القيادة ودورها في نجاح المهمة الرعوية
القس شموئيل الشماس أثنييل مقدمة
إن القيادة ليست كما يظن البعض سهلة فهي ليست ابداً كذلك ومهما كان بعض القادة عفويين فأن حياتهم، إن تقربنا منها، فهي مليئة بالتحديات والمفاجئات، لكن المهم هو أن القائد ليس لوحده فمن خلال التعريف الذي سأقدمه سيتبّين أن معه مجموعة يعملون معاً في حل كافة المشكلات وليس وحده. والقائد الجيد يقّر ويعترف بأنه لا يملك كل الاجوبة ولكنه يعمل جاهداً على توسيع وزيادة معرفته وقابلياته القيادية.
تعريف القيادة
هي صفة ضرورية لكل مدير وتلعب دوراً اساسي في حياة المربين والمعلمين والآباء، فهي القدرة على مواصلة أي عمل وكسب الاخرين والتأثير عليهم، فاذن القائد تبعاً لهذا الكلام هو رأس المجموعة وهو قادر على اتخاذ كافة القرارات الصائبة من خلال التأثير على مجموعته والهامهم.
وليس بالضرورة أن يكون هذا التعريف صحيحاً ولكن المهم انه يقود الى مفهوم ان القائد ليس وحده في الساحة.
صفات الراعي القائد
ان القصد بالراعي هنا هو كل من له مسؤولية العمل في الكنيسة وهم (الرعاة، الكهنة، مسؤولي ومعلمي التعليم المسيحي، وحتى الشمامسة)، فعلى هؤلاء موكولة رسالة المحبة والخلاص التي هي واجب عليهم اكمالها كما سلّمها المسيح لهم.
ومن الصفات التي يجب أن يتحلى بها هي:
المعرفة: فمن الضروري أن يعرف الراعي تفاصيل وحدود عمله وما يحيطه من ظروف قد تكون لصالحه أو ضدّه.
الثقة: يجب أن يزرع الراعي الثقة في من يعمل معه، من خلال خلق الجو المناسب للعمل حتى في اصعب الظروف وأن لا يظهر أي ضعف أو انفعالية أمامهم، والحرص على متابعتهم من دون ممارسة سلطة الرئيس والمرؤوس عليهم.
الاستقامة والمصداقية في العمل من خلال القول والفعل وهذا ضروري في المسيحية، مطابقة الإيمان بالأعمال وخلاف هذا العمل فان القائد أو الراعي سيفقد كل الثقة بمن هم معه في شركة العمل.
المثالية والحسم: الراعي هو مثال الجماعة التي يقودها والذي يقتدون به دون الميل الى التعالي والتكبر والاصابة بمرض الغرور، اضافة الى ان عليه أن يكون قادراً على حسم القرارات خاصةً في أوقات الضيق وهذا يعتمد على مدى معرفته وبصيرته في الحياة.
التفاؤل: التشاؤم دائماً يقود دائماً الى فقدان ثقة الجماعة بالراعي أو القائد، ويكون التفاؤل دائماً من خلال التفكير السليم بالقضايا الايجابية بأي عمل دون تخاض النظر عن السلبيات ولكن السماح بالسيطرة على العمل من خلال العثور على أفضل السبل لمعالجة أي مسألة سلبية. وهذا يستدعي من الراعي دائماً من متابعة كل النتائج التي يصل اليها ومحاولة تطوير كل ماهو ايجابي فيها وتحسين ماهو سلبي منها في سبيل الارتقاء بالجماعة الى أفضل المراتب. أن مَن يتحلى بمثل هذه الطرق في معالجة المواقف بالتأكيد يُثبِت من أَنَّ له رؤية واضحة في التأمل والتحليل بكل ما يدور من حوله وله فصلٌ رائع بين الامور التي تفيد الجماعة من التي لا تفي بالغرض.
لايسعني المجال في الغوص الى أعماق الصفات الاخرى في هذا المقال المقتضب ولكني على يقين من ان ما ذُكر ليس بالهيّن لمن يريد أن يعرف عن الرعوية أو القيادة، فعلى الراعي أن يتحلى بهذ الصفات وأن يبتعد عن كل ما هو عكس ما ذكرت فالعكس ليس من صفات الراعي.
يسوع المسيح القائد والراعي الصالح
ان مثال رعاة الكنيسة هو يسوع المسيح فلو أمْعَّنا النظر في شخصية وتصرف يسوع لوجدنا مِثل، بل وأعظم من ما ذكرت. فبالامكان أن نطبق ما ذُكر أعلاه على شخصية يسوع.
1- ان المعرفة التي كان يملكها يسوع هي التي جعلته محبوباً لدى الجميع، وهناك مواقع كثيرة في الانجيل تثبت هذا الكلام: عندما كان يسوع يبلغ الثانية عشر من عمره أذهل علماء الشريعة بغزارة علمه، فقد كانت له معرفة بأمور الدين وكان يناقشهم بها (لو2: 46- 47)، وكذلك معرفة الشخص الذي يناقشه ويعرف نواياه حتى قبل أن يتحدث اليه.
وحتى المرأة السامرية كان يعلم ماضيها وقد فاتحها به وتفاجئت بما قاله عنها وكانت على أثرها أن آمنت به بأنه المخلص يسوع.
فمعرفة يسوع هي التي سحرت أتباعه وجعلتهم يؤمنون به.
2- لا أعتقد ان كل ما قام به يسوع هو خال من الثقة بالنفس. هذه الثقة بالذي ارسله جعلته قادر على تحمل الصعاب الى النهاية مكللاً بالشهادة على الصليب حاله حال لصّي اليمين واليسار.
3- ان مصداقية يسوع واستقامته تجلت في كل عمل عمله بدءاً من معموديته وما تلاها من خروجه الى البرية اشارة الى بدأه بالعمل التبشيري.
فكون يسوع صادق في ايمانه بناموس موسى كيهودي صالح جاء بتواضع وانحنى تحت يدي يوحنا المعمدان طالباً من ان يعمده (متى3: 13-16). وبعدها صادق الآب على هذا العماذ قائلاً :" هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت". (متى17:3). ان صدق يسوع واستقامته تجلت ايضاً في المناظرة مع المجرب في البرية، فلم يستخدم سلطانه كابن الله حتى يشبع جوعه أو يسجد للمجرب لِقاء سلطان الملكوت الارضي أو لينقذ نفسه عندما يرمي نفسه من على شرفة الهيكل. وحياته كلها برزت فيها مصداقيته والدليل هو زيادة اتباعه ومؤمنيه.
4- ان طيبة يسوع واستقامته وحبّه للآخر الى حد بذل الذات لم يمنعه من ان يكون صارماً في قرارته وتصرفاته ولكن لم يكن يمارسه بسبب حبه للسلطة بل لأجل حبه لخلاص البشر فلم يكن يتساهل لأي خطأ كان يواجهه ولم يكن يتردد في اتخاذ القرار حتى وان كان الرأي العام (المتمثل بالكهنة ومعلمي الشريعة وغيرهم) كله ضده، وتلمسنا هذا الشئ عند دخوله الهيكل وقلْبِه لبضائع الصرافين وبائعي الحيوانات ومنع دخول كل من كان يحمل بضاتعة الى الهيكل، قائلاً: " أما جاء في الكتاب: بيتي بيت صلاة لجميع الامم، وانتم جعلتموه مغارة لصوص." (مر11: 15- 17).
5- كون يسوع المسيح قد لبس اللباس البشري فهو قد تحلى بكافة الصفات البشرية عدا الخطيئة فقد مر بحالات حزن وما شابه الا ان التشاؤم لم يكن من طبعه فالتفاؤل شعاره في حياته لأنه هو ينبوع التفاؤل فحزنه وضيقه كان يزول بالصلاة ففي جتسيماني برزت هذه الحالة عندما كان يسوع هناك مع بطرس وابنا زبدي وبينما هو يشعر بحزن وكآبة طلب منهم الجلوس حتى يذهب ويصلي فابتعد عنهم وبدأ بالصلاة الى الاب عسى أن يعبر عنه الكأس ولكن حسب ارادة الاب وليس ارادة يسوع. (متى26: 36- 39).
فمن سمات الراعي الصالح هو السهر والصلاة حتى يتجنب التجربة لأن الجسد ضعيف والروح راغبة (متى26: 40-41). ان الصلاة تعطينا التفاؤل وتنوّر عقولنا وتضعنا في الطريق الصحيح. ان ماذكرته هو جزء ضئيل من حياة يسوع فالانجيل المقدس يثبت على قوة ارادة يسوع ورعايته الفائقة التصور للناس من دون أن يميز احدهم على الاخر أو ان يستغل مكانته كابن الله في كسب ود المؤمنين فلم يكن يتباهى بمعجزاته ولم يكن يريد أن تنشر اعماله.
ولكن الحق لا يُخفى ابداً لأنه حق حتى وأن يكون ثمن تحقيق الحق باهضاً كما كانت نتيجة يسوع المسيح موته على الصليب وقد مُجد بقيامة مجيدة.
اعزائي: كل منا اليوم بحسب الانجيل هو راعي وعلى الراعي أن يكون قائد وعلى القائد أن يكون مسؤول ولكن ليس شرطاً أن يكون له مقعداً أو منصباً فأن اردنا تِباعة رعوية يسوع فيسوع رفض المنصب والسلطة على مبدأ "ما جئت لأُخدم بل لأخدم" فالراعي هو خادم الملكوت خادم الناس ومبسط الامور للناس وممهد الطريق لهم.