عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - الأب نويل فرمان السناطي

صفحات: [1]
1
مباركين ومشجعين الثلة الخيرة لشمامستنا الانجيليين بمختلف أبرشياتنا

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

((تنويه لابد منه: الشماس الانجيلي، رتبة كنسية في الكنائس الرسولية الكاثوليكية والأرثوذكسية. ومع حفظ الاحترام والالقاب، لا علاقة لهذه الرتبة بمسميات الانجيلية في الكنائس البروتستانتية- الكاتب ))

مداخل تمهيدية

أوردت التنويه أعلاه، لحصول خلط في الأمر عندما كنت اساعد عمي القس جميل نيسان السناطي كشماس انجيلي في كنيسة الصعود، مما جعلني في الاحد اللاحق اقدّم الوعظة وبيدي السبحة الوردية.

وبعد، أود التعبير عن شعور الارتياح، لقبول الموقع البطريركي مار أدي، بنشر هذا الموضوع الذي يؤشر الى تطلعات بنوية مُحبّة، مرفوعة بوفاء الى  الأحبار الأجلاء والبطريركية التي سبق وأن قدّمتني شماسا انجيليا، لمدة زمنية مفتوحة بلغت الخمسة سنوات (1999-2004) وأتيحت لي فرصة طيبة للخدمة. هذا الموضوع أعالجه ايضا في هذا المدخل، قبل أن أورد نص المقال، في أدناه، بعنوانه الموسوم: مع شمامستنا، ترتيلا للإنجيل، ووعظا دوريا وخدمة للاسرار. وحرصت أولا ان أقدّمه الى الموقع البطريركي، للوقوف على مقبوليته من رئاستنا الجليلة، سيما وأنه يتعلق بسياقات ذات مستوى كنسي معتبر. فيكون من ثم التطلع منبثقا من داخل البيت الكنسي. مع مشاعر الحبور أن نشره يدل على انفتاح بطريركيتنا الى التجدد في ما من شأنه دعم مسيرة الكنيسة الايمانية.
وإذ أصدي للموضوع إياه على هذه الصفحات، فلكي يأخذ مداه تجاه القاعدة الواسعة من قراء الموقع؛ وكذلك لمواكبة مسيرة الكنيسة في احتضانها لرسالة المؤمنين العلمانيين، على مختلف الاصعدة، كالمجالس واللجان الخورنية وجوقات الكورال والتعليم المسيحي، والخدمة الليتورجية الطقسية، التي يقدمها الشمامسة الرسائليون؛ وهنا جاء التركيز، على الدور الذي يعود للكنيسة تشجيعه بما تراه مناسبا من حيث عيش الشماس الانجيلي الدرجة الكنسية التي منحت له بموجب الوزنة التي منحه الرب إياها.

دياكونية ما بعد الفاتيكاني الثاني

ومن بوادر السعد، أن عددًا من كنائسنا الرسولية، وكنيستنا الكلدانية، ضمن الكنيسة الجامعة قطعت أشواطا طيبة، في تشجيع الدعوات المسيحية على مختلف مواهبها، من التي تنبثق في صفوف العلمانيين، والتي تهيأ لي عيشها بالنعمة وليس بالاستحقاق، سواءً بالكتابة بالشأن المسيحي، أو التعليم المسيحي والخدمة الليتورجية، وأخيرا في خدمة الشماسية الانجيلية.
وبصدد الشماسية الانجيلية، كانت قد انطلقت في أبرشيات كركوك، وأربيل، وقبلها البصرة، وغيرها على سبيل المثال لا الحصر، خبرة وجود شمامسة انجيليين في ابرشياتنا وتكللت في ابرشية بغداد البطريركية، في 9 نيسان 1999، برسامة ثلاثة شمامسة انجيليين بوضع يد مثلث الرحمة مار روفائيل بيداويد، مباركة بذلك بنحو رسمي خطوات وجود هذه الدرجة الكنسية، ليس كمرحلة انتقالية للكهنوت، بل في ما يوصف في الكنائس الغربية، بدرجة الشماسية الانجيلية الدائمية، وذلك من خلال رسامة كل من: الشماس جرجيس إيشو ميخو والشماس (الاب) عمانوئيل القس كوريال وكاتب السطور.
ولأن هذه الخبرة، على مستوى الكنيسة الجامعة الكاثوليكية، والكنائس البطريركية المتحدة بها، في مرحلة ما بعد الفاتيكاني الثاني، تبقى خبرة فتية، من الطبيعي أنها تحتاج الى المتابعة والرعاية على مر الزمن، وذلك للتآلف مع الجديد وترسيخه، وصولا أن يبلغ كل هذا إلى بسياقات مقرة وثابتة.
كل هذا شكل تطلعات المقال تجاه بطريركيتنا بآباء مجمعها الأجلاء، وتحديدا السينودس الدائم.

أصداء في رسالتين

وفي هذه الغضون، وقبل نشر الموضوع في موقع عنكاوا جاءتني رسالتان أخويتان من شماسين انجيليين موقرين، من أماكن مختلفة في العالم، كلاهما أيّدا ما ذهب إليه المقال من حاجة الى دعم هذه المسيرة الصاعدة. فوددت التوقف عند آرائهما، قبل ترك القارئ الكريم مع المقال. خصوصا وأن الوقت، وللأسف الشديد، لا يسمح لي عمليا وكما كنت ارغب بشدة، في التعامل مع ما قد يرد من تعليقات، لا أشك مقدما في دورها البناء والمحب لكنيستنا ودعم نهجها الرسولي، في ظل الظروف التي تعيشها في الوطن وبلاد الانتشار.

الرسالة الأولى للشماس جرجيس، أكد فيها على ضرورة أن تتميز الخدمة الروحية المجانية للشماس الانجيلي كدرجة كنسية تكرسوا من خلالها، بعيدا عن أي توهّم بأن تكون منافسة لخدمة الكاهن، وما أوسعها من خدمة لكاهن اليوم بما على كاهله من أعباء راعوية متزايدة.
ولي رأي متواضع فيما يخص إشارته، إلى أنه قبل ان يكون لديهم كنيسة كلدانية، كانت توفر الكنيسة المارونية التي خدمها، مجالا واسعا للشماسية الإنجيلية. فأود التعليق أن ما رأيته بهذا الشأن في لبنان، زاد من اعتقادي بأن الشماسية الانجيلية في عموم الكنيسة الكلدانية، قطعت في مرحلة قصيرة أشواطا اوسع شقيقتها المارونية. في مقدمة التحليل غزارة الدعوات الكهنوتية والرهبانية من الجنسين، على تفاوت مستوى الأداء فيها. أما الكنائس المارونية في بلدان الانتشار، وهي على وفق ما أعرف، بحاجة الى الناس من حيثما جاؤوا مما يقتضي في نهاية الأمر، وخصوصا في أماكن الاغتراب التي تشهد قيام رعيات كلدانية وأبرشيات، الى التنسيق مع رعياتنا الكنسية تنسيقا أخويا مناسبا ومتكافئا، ومحترما لإمكاناتنا المتواضعة، لما يخص تبادل الخدمات للكنيستين، وبطريقة تتبعد عن المنحى التوسعي والاستيعابي. وهذا ليس مطلوبا بالتحديد على نطاق الشمامسة الانجيليين، بل على مستويات عديدة أخرى قد تكون مثيرة للتساؤلات.
ذلك أن الشركة العقائدية التامة التي تجمعنا، مع الكنائس البطريركية الشقيقة، تستوعب أيضا الاعتبار بحد من الآليات الراعوية. وهذا ما عشناه بين كنائس متجاورة سريانية وكلدانية في بغداد والموصل، يتحدث أبناؤها العربية ويشتركون بذات اللغة الطقسية.
أما إذا حتمت الظروف الجيوسياسية والاقتصادية والمتطلبات الراعوية الى ما يقارب الوحدة الكاثوليكية الاندماجية، عندئذ، وبتلقائية ومحبة، سيكون لكل حادث حديث.
وفي إشارة الشماس العزيز الى ترتيل الانجيل، يبقى هذا السياق، كما نعتقد بحسب توجه كاهن الرعية في ما يراه ضروريا لإيصال كلمة الله، مع بقائنا على مبدأ أن يكون للشماس الانجيلي دوره المعتاد في ذلك سواء من حيث الترتيل أو القراءة، وعلى وفق خصوصية كل مناسبة. على أمل أن يتم التوصل إلى تفاهم طيب بين الكهنة والشمامسة، إذ على المستوى الطقسي، اطلقت في عدد من رعايانا، ومنها كالكري، طاقات على نطاق الشمامسة الرسائليين والقارئين، فباركهم الرب بثمار رائعة لم تكن في الحسبان.
وهذا الرأي يأتي ايضا تفاعلا مع الشأن الطقسي المتصل، طرحه الشماس الانجيلي ليث عفان. كما تفضل أيضًا وأشار اشار فيها إلى انه في الرسامة الانجيلية وبسجود المرتسم على القدم اليمنى الواحدة اثناء حلول الروح القدس هو بذلك يحصل على وزنة واحدة .. مما يؤهله إلى استثمارها على مستوى الخدمة المتبادلة في "نطاق الكنيسة الكاثوليكية الواحدة. وهنا أود أن أشير إمكانية رعاية هذه بحيث تكون منطلقا للتفاعل المقبول مع الكنائس الأخرى، وليس بديلا لها في الكنيسة الأم بغية إنعاش رسالتها في بلاد الانتشار واحتضان أي مستوى متواضع  احتضانا رسوليا مسؤولا. فالكنيسة الجامعة تدعو الى المثاقفة والاثراء المتبادل، بين الشرق والغرب.
وزاد الشماس ليث وشخـّص، كما فهمت، مسألة مهمة وهي واقع الخلط بين الوضع شبه البروتوكولي للشماس الانجيلي بين كنائس روما الكاثوليكية وبين غيرها ككنائس رسولية، ونأمل ان مسيرة الوحدة والانفتاح الى اليها يجعلها تلتفت الى ضرورة تفعيل هذه الخبرة في الزمن المعاصر، قد تؤول فيه الكثير من تلك الكنائس خصوصا في بلاد الانتشار، الى الاستحالة الى كنائس مجهرية منعزلة، قد ينصهر رعاياها في المحيط الغالب. ولكن ثمة مؤشرات إيجابية متباينة في الأفق: تفاعلها مع مجلس الكنائس الاقليمي والعالمي، توجهها في خط العائلة الارثوذكسية مشتركة ومتحدة، وكلها مراحلها قد تقربها من الشركة الكنيسة الجامعة، تباشير ذلك خطوات مار فرنسيس المسكونية الوثابة.

بعد هذه المداخل التمهيدية، أترك القارئ مع بقية فقرات الموضوع وتحديدا، في جانبه المنشور في ا لموقع البطريركي، اقدمه بعد بعض المراجعة وبعض ماء السمّاق...

مع شمامستنا الإنجيليين ترتيلا للانجيل ووعظا دوريا وخدمة أسرار
لعل هذا يحدث عموما في أماكن عديدة يتواجد فيها شمامسة حائزون على الدرجة الكنسية الكهنوتية كشمامسة انجيليين، وهي ما سمي بدرجة الوزنة الواحدة. وأشك أنه يحدث في كل مكان بالقدر عينه. لهذا جاء هذا المقال لتسليط بعض الضوء، على هذا الموضوع، ولعله يصدر يوما في البطريركية أوعلى مستوى السينودس الدائم، تعليمات محددة بهذا الخصوص.
 إذا كان لدينا في كنيستنا المشرقية الكلدانية، خصوصية طقسية مستقلة ومتميزة، فلنا ككنيسة ذات شركة مع الكنيسة الجامعة أن نتناظر مع السياقات المماثلة لتعاملها مع درجة الدياكونية، للشماس الانجيلي. وإلا فلنا بالأصل، ما ليس للكنيسة الجامعة في الطقس اللاتيني. لنا شمامسة رسائليون، يخدمون الكنيسة الطقس بنحو متميز، بورع وبنكران ذات، وهم علمانيون متزوجون أو مؤهلون للزواج. ولولا الحاجة الى دور محدد للشماس الانجيلي، لما تم تنشيط هذه الدرجة منذ المجمع الفاتيكاني الثاني. وإذا أطلقت لدينا منذ التسعينيات وما قبلها، فلا بدّ ان يكون ذلك لكي تشغل فعلا حيزًا معينًا في الخدمة يبرر رسامة الشمامسة الانجيليين انطلاقا من كونهم شمامسة رسائليون.

المفهوم الشعبي والصفة الشائعة

لا نعتقد ان سواد الناس لهم فكرة محددة عن الفرق بين الشماس الانجيلي كدرجة كنسية وبين الشماس (هوبدياقنا -الشماس الرسائلي) كبركة اسقفية للخدمة. فمعظمهم عندما ينوّهون بشماس متميز، يؤكدون أنه (مرسوم عنجيلي اي إنجيلي) وعند التأكد من ذلك تجد انهم يتحدثون عن شمامسة رسائليين. ولفرط ما فرضت صفة الشماس نفسها، بنفس الاسلوب وشاعت، لتعني اي شماس، وحتى القارئ وخادم المذبح، فبتنا نألف الصفة بالإنكليزية تطلق على شمامستنا الكلدان في المجتمع الغربي تحت مفردة (Deacon) والتي لا تعني مجرد شماس، بل تعني الشماس الانجيلي، حصرا. فيما يكون الشماس الرسائلي (ولا زُغرا) يحمل بالإنكليزية صفة (Sub Deacon) وما تقارب بمعناها هوبدياقنا.
 
ما بين الكاهن والشماس الرسائلي

لمرحلة معينة، كان ثمة في كنيستنا الكلدانية المشرقية شمامسة، ارتقوا الى ثقافة طقسية تؤهلهم لخدمة الكنيسة في الليتورجية، كشمامسة رسائليين، ثم كشمامسة إنجيليين. وكدليل ان الشماس الانجيلي الحقيقي هو صاحب درجة كنسية، فإنه عرف بعدم امكانيته الزواج عندما يترمل في عنفوان الشباب، لا سامح الله. عندئذ تم مع الوقت، في الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، الاكتفاء بخدمة الشمامسة الرسائليين، لعدم تقيدهم في موضوع الزواج الثاني بعد الترمل المفاجئ. فصار كتحصيل حاصل، الخيار ما بين، شمامسة رسائليين متزوجين أو كهنة متزوجين. وعندئذ اقتصر التحديد على رسامة الانجيليين كمرحلة انتقالية (Transitional) للكهنوت.
ولكن عندما انطلقت لدينا من جديد خبرة الشمامسة الانجيليين، بعد الفاتيكاني الثاني، ببضع عقود، سرعان ما اكتنفت الضبابية هذه الخدمة بحيث، بواقع عملي، لم يعد يوجد، أمام الكثيرين، فرق بينهم وبين الرسائليين، أو هذا هو انطباع عن بعد، لدى كاتب السطور. أما إذا كانوا أكثر من ذلك، فخير على خير، ويكون هذا المقال عندئذ لمجرد التأكيد ولبعض التنوير.
إنه لمن المحزن ان هذه الدرجة قد يؤول بها الحال، الى ان تضيع في سرب الشماسية الرسائلية حتى تختفي، اذا لم يتم تشجيعها من نواحي عملية، لما هم يستحقونه بفعل درجتهم. أما من يتعذر عليه ذلك لأسباب موضوعية، أو عمرية، فهذا لا يعني ان عددا غير ذي بأس من جيل شمامستنا الانجيليين المتنورين والدارسين والمواكبين، يحرمون من ممارسة حقهم؛ فيجدر ان يُحثوا الى ذلك بدعوتهم لبذل المزيد من الجهد، لممارسة دورهم بالحد المطلوب من الجدارة.
 
نسبة التهاون على مستوى الكنائس اللاتينية

ليس التهاون، في دعم الشماسية الانجيلية، ان وجد في بعض خورناتنا، حالة منفردة في كنيستنا الكلدانية، بل في الكنائس اللاتينية أيضًا. كما لمست ذلك في الكنيسة اللاتينية المضيفة للخدمة الاسبوعية لخورنتنا الكلدانية. فالشماس الانجيلي، صار له تقارب طيب معي، وكان صحفيا مرموقا في جريدة بارزة في المدينة: كالكري هيرالد. ما أن أحس بثقف ظل عند الخوري الجديد، حتى طلب التنسيب الى خورنة أخرى، فلاقى فيها ترحيبا أكثر.  قد يحدث ذلك إذن، ولكن ليس بنسبة مهمة، وذلك ضمن مؤشرين:
قد ينسحب الشماس الانجيلي في الطقس اللاتيني، إذا أخذت تهون قواه ولا يوحي بكفاءة متميزة، فيعتزل ويجلس ضمن المؤمنين. وبخلاف ذلك، فلهم قانونهم ورياضاتهم الروحية، واسبوعهم الدراسي الثقافي السنوي. كما يطالبون بالنقل من خورنة الى اخرى، مثل تنقلات الكهنة، لكيما يشحذوا همتهم، مع خوري يتعشمون ان يكون بتفهم الخوري السابق أو أكثر.
وكالمعتاد يُرسم الشمامسة الانجيليون بعد دورة مكثفة، أو بعد دورات شهرية لمدة ثلاث سنوات، ينتظمون فيها ومعهم زوجاتهم، بصفة حضور اطلاع وليس لأداء الامتحان.
 
مكانة الشماس الانجيلي في المناسبات اللاتينية الكبرى

ولنا أن نلاحظ المناسبات الكبرى، في الطقس اللاتيني. أكان مترئس الاحتفال، الحبر الروماني، او كردينالا أو أي أسقف. في تلك المناسبات يضطلع أحد الشمامسة المختارين، بدوره المتفرد الى جانب المترأس، وفي قراءة الانجيل. إنه دور لا يستهان به، ولا يزاحمه عليه اي من الكهنة المشاركين في القداس. ولا شك انهم يختارون في تلك المناسبة، من هو الاكفأ في قراءة الانجيل او ترتيله، من بين الشمامسة، وصولا الى مجرد قيامه بالقراءة الفصيحة دون الترتيل.
كما تُمنح للشماس الانجيلي ضمن قداديس الاحد، حصة دورية لإلقاء الموعظة. وقد لوحظ انه يطيلها بعض الشيء... ولكن لا تلغى هذه الحصة بل يلاحظ عليه ذلك،  ويطالب بالتحسن، سواء في حفظ الموعظة او بمجرّد قراءتها. كما يخدم الاسرار، مع عدا الاوخارستيا وسر الاعتراف. وكذلك يحثّونه على إجادة ترتيل الانجيل ولكن بدون استرسالات تجويديه قد نميل إليها في الشرق، إذا أطلق لنا العنان.
وكما ان المتميزين من الكهنة، دون غيرهم، يقومون باللقاءات الجماهيرية الكبرى، وليس جميعهم، فالموهوبون من الشمامسة الانجيليين لهم ايضا دورهم في الانجلة الجديدة في مثل هذه المناسبات، ومنهم من يصل الى النجومية، ويطلب على النطاق المحلي أو الوطني وهكذا تلقينا مرة، ككهنة مدينة كالكري،  دورة نهار كامل على طريقة الوعظ، على يد شماس انجيلي حائز على الدكتوراه.، استقدم لهذا الغرض من إحدى الولايات الكندية.
 
في كنيستنا الكلدانية

في كنيستنا الكلدانية، مثلما يتزين المذبح بوجود سرب جميل من الشمامسة الرسائليين لأداء الطقوس والاحتفالات الاوخارستية في الآحاد والاعياد المارانية، فإن الجماعة الكنسية تتبارك بأن يكون بين ظهرانيها، من اختيروا لدرجة الخدمة الدياكونية الانجيلية، بصفتهم متزوجين، منبثقين من صفوف المؤمنين وحاملي راية الرسالة العلمانية الملتزمة. ومن المعروف انه بوسعهم الوصول سواء بوظيفتهم، او موقعهم الاجتماعي، الى مختلف الاجيال وشرائح المجتمع، بالنحو الذي قد لا يتيسر للكاهن. وهم، من ثم، كما ترشحهم دعوتهم، يكونون عين راعي الابرشية واذنه، وأحد عناصر الوصل بينه وبين الرعية.

وبعد، 
لعل هذا المقال يشكل مناداة لنصرة الشمامسة الانجيليين ليعيشوا دعوة خدمتهم الروحية التي من أجلها تم منحهم هذه الدرجة الكنسية المقدسة. وعندما يحثون على ذلك، يكون شأنهم شأن اي كاهن مطالب بأداء ما عليه بدون تقاعس. وعندئذ سنجد فيهم من يجيد ترتيل الانجيل، بالنحو المقبول، أو يبدع في قراءته، كما يضطلع بالموعظة في دوره.
لكن هناك الخشية، أن اقرار هذه الحالة، سيكون متفاوت الاستجابة، وسيبقى التعامل معه اشبه بتعامل على مضض، وكأسقاط فرض حتى تمويعه.
وعليه فإن الاقرار العام لهذه الحالة لن ينجح حقيقة، إلا إذا كان ثمة قرار رسمي، إن لم يكن سينودسي مجمعي، يعهد إليهم بموجبه جهد الموعظة في أيام الاحاد بنوع دوري كأن يكون شهريا او فصليا.
وأكثر من هذا بان يبت في الامر بشكل حاسم، وذلك بأن تعهد إليهم بالدرجة الاولى مهمة قراءة الانجيل، ومن باب أولى ألا يستغنى عن وجودهم لهذه المهمة خصوصا في المناسبات الكبرى، كحالة اختصاص وحق.
24  شباط  2015

2
البطريرك بطريرك على رعاياه حيثما كانوا، وهذه في ذاكرتي، مفارقة (العالمية).
بقلم الأب نويل فرمان السناطي
17 شباط 2015

تمهيد
لا يتعلق هذا المقال،  بنحو مباشر،  بالاجتماع الذي ينظمّه مجمع الكنائس الشرقية اليوم الثلاثاء 17 شباط، للنظر في قضية احدى الابرشيات الكلدانية في بلدان الانتشار، وقضايا اخرى متعلقة بالكنائس الشرقية، ويشارك فيه غبطة البطريرك مار لويس رفائيل الاول ساكو بطريرك بابل على الكلدان. وليس فيه استقراء لما سيتمخض عنه الاجتماع.
لكن هذا المقال بقي موضوعًا مؤجلا، منذ آخذت تتردد في مناسبات سابقة  متعددة ومتباينة التوقيت، الاشارة الى شمولية كرسي بطريركي ما، بعبارة (في العراق والعالم) كأن يقال (في لبنان والعالم)، وكأن هذه العبارة تضيف شيئا ما آكثر من كون بطريرك انطاكيا على الموارنة، لا تقتصر حدود رعايته، بنواحي متعددة، على بكركي وما يجاورها.
وفكرة الكتابة هذه، جاءت أيضًا لتناول ما صادف كاتب هذا المقال، في حقبة زمنية معينة، من تماس مع استخدام عبارة (بطريرك الكلدان، في العراق والعالم) وليس هناك ما يؤكد أن استخدام تلك العبارة جاء آنذاك لأول مرة.
كما يتعامل المقال بشكل مستقل في بعض سياقه، مع تعامل الفاتيكان مع الكنائس البطريركية المتحدة مع الكرسي الرسولي، لكل ما يدعم مسيرتها وتواجد ابرشياتها في العالم، من حيث خصوصياتها ومن حيث وضعها الثقافي وايضا من حيث مكانتها في قلب الكنيسة الجامعة.

تحليل انساني جانبي
هناك الكثيرون ممن يمضي عليهم الزمن وهم في مصاف بسطاء القوم وسواد الناس، ولكن قد يكون لهم ايضا بصمات في هذا المسار أو ذاك من التاريخ. ليس لشئ إلا بسبب مجريات ظروف حياتية، بما يسميه البعض المصادفة، وبما يؤمن به من يؤمن، أنه من العناية الربانية.
وسبحانه من تدبير رباني، عندما يصل الحال بمن هم من سواد الناس، بأن يؤدّوا دورًا ما في حقبة زمنية. ولعلهم عند ذاك، ولحيرة مستصغريهم، يكونون أحيانا مدفوعين لا أبطالا. فتجدهم يعودون الى حال سبيلهم في الاحتجاب وعالم الابهام، والى ما قد يختارونه من حياة اعتكاف او كتابة.
وقد يبقى الأمر معهم أو بشأنهم طي الكتمان، لولا ايضا توفر بعض الظروف، أمام خيبة محبطة لمنافسيهم، فتبرزهم هذه المفارقة او تلك. وفي نهاية المطاف وفوق كل هذا، ليس ثمة كبير أمام الله، ويبقى اللاهثون وراء الصدارة يجرون ذيول العقدة والنقص، كلما ظهر هذا الشأن أو ذاك عند من استصغروهم، وهم يعدّون أنفسهم الوحيدين في الدنيا، ممن منذ طفولتهم، ركبوا الطائرة دون الحمار. وتبقى الامثلة والمقارنات من الجانبين تضرب ولا تقاس.
المفارقة في انتشار العبارة عن (البطريرك في العراق وفي العالم)
لا نعرف إذا كان قد أتى، من قبل، ذكر منصب بطريرك، بالطريقة المنتشرة حاليا، في الحديث عن بطاركتنا، وهو الاشارة اليهم تحت عنوان كعنوان: بطريرك الكلدان، أو الكنيسة الشرقية القديمة في (العراق والعالم). واذا ثبت أن هذا الاستخدام لم يرد حتى ايار سنة 1989، سنة تسنم مثلث الرحمات مار روفائيل الاول بيداويد السدة البطريركية، فهذا يعني ان المفارقة في التسمية أخذت منذئذ دورها في هذا المسار، وبخلافه ستكون المفارقة حالة آنية عابرة، أو تأكيد لواقع معروف ومتداول بهذه الصيغة.

في تلك الايام كان كاتب السطور، من الكتاب والمترجمين الخارجيين لمجلة ألف باء.  وكان يسعى للكتابة والترجمة في الموضوعات التي من شأنها تبين  الحضور المسيحي العراقي، من ذلك كتابته عن موضوعات مسيحية متنوعة، وما يحضر القلم منها: ساعة الآباء الدومنيكان،  دير الشيخ متي، ودير السيدة العذراء، والأب فرنسيس المخلصي، قصة أديث بياف وترازيا الطفل يسوع، ومكتبة الأب أنستاس الكرملي، وغير ذلك من العناوين. كان الكاتب يكتب التحقيق ويعطيه للقسم المختص حتى يأخذ طريقه إلى لنشر.
لكن حدث انتخاب بطريرك كان بحاجة الى تأوين واصداء ميداني. ففاتحتُ نائب رئيس تحرير مجلة ألف باء، الصديق المرحوم عبد الرسول الزبيدي، أبو رسالة الذي اغتالته عصابات ارهابية طائفية في عام 2004. فرأى أبو رسالة ان يتمّ الإصداء للموضوع ايضا على مستوى وكالة الانباء العراقية. واقترح أن اتحدث عنه مع مدير العام بالوكالة، في و.ا.ع. (وكالة الانباء العراقية) وكان آنذاك الكاتب (الراحل) داود الفرحان.
صعدت الى الوكالة، في أحد طوابق وزارة الاعلام، وتحدثت مع الفرحان، عن انتخاب البطريرك، فأجاب بأسلوب محبب وبروح النكتة التي وسمته، بأن معلوماته رجيجة (ركيكة) بشأن ما هو البطريرك. فشرحت له أنه الرئيس الاعلى، للمسيحيين الكلدان في العراق وأنه مرجع في نواحي عدة للكلدان المنتشرين في العالم. وتم في ضوء ذلك صياغة الخبر، وعلى ضوئه تم اعداد العنوان اياه، بوصف المنتخب، مار روفائيل الأول بيداويد، بطريركا للكلدان في العراق والعالم. وكذا الشأن في المقابلة المستفيضة التي أجريتها مع البطريرك الراحل على صفحات المجلة العراقية الأولى، ألف باء.  ومنذئذ، كلما ظهر الحديث عن بطريرك احدى الكنائس الشقيقة، كنت انتبه انه كان يذكر بصفة كونه بطريركا على رعاياه في العراق وفي العالم.

عبارة وليدة الحاجة الى النشر الاعلامي
والحال، أقرّ أن تلك العبارة لم تكن اكتشافا عبقريا، بل كانت وليدة الحاجة الى النشر الاعلامي فحسب. ولا بدّ من التأكيد أنه لم يفترض بها ان تضيف شيئا على صفة العالمية لكل بطريرك. مع أنه يبدو الآن انه درج على استخدامها وكأنها بصيغتها المروجة، أصبحت صيغة دستورية في القوانين الكنسية. بينما قصدت استخدامها لمجرد التنويه التوضيحي الذي لا يخلو من المباهاة، بمكانة البطريرك على ارض كرسيه وخارجها.

بين روما والكنائس المتحدة معها
عندما يكون بطريرك ما، كاثوليكيا كان أو غير كاثوليكي، في الرقعة الجغرافية لكرسيه البطريركي، لا بد ان تلك الرقعة من المكان الجغرافي، تبقى محدودة أمام تحرك القاطنين فيها، لتنفتح الى خارجها بنواح كثيرة متصلة بمرجعية الكرسي.
على ان في الكنيسة الكاثوليكية، يوجد امتياز آخر، وهو ان امتداد الكرسي البطريركي يعززه تناظر متفرّد من الشركة العقائدية الكاملة مع الكنيسة الأم وكرسي خليفة بطرس. من هذه الكراسي، كرسي انطاكيا للموارنة، فقد بقي كاثوليكيًا بنحو متواصل، منذ البدء. أما غير الكنيسة المارونية، من الكنائس البطريركية، فكان من تلك الكنائس التي في ظروف المجامع الكنسية في العصور الاولى للمسيحية، انفصلت عن الشركة مع روما. ثم استعادت أجنحة من تلك الكنائس البطريركية، بحجوم متفاوتة، الشركة مع روما.
هذه الكنائس البطريركية الكاثوليكية، بالإضافة الى خصوصيتها التاريخية، تشترك في التواصل مع روما بنحو يكاد يكون متقاربًا مع المجامع الاسقفية للكنائس الثقافية اللغوية، المنتشرة في العالم، من هنود واوكرانيين وغيرهم، ممن لهم رعاياهم المقيمين في البلاد وغيرهم المستوطنين خارجها. فتتواصل كنائسهم البطريركية أو مجامعهم الكنسية الوطنية مع الكرسي الرسولي بشأن المشترك العقائدي، والحياة الايمانية ونقل بشرى الانجيل، وكذلك في سياقات الموافقات الحبرية الخاصة بانتخاب الاساقفة واعفائهم، بنحو متناظر مع الاختيارات التي يطرحها اعضاء المجامع على المصادقة العليا للحبر الروماني. وطبقا لحجم رعاياهم في بلاد الاغتراب، يشكلون خدمة ارسالية، كما هو الحال مع الخدمة الارسالية للهنود السيرو-ملبار، في كالكري. او يقيمون كنائس واسقفيات، مثل ما هو الحال مع الكنيسة الاوكرانية الكاثوليكية في ولاية البرتا الكندية.
وما يعزز من سلامة الشركة، بين هذه الكنائس البطريركية وكرسي خليفة بطرس، هو أنها تقوم على اساس أن الحبر الروماني، إذ يكون اسقف روما برقعتها الجغرافية، يحمل ايضا صفة خادم خدام الرب بالمحبة، ولا يخرج عن هذا النطاق الا من خرج عن هذه الشركة لهذا السبب أو ذاك.
وما يجمع الاحبار في شركتهم الكنسية البطريركية، قد لا يختلف كثيرا عما يجمع أحبارًا في مجمع أساقفة تضمهم رقعة جغرافية على مستوى الأوطان والقارات، بقدر ما يعنيهم تميز خصوصيتهم الثقافية والطقسية، وحرصهم على الانسجام حولها. كما يحملون الاعباء الإدارية على قدر ما يحمله كاهلهم من العبء الجغرافي واللوجيستي، في مناطق تواجدهم وطنيا وقاريا، وطبقا للأمور ذات الصلة بالخصوصية التي تجمعهم. ويتحمل أي منهم عبء المساءلة من إخوته، في المجمع الاسقفي، مما يأخذ مجراه ومداه عبر الكرسي الرسولي؛ مساءلة قد تكون أمام اي تجاوز قانوني أو أخلاقي. وتكاد تتزامن محاسبته، بتوقيت قريب جدا، ما بين الجماعة الاسقفية في حيزها الاقليمي، وبين الاجراء المتخذ بحقه من قبل الكرسي الرسولي. هذا ما حدث مع اسقف كندي، ضبط متلبسا ضد القانون النافذ، على مستوى الاقليم كما على المستوى الدولي، وما يلقي بظلاله على وضعه الاسقفي المتصل بالكرسي الرسولي. فكان بيان مجمع الاساقفة ضدّه متزامنا مع قبول البابا بندكتوس استقالته.
وفي مثل هذه التعاملات تمت ايضا في المجمع الاسقفي في فرنسا، على سبيل المثل لا الحصر، اجراءات المجمع الاسقفي تجاه المطران جاك غايو، وبقي وضعه القانوني كأسقف كاثوليكي رهن التعامل مع روما.
ولولا الانسجام الافقي والعمودي، بين المجالس الاسقفية، او الكنائس البطريركية، والكرسي الرسولي، لكانت خرجت امور كثيرة، من نطاق الكنيسة الجامعة ولما استطاعت لزمن ان تحافظ على خصوصيتها بصفة كنيسة جامعة، في نطاق العقيدة الكاثوليكية المرتبطة بخليفة بطرس. لكن الرب قال أنه سيكون معها حتى انقضاء الدهور، يحميها، ولئن كان في حالتها البشرية، كإناء من خزف يحمل وديعة الايمان التي لا تثمن بثمن.
وفي الوقت عينه، يضحي من غير المنطقي ان يكون المصاف الاسقفي، او المجمع الاسقفي للكنيسة البطريركية، مجرد مكتب بريدي يصل أعضاءه ورعاياه بالكرسي الرسولي في اي صغيرة وكبيرة، وتترك على عاتقه أدارة شؤونهم. بل يعرف المتخصصون صلاحياتهم المجمعية، تجاه بعضهم البعض، وتجاه كهنتهم ورعاياهم وتجاه ما يجمعهم بالشركة العقائدية التامة مع كرسي بطرس.
أما اذا حدث ثمة التباس بين اسقف ومصافه الاسقفي، لأمر لا يرتقي إلى ان يكون مساسا في حالة قانونية أو أخلاقية أو مالية خاضعة للمساءلة، ولا يتعارض مع خطه العقائدي المنسجم مع روما. عندئذ لروما أن تتعامل مع الحالات كل على حدا، بحسب خصوصيتها وظروف اصحابها، سواء على المدى القريب أو البعيد. وبما يعالج طبيعة التعامل مع انسيابية الاحوال بين رعايا الاسقف المعني ورعايا  كنيسته الام ولحين عودة الامور إلى سياقها الطبيعي بفعل هذا الظرف الزمني أو ذاك. وحدثت مثل هذه الحالات، على مستوى كنائس ما سمي بالمعسكر الاشتراكي، وطبيعة تعاملها مع نظيراتها خارج ذلك المعسكر، سواء تلك المتحدة مع روما او تلك التي لم تستعد الشركة معها منذ زمن الانقسام. كما حدثت، في أعقاب المجمع الفاتيكاني الثاني، على مستوى الجناح الكاثوليكي المتزمت بزعامة الاسقف الفرنسي لوفيفر، الذي كان ينادي بالقداس بلسان الآباء، اللاتيني، وبعد بضع عقود من عهد لوفيفر، لم يكن بدّ لرعاياه إلا العودة الى حضن الكنيسة الكاثوليكية، بعد أن تُرك لقسسهم أن يقدسوا باللاتيني ويتسربلوا بالسوتانة الاكليريكية التقليدية.
ليكونوا واحدًا
ومن معالم السعد على مستوى الكنيسة الجامعة، أنها في أي من هذه الأحوال، تضع الشركة الكنسية التامة في الأولوية، على وفق امنية الرب يسوع: (ليكونوا واحدا كما نحن واحد). ولولا ذلك لكان حالة الكنيسة الكاثوليكية، ليس على اساس استقلال اداري معين في الكنائس الارثوذكسية، بل متجزئة على مستوى ما سمي بالكنائس المجهرية، وليدة الاصلاح البروتستانتي التي، كما تطرحها معلومات (كوكل) والتي تتكاثر مسمياتها، في كل عام بالعشرات ثم بالمئات.


3
رثاء حلم اسمه الامة

بقلم أ. نويل فرمان السناطي

أفتح في هذه الصفحة سجل عزاء.
فلم يعد من يمنع العين ان تذرف الدمع،
قول للعين يا عين جودي.
وتقول يا هذا، للحزن مرحبا يا حزن.
فلم يعد يا حزن غيرك من نديم.
ها قد جاءت طلتك، يا حزن، على حين غرة.
يا حزن الدهور المقبلة، جئت مثقل الخطى،  تجر وراءك ظلا أثقل
ظل حلم، مجرد حلم كان يحلو ان يداعبه الناظر، كطفل ينتظر العيد،
واذا بك تجرّ يا حزن، ظلك، في نعش حلم قتيل.
هوذاك يا حزن، ناهرا، أن عد يا هذا الى قلنسوتك
واكتف بمعبدك، خشوعا ومنبر روح،
ودع ذلك الحلم الذي طالما تمسكت به، تمسك الاطفال بيوم شمس.
تعال يا هذا وارتم في أحضان حزن،
على حلم ان تكون امتك واحدة.
تلك امتك الواحدة، لغة ونغمة ودبكة، ولونا وأمسا بعيدا بعيد، ومسيحا.
صلّ يا هذا على أمتك صلاة الثالث والسابع،
واجترّ حضانة القيح حتى الاربعين
وعندما تحلّ السنة، يا هذا
ودّع الأمة على رجاء القيامة،
على رجاء أن ترى من الامة شعبَها
شعبها الجريح المهجر الممزق المشرذم، واحدا واحدا في السماء.
ولكن يا حزن، وأيم حقك، علام حلّ بنا ما حلّ.
من ذا الذي ارهبته وحدتنا،
من هو من شعوذته لغتنا،
ما الذي ارعب مرعوبا لينحر، من الوريد للوريد، أمتنا.
أي اعداء خططوا حتى نتشظى بأيدينا إربا إربا.
وما عساهم جنوا من ذلك.
هل بلغ بنا الثراء ثراء دويلات الخليج،
ليُسمّى فينا كل فخذ من أفخاذنا ولاية.   
دويلات الخليج، غدت أمتهم، أمما،
وغدوا يتناحرون على الارض الواحدة شعوبا وقبائل.
طمع المقسمون في ثرائهم، فجزأوهم.
ماذا لعمري، أثارهم، فيجزؤوا أضلاعنا عظما عظما.
بماذا يا ترى، طمع في تمزيقنا، ممزق
على ما خطط لنكون ولايات مجهرية، وقبائل وكيانات أسرية ، غريبة عن بعضها في غربتها.
أمسٍ في التلمذة، كنا كلدان وسريان،   
وكان الاستاذ واحدًا يعلمنا أبجديتنا والقواعد،
يتنقل برشاقة بين لهجاتنا، والطقوس.
وفي كنيسة مار زيا بالدورة، كان الرابي، يشرح التورجاما، بسلاسة السلسبيل.
وكان الرابي، إذا ينزل الى الكمب، يمعن في تشويقنا،   
وتشويق التلاميذ عن الوحدة،
فيلفظ الحاء خاء، تارة، ويناغي الحاء حاء، طورا
ويا لقدر أمة ضاعت بين حاء وخاء.
يجلس السريان بين كاثوليك وارثوذكس، يتناظرون في طقس النهيرة.
ويصدح الموارنة، أمام سريانهم، كاثوليك وارثوذكس،
بكلمات العشاء الاخيرة، بلغة المسيح إياها.
فاسأل، وأيم حقك، الماروني، ما اختلافه عن سريانه الكاثوليك،
واسأل سريانيين اثنين، بين أرثوذكس وكاثوليك،
كيف يفسر شعبهما وسواد قسسهما ما يختلفهما من مذهب هذا وذاك؟
أهي ولايات خليجية رأسمالية، بناها كل أولئك الاقطاب،
من موارنة وغيرهم، من سريان كاثوليك وغيرهم، من كلدان وغيرهم
لتستظل كل ولاية منهم بعلم
برغم مسيح واحد، وجذور، ولسان ودم.
إبكِ يا عين لقلم لن يعود له بعد مأتم، أن يكتب،
عن أمة كانت، ولم يعد حتى للحلم لها من مكان.
فالموارنة، يا حسرة، لم يعد في كنائس اغترابهم من تمسك بالجذور سوى لغة طي،
وبات كتاب طقوسهم يبدأ افرنجيا ثم عربيا،
وتتوالى صفحاته بأعدادها من اليسار الى اليمين. أما لغة المسيح فحسبها اصحبت رمزا من الرموز.
وها هي سائر رعايا شعبنا الواحد، ترتمي في بلدان الانتشار،
تسلم لغتهم الطقسية زمامها للغة السائدة، استعدادا لانصهار الرعايا في بوتقة الشعوب المستقبلة.
امبراطوريات على انقاض امبراطوريات، بناها الجاه والمال وما إليهما،
من اجل البقاء للأثرى والاقوى،
حتى تضمحل الامبراطوريات كمن ورق،
الواحدة تلو الاخرى في حضن القادم الاقوى من حيثما ما كان.
شعب اصبح شعوبا، بلون كل مذهب.
لا الشعب يعرف ان يفصل اللون عن المذهب،
 ولا للرعاة شأن في اختلاط اللون بالمذهب،
فما عاد اللون من الالوان يغني ويسمن،
وغدا المذهب بين المذاهب والشعوب
 تتقاذفه الأمواج بين جارّ ومجرور.
أسئلة واسئلة حائرة على حلم غدا سرابا،

أجل لقد فتحت لأمتي سجل تعازي،
وما عاد عشمي من الاشقاء المعزين،
سوى أن يعزيني كل منهم،
ولكل سؤال بإجابة تعزية. 
 

4
أفكار ذكريات مع المطران الجديد مار عما نوئيل شليطا
بقلم الأب نويل فرمان السناطي

بوحي من الصلاة المريمية: تعظّم نفسي الرب
 
لم اجد افضل من كلمات هذه الترتيلة، للإصداء على خبر انتخاب المونسنيور عمانوئيل شليطا، كعضو في سرب اساقفة الكنيسة الكلدانية، راعيا على إحدى ابرشياتها، المترامية في أطراف العالم، ليكون بأسقفيته على أبرشية مار أدي في كندا، منضمّا إلى المجمع البطريركي المقدس الذي انتخبه، لخدمة أبناء الشعب المسيحي الكلدان، وبمصادقة الحبر الروماني مار فرنسيس.
 وقد أتاح المطران المنتخب، قبيل رسامته التي باتت على الأبواب وقبل تنصيبه، ان يأتي تسليط الضوء بمنحى شبه تعريفي. وعندما حدّثتُ هنا احد الاشقاء في الكهنوت عن مشروع المقال، سرعان ما التفتَ الى ضرورة ان يكون العرض يعكس مشاعر اشقاء الكهنوت، في مقدمة تلك المشاعر، اننا ونحن نستقبل هذا الحدث من بدايات العقد الاول من عمر الابرشية، وما عاشته من مخاض، فقد جاء الحدث كولادة اطلقت الاسارير بنحو واثق مستبشر.
سكرستية ساسكاتون
في المدة التي خدمت خلالها خورنة ساسكاتون، كنت أسر بمسألة عملية، أن أجد في السكرستيا (وهو مكان تبديل الكاهن والشمامسة في الكنيسة قبل القداس، ومقر مفاوضات التسوية بين الشمامسة في توزيع أدوار الخدمة والقراءات) أن أجد قميص خدمة ابيض، معه إزاره مخيطًا معه لعجبي (built in)، وبدلة كهنوت ذهبية اللون. و للعجب الآخر، كانت حلـّة الخدمة الاوخارستيا، الى حد قريب بقياس كاتب السطور (ميديوم كنك سايز) حتى عرفت أنه للكاهن الذي كان يزروهم في المناسبات، الأب (المطران) عمانوئيل شليطا. وتشاء العناية الربانية انه ذاته سيزور هذه الخورنة ضمن رعاياه الكلدان في كندا، والأن بصفة أسقفها الجديد. يبدو أنه تركها، لزيارات لاحقة، وفي الآخر قال لهم اتركوها لديكم للحاجة. وكانت أول فرصة للتفكير في أنه كان ضمن عدد من الكهنة الذين كانوا يستقدمون للخدمة في المناسبات. لتكون منذئذ تلك الجماعة المباركة، واحدة من أولى الجماعات الكلدانية التي عرفتها في كندا.
ولما كانت المعلومات البطريركية، عن الاساقفة المعلنين، وافية بما لا يقتضي الترديد، فهذا المقال يأتي على شكل افكار مسموعة، عما نعرفه عنه، وما رأيته في أكثر من زيارة قمت بها، الى كنيسة رعيته، مار كوركيس الشهيد، ونزولي في ضيافتهم.
وفي المرّات التي سنحت لي زيارة مركز رعيته، كان يقوم بتلقائية ليرتب معي موعد القداس، وهو النَفَس الذي يرافقه مع كل كاهن يزوره، أحدهم الأب مهند الطويل الدومنيكي، والذي جمعني المونسنيور معه ومع أهله في لقاء مؤثر، كان انطلاق صداقة كهنوتية عميقة.
وبادر لغير مرة، لتقديم قرص للقداس الذي كنت اقدسه في مقر رعيته ،مار كوركيس، هذه الكنيسة الكبيرة والجميلة جدا. ويزيد، فيكرم بكياسة، كل كاهن يقدّس لديه برغم قدومه بغير موعد مسبق. لسان حال يذكرنا بتحريض الام الطوباوية تريزا دي كلكتا مخاطبة الكاهن: أيها الكاهن، إعمل وانت تقدس القداس، وكأنه دائما بنكهة  المرة الأولى التي تقدّس فيها وأنه قد يكون بعبق المرة الأخيرة.
وكان شقيق الكهنوت يمارس مع الكهنة مثل هذه الكياسة، على حدّ علمي، حتى في زياراته التي كان يزور فيها الوطن، بشغف اللبناني الذي يقصد مسقط الراس في اجازته السنوية.
وأذكر أنه بعد أن قدمني قبل سنتين، في قداس أقمته في كنيسة رعيته أني، في كلمتي الجوابية للمونسنيور المكرّم حديثا في مناسبة يوبيله الفضي، استشهدت بكلمة يوحنا المعمدان عن يسوع: له أن ينمو ولي ان أنقص. لتمضي الأيام على المونسنيور، الذي جاء بعدنا، في التلمذة بإكليريكية مار يوحنا الحبيب، فيشاء الرب أن يكون راعيا لأبرشيتنا الكلدانية في كندا.
 
صورة بالكلمات
كيف أجده: عصامي مكافح، كاهن ميدان مكتف بنعمة الكهنوت، تراه مغتنيا بما عنده، زاهدًا بكل ما من بعده.
اذا احتسبنا اليوم، استحقاقه من العمر الكهنوتي الممتد لثلاث عقود، تجده بلسان حال من يتفاجأ،  فإذا انبهر، سيكون ذلك الانبهار بتبني صلاة الشكر للعذراء مريم وهي تقول:
"تعظّم نفسي الرب... لأنه نظر الى تواضع أمته."
أما وقد صار ما صار، وأن رجل الله قد قبل برغبة السينودس المقدس، فحسبه ان يعمل بواقعه الجديد بنفس الاكتفاء والاغتناء والارتقاء والثبات، فتلك سنّة الخدمة في الكهنوت المقدّس. كيف وبأي مؤشرات؟
هذه نتف، استقيتها من المرات التي التقيته فيها سابقًا، إلى جانب مهاتفات على مدد متفاوتة، آخرها  للتهنئة، جرى خلالها بنحو سريع وضع شيء من ملامح هذه الصفحات. وسبق وأن تكلمت معه لمناسبة العيد، قبل الاعلان، حيث تحدثنا بأجواء كانت اشبه بأجواء "الخطبة غير المعلنة"، متحفظين محترمين الكتمان بينه وبين الرعية التي سيقترن بها، حتى يعلنونها متمنين الخير.
 
الكاهن ومجالس العزاء
أبرز ما استقيته عن مار عمانوئيل، من لقاء أسبق، تقاليد المآتم ومآدب التعازي وبرتوكولاتها. فقد دخلت، في صبيحة أحد، دار الكهنة لكنيسة مار كوركيس، وهو خارج من الدار، ولم يكن عليه مظهر شيء يذكر، حتى انتبهت الى مسحة خبر جديد، تبين انه كان وفاة ابن أخيه، شابا صارع من اجل العافية لزمن حتى دعاه الرب. أجابني عندما سألته عن مراسيم العزاء، قال: أنا كاهن، تعزيتي القداس، ودعوتي الصلاة من اجل المتوفين، فما الحاجة الى الرسميات الاخرى. هذا ما يوحي بإرساء تقليد، يبرز الصلاة، ويخفف من عبء الرسميات، ويجعلها معقولة مقبولة.
وضع كنيستنا يعرفه، ويعرف مستواه وثقله، واذا كان يتهيأ له أن يشخصه، خلال أحاديثنا، فيفعل ذلك بدون تشكي، بل باقتراح الحلول.
 
في مجال القداس والليتورجيا
في هذا المجال كنت وجدت راعي خورنة مار كوركيس، قد جمع مجموعة شمامسة، بنحو يثير العجب، لكونهم بأعمار واماكن واتجاهات متباينة، كيف؟ هذا ما يمكن ان نعرفه ونتعلمه فيما بعد، فالحال بين خمسة شمامسة لا يختلف كثيرا عن الحال بين خمسين.
أما عن القداس، فيرى ان عمل اللجنة الطقسية فيه، يستحق الثواب، وان البطريركية قدمت الى الابرشيات نسخة متكاملة، جديرة بأن نتوحد بشأنها طقسيا في كل مكان، وما ينقاش، ينقاش في مجمع ويعلن رسميا. واذا احتجنا استفسارًا عن هذه الفقرة او تلك، فعنده الجواب. أحد تلك الاستفسارات كان بشأن ذبيحة القداس، وسيجد طريقه إلى التبلور، كما أخبرني سيادته، في الاجتماعات الاكليريكية القادمة:
فقد طرحت عليه مؤخرا، ان كان مناسبا مكانها في القداس، تلك ترتيلتنا المعروفة لدى التقادم: اتكالا اتكلت على الرب، جسد المسيح ودمه الثمين على المذبح المقدس... (مسبارو سبريت بمريا، بغريه دمشيحا ودمه يقيرا...) وكيف وُضِعت هذه الترتيلة، في بداية القداس، وقبل كلام العشاء الاخيرة، او دعوة الروح القدس، حيث خلالها كما قال، تتم الاستحالة في طقس كنيسة المشرق.
عندئذ شرح المطران المنتخب كيف ان عناصر متعددة من الصلوات تدعونا الى ان نسبح لحضور المسيح جسدا ودما فيما بيننا... سواء لدى فرز التقادم وإعدادها، أو من خلال صلاة التقادم، عندما نطلب ان يقبل هذا القربان، وغيرها الكثير.
 
وكان الحديث عن تواصل الابرشية، على المستوى الاعلامي
إنها احدى الابرشيات الكلدانية تتواصل مع بعضها ليتورجيا روحيا اعلاميا، بانسجام مع الخط الاعلامي للبطريركية،. هل يكون موقع الكتروني للأبرشية، نعم ولكنه لن يكون رقما مضافا إلى المواقع الالكترونية، بل له أن يعكس واقع حال الابرشية، انشطتها واعلاناتها، ويصبّ في المجرى الاعلامي العام لمنبر البطريركية، مع ضرورة البحث عن آلية، تجمع مواقع الابرشية حوالي الموقع البطريركي لتكون مواقع الابرشيات من موقع البطريركية، بمثابة الشعاع من البؤرة.
 
التعرف الميداني على الابرشية وخورناتها
المطران المنتخب، كان يمضي خلال التداول الالكتروني بشأن محاور هذا المقال،  فترة انتظار الرسامة، تسبقها رياضة روحية تحضيرية. وبعد الرسامة، ولحين يأتي موعد التنصيب، سيبدأ العمل، كما نوه في أول مقابلة صحافية مع الصحفي السيد ماجد عزيزة، حيث ذكر بتواضع، أنه من ناحية الأبرشية، لا يعرف كثيرا عنها، وأنه واثق أنه مع الزمن والعمل سيتعرف بالتأكيد عليها وعلى كل شيء فيها، وحين العودة بعد الرسامة سيبدأ كل شيء، كما قال: سأبدأ من (الصفر) كي أعرف كل شيء عن أوضاع الأبرشية.
 
تواصل اليوم المشرق مع أمسه
على أنه في إشارة طيبة، تنم عن تواصله الايجابي مع ماضي الأبرشية، خاطبنا، مار عمانوئيل برسالة الكترونية، بشأن سياق ذكر الصلاة من أجل الرؤساء الدينيين في صلاة نقوم شبير، كتعليق لتساؤلنا بهذا الصدد، في رسالة الكترونية متداولة. وطلب ان تذكر الاسماء فيها بالطريقة الآتية:
مار فرنسيس الحبر الأعظم بابا روما، ومار لويس الجاثاليق بطريركنا، ومار عمانوئيل اسقف رعيتنا، وأبينا مار يوحنان، وسائر أبناء خدمتهم...، وبذكر مار يوحنان، تكون أشارة محبة من المطران الأصيل إلى المطران المستقيل، والاعتزاز بوجود ما يوحنان زورا فيما بيننا كأب وأسقف سابق للابرشية.
كما يؤكد الأسقف العتيد على ابرشية  كندا، على السعي لتكون اللغة السوادية في صلوات الشعب، ذات صيغة مشتركة على عموم الابرشية. ونتوقع ان يتناغم ذلك الى حد بعيد، مع السياق في الابرشيات الكلدانية بالولايات المتحدة الامريكية. والطريقة الى ضبط تكل الصيغة، يراها بتعميم الصلوات التي يرددها الشعب، في القداس، بما فيها قانون الايمان والصلاة الربية، بحيث تكون صيغة واحدة تساعد على الانسيابية في الصلاة، ويتم فيها تحاشي الكلمات العربية، وما يكون صعبا للفهم في البدء، يتم التعود عليه مع الوقت. وان هذا مطلوب في الدرجة الأولى على مستوى الشعب، لأنها صلوات جماعية، تقتضي الانتظام التعبيري لدى تلاوتها. وقد يختلف الموضوع بعض الشيء، عن الصلاة الفردية للكاهن، عندما يميل لسانه في الصلاة، نحو استخدام عبارات الصلاة، من هذه اللهجة أو تلك.
 
الافاق الكلدانية لأبرشية مار أدي في كندا
هذه، قبل نهاية المطاف وقبل ان الملم الاوراق، افكار من التي آمل ان يستعرضها المطران الجديد ولم يتسنى لي مشاركته فيها.
فمع استقرار أبناء الابرشية،  في كندا، وتبلور سياقاتهم الاجتماعية والثقافية، لا بد وأن راعي الابرشية الشاب سيجد بحكمته وخبرته الاسلوب المناسب للتعامل مع الحس الاثني المتزايد اكثر فأكثر لإعلان تميّزه أمام المجتمع الفسيفسائي  في كندا، بدون ضبابية، هذا الحس الذي يجمع الجماعة ويتيح لهم أن ينتعشوا اجتماعيا، ويرسخوا بانفتاح واغتناء حضورهم الكلداني الثقافي والاجتماعي والاثني المتشرب من الأصل القومي النهرين، مع التساؤل عن دور الكنيسة في كندا إزاء هذه الظاهرة، تساؤل مطروح أمام المطران الجديد بخبرته وموهبته.
مع أطيب التمنيات للاسقف الجديد لأبرشية مار أدي الكلدانية في كندا مار عمانوئيل شليطا، وللاسقف المرتسم معه مار باسل (باسيليوس) يلدو اسقفًا على بيث زبداي شرفا، والمعاون البطريركيّ  خلفاً للمطران جاك اسحق، ومبروك لأبشية مار توما الرسول - استراليا، مطرانها الجديد مار اميل شمعون نونا، خلفا للمطران مار جبرائيل كسّاب

5
مع صحيفة كندية: تشخيص متوازن لإسلام
قراءة غربية في فكر البطريرك ساكو
تقديم الأب نويل فرمان

نشرت صحيفة كالكري صان، من كبريات صحف كالكري عاصمة البرتا الاقتصادية، في عددها الصادر يوم الاحد 18 كانون الثاني 2015، في عمودها الاسبوعي، تحت باب (ضيف العمود) مقالا موسوما بعنوان: "العالم بحاجة الى المزيد من الحقيقة، بحب" وكان ضيف العمود المطران فرد هنري، وله عمود اجتماعي أنثروبولوجي في عدد من صحف ومجلات البرتا. والصحافة العلمانية المحلية تعدّه الاسقف المشاكس بنحو محبب وبحجة، وصاحب الصوت الجريء ممن لا تثنيه في قول الحق لومة لائم. هذا ما كان سببا لشعبيته، سواء في المحافل الاجتماعية أو اللقاءات الحوارية.   
الجديد في الموضوع ان الاسقف هنري صاحب المواقف الجريئة في مساوئ الكازينو، وعدم قبول تبرع من ارباح القمار، والمنادي بالقيم الاجتماعية، في إطلاق الخطة الخمسية لإيواء المشردين، وجد إجابات عن تساؤلاته، في فكر البطريرك الكلداني مار روفائيل الاول ساكو. فقد جاء عنوان المقال، كترجمة فورية، لما كتبه بطريرك الكلدان مار لويس ساكو، عندما صارحه المطران هنري مؤخرًا: "نحن الغربيون نميل الى الخشية ان نكون مباشرين، لكن قيادتكم تعطي الثقة لنقول الحقيقة، وبحب."   
وفي العنوان الفرعي للمقال، جاءت هذه الكلمات: (نحن لسنا كلنا شارلي) كرد فعل للديباجة التي سرت كالنار في الهشيم في اعقاب اغتيالات باريس قبل ان يستدرك المفكرون والمراقبون الواحد تلو الاخر، بنحو مغاير لهذا الشعار. هذه إضاءات على مقاله، من باب الأصداء له، كتفاعل غربي إيجابي مع طروحات البطريركية، ومع مراعاتنا للنبرة الغربية في الطرح، فإن البطريركية تبقى تحتفظ بخطابها الخاص، وهي تصدي للمقال في كونه انعطافة غربية جديدة في التعامل مع حقائق قديمة طالما تم تجاهلها والمجاملة بشأنها. ونبدأ بما جاء في صدر المقال:   
في 7 كانون الثاني، جاء الهجوم الارهابي من خلال مسلحين اسلاميين على مكاتب الصحيفة الفرنسية الساخرة (شالي أبدو) في باريس، كمناسبة مؤاتيه لإدانة الإرهاب بنحو كاسح الانتشار.   
المجزرة طالت 12 مدنيًا بضمنهم شرطيين، أحدهما مسلم، في جريمة مقرفة، تستدعي تضامننا مع الشعب الفرنسي والعوائل المكلومة في هذا الشأن.    
وفي 10 كانون الثاني، اصدت وسائل الاعلام العالمي الى ان ما بلغ مجموع 2000 مدني، في مدينة باغا النايجرية وفي ضواحيها، تم ذبحهم من قبل الجماعة الاسلامية بوكو حرام.   
وما وجدته من سخرية المقارنة، ان الصحفيين كانوا مشدوهين بشأن استهداف حرية الخطاب والتعبير، في باريس، ولكنهم كانوا يمرون بتجاهل امام المجزرة الثانية التي طالت عددا خياليا من الضحايا البشرية.   
هذا مثال ينطبق بامتياز على ما وصفه البابا بثقافة الاسقاط.   
من حيث المبدأ أنا لست ضد أدب السخرية. فهو يتطلب موهبة وابداعا لكيما يطال شيئا ما، مما نجده على سبيل المثال، في السخرية الاجتماعية التي يمارسها ستيفن كولبرت عندما يقول: إذا كان هذا الحال بشأن الامة مسيحية بأن لا تساعد الفقير، فإما علينا أن نّدعي بأن يسوع كان ذاتيا كما نحن، أو علينا أن نعترف بأنه أوصانا بأن نحب الفقير ونخدم المحتاج بدون شرط، وبالتالي نقر بأننا، لا نريد ان نفعل ذلك وحسب.
غير ان استعمال الدعابة والسخرية، وتكبير الامور، او تحميق الاخرين، بعرض وانتقاد سخافات نجدها عند الغير، او تشخيص رذائلهم، او التركيز في ذلك على معتقدات دينية (قد يجدها المرء قابلة للاعتراض) كل هذا في التالي يفضي الى ان يقتصر المرء على انه بدعاباته يمارس شيئا غير ذي بال، ولا يعكس المعنى الحقيقي لتصرف أي انسان، فلا يكون من ثمة في عمله ذاك أي غرض مفيد ولا هدف للتغيير والاصلاح.   

بيان بطريرك الكلدان في أعقاب أحداث باريس:
دعوة لتفكيك ايديولوجية لتطرف الارهابي.   

بعد أحداث باريس، صدر بيان من بطريرك الكنيسة الكلدانية البطريرك لويس ساكو، الذي إلى جانب تعبيره عن أسفه قال": إزاء ما يحدث في المنطقة العربية وخارجها، مما هو غير مسبوق ويهدد العلاقات والتعايش، ندعو إخوتنا المسلمين الى أن يتخذوا المبادرة بأن من الداخل يفككوا ايديولوجية التطرف الارهابي. ويكوّنوا فكرا منفتحا ومستنيرا مما لا يقبل الاستغلال السياسي للدين."   
ان المضي في نشر الرسوم الساخرة ليس هو الحل، كما ليس كافيا استعراض فارغ لقادة العالم السياسي متأبطين أذرع بعضهم، مثلما ليس كافيا أبدًا القيام بمجرد الاحتجاجات.
وليس من الكفاية ان نقول: "هذا اليس من الاسلام بشيء" أو تجاهل نصوص مقتطعة من القرآن تعرّض بوضوح إلى العنف "الكفارَ" المقصود بهم غير المسلمين، او الاكتفاء بالقول: الاسلام هو ديانة سلام.   
والحال، سواء كنا نقرّ ذلك او لا، لا بدّ من القول أن الغالبية الواسعة من مجمل الاعتداءات الارهابية في العالم، يتم القيام بها باسم الاسلام، وتحت شعار الدفاع عن المعتقد او عن النبي. اعمال يتم القيام بها مع ترديد عبارة (الله أكبر) وبذلك يتم كل شيء تحت غطاء الله ونداء الاسلام، وصولا الى قتل من هو بريء.   
أمام جامعة الازهر في القاهرة بمصر، لمناسبة العام الجديد 2015، القى الرئيس عبد الفتاح السيسي خطابا قويا أمام رجال الدين ودارسي علوم الدين، قال:   
"انه من غير المعقول ان الفكر الذي نحمله، مما هو أقدس ما لدينا، يمكن ان يسبب للامة كلها –العالم الاسلامي- بأن تكون مصدر قلق وخطر مصدر قتل وتخريب لسائر اجزاء العالم. هل من المعقول، ان طريقة تفكير، ولا أقول ديانة، بل طريقة تفكير، قدسناها عبر عصور، تؤدي بنا إلى ان نجسد نصوصا وافكارًا تستعدي العالم بأسره. هل من الممكن ان مليار وستمائة مليون (مسلم) ينبغي عليهم ان يقتلوا الجزء الاخر من العالم، ما يعادل 7 مليار، لكيما هم يتسنى لهم العيش؟ من غير الممكن هذا. اقول واكرر اننا بحاجة الى ثورة دينية. أنتم الأئمة، مسؤولون أمام الله. إن العالم بأسره، أجل اقولها ثانية العالم بأسره ينتظر خطوتكم التالية لأن هذه الأمة اصبحت ممزقة، مدمرة، لقد آلت إلى الضياع، وبأيدينا نحن."   
ويمضي كاتب العمود فريدريك هنري في جريدة كالكري صان، الى القول: ثمة حاجة بأن يواجه الاسلام حالة كفاح من الداخل، والائمة لهم في هذا دور الريادة.
وثمة محوران بارزان يحتاجان الى المعالجة:   
1-تفسير النصوص   
بالنسبة الى المسلمين، أكان الموضوع يخص محافظين أم ليبراليين، فثمة حالة أساسية وهي ان القرآن يقدم على أنه عمل الله نفسه. وعليه فهو يتجاوز الزمن، وبتعبير آخر، لا يرتبط بالقرن السابع. فأن يكون ذلك كلام الله، فهذا يعنى انه مصان عبر الزمن. وهنا يتواجه رأيان: جانب الايمان المحافظ، ممن نسميهم الاصوليين، وهم يعتقدون ان كل آية له معناها الحرفي المطلق. أما الليبراليون فإنهم يقترحون ان يتم وضع النص في اطاره الخاص من حيث التفسير، آخذين بنظر الاعتبار ظروف الزمان والمكان. وعليه فإنهم يطالبون بضرورة ان يتم تبني تفسير النص ضم اطاره التاريخ، مقارنة بالأحداث القائمة وبالعصرنة. ولا بد من القول ان العصرنة، لا يقصد بها الالحاد، ولا مخالفة سلوك الآداب، أو عبادة المتعة، وكذلك رفض البعد الخاص بالديانات، كما غالبا ما يحدث في الغرب.   
2-التكامل
الاسلام هو نظام وليس مجرد دين. وهنا السؤال يطرح نفسه: هل بوسع المهاجرين ان يجدوا الطريق الى ان يشاركوا بشكل معقول في الحياة الاقتصادية والسياسية وكذلك في النظم التشريعية والاجتماعية؟   
للإجابة عن هذا السؤال، يختتم الكاتب بالإشارة الى ما يؤمن به البطريرك ساكو، بقوله:
ما يؤمن به البطريرك ساكو هو: إن مستقبل الانسان، يعتمد أساسًا العيش المشترك بسلام، بانسجام وتعاون، أمام ما نواجهه من تيارات اصولية تستهدف استخدام العنف. علينا أن نتقبل مسؤوليتنا التاريخية والأدبية، وذلك بإشاعة ثقافة الاعتراف بالآخر، القبول بالآخر واحترامه على أساس المبدأ التالي: لا إكراه في الدين، وأنه من خلال الحوار النزيه، الحكمة والرؤية الواضحة، والتنشئة الدينية المتميزة بالشفافية.
أجل بدل السخرية يا سادة، يقول المطران هنري، علينا ان نتعلم على قول الحقيقة وبحب.

نشر ايضا في موقع البطريركية تحت الرابط:
http://saint-adday.com/permalink/7018.html
ًأصل المقال في جريدة كاكري صن
CALGARY SUN – January 18/15
OPINION COLUMNISTS
SPECIAL GUEST COLUMN
The world needs more truth through love, not satire: A guest column from Bishop Fred Henry
0

BY BISHOP FRED HENRY
"We are not all Charlie."
The Jan. 7 terrorist attack by Islamic militants on the offices of the French satirical Charlie Hebdo in Paris brought, and rightly so, widespread condemnation.
The massacre of 12 civilians, including two policemen, one of whom was Muslim, constituted a heinous crime and there is a need to express our solidarity with the French people and the affected families.
On Jan. 10, the international media reported that up to 2,000 civilians in and around the town of Baga, Nigeria, were slaughtered by the Islamist group Boko Haram.
What I found particularly appalling was that journalists went ballistic about “an assault” on the freedom of speech and expression, while almost ignoring the second massacre involving an incredible loss of human life.
A classic example of what Pope Francis calls the “throwaway culture”.
In principle, I’m not opposed to satire. It takes talent and creativity to really nail something, for example, the social satire of Stephen Colbert when he says: “If this is going to be a Christian nation that doesn’t help the poor, either we have to pretend that Jesus was just as selfish as we are, or we’ve got to acknowledge that He commanded us to love the poor and serve the needy without condition and then admit that we just don’t want to do it.”
However, the use of humour, irony, exaggeration, or ridicule to expose and criticize people’s stupidity or vices or deeply held religious beliefs (that one finds personally objectionable) usually ends up being nothing more than a sophomoric exercise, demeaning to everyone, and truly offensive to the point of serving no useful transformative purpose.
After Paris, the Chaldean Church Patriarch Luis Sako, in addition to expressing his sorrow, said that: “In front of what is happening in the Arab region and abroad, which is unprecedented and threatens relations and co-existence, we call upon all our Muslim brothers to take the initiative from the inside to dismantle this terrorist extremist ideology. And build an open and enlightened Islamic opinion that doesn’t accept the political exploitation of religion.”
More satirical cartoons are not the answer, nor are empty symbols of political world leaders marching arm in arm, nor are simple protestations.
It is not enough to say, “This has nothing to do with Islam” or to ignore some texts taken from the Qur’an which clearly espouse violence against the infidel (non Muslim) or “Islam is a religion of peace.”
Whether we wish to admit it or not, the vast majority of all terrorist attacks in the world are carried out in the name of Islam, to defend the faith, or the prophet .
They do everything saying, “Allahu Akbar” (God is great), before doing it, putting everything under God and the call of Islam, even the killing of the innocent.
Speaking at the Al-Azhar University in Cairo, Egypt, on New Year’s Day, 2015, Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi made a forceful and impassioned plea to religious scholars and clerics:
“It’s inconceivable that the thinking that we hold most sacred should cause the entire umma [Islamic world] to be a source of anxiety, danger, killing and destruction for the rest of the world. Impossible! That thinking — I am not saying “religion” but “thinking” — that corpus of texts and ideas that we have sacralized over the centuries, to the point that departing from them has become almost impossible, is antagonizing the entire world. It’s antagonizing the entire world! ... Is it possible that 1.6 billion people [Muslims] should want to kill the rest of the world’s inhabitants—that is 7 billion — so that they themselves may live? Impossible! ... I say and repeat again that we are in need of a religious revolution. You, imams, are responsible before Allah. The entire world, I say it again, the entire world is waiting for your next move … because this umma is being torn, it is being destroyed, it is being lost — and it is being lost by our own hands.”
The struggle within Islam itself must be confronted and the imams will have to lead.
Two immediate flash points need to be addressed:
1. The interepretation of texts
For all Muslims, whether you are conservative or liberal, a basic premise is that the Qur’an is not the work of Muhammad but of God himself. Therefore it is timeless and not restricted to the seventh century; it is the word of God preserved unchanged over time. The orthodox (and particularly the fundamentalists) believe that each verse has an absolute value, regardless of the context. The liberals propose a contextualized reading and interpretation, taking into consideration place and time. Therefore, they emphasize the necessity of adapting the text to history, current events, and to modernity. Modernity that is not a synonym for atheism, immorality, hedonism and the denial of religious dimension of life, as often occurs in the West.
2. Integration
Islam is a system, not just a religion. Can immigrants to western countries find a way to meaningfully participate in existing economic, political, legal and social systems?
Patriarch Sako believes: “There is a future for us human beings only by living together in peace, harmony and co-operation as we were before the advent of the radical streams that use violence. We have to accept our historical and moral responsibility in spreading the culture of the recognition of the other, acceptance and respect him based on the principle that “There is no compulsion in religion” and “through honest dialogue, wisdom, clear vison, and intact religious upbringing.”
Rather than satire, we need to learn to speak the truth in love.​




6
وانطلق التحوّل: انتفاضة البابا على خطى المسيح الثائر

الأب نويل فرمان السناطي*

أطلق البابا فرنسيس، مؤخرا، موعظة مدوية، تناولت النص الانجيلي حول حدث تطهير يسوع للهيكل من المتاجرين به، مع إبداء قداسته مشاعر الحنان نحو طيبة المؤمنين، ونياتهم الحسنة... وهل ستبقى نيات أو حتى حسنات، بعد موعظته الحبرية؟
لم أبحث عن النص الأصلي للحديث، في الخبر الذي تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وهو يحمل آثار الترجمة، ولم أرجع إلى تاريخ النص ومكانه، وهل الوقت يسمح بكل هذا، أمام اليقين أن الكلمات تحمل نبرة الرجل، ولم تعد تفاجئنا، أمترجمة كانت أو أصلية! هذه بعض أضواء خجولة على موعظة من مواعظ العصر.

حديث بنبرة المشاركة الوجدانية   
لم يتحدث الواعظ بالمبادئ والارشادات، بل تكلم بطريقة المشاركة الوجدانية من القلب للقلب، طريقة تعتمد شواهد من خبرة الحياة وبأمثلة حية.
البابا هو فرنسيس الأول، وهل جاء فرنسيس مماثل من قبله في عصورنا المنظورة! ولكنه في الأقل، كما يبدو، يفتتح عهدًا بابويًا يرجع إلى زمن بطرس، زمن معفـّر بتراب أقدام المسيح، وما أحدثه سوطه في الهيكل من عجيج غبار.   
تحدث حبرنا بأنفاس محبة نحو الشعب المؤمن، متفهمًا طيبته معجبا بورعه. لكنه في الوقت عينه يطلق الصدمة، أمام ما وصفه، بضمير الجمع بـ "عاداتنا غير الكهنوتية في الهيكل" إذ قال:   
"أنا أفكر بالصدمة التي يمكن أن نثيرها عند الشعب بمواقفنا -بعاداتنا غير الكهنوتية في الهيكل: صدمة التجارة، صدمة الدنيويات ... حتى اليوم كم مرة نرى عند مدخل الكنائس قائمة أسعار المعمودية، وصلاة البركة، وتقدمة القداس. "ويشعر الشعب بالصدمة".
وتحدث مار فرنسيس بالامثال، كسيده المسيح، مستشهدًا، ويا له من شاهد، بمثل حي في بدء حياته الكهنوتية، ليروي لنا على طريقة كاتب سيناريو:
كنت مع مجموعة من الجامعيين عندما قرر خطيبان الزواج. فذهبا إلى الرعية، لكنهما أرادا أن يحتفلا بزواجهما بقداس، فقال لهما المسؤول في الرعية:
"لا، لا، لا يمكنكما"!   
- "ولكن لماذا لا يمكننا إقامة القداس؟ فالمجلس الكنسي يوصي بالاحتفال دائما بالزواج في إطار القداس ...! "   
-" لا، لا يمكن، لأنه لا يمكن أكثر من عشرين دقيقة!
- "لكن لماذا؟"
- 'لأنه هنالك أدوارًا أخرى "
- " لكننا نريد القداس! "
–' فتدفعان ثمن دورين! ".
ولكي يتزوجا في إطار القداس دفعا ثمن دورين. هذه هي خطيئة الصدمة.
وأزعم كمترجم أن النص المترجم يقصد في عبارة الدورين ما معناه: إن الوقت من بعدكما محجوز لنشاط ليتورجيي آخر، إلا إذا كنتما تدفعان ثمن نشاطين ليتورجيين.
بعد هذه القصة، أشار الأب الأقدس، إلى مسؤولية المتسببين في الشكوك بقوله الذهبي:
عندما يصبح أولئك الذين في الهيكل – أكانوا كهنة أو علمانيين أو موظفين وهم مسؤولون عن إدارة شؤون الهيكل – عندما يصبحون رجال أعمال فإنهم يسبّبون الصدمة للناس. ونحن مسؤولون عما يجري. والعلمانيون أيضا. كلنا نتحمل المسؤولية. لأنني –كمؤمن علماني- إذا رأيت أن هذا ما يجري في رعيتي، يجب أن يكون لدي الشجاعة لأقف بوجه الكاهن.
ونوّه البابا اليسوعي بتسامح الناس لطيبتهم، بأن "شعب الله يغفر لكهنته، عندما يكون لديهم ضعف، أو يقعون في الخطيئة"، على أنه استطرد قائلا: " لكن هنالك شيئان لا يمكن لشعب الله أن يغفرهما: كاهن متعلق بالمال وكاهن يسيء معاملة الناس". معيدًا الاشارة إلى الصدمة بقوله: "عندما يصبح الهيكل، بيت الله، بيتاً للأعمال، كما حصل مع الخطيبين، فقد تم استئجار الكنيسة ". ويستند البابا فيما ذهب إليه، إلى مبدأ يسوع في غضبته وغيرته على بيت الله، وهو قول المسيح: لا يمكن أن تخدم ربّين "فإما أن تعبد الله أو تعبد المال ". ومن ثم، يستنتج السبب الذي من أجله "يسوع يمسك السوط ليطهر الهيكل."

البابا المدهش، هل من مزيد؟
البابا فرنسيس الاول، إذا كان في كل يوم يدهش العالم، لسنا نعرف، بعد موعظة تجار الهيكل، ان كان في جعبته المزيد. ولا بد وأنه سيكون المزيد على المستوى العالمي.
ولكن على مستوى الكنيسة هل من مزيد؟ سيكون حتما المزيد، بعد ما نحن أمامه من منعطف مفصلي تاريخي تحولي، تمثل في صيحته بألا يتم تدنيس الهيكل بالتجارة.
أجل لم يعد ثمة في هذا الشأن، لون آخر ما بين اللونين، الاسود والابيض. ولم يعد ثمة مماطلة او تجاهل، ولا صرف نظر أو تماهل، لا أمامنا كقسس ولا أمام المؤمنين قبلهم.
ولا يتردد البابا في كل هذا، مما سيجرّ من مردودات إجراءات كهذه، من شأنها وهي تقصد أن تعيد الكنيسة إلى أزمان البشرى الأولى، أن تغدو كنيسة فقيرة ببنيانها، بائعة للوحاتها، وأعمالها الفنية، موزعة على الفقراء هداياها، فقيرة بخدامها، وأن هذه الكنيسة في هذا التنظيف الجذري المتحرّر من ماديات كانت تستند على تخريجات وتبريرات، ها قد فقدت أي مسوّغ لها ضمن منظور البابا، لتكون كنيسة بشرى، كنيسة اشعاع وجذب إيماني الى البشرى السارة.
لم يعد ثمة، على ضوء أقوال البابا، من خيار أمام الكهنة ولا أمام المؤمنين، سوى خطوات عملية، لا تحتمل غير التطبيق، ليس لأنها جاءت من فوق، من أعلى هرم للكنيسة الكاثوليكية، بل ايضًا لأنها تستوحي أقوال المسيح وأعماله، التي حجبت جوانبَ منها، تراكماتٌ زمنية غلفتها القوانين الوضعية.
لم استعجل الكتابة، لادّعائية شخصية، معاذ الله أو أني أقل من غيري اشتهاء أو استحياءًا تجاه المال. ذلك أنه لم لم يعد ثمة مجال لتبرير أو دفاع عن النفس، ولست سوى واحد من كثيرين، لا يتبرر الواحد فيهم أكثر من غيره. فالكنيسة الجامعة اليوم، أمام حبرها الاعظم، مقصودة بغربها قبل شرقها.
لقد كتبت مرة في موقع مار أدي البطريركي، مقالا بعنوان:
استجابة لمقترح سابق لغبطة بطريرك الكلدان: شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية
(http://saint-adday.com/permalink/5591.html
قصدت به المقارنة بين خبرة كنيسة وأخرى. وأقرّ اليوم، على ضوء الصدمة، بأن المقال ذاك، كتب بنوع من الاشادة، بل بالدعوة التي التناغم في خبرة السياقات بين الكنائس الشقيقة المتنعمة بالشركة العقائدية التامة. وأقرّ أن المرء آنذاك كان يستند من حيث لا يدري على تحصيل حاصل في جوانب أداريه عدة، في كنيستنا بغربها وشرقها، أخذت قوالب من القوالب التي لبست مع الوقت شرعنتها وشموليتها.
وها هي تلك السياقات الأدرية المقولبة مع الزمن، إذا وضعت تحت المجهر البابوي، في ضوء موعظة تطهير الهيكل، تجد، ويا للمفاجأة، من يزعزعها من جذورها... ومن سيكون ذلك سوى المدهش كل يوم، الجالس على كرسي بطرس. وعليه وجب الاذعان اليوم ان ذلك المقال بات في العديد من فقراته، يتحرّج من كلماته.
وبعد، يبقى التحدّي كل التحدّي هو أننا أمام مدرسة لاهوت حديثة في عصرها، وتحتاج الى الالمام بأبجديتها، هي مدرسة لاهوت متفرّد لعصرنا، مدرسة ترفض التنظيرات التوفيقية، لتشكل لاهوت فقر أنجيلي بحقيقته العارية، لاهوت فقر علماؤه البؤساء ورسوله المعاصر فرنسيس الأول، بابا الفقراء.

  *راعي كنيسة سانت فاميي للكنديين الفرنسيين، وكاهن خورنة مريم العذراء للكلدان، كالغري

7
مع رتبة القداس الكلداني 2014، بنصيه الكلداني والعربي، انشراح وآمال طيبة

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

ما أصغر العالم، كقرية ألكترونية، فما أن بثت بطريركية الكلدان النسخة الالكترونية لرتبة القداس الكلداني، وقبل ان تتوفر للكثيرين الفرصة لزيارة الموقع الأم، الزيارة النظامية، كان رواد وسائل التواصل الاجتماعي، الفيسبوك (ش.م.م) السباقين الى تقاسمه فاطلعت عليها منذ ليلة الجمعة الماضية. هذه قراءة في نص الرتبة الصادرة صفحاته حاليا بعمودين يضمان النصين الكلداني والعربي.
إصدار في منعطف تاريخي
وفي الاشارة  الصريحة الواردة في رسالة نيافة الكردينال ساندري تحت مفردات مثل:
 (circonstanze particulari di disagio ecclesiale in cui versl al Chiesa Caldea)
ما ترجم بـ: "الظروف الاستثنائية الفوضوية التي تمر بها الكنيسة  الكلدانية"، فإن الرسالة توثق في منطعف للتاريخ، مرحلة دقيقة منه وحرجة تتعلق بمسار شعبنا المسيحي النهريني، بحيث تبقى الرتبة شاهدة للاجيال، لما خبرته الكنيسة من مخاض عسير داخلي، وجيو-سياسي، وبما لا شك أن سيشرحه المؤرخون المنصفون، عن  ظروف الاحتلال الارهابي للموصل وبلدات مسيحية أخرى، من قبل ما عرف باسم الدولة الاسلامية في العراق والشام، وما حدث من سابقة في الدهر من التهجير القسري لشعبنا. إشارة، في صفحة التقديم، ستبقى وسام يزينه هامة الكنيسة الكلدانية وسائر كنائس العراق والشام وشجاعة شعبهما العظيم المهجر وآبائهما الروحيين الأماجد. إشارة لها أن تذكرنا أيضا بالزمن الذي كتبت فيه رتبة القداس إبان حقب من الزمن لم تخلُ من الاضطهادات المتنوعة.
تواضع آبائنا القديسين في رتب القداس، على مر الأجيال
وهنا يحضرني شعور في مرحلة الممارسة الكهنوتية الاولى على القداس، عندما انبهرت من إمارات التواضع التي يطالب بها المحتفل في نصوص الرتبة المقدسة،، كنت بطريقة البسطاء، أحدث النفس قائلا: لله در أولئك الاباء القديسين، الذين كتبوا هذا الطقس الجميل، وهم يعبرون باتضاع في الصلوات، عن عدم استحقاقهم وضعفهم وانسانيتهم المعطوبة، مما كنت أجده في اشارات مثل: ويلي ويلي اني رجل دنس الشفاه... وأخرى من تلك التي للكاهن ان يصليها قبل التناول: لا يكن لي يا رب  جسدك ودمك الغافر الذي أتجاسر وأتناوله للدينونة والنقمة بل للرحمة والحنان... والتي كم اسعدني فيما بعد أن وجدتها مترجمة بنحو شبه حرفي في صلاة ما قبل التناول  بلغات طقس القداس اللاتيني:
May the receiving of your Body and Blood, Lord Jesus Christ, not bring me to judgment and condemnation
Seigneur J. C. que cette communion à ton corps et à ton sans n’entraine pour moi ni jugement ni condamnation…
 كما لدينا في رتبة قداسنا المشرقي صلوات تتضمن عبارات عميقة مثل: أهلتنا بالرغم من خطايانا. وفي رتبة ما بعد الكلام الجوهري:... نحن عبادك الضعفاء... فأحييتنا بألوهيتك ورفعتنا غافرًا خطايانا... ونصرت طبيعتنا الضعيفة بمراحمك.
ولعله اعتراف كهنوتي بسيط، أنه عندما يكون المرء قريبا من الرسامة الكهنوتية، يخالجه الشعور أنه قاب قوسين أو أدنى من القداسة، وتمر الأيام لتذكره هذه الصلوات انه هو ذات الخاطئ الذي كان شماسا انجيليا والخاطئ عينه الذي كان قبل ذلك وقبله، مما يجعل الانسان المسيحي، أكان علمانيا معمّذا على كهنوت ملك صادق، أم خادم أسرار حائزا بنعمة مجانية على هذه الدرجة الكهنوتية أو تلك، يبقى في مسار توبة متجددة حتى نهاية العمر.
وهكذا نكون شهود جيل على اصدار آبائنا في المجمع المقدس، رتبة لمدة خمس سنوات مرشحة لمراجعة نهائية، لتداولها الاجيال، كإرث نأمل أن يذكر التاريخ قداستهم بعد عمر طويل، بدون أن نكون قادرين في "الظروف الاستثنائية الفوضوية التي تمر بها الكنيسة الكلدانية... (الكردينال ساندري 20 اوكتوبر 2014)" على أن نعول ونحن أحياء على قداسة هذا أو ذاك، حيث ان الاصغر في الملكوت عدّه يسوع أكبر من يوحنا، حتى ينال شهادة المطاف الاخير في الحياة.

انشراح في وقته
أجل لا يسع المرء إلا ان يعبر عن السعادة بأن يكون لنا طقس موحد يتم اتباعه خلال الخمسية القادمة بلا أي "قارش وارش". وبكراس أنيق يرافق الكاهن والمؤمن حيثما يسافر، فيشارك أو يقدس القداس الاعتيادي بدون أن يأخذ تعليمات الخوري عن سياقات القداس عندهم، باستثناء المحطات التي تقرأ فيها لغة النصوص سواء بالكلدانية أو باللغة العربية أو غيرها، فلا يحس بالغربة الطقسية، كما يمكن ملاحظة انسجام طيب قريب فيه، مع رتبة الكنيسة المارونية الشقيقة، على وفق ما لحظته من تعليقات، مع مقاربة جيدة برتب رعيات الكنيسة الجامعة؛ وفيها يمكنك بالكراس عينه أن تشارك بالقداس، سواء في كنيسة المشورة الصالحة بواشنطن، على سبيل المثال لا الحصر، او في كنيسة الثالوث الاقدس في الكاهون. وفي كلاهما قدر لي ان أكون بضيافة دار الكهنة لديهما والمشاركة بالقداس والموعظة هنا أو هناك.
ثمرة جهود طويلة طيبة
لا علم لنا بحيثيات اقرار الرتبة من قبل آباء المجمع المقدس، بعد جهود مشكورة للجنة الطقسية التي تمخض عنها، ولكنها كلمة حق لا بد منها، أنني ولمتابعتي عن كثب، لصيغة رتبة قداس مجدد في احدى ابرشياتنا الكلدانية، أشعر كم أنه لا بد وأن تفاعلت اللجنة الطقسية مع تلك الطبعة ومع تلك الجهود من حيثما صدرت. وما كان أسهل علينا ان ننزل من الانترنيت نصوصا كاملة بالكلدانية أو الانكليزية او العربية، بجهد جبار لا بد وأنه ثمرة سنوات وممارسات طقسية مع المؤمنين.
أما وقد وصلنا إلى هذه الصيغة، فلا يمكن أن يحظى كل شيء، بذائقة كل واحد، كما جاء في توجيه غبطة البطريرك مار روفائيل ساكو، خصوصا وأن هناك آمالا بأن ما سيرد من ملاحظات، سواء يقدمها المؤمنون أو المحتفلون، ومن حصيلة ما تجمع عليه الآراء مما ينسجم مع رؤى آباء مجمع 2019، ستصل عندئذ الرتبة الى تخريج يضيف المزيد من البريق على هذه الدرة الطقسية ذات التأوين والمعاصرة.

في هذه الاثناء
لا تكفي طبعة أن تملأ شغف المحتفل، ولئن كان احس بغير الاستحقاق، في تقديس القداس، وعليه فالغور في المصادر والمقارنات في هذا المجال، من شأن ذلك إثراء روحانيته، وإغناء رصيد صلواته وتأملاته لما قبل القداس وما بعده، وما يتخلله من برهات استماع وصمت وتأمل.
في هذه الاثناء، نأمل أن تجمع البطريركية، خصوصا بإذن الله عندما تمر الظروف الاستثنائية لشعبنا وكنيستنا، كل ما يرده من المؤمنين المشاركين في القداس وكذلك المحتفلين، لكي تكون اضمامة متواترة تفيد باتجاه الصيغة النهائية للرتبة المقدسة.
وفي هذه الاثناء، آن الأوان ليأخذ الشعب المؤمن زمام المشاركة المتاحة له، ويشترك مع الجوقة، ليكون حضوره فاعليا أكثر من أن يكون متلقيًا، بعيدًا عن مجرّد سلطنة الاستماع الى أداء متفرد، أو آخر أقل تفردا. فلنا من ذلك تسجيلات لقداديس تكفي للسلطنة وتشنف الاذنين، سواء بقداس لأداء خدمة مثل وديع الصافي، أو الاب طوني الخولي. وآن الأوان ان ترى النور فكرة الاب الراحل فيليب هيلايي، أن يكون دور الشماس، للقراءات، لحمل المبخرة، ولردود مثل آمين بارخمار، بمدعيكون وبشليا. خصوصا وأن لهم مجالات ان يغرفوا منها لمشاركاتهم المتفردة، تكمن في صلوات الرمش والصبرا، والباعوثا، ونقوم شبير.

تنويع النصوص وتوحيدها
في النصين المتوفرين، بالكلدانية والعربية، نلاحظ التنوع الطبيعي من حيث المادة والحجم والجمالية، وهذا مألوف في الطقوس الاخرى، بحيث يتم الاختيار سواء بين النص الكلداني الاصلي، او النصوص المترجمة. فذائقة المؤمنين متنوعة وكذلك مطاولتهم، عندما يكون القداس بمشاركة مؤمنين غالبيتهم ممن يفهمون الكثير من النص الكلداني أو ترجمته الى اللهجة السوادية. أما النصوص العربية، وما يمكن أن يقابلها من ترجمات بنفس الحجم والجمالية، فإن الذين نشأوا بغير أجواء النص الكلداني، قد يستسيغون النص المختصر العربي، وإلا فلهم النص الكلداني.
على أن ثمة تطلع آخر هو أن نجد الصيغة الموحدة لنص قانون الايمان بالسورث، فقد وضعت بالأمس أمامي أكثر من خمس طبعات واستنساخات خورنية لنص قانون الايمان بالكلدانية الدارجة، فلم اجد نصين متشابهين تماما من اول القانون الى آخره. فما هي ستكون يا ترى المعضلة، ان يتوحد مؤمنو شقلاوة وتلكيف وألقوش ودهوك، بصيغة سيفهمونها مع الوقت، بمساعدة الشمامسة والكاهن، ويحفظونها بنفس الطلاقة، التي حفظت بها الخالة مادلين أم وديع، صيغة قانون الايمان باللغة الأم الأصلية. ونقصد بها اللغة الكلدانية كما نعتز بتسميتها في كنيستنا الكلدانية، وكما تسمى باللغة الاشورية في كنيسة المشرق، والسريانية في كنيسة السريان. هذه اللغة قد تحظى في المحافل الدولية بالتسمية السريانية، على وفق ما يتداوله علماء، على  عندما يكون موضوعا لغويا دراسيا على مستوى المحفل الدولي، او هناك من يسميها بالآرامية مع الكثير من التحفظات المشروعة. ويبقى من الحق الطبيعي أن يسميها أبناء الكنيسة الكلدانية، بالكلدانية لكل ما يضم ذلك من خصوصية وثراء متكامل مع ما يستخدمه أبناء الكنيستين الشقيقتين الاشورية والسريانية.

الصلاة الربية
نعتز بهذه الصلاة، أيما اعتزاز، خصوصا وأنها جاءت على لسان ربنا يسوع المسيح بواحدة من التسميات الكنسية القومية اللغوية الواردة في الفقرة السابقة. وهذه الصيغة تبناها يسوع عن صيغة كانت متداولة عند شعب العهد القديم، واضفى عليها، له المجد، خصوصيته المتفردة وجاءت بالنكهة الربانية التي نتداولها. هذه الصلاة التي جاءت في النص الكلداني لرتبة القداس، ولكن مع اضافات قدوس قدوس قدوس أنت... والتي ربما سيرى الآباء أن تستقل عنها في صيغة 2019، وربما سيرون رفعها من مقدمة الصلاة الواردة بقدوس، قدوس، قدوس، السماء والارض... ووضعها حيثما يناسب، ليس أبدا لكي لا يطالبنا الاحبة الشمامسة الغيورون أن نتلوها بالنص الحالي قبل مآدب التعازي، بل خصوصا، لتبرز بنص الصلاة الذي جاء على لسان يسوع له المجد، وكما في سائر رتب قداديس الكنيسة الجامعة.
ونأمل ايضا على غرار توحيد قانون الايمان باللهجة السوادية. فإن توحدت على مستوى شعب المؤمنين للكنيسة الكلدانية، ستكون اكثر انسيابية في صلواتهم بحجم تواجدهم في البلاد وبلدان الانتشار. فإذا توحدت في القداس بصيغة مترجمة واحدة، ستحصل عندئذ التسوية النهائية بين مفردتي مستيهلان ومخشخلن، او ما يراه أباءنا الأجلاء. وسوف يلمس المؤمنون بالبينة الجلية المطبوعة في رتبة القداس، إن كان بشأن فقرة أغفر لنا... إن كان الغفران لـ "خطايانا" أز لـ "ذنوبنا وخطايانا"، كما جاء في الصيغة الاصلية والمنسجمة مع الصيغة المارونية: حوبين وحطاهين، كناهيني وخطياثن، المختلفة عن الصيغة التي تقتصر على "حطاهي ديان".
 
الاختصارات الحميدة
بخصوص لاخو مار وقديشا آلاها، في صفحة التعليمات، كدت أفهم ان يتم التفضيل بين تجاوزها في الايام الاعتيادية، لأنها أيام عمل للمؤمنين، وأن يتم تفضيل الابقاء عليها احتفاليا في الآحاد. ويبقى التفضيل هامشا يتيح المرونة بين هذه الحالة أو تلك.
الصلوات الختامية، كانت تتيح استعراضا مقاميا مترهلا بعض الشيء، وعليه جميلة هي إمكانية المحتفل ان يختار منها، لكونها متنوعة أكثر من كونها مكررة. وهذا الاختيار يتيح اختصار الوقت، والتقليل من الاسترسال المقاماتي، وكذلك يمنح كل قداس، صلوات بنكهة متفردة.
 كل هذه الصلوات نأمل أن تلقى ترجمة موحدة لكافة اللغات واللهجات، وخصوصا نصوص السورث، باللهجة الكلدانية الدارجة، وبما يوسع حصيلة المفردات المحدودة نسبيا في هذه اللهجة. ويمكن في هذا الصدد الافادة من خبرة أخوتنا في كنيستي المشرق الاشورية والشرقية القديمة، حيث لم يتم عموما التساهل بضم المفردات الاجنبية الدخيلة عربية أو سواها، في نصوصها الطقسية المترجمة الى السورث، مما جعل لغتهم اليومية، كما اعتقد، ذات أصالة متفردة وحبكة شجية، قلما نجدها في لهجاتنا لأبناء الرعايا الكلدانية؛ لعل أقربها الى الاصالة المحببة والجاذبية للمستمع، لهجة ألقوش، بما شكلته هذه البلدة من حاضرة فكرية وطقسية وكنسية، وبنعمة قربها من دير كلداني عريق، دير السيدة للرهبان الانطونيين الكلدان.

تطلعات
لما كانت هذه الطبعة بصيغة البي دي إف، نشرت في الموقع حال اقرارها، نأمل من النسخ الورقية المطبوعة، مع النصوص المترجمة، أن تتصدّرها رسالة غبطة البطريرك مزينة بتوقيعه الكريم. كما نأمل أن نحصل يوما على صيغة الكترونية، معدة بطريقة الباور بوينت لسهولة عرضها على الشاشة.
ونتطلع أن يكون ثمة توضيح يوفق بين نقطتين في صفحة التعليمات: بين طلب "ان الجوقة تنتهي من الترتيل بانتهاء صلاة الكاهن"، فيتم تحديد ان كان ثمة صلوات معينة ترتل خلالها الجوقة، وبين ما جاء في النقطة 20 الاخيرة، ان لا توجد صلوات تقوية سرية، وأن الصلوات كلها ترتل أو تقرأ بصوت علني. أقول هذا مشيرا الى التضرعات وكهنتا التي يصليها الكاهن بعد دعوة الشماس بنداء: بمدعيكون صلاّو شلاما عمـّن (في أفكاركم صلوا السلام) بعد الكلام الجوهري وتستمر تلك التضرعات حتى صلاة دعوة الروح القدس.
ملاحظة عن دعوة الشماس في الصفحة 43 بعد التناول، هناك حاجة للتأكد عن أمر قد يبدو بديهيا: أن هذه الدعوة تأتي بعد التراتيل المذكورة في ص 44 والتي يرتلها الشعب، مثل مارن ايشوع، رازه دنسون، كتسبيحات شكر، خلال وقت المناولة للمؤمنين.
وفي نفس خط انسجام الحركات، مما سيظهر في الشريط المرفق في الكتاب، وعلى افتراض اننا قد لا نحصل على ذلك قبل بدء موسم البشارة، هذا تساؤل بشأن لحظات الصمت، هل تتم خلال جلوس الكاهن، أو وقوفه امام المذبح أو ركوعه أمام المذبح.
واستيضاح ختامي بشأن الصلوات الختامية، هل يصليها الكاهن على المذبح، ثم خلال آمين بارخمار، ينزل الى منصة البركة، أم يصليها من المنصة ويعقبها بالبركة الأخيرة.
هذه كانت تطلعات رأيت أن أضمها الى المقال، بدل أن اكتبها شخصيا، وذلك لاحتمال التفاعل مع تطلعات إخوة آخرين، ملاحظات سقتها، ونحن في مرحلة الممارسة وشغف الانتظار للتطبيق مع بدء موسم البشارة، لتكون الرعايا عموما على بينة منها.

وبعد، هذه تحية من القلب لجمع آبائنا الاحبار في السينودوس المقدس، وإلى جميع رؤساء أبرشياتنا المجيدة في البلاد وبلدان الانتشار، مع مشاعر التقدير للجنة الطقسية التي قيض لي شرف ان أكون، بمرحلة الشماسية، عضوا فيها لردح من الزمن (1993 – 1994) في ظل آباء أجلاء، الأب (سيادة المطران) جاك إسحق والحبرين الراحلين مثلثي الرحمة، مار أندراوس صنا ومار اسطيفان بابكا، وكانوا متواصلين مع الأبوين الجليلين المونسنيور بطرس يوسف في فرنسا، والاب (سيادة المطران) سرهد يوسب جمو في أمريكا.
 

8

ما نقدّره في إخوتنا ونحبه في أبنائنا، ونودع الأشقاء لعناية الرب

بقلم الأب نويل فرمان السناطي


أجل هناك الكثير مما نقدّره في إخوتنا، على درب الرسالة الكهنوتية، والكثير الكثير مما نحبّه في أبنائنا، في كنف البيت الكلداني الواحد... مشاعر نعيشها، وتختلج في صلاتنا قبل أن نكتبها. تختلط بين الحزن على سريعي العطب والحائرين، والحزم الأبوي مع غيرهم بالمحبة الدائمة والانتظار بالصبر الجميل؛ كل هذا نعالجه ببلسم كلمات من نمط "نصلي من أجلكم".
أما  الأشقاء عقائديًا من رحم كنيسة المشرق، وقد فصلتنا عنهم بضع دهور، ويزيد يفارقنا في كل جيل، شيء من تراكم التقاليد والاعراف من بنات التباعد، فإننا نبقى نصلي من أجلهم برجاء راسخ، وكل خطوة خطوناها ونخطوها تجاههم نابعة من روح الصلاة من أجل الوحدة، عندما ناشدناهم وعرضنا عليهم كل ما من شأنه يبعدنا عن المساس بأمنية الرب: "ليكونوا واحدًا" في دعوة منسجمة من دعوة مار بندكتوس ١٦، (ليعبروا دجلة Cross the Tiger)، فاستجابت لقداسته العديد من الخورنات الشقيقة من عائلات الاصلاح، رعاة وأبناء خورنات، من العالم: المطران اللوثري السابق جوزيف جيكوبسون، في أدمنتون عاصمة ألبرتا، القسس، لي راعي خورنة القديس يوحنا الانجيلي ومساعده القسيس جون في كالكري، والقسيس جيمس أستاذ جامعي دكتوراه مقارنة الأديان، القسيس ستيفن القادم من رعية إصلاحية في تورنتو، الشماس الانجيلي ادريان مارتينز، القادم من انكلترا. ونبقى نصلي أن يعيد الرب الى البيت ما له من خراف أخر. ولأن الرب حذرنا من أن ندين، نتركهم لعنايته له المجد، هو الذي يسبر غور القلوب، بل يهدي حتى العشارين والخطأة، ونبقى نناشده ان يجمعنا معهم يومًا.
وعودة إلى إخوتنا، وأبنائنا، وما قد يعتمل بين الفينة والأخرى، من احتكاك، كما اعتمل بين سرب التلاميذ، لهذا السبب أو ذاك، فهاب بهم الرب، أن يبقوا على مبدأ: كبيركم يكون لكم خادما.
أجل نقدّر في إخوتنا وهم يعوّلون على انتمائهم و انتمائنا غير المتزعزع إلى الكنيسة الأم الجامعة. عندئذ تكون المواقف محتدمة بين التلاميذ، والرب في وسطهم، اشبه ما تكون بزوبعة في فنجان.
وما نحبّه في أبنائنا، مشاعر الاحترام حتى ولئن تباعدت من العاطفة الوجدانية تجاهنا أو تجاه هذا أو ذاك من الآباء. هذا الاحترام يسمح لابن البيت الواحد أن يقول كل شيء بنوع صراخ، أو يفكر بصوت عال... وفي غفلة منه ومن الزمن، قد ينقر على الزر الالكتروني (ارسل) قبل أن يكون راجع هذه الكلمة أو تلك، أو قبل أن يتبلعم بقدْح أو شتيمة، فتخرج كتابته، مثل البحر إذ يلفظ على ساحله الأصداف والقواقع واللالئ... أما الأصداف فالقواقع، فتجد طريق الإهمال بين رمال الساحل، وأما الجواهر واللآلئ، فتتناوشها بشغف وحرص يد العارف المحب. فقد يكون الابن قال كل ما قال، بدون أن يعرف عن كثب، ما يعيشه الاباء من تجاذبات داخلية، ومحاولات مخلصة، قبل أن يطفو على السطح ما يطفو. ويبقى حال الابن من الابناء، دكتورا كان أو جليس مقهى، يكون لسان حاله بأنه  يقول هذا بيتي، ولم يمنعني شيء أن عبر عن نفسي، داخل جدران هذا البيت الفسيح.
هذا لسان الحال نحبه أيضا، عندما يتوجه ابن أو أخ بخطاب موسوم بعنوان: إلى الاب فلان...  إلى غبطة أو سيادة... المحترم، أو قد يتوجه الى أخيه في المعمودية، وعلى درب الكلمة الحرة النزيهة والمنصفة، بكلمة الأخ والسيد، قبل أن يسترسل بالحديث الصريح أو اكثر من ذلك.
هذا ومعه الكثير نحبه في إخوتنا، ونرعاه في أبنائنا، ويأخذ طريقه المناسب إلى ما يجعلنا نذر في الهواء بأنفاس المحبة ما قد يتطاير مع عاصفة الاحتدام. وبمبدأ لكل حادث حديث، وكل شيء مع الصبر يأتي في وقته، نختزن بأعين الحرص والرعاية والاعتبار، الكلمات النابعة من النية الطيبة والهدف النبيل.

9
الاخوة الاعزاء
أشكركم على مداخلاتكم التي عرفتني عليكم عن كثب وعلمتني الكثير منكم، مما سيؤخذ بعين الاعتبار.
وتطلب مني هذا الوقت منذ المداخلات الاخيرة يوم الاربعاء الماضي، مما اقتضى الانتهاء من صلاة الثالث والسابع.
 وكما قد تلاحظون، عندما اكتب عن موضوع ديني، اوقع مع صفة الاب، لتواجه الكتابة التفاعلات ذات الصلة، مع الوسط الديني ومع مراجعي الدينية.
 أما عند الكتابة في مثل هذه المواضيع، فإني اوقع باسم (نويل فرمان السناطي) مما يفسح المجال امام اختلاف الرأي والرأي الاخر، ومما يعلم المزيد.
هذه بعض الاستخلاصات المتواضعة.
ما أعجبني أنكم كلكم متعلقون بالشأن الوحدوي مع المحيط الخاص، وكلكم منفتحون كل بطريقته نحو المحيط الاكثر عموما. وكلما توسع التفكير المعمق، كلما تترسخ القناعات بما يستقطب المساحة الاوسع.
كما لتفت انتباهي، ان التعلق بالانتماء القومي معجونا بالانتماء الديني، مع شيء يسير جدا من مما يوحي بالتوجه الوثني ومآله الريح او شطحات شعرية تستعير تلك الرموز.
وأجمل في كل هذا وذاك، الالتصاق بالجذور لما قبل المسيحية، وللعلماء والمتبحرين ان يقربوها إلينا.
لكني بعد كل هذا أمام لغز عجائبي: فيما تكون الوحدة شأن الشعب، فإن اختلاف الشعب فيما بينه، وتعلق كل شريحة بتميزها الكنسي، مما يبقى يجعل الشعب، وليس الرئاسة الكنسية، هو صاحب الشأن في توحد الغالبية.
لكن برغم هذا وذاك، فإن وحدتنا ماضية في الالتفاف حول مأساة شعبنا، وهذا هو الحافز الجديد من توجهنا الوحدوي جميعا، في زمن لم يفرق العدو الاسلامي بين دم الواحد عن الاخر.
وأخيرا، لا يسعني إلا أن أشيد بأسلوب النقاش الراقي والنزيه، والمتميز بالاحترام، بحيث تلقى أبي فرمان السناطي، التوجه اليه بالتحية والتوقير بكلمات: الاب فرمان السناطي
لا اعرف ان كانت رسالتي هذه ستقرأ تلقائيا من اساتذتي المعلقين، وعليه سأسعى جهدي ان اوصلها اليهم.
مع المحبة الدائمة لكم ولشعبنا من تلميذكم المخلص
 ن. ف.

 

10
للمسيحية روحانيتها، وللأحزاب فشلها:
فليصرخ الشعب المنكوب بصوت قومي واحد

بقلم نويل فرمان السناطي

سيدي القارئ الكريم، عنوان المقال بحدّ ذاته اتسع لمقدمة، فلندخل في الموضوع:

في مسارها المسكوني، الكنيسة نهج راعوي وبعد روحي
لقد عوّل الكثيرون، وبما لم يعد يسمح بانتظار المزيد، على الوحدة بين أبناء شعبنا النهريني، السورايا في عمومه، اعتمادًا على مسيرة الوحدة المسكونية للكنائس، متوهمين ان الشعب يتوحد قوميا بمجرد اتفاق الزعماء الروحيين حول نهج عقائدي او توافق على الاعياد.
لكن هذه المسيرة، أثبتت بأن لها استقلاليتها ووقتها الخاص ومسارها غير السياسي، كخط روحي ودعوة إنجيلية للمرء المؤمن، فيتوحد منسجما مع الذات ومع الآخر، من أضيق محيط إلى أوسعه. وقد تمثّل الوحدة المسيحية تحدّيًا إنسانيا وروحيًا على مستوى الأسرة الكبيرة الواحدة والجماعة الرهبانية الواحدة وصولا إلى الابرشية الواحدة.
ويُعرف أن لهذا التوجه في الكنائس غير الكاثوليكية فرادته، لاسيما تلك ذات الخصوصية الجغرافية الاقليمية أو الاثنية. فهي روحيا، ليست بأكثر توحدًا شعبيا، بل قد تنقسم كنسيًا على شؤون قومية وجغرافية، مثال ذلك انقسامات الكنائس الارثوذكسية السلافية في ظل الحكم الشيوعي بأوربا الشرقية، وأمريكا الشمالية، حتى لا نضرب بواقعنا المرير مثالا يبكينا دمًا.
وبالطبع لا يوجد أي حد أدنى للمقارنة مع الكنائس المبعثرة اصلاحيا، والتي وجدت لتتجزأ بسبب أي صغيرة وكبيرة. قد تتشضّى بسبب موقف ما من زوجة الراعي، أو بفعل ضغوطات اجتماعية عن قيم زواج الذكر والانثى، وتبنى طفل من قبل مسخ عائلي خارجًا عن ثنائية الزوج والزوجة. ناهيك عن الاختلاف في اجتهادات عقائدية متناسلة: جدالات عن الرب، وخلافات عن الأم الله العذراء، مغلفة بجملة تفسيرات كتابية عشوائية؛ إلى جانب كل هذا، شهوة التمرد الاحتجاجي (البروتستانتي) لوجاهة التفرد بمنبر، أو لفوائد ضرائبية، مما جرّ الوبال على هذه الجماعات الكنسية، التي منها ما هو مسيحي بالاسم فحسب، والتي تفسخت اليوم عن أكثر من تسعة واربعين رأسا كنسيا وتسمية ربانية. ولا شأن لهؤلاء بالطبع بأي خصوصية قومية.
على أن العديد من هذه الانقسامات هي بعيدة، كما أجرؤ على الاعتقاد، عن جماعاتنا العراقية والشرقية سواء في الوطن او في الشتات، لما حملته جماعاتنا هذه معها من قيم اصيلة، حبَتها بفراسة تميز الغث عن السمين، وجعلتها متناغمة الى حد كبير مع شقيقاتها الجماعات المسيحية من كنائسنا الرسولية القانونية الاصيلة.
أما الكنائس الكاثوليكية وغيرها، ذات الخصوصية القومية فيطبع كل منهما تميزان بارزان:
- الكنائس الكاثوليكية ذات الاصول الشرقية، المتمتعة بنعمة الشركة الكنسية التامة مع الكنيسة الأم الجامعة وذات البعد الانجيلي المنفتح الى العالم، فهي لم يعد لها، بعد انعطافة المجمع الفاتيكاني الثاني (1963)، نكران للخصوصية القومية الثقافية لرعاياها، بل تعطيها مكانتها بدون أن تكون الكنيسة تابعة طيعة للنفس القومي. قد يترشح عن هذا المبدأ استثناءات طارئة عندما يظهر في بعض زعاماتها الروحية من ينظّر لتلك الخصوصية الاثنية، سواء بسبب هواية شخصية أو شطحة قيادية ما هي إلا ابنة جيلها، ربتها في داخله حاشيات ضعيفة وقطيعية.
- ومن جهة الكنائس غير الكاثوليكية ذات الارتباط القومي، فهي أيضًا عرضة للتحديات الانقسامية في الجسم الواحد؛ على أنها علاوة على ذلك، وتلك مفارقة متناقضة مع صلب المبدأ المسيحي، تضع القومية فوق الشأن المسيحي. وهذه النزعة قد تؤدي إلى انقسام كنسي، كما يُقال أن ذلك حدث في كنائس غير كاثوليكية، في جزر هونولولو المتحدة. وتذهب الروايات أن زعيمًا لقبيلة السكان الأصليين، في تلك الجزر، عمد إلى تكريس هذا الانقسام الديني؛ وفي مثل هذا الأحوال يكون شعب الكنيستين الشقيقتين المنعزلتين دينيا، حاملا للخصوصية الموحدة إياها، ولكنه منسم طبقًا لقبعات زعاماته الروحية، مما عُرف فعلا عن كنائس أرثوذكسية أوكرانية وأرمنية، على سبيل المثال لا الحصر، لئلا نبكي على حالنا، في زمن غربة من أهلنا كان يفترض ان تتقارب القبعات مهما كانت بعيدة.
أجل في هذا المنعطف التاريخ الألفي، في زمن النكبة ومدّ العار الأسود، لم تعد من حاجة الى المحاباة ولا إلى الدبلوماسية بل الى الحقائق التاريخية العارية الصارخة تطرح على الشعب المكلوم وسواه، ومن يريد من يفهم الحالة كما هي فليفهمها وليرى موقعه المكشوف منها.

بين الكنيستين: الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق
ما تم عرضه عن هذا التميز بالرؤى، كان في لب اللقاء الذي دار بين البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو، الزائر لشقيقه البطريرك مار دنخا الرابع. لم يكن لب الزيارة ما شغل آنذاك الرأي العام والجهات ذات الصلة، وما ألهم بعض التندرات، عن شؤون بروتوكولية، تتعلق بمن يتلقى من؟ وأين: أيكون الاستقبال على عتبة القلاية البطريركية، أم على خطوات من العرش البطريركي؟ وأي لون هو كرسي الحبر المضيّف، واي لون هو كرسي نظيره البطريرك الشقيق الضيف؟ والحال كانت تلك مجرد حسابات بسيطة تم تصفيتها ومرت بتلقائية؛ وقد تكون التصفية تراوحت بين رعونة حاشيوية وتلقائية بسيطة في الكياسة وبين الترفع والحكمة والشفافية. بعد التصفية تلك كان ممكنًا التأبط الجماعي بين  الوفدين الشقيقين للصلاة الربية. ولم يعد ثمة حاجة لاستعراض مراسيم الإجلاس أمام مائدة طعام كريمة.
أجل كان لب الموضوع ان صاحب القداسة البطريرك المضيف، افصح عن رأيه الذي جعلنا نفهم لماذا بقيت الوحدة الكنسية لكل هذه العقود، مسألة ثقيلة الظل، برغم رفع الحرومات المتبادلة بين الكنيسة الكاثوليكية، وبين كنيسة المشرق، ذات الصلة الشقيقة تاريخيا للكنيسة الكاثوليكية الكلدانية. فقد كشف لنا قداسة بطريرك كنيسة المشرق، في ذلك اللقاء، وأمام أعلى زعامة للكنيسة الكلدانية الشقيقة (الباحث المتعمق في التاريخ الكنسي، المتبحر في حوار المذاهب والديانات) الموقف الثابت وغير المتزعزع بشأن الوحدة  فقال قداسة بطريرك كنيسة المشرق: من وجهة نظرنا ان وحدة شعبنا القومية هي التي تحقق وحدة كنيستينا.
فخلص اللقاء الى تثبيت موقف بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، إذ رد غبطة البطريرك ساكو: "إن الوحدة القومية مسؤولية العلمانيين بالدرجة الأولى، بينما وحدة كنيستينا هي مسؤوليتنا، وان  وحدة شعبنا ستأتي لاحقا." وأيد الرأيَ رئيس أكبر ابرشية في المهجر، ابرشية مار توما  الرسول، إذ علق المطران ابراهيم، وهو الآن مطران ابرشية مار توما شرفًا، قائلا: "إن كنيسة المشرق كانت تضم شعوبا وقوميات عديدة فما الضرر ان تضم اليوم أقوامًا مختلفين لأن الكنيسة جامعة." وخلص التقرير الى هذه الصلاة: ونتضرع الى الروح القدس ان يقودنا جميعا الى هذه الوحدة التي صلى من اجلها الرب يسوع.
فجاء رأي الجانب الكلداني الكاثوليكي، هو أن الوحدة شأن روحي، وأن الوحدة القومية شأن الشعب. وأفضل دليل على ذلك، أن الوحدة الروحية، لا تحل بانتماء رهبان الى دير واحد، ولا إلى كهنة في ابرشية واحدة، بل هي مسار ومراجعة ذات وتوبة متجددة.

كنيستان شقيقتان بخصوصيتين متفردتين
ولمسار الكنيستين الشقيقتين، كنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية الكلدانية، خصوصية متفردة بينهما: لقد فقد الشعب الواحد المنقسم بين كلتا الكنيستين، ما يجمعه من توصيف مشترك لتراثه وتاريخه ولغته وخصوصيته الاثنية.
حدث ذلك، منذ ان الجزء الرئيس من كنيسة المشرق، استعاد نعمة الشركة التامة مع الكنيسة الام، لما كان قبل القرن الخامس. وتمت الشركة في أواسط القرن السادس عشر فكانت الكنيسة الكلدانية.
أما الجزء المتبقي من كنيسة المشرق، فمن المصرح به من لدن الكثيرين، أنها أخذت تحمل في حقبة تاريخية محدّدة الاسم الذي توخّى استعادة أمجاد الامبراطورية الآشورية، لغة وتراثا وتاريخا وعراقة، بما عرف من ترسخ عميق لشعبها في أرضه النهرينية، من حيث الانتماء والنضال والتضحيات .
هذا الاختلاف في الافصاح عن الخصوصية الاثنية، جعل للأسف الكنيستين الشقيقتين لا تحظيان بما يحظى به شعب الكنيسة الارمنية أو الكنيسة القبطية او الأريتيرية وسواهما، في كونه في كل من تالك الكنائس، شعبًا موحدًا اثنيا وتاريخيا.
على أن الكنائس الشقيقة ذات الاسم المشترك، بين كاثوليكية وغير كاثوليكية ليست، كما كررنا، اقل عرضة للانقسامات والخلافات، باستثناء طابع الاسم المشترك، وهو لحسن حظها جنب أحزابها أن يتقاذف شعبي المذهبين تحت توجهات اثنية مختلفة.
هذه الاحزاب، في ظل النكبة الحالية، اثبتت للقاصي والداني، فشلها، بتفسيرات وتنظيرات تعود الى ذوي الشأن، ليس أقلها، تعرضها الى التشتت على وفق الولاء للنفوذ بعض الزعامات الروحية. ولا يستحق الموضوع هنا صرف المزيد من الوقت لتوصيفه.
الشعب الممتحن التفّ نحو مسيحيّته وحول رعاته الروحيين
إزاء ما تقدّم ذكره، لاحظ القاصي والداني، أن الجانب الديني لمسيحيينا كان عامل توحد، واشتراكا في المعاناة، والتفافً نحو الكنيسة كزعامة روحية، وفي وضعنا المشتت وجدت نفسها ايضا وبجدارة ميدانية كزعامة مدنية، خصوصا من خلال تفاعل الكنائس الكلدانية والسريانية الكاثوليكية والارثوذكسية، لتواجدها الميداني المشترك، مع دعم لا نظير له، من بطاركة الشرق الاوسط. إلا أن عدم الافصاح عن جانبه القومي، جعل العالم الليبرالي يحسب انها مجرد مسألة اختلافات دينية، لولا صرخات يتيمة لبعض الشخصيات الفرنسية: آخر الاراميين معرضون للزوال... وفي مكان آخر: آخر من يتكلم لغة المسيح.
الشأن النهريني
إزاء المد الإرهابي للدولة الاسلامية، إلى الموصل وقرى سهل نينوى، كان الشأن النهريني الارامي للشعب السورايا، سيمر مرور الكرام، لو كنا شعبا، يحمل أي خصوصية غير الخصوصية النهرينية الضاربة في جذور  الحضارة والتاريخ.
وكل هذا كان سيمر مرور الكرام، لو لم تكن المسيحية لدى شعبنا معجونة، تراثيا وليتروجيا بلغة المسيح.
وحتى من مسيحيينا الذين ربما انحدروا من بني تغلب وبني طي وآل ثويني، وغيرهم من القبائل العربية ذات الانحدار الارامي، فعندما اعتنقوا المسيحية، كانت لغة الطقوس الليتورجية هي السريانية الارامية، فكيف الحال ان معظمنا من النهرينيين، نحمل أيقونة اللغة التي تحدث بها المسيح.

ملاحظة ذات بال
على أن ثمة ملاحظة ذات بال: أجل لم تفلح الانقسامات العقائدية والكرسوية، في أن ترفع عنا اسم السورايي، ولم تفلح في أن تغير اسم لغتنا لغة السورث.

للشعب الممتحن ان يتفحص أن تبلور الحس القومي
كثير من الوقائع تشير، أن الدولار وحده لا يصنع القومية، وأن الأجيال المتراكمة لاحقًا، لن تعطي لغة السورث، قدرها الكافي، وعندئذ يتقدم الحال سنة بعد أخرى، أن تتم الطقوس في جوانب منها بالانكليزية.
وعلى المستوى الكنسي، قلما ينتظر من الزعيم الروحي ان يكون منظرا قوميا، ولئن حدث ذلك هنا وهناك بشكل طارئ، لفن ينتظر من الزعيم الروحي ان يكون قائدًا قوميًا سياسيا. وفي الخط الكاثوليكي في الاقل فإن الزعامة الدينية غير مرشحة لزعامة مدنية، لأن هذا التوجّه بعيد عن رسالتنا الانجيلية ولا يتناغم مع مسيحيتنا المنفتحة الى افق جميع الشعوب.
وهكذا بسبب الفشل الميداني الموضوعي لسياسيينا، قوميا، وبسبب ضياعنا الاثني كخصوصية قومية بقي التجاهل العالمي نصيب شعبنا المهجّر على رصيف الانتظار، عندما سمع العامل فقط بأن الموضوع هو اضطهاد لمسيحيين. فمن كان سيأبه بمثل هذا الحال، في عالم تسوده الليبرالية واللادينية أو التبعية لمصالح باعة السلاح.
واستمر الامر كذلك، حتى حدثت مجزرة إخوتنا اليزيديين، فبرز وضعهم كاسم قومي تاريخي وتراثي وخصوصية اثنية، فصلب فيهم المسيح من جديد، لتأتيهم النجدة المبشرة بالخلاص من العالم الغربي، ومعهم شعب "مسيحيي العراق" ضمن ما زاد على المائة ألف من  المهجرين، وما كان أحد يجسر أن يسميه باسمه اثني، يا للحسرة، بسوى كونه شعب من مسيحيي الكنائس الكلدانية والسريانية والاشورية، كلها قوميات وقوميات جهوية، والشعب الجريح واحد.
من لي بصرخة شعب
هذا الشعب النهريني، تنذر المؤشرات، بأن ارضه ستقسم الى جزء بابلي مقتطع صوب المركز، والى جزء عراقي آخر، يضم من جديد، كولاية كردية الى الامبراطورية العثمانية الجديدة.
من قلب هذا الشعب، يجدر ان تصدر الصرخة، تجاه العالم، يكتبها على اليافطات، ويخطها على الجدران، ويصيح بها أمام تجمع الزعماء الروحيين والمدنيين، يقرر نهرينيته التاريخية، ويصرح بكون الشعب السورايا سليل أعرق الامبراطوريات، حامل لغة اسفار بيبلية – كتابية عدة، وحامل لغة يسوع الارامية المعمذة مسيحيا باللغة السريانية أو السورث.
عندما يتحول الوطن عند هذا الشعب، الى حقيبة. كل ما ستحمله الحقيبة سيكون ابجدية تسعى الى الاجابة، في كندا فرنسا واستراليا، ونيوزيلاندا وبلجيكا وهولندا والمانيا، وايطاليا والدول الاسكندنافية وغيرها، الى تساؤلات من انتم:
هل انتم عرب؟ كلا نحن على عمومنا لسنا بعرب، فمسلمون منهم في البلاد استلبونا، واستوعبونا، وكنا بين الارجل في خلافاتهم المذهبية وحروبهم الطائفية.
هل انتم أكراد؟ كلا فقد قيل لنا، انهم الذين انسحبوا من سنجارنا اليزيدية بمسيحييها، وقره قوشنا وسائر قرى سهل نينوى  انسحبوا بلا سابق إنذار، ليعودوا بعدئذ لمطالبة العالم أن يساعدهم على استرجاعها.
هل انتم تركمان كركوك؟ كلا، بل كركوك، قيل لنا، أنها سلمت بغير مقاومة، ضمن صفقة لا نعرف فحواها.
هل انتم اتراك، لنجيب: لا بابا لا، فتركيا كما يبدو تسعى لتضمّ ارضنا التي عشنا فيها، لتضمها ضمن ولاية كردية الى امبراطوريتهم العثمانية المزعومة الجديدة.
إن لم تكونوا كذلك، ولا لغتكم هي بالعربية ولا هي بالتركية، ولا هي بالكردية، فمن انتم وما هي لغتكم؟
أسئلة تبحث عن إجاباتها في حقيبة وطن نهريني مستلب مهاجر، انقسمت كنائسه، سقط سياسيوه وضاعت هويته...
فحتى متى تسكت شهرزاد عن الكلام المباح.

11
بقلم نويل فرمان السناطي

((سيبقى مسيحنا الفادي متألما وينزف...)) من كلمات مهجرة

بالصلاة المنتشرة، خط ساخن مع السماء، ومثله أصداء من المهجرين الاحبة
مقبولة منكم، أحبتنا في الوطن،
مقبولة منكم، كل ما يصدر منكم، وانتم في العراء، وعلى الارض مفترشين،
مقبولة منكم، أنتم ومن يحيط بكم ومن يستقبلكم، ومن يمد لكم اي يد عنون، وأي كأس ماء بارد...
مقبولة منكم، ان صدرت، ولعلها صدرت، ولما لا ان كانت صدرت،
مقبولة منكم أن تبتئسونا، أن تستصغرونا، أن تتعالوا علينا، وهل أفضل منكم بعد الله ان يتعالى علينا
لقد أترفتنا الغربة، فاستلبتنا وشلّتنا، فأصبح بيننا وبين قاماتكم فرق متزايد تستحقون بكل تفاصيل معاناتكم.
قد نفرح على قدر قاماتنا المحجمة تجاهكم، اننا جمعنا شيئا لكم،
 ما جمعناه لكم، هنا وهناك، مهما كبر في أعين صغرنا،
فهو لا يساوي صرخة طفل، وحسرة اب، ودمعة أم، وتنهد جدة وبكاء ييتم.
نصلي هنا، ما وسعنا،
وانتم هناك جميعا، مهجرين كنتم ومستقبلين،
أنتم هناك كفند مثل فند الساعور الراحل العم نجم،
أنتم هناك كفند ملفوف ملفوف بطول باحة مسكنتة،
انتم هناك كفند طويل طويل تشتعلون وتشتعلون،
وأنتم هناك تحت الشمس كالشمع تذوبون.

هذا أقل ما يوحيه لنا، لكثير منا، ونحن نصلي، ونحن نجعل من الصلاة خطا ساخنا مع السماء،
ولنا خط ساخن مثله بقليل مع عدد من المهجرين، ومن الرعاة الطيبين، كلهم طيبون...
كلهم على قدر ما حباهم الله من وزنة أو وزنات طيبون طيبون.

أما بعد،
ونحن نتحدث عما يجدر ان يفسح لكم من خيار، من بقاء أو رحيل،
فإن الذين غادروا البلاد قبلكم، وأنتم على ما أنتم عليه من معاناة، فلا ذنب لهم سوى انهم قيّض لهم، بطريقة أو بأخرى، أن يسبقونكم، فتمنوا لهم الخير،
فلو كانت ملائكة السماء، تنظم طابور المتراصفين، على ابواب الغربة، لما كان بد من وجود أولين ولا كان بد من وجود آخرين. على ان لي همسة، تخص منكم الذين يبحثون عن جواز.
إنها همستي المتواضعة بشأن تخفيف معاناة طالبي الجوازات
فإلى الاخوة القائمين على الجوازات في اربيل يوم السبت، هذه همسة أخوية طيبة:
الجواز يا سادة كوثيقة سيكون وسيلة ترويح أولية لمن يحصل عليها، وتخفيف نسبي للعبء النفسي، بعدما حصل من تهجير وترك بيوت،
وبعد ما حصل من عدم امكانية الحصول على ما افتقد في البيت،
فإن الدولة الاسلامية، التي طبقت أحكامها الشرعية، بشأن الاهتداء أو الجزية، أو الرحيل، قد وضعت الزنجيل الاضافي على الباب، مع وسام حرف النون، فلم يتمكن الجيران الاصدقاء، من فتح الدار بما اودع لديهم من مفتاح...
وبعد يا سادتي القائمين على اصدار الجوازات، هناك مراجعون لديهم اطفال من دون سن العاشرة،
وهوية أحوالهم المدنية هي على وفق تلك السن، وما جرى من سياقات، هي من دون صور.
فرحماكم، إن كنتم لا تستطيعون إصدار الجوازات في مثل هذه الاحوال، أن ترفعوا الامر الى المراجع، فهم محبون وهم عطوفون، والاعلى فيهم قال: نعيش ونموت سوية.
ويبقى الجواز يا سادة وثيقة ثبوتية، للمرء ان يحصل عليها، أكان مسافرا أم غير مسافر،
على ان الحصول على هذه الوثيقة بجهودكم الطيبة، سيكون بمثابة تحرر من سجن معنوي آخر، مضاف الى سجن الاغتراب خارج البيت، وخارج الاحلام والطموحات.

سيبقى مسيحنا الفادي متألما وينزف
الى سائر القراء الكرام، أود أن اقدم هذه الاسطر من رسالة دامعة لقريبة، ذات شهادة عليا، وهي مع الكثيرين الكثيرين على رصيف الانتظار، كتبت فيما كتبت:
أبت أدام الله عليك الصحة والأمان والسلام
أود أن اطلعك على بعض الأمور التي تجري في عراقنا الجريح الآن
مثلما سمعت فقد اعلنت فرنسا حق اللجوء لمسيحيي العراق، وخاصة مسيحيي الموصل، كفرصة لكل واحد هُجر من بيته وأخذت ممتلكاته وشقى عمره وحتى لم يبق لنا بساط لنجلس عليه. فعندما أردنا التسجيل على هذه الهجرة على موقع الانترنيت، وجدنا ان الموقع مغلق، واستغربنا لأن الحكومة الفرنسية تقول بأن باب اللجوء لا زال مفتوحا... وفوجئنا ان اغلبية المسافرين، كانوا ذوي أقارب... ومنهم ليسوا من اهل الموصل، وليسوا من المهجرين ولا اولئك الذين أجبروا على ترك منازلهم وممتلكاتهم ولم يعانوا حتى من تهجير واحد للمسيحيين... أما بالنسبة للسفر إلى لبنان، فقد امتلأت كذلك من ذوي الاقارب...

ونحن الذين أجبرنا على ترك منازلنا ومقتنياتنا وأعمالنا وترك اكمال الدراسة العليا، وسلب داعش بيوتنا ونهبها وأفرغها من تعب العمر ومن ذكرياتنا ذكريات الطفولة واللحظات التي احتفظنا بها لأولادنا كي يشاهدوها ويتذكروها عندما يكبرون،  الآن نحن مبعثرون في اربيل نبحث عن بيت يأوينا وعمل نقتات منه حتى لم نحظ بسؤال عن أحوالنا من أحد ...  بحجة أنهم لا يعرفون كل العوائل بالرغم من أننا من المواظبين على الكنيسة ونشاطاتها  (علماً انه قبل دخول داعش بأكثر من سنة تم تشكيل لجنة بالموصل لتعداد المسيحيين وأخذت بياناتهم الدقيقة كاملة حتى ارقام الموبايلات ولا اعرف لما تم؟ ما هو الغرض منه وما الفائدة من عمله اذ لم يتم الاستفادة من اخذ هذه المعلومات واهدار الوقت والجهد فيها؟ وان العوائل التي تم تهجيرها من الموصل قسراً حسب قول الكنائس هي (250) عائلة فقط من كافة الطوائف؟

خيبة أمــــــــــــل كبيرة لنا في هذا الزمن الغادر، أين كلام السيد المسيح ...؟؟؟ اين تطبيقه؟؟؟
... ولا عجب من أن مسيحنا الفادي لازال متألماً وينزف ...والسؤال هو هل سيبقى هذا الالم والنزف؟؟؟

اعذرني ابتي  الغالي على هذه الكلمات، ولكن تأكد انها تخرج من قلب مفطور حزين...
إبنتك

هذه كانت بعض اصداء، ومنها ما ينقله التلفاز، وعساها أن تلقى آذانا صاغية
ونبقى بالصلاة على خط ساخن مع السماء ومثله بقليل مع أصداء من المهجرين الاحبة




12
اعترافات حول الكتابة قبل وبعد  عدوان "الخلافة الاسلامية"  في الموصل والمنطقة
بقلم نويل فرمان السناطي
لم  تعد الكتابة هيّنة، في الاقل عند كاتب السطور، وذلك خصوصًا بعد عدوان الدولة الاسلامية على الموصل وتخومها، وبعد جرائم الدولة الاسلامية بحق شعبنا السورايا في سهل نينوى وبحق مواطنينا اليزيديين وغيرهم من العلمانيين ومن منتمين لمذاهب اسلامية مغايرة لخط الخلافة المزعوم. ولصعوبة الكتابة، قد يحتاج المرء الى تعلم تدريجي للكتابة من جديد، وليس ثمة طريقة لإعادة تعلم الكتابة في سبعة أيام.
لا بد من الاقرار بادئ ذي بدء، بشأن المقارنة المستجدة بين عمق وجسامة ما يجدر التطرق اليه أمام خطورة الحدث وسخرية المنعطف التاريخي. فإن ما كان المرء يكتبه من قبل، بات بهذا المنظار، يبدو كمجرد مقالات تفصيلية من حياة شعبنا السورايا. مقالات تكاد تلامس البداهة في بساطتها، في حين كان القلم معها يحسب ذاته كمخترع الذرة.!
ولا بد ايضا من الاقرار أن نوع الكتابة سابقًا في تلك المقالات البسيطة لم يعد يرتقي إلى المستوى المستجدّ في الكتابة عند التعامل مع جسامة ما ارتكب في قرننا الواحد والعشرين. جرائم ارتكبت باستناد موثق إلى الايديولوجية الاسلامية، وبنحو لم يسبق له مثيل باستثناء مراحل من بدايات الاسلام المتوسع سياسيًا انطلاقا من وقت ظهور السورات المدنية. ومع ذلك كانت الكتابة البسيطة تلك، وهذه مفارقة أخرى، تمر بمخاض يحاصر الكاتب حتى يجعلها ترى النور وكأن عجلة أجداد الشعب السورايا في عراق ما بين النهرين، تخترع من جديد.
أما الآن فإن أفكار ومشاريع مقالات كاتب السطور عينه، تمر كسحابة صيف. فالافكار في ما يود المرء كتابته على هذه الصفحات، قلما تأخذ الآن وقتها في الاختمار. إذ سرعان ما تتبخر وتغيب، أمام تسارع الأحداث، بصدمات متتالية. يحدث ذلك حين تأتي سحابة أفكار مستجدة لتحل محلها. ويتمّ كذلك أمام ما يكتب في الساحة من ثيمات مشابهة بشأن الحدث إياه، وبما يكون كافيا وأكثر. أضف إلى ذلك ضرورة ترك القارئ يغترف من مقالات الكتاب اغترافا وانتظار ما يبدر من ردود أفعال.
وثمة سبب آخر يزعم التفسير للتأخر في الكتابة، إذ تساءل كاتب السطور إن كان نداء البطريركية الى كهنة الكنائس ورهبانها بعدم التصريح، يخص الكتابة ومحاولات التحليل والتنظير، حتى تبين أن ذلك كان بشأن تفاصيل تخص الموقف من الهجرة وبتفاصيل تخص التعامل مع تشرّد الشعب السورايا.
ويوجد  استطراد آخر الشأن المطروق، وهو أنه عندما أخذ المرء يكتب، بعد العدوان، لم يعد يكتب للكتابة، إن كان ثمة أصلا من يكتب للكتابة. فكل مقال يحتاج الى سحب تنهّد طويل، وانتظار ما يتلاطم في الساحة. ففي ما يخص الأحزاب المتصلة بشعبنا، باتت الاصوات تعلو من هنا وهناك بوضوح وتشخيص ووضع النقاط على الحروف. وهناك ردود افعال كاشفة. فحتى استقالة نائب في البرلمان، بسبب التفرّغ لمهامه الوزارية، كان انسحاب من البرلمان قد يحسبه الكثيرون لصالحه، امام ما وصل اليه البرلمان. ولم تخف على أحد ما أحدثته استقالة وزير، مع اعطاء السبب الوطني الصريح عن استقالته، من تعاطف وتشجيع.
التسمية المسيحية المسوّقة محليًا والمحدودة عالميا
وعلى فكرة، وعلى ذكر شعبنا السورايا، من المستغرب ان التسمية الدينية بقيت ترافق شعبنا، كمسيحي فحسب، بينما شعبنا متأصل، لغة وتراثًا وتاريخًا، في بلادنا النهرينية قبل المسيحية، وبالطبع قبل الغزو العربي لها. وهذا بالطبع ما جنيناه بسبب تمزق جسد الشعب على تسميات وأحزاب "تسموية"، أعريقة كانت أو وظيفية، أكانت نزعوية، أو مزروعة او طارئة. على ان تناسلها، كان منذ البدء يصب في المحصّلة المباشرة، في خدمة المصالح الاقليمية والمركزية.
تسميات جغرافية ترافق الحدث، ويا للعجب
ومن المفارقة أيضًا، والجرح بعد ينزف والناس مشردة وطلب النجدة من كل صوب وحدب، باتت التسمية الجغرافية المتداولة بشأن سهل نينوى، هي تسمية جنوب كردستان. ومما يدعو الى المرارة، هو الاضطرار الى تسويق تسمية مسيحيين، بدل دعم التسمية بشكل واضح على انهم مكون ثقافي بإرث انساني وبلغة كتابية ضاربة في القدم، ذلك إننا افتقدنا التسمية التي تمثل شعبنا السورايا مجتمعا. ومن يدري، ربما كان سيبقى التجاهل مستمرا، لولا ظهور كتلة جمعت مع دينها الاسم القومي ليستصرخ حال أحبتنا اليزيديين ومأساتهم ضمير العالم فاستجاب العالم بالقدر الذي استجاب.
كتابات بلا قفازات
هامش الحرية في بلد اوصلتنا اليه نسابة وقرابة وخدمة كنسية
وفي حين كانت الكتابة حتى قبل المنعطف التاريخي الحالي، يحومها التساؤل: أنكتب بالقفازات أم بدونها! إذا بالمرء، أمام ضرورة المصارحة، في زمن لم يعد للمصارحة الصارخة شأن يُذكر مع محاذير ولبس قفازات. أشكر الرب، على أنه اتاح لي أن أكتب وأنا في مكان أوصلني إليه فضل ذوي النسابة والقربى، واستقرت أقدامي فيه، بخدمة كنسية كانت ابنة حاجتها، كل هذا، ومع مشاعر الامتنان الابدي لذوي الفضل، يحتم عليّ واجب أن اكتب ما كان سيكون أصعب عليّ كتابته، لو بقيت حيث كنت من قبل.
لنلحظ أيضا الإخوة نبرة البابا في تصريحاته، وخطاب البطاركة والاساقفة في بياناتهم ومقابلاتهم، ولنمحص في اجماع مجلس الامن، تجاه عدوان مرتكب باسم الايديولوجية الاسلامية، ولندعم الصمت المصدوم والعاجز إن لم يكن متواطئا مع العدوان، لندعم ذلك الصمت الكاشف والمعاطف مع القرار العالمي بشأن مبدأ الايقاف الصارم لأي إرهاب ديني. أما الماركة المسجلة حاليا للإرهاب الديني، فهو كما قلنا الإرهاب المتأسس على الايديولوجية الاسلامية سياسيًا.. 
فلنكتب أيها الإخوة ولنكتب أيضا وأيضًا، إذ لم يعد للقفازات والمجاملات السطحية من فائدة ترجى... ألم يكن ذلك النوع الضعيف من الكتابات التمويهية هو الذي لم يجد له آذانا صاغية لدى كل المعنيين، فتدهور الحال من درك إلى آخر... 
ملاحظة اعتراف أخير: كان هذا المقال، مجرد مقدمة مسترسلة للمقال القادم الموسوم بعنوان:
ماذا عن الاسلام كدين قبل وبعد تساقط خلافته في الموصل وسائر المنطقة؟








13
                                                                    

بقلم الأب نويل فرمان السناطي

لا دُرّ دُرّه من قلم، فلكم ضرب أخماسًا بأسداس، أمام هذا المقال! في سعي ليجعل الموضوع غير شائك، منسجما مع ما يمكن ان ينشر في مواقع كنسية. فطفق المرء يختصر ويضيف، يشذب هنا ويعدل ويصحح هناك ، حتى أصبح ما كان مقصودًا للنشر بلا شكل ولا طعم ولا رائحة، كتلك المقالات الانشائية المحشوة بدون ان تقول شيئا فيه حظ. لهذا استقر الرأي أن يُترك للقلم أن يتنفس الصعداء، فيطلق المقال من قيود عديدة ليأخذ طريقه إلى النشر، عبر ما يُتاح عمومًا من مواقع.
إرهاصات شعبية أطلق لها العنان على صفحات التواصل الاجتماعي، بعد فرمان الموصل
للتذكير فقط بشأن التسمية، فإنه قبل حوالي القرن، كان فرمان الأتراك العثمانيين، لتهجير المسيحيين وارتكاب مجازر الإبادة بحقهم، لسبب رئيسي أنهم مسيحيون، حتى اشتهر اسم فرمان وأصبح صفة تطلق على كل مصيبة تحل بجماعة، فيقال عنها: لقد جلبوا لهم فرمانهم؛ ومن مواليد تلك الحقبة من أكراد ومسيحيين من الشعب السورايا، أخذوا يطلقون عليهم اسم فرمان، كوالد كاتب السطور. وكان الصديق المهندس الراحل عبد الستار فرمان الراوي، أمين عام اتحاد المهندسين العرب الاسبق، يطلق علىّ، في الوسط الصحفي، صفة أخيه بالأسم، نسبة للاسم المشترك لأبوينا...

أما بعد،
فلا بدأ أن احتصرت لدى الكثيرين، أفكار وأفكار، تأبى أن تطلق نفسها، مجاملة مع النسيب والقريب، وابن الخالة وابن العم، والصديق والزميل، ممن يشتغلون في هذا الشأن السياسي وذاك بما يتصل بشعبنا؛ فإذا صارحهم القلم بشيء، سيكون لسان حالهم، أكانوا، حراسا، أو ممثلي كتل، أكانوا مسؤولي استعلامات، أو سواق، أو مدراء مكاتب، أو وكلاء وظيفيين، أم مكلفين وظيفيا من قبل مراجعهم... فلسان حالهم قد يعاتب القلم بالقول: أما تدعنا إذن نشتغل ونكسب عيشنا.
ولكن القلم يحتار، أمام واقع مثير للتساؤلات: هل إن قيام 13 كيان سياسي، بما يضمه من كوادر وإداريين وخدميين وعناصر حماية وأمن، هل كان كافياً لأن يسد حاجات أبناء شعبنا السورايا قبل فرمان الدولة الاسلامية المعاصرة، خصوصًا وأن هذا العدد من الأحزاب بقي على هذا الرقم المثير للجدل 13، منذ عدة سنوات، أو في الأقل أنه لم يغادر هذا الرقم المثير للجدل ليصبح 12 أو 14...
على أن هذه الاعداد من الأحزاب ومشاريعها السياسية، وأسلوب التنافس فيما بينها، كان قد بقي، امام الشعب، قبل وبعد الدولة الاسلامية في الموصل، بقى، في الحقيقة والواقع، شأنا سياسيًا، يكفله القانون، وشأنًا من الأنظمة التي تقوم فيها الأحزاب، وعلى وفق قوانينها البرلمانية. ولا بدّ وأنّه كان لهذه الأحزاب الكثير من الأهداف التي تروم تحقيقها، عبر اللقاءات والمؤتمرات والمآدب والدعوات الرسمية وشبه الرسمية؛ ولا بدّ وأن هذه الأحزاب، حاولت جهدها، في تلك الفعاليات الاجتماعية والحاتمية، لتسعي أكثر مما كان سيسعى، إليه حزب أرمني لانتزاع حقوقه القومية والاثنية بغية ممارستها على أرض العراق، اسوة بالحقوق القومية التي تمارسها الخصوصيات القومية، في الغرب، وفي كندا على سبيل المثال لا الحصر.

مقارنة مع الاحزاب الارمنية
لكن تنتفض الأفكار أمام ذكر إخوتنا واشقائنا المسيحيين الارمن، فإنهم لم يستطيعوا إلا ان يقيموا على رقعة ديمغرافية لمليون و400 نسمة، أكثر من اربعة أحزاب مع حزب خامس معارض: الحزب الجمهوري المحافظ وحزب أرمينيا المزدهرة وحزب سيادة القانون والاتحاد الثوري الأرمني. حزب المعارضة الرئيسي وهو حزب تراث رافي هوفانيسيان الذي يؤيد عضوية الأرمن في نهاية المطاف في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. أما في بلدان الاغتراب عن ارمينينا، أي في سوريا فهناك فقط، على ما توفر من معلومات، حزب الطاشناق في لبنان وفي سوريا؛ ويعتبر الممثل الأكبر للسوريين المتحدرين من اصول ارمنية ومنظمهم إلى جانب أحزاب أرمنية أخرى حزب الهنشاق وحزب الرامغافار وكلها أحزاب غير معلنة و غير معترف بها في سوريا لكن لديها نشاطها المتميز في لبنان.
وعلى كل حال، فإن الأرمن في ارمينا وخارجها لم يبلغوا على ما يبدو من الشأو السياسي والحنكة الحزبية لتكون لديهم أكثر من هذه الاعداد، فيما تشظى جسد شعبنا إلى 13 حزب. ولهذا فإن هذا المقال لن يتطرق إلى هذا الشأن السياسي الحسابي. بل سيكون الموضوع، مدى تفاعل شعبنا مع الاتجاهات السياسية لمختلف الاحزاب هذه، لعدد متضائل من ابناء الشعب على أرض الوطن.
على أن ما حدث من هول في الآونة الأخيرة في الموصل، أطلق العنان لمشاعر شعبنا تجاه هذه الحالة، وقد تم التعبير عنها بأسلوب قاس. ومن المحيّر ان أبناء شعبنا اطلقوا عبارات قاسية على تلك العناوين السياسية للأحزاب المتصلة بشعبنا، مع أن تلك العناوين السياسية، ما كانت تذكر شعبنا إلا بالمديح والخير، بالكثير من الحب، إن لم نقل من التودد الانتخابي والتنافسي، فهي بليغة في محبة شعبنا، كل حزب من زاويته، ومطامحة. أما العبارات القاسية التي كانت تأتي على لسان تلك الاحزاب فكانت فيما بينها، في المجال التناحري والتسقيطي، وكل هذا بالطبع حبا بشعبنا. ولا غرابة أن تتفاجأ في هذه الأيام، بأن الشعب يشير إليه، بأكثر من بنان.
 وجهان للعملة في توجه شعبنا السورايا

ولعل المرء، في شأن الشعب السورايا، أمام وجهين للعملة الواحدة:
الوجه الاول ما تطرقنا اليه، في مقال سابق: الرابطة بين الكنيسة والشعب، والذي نشر، قبيل صدور الفرمان الإسلامي لتهجير المسيحيين من الموصل ونهب بيوتهم وتدنيس أديرتهم. حيث ان أبناء الكنائس عموما، مع ظهور توجه الرابطات، من الذين إذ تتضح لهم الرؤيا في العمل السياسي، يختارون الحياد السياسي ويكتفون بالشأن الثقافي والتراثي واللغوي والفولكلوري والتاريخ والاجتماعي، مما تناوله ذلك المقال، فيما يخص الانضواء تحت رابطة كلدانية، اسوة بالرابطة السريانية والمارونية وغيرها. وقد يجد الكثيرون منهم في هذا الانضواء بابًا من الانتعاش الوجداني والانساني وربما الاقتصادي، مما يغنيهم عن الانخراط السياسي. 
أما الوجه الاخر، فهو أبناء شعبنا السورايا، ممن توزعوا على الاحزاب العديدة المتصلة بشعبنا، لكن الواقع الجديد يضعهم أمام منعطف آخر في الاختبار:
إلى أي مدى يتوزع ابناء شعبنا على تلك الاحزاب والانشطة السياسية المتصلة بشعبنا، والتي كما يبدو كاد تكاثرها يرتبط بعدد من لهجات شعبنا.
أليس من المتوقع، أمام ظهور واقع جديد في تجمع ذي امتداد شعبي وثقافي غير سياسي، مثل الرابطات الاجتماعية، وأمام الصمت العاجز من لدن كل قادة العراق، فكيف بالأحزاب المتصلة بشعبنا... أليس من المتوقع أن تتغربل هذه الاحزاب، أمام تغير نظرات ومقاييس الشعب وتفقد الكثير من قاعدتها الجماهيرية.
أمام هذه الخيارين والتساؤلين، لا بد وأن يبقى في الحركات السياسية المخضرمون من ذوي المعادن النضالية التي تطمح الى العمل السياسي، على المستوى الوطني وعلى مستوى المشروع الحزبي والنضالي للحزب الذي يختارونه. ويسعون الى تعبئة جماهيرية واسعة نحو برامجها وأهدافها، فلا يكون نشاطها مجرد مجال عمل وظيفي اطلقته أساسًا لتشجيع تعدد الاحزاب، السلطات المتنفذة لإضعاف الخصوصية القومية للشعب السورايا، كل هذا ضمن آليات قانونية مشروعة.
ويبقى ذوو المعادن، ممن يختارون التحرك السياسي المندمج سواء مع المشاريع الوطنية الديمقراطية او الملكية، أو على مستوى وحدة الشعب السورايا، بدون أن يكون ثمة تداخل في ما يخص الكنيسة. وليس موقف الكنائس الكاثوليكية تحديدًا، في الحيادية الحزبية، شيء من الموقف المضاد للنشاط السياسي، بل انها من حيث المبدأ تقف على مسافة واحدة، من انشطة مختلف ابنائها، مع الوعي ان أنشطتها هي لخدمة شعبها وتصل فيها بالآخر، بطريقة أو بأخرى.
ومن هؤلاء من يختار إما الاندماج مع المشاريع الوطنية الديمقراطية او الملكية، على مستوى المواطنة، أو يفضل النشاط الحزبي على مستوى وحدة الشعب السوريا، بصرف النظر عن انتمائه الطقسي والكنسي، ومنهم ربما تراوده الطموحات ان يسعى مع القوى العظمى في العالم، كأن يؤثر في مجلس الدوما الروسي، أو الكونغرس الأمريكي إلى تغيير الخارطة الجيو سياسية في المنطقة، لصالح شعبنا، ويعد شعبنا بذلك كأولية في منهاجه السياسي والانتخابي! قد يعدّ هذا مجرد أحلام! ولكن لما لا، فحياتنا على قول جبران خليل جبران، من صنع أحلامنا.

وهنا قد تنفرز الحالة عن توجهين للشعب:
الأول الانخراط مسيحيا في الشأن التراثي الثقافي غير السياسي
والثاني الانخراط الصميم حزبيا في الشأن السياسي، 
هؤلاء وأولئك سيجدون كل الفضاء اللازم للتحرك، بدون أن يكون ثمة تداخل في ما يخص التوجه الكنسي، ما بين العمل الحزبي الوحدوي للشعب السورايا، وما بين التوجه المسيحي، مع أنه قد يصب في الهدف الإيجابي إياه، بطريقة أو أخرى، بحسب ما تتوصل اليه الاحزاب من تحالف يرحم مقادير الشعب ويرأف بمصيره ويقدس دماء شهدائه ليس لكونهم من هذا الحزب او ذلك بل لكونهم مسيحيين نهرينيين ومن ابناء الشعب السورايا على تنوّع مسمياته.

إطلالة الرحمة من شعبنا على الاحزاب السياسية المتصلة به
من الملاحظ، استخدام مفردة الاحزاب المتصلة بشعبنا، وليس أحزاب شعبنا؛ وهذا التحاشي، هو لصيانة توجه الحزب بنحو يقسم الشعب الواحد بحسب تواريخ اعياده وقبعات أحباره، كما هو لتنزيه الخط المسيحي الروحي للكنائس من التداخل السياسي، وما يجعلها تمضي على طريقتها وعلى هدي من الروح القدس، في مسار الدعوة الى الوحدة المسيحية.
وإذا كنا باتجاه عدم تداخل الاحزاب المتصلة بشعبنا، مع الشأن الكنسي، فإنها في الوقت عينه، معنية بالانفتاح الى مساحة الوطن والتفاعل السياسي على هذا المجال، خصوصا وأن التجربة المريرة التي عاشتها البلاد في هذه الايام، في أحداث مدينة الموصل. 
وأمام هذا، من المرتقب أن ينظر ابناء الشعب السورايا، من الجانبين، من الذي يخرجون عن تلك الاحزاب، والذين كانوا مستقلين عنها أصلا، من المرتقب أن ينظروا الى العاملين في الوسط السياسي، بإطلالة رحمة ورأفة تجاه محدودية نشاطهم امام تشرذم مخيف للأحزاب السياسية المتصلة بشعبنا، والذي كلما تنقاص عدده كلما تزايد سياسيوه، وتنوعت مشاربهم واستفحلت مؤتمراتهم ومقابلاتهم ومقاطعاتهم ودعواتهم وردود بعضهم على البعض الأخر، بين هجوم وهجوم مضادّ.
ولن يكونوا أكثر رأفة بهم وحنانا، مما يمكن ان يكونوا بعد ان تنبئ الاحداث لتغير الخارطة الجغرافية، لأماكن تواجد شعبنا المسيحي، أمام المواجهة الخطيرة التي تحدق بالعراق، تلك المواجهة ذات البعد العالمي، حتى تطلبت من ساسة البلاد ان يستنجدوا بالقوى الكبرى، ويقرعوا أبواب الامم المتحدة، وما كان لهم من بد في الشأن المحلي، لبيان حسن نيتهم وطيبة ارادتهم، سوى أن يستنفروا صبية الشارع وأولاد الأزقة. ولا بد ان أصوات ساسة العراق الحالي، قد طغت على اصوات الاحزاب المتصلة بشعبنا السورايا، فلا نزعم انهم لم يسعوا إلى ان يسمعوا صوتهم، ولكن من الواضح أن المجال يضيق في ذلك كما تضيع عطسة في سوق الصفافير؛ خصوصا وان كبار الزعماء لم يبرز فيهم من يوصل صوته الى المحافل الغربية عموما، ممن لفت الانتباه بنحو خاص؛ باستثناء، راعي ديني، شخص من الوسط الكنسي، يعدّ نفسه، كما ذكر ذلك في رسالته إلى برلمانيي العراق، يعدّ نفسه ذا صوت بسيط، كمرجعية دينية مسيحية عراقية... فـتأبط ذات اليمين وذات الشمال، ذراعي مطرانين عراقيين، المطران بطرس موشي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك، والمطران يوسف توما الدومنيكي، رئيس أساقفة كركوك، ليوصل معهم اصواتهم "البسيطة" الى البرلمان الأوربي، إنه البطريرك لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك بابل على الكلدان.

آن الأوان لكتل كبيرة من شعبنا أن تودع أحزابًا كثيرة 
في أحد الأيام، كنت في بغداد، في مؤسسة ثقافية تعنى بالشأن القومي لشعبنا، وتهتم بوحدته، وقد التقيت، شخصا (والشخص كما معروف، قد يكون مؤنثـًا أو مذكرًا). فكنت بالبساطة، إن لم أقل بالسذاجة، التي تكلمت بها أمام الشخص الثوري المهتم بشأن وحدة شعبنا، فذكرت لذلك الشخص، أننا في نهاية الأمر مسيحيون سورايي، ولنا جذور طقسية وعقائدية مشتركة، فقال لي ذلك الشخص بلهجة المعلم الموجـّه وبإطلالة حنان: أنا، يا عزيزي، أعتقد أن أفضل سبيل هو ان نعزل توجهنا القومي عن الشأن الديني.
لا شك أن هذا الشخص مذكرا كان أو مؤنثا، في زمن أصبح رجال كثر نساء، وأمست نساء كثيرات رجالا، لا شك أنه كان يعني بأن الاتجاه القومي، يمكن للشعب أن يوحده بمعزل عن التوجهات الكنسية والطائفية. ولكن بقيت احتفظ في الذاكرة بتلك نبرته، نبرة نفور تجاه العنصر الديني، وهنا بيت القصيد؛ إذ عندما صعد الشخص المذكور في الشأن السياسي، في عراق ما بعد 2003 إذا به، يزور رجال الدين الواحد بعد الآخر، ولا أعرف ماذا كان يضمر لهم في قرارة نفسه، وكيف كان يسعى أن يجامل كل واحد بطريقة، في تلك الزيارات الرسمية وطبقا للأجندة المطلوبة.
إزاء أحداث الموصل، وإزاء الاستئصال بموجب الشريعة الاسلامية لآخر مسيحييها الأصلاء، فإن لسان حال العناوين السياسية لشعبنا قد يكون: ماذا تتوقعون ان نعمل، إذا كان رئيس الاقليم ورئيس حكومة المركز، يطلقون النداء في سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ليس على مستوى التفاوض مع الدولة الموصلية الأسلامية حديثة العهد، بل لمجرد "معالجة وضع المسيحيين"، هؤلاء الذين للمرة الثانية، بعد كل الأجيال التي تلت ظهور الاسلام، يتم تطبيق أحكام القرآن بحقهم وتنفيذ بنود الشريعة الاسلامية بشأنهم.
الآن يمكن لشعبنا أن ينظر بنظرة خبيرة لكل توجه حزبي بشأنه وحواليه، كما هي فرصة لإطلاق السبيل لهذه الأحزاب، لكي تعرف من الان فصاعدًا بأي طريقة يمكنها أن تستقطب أصوات هذا الشعب، فهي اصلا بغير حاجة مباشرة إلى نقوده، واي خطاب يمكنها أن تخرج به أمام هذا الشعب الصابر الصامد المتألم الجريح. كل هذا، قد يحصل إذا حاولت أحزاب كثيرة أن تخرج من دكاكينها الصغيرة، وتتآلف فيما بينها، وتتحالف مع الحيز السياسي غير الطائفي وغير المذهبي الاوسع في البلاد، كمبادلة شريفة لمشاعر الرحمة مع شعبنا.

من ثمار الحيادية الدينية ما بين الأحزاب والشعب
إن عدم التداخل السياسي مع الشأن الكنسي، وتغربل المنتمين الحزبيين لحد الذين يحسون الرغبة في اعماقهم للعمل الحزبي السياسي البحت، قد يؤدي إلى تحجيم عددا فائض من الأحزاب والكيانات، مما يؤدي إلى ظهور عدد محدد من الأحزاب البارزة، ذات المشاريع الوطنية الكبرى، بعيدا عن التكتلات الضيقة، إزاء أحزاب وظيفية مجهرية متضائلة تذوب مع الوقت، أو تكون ملحقة وظيفيا بالأحزاب الكبرى المتنفذة.
وعندئذ ستبرز للعيان ثانية، مضار تعدد الاحزاب، مما ربما سيحفز الى المزيد من التحالفات المشروعة بين التحركات السياسية، بنحو يرحم مقادير الشعب السورايا ويرأف بمصيره ويقدس دماء شهداءه التي أهرقت أنهارًا، ليس لكونهم من هذا الحزب او ذلك بل لكونهم مسيحيين نهرينيين ومن ابناء الشعب السورايا، بمختلف مسمياته.
ما بين الوحدة القومية والمسيرة المسكونية

أمام هذا، تتضح صورتان:
التوجه نحو الوحدة القومية، يدخل ضمن نشاط الشعب وتعبئته جماهيريا بموهبة كاريزما مرتبطة بإنموذج الشخصية القيادية الاكثر حيازةً على الاستقطاب الشعبي.
في حين أن التوجه الوحدوي المسكوني بين مسيحيي الشعب السورايا، فيبقى شأنا روحيا ومسارا لا تؤثر فيه جرة قلم، ولكنه نداء من الاعماق في قبول الذات وقبول الاخر والتعايش مع الاختلاف والتراكم الثقافي والتراثي، مع السعي الضميري للزعامات الدينية السامية، نحو هذا التقارب والى القيام بخطوات عملية نحوه، بمسؤولية ودعوة مسيحية سيحاسبهم التاريخ عليها.

ذلك السعي المشكور
وهذا الانطلاق والتقويم من لدن أبناء شعبنا، نرى أن يكون مشفوعًا بعرفان الجميل من قبل شعبنا السورايا المسيحي، للحمل الثقيل الذي حمله سياسيو الأحزاب، بحنكة وصبر ومطاولة، أمام ما تقاذفهم من التيارات المذهبية والطائفية بين انتمائهم الحزبي وخصوصيتهم الطائفية من جهة، وعدم اكتراث عدد منهم بالشأن الديني أصلا، ولا بدّ وأنهم اضطروا لغير مرة أن ينظـّروا التوجه القومي من زاوية طائفية. وأزعم أنهم اضطروا بوحي من واجباتهم الحزبية، بمعزل عن قناعاتهم الروحية والايمانية، أن يذهبوا في المناسبات إلى الكنائس، ويقومون بالزيارات المكوكية لقسسها وأحبارها. ولا بدّ أنهم لاحظوا بحصافتهم السياسية، ضمن الاشياء التي كانوا يتوخونها في مخططاتهم الحزبية، أنهم في كل ذلك، مثل الذي يلم بالماء، ويردّ الكف الخالي خاليا. ولا بد أنهم، لمسوا لمس اليد، ما الذي جعل الشعب تتقاذفه الاتجاهات السياسية، فتتكاثر من حوله الأحزاب بشهية منقطعة النظير، ربما لفقدان الرؤية الواضحة في الافق، قبل أحداث الموصل. 
ولعل أخيرة هي: لعلّ عددا من الاحزاب التي قامت في العراق، عندما ابقت على زعامتها التاريخية شمالا وجنوبًا، كانت في ذلك أمام احتمالين:
إما أن ثمة حقوقا لا بدّ من الحصول عليها، وأهدافا بعيدة المدى لا بد من تحقيقها، أرضا وشعبًا، وتأثيرا في الأقطاب الدولية، والوحدة الأوربية، وعليه لا بدّ من بقاء القائد المحنك القائد الضرورة وعرّب المرحلة الدقيقة والحرجة للأمة القومية، أمام الاستعمار المستبد والامبريالية الغاشمة.
وإما أن ليس ثمة حقوقًا لا قريبة المنال ولا أهدافًا بعيدة المدى، قابلة للتنفيذ، أرضًا وشعبًا، وعليه، قد يوحون لأتباعهم بطريقة وبأخرى: لما إضاعة الوقت وتبديد الجهود باستبدال قائد بقائد.
كتبنا كل هذا، وكتب الكثيرون، ولكن الخشية كل الخشية، والحذر كل الحذر، أنه، طالما لم تسمّى الأشياء بأسمائها، فإن كل واحد، يحسب أن المقصود غريمه لا سواه، عندئذ ما عليه إلا أن يتبلعم ويمضي في سبيله.
وعليه أيضًا يستحق الشكر هؤلاء السياسيون، لما سعوا إليه، في مرحلة ما قبل الأحداث الدامية لشعبنا.. وشعبنا يطلّ عليهم من علياء صليب محنته، بإطلالة الرحمة. 












 




 




14
لمناسبة تبنّيها في مجمع الاساقفة:
بين الكنيسة والشعب، تطلعات بشأن الرابطة الكلدانية

الأب نويل فرمان السناطي

من غير المرجح أن الاتجاهات القومية والأحزاب السياسية المتصلة بشعبنا، قد رأت في قيام الرابطة الكلدانية، مجرد رقم آخر، يضاف إلى ما بات يُسمَّى بـ "كيانات" شعبنا. ومن غير المتوقع أنهم ينظرون إليها، دونما اكتراث يُذكر، على أساس كونها مجرد جمعية ثقافية، لا تستدعي التوقف مليًا، ثم ومن باب أولى، على أساس أنها غير سياسية أصلا؛ لكن الملاحظ، بل المفارقة، أن بلورة تأسيس الرابطة وطرحها على بساط البحث والتداول، صاحبه ما قد يلفت النظر من صمت "سياسي" عميق يـُشمّ منه شيء من اللامبالاة؛ مع أنها انبثقت من تطلعات بطريرك له ثقله الكنسي والوطني والقومي، البطريرك لويس روفائيل الأول ساكو، وله كلمته محليا، أوربيا ودوليا، في الاحداث السياسية على الساحة؛ ويستثنى من هذا الشعور والانطباع، قيام نخبة من الأقلام المتمرسة الرصينة والنزيهة الملتصقة بالشأن الكنسي بقناعة وإيمان، واللصيقة بشفافية بالهاجس القومي، سواء كانت ضمن اطار تنظيمي أو خارجه؛ وقد تناولت هذه النخبة موضوع الرابطة بمهنية وحيادية واحتضان، وبروحية من التفهم لتوجّهات البطريرك الكلداني الرامية إلى ازدهار الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وأبنائها، نحو الوحدة والاصالة والتجدد.

الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدانية
من المعروف أيضا أن هذه الرابطة تترسخ برعاية قريبة من الكنيسة الكلدانية كمرشدة محبة لشعبها المؤمن بدليل كونها، كما سبق ذكره، مشروعًا مباشرًا صادرًا من البطريرك، وأن هذه الرعاية للشعب الكلداني المؤمن تشمل توجهه الثقافي والإنساني والفني والادبي والفولكلوري وأصالته التاريخية وتجذره. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الكنيسة الكلدانية ببطريركها، وهي في زمن متفرد وضمن رقعة جغرافية واسعة وطنيا وعاليا، تحمل صوتًا في المحفل الرسمي المحلي والعالمي، لما يتعلق بشؤون مؤمنيها وحياتهم الانسانية والوجدانية.
ونحن الآن، في أعقاب صدور البيان الختامي لسينودس أساقفة الكلدان، نعيش مرحلة الإعداد المباشر لقيام هذه الرابطة، بعد أن تبنـّاها أساقفة المجمع المقدس، وعُهدت إلى أيدي متخصـّصين تكنوقراط؛ وزاد المجمع فأوكلها إلى متابعة أساقفة يجمعون بين الحيوية والخبرة؛ إذ جاء في البيان الختامي: "تبنى الآباء مقترح البطريرك بتأسيس رابطة كلدانية عالمية، فتشكلت لجنة من الأساقفة لمتابعة التأسيس مكوّنة من الأساقفة يوسف توما، بشار وردة وميخائيل مقدسي عن العراق، والمطران ابراهيم ابراهيم عن أمريكا، ويشرف على عملية التأسيس غبطة البطريرك". ونعرف ما لهؤلاء الأحبار مجتمعين من باع طويل في الشأن الإعلامي والتعامل الحكيم مع المحافل الرسمية والاجتماعية، الى جانب ضلوعهم الأكاديمي في الشأن الاثني وترابطه المتوازن مع الجانب الروحي والانتعاش الوجداني.

جهة متفاعلة ومنفتحة على رقعة واسعة وطنيا وعالميا
تكتسب الرابطة ثقلها وأهميتها الخاصة كونها تقوم على مساحة ديمغرافية لعدد واسع من المسيحيين الكلدان في العراق الحالي لحدّ كتابة هذه السطور وقراءتها؛ نقول الحالي، وذلك في أعقاب أحداث الموصل وكركوك وسواهما من مدن العراق، وما ألقته من ظلال على مواطنينا العراقيين والنهرينيين وخصوصا أبناء شعبنا ذي الجذور العميقة الضاربة في تاريخ البلاد. هذه المساحة الديمغرافية الممتدة أيضًا إلى الافق التاريخي لأرض ما بين النهرين؛ وهي تمتد في الخارج أيضا إلى مختلف اصقاع العالم.
وأكثر من هذا فإن الرابطة تنفتح بأبناء الكنيسة  الكلدانية، إلى سائر الأشقاء في الإيمان والجذور من مسيحيي البلاد والمنطقة ومواطنيهم في الخارج، متأسّسةً على الأمانة للدعوة الروحية المسكونية الكنسية الجامعة لرسالة البشرى السارة، الإنجيل.
وللرابطة الكلدانية العتيدة أن تغترف من خبرة الرابطة السريانية في لبنان الشرق الاوسط، والتي برزت بحجمها الإعلامي والمعنوي في ظروف الاستلاب والاختطافات، كمنبر نيـّر وصوت مسموع لمسيحيي لبنان والشرق الاوسط، انطلاقا من خصوصيتهم كأبناء للشعب السورايا الآرامي وتفاعلا مع أشقائهم الشرق أوسطيين في الإيمان.
وللرابطة الكلدانية أن تتناظر مع تاريخ العمق الماروني – السرياني، المنفتح إلى الإشراقة المسيحية عربيًا، في لبنان الأرز وخارجه؛ وكذلك مع الكنيسة المارونية، التي أثبتت الأيام كيف ترسخت كبعد متميّز لمسيحيي المنطقة؛ بحيث سبق للبطريرك لويس ساكو في احد لقاءات الاساقفة بلبنان، وبفخر وتواضع ومحبة وتأصل، سبق له وأن دعا للحبر الماروني البطريرك بشارة الراعي، بالعمادة الروحية والمسيحية والأخوية بين أحبار المنطقة الكاثوليك، مع الإنفتاح في خدمة المحبة إلى سائر الأحبار المسيحيين.

برعاية كنسية، الرابطة بمديات متنوعة منفتحة دونما توجس من أجندة خارجية أو سياسية
في مثل هذه الظروف، التي يمكن فيها التحسس من التدخل الحزبي والتكتلي في الشأن الكنسي، لعلّ قاعات الكنائس تفتح أبوابها مشرعة لأبناء الرابطة وأعضائها ومُريديها واصدقائها؛ وقد يكون لها إذا سُمح لي بتوقع ذلك وتنفيذه ميدانيًا، حصة من الإعلانات والتوصيات، في منبر ما بعد الطقوس الدينية، وذلك بدون أي حساسية مما سمي في العراق الحالي، بعد سنة 2003 بالأجندة السياسية لهذا الحزب أو التكتل أو ذاك، ولا بأي منافسة انتخابية.
هذا، كما أعتقد، قد يجعل  الشعب المؤمن المرتاد الى الكنيسة بمواظبة واقتناع، أن يحتضن هذه الرابطة دونما خشية أن تتقاذفه هذه التيارات أو تلك؛ وفي الوقت عينه، مع إبقاء وإنماء المودة للأهل والأصدقاء والأقارب المنخرطين في الشأن السياسي.
كما أن أبناء الكنيسة، سيتمكن من يشاء منهم، خارجًا عن الرابطة، أن يختار هذا التوجه السياسي أو ذاك، برؤية أوضح، أمام حيادية كنسية مطلقة إزاء العمل الحزبي السياسي، مسترشدا بقناعته على وفق ما يراه في هذا المشروع السياسي أو ذاك، ومستنيرًا بخبرة شعبنا تجاه مختلف الاحزاب، سياسية كانت أو وظيفية، سواءًا قبل أحداث الموصل 2014 أو بعدها.
هذا ما يجعل من الرابطة، في كنيسة كاثوليكية، كلدانية كانت أو سريانية أو مارونية أو أرمنية أو قبطية، تتيح التميّز المشروع والواجب، بين عالمين، الروحي والمدني، متعاشقين بشفافية، غير متداخلين، وبلا ضبابية، على وفق اتجاهات ابنائها؛ فيكون فيهم من سيكتشف ما في داخله من رغبة خاصة للعمل السياسي والقيادي على مستوى الوطن، وخدمةً للرقعة الجغرافية ذات الكثافة المسيحية؛ ويتبين من الجانب الآخر، من يهتم بالشأن الديني والثقافي والفولكلوري والتاريخي والأدبي لشعبنا السورايا في إطار مدني لرابطة مثل الرابطة الكلدانية.
هذه أفكار تم اجترارها منذ أسابيع بل أشهر، مع إعلان الرغبة البطريركية في قيام الرابطة الكلدانية، وعلى مدى ما تم متابعته، خلال المدة المنصرمة، من أفكار وأبحاث بهذا الشأن؛ حتى تكلل كل هذا بأن أقرّها آباء المجمع المقدس، لتنطلق بمتابعة فريق أسقفي فاعل وطنيا وعالميا.
وبعد، لم تكن هذه الصحبة تودّ، رغم كل الحبور الذي تنضح به، أن ترسم صورة مثالية ذهبية عن الرابطة، لكنها جاءت لتنشد كل العناصر التي تبشر بديمومة الرابطة وبكونها حقًا خطوة مفصلية، خطوة على الطريق الصحيح.




15
أساقفة شباب، وماذا بعد؟
الأب نويل فرمان السناطي
 
"لا يستهن أحد بحداثة سنك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام والسلوك والمحبة والإيمان والطهارة " (1طيمثاوس 4: 12)




أكتب هذا المقال، بمعزل عن مجريات المجمع المقدس لأساقفتنا الكلدان، الذي انعقد مؤخرا وننتظر بيانه الختامي. لكنها أمنيات تراود المرء، عما نترقبه من أساقفتنا الأعزاء، وبضمنهم الذين تم انتخابهم ونحن في وقت كتابة هذا المقال أو خلال قراءته منشورًا. الامنية الأساسية تتفاعل مع توصية بولس الرسول إلى تلميذه الأسقف طيمثاوس بما يقرنه مع حداثة سنّه من صفات وفضائل... ومعها أمنيات وتطلعات أخرى لا ترتبط حصريا، في اختيار الاسقف، بالحد الأدنى من السن أو الحدّ العمري المقبول. فأذكر أني في مقال سابق بعنوان "سابقة السوابق" كنت أشرت بعبارة "البطريرك الشاب" إلى بطريركنا الكلداني الجديد، مار لويس روفائيل الأول ساكو، مع أنه تعدّى الستين من العمر. ذلك أن السنوات تبقى، إلى حدّ ما، من غير قياس اذا كان القلب شابًا، ولا حاجة، في هذا الصدد، إلى أن نشير الى عمر البابا الحالي، مار فرنسيس الأول، المذهل بمفاجآته وبشبابيته.




هذا ما يدفع المرء إلى ان يتطلع بأن يكون الأسقف بمواصفات الروح الشبابية، ولئن تعدّى الخمسين أو الستين، عندما يتمتع بتاريخ من الأداء الكهنوتي  المقبول والمُرضي مع حدّ مناسب من الكفاءة العلمية، إذ يكون، عندما يتعدّى الخمسين، قد تبلور لديه اكثر فأكثر النضوج الإنساني والعاطفي والروحي..
الأسقف، مواصفات ومواصفات
وهنا أود الإشارة المتواضعة إلى بعض النقاط، التي نثق أنها حاضرة بنوع وآخر في التميّز الحكيم لآبائنا الاساقفة، لما يتوخّونه من تأثير للأسقف في أبنائه الكهنة والمؤمنين على المديين القريب والبعيد.
فٌأقول، بشيء لا يخلو من البديهية والبساطة، أنه لو ارتبط مقياس الأسقفية، بمن أكمل الحدّ الأدنى من سن الخامسة والثلاثين وبضع خمس سنوات من الخدمة الكهنوتية المقبولة والمرضية، بلا تفرّد معين عن أقرانه في نوع من كاريزما التواضع والروحانية والقداسة، فإن الطبيعة البشرية ومجتمعاتنا الشرقية، وما يحيطها من ميل جماهيري لتبرز انموذج الزعامة المدنية قبل الروحية، وقبل الخدمة وتمثيل ملوكية المسيح... كل هذا قد يصيب الزعيم المدني - الروحي، بظاهرة الانتفاخ، مما قد يؤدي الى الترهـّل أو الانفجار. وقد ينجرّ أحيانًا، وبمعزل عن مواهب الروح القدس وكاريزما الروحانية، إلى أن يقتصر على ممارسة الزعامة بنوع فني وبموجب ما وصفه خبير الانثروبولوجيا البريطاني ديسموند موريس، فيبث الزعيم في ظهوره العلني إحدى الاشارتين الجسديتين الهادفتين الى النقطة عينها وهما:




الاطلالة المعبّرة - سويتش أون
وقد شبّهها ديسموند موريس بطريقة معاصره آنذاك الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، الذي كان يمتاز بالضحكة الفاقعة والحركات الاستعراضية التي توحي بتطمين المشاهدين إلى أن الأمور لديه ماشية على ما يرام .
الإطلالة الحيادية – سويتش اوف
فهي التي لا تعبّر عن حالة داخلية، وشبّهها ديسموند بأسلوب ظهور الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، فما كان يبتسم ولا كان يعبّس، بل كان يوحي للجماهير أنه سيد الأمر ولا عليهم بالاهتمام بكيفية تدبّره للأمور وأن لا شيء يؤثر فيه أو يزعزعه في تمشيته لشؤون مسؤوليته .
أما أن يكون الشخص عبوسًا، مع أناس ومكشرا عن ضحكة عريضة مع آخرين، فهذا يعني ان ثمة مشكلة تحتاج إلى تسوية بينه وبين الذين يتجهّم أمامهم، دون غيرهم، على أن كل هذا وذاك يجعلنا أمام شخصية قيادية مهنيا، مما لا علاقة له بالروح الانجيلية المشرقة. 
واذا اقتصر الامر على هذا الجانب بدون عمق روحي يُذكر، ولا قرار في التغيير أو التجدد، فيحتمل عندئذ أن يبقى الاسقف الشاب من هذا النوع، وطوال خدمته الحبرية، جاثما على مقادير ابرشيته، ومجمعه الاسقفي والكنيسة الرسولية الجامعة. وعندئذ قد تبقى المشاكل بلا حلّ،  وعلى حد تعليم البطريرك الراحل الكردينال مار عمانوئيل الثالث دلي، كما نقل لي عنه صديق من تلامذته في الدير الكهنوتي، إذ قال أن هناك "مشاكل لا تجد حلا إلا بعد موت اصحابها" وبعد عمر طويل.
بين الزعامة المهنية وكاريزما الريادة الروحية
وعليه، فإن ارتباط المقياس بأن يكون الأسقف الجديد في هذه الكنيسة أو تلك قد أكمل الخامسة والثلاثين من العمر، يجعلنا لا نعتقد أن الأداء الكهنوتي المرضي والحدّ المناسب من الكفاءة العلمية يكفيان، بل أن يقترن ذلك بشهادة القداسة التي يجمع عليها كثيرون، مما يجعله فعلا قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرف والمحبة والروح والايمان والطهارة. مع التنويه إلى أن الطهارة تبقى مسألة ترتبط بتوصية القديس بولس إلى الاسقف الشاب وحديث العهد، من خلال تلميذه طيمثاوس، ليعيش على وفقها بينه وبين ربّه، فهذه الفضيلة أبعد أن تكون مجرد حالة عذرية أو ماركة مسجلة، بل تبقى بالأحرى مسار حياة روحية يعيشها المرء بمحبة للرب والرعية وبتواضع وتوبة متجددة وعطاء لا حدود له. 
توصية البطريرك عن المقالات والمواعظ
وما دمنا في توصيات بولس رسول الأمم، أود أن أختتم بإشارة طريفة وبريئة، إلى أن إحدى المواصفات في عهد مار بولس وبعده ببضع أجيال، كانت ان يكون من اشتهى الاسقفية، متزوجا من امرأة واحدة. مع العلم أن الامور قد تغيرت فيما بعد، مع قيام الرهبانيات، لتكون مصدرًا رئيسا لاختيار الاساقفة. لكني كنت تلقيت معلومة، من الأخ العزيز القس جليل منصور (كاهن متزوج) راعي كنيسة مار نرساي الكلدانية في بغديدا، لا أعرف أين وجدها في مصادر الكنيسة الشرقية، يـُسمح بموجبها برسامة الكاهن المتزوج، اسقفًا إداريا. على أنه يجدر بالأحرى الاستشهاد برأي الكاهن المتزوج الراحل القس متي ربان الراعي السابق في قرية سناط، الذي بحسبه، يكفي الكاهن خورنته وزوجته والأولاد من نعمة وبركة واهتمام.
 لكن مثل هذا الموضوع، بين قربان الكاهن الاعزب، وكاهل الكاهن المتزوج، هو موضوع آخر، لعله يكون يومًا مادة لمقال أكثر تعمقا. فلا بد من عدم الاطالة، وطرح كل موضوع في مقال مستقل، إذ أوصانا غبطة أبينا البطريرك، خلال زيارته الميمونة إلى كندا، بأن نتوخى في الكتابة، المقالات القصيرة، وفي الكرازة، المواعظ الاقصر.




كالكري – كندا
26 حزيران 2014

16
اذا كان ثمة ثمار طيبة تذكر لهذا مقالي المتواضع، فهي ما استحثه في التعليق الاول الذي نال اشادتي واضمامتي وتعاضدي مع المتضررين.
وهذه الثمار هي من باب أولى، في ما جاء بقلم الاخ سامي هاول، وما كنت انتظره من قارئ وكاتب نبيه مثله.
مع شكري  لاسلوبه المحترم في النقد، يليق بدماثة اخلاقه، وأدعوه إلى اعادة قراءة المقال على ضوء تأييدي له، مع الاقرار ان هذا ما استطعت ان اكتبه شخصيا في هذا الموضوع، وان العافية درجات.
مع احترامي ومحبتي

17
الأخ الفاضل الاستاذ بطرس نباتي
مع الاعتزاز بكل ما كتبت في السابق، مقالك هذا هو من اجمل ما قرأت لك. فيرجى المحافظة صُعُدًا.

18
اخي الفاضل الاستاذ ابراهيم العمران
لا يسعني الا ان أقول بأن رأيك سيكون اضمامة فاتتني حقاً في التعليقات التي أوردتها ضمن الموضوع والتي سوف أضمها الى الترجمة للموضوع الموجه الى الرأي العام ذي الصلة مع اقراري بسبقك الصحفي، و مع مشاعر التضامن مع كل  للمتضررين في الأحداث من الأعزاء  بدري وطالب وقيصر وياسر وسواهم ممن لا بحضرني اسمهم.
ومحبتي. ا. نويل

19
خبرات متفاعلة بين ابرشيات الكنيسة الجامعة:
شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية

الاب نويل فرمان السناطي


تقديم يتوخى خفة الظل

جوانب رئيسة من هذا المقال، نشرت في الموقع الالكتروني لبطريركيتنا الكلدانية، تحت عنوان (استجابة لمقترح سابق لغبطة بطريرك الكلدان: شهادة عن الادارة المالية للخورنات اللاتينية) ورأيت أن انشره هنا ايضا، لتعميم الفائدة، لما فيه يخدم تعميق خبرة كنائسنا، في هذا المضمار. وبادئ ذي بدء، أستهل بمقدمة صحافية اتوخاها خفيفة الظل، لتنعش ما يليها من اجواء لفقرات حسابية وماليه لم آلفها في مقال من قبل! فأود ان اعبر عن انبهاري، بسرعة التواصل، التي احدثتها الوسائل التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة. ولا أخفي أني ابن جيل فتح عينيه على المراسلة والطوابع البريدية، طوال عقود؛ وكان انتظار الاجابة يستغرق أياما وأسابيع وأحيانا أشهر؛ واذا بنا نتحول، في الاقل منذ التسعينيات، الى مراسلات متبادلة بشكل شبه فوري. على أنه في تلك الحقبة ولعدة سنوات، لم يكن من السهل مخاطبة شخصية كشخصية مطران، خصوصا في الطلبات الرسمية؛ فوجدتني يوما، طرفا في حالة تنقلت فيها بين طريقتين: اتلقى بالبريد الالكتروني في بغداد من الخارج رسالة من صديق راغب في الكهنوت وتعتلج الدعوة في أعماقه، كان يوجهها الى مراجع كنسية، فأقوم بطباعتها وأضعها في الغلاف واذهب بها الى تلك الادارة الكنسية... ومرت الايام وكنت ببساطة أتساءل، هل لي ان اكتب رسالة ايميل الى مطران؟ ماذا لو أجرب. فجربت فكانت من أطيب تلك المراسلات مع الزميل الاكبر في التلمذة وفي الاعلام، اسقفا، ثم بطريركا. والان صارت المراسلة الالكترونية، جميلة وباهرة لمن عاشوا مرحلة ما قبلها عندما تلتمع اعينهم بالمقارنة العجيبة. أما المراسلة مع الاساقفة، ومع البطريرك، بالايميل او على رسائل الفيسبوك، فقد اصبحت تشفي الغليل، لهائم في الرمضاء بدون ماء.لا بل اصبحنا افراد في مجموعة ايميلات بين كهنة واساقفة وكتاب وشمامسة.

أولى لبنات هذا المقال

وبعد، فقد بدأت أولى لبنات هذا المقال، في مراسلة الكترونية مع بطريركنا مار لويس ساكو، عندما كان غبطته رئيس اساقفة كركوك. وكان طرحي وقتذاك بشأن ما يمكن التطلع نحوه عن الأبرشيات التي تنشأ في الخارج، ومدى تفاعلها مع السياقات العامة للأبرشيات الكاثوليكية المجاورة لها، وتناغم ذلك مع انشطتها الرسولية، كما مع الانظمة المالية ذات الصلة. وكنت نوهت في الطرح كأخ اصغر للراعي السابق لأبرشية كركوك، إن كان ثمة حاجة أن تقوم يوما ضوابط تسري على خورناتنا وتكون متناغمة مع الخط العام للكنيسة الجامعة. فاقترح مار لويس الشأن المالي: حبذا لو تنور القرّاء  بما هو موجود في الكنيسة اللاتينية، ويمكن ان  يكون على هيئة شهادة.

هذا المقترح الأبوي، بقي في داخلي، لكن مشروع الكتابة عنه بقي مؤجلا تحاشيا لأن يكون ذلك، في تلك الآونة، مجرد فقاعة عابرة في بحر متلاطم، أمام افق غامض. وبقيت أعتقد أن الكتابة في هذا الموقع المنتشر على مستوى كنائسنا الشرق اوسطية، لتسليط الضوء على خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، قد يفيد الابرشيات في الكنائس عموما، حيثما تستجد فائدة، دونما تشخيص حالة محددة في هذه الكنيسة او تلك. ولا غرو ان في ابرشياتنا، من الخبرات الرائدة في هذه المضمار، ما يمكن الافادة منه، سواء ما قرأته عن مار لويس، في مقالاته ذات الصلة، منذ كان راعيا لخورنة ام المعونة، ثم مطرانا لكركوك. وثمة ايضا خبرة رائدة أخرى، سنح لي ان اطلع عليها عن كثب مع ابرشية حلب للكلدان في سوريا برعاية مار انطوان أودو، مطران الكلدان في حلب وسوريا، وأحيي سيادته من هنا، واتمنى له ولبلاد الشام العزيزة، السلام والامن والاستقرار. وهذا بالطبع بدون الانتقاص من خبرات الابرشيات الكنائس الاخرى، لكني لا اعرفها بدقة، ولا بد وان تلك الخبرات متناغمة بشكل أو آخر بمناقبية التعامل مع الانظمة والسياقات المالية القائمة.

الادارة بحكمة وشفافية

نستبشر خيرا، إذ تستقبل الكنيسة الكلدانية هذا السرب المبارك للأحبار الجدد المنضم الى المجمع المقدس للأساقفة، ممن كانت لهم في الرهبانيات، ومع الخورنات الكلدانية واللاتينية، خبرات لا بد وأنها ستعزز الخدمة المالية في أبرشياتنا. فعندما وقعت عيناي على كلمة شفافية (اعد ان ادبر بحكمة وشفافية، وبموجب القوانين المقدسة، اموال الكنيسة) هذه الكلمة التي جاءت في صيغة اعلان الطاعة التي قرأها السادة الاساقفة المرتسمون، احسست بالخطاب المعاصر لهذه الصيغة واهمية الفقرة التي تناولتها في العهد الذي يقطعه الاسقف على نفسه. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الشفافية تتعلق بسياقات سبق وأوصت بها بطريركية بابل، بشأن تحرير الكاهن والاسقف لوصيته، وبما يساعد على التمييز، فيما بعد، بين الملكية الشخصية وما يعود الى الكنيسة بشكل واضح. وهذا كان اقتراحًا سبق وأن عبر عنه احد كهنتنا في التسعينيات، اصبح فيما بعد مونسنيور، وذكره في جلسة خاصة، تحاشيت ذكر اسمه، فلعله نسى المقترح... ويحرجني! ويدعم هذا المقترح ما ينبغي من تحوّط لحدوث الغموض والارتباك بين مقتنيات الراعي الميراثية وبين الحقوق المالية للرعية. وقد لمست ان البطريركية الكلدانية ماضية في هذا المضمار وبالتفاعل مع الابرشيات.

ابرشيات غير معصومة، لكن القوانين جاءت للحماية والمساءلة

اذا تطرقنا الى خبرات ابرشيات الكنيسة الجامعة، فهذا لا يعني تبرئة العاملين فيها بشكل مطلق؛ إنما القوانين المالية فيها، تقوم على حماية المتعاملين في هذا المضمار، فيكون تجاوزها سببا للمساءلة القانونية على مستوى البلاد، حالهم حال المتجاوز في أي مؤسسة منتظمة أخرى علمانية أو غيرها. وقد سمعنا منذ سنوات، أن تجاوزات تحصل في أبرشيات هنا او هناك، كما في مؤسسات علمانية، وعندما ترصد، تخضع للمساءلة. وهذا ايضا ليس لتأشير خلل معين في ابرشياتنا، ففيها السياقات الحسابية التي تتبعها. كما نعيش في عهد بطريركي، بدأ، منذ أول أسبوع، بالتعامل بكل شجاعة، بشأن أي خلل إداري وخطأ بشري، مما يطمئن على ان المؤشرات ماضية قدما نحو الاحسن.

من ضوابط ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني:
التنقلات الدورية: كاهن للابد، في كنيسة المسيح، ولكن ليس في الخورنة ذاتها

تعتمد ضوابط الأبرشيات اللاتينية مبدأ أن خورناتها قلما ترتبط بكاهن راعيا لها حتى سن التقاعد او الوفاة. بل هناك سياقات لتنقلات كهنة الابرشية، من خورنة إلى أخرى، كل اربع او ست سنوات. وقد لا يسري ذلك بانتظام على الخورنات ذات الخصوصية اللغوية عندما لا يتوفر اكثر من كاهن كبديل لآخر في خورنة بلغة الاقلية في البلاد، كالإسبانية والفرنسية والالمانية، في بلاد ناطقة بالإنكليزية، على سبيل المثال. ولكن حتى في هذا المجال، لم يتردد في العام الماضي اسقف مدينة كالغري الكندية، من دمج خورنة تقدس بالإسبانية بخورنة ايطالية، ترعاها رهبانية متعددة اللغات، ونقل كاهن الخورنة الاسبانية –سيدة غوادالوبي- وهو يتكلم الانكليزية ايضا الى خورنة بعيدة تقدس بالإنكليزية.


السياقات المالية
المعادلة بين امكانية قيام خورنة، وبين اعطاء خدمات مجانية مع عيش كريم للكهنة

ضوابط تحمي الخدمة الكهنوتية وتخدم الرسالة الانجيلية

ما نجده من ضوابط، في تلك الكنائس، تجعل الكاهن يعيش بكرامة، ويتفرغ للخدمة الراعوية؛ كما لا تشغله تجربة الثراء، لو كانت معيشته مرتبطة على الخدمات والحصول على المركز الذي يوفر له المزيد من الخدمات المربحة، فلا يفترض به ان يطلب الثراء من خلال عمله. وكل هذا لا يجعل الكاهن يسترزق بعدد البوراخات التي تحدث في خورنات الابرشية؛ ولا يتطلع الى الدعوات للمشاركة فيها في الخورنات الاخرى، مقابل مكافأة، وبما لا يجعل حياته  منقسمة بين هموم اللقمة، وبين اعطاء الخبر الروحي. وان السياقات الحالية هي ايضا، بطريقة معاصرة، تعكس جانبا من القناعة والفقر الروحي بعيدا عن التطلع في الثراء، الذي يمكن ان يجرب الضعف البشري فلا يستشري في كهنة الخورنات الضخمة.

وسياقات مالية تسري على الخورنات سواسية، كبيرة وصغيرة

هكذا ان السياقات المالية ذاتها، تسري على هذه الخورنات سواء كانت صغيرة او كبيرة، بحيث لا يتهافت عليها الكاهن لدسامة حجمها، ولا يبتعد عنها لصغرها. إذ تنتظم فيها ضوابط الخدمات بالشكل الاتي:

نيات القداديس
لا يوجد وارد متضخم لصالح الكاهن، ناتج عن نيات القداديس بالجملة، مهما كان حجم الخورنة: فإن نيات القداديس، تدخل ضمن الايراد الخاضع للضربة، وتوزع كل نية بمفردها، على أيام الاسبوع عدا يوم الاحد، فلا تأتي النيات، بالجملة ليوم الأحد دون غيره من الأيام. لا بل في قداس الاحد لا تعلن النيات بالأسماء، اذ يُعدّ القداس مقدما على نية كل مؤمني الخورنة. وما عدا أيام الآحاد والأعياد –المأمور بها-  توزع نيات القداديس على التقويم الشهري لأيام الاسبوع؛ يقدس الكاهن عن هذه النيات، في قداسه اليومي، سواء بحضور اصحاب النية أو غيابهم، بعد أن تعلن في لوحة أو نشرة. وما فاض عن هذه النيات، في الجدولة لما اكثر من الشهرين او الثلاثة اشهر، فهو يجمع ويحول الى المطرانية، وبدورها وبمعرفتها، تمنحه الى الكهنة المتقاعدين، او ترسله مركزيا لخورنات العالم الثالث. وتعتبر الابرشيات اللاتينية ان هذه  فقرة عادلة وحكيمة إذ تحدّ من الإقبال في الخدمة، على خورنة كبيرة بعدد المؤمنين، دون الأصغر منها.

الخدمات الكنسية الاخرى
ولكن هذا الاجراء ليس الوحيد. فتنظيم سياقات للخدمات الكنيسة الأخرى، هو الآخر يحمي الكاهن من جدلية تجربة، حذر منها الرب،  بألا يتبع المؤمن ربين، الله والمال، وتنظم هذه الخدمات كالاتي:
العماذات: يتم الاعداد لها، مقابل تكاليف ادارية تجيـّر للخورنة، لتغطية نفقات السكرتارية وإعداد الشهادات واجراءات التسجيل، ولا ينتظر من المؤمنين، في العماذ غير ذلك.
خدمات الجناز وخدمات سر الزواج: فيما يخص الابرشيات اللاتينية الكندية، وما معروف عن ابرشية كالغري، تقرر الأبرشية، أن يستقطع مبلغ يجير للخورنة وكالتالي:
مائة دولار، لما يسمى هورار التشييع (Funeral stole)
مائتا دينار، لما يسمى هورار اكليل الزواج (Marriage stole) وبمعزل عن الزكاة السنوية او الشهرية التي يمنحها اعضاء الخورنة.
تحال هذه المبالغ الى حسابات الخورنة، ويستقطع منها المحاسب، نسبة عشرة بالمائة للكاهن، تعطى له في نهاية الشهر. اي عشرة دولارات للجناز، وعشرين دولار لإكليل الزواج. وهذه النسبة المتواضعة، مهما تعددت الزواجات والوفيات، لا تؤدي الى ثراء غير طبيعي للكاهن، من وراء خدمات الأسرار. مع الملاحظة أنه فيما يخص دورة المخطوبين المقبلين على الزواج، والتي تقام في أحد مراكز الابرشية اللاتينية، يدفع المشتركون، مبلغ 189 دولار، تتضمن الكتب والمحاضرات والتكاليف اللوجستية.
مثل هذه السياقات، تجد صداها في بيان للبطريركية الكلدانية مؤخرا، يقضي بمجانية خدمات الأسرار، في كنيسة يقدم فيها المؤمنون ما يستطيعون من عطاءات الزكاة.
وهكذا، بعدم بقاء الكاهن في ابرشية كبيرة مدى العمر، وبعدم التعامل التجاري الشخصي مع نيات القداديس بالجملة لصالحه ولسائر الخدمات الاخرى للأسرار، تقلل فرص تحوّل الكاهن إلى تاجر جملة في سوق مرموق؛  كما لا تجعل الخورنة تتحول الى واحدة من الشركات المتعددة الجنسية،  تستقطب الثراء، على حساب الرسالة الانجيلية، ومن عرق الفقراء وكدّهم.

خدمة المرضى
لا يتقاضى الكاهن في زيارة المرضى، بطريقة المضمد او الموظف الصحي الذي يعالج مريضا ما بزيارة خاصة. ففي كل مستشفى، يوجد قسم للرعاية الروحية لكهنة منسبين من الابرشية لهذا الغرض، وخاضعين للاستدعاء بالجهاز مثل الأطباء في الحالات الطارئة. أما إذا كان المريض من أحد أعضاء الخورنة، فيزوره الكاهن ليس كحالة طارئة، بل بحسب الوقت المتفق عليه.

 رواتب الكهنة: عيش كريم غير مرتبط بحجم خدمات الاسرار فهي مجانية

الراتب: تنطلق خدمة الكاهن، ضمن سلم الرواتب المقرة، وبما يحتسب الاستقطاعات اللازمة لأغراض التقاعد والعجز والإجازات المرضية والضرائب، ومن ثم يأتيه راتب مجزٍ ومناسب، يزداد سنويًا بنسبة اثنين ونصف بالمائة. وتسعى الابرشية، الى توفير مكان تقاعد مناسب له، عند بلوغه سن التقاعد.

المخصصات:
مخصصات التبضع: وهي مبلغ جزئي يدعم راتبه، وبما يوفر له حدًا أدنى من تكاليف الطعام يدعم راتبه، ويساعده لتناول الطعام مع الكهنة. وكذلك لديه هامش مبلغ بسقف مالي سنوي، يتيح له ان يقدم ما يسمى قوائم ضيافة، عندما يدعو ضيفًا الى طعام. ويحدد السقف المالي السنوي، لمساعدة الكاهن أن يتصرف الكاهن باتزان في هذا المضمار.

دعم العلاج: الحالات المرضية والمراجعات الطبية، يتم تغطيتها لعموم المواطنين، وتعامل بما هو مناسب، من قبل الابرشية، عدا الحالتين أدناه:

الاسنان: يتقاضى الكاهن، في مجال التأمين بشأن علاج الاسنان بنسبة 60 بالمائة، الى سقف سنوي محدد في المبلغ، لا يصرف شيء من بعده. هذا الدعم يقتصر على الاجراءات العلاجية: كالقلع والحشو وما الى ذلك، باستثناء الاجراءات التجميلية وما يخص عمليات تحسين الابتسامة.

العيون: لكون الكاهن بحاجة مطلقة إلى عينيه، فيصرف له العلاج بنسبة المائة في المائة، على مدى ما يرافق النور بصره. وتصرف للنظارات نسبة 70 بالمائة.
 كل هذا يوحي بأن الابرشيات، تأخذ بعين الاعتبار، مستوى علاج الكاهن، مقارنة بالنظام المحلي السائد وعلى وفق غلاء المعيشة في بلد كل ابرشية.

مخصصات التنقل
عند تنقل الكاهن، للخدمات في زيارات لاماكن بعيدة، لا يضع في جيبه المؤمنون المخدمون بعض النقود لما قد يفهم منه ضمن مصطلح: حق البانزينات؛ فله ان يقدم جردا شهريا، بالكيلومترات التي قطعتها سيارته، لهذه الخدمات او الرياضات الروحية واللقاءات الدراسية، فيتقاضى نسبة محسوبة، لتكاليف الوقود واندثار معين للسيارة.
ولكن كيف يتصرف الكاهن في بدء تعيينه، عندما لا تكون لديه سيارة. لقد فكرت الابرشية في ذلك، فهي تعطيه، لمرة أولى ووحيدة، قرضا وافيا، بدون فوائد، بالتقسيط المريح، لشراء سيارة؛ وتبقى السيارة مقيدة لدى شركة التأمين، باسم الابرشية لما يخص حالات الحوادث والتعويض، حتى يسدد الكاهن آخر سنت من القرض المريح. أما القرض فيغطي سيارة من نوع مناسب. ولعل قدوم الحبر الاعظم مار فرنسيس بابا الفقراء، ومثاله الابوي والشخصي في هذا المجال، وما يوصيه في مجال الانفاق، من شأنه ان يحث الكهنة بألا يفتشوا عن السيارات الاستعراضية الفارهة الفاقعة.
 السكن: يوفر للكاهن السكن المناسب، وبما يتضمن السكن من خدمات ومصاريف، من كهرباء وتدفئة وهاتف ارضي. أما الهاتف الخلوي فيمكن للكاهن ان يشتريه بحسابه الخاص، وتدفع له الخورنة ، مقدارا مقبولا من المصاريف الشهرية، عدا المكالمات الدولية وعبر البحار.

ضوابط قيام خورنة او اغلاقها او دمجها

يعتمد قيام خورنة وبناء كنيسة، على عدد كاف من المؤمنين. فتعتمد الخورنة، على ما يبادر المؤمنون لتقديمه، كعطاءات سنوية واسبوعية، خاضعة للإعفاء الضرائبي، وتتعامل مع سخاء المؤمنين، لما يخص النفقات العمرانية والصيانة وما الى ذلك من احتياجات، تخصص لهذا المضمار او ذاك مع تأمين عيش كريم للكاهن. أما الخورنة التي تتناقص فيها امكانية ادامة المتطلبات اللوجستية، وخدمات الصيانة، من خلال عطايا مؤمنيها، وان هؤلاء المؤمنين هم في اختفاء سواء من الناحية العمرية، او الناحية الجغرافية وموقع الكنيسة، ويكون التعامل مع الحجم والعدد بشكل مدروس احصائيا، وحسب موقع الكنيسة واستيعابها، فإن هذه الكنيسة تغلق وتدمج مع خورنة أخرى. واحيانا يباع المبنى، لجهة كنسية اخرى، تستطيع الاضطلاع بنفقات صيانته، سواء بسعر السوق، او بسعر دولار واحد، أي بسعر رمزي.

كنائس لا تبنى على اكتاف المعوزين

وكما توجد ضوابط لغلق الكنائس، فان ثمة ضوابط لتوسيعها، ليس بعرق الفقراء وعلى اكتاف المعوزين، بل باحتساب احصائي لاخر ثلاث سنوات من ايراد العطاءات، وبما يجعلها تستحق قرضا مصرفيا أو أبرشيا مناسبا لهذا الغرض، تتدخل الابرشية لتنظيمه. ولا تقوم ضوابط الأبرشية، بمجرد تقديم خدمات الاسرار لمؤمنيها، بل يحتسب السقف المالي لإيرادها السنوي، بما يجعلها في موقع المسؤولية، من خدمة الفقراء ضمن برنامج غذائي وايوائي تديره الابرشية، ويجعلها أيضا، تسهم في دعم الاراضي المقدسة، ودعم الارساليات في البلدان الفقيرة، ولها برنامج إعانة لما يطرأ من حاجات مساعدات دولية، كما حدث مع هاييتي والفيلبين واليابان وسواها، وبحسب التوجه المركزي للكرسي الرسولي.

لا تثقل الكنيسة مهما كان موقعها، ومهما كانت فخامة بنائها، كاهل المتزوجين الجدد وعموم المؤمنين، بتسعير خدماتها على اساس وجاهة موقعها وخصوصية بنائها، ولا تسعر خدماتها بحسب السوق. وإذا كان ثمة مبان كبيرة لعدد من الكنائس،  فهي تبنى لاستقطاب اكبر عدد متوقع للمؤمنين في تلك المنطقة، متبعة المناقبية المالية ذاتها مع اي خورنة أخرى، ومعتمدة رسالة إعانة الفقراء ونجدة الطوارئ. واذا استجدت حاجة إلى التبرعات، توضع ظروف لهذا الغرض امام أماكن الجلوس، ويشار إلى ذلك في النشرة او في الموقع الالكتروني.

بهذا السياق، وباعتماد الرسالة الانجيلية، اساسا للمشاريع الخيرية، لا تتحول هذه الكنائس الى شركات متعددة الجنسية، ولا يصرف الكهنة وقت مواعظهم بالحديث عن جمع التبرعات والإسهاب في شرح المشاريع العمرانية، وبشكل متكرر مما أوحته مقولة: كثيرون من الذين هم خارج الكنيسة، اصبحوا كذلك بسبب الذين في داخلها...

مثل هذه الاجراءات، من شأنها أن تحول دون التهافت على الكعكة الأكبر والتشبث بها؛ كما تحول دون ان ينقلب الاكليروس الى اباطرة أموال، من خلال ما يجمعونه من خدمات في الرعيات الكبيرة، في القداديس والبوراخات والعماذات والجنازات. وعندئذ يكون النقل منها الى رعية أصغر بمثابة اخذ قسط من الراحة في حقبتهم الكهنوتية. وهذه الاجراءات تحول كما يعتقد، دون أن يبدو الاكليروس في كنائس المسيح، كعنصر تشكيك للمؤمنين، من خلال ما يظهر عليهم وعلى ما حواليهم وعلى تنقلاتهم واسفارهم، من ثراء فاحش. فحاشى لهم ان يناقضوا قول المسيح بأن يجعلوا بيت أبيه بيت تجارة. واذا لم يكن ثمة، من سوط ليسوع يخرج التجار من الهيكل، فإنه عند التجاوز على ما مرسوم من انظمة مالية، يأتي بعد الضمير، سوط القانون، ليتكلم.

20
                                                 السينودس الكلداني، انعطافة متفردة ودماء مستمرة في التجدد

الأب نويل فرمان السناطي *
--------------------------------

منذ سنوات ولمسببات متعددة بقيت تسري في تشكيلات السينودس الكلداني دماء مستمرة في التجدد. وقد تناول الكتّاب ذلك في مقالات متعددة. في هذا المقال، نسلط الضوء على سابقة يمكن ان تعدّ منعطفا جديدا في السينودس الكلدان؛ هذه السابقة تضاف الى مضي السينودس بدماء مستمرة في التجدد والتضحية والعطاء، وهي تنسجم بشكل متميز مع مضي اساقفة السينودس باختيار شباب ذوي شهادات و"تكنوقراط" مثل الاب د. سعد سيروب حنا نائبا بطريركا، والاب حبيب هرمز النوفلي باحث متمرس، راعي الكنيسة الكلدانية في لندن، ليكون رئيس اساقفة للبصرة. والذين سبقوهم في اختيارات مجامع سابقة. أما هذا المنعطف المتفرد، فاراه يتمثل بحالتين مشرقيتين:
- التعامل الحكيم للسينودس بطريقة قبول المطران باوي سورو، الاسقف السابق في كنيسة المشرق الاشورية الشقيقة، كعضو في المجمع الاسقفي (السينودس) الكلداني.
- سابقة الانفتاح الى الرهبانية الدومنيكية رهبانية معروفة بالملافنة الوعاظ، من خلال اختيار احدهم، الاب د. يوسف توما الدومنيكي، رئيس تحرير مجلة الفكر المسيحي منذ 1995، الى جانب مؤهلات اخرى، يحملها كما يحملها كل بحسب وزناته وعمره الكهنوتي، سائر الاساقفة الشباب المنتخبين حاليا وفي السابق.  والكنيسة الكلدانية بذلك تستأنف انفتاحها على الرهبانيات، على غرار التعامل مع سائر الرهبانيات الحبرية، كل منها حسب دعوتها وحسب الموجودين فيها من انتماء طقسي كنسي كلداني، مثل الرهبانية الهرمزدية الانطونية، الرهبانية اليسوعية، الرهبانية المخلصية؛ الى جانب طلب البطريركية خدمات للخورنات الكلدانية من الآباء في الرهبانية الكرملية وفيها كفاءات ومواهب واعدة.
سابقة السوابق: حبران "شقيقان" اشوري ودومنيكي في السينودس الكلداني
سأضع هنا تقديما صغيرا للفقرات التي كتبتها قبل ليلة من بيان البطريركية حول قبول الاسقف مار باوي، وقد تستجد ملاحظة ان الفقرات اللاحقة لما كتب قبل البيان، فيها استقراء وتوقع ينسجم مع هذا البيان الذي يفصح بحق عن حكمة التعامل مع الموضوع، بما جاء فيه: "اعلمت البطريركية الكلدانية رئاسة كنيسة المشرق الاشورية الموقرة بذلك"، ويمضي البيان ليثلج الصدر بشهادة الاشادة ان موقف الكنيسة الشقيقة "كان مشرّفا جدا ومسكونيا".

                                               تمحور الحركات الوحدوية المسكونية تجاه الكنيسة الجامعة
                                               ----------------------------------------------------------------------
وهنا تجدر الاشارة، من باب المقارنة الايجابية، الى موقف ايجابي آخر. فمن المعروف ان الحركة المسكونية باتجاه الوحدة المسيحية، تنتهج من جهة العمل المشترك في كل ما يجمع الكنائس، وباتجاه الوحدة، تتمحور بشكل طبيعي ومنطقي نحو الكنيسة الجامعة، مع احتفاظ كل كنيسة متحدة مع الكرسي الرسولي بخصوصيتها الثقافية واللغوية والطقسية.
وتكون الحركة الوحدوية اما باتجاه الوحدة الاندماجية بين كنيستين، مما يكون مرحلة على مسار الوحدة المسكونية بينهما وبين الكنيسة الجامعة. وهناك مثل من الامثلة التي عرفتها شخصيا، مثل الاسقف اللوثري السابق جوزيف جاكوبسون عندما التحق بالكنيسة الكاثوليكية مع عائلته، حيث رسم ككاهن متزوج ، في ابرشية ادمنتون الكاثوليكية. وفي مجال المقارنة، عرفت ايضا جماعة كنسية غير رسولية، اي لا ترتقي الى عهد الرسل، بل الى سنة 1551، وهي رئاسة الكنيسة الانجليكانية في مقاطعة البرتا الكندية، عندما اختار، قبيل سنتين، راعيان ونسبة 70 بالمائة من خورنتهما (خورنة القديس يوحنا الانجيلي) في كالغري اختاروا الانضمام الى الكنيسة الكاثوليكية. وفي تلك المناسبة جرت مداولة رائعة بين اسقفهما الانكليكاني السابق، ومطراننا الكاثوليكي في كالغري، وابدى الاسقف الانكليكاني احترامه للمسار الذي حاز على قناعة الراعيين وجماعتهما، وتمنى لهما النعمة والبركة، ووافق على بقائهما في استخدام، مبنى كنيسة مار يوحنا الانجيلي في حي انكلوود بكالغري، لتكون كنيسة كاثوليكية ذات تراث طقسي انكليكاني.
 وكلتا الحالتين بقيت عندي كموضوع تحقيق مؤجل، يمكن ان يرى يوما النور، حيث توفرت لي مناسبات لمقابلة المعنيين في الكنيستين، واكثر من كاهن التحقوا بالوحدة مع الكنيسة الجامعة.
في المجال الذي نحن بصدده، كسابقتين في السينودس الكلداني، (أول اسقف آشوري واول راهب دومنيكي) كان بالإمكان التحدث عن كل من السابقتين لوحدها، لكني رأيت ضمهما في مقال واحد بنفضة واحدة، بدل تقطيرهما كلا على حدة، ليكون الجهد واحدا، وتنفس الصعداء لهذه المهمة المضاعفة في مرة واحدة.
واقول ابتداءً انه بخصوص الحبر الاشوري الكلداني، أرى أن بشأنه، لن يقال عنه من زوايا مختلفة اكثر مما قيل، فقد اعلنت بشأنه الآراء، متباينة من كثيرين، لا اشك في نزاهتهم وغيرتهم من وجهة نظرهم وفي حبهم لكنيسة المسيح المقدسة، مهما اختلفت رؤاهم. وأتمنى أن يعرفوا، على مختلف مواقفهم من الموضوع، ومما سأكتب، اني اكن لهم مسبقا الاحترام المهني والأدبي مشفوعا بالمحبة المسيحية الأخوية.
كما يجدر القول، انه من المتابعة لمواقف بطريركية الكلدان بالاتجاه التقارب، مع الكنيسة الاشورية الشقيقة، لكل ما يخص الشأن المشترك، فان المساعي المبدئية متقدمة، منها اقتراح بطريرك الكنيسة الكلدانية مار لويس روفائيل الأول ساكو، بإنشاء لجنة مشتركة تعمل على مواجهة المسائل الطارئة المشتركة بين الكنيستين. والارتياح الذي عبر عنه بطريرك كنيسة الشرق الاشورية، مار دنخا الرابع، بشأن هذه المساعي، بقوله: يسرنا أنكم ابديتم عن استعدادكم لتجديد الحوار معنا من أجل الوحدة. واضاف مار دنخا الرابع: وندعمكم في مسعاكم هذا للتقرب من بعضنا البعض بصفتنا أخوة في المسيح، وأبناء وبنات بلد واحد، فهذه كانت رغبة الكنيسة الآشورية وستبقى.
وقد نتوقع، ان من المسائل التي تصب بها النقاشات بعض الانتقالات الاكليريكية بين الكنيستين، وطريقة التعامل معها، خصوصا وان الكنيستين مستمرتان في مساعي التقارب من اجل الوحدة، كإخوة في المسيح وأبناء وبنات بلد واحد. بعد أن اصبح ثابتا الايمان المشترك بما يخص الاتفاق الكريستولوجي الموقع في نوفمبر 1994 بين الكنيسة الكاثوليكية المرتبطة بها الكنيسة الكلدانية، وبين الكنيسة الاشورية.

                                                               مسار تلقائي برغم طول الوقت
                                                               ------------------------------------
لقد جرى قبول الاسقف السابق في الكنيسة الاشورية، مار باوي، على مرحلتين متدرجتين وبشكل منسجم:
موافقة الكرسي الرسولي، على قبول الاسقف السابق في الكنيسة الاشورية لينضم الى الكنيسة الكاثوليكية، وممارسته المهام الكهنوتية في احدى الابرشيات الكلدانية الكاثوليكية التي احتضنته برعاية أخوية، وهي ابرشية مار بطرس الرسول، في كاليفورنيا.
المرحلة الثانية وباتجاه تفصيلي نحو الكنيسة الكلدانية، هي ان مار باوي، بقي دخوله الى السينودس الكلداني، متعلقا بأمور متصلة بظروف السينودس، لما قبل المرحلة البطريركية لمار لويس روفائيل الاول ساكو؛ وأنه في أول سينودس ترأسه البطريرك الجديد الشاب، كان ترشيح الاسقف مار باوي سورو، ضمن حق ممارسة الاختيار للأحبار اعضاء السينودس. وفي هذا الاختيار، يكون مار باوي قد حاز، كما هو متوقع، على نسبة ترشيح مقبولة بشكل أصولي، ما ادى الى ادراج اسمه مع اسماء سائر المرشحين؛ مع اقرار السينودس بأن يكون قران خاتمه الاسقفي على ابرشية رمزية، كما هو الحال مع الاساقفة الذين يرسمون لأغراض واسباب متعددة؛ وللحاجة الى اقتران الخاتم الاسقفي بأبرشية ما، تنسب لهم ابرشية رمزية، بدون ان تكون خدمتهم محددة لابرشية عاملة؛ ويبقى الاحتمال قائما بطبيعة الحال، ان يستجد تعيينهم الى ابرشية عاملة بموجب مقررات السينودس وحاجة الكنيسة البطريركية.
وهكذا كان الاسقف مار باوي يمارس خدمته في إحدى الابرشيات الكاثوليكية وهنا الكلدانية، ابرشية مار بطرس، كأسقف كاثوليكي، في المرحلة الاولى المشار اليها، من جهة؛ ومن جهة اخرى، وفي تلك الغضون تكلل انتظاره، بموافقة السينودس على دخوله في عضويته.
فكان صبرنا وصبر الاسقف مار باوي يرتبط بانتظار ما اقتضى ذلك من وقت، لحصول موافقة الكرسي الرسولي، ولخصوصيات كثيرة لا بد وانها تتعلق بظروف الكنيسة الجامعة وظروف الكنيسة البطريركية الكلدانية.

 هذه الحالة انفرزت ايضا عنها مؤشرات:
-----------------------------------------------
مؤشر اول، قبول الكنيسة الجامعة بحرية الاختيار لأبناء الكنائس الرسولية باتجاهها، وتبني رساماتهم الاصلية، واعتبار اعتناقهم الشركة معها بمثابة اعادة اللحمة الى مرحلة ما قبلها رجوعا إلى القرن الميلادي الخامس، سواء على مستوى الانضمام الشخصي أو على مستوى الوحدة الكنسية. وبقي هذا موقفا قائما لدى الكنيسة الجامعة، حيث كما اشرنا ان مسار الوحدة الكنسية المسكونية يتكلل مع الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، وليس مع هذه او تلك من الكنائس البطريركية المنفصلة تحت ظروف تاريخية عن الشركة الكنسية.
مؤشر آخر، القبول بالرسامة الاصلية لمرتسمين قادمين من الكنائس الرسولية المستقلة عن الكنيسة الجامعة، يأتي بالتوازي مع الخطوات الوحدوية مع كنائسهم، بمعزل عن مبادراتهم؛ واذا كان ثمة مرتسمون تركوا الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الى تلك الكنائس، فان وضع رسامتهم، من الطبيعي انه سيحل تلقائيًا مع وحدة كنائسهم مع الكرسي الرسولي. وقد يكون ثمة خطوات للتفاهم على تفاصيل معينة تعلن للمؤمنين، في حينها؛ وبانتظار ذلك، فإن وضعهم الكهنوتي القانوني يرتبط بعدم وجود شركة كنسية تامة مكللة بالوحدة بين الكنيسة التي انتموا اليها، وبين الكنيسة الجامعة.
 هذا الواقع تفسره حالة معروفة في التاريخ الحديث، وهي الاحتفال الذي جمع بين البطريركين مار روفائيل الاول بيداويد ومار دنخا الرابع، في دير الربان هرمزد في مطلع الالفية الثالثة؛ فقد بقي الاحتفال الديني مشتركا، في رتبة الكلمة الى مرحلة الصلاة الاوخارستية؛ وهذا اتفاق يعرفه ويقرّ به كلا الطرفين واعلن للحضور حينذاك. واذا كان ثمة خطوات اكثر من هذا فمن دواعي السعد ان نعرفها بدقة من رئاساتنا الكنسية الموقرة. على ان هناك انجازًا متفردًا للجنة المشتركة بين الكنيستين الاشورية والكلدانية، المتشكلة في اعاقب الاتفاق الاكريستولوجي، 1994، يتمثل بأن المؤمنين من أي من الكنيستين الشقيقتين، عند تواجدهم في مدينة فيها خورنة من احدى الكنيستين دون  الثانية، فإنه يمكنهم التقرب من الاسرار من خورنة الكنيسة الشقيقة. مما يبين أن الفروقات العقائدية محجمة، وان العتبة الوحيدة الرئيسة لوحدة اي كنيسة مع الكنيسة الجامعة (أقول عتبة وليس عقبة) هي في نهاية المطاف، عتبة الاعتراف بأولوية البابا، خادم خدام الرب بالمحبة. لكن هذه العتبة ليست سهلة الاجتياز على الطبيعة البشرية.

                          مثال للمشتركات القصوى بين الكنيستين الكاثوليكيتين، الانطاكية المارونية والانطاكية السريانية  
                          ----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

واسهل من هذه العتبة لم يتم بعد اجتيازها، على حسب الطبيعة البشرية والظروف الجيو سياسية، في منطقتنا الشرق اوسطية، على سبيل المثال، لا الحصر، هو ما بين الكنيستين الشقيقتين: الكنيسة الانطاكية المارونية الكاثوليكية والكنيسة الانطاكية السريانية الكاثوليكية؛ يكاد لا يكون الفرق بينهما سوى الفرق بين لهجتين الواحدة تقول مجاملة (أغاتي) والاخرى تقول توددًا (تقبرني). ويرأس كلا من الكنيستين الحبران المرموقان واللامعان، البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي، والبطريرك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، بطريركان يتنافسان في المحبة والحنكة والطيبة والعنفوان، ويكاد لا يكون بينهما فرق سوى الفرق الكرسوي.
ولنقارن، بجاه المسيح بشير الوحدة والمحبة، بين ما يربط الكنيستين في بلدان المنطقة وبين ابرشيات كلدانية نهرينية اكثر توسعا، واكثر تنوعًا ثقافيا وجغرافيا: لكنيستنا الكلدانية ابرشية في ايران (ثقافة فارسية) وفي تركيا (ثقافة عثمانية تركية)، وفي سوريا ولبنان ومصر والاردن بالتميز الاغريقي، والارامي العربي والافريقي العربي، اضافة الى امتدادات بطريركيتنا الى بلدان الاغتراب. ولنعاين البطريركيتين الكاثوليكيتين الانطاكيتين السريانيتين والمارونيتين، باصلهما المشترك، وبحدود برية كمركية، بين كل من لبنان والشام والعراق وعدد من الاقطار الشرق اوسطية الاخرى، اضافة الى بلدان الاغتراب. ولنتصور ما يتطلبه ذلك من الجهد اللوجيستي والاداري لتعيين اساقفة ومندوبين حبريين في الاماكن ذات الصلة بين كنيستين توأمين ثقافيا وعقائديا، بحبل سري واحد ولا يكاد يميزهما سوى خيط وهمي خرافي. فكم، لعمري، هي الحاجة ، والحال هذه، إلى نجارين ماهري، ينحتون هذا الكم المضاعف بلا جدوى من... الكراسي الاسقفية والبطريكية.
من اجل الوحدة بين هاتين الكنيستين، ومن على شاكلتهما، نحن بحاجة الى الصلوات والتضرعات، مع نوع من الضغوطات الشعبية للمؤمنين، مما يهمس بآذان المعنيين، إننا نعرف ما تعرفون من المشترك بيننا، ونلم بما تترددون عنه في توحيدنا، رحمة بنا وبالفادي الذي طلب الرحمة لا الذبيحة.
على ان ما يصعب على البشر، ليس بعسير على الله ونعمته.

 أما على مستوى كنيستينا الكلدانية والاشورية، فلا بد من الاعتماد أن التقارب بين الكنيستين، يجعل الاعتزاز بحبر مثل مار باوي سورو، تقييما للكنيسة الاشورية التي انجبته، واعتزازا بها وبجذورها. واذا كانت ثمة اجراءات ادارية تجاه اسقف او كاهن مع كنيسته الاولى، تتعلق بالجانب القانوني والاداري، فإن ذلك يقع كمسألة داخلية وشخصية ترتبط بمسؤوليته في التعامل معها. وهذه الجوانب ذاتها، تكون عندئذ نسبية الفاعلية وفق نوع التقارب الوحدوي الذي يحدث بين الكنيستين.

                                                              لقاء "الشقيقين" في مجمع أسقفي واحد
                                                              ---------------------------------------------------
لقد عرفت الاسقف مار باوي سارو، معرفة أولية، خلال عملي في مجلة الفكر المسيحي، نائبا لرئيس تحريرها الاب (المطران) يوسف توما، وذلك مما نقله لنا رئيس التحرير عن صديقه و"شقيقه" على عدة مستويات، مار باوي منذ عهد مهامه الاسقفيه السابقة، ونشرنا اصداء طيبة عن اطروحة مار باوي عن القديسة مريم العذراء.
وعرفت مار باوي شخصيا وباعتزاز متزايد، خلال زيارتي الى سان دياغو، لافهم ثمة ايضا وبالملموس اسباب التفاف ابناء ابرشية مار بطرس حواليه، سواء من خلال الاصداء، أو من خلال القداس المشترك مع سيادته مترئسا احتفال تناول أول، وما شدني وسائر المؤمنين اليه في قداسه ووعظه.
ولا ريبة في ما تحلى به الاسقف مار باوي سورو من جلد ومراس وسعة صدر ينهلهما من ايمانه العميق بقضية الكنيسة ووحدتها الرسولية. وبرغم ما رافقت واقعته من تشنجات واجراءات، لكن خصاله تدل على منبته الاصيل، واشادتنا به، هي اشادة بكنيسته الشقيقة وما يربطنا بها وبأبنائها. ونعول على كل الخير الواعد في هذا الحبر الجليل.
أول راهب دومنيكي كلداني، حبرا في الكنيسة الكلدانية
عندما كتب لي المطران المنتخب مار يوسف توما، رسالة شكر جوابية على تهنئتي له باسقفيته، فإن اكثر ما ركز عليه، كان الحاجة الى صلواتنا، قائلا: اني بحاجة اليها في هذه المرحلة الجديدة من حياتي التي كما تعرف كانت في اتجاه آخر تماما، لكن للرب أحكاما لا تسير مع ما نتصور.
وهنا لي ان اتصور شريط السفرة الترفيهية الودية التي قام بها الاب يوسف توما الدومنيكي، بضيافة الاب كمال بيداويد ومعهم مار باوي سورو، إذ كان اسقفا للكنيسة الاشورية، وشنفت أذناي بما اسمعني الاب (المطران) يوسف من تسجيل للمبادلات الودية والنغمية التي تخللت السفرة. وتدور الايام ليدخل الحبران الشقيقان والصديقان يدا بيد في رحاب المجمع الاسقفي الكلداني في سابقة هي الاولى من نوعها، ولأنظر الى الموضوع بمشاعر صلاة الشكر للعناية الربانية.

نبذة عن الرهبانيات الحبرية وتعاملها مع الكنيسة الكلدانية
---------------------------------------------------------------------
أما عن اختيار اول أب دومنيكي كلداني، كاسقف في الكنيسة الكلدانية، فلا بد من التمييز البسيط؛ انه إذا كان معهد مار يوحنا الحبيب، للآباء الدومنيكان قد اعطى للبطريركية سربا قيما من الاحبار، فإن الاختيار الاسقفي من بين الاباء الدومنيكان، هو إنجاز يحدث لأول مرة.
وبالمقارنة مع الرهبانيات الحبرية الاخرى، نجد مثلا الرهبانية الهرمزدية الانطونية التي تأسست في القوش، ولها موقعها الرهباني في روما كرهبانية حبرية، اسوة بغيرها. وقد اعطت هذه الرهبانية عددا من الاساقفة للكنيسة الكلدانية: االمطران أسطيفان بلو، مطران الكلدان في حلب المتوفى عام 1989. المطران عبد الأحد ربان اسقف أبرشية عقرة والزيبار واسندت اليه إدارة كنيسة السليمانية ايضاً، خدم المركزين إلى يوم وفاته عام 1998. والمطران شموئيل شوريز أسقف أبرشية اورميا حتى وفاته عام 1981 (عن مقال للانبا في الفاضل جبرائيل في موقع ديربون). ويمكن ان يكون لهذه الرهبانية وبحسب خصوصية دعوتها، رهبان هنود ملبار، يرسمون اساقفة لكنيسة الملبار الكاثوليك في الهند، وفي أماكن أخرى على وفق استقبالها لرهبان، من مختلف الثقافات الليتورجية.

الرهبانيات الحبرية والكنيسة الجامعة وعنصرة حلول الروح القدس
----------------------------------------------------------------------------
ان الاباء والاخوة في الرهبانيات الابرشية او الحبرية، في الكنيسة يمثلون اصوات نبوية في خدمة الكنيسة وشعبها، بحسب ثقافاتهم وطقوسهم كما بحسب اللغات التي يتكلمونها؛ يدخل فيها رهبان من مختلف الطقوس، واذا استجدت الحاجة الى اسقفيتهم فيرسمون لطقسهم الاصلي أو لغيره. ومن الطبيعي ان هؤلاء الرهبان القادمين من مختلف بقاع العالم هم من مختلف الطقوس، وعندما يكونون مجتمعين، يصلون بحسب صلواتهم الرهبانية، ويقيمون القداس والاسرار على طقس الكنيسة الجامعة الكاثوليكية، (او على الطقس الكنسي المتأسسة عليه الرهبانية، مثل الرهبانية الهرمزدية على الطقس الكلداني)، فلا يقدس كل كاهن من تلك الرهبانيات، القداس في الدير بحسب طقسه؛ بل بحسب طقس مشترك، كاللاتيني وغيره، على ان قداس كل واحد منهم، الشخصي او في هذه الكنيسة او تلك يمكن ان يكون بالطقس الذي ينتمي اليه او الذي يضاف الى طقسه، بموافقة تسمى الموافقة الطقسية المزدوجة (BiRitual).
وهؤلاء الرهبان كما في كهنة الكنيسة الجامعة، اذا كان فيهم الكاهن الكلداني مع لغة فرنسية، يمكن ان يعين لخدمة كنيسة فرنسية كاثوليكية، واذا كان يعرف الاسبانية، فقد تطلب خدماته حسب الحاجة في التقديس في كنيسة اسبانية، ومن باب أولى اذا استجدت الحاجة الى مثل هؤلاء الكهنة، في احدى الكنائس الشقيقة الاخرى، السريانية او المارونية. لأننا نشكل ككنائس وبموزاييك الثقافات والاجناس، لوحة تجمعها شركة كنسية واحدة، وتظللها عنصرة الروح القدس.
أما ما يتردد أحيانا على لسان بعضنا، هنا وهناك، من تشكي او بعض تذمر: قالت روما، هذه اجراءات روما... فإنها لا تعدو كونها تشكـّيات مألوفة على الطبيعة البشرية، المجبولين كلنا عليها، كما العاملين في روما، موقع الكرسي الرسولي، وما يرافق اعمالهم من محدوديات او اخطاء بشرية، ليست أقل بكثير من اخطاء بشرية لسائر كنائس الرب. ولا غرو اننا نشكو احيانا في ابرشياتنا وكنائسنا من هذا الضعف البشري او ذاك، الا ان ذلك ليس من شأنه أي يزعزع ارتباطنا الحيوي مع ابرشياتنا كما مع الجانب الاداري للكرسي الرسولي في روما. كما ان المؤمن مدعو الى التوبة المتجددة وإيماننا بالمسيح الذي سيبقى مع كنيسته برغم ضعفاتها.
الرهبانيات الحبرية والكنيسة الكلدانية
والرهبانية اخرى من الرهبانيات الحبرية للكنيسة الرسولية الجامعة ، التي تعاملت معها الكنيسة الكلدانية في مجال الاسقفية، فكانت الرهبانية اليسوعية، من خلال اسقفية المطران مار أنطوان أودو، مطران حلب على الكلدان، ثم رهبانية المخلصيين من خلال اسقفية مار بشار ورده، مطران اربيل. فلا يقال ان المطران انطوان اودو اليسوعي، او المطران بشار المخلصي، كانوا آباء على الطقس الروماني الكاثوليكي اي اللاتيني، واصبحوا كلدانًا، فهم كلدان أصلا. وهذا هو الشأن في تعامل البطريركية مع طلب خدمات الرهبان الكرمليين الكلدان عند الحاجة او تعيينهم لخدمة احدى الكنائس.
أما الرهبانية الدومنيكية، وكان فيها منذ عشرات السنين آباء دومنيكان ذوو انتماء طقسي كلداني ، قاموا وبرزوا في هذه الرهبانية منذ السبعينيات، اقدمهم الاب يوسف عتيشا (مواليد تلكيف سنة 1928) من رواد الدومنيكان العراقيين الكلدان في دير بغداد المتأسس سنة 1966. لكن اختيار احدهم للاسقفية برغم تحرك المياه هنا وهناك، بقي يراوح حتى اختيار الاب يوسف توما الدومنيكي الكلداني، المولود في الموصل (1949) من أب نزح من قرية اومرا الكلدانية، المرحوم توما مرقس جودو المعروف بأريحيته وفكاهته وطيبته ومن ام اشورية من قرية غيرامن، كانت معروفة، بحسب شهود كنت التقيتهم، بحنوها على الفقراء ورأفتها بالأيتام، الرحمة الواسعة على كليهما.
وإذ خدم هؤلاء الاباء الدومنيكان في التدريس بالدير الكهنوتي البطريركي، فقد تخرج على أيديهم، اسراب رائعة من الكهنة، منهم اصبحوا اساقفة، وذلك عندما اقتصرت التنشئة الكهنوتية على الدير البطريركي الكلداني، بعد الاغلاق الدراماتيكي لمعهد مار يوحنا الحبيب للدومنيكان، في منتصف السبعينيات.
إن الرهبانية الدومنيكية، كسائر الرهبانيات، والكنيسة الكاثوليكية، كسائر كنائس المسيح في العهود السابقة، وخصوصا عهود القطيعة والانفصال، عاشت مراحل مضطربة، كانت مراحل مرتبطة بظروفها التاريخية البيئية، السياسية، الاجتماعية والعقائدية؛ ولكن الكنائس الرسولية كما سائر الرهبانيات الحبرية، بعد انفتاحها على مسيرة الوحدة المسكونية منذ مطلع القرن العشرين، وبعد الانفتاح الكبير واللقاءات المشتركة، بين الكنائس في اعقاب المجمع الفاتيكاني الثاني، أخذت كل بحسب الكاريسما الخاص بها، أخذت تعيش عهدا يترك الماضي وراءه بغفران وتسامح متبادل، ويتطلع الى امام، بالمحبة والتقارب والوئام والعطاء المسكوني، وبما يصعب على احد ان يعيد عقارب الزمن الى الوراء، سيما وان الوحدة الكنسية المسكونية هي على المدى البعيد، وعلى ضوء رسالة الانجيل وبشرى المسيح لكل الشعوب، هي حيوية كحيوية حبل الوريد.
واليوم، يشاء تدبير العناية الربانية ان يقتبل الرسامة الاسقفية المطران د. يوسف توما، رئيسا لاساقفة كركوك، برفقة تلميذيه الشابين: المطران حبيب هرمز النوفلي، والمطران د. سعد سيروب حنا. وتشاء العناية الربانية ان يترأس رسامته زميله في معهد مار يوحنا الحبيب، وهو بعده في الدراسة الكهنوتية بسنة واحدة، ويشترك في الرسامة، حبر آخر هو زميله على مقاعد الصف الواحد، مار ربان القس، مطران العمادية وزاخو، وحبر آخر هو زميله الاصغر صفا في التلمذة مار ميخائيل المقدسي، مطران ابرشية القوش (وهو زميلنا على مقاعد التلمذة مع المطران يوسف عبا، المونسنيور نوئيل القس توما، وعددا آخر أذكر منهم الشمامسة عوديشو المنو، د. بهنام قريو، جبرائيل عطا الله، صباح متي، ايشو عيسى، ووعدالله رسام) هؤلاء سبقوه الى الاسقفية كتلاميذ للمعهد الدومنيكي، وها هم يرحبون به كأب وملفان دومنيكي، وبذلك يقومون مع سائر الاحبار الذين انتخبوه في المصاف الاسقفي الكلداني، ما يعطي الاعتبار لهذه الرهبانية الدومنيكية العريقة التي خدمت العراق وكنيسته منذ 1750. وهذه اشارة نبوية صارخة في البرية، انه لم يعد ثمة، بعد سابقة السوابق هذه، ما يمنع الرهبانية الدومنيكية، ولا غيرها من الرهبانيات الحبرية، من ان يعطي ابناؤها الكلدان والسريان وسواهم، كل ثقلهم العلمي والروحي والرسولي في خدمة الكنيسة الكلدانية وسائر كنائس انتمائهم او الكنائس الاخرى. فتكون هذه الرسامة منعطفا جديدا متقدما في مسيرة كنيسة العراق، يتطلع الى الاصالة والتجدد، ويكون، كما نأمل مرحلة جديدة تدفع مسيرة الاخوة في المسيح وأبناء البلد الواحد نحو الوحدة.

                                                                 منعطف استغرق تحضيره مخاضا كبيرا
                                                                 ---------------------------------------------
مرحلة المنعطف، سبقتها تمهيدات مراحل اخرى، استوت على نار هادئة، بموجب ما نستطيع ان نستقرأه من مؤشرات العقدين الاخيرين. اجل لقد اعدت هذه الانعطافة بخطوات متئدة وواثقة، لانتزاع قصب السبق نحو سياقات اختيار الأسقفية، تكون منهجية بعيدًا عن القبلية، واعتماد الاهلية الروحية والعلمية، دون المحسوبية. فيشاء الرب ان الحسابات الضيقة، في نهاية المطاف، وجدت امامها نظرات قصيرة المدى، ووجدت امامها قصورا مرتبطا بعمر وجيل وظروف جيو سياسية، واصطدمت بمحدودية لا محدودية من بعدها، لتنهار مع تقادم الزمن، جدران من القبلية والمحسوبية التي ربما اعتمدتا مع سواهما من عناصر، بحسن نية كدعامة لحماية السدة البطريركية، لتنهار تلك الجدران أمام الكفاءات المواكبة للعصر وأما نفاح الروح القدس في التجديد والصوت النبوي مما يهب على الكنيسة جمعاء.
هذه المرحلة ليست ابنة يومها، بل كانت تنفرز عن مواجهة بين جيلين وتوجهين، كان البطريرك الراحل مار روفائيل الاول بيداويد (البطريرك من 19 ايار 1989 لغاية 7 تموز 2003)، الوسط المتنور بينهما، واستطاع بحكمته وتأثيره ان يلفت انظار مجمعه الى الاجيال الاكليريكية الشابة، مما أدى مع أواخر عهده البطريركي الى ترشيح المطران (البطريرك) لويس ساكو الى جانب سرب مبارك من الاساقفة قبيل وفاة البطريرك بيداويد. وكانت الاستعدادات قائمة لانعقاد السينودس الكلداني لانتخاب خلف للبطريرك الراحل مار روفائيل بيداويد، متزامنة مع اختيار توقيت رسامة الاسقف الجديد مار لويس.
وكأني بلسان الحال يخاطب يومذاك المطران المنتخب لويس روفائيل ساكو: ها قد انتخبت اسقفا، فما العجلة الى تحديد الرسامة قبل موعد السينودس المرتقب قريبا، فماذا تقول: لعل توقيت تاريخ الرسامة الاسقفية سيكون اكثر ملاءمة وحضورا بعد السينودس...! ولكن هيهات فقد كان المطران المنتخب لويس، قد حزم الامر على ان يرسم قبيل موعد السينودس، اي في 14 تشرين الثاني 2003، ليلتحق بالمجمع في بغداد ثم في روما. وليكن له مشاركة مهمة وتأثيرا متميزا. ومن المفارقة ان اجابة الاسقف الجديد مار لويس ساكو، لسؤال صحفي حين اجاب مازحا مع احد الصحفيين، إذ سأله من يتوقع ان يكون البطريرك، ليقول بابتسامة دبلوماسية، لعلي انا سأكون! وما بين تلك الاجابة الدبلوماسية، وما بين المجمع الانتخابي اللاحق، لا غرو انه، بعد اسقفية سنوات عديدة، وفي عهده البطريركي الحالي مع مجموعة خيرة من جيل الاساقفة، هيأ لمرحلة نشهد فيها سابقة تلو سابقة، لمجد الله.
وهنا لا بد من القول، وانا اكتب في مجال بحثي اعلامي، واكتب على المستوى الشخصي، في موقع عام، وليس في موقع خورنة أو كنيسة، عبرت فيه عن رأي الشخصي بغير مواربة، فأقول:  
إن مسيرة وحدة الكنائس الشرقية، مرت عبر التاريخ، بأنواع مخاضات، نحو إعادة اللحمة الى عهد الكنائس البطريركية لما قبل الانقسام، حيث كان البطاركة ملتفين نحو خادم خدام الرب بالمحبة، بالشركة الكنسية التامة.
واذا مرت كنائسنا الرسولية الكاثوليكية او الارثوذكسية في مراحل مظلمة، فإن الرهبانيات هي كانت الصوت النبوي نحو الاصلاح. على ان كنائسنا ورهبانيتها، في تلك المراحل المظلمة، عاشت حالات اخطاء بشرية، لا ينكرها التاريخ، وعاشت مراجعة مع الذات، في مسيرتها. ولا تخلو كنيسة او مرحلة رهبانية كاثوليكية او ارثوذكسية من هنا وهناك، من اخطاء، متوزعة على الطبيعة البشرية. ذلك أننا نحمل وديعة الايمان في اواني ضعيفة كالخزف، لكن المسيح وعد ان يكون مع كنيسته مدى الدهور. لذلك فان هبات الروح القدس، هي التي تنعش كل عصر بحسب خصوصيته، والمسيرة بين الكنيستين الشقيقتين الاشورية والكلدانية، لها أن تمضي قدما، مستنيرة بمرحلة ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وبعهد جديد على ضوء الاتفاق الكريستولجي لعام 1994.
واذا كان الشيء بالشيء يذكر، فإن المسيرة البطريركية الكلدانية، كانت، مسيرة الى الامام، برغم العوائق والصعاب. هكذا ايضا، نرى من الصواب الاعتقاد، بأن الوحدة فيما بين الكنائس الشقيقة، مهما تأخرت، فإنها ستمضي بالتقدم، اذ ان عقارب الساعة، وتلك سنة الحياة، لا ترجع الى الوراء، أجل لا ترجع الى الوراء.


الأب نويل فرمان السناطي*:

من قدامى تلامذة معهد مار يوحنا الحبيب، نائب رئيس تحرير مجلة الفكر المسيحي 1994 - 2004 بإدارة الاباء الدومنيكان   
راعي كنيسة سانت فاميي (العائلة المقدسة) الكاثوليكية للكنديين الفرنسيين، في مدينة كالغري، وكاهن الارسالية الكلدانية  لخورنة مريم العذراء في البرتا - كندا

21
يليق يا رب بكنيسة المشرق الكاثوليكية، ان يكون رئيس مجلس أساقفتها - بطريركها، مار لويس ساكو

الاب نويل فرمان السناطي، كالكري - كندا

تبارك الروح القدس، الذي يصلي في أعماقنا بأنات لا توصف، والذي نستبشر ان يهب على كنيستنا روح نعمة ورسوخ ورجاء.
وبورك أساقفتنا الغيارى، أساقفة كنيسة المشرق الكاثوليكية، اذ اصطفي، من هو منهم ولهم، كبطريرك، رئيس لمجلس اساقفة هذه الكنيسة الرسولية العريقة، العائدة الى فجر المسيحية في بلاد بين النهرين، وكانت من قبل قد عاشت الشركة مع الكنيسة الجامعة، طوال القرون الاولى من المسيحية، واستعادتها، بنعمة الله، منذ منتصف القرن السادس عشر، لتشق طريقها، بخصوصية حضارتها الارامية، مظلة مباركة متعانقة، مع الخصوصيات المسيحية ذات الصلة حضاريا وثقافيا ولغويا، في منطقة الشرق الاوسط، ضمن المجالس الاسقفية الكاثوليكية، الكندية، والفرنسية، والقبطية، والسيرو مالابارية، والافريقية، والأرمنية وسواها الكثير الكثير.
شكرا لحكمة أساقفتنا، وشجاعتهم، وتواضعهم، وروح الامل الوثاب فيهم، وايثارهم، ووضعهم الله نصب اعينهم، في الحصول على النسبة التي أدت الى قيام مار لويس ساكو، رئيسا لسينودسهم الاسقفي، ملتفين معه حول خليفة مار بطرس، خادم خدام الرب في المحبة.
الليلة، عندنا، في شمالي أمريكا، كما النهار في الطرف الاخر من الكرة الارضية، بث اساقفتنا في ضلوعنا، بنفحة من الروح المحيي، الصعداء، اننا أمام غد مشرق، والرجاء الوطيد ان المسيح على وعده سيكون مع تلاميذهم، رسله وخلفائهم، مدى الدهر.

وحل علينا اليوم الثالث،
 أجل حل علينا اليوم الثالث، يوم قيامة وحياة وتجدد، لنشكر الرب، على اننا طوال الايام السابقة، للسينودس الانتخابي وما قبلها، استطعنا بعون الرب، فكتمنا الانفاس، وما عيل صبرنا، وما بدر منا ما كاد يبدر من بوادر تحاكي الالم والمرارة، لنكافأ بمفاجأة آبائنا لنا، مفاجأة ثورية، رسولية، واعدة ومستبشرة.

فسقيا لطيبة كل شيخ، بين اساقفتنا، ربأ بنفسه ان تكون البطريركية - رئاسة مجلسهم الاسقفي، مجرد شهوة وجاهية ينهي بها حقبته الاسقفية.
وسقيا، لكل اسقف من الاساقفة ممن تقدموا مار لويس ساكو في العمر، او قاربوه، ممن كانت لأي منهم لدى الترشح والانتخاب، طموحات مقدسة، ومع ذلك رأوا في البطريرك المنتخب الجديد ما رأوه، ليؤول بنا الحال، بنعمة الرب، الى ان يواكب سيادته بنا، ركب كنائس عباد الله الكاثوليكية والمسكونية.

ويمكن الاسترسال في الاطناب، على حد ما ذكرني به سيادته يوما، تعبيرا عن الفرح، بمن يرسله لنا الرب أبا ومرشدا...
اجل يمكن الاسترسال، وذلك لشدة هول المفاجأة، مفاجأة كانت بقيت في شغاف القلب، مركونة لأن المرء كان يحسبها، أبعد وأجمل من أن تتحقق، واذا بها تتحقق، بفضل أولئك الاباء الاحبار الغيارى في روما.

الحدث الحدث حققه اساقفتنا
ان الاختيار لوحده من قبل الاساقفة، يشكل الحدث الحدث، ازاء كل ما يعرفه القاصي والداني، القريب والغريب، والصديق والاقل صداقة، عن كل ما يحيط بالاختيار، مما شكله مفاجأة صاعقة هائلة.

فليطمئن من لم يعرف مار لويس ساكو عن كثب، بأنه هو الذي اصبح، من قبل، كاهنا فكان كاهنا من طينة تزيد بالفضل على التلميذ الذي عرفناه، مثلما اصبح اسقفا من طينة متميزة عن الاسقف الذي عرفناه، وسيكون بعون الرب بطريركا - رئيس سينودس، من انموذج اكثر اشراقا ومسكونية، وحوارا ورياديا ومتأصلا ومتواضعا وبسيطا، وحكيما وجريئا، أكثر من الاسقف الذي عرفناه.

وليطمئن من يود الاطمئنان، ان بطريركنا، يمد اليد، بمبدئية متفردة، وبمعزل عن مستوى استضرافه للشخص المقابل.

واذا كان بطريركنا، كما نحسبه، ممن لا يبتئس ان تسقط عن الشجرة بعض اغصانها اليابسة، بفعلها الذاتي، فهو من يسعى لانقاذ ما يمكن انقاذه بتسوية واقعية وناضجة بعيدًا عن المساومة.

هناك الكثير الكثير، مما يؤمل، فمن المؤمل، ان يتعامل بطريركنا مع كهنة كنيسة المشرق الكاثوليكية، على مستوى مساحة رقعتها الجغرافية الممتدة شرق الارض وغربها، في زمن تسهل فيه الحركة في كل الاتجاهات، بحيث يُعدوا، على قدم المساواة في الزمان والمكان والاهلية وأحقية الخدمة، بدون ان يكون كهنة الداخل محكوما عليهم بالبقاء تحت ثقل النهار وحره، ولا أن يكون كهنة الخارج، ممن وجدوا في الخارج لظروف واسباب متباينة، وكأنهم حازوا على فرصة العمر التي لن يخطفها منهم أحد.

ومن المنتظر،
ان سيادته سيعمل على ان يكون الطقس الموحد، روح كنائسنا، كنائس المشرق الكاثوليكية، حيثما كانت.
وان تكون كنيستنا مزرعة للدعوات العلمانية والاكليريكية والرهبانية، ويستوحي من الروح القدس بكل ما يدعماها ويرعاها،
وأن يكون للفقراء، حصة الاسد في قلبه، وللموسرين برعايته حظوة العطاء بسخاء،
وان يرسخ الاخوة العميقة بين كنيستنا والكنائس الشقيقة، وينعش بنعمة الرب الدالة مع إخوتنا في الاوطان، على مختلف مشاربهم ومذاهبهم،
وأن يجعل لمسيحيتنا أصالتها على ارضنا، وعلى كل ارض نعيش فيها مسيحيتنا، وان يرفع عنها بعون الرب، اي غبن وانتقاص، وان نعيش خصوصيتنا الدينية والحضارية بمستوى شرعة حقوق الانسان،

ولعل مار لويس ساسكو، سيجد من الحكمة، في الوقت الذي سيراه مناسبا، أن يدع لذوي الشأن الثقافي واللغوي والقومي والسياسي، ما يجعلهم في تنافس شريف نحو الازدهار والحيازة بالجدارة المطلوبة على الالتفاف الجماهيري والاجماع المنطقي، وبما من شأنه وحدة أبناء كنيسة المشرق، مع نظرائهم في الخصوصية التراثية واللغوية والحضارية في المنطقة، وحيثما ضمتهم ارض الاغتراب.

وفي زمن تشتد فيه المنافسة على الموارد البشرية، نأمل ان يأتي الوقت المناسب، بأن تسقط الجدران، الوهمية والكرسوية، ما بين الكنائس الكاثوليكة وغيرها من الكنائس الكاثوليكية في المنطقة، ممن تحوز على اكثر من عامل مشترك، ليس أقله الحضارة الارامية، مع مسيرة مسكونية حثيثة مع الكنائس الرسولية القانونية الاخرى، وكلها مجتمعة تعمل على احتضان الجماعات المسيحية الكنسية، من التي خرجت عن حضيرة الخراف، ويريد الرب عودتها.
وفي نفس المسار الانساني، نتطلع الى ان نعيش مع غير المسيحيين على القاعدة الذهبية التي القت بظلها الوارف على لقاءات الاديان في اسيزي، بأن نحب لغيرنا ما نحب لانفسنا.

وبعد،
نسترسل في الاحلام الجميلة التي نستبشر بأن حققها لنا آباؤنا السينودسيون، وأكف المصلين والمصليات، متأملين بأن أمام كنيستنا الوقت الطيب والمناسب، بما فيه الكفاية، لكيما تتجدد في عصورنا، أزمنة مار طيمثاوس الكبير.


22
مبروك العزيز سلام على هذه المفاجأة المفرحة وتعرف جيدا يا ابن أخي وابن الخورنة المباركة،سلطانة الوردية، أن من حقنا أن نكون فخورين بك، لأجل كل ما حققته بصبرك و بجهدك وذكائك وبدعم الأحبة الذين وضعهم الرب الحنان في طريقك.
محبكم
الأب نويل فرمان السناطي

23
الترتيلة الكنسية الوحدوية (إمر لي عيتا) مراجعها في الاسفار المقدسة
الأب نويل فرمان السناطي

تحظى ترتيلة (إمر لي عيتا) بحضور شامل يستقطب الابناء السورايي لكل كنائسنا المشرقية، وكأنها بلغتها السورث الاصلية الادبية، السلسة وتوصف بالسهل الممتنع، وكأني بها الانشودة الوطنية لشعبنا السورايا، على مختلف طوائفه الكنسية المشرقية. فحالما يسمعها المؤمنون يرددونها مع المرتل بشغف. ولعل مثل هذه الترتيلة المحببة، وما يحاكيها أداء ورونقا وصياغة لغوية، مثل الترتيلة الكنسية ألب البن مارن، وصلوات طقسية، تحلو على لسان المؤمنين، مع انها باللغة الادبية الاصيلة وليس بلغة السورث الدارجة. وهنا بإمكان القارئ العزيز، كيف أننا نتحاشى، بدبلوماسية مملة، ذكر تسمية لهذه اللغة، الواحدة لشعبنا، بسبب تعدد التسميات التي اطلقت عليها، بموجب مختلف الكنائس البطريركية المشرقية.
أقول اصبحت مثل هذه التراتيل والصلوات، عامل توحيد، ضمن عوامل أخرى لتوحيد شعبنا السورايا، وعامل انتشار لهذه اللغة، في زمن انحسارها في التداول الشعبي، مثلما اصبحت ترتيلة إمر لي عيتا، على غرار صلوات مثل لاخو مارا، قديشا آلاها قديشا حيلثانا، كلن بذحلثا وايقارا. هذه القطع، قلما نألف سماعها بالسورث، بحيث اننا عندما نطلب من الشمامسة، حتى الذين يقرأون الكرشوني، ولا يعرفون ترجمة اللغة الادبية للغتنا الام، يلجأون تلقائيا الى قراءتها بلغتها الفصحى.
وبرغم ان كلمات ترتيلة امر لي عيتا سلسة، الا ان ترجمتها تشكل متعة جديدة للمتلقي. وفي أدناه بعض ترجماتها (العربية، الانكليزية، الاسبانية، البرتغالية الايطالية والفرنسية). وقد توفرت نصوص هذه الترجمات لدي عندما سعيت من جانبي إلى تقديمها بمساعدة المعارف والاصدقاء، لغرض التنسيق مع د. بشار حنا بطرس في سياق وضعها على كليبات اليوتوب، كما ذكرت ذلك، في مقال سابق عن هذه الترتيلة، الرابط: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=621493.new
ولأول مرة، وبجهود الاخ بشار حنا، تظهر هذه الترتيلة على اليوتوب بهذا الكم من اللغات، تربو على العشرة لغات تظهر كل منها بملف مستقل على شكل عناوين فرعية (ساب تايتل) إلى جانب صورة المرتل على خلفية الترتيلة، وهو بالزي الكنسي الشرقي للقداس، من تصميم وتنفيذ الام جيرمين الدومنيكية، في غدراس لبنان.
للحصول على الترتيلة بترجماتها المتعاقبة، عبر اليوتوب، يمكن النقر على الرابط الاتي وتوابعه:
http://www.youtube.com/watch?v=b7eKhUrOxHw
البعد البيبلي- الكتابي لترتيلة (أمر لي عيتا)
إن شرح الامتداد البيبلي (الكتابي) لهذه الترتيلة والمتمثل بعبارة: ((فلقد جاء في الكتب...)) يدفع الى بعد كتابي ولاهوتي غزير الثراء. وإن شعبية هذه الترتيلة، إلى جانب تراتيل طقسية أخرى، وامتداداته البيبلية، هي لعمري عامل يخلد لغتنا الكنسية الطقسية، كلغة كتابية، لغة يسوع المسيح، مهما مزق اسمها وبعثره عبر تسميات، شعراء السلطان، ومهما شرذم شعبها إلى شعوب سياسيو الطوائف، ومهما نحر في جسدنا القومي أكاديميو القيادات الطاغية، ومهما اختلف بشأن اسم لغتنا ووحدة شعبنا بطاركة الاعياد المارانية.
عن  الرموز الثلاث الاولى، في الترتيلة: الشمس والقمر والنجوم، فإن الانجيلي مرقس (13: 24-32) يورد عن مجيئ ابن الإنسان (دانيال 7: 13)، وبموازاة ما جاء في انجيل متى 24: 29 ولوقا 21/ 25، يورد ما قاله يسوع المسيح في معرض حديث عن مجيئه المسيحاني: في تلك الأيام... الشمس تظلم، والقمر لا يرسل ضوءه، وتتساقط النجوم من السماء.
وعن كون عناصر الطبيعة هذه، من شمس وقمر ونجوم، من مخلوقات الله، لا تستحق العبادة والسجود فهي زائلة،  جاء في سفر التثنية (4:19): ولئلا ترفع عينيك الى السماء وتنظر الشمس والقمر والنجوم، كل جند السماء التي قسمها الرب إلهك لجميع الشعوب التي تحت كل السماء فتغتر وتجسد لها وتعبدها.
أما عن عناصر الطيبعة الاخرى، من التي نهرها الرب، فقد أورد سفر المزامير لغير مرة، ذكر عناصر عاتية رهيبة، فقد قال المزمر : المثبت الجبال بقوته المتمنطق بالقدرة، المهدئ عجيج البحار عجيج أمواجها وضجيج الامم. (64/65: 7) وقال: أبصرتك المياه يا الله، ابصرتك المياه ففزعت ارتعدت ايضا اللجج (76/77: 16)
أما الاشارة الصريحة، عن ذوبان الجبال كالشمع، فقد جاءت بهذه الكلمات: ذابت الجبال مثل الشمع قدام الرب، قدام سيد الارض (مزمور 96/97: 5).
وفيما يلي تشكيلة من اللغات المترجمة لها الترتيلة، مع رابط البحث في اليوتوب
الترجمة العربية im-mar lee Ar.wmv، إعداد الأب نويل فرمان عن ترجمة عربية شائعة
قولي لي يا البيعة اين تريدي ان ابنيك،
هل أبنيك على الشمس ، لا لا لا لا، لا لا قد قيل قد قيل قد قيل ، قد قيل في الكتب،
الشمس ستنطفئ شعاعاتها.
قولي لي يا البيعة اين تريدي ان ابنيك، أبنيك، أبنيك؟
هل أبنيك على القمر ، لا لا لا لا، لا لا قد قيل قد قيل قد قيل ، قد قيل في الكتب،
القمر لن يظهر نورا.
قولي لي يا البيعة اين تريدي ان ابنيك، أبنيك، أبنيك؟
هل أبنيك على الكواكب ، لا لا لا لا، لا لا قد قيل قد قيل قد قيل ، قد قيل في الكتب،
الكواكب ستتناثر كالأوراق.
قولي لي يا البيعة اين تريدي ان ابنيك، أبنيك، أبنيك؟
هل أبنيك على الجبال، لا لا لا لا، لا لا قد قيل قد قيل قد قيل ، قد قيل في الكتب،
الجبال ستذوب كالشمع.
قولي لي يا البيعة اين تريدي ان ابنيك، أبنيك، أبنيك؟
هل أبنيك على الصفا ، إيه، إيه، إيه إيه، إيه، إيه قد قيل قد قيل قد قيل ، قد قيل في الكتب،
على الصفا أبني بيعتي.

الترجمة الانكليزية،  بواسطة د. بشار حنا بطرس، إدمنتون، English: im-mar lee En.wmv:

* Tell me o Church where
Would you like me to build you?
Shall I build you
On the sun?
No, no..
As it is said and said..
As it is said and said in the Scriptures:
The sun brightness will fade
 
*Tell me o Church where
Would you like me to build you?
Shall I build you
On the moon?
No, no..
As it is said and said..
As it is said and said in the Scriptures:
The moon will not shed its’ light

 *Tell me o Church where
Would you like me to build you?
Shall I build you
On the stars?
No, no..
As it is said and said..
As it is said and said in the Scriptures:
The stars will fall like leaves

*Tell me o Church where
Would you like me to build you?
Shall I build you
On the mountains?
No, no..
As it is said and said..
As it is said and said in the Scriptures:
The mountains melt like wax

Tell me o Church where
Would you like me to build you?
Shall I build you
On the rock?
Yes yes..
As it is said and said..
As it is said and said in the Scriptures:
On rock I will build my church
الترجمة الاسبانية، بواسطة روزا كروز، كنيسة سانت فاميّ، كالغري im-mar lee Es.wmv
Dime, Oh Iglesia, donde
Quieres
Que te construya? te construya? …
Te construyo sobre el sol?
No, no, …
Porque se ha dicho…
Se ha dicho en los escrituras
Que el sol perderá sus rayos.

Dime, Oh Iglesia, donde
Quieres
Que te construya? te construya? …
Te construyo sobre la luna?
No, no,...
Porque se ha dicho…
Se ha dicho en los escrituras,
Que la luna apagará sus luces.

Dime, Oh Iglesia, donde
Quieres
Que te construya? te construya? …
Te construyo sobre las estrellas?
No, no, …
Porque se ha dicho…
se ha dich en los escrituras,
Que las estrellas caerán como las hojas de los arboles.

Dime, Oh Iglesia, donde
Quieres
Que te construya? te construya? …
Te construyo sobre las montañas?
No, no, …
Porque se ha dicho…
se ha dicho, en los los escrituras,
Que las montañas se derretirán como la cera.
 
Dime, Oh Iglesia, donde
Quieres
Que te construya? te construya? …
Te construyo sobre la piedra?
Si si, …
Porque se ha dicho…
se ha dicho, en los los escrituras,
Que sobre la piedra, yo construiré mi iglesia.
Spanish translation by : Rosa Cruz
 im-mar lee Po.wmv الترجمة البرتغالية: د. غونيا غوفيا، كنيسة سانت فاميّ، كالغري
Diz-me ó Igreja, onde
Queres
Que Eu te construa? Te construa…
Te construo sobre o sol?
Não, não…
Pois está escrito…
Está escrito nas escrituras
Que o sol apagará os seus raios.

Diz-me ó Igreja, onde
Queres
Que te construa? Te construa…
Te construo sobre a lua?
Não, não…
Pois está escrito…
Está escrito nas escrituras
Que a lua perderá o seu brilho.

Diz-me ó Igreja, onde
Queres
Que te construa? Te construa…
Te construo sobre as estrelas?
Não, não…
Pois está escrito…
Está escrito nas escrituras
Que as estrelas cairão como as folhas.

Diz-me ó Igreja, onde
Queres
Que te construa? Te construa…
Te construo sobre as montanhas?
Não, não…
Pois está escrito…
Está escrito nas escrituras
Que as montanhas derreterão como a cera.

Diz-me ó Igreja, onde
Queres
Que te construa? Te construa…
Te construo sobre a pedra?
Sim, sim…
Pois está escrito…
Está escrito nas escrituras
Que sobre a pedra Eu construirei a minha Igreja.
Traduction: Junia Gouvea
 Français : im-mar lee Fr.wmv  الترجمة الفرنسية بواسطة الأب نويل فرمان
Dis-moi, O Église, où,
Veux-tu?
Que je te construise, te construise…
Je te construis sur le soleil ?
Non, non…
Parce que c’est dit et dit…
C’est dit et dit dans les Écritures
Le soleil… ses rayons s’éteignent.

Dis-moi, O Église, où,
Veux-tu?
Que je te construise, te construise…
Je te construis sur la lune?
Non, non…
Parce que c’est dit et dit…
C’est dit et dit dans les Écritures
Que la lune ne montre pas sa lumière.

Dis-moi, O Église, où,
Veux-tu?
Que je te construise, te construise…
Je te construis sur les étoiles ?
Non, non…
Parce que c’est dit et dit…
C’est dit et dit aux Écritures
Que les étoiles tombent comme les feuilles.

Dis-moi, O Église, où,
Veux-tu?
Que je te construise, te construise…
Je te construis sur les montagnes?
Non, non…
Parce que c’est dit et dit…
C’est dit et dit dans les Écritures
Que les montagnes fondent comme cire.

Dis-moi, O Église, où,
Veux-tu?
Que je te construise, te construise…
Je te construis sur la pierre?
Oui, oui…
Parce que c’est dit et dit…
C’est dit et dit dans les Écritures
Que sur la pierre Je construis mon Église.
الترجمة الايطالية بواسطة الاب ألبير هشام، روما والاب اوغو ستورابوتي، كالغري
im-mar lee It.wmv
Dimmi o chiesa, dove vuoi
che ti costruisca? che ti costruisca?
(Vuoi che) ti costruisca sul sole?
No, no...
Perche’ si dice nella Sacra Scrittura dice che
La luce del sole si spegnera’

Dimmi o chiesa, dove vuoi
che ti costruisca? che ti costruisca?
(Vuoi che) ti costruisca sulla luna?
No, no...
Perche’ si dice nella Sacra Scrittura dice che
La luna perdera’ il suo chiarore

Dimmi o chiesa, dove vuoi
che ti costruisca? che ti costruisca?
(Vuoi che) ti costruisca sui pianeti?
No, no...
Perche’ si dice nella Sacra Scrittura dice che
I pianati cadono come foglie.

Dimmi o chiesa, dove vuoi
che ti costruisca? che ti costruisca?
(Vuoi che) ti costruisca sulle montagne?
No, no...
Perche’ si dice nella Sacra Scrittura dice che
Le montagne si sciolgono come cera
Dimmi o chiesa, dove vuoi
che ti costruisca? che ti costruisca?
Vuoi che ti costruisca sulla pietra?
Si, si...
Perche’ si dice nella Sacra Scrittura dice che
Sulla pietra edifichero’ la mia Chiesa.
Grazie a Padre Albert Hisham - Roma
& Padre Ugo Sturabotti - Calgary
الترجمة الالمانية، ترجمة لحدو أحو  Im-mar lee De.wmv
*Sag mir kirche, wo
möchten sie
das ich sie baue?
soll ich sie auf der sonne bauen?
nein nein…
wie es sagte und sagte
wie es ist und in den büchern gesagt
helligkeit der sonne verblasst
* Sag mir kirche, wo
möchten sie
das ich sie baue?
soll ich sie auf dem mond bauen?
nein nein…
wie es sagte und sagte
wie es ist und in den büchern gesagt
der mond wird sein licht nicht vergossen

*Sag mir kirche, wo
möchten sie
das ich sie baue?
soll ich sie auf die sterne bauen?
nein nein…
wie es sagte und sagte
wie es ist und in den büchern gesagt
die sterne warden wie die blätter fallen
Sag mir kirche, wo
möchten sie
das ich sie baue?
soll ich sie auf den bergen bauen?
nein nein…
wie es sagte und sagte
wie es ist und in den büchern gesagt
die berge zerschmelzen wi wachs

* Sag mir kirche, wo
möchten sie
das ich sie baue?
soll ich sie auf dem felsen bauen?
ya ya…
wie es sagte und sagte
wie es ist und in den büchern gesagt
auf dem felsen werde ich meine kirche bauen


24
ترتيلة تقديس البيعة، إمر لي عيتا باليوتوب، بصوت أ. نويل فرمان بترجمات ضوئية لعشر لغات،

امر لي عيتا (قولي لي يا بيعة اين ابنيك) بعشر لغات عالمية والبقية تأتي
أنجز الباحث في السريانيات الدكتور بشار حنا بطرس بيث خيزو، عملا متفردا، تطلب منه صبرا جميلا وجهدا طويلا، بإخراج، الترتيلة الشهيرة، إمر لي عيتا – قولي لي يا بيعة أين ابنيك. فقد جعلها في كليب خاص لكل لغة مترجمة لها الترتيلة، ونشرها ضمن قناته الخاصة به في اليوتوب تحت عنوان بيتخيوزو شانل . وقد نشر الدكتور بشار من الترجمات لحد الان عشر ترجمات وهي متطابقة مع النص الاصلي – للغة الأم الآرامية- السريانية الكلدانية الاشورية (بلا واوات). الترتيلة اضافة الى الترجمة الكاملة، مكتوبة باللغة الكرشونية لكل لغة مترجم لها، اي بحروف كل من اللغات التالية:
الاسبانية (ترجمة روز سكرتيرة خورنة سانت فاميي الفرنسية في كالغري)
البرتغالية (د. غونيا كوفيا سكرتيرة ثانية في الخورنة الفرنسية في كالغري)
الايطالية (ترجمة الأب البير هشام، والاب اوغو ستورابوتي راعي الخورنة الايطالية في كالغري)
(الفارسية (بنوئيل بنيامين وأنيتا صيادوف من الرعية الكلدو آشورية في البرتا
الالمانية (ترجمة لحدو احو)
الهولندية (مايكل سومر)
السويدية (ترجمة لارس جي. لندغرن)
العربية (الترجمة العربية السائدة عموما)
الانكليزية، الفرنسية (كل من د. بشار والاب نويل)
هذه اللغات من الممتع ان نتملاها ونقارنها مع نص عرفناه وفهمناه مما قد يوحي بعنصرة التخاطب والتفاهم المسيحي بمختلف اللغات.
وقد وضع الدكتور بشار في كل كليب، النص الاصلي للترتيلة باللغة الام.
ولئن وصفنا عمل الشاب الباحث بشار، بالجهد الدؤوب، فهو بالاحرى ثمرة الوقت الممتع الذي يرتاح فيه، في أوقات فراغه بعد نهار في ممارسته الطبية في احدى العيادات، فحب هذه اللغة يجري في عروقه. بحيث عرفنا بين ليلة وضحاها انه انجر اعادة ترتيب قاموس اوجين منا، بحسب الية البحث، الابجدية للكلمة المطلوبة، بدون ارجاعها إلى مشتقاتها، وهو ما يصعب على عموم المتعاملين مع لغتنا الام الجميلة. فنفر يعرف ان يقرأها، وآخر يكتبها بخط جميل، بدون ان يفهمها، واقل منهما من يعرفها قراءة وكتابة.
 طريقة البحث عن ترتيلة امر لي عيتا ايكا، في برنامج الـ
Youtube.com
بحسب مختصر تسميات اللغات المستهدفة ادناه:
Espanol: im-mar lee es.wmv
Portuguese: im-mar lee pt.wmv
Italian: im-mar lee it.wmv
Farsi: im-mar lee fa.wmv
Deutsch: im-mar lee de.wmv
Netherland: im-mar lee nl.wmv
Swedish: im-mar lee sv.wmv
Arabic: im-mar lee ar.wmv
English: im-mar lee En.wmv
French: im-mar lee Fr.wmv
ويمكنك عن طريق غوفل ان تبحث تحت اسم
Performance Fr. Noel Farman
ويمكنك ايضا ان تفتح اليوتوب للبحث عن قناة بيث خيزو شانل، وذلك للاطلاع على مختلف الانشطة الارامية الكلدو- السريانية:
Bethkhizo’s channel
إن ترجمة هذه الترتيلة، لمختلف اللغات المتواجدة فيها جالياتنا، عامل مشجع لتحسيس ابناء المهجر بشأن اللغة التي باركها الرب يسوع المسيح لغتنا الجميلة.
وللاخوة القراء الراغبين بارسال ترجمة هذه الترتيلة  الى لغة مهجرهم، كالفنلندية، الدانمركية، الاندنوسية التايلندية، الروسية، الاوكرانية، التركية، الصينية واليابانية، والقوقازية وغيرها، ارسال الترجمة لغرض نشرها بجهود الاخ الدكتور بشار. وليكن موسم تقديس البيعة، موسم قداسة ووحدة قلب ووئام للجميع.

http://www.ankawa.org/vshare/view/3400/immar-lee-ar/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3401/immar-lee-sv/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3402/immar-lee-nl/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3403/immar-lee-pt/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3404/immar-lee-fr/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3405/immar-lee-fa/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3406/immar-lee-es/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3407/immar-lee-en/

http://www.ankawa.org/vshare/view/3399/immar-lee-ʿeta-aikā/



25
بتأخر بالغ تلقيت خبر رحيل الفنان التشكيلي المبدع، لوثر ايشو، الصديق وزميل الخدمة العسكرية، نبتهل الى الرب أن يجعله من آبائنا ابراهيم واسحق ويعقوب، ونعزي عائلته وآسرته وكل محبيه، بهذا الحدث الجلل، الراحة الابدية أعطه يا رب ونورك الدائم فليشرق عليه
أ. نويل السناطي

26
مار حنا زورا مطرانا لابرشية مار أدي الكلدانية الكندية

                         


الأب نويل فرمان - كالغاري 10 حزيران 2011

تسلمنا من المطران فريدريك هنري مطران كالغاري خبر تعيين مار حنا زورا كأول أسقف لابرشية مار أدي الكلدانية في كندا، وذلك نقلا عن المونسينيور باتريك باورز السكرتير العام لمجلس الاساقفة الكاثوليك في كندا الذي بث بيان مجلس اساقفة كندا الكاثوليك المتضمن الاعلان عن أن سينودس اساقفة كنيسة الكلدان أقام ابرشية مار أداي في تورونتو للكلدان لكافة مؤمنين الكلدان في كندا. وفيما يلي

نص البيان:

من مجلس الاساقفة الكنديين الكاثوليك
الموضوع: تأسيس ابرشية جديدة وتسمية أول اسقف ابرشي
الأهمية : خبر عالي الاهمية

إن القاصد الرسولي في كندا، سيادة المطران بيدرو لوبيز كينتانا، في رسالة مؤرخة في 8 حزيران ولم يتم تسلمها في مجلس اساقفة كندا الكاثوليك، حتى بعد ظهر الخميس 9 حزيران، أحاط علما رئيس مجلسنا، أنه وبعد ان تم استشارة الكرسي الرسولي، أقام سينودس اساقفة الكنيسة البطريريكة الكلدانية، أقام أبرشية مار أدي للكلدان في تورنتو، لتضم كافة كلدان كندا، وان السينودس بموافقة الاب الأقدس، عين على هذه الابرشية أول مطران ابرشي ، سيادة مار حنا زورا، وهو أصلا مطران ابرشية الكلدان في الأهواز ومقيم في تورنتو.
تم اعلان هذا الخبر في روما بالتوقيت المحلي لروما بعد ظهر هذا اليوم الموافق 10 حزيران 2011.
ونحيطكم علما بأن الكرسي الرسولي، ومنذ عدة سنوات، سبق وأن استشار مجلس الاساقفة الكاثوليك في كندا (CCCB) حول ما اذا كان من المناسب اقامة ابرشية كلدانية في كندا.
مع الابتهال والامنيات بكل خير ونحن نستعد للاحتفال بعيد الفنطيقوسطي (العنصرة) وختام موسم القيامة السعيد،
المخلص لكم بالمسيح ربنا
(المونسينيور) د. باتريك باورز
السكرتير العام
نهاية النص

باسمي وباسم رعايا خورنة مريم العذراء في البرتا للكلدان والاشوريين، نقدم التمنيات الطيبة، للابرشية الكلدانية الكندية الجديدة ابرشية مار ادي، وأول أسقف لها سيادة المطران مار حنا زورا، باليمن الازدهار، لمجد كنيسة المسيح الرب، ولخدمة بشرى انجيل المحبة والسلام والوئام.

الاب نويل فرمان السناطي
كاهن خورنة مريم العذراء الكلدانية الكاثوليكية في ولاية البرتا الكندية
راعي كنيسة سانت فامي (العائلة المقدسة) الفرنسية الكاثوليكية في مدينة كالغاري، ولاية البرتا.

نص البيان بالانكليزية:
From: Bishops [mailto:bishops@cccb.ca]
Sent: June 10, 2011 6:13 AM
To: Bishops
Subject: Establishment of new Eparchy and nomination of first Eparchial Bishop
Importance: High
 
Your Eminences, Your Excellencies,
 
The Apostolic Nuncio to Canada, the Most Reverend Pedro López Quintana, in a letter dated June 8, 2011, but which was delivered to the CCCB offices at the end of Thursday afternoon, June 9, has informed our President that after having consulted the Holy See, the Synod of Bishops of the Patriarchal Chaldean Church has established the Eparchy of Mar Addai of Toronto of the Chaldeans, for all the Chaldean faithful in Canada, and has, with the approval of the Holy Father, nominated as the first Eparchial Bishop the Most Reverend Hanna Zora, already Bishop of the Chaldean Eparchy of Ahwaz and resident of Toronto.
 
This news was published in Rome today at noon (local time), June 10, 2011.
 
For your information, the Holy See several years ago had consulted the CCCB on whether it would be opportune for a Chaldean Eparchy to be established in Canada .
 
With every good and prayerful wish as we prepare for the Solemnity of Pentecost and the end of this joyous Easter Season,
I remain,
Sincerely yours in Christ Our Lord,
(Rev. Msgr.) Patrick Powers , P.H.
General Secretary    




27
مع الوعي المتزايد لقضيتهم عالميا
وضع مسيحيي  العراق إلى أين؟


الأب نويل فرمان السناطي - كندا

وزير الهجرة الكندي: التحرر في الحديث عن قضيتهم كمسيحيين وليس فقط كخصوصية اثنية

ورشة عمل في كالغاري بشأن المهاجرين العراقيين: تعدد التسميات ظلم مسيحيي العراق

منذ أن شهد الاضطهاد المذهبي العنصري في العراق، أعلى مستوياته، في ظل حكومات المرجعية الدينية، مع المجزرة التي ارتكبها ارهابيون باسم الدين الاسلامي، في نهاية اوكتوبر الماضي،  بحق عشرات المصلين مع كهنتهم في كنيسة سيدة النجاة ببغداد، ارتفع المزيد من اصوات الاستنكار متعالية للادانة ونشدان الحلول. ويبقى هذا الوضع ومستقبله غامضا وفي مواجهة خيارات محدودة خصوصا في واقع الشعب السورايا المسيحي في بلاد بين النهرين بحدودها المترامية بين ايران وتركيا والشام الكبير.
ومن المعروف ان غالبية المسيحيين، على مر الاجيال المتعاقبة ، كانت تعودت على اللجوء الى الجبال، عند موجات الاضطهادات. ولكنهم كانوا يعودون، عند حلول نوع من الاستقرار، بسبب كونهم يعودون الى ارضهم السليبة، وبسبب حاجة الأنظمة الى استغلال خدماتهم ومواهبهم.
إلا أن امكانية اللجوء الى الجبال باتت مجرد خيار بين الخيارات، بعد أن لم تعد المنطقة الشمالية توفر الاستقرار الاقتصادي المنشود على المدى البعيد، وعلى مستوى الحاجات المعاصرة. فقد تحدد هذا اللجوء الى الشمال، أمام  خيار لم الشمل وتوفر سبل الهجرة، والامكانات المادية للبعض واسرهم في الخارج.

المسيحيون وزعاماتهم ضحية المخططات الستراتيجية
بيد ان توفير الهجرة بحد ذاته بات يحمل في طياته، نيات عدم الاهتمام بإفراغ المنطقة من الأخلاق المسيحية وعبقريتها، لصالح ترك المنطقة تتلاطم بالمذابح الطائفية، حتى افراغها من قواها واقتصادها ونفطها بغية العودة بها الى بدائية البلدان النامية وحاجاتها الاصغر. فإن مواجهة الارهاب الديني، كعدو جديد بعد الاتحاد السوفيتي، بهذه الستراتيجية، يشكل وصمة في الجبين الانساني للقوى العظمى المخططة في هذا النحو من حيث اللامبالاة أمام اجتثاث المسيحيين من جذورهم. وأغلب الظن ان هذه الستراتيجية لا تأبه بضرورة إقرار مشاريع سياسية، خارج المرجعيات الدينية. لا بل يبدو من المرجح ان إقرار حكومات المرجعية الدينية، وجد كخير وسيلة لاضعاف البلاد، باشعال الحرب الاهلية الطائفية، وتشتيت الاقليات الاثنية غير المسلمة خارج البلاد. كما ان واقع الحال، يشير الى ان تشتت هذه الاقليات الدينية غير الاسلامية، تحقق بدرجة كبيرة، من خلال التشرذم الطائفي داخل كيان مسيحيي العراق، مما القى بظلاله التقسيمية على طابعهم الاثنني وخصوصيتهم المسيحية المتشابكة.
بحيث وجدت الزعامات المسيحية لكل طائفة، ضمن ظروف متباينة، تسحب البساط لصالحها بتكريس الخصوصية الاثنية والثقافية لكل جماعة بحسب كنيستها وطائفتها. فعلى سبيل المثال، أدى، مسيحيا، الاصرار الطائفي المذهبي المتعصب، بتقسيم اللغة الارامية بلهجتها المحكية السورث للشعب السورايا، الى كل من:
اللغة الكلدانية
اللغة السريانية
اللغة الاشورية.
فانجرفت الزعامات المسيحية، كل منها بطريقتها وعلى وفق نظرياتها وأهدافها، إلى حالة أدت بشكل غير مقصود وغير منسق أو متفق عليه فيما بينها، أدت إلى  تواطؤ غير منسق وغير متفق عليه، تسبب كتحصيل حاصل، في نحر الكيان المسيحي العراقي، وأدى بواقع هذا الحال، إلى التقسيم القومي والسياسي والحزبي، للشعب المسيحي (السورايا) ذي الخلفية الثقافية الارامية، إلى ثلاث قوميات:
القومية السريانية
القومية الآشوري
القومية الكلدانية

هذه الاشكالية كما سنرى في تصريحات وزير الهجرة الكندي، ومعطيات ورشة دائرة المهجرين الكندية، وضعت دوائر الهجرة في مأزق عالجته كل جهة بطريقتها، وعلى حساب وحدة ومصلحة الشعب المسيحي السورايا.

مع تصريحات وزير الهجرة الكندي

ضمن المساعي الرامية الى مواجهة نتائج ما حدث من جرائم ابادة جماعية بحق مسيحيي العراق، كان الدكتور جورج جرجس الاستاذ في جامعة كالغاري، قد أعد لتحقيق لقاء مع وزير الهجرة الكندي في مكتبه بكالغاري حضره الأب نويل فرمان. وقد وضح الوزير أن كندا والولايات المتحدة مهتمة بشكل رئيسي بملف المسيحيين العراقيين تحت الاضطهاد، الى جانب دول اوربية أخرى.

- إلى أنظار البطريرك الماروني الجديد
من المؤسف أن لبنان من بين دول المنطقة يشهد معاناة خاصة للمهاجرين المسيحيين العراقيين

وقد ذكر الوزير جيسي كيني، أنه على ضوء القانون الدولي للهجرة، يضطلع نشاط دوائر الهجرة أساسا بواقع الاشخاص والجماعات الهاربة من البلد الاصلي. وأبرز جيسون كيني الاهمية المعطاة لهذا المشروع، بالنظر الى الحجم المتزايد للمسيحيين في بلدان الانتظار. ومن بين بلدان الانتظار الى جانب سوريا، تركيا والاردن، أشار الوزير الكندي الى لبنان، معبرا عن دهشته بأن هذا البلد المعروف بمسيحيته، يشهد فيه المسيحيون المهاجرون اكثر المعاناة، وأعلى نسبة من المعتقلين.
ملاحظة الوزير الكندي تستحق ان ترفع الى غبطة البطريرك الماروني الجديد، مار بشارة الراعي، مع الاشارة، إلى أن المرجعيات المسيحية للكنائس العراقية في لبنان، وخصوصا مطرانية الكلدان، لم تنفك تبذل الجهد في التخفيف عن المعاناة سواء في الجوانب العملية للمساعدات الانسانية، او الجوانب الاعلامية لايصال الصوت الى اعلى المراجع المدنية.

جيسون كيني: عند تناول موضوع المسيحيين العراقيين، بتنا  نسميهم مسيحيين فحسب
بدون ضرورة الاشارة لخصوصيتهم الاثنية، وذلك لاستهدافهم كمسيحيين أساسا
 
من المعروف ايضا أن الانقسامات التي أشرنا إليها والتي أدت بالزعامات الدينية الى تقسيم الشعب المسيحي، لم تؤدي بالضرر إلى الى الشعب المسيحي وحده، فالارهابيون في جرائمهم لم يفرقوا بين مسيحي ومسيحي. أما الجهات الدولية، فمن جانبها، فقد تجاوزت الخصوصية الاثنية للشعب الغالبة لدى مسيحيي العراق، مما أفقدهم امتيازهم أمام المحفل الدولي. فقد التفتت الى هذا الواقع، فكانت أمام مأزق الالتزام بأعراف التعامل مع المواطن بحسب اثنيته وليس بحسب دينه. وهكذا ولوقت طويل دفع المسيحيون العراقيون الثمن، إذ طالما كانت السفارات ترفض معاملاتهم عندما كانوا يتحدثون عن معاناتهم كمسيحيين، خصوصا لدى المقابلة مع موظفي السفارات من غير المسيحيين. ولكن مع التراكم الزمني ووضوح صورة المعاناة، تحررت، على ما يبدو، الدوائر المعنية، عن محرمات (تابو) عدم تناول التسمية الدينية لمسيحيي العراق، باستخدامها كبديل للتسمية الاثنية المتعددة بشكل خرافي. فخلال مقابلة الوزير الكندي للهجرة، تم ملاحظة انهم توصلوا لى تحرير مفردة مسيحيين من خانة المحرمات هذه في الاشارة إليهم خلال التعامل مع الملف، كمسيحيين وحسب، وليس فقط الاشارة الى كونهم جماعة اثنية مظطهدة ومهددة بالزوال.

إلى أنظار آبائنا أصحاب القداسة والنيافة والغبطة والطوبى والسيادة، زعاماتنا المسيحية الموقرة
ورشة كالغاري حول المهاجرين العراقيين:

تسميات متعددة: إشكالية لدى مسيحيي العراق   many denominations

الجانب الآخر الذي أدى بالشعب السورايا المتجزء إثنيا، أن يكون هو الخاسر، هو الاحصاءات بشأن حالات الهجرة من العراق. فضمن المحور عينه قدمت من اونتاريو، في أواخر آذار مارس الماضي، السيدة ايكاترينا باك المختصة الجديدة في البرنامج التدريبي لمعاملات المهاجرين في تورنتو. وبالتعاون مع انطوانيت غودبوت، المنسقة في المكتب الكاثوليكي للهجرة، قدمت عددا من الورشات في مجال التحسيس بشأن واقع المهاجرين العراقيين، وضوابط دوائر الهجرة بشأنهم، تحت موضوعة العدالة الاجتماعية. وكانت كنيسة سانت فامي الفرنسية (يرعاها الاب نويل فرمان إضافة الى خدمة الرعية الكلدانية) واحدة من الكنائس الثلاثة في كالغاري التي احتضنت الورشة، إلى جانب كنيسة سانت لوك، وكنيسة سانت بونافاتور. في هذه الورشة، عرضت إيكاترينا باك، احصاءات قسمت فيها هجرة العراقيين إلى خانتين:

الخانة الأولى- الخانة الاثنية وتتضمن:
الاكراد، الشبك التركمان، الفيليون (ولم تذكر في هذه الخانة الخصوصية الاثنية للشعب المسيحي العراقي: الاشوري الكلداني السرياني، مع نسبة من المسيحيين العرب، الأكراد والأرمن)

الخانة الثانية- الخانة الدينية وتضمنت فيما تضمنت:
أولا المسيحيين
ثانيا المندائيين
ثالثا اليزيديين
رابعا الجماعات المسلمة

أمام هذا التقسيم، اعترض (كاتب السطور) قائلا أنه في حين ان الاكراد والشبك والتركمان والفيليين، يتناوبون التسمية الاثنية ويشتركون في الخصوصيات الطائفية الاسلامية، ويتم الاشارة اليهم بنحو مزدوج
فإن الشعب المسيحي العراقي، يباد لكونه مسيحي ولكنه ايضا وضمن التراث البشري، يباد كخصوصية تراثية ثقافية موغلة جذورها في حضارة وادي الرافدين.
سؤال اجابته المنسقة إيكاترينا الاجابة التي تحزرها زعاماتنا المسيحية، إذ قالت اعتقد ان السبب هو لان هذا الشعب يحمل
 تسميات متعددة.Many denominations

توقعات سائق تاكسي في دمشق حول: الثلث مقابل الثلثين

وبينت طروحات ايكاترينا، أن الشعب العراقي عانى من انواع الاضطهادات واختراق حقوق الانسان، منذ عدة عقود، مما اضطر العراقيين الى الهروب في حقب متلاحقة. كما بينت ان سقوط نظام صدام حسين في نيسان ابريل 2003، وما نجم عن ذلك من حرب أهلية واضطرابات متلاحقة، اجبر الملايين على ترك مساكنهم. وبموجب الاحصاءات فإن عدد الذين تركوا بلادهم بعد 2003 يربو على 4 ملايين ونصف المليون، استقروا اساسا في سوريا والاردن ولبنان ودول اخرى شرق اوسطية.
ويقترب هذا الرقم، متناسبا مع نسبة سكان العراق، الى توقعات اودعها لي سائق سيارة اجرى في دمشق، في بحر عام 2007، عندما تطرق الحديث الى الحالة العراقية، فكانت معلومات السائق المستقاة من متابعاته الشخصية، ان المخطط من قبل الدول المشغوفة في معالجة الشأن العراقي على طريقتها ومطامحها، هو ما سماه: الثلث مقابل الثلثين، ولما استفسرت منه عن معنى هذه النسبة، قال:
تهجير ثلث العراقيين، تقتيل الثلث الثاني، والاكتفاء بالثلث الاخير.

وبعد، في ظل اشتعال ثورات الشارع العربي،
هل هناك تصور لانقاذ ما يمكن انقاذه، من الواقع العراقي المرير؟

لا بد من القول، ان عافية المسيحيين في العراق، تكمن في عافية المواطنين العراقيين عموما، والعكس بالعكس. إذ كما تبين جداول جهات الهجرة، فإن الاقليات الدينية عموما هي عرضة للاضطهاد. فالحكومات الكارتونية، عندما تستند على مرجعية طائفة ما، لا بد ان تهمش الطائفة المنافسة، ومن ثم دوامة الاقتتال وتهميش الاقليات واختفاؤها.
من جهة أخرى، فإن ما يحدث من ثورات شبابية، يستند بشكل كبير، على التظاهر السلمي، والمطالبة بالتغيير ومحاربة الفساد المنظم، ووضع حد للانتهاكات الديمقراطية في البلدان العربية الاسلامية، وعلى اشاعة الدكتاتورية والحكم الفردي. ومن سخريات الملاحظة ان الدكتاتوريات المتهاوية تلجأ الى رجال الدين لدعماها على وفق فتاوى مساندة ولي أمر البلاد.
لا ريب أن الكيانات الدينية، قد تمارس في حقبة معنية، دور أن تكون حامية لحقوق رعاياها، خصوصا في مراحل التحرر والنزوع الى الاستقلال، كما حدث في نضال الشعب الارمني لتحقيق دولته، ثم ركنت الرئاسة الدينية إلى مكانتها الكريمة في "حاضرة" اجميادزين. أي إن دور الزعامة الدينية له ان يحتجب، امام قيام مجتمع مدني، يحكم القانون والحقوق والواجبات.

هكذا، فإن ما يحدث من مخاض حتى بعد سقوط الديمقراطيات، سوف يؤدي على الارجح، إلى تشخيص عبثية التدخل السافر والسام، للزعامات الدينية في الشأن السياسي، وضحالة قيام أحزاب دينية تتطلب تجنبها لدى اقرار قانون الاحزاب. وعندما يوغل رجال الدين في تجاوز دورهم وخصوصيتهم، عندئذ فإن الثورات الشبابية عينها، لا بد وأنها ستفكر بأنواع ثورات معاصرة، تناسب كل جماعة دينية، لتفصل على مقاسها ما يناسبها من ثورة أقل ما يقال فيها، أن تكون ضروبا من ثورات الباستيل الفرنسية.


 ملاحظة: أدناه، لقراء الفرنسية، النص الفرنسي الكامل للبيان الخاص بمقابلة الوزير جيسون كيني

Une prise de conscience au niveau national et Nord Américain de la cause des chrétiens persécutés.

Visite au ministre Jason Kenny
Les médias avaient dernièrement fait écho du massacre commis contre les chrétiens dans l’Église Irakienne Notre Dame du bon secours,  Le 31 Octobre 2010. C’est une population de langue araméenne, et qui est l’une des premières nations de la Mésopotamie. Suite à cet événement tragique, Georges F. Jergeas, Ph. D., P. Eng. Canadien d’origine Irakienne, avait entrepris des contacts avec le ministère de l’immigration et de la citoyenneté, dans le but de savoir quelles sont les mesures prises pour soutenir ces chrétiens d’une certaine extermination quasi catégorique. Le ministre Jason Kenny, en réponse, a accordé une audience avec le professeur Jergeas. L’abbé Noël, a été invité à participer à cette rencontre qui a eu lieu le lundi 24 Janvier 2011.

Rappelant sa rencontre avec le dernier dans le presbytère de la paroisse Sainte-Famille Jason Kenny a accueillit Noël Farman avec une accolade amicale à l’orientale.
Le ministre Kenny a commencé la rencontre en exposant les projets de son ministère en faveur des chrétiens Irakiens sous la persécution. Ces projets, a-t-il ajouté, sont principalement pris en charge par le Canada et les États Unis, à coté d’initiatives assez relatives de la part d’autres pays européens. Ils visent essentiellement  ceux qui sont en pays d’attente et ce, à cause du statut international de l’émigration qui consiste à secourir les individus et groupes fuyants leur pays d’origine. Le ministre a mis le point sur l’envergure de ce projet en disant qu'il tend à être à la hauteur du volume de ces ressortissants qui sont actuellement en pays d’attente. Entre ces pays d’attente comme la Syrie, la Turquie, La Jordanie, Jason Kenny a cité aussi le Liban en mentionnant sa surprise que les chrétiens dans ce pays connu comme un pays chrétien soeint particulièrement dans la détresse, et beaucoup sont en prison (probablement à cause de leur rentrée illégale dans le pays- note de l’auteur).
Au cours de la rencontre, nous avons cependant observé que le ministre a pu libérer, le terme chrétien de son coté tabou dans les démarches avec les instances canadiennes, lorsqu'on fait référence à ces minorités persécutées; ce tabou voulait en effet dire qu’au niveau des formalités, il ne fallait pas faire de concession à des immigrants à cause de leur religion, et que c’était de coutume de parler de minorités ethniques, chaldéennes assyriennes et syriaques etc. Cette prise de conscience en faveur de la cause de ces chrétiens s’est surtout imposée avec le massacre de 57 chrétiens dont 2 prêtres pendant la messe dans une église à Bagdad.
A la fin de la rencontre M. Kenny  a confirmé son désir montrer sa solidarité avec la communauté Chaldo-assyrienne de Calgary en projetant de rencontrer cette communauté pendant  son service eucharistique chaque dimanche soir (17h30) dans l’Église Saint James.
http://www.saintefamille.ca/blog.php


28
الى العزيزين فلورا ارميا وقرينها جورج ابراهيم - كالغاري
انه لمن دواعي سروري ا ن أهنئكم بهذه المناسبة الجميلة التي حققتموها بجهدكم وسهركم وتضحياتكم، ونأمل أن تكون الاستاذة فلورا انموذجا للقادمين الى كندا ممن يقدمون جهدهم المتميز ويكونون شهودا للابداع العراقي لابناء شعبنا السورايا.
ليبارككم الرب بالمزيد من النعم والبركات
الاب نويل فرمان السناطي
راعي خورنة مريم العذراء في البرتا

29
الصحافة الكندية تحتفي بأحد كهنتنا العراقيين لانتخابه رئيس اساقفة
 الكنائس في اوطان الاغتراب تثمر الرعاة للوطن الام
القس نويل فرمان السناطي
إنها فرحة أن أجد من زملاء صفي في معهد مار يوحنا الحبيب، للآباء الدومنيكان، مار يوسف عبا ينتخب مطرانا، في كنيسة السريان الكاثوليك، رئيسًا لأساقفتها في بغداد، وقبله كان زميل الدراسة مار ميخائيل مقدسي مطران أبرشية ألقوش. كما كانت الفرحة اذ انتخب في الوقت عينه المطران بطرس موشي رئيسا لأساقفة الموصل، وكذلك المطران يوسف حبش ممن زاملناهم تحت قبة معهد الاباء الدومنيكان.
والفرحة المشرقة هي ايضا أن جاليات أوطان الاغتراب، تثمر الرعاة الى الوطن الام، فعلى سبيل المثال لا الحصر، وقبل سنوات عديدة ، انتخاب كاهن خورنة الكلدان في لندن، معاونا بطريركيا، في بغداد. وتأتي خدمة المطران الجديد في بغداد في ظل الظروف الحالية، ضمن هذه خطوات الخدمة الشجاعة والداعية الى الفخر..
سمعنا الخبر المفرح في حينه، كحدث مهم يخص الشعب السورايا في العراق، ولكن سرعان ما تلقفته الصحافة الكندية، كمادة نشر. فقد أصدت صحيفة وسترن كاثوليك ريبورتر، في عددها الاسبوعي الصادر في 21 آذار، خبر الاستيزار الكنسي للمطران المنتخب مار يوسف (عبا) منصور تحت عنوان: كاهن اونتاريو اسقفا في بغداد
تقرير الصحيفة الكندية: كتب التقرير الاخباري من ميسيساغا، مايكل سوان الصحافي في الكاثوليك ريجيستر، وذكر أن رئيس الاساقفة القادم لبغداد، قد أمضى 14 سنة في كندا، ينهل مما تقدمه كندا من فضيلة أن تكون بلدا علمانيا.  ونقل عن رئيس الاساقفة المنتخب يوسف عبا منصور تصريحه لصحيفة كاثوليك ريجيستر:
 "في السنوات الـ 14 التي أمضيتها في كندا، الشيء الذي لفت انتباهي بحق، كان منحى التطور الديمقراطي في كندا. في مجتمع متعدد الثقافات، لا يفكر أحد أن يسألك ما هو دينك وما خلفيتك؟ هذا هو ما أعجبني، وما أسعى الى تصديره.)
 وجاء في التقرير: ان انتخاب المطران منصور قد حظي بتثبيت البابا بندكتوس في 3 آذار. وسوف تتم رسامته الاسقفية، بتاريخ 16 نيسان، في مسقط رأسه قره قوش الواقعة في المنطقة (....) شمالي العراق.
وفي إشارة الى نتائج سينودس الاساقفة المنعقد في الفاتيكان في أوكتوبر الماضي، حول الشرق الاوسط، يرى (المطران المنتخب) منصور في مهمته في بغداد حالة لتشجيع للمسيحيين، كيما يسهموا في المستقبل الديمقراطي لكل العراقيين، ليقول:
كأسقف ، سوف ارشد وأعلم الشعب على أن الانسان كائن بشري حي، حر في ممارسة ديانته بدون خوف ولا غصب.
ويورد الصحفي من عندياته، أن العدد المخمن لمسيحيي العراق كان "مليون ونصف، قبل أن تقود الولايات المتحدة الحملة لغزوه، فتقلص منذئذ الى حوال الخمسين بالمائة. وأشار مايكل سوان: أنه سبب عمليات من التطهير العرقي والمذهبي في نواحي بغداد، فإن المسيحيين لجأوا بالفعل عينه، الى سوريا، الاردن ولبنان. ويرى الصحافي الكندي بأن أساقفة العراق في وضع صعب، ما بين أن يتركوا على مضض رعاياهم يهجرون بلدا كان من اوائل البلدان التي تعمذت بالمسيحية، إذ بشرها توما الرسول، وبين أن يطلبوا من الشعب أن يبقوا يعيشوا في خوف.
وفي هذا المضمار ينقل الصحافي قول الاسقف المنتخب: نسعى الى أن نشجعهم على البقاء متمسكين بالرجاء، الرجاء الذي يأتينا من إلهنا.
ويرى الاسقف المنتخب في مسؤوليته الجديدة كنوع من الرعاية للفقراء، أولئك الذي لا يستطيعون مواجهة أعباء المغادرة.
وإن الناس الميسورين، بإمكانهم مواجهة اعباء الاقامة في سوريا والاردن، في حين لا يستطيع المعوزون ذلك.
وللاساقفة، عندما يحصلوا على أي مال، أن يسعوا ليوفروه لفقراء الشعب.
وبعد، فإن في قبول شقيقي في الكهنوت وزميلي لسنوات الدراسة الكهنوتية في الموصل، بأن يكون في بغداد، يحمل دلالات عظيمة، في التواصل مع الخطوات الشجاعة التي سبق وأن قام بها عندما سافر الى العراق، في السنوات الأخيرة، وبرغم أحلك الظروف.

30
انا القيامة والحياة من امن بي وان مات فانه سيحيا الى الابد
نيافة أبينا الكردينال البطريرك " مار عمانوئيل الثالث دلي " بطريرك بابل على الكلدان الكلي الطوبى
السادة الاساقفة الاجلاء
ابرشية زاخو ونوهدرا والى اهالي الفقيد
أبناء وبنات خورنة مريم العذراء في العباسية التي رعاها الحبر الفقيد منذ عشرات السنوات
بقلوب عامرة بالايمان ورحمة الرب، وبتوجع أليم تلقينا نبأ انتقال المثلث الرحمة " مار بطرس هربولي " الى الاخدار السماوية ، ففي هذه المناسبة الاليمة أشارككم الحزن العميق في رحيل راعي الابرشية، واتقدم شخصيا وخورنتي بالتعازي الحارة الى الكنيسة الكلدانية وابرشيتنا العزيزة في زاخو ، وليتغمده الرب الاله برحمته الواسعة ويسكنه في جنات نعيمه .
الأب نويل فرمان السناطي
راعي خورنة مريم العذراء الكلدانية كالغاري - كندا

31
بمزيد من الفخر والفرح الشكر للرب تلقيت الخبر الجميل، متصلا بالجهد والموضوع والتأوين والاستمرار لجيل معطاء من الدومنيكان. مع اطيب التهاني لك وللاخوة الاحبة الاباء الدومنيكان.
الاب نويل فرمان

32
 
تباركنا، في غربي كندا، بزيارة كاهن من بغداد...

كاهن من بغداد، من الوطن. رأيت ألا أذكر اسمه، ليس لكونه يتحاشى الاضواء وهو يتحاشاها بحق، بزهد... ولم يحجب اسمه خوفا، فهو يفصح بهويته بمظهر كهنوتي باد، وليس كي أحرج تواضعه أو أخدش تقشفه، فالدالة الأخوية معه والمحبة كانت ستبرر حسن النية، ولكن اسمه ينضم الى سرب طيب من الاسماء، من اي كاهن من بغداد أو الوطن،  ونحيي فيه كل الاسماء، من كهنة ورعايا، ممن تحت ثقل النهار وحره، أصبحوا لنا مثلا للرجاء الحي، فلم نعد نبزهم بشيء، مهما فعلنا هنا، سوى أن نتعلم التواضع في مدرستهم، في مشيختهم. إنهم شيوخنا مهما كانوا شبابا، أليس الواحد منهم قسيس وبالآرامية قشيشا أي شيخ.
أولئك الذين كهنة أو أحبارا، في فرص سنوية يزوروننا لمدة ويعودوا إلى ارض الوطن، ليكونه لنا للاهل في الرفدين، سفراء للمحبة وشهود للرجاء ومشاعل للصمود.
 
كنت في المطار بانتظاره ضمن القادمين. وأنا أحدق النظر كي اتميزه لمحت من بعيد، ثم عن كثب، قسيسا حسبته من إحدى الكنائس الشقيقة في كالغاري، وهي عديدة، جلهم مع رعاياهم يزورون كنائسهم واصدقائهم في كالغاري والمنطقة، ويعودون إلى مدنهم الشرق الاوسطية، إلا القادمين من وطننا النهريني، ممن، في  الغالب، يودعون البلاد بدمعة وداع.

قلت مع نفسي، لا بد لي من التعرف على هذا الاب، واعرفه على زميلي الاب الزائر...

ولكني سرعان ما اكتشفت الرجل المتسربل بجبة المشيخة السوداء، مع لحية عبثت بها ايام السفر، امتد إليها شيء من الشيب برغم ثلاثينياته... فما هو إلا صديقي الذي تشرفت بدعوته عبر اسقف كالغاري.
وعندما جمعنا فيما بعد لقاء مجاملة مع الاسقف، بثثناه الشعور، كلانا، الاسقف وأنا، كل بطريقته، بأنه، بفضيلة كل ما يعيشه من ثقل النهار وحره في عراق اليوم، أكبر منا، وبأننا أصغر منه.
 
وكان التساؤل العارم الذي عبر عنه المطران، لماذا يا ترى هناك في الدنيا بقاع يعاني الناس فيها ما تعانون، وبقاع هنا لا نعاني فيها ما تعانون! ليجيب شيخنا الصغير، بنبرة المعلم، نأمل من العالم أن يستوعب الدرس مليا، وإلا ، يا سيدنا، سيأتيكم الدور في يوم غير بعيد.

كان الاب قادما من ساسكاتون بعد زيارة لاقاربه، سبقتها زيارة لفانكوفر محطته الجوية في القدوم والمغادرة إلى بغداد. أجل إنه من النادر أن يأتينا شخص من بغداد، ينوي العودة إليها في هذه الايام، أيام محنتها. فكان الرجل بذلك شيخنا بامتياز ومعلمنا في اشراقة الامل وروح الايمان.
 
إنها زيارته الثانية بهذه الطريقة، مع أنه كان في الزيارة السابقة كان افرنجي المنظر مكتفيا بالهندام الاسود وياخة بيضاء. في هذه الزيارة لم يعد المقربون إليه، يرون ضرورة لاستبقائه بعد أن حاولوا ذلك من قبل، وعبثا حاولوا. فهم يعرفونه ذلك الذي ألف العيش في بغداد الجريحة، الرهينة، النازفة، بعبث العابثين، ويعرفونه ذلك الذي بقي فيها برغم كل ما عاناه، ولكن ما عاناه جعله أشد قوة، وأجرأ إفصاحا عن هويته في الشارع، وفي كل ذهاب وإياب.

إنه، وهو يحدثنا عن خبرته عن استقرائه لخارطة الوطن، يبعث فينا الأمل بغد افضل، ولسانه حاله يكشف: ما دمت هناك وما دام مثلنا الكثيرون، فإننا نعمل ونشهد ونتعايش على الحلوة والمرة، متطلعين إلى العراق الباسق كنخيله، السخي كنهريه الأشم كجباله.
 
مع كل هذا لا يحمل الرجل نظرة طوباوية الى الواقع، ولا يدعي الغلو في التفاؤل، ولكنه يقول بكل بساطة: ما دام هناك أناس يحتاجون إلينا، وما دام زميلي الذي حل محلي في سفري، له مهام أخرى، فأنا عائد إلى بغداد، عائد لا  محالة.
متصوف في حب الله كالحلاج ، زاهد قبل حدود الدروشة، بشير للتسامح على خطى يسوع المسيح، كأني به ينشد مع مغنى المسلسل العراقي السوري، إحنا نحب كل الناس، وحتى اللي ما يحبنا نحبه.

باسم كالصباح، تباركنا به، في كالغاري وساسكاتون وفانكوفر، فقرت العين بذلك الطيف الجميل للكاهن الذي مر بنا، وعاد إلى بغداد بظله الخفيف... الخفيف.


الاب نويل فرمان
كاهن خورنة مريم العذراء الكلدانية في البرتا
راعي كنيسة سانت فاميي (العائلة المقدسة) للكنديين الفرنسيين في كالغاري

33
الأخ العزيز أبونا يوسف حبش
تهنئة من القلب على خبر انتخابك اسقفا على السريان الكاثوليك في كندا.
مع اطيب التمنيات لك بالنعمة والخير، في هذا المنعطف المشرف من حياتك الكهنوتية، التي يسعدني اني واكبت جوانب منها، منذ زمالة التلمذة، في معهد آبائنا الدومنيكان العظام. ولتغمرك نعم الرب في مسارك الجديد وتهنئة من القلب للرعية المباركة، لبغديدا الدعوات الكهنوتية والرهبانية والعلمانية، ولابناء معهد مار يوحنا الحبيب.

أخوك
الاب نويل فرمان السناطي
كاهن الجماعة الكلدانية في كالغاري، وراعي كنيسة سانت فاميي للكنديين الفرنسيين في كالغاري وجنوبي البرتا

34
على هامش انتخابات العراق الممتحن، والتطلع الى الانتخابات المقبلة
إذا لم تسقط المحاصصة الجهوية والطائفية والعنصرية...

بقلم الاب نويل فرمان

عود على بدء...

كنت بصدد مراجعة أخيرة قبل النشر للمقال بعنوان: على هامش انتخابات العراق الممتحن، إن سقطت المحاصصة الجهوية والطائفية والعنصرية، فمرحبا بالبيان رقم واحد.
لكني للاسف وجدت ما يدفع الى تغيير العنوان، كما في اعلاه، وذلك بعد مطالعتي لمقابلة مع السيد سيامند النواب السفير في هولندا، تحت مانشيت:
الاحزاب الحاكمة ستبقى في الحكومة، ولا تغيير دراماتيكي
فقد أشار الاستاذ سيامند الى أن التدخل الخارجي يستخدم النزاع الطائفي والمذهبي من أجل تثبيت أتباعهم في الحكم، وكأن الجانب الكردي ليس حليفا لاحزاب طائفية ومذهبية.
وفي وقت سابق كان قد أجابني د. عبد اللطيف جمال رشيد وزير الموارد المائية، على سؤال بهذه الصدد، في لقاء جاء بالمصادفة وكاد أن يكون لقاءًا عاصفا: وما الضير من وجود حزب على أساس شيعي؟ هناك في الغرب عدة احزاب مسيحية! وعندما وصل الأمر الى احتداد النبرة، عمدت الى تطمين خاطر سيادته بابتسامة ودية، لا يفسدها خلاف في الرأي، ومضى الرجل مهتما بملاحظات مخاطبيه: وهو يدونها على دفتر هواتف صغير وجده في جيبه.
وكان الامل بانفراج الانتخابات، مع ما صرح به الزعيم الكردي الشاب الدكتور برهم صالح بشفافية مذهلة: لا أستسيغ إقحام الدين في السياسة.

للأسف، إن واقع الحال ينذر، من مؤشرات عديدة، بوقوع الفأس في الرِأس ثانية.

أحزاب علمانية ثم ماذا؟
واقعان متباينان بين الاحزاب العلمانية والاحزاب المذهبية الطائفية

ومن تلك المؤشرات التي ساقها السفير العراقي النبيه المخضرم، بحيادية واستقلالية مع الوقوف المستقر على مسافة بعيدة عما يتحدث عنه، قال:
أظن أن الناخبين سيصوتون هذه المرة للأحزاب العلمانية لأنهم جربوا الأحزاب الدينية، ولكن ذلك لن يغير كثيرا من الأمور ولن يحدث تغيرا دراماتيكيا. الأحزاب التي كانت في السلطة ستبقى ولكن بعدد اقل من الأصوات لسببين، الأول إن الأحزاب العلمانية ليس لها قدرة كبيرة في إحداث تغير كبير، لأنها تفتقد المال ولا تعمد إلى شراء الأصوات. السبب الثاني هو إن الأحزاب الدينية لديها كل شيء تقريبا ويمكنها التأثير على الناس مذهبيا ولن تتورع من شراء أصوات الناخبين سواء في الداخل أو الخارج، لا تنسى أيضا إن للعاطفة دورا سلبيا في الانتخابات وهو دور مؤثر للغاية.

هل ننتظر ما سيحدث لإيران مما قد ينقذ العراق من شرنقتها
أم نصبر النفس حتى الدورة القادمة مراهنين على المضي في  هبوط الاحزاب المذهبية الطائفية؟

سؤال يطرح نفسه، إذ بات أكثر فأكثر وضوحا، ان علينا ان ننتظر دورة قادمة، بعد كل الذي تبشرنا به قنواتنا، مبينة ان ما تريده قوى النفوذ يحصل برغم كل ما يراد. وهنا لم يعد الأمر يخص  الأسى على واقع مسيحيي العراق، بعد ان تبعثرت طائفيا خصوصيتهم القومية، وبعد ان لحقوا الربع في المنافسات ذات الصلة. فمن المؤسف ان حجم الحضور المسيحي العراقي في الانتخابات بات، شئنا أم أبينا، لا يعول عليه، في نتائج الانتخابات على مصير العراق، لسببين:

- الحجم الحالي لمن تبقى من مسيحيي العراق، برغم فرصة انضمام المنتخبين اليهم من الخارج.
- الاجندة التعصبية للانتخابات الطائفية على مستوى الخصوصية القومية لمسيحيي العراق، وعلى اساس الحملات الانتخابية التي مفادها: لا تنتخبوا القائمة الفلانية بل انتخبونا، وعلى اساس التوصية بالسورث: لا متقعسخ من انتخابات، بسبب انتخابات إيلاي حالة ضرورية وإيلاي واجب وطني، فإذن، لا كاهوي، تقاعس عن الانتخاب، بسبب كل مرشح اته  برنامج خاص بالترشيح.

وكان الأمل كل الأمل يعول على الـ 28 مليون عراقي ونيف بما يعزز هذا الجانب من لدن الحضور العراقي الكردي غير الانفصالي، بحيث تظهر نتائج تقلب موازين القوى، لكن تبنؤات السفير العراقي في هولندا، باتت تضعف لدينا فرص هذا الأمل.
ومعها تضعف فرص الاستناد على معطيات مثل:

في باب المقارنة مع الحالة الجزائرية: كانت الجزائر بالحكمة والنباهة الكافيتين بحيث اختاروا ألا يسمحوا بأن يتم التلاعب بمصيرهم، فلم يسمحوا بزج الاحزاب على خلفية دينية في المشاريع السياسية. لقد توجسوا من ذلك، أصلا، مع أن الفرق بين الجزائر والعراق، هو أن الجزائريين، كان يحميهم واقع ان الاحزاب الاسلامية التي ارادت الاستشراء في الشارع الجزائري، كانت ذا خلفية دينية مذهبية وليست ذات خلفية طائفية، في زمن اصبحت الطائفية الاسلامية في العراق مرادفا لفروقات سياسية بين ابناء القومية الواحدة.

أما العراق، فكان قدره ان يجرف، من عدة جهات، الى ديمقراطية تقر بوجود الدين والطائفة كخلفية للصراع السياسي. فتتصارع الاحزاب السياسية مع الاحزاب الطائفية والدينية، بتشجيع من الدول المجاورة، لمطامع من تلك الدول في الاستحواذ ولامالها في اضعاف العراقيين. بحيث غدا العراقيون قربانا لهذه الديمقراطية التي ليس لها معيار طائفي في الغرب، برغم التبجح بوجود احزاب دينية مجهرية لا تقدم ولا تؤخر.

وهكذا ابتلي عراق ما بعد نيسان 2003 بأن تكون الديمقراطية على المحك في العراق، على اساسين:
ان الاحزاب الطائفية، كان لها الدور في مقارعة النظام السابق، والحال ان الاحزاب الطائفية كانت مهمازا لتوسع جيوسياسي في المنطقة بقيادة ايران لاغراض ستراتيجية.
ترحيب الدول المبتلاة بتهديدات النظام الفردي التوسعي السابق، بمثل هذه الديمقراطية المريضة، أملا بتقسيم العراق واضعافه، أو دماره عن بكرة أبيه.

فكان بالتالي قدر العراق، أن يقدم التضحيات، كل التضحيات المقدمة حتى الان، لمجرد تحقيق جملة اهداف منها:
- خدمة التواجد الامريكي في ظل انفلات امني متواصل، وتبرير استمراره حتى تأمين مصالحه الاستراتيجية.
- كسب الوقت لصالح قوى الجوار حتى يتهيأ ان يزداد لها تقادم زمني متراكم تجاه الانحدار المطرد للحالة العراقية.
- الرهان على ان يكون انحدار العراق، باتجاه أضعافه اقليميا، اذا تم تقسيمه قوميا، في الاقل، بحيث تكون جروحه حالة تخدم ترتيب شؤون البيت الكردي، لحين توفر الاجواء لتغيير الخارطة السياسية في المنطقة. مع الرهان على قصور الرؤية وقلة التنشئة بشأن عراق فيدرالي معاصر، وإلقاء الطعم وراء الآخر لتنشيط اللهاث وراء الاثراء الوصولي.

وكان الأمل، كل الأمل، في عدم  تحقق النوايا الرئيسة في إسقاط العراق منقسما اقليميا، بحيث تؤدي الانتخابات الى تباشير خير تستند الى :
انقاذ الجانب الاكبر من عراق المركز، المبتلى بالطائفية تلك الطائفية المغذاة بوهم الافادة منها لصالح الحالة الانقسامية في الشمالِ. ونقول الوهم، إذ ما الفائدة من الاستفحال على حساب ضعف الجانب المتبقي من العراق، اذ مشروع التقسيم والانفصالية من شأنه أن يؤدي الى ظهور دويلات عراقية ذليلة فقيرة وفق الانموذج الافريقي.

كان الامل كل الامل:
وصول العراقيين الى قناعة، بعد كل هذا التأخير، وبرغم الكثير من التضحيات، الى ما توجست منه الحالة الجزائرية، بعدم القبول باستشراء نفوذ ما سمي بجبهة الانقاذ الاسلامي، ووصولهم الى قناعة ان لا جدوى من بعد من وجود احزاب طائفية أو مذهبية.
وصول جهة تعتمد الاصالة العراقية يأمنها العراقييون لكي تعالج الطائفية والجهوية والمذهبية بما يناسبها من علاج مشروع وعصري.
الخروج بالعراق من عنق الزجاجة، بمعالجة ثغرات قاتلة في الدستور المرجعي المذهبي الطائفي، اوضحت الايام مهاول النكبات التي سببتها تلك الثغرات للعراق.
بناء جيش قوي يحمي الدستور ويصون سيادة القانون.

لو كان تحقق كل هذا فإنه سيظهر:
- إن العراقيين استطاعوا إزاء حسابات دول الجوار وبرغم التأخير،  ان يقلبوا السحر على الساحر، ويخيبوا آمال المراهنين على أن يختفي من الساحة عراق متطور حضاري ديمقراطي فيدرالي.
- يعود العراقيون الى الامساك بزمام أمورهم ومواكبة الركب الحضاري العالمي في تنافس شريف على المشاريع السياسية البحتة بمعزل عن الشوفينية القومية والتعصبية المذهبية الطائفية.
- يعود الطامحون في الخصوصية القومية الكردية، الى الارتباط الحضاري بعراق فيدرالي ديمقراطي قوي متقدم على طريق الفيدرالية في كندا وسويسرا وبلجيكا ويكون الخيار في الاستقلال مسألة يقرها الاستفتاء العام والموازنة بين المحاسن والمخاطر.
- يعود المسيحيون العراقيون الى عطائهم وعبقريتهم وتميزهم في الحالة الوطنية ويكون تنفاسهم على الاصالة في خصوصيتهم المسيحية الوطنية، تمهيدا الى ان يحال أمرهم الى العلماء والمؤرخين والاكاديميين والتكنوقراط، بعيدا عن السياسيين والاكليروسانيين، فيؤكدوا لهم الاسم القومي الواحد الذي يعود إليهم. وحتى يحين ذلك لن يكون أهلنا في الموصل، من بعد، مثل البدو الرحل، يتركون بيوتهم في كل موسم انتخابي، ثم يعودون بعد ان يطمئنهم الطرفان المتصارعان بالعودة الآمنة.
- وفي ظل حكومة غير طائفية وغير جهوية، سيطمئن المسيحيون إلى انهم لن يدفعوا الايجار عن ارض اجدادهم لاحد الطرفين، لما بات يسمى بالمناطق المتنازع عليها.

كان الأمل كل الأمل مع حكومة غير طائفية وحكم علماني قوي، ان يضمن العراق عدة عوامل:
لن يكون هناك سبب لاستيراد ارهابيين ممن يزيدون على جرح العراق جراحا،
لن تكون هناك حرب اهلية ما بين العشيرة الواحدة بسبب اختلافات الطائفية بين ابنائها.

كان الأمل كل الأمل أن يكون العراقيون قد أسهموا بكل صوت قدموه، في تحرير البيان رقم واحد.

ما لن تحققه الانتخابات هل سيحققه بيان ذهبي؟
أجل فإذا حدث وأن الانتخابات لن تتمخض عن حكومة علمانية قوية، وجيش حام للدستور، هل سنكون عندئذ بانتظار البيان العسكري الذهبي المنشود؟ للاسف لا تلتصق صفة الذهبي، بالبيان العسكري لفضيلة فيه، بل نستوحي هذه الصفة من القائد العسكري السوداني عبد الرحمن سوار الذهب، الذي وحده، على ما يحضرنا من اسماء، وحده الذي استطاع ان يمسك بزمام الامور عسكريا، ثم عمد في الموعد المعلن الى تسليم البلاد الى المعالجة الديمقراطية. برغم كل الذي حدث فيما بعد،

وإذ كان لا بد من انتظار ذلك البيان رقم واحد، كحل لا ثاني له، نتعشم من استفادة العراق من خبرة الديمقراطية السودانية والعملية القيصرية الجزائرية، وذلك بتوليف ديمقراطية لا تمتد اليها مخالف الاحزاب الطائفية أو المذهبية.



35
سيادة الحبر الجليل المطران مار بطرس الهربولي الجزيل الاحترام
إنها لفرصة طيبة أن اضم صوتي الى سائر الاحبة المهنئين، وأن ارسل لسيادتكم هذه الكلمات المخلصة بمناسبة الذكرى السنوية الثامنة لرسامتكم الاسقفية الميمونة في 1 شباط والتي احمل عنها اطيب الذكريات.
الشكر للرب على النعم التي منحت للكثيرين من ابناء الابرشية من خلال رعايتكم الاسقفية خلال هذه السنوات المثمرة، ونتمنى ان يمدكم تعالى بالصحة والعافيةوالنعمة في المزيد من الازدهار للابرشية العزيزة كهنة وشمامسة ومؤمنين، بشفاعة الام العذراء.
مع مشاعر المحبة والوفاء الدائم
ابنكم في الكهنوت واخوكم في التلمذة وعلى درب الرب
الاب نويل فرمان السناطي
nfhermiz@yahoo.com

36
الرد الموقع باسم sherenP

شكرا للتنويه الرقيق الوارد في الرد حول المقال اعلاه
واد ان ابين اني كنت بدأت المقال بالاشارة الى وفد ساسكاتون برئاسة صديقي الاب الفاضل صباح كمورا الذي كنت اول واكثر من فرح بقدومه وسعى الى ذلك بحماس، كما اشرت في المقال الى انضمامي الى الوفد كواحد من اعضائه، وعلى ان أخي الاب صباح رئيس الوفد هو خوري الخورنة،

وان يرادي للرابط المذكور به الخبر، يتضمن تبنى كل ما جاء في الخبر، وعلى اعتبار المقال تواصل مع الخبر ، مع الاشارة الى انسجام القال مع توصية الاب صباح.

 وما ترحيبي بكنيستنا الجديدة في ساسكاتون والاشارة الى جهود الابرشية والخورنة جزء منها، الا اشادة بجهود راعي الخورنة الحالي الذي اعتبر انه متضمن ذلك، من خلال الصورة الجميلة المشتركة بيننا ومن خلال كونه راعي الخورنة منذ شباط الماضي، ومن خلال الاشارة الى أخي الاب صباح مترئسا الوفد القادم من خورنة ساسكاتون، وانضمامي الى معيته، بصفته كاهن اقدم  مني  وطبيعي ايضا ان يكون ذلك بصفته خوري الخورنة،

أما خلو ذكر اسمه في الاشارة الاخيرة، فهو غير  مقصود، والرب يشهد، بأي غرض ما، ما دام مذكورا في البدء،

 ومع ذلك لو كنت اعرف ان ذلك سيفهم بهذه الصورة التي قدم فيها الرد، لما ترددت من ذكره للتأكيد،

فلا شيء يعكر ابتسامتنا المشتركة في الصورة ولا شيء يفرق بيني وبين رفيق المعهد والطفولة الاب صباح ولا شيء يفرق بيني وبين عائلته ابنة العم الشماسة نوال كموره مرسلة المقال

ولا يسعنى الا ان اؤكد بفخر  ان ما يحقق من ثمار طيبة على يده ما هو الا فرحة لنا جميعا،

وأخيرا فاني  اتقبل برحابة صدر الاعتذار الوارد في ذيل الرد،

واقدر الاسلوب السمح والراقي في تأشير الخلل غير المقصود ان وجد

كما ارجو تقبل اعتذاري لكل ما فهم من السهو المذكور
مع محبتي الدائمة لكم ولهذه الخورنة العزيزة على قلوبنا جميعا

الاب نويل

37
الاخوة والاخوات الاحبة الشمامسة والشماسات
يعقوب، عيسى، ناصر، الشماس باسم، حكمت، باريسية، تريزة

أتقدم اليكم جميعا بمشاعر التعزية القلبية لمناسبة رحيل الوالدة المؤمنة زوجة الشماس الراحل الخال اسحق وام بيت تربى أبناؤه وبناته على الفضيلة والمحبة
مبتهلا الى الرب ان يتغمدها برحمته الواسعة مع رجائنا العميق في من هو القيامة والحق والحياة ان يكون مكانها ملكوت السماوات وان تشفع فينا مع الابرار والصديقين.

محبكم
الاب نويل فرمان السناطي والعائلة

38
لمناسبة مرور عام على رحيل الشماس جرجيس فتحوحي الدهين
نبتهل الى الرب ان يتعمده بعظيم رحمته ويلهم اسرته المزيد من الصبر والسلوان والاستمرار على نهج الحياة الايمانية في كنيسة المسيح، كما كان الشماس الفقيد انموذجا مشرقا لهذا النهج.
الاب نويل فرمان السناطي
راعي خورنة مريم العذراء للكلدان في كالغاري كندا

39
هذه تحية طيبة وتهنئة عطرة
لهذه الجمعية المهمة في الكنيسة الجامعة، والتي لها حضورها المميز في الخورنات العريقة عبر العالم، لما تقدمه من خدمة والتفاتات محبة الى من سماهم الرب إخوته وأخواته الصغار.
مع اطيب التمنيات للصديق ظافر رئيس الجمعية الذي استطاع بشفافيته وحياده وغيرته الانجيلية ان يشق طريقا لا بد ل يكن سهلا في ظروف العراق والكنيسة.

وكل عام وانتم بخير

محبكم
الاب نويل فرمان السناطي

40
الف مبروك عماذ حفيد صديقي العزيز متي حنا يلدو
مع ادعيتي القلبية لكم جميعا بكل خير ونعمة وبركة

الاب نويل فرمان السناطي

41
شكرا للاستاذين فهد اسحق كوركيس، هاملتون، وأبي سعود، السويد،
على تعليقكما، مما يدعوني ويحملني نحو المزيد في المجال الادبي، الذي لم اطرقه من سنين.
مع الاعتزاز والمحبة

أ. نويل فرمان

42

قرأت لك: بين طموحات الايمان ونوازع الجسد

بقلم الاب نويل فرمان


الأديب الفرنسي بول كلوديل في دراسة معاصرة

لا شك ان المقال الواحد (بلغة واحدة) قلما يمكن أن يقرأه جميع من يتصفح جريدة او مجلة، ولكني وجدت في محور (قرأت لك) مجالا للتواصل الثقافي الدوري والتجدد والاضافة، لعموم قرائنا ولمتصفحينا الاراميين الكرام. وسيكون التركيز على ما يتوفر من كتب باللغة الفرنسية، لقراء الارامية او العربية او الانكليزية دون الفرنسية، أو لمن لا يجدون الوقت للقراءة بالفرنسية، ويرتاحون الى زبدة كتاب يتناولونه بنكهة قهوة الصباح، ويقدم ما يراه كاتب السطور من فكرة أساسية او تقويم جوهري للكتاب، وقد يدفعهم المقال عندئذ الى قراءته من الغلاف الى الغلاف. في زمن بتنا فيه نرى المتحذلقين من قراء الفرنسية ينسبون الى انفسهم والى شهاداتهم ما يقرأونه من تلك المصادر، فينسبون الى انفسهم انجازات وتحليلات نفسية ووجادانية واجتماعية بينما شهاداتهم لا تتعدى كونها شهادات في ثقب الاوزون.

ونبدأ اليوم برواية (عشيقة القنصل) للباحثة الفرنسية ماري جوزيف غيرز، وهي كاتبة شابة صاحبة عدة روايات منها: المرأة غير المنجزة (جائزة الرواية الأولى)، أتعاب ضائعة (جائزة قراء مجلة إيل) خطيبة الشمال (جائزة مدينة كاأن). كما كتبت غيرز سيرة متميزة لقصة حياة كلوديل وهي تعد واحدة من كبار المتخصصين في أدب كلوديل.

تتمحور الرواية على الحياة الوجدانية والعاطفية للدبلوماسي الفرنسي، الشاعر والمسرحي بول كلوديل (1868-1955) ما اعتلج دواخله من ارهاصات تنازعت ميوله الرومانسية والشاعرية من جهة، وتطلعاته القيمية المبدئية المتشربة من روحانيته المسيحية الكاثوليكية ، التي عرف من خلالها كواحد من أبرز العلمانيين الكاثوليك. الى جانب كونه عرف برسائلة الأدبية مع صديقه الودود شارل بيغي، الذي يحلو لي أن أسميه شاعر فضيلة الرجاء على عنوان قصيدته الجميلة عن الرجاء. وقد اشتهرت في مراسلتهما، عبارة بليغة تصف الجهد المبذول في الكتابات المركزة القصيرة، فكتب كلوديل الى بيغي، في ذيل إحدى رسائله: اعذرني، يا صديقي، إذ كتبت لك رسالة "طويلة"، إذ لم يكن لدي الوقت الكافي لأكتب لك رسالة "قصيرة".

تحكي احداث الرواية (334 صفحة من القياس المتوسط) مرحلة عمل فيها بول كلوديل قنصلا في الصين، في مطلع القرن العشرين. تحكي بأسلوب روائي وبمخيلة غزيرة، ما استقته الروائية من أشعار القنصل كلوديل ومذكراته، وضعتها في حبكة مغامرة عاطفية أدبية وشاعرية، مقترنة بوصف دقيق لما جريات الحياة في الصين قبل قرن ونيف.

على متن باخرة تمخر عباب البحر في ربيع 1904 ، تطل سيدة حسناء، قدر لها أن تكون ملهمة بول كلوديل الذي كان في طريق عودته من اجازة امضاها في فرنسا، للالتحاق بعمله كقنصل في الصين. وكلاهما تتنازعهما تناقضات متباينة: روز، امرأة شابة غاوية، تختنق في ما أحيطت به من عزلة أم وزوجة. أما بول، فقد خرج لتوه من خبرة فاشلة في الانخراط بإحدى المؤسسات الرهبانية، فرأى أن تنطلق حياته في حقبة مهنية كدبلوماسي وكاتب.

ولكن ما ظهر لكلوديل كمجرد إلهام شعري أدبي، سرعان ما أحاله الى إنسان ممزق بين الإيمان والرغبة، فوجد نفسه أمام حب لا تنازعه الموانع الاجتماعية، ولم تقو عليه سوء التفاهمات ولا مشاعر الحساد والغيورين. هذه العلاقة ستقع عليهم كالصاعقة، في أجواء من الاسرار والغموض والشبق بقيت تميز بلاد الصين.

وقد سعى كلوديل، بصدق وأمانة، أن يعترف بكل ذلك في كتابه: مقاسمة الظهيرة. فأخرجت ماري جوزيف غيرز، من صفحاته تلك، كتابا عملاقا مفعما بالاسلوب المموسق والسجع المحبب، وصار مادة في دراسة الأدب الفرنسي.

وفي منعطفات العلاقة، رأت روز أن لا حل ناجع لمعاناتها، إلا الاختيار والموقف الصريح، بالابتعاد عن زوجها وفي الوقت عينه الانفصال عن كلوديل بأي شكل أو آخر... فأوحت في البدء إلى عشيقها الدبلوماسي، إن مغادرتها الصين، قد تضع الحد للأفواه التي مضت تلوك فضائحهما، ثم ودعته وداعا مؤثرا. لكن كلوديل بقي منذ لحظات الوداع، يحسب الايام وينتظر أن ترده اخبار وصول روز ومكان تواجدها... فإذا به يتسلم بعد أسابيع، رسالة عن طريق شخص ثالث، تبلغه ألا يسأل عنها من بعد، ولا عن البنت التي ولدتها.

تعامل كلوديل مع هذا الواقع بكونه خبرة من الماضي. واختار أن يعيش مرحلة جديدة، بتكوين عائلة، فتزوج امرأة رزق منها عدة أولاد... 

مرت سنوات على هذا الحال، وإذا برسالة تصله، لمناسبة التناول الأول للطلفة التي كانت ثمرة علاقته السابقة. بينت روز في الرسالة أنها تركته بقرار مسبق. وأنها كانت قد وجدت نفسها أمام مزاحمة لم يكن في وسعها أن تطيقها، وتتمثل تلك المزاحمة، بين حبه المستحيل لها، وبين ما بقي يفتقده، على حد اعترافاته المتواصلة معها، من مكان لله في حياته وتعلقه بالكنيسة الكاثوليكية. ذلك الايمان الذي تهيأ له ان يستعيده ويحافظ عليه، برغم تلك الصعقة العاطفية والدرك الذي كان قد سقط فيه. 

43
قرأت لك
أ‌.   نويل فرمان

الأديب الفرنسي بول كلوديل في دراسة معاصرة


بين طموحات الايمان ونوازع الجسد

لا شك أن المقال الواحد (بلغة واحدة) قلما يمكن أن يقرأه جميع من يتصفح جريدة او مجلة، ولكن وجدت في محور (قرأت لك) مجالا للتواصل الثقافي الدوري والتجدد والاضافة، لقرائنا لمتصفحينا الاراميين الكرام. وسيكون التركيز على ما يتوفر من كتب باللغة الفرنسية، لقراء الارامية او العربية او الانكليزية دون الفرنسية، أو لمن لا يجدون الوقت للقراءة بالفرنسية، ويرتاحون الى زبدة كتاب يتناولونه بنكهة قهوة الصباح، ويقدم ما يراه كاتب السطور من فكرة أساسية او تقويم جوهري للكتاب، قد يدفعهم المقال عندئذ الى قراءته من الغلاف الى الغلاف.

وأبدأ برواية (عشيقة القنصل) للفرنسية ماري جوزيف غيرز، وهي كاتبة شابة صاحبة عدة روايات منها: المرأة غير المنجزة (جائزة الرواية الأولى)، أتعاب ضائعة (جائزة قراء مجلة إيل) خطيبة الشمال (جائزة مدينة كاأن). كما كتبت غيرز سيرة متميزة لقصة حياة كلوديل وهي تعد واحدة من كبار المتخصصين في أدب كلوديل.

تتمحور الرواية على الحياة الوجدانية والعاطفية للدبلوماسي الفرنسي، الشاعر والمسرحي بول كلوديل (1868-1955) ما اعتلج دواخله من ارهاصات تنازعت ميوله الرومانسية والشاعرية من جهة، وتطلعاته القيمية المبدئية المتشربة من روحانيته المسيحية الكاثوليكية ، التي عرف من خلالها كواحد من أبرز العلمانيين الكاثوليك. الى جانب كونه عرف برسائلة الأدبية مع صديقه الودود شارل بيغي، الذي يحلو لي أن أسميه شاعر فضيلة الرجاء على عنوان قصيدته الجميلة عن الرجاء. وقد اشتهرت في مراسلتهما، عبارة بليغة تصف الجهد المبذول في الكتابات المركزة القصيرة، فكتب كلوديل الى بيغي، في ذيل إحدى رسائله: اعذرني، يا صديقي، إذ كتبت لك رسالة "طويلة"، إذ لم يكن لدي الوقت الكافي لأكتب لك رسالة "قصيرة".

تحكي احداث الرواية (334 صفحة من القياس المتوسط) مرحلة عمل فيها بول كلوديل قنصلا في الصين، في مطلع القرن العشرين. تحكي بأسلوب روائي وبمخيلة غزيرة، ما استقته الروائية من أشعار القنصل كلوديل ومذكراته، وضعتها في حبكة مغامرة عاطفية أدبية وشاعرية، مقترنة بوصف دقيق لما جريات الحياة في الصين قبل قرن ونيف.

على متن باخرة تمخر عباب البحر في ربيع 1904 ، تطل سيدة حسناء، قدر لها أن تكون ملهمة بول كلوديل الذي كان في طريق عودته من اجازة امضاها في فرنسا، للالتحاق بعمله كقنصل في الصين. وكلاهما تتنازعهما تناقضات متباينة: روز، امرأة شابة غاوية، تختنق في ما أحيطت به من عزلة أم وزوجة. أما بول، فقد خرج لتوه من خبرة فاشلة في الانخراط بإحدى المؤسسات الرهبانية، فرأى أن تنطلق حياته في حقبة مهنية كدبلوماسي وكاتب.

ولكن ما ظهر لكلوديل كمجرد إلهام شعري أدبي، سرعان ما أحاله الى إنسان ممزق بين الإيمان والرغبة، فوجد نفسه أمام حب لا تنازعه الموانع الاجتماعية، ولم تقو عليه سوء التفاهمات ولا مشاعر الحساد والغيورين. هذه العلاقة ستقع عليهم كالصاعقة، في أجواء من الاسرار والغموض والشبق بقيت تميز بلاد الصين.

وقد سعى كلوديل، بصدق وأمانة، أن يعترف بكل ذلك في كتابه: مقاسمة الظهيرة. فأخرجت ماري جوزيف غيرز، من صفحاته تلك، كتابا عملاقا مفعما بالاسلوب المموسق والسجع المحبب، وصار مادة في دراسة الأدب الفرنسي.

وفي منعطفات العلاقة، رأت روز أن لا حل ناجع لمعاناتها، إلا الاختيار والموقف الصريح، بالابتعاد عن زوجها وفي الوقت عينه الانفصال عن كلوديل بأي شكل أو آخر... فأوحت في البدء إلى عشيقها الدبلوماسي، إن مغادرتها الصين، قد تضع الحد للأفواه التي مضت تلوك فضائحهما، ثم ودعته وداعا مؤثرا. لكن كلوديل بقي منذ لحظات الوداع، يحسب الايام وينتظر أن ترده اخبار وصول روز ومكان تواجدها... فإذا به يتسلم بعد أسابيع، رسالة عن طريق شخص ثالث، تبلغه ألا يسأل عنها من بعد، ولا عن البنت التي ولدتها.

تعامل كلوديل مع هذا الواقع بكونه خبرة من الماضي. واختار أن يعيش مرحلة جديدة، بتكوين عائلة، فتزوج امرأة رزق منها عدة أولاد...  

مرت سنوات على هذا الحال، وإذا برسالة تصله، لمناسبة التناول الأول للطلفة التي كانت ثمرة علاقته السابقة. بينت روز في الرسالة أنها تركته بقرار مسبق. وأنها كانت قد وجدت نفسها أمام مزاحمة لم يكن في وسعها أن تطيقها، وتتمثل تلك المزاحمة، بين حبه المستحيل لها، وبين ما بقي يفتقده، على حد اعترافاته المتواصلة معها، من مكان لله في حياته وتعلقه بالكنيسة الكاثوليكية. ذلك الايمان الذي تهيأ له ان يستعيده ويحافظ عليه، برغم تلك الصعقة العاطفية والدرك الذي كان قد سقط فيه.  

44
لقاء كهنة اربعة كنائس شرق اوسطية لاول مرة في كالغاري

كالغاري: الاب نويل فرمان السناطي

التقى في أجواء المحبة والتعارف، كهنة اربعة خورنات من الكنائس الرسولية، الكاثوليكية والارثوذكسية في الشرق الاوسط. وهم الاب اسبير انطون راعي كنيسة سيدة السلام المارونية الكاثوليكية، الاب ابراهيم نحول راعي كنيسة البشارة الانطاكية الارثوذكسية، الاب أغاتون شايب راعي كنيسة مار مينا للاقباط الارثوذكس، والاب نويل فرمان راعي خورنة مريم العذراء الكلدانية الكاثوليكية وراعي الكنيسة الفرنسية الكاثوليكية.

تداول الاباء في سبل التواصل والتعاون على المستوى المسيحي الثقافي والروحي، مما يجعل منهم كتلة شرق اوسطية ذات ارضية وطموحات وآفاق مشتركة، باعتبارهم رعاة لكنائس، سماها الاب ابراهيم بالكنائس القانونية، في اشارة الى جانبها الهيراركي ورجوعها الى جذور ضاربة في عمق تاريخ المسيحية وبداياتها الرسولية.

كما التفتوا الى ضرورة اللقاءات المشتركة في كنائس بعضهم البعض مع رعاياهم للتواصل الفكري والتفاعل الوجداني الاجتماعي المشترك حول مفاهيم قيمية مستقاة من التراث الديني الاصيل في مجتمع متعدد مختلف عن تقاليدهم العريقة، وحضور المناسبات الخاصة بهذه الكنائس، بحسب ظروف وامكانات كل منها.

وروعيت في اطار التحاور، التزامات كل راعي من هذه الخورنات بالثوابت العقائدية التي يرتبط بها ضمن هيراركيته. كما تحدثوا عن أهمية الالتقاء على كل ما هو مشترك بين هذه الكنائس القانونية الرسولية، وبما يوعي رعاياهم الى استقاء التعاليم من منابعها الاصلية، وعدم التأثر بمختلف التيارات الطارئة، وضرورة ان يكون التواصل الثقافي والديني مع الجماعات الكنسية ذات الجسور المسكونية المتفاعلة في اطار مسيرة الوحدة المسكونية بين الكنائس. وتميز ذلك عن الصرعات الطارئة غير المنضبطة تحت مسميات مسيحية معروفة، وتكون غطاء مموها لبدع متباينة، بعيدة عن أصول الكنائس الرسولية وغيرها المعترف بها في بلدان الشرق الاوسط.

واتفق الاباء على مبدأ اللقاء الدوري المهيأ مسبقا، في الأجواء الأخوية الودية، عائليا وراعويا. وان يشجعوا رعاياهم على كل ما
يجمعهم اجتماعيا ثقافيا وترفيهيا. الى جانب الحضور المتبادل بقدر الامكان في الفاعليات الراعوية والثقافية لكل رعية.

وندرج ادناه اسماء الاباء بحسب كنائسهم:



الاب اسبر انطون

 راعي كنيسة سيدة السلام المارونية الكاثوليكية
Our Lady of Peace
Maronite Catholic Parish of Calgary
504, 30th Avenue NW Calgary, AB T2M 2N6
www.mcparishcalgary.org
info@mcparichcalgary.org

الاب ابراهيم نحول

راعي كنيسة البشارة الانطاكية الارثوذكسية
Antiochian Orthodox Church Of The Annunciation
3107 40 Street SW, Calgary, AB T3E 3J9
Telephone : 403-217-1131


الاب اغاتون شايب
راعي كنيسة القديس مينا للاقباط الارثوذكس
St Mina Coptic Orthodox Church
4208 17 Ave. S.W. Calgary, AB, T3E0C7
Tel: (403) 242-5518 , Fax: (403) 242-1190 , Email: info@stmina.ab.ca
www.stmina.ab.ca

الاب نويل فرمان

راعي خورنة مريم العذراء للكلدان الكاثوليك
St. Mary Chaldean Catholic Parish
c/o 5504- 20 Street S.W. Calgary, AB T3E 1R2
Email: cst.mary@yahoo.com

وراعي كنيسة سانت فاميي (العائلة المقدسة) للكنديين الفرنسيين الكاثوليك
Ste-Famille Paroisse Catholique Francophone de Calgary
  1717 5th Street S.W. Calgary AB, T2S 2A8
http://members.shaw.ca/ste-famille/






45
بحث عن نسبية المفهوم القومي في الكنائس الابرشية الكاثوليكية، الكنيسة الكلدانية أنموذجا


الاب نويل فرمان السناطي
nfhermiz@yahoo.com


تقديم

يجدر ابتداءًا توضيح العنوان الذي قد يبدو مبهمًا، وهو:  ان الكنائس الابرشية الكاثوليكية، وذات الخصوصية الجغرافية واللغوية وذات هيراركية بطريركية، او سينودس اسقفي محدد وثقافيا ولغويا، هذه الكنائس، تبين أنه من الطبيعي ضمن خطها الكاثوليكي، ان تتوجه نحو عدّ المفهوم القومي، حالة نسبية تصنف في الدرجة الثانية أو حتى الثانوية من أولياتها.
يتم في هذه الصفحات تسليط الضوء على موضوع المفهوم القومي لشعبنا السورايا، لكون جانب منه ينتمي الى الكنيسة الكلدانية، التي أعلنت موقفا قوميا محددا لعموم أبنائها. ولما سبق لي وأن كتبت في موقع عنكاوا وصحف اخرى، في عناوين تتسم بالخصوصية الاثنية للشعب السورايا من أبناء كنائسنا المشرقية الكاثوليك وغير الكاثوليك، وما يشترك لديهم من خصوصية قومية، فقد اخترت اليوم ان اكتب في هذا الشأن، كشخص كتب عنه من قبل، ليرسم اليوم ما يتهيأ له من ملامح في الأفق، على نطاق الشعب السورايا، كمؤمن مسيحي كاثوليكي وككاهن كلداني، ويجدر من هذا المنطلق أن يحدد اليوم موقفه في هذه الايام، حيث يتهيأ للبعض انه استجد جديد في الشأن القومي للشعب السورايا.
وما دام الحديث عن شعب يتفق الكثيرون على أنه يعرف لدى الغالبية بمفردة متداولة من السورث، اللهجة الدارجة للارامية، هذه المفردة هي الشعب السورايا، لا بد، إذن من تسليط الضوء ايضا عليها، فمن هو الشعب السورايا؟
انه الشعب الذي يتكلم السورث بمختلف لهجاتها، ويؤمن بالمسيح، ضمن كنائس وطقوس وانحدارات ثقافية تراثية متميزة. فهناك سورايي (جمع سورايا) في العراق وإيران وتركيا ولبنان وسوريا ومصر تجمعهم هذه العناصر. وكما ينبغي الاهتمام بالمشترك، إلا أن التميز له ايضا ما يبرره، وليست اللغة وحدها هي التي تجمع عرقيا شعوبا واثنيات تتكلمها. وسنعطي مثلا مقاربا في أوربا:
من الاوربيين نميز المسيحيين الكاثوليك او غيرهم، ممن يتكلمون الفرنسية ولكنهم سويسريون وفرنسيون وبلجيكيون. وقد يجتمعون على شرائح متباينة غير مرتبطة ببعضها، في مؤتمر مسيحي، وآخر كاثوليكي، او في لقاء سياسي أو اجتماعي أوربي، او في لمة ثقافية لغوية. لكن الكنيسة في كل من هذه البلدان تتبنى الثقافة والخصوصية واللغة والتاريخ المشترك لأبنائها، ومع أنها بهذا التبني لا تفرض عليهم كانتونات مستقلة ضمن ثقافة وجغرافية المكان الذي تنطلق منه تلك الكنيسة، إلا أنها تترك لهم شأن التحرك الاجتماعي الثقافي اللغوي السياسي وما يرونه من تحالف ستراتيجي، بدون ان تكون بينهم وبين الكنيسة، في هذه المجالات أي جار أو مجرور.

إجماع متفرد كلدانيا ومفهوم مسكونيا

اعلن السينودس الاسقفي الكلداني،  الخصوصية الكلدانية القومية لابناء الكنيسة الكلدانية، داعيا الى اعتمادها في الدولة كما في الدين. ولما كان الاعلان على مستوى مجمع اسقفي، أي غير فئوي أو انفرادي، فلا يمكن والحال هذا أن يندرج الامر في اطار الاجتهادات الشخصية. فأن يكون الامر بشبه اجماع مصف الاساقفة، وفيهم غير واحد يشار اليه بالبنان ويحسب له الحساب تاريخيا وشخصيا وكهنوتيا، فهذا ما يجعلني كإنسان مؤمن بانتمائي المسيحي الى الكنيسة الكاثوليكية المبشرة ببشرى الانجيل الى بقاع الارض، أن افتش بإيمان عن تفسير ذلك والتعامل معه بواقعية عقلانية وبطاعة واعية، وكشخص مؤمن بخط الكنيسة المبشرة الجامعة.
مع استرجاع للاحداث، لعله يتبين للكثيرين، ان الرسالة الموجهة الى حاكم الاحتلال بول برايمر، عدت في حينها فئوية بل شبه شخصية، بشأن حقوق الكلدان، في حقبة ما بعد 2003، لكننا اليوم يمكننا ان نتبين انها لم تكن رسالة ارتجالية ناتجة عن ضغط مرحلي و"احتقان سياسي"، حسب العبارة الرائجة في هذه الايام. فقد جاء الاعلان المجمعي لآباء الكنيسة الكلدانية، في هذه الايام ايضا منسجما مع تلك الرسالة المدوية التي كنت حينذاك ممن تلقوا خبرها بتبلعم وصمت.
 إن الاعلان عن القومية الكلدانية لأبناء الكنيسة الكلدانية، إذ حظي في مصاف الاساقفة الكلدان من الجهات الاربعة للعراق والمسكونة، باجماع غير ذي بأس، ان لم يكن شبه مطلق، فإن هذا يمكن أن ينظر إليه ضمن التوجه المسيحي لرسالة الانجيل الخلاصية، المبشرة لكل الامم والشعوب في عنصرة متجددة، يفهم بها كنه الرسالة المسيحية كل واحد بحسب لغته وثقافته.

من هذا المنطلق، يمكن النظر الى التميز القومي الذي أرادته الكنيسة الكلدانية، وباتجاه محورين، القومي والمسكوني، ويلحق بهما المحور العلماني:

المحور القومي

لا يدخل الامر، بنحو تلقائي وحتمي، في محور تهويل يدعو الى التطير من حالة سلبية. فعندما يعلن أساقفة الكنيسة الكلدانية أن قومية ابناء كنيستهم هي الكلدانية، فهذا أمر لا يدعو الى التطير وإلى عدّ الامر موقفا تعصبيا اقصائيا.  ذلك إن المفهوم القومي لدى الكنائس الابرشية الكاثوليكية، لا يتخذ منحا شوفينيا راديكاليا. إنما يحتاج الأمر إلى استقصاء الدواعي والمسببات إلى جانب طبيعة التنظيرات المؤدية إلى هذا الإعلان.

توجهات لا يمكن ان تكون إقصائية أو حصرية

إن توجهات الكنيسة الكلدانية، وبالتحديد فيما يتعلق باعلان الخصوصية القومية لابنائها، لا تلغي توجه غير الكلدان من أبنائها، الذين يتصلون في تراثهم وتاريخهم بالانحدار العربي أو الكردي أو الاشوري وغير ذلك. كما ان اعلان الكلدانية كسمة قومية لمجمل أبناء الكنيسة الكلدانية، لا يلغي مجال التحرك ضمن الحيز السوسيولوجي الجغرافي أو السياسي لجانب آخر من ابنائها ضمن خط القومية الاشورية، كحالة معروفة لدى قسم منهم، مثلا في ايران وجوانب في شمال العراق، او ابرشيات امريكا الكلدانية. كما لا يلغي الامر في الوقت عينه، تمتع قسم آخر من ابناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، بخصوصية ثقافتهم العربية أو الكردية او سواها، حتى وان كان قسم كبير منهم ينادي بالخصوصية الكلدانية.

بحثا عن الاسباب

ما هي إذن الاسباب التي تستشف من هذا الاعلان؟ الجواب لن يكون مختصرا، وهو ضمن استقصاء شخصي بحت، وبدون أن يكون لسان حال، يدخل ضمن تنظيرات مرتبطة بجملة عوامل منها:

- الخصوصية الثقافية والراعوية وحتى الطقسية المتراكمة منذ عودة أبناء الكنيسة الكلدانية، كقسم من أبناء كنيسة المشرق، الى حضن الكنيسة الام الكنيسة الجامعة، سواء في القرن السادس عشر أو بعده.
- الاستناد الى طروحات عدد من الباحثين في الخصوصية القومية لابناء الكنيسة الكلدانية الكاثوليكة أو المنادين بها، وهؤلاء يمكن تصنيفهم كالآتي:

+ الذين تأرجحوا في أبحاثم وطروحاتهم واعلاناتهم، لمراحلة متباينة، بين الخصوصية الاشورية، ثم الكلدو اشورية قبل ان يستقروا باقتناع باد في الخصوصية الكلدانية.
+ الذين كانوا لمدة لا يرون الربط بين الخصوصية الاثنية والرسالة المسيحية ويختارون ما يناسبهم في الوسط والظرف السياسي، فباتوا ينضمون الى موجة السنوات الاخيرة، في اعتناق خط قومي محدد واستقر جانب منهم على الخط الكلداني.
+ الذين توجهوا، منذ السابق، وطبقا لحرية الوسط الذي عاشوا فيه، نحو الخصوصية الكلدانية، بمعزل عن أي فرضيات علمية اثنية ومناهضين لأي مسار وحدوي مسكوني مسيحي إذا كان يندمج مع خصوصية غير كلدانية. ودرجوا منذ عشرات السنين على تثبيت هذا الخط، بمختلف الطرق، في تعصب واضح يقارعون فيه الصاع صاعين او اكثر، تجاه انواع التعصب المماثل، ولا يهمهم أن يستندوا حصرا على حالات ازدياد النفوذ المالي والاجتماعي والكتلوي سواء في الجماعة الكلدانية او الاكليروس.

الكنيسة الكلدانية على غرار عدد من الكنائس الابرشية الكاثوليكية الاخرى


من المعروف أن المفهوم القومي لدى الكنائس الابرشية الكاثوليكية، يأتي أصلا في المرتبة الثانية من الاولوية بعد الحياة الراعوية الروحية الانجيلية للرسالة المسيحية الشاملة. وثمة امثلة عديدة سيأتي التطرق بشأنها في هذا المضمار. فمع الملاحظة الدقيقة، نجد بنحو طبيعي مفهوم كاثوليكيا، بقاء هذه السمة: وهي التعامل النسبي شبه الثانوي تجاه الخصوصية الاثنية اللغوية التراثية القومية، فهذه السمة ليست ملازمة لخصوصية الكنيسة الكلدانية. بل نجدها طبيعية في ذات الاتجاه، في الكنائس الابرشية الكاثوليكية، على سبيل المثال في الكنيسة المارونية (الكاثوليكية) مع اضطراد استقلال ابنائها عن الخصوصية العروبية لصالح الخصوصية اللبنانية، او الاقباط الكاثوليك او كنائس الارمن الكاثوليك. ولدى الأرمن الكاثوليك يمكننا ان نلاحظ ذلك حتى من الاسماء التي يحملها أبناء كنيسة الارمن الكاثوليك، كالعربية مثل: جمال، رمزي... او الاسماء العائلية العربية المنتهية في مفردة التسميات الارمنية بـحروف (يان) مثل: قصابيان، طباخيان... على حساب الاسماء الارمنية العريقة، وكذلك تبني اللغة المحلية السائدة على اللغة الأرمنية.

التعامل بواقعية مع إشكالية اللغة

بلسان عربي فصيح، وبخاطب جلي مبين جاء البيان المجمعي أننا كلدان. فكان الاعلان بهذه الطريقة والفصاحة، على نهج الانفتاح الثقافي على الحضارات الذي نهجته الكنيسة الجامعة لما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، في التعامل مع الوسط المحيط، بلغة مفهومة، خصوصا وان لغتنا الام الارامية الفصحى، لم يعد لها جمهور واسع متفهم بالكيفية عينها في الاماكن المتباينة. وقد حدث مثل هذا مع تحرر الجزائر، في مطلع الستينات، وكانت اللغة السائدة الفرنسية لغة المستعمر، فجاءت تصريحات بن بيلا الرئيس الجزائري الشاب آنذاك قائلا : (Nous les Arabs) مؤكدا بلغة فولتير على الانتماء العروبي لشعب الجزائر.

وبخصوص الكنيسة الكلدانية، من الملاحظ، وبرغم الجهد الذي بذل في المراكز ذات النفوذ خارج كرسي البطريركية إن صح التعبير، بقيت سمة التعامل الضعيف مع اللغة الارامية، هي السائدة بالنحو المعتبر طبيعيا لدى أي كنيسة ابرشية كاثوليكية. وكم جرت محاولات تعليم اللغة ولكن بدون جدوى تذكر، باستثناء بعض النجاحات في القراءة الصحيحة لبعض الخورنات، مثل خورنة الصعود في بغداد، كمثل لتبنى اللغة الطقسية في وسط ذي لغة آخرى سائدة. ونرى بنحو عام ان المهتمين في الخدمة الليتروجية للقداس، والتراتيل بالسورث قلما يبذلون الجهد لتعلم ذلك باللغة الارامية وحروفها، فيلجأون الى القراءة الكرشونية، بالحروف العربية لكلمات السورث.

يقودنا الحال إذن ملاحظة التعامل المنطقي والواقعي مع اللغة في الكنائس الكاثوليكية وفي الكنيسة الكلدانية ما درج على تسميته باللغة الام التي لم نتفق بعد على اسمها. إنها لغة جميلة حقا ومبعث على الاعتزاز، خصوصا وان ديمومتها محفوظة في الكتاب المقدس والادبيات الليتورجية مما لا يغنى عن موقعها العلمي والتاريخي لدى الجامعات العالمية. أجل، هذه اللغة الجميلة، تكلم بها المسيح في مرحلة سادت خلالها في المنطقة الثقافة الارامية، ولم تكن الارامية لغته الام غير أنه، تبارك اسمه، تبناها لانها كانت اللغة المفهومة لدى الغالبية. لكن، في كنائسنا الابرشية المتحدة بروما، والمنفتحة على ثقافة المحيط للتفاعل معها في نقل بشرى الانجيل، لم يعد ضمن محاذير (التابوه) عدم تعليم ابنائنا لغة لا يتداولونها، أو فرض تعليم شمامستنا لغة طقسية لم يعد الناس يفهمونها. وقد بقيت لمراحل متعددة مقادير طقوسنا واحتفالاتنا الليتورجية رهنا ببعض الشمامسة لا يعرفون سوى قراءة اللغة آرامية لا يحسنون كتابتها ولا يفهمون ما يقرأون، وكل امتيازهم انهم يحسنون التغريد بها، ولكن هذا لم يعد كافيا، اذا اقتضى التعامل مع طقوسنا على ذلك فحسب، بعيدا عن روحية مشاركة الشعب بتفاعل وتفهم.
ومع ذلك، فإن حدث بصحوة ما، ان يقوم لدينا شمامسة يقرأون ويكتبون ويتداولون بآرامية منتشرة في البيوت والتلفاز والراديو، فخيرا سيكون، لكن ذلك لن يكون، على ما أعتقد، مطلبا ايمانيا عقائديا للكنيسة الجامعة ولتوجهنا الكلداني الكاثوليكي.

الكنائس الابرشية الكاثوليكية  غير معنية عقائديا بتطوير ارثها الثقافي واللغوي

يمكننا أن نستخلص ايضا، أننا إذا عولنا فقط على الكنائس الكاثوليكية الابرشية، للحفاظ على ارثنا القومي، فإن ذلك لا يكفي، بل ان محدودية التوجه القومي لدى الكنائس الابرشية الكاثوليكية، من شأنه ان يؤدي الى فقدان الخصوصية الاثنية شئنا أم أبينا، كلما انصهرنا مع المجتمعات الاكبر، يجمعنا معها الخط الكاثوليكي كما يجمعنا معها تبنينا للغتها وثقافتها.
وعليه فإن الارث الثقافي الاثني، إذا أريد المحافظة عليه، فإن المؤسسات القومية والثقافية والفنية العلمانية بما يمكن ان تمتلكه من امكانات وتقنيات وقدرات استقطاب للشعب هي التي من شأنها أن تنمي هذا الارث. وعندما يكون الامر كذلك، فإن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية يمكنها ان تتبنى ثقافة أبنائها، باستقلالية وبطريقتها الخاصة في التعامل معها. وهذا هو الحال مع سائر الكنائس الابرشية الكاثوليكية.

الوضع المتململ للكنائس القومية غير الكاثوليكية


بعد الذي سبق ذكره عن الكنائس الابرشية الكاثوليكية، لنا أن نعرج الآن على الكنائس القومية غير الكاثوليكية. فإن الوسائل والتقنيات المتطورة إياها جعلت المؤسسات العلمانية في موقع المنافسة على ريادتها للثقافة القومية، سياسيا أدبيا وفنيا، وإذا بلغت المؤسسات العلمانية شأوا مناسبا، من الناحية السياسية أو الثقافية، تبقى الكنيسة مرتكنة كما يفترض الى موقعها الروحي الديني، ولا ينتظر منها اكثر من ذلك. واذا تململت الكنيسة في مجال التنافس، فإنه يطلب منها بوضوح الركون الى اختصاصها. وهذا ما حدث في أرمينيا، عقب اعلان الدولة الارمنية.
وهذا يمكننا منذ الان مشاهدته بأم اعيننا على الشاشات التلفازية الاشورية خارج البلاد، التي بدأ يتناقص فيها حجم الظهور الديني، او يلجأ إليه ليخدم غرض التبعية للجانب القومي.

نستخلص من جملة العناصر المذكورة، ما يدفعنا إلى الاعتقاد أنه عندما اجتمعت امام الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الكثير من العوامل ووزنتها امام الرؤى الراعوية، وما تراه من أمور تفرغ أبناءها من التوجه الروحي وتعرضهم الى التشتت باتجاهات يختلط فيها الروحي بالسياسي، بل يطغي عليها السياسي على الروحي، فنرى أن ذلك وغيره، قد يكون استحق اجماع الاساقفة لاعلان الخصوصية الكلدانية، لا سيما ان هذه الخصوصية من المفترض ان تكون في المرحلة الثانية من الاهمية، طبقا للرسالة المعروفة عن الكنائس الكاثوليكية. أي أن تكون التقت لدى أصحاب السيادة، الحالة القومية الكلدانية للمتمسكين بها بعنفوان، مع الحالة الكاثوليكية الشمولية، لمن يولون القومية درجتها الثانية أو الثانوية، فقبلوا ذلك، كما نعتقد، للمزيد من الاعتبارات من المذكورة في هذه الصفحات، التي شجعت خيارهم.

قرار مبدئي حاسم ولكنه لا يلغي المرونة

من ناحية أخرى، قلما يحتمل أن تعلن الكنيسة الكلدانية، في يوم ما خصوصية قومية أخرى، بشكل آخر أو بشكل معاكس تحديدا، عندما تتوفر ظروف ضاغطة أخرى. واذا حدث فسيكون الحكم النهائي بزوال الخط القومي في الكنيسة الكلدانية عن بكرة أبيه. إلا أن هذا الافتراض، لا يمكن الغاؤه من وارد محتمل لاي تبريرات او تنظيرات أو ضغوط معينة، وذلك ايضا بسبب استقلالية الرسالة المسيحية الشاملة عن الخصوصية القومية. على أن اقصى احتمال يمكن ان تواجهه الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فهو ظهور نظام شوفيني دكتاتوري آخر. فعندئذ تعود إلى التزام الصمت، ويختار أبناؤها ما يرونه لصالحهم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، مقتنعين كمسيحيين مؤمنين، ان كنيستهم لن تحرمهم بسبب ذلك، من الاسرار المقدسة، مثل سر العماذ ومسحة المرضى وغيرها من الاسرار الكنسية المقدسة.
مع استخلاص العوامل آنفة الذكر، يمكننا ان نفهم القرار الصادر عن سينودس الكنيسة الكلدانية، وبما يرى فيه مصلحة ابنائها، وعدم انجرافهم نحو تيارات لا تنسجم مع الرسالة المسيحية الشاملة الموحدة، وبما يحميهم، من التشتت كمسيحيين نحو اتجاهات تحمل الطابع المسيحي ولا تقرها الكنيسة، ومن توزع الولاءات لمختلف المصالح الستراتيجية والسياسية، وهذا بحد ذاته من شأنه ان يصون لديهم الدعوة المسيحية المنفتحة الشاملة. خلاصة القول، إن كلدانيتهم لا تلغي ان يكون من بينهم من هو كلداني من انحدار قبطي، او ماروني او آشوري أو أي خصوصية قومية أخرى، وأن يصل الى المرتبة الاسقفية بكل جدارة، ويقول بصوت جهوري على الشاشة الفضية: نحن الكلدان.
من كل ما سبق، من وجهة نظري الشخصية وغير الرسمية، التي كما ذكرت لا تمثل لسان حال احد، لا داعي أن نتباكي على ما حصل وكأن الداعين الى وحدة الشعب السورايا فقدوا جزءا كاملا من هذا الشعب. فالنظرة المسيحية الكاثوليكية لا تلغي الشعور الذاتي الاثني الثقافي لكل واحد من ابنائها، وان يتحرك اجتماعيا ثقافيا لغوية وسياسيا بموجب ذلك، على ان لا يرتبط ذلك بحيث يحمل الغطاء الكنسي لتوجهات قد لا تقرها الكنيسة.
ولكن، ان كان الامر كذلك، لماذا اعلنت الكنيسة الكلدانية موقفا خاصا بالانتماء القومي؟ هذا ما سنسعى الى استخلاص اجابته، ضمن الخط المسكوني للكنائس الكاثوليكي، وهو ما سنراه في المحور الآتي.


2- المحور المسيحي المسكوني

موقف الهيراركيات غير الكاثوليكية من المسار المسكوني

كانت في السابق، قد تمحورت مقالات الكثير من الداعين الى وحدة الشعب السورايا، ومنهم كتابات المتكلم، نحو كوننا مسيحيين، قد نختلف عن بعضنا البعض بالطقوس والمذاهب، لكن هناك الكثير مما يجمعنا كشعب سورايا، يتحدث بالسورث، ويمتلك عناصر تاريخية مشتركة عديدة، مما يعد امتيازًا مهمـًا يسهم في مسيرتنا المسكونية، بكل ما نشترك فيه تراثيا لغويا وثقافيا وسواه.
من جهة أخرى رأى الملاحظون أن جانبا من الاكليروس في السلطة الكنسية المشرقية غير الكاثوليكي، لا يقاسمون الكنائس الكاثوليكية المفهوم عينه بشأن الوحدة المسكونية، وبخاصة إذا رأوا أن الطروحات لا تتطابق مع توجهاتهم (الاومثانية) القومية البحتة. كما أنهم غذوا تصورا مختلفا وخاصا بهم عن تاريخ الكنيسة الجامعة وشركة الكنائس مع بعضها حول القديس بطرس هامة الرسل، وحول كنيسته في روما، وكونه خادم خدام الرب في المحبة، وما يتصل بهذا الموقف بخليفة بطرس، وأولوية البابا، وموقع ابرشيته في روما.
من هنا نفهم موقف جانب من اكليروس الكنائس الشقيقة غير الكاثوليكية، في الاتجاه الوحدوي مع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، وأن وحدة الكلدان معهم مشروطة باعلان الخضوع والولاء لهم، وترك الانتماء الى الكنيسة الجامعة وخليفة بطرس. ونفهم ايضا ما تهيأ للكثيرين أنهم كانوا السباقين الى الاسهام مع منظريهم القوميين في اجهاض الخطوات الوحدوية لرموز في الرئاسات الكنسية البطريركية بعد منتصف التسعينيات. ففي أعقاب تلك المرحلة اليتيمة المنصرمة، التي اتسمت لحين، بحمية السعي الوحدوي واحساس ان الشركة الكنسية والاوخارستية دانية القطاف، وكادت تحسب في عرف الكثيرين، أن تكون قاب قوسين بل أدنى في تلك اللمة المسيحية الروحية الوحدوية المشتركة الجماهيرية العظمى التي جمعت لمناسبة اليوبيل الألفين للمسيحية رئيسا الكنيستين الكلدانية والآشورية.
في تلك الحقبة، كان قد أخذ علي وعلى غيري، أحد أولئك رجال الدين، عندما نهجت نهج راحلنا الكبير الاب يوسف حبي، في التفعيل المسكوني لعبارتـَي كنيسة المشرق الاشورية وكنيسة المشرق الكلدانية (الكاثوليكية)، إذ أفهمني بصريح العبارة أننا (في الكنيسة الكلدانية) لا نمتلك الحق في أن نحمل تسمية كنيسة المشرق، اي أن كنيسة المشرق هي آثورية وكفى. وليست كنيستان، آشورية (آثورية رسولية) وكلدانية كاثوليكية، وأننا بصفتنا من الكلدان، انسلخنا (قوميا أيضا) عن ارتباطنا التاريخي بكنيسة المشرق وبأبنائها. وفي هذا خلط تاريخي، لمن لا يربط ماضي (الكلدان) مع ماضي (الاشوريين) ضمن كنيسة المشرق الواحدة، سواء حمل الاسم الكلدانية أو الآشورية.
فماذا لو شاء الرب، ولئن كره الكارهون من المتعصبين من اي جانب، ان يخرج بطريركان ملهمان مسكونيان، يتفقا على الوحدة المسكونية، فتؤول رئاسة الكنيسة الموحدة على الثاني بعد وفاة الاول؟ الجواب، لن أنساه، قاله لي، أحد المعارف الاشوريين، في جلسة بمنطقة كراج الامانة، ولم يكن أمامه سوى قدح إذ قال: إذ حدث واتفقوا على الوحدة المسكونية بين الكنيستين الشقيقتين (ولئن كره الكارهون - المحرر) فدعهم يسموننا باسم هذا القدح، أي اسم.

بين القومية والانفتاح الى بشرى الانجيل

ولئلا يفهم القارئ الكريم، ان كتابة الصفحات التالية هي ابنة يومها في هذا الاتجاه الذي سعيت الى التعمق فيه، ما بين الانتماء المسيحي والخصوصية القومية، أنتقل بشكل عابر، الى استذكار سؤال بقي ديدني في المنحى عينه، كنت وجهته إلى مسؤول في كنيسة من الكنائس الارثوذكسية القوميةِ ، فقلت له: ماذا لو كانت جماعة منكم في افريقيا، وانجذب أحد ما الى رسالة الانجيل وطلب منكم الاعتماذ والانتماء المسيحي. فالتزم الصمت في الاجابة. وعندما وجهت السؤال عينه، إلى أحد أتباعه من طلاب كلية بابل وتضم مختلف الانتماءات الطقسية والمذهبية المسيحية، أجاب: نحن نعمذهم ونتبناهم في كنيستنا وعندما يصيرون جماعة غير ذات بأس نوجههم بأن يؤسسوا لهم كنيستهم الخاصة. وضرب لي بذلك مثل اهتداء جورجيا، على يد الارمن.

تأثير الخلط بين الاثني والديني على السلامة العقائدية والمسيرة المسكونية

إستنادا إلى ما سبق عرضه، لاحظ الكثيرون، أن الكلدان باتوا يجدون أنفسهم في محيط من الكنائس الشقيقة ممن، على مستوى الرئاسات "الروحية"، انعزل بنحو مضطرد عن الروح الوحدوية المسكونية، بانصياع باد لتوجهات قبلية عشائرية مختارية، وبصمت محير تجاه منابر تخاطب الامة وتحرف الايمان المسيحي، وتنادي بأن يطغي صوت الداعية القومي على صوت الراعي الكنسي. وزادوا بأن خلعوا على الله  اسم آشور كواحد من اسمائه تعالى في مختلف اللغات: الله، غاد، ديو، ياهفي الخ... وان في الثقافة الاشورية تلك، تعد الاسماء الالهية عشتار وشمش وسواهما، صفات من صفات الله.
وتشير مؤشرات الظرف الراهن إلى إحجام لدى الكنائس الشقيقة، عن سبل الوحدة المسكونية فتسلك المسار الروحي الانجيلي، وقد ينظر إلى كونه بالضد من اي نداء من الروح القدس. على أن المسار يبقى مفتوحـًا للحوار الروحي المعمق، ما دمنا نعيش في العالم. لكنه للأسف فان أطرافا من الكنائس الشقيقة، باتت كما يفهم، ترتهن بتنظيرات قوميين يفضلون أي شيء على الوحدة مع الكنيسة الجامعة، وبما يعرض الرسالة المسيحية، إلى ان تكون حاضنة لبدع تدعي حمل التسمية المسيحية وحسب، وتروج باسم المسيحية الاشوري من منابر اعلامية لمفاهيم بعيدة عن رسالة الإنجيل. وهذه بعض الامثلة الكاشفة:
- كبح التوجهات الوحدوية، فقد ظهرت رهبانية ناشئة منفتحة على الخط المسكوني، سرعان ما كتمت انفاسها، بإصرار من داخل العراق وخارجه.
- كتم اصوات تعالت، في السنوات الاخيرة، من التي مع رغبتها الاحتفاظ بالاصالة والخصوصية الاشورية تمحورت نحو الايمان بالكنيسة الجامعة، وغير ذلك من التوجهات الوحدوية التي كبتت، وسال بسبب ذلك وسواه نهر من الحبر الالكتروني وغيره.
- ظهرت انشطة ثقافية ذات توجه وحدوي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ترجمة السورث للكتاب المقدس المصور وتسجيله على قرص ليزري بأصوات متنوعة اللهجات سعت جميعها نحو نسيج مشترك في اللفظ المقبول لدى الجميع. وما ان وصلت النسخة الى اسماع احدى الرئاسات الكنسية، حتى عزفوا عنها مصرحين انها ليست لهجة انحدار تلك الرئاسة الكنسية.  

ضبابية الخلط بين الانتماء الايماني والهوية القومية


ويأتي تكريس التسمية الكلدانية القومية الخاصة بهذا الجانب من كنيسة المشرق الذي عاد قبل قرون إلى الشركة مع الكنيسة الجامعة، بما يوحي بتحرير ابناء هذه الكنيسة الكاثوليكية من ضبابية الخلط بين الانتماء الايماني والهوية القومية، وبينهما فوضوية الخطاب السياسي لتوجهات حزبية مختلفة ذات بؤر نفوذ وتأثيرات متفاوتة. وهو تكريس من شأنه، كما يفترض، أن يفرغ السبيل الى التمحور نحو الرسالة المسيحية الشاملة، ويترك العمل السياسي وفقا لاختيار الفرد وما يقتنع به من انحدار اثني، بدون تداخل للجانب الكنسي أو الديني في هذا الشأن.
كما يأتي إعلان الكلدانية من الناحية القومية لأبناء الكنيسة الكلدانية، كحالة يعتقد انها من حالات انهاء الجدل، بين الاتجاه الكلداني والاتجاه الاشوري، وما اكتنف ذلك من تحرك سياسي طالما اشتبه فيه التأثير على الجانب الروحي واستغلاله بشكل منحرف، خصوصا لدى وضع الكلدان في عصارة الخلط الكلداني السرياني الاشوري ، وبما يجر الكنائس الطقسية التي تحمل هذه المسميات القومية، الى مسارات لا ترضاها جميعا بالطريقة اياها، وهو بالتأكيد يأتي في الكنائس الابرشية الطقسية الكاثوليكة على حساب التوجه الروحي الانجيلي.  فجاء خيار الكلدانية لجانب من ابناء الارومة الواحدة مقابل الخط الآشوري للجانب الآخر منهم، الذين يستخلص من محصلة خطابهم، اكان الاسم اشوريا او سورايا، يصرّون عل أنهم الاصل وأن جانبهم هو الوحيد الاوحد الذي يجمع الجميع.
كما ينظر الى الاعلان، كقرار جاء لوضع حد للتلاعب بمشاعر السورايي، تحت ذريعة الوحدة، وجرهم وجر كنائسهم معهم، وفي الاقل جر الكنيسة الكلدانية، الى املاءات سياسية واقليمية، بعيدًا عن أي مسار روحي معمق في الوحدة المسيحية المسكونية الشاملة.

ولعل الرغبة في تثبيت اسم الكلدان، الذي قد يعده غير واحد من بين التسميات المثيرة للجدل ولم تحظى بالالتفاف الشامل، جاءت لوضع حد لهذه المراوحة التي استغرقت الكثير من الوقت واستهلكت العديد من الطاقات، علاوة أنه كان يعرقلها نفور من الوحدة الكنسية من اطراف عدة. وأنه قد تم التعبير عن هذا النفور بأنواع عديدة وأشباه شتى، من انماط التضارب الجغرافي والسياسي من جهة، أو التباين بشأن الوحدة المسكونية، برغم كونها في نهاية المطاف يتطلع اليها كل مسيحي اصيل، من الجهة الاخرى. وبذلك يمكن ان ينظر الى هذا الاعلان، كتنقية للمسار الروحي المسيحي المسكوني لكنيسة نحو اخرى، بغض النظر عن تسميتها القومية، وحريتها في الاحتفاظ بها.

فمن الناحية الكنسية المسيحية، فقد لوحظ ان أي كنيسة، كلما انعزلت عن الخط المسكوني للكنيسة الجامعة، تراها بحسب الشواهد التاريخية، تعيش مراحل ضعف متراكم، ما يجعلها ترتمي في أحضان العشائرية والمناصب الوراثية، فتفرغ من الروح وتمسي تابعة للشوفينية القومية. فكلما كانت كنيسة قومية بحتة، كلما اتجهت لأن تكون كنيسة بالاسم، كنيسة تقليد طقوسي وتراثي فحسب.

انسجام مع الرسالة الشاملة للكنيسة الجامعة

من ناحية آخرى، إذا لاحظنا ما تحتضنه الكنيسة الكلدانية من اثنيات متعددة، عربية، كردية، فارسية، نجد أن التعددية الاثنية ليست بغريبة في حضن الكنائس الابرشية الكاثوليكية، ما دام الابناء مقتنعين برسالة الكنيسة الشاملة، فلا بد على مر العصور ان الكنيسة المبشرة تحتضن ابناء من مختلف الانحدارات الاثنية ممن يستجيبون الى نداء المسيح. وهذا كان الحال، مع الاقوام التي اعتنقت المسيحية وكانت اللغة الطقسية الآرامية هي اللغة السائدة آنذاك ، سواء في الشام او الهند او الصين، وعليه فإن الافراد والعوائل الذين عمذناهم في المهجر والشتات، أو صلينا على اكليلهم الزوجي بعد العماذ، من دليميين وجنابيين ومن الخالص ومن كربلاء، بحسب الطقس الكلداني، سيبقون محتفظين بانحدارهم الخاص ومتمسكين بكنيستهم الكلدانية. فكيف الامر بي ان كانت سلالتي آشورية، وابناء عمومتي اشوريين، واعتنق اجدادي الكثلكثة ضمن الكنيسة الكلدانية، قبل اقل من قرنين، فليس لي الا ان اقبل بالتسمية الاثنية المزدوجة بصفة كلداني من اصل آشوري، على غرار الجنسية المشتركة لاقوام منحدرين من اثنيات لا تحصى. لا سيما ان ذلك، جاء بإجماع اسقفي، وما دامت كنيستي سائرة تحت خيمة خليفة مار بطرس، وما دمت أقتنع ان مسيحيتي نابعة من الرسالة الانجيلية الشاملة لكل الشعوب والامم، وأن لكل قادم ان يتبنى اللغة الطقسية للكنيسة التي اختار الانتماء اليها.

استقلالية القرار عن المصالح الاستراتجية السياسية والاقليمية

إنها مجرد مقترحات شخصية، بدون ان تكون لسان حال. هل يعيد التاريخ نفسه بشأن المواقف بين أشقاء باتجاهات قومية وسياسية متباينة. بعد ان اتضح المسار وانجلت الصورة، لا غرو ان يكون احترام الخيارات الحرة للاخرين، كما نطالب به لخيارنا، المتنفس الوحيد للتعامل بين الاشقاء على تباين اختياراتهم المذهبية واتجاهاتهم القومية والسياسية، وبما يكفله القانون المعاصر وحقوق الانسان وواجباته.
وتبقى الخيارات مفتوحة أمام المتطلعين إلى عيش إيمانهم واكتشاف رسالة الانجيل وندائه في قلوبهم. ذلك أنه لم يعد الاطلاع العلمي على المذاهب والروحانيات والتاريخ مقتصرا على أحد أو فئة. فكل شيء مطروح على الشبكة العنكبوتية، والقنوات الفضائية والمطبوعات السخية. وهناك تساؤل يستحق المواجهة وهو:
إلى أي مدى أقبل باعتناق الخط الروحي الذي ولدت وترعرعت عليه وحاز على اقتناعي الصميم؟ وهل أقبل أن أغلـّب عليه، خيارًا ضيق الافق متحددا بخصوصية اثنية قومية؟ لعل الجواب الذي يحظى بالغالبية أن الرسالة المسيحية الانجيلية ترجح الخيار الاول. وإذا كانت تشجع استثمار الارث الثقافي والتقليدي واللغوي والاثني، لكن على ألا يتحول هذا الاستثمار لنا ديانة أخرى أو مذهبا منفصلا.
ولعل ما حدا بآبائنا في مجمعهم المقدس الى الارتكاز على التسمية الكلدانية، علاوة على المسببات المذكورة، كان له ما يبرره من اعتبارات انجيلية مذهبية وسلوكية. وقد يكون عنصر الاختيار المسيحي الاصيل، اذا اراد التاريخ ان يعيد نفسه، أن يكون ذاته مهمازا لاختيار الاستجابة لرسالة الانجيل حيثما يجد المؤمن في نفسه التفاعل مع عمقها وواقعيتها وتأوينها، أكان في حضن كنيسة تسمى الكلدانية، وذات ثقافة قريبة من مشاربه الشرقية او الاشورية او سواها، أو كان ذلك في حضن اي كنيسة كاثوليكية أخرى. أما أن يتم اللجوء إلى تحريم شخص مع من يلتفون حوله، لمجرد كونه انتمى الى الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، فتلك ليست مشكلة المتحول الى الكنيسة الكاثوليكية، فهو يتأثر بإجراء الكنيسة التي اختار الخروج منها، لأنه أصلا تركها لصالح الكنيسة الجامعة، ولأن نداء الاستجابة لرسالة الانجيل لا يغلب عنده على الخصوصية الاثنية، مهما كانت تسمية هذه الكنيسة مختلفة عن خصوصيته الاثنية.
واذا كنت استفيض في هذه الطروحات، فذلك لتثبيت موقف الولاء من كنيستي الكلدانية الكاثوليكية، خشية عد تعاطفي السابق مع التسمية الاشورية ومع انحداري الاشوري، فكنيستي الجامعة، وبضمنها كنيستي الكلدانية فوق التسميات وأم وراعية للخصوصية الاثنية، لا تكتمها ولا تكبتها، ولكن في الوقت عينه لا تستعبد لها.

تباشير التقارب بين الكنيستين الاشوريتين الشقيقتين

إنها أخبار سارة، سمعناها عن التقارب بين الكنيستين الشقيقتين: كنيسة المشرق الاشورية، الكنيسة الشرقية القديمة، مما سيقوي جانب الاكليروس، تجاه الجانب العلماني النزعوي بتطرف الى القومية، كما ان هذا التقارب، من شأنه أن يذلل العقبات، وضمن سيناريوهين لا يحتملان ثالثا:

الاول: عندما تندمج الكنيستان عقائديا، وكلاهما يحمل الاسم القومي الواحد، وعندما يترسخ الخط العلماني غير الاكليروساني لدى الداعية القومي الاشوري باستقلالية صحية عن الكنيسة، وعندما تستقل الكنيسة بدورها، بعيدا عن ان تكون خادمة مطيعة للخط القومي على حساب الرسالة المسيحية، وعندما يستيقظ لدى ربابنتها نداء الوحدة المسكونية، ربما ستتجه الى الوحدة ككنيسة آشورية كاثوليكية، ذات شركة مع خليفة بطرس خادم خدام الرب في المحبة.

السيناريو الثاني، قد تتجه الى الوحدة مع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، بشركة عقائدية، وتنهل مما يجمع ابناءها من تاريخ وتراث ولغة وثقافة، ، لتتخذ عندئذ الكنيستان، الاشورية والكلدانية، الاسم الذي يمليه واقع الحال المتفق عليه، خارجا عن ضغط القوميين المتعصبين من أي جانب، وسيكون عندئذ شأن أبنائها، الرقص للتسمية المشتركة بمناديل السعد والحبور.
لكن متى يـُتوقع أن يتم هذا؟ قد يقتضي الوقت الكثير، وقد لا يحصل إلا في الفردودس، حيث الوحدة المسكونية، لا تحدها حدود ثقافية لغوية، آشورية كانت أو كلدانية أو سواها. ولنمضي الان في البحث عن مستجدات الاعلان.

على أن الكنيسة الكلدانية، برغم التزامها أساسا خط الكنيسة الجامعة المبشرة المنفتحة على الثقافات العالمية وأن الخصوصية القومية والتسمية تأتي في المرحلة الثانية، قد تواجه التساؤل التالي: ما هو الموقف مع كنائس غير آشورية، من الشعب السورايا كاثوليكية كانت أو أرثوذكسية.
الحديث عن علاقتنا بالسريان، وروابطنا بهم من الانحدارات الاثنية الثقافية اللغوية المشتركة ، فهذا حديث متشعب وتمثل أمامه جملة من المؤشرات:
من بين الاخوة السريان من المذهبين الكاثوليكي والارثوذكسي، هناك من يرى أنه عربي عروبي للعظم، وأن السريانية هي لغة طقسية لكنيسته. وفيهم من هو من القرى والأرياف من الذي تكلموا السورث أبا عن جد، وإذا صح انحدار العرب من جلدة عربية، وبلغة طقسية سريانية، فإن أولئك السريان الذين لغتهم هي السورث، هم ايضا يستطيعون الانحدار مع ما يجمعهم من شعب لغته السورث، الشعب السورايا.
ولكن ما الحيلة والكنائس الطقسية والمذهبية تخلت عن الخصوصيات الاثنية لصالح الخصوصية المذهبية: فماذا يا ترى يقول السريان الارثوذكس والكاثوليك في لبنان وسوريا؟ وما طرح مؤخرا عن المطالب بكيان قومي مستقل ينسجم مع هذا التطلعات والاحتياجات، والتعامل مع واقع الحال.
أما عن المشترك في الاقل بين السريان والكلدان الكاثوليك، فهو كبير بينهم في العراق، لغة واحدة مذهب كاثوليكي واحد، ارض واحدة تاريخ مشترك. لكن المصالح الادارية للكنائس بقيت تحول دون التوأمة الفاعلة بين الجانبين. وكانت التجربة الخلاقة الرائدة في قيام معهد مار يوحنا الحبيب، وما انجب من ابناء متآلفين طقسيا اجتماعيا اخوية ومذهبيا، كهنة أو قدامى التلاميذ، فحدث ما حدث بشأن غلق هذا المعهد. وفي المنوال البشري الاداري الستراتيجي ذاته، كان قد طولب كاهن من السريان الكاثوليك في الاردن، حيث كان آنذاك خالية من كاهن كلداني، طولب بحزم أن يعزف عن خدمة الجماعة الكلدانية هناك، وفي المنوال عينه استقلال السريان بمعهد اكليريكي، مستقل عما درج على تسميته بـ (صلما دكلدان).

إلا انه في نهاية الامر، يصح لدى السريان الكاثوليك أو الارثوذكس، في نهج الوحدة المسكونية، ما تم تناوله بشأن احتمال توجه الاشوريين نحو الوحدة مع خليفة بطرس، في توجه السريان الكاثوليك والارثوذكس نحو الوحدة المسكونية مع خليفة بطرس كسريان كاثوليك، أو الاتجاه الوحدة مع الكنائس الشقيقة الكلدانية الاشورية عند اتحادها حول الاسم المتفق عليه، ثلاثيا، بدل أن يكون الاتفاق ثنائيا.
وفوق كل هذا يبقى المبدأ أن امنية المسيح في الوحدة، هي أمنية نابعة من الآعماق. وتبقى دعوة كل مسيحي، للوحدة الروحية مع الذات ومع الاخر، لا يقف في سبيلها عائق قومي أو اثني أو سياسي، وهي مسيرة روحية لا ترتبط جدليا بتوحيد الاعياد ولا الاتفاق على التسميات، ولا التظاهرات الوحدوية القومية.

المحور العلماني: دور التحرك العلماني ومسؤوليته

قبل التطرق إلى هذا الدور، لا بد من خلاصة لتقديم المفهوم الذي نراه عن موقف الكنيسة الكاثوليكية من التحرك العلماني.
في الوضع الحالي، يطلق العنان لمرجعيات طائفية مذهبية ودينية، تتحكم في اقدار البلاد، ما انزل الله بها من سلطان، تحتكم بافتضاح  إلى املاءات طائفية لدول الجوار، وصارت الديمقراطية كابوسا لعينا بقدر ما يبدو عليه كمطية للمصالح التوسعية الطائفي والمذهبية، على عكس الديمقراطيات المتحضرة في العالم المعاصر، وحتى لدى الدول التي تحتل قواتها عراق الرافدين. لا يمكن والحال هذا، في هذه المرحلة تحديدا، التمشدق بطلب عدم تدخل الرئاسات الكنسية في السياسة. إنما هناك فرق بين ابداء الرأي حول قضية سياسية تخص عموم ابناء الرعية لهذه الكنيسة او تلك، وبين ان تكون الهيراركية من الاكليروس في الانتظام وراء جبهة سياسية أو العمل باسم حزب سياسي معين. وقد يصل الامر، بالقدر المطلوب من الحكمة، الى اتخاذ موقف مبدئي غير مداهن في الاقل، من حالة الاحتلال وحالات العمالة والنفاق السياسي، الا ان الحكمة والصبر مطلوبان من باب أولى في ظروف اختلط فيها الخيط الاسود بالابيض.
في نهاية سلسلة من المقالات عن الشأن القومي في إحدى الصحف لشعبنا السورايا، في بحر عام 2004 كنت قد ختمتها بعنوان يحتوي مضمونه انه حان للخط العلماني ان يضطلع بدوره في الشأن القومي. وآراني اليوم اختتم هذه الصفحات في الاتجاه عينه. وأدرح جملة نقاط تؤشر حاجتنا الى طبيعة التحركات العلمانية:

-   خط علماني يتحرك قوميا باسم الشعب السوريا، تحت نطاق مشروع سياسي تنموي لا يرتبط بمحور طائفي.
-   تحالف كيانات سياسية قومية متحررة، عن النفس الطائفي يخدم مصالح ومستقبل الشعب السورايا.
-   انشطة ثقافية تجمع شرائح شعبنا بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية وانحداراتهم الطائفية.
-   حركات فنية تتناول الموضوعات الوجدانية والجمالية بطريقة محببة وتستقطب الكافءات من كل حدب وصوب مستقلة عن غطاء سياسي أو طائفي.

مثل هذه الانشطة وغيرها، لا تحتاج الى وصاية كنسية في جانبها الحزبي والى الى اشراف طائفي او حزب في جانبها الثقافي والفني.
الحاجة الى قيام شخصية قيادية فذة ذات كاريسما يحظى بالتفاف والشعب، ويقف مواقف حاسمة نضالية، لصالح الشعب السورايا، ويكون متحررا من التبعية لوصاية دينية دون غيرها، مع الحفاظ على قيم الدين وكرامة الاكليروس، ولا يكون محدودا بالاملاءات الاقليمية الستراتيحية، لصالح التعبئة للوحدة القومية لشعبنا السورايا.
   وللاسف، كلما بانت في الافق ملامح مشجعة لمثل هذا الكاريسما، حتى يتم اجهاضها، بنحو مباشر او غير مباشر. ولكن هذا الشعب المعطاء لا يمكن ان يبخل رحمه بمثل هذا الحلم الجميل.
   هكذا سنجد انفسنا أمام مسارين متحاذيين غير متقاطعين: مسار الوحدة المسكونية للكنائس غير متأثرة بإملاءات سيساسية أو قومية، وهذا المسار هو مسار الحياة المسيحية على الارض وقد لا يكتمل الا في السماء.
   مسار للشعب السورايا يتوحد تحت خيمة ثقافية فنية، وبمشاريع سياسية وطنية وحدوية على المستوى القومي، ومتآلفة مع النسيج الوطني على مستوى البلد الذي تعيش فيه شرائح هذا الشعب، مع الوعي بأن العلمانية لدى الشعب السورايا هي قيم متشربة من الديانة التي نشأ عليها أبناؤها، وأنها في الوقت عينه (العلمانية) تحرك انساني فني ثقافي قومي وطني وحدوي، لا يتحمل وصاية طائفية، ولكنه يحترم توجه أي من أبنائه، روحيا كنسيا طائفيا.
وإذ كنا نتعامل مع مفردة القدر، بمعناها المجازي، الخاص بالمصير والمستقبل والخيار الافضل، فإن ما يريده الشعب من حياة لا بد ان يستجيب له القدر، وعندما يتوجه الشعب السورايا نحو قدر الوحدة، بمنحاها المنفتح الايجابي الفني والثقافي والقومي الوطني، فلنا ثقة بأن أصحاب القداسة والغبطة والنيافة لن يكونوا إلا في موقع المباركة لهذه الوحدة.

الاب نويل فرمان السناطي
26 مايس 2009

46
الصوت النبوي والسياسة، تصريح المطران لويس ساكو انموذجا

الاب نويل فرمان السناطي

مقدمة اعترافات شخصية

ما زلت لا ارضى عني وعن كتاباتي، وما زلت اجد نفسي، على أقل تقدير من   كتاب الكوادر الوسطى. وبقي يغلب عندي طابع الصحافي والمحلل على الكاتب والمفكر. أجدني أكثر في موقع التحقيق والقراءة والتقديم والتحليل، من موقع الادلاء والحكم والتصريح. من خلال ذلك، يكون اختيار الموضوع والكتابة بحد ذاته موقفا، خصوصا الزاوية التي استقر فيها على حساب غيرها، بدون ان يكون تأثير يذكر للانتقائية والتي في النهاية لا بد منها بشكل أو بآخر. وأراني ايضا محكوما بالمكان والزمان، والتأوين قبل السبق بالنظر، فقد يكون ما يراه غيري في المدى البعيد،  متفوقا على ما أراه من باب التأوين. وغالبا ما رأيت نفسي، في موقع الموظف في ديوان صاحبة الجلالة السلطة الخامسة (الصحافة)، أكثر من أن أكون رئيس تشريفات إن بات ثمة ما يسمى سلطة خامسة، وبالخصوص الكترونيا، في زمن باتت سواحل المواقع الالكترونية تلفظ على صفحاتها الرئيسية صورا وكتابات، لم تعد فيها تميز بين اصداف وقواقع ولآلئ وغيرها.

وحتى وان شاءت الصدف ان اكون في موقع متواضع من المسؤولية، اجد نفسي مع من بمعيتي بموقع العامل معهم اكثر من الراعي، بكل ما يبدونه من تواضع وتقييم. لعل محدودية موقعي الكتابي والصحافي في كل هذا، هو أني بقيت شماسا، وشماسا انجيليا، حتى ساعة متأخرة من نهار الكرامين، مما جعلي انطبع بما تطبعت عليه. فيما احاسب النفس، ان الاب الراحل يوسف حبي، بقي منذ مطلع شبابه الكهنوتي، متميزا بالجرأة، وكان يعرف ما كان يخسره في مواقفه، بينما، جئت الى الكرم، في مرحلة وظرف لم يعد ثمة ما ينذر بخسارته. وقد حرم ملفاننا، الاب يوسف حبي، قبل وبعد رحيله، الكثير من الامتيازات التي كان يستحقها بحيث ان صورته بقيت تطل علينا، على إحدى شاشاتنا الفضية، ضمن اعلام شعبنا وكنيستنا، دون أن تتحفنا بسيرة حياته، حتى اختفت الصورة. وهكذا وما زلت اراني أمشي على نهج قراءة فكر الاخرين، وتقديمه بين تقييم وتقويم، كي يتفهمني القارئ الكريم وأنا اليوم بصدد الحديث عن عنوان المقال.

عندما يصرح من هو محنك ويعايش الميدان

مع تفكيري المعمق في موضوع الحكم الذاتي، وتقارب رأيي في هذا الموضوع، مع رأي سيادة مار لويس ساكو، إلى أني كنت أتحاشى التطرق إليه ، ليس لسبب بشأن الاقتناع بهذا الرأي، بل لأني بقيت لا اسمح لنفسي، أن أتحدث وأنا في الخارج، بما يحق لشخص مثل المطران ساكو، وسواه، لكونهم في الداخل، فبقيت اتجنب الحديث عما قد يراه غيري في الميدان اكثر مما اراه وانا في البعد البعيد.. ومع بقاء احترامي لوجهات النظر والمواقف المغايرة احفتظت بالصمت ازاء المختلفين مع هذا الرأي والمتصرفي برأي وشكل مغاير، لسبب أني أراهم يتقدموني في فخر الانتماء الى تربة بين النهرين  بشرف معايشة واقع البلد معايشة ميدانية وجدانية، وليس افتراضية أو عن بعد. كل هذا وبعد هذا التصريح الواضح من أخي وصديقي المطران لويس ساكو، جعلني اتفاعل من باب أولى مع طروحات سيادته، مع الاحترام لرأي وطريقة تصرف الاخرين.

عرفت في الاب (ثم المطران) لويس ساكو، بعد النظر والصراحة، فبقي يجمع مع من تقدم الود بينه وبين اصدقائه وزملائه، بين المودة والمصارحة المباشرة، فعاتبني يوما، في تقييمي لمنعطف كنسي حدث بحضوره، وكان قد وضع التقييم في موقع الاشادة والاطناب، وكنت أحسب في حينها ان مطرانا جديدا في حينها، ومع الوقت المتراكم، فهمت مدى بعد نظره بشأن ذلك المنعطف الكنسي، مقابل تأويني الذي توخيت منه الايجابية.
من ناحية أخرى ومنذ السابق، استطاع (الاب لويس) كاهنا، ان يشق طريقه على مستوى الكنيسة الجامعة، بقوة ومناقبية، وبدون تنازل أو مجاملة وبدون دبلوماسية، فما كان خاسرا لترقية أسقفية استحقها بجهوده وبتقييم المنصفين، في الكنيسة الام وفي الكنيسة الجامعة ان صح هذا التعبيران. وإذا زعم أحد بأن ما قد يصرح به بين الفينة والاخرى قد يلتقى او يبتعد عن هذه الكتلة او غيرها، فليس ثمة كتلة يمكنها ان تدعي بأن المطران ساكو جاملها على حساب مبادئه ومواقفه.
ومن حسن الحظ بأن هذا الحبر الشاب والناضج، ليس مطرانا لأبرشية زنوبيا أو بيث قطراي، ولا مطرانا في مدينة نائية عن تمركز الكثافة السكانية للمسيحيين العراقيين، كاثوليك وبروتستانت، أرمن وسورايي.
بل سيادته، رئيس أساقفة مدينة ساخنة على الساحة الوطنية والاقليمية، وأخرى قدمت مطرانا شهيدا مع ثلة من الكهنة والمؤمنين الشهداء وأفواجا من المهجرين، لأسباب لم تعد خافية على أحد.

ومع الاذعان بأن ثمة ثقل أعلامي لجهة مسيحية دون غيرها، فإن هذا الموقف ليس من المواقف المبدئية التي يقفها المطران لويس ساكو وحده، فهي نظرية، تقف ضد أقلمة المدن العراقية، دعا إليها، كتاب عريقون في المجلة العراقية المسيحية (الفكر المسيحي) التي كان لي شرف أن أعمل فيها، وأتتلمذ لمدرستها، لعقد من الزمن، والمستمرة على ما اعرفه من نهجها، تحت الادارة الدومنيكية. ومن الكتاب اخص بهم على سبيل المثال لا الحصر الاستاذ الكبير الدكتور فائز عزيز اسعد. ولا أتردد من التفكير، أن لهذه المجلة قراءها وأن لها شعبا من المتعاطفين معها والمتبنين لفكرها، وما الحيلة إذا كان لمثل هذا الجمهور المخفي، يفتقد الى خيارات المنابر الاعلامية المسموعة والمرئية ذات النفوذ والدور المتكافئ في التعبير وفي التعبئة الانتخابية. 

الفرق بين مغبة أن يعمل في السياسة رجل الدين في السلطة الكنسية،
وبين حق رجل الدين في السلطة الكنسية أن يتحدث في السياسة ويتعامل معها

وأعرج الى مؤشرات كثر اللغط بشأنها منها: الخلط بين الخط العلماني الذي يفصل الديانة عن العمل السياسي، وبين عد العلمانية مرادفا للالحاد. كما يبدو لي أنه يحصل التباس لدى البعض في علاقة رجل الدين بالسياسة، في مجالي الحديث عن السياسة وامتهانها. إني مع كل من يدعون رجال الدين من سلطاتنا الكنسية، بعدم التدخل في السياسة، مع تمييز راشد للامر في هذا الموضوع، فهناك فرق بين أمرين:

الاول: مغبة العمل في السياسة لرجل الدين في السلطة الكنسية، وهذا يتمثل في جملة نقاط منها:

- لرجل الدين، أن يتعامل بمهنية وحيادية وصراحة وبتقييم واحترام، مع الذين هم في موقع خدمة شعبه ومساعدته، فإذا كان منصاعا لخطهم ونهجهم، مع عدم التعامل مع غيرهم، فهذا تدخل فاضح في السياسة.

- التدخل في شؤون السياسة لدى رجل الدين، يكون في أعلى مستويات خطورته، عندما يحمل سلاحا ميليشيا، معاذ الله، او يكون منتميا ومنتظما الى جهة حزبية، وهنا في المسيحية، المسيحية المنفتحة لأفق ما بعد المجمع الفاتيكاني الثاني، تتدخل السلطة الكنسية العليا، في منع المسؤول الكنسي، من ممارسة واضحة للسياسة، كما حدث مع الكاهن التارك، جان برتراند اريستيذس، الرئيس المخلوع في هاييتي، او وزير الخارجية في عهد الرئيس دانيال اورتيغا في نيكاراغوا، س. لوبيز، وسواهم.
- لرجل الدين، في السطلة الكنسية، التي يمارسها، ألا يجعل من كنيسته منبرا، ولوحة اعلانات، لجهة سياسية دون غيرها، فهذا يكون، عندئذ تدخلا السياسة.

الثاني: حق رجل الدين في التحدث عن السياسة والتعامل معها
 - لرجل الدين ان يعطي حكمه ويدلي برأيه، بشؤون حياة مؤمنيه، فهذا ليس تدخلا بالسياسة
- لرجل الدين أن يعطي رأيه ويقف موقفه، اذا كانت كنائسه مغلقة، وشعبه مضطهدا، فهذا عندئذ ليس تدخلا في السياسة.
- ليس عملا في السياسة، أن يقوم رجل دين من السلطة الدينية بالتحدث في السياسة وفي مواقف السياسيين، بكل ما له مساس بظروف وأماكن عيش مؤمنيه أو يؤدي بهم إلى انحراف ايماني او جذبهم الى سلوكيات لا تقرها سواد المبادئ، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الحديث في اسلوب معالجة الايدز، وزواج المثليين وأدلجة العلاقات الجنسية والمثلية والمواقف الالحادية، والوقوف ضد تبنيها لاغراض دعائية انتخاية... حديث رجل الدين المسؤول يرتقي عندئذ الى الصوت النبوي المطلوب في كل مرحلة، ولا يحتمل اللبس مع العمل السياسي.

مما سبق ذكره لا بد من التأكيد أن في التاريخ المسيحي الحديث والقديم، وفي الكتاب المقدس وجوها معروفة سارت ضد التيار وحاججت رجال الحكم والسياسة، وما ترددت من الادلاء برأيها، الذي عده التاريخ صوتا نبويا.

يقول الصوت النبوي قولته، للحقيقة والمبدأ والتاريخ، سواء شاءت أو أبت، نظرية الاواني المستطرقة، ان تتغير الخارطة الجغرافية في هذا المكان او ذاك. فإذا أريد، بحكم القوى العظمى، للخارطة الجغرافية، في هذه البقعة او تلك ان تتغير، فلن يزيد الزخم الاعلامي ولن ينقص شيئا في تلك المشاريع، لكن التركيز الاثني في هذه المنطقة او تلك، لا يمكن ان يجر المسيحية وراء تبعيته، وهذا توجه الصوت النبوي.

العمل السياسي.. الهوية الوطنية.. الرسالة الروحية

لا بد ان نتحدث في الموضوع بعد أن ننزه، مسيحيا، التوجه الى المشاريع السياسية على أساس من طائفة أو مذهب مسيحي. فالمسيحي يمكن ان يكون من بين الاكراد والعرب، بين الشبك والتركمان، وحيثما كان على التربة العراقية. بعدئذ يمكننا التطرق الى العمل السياسي على اساس الكيانات الاجتماعية ذات الطابع المسيحي، وتحمل خصوصية اثنية وجغرافية محددة، فنطرح جملة من النقاط قد تلهم المزيد من التفكير المعمق:

- نقرأ في واقع الحال، قيام كيانات سياسية من العراقيين المسيحيين حتى من غالبية نسبية تحمل الخصوصية الاثنية والتراثية والقومية: المتمثلة بالسورايي، ومن مختلف الكنائس والطوائف، كلدانية آشورية وسريانية. لكنه من الصعب التوفيق بين مشروعها السياسي وبين خصوصية الانتماء الديني المسيحي، على ارض نهرينية تتميز بفسيفساء من الخصوصيات القومية متمركزة هنا وهناك بنسب متفاوتة.

- المشروع السياسي لهذا الكيان أو ذاك، قدر ارتباطه بالخصوصية الاثنية لشعب السورايا، لا بد له من شيء من المنطق، في التعامل مع نسبة نجاح مشروعه من خلال توجهات المنتمين اليه، وفي اطار الانتماء الوطني لتربة بين النهرين، بابل واور ونينوى وسواها من المناطق التاريخية لارتكاز تلك خصوصيتنا الاثنية.

- ليست هذه الكيانات بالكثافة وبالتأثير الكافيين، للتعامل مع الكيانات السياسية القومية ذات الغالبية "الساحقة" ناهيك عن تشجيع القوى العظمى ذات المصالح الستراتيجية في المنطقة، لقيامات مشاريع سياسية على خلفيات مذهبية وطائفية، ذات كثافات سكانية "ماحقة".

- من المعروف ان دستورنا الفيدرالي المركزي والاقليمي، وضع في ظروف الاحتلال. ولكن من المعروف ايضا ان الحكومات التي قامت في ظل الاحتلال، تتعامل مع اجندة انسحاب المحتل "باسلوب علمي ومسؤول"، وليس ثمة في الافق، والحال هذا ان تكون هذه الحكومات غير حكومات وطنية، تتعاقب على العراق، في ظل التغيير الجيو سياسي الحاصل في المنطقة، بحيث غدا هذا الواقع مفروغا منه، وكأن التطبيع مع العراق، على مستوى دول المنطقة، يتم التعامل معه، بما قد يقارن بالتطبيع مع اسرائيل، ولا أذكر المقارنة انتقاصا في التطبيع مع اسرائيل، فكيف يكون الانتقاص بالتطبيع مع الحكومة العراقية. وعليه إن كان ثمة توجه بمتوى خطة مارشال، ان تتغير الخارطة السياسية للمنطقة على مستوى شامل، فلا حاجة أن ننجر لنصبح ورقة ضغط بين الدكاكين الصغرى.

- إلى أي مدى، يمكن لكياناتنا ان تشق طريقها، في اطار ما وضع تحت الاحتلال، بدستور الدولة الفيدرالية ذات ديمقراطية طائفية، لكيما تؤثر بمستوى المطالبة بأقلمة البصرة والانبار، بأن ترسم لها اقليميا خارطة جغرافية ما بين سهل نينوى، وجزءا من الساحل الايسر في الموصل، وقطعا من دهوك واربيل وكركوك والسليمانية، ولسنا هنا بوارد الحديث عن كثافة سكانية مسيحية في بغداد أو البصرة، فتلك المناطق غير متنازع عليها أو على جزء منها اقليميا...

- ان كان الامر بهذه اليوتوبية التعجيزية، فكم من مرة يحتمل شعبنا المسيحي، أن يهجر، وكم من مرة يحتمل أن يستهدف اساقفته وكهنته وشمامسته، ضحايا للصراع الطائفي والمذهبي والقومي بين القوى الكبرى القومية والمذهبية والطائفية ذات الغالبية الساحقة في المنطقة.

وأخير لعل التحدي الذي يواجهنا، هو ما يمكن في واقع الحال من التفاف حول مشروع عراق، يقوم دستوره على شرعة حقوق الانسان، ولا تتأثر بنوده بتوجه مذهبي أو طائفي، ولا يسمح فيه بقيام أحزاب دينية، وتكون لاحزابه وكياناته السياسية منافسات على مشاريع وطنية تحترم الديانة ولكن لا يتم املاؤها من مرجعية دون غيرها. عندئذ مرحى للديمقراطية، ومرحى للحكم الاداري حيثما استجد، على اسس من الكفاءة والمهنية. عندئذ لن يحتاج رجل دين ان يتحدث في السياسة، وان تحدث فيما يخص شؤون شعبه وظروفهم، وعندئذ سنكتفي بتصفح المواقع الالكترونية التي تعرف كيف تصدي برقي وحضارة للرأي والرأي الآخر، وحمدا لله لا تخلو مواقعنا من كتاب ذوي رقي وحضارة. 

وبعد سيدى القارئ،

لنفترض، مجرد الافتراض، أن أصواتا مماثلة لصوت المطران لويس ساكو، لا يحسب لها حساب على مستوى الصراعات السياسية الكبرى في المنطقة، أنستكثر على شعبنا السورايا المسيحي في محنته وعلى زماننا الكنسي، ان نصف مثل هذه الاصوات بوصف الصوت النبوي!

47
ذكرى عن العلامة الراحل د. حسين على محفوظ

بقلم: الاب نويل فرمان السناطي

عندما ابكيتك يا استاذنا الفقيد  د. حسين على محفوظ

... وأعود الى ديدن الكتابة بعد جفاء،
واعود لأكتب، بعد أن بقيت أكتفي لزمن، بقراءة ما يطرحه على هذه الشاشة كتاب مرموقون ومبدعون متميزون كل يوم اكثر ، لأقول: ما الذي أكتبه بعد الذي يكتبون ويحسنون ما يكتبون. حتى جاء هذا اليوم الذي أرى فيه لزاما أن أدلو بدلوي المتواضع عن ذكرى شخصية لا أكثر، فهي ليست والحق يقال ذكريات كثيرة بل واحدة عن راحلنا العراقي الكبير حسين على محفوظ.

أجل، سيدي القارئ، في زمن عراقي لا يكرم العلماء الا بعد رحيلهم،
وفي عهد حل في غفلة من الزمن، على ايقاع الجزمة الامريكية،
في وقت تم فيه ترحيل دكتاتور بعائلته الغاشمة،
لتحل محله،
بشعارات ديمقراطية ومبادئ وطنية متعكزة على القوى الاجنبية والوصاية المجاورة،
قوى اصولية تعيث في الشارع فسادا وقهرا،
ربيبة لدولة الجوار الطائفية العنصرية التوسعية،
في هذا الزمن يرحل الاستاذ الفقيه الجهبذ والمحنك الدكتور حسين علي محفوظ.

وعجبا ان رموزا في الدولة تقاطرت للتعزية برحيل العلامة د. حسين على محفوظ!
عجبا وكيف لا، عندما تسببوا امام انظاره
بمشاهد ينحر فيها العراق نحرا كل يوم مئة مرة!

وكان الخجل كل الخجل من اولئك المعزين، عايشوا وعاصروا العلامة الراحل،
بعد أن أذاقوه الأمرين من مشاهد ما اقترفوه من فساد وتهافت على السلطة
وتبار في الصراعات الطائفية والمذهبية والدينية،
ووقاحة بادية في افراغ العراق من أغلى خصوصياته القومية
الارامية بمختلف مسمياتاها الاشورية الكلدانية السريانية والمندائية هي الاولى بمواطنته.

لقد ولى نظام فردي فاسد كما أثبتت ذلك وثائق غابت عن العراقي البسيط،
وكان العشم ان تستمر أيام وأشهر أولى من انتشاء العراقيين في جو من الحرية والتعبير التلقائي وانتظار ايجابي لتحسن الاوضاع، عاشه الفقيد الكبير،
لتولد في العراق، بعد شهور لم تتعدى التسعة،
سلطات تتقاسمها، القوى الارهابية مع حكومة المحاصصة الطائفية المستوردة.

فلا لهذا العهد المقيت ولا للعهد البائد،
الفضل أي فضل في وجود عالم مثل عالمنا الكبير، د. حسين علي محفوظ.

أما بعد،

فكان لا بد من هذه المقدمة لئلا ينثر الورد لا على الشموليين الذين جثموا على انفاس العراقيين لعقود، ولا هؤلاء العنصريين الطائفيين الذين لا يقلون عن سابقيهم في الكثير مما يقترفون، من عهدين بضمن عهود أخرى، عاصرها الرجل، فنقول:

كان للدكتور محفوظ عمود صحافي تاريخي جميل في جريدة الجمهورية، ابان رئاسة تحريرها من قبل الشخصية الوطنية المعروفة سعد البزاز، الذي كان قد سعى لاشاعة المناقبية المهنية والثقافة السليمة في حقبته، سعى إلى ذلك بطموح كبير، ولكن بدون جدوى وحتى بلغ السيل الزبى، فثار على محتكر الاعلام ابن الرئيس السابق، فأصبح معارضا في الهواء الطلق، بدون التسكع على أحد سوى على قابليته وكفاءته وقلمه مما در عليه اكثر مما كان يدر على معارضين كثيرين بسخاء قوى عالمية تبين كم هي مشبوهة.

وكان لا بد من هذا التقديم، لنقول ان العمود كان في جريدة الجمهورية.

وتعود بي الذكريات الى أواخر أحد أعوام بداية التسعينيات، عندما تابعت سلسلة من مقالات العلامة، كتبها لمناسبة حلول عيد ميلاد سيدنا يسوع المسيح. فأدرج في تلك المقالات سلسلة من الكتابات عن التطويبات في مسيحية ما قبل الاسلام، لئلا أقول: ما قبل الغزو الاسلامي للبلاد والمنطقة، على حساب ضعف وتسيب اصاب جوانب من الكنيسة المحلية في الجزيرة العربية، فما هذا موضوع المقال، وهو متروك لمختصين آخرين.

وكان الحديث في مقالات راحلنا الكبير، تحديدا عن التطويبات، بلغة تحاكي لغة المعلقات والمتنبي، من لي بأن يسترجعها، الا من يعود الى بيت الفقيد، بعد ان ترك لنا تراثا مؤرشفا بكل دقة. فقد قال رحمه الرب، كما رحم الحنون الغفور، المصلوب على يمين المسيح، قال: لن يتعب من يكتب عني بعد موتي...
وذكر بأنه أعد لمن يكتب تاريخه وسيرته، كل شيء جاهزا من كتاباته ومؤلفاته وادواته حتى أشيائه الصغرى. جاء ذلك على لسان عزيزنا الدكتور، في برنامج قطار العمر، الذي كان يعده الزميل الصديق مجيد السامرائي، فاشار انه يحفظ في أماكنها حتى اعقاب الاقلام التي استخدمها، واصغر الدفاتر، واقدم الصور، وابسط المسودات.

وقلت ما قلت في أعلاه بوضوح الشمس، وأنا أرثي العلامة حسين على محفوظ ، لأملي الكبير برحمة الله ان تتغمده وتفتح عينيه على كل حقيقة رب المجد بسعادة أبدية. وهذا رجاؤنا من أي دين كنا، وحسبنا انا عشنا بما يمليه عليه ضميرنا الايماني، فلا نلجأ إلى أن نقوّل كتبنا الدينية بما يرهب الآخر ويلغيه، وبقدر ما نتعايش على المبادئ الانسانية وفق واجبات وحقوق المواطنة على ارض الوطن، والاخوة على أديم كوكبنا.

فطالما يبقى السكوت على الارهاب وتفشي تدخل الطائفة في شؤون السياسة، لا بد لنا عندما نتحدث عن القواسم التي تجمعنا بأن نضع النقاط على الحروف، لئلا يكون مديحنا لعلامة نظيف مثل الدكتور محفوظ مديحا لما بات يعرف من توجه ارهابي يدعي الانطلاق من الدين، وبعيدا عن انقياء القلوب من كل الدين اي مقارنة بهذا الشأن.
 
وحان ان أذكر ما شأن كل ما مضى ذكره، بعنوان: عندما أبكيت الدكتور حسين على محفوظ.

أجل سيدي القارئ، لقد تركت ذلك، حتى النهاية، لأصفي ما امكن من حساب عن عراق الامس بوضعه البائس، وعن عراق اليوم في وضعه المأساوي، وعن أسباب البؤس في العالم التي أحد أعمدتها الارهاب باسم الدين، وتأتي هذه السطور غداة انهيار اكثر من جدار برلين في واشنطن، برئاسة باراك حسين اوباما، والعالم يتطلع الى غد افضل على أسس الحقوق والواجبات والمصالح المتبادلة المشروعة بين الافراد والأمم، مع تطلعنا الى عراق محرر، يرحل فيه مع المحتل كل من عمل معه من اي فصيلة كان، إن كان يعرف في قرارة نفسه أنه عمل مع المحتل ضد العراق وشعبه أو تواطأ بنحو مباشر أو غير مباشر ، وعلى أمل أن يعود العراق لشعبه.

أجل يعود العنوان الى اول يوم من عام 1990، عندما تصفحت في صبيحته الاخيرة، وتحديدا جزءا كبيرا من قسمها السفلي... ماذا تصفحت: تحت توقيع د. حسين على محفوظ؟

لم يكن مقالا ولا شعرا ولا طرحا تاريخيا ولا درسا، فكان طغاة ذلك العهد ابعد الناس عن تلقي الدروس، كما هو الشأن من طائفيي اليوم. لم يكن اي شيء من هذا. بل كان كل الجزء من تلك الصفحة مخصصا لتقويم العام الجديد، بأيامه وتواريخه ومناسباته بموجب تقويم ذلك العام، لا أكثر ولا أقل.
أذهلني ذلك، حقا، ووجدت فيه تقديسا للزمن بكل وقت يمر فيه وكل ساعة. وكأن ذلك افضل هدية معبرة وكلمة بليغة تحفظ وراءها ما تحفظ.

فما كان مني إلا أن كتبت مقال تقييم نشرته الجريدة بكل نصه، مع ما تضمن من اشادة في كتابته عن التطويبات بلغة المعلقات.

ومرت اسابيع، عندما طرق سمعي لدى حضوري أحد مجالس الشعرباف، عن محاضرة للدكتور محفوظ، عن تاريخ مدينة الكاظمية، بحضور الدكتور، خالد الذكر علي الوردي. فذهبت مع قريب لي (أبو روني)، متطلع مثقف ومعجب كبير بفكر وكتابات على الوردي.

بعد المحاضرة، تقدمت الى الدكتور محفوظ وسلمت عليه وقدمت له هدية عبارة عن الانجيل المقدس. فما أن عرفني، حتى قال: أواه كم ابكيتني في ذلك المقال. وأذكر اني انحنيت بوقار كبير لهيبة شيخوخته..

وعرجنا في الوقوف قليلا مع الدكتور علي الوردي، فكان سؤال من أحد الواقفين:
- هل لك أن تكتب وتحاضر يوما عن مجتمع الكاظيمة، فقال بسرعة بديهته ما معناه إن غاب عني مبناه:

- ومن يؤمن لي على نفسي وصراحتي في الكتابة، أمام تظاهرة ساخطة من مجتمع الكاظمية؟

ثم ذهبت لاحتساء قدح حامض من نومي البصرة، في محل صياغة صديقي يوسف عبد الوهاب نصر الله، المرتكن قبالة باب المراد وقبابه الذهبية.

رحمة يا رب باستاذنا الفقيد العلامة حسين على محفوظ، وبالدكتور الراحل على الوردي، وبعراق آمن يرعى فيه يوما بنعمتك، الذئب مع الحمل.


48
مبروك للاخ غسان والعائلة، وتحياتي الى الاخ ذكوان والعائلة، وسلاماتي الحارة الى الوالدين العزيز روفائيل ابن العمة كترينة والعزيزة نجاة ابنة الخالة اسمر وليبارك الرب اسرتكم المباركة
محبكم الاب نويل فرمان السناطي

49
مبروك للاخ العزيز سالم ننو السناطي عيد ميلاد ابنه يوسف
الرب يحفظه ويترعرع في النعمة والبركة والرب يسهل لكم السبل وتحياتي الى الاهل والاقارب

محبكم
الاب نويل فرمان السناطي

50
تحفظ منه الكاثوليك، وبدوره تخلى عن راعيه البروتستانتي، فهل سيسقط سراب أوباما على حين غرة؟

نويل فرمان السناطي

قبل كل شيء لا بد من التوضيح، انه رغم سعيي في التحاشى المبدئي للسياسة البحتة في المقالات وترك شأنها للسياسيين، لكن الحديث هنا عن المرشح الامريكي باراك اوباما، يأتي تناوله في هذا المقال، انطلاقا من الزوايا الاتية:

من منظور اللاهوت الادبي الكاثوليكي، الاستناد على الموقف الكنسي الامريكي المناوئ للمرشح اوباما بسبب موقفه غير الواضح ضد الاجهاض.
الانتهازية في تنصل اوباما عن راعي جماعته الكنسية البروتستانتية بسبب خطب له مثيرة للجدل. وامكانية الانتماء الى الجماعات الكنسية البروتستانتية او التنقل منها، بدون أي موقف مبدئي ولا الانخراط في مرحلة تنشئة ديداكية يعلن المتتلمذ فيها ايمانه الصريح.
الموقف غير المشرف، في تبرؤ باراك حسين اوباما من كونه مسلما، مؤكدا انه مسيحي وكأنه يغسل يديه من دم يوسف، بل ان موقعه الالكتروني قام بترويج الانحدار الفكري الالحادي لوالديه، ابتعادا مما وصف بالتهمة في مجال انحداره الديني.
المتاجرة السياسية المفضوحة، بلبس القلنسوة اليهودية وزيارة حائط المبكى بولاء معلن.

بعد ملاحظة هذه المؤشرات، لا بد من التنويه بالانبهار الاولى الذي حظي به النهج الخطابي الانسيابي للمرشح الشاب، لكن الاوساط ألمحت ان هذا لم يشفع له بالتفرد بالترشيح عن الحزب الديمقراطي، لولا الصك الذي كتبه لمنافسته هيلاري بمداد نفطي. بعد هذا الانبهار لا بد من وضع المزيد من النقاط على الحروف في مقدمتها:

- التساؤل الماثل أمام المراقبين: هل هي سابقة متفردة، أن تصنع مثل هذه النجومية، بفعل المال، حتى يمتص المزيد منه في بذخ انتخابي منقطع النظير في التاريخ طرا، ثم يرعوي المتحمسون له ان المسألة لم تكن أكثر من لعبة اعلامية شديدة الحبكة؟
- في هشاشة مضافة الى مواقفة المبدئية المهزوزة،  لفت اوباما الانتباه في البدء، عندما روج لفكرة الشراكة مع الدول العربية والاسلامية الصديقة، على اساس المصلحة المشتركة في مقارعة الارهاب، لكنه لم يركز على ذلك لمجرد ان قامت تلاحقه تهمة مغازلة الارهاب.
- في خضم حملته، تم تسليط الاضواء على جانبه الشبابي والحيوي والخطابي، ولم تفرز الايام فيه رجل سلام، او رجل محبة او رجل لا عنف، او رجل تعايش، بالنحو الذي سبق أن جذب مختلف الشرائح العالمية، لكاريسما تفرد به رجل عظيم من طراز الراحل الكبير الراعي مارتن لوثر كينغ. مع ملاحظتين تتعلقان بشهيد اللاعنف لوثر كينغ:

عاش هذا الداعية في مرحلة ما قبل الحادي عشر من ايلول.
بقي معروفا بصفاء أصوله الثقافية بنحو لا يقبل الجدل، وهكذا فإن سحنته غير المختلطة بلون آخر، لم تؤثر لا من قريب ولا من بعيد على هذا الكاريسما. مما جعله هدفا واضحا ومباشرا للاغتيال وليس لمحاولات الاغتيال، التي ربما تكشف الايام انها، فيما يخص اوباما، ليست سوى من قبيل الاستهلاك الانتخابي.

وهكذا يتضح لنا اننا مع باراك اوباما، لسنا، أمام شخص من طراز الداعية الخالد المهاتما غاندي، او الزعيم الوطني الغاني كوامي نكروما، او السجين البطل نيلسون مانديلا، او الرئيس السنغالي الشاعر ليوبولد سنغور.

ما نستطيع الخلوص اليه، في هذه المعركة الانتخابية، من باب الرأي الشخصي، هو المواجهة في شخص المرشح الشاب، بين تيارين متصارعين:

المال العربي لكل ما من شأنه الترويج على انفاس وطراز من نمط باراك اوباما.
النفوذ الاسرائيلي لكل ما من شأنه إدامة اللعبة واستثمارها حتى ساعاتها الاخيرة، ثم اسدال الستارة على المسرحية.

إنها مجرد فرضية، لا نسوقها من باب التنجيم، بل لمجرد التساؤل الحائر، أمام المستقبل الذي ينتظر العالم، وينتظر بلادنا المحتلة بمناح مضاعفة:

احتلال القوات الامريكية بمصالحها الستراتيجية في المنطقة،
النفوذ الايراني الطائفي التوسعي،
صراع القوى السياسية في العراق المحتل مع تواطئات شريرة، سواء بين القوى الطائفية، أو القوى القومية ذات النفوذ، وكلها طمعا بنهش المزيد في ظل التمزق العراقي.

وبعد،

فمهما تعددت الاسباب والتأويلات بشأن الحملة الانتخابية الموشكة على النهاية، فإن ما يتم عشية الانتخابات النهائية، من تشبيه لنجاح اوباما بنجاح الرئيس جون كندي في انتخابات 1961، او الاشارة الى ان الفرصة تبقى قائمة امامه في كل الاحوال، ما هو الا بمثابة ذر الرماد على العيون.

ذلك ان لعبة السباق الى البيت الابيض، من المعروف انها تبقى تحكمها ثوابت، ومن باب أولى بعد احداث 11 أيلول، في مقدمة تلك الثوابت، ان تشجيع المتسابقين، مهما تطور، لا يعدو ان يكون استثمارا يقل نظيره، وانه، في حال لم ينفلت حقا زمام الامور، لن يتم تجاوز خطوط حمر، بموجبها تحددت مسبقا ونهائيا، قواعد الحياة السياسية ونتائج الانتخابات، أبرزها الثقافة الاصلية للرجل الامريكي المعاصر.



51
أما حان للشعب الآشوري أن يلملم جراحه ويلتم متشبثا بجذوره.

بقلم الاب نويل فرمان السناطي


الكتابة... اكثر من محنة
لقد خبر الرجل مع الذات، أنه لا يكتب للكتابة، ولا يكتب لهالة الكتابة، وخصوصا عندما يتطلع الى هذا النهر السخي من الاقلام الاصيلة التي تعانق قلمه، وكاد يستشهد بعدد من الاقلام التي تشرق على هذه الشاشة الالكترونية، وتبدع، لولا خشيته أنه عندما يكتب فيما يكتب، ويشيد بأقلام، وان اختلف معها في هذا الرأي أو ذاك، او في هذا النهج أو ذاك، يخشى أن يحرج تلك الاقلام، فتضطر، عندما لا تتفق مع ما يكتبه الرجل، ان تتبرأ منه، خصوصا عندما يكتب متأرجحا على حافة الخطوط الحمراء. وتلك واحدة من محن الكتابة.

لذا فيكتفي بالقول هنا انه معجب بكتابة 80 بالمائة من كتاب هذا الموقع، ويحبهم، وحسب كل منهم ان يجد حصته كبيرة كبيرة في تلك المحبة والاعجاب، لأنه يرى صفاء النية فيما يكتبون وذاك لعمري أحلى ما في الكتابة.

ويعرف الرجل مع الذات، كما يعرف ذلك غير قارئ، أنه لا يكتب إلا لماما (بضم الألف) ولا يكتب إلا عندما يعتصر الفكرَ مخاضُ الكتابة، في ليلة ليلاء. لكنه بات يسائل الذات أكثر من سؤال: ماذا لو حجرت كتاباته صفحات هذا الموقع، فأين له عندئذ أن يولي وجهه، وهو كما اودع صديقا اعلاميا، أن يدله على موقع مرموقا بقدر هذا الموقع، فلم يجد. ذلك أنه عرف مع الوقت، ان ما يكتبه برسالة قسيس وفكر انسان، لا يستطيع ان ينسلخ فيه عن جلد قسيس ويبقى على فكر إنسان، والعكس بالعكس. وتلك من محن الكتابة، في موقع له ثوابته التي ليس له إلا ان يحترمها.

فرأى أن يمضي في الكتابة بدون أن يضطر قلمه أن يأتي بالضرورة على ذكر كل الراحلين، ما دام في عرف اقرب المقربين إليه، ليس مخولا إلا بينه وبينه ربه المصلوب بين لصين، أن يستمطر الرحمة على أولئك الراحلين كيفما. وهنا تدعوه الكتابة بمحنتها الى المزيد من الصبر.

آشوري وكاثوليكي

ما زال الرجل يعتقد، وحتى إشعار آخر، أن الكتابة في هذا الشأن، ليست مما يستحق الحجر، وعليه يعطي نفسه الحق في القول: أنه لم يعد ثمة التباس، بأنه من الممكن أن تتنفس الروح الآشورية الأنسان الكاثوليكي، ولا أن يرفل الكاثوليكي بثوبه الأشوري، وأن هذا الثوب يمكن أن يرفل من كل من يعتز به بصرف النظر عن لهجته الطقسية وطبيعة انتمائه المسيحي.  فقد فتح لنا البابا الراحل خادم الرب على درب التطويب، مار يوحنا بولس الثاني، فتح الباب واسعا في الوحدة المسكونية، لأن نتشبث بجذورنا ونعتز بكرسي بطرس بآن واحد. وقد أثمر ذلك في أيامنا ظهور مسميات كنسية آشورية كاثوليكية، لا تضطر الآشوري الى التحدد في الاطار الكلداني، مع ما يحمله من احترام إلى كل من يعتد بهذا الاطار بقناعة عميقة.  وأقول:

إني من مواليد قرية معروفة على الحدود التركية العراقية، من قبيلة تحمل اسم بيكرا المنحدرة عن عشيرة بيخلو الاشورية، بعد أن نزح الجد الاشوري المحلي الاول من جبل تياري، في أعقاب خلاف مع ذوي العمومة. وقد التقى والد المتحدث في عسكر ليوي، بأبناء عمومته، كما توفر للمتحدث كاتب السطور بعد البحث، ان يلتقي منهم في كراج الأمانة، مع المرحوم أبي قيس يوناثن، ثم التقى بعميد العشيرة الاشورية الراحل مالك يوسف ابن مالك خوشابا، وبعد رحيله التقى بخلفه ابنه مالك بولص.

وعليه، لست الآن في الكتابة هذه، وبعد كل ما كتبت من قبل حتى جف القلم، من منطلقات نظرية ووحدوية عن الجذور المشتركة لأبناء كنيسة المشرق، إلا متسربلا عافية الانتساب الى جذور انحداري الاسري، التي تسمح لي بحمل الخصوصية الاشورية مع تشربي من معين الكنيسة الجامعة. كل ما اختلف عندي من أمر، مهما اجتهدت، هو ان  السورث الذي اتحدثه، كما تعلمته من أسرتي في الموصل، متحدين التعصب المحيط لدى أبناء انتمائنا المسيحي، بات سورثا لا لون له ولا رائحة، ولكنه محتفظ بطعم  أصالته.

إلغاء الكوتا، ما قبله وما بعده

قبل الإلغاء، كانت الساحة منفلتة أيما انفلات، بين كل المسميات الحزبية لشعبنا السورايا، وبين كل المسميات القومية، مجتمعة او مختلطة، مركبة او منفردة. ومع هذا الانفلات، كان التصارع على اشده بين العناوين في هذا الكتلة او تلك. معتمدة على ما يوفره واقع الحال من دعم مادي تعبوي باتجاه التشرذم والتقسيم، وما يدغدغ المرء من هالة في التصريح والتصريح المقابل، وفي السعي الى الضوء بأسلوب الخطف المتبادل. وكان كل ذلك على أساس الامان من خطر محدق، والاستكانة بخدر الى هذه الجهة أو تلك.

وعندما حدث ما حدث من تعاون وتفاهم بين متقاسمي العراق، على الحصص الاكبر، استراتيجيا وسياسيا، كان لا بد للمتقاسمين، أن يقللوا من فرص الصراع الديمقراطي، فيقللوا من الاصوات، ما دامت الديمقراطية التمثيلية وليس العددية تتيح لقدر ما من الاصوات الممثلة لخصوصيتا القومية والدينية، بعيدا عن الخصوصيات الدينية والطائفية لكبار المتقاسمين.

وبين ليلة وضحاها، اكتشفنا ان الاخوة أعربا كانوا أو كردا، مع كل ما يكنونه لنا من احترام ومحبة وما يوفرونه من اجواء ازدهار وتعايش، لا بد لهم إذا كان ثمة ما يخدم التحالف على الاهداف الكبرى لكل منهم، ان يتبنونه، مع الضمان ان ذلك لا يقلل من احترامهم للمسيحيين الطيبين المتسامحين....

وهكذا، امام الخطر البادي ، تنادت الاصوات، ولكن باتجاه صفين:

صف يضم مختلف الفرقاء، لا يتنازل أحدهم عن كل مفردة او تصريح صدر عن، فيدعو الى وحدة الصف، والخطاب المشترك. ويدعو في الوقت عينه، الى وحدة شعب، بدون ان يكون له بالضرورة اسم محدد. وفي هذا النحو الكثير من ذر الرماد على النار.

الصف الاخر هو الصف الخارج عن أعشار الكيانات السياسية، الماضية في التجزء، وحسب كل منها، ان يكون له شعاره ونظامه الداخلي وهيئته، ومكتبه وعلمه والمجموعة العددية لبضع عشرات أو أكثر بقليل، مما يتيح له ان يتسجل ككيان سياسي. هذا الصف الخارج عن سرب الكيانات السياسي، هو فريق الأغلبية الصامتة، الفريق الذي يقبل بالإجماع بأن يكون لهذه الاغلبية كيانها الموحد.

وبعد، إننا ندور وندور، وتدور بنا الدوائر، والفريق الاكبر، فريق الاغلبية الصامتة ينادى الى ما تبقى من تحدى، الى ابسط تحدي، ان يعلن الجميع مع الاحتفاظ بمشاريعهم السياسية وتطلعاتهم القيادية لتعبئة أكبر كم من الشعب السورايا، فيتفقون ولئن من باب تجربة الصديق الصديق عن الصديق المنتفع، فيقولون بصوت واحد: نحن هذا الشعب المسيحي الواحد، باسمنا القومي الواحد هذا، مما لا يتحمل وصاية رجل دين، من هذه الطائفة أو تلك.
وسنرى عندئذ، كم سيكون لنا من تجمعات متحاضنة، وكم سيكون لنا من ممثلين برلمانيين، في المركز او الاقليم.

خاتمة

لقد اثبت الشعب الاشوري، عبر التاريخ، أن له خصوصية قومية متشربة من لسانه ولباسه واكله وتراثه.

ولقد أثبت الشعب الآشوري، عبر أطياف مشرقة في النضال والتضحيات والشهادة، أطياف انبثقت من مختلف الطوائف المسيحية والعلمانية، من سناط إلى ألقوش، من قرولا إلى قره قوش، أثبت أنه هو الحامل بجدارة للواء الخصوصية القومية.

ولعل معطيات الأيام آخذة في التوضيح للقاصي والداني، أن أسهل الطرق لتقسيم الشعب السورايا والمضي في تجزئته، هي، بعد النيل من وحدته المسيحية العريقة، أن تستهدف فيه الخصوصية الآشورية الأصيلة.
 

52
مقاومة الغاء الكوتا تنسجم مع توجهات المقاومة الوطنية الشريفة   

نويل السناطي

من سخرية المفارقة أن زحف المعاني لمفردات تقولبت سياسيًا، مثل: المقاومة او القاعدة... على سبيل المثال لا الحصر، جعلنا نعالج هذه المفردات بالمزيد من التوضيح، لئلا تأتي بالوقع المضاد. فإذا تكلمنا في الحقل اللغوي عن القاعدة، لا بد أن نشير بأن الأمر لا يتعلق بقاعدة بن لادن سيئة الصيت. وهكذا أيضا باتت للاسف كلمة: مقاومة، تعني الارهاب الذي تمارسه التنظيمات الدينية الاصولية والصفراء، وباتت السلطات القائمة في عراق اليوم، باعلامها المركز، تقرع على هذه الوتيرة حتى اصبح في حكم المشاع، أن المقاومة مرادف للارهاب. فلم يعد يستطع المرء ان يتبين في الافق أيا هي الجهة التي يمكنها أن تمثل المقاومة العراقية الوطنية الشريفة، وضد من....

لنأخذ فرنسا مثلا. بعد عقود من الاحتلال الالماني لفرنسا، ما زال المشهد حيا في الذاكرة الفرنسية، وما زال الموضوع يلهم الاقلام، آخرها كتاب (L'Eglise catholique en France sous l'Occupation الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا تحت الاحتلال) للباحثة (Natalie Petiteau) نتالي بتيتو (وتكتب بدون ألف بعد الواو، حسب القاعدة..) وقد وضعت الباحثة في هذا الكتاب الكثير من النقاط على الحروف، ولم يعد ثمة ما يخفى على أحد، في عصر بات يتسم الى حد كبير بحرية التعبير، ويتحجم فيه بشكل نسبي ما تضعه من خطوط حمراء في كل مكان الجهات السياسية والاقتصادية المتنفذة. وعلى كل حال، فإن مثل هذا الكتاب والموضوع، يصلح ان يكون محلا وافيا لتسليط الضوء من جوانب عدة.

وفي العراق، بعد سقوط النظام السابق بأشهر اتضحت نوايا الاحتلال، مما يجعل المرء لا يستطيع البقاء مع الشكل الرمادي، فإما اللون الاسود أو الأبيض، مهما حاول المسايرة، وادعاء عدم التدخل في السياسة، قدر ما يتعلق الامر برجال الدين المسيحي، أصبح مثار تساؤل.
في عراق اليوم، أصبح الهم الشاغل نفض اليدين من أي غبار عالق بعهد الرئيس الراحل صدام حسين، وكأنه رحمه الله لم يحكم إلا وفي ظله نفر من الناس سرعان ما غادر الميدان بعد السقوط أو قبيله. وعجب من ناس كلما سقط نظام حتى ينقلبون عليه، وإذا استجد جديد يقتضي الحال، يستعيدون ذكره ممجدا، كما الحال مع الرئيس الراحل الزعيم عبد الكريم قاسم رحمة الله عليه. 

أمام هذا الواقع، من المستغرب، حقا في عراق اليوم، ان نجد هناك خطين متوازيين، منتاغمين، أحدهما يمضى في اتجاه من الديمقراطية والاستقرار، والاخر ينحدر نحو التمزق والشلل وكلاهما متآلفان:

الحالة الممزقة في مركز العراق، في ظل حكومة طائفية، نجدها لا تعرف في أدبياتها، الا تشويه ما لا يمشي في خطها، و"أبلسة" من قبلها، بينما يحدث في ظلها، اذا قورن الشيء بالشيء، ما ليس بالضرورة أقل سوءا من سابقه.

الخط الثاني: ضمن حالة الاستقرار الذي يشهده الاقليم الشمالي في العراق، لأسباب وظروف معروفة، نجد سلطات الاقليم، في قنواتها المرئية والمطبوعة وسواها، تضع خطوطا حمراء في الحديث عن اي احتلال، بطريقة موازية لتوجهات "الحكومة المركزية" ويا ليتها حقا مركزية. بحيث أصبح ذوو الدوريات العراقية التي تطبع في المنطقة الشمالية، يمارسون الرقابة الذاتية، بحيث لا يصدر منها ما يزعج الجهة المضيفة.

كما ان ذوي النفوذ في الاقليم، يدافعون عن قيام حكومة طائفية في بغداد، على أساس ان اوربا ايضا شهدت احزابا مسيحية. وهذا موضوع تطول الاستفاضة بشأنه، في ما يخص المقارنة بين الواقعين، وفي ما يخص كون هذه الاحزاب سيئة الصيت في أوربا هي في الاقل وهذا اضعف الايمان، احزاب دينية وليست طائفية متصارعة طائفيا في الديانة الواحدة، مثلما قد حدث من بين ما حدث، في حي "الشعلة" ومنطقة "راس التبليط". كما ان القائمين على تلك الاحزاب، ليسوا في الأقل، ممن يجلسون القرفصاء، بعنواينهم الرسمية، أمام هذه المرجعية أو تلك.

ويدافع الوزراء الاقليميون، كما طرق سمعي مباشرة أمام ذهولي والمحيطين بي، عن التوجه السياسي الطائفي في بغداد، تحت ذريعة ان "هذه الحالة مؤقتة" وكأني بهم يشيرون من حيث لا يدرون او يدرون، إلى أنها مؤقتة، حتى يتسنى ان ينهش من جسد العراق الجريح، ما لا يستطاع أن ينهش في حالة استعادته عافيته حضاريا.

ويبقى استشهاد المطران البطل مار بولس فرج رحو، علامة مضيئة في تاريخ كنيستنا في العراق المحتل، فقد
قال بسكوته كما بكلامه (لا)، لمخططات لا يقتنع بها بمستوى متشابه كل الوطنيين العراقيين، ونادى بالعراق الموحد المتآخي المتساوي حقوقا وواجبات، حتى آخر قطرة من دمه. وباتت مسألة متابعة قاتليه وطريقة القبض على أحدهم والحكم عليه، بدون ان تكشف خيوط الجريمة ويعلن عنها، كما حدث مع قاتلي الاعلاميين، تبقى هذه المسألة تطرح اكثر من سؤال وريبة.

ويوجد غير المطران الشهيد في كنيسة العراق، ممن نحفظ اسماءهم في القلب، لهم مواقفهم غير المجاملة، لهم صمتهم واعتكافهم، لهم نفوذهم في المجالس الاسقفية المحلية، وباعهم في صياغة بياناتها. هؤلاء وغيرهم سيحفظ لهم التاريخ سجلا ذهبيا، وفيهم الامل، مع العراق المعافى، كما هم الامل مع العراق الجريح.

ان من استطاعوا ان يجاملوا النظام السابق، بنفس الطريقة التي يجاملون بها النظام الحالي، لا بد أن يجدوا مع الوقت ان دبلوماسية المجاملة في الامس، تتطلب اليوم الصراحة. لأن ما كان يسود في الامس من دبلوماسية سلكها الكثيرون، برشاقة الخروج كالشعرة من العجين، يقابلها اليوم حد من امكانية الصراحة الديمقراطية، تكون المجاملة الدبلوماسية في ظلها، أمرا نشازا، وبما يحتم على من يستطيع ان يكتب، أو من يدلي بتصريح، ألا يسكت، أمام تمادي الحكومة الطائفية في أن تكون أداة للاحتلال، ليس الامريكي فحسب، بل الايراني تحت غطاء أمريكي، في التوجه الفردي، التعصبي، بنفس طريقة الحكم الايرانية. فلا ريبة ان تكون الخصوصيات القومية الرازحة تحت ثقل الغالبية الطائفية او القومية، تفقد ابسط حقوقها، وكذا الخصوصيات القومية ذات الديانة المسيحية. وكانت الفضيحة الأخيرة، وليست أولى الفضائح ولئن كانت أشدها وطأة، في اجماع من اجمع في البرلمان العراقي المنتخب، على الغاء نظام الكوتا، لتمثيل الاقليات في المحافظات، فنسفوا الديمقراطية التمثيلية نسفا، وجعلوا، باسم الديمقراطية زورا وبهتانا، الحكم الشمولي للغالبية "الساحقة".

من هنا لا بد من ان ينفرز خط وطني شريف من المقاومة، داخل العراق وخارجه، بحيث لا يبقى اسم المقاومة مفردة تدعو الى التطير، لما اختلط فيها من تشويه اصولي ارهابي قمىء. إذ لا يعقل ان كل المقاومة تدعو الى قيام نظام شمولي كالسابق. ولا يعقل أن يكون كل المقاومين من أذناب (القاعدة) الشاذة دينيا وانسانيا.

أجل، لا بد ان يظهر الخط الابيض من الاسود، ويكون خط، طالما يتفق أنه ليس اصوليا تخريبيا، ولا يكون شموليا هلاميا، مما نستطيع ان نصفه بوضوح بالمقاومة العراقية الوطنية الشريفة.
 


53
مع مازن العراقي في مواجهة شبح الطائفية
بقلم الاب نويل فرمان السناطي

في زيارة عائلية حدثني الصديق مازن آرامايا، في معرض ذكرياته الغابرة عن العراق، عما كان يبيح للعراقي ان يعبر عن نفسه ويؤكد خصوصية انتمائه، في اطار التعايش الديني والطائفي، وبما يستند على المواطنة الصادقة. ولئن كان ذلك يومذاك، باتجاه يخدم توجهات النظام السابق، وليس على ارضية رصينة من الديمقراطية، إلا أن ما يحدث اليوم، من تنازع واحتراب، على خلفيات طائفية، هو الاخر يمس الديمقراطية الحقيقية، ويعرض مستقبل البلاد الى عدم الاستقرار.
لم يكن ببالي ان الموضوع قد يكون للصحافة، لكن في ختام سرد مازن ذكرياته، رأيت أن اطلب منه، ان يكتب ذلك، لاصوغ منه ما يصلح لقارئ اليوم، في زمن امتدت فيه الى ارض العراق، مخالب الحكم الايراني عبر المحاصصة الطائفية، لتجعل الاقليات لقمة سائغة، لشريعة الشارع وقد غدت شريعة غاب بتحريض العراقيين على بعضهم، عبر التناهش على مشاريع سياسية طائفية. ومن المفارقة ان هناك من شاء ان يتوخى جعل العراق نسخة من التجربة الايرانية كحكومة دينية، مستندة على مجرد التفوق العددي النسبي بين طائفة وأخرى برغم اشتراكها في الخصوصيات القومية عينها، فيتحكم بمصير العراق، الذين يلبسون لبوس الدين، أو رجال دين قبلوا أن يهملوا منابر افترض ان تقتصر للحث على التعايش والفضيلة، فيتدخلون في شؤون الاحزاب السياسية ويشجعون على التمييز العنصري الطائفي.
مع أن الحالة المؤسفة أصلا في إيران، تختلف عن خصوصية النسيج الاجتماعي في العراق، طائفيا ودينيا، فإنها باتت ترشح بلاد بين النهرين، إلى استمرار عدم الاستقرار الامني، لأن الحالة الايرانية تتحكم بها حكومة بخلفية دينية غالبة، في حين الحالة العراقية، طائفية وليس دينية فحسب، مما هو نذير بالاقتتال ثم الاقتتال حتى الغاء التحكم الطائفي لطرف على حساب طرف آخر، وظهور حكومة ومشاريع سياسية غير مشبوهة بالنفس الطائفي.
ولا بد من القول، إنه لو كان الحال كما هو الآن، لما كان بوسع مازن آرامايا، ان يواجه ما ما واجهه في تلك الذكريات، ولكن للأسف، ما كان الواعز في ذلك الوقت، لم يكن الديمقراطية، بل الهيمنة الشمولية الفردية لحزب واحد متفرد بالسلطة. في حين تنعكس الصورة الان، باتجاه آخر، حيث لا ديمقراطية أيضا ولكن في ظل تصفية الاخر على اسمه الطائفي.
وتحدث الشاب العراقي الاصيل مازن، سليل سرجون وآشور بانيبال قائلا: في العام 1992، عندما كنت جنديا في الجيش، مرت بي حادثة تركت بصماتها على حياتي. وكلما مرت على صفحة ذاكرتي، ازداد، والحق يقال، فخرا وحبورا، عن الموقف الذي تهيأ لي أن أتخذه. ومضى في القول:
لا يتعلق الامر بالحصول على ميدالية أولمبية او جائزة عالمية، لكن ما حدث، اجده أهم من ذلك بكثير، إذ وجدتني يومها أمام اختبار خطير، لم اتنكر فيه عن خصوصية انتمائي الديني، وفي الوقت عينه، لم تكن شائبة على المواطنة التي تسري في العروق، أجل كان الروح القدس معي واليكم ما حدث:
كنت أخدم في إحدى الوحدات العسكرية شمالي العراق، وكانت الاجازات عندنا بنظام الدورات حيث كانت كل الدورة التي تحت التمرين تحصل على إجازه (5) ايام كل 28 يوما بعد التدريب وهدا يعني ان السيارات التي كانت تقلنا تكون محجوزه لنا أساسا.
في احد ايام الالتحاق وفي اثناء صعودنا إلى السيارة صعد معنا اربع أشخاص عرفناهم من ملبسهم أنهم "رجال دين " فتكلموا مع سائق السيارة لان الكراج كان مزدحما فخصص لهم مكانا معنا نحن الجنود وعندما حثت الحافلة الخطى متوجهة الى منطقة وحدتنا، وبعد ان عبرنا سيطرة بغداد قام احد هؤلاء رجال الدين بالتكلم مع السائق وطلب منه ان يكلم الجنود فسمح له بذلك فوقف في وسط السيارة وقال: "ايها الشبان، نحن من الطائفة "الفلانية" لنا مجلس في القرية القريبة، وقد زارنا وفد من الفاتيكان وآمن بتعاليمنا وزارنا وفد من الCNN وهم يبثون لنا عبر قناتهم لمدة 20 دقيقه يوميا وبما انكم شباب البلد ساقوم بأعطائكم التبريكات واحدا واحدا". وكنت انا جالسا بالضبط في المقعد الثاني بعد مقعد السائق في (المنشأه) كما كنا نطلق عليها في العراق، وباشر الرجل عمله بالجهة المقابلة من الحافلة متوجها صعودا ليعود راجعا من صفحتنا الثانية، وفي هذه الأثناء تجمع حوالي كثير من الأصدقاء وقالوا لي ماذا ستفعل يا مازن فالرجل لا بد أنه سيسعى ليجعلك تغير دينك... وكنت انا الشخص المسيحي الوحيد في الحافلة. فقلت لهم فليأت ويتكلم سأقوم بالرد عليه. وعندما وصل الرجل الى المقعد حيث كنت، أخذ يكلم زميلي الجالس إلى جنبي، وكنت انا من صفحة النافذة، وقام بإعطائه تبريكاته، واثناء ذلك نظر الي فوجد سحنتي الحمراء، وعلى ما يبدو، عرف اني مسيحي، وبطريقة ملتوية سألني هل انت مسيحي فقلت نعم وكان كل الجنود متجمعين قريبا مني. فقال: ما أسمك؟ قلت: مازن. فقال: مازن اسم يعني مزنة والمزنة تعني الغيمه والغيمه تعني المطر، والمطر خير، فلماذا لا تصبح رجل خير يا مازن فقلت له: من قال لك اني لست رجل خير! وأحيطك علما، ان اسم مازن لا يعني ما ذكرته (مزنة) لأن مازن في المنجد تعني بيظ النمل بالظاء وليس بالضاد، فقال: يبدو انك قرأت المنجد؟ فقلت له نعم انا قرأت المنجد.
فقال يا مازن، أنا قصدي إن كان لكم شخص مريض ولا يستطيع الطب علاجه، سنقوم نحن بعلاجه، بعد أن نصلي عليه، فقلت له إن الحقيقة الواضحة التي أعرفها ويعرفها الكثيرون، ان السيد المسيح له المجد هو الذي قام بالمعجزات، فقد أحيا الموتى وطهر البرص وجعل العميان يبصرون والخرس يتكلمون. فقال لي: أنا سأعطيك بعض البركات لتكون معك. قلت له: لي كنيستي أتبرك بها، وامنا العذراء هي البركة الكبرى لنا ايضا.
عندئذ توجه الرجل بالحديث الى صديقي الجالس بجانبي، وهو أي رجل الدين، يرمقني بغضب وقال له: إسمع، هذا عدوك، لا تأكل معه ولا تشرب ولا تتكلم، قال هذا وهو يشير الي، وهم بالذهاب...
قلت له: انتظر اريد ان اصبح رجل خير، ولكن قبل ذلك أسألك سؤالا. فقال وقد انفرجت اساريره متوقعا شيئا جيدا بالنسبة إليه: إسأل. قلت: هل تعتقد ان رجل الشر يستطيع ان يزرع الخير؟ فقال: مستحيل، فالشر يصنع الشر. قلت: إذن كيف تريد أن تجعلني رجل خير وأنت أساسا رجل شر؟ فقال لي: كيف تكلمني هكذا وأنا رجل دين، فقلت: إنها الحقيقة، فإن الجالس بجانبي كان صديقي حتى هذه الحظة وأنت قلت له عني: هذا عدوك، فأنت زرعت شرا بيننا فلو قتلني غدا في أرض المعركة غدرا لأنني على غير دينه، فهذا لأنك أنت جعلته عدوي، إذن أنت رجل شر.
فكان لهذا الكلام وقع السحر على أصدقائي، فقاموا بتأنيب رجل الدين ذلك، وأجلسوه في مكانه، وأقسموا أنه إن اعاد الكلام معي لينزلوه من السيارة، عندئذ نمت في تلك اللحظة نوما هانئا، إلى ان وصلت الى وحدتي وكأني حصلت على كأس العالم، لأني لم أنكر الرب يسوع ولم أخف.
هذه كانت حكاية الصديق العراقي مازن آرامايا ذي السحنة الحمراء. وماذا بعد؟
أجل، وبعد، فان المشهد لو تكرر في هذا الزمن، لكان للمحيطين بمازن شأنًا آخر مما قال. فما الذي تحقق، في ذي السنوات؟ إذا كان شأن النظام الشمولي السابق، كتم الاصوات لما يخص الوصاية على أساس الانتماء الديني قبل الطائفي. ها نحن اليوم أمام الإلغاء، إلغاء الآخر المختلف، باسم الحكم الطائفي، لطائفة على حساب آخرى، بنحو يتوجه الالغاء المعنوي والسياسي والاجتماعي بما في ذلك التصفية الجسدية وبتحريضات مذهبية طائفية.

ولعلها بالتالي دعوة من مختلف الاهالي الأبرياء، إلى عمال العراق الاسخياء ومثقفيه المنفتحين النجباء وعلمانييه الملتزمين المؤمنين الأصفياء، أن حان زمنكم، لتتحدوا، فاتحدوا.

54
الى سيادة الاب الجليل، راعي ابرشية الكلدان في سوريا مار انطوان اودو الجزيل الاحترام

الى أبناء وبنات فقيدتنا الغالية مدام بولاد، الاعزاء:
إيلي، فريد، ليلى، ميريم، وعوائلهم الكريمة، مع ابنتها بالتبني، ومرافقتها حتى الساعة الاخيرة العزيزة عيشا،

الى ابناء وبنات اسرتي زوج الفقيدة المرحوم اندريه بولاد، واسرة ولادتها مشاقة

الى الاخوة والاخوات ممن ربطتهم بالراحلة مدام نائلة بولاد، روابط الاخوية روابط الخورنة والاسرة الكنسية:

بنات اخوية سانت تيريز فردا فردا
الاخوة اميران اسمر واميل موصلي ونبيل جوزيف، والشماس جان ججو، والاخوة الشمامسة واعضاء الكورال في كنيسة سانت تيريز للكلدان الكاثوليك في الشام

والى كل من اعرف قربهم من فقيدتنا، وتضيق الصفحة والفرصة في ادراج اسمائهم

تحية محبة بالرب يسوع

بصفتي خدمت لحوالي سنة في خورنة سانت تيريز، الواقعة في باب توما حارة بولاد، اود ان أشارككم في المشاعر العميقة التي تربطنا معا، وتجعلنا نستذكر سوية راحلة كبيرة مثل السيدة مدام بولاد
واني اتحد معكم روحيا في القداس الذي نقيمه في كالغاري – كندا بهذه المناسبة
ولا يسعني إلا أن اثني بدمعة صمت، على كل ما كتب عنها اعلاه أخي الشماس جان وكورال سانت تيريز،
 في شأن سيرتها وموقفها المسيحي الانجيلي من أبناء وبناء خورنة سانت تيريز سوريين وعراقيين، ومواقفها المتميزة كمؤمنة وناشطة في الخورنة والاخوية تجاه الاخوة والاخوات السوريين والعراقيين الاكثر احتاجا الى "كاس ماء بارد".
 في مكالمتي الاخوة معها قبيل أيام، وكانت في عنفوان حديثها ووعيها، خاطبت فيها دورها كدور ام تجاه من فقد أم له، ممن عرفته عن كثب، وهاب بها المتكلم ان تحمل مسؤولية هذا الدور كقربان في المها ومرضها تجاه كل ابنائها وبناتها
واليوم لنا الرجاءوالتعزية في ان يؤهلها الرب لتمارس مسؤوليتها الانجيلية كأم واخت مسيحية في حياتها الجديدة بعد انتقالها من دار الفناء الى دار البقاء

مع اسمى مشاعر الاحترام والمحبة لكم

المخلص الاب نويل فرمان
راعي الجماعة الكلدانية بكالغاري وكاهن خورنة سانت فاميي (العائلة المقدسة) الكاثوليكية الفرنسية في كالغاري كندا
الاثنين 7 تموز 2008

55
بتأثر بالغ تلقيت نبأ رحيل المرحومة المربية البشوش، ماري مرقس السناطي ابنة خالة والدتي المرحومة خاتون روفائيل التي سبقتها بشهور الى رحمة الرب، ليكلأها الرب بغزير  رأفته وحنانه لتحظى بالسعادة الأبدية، وليبارك بالصحةوالعمر المديد شقيقها وشقيقتها الخال فصيح والخالة ساره، مع تعازي الحارة الى الاحبة ابناء وبنات الاسرة المباركة.
محبكم
الأب نوئيل السناطي والعائلة

56
الاعزاء بيت العم المرحوم الشماس روفائيل ميخائيل وابناء وبنات العم  سمير ـ منير ـ سرمد.  واللاخوات مريم ـ كاثرين ـ سميرة ـ منئ .

بمشاعر التأثر البالغ قرأت نبأ رحيل المرحومة الخالة وردي، والتي أذكر محبتها وحنوها منذ طفولتي،
ليرحمها الرب، وليغدق عليها نعمة السعادة الابدية وهي ملتحقة برعيل رفيقاتها اللواتي سبقنها بردح من الزمن الى دار البقاء، الخالة تريزا روفائيل العمة شمي شعيا والوالدة خاتون روفائيل، ورجاؤنا ان ينعمنن بالسعادة الابدية مع الصديقات والقديسات.
ودمتم بسلام
لابن عمك
أ. نويل فرمان السناطي

57
حضرة الاخ عمانوئيل خوشابا المحترم
اتقدم اليكم بمشاعر التعازي الاخوية لرحيل والدكم المرحوم عوديشو خوشابا يونادم، مبتهلا الى الرب أن يكلأه بعظيم رحمته ويسكنه مع آبائنا الابرار ابراهيم واسحق ويعقوب، واني اذكر بخير تواصلك الطيب معنا ابان خدمتي لخورنة سانت تيريز في سوريا، واقيم الخدمات المشكورة التي تقدمها لابناء شعبنا السورايا في الشام.
ودمت بسلام للمخلص
أ. نويل فرمان السناطي
nfhemriz@hotmail.com

58
الصديق العزيز الاستاذ شليمون داود اوراهم
بمشاعر من التأثر العميق تلقيت خبر وفاة المرحومة والدتك، أشاركك في هذه المناسبة الحزينة بعواطف المواساة المتبادلة، سيما وان المرحومة توفيت بتزامن مع رحيل والدتي، مع شكري لمشاعرك الاخوية في تلك المناسبة.
أذكركم بكل خير واذكر في صلواتي الوالدة المرحومة الخالة جواني يوخنا بنيامين، ولتشفع لها امنا مريم العذراء، فيكون مكانها السعادة الابدية مع الصديقات والقديسات.
ودمت بسلام لاخيك محبك
أ. نويل فرمان السناطي

59
الى العزيز الدور
نتقدم اليكم بالتعازي القلبية لوفاة المرحوم شقيقكم
ليلهمكم الرب الصبر والسلوان
وليغدق على الراحل الشاب مراحمه
وليسكنه مع الابرار والقديسين

أخوكم محبكم
أ. نويل فرمان السناطي والعائلة

60
الاخ الفاضل الاب فوزي ابرو
اشاركك المشاعر العميقة برحيل والدكم، ومواراته التراب، في اليوم الذي وريت التراب والدتي
في هذه المناسبة العميقة لدى كلينا، نتحد اكثر بالايمان بربنا الذي هو القيامة والحق والحياة
اخوكم محبكم الاب نويل فرمان السناطي

61
مار باواي سورو
كاريسما الوحدة بالحكمة والشجاعة

بقلم أ. نويل فرمان السناطي
-------------------------

قرات التصريح الذي ادلى به المطران باوي سورو. ولما كان مثل هذا التصريح منشورا على الشبكة الالكترونية، فهمت أن الغرض منه هو تفعيل الاراء بشأنه. وكنت، بادئ ذي بدء، وقبل الدخول في قراءة صلب النص، فهمت ايضا ان سيادة المطران ينوي التوعية بشأن طبيعة الخطوة التي يفكر ان يخطوها مع الملتفين حوله، وان الامر يتعلق بالتعريف بشأن ما وصلت اليه الاجراءات الادارية الحكومية ذات الصلة بحركته، ورسم ملامح النهج اللاحق لعمله. كل هذا، قبل ان التفت، وأنا في خضم التفكير في الاراء التي باتت تتبلور لدي، الى ان سيادته، يقدم نوعا من التصريح المتناظر مع ما تحمل الصفحة الرئيسية لموقع عنكاوا من دعوة نشرت باللغة الارامية بشأن المحبة والتسامح، فالتفت الى ان الدعوة اياها، تضمنت تعميما بشأن تلك الاجراءات الحكومية.

والواقع فرحت من جانبي، ان حركة الاسقف الشاب، تحررت من غلال الشؤون المادية، لتفصح مع الزمن القادم، عن رونقها الروحي الانجيلي المسكوني الوحدوي. وهكذا رأيت من جانبي، وقد سبق وأن كتبت في مواضيع تخص الشأن الوحدي لكنائسنا المشرقية، أعني  كنيسة المشرق، الكنيسة الشرقية وكنيسة الكلدان الكاثوليك، رأيت، وقبل التفاعل الشخصي المباشر والثنائي، مع الخبرة الوحدوية التي يعيشها سيادته، ان يكون ذلك على الصفحات الالكترونية. اما ما يعرفه عني وعن ارائي في خطواته، فهو بغنى ان ابثها له برسالة شخصية او اتصال هاتفي.

عود على بدء
-----------
واذا كنت اكتب هذا المقال، فان الموضوع ليس جديدا علي، سواء ما كتبته في سلسلة مقالات صدرت في جريدة بهرا، في عام 2004 او مقال مشترك مع الاستاذ موشي داود اوراهم على صفحة مجلة الفكر المسيحي، قبل عدة سنوات. على اني اشعر الان بالمزيد من الارتياح، لما وجدته من تناغم في خطوات مار باوي، مع الافكار التي طرحتها، في مقالي السابق على صفحة موقع عنكاوا، تحت عنوان: (آمال متجددة لوحدة أبناء بيث نهرين، مؤشرات واستقراءات) وهو متوفر للقارئ تحت الرابط
http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=profile;u=23154;sa=showPosts
نشر ذلك المقال،  في تموز 2006 قبل عام ونيف، واعترف الان ان لهجته كان يشوبها نوع من الحذر والخفر، لاسباب كهنوتية شخصية، ما كنت في حينها استطيع ان افصح اكثر مما افصحت عنه. أما اليوم فيبدو ان الغربة اكسبت المرء المزيد من الجرأة والتوضيح اكثر من التنويه، وان "المطر بعد كل ذي البلل لم يعد منه ملل". على ان الرسالة كانت وصلت في حينها الى الكثيرين من القراء الكرام، منهم على سبيل المثال لا الحصر، الاستاذ جبرائيل ماركو، أحد الناشطين والمنظرين في الشأن القومي لأبناء الكنائس المشرقية، الذي بادر فوجه لي رسالة تقييم طيبة ودعوة كريمة لحضور احد المؤتمرات.
أجل، أخي القارئ النبيه، لقد آن الاوان لأقول اني فكرت بمار باواي سورو، عندما كتبت ما كتبت في الفقرة المعنونة (كاريسما - مواهبية الوحدة في تاريخ كنيسة المشرق) وجاء فيها:
....ولا بد من الاعتراف، أن الشخصية ذات موهبة الكاريسما نحو الوحدة، بقيت عبر التاريخ بحاجة الى التفاف جماهيري، لو كان قد حدث ، لما كـُنـّا في الحال الذي نحن عليه. وهذه الحاجة تبقى قائمة على المستويين، العائلة الكاثوليكية، والعائلة الارثوذكسية. ((والعائلة الارثوذكسية، درج الباحثون، أبرزهم جان بيير فاولنيي، مؤلف الكتاب الموسوعي، موت حياة مسيحيي الشرق الاوسط، درجوا يضمنهونها اجنحة الكنائس المشرقية غير الكاثوليكية، فهي كنائس رسولية ايضا وبامتياز- توضيح كاتب المقال الحالي). ولا بد من القول أيضا، أنه حتى الجماعات الكنسية البروتستانتية، تعيش هاجس الوحدة المسكونية، كجدلية مطلوبة في الهوية المسيحية. وإن المسيحية (بقدر ما يناسبها هذا الاسم) إذا تحولت الى عنصر بموقع ادنى في خدمة التكتل القومي، دون بشرى الانجيل، تبقى تواجه أحد أخطر التحديات التي بقيت تتكرر عبر التاريخ، منذ عهد الملك قسطنطين، ولحد الان. وهذا الخطر بخضوع الكنيسة للتوجه القومي، على حساب التوجه الراعوي الانجيلي (نسبة الى الانجيل وليس الى الكنائس الانجيلية...) يشكل تهديدًا جذريا للهوية المسيحية الرسولية الجامعة الكاثوليكية.
وكان اسم الاسقف مار باوي في ذهني وكذلك واقع الحال بمختلف عناوينه المشجعة والمحبطة، وانا اكتب في ذلك المقال الفقرة الختامية الموسومة بعنوان (آمال معقودة على خطى البطريركين يوحنا سولاقا ويوحنا الثامن هرمز) وجاء فيها:
إزاء ما تناولناه من مخاطر ظهور كنائس مجهرية، منغلقة على الخصوصيات القومية لأتباعها، ومنغلقة على الرسالة المسيحية في الوحدة، تبقى الامال معقودة على الاصوات النبوية المواهبية ذات كاريسما الوحدة. اولئك الذين يتخذون الوحدة، كثمرة للمحبة والسلام، ويحملونها في شغاف القلب، كقضية ورسالة واستجابة لنداء المسيح، في أحلك الظروف، خصوصا عند ابتعاد هذه الرئاسة الكنسية أو تلك، عن المسار الوحدوي، وانشغالها بالشأن القومي على حساب الشأن الروحي والراعوي. وينطبق عليهم قول القديس غريغوريوس الكبير: ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة، أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها، ولكنهم يتصرفون تصرفا فاسدا.
بل إن هذه الاتجاهات التكتلية، هي أكثر من أي وقت آخر، أضعف من جانب الايمان المسيحي، وهي أكثر ضعفا من الجهات التي كانت في عهد القطبين مار يوحنا سولاقا وما يوحنا الثامن هرمز. ودليل هذا الضعف هو ما يستخدم من شراسة وضراوة، ضد الوحدويين المسكونيّين حاملي رسالة الوحدة. وإن الأقطاب المنافسة لها في كنائسها الأصلية، لن تملك مع الزمن الا الاحتجاب والالتغاء، على حساب المزيد من الاستجابة لدى رعاة الاقطاب الوحدوية المتزايدة، من صعيد الالتحام بين الفروع الأصيلة في التجمعات الثقافية والكنسية، إلى صعيد الانفتاح الثقافي الحضاري والوحدة المسكونية الجامعة الى وحدة القاعدة الشعبية على المستوى العلماني الايجابي الملتزم، بمعزل عن نفوذ عندما يفتضح تقسيميا وتعصبيا.
 وإن الأصوات النبوية اذا اجتمعت لديها السلطة الراعوية واستقطبت الالتفاف الجماهيري، هي المنقذة للمسار المصيري للوحدة، لتضعه في الخط الصحيح، بقدر ما تكتمل فيها، مع الوقت، المصداقية المرجوة في نبوة غمالائيل في أعمال الرسل، الذي اعطى الفرصة للزمن، بان يتبين المعدن الأصيل من المزيف، المسكون بدعوة الوحدة والمتجه بكفاءته ونزاهته الى صفات القداسة فالغبطة في كنيسة المشرق الموحدة.

تطلعات طموحة لصالح الكنيسة الشرقية القديمة
-------------------------------------------
ولا بد من التأكيد ان الاماني في المقال السابق، كانت باتجاه التفاعل مع الكنيسة الشرقية القديمة، لاعتبارات كثيرة:
- الحنكة التي ابداها البطريرك مار أدي، سواء في التعامل مع الاحداث الداخلية للكنيسة الشرقية القديمة، او في الانفتاح الايجابي الرزين مع كنيسة المشرق الكلدانية الكاثوليكية.
- سعي الكنيسة الشرقية القديمة للتعامل المتوازن مع التوجهات الداخلية القبلية والعشائرية، والانفتاح الى رسالة الكنيسة الشرقية ككنيسة جاثاليقية، بما تحمل مفردة جاثاليقية من مضامين مسكونية.
- نجاح التجربة الاعلامية لبطريركية الكنيسة الشرقية، خصوصا عبر مجلة الافق الغراء، والتي اعترف اني كنت، خلال المدة الاولى من صدورها، احد المتحفظين بشأنها، حتى لمست فيها ما لمست من انفتاح وسعة صدر وجرأة...

حفاظًا على الخصوصية الاشورية المتمزية في صيانة النسيج القومي
---------------------------------------------------------------

إن الدعوة الى تشجيع خطوات الاتحاد باتجاه الكنيسة الشرقية القديمة، تستهدف ضمانا أكبر لبقاء جناح مار باوي في المحور القومي الاشوري، قد لا يتوفر بالكيفية عينها لدى كنيسة الكلدان، برغم نجاح مماثل جزئي لصيانة المحور القومي الاشوري على مستوى هذه الكنيسة في ايران، والتي يغلب في تسميتها، تدوال اسم الكنيسة الاشورية الكاثوليكية في ايران. وان الانضمام الى الكنيسة الشرقية،  كفيل بضمان عدم الذوبان في الحد الادنى من الخصوصية القومية الذي ظهر في اجنحة متعددة من الكنيسة الكلدانية، باستثناء بعض منها ابرزه محور مار سرهد جمو على سبيل المثال لا  الحصر.

الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، شؤون وشجون
لكن المسألة الاخرى التي تدعو الى تشجيع الحركة التصحيحية باتجاه الخط المسكوني على مستوى الكنيسة الجامعة، والوحدوي على مستوى الكنائس المشرقية، بالانضمام الى الكنيسة الشرقية، هي مسألة فيها شؤون وشجون، نختصرها بما يتهيأ من وضوح ، وهي:
مع اني كمسيحي كاثوليكي من انحدار عائلي آشوري، وضمن خدمة الطاعة المقتنعة والواثقة التي ادينها لكنيسة روما ، ومع الاقتناع الشخصي المطلق بأن الكنيسة الكاثوليكية هي وريثة مار بطرس هامة الرسل وخادم خدام الرب بالمحبة، فإن كنيستنا الام هذه، كنيسة روما، وبحسب ما اظهرته حالات تاريخية، تبين انها بقدر ما تستقطب الاتحاد معها من لدن اجنحة من الكنائس الرسولية القومية، فإنها تبقى على قدم وساق من التناظر في الخطوات المسكونية مع الرئاسات الروحية للكنائس غير الكاثوليكية، وتحديدا تلك الشقيقة مع الكنائس المنضوية تحت لواء روما وبمعزل عنها وبنحو مقصود لا استطيع شخصيا استيعابه، ولا بد ان وارءه أسبابا لا أحيط بها ، وآمل بثقة بنوية، أن يتطور الأمر نحو الاحسن، كما حدثت تطورات على صعد اخرى.

أحد أمثلة الذوبان للكنائس التي ارتبطت منذ قرون مع كنيسة روما، ما جاء بهذا الصدد في ما سمي بصرخة اسقف بعلبك في سينودس من اجل آسيا، في نهاية تسعينيات القرن العشرين، الذي اشتكى من المحدودية الادارية الذي تعيشها الكنائس المرتبطة بروما على حساب خصوصيتها التراثية والثقافية. وعلى ضوء ذلك اجاب الكردينال اتشيغاراي عن سؤال طرحه عليه مراسل الصحافة الفرنسية في روما بشأن رأيه في هذه الصرخة، عندما أطلق تصريحه الشهير: ما ان يحصل اتفاق بين الكرسي الرسولي والكنائس غير الكاثوليكية، على أولوية البابا، فان الكنائس الاخرى المتحدة سابقا مع روما تذوب من حالها...
ولا بد وأن للكرسي الرسولي توجهات وسياقات في الخطوات المسكونية، تفوق استيعاب الكثيرين منا، فيكون لها ما يبررها، من ذلك ما ذكر عن اجراءت روما تجاه الخطوات الوحدوية بين كنائس انطاكيا، وكذلك الخطوات الانفرادية بين روما وكنيسة المشرق الاشورية في نهاية عام 1994 التي تمت بمعزل عن شقيقتها الكنيسة الكلدانية، وبالرغم من الخطوات الشجاعة التي قام بها البطريرك خالد الذكر مار روفائيل الاول بيداويد في التفاعل الوحدوي مع كنيسة المشرق الشقيقة، لكن التكتلات القومية الفئوية والقبلية التعصبية المريضة في كلا الكنيستين، حالت دون ان تتقدم حثيثا خطوات الوحدة. من هذا يمكننا ان نستخلص:

في حالة الانضواء مع الكنيسة الكلدانية، قد تؤول الى الذوبان، هذه التجربة التصحيحية للاسقف الوحدي، لاسباب لا يسمح الظرف بالتطرق اليها. كما ان في شرائح من الكنيسة الكلدانية تعصب فئوي اصابها بعدوى مضاعفة من شرائح مماثلة في التعصب على جانب كنيسة المشرق. لكن التعصب البادي في هذه الكنيسة ينطلق لدى الاساقفة والعلمانيين معا، بعكس التعصب الكلداني، الذي على ما أظن يغلب لدى العلمانيين.
وهكذا ان انضواء الحركة التصحيحية المسكونية الوحدية الى الكنيسة الشرقية القديمة، كفيل بأن يعطيها المزيد من الدفع في خطواتها الايجابية، مع الاحتفاظ بالتراث القومي الاشوري لابناء هذه الكنيسة، كما ان خطواتها المسكونية تجاه روما، ستكون أكثر قوة مما سيجعلها تحافظ على الكثير من الخصوصية والاستقلالية، واذا استطاع الاسقف الوحدوي سورو ضمن الكنيسة الشرقية ووتحت ابوة وريادة البطريرك مار ادي، عندئذ ستكون خطوات التفاعل من لدن الكنيسة الكلدانية، بقدر تلقائية التفاعل، في حينها، بينها وبين كنيسة المشرق، في اعقاب اللقاء الايديولوجي الوحدوي التاريخي، بين رئيس الكنيسة الكاثوليكية، ورئيس كنيسة المشرق الاثورية، في روما.

وبعد، لا بد من الاشارة في نهاية هذا المقال، الى ان من يحذرون من الخطوات الوحدوية نحو الكنيسة الكاثوليكية الجامعة، على اسس قبلية او سياسية، انما يحكمون على كنائسهم، بأن تبقى كنائس مجهرية غير متفاعلة مع رسالتها الانجيلية الجامعة. ذلك ان الخطوة التاريخية للبطريرك مار يوحنا سولاقا، شهيد الوحدة، كانت وستبقى المسار الى الامام، لا نملك الا ان نفتخر به. اما الاحباط الذي يرافقنا بتذبذب التسمية القومية، وتعدد التسميات، فكل هذا لا يكون ذا بال يذكر، إذا قورن حالنا قياسا بنعمة الوحدة تحت قبة مار بطرس. ومن هنا، قد لا تلقى تشجيعا من غيري ايضا، في الظرف الحالي، خطوات وحدوية مسكونية لحركة التصحيح، باتجاه الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. ذلك ان هذه الكنيسة، كنيستنا التي احب بكل ما لديها وما فيها فهي تبقى الام ايضا، هذه الكنيسة التي باتت اكبر اتساعا في الاغتراب منها في الداخل، متجهة، بحكم تراكم الزمن، شاءت أم أبت، عاجلا ام آجلا، متجهة نحو الانصهار والذوبان، وفقدان الخصوصية التراثية والليتورجية والقومية. خصوصا وان سياق الانصهار والذوبان قد انتهجته قبل المجمع الفاتيكاني الثاني، بحيث باتت متأخرة للحاق بتوجهات الفاتيكاني الثاني الذي بقي منذئذ يؤكد على الكنائس بالمحافظة على تراثها وخصوصيتها، بما لا يتناقض مع رسالة الكنيسة الجامعة لنقل بشرى الرب الى كل المعمورة،
وأخيرا وليس آخرا، لو عرفنا ان لا خلاف ايديولوجي بين الكنائس المشرقية، كان لا بد للمزيد من الانسيابية في حركة الابناء فيما بينهم، وبين كنائسهم المشرقية القومية، مثل الماء في الاواني المستطرقة. ولو اضطلعت قاعدة المؤمنين وجموع الكهنة بهذه الدالة بين الاخوة وأبناء العمومة، لكان كل اسقف او رأس كنيسة من كنائسنا المشرقية، يحسب الحساب، كل الحساب، في التعامل المسؤول مع ابناء رعيته وكهنته.
 وفي الختام، هذه همسة محبة في إذن المطران مار باوي سورو: لا اعتقد ان الكنيسة الشرقية القديمة، بحاجة الى تفاوض، فهي ايضا بمثابة البيت الام، يفتح للابناء بدون موعد او اتفاق مسبق.

62
يا غبطة ونيافة أبينا البطريرك الكردينال:
----------------------------------------------
إن السلطات العراقية تطالب بفدية باهضة عن كاهنينا المخطوفين
-----------------------------------------------------------------------------

بقلم الاب نويل فرمان
------------------------

يا غبطة ابينا، مار عمانوئيل الثالث، بطريرك كنيسة المشرق للكلدان، نيافة كردينال كاثوليك العالم والعراق

لقد تم انتخابكم بطريركا على العراق، في حقبة صعبة على كلدان العراق، وأديتم ما أديتم في هذا المضمار، ابرزه ثباتكم وبقاؤكم صامدين، وصوتكم الجريء ضد مضطهدي المسيحيين في العراق.

ولقد تم استيزاركم كردينالا من كرادلة دولة الفاتيكان، عن مسيحيي العراق، اضافة الى كونكم بطريرك كنيسة المشرق للكلدان في العالم. ويأتي هذا التكريم خلال ما يعيشه العراق، من حقبة مظلمة مغولية هولاكية طائفية ايرانية يلفها حال اقل ما يقال فيه، تجاهل "المحرر" الامريكي المحتل وصمت المحفل العربي والدولي.

نسأل الرب، يا أبانا، ان يقويك في مهمتك الجديدة كردينالا، المهمة التي اصبحت اضخم من قبل كبطريرك على الكلدان، فلم تعد يا أبانا، فقط بطريركا لشريحة من المسيحيين العراقيين، حتى وان وصفت بأنها الاكثر عددا من نظائرها في كنيسة المشرق وضمن مسيحيي العراق،
فقد تم تسميتك لكرامة القبعة الكردينالية، بما يحمله لقب الكردينالية من ثقل على مستوى العالم، لتكون كردينالا عن العراق، بمسيحييه، بأقلياته القومية والدينية، بمواطنيه العراقيين.

وبعد ان سبق وسمعنا صوتك الجريء كبطريرك لكنيسة المشرق الكلدانية، نتطلع الى مواقفك، بصفة كردينال عن العراق والعراقيين، في مصاف أبرز الأصوات الدينية المعروفة في المناطق الساخنة، من أمثال:

البطريرك مار ميشيل صباح  في فلسطين، وما له من صوت على مستوى اوربا والعالم،

البطريرك الكردينال مار نصر الله بطرس صفير في لبنان، ووقفته البارزة في الوضع اللبناني، وكلماته التي يصدي لها اسبوعيا مختلف وسائل الاعلام الكاثوليكية والمسيحية، في الفاتيكان وخارجه،

والاسقف الشاب المطران كارلوس جزيمينيس بيلو مسؤول الكنيسة في تيمور الشرقية الذي غدا أحد الوجوه البارزة في حركة التحرر بتيمور الشرقية، وصاحب الرسالة الشهيرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة التي قال فيها: "نحن نموت كأشخاص وكأمة"، وقد استحق عن دوره المقاوم جائزة نوبل للسلام عام 96.

نتطلع يا نيافة الكردينال، الى صوتك المجلجل ضد الحالة غير الطبيعية الجاثمة على صدر العراق، من خلال النفوذ الايراني، الموقف الامريكي الغريب المريب، وما نتج عن الحالة من حكومة طائفية تكتلية (اي غير وطنية وغير علمانية) حكومة صنمية رمزية عاجزة ، جل رموزها، وهم كثر، مسيرون لا مخيرون، لا حول لهم ولا قوة، وليس لديهم سلطة ذاتية تذكر، باستثناء ما يأتيهم من توجيه من الامريكان وايران ودول اخرى. وعليه، بوجودهم على وضعهم، اصبحوا، وما داموا هكذا، رموزا حكومية جمهورية رئاسية عاجزة، اصبحوا غطاء للارهاب وذريعة له وجزءا ذليلا من سلطاته، بما أنهم لم يتحلوا بالحد الادنى من الشجاعة للانسحاب ورفض المحاصصة ورفض الطائفية والتكتلات القومية، والتنازل لجهة قوية دولية محلية تستعيد مقاليد الامور.

وهكذا يا سيدنا البطريرك الكردينال، فإن هذه الحكومة بوضعها الحالي غير المقبول هي مسبب للارهاب وهي بالتالي جزء منها، ومع وجودها يمكننا، آسفين، أن نسمي الارهاب بواحدة من السلطات التي تحكم العراق وما دام الحال كذلك، عراقيا، يا سيدنا، فهذه بعض انتظاراتنا:

إن عراقيينا ينتظرون صوتك، ضد وجود حكومة طائفية ضعيفة عاجزة، يبرز بين رموزها وقادة تكتلاتها اكثر من صبي ارعن، وباتوا بالتالي، بوجودهم سببا رئيسا يشجع استمرار الارهاب.
وإن مسيحيينا العراقيين بصرف النظر عن وجود كرسي بطريركي لهم في العراق او عدم وجوده، وخصوصا عند عدم وجود كرسي بطريركي للكثيرمنهم في العراق، إن مسيحيينا هؤلاء ينتظرون ايصال صوتهم، عبر الفاتيكان، وعبرالمحافل الدولية، بعدم السكوت عن هذه الحالة، خصوصا بعد أن سمى البابا لاول مرة، في شخصكم الموقر، كردينالا من كنيسة الكلدان.

نتطلع يا سيدنا، الى المطالبة، بالكف عن مسرحيات خطف الكهنة لابتزازات سياسية مادية يكون جل اعضاء الحكومة العاجزة ابرز الخاسرين فيها، وأول المسؤولين.

ننتظر منكم بثقة بنوية، وقفة تاريخية، أمام الامم المتحدة، ضد السلطات الارهابية حكومية كانت أم اصولية، التي تمارس شتى انواع القهر والخطف والابتزاز، ضد المواطنين وخصوصا ضد الاقليات الدينية والقومية، ولا سيما المسيحيين، غير المحصنين، اسوة بعراقيين آخرين، بظهير عشائري أو قاعدة سياسية قومية موحدة، ويجري كل هذا تحت انظار العالم وصمت السلطات الامريكية وبقوات الائتلاف.

وعليه يا سيدنا، ان كاهنينا الاب بيوس عفاص، والاب مازن متوكا، بصرف النظر عن بطريركهما وانشغالاته في مقر بطريركيته او في القدس، هم كاهنان لمسيحيي العراق، ونحن معهما بانتظار وقفتكم الكردينالية، فإن:

أحدهما، وهو الاب مازن إيشوع، يمثل ضمن شبابنا جانبا من مستقبل كنيسة العراق وشبابها،
والاخر الاب بيوس (زهير) عفاص، يمثل جانبا من تاريخها الفكري والاعلامي، كاعلامي في مجلة الفكر المسيحي التي تخدم العراق وتخدم كنيسته وخدمتها منذ لم يكن ثمة حتى ولا نشرة مسيحية للرسامات والوفيات والزواجات.

والاب بيوس عفاص، يا سيدي، مؤسس جماعة كهنة يسوع الملك التي ينتمي كهنتها الى مختلف الطقوس الكنسية، بضمنها الطقس الكلداني، وهو عبر مجلة الفكر المسيحي، أنشأ قراءه، على تعاليم الفاتيكاني الثاني، طوال 30 عاما، هذه المجلة التي استمرت على البقاء، بادارة كهنة يسوع الملك، وتستمر على البقاء بإدارة الاباء الدومنيكان، برغم الصعوبات، فاستحقت، في حزيران الماضي، التكريم بالجائزة العالمية الذهبية، تكريما افرح مسيحيي العراق وكنائسه واعلامه، التي تسلمها الاب بيوس مع المطران جرجس، من الاتحاد العالمي للصحافة الكاثوليكية في كندا.

واسمحوا لنا يا سيدنا البطريرك الكردينال، ان نقول بأن مجلة الفكر المسيحي، إن لم تكن مجلة صادرة عن الكلدان، فهي مجلة مسيحيينا في العراق، من اي طائفة كانوا ومن اي رهبانية كانوا ومنهم الكلدان،. فكيف ان كانت صادرة الان عن الدومنيكان، الذين اخرجوا طوال عقود القرن العشرين، عددا كبيرا من كهنة العراق ونخبة بارزة من اساقفتهم، فكان اثرهم على كهنة يسوع الملك تلاميذ الدومنيكان، وها هي الان بإدارة دومنيكية عراقية.
لعل هذه المجلة تستحق الان ، ما لم استطع الحصول عليه من سيادتكم، ابان عملي كنائب لرئيس التحرير فيها، وأقولها الان، كعامل سابق فيها، وكقارئ لها، وكاتب بسيط كان له فيها بعض كتابات متواضعة، فلعل هذه المجلة تستحق الان من نيافتكم كردينالا، زيارتكم والتفاتتكم ورعايتكم، سواء لها ولاسرة تحريرها الحالية التي تحمل تعب النهار وحره،

ونرجو أن تستحق مجلة الفكر المسيحي، رعاية من حملها في عروقه طوال 30 عاما الاب بيوس عفاص، مؤسسها ورئيس تحريرها السابق والاسبق، اضافة الى خدمته في تنشئة الاجيال المسيحية على الدراسات البيبلية الكتابية.

وبعد، نرجو يا سيدنا الكردينال أن يعنيكم شخصيا، ما أذاعته وكالتنا المسيحية في الفاتيكان، زينيت، بأن الخاطفين يطلبون عن الاب بيوس عفاص وعن شقيقه الكاهن الشاب، الاب مازن ايشوع، فدية باهضة.

ودمتم بطريركا للكلدان، وكردينالا عن العراق وكنيسة المسيح في العالم تحت رعاية الفادي.

nfhermiz@yahoo.com
 




63
يسعدني حقا ان اتقدم بالتهاني الاخوية الطيبة الى الاخت العزيزة ماريان (نهلة) فرنسيس لهذه المناسبة الكبرى في حياتها وفي حياة الرهبانية الموقرة رهبانية أخوات القديسة كاترينة، واني واذ توفر لي ان احضر يوما نذورها الابتدائية في الموصل، ابقى مشاركا بالروح والقلب في هذه المناسبة، مع طيب تمنياتي للاخت ماريان ولذويها في تللسقف وفي باطنايا وسائر البلدان، وللاسرة الرهبانية الكاترينية، بكل نعمة وخير وبركة
أخوك بالرب
الاب نويل

64
جماعة السورايي في ساسكاتون وكالغاري
مواعيد قداديس الاب نويل فرمان للفترة من احد السعانين ولغاية أسبوع القيامة، كالاتي


  1. احد السعانين في ساسكاتون، الآحد 1 نيسان (مع الرجاء التحفظ والرزانة في مفاكهات كذبة نيسان...)

ساسكاتون : الساعة 10 صباحا

أحد السعانين في كالغاري
كالغاري:     الساعة      17:30

  2. خميس الفصح في كالغاري
كالغاري :    الساعة      16:00

  3. الجمعة العظيمة في كالغاري
كالغاري: الساعة 00ر17

  4. قداديس عيد القيامة

في كالغاري: ليلة السبت على الأحد: الساعة ..ر23

في ساسكاتون:
      الساعة      17:30 في كنيسة سان جوزي عصر يوم الأحد 8 نيسان أول يوم العيد
      الساعة      30ر17 في كنيسة سان جوزي عصر يوم الأثنين 9 نيسان ثاني يوم العيد (ما يسمى بـ كياسا)

كالغاري:
الساعة ..ر20 قداس ثالث يوم عيد القيامة وما يسمى بـ (كياسا)

نتمنى من كل قلوبنا ونصلي ونتظرع الى الله القدير ان تكون القيامة المجيدة لربنا يسوع المسيح من بين الاموات نورا يملؤنا ويرشدنا الى طريق الحق والحياة الابدية، أمين. وكل عام وانتم بالف خير.

65
الكوميدي دريد وتقليد الوسام لحمار اللحام

بقلم الكاتب نويل فرمان

يذكر ان طفلا صغيرا من أبناء شمالنا العزيز، ولد بكرًا لعائلته، التي خشيت عليه الكثير فرصعت صدره، بالحجابات المربعة والمثلثة المخيطة على كتابات الدعوات والصلاوات بالستر والعافية، الى جانب عدد من الايقونات وما يسمى بالودعايات من عظم العاج وسن الفيل ومن التوركواز على طراز سبع عيون. وكانت الام كلما تحركت بالطفل على ذراعها، تحركت معها كل تلك الناشين المرصعة على صدر صغيرها.

وفي أحد الأيام، صعد الى القرية مطران الابرشية، لمتابعة شؤونها، ولم التقادم السنوية، وبقي لمدة أطول للاشراف على بناء بعض الكنائس في قرى المنطقة. فكانت الفرصة أن تأخذ الام طفلها البكر، الى المطران بعد أن حرصت ان تلبسه الدراعة المرصعة بتلك الايقونات والميداليات الفضية والذهبية والحجابات الملونة والودعايات وقطع السبع عيون. ولعلها كانت تمني النفس بأنها سوف تستحق اطراء راعي الابرشية على ما زينت به صدر وليدها.

وجاءت الأم بابنها الاسقف الجليل، ذي اللحية البيضاء الكثة، وطلبت منه بخشوع ان يبارك الصبي. فانشرح ثغر مار يوحنا نيسان على منظر الصدر المحمل بكل تلك الشارات، فقال لها، بسرعة بديهته المعروفة: ما بالك يا ابنتي زينت الصبي بكل هذه الشارات، حتى البغل الجديد لا يزين هكذا!

تمر السنوات، وتحدث الصفحة الاولى للحرب الايرانية الفارسية التوسعية على العراق، التي دامت سنوات بوصاية أمريكية مفضوحة، وقبل ان تحل الصحفة الثانية من العدوان الايراني الفارسي على العراق منذ 2003 في ظل الدبابة الامريكية. خلال تلك الصفحة الاولى من الحرب، درج الرئيس العراقي السابق قبل سقوط نظامه وقبل أسره ثم إعدامه المشهود على أيد برزت فيها الاصابع الايرانية وبإخراج طائفي محكم من الصهيونية والامبريالية الامريكية.

ومن المفارقة أن يشهد الصبي إياه  في كبره، موسم ترصيع النياشين والانواط على صدر المقاتلين. وما مكان للرئيس الراحل رحمه الله، في خضم أسراب المتقدمين الى التنويط أن يميز منهم من كان قد ادرج اسمه في غفلة من الزمن، ليكون محسوبا ضمن الشجعان. وقد توالت الكثير من القصص والروايات على من لم يستحقوا التكريم، أو من فاتهم التكريم، فكان رحمه الله لا يتوانى من منح النوط لمن اهمل اسمه، بعد أن يتبين له مدى استحقاقه ومدى الغبن اللاحق به، مثل السفير الراحل المرحوم عبد الودود الشيخلي.

وفي تلك السنوات تفتقت قريحة الفنان الكوميدي على تمثيل اولئك المكرمين بدون استحقاق، بمشهد كان فيه يقلد حمارًا شيئا من تلك النياشين.

ولكن يبقى القول، ان التكريم لا يقلل من سخاء الشخص الذي يقوم بالتكريم، ولا من حسن نيته، كما ان الحمار المزين بمختلف النياشين لا بد وان تنسحب فضيلة زينته على صاحبه اللحام الثري بأنواع اللحوم، وما يحمل حماره الانيق من نفائس.كما يبقى الحمار يهتز زهوا كلما صفقوا له، ويتبختر بأذنيه ذات اليمين والشمال، وهو في كل حسبانه، أن الفضل كل الفضل يعود له قبل لسيده اللحام. ولله تعالى في خلقه شؤون.

66
الجماعة الكلدانية في ساسكاتون- كندا
تستقبل مطران الكنيسة الكاثوليكية في المدينة
[/color]

استقبلت الجماعة الكلدانية في مدينة ساسكاتون بولاية ساكاتشوين الكندية، سيادة ألبرت لوغات، مطران الكنيسة الكاثوليكية (الرومان الكاثوليك) في المدينة، في عصر يوم الاحد 17 كانون الاول ديسمبر، وذلك في مركز خورنة القلب الأقدس للكلدان في ساسكاتون، علما بأن سيادته هو الاسقف الكاثوليكي المحلي الذي ترتبط الجالية الكلدانية برعايته قانونا، بالتنسيق مع الزائر الرسولي للكلدان في كندا، سيادة المطران ابراهيم ابراهيم.
وجاءت زيارة المطران لوغات كزيارة راعوية للاطمئنان على أحوال الجماعة، ومواكبة استعداداتها لاستقبال أعياد الميلاد، وكذلك لتأكيد حرصه على ازدهار هذه الجماعة وتعويله على مستقبلها في المنطقة، برغم كل الصعوبات.
وكان في استقبال المطران ألبرت لوغات وبصحبته النائب الابرشي الأب بول دونليفي، الاب نويل فرمان السناطي، الذي رحب به باسم الجماعة وباسمه، وعبر عن السرور بمقدم سيادته وعن امتنانهم لرعايته الابوية.
وذكر المطران لوغات في معرض حديثه انه بالتنسيق مع سيادة المطران ابراهيم ابراهيم الزائر الرسولي، والذي بدوره يتواصل مع بطريركية بابل على الكلدان، فقد جاء لزيارة الجماعة، للوقوف على أوضاعها، ولتنظيم خدمتها الكنسية، مع ما يتوفر من امكانات حالية لخدمة الجماعة الكلدانية في غربي كندا، في كل من ولاية ساسكاتشوين وولاية ألبرتا. وبناء على واقع الحال، في الوقت الحاضر، بوجود كاهن كلداني واحد، في المنطقة، فإنه وبمتابعة من لدن سيادة المطران ابراهيم، وبالتسيق مع المطران هنري رئيس أساقفة كالكاري، فقد تم ترتيب خدمة الجماعة الكلدانية في مدينة ساساكاتون (ولاية ساسكاتشوين)، بشكل منسق مع خدمة الجماعة الكلدانية في مدينة كالكاري (ولاية ألبرتا).
ووضح سيادته، أنه بناء على ما سبق وتم تدبيره في الجولة الأخيرة الزائر الرسولي مار ابراهيم ابراهيم (في مطلع شهر آب أوغسطس الماضي) كان قد تنسب الاب نويل فرمان السناطي للاستقرار في مدينة كالكاري وتأمين الخدمة فيها، إلى جانب للخدمة التي تنسب أن يؤديها أيضا في ساسكاتون، بحيث يستطيع بمتابعة المطرانية، أن يتواجد في ساسكاتون لإقامة القداس والخدمات الكهنوتية بين أحد وأحد، مع حرص المطرانية على تأمين قداس للجماعة من الكهنة المحليين يشارك فيه المؤمنون بقراءات من الكتاب المقدس وتراتيل باللغة الكلدانية.
وأضاف سيادته أنه يعول على تواصل الخدمة في هذه الجماعة، لحرصه على ديمومتها ومستقبلها، معتمدا على تواصلها وتآزرها مع المطرانية ومشاركاتهم السخية روحيا وماديا.
وتناول الحديث النائب الأبرشي الاب بول دونليفي، وقال ما أن طلب منه سيادة المطران لوغات، تأمين الخدمة غير المنقطعة للقداديس للمؤمنين الكلدان في ساسكاتون، وما أن فاتح بهذا الشأن الإخوة الكهنة، حتى كانت الاستجابات من قبلهم فورية، والاستعداد لخدمتهم الكهنوتية، في المدة التي يكون فيها الكاهن الكلداني متواجدا في كالكاري، من قداس وخدمات طوارئ.
وشارك المؤمنون أبناء كنيسة المشرق الكلدانية الكاثوليكية، في الحديث والتعليق والاستفسار، ضمن محاور تستهدف معظمها، حرصهم على أن يحظوا بالخدمة الكنسية على الطقس الكلداني، والحرص على الاستخدام السليم لوظائف المبنى الذي هو بتصرفهم، من وظائف طقوسية كنسية، إلى انشطة اجتماعية وإلى أنشطة التعليم المسيحي.
وعبر الاب نويل السناطي في نهاية اللقاء على الامتنان تجاه سيادة المطران لرعايته الابوية على ديمومة الخدمة في الجماعة الكلدانية، معولا على ازدهارها بمدى تعاونها ووحدتها وتجاوبها مع تطلعات المطرانية والكنيسة.
وفي الختام، ابتهل سيادة المطران الى الرب ليغدق ببركاته على هذه الرعية الكلدانية ويمطر عليها نعم الميلاد القادم. واستغرق اللقاء زهاء الساعتين، بعدها غادر مار ألبرت لوغات مودعا بالحفاوة التي استقبل فيها.[/b][/font][/size]



67
الأب نويل السناطي
يوم اشتكى أمامنا الرئيس اللبناني:
(إعلامنا في حوزة الممولين... )  أوراق لبنانية 2-2
[/color]

تعكس صفحة الأحداث في لبنان الممتحن، مرآة ما كان يستقرؤه المراقبون، وآشر عليه بطريقة أو أخرى، الرئيس اللبناني، بلهجة لم تخلو من مرارة، منذ زمن ليس بالبعيد، قبل أن تشتعل الساحة اللبنانية على صفيح ساخن.
ملخص الملاحظة التي أوردها الرئيس أميل لحود، هو صعوبة الربط بين الإعلام والتمويل، وأن الكثير من الوسائل الاعلامية، باتت خاضعة تحت نفوذ مموليها. كان ذلك في لقاء ضمنا في قصره، مجموعة من اعلاميي الشرق الأوسط للصحافة الكاثوليكية، بعد مدة من سقوط النظام السابق، أيام كان إعلاميو العراق، يعيشون في زمن الاحلام الوردية. وكان من الوفد العراقي أيضا، الاستاذ عادل دنو مدير تلفزيون آشور، والاخت زاهدة سعيد الدومنيكية مديرة إدارة مجلة الفكر المسيحي. كنا وصلنا، في الصباح قبيل المقابلة بساعتين، بعد 16 ساعة من الطريق البري.
حينها وقف أمين عام الاتحاد الأب طوني خضرا، ليلقي الضوء على الشعار المنعقد المؤتمر حوله "الاعلام المسيحي والقضايا العربية الملحة"، على أمل أن يكون الإعلام المسيحي مستقلا وإنموذجا للاعلام على الساحة العربية، متميزا بما سمي بالمناقبية الصحافية، واضعا الخبر وأهميته، حسب الأوليات الصحافية، بعيدا عن نفوذ خارجي، فيكون الاختيار، موضوعيا اختيار التأوين والساعة.
وكان الإعلامي الكبير أديب نجيب سلامة، الذي توفي إلى رحمة الله، بعد اللقاء  ببضع أشهر، قد أشر على ضرورة إقامة إستراتيجية إعلامية على مستوى الشرق الأوسط. كما ميز بين المطبوعات الدورية الدينية كلسان حال الجهات التي تصدرها... وبين الوسائل الاعلامية المستقلة.
فيما تطلع كاتب السطور في كلمته كنائب إقليم الشرق الأوسط، إلى ما ينتظر من الإعلام العراقي في مرحلته الجديدة، أن يكون إعلاما يحترم التعددية والاختلاف، ويغتني بهما. وكان المرء ينبهر بنسبة الأمان المتوفر. حتى كان زميلنا الأب طوني يقود السيارة، وهو يهاتف خلويا، أعضاء الوفد اللاحقين به، إلى حيث وصل، ومتى يستدير الساحة، ومتى يدخل الى أرجاء القصر الجمهوري. كانت الاسماء، لدى الحرس، ثم عند باب القاعة، تسلم موظفون مفاتيح السيارات، ليأخذوها إلى المرآب، ليعيدونها عند انتهاء المقابلة. فيدخل الوفد، مباشرة الى الصالة ثم إلى القاعة، بلا تفتيش، ولا مدخل الكتروني، ولا مسافة زمنية لتضييع بوصلة مسار الرئيس وبرنامجه. في القاعة رحب بنا المستشار الاعلامي، الأستاذ رفيق شلالة، وما هي إلا ربع ساعة، حتى دخل الرئيس وجلس، وسمع المتحدثين ثم تحدث، ليكشف معاناة لبنانية من نمط غير مألوف، في المنطقة العربية، حيث الاعلام هادف موجه. بل أشار منذئذ إلى نوع من الفلتان في التصريحات. وتناول الأخبار من زوايا متضادة.
  وهنا تستجد المقارنة. ففي مرحلة من المراحل، كاد الإعلام في العراق، يبز في حصانته، نقيضين من الاعلام، في كل من إيران ولبنان.
ففي إيران الجمهورية الاسلامية، لا يختلف كثيرون، على أن الإعلام فيها، هو إعلام أحادي تلقيني تعليمي من طرف واحد، لحد أنه إعلام يلقن الطوائف الاخرى والمذاهب الاخرى، ما يراه مسموحا أن ينشر عن تعاليمها الدينية.
وفي لبنان، الطرف الآخر من النقيض، نشر وصحافة، تقدح بالآخر وتنشر الغسيل، وهجوم إعلامي مذهبي يقابله هجوم مضاد، وهكذا دواليك. حتى وصل الحال، ليحتل الطائفيون الساحة والشاشة، ويتبارى الساسة التهجم لحد الشتيمة.
أما ما كان يستهدفه الاعلام في العراق، زمن الأحلام الوردية، فكان حرية الطرح الفكري والمذهبي، على أن لا يحصل تهجم على معتقد الاخر ومذهبه.
أما ما يحدث اليوم، من صورة على الساحة اللبنانية، فيعكس الانفلات الاعلامي بين الفرقاء، وتراشق الاتهامات، واستمرار القنوات الاعلامية على نهج لترسيخ الهوة بين المختلفين، بعيدا عن أي لون من الحوار.
أجل إن انفلات التصريحات الإعلامية، وعدم خضوع المقالات لحد أدنى من الضوابط، في ظل ديمقراطية مزعومة، ليس مثلها لا في فرنسا ولا في أميركا، وسواهما من الدول التي تزعم الديمقراطية، لكنها تخضع الصحافة ومختلف وسائل الإعلام، لخط أحمر لا يتم تجاوزه.
وبعد، فعندما بات يشكو شخص يتبوأ أعلى منصب في الدولة اللبنانية، أن الصحافة في البلاد التي يحكمها هي صحافة واقعة في "حوزة" الممولين، فكان منذئذ قد دق ناقوس الخطر، وليس من مجيب.[/b][/font][/size]

68

أوراق لبنانية أنموذجا لأوراق سريانية عراقية

بعد صرخة البطريرك صفير، انبثاق شعلة وحدة وسلام

متابعة الاب نويل السناطي

يجتاز لبنان مرحلة حرجة بسبب ظروف محلية وإقليمية متوترة ومعقّدة، الأمر الذي وضع اللبنانيين أمام طريق شبه مسدود، وأفرز أجواء احتقان بدأت تظهر نتائجها الخطيرة على الصعيدين الوطني والمسيحي. وقد بات واضحاً للجميع أن لبنان الرسالة مهدد ولبنان الوطن مستهدف بأبنائه وجماعاته وبخاصة المسيحيين منهم.


وقد أطلق البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير صرخة من أجل وحدة المسيحيين في العظة التي ألقاها يوم الأحد 27 تشرين الثاني 2006، جاء فيها: " إننا نعيش اليوم أيام بؤس ونأمل في أن تليها أيام أقل ضررًا على اللبنانيين (...) فيجتمعون بعضهم مع بعض ويتآزرون ونعني بهذا الكلام المسيحيين خصوصًا الذين تفرقوا ويبدو أن جمعهم أصبح صعبًا جدًا، ولكن تعاليم المسيح معروفة وهي أن يكون الناس بعضهم مع بعض (...) "


أمام هذا الواقع تبدو الدعوة إلى "الوحدة والسلام" ملحة أكثر من أي وقت مضى، ولأن وحدة الوطن تقتضي وحدة جميع أبنائه وعائلاته. وقد ترشح عن انبثاق  الحركة جملة أهداف، جاءت في تقرير  إعلامي خصنا به الأب طوني خضرة منسق الحركة، ورئيس أوسيب لبنان (الاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحا فة هاتف: 410699/04 ، فاكس: 419989/04، بريد إلكتروني: info@ucipliban.org)، من تلك الاهداف:

الصلاة من أجل وحدة الصف المسيحي ومن أجل السلام في لبنان. وهي تعبّر عن اعتراض عامة الناس على الحملات الإعلامية وعلى الصدامات بين الأفرقاء والأحزاب اللبنانية عموماً والمسيحية خصوصًا. وتؤكد الحركة على إيمانها بحق التنوع في الرأي وعلى أهمية التفاعل بين الأفرقاء في أجواء المحبة واحترام الآخر.
عدم تكرار تجارب الحروب السابقة وتقاتل الإخوة تحت أي عنوان أو أي شعار، فنتائج كل الحروب تدميرية وليست حلاً لأي مشكلة في سبيل أي قضية داخلية أو خارجية كانت.

الحركة موجهة إلى الجميع لخلق رأي عام مسيحي فاعل يرفض وسائل التحريض والعنف وينبذ أي تشنج أو تقاتل. وتدعو إلى اعتماد الطرق الديمقراطية والحوارية والسلمية لحلّ المعضلات السياسية دون إهراق نقطة دم واحدة.


وفي هذا الصدد جاء في كلمة صاحب السيادة المطران جورج اسكندر رئيس اللجنة الأسقفية لرسالة العلمانيين، في كنيسة مار الياس-أنطلياس، 30 تشرين الثاني 2006:
" دعوتنا للصلاة معًا أردناها من أجل تجديد التزامنا بقيمنا المسيحية والإنسانية والتأكيد على الرجاء لأننا أبناء الرجاء. ومن أجل أن يحل الله سلامه ومحبته في قلوب القياديين وفي نفوسنا جميعًا (...) نحن نحب لو عممنا هذا اللقاء وأمثاله على المناطق والرعايا في مختلف كنائسنا (...) نحن نحترم كل المعتقدات والمواقف والتيارات والأشخاص، ولسنا نطالب أحدًا بتغيير أهدافه والتنكّر لمبادئه، وندعو إلى الالتزام السياسي وفقاً للقيم، لكننا نسأل الجميع بأن يصوّبوا أهدافهم لصالح الوطن قبل مصالحهم، وأن يتعاملوا باحترام وبترفّع، مهما اختلفت الآراء ما بينهم، فيكون النضال حوارًا صادقاً وتبادل أفكار وتفاعل مواقف تصبّ كلّها في عملية إنقاذ الوطن وإعادة العافية إليه، لا تسلّطًا وتصادمًا واقتتالاً وخرابًا. إننا نقدّرهم جميعًا ونحترم مواقف كل منهم، لكننا نرفض الصراع العبثي والانقسام الهدّام في صفوفهم وعدم احترام بعضهم لبعض والتخوين واللجوء إلى العنف
الراغبون في الانضمام إلى الحركة:
إن حركة وحدة وسلام تفتح باب المشاركة فيها لجميع من يرغب في ذلك. فمن يؤمن بأن الوحدة والسلام هما قضية هامة من أجل مجتمعنا تستحق أن نعمل من أجلها، يستطيع أن يتصل بالمنظمين وتسجيل اسمه من أجل المساهمة في نشاطات الحركة.

آلية التحرّك والبرنامج:
تعميم لقاءات السلام والوحدة في الساحات والرعايا والمدارس والجامعات من أجل بث روح التسامح والغفران وقبول الآخر. يتضمن اللقاء في الرعايا صلاة وتقديم نوايا حول شمعة الوحدة والسلام، ندوات وتبادل آراء مع المؤمنين بالإضافة إلى برامج فنية-موسيقية. (يتضمن البرنامج ثلاث فقرات: الأولى: صلاة وليتورجية، الثانية: ندوات فكرية وروحية وطاولات مستديرة وأحاديث مع الناس، الثالثة: برامج فنية- موسيقية: وطنية وروحية).

ومن ا لتعريف والاهداف، جاء التحرك حثيثا، ونأمل أن يكون مثل هذا التوجه، في محور تفاعل شعبنا المسيحي السرياني في العراق والمنطقة بهذا الاتجاه.
فقد اعلن المنسق العام "لحركة وحدة وسلام" الاب طوني خضره عن توسع نشاط هذه الحركة التي ستنتقل الى الرعايا والمدارس والجامعات واماكن عامة في اطار اسبوع من التحرك يبدأ غداً الاثنين. وكانت هذه الحركة انطلقت في الثلاثين من تشرين الثاني الماضي في احتفال صلاة وتطواف اقيم في كنيسة مار الياس انطلياس برعاية اللجنة الاسقفية لشؤون العلمانيين التي يرئسها المطران جورج اسكندر والاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة- لبنان ومجموعة من مؤسسات المجتمع المدني.

واوضح الاب خضره ان "دوافع هذا التحرك تأتي استجابة للنداء الذي وجهه البطريرك الماروني في 27 تشرين الثاني الماضي داعيا فيه المسيحيين الى الوحدة، اضافة الى الاحساس بصعوبة المرحلة الحرجة  محليا وإقليميا والتي تضع اللبنانيين أمام طريق شبه مسدود، وتفرز أجواء احتقان بدأت تظهر نتائجها الخطيرة على الصعيدين الوطني والمسيحي الامر الذي يعطي انطباعا بان  “لبنان الرسالة” مهدد ولبنان الوطن مستهدف بأبنائه وجماعاته وبخاصة المسيحيين منهم".

وعن اهداف التحرك اوضح خضره ان "حركة وحدة وسلام" تدعو إلى الصلاة "من أجل وحدة الصف المسيحي ومن أجل السلام في لبنان. وهي تعبّر عن اعتراض عامة الناس على الحملات الإعلامية العنيفة  وعلى الصدامات بين الأفرقاء والأحزاب اللبنانية عموماً والمسيحية خصوصًا". واضاف: "لا نريد تكرار تجارب الحروب السابقة وتقاتل الإخوة تحت أي عنوان أو أي شعار، فنتائج كل الحروب تدميرية وليست حلاً لأي مشكلة في سبيل أي قضية داخلية أو خارجية كانت".

واشار الى ان الحركة  "موجهة إلى الجميع  من اجل خلق رأي عام مسيحي فاعل يرفض وسائل التحريض والعنف وينبذ أي تشنج أو تقاتل. وهي تدعو إلى اعتماد الطرق الديمقراطية والحوارية والسلمية لحلّ المعضلات السياسية دون إهراق نقطة دم واحدة".

وعن الية التحرك اوضح خضره ان الحركة تريد "ان تتوجه الى الناس في رعاياهم ومقر عملهم وجامعاتهم واحيائهم من اجل نشر روح السلام والغفران وقبول الاخر. ويتضمن اللقاء في الرعايا والاماكن العامة صلاة وتقديم نوايا حول شمعة الوحدة والسلام، ندوات وتبادل آراء مع المؤمنين بالإضافة إلى برامج فنية-موسيقية".
كل هذا ضمن هدف سامي من اجل وحدة اللبنانيين والمسيحيين خصوصا، وعسى أن تكون "شعلة وحدة وسلام، عنصر يمتد ضوء نورها ودفء نارها الى بلدنا الممتحن العراق.


69
حضرة الاب الفاضل سامي عبد الاحد ريس المحترم
حمدا للرب على سلامة عودتك، مع التمني أن تكون محنتك وتضحيتك مقرونة مع ما عاشه الإخوة الكهنة في البلاد، قربانا لعافية البلاد وحياة آمنة لشعبنا في العراق، ودمتم محروسين بحفظ امنا العذراء
محبكم الاب نويل فرمان السناطي

70
الطائفية وراء الجرائم ضد الشخصيات المسيحية...

لاءات متزايدة ضد التكتلات السياسية المذهبية، لانقاذ عراق الحضارات

الأب نويل  السناطي

في التقديم تأتي كلمات العنوان كتعليق أولي على ما قاله متفضلا السيد وزير الخارجية الاردني في تصريح صحافي، قبيل المؤتمر الصحافي المنعقد في عمان، بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي المالكي، إذ قال الوزير الاردني إن أحد مساعي الاردن لمعالجة ما يجري في العراق هو مبدأ نبذ الطائفية. أما هنا فيستجد القول، بأن الطائفية لا تنبذ فقط، بل تحارب وتجتث.
 زمننا هو زمن استفحلت فيه الطغم  التكفيرية، من أي جهة مذهبية ضد أي جهة أخرى مذهبية. ومع قيام حكومة محاصصة طائفية، في العراق الذي تعايشت على أرضه، عبر التاريخ، خصوصيات اثنية وقومية، مذهبية ودينية... هي الآن حكومة من غالبية طائفية ساحقة، وأحزاب أخرى تأخذ، في مجملها، تسمياتها من أسس مذهبية طائفية. ينظـّر لكل من هذه الأطراف، ويوجهها رجال دين تركوا دور العبادة الى غير اختصاصهم، في مواجهة بين بعضهم ضد البعض الاخر، من الطائفة الواحدة من جهة، وضد بعضهم من أي مذهب آخر، وضد أناس الآخر. رجال دين بدل أن يكون سعيهم، التوجه بالصلاة والتعبد الى الله الواحد الأحد، أخذوا يحتلون الشاشات بتصريحاتيهم ومنافساتهم السياسية.
ولا بد من القول: ان وجود مواجهات وتنظيمات طائفية، يعني حتما وجود رجال دين يقودونهم ويقولون لهم، انتم من طائفتنا ومذهبنا، واولئك من الطائفة الفلانية الأخرى. مع أن الجميع هم أبناء ارض واحدة وجلهم يتبع مذهبا ابراهيميا توحيديا. ولو لم يقم بين هؤلاء القوم واولئك، رجال دين فرقوا، كل حسب مذهبه، مختلف الأطراف المذهبية والطائفية، شر تفريق، لكان هؤلاء عباد الله، اختلطوا مع بعضهم، كما كان حالهم، قبل استسلامهم لفتنة الاستعمار والاحتلال، متصاهرين، متناسبين، واشتركوا في أنشطة سياسية تتنافس على مشاريع سياسية من ليبرالية او جمهورية او ملكية او دستورية، على ارضية مشتركة للوطن الواحد، مع احترام الطريقة الايمانية لكل منهم بما لا يؤثر على الآخر.
 الجهات المتشابكة
 الحالة العراقية، تحت الاحتلال وما وراءه من جهات متعددة ، تترشح عنها جهات متشابكة:
- ضمن مشروع اسقاط النظام الشمولي السابق بشتى الذرائع، رضي المحتل، ما لم يقبله على أرضه، وفي دستوره، بأن يتحالف، مع أحزاب معارضة تقوم على أسس دينية مذهبية، في عراق متعدد المذاهب، وراوغها وأغراها حتى مرغها في وحل النزاع الطائفي والمذهبي.
- بقيت قوات الاحتلال، الجهة التي أعلنت رسميا المنازلة العالمية مع الارهاب الأصولي على الارض العراقية، وأنها في نهاية الأمر، لن تنسحب بحسب قرار من الكونغرس  الأمريكي، حتى حسم المنازلة مع هذا العدو الجديد، بعد الحرب الباردة الطويلة التي كان العدو فيها الكتلة الشيوعية التوتاليتارية.
- بالمقابل المعلن ايضا، ان الارهاب العالمي المنطلق من الاصولية الدينية والتكفيرية، اتفق على استدراجه ومحاربته على ارض العراق.
- في مدة قياسية من بعد سقوط النظام السابق، انطلت اللعبة على الشعب العراقي، فنجح أعداؤه، في زرع الفتنة الطائفية المذهبية بين الكثيرين من أبنائه، بشكل مخطط مدروس مدفوع مستورد، تقبلوه وتوزعوه كوصفة سامة جاهزة. 
- ظهرت، فيما ظهرت، جهة تتاجر بالارهاب، باسم الدين، وتمول نفسها بالقتل والسطو والاختطاف، وتجمع الرساميل الخيالية.
- كما ظهرت جهات متنوعة متلونة تدعي أنها تناصب الاحتلال العداء، ولكن بوسائل مقاومة تحرق الاخضر واليابس، وتتحالف استراتيجيا مع الجهات الدينية المذهبية، في الهدف نفسه.

إزاء هذه الجهات المتشابكة، قامت في عراق اليوم ، حكومة محاصصة طائفية، بغطاء انتخابي تم بظروف غير مستقرة، في أقل تقدير، حيث عرضت قوائم انتخابية انتزعت بطريقة او باخرى ارادة الشعب، على حساب ابعاد القوائم غير الطائفية والدستورية.
إن الخطر كل الخطر، أن أطرافًا حكومية، كما اتضح مع الوقت، اصبحت جهة تتحارب طائفيا مع الجهات الأخرى. فضاع الأخضر واليابس، وأصبح الشعب هو الضحية الاولى، والبلاد في مفترق طرق، لم تعشه الا في زمن المغول وهولاكو.

الجدلية المتناقضة

توصلت قوات الاحتلال، بأساليب وخطط مدروسة، إلى خلق جدلية تعجيزية:
- التحجج بالتواجد العسكري، حتى إقامة جيش وقوات شرطة، بما يضمن سيادة  القانون، لحين أن يعتمد العراقيون على أنفسهم، في سيادة القانون وصيانة الدستور. هذا ما سمعناه من الرئيس الامريكي، لغير مرة، آخرها  في مؤتمره الصحافي، في عمان، نوفبمر الماضي. فيما أجاب رئيس وزراء العراقي، في المؤتمر الصحفي، عن أحد الأسئلة، وكأنه يعبر عن ناشط في حزب ديني، اكثر من كونه رئيس حكومة، بدليل دفاعه عن جمهورية ايران الإسلامية، بكونها بريئة عما يحدث في العراق، براءة الذئب من دم يوسف. في حين كررت ايران، لغير مرة، آخرها بعد الاعلان عن حكم الإعدام على رئيس النظام السابق، أنها مستعدة للتفاوض مع امريكا بخصوص الوضع في العراق!!
- وبالمقابل ينفضح مخطط أن الاستقرار لن يتم، وبالتالي سيبقى المحتل لأطول مدة، ويتضح ذلك من خلال الاختراق على الجيش والداخلية الجيش والداخلية، ووجود وزراء وراءهم ميليشيات هي واحدة من أعتى أطراف النزاع الطائفي، مستخدمة ما اوتيت من بطش وغطاء رسمي.

وانطلت المكيدة على الاطراف المذهبية
في الوقت عينه، استطاع أعداء العراق بمكر مكشوف، أن يخلقوا سيناريو الاحتراب بين أبناء الدين الواحد، ينطلق من العراق، ويمتد الى سوريا ولبنان، ويأخذ مرجعيته من إيران كجمهورية طائفية دينية، وحامية رسالة توسعية تحت الغطاء الطائفي، يرمي الى مواجهة الملايين الاخرى من الطوائف الاخرى، في الدين الواحد. وهذا مشروع خطير بعيد المدى، يجعل أطراف عالمية ذات مصالح استراتجية في المنطقة، يجلسون واضعين الساق على الساق، ليتفرجوا على ما صنعوه في رموزهم الشطرنجية لتحترب من أفغانستان الى سائر البلدان التي تتساقط انظمتها في براثن النفوذ السلطوي المدني لرجال الدين.
لكن المناعة ما زالت في المغرب العربي، في المغرب وتونس واليمن وغيرها، حيث جعلت الاحداث المؤسفة، الحكام يتعاملون مع رجل الدين، انطلاقا من الارتياب منه، ومن تأثيره السلبي المحتمل، طائفيا ومذهبيا ومن ثم تهديده للحالة الوطنية، حتى يثبت، على المنبر وبالتصرف والاخلاق، أنه مخلص لوطنه، وأنه متفرع لنشر التعاليم السمحاء البناءة لدينه، التي تنبذ الارهاب والعنف وشتى انواع الاكراه،  تاركا  اهل السياسة يهتمون بشؤون السياسة تحت ظل الدستور وحفظ القانون.
والشاهد على تفتيت الشعب، هو وثيقة مكة، التي نظر اليها المراقبون، بكونها فضح معترف به من المشاركين، ليقول لسان حالهم: أجل نحن الذين جئنا هنا، نؤيد اننا كنا طرفا رئيسا في الفتنة وفي الحرب الاهلية، وفي ذبح أبناء الشعب الواحد. وكدليل على صحة ملاحظة المراقبين، ما حدث من تدهور أمني مأساوي بعد وثيقة مكة.
وبالتالي، لا بد من التأكيد، أن لا خروج من المأزق إلا بموقف شامل بين أبناء مختلف المذاهب والطوائف، بعد أن وجدوا ما وجدوا في رجالاتهم الدينية. فينفض أبناء الوطن الواحد، عنهم أدران الطائفية، وينضموا الى دعم التوجهات السياسية غير الطائفية، الليبرالية، الديمقرطية الجمهورية، الدستورية، وسائر التوجهات التي تضم في صفوفها من يتركون خصوصياتهم المذهبية لحياتهم الشخصية مع ربهم، ويشتركون مع بعضهم في المشاريع الثقافية السياسية الوطنية الشاملة، مثل ما هو الحال في بلدان العالم المتحضر، أكان فيها الحكم ملكيا دستوريا، ام جمهوريا برلمانيا، من اسكندنافيا، الى تركيا، من بريطانيا الى فرنسا وكندا، من تايلند الى المغرب وحتى الاردن، وما الى ذلك من الدول ذات الغالبية العربية او الاسلامية او الغربية، أو الآسيوية. وكلهم بطرق متقاربة، يضعون الدين في مكانته المصونة ويضمنون ان رجل الدين لا يحشر أنفه في ما لا يعنيه، في زمن، لم يعد رجل الدين الأعلى هو الذي يستطيع أن يمتلك مقاليد الحكم الدنيوي الى جانب ما يمتلكه من مقاليد في التوجيه الاخلاقي، ويترك مقاليد الدنيا ضمن ما تقره شرعة حقوق الانسان كقاسم مشترك للناس مهما تباينت معتقداتهم وثقافاتهم.
هذا ما طالب به، أحد المراجع الدينية في أيران، آية الله بوردوردي، فاعتقل في مطلع نوفمبر الماضيِ، بسبب دعوته الى فصل الدين عن الدولة. كما لقيت الترحيب في العراق، دعوة الشيخ محمد يعقوبي الى تفكيك التكتلات السياسية القائمة على أسس طائفية، لصالح تكتلات سياسية غير دينية. لكن القانون المطروح على مجلس النوب بحضر  الاحزاب القائمة على توجه طائفي، بقي بدون صدى يذكر.
لقد قـُدّر للعراق، بلاد ما بين النهرين، بلاد الحضارات، مفترق الثقافات، ان يكون بفعل عوامل عدة مسرحا للمواجهة بين التعصب الاعمى، وبين التطلع الحضاري للخصوصيات القومية الاثنية، الدينية والطائفية، التي تعيش فيه،  بين الحكم باسم الدين، ومواجهة قيم المجتمع المدني، التي يتطلع اليها عالم اليوم، باجماع وجد الحد الادنى من اسسه المشتركة في شرعة حقوق الانسان.
بدأت جوانب المواجهة بالصفحة الاولى من الحرب الايرانية التوسعية على أساس طائفي، ضد العراق، مع النظام السابق، متشبث هو الآخر بمعطياته، وخصوصياته وفردانيته، بمعزل عن مسيرة الحياة المعاصرة. ومن افرازات الصفحة الاولى للحرب التوسعية الايرانية، حرب الخليج الثانية والحصار في مطلع التسعينيات. ذلك الحاصر كان نوعا من الترويض الأمريكي للشعب العراقي، لترى عينه فيما بعد، من هول، ما لم تره من قبل. تلتها مع سقوط النظام السابق، مرحلة التغلغل الايراني الجديد في ظل الدبابة الاميركية، واستمر الوجود التوسعي الايراني وتأثيره المسموم، على ترويج الطائفية.

الموقف العالمي ضد الارهاب باسم الدين
وعودة الى تواجد القوات الدولية على ارض العراق، فإن الموقف العالمي بات واضحا تجاه الطموحات الايرانية النهمة تحت غطاء من الحكم الديني، والسائرين في الخط الايراني، سواء من داخل العراق، أو في المنطقة عموما. وهنا ينفرز صفان متواجهان:
- الصف المنادي بقيم المجتمع المدني، وإشاعتها والدفاع عنها، في العمل السياسي، وأن تكون خلفية الاحزاب التي تعمل ضمن مختلف البرامج السياسية، ضد كل الاحزاب، من أي دين كانت أو طائفة كانت، تتوخى العمل السياسي بواجهة دينية.
وهنا افتضح  التأثير السلبي الكوارثي، لاقحام الدين في السياسة، والحكم باسم الدين، اي دين كان، وباسم الطائفة اي طائفة كانت، مهما كان مستوى حسن النيات في ذلك. ويصل الأمر الى أبعد حدود القرف، والإجرام، ما يهدد في خلط هذا الاتجاه مهما حسنت فيه النيات لدى أتباع الدين والطموحين للتعامل السياسي الذي يريدونه مشروعا اسوة بسائر الحركات السياسة، ليهدد بأن يخلط مع ما يقترفه التكفيريون، والذين يدّعون المقاومة باسم الدين.
فيحللون قتل رجال الدين من غير دينهم ومن غير طائفتهم، ويقرون اختطاف الشخصيات الدينية المسيحية، كسياق استغلالي فاحش لاجتلاب الرساميل وتمويل المسيرة.

حسن النية لا يكفي: والساكت على الحق، والظلم، شيطان أخرس
بقي يستذكر الناس، كل ما سمعوه من الارهابيين باسم الدين والمقاومة، وما تم من ذبح باسم الدين، بترديد عبارة (الله اكبر) عند قطع الرؤوس، بشفرة مقصوصة من تنكة الدهن، متهمين وحاكمين على مواطنين مثلهم لمجرد اختلافهم الطائفي، أو الديني، قبل أي شيء آخر. يقومون باختطاف الابرياء، بحيث لا يعرف البريء المختطف أوقات الليل والنهار، إلا من خلال توقيتات صلوات المختطفين...
ويستذكر أبناء الموصل الهاربين إلى سوريا، كيف أنه في محلة الميدان وغيرها من الأحياء وفي جوانب من أسواق باب الطوب، كيف يدخل الشاب المهدد مثل بشار الى بيت يدله عليه اصدقاؤه المخلصين، ليناشد المهددين بأنه برئ من التهمة الملاحق عليها، وبأنه ليس (بشار) أو المقصود، فيجد نفسه امام ملتحين ومعممين ومجلببين ومسبحين. لو استذكر العارفون والمطلعون والذين اختبروا هذه الحالة او تلك، وكتبوا ما استذكروا، لما وسعت ذلك كتب وكتب. فكيف لو أخذ الناس، في تسجيل ما يسمعونه من خطب الجمع، لوجدوا منها، بعد استشراء الفلتان الأمني، ما يحرض على الارهاب، وكره الآخر.
في يوم المولد النبوي، لسنة 2003، سمعت من الاذاعة العراقية، شيخا يتحدث عن دينه على حساب الانتقاص من دين الاخر، وعلى حساب تكفير الاخر، حفظت اسمه وصوته العريض، واذا به مع الايام، يصبح احد المسؤولين في وزارة الأوقاف. ومثله الكثيرون، تبوأوا مناصب في الدولة تحت غطاء المساومات الطائفية والسياسية.
ان ما يحدث على الساحة باسم الدين يبكي الصخر، هذا الدين الذي يدين عليه بصدق وإخلاص، اصدقاء لنا كثيرون مثقفون، مبدعون، أدباء ومفكرون، وروائيون، وتنكوقراط من المتنورين ، الذين تعايشنا معهم بمشاعر محبة وصداقة وود أثبتت اخلاصها سنوات العمر، ما يحدث على الساحة أصبح محرجا لنا، قبل أن يكون محرجا لهم.
لقد أصبح من العيب، في العراق، وفي بلدان الشرق الاوسط، التغافل عن المتعاملين بالسياسة تحت غطاء الدين، أي دين كان.
لقد اصبح من المخجل على رجل الدين المتنور أن يسكت على ما يتسبب لسمعته أقران له، وبما يدعو الى الشبهة به وبمهمته الدينية، إذ  تطاله الشبهة بأن يصنف من صنف أولئك الجلادين، ويحشر في خانة الوعاظ الذين يعظون بكراهية من ليس من دينهم أو من طائفتهم.
لقد أصبح لزاما، كل يوم قبل اليوم الذي يليه، أن تطفو على السطح اصوات احتجاجية مدافعة عن قيم الدين إزاء المجرمين الذي يمضون في تشويهه. وأن تنتظم الأصوات في احتجاجها وكفاحها وتلتف لتدعم المشاريع السياسية البعيدة عن الاسم الديني او الطائفي.
ما عاد بالشيء المنطقي أو اللائق، أن يكون شخص بمظهر رجل دين، بدون أن يعرف نفسه بأنه ضد اولئك السفاحين، ويزكي نفسه من خلال ما يردده على المنبر من اشاعة قيم التعايش والمحبة والمسالمة، وسيادة القانون، والتعددية، واحترام الاخر، على أي دين أو طائفة كان، وتقييمه على اساس موهبته وعطائه واخلاصه.
ألم يحن الوقت، لالتفاف المتنورين، وتتكاتف كل القوى، لإسقاط وزارة ذات توجه طائفي مذهبي، فتقوم وزارة وحدة وطنية غير طائفية، فلا يظهر وزير يكفر الناس ويحجب النساء، ويقحم الطقوس الدينية في منهاج الدوام الرسمي، ويفرض مظاهر دينه وطائفته على اتباع وزارته.
لم يعد من خيار سوى خيار القلة البرلمانية غير الطائفية لتمد يدها الى أبناء الشعب كل الشعب، من العرب والكرد والتركمان والسورايي (آشوريين كلدان سريان)، لينهضوا بمشروع قائم على المجتمع المدني الذي يحترم الدين ولكن مصانا عن السياسة ومنعطفاتها.
أمام السيل المسموم من القتل الترهيب والفساد الاداري، الذي طال الحكومات الطائفية، لا بد من وقفة أوسع واكبر على نطاق المنطقة والعالم، فالتعاون لا مناص منه، مع قوى العالم وقواته، من أي لون كانت تلك القوى والقوات، إذا كان الأمر يتعلق بمواجهة هذه الحالة الضارة كما المافيا، حالة باتت أشبه بمسخ لا دين له ولكنه بغطاء معمم، حالة أقرب الى الالحاد  منها الى الدين،  أقرب إلى الكفر منها الى الايمان.
عندما يتم التوصل الى وصف الوعاظ بالقتلة، إذا كانوا من المحرضين على القتل، أو الساكتين عن اختطاف رجال دين في غير مذهبهم او طائفتهم، وعندما يوضعون في خانة مشتركة مع جلادي الارهاب، ومهربي الافيون، وتجار الرقيق الابيض، عندئذ ينكشف خيط النور من دجى الليل، وينفرز الأبيض عن الاسود. ويكون التعامل مع مكافحة الارهابيين باسم الله، ضمن المقاييس العامة، لاختبار مدى القابلية على اجتثاث الجريمة بأنواعها من سرقة ومخدرات وغيرها. ويكون أمام المعنيين، حساباتهم، في مدى الحاجة الى مكافحة هذه الارضة  المستشرية، وما ينبغي من تخطيط وتكاتف لهذه المواجهة، وهي لعمري مواجهة موت وحياة، إنها مواجهة، ما هو الاكثر خطرا على مصير الناس، وعلى تطور العالم.
بين العراق ولبنان آخر الدواء الكي
لم يعد ثمة فائدة من مداهنة ولا حوار مع معادن بخسة صدئة، جلبت كوارث اسرائيل الى لبنان، ورسخت احتلال امريكا للعراق، من النماذج التي تحكم بالتوجه الطائفي المذهبي، إنهم حفنة من زارعي فتنة مهرجين متهورين. مثل هؤلاء قتلة ومجرمو حرب، يستحقون المحاكمة، لإخراج البلاد من الطائفية البشعة، ربيبة إيران التي تستفرد الساحة لمجرد استبطائها تلقي الضربة القاصمة.
هؤلاء المتحاربون بين المتسربلين بثوب الحكومة الطائفية، وبين المتلثمين بلبوس المقاومة غير الشريفة، التي تستهدف المدنيين والعزل، وتتاجر بأموال المختطفين. هؤلاء خارجون عن العدالة والقانون، خارج الديمقراطية، والتعددية، فالحضارة تعايش والطائفية إرهاب وتفرد ضد الآخر. الذين لم يتعضوا بما فعله الطائفيون كأداة بائسة بيد اسرائيل، والذين لم يلتفتوا لتهديداتهم الاجرامية: نكسر اليد ونقطع الراس ونطلع الروح، لمن ... ومن..، آن الأوان أن ينازلوهم من خلال القانون، والجيش كحارس للقانون والدستور، ويقطعوا الطريق أمام كل بوق، وشاشة ومذياع وتنظيم ينطلق من الطائفية. أجل آن أوان الكي، ومختلف عناصر الحضارة والتقدم والعالم المتدمن تدعم لبنان في سبيل هذا الهدف النظيف. وما يصح في لبنان، يصح في العراق، فكلاهما مبتلى بأحزاب طائفية يقودها معممون.
وبعد لقد قام واقع لا يصلح إلا بإصلاح الخطأ الأساسي المقصود، بما في ذلك، استبعاد حاسم وجازم لكل توجه طائفي، وعده مافيا جديدة تغلغلت في البلاد، لتفتك كالآفة في الزرع والضرع، وتقتضي المكافحة، حتى يعود المسار سليما.
أجل لا نعتقد أن ثمة أمكانية لاصلاح الحال في العراق، قبل اختفاء الطائفية. فقبل أن يستفحل الأمر ويتفشى الى سائر دول الشرق الاوسط، كما أخذ يجري في لبنان، تتصاعد الأصوات وتتعدد نحو البديل البديل، ألا وهو قيام نظام إنقاذ على أساس قيم المجتمع المدني حصرا.[/b][/font][/size]

71
إلى عائلة الشهيد العلم السرياني الخالد، يشوع مجيد هدايا،
إلى الاخ عبد الباري مجيد هدايا شقيق الشهيد
والى الاسرة المباركة، ونخص بالذكر الشقيق الشماس كوركيس مجيد هدايا- فرنسا.

لقد ترجل فارس سرياني كبير،
حامل اسم يشوع، أجمل الأسماء،
محمولا على أكف الملائكة،
مغسولا مبررا بدمائه الزكية
دماء روت ثرى بلدة بخديدا العظيمة،
بخديدا ام الشهداء أم كبار الأحبار،
أم الدعوات الكهنوتية والرهبانية،
أم المؤمنين، أم النشطاء العلمانيين،
ام الكتاب والأدباء
أم الفنانين والشعراء،
بخديدا الثكلى لتوها باستشهاد ابنها البار إيشوع هدايا،
شهيد القلم والصحافة الوطنية لأبناء العراق
رائد من طليعة  الشعب السورايا، السرياني وسائر مذاهبه
شهيد الكلمة المسحيية المسكونية،
غادرنا متسربلا عنفوانه،
تاركا لنا الذكرى العطرة لبريق عينيه،
ودماثة أخلاقه،
وتواضعه وابتسامته الحيوية المحببة.
ليلتحق بأسراب عظماء الشعب السورايا السرياني.

إني، أصالة عن نفسي، وبصفتي نائب رئيس اقليم الشرق الأوسط للصحافة الكاثوليكية،
أتقدم اليكم بتعازي الحارة، بمشاعر متقدة،
أهدي فيها زميلي في الصحافة والقلم،
دمعة وفاء مفروشة كقطر ندى على زهرة اقحوان.

نعزيكم ونعزي أنفسنا،
مستلهمين من الرب الصبر والايمان،
فالطوبى لمثل هذه الشهادة،
والطوبى لكل من ينتمي اليها،
ومن ينهل منها نبعا لنهار طال فيه الظما،
ومن استنار بها بدرا في مثل ليلتنا الظلماء.

ولتتعفر ارض بخديدا- قره قوش بجثمان ايشوع الطاهر،
وليكن كما يؤكد لنا إيماننا المسيحي،
حاضرا بيننا حضور الشهداء  الاحياء،
الذين كان بذارهم منذ فجر المسيحية نموا وتواصلا لها.

ولتحرسكم أمنا العذراء، أسرة وكنيسة وابرشية وأبناء شعب موحد مجيد.

محبكم وشريك مصابكم
أ. نويل فرمان السناطي
نائب رئيس الصحافة الكاثوليكية في الشرق الأوسط

72
الأخ العزيز أبونا دكلس يوسف البازي المحترم

تحية ومعانقة بالرب،

بقيت قلوبنا ترافقك في هذه أيام محنتك، مع الثقة العالية بنعمة الرب ورعايته لك،
وفي قداس ا لاحد الماضي، عندما سألت المؤمنين بعد التوصيات، أن يبادروا بطرح النيات التي نشركها في القداس، كان النية البارزة، من كاترين وسائر المؤمنين من أجل سلامتك.
فحمدا للرب على عودتك الميمونة، وأبقى أذكر بطعم خاص القداس المشترك الذي جمعك مع الاب نذير ومعي في كنيسة القديسة تريزيا. حفظك الرب لرعيتك ولكنيستنا المباركة.

محبك، أخوك
أ. نويل فرمان السناطي

73
بتأثر بالغ تلقيت خبر رحيل شيخنا العزيز الخال قتو مرقس السناطي، عميد الاسرة السناطية، الذي كم كان يسعدنا أن نتفيأ بظل شيخوخته المحببة، والتي من الرب عليه بها هادئة طيبة خفيفة الظل.
فليرقد خالنا الفقيد بسلام، ترافقه أدعيتنا بأن يكون مع آبائنا الابرار ابراهيم واسحق ويعقوب، ونشارك عائلته مشاعر المواساة والمحبة.
محبكم
الاب نويل فرمان السناطي
 

74
الف مبروك خروج الاب العزيز سعد سيروب من محنته بصبره الجميل وبصلاة المؤمنين ورجائهم العظيم وبشفاعة ملكتنا العذراء ام الممتحنين
محبكم الاب نويل فرمان السناطي
ونزور - كندا
12 ايلول 2006

75

آمال متجددة لوحدة أبناء بيث نهرين
مؤشرات واستقراءات

الأب نويل فرمان السناطي


((( ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة، أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها، ولكنهم يتصرفون تصرفا فاسدا – القديس غريغوريوس الكبير)))

المقدمة
المسار الوحدوي لأبناء بين نهرين، من أبناء كنيسة المشرق، يمكن تناوله من خلال محور كنسي، وهو موضوع هذا المقال. هذه محاولة استكشاف لمؤشرات ومستجدات في المسار الوحدوي، بما أمكن من موضوعية لعرض الوقائع، مع السعي لاستقراء ما هو لاحق في هذا المسار. ويتخذ هذا المسار صفة كونه مصيري، لأنه بكل بساطة، مسألة حياة أو تبعثر وتشرذم. ويعود هنا التركيز على دور الكنيسة في هذا المجال، الى ضرورة تاريخية، في معالجة المسؤولية الواقعة على عاتق السلطات "الدينية"، تلك المسؤولية الحاصلة في تمزق النسيج القومي لأبناء شعب واحد، بسبب الانقاسامات المذهبية.

الكنيسة... الكنائس، وابناؤها
نلجأ في هذا المقال، الى الحديث عن المشترك بين أبناء كنيسة المشرق وسائر امتداداتها في الكنائس الاخرى، بكل ما يجمعهم من لغة وتراث وتاريخ وديانة مسيحية. ولأغراض التوضيح في التحليل، نستخدم المفردات المتداولة المتعارف عليها، وذلك من حيث الجانب العملي في التشخيص. الهدف من هذا الاستخدام، هو  تحديد مختلف الانتماءات الحالية، لهؤلاء الأبناء، من جهات دينية- مذهبية أوثقافية عمومًا، أي حيثما يتوزع اليوم أبناء ما عرف بكنيسة المشرق، منذ حقبة ما قبل القرن السادس عشر، وما بعدها لحد الان. فنذكر هذه المسميات كالآتي: أبناء كنيسة المشرق الاشورية، أبناء الكنيسة الشرقية القديمة، أبناء كنيسة المشرق الكاثوليكية الكلدانية، أبناء الجماعات الكنسية المنحدرة من حركة الاصلاح اللوثري البروتستانية، بمختلف مسمياتها، من التي تضم اعدادًا من المنحدرين من مختلف الكنائس، كما نشير الى احتمال وجود أبناء آخرين ضمن جماعات أخرى غير المذكورة اعلاه على مختلف الثقافات والميول السياسية، مستقلة بشكل مبدئي عن إعلان الانتماء الديني، أو في الأقل غير حاملة قناعة المواضبة الايمانية. هؤلاء هم الأحوج إلى وحدة إخوتهم المؤمنين، حتى يلمسوا بأنهم حقا مؤمنين، فيتأثروا بإيمانهم من خلال وحدتهم، وإلا يجرونهم الى المسار الوحدوي المستقل عن الديانة.

فرص ظهور الشخصية القيادية الموهوبة على المستوى العلماني
هذا المسار، المرتبط بقيم المجتمع المدني، باستقلالية عن مذهب محدد، غالبا ما أثبت فشله في ظروفنا، بسبب تشابك الخصوصية القومية والدينية عند شعب السورث، حتى وصل الحال بالكثيرين، الى ربط سورايا كمرادف لمسيحي. سيما وان الساحة السياسية المختنقة في مواقع الحكم المركزي في العراق، قلما ولدت قائدا استقطب اهتمام مختلف التيارات، ليس لافتقاد الصفات القيادية في الزعماء السياسيين، بل لافتقاد النفوذ والامكانات المادية، وخصوصا بسبب العقبات التي وضعها أمامهم رجال الدين في كنائس المشرق لمآرب ومطامع وطموحات وأسباب متباينة بين المبدئية والفردانية.
وقد يستثنى من هذا التوجه، في ظل الاستقرار التي تشهده منطقة اقليم كردستان، وبروز ما يوحي بظهور زعامة على مستوى شعب السورث، استقطبت أبناء كنائس المشرق، في الإقليم وفي سهل نينوى. بقدر ما تم تجاوز النفوذ والتأثير المعاكس لبعض رجال الدين، مع الحصول على الخط الاخضر من قيادة الاقليم، أكان الأمر مرحليا، أو لمستوى بعيد الأمد، وبواقعية متوازنة تستوعب التعددية؛ إضافة الى توفر الدعم الاعلامي والاقتصادي المنفتح، نحو كل التوجهات المذهبية، دون الارتباط بواحدة على حساب الاخرى.

مستجدات في المعادلات التي شهدها تاريخ كنيسة المشرق
نقصد هنا بالمعادلات.. ما يأتي كنتيجة أو رد فعل لحالة أدت إلى تبدلها نحو حالة أخرى. من تلك المعادلات، في حياة كنيسة المشرق، ما أدى إلى انقطاع علاقتها عن الشركة مع الكنيسة الجامعة، للأسباب العقائدية واللاهوتية، المتأثرة بصعوبة الاتصال والاستخدامات المتباينة للتعابير؛ كل هذا حدث تحت ظروف تاريخية وجيو- سياسية. وكانت (كنيسة المشرق) قبل الانفصال، ضمن الكنائس الرسولية، التي احتفظت بخصوصية كياناتها البطريريكية. هذا ما حدث في أعقاب مجمع أفسس سنة 431، مما أسهب في الحديث عنه المتخصصون. تلك "المعادلات" العقائدية والجيو- سياسية، أدت الى انفصال كنيسة المشرق وبقائها كذلك حتى منتصف القرن السادس عشر.
المعادلة الأخرى تعلقت بالوضع الداخلي لكنيسة المشرق (حتى منتصف القرن 16)، مما أدى بقسم منها الى أن يلتحم بالشركة مع روما، فكانت الكنيسة الكلدانية، منشطرة عن كنيسة المشرق التي عرفت بالنسطورية أو الآشورية.
وسرعان ما طرأت مستجدات على معادلة ظهورالكنيسة الكلدانية، في أجيالها الأولى.. ففي منعطف مفاجئ حدث أن التسلسل المنحدر من البطريرك يوحنا سولاقا للكنيسة الكلدانية، إنقطع بعد أجيال وارتبط بمفارقة جديدة هي من المستجدات غير المحسوبة، بكنيسة المشرق الاشورية، في حين صار لحد الان الكلدان الحاليون، منحدرين من السلسلة البطريريكية المواجهة للبطريرك الكاثوليكي الاول من كنيسة المشرق، مار يوحنا سولاقا.. ، حدث هذا منذ عهد البطريرك يوحنا الثامن هرمز (1830-1838)، بحسب جدول تسلسل بطاركة كنيسة المشرق في دراسة مار سرهد جمو: كنيسة المشرق في شطريها.
وقد ظهرت، خلال تلك القرون، بفعل ظروف حكمت عقلية ذلك الزمان، كتلتان متوازيتان في العائلات المذهبية المسيحية، لمختلف البطريركيات (الأقباط، الأرمن، الروم إلخ...) وهما: كتلة المذهب الكاثوليكي، وكتلة المذهب "الأرثوذكسي" على مختلف الخصوصيات في المعتقد المعلن لكل من تلك الكنائس البطريركية الأرثوذكسية، وقد ادخل العلماء في هذا الخط، كنيسة المشرق الآشورية (أقباط كاثوليك أو أرثوذكس، أرمن كاثوليك أو أرثوكس، روم كاثوليك أو روم ارثوذكس، كنيسة الشرق الكاثوليكية أي الكلدانية، وكنيسة الشرق الأرثوذكسية أي النسطورية - الآشورية). من أولئك المؤرخين، جان بيير فولونيه، في كتابه الموسوعي: حياة وموت المسيحيين في الشرق الاوسط.

مساعي متنوعة لصيانة التراث الثقافي الليتورجي
على العموم احتفظت الكنائس التي اعتنقت المذهب الكاثوليكي، باسمها الاصلي، وعند ابناء كنيسة المشرق الكاثوليكية، حملت تسمية (الكلدانية)..  ولم تأت هذه التسمية عن فراغ بل هناك  من يرى فيها امتدادا في الجذور التاريخية لابناء بين النهرين، آثور وكلدو، ولا بد أنها مرتبطة بتخريجات تاريخية لتأخذ باي نسبة من الموضوعية تبريرها كتسمية، مقارنة بما أطلق عبر التاريخ من تسمية آشورية متجذرة هي ايضا في تاريخ بين النهرين.
وبفعل الطبيعة الانجيلية الكاثوليكية، سرعان ما ينفتح التوجه في الجانب الكاثوليكي، الى المزيد من الشمولية، بنسب متباينة التباعد مع الخصوصية القومية. كما يمارس الجانب الكاثوليكي في تلك الكنائس الدور المنفتح على الثقافات الاخرى، مع انفتاح بشرىالانجيل اليها.وهكذا بالامكان ان ينتمي الى كنيسة الارمن الكاثوليك من ليس ارمنيا، لكن الارمن الارثوذكس قلما يستجد لديهم مثل هذا الواقع، وان استجد، فيكون باعطاء الجهة الكتلوية التي تعتنق المسيحية، خصوصيتها على المستوى القومي والثقافي، لحد مساعدتها على انشاء كنيستها المستقلة، كما كان الحال في اعتناق جورجيا المسيحية على يد الكنيسة الارمنية.
وقد سعت الكنيسة الكلدانية (كنيسة المشرق الكاثوليكية) عبر التاريخ، جاهدة ومستبسلة، وخصوصا مع عهد البطريرك مار يوسف أودو (1793- 1878 ) سعت، الى جانب انفتاحها على البشرى لكل الشعوب، الى الاحتفاظ بالتراث الثقافي واللغوي والليتورجي المشترك مع سائر ابناء كنيسة المشرق. لكن هذا السعي بقي بنسب متفاوتة وظروف متباينة  يقترب او يبتعد عن طريقة الاشقاء الاشوريين في المحافظة على الخصوصية القومية  واللغوية والتراثية.

التراكمات على المكتسب الموروث للكتلتين المسيحيتين المذهبيتين
وعند ابناء الكنيسة الكلدانية، لا غرو انه في الأقل منذ القرن السادس عشر، تراكمت مع الاجيال خصوصية ثقافية بما لم يمنع جماعات كثيرة منهم، لا سيما في اطار قوانين بلدان الاغتراب، من أن تعدّها خصوصية قومية بحد ذاتها. ولم يعد يخفى على الكثيرين ان هذا الواقع نشأ كرد فعل لاحتكاكات حدثت مع الأشقاء في الكتلة المذهبية الاخرى (أبناء الكنيسة الآشورية). ونرجع الى مثل الكنيستين الارمنيتين الكاثوليكية والارثوذكسية، التي احتفظ ابناؤها  بالتسمية نفسها، لكن التباين الثقافي والتراثي،  أخذ يتراكم مع الاجيال من الانفصال. فكيف الحال مع ابناء كنيسة المشرق، الذين اخذوا من كل جانب تسمية ضاربة جذورها في تاريخ بلاد ما بين النهرين. هذا ما أشار إليه المطران سرهد جمو في دراسته المنشورة على الشبكة الالكترونية كنيسة المشرق في شطريها، إذ قال: "وهكذا اذ نحن نستفيق اليوم، بعد اكثر من قرن ونصف، نرى أن النهر الواحد أصبح جدولين، وأن نتائج الانشطار في الرئاسة ونتائج القطيعة بين المجموعتين أدت آخر الامر الى تنوع في الحياة الطقسية والثقافية والاجتماعية." ولكن لحسن الحظ لم يزل يجمع كلا الجانبين باستثناء الاصوليين منهما، اتفاق ضمني على القبول بكونهم جميعا يشكلون شعب السورايي على مذاهب مختلفة.

مستجدات في المسار المعاصر..
- من مستجدات المسار المعاصر لكنيسة المشرق الاشورية، ظهر بفعل أوضاعها الداخلية وظروف مرحلية، كرسي بطريركي آخر باسم الكنيسة الشرقية القديمة (التقويم العتيق).. تبوأه منذ الستينات مار آدي الثاني أزاء الكرسي الذي يتبوآه مار دنخا الرابع.
- تم في خطوة تاريخية كبيرة، في نهاية عام 1994، اللقاء الوحدوي بين البابا مار يوحنا بولس الثاني رأس الكنيسة الكاثوليكة والبطريرك مار دنخا الرابع رأس كنيسة المشرق الآشورية .. كما التقى البابا مار يوحنا بولس الثاني، في مناسبة أخرى، ما أدي الثاني، بطريرك الكنيسة الشرقية القديمة. ومن جانبه، لم يفوّت البطريرك (الكلداني) الراحل مار روفائيل الاول بيداويد، أي فرصة مواتية، ليأخذ زمام المبادرة بالخطوات الوحدوية مع شقيقيه البطريركين مار دنخا الرابع وما أدي الثاني.

 مواقف سلبية مؤثرة
- ولكن برغم الخطوات الوحدوية المذكورة، فقد تحركت في بحر التسعينيات مستجدات من عدة جوانب مؤثرة من قبل مختلف الكنائس. لا بد من القول، ان تلك التحركات كانت باتجاه التشبث بالجانب الكتلوي لكل جهة  والتشبث بالمكتسبات الشخصية، مما عطل بل أوقف المسار المصيري الوحدوي. فضمن هذه المستجدات، قامت تلك التكتلات المتعصبة من مختلف الانتماءات المذهبية، فتحكمت بطريقة أو أخرى، لجر كل سلطة كنسية، الى الخضوع الحصري للخصوصيةالقومية، وكل كتلة تحركت باتجاه معاكس للكتلة الاخرى. وكل منها يتوخى وضع الخصوصية القومية بنسب متفاوتة، على مستوى اعلى من مستوى المسار المسكوني الوحدوي الانجيلي. مما أضحى تهديدا جديا على مصير المسار الوحدوي.
في هذا التوقف الواضح الذي حصل في أواخر القرن العشرين، على مسار الوحدة المسكونية لأبناء كنيسة المشرق، عاد بهم الحال إلى واقع ما قبل كل تلك الخطوات الوحدوية المذكورة...
في هذه الحقبة، زاد في توقف المسار الوحدوي، سقوط النظام العراقي السابق، وانفلات زمام الامور في التحركات السياسية على شكل جماعات صغيرة متناحرة متقاسمة. وما عقب لك من مداخلات سياسية زادت الفوضى، وجلبت المزيد من الضبابية..  ولم يظهر في البلاد، بشكل ملفت للنظر، شخص يحمل كاريسما الوحدة بما يستقطب الالتفاف الكاسح، بالرغم من زوال الخوف من النظام السابق بشأن اي تحرك وحدوي. قد يرجع ذلك إلى نوع البحث عن الإحساس بالأمان، وعدم خسارة مكتسبات فردية أو مطامح مستقبلية، والتعويل، كل من جانبه، على تقرب الاخرين من الطرف الآخر. كما يرجع الأمر الى غياب المبدئية في التحركات الكتلوية القومية، والبحث عن المصالح الضيقة، وممارسة مؤثرات خطيرة لتعميق هذا الجمود. فكيف الحال إذا تعالت مطالبات من قبل غير الكاثوليك، لأن يتركوا أشقاءهم الشركة مع روما، بحجة تسهيل التقارب الوحدوي الأخوي ما بين الاشقاء!!!

كاريسما - مواهبية الوحدة في تاريخ كنيسة المشرق
ولا بد من الاعتراف، أن الشخصية ذات موهبة الكاريسما نحو الوحدة، بقيت عبر التاريخ بحاجة الى التفاف جماهيري، لو كان قد حدث ، لما كـُنـّا في الحال الذي نحن عليه. وهذه الحاجة تبقى قائمة على كلى المستويين، الكاثوليكي أو الأرثوذكسي. ولا بد من القول أيضا، أنه حتى الجماعات الكنسية البروتستانتية، تعيش هاجس الوحدة المسكونية، كجدلية مطلوبة في الهوية المسيحية. وإن المسيحية (بقدر ما يناسبها هذا الاسم) إذا تحولت الى عنصر بموقع ادنى في خدمة التكتل القومي، دون بشرى الانجيل، تبقى تواجه أحد أخطر التحديات التي بقيت تتكرر عبر التاريخ، منذ عهد الملك قسطنطين، ولحد الان. وهذا الخطر بخضوع الكنيسة للتوجه القومي، على حساب التوجه الراعوي الانجيلي (نسبة الى الانجيل وليس الى الكنائس الانجيلية...)، يشكل تهديدًا جذريا للهوية المسيحية الرسولية الجامعة الكاثوليكية.

مواقف انجيلية مبدئية
نستطيع أن نستخلص مبدئية واضحة تستند إليها كتابات أعلام وحدويين في الكنيسة الكلدانية، من أمثال المطران أدي شير، والاب يوسف حبي، على سبيل المثال لا الحصر، واذا اقتصرنا على الاستشهاد بالراحلين. ولا تخلو الساحة، من أمثالهم، في عموم كنيسة المشرق، بمختلف مذاهبها. كما نستطيع أن نستخلص المبدئية في رعاة الكنيسة الكلدانية.. حيث تم وصفها، في أكثر من موقع ومناسبة ومنبر إعلامي، بكونها كنيسة المشرق الكاثوليكية.. هذا الموقف يمكن أن يفهم منه، ومن خلال مختلف التصريحات مهما كانت متباينة، أن رعاية كنيسة المشرق الكاثوليكية – الكلدانية، ترى من موقع المسؤولية، الجانب الجوهري، في طبيعة الشركة الكاثوليكية الجامعة.. بمستوى يسمو على المعلن من الخصوصيات القومية، من السورايي؛ سواء الذين يعلنون أنهم كلدان، وهم من غالبية أبناء هذه الكنيسة، وغالبية المسيحيين في بلاد بين النهرين، وجماعات الاغتراب؛ أو فيهم من الآشوريين، مع تأكيد وجودهم في الكنيسة الكلدانية، بنسبة كبيرة أيضا، الى جانب وجود المنتمين الى القوميات الاخرى، بما هو ضمن الطبيعة الشاملة لأي كنيسة كاثوليكية لنشر شهادة لبشرى المسيح في العالم كله.

مخاطر في المسار المصيري للوحدة
من كل ما سبق يتبين ما يكتنف مسار الوحدة المسيحية المسكونية من مخاطر عند طغيان تأثير الكتل القومية. هذه العناصر التي تسعى إلى أن تطغي الصفة القومية على رسالة الكنيسة الجامعة، تجر كل كنيسة إلى أن تعيش في عزلة عن بشرى الانجيل وعن رسالتها المسكونية. وإذا حصل وأن خضعت الكنيسة للتوجه القومي فوق التوجه المسيحي، فعندما تحصل الحقوق القومية لأبنائها، عندئذ سيبدأ التململ بين دور السلطة الكنسية ودور السلطة المدنية في الجانب القومي، ومن ثم تحاشي تدخل الكنيسة في السياسة. مثل هذا التململ الذي حصل بعد إعلان دولة أرمينيا. ناهيك أن السلطة الكنسية سوف تتقاذفها التأثيرات السياسية القومية بين هذه الأمواج وتلك، مما لمسه المطلعون في حياة كنائس "قومية" مختلفة. إلى جانب هذا، فإن تدخل السلطة الكنسية في الشوؤن السياسية والقومية، على حساب الشؤون الدينية سيجرها الى اتخاذ مواقف تتحمل هوامش من الخطأ ومراجعة الذات والتراجع عنها، على ضوء مقولة "السياسة هي فن الممكن".

مصير التكتلات القومية- السياسية تحت الغطاء الديني
الخطر المحدق بالكنائس الخاضعة الى المد التكتلي القومي على حساب الرسالة المسيحية، ليس فقط ابتعادها عن جوهر الرسالة المسيحية، بل سيجعل منها ما سمي بالكنائس المجهرية الموغلة في الصغر، إن لم يحلها الواقع إلى جماعات يغلب عليها طابع البدعة.  وهذا ليس فقط على مستوى الكنائس الجاثاليقية (القومية) التي تحجمت في هذا الاتجاه فحسب، بل ستتزاحم على الانقسام بجدلية التجزئة الداخلية التي شهدتها الكنائس الانجيلية، بفعل اختلاف وجهات النظر بين ذوي النفوذ فيها، فيفتح كل منهم كنيسة تحت الاسم الرنان الذي يختاره، وتجيزه القوانين النافذة في البلد الذي يعيش فيه.
أما الجماعات ذات التكتل التعصبي الأعمى، التي تلغي التفاف الآخرين، وتصر على الخطيئة ضد الروح القدس، والسعي الى التأثير على السلطات الكنسية، نحو مآربها ومطامعها... فإن هذه الجماعات، علاوة على كونها تحوّل كنائسها الى بؤر بدعية مهمشة، فإنها هي أيضا تصبح كبدع تكتنفها الفضائح الأخلاقية والمالية ، فتدعو، فيما تدعو، إلى تأليه القومية وتأليه الرموز القومية قبل التاريخ المسيحي، واعتبار مدن في التاريخ القومي كمدن مقدسة.... هذه الجماعات بعينها، ستتحول هي أيضا الى ما يشبه النوادي الاجتماعية، أو في أحسن الأحوال الى جمعيات تتحرك تحت غطاء إدعائي من العلمية، تتقاذفها المصالح والانتخابات، والانتخابات المضادة المجيّرة لصالح هذا الغول أو ذاك.
ولكن سيبقى النهر الكبير، هو نهر الحياة الواسع، نهر التعددية والديمقراطية في اطار الوحدة، تصب فيها الامال، ويستقطب المزيد من جمهور المريدين.

آمال معقودة على خطى البطريركين يوحنا سولاقا ويوحنا الثامن هرمز
إزاء ما تناولناه من مخاطر ظهور كنائس مجهرية، منغلقة على الخصوصيات القومية لأتباعها، ومنغلقة على الرسالة المسيحية في الوحدة، تبقى الامال معقودة على الاصوات النبوية المواهبية ذات كاريسما الوحدة. اولئك الذين يتخذون الوحدة، كثمرة للمحبة والسلام، ويحملونها في شغاف القلب، كقضية ورسالة واستجابة لنداء المسيح، في أحلك الظروف، خصوصا عند ابتعاد هذه الرئاسة الكنسية أو تلك، عن المسار الوحدوي، وانشغالها بالشأن القومي على حساب الشأن الروحي والراعوي. وينطبق عليهم قول القديس غريغوريوس الكبير: ليس هناك من يلحق الأذى بالكنيسة، أكثر من أولئك الذين لهم صورة القداسة ولقبها، ولكنهم يتصرفون تصرفا فاسدا.
بل إن هذه الاتجاهات التكتلية، هي أكثر من أي وقت آخر، أضعف من جانب الايمان المسيحي، وهي أكثر ضعفا من الجهات التي كانت في عهد القطبين مار يوحنا سولاقا وما يوحنا الثامن هرمز. ودليل هذا الضعف هو ما يستخدم من شراسة وضراوة، ضد الوحدويين المسكونيّين حاملي رسالة الوحدة. وإن الأقطاب المنافسة لها في كنائسها الأصلية، لن تملك مع الزمن الا الاحتجاب والالتغاء، على حساب المزيد من الاستجابة لدى رعاة الاقطاب الوحدوية المتزايدة، من صعيد الالتحام بين الفروع الأصيلة في التجمعات الثقافية والكنسية، إلى صعيد الانفتاح الثقافي الحضاري والوحدة المسكونية الجامعة.
 وإن الأصوات النبوية اذا اجتمعت لديها السلطة الراعوية واستقطبت الالتفاف الجماهيري، هي المنقذة للمسار المصيري للوحدة، لتضعه في الخط الصحيح، بقدر ما تكتمل فيها، مع الوقت، المصداقية المرجوة في نبوة غمالائيل في أعمال الرسل، الذي اعطى الفرصة للزمن، بان يتبين المعدن الأصيل من المزيف، المسكون بدعوة الوحدة والمتجه بكفاءته ونزاهته الى صفات القداسة فالغبطة في كنيسة المشرق الموحدة.

الأب نويل فرمان السناطي
nfhermiz@hotmail.com

http://www.nirgalgate.com/asp/v_articles.asp?id=313



76
أ. نويل فرمان السناطي

هذا أول مقال أكتبه عن نجمة فنية، بعد كهنوتي الذي يرتقي الى السنة والنيف فحسب، لكني أعتقد، ان لدي ما أكتب، عما رأيته، وهو بالتأكيد اقل بكثير مما يعرفه الآخرون، عن مطربة سورايتا شهيرة، جوليانا جندو، سبق لي أن سمعتها وأن شاهدتها عبر الشاشات الفضية. وكنت قد كتب فيما قبل، كصحفي علماني، عن نجمات عالميات، مثل اديث بياف (ام كلثوم فرنسا) وميراي ماثيو، وتشيرلي ماكلين وصوفي مارسو، وساندرين بونير، وألن ديلون، وبيتر أوتول، وجان بول بلموندو وداليدا، ريتشارد بيرتون، من الاسماء التي تحضر القلب، ساعة الكتابة، فحرصت أن أقدم ذلك في إطار قيم الصحافي الملتزم للقيم العلمانية المسيحية؛ قبل العمل كنائب لرئيس تحرير مجلة الفكر المسيحي، للعشر سنوات الأخيرة، ختمتها، قبل رسامتي الكهنوتية، وبما يريح ضميري.
ومناسبة الحديث عن فانة، هو أني باركت بالأمس، مع أخي في الكهنوت الأب مازن داود، راعي خورنة ساسكاتون للكلدان، اكليل احد أبناء خورنته. ووفقا لسياق لم آلفه بعد، يذهب الكاهن المحتفل مع الكاهن المشارك معه، الى قاعة الأحتفال، فيجلس مع الجالسين، لحين وقت مباركة الطعام، فيتعشى وينسحب على روؤس الأصابع.
وفي هذه الأثناء، تعزف الموسيقى، والأغاني، وتمسك على أنغامها الدبكات الشرقية، من الرجال والنساء، الشباب والصبايا، وقد فهمت أمام ذهولي، بأن عددا من ملابس السهرة التي تتسربل بها النساء، والتي يبدو عليها رونق وبريق استخدام المرة الأولى، يذهبون في اليوم التالي، مستغلين تسهيلات إمكانية اعادة البضاعة لعدد من الأسواق الكبرى، في حالة عدم الاقتناع بها، فيعيدونها متحججين أن الثوب لم يلائمها في نظر الزوج او الأهل... وما إلى ذلك من كذب، أصبح بضاعة رائجة للالتواء على التسهيلات والقوانين المحلية، سيأتي الحديث عنها في فرمانيات قادمة.
وتصادف أن أحيت الحفل هذه الفنانة المرموقة. لا بد من القول، أنها وهي تغني من المنصة، ثم نزلت أمام العروسين، بقيت تشنف الآذان (بالألف الممدودة) بصوتها الرخيم والعملاق بآن. وتعالى اندفاع الحضور للتصفيق لها، وإبداء علامات الطرب والاعجاب، أمام هدوء الفقير إلى رحمة ربه، واكتفي بما تلقها من سرور داخلي تقبله بارتياح شخصي مع الاحتفاظ برزانة المقام، وهو ينقل الأذن بين مقام ومقام، مما أكدته النجمة جندو انه يستقي جذوره من الأنغام الكنسية، في أحدى مقابلاتها، التي فيها تحدثت عن ما أكدته بهذا الصدد للفنان التركي الكبير ابراهيم طاطلس. فتعملقت جوليانا مع النهاوند، وتألقت مع الطوراني، بكلمات وجدانية، بسورث جميل شمولي الصياغة، من السهل الممتنع الذي يفهمه عموم السورايي، كلمات تخاطب القلب والمشاعر، وتبشر وتخصب تربة وحدة أبناء السورث.
وفي هذه الأثناء، وهي تتنقل رشيقة على على إيقاعات اكف المصفقين، أخذت تقترب من المائدة التي يجلس كاتب السطور، وقد هز حماس الجلوس بمقدم النجمة المائدة هزا، وصاحبنا، كاتب السطور، جالس، كالوحيد الغريب عن أورشليم، بين الوجوم والخجل، بين الابتسامة والخفر، حتى تفاجأت جولياني بأن أمامها قسيس، فالتفتت التفاتة احترام وكياسة، واستأنفت في إلهاب مشاعر الجالسين.
ثم عادت الى وسط القاعة، لتهدر جنجرتها بروائع الفنان الكبير الراحل ناظم الغزالي. تلك الأغاني التي أبدعتها اوتاره الرجولية، ها هي برونق محبب، تنساب على مسامعنا، شجية أصيلة بإضمامة انثوية.
كل هذا ونحن ننتظر أن يأذن عريف الحفل بالطعام، بعد ان توزعت أطباق المقبلات، فصلى الكاهن وصلينا معه وصلبنا بعلامة الصليب. فجلست جليانا وثلة الموسيقيين الذين لا بد وانهم كانوا يصاحبونها على المسرح في ظهري، حيث لم أجرد، لفرط التقيد الكهنوتي، للالتفات حوله...
أكتب هذه الأسطر، وانا أوجه فيها هذه التحية الأبوية، إن صح التعبير، الى فنانة السورث، التي تغنت بوحدة السوريايي، وامتدحت حنجرتها دياراتنا وديارنا. وإذا كنت لم أحصل بالأمس في الاحتفال، على صورة رقمية للفنانة جوليانا، فقد حصلت على هذه الصورة، من نسيبنا السيد نبيل اسطيفان حسقيال الذي تصور معها في المطار، محل عمله، أثناء مغادرتها مطار ساسكاتون.
 إن إغنية لجليانا، أو رائعة للفنان العملاق أيوان أغاسي، ومسرحية درامية أو كوميديا هادفة، أو قصيدة وجدانية أو وطنية، هذا هو الكفيل بسهولة تداول هذه اللغة المهددة بالانقراض، وهذه الخطوات هي افضل بكثير من كل الدعوات والجعجعات التي تنادي، مثل، باللغة العربية، على تعلم لسان الأم الذي من فرط التشتت والتبعثر ما عاد بإمكاننا ان تطلق عليها التسمية التي توحده، فيما توحده بتلقائية، كلمات وأشعار وأنغام الأدباء والفنانين.
وبعد، ومع انتهاء الطعام، ونحن، زميلي الاب مازن وأنا، نستعد للانسحاب، إذا بالست جليانا، تهدر في القاعة أمواجا من أغاني الست أم كلثوم، بسيطرة متفردة، ولفظ قريب من الأصل، وصوت مهذب. فما كان من كلينا، بعد ان سمعنا ما سمعنا من روائع تبث النجوى تحرك الفؤاد، إلا أن وقفنا وفقة رجل واحد لمغادرة القاعة في وقتنا الموعود، وكان لا بد أيضا أن نخرج فللصبر حدود.

77

فرحت بالاحتفال الجميل الذي حققه الاخوة في الادارة الذهبية، رعد الارادني وسرمد حسني و دي جي آزاد، وسررت بالوجوه السعيدة في هذه المناسبة المباركة، شيرا سلطانة ماهدوخت، مع اطيب تمنياتي لكم بالموفقية والنجاح
محبكم الاب نويل فرمان السناطي

78

فرحت بالاحتفال الجميل الذي حققه الاخوة في الادارة الذهبية، رعد الارادني وسرمد حسني و دي جي آزاد، وسررت بالوجوه السعيدة في هذه المناسبة المباركة، شيرا سلطانة ماهدوخت، مع اطيب تمنياتي لكم بالموفقية والنجاح
محبكم الاب نويل فرمان السناطي

79
ألف مبروك للزميل موفق مراسل موقع عنكاوا في كندا، على عماذ أخينا الجديد في الايمان، الطفل الجميل هرمز (مارادونا) وليجعله الرب قرة عيون والديه، ومن الابرار والصديقين
محبكم
الاب نويل فرمان السناطي

80
المنبر الحر / صوت صارخ...
« في: 17:27 16/05/2006  »
صوت صارخ...

لنقرع الأجراس روح التغيير الموعود قادم لا محالة
أ. نويل فرمان السناطي - كندا
بعد أيام من الاستقرار العائلي، في العالم الجديد، وبعد أن حررت ما توجب من كتب عرض حال، الى ما يخص المراجع الكنسية، التقيت اليوم المطران البرت لوغات اسقف ساسكاتون للرومان الكاثوليك (إخوتنا اللاتين). بعد أن تداولت بين يديه، ما وصله عن أحوالنا، وما فهمته منه، وما فهمه من، عن أحول الكنيسة هنا وهناك، بمؤمنيها وكهنتها ورعاتها، خرجت من عنده بجملة انطباعات وانتظارات فيها تعزية بالايمان والرجاء، رأيت أن ابثها الى الكثير من شباب كنيستنا، وخصوصا اولئك في الابرشيات البطريركية والاسقفية حيث شرفني أن أخدم معهم أو أخدمهم.
في مقدمة الانطباعات، أن الأحوال، تظهر بوضوح، استماتة جانب من الناس، في التشبث بما يمكن التشبث به، قبل أن تطلع آخر العجائز على منجزات الفاتيكاني الثاني، وقبل أن يداهمهم الفاتيكاني الثالث وقد بانت تباشيره، بقبول قداسة البابا بندكتس أن يدرس موضوع الغلاف الوقائي من الحمل، في حالات اصابة احد الشريكين بالآيدز.. أما أولئك، فقد بات همهم اللهاث للحفاظ على المكتسبات الفردية التي اغدقها عليهم المجتمع القبلي الذكوري، مجتمع التسلط الجبلي، والهيمنة والتوحش، فيحلل على نفسه، كل شيء، أي شيء، وبالقدر نفسه يحرمه على الغير.
ويمضون في الاستحواذ على كل ما هو في اليد من امتيازات شخصية على حساب عمى القلوب والانقياد القطيعي. ويمضون في السعي المفضوح الى التمسك بالقشور التي بين يديهم لأطول قدر ممكن من الزمن على أساس مقولة، ليكن ما بعدي الطوفان.
من جانب آخر، تصطدم بذلك اللهاث، صراخات من ارجاء كنيستنا: اخرجوا من القواقع، دعوا نقيق الضفادع، ادفعوا الأبواب، وسعوا الرحاب، افتحوا الشبابيك.. كما فعل في مطلع ستينيات القرن العشرين، مار يوحنا الثالث والعشرون..
وتنهار احلامهم المريضة، وتبان حقيقتهم العارية، فكل حركة اعتراض يواجهها القمع.. تشكل موت الحبة، لتحيا من جديد، قالها الرب.
فمن همهمة الى ابتسامة، من نكتة الى وصف مزدوج، من نظرة عتب، إلى صرخة فصياح، الى صمت الاموات، كلها علامات عافية، منبثقة من رحم الغضب المقدس تقوي خط الحياة لدى المتطلعين برغم القهر، وتقلل من رصيد قوى الضلال والشبق والجشع..
عندئذ، يغدو التخلف والتقوقع، التزمت والحقد الاعمى، لإلغاء الآخر، يغدو في مواجهة هذه الجدلية، حالة تقهقر حتمي، يوما بعد آخر، إزاء سيادة القانون، وحرية الرأي، واختيار التصرف والتحرك، وإرادة الحل والترحال.
وهكذا كلما تباعد الشرخ بين الصراع الصامت للمقهورين وبين فرقعة الجلادين وجلبتهم، ممزوجة بفحيحهم المسموم، للمزيد من السيطرة... كلما اتضحت معالم الصورة، بين الفريقين، فتبدأ أول هزيمة الجلادين من الداخل، وأحس هؤلاء بالهزيمة من عمق أعماقهم. ذلك انه كلما تعالى صوت معترض صارخ في البرية، كلما جعل الله من الحجارة أبناء لابراهيم، قالها المعمدان.
عندها يحوز الصارخ على المزيد من الاصوات، إذ ليس لديه ما يخسره، ولا منصب يطمع فيه، ويلقى المزيد من التفاف البسطاء والفقراء، من لم يعد لديهم ما يخسروه، حسبهم التطويبات..
ومن الجانب الاخر، يفتضح الظالم، ويهتز عرشه، وينشف ريقه مهما عب من ماء مسبحه ومهما تمادى في مجونه وارتشف من كؤوس مائدته، فمنها يعب العطش والسموم.
وتتهادى كقصور الورق، قلاع الكذب والكبرياء، الغش والافتراء، التملق والنميمة، التجسس والمكيدة، على طول وعرض كتابنا وكتابكم.. وراء كل حجة، وكل فرية، بدلا عن الحوار، للتنكيل بدلا من التبصير والتحليل، عندئذ تضطرب الرؤية، ويفقد التمييز، وينفلت من بين اليدين زمام الامور ، ويصغر شمشون أمام دليلة، ويصمت السمسار أمام صرخة امرأة حرة تأبى بالاهانة.
ويعلو صوت الحق.. صوت القلم، وتلتف حوله حزم من الأقلام..
ويتآزر ثلاثة أو أربعة من كل مجلس شيوخ، ليكونوا نواة للحياة خميرة للعجينة.. كلما تقدموا أكثر، كلما تنمو النواة وتكبر، وتتفاعل الخيمرة بالعجين فيثمر.
وتلتحق حزم السنابل بالحزم وينفرز الراعي الراعي عن الأجير، وتنقلب اللعبة على الساحر، وعند كل من أخفى وراء عصا التبختر، قلب فاسق وسارق روح ومارق وفاجر..
وبعد، فلتقرع الأجراس.. أمام وعد الرب: أبشروا يا أولاد، وأبشروا يا شباب ويا صبايا، انتظروا الروح المعزي.. ترقبوا برجاء روح التجدد والحياة..
ليضئ كل واحد لواحد، شمعة، تكثر الشموع، وتكبر حزم النور، لتختفي في كل يوم أشباح من قوىالظلام الديجور..

صفحات: [1]