39
منذ ان بدأت مداركي العقلية تتفتق وتتسع شيئا فشيئا ومن ثم تدرك للأدق الامور وتفصيلاتها من حيث تجمع الذكريات ورصد الاحداث والصور ومن ثم توبيبها بكل عفوية.واجهتني مشكلة لااجد لها اي تفسيرمنطقي في وصفها وتحليلهاأوالتعاطي معها كمشكلة!!والطريف في الامران مشكلتي هذه ليست بعويصة بقدر انها تحسسية استنباطية لردات الفعل والاجواء والطقوس الخاصة بالمناسبات الرياضيةالعراقية
فانا لم اشاهد بطولات كاس العالم في بلدي ومع اهلي وبين احبابي غير بطولتين 86 و94 اما باقي البطولات فقد شاهدتها وعشت واروع لحظاتها في بلاد الله المتعددة وما اكثرها استعيابا واحتواءاً للعراقيين.
عام 2002 كنت في بلد اوربي اتابع كاس العالم هناك وسبحان الله ما ان بدأت البطولة حتى انشغلت بالاستغراق المفرط بالتاملأت والخيالات واستجماع الصور الجميلة مع الاهل والجيران وكيف كنا نتابع الحدث العالمي. عبثاًكنت احاول التوغل في ثنايا الذاكرة والوجدان كي اجد لي ولذاتي موطأ قدم في هذاالعالم المثالي الخلاب والذي لاارتضي غيره لمشاعري في متابعتي للاحداث والمباريات الهامة وابدا اسئل ذاتي؟؟ كيف كنا نتصرف اثناء كاس العالم؟؟او مع مباريات العراق؟؟؟! لابل احيانا كنت ابتعد اكثر من ذلك واقول ماذا كنا نأكل اثناء المباراة؟؟ ما هي طقوسنا المعهودة!!لحظاتنا التلقائية كيف نطلقها ؟؟ اين هو ذاك الجو الحميمي الروحي في تلك الاجواء الساحرة؟؟
وفي ذاك العام, حققت تركيا اعظم النتائج في المونديال وخرجت السيارات التي تحمل الاعلام التركية وطافت المسيرات المرتجلة شوارع البلد الاوربي وعلت النغمات التركية لتراكان واغونيم وابراهيم وكاننا في اسنطبول او تقسيم.
الاوربي كعادته وقف وتبّسم ونظر وبادلهم الرقصة اوالاشارة اما الاتراك فهم في حالات من النشوى والافراح.
يوم امس وكأن ذاكرة الاحداث الكروية عادت بي الى تلك الصور التركية,ولكن بلوحات عراقية صميمة ماخوذه من فيافي وظلال حرارة تضاريس عراق الساحرة بكل صوره الزاهية وفسيفسائه العجيب!!!!! لاول مرة وعلى مدار مشوار غربتي المريرألفت هذه المشاعرالصادقة,حيث تجمعنا كرياضين ومدربين في احد البيوتات العراقية الكريمة في قلب الجنوب( سكونا) في مالمو,الكل يرتقب خوفا ويرتعد من شدة الانفعال,اعصاب منفلتة بالفطرة, ايادي ترتعش وتهتزبشدة,مظاهر توحي لاي شخص على انها اجواء قلق وشد عصبي,اظافر ُثلمت نصفها مابين الطواحن والانياب دون وعي,اصوات غائرة في حناجرها انفاس محترقة ملتهبة,غصة وبحة بالكلام لشدة ما صرخنا على الفرص المهدورة,الكل يترقب المباراة,دخان يتطاير هنا وهناك والكل ينفث حتى الذي لا يدخن اخذ من زميله السيكارة ودخنها بلذة الخوف والتوتر وان لفظ زفيره فانه يطلقه بتنهيدة ممزوجه بأهات وأنين,علم عراقي مُعلق على الحائط مرفوع فوق التلفاز ما ان شاهدته حتى اغرورقت عيناي بالدموع لا ادري لماذا!! لكنه شئ مااجبرني على ان اطلق هذه الدمعات بكل سخاء اكراما له ولكلمة القدير الجليل الله اكبر,عبثاً حاولت ان احبس اختلاجاتي ودموعي وكنت اتلفت بخلسة للاخرين من حولي, فاذا ارى ذات المشاعرمضاعفة وأكثر,شئ انساني ام عاطفي او رياضي؟ لاادري حقا لا ادري.. لا اعرف ان اصفه لكم! ولكن الذي اعرفه حق الدراية .. انه بلدي الغالي العراق ومنتخبنا الغالي اسود قدموا من ارض الرافدين وها هم يلعبون الان. لم اتمتع بالمباراة لكني تمتعت بمشاعرها الصادقة وجوها الوطني الذي صهر كل انتماء او عرق سال ذهبا مصفى في بوتقة العراق وبعذوبة انتماءاته الساحرة.
وما ان بدأت ركلات الترجيح من علامةالجزاء حتى انهارت قواي لم ادخر اي دعاء من ادعيتي الخاصة الا وتنهدت به و من كل قلبي يالله رباه مولاي انصرنا وهناك ادعية لا اعرف كيف ارتجلتها في حينها لاني بصدق كدت افارق الحياة لشدة خوفي ووجلي,الكل يتطلع لقلب الشاشة وكاننا في صميم الميدان والملعب,اقولها في نفسي ولحولي ابو زينب( نور صبري) لا تخيب رجائنا (ابو زينب) الله الله بالعراق وبملاينه المتعطشة للفوز واذا بصاحب الوجه الضّحوك البّسام يرسم لنا البسمة ويزيح الهم من قلوبنا بأبعاده للكرة واذا بالبناية والعمارة تهتز رقصا وفرحا على ايقاع قفزاتنا و(هوساتنا) والتي كلّلها المنتخب بالفوز العراقي والكل يبكي ويكبر الله اكبر ياعراق,
لم ادرك ماذا صنعت في حينها !!مسكت موبايلي وبعثت لتليفون نور صبري وكتب فيها قلبي ومشاعري واحساسي في رسالة خاصة وكانها قطعه من فؤادي,احدهم قبلني وقال دع الذي بيديك ليس وقت المسجات الان. قلت له انها لنورصبري قال مابك؟؟ الم ترى نورالان وهوفي الملعب يرقص والكل يقبله..!!!
لحظتها ادركت اني سكرت بالفوز وبحب المنتخب والعراق واني بدات اهذي المشاعر دون سيطرة. وما هي الا دقائق حتى خرجت المسيرات العفوية في مالمو سيارات واعلام وكان المشهد التركي يتكرر في البلد الاوربي ولكن بمعاني اخرى فالاعلام العراقية وصور منتخبنا ملئت الشوارع والاهازيج علت سماعها من الشوارع الاخرى وصوت حسام الرسام اطرب الجميع لا بل حتى بعض السويدات طربن لصوته الحنين وبات الامر وكأن السويد تتكلم العراقية وتصدح بصوت الرسام وباغنية( ابو الغيرة) اجواء ساحرة ايقظت فينا شعور الانتماء والالفة والمواطنة وعززت قناعاتي بان العراق قبلة البلدان وان شعبنا واحد رغم التمازج والتغاير بين اطيافه لكنهم يتنفسون العراق ويعشقون العراق ويبكون العراق والعراق كيف لك ان تجحد هذه المشاعر ياعراقي او تمنع سيلان المقل قبل الدموع وانت ترى علم بلادك يرفرف على كتف عراقي يجوب الشوارع الاوربية اي متعة هذه !!اي احساس هذا يا ربي!! ونحن نعيش الغربة وقسوتها. شئ كبير وشعور عظيم يهز كل عراقي في قلبه وعقله وجوارحه.
شى ساحر يحسسك ويشعرك بالفخر بانك عراقي وتظل عراقي وتحيا وتموت على عراقيتك الصميمية
ولا عجبا حينما سمعت احدهم وهو يدعو بخلوته وجهّر بها
ويقول (اللهم اجعلني عراقي حتى مماتي)
على حميد
السويد / مالمو