1
متابعات وتحقيقات / الطيور المهاجرة الخائفة
« في: 09:10 03/01/2008 »االلاجئون لعراقيون في لبنان:
هربوا من الموت في العراق ليسكنوا وراء القضبان في رومية وزحلة
هربوا من الموت في العراق ليسكنوا وراء القضبان في رومية وزحلة
الطيور المهاجرة الخائفة
عنكاوا كوم / خاص
ايفان بطرس/ بـيروت - لبنـان /
ما أصعب وما أقسى معاناة المسيحيين العراقيين في بيروت والذين لم يلبثوا أن يفروا من الموت والتهجير وعصابات ومليشيات الخطف والإرهاب والسيارات المفخخة التي تستهدف كنائسهم وتقتل كهنتهم ، حتى باتوا يعيشون في حالة من القلق والخوف المستمر هنا في لبنان حيث الأوضاع صعبة من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والأمنية ، فهذه الطيور التي هربت في الماضي خوفا من الاصطياد جاءت اليوم الى خوف جديد يلاحقها وتظل كوابيس الاعتقال تطاردها حتى أثناء اليقظة .
يعيش معظم العراقيين في لبنان بلا اقامات شرعية ، والسبب هو الشروط التعجيزية التي تضعها السلطات اللبنانية للحصول على الإقامة والتي تقتضي بوجود كفيل لبناني ودفع مبلغ 2500 دولار أمريكي للشخص الواحد في السنة على أنها إجازة عمل ، لكن المشكلة ان العراقيين الذين يعملون هنا لا يحصلون في الشهر الواحد في احسن الاحوال ( اذا توفر العمل لهم على 250 دولار ) وهو مبلغ قليل في لبنان حيث الإيجارات مرتفعة ونفقات المعيشة غالية وتزداد يوما بعد آخر وفرص العمل قليلة وهي لا تكفي لسد الحد الادنى من النفقات ، فيبقى العراقيون بلا أوراق ثبوتية وحيث ان السلطات اللبنانية لا تنظر بعين الرأفة على ان هؤلاء العراقيين الفارون من العنف والموت حالة إنسانية خاصة و يختلفون عن بقية الجنسيات الأجنبية الاخرى في لبنان حيث انهم لاجئون تركوا بيوتهم وممتلكاتهم وخسروا كل شي وانهم ما كانوا ليأتوا الى هنا لولا ظروفهم القاسية جدا ، فلا تشفع لهم شهادة اللجوء التي تمنحها لهم الامم المتحدة للحيلولة دون التوقيف او الاعتقال ولا حتى اثار التعذيب والعاهات على اجساد البعض منهم ولا صور جثث تعود الى أقربائهم الذين قتلوا ولا حتى صور كنائسهم التي دمرت وحرقت في العراق ورغم مطالبة منظمات حقوق الإنسان العالمية والتي كان أخرها منظمة هيومن رايتس ووتش لحقوق الإنسان العالمية بضرورة ايجاد حلول لهؤلاء اللاجئين والمساعدة في اعادة توطينهم في بلدان أخرى ، فالسلطات اللبنانية ترفض تنظيم اقامات مؤقتة لهم او يجاد حلول أخرى بشكل مؤقت لا بل اجراءت الحصول على الإقامة السنوية أصبحت أكثر صعوبة على العراقيين بالذات ، فالسلطات تلاحقهم وتملأ السجون بهم حيث هناك رقم غير دقيق يتحدث عن وجود 580 عراقي داخل السجون جلهم من الشباب بينما يصر بعض العراقيين على ان العدد الحقيقي اكبر من هذا بكثير .

يعاني العراقيون من الخوف الدائم من ويعيشون في كابوس الاعتقال ليل نهار وللسجون حكايات فهذا الذي يقبع وراء القضبان منذ أكثر من 8 أشهر وذاك الذي قضى 5 أشهر في الماضي وليعتقل مرة ثانية ويبقى 3 أشهر وغير ذلك من الحكايات الكثير وفي ظروف اعتقال سيئة في سجن روميه وسجن زحلة وغيرهما فكأن هؤلاء المساكين هربوا من الموت في بلدهم ليسكنوا وراء القضبان والتي لا يعلمون إلى أي وقت سيبقون فيها .

ظروف العمل قاسية والأجور متدنية حيث يستغل أصحاب العمل أحوالهم المعاشية الصعبة فيتعرضون لسوء المعاملة والاستغلال ، فيما ترفض السفارات الأجنبية منحهم تأشيرات سفر وتقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين انه على دول الغرب تقديم مساعدة أكثر في إعادة توطين هؤلاء اللاجئين ليعيشوا حياتهم بشكل يحفظ لهم كرامتهم ولكي ينعموا بالأمن والاستقرار الذي فقدوه في بلدهم وفي لبنان

التقيت إحدى العوائل المسيحية التي هربت من بغداد وهي عائلة أبو فادي حيث زرتهم في شقتهم وبعدما قدمت لهم التهنئة بالأعياد وبعد تناول فنجان القهوة وجكليت العيد بادرنا الى سؤالهم عن همومهم ومشاكلهم وتطلعاتهم بشأن الهجرة فأجابنا أبو فادي قائلا :
" لقد هربنا من الموت حيث تزايدت التهديدات لنا من جهات مجهولة عن ضرورة ترك منزلنا او ان ندفع مبلغ 30 الف دولار خلال 48 ساعة نجونا من الموت بأعجوبة وهممنا بالهرب وبعد ان جئنا الى لبنان كنا نعتقد اننا هربنا من الموت لكي نحيا بسلام لكن سرعان ما لاقتنا الصعوبات حيث مدخراتنا المالية نفذت والعمل هنا شاق وصعب ولا يستطيع كبار السن العمل عدا انه لا يكفي لسد معيشتنا ، نعيش في الخوف ولا نستطيع التجول او الذهاب الى أماكن بعيدة خوفا من ان يعترض طريقنا حاجز تفتيش ونحن لا نمللك أوراق ثبوتية فنتعرض للاعتقال ، قدمنا على السفارة الاسترالية 7 مرات ورفضت طلباتنا في كل المرات .
ثم تحدثت أم فادي عن ذكريات العيد في بغداد وعن زياراتها لبيت أهلها ومعارفها أيام العيد ثم انتقلت للكلام عن صعوبة الحياة في الغربة وحيث لا استقرار والعيش في حالة من الترقب والخوف والانتظار حيث المستقبل المظلم المجهول وهنا تساءلت ، ما الذي فعلناه ليحصل لنا كل هذا ؟؟؟؟؟؟؟ قالت هذا ونظرات الألم الحزن تشع من عينيها .

فيما حدثني احد الشباب العراقيين يدعى فريد والذي التقيت به بعد قداس العيد في كنيسة ام المعونة للكلدان في سد البوشرية فقال وكانت علامات الاستياء واضحة على تقاسيم وجهه وعلى نظراته " وضع الشباب العراقيين الذين يعيشون لوحدهم هنا صعب للغاية حيث اذا اعتقلوا لا احد يسأل عنهم ويبقون في المعتقلات دون أمد محدد ودون محاكمة ثم أردف بعد حسرة طويلة
" أصحاب العمل يستغلوننا ونعمل بأعمال دون مستوانا الدراسي بكثير وبأجور قليلة لا تكفي لتغطية مصاريفنا ونخشى ان نطالب بحقوقنا في العمل خشية ان نتعرض للطرد حيث فرص العمل قليلة وتكاد تكون معدومة في بعض الاعمال يهددونا بجلب الشرطة عندما يحتد الكلام عن تحسين ظروف العمل لانهم يعلمون اننا لن نعود للمطالبة بأي شي بعدها "
استوقفني رجل في العقد الخامس من العمر تركت السنين أثارها على وجهه ببسمة عريضة على شفتيه ونظرات الترحيب في عينيه وهّم بمصافحتي وأنا أقدم له التهاني بالعام الجديد ، فأبو روني أعرب عن تفاؤله بالعام الجديد وتمنى أن يكون أحسن من سابقه حيث مر هذا العام ببطء وبصعوبة ، ثم قال بعد أن أشعل سيكارة واخذ نفسا عميقا " اضطررت لتغيير سكني في العام الماضي مرتين في الأولى لأسباب أمنية حيث لم يكن لدي أوراق ثبوتية وصلاحية التأشيرة انتهت ففعلت ذلك خوفا من الاعتقال لان السلطات تعرف بمحل إقامتي وفي الثانية لأني لم اعد أستطيع دفع الإيجار المرتفع لنفاذ مدخراتي فانتقلت إلى سكن متواضع ، في بغداد كنت املك محلا للأجهزة الكهربائية لكني هربت من هناك بعد أن اختطف شريكي في المحل واضطر لدفع مبلغ 35000 الف دولار كفدية للإطلاق سراحه بعد ان باع كل شيء حيث ان الخاطفين كانوا على علم بعملنا مما اجبرني على الهروب لتفادي تكرار السيناريو ذاته "
ثم عقب قائلا " قدمت عدة مرات على الهجرة على استراليا حيث يعيش اهل زوجتي هناك لكن دون جدوى ، وأرجو ان يتم قبول ملفاتنا للتوطين في بلد نستطيع فيه ان نعيش حياتنا بهدوء وسلام ولكي لا يعاني أولادنا ما عانيناه نحن ، تقدم لنا بعض الجهات بعض المساعدات من حين للاخر مثل مطرانية الكلدان والكاريتاس ومفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين لكن بشكل محدود وبأوقات متفاوتة ، لكم أتمنى ان يعم السلام بلدنا الحبيب العراق ويعود كل شي الى طبيعته وان يعيش أبناء البلد كأخوة وكعائلة واحدة "

وتظل التساؤلات على وجوه هؤلاء المهاجرين " من يتحمل مسؤولية معاناتنا ؟؟ اما من احد يتدخل ليضع حد لمأساتنا ؟؟ متى سنتمكن من العيش بسلام ؟؟ ما هو مستقبل اطفالنا وشبابنا ؟؟ لكن تبقى هذه التساؤلات بلا إجابات عسى ان يحمل العام الجديد في طياته حلولا لهذه المعضلة المعقدة فيحقق أحلام وأمال هذه الطيور المهاجرة الخائفة التي تركت بلدها وهربت من الموت الى نفق مظلم مجهول مليء بالمخاطر ستظل تخاف منه عسى ان ترى يوماً الضوء وبصيصا من الأمل في نهاية المطاف ليضع حدا لمعاناتها الصعبة وليخفف عن أثقالها المرهقة التي قد يأتي يوم تكتم فيها أنفاسها من هذه الأثقال لتستطيع ان تحلق من جديد في سماء الحرية ...



