخمور هي عن طريق التثقيف ورفع أسعارها، والتحذير من مخاطرها. أما الطريقة التي تريد الأوقاف النيابية فرضها لمكافحة الخمور فهي طريقة فاشلة ونتائجها وخيمة وعلى الضد مما يتوخون منها. ففي حالة المنع القسري يلجأ الناس إلى التهريب، وإلى صناعة الخمور في البيوت، وحتى إلى تناول بعض المواد السامة مثل القولونيا وغيرها بغية السكر، إذ نسمع بين حين وآخر عن حوادث مؤسفة بموت العشرات في باكستان أو السعودية وغيرهما من الدول التي منعت الخمور. كذلك تفيد التقارير أن أكبر نسبة من المدمنين على المخدرات هي في إيران الإسلامية وليس في تركيا العلمانية التي تبيح بيع الخمور.

وبالعودة إلى إغلاق النوادي، نقول، لا نتوقع من رجل دين مثل السيد صدرالدين القبانجي أن يدافع عن النوادي والملاهي ويتخذ موقفاً متساهلاً من الخمور، فمسؤوليته الدينية لا تسمح له بذلك، ولكن من الجانب الآخر، نقول إنما الدين النصيحة، ولا إكراه في الدين، وفي هذه الحالة، فدور رجل الدين ينحصر في تقديم النصيحة وليس فرض آرائه بالقوة، وما على الرسول إلا البلاغ. فالحياة ليست فقط عبادة ولطم وعزاء ومناحات وبكاء على كوارث ومظالم حصلت في الأزمنة الغابرة، إذ قال الله تعالى: "ولا تنس نصيبك من الدنيا".

أما موقف الإسلاميين المعادي للموسيقى والغناء والمرح والضحك والترفيه، فهو الآخر مدمر للإنسان والمجتمع. لذلك، اعتقد جازماً أن لهذا الموقف المتزمت دوراً كبيراً في تخلف العرب والمسلمين، وتفشي الأمراض النفسية والعنف في مجتمعاتهم. إذ هناك بحوث علمية تفيد أن الموسيقى تزيد من ذكاء الإنسان بنسبة 40%. فالموسيقى غذاء للروح وتهذيب للنفوس، بل وتفيد حتى في علاج العديد من الأمراض النفسية والتوترات العصبية. قال نيتشة في هذا الخصوص: "لولا الموسيقى لكانت الحياة ضربا من الخطأ"، وعن حاجة الإنسان إلى المرح والضحك قال: "في كل انسان حقيقي يختبئ طفل صغير يبحث عن المرح".

إن مشكلة حملة الأيديولوجيات الشمولية أنهم إذا ما جاؤوا إلى السلطة يريدون قولبة المجتمع وفق أيديولوجيتهم بالقوة، ويعاملون شعوبهم كأطفال قاصرين، يفرضون عليهم طريقة حياتهم وتفكيرهم، وماذا يلبسون ويأكلون ويشربون. وهذا خطأ. نؤكد لهؤلاء أنه لا يمكن إيقاف الحضارة فهي كالقدر المكتوب وأي شعب لا يتقدم ينقرض، فالحضارة حتمية وتسحق بعجلاتها الثقيلة كل من يقف سداً مانعاً بوجهها.
فكما يختلف البشر بأشكالهم، كذلك يختلفون في آرائهم وأفكارهم وطريقة حياتهم. وقد أكد الله تعالى هذه الحقيقة في الآية: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"(هود/118). ألم يقل النبي محمد (ص): "إختلاف أمتي رحمة"؟

لذلك، نذكر السادة المسؤولين أن لكل مشكلة حل خاص بها، ولا يمكن تطبيق نفس الحل بالقسر والإكراه على كل القضايا. يقول السايكولوجست الأمريكي أبراهام ماسلو: "إذا كانت المطرقة هي آلتك الوحيدة، فتعامل كل شيء كمسمار." يبدو أن المسؤولين في بغداد طريقتهم الوحيدة لمواجهة المشاكل هي إغلاق النوادي الاجتماعية ومحلات بيع الخمور ومنع الموسيقى والغناء. والسؤال الذي نود طرحه على المسؤولين هو: من الأكثر خطراً على أمن وسلامة الناس، الإرهابيون أم النوادي الاجتماعية؟ بالطبع الإرهابيون. لذلك كان على رجال الأمن توفير طاقاتهم لمحاربة الإرهاب بدلاً من إشغال أنفسهم بملاحقة ناس مسالمين يبحثون عن ساعات قليلة من المتعة والترويح عن النفس.

ومن كل ما تقدم نستنتج أنه من الخطأ إغلاق النوادي ومحلات بيع الخمور، ومحاربة الفنون الجميلة وفرض الحجاب وغيره بالقوة على الناس، خاصة في بلد ديمقراطي، شعبه يتكون من عدة مكونات دينية. فليس من حق أية مكونة فرض إرادتها وطقوسها الدينية وأسلوب حياتها على المكونات الأخرى، فالخمور ليست محرمة في المسيحية وغيرها. كذلك، هناك شريحة واسعة من المسلمين غير متدينين يشربون الخمر، ومنعهم بالقوة يعتبر تجاوزاً على حقوق الإنسان، إضافة إلى أنه يتسبب بنتائج عكس المراد منه، وتخلق السلطة لنفسها المزيد من الأعداء بدون مبرر معقول.
لذلك ننصح المسؤولين بعدم اتخاذ مثل هذه الاجراءات التعسفية لأن نتائجها ستكون وبالاً عليهم وعلى الشعب.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
http://www.ahewar.org/m.asp?i=26  أرشيف الكاتب على موقع الحوار المتمدن:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش:
1- عبدالخالق حسين: خطاب مفتوح إلى دولة رئيس الوزراء
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=424

2- بغداد تنفي علمها بخطة مهاجمة النوادي الاجتماعية وتحذر من هجرة الأقليات إلى الخارج
http://www.akhbaar.org/home/2012/9/135127.html

3- الأوقاف النيابية تكشف عن مقترح قانون لمكافحة الخمور
http://www.akhbaar.org/home/2012/9/135086.html

4- القبانجي يدعو إلى غلق النوادي الليلية وإحياء "سنة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر"
http://www.akhbaar.org/home/2012/9/135176.html

5- أ.د. حسين رستم: المشروبات الكحولية وأضرارها
http://www.akhbaar.org/home/2012/9/135210.html




155
في مواجهة حرب الإشاعات

عبدالخالق حسين

يواجه العراق، ومنذ تحريره من حكم البعث الفاشي، مخاطر كثيرة وجسيمة، أهمها: الإرهاب، والفساد، وحرب الإشاعات. كتب الكثير عن الأول والثاني، أما الثالث، حرب الإشاعات، فكتب القليل عنه. لذلك أود في هذه المداخلة التركيز على هذا الخطر الداهم الذي ساهم في تشويش وبلبلة عقول وضمائر شريحة واسعة من الناس، بمن فيهم أناس كانوا ومازالوا من ألد خصوم البعث.

الإشاعة سلاح ماض وخطير له دوره الفعال في مواجهة الخصم وتشويه صورته وإنهائه سياسياً واجتماعياً. والمعروف أن ذهنية المجتمع العراقي خصبة ومهيأة لتصديق الإشاعات، ومهما كانت غير معقولة. وما يجعل سوق الإشاعة رائجة هو انقسام الشعب العراقي على نفسه إلى مكونات دينية وطائفية وعرقية متصارعة، إضافة إلى كيانات سياسية متنافسة على السلطة والنفوذ والمال. وقد أثبت الواقع بعد أن سقطت سلطة القمع، ومعها سقطت ورقة التوت عن عورات المجتمع العراقي، تبين أن هذه المكونات هي متعادية فيما بينها، لذلك فكل جماعة عندها الاستعداد والأذن الصاغية لتصديق أية إشاعة ومهما كانت بذيئة وغير معقولة ضد الخصم والترويج لها. وإذا ما احترم الإنسان عقله وتصدى للإشاعة ونبه الآخرين عن زيفها ومخاطرها، فسرعان ما توجه له تهمة العمالة لهذه الجهة أو تلك ما لم يسبح مع التيار والمساهمة في ترويج الإشاعة.

ليس هناك أكثر خبرة من البعثيين في صناعة الإشاعة ونشرها على أوسع نطاق، فمنذ تأسيس حزبهم وخاصة خلال الستينات أيام حكم الأخوين عارف، وهم خارج السلطة، كانوا نشطين في هذه الصناعة. وخلال 35 سنة من استحواذهم على السلطة، أرسلوا آلاف البعثات الدراسية للغرب وبالأخص لألمانيا الشرقية في التخصص في الإعلام والتجسس والتدرب على التعذيب والحرب النفسية، والتفنن بتلفيق الإشاعات للسيطرة على عقول الناس، وإثارة الصراعات بين خصومهم (فرق تسد)، لإضعاف المجتمع  وإخضاعه لحكم البعث. وفي عهدنا هذا استفادوا كثيراً من تقنية نقل المعلومات مثل الانترنت والبريد الإلكتروني والفضائيات، وبرامج الكومبيوتر للتلفيق وتزوير الوثائق والتلاعب بعقول الناس.

الخبرة الأخرى التي امتلكوها هي، معرفتهم للعزف على الوتر الحساس لكل مكونة من مكونات المجتمع، واللغة التي يمكن أن تؤثر في كل منها. فإذا كانت الإشاعة موجهة للعرب السنة ضد الشيعة، يستخدمون تعابير مثل: "الصفيون"، و"الفرس المجوس"، و"عملاء إيران"، والنفوذ الإيراني،...الخ، أما إذا كانت الإشاعة موجهة لمخاطبة الشيعة لإثارة فئة ضد أخرى، أو ضد زعيم سياسي شيعي، وفي أكثر الحالات يكون السيد نوري المالكي هو المستهدف، فهنا يستخدمون عبارات من القاموس الشيعي، مثل أسماء بعض المرجعيات الشيعية لتتبعها عبارة "قدس الله سره"...الخ، واختيار أسماء خاصة بالشيعة لكاتب الإشاعة أو صاحب التصريحات المزيفة التي يراد تمريرها. المهم في هذه الحالة اعتماد كل الوسائل لإقناع المتلقي بصحة الإشاعة.

وعلى سبيل مثال لا الحصر، استلمنا قبل أيام تقريراً بعنوان: "السيستاني يكشف عن وصيته: الحكيم يصلي على جنازتي.. وأمنعوا المالكي وأعضاء حكومته من السير فيه". نجتزئ بعض الجمل من هذه "الوصية" التي زعم كاتبها أنها وصية المرجع الشيعي المعروف، آية الله السيد علي السيستاني.
يبدأ التقرير: " بغداد/ المستقبل نيوز: ذكر السيد باقر العلوي وكيل المرجع الشيعي الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني في نيوزيلندا ان "سماحة المرجع الأعلى كتب في وصيته لذويه ان يدفن كما دفنت جدته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) دون ضجة"، وأضاف خلال خطبة مناسبة الليلة الثالثة من ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في مسجد وحسينية الإمام المنتظر في مدينة أوكلاند، ان "سماحته أوصى بأن يصلي عليه صلاة الجنازة سماحة المرجع الديني الكبير السيد محمد سعيد الحكيم".
الملاحظ هنا اسم وكالة الأنباء (مستقبل نيوز)، ولم اسمع بهذه الوكالة من قبل، وإن وجدت فهي واحدة  من عشرات "الوكالات البعثية" التي هي مجرد أسماء وهمية لهذا الغرض. الثاني، اختيار اسم "السيد باقر العلوي"، والإدعاء أنه وكيل السيد السيستاني، ليس في النجف الأشرف، ولا كربلاء، ولا في أية مدينة عراقية، بل في نهاية العالم، في نيوزيلندا. وإذا كان السيد السيستاني حقاً قد كتب هذه الوصية، فلماذا لم يسلمها لأحد وكلائه المقربين منه في العراق، ولماذا يرسلها إلى وكيل لم يسمع به أحد مقيم في نيوزيلندا؟

جملة أخرى جديرة بالتأمل: "وأضاف خلال خطبة مناسبة الليلة الثالثة من ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في مسجد وحسينية الإمام المنتظر في مدينة أوكلاند،...". هل حقاً هناك حسينية وبهذا الاسم في مدينة أوكلاند؟ وأي قارئ يريد أن يتحقق من ذلك؟

المهم هنا هو التركيز على اسم الشخص المستهدف من هذه "الوصية"وهو السيد نوري المالكي، فيقول: [وبيَّن وكيل المرجع إن "السيد السيستاني أشار في وصيته الى جملة من الأمور منها رفضه سير رئيس وأعضاء حكومة المالكي خلف جنازته،.."]. لماذا؟ فيوضح قائلاً: " وذكر السيد باقر العلوي إن "المرجع الأعلى ممتعض جداً من فشل المالكي وعلى مدار أكثر من ست سنوات من تحقيق أي منجز يذكر للشعب العراقي". فالبعثيون يبكون دماً على الشعب العراقي! وقال العلوي ان "المالكي يمتاز بالمكر والخديعة والقدرة على التفرقة بين الآخرين".] وهذا هو بيت القصيد من هذه الإشاعة.

والجدير بالذكر، أني استلمت هذه "الوصية" من كاتب يدعي الموضوعية، واليسارية، ومحاربة حكومة المحاصصة الطائفية والفساد، وكان قد عاتبني مرة وبمرارة، بل وكتب مقالاً ينتقدني دون أن يذكر اسمي، لأني كتبت ضد طارق الهاشمي، وقال أنه كان عليَّ أن أكون منصفاً، وأن لا أتخذ هذا الموقف من الهاشمي قبل إدانته قضائياً!! فالمتهم بريء حتى تثبت إدتانته!. نسي صاحبنا الموضوعي هذا، أن الهاشمي هو الذي أدان نفسه بهروبه من وجه العدالة، واللجوء إلى أسياده في قطر والسعودية وتركيا، فلو كان بريئاً حقاً من التهم الموجهة له، لصمد واستقال من منصبه، وواجه القضاء وأثبت براءته، تماماً كما فعل الدكتور فلاح السوداني، وزير التجارة السابق. ولكن هذا الكاتب الموضوعي لم يتردد بتوزيع إشاعات البعثيين التافهة التي لا يمكن أن يصدقها أي عاقل.

على أي حال، تبين أن هذه "الوصية" قديمة، كانت متداولة منذ نهاية العام الماضي، وكان مكتب السيد السيستاني قد أصدر بياناً جاء فيه: "نفى مكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني أمس صحة ما تداولته مواقع اخبارية بشأن وصية السيستاني، معرباً عن اسفه لنشر تلك المعلومات نقلاً عن شخص زعم انه وكيل المرجعية في نيوزيلندا." وأضاف "ان هذا الخبر مفبرك جملة وتفصيلا ولا يوجد لسماحته وكيل في نيوزلندا في الاسم المذكور ".المصدر:الصباح.(1)

إشاعة الأخرى قيد التداول هذه الأيام بعنوان: "هكذا باع نوري المالكى سيارة الملك غازى وقبض ثمنها 8 مليون دولار". وقد أخبرني صديق وهو ضد المالكي، أن سيارة الملك غازي استحوذ عليها عدي صدام حسين في التسعينات، وباعها. وهكذا راح هؤلاء يستعيرون جرائم أسيادهم وينسبونها للمالكي.

طبعاً، هذا غيض من فيض من موجة الإشاعات، إذ كما صرح أحد النواب، أنهم واجهوا نحو عشرين إشاعة خلال عيد الفطر هذا العام.

على أن الإشاعات ليست مقتصرة على البعثيين فقط، إذ هناك من يحاول منافستهم في هذا المضمار. فقد عودتنا صحيفة المدى، لصاحبها فخري كريم بإشاعات من الوزن الثقيل ضد الحكومة، ورئيسها تحديداً. وقد أشرنا إلى موضوع إرسال إستبعاد الشيعة من بعثة الطيارين للتدريب في أمريكا..الخ، الخبر الذي نفاه آمر القوة الجوية، ولكن الصحيفة لم تتوقف عن هذا السلوك، فنشرت بعد أيام خبراً آخر بعنوان: (منع غير المحجبات من دخول الكاظمية يثير استغراب الأهـــالـي ويــزعــج التــجــار)، جاء فيه: "أعلنت الحكومة المركزية والمحلية منع دخول النساء السافرات في عموم مدينة الكاظمية تلبية لطلب احد القادة الأمنيين الذي كان قد حضر مجلس عزاء بمدينة الكاظمية واثناء تجواله بالمدينة شاهد امرأة غير محجبة فطلب منع دخول غير المحجبات إلى عموم مدينة الكاظمية... وطالب باستحداث شرطة اطلق عليها اسم شرطة الآداب". وعند صدور مثل هذه الإشاعة لا بد وأن تتبعها ردود أفعال بين إدانة وتأييد، وإثارة الرأي العام وتضليله وإشغاله بمثل هذه الأمور.
هذا الخبر، هو الآخر تبين أنه مفبرك، حيث نفته وزارة الداخلية جملة وتفصيلاً، إذ كما جاء في السومرية نيوز: (الداخلية تنفي منع دخول النساء "غير المحجبات" إلى مدينة الكاظمية)، ورد فيه: "نفت وزارة الداخلية العراقية، الأربعاء، (29/8/2012) الأنباء التي تحدثت عن منعها النساء غير المحجبات (السافرات) والشباب الذين يرتدون ملابس الموضة والقصيرة من الدخول إلى مدينة الكاظمية، وفي حين أكدت أن ذلك يدخل ضمن الحريات الشخصية، أشارت إلى أنها لا تضم في تشكيلاتها شرطة الآداب".

والسؤال هنا: ما الغاية من نشر هذه الإشاعات والأخبار الكاذبة، ومن المستفيد منها؟ الغاية واضحة، وهي التصيد بالماء العكر لإفشال العملية السياسية والديمقراطية بغطاء الدفاع عن الديمقراطية "الحقيقية". والديمقراطية الحقيقة في رأي هؤلاء هي أن تكون حسب مقاسات البعثيين، ومقاسات صاحب المدى، وليس حسب ما تفرزه صناديق الاقتراع. وحجتهم أن رئيس الوزراء هو من حزب الدعوة، أي إسلامي، وأن الإسلاميين لا يمكن أن يكونوا ديمقراطيين، ويرددون مقولة (فاقد الشيء لا يعطيه). ولا أدري متى كان البعثيون وحلفاؤهم، ومن لف لفهم، كانوا ديمقراطيين حقيقيين؟
كما ونود أن نؤكد لهؤلاء السادة "الديمقراطيين الحقيقيين" أن الدولة الديمقراطية لا يمكن بناؤها على الإشاعات وتلفيق الأخبار الكاذبة. فهذه الحملة ليست نزيهة، ودليل على أن المستهدف منها هو على حق، لذلك يلجأ خصومه إلى التلفيق ومحاربة الحقيقة. وهم على خطأ، لأن ما بني على باطل فهو باطل، ودليل على الإفلاس الفكري والسياسي والأخلاقي.

والجدير بالذكر، فيما يخص صحيفة المدى، أن نشرت قبل أسابيع (Middle East On line) مقالاً لأستاذ في جامعة إنديانا/بنسلفانيا، بعنوان: (Can Maliki Survive Washington’s Designs?)(2)، استشهد الكاتب بخبر نقلته صحيفة المدى، مفاده أن أمريكا مازالت تتمتع بنفوذ في العراق. وليعطي الكاتب دلالة للخبر، وصف الصحيفة بأنها مقربة من واشنطن:
(the Iraqi newspaper, al Mada which is closely connected to Washington). وأنا لست ضد التقارب من أمريكا، بل أدعو الحكومة العراقية إلى بناء علاقة استراتيجية حميمة مع أمريكا، فلأمريكا الفضل في خلاص الشعب العراقي من أبشع نظام دكتاتوري فاشي عرفه التاريخ، وبدون الدعم الأمريكي لا يمكن للعراق أن يتخلص من مشاكله مع الإرهاب ودول الجوار التي تريد له الشر، ولكن أن يأتي صاحب (المدى) الذي كان حتى وقت قريب قيادياً في الحزب الشيوعي العراقي الذي اعتبر معاداة أمريكا والغرب و"الرأسمالية المتوحشة" جزءً مهماً من أيديولوجيته، وشرطاً أساسياً من شروط الوطنية، يوصف اليوم بأنه مقرب من واشنطن، هذه مسألة مثيرة للحيرة والتساؤل. وهنا نود أن نذكِّر أحد كتاب المدى الذي تهجم علينا قبل أيام في مقال بائس، قائلاً: " يبدو أن منظّر دولة القانون السيد عبد الخالق حسين نسي القراءة بالعربية جيدا، او ان ثقافته الانكليزية التي ظلت تراوح بين ادعاء الماركسية والتغزل بالرأسمالية،...ألخ". ندعوه ليعرف أن ولي نعمته الذي كان يدعي الماركسية، هو الآن يتغزل بالرأسمالية ويتقرب من أمريكا.

خلاصة القول، أن العراق الجديد يواجه هجمة ضارية من الشباطيين، القدامى والجدد، في تضليل الناس بنشر الإشاعات، والأخبار المفبركة، القصد منها إرباك القيادة السياسية، وتضليل الناس، وخدعهم لإفشال العملية الديمقراطية، وتمهيد الطريق لعودة حكم البعث الفاشي. وحسناً فعل مكتب آية الله السيد السيستاني بالرد السريع وتكذيب الإشاعة عن الوصية المزعومة. لذلك نقترح على من يهمه الأمر، وخاص مكتب رئاسة الحكومة، تشكيل لجنة من الإعلاميين مهمتها ترصد الإشاعات والأخبار الكاذبة، والتصدي لها وفضحها وهي في المهد، وملاحقة صناعها ومقاضاتهم لحماية الرأي العام من التضليل.

لا شك أن مواجهة الخرافة والإشاعة عملية صعبة، لأن السباحة عكس التيار أصعب من السباحة مع التيار، ولكن يجب أن لا تثنينا هذه الصعوبات عن أداء واجبنا الوطني وإرضاء ضميرنا، إذ كما قال جورج أورويل: "قول الصدق في زمن الخديعة عمل ثوري".

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
أرشيف الكاتب على الحوار المتمدن: http://www.ahewar.org/m.asp?i=26
ــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- مكتب السيستاني ينفي صحة معلومات بشأن وصية المرجع الأعلى
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=89031

2- Middle East Online::Can Maliki Survive Washington's Designs?
http://www.middle-east-online.com/english/?id=50432


156
انفصام بعض السياسيين العراقيين عن الواقع

عبدالخالق حسين

لكي أتجنب التعميم، أقول أن بعض السياسيين العراقيين، وليس كلهم، يعانون من الانفصام عن الواقع العراقي، فمازالوا يبحثون عن الفخفخة والأبهة على حساب معاناة الجماهير. ولتحقيق أغراضهم هذه راحوا يطلقون تصريحات ودعوات الغرض منها الظهور في الإعلام. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قرأت على مواقع الانترنت خبراً مفاده أن الأمين العام للكتلة البيضاء، السيد جمال البطيخ، طالب وفد العراق في قمة عدم الانحياز الى دعوة القمة لاستضافة العراق لدورتها المقبلة". وأضاف:"أن استضافة العراق لاجتماعات القمة العربية ومن ثم اجتماعات 5+1 خير دليل على قدرته لاستضافة اعمال قمة عدم الانحياز المقبلة" ، مشدداً على " ضرورة ان يكون العراق المستضيف القادم للدورة المقبلة".(1)

يبدو أن السيد النائب، جمال البطيخ منفصل تماماً عن الواقع العراقي المؤلم، ولا يحس بآلام الملايين من الفقراء والأرامل واليتامى والمعوقين الذين هم نتاج حروب البعث العبثية أيام حكمه الجائر، وأعمال فلوله الإرهابية بعد سقوطه. فمن قراءة تعليقات القراء على هذا البيان العتيد، يعرف كل ذي عقل سليم، أن السيد البطيخ غير مهتم بآلام وآمال هذه الشريحة الواسعة من العراقيين الذين هم أولى بالمال العراقي من صرفه على المؤتمرات الدولية. كما نعرف من تعليقات القراء أيضاً، أن الجماهير هم أكثر وعياً واهتماماً ومعرفة بالأولويات من السياسيين الذين يمثلونهم في البرلمان. فجميع التعليقات التي قرأتها على موقع عراق القانون مثلاً، تسخر من السيد النائب جمال البطيخ على اقتراحه، عدا تعليق واحد، قائلاً: (اقتراح رائع)، وعلى الأغلب أراد به التهكم. فهل انتهت مشاكل العراق المهمة التي مازالت تهدد وجوده كدولة، لكي تصرف المليارات من أموال الشعب على مؤتمرات لا تسمن ولا تغني من جوع؟

فالقمة العربية كلفت الخزينة العراقية نحو مليار دولار، إضافة إلى إشغال الأجهزة الأمنية بأمن وحراسة الضيوف، وتعطيل الدوام الرسمي وحركة المرور في بغداد لمدة أسبوع. وهذه الإجراءات كلفت الخزينة مبالغ ضخمة بجميع المقاييس. والله يعلم كم كلفت (اجتماعات 5+1). وإذا أرادت الحكومة تنفيذ طلب السيد النائب البطيخ باستضافة مؤتمر عدم الانحياز القادم، وعدد هذه الدول نحو 120 دولة، ونحو 17 دولة بصفة مراقب، يعني عقد هكذا مؤتمر سيكلف خزينة الدولة أضعاف ما كلفته القمة العربية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا هذا البذخ الحاتمي؟ وما فائدة العراق من عقد هذا المؤتمر في عاصمته؟ يقول المثل العربي: (وهب الأمير ما لا يملك).

لقد كتب المفكر البحريني، الدكتور عبدالله المدني، مقالاً قيماً حول عقد مؤتمر حركة عدم الانحياز في طهران بعنوان: (الحركة التي خف بريقها وانتهت صلاحيتها) قال بحق: "كان للحركة بريقها وجدواها ومبرراتها زمن الحرب الباردة، وفي حقبة الثنائية القطبية والتنافر الايديولوجي ما بين المعسكرين الشرقي والغربي، مثلما كانت لها دواعيها في عصر حروب الاستقلال التي خاضتها دول وشعوب العالم الثالث للإنعتاق من قيود المستعمر الاجنبي وجبروته، خصوصا قبل إختفاء آبائها المؤسسين موتا أو إغتيالا أو نفيا أو خروجا من السلطة. غير أن كل هذه العوامل التي أملت في خمسينات وستينات القرن الماضي قيام الحركة، بدءا من الإجتماع التمهيدي في قمة الدول الأفرو آسيوية في باندونغ في إبريل عام 1955 التي خصصت لوضع الخطوط العريضة للسياسات الخارجية لدول العالم الثالث المتحررة وفق المباديء الخمسة المعروفة بإسم "البانجشيلا" (السلام والتعايش السلمي، تعزيز المصالح المشتركة وتبادل المنافع، إحترام سيادة الدول وإستقلالها، الإمتناع عن تهديدها أو الإعتداء عليها، عدم التدخل في شئونها الداخلية) ومرورا بإجتماعات قادة هذه الدول في نيويورك على هامش الدورة السنوية الخامسة عشرة للأمم المتحدة في أكتوبر عام 1960، وإنتهاء بأول قمة رسمية للحركة في بلغراد في سبتمبر عام 1961، صارت شيئا من الماضي الذي لا نجد له ذكرا سوى في الكتب العتيقة."(2)

نعم، ما هي مبررات وجود هذه الحركة الآن بعد انتهاء الحرب الباردة، واختفاء القطب السوفيتي؟ في الحقيقة لا يوجد أي مبرر لهذه الحركة الآن، ناهيك عن عقد مؤتمراتها الباهظة التكاليف، وبالأخص في بغداد. يجب على سياسينا أن يكونوا في حالة تماس مباشر مع الجماهير والكف عن تبذير الأموال لأغراض دعائية وشخصية، وعليهم الاهتمام بالأولويات التي لها علاقة مباشرة بحياة المواطنين.

فبالنسبة لملايين الناس الذين يعانون من فقدان الأمن والخدمات، والسكن اللائق، أرى أولويات الحكومة وحسب أهميتها كالتالي:
أولاً، تحقيق الأمن ودحر فلول الإرهاب. صحيح أن الحكومة حققت نجاحات لا يستهان بها في هذا المضمار، ولكن الإرهاب مازال ينغص حياة أبناء الشعب.
ثانياً، بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية، الجيش والقوات المسلحة والشرطة والاستخبارات، وغيرها من أجل دحر الإرهاب بشكل كامل، وحماية حدود البلاد من العدوان الخارجي.
ثالثاً، توفير الخدمات، الكهرباء والماء ومجاري الصرف الصحي، وشن حملة تنظيف المدن من تراكم القمامة والأوساخ.
رابعاً، توفير حياة كريمة لشريحة واسعة من الأرامل واليتامى والمعوقين، وذلك ببناء دور سكنية للذين لا سكن لهم، خاصة من سكنة بيوت الصفيح، والذين احتلوا أبنية حكومية مرغمين،
خامساً، توفير العمل للعاطلين، وخاصة عشرات الألوف من خريجي الجامعات. إذ ما الفائدة من صرف مليارات الدولارات على أكثر من عشرين جامعة، وفتح المزيد منها، دون وجود عمل للخريجين؟

خلاصة القول، من الخطأ صرف أموال الشعب على استضافة مؤتمرات دولية لا نفع ولا جدوى منها، إلا بعد تحقيق الأهداف المذكورة أعلاه، فأبناء الشعب العراقي هم أولى بأموالهم من صرفها على أمور دعائية تافهة مثل عقد مؤتمرات دولية لا تسمن ولا تغني من جوع.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالمقال
1-  الكتلة البيضاء تطالب باستضافة اعمال قمة عدم الانحياز المقبلة
http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=21340

2- د. عبد الله المدني: الحركة التي خفت بريقها وانتهت صلاحيتها
http://www.akhbaar.org/home/2012/8/134726.html

157
من المستفيد من الفتنة الطائفية؟

د.عبدالخالق حسين

لا شك أن شعوب الشرق الأوسط، وبالأخص الشعب العراقي، مهددة بإشعال نار فتنة طائفية لا تبقي ولا تذر. والمستفيد الأكبر من هذه الفتنة في العراق هو البعث، والدول الإقليمية التي تدعمه لأغراضها السياسية، مثل السعودية وقطر وتركيا، فشعار هذه العصابة "ليكن من بعدي الطوفان". ورغم أن حزب البعث معروف عنه، نظرياً على الأقل، أنه حزب قومي عربي علماني فوق الديانات والطوائف، إلا إنه لن يتردد في توظيف أشد الوسائل خسة ودناءة لتحقيق أغراضه وذلك بتطبيق المبدأ الماكيافيلي: "الغاية تبرر الوسيلة"، حتى ولو كانت الوسيلة حرق البلاد والعباد، باستخدام الدين والطائفية. وهناك أدلة كثيرة تبناها قادة البعث، وخاصة الجناح الذي قام بانقلاب 17- 30 تموز 1968، منها جرائم التهجير القسري ضد الشيعة من مختلف القوميات، بتهمة التبعية الإيرانية، إضافة إلى الحملات الإعلامية ضدهم مثل سلسلة مقالات صحيفة الثورة بعد انتفاضة 1991 بعنوان: (لماذا حصل ما حصل)، وتسمية المحافظات العراقية إلى محافظات بيضاء ومحافظات سوداء حسب الانتماء المذهبي لغالبية سكانها. كما ورفعوا لافتات على الدبابات في مدينة كربلاء إبان الانتفاضة كتب عليها (لا شيعة بعد اليوم)... إلى آخره من الوسائل الدنيئة لإثارة طائفة ضد أخرى، فالبعث لا يستطيع أن يحكم إلا من خلال سياسة (فرق تسد).

هناك معلومات تفيد عن استعدادات داخلية وخارجية لتأسيس ما يسمى بـ(الجيش العراقي الحر) على غرار (الجيش السوري الحر)، إذ اتهم النائب عضو لجنة الامن والدفاع البرلمانية اسكندر وتوت، السبت (25/8/2012)، السعودية بالتمهيد لتأسيس فصائل مسلحة تحت مسمى" الجيش العراقي الحر" لتنفيذ عمليات ارهابية في العراق .وقال وتوت في تصريح نشرته البغدادية نيوز اليوم: "نمتلك معلومات تفيد بوجود نوايا لدى كل من السعودية وقطر وتركيا لتجنيد بعض الفصائل المسلحة والمجاميع الإرهابية وتنظيمهم تحت مسمى " الجيش العراقي الحر" على شاكلة الجيش السوري الحر وذلك لتنفيذ "مؤامرة ضد العراق والعملية السياسية ".
وتابع ان " لجنة الامن والدفاع اخطرت الجهات الامنية في محافظات الفرات الاوسط لغرض القيام بحملة توعية في تلك المحافظات ضد " تجار السلاح " الذين عمدوا الى افراغ المحافظات من الاسلحة الخفيفة من خلال اغراء اهالي تلك المناطق بالمال مقابل التخلي عن اسلحتهم الشخصية في محاولة من بعض الجهات المرتبطة بالسعودية وقطر وتركيا تحديدا، لإفراغ المنطقة من السلاح تمهيدا لتنفيذ مؤامرة تستهدف العراق بأكمله"]. انتهى

فمن هي القوى الداخلية التي ستعتمد عليها السعودية وقطر وتركيا لتشكيل الجيش العراقي الحر غير فلول البعث التي تشكل فصائل الإرهاب، وفي نفس الوقت متخفية في كتلة "العراقية"، وما فضيحة طارق الهاشمي إلا غيض من فيض؟

فالبعث، كأي تنظيم إرهابي، لا دين له ولا مذهب سوى السلطة، ففي مرحلة أوج قوتهم لم يسلم من جورهم، لا سنة ولا شيعة، وقد أعدموا الشيخ عبدالعزيز البدري (السني)، كما أعدموا الشيخ رافع البصري (الشيعي) وغيرهما من فقهاء المذهبين. ولكن عندما تشتد عليهم الأزمة، لن يتورعوا بتوظيف ورقة الطائفية والإدعاء بأنهم حماة حقوق العرب السنة في العراق. والمؤسف أنهم نجحوا في تمرير كذبتهم، فتحالفوا مع القاعدة الوهابية، وشنوا حرباً ضروساً لإبادة الشيعة بشكل عشوائي. ولكن في نفس الوقت لم يترددوا في قتل كل من يرفض التعاون معهم من العرب السنة، إذ هناك مئات الحوادث الإرهابية ضد السنة العرب، وآخرها العملية الإرهابية الخسيسة التي استهدفت رئيس هيئة إفتاء أهل السنة والجماعة في العراق، الشيخ مهدي الصميدعي إلا لغرض استهداف رموز الاعتدال، كما جاء في بيان (جماعة علماء العراق) الذي حذر من وقوع البلاد في منزلقات الحرب الطائفية و"انهيار جدار الاعتدال السني". كذلك نعرف أن فلول البعث قاموا بقتل البعثيين السابقين الذين رفضوا التعاون معهم، وما حملة قتل الطيارين والعلماء والأكاديميين والأطباء العراقيين إلا أمثلة حية على صحة ما نقول، وإلقاء الجريمة على الموساد والاحتلال الأمريكي "الغاشم" و"الفرس المجوس" وحتى الحكومة العراقية المنتخبة "العميلة لإيران وأمريكا". (راجع مقالنا: من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟).

يعترض المدافعون عن البعث، وتحت مختلف الأسماء الحقيقية والوهمية، بأن البعث انتهى قبل عشر سنوات، واتهامي بالعداء الشخصي ضد البعث...الخ، نسي هؤلاء أن البعث ترك إرثاً ثقيلاً لا يمكن إزالته بجيل أو حتى بجيلين، كذلك فلولهم المسلحة التي تحارب العراقيين تحت أسماء إسلامية، وهي في الحقيقة بعثية صرفة.

ولإثارة الفتنة الطائفية، لن يتورع البعثيون في نشر قصص وحكايات يستلونها من كتب التراث العربي- الإسلامي المشحون بالفتن والصراعات الدموية. فيطلع علينا كاتب بلباس سني يطلق شتيمة ضد الشيعة، وليطلع ثانية وبلباس شيعي، فيرد على الشتيمة الأولى ويشتم رموز أهل السنة. وبهذه الطريقة يستدرج كتاب ورجال دين من الفريقين للمشاركة في تبادل الشتائم والإساءة إلى رموزهم الدينية التاريخية لتهييج الجماهير من الطائفتين، وصب المزيد من الزيت على نار الطائفية المشتعلة. إذ كما استشهدنا في مقال سابق، أن الإرهابي لا يعتمد على نتائج أفعاله المباشرة فقط، بل على ردود الأفعال.

استلمت قبل أيام عن طريق البريد الإلكتروني، محاورة بعنوان (فضّال يُخجِل أبا حنيفة) يبدو أنها منقولة من كتب التراث المليء بالكذب والزيف، أنقلها النص كالآتي: 
(( كان فضّال بن الحسن الكوفي، أحد أبرز تلامذة الإمام الصادق (ع)، مرّ بأبي حنيفة وهو في جمع كثير يُملي عليهم شيئاً من فقهه وحديثه. فقال لصاحبه الذي معه: والله لا أبرح أو أُخجل أبا حنيفة!! فدنا من مجلس أبي حنيفة وسلّم عليه فرد القوم بأجمعهم السلام عليه.. فقال فضّال: يا أبا حنيفة، رحمك الله، إن لي أخاً يقول: إن خير الناس بعد رسول الله (ص) علي بن أبي طالب. وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس وبعده عمر. فما تقول أنت ؟!. قال أبو حنيفة: قل لأخيك .. كيف تقدم علياً على أبو بكر وعمر فإنهما كانا يجلسان في الحروب إلى جنب رسول الله (ص) في حين يبعث الرسول (ص) علياً إلى الحرب والقتال، وهذا يعني أنه (ص) كان يحبهما أكثر وسعى لإبعادهما عن مواطن الخطر.. قال فضّال: وأنا قلت ذلك لأخي، فأجابني إن القرآن الكريم فضّل المجاهدين في قوله: "وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً" (النساء 95). فأطرق أبو حنيفة ملياً ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله (ص) كرماً وفخراً. أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة لك أوضح من هذه ؟!. فقال له فضّال: إني قد قلت ذلك لأخي، فقال: يقول القرآن الكريم: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} (الأحزاب 53)، ومعلوم أن قبر النبي (ص) في بيته ولم يصدر منه إجازة بدفنهما قطعاً ولا من الورثة.. قال أبو حنيفة : قل لأخيك إن عائشة وحفصة قد بقي لهما شيئاً من مهرهما عند النبي (ص) فاستحقتا بذلك مقداراً من أرض البيت و وهبت كل واحدة هذا المقدار لأبيها.. قال فضّال: لقد قلت ذلك لأخي، فقال: ألم تقرأ القرآن حيث يقول: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن}. (الأحزاب 50)، وبهذا يكون النبي (ص) قد أعطى كل واحدة من زوجاته مهرها في حياته.. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال: إنهما نظرا حق عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع وبحقوق ابنتيهما.. فقال فضّال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم إن النبي (ص) مات عن تسع نساء ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن ومن ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر .. فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك ؟!!!. وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (ص) وفاطمة (ع) إبنته تُمنع من الميراث؟!!!. فقال أبو حنيفه: يا قوم, نحّوه عني فإنّه رافضيّ خبيث!!! 
قال (ص): {البخيل من ذُكرت عنده و لم يصلّ عليّ}. اللهم صلّ على محمد وآل محمد. أرسلها على حب أمير المؤمنين.)) انتهى.

ولنناقش مدى صحة هذا النقل. فالمعروف عن أبي حنيفة أنه كان من أنصار الإمام علي وأهل بيته، أو إذا جاز التعبير من شيعته، فجميع سنة العراق كانوا مع الإمام علي في حربه على معاوية، وأبو حنيفة أفتى ينصرة الثائر الإمام زيد بن علي في ثورته على دولة بني أمية، وساعده بالمال والفتيا في الثورة على عبدالملك بن مروان، ومن ثم ناصر أهل البيت في العهد العباسي، وسجن وعذب مع الإمام موسى الكاظم (الشيعي) ولنفس السبب. فكيف لهذا الفقيه المحترم من جميع المسلمين، أن يدخل في هكذا حوار؟
كذلك فلو تأملنا النص، نجده وضع بشكل مفبرك وكأن فضال بن الحسن الكوفي كان يعرف مسبقاً أجوبة أبي حنيفة على أسئلته، لذلك رتبها وفق ما كان يتوقع أن يسمع من إجابات، وفق اعتراضات أخيه المفترضة. ولذلك، ومن قراءة متأنية لهذا الحوار، نعرف أنه منحول وكتب ربما عشرات أو مئات السنين بعد موت الإمام أبي حنيفة، من قبل أناس يريدون دق الأسفين بين الشيعة والسنة. وفي عصرنا هذا راح هؤلاء ينبشون في بطون كتب التراث للحصول على ما ينفعهم لإثارة طائفة على أخرى. وحتى لو سلمنا جدلاً بصحة هذه الرواية، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الغاية والفائدة والحكمة من ترويجها، خاصة في هذا الوقت؟
 
وقد ذكر الدكتور علي الوردي الكثير من هذا النوع من محاولات مؤججي الفتن الطائفية بين المسلمين، مثلاً كان معاوية يدس بعض جواسيسه في جيش الإمام علي في صفين، يناقشون الإمام حول الشيخين (أبو بكر وعمر) وأفضليته في الخلافة منهما. وكان غرض معاوية أن يصدر من الإمام علي كلام ضد الشيخين ليشهر به بين المسلمين وإثارتهم ضده. فكان الإمام يعرف غرض هؤلاء المندسين فيردهم بذكر فضائل أبي بكر وعمر وبذلك كان يخيب آمالهم. كذلك استشهد الوردي بالكثير من أقوال وأشعار أئمة أهل السنة الأربعة، وهم يؤكدون فيها حبهم للإمام علي وأهل البيت. لذلك علينا أن لا نقع في فخ المتصيدين بالماء العكر.

والسؤال هنا، ما هي الغاية من نشر حكايات وقصص المقارنة بين الإمام علي وبقية الخلفاء الراشدين والتحيز لهذا الجانب أو ذاك وفي هذه الفترة العصيبة بالذات؟
لا شك أن الحملة الإعلامية في نشر هذه المحاورات المشبوهة هي مرتبطة بالإرهاب الطائفي، وما تقوم به السعودية وقطر وتركيا من محاولات لحرق العراق وسوريا بنيران حروب طائفية. وبدورنا نحذر هؤلاء الحكام، وننصحهم أن يتعلموا من أخطاء الرئيس السوري بشار الأسد الذي كان يرسل أتباع القاعدة لإشعال الحرائق في العراق، وها هو اليوم مبتلى بالحرائق، وعلى أيدي نفس الجماعات التي كان يرعاها ويرسلها إلى العراق. وها هي الأنباء ترد عن إشعال الحرائق في تركيا أيضاً، أما السعودية وقطر فليستا محصنتين من الحرائق القادمة ولا بد أن تصلهما.

وللإجابة على السؤال من الأولى بالخلافة علي أو أبي بكر، من المفيد أن نسترشد بالمصلح الإسلامي الكبير، جمال الدين الأفغاني، وكما يقول عنه علي الوردي: [على الرغم من أصله الشيعي إلا إنه لا يتعصب للتشيع تعصباً أعمى، وكان الأفغاني يعتقد أن إثارة قضية الخلافة بعد وفاة النبي أمر يضر المسلمين في الوقت الحاضر ولا ينفعهم، وهو يتساءل في ذلك قائلاً: "لو أن السنة وافقوا الشيعة الآن على أحقية علي بالخلافة فهل يستفيد الشيعة من ذلك شيئاً؟!! أو أن الشيعة وافقوا أهل السنة على أحقية أبي بكر فهل ينتفع أهل السنة؟!!" ويهتف الأفغاني بعد ذلك قائلاً: "أما آن للمسلمين أن ينتبهوا من هذه الغفلة؟! ومن هذا الموت قبل الموت؟!.."]

حقاً ما قاله أبو العلاء المعري:
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا   وعلمتنا أفانين العداواتِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي

هامش
أدناه، رابط لفلم نادر لا علاقة له بالموضوع، إنه فلم أكثر رعباً من أفلام الفريد هتشكوك، فحكم البعث ليس رعباً للشعب فقط ، بل هو رعب حتى للبعثيين أنفسهم، وبالأخص القياديين منهم. يظهر هذا الفيلم وحشية صدام حسين حتى مع اعز اصدقائه ورفاقه، ونفاق الأعضاء والتزلف له من أجل الحفاظ على حياتهم، ستشاهدون عضو القيادة القطرية محيي عبدالحسين المشهداني مرعوباً، وهو يقدم اعترافات "المتآنرين". وبدورنا نهدي هذا الفيلم إلى أصحاب "النوايا الحسنة" الذين يبالغون بسلبيات العراق الجديد، ويتمنون عودة حكم البعث. مدة الفيلم 45 دقيقة، القسم الأول 38 دقيقة، فيه لقطات من مؤتمر القيادة القطرية، بعد استلام صدام رئاسة الجمهورية وإزاحة البكر عام 1979 حيث دشن رئاسته بإعدام نحو 19 قيادياً في الحزب. أما دقائق السبع الأخيرة فهي لقطات عن الأعمال الوحشية التي قام بها الجزارون ببتر أطراف الضحايا، وهي مناظر بشعة لا أنصح بمشاهدتها.
http://www.youtube.com/watch?NR=1&feature=endscreen&v=Ho6zxuB8_Xg



158
من هم سماسرة الطائفية؟

د.عبدالخالق حسين

قلنا مراراً، أن العراق يحوم عليه شبح فتنة طائفية التي عانى منها كثيراً في مختلف مراحل تاريخه. وللأسف، هناك من يعمل بشتى الوسائل لإشعال هذه الفتنة بعد تحرير العراق من الفاشية البعثية، تنفيذاً لأجندات أجنبية لقاء المال الحرام على حساب وطنهم وشعبهم. ومن هذه الوسائل نشر أخبار كاذبة، القصد منها تحريض طائفة على أخرى، بينما المطلوب من المثقفين، وبالأخص الإعلاميين منهم، تهدئة الوضع وتجنب صب الزيت على النار. وفي مقال سابق لنا، أشرنا إلى خبر ملفق نشرته صحيفة (المدى) مفاده: "استبعاد المكون الشيعي من مجموع الطيارين الذين سيتم إرسالهم الى الولايات المتحدة الامريكية لغرض التدريب." والذي نفاه قائد القوة الجوية، جملة وتفصيلاً.

وبعد نشر مقالنا، خرج علينا أحد كتبة الصحيفة المذكورة بمقال هجومي رخيص وبذيء بعنوان: (سماسرة الطائفية)، بدأه قائلاً: " يبدو أن منظّر دولة القانون السيد عبد الخالق حسين نسي القراءة بالعربية جيدا، او ان ثقافته الانكليزية التي ظلت تراوح بين ادعاء الماركسية والتغزل بالرأسمالية، والوقوف على أبواب السلطان، ....الخ". يبدو واضحاً من عنوان ومضمون مقاله، اتهامي بالترويج للطائفية، ولا شك أن هذه التهمة خطيرة ولها عواقب وخيمة، لذلك عدت إلى الموضوع، لا للدفاع عن نفسي إزاء هذه التهمة السخيفة، بل لحماية الرأي العام من التضليل، وفضح سماسرة الطائفية الحقيقيين. أما الاتهامات الأخرى التي وجهها لي كاتب المدى، فهي في منتهى السخف والإسفاف لا تستحق حتى الإشارة إليها. فأنا كاتب مستقل حر، أكتب وفق قناعاتي وما يمليه عليَّ ضميري، وواجبي الوطني. ولست من أولئك الذين لا يرون الأشياء إلا بالأسود والأبيض، إذ هناك ألوان أخرى، فالوضع العراقي معقد ومتشابك يحتاج إلى إعمال العقل، بعيداً عن المزايدات الرخيصة، ورفع شعارات براقة، شبعنا منها وجلبت على الشعب العراقي الكوارث.

من المؤسف القول، أن هؤلاء السادة استخدموا أقلامهم للتضليل بدلاً من التنوير. فهم الذين يشعلون نيران الفتنة الطائفية بنشرهم أخبار ملفقة، ويتهمون كل من يقف في وجوههم بالطائفية، أي كما يقول المثل: "رمتني بدائها وانسلت".

ولافتقاره إلى أدلة مادية وعقلية لتفنيد مقالنا، والدفاع عن الخبر الملفق الذي نشرته صحيفته، لجأ محامي الشيطان إلى استخدام السخرية الرخيصة والإساءة الشخصية بدلاً من اعتماد المنطق السليم لإقناع القارئ بوجهة نظره، إذ قال: [لا يهمنا إذا كان "المستر عبد الخالق" (كذا) يقرأ بعقله أو بجيبه، ولا الثمن الذي يقبضه بعد كل مقالة له تسبح بحمد اولي الامر، فهذا شأنه وهو رزق لا نحسده عليه،...].
إن اللجوء إلى هذا الأسلوب الرخيص دليل على الإفلاس الفكري والأخلاقي، ونحن إذ نترك الحكم للقراء الكرام ليحكموا من الذي يدفع له مقابل كل مقال ينشره.

ويضيف قائلاً: "لكن ما يخصنا أن الخبر الذي نشرناه له اسانيد لا يريد المستر (كذا) ان يعترف بها، اول هذه الأسانيد ما صرح به نائب عن التحالف الوطني قبل نشر خبر المدى حيث قال النائب عن كتلة المواطن كريم عليوي ان: "الاقصاء الواضح للشيعة في عملية اختيار الطيارين الذين سيرسلون الى الولايات المتحدة الامريكية للتدريب على قيادة الطائرات الامريكية يأتي ضمن مخاوف أمريكية واضحة من منح الشيعة قدرة استخدام تلك الطائرات". كما واستشهد بتصريحات سياسيين من قائمة دولة القانون نشرت بعد نشر الخبر وليس قبله، وهنا بيت القصيد، والدليل هو أنهم عندما نشروا الخبر أدعوا أنهم حصلوا عليه من قيادي في التحالف الوطني رفض الإفصاح عن اسمه.

يقول الفيلسوف الألماني، إريش فروم (Erich Fromm) "أن الإرهابي لا يعتمد على الأضرار الناتجة من فعله مباشرة، بل على ردود الأفعال). فردود الأفعال هي الأخطر، إذ تشبه سلسلة التفاعلات النووية (Chain reactions). وهذا بالضبط ما يعتمد عليه الإرهاب الفكري ومروجو الفتن الطائفية. فهم يطلقون كذبة لإثارة فتنة طائفية مثل كذبة استثناء الشيعة من التدريب على قيادة الطائرات الأمريكية، فصدقهم بعض القياديين في التحالف الوطني، لذا أطلقوا تصريحات مضادة بعضها نارية كرد فعل للخبر، ليتخذها كاتب (المدى) دليلاً لإسناد خبره وتفنيد مقال "مستر عبدالخالق حسين!!"على حد قوله، وتبرئة صحيفته من التلفيق!!.

وبالعودة إلى عنوان المقال: من هم سماسرة الطائفية؟
 إن سماسرة الطائفية هم أولئك الذين يتظاهرون بمحاربة الطائفية قولاً، ويمارسونها عملاً، وعن طريق فبركة الأخبار الكاذبة لإثارة وتحريض طائفة ضد طائفة أخرى. هم أولئك الذين يعملون على إجهاض الديمقراطية بغطاء الحرص على الديمقراطية والعلمانية لا لشيء إلا لأن رئيس الوزراء شيعي استلم المهمة وفق ما أفرزته صناديق الاقتراع، وحاز على ثقة الأغلبية البرلمانية. وقد صار في عرفهم أن أي سياسي شيعي هو طائفي حتى ولو كان شيوعياً، إلى حد أنه حتى السيد حميد مجيد موسى، زعيم الحزب الشيوعي العراقي، لم يسلم من هذه التهمة السخيفة لا لشيء إلا لأنه منحدر من عائلة شيعية، وهذه جريمة في هذا الزمن الطائفي العاهر.

قلنا مراراً أن المستهدف من هذه الحملة الضارية هو العراق كله لتنفيذ أجندات دول الجوار المعادية للديمقراطية الوليدة بغية إجهاضها، ولكن هؤلاء لا يستطيعون معاداة الديمقراطية علناً، لذلك راحوا يتهجمون على الديمقراطية العراقية بالادعاء أنها مزيفة ومستوردة فرضتها أمريكا!. وسبب آخر لعداء كتاب المدى، ومن لف لفهم للديمقراطية هو أن الذين فازوا بالانتخابات ليسوا وفق مقاساتهم التي يريدون فرضها على الشعب العراقي، لذلك يلجؤون إلى التضليل وفبركة الأخبار الكاذبة لإرباك الوضع وتشويه سمعة الديمقراطية العراقية. ننصح الذين يتهموننا بالطائفية إلى مراجعة كتابنا (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق) الذي ذكرت في الاستنتاج، أن نظراً لتعددية مكونات الشعب العراقي، فالحل الوحيد لمشكلة الحكم في العراق هو النظام الديمقراطي العلماني الليبرالي، ووفق ما تفرزه صناديق الاقتراع.

يجب أن يعرف هؤلاء البلطجية أن بلطجتهم لن تخيفنا، ولن تزعزعنا عن مواقفنا التي نؤمن بصحتها قيد شعرة، وكلما أمعنوا في إرهابهم الفكري، تمسكنا أكثر بمواقفنا الصحيحة وفضح أعداء الديمقراطية.

خلاصة القول، إن سماسرة الطائفية هم الذين يرفعون عقيرتهم بالصراخ ضد حكومة أفرزتها صناديق الاقتراع بحجة أنها حكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية، ولكنهم يدافعون عن قيادة سياسية تمارس أبشع أنواع العنصرية والشوفينية ضد الحكومة المركزية المنتخبة.
حقاً ما قاله الروائي الفرنسي بلزاك: "حذار من إمرأة تتحدث عن الشرف كثيرا".
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي


159
البعث والموساد والذئب الذي لم يأكل يوسف

د.عبدالخالق حسين

بعد نشر مقالي الموسوم: (من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟)*، استلمت عشرات التعليقات، نشر البعض منها على مواقع الإنترنت، وخاصة موقع عراق القانون، أو وصلتني على شكل رسائل إلكترونية، منها مؤيدة للمقال، ومنها معارضة وتدافع عن البعث، وآخرون لا يبرؤون البعث ولكن في نفس الوقت لا يبرؤون الموساد أيضاً، رغم اعترافهم بأساليب البعث الشيطانية في ارتكاب أبشع الجرائم وإلقائها على الآخرين. وفريق ثالث يعتقد أن قتل أصحاب الكفاءات من العراقيين، هو مؤامرة دولية شاركت فيها كل من أمريكا وإيران وإسرائيل والحكومة العراقية!!
وتجنباً للإطالة، اخترت القليل من التعليقات لمناقشتها، وكنت أنوي في البداية أن يكون العنوان (حوار مع القراء) حيث نشرت في الأعوام الماضية نحو ست مقالات بهذا العنوان، ولكني رأيت هذه المرة التغيير ولأسباب سأذكرها في الخاتمة.

أبدأ بتعقيب الصديق جواد كاظم خلف، المنشور على موقع عراق القانون، لأنه يشكل القاسم المشترك لمعظم التعليقات التي لا تبرئ الموساد بمختلف التفسيرات، جاء فيه ما يلي:
«قرأت أكثر من تصريح منذ عام 2003 لمسؤولين إسرائيليين كبار وصراحة لا أميز لمن، لكنها وردت بمصادر موثوقة وكلها من صحف ووسائل أعلام غربيه وأحدها يقول: لقد حققت إسرائيل بالعراق مما لم تحققه منذ قيامها !.. ما الذي حققته إسرائيل في العراق؟ ...بناء مستشفيات مثلآ ؟!
2 ـ لا يختلف إثنان إن إحدى الأيادي التي كان لها باع طويل بسرقة آثار العراق هي إسرائيل، فما الذي يمنعها من اغتيال من يحاول عرقلة هذه السرقات؟
3 ـ لننظر بالأمور لا بالأبيض ولا بالأسود فقط، وحقيقة اغتيال علماء العراق ومفكريه والشخصيات النافذة فيه تمت من عدة جهات، نعم البعثيين والقاعدة لهم حصة كبيرة، تصفيات طائفية وقومية، لها أسبابها المختلفة، والكل مارسها، كرد، سنه، شيعة، ولكن حصصهم تختلف وكلمن وشطارته!!... الموساد ليس جمعية خيرية وله حصته، مخابرات الجوار من أجل تأمين مصالحها ليست معفاة أيضآ. وأخيرآ الشركات الكبرى، وحتى الصغيرة، وأصحاب الدكاكين لم يقصروا !!! يتضح مما سبق إن تبرئة طرف ما مهمة مستحيلة ويبقى التساؤل: ما هي حصة كلآ منهم بالضبط؟»- انتهى.

شكراً للصديق على تعليقه الذي أشار به إلى جميع الجهات التي لها مصلحة بتدمير العراق. ولكن اختلافي معه أن خلط الأوراق وتوزيع الاتهامات في جريمة معينة مثل قتل أصحاب الكفاءات على جميع الأطراف، يكون دائماً في صالح المجرم الحقيقي. فعندما نلقي اللوم على المجرم الحقيقي (البعث) لا يعني أننا نعتبر الموساد جمعية خيرية!، إذ هناك آلاف التنظيمات الاستخباراتية، والمافيات الموغلة في الإجرام في العالم، ولكن هذا لا يعطينا الحق لشمول كل هذه التنظيمات المافيوية فيما حصل ويحصل في العراق، لا لشيء إلا لأنها ليست جمعيات خيرية... كما وهناك منظمات إجرامية تختفي وراء أسماء خيرية، مثل بنوك ومصارف بأسماء إسلامية تمول القاعدة، أو تنظيمات إرهابية أخرى. وكذلك معظم المنظمات البعثية الإرهابية في العراق تحمل أسماء إسلامية. وحتى ما يسمى بـ"دولة العراق الاسلامية" هي بعثية، مجرد بدلوا الاسم ليلقوا غسيلهم على القاعدة، فالبعثيون يجيدون لعبة تغيير الأسماء والألوان وفق ما يناسبهم. يجب أن لا ننسى الحملة الإيمانية التي أعلنها صدام في التسعينات من القرن المنصرم.

أما تصريحات مسؤولين إسرائيليين بأن ما حصل في العراق من كوارث كان في صالح إسرائيل، فهذه حقيقة معروفة لا جدال فيها، إذ كلنا نعرف أن البعث الصدامي، وحتى قبل سقوطه، قدم مثل هذه الخدمات لإسرائيل وذلك بتمزيق التضامن العربي، وتدمير طاقات الشعبين، العراقي والإيراني في حرب عبثية طويلة أهلكت الحرث والنسل، وتهديداته العنترية الزائفة بحرق نصف إسرائيل، دليل على صحة ما نقول. ولكن هذا لا يعني أن إسرائيل ضالعة في قتل العلماء العراقيين لكي تتخلص من خطرهم في بناء سلاح نووي عراقي في المستقبل. إذ كان نصيب الأطباء والأكاديميين الآخرين من القتل يفوق حصة علماء الذرة عشرات المرات.
لذا، دعونا نركز على قضية معينة وهي: (من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟).  نحن نعرف أن الموساد يرتكب جرائم بحق العرب والفلسطينيين، ولكن هذا لا يبرر لنا إلقاء جرائم البعث على الموساد لأن "الموساد ليست جمعية خيرية!" ولأنها ضالعة في الإجرام ضد الفلسطينيين.
يقول الأخ جواد: «لايختلف إثنان إن إحدى الأيادي التي كان لها باع طويل بسرقة آثار العراق هي إسرائيل، فما الذي يمنعها من اغتيال من يحاول عرقلة هذه السرقات؟».
يقول "لا يختلف إثنان..." ولا أعرف على أي مصدر علمي موثق اعتمد في هذا القول. وحتى لو افترضنا أن إسرائيل شاركت في سرقة الآثار، فهل كان العلماء والأكاديميون العراقيون والأطباء قد شكلوا دروعاً بشرية حول المتحف العراقي لحماية الآثار من السراق كي تقتلهم الموساد ليتسنى لهم سرقة المتحف؟
لا أبرئ إسرائيل في سرقة الآثار، وخاصة تلك التي تتعلق بتاريخ اليهود في العراق، ولكن سرقة الآثار بدأها البعثيون وهم في السلطة، ونشير هنا إلى كتاب البعثي السابق، السيد حسن العلوي، الموسوم: (دولة المنظمة السرية)، بغض النظر عن اختلافنا معه في تقلباته السياسية، ولكنه كشخص مقرب من سلطة البعث، قد أفادنا كثيراً بكشف جرائم هذه المنظمة السرية المافيوية.

ورداً على تعقيب الأخ جواد، علق أحد الأخوة باسم (ابن العراق) في نفس الموقع قائلاً: «... وهنا أتساءل، لو أفترضنا جدلا بأن المسؤل عن اغتيال شريحة العلماء في العراق هو اسرائيل، إذنْ، من المسؤل عن اغتيال شريحة من الاطباء في العراق، وهل سمعتم عن ذهاب مرضى لإسرائيل للعلاج؟ ومن المسؤل عن اغتيال شريحة من القضاة في العراق، وما هي مصلحة اسرائيل من اغتيالهم؟ وما فائدة اغتيال عالم وهو في بلد لا يمكن له ان يقدم شيئا، فالسيد حسين الشهرستاني، عالم نووي معروف، فلماذا لم تغتاله اسرائيل؟ هل تبخر ما في ذهنه من معلومات، واسرائيل اصبحت مطمئنة من جانبه؟؟؟».

أجل، هذه الأسئلة، وعشرات غيرها تؤكد لنا أن المجرم الحقيقي وراء قتل أصحاب الكفاءات من العراقيين هو البعث، وليس غير البعث وذلك لشل العقل العراقي بمثل ما دمروا ركائزه الاقتصادية، لأن شعارهم: (عليَّ وعلى أعدائي يا رب، وليكن من بعدي الطوفان).
كما وأذكر شهادة معلق آخر باسم (زائر) يؤكد دور البعثيين في قتل أصحاب الكفاءات، قائلاً: «نعم، البعض الذين تم قتلهم قالوا لعوائلهم قبل مماتهم، او الذين أنقذوا بجلودهم، انهم هُدِدوا من قبل البعث للتعاون معهم وعدم الشغل مع الحكومة من بعد 2003، وأول ضحية لهم كان طبيبا بعثيا في زمنهم، ولم يطيعهم ان يستمر معهم، ولا ابرئ اليهود من ذلك أيضا، ولكن هم (البعثيون) فلشوا العراق، فلماذا الخوف منه اذنْ؟ ومثل ما قال الكاتب، الوطن العربي فيه الكثير من الكفاءات، فلماذا يقتلون هذا العدد الهائل من العلماء العراقيين فقط، ويجب ان لا نهمل الجزء المهم من هذه العمليات، وهو انهم عرفوا الذين قتلوا انه بسبب عدم تعاونهم مع البعث ادى الى حتفهم. مقال جريء لأن البعض لا يعجبه، لأنهم تعودوا على اسم الموساد وكأنه رامبو العصر».

وتأكيداً على كون البعثيين أخذوا قراراً بتصفية كل بعثي لم يتعاون معهم، ورضي بالتعاون مع الحكومة، أنقل في نهاية المقال، (ملحق)، النص الكامل لتعليق أستاذ جامعي متمرس، باسم (أكاديمي مخضرم) مطلع على أفانين البعث، وذلك نظراً لأهميته.
 
ويدين قارئ آخر باسم (نديم) مقالي قائلاً بانفعال: «اتق الله يا دكتور .. اتق الله .. اتق الله فينا وفي عقولنا ..انت مسؤوليتك الانسانية والأخلاقية كطبيب تخفيف آلام البشر وليس الامعان في نكأ جراحه وتأجيج آلامه...اسرائيل تصهر اجساد اطفالنا بالنابالم .. وانت تصهر عقولنا بكلام مصرطن ..
نعم .. لقد خنت واجبك الانساني .. فها انت تحاول قتلنا من خلال صرطنة عقولنا؟ - نديم».

لا أريد التعليق على ما قاله القارئ نديم، بل أكتفي بذكر ما جاء في رسالة صديق حول هذه الاتهامات، يحذرني قائلاً:
«...انك ستتعرض لهجوم على انك تحاول تبرئة الموساد مما يحدث، وسيأتي هذا الاتهام من اعوان الموساد بالدرجة الأولى، الظالعون في القتل كثيرو المشارب، ولكل دوافعه. ثم هناك أمر آخر وهو، أن موضوع العلماء العراقيين قد بولغ فيه، فكل من يحمل شهادة علمية سمي عالم، وهو ترجمة حرفية لكلمة   scientistففهِمتْ على انها تعني خبير أو رائد في تخصص علمي، وبمستوى نادر، وهذا غير الواقع بالعراق...».
 
وقارئ آخر باسم (أبو علي العراق)، يدافع عن البعث، فيقول:
«حقدك على البعث يا دكتور ضيَّع عليك المسلك الصحيح. الموساد دخل كل المدن العراقية ومازال وتحت يافطات مختلفة .الفِرَق التي دربها الموساد والمخابرات الأمريكية ومنها فرق احمد الجلبي فعلت الأفاعيل. شيطنة البعث ورمي كل مصائبنا عليه لم تجري على اي حزب آخر !!!!!! هل سيُنصف هذا الحزب في يوم ما؟ الغريب في الأمر ان استاذاً مثل الدكتور عبد الخالق  يبتعد عن لغة البحث العلمي ويتناول الموضوع وكأنه موضوع عداوة شخصية مع البعث !!!!! تمر على الاحتلال 10 سنوات تقريبا ونحن لا نعرف حقيقة ما حصل، والسبب هو عدم اعتماد لغة البحث العلمي في الوصول الى الحقيقة. يا دكتور كل العراقين انتموا للبعث، هل كلهم أشرار؟ صدقني لم نؤذي انسان ولا حيوان ولا حجر بمقدار ذرة واحدة، وخدمنا العراق بكل ما نملك. كلامك يا دكتور مسبة وشتيمة لكل العراقيين، وأنت الرجل الرشيد، حتى وان اختلفتَ مع البعث. لا تقوم لنا قائمة يا دكتور حتى نتعلم كيف ننصف انفسنا وننصف حتى اعدائنا.»

هذه هي لغة البعثيين، يجيدون استخدام العبارات المنمقة، والتظاهر بالحمل الوديع، والتحدث بلغة "علمية"، يذكرون فيها بعض الحقائق لتمرير الكثير من الأباطيل، فالعلمية التي يدعونها هي علمية مزيفة (pseudoscience)، لغة يستخدمها أصحاب الأيديولوجيات الشمولية، الفاشية وغيرها.
فنحن لا ننكر تورط نحو مليونين من العراقيين في الانتماء إلى حزب البعث مرغمين، ولكن ليس كل الشعب العراقي كما أدعى صاحب التعليق. وقد طالبتُ بعدة مقالات بإنصاف هؤلاء لأنهم اضطروا للانتماء لضمان سلامتهم ومعيشة عوائلهم. وفعلاً تم إنصافهم، فمعظمهم بقوا في وظائفهم. لذلك فعندما نوجه تهمة قتل العراقيين إلى البعثيين، لا نعني هذه الجمهرة الواسعة من الذين انتموا مرغمين، أو أن كلامنا "مسبة وشتيمة لكل العراقيين"، بل نقصد فقط البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء العراقيين، وما زالوا يواصلون جرائمهم. وهذه الحقيقة يعرفها البعثيون قبل غيرهم.
يقول نفس القارئ بأني "أتناول الموضوع وكأنه موضوع عداوة شخصية مع البعث." وقارئ آخر يتهمني بأني أعاني من فوبيا من البعث!!
إذا كان المقصود بالفوبيا (الخوف المرضي – العصابي-) فأنا سليم من هذا المرض والحمد لله، إذ لم أعاني من أي نوع من الفوبيات. ولكنني أخاف من عودة البعث، ولي أسباب حقيقية معروفة يشاركني فيها معظم العراقيين لتكون لي عداوة مع البعث، والخوف من عودته للسلطة. ولا بد أن يستغرب القراء من قول صاحب التعليق حين قال: "صدقني لم نؤذي انسان ولا حيوان ولا حجر بمقدار ذرة واحدة، وخدمنا العراق بكل ما نملك." ولكن الحقيقة الناصعة تؤكد أن البعث دمر العراق وشعب العراق، وأعاق تطوره، وأعاده قروناً إلى الوراء، وقائمة جرائم البعثيين معروفة وطويلة، منذ أيام ثورة 14 تموز، ومروراً بانقلابهم الأول في 8 شباط 1963، و17 تموز 1968، وحروبه العبثية وإلى الآن. لذلك فلنا تجربة مؤلمة وقاتلة مع البعث، ولهذه الأسباب وغيرها كثير، لا يمكن أن يأتي أي يوم ينصف فيه البعث، فأي خير عمله البعث للعراق لكي ينصفه التاريخ؟

خاتمة
ذكرت في المقدمة أني كنت أنوي جعل العنوان (حوار مع القراء)، ولكني اخترت العنوان (البعث والموساد والذئب الذي لم يأكل يوسف)، وذلك لغاية في نفس يعقوب!، كما يقولون. وقصة الذئب ويوسف معروفة وردت في التوراة والقرآن، ومفادها أن يوسف كان له 11 أخا، وكان أبوه (النبي يعقوب) يحبه كثيرا مما أثار حسد أخوته وحقدهم عليه، فاتفقوا على أن يلقوه في الجب. وفعلوا ذلك في إحدى رحلاتهم، وادعوا أن أكله الذئب. والحقيقة أن الذئب لم يأكل يوسف. لذلك صار مثلاً، كقولهم في براءة متهم ما بأنه (بريء كبراءة الذئب من دم بن يعقوب). وتبرئة الذئب في هذه الحالة لا تعني أنه تحول من حيوان وحش مفترس إلى حيوان أليف، بل ليبين أن الذئب لم يفترس يوسف كما ادعى أخوته. وبنفس المنطق، فعندما نقول أن الموساد ليس وراء قتل أصحاب الكفاءات من العراقيين، فإننا لا نعني أن الموساد صار جمعية خيرية، وأن إسرائيل دولة مسالمة، بل لكي لا يضيع الحق، ولا ينجح الجاني الحقيقي في اخفاء جنايته وإلقائها على الآخرين. فالبعثيون هم وراء جميع مصائب العراق، وغرضهم من قتل العلماء والأساتذة الجامعيين والأطباء والأدباء هو شل العقل العراقي بعد أن دمروا مؤسساته الاقتصادية والخدمية، ليقولوا للشعب العراقي أن العراق لا يصلح له إلا حكم البعث.

***********************
ملحق
أدناه، تعليق لأستاذ جامعي متمرس، ينشر تعليقات قيمة باسم (أكاديمي مخضرم). وتعليقه هذا نشر على موقع عراق القانون، بعنوان: (صحيح، البعث صاحب المشروع الاجرامي). ولأسباب شخصية تتعلق بسلامته، فضل عدم الإفصاح باسمه الحقيقي، وهذا دليل على إرهاب البعثيين لكل من لا يسير على سكتهم.

صحيح، البعث صاحب المشروع الاجرامي

أكاديمي مخضرم

تحيات من القلب لأخينا المفكر والكاتب العراقي الحر د عبد الخالق حسين - الذي نذر نفسه  لمهمة كبرى في هذا الظلام الاظلم الذي يحاول اعداء العراق لف العراقي به- وهو ايضاح الحقيقه وإنارة وإضاءة الطريق لمخلصي العراق في السير بثبات على طريق بناء دولة القانون والعدالة، دولة الديمقراطية والرفاه والثقافة الانسانية.
نعود لموضوعنا اليوم حول (من قتل ويقتل الاكاديميين العراقيين)، ناهيك عن البقية كالاطباء والمحامين واليوم القضاة.
ان قتل الاكاديميين وباقي المهنيين الضروريين لبناء العراق وتعليمه وصحته وكوادره هو جهة منظمة صاحبة مشروع إستراتيجي أساسي وداخلي، وهذا يعتبر هو القاتل الرئيسي، والبقية خردوات دون التقليل من ضررهم.
البعث حكم العراق 40 سنه منذ 8 شباط  1963إلى 9 نيسان 2003، ولولا القوة الاميركية التي فككت كيانه- وكيان البعث الذي هو دولة العراق وجيشه وقواه الضاربة حينئذ، وتلك الدولة والقوى الضاربة لم تكن عراقية، ولا تعود بأي خير للعراقيين، انها كانت قوى ودولة بعثية شريرة موجهة ضد العراقيين، وضد كل ما هو خير وشريف في العراق والمنطقة والعالم.
ويقال ان البعث أخذ على حين غرة، لذالك فبعد بضعة أيام وأسابيع، اخذ يلملم نفسه ويقرر العودة الى السلطة المفقودة - ليعود ويجعلها نعمة عفلقية صدامية أبدية. وأقولها بصراحة، فقد جلستُ مع بعض البعثيين، ممن كان يخطط لعملية العودة، وكانوا يريدون توريط جهات عراقية أخرى وذالك باسم الوطنية العراقية، وباسم معاداة الاحتلال.
وقد خُدِع بهم البعض القليل، وجاء الاكثر من جانب الشريرين الطائفيين، وجعلوا من حملة عودة البعث قضية دينية، حتى سموا اوكارهم بـ"دولة العراق الاسلامية"، فظهر الزرقاوي، وظهر حارث الوحش الضاري، بل وظهر الجيش الاسلامي بقيادته من ضباط مخابرات صدام، وقواعده من قواعد حزب الاجرام البعثي.
الخطه كانت تنطلق من عدم السماح بأي استقرار في العراق، وإخلاء العراق من الكفاءات، وفي المقدمة الاكاديميين ومعهم الاطباء، ناهيك عن الآخرين. وهكذا كانت الاشارة بقتل رئيس جامعة بغداد الأسبق، المرحوم الدكتور محمد الراوي في عيادته، فقد كان الفقيد يجمع في شخصه الجامعة ومهنة الطبيب. ورغم كونه صديقا للبعث، ولكن كان لقتله صدى أوسع. وهكذا قتلوا البعثية السابقة عقيلة الهاشمي، وأمثالها كثيرين كالدكتور ضياء صافي مكوطر، وهلمجرا، لأنهم رفضوا التعاون مع البعثيين، وفضلوا التكيف مع الوضع الجديد.
الخطه كانت تتضمن عدم السماح للكوادر البعثية السابقة بالتكيف مع الواقع السياسي الجديد، لذالك كان قتل مقصود لكوادر بعثية ارادت- أن تعيش- ولكن البعث كمنظمة مجرمة تخطط للعودة لاختطاف العراق، لا تعرف الرحمة. صحيح ان هنالك بعثيين معروفين مثل محمد طاقه- وليس وحده، تركوا ومع ممتلكات حزب البعث كلية الاقتصاد الأهلية، ومنهم ايضا بعثي كبير كان سكرتيرا لبرزان التكريتي تقلد منصب نائب رئيس جامعة بغداد لأهم القضايا حساسية، هؤلاء كان عليهم ان يكونوا ضباط ارتباط بين الداخل والخارج ولإيصال الرسائل التنظيمية حتى لأزلامهم في اميركا وأوربا، ولكن عملهم الرئيسي هو القتل العشوائي لكل الاكاديميين فطفشوا الآلاف، وحتى اصبح العراق يتعاقد مع اطباء هنود لتقديم بعض الخدمات لمواطنيه.
صحيح ليس فقط الموساد قتل ويقتل العراقيين، بل هناك البرزاني - العائلة الخادمة لكل من يعادي العراق، قتلت العديد من الأكاديميين، خصوصا من بعض الاكراد وبعض التركمان، وخاصة في كركوك بنفس التوجه البعثي للهيمنة.
الموساد شيطان وليس اخرساً او غبياً لأنه يعرف ان العراق يمكنه بعشرة أو عشرين سنة اعادة بناء كفاءاته وقاعدته العلمية، فقتل الكفاءات ليس العلاج، والشياطين العنصريين من الموساد يعرفون ان الجريمة ستنكشف يوما، وربما قريبا، وأنهم لا يريدون تراكم العداوات مع العراقيين، الشعب الحي الوحيد في منطقتنا الى جوار سوريا - مكملة مفهوم بلاد الرافدين في الجغرافية والتاريخ. وهذا ليس تبرئة لذمة المجرمين من الصهاينة العنصريين لأننا للأسف نعمل غالبا بالعاطفة فقط، والموساد يعمل بالطرق العلمية الحديثة.
ولقد انصبت التهم على آخرين ايضا مثل إلقاء قتل الطيارين على إيران، وهذا كذب محض الغرض منه خلق العداوات مع واحد من اعظم شعوب ومجتمعات الشرق، الغني، حاضراً وتاريخياً. ورغم كرهنا ومقتنا لفاشية دولة ولاية الفقيه السفيه، ولكن ولاية الفقيه ليست نهاية العالم إذ لا بد وان سيتوصل شعب وقيادات ايران العظيم الى التخلص من سفاهة واجرامية كل نظام فاشي دكتاتوري عفلقيا كان او باسم ولاية الفقيه.
ان حملة قتل الاكاديميين العراقيين وباقي الكفاءات فشلت إستراتيجيا، والآن على من بيده الحكم في العراق، حتى ولو كان على مستوى وزير التعليم العالي، الدكتور على الأديب، ان يتعظ ويوسع افقه ولا يجعله كأفق البعث الساقط الضيق. عليه أن لا يجعل تطور العلم والبحث العلمي يسيران وفقا لفكر "الحزب القائد"، وبرجال مطبلين مصفقين له ولأيديولوجيته كما كان في عهد البعث، وإنما وكما كتبت له اكثر من مرة، ان ينفتح على العالم الناجح في أميركا وأوربا، وبعض بلدان آسيا مثل كوريا الجنوبية، واليابان. وقد انجز الاستاذ الاديب خطوات هامة نافعة في هذا المضمار، ولكنه لم يتحرر بعد من اولوية التصفيق والأيديولوجية المقيتة. كل الأيديولوجيات الثلاث مقيتة حينما تتحول من معتقدات شخصية الى آليات لإدارة الدولة والمجتمع.
فلتتوحد قوانا من اجل خير العراق، فقد شبعنا، وشبع شعبنا ضيما وعوزا. ألا يكفي اننا ببلد غني، وفي القرن الواحد والعشرين، وشعبنا لا يجد ما يشبع حاجته من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء النظيف.
والسلام عليكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي

مقال ذو علاقة بالموضوع
* عبدالخالق حسين: من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=533



160
من وراء قتل العلماء والأكاديميين العراقيين؟

عبدالخالق حسين

أعرف مسبقاً أن خوض هكذا موضوع حساس وشائك ومعقد يعتبر مجازفة لا تخلو من خطورة توجيه تهمة العمالة إلى أمريكا وإسرائيل، والصهيونية، والموساد، والاستعمار و"الفرس المجوس" وحتى الطائفية وغيرها من الاتهامات الجاهزة. فهذه الاتهامات جاهزة في كل وقت، لترمى بوجه كل من لا يتفق مع ما تنتجه مختبرات الإشاعات البعثية. فالموساد (وكالة المخابرات الإسرائيلية)، معروفة بإمكانياتها التجسسية، وملاحقاتها لأعداء إسرائيل إلى آخر الدنيا!!. وقد تم تضخيم إمكانيات هذه المؤسسة إلى حد الأسطورة، حتى بدت وكأنها فاقت إمكانيات الـ(CIA)!. وقد نجحت إسرائيل حتى في توظيف أعدائها من العرب للمساهمة في بث هكذا دعاية لتضخيم قدرات جهازها الاستخباراتي، وبعملهم هذا، يعتقد العرب أنهم يناضلون ضد إسرائيل ويفضحون أساليبها العدوانية، و يقدمون خدمة لأمتهم العربية، والقضية الفلسطينية، والويل والثبور لمن يشكك في طروحاتهم هذه. بينما الحقيقة هي على الضد من ذلك، إذ يقدمون خدمة مجانية لإسرائيل. والمعروف عن حزب البعث الصدامي أنه خدم إسرائيل وأضر بالقضية الفلسطينية أكثر من أية جهة صهيونية أخرى.

منذ مدة وأنا أستلم عن طريق بريدي الإلكتروني، تقريراً بعنوان: (ما لا تعرفه عن تشريح قضية مقتل 730 عالم وأكاديمي عراقي على يدِ الموساد..  )*.
كما واستلمت رسالة إيميل من صديق عزيز، حذِرٌ جداً من أحابيل البعثيين، مرفقة بنسخة من التقرير نفسه، يسألني عن رأيي في مدى صحته.

التقرير ليس جديداً، ولكن يعاد نشره وتعميمه بين حين وآخر. وبقراءة متأنية، وجدته مكتوباً بعناية فائقة وحرفية عالية في الخبث، مرفقاً بجداول وتخطيطات وصور بيانية، صممت ببرامج كومبيوترية بمهنية، اقتبسها الكاتب من بحث لطبيب عراقي مقيم في بريطانيا، يدعي أنه قدمه في مؤتمر دولي عن مصرع العلماء والأكاديميين العراقيين، دون أن يذكر لنا فيما إذا كان الطبيب العراقي هذا قد اتهم الموساد في هذه الجريمة، أم لا. والجدير بالذكر أن الطبيب الذي يذرف الدموع على القتلى العراقيين من العلماء في المؤتمرات الدولية، هو نفسه شن حملة قبل سنوات يطالب الحكومة البريطانية بعدم قبول المترجمين العراقيين الذين عملوا مع الجيش البريطاني في البصرة كلاجئين، حيث كانوا مهددين بالقتل على أيدي الإرهابيين، وفعلاً قتل العديد منهم لتعاونهم مع الجيش البريطاني كمترجمين ليس غير، وبذلك فكان هذا الطبيب يفضل ترك هؤلاء المترجمين يقتلون في العراق لأنه اعتبرهم خونة يستحقون القتل على أيدي "المقاومة الوطنية"، وربما ليدافع عنهم في المؤتمرات الدولية فيما بعد، واتهام الموساد بقتلهم!!. 
نعم، كتب التقرير بعناية ليوحي للقارئ أنه علمي وموثق لا يقبل أي شك في صحته. وفعلاً حقق نجاحاً لا يستهان به في إقناع البعض وذلك بخلط الحقيقة مع الخيال لتبرئة المجرم الحقيقي وراء هذه الجريمة النكراء بحق العلماء والأكاديميين والأطباء والأدباء العراقيين.

يبدأ التقرير بالفقر التالية:
"هذا ما بقي من علماء وأكاديميي العراق بعد أن نشطت فرق الموت الإسرائيلية ضد علماء العراق منذ أول أيام الاحتلال وأشار آخر فصل كشف عنه يوم الثلاثاء 14/6/2005 من قبل مركز المعلومات الفلسطيني إلى تقرير أعدته وزارة الخارجية الأميركية لإطلاع الرئيس الأمريكي الى قيام عناصر إسرائيلية وأجنبية أرسلت من قبل الموساد بالتعاون مع الولايات المتحدة إلى العراق باغتيال على الأقل 530 عالما عراقيا وأكثر من 200استاذ جامعة وشخصيات أكاديمية أخرى". أنتهى

 الملاحظ هنا، أن الكاتب تجنب ذكر اسمه حتى ولو باسم وهمي، ورغم حرصه على وضع صور وتخطيطات بيانية، والاستشهاد بتقارير أدعى أنها من المركز الفلسطيني، والذي بدوره اأخذ المعلومات من تقرير أعدته وزارة الخارجية الأميركية...الخ. فلو كان التقرير صحيحاً، لذكر لنا الكاتب روابط التقريرين، الفلسطيني والأمريكي على الأقل لنتأكد من مدى صحة هذه الادعاءات، وهذا ليس صعباً في عصر الانترنت. كما تحاشى الكاتب وضع قائمة الضحايا أو حتى جزءً منها، لأن معظمهم من طوائف دينية معينة وبالأخص من الطائفة الشيعية. فلماذا تستهدف الموساد الشيعة والمسيحيين والأيزيديين مثلاً؟ وهل طال القتل العلماء والأكاديميين والأطباء فقط؟ الحقيقة تؤكد أن جميع شرائح المجتمع العراقي تعرضت لحرب الإبادة منذ سقوط حكم البعث الجائر. 

مثال آخر على أساليب البعثيين في التضليل وفق ما يتطلبه المقام (فلكل مقام مقال!) كما يقولون، فقد استلمتُ أيضاً مقالاً بعنوان: (بالدليل المرفق: مفاجأة تحريم الانتماء لحزب الدعوه الاسلاميه!)- لكاتب انتحل اسم: "ابو مهند البغدادي"، حاول فيه تقمص شخصية دينية شيعية من أتباع الشهيد السيد محمد باقر الصدر، جاء فيه:
" استبشرنا خيراً بعد سقوط النظام البائد بقدوم احزاب اسلاميه عريقة الى سدة الحكم وعلى رأسها حزب الدعوة، وكنت اعتبر وصول هذه الاحزاب الى قيادة العراق هو ضرب من الخيال لكن بحمد الله تحقق هذا الحلم وكوني من محبي وعشاق الشهيد الصدر الاول(قدس) فكنت من السائرين والمنظرين والعاشقين لحزب الدعوة الاسلاميه كون اسم هذا الحزب يذكرني بالشهيد الصدر الاول بالاضافه الى احساسي بأن الشهيد الاول بعد هذه السنوات من التضييع والتغييب بدء يتجدد ويولد من جديد بتسلم حكم العراق الحبيب من قبل حزبه حزب الدعوه الاسلامية.. لكن بعد فترة صدمت عندما عثرت على وثيقه تتضمن فتوى من قبل الشهيد الصدر الاول تقضي بتحريم الانتماء لحزب الدعوة الاسلامية واليكم نص هذه الفتوى: (يرجى فتح الرابط).
 http://im13.gulfup.com/2012-05-13/1336908436572.jpg

طبعاً، وكما عودنا هؤلاء، الفتوى بخط اليد مع ختم...الخ، لتوحي بأنها نسخة طبق الأصل!!.
والسؤال هنا، هل يعقل أن الشهيد الصدر الذي يعتبر المؤسس والمنظر لحزب الدعوة في الخمسينات وما بعدها، والذي أعدمه الطاغية صدام مع أخته الشهيدة بنت الهدى في الثمانينات بصورة وحشية، أصدر مثل هذه الفتوى؟ لا شك إذا عرفنا البعث وأساليبه الغوبلزية بطل العجب!

وبالعودة إلى اتهام الموساد بقتل العلماء والأكاديميين العراقيين، أرى من المفيد مناقشة هذا التقرير لنعرف مدى صحته، بغية حماية الرأي العام من التضليل، وإلا صار سهلاً على فلول البعث تمرير أكاذيبهم وإشاعاتهم المغرضة، ليس على الناس البسطاء فحسب، بل وحتى على المثقفين والأساتذة الأكاديميين مع الأسف الشديد. فالإنسان العراقي بحكم حرصه على مصلحة شعبه، وعدائه للموساد والصهيونية، معرض لتصديق مثل هذه الإشاعات، خاصة وأنها تقدم لهم بفضل التقنية المعلوماتية، لتبدو وكأنها حقائق موثقة، حتى صار من الصعوبة التمييز بين الكذب والصدق.

نحن نعرف قدرات البعثيين الهائلة في التضليل، وحتى قبل دخول الانترنت والفضائيات، في توظيف التراث، والذهنية السائدة في المجتمع الذي "يقرأ الممحي!!"، والصراع العربي- الإسرائيلي، وكل شيء لخدمة أغراضهم وبث إشاعاتهم المغرضة. كما ويعرف الجميع كيف يقوم البعثيون بقتل خصومهم ويسيرون في جنائزهم وهم يذرفون دموع التماسيح. كذلك نعرف من هم وراء حرب الإبادة ضد الشعب العراقي، وبالأخص الشيعة منذ 2003 وإلى الآن عن طريق القتل والتهجير القسري. فالبعثيون خبراء في ارتكاب الإرهاب وإلقاء التهمة على خصومهم، بل وحتى على ذوي الضحايا. فقد شاهدناهم بعد كل عملية إرهابية كبيرة، يقومون بتسجيل لقطات فيديو تنقل على اليوتيوب، أعدوا لها مسبقاً على شكل مقابلات مع أشخاص يتظاهرون بأنهم من الناس البسطاء دون سابق معرفة، ليقولوا بالعامية: (هذي التفجيرات ليست من أعمال البعث، ولا القاعدة... عمي يا بعث يا قاعدة!! البعث انتهى من زمان!، هذي من أعمال الحكومة!!) وليوجهوا اصبع الاتهام إلى الحكومة "العملية" وإيران "الفرس المجوس"، وأخيراً وجهوا التهمة إلى الموساد.
فالبعث لم يكتفِ بحرب الإبادة ضد الشعب، وتدمير الركائز الاقتصادية، بل قرروا شل العقل العراقي وذلك بقتل علمائه وأطبائه ومثقفيه، وإلقاء التهمة على إسرائيل وأمريكا.

أخبرني أصدقاء أساتذة جامعيون يسكنون في بغداد، أنهم استلموا خلال السنوات الأولى من سقوط حكم البعث، رسائل تهديد، تخيِّرهم بين القتل أو الرحيل من العراق، في خطة جهنمية للتطهير الطائفي، وإفراغ بغداد من الشيعة. فغادر عدد كبير من الأكاديميين العراق حفاظاً على حياتهم، وقتل العديد من الذين لم يغادروا. ويضيف أحد هؤلاء الأصدقاء، ورغم نفوره من التيار الصدري، أنه لولا وقوف جيش المهدي في وجه حملة الإبادة والتهجير لما بقي في بغداد شيعي واحد. وهذا هو سبب تصاعد شعبية التيار الصدري الذي حصد أكثر من غيره من المقاعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وعندما نؤكد براءة الموساد من قتل العلماء العراقيين، ليس دفاعاً عن الموساد أو إسرائيل، وإنما لأن البعثيين يوجهون التهمة إلى الموساد وأمريكا ليتخذوا من هذه التهمة سلاحاً يرهبون به كل من لا يسايرهم على نهجهم، وهو نوع من الإرهاب الفكري ضده واتهامه بأنه عميل للموساد!.

والسؤال الآخير الذي يجب طرحه هو: لماذا تريد إسرائيل وأمريكا قتل العلماء والأكاديميين والأطباء والأدباء العراقيين دون غيرهم من الشعوب العربية الأخرى، خاصة وقد أصبح العراق في علاقة جيدة مع أمريكا والغرب؟ ولماذا لم تقُم الموساد بقتل العلماء والأكاديميين والأطباء والأدباء المصريين، والجزائريين والأردنيين وغيرهم من العرب؟ لماذا العراق وحده دون غيره؟ الجواب واضح، وهو لا توجد في البلاد العربية الأخرى فلول البعث أزيحوا عن السلطة للقيام بالارهاب انتقاماً من الشعب، بينما العراق مبتلى بهذه الفلول.
والغرض الرئيسي من إلقاء تهمة قتل العلماء على الموساد وأمريكا هو لتبرئة القتلة الحقيقيين، البعثيون وحلفائهم من أتباع القاعدة من قتل العراقيين. هذا هو السبب الحقيقي وراء هذه الحملة. يقتلون العراقيين ويذرفون دموع التماسيح عليهم ويلقون التهمة على غيرهم. هذا هو أسلوب البعث بامتياز.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ما لا تعرفه عن تشريح قضية مقتل 730 عالم وأكاديمي عراقي على يدِ الموساد.. وتخطيط بياني موثق لمن تمّ استهدافهم ولماذا.! - صور بيانية مرفقة
http://www.almorabit.com/main/ar/almorabit-arabic-articles/34-articles-cat-ar/9839--730-.html



161
المنبر الحر / القاعدة في سوريا
« في: 21:49 04/08/2012  »
القاعدة في سوريا

د.عبدالخالق حسين

وأخيراً، اعترف الإعلام الغربي بوجود تنظيم القاعدة في سوريا، وآخر تقرير في هذا الخصوص نشرته صحيفة الغارديان اللندنية *. في الحقيقة لم تكن علاقة منظمة "القاعدة" الإرهابية بسوريا جديدة، إذ دخلتها بسلام آمنين، وبدعوة "كريمة" من الحكومة السورية نفسها، في حلف غير مقدس لقتل العراقيين، والذي  بدأ بين الطرفين، السوري والقاعدة، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ومع تحضيرات أمريكا لقيادة الحملة العسكرية الدولية لإسقاط حكم طالبان في أفغانستان، ومن ثم حملة تحرير العراق من حكم البعث الصدامي، وعندما وضع الرئيس بوش إيران وسوريا ضمن محور الشر وأن دورهما سيأتي بعد صدام. وعندها بدأت الحكومة السورية إيواء أتباع القاعدة ومدهم بالمال والسلاح والتدريب، وإرسالهم إلى العراق لقتل العراقيين الأبرياء لإفشال العملية السياسية على أمل إغراق أمريكا في المستنقع العراقي!! إلى أن أنقلب السحر على الشاطر السوري!!.

نشر السيد غيث عبدالأحد، مراسل صحيفة الغارديان البريطانية في 30/7/2012، تحقيقاً صحفياً وافياً عن تواجد القاعدة في سوريا، ومحاولتها سرقة انتفاضة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد. ففي مقال سابق لنا بعنوان: (هل تعيد أمريكا السيناريو الأفغاني في سوريا؟) أشرنا إلى ما تقترفه أمريكا من أخطاء (كما تبدو لنا)، ارتكبتها في أفغانستان يوم دعمت منظمات الجهاديين الإسلاميين، ومنها القاعدة وطالبان، لإسقاط الحكومة الشيوعية فيها وفق سياسة الحرب الباردة ضد المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفيتي آنذاك. ثم دفعت أمريكا الثمن باهضاً بعد أن هيمنت طالبان على أفغانستان التي صارت حاضنة لمنظمة القاعدة، الأمر الذي أرغمها للعودة إلى أفغانستان وإسقاط حكم طالبان والقاعدة فيها. وها هي أمريكا تعيد نفس السياسة القاتلة في سوريا. فهل حقاً أمريكا بهذا الغباء لتكرر الأخطاء ذاتها؟ سأجيب على هذا السؤال لاحقاً.

التقى مراسل الغارديان بالقيادي القاعدي (أبو خضر) في إحدى ضواحي دير الزور، المحاذية للعراق، ويطلق على أتابعه اسم (الغرباء)، وهم في منتهى الانضباط والطاعة. يقول أن الجيش السوري الحر حاولوا في البداية إخفاء وجود أتباع القاعدة في صفوفهم خوفاً من أن ينكشف أرمهم ويعرف الغرب بهم، ولكن صاروا أخيراً القوة الضاربة ضد القوات الحكومية. وقال القيادي القاعدي أبو خضر لعبدالأحد، بحضور عدد من المعارضين:"إن مسلحيه قدموا المساعدة لمقاتلي الجيش الحر كعربون صداقة وزودوهم بشاحنتين مفخختين، وكانت النتيجة إنفجارات هائلة في القاعدة العسكرية أدت إلى جلاء قوات النظام عن البلدة في اليوم التالي." ويقاتل مسلحو التنظيم الجهادي المتطرف بسرية تامة تحت ألوية الجيش الحر خشية إحداث رد فعل عكسي لمعارضي ايديولوجيتهم."

ويضيف أبو خضر: "في البداية كان عدد المجاهدين قليلاً، والآن، ما شاء الله، مهاجرون كثيرون من أصحاب الخبرة، رجال من اليمن، والسعودية والعراق والأردن. اليمانيون أفضلهم انضباطاً والتزاماً بالدين. أما العراقيون فهم الأسوأ في كل شيء وحتى في الدين". وهنا سأل أحد الحضور: "وماذا تنوون عمله في سوريا، هل أنتم مقدمون على قطع الأيدي وتقيمون نظاماً كما في السعودية؟ وهل هذه هي غاية الثورة التي نقاتل من أجلها؟" أجاب أبو خضر: "هدف القاعدة إقامة الدولة الإسلامية وليس الدولة السورية... الذين يخافون تنظيم القاعدة يخافون تطبيق شرع الله. إذا لم ترتكب إثماً فلا خوف عليك."*

موقف الحكومة العراقية
استغرب كثيرون من الكتاب من موقف الحكومة العراقية غير الداعم للانتفاضة السورية، بل حاول البعض اتهام المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد نوري المالكي بدعم نظام بشار الأسد، وأن هذا تناقض في الموقف العراقي، خاصة وأن بشار الأسد كان يرسل الإرهابيين لقتل العراقيين وإفشال العملية السياسية. وراح البعض يتهم الموقف العراقي أنه استجابة لضغوط إيران حليفة سوريا.

الحقيقة، وحسب معطيات الواقع، وتصريحات المقربين من الحكومة العراقية ورئيسها السيد نوري المالكي، أن المسؤولين العراقيين ليسوا على علاقة حميمة مع نظام بشار الأسد، وأنهم مع حرية الشعب السوري، ولكنهم في الوقت الحاضر هم أمام خيارين، كلاهما شر، وفي هذه الحالة من الحكمة القبول بأقل الشرين. وبالتأكيد فإن نظام بشار الأسد هو أقل شراً على العراق وعلى الشعب السوري من حكم القاعدة على حدوده. وهناك تصريحات من بعض قادة القاعدة في سوريا، أنهم بعد إسقاط البعث السوري، سيستحوذون على الغازات السامة لاستخامها في العراق.

الموقف الأمريكي من القاعدة في سوريا
والسؤال الآخر الذي نود الإجابة عليه هو: هل الإدارة الأمريكية بمخابراتها العملاقة مثل (CIA) غافلة عن وجود الجهاديين في الجيش السوري الحر؟ وهل حقاً أمريكا غبية إلى هذا الحد بحيث تسمح بتكرار السيناريو الأفغاني في سوريا؟

رغم أننا نلوم أمريكا على أمور كثيرة، وأنها بالتأكيد ارتكبت أخطاءً بحق الشعوب، وخاصة في مرحلة الحرب الباردة، وفق مصالحها، ولكن يجب أن لا ننسى أن أمريكا هي دولة مؤسسات بغض النظر عمن في السلطة. وهي لم تصبح الدولة العظمى من لا شيء، وكذلك تفوقها العلمي والفني والعسكري والاقتصادي والحضاري. إن تفوق أمريكا تشهد له ما حصدته من جوائز نوبل في العلوم، والأوسمة والمداليات في الدورات الأولمبية. فهكذا شعب غني في جميع المجالات لا يمكن أن يكون غبياً وينتخب حكومة غبية كما يعتقد البعض. إن نعت أمريكا بالغباء ناتج عن النزعة العدائية للدولة العظمى، وهو من تركة الحرب الباردة، وناتج عن الأفكار الرغبوية (wishful thinking). فالسياسة لا تسير وفق التمنيات والأفكار الرغبوية، بل وفق تخطيط علمي رصين. وكما أشرنا أعلاه، أمريكا هي دولة مؤسسات، تديرها تنظيمات واسعة من الخبراء الأكاديميين المتخصصين الجامعيين في مختلف المجالات. لذلك فليس من المعقول أن أمريكا غافلة عن وجود القاعدة في سوريا، أوأنها تريد تكرار السيناريو الأفغاني في سوريا عن جهل.

إذنْ لماذا تتبع أمريكا هذه السياسية في سوريا؟
أعتقد أن أمريكا تطبق مبدأ: "أضرب رأس الحية بيد العدو". أي توظيف عدو لضرب عدو آخر. وبعد أن يتم القضاء على العدو الأقوى، يسهل القضاء على العدو الآخر مباشرة. وهكذا ساندت أمريكا الجهاديين الإسلاميين بأموال الدول الخليجية لإسقاط النظام الشيوعي في أفغانستان، والذي بدوره استنزف طاقات الاتحاد السوفيتي الاقتصادية والعسكرية، وبالتالي إلى انهياره. ولما انقلب الجهاديون الإسلاميون على أمريكا، أوقعوا أنفسهم في الفخ الأمريكي، خاصة وقد حضت أمريكا بعطف وتأييد العالم بعد جريمة 11 سبتمبر 2001، فشنت حملتها العسكرية على دولة طالبان وقضت عليها بالضربة القاضية وبسهولة. أما استمرار الإرهاب الذي تشنه القاعدة وطالبان فهذا لا يعني هزيمة أمريكا، فالمعركة لم تنتهي بعد، والنتائج تعرف في النهاية وليس في بدية أو منتصف المعركة.

ونفس السيناريو يتكرر الآن في سوريا، فها هي أمريكا تستثمر الطاقات الضاربة والشراسة الكامنة في رجال القاعدة، والجيش السوري الحر، وبتمويل من السعودية وقطر، ودعم من تركيا، لإسقاط نظام بشار الأسد، وعندها ليس من الصعب على أمريكا ضرب القاعدة في سوريا أو العراق أو أي بلد آخر. فالتاريخ القريب يؤكد لنا أن ومصير كل من تمرد على أمريكا بات معروفاً، ابتداءً من صدام حسين، ومروراً ببن لادن ومعمر القذافي... وغيرهم. وبشار الأسد ليس استثناءً.

العنوان الإلكتروني: Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
 الموقع الشخصي: http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تقرير صحيفة الغارديان اللندنية عن وجود القاعدة في سوريا
The Guardian: Al-Qaida turns tide for rebels in battle for eastern Syria
http://www.guardian.co.uk/world/2012/jul/30/al-qaida-rebels-battle-syria?newsfeed=true


162
رايح زايد ويه المالكي!!!

د.عبدالخالق حسين

نشر الأستاذ حسن حاتم المذكور مقالاً بعنوان (ملفات للابتزاز) على مواقع الانترنت بتاريخ 24/7/2012، جاء فيه أن صاحب موقع ينشر فيه منذ عامين، اتصل به وجرى بينهما الحديث التالي:
[" استاذ حسن ... انا احبك واحترمك ... وأنا خايف عليك كلش ... "
ـــ ولماذا الخوف...؟
" لأنك رايح زايد ويه المالكي... " .
ـــ وما علاقة ذلك بكل تلك المخاوف... ؟ .
" اتصلوا بي بعض الأشخاص ... قالوا عندهم ملفات من وزارة الثقافة تتعلق بيك و عبد الخالق حسين ... وسينشروها .. "]
ويضيف الكاتب: "رجوته الا يخاف وشكرته لإيصال الرسالة وتمنيت الا تتكرر .."

لم يذكر السيد الكاتب اسم الشخص أو الموقع، ونظراً لورود اسمي كطرف معرَّض لهذا الابتزاز، رأيت من المفيد أن أدلو بدلوي حول ما يتبناه البعض من أساليب التهديد والوعيد، حيث يقومون بحملة تشويه سمعة كل من لا يسير على سكتهم، وتلفيق شتى الاتهامات ضده بغية تصفيته سياسياً واجتماعياً، وحتى جسدياً إن استطاعوا..، وهذا نهج بعثي بامتياز.
في الحقيقة أنا أيضاً أتصل بي صديق قبل عام، وهو صاحب موقع احترمه ويحترمني أيضاً، وقد أسدى لي نفس النصيحة مع فارق بسيط وهو عدم ذكره "ملفات في وزارة الثقافة سينشرونها قريباً!!" إذ قال أنه تلقى شكاوى من جهات ضدي مفادها أني "رايح زايد ويه المالكي"، ورجاني أن ابتعد عن هذا النهج!! وأن لا أدافع عن المالكي رئيس حكومة الحرامية!!

بطبيعة الحال، ما تعرض له الصديق الأستاذ حسن حاتم المذكور هو نقلة نوعية جديدة في طريقة التعامل مع الرأي الآخر المختلف وحرية التعبير والتفكير، وذلك بالتلويح بالابتزاز، والتهديد بنشر ملفات!!، وهو أمر مؤسف جداً أن يلجأ أناس محسوبين على الثقافة، المفترض بهم أن يكونوا قدوة حسنة في حق الاختلاف في المواقف والأفكار والآراء السياسية، وإذا بهم يلجؤون إلى هذه الأساليب الرخيصة. لقد جربوا معنا مختلف الوسائل، بدءً بحملة المقالات الهجومية المنسقة، والتعليقات البذيئة على المقالات، سواء بأسمائهم الصريحة أو الوهمية، وصولاً إلى الابتزاز بنشر ملفات.. وعلى حد علمنا ليست هناك ملفات، إذ لا علاقة لنا بأية جهة حكومية أو غير حكومية، وإنما نكتب بدافع قناعاتنا ورؤانا الفكرية، ووفق ما تمليه علينا ضمائرنا ومواقفنا الوطنية، فإن وجدت ملفات فلا شك أنها من انتاج مختبرات البعث، كتلك الإشاعات التي تنهال علينا يومياً عن طريق الإنترنت والإيملات.

كذلك، استلم بين حين وآخر، رسائل ومكالمات تلفونية من أشخاص بعضهم أصدقاء وبعضهم معارف، يعتقدون أني تخليت عن علمانيتي وأني (رايح زايد ويه المالكي!!)، بل راح البعض إلى أبعد من ذلك، إذ يتهمني بالطائفية خاصة بعد أن نشرتُ كتاباً عن (الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق) والذي ظهرت طبعته الأولى في العام الماضي، ولقي نجاحاً باهراً حيث نفذ من الأسواق بعد أشهر قليلة من تاريخ نشره. ففي رأي هؤلاء أننا يجب عدم التطرق لأمراضنا الاجتماعية والسياسية، مثلهم كمثل النعامة التي تطمس رأسها في الرمال ظناً منها أنها تحمي نفسها من الصياد.
 
قبل كل شيء، وكما ذكرتُ مراراً أني لم أدافع عن المالكي، وإنما كل دوري يتركز حول رفضي للأكاذيب التي يروجها خصوم العملية السياسية في العراق الجديد. يقول جورج برنادرشو أن بعض الناس إذا رأوا الحقيقة ضده ما يريدون،  فيلجأون إلى الأكاذيب، ومحاربة كل من يتمسك بالحقيقة. وهذا بالضبط ما يحصل الآن في العراق من قبل أعداء الديمقراطية.

لحسن الحظ أني لست وحدي في هذا الصراع، إذ هناك عدد غير قليل من الزملاء الكتاب المتهمين بأننا (رايحين زايد ويه المالكي)، نرى أن من واجب الكاتب الذي يحترم نفسه وقراءه، أن يقف بصلابة وحزم ضد الإشاعة والتلفيقات، إذ لا يمكن أن تبني نظاماً ديمقراطياً على الأكاذيب والإشاعات البذيئة. ففي عصر تكنولوجية المعلومات أصبح من السهل جداً على أي شخص مغرض بث أبشع إشاعة وإخراجها وكأنها حقيقة، ونشرها على أوسع نطاق!! فكلنا نستلم يومياً تقريباً إيميلات ومقالات مدعومة بالصور و"الوثائق" حول الفساد والنهب من قبل المقربين من المالكي لممتلكات الدولة، وشراءهم عمارات وفنادق خمس نجوم تقدر بمليارات الدولارات في دول الخليج وغيرها. فلو كانت هذه الإشاعات صحيحة لأفلست الدولة العراقية ولما كان هناك عراق منذ سنوات.
نعم، هناك فساد مستشري في جميع مفاصل الدولة العراقية، وهي مسؤولية الجميع، ولكن المبالغة في حجم هذا الفساد، وبأرقام فلكية لا يمكن أن أصدقها احتراماً لعقلي وعقول القراء. وعلى سبيل المثال، قرأت قبل أسبوعين، أن ثروة الأخوين، أسامة وأثيل النجيفي بلغت 22 مليار دولار!! دون أن يخبرونا كيف استطاع الشقيقان جمع كل هذه الثروة وبهذه الفترة القياسية؟ وهل عدم تصديقي لهذا الخبر يعني أني صرت أدافع عن الأخوين النجيفي؟

ولدي قائمة طويلة من هذه الافتراءات المضحكة المؤلمة التي لا يصدقها كل ذي عقل سليم، وقد ذكرت العديد منها في مقالات سابقة، ولكن يكفي أن أذكر هنا بعض ما استجد من هذه الأكاذيب في هذه العجالة، فعلى سبيل المثال: وردني من صديق تقرير مصور بعنوان: "بريطانيا تضبط مقتنيات أثرية عراقية مرسلة إلى مقر حزب الدعوة في لندن". ومن قراءة التقرير تعرف أنه صناعة بعثية بامتياز. وقد اعتبره المرسل أنه حقيقة لا شك فيها وذلك بدافع حرصه على الوطن!!

كذلك قرأنا قبل أيام، أن الأموال التي نهبها الإسلاميون في حكومة المالكي تقدر بـ 700 مليار دولار. المشكلة أنه ليس الناس البسطاء وحدهم يصدقون هذا الإشاعات، بل وحتى كتاب مثقفون من وزن السيد نبيل ياسين، على سبيل المثال، والذي كتب قبل أيام مقالاً بهذا الخصوص. وليكون منصفاً وقابلاً للتصديق رفض السيد نبيل ياسين الرقم الفلكي 700 مليار، فقسم المبلغ إلى نصفين، وتمسك بـ 350 مليار كسرقات الحكومة لأموال الدولة. وصلني المقال أكثر من عشر مرات، وأخيراً قرأته لأن المرسل صديق أحترم اختياراته. ولكن بعد انتهائي من المقال، تألمت جداً لنجاح مروجي مثل هذه الافتراءات في اقناعهم حتى المثقفين المخلصين الشرفاء الحريصين على إنجاح العملية السياسية.
لم يسأل أحد هؤلاء الأخوة نفسه، من أين جاء هذا المبلغ الفلكي 700 مليار دولار، أو حتى 350 مليار حسب تقديرات السيد نبيل ياسين؟
تعالوا يا جماعة الخير لنتحاسب!!
قبل عامين، ذكر الدكتور حسين الشهرستاني (وزير النفط آنذاك) أن جميع الواردات النفطية منذ 2006 بلغت 192 مليار دولار. وإذا أضفنا إلى هذا المبلغ مائتي مليار دولار للسنتين الأخيرتين، فيكون المجموع في حدود 400 مليار دولار على أكبر تقدير.
نحن نعرف أن الحكومة تدفع رواتب لنحو خمسة ملايين من العاملين في مؤسساتها، إضافة إلى الملايين من المتقاعدين ومعوقي الحروب والإرهاب..الخ، إضافة دفع المليارات لمشاريع الإعمار، وهذه الدفوعات والرواتب تبلغ عشرات المليارات سنوياً، فإذنْ، من أين جاء الـ 700 مليار أو 350 مليار دولار الذي نهبه المسؤولون في الحكومة؟

نقلت لي سيدة عراقية مقيمة في مصر تعليقاً على مقال لي حول المبالغة في حجم الفساد، أجتزئ منها ما يلي:
[مقالتك اعادت الى ذاكرتي ما حدث في القاهرة على باب القنصلية العراقية...، فلقد ذهبت للقنصلية وكانت لدي معاملة متأخرة نتيجة الاحداث في مصر، وفوجئت ان ميدان الثورة مغلق تقريبا من الاعداد الكبيرة لسيارات المقيمين العراقيين، كلهم مصطف لاستلام منحة الحكومة العراقية والتي كانت 200 دولار لمساعدة اللاجئين العراقيين في مصر، وكان لسان حال كل الموجودين "روحوا استلموا المنحة قبل ما يلغفها الموظفين الحرامية"... وبعد أن شاهدت الوضع أدركت ان قسم من الموجودين لم يكن واقفا لاستلام منحة بل جاؤا لأهداف أخرى .. لتحريك الناس وتحشيدها ضد الحكومة بدعوى انها حكومة سراق. وكان الكثير منهم يتحدث عن مظاهرات عارمة ستزلزل الدنيا في العراق. وحاولت ان ابلغ الشخص الذي كان يبدو مثقفا ان هنالك اختلاف كبير بين الحالة العراقية والحالة المصرية، خاصة وان الحكومة العراقية قد تشكلت قبل اشهر قليلة إلا انه رفض ان يسمع، وتحدث عن الزلزال القادم. ثم قامت جماعة منهم بالهجوم على القنصلية مما استدعى غلقها وقيام مدرعات من الجيش المصري بحمايتها ولسان حال المصريين يقول "هو احنا ناقصيكم انتو  كمان".] انتهى.
فهل هذه السيدة الفاضلة رايحة زايد ويه المالكي؟!!

لا شك أن الغاية من تضخيم حجم الفساد هو اعطاء انطباع للشعب العراقي والعالم أن أنزه نظام جاء لحكم العراق هو النظام البعثي الصدامي، وإظهار الحكومة المنتخبة بأنها فاسدة تستحق الإطاحة بها، وأن الشعب العراقي غير صالح للديمقراطية بعد لذا يجب العودة إلى حكم البعث. نقول لهؤلاء أن نظام البعث الذي تروجون له فشل فشلاً ذريعاً في حكمه، وهو المسؤول عن تدمير العراق خلال 35 سنة من حكمه الجائر، ويكفي أن أذكر مثالاً واحداً على فشله الذريع ألا وهو انهيار قيمة العملة العراقية في عهده. فقبل اغتصاب البعث للسلطة عام 1968 وكان الدينار العراقي يساوي 3.5 دولار أمريكي، وفي أيامه الأخيرة من حكمه صار سعر الدولار يعادل 3500 دينار، يعني صار الدينار العراقي دون سعر الورق الذي طبع عليه، أي إفلاس تام وانهيار مطلق لاقتصاد بلد عائم على بحر من النفط. فهل هناك فساد وفشل أسوأ من ذلك؟

وعندما يتهم كاتب سعودي المالكي بأنه مشروع إيراني، فهل هذه التهمة هي حقاً موجهة ضد المالكي كشخص أم ضد طائفة بأكملها؟ وهو بذلك يسعى لدق الاسفين الطائفي في العراق بغطاء الحرص على الطائفة الأخرى التي تدعي السعودية حرصها على مصلحتها. فهل إذا قمتُ بتفنيد اتهامات هذا الكاتب السعودي يعني أنني (رايح زايد ويه المالكي)، أم أنه واجب وطني لحماية الرأي العام العراقي والعربي من التضليل؟
فما هو دور المثقف في هذا الحالة إذنْ؟ هل عليه أن يركب الموجة ويسير مع التيار ويتخلى عن عقله؟ أليس من واجب المثقف العمل على قول الحقيقة وحماية الرأي العام من التضليل؟
يقول غوبلز: "اكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس، بل وحتى تصدق نفسك". وهذا بالضبط ما يجري في العراق الآن من قبل البعثيين وحلفائهم الجدد والقدامى.

وبالعودة إلى من يهددون بـ"ملفات الابتزاز.."، نقول مشكلتهم أنهم يعيشون في العقلية القديمة التي عفى عليها الزمن، إذ مازالوا يعتقدون أن بإمكانهم خدع الأغلبية بهذياناتهم، وتهديداتهم، وأكاذيبهم، وإشاعاتهم المغرضة، غير مدركين أن الدنيا قد تغيرت ومعها تغير الشعب حيث أدركت الغالبية العظمى من الشعب الحقيقة بفضل التقنية المعلوماتية.
فهناك العشرات من الكتاب الأفاضل، ومعظمهم من خلفيات يسارية، كما كاتب هذه السطور، أدركوا أن المستهدف من هذه الهجمة الشرسة ليس المالكي وحده، بل هو أبعد وأخطر من المالكي، وهو العراق، والعملية السياسية برمتها، لإعادة العراق إلى حكم البعث بنسخته الجديدة الوهابية، وإلى حظيرة محور الشر (السعودي- القطري- التركي) الذي راح يغازل ويستدرج بعض القيادات السياسية مثل بارزاني، وعلاوي، والصدر لهذا الغرض الخبيث. وما احتضان بارزاني للإرهابي طارق الهاشمي، المدعوم من هذا المحور، إلا الجزء المرئي من المؤامرة الخبيثة على العراق.

لقد ذكرنا مراراً أن ما يتعرض له العراق من مؤامرات، يشبه إلى حد كبير ما تعرض له أيام ثورة 14 تموز مع بعض الفوارق بحكم الزمن، مثل انتهاء الحرب الباردة وموقف الدولة العظمى من العراق الجديد. ثم جاء التأكيد على هذا التشبيه من القيادي في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الأستاذ عادل مراد في تصريح له لصحيفة (الشرق الأوسط)، السبت 14 يوليو/ تموز 2012 جاء فيه: "أن العراق يواجه نفس الظروف التي أطاحت بثورة 14 تموز". وانتقد جماعة أربيل وخضوعهم للمحور السعودي-القطري- التركي. وهذا التشبيه أفقد الكتاب المتياسرين، وفلول البعث صوابهم، فجن جنونهم، وراحوا يدبجون المقالات المطولة المملة في محاولة يائسة لنفي التشابه، واكتفوا بالتركيز على نقاط الاختلاف فقط، مرددين نفس المقولات التي حفظوها عن ظهر القلب في مرحلة الحرب الباردة يوم كان العراق ضحية الصراع بين المعسكرين العملاقين. نعم هناك اختلاف عن عهد 14 تموز، ولكن أهم هذا الاختلاف هو أن الدولة العظمى، أمريكا، والدول الغربية الأخرى تقف اليوم معنا لصالح العملية السياسية في العراق، وهذا ما يجعلنا نعتقد أننا نقف على الجانب الصحيح من التاريخ، وأنكم يا حلفاء البعث ضد حركة التاريخ ومصيركم الفشل الذريع.

ملاحظة أخرى جديرة بالذكر وهي، أن المتياسرين الذين يسعون لتدمير العراق باسم العلمانية والديمقراطية "الحقيقية"، حاولوا اتخاذ الحزب الشيوعي هراوة لهم للصدام مع الحكومة ومع المالكي تحديداً، بحجة دفاعهم عن الحزب. وأخيراً أدرك الحزب الشيوعي خطورة الوضع المعقد، وأنه لا يمكن حله بالأساليب الشوارعية الغوغائية والديماغوجية، بل بالحوار البناء والتفاهم، ولكن ما أن التقى وفد من قيادة الحزب برئيس الوزراء حتى وكشف هؤلاء عن حقيقتهم، فانقلبوا على الحزب الذي ملؤوا الدنيا صراخاً في الدفاع عنه وحمايته من "حكم الملالي عملاء إيران"، فراحوا ينتقدون قيادة الحزب بشدة على هذا اللقاء. وبذلك فقد اسفروا عن نواياهم الحقيقية في تأزيم الوضع أملاً في إسقاط الحكومة تنفيذاً لإرادة أولياء النعمة. لقد أثبت هؤلاء أنهم يعيشون على الأزمات، ولذلك يسعون لإدامة الأزمة وصب الزيت عليها وخلق المزيد منها، فهذا ديدنهم منذ العهد الملكي ولحد الآن.

تفيد الحكمة، أن الساكت عن الحق شيطان أخرس. ولكن مع الأسف الشديد، في عصرنا هذا من لا يساير الشيطان فهو مهدد بـ"ملفات الابتزاز...!!" لا شك أن الذي ادعى بوجود ملفات ضدنا في وزارة الثقافة فقد فضح نفسه، لأن هذا يدل على إنه هو على علاقة وطيدة بتلك الوزارة، ونحن في هذه الحالة نتمنى على هذا الشخص أو الأشخاص، أن ينشروا تلك الملفات بأسرع وقت ممكن. فنحن واثقون من أنفسنا أننا مفكرون مستقلون، ولن نتخلى عن استقلاليتنا ونهجنا الوطني مهما حاول المتطفلون على الثقافة، ابتزازنا. فكما بينا أعلاه، لقد استخدموا معنا مختلف الوسائل لجرنا إلى مواقفهم، منها الحوارات الودية، ثم تقديم "النصائح الأخوية!!"، وأخيراً لجؤوا إلى التهديد بـ"ملفات الابتزاز". وهذا هو الإرهاب الفكري بكل معنى الكلمة، وهو دليل على إفلاسهم الفكري والسياسي والأخلاقي. ونحن بدورنا نؤكد لهم أننا لم ولن ولا نخضع لأي ابتزاز، فمحاولاتهم اليائسة البائسة هذه تزيدنا إصراراً على الثبات على مواقفنا الوطنية الصائبة التي نؤمن بصحتها، ودليل على هزيمتهم، فمثلهم كمثل من يبصق نحو السماء ويمسح وجهه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- حسن حاتم المذكور: ملفات للابتزاز...!!
http://www.akhbaar.org/home/2012/7/133378.html

2- قيادي كردي: العراق يواجه نفس الظروف التي أطاحت بثورة 14 تموز ...
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12282&article=686337

3- ملحق
وصلني تعليق قيم من الأستاذ علي الأسدي، على الموضوع، وإني أشكره على سماحه لي بنشره وباسمه الصريح، جاء فيه ما يلي:
اقدر عاليا اصرارك في الدفاع عن العراق شعبا ووطنا ومقدسات، برغم  السهام الكثيرة التي اصابتك بسبب ثباتك وعدم انصياعك. ان  طريقة تفكيرنا ووزننا كشعب لا يستكين ولا ييأس رغم ما أصابه من ظلم هو ما يستهدفه  المعسكر الرجعي المتخلف المكون من بلدان الخليج بقيادة قطر والسعودية، وللأسف وكما تفضلتَ ان الكثيرين من مثقفي هذا الزمن النتن لا يشعرون بخطورة المرحلة التي يمر بها العراق. ومثالك عن الوضع في العراق قبل انقلاب البعث عام 63 هو خير اشارة وتذكير لأولئك، لعلهم يدركوا قبل فوات الأوان أن البديل القادم  لا يخرج عن نموذجين: إما ديكتاتورية دموية بعثية، أو ديكتاتورية إخوانية بوحي من السعودية وتركيا. 
بعد زيارة قصيرة لي لبغداد كتبت لصديق انطباعاتي عنها، لم تكن متفائلة ولا متشائمة، ومما ذكرته له أن آلاف السيارات الحديثة في الشوارع، وهي ظاهرة لا تدل على فقر أو مجاعة، وأن  بائعة الخبز ومنظفات المنازل وعمال القمامة أصبحوا يستخدمون الموبايل، وهو ليس مزاحا، فربات البيوت  بالفعل يتصلن بالخبازة  لتزودهم بالخبز، وكذلك موزعي الحليب، ومنظفات المنازل عن طريق الموبايل. لقد أرسل لي الصديق ذاك رسالة قال فيها بعد زيارتك لبغداد عدتَ دعوجي (يعني صرت من حزب الدعوة)، وأدعى أن ملايين الناس تسكن المقابر وليس لها ما تأكله...؛ ولم يتصل بي بعد ذلك مع  أني لم أذكر اسم المالكي أو حزب الدعوة أو أشيد بالحكومة التي وصفها بعميلة ايران. أن معرفتي بذاك الصديق تمتد الى منتصف السبعينيات. فليس غريبا عزيزي دكتور عبد الخالق أن تسمع ما سمعته،  ففي عالم اليوم بكل ما فيه من تقدم علمي وسياسي وثقافي فيه أيضا ضيق أفق وجحود وقلة حياء.
تقبل تحياتي وتقديري
اخوكم
علي الأسدي   .


163
هل ما حدث يوم 14 تموز ثورة أَم انقلاب؟

د.عبدالخالق حسين


مقدمة
تمر علينا هذه الأيام الذكرى الرابعة والخمسين لثورة 14 تموز المجيدة. وفي هذه المناسبة تتوفر الفرصة لأنصار الثورة وخصومها للمساهمة في الكتابة عنها، خاصة بعد أن تحرر شعبنا من نظام البعث ومعاناته الطويلة. والملاحظ أن خصوم الثورة، التقليديون والجدد، راحوا ينتقصون منها ويحملونها تبعات جرائم البعثيين الصداميين، علماً بأن الثورة كانت الضحية الأولى لهؤلاء الفاشيست.

هناك فريقان يحاولان الطعن بما بثورة 14 تموز 1958، الفريق الأول، ويضم الخصوم التقليديين وهم أنصار الملكية من الذين استفادوا من ذلك العهد، وتضرروا من الثورة، من اقطاعيين وملاك العقارات، وذوي المناصب والطبقة الحاكمة. وحجة هؤلاء أن النظام الملكي كان ديمقراطياً واعداً بالخير، فقام العسكر بوأده وجلبوا علينا الكوارث وفتحوا باب الانقلابات وحكم العسكر، وكأن العراق لم يعرف الانقلابات العسكرية قبل هذا الحدث.
أما الفريق الثاني، فهم من الذين رحبوا بالثورة وصفقوا وطبلوا لها في البداية، ولكن بعد أن تم ذبح الثورة يوم 8 شباط 1963، وإدخال البلاد في نفق مظلم من الكوارث، تنكروا لها، وراحوا يلقون اللوم عليها في كل ما أصاب العراق بعد ذلك اليوم الشباطي الأسود. وهذا الفريق هم الأخطر، إذ يحاولون الظهور بمظهر الموضوعية والعلمية والحيادية، واليسارية...الخ، ولكن في حقيقة الأمر هم قصيرو النظر، يطلقون أحكامهم بتأثير العاطفة ليس غير.

يخطأ من يعتقد أن ما حدث يوم 14 تموز كان نتاج مؤامرة قام بها نفر من الضباط العسكريين الطامعين بالسلطة، بل كان حتمية بسبب الأوضاع الشاذة في العهد الملكي، (راجع مقالنا: أسباب ثورة 14 تموز، الرابط 1و2 في الهامش). وقد تنبأ بالثورة وحرض لها كثير من المثقفين من مختلف الاتجاهات، وعلى رأسهم شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، والشاعر معروف الرصافي وغيرهما.

هناك بديهية مفادها أن كل مرحلة تاريخية هي وليدة المرحلة السابقة، وإذا ما استنفدت المرحلة شروط وجودها تنتهي لتفسح المجال لمرحلة جديدة. لذا، فمن نافلة القول أن بذور ثورة 14 تموز نمت في رحم العهد الملكي نفسه. والبديهية الأخرى هي أن الثورات لا يمكن تفجيرها "حسب الطلب" أو بفرمان من أحد، وإنما هي نتاج شروط موضوعية من تراكمات ومظالم ومتطلبات سياسية واجتماعية واقتصادية تلح بالتغيير، وعندما تنتفي الوسائل السلمية الديمقراطية لتحقيق التحولات المطلوبة، وتتوفر لها الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، عندئذِ يحصل التغيير بالعنف الدموي وما يصاحب ذلك من هزات عنيفة، واضطرابات خطيرة في المجتمع، بغض النظر عن النتائج والعواقب، وهل هذه الثورة تواصل مسيرتها أم تفشل.

 وفي هذا الصدد يقول المفكر الأمريكي بيتر دروكر في في كتابه الموسوم: (عصر القطيعة مع الماضي): "أن الثورة لا تقع ولا تصاغ ولكنها (تحدث) عندما تطرأ تغييرات جذرية في الأسس الاجتماعية  تستدعي (إحداث)  تغييرات في البنية الاجتماعية الفوقية تتماشى مع (التغييرات) التي حدثت في أسس البنية المجتمعية، فإن لم يُستَبقْ إلى هذه الأحداث، تنخلق حالة من التناقض بين القواعد التي تتغير وبين البنية الفوقية التي جمدت على حالة اللاتغيير. هذا التناقض هو الذي يؤدي إلى الفوضى الاجتماعية التي تقود بدورها إلى حدوث الثورة التي لا ضمانة على أنها ستكون عملاً عقلانياً ستثمر أوضاعاً إنسانية إيجابية." (من كتاب: إعادة البناء التربوي للعراق، دكتور محمد جواد رضا).

مفهو الثورة والانقلاب
لقد تطرقت أكثر من مرة إلى هذا الموضوع نظراً لأهميته، ولكن مع ذلك يطلع علينا بين حين وآخر، نفر من الكتاب يرددون نفس الأطروحة، واصفين ما حدث يوم 14 تموز بالانقلاب العسكري ويلقون عليها باللائمة على كل ما حصل للعراق في عهد البعث الصدامي. لذا أرى من الضروري العودة لهذا الموضوع لتوضيح هذين المصطلحين (الانقلاب والثورة)، ولو بإيجاز شديد، من أجل إزالة الالتباس والتشويش في فهم ما حصل يوم 14 تموز 1958 وتحديد موقفنا منه. فماذا حصل بالضبط في ذلك اليوم التاريخي الفاصل بين مرحلتين مختلفتين كل الاختلاف في تاريخ العراق الحديث: هل كان انقلاباً كما يرى الخصوم؟ أم ثورة كما يرى الأنصار؟

لقد أسيء استخدام هذين المصطلحين (الثورة والانقلاب) أيما إساءة وذلك بناءً على الموقف العاطفي لا الموضوعي، الذي يتخذه الشخص مما حدث في ذلك اليوم، فإن كان مؤيداً له استخدم كلمة ثورة، و إن كان معارضاً، قال أنه مجرد انقلاب عسكري جلب علينا الكوارث!. إن هذين المصطلحين، الإنقلاب والثورة، لهما مدلولاتهما العلمية والتاريخية، يجب عدم ترك استخداماتهما للعواطف التي هي عادةً نتيجة خيبة أمل.

الإنقلاب Coup، يعني تبديل رجال الحكم فقط، إما بالعنف المسلح، وغالباً بعملية عسكرية military coup، مثل الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق بكر صدقي عام 1936 في عهد الملك غازي. أو ما يسمى بانقلاب القصر coup d'état، يقوم رجال من نفس الطبقة الحاكمة بعملية تغيير الحكام نتيجة للصراعات فيما بينهم على السلطة، مثل ما قام به نوري السعيد على رئيس الوزراء أرشد العمري بعد انتخابات 1954 حيث فاز 11 نائباً من المعارضة من مجموع 135 نائباً، فلم يتحمل نوري السعيد هذا العدد القليل من المعارضين في البرلمان، فقام بانقلاب القصر بعد 24 ساعة من خطاب العرش. المهم أن في كلتا الحالتين، انقلاب القصر أو الانقلاب العسكري، تكون العملية غير مصحوبة بأي تغيير للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

أما الثورةRevolution ، فهي عملية تبديل الحكام وقد يتم بالعنف المسلح أو بدونه، ولكن بالضرورة تكون مصحوبة بتغيير النظام السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي. فالمهم هنا تغيير القاعدة الإقتصادية والإجتماعية وتطورها من مجتمع قبلي متشظي ذو سمات شبه إقطاعية في الريف وعلائق كومبرادورية في المدينة، إلى مجتمع قائم على تعددية الأنماط الاقتصادية نحو العصرنة والتحديث وبالتالي تغيير الفئات الحاكمة من حيث جذر الإنتماء الطبقي.

وعليه، ماذا حصل في يوم 14 تموز وما تلاه؟
إن "الحدث" الذي حصل في ذلك اليوم يجب أن ينظر إليه من منظورين أساسيين، الأول، موقف الجماهير الشعبية منها، هل كانت الجماهير ضد الحدث أو معه، متفرجة أو مؤيدة له بحماس؟ الثاني، ما حصل من تغييرات بعد ذلك اليوم بسبب الحدث في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصداية.
فبالنسبة لموقف الجماهير، ما أن أذيع البيان الأول لـ"لحدث" حتى ونزلت الجماهير من أقصى العراق إلى أقصاه في الشوارع والساحات، مؤيدة بحماس منقطع النظير لما جاء في البيان. وفي هذه الحالة، وكما يقول حنا بطاطو: كانت العملية انقلاباً عسكرياً في لحظة وقوعها، ولكن حولتها الجماهير في لحظات إلى ثورة جماهيرية التحمت فيها الجماهير بالقوات العسكرية المسلحة، الأداة المنفذة للعملية. والجدير بالذكر أن القيادة العسكرية للثورة كانت على اتصال وتنسيق وتفاهم مع قيادة جبهة الاتحاد الوطني التي كانت تضم الأحزاب الوطنية المعارضة.

أما ما حصل من تغيير بسبب ذلك الحدث، فقد حصل ما يلي: اسقاط النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، وتبنى سياسة عدم الإنحياز، وإلغاء جميع المعاهدات الاستعمارية الجائرة المخلة بالاستقلال الوطني، والخروج من الأحلاف العسكرية (حلف بغداد)، وتحقيق الإستقلال السياسي التام والسيادة الوطنية الكاملة، وتحرير الاقتصاد والعملة العراقية من الكتلة الإسترلينية، وإلغاء حكم العشائر، والنظام الاقطاعي، وتحرير الملايين من الفلاحين الفقراء من سيطرة الإقطاعيين بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وتحرير 99.5% من الأراضي العراقية من سيطرة الشركات النفطية الاحتكارية بإصدار قانون رقم 80، وتحرير المرأة بإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، وازدهار الصناعة، وبناء عشرات الأحياء السكنية للفقراء، والتفاف الجماهير حول قيادة الثورة وحماية منجزاتها…وغيرها والقائمة تطول… (راجع مقالنا: منجزات ثورة 14 تموز) (3).
وبعد كل هذه المنجزات والتغييرات التي حصلت في المجتمع العراقي بعمق، هل من الموضوعية بشيء تسمية ما حدث في ذلك اليوم بالانقلاب؟ لذلك نعتقد أنه لا يمكن لأي باحث منصف إلا وأن يعترف بأن ما حصل في يوم 14 تموز 1958، كان ثورة بكل معنى الكلمة.

ولعل أدق شهادة بهذا الخصوص جاء من المستشرق الفرنسي المعاصر البروفيسور مكسيم رودنسون الذي قال: بأن "ثورة 14 تموز العراقية هي الثورة الوحيدة في العالم العربي"، وأيد ذلك بقوة الموضوعية الباحث البروفيسور في العلوم السياسية حنا بطاطو عندما سأل: "هل ترقى أحداث 14 تموز (يوليو) إلى مستوى الثورة أم أنها مجرد انقلاب؟ ويجيب قائلاَ: "والواقع إن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة، يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف... والواقع إن 14 تموز أتى معه بأكثر من مجرد تغيًر في الحكم. فهو لم يدمرً الملَكية أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية فحسب، بل أن مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثر بعمق. ولقد دمرت إلى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ، ملاكي الأراضي، ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعياً موقع العمال المدنيين، والشرائح الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغير كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لانتقال الملكية من ناحية، ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية، وإدخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية أخرى [4]. لذا فإننا ننظر إلى إنجازات الثورة بالإرتباط إلى ما حققته من تحولات كبيرة في المجتمع العراقي، وبقيت تأثيراتها حتى اليوم رغم الثورات المضادة." فهذه هي شهادات الباحثين الموضوعيين المحايدين بحق ثورة 14 تموز المجيدة.

ومن كل ما تقدم، نستنج أن ما حصل في يوم 14 تموز 1958 كان ثورة حقيقة بكل معنى الكلمة. أما كون الثورة أغتيلت بانقلاب 8 شباط 1963، وما حصل بعد ذلك من كوارث فاللوم يقع على عاتق المجرمين الفاشيين الذين استفادوا من ظروف الحرب الباردة، فكانت الثورة ضحية لتلك المؤامرات القذرة. ولكن مع الأسف الشديد هناك حتى من المحسوبين على اليسار راحوا يلقون باللائمة على الضحية بدلاً من إلقائها على المجرمين الحقيقيين، ألا وهم متآمرو 8 شباط الأسود.

ومهما قيل عن هذه الثورة وقيادتها الوطنية، فإنها تعتبر الحدث الأهم في تاريخ العراق الحديث، ويبقى قائدها شهيد الوطنية العراقية، الزعيم عبدالكريم قاسم خالداً في ضمير الشعب، كرمز للوطنية والنزاهة والإخلاص للشعب والوطن.
المجد والخلود لثورة تموز وشهداء الحركة الوطنية الأبرار.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- د.عبدالخالق حسين: أسباب ثورة 14 تموز 1958 الحلقة الأولى
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/?news=468

2- د.عبدالخالق حسين: أسباب ثورة 14 تموز 1958 الحلقة الثانية
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=469

3- د.عبدالخالق حسين: منجزات ثورة 14 تموز 1958
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=389

4- - حنا بطاطو، الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية في العراق، ج3، ترجمة عفيف الرزاز، ط1، مؤسسة الأبحاث العربية-بيروت، ص 116.


164
دلالات فوز المرشح الإسلامي في مصر

د.عبدالخالق حسين

يعتبر يوم 24/6/2012 يوماً مشهوداً في تاريخ الشعب المصري، وثورات الربيع العربي. ففي هذا اليوم أعلنت اللجنة العليا للانتخابات، نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز المرشح الإسلامي الدكتور محمد مرسي بنسبة 51.73%، وخسارة المرشح العلماني الدكتور أحمد شفيق بفارق قليل جداً حيث حصد ما نسبته 48.27% من مجموع المشاركين في عملية التصويت. وهذا دليل على نزاهة وعدالة الانتخابات.
فلأول مرة في تاريخ مصر تختفي نسبة 99.99% التي كان يفوز بها الرؤساء السابقون، ولأول مرة في تاريخ الشعوب العربية يقدم المرشح الخاسر التهنئة لمنافسه الفائز دون الطعن والتشكيك بالنتائج، وهذا خروج على التقليد العربي، لذلك فالدكتور أحمد شفيق حقق سابقة يستحق عليها الثناء والتقدير منا جميعاً. وهذه تعتبر خطوة كبيرة إلى الأمام في رحلة الألف ميل لتحقيق الديمقراطية التي ناضل من أجلها الشعب المصري بثورته يوم 25 يناير 2011، ودفع شباب الثورة تضحيات جسام بدمائهم الزكية.

وكديمقراطي ليبرالي، كنت أتمنى فوز المرشح العلماني، الدكتور أحمد شفيق، رغم ارتباطه بنظام حسني مبارك. ولكن الخير ما اختاره الشعب المصري الذي نقدم له التهنئة الحارة بهذه المناسبة المباركة، متمنين له المزيد من الانتصارات في طريق الديمقراطية والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. كما ونهيب بأنصار الديمقراطية أن يحترموا رأي أغلبية الشعب، وما تفرزه صناديق الاقتراع حتى ولو كانت النتائج ضد رغباتهم وتمنياتهم، فهذه هي الديمقراطية.

لقد أثبتت ثورات الربيع العربي أن العنف الذي يرافق التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية يتناسب طردياً مع قسوة وجور الأنظمة الدكتاتورية، أي كلما كان النظام أكثر جوراً، كان التحول أكثر عنفاً ودموية. ففي تونس ومصر كانت العملية مصحوبة بأقل ما يمكن من العنف الدموي مقارنة بما حصل في العراق واليمن وليبيا وسوريا. وهذا يدل على أن الرئيسين المخلوعين، التونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك، كانا أقل جوراً وقسوة من نظرائهما من الحكام العرب الجائرين المخلوعين والذين في طريقهم إلى السقوط.

 وكما ذكرنا في مقالات سابقة، أن الطريق الوحيد لتجنب العنف في مرحلة الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية هو إذا قام رأس النظام المستبد نفسه بعملية التحولات الديمقراطية تدريجياً. ولكن هذا نادراً ما يحصل في التاريخ، لأن الحاكم المستبد مدمن على السلطة، ومن الصعوبة أن يتنازل عن سلطاته وامتيازاته بإرادته الحرة. وحتى هذا الأسلوب لو حصل، فهو غير مضمون للتحول السلمي، لأنه حالما يبدأ المستبد بإرخاء قبضته، حتى وتتسارع الأحداث وتنطلق الجماهير للمطالبة بالمزيد من الحقوق، ويفقد المستبد السيطرة عليها فينهار نظامه ويحدث الطوفان والغليان.

دلالات فوز المرشح الإسلامي
إن فوز المرشح الإسلامي، الدكتور محمد مرسي، له دلالات عديدة ومهمة، منها أن الشعب المصري هو شعب محافظ ومتدين، وقد استفاد الإسلام السياسي من النزعة الدينية لدا الجماهير المصرية، لاسيما وأن حزب الأخوان المسلمين هو الحزب الوحيد العريق والمنظم بشكل تراتبي هرمي، وانضباط حديدي. والدلالة الثانية، أن هناك تطور سريع حصل في وعي الشعب المصري خلال أشهر قليلة، وذلك بتغيير موقفه من الإسلام السياسي، ففي الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حقق الإسلاميون (الأخوان المسلمون والسلفيون) فوزاً ساحقاً حيث حصلوا على نحو ثلثي أصوات الناخبين، وثلثي مقاعد البرلمان (مجلس الشعب)، بينما انخفضت هذه النسبة في الانتخابات الرئاسية للمرشح الإسلامي إلى النصف تقريباً (51.73% ) من الذين شاركوا في التصويت، علما بأن الذين أدلوا بأصواتهم يشكلون نصف من يحقهم لهم التصويت، والذين تغيبوا عن التصويت هم في غالبيتهم من العلمانيين، لأن المؤيدين للإسلاميين يعتبرون المشاركة في الانتخابات فرض عين واجب عليهم. وهذا يعني أن الذين صوتوا للمرشح الإسلامي يمثل نحو ربع من يحق لهم التصويت. لذلك فمن المؤكد أن سبب خسارة المرشح العلماني هو امتناع غالبية العلمانيين عن المشاركة في التصويت لعدم قناعتهم بالدكتور أحمد شفيق بسبب ارتباطه بالنظام السابق، وما رافق الحملة الانتخابية من دعاية مضادة له أن فوز شفيق يعني عودة نظام مبارك من الشباك!!

وبعملية رياضية بسيطة، نعرف أن شعبية الإسلاميين هبطت خلال أشهر قليلة من ثلثي المصوتين في الانتخابات البرلمانية إلى نحو ربع في الانتخابات الرئاسية، أي أن نحو ثلاثة أرباع الذين يحق لهم التصويت لم يصوتوا للرئيس الفائز. وهذا انتصار للعلمانيين.
لذا، فعلى العلمانيين الساخطين على فوز المرشح الإسلامي، والذين لم يشاركوا في التصويت، أن لا يلوموا إلا أنفسهم، إذ كان عليهم المشاركة بكثافة من أجل دحر الإسلاميين، حتى ولو كان المرشح العلماني دون طموحهم. فالسياسة فن الممكن، ولا يمكن تحقيق ديمقراطية ناضجة  بسرعة، أما سياسة (كل شيء أو لا شيء) فدائماً تؤدي إلى لا شيء. على أي حال، هذه هي الديمقراطية، يجب على جميع الأطراف احترام نتائجها.

الديمقراطية تصحح أخطاءها
ينقل عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق تشرتشل قوله: "أن الحكومة الديمقراطية هي ليست الحكومة المثالية الفاضلة، ولكن لحد الآن لا توجد حكومة أفضل منها". وهذا يعني أن الحكومة الديمقراطية ليست معصومة من الأخطاء، بل وحتى الجرائم، ولكن الديمقراطية تمتلك آلية تصحيح أخطائها، وذلك بفضح الأخطاء والجرائم التي ترتكب باسمها. فالديمقراطية لا تعني الانتخابات لمرة واحدة، بل تعاد بشكل دوري، عادة كل 4- 5 سنوات، وإذا ما فشلت القوى السياسية التي انتخبتها الأغلبية في حل مشاكل الشعب، والالتزام بوعودها فسوف تخسر في الانتخابات اللاحقة. والجدير بالذكر أن فوز الإسلاميين في الانتخابات في البلاد العربية هو رد فعل الجماهير لفشل الحكومات العلمانية المستبدة في حل مشاكل الشعب المتفاقمة، في الوقت الذي رفع فيه الإسلام السياسي شعار (الإسلام هو الحل). لذلك، فالتجربة خير برهان، ولا يمكن إقناع الجماهير بعدم قدرة الإسلاميين على حل المشاكل إلا بوضعهم على المحك، أي بوضعهم في الحكومة وتحمل المسؤولية.

إن المشاكل التي يواجهها الرئيس المصري الجديد وحكومته، كبيرة جداً، ومنها: الانفجار السكاني، والأزمة الاقتصادية، إذ كما صرح السيد سامي رضوان، وزير مالية سابق لراديو بي بي سي، أن نسبة البطالة نحو 12% حسب الأرقام الرسمية، ونحو 42% من الشعب دون خط الفقر. وكان لدى الحكومة رصيد من العملة الصعبة بنحو 45 مليار دولار قبل الثورة الشعبية، هبط إلى نحو 15 مليار الآن، والسياحة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المصري شبه متوقفة الآن. والمعروف أن الإسلاميين يصدون السواح الغربيين، لذلك، فالإسلام السياسي هو أعجز من أن يحل مشاكل الجماهير الاقتصادية المتفاقمة، إضافة إلى موقف الإسلاميين السلبي من الأقباط والمرأة رغم تأكيدات الرئيس المنتخب في كلمته عقب إعلان فوزه عكس ذلك لطمأنة الرأي العام. فمن نافلة القول أنه لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي بدون الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق دولة المواطنة، ومعاملة جميع المواطنين بالمساواة أمام القانون دون أي تمييز ديني أو عرقي أو جندري.

ماذا لو كان أحمد شفيق هو الفائز؟
اعتقد أنه لحسن حظ الشعب المصري، والديمقراطية، والدكتور أحمد شفيق أنه لم يفز، فلو كان الدكتور شفيق هو الفائز لرفض الإسلاميون النتائج، وخرجوا في انتفاضة مسلحة على غرار ما حصل في الجزائر عام 1992، ولأغرقوا الشعب المصري بأنهار من الدماء. لذا ففي فوز المرشح الإسلامي الدكتور مرسي فوائد كثيرة و(رب ضارة نافعة)، منها: حقن للدماء، ووضع الإسلاميين على المحك أي في موقع المسؤولية، وعلى الأغلب سيفشلون فيما وعدوا به من حلول لمشاكل الفقر والبطالة. والمطلوب من القوى العلمانية الديمقراطية منح الإسلاميين الوقت الكافي (مدة سنة على الأقل)، وهذا لا يعني أن يحلوا مشاكل مصر خلال سنة، بل كاختبار لهم ليثبتوا حسن نواياهم وقدرتهم على الإيفاء بوعودهم، وعلى الأغلب سيفشلون لأن المشاكل الاقتصادية المتفاقمة هي أكبر من قدراتهم المحدودة، خاصة وأنهم يريدون إعادة المجتمع إلى الوراء 1400 سنة، وحل مشاكل اليوم المعقدة، بقوانين وضعها السلف قبل 14 قرناً.
إن فوز المرشح الإسلامي وإن بدا لنا خسارة كبيرة للعلمانيين، وأمر غير مرحب به، إلا إنه فيه جوانب إيجابية كثيرة، إذ كما قال آدم سميث: "نتائج غير مقصودة لأفعال مقصودة، ولكن في نهاية المطاف ستكون في صالح المجتمع".
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواد ذات علاقة بالموضوع
1- تقرير موقع بي بي سي: اللجنة العليا للانتخابات تعلن فوز محمد مرسي برئاسة مصر
http://www.bbc.co.uk/arabic/middleeast/2012/06/120624_egypt_election_result.shtml

2- مرسي دعوتنا سلفية والشيعة أخطر على الإسلام من اليهود
http://www.youtube.com/watch?v=8eewsii6Nb8&feature=youtube_gdata_player

3- مطالب السلفيين أمام مرسي: طرد الشيعة والبهائيين وهدم الاهرامات
http://www.elaph.com/Web/NewsPapers/2012/6/744787.html?entry=editorchoice

4- عبدالخالق حسين: فوز الإسلاميين، نعمة أَمْ نقمة؟
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=498

165
هل الحل في حكومة الأغلبية؟

د.عبدالخالق حسين

أثبت التاريخ أن الديمقراطية في أي بلد في العالم لم تتحقق بسهولة، بل عبر مخاض عسير، وفي معظم الحالات بعملية جراحية، عن طريق الحروب والثورات والانتفاضات المسلحة، لأن الحاكم المستبد لن يتنازل عن سلطته ونفوذه طوعا، ليمهد للانتقال التدريجي السلمي إلى النظام الديمقراطي بسلاسة ودون هزات عنيفة. ولا الشعب المحكوم طوال تاريخه بالظلم والجور قادر على ممارسة الديمقراطية عند ولادتها وتطبيقها بسهولة. لذلك فالمرحلة الانتقالية من الاستبداد إلى الديمقراطية الناضجة لا بد وأن تكون مليئة بالاضطرابات والآلام إلى أن يتدرب الشعب على ممارستها، وتصبح الديمقراطية جزءً من ثقافتها الاجتماعية، وهذا ما حصل حتى في الدول الديمقراطية العريقة.

ومما يزيد الطين بلة في حالتنا العراقية، أن حكم البعث أعاد الشعب العراقي إلى ما قبل نشوء الدول والأمة، فأحيى فيه القبلية والعشائرية التي أصدرت ثورة 14 تموز  شهادة وفاتها بإصدار قانون إلغاء حكم العشائر عام 1958. ولكن باغتصاب البعث للسلطة عام 1968، تم بعث القبلية والعشائرية، وتحويل العراق إلى إتحاد عشائري، وصار صدام حسين شيخ المشايخ. كذلك وزع البعث ظلمه على الشعب العراقي حسب انتماءاتهم القبلية والأثنية والطائفية، إضافة إلى انتعاش النزعة الدينية، وبالتالي ظهور الإسلام السياسي، فمن الطبيعي في هذه الحالة أن يجد الناس ملاذهم الآمن بالتخندق في القبيلة والعشيرة والطائفة والأثنية. وكل هذه العوامل تعتبر معوقات للديمقراطية.

لقد رأت القابلة الأمريكية التي أشرفت على ولادة الديمقراطية في العراق، أن تُشرِك لأول مرة جميع مكونات الشعب العراقي وكياناته السياسية في الحكم دون إقصاء أو إستثناء، وحسب ما تفرزه صناديق الاقتراع. ولكن المشكلة، أن هناك بعض الشركاء شاركوا في العملية السياسية لإفشالها وإعادة التاريخ إلى الوراء. وقد أثبتت تجارب السنوات التسع أن هناك كتل سياسية مشاركة في السلطة، وتهيمن على معظم الوزارات الخدمية، ولكنها في نفس الوقت تعمل على شل عمل الحكومة، ونهب الثروات، وحرمان المواطنين من الخدمات، والعمل على نشر الفساد المالي والإداري بغية إثارة تذمر الشعب ضد الحكومة المنتخبة التي يشاركون فيها بحصة الأسد، وليثبتوا للمواطنين أن الديمقراطية لا تصلح للعراق، ولا يمكن حكمه إلا بحكم البعث المستبد، وقائد سياسي مثل صدام حسين بالقبضة الحديدية.

في الحقيقة، عمل حزب البعث خلال 35 سنة من حكمه الجائر على تأكيد وتكريس هذا الاعتقاد (عدم ملائمة الديمقراطية للشعب العراقي) في صفوف الشعب، وذلك بتفتيت النسيج الاجتماعي، والتجهيل المتعمد، ونشر ثقافة العنف، وروح الاستسلام والعدمية، وإضعاف النزعة الوطنية، وجعل المواطنين يعتقدون أنه لا مناص لهم من الاستسلام التام لحكم البعث، واعتباره كالقدر المكتوب، وبالتالي لا يمكن حكم هكذا مجتمع متشرب بالعنف إلا بالقبضة الحديدية، وبالتالي لا تصلح الديمقراطية للشعب العراقي.

إن مشاركة جميع الكتل السياسية من مختلف أطياف الشعب دون استثناء أو إقصاء، في (حكومة الشراكة الوطنية الشاملة) لا يخلو من إيجابيات، فهكذا حكومة تضم ولأول مرة في تاريخ العراق، كل الكتل السياسية التي تمثل جميع مكونات الشعب وأطيافه وفق ما تفرزه صناديق الاقتراع. ولكن الجانب السلبي لهذه الحكومة، أن نسبة كبيرة من المشاركين فيها غرضهم من المشاركة هو شل الحكومة وإفشال العملية السياسية وإعادة التاريخ إلى عهد البعث الصدامي وتحت مختلف الواجهات والذرائع.
 
يقول المفكر الهندي Amartya Kumar Sen ، الحائز على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 1998: "يجب ألا نسأل أنفسنا هل شعب ما مؤهل للديمقراطية أم لا، وإنما يجب أن نعرف أنه لا يصبح أي شعب مؤهلاً للديمقراطية إلا من خلال ممارسته لها. لذلك، فالديمقراطية هي ليست الغاية فحسب، بل والوسيلة لتحقيقها"، أي لا يمكن تحقيق الديمقراطية في بلد ما إلا من خلال الديمقراطية نفسها، وفي هذه الحالة لا بد من وقوع أخطاء، والشعوب تتعلم من أخطائها.

وهذا ما نلاحظه في التجربة العراقية. فمنذ سقوط حكم البعث الفاشي إلى اليوم، وخلال تسع سنوات، ورغم الحملات الإعلامية العربية الظالمة لتضليل الشعب العراقي، والرأي العام العربي والعالمي، وتشويه صورة الديمقراطية والحكومة المنتخبة، إلا إن الأحداث بدأت توقظ الشعب العراقي، فبدأ العراقيون يدركون ما يحاك ضدهم، ويميزون بين السياسيين المخلصين للعراق، وأولئك الذين يريدون  به شراً، ويعيدونه إلى العهد البعثي الصدامي، وخدمة لمصالح بعض دول الجوار، ولأغراض شخصية وفئوية، وطائفية، وعنصرية على حساب المصلحة الوطنية.
 فهؤلاء الشركاء لهم قدم في السلطة وأخرى في المعارضة، بل وحتى في الإرهاب. وقد أثبتت السنوات الماضية أن هكذا حكومة لا يمكن لها أن تنجح في تقديم الخدمات، وتوفير الأمن والاستقرار والتخلص من الفساد والإرهاب، لأن في هذه الحكومة وزارات تابعة لكتل سياسية معادية للديمقراطية، تعمل على شل عمل الحكومة، أي أن نصف الحكومة يشل عمل النصف الآخر، فلا بد في هذه الحالة أن تكون المحصلة صفر. وهذا ما حصل كنتيجة لحكومة تضم جميع الكيانات السياسية، المؤيدة والمعادية للديمقراطية دون تمييز.

ما الحل؟
لا يمكن للحكومة أن تراوح في مكانها لتسع سنوات على حساب المواطن الذي يدفع الثمن، وحرمانه من الخدمات والعيش بكرامة رغم توافر الأموال الهائلة. فطالما فشلت (حكومة الشراكة الوطنية الشاملة)، يجب تجربة البديل الآخر، وهو (حكومة الأغلبية). فالمعروف في الأنظمة الديمقراطية، أن لا بد من معارضة ديمقراطية تحت قبة البرلمان من نواب الكتل السياسية غير المشاركة في السلطة، وخارج البرلمان من منظمات المجتمع المدني، و الصحافة الحرة التي تمثل الرأي العام، تراقب نشاط الحكومة والأحزاب عن كثب، وتحاسبها على كل صغيرة وكبيرة. وبدون هذه المؤسسات لا توجد ديمقراطية.

وما يشجع على تشكيل حكومة الأغلبية، والتخلي عن حكومة المشاركة الشاملة، أن هناك عدد غير قليل من نواب كتلة "العراقية" والتيار الصدري، والتحالف الكردستاني، أدركوا ما يحاك ضد العراق الديمقراطي الفيدرالي من مؤامرات قذرة من قبل السعودية وقطر وتركيا وغيرها، وأن المستهدف هو مستقبل العراق والديمقراطية. لذا نشاهد بروز حراك سياسي لإعادة اصطفاف القوى السياسية في تحالفات جديدة. لذلك فشلت محاولات (جماعة أربيل) بقيادة (البرزاني-علاوي- الصدر-النجيفي- الهاشمي) وبتحريض ودعم ومباركة السعودية وتركيا وقطر، في سحب الثقة من رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، كما قرأنا ذلك في رسالة فخامة رئيس الجمهورية السيد جلال طالباني*.
لذا فالحل الأنسب، في رأينا ورأي الكثيرين من السياسيين والكتاب، هو تشكيل حكومة الأغلبية.

والجدير بالذكر، أن هناك من يدعي أن (حكومة الأغلبية) هي حكومة تكريس الطائفية، ولكن هؤلاء أنفسهم ملئوا الدنيا ضجيجاً بوصف (حكومة الشراكة الشاملة) بحكومة المحاصصة الطائفية والعنصرية. فهؤلاء في جميع الأحوال هم ضد أية حكومة منتخبة، أغلبية أو شاملة، لأن غرضهم هو إفشال العملية السياسة برمتها وباسم الديمقراطية. ووفق الاصطفافات الجديدة التي يمكن تشكيل حكومة الأغلبية تضم ممثلين عن جميع أطياف الشعب دون استثناء. لذلك، فالادعاء بأن حكومة الأغلبية تعني عزل مكونة أو طائفة معينة إدعاء باطل وهراء فارغ، القصد منه تكريس شل الحكومة.

خلاصة القول، إن حكومة الأغلبية المنسجمة تعمل بانسجام أفضل بكثير من حكومة الشراكة الشاملة المتنافرة، نصفها يشل النصف الآخر.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ـــــــــــــــــــــ
 * نص رسالة طالباني للقادة المطالبين بسحب الثقة من المالكي
http://almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=65097:2012-06-16-06-36-32&catid=42:2009-05-23-11-31-27&Itemid=214


166
حول دور الأنصار في إسقاط الفاشية البعثية
د.عبدالخالق حسين

مقدمة
التحاور بين المثقفين في المسائل الخلافية مسألة طبيعية ومفيدة، خاصة إذا التزم المتحاورون بأدب الحوار، وكان غرضهم الوصول إلى الحقيقة، وتنوير الرأي العام، وخدمة القضية التي يختلفون عليها، وفي حالتنا هذه هي الأزمة العراقية المحتدمة. ولذلك أدخل بين حين وآخر في جدال مع بعض الكتاب الذين يردون على مقالاتي، ويلتزمون بأدب الحوار، وآخرهم كان الأستاذ دانا جلال، مشكوراً.

ولكن المشكلة تبرز، حينما يدخل على الخط أناس متطفلون على الثقافة والسياسة، فيتعاملون في جدالهم مع الاختلاف الفكري والسياسي كعداء شخصي، وعلى طريقة البلطجة البعثية، إذ يلجأون إلى المهاترات والشتائم، وإطلاق ألقاب بذيئة على من يختلفون معهم! وفي هذه الحالة، من الأسلم للمثقف الجاد أن يتجاهلهم، فهم يسلكون هذا السلوك الفج لأنهم لا يمتلكون القدرة على مواجهة الحجة بالحجة، وهو دليل على إفلاسهم الفكري والسياسي والأخلاقي، لذلك يلجأون إلى التأليب والشتائم والبذاءات، وهذا كل ما عندهم، إذ كما تفيد الحكمة: "الإناء ينضح بما فيه".

منذ مدة، وأنا أتعرض لحملة مسعورة منسقة على غرار "فزعة عرب"، من قبل أيتام البعث وحلفائهم الوهابيين، والبعض من المحسوبين على اليسار،لا لشيء إلا لأني أدافع عن العملية السياسية والديمقراطية الوليدة في عراق ما بعد صدام في محاولة منهم لفرض نوع من الإرهاب الفكري. يحسب هؤلاء أنفسهم متحضرين وتقدميين، بل وحتى ديمقراطيين!! والحقيقة، ما هذه الصفات التي يدعونها إلا غشاءً خفيفاً تختبئ تحته صلافة وجلافة ذلك البدوي المحروم من نعمة الثقافة.

تواجه الديمقراطية الوليدة في العراق حملة ضارية لوأدها، تحالفت عليها مختلف القوى السياسية في الداخل والخارج، ودول الجوار، مثل إيران وتركيا والسعودية وغيرها (وسوريا سابقاً قبل أن ينقلب عليها السحر على الساحر)، تشبه تماماً ما تعرضت لها ثورة 14 تموز وقيادتها الوطنية (1958-1963) من مؤامرات. وكل ذلك يتم تحت شعار حماية الديمقراطية لمنع عودة الدكتاتورية والأنفال وحلبجة وغيرها من كوارث الأنظمة الفاشية.

إن عملية تدمير الديمقراطية بغطاء ديمقراطي ليست جديدة، وهي تشبه ما كان يجري في مرحلة الحرب الباردة، عندما أسست الاستخبارات الإيرانية (سافاك) في عهد الشاه حزباً شيوعياً مزيفاً موازياً لحزب (تودة) وبنفس الاسم، جعلت منه فخاً لاصطياد الشيوعيين، والقضاء على الحركة الشيوعية في إيران، وحققت في ذلك نجاحاً لا يستهان به. كذلك أسست وكالة المخابرات الأمريكية (CIA) أحزاباً ماركسية مزيفة في دول أمريكا اللاتينية لضرب الحركات الماركسية الحقيقية. وها نحن نشهد اليوم نفس السيناريو يتكرر في العراق من قبل منظمات وقوى سياسية محسوبة على اليسار، وقوى تقدمية وديمقراطية، وقعت في نفس الفخ، تقوم بخدمة أجندات سعودية وتركية وإيرانية، وقوى داخلية بعثية خسرت مواقعها في احتكار السلطة، همها الوحيد تدمير العملية السياسية، وحجتهم في ذلك أن حكومة بغداد ليست بمستوى حكومة سويسرا والسويد، ولمنع قيام دكتاتورية جديدة وتكرار الكوارث!!

عودة إلى موضوعة الأنصار
طرح الأخ دانا جلال في رده الأول على مقال لي، دور الأنصار الشيوعيين في إسقاط حكم البعث الفاشي، قائلاً:  "حقيقة لا نعرف أي خندق اختار الدكتور عبد الخالق حسين فترة النضال ضد الفاشية، ولكني اجزم بأنه لم يكن في ذات الخندق الذي كان فيه اغلب الحاضرين لمؤتمر التجمع العربي، حيث كان عددا كبيرا منهم ضمن فصائل الانصار الشيوعية ضد الفاشية او في الخلايا السرية لأحزاب اليسار العراقي والعربي."
فأكدت له أن مواصفاته للنضال ضد الفاشية، إذا كانت صحيحة، فهي تنطبق عليَّ أيضاً، لأني في ذلك الوقت كنت منتمياً للحزب الشيوعي العراقي، وعندما تركت الحزب في منتصف الثمانينات وأنا في بريطانيا، انتميت إلى (التجمع الديمقراطي العراقي) الذي كان على يسار الحزب الشيوعي في التسعينات، وله حضور متواضع مع الأنصار في كردستان. ...الخ
وأوضحت للأخ الكريم، ومع احترامي للذين كانوا ضمن فصائل الأنصار، وتقديري العميق لتضحياتهم، إلا إن العلاقة بين قوات الأنصار، وقوات الحركة الكردستانية لم تكن سلسة، ولا على انسجام دائم، بل كانت معقدة تتراوح بين المد والجزر، وحتى شابتها فترات اقتتال بينهم، راح ضحيتها أبرياء، كما حصل في مجزرة بشت آشان. كذلك حصل أيام الجبهة "العتيدة" في السبعينات، أن اصطف الأنصار الشيوعيون مع القوات البعثية الفاشية في خندق واحد لمحاربة قوات بيشمركة الكردية. وفي التسعينات استنجد السيد مسعود بارزاني بصدام حسين ودعاه لإرسال قواته لاحتلال أربيل، وتحريرها من قوات غريمه السيد جلال طالباني... وحصل ما حصل من مآسي ضد قوات المعارضة يندى لها الجبين.

كذلك نقرأ بين حين وآخر، مقالات لكتاب، ورسائل وتعليقات لقراء، عملوا ضمن فصائل الأنصار الشيوعيين، يعربون فيها بمرارة شديدة عن تذمرهم من تلك التجارب القاسية التي خاضوها بنوايا حسنة، ولكن نتائجها كانت مخيبة لآمالهم، وما عانوه من حلفائهم، وحتى على أيدي قادتهم الشيوعيين.

ذكرتُ في مقالات سابقة أني لم أؤمن بالكفاح المسلح. ومع الأسف الشديد كان اليساريون يؤمنون باستنساخ التجارب مثل التجربة الصينية الماوية، والكوبية الكاستروية، والجيفارية وغيرها، ولا يبالون بالتضحية بحياة رفاقهم، حتى ولو كانوا من أكاديميين غير مؤهلين لحمل السلاح والاقتتال في كردستان، أو أي مكان آخر. وبذلك فقد ضحوا بكوادر علمية ما كان يجب الإفراط بها، ناهيك عن المواطن العادي الذي انتمى للحزب من أجل العدالة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أعرف من الضحايا الدكتور محمد بشيِّش، الطبيب الذي كان لاجئاً مع عائلته في عدن في الثمانينات، لبى نداء الحزب ليلتحق بقوات الأنصار، فترك عائلته هناك ليُقتل في مجزرة بشت آشان. كذلك الدكتور سلمان (مسيحي من الناصرية)، أستاذ في جامعة القسطنطينة في الجزائر، استجاب لنداء حزبه للالتحاق بالأنصار، قتل من قبل دورية تركية في المثلث بين سوريا وتركيا والعراق وحتى قبل أن تطأ قدمه كردستان العراق والتحاقه بالأنصار. والسؤال هنا: ما الذي حققته حركة الكفاح المسلح من التضحية بهؤلاء الأبرياء وأغلبهم شباب في أوج عطائهم؟

وهل حقاً ما تحقق للشعب الكردي من حرية وأمان فيما بعد كان نتيجة الكفاح المسلح من قبل البيشمركة والأنصار؟
إذا أردنا الإنصاف، ودون التقليل من تضحيات المناضلين ونواياهم الطيبة، فالحقيقة المرة التي لا يريد الاعتراف بها الأستاذ دانا جلال ورفاقه، هي أن الجهة التي فرضت (منطقة الملاذ الآمن) وطردت القوات العراقية البعثية من كردستان عام 1991، كانت أمريكا وبريطانيا "الاستعماريتين!!"، ومن ثم قادتا التحالف الدولي وحررتا كل العراق من الفاشية عام 2003. هذه الحقيقة لا يجب نكرانها، وإلا نقع في خانة نكران الجميل لمن أحسن إلينا. كثيراً ما يردد أعداء تحرير العراق، والبعض من اليساريين بدافع العداء لأمريكا، أن الأخيرة لم تسقط حكم البعث الصدامي لسواد عيون العراقيين، بل لمصالحها، وهذا صحيح. ولكن أليست السياسة وراء المصالح؟ فما الخطأ لو استثمر العراقيون هذا التحول في الموقف الأمريكي لمصلحة الشعب العراقي؟

رسالة من نصير شيوعي سابق
وتأكيداً لما تقدم، أرى من المفيد أن أنشر هنا رسالة استلمتها قبل أشهر من أحد الأنصار الشيوعيين، أرمز له بالحرفين: (ع.ح.) تعقيباً على مقال لي في هذا الخصوص وتأييداً له، أنشرها على حالها، دون أن أجري عليها أي تعديل عدا تصحيح بعض الأخطاء المطبعية والنحوية، والترقيم (punctuation)، وهذا نصها: 

تحية الى الاستاذ عبد الخالق حسين المحترم
المقالات والبحوث التي تنورنا بها، فعلآ تستحق الاحترام والتقدير لاحتوائها على البراهين والحجج ارجو ان تنور قراءك بالمزيد. اليوم قرأتُ لك مقالة بعنوان: (حول حملة الاستخبارات العراقية ضد الشيوعيين) وذكرتَ فيها اربعة اسباب لعزل الحزب وفشله في الانتخابات.
سيدي عندي بعض الملاحظات قد تكون نتوشات لمقالتك، واذا كنتُ مخطئآ أرجو ان تسامحني لان السياسة اصبحت صعوبة الفهم والادراك للسياسين على الخصوص، فكيف على عامة الناس، الله لهم العون.عنوان ملاحظاتي اطلق عليها اسم( مشوار من حياتي). وقبل ان ادخل في الموضوع ارجوك ان تسامحني على الاخطاء والصياغة لأنني لست كاتبآ ولا أديباً:
أولاً، استاذي انت تطرقتَ الى شباط والشباطيون في امكنة كثيرة عبر مقالاتك وبحوثك، فلا اريد الدخول الى هذا الموضوع. فالشيوعيون اصبحوا خارج الزمن، ولم يستفيدوا، لا من تاريخهم الطويل، ولا من حاضرهم. هل يعقل انسان يدعي الوعي ان يضع تاريخ احتفالي في يوم من ايام شباط الأسود؟ زوجتي عيد ميلادها 4 شباط، احتفل معها دائماً ولكنها تراني مهموماً، فتسألني ما بك؟ لا اجيبها لأنها اجنبية لا تفهم حتى وان شرحت لها السبب، فكيف للناس الذين فقدوا وتعذبوا في هذا الشهر. زوجة ابي من موروث الاسود لهذا الشهر، كم من الذين فقدوا حياتهم وأحباءهم في شباط الأسود، لماذا لم يتعظوا بعد ان عرفوا ان فليح الجبوري بطل عرس الدجيل، قائد مظاهراتهم في ساحة التحرير، وممثل الاستاذ علاوي في الدفاع عن حقوق الانسان والمساجين؟

ثانياً، الانتخابات: سيدي كيف اسمح لنفسي ان انتخب فرسان 8 شباط بقيادة السيد علاوي عندما دخل حميد مجيد موسى معه في قائمة واحدة في انتخابات 2005؟ اعرف عشرات من اصدقائي اليساريين احجموا عن التصويت او اعطوا اصواتهم الى الاحزاب الدينية. اما الاكراد اليساريون 90% منهم صوتوا على مشروع ونهج مسعود برزاني...عندي صديق اعرفه لأكثر من 27 سنة في موسكو وشمال العراق من اهالي الكوت، بعد المؤتمر رأيته وفي يده كتاب احمر صدر في نيقوسيا عام 1995على ما اعتقد، اراد احد الرفاق أن يلتقط فقط عنوانه او اسمه. يقول الطلفح عبد الرزاق ان هذا الكتاب يسوى أفكاركم، والرفاق الحضور على الاطلاق خريجو معاهد عليا. سيدي كما قلتُ، فإنني عشت 6 سنوات في كردستان في الثمانينات أيام الحرب العراقية- الإيرانية، وكان الايرانيون يصولون ويجولون مع ادلائهم من جماعة مسعود، يفتحون الطرق 3 الى 10 امتار عن مقراتنا، لم يتصدى لهم أحد او نعترض على هذا التصرف من قبل الايرانيين والقيادة الكردية على الاطلاق. 
وبعد اي هجوم ايراني تعم الفرحة فيما بينهم عسى وان يسقط النظام. اتذكر في معارك الفاو قلت لهم هذا لا يجوز انها مطاحن بنا وباخواننا، اقصد الجنود العراقيين، كان احد اعضاء اللجنة المركزية مسيحي يستهزئ من القتلى، وبعدها عرفتُ ان اخي من ضمن مطاحن الفاو.
في احدى المرات كنت في ذلك اليوم خبازاً، فاعتاد الرفاق، ومن ضمنهم اعضاء المركزية لأخذ رغيف من الخبز الحار نتيجة الجوع، فكان أحدهم دائماً يتلاطف معي بالحديث، فبدأ الحديث معي بجد في ذلك اليوم، وكنت اعمل واسمع ماذا يريد، فقال: انت خوش ولد، قلت انا اعرف نفسي شكرآ، فقال: انت مكانك مو هنا، شنو رأيك ان تذهب الى الداخل للعمل هناك؟ أجبته على السريع: انني ثرثار وفوضوي مع العلم انا نقيض كفاحكم المصلخ، لا اؤمن به، فكيف تريدني ان اعمل في العمل السري في الداخل؟
بعد هذا اللقاء بعدة سنوات التقيت بهذا الرجل الذي دعاني للعمل السري في الداخل، التقيته في بهو معهد الإستشراق في موسكو ينتظر زوجته مع مشرفها لتحظير رسالتها العلمية، فبدأ الحديث قائلاً: الآن يتطلب منا العمل سويا لدعم النظام والدفاع عن الوطن. فقلت له: انت الذي دعوتني بالأمس للذهاب للعمل السري لإسقاط النظام، واليوم تدعوني لدعم النظام.. كيف الآية تغيرت؟؟.
فهذه هي قيادتنا التي يجب دعمها في الانتخابات وأصبحوا قيادة يداً بيد مع علاوي ومسعود .(انتهت الرسالة).
********************
تعليق
أتمنى من الأخوة الشيوعيين وأصدقائهم أن لا يتهموا صاحب الرسالة بالتخاذل أو الثرثرة، أو أنه يحمل ذهنية برجوازية أو فلاحية متذبذبة، كما عودونا على هذه الأقوال في مثل هذه الحالات. أعتقد أن الرجل، ورغم إمكانياته البسيطة في الكتابة، عبَّر بعمق، وبمنتهى الصدق عن واقع الحال، أفضل ألف مرة من المقالات المطولة المملة التي يتشدق بها المتحذلقون وأدعياء الثقافة والمعرفة، والمصابون بإسهال الكلام. أتمنى عليهم، وخاصة أولئك المتحذلقون الذين يستخدمون البذاءات في جدالاتهم، أن يعترفوا بالحقيقة، إذ كما عبر صاحب الرسالة السيد (ع.ح.) بصدق، أنهم خارج الزمن.

abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي


167
مؤتمر التجمع العربي لنصرة الشعب الكردي أم لنصرة حكامه؟

د. عبدالخالق حسين

نظمت جماعة من المثقفين العراقيين العرب، مؤتمراً في أربيل بتاريخ 4-5/5/ 2012 باسم (مؤتمر التجمع العربي لنصرة القضية الكردية)، وهو موقف محمود أن ينتصر العرب لأخوتهم في الوطن والإنسانية إذا ما تعرضوا للاضطهاد كما كانوا في العهود السابقة. ولكن عقد هكذا مؤتمر وفي هذه الظروف، ,والمكان والزمان ومصدر التمويل، وبعد أن تحرر الكرد من اضطهاد الحكومات المركزية في بغداد،  أثار تساؤلات كثيرة حول النوايا الحقيقية الخفية من وراء هذا العمل، ليس لدا بعض الكتاب العراقيين العرب فحسب، بل وحتى من قبل كتاب أكراد، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ هفال زاخويي، وهو رئيس تحرير صحيفة الأهالي الليبرالية، الذي نشر مقالاً بعنوان: (أصدقاء الشعب الكردي أم أصدقاء النظام السياسي الكردي؟)(1)

فهل حقاً عقد هذا المؤتمر لنصرة الشعب الكردي أم لنصرة حكامه؟
لقد بدأت التحضيرات لعقد هذا المؤتمر تزامناً مع الحرب الكلامية التي شنها السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان على الحكومة الاتحادية في بغداد، وتحديداً على رئيسها السيد نوري المالكي، رافقتها تحركات البارزاني المتواصلة على شكل سفرات إلى السعودية ودول خليجية أخرى، لقاءات لمنافسي المالكي على رئاسة الحكومة مثل السيد أياد علاوي، ومستعطفاً مقتدى الصدر، وعمار الحكيم وغيرهما من قادة الكيانات السياسية في التحالف الوطني في محاولة منه لعزل المالكي وشق التحالف الوطني (الشيعي). وقبل هذه اللقاءات قدم البارزاني دعمه إلى طارق الهاشمي وأعوانه، المطلوبين من القضاء في بغداد بتهمة الإرهاب وقتل العراقيين. وبذلك جعل البارزاني اقليم كردستان ملاذاً آمناً للإرهابيين الفارين من وجه العدالة من المتهمين بقتل العراقيين.

والسؤال الذي طرحناه في مقال سابق ونعيده اليوم، هو: ما الذي أثار حماسة السادة منظمي المؤتمر لدعم البرزاني ضد المالكي والحكومة الفيدرالية المركزية؟ وهل كان حقاً من أجل الدفاع عن حقوق الشعب الكردي وهو يتمتع الآن بأوسع الحقوق الممكنة في جميع مراحل تاريخه وفي المنطقة، إضافة إلى دور الكرد في حكم العراق ككل؟؟ فأين كان هؤلاء يوم تعرض الشعب الكردي إلى حرب الإبادة من قبل نظام صدام حسين، مثل حملة الأنفال وحلبجة وغيرها؟ والسؤال الآخر هو: أي قسم من الشعب العراقي يتعرض الآن لحرب الإبادة وبدعم من السعودية وتركيا وإيران ويحتاج إلى نصرته؟ أليس هو القسم العربي؟

إن ما يجري الآن في العراق هو أن الضحية تلبست بلبوس الجلاد، والسيد البارزاني وأنصاره في (التجمع العربي لنصرة الشعب الكردي) وجهوا سهامهم نحو الهدف الخطأ، وفي الزمن الخطأ، فغايتهم إضعاف الدولة العراقية بحجة منع ظهور صدام آخر في المستقبل، بينما الحقيقة الناصعة التي يراها كل منصف وذي بصر وبصيرة هي أن مسعود البارزاني أنضم إلى القوى التي تسعى لتدمير الدولة العراقية، بعد أن حقق نجاحاً باهراً في تأسيس دولة كردية قوية ضمن الدولة العراقية الضعيفة التي اتخذ منها مجرد غطاء لحماية دولته من الابتلاع من قبل إيران وتركيا، مستغلاً انشغال عرب العراق بالصراعات الطائفية الغبية، إذ كما قال الأستاذ طلال شاكر في مقاله القيم في هذا الخصوص، المنشور على الحوار المتمدن: ((أن كردستان الآن هي دولة حقيقية داخل دويلة العراق الهشة، والأكراد يتحكمون بمصيرهم ومصير بغداد ،وقادتهم مترعون بكأس الغرور وفائض القوة مستعرين بهوس قوماني جارف ولا أدل من ذلك تصريحات السيد مسعود البارزاني المتكررة والقادة الاكراد الابتزازية التي باتت لأغلبية العراقيين معروفة وموثقة وممجوجة.. وبإيجاز، أقول لم تعد هنالك قضية كردية عراقية بالمعنى النمطي التاريخي ليجري مؤازرتها أو تشكيل تجمع يتداعى لنصرتها. ومفهوم (القضية الكردية) مفهوم عائم وفكرة مصطنعة في الظروف الحالية ،ولو كان الامر يتعلق مثلاً بتجمع عربي لنصرة التجربة الديمقراطية في كردستان لهان الأمر، ويمكن تفهمه في ضوء الاجتهاد المفتوح..)). (2).

لقد انتصر الشعب الكردي بنضال أبنائه ودعم المجتمع الدولي له بقيادة أمريكا وبريطانيا في عام 1991 عندما جعلوا من كردستان الملاذ الآمن لشعبه، وحرروها من سلطة الفاشية البعثية، يوم كان الشعب العراقي في الوسط والجنوب يتعرض لحرب الإبادة، حيث قتلت القوات البعثية نحو 700 ألف من أبناء الانتفاضة، وقسَّم النظام العراق إلى محافظات بيضاء ومحافظات سوداء.

نعم، الشعب الكردي يحتاج اليوم إلى أصدقاء لنصرة قضيته، ولكن ليس بتحريض حكومة الإقليم على الحكومة الفيدرالية، بل بمطالبة حكامه بدعم الديمقراطية واحترام حقوق الانسان في كل العراق وبالأخص في كردستان. ونحن نعلم أن معظم الذين حضروا المؤتمر كان دافعهم الخير وبنوايا حسنة، وبتأثير من شعارات براقة خادعة، ظاهرها نصرة الشعب الكردي، وباطنها زعزعة الوضع في العراق وإضعاف الحكومة الفيدرالية. فهل قدم المؤتمرون نصائح أخوية سليمة إلى حكام كردستان، أن الديمقراطية لا تقوم على قمع المتظاهرين كما حصل في السليمانية ومناطق أخرى من كردستان في العام الماضي، حيث قوبلت التظاهرات بالرصاص؟ وهل قالوا لهم لا يجوز في الديمقراطية اغتيال صحفي شاب مثل سردشت عثمان، وسجن أستاذ جامعي مثل الدكتور كمال قادر لثلاثين سنة لأنهما انتقدا العائلة الحاكمة في أربيل؟ وإذا كانت كردستان تنعم بالأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي كما يدعي رئيس الإقليم، وأن حكام بغداد فاشلون ويغارون من نجاح حكومة الإقليم، فهل سأل المؤتمرون: إذَنْ، لماذا مازال الكرد يفرون إلى الدول الغربية بحثاً عن الأمن والعيش بكرامة؟ ولماذا طالب السيد البارزاني الحكومات الغربية بعدم إعادة اللاجئين الكرد إلى كردستان؟

كان المفروض بالسادة في حكومة كردستان وأصدقائهم في التجمع العربي دعم الديمقراطية في العراق، والفيدرالية في كردستان وليس إضعاف الحكومة المركزية في بغداد، خاصة وهم يعرفون أن عهد الدكتاتورية قد ولىّ إلى غير رجعة، ولكن قصر النظر هو الذي دفع السيد مسعود البارزاني إلى اختلاق المشاكل والأزمات مع الحكومة الفيدرالية، والوقوف إلى صف أعداء العراق مثل السعودية وقطر وتركية، وذيول هذه الحكومات داخل العراق مثل قادة كتلة "العراقية"، فهؤلاء لا يريدون للعراق خيراً.

والملاحظ أيضاً أن عراب المؤتمر يتهم كل من يوجه نقداً له أو لمؤتمره، أنه من كتاب السلطة ووعاظ السلاطين!!. والآن ثبت للجميع من هم كتاب السلطة ووعاظ السلاطين. فالسلطة هي سلطة سواءً في بغداد أو في أربيل. ونحن نؤكد أننا لسنا بصدد دعم جماعة ضد جماعة أخرى من السياسيين، بل نرى أن العراق مهدد بالفوضى والدمار من المناورات التي يقوم بها السيد مسعود البارزاني، وبدعم من بعض دول الجوار لمنع قيام حكومة عراقية قوية تحقق للشعب العراقي الأمن والاستقرار والخدمات، ليقولوا للشعب نحن نجحنا وحكام بغداد فاشلون!!

إن الحقيقة الناصعة للعيان تؤكد أن مؤتمر التجمع العربي لم يعقد لنصرة الشعب الكردي، بل لنصرة رئيس الإقليم وعائلته المهيمنة على كل مرافق الحياة في كردستان، ومساندته في صراعه مع الحكومة المركزية لتدمير الدولة العراقية، وأن لا تقوم للعراق قائمة بحجة منع ظهور صدام آخر في المستقبل. فالبارزاني في كردستان اليوم يقوم بدور صدام في العراق أيام حكمه البغيض.

وإذا كان مؤتمر التجمع العربي قد عقد لنصرة القضية الكردية كما يدعون، فقد جاء بعد فوات الأوان، أي بعد أن حقق الشعب الكردي جميع أهدافه في التحرر، فهو يتمتع اليوم بحق تقرير المصير وتأسيس دولته المستقلة. لذا فالغرض من هذا المؤتمر ليس لنصرة الشعب الكردي، بل لنصرة السيد مسعود البارزاني ودعمه في زعزعة الدولة العراقية، وجعل حكومة الإقليم أقوى من الحكومة الفيدرالية، والجزء أقوى من الكل.
*********************
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  العنوان الإلكتروني
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/  الموقع الشخصي
ـــــــــــــــــــــــــ
مقالات ذات علاقة بالموضوع
1- هفال زاخويي: أصدقاء الشعب الكردي أم أصدقاء النظام السياسي الكردي؟
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=304050

2- طلال شاكر: التجمع العربي لنصرة القضية الكردية.. وصناعة الأوهام

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=309082

3-  راديو اوستن النرويجي : السعودية تستخدم المال لاسقاط المالكي

http://qanon302.net/news/news.php?action=view&id=17188



168
الحملة المسعورة ضد دمقرطة العراق
د. عبدالخالق حسين
[29-03-2006]

قلت في مناسبة سابقة أن للجغرافية دوراً كبيراً في مسار أي بلد في تطوره الحضاري. فموقع العراق الجغرافي هو الذي اختاره ليكون مهداً للحضارة البشرية قبل 7 آلاف سنة، ولنفس السبب، صار العراق مهبط الأنبياء، ثم عاصمة الدنيا في العصر العباسي، ومركزاً لتأسيس المذاهب الإسلامية والحركات الفكرية في الإسلام... الخ. ولذلك ليس صدفة أن يصبح العراق في بداية القرن الحادي والعشرين البلد الأول في الشرق الأوسط الذي تولد فيه الحداثة والديمقراطية ويتحول إلى ساحة حرب طاحنة بين الحضارة والهمجية، بين أنصار الحداثة والديمقراطية ضد أنصار الاستبداد والإرهاب.

وما أشبه اليوم بالبارحة. يوم 14 تموز 1958 انطلقت الثورة العراقية ضد التخلف وحكم الإقطاع لإدخال العراق إلى عصر الحداثة والديمقراطية. الثورة التي قال عنها المستشرق الفرنسي، مكسيم رودنسون، أنها الثورة الوحيدة في البلاد العربية. فتكالبت عليها الدنيا وتحالفت ضدها أكثر من أربعين جهة لا يجمعها أي جامع سوى العداء لدمقرطة العراق وتحريره من التخلف. فتشكل حلف غير مقدس يجمع الجهات المتناقضة من عبدالناصر إلى شاه إيران وكميل شمعون والإستخبارات الغربية إلى الحركة الكرستانية والحوزة العلمية في النجف وغيرها. كل هذه الجهات ناصبت العداء للثورة العراقية ولأسباب مختلفة.. إلى أن تضافرت جهودهم فاغتالوا الثورة الوطنية التحررية في انقلابهم الدموي يوم 8 شباط 1963 الأسود. ومنذ ذلك اليوم الدامي دخل العراق في نفق مظلم وبلغ الظلم ذروته في عهد جرذ العوجة جلاد شعبنا صدام حسين.

واليوم يعيد التاريخ نفسه وعلى شكل مأساة وملهاة. ذات الجهات والجماعات التي تحالفت على ذبح العراق قبل 43 عاماً تحالفت اليوم لذبحه ولكل طرف أسبابه الخاصة به لإفشال تحرير العراق ودمقطته. والغريب أن حتى ضحايا صدام حسين من السنة والشيعة تقوم اليوم بذات الدور الذي لعبته قبل أكثر من أربعة عقود، فلم يتعلموا درساً ولم يستخلصوا عبرة من أخطائهم الماضية وهي مازالت حية في الذاكرة.

نعم، الكل يعمل جاهداً لإفشال العملية السياسية في العراق ويسيرون نحو الهاوية وهم نيام ويرقصون رقصة الموت وهم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله لشديد. زعماء الدول العربية رغم كرههم لنظام صدام حسين، إلا إنهم يفضلون عراقاً منهكاً مفتتاً على عراق ديمقراطي مستقر مزدهر، وذلك خوفا من وصول عدوى الديمقراطية إلى شعوبهم وانهيار أنظمتهم المستبدة، لذلك يبعثون الإرهابيين للإمعان في قتل العراقيين وإفشال العملية السياسية.
إيران وسوريا تعملان على تدمير العراق وتثيران فيه القلاقل وتدعمان الإرهاب خوفاً من أن تعيد أمريكا التجربة ذاتها في بلديهما فأصرتا على إفشال العملية السياسة وبأي ثمن كان.
الأحزاب العربية السنية العراقية تعمل على إفشال العملية السياسية لأن السنة العرب يرفضون أن يكونوا متساوين مع بقية مكونات الشعب العراقي، بل يريدون أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء لإعادة مجدهم الغابر في حكم العراق لوحدهم والاستحواذ على السلطة والثروة ومعاملة الآخرين كمواطنين من الدرجة العاشرة وأن يكون هم السادة وغيرهم عبيد.
الأحزاب الشيعية تريد إفشال الديمقراطية لأنها تحلم بحكم ولاية الفقيه وتسبح بحمد سيدها علي خامنئي وتدين له بالولاء وليس للعراق. فكما ذكر السيد أياد جمال الدين أن الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق أبقت في دساتيرها المادة الخاصة بالولاء لحكم ولاية الفقيه، أي مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران. ولا ننسى أن إيران تدفع الملايين بل المليارات للمليشيات الشيعية، مثل فيلق بدر وجيش المهدي، والتي تعمل ضد مصالحها الوطنية لخدمة القادة الإيرانيين، أولياء نعمتهم.
الحركات الإسلامية العربية ضد العراق الجديد لأنها تحلم بإقامة دولة الخلافة الإسلامية في العراق على غرار إمارة الطالبان في أفغانستان، ومنه ينطلق "المجاهدون" لتوسيع دولة الخلافة المنتظرة إلى باقي الدول الإسلامية وبقية العالم. وفلول البعث يحاربون العراق لأنهم فقدوا "فردوسهم" فيعملون لهدم المعبد عليهم وعلى أعدائهم متمثلين بقول شمشون "عليّ وعلى أعدائي يا رب، وليكن من بعدي الطوفان".

اليسار الأوربي والعالمي، يجهد ليل نهار لإفشال التجربة العراقية لأنها جاءت على يد أمريكا، فهي حاقدة على أمريكا ولا تريد النجاح لأية عملية تأتي عن طريق أمريكا حتى وإن كانت ديمقراطية لصالح الشعوب. فهذا اليسار مازال يلعق جراحه بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ويلقي باللائمة على أمريكا أنها هي التي عملت على إسقاط الاتحاد السوفيتي والأنظمة السائرة في فلكه. بينما الحقيقة أن المعسكر الاشتراكي أنهار من الداخل ولأسباب داخلية بحتة تتعلق بالإفلاس السياسي والاقتصادي والاخلاقي للأيديولوجية الشيوعية الشمولية. وكما فشلت هذه الأيديولوجية، فسوف تفشل جميع الأنظمة الأخرى ذات الأيديوليجيات الشمولية، الفاشية والنازية والإسلاموية وغيرها، إذ يجهل هؤلاء أن المستقبل للإنسانية وللعلم. ولم تبلغ الشعوب الغربية من تطور مدهش في الحضارة والحداثة والتقدم العلمي والتكنولوجي إلا بعد أن تحررت من الفاشية وفصلت الدين عن الدولة وتبنت الليبرالية والعلمانية الديمقراطية التي أطلقت العنان للعقل البشري للإبداع في جميع المجالات.

أجل، هناك تحرك مسعور في الغرب ضد تحرير العراق وتحت مختلف المسميات والذرائع والحجج. من ضمن هذه الحملة المسعورة، أثار الصديق جواد خلف انتباهنا إلى تحرك مشبوه في فرنسا، يقوم بها خليط من جهات لا يجمعها أي جامع سوى العداء لتحرير العراق وتحت اسم (مناهضة الحرب على العراق ولدعم الشعب العراقي). كتب الأخ جواد خلف مقالاً بهذا الخصوص، (الرابط في نهاية هذه المداخلة)، أنه دعي لحضور ندوة في مدينته في فرنسا، يتحدث فيها عريف أمريكي خدم في العراق وقام بتأليف كتاب "يفضح" فيه ممارسات الجيش الأمريكي. وكانت الأمسية من تنظيم اللجنة المعادية للحرب... تضم شيوعيين وأشتراكيين، وإسلامويين ومواطنة عراقية ادعت أنها أستاذة جامعية ... والمتحدث هو العريف الأمريكي، الذي اعترف أنه قتل عدداً من العراقيين بأوامر من قادته، وأنه نادم ولذلك ألف كتاباً لفضح الحرب. وما أن بدأ الصديق جواد خلف يوجه أسئلة محرجة للعريف الأمريكي حتى (أعترض المنظمون الشيوعيون الفرنسيون على أسئلته ولم يتمكن من مواصلة حديثه فانسحب). والمقرر من مناهضي الحرب أن يقيموا هذه الندوة في جميع المدن الفرنسية والترويج لكتاب هذا العريف الأمريكي، لإثارة الرأي العاما الفرنسي ضد القوات العربية التي حررت العراق من نظام البعث الفاشي، و ربما لتجنيد إرهابيين للذهاب إلى العراق وقتل شعبه وجمع التبرعات للإرهابيين، بحجة الدفاع عن الشعب العراقي.

حكاية العريف الأمريكي هذه تذكرني بقصة كتب عنها قبل سنوات الصديق يوسف أبو الفوز عن مقابلة صحفية مع تلميذة روسية في السنة الأخيرة من الدراسة الإعدادية. سألها الصحفي عما تريد أن تكون في المستقبل. فأجابت أنها تريد أن تمارس الدعارة لمدة عامين، لتجمع كمية من المال لكي تشتري شقة لها ومن ثم تتزوج وتعيش بشرف!!
هذه قيمة الشرف في زمن ضاعت فيه المعايير والقيم. فيمكن للإنسان ممارسة أخس الأعمال انحطاطاً ومن ثم يعيش "بشرف" . فأي شرف هذا؟ الجندي الأمريكي تطوع في الجيش بملء إرادته وتوجه إلى العراق وقتل عراقيين على حد زعمه، ولم يقل لنا من هم هؤلاء العراقيون الذين قتلهم. هل هم من الإرهابيين من أتباع الزرقاوي؟ هل هم من فلول النظام البائد؟ أم من الأبرياء؟ فإن كان الضحايا أبرياء فهو عاهر ومجرم حرب ولا يستحق كل هذه الحفاوة به وبكتابه، وإن قتل إرهابيين فهذا واجبه ولم الندم؟ فهذا هو واجب الجندي في الحرب، خاصة في الحرب على الإرهاب. ولكن لهذا الجندي قصد آخر.. فكما استفاد من دوره في الحرب، يريد الآن أن يضاعف أرباحه لما بعد الحرب، فبعد أن تسرح من الجيش، ألف كتاباً وراح يبيع شرفه لمن يشتريه من مناهضي الحرب على البعث، ليعلن أنه كان "مجرم حرب". فهل حقاً تأنيب الضمير هو الدافع وراء تأليف كتابه هذا وخيانة واجبه ووطنه كجندي؟ أم أنه تصرف مثل تلك التلميذة الروسية، تمارس الدعارة يوماً لتعيش "بشرف" يوماً آخر وتستفيد من جميع الظروف؟

أجل، نحن في زمن ضاعت فيه القيم والمعايير وتساوى فيه الشرف والدعارة. فالانحياز للإرهاب والقيام بحملات جمع تبرعات تحت مختلف المسميات هي عملية إنسانية وتقدمية تسمى (مناهضة الحرب على الشعب العراقي)، لتذهب هذه الأموال إلى الإرهابيين الذين يذبحون العراقيين وغير العراقيين من الأبرياء، ذبح النعاج وأمام الكاميرات لتنشر على شاشات التلفزة وبصيحات الله اكبر وبمباركة من اليسار الأوربي وأئمة المساجد وفقهاء الإرهاب ودعاة الموت وأعداء الحياة.

مسألة أخرى تشير إلى ضياع المعايير في هذا الزمن الأغبر. إذ سمع الجميع بقصة نورمان كمبر Norman Kember الإنكليزي المناهض للحرب و الذي ذهب إلى العراق مع ثلاثة زملاء له، أمريكي وإثنين من كندا يعملون في منظمة تطلق على نفسها (فرق صانعي السلام المسيحي Christian Peacemaker Teams)، فتم اختطافهم من قبل جماعة إرهابية في بغداد تدعى بـ(كتيبة الحق) في تشرين الثاني/نوفمبر 2005 وقتلوا الأمريكي توم فوكس، وتم تحرير الثلاثة الآخرين من قبل قوات SAS البريطانية قبل أيام في عملية معقدة استغرقت عدة أشهر وكلفت دافعي الضرائب البريطانيين عدة ملايين من الدولارات. ولكن بعد تحريرهم، رفض نورمان كمبر حتى تقديم الشكر إلى منقذيهم، مما أثار سخط الرأي العام البريطاني عليه، فاضطر أخيراً توجيه الشكر للجنود تحت ضغط الرأي العام وعلى مضض. وبهذا الخصوص كتبت الصحفية البريطانية ميلاني فيليبس، في الديلي ميل اللندنية يوم 27/3 مقالاً بعنوان (مناهضو الحرب المزيفون The phony pacifists) انتقدت فيه منظمة (فرق صانعي السلام المسيحي) قالت فيه: "أن غرض هؤلاء (كمبر ورفاقه) من الذهاب إلى العراق ليس لتنبيه العالم ضد شرور العنف في العراق، بل لإثارة سخط العالم ضد القوات الغربية، ليس ضد شرور الإرهاب، بل ضد الحملة في مواجهة الإرهاب، ليس ضد شرور القاعدة، بل ضد الديمقراطية الغربية..." وأضافت الكاتبة: "وكما قال العراقيون في كندا في بيان لهم عن "صانعي السلام، أن هؤلاء يشاركون الجهاديين في خطابهم، وحتى لو كانت بدافع السذاجة. إن فرق السلام المسيحي وقفوا بقصد إلى جانب الفاشييين، الموالين إلى صدام حسين والقاعدة في العراق" وأن موقف مناهضي الحرب ضد الغرب ليس بالأمر الجديد، إذ له سوابق. ففي عام 1945، كتب جورج أوريل: إن دعاية مناهضي الحرب تميل إلى القول أن أي جانب من المحاربين لا يقل سوءاً عن الجانب الآخر، ولكن إذا نظرنا بتأمل وعن قرب إلى كتابات الشباب من مناهضي الحرب، نرى أنهم ليسوا محايدين في رفضهم، بل إن رفضهم موجه كلياً ضد بريطانيا وأمريكا." وتواصل الكاتبة قولها: " نشكر الله أن نورمان كمبر حي وآمن. وعلى أي حال، فالأيديولوجية التي قادته إلى هذا الخطر، تبقى تهديداً خطيراً لأولئك الذين ساهموا في النضال العسير من أجل الحياة والحرية".
أجل، إن أيديولوجية مناهضي الحرب ومعاداة تحرير العراق ودمقرطته، وتحت مختلف الأسماء، تدعي أنها ضد الحرب وتذرف دموع التماسيح على الشعب العراقي، ولكن في الحقيقة هي تدافع عن الإرهابيين وأعداء الحرية والديمقراطية والذين يعملون على تدمير الحضارة وعودة البشرية إلى شريعة الغاب.

عود على بدء، أود تذكير الجهات والجماعات المتحالفة في هذا الحلف غير المقدس، أن هناك حقيقة واحدة لصالح دمقرطة العراق ونجاح العملية السياسية فيه. نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين وقد دارت بوصلة التاريخ 180 درجة في الاتجاه المعاكس لما كانت عليه قبل 43 عاماً. فإذا كانت ظروف الحرب الباردة والصراع مع المعسكر الاشتراكي آنذاك قررت وقوف أمريكا وبريطانيا إلى جانب أعداء العراق وذبح ثورتنا، ثورة 14 تموز المجيدة وقيادتها الوطنية المخلصة وعلى رأسها الشهيد الزعيم عبدالكريم قاسم، فاليوم وبعد انتهاء الحرب الباردة لصالح الغرب وانهيار المعسكر الاشتراكي، فالدولة العظمى، أمريكا وحليفتها بريطانيا اقتضت مصلحتهما أن تقفا إلى جانب شعبنا في معركته المصيرية من أجل الحرية والديمقراطية. لذلك وبجهود الطلائع المتنورة من قوى شعبنا ودعم حلفائنا فستكون الهزيمة من نصيب أعداء، والنصر المؤزر سيكون حتماً إلى جانب شعبنا المناضل.[/b][/size][/font]


صفحات: [1]