الواقع في كركوك يثبت إن القادمون للحكم لا يختلفون عن الماضون .
باسم دخوكا
عندما يأتي الحديث عن كركوك تلك المدينة العريقة لابد أن نذكر ان تاريخها يمتد لأكثر من خمسة ألاف عام , و لكون المصادر التاريخية لهذه المدينة ... كثيرة وكثيرة جدا ً لذلك فالحقيقة تضيع بين الأدعات المختلفة للمؤرخين و الباحثين , خصوصا ًممن هم من سكان المنطقة . فكل واحد منهم يختار ما يناسبه من تاريخ هذه المدينة ليعود أصلها لمن هو من نسلهم . بكل تأكيد ان تاريخ هذه المدينة هو تاريخ حافل بالأحداث الكبيرة والكثيرة و على مر العصور ومنذ عهد السومرين و البابلين و الأشورين و الى عهد الحكم العثماني و الأستعمار البريطاني و تأسيس الدولة العراقية و حكم البعث الفاشي .
ألا ان مقالي هذا لن يتناول ما مرت به هذه المدينة في كل تلك العهود الماضية , بل أنني سوف أكتب عن كركوك اليوم ... في هذا العهد الجديد الذي أنتظرناه بفارغ الصبر و كل أملنا كان أن نرى ما تمنينا أن نراه من تغير و تطور و حرية و كرامة و غيرها من أمنيات عاشت فينا وحلمنا بها دهر من السنين . فلن أنقل صور لم أراها . لن يكون هنالك سرد لموقف لم أعيشه , ولن يكون هنالك تجميل لصور قبيحة و لا تقبيح لصور جميلة , سوف أتطرق الى ما رأته عيني و الى ما سمعته أذني و الى ما كنتم سوف ترونه لو كنتم معي أثناء زيارتي الأخيرة الى كركوك . طرحي هذا نابع عن رؤية محايدة و بعيدة كل البعد عن مجاملة أي طرف على حساب الآخر .
الموقف السياسي على أرض الواقع ...
الصراع على الحكم هو على أشده بين طرفان كلاهما يخشى الآخر ... بين الحكومة الوطنية و أقليم كردستان .
فالسلطة يتقاسمانها بالتساوي . فإن كان المدير عربيا ً لابد أن يكون النائب كرديا ً و العكس هو الصحيح وحسب ( الإتفاق ) المسبق أو يمكنك أن تقول حسب قانون إبتكروه هم .. خير ألأمور ( أوسطها ) .
الأمن يوفرونه الأكراد , و هم أكثر نفوذا ً على أرض الواقع .
المناطق الكردية هي أفضل حال من بقية المناطق , و خصوصا ًمن الناحية ألأمنية و الخدمية , فعلى سبيل المثال - يمكنك التجوال بها بحرية حتى ساعات متأخرة من الليل , و لا يمكنك فعل هذا في مناطق أخرى من كركوك .
ما تعرفه عن الخلافات القائمة بين الحكومة والأكراد وغيرهم من الكتل السياسية حول السيطرة على كركوك لا تشعر بها وأنت تتجول في كركوك , سواء ان كنت تمشي في السوق أو تتحدث مع عموم أبناء كركوك و على إختلاف إنتمائاتهم القومية و المذهبية .
كركوك ..
شعبها طيب جدا ً و ذكي جدا ً و لا يخضع للمراهنات أو المساومات التي تحاك هنا وهناك للتفريق بين صفوف هذا الشعب المتجانس لعقود من الزمن .
فإن كان للأكراد الكثير من المعانات في عهد النظام البائد و لعبته القذرة من خلال القانون السيء الصيت (التعريب ) و الذي فرضه بقوة , فالحكومة المركزية الحالية تجهل أصلا ً ما هي كركوك و أعتقد ان كل ما تعرفه عنها ... إنها مدينة نفطية مهمة جدا ً .
كركوك ..
تجاهلتها كل ألأنظمة الحاكمة و على صعيد المشاريع و العمران و ألأهتمام بالرغم من إنها تعتبر من المنابع الرئيسية المهمة للنفط .
هل تجاهلتها الأنظمة الحاكمة سابقا ً عن قصد ؟ أم إنه قدرها ؟
أم لكون كل الأنظمة الفاسدة التي حكمت أرادت أن تمزق كركوك و تقسمها و تزرع الكراهية بين أبناء شعبها . يعيش فيها معظم مكونات المجتمع العراقي من الأكراد ,الكلدان ,الأشورين , التركمان , العرب و ألأرمن , و عاش فيها اليهود لحقبة طويلة من الزمن .
كيف هي كركوك اليوم ...
كركوك التي غبت عنها لعقدين من الزمن أبهرتني ...بالوعي الكبير لمختلف فئاة شعبها .. تراهم يتعايشون بوفاق كبير و إحترام كبير لبعضهم البعض , فتأكد لي إن كل ما سمعته و عرفته خلال " السنين القليلة " لم يكن من شعب كركوك , بل كان من هؤلاء الذين يتصارعون على السلطة و الغنيمة .
مشاهد من أرض كركوك ...
رحيماوا - نظيفة و جميلة عكس ما كانت عليه في عهد النظام الفاشي .
عرفة - ما أتعس المنظر الذي أراه , إنها أسوء مما كانت عليه في العهد السابق ... سقطت دمعة من عيني على (عرفة ) التي عشت بها لفترة طويلة من عمري , لا يمكن ان تتحول تلك المنطقة الجميلة و الراقية الى هذه الصورة البشعة .
التجاوزات في كركوك ...
غريبة أن تدفع كركوك ثمن الصراعات القائمة بين القوى المختلفة على السلطة و النفوذ , و للعضلات في هذا المجال السلطة المطلقة , فكل من تمكن فعل شيء ... قد فعله . ومن بعض هذه ألأشياء هو : أن تبني بيت على أرض لا تمتلك عقارها , و كل من هو مدعوم من فئة قوية يفعل ما يشاء ! و كركوك تتحول الى غابة من التناقضات الغريبة و العجيبة .
الحوار مع أهل كركوك ..
سألت سائق سيارة أجرة من اصل ( كردي ) : ما هذه المزابل هنا وهناك اليست هناك بلدية ؟
- بلدية .. ضحك بصوت عالي , إنها كركوك ... فمن يهتم !؟
سائق أجرة آخر - ( تركماني ) سألته : لماذا كل شي إنقلب رأسا على عقب ... كان رده - الكل يود هذا ماعدا أهل كركوك .
عربي من مواليد كركوك ..سألته : هل تشعر ان هنالك مشكلة بينك و بين الكردي أو التركماني أو الكلداني و الأشوري ؟
فكان رده - المشكلة يخلقونها الكتل السياسية أما نحن ... يمكنك أن تحكم علينا من خلال ما تراه عيناك .
الكلداني و ألأشوري و الأرمني .. بالرغم من تعاطف الجميع معه إلا انه يعيش بقلق مستمر من الوضع الأمني الغير المستقر , حيث هو من يدفع ثمن الصراعات القائمة لكونه الهدف السهل الذي ليس محميا ً من الدولة أو الجهات القوية الأخرى .
مشاهد من داخل كركوك ..
المشهد الأول :
ضابط في مركز شرطة في منطقة رحيماوا...
شاب في الثلاثين من العمر ... يقول لأحد المواطنين الذين أتعبته المراجعات المستمرة ومن دون أن يجد حلا ً ينصفه .. اعطني معاملتك لأوقعها .. أضاف قائلا ً.. و ما ذنبك أنت لتدفع ثمن القرارات والقوانين التي تتغير بين ساعة وأخرى .
المشهد الثاني : عربات الحماية و التي تسبق موكب مركبة الرجل المهم , يكاد الذين يجلسون في تلك العربات المصفحة وهم مدججين بأسلحة أن يفترسوا المارة والعربات الأخرى سواء بنظرهم أو بصراخهم أو ...إلخ .
المشهد الثالث :
دوائر الدولة و سير المعاملات يقال ان الرشوة هي الفيصل بين كل معاملة وأخرى .
مواطن كردي يعمل شرطياً في دائرة معينة :
سألته إن كان بمقدوره مساعدتي فلا أستطيع الأنتظار و معاملتي هي بالداخل و هنالك حشد كبير من الناس ينتظر .
رد بعد أن اقتنع بالسبب و العذر - حسننا سوف أجلبها اليك فورا .
دقائق ورايته يحمل بيديه " أوراق " و هو ياتي بإتجاهي .
حضرت مبلغ من المال وناولته له .
رفض بشدة وقال ... لا يا استاذ أنا لا أقبل بهذا ... .
مشاهد كثيرة وكثيرة .. منها ما يجعلك أن تفتخر بها , ومنها ما تخجل عن ذكرها , ومنها ما تجعلك تعتصر ألما واخرى تدفعك لتضحك بمرارة .
كركوك ...
تمر اليوم بأسوء مرحلة عاشتها و عاشها شعبها من كل النواحي سواء ان كانت من الناحية العمرانية أو الخدمية أو ...... إلخ , و كأن التاريخ يعيد نفسه ليقول .. ان كركوك غير محبذة من قبل كل الأنظمة التي حكمت العراق و منذ تأسيس الدولة العراقية .
كركوك اليوم تصرخ بوجه العراق الجديد و تقول بأعلى صوتها ... من أنتم ؟ وهل أنتم حقا ً .. البديل عن البعث الفاشي ؟!
فلا أهلا ً و لا سهلا ً ... فلستم أفضل مما كان .
حاولت جاهدا ً أن أبحث عما يمكن أن يجعلني أستوعب الى أين تمضي هذه المدينة الغالية ... فسألت بعض الشخصيات ومن مختلف الثقافات السؤال نفسه .. ألا وهو :
أيهما أفضل - لو أضيفت كركوك لأقليم كردستان أو بقيت ضمن الحكومة المركزية ؟
كاتب وصحفي كردي - هذا السؤال سهل , فهناك قانون ( 140) في الدستور و يجب أن يلتزم به الجميع .
- ألا ترى ان وضع كركوك يتدهور و إن الصراع على تبعيتها لا يخدم كركوك وشعبها .. أولا ً و آخرا ً ؟ و هم من يدفعون الثمن .
- نعم كلنا يرى هذا, الحقيقة انه شيء مؤسف , و لكن لا أعتقد ان هنالك حلا ً جاهزا يمكن أن تخضع له كركوك لتنتهي المشاكل الموروثة من النظام البائد .
- لو بقيت كركوك المدينة المثالية و قام كل من الاكراد والحكومة المركزية بالعمل معا ً لطوي الصفحة السوداء التي هي من مخلفات النظام السابق و قررا معا بإعمار كركوك وخلق مناخ أخوي بين كل فئاة الشعب , هل تؤيد هكذا مشروع ؟
- و هل تعتقد بأن يكون هنالك شيء من هذا القبيل ؟
- لما .. لا ؟ و إن حدث فهل تؤيده ؟
- هذا ( وهم ) لن يحدث مثل هذا الأمر مطلقا ً.
- وما هو السبب ؟
- التراكمات كثيرة وكثيرة جدا ً .
- لما لا تقول ... ان المصالح هي السبب الرئيسي التي تسبب بعدم تحقيقه ؟
- و لما لا تقول ... انها جزء من كردستان و يجب أن تعود اليه ؟
- لا تعليق .
صحفي تركماني صديق ... مثقف و له إطلاع و خبرة في المجال السياسي و الأدبي .
- السؤال نفسه :- هل تعتقد ان مشكلة كركوك سوف تنتهي لو أضيفت لأقليم كردستان ؟
- بالطبع لا , بل إنها سوف تتعقد أكثر ... أضاف قائلا ً .. كركوك هي مدينة عراقية و يعيش فيها من كل فئاة الشعب فلو أضيفت الى أي جهة على حساب تبعيتها العراقية إنها سوف تخسر كل مقوماتها التاريخية و إرثها الحضاري و الكثير .. الكثير من الأشياء الأخرى التي لسنا نراها الآن .
- لكن ما ذنب الأكراد الذين هجروا وطردوا و قتلوا أيضا ً .
- ومن قال ان لهم ذنب , إنهم اخوتنا و ليعودا الى بيوتهم مكرمون ومعززون و ليكون القانون هو من يلتزم بإسترجاع كافة حقوقهم .
- وما يطلبونه هم هو تطبيق قانون 140 و أستفتاء شعب كركوك عن الخيار بين أقليم كردستان أو تبعيتها للحكومة المركزية .
- أنظر ... مسألة إستفتاء و قانون 140 و غيرها من الأمور ليست لا في مصلحة الأكراد ولا بقية شعب كركوك .
- لماذا ؟ اليس من حق الشعب ان يقرر موقعه لو كان هنالك خلاف حول التبعية القانونية والتاريخية ؟
رد بعد أن تنهد - برأي الشخصي و بعيدا عن ما أومن به سواء ان كان من منطلق سياسي أو قومي أو غيره , فأنا أعتقد ان من يهمه أمر كركوك وشعبها يمكن له أن يعمل ويثبت محبته لها من دون أن يضع شروط أو أن يجعلها تخضع لهذا الطرف أو ذاك . قهقه ضاحكا وقال ... أنسيت المثل الذي سمعته منك في السابق ... لن تحصد إلا ما تزرع . فقلت له.. انه من الكتاب المقدس وليس مني , و أضفت ... و ماذا تقصد ؟
- ليزرع الجميع خيرا ً , سوف يحصدون الخير و بكل تأكيد , أليس كذلك ؟
ما توصلت اليه ان كركوك لن تجد حلا ً و قد تكون سببا ً في المزيد من المشاكل و الصراعات و التي قد يدفع ثمنها كل أبناء العراق و ليس أهل كركوك فقط , وهي تلك الورقة التي تعتبر رابحة لمن سوف يمتلكها من الكتل السياسية سواء إن كانوا عربا ً أو أكرادا أو التركمان وهؤلاء هم من يتصارعون على ملكيتها ... قد يحترقون جميعهم بنيرانها , و ألأسوء من هذا ان يحترق شعب كركوك الذي اعتاد أن يدفع ثمن هذه الصراعات , وكل الخوف أن يشعل أحد الأطراف عود ثقاب ويرميه وقد لا يدري بانه سوف يحرق كل ما حوله وقد يحترق هو أيضا ً بنيرانه .
dkhuka@hotmail.com