عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حامد الحمداني

صفحات: [1] 2
1
شهادة للتاريخ
في الذكرى الستين لانقلاب العقيد الشواف
الحلقة الأولى
حامد الحمداني                                                     22/3/2019

لم تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة بالثورة تدخل مدينتهم، بصورة حقيقية، فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية، أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل، وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق تحكم الموصل من خلال الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت نشاطها من جديد، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص  جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.
 وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن مسؤولياته في قيادة الثورة، عاودت تلك القوى نشاطها التآمري، مرتدية رداء القومية العربية، وتحت راية الرئيس المصري عبد الناصر، وهي التي كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف، الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها.
غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم، الذي قلب ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة، ودافعت عنها،  وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها، والحفاظ على مكتسباتها.

عبد الكريم قاسم يقلب ظهر المجن للحزب الشيوعي:
 لقد بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين تصدوا لانقلاب الشواف، مضحين بدمائهم من أجل حماية الثورة، ودفاعاً عن قيادته هو بالذات، وإحالهم إلى المجالس العرفية{ المحاكم العسكرية}، وحرض الأهالي على التقدم بالشهادة ضدهم، عبر مكبرات الصوت المنصوبة على السيارات العسكرية، والتي كانت تطوف شوارع الموصل، وتم الحكم على معظمهم بأحكام قاسية وصلت حتى الإعدام.
ومن جهة أخرى أقدم عبد الكريم قاسم على سحب السلاح من المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، ومن ثم أقدم على إلغائها، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة، أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة، والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين جرى إبعادهم على اثر فشل محاولة الشواف الانقلابية إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة بعوائل كشمولة، والعاني، و المفتي، والأرحيم، وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم  مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين  الذين كان لهم الدورالأساسي في إخماد تمرد الشواف.
و بادرت تلك العوائل، تتلمس أفضل السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية أكثر من 30 الف عائلة على الهجرة الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن الأخرى، مضحية بأملاكها وأعمالها ووظائفها، من أجل النجاة من تلك الحملة المجرمة.
لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، أو تجرِ تحقيقاً ضد عصابات القتلة ومموليهم، والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا، ومباركتها لتلك الحملة، فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة وعاجزة، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل أبناء الموصل، وسوف  أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة، الذين بقوا مطلقي السراح، يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء، ليسددوا رصاصاتهم الجبانة إليهم  في وضح النهار .

إما أجهزة الأمن فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة، وأصيبوا بجراح، فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان يديره آنذاك، الدكتور [عبد الوهاب حديد ]، وهو من أبناء عمومة[ محمد حديد] وزير المالية.

 ولا بد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ  حركة العقيد الشواف وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك الأحداث.
من كان يحكم الموصل؟
1 ـ مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي: إسماعيل عباوي من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط، وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936،ضد حكومة [ياسين الهاشمي].
 قام إسماعيل عباوي باغتيال[ جعفر العسكري] وزير الدفاع في حكومة الهاشمي، كما أشترك في محاولة اغتيال[ضياء يونس] سكرتير مجلس النواب، ومحاولة اغتيال السيد[مولود مخلص] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير الدفاع، ورئيس مجلس النواب، عندما وقع انقلاب الفريق [ بكر صدقي].
 أُخرج إسماعيل عباوي من الجيش، بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939  بتهمة تدبير مؤامرة لقتل عدد من السياسيين، وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً.
  وقبل أحداث حركة الشواف بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، والسيطرة على الأوضاع في المدينة بعد دخول الجيش إليها بقيادة العقيد حسن عبود الذي عين فيما بعد آمراً للواء الخامس  بالموصل، وبقي المقدم إسماعيل عباوي مديراً لشرطة الموصل ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى للعناصر الديمقراطية والشيوعية فيها خلال ثلاث سنوات متوالية، حيث جرت حملة اغتيالات منظمة ذهب ضحيتها ما يناهز 1000 مواطن دون أن يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا، وسُجلت كل جرائم الاغتيالات باسم مجهول!!.
2ـ متصرف اللواء ( المحافظ) ـ العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي:
متصرف الموصل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، من مواليد 1923، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 958،  حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين، وزميل عبد السلام عارف، الذي كان آمر الفوج الثالث  في نفس اللواء. عين الدراجي آمراً للواء العشرين  بعد نجاح الثورة، وبسبب علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه،  كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم،  ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4  تشرين الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على التقاعد وعُين محافظاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى محافظة الموصل فيما بعد.
 ولاشك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم، بعد إعفائه من منصبه العسكري، وعمل جهده على  إضعاف وعزل  عبد الكريم قاسم عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم، وتبين فيما بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8  شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم، وقد عينه عبد السلام عارف، بعد انقلابه على البعثتين، وزيراً للداخلية.
 لعب الدراجي دورا كبيراً في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين، وإحالتهم إلى القضاء، على الرغم من أن أسماء أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان.
3 ـ مدير الأمن ـ  حسين العاني:
حسين العاني، كما هو معروف، من عائلة رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي ، كما كان لها دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر ، وكان وجود العاني على رأس جهاز الأمن، الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.
كان جهاز الأمن يفتش في الطرقات كل شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح  لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف  أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز القبض على أي من القتلة، رغم شيوع أسمائهم، وتداولها بين الناس جميعاً.
وهذا مثال جرى لأحد أقرب أصدقائي هو الشهيد الأستاذ [ فيصل الجبوري] مدير ثانوية الكفاح بالموصل، الذي  أُطلق عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو[عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960، ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصرخ  بأعلى صوته[ قتلني عايد طه عنتورة . ولم يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى في اليوم التالي.
 وهذا مثال آخر، حيث أطلق الرصاص على الشهيد [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشخص الشهيد بأم عينه الجاني، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه ودون مساعدة: قتلني [ محمد حسين السراج]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية ضده.

 وأذكر أيضاً أحد أصدقائي، الشهيد [أحمد مال الله]، الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً، وأُصيب بجروح،  لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد الغدر لاحقته بعد مدة واغتالته في أحد شوارع بغداد.

 أما الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل ذنون الجواري ] إلى داخل الصف، وهو يدرس التلاميذ ، ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة كان يحملها، أمام 45 طالباً، دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير، فقد أستشهد في الحال. ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت للمواطنين الأبرياء، وذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.
4 ـ آمر موقع الموصل ـ العقيد حسن عبود:
 العقيد حسن عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز، ولكن مع قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم،  وبالنظر للعلاقة التي تربطه بهم، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن  السعيدي، وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد المتقاعد عبد اللطيف الدراجي.

 كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف، إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج ُ تم إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه.
 وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد حسن عبود فيما يخص حفظ الأمن والنظام، ولم يعد له أي دور في ذلك، ثم أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.


حملة الاغتيالات في الموصل :
 1ـ منْ مول ، ونظم الاغتيالات :
 بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها.
 لقد كان على رأس تلك العصابة  يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية  والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
  1  ــ عائلة كشمولة   2ــ عائلة الأغوات    3 ــ عائلة كرموش .
  4 ــ عائلة حديد       5 ــ عائلة العاني      6 ــ عائلة نوري الأ رمني
  7 ــ عائلة المفتي .   8 ــ عائلة عبد الرزاق وعبد القادر الإ رحيم   

 كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [ حاوي الكنيسة ] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات  كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز.

ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.
2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟             
 إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ  بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلي ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.
 لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت إجرة قتل الإنسان [50 دينار]!!،وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون على ألسنتهم كل يوم:

 أسماء بعض منفذي الاغتيالات :
  1 ـ زغلول كشمولة .
  2 ـ شوكت نوري الأرمني .
  3 ـ محمد سعيد حسين السراج .
  4 ـ طارق عبد كرموش .
  5 ـ يعقوب كوشان .
  6 ـ صبار الدليمي .
  7 ـ نجم فتحي
  8 ـ موفق محمود .
  9 ـ فهد الشكرة .
  10 ـ هادي أبن الطويلة .
 11 ـ عادل ذنون الجواري .
 12 ـ حازم بري .
 13 ـ عارف السماك .
 14 ـ أحمد جني .
 15 ـ نجم البارودي .
 16 ـ طارق قباني .
 17 ـ طارق نانيك .
 18 ـ محمود ، أبن البطل .
 19  ـ قاسم ، أبن العربية
 20 ـ عدنان صحراوية
 21 ـ طارق شهاب البني .
 22 ـ فوزي شهاب البني .
 23 ـ جبل العاني .
 24 ـ فاضل مسير .
 25 ـ موفق ، أبن عم فاضل .
 26 ـ مجيد ـ مجهول أسم أبيه .
 27 ـ جنة  ـ  مجهول اسم أبيه .
28 ـ نيازي ذنون .
هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك. لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أ و عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.
لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يلقى القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم  لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.
 لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، و الإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.

لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف  تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.
 ليست متوفرة لدي، وأنا أعيش في الغربة  بعيداً عن وطني، قائمة كاملة بأسماء ضحايا الاغتيالات تلك، لكنني ما زلت أحتفظ بأسماء العديد من أولئك الضحايا أذكر منهم :

 أسماء بعض الشهداء من ضحايا جرائم الاغتيالات
  1  ـ كامل قزانجي  ـ محامي وسياسي بارز.
  2  ـ غنية محمد لطيف ـ طالبة مدرسة.
  3  ـ العقيد عبد الله الشاوي ـ أمر فوج الهندسة .
  4 ـ فيصل الجبوري   ـ مدير متوسطة الكفاح.
  5 ـ زهير رشيد الدباغ  ـ مدرس .
  6 ـ شاكر محمود  ـ معلم .
  7 ـ قوزي قزازي ـ تاجر .
  8 ـ حازم قوزي قزازي ـ تاجر ( قتل مع أبيه ) .
  9 ـ نافع برايا و عائلته ـ قتلت العائلة بواسطة قنبلة موقوتة، وضعت بسيارتهم
 10 ـ ياسين شخيتم  ـ قصاب، ونصير سلم .
 11 ـ عبد الإله ياسين شخيتم ـ طالب إعدادي  ( قتل مع أبيه).
 12 ـ متي يعقوب ـ صاحب محل تجاري .
 13 ـ إبراهيم محمد سلطان ـ تاجر أغنام .
 14 ـ حميد فتحي الحاج أحمد ـ قصاب .
 15 ـ كمال القصاب ـ قصاب .
 16 ـ موسى السلق ـ محاسب بلدية الموصل .
 17 ـ سالم محمود ـ معلم .
 18 ـ متي يعقوب يوسف ـ موظف .
 19 ـ فيصل محمد توفيق ـ مدرس .
 20 ـ عبد الله ليون ـ محامي .
 21 ـ زكر عبد النور ـ صيدلي .
 22 ـ أحمد ميرخان ـ ( نقل إلى المستشفى جريحاً ، واغتيل هناك في اليوم التالي في المستشفى ) .
 23 ـ عثمان جهور  ـ كاسب ، كردي .
 24 ـ محمد زاخو لي ـ كاسب ، كردي .
 25 ـ سر كيس الأرمني ـ صاحب كراج .
 26 ـ يقضان إبراهيم وصفي ـ مهندس .
 27 ـ حنا داؤد  ـ سائق سيارة .
 28 ـ عصمت عبد الله ـ موظف .
29 ـ هاني متي يعقوب ـ سائق المطرانية .
 30 ـ زكي عزيز توتونجي  ـ توتونجي [ بائع تبغ]
 31 ـ بدري عزيز توتونجي ـ توتونجي .
 32 ـ نجاح ….. ـ طالب جامعي ، قتله المجرم جبل العاني ،أحد أفراد العصابة.
 33 ـ أركان مناع الحنكاوي ـ كاسب .
 34 ـ طارق نجم حاوة ـ عامل .
 35 ـ طارق محمد ـ طالب إعدادي .
 36 ـ طارق إبراهيم الدباغ ـ تاجر مواد صحية .
 37 ـ سالم محمد ـ كاسب .
 38 ـ حمزة الرحو   ـ قصاب .
 39 ـ وعد الله ـ أبن أخت عمر محمد الياس ــ طالب
 40 ـ شريف البقال ـ صاحب محل تجاري .
 41 ـ طه الخضارجي ـ بائع فواكه ، وخضراوات .
 42 ـ هاشم الحلة ـ طالب .
 43 ـ حاتم الحلة ــ طالب .
 44 ـ ذنون نجيب العمر ـ تاجر .
 45 ـ محمد أبو ذنون ـ قصاب .
 46 ـ عبيد الججو ـ تاجر .
 47 ـ خليل الججو ـ تاجر .
 48 ـ زكي نجم المعمار ـ معلم .
 49 ـ أحمد نجم الدين ـ موظف .
 50 ـ أحمد البامرني ـ تاجر .
 51 ـ أحمد مال الله ـ موظف .
 52 ـ سعد الله البامرني ـ موظف .
 53 ـ وديع عودة ـ تاجر .
 54 ـ طارق يحيى . ق ـ طالب إعدادي .
 55 ـ ثامر عثمان ـ ضابط في الجيش .
 56 ـ جورج  ـ سائق .
 57 ـ أحمد حسن ـ موظف في البلدية .
58 ـ باسل عمر الياس ـ طالب .
 59 ـ شاكر محمد .
 60 ـ فريد السحار .
61 ـ واصف رشيد ميرزاـ تاجر.
62ـ جميل ألياس ـ طالب أعدادية
 هذا بعض ما أتذكره من أسماء أولئك الشهداء، ضحايا تلك المجزرة التي عاشتها مدينة الموصل خلال تلك السنوات الممتدة من أوائل عام 1960 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط عام 1963، وهي بالتأكيد لا تمثل سوى جانب ضئيل من أسماء الضحايا من أبناء الموصل البررة، ولم يكتفِ انقلابيي 8 شباط بالدم المسفوح هدراً بل نصبوا المشانق في شوارع الموصل للعشرات من السجناء.

أما الذين أعدمهم انقلابيوا 8 شباط 1963 فهم :
مجموعة الموصل
1 ـ مهدي حميد ـ ضابط في الجيش ـ قتل تحت التعذيب
2 ـ شاكر محمود اللهيبي ـ معلم
3 ـ إبراهيم محمد العباس [ أبراهيم الأسود ـ ضابط في الجيش
4 ـ عزيز أبو بكر ـ نائب عريف في الجيش
5 ـ غازي خليل محي الدين ـ نائب عريف في الجيش
6 ـ أحمد علي سلطان ـ نائب عريف في الجيش
7 ـ سيدو يوسف الحامد ـ نائب عريف في الجيش
8 ـ عز الين رفيق ـ جندي
9 ـ عصمت بيروزيني ـ جندي
10 ـ صالح أحمد يحيى ـ جندي
11 ـ جاسم محمد أحمد ـ جندي
12 ـ رمضان أحمد ـ جندي
13 ـ يوسف إبراهيم ـ جندي
14 ـ أنوردرويش يوسف ـ جندي
16ـ عبد محمد يونس ـ جندي
17 ـ شمعون ملك بكر ـ جندي
18 ـ محمد شيت صالح ـ جندي
19 ـ عمر بابكر ـ جندي
20 ميكائيل حسن اسماعيل ـ جندي
21 ـ خضر شمو ـ جندي
22ـ هاني مجيد هبونة ـ قصاب
23ـ  متي اسطيفان ـ معلم
24 ـ وعد الله النجار ـ نجار موبيليا
25 ـ ساطع اسماعيل الغني ـ قاضي
26 ـ طارق الجماس ـ تاجر اغنام
27 ـ طه الفارس ـ جندي
مجموعة تلكيف
28 ـ إبراهيم داؤودـ معلم ـ
29 ـ حنا قديشه ـ معلم
30 ـ كوركيس داؤود ـ معلم
31ـ ميخائيل ججو
32 ـ بطرس سنكو
33 ـ يحيى مراد

مجموعة دهوك
36 ـ عبد الرحمن زاويتي ـ معلم
37 ـ خيري نشأت ـ معلم
38 ـ طاهر العباسي ـ معلم
39 ـ عيسى ملا صالح ـ جندي
مجموعة كركوك
1 ـ حسين البرزنجي
2 معروف البرزنجي
3 ـ حسين خورشيد
4 ـ خليل إبراهيم عجم
5 ـ خورشيد محمد
6 ـ رحيم سعيد
7 ـ طالب عمر
8 ـ عادل حسين
9 ـ عبد الجبار بيروزخان
10 ـ عبد الحافظ شريف
11 ـ فاتح ملا داؤود الجباري
12ـ فتاح صالح
13ـ كريم رمضان أحمد
14 ـ مجيد حسن
15 ـ محمد حسن عزيز
16 ـ محمود علي
17 ـ محمود مجيد الشكرجي
18 ـ مختار برغش
19ـ مهدي مردان
20 ـ نجم الدين نادر شوان
21 ـ نعيم عنبر
22 ـ ملا نوري عبدالله
23 ـ أحمد محمد أمين
24 ـ إحسان حسين الصالحي
25 ـ نوري سيد ولي
26 ـ كريم خلف
27 ـ عطا جميل
29 ـ توفيق مصطفى


أما الذين قتلوا من أنصار الشواف خلال الانقلاب، وهم الذين قالت عنهم إذاعة صوت العرب 20 إلفا ، وتبين بعد اجراء محاكمات الشيوعيين من قبل المجلس العرفي العسكري برئاسة العقيد شمس الدين عبد الله بعد انقلاب  8 شباط أن عددهم كان 36 شخصاً نشرت صورهم الصحافة ، كما جرى تعليق صورهم اثناء الاحتفال الذي اقامه البعثيون في الموصل بذكراهم بعد انقلاب شباط ، وهم :
1 ـ أحمد السوري ـ صاحب مكتبة
2 ـ صالح حنتوش رئيس نقابة سواق السيارات
3 ـ حامد عبد الرحمن ـ عامل في الصحة
4 ـ إدريس كشمولة ـ تاجر
5 ـ فاروق إدريس كشمولة ـ طالب
6 ـ عبد الرحمن الأعضب ـ عامل أفران
7 ـ يونس خليل أحمد ـ رائد في الجيش ـ قتل خلال الانقلاب
8 ـ عزيز سليم ـ ملاحظ الاحصاء في التربية
9 ـ محمد فاتح البكري ـ طالب
10 ـ عبد الله محمد البزاز ـ عامل
11 ـ زكي عزيز الخشاب ـ عامل
12 ـ سعيد الخشاب ـ عامل
13ـ اسماعيل الحجار ـ صاحب ىمقهى
14 ـ هاشم الشكرة ـ معلم
15 ـ كريم كشمولة ـ ملاك
16 ـ شيت كشمولة ـ ملاك
17 ـ عادل سيد خضر
18 ـ احمد الحاج بكر
19 ـ عبد الرزاق شندالة
20 مصطفى الشيخ خليل
21 ـ نوري فيصل الياور ملاك اراضي
22 ـ حامد السنجري ـ غنام
23 ـ محمد خيري كشمولة ـ ملاك
24 ـ عقيل أحمد ملا إبراهيم
25 ـ داؤود السنجري ـ غنام
26 ـ فاروق عمر كشمولة ـ ملاك
27 ـ علي العمري ـ تاجر
28 ـ حفصة العمري
29 ـ عبد الله الجبوري  ـ قائمقام قضاء دهوك
30 ـ سعدالدين إبراهيم الجلبي ـ طبيب في دهوك
31 ـ قاسم الخشاب ـ مفوض شرطة دهوك
32 ـ أمجد المفتي ـ قاضي
33 ـ قاسم الشعار محامي
34 ـ هاشم عبد السلام ـ إمام جامع عجيل الياور
35 ـ توفيق النعيمي ـ رجل دين
36 ـ مصطفى الخشاب ـ عامل

الضباط المشاركين في الانقلاب الذين إدانهم المحكمة واعدمهم عبد الكريم قاسم
في شهر آب 1959
1 ـ محسن عموري ـ ملازم أول
2 ـ غانم عموري ـ ملازم
3 ـ نافع داؤود ـ نقيب ركن
4 ـ هاشم الدبوني ـ مقدم
5ـ صديق اسماعيل ـ نقيب
6 ـ علي توفيق ـ مقدم ركن
7 ـ اسماعيل هرمز ـ مقدم
8 ـ مجيد الجلبي ـ مقدم
9 ـ محمد امين عبد القادر ـ نقيب
10 ـ خليل سلمان ـ عقيد طيار
11 ـ توفيق يحيى أغا ـ نقيب
12 ـ زكريا طه ـ نقيب
13 ـ عبد الله ناجي ـ عقيد طيار
14 ـ قاسم العزاوي ـ نقيب طيار
15 ـ فاضل ناصر ـ ملازم طيار
16 ـ أحمد عاشور ـ ملازم طيار
17 ـ ناظم الطبقجلي ـ عميد ركن ـ قائد الفرقة الثانية
18 ـ رفعت الحاج سري ـ عميد ركن ـ رئيس الاستخبارات العسكرية

نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:
بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:

 1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم  ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا  فيها حرصاً على حياتهم.

 2ـ  شل و تدمير الحركة  الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة .

 3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة  والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي .
 لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد،  هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، و كل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.
 لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، و العهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.

 ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.

موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟
لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [ اتحاد الشعب ] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها !! دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من السلطة وهو يدرك أن لها اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ ].

 وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب  بكل تأكيد  سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك،  ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية[ محمد حديد ] نائب رئيس الحزب الوطني الديمقراطي، دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة.
 ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين  كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.

 لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.

 كان على قيادة الحزب إما أن تقرر استلام السلطة، وهي القادرة على ذلك بدون أدنى شك، لكن الخطوط الحمراء التي رسمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حول الخليج حالت دون إقدام الحزب الشيوعي على استلام السلطة، أو أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها  للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة إئتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.

 لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي  القاضي بتحجيمه  وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه  بعد أن اصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم ، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً .
 أما قيادة الحزب فكانت  بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات ، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة  لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب  360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

 لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية  وتنامي عدد حوادث القتل  يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق، بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.

 لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم .

إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه، متهماً المنادين به بالفوضويين !! وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.

 إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة. لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك مازالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، واصفاً إياهم بكونهم أسوأ من هولاكو، وجنكيز خان !!؟  لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه. 

لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته ، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة من الأعداء.
 


2
بمناسبةعيد المرأة العالمي
حقوق المرأة ومساواتها بالرجل رهن بتطبيق
شرعة  حقوق الانسان الدولية
حامد الحمداني                                                                 7/3/2019

يحتفل العالم هذا اليوم ،الثامن من آذار، بالعيد السنوي للمرأة ، ويجري الاحتفال بهذه المناسبة في وطني العراق في ظل ظروف بالغة الصعوبة منذ الغزو الأمريكي عام 2003 وحتى يومنا هذا، حيث سلم المحتلون الحكم في العراق لأحزاب الاسلام السياسي الغارقة في التخلف، والتي  انتهكت حقوق وحريات المرأة بشكل فض، وعادت بها القهقرة إلى ما قبل الثلاثينات من القرن الماضي، وجرى تهميش دورها في المجتمع وهي التي تمثل نصفه.

وجاءت الثورات التي اجتاحت العديد من بلدان العالم العربي لتزيد من الوضع تعاسة المرأة واعاقت ما كانت تصبو إليه في نيل حقوقها المغتصبة في ظل المجتمع الذكوري السائد، بل عادت إلى الوراء على اثر وصول أحزاب الإسلام السياسي إلى السلطة في العديد من  البلدان العربية، وما تزال بلدان عربية اخرى مسرحا لمعارك دامية معظم ادواتها احزاب اسلامية طائفية متخلفة عن العصر تهدف إلى انتزاع السلطة.

وعلى حين غرة ظهرت عصابات داعش وكأنها نزلت من السماء!! مدججة بكامل اسلحتها الحديثة في سوريا والعراق بوجه خاص، وليبيا وتونس والجزائر واليمن بوجه عام، مع ما تحمله من افكار موغله في الرجعية والتخلف لتجتاح المساحات الواسعة من الاراضي العراقية والسورية تنفيذا لأجندة اسيادها الامبرياليين، وتقترف اشنع الجرائم الوحشية بحق الانسان، تلك الجرائم التي نالت المرأة النصيب الأكبر منها، من قتل وسبي واغتصاب وتشريد، ونهب الممتلكات، وكل ذلك جرى ويجري باسم الإسلام، حتى بتنا نعيش اظلم عصور الهمجية، والعالم يعيش العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين!
 
إنها انتكاسة كبرى بالنسبة لحقوق المرأة لم تشهد له منذ الخمسينات من القرن الماضي، ومن عاش تلك الحقبة الزمنية يدرك البون الشاسع بين أوضاع المرأة آنذاك وأوضاعها اليوم في ظل هذه الانتكاسة، والردة الرجعية التي لم نشهد مثلها في العصر الحديث.

أنها لمأساة كبرى أن نجد المرأة اليوم وقد البسوها هذا القناع الأسود باسم ما يدعيه مسلموا هذا الزمان بالفضيلة، وكأنما هذا القناع الأسود هو الذي يحمي عفافها!!، وبدأت عمليات غسل الأدمغة التي يمارسها منظروا الإسلام السياسي، وقد امتلكوا السلطة لإعادة الحصان الجامح الذي انطلق مع قيام الثورات إلى حصنه من جديد                                                                               
                                                                                 
لقدانتكست حقوق المرأة التي ناضلت من أجلها عقوداً طويلة، وبات عليها أن تبدأ من نقطة الصفر من جديد، والسبب في كل ما جرى هو وصول الإسلام السياسي إلى قمة السلطة، فلا يمكن أن يبني الإسلام السياسي دولة ديمقراطية ويطبق شرعة حقوق الإنسان، ومساواة المرأة بأخيها الرجل، ويحقق العدالة  الاجتماعية.                                                                                     
ولا سبيل إلى فرض وجود المرأة ومشاركتها النشيطة في الحياة السياسية والثقافية إلا من خلال كسر كل القيود التي تضمنها ما يسمى بالشرع الذي يفرضه أساطين الإسلام السياسي، فلا شرع في عصرنا هذا غير شرعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولابد أن تتحرر المرأة اقتصادياً لأنه السبيل الأهم لتحررها الاجتماعي، وهذا لن يتم إذا لم يجرِ تعبئة سائر منظمات المرأة، وبدعم فعّال ومتواصل من سائر القوى السياسية الديمقراطية، ومنظمات المجتمع المدني لخوض المعارك الفاصلة مع قوى الردة والرجعية، لفرض إرادة التحرر من قيود المجتمع الذكوري والقوانين الرجعية التي تفرضها الشريعة التي عفا عليها الزمان، ولن تعد تلائم عصرنا.                                                     

لا يمكن، ولا أتصور، ولا أثق بكل ادعاءات أحزاب الإسلام السياسي بطرح برنامج ليبرالي حديث يتناسب مع فكرة الدولة المدنية، ويتضمن حقوق وحريات المرأة طالما هم متمسكون بما يسمى بالشريعة التي وضعت قبل 1400 عام فمن المستحيل أن تتلاءم الشريعة الدينية مع شرعة حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة منذ عام 1948، والتي تتجاهلها كل أنظمة الدول الإسلامية، ولا حل إلا بقيام دولة علمانية تتولى فصل الدين عن الدولة، ليبقَ الدين منزها من كل ما الصقه منظروا الإسلام السياسي من أدران، بغية تثبيت كيانهم السياسي وسيطرتهم وتحكمهم  بشؤون المجتمع، بدأً من رياض الأطفال وحتى الدراسات العليا، وليبًقَ الدين علاقة خاصة بين الإنسان وربه فقط، دون تدخل الدولة. 
                       
ولا بد أن اقول أن المرأة تتحمل جانبا من المسؤولية بسبب التخلف السائد في المجتمع نتيجة لعوامل متعددة بعضها يقع على عاتق رجال الدين، وبعضها الآخر على الدولة ونظامها السياسي والاجتماعي، وبعضها الآخر على المرأة نفسها فلقد وجدنا الكثير من النساء ممن حملن حتى شهادة الدكتورة، وقد غطت نفسها بهذا الكيس ألظلامي الأسود، وتعلن صراحة أن من حق الرجل أن يضرب المرأة، وأن على المرأة إطاعة الرجل، وعدم مخالفة إرادته، لأن الإسلام يقول أن الرجال قوامون على النساء، وهذا ما سمعته في ندوة تلفزيونية مع نائبة في البرلمان العراقي، فكيف بالمرأة المحرومة من الثقافة، والمطمورة بين أربعة جدران، ومهمتها خدمة الرجل، وتلبية رغباته الجنسية، وتربية الأطفال، وتحضير الطعام، وتنظيف المسكن، دون إن تشعر بكرامتها المهانة، ودون أن تعترض على انتهاكها تحت تهديد الرجل. 
                                .                                                                                                                         
 اننا بحاجة للثقافة الذاتية فهي التي تجعل الرجل يحس بكونه يضطهد المرأة ويسلبها حقوقها، وإرادتها، وأن المرأة مخلوق لا يختلف عن الرجل، بل أستطيع القول أن ما تقوم به المرأة يعجز الرجل عن القيام به، دعك عن الحمل والولادة وآلامها ومخاطرها، ومع ذلك نجد المرأة وقد درست واجتهدت وحققت نجاحاً باهراً كطبيبة ومهندسة ومدرسة ومحامية وقاضية، بل وتبوأت في العديد من الدول أعلى مراتب السلطة كرئيسة دولة، أو رئيسة وزراء، في حين نجد الكثير من الرجال الأميين الذين لا يدركون من شؤون الحياة سوى فرض سيطرته على المرأة، وانتهاك حقوقها والاعتداء عليها.

أن الثقافة الذاتية لكلا الجنسين لا تأتِ إلا من خلال القراءة، والمخالطة الاجتماعية مع من يمتلكون جانبا واسعاً من الثقافة، فمن لا يقرأ يتحجر دماغه بلا أدنى شك، وعلى المرأة أن تهتم بالقراءة فهى السبيل لجعلها تدرك حقوقها وحرياتها، وتدفعها للنضال من أجل تحقيقها.
تهنئة من الاعماق لعيد المرأة، وعاش نضالها من أجل تحقيق أمانيها في الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ولتتشابك ايادي كل المثقفين بيد المرأة لفرض شرعة حقوق الانسان التي اقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة كقانون الزامي في دستور البلاد .

3
الصراع الأمريكي الروسي وخيارات اوربا           
حامد الحمداني                                            21/2/2019

أظهر الرئيس الأمريكي ترامب في خطابه الذي ألقاه قبل يومين تهديداً صريحاً بغزو  ليس فنزويلا فحسب، بل اضاف اليها جمهوريتي كوبا ونكراكوا، بل زاد في اندفاعه مهددا بمحاربة كل الأنظمة الأشتراكية في امريكا اللاتينية، وفي اية دولة في العالم، وصب تهديداته على الشيوعية، وقد اتصف خطابه هذا بالعدوانية، وكأن الرعب قد تولاه من امكانية عودة الاتحاد السوفيتي من جديد، ومن أجل هذا الكابوس الذي يلاحقه، مارس الضغوط الشديدة على دول حلف الناتو الاوربية بدفع المزيد من أجل حمايتها من الخطر الروسي المزعوم، ومارس الضغوط على دول اوربا الشرقية التي كانت ضمن المعسكر الاشتراكي المجاورة لروسيا لنصب الصوريخ المتوسطة المدى على حدود روسيا، وتمادى في سعيه لحصاره بإحداث انقلاب في اوكرانيا، وتسليمها للقوى النازية، مما أدى الى قيام صراع بين روسيا واوكرانيا أدى بدوره الى انفصال الاجزاء التي غالبية سكانها من الروس وفي مقدمتها شبه جزيرة القرم التي تم اعادتها الى روسيا، وبدأت الاسلحة الامريكية تنهال على اوكرانيا، ومحاولة ضمها الى حلف الناتو، واعلن ترامب جملة من العقوبات على روسيا في محاولة لانهاك اقتصادها وتركيعها، ومارس الضغوط على اوربا لرفض شراء الغاز الروسي عبر الأنبوب الذي اقامته روسيا عبر بلغاريا بدلاً من اوكرانيا.

 لكن روسيا تجاوزت كل تلك الضغوط الاقتصادية، وتحدت الولايات المتحدة، وانذرت البلدان الأوربية المحاذية لروسيا من ان روسيا لن تتساهل في درء الخطر على حدودها، ولم ينتظر الرئيس الروسي بوتين الرد على مشاريع ترامب العدائية ضد روسيا حيث جاء خطابه في اليوم التالي لخطاب ترامب، في افتتاح المجلس الاتحادي الروسي، موجهاً إنذاراً صريحاً للرد على أي عدوان على روسيا فوراً، ليس فقط على الدول التي تنطلق منها صواريخ امريكا ضد روسيا، بل الدول التي يصدر منها قرار العدوان كذلك، في اشارة واضحة الى الولايات المتحدة الامريكية، ودعم الرئيس الروسي بوتين تحذيره بعرض لأحدث الأسلحة والصواريخ الهجومية، واشدها فتكاً، وأردف بوتين قائلاً ان روسيا لن تهدد احدا، ولن تبدأ بالعدوان، لكنها على اهبة الاستعداد للرد بكل قوة على مصادر العدوان، المراكز التي اصدرت قرار العدوان،وهو يقصد بذلك الولايات المتحدةالامريكية.                                                      .

إن الحرب الباردة القائمة اليوم بين أمريكا وروسيا باتت تشكل أعظم الاخطار على اوربا التي زرعت امريكا أراضيها بصواريخها الذرية، واسلحتها الفتاكة، تقابلها صوريخ روسيا المرعبة مما يؤدي بكل تأكيد الى تحويل الدول الاوربية الى ساحة حرب مدمرة لا تبقي ولا تذر، وأن الحكمة تتطلب من دول الاتحاد الأوربي ان تسعى لعلاقات سلام وتعاون وتبادل المصالح الاقتصادية  بحكم الجيرة، وحماية شعوبها واوطانها من مخاطر الحروب المدمرة  والنأي بشعوبها من سياسة ترامب الخطرة التي تضع هذه البلدان بين المطرقة والسندان.

أن سياسة حافة الحرب التي يسير عليها ترامب هي لعب بالنار،  في ظل تسلح الطرفين بأخطر الأسلحة ذات الدمار الشامل، وأن أي خطأ يرتكبه احد الطرفين الماسكين بالزناد ، وهما على اهبة الاستعداد والترقب يمكن ان تنطلق الصواريخ العابرة للقارات والصواريخ  المتوسطة المدى والتي قد تفضي الى فناء العالم.                                                 

                                                 
                                                       

4
من ذاكرة التاريخ
الحرب العراقية الإيرانية
ودور الولا يات المتحدة في اشعالها
القسم الخامس والأخير
حامد الحمداني                                                  
 
أولاً: حرب الناقلات، وتأثيرها على إمدادات النفط:
عمل الطرفان المتحاربان العراق وإيران على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه، بالنظر إلى اعتماد كلا البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتماداً كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل منهما، واستمر القصف طيلة أمد الحرب.

كما قامت القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء البكر النفطي، مما اضطر العراق كما أسلفنا، إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي التركية والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار عبر أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني، منذُ نشوب الحرب.

 كما قامت الكويت ببيع النفط لحساب العراق، ونقله على ناقلاتها، مما دفع إيران إلى مهاجمة الناقلات الخليجية، حيث أصيب أكثر من 160 ناقلة منها 48 ناقلة كويتية، واضطر حكام الكويت إلى شراء الحماية لناقلاتها من الولايات المتحدة وقامت برفع العلم الأمريكي عليها لمنع إيران من مهاجمتها، كما قامت حكومة الكويت بتأجير 11 ناقلة سوفيتية لضمان عدم الاعتداء عليها، وحاولت شراء الحماية من الصين كذلك، لكن الولايات المتحدة عارضت ذلك خوفاً على مصالحها في الخليج.
 
أما حكام العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات من طراز [سوخوي 23]، وطائرات من طراز [ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق ، والمحملة بصواريخ [أكزوزسيت] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في الخليج لملاحقة الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها إيران لتصدير النفط.
 وهكذا اشتعلت حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين، وأصبحت عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى عالٍ جداً مما سبب في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

 وفي تلك الأيام قامت طائرة عراقية بضرب طراد أمريكي، في 18 أيار 1987، حيث اعتقد الطيار أنه طراد إيراني، وأدى قصفه إلى مقتل 28 فرداً من القوات الأمريكية، واعترفت الحكومة العراقية بقصف الطراد وقدمت اعتذاراً للحكومة الأمريكية، وتم دفع تعويضات لأسر العسكريين القتلى بمقدار 800 ألف دولار لكل قتيل، ولم يصدر أي رد فعل أمريكي ضد العراق فقد كانت العلاقات بينهما على خير ما يرام!!.

استمرت حرب الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب وأصبحت تمثل خطراً حقيقياً على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب وأصبح الخليج مملوء بالألغام، وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع، والخراب والدمار الذي عم البلدين، وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق لأخذ المبادرة، وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب .

 وقد جرى ذلك الدعم بمختلف السبل، من تقديم المعلومات العسكرية  إلى تقديم شتى أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار، بالإضافة إلى القوات المصرية، والأردنية، واليمانية، وغيرها من السبل والوسائل، وبدأ العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية من أراضيه.
 
ثانياً:المعارك التي خاضها العراق في العام الأخير للحرب:

 1ـ معركة تحرير الفاو:
في عام 1988، العام الأخير للحرب، تحول ميزان القوى مرة أخرى لصالح العراق، وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه من الاحتلال الإيراني وكان في مقدمة أهدافه تحرير الفاو، التي مضى على احتلالها 21 شهراً، فقد حشد النظام العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري، ومعدات لا حصر لها، كان من بينها 2000 مدفع، ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988 واستطاعت القوات العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت المنطقة إلى كتلة من لهيب، ودفع العراق حياة خمسين الفاً من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو !!.
2 ـ تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة:
 كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب هدفاً لقصف المدفعية الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك فقد ركز النظام العراقي جهد قواته إلى تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية معارك شرسة دامت ثلاثة أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة، بعد أن قدم التضحيات الجسام.

3 ـ تحرير جزر مجنون:
بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو، كان أمامها الهدف الثالث، الذي لا يقل أهمية عن الهدفين الأولين، جزر مجنون، التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني.

4 ـ تحرير المناطق الحدودية الممتدة من البصرة إلى مندلي: 
انتقلت القوات العراقية بعد تحرير جزر مجنون إلى ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب ومندلي  في القاطع الأوسط، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية التي أخذت معنوياتها تتراجع يوماً بعد يوم، واستطاعت القوات العراقية طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.

5 ـ اختراق الحدود الإيرانية من جديد:
لم تكتفِ القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وإنما طورت هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود، واستمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني إلى مسافة 60 كم، مما جعل القوات الإيرانية في موقف صعب للغاية، وتنفس النظام الصدامي  الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية لإجبارها على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات عن إقناع حكام إيران بوقفها.

ثالثاً:النظام العراقي يهاجم مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية:
في ليلة 13 آذار 1988، بادرت القوات الإيرانية بالهجوم على مدينة حلبجة الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من كردستان، في سهل شهر زور، بمساعدة قوات البيشمركة العائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النظام الإيراني يرمي من هجومه على المدينة التعويض عن هزائمه أمام القوات العراقية في القاطعين الجنوبي والأوسط، ولرفع معنويات جنوده المنهارة بعد تلك الهزائم.
بدأت القوات المهاجمة بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام، ثم أعقبتها بالهجوم البري الذي دام يومين، حيث استطاع الإيرانيون من احتلال المدينة في 15 آذار، وتقهقرت القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك تاركة أسلحتها ومعداتها في ارض المعركة، وبدأ الإيرانيون يتحدثون عِبر وسائل إعلامهم عن انتصارات حققوها في منطقة حلبجة، وبدأ المصورون يصورون القوات الإيرانية وهي تحتل المدينة.

أدرك الأهالي أن الأخطار تحدق بهم، وأن النظام الصدامي سوف لن يدع القوات الإيرانية تحتل المدينة، وكان أكثر ما يقلقهم هو إمكانية تعرضهم للضرب بالأسلحة الكيماوية، ولذلك فقد حاولوا مغادرة المدينة وإخلائها، لكن الإيرانيين منعوهم من ذلك. لكن القوات الإيرانية لم تمكث في المدينة، وبدأت تنسحب منها تاركة الأهالي، وقوات البيشمركة فيها، فقد توقعوا أن يشن النظام الصدامي الهجوم عليها بالأسلحة الكيماوية.

  وفي صباح يوم 16 آذار حلقت 8 طائرات حربية عراقية فوق المدينة، وبدأت بالقصف العشوائي مركزة على منطقتي [السراي] و[كاني قولكه].

وبعد الظهر جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بكل أحيائها وكانت تستهدف كسر زجاج النوافذ للدور تمهيداً لقصفها بالسلاح الكيماوي، لكي تنفذ الغازات السامة في كل مكان، ولكي تقتل  أكبر عدد من المواطنين.

وفي الساعة الثالثة والربع من عصر ذلك اليوم جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بالسلاح الكيماوي، مركزة القصف على أحياء [بير محمد] و[جوله كان] و[كاني قولكه] [والسراي]، ثم تلتها موجة أخرى من الطائرات بعد ساعة لتقصف المدينة من جديد مركزة القصف على كل أنحاء المدينة.

وتحدث أحد الناجين من تلك المجزرة البشرية التي ذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن كردي أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، فقال:
{في البداية سمعنا صوت انفجارات مدوية تلاها بعد خمس دقائق انتشار ما يشبه الضباب الذي راح يقترب من الأرض شيئاً فشيئاً، وبدأت العيون تدمع وشعرنا بحرقة شديدة، وكانت الرائحة أشبه برائحة البارود، وتسرب الدخان الأبيض إلى كل المنازل، والمخابئ، وبدأ الناس يشعرون بالاختناق، وتدافعت جموعهم للخروج نحو الخارج لتشم الهواء، وكان الناس يصرخون كالمجانين، ويضعون أيديهم على عيونهم، وأنوفهم، ثم يسقطون على الأرض ويأتون بحركات متشنجة ويتقيئون، ويبصقون دماً، وأصيبت عيونهم بالعمى، وكانت أنوفهم وأفواههم تنزف دماً، وقد ازرقت بشرتهم، ثم بدأوا يفارقون الحياة، وكنت أرى الجثث في الشوارع والطرقات وفي كل مكان، وكان البعض منهم لا يزال ينازع الحياة، وقد شوهتهم الحروق، وبدت المدينة أشبه بمقبرة انتزعت الجثث فيها من قبورها، وتناثرت على الأرض، وقد استطاع البعض تصوير تلك المشاهد المرعبة التي تصف جرائم النظام الصدامي خير وصف}.

رابعاً:العراق يكثف حرب الصواريخ،ونهاية الحرب:

أخذ حكام العراق، بعد أن تسنى لهم دفع القوات الإيرانية إلى عمق أراضيهم يضغطون على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب، وذلك عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الشعب الإيراني، فقد كانت الصواريخ تنهال على طهران والمدن الإيرانية الأخرى بشكل متواصل محدثة خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وخلقت حالة من الهلع لدى الشعب الإيراني.

وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم 579، والذي دعا إلى وقف القتال بين الطرفين وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية، ووجد حكام إيران أنهم قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، واضطر الزعيم الديني [آية الله الخميني] إلى إصدار أوامره بوقف الحرب في 18 تموز 1988، والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض، حيث أعلن الخميني أنه يشعر وهو يصدر أمره بوقف الحرب، بأنه يشرب السم.

وهكذا توقفت الحرب بين العراق وإيران، بعد مجازر رهيبة استمرت طيلة ثمان سنوات، وذهب ضحيتها أكثر من مليون إنسان، من كلا البلدين، إضافة إلى آلاف المعوقين والأرامل واليتامى، وتدمير اقتصاد البلدين، وتخريب مرافقهما الاقتصادية، والأعظم من كل ذلك هو التأثير النفسي الذي تركته تلك الحرب المجرمة على أبناء الشعبين المغلوبين على أمرهما، والتي لم يجنيا منها سوى الدماء والدموع .

خامساً:النظام الصدامي يشن حملة الأنفال على الأكراد:

لم يكد النظام الصدامي ينتهي من معاركه الخمسة مع إيران، وتضع الحرب أوزارها، حتى التفت إلى منطقة كردستان، وقد امتلأ قلب صدام حسين حقداً على الأكراد فأصدر أوامره إلى قوات الحرس الجمهوري بقيادة المجرم العريق [علي حسن المجيد] الملقب [علي كيماوي] حيث ارتبط أسمه باستخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي.
ففي 20 آب 1988، اليوم الذي جرى فيه إيقاف الحرب بين العراق وإيران اندفعت قطعان الفاشيين نحو كردستان  مستخدمة في بداية هجومها السلاح الكيماوي في منطقة واسعة جاوزت 6000كم مربع أصابت معظم القرى الكردية في المنطقة الممتدة من كركوك وحتى أقصى حدود كردستان.

كما قامت الطائرات صباح يوم 26 آب ب24 غارة بالأسلحة الكيماوية على مدن وقرى عديدة في كردستان، منها بابير،وكه ركو، وبليت ، وباروك، وزيوه وزيريج، وبازيان، ودهوك، والشيخان، والعمادية، وكانت الطائرات تتعقب الهاربين من جحيم الحرب، كما شاركت الطائرات المروحية في مطاردتهم، وبلغ عدد الفارين نحو الحدود التركية أكثر من 90 ألفا، وكان قسم منهم مصاباً بحروق جراء تعرضهم للأسلحة الكيماوية.

أعقب الهجوم البربري بالأسلحة الكيماوية اجتياح الحرس الجمهوري لكردستان، حيث أكتسحت القوات الفاشية المنطقة مبتدئة بالقرى المحيطة بكركوك لتمسحها من الوجود، وتتركها أكواما من الحجارة، ولتفتك بأبناء الشعب الكردي بأسلوب رهيب لم تشهد له كردستان من قبل، حيث لم يسلم من بطش القوات الغازية حتى الأطفال، ولم تنجوا الجوامع والكنائس من همجية الفاشيين البعثيين.
 لقد التُقِطتْ مكالمة هاتفية من علي حسن المجيد إلى قائد الفيلق الذي قاد الهجوم يقول له بالحرف الواحد: {لا تدع حتى الأطفال، لأنهم سيكبرون غداً ويحملون السلاح ضدنا}.

 وهكذا أباد الفاشيون ما يناهز على 180 ألف مواطن كردي دفنتهم الجرافات العسكرية في قبور جماعية مجهولة، وبأسلوب وحشي يندى له جبين الإنسانية.
كما تم نقل أعداد كبيرة من الأكراد إلى المناطق الصحراوية في جنوب العراق بسيارات الحمل، إمعاناً بإذلالهم، ونُهبت ممتلكاتهم ومواشيهم.

ورغم كل الجرائم التي أقترفها نظام صدام باستخدامه السلاح الكيماوي، ليس ضد القوات الإيرانية فحسب، بل وضد الشعب الكردي كذلك فإن تلك الجرائم لم تحرك مجلس الأمن، ولا حكومات الدول الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان، وشجع موقفهم حاكم بغداد على الإيغال بجرائمه ضد الإنسانية.
وبإلحاح من حكومة إيران وشكواها بأن العراق قد استخدم السلاح الكيماوي المحرم دولياً، اضطرت الأمم المتحدة إلى إرسال بعثة خبراء إلى طهران في 26 شباط 1986 للتحقيق في الشكوى، وقد مكثت البعثة مدة أسبوع في طهران، ثم رفعت تقريرها الذي أكد على أن العراق قد استخدم الغاز السام في الحرب واضطر مجلس الأمن إلى أن يصدر قراراً يدين العراق لأول مرة !!!.
لكن ذلك القرار كان قد صيغ بشكل مائع ولم يؤدِ إلى إيقاف تلك الجرائم، بل استمر النظام العراقي في استخدامها حتى نهاية الحرب.

غير أن الغرب صحا فجأة، بعد عام 1989، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وبدأ يتحدث عن تسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل، الكيماوية والبيولوجية والجرثومية والنووية، فلقد تغيرت الحال بعد الحرب!، وخرج العراق منها يمتلك جيشاً جراراً، واقتصاداً منهاراً، ولديه ترسانة ضخمة من الأسلحة تجعله خطراً داهماً على مصالحهم في الخليج!، ووجد الغرب أن من الضروري نزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل من أجل ضمان أمن واستقرار الخليج!، ووجد إن الوقت قد حان لنزع هذه الترسانة الخطيرة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، والصواريخ البعيدة المدى، والقادرة على حمل تلك الأسلحة إلى مسافات شاسعة.

 كان لابد وان يجد الغرب الوسيلة والمبرر لذلك، فكان توريط صدام بغزوه الكويت لاتخاذ تلك الجريمة مبرراً لتدمير القوة العسكرية والاقتصادية للعراق، وتدمير البنية الاجتماعية للشعب العراقي، نتيجة للحصار الظالم الذي تم فرضه على الشعب العراقي، دون صدام وزمرته المجرمة، والذي تسبب في تلك الكارثة المفجعة حيث الجوع والفقر والأمراض التي أزهقت أرواح 4 ملايين من أطفال العراق، ومحت الطبقة الوسطى، وحولتها إلى ما دون خط الفقر، وتسببت في هجرة الملايين من العراقيين نحو بلدان اللجوء الغربية، وفقد العراق خيرة كوادره العلمية في مختلف المجالات، والتي تعتبر ثروة عراقية كبرى لا تعوض.

لقد كانت الحرب العراقية ضد إيران بالوكالة عن الولايات المحتدة، هي العامل المباشر لغزو صدام للكويت، وحرب الخليج الثانية عام 1991، والانتفاضة التي تلتها مباشرة، ومن ثم حرب الخليج الثالثة التي قادها بوش الأبن لإسقاط نظام صدام، واحتلال العراق، وما سببه الاحتلال من الويلات والمصائب والمآسي التي أوصلت الشعب للحرب الأهلية ما بين عامي 2006 و 2007 ، وما زال الشعب العراقي حتى يومنا هذا يعاني اشد المعانات من فقدان الأمن، والتفجيرات المستمرة التي تحصد كل يوم بالعشرات بل المئات من المواطنين الأبرياء، إضافة للفقر والبطالة والأمراض التي عمت المجتمع العراقي جراء حروب صدام الكارثية .
إن خير من وصف ما تسببه الحروب في  تدمير البنية الاجتماعية هو [ليون تلستوي] حيث يقول في كتابه المشهور [ الحرب والسلام ] :
{ إن سنة واحدة من الحروب تفسد المجتمع أكثر ما تفسده ملايين الجرائم لعشرات السنين}، ولنا بعد ذلك أن ندرك ما فعلته حروب صدام المجرمة منذ عام أن استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 17 تموز 1968 وحتى عام 2003 بالمجتمع العراقي الذي كان بالإمكان لو تهيأت لو حكومة رشيدة مسالمة، نظيفة اليد، وذات كفاءة عالية، ان يعيش اليوم حياة رغيدة، في ظل بلد يرقى إلى مصاف بلدان العالم المتطورة، حيث يمتلك العراق كل المقومات المادية والبشرية والكفاءات العلمية لبلوغ هذا الهدف الكبير.


5
من ذاكرة التاريخ:
الحرب العراقية الإيرانية
ودور الولايات المتحدة في اشعالها
الحلقة الرابعة 4/5
حامد الحمداني                                                 9/2/2019
إيران تستعيد قدراتها العسكرية، وتشن الهجوم المعاكس
في أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في الحرب، وقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان وهم يتقدمون الصفوف.

وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني مدعوما بالحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الدكتاتور صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.
 واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [خرم شهر]  وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان]  في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من جنوده، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط.

أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله، وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق وأصروا على مواصلة الحرب وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم، وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام  1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [ بشير الجميل] رئيساً للبلاد تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.

 إلا أن حكام إيران وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض صدام حسين الطلب الإيراني كذلك.
 حاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار، كما اغتيل رئيس وزراء السويد  [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أحل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك،  وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، بل أستطيع تسميتها بالجريمة الكبرى التي لا يمكن تبريرها،  وتبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988 إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول، ولا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية تولى تنفيذها صدام حسين، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية  والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب،أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.
لقد كان أحرى بالنظام الإيراني وبالإمام الخميني نفسه إيقاف القتال وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى : [ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ] وقوله تعالى في آية أخرى : [ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين] كما جاء في آية ثالثة قوله تعالى : [ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهم ] تلك هي آيات من القرآن الكريم التي تحث على السلام  وحل المشاكل بالحسنى والعدل، وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات الكريمة هذه، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب ليسو صدام حسين وزمرته وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين، ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم ؟
 ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما ؟

 لقد أعترف صدام حسين عام 1990 بعد إقدامه على غزو الكويت في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني ] أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي: [إن هناك قوى كانت لها يد في الفتنة]. (6)       
ولكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن صدام أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج.

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ودمر البنية الاجتماعية للشعب العراقي، وكان المستفيد من تلك الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين الذين هم أساس البلاء.

 ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق،  كقيام ثورة [شيعية] تسقط النظام الصدامي، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وهذا ما أكده إعلان الرئيس الأمريكي [ جيمي كارتر]  في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، و جاء فيه ما يلي :
{ إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}. (7)
هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

استمرار الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها
اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام  1983 ـ 1986 ،حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب حيث شنت هجوماً واسعا على القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[ قصر شيرين] و [ سربيل زهاب ] و [ الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على النظام الصدامي الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.
 
لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ  من المال، أو قطعة أرض أو شقة  أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية  والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 60 مليار دولار.
لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، ويسبب
 للوطن نحو الدمار والخراب.
سادساً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون
اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات  البشرية المتتالية تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985 .
لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي  الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج، أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو، وركزوا على منطقة [جزر مجنون] الغنية جداً بالنفط، واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.
 
 سابعاً:النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل:
كاد النظام الصدامي يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.
غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود]، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.

تمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة  الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.

كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ نتاجها وتعبئة القنابل بها.

أحدث برنامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها  300 شركة.

كما قام الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [ يحيى المشد] الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي  الدكتور [ جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [ أوزيراك ] في ميناء  [مرسيليا] الفرنسي حيث كان معداً لنقله إلى العراق.
غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران. 


6

الحقيقة حول انقلاب 8 شباط 1963 الفاشي
واغتيال ثورة 14 تموز المجيدة
حامد الحمداني                                                              7/2/2019
الظروف التي ساعدت، ومهدت للانقلاب:
في ظل الظروف التي سادت العراق منذُ عام 1959، حيث بدأت الانتكاسة في العلاقات بين الأحزاب السياسية الوطنية من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم، من جهة أخرى تلك الانتكاسة التي تتحمل كافة الأحزاب السياسية، و عبد الكريم قاسم نفسه مسؤوليتها، حيث غلّب كل حزب مصالحه الذاتية على المصلحة العليا للشعب والوطن، وحيث عمل عبد الكريم قاسم جاهداً للاستئثار بالسلطة، وسعيه الحثيث إلى تحجيم الحزب الشيوعي، بعد المد الواسع الذي شهده الحزب خلال العام الأول للثورة، ولجوئه إلى سياسة توازن القوى بين حماة الثورة  والقوى التي تآمرت عليها، واتخاذه سياسة التسامح والعفو عن المتآمرين الذين تآمروا على الثورة {سياسة عفا الله عما سلف} التي اقتصرت على تلك العناصر دون سواها، حيث أطلق سراحهم من السجن، واعاد عدد كبير من الضباط الذين سبق وأن أحيلوا على التقاعد بعد محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، إلى مراكز حساسة في الجيش.
وفي الوقت نفسه، أقدم على اعتقال وسجن خيرة المناضلين المدافعين الأشداء عن الثورة وقيادتها ومسيرتها، واحالهم إلى المجالس العرفية العسكرية التي أصدرت بحقهم أحكاماً بالسجن لمدد طويلة، وتسريحه لعدد كبير من الضباط، كان من بينهم الدورة 13 للضباط الاحتياط البالغ عددهم [1700] ضابطاً، وكذلك ضباط الصف المشهود لهم بالوطنية الصادقة، والدفاع عن الجمهورية الوليدة، حيث كان لهم دور كبير في القضاء على تمرد الشواف، وإجهاض كل المحاولات التآمرية الأخرى ضد الثورة وقيادتها.
 كما لجأ عبد الكريم قاسم إلى تجريد المنظمات الجماهيرية التي لعبت دوراً بارزاً في حماية الثورة ومكتسباتها من قياداتها المخلصة والأمينة على مصالح الشعب والوطن، والتي جادت بدمائها من أجل الثورة، ومن أجل مستقبل مشرق للعراق وشعبه، وتسليمها للقوى المعادية للثورة، بهدف إضعاف الحزب الشيوعي، وهذه أهم الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم في هذا المجال، والتي كان لها الأثر الحاسم في نجاح انقلاب الثامن من شباط الفاشي عام 1963:
1ـ سحب السلاح من المقاومة الشعبية:
  لقد كان موقف قاسم من المقاومة الشعبية خاطئاً بكل تأكيد، رغم أن الحزب الشيوعي يتحمل مسؤولية الكثير من الأخطاء التي أعطت المبرر لقاسم للإقدام على حلها، فقد سيطر الحزب على المقاومة الشعبية حتى أنها كانت تبدو وكأنها ميليشيا خاصة بالحزب، وكانت المقاومة الشعبية، نتيجة الحرص الزائد على الثورة، قد أوقعت نفسها بأخطاء عديدة ما كان لها أن تحدث، استغلتها القوى المعادية للثورة لتشويه سمعة المقاومة، وتحريض عبد الكريم قاسم على سحب السلاح منها، وتجميد صلاحياتها، ومن ثم إلغائها.
لقد كان بالإمكان معالجة تلك الأخطاء لا في إلغاء المقاومة الشعبية، درع الثورة الحصين، بل في إصلاحها، وإعادة تنظيمها، وتمكينها من أداء مهامها في حماية الثورة، فلو كانت المقاومة الشعبية موجودة يوم الثامن من شباط،  لما استطاعت تلك الزمر المعزولة عن الشعب من تنفيذ مؤامرتها الدنيئة، ونجاحها في اغتيال الثورة، واغتيال الزعيم الشهيد قاسم بالذات، وإغراق العراق بالدماء.
لقد وقع الزعيم عبد الكريم قاسم في خطأ جسيم عندما ظن أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من الرجعية وعملاء الإمبريالية.
 إن الحزب الشيوعي لم يفكر يوماً ما في الغدر بعبد الكريم قاسم، أو المساس بزعامته، بل بقي حتى اللحظات الأخيرة من حكمه يعتبره قائداً وطنياً معادياً للاستعمار، وذاد عن سلطته، وعن الجمهورية يوم الثامن من شباط 1963، وهو اعزل من السلاح، مستخدماً كل ما يملك، وحتى الحجارة لمقاومة الانقلاب، وحاول بكل جهده الحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين، وكانت جماهيره العزلاء بالألوف تحيط بوزارة الدفاع وهي تهتف: {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، ولكن دون جدوى، حتى أحاط الانقلابيون وزارة الدفاع بدباباتهم، وجرى قصفها بالطائرات والمدافع حتى انهارت مقاومة عبد الكريم قاسم، واستسلامه فيما بعد.
2 ـ بغية تحجيم الحزب الشيوعي وإضعافه، أقدم عبد الكريم قاسم على إحالة عدد كبير من الضباط المخلصين للثورة، ولقيادته، فقد أحال على سبيل المثال قائد الفرقة الثانية في كركوك الشهيد الزعيم الركن [ داوود الجنابي]، وعدد من مساعديه على التقاعد في 29 حزيران 1959، كما أقدم على إبعاد الزعيم الركن [هاشم عبد الجبار] آمر اللواء العشرين، المعروف بوطنيته الصادقة، والذي أفشل خطط الانقلابيين يوم جرت محاولة اغتياله  في شارع الرشيد، وأحكم سيطرته على بغداد، وأحلّ محله الزعيم [صديق مصطفى] المعروف بعدائه للقوى التقدمية ولثورة تموز، والذي لعب دوراً بارزاً في انقلاب 8 شباط 1963 عندما سيطرت قواته على مدينة السليمانية يوم الانقلاب، وقام بإعدام المئات من الوطنيين الأكراد الذين جرى دفنهم بقبور جماعية.
كما أقدم عبد الكريم قاسم على اعتقال المقدم الركن [فاضل البياتي] آمر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب، وزملائه الضباط الوطنيين الآخرين، كان من بينهم الرئيس [حسون الزهيري] والرئيس [كاظم عبد الكريم]، والمقدم [خزعل السعدي]، وغيرهم من الضباط الذين عرفوا بإخلاصهم للثورة، وأقدم قاسم على تسليم تلك الكتيبة إلى المتآمر الرائد [خالد مكي الهاشمي] الذي كان له ولكتيبته الدور الأساس في الانقلاب، حيث قاد دبابات الكتيبة نحو وزارة الدفاع  مقر عبد الكريم قاسم.
3 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في الحبانية، وتعيين العقيد الطيار [عارف عبد الرزاق] الذي أعاده للجيش بعد أن كان قد أحاله على التقاعد، وكان لتلك القاعدة  ولآمرها دورهام جداً في نجاح الانقلاب، حيث قامت منه الطائرات التي قصفت وزارة الدفاع.
4 ـ تنحية آمر القاعدة الجوية في كركوك، وتعيين المقدم الطيار حردان عبد الغفار التكريتي آمراً لها، وكان له الدور الكبير في الانقلاب، حيث قام بقصف وزارة الدفاع بطائرته.
5ـ تنحية العقيد [عبد الباقي كاظم] مدير شرطة بغداد، وتعين العقيد طه الشيخلي المعروف بعدائه للثورة، ولسائر القوى التقدمية، وثبوت مشاركته في الانقلاب.
6 ـ إعادة 19من الضباط القوميين والبعثيين الذين سبق وأن أحالهم على التقاعد، وجرى ذلك في أوائل آب 1959، وكان من بينهم العقيد[عبد الغني الراوي]، والذي لعب دورا رئيسياً في الانقلاب.
7 ـ أحال العقيد [حسن عبود ] آمر اللواء الخامس، وآمر موقع الموصل على التقاعد في كانون الثاني 1961، وكان العقيد حسن عبود قد قاد القوات التي سحقت انقلاب الشواف في الموصل، وذاد عن الثورة، وقيادة عبد الكريم قاسم نفسه.
8ـ إعفاء قائد الفرقة الأولى في الديوانية، وتعين الزعيم الركن [ سيد حميد سيد حسين] الرجعي المعروف بعدائه الشديد للقوى التقدمية، والذي لعب دوراً كبيراً في محاربة الشيوعية في سائر المنطقة الجنوبية من العراق، حيث كانت تمتد سلطته العسكرية على سائر ألوية جنوب العراق، كما أحال عدد كبير من ضباط الفرقة الوطنيين على التقاعد.
9ـ إخراج كافة ضباط الاحتياط الدورة 13، الجامعيين المتخرجين عام 1959، والبالغ عددهم  1700 ضابط من الخدمة في الجيش، وهم خير أبناء الشعب المفعمين بالوطنية الصادقة، بالنظر للنفوذ الكبير للشيوعيين فيها.
10ـ اقالة المقدم الركن [سليم الفخري] المدير العام للإذاعة والتلفزيون، وتسليمها لعناصر لا تدين بالولاء للثورة وقيادتها.
لقد وصفت صحيفة [صوت الأحرار] في 12 حزيران 962 دار الإذاعة بأنها قد أصبحت وكراً للانتهازيين والرجعيين، بعد أن أبعد عبد الكريم قاسم جميع العناصر الوطنية منها. كما كانت القوة العسكرية المكلفة بحماية دار الإذاعة لا تدين بالولاء للثورة، وهذا مما سهل للانقلابيين السيطرة على دار الإذاعة بكل يسرٍ وسهولة صباح يوم الانقلاب، وكان لذلك تأثير كبير على معنويات الجيش والشعب  عندما سارع الانقلابيون إلى الاعلان عن مقتل عبد الكريم قاسم لإثباط عزيمة الجيش للتحرك لإخماد الانقلاب، ومعلوم أن الزعيم الشهيدعبد الكريم قاسم ظل يقاوم الانقلابيين حتى ظهر اليوم التالي 9 شباط، ولو لم يكن الانقلابيون قد سيطروا على دار الإذاعة، واستطاع عبد الكريم قاسم إذاعة بيانه الأخير، غير المذاع، لما نجح الانقلاب.
11 ـ إقالة كافة الوزراء ذوي الاتجاه التقدمي من الوزارة، وإعفاء عدد كبير من كبار المسؤولين المدنيين من وظائفهم، وتعين آخرين لا يدينون بالولاء للثورة وقيادتها، فقد كان جلَّ هم عبد الكريم قاسم إبعاد كل عنصر له ميل أو علاقة بالحزب الشيوعي من قريب أو من بعيد.
12 ـ تصفية كل المنظمات الشعبية ذات الصبغة الديمقراطية، كمنظمة أنصار السلام، واتحاد الشبيبة الديمقراطية، ورابطة الدفاع عن حقوق المرأة، ولجان الدفاع عن الجمهورية، ومحاربة القيادات الوطنية المخلصة في الاتحاد العام لنقابات العمال، والاتحاد العام للجمعيات الفلاحية، ونقابات المعلمين، والمهندسين والأطباء، والمحامين، وإبعادهم عن قيادة تلك المنظمات، وتسليمها إلى أعداء الشعب.
13ـ إصدار العفو عن عبد السلام عارف، وعن المجموعة التي نفذت محاولة اغتياله في شارع الرشيد، وإعفاء رشيد عالي الكيلاني وزمرته، وعن جميع رجالات العهد الملكي من محكومياتهم  في 11 حزيران 1962،  في حين أحتفظ بكافة الشيوعيين، والديمقراطيين رهائن في السجون، لكي يقعوا في أيدي الانقلابيون فيما بعد، وينفذوا جريمة قتل أعداد كبيرة منهم.
لقد شجعت سياسة العفو والتسامح مع أعداء الثورة على إيغال أولئك المتآمرين، واستمرارهم في التآمر، على عكس ما تصور عبد الكريم قاسم من أن إصدار العفو عنهم سوف يردهم عن التآمر.
14ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم مسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي، الذي احدث ثورة اجتماعية سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية. ولذلك فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم، وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين.
لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة، وعزلها عن الشعب.
15 ـ لم يقدر عبد الكريم قاسم ما سوف يسببه صراعه مع شركات النفط من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة الشركات، والعمل على استغلالها وطنياً.
لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط، حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء.
16ـ  قيام التمرد الكردي بقيادة الإقطاعيين [ رشيد لولان ] و[عباس مامند]، وانجرار الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى تلك الحركة، ولجوء السلطة إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع الأكراد،  مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة، وشق جبهة الاتحاد الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط، ومع التمرد الرجعي لرشيد لولان، وعباس مامند، المدعم من قبل الإمبريالية الأمريكية وحليفها [شاه إيران].
ففي الفترة بين 20 ـ 23 تموز أجتمع السفير الأمريكي في طهران [هولمز] بالشيوخ المتمردين، وتم إرسال [علي حسين أغا المنكوري] على رأس عصابة مسلحة بالأسلحة الأمريكية، وبإشراف خبراء أمريكان، ليفرض سيطرته على ناحية [تاودست]، كما أعترف الأسرى من المتمردين بأنهم يحصلون على العون والأسلحة من الولايات المتحدة، وبريطانيا عن طريق إيران.
وفي بداية عام 1963، عندما كانت الحرب تدور في كردستان، كنت آنذاك في مدينة السليمانية، إحدى أكبر مدن كردستان، أتابع مجريات تلك الحرب، وأتحسر على ما آلت إليه الأمور في بلادي، حيث يقتل العراقيون بعضهم بعضاً. ومن المؤسف أيضاً أن ينجر الحزب الشيوعي، بسبب من الضغوط التي مارسها قاسم ضده، إلى الحركة الكردية، بعد أن وقف منذُ البداية مطالباً بالسلم في كردستان، والديمقراطية للعراق، تاركاً النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها.
17 ـ اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي السابق، الذي لم يجر عليه أي تغيير، سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء لا للثورة، ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان لها دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية، والحركات التآمرية عن السلطة، وحماية المتآمرين على الثورة وقيادتها.
ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي  أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة، وكان على رأسهم رئيس الجهاز[ محسن الرفيعي]، ومن قبله [رفعت الحاج سري ]الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.
 كما أن موقف رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام [أحمد صالح العبدي] المتخاذل دل على مساومة الانقلابيين، والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى وأطلق سراحه بعد أيام قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز.
18ـ قيام الطلاب البعثيين، والقوميين بإضراب عام، ساندهم فيه أعضاء ومؤيدي الحزب الديمقراطي الكردستاني، مستخدمين كل الوسائل والسبل، بما فيها العنف، لمنع الطلاب من مواصلة الدراسة، ولم يكن موقف السلطة من الإضراب يتناسب وخطورته، فقد اتخذت السلطة جانب اللين مع المضربين، ولم تحاول كبح جماحهم وكسر الإضراب، وكان ذلك الإضراب بداية العد التنازلي لتنفيذ الانقلاب.
ولابد أن أشير هنا إلى الدور الذي لعبته سفارة العربية المتحدة في دعم الإضراب، وطبع المنشورات، وقد اضطرت الحكومة العراقية إلى طرد أحد الملحقين في السفارة في 24كانون الثاني 1963.
 من أعد وشارك في الانقلاب:
لاشك في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان لشركات النفط، بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، بعد صراع مرير مع تلك الشركات، والتهديدات التي وجهتها إلى حكومة الثورة، ذلك لأن النفط بالنسبة للدول الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر، ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام هذه الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هو الاستحواذ على منابع النفط، وإحكام سيطرتها عليها.
ولما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، واتخذت لها خطاً مستقلاً، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية، هالهم الأمر، وصمموا منذُ اللحظات الأولى على إجهاض الثورة، والقضاء عليها، وبالفعل نزلت القوات البريطانية في الأردن، والأمريكية في لبنان، وحشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل العدوان على العراق. 
إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة الثورية الجديدة آنذاك، وتحذيره للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق، وحشد قواته على الحدود التركية والإيرانية تحذيرهما من أي محاولة للتدخل والعدوان، كل تلك الإجراءات أسقطت في يد الإمبريالية، وجعلتهم يفكرون ألف مرة قبل الإقدام على أي خطوة متهورة.
وهكذا جاءت الريح كما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل،غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة إسقاط الثورة أبداً، بل بادروا إلى تغير خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة، محاولين إنهاء الثورة من الداخل، مجندين حزب البعث، وطائفة من القوى القومية وسائر القوى الرجعية والاقطاعية لتنفيذ أهدافهم الشريرة. فلقد ذكر [علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث في مؤتمر صحفي عقده بعد وقوع انقلاب عبد السلام عارف ضد حكم البعث قائلاً [ لقد جئنا إلى الحكم بقطار أمريكي].
كما ذكر الملك حسين، ملك الأردن، في مقابلة أجراها معه [محمد حسنين هيكل] رئيس تحرير صحيفة الأهرام في فندق [كريون] في باريس عن علاقة الانقلابيين البعثيين بالأمريكيين حيث قال الملك: {تقول لي أن الاستخبارات الأمريكية كانت وراء الأحداث التي جرت في الأردن عام 1957، أسمح لي أن أقول لك أن ما جرى في العراق في 8 شباط 1963 قد حضي بدعم الاستخبارات الأمريكية، ولا يعرف بعض الذين يحكمون بغداد اليوم هذا الأمر، ولكنني أعرف الحقيقة.
لقد عقدت عدة اجتماعات بين حزب البعث والاستخبارات الأمريكية، وعقد أهم تلك الاجتماعات  في الكويت!. وأزيدك علماً أن محطة إذاعة سرية كانت قد نصبتها  الاستخبارات الأمريكية في الكويت، وكانت تبث إلى العراق، وتزود يوم 8 شباط المشؤوم رجال الانقلاب بأسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكن من اعتقالهم وإعدامهم}.
كما أن أحد أعضاء قيادة حزب البعث، طلب عدم ذكر أسمه، قد ذكر لمؤلف كتاب العراق، الكاتب[حنا بطاطو] أن السفارة اليوغسلافية في بيروت حذرت بعض القادة البعثيين من أن بعض البعثيين العراقيين يقيمون اتصالات خفية مع ممثلين للسلطة الأمريكية، وهذا ما فيه الكفاية عن الدور الذي لعبته الإمبريالية في الإعداد للانقلاب.
لقد حكم الانقلابيون البعثيون مدة تسعة أشهر كان إنجازهم الوحيد خلالها هو شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين والديمقراطيين، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر الدماء، والمشانق، والسجون، والتعذيب، وكل الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف، شريكهم في الانقلاب، ورئيس جمهوريتهم بعد انقلاب شباط، أن أصدر كتاباً ضخماً عن جرائمهم وأفعالهم المشينة سماه [المحرفون].
من هم الانقلابيون؟
ضم فريق الانقلابيين حزب البعث بقيادة كل من : علي صالح السعدي، وأحمد حسن البكر، وطالب شبيب، وحازم جواد، ومسارع الراوي، وحمدي عبد المجيد، والضباط البعثيين كل من عبد الستار عبد اللطيف، والمقدم المتقاعد عبد الكريم مصطفى نصرت، وصالح مهدي عماش، وحردان عبد الغفار التكريتي، ومنذر الونداوي، بالإضافة إلى القوى القومية التي ضمت كل من عبد السلام عارف وطاهر يحيى، وعارف عبد الرزاق، وعبد الهادي الراوي، ورشيد مصلح، وعبد الغني الراوي، وعدد آخر من صغار الضباط.
تنفيذ الانقلاب
أختار الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة، ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب، كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر، ورغم وصول إشارة إلى وزارة الدفاع قبل ساعة ونصف من وقوع الانقلاب، إلا أن آمر الانضباط العسكري، الزعيم الركن عبد الكريم الجدة، لم يأخذ ذلك على مأخذ الجد، وأعتقد أن ذلك نوع من المزحة أوالخيال.
يقول أحد الضباط الوطنيين المتواجدين في وزارة الدفاع، وكان ضابط الخفر ذلك اليوم:{ دق جرس الهاتف في الساعة السابعة والنصف من صباح ذلك اليوم، الثامن من شباط، وأسرعت لرفع سماعة الهاتف وإذا بشخص مجهول يحدثني قائلاً: إنني أحد الذين استيقظ ضميرهم، ووجدت لزاماً على نفسي أن أبلغكم بأن انقلاباً عسكرياً سيقع ضد عبد الكريم قاسم في الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم، ينطلق من قاعدة الحبانية الجوية، وكتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب، ثم أغلق الهاتف، ثم يضيف الضابط الخفر قائلا: أسرعت بالاتصال بالزعيم عبد الكريم الجدة، آمر الانضباط العسكري، أبلغته بالأمر، فما كان منه إلا أن أجابني قائلاً:
 {هل أنت سكران يا هذا ؟ كيف يقع انقلاب عسكري في يوم 14 رمضان، والزعيم صائم !، والناس صيام !، وفي مثل هذا الوقت الذي تتحدث عنه ضحى، فلم يسبق أن وقع انقلاب عسكري في وضح النهار، ثم أغلق الزعيم الجدة سماعة الهاتف}.
كان ذلك الموقف من عبد الكريم الجدة ينم سوء التقدير للوضع السياسي في البلاد، فقد كان الجو السياسي مكفهراً، ونشاط المتآمرين يجري على قدم وساق، وإضراب الطلاب على أشده، كما أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون الثاني 1963، وزع بصورة علنية، وعلى نطاق واسع، حذر فيه من خطورة الوضع ومما جاء فيه:
{ وهناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، وووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء تطهير واسع وفعال في صفوف الجيش}.
 إلا أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد، معتقداً  أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً حزبية ضيقة.
كان الأولى بعبد الكريم الجدة الاتصال بعبد الكريم قاسم فوراً، واستنفار كل الأجهزة، والقوات العسكرية، وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.
وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح !!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الأوقاتي]، وذلك لخشيتهم من السلاح الجوي على مدرعاتهم.
كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية وتم إبلاغهم باغتيال الأوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.
وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع.
وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد، فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع، وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد، والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون،  بالاستناد إلي جماهير الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين.
 لكن عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع، على الرغم من تحذير الزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل توسع الحركة، وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد القريبين جداً من بغداد، لكن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة، وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.
ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له!!، ولكن خاب ظنه بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة  والمخلصة، واستبدلهم بعناصر انتهازية لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له وللثورة، فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته، وكأن الأمر لا يعنيه، سواء بقي عبد الكريم قاسم أم نجح الانقلابيون. لقد أنتحر عبد الكريم قاسم، ونحر معه الشعب العراقي وكل آماله وأحلامه التي ضحى من أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام.
توجه [عبد السلام عارف] إلى [ معسكر أبي غريب]، حيث وصل مقر كتيبة الدبابات الرابعة، وانضم إليه [ أحمد حسن البكر]،واستقلا كلاهما إحدى الدبابات، وتوجها إلى دار الإذاعة، وبصحبتهما دبابة أخرى، وساعدهم حرس دار الإذاعة، المشاركين في الانقلاب على السيطرة عليها، ثم التحق بهم كل من حازم جواد، وطالب شبيب، وهناء العمري، خطيبة علي صالح السعدي، أمين سر حزب البعث، أما خالد مكي الهاشمي فقد أندفع بدباباته متوجهاً إلى بغداد، رافعاً صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب التي ملأت شوارع بغداد لتدافع عن الثورة وقيادتها.
وفي نفس الوقت، وصل العقيد [عبد الغني الراوي] إلى مقر لواء المشاة الآلي الثامن في الحبانية، وتمكن بمساعدة أعوانه من الانقلابيين من السيطرة على اللواء المذكور، وتحرك به نحو بغداد، كما نزل المئات من أفراد الحرس القومي على طول الطريق بين الحبانية وأبو غريب، حاملين أسلحتهم وقد وضعوا إشارات خضراء على أذرعهم، وتقدمت قوات الانقلابيين بقيادة المقدم المتقاعد [عبد الكريم مصطفى نصرت]، وأحاطت بوزارة الدفاع، كما تقدمت قوة أخرى من الطرف الثاني لنهر دجلة، مقابل وزارة الدفاع، بقيادة العقيد طاهر يحيى متخذة لها مواقع مقابل وزارة الدفاع، وبدأت قصفها للوزارة بالمدفعية الثقيلة.
كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. لقد حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة فقال:
تجمعنا حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة، منادين { باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يرد عليهم { إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}!!.
 وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب، وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية، سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين، ولكن تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين، والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب، ولا عبد الكريم قاسم.
ثم يضيف رفيقي قائلاً: في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة، حيث مقر وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم .
وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات. لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع خلال عشرة دقائق لاغير، وكانت مجزرة رهيبة لا  يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها.
 ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة، موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة، وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والخيانة.
وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب،  وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر.
نذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل والسبل، ومما جاء في البيان : {لى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية}.
أيها المواطنون: يا جماهير شعبنا العظيم المناضل، أيها العمال، والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين:
 لقد دق جرس الخطر ...استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم، إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.
لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة، استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية، بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب، وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس، فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.
يا جماهير شعبنا المناضل الفخور! إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم، إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية، وكل مؤسسة، وكل حي وقرية  وسيُلحق الشعب، بقيادة قواه الديمقراطية، الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة، كما فعل بمؤامرات الكيلاني، والشواف، وآخرين. إننا نطالب بالسلاح}.
 ودعا البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك لم يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال ثلاث سنوات.
 ولاشك أن قيادة الحزب تتحمل مسؤولية كبرى لعدم اخذ الاحتياطات لمنع الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم، ولا سيما وأن الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة، فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره ، وخاصة في صفوف الجيش ؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش من العناصر غير المكشوفة على الرغم من تصفية قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه.
ورغم كل ذلك، فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل أمانة وإخلاص، ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه، رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من عمر الثورة. لقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب، وقدموا التضحيات الجسام، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين.
كان كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين في أول ساعات الانقلاب، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح.
ربما كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً، ودفع حياته، ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.
عبد الكريم يحاول توجيه خطاب للقوات المسلحة:
في الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول الزعيم عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب، والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات القصف والانفجارات، وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد[سعيد الدوري]، الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب، حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب،فقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.
كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها، رغم كل الأخطاء التي أرتكبها الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة، التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع.
ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.
أما [الحرس القومي] الذي شكله الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع، وهاجموا مراكز الشرطة، واستولوا على الأسلحة، وبدءوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم الثقيلة والخفيفة نحو كل من يصادفونه في طريقهم.
واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة الثورة، والشاكرية، والكاظمية، وباب الشيخ، وحي الأكراد، والحرية، والشعلة، لعدة أيام، ولم يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق رؤوسهم.
 واصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على مئات الألوف من مواطن، بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا التعذيب كل من [سلام عادل] السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب، كما استشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من :
 جمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي، أبو سعيد، وعزيز الشيخ، ومتي الشيخ، و محمد حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار، بالإضافة إلى المئات من الكوادر الحزبية، ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب رافضين تقديم الاعترافات عن تنظيمات حزبهم.
موقف قطعات الجيش من الانقلاب:
 بعد كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط، والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية المخلصة والكفوءة من المراكز العسكرية، واستبدالها بعناصر انتهازية، وأخرى حاقدة وموتورة تتربص بالثورة وقيادتها، لم يكن متوقعاً أن تحدث المعجزة، ويجري التصدي للانقلابيين، وكل ما حدث أن عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش من صغار الضباط، وضباط الصف، والجنود، حاولت مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى، بعد أن سيطرت قوى الرجعية على الجيش.
 ففي بعقوبة تصدى عدد من الضباط وضباط الصف والجنود للانقلاب، إلا انهم فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً وجندياً.
وفي معسكر التاجي القريب من بغداد، حيث توجد هناك محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، وغير متكافئ، وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار، وضباط الصف والجنود.
كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف والجنود في منطقة فايدة شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.
أما قادة الفرق، وكبار القادة العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية، الذي كان يغطي ويخفي كل تحركات الانقلابيين دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم،  ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما يجري.
ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، أصدر عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية ولا الأمنية ساكناً، وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام، ومدير الاستخبارات العسكرية مع الانقلابيين.
أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [ خالد كاظم ] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط الوطنيين، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين، ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء. كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي، المعروف بعدائه للثورة وتوجهاتها، آمراً للواء المشاة الثاني الآلي، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه.
في النهاية استطيع القول وبكل امانة أن كل الاحزاب السياسية والزعيم عبد الكريم قاسم يتحملون مسؤولية ضياع ثورة 14 تموز المجيدة.




7
الحرب العراقية الإيرانية
ودور الولايات المتحدة في اشعالها
الحلقة الثالثة
حامد الحمداني

بداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية  بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1 ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود  باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[ قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [ خوزستان ] الغنية بالنفط  وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.
وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

 وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين.
وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

 كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري  أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن  وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55  و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي ] و[ توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.
كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

 وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب ] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.
                                   
كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:
أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك وهما[أودولف سكويمر]و[يلكوف نامرودي]،بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي[عدنان خاشقجي]الذي قام بدور الوسيط؟
 وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة                                                                                                                                                                                        ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.
             
وفي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.
إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى  تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [ رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور  [جون تاور] وعضوية السناتور [ ادموند موسكي ] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:

الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.
الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.
 لقد قام الكولونيل [ أولفر نورث ] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس  الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية  لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.
ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

 إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي

 انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.
وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك. 
وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93%  وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.
 لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.




8
من ذاكرة التاريخ
الحرب العراقية الإيرانية
ودور الولايات المتحدة في إشعالها
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                                                     2019/2/4
العلاقات العراقية الإيرانية ودور أمريكا في تأجيج الصراع بينهما
اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وقيام شاه إيران والولايات المتحدة بدعم الحركة الكردية التي حملت السلاح ضد السلطة القائمة آنذاك، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب استنزاف بين البلدين على طول الحدود، واستمرت زمناً طويلاً، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي، واضطر حكام بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين] لترتيب لقاء بين صدام حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين 

 وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية، وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد!، ووقفت حرب الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.
 
وفي عام 1979 في أواخر عهد البكر وقعت أحداث خطيرة في إيران، فقد اندلعت المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية  وأتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.

 كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني] من منفاه في باريس، والتيار الثاني يساري، يقوده [حزب تودا الشيوعي]و[مجاهدي خلق]، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ، فهي لا ترتاح لسيطرة للطرفين.
 لكن التيار الشيوعي كان يقلقها بالغ القلق، نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولاً، ولكونها ثاني بلد منتج للنفط في المنطقة ثانياً، ولأن إيران تجاور الاتحاد السوفيتي ثالثاً.

وبناء على ذلك فإن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد المصالح الأمريكية النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت الولايات المتحدة [أهون الشرين] بالنسبة لها طبعاً!، وهو القبول بالتيار الديني  خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت للخميني العودة إلى إيران من باريس، لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد، وهكذا تمكن  التيار الديني من تسلم زمام السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.

إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن أقدم النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [السافاك] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.

وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران، من قبل الحرس الثوري الإيراني، واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل إضعافه وإنهاكه.

وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة، فالعراق وإيران دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما  تطلعات خارج حدودهما، إذاً يكون إشعال الحرب بين البلدين وجعل الحرب تمتد لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يخرج أحد منهما منتصراً ويصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل.

 وهكذا خططت الولايات المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين، بمهاجمة إيران والاستيلاء على منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط  يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان].

لم يدرِ بخلد صدام حسين ماذا تخبئه له الأيام؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب؟ وكم ستكلف الشعب  العراقي من الدماء والدموع، ناهيك عن هدر ثروات البلاد، واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده المدمر.

لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة، وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم [ريكان] و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين، فلقد صرح الرئيس الأمريكي  [ريكان] حول الحرب قائلاً:
{ إن تزويد العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا للدولة}!!.
وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة نيرانها التي تحرق  الشعبين والبلدين معاً طالما أعتبر البلدان، بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة الحقيقيين.

أما هنري كيسنجر، الصهيوني المعروف، ومنظّر السياسة الأمريكية، فقد صرح قائلاً:{ إن هذه هي أول حرب في التاريخ أردناها أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج أحد منها منتصراً ، بل كلا الطرفين مهزومين}!!.
وطبيعي أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر الحرب إلى أمد طويل، وإضافة إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً ومحققاً أرباحاً خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية والبشرية، وسببت من الويلات والماسي والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.
 
لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون، وصور الأقمار الصناعية، تلك المجازر الوحشية التي بلغ أرقام ضحاياها حداً مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وتفاخر صدام أمام القائم بأعمال السفارة الأمريكية بعد مغادرة السفيرة [كلاسبي] العراق، وقبيل غزو صدام للكويت  بزهو قائلاً:
{هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم 10 آلاف شهيد في معركة واحدة؟ نحن أعطينا 50 ألف شهيد في معركة تحرير الفاو}.

هكذا وبكل وقاحة دفع صدام وأسياده الأمريكان أكثر من نصف مليون شهيداً من شباب العراق في عمر الزهور، ودون وازع من ضمير وأخلاق، كانت مصالح الإمبرياليين الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب، ولو أن تلك الحرب وقعت في أوربا، أو أمريكا أو بين العرب وإسرائيل لسارع الإمبرياليون إلى وقفها فوراً، وبذلوا الجهود الكبيرة من أجل ذلك.

أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية الأمريكية وشركائها، وأن عميلهم صدام قد حارب نيابة عنهم، ولمصلحتهم، بكل تأكيد، وأن لا مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها، وإن الشعب الإيراني شعب جار، وليس من مصلحة العراق الدخول في حرب أمريكية بالوكالة ضد إيران.

كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش الإيراني .
لكن ذلك التقدم لم يدم طويلاً، وتمكن الجيش الإيراني من طرد القوات العراقية الغازية من إقليم خوزستان شّر طردة عام 1982، مكبداً القوات العراقية خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ولنا عودة إلى تلك الحرب، وتفاصيل مجرياتها، في الحلقة الثالثة.



9
من ذاكرة التاريخ:
الحرب العراقية الإيرانية
ودور الولايات المتحدة في إشعالها
الحلقة الأولى                                           حامد الحمداني   

تمهيد
منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968 [عبد الرزاق النايف] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر لانقلاب 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.
أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن  إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية وأبرزها:
1ـ إفشال التقارب الحاصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ما سمي بميثاق العمل القومي آنذاك، والذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.
2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدأوا يتطلعون إلى تصدير الثورة، ونشر مفاهيم الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين الكبيرين في المنطقة بحرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى .
3ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، في البلاد، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.
4ـ بالإضافة لما سبق كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، ووجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته .
لم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فقد قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر وبحث معه في مسالتين هامتين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية:

المسألة الأولى: تتعلق بتطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل التي تحرص على عدم السماح بإقامة الوحدة بين العراق وسوريا.

 المسألة الثانية: دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وسعى الموفد الأمريكي إلى تحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وقيل بأن الرئيس البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي، وخاصة وأن البكر رجل عسكري يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي، وتدمير لاقتصاد البلاد.

وبعد انتهاء اللقاء مع البكر التقى الموفد الأمريكي مع صدام الذي كان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبحث معه نفس المواضيع التي بحثها مع البكر، وقد  أبدى صدام كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.
أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة.

لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين، بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم  وقضى العديد منهم تحت التعذيب.

لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب، لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة، ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.

لقد وصل الأمر بصدام حسين أن جمع وزراءه، وشكل منهم فريق إعدام في سجن بغداد، لكي يرهب كل من تسول له نفسه بمعارضته، كما قام بإعدام عدد كبير من ضباط الجيش، لكي يصبح وحده الأقوى في المؤسسة العسكرية، رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام عسكرياُ.
 
العلاقات العراقية السورية:
 رغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب البعث، إلا أن العلاقات بين الحزبين، والبلدين اتسمت دائماً بالخلافات والتوتر الذي وصل إلى درجة العداء والقطيعة لسنين طويلة، وتطور العداء بين الحزبين إلى حد القيام بأعمال تخريبية، وتدبير التفجيرات، وغيرها من الأعمال التي أدت إلى القطيعة التامة بين البلدين.

ولا شك أن لأمريكا وإسرائيل دور أساسي في إذكاء العداء والصراع بين البلدين الشقيقين، ذلك لأن أي تقارب بينهما ربما يؤدي إلى قيام وحدة سياسية تقلب موازين القوة بين سوريا وإسرائيل نظراً لما يمتلكه العراق من موارد نفطية هائلة، وقوة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى ما يشكله العراق من امتداد إستراتيجي لسوريا في صراعها مع إسرائيل، وهذا ما تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل أشد المعارضة.
وفي أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979، جرت محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية، وعلى أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين.

 كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.

وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 1978، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد، يترأسها رئيسا البلدين، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

تدهور العلاقات العراقية السورية
لم تمضِ سوى بضعة أشهر على الاتفاق الذي عقده البكر والأسد، حتى أزيح البكر عن السلطة، وتولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق، وبدا بعد إقصاء البكر، أن هزة عنيفة قد ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة.

وفي 28 كانون الأول 1979، جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها، وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.
أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين، إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، قسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، وقسم وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام حسين، عبر الإذاعة والتلفزيون، أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم.

لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح.
وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ] و[ميشيل عفلق] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأوا إلى العراق بأعداد كبيرة، بعد فشل حركتهم في مدينة حماه عام 1982.

ولم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة، والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت هناك عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد، تاركة القوات السورية لوحدها هناك.

وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى القوى الطائفية الرجعية المعادية لسوريا السلاح والعتاد والعسكريين لمقاتلة الشعب اللبناني، والقوات السورية والفلسطينية، وأصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ميشيل عون] حليف صدام ضد سوريا، وانتهاء الحرب الأهلية، وانعقاد مؤتمر الطائف للأطراف اللبنانية المتصارعة لحل الخلافات بينهم، وإعادة الأمن والسلام إلى ربوع لبنان الذي مزقته تلك الحرب التي دامت خمسة عشر عاماً.

  وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام، هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات ومآسي، وخراب ودمار لم يسبق لها مثيل.


10
الجيش العراقي ودوره السياسي في البلاد
حامد الحمداني                                           2019/1/28   
   

الجيش حسبما تنص عليه كافة دساتير الدول هو حامي الوطن، مهمته الدفاع عنه من أي عدوان خارجي يتهدده، وهو بطبيعة الحال واجب مقدس على كل مواطن عسكرياً كان أم مدنيا، لكن الأنظمة المتتابعة التي حكمت العراق لم تلتزم بهذه المهمة، بل استخدمت الجيش لأغراض داخلية تتعلق بحماية أنظمتها، وغالباً ما استخدمته ضد الشعب.


 كان تأسيس الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921، على أثر  ثورة 30 حزيران 1920 ضد الاحتلال البريطاني للعراق تلك الثورة التي انتشر لهيبها ليشمل كافة أنحاء العراق من أقصى جنوبه حتى أقصى شماله، والتي كلفت بريطانيا ثمناً باهظا في الجنود والمعدات، واضطرت على أثرها تغيير أسلوبها في حكم البلاد المباشر، فقررت الإتيان بالأمير فيصل ابن الحسين ملك الحجاز ونصبته ملكاً على العراق، وإقامة ما سمي بالحكم الوطني.

وقد رأت بريطانيا أن تنشئ جيشاً عراقياً يأخذ على عاتقه حماية الأمن الداخلي لدعم الحكم الملكي، مستعينة بمجموعة من الضباط الذين كانوا يسمون بالشريفيين[نسبة للشريف علي بن الحسين ملك الحجاز] الذين خدموا في الجيش العثماني والبالغ عددهم 62 ضابطاً، والذين اعترفت [المس بيل] بأنهم كانوا موالين صادقين لبريطانيا.

لقد أنيط بهم تشكيل وقيادة جهاز الحكم، وكان في مقدمتهم نوري السعيد، وجميل المدفعي، وعلي جودت الأيوبي، وياسين الهاشمي، محمد أمين زكي، وأمين العمري، وجعفر العسكري، بكر صدقي، ورشيد عالي الكيلاني، وعبد المحسن السعدون، وتوفيق السويدي وشاكر الوادي، ومصطفى العمري، الذين تداولوا على السلطة طيلة الحكم الملكي.

وقد أناطت بريطانيا تشكيل الجيش العراقي بنوري السعيد الذي تولى رئاسة الوزارة 14 مرة، وكان يحتفظ في اغلب وزاراته بمنصب وزارة الدفاع، وحتى لو لم يتولى هذا المنصب فإنه كان يحتفظ بمنصب المفتش العام للقوات المسلحة الذي أناطه به الملك فيصل الأول، وبذلك كان يشرف عملياً على شؤون الجيش.

لقد أرادت بريطانيا من هذا الجيش الذي شكلت وحداته الأولى في 6 كانون الثاني 1921 ليكون حامياً للنظام، وقامعاً للحركات الثورية التي كانت تندلع بين حين وأخر، وقد استخدم نوري السعيد الجيش لقمع مظاهرات الشعب احتجاجاً على معاهدة 1922، وقمع ثورات العشائر في الفرات الأوسط، وثورة الأكراد في كردستان، كما جرى استخدام الجيش بقمع ثورة الآشوريين في سميل، والأيزيدية في سنجار.

ولم يكد الجيش العراقي يشتد عوده حتى بدأ العديد من قادته ينشدون لهم موقعاً مميزاً في مراكز الحكم في البلاد، وكان باكورة تلك النشاطات الانقلاب الذي قاده الفريق بكر صدقي  في 27 تشرين  الأول 1936 بالاتفاق مع الإصلاحيين الذين كان على رأسهم السيد حكمت سليمان، الذي تولى رئاسة الوزارة بعد نجاح الانقلاب، وإسقاط حكومة ياسين الهاشمي، والسيد جعفر أبو التمن، والسيد كامل الجادرجي، وقد جاءت الوزارة بأغلبية من الإصلاحيين.

لكن بكر صدقي بدأ يتجاوز حكومة الإصلاحيين محاولاً فرض إرادته وهيمنته على السلطة، مما دفع الوزراء الإصلاحيين إلى الاستقالة باستثناء رئيس الوزراء حكمت سليمان، لكن بريطانيا ما لبثت أن دبرت له عملية اغتيال في الموصل، وتحريك بعض قطعات الجيش في الموصل وبغداد، لإجبار حكمت سليمان على الاستقالة. وقد لعب نوري السعيد والعقداء الموالين له صلاح الدين الصباغ  وفهمي سعيد الدور الرئيسي في الانقلاب.

واستمر الجيش في لعب دوره في سياسة البلاد على اثر حركة رشيد عالي الكيلاني الذي استعان بالعقداء الأربعة قادة الجيش وهم كل من صلاح الدين الصباغ وفهمي سعيد، وكامل شبيب، ومحمود سلمان، حيث جرى إقصاء [الوصي عبد الإله] وتعيين [شريف شرف] بدلاً عنه، وتشكيل حكومة برئاسة رشيد عالي الكيلاني .

لكن بريطانيا سارعت إلى إنزال جيوشها في البصرة، والتي زحفت إلى بغداد وأسقطت حكومة الكيلاني، وهرب الكيلاني والعقداء الأربعة واستطاعت بريطانيا إلقاء القبض على قادة الجيش في إيران، وتم إحالتهم إلى المحكمة العسكرية التي حكمت عليهم بالإعدام، وجري تنفيذ الحكم بهم في ساحات بغداد، أما الكيلاني فقد وصل إلى ألمانيا، وبقي برعاية هتلر حتى نهاية الحرب حيث تمكن من الهرب والوصول إلى السعودية التي منحته اللجوء السياسي هناك.

وفي عام 1952 تم استخدام الجيش ضد وثبة الشعب، حيث تم تشكيل وزارة برئاسة رئيس أركان الجيش نور الدين محمود وتم إنزال الجيش في   الشوارع، وتصدى للمتظاهرين وأوقع فيهم الكثير من الضحايا، والقبض على المئات منهم حيث تم إحالتهم للمجالس العرفية، وتم الحكم عليهم بالسجن لمدد مختلفة.

كما تم استخدام الجيش وقوات الشرطة السيارة لقمع انتفاضة عام 1956 على أثر العدوان الثلاثي على مصر، والتي امتدت لتشمل مدن وقصبات العراق كافة، وتم قمع الانتفاضة بالحديد والنار.

كانت تلك السياسات الرعناء قد حفزت العديد من ضباط الجيش لتشكيل منظمات ثورية تهدف إلى إسقاط النظام الملكي، واستطاعت تلك المنظمات أن توحد جهودها في اللجنة العليا للضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي استطاعت تفجير ثورة 14 تموز 1958 وتسقط النظام الملكي، وتعلن الجمهورية بالتعاون والتنسيق مع جبهة الاتحاد الوطني.

كان عبد الكريم قاسم وعدد من رفاقه الضباط في اللجنة العليا يمثلون نوعاً ما، ولحد ما،  الوجه الديمقراطي لثورة 14 تموز، لكن الأغلبية كانت ذات توجهات قومية ضيقة الأفق، وطامعة بالسلطة، ولا يعنيها خدمة الشعب، وكان على رأسها عبد السلام عارف الشخص الثاني في قيادة الثورة، وقد سعى هؤلاء الضباط منذ الأيام الأولى للثورة للتآمر عليها والوثوب إلى السلطة، فكانت محاولة انقلاب العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل، ومحاولة عبد السلام عارف اغتيال  الزعيم عبد الكريم، ومحاولة رشيد عالي الكيلاني الانقلابية، ومحاولة حزب البعث اغتيال الزعيم في رأس القرية،والاستيلاء على السلطة.

وأخيراً تكللت مؤامرات القوى القومية والبعثية بانقلاب 8 شباط 1963 الفاشي بتخطيط وإسناد ودعم من قبل الإمبريالية الأمريكية، وبالتعاون مع عبد الناصر مع شديد الأسف. ثم أعقب ذلك انقلاب عبد السلام عارف وزمرته من الضباط القوميين في 13 تشرين الثاني 1963ضد حلفائه البعثيين الذين أتوا به إلى قمة السلطة.
 لكن عبد السلام عارف ما لبث أن دُبرت له مؤامرة لقتله على أيدي البعثيين الذين زرعوا له قنبلة في طائرته السمتية في طريقه إلى البصرة انتهت بموته، حيث تولى أخوه عبد الرحمن عارف السلطة بدعم وإسناد من الجناح العسكري القومي العروبي المهيمن على السلطة في البلاد من أتباع عبد السلام عارف.

 اتسم حكم عبد الرحمن عارف بالضعف وتخللته الصراعات بين مختلف الكتل العسكرية القابضة على السلطة، وجرت محاولات لانقلابات عسكرية من قِبل أعوان عبد الناصر، وكان أبرزها محاولة عارف عبد الرزاق الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء.
 وجدت الولايات الأمريكية وحليفتها بريطانيا أن الوضع الهش لنظام عبد الرحمن عارف، والمخاطر التي كانت محدقة بالنظام من قبل القوى اليسارية من جهة، والقوى الناصرية من جهة أخرى، لا يطمئن، وحرصاً منهما على مصالحهما في العراق والمنطقة، حيث أقدمتا على تدبير انقلاب عسكري بالتعاون مع زمرة [عبد الرزاق النايف] و[إبراهيم عبد الرحمن الداود] ، و[سعدون غيدان] من جهة، وحزب البعث من جهة أخرى، فكان انقلاب 17 تموز1968 الذي أطاح بنظام عبد الرحمن عارف.

لكن البعثيين لم يكونوا مرتاحين للشراكة مع النايف وزمرته، ولاسيما وان لهم تجربتهم مع عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً  للبلاد في انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، ثم انقلب عليهم بعد تسعة اشهر واسقط حكمهم، وتولى السلطة المطلقة في البلاد، فبادروا إلى تنفيذ انقلاب ثانٍ في 30 تموز [أي بعد 13 يوماً من انقلابهم الأول] ضد حكومة رئيس الورزاء عبد الرزاق النايف، وتسفيره إلى خارج البلاد،  ومن ثم اغتياله في لندن بعد أن فضح علاقات البعثيين بالأمريكان، واستولى البعثيون على السلطة الكاملة في البلاد بزعامة العميد أحمد حسن البكر، وبمعاونة صدام حسين.

بدأ البعثيون يعيدون النظر في تركيبة الجيش من أجل فرض هيمنتهم المطلقة عليه، فاخترعوا مؤامرة مدبرة ضد نظام حكمهم، وقاموا بحملة إعدامات واسعة  بعد محاكمات شكلية غير قانونية طالت عدداً  كبيراً من الضباط القوميين، في مسرحية استهدفت إرهاب الضباط ومنعهم من القيام بأي تحرك ضد حكمهم .

واستمروا في عملية تدجين الجيش وإبعاد كل ضابط يُشك في ولائه لهم  وفرضوا هيمنتهم المطلقة عليه من خلال فرض الانتماء للحزب على جميع الضباط وحتى المراتب، وأكثر من هذا منعوا أي نشاط سياسي أو حزبي داخل الجيش ما عدى حزب البعث، وفرض النظام البعثي حكم الإعدام على كل من يُشك في انتمائه لأي حزب سياسي، وبوجه خاص الحزب الشيوعي، وجرى إعدام أعداد غفيرة من الشيوعيين طيلة مدة حكمهم.

وبعد أن انقلب صدام حسين على سيده أحمد حسن البكر، وتولى السلطة المطلقة في البلاد، وفرض نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ومنح نفسه أعلى رتبة عسكرية [مهيب ركن] وبدأ يفرض سطوته على الجيش بأقسى الوسائل الإرهابية تمهيداً لشن الحرب على إيران بالنيابة عن الولايات المتحدة، تلك الحرب التي دامت 8 سنوات، وقد جيّشَ صدام حسين خلالها كل أبناء الشعب بالقوة، وخلق له جيشاً عرمرماً، ومنح الرتب العسكرية لحزبيين من دون مؤهلات، ومنح ارفع الرتب العسكرية لحسين كامل، وصدام كامل، وعلي حسن المجيد، وعزت الدوري، وأعداد كبيرة من أبناء عشيرته التكارتة الأميين، بغية إحكام سيطرته على الجيش، وجرى تنفيذ أحكام الإعدام بحق الكثيرين من الضباط بحجة عدم تنفيذ أو مخالفة الأوامر الصادرة منه، وهو الذي يجهل العلم العسكري جهلاً تاماً.
كما سخر كل مدخرات وموارد البلاد للتسلح مما أدى ذلك إلى نتائج وخيمة على اقتصاد البلاد، وتراكم الديون الهائلة على العراق، وبغية معالجة أزمته الاقتصادية أقدم على غزو الكويت في 2 آب 1990، تلك الجريمة التي ساقت الجيش العراقي إلى حرب مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وبعض الحلفاء العرب، وأدت إلى كارثة للجيش العراقي لم يعرف لها مثيلاً من قبل.

وأندحر جيش صدام، وتم فرض شروط وقف إطلاق النار في خيمة صفوان، وتم فرض نزع أسلحة الدمار الشامل على نظام صدام الذي  قبلها صاغراً من أجل بقاء نظامه، وبقائه على رأس النظام.
 لكن مراوغاته المستمرة، ولعبة القط والفار التي مارسها مع الولايات المتحدة جعلها تقرر إسقاط حكمه، وبذلك تحقق هدفين في آن واحد، التخلص من نظام صدام حسين الذي احترقت أوراقه، وفرض هيمنتها المطلقة على العراق طالما يطفو العراق على بحر من النفط،  فكانت الحرب التي شنتها في 20 آذار 2003، والتي انتهت بانهيار نظام صدام في 9 نيسان بعد أن دامت الحرب الدموية عشرين يوماً، وجاءت على الأخضر واليابس كما يقول المثل، حيث دمرت البنية التحية للعراق بكاملها، ولم تسلم أية منشأة مدنية كانت أم عسكرية من التدمير، ومن نهب الميليشات ، وكان أخطرها سرقة أسلحة الجيش العراق من قبل الميليشيات التابعة للأحزاب القومية الكردية، والعصابات البعثية بعد أن أصدر الحاكم المدني الأمريكي [ بريمر] قراراً بحل الجيش، وسائر الأجهزة الأمنية، تاركاً البلاد لعصابات الجريمة من جهة، وتحول إعداد غفيرة من منتسبي الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية إلى حمل السلاح والقيام بنشاط إرهابي بعد أن تم طردهم من وظائفهم دون مورد، وبذلك اقترفت الولايات المتحدة خطأً جسيماً، بل جريمة كبرى بحق الشعب والوطن، حيث تركت البلاد دون جهاز أمني يتولى حماية الأمن والنظام العام، ويحمي سيادة البلاد مما تسبب في وقوع وتواصل الأعمال الإرهابية في البلاد، وبعد أن شكلت قوات الاحتلال مجلس الحكم، وأصدرت قانون إدارة الحكم الذي نصت إحدى مواد القانون على تولي شخصية مدنية لوزارة الدفاع في خطوة لأبعاد العسكر من الهيمنة على الحكم من جديد لمنع أي محاولة لقيام انقلاب عسكري في البلاد، وإبعاد الجيش عن السياسة والانتماءات الحزبية كما أدعت!!.

لكن الذي جرى بعد أن سلم المحتلون الأمريكان مقاليد الحكم لقوى الإسلام السياسي جاء على العكس من ما أعلن عنه المحتلون عند حلهم الجيش فتحول الجيش من جيش صدام إلى جيش يضم كافة ميليشيات أحزاب الإسلام السياسي، وتولي عناصر أمية لا علاقة لها بالجيش مناصب عسكرية عليا، وكان لهذا الإجراء نتائج وخيمة عند ما شنت ميليشيات الإسلام السياسي الشيعية الحرب الأهلية بين عامي 2006 و2007، واقترفت من الجرائم الوحشية البشعة ما فاقت كل تصور، وأدت على تشريد اكثر من 4 ملايين مواطن من بيوتهم ومدنهم هرباً من بطش الميلشيات تلك، وكانت تلك الميلشيات تمارس جرائمها وهي تلبس اللباس العسكري للجيش والشرطة.

إن الجيش العراقي بتركيبته الحالية بات أشبه ببرميل بارود، لا يلبث أن ينفجر عند أية أزمة سياسية يمكن أن تعصف بالبلاد، طالما بقي مرتعاً لعناصر ميليشيات أحزاب الإسلام السياسي، حيث يهدده الانقسامات بسبب ولاء أفراده لأحزابهم السياسية.

ولقد وضح غزو عصابات داعش للعراق عام 2014 هشاشة هذا الجيش، وضحالة قياداته، وقيادة السلطة الحاكمة التي سلمت نصف العراق لهذه العصابات، حيث القت 3 فرق عسكرية كامل أسلحتها لهذه العصابات، ونزعت لباسها العسكري، وولت هاربة تاركة محافظات الموصل والانبار وصلاح الدين، وديالى تحت رحمة تلك العصابات المجرمة التي دمرت البنية التحية وسائر المدن وأشاعت أبشع أنواع الإرهاب والتعذيب والذبح والاغتصاب تاركة أكثر من 4 ملايين مواطن يعيشون في الخيام هرباً من بطش عصابات داعش، ودمار مساكنهم. وتمت دعوة السيد السيستاني الشعب إلى التطوع لمحاربة داعش، وابلت جموع غفيرة من أبناء الشعب  بلاءاً حسناً في الحرب ضد داعش، وبمساعدة قوى أجنبية بإمرة الولايات المتحدة استطاع الجيش العراقي الذي جرى أعادة تدريبه وتسليحه من القضاء على عصابات داعش، وتحرير كافة المدن من طغيانها.
لكن أحزاب الإسلام السياسي استغلت هذه الجموع التي هبت لقتال داعش، وهي المهيمنة على البرلمان، لإصدار قانون لخلق جيش رديف للجيش ودعوه ب[الحشد الشعبي] تحت قيادة أحزاب الإسلام السياسي الموالين لإيران.     

أن معالجة هذا الوضع الخطر للجيش والقوى الأمنية يتطلب إعادة النظر الجذرية بتكوين الجيش على أساس الولاء للشعب والوطن، وليس للأحزاب السياسية، ولا بد من إبعاد عناصر الميليشيات هذه عنه، ومنع أي نشاط سياسي داخل الجيش، وتثقيف أفراده بالثقافة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام حقوق وحريات المواطنين.
 أما مصير الحشد الشعبي فالحل إما أن تضم العناصر غير المنتمية لأحزاب الإسلام السياسي منه لقوات الشرطة والجيش وتسريح كل من ينتمي من قريب أوبعيد لأحزاب الإسلام السياسي، أو إعادة العمل بقانون خدمة العلم لجميع المواطنين من أعمار 18 حتى 35 عاماً، حرصاً على الأمن والنظام العام في البلاد، والحيلولة دون وقوع صراع مسلح أو حرب أهلية مرة اخرى، فقد كفى الشعب العراق ما عاناه طيلة عقود طويلة.



11
من الذاكرة
البعثيون والشيوعيون والديمقراطي الكردستاني
1/2
حامد الحمداني                              24/1/2019

البعثيون القيادة الكردية:
كان استمرار الحرب في كردستان يشكل أحد المخاطر الجسيمة على السلطة حزب البعث في أيامها الأولى، ولذلك فقد سعت هذه السلطة  للتفاوض مع القيادة الكردية للوصول إلى وقف القتال، وقد أثمرت اللقاءات التي جرت بين قيادة حزب البعث وزعيم الحركة الكردية السيد مصطفى البارزاني إلى ما سمي  باتفاقية [11 آذار للحكم الذاتي] .

 تنفس البعثيون الصعداء في تلك الأيام،  ووجدوا تعويضاً لهم عن العلاقة مع الحزب الشيوعي، وقد بدا في تلك الأيام وكأنه لا يوجد في الساحة السياسية غير حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، وتعرضت العلاقة بين البعثيين والشيوعيين إلى الانتكاسة عند إقدام حكومة البعث على تفريق تجمع للشيوعيين يوم 21 آذار احتفالاً بعيد النوروز بالقوة.

 كما تم في تلك الليلة اغتيال الشهيد [محمد الخضري] عضو قيادة فرع بغداد للحزب في أحد شوارع بغداد. ورغم إنكار البعثيين صلتهم بالجريمة، إلا أن كل الدلائل كانت تشير إلى أنهم كانوا هم  مدبريها، وقد أتهمهم الحزب الشيوعي بالقيام بحملة اعتقالات ضد العديد من الشيوعيين في أنحاء البلاد المختلفة.

وفي 1 تموز عقد الحزب الديمقراطي الكردستاني مؤتمره العام، وألقى السيد [كريم أحمد] عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي كلمة في المؤتمر دعا فيها إلى إيقاف الإجراءات القمعية للسلطة ضد العناصر الوطنية، وركز على شعار الحزب الداعي للديمقراطية للشعب العراقي والحكم الذاتي لكردستان، مما أثار رد فعل قوي من جانب السلطة البعثية الحاكمة، وخاصة بعد أن قامت صحيفة الحزب الديمقراطي الكردستاني [التآخي] بنشر نص الخطاب.

 لكن الغزل استمر بين قيادة حزب البعث وقيادة الحزب الشيوعي لإقامة جبهة الاتحاد الوطني على الرغم من الإجراءات الوحشية  التي اتخذتها لقمع التجمع الذي أقامه الحزب في ساحة السباع بمناسبة عيد النوروز، وعلى الرغم من حملات الاغتيالات التي طالت العديد من الكوادر الشيوعية.
البعثيون والقيادة المركزية للحزب الشيوعي:
منذُ أن عاد البعثيون إلى الحكم عن طريق انقلاب 17 ـ 30 تموز 968 وقف الشعب العراقي من الانقلاب موقفاً سلبياً منهم، حيث كان مدركاً أن الوجوه التي جاءت إلى الحكم هي نفسها التي قادت انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، ولا تزال تلك الجرائم التي ارتكبوها بحقه وحق القوى السياسية عالقة في الأذهان.

 كان همّ البعثيين آنذاك هو تثبيت حكمهم، وتبييض صفحتهم السوداء فلجئوا إلى اتخاذ بعض الخطوات لاسترضاء الشعب وقواه السياسية وبالأخص الحزب الشيوعي العراقي الذي يتمتع بتأييد ودعم جانب كبير من أبناء الشعب، حيث ركزوا كل جهودهم لجره إلى التعاون معهم وصولاً إلى التحالف، وإقامة الجبهة الوطنية معه، وكان  من جملة تلك الإجراءات:
1ـ إصدار قرار بالعفو عن السجناء السياسيين في 5 أيلول 968 وإطلاق سراحهم.     
2ـ إصـدار قـرار بإعادة كافة المفصـولين السياسيين المدنيـين إلى وظائفهم وكلياتهم ومدارسهم في 12 أيلول 968.                                                 
3-احتساب مدة الفصل لأسباب سياسية قدماً لغرض الترفيع والعلاوة والتقاعد.

غير أن تلك الإجراءات لم تكن كافية لجرّ الحزب الشيوعي، والقيادة المركزية المنشقة عن الحزب، لتشكيل جبهة وطنية عريضة.
 فقد كان المطلوب من حزب البعث تشريع دستور دائم للبلاد، عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة لمجلس تأسيسي، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وحرية الصحافة، وحرية النشاط الحزبي والنقابي، وهذا ما لم توافق عليه قيادة حزب البعث.

ولذلك لجأت القيادة المركزية [الجناح المنشق عن الحزب الشيوعي] إلى الكفاح المسلح ضد  سلطة البعث، وجرى مهاجمة دار صدام حسين، وصلاح عمر العلي وإطلاق الرصاص على الدارين، لذلك قرر البعثيون العمل على اعتقال قيادة الحزب [القيادة المركزية] وكوادرها، وتصفية تنظيماتها.

 وفي شباط عام 1969، استطاع البعثيون إلقاء القبض على زعيم التنظيم [عزيز الحاج] وأعضاء قيادته، وسيقوا إلى قصر النهاية، أحد أهم مراكز التعذيب لدى البعثيين لإجراء التحقيق معهم، وهناك أنهار عزيز الحاج، وقّدم اعترافات شاملة عن تنظيم حزبه مكّنت البعثيين من إلقاء القبض على أعداد كبيرة من كوادر وأعضاء الحزب، وجرى تعذيبهم بأبشع الوسائل من أجل الحصول على المعلومات عن تنظيمهم، حيث استشهد العديد منهم تحت التعذيب كان من بينهم  القائدين الشيوعيين [متي هندو] و[أحمد محمود العلاق]، بينما انهار القيادي الثالث [بيتر يوسف] ملتحقاً برفيقه عزيز الحاج، مقدماً كل ما يعرف عن تنظيم حزبه، حيث كافأ البعثيون كلاهما بأن عينوهما سفيرين في السلك الدبلوماسي، في فرنسا والأرجنتين، وذهب ضحية اعترافاتهم عدد كبير من الشيوعيين الذين استشهدوا تحت التعذيب الشنيع، وزُج في السجون بأعداد كبيرة أخرى منهم .

 وبذلك تسنى للبعثيين توجيه ضربة خطيرة للقيادة المركزية لم يتعافى الحزب منها إلا بعد مرور سنة على تلك الأحداث، حيث تسلمت قيادة جديدة بزعامة المهندس [إبراهيم علاوي]، وبادرت تلك القيادة إلى تجميع قوى الحزب، وتشكيل تنظيمات جديدة، وبدأت تمارس نشاطها من جديد.

 إلا أن تلك الضربة كان تأثيرها ما يزال يفعل فعله، حيث فقد الحزب العديد من أعضائه إما قتلاً أو سجناً أو اعتكافاً عن مزاولة أي نشاط سياسي  بسبب فقدان الثقة التي  سببتها اعترافات قادة الحزب عزيز الحاج و بيتر يوسف وحميد خضر الصافي وكاظم رضا الصفار.

البعثيون والحزب الشيوعي:
التزم الحزب الشيوعي [اللجنة المركزية] جانب السكوت عما جرى، وتمسك بالهدنة المعلنة مع حكومة البعث، ثم بادر الطرفان البعث والشيوعي بالتقارب شيئاً فشيئاً بعد أن أقدمت حكومة البعث على تنفيذ جملة من القرارات والإجراءات التي أعتبرها الحزب الشيوعي مشجعة على هذا التقارب، وبالتالي التعاون والإعداد لإقامة الجبهة!!.

فقد أقدمت حكومة البعث على الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، ووقعت في 1 أيار 1969 عقدا مع بولونيا لاستثمار الكبريت وطنياً، كما تم عقد اتفاقيتين للتعاون الاقتصادي والفني مع الاتحاد السوفيتي وبولونيا في 5 تموز 969، ومن ناحية أخرى قام الحزبان البعث والشيوعي بنشاطات مشتركة في اجتماعات مجلس السلم العالمي، وانتخابات نقابة المحامين عام 970، وسمح البعثيون للحزب الشيوعي بإصدار مجلة [الثقافة الجديدة]، كما تم تعيين الشخصية الوطنية المعروفة السيد[عزيز شريف] وزيراً للعدل في 31 كانون الأول 1969.

لكن تلك الإجراءات لم تكن لترضي الحزب الشيوعي الذي كانت له مطالب أساسية هامة تتعلق بالحريات الديمقراطية، وأعلن الحزب أن دخول السيد عزيز شريف الوزارة بصفته مستقلاً، وأن دخول أي شخصية وطنية في الوزارة ليس بديلاً عن حكومة جبهة وطنية، وأن تمثيل كل الأحزاب الوطنية في السلطة على أساس برامج ديمقراطية متفق عليها هو الطريق الصائب.

البعثيون يطرحون شروطهم للتحالف مع الحزب الشيوعي:

في العاشر من تموز تقدم حزب البعث بشروطه للحزب الشيوعي لقيام جبهة بينهما، طالباً من الحزب قبولها والإقرار بها كشرط لقيام الجبهة، وكان أهم ما ورد في تلك الشروط:
1ـ اعتراف الحزب الشيوعي بحزب البعث كحزب ثوري وحدوي اشتراكي ديمقراطي!.                                                         
2ـ وجوب تقييم انقلاب 17 ـ 30 تموز كثورة وطنية تقدمية!.
3ـ وجوب إقرار الحزب الشيوعي بالدور القيادي لحزب البعث سواء في الحكم أو قيادة المنظمات المهنية والجماهيرية!.                       
4ـ وجوب عدم قيام الحزب الشيوعي بأي نشاط داخل الجيش والشرطة!.
5ـ العمل على قيام تعاون بين الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية وبين وحزب البعث.
6 ـ القبول بالوحدة العربية كهدف أسمى، ورفض الكيان الإسرائيلي، وتبني الكفاح المسلح لتحرير كامل الأراضي الفلسطينية.     
                             
 ورغم أن شروط البعث كانت غير مقبولة من جانب قواعد الحزب الشيوعي، إلا أن الحزب أستأنف حواره مع حزب البعث من جديد، وما لبث الرئيس أحمد حسن البكر أن أعلن في 15 تشرين الثاني 1971 عن برنامج للعمل الوطني، عارضاً على الحزب الشيوعي، والحزب الديمقراطي الكردستاني القبول به لإقامة جبهة وطنية بين الأطراف الثلاثة.

وفي 27 تشرين الثاني أبدى الحزب الشيوعي رد فعل إيجابي على البرنامج في بيان له صادر عن المكتب السياسي داعياً حكومة البعث إلى تحويل البرنامج إلى نص مقبول لدى جميع الأطراف التي دُعيت للعمل المشترك، ووضع نهاية حاسمة لعمليات الاضطهاد والملاحقة والاعتقال ضد سائر القوى الوطنية.
ثم جرت بعد ذلك لقاءات ومناقشات بين الأطراف دامت أشهراً حول سبل تحويل البرنامج إلى وثيقة للعمل المشترك دون أن تسفر عن توقيع أي اتفاق.
لكن البعثيين أصدروا قراراً في 4 أيار 972 يقضي بتعيين أثنين من قادة الحزب الشيوعي في الوزارة وهما كل من[مكرم الطالباني] الذي عيّن وزيراً للري، و[عامر عبد الله] الذي عيّن وزيراً بلا وزارة، إلى جانب وجود أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني سبق أن جرى تعينهم في الوزارة.

أحدث ذلك القرار انقساماً في صفوف الحزب الشيوعي، وتباعداً بين القاعدة والقيادة، فلم تكن تلك الخطوة مبررة من وجهة نظر كوادر وقواعد الحزب من دون أن يكون هناك برنامج متفق عليه يحقق طموحات الحزب في إيجاد نظام ديمقراطي حقيقي، وفرص متكافئة لكل حزب للقيام بنشاطاته السياسية في جو من الحرية الحقيقية. 
 
إلا أن قيادة الحزب اتخذت قرارها بالموافقة على المشاركة في الحكومة بعد نصيحة قدمها لهم رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي [كوسجين]!. كان أمل الحزب الشيوعي أن تتحول هذه المشاركة إلى اتفاق حقيقي بين الأحزاب الثلاثة على برنامج يحقق طموحات الجميع، واقترحت قيادة الحزب على حزب البعث منح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع لإدارة شؤون البلاد التي أحتكرها مجلس قيادة الثورة البعثي، كما اقترحت تعديل الدستور المؤقت بما يحقق السير بهذا الاتجاه، وطالبوا بإطلاق حرية الصحافة، وإصدار صحيفة الحزب بشكل علني، ووعد البعثيون بدراسة هذه المقترحات.

غير أن الأمور استمرت على حالها السابق أكثر من سنة، ولاسيما وأن ظروف البلاد كانت تستدعي التعجيل بهذا الاتجاه بعد اشتداد الصراع مع شركات النفط، وقرار حكومة البعث بتأميم شركة نفط العراق العائدة للشركات الاحتكارية في الأول من حزيران 1972، واستمرت العلاقات بين الحزبين على وضعها ذاك حتى وقوع محاولة ناظم كزار الانقلابية  حيث دفعت حكام البعث إلى الاتفاق على برنامج للعمل الوطني.


12
شهادة للتاريخ
عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي
الحلقة الرابعة والأخيرة 4/4
حامد الحمداني                                    20/1/2019
بعد كل الإجراءات التي أقدم عليها عبد الكريم قاسم بضرب الحزب الشيوعي، وانتزاع كافة المنظمات والاتحادات النقابية والطلابية، وتسليمها للقوى الرجعية، وبعد أن أزاح كل القيادة العسكرية والأمنية التي كان يشك بعلاقتها بالحزب، وبعد أن ازاح كل رؤساء الدوائر ذوي الفكر التقدمي، وأعاد تلك العناصر المعادية التي كانت في مراكزها قبل الثورة، وبعد أن امتلأت السجون بالمناضلين الذين ذادوا عن الثورة وحموها من كيد أعدائها، بات نظام عبد الكريم قاسم معزولاً عن الجماهير، وبات استمرار بقائه في الحكم في مهب الريح الصفراء التي أخذت تقترب شيئاً فشيئا بعد أن هيأ لها قاسم الظروف المواتية للانقضاض على الثورة واغتيالها في انقلاب عسكري دموي خططت له الدوائر الامبريالية، ونفذته العناصر العميلة من البعثيين والقوميين والقوى الرجعية الأخرى.

ولا شك في أن الدور الأول في الإعداد للانقلاب كان لشركات النفط، بعد أن أقدم عبد الكريم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، بعد صراع مرير مع تلك الشركات، والتهديدات التي وجهتها إلى حكومة الثورة ذلك لأن النفط بالنسبة للدول الإمبريالية أمر لا يفوقه أهمية أي أمر آخر، ولذلك نجد أن جَلّ اهتمام تلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، هو الاستحواذ على منابع النفط، وإحكام سيطرتهم عليها.
ولما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، واتخذت لها خطاً مستقلاً، بعيداً عن الهيمنة الإمبريالية، هالهم الأمر، وصمموا منذُ اللحظات الأولى على إجهاض الثورة، والقضاء عليها، وبالفعل نزلت القوات البريطانية في الأردن، والأمريكية في لبنان، وحشدت تركيا قواتها العسكرية على الحدود العراقية من أجل العدوان على العراق.
إلا أن موقف الاتحاد السوفيتي المساند للحكومة الثورية الجديدة، وتحذيره للامبريالين من مغبة العدوان على العراق، وحشد قواته على الحدود التركية، وتحذيرها من أي محاولة للتدخل والعدوان، كل تلك الإجراءات أسقطت في يد الإمبريالية، وجعلتهم يفكرون ألف مرة، قبل الإقدام على أي خطوة متهورة.

وهكذا جاءت الريح كما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، غير أن الإمبرياليين لم يتركوا مسألة إسقاط الثورة أبداً، بل بادروا إلى تغير خططهم بما يتلاءم والظروف الجديدة لإسقاط الثورة من الداخل مجندين حزب البعث، وطائفة من القوى القومية لتنفيذ أهدافهم الشريرة.

أختار الانقلابيون الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق للثامن من شباط 1963، وكانت لهم حساباتهم في هذا الاختيار، فيوم الجمعة يوم عطلة ولا يتواجد في المعسكرات سوى الضباط الخفر، وكانوا قد رتبوا مسبقاً خفارة الضباط المتآمرين في ذلك اليوم، ليسهل عليهم عملية تنفيذ الانقلاب كما أن قيام الانقلاب في الساعة التاسعة صباحاً أمر غير متوقع، حيث جرت العادة بوقوع الانقلابات العسكرية في الساعات الأولى من الفجر، ورغم أن الحزب الشيوعي كان قد أصدر بياناً في 3 كانون الثاني 963 وزع بصورة علنية، وعلى نطاق واسع، محذراً من خطورة الوضع ومما جاء فيه:

{هناك معلومات متوفرة تشير إلى الكتائب المدرعة في معسكرات بغداد، ولواء المشاة التاسع عشر الآلي قد أصبحت مراكز لنشاط عدد كبير من الضباط الرجعيين، والمغامرين الذين يأملون تحويل هذه المراكز إلى قواعد انطلاق لانقضاض مفاجئ على استقلال البلاد، ولقد حددوا موعداً بعد آخر لتحقيق هذا الغرض، وللموعد الحالي مغزى خاص نظراً لخطورة الأزمة السياسية الراهنة وعدد الزيارات التي يقوم بها كبار الجواسيس الأمريكيين لبلدنا، ووجه الحزب نداءه لعبد الكريم قاسم لأجراء تطهير واسع، وفعال في صفوف الجيش}.

إلا أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بذلك التحذير مأخذ الجد، معتقداً أن ذلك لا يعدو أن يكون تهويلاً يستهدف أهدافاً حزبية ضيقة.
كان الأولى بعبد الكريم قاسم استنفار كل الأجهزة، والقوات العسكرية، وسائر الضباط الذين لا يشك بولائهم للثورة، وخاصة قائد القوة الجوية، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث.
وُزعت الأدوار على الضباط الانقلابيين، ومنظمات حزب البعث، وأفراد الحرس القومي، الذي أُعد مسبقاً ودُرب وجُهز بالسلاح!!، وجعلوا ساعة الصفر اغتيال قائد القوة الجوية الشهيد [جلال الاوقاتي].
كان البعثيون قد رصدوا حركته، حيث أعتاد صباح كل يوم جمعة أن يخرج لشراء الفطور بنفسه، وترصدوا له ذلك اليوم وهو خارج وبصحبته ولده، حيث أطلقوا عليه النار، وأردوه قتيلاً في الحال، وجرى الاتصال بالزمرة الانقلابية، وتم إبلاغهم باغتيال الاوقاتي، وعند ذلك تحرك المتآمرون، حيث قاموا بقطع البث من مرسلات الإذاعة في أبو غريب، وتركيب تحويل في مرسلات الإذاعة، وبدأ البث فيها من هناك قبل استيلائهم على دار الإذاعة.
وفي نفس الوقت قام منذر الونداوي، بطائرته من قاعدة الحبانية، وحردان التكريتي من القاعدة الجوية في كركوك بقصف مدرج مطار الرشيد العسكري، وتم حرثه بالقنابل، لشل أي تحرك للطيارين الموالين للسلطة، وبعد أن تم لهم ذلك بادروا إلى قصف وزارة الدفاع.
وفي تلك الأثناء سمع عبد الكريم قاسم أصوات الانفجارات باتجاه معسكر الرشيد، فبادر على الفور بالذهاب إلى وزارة الدفاع، وتحصن فيها، وكان ذلك الإجراء في غاية الخطورة، إذ كان الأجدى به أن يتوجه بقواته المتواجدة في وزارة الدفاع إلى معسكري الرشيد، والوشاش، القريبين من مركز بغداد، والسيطرة عليهما، ومن ثم الانطلاق نحو الأهداف التي تمركز فيها الانقلابيون، بالاستناد إلى جماهير الشعب الغفيرة التي هبت حال سماعها بنبأ الانقلاب تطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين.

لكن عبد الكريم قاسم حصر نفسه في وزارة الدفاع، على الرغم من تحذير الزعيم الركن الشهيد [طه الشيخ أحمد] مدير الحركات العسكرية، الذي أشار عليه إلى ضرورة استباق المتآمرين ومهاجمتهم قبل توسع الحركة وسيطرتهم على معسكري الوشاش والرشيد القريبين جداً من بغداد، لكن عبد الكريم قاسم لم يأخذ بنصيحته مما سهل على الانقلابيين تطويق الوزارة، وقصفها بالطائرات والمدفعية، قصفاً مركزاً، حتى انهارت مقاومة قواته.

ربما أعتقد عبد الكريم قاسم أن وجوده في وزارة الدفاع المحصنة، يمكّنه من الاتصال بالوحدات العسكرية الموالية له!! ولكن خاب ظنه، بعد كل الذي فعله بإبعاد كل العناصر الوطنية الصادقة والمخلصة، واستبدلهم بعناصر انتهازية، لا مبدأ لها، ولا تدين بالولاء الحقيقي له، وللثورة، فقد سارع معظمهم إلى إرسال برقيات التأييد للانقلابيين، وانكفأ البعض الأخر في بيته، وكأن الأمر لا يعنيه، سواء بقي عبد الكريم قاسم، أم نجح الانقلابيون.

لقد أنتحر عبد الكريم قاسم، ونحر معه الشعب العراقي وكل آماله، وأحلامه التي ضحى من أجلها عقوداً عديدة مقدماً التضحيات الجسام.

كانت جموع غفيرة من أبناء الشعب قد ملأت الساحة أمام وزارة الدفاع، والشوارع المؤدية لها وهي تهتف للثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، وتطالب بالسلاح لمقاومة الانقلابيين. فقد حدثني أحد رفاقي الذي كان متواجداً في تلك الساعة مع الجماهير المحيطة بالوزارة، والمستعدة للتضحية والفداء دفاعاً عن الثورة فقال:
تجمعنا حول وزارة الدفاع حال سماعنا بوقوع الانقلاب، وكانت أعدادنا لا تحصى، فلقد امتلأت الشوارع والطرقات بآلاف المواطنين الذين جاءوا إلى الوزارة وهم يهتفون بحياة الثورة وقائدها عبد الكريم قاسم، ويطالبونه بالسلاح للدفاع عن الثورة منادين {باسم العامل والفلاح، يا كريم أعطينا سلاح}، كان الجو رهيباً والجموع ثائرة تريد السلاح للانقضاض على المتآمرين، وكان عبد الكريم يرد عليهم :{ إنهم مجرد عصابة مأجورة لا قيمة لها، وسوف نقضي عليهم في الحال}.

وهكذا أخطأ عبد الكريم مرة أخرى في حساباته، ولم يستمع إلى صوت الشعب، وتحذيره، ولم يقدر خطورة الوضع، وكان لا يزال على ثقة بأولئك الذين أعتمد عليهم، وبوأهم أعلى المناصب السياسية والعسكرية والإدارية، سوف يؤدون واجبهم لحماية الثورة، وسحق المتآمرين، ولكن تلك الزمر الانتهازية الخائنة أسفرت عن وجهها الحقيقي، فقسم منها أشترك اشتراكاً فعلياً مع المتآمرين، والقسم الآخر آثر الجلوس على التل دون حراك، فلا تهمهم الثورة، ولا الشعب، ولا عبد الكريم قاسم.

ثم يضيف رفيقي قائلاً: في تلك الأثناء وصلت أربع دبابات، تحمل في مقدمتها صور عبد الكريم قاسم، استخدمتها لتضليل جماهير الشعب لكي يتسنى للانقلابيين عبور الجسر نحو جانب الرصافة حيث وزارة الدفاع، وكانت الجماهير قد أحاطت بالجسور، وقطعتها، واعتقدت أن هذه الدبابات جاءت لتعزز موقف عبد الكريم قاسم.
وعندما وصلت تلك الدبابات إلى وزارة الدفاع، استدارت ظهرها نحو الوزارة، وبلحظات بدأت رشاشات [الدوشكا] المنصوبة عليها تطلق رصاصها الكثيف على الجماهير المحتشدة، وتخترق أجسادهم بالمئات.
لقد غطت الجثث والدماء تلك الشوارع والساحة المقابلة لوزارة الدفاع، خلال عشرة دقائق لا غير، وكانت مجزرة رهيبة لا يمكن تصورها، ولا يمكن أن يدور في خلد أي إنسان أن يجرأ المتآمرون على اقترافها.

ولم تكتفِ دبابات المتآمرين بما فعلت، بل جاءت الطائرات لتكمل المجزرة موجهة رشاشاتها حتى نحو الجرحى الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة.
ثم بدأ بعد ذلك القصف المركز على وزارة الدفاع بالطائرات ومدافع الدبابات التي أحاطت بالوزارة من جانبي الكرخ والرصافة وبدأت القذائف تنهال عليها، والقوات المتواجدة داخلها ترد على القصف بما تملك من أسلحة وعتاد، إلا أن المقاومة بدأت تضعف شيئاً فشيئاً، دون أن يأتي أي إسناد من أي من القطعات العسكرية التي كان عبد الكريم يعتمد عليها، لأنه كان في وادٍ، وأولئك الخونة في وادٍ آخر، وادي الخونة والمتآمرين.
وفيما كانت عملية القصف تتواصل، تقدمت قوات أخرى نحو معسكر الرشيد، ومقر الفرقة الخامسة، واللواء التاسع عشر، وحيث هناك المعتقل رقم واحد، الذي كان عبد الكريم يحتجز فيه عدد من الضباط البعثيين، والقوميين، حيث تم إطلاق سراحهم ليشاركوا في الانقلاب، وتمكنت قوات الانقلابيين من السيطرة على المعسكر، ومقر الفرقة، ووقع بأيديهم مجموعة من الضباط الوطنيين المعتقلين هناك، حيث نفذ الانقلابيون مجزرة أخرى بالعديد منهم، ومُورس التعذيب الشنيع بالبعض الأخر.

الحزب الشيوعي يتصدى للانقلابيين ويصدر بياناً يدعو إلى مقاومتهم:!
منذُ اللحظات الأولى لوقوع الانقلاب سارع الحزب الشيوعي إلى إصدار بيان وُزع على جماهير الشعب صباح ذلك اليوم دعا فيه القوات العسكرية الوطنية، وجماهير الشعب إلى التصدي للانقلابيين بكل الوسائل والسبل، ومما جاء في البيان:
{إلى السلاح! اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية.
أيها المواطنون، يا جماهير شعبنا العظيم المناضل، أيها العمال، والفلاحون والمثقفون، وكل الوطنيين والديمقراطيين الآخرين:
لقد دق جرس الخطر ...استقلالنا الوطني يتعرض للخطر العظيم، إنجازات الثورة تحدق بها المخاطر.
لقد قامت عصابة حقيرة من الضباط الرجعيين والمتآمرين بمحاولة يائسة للاستيلاء على السلطة استعداداً لإعادة بلدنا إلى قبضة الإمبريالية والرجعية بعد أن سيطروا على محطة البث الإذاعي في أبو غريب، وانكبوا على إنجاز غرضهم الخسيس، فإنهم يحاولون الآن تنفيذ مجزرة بحق أبناء جيشنا الشجاع.

يا جماهير شعبنا المناضل الفخور! إلى الشوارع، اقضوا بحزم وقسوة على المتآمرين والخونة، طهروا بلدنا منهم، إلى السلاح دفاعاً عن استقلال شعبنا ومكتسباته، شكلوا لجان دفاع في كل ثكنة عسكرية، وكل مؤسسة، وكل حي وقرية، وسيُلحق الشعب، بقيادة قواه الديمقراطية، الخزي والهزيمة بهذه المؤامرة الجبانة، كما فعل بمؤامرات الكيلاني، والشواف وآخرين.

إننا نطالب بالسلاح}. ودعا البيان رفاق وجماهير الحزب إلى الاستيلاء على الأسلحة من مراكز الشرطة وتوزيعها على الجماهير، إلا أن ذلك الإجراء لم يكن في مستوى الأحداث، فلم يكن الحزب قد كدس السلاح، كما فعل الانقلابيون خلال ثلاث سنوات، ولا شك أن قيادة الحزب تتحمل جانباً كبيراً من المسؤولية في عدم أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع الانقلابيين من تنفيذ جريمتهم، ولاسيما وأن الحزب كان على علم بما يجري في الخفاء، وأنه كان قد أصدر بياناً قبل أيام يحذر فيه من وقوع مؤامرة ضد الثورة.
فما هي الإجراءات التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة رفاقه وجماهيره، وخاصة في صفوف الجيش؟ في الوقت الذي كان الحزب لا يزال يتمتع بنفوذ لا بأس به داخل صفوف الجيش، على الرغم من تصفية عبد الكريم قاسم لمعظم القيادات الشيوعية فيه.
ورغم كل ذلك، فقد أندفع رفاقه وجماهير الشعب التي كانت تقدر بالألوف للذود عن حياض الثورة بكل أمانة وإخلاص، ووقفوا بجانب عبد الكريم قاسم، بل أستطيع أن أقول أن الشيوعيين كانوا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت بجانبه، رغم كل ما أصابهم منه من حيف خلال السنوات الثلاثة الأخيرة من عمر الثورة.
لقد أندفع معظم الضباط، وضباط الصف، والمسرحين من الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالمقاومة وحماية الثورة، بناء على دعوة الحزب، وقدموا التضحيات الجسام، وسالت دماؤهم على ساحات المعارك مع الانقلابين.

كان كل ما يعوز جماهير الشعب هو السلاح الذي كانوا يفتقدونه، ورغم كل النداءات التي وجهوها إلى عبد الكريم قاسم للحصول على السلاح لمقاومة الانقلابيين في أول ساعات الانقلاب، إلا أن نداءاتهم ذهبت أدراج الرياح.

ربما كان قاسم يتوقع من أولئك الذين أعتمد عليهم، في القوات المسلحة أن يقمعوا الانقلاب، ولكنهم كانوا في وادٍ آخر، وربما خاف قاسم من إعطاء السلاح للحزب الشيوعي على مستقبله السياسي إذا ما تم قمع الانقلاب على أيدي الشيوعيين، وفي كلتا الحالتين كان قاسم مخطئاً، ودفع حياته، ومستقبل الشعب ثمناً لتلك الأخطاء التي أرتكبها طيلة فترة حكمه.

وفي الوقت الذي كان فيه القصف المركز يجري على وزارة الدفاع، والقوات الانقلابية تحيط بها، حاول عبد الكريم قاسم تسجيل خطاب يوجهه إلى الشعب والقوات المسلحة يدعوهم لمقاومة الانقلابيين، وقد تم تسجيل ذلك الخطاب على شريط [كاسيت]، تحت أصوات الانفجارات والقصف، وأرسله إلى دار الإذاعة مع الرائد [سعيد الدوري]، الذي تبين فيما بعد أنه من المشاركين في الانقلاب، حيث سلمه للانقلابيين، كما أن دار الإذاعة كانت قد احتلت من قبل الانقلابيين، ولذلك لم يتسنَ إذاعة الخطاب.

لقد فات الأوان، واستولى الانقلابيين على دار الإذاعة، ووقع الشريط الذي يحوي الخطاب بين أيديهم، وربما كان بالإمكان لو لم تقع دار الإذاعة بأيدي الانقلابيين، وتم إذاعة البيان، أن تتحرك بعض القطعات العسكرية الموالية له، وتتصدى للانقلابيين.

كان الانقلابيون يدركون مدى تعلق الشعب العراقي وجيشه بثورة 14 تموز وقيادتها رغم كل الأخطاء التي أرتكبها عبد الكريم قاسم يحق القوى الوطنية المخلصة حقاً وفعلاً، فالكل يركب سفينة الثورة، التي إذا غرقت غرق الجميع، ولذلك نجد الانقلابيين يعلنون في أول ساعات الانقلاب عن مقتل عبد الكريم قاسم، لكي يمنعوا أي تحرك عسكري لإسناده، مثل ما فعلوا عندما تقدمت دباباتهم وهي تحمل صور عبد الكريم قاسم لخدع جماهير الشعب حتى تتمكن من الوصول إلى وزارة الدفاع.

ورغم كل ذلك فقد اندفعت جماهير الشعب تقارع الانقلابيين بكل ما أوتيت من عزم وقوة رغم أنها كانت عزلاء من السلاح، وخاضت المعارك معهم بالبنادق والعصي والحجارة فيما قابلتهم الدبابات والمصفحات منزلة بهم خسائر فادحة في الأرواح بلغت عدة آلاف من أبناء الشعب.

أما [الحرس القومي] الذي شكله الانقلابيون فقد أندفع أفراده إلى الشوارع وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة، وبدأوا يهاجمون جماهير الشعب بكل عنف وقوة موجهين نيران أسلحتهم نحو كل من يصادفونه في طريقهم.

واستمرت مقاومة الشعب في بعض مناطق بغداد، وخاصة في مدينة الثورة والشاكرية والكاظمية، وباب الشيخ، وعقد الأكراد والحرية والشعلة، لعدة أيام، ولم يستطع الانقلابيون قمع المقاومة إلا بعد أن جلبوا الدروع لتنفث نار القنابل الحارقة فوق رؤوسهم، وأصدر الانقلابيون بيانهم المشؤوم رقم 13 الذي يدعو إلى إبادة الشيوعيين الذين تصدوا للانقلاب منذُ اللحظات الأولى، وشنوا على الحزب الشيوعي حرب إبادة لا هوادة فيها، حيث اعتقلوا ما يزيد على نصف مليون مواطن، بينهم 1350 ضابطاً عسكرياً من مختلف الرتب، وجرى تعذيب المعتقلين بأساليب بشعة لا يصدقها أحد، واستشهد جراء ذلك المئات من المناضلين تحت التعذيب الشنيع، وكان من ضحايا التعذيب كل من الشهداء[سلام عادل]السكرتير العام للحزب الشيوعي، حيث قطع الانقلابيون يديه ورجليه، وفقأوا عيناه في محاولة لانتزاع الاعترافات منه عن تنظيمات الحزب، واستشهد أيضاً من أعضاء اللجنة المركزية كل من: جمال الحيدري، ومحمد صالح العبلي، ونافع يونس، وحمزة سلمان، وعبد الجبار وهبي المعروف بـ [أبو سعيد]، وعزيز الشيخ ومتي الشيخ، ومحمد حسين أبو العيس، وجورج تللو، وعبد الرحيم شريف، وطالب عبد الجبار، بالإضافة إلى المئات من الكوادر الحزبية ورفاق الحزب، قضوا جميعاً تحت التعذيب الوحشي رافضين تقديم الاعترافات عن تنظيمات حزبهم .

بعد كل الإجراءات التي أتخذها عبد الكريم قاسم منذُ عام 1959 وحتى وقوع انقلاب 8 شباط، والمتمثلة في إبعاد أغلب العناصر الوطنية المخلصة، والكفوءة من المراكز العسكرية، واستبدالها بعناصر انتهازية، وأخرى حاقدة وموتورة، تتربص بالثورة، وقيادتها، لم يكن متوقعاً أن تحدث المعجزة، ويجري التصدي للانقلابيين، وكل ما حدث أن عدداً من بقايا العناصر الشيوعية في الجيش، من صغار الضباط، وضباط الصف، والجنود، حاولت مقاومة الانقلابيين بما استطاعوا، ولكن دون جدوى، فلم يكن هناك أدنى توازن للقوى، بعد أن سيطرت قوى الرجعية على الجيش.
ففي بعقوبة تصدى عدد من الضباط، وضباط الصف والجنود للانقلاب، إلا أنهم فشلوا في ذلك، وجرى إعدام فوري لما يزيد على 30 ضابطاً وجندياً دون محاكمة.
وفي معسكر التاجي، القريب من بغداد، حيث توجد هناك محطات الرادار، حاولت مجموعة أخرى السيطرة على المعسكر، غير أن الانقلابيين تمكنوا من التغلب على المقاومة بعد قتال عنيف، غير متكافئ، وجرى الإعدام الفوري لعدد من الضباط الصغار، وضباط الصف والجنود.

كما حدثت مقاومة من جانب عدد من الضباط وضباط الصف، والجنود في منطقة فايدة، شمال الموصل، لكنها لم تستطع الصمود، حيث تم للانقلابيين قمعها، وجرى إعدام فوري لعشرات من الضباط والجنود.

أما قادة الفرق، وكبار القادة العسكريين فلم يحركوا ساكناً، بل أن قسماً منهم كان له ضلعاً في الانقلاب، وبشكل خاص محسن الرفيعي، مدير الاستخبارات العسكرية، الذي كان يغطي، ويخفي كل تحركات الانقلابيين، دون أن يتخذ أي إجراء ضدهم، ولم ينقل لعبد الكريم قاسم حقيقة ما يجري في البلاد.

ففي 4 شباط، قبل وقوع الانقلاب بأربعة أيام، أصدر عبد الكريم قاسم قرارا بإحالة مجموعة من الضباط المعروفين بعدائهم للثورة على التقاعد، ولكن أولئك الضباط استمروا بلبس ملابسهم العسكرية، ولم يغادروا بغداد، ولم تحرك أجهزة الاستخبارات العسكرية، ولا الأمنية ساكنا، وهذا خير دليل على تواطؤ مدير الأمن العام مجيد عبد الجليل، ومدير الاستخبارات العسكرية محسن الرفيعي مع الانقلابيين.
أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بثلاثة أيام، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [خالد كاظم] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط الوطنيين، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

كما أن عبد الكريم قاسم قام قبل الانقلاب بتعيين عبد الغني الراوي، المعروف بعدائه للثورة، وتوجهاتها، آمراً للواء المشاة الآلي الثاني، وكانت تلك الخطوة ذات أبعاد خطيرة، فقد كان الراوي أحد أعمدة ذلك الانقلاب، وقام اللواء المذكور بدور حاسم فيه.
استسلام عبد الكريم قاسم ورفاقه للانقلابيين وإعدامهم:
أخذت المقاومة داخل وزارة الدفاع تضعف شيئاً فشيئاً، وتوالت القذائف التي تطلقها الطائرات، والدبابات المحيطة بالوزارة التي تحولت إلى كتلة من نار، واستشهد عدد كبير جداً من الضباط والجنود دفاعاً عن ثورة 14تموز وقيادة عبد الكريم قاسم، وكان من بينهم الشهيد الزعيم [وصفي طاهر]، المرافق الأقدم لقاسم، والزعيم [عبد الكريم الجدة]، أمر الانضباط العسكري، واضطر عبد الكريم قاسم إلى مغادرة مبنى الوزارة إلى قاعة الشعب، القريبة من مبنى الوزارة، تحت جنح الظلام، وكان بصحبته كل من الزعيم [فاضل عباس المهداوي]، رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة، والزعيم الركن [طه الشيخ أحمد]، مدير الحركات العسكرية، [وقاسم الجنابي] السكرتير الصحفي لعبد الكريم، والملازم [كنعان حداد] مرافق قاسم.

ومن هناك قام عبد الكريم قاسم بالاتصال هاتفياً بدار الإذاعة، وتحدث مع عبد السلام عارف، طالباً منه باسم الأخوة والعلاقة التي ربطتهم معاً قبل الثورة، مذكراً إياه بالعفو الذي أصدره بحقه، ورعايته له، بالسماح له بمغادرة العراق، أو إجراء محاكمة عادلة له، لكن عبد السلام عارف طلب منه الاستسلام.

وفي صباح اليوم التالي، 9 شباط، خرج [يونس الطائي] صاحب صحيفة الثورة، المعروف بعدائه للشيوعية، والذي كان قد سخره عبد الكريم قاسم لمهاجمة الحزب الشيوعي على صفحات جريدته [الثورة]، خرج للقاء الانقلابيين، وكان في انتظاره أحد ضباط الانقلاب، واصطحبه إلى دار الإذاعة، حيث قام بدور الوسي! بين عبد الكريم قاسم والانقلابيين!!، لقاء وعدٍ بالحفاظ على حياته، وتسفيره إلى تركيا، وهكذا انتهت الوساطة بخروج عبد الكريم قاسم، ومعه المهداوي، وطه الشيخ أحمد، وكنعان حداد، وكان بانتظارهم ناقلتين مصفحتين عند باب قاعة الشعب، وكان الوقت يشير إلى الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، حيث نقل عبد الكريم قاسم، وطه الشيخ أحمد على متن إحدى المصفحات، ونقل المهداوي، وكنعان حداد على متن المصفحة الثانية، وعند وصول المصفحتين إلى دار الإذاعة أنهال عدد من الانقلابيين على المهداوي ضرباً مبرحاً حتى غطت الدماء جسمه، وأدخل الجميع إلى دار الإذاعة، وكان عبد الكريم بكامل بزته العسكرية ولم يمسه أحد بسوء عند دخوله مبنى الإذاعة.
إن كل ما قيل عن إجراء محاكمة لعبد الكريم قاسم كانت محض هراء، فلقد كان الانقلابيون قد قرروا مسبقاً حكم الموت بحقه، وبحق رفاقه، وما كان لعبد الكريم قاسم أن يسلم نفسه لأولئك المجرمين، ولكنه خُدعَ، أو ربما خَدَعَ نفسه بوساطة ذلك الخائن والدجال [يونس الطائي]، الذي كان يتملقه طيلة أيام حكمه، وتبين فيما بعد أنه كان على علاقة حميمة بالانقلابيين، وتصور عبد الكريم قاسم أن يدعه الانقلابيون يخرج بسلام، أو أن يوفروا له محاكمة عادلة، وعلنية كما فعل هو عندما حاكم عبد السلام عارف، والمتآمرين الآخرين على الثورة.

وحال دخول عبد الكريم قاسم دار الإذاعة، أنبري له عبد السلام عارف وعلي صالح السعدي بالشتائم المخجلة، التي لا تصدر إلا من أولاد الشوارع فقد توجه السعدي إليه قائلاً: [لقد كانت عندنا حركة قبل أسبوعين، وأريد أن اعرف مَنْ أفشى لك بهذه الحركة، وهل هو موجود بيننا؟] وكانت تلك الحادثة قد أدت إلى اعتقال السعدي.
وقد أجابه عبد الكريم قاسم [غير موجود هنا بشرفي] لكن السعدي رد عليه بانفعال قائلاً [ومن أين لك بالشرف]، وهنا رد عليه عبد الكريم قاسم قائلاً: إن لي شرفاً أعتز به].
وهنا دخل معه في النقاش عبد السلام عارف حول مَنْ وضع البيان الأول للثورة، وكان كل همه أن ينتزع من عبد الكريم قاسم اعترافاً بأنه ـ أي عبد السلام ـ هو الذي وضع البيان الأول للثورة، إلا أن عبد الكريم قاسم أصر على أنه هو الذي وضع البيان بنفسه، وكانت تلك الأحاديث هي كل ما جرى في دار الإذاعة، وقد طلب عبد الكريم قاسم أن يوفروا له محاكمة عادلة ونزيهة وعلنية، تنقل عبر الإذاعة والتلفزيون ليطلع عليها الشعب، إلا أن طلبه رُفض، فقد كان الانقلابيون على عجلة من أمرهم للتخلص منه لكي يضعوا حداً للمقاومة، ويمنعوا أي قطعات من الجيش من التحرك ضدهم .
قام العقيد عبد الغني الراوي بإبلاغه ورفاقه بقرار الإعدام للجميع، وحسبما ذكر إسماعيل العارف في مذكراته أن عبد الكريم لم يفقد رباطة جأشه، وشجاعته، ولم ينهار أمام الانقلابيين، وعند الساعة الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم، 9شباط 1963، اقتيد عبد الكريم قاسم ورفاقه إلى ستديو التلفزيون، وتقدم عبد الغني الراوي، والرئيس منعم حميد، والرئيس عبد الحق، فوجهوا نيران أسلحتهم الأوتوماتيكية إلى صدورهم فماتوا لساعتهم رافضين وضع عصابة على أعينهم، وكان آخر كلام لعبد الكريم قاسم هو هتافه بحياة ثورة 14 تموز، وحياة الشعب العراقي، وسارع الانقلابيون إلى عرض جثته، وجثث رفاقه على شاشة التلفزيون لكي يتأكد الشعب العراقي أن عبد الكريم قاسم قد مات في محاولة لأضعاف روح المقاومة لدى جماهير الشعب والحيلولة دون تحرك أية قطعات عسكرية ضد الانقلاب.
لقد حكم الانقلابيون البعثيون وحلفائهم القوميين مدة تسعة أشهر، كان إنجازهم الوحيد خلالها هو شن الحرب الهوجاء على الشيوعيين والديمقراطيين، وكانت تلك الأشهر بحق أشهر الدماء والمشانق، والسجون والتعذيب، وكل الأعمال الدنيئة التي يندى لها جبين الإنسانية، حتى وصل الأمر بعبد السلام عارف، شريكهم في الانقلاب، ورئيس جمهوريتهم، بعد انقلاب شباط، بعد أن قاد انقلاب 18 تشرين ضد حكم شركائه البعثيين، أن أصدر كتاباً ضخماً عن جرائمهم، وأفعالهم المشينة، مشفوعاً بتلك الصور البشعة لجرائمهم بحق الشيوعيين والديمقراطيين والقاسميين سماه [المحرفون].

















13
شهادة للتاريخ/
عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي
الحلقة الثالثة 3/4
حامد الحمداني                                                18/1/2019
أولاً: انشقاق الحزب الوطني الديمقراطي، ودور الحزب الشيوعي
تفاقمت الخلافات بين أقطاب الجناحين، اليميني واليساري داخل الحزب الوطني الديمقراطي بسبب المواقف التي وقفها جناح محمد حديد من مسألة تجميد نشاط الحزب بناء على طلب عبد الكريم قاسم، أثناء غياب رئيس الحزب الأستاذ كامل الجادرجي عن العراق، مما دفع الجناح اليساري في الحزب إلى إعلان عدم اعترافه بقرار التجميد، معلناً عزمه على مواصلة نشاط الحزب، وتحدي قرار القيادة اليمينية للحزب، وكان على رأس هذا الجناح كل من السادة:
1 ـ عبد الله البستاني     2 ـ عبد المجيد الونداوي             3 ـ علي عبد القادر
4 ـ نايف الحسن          5 ـ حسان عبد الله مظفر             6 ـ ناجي يوسف
7 ـ علي جليل الورد     8 ـ حسين أحمد العاملي              9 ـ سليم حسني
10 ـ عادل الياسري
تصاعدت الأزمة بين الجناحين عندما عاد الجادرجي إلى بغداد، ووجه انتقاداً شديداً لقرار التجميد، ولمحمد حديد، نائب رئيس الحزب، طالباً منه ومن زميله هديب الحاج حمود الاستقالة من الوزارة بعد إقدام عبد الكريم قاسم على تنفيذ حكم الإعدام بالضباط المشاركين في محاولة العقيد الشواف الانقلابية في الموصل، ولعدم امتثال الوزيرين لطلبه سارع الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب، ومن عضويته كذلك.
كان لقرار الجادرجي بالاستقالة أثره الكبير على تفاقم الأزمة بين الجناحين داخل الحزب، وخصوصا بعد فشل المساعي التي بذلها الجناح اليساري لعودة الجادرجي لقيادة الحزب، وتباعدت مواقف الجناحين عن بعضهما، نظراً لما يكنه قادة الجناح اليساري للحزب من احترام وتقدير لشخص الجادرجي، واعتزازاً بقيادته التاريخية للحزب.
وبسبب تفاقم الأزمة داخل الحزب، أقدم جناح محمد حديد على تأسيس حزب جديد باسم [الحزب الوطني التقدمي]، وتقدم بطلب إجازة الحزب في 29 حزيران 1960، وضمت هيئته المؤسسة كل من السادة:
1ـ محمد حديد                2 ـ خدوري خدوري           3 ـ محمد السعدون
4 ـ نائل سمحيري           5 ـ عراك الزكم                 6 ـ سلمان العزاوي
7 ـ عباس حسن جمعة     8 ـ رجب علي الصفار         9 ـ د.جعفر الحسني
10 ـ د. رضا حلاوي     11 ـ عبد الأمير الدوري         12 ـ عباس جودي
13 ـ حميد كاظم الياسري 14 ـ عبد الرزاق محمد
وقد تمت إجازة الحزب دون أي تأخير، واستمرت قيادة الحزب في دعم سياسة عبد الكريم قاسم، وخاصة فيما يتعلق بمواقفه من الحزب الشيوعي، ومن الملاحظ أن أغلبية قيادة الحزب جاءت من بين العناصر البرجوازية، ومن الملاكين، ورجال الصناعة، الذين كانوا يشعرون بالقلق الشديد من تنامي قوة الحزب الشيوعي.
ثانياً: الحزب الشيوعي يحاول تكوين جبهة وطنية ديمقراطية جديدة:
نتيجة للشرخ الكبير، الذي حدث في صفوف جبهة الاتحاد الوطني، خلال الأشهر الأولى من عمر الثورة، وانسحاب الأحزاب القومية منها ومن الحكومة، لم يبقَ في الجبهة سوى الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي، وحتى العلاقة بين هذين الحزبين أخذت بالتردي يوماً بعد يوم بعد اتساع المد الشيوعي وسيطرته على الشارع العراقي، وهيمنة الحزب الشيوعي على كافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والعمالية، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وتلك كانت أحد الأخطاء الكبرى التي وقع فيها الحزب الشيوعي، والتي سببت ابتعاد الحزب الوطني الديمقراطي، وبشكل خاص جناحه اليميني عنه، وسعيه الحثيث لكبح جماح الشيوعية، وتحريض عبد الكريم قاسم على الوقوف بوجه الحركة الشيوعية حرصاً على مصالحه الطبقية.
كان على الحزب الشيوعي، الذي حرصت قيادته على اعتبار تلك المرحلة هي مرحلة الوطنية الديمقراطية، عدم استفزاز البرجوازية الوطنية، واستبعادها عن النشاطات الديمقراطية، والاستئثار بكافة المنظمات الجماهيرية، والنقابات المهنية والاتحادات العمالية، والفلاحية.
أخذت العلاقات بين الحزبين بالتردي، كما أسلفنا يوماً بعد يوم حتى وصلت إلى طريق اللاعودة، عندما حدث الانشقاق في صفوف الحزب الوطني الديمقراطي، ومن ثم استقالة رئيسه الأستاذ كامل الجادرجي، ومن ثم استقالة الجناح اليميني بزعامة محمد حديد من الحزب، وتأليفهم [الحزب الوطني التقدمي].
لقد لعب الحزب الشيوعي دوراً في ذلك الانشقاق عندما دفع، وشجع العناصر اليسارية في الحزب الوطني الديمقراطي، إثر قرار الجناح اليميني تجميد نشاط الحزب، إلى تشكيل قيادة جديدة للحزب، ومواصلة النشاط السياسي.
وهكذا أقدم عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على الجناح اليساري على إصدار بيان يستنكر فيه إقدام محمد حديد وكتله على قرار تجميد نشاط الحزب، بتحريض من الحزب الشيوعي.
فقد أصدر الحزب الشيوعي بياناً في 22 مايس 1959 بعنوان [حول إيقاف نشاط الحزب الوطني الديمقراطي]، شجب فيه قرار التجميد، داعياً العناصر اليسارية في الحزب إلى مواصلة النشاط السياسي.
وعلى أثر ذلك أصدرت الكتلة اليسارية في الحزب، والتي ضمت كل من السادة:
1 ـ عبد الله البستاني          2 ـ عبد المجيد الونداوي          3 ـ علي عبد القادر
4 ـ نايف الحسن              5 ـ حسان عبد الله مظفر           6 ـ ناجي يوسف
7ـ علي جليل الوردي        8 ـ حسين أحمد العاملي            9 ـ سليم حسني
10 ـ عادل الياسري
بياناً في 22مايس 9591، حول رفض قرار التجميد، ومما جاء في البيان:
{ونحن إذ نعلن مخالفتنا لقرار التجميد فإننا ندعو أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي المؤمنين بأداء واجبهم الحزبي في هذه الظروف إلى الاستمرار في النشاط الحزبي، كما نعتبر أن الذين أصدروا قرار وقف نشاط الحزب ومن يؤيدهم من أعضاء الحزب إنما قرروا ذلك بالنسبة لأنفسهم فقط}.
لقد كانت تلك الخطوة من جانب الحزب الشيوعي، والجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي خطوة انفعالية بلا شك عمقت من الشرخ بين الحزبين من جهة، وبين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى، فقد كان واضحا أن قاسم قد قرر أن يقف بوجه الحزب الشيوعي مهما فعل، أضافه إلى دفع العلاقة بين الحزبين إلى مرحلة اللاعودة.
لكن الحزب الشيوعي ذهب إلى أبعد من ذلك عندما دعا الجناح اليساري في الحزب الوطني الديمقراطي، والجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى إقامة [جبهة وطنية ديمقراطية جديدة]، وتوصل معهما إلى مشروع ميثاق جديد للجبهة المذكورة، في 28 حزيران 1959، وتضمن الميثاق الجديد البنود التالية:
1ـ صيانة الجمهورية، والحفاظ على خط سيرها، باتجاه الديمقراطية، وتطهير كافة مؤسسات الدولة، والقوات المسلحة من العناصر المعادية للثورة، وإحلال العناصر المخلصة والكفوءة محلها.
2ـ التضامن مع كافة البلاد العربية المتحررة في كفاحها ضد الاستعمار والصهيونية.
3 ـ السير على سياسة الحياد الإيجابي، ومقاومة الإمبريالية.
4 ـ تعزيز الأخوة العربية الكردية، والسعي من أجل الوحدة الوطنية.
5ـ اعتماد مبدأ الديمقراطية الموجهة، وإشاعة الحريات الديمقراطية، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، لكل القوى التي تدافع عن الجمهورية، ومكاسب ثورة 14 تموز المجيدة.
وقد وقع على ميثاق الجبهة عن الحزب الشيوعي كل من السادة:
1 ـ عامر عبد الله           2 ـ عبد القادر إسماعيل          3 ـ زكي خيري
4 ـ عزيز الحاج            5 ـ بهاء الدين نوري              6 ـ كريم أحمد
7 ـ محمد حسين أبو العيس
فيما وقعها عن الجناح اليساري للحزب الوطني الديمقراطي كل من السادة:
1 ـ المحامي ناجي يوسف        2 ـ صلاح خالص         3 ـ المحامي أحمد الجلبي
4 ـ عبد المجيد الونداوي             5 ـ علي جليل الوردي     6 ـ نايف الحسن
6 ـ حسين أحمد العادلي
أما الجناح اليساري للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد وقع عنه كل من السادة:
1 ـ حمزة عبد الله             2 ـ خسرو توفيق          3 ـ عزيز صالح الحيدري
4 ـ نوري شاويس            5 ـ نزار أحمد             6 ـ شمس الدين المفتي
7 ـ صبغة الله المزيوري
سارع الموقعون على ميثاق الجبهة الجديدة إلى إرسال مذكرة إلى عبد الكريم قاسم تشرح فيها الأوضاع السائدة في البلاد، والمخاطر التي تجابه الثورة ومكاسبها، وأهمية الوحدة الوطنية في الكفاح ضد الاستعمار والرجعية، وتعلن فيها عن إقامة الجبهة، وأهدافها، وفيما يلي نص المذكرة:
نص مذكرة الجبهة الوطنية الديمقراطية للزعيم عبد الكريم قاسم:
سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم المحترم:
منذُ أنْ وطأ الاستعمار بلادنا، وطوال سنوات الكفاح المريرة، في العهد المباد، كان العمل من أجل وحدة الصف الوطني، هدف الشعب الأسمى، وسلاحه التعبوي الحاسم لتحقيق انتصاراته، وبالعكس كانت الفرقة، أحد الأسباب الرئيسية للانتكاسات، وفي غمرة الكفاح الوطني، في ظروف مده وجزره، ومن خلال تجارب النجاحات والإخفاقات، انبثقت فكرة الجبهة الوطنية الموحدة وتبلورت، وغدت ستار الشعب الحقيقي. وكان لابدّ للقوى والأحزاب والعناصر الوطنية أن تستجيب لإرادة الشعب في الوحدة، فتضافرت جهودها، واتحدت صفوفها، وأدركت كل واحدة منها بتجربتها، وتجربة الحركة الوطنية عموماً، وبالاستناد إلى تقدير موضوعي، أن أية قوة بمفردها، وبدون مساندة الشعب، لن يكون بمستطاعها تحقيق مهمة الانتصار على الاستعمار وأعوانه.
وبفضل تضامن الجيش والقوى السياسية، وبفضل جهودهما المشتركة، بصرف النظر عن تباين الأساليب، وتفاوت الطاقات العملية، وبفضل مساندة الشعب الحازمة، كُتب الانتصار الساحق والسريع لثورة 14 تموز الظافرة عام 1958.
إن هذه الحقيقة لم تفقد أهميتها وصحتها بعد الانتصار، وبعد تحقيق أهداف الشعب في ضرب النظام الملكي الاستعماري الإقطاعي، وفي إقامة نظام حكم جمهوري وطني متحرر، فلم يكن بإمكان أي قوة بمفردها أن تصون الثورة وجمهورية الرابع عشر من تموز، فقد آزر الشعب جيشه الباسل، وحكومته الوطنية، ووقف الجيش مع الشعب، واستندت الحكومة على الشعب وقواه الوطنية المناضلة المخلصة، وظل المخلصون لإرادة الشعب ومبادئ الثورة، وانتم على رأسهم متمسكين في كل الظروف والأوقات العصيبة التي مرت بجمهوريتنا بشعار [وحدة الصفوف] هذا الشعار الذي التزمت به ودافعت عنه الغالبية الساحقة من القوى الوطنية، ولم تشذ عنه سوى العناصر والجماعات التي تضافرت جهودها مع جهود الطامعين، والقوى المعادية للجمهورية، من الاستعماريين، والإقطاعيين. ولولا وعي الشعب ويقظته ويقظة القوى الوطنية لكان بمستطاع تلكم الزمر المعادية والمفرقة شق وحدة الشعب وتلاحم صفوفه، والتسبب في جلب الكوارث الحقيقية على البلاد.
بيد أن الشعب فوت الفرص على الأعداء والطامعين ومفرقي الصفوف، وبقي صامداً موحداً تحت زعامتكم، وقد أصبح ذلك ممكناً بفضل وحدة الجيش والشعب بقيادتكم الحكيمة الحازمة، هذه الوحدة التي كانت العامل الأساس الذي مكن البلاد من تخطي المؤامرات والهزات التي تعرضت لها والقضاء عليها بتفوق باهر، وسرعة فائقة.
وكما أن الشعب وقواه الوطنية، وقيادة البلاد، أدركت أهمية الوحدة الوطنية وضرورتها التي لا غنى عنها، فقد أدرك الاستعمار وأعوانه الطامعون كذلك، عظم وخطر وحدة الصف على مشاريعهم، ومؤامراتهم، ومآربهم الهادفة إلى نسف كيان الجمهورية، وضرب زعامتكم.
لقد ركز الاستعمار خلال الأشهر الأخيرة بوجه خاص كل جهوده من أجل بث الشكوك والريبة داخل القوى الوطنية بغية الإخلال بوحدتها، وتأليب بعضها ضد البعض الآخر، لفتح الثغرات، والنفوذ منها، جرياً على سياسة [فرق تسد]، وتعلمون سيادتكم أن الاستعمار لا ينهج لتحقيق أغراضه سُبلاً مكشوفة يمكن تمييزها بسهولة ويسر، بل يعمد، وهو العدو المسلح بتجربة واسعة في هذا المضمار، إلى استخدام أعقد الخطط، وأكثر السبل الماكرة، وغير المباشرة، والملتوية والخبيثة.
ولئن كان الاستعمار أخفق في نسف استقلال البلاد، وقلب الحكم الجمهوري الديمقراطي، والإطاحة بزعامتكم، فإن هدفه هذا لم يتغير، ولن يتغير، حيث لا يمكن للاستعمار أن يتخلى عن مساعيه، ودسائسه، في سبيل إرجاع نيره المهشم، واستعادة نفوذه المنهار، حتى لو أدى ذلك إلى إغراق الوطن في بحر من الدماء الزكية.
إن مما يأسف له كل مخلص، حدوث بعض الأمور والملابسات والمواقف التي صدرت من هذا وذاك من الأطراف الوطنية، والتي أدت إلى تقوية أمل المستعمرين، وانتعاش مقاصدهم اللئيمة ضد بلدنا الحبيب، وكان من نتائج ذلك مع الأسف، هذه البلبلة الواضحة التي سرت في صفوف الشعب، وقواه الوطنية، وخلخلت الصف الوطني.
إننا حينما نشير إلى هذا الوضع المؤسف، فنحن لا نتطير منه بحال من الأحوال، ولسنا مساقين بنظرة التشاؤم، وإنما نستند إلى وقائع ملموسة، اطلع عليها الرأي العام، وتحسستها أوسع الجماهير، والعناصر الوطنية المخلصة، وفعلت فعلها السلبي في سريان القلق المشروع في الأوساط الشعبية، والجماهير محقة كل الحق في استنتاجاتها وشعورها، خاصة وأن الشعب تعلم من خلال تجربته، وتجارب الأمم الأخرى، أن الاستهانة بالأعداء المتربصين، سواء كانوا داخليين أم خارجيين، هي داء وبيل، أصابت عدواه حركات وطنية كثيرة، وأدت بها إلى الانتكاس والخذلان.
ومما لا ريب فيه أن المخلصين كافة لا يوجد بينهم من يرغب، أو يقبل مثل هذا المصير لثورتنا المباركة المظفرة، التي هي كما أكدتم سيادتكم دائماً للشعب إنها حصيلة دماء غزيرة وعزيزة، وجهود وآلام بذلتها الملايين من أبناء الشعب خلال سنوات طويلة من الكفاح، والعذاب المتواصل، وقد آن للشعب المكافح الصابر عقوداً من السنين، بل دهوراً، أن يحصد الثمار، ويتمتع بحريته الكاملة، وحقوقه الديمقراطية العادلة، وخيرات بلاده الوفيرة وهذا ما يناضل من أجله كل المخلصين، كما سبق لسيادتكم أن صرحتم به دائماً.
إن الواقع للوضع المؤسف هذا الذي أشرنا إليه قبل قليل قد أثار، ولم يكن بالإمكان أن لا يثير، أقصى درجات اليقظة لدى الشعب، وحفز وعيه على الاستعانة بتجاربه، وتجارب الأمم الأخرى التاريخية، فبرز على الألسن، كما تغلغل في القلوب أكثر من أي وقت مضى شعار وحدة [الصف الوطني] وتقويته، والدفاع عنه وعن الجمهورية، و مكاسب ثورة الشعب وجيشه المقدام.
وما كان لهذه الرغبة النبيلة الواعية لدى جماهير الشعب إلا أن تنعكس على مختلف قواه الوطنية التي يقف على رأسها ويرعاها سيادتكم.
ونحن كجزء من هذه القوى الوطنية حملنا شعورنا بالمسؤولية، إزاء هذا الوضع الراهن، وإزاء مهمة الحفاظ على مكاسب الشعب، وعلى تضافر الجهود، ودفعنا إلى التقارب بين بعضنا، لدراسة المعالم المميزة للظرف الذي يكتنف الجمهورية، وتحديد واجباتها فيها.
ولقد توصلنا بنتيجة دراستنا للعوامل التي أدت إلى الإخلال بوحدة الصف الوطني والإساءة إليه، وتحري الحلول الممكنة، والعملية التي تساعدنا على بعثها مجدداً، وعلى أفضل وجه، وتوصلنا إلى مواصلة نشاطنا في [جبهة الاتحاد الوطني]، واتخاذ جميع الخطوات المقتضية لإعادة حيويتها، وتحويلها إلى واقع ملموس وجهاز وطني فعّال، قادر على تعبئة، وتوحيد صفوف الشعب.
وبناء عليه، فقد تم الاتفاق فيما بيننا على إقرار [ميثاق إنشائي] نبلور ونصوغ فيه وجهة نظرنا المشتركة في المسائل الكبرى التي نصت عليها بنود الميثاق، والتي تواجه البلاد في الظرف الراهن، سواء ما يتعلق منها بصيانة الجمهورية، أو بتخطيط وبناء مستقبل البلاد، وهذا الميثاق الوطني هو عهد مقدس بين القوى المنضوية، أو التي ستنضوي في المستقبل تحت لواء جبهة الاتحاد الوطني، والتي ستمارس نشاطها المشترك تحت قيادتكم الحكيمة.
وما من شك أن ما جاء في هذا الميثاق قد يحتمل الإضافة، أو التعديل، متى ما أرادت الأطراف المشتركة فيه، أو متى ما ارتأت القوى الوطنية ضرورتها.
وباعتقادنا أن خطوتنا هذه من أجل وحدة الصفوف ستكون ذات أهمية كبرى، وأكثر جدوى، في خدمة الجمهورية، كلما ضمت جبهة الاتحاد الوطني قوى شعبية أخرى، وإمكانيات جديدة.
إننا إذ نتقدم إليكم بصورة من ميثاقنا الوطني الذي تم اتفاق كلمتنا عليه، برغم الاختلاف في اتجاهاتنا، وميولنا السياسية، نحن القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني، لنا وطيد الأمل بأننا سنجد من لدن سيادتكم كل التشجيع، والرعاية، وتقبلوا فائق احترامنا.
                                                               بغداد 28 حزيران 1959
ثالثاً ـ عبد الكريم قاسم يتجاهل المذكرة ويواصل سياسته تجاه الحزب الشيوعي:
إن عبد الكريم قاسم، الذي كان قد عقد العزم على ضرب الحزب الشيوعي والحد من نشاطه، والسير في طريق الحكم الفردي، والاستئثار بالسلطة، تجاهل تلك المذكرة، وتجاهل الجبهة، بل وأوغل أكثر فأكثر في سياسته الهادفة إلى تجريد الحزب الشيوعي من كل أسباب قوته، وجماهيريته، وتوجيه الضربات المتلاحقة له، ولم تفد الحزب تلك العبارات التي أطرى بها على قاسم، وسياسته الحكيمة!! في زحزحته عن مواقفه تجاه الحزب بل جعلته يندفع أكثر فأكثر في هذا السبيل، مصمماً على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه السياسي، استناداً لقانون الأحزاب والجمعيات الذي أصدره في 1 كانون الثاني 1960.
أما محمد حديد ورفاقه في الحزب الوطني التقدمي فقد رفضوا الانضواء تحت راية تلك الجبهة، معللين ذلك بأن الحزب الشيوعي قد عمل من وراء ظهر الأحزاب، وأن تلك الجبهة هي من صنع الشيوعيين، ورفضوا أي نوع من التعاون مع الحزب الشيوعي، ومع الجبهة المعلنة.
وهكذا فإن هذه الجبهة لم تستطع أن تؤدي مهامها، وتحقق أهدافها، نظراً لتعقد الظروف السياسية، وتدهور العلاقات بين أطراف القوى الوطنية من جهة، ومواقف عبد الكريم قاسم من جهة أخرى، إضافة للشرخ الذي أصاب الحزب الوطني الديمقراطي، وانعزال القوى القومية، وتنكبها لمسيرة الثورة، ولجوئها إلى التآمر المسلح والمكشوف لإسقاطها، والإطاحة بحكومة عبد الكريم قاسم.



14
من ذاكرة التاريخ
عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي
الحلقة الثانية 2/4
حامد الحمداني                                                              18/1/2019
عبد الكريم قاسم يوجه ضرباته للحزب الشيوعي:
بدأ عبد الكريم قاسم، بعد أن أرعبته مسيرة الأول من أيار يخطط لكبح جماح الحركة الشيوعية في العراق، وجاءت أحداث الموصل وكركوك لتعطي له المبرر لبدء حملته الشعواء ضد الحزب عبر خطاباته المتلاحقة والتي كان يهدف منها إلى تشويه سمعة الشيوعيين، متهماً إياهم بكونهم أسوأ من هولاكو وجنكيز خان!!، اللذان دمرا بغداد، وسفكا دماء مئات الألوف من أبنائها، ليتخذ من ذلك الحجة لتقليم أظافر الحزب الشيوعي وتجريده من أسباب قوته، وإنزال الضربات المتلاحقة به، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ العديد من الإجراءات التي كان أهمها ما يلي:
أولاً ـ حل المقاومة الشعبية:
كان أول ما فكر به عبد الكريم قاسم لتحجيم الحزب الشيوعي، هو تجريده من أقوى سلاح يمتلكه، المتمثل بهيمنته على قوات المقاومة الشعبية، فقد بدا واضحاً، وبشكل خاص، بعد وقوع انقلاب العقيد الشواف الفاشل في الموصل، أن المقاومة الشعبية فرضت سيطرتها على الشارع العراقي، وفي كافة المدن العراقية، وكان واضحاً أيضاً أن الهيمنة الحقيقية على تلك القوات كانت بيد الشيوعيين وأصدقائهم، وعلى ذلك أقدم عبد الكريم قاسم على الخطوة الأولى المتمثلة في سحب السلاح من قوات المقاومة الشعبية، وبعد إن تم تجريد المقاومة من سلاحها، أصبح من اليسير على قاسم أن يصدر قرار حلها، وهذا ما تم بالفعل، وخلال فترة وجيزة.

رضخ الحزب الشيوعي للقرار، فقد كان الحزب قد اتخذ سياسة التراجع، حرصاً منه ـ كما كان يظن ـ على العلاقة مع عبد الكريم قاسم، لكن تلك السياسة لم تجلب ِللحزب نفعاً، فبقدر ما كان الحزب يتراجع، بقدر ما كان عبد الكريم قاسم يندفع في إجراءاته ضده.
لكن الخسارة الحقيقية الكبرى الناجمة عن إجراءات قاسم كانت ليس للحزب الشيوعي وحده، وإنما للثورة، ولقاسم نفسه، الذي دفع حياته ثمناً لتلك الأخطاء، فلو لم يلجأ قاسم إلى حل المقاومة الشعبية، ومحاربة الحزب الشيوعي، لما استطاع انقلابيي 8 شباط تنفيذ جريمتهم بحق الشعب، والوطن عام 1963.

ثانياً ـ تصفية قيادات المنظمات، والاتحادات، والنقابات الوطنية:
كانت خطوة عبد الكريم قاسم التالية، بعد حل المقاومة الشعبية، تتمثل بسحب كافة المنظمات الجماهيرية، واتحاد النقابات، واتحاد الجمعيات الفلاحية، واتحاد الطلبة، وكافة النقابات المهنية، كنقابة المعلمين، والمهندسين، والأطباء، والمحامين، وسائر المنظمات الأخرى، من أيدي الشيوعيين، لكي يجرد الحزب الشيوعي من جماهيريته في تلك المنظمات والاتحادات والنقابات ذات التأثير الكبير على سير الأحداث.

لم يكن عبد الكريم قاسم ولا البرجوازية الوطنية المتمثلة بالحزب الوطني الديمقراطي بقادرين على استقطاب تلك المنظمات والاتحادات، والنقابات والسيطرة عليها، فكانت النتيجة أنْ وقعت جميعها تحت سيطرة أعداء الثورة، والمتربصين بعبد الكريم قاسم نفسه، وبالحزب الشيوعي سند الثورة العنيد والقوي.

لقد فسح عبد الكريم قاسم المجال واسعاً أمام تلك القوى الشريرة، من بعثيين ومدعي القومية من الرجعيين وأذناب الاستعمار، لكي يسيطروا سيطرة كاملة على تلك المنظمات والاتحادات والنقابات، بأسلوب من العنف والجريمة لم تعرف له البلاد مثيلاً من قبل.

كانت العصابات البعثية، والقومية، وقد لفّت حولها كل العناصر الرجعية، تترصد لكل من يبغي الوصول إلى صناديق الاقتراع لانتخاب قيادات تلك المنظمات والاتحادات والنقابات بأسلحتها النارية، وسكاكينها، وعصيها، وحجارتها، لدرجة أصبح معها من المتعذر حتى للمرشحين الديمقراطيين والشيوعيين الوصول إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم، أليست هذه هي الديمقراطية التي أرادها عبد الكريم قاسم؟
أن قاسم، شاء أم أبى، قد وضع السلاح بأيدي أعداء الثورة والشعب، لكي يتم نحر الجميع يوم الثامن من شباط 1963.

ثالثاً ـ تصفية القيادات الوطنية في الجيش، والجهازين الإداري، والأمني:
كانت الخطوة الثالثة لعبد الكريم قاسم تتمثل في تصفية نفوذ الحزب الشيوعي في الجيش، وفي الجهازين الإداري والأمني، فقد قام عبد الكريم قاسم بحملة واسعة جرى خلالها إحالة أعداد كبيرة من العناصر الشيوعية، أو العناصر المؤيدة للحزب الشيوعي إلى التقاعد، وأحلّ محلهم عناصر إما أنها انتهازية، أو معادية للثورة في صفوف الجيش، وجهازي الشرطة والأمن، والجهاز الإداري، كما أبعد أعداد كثيرة أخرى من المناصرين للحزب الشيوعي إلى وحدات غير فعالة، كدوائر التجنيد والميرة، أو جرى تجميدهم في إمرة الإدارة، أو تم نقلهم إلى وظائف مدنية ثانوية، بالإضافة إلى اعتقال أعداد أخرى منهم.

ولم يكتفِ قاسم بكل ذلك، بل التفت إلى الكليات، والمدارس، ليزيح كل العناصر الشيوعية، ومناصريهم من مراكزهم الإدارية، وليعيد تسليمها إلى تلك العناصر الحاقدة على الثورة، والتي وقفت منذ اللحظة الأولى ضدها، وكانت أداة طيعة بيد السلطة السعيدية السابقة.

وهكذا مهد قاسم السبيل للرجعية، والقوى المعادية للثورة لاغتيالها، واغتيال آمال الشعب العراقي وأحلامه التي ناضل طويلاً من أجلها، وكان باكورة نتائج السياسة التي سار عليها عبد الكريم قاسم وقوع محاولة اغتياله هو بالذات، ومحاولة اغتصاب السلطة في 7 تشرين الأول 1959، على أيدي زمر البعثيين في شارع الرشيد.

رابعا : محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم واغتصاب السلطة:
في 7 تشرين الأول 1959، جاء أول الغيث من القوى المعادية للثورة وقيادتها، ففي ذلك اليوم جرت محاولة خطيرة لاغتيال عبد الكريم قاسم، في رأس القرية، بشارع الرشيد، وهو في طريقه إلى بيته في العلوية دون حماية، حيث كان يرافقه مرافقه الخاص [قاسم الجنابي] بالإضافة إلى سائقه فقط.
قام بتدبير المحاولة حزب البعث، بالتعاون مع جانب من القوميين المتعاطفين معه، لكن من المؤسف أن تكون للجمهورية العربية المتحدة وعبد الناصر اليد الطولى فيها، فقد ذكر[علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث، في [نضال البعث] في الصفحة 17، أن فؤاد الركابي الذي كان أمين سر الحزب آنذاك، قد تلقى بواسطة [خالد علي الصالح] و[أياد سعيد ثابت] مبلغاَ من المال من الملحق العسكري المصري العقيد [عبد المجيد فريد] لتسهيل عملية تصفية عبد الكريم قاسم جسديا.

أصيب عبد الكريم قاسم بعدة رصاصات في كتفه وصدره، وقتل سائقه، وجرح مرافقه [قاسم الجنابي]، وتم نقل عبد الكريم قاسم إلى مستشفى السلام على الفور، حيث اُجريت له عمليات جراحية لاستخراج الرصاصات من جسمه، ومكث في المستشفى فترة من الزمن.
وفي أثناء تبادل إطلاق النار بين المهاجمين من جهة، وعبد الكريم قاسم ومرافقه من جهة أخرى، قتل أحد المهاجمين البعثيين المدعو [عبد الوهاب الغريري] واستطاع المحققون من التوصل إلى كل المدبرين، والمساهمين، والمنفذين لتلك المحاولة، التي تبين من سير التحقيقات إنها لم تكن تستهدف ليس فقط حياة عبد الكريم قاسم وحده بل كان هناك مخطط انقلابي واسع للاستيلاء على السلطة، وإغراق البلاد بالدماء.

الحزب الشيوعي يذود عن سلطة عبد الكريم قاسم:
كان سرعة تحرك الحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية الأخرى، وجماهير الشعب الغفيرة، ونجاة عبد الكريم قاسم من الموت بتلك المحاولة المجرمة قد حال دون تنفيذ بقية المؤامرة التي تبين اشتراك عدد من كبار الضباط فيها، ومن جملتهم رئيس مجلس السيادة[نجيب الربيعي] الذي توجه إلى وزارة الدفاع، مقر عبد الكريم قاسم، وقد لبس بزته العسكرية، وهو محال على التقاعد منذُ بداية الثورة، لكن سيطرة العناصر الوطنية على الوزارة أسقط في يده، واستطاعت السلطة إلقاء القبض على ما يقارب 75 فرداً من المتآمرين، فيما هرب عدد آخر منهم إلى سوريا، وكان من بينهم [صدام حسين] أحد المشاركين الفعليين في تنفيذ محاولة الاغتيال.

لقد كان دور الحزب الشيوعي في إفشال مخططات القوى الرجعية، وأسيادهم الإمبرياليين مشهوداً، لقد وقف إلى جانب عبد الكريم قاسم، يذود عن سلطته، على الرغم من كل ما أصابه منه، ولم يفكر الحزب في استغلال الفرصة والوثوب إلى السلطة، وهو لو أراد ذلك في ذلك اليوم لفعل ونجح بكل يسرٍ وسهولة، فقد كان كل شيء تحت سيطرته في ذلك اليوم.
لكن الحزب الشيوعي بقي مخلصاً لعبد الكريم قاسم، معتبراً إياه قائداً وطنياً معادي الاستعمار أولاً، ومعتبراً ما أصابه منه لم يكن سوى مجرد أخطاء ثانياً، ومعتقداً أن الظروف المستجدة سوف تؤكد له خطأ سياسته ومواقفه من الحزب ثالثاً.

إلا أن عبد الكريم قاسم الذي خرج من المستشفى بعد شفائه، عاد من جديد إلى نفس سياسته السابقة تجاه الحزب الشيوعي، ساعياً إلى إضعافه وتحجيمه، دون الاتعاظ بالتجربة الخطيرة التي مرً بها لتوه، بل على العكس من ذلك لم يمض ِوقت طويل حتى أصدر عبد الكريم قاسم قراراً بالعفو عن المجرمين الذين أدانتهم محكمة الشعب، قائلاً قولته المعروفة{عفا الله عما سلف} لكن عفوه ذاك كان مخصصاً لأولئك المجرمين الذين أرادوا قتله، وأعداء الشعب والثورة، ومستثنياً كل الوطنيين المخلصين، الذين زج بهم في السجون، بل وأكثر من ذلك صادق في الوقت نفسه على تنفيذ عقوبة اعدام العضو في الحزب الشيوعي [منذر أبو العيس] وحدد يوم تنفيذ الإعدام ‎في فجر اليوم التالي إلا أن المظاهرة الجماهيرية الكبرى التي أحاطت بوزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم، أجبرته على إيقاف التنفيذ، وبقي الشهيد أبو العيس في السجن حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، حيث نفذ الانقلابيون حكم الإعدام فيه.
خامساً:عبد الكريم قاسم يحاول تجميد نشاط الحزب الشيوعي:
في محاولة من عبد الكريم قاسم لاحتواء الحزب الشيوعي، توجه بطلب إلى الأحزاب السياسية لتجميد نشاطها بحجة أن العراق يمرّ بفترة انتقال، متناسياً أن الأحزاب السياسية المنضوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني كان لها الدور الكبير في التهيئة والإعداد لثورة 14تموز، وتقديم الدعم الكامل والسريع لها حال انبثاقها، مما أدى إلى شل قوى النظام السابق ومنعه من القيام بأي تحرك ضد الثورة.

كان هناك في الحقيقة حزبان يعملان بصورة علنية بعد انسحاب القوى القومية والبعثية من السلطة، ولجوئها إلى العمل السري، وهذان الحزبان هما الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وكان قصد عبد الكريم قاسم من طلبه ذاك حرمان الحزب الشيوعي من نشاطه العلني، بعد أن جرده من سلطانه على المنظمات المهنية والنقابات والاتحادات العمالية والفلاحية والطلبة.
سارعت القيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي، وقد سرها ذلك الطلب، منتهزة فرصة وجود زعيم الحزب، الوطني البارز [كامل الجادرجي] خارج العراق  في رحلة للاستشفاء في موسكو، معلنة قرارها بإيقاف نشاط الحزب تلبية لدعوة عبد الكريم قاسم مستهدفة من ذلك إحراج الحزب الشيوعي، ودق إسفين جديد بينه وبين عبد الكريم قاسم.
لكن الحزب الشيوعي تجاهل الطلب هذه المرة، وشن حملة واسعة، في جملة من المقالات التي طلعت بها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] على ذلك الطلب، وعلى الجناح اليميني في الحزب الوطني الديمقراطي، لقراره بتجميد نشاط الحزب، وأستمر الحزب الشيوعي على نشاطه، رافضاً أي تجميد.

أما الأستاذ [كامل الجادرجي] زعيم الحزب فقد وجه نقداً شديداً للقيادة اليمينية للحزب عند عودته إلى بغداد، على قرارها بتجميد نشاط الحزب، وأدى ذلك الموقف إلى حدوث تصدع كبير في قيادة الحزب، وخاصة بعد ما طلب الأستاذ الجادرجي من عضوي الحزب في الوزارة [محمد حديد] و[هديب الحاج حمود] الاستقالة من الوزارة، ورفض الوزيران طلب زعيم الحزب الجادرجي، مما دفع الأستاذ الجادرجي إلى تقديم استقالته من رئاسة الحزب وعضويته، واحتجاب صحيفة الحزب [ صدى الأهالي] الغراء مما أدى إلى تعميق الأزمة السياسية في البلاد.

خامساً: عبد الكريم قاسم يرفض إجازة الحزب الشيوعي:
نتيجة لعدم التزام الحزب الشيوعي بالطلب الذي دعا إليه عبد الكريم قاسم بتجميد نشاط الأحزاب السياسية، محاولة منه منع الحزب الشيوعي من ممارسة نشاطه السياسي، أقدم على إصدار قانون الأحزاب والجمعيات في 1 كانون الثاني 1960، في محاولة منه لحرمان الحزب الشيوعي من إجازة ممارسة النشاط السياسي بصورة قانونية.
وعلى أثر صدور القانون تقدم الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، بطلباتهم لإجازة أحزابهم، إلا أن الحزب الشيوعي فوجئ باعتراض وزارة الداخلية على ميثاق الحزب طالبة إجراء تغير وحذف لعدد من العبارات الواردة في الميثاق، في حين وافقت على إجازة الحزبين الآخرين فوراً.
ومع ذلك فقد أعاد الحزب صياغة ميثاقه من جديد، وأجرى التغيرات التي طلبتها وزارة الداخلية، إلا أن الحزب فوجئ مرة أخرى بحكومة عبد الكريم قاسم تجيز حزباً مسخاً بزعامة [داؤد الصايغ] يحمل أسم الحزب الشيوعي العراقي، وضمت هيئته المؤسسة عددا من الشخصيات غير المعروفة لدى الشعب العراقي، وهم:
1 ـ داؤد الصائغ              2 ـ إبراهيم عبد الحسين              3 ـ جميل العلوي
4 ـ زكية ناصر               5 ـ كاظم الشاوي                      6 ـ سالمة جاسم
7 ـ عجاج خلف               8 ـ عبد محسن                        9 ـ كاظم محمد
10 ـ جاسم محمد            11 ـ سليم شاهين
غير أن ستة من هؤلاء ما لبثوا أن استقالوا من الحزب، بعد أن أدركوا أن في الأمر مؤامرة على الحزب الشيوعي لمنع نشاطه.
أوقع انسحابهم من الهيئة المؤسسة داؤد الصايغ والسلطة في حيرة، وأسرعت السلطة في اختيار بديل عنهم من العناصر النكرة، التي لا يعرف أحدُ عنهم أي تاريخ نضالي، وقيل أن عدد منهم من رجال الأمن، في حين جمع الحزب الشيوعي أكثر من 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.

لقد كان عبد الكريم قاسم قد صمم على عدم منح الحزب الشيوعي الإجازة، لكي يصبح الحزب بموجب القانون غير شرعي، وبالتالي خارجاً على القانون، وليتخذ من ذلك ذريعة لضربه، ومطاردة رفاقه، ولم يدرك قاسم أنه بعمله هذا، إنما يوجه السهام إلى صدره، وصدر الثورة.

وهكذا فقد تم رفض طلب إجازة الحزب مجدداً، ولكن هذه المرة بحجة أن هناك حزب شيوعي مجاز بهذا الاسم، ومع ذلك تدارست قيادة الحزب الوضع، واتخذت قراراً بتقديم طلب جديد باسم [اتحاد الشعب] ومع ذلك رفضت وزارة الداخلية الطلب من جديد، ولم يحاول الحزب الاعتراض لدى محكمة التمييز ـ حسب نص القانون ـ حيث وجد أن لا فائدة من ذلك، فقد عقد عبد الكريم قاسم العزم على حرمان الحزب من ممارسة نشاطه بصورة قانونية، وبالتالي ملاحقة رفاقه من قبل الأجهزة الأمنية.

سادساً ـ السلطة ترفض إجازة الحزب الجمهوري:
لم يكتفِ عبد الكريم قاسم وحكومته برفض إجازة الحزب الشيوعي، بل تعدى ذلك إلى رفض إجازة الحزب الجمهوري، الذي كان قد تقدم بطلب تأسيسه في 12 شباط 1960، نخبة من الشخصيات السياسية المشهود لها بالوطنية، وهم السادة:
1 -عبد الفتاح إبراهيم        2ـ  مهدي الجواهري          3-أحمد جعفر الأوقاتي
4 ـ صديق الأتروشي         5 ـ د . طه باقر                  6 ـ د. عبود زلزلة
7 ـ عبد الرزاق مطر              8 ـ عبد الحميد الحكاك          9ـ صالح الشالجي 
10 ـ د.عبد القادر الطلباني  9ـ د. عبد الأمير الصفار      12 ـ جلال شريف
13 ـ رفيق حلمي            14 ـ د.عبد الصمد نعمان       15 ـ نيازي فرنكول
16 ـ حسن الأسدي    17 ـ عبد الحليم كاشف الغطاء      18 ـ نايف الحسن
91 ـ شاكر الحريري       20 ـ حسن جدوع                 21 ـ سليم حلاوي
22 ـ سعيد عباس          23 ـ مهدي فريد الأحمر
غير أن عبد الكريم قاسم رفض إجازة الحزب المذكور بحجة أنه يضم عناصر ماركسية لها علاقات طيبة بالحزب الشيوعي.  وهكذا أصرّ قاسم على مواصلة السير في الطريق الخاطئ الذي أبعده عن جماهير الشعب وقواه الوطنية، وترك نفسه أعزلاً أمام قوى الردة التي أخذت تتحين الفرصة لتوجيه ضربتها القاضية له ولثورة الرابع عشر من تموز المجيدة.
عاد الحزب الشيوعي إلى نشاطه السري الذي اعتاد عليه أيام الحكم الملكي، وتعرض الألوف من رفاقه وأصدقائه إلى الاعتقال، والإحالة للمجالس العرفية التي كان يرأسها العقيد [شمس الدين عبد الله]، و[العقيد شاكر مدحت السعود]، واللذان أصدرا أحكاماً قاسية على الألوف من كوادر وأعضاء الحزب وصلت حتى الإعدام، ليجد انقلابيوا 8 شباط هذا الصيد الثمين بالقفص وينفذوا حملة إعدمات واسعة لم يعرف لها العراق مثيلاً من قبل شملت المئات من المناضلين الذين ذادوا عن الثورة وسلطة قاسم بالذات.

الى اللقاء مع الحلقة الثالثة


15
شهادة للتاريخ:
الحقيقة حول انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الثالثة والأخيرة
 حملة الاغتيالات في الموصل
1ـ منْ مول، ونظم الاغتيالات:
بعد كل الذي جرى الحديث عنه حول أوضاع الموصل، وطبيعة السلطة فيها، ومواقف السلطة العليا، أستطيع القول أن تلك الاغتيالات لم تجرِ بمعزل عن السلطة العليا وموافقتها، بل وحتى مباركتها، وتقديم كل العون والمساندة للقائمين على تنظيمها وتمويلها. لقد كان على رأس تلك العصابة يخطط ويمول لعمليات الاغتيالات عدد من العوائل الرجعية والإقطاعية المعروفة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
1 ــ عائلة كشمولة   2 ــ عائلة الأغوات        3 ــ عائلة كرموش   4 – عائلة حديد
  5 -عائلة العاني   6 ــ عائلة نوري الأرمني  7 ــ عائلة المفتي    8 ــ عائلة الإرحيم
كانت اجتماعات تلك العوائل تجري في منطقة [حاوي الكنيسة] بالقرب من ضواحي الموصل، حيث تمتلك عائلة العاني داراً هناك، بعيداً عن أعين الناس، وكانت تُعد هناك قوائم بأسماء المرشحين للقتل، وتحدد العناصر المنفذة للاغتيالات كما كانت التبرعات تجبى من العناصر الرجعية الغنية التي تضررت مصالحها بقيام ثورة 14 تموز. ورغم العديد من المقالات للعديد من الشخصيات الوطنية التي نشرتها الصحف، مطالبة بوقفها ومعاقبة القائمين بها، والمحرضين عليها، والمخططين لها، لكن كل تلك الأصوات ذهبت أدراج الرياح، واستمر مسلسل القتل حتى وقوع انقلاب الثامن من شباط عام 1963.
2 ـ مَنْ نفذ الاغتيالات؟
إن أسماء منفذي الاغتيالات ليست بخافية على أبناء الموصل، فأصابع الاتهام تشير وتؤكد على شخصية القتلة واحداً واحدا، فقد بلغ بهم الأمر حد التفاخر أمام الناس والحديث عن ضحاياهم دون خوف من عقاب، ولماذا الخوف ما دامت السلطة هي التي تساندهم، وتمدهم بالعون، لينفذوا مخططاً واسعاً، أعد له سلفاً يرمي إلى ضرب الحزب الشيوعي، وتجريده من جماهيره ومؤيديه.
لقد أزداد عدد المنفذين يوماَ بعد يوم، وتحول الاغتيال ليشمل ليس فقط الشيوعيين وأصدقائهم، بل لقد تعداه إلى أناس ليس لهم علاقة بالسياسة، وكان دافعهم على هذا العمل الإجرامي هو التنافس على الأعمال التجارية، أو المحلات، أو المعامل، أو الوظائف، وتصاعدت جرائم الاغتيالات حتى أصبحت أجور قتل الإنسان [50 دينار]!، وهذه أسماء بعض أولئك القتلة الذين كانوا يفاخرون بجرائمهم البشعة والتي يتداولها الموصليون آنذاك على ألسنتهم كل يوم:
أسماء بعض منفذي الاغتيالات:
1 ـ زغلول كشمولة         2ـ شوكت نوري الأرمني      3 ـ محمد سعيد حسين السراج
4 ـ طارق عبد كرموش    5 ـ يعقوب كوشان               6 ـ صبار الدليمي
7 ـ نجم فتح الله              8 ـ موفق محمود                9 ـ فهد الشكرة
10 ـ هادي أبن الطويلة   11 ـ عادل ذنون الجواري       12 ـ حازم بري
13 ـ عارف السماك       14 ـ أحمد جني                     15 ـ نجم البارودي 
 16 ـ طارق قبان          17 ـ طارق نانيك                  18 ـ محمود أبن البطل
 19 ـ قاسم أبن العربية   20 ـ عدنان صحراوية            21 ـ طارق شهاب البني 
  22 ـ  نيازي ذنون       23 ـ جبل العاني                   24 -  فوزي شهاب البني 
25 ـ عايد طه عنتورة   26 ـ جنة ـ مجهول اسم أبيه
هذه القائمة بالطبع لا تشمل كل المنفذين للاغتيالات، فهناك العديد من الأسماء التي بقيت طي الكتمان، لان أصحابها أرادوا ذلك، لكن الأسماء المذكورة كانت معروفة تماماً لدى أبناء الموصل، حيث كان أصحابها يتباهون بجرائمهم بصورة علنية دون خوف من رادع أو عقاب، ما دامت السلطة تحميهم وتدعمهم.
لقد اغتيل المئات من أبناء الموصل البررة، ولم يتم القبض على واحد من القتلة، ولو شاءت السلطة كشف تلك الجرائم لكانت توصلت إلى جميع الخيوط التي تقودها إليهم، وكل المخططين، والممولين لتلك الجرائم.
لقد ذهبت دماء الضحايا هدراً، حتى يومنا هذا، ولم يُفتح فيها أي تحقيق، وطواها النسيان، لكنها ستبقى تسأل عن مَنْ سفكها، ومن ساعد، وشجع، وخطط، ومول تلك الحملة المجرمة بحق المواطنين الأبرياء، ولابد أن يأتي اليوم الذي تُكشف فيه الحقيقة، وخاصة فيما يتعلق بموقف السلطة العليا في بغداد، وجهازها الأمني، والإداري في الموصل، ودور كل واحد منهم في تلك الاغتيالات.
لكن الذي أستطيع قوله بكل تأكيد، هو أنه لا يمكن تبرئة السلطة العليا من مسؤوليتها في تلك الأحداث، وعلى رأسها عبد الكريم قاسم بالذات، فالسلطة مهما تكن ضعيفة وعاجزة، وهي ليست كذلك بكل تأكيد، قادرة على إيقاف تلك الجرائم واعتقال المسؤولين عنها، وإنزال العقاب الصارم بهم إن هي شاءت.
نتائج الاغتيالات، والحملة الرجعية في الموصل:
بعد كل الذي جرى في الموصل على أيدي تلك الزمرة المجرمة، نستطيع أن نوجز نتائج حملة الاغتيالات، والحملة الرجعية، بالأمور التالية:
1ـ إلحاق الأذى والأضرار الجسيمة بالعوائل الوطنية، وإجبارها على الهجرة من المدينة، وقد هجر المدينة بالفعل، أكثر من 30 ألف عائلة إلى بغداد والمدن الأخرى طلباً للأمان، تاركين مساكنهم، ومصالحهم ووظائفهم، ودراسات أبنائهم، بعد أن أدركوا أنه ليس في نية السلطة إيقاف حملة الاغتيالات، واعتقال منفذيها، وأن بقائهم في الموصل لا يعني سوى انتظار القتلة لينفذوا جرائمهم بحقهم، وعليه فقد كانوا مجبرين على التضحية بكل مصالحهم، ومغادرة مدينتهم التي نشأوا وترعرعوا فيها حرصاً على حياتهم.
2ـ شل وتدمير الحركة الاقتصادية في المدينة، نتيجة للهجرة الجماعية، وعمليات القتل الوحشية التي كانت تجري أمام الناس، وفي وضح النهار، وانهيار الأوضاع المعيشية لأبناء الموصل، وخاصة العوائل المهاجرة.
3ـ تجريد عبد الكريم قاسم من كل دعم شعبي، وعزله عن تلك الجماهير الواسعة والتي كانت تمثل سند الثورة الحقيقي، مما مهد السبيل لاغتيال الثورة وقادتها في المقدمة الزعيم عبد الكريم نفسه.
لقد كانت الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية، وشركات النفط، ترمي إلى هدف بعيد، هدف يتمثل في إسقاط الثورة، وتصفية قائدها عبد الكريم قاسم نفسه، وكل منجزاتها، التي دفع الشعب العراقي من أجلها التضحيات الجسام، من دماء أبنائه البررة.
لقد كفرت جماهير الشعب بالثورة، وتمنت عدم حدوثها، وأخذت تترحم على نوري السعيد، والعهد الملكي السابق، وانكفأت بعيداً عن السياسة، وتخلت عن تأييد قاسم وحكومته، وفقدت كل ثقة بها، وهذا ما كانت تهدف إليه الرجعية في الأساس لغرض إسقاط حكومة عبد الكريم قاسم فيما بعد.
ولم يدر في خلد قاسم، أن رأسه كان في مقدمة المطلوبين، وأن الثورة ومنجزاتها كانت هدفاً أساسياً لها، وما تلك الاغتيالات إلا وسيلة لإضعاف قاسم نفسه، وعزله عن الشعب، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، وبالثورة ومنجزاتها، حيث تم لهم ما أرادوا، وخططوا هم وأسيادهم الإمبرياليين في انقلاب 8 شباط 1963.
موقف الحزب الشيوعي من حملة الاغتيالات؟
لم يكن موقف الحزب الشيوعي من الاغتيالات في مستوى الأحداث، حيث اتخذ منها موقفا سلبياً لا يتناسب وخطورتها، مكتفياً ببعض المقالات التي كانت تنشرها صحيفة الحزب [اتحاد الشعب] وبعض البيانات التي كانت تطالب السلطة العمل على وقفها!، دون أن تتخذ قيادة الحزب موقفاً صارماً من القتلة ، ومن السلطة، وهو يدرك أن للسلطة  اليد الطولى فيها، بهدف تجريد الحزب من جماهيره وإضعافه، تمهيداً لإنزال الضربة القاضية به، بعد أن أرعبتها مسيرة الأول من أيار عام 1959، التي لم يسبق لها مثيل، في ضخامتها وجموع المتظاهرين جميعاً تهتف مطالبة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم [عاش الزعيم عبد الكريمِ، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ ].
وفي واقع الأمر فإن تلك المسيرة، وذلك الشعار، أعطى عكس النتائج التي توخاها الحزب منهما، وجعل عبد الكريم قاسم يرتجف رعباً وهلعاً من قوة الحزب وجماهيريته، وصارت له القناعة المطلقة أن الحزب بكل تأكيد سوف يقفز إلي السلطة، ويبعده عنها، رغم أن هذه الأفكار لم تكن تدور في مخيلة الحزب إطلاقاً وقت ذاك، ولعبت البرجوازية الوطنية، المتمثلة بكتلة وزير المالية[ محمد حديد ] رئيس الحزب الوطني التقدمي، والذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي بعد خلاف محمد حديد مع رئيس الحزب كامل الجادرجي دوراً كبيراً في إثارة شكوك عبد الكريم قاسم بنوايا الشيوعيين، كما اشتدت الحملة الإمبريالية الهستيرية التي كانت تصوّر الحالة في العراق أن الشيوعيين قد أصبحوا قاب قوسين أو أدنى لاستلام السلطة، حتى ان رئيس جهاز المخابرات الامريكية [ الن فوستر دلس]شقيق وزير الخارجية الامريكية جون فوستر دلس، قد صرح يومذاك قائلاً {إن اخطر ما يواخه عالمنا اليوم هو الوضع الخير في العراق}، وكان بذلك يقصد خطر قفز الحزب الشيوعي إلى السلطة بالعراق.
ما كان للحزب الشيوعي أن يلجأ إلى الشارع، ليستعرض قوته أمام عبد الكريم قاسم ويرعبه، من أجل المشاركة في السلطة، رغم أحقيته بذلك، في حين كان بإمكانه استلام السلطة بكل سهولة ويسر لو هو شاء ذلك، ولم تكن هناك قوة في ذلك الوقت قادرة على الوقوف بوجهه.
لكن الحزب الشيوعي استفز عبد الكريم قاسم، واستفز البرجوازية الوطنية، ثم عاد وانكمش، وبدأ بالتراجع يوماً بعد يوم، مما أعطى الفرصة لعبد الكريم قاسم وللبرجوازية المتمثلة بالجناح اليميني للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة [محمد حديد] ورفاقه للهجوم المعاكس ضد الحزب، من أجل تقليم أظافره، وتجريده من جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربة القاضية له.
كان على قيادة الحزب أن تسلك طريقاً آخر هادئاً لا يستفز عبد الكريم قاسم، عن طريق اللقاءات والحوار والمذكرات التي لا تثير أية حساسية، وأن تركز جهدها للمطالبة بإجراء انتخاب المجلس التشريعي، وسن دستور دائم للبلاد، وانتقال السلطة بطريقة دستورية إلى من يضع الشعب ثقته فيه، أو تشكيل حكومة ائتلاف وطني، تضم مختلف الأحزاب الوطنية وليكن عبد الكريم قاسم رئيساَ للجمهورية، إذا أختاره الشعب.
لقد أتخذ عبد الكريم قاسم موقفه من الحزب الشيوعي القاضي بتحجيمه وعزله عن جماهيره، تمهيداً لتوجيه الضربات المتتالية له، والتخلص من نفوذه بعد أن أصبحت لديه القناعة!! أن الخطر يأتيه من الحزب الشيوعي وليس من أحزاب اليمين المتمثلة بحزب البعث والقوميين رغم أنهم تآمروا عليه مرات عديدة، في حين لم يكن يدور في خلد الشيوعيين خيانة عبد الكريم قاسم، بل ذادوا عن ثورة 14 تموز حتى النهاية، ودفعوا ثمناً باهظاً جداً.
أما قيادة الحزب فكانت بعد كل الذي جرى ويجري ما تزال عند حسن ظنها بقاسم آملة أن يعود عن الطريق الذي أتخذه ضد الحزب، وهكذا بدأ قاسم حملته الشرسة ضد الحزب لتجريده من جماهيريته، وإبعاده عن قيادة جميع المنظمات الجماهيرية، والجمعيات، والنقابات، واتحادي العمال والفلاحين، وانتهى به المطاف إلى حجب إجازة الحزب، وصنع له بديلا ًمسخاً لا جماهيرية له، لدرجة أنه فشل في إيجاد عدد كافٍ لهيأته المؤسسة لثلاث مرات متتالية، في الوقت الذي جمع الحزب 360 ألف توقيع من رفاقه ومؤيديه.
لقد أصبحت قيادة الحزب في وادٍ، وقاعدته ومناصريه في وادٍ آخر، حين وجدت قواعد الحزب أن لا أمل في موقف السلطة، واستمرار تمادي العصابات الإجرامية، وتنامي عدد حوادث القتل يوما بعد يوم في كافة أنحاء العراق بصورة عامة، وفي الموصل بوجه خاص، حتى وصل الرقم اليومي لعدد الضحايا أكثر من خمسة عشر شهيداً.
لقد ألحت قواعد الحزب، بعد أن أدركت أن لا أمل في السلطة، بالرد على تلك الاغتيالات، ليس حباً بالعمل الإرهابي، ولا رغبة فيه، وإنما لوقف الإرهاب، وكان بإمكان الحزب لو أراد آنذاك لأنزل الضربة القاضية بالمجرمين ومموليهم، وكل الذين يقفون وراءهم، إلا أن الحزب رفض رفضاً قاطعاً هذا الاتجاه متهماً المنادين به بالفوضويين !!، وبمرض الطفولة اليساري، وغيرها من التهم، التي ثبت بطلانها فيما بعد، والتي كلفت الحزب، وكلفت الشعب ثمناً باهضاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ومصير وطنهم.
إن من حق كل إنسان أن يحمي نفسه ويدافع عنها، إذا ما وجد أن السلطة لا تقدم له الحماية، في أسوأ الأحوال، إذا لم تكن السلطة شريكاً في الجريمة، لكن الحزب كان يخشى أن يؤدي اللجوء للدفاع عن النفس إلى غضب عبد الكريم قاسم، وخاصة أن أحداث كركوك ما زالت ماثلة أمامه، ومواقفه من الشيوعيين، واتهامهم بالفوضوية، لكن الحقيقة أن مواقف قاسم تلك في الدفاع عن القتلى في كركوك كانت ستاراً وذريعة لضرب الحزب وتحجيمه.
 لقد كان على قيادة الحزب أن تدرس بإمعان مسيرة الأحداث، وتتوقع كل شيء، وكان عليها أن لا تستفز عبد الكريم قاسم، ثم تتخذ التراجع طريقاً لها، وتتلقى الضربات المتتالية بعد ذلك، في حين كان الحزب في أوج قوته، وكان بإمكانه أن يقف بحزم ضد كل ما يخطط له، ويعمل على وقف تلك المخططات، وأخذ زمام المبادرة بيديه، لقد اخطأ الحزب في اثارة مخاوف عبد الكريم قاسم، لكن عبد الكريم قاسم عالج الخطأ بخطأ بالغ الخطورة عندما اعلنها حرباً على الحزب الشيوعي، السند الوحيد والقوي لثورة الرابع عشر من تموز ولقيادته هو بالذات ، وبذلك عزل نفسه، وبات حكمه في مهب الريح، وبذلك مهد السبيل لنجاح انقلاب 8  شباط 1963 المشؤوم بتخطيط ودعم مباشر من قبل الامبريالية الامريكية والبريطانية، ذلك الانقلاب الذي جلب  الدمار والخراب والقتل والويلات والمصائب للشعب العراقي منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، فكل ما حدث ويحدث للعراق وللعراقيين اليوم هو نتاج مباشر لذلك الانقلاب الفاشي المشؤوم.





16
شهادة للتاريخ:
الحقيقة حول أحداث انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                        10/1/2019
لم تكد تفشل محاولة الشواف الانقلابية، وتسيطر قوات الجيش الوطنية وجماهير الشعب على المدينة، حتى توارت القوى الرجعية خوفاً ورعباً، وخلال أيام قلائل عاد الهدوء والنظام إلى المدينة، وشعر أبناء الموصل لأول مرة بالثورة تدخل مدينتهم، بصورة حقيقية، فلم يكن قد حدث حتى وقوع محاولة الشواف الانقلابية، أي تغيير جوهري على أوضاع الموصل، وبقيت العوائل الرجعية المرتبطة مصالحها بالنظام السابق تحكم الموصل من خلال الأجهزة الإدارية، وهي وإن كانت قد ركنت إلى الانكفاء بعد الثورة، لكنها عاودت نشاطها من جديد، مستغلة الجهاز الإداري الذي لم يطرأ عليه أي تغير، والذي كانت تحتل فيه جميع المراكز الحساسة، وبشكل خاص جهاز الأمن الذي أنشأه ورعاه النظام الملكي.
وعلى أثر حدوث التصدع في جبهة الاتحاد الوطني، وإبعاد عبد السلام عارف عن مسؤولياته في قيادة الثورة، عاودت تلك القوى نشاطها التآمري، مرتدية رداء القومية العربية، وتحت راية الرئيس المصري عبد الناصر، وهي التي كانت حتى الأمس القريب من أشد أعدائه، ووضعت نفسها تحت تصرف العقيد الشواف، الطامح إلى السلطة، والمتآمر على الثورة وقيادتها، غير أن انكفاء الرجعية بعد فشل حركة الشواف لم يدم طويلاً بسبب سياسة عبد الكريم قاسم، الذي قلب ظهر المجن لتلك القوى التي حمت الثورة، ودافعت عنها، وقدمت التضحيات الجسام من أجل صيانتها، والحفاظ على مكتسباتها.
عبد الكريم قاسم يقلب ظهر المجن للحزب الشيوعي:
لقد بادر عبد الكريم قاسم باعتقال أولئك الذين تصدوا لانقلاب الشواف، مضحين بدمائهم من أجل حماية الثورة، ودفاعاً عن قيادته هو بالذات، وإحالهم إلى المجالس العرفية{المحاكم العسكرية}، وحرض الأهالي على التقدم بالشهادة ضدهم، عبر مكبرات الصوت المنصوبة على السيارات العسكرية، والتي كانت تطوف شوارع الموصل، وتم الحكم على معظمهم بأحكام قاسية وصلت حتى الإعدام، ومن جهة أخرى أقدم عبد الكريم قاسم على سحب السلاح من المقاومة الشعبية، حرس الثورة الأمين، ومن ثم أقدم على إلغائها، وأجرى تغييرات واسعة في أجهزة الدولة، أبعد بموجبها كل العناصر الوطنية الصادقة، والمخلصة للثورة، وأعاد جميع الذين جرى إبعادهم على اثر فشل محاولة الشواف الانقلابية إلى مراكزهم السابقة، وهكذا عاودت الرجعية المتمثلة بعوائل كشمولة، والعاني، و المفتي، والأرحيم، وغيرها من العوائل الأخرى، نشاطها المحموم مستغلة مواقف عبد الكريم قاسم من الشيوعيين الذين كان لهم الدور الأساسي في إخماد تمرد الشواف، و بادرت تلك العوائل، تتلمس أفضل السبل للتخلص من العناصر الشيوعية والديمقراطية المؤيدة للثورة، ووجدت ضالتها في عمليات الاغتيال البشعة التي ذهب ضحيتها المئات من أبناء الموصل البررة، وأجبرت تلك الحملة الإجرامية أكثر من 30 الف عائلة موصلية على الهجرة الاضطرارية من المدينة إلى بغداد وبقية المدن الأخرى، مضحية بأملاكها وأعمالها ووظائفها، من أجل النجاة من تلك الحملة المجرمة.
لقد جرى كل ذلك تحت سمع وبصر السلطة ورضاها، سواء كان ذلك على مستوى السلطة في الموصل، أم السلطة العليا المتمثلة بعبد الكريم قاسم نفسه، حيث لم تتخذ السلطة أي إجراء، أو تجرِ تحقيقاً ضد عصابات القتلة ومموليهم، والمحرضين على تلك الاغتيالات، بل قيل آنذاك أن قاسم نفسه قد أعطى لهم الضوء الأخضر لتنفيذ الاغتيالات، وإن كل الدلائل تشير إلى موافقة السلطة العليا، ومباركتها لتلك الحملة، فلا يعقل أن تكون السلطة مهما كانت ضعيفة وعاجزة، عن إيقاف تلك الحملة الشريرة، وإلقاء القبض على منفذيها ومموليها المعروفين لدى كل أبناء الموصل، وسوف أورد فيما بعد قائمة بأسماء أولئك القتلة، الذين بقوا مطلقي السراح، يتجولون بأسلحتهم دون خوف من عقاب، متربصين بالأبرياء، ليسددوا رصاصاتهم الجبانة إليهم في وضح النهار .
إما أجهزة الأمن فقد كانت تكتفي بإلقاء القبض على جثث الضحايا، وحتى الذين لم يفارقوا الحياة، وأصيبوا بجراح، فكانوا يلاقون نفس المصير في المستشفى، حيث لم ينج أي جريح منهم أُودع المستشفى الذي كان يديره آنذاك، الدكتور[عبد الوهاب حديد]، وهو من أبناء عمومة[ محمد حديد] وزير المالية. ولا بد لنا أن نلقي نظرة على أوضاع السلطة في الموصل في تلك الفترة التي امتدت منذُ حركة العقيد الشواف وحتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963، لنتعرف على أولئك الذين كان لهم الدور البارز في تلك الاحداث.
من كان يحكم الموصل؟
1 ـ مدير الشرطة ـ إسماعيل عباوي: من مواليد الموصل، ومن عائلة رجعية معروفة، انتمى إلى الجيش العراقي كضابط، وكان مرافقا لبكر صدقي، رئيس أركان الجيش، الذي قام بانقلاب عسكري عام 1936 ضد حكومة [ياسين الهاشمي].
قام إسماعيل عباوي باغتيال [جعفر العسكري] وزير الدفاع في حكومة الهاشمي، كما أشترك في محاولة اغتيال [ضياء يونس] سكرتير مجلس النواب، ومحاولة اغتيال السيد [مولود مخلص] الذي شغل لمرات عديدة منصب وزير الدفاع، ورئيس مجلس النواب، عندما وقع انقلاب الفريق [بكر صدقي].
أُخرج إسماعيل عباوي من الجيش، بعد اغتيال بكر صدقي، وأعتقل عام 1939 بتهمة تدبير مؤامرة لقتل عدد من السياسيين، وحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالإعدام، وجرى بعد ذلك تخفيض العقوبة إلى السجن المؤبد، وأُطلق سراحه عند قيام حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وخرج من السجن ليجعل من نفسه بطلاً قومياً.
وقبل أحداث حركة الشواف بأيام أعاده عبد الكريم قاسم إلى الجيش من جديد برتبة مقدم، وعينه مديراً لشرطة الموصل، لكنه لم يستطع استلام مهام منصبه إلا بعد فشل الانقلاب، والسيطرة على الأوضاع في المدينة بعد دخول الجيش إليها بقيادة [العقيد حسن عبود] الذي عين فيما بعد آمراً للواء الخامس بالموصل، وبقي المقدم إسماعيل عباوي مديراً لشرطة الموصل ليشرف على تنفيذ المذبحة الكبرى للعناصر الديمقراطية والشيوعية فيها خلال ثلاث سنوات متوالية، حيث جرت حملة اغتيالات منظمة ذهب ضحيتها ما يناهز 1000 مواطن دون أن يلقي القبض على واحد من القتلة، بل أكتفي بالقبض على جثث الضحايا، وسُجلت كل جرائم الاغتيالات باسم مجهول!!.
2ـ متصرف اللواء (المحافظ) ـ العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي:
متصرف الموصل العقيد الركن عبد اللطيف الدراجي، من مواليد 1923، ومن الضباط الأحرار الذين شاركوا في تنفيذ الثورة، في الرابع عشر من تموز 1958، حيث كان آمر الفوج الأول، في اللواء العشرين، وزميل عبد السلام عارف، الذي كان آمر الفوج الثالث في نفس اللواء.
عين الدراجي آمراً للواء العشرين بعد نجاح الثورة، وبسبب علاقته الحميمة بعبد السلام عارف جرى نقله إلى آمريه الكلية العسكرية، إثر إعفاء عبد السلام عارف من مناصبه، كإجراء احترازي من قبل عبد الكريم قاسم، ثم جرى بعد ذلك اتهامه بالاشتراك في المحاولة الانقلابية التي كان من المقرر تنفيذها في 4 تشرين الأول 1958 بالاشتراك مع عبد السلام عارف، وجرى اعتقاله لفترة وجيزة، ثم أُحيل على التقاعد وعُين محافظاً للواء الكوت، ثم نقل بعد ذلك إلى محافظة الموصل فيما بعد.
لا شك أن الدراجي أخذ يكن العداء لعبد الكريم قاسم، بعد إعفائه من منصبه العسكري، وعمل جهده على إضعاف وعزل عبد الكريم قاسم عن الشعب، وذلك عن طريق حملة اغتيالات الشيوعيين وأصدقائهم، وتبين فيما بعد أنه كان من المشاركين في انقلاب 8 شباط 1963 ضد عبد الكريم قاسم، وقد عينه عبد السلام عارف، بعد انقلابه على البعثتين، وزيراً للداخلية.
لعب الدراجي دورا كبيراً في حملة الاغتيالات المجرمة في الموصل، شأنه شان رفيقه إسماعيل عباوي، ولم يبدر منه أي إجراء لوقفها، والقبض على المجرمين، وإحالتهم إلى القضاء، على الرغم من أن أسماء أولئك المجرمين كانت تتردد على كل لسان.
3 ـ مدير الأمن ـ حسين العاني:
حسين العاني، كما هو معروف، من عائلة رجعية إقطاعية عريقة، كان لها باع كبير في العهد الملكي، كما كان لها دور كبير في دعم محاولة الشواف الانقلابية، وتم اعتقال العديد من أفراد تلك العائلة، مما جعل حقدها على الشيوعيين كبيراً، ورغبتها في الانتقام أكبر، وكان وجود العاني على رأس جهاز الأمن، الذي رباه النظام الملكي وأسياده الإمبرياليون على العداء للشيوعية خير عون لعصابات الاغتيالات في تنفيذ جرائمها، والتستر عليها وحمايتها.
كان جهاز الأمن بالموصل يفتش في الطرقات كل شخص معروف بميوله اليسارية بحثًا عن السلاح لحماية أنفسهم من غدر القتلة، في حين ترك القتلة المجرمين يحملون أسلحتهم علناً دون خوف أو وازع، ولم يحاول هذا الجهاز القبض على أي من القتلة، رغم شيوع أسمائهم، وتداولها بين الناس جميعاً.
وهذا مثال جرى لأحد أقرب رفاقي هو الشهيد الأستاذ [فيصل الجبوري] مدير ثانوية الكفاح بالموصل، الذي أُطلق عليه النار من قبل أحد أفراد عصابة التنفيذ المدعو[عايد طه عنتورة] في 10 أيار 1960، ولم يفارق الحياة، وتم نقله إلى المستشفى، وكان يصرخ بأعلى صوته[ قتلني عايد طه عنتورة]، ولم يُتخذ أي إجراء ضد الجاني إطلاقاً، أما فيصل الجبوري فقد فارق الحياة في المستشفى في اليوم التالي.
وهذا مثال آخر، حيث أطلق الرصاص على الشهيد [حميد القصاب] في محله الكائن بمحلة المكاوي، وشخص الشهيد بأم عينه الجاني، وأخذ يصرخ بأعلى صوته، وهو يصعد سيارة الإسعاف برجليه ودون مساعدة: قتلني [ محمد حسين السراج]، وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة في اليوم التالي، أما الجاني فلم يُستدعى للتحقيق، ولم تُتخذ أية إجراءات قانونية ضده.
وأذكر أيضاً أحد أصدقائي، الشهيد [أحمد مال الله]، الذي أُطلق عليه الرصاص أيضاً، وأُصيب بجروح، لكن أهله نقلوه على الفور إلى بغداد، حيث عُولج هناك في إحدى المستشفيات وتماثل للشفاء، لكن يد الغدر لاحقته بعد مدة واغتالته في أحد شوارع بغداد.
أما الشهيد المدرس [ زهير رشيد الدباغ ] فقد دخل عليه أحد تلاميذ المدرسة المدعو[عادل ذنون الجواري] إلى داخل الصف، وهو يدرس التلاميذ ، ليطلق عليه وابلاً من الرصاص من رشاشة كان يحملها، أمام 45 طالباً، دون أن يمسه أذى، أو يجري معه أي تحقيق، أما زهير، فقد أستشهد في الحال. ليست هذه سوى أمثلة قليلة من مئات غيرها جرت للمواطنين الأبرياء، وذهبت دماؤهم هدراً على يد تلك العصابات المجرمة، ولم يفتح فيها جميعاً أي تحقيق إلى يومنا هذا.
4 ـ آمر موقع الموصل ـ العقيد حسن عبود:
العقيد حسن عبود، أمر اللواء الخامس، وأمر موقع الموصل، والضابط الذي قاد القوات العسكرية لقمع تمرد الشواف، وكانت له مواقف مشهودة في حبه لوطنه، ودفاعه عن ثورة 14 تموز، ولكن مع قرار عبد الكريم قاسم تقليم أظافر الشيوعيين، وتحجيم حزبهم، وبالنظر للعلاقة التي تربطه بهم، فقد أقدم قاسم على تجريده من كافة صلاحياته الإجرائية، فيما يخص حماية الأمن والنظام، وأناط ذلك كله بجهاز الأمن السعيدي، وشرطته التي يقودها إسماعيل عباوي، وبإشراف متصرف اللواء العقيد المتقاعد عبد اللطيف الدراجي.
كما أصدر قاسم أمراً بنقل كل الضباط الذين أظهروا تعاطفاً مع الشيوعيين، والذين كان لهم الدور الحاسم في قمع انقلاب الشواف، إلى وحدات عسكرية غير فعّالة، وفق منهج ُ تم إعداده في مديرية الاستخبارات العسكرية، ومديرية الإدارة في وزارة الدفاع، وبإشراف قاسم نفسه.
وهكذا أفرغ قاسم قوات الجيش في الموصل من كل العناصر الوطنية المخلصة، وجمد عملياً سلطات العقيد حسن عبود فيما يخص حفظ الأمن والنظام، ولم يعد له أي دور في ذلك، ثم أنتهي حسن عبود إلى الاعتقال، وأخيراً إلى التقاعد.

17
شهادة للتاريخ:

الحقيقة حول انقلاب الشواف بالموصل
الحلقة الأولى 1/3
حامد الحمداني                               2019/1/8
تناول العديد من الكتاب والمهتمين بمتابعة الأحداث التاريخية، المحاولة الانقلابية الفاشلة للعقيد الشواف في الموصل في الثامن من آذار 1959 ضد القيادة الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز ،وما رافقها من أحداث، وقد اتسمت معظم الأقلام التي تناولت تلك الأحداث بالتشويه أحياناً وبالضبابية أحياناً أخرى، مما يدفعني إلى إلقاء الضوء على تلك الأحداث التي عايشتها بكل دقائقها، لا ابتغي في عرضي هذا سوى الحقيقة التي أرجو أن يطلع عليها الجميع.
منُذُ الأيام الأولى لثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدث شرخ خطير في صفوف الحركة الوطنية التي كانت بقيادة أحزاب {جبهة الاتحاد الوطني}، و{اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار} قاده عبد السلام عارف بدعم من حزب البعث، وجانب كبير من القوى القومية الذين سيروا المظاهرات في شوارع بغداد مطالبين بالوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة خلافاً لرأي أغلبية القوى والأحزاب الوطنية التي رفعت في المقابل شعار{ الاتحاد الفدرالي} كخطوة أولية مؤكدة على إقامة أوثق الروابط بين العراق والجمهورية العربية المتحدة بزعامة عبد الناصر، وصولاً في المستقبل إلى إقامة وحدة حقيقية تقوم على أسس ديمقراطية ترعى مصالح الشعب العراقي، والذي خرج لتوه من هيمنة القوى الإمبريالية والنظام الملكي المدعوم من قبلهم، ومن قبل القوى الرجعية والإقطاعية.
لم تكن تلك القوى التي رفعت ذلك الشعار{الوحدة الفورية} صادقة في دعواها بل كانت ترمي إلى الوثوب إلى السلطة، وإزاحة القوى الديمقراطية وقيادة عبد الكريم قاسم، وهي لو كانت جادة في دعواها لحققت الوحدة عندما اغتالت ثورة الرابع عشر من تموز في انقلابها الدموي الفاشي في الثامن من شباط عام 1963 سواء في عهد حكم حزب البعث، أو حكم عبد السلام عارف الذي قاد انقلاب 17 تشرين ضد حكم البعث، وكذلك عندما عاد البعثيون إلى الحكم إثر انقلاب 17 تموز 1968على حكومة عبد الرحمن عارف، بل على العكس من ذلك اتخذوا موقفاً معادياً من عبد الناصر، واستمروا على مهاجمته في كافة وسائل إعلامهم ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون حتى ساعة وفاته.
لقد سعت تلك القوى إلى تعميق الخلافات والانقسام في صفوف القوى الوطنية مستخدمة كل الوسائل والسبل، على الرغم من كل المحاولات التي بذلتها الأحزاب الوطنية، وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي، إدراكاً منها لخطوة المرحلة التي كانت تمر بها ثورة الرابع عشر من تموز، وهي ما تزال في أيامها الأولى، ولا سيما وأن الإمبرياليين كانوا قد انزلوا قواتهم العسكرية في لبنان والأردن، وأوعزوا إلى حلفائهما تركيا وإيران الشاهنشاهية بحشد جيوشها على حدود العراق بغية الإجهاز على الثورة، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
واستمر الانقسام في صفوف القوى الوطنية في أوائل عام 1959 حتى بلغ مداه، ورفضت القوى القومية والبعثية أي دعوة للتعاون والتلاحم من أجل مصلحة الشعب والوطن.
انتخابات المنظمات الديمقراطية والنقابية:
لقد جرت في تلك الأيام انتخابات النقابات، والمنظمات الجماهيرية، وبذل الحزب الشيوعي جهوداً كبيرة من أجل لمّ الشمل، والخروج بقائمة موحدة في الانتخابات، ولكن القوى القومية والبعثية رفضتا ذلك رفضاً قاطعاً، وأصرتا على خوض الانتخابات بصورة منفردة قاطعة الطريق على أي تقارب أو تعاون.
كان في مقدمة الانتخابات التي جرت نقابة المعلمين، حيث جرت الانتخابات بروح ديمقراطية، وبإشراف ممثلين عن القائمة الديمقراطية، والتي ضمت الشيوعيين، والديمقراطيين والبارتيين، والقائمة الجمهورية التي ضمت البعثيين والقوميين، وقد لفوا حولهم كل العناصر الرجعية المناهضة للثورة أساساً، تلك القوى التي وجدت فرصتها في هذا الانقسام للظهور بمظهر القومية الزائفة، والوحدوية!،في حين أنها كانت، ولعهد قريب من أشد أعداء الوحدة وعبد الناصر، ولا تزال تلك الأحداث في ذاكرتي عندما فازت {القائمة الديمقراطية المهنية للمعلمين}، وكنتُ أحد مرشحيها بفارق كبير، وأعترف ممثلي{القائمة الجمهورية} بتوقيعهم على محاضر الانتخابات بعد فرز الأصوات بان الانتخابات قد جرت في جو ديمقراطي لا تشوبه شائبة، وكانت نقابة المعلمين، تمثل قطاعاً كبيراً من المثقفين، وقد تجاوز عدد أعضائها أكثر من خمسة وخمسون ألف معلم، ومدرس وأستاذ جامعي آنذاك.
كانت الانتخابات تلك خير مقياس لتوزيع القوى، حيث كان لها دور فاعل في الحياة السياسية للبلاد، وجرت بعد ذلك انتخابات الطلاب، حيث جرى الاستقطاب بين القوى السياسية، على غرار ما جرى في انتخابات نقابة المعلمين، وفازت القائمة الديمقراطية، المسماة بـ {اتحاد الطلبة} فوزاً ساحقاً، وتبع ذلك انتخابات نقابة المهندسين، والأطباء، والعمال والجمعيات الفلاحية، وفشلت تلك القوى الرافضة للتعاون في الحصول على أي مكسب فيها. لقد تعمق الاستقطاب في صفوف الحركة الوطنية، وأخذ التباعد يتسع يوماً بعد يوم، وأخذ الجانب الخاسر في التنافس الحر منحى آخر يستند إلى العنف في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عن طريق التنافس الديمقراطي الحر، وبدأت عقولهم تفكر في استخدام القوة والعنف لتغيير الأوضاع لصالحهم.
العقيد الشواف يركب الموجة:
وجد العقيد عبد الوهاب الشواف ـ آمر موقع الموصل ـ فرصته الذهبية في ركوب الموجة، فقد كان يشعر بأنه قد أصابه الغبن الكبير عند ما عُيّن آمراً للواء الخامس، وآمر موقع الموصل، وكان يطمح في الحصول على منصب وزاري، أو منصب الحاكم العسكري العام، عند قيام الثورة، حتى لكأنما قامت الثورة لتوزيع المناصب على القائمين بها، وليس من أجل خدمة القضية الوطنية.

كنت في تلك الأيام مديراً لإحدى مدارس الموصل مسقط، وكنت أرى وأحس والمس ذلك الصراع يتطور ويتعمق، والانقسام يبلغ مداه، ويتحول إلى عداء واعتداء، وتحول ذلك الجانب الخاسر في الانتخابات إلى عصابات تنتشر هنا وهناك تتحين الفرص للاعتداء على العناصر الديمقراطية والشيوعية، بوجه خاص، وكانت توجيهات الحزب الشيوعي آنذاك تقضي بعدم الانجرار وراء تلك الأعمال وتجنب الصدام، وكان أمله في إعادة الصواب إلى رشد تلك القوى والعودة إلى التلاحم والتعاون من أجل مصلحة الشعب والوطن، وديمومة الثورة ونضوجها، وتعمقها من أجل تحقيق أحلام الشعب العراقي الذي ضحى من أجلها سنين طويلة.
الإعداد للانقلاب:
كان الحزب الشيوعي يدرك معنى الانقسام في صفوف الحركة الوطنية، والمخاطر التي تسببها، وفعل كل ما يمكن من أجل إعادة اللحمة للقوى الوطنية، إلا أن كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح، وراحت تلك القوى تعد العدة، وتهيئ لمحاولة انقلابية في مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وكانت تحركاتهم وإعدادهم لذلك الانقلاب بادية للعيان وتجري على قدم وساق، فيما كان الجانب الثاني من الاصطفاف المتمثل بالشيوعيون والديمقراطيون،والبارتيين ـ يراقبون الأوضاع بدقة، فالخطر لا يعني عبد الكريم قاسم وحده، أو الثورة وحدها، وإنما يعني أيضاً تعرض كل القوى المساندة للثورة للتصفية إذا ما تحقق النصر لمحاولتهم الانقلابية، و كان العقيد الشواف، وعدد من الضباط القوميين، والبعثيين ينشطون بهذا الاتجاه وينسقون مع القوى الرجعية للإعداد لتك المحاولة.
وفد مؤتمر المعلمين يقابل عبد الكريم قاسم:
أنتهز أعضاء المؤتمر الأول لنقابة المعلمين في الموصل ـ وكنت احدهم ـ وجوده في بغداد، لحضور المؤتمر المنعقد في شباط 1959، الفرصة وطلب مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم لأمرٍ هام يخص الثورة والجمهورية وأمنها.
وافق عبد الكريم قاسم على استقبال الوفد في مقره بوزارة الدفاع، وحضر الوفد في الوقت المحدد، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى حضر الزعيم عبد الكريم قاسم، ودخل القاعة وسط التصفيق والهتاف باسم الثورة وقيادتها. بدأ الزعيم الحديث موجهاً كلامه للوفد مرحباً به وقائلاً:{إنني كنت واحداً منكم أنتم مربي الأجيال، نعم لقد كنت معلماً في إحدى قرى الشامية بعد تخرجي من الإعدادية، وقبل أن أدخل الكلية العسكرية، وأنا فخورٌ بذلك}.
وتحدث الزعيم طويلاً عن دور المعلم في المجتمع، وبعد نهاية حديثه، طلب من الوفد الحديث. بدأ أكبر أعضاء الوفد سنا الشهيد {يحيى الشيخ عبد الواحد} المعروف {يحيى ق} والذي كان مشهوداً له بالمواقف الوطنية أيام الحكم الملكي والمواقف الجريئة ضد حكم الطاغية نوري السعيد، وناله بسبب مواقفه تلك صنوفٌ من الاضطهاد، والاعتقال، وأستحق محبة الشعب العراقي وقواه الوطنية.

بدأ يحيى بالحديث عن أوضاع الموصل المتدهورة، والنشاط التآمري الذي يجري على قدم وساق، موضحاً للزعيم أن العراق في خطر، وإن الثورة في خطر كذلك إذا لم تسارع حكومة الثورة في معالجة الأمور بأسرع وقت ممكن من أجل نزع الفتيل قبل حدوث الانفجار، مشيراً إلى العناصر التي تقود ذلك النشاط، وعلى رأسها العقيد الشواف، وزمرة من الضباط القوميين والبعثيين المتعاونين معه، بالإضافة إلى القوى الرجعية والإقطاعية، وعلى رأسها شيخ مشايخ شمر الإقطاعي الكبير والنائب السعيدي المزمن{أحمد عجيل الياور}.
وتحدث يحيى عن السلاح الذي كان المتآمرون ينقلونه عبر الحدود السورية ويخزنوه في الموصل، وكذلك عملية تسليح قبائل شمر، والتي تدين بالولاء لرئيسها، والحاقد على الثورة، وعلى قانون الإصلاح الزراعي الذي جرده من سلطانه. كما تحدث يحيى عن نشاط عملاء شركات النفط في عين زالة في الموصل في هذا الاتجاه.
إلا أن الزعيم عبد الكريم قاسم رد على الوفد بعباراته المشهورة: {الصبر والتسامح والكتمان والمباغتة} هذه العبارة التي كان يرددها دائماً.
وقد رد عليه يحيى قائلاً: يا سيادة الزعيم: إن هناك حكمة تقول الوقاية خيرٌ من العلاج، إن انتظار حدوث الكارثة ومعالجتها بعد ذلك أمرٌ خطيرٌ جداً، إذ ربما تكون لها إمتدادات في مختلف أنحاء العراق، ولربما تؤيدها غيرها من القطعات العسكرية في مناطق أخرى، وربما تنجح تلك المحاولات في اغتيال الثورة، وفي أحسن الأحوال حتى لو قامت المحاولة وفشلت فلا أحد يستطيع تقدير خسائرها وأضرارها، لذلك فأن منع وقوعها أفضل بكثير من انتظار وقوعها والقضاء عليها. كان جواب عبد الكريم قاسم غير متوقع إطلاقاً، لقد غضب قاسم من حديث يحيى وأجاب قائلاً:{إننا ندرك الأمور إدراكاً جيداً، وإن العقيد الشواف هو أحد الضباط الأحرار، وأنتم تهولون الأمور، وتضخمونها، نحن أقوياء واثقون من أنفسنا}.
وعاد الأستاذ يحيى مخاطباً الزعيم قاسم قائلا: سيادة الزعيم: إننا لا نطلب من سيادتكم سوى طلب بسيط، فنحن لا نطلب أن تعاقب أحدا، أو تسجن أحداً، وكل ما نطلبه هو نقل زمرة الضباط المذكورة، وتفريقها في مناطق أخرى، منعاً لوقوع الواقعة. لكن الزعيم قاسم رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وأجاب بحدة:{إن هذه الأمور تتعلق بنا وحدنا، ونحن لا نسمح لأحد بالتدخل فيها}.

وهكذا فقد بدا جو اللقاء مكفهراً، مما حدا بالمرافق الأقدم للزعيم الشهيد وصفي طاهر إلى التدخل لتحسين الجو قائلاً:{ إننا لا نهاب الشواف، ونحن قادرون على جلبه إلى هنا هاتفياً في أية لحظة}. وأخيراً بدا عبد الكريم قاسم يغير اتجاه الحديث، عارضاً منجزات الثورة، وطموحاتها المستقبلية، وبعد ذلك أنتهي اللقاء، وغادر الوفد وزارة الدفاع والكل يضرب أخماساً بأسداس، كما يقول المثل، ويسأل بعضه بعضا: هل ستقع الواقعة؟ بل متى ستقع بالتأكيد؟ وكيف ستكون النتائج؟
عاد الوفد إلى الموصل والقلق بادٍ على وجوه الجميع، فقد كان الجو مكفهراً وينذر بالخطر. وفي تلك الظروف البالغة الخطورة، قرر الحزب الشيوعي، وحركة أنصار السلام التي يساهم فيها الحزب بنشاط كبير تحدي المتآمرين، وتوجيه تحذير إليهم بأن مدينة الموصل سوف لن تكون مسرحاً لاغتيال الثورة ومنجزاتها، وأن الشعب العراقي سوف يقف بالمرصاد لأي تحرك، معلناً عن تنظيم مهرجان لأنصار السلام في الموصل في أوائل آذار 1959.

استعدت القوى الديمقراطية، والشيوعية والبارتية لذلك اليوم الموعود، وتقاطرت الوفود من أنحاء القطر للمشاركة في ذلك المهرجان، وكانت التظاهرة من الضخامة وحسن التنظيم ما أقلق قوى الظلام، وأثار غضبها، فنصبت الكمائن لتصب جام غضبها على المسيرة، وأمطرتها بوابل من الحجارة وحتى بالرصاص فجرح من جرح، وأدى ذلك إلى وقوع صدامات عنيفة مع المهاجمين.

أكفهر الجو، ونزلت قوات كبيرة من الجيش والشرطة لإيقاف الصدام، وانتهى ذلك اليوم، وعادت الوفود إلى مدنها، وخيم الوجوم على الموصل وأبنائها، وتصاعد القلق كثيراً، فقد بدا واضحاً أن الوضع قد ينفجر في أية لحظة، وبالفعل لم يكد يمضِ سوى يومين حتى نفذ المتآمرون فعلتهم، بادئين ليلة 7/8آذار باعتقال معظم القادة، والنشطاء في الأحزاب، والمنظمات الديمقراطية، وبوجه خاص منتسبي الحزب الشيوعي، وقد جرى الاعتقال بأسلوب الاحتيال، حيث طلب الشواف اللقاء معهم في مقره للتداول حول الأوضاع السياسية المتدهورة وسبل معالجتها، ولبى من لبى ذلك النداء ووقع في الفخ الذي نصبه الشواف لهم، واختفى من أختفي مشككاً بأهداف الاجتماع، وكان ما كان، فقد جرى أُخذَ الجميع بالشاحنات العسكرية معتقلين، وأودعوا الثكنة الحجرية.
تنفيذ الانقلاب: وفي الصباح كان المتآمرون قد أعدوا إذاعة منصوبة في شاحنة طويلة تحمل صندوقا كبيراً[ كونتينر]كانت قد وصلتهم من الجمهورية العربية المتحدة عبر الحدود السورية، وبادروا إلى إعلان بيانهم الأول معلنين قيام الانقلاب، ومطالبين عبد الكريم قاسم بالاستقالة، وفيما يلي نص البيان الذي أذيع في تمام الساعة السادسة والنصف من صبيحة ذلك اليوم 8 آذار 1959.

نص بيان العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابي :
أيها المواطنون: عندما أعلن جيشكم الباسل ثورته الجبارة في صبيحة 14 تموز الخالد، عندها حطم الاستعمار وعملائه، وقضى على النظام الملكي، وأقام بمؤازرتكم وتأييدكم النظام الجمهوري الخالد، عندما فعل جيشكم ذلك كله لم يدر بخلده ولا بخلدكم، أن يحل طاغية مجنون محل طاغية مستبد، وتزول طبقة استغلالية بشعة، ليحل محلها فئة غوغائية تعيث بالبلاد والنظام و القانون فساداً، ويُستبدل مسؤولون وطنيون بآخرين يعتنقون مذهباً سياسياً لا يمت لهذه البلاد العربية الإسلامية العراقية بمصلحة. أجل لم يدر بخلد جيشكم الباسل ولا بخلدكم أنتم أيها المواطنون الاُباة، وقد انصرم على قيام ثورتكم الخالدة ثمانية أشهر، ولم تكن بلادكم الوفيرة الخيرات إلا مسرحاً للفوضى، والبطالة، فيتحطم اقتصادها الوطني، وتتعطل مشاريعها العمرانية، وتنتزع الثقة من النفوس، ويختفي النقد من الأسواق، وتعيث بالبلاد مقابل ذلك فئة ضالة باغية لا دين لها ولا ضمير، تخلق لها صنماً به لوثة في عقله وتعبده، ولا تخشى الله، وتنادي به رباً للعالمين، وتُسخر موارد الدولة لتخلق منه زعيماً أوحداً، ومنقذاً أعظم.
هذا الزعيم الذي خان ثورة 14 تموز، وعاث بمبادئها وأهدافها، ونكث بالعهد، وغدر بإخوانه الضباط الأحرار، ونكل بهم، وأبعد أعضاء مجلس الثورة الأشاوس، ليحل محلهم زمرة انتهازية رعناء، وقادته شهواته العارمة إلى تصدر الزعامة، وأعتمد على فئة تدين بعقيدة سياسية معينة لا تملك من رصيد التأييد الشعبي غير التضليل، والهتافات الغوغائية، والمظاهرات، وغير الزبد الذي يذهب جفاء، وركب رأسه، وأعلنها دكتاتورية غوغائية، فنحى زعماء الثورة عن المسؤولية، وأطلق للإذاعة والصحف عنان الفوضى، تخاصم جميع الدول، وشنها حرباً عدوانية على الجمهورية العربية المتحدة التي جازفت بكيانها من أجل نجاح الثورة، ودعم كيانها وكيان الجمهورية، وأستهتر بدستور جمهوريتنا المؤقت، وسلب مجلس السيادة المؤقت كل مسؤولياته الدستورية، وأحتكرها لنفسه، وأعلنها حرباً شعواء على الجهات الوطنية، والعناصر القومية المخلصة فزج في المعتقلات آلافاً من المواطنين الأبرياء بما لم يسبق له مثيل حتى مع الطاغية نوري السعيد ولا المجرم عبد الإله، ولم يجرأ على فعلته الإجرامية أحد، وأنحرف منفذاً أوامر الجهات الغوغائية عن أغلى وأثمن ما يعتز به العراقيون عرباً وأكراداً، ألا وهو السير بسفينة البلاد إلى التضامن مع سائر البلاد العربية المتحررة، وأعلنها حرباً شعواء على الأمة العربية لدرجة أن صار الهتاف بسقوط القومية العربية شعاراً له ولزمرته الباغية الفاجرة، وسلك في سياسته الخارجية مسلكاً وعراً، فلم يتقيد بمبادئ الثورة التي ترى من سياسة الحياد الإيجابي شعاراً لا يمكن الانحراف عنه.
لهذه الأسباب كلها، أيها المواطنون الأباة في شتى أنحاء جمهوريتنا الخالدة، عزمنا باسم العلي القدير، بعد اتفاقنا مع أخينا الزعيم الركن {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثانية، ومع كافة الضباط الأحرار في جيشكم الباسل، وبعد مشاوراتنا مع سائر العناصر السياسية المخلصة عزمنا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ جمهوريتنا على تحرير وطننا الحبيب من الاستعباد والاستبداد، وتخليصه من الفوضى، معلنين لكافة المواطنين عرباً وأكراداً وسائر القوميات العراقية الأخرى التي يتألف من مجموعها شعبنا العراقي الأبي الكريم إننا المحافظون على العهد متمسكون بأهداف ثورة 14 تموز الخالدة، مراعون مبادئ دستور جمهوريتنا الفتية نصاً وروحاً، عاملون على حسن تنفيذ وتطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وتطبيق سياسة اقتصادية اشتراكية ديمقراطية تعاونية، ونطالب بحزم وإصرار تنحي الطاغية المجنون وزمرته الانتهازية الرعناء عن الحكم فوراً، والقضاء على السياسة الغوغائية التي أخذت تمارسها فئة ضالة من شعبنا لكي يسود النظام وحكم القانون في أرجاء وطننا الحبيب، ونعلن في هذه اللحظة التاريخية للعالم أجمع أن سياستنا الخارجية منبثقة من مصالح شعبنا وأمتنا، وإننا إذ نتبنى سياسة الحياد الإيجابي الدقيق إزاء الدول الأخرى، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، نعلن باسم الشعب العراقي أننا سنحافظ على التزاماتنا الدولية بوصفنا عضواً في الأمم المتحدة، ونعتز بصداقة البلاد التي أدت لنا ولأمتنا العربية أجل العون في محنتها الماضية، ومن تلك البلاد الاتحاد السوفيتي وسائر البلدان الاشتراكية، والى جانب هذا نعلن بإصرار تمسكنا باتفاقاتنا النفطية مع الشركات الأجنبية مراعين في ذلك مصالح اقتصادنا، وحقوقنا الشرعية، وسنضمن بحزم سير أعمال الشركات النفطية بكل حرية. ويسرنا أن نفتح صفحة جديدة من الصداقة القائمة على أساس الند للند مع كل دولة، ونود أن نوضح بجلاء أن أي تدخل خارجي في شؤوننا الداخلية من أي دولة كانت في هذه الفترة التي تسبق قيام مجلس السيادة بمسئوليته الدستورية ليؤلف وزارة شرعية في العاصمة بغداد، بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، فأن هذا التدخل يعتبر ماساً باستقلال وسيادة جمهوريتنا، ويؤدي ذلك إلى أوخم العواقب.
أيها المواطنون: إننا، إلى أن يستجيب عبد الكريم قاسم فينصاع للحق، ويتنحى عن الحكم فوراً، والى أن يمارس مجلس السيادة سلطاته، ليؤلف وزارة بالتعاون مع مجلس قيادة الثورة، قد أخذنا على عاتقنا بعد الاتكال على الله ، مسؤولية إدارة البلاد، طالبين من إخواننا المواطنين الكرام شد أزرنا وعوننا بالإخلاد إلى الهدوء والسكينة، دون أن يلزمونا إلى اتخاذ تدابير من شأنها الأضرار بالممتلكات، أو إلى سفك الدماء، وليكن كافة أبناء الشعب مطمئنين إلى إننا سنكون عند حسن ظنهم بتولي المطالبة بتحقيق أمانيهم، ونحذر في الوقت ذاته العناصر الهدامة من أننا سنأخذهم بالشدة إن عرضوا حياة المواطنين وحياة الأجانب وممتلكاتهم للخطر، وليعلم الجميع أن حركتنا الوطنية تستوي عندها جميع الفئات والهيئات، وأنها تحفظ لهم حقوقهم في الحرية إن لم يتجاوزا حدود القانون المرسوم، والله ولي التوفيق
                                                          العقيد الركن عبد الوهاب الشواف
                                                                    قائد الثورة 8 آذار 1959
نظرة فاحصة في بيان الشواف :
بنظرة فاحصة لبيان العقيد الشواف، يتبين لنا أن الشواف لم يكن سوى رجل متعطش للسلطة والتزعم، فلقد تجاوز قائده ورفيقه الزعيم {ناظم الطبقجلي} قائد الفرقة الثاني التي كان اللواء الذي يقوده العقيد الشواف تابعاً له، متخذاً له صفة قائد الثورة، مما دفع الزعيم الركن الطبقجلي إلى عدم التحرك والمشاركة في الانقلاب، على الرغم مما ورد في البيان حول الاتفاق معه لتنفيذ الانقلاب.

كما أن الحركة كانت قد اعتمدت على الدعم الخارجي من قبل الجمهورية العربية المتحدة، فقد أرسلت للانقلابيين محطة إذاعة متنقلة، منصوبة فوق شاحنة كبيرة، مع كمية كبيرة من الأسلحة بالإضافة إلى الدعم الإعلامي الكبير عبر محطتي إذاعة دمشق، وصوت العرب من القاهرة، وكان من المنتظر تقديم الدعم الميداني للحركة لو قدر لها الصمود فترة 48 ساعة، ولكن سرعة قمع الحركة حال دون ذلك.
حاول العقيد الشواف مغازلة شركات النفط، وكسب ودها من أجل دعم انقلابه، مطمئناً إياها بأنه سيلتزم بحزم بالاتفاقيات المعقودة مع الشركات، ويضمن مصالحها!.
لم يكن العقيد الشواف صادقاً بمواصلة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي، وهو الذي لف حوله العناصر الرجعية والإقطاعية، والتي كان على رأسها شيخ مشايخ شمر{احمد عجيل الياور} الإقطاعي الكبير، حيث جرى تسليح القبائل الموالية له وزجها في الحركة، كما ركز العقيد الشواف في بيانه على حملته الشعواء على الشيوعيين متهماً إياهم بنفس التهم التي كان{نوري السعيد} يستخدمها ضدهم، في العهد الملكي في محاولة لكسب ود الغرب ودعمهم لحركته.
واستخدم العقيد الشواف شتى النعوت والكلمات البذيئة بحق الزعيم عبد الكريم قاسم، والتي تعبر عن الضحالة، وعدم النضوج، ونال استهجان غالبية الشعب العراقي، الذي يكن الولاء لقيادته.
لقد تبين أن حركة العقيد الشواف لم تكن سوى حركة لمجموعة من الضباط المغامرين التواقين إلى السلطة، ولا يستندون إلى أي قاعدة شعبية، ولا عسكرية، فقد وقف فوج الهندسة التابع للواء القائم بالحركة بكافة ضباطه وجنوده ضد الحركة الانقلابية منذُ اللحظة الأولى، وقاومه بقوة السلاح، أما الجنود وضباط الصف الذين كانوا بإمرة الانقلابيين، والذين انساقوا تحت وطأة الخوف من قادتهم، فسرعان ما انتفضوا على ضباطهم المتآمرين، وانضموا إلى جانب السلطة، ومقاومة الانقلاب.
وخلال المعارك التي دارت بين الانقلابيين والقوى المساندة للسلطة، سقط من بين الانقلابيين (47) فرداً، وذلك حسبما ورد في تقرير الطب العدلي، وأكده المقدم{يوسف كشمولة} أحد المشاركين في الحركة الانقلابية خلال الاحتفال الذي أقيم في ملعب الموصل إحياءاً لذكرى انقلاب الشواف، بعد وقوع انقلاب 8 شباط الفاشي عام وإسقاط حكومة عبد الكريم قاسم .
كما أن المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط، قد أكد العدد المذكور في حين أن الإنقلابيين قتلوا عشرات الجنود حيث كانوا قد نصبوا رشاشاتهم على منارة جامع باب الجديد.
في ذلك الحين كانت إذاعة صوت العرب من القاهرة تذيع أخباراً مذهلة عما سمته بالمجازر التي وقعت في الموصل، وادعت أن عدد القتلى من البعثيين والقوميين قد جاوز ( 20)ألفاً، في محاولة منها لإثارة القوى القومية والبعثية للانتفاض على حكومة الثورة وإسقاطها.
لقد سُخرت هذه الإذاعة في تلك الأيام للهجوم على حكومة الثورة، وعلى القوى الديمقراطية والشيوعية، مستخدمة أبذأ الكلمات والعبارات التي لا تليق بدولة كان لها من الاحترام والحب لدى الشعب العراقي إبان العهد الملكي ما يفوق الوصف، وخاصة عندما خاضت مصر بقيادة عبد الناصر معركة السويس عام 1956ضد العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، ويتلهف لسماع إذاعة{صوت العرب}.
لقد تكشف للأمة العربية وللعالم أجمع زيف وكذب تلك الإذاعة عما كانت تبثه من أخبار المجازر المزعومة في الموصل، وأساليب التحريض الرخيصة ضد ثورة 14 تموز وقيادتها، ليس حباً بالعراق وشعبه، ولا حرصاً على مصالحه، وإنما حباً في السيطرة على العراق، وضمه قسراً للجمهورية العربية المتحدة، دون أخذ رأي الشعب العراقي في مثل هذا الأمر الخطير الذي يتعلق بمصيره ومستقبله.
كان من المؤسف أن ينبري الرئيس عبد الناصر في خطاباته آنذاك، يومي 11 و13 آذار لمهاجمة عبد الكريم قاسم، واصفاً إياه بالشعوبي تارة، وقاسم العراق تارة أخرى، ومركزاً حملته على الشيوعيين، متهماً إياهم بالعمالة لموسكو، وبخيانة الأمة العربية، كما صورت أجهزة إعلامه الأحداث التي جرت خلال وبعد القضاء على تمرد الشواف بأنها أحداث رهيبة.
لقد كان ذلك الموقف من عبد الناصر من الأخطاء الكبرى في سياسته تجاه العراق وثورته فقد كان الأحرى بالرئيس عبد الناصر أن يمد يده لعبد الكريم قاسم من أجل دعم ونهوض حركة التحرر العربي، ومكافحة النفوذ الإمبريالي في أنحاء العالم العربي، والعمل على إيجاد أحسن الوسائل والسبل للتعاون، والتضامن مع العراق، واتخاذ الكثير من الخطوات التي تعزز التعاون والتكامل في مختلف المجالات
الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية وغيرها من المجالات الأخرى، وصولاً إلى إقامة أفضل أشكال الارتباط بين البلدين حين تتوفر الشروط الموضوعية والضرورية لنجاحها وديمومتها. إن الوحدة العربية هي فعلاً أمل كل الملايين من أبناء شعبنا العربي، لكنها ينبغي أن تقام على أسس صحيحة ومتينة، وبأسلوب ديمقراطي بعيداً عن الضم وأساليب العنف.
فشل تمرد الشواف:
لم تصمد حركة العقيد الشواف الانقلابية سوى أقل من 48 ساعة، فقد كان رد الفعل لحكومة الثورة، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب البارت الكردي، وسائر الجماهير الشعبية المساندة للثورة سريعاً وحازماً، حيث جرى التصدي للانقلابيين، وقام فوج الهندسة التابع للواء المنفذ للانقلاب بالإضافة إلى جانب كبير من الجنود وضباط الصف، وآلاف المسلحين العرب والأكراد، والذين نزلوا إلى الشوارع للتصدي للانقلابيين، وإفشال خططهم للإطاحة بالثورة وحكومتها، وقامت طائرات من سلاح الجو العراقي بقصف مقر قيادة الشواف الذي أصيب بجروح خلال القصف، ونقل إلى المستشفى الميداني في معسكر الغزلاني، حيث قتل هناك على يد النائب ضابط المضمد يونس، وبمقتله تلاشت مقاومة الانقلابيين، وهكذا فشل تمرد الشواف، وتمت السيطرة على المدينة خلال أقل من 48 ساعة، وتم اعتقال عدد من الضباط المتآمرين، فيما هرب البعض الآخر إلى سوريا، وذهب ضحية ذلك الانقلاب حوالي (135) فرداً من الجنود والضباط، الوطنيون الذين ساهموا في قمع الانقلاب.
الأحداث التي رافقت قمع المحاولة الانقلابية:
لا أحد يستطيع أن ينكر وقوع أحداث وتصرفات وأخطاء ما كان لها أن تحدث قامت بها عناصر معينة، أساءت إساءة كبرى للحزب الشيوعي، فقد جرى قتل وسحل عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية، وجرى نهب وحرق بيوتهم من قبل عناصر غوغائية لاصلة لها بالحزب الذي كان عاجزاً عن إعادة الأمن والسلام في المدينة حتى دخول قوات عسكرية بقيادة العقيد حسن عبود، وهي أعمال مرفوضة في كل الأحوال، و بعيد كل البعد عن الروح الإنسانية، ولا تتفق والمبادئ الشيوعية.
ولا بد ان أشير إلى منظمة الحزب في الموصل خطأً جسيماً عندما نصّبَ عدد من كوادر الحزب أنفسهم حكاما وقاموا بمحاكمة عدد من المشاركين في المحاولة الانقلابية وحكموا على (17) منهم بالإعدام، وجرى تنفيذ الحكم في منطقة الدملماجة في ضواحي الموصل، وهذا أمرٌ لا يمكن قبوله إطلاقاً.
لقد كان الأجدى بأولئك القادة اعتقال هؤلاء الأشخاص وتسليمهم للسلطة الشرعية لتحيلهم بدورها إلى المحاكم المختصة لمحاكمتهم، والحكم على من يثبت مشاركته في المحاولة الانقلابية، فليس من حق أحد أن يمارس السلطة القضائية ويصدر وينفذ الحكم من دون تخويل .
كما أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه، الذي جرى تحذيره كما ورد سابقاً، من حدوث ما لا يحمد عقباه، ولكنه صمّ أُذنيه عن سماع التحذير، ورفض اتخاذ أي إجراء لمنع وقوع الكارثة، في حين كان بإمكانه أن يفعل ذلك.
والأنكى من كل ذلك فأن الزعيم عبد الكريم قاسم نفسه اتخذ فيما بعد من تلك الأحداث ذريعة ليصفي نفوذ الحزب الشيوعي في العراق، موجهاً الاتهامات لهم، ولاصقاً بهم الجرائم، بعد أن كان قد أستقبل وفداً من قيادة الموصل للحزب، بعد قمع انقلاب الشواف وخاطبهم قائلا بالحرف الواحد :{ بارك الله فيكم، وكثّر الله من أمثالكم من المخلصين لهذا البلد}.
عبد الكريم قاسم يستغل أحداث الموصل لضرب الحزب الشيوعي:
لم يمضِ سوى بضعة أشهر على ذلك اللقاء حتى بادر قاسم إلى اعتقال كافة الشيوعيين النشطين، وأودعهم سجن بغداد، ثم أحالهم الى المجالس العرفية التي أصدرت بحقهم أحكاماً قاسية وصلت حتى الإعدام، وأبقاهم رهائن في السجن لكي يأتي انقلابيوا 8 شباط 1963،وينفذون فيهم حملة إعدامات بشعة، ويعلقون جثثهم على أعمدة الكهرباء، في شوارع الموصل بعد أن مارسوا أشنع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم .
لقد كان موقف الزعيم قاسم الجديد، خير مشجع لنشاط الزمر الرجعية، والعناصر التي شاركت في محاولة الشواف الانقلابية، والتي تكّن أشد العداء له، ولثورة الرابع عشر من تموز، ولم يدرك قاسم أن عمله هذا إنما يعني انتحاره هو، ونحر الشعب العراقي، ونحر الثورة كذلك.
لقد اتخذت تلك القوى من موقفه الجديد ذريعة لهم لشن حملة واسعة من الاغتيالات استمرت أكثر من ثلاث سنوات، وذهب ضحيتها مئات الوطنيين الأبرياء، وسوف أعود إلى هذا الموضوع في الحلقة القادمة.
وللحقيقة والتاريخ أقول أن الحزب الشيوعي لم يكن يستحق من قاسم هذا الجزاء رغم كل ممارساته الخاطئة، فقد كان الحزب وفياً لقيادته، سانده وحماه وحمى الثورة في أشد الأيام صعوبة وخطورة، ولم يفكر يوماً في خيانته، أو محاولة سلب السلطة منه آنذاك، في حين أن فرصاً كثيرة كانت لدى الحزب للسيطرة على الحكم بكل سهولة ويسر لو أراد ذلك.
لقد كانت مواقف قاسم تلك من الحزب الشيوعي أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى اغتيال الثورة، وأغتياله هو بالذات. لقد جرد نفسه من كل سند يحميه، وأخذ منه الغرور مكانه، معتقداً أن تلك القوى المعادية لمسيرة الثورة ستعود إلى رشدها، وتغير موقفها من السلطة، لكن الواقع كان يشير إلى تنامي الخطر الرجعي والنشاط التآمري على المستويين المحلي والدولي، من أجل إسقاط الثورة، وهذا ما تم فعلاً على يد تلك الزمرة الانقلابية يوم 8 شباط 1963 ،ويذكرني هنا قول الشهيد{جلال الاوقاتي} قائد القوة الجوية آنذاك، حيث قال:
{إن الزعيم عبد الكريم قاسم، سوف يدمر نفسه، ويدمر الشعب معه}.
لقد حكم الإمبرياليون بالموت على الزعيم عبد الكريم قاسم منذُ اللحظة التي قاد فيها ثورة 14 تموز ضد النظام الملكي المرتبط بهم، وقد حاولوا اغتيال الثورة في أيامها الأولى، بالتدخل العسكري المباشر، عندما نزلت القوات البريطانية في الأردن، و الأمريكية في لبنان، وعندما حشدت تركيا قواتها على طول الحدود العراقية، لكن موقف الاتحاد السوفيتي الداعم للثورة، وتهديدهم للإمبرياليين من مغبة العدوان على العراق حال دون ذلك، وأضطر الإمبرياليون إلى تغير خططهم في إسقاط الثورة.

وعندما أقدم قاسم على إصدار قانون رقم 80 لسنة 1961، واستطاع انتزاع 99،5 %من المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، بلغ استفزاز الثورة لهم أقصى درجاته، وجعلهم يركزون جهودهم بشكل محموم لإسقاط الثورة.
لكن قاسم لم يتعظ بدروس التاريخ، ووقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه مصدق، وانتهى إلى الموت صبيحة التاسع من شباط 1963، وحلت الكارثة الكبرى بالشعب العراقي حيث جرّت تلك الأحداث المآسي، والويلات على شعبنا منذُ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا.

انتهت الحلقة الأولى، وتليها الحلقة الثانية






























18

كيف ننهض بمستوى المعلم
2/3
حامد الحمداني                                                                 3/1/2019
إن النهوض بمستوى المعلم منوط بلا شك بوزارة التربية والتعليم، حيث بإمكانها الارتفاع بمستوى ثقافة المعلم وتجدده وتطوره وذلك عن طريق السبل التالية:
1ـ فتح دورات تربوية وتثقيفية للمعلمين كل سنة، لتنمية وتجديد معلوماتهم في كافة مجالات الحياة المختلفة، بشكل تجعل المعلمين يندفعون إلى الدخول بهذه الدورات عن رغبة وارتياح، وذلك بمنح المعلمين أجوراً إضافية لساعات الدراسة، ومنح المعلمين المتفوقين امتيازات خاصة كالترفيع، ومنح القدم، وتدرج المركز الوظيفي.
ومن المستحسن جداً الأخذ بنظام المعلم الأول، حيث تكون مهمة المعلم الأول للمادة في المدرسة بالإضافة إلى التعليم، القيام بالأشراف التربوي والتعليمي على عمل معلمي نفس المادة والطلاب معاً، وبهذا الأسلوب نستطيع أن نخلق في نفوس المعلمين الرغبة في الانخراط في هذه الدورات، والنجاح فيها وفي التنافس فيما بينهم في مجال عملهم الوظيفي.
ولا شك أن عنصر الرغبة هام جداً في تحقيق ما تهدف إليه هذه الدورات، وبدونها لا يمكن أن نحقق التجدد والتطوير المنشود لمعلمينا وبالتالي تصبح هذه الدورات مضيعة للوقت والجهد والمال.
2ـ مساعدة وتشجيع المعلمين في الدخول إلى الكليات المسائية، والعمل على إيجاد وتشجيع الدراسة بالمراسلة في هذه الكليات، ولا شك أن ألوفاً من المعلمين سوف يندفعون للدراسة والتتبع بسرور واشتياق، وخصوصاً العاملين منهم في القرى والأرياف، حيث الفراغ الهائل الذي يعانون منه هناك.
ولابد وأن أشير هنا إلى نقطة هامة وهي محاولة الكثير من المعلمين الحاصلين على الشهادات العالية الانتقال من التعليم الابتدائي إلى التعليم الثانوي، وأن هذا العمل يسبب ضرراً بالغاً لقضية التربية في المدارس الابتدائية بسبب فقدان العناصر الكفوءة والنشطة في ملاك التعليم الابتدائي، وبالتالي تأخره وانحطاط مستواه.
أن بقاء المعلم الحاصل على الشهادة العالية أمر ضروري كي يساهم في رفع مستواه وتطويره بشرط أن ينال حقوقه كاملة أسوة بزملائه مدرسي المدارس الثانوية.
3ـ ضرورة قيام وزارة التربية وجهاز الأشراف التربوي بإعداد الندوات التربوية للمعلمين، وجعلهم يقفون على آخر التطورات الاجتماعية والتربوية في مختلف بلدان العالم من جهة، والوقوف على نماذج من الأساليب التربوية والخبرات والتجارب التي حصل عليها المعلمون خلال عملهم، وعلى نماذج للمشاكل التي يصادفونها في المدرسة وطرق وأساليب علاجها.
4ـ ضرورة تعميم مديريات التربية على كافة المدارس بأن تعقد كافة المدارس ندوات شهرية يساهم فيها المعلمون والآباء والأمهات، وتطرح خلالها القضايا التربوية التي تجابههم سواء كان ذلك في البيت أو المدرسة، وطرق علاجها، على أن تكون هذه الندوات المدرسية إجبارية، وعلى أن تقدم كل مدرسة خلاصة البحوث والمناقشات والنتائج التي خلص إليها المجتمعون والمجتمعات في هذه الندوات، وإرسالها إلى مديريات التربية، وعلى مديريات التربية إعداد جهاز خاص ذي قدرة وقابلية على دراسة تلك المحاضر وتنسيقها، بغية الوقوف على كافة الجوانب السلبية والإيجابية في أوضاع مدارسنا وطلابنا وطالباتنا، من أجل معالجة علمية لجوانبها السلبية، وتعميق وتعميم جوانبها الإيجابية، وبذلك تساهم مساهمة فعالة ليس فقط في رفع مستوى المعلم والمعلمة فحسب، بل وفي رفع مستوى الآباء والأمهات أيضاً.
5ـ ضرورة خلق الروابط والاتصالات وتبادل الخبرات بين المعلمين في مختلف بلدان العالم بغية الوقوف على أحدث الأساليب التربوية والتعليمية التي تنتهجها وكيف تعالج هذه البلدان مشاكل المعلمين والطلاب في آن واحد.
وبالإضافة إلى ذلك فإن السفرات التي يقوم بها المعلمون على شكل وفود توسع من معلوماتهم وخبرتهم، وتزيد من فهمهم لأحوال المجتمعات البشرية، وطريقة معيشتهم.
كما إن نقابة المعلمين تستطيع أن تلعب دوراً بارزاً وفعالاً في هذا الخصوص، وذلك عن طريق الاتصال بنقابات المعلمين في نختلف البلدان لتسهيل هذه المهمة.
6ـ إن من الضروري أن تصدر نقابة المعلمين صحيفة أسبوعية على الأقل، واقترح أن تكون باسم [المربي] حيث أن الصحف تقوم بدور هام جداً في حياة المجتمع، فهي تعكس المشاكل وتطرح الحلول لها، وتناقش مختلف الآراء وبإمكان صحيفة [المربي] أداء الأمرين الهامين التاليين:
أـ عكس المشاكل التربوية التي تجابه البيت والمدرسة، ومناقشتها، ووضع الحلول الصائبة لها.
ب ـ عكس مختلف الأساليب التربوية في دول العالم المختلفة كي يمكن للمعلم الوقوف عليها والاستفادة منها.
وبالإضافة إلى صحيفة المربي فإن على نقابة المعلمين أن تصدر مجلة تربوية شهرية يساهم فيها كبار رجال الفكر والتربية لتقديم البحوث التي تساهم في رفع مستوى المعلم وتقدم .
7ـ إن تحديد عدد الساعات التي يقوم بتدريسها المعلم من جهة، وتحديد عدد طلاب كل صف من جهة أخرى أمران هامان يؤثران تأثيراً بالغاً على إمكانياته وكفاءته ورفع مستواه.
أن حشر العدد الكبير من الطلاب والطالبات في صف واحد وإرهاق المعلم أو المعلمة بالحصص سيقلل حتماً من نشاطهما وحيويتهما من جهة، ولا يتيح لهما فرصة العمل المثمر، والتتبع والدراسة وتطوير قدراتهما، وقابليتهما من جهة أخرى.
لقد أدركت الدول المتقدمة أهمية هذه النقطة فسعت إلى تقليص عدد طلاب الصف إلى أدنى حد ممكن، وكذلك قلصت عدد الحصص الأسبوعية لكل معلم، ليتمكن من أداء واجبه على الوجه الأكمل.
غير أن الحال في مختلف الدول النامية ودول العالم الثالث مختلف تماماً، فالمعلم والمعلمة مرهقان جداً، والصفوف لا نكاد نجد مكاناً للمرور فيها حيث حُشرت فيها أعداد كبيرة من الطلاب والطالبات، بحيث أصبح من العسير على المعلم والمعلمة التفرغ لهم، وحتى معرفة أسمائهم وحفظها، كما أصبح من العسير عليهم إعطاء الواجبات البيتية وتصحيحها على الوجه الأكمل، وأصبح من العسير أيضاً دراسة مشاكل الطلبة وحلها بشكل تربوي سليم، فكيف يستطيع المعلمون والمعلمات أداء واجباتهما على الوجه الأكمل إذا كان الصف الواحد قد حُشر فيه أكثر من خمسين طالب وطالبة، ولا أغالي إذا قلت أن بعض المدارس يزيد عدد طلابها على ثمانين طالباً ؟
إن 20 إلى 24 طالباً وطالبة في كل الصف من جهة، و18 إلى 20 حصة للمعلم والمعلمة من جهة أخرى كفيلان برفع مستوى المعلم والتعليم والتربية على حد سواء.
8 ـ هناك مسألة هامة جداً تلعب دوراً خطيراً في حياة المعلم وتحدد مدى فاعليته وإخلاصه، واندفاعه في أداء واجباته، إنها مسألة تأمين الحياة السعيدة له، وذلك بتأمين حاجاته المادية، وخصوصاً لمعلمي القرى والأرياف.
إن واقع المعلم يكشف لنا عن مدى الضنك، وعدم الكفاية الذي يعاني منه، وإن الواجب يقتضي إعطاء مسألة تأمين الحاجات المادية للمعلم الأهمية المطلوبة وإعطائها الجدية والاهتمام اللازمين، بغية رفع إمكانيات المعلم وجهاديته، وتفرغه لعمله، ومن بين ذلك منحه المخصصات المهنية الإضافية أسوة بغيره من الأطباء والمهندسين والفنيين وغيرهم، في حين أن هؤلاء يمارسون عملهم في عياداتهم ومكاتبهم بعد الدوام والذي يدرّ عليهم دخلاً وفيراً!
أليست عملية التربية والتعليم مهنة تستحق هذه المخصصات؟
أليست هذه المهنة اشق المهن وأصعبها؟
فلماذا نبخل على المعلم بمثل هذه الامتيازات التي يستحقها بكل جدارة شأنه شأن الآخرين؟
إن عمل المعلم لا ينتهي بانتهاء الدوام المدرسي، كبقية الوظائف، بل على العكس يستمر عمله في البيت أيضاً، حيث يقوم بتصحيح الواجبات البيتية للتلاميذ، ويحضر الدروس لليوم التالي، علاوة على الجهود التي يبذلها في النشاطات اللاصفية لطلابه، والتي تأخذ من وقته الشيء الكثير.
أليس من حق المعلم بعد هذا أن يمنح ليس فقط المخصصات المهنية، بل أن تكون له امتيازات أخرى من شأنها أن تدفعه للعمل بجد ونشاط، وتخفف من شعوره بأنه خلق معلماً وسيبقى كذلك. إن بإمكان الدولة أن تعمل الكثير من أجل إرضاء طموح المعلم منها:
أ ـ منح المعلمين المخصصات المهنية.
ب ـ تأمين المساكن الصحية المريحة للمعلمين وخاصة في القرى والأرياف.
ج ـ منح المعلمين تخفيضات في وسائل النقل وغيرها.
إن هذه الامتيازات من شأنها أن تستثير في المعلم روح العمل والمثابرة فيؤدي واجباته بسرور وانشراح.
9ـ إن جهاز التعليم يضم في صفوفه عناصر غير جديرة بأي حال من الأحوال للقيام بهذا الواجب المقدس، بل على العكس من ذلك فإن وجودهم وبقائهم فيه خطر كبير على عملية التربية والتعليم، ولأجل معالجة هذه الأمور الحساسة ينبغي لوزارة التربية القيام بما يلي:
أ ـ تطهير جهاز التعليم من كافة العناصر الخاملة والكسولة والتي يثبت فشلها، ونقلهم إلى وظائف أخرى.
ب ـ هناك عناصر لا يشجع سلوكها وأخلاقها على البقاء في سلك التعليم، وينبغي التخلص منها إن سلك التعليم ينبغي ألا يفتح أبوابه إلا لمن اتصف بأسمى المثل الإنسانية، والأخلاق الفاضلة، لأن التلاميذ يقلدون معلميهم في أعمالهم وسلوكهم وتصرفاتهم، وكما أسلفنا فإن عملية التربية ما هي إلا عملية تفاعل بين المعلمين والتلاميذ، وما العادات والأخلاق، والتصرفات التي تظهر لدى التلاميذ إلا انعكاساً لعادات وتصرفات وأخلاق مربيهم سواء كان ذلك في البيت أم المدرسة.
ج ـ هناك العديد من المعلمين الذين بلغوا من العمر حداً جعل طاقاتهم للعمل محدودة، وبالتالي عجزوا عن القيام بواجباتهم التربوية بالشكل الذي يؤمن الفائدة المرجوة، لذلك فإن من الأفضل إحالتهم على التقاعد دون إبطاء، مع تكريمهم بالشكل الذي يستحقونه، جزاء ما قدموه من خدمات لأبناء شعبهم ووطنهم، وليحل مكانهم العناصر الشابة الكفوءة كي يستطيعوا حمل الرسالة بجد ونشاط.

19
المعلم ودوره في تربية وإعداد أجيالنا
1/3
حامد الحمداني                                     3/1/2019
أولاً: الصفات التي ينبغي توفرها في المعلم:
أن المهمة الملقاة على عاتق المعلم هي بكل تأكيد شاقة وجسيمة، فهي تهدف إلى إعداد الأجيال المتلاحقة، جيلاً بعد جيل، اجتماعياً وأخلاقياً وعاطفياً، والعمل على تهيئة كل الوسائل والسبل التي تمكنهم من تنمية أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم، وبذلك يكونون عناصر فعالة ومحركة في المجتمع.
إنها تهدف إلى إذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفسية الجيل الصاعد وجعلهم يدركون حاجات المجتمع، ويتفاعلون معه، من أجل تحقيق تلك الحاجات، وبالتالي تطوير المجتمع، ورقيه وسعادته.
أن المعلم يستطيع بكل تأكيد أن يؤثر إلى حد بعيد بتلاميذه، وإن هذا التأثير ونوعيته ومدى فائدته وفاعليته يتوقف بالطبع على إعداد المعلم، وثقافته وقابليته وأخلاقه، ومدى إيمانه بمهمة الرسالة التي يحملها، وإدراكه لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فإن كل أعمال المعلم وسلوكه وأخلاقه وصفاته تنعكس تماماً على التلاميذ الذين يقوم بتربيتهم وتعليمهم. . وعلى هذا الأساس فإن عملية النهوض بمدارسنا ومجتمعنا تتطلب منا أن نحدد الصفات التي ينبغي توفرها في المعلم، والشروط الواجبة في اختياره، والتي يمكن تحديدها بالتالي:
1- ينبغي للمعلم أن يكون ذا مظهر جذاب، حيث أن المظهر، وشخصية المعلم وهندامه تؤثر جميعها تأثيراً فعالاً في نفسية التلاميذ، وتجعلهم يقتدون به ويتخذونه مثلاً أعلى بمظهرهم وهندامهم وشخصيتهم.
2 ـ ينبغي للمعلم أن يتصف بروح الفكاهة والمرح لكي يستطيع جذب انتباه التلاميذ نحوه، وجعل الدرس محبوباً إليهم حيث يندفعون إليه بشوق وسرور. إن نفسيته، وروحه المرحة ذات تأثير بالغ على نفوس التلاميذ، وعلى مدى نجاحه في أداء مهمته في آن واحد، ولو أجرينا استفتاءً لدى التلاميذ حول شعبية المعلمين، والدروس التي يحبونها أكثر من غيرها لتأكد لدينا بشكل قاطع أن المعلمين الذين يتمتعون بهذه الصفة هم على قدر كبير من الشعبية، وأن دروسهم هي على قدر كبير من الرغبة لدى التلاميذ.
3 ـ ينبغي للمعلم أن يكون حسن التصرف في تربية أبنائه التلاميذ، وحل مشاكلهم بروية وحكمة، فالمعلم يجابه خلال عمله كل يوم مشاكل لا حدّ لها أخلاقية وتربوية وتعليمية، وإن تذليل هذه المشاكل وحلها يتوقف على أسلوب المعلم وحكمته وحسن تصرفه.
ولابد أن أشير بهذا الخصوص إلى أن أساليب العنف ضد الأبناء التي تمارس من قبل الوالدين في البيت منذ الطفولة المبكرة نتيجة الجهل في أساليب التربية تسبب الضرر البليغ لشخصية الأطفال، وتخلق لديهم العديد من الصفات السيئة والخطيرة كالخوف والانكماش والخنوع وضعف الشخصية والتمرد على المجتمع.
4ـ إن الوعي الاجتماعي لدى المعلم أمر مهم جداً، ولا يمكن الاستغناء عنه لأي معلم ناجح، ذلك أننا كما أسلفنا أن عملية التربية والتعليم هي عملية تفاعل اجتماعي تتطلب دراسة وفهم المجتمع دراسة وافية، والتعرف على ما يعانيه مجتمعنا من مشاكل وعيوب، وكيف يمكن معالجتها وتذليلها.
إن كل معلم يعزل نفسه عن المجتمع ولا يشارك في فعالياته ومنظماته الاجتماعية لا يمكن أن يكون معلماً ناجحاً.
5 ـ أن على المعلم أن يكون محباً لتلاميذه متفهماً لحاجاتهم
وسلوكهم، والعوامل المحددة لهذا السلوك والتي تتحكم فيه واعني بها الدوافع الإنسانية[الغرائز] ذلك أن الغرائز تلعب دائماً دورا حاسماً في تحديد سلوك الفرد خيراً كان أم شراً، وهنا تبرز أهمية المعلم ودوره المؤثر في صقل تلك الغرائز وتوجيهها الوجهة الصائبة والخيرة، حيث أن الغرائز لا يمكن أن قهرها، بصقلها والسمو بها إذا ما عرفنا كيف نتعامل مع أبنائنا التلاميذ، ولا شك أن المعلم هو خير من يستطيع التعامل مع هذه الغرائز إذا ما أدرك حقيقتها ومدى تأثيرها في سلوك أبنائنا التلاميذ، وعلى العكس من ذلك نجد هذه الغرائز إذا تركت وشأنها فكثيراً ما توجه صاحبها نحو الوجهة الضارة الشريرة .
إن غريزة التنازع على البقاء على سبيل المثال كانت تعني في المجتمعات المتخلفة البقاء للقوي والموت للضعيف، غير أنه بفضل التطور والتقدم الحاصل للمجتمعات البشرية على مدى العصور، وبفضل ما توصل إليه العلم والعقل الإنساني يمكن أن تكون صراعاً ليس بين إنسان قوي وآخر ضعيف، أو أمة قوية وأخرى ضعيفة، بل بين المجتمع الإنساني ككل وبين الطبيعة، وتسخير هذا الصراع لتهيئة الوسائل والسبل للسمو بمستوى حياة الإنسان المادية والمعنوية، فكل تطور في ميادين العلوم والصناعة والزراعة وكافة مجالات الحياة الأخرى يهيئ ويوفر كل حاجات الإنسان ومتطلباته.
6 ـ ينبغي للمعلم أن يكون ميالاً للتجدد والتطور بشكل مستمر حيث أن الأساليب التربوية قد تطورت تطوراً كبيراً عما كانت عليه في الماضي، فلا يوجد شيء في الوجود بحالة ثابتة جامدة، بل إن كل شيء في حالة تغير وتطور مستمر، ولابد للمعلم لكي ينجح في عمله أن يطور نفسه، ويطور معلوماته، ويجددها باستمرار، عن طريق التتبع والمطالعة، والوقوف على أحدث النظريات التربوية، وتجارب الآخرين في مضمار العلم والثقافة، والوقوف على آخر التطورات الحاصلة في عالمنا في شتى شؤون الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
إنه من المؤسف أن نجد الكثير من المعلمين ينتهي من الدراسة والتتبع حال استلامه شهادة التخرج، فكأنما قد بلغ درجة الكمال، وكأنما العلم والمعرفة قد انتهيا عند هذا الحد حيث ينتهي به هذا الاعتقاد إلى التخلف والجمود.
لنسأل أنفسنا:
كم كتاباً يقرأ كل معلم خلال السنة؟
كم محاضرة تربوية ألقيت في كل مدرسة خلال السنة؟
كم دورة تربوية وثقافية نظمها الجهاز التربوي للمعلمين؟
وبالتالي كيف يمكن للمعلم أن يكون متجدداً ومتطوراً إذا لم يواكب التطورات الحاصلة في كافة المجالات التربوية والاجتماعية في شتى بقاع العالم كي ينهل منها، ويطور معارفه بما يخدم العملية التربوية.



20
المدرسة
من هنا تبدأ نهضة العراق
الحلقة الأولى
حامد الحمداني                                                           4/12/2018
                               
المدرسة كما هو معروف هي تلك البيئة الصناعية التي أوجدها التطور الاجتماعي لكي تكمل الدور الذي مارسته الأسرة في تربية وإعداد أبنائها، ومدهم بالخبرات اللازمة لدخولهم معترك الحياة فيما بعد ، فهي لذلك تعتبر الحلقة الوسطى والمهمة التي يمر بها الأطفال خلال مراحل نموهم ونضوجهم لكي يكونوا جاهزين للقيام بمسؤولياتهم في المجتمع مستعينين بما اكتسبوه من المهارات المختلفة والضرورية لتكيفهم السليم مع البيئة الاجتماعية الكبرى، ذلك لأن المدرسة ليس سوى مجتمع مصغر ومنزه، وخالي من جميع الشوائب التي تتعلق بالمجتمع الكبير لكي يتمرن فيها الأطفال على الحياة الفضلى، وعلى التعاون الاجتماعي، والإخلاص للجماعة وللوطن.
ولقد أصاب المفكر والمربي الكبير [جون ديوي] كبد الحقيقة عندما عرّف المدرسة بأنها [الحياة] أو أنها [النمو] أو أنها [التوجيه الاجتماعي] ورأى أن عملية التربية والتعليم ليست أعداد للمستقبل، بل إنها عملية الحياة نفسها، ودعا المربين إلى الاهتمام بثلاثة أمور هامة وضرورية لتربية النشء حددها بما يلي:
1 ـ تعاون البيت والمدرسة على التربية والتوجيه.
2ـ التوفيق بين أعمال الطفل الاجتماعية وأعمال المدرسة.
3ـ وجوب إحكام الرابطة بين المدرسة والأعمال الإنتاجية في البيئة.
ولقد أكد[ديوي] وجوب دراسة الطفل وميوله ورغباته، وضرورة جعلها أساساً في التعليم، كما أكد على التوجيه غير المباشر وغير الشخصي عن طريق الوسط الاجتماعي، وشدد على أهمية التفكير والتحليل، وفهم معنى الأشياء في حياة الطفل، وإتاحة الفرصة للأطفال لكي يجمعوا الحقائق ويرتبوها ويستنبطون منها النتائج ثم يمحصونها ويعرضونها على محك الاختبار حتى تنجلي وتظهر حقيقتها.
لقد قلب التطور الكبير لمفاهيم التربية والتعليم في عصرنا الحالي المفاهيم التي كانت سائدة فيما مضى رأساً على عقب، وبما يشبه الثورة في المفاهيم التربوية فبعد أن كانت المدرسة القديمة لا تهتم إلا بالدراسة النظرية وحشو أدمغة التلاميذ بما تتضمنه المناهج والكتب الدراسية لكي يؤدوا الامتحانات بها والتي لا تلبث أن تتبخر من ذاكرتهم، أصبحت التربية الحديثة ترتكز على وجوب اعتبار الطفل هو الذي تدور حول محوره نظم التعليم، وأصبح النظام في المدرسة يمثل الحياة الاجتماعية التي تتطلب المساهمة في الأعمال الاجتماعية، فالطفل لا يستطيع أن يكتسب عادات اجتماعية بغير الاشتغال في الأعمال الاجتماعية. والتربية في حقيقة الأمر هي عملية تكوين النزعات الأساسية الفكرية والعاطفية في الإنسان تلقاء الطبيعة، وتلقاء أخيه الإنسان.
ولقد صار لزاماً على المدرسة أن تشبع حاجة التلاميذ للأمن وتعطيهم الفرصة لإدراك وفهم أسرار العالم المادي، والعالم الاجتماعي، وتهيئة الفرصة لهم للتعبير الحر عن نزعاتهم المختلفة، التي تمكنهم من كسب المهارات العقلية، واللغوية والاجتماعية.
ولكي تؤدي المدرسة مهامها التربوية على وجه صحيح، كان لابد من ربطها بالمجتمع، وهو ما أخذت به المدرسة الحديثة، حيث أصبحت جزءً لا يتجزأ منه، لا تختلف عنه في شيء سوى كونها مجتمع مصغر، ومشذب، وخالي من الشوائب التي نجدها في المجتمع الكبير، وأصبح النظر إلى دور المدرسة في المجتمع هو النظر إلى الثقافة بمعناها الواسع، أي بآدابها وعلومها وفنونها وعاداتها وتقاليدها، بكافة نواحيها المادية والتكنيكية، وقد تطلّبَ ذلك إعادة بناء المدرسة بحيث تلعب دورين أساسيين في خدمة المجتمع الذي تنشأ فيه وهما:
1 ـ نقل التراث بعد تخليصه من الشوائب.
2 ـ إضافة ما ينبغي إضافته لكي يحافظ المجتمع على حياته أي بمعنى آخر تجديد المجتمع وتغييره وتطويره بشكل مستمر بما يحقق الخير والسعادة لبني الإنسان.
ولا بد لي أن أكد على سيادة مبدأ الديمقراطية في المدرسة، وفي الوسائل التربوية التي نعتمدها في الوصول إلى أهدافنا التربوية التي نسعى إليها ما دمنا نعتبر المدرسة هي الحياة وأنها صورة مصغرة من المجتمع.
كيف تستطيع المدرسة أداء مهامها:
لكي تستطيع المدرسة أداء مهامها التربوية على الوجه الأكمل يتطلب منها أن تراعي الأمور التالية:
1ـ ينبغي للمدرسة أن تكون المكان الذي يعيش فيه الأطفال عيشة حقيقية، ويكتسبون الخبرة الحياتية التي يجدون فيها ابتهاجاً ومعنى، وعليها أن تحول مركز الجاذبية فيها من المعلم والكتاب إلى الطفل وميوله وغرائزه وفعالياته بصورة مباشرة، فمهما يقال عما يدرسه الطفل من علوم وغيرها، فإن العملية التربوية الحقيقة لا يمكن أن تعطي ثمارها إذا لم يمارس التلميذ حياته فيها.
2 ـ ضرورة عدم تجاهل المدرسة لوضع الأطفال الفطري وميولهم، وأن تعمل على إشباع غرائزهم وصقلها بروح من المحبة والعطف والحنان لكي يحس الأطفال أنهم يعيشون الحياة حقاً داخل المدرسة، وأن أي أسلوب آخر في التعامل معهم، وخاصة أسلوب العقاب البدني، لا يؤدى إلا إلى عكس النتائج المرجوة.
3ـ ينبغي للمدرسة أن تسعى لأن يأتي الأطفال إليها بأجسامهم وعقولهم، ويغادرونها بعقل أغنى وأنضج، وجسم أصح، وهذا لا يتم بالطبع إلا إذا وجدوا في المدرسة ما يشبع ميولهم ورغباتهم، وتتاح لهم الفرصة لممارسة ما تعلموه من خبرات خارج المدرسة.
4ـ ينبغي للمدرسة أن تحول غرفة الصف إلى ورشة حقيقية يستطيع الأطفال من خلالها إشباع حاجاتهم وميولهم وتجعلهم جزء من المجتمع، ويتعلمون العيش المباشر، وتجهزهم بدافع حقيقي، وتعطيهم خبرة مباشرة، وتهيئ لهم الاتصال بالأمور الواقعية.
كما ينبغي تنظيم جلوس الأطفال داخل الصف بالشكل الذي يشعرهم أنهم يمارسون عملاً مشتركاً، ولا تقيدهم بالجلوس على الرحلات أو المقاعد الضيقة والمنعزلة التي تجعل الطفل يشعر بالملل والسأم ينتظر بفارغ الصبر نهاية الدرس والتحرر من مقعده الممل.
5ـ ينبغي إشراك أولياء أمور التلاميذ في إعداد الخطط التربوية، والاستعانة المستمرة بهم في معالجة وحل كل المشاكل التي تجابه أبنائهم، وأن تكون المدرسة على اتصال دائم بهم سواء عن طريق اللقاءات الشخصية، أو الاتصال الهاتفي أو عن طريق الرسائل، ذلك لآن الآباء والأمهات على معرفة كبيرة بكل ما يتعلق بسلوك أبنائهم، ويتمتعون بالخبرة في التعامل معهم. وفي الوقت نفسه تستطيع المدرسة أن تقدم لذوي الطلاب، أباء وأمهات، الكثير من الخبر والتجارب التي تعينهم على التعامل مع أبنائهم بشكل تربوي صحيح.
6ـ إن بناية المدرسة ذات تأثير بالغ على العملية التربوية والتعليمية، وعلى نفسية التلاميذ فالمدرسة بحاجة إلى صفوف دراسية واسعة، وذات تهوية جيدة وشبابيك واسعة تسمح بوصول الضوء بحرية، بالإضافة إلى الإنارة الكافية، وأن تكون مجهزة بكل ما يلزم من الأجهزة والأدوات الضرورية للعملية التربوية والتعليمية، كما أنها بحاجة إلى الساحات المناسبة للنشاطات الرياضية المختلفة ، وقاعات للنشاطات الرياضية، والنشاطات اللاصفية من تمثيل وخطابة ورسم وحفلات وغيرها من النشاطات الأخرى، وكذلك الورش اللازمة لممارسة المهن التي يتدرب عليها التلاميذ، وينبغي أن تتخلل المباني المدرسية الحدائق الكافية كي تبعث نوعاً من البهجة والسرور في نفوس التلاميذ، ومن الضروري إشراكهم في زراعتها والعناية بها، وإتاحة الفرصة لهم بدراسة النباتات وأنواعها وتصنيفها، وسبل وقايتها من الأمراض التي قد تصيبها مما يحول هذا الجهد إلى دراسة حقيقية لعلم النبات نظرياً وعملياً، مما يرسخ الدرس في عقول التلاميذ .
وأخيراً ينبغي الاهتمام بتنظيم المقاعد والمناضد الدراسية بالشكل الذي يجعل العمل داخل الصف جماعياً فلا يشعر التلاميذ بالملل، ويتحول الصف إلى ورشة عمل ينهمك فيه التلاميذ بكل جد ونشاط وفي جوٍ يسوده التعاون فيما بينهم، وبإشراف معلمهم وتوجيهاته.
تعاون البيت والمدرسة:
ذكرنا فيما سبق أن البيت هو البيئة الاجتماعية الأولى للطفل التي يتعلم فيها الكثير من الخبرات التي تساعده على التكيف مع المجتمع الأكبر، حيث يلعب الآباء والأمهات دوراً كبيراً وأساسياً في تربية وتنشئة أبنائهم خلال السنوات الست الأولى من أعمارهم حيث ينتقل الأبناء إلى المدرسة التي تعتبر المرحلة الوسطى في حياتهم، والتي هي صورة مصغرة للمجتمع الكبير الخالي من الشوائب، حيث يكتسب الأبناء خلال مكوثهم في المدرسة الخبرات الحياتية التي تؤهلهم لممارسة عملهم في المجتمع الكبير على الوجه الأكمل.
ومن هذا المنطلق نستطيع أن نؤكد أن الدور الذي قام ويقوم به البيت تجاه الأبناء لا يمكن فصله عن دور المدرسة بهذا الخصوص، فكلاهما يكمل بعضه بعضاً.
ويستطيع الآباء والأمهات تقديم مساعدة قيمة للمدرسة في عملها التربوي بما يملكونه من الخبرات والتجارب التي اكتسبوها بتربية أبنائهم، كما يمكنهم الحصول على المزيد من الخبرات من المدرسة، وخاصة من خلال المتخصصين في معالجة المشاكل السلوكية للأطفال والمراهقين.
وبناء على ذلك فعلى المدرسة أن تهتم بالتواصل المستمر مع أولياء أمور التلاميذ سواء كان ذلك عن طريق مجالس الآباء والأمهات والمعلمين الدورية والمنتظمة وإجراء الاتصالات الشخصية المستمرة، والاتصالات الهاتفية، وإرسال الرسائل لكي يكون الآباء والأمهات على صله وثيقة بأحوال أبنائهم في المدرسة من الناحيتين السلوكية والدراسية، ولكي يعملوا مع إدارة ومعلمي المدرسة يداً بيد، على تذليل كل المصاعب التي تجابههم.
ولقد سبق و تحدثنا عن الأسرة وأنواعها، وظروف كل منها، والأساليب التربوية التي تتعامل بها مع أبنائها بشيء من التفصيل، وهو ما يمكن أن يقدم للمدرسة معلومات هامة وضرورية تساعدها على تفهم أحوال التلاميذ في البيت، وما يعانونه من مشاكل ومصاعب، وتأثيراتها على سلوك الأبناء، والوسائل الكفيلة بمعالجة السلوك المنحرف لديهم، فلا يكفي للمربي أن يتعرف على أحوال تلاميذه في المدرسة فقط، وإنما ينبغي التعرف على الظروف التي يعيشها التلميذ في البيت لكي يكوّن له صورة واضحة عن المشاكل التي يعاني منها داخل أسرته مما يسهّل عليه فهم الأسباب المؤدية للسلوك المنحرف لدى العديد من التلاميذ ، وبالتالي إمكانية مجابهة تلك الانحرافات والتغلب عليها بأقل ما يمكن من الجهود والتضحيات
وهكذا نجد أن المدرسة لها الدور الأكبر في إعداد أبنائنا الإعداد الصحيح القائم على الأسس العلمية والتربوية القويمة و إن المهمة العظيمة والخطيرة الملقاة على عاتق المدرسة تتطلب الإعداد والتنظيم الدقيق والفعال للركائز التي تقوم عليها المدرسة والتي تتمثل فيما يلي:
1ـ إعداد الإدارة المدرسية.
2 ـ إعـداد المعلمـين.
 3 ـ إعداد جهاز الأشراف التربوي.
 4 ـ إعداد المناهج والكتب المدرسية.
5 ـ  نظام الامتحانات وأنواعها وأساليبها.
6 ـ تعاون البيت والمدرسة.
7 ـ الأبنية المدرسية وتجهيزاتها.

إن هذه الركائز جميعاً مترابطة مع بعضها البعض، وكل واحدة منها تكمل الأخرى، ويتوقف نجاح العملية التربوية والتعليمية في المدرسة على تلازم وتفاعل هذه الركائز ببعضها، وكلما توطدت وتعمقت حركة التفاعل هذه كلما استطاعت المدرسة تحقيق ما تصبو إليه من خلق جيل واعٍ ، متسلح بسلاح العلم والمعرفة، وملتزم بالأخلاق والمثل الإنسانية العليا.، وسأتناول في حلقات قادمة مسألة إعداد هذه المرتكزات بشيئ من التفصيل.






21
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة العاشرة والأخيرة
حامد الحمداني                                                            27/11/2018

التخأخر الدراسي
أسبابه، والوسائل الكفيلة بعلاجه

يتشكى الكثير من الآباء والأمهات من حالة التأخر الدراسي التي يعاني منها أبناءهم ، غير مدركين للأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر وسبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأساليب غير التربوية والعقيمة، كالعقاب البدني مثلاً في سعيهم لحث أبنائهم على الاجتهاد، ولاشك أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسين أوضاع أبنائهم، بل على العكس يمكن أن تعطينا نتائج عكسية لما نتوخاه .
إن معالجة مشكلة التأخر الدراسي لدى أبنائنا وبناتنا تتطلب الاستعانة بالأساليب التربوية الحديثة القائمة على العلم، فهي المنار الذي يمكن أن نهتدي بها للوصول إلى ما نصبوا له لأجيالنا الناهضة من تقدم ورقي وهذا بدوره يتطلب منا أن الإجابة على الأسئلة التالية:
1 ـ كيف نحدد  التأخر الدراسي ؟
2 ـ ما هي أنواع التأخر الدراسي ؟
3 ـ ما هي مسببات التأخر الدراسي ؟
4 ـ كيف يمكن علاج التأخر الدراسي ؟
كيف نحدد التأخر الدراسي :
لكي نستطيع تحديد كون التلميذ متأخر دراسياً أم لا  ينبغي الاستعانة بالاختبارات التالية : (24)
1ـ اختبارات الذكاء .
2 ـ اختبارات القدرات .
3 ـ اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي.
وسأحاول أن أقدم لمحة موجزة عن هذه الاختبارات وما يمكن أن تكشفه لنا كل واحدة منها من معلومات هامة ومفيدة تساعدنا على التعرف على مستوى ذكاء التلميذ، وما إذا كان عمره العقلي يتناسب مع عمره الزمني، أم انه أعلى، أم أدنى من ذلك، وتدلنا على الوسائل التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة أسباب تأخره، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وملافات الهدرالذي يمكن أن يصيب العملية التعليمية والتربوية إذا ما أهمل هذا الجانب من الاختبارات.

أولاً: اختبارات الذكاء
الذكاء كما هو معلوم، القدرة على التعلم واكتساب الخبرات، وكلما زاد الذكاء، كلما زادت القدرة على التعلم، وطبيعي أن الأطفال جميعاً يختلفون بعضهم عن بعض بنسبة الذكاء، كاختلافهم في القدرة الجسمية سواء بسواء.
ولقد كان العلماء فيما مضى يهتمون بكمية الذكاء لدى الطفل بصورة عامة، إلا أن الأبحاث الجديدة كشفت أن للذكاء أنواع متعددة، فقد نجد تلميذاً متفوقاً في الرياضيات، ولكنه ضعيف في الإنشاء والتعبير. إن لاختبارات الذكاء أهمية قصوى وينبغي أن تأخذها مدارسنا بالحسبان لكي تستطيع أن تؤدي عملها بنجاح .
ماذا تكشف لنا اختبارات الذكاء؟
1ـ تعرفنا هذه الاختبارات إن كان تحصيل التلميذ متفقاً مع قدراته ، أم أن تحصيله أقل من ذلك ، وإلى أي مدى؟
2ـ تساعدنا على تقبل نواحي النقص، أو الضعف لدى التلميذ  فلا نضغط عليه، ولا نحمله ما لا طاقة له به، فيهرب من المدرسة، ويعرض مستقبله للضياع .
3ـ تساعدنا على تحديد نواحي الضعف وامكانية معالجتها.
4ـ توضح لنا الفروق الفردية بين التلاميذ، ولهذا الأمر أهمية بالغة جداً، لا يمكن لأي معلم ناجح الاستغناء عنها.
5ـ تساعدنا هذه الاختبارات على تحديد نواحي القوة والتفوق لدى التلميذ ، والتي يمكن الاستعانة بها على معالجة نواحي الضعف لديه .
6- تساعدنا هذه الاختبارات على توجيه التلميذ الوجهة الصحيحة، فلا يكون معرضاً للفشل وضياع الجهود والأموال. (25)
وهكذا يتبين لنا أن الاهتمام بمثل هذه الاختبارات يتسم بأهمية كبيرة إذا ما أردنا النجاح في عملنا التربوي، وتجنبنا إضاعة الجهود، وحرصنا على أحوال التلاميذ النفسية، وجنبناهم كل ما يؤدي إلى الشعور بالفشل، وضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة، والشعور بالنقص، وربما يلجأ التلميذ إلى الهروب من المدرسة إذا ما وجد نفسه غير قادر على القيام بواجباته المدرسية شأنه شأن بقية زملائه في الصف.
وتضم اختبارات الذكاء  نوعين:

 1 ـ نوع يقيس القدرة العقلية بصورة عامة: (26)
ويوضح لنا العلاقة بين [العمر العقلي]و[العمر الزمني]للتلميذ، وتعبرعنه هذه النتيجة بـ [ نسبة الذكاء ]  حيث تقاس نسبة الذكاء بحاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني مضروباً في 100،  فلو فرضنا أن طفلاً عمره الزمني يعادل 10 سنوات، وأن نتائج اختبارات الذكاء بينت أن عمره العقلي يعادل 9 سنوات فإن نسبة الذكاء لديه تساوي 90% . ومن الواضح أن التلميذ المتوسط تكون نسبة ذكائه 100 %،
فمن كان نسبة ذكائه ما بين 80 إلى 90% كان ذكاء ذلك التلميذ دون المتوسط. ومن كان نسبة ذكائه من بين 90 إلى 110 فهو متوسط الذكاء .
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 110 إلى 120 كان ذكياً
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 120 إلى 140 كان ذكياً جداً .
ومن كان نسبة ذكائه ما فوق 140 كان التلميذ عبقرياً.

2 ـ نوع يقيس الأنواع المختلفة للقدرات العقلية:
 وهذا النوع يبين لنا موطن الضعف،وموطن القوة،إلى جانب الذكاء الكلي، وطبيعي أن هذا النوع أدق من الاختبارالأول.
كان علماء النفس  يعتقدون أن نسبة الذكاء ثابتة، وغير قابلة للتغيير، ولا زال البعض منهم يأخذ بهذه الفكرة، غير أن الدلائل تشير إلى أن النمو في قدرة الطفل العقلية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا بشكل منتظم، بل تتخلله حالات من البطء، وحالات من السرعة، وهي تتوقف على طبيعة النمو  وعوامله المختلفة.
إن الذكاء يتأثر حتماً بالتفاعل بين عاملي [الوراثة] و[البيئة] وإذا ما تبين أن ذوي التلميذ لا يعانون من أي عوق أو تخلف عقلي أو اضطرابات نفسية، وإذا ما توفرت البيئة الصحية والطبيعية الملائمة، فإن النمو يجري على أحسن الوجوه.

غير أن هناك حقيقة لا ينبغي إغفالها أبداً وهي أن اختبارات الذكاء قد لا توصلنا إلى حد الكمال وذلك لوجود عوامل مختلفة تؤثر على مدى دقتها كالمرض والاضطراب النفسي والخبرة التي اكتسبها الطفل من بيئته لأنها تلعب دوراً مهماً في الموضوع.

وعلى كل حال يمكننا أن نحصل على النتائج المفيدة إلى حد بعيد إذا ما كانت الاختبارات التي أجريناها دقيقة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في هذا المجال، وينبغي لنا أن نؤكد على أن نجاح التلميذ في اختبارات الذكاء لا يعني أنه لن يفشل في دراسته العليا، إذا ما اجبرالتلميذ على دراسة فرع لا يرغب به، وليست له القدرة عليه، ولذلك لابدّ أن تكون هناك اختبارات أخرى تحدد لنا الاتجاه الذي ينبغي للتلميذ أن يسلكه.

ثالثا: اختبار القدرات 
وهذا النوع من الاختبارات له أهمية خاصة، حيث أنه لا يعطينا فقط مستوى قدرة التلميذ في مجال ما، في الوقت الذي جرى فيه الاختبار، وإنما يتعداه إلى كشف المستوى الذي يمكن أن تبلغه قدراته في هذا المجال، إذا ما نال من مربيه في البيت والمدرسة، الرعاية والعناية اللازمتين.
ومن الأنواع الشائعة لهذه الاختبارات: (27)
1ـ الاختبار في القدرة الموسيقية .
2 ـ الاختبار في القدرة الفنية ، من رسم ونحت وتمثيل.
3 ـ الاختبار في القدرة الميكانيكية .
4 ـ الاختبار في القدرة الأدبية .
وبهذه الأنواع من الاختبارات نستطيع أن نحدد قابلية التلميذ في هذه المجالات،ومدى إمكانية تطوير هذه القابلية في أي من هذه المجالات، كي نوجهه الوجهة الصحيحة التي تمكنه من النجاح  فيها بتفوق .

رابعا: اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي: 
وهذه الاختبارات تكشف لنا عن ميول التلميذ، ومزاجه، ومشاكله الشخصية، وهي لا  تعطينا إجابات محددة صحيحة أو خاطئة عن الأسئلة المطروحة، والتي يطلب فيها من التلميذ الإجابة بما يشعر به بل تقيس جميع مظاهره الشخصية. وهذا النوع من الاختبارات له أهمية بالغة بالنسبة لعمليتي التربية والتعليم،وذلك لأن المعلم لا يستطيع أن يربي تلاميذه التربية الصحيحة، ويعلمهم بسهولة ويسر، إلا إذا فهم كل تلميذ فهماً صحيحاً، من حيث الميول، والرغبات والمزاج، والتعرف على المشاكل التي يعانيها في البيت والمدرسة، ويعمل على تذليلها.
بقي لي كلمة أخيرة أقولها بكل أسف ومرارة، أن المدارس في معظم ما يسمى بالعالم الثالث لا تهتم بهذه الأنواع من الاختبارات، وجل اهتمامها ينصب على اختبارات التحصيل الدراسي، بل لا أغالي إذا قلت أن الكثير من المعلمين لم يسمعوا عن هذه الاختبارات، ولا يعرفون شيئاً عنها، وهكذا بقيت الأساليب التربوية والتعليمية مبتورة، وسببت ضياع الجهود والإمكانيات لدى الأبناء، وعلى هذه المدارس أن تغير من أساليبها، لتلافي نواحي النقص فيها إذا شاءت النهوض بشعبها إلى مصاف الأمم المتقدمة الأخرى.

أنواع التأخر الدراسي:
يختلف التأخر الدراسي من تلميذ إلى آخر، ولكل نوع من التأخر الدراسي أسبابه وظروفه، وسبل معالجته، وإجمالاً يمكن تحديد أنواعه بما يأتي:
1 - التأخر الدراسي المرضي: ويتطلب هذا النوع علاجاً طبياً، وغالباً ما يكون علاجه صعباً، ولا شك أن العقل السليم في الجسم السليم ولا يمكن للتلميذ المريض أن يفكر وينجز مهامه الدراسية وهو يعاني من مرض جسدي .
2 ـ-  التأخر الدراسي غير طبيعي : وهذا النوع يمكن علاجه بالوسائل التربوية العلمية، وهو ما يمكن أن تقوم به المدرسة بالتعاون مع البيت، وهذا النوع من التأخر يمكن أن يكون في جميع الدروس، وقد يكون تأخراً في بعض الدروس، وقد يكون تأخراً في درس واحد فقط فقط، وقد يكون التأخر وقتياً  وقد يستمر وقتاً طويلاً ، ولكل نوع من هذه الأنواع مسبباته ووسائل علاجه. (28)
ما هي مسببات التأخر الدراسي ؟
إن أهم العوامل  المسببة للتأخر الدراسي هي التالية:
1ـ العامل العقلي:
كالتأخر في الذكاء بسبب مرضي أو عضوي .

2ـ العامل النفسي:
 كضعف الثقة بالنفس ،أو الكراهية لمادة معينة، أو كراهية معلم المادة بسبب سوء معاملته لذلك التلميذ، وأسلوبتعامل الوالدين مع أبنائهم .

3ـ العامل الجسمي:
 كون التلميذ يعاني من عاهة أو أي إعاقة بدنية.

4 ـ العامل الاجتماعي:
 ويتعلق هذا العامل بوضع التلميذ في البيت والمدرسة، وعلاقاته بوالديه ومعلميه وأخوته وأصدقائه.
 إن هذه العوامل كلها ذات تأثير مباشر في التأخر الدراسي لدى التلاميذ، وعلى ضوء دراستها نستطيع أن نعالج التلاميذ المتأخرين دراسياً والذين تثبت مقاييس الذكاء أن تخلفهم أمر غير طبيعي. ومما تجدر الإشارة إليه أن التأخر الدراسي لدى التلاميذ يصاحبه في اغلب الأحيان الهرب من المدرسة، والانحراف نحو الجرائم، من سرقة واعتداء وغيرها، ذلك أن التلاميذ الفاشلين في دراستهم يستجيبون أسرع من غيرهم لهذه الأمور بسبب شعورهم بالفشل،  وعدم القدرة على مواصلة الدراسة والتحصيل، ولو تتبعنا أوضاع وسلوك معظم المنحرفين لوجدنا أنهم خرجوا من بين صفوف التلاميذ المتأخرين دراسياً. (29)

كيف نعالج مسألة التأخر الدراسي:
 إن معالجة مسألة التأخر الدراسي  للنوع الثاني [غير الطبيعي] تتوقف على التعاون التام والمتواصل  بين ركنين أساسيينوهما البيت والمدرسة.
أولاًـ البيـت:     
 ونعني بالبيت طبعاً المهمات التربوية للآباء والأمهات، ومسؤولياتهم بتربية أبنائهم تربية صالحة، باستخدام الوسائل التربوية الحديثة القائمة على تفهم حاجات الأبناء ومشاكلهم وسبل تذليلها، حيث العائلة كما أسلفنا من قبل هي المدرسة الأولى التي ينشأ بين أحضانها أبناءنا، ويتعلموا منها الكثير. ولا يتوقف عمل البيت عند المراحل الأولى من حياة الطفل، بل يمتد ويستمر لسنوات طويلة حيث يكون الأبناء بحاجة إلى خبرة الكبار في الحياة، وهذا يتطلب منا:
1ـ الإشراف المستمر على دراستهم، وتخصيص جزء من أوقاتنا لمساعدتهم على تذليل الصعاب التي تجابههم بروح من العطف والحنان والحكمة، والعمل على إنماء أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم ، وتجنب كل ما من شأنه الحطّ من قدراتهم العقلية بأي شكل من الأشكال، لأن مثل هذا التصرف يخلق عندهم شعوراً بعدم الثقة بالنفس ويحد من طموحهم .
2ـ مراقبة أوضاعهم وتصرفاتهم وعلاقاتهم بزملائهم وأصدقائهم، وكيف يقضون أوقات الفراغ داخل البيت وخارجه، والعمل على إبعادهم عن رفاق السوء، والسمو بالدوافع، أوالغرائز التي تتحكم بسلوكهم وصقلها، وإذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفوسهم .
 3ـ  العمل على كشف مواهبهم وهواياتهم، وتهيئة الوسائل التي تساعد على تنميتها وإشباعها.
4ـ مساعد أبنائنا على تحقيق خياراتهم، وعدم  إجبارهم على خيارات لا يرغبون فيها.
5 - تجنب استخدام الأساليب القسرية في تعاملنا معهم، وعدم النظر إليهم، والتعامل معهم  وكأنهم في مستوى الكبار، وتحميلهم أكثر من طاقاتهم، مما يسبب لهم النفور من الدرس والفشل.
6 - مساعدتهم على تنظيم أوقاتهم، وتخصيص أوقات معينة للدرس، وأخرى للراحة واللعب مع أقرانهم .




22
  دراسة تربوية
علمو ابناءكم الحياة
الحلقة الثامنة
حامد الحمداني                                24 / 11 / 2018
التدخين والكحول

من المشاكل الخطيرة التي يتعرض لها أبنائنا هي إقبال الكثير منهم على عادتي التدخين وشرب الكحول السيئتين واللتين إذا ما أدمنوا عليهما تسببان لهم افدح الأضرار.
ولا شك أن الأبناء ميالون دائماً للتقليد، وأن أقرب من يقلدوه بالدرجة الأساسية الأباء والأمهات، إضافة إلى تقليد الأصدقاء، فعندما يرى الأبناء آبائهم وأمهاتهم يدخنون، أو يتناولون الكحول، فأنهم لابد وان يشعروا بالرغبة في تجريب ذلك ولسان حالهم يقول أن آبائنا وأمهاتنا يدخنون ويتناولون الكحول فلماذا لا نمارس نحن ذلك؟
  يقول الإمام علي عليه السلام في إحدى حكمه: 
         لا تنهى عن خلق وتأتي مثله       
                                    عـارٌ عليك إذا فعلت عظيم
  كما يقول الشافعي في هذا الصدد :           
        يا أيـها الرجـل المعلم غيره         
                                  هـلا لنفسك كـان ذا التعـليمُ
      تصـف الــدواء لذي الضنى             
                                    كيما يصح به وأنت سـقيمُ
فكيف نستطيع أن نقنع أبنائنا بمخاطر التدخين والكحول ونحن نمارس هذا العمل أمامهم ؟ وهل سيصدقوننا في دعوانا ؟ أن هذا أمر مستحيل، و بكل تأكيد سنكون لهم قدوة سيئة وسنتحمل مسؤولية كبرى في انحراف أبنائنا.
إن علينا أن نعطيهم المثال والقدوة الحسنة، وعلينا أن نوضح لهم وباستمرار مخاطر هاتين العادتين السيئتين على صحتهم وحياتهم، وخاصة بعد أن اثبت الأبحاث بما لا يقبل الشك أن اخطر مسببات السرطان بأنواعه هو التدخين، إضافة إلى مخاطر أمراض القلب والكليتين، وتسوس الأسنان ..الخ.
كما ينبغي أن نوضح لهم أن الإدمان على الكحول يجعل الإنسان يفقد سيطرته على تصرفاته، ويسبب له الكثير من المشاكل، ويفقده القدرة على التركيز، وبالتالي الفشل في وضياع مستقبله.
كما أن على الآباء والأمهات أن يلاحظوا أبنائهم ويتحسسوا روائحهم وروائح ملابسهم للتأكد ما إذا كان أبناءهم يدخنون أو يتناولون الكحول، ويجب أن يعرفوا كيف يصرف أبناءهم النقود ، وهل أن ما صرفوه مساوياً لما أعطوه لهم أم لا ؟ وأن يتأكدوا من مصادر النقود أن كانت تزيد عن ما أعطوه لهم ، إذ ربما يلجأ الأبناء إلى طرق غير مشروعة للحصول على النقود من أجل تأمين السجائر أو الكحول  وعليهم أن يتعرفوا على أصدقائهم، وعلى سلوكهم، من أجل إبعادهم عن
 رفاق السوء.
إن على المدرسة أن تقوم بدورها في تحذير التلاميذ من مخاطر هاتين العادتين عن طريق تقديم دروس عملية ونظرية مدعمة بوسائل الإيضاح البصرية والسمعية عن مضار هاتين العادتين السيئتين، والاستعانة بالأفلام التي يمكن الحصول عليها من وزارة الصحة، والتي تبين الأضرار الجسيمة التي تصيب المدمنين.
وتقع على عاتق الدولة مسؤولية حشد وسائل الأعلام  المتوفر لديها للتحذير باستمرار من أخطار الإدمان، وعرض نماذج لما تعرض له الكثير من المدمنين، ومنع التدخين في المحلات العامة، ومنع الدعاية لها. كما ينبغي أن  تلعب الصحافة دوراً فعّالا في هذا المجال.
خامساً : المخدرات 
إنها وبكل تأكيد أخطر ما يواجه أجيالنا اليوم، أنها تفوق كل المخاطر الأخرى التي يمكن أن يتعرض لها أبناءنا، إنها تسرق منا أبنائنا، وتحيلهم حطاماً، وتدمر مستقبلهم ، وتدفعهم إلى الجريمة من أجل تأمين النقود اللازمة لشرائها إذا ما أدمنوا عليها .
إن العصابات المجرمة الساعية إلى الإثراء السريع على حساب حياة أبنائنا ومستقبلهم يلجئون إلى أبشع أسلوب في جرهم إلى تناول المخدرات ، وبالتالي الإدمان، فهم يحاولون في بادئ الأمر تزويدهم بالمخدرات بصورة مجانية لعدة مرات ريثما يدمنون عليها فلا يستطيعون الاستغناء عنها، وبذلك يصبح المدمن مضطراً إلى اللجوء إلى مختلف الوسائل والسبل للحصول على النقود لشراء المخدرات  ويتحولون شيئاً فشيئاً إلى عناصر مدمنة على الأجرام . ورغم أن الدولة تكافح بكل الوسائل والسبل تهريب المخدرات إلى داخل البلد، وتتابع المشبوهين في المتاجرة فيها والمدمنين عليها، إلا أن هذا الأجراء وحده لا يكفي، لأن يداً واحدة لا تصفق.
أن مكافحة المخدرات تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدولة من جهة وأولياء أمور الأبناء والمدرسة من جهة أخرى، وعلى الأباء والأمهات والمعلمين وإدارات المدارس أن تراقب أوضاع التلاميذ وتصرفاتهم وعلاقاتهم داخل المدرسة وخارجها. ولاشك أن تصرفات الأبناء وسلوكهم وعلاقاتهم بغيرهم، وخاصة من غير المحيط المدرسي، يمكن أن تكشف لنا عما إذا كان الأبناء يتناولون المخدرات أم لا، وبالإمكان ملاحظة جملة من التغيرات التي تطرأ على المراهقين الذين يتعاطون المخدرات والتي من أبرزها: (15)
1ـ الفقدان المفاجئ للاهتمام بالأسرة وبعلاقاتهم الطويلة المدى بأصدقائهم.
2 ـ مصاحبة أصدقاء وأفراد غير معروفين سابقاً.
3 ـ تدني مستوى التحصيل الدراسي المفاجئ.
4 ـ تقلب المزاج، والاكتئاب.
5 ـ ضعف النشاط والحيوية.
6ـ سرعة الاستثارة الغضب، والصراع غير العادي مع أفراد الأسرة.
7 ـ بُطء الكلام واضطرابه.
8 ـ نقص الوزن أو زيادته بصورة ملحوظة.
9 ـ الرجوع إلى المنزل مخموراً أو متبلداً.
10 ـ إحضار المواد المخدرة إلى المنزل والتباهي بامتلاكها.
11 ـ ممارسة السرقة.
12 ـ طلب النقود بصورة غير عادية ودون مبرر واضح.
13 ـ التحذير من قبل المعلمين أو الجيران أو الأقران.

أسباب توجه المراهقين نحو المخدرات:

 أن أهم الأسباب التي تشجع المراهقين على تناول المخدرات يمكن إجمالها بما يلي :
1ـ عامل البيئة والظروف الأسرية التي يعيش فيها الفرد، وخاصة الأبناء الذين تربطهم علاقات ضعيفة بالوالدين.
2ـ السلوك المتسم بالقسوة والرفض من قبل الوالدين، والذي يقابله التمرد والسلوك المضاد للمجتمع من قبل المراهقين.
3 ـ التصدع الأسري والانفصال والطلاق بين الوالدين.
4 ـ استخدام المواد المخدرة من قبل أحد الوالدين أو كليهما.
ومما تقدم يتبين لنا أن هناك خصائص عامة مشتركة تميز البيئة الأسرية التي ينتمي إليها مدمني المخدرات وذوي الاضطرابات السلوكية.
  أن على الأهل قبل كل شيء أن يكونوا القدوة الحسنة، والمثال الجيد لأبنائهم أولاً، وأن يراقبوا ويدققوا في أوضاعهم، ويحرصوا على معرفة كيفية حصول الأبناء على النقود، وهل أن ما لديهم وما يصرفوه يزيد على ما يُعطى لهم، والبحث والتدقيق عن مصدر تلك النقود الزائدة. إن عليهم الحرص على كون أصدقاء أبنائهم ممن يتصفون بالأخلاق الفاضلة والسلوك الحميد.
 ولاشك أن اللجوء إلى العنف إذا ما شعر الأهل بتناول أبنائهم المخدرات لا يمنعهم من نبذ هذه الآفة، وان السبيل الصحيح لمعالجة ذلك هو الاتصال بالمؤسسة الصحية التي تقوم بمعالجة المدمنين حيث أن لديها الوسائل الكفيلة بإنقاذ أبنائنا من هذا الوباء الوبيل، ومن تلك الوسائل استخدام العقاقير الطبية والتحليل النفسي، وتعديل السلوك في الأماكن المنعزلة [المصحات] هذا بالإضافة إلى جهود البيت والمدرسة في هذا السبيل .
كما أن علينا أن نتعاون في كشف العصابات التي تسعىإلى بث هذه السموم في المجتمع ، وإبلاغ السلطات عنهم لكي يتم تقديمهم إلى المحاكم المختصة لينالو عقابهم الذي يستحقونه وإنقاذ أجيالنا من شرورهم.

23
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة التاسعة
حامد الحمداني                                      27 / 11 /2018

مشاكل التأخر الدراسي

يتشكى الكثير من الآباء والأمهات من حالة التأخر الدراسي التي يعاني منها أبناءهم ، غير مدركين للأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر وسبل علاجها، وقد يلجأ البعض منهم إلى الأساليب غير التربوية والعقيمة، كالعقاب البدني مثلاً في سعيهم لحث أبنائهم على الاجتهاد، ولاشك أن الأساليب القسرية لا يمكن أن تؤدي إلى تحسين أوضاع أبنائهم، بل على العكس يمكن أن تعطينا نتائج عكسية لما نتوخاه .

إن معالجة مشكلة التأخر الدراسي لدى أبنائنا وبناتنا تتطلب الاستعانة بالأساليب التربوية الحديثة القائمة على العلم، فهي المنار الذي يمكن أن نهتدي بها للوصول إلى ما نصبوا له لأجيالنا الناهضة من تقدم ورقي وهذا بدوره يتطلب منا أن الإجابة على الأسئلة التالية:

1 ـ كيف نحدد التأخر الدراسي؟
2 ـ ما هي أنواع التأخر الدراسي؟
3 ـ ما هي مسببات التأخر الدراسي؟
4 ـ كيف يمكن علاج التأخر الدراسي؟

كيف نحدد التأخر الدراسي:
لكي نستطيع تحديد كون التلميذ متأخر دراسياً أم لا ينبغي الاستعانة بالاختبارات التالية :
1ـ اختبارات الذكاء .
2 ـ اختبارات القدرات .
3 ـ اختبارات التكيف الشخصي والاجتماعي. (24)
وسأحاول أن أقدم لمحة موجزة عن هذه الاختبارات وما يمكن أن تكشفه لنا كل واحدة منها من معلومات هامة ومفيدة تساعدنا على التعرف على مستوى ذكاء التلميذ، وما إذا كان عمره العقلي يتناسب مع عمره الزمني، أم انه أعلى، أم أدنى من ذلك، وتدلنا على الوسائل التي يمكن الاستعانة بها لمعالجة أسباب تأخره، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، وملافات الهدرالذي يمكن أن يصيب العملية التعليمية والتربوية إذا ما أهمل هذا الجانب من الاختبارات.

أولاً: اختبارات الذكاء:
الذكاء كما هو معلوم، القدرة على التعلم واكتساب الخبرات، وكلما زاد الذكاء، كلما زادت القدرة على التعلم، وطبيعي أن الأطفال جميعاً يختلفون بعضهم عن بعض بنسبة الذكاء، كاختلافهم في القدرة الجسمية سواء بسواء. ولقد كان العلماء فيما مضى يهتمون بكمية الذكاء لدى الطفل بصورة عامة، إلا أن الأبحاث الجديدة كشفت أن للذكاء أنواع متعددة، فقد نجد تلميذاً متفوقاً في الرياضيات، ولكنه ضعيف في الإنشاء والتعبير. إن لاختبارات الذكاء أهمية قصوى وينبغي أن تأخذها مدارسنا بالحسبان لكي تستطيع أن تؤدي عملها بنجاح.

ماذا تكشف لنا اختبارات الذكاء ؟
1ـ تعرفنا هذه الاختبارات إن كان تحصيل التلميذ متفقاً مع قدراته ، أم أن تحصيله أقل من ذلك ، وإلى أي مدى؟
2ـ تساعدنا على تقبل نواحي النقص، أو الضعف لدى التلميذ فلا نضغط عليه، ولا نحمله ما لا طاقة له به، فيهرب من المدرسة، ويعرض مستقبله للضياع .
3ـ تساعدنا على تحديد نواحي الضعف وامكانية معالجتها.
4ـ توضح لنا الفروق الفردية بين التلاميذ، ولهذا الأمر أهمية بالغة جداً، لا يمكن لأي معلم ناجح الاستغناء عنها.
5ـ تساعدنا هذه الاختبارات على تحديد نواحي القوة والتفوق لدى التلميذ ، والتي يمكن الاستعانة بها على معالجة نواحي الضعف لديه .
6- تساعدنا هذه الاختبارات على توجيه التلميذ الوجهة الصحيحة، فلا يكون معرضاً للفشل وضياع الجهود والأموال. (25)
وهكذا يتبين لنا أن الاهتمام بمثل هذه الاختبارات يتسم بأهمية كبيرة إذا ما أردنا النجاح في عملنا التربوي، وتجنبنا إضاعة الجهود، وحرصنا على أحوال التلاميذ النفسية، وجنبناهم كل ما يؤدي إلى الشعور بالفشل، وضعف الثقة بالنفس، وعدم القدرة، والشعور بالنقص، وربما يلجأ التلميذ إلى الهروب من المدرسة إذا ما وجد نفسه غير قادر على القيام بواجباته المدرسية شأنه شأن بقية زملائه في الصف. وتضم اختبارات الذكاء نوعين:

1 ـ نوع يقيس القدرة العقلية بصورة عامة: (26)
ويوضح لنا العلاقة بين [العمر العقلي]و[العمر الزمني]للتلميذ، وتعبرعنه هذه النتيجة بـ [ نسبة الذكاء ] حيث تقاس نسبة الذكاء بحاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني مضروباً في 100، فلو فرضنا أن طفلاً عمره الزمني يعادل 10 سنوات، وأن نتائج اختبارات الذكاء بينت أن عمره العقلي يعادل 9 سنوات فإن نسبة الذكاء لديه تساوي 90% . ومن الواضح أن التلميذ المتوسط تكون نسبة ذكائه 100 %،
فمن كان نسبة ذكائه ما بين 80 إلى 90% كان ذكاء ذلك التلميذ دون المتوسط. ومن كان نسبة ذكائه من بين 90 إلى 110 فهو متوسط الذكاء .
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 110 إلى 120 كان ذكياً
ومن كانت نسبة ذكائه ما بين 120 إلى 140 كان ذكياً جداً .
ومن كان نسبة ذكائه ما فوق 140 كان التلميذ عبقرياً.

2 ـ نوع يقيس الأنواع المختلفة للقدرات العقلية:
وهذا النوع يبين لنا موطن الضعف،وموطن القوة،إلى جانب الذكاء الكلي، وطبيعي أن هذا النوع أدق من الاختبارالأول.
كان علماء النفس يعتقدون أن نسبة الذكاء ثابتة، وغير قابلة للتغيير، ولا زال البعض منهم يأخذ بهذه الفكرة، غير أن الدلائل تشير إلى أن النمو في قدرة الطفل العقلية لا تسير على وتيرة واحدة، ولا بشكل منتظم، بل تتخلله حالات من البطء، وحالات من السرعة، وهي تتوقف على طبيعة النمو وعوامله المختلفة.
إن الذكاء يتأثر حتماً بالتفاعل بين عاملي [الوراثة] و[البيئة] وإذا ما تبين أن ذوي التلميذ لا يعانون من أي عوق أو تخلف عقلي أو اضطرابات نفسية، وإذا ما توفرت البيئة الصحية والطبيعية الملائمة، فإن النمو يجري على أحسن الوجوه.
غير أن هناك حقيقة لا ينبغي إغفالها أبداً وهي أن اختبارات الذكاء قد لا توصلنا إلى حد الكمال وذلك لوجود عوامل مختلفة تؤثر على مدى دقتها كالمرض والاضطراب النفسي والخبرة التي اكتسبها الطفل من بيئته لأنها تلعب دوراً مهماً في الموضوع.
وعلى كل حال يمكننا أن نحصل على النتائج المفيدة إلى حد بعيد إذا ما كانت الاختبارات التي أجريناها دقيقة، وإذا ما أخذنا في الاعتبار جميع العوامل المؤثرة في هذا المجال، وينبغي لنا أن نؤكد على أن نجاح التلميذ في اختبارات الذكاء لا يعني أنه لن يفشل في دراسته العليا، إذا ما اجبرالتلميذ على دراسة فرع لا يرغب به، وليست له القدرة عليه.
ولذلك لابدّ أن تكون هناك اختبارات أخرى تحدد لنا الاتجاه الذي ينبغي للتلميذ أن يسلكه.

24
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
حامد الحمداني                            الحلقة السادسة                23/ 11 /2018     
                                 
                                                   { السرقة }
السرقة نوع من السلوك يعّبر به صاحبه عن حاجة شخصية  أو نفسية، وهي كصفة الكذب ليست عادة فطرية، بل مكتسبة وأساسها الرغبة في التملك بالقوة، وبدون وجه حق،أو بسبب العوز والحاجة، وخاصة عند ما يجد الطفل زملائه يحصلون من ذويهم على كل ما يشتهون ويطلبون، وعدم قدرته على إشباع حاجاته ورغباته أسوة بزملائه، وهذه الصفة ذات تأثير اجتماعي سيئ جداً، لأن ضررها يقع على الآخرين، ولمعالجة هذه الظاهرة لدى أبنائنا يتطلب منا أولاً أن نتعرف على دوافع السرقة، والتي يمكن تلخيصها بما يلي :
 دوافع السرقة :
1 ـ دوافع ظاهرية : وتتلخص هذه الدوافع في :
أ- الرغبة في إشباع الحاجة، ويتمثل أخطرها لدى المراهقين المدمنين على المخدرات.
ب ـ الرغبة في إشباع الميول والعاطفة والهوايات.
      ج ـ الرغبة في التخلص من مأزق.
       د ـ الرغبة في الانتقام .

2 ـ دوافع لاشعورية: وهي ناجمة عن علاقة السارق بالبيئة التي يعيش فيها، والعلاقات الاجتماعية السائدة فيها، حيث يتعلم الأبناء من ما حولهم من الأولاد المنحرفين سلوكياً.
ولابد أن أشير إلى أن السرقة لها حالات مختلفة، فقد تكون السرقة فردية، وقد تكون جماعية، وقد يسرق الشخص نوعاً معيناً من الأشياء، أو أنواعاً متعددة، وقد يكون السارق تابعاً، وقد يكون متبوعاً، وقد تكون السرقة رغبة ذاتية، وقد تكون بالإكراه، ولاشك أن لكل واحدة من هذه الأنواع طريقة معينة للعلاج تختلف عن الأخرى.

كيف نعالج مشكلة السرقة ؟
يرى علماء التربية وعلم النفس أن السرقة تتطلب أن يكون لدى السارق مهارات عقلية وجسمية هامة تمكنه من القيام بهذا العمل الخطير والضار، وقد تم تحديدها بما يلي :
   أ ـ سرعة الحركة، وخصوصاً حركة الأصابع .
   ب ـ دقة الحواس، من سمع وبصر.
   ج ـ الجرأة وقوة الأعصاب.
    د ـ  الذكاء.
    و ـ الملاحظة الدقيقة والاستنتاج. (14)

وطبيعي أن هذه المهارات تكون ذات فائدة عظمى بالنسبة لأبنائنا إذا ما وجهت توجهاً خيراً وصحيحاً، وإن بالإمكان أن نوجهها كذلك إذا اتبعنا الأساليب التربوية الصحيحة.
 فلو وجدنا مثلاً طفلاً يمد يده إلى شيء لا يملكه، فيجب أن نعلمه بشكل هادئ أن عليه أن يستأذن قبل أن يأخذه، لأن هذا الشيء لا يعود إليه، وينبغي عدم اللجوء إلى التعنيف وكيل الأوصاف القاسية من لصوصية وغيرها لآن هذا الأسلوب له نتائج عكسية لما نبتغي.
كما أن علينا أن لا نصف الطفل عند قيامه بهذا العمل للمرة الأولى بأنه لص أو ما شابه ذلك، حيث أن لهذا التصرف تأثير سييء على مستقبل الطفل، بل علينا أن نتتبع دوافع السرقة لنتمكن من اتخاذ الوسائل الكفيلة بعلاجه، ونعمل على إشباع رغبته التي دفعته للسرقة بالطرق والأساليب الصحيحة لنجعله قادراً على ضبط رغباته والتحكم فيها.

كما أن علينا أن نخلق لدى الطفل شعوراً بالتملك الشخصي، ونعلمه ما يخصه وما لا يخصه،  وكيف يحافظ على الأشياء التي تخصه. ولابدّ لنا أن نخصص لأبنائنا مصروفاً يومياً، مع الأشراف على طريقة صرفهم للنقود، وتعويدهم على عادة الادخار.

 إن الطفل الذي يرى زملائه يصرفون النقود ويشترون داخل المدرسة وخارجها ، ولا يجد لديه ما يشتري به أسوة بزملائه  ربما يلجأ إلى الحصول على النقود أو الأشياء بطريق غير شرعي، وغير سليم.

وأخيراً فأن تعزيز الصداقة بين الأبناء وأصدقائهم، والمعاملة الطيبة التي يلقونها في البيت والمدرسة من قبل الآباء والأمهات والمعلمين والإدارة عامل هام لمنع وقوع السرقة، فمن المعروف أن الصديق لا يفكر بالسرقة من صديقه.

 إن علينا أن نستغل الجوانب الإيجابية لدى أبنائنا من أجل رفع مستواهم العقلي والاجتماعي، وجعلهم يشعرون  بقيمتهم في المجتمع عند ما يكونوا أمناء، كما أن إشباع حاجاتهم المادية يجعلهم لا يشعرون بوجود تباين طبقي بين طفل وآخر، وهذا هو أحد الأسباب الهامة التي تمنع وقوع السرقة بين أبنائنا.

ولابد أن أشير إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة تحترم الصدق قولاً وعملاً، غالبا ما ينشأ أمينا في أقواله وأعماله، وخاصة إذا وفرنا له حاجاته النفسية الطبيعية ، من الاطمئنان والحرية والتقدير والعطف ، والشعور بالنجاح ، فإذا ما وفرنا له كل ذلك فإنه لن يلجأ إلى التعويض عن النقص، أو التوجه نحو القسوة أو الانتقام وغيرها من الاتجاهات التي تجد في أنواع الكذب صوراً مناسبة للتعبير عن نفسها.

 ثالثاً : التشاجر، والتخريب، وحب الاعتداء :
من المشاكل التي نواجهها لدى أبنائنا سواء كان ذلك في المدرسة أو خارجها، هي الميل الموجود لديهم للتخريب وللتشاجر والاعتداء على بعضهم البعض، والانتقام والمعاندة والمشاكسة والتحدي والاتجاه نحو التعذيب والتنغيص وتعكير الجو العام، وإحداث الفتن.
 ويصاحب الاعتداء والتشاجر عادةً حالة من نوبات الغضب بصور ودرجات مختلفة، والغضب كما هو معروف حالة نفسية يشعر بها كل إنسان، لكنهم يختلفون في أساليب التعبير وفي ردود أفعالهم عند ما تنتابهم نوبة الغضب.
 فقد يلجأ أحدهم إلى الضرب او إلى التخريب والاعتداء على الممتلكات وغيرها، و قلما يمر يوم واحد دون أن نجد العشرات من الحوادث من هذا القبيل، ولابد أن نسأل أنفسنا:
 لماذا يحدث هذا الميل لدى الأبناء ؟ وما هي سبل العلاج ؟
لقد ذكرنا فيما سبق أن لدى كل إنسان استعداد فطري متأصل  [غريزة المقاتلة والخصام ]، ونحن لا  يمكننا أن نقتلع هذه الغريزة مطلقاً، وإن أي محاولة من هذا النوع ليس فقط سيكون مصيرها الفشل، بل أنها سوف تؤثر تأثيراً سلبياً بالغاً على شخصية الطفل، بحيث يغدو جباناً، ومنطوياً على نفسه  يتملكه الخوف، ويتسم بضعف الشخصية.

 فالواجب يقتضي منا أن نعمل على توجيه هذه الغريزة نحو البناء لا الهدم، وعلينا أن نخلق جيلاً شجاعاً يعتد بشخصيته، وأن نغرس فيه روح المحبة للإنساني، وأن نخلق البيئة اللازمة لأبنائنا التي تستطيع إعطاءهم الأمن والاحترام والتقدير، وأن نهيئ لهم نشاطاً اجتماعياً مفيداً يعبرون فيه عن نوازعهم، ويستخدمون طاقاتهم في مختلف المجالات الرياضية والاجتماعية والأدبية وغيرها.

ولا بدّ أن أشير هنا إلى أن الوراثة لها دور كبير في انحراف الأبناء، فلا بدّ والحالة هذه من دراسة الأوضاع العائلية في كل حالة بصورة دقيقة، والوقوف أوضاع وسلوك أبويه واخوته، لكي نستطيع معالجة ذلك بشكل صحيح. ينبغي علينا أن لا نقيد حرية أبنائنا بشكل قاسٍ، وطبيعي يجب أن لا نمنحهم الحرية المطلقة ليفعلوا ما يشاءون، إذ أن كلا الحالتين تؤديان إلى ضرر بليغ.

كما أن على الآباء والأمهات والمعلمين أن لا يقابلوا غضباً بغضب، بل ينبغي معالجة المشاكل بحكمة وهدوء ودراية، وأن نوجه الأبناء الميالين للعنف نحو الألعاب الرياضية والفن والرسم والمسرح  لكي يستنفذوا طاقاتهم في هذا المجال، وعلى المربين أن يشيعوا داخل المدرسة جواً مشبعاً بالود والمحبة تجاه التلاميذ بحيث يشعرونهم أنهم يعيشون في جو عائلي حقيقي تسوده المحبة ويتصف بالتعاطف والتعاون بين أفرادها.



25

علموا ابنائكم الحياة / الحلقة السادسة
حامد الحمداني                            2018 / 11 / 18


المشاكل السلوكية المكتسبة

يقصد بالمشاكل السلوكية المكتسبة العادات السيئة التي لا ترجع إلى أية دوافع فطرية، بل يكتسبها الأبناء من المحيط الذي يعيشون فيه، عن طريق التقليد، فهي إذا ليست حتمية، وبالتالي يمكن تجنبها إذا ما نجحنا في تربية أبنائنا تربية صالحة وحذرناهم من عواقب هذا السلوك الذي لا يجلب لهم إلا الشر والأذى، ويمكننا أن نحدد أهم تلك العادات السيئة والخطرة والتي تصيب أبنائنا بأفدح الأضرار، والتي ينبغي أن نعير لمعالجتها أهمية خاصة بما يأتي :
1 ـ الكذب .   
2ـ السرقة .   
3 ـ التشاجر وحب الاعتداء .
4ـ التدخين والكحول .   
5 ـ المخدرات
وسأحاول فيما يلي أن أقدم نبذة عن هذه الآفات وسبل حماية أبنائنا من أخطارها.
1 ـ الكذب :
الكذب من ابرز العادات الشائعة لدى الأبناء، والتي قد تستمر معهم في الكبر إذا ما تأصلت فيهم، وهذه العادة ناشئة في اغلب الأحيان عن الخوف، وخاصة في مرحلة الطفولة،من عقاب يمكن أن ينالهم بسبب قيامهم بأعمال منافية للأخلاق، أو بسبب محاولتهم تحقيق أهداف وغايات غير مشروعة، ويكون الغرض منه بالطبع حماية النفس. وللكذب صلة بعادتين سيئتين أخريين هما السرقة والغش، ويمكن إجمال هذه الصفات الثلاثة السيئة بـ [ عدم الأمانة ]، حيث يلجأ الفرد للكذب لتغطية الجرائم التي يرتكبها للتخلص من العقاب، وقد وجد الباحثون في جرائم الأحداث بنوع خاص أن من اتصف بالكذب يتصف عادة بصفتي الغش والسرقة، فهناك صلة وثيقة تجمع بين هذه الصفات، فالكذب والغش والسرقة صفات تعني كلها [عدم الأمانة].
يلجأ الكثير من المربين إلى الأساليب القسرية لمنع الناشئة من تكرار هذه العادة، غير أن النتائج التي حصلوا عليها هي أن هؤلاء استمروا على هذا السلوك ولم يقلعوا عنه، وعلى هذا الأساس فإن معالجة الكذب لدى أبنائنا يحتاج إلى أسلوب آخر، إيجابي وفعّال، وهذا لا يتم إلا إذا درسنا هذه الصفة وأنواعها ومسبباتها، فإذا ما وقفنا على هذه الأمور استطعنا معالجة هذه الآفة الخطيرة.
أنواع الكذب : (11)
1 ـ الكذب الخيالي :
كأن يصور أحد الأبناء قصة خيالية ليس لها صلة بالواقع، وكثيراً ما نجد قصصاً تتحدث عن بطولات خيالية لأناس لا يمكن أن تكون حقيقية. إن علينا كمربين أن نعمل على تنمية خيال أطفالنا لكونه يمُثل جانباً إيجابياً في سلوكهم، وذو أهمية تربوية كبيرة، وحثهم لكي يربطوا خيالهم الواسع بالواقع من أجل أن تكون اقرب للتصديق والقبول.
غير أن الجانب السلبي في الموضوع هو إن هذا النوع يمكن أن يقود صاحبه إلى نوع آخر من الكذب أشد وطأة، وأكثر خطورة إذا لم أن نعطيه الاهتمام اللازم لتشذيبه وتهذيبه .
2 ـ الكذب الإلتباسي :
وهذا النوع من الكذب ناشئ عن عدم التعرف أو التأكد من
أمر ما، ثم يتبين أن الحقيقة على عكس ما رواه لنا الشخص
الشخص فهو كذب غير متعمد، وإنما حدث عن طريق الالتباس، وهذا النوع ليس من الخطورة بمكان. وهنا ينبغي أن يكون دورنا بتنبيه أبنائنا إلى الاهتمام بالدقة وشدة الملاحظة تجنباً للوقوع في الأخطاء.
3 ـ الكذب الادعائي :
وهذا النوع من الكذب يهدف إلى تعظيم الذات، وإظهارها بمظهر القوة والتسامي لكي ينال الفرد الإعجاب، وجلب انتباه الآخرين، ومحاولة تعظيم الذات، ولتغطية الشعور بالنقص، وهذه الصفة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء. فكثيراً ما نجد أحداً يدعي بشيء لا يملكه، فقد نجد رجلاً يدعي بامتلاك أموال طائلة، أو مركز وظيفي كبير، أو يدعي ببطولات ومغامرات لا أساس لها من الصحة، وعلينا في مثل هذه الحالة أن نشعر أبنائنا أنهم إن كانوا اقل من غيرهم في ناحية ما فإنهم احسن من غيرهم في ناحية أخرى وعلينا أن نكشف عن كل النواحي الطيبة لدى أطفالنا وننميها ونوجهها الوجهة الصحيحة لكي نمكنهم من العيش في عالم الواقع بدلاً من العيش في عالم الخيال الذي ينسجونه لأنفسهم، وبذلك نعيد لهم ثقتهم بأنفسهم، ونزيل عنهم الإحساس بالنقص.
4 ـ الكذب الانتقامي :
وهذا النوع من الكذب ناشئ بسبب الخصومات التي تقع بين الأبناء وخاصة التلاميذ، حيث يلجأ التلميذ إلى إلصاق تهم كاذبة بتلميذ آخر بغية الانتقام منه، ولذلك ينبغي علينا التأكد من كون التهم صحيحة قبل اتخاذ القرار المناسب إزاءها، وكشف التهم الكاذبة، وعدم فسح المجال أمام أبنائنا للنجاح في عملهم هذا كي يقلعوا عن هذه العادة السيئة.
5 ـ الكذب الدفاعي :
وهذا النوع من الكذب ينشأ غالباً بسبب عدم الثقة بالأباء والأمهات بسبب كثرة العقوبات التي يفرضونها على أبنائهم، أو بسبب أساليب القسوة والعنف التي يستعملونها ضدهم في البيت مما يضطرهم إلى الكذب لتفادي العقاب، وهذا النوع من الكذب شائع بشكل عام في البيت والمدرسة.
فعندما يعطي المعلم لطلابه واجباً بيتيا فوق طاقتهم ويعجز البعض عن إنجازه نراهم يلجئون إلى اختلاق مختلف الحجج والذرائع والأكاذيب لتبرير عدم إنجازهم للواجب، وكثيراً ما نرى قسماً من التلاميذ يقومون بتحوير درجاتهم من الرسوب إلى النجاح في الشهادات المدرسية خوفاً من ذويهم.
وفي بعض الأحيان يكون لهذا النوع من الكذب ما يبرره حتى لدى الكبار، فعندما يتعرض شخصاً ما للاستجواب من قبل سلطات الأنظمة القمعية بسبب نشاطه الوطني، يضطر لنفي التهمة لكي يخلص نفسه من بطش السلطات، وفي مثل هذه الأحوال يكون كذبه على السلطات مبرراً.
إن معالجة هذا النوع من الكذب يتطلب منا آباء ومعلمين أن ننبذ الأساليب القسرية في تعاملنا مع أبنائنا بصورة خاصة، ومع الآخرين بصورة عامة كي لا نضطرهم إلى سلوك هذا السبيل.
6 ـ الكذب الوقائي [ الدفاعي :
وهذا النوع من الكذب نجده لدى بعض الأبناء الذين يتعرض أصدقاءهم لاتهامات معينة فيلجئون إلى الكذب دفاعاً عنهم . فلو فرضنا أن تلميذاً أقدم على كسر زجاجة إحدى نوافذ الصف، فإننا نجد بعض التلاميذ الذين تربطهم علاقة صداقه وثيقة معه ينبرون للدفاع عنه، نافين التهمة رغم علمهم بحقيقة كونه هو الفاعل.
وعلى المربي في هذه الحالة أن يحرم هؤلاء من الشهادة في الحوادث التي تقع مستقبلاً لكي يشعروا أن عملهم هذا يقلل من ثقة المعلم بهم، وعليه عدم اللجوء إلى الأساليب القسرية لمعالجة هذه الحالات، وتشجيع التلاميذ على الاعتراف بالأخطاء والأعمال التي تنسب لهم، وان نؤكد لأبناء أن الاعتراف بالخطأ سيقابل بالعفو عنهم، وبذلك نربي أبناءنا على الصدق والابتعاد عن الكذب.
7 ـ الكذب الغرضي [ الأناني ] :
ويدعى هذا النوع من الكذب كذلك [الأناني ]، وهو يهدف بالطبع إلى تحقيق هدف يسعى له بعض الأبناء للحصول على ما يبتغونه، فقد نجد أحدهم ممن يقتر عليه ذويه يدعي انه بحاجة إلى دفتر أو قلم أو أي شيء آخر بغية الحصول على النقود لإشباع بعض حاجاته المادية، وهذا يتطلب من الأهل أن لا يقتروا على أبنائهم فيضطرونهم إلى سلوك هذا السبيل.
8 ـ الكذب العنادي:
ويلجأ الطفل إلى هذا النوع من الكذب لتحدي السلطة سواء في البيت أو في المدرسة عندما يشعر أن هذه السلطة شديدة الرقابة وقاسية، قليلة الحنو في تعاملها معه، فيلجأ إلى العناد، وهو عندما يمارس مثل هذا النوع من الكذب فإنه يشعر بنوع من السرور.
ويصف الدكتور عبد العزيز القوصي حالة تبول لا إرادي لطفل تتصف أمه بالجفاف الشديد، فقد كانت تطلب منه أن لا يشرب الماء قبل النوم، لكنه رغبة منه في العناد كان يذهب إلى الحمام بدعوى غسل يديه ووجهه، لكنه كان يشرب كمية من الماء دون أن تتمكن أمه من ملاحظة ذلك، مما يسبب له التبول اللاإرادي في المنام ليلاً. (12)
9 ـ الكذب التقليدي:
ويحدث هذا النوع من الكذب لدى الأطفال حيث يقلدون آبائهم وأمهاتهم الذين يكذب بعضهم على البعض الآخر على مرأى ومسمع منهم، أو أن يمارس الوالدان الكذب على الأبناء، كأن يَعِدان أطفالهم بشراء هدية، أو لعبة ما، ولا يوفيان بوعودهما فيشعرون بأن ذويهم يمارسون الكذب عليهم، فيتعلمون منهم صفة الكذب التي يمكن أن تترسخ لديهم هذه العادة بمرور الوقت.
إن على الوالدين أن يكونا قدوة صالحة لأبنائهم، وأن يكونا صادقين وصريحين في التعامل معهم، فهم يتخذونهم مثالاً يحتذون بهم كيفما كانوا، فإن صلح الوالدين صلح الأبناء في غالب الأحيان ، وإن فسدوا فسد أبناؤهم.

10 ـ الكذب المرضي المزمن :
وهذا النوع من الكذب نجده لدى العديد من الأشخاص الذين اعتادوا على الكذب، ولم يعالجوا بأسلوب إيجابي وسريع فتأصلت لديهم هذه العادة بحيث يصبح الدافع للكذب لاشعورياً وخارجاً عن إرادتهم، وأصبحت جزءاً من حياتهم ونجدها دوما في تصرفاتهم وأقوالهم.
فهم يدعون أموراً لا أساس لها من الصحة، ويمارسون الكذب في كل تصرفاتهم وأعمالهم، وهذه هي اخطر درجات الكذب، واشدها ضرراً، وعلاجها ليس بالأمر السهل ويتطلب منا جهوداً متواصلة ومتابعة مستمرة.
كيف نعالج مشكلة الكذب ؟
لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية لدى أبنائنا ينبغي لنا أن نلاحظ ما يلي:
1 ـ التأكد إذا ما كان الكذب لدى أبنائنا نادراً أم متكرراً .
2 ـ إذا كان الكذب متكرراً فما هو نوعه ؟ وما هي دوافعه ؟
3ـ عدم معالجة الكذب بالعنف أو السخرية والإهانة، بل ينبغي دراسة الدوافع المسببة للكذب .
4ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب للنجاح في كذبه، لأن النجاح يشجعه على الاستمرارعليه.
5 ـ ينبغي عدم فسح المجال للكاذب لأداء الشهادات.
6ـ ينبغي عدم إلصاق تهمة الكذب جزافاً قبل التأكد من صحة الواقعة.
7ـ ينبغي أن يكون اعتراف الكاذب بذنبه مدعاة للتخفيف أو العفو عنه، وبهذه الوسيلة نحمله على قول الصدق.
8ـ استعمال العطف بدل الشدة، وحتى في حالة العقاب فينبغي أن لا يكون العقاب اكبر من الذنب بأية حال من الأحوال.
9 ـ عدم إرهاق التلاميذ بالواجبات البيتية.
10ـ عدم نسبة أي عمل يقوم به المعلمون أو الأهل إلى التلاميذ على أساس انه هو الذي قام به، كعمل النشرات المدرسية، أو لوحات الرسم وغيرها من الأمور الأخرى.

وختاماً ينبغي أن نكون صادقين مع أبنائنا وطلابنا في كل تصرفاتنا وعلاقاتنا معهم، وأن ندرك أن الطفل الذي ينشأ في محيط يحترم الصدق يتعود عليه، وأنه إذا ما توفر له الاطمئنان النفسي والحرية والتوجيه الصحيح فإن الحاجة تنتفي إلى اللجوء إلى الكذب . (13)


26


دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الخامسة
حامد الحمداني                                15/11/2018

12 ـ الغريزة الجنسية :
وتعتبر هذه الغريزة من أقوى الغرائز البشرية وأخطرها في الوقت نفسه، أنها غريزة البقاء للجنس البشري، والتي تتشابك مع غريزة الأبوة والأمومة لتكونا معاً اتحاداً مقدساً يجمع بين الذكر والأنثى لكي تنشأ الخلية الصغيرة في مجتمعنا أي [ الأسرة ] حيث يكّون مجموع الأسر المجتمعات البشرية.
تبدأ هذه الغريزة بالظهور منذ مراحل الطفولة الأولى بشكل بسيط وبدائي في بادئ الأمر، لكنها سرعان ما تتطور في بداية مرحلة المراهقة، وتشتد عنفواناً، حيث نجد الأبناء يميلون كل إلى الجنس الآخر[الذكر والأنثى ]، ويأخذ الجنس بالسيطرة على تفكيرهم باستمرار،ولذلك فأن مرحلة المراهقة تعتبر اخطر مراحل النمو، وأكثرها حاجة لإشراف الآباء والأمهات والمربين، وتقديم النصائح والإرشادات للمراهقين غير مكتملي النضوج، والذين يمكن أن يتعرضوا لأخطار كثيرة إذا أهملنا واجبنا تجاههم كمربين، وتركناهم يتخبطون في سلوكهم وتصرفاتهم .
ينبغي أن نعطي اهتماماً كبيراً للتربية الجنسية، سواء في البيت أو المدرسة ،وعدم التهيب من إعطاء أبنائنا وبناتنا المعلومات الكافية عن الحياة الجنسية، وينبغي لنا أن ندرك أن الاضطراب العصبي الذي نجده لدى المراهقين عائد في الواقع لتهديدهم من الاقتراب من المسألة الجنسية.

إن سياسة السكوت وحجب الحقائق الجنسية عن الأبناء تؤثران تأثيراً سلبياً بالغاً عليهم، إضافة إلى أنهم سيدركون أن ذويهم يكذبون عليهم، وهم سوف يجدون الحقيقة عاجلاً أم آجلاً، وعندما يكتشفونها فإنهم سوف لن يستمروا بمتابعة طرح الأسئلة على ذويهم، وسوف يستعيضون عن ذلك بالحصول على كل المعلومات المتعلقة بالحياة الجنسية من زملائهم الآخرين.

إن الكذب على الأبناء عملُ غير صحيح إطلاقاً وغير مرغوب فيه، وإن المعلومات عن المواضيع الجنسية ينبغي أن تعطى لهم تماماً بنفس اللهجة، ونفس الشيء من المعلومات عن المواضيع الأخرى، وأن تعطى بنفس الحديث المباشر. (8)

وإذا كان الوالدان غير قادرين على التحدث مع أطفالهم بشكل طبيعي في المواضيع المتعلقة بالجنس فسيدعونهم يستمعون إلى الآخرين الذين هم أقل تمسكاً بالتقاليد وقيم العائلة، وليس هناك أية صعوبة قبل البلوغ في جعل الطفل يبقى طبيعياً بالنسبة للجنس، تماما كما في المواضيع الأخرى، وحتى بعد البلوغ سوف تكون أقل بكثير عندما ينعمون بصحة سليمة أكثر مما عندما تكون عقولهم قد امتلأت بالرعب والحرمان غير المعقول. (9)
إن التضحية بالذكاء في سبيل الفضيلة عن طريق جعل الأولاد مشغولين ومتعبين جسدياً، كي لا تكون لديهم فرصة أو ميل للجنس يسبب لهم الأضرار التالية : (10)
1 ـ يغرس رعباً وهمياً في عقول الأولاد .
2 ـ يسبب نسبة كبيرة من الخداع .
3ـ يجعل التفكر في المواضيع الجنسية مشيناً ووهمياً .
4ـ يسبب تشوقاً فكرياً قد يظهر مخطئاً ومدمراً، وقد يصبح مؤذياً قذراً يفقد الراحة، ويعيق الإدراك.
إن من المهم في جميع تصرفاتنا مع الأطفال أن لا نشعرهم أن الحصول على فكرة عن الجنس هو شيء قذر وسري. إن الجنس موضوع هام جداً، ومن الطبيعي للمخلوقات البشرية أن تفكر به، وتتكلم عنه وخير لنا أن لا ندع أبنائنا يتعلمون عنه من الجهلة أو المراهقين المنحرفين فينزلقون وينحرفون، وخاصة ما نراه اليوم من انتشار الأمراض الفتاكة الناجمة عن فقدان الوعي الجنسي والصحي لدى المراهقين بصورة خاصة، والمنتشرة بشكل خطير في أنحاء العالم كمرض [ فقدان المناعة] الذي بات يهدد حياة مئات الملايين بالموت المحقق، وحيث لم يتوصل العلم لحد الآن إلى علاج شافٍ له، أو الوقاية منه، والذي يمكن أن يُنقله المصابون للآخرين الذين لا يملكون المعرفة والخبرة الكافية لتجنب هذا الوباء الوبيل.
13 ـ غريزة الضحك:
الضحك سلوك غريزي نجده بشكل واضح لدى الأطفال منذ المراحل الأولى، فهم يضحكون لأتفه الأسباب، وقد ينطلق الطفل بالضحك بصورة لاإرادية، ولاشك أن الضحك يؤثر تأثيراً إيجابياً على الصحة النفسية للأطفال وللكبار على حد سواء، وينفس عن الضيق والضجر الذي يشعر به المرء في حياته، وعليه فأن قمع هذه الغريزة لدى أبنائنا يعود بالضرر البليغ على حالتهم النفسية.
إن علينا أن ندعهم ينفسون عن ما في أنفسهم بالضحك والمرح حتى داخل الصف في المدرسة لكي لا نجعل الدروس عبئاً ثقيلاً عليهم، إن بضع دقائق من الضحك والمرح تخلق روح التجديد والنشاط لدى التلاميذ، وتجعلهم يقبلون على الدرس برغبة واشتياق، شرط أن يكون بحدود معقولة لا تدع العبث يطغي على الدرس، ولاشك أن المعلم العبوس، الذي يرفض أن يمنح تلامذته الابتسامة، ويستكثر عليهم الانبساط ولو لبضعة دقائق، يصبح درسه عبئاً ثقيلاً عليهم وبالتالي يكرهونه ويكرهون درسه معاً.
الخلاصة:
نستخلص من كل ما سبق أن الحقيقة التي ينبغي أن نضعها أمام أنظارنا هي أن الوقوف بوجه الغرائز ومحاولة استئصالها أو قمعها أو بترها أمرٌ ضار جداً، ومخالف للطبيعة البشرية، لأن الغرائز لا يمكن قهرها أو إلغائها، بل يمكن السمو بها وتوجيهها وجهة الخير، لكي تعود على أبنائنا بالفائدة التي من أجلها ولدت معنا هذه الغرائز، فمن المعلوم أن كل شيئ في الوجود يحوي على الجوانب الإيجابية والنواحي السلبية، ولاشك أن دورنا كبير وأساسي في التركيز على الجوانب الإيجابية لهذه الغرائز، وحثّ أبنائنا على التمسك بها، والتقليل من تأثيرات الجوانب السلبية، وبهذا نستطيع خلق الظروف الصحية لنمو أبنائنا أخلاقياً ونفسياً وجسمانياً، ولاشك أن هذا العمل ليس بالأمر الهين، وهو يتطلب منا عملاً مثابراً، ومتواصلاً حتى نستطيع أن نوصل أبناءنا إلى شاطئ السلامة والأمان.

27
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الرابعة
حامد الحمداني                                               14/11/2018

أولاً ـ المشاكل السلوكية الفطرية:

ونقصد بهذا النوع من المشاكل تلك التي تنشأ أو تظهر لدى أبنائنا وبناتنا نتيجة لدوافع فطرية يطلق عليها عادة [الغرائز]، ولابد لنا قبل البحث في هذا النوع من المشاكل أن نستعرض تلك الغرائز البشرية لكي نقف على ما يمكن أن يسببه التعامل معها لأبنائنا من مشاكل سلوكية ومعالجتها، ذلك أن الغرائز البشرية هذه لا يمكن كبتها أومحوها أو تجاهلها على الإطلاق، ولكن يمكننا السمو بها وجعلها مصدر خير لأبنائنا ومجتمعنا، وبذلك نكون قد حققنا هدفنا في تنشئة أبنائنا  نشأةً صالحة وجنبناهم الكثير من الشرور، ذلك أن الغرائز يمكن أن تكون مصدر شر وأذى إذا ما تركت وشأنها، ويمكن أن تكون مصدر خير إذا ما سمونا بها وسيطرنا عليها بشكل علمي وعقلاني دون اللجوء إلى القسر والقمع الذّين يمثلان نقيضاً للطبيعة البشرية التي لا يمكن قهرها.

أنواع الغرائز [ الدوافع ] (6)
1 ـ غريزة الخلاص .
2 ـ غريزة المقاتلة .
3 ـ غريزة حب الاستطلاع .
4 ـ غريزة الأبوة والأمومة .
5 ـ غريزة البحث عن الطعام .
6 ـ غريزة النفور
7 ـ غريزة الاستغاثة .
8 ـ غريزة السيطرة .
9 ـ غريزة الخضوع .
10 ـ غريزة حب التملك .
11 ـ غريزة حب الاجتماع .
12 ـ غريزة الهدم والبناء
13 ـ غريزة الجنس .
14 ـ غريزة الضحك .
ولابد لنا أن نشير ولو بشكل موجز إلى كل واحدة من هذه الغرائز، وما يمكن أن تسببه للإنسان من سلوك إيجابي أو سلبي، وكيف يمكن السمو بها وتوجيهها لما فيه خير أبنائنا وبناتنا .
1ـ غريزة الخلاص :
وتستثار هذه الغريزة عادة عند شعور الأطفال بخطر ما  يجعلهم يلجئون إلى الهرب شعوراً منهم بالخوف، فلو فرضنا أن حريقاً شب في صف من الصفوف فإننا نجد الأطفال يتراكضون وقد تملكهم الرعب والفزع، لينجوا بأنفسهم من الحريق والموت، وهنا تظهر أيضاً انفعالات لغريزة أخرى هي غريزة [الاستغاثة ] فيعمد الأطفال إلى الصراخ وطلب النجدة، شعوراً منهم بالخطر، وقد يتحول الخوف إلى نوع من الهلع الحاد وينتاب الطفل مشاعر غريبة وفريدة إلى حد كبير.

ما هو موقفنا من هذه الغريزة ؟

 إن من الطبيعي أن يكون موقفنا منها ذا شقين :
 الشق الأول: تبيان مخاطر النار لأطفالنا، وما تسببه الحرائق من خسائر في الأرواح والممتلكات، كي نبعدهم عن اللعب والعبث بالنار، أو الاقتراب منها أو إشعالها، وأن نوضح لهم أن الحرائق تبدأ عادة بعود ثقاب، أو بشرارة نارية أو كهربائية، لكنها سرعان ما تشتد وتتسع بحيث يصعب السيطرة عليها بسهولة، وبدون خسائر مادية وبشرية كبيرة، وربما تكون كارثية.
الشق الثاني: ينبغي لنا أن لا ندع الخوف والهلع يسيطر على أبنائنا فيسبب ما سبق أن ذكرنا من مضار ومخاطر، ذلك أن الخوف والهلع في المواقف هذه يفقد القدرة على التفكير والتصرف الصائب وينبغي علينا أن نستثير فيهم روح الشجاعة والأقدام والاتزان، وعدم الارتباك والتصرف الهادئ في مثل هذه المواقف.

2 ـ غريزة المقاتلة :
 إن موقفنا من هذه الغريزة يجب أن يتصف بالحكمة والدقة. فلو أن أحد الأبناء تخاصم مع أحد زملائه لأنه وقف حائلاً أمام رغبته في تحقيق أمر ما، فعلينا أولاً وقبل كل شيء أن نتفهم السبب الحقيقي للنزاع، لكي نتعرف على ما إذا كان الموقف يستحق المقاتلة والخصام أم لا،  وينبغي أن نفهمه أن اللجوء إلى المقاتلة قبل استنفاذ الوسائل السلمية  أمر غير مقبول، وأن الواجب يقتضي منه مراجعة إدارة المدرسة إن كان متواجداً فيها، ومراجعة ذويه إن كان خارج المدرسة، إذ أن التسرع واللجوء إلى العنف يعرض النظام العام للانهيار فلا تستطيع المدرسة أن تؤدي عملها، و لذلك فعليه الاستعانة بإدارة المدرسة قبل اللجوء إلى استعمال القوة، وعلى إدارة المدرسة أن تأخذ المسألة بشكل جدي وتجري التحقيق اللازم في الأمر بشكل دقيق، ومعالجة المشكلة بشكل يجعل التلميذ يؤمن بأن مراجعته إدارة المدرسة يؤمن له حقه، إن كان على حق طبعاً، فلا يلجأ للقتال.

 ولا شك أن الأطفال والمراهقين ذوي الاضطرابات الأخلاقية يمارسون أحياناً سلوكيات تتسم بالعدوان والاندفاع والتدمير، على الرغم من الجهود المضنية التي تبذل من قبل المربين لتعديل سلوكهم، وهم يمارسون عملية انتهاك حقوق الآخرين باستمرار، ولا يلتزمون بالمعايير الاجتماعية بما يتناسب مع عمرهم الزمني، و يستمرون بممارسة هذا السلوك على الرغم من تعرضهم مراراً وتكراراً للعقاب، ويصرون على ممارسة [السلوك العدواني والمواجهة البدنية] مع الآخرين، كما يتسمون [بالعناد وعدم الخضوع ] و[ والإخفاق في الأداء ] سواء في المنزل او المدرسة، و[ تكرار الإهمال ]، و[التهرب من البيت أو المدرسة ] و[تخريب الممتلكات العامة والخاصة ] و[الانحراف الجنسي ] و[السرقة ] وغيرها من الآفات الاجتماعية الأخرى التي قد تتضمن مواجهة جسدية عدوانية [ السرقة بالإكراه ] أو[ الاعتداء الجنسي العنيف والاغتصاب ] وقد تمتد هذه السلوكيات إلى العراك مع الأقران، والاعتداء على الآخرين، والهجوم عليهم والاغتصاب والقتل. (7)
إن معالجة هذا النوع من السلوك المنحرف تتطلب جهوداً كبيرة، وأساليب معقدة، وصبراً وأناةً طويلين، ومتابعةً مستمرةً من قبل البيت والمدرسة معاً، وقد يتطلب ذلك علاجاً نفسياً وصحياً.
أن هناك البعض ممن يقف من المقاتلة موقفاً سلبياً بشكل مطلق فيسبب موقفهم هذا ببث روح المذلة والخنوع والانهزامية في نفوس الناشئة، فهناك مواقف ينبغي أن تتميز بالشجاعة والإقدام دفاعاً عن الحقوق المغتصبة، فالجندي الذي نطلب منه أن يدافع عن وطنه وشعبه ضد المعتدين لا يستطيع القيام بواجبه على الوجه الأكمل إذا قتلنا فيه صفات
الشجاعة والإقدام في المراحل الأولى من حياته.

ينبغي أن يكون موقفنا من هذه الغريزة موقفاً إيجابياً قائماً على أساس سيادة القانون والنظام أولاً، والدفاع عن الحقوق والكرامة ثانياً، فلا اعتداء على الأخوان والأصدقاء والزملاء والجيران، ولا خنوع وخضوع وجبن أمام المعتدين.

3 ـ غريزة الأبوة والأمومة :
تستثار هذه الغريزة في المراحل الأولى من حياة أبنائنا وبناتنا عند تعرض الآخرين لحادث ما، فيلجأؤن إلى مساعدتهم. وطبيعي أن هذه الغريزة تحمل جانباً خيراً بشكل عام، فعندما يسقط أحدهم ويصاب بجرح أو كسر في يده أو رجله نجد زملائه يسارعون إليه بحنو وعاطفة ليقدموا له المساعدة، وقد بدت عليهم علامات الحزن والأسى.

 إن هذه الغريزة لها أهمية قصوى في تربية أبنائنا على روح المحبة والتعاون، حيث أن المحبة والتعاون ركنان أساسيان من الأركان التي يبنى على أساسها المجتمع، وهي السبيل لتقدمه ورقيه وتطوره، ورفاهه.

أما في مرحلة النضوج فمعروف أن هذه الغريزة هي الأساس في بقاء وتطور المجتمعات حيث يطمح الأبناء والبنات البالغون في تكوين الأسرة، وإنجاب الأطفال وتربيتم في جو من الحنان والحب يصل إلى درجة التضحية بالنفس في سبيلهم، فنراهم يكدون ويتعبون طوال النهار من أجل تأمين الحياة السعيدة والعيش الهانئ لأبنائهم. ولولا هذه الغريزة لما تحملت الأم ولا تحمل الأب تبعات  المصاعب والمشاق التي يصادفونها في تربيتهم ومساعدتهم في بناء مستقبل يليق بهم .

4 ـ غريزة حب الاستطلاع :
تستثار هذه الغريزة لدى أبنائنا عندما يكون الأبناء أمام أمرٍ يهمهم معرفته، وقد يكون لهم معرفة  بجزء منه، وهذه الغريزة ذات أهمية كبيرة بالنسبة للناشئة لأن استثارتها تدفعهم إلى اكتشاف الحقائق بأنفسهم، والحصول على الخبرات التي يحتاجونها في حياتهم ، كما تدفعهم إلى الدراسة والتتبع باستمرار، حتى في الكبر، بغية الوقوف على كل ما يجري من تطور وتغير في فيما يحيط بهم .
وهناك نقطة هامة ينبغي أن لا تغيب عن أذهاننا هي أن هذه الغريزة يمكن أن يكون لها تأثير سلبي ضار في بعض الحالات، وينبغي أن ننبه أبنائنا بأخطارها، وسأورد هنا مثالاً على ذلك :
في أحد دروس العلوم شرح المعلم لتلاميذه كيف يمكن ممغطنة قطعة من الحديد، وذلك عن طريق لفها بسلك وربطها بتيار كهربائي.
وعندما عاد التلاميذ من المدرسة حاول أحدهم أن يقوم بالتجربة بنفسه، فأخذ قطعة الحديد ولفها بسلك ووصلها بالتيار الكهربائي بشكل غير صحيح فكانت النتيجة أن صعقه التيار الكهربائي وسبب له الوفاة.
لقد كان الواجب على المعلم أن يجري التجربة أمام التلاميذ بشكل يؤمن السلامة، و يحذرهم من خطورة الكهرباء إذا ما تمت التجربة بشكل خاطئ.

5 ـ غريزة البحث عن الطعام :
وهي من الغرائز الهامة لبقاء الحياة واستمرارها، وتظهر بعد الولادة مباشرة، فلا يستطيع الإنسان أن يعيش بدون الطعام، وغالباً ما تستثار هذه الغريزة عند ما نشم رائحة الطعام الشهي أو تقع أبصارنا على الحلويات وغيرها، ويشعر الإنسان، عن طريق حاسة الذوق، بلذة كبيرة وهو يتناول ما يشتهيه من تلك الأطعمة والحلويات.
 إن هذه الغريزة تفعل فعلها لدى الكبار والصغار على حد سواء، ورغم أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الطعام لكي يبقى على قيد الحياة، فأن تناول الطعام بغير اعتدال يعطي نتائج سلبية على صحة الإنسان، حيث يسبب السمنة والتي بدورها تسبب العديد من الأمراض الخطيرة كالسكري وأمراض القلب، وتسوس الأسنان، وغيرها من الأمراض الأخرى، مما يتطلب منا تعويد أبنائنا على العادات الغذائية الصحيحة .
كما أن هذه الغريزة تدفع بالكثير من الصبيان الذين لا يجدون لديهم النقود لشراء الحلويات إلى السرقة من المحلات لإشباع هذه الغريزة، ولذلك يجب على الآباء والأمهات إشباع هذه الرغبة لدى الأبناء، وعدم التقتير عليهم، لكي لا يتجهوا نحو السرقة التي يمكن أن تتأصل لديهم إذا ما استمروا عليها لفترة من الزمن .
6 ـ غريزة النفور :
هذه الغريزة نجدها لدى الصغار والكبار على حد سواء حيث أن الإنسان بطبيعته يتحسس الروائح أو المشاهد المختلفة، فنراهم ينفرون وتتقزز نفوسهم من الروائح الكريهة، أو من المشاهد المؤلمة، وعلى العكس نجدهم يتمتعون برؤية المشاهد الجميلة والمسرة، ويستمتعون بشم الروائح العطرة ولذلك نجد الأبناء، وخاصة المراهقين منهم يسعون إلى الاهتمام بمظهرهم ورائحتهم من أجل لفت انتباه الآخرين وخاصة من الجنس الآخر.
وهناك جانب آخر من النفور نجده لدى البعض تجاه البعض الآخر، وخاصة في صفوف المراهقين  بسبب لون البشرة، أو القومية أو الدين، أو غيرها من المبررات، وهو يمثل جانباً خطيراً يهدد سلامة المجتمع ويعمل على تمزيقه، وخلق استقطاب وتنافر وصراع يصعب معالجته إذا ما استمر وتوسع، دون أن يواجه على المستويين الرسمي والشعبي.    ولاشك أننا نشهد اليوم تصاعد موجة معاداة الأجانب من قبل العديد مـن المراهقين في مختلف البلدان الأوربية، بسبب لون بشرتهم أو جنسهم، ووقوع الاعتداءات البدنية الشديدة التي وصلت في بعض الأحيان إلى القتل، مما يستدعي الواجب من الحكومات والمجتمع أن يعطيا هذه المشكلة أهمية كبيرة، حيث يقيم في المجتمعات الغربية أعداد كبيرة من المهاجرين، والعمل على استنفاذ كل الوسائل والسبل لخلق روح من الألفة والمحبة والتسامح والتعاون بين أبناء هذه المجتمعات والمهاجرين، ومحاولة ربط جسور من الروابط التي تجعل التعايش فيما بينهم أمرٌ طبيعي بكل ما تعنيه الكلمة، ولاشك أن المسألة تتوقف علينا جميعاً ،كباراً وصغار، سواء كنا مواطنين أو مهاجرين، مسؤولين وغير مسؤولين ،أن نبذل أقصى ما يمكن من الجهود لمعالجة الوضع، فإذا ما تكاتفت الجهود الصادقة أمكننا تحقيق الهدف المنشود في خلق مجتمع تسوده المحبة والمودة والسلام.



28
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الثالثة
حامد الحمداني                                                                        5/11/ 2018


2 ـ ضعف الثقة بالنفس:
 من المظاهر التي نجدها لدى أبنائنا الذين يشعرون بضعف الثقة بالنفس هي ما يلي:
1 ـ التردد : فالطفل أو الصبي الذي يعاني من ضعف الثقة بالنفس يتردد كثيراً عند توجيه سوآل ما إليه بسبب عدم ثقته بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

2 ـ انعقاد اللسان : وهذا الوضع ناجم أيضاً عن عدم الثقة بالقدرة على الإجابة الصحيحة.

3ـ الخجل والانكماش : وهذا ناجم أيضاً من الخوف من الوقوع في الخطأ، ولذلك نجد البعض يتجنب المشاركة في أي نقاش أو حديث  لهذا السبب.

4ـ عدم الجرأة: حيث يشعر الإنسان بعدم القدرة على مجابهة الأخطار التي يمكن أن يتعرض لها.
5ـ التهاون: حيث يحاول الشخص تجنب مجابهة الصعاب والأخطار التي تصادفه في حياته.
 
6ـ عدم القدرة على التفكير المستقل: حيث يشعر الفرد دوماًبحاجته إلى الاعتماد على الآخرين .
7ـ توقع الشر وتصاعد الشعور الخوف في أبسط المواقف التي تجابه الفرد.
ونستطيع أن نجمل كل هذه المظاهر بعبارة واحدة هي[الشعور بالنقص ].

مسببات الشعور بالنقص: 
1 ـ الخوف: وقد تحدثنا عنه فيما سبق.
2ـ العاهات الجسمية: فهناك العديد من الأبناء المبتلين بعاهات جسمية متنوعة، وهذه العاهات تجعلهم يشعرون بأنهم غير جديرين، وعلى الأهل و المعلمين أن يهتموا بهذه الناحية اهتماماً بالغاً، وذلك بأن يكون موقفهم من هؤلاء الأبناء طبيعياً وعادياً كبقية الأبناء الآخرين بحيث لا نشعرهم بأنهم مبتلين بتلك العاهات، دون عطف زائد عليهم، وعدم فسح المجال لزملائهم بالسخرية منهم وتذكيرهم بالعاهة، وحثهم على احترام زملائهم والتعامل معهم بشكل طبيعي مشبع بروح الاحترام، وأن أي سلوك أخر تجاه هؤلاء الأبناء يؤدي بهم إلى ما يلي :
 أ ـ التباعد والانكماش.
ب ـ الخمول والركود.
ج ـ النقمة والثورة على المجتمع وآدابه وتقاليده.
3 ـ الشعور بالنقص العقلي:
 فقد يكون هناك بعض الأبناء قد تأخروا في بعض الدروس لأسباب معينة لا يدركونها، أو لا يشعرون بها هم أنفسهم، وهي ربما تكون بسبب مرضي، أو لظروف اجتماعية، أو بيئية، أو اقتصادية، فعلينا والحالة هذه أن ندرس بجدية أوضاعهم وسبل معالجتها، وأن نقف منهم موقفاً إيجابياً كي نبعد عنهم روح الاستسلام والفشل، كما ينبغي على المعلمين أن لا يحمّلوا التلاميذ من الواجبات أكثر من طاقاتهم فيشعرونهم بأنهم ضعفاء عقلياً، ويخلق لديهم التشاؤم، والخجل، والحساسية الزائدة والجبن.
             
ثالثاً: العوامل الاجتماعية: ومن مظاهر هذه العوامل:
1 ـ الجو المنزلي السائد:
 ويتضمن علاقة الأب بالأم من جهة وعلاقتهما بالأبناء، وأساليب تربيتهم من جهة أخرى، فالنزاع بين الأم والأب، كما ذكرنا سابقاً، يخلق في نفوس الأبناء الخوف، وعدم الاستقرار، والانفعالات العصبية.
كما أن التمييز بين الأبناء في التعامل والتقتير عليهم، وعدم الأشراف المستمر والجدي عليهم،  يؤثر تأثيراً سيئاً على سلوكهم. وسوف أوضح ذلك بشيء من التفصيل في فصل قادم  حول أهمية تعاون البيت والمدرسة في تربية أبنائنا.

2 ـ الجو المدرسي العام:  هذا الجو يخص الأساليب التربوية المتبعة في معاملة التلاميذ، من عطف ونصح وإرشاد، أو استخدام القسوة والتعنيف، وعدم الاحترام، ومن جملة المؤثرات على سلامة الجو المدرسي:
 أ ـ تنقلات التلميذ المتكررة من مدرسة إلى أخرى:
أن انتقال التلميذ من مدرسة إلى أخرى يؤثر تأثير سلبياً عليه حيث سيفقد معلميه مع زملائه وأصدقائه الذين تعود عليهم، وهذا يستدعي بدوره وجوب التأقلم مع المحيط المدرسي الجديد  وهو ليس بالأمر السهل والهين، ويحمل في جوانبه احتمالات الفشل والنجاح معاً.

ب ـ تغيب الأبناء عن المدرسة وهروبهم منها :
وهذا أمر وارد في جميع المدارس، حيث أن هناك عوامل عديدة تسبب التغيب والهروب، ومن أهمها أسلوب تعامل المعلمين مع التلاميذ، وطبيعة علاقاتهم مع زملائهم، وسلوكهم وأخلاقهم .
ج ـ تبدل المعلمين المتكرر:
 حيث يؤثر هذا التغير المتكرر بالغ التأثير على نفسية التلاميذ، فليس من السهل أن تتوطد العلاقة بين التلاميذ ومعلميهم، وإن ذلك يتطلب جهداً كبيراً من قبل الطرفين معا، و يتطلب المزيد من الوقت لتحقيق هذا الهدف، وهناك أمر هام آخر هو وجوب استقرار جدول الدروس الأسبوعي، وعم اللجوء إلى تغيره إلا عندما تستدعي الضرورة القصوى.

دـ ملائمة المادة وطرق تدريسها:
 وسوف أتعرض لهذا الموضوع في فصل لاحق.

رابعاً: العوامل الجسمية والصحية:
إن لهذه العوامل تأثير كبير على التلاميذ، من حيث سعيهم واجتهادهم، وكما قيل :
{ العقل السليم في الجسم السليم }.
 أن التلميذ المريض يختلف في قابليته واستعداده للفهم عن التلميذ الصحيح البنية. كما أن التلميذ الذي يتناول الغذاء الجيد يختلف عن زميله الذي يتناول الغذاء الرديء.
 والتلميذ الذي يتمتع بصحة جيدة وجسم قوي ينزع إلى حب التسلط والتزعم، وقد يميل إلى الاعتداء والعراك والخصام،  فالعوامل الجسمية إذاً ذات تأثير بالغ على سلوك الأبناء ودراستهم. (4)

خامساً : العوامل الاقتصادية:
إن العوامل الاقتصادية كما هو معلوم لدى الجميع تلعب في كل المسائل دوراً أساسياً وبارزاً، ويندر أن نجد مشكلة أو أي قضية إلا وكان العامل الاقتصادي مؤثراً فيها، فالأبناء الذين يؤمن لهم ذويهم كافة حاجاتهم المادية من طعام جيد وملابس و أدوات، ووسائل تسلية، وغيرها يختلفون تماماً عن نظرائهم الذين يفتقدون لكل هذه الأمور التي تؤثر تأثيراً بالغاً على حيويتهم ونشاطهم وأوضاعهم النفسية، وقد يدفع هذا العامل تلميذا للسرقة، ويدفع تلميذاً من عائلة غنية إلى الانشغال عن الدراسة والانصراف إلى أمور أخرى كالكحول والتدخين والمخدرات وغيرها، مما تعود عليه بالضرر البليغ.
هذه هي العوامل الرئيسية التي تسبب المشاكل لدى الناشئة، ونعود الآن إلى استعراض كل تلك المشاكل والتي حددناه بقسمين رئيسيين :
1 ـ المشاكل السلوكية.
2 ـ مشاكل التأخر الدراسي.

أولاً : المشاكل السلوكية :
إن المشاكل السلوكية التي تجابه أبنائنا سواء كان ذلك في البيت أو المدرسة كثيرة ومعقدة، وأن معالجتها والتغلب عليها ليس بالأمر السهل مطلقاً، وهو يتطلب منا الخبرة الكافية في أساليب التربية وعلم النفس من جهة، والتحلي بالحكمة والصبر والعطف الأبوي تجاه أطفالنا سواء في البيت و في المدرسة من جهة أخرى، ولذلك وجدت أن من الضروري أن أتعرض لأهم تلك المشاكل مستعرضاً مسبباتها وأساليب معالجتها والتغلب عليها، ولسهولة البحث نستطيع أن نقسمها إلى قسمين رئيسيين: (5)

 1 ـ المشاكل السلوكية الفطرية .
 2 ـ المشاكل السلوكية المكتسبة .
وسنلقي الضوء على هذه المشاكل، وأنواعها ومسبباتها، وموقفنا منها، وسبل علاجها في الحلقة الرابعة

29
دراسة تربوية
علموا ابناءكم الحياة
الحلقة الثانية
حامد الحمداني                                                               8/11/2018

أولا: المشاكل التي تجابه أبنائنا:
يتعرض أبناءنا إلى العديد من المشاكل في جميع مراحل النمو، بدءاً من مرحلة الطفولة، فمرحلة المراهقة وحتى مرحلة النضوج، وطبيعي أن مرحلة المراهقة تعد أخطر تلك المراحل، ولكلا الجنسين البنين والبنات على حد سواء، حيث تحدث تطورات بيولوجية كبيرة لديهم تتطلب منا نحن المربين، آباء وأمهات ومعلمين،أن نعطي لهذه المرحلة من حياة أبنائنا أهمية قصوى، فقد تكون هذه المرحلة نقطة حاسمة في حياتهم وسلوكهم خيراً  كان أم شراً، وإذا لم نعطها ذلك الاهتمام المطلوب، والملاحظة والرعاية المستمرة فقد يؤدي بالكثير من أبنائنا إلى الانحراف، ولاسيما في ظل مجتمع غربي يختلف كل الاختلاف عن مجتمعاتنا التي نشأنا فيها والعادات والتقاليد التي تربينا عليها.                             

لكني لا يمكنني القول أن كل ما تربينا عليه من عادات وتقاليد هي صحيحة تصلح لأجيالنا الناهضة، وليس كل العادات والسلوكيات في المجتمع الغربي كذلك، ففي كلا المجتمعين هناك الجيد وهناك الرديء من هذه العادات والسلوكيات، وإن من واجبنا كمربين أن نعمل على تفاعل هذه العادات والسلوكيات في المجتمعات الغربية بشكل يمكن أبنائنا من اكتساب كل ما هو خير ومفيد، وبالمقابل بتقديم ما ينفع أبناء هذه المجتمعات من القيم الأصيلة، وتحذير الأبناء من تلك العادات والسلوكيات الضارة شرط أن يكون ذلك بأسلوب تربوي بعيد كل البعد عن أساليب العنف والقمع، وينبغي أن نُشعر أبناءنا في مرحلتي المراهقة والنضوج أن العلاقات التي تربطنا وإياهم هي ليست علاقة أب وأم بأبنائهم فقط، بل علاقة أخٍ كبير بأخيه الصغير، أوعلاقة أخت كبيرة بأختها الصغيرة ،الذين يحتاجون إلى تجاربهم في الحياة، وأن نكون حذرين من محاولة فرض أسلوب الحياة التي تربينا عليه قسراً على أبنائنا، فقد خلق الأبناء لزمان غير زماننا، ولاسيما أنهم يعيشون في مجتمع يختلف كل الاختلاف عن مجتمعنا مما يجعل الأبناء يعيشون حالة من التناقض بين مجتمعهم الصغير[ البيت] ومجتمعهم الكبير، ولاسيما انهم يقضون أغلب أوقاتهم خارج البيت،                    ولذلك نجد الكثير من الآباء والأمهات يعانون الكثير في تربية أبنائهم، ويحارون في مجابهة المشاكل التي يتعرضون لها، وكيفية التعامل معها، ولكي نتفهم طبيعة المشاكل التي تجابه أبنائنا كي يسهل علينا حلها والتغلب عليها فإننا يمكن أن نحددها في ثلاثة أقسام رئيسية :                                                                                           
 أولاً  : المشاكل والاضطرابات السلوكية .
 ثانياً :المشاكل والاضطرابات الشخصية .
 ثالثاً : مشاكل التأخر الدراسي .
وسأحاول فيما يلي أن أوضح كلاً منها بشيء من التفصيل، مستعرضاً لأنواعها ودوافعها، والأساليب التربوية التي تمكننا من التغلب عليها، وحماية أجيالنا الصاعدة من الانزلاق إلى الانحرافات السلوكية التي تهدد مستقبلهم، وتهدد سلامة المجتمع الذي يعيشون في ظله، ولاسيما وأنهم سيكونون هم صانعي المستقبل ورجاله، وعليهم يتوقف تطوره ورقيه وسعادته.                                                                                                     
                                                                                               
العوامل المسببة لمشاكل أبنائنا:
 أن العوامل المسببة لمشاكل أبنائنا السلوكية والشخصية والتأخر الدراسي  يمكن إجمالها بما يأتي :
1 ـ عوامل عقلية .
2 ـ عوامل نفسية .
3 ـ عوامل  اجتماعية  .
4 ـ عوامل جسمية .
5 ـ عوامل اقتصادية .
وسأقدم هنا تفسيراً مختصراً لكل من هذه العوامل كي تعيننا على فهم تلك المشاكل وسبل معالجتها
أولاً ـ العوامل العقلية
تلعب هذه العوامل دوراً هاماً في كثير من المشاكل ، وأخص منها بالذكر مشكلة التأخر الدراسي ، فمن المعلوم أن أكثر أسباب التأخر الدراسي هو مستوى النمو العقلي ، والقدرة على الفهم والاستيعاب، والذي يختلف من شخص إلى آخر ، فقد يكون التخلف العقلي [بسيطاً ]، وقد يكون [متوسطاً ]، وقد  يكون[ شديداً ]، وفي أقسى الحالات يكون [حاداً] . وهذا التخلف ناجم عن  ظروف معينة سأتعرض لها فيما بعد عندما أتحدث عن مشاكل التأخر الدراسي .                                                                                           
أما ما يخص المشاكل السلوكية لدى أبنائنا فلا شك أن هناك جملة من العوامل التي تسببها وأخص بالذكر أهم تلك المسببات والتي يمكن حصرها بما يلي: (1)
1 - التربية الأسرية.                                                                                      .                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                       
2 - البيئة التي يعيش فيها الأطفال والمراهقين .
3 ـ العوامل الوراثية.
إن هذه العوامل تؤثر تأثيراً بالغاً على سلوكهم، كما أن النضوج العقلي يلعب دوراً هاما في هذا السلوك، مما سأوضحه عند بحث تلك المشاكل بالتفصيل من فيما بعد.

 ثانياً  ـ العوامل النفسية:
ونستطيع أن نوجز أهم العوامل النفسية التي تلعب دوراً هاماً في حياة أبنائنا وتسبب لهم العديد من المشاكل هي ما يلي :
 1 ـ الشـعور بالخـوف.
 2 ـ ضعف الثقة بالنفس.
ولابدَّ أن نقف على ما تعنيه هذه العوامل بالنظر لتأثيرها الخطير على سلوك الناشئة.
1 ـ الشـعور بالخـوف :
وهو حالة انفعالية داخلية وطبيعية موجودة لدى كل إنسان، يسلك خلالها سلوكاً يبعده عن مصادر الأذى. فعندما نقف على سطح عمارة  من دون سياج، نجد أنفسنا ونحن نبتعد عن حافة السطح شعوراً منا بالخوف من السقوط ، وعندما نسمع ونحن نسير في طريق ما صوت إطلاق الرصاص فإننا نسرع إلى الاحتماء في مكان أمين خوفاً من الإصابة والموت، وهكذا فالخوف طريقة وقائية تقي الإنسان من المخاطر، وهذا هو شعور فطري لدى الإنسان هام وضروري.                                                                                   

غير أن الخوف ذاته قد يكون غير طبيعي [ مرضي ] وضار جداً، وهو يرتبط بشيء معين، بصورة لا تتناسب مع حقيقة هذا الشيء في الواقع [ أي أن الخوف يرتبط بشيء غير مخيف في طبيعته] ويدوم ذلك لفترة زمنية طويلة مسببا تجنب الطفل للشيء المخيف مما يعرضه لسوء التكيف الذي ينعكس بوضوح على سلوكه في صورة قصور وإحجام، وقد يرتبط هذا الخوف بأي شيء واقعي، أو حدث تخيلي، كأن يخاف الطفل من المدرسة، أو الامتحانات ،أو الخطأ أمام الآخرين، أو المناسبات الاجتماعية، أو الطبيب والممرضة، أو من فقدان أحد الوالدين أو كلاهما، أو الظلام أو الرعد والبرق، أو الأشباح والعفاريت، وقد يصاحب الخوف لديهم نوبات من الهلع الحاد، ويتمثل ذلك في [سرعة دقات القلب]  و[سرعة التنفس]و[الدوار أو الغثيان] و[التعّرق الشديد] و[تكرار التبول والهزال] و[عدم السيطرة على النفس]، وكل هذا قد يحدث فجأة وبشدة ،وبدون سابق إنذار. (2) وقد يسبب الخوف لأبنائنا مشاكل وخصالاً خطيرة معطلة لنموهم الطبيعي تسبب لهم الضرر الكبير والتي يمكن أن نلخصها بما يلي:                            .                                           1- الانكماش والاكتئاب                                                                                   
2 ـ التهتهة                                                                                                   
3 ـ عدم الجرأة.                                                                                           
4 ـ الحركات العصبية غير الطبيعية.                                                                   
5 ـ القلق والنوم المضطرب.
6 ـ التبول اللاإرادي.
7 ـ الجـبن .
8 ـ الحساسية الزائدة.
9 ـ الخـجل.
10 ـ التشاؤم.
وفي هذه الأحوال علينا نحن المربين أباء وأمهات ومعلمين أن نقوم بدورنا المطلوب لمعالجة هذه الظواهر لدى أبنائنا، وعدم التأخر في معالجتها، كي لا تتأصل لديهم، وبالتالي تصبح معالجتها أمراً عسيراً، ويكون لها تأثيراً سيئاً جداً على شخصيتهم وسلوكهم. وعلى ومستقبلهم.                                                                                                 
إن مما يثير الخوف في نفوس أبنائنا هو خوف الكبار، فعندما يرى الصغير أباه أو أمه أو معلمه يخافون من أمر ما فإنه يشعر تلقائياً بهذا  الخوف، فلو فرضنا على سبيل المثال أن أفعى قد ظهرت في فناء المدرسة أو البيت واضطرب المعلم أو الأب وركض خائفاً منها فإن من الطبيعي أن نجد الأطفال يضطربون، ويهربون رعباً وفزعاً، مما يركّز في نفوسهم الخوف لأتفه الأسباب. ومما يثير الخوف أيضاً في نفوس الأطفال  الحرص والقلق الشديد الذي يبديه الكبارعليهم، فعندما يتعرض الطفل لأبسط الحوادث التي تقع له، كأن يسقط على الأرض مثلاً، فليس جديراً بنا أن نضطرب ونبدي علامات القلق عليهم. إن علينا أن نكون هادئين في تصرفنا، رافعين لمعنوياته، ومخففين من اثر السقوط عليه، وإفهامه أنه بطل وشجاع وقوي ...الخ، حيث أن لهذه الكلمات تأثير نفسي كبير على شخصية الطفل. كما أن النزاع والخصام بين الأباء والأمهات في البيت أمام الأبناء يخلق الخوف عندهم ويسبب لهم الاضطراب العصبيوهناك الكثير من الآباء والأمهات والمعلمين يلجاؤن إلى التخويف كأسلوب لتربية الأبناء وهم يدّعون أنهم قد تمكنوا من أن يجعلوا سلوكهم ينتظم ويتحسن.

غير أن الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن بالهم هي أن هذا السلوك ليس حقيقياً أولاً، وليس تلقائياً وذاتياً ثانياً، وهو بالتالي لن يدوم أبداً. إن هذه الأساليب التي يلجأ إليها الكثير من الأباء والأمهات والمعلمين  تؤدي إلى إحدى نتيجتين اللتين تتعارض مع ما نهدف إليه وهما:ـ                                                                                                       
 1 ـ عدم إقلاع الأبناء عن فعل معين رغم تخويفه بعقاب ما،  ثم لا يوقع ذلك العقاب فعند ذلك يحس الأبناء بضعف المعلم أو الأب أو الأم، وبالتالي يضعف تأثيرهم بنظر الأبناء. أما إذا لجأ المربي إلى العقاب فعلاً، وهو أسلوب خاطئ ومرفوض بكل تأكيد، فإن الطفل حتى وإن توقف عن ذلك السلوك فإن هذا التوقف لن يكون دائمياً أبداً، ولابد أن يزول بزوال المؤثر [ العقاب ]،لأن هذا التوقف جاء ليس عن طريق القناعة، بل بطريقة قسرية.       
 2ـ إن خضوع الأبناء يخلق فيهم حالة من الانكماش تجعلهم مشلولي النشاط ، وجبناء، ذلك أن الخضوع ومن دون قناعة يجعلهم  ضعيفي الشخصية، وكلتا النتيجتين تعودان بالضرر البليغ عليهم.                                                                                     
                                                                                 
  كيف نزيل الخوف عند الأبناء؟                                              .                                   
إن باستطاعتنا أن نعمل على إزالة اثر الخوف غير الطبيعي لدى أبنائنا باتباعنا ما يأتي:
1ـ منع الاستثارة للخوف، وذلك بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسبب الخوف عندهم .                                                 
2ـ توضيح المخاوف الغريبة لدى الأطفال، وتقريبها من إدراكهم ، وربطها بأمور سارة، فالطفل الذي يخاف القطة مثلاً يمكننا أن ندعه يربيها في البيت.

3ـ تجنب استخدام أساليب العنف لحل المشكلات التي تجابهنا في تربية الأبناء. (3)

30
دراسة تربوية / علموا ابناءكم الحياة / الحلقة الاولى

حامد الحمداني


شهدت الأساليب التربوية في عصرنا الحاضر تطورات هامة جعلت المدرسة الحديثة تقوم على أساس تفهم حاجات التلاميذ ومشاكلهم، وأصبح جلّ اهتمامها حل هذه المشاكل بأسلوب تربوي صحيح وإشباع تلك الحاجات، إنها تهدف إلى تربية أبنائنا اجتماعياً و أخلاقياً وعاطفياً، والعمل على تهيئة كل الوسائل والسبل لنمو أفكارهم وشخصياتهم بصورة تؤهلهم للوصول إلى الحقائق بذاتهم وبذلك يكونون عناصر فعالة ومحركة في المجتمع .

إنها تهدف كذلك إلى إذكاء أنبل الصفات والمثل الإنسانية العليا في نفسية الأجيال الصاعدة، وجعلهم يدركون حاجات المجتمع ، ويتفاعلون معه، من أجل تحقيق تلك الحاجات، وبالتالي تطوير المجتمع ورقيه وسعادته، وعلى هذا الأساس نجد أن المربي وليس المناهج الدراسية والكتب المقررة للدراسة هي العناصر الفعالة والحاسمة في تحقيق ما تصبوا إليه المدرسة والمجتمع .

[ إن الاتصال عقلا بعقل ونفساً بنفس،وشخصية بشخصية هو لب التربية] كما يقول المربي الكبير[ قستنطين زريق]، فالمربي يستطيع أن يؤثر إلى حد بعيد بأبنائه، وهذا التأثير ونوعيته، ومدى فائدته يتوقف على المربي ذاته، على ثقافته وقابليته وأخلاقه، ومدى إيمانه بمهمة الرسالة التي يحملها، وعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، فأن كل أعمالنا وسلوكنا وأخلاقنا تنعكس تماماً على أبنائنا الذين نقوم بتربيتهم سواء في البيت أم المدرسة، لأن كلاهما يكمل بعضه بعضا، ولاشك أن البيت هو المدرسة الأولى، وأن الأم هي المربية الأولى التي أجاد في وصفها الشاعر الكبيرمعروف الرصافي
حيث قال:
الأمُ مدرســةٌ إذا أعــددتها
أعددتَ شعباً طيبَ الأعراقِ
الأمُ أسـتاذُ الأساتذةُ الأولـى
شَغلتْ مآثُرها مـدى الآفــاقِ

إنه لمن المؤسف حقاً أن الكثير من المربين لم يدركوا هذه الحقيقة، ولا زالوا يسلكون تلك الأساليب التربوية البالية التي لا تهتم إلا بتلقين أبنائهم مبادئ القراءة والكتابة والمناهج النظرية المقررة في المدارس، أما مشاكل الأبناء وأساليب حلها، والتغلب عليها فتلك مسائل ثانوية في نظرهم، وفي اغلب الأحيان يلجأ الأهل إلى استعمال العنف والقمع مع أبنائهم كوسيلة للتربية، فهل تحقق هذه الأساليب القسرية ما نصبو إليه نحو أجيالنا الصاعدة؟ وبكل تأكيد أجيب كلا وألف كلا، فأن هذه الأساليب تؤدي إلى عكس النتائج المرجوة.

أن علينا كآباء ومربين أن ننبذ هذه الأساليب بشكل مطلق، ونعمل على دراسة وتفهم حاجات ومشاكل أبنائنا، والأسباب المؤدية لتلك المشاكل، وسبل حلها.
إن أبنائنا الذين يمثلون اليوم نصف المجتمع، والذين سيكونون كل المستقبل، هم بحاجة ماسة وضرورية لتأمين الظروف النفسية والاجتماعية السليمة لتنشئتهم وإعدادهم لهذا المستقبل الذي ينتظرهم، إنهم بحاجة للرعاية العائلية الحقيقية الفاعلة، حيث ينبغي أن يجد الأطفال حولهم القيم السامية والقدوة الحسنة، والمثل الإنسانية العليا في محيطهم العائلي وخاصة في مرحلة المراهقة التي تعتبر من أهم المراحل التي يمرّ بها أبنائنا وأخطرها، والتي يتم خلالها تثبيت دعائم القيم، واستيعاب المعارف والمفاهيم والأفكارالتي تخلق منهم عناصر إيجابية نافعة في المجتمع.

إننا بحاجة إلى بذل المزيد من الاهتمام بالجوانب الوجدانية والاجتماعية لأبنائنا وتطوير الأساليب التربوية التي يمكن أن توصلنا إلى هذا الهدف، والابتعاد عن أساليب التلقين العقيمة المتبعة في تعليم المواد التحصيلية، وعلينا أن ندرك أن أبنائنا بحاجة إلى الخبرات التي تجعلهم قادرين على التعبير عن آمالهم وحاجاتهم وخبراتهم ومشاكلهم.

كما انهم بحاجة للتدرّب على أساليب التعبير والمناقشة وإبداء الرأي، والتعود على العمل الجماعي، حيث أن العمل الجماعي يمثل عصب الحياة الاجتماعية الذي ينبغي توجيه الاهتمام له في عملية التربية، والتي تمكن أبنائنا من تحمل المسؤولية تجاه النفس، وتجاه البيت والمدرسة، وتجاه الحي الذي يعيشون فيه، حيث تجعلهم قادرين على المشاركة في الاجتماعية التي يمكن أن تتدرج من العمل الخاص إلى العمل العام، ومن العمل الفردي إلى العمل الجماعي الذي يمكنهم من التفاعل الإيجابي بالمجتمع، وتجعلهم متوافقين مع أنفسهم ومع المجتمع.
وينبغي لنا أن نؤكد على أن النجاح في تربية أبنائنا لا يتوقف على البيت والمدرسة فقط، بل أن وسائل الإعلام تلعب دوراً هاما وأساسياً في التأثير على حياة أبنائنا ومشاعرهم وسلوكهم خيراً كان أم شراً، وأخص بالذكر منها التلفزيون والسينما والصحافة التي يمكن أن تكون عامل بناء وتثقيف وإصلاح، ويمكن أن تكون عامل تهديم وتخريب لسلوكهم إذا ما أسيء استخدامها.
لقد كان لي شرف العمل في المجال التربوي لمدة ربع قرن من الزمان كنت خلالها أقرأ بنهم، وأتتبع كل ما يقع تحت يديّ من الكتب والأبحاث المتعلقة بالتربية الحديثة محاولا الاستعانة بها لخدمة أبنائي التلاميذ، وتربيتهم وتنشئتهم النشأة الصالحة، ومن خلال دراساتي وتجربتي التربوية تلك، رأيت أن من واجبي أن أقدم هذه المساهمة المتواضعة حول سبل تربية وتنشئة أجيالنا الصاعدة ودراسة ومناقشة مشاكلهم وسبل معالجتها بما يحقق لنا الأهداف المرجوة في بناء جيل قويم قادر على أخذ زمام المستقبل، ومالكاً لكل المقومات التي تؤهله للنجاح .

31
من ذاكرة التاريخ

                                  اندلاع وثبة كانون الثاني المجيدة 1948
2/2
حامد الحمداني                                                             28/ 10/ 2018   
             
 
على أثر إعلان نص المعاهدة التي وقعها [صالح جبر ] مع[ارنست بيفن ] وزير الخارجية البريطاني اجتاحت البلاد موجة عارمة من الغضب الشعبي العارم ،ونشرت الأحزاب الوطنية في 18 كانون الثاني البيانات المنددة بالحكومة والمعاهدة ، وطالبت البيانات باستقالة حكومة صالح جبر، ورفض المعاهدة التي جاءت أقسى من معاهدة 1930 وأشد وطأة. 

سارع طلاب الكليات والمعاهد العالية إلى إعلان الإضراب العام، وتشكيل  [لجنة التعاون الطلابي] التي ضمت مختلف الاتجاهات السياسية والحزبية، وقامت المظاهرات الصاخبة في بغداد، ثم ما لبثت أن امتدت إلى مختلف المدن العراقية في 18  كانون الثاني، وتصاعدت موجة المظاهرات في اليوم التالي عندما انضم إليها العمال والكادحين من سكان الصرائف المحيطة ببغداد، والكسبة والمدرسين والمحامين وسائر طلاب المدارس الثانوية والمتوسطة، واتجهت المظاهرات إلى بناية مجلس النواب، وكانت الجماهير تنظم إليها خلال مسيرتها والكل يهتفون بسقوط الحكومة، وحلّ المجلس النيابي، ورفض المعاهدة .
سارعت الحكومة إلى إصدار بيان أذيع من دار الإذاعة هددت فيه بقمع المظاهرات بكل الوسائل والسبل  وقد شكل البيان استفزازاً كبيراً لجماهير الشعب دفعهم إلى تحدي السلطة، وأعلن طلاب المدارس كافة تضامنهم مع جماهير الشعب، وتحدي بيان الحكومة.
وفي 20 كانون الثاني انطلقت المظاهرات الواسعة يتقدمها طلاب كلية الشريعة، هاتفين بسقوط حكومة صالح جبر والمعاهدة، وجابهتهم قوات كبيرة من الشرطة مطلقة الرصاص على المتظاهرين، مما أوقع العديد من الشهداء والجرحى الذين نقلوا إلى المعهد الطبي، والمستشفى التعليمي بجوار كليتي الطب والصيدلة، وقد أدى ذلك الصدام إلى انتشار لهيب الوثبة في بغداد وسائر المدن الأخرى، وتصاعدت موجات المظاهرات التي اشتركت فيها جميع فئات الشعب من الطلاب، والعمال، والمثقفين، والكسبة، والكادحين من سكان الصرائف، واشتبكوا مع قوات الشرطة التي لم تستطع مجابهة المتظاهرين، وولت هاربة رغم السلاح الذي كانت تحمله بين أيديها، ولازلت أذكر تلك الأيام المجيدة من تاريخ كفاح الشعب العراقي بدقائقها، حيث كنت أحد الطلاب المشاركين فيها بالموصل وشاهدت شرطة النظام وهي تولي هاربة من غضب الجماهير الشعبية، وأسفرت تظاهرات يوم الثلاثاء 20 كانون الثاني في بغداد عن استشهاد أربعة من الطلاب والمواطنين، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى، لكن تلك التضحيات كانت حافزاً قوياً دفع جماهير الشعب على مواصلة الكفاح حتى تحقيق أهدافها في إسقاط الوزارة والمعاهدة معاً .
وفي يوم الأربعاء 21 كانون الثاني توجهت جماهير الشعب نحو المستشفى التعليمي لاستلام جثث الضحايا، لكن الشرطة فاجأتهم بوابل من الرصاص وحاولت الجماهير الاحتماء في بناية كليتي الطب والصيدلة، وبناية المستشفى ولاحقتهم الشرطة داخل البنايات المذكورة، وقتلت أثنين منهم، وكان أحدهم طالبا في كلية الصيدلة مما أشعل الموقف، ودفع عميدي كليتي الطب، والصيدلة وأساتذة الكليتين إلى الاستقالة احتجاجا على انتهاك حرمة الكليّتين، واحتجت الجمعية الطبية العراقية ببيان شديد اللهجة على تصرف الحكومة.
وتدهور الوضع في بغداد والمدن الأخرى بسرعة أرعبت الحكومة والوصي على العرش [عبد الإله] الذي سارع  لدعوة أعضاء الحكومة وعدد من رؤساء الوزارات السابقين، وممثلي الأحزاب السياسية الوطنية إلى عقد اجتماع في قصر الرحاب في 21 كانون الثاني لتدارس الوضع والخروج من المأزق الذي وضعت الحكومة نفسها فيه، وكان من بين الحاضرين الشيخ [ محمد الصدر ] و[جميل المدفعي ] و [حكمت سليمان] و[ حمدي الباجه جي ] و[ارشد العمري] و[نصرت الفارسي]  و[ جعفر حمندي ] و [محمد رضا الشبيبي] و[ ومحمد مهدي كبه] زعيم حزب الاستقلال و[ كامل الجادرجي ] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي و[ وعلي ممتاز الدفتري ] ممثلا لحزب الأحرار، و[عبد العزيز القصاب] و[ صادق البصام ] ونقيب المحامين [ نجيب الراوي]، وجرت في الاجتماع نقاشات حامية حول تطور الأوضاع بين الموالين للسلطة والمعارضين لها، وقد اتهم الوزير[ عبد المهدي ] المتظاهرين بأنهم عناصر شيوعية هدامة ورد عليه السيد كامل الجادرجي بقوله:
 [ إن المتظاهرين هم عناصر وطنية وقومية عربية صرفه ] (16)
شعر الوصي عبد الإله بخطورة الموقف، وعدم استطاعة الحكومة مجابه الشعب وبعد مداولات دامت أكثر من خمس ساعات أصدر الوصي بياناً إلى الشعب يعلن فيه تراجع الحكومة عن المعاهدة، ومما جاء في بيانه قوله : { إذا كان الشعب لا يريد هذه المعاهدة فنحن لا نريدها أيضاً }.

لقد أراد الوصي أن يمتص ببيانه هذا الغضب الجماهيري العارم الذي بات يهدد النظام، وهو في حقيقة الأمر كان مرغماً على تلك الخطوة، وهذا ما أكده وكيل رئيس الوزراء [ جمال بابان ] نفسه للسيد عبد الرزاق الحسني بعد قيام ثورة 14 تموز 1958 من أن الوصي عبد الإله أصّر في بادئ الأمر على استخدام الشدة والعنف مع المتظاهرين، وحصدهم حصداً!، وبرر سكوته عن ذلك طيلة تلك المدة إرضاءً للوصي، وتستراً على موقفه من قصة رفض الشعب للمعاهدة التي عقدت بمعرفته وبتوجيهاته. (17)

أدى بيان الوصي عبد الإله إلى حدوث انشقاق في صفوف الأحزاب الوطنية، فقد  انشق حزب الاستقلال القو مي داعياً جماهير حزبه إلى التوقف عن التظاهر بعد بيان الوصي، فيما أصرت بقية القوى الوطنية على مواصلة الكفاح حتى سقوط حكومة صالح جير، وقيام حكومة حيادية تأخذ على عاتقها إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وتطلق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وفي الوقت الذي كان الوصي يسعى بكل جهده لتهدئة الوضع طلع علينا صالح جبر ـ رئيس الوزراء-  بتصريح في لندن، في 22 كانون الثاني، يتهم المتظاهرين بأنهم عناصر هدامة من الشيوعيين والنازيين الذين اعتقلهم عام 1941
 بعد إسقاط  حكومة الكيلاني على يد جيش الاحتلال البريطاني.
وقد توعد جبر في تصريحه بالعودة إلى بغداد لسحق رؤوس العناصر الفوضوية!، وكان صالح جبر بتصريحه هذا قد صب الزيت على النار، فانطلقت مظاهرات عارمة ضد الحكومة.
وفي 25 منه أعدت الحكومة البريطانية طائرة خاصة لنقل صالح جبر وبقية أعضاء الوفد إلى بغداد لمعالجة الوضع، وكبح جماح المعارضة الوطنية، لكن الطائرة لم تستطع الهبوط في مطار بغداد لذي طوقته الجماهير، واضطرت إلى الهبوط في القاعدة الجوية البريطانية في الحبانية، وتم نقله والوفد المرافق له بواسطة المصفحات والمدرعات، إلى قصر الرحاب خفية، حيث التقى بالوصي بحضور نوري السعيد، وتوفيق السويدي، وقد اتهم صالح جبر وكيله جمال بابان بالتهاون في قمع المظاهرات، وطلب من الوصي منحه الصلاحيات اللازمة للقضاء على الثورة الشعبية خلال 24 ساعة.(18)

لكن جمال بابان أكد استحالة إنهاء المظاهرات دون استقالة الحكومة، وأيده في موقفه جميل عبد الوهاب، وزير الشؤون الاجتماعية، فيما وقف نوري السعيد إلى جانب صالح جبر داعياً إلى استخدام أقسى أساليب العنف ضد المتظاهرين، فما كان من جمال بابان إلا أن قدم استقالته من الحكومة احتجاجاً على انتقادات صالح جبر.
وفي ليلة 26 / 27 كانون الثاني أصدر صالح جير بياناً يحذر فيه أبناء الشعب من التظاهر، ويتوعدهم بإنزال العقاب الصارم بهم، وخول متصرفي الألوية [المحافظين] وأمين العاصمة، ومدراء الشرطة صلاحية استخدام السلاح لتفريق المظاهرات، وإنزال قوات كبيرة من الشرطة لتحتل المراكز الحساسة في العاصمة ، وبقية المدن الأخرى .
وتحدت الجماهير الشعبية صالح جبر ونوري السعيد، واجتاحت شوارع بغداد وسائر المدن الأخرى مظاهرات هادرة، منددة بالحكومة ومطالبة بسقوطها وسقوط المعاهدة، وبات الوضع خطيراً جداً في تلك الليلة، حيث كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق من قبل الشعب من جهة، والحكومة وقواها القمعية من جهة أخرى، انتظاراً لصباح اليوم التالي 27 كانون الثاني.

 فلما حلّ ذلك الصباح تحولت شوارع بغداد والمدن الأخرى إلى ساحات حرب حقيقية، فقد نشرت الحكومة قوات كبيرة من الشرطة المزودة بالمصفحات في الشوارع الرئيسية، فيما نصبت الرشاشات الثقيلة فوق أسطح العمارات العالية ومنارات الجوامع، استعداداً للمعركة الفاصلة.

وفي الساعة التاسعة صباحاً بدأت الجماهير الشعبية في الأعظمية، والكاظمية، وفي جانبي الكرخ، والرصافة تتجمع في الساحات العامة، ثم انطلقت في مسيرتها للالتقاء ببعضها، وقابلتها قوات الشرطة بوابل من رشقات الرصاص استشهد على أثرها أربعة من المتظاهرين، ووقع العديد من الجرحى، مما زاد في اندفاع الجموع الهادرة واندفاعها وإصرارها على التصدي لقوات القمع، وتقدمت مظاهراتان من جهة الأعظمية، ومن جوار وزارة الدفاع لتطويق قوات الشرطة التي حاولت الانسحاب إلى شارع  [غازي] سابقا، والكفاح حالياً، ولاحقتها جموع المتظاهرين مشعلة النيران بسياراتها ومصفحاتها، واستولت الجماهير على مركز شرطة [العباخانة]، وتوجهت إلى ساحة  الأمين [الرصافي حالياً] في طريقها للالتحام بجماهير الكرخ عبر جسر المأمون [ الشهداء حالياً ] .
كانت قوات الشرطة قد استعدت عند مدخل الجسر، حيث نصبت رشاشاتها فوق أسطح العمارات، ومنارات الجوامع عند طرفي الجسر في جانبي الكرخ، والرصافة لمنع مرور المتظاهرين عبر الجسر، ومعهم أمر بإطلاق النار على المتظاهرين المندفعين نحو الجسر، واستطاعت قوات الشرطة إيقاف زحف الجماهير نحو الجسر من جانب الرصافة في بادئ الأمر، مما دفع بجماهير الكرخ إلى الاندفاع نحو الجسر بغية عبوره، والالتحام بجماهير الرصافة المتواجدة في ساحة الأمين.

 وعند منتصف الجسر جابهتهم قوات الشرطة بنيران رشاشاتها المنصوبة فوق منارة جامعي [ الوزير] و[الآصفية] في جانب الرصافة، ومنارة جامع [ حنان ] في جانب الكرخ، ومن المدرعات الواقفة في مدخل الجسر، وقد استشهد ما يزيد على 40 مواطنا، وجرح اكثر من 130 آخرين، وتناثرت جثث الضحايا فوق الجسر.
اشتد ضغط الجماهير في ساحة الأمين على قوات القمع، مما أجبرها على الانسحاب نحو الجسر، وتقدم المتظاهرون عبر الجسر، ومرة أخري أنهمر عليهم الرصاص واستشهد عدد آخر وجرح الكثيرون، لكن الجموع ازدادت بأساً واندفاعاً أوقع الهلع في صفوف قوات القمع التي خافت أن تقع في أيدي الجماهير الغاضبة فولت هاربة تاركة ساحة المعركة تملأ جثث الشهداء والجرحى .

حاول عبد الإله استخدام الجيش ضد الشعب، وأجرى اتصالا تلفونياً مع رئيس أركان الجيش الفريق  [صالح صائب الجبوري] في 27 كانون الثاني، حوالي الساعة الثالثة والنصف عصراً، طالباً منه إدخال عدد من قطعات الجيش إلى شوارع بغداد، لكن الجبوري حذر الوصي من مغبة إدخال الجيش في شوارع بغداد، ولاسيما وانه لا يزال يعاني من مرارة الاحتلال البريطاني عام 1941، وأكد الجبوري للوصي عدم ضمان وقوف الجيش ضد الشعب، وبرغم أن الوصي كان متحمساً لقمع الانتفاضة لكنه اضطر للأخذ برأي الجبوري طالباً منه البقاء على اتصال دائم بالقصر حتى ينجلي الوقف.(19)

وفي الوقت الذي كانت الأزمة تتصاعد، قدم 20 نائبا في البرلمان استقالتهم، احتجاجا على الأساليب القمعية للحكومة ضد أبناء الشعب، بالإضافة إلى استقالة وزير المالية [ يوسف غنيمة] ووزير الشؤون الاجتماعية [ جميل عبد الوهاب]، وفي الوقت نفسه كان عبد الإله مجتمعا في قصر الرحاب مع الشيخ [محمد الصدر] و[ نوري السعيد ] لبحث الموقف وسبل الخروج من الأزمة، و كان نوري السعيد يلح على الوصي بقمع الحركة الشعبية، وطالبه بإعلان الأحكام العرفية ومنع التجول لاحتواء المظاهرات.

 لكن الشيخ محمد الصدر نصح الوصي بإقالة الوزارة لتهدئة الأوضاع، ولاسيما وأن المظاهرات قد امتدت إلى جميع المدن العراقية، وفقدت الشرطة سيطرتها على الموقف، وأشعل المتظاهرون النار في مكاتب الإرشاد البريطانية، في السليمانية، وكركوك، والموصل.
وهكذا أخذ الوصي برأي الشيخ الصدر على مضض، رغم كونه كان في الواقع يسعى لقمع  الحركة الشعبية، وأوعز إلى رئيس الديوان الملكي [أحمد مختار بابان ] للاتصال بصالح جبر، والطلب منه تقديم استقالة حكومته في 27 كانون الثاني 1948، اليوم الذي شهد أشد المعارك بين الشعب وقوات الحكومة، وقدم صالح جبر استقالته التي تم قبولها فوراً، وتوجه الوصي بخطاب إلى الشعب من دار الإذاعة أعلن فيه استقالة الحكومة، وداعيا الشعب للإخلاد إلى الهدوء !.

حقق الشعب في وثبته هدفان ، فقد اسقط المعاهدة، واسقط الحكومة، لكن الوثبة لم تستطع حسم الصراع مع السلطة الموالية للمحتلين البريطانيين، على الرغم من هروب نوري السعيد وصالح جبر إلى خارج العراق ريثما تهدأ الأوضاع، فقد كانت حياتهم مهددة بخطر حقيقي لو تسنى للجماهير الوصول إليهما.
الشيخ محمد الصدر يؤلف الوزارة الجديدة :
 حاول الوصي عبد الإله تكليف الشيخ محمد الصدر بتأليف الوزارة الجديدة، نظراُ لتمتعه بمركز ديني كبير، إضافة إلى كونه من الطائفة الشيعية، حيث وجد أن الشيخ الصدر هو خير من يستطيع تهدئة الأوضاع .
لكن الصدر اعتذر عن المهمة رغم إلحاح الوصي، مما اضطره إلى تكليف أرشد العمري، وقد حاول العمري بالفعل القيام بهذه المهمة لكنه جوبه بمعارضة شديدة من قبل الأحزاب الوطنية التي لازالت تذكر الأعمال التي قام بها عند تشكيل وزارته السابقة، فهو بالنسبة للأحزاب الوطنية والشعب غير مرغوب فيه، وهكذا فشل العمري في مهمته.
وفي الوقت نفسه أصدرت الأحزاب الوطنية [ الوطني الديمقراطي، والاستقلال، والأحرار ] بيانا إلى الشعب عن تلك الأحداث التي عصفت بالحكومة، وتضمن البيان ستة مطالب من الحكومة القادمة وهي:
1 ـ الإعلان الرسمي عن بطلان معاهدة بورتسموث .
2 ـ إجراء تحقيق دقيق عن مسؤولية إطلاق النار على أبناء الشعب.
3 ـ حل المجلس النيابي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
4 ـ احترام الحريات الدستورية.
5 ـ إفساح المجال للنشاط الحزبي.
6 ـ حل مشكلة الغلاء بشكل يوفر للشعب قوته.(20)
كما قام زعماء الأحزاب الثلاثة بالاتصال بالشيخ الصدر طالبين منه الرجوع عن موقفه، والقبول بتأليف الوزارة، ونزولاً عند رغبتهم قبل الصدر المهمة رسمياً في 29 كانون الثاني 1948، وتشكلت الوزارة على الوجه التالي :
1ـ محمد الصدر ـ رئيساً للوزراء .
2 ـ جميل المدفعي ـ وزيراً للداخلية .
3 ـ حمدي الباجه جي ـ وزيراً للخارجية .
4 ـ ارشد العمري ـ وزيراً للدفاع .
5 ـ عمر نظمي ـ وزيراً للعدلية .
6 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للاقتصاد .
7 ـ محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف .
8 ـ نجيب الراوي ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية .
9 ـ صادق البصام ـ وزيراً للمالية .
10 ـ محمد مهدي كبه ـ وزيراً للتموين .
11 ـ جلال بابان ـ وزيراً للأشغال والمواصلات .
12 ـ نصرت الفارسي ـ وزيراً بلا وزارة
13 ـ داود الحيدري ـ وزيراً بلا وزارة .
14 ـ محمد الحبيب ـ وزيراً بلا وزارة .
وهكذا جاءت وزارة الصدر من نفس الفئة الحاكمة، باستثناء محمد مهدي كبه، ومن العناصر المعروفة بولائها للمحتلين البريطانيين، ممن لا يرتاح إليهم الشعب ولاشك أن للسفارة البريطانية دوراً في اختيار الوزراء، وكانت وزارة الصدر مجرد وزارة تهدئة بعد تلك الوثبة الجبارة التي أوشكت أن تطيح بالنظام واستطاعت إسقاط حكومة صالح جبر، وإسقاط المعاهدة، ومن أجل تهدئة الأوضاع أقدم الصدر على تنفيذ الإجراءات التالية :
1 ـ أتخذ مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 31 كانون الثاني قراراً بإلغاء معاهدة بورتسموث، وإبلاغ الحكومة البريطانية برغبة العراق بعقد معاهدة جديدة تحقق طموحات الشعب العراقي في الحرية والاستقلال الناجزين، وقد عارض القرار الوزير عمر نظمي، المعروف بولائه التام للإنكليز، وقدم استقالته من الحكومة احتجاجا على القرار!!.
2ـ قررت الحكومة في 2 شباط تأجيل جلسات مجلس النواب لمدة 50 يوماً، لامتصاص غضب الجماهير، لكن الحملة اشتدت على المجلس من قبل الأحزاب الوطنية والصحافة والاحتجاجات الشعبية طالبين حلّ المجلس وأجراء انتخابات حرة ونزيهة، ولم ترَ الوزارة بداً من النزول عند الضغط الشعبي وضغط الأحزاب الوطنية والصحافة، واضطرت إلى اتخاذ قرار بالطلب من الوصي بإصدار الإرادة الملكية بحل المجلس النيابي في 22 شباط، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
3 ـ كانت حكومة صالح جير قد اتخذت العديد من الإجراءات ضد الصحف، أحالت العديد من محرريها ومدراها المسؤولين إلى المحاكم، وأصدرت الأحكام الجائرة بحقهم، بسبب مواقفهم المناهضة لمعاهدة بورتسموث، وقد اتخذ مجلس الوزراء قراراً بعودة الصحف المعطلة للصدور من جديد، وإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، والذين صدرت بحقهم الأحكام بالسجن، كما جرى إطلاق سراح معظم الطلاب الذين اعتقلوا خلال أحداث الوثبة، وأعادتهم إلى مدارسهم وكلياتهم .
4 ـ قرر مجلس الوزراء فسح المجال للنشاط الحزبي، بعد أن كانت الحكومة السابقة قد ضيقت عليها بكل الوسائل والسبل، ومنعتها من ممارسة نشاطها بحرية بسبب مناهضتها لمعاهدة بورتسموث.
5 ـ طلبت الحكومة سحب البعثة العسكرية البريطانية من الجيش العراقي في 22 آذار 1948، والتي كانت المهيمن الحقيقي على الجيش، وتم لها ذلك.
6 ـ سعت الحكومة إلى الاتصال بمجلس الطعام الدولي لغرض الحصول على 30 ألف طن من الحنطة بشكل عاجل لمعالجة أزمة الخبز التي سببتها حكومة أرشد العمري.
7ـ وافقت وزارة الداخلية على جمع مبلغ 50 ألف دينار لغرض توزيعها على عائلات الشهداء والجرحى الذين سقطوا خلال الوثبة الوطنية.
ورغم كل هذه الإجراءات استمرت المظاهرات تجوب شوارع بغداد احتجاجاً على عدم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء الشيوعيين، وعلى رأسهم مؤسس الحزب[يوسف سلمان] فهد، ورفيقيه[ زكي بسيم] و[حسين محمد الشبيبي] أعضاء المكتب السياسي، وكذلك المطالبة بفسح المجال لحزب الشعب، وحزب التحرر الوطني، الذين ألغت حكومة العمري إجازتيهما، للعمل الحزبي من جديد، ومطالبة الحكومة باتخاذ سياسة أكثر حزماً تجاه الهيمنة البريطانية على  العراق، وتجاه القضية الفلسطينية التي كان يعتبرها العرب آنذاك قضيتهم الأساسية، والوقوف ضد المخطط الإمبريالي الأنكلوـ أمريكي الهادف إلى تقسيم فلسطين، وإقامة كيان سياسي لليهود فيها، وتشريد أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف بقاع العالم في ظروف حياتية غاية في الصعوبة .



32
من ذاكرة التاريخ
انتفاضة الشعب العراقي عام 1956
                                       
حامد الحمداني                                                               23/10/2018
كان موقف الشعب العراقي، وحكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر، على طرفي نقيض، فلقد اتسم موقف الحكومة السعيدية بالتشفي من مصر وعبد الناصر بشكل علني وصريح، وراحت الإذاعة العراقية تحاول صرف أنظار الشعب عن العدوان الذي دعته [التطورات والملابسات السياسية ] ، كما راحت الإذاعة تبث الأغاني الممجوجة، التي كان التشفي ينبعث منها، مما أثار سخط واستنكار وتقزز الشعب منها ومن الحكومة المتواطئة مع الإمبريالية، والتي سخرت مطاراتها للطائرات البريطانية، ومستشفياتها لجرحى المعتدين، وضخت النفط إلى ميناء حيفا في إسرائيل لتجهيز طائرات وجيوش المعتدين بالوقود .(4)
يقول السيد [ناجي شوكت] أحد رؤساء الوزارات السابقين في مذكراته عن موقف الحكومة السعيدية من العدوان ما يلي : { كانت إذاعة بغداد تذيع تسجيلات خليعة، وإن نسيت،لا أنسى مدى عمري ذلك المذيع الوقح الذي كانت آثار الشماتة والاستهزاء بكل القيم الإنسانية تنطلق من فمه المسعور، في الوقت الذي كان الشعب العراقي برمته يغلي كالبركان، ويطلب مساعدة مصر في محنتها، ووجوب مساندتها بالأرواح والأموال}. (5)

أما نوري السعيد، الذي كان في لندن حينما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، فقد اجتمع مع رئيس الوزراء البريطاني [ انطوني إيدن ] حاثاً إياه على ضرب مصر، وبرهنت الحوادث على أن نوري السعيد كان على علم مسبق بقرار الهجوم على مصر،  وعاد إلى بغداد مسرعاً، ليقوم بدوره المرسوم في دعم العدوان، ولإحكام سيطرة الحكومة على الغليان الشعبي الذي اجتاح العراق من أقصاه إلى أقصاه. (6)

وما كاد العدوان الثلاثي يبدأ على مصر الشقيقة حتى سارع عبد الإله إلى عقد اجتماع لمجلس الوزراء في البلاط، لبحث الوضع في مصر، واعتقدت السلطة الحاكمة في بغداد أن النظام في مصر على وشك الزوال، وكان المجتمعون يتطلعون إلى الأخبار ساعة بعد ساعة، منتظرين استسلام مصر، وقد أتخذ مجلس الوزراء قراراً بإعلان الأحكام العرفية في 1 تشرين الثاني، وتشكيل أربعة محاكم عسكرية في محاولة منه لمنع الشعب من التحرك ضد النظام العميل للإمبريالية، بسبب مواقفه الخيانة من القضايا العربية، وفي مقدمتها العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة . (7)

كما أجرى نوري السعيد اتصالاً مع الحكومة الأردنية، وتقرر على أثرها إرسال قوات عراقية إلى الأردن، في 14، و15 تشرين الثاني، وكان واضحاً أن الغرض من إرسال القوات كان لتهديد سوريا التي وقفت إلى جانب مصر، وقطعت مرور النفط عبر أراضيها وقامت بنسف المضخات، ولم يكن قصد الحكومة إسرائيل، كما ادعت، فقد أجرى نوري السعيد اتصالات سريعة مع حكومتي واشنطن ولندن لإفهام إسرائيل بأن العراق ليست له نية بالتحرش، أو الاعتداء على حدودها، وقد سُرت الولايات المتحدة وبريطانيا لهذه المبادرة، كما ُسرت إسرائيل واطمأنت .

وفي الوقت الذي كان الجيش المصري يتصدى للمعتدين بكل قوة وبسالة، كان نوري السعيد يضخ النفط إلى إسرائيل، عبر أنبوب حيفا، كما كانت الطائرات البريطانية المعتدية تقلع من قاعدتي الشعيبة والحبانية، لتضرب أهدافها في بور سعيد و السويس، وفي الوقت الذي قطعت سوريا، والسعودية علاقاتهما مع بريطانيا وفرنسا احتجاجاً على العدوان الغاشم على مصر، فإن نوري السعيد رفض أن يفعل ذلك، مدعياً أن القرار سيكون كارثة على العراق ‍‍‍‍‍. (8)

هكذا استفز النظام العراقي مشاعر الشعب العراقي، وداس على كل القيم العربية، ليثبت ولائه وخنوعه التام للإمبريالية، مما دفع الشعب العراقي للانتفاضة ضد النظام رغم كل الاحتياطات التي اتخذها، وفي المقدمة منها إعلان الأحكام العرفية، وتشكيل المحاكم العسكرية لإخافة المواطنين ومنعهم من التحرك.

ابرق السيد [كامل الجادرجي] زعيم الحزب الوطني الديمقراطي  والذي كان موجوداً في مصر لمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر الشعبي العربي، حينما وقع العدوان، إلى رئيسي مجلسي الأعيان والنواب، في 14 تشرين الثاني، البرقية التالية:
{ إن لجنة الاتصال للمؤتمر الشعبي العربي تستنهض ضمائركم لتبادروا بإنزال العقوبة بحق المتآمرين الذين ارتكبوا الجناية العظمى، بالسماح للبترول العربي في العراق أن يتدفق إلى حيفا، لتستخدمه إسرائيل  والإنكليز والفرنسيين، للقضاء على الأمة العربية. إن التاريخ سيسجل موقفكم، وإن الأمة العربية بأجمعها تنتظر ما سوف تتخذونه على هذه المؤامرة الاستعمارية المنكرة، وعلى المتآمرين من أعوان الاستعمار، وفقكم الله سبحانه وتعإلى لما فيه رضاه، ومصلحة الأمة العربية } (9)

وقد استخدمت تلك البرقية دليل إدانة ضد الأستاذ الجادرجي فيما بعد، وقد رد رئيس مجلس الأعيان على البرقية ببرقية جوابية يستنكر فيها ما جاء في برقية الجادرجي، ويدافع عن حكومة نوري السعيد وقدم 61 أستاذاً جامعياً مذكرة مسهبة إلى الملك، استنكروا فيها سياسة حكومة نوري السعيد المعادية لمصالح الأمة العربية، وسياسة القمع الذي مارسها ضد الطلاب والأساتذة، وجماهير الشعب، وانتهاكه لحرمة المدارس والكليات، وطالبوا باحترام الحرم الجامعي، وضمان حرية الفكر، وإطلاق سراح الطلاب المعتقلين، وإجراء تحقيق عادل في تجاوزات الحكومة، وغيرها من المطالب الأخرى .(10)
كما قدم 35 شخصية سياسية ودينية ووطنية مذكرة مسهبة إلى الملك، في 20 تشرين الثاني شرحوا فيها تأمر وخيانة نوري السعيد، وطعنه للامة العربية في الصميم، ودعت الملك إلى معالجة الأمر قبل فوات الأوان . (11)
كما قدم نقيب المحامين [ سعد عمر ] مذكرة احتجاج أخرى في 29 تشرين الثاني، إلى رئيس الوزراء، بسبب قيام الحكومة باعتقال العديد من المحامين، واستنكر تلك الإجراءات اللا قانونية، وطالب بإطلاق سراح المعتقلين على الفور .
لكنّ النظام أصرّ على السير في ركاب الإمبريالية، وتحدي مشاعر الشعب، التي انفجرت بركاناً انتشرت حممه في طول البلاد وعرضها، واندفعت جماهير الشعب،  غير هيابة من حكومة العمالة، وجهازها القمعي، ومجالسها العرفية ومراسيمها الموغلة في العدوان على الدستور، وحقوق وحريات المواطنين، وعمت المظاهرات جميع المدن العراقية، ووقعت الاشتباكات العنيفة بين الجماهير وقوات الحكومة القمعية.

ففي بغداد أندفع أساتذة وطلاب الكليات والمعاهد العالية، والمدارس، الذين هزهم العدوان الثلاثي الغاشم على الشقيقة مصر، والموقف الخياني لحكومة نوري السعيد من العدوان،  يومي 3 و 4 تشرين الثاني في مظاهرات عارمة  متحدين الأحكام العرفية، وقوات القمع السعيدية، حيث وقع صدام عنيف بين الطرفين أسفر عن استشهاد طالبين وفتاة صغيرة، ووقوع عدد كبير من الجرحى وتم اعتقال أعداد أخرى من الطلبة.

لكن المظاهرات الطلابية استمرت دون توقف، حتى بلغت أوجها يوم 21 تشرين الثاني 1956، حيث أعلن طلاب المدارس والكليات الإضراب العام عن الدراسة، وخرجوا في مظاهرة ضخمة، اصطدمت مع قوات القمع السعيدية، وقد أبدى الطلاب بسالة منقطعة النظير في تصديهم لقوات القمع، وأوقعوا فيها [58 إصابة] كان منهم مدير الشرطة، و3 ضباط شرطة، ومفوضان، و54 شرطياً، كما وقعت إصابات كثيرة في صفوف المتظاهرين من الطلاب والأهالي الذين انضموا إلى المظاهرة .(12)

وعلى أثـر ذلك أعلنت الحكومة إغلاق كافة الكليات، والمعاهد العالية، والمدراس الثانوية والمتوسطة، واعتقلت [378  طالباً] من الإعدادية  المركزية،  وثانـوية الكرخ، وتم طـرد 37 طالباً من مدارسهم . (13)
وفي الوقت نفسه، أصدر وزير المعارف [ خليل كنه ] أمراً وزارياً بإلغاء تسجيل كافة طلاب المدارس، وإعادة تسجيلهم من جديد،بعد حصولهم على كتاب موافقة من مديرية التحقيقات الجنائية [الأمن العامة] ومنع قبول أي طالب في الكليات والمعاهد والمدارس، إذا لم يحصلوا على موافقة الجهات الأمنية، لكن تلك القرارات لم تثنِ الطلاب عن التظاهر، بل على العكس أدى تصدي قوات الأمن لهم إلى انتشار المظاهرات في معظم المدن العراقية، واشتباك المتظاهرين مع قوات القمع السعيدية. حيث وقعت معارك دامية بين الشعب وقوات الحكومة القمعية .

وكان أشد تلك المعارك، المعركة التي خاضتها جماهير مدينة [الحي] والتي استفزتها مواقف حكومة السعيد الخيانية، والجرائم التي اقترفتها قوات الحكومة القمعية في النجف الأشرف، فانتفضت هذه المدينة الباسل التي كان سكانها يشكون من ظلم الإقطاع، واستغلالهم البشع، وتفجرت تلك التراكمات ثورة عارمة ضد الطغيان السعيدي، وقامت المظاهرات الصاخبة التي تصدت لها قوات الشرطة القمعية، لكن جماهير الحي استطاعت هزم تلك القوات في 18 تشرين الثاني، بعد معارك دامية سقط خلالها العديد من الشهداء و الجرحى .
وفي اليوم التالي جاءت السلطة بحوالي 1500 فرد من قوات الشرطة السيارة إلى المدينة، حيث دارت معارك عنيفة بين الطرفين، وقامت قوات الشرطة بانتهاك حرمة البيوت وبأسلوب وحشي، حيث أخذت تقلع أبواب البيوت بالقوة وتجري التحري فيها، وتلقي القبض على كل من تشك في اشتراكه في المظاهرات، مما دفع سكان المدينة إلى إعلان الإضراب العام، أغلقت جميع المدارس والمحلات أبوابها، احتجاجاً على الأساليب البطش السعيدية، وسيق العديد من أبناء الحي ا لى المجالس العرفية التي أخذت تصدر الأحكام الجائرة بحقهم، وكان من جملة تلك الاحكام، حكم الإعدام الصادر بحق الشهيدين[ علي الشيخ حمود ] و[ مهدي الدباس ]، فيما حكم على الكثيرين بمدد مختلفة تراوحت بين السجن المؤبد، والسجن لبضعة سنوات.                                                        .                                                                                             
 وقد حاول لفيف من السياسيين إنقاذ حياة الشهيدين حمود والدباس، حيث قابل السيد [حكمت سليمان ] أحد رؤساء الوزارات السابقين ، والشيخ [محمد رضا الشبيبي ] من الوزراء السابقين، الملك فيصل الثاني، والتمساه عدم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقهما، ووعدهما الملك خيراً، لكن الذي جرى أن الشهيد مهدي الدباس تعرض في سجنه، بعد الحكم عليه بالإعدام، لتعذيب وحشي شديد على أبدي الأجهزة الأمنية، وتوفي على أثرها تحت التعذيب، وقامت الحكومة على الأثر بنقل الشهيد الدباس مع الشهيد علي الشيخ حمود إلى الساحة العامة في الحي، حيث تم نصب مشنقتين لهما، على الرغم من أن الدباس كان قد فارق الحياة داخل السجن، ومع ذلك علق جسده على حبل المشنقة لتوهم السلطة المجرمة أبناء الحي بأنه قد تم تنفيذ حكم الإعدام به وبرفيقه، لكي لا تنكشف الجريمة، ولابد لي أن أشيد هنا بالموقف البطولي للشهيدين، فلقد قضى الدباس تحت التعذيب دون أن تنتزع منه السلطات الأمنية أي أسرار تتعلق بنشاط الحزب الشيوعي، بينما وقف الشهيد علي الشيخ حسين شامخاً فوق مشنقته وهو يهتف بحياة الشعب العراقي، والحزب الشيوعي، ويلعن المستعمرين وأذنابهم الخونة.                  .                                               
ورغم كل ما فعلته السلطة الحاكمة، ورغم كل إجراءاتها القمعية، فإن ذلك لم يجدها نفعاً، بل على العكس أنتشر لهيب الانتفاضة في مدن الكوفة والديوانية، والشامية والحلة  وكربلاء والناصرية والنجف والبصرة والعمارة والكوت، والموصل وأربيل وكركوك والسليمانية وعانه بالإضافة إلى بغداد.

ورغم أن السلطة الحاكمة زجت بكل قوات الشرطة وقوات الجيش للحيلولة دون قيام المظاهرات، ورغم زجها بالآلاف من المواطنين رهن الاعتقال، وتقديمهم إلى المجالس العرفية، وإصدار الأحكام الجائرة بحقهم، إلا أن المظاهرات والاحتجاجات تصاعدت ضد السلطة الحاكمة وكانت أشد المعارك قد وقعت في مدينة النجف الاشرف، مدينة البطولات الوطنية، فقد التهبت الأوضاع فيها عندما انطلقت تظاهرة طلابية من مدرسي [ الخورنق ] و[ السدير ]،حيث تصدت لها قوات الشرطة المدججة بالسلاح والمزودة بالسيارات المسلحة بالرشاشات، وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين، حيث أصيب [ 42 طالباً ] بجراح، وكانت جراح 11 منهم خطيرة، واستشهد الطالب [ عبد الحسين ] حفيد العلامة المعروف [ سيد فهمي الحمامي ]، كما استشهد طالب آخر من مدرسة السدير، وأخر من الأهالي، مما أدى إلى حالة من الهياج بين المواطنين الذين أعلنوا الإضراب العام، حيث أغلقت الحوانيت، والمحال التجارية، والمطاعم والمخابز، والصيدليات  احتجاجاً على الأعمال الإجرامية للسلطة، كما أضرب رجال الدين عن أداء واجباتهم الدينية، فلم يخرجوا لصلات الجماعة . (15)

وإزاء تطور الأحداث، وتصاعد موجة المظاهرات، أقدمت الحكومة على سحب شرطة المدينة، واستبدلتهم بإعداد غفيرة من الشرطة جاءت بهم من مناطق أخرى، من أطراف الموصل، خوفا من تهاون شرطة النجف في قمع المتظاهرين، ومع ذلك فلم تستطع السلطة السيطرة على المدينة، مما دفع بالحكومة إلى إنزال قوات الجيش إلى الشوارع، واحتلال المدينة .
لكن الإضراب استمر أسبوعاً كاملاً، وسط تحدي الشعب لقوات القمع، وواصلت التظاهر والتصدي لقوات القمع التي سارعت إلى إطلاق النار على المتظاهرين الذين لجئوا إلى مرقد الأمام علي عليه السلام، ولاحقتهم قوى الأمن، مواصلة إطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى استشهاد أثنين من المتظاهرين هما الشهيدين [ عبد الأمير ناصر ] و  [أموري علي ] ووقوع العديد من الجرحى.أدى الهجوم الوحشي على مرقد الإمام علي، عليه السلام، إلى تصاعد موجة التظاهرات والاحتجاجات، حيث خرجت المدينة عن بكرة أبيها تحاول انتزاع جثث الشهداء من المستشفى فيما أصرت الحكومة على عدم تسليمهم .

أدت الأحداث الدامية في النجف إلى قيام موجة من الاحتجاجات الموجهة من قبل كبار رجال الدين إلى الملك فيصل، حيث احتج كل من الشيخ [ عبد الكريم الجزائري ] والسيد [حسين الحمامي ]  والشيخ [ محمد كاظم الشيخ راضي ] و السيد [ محسن الحكيم ] والسيد [محمد صالح بحر العلوم ] إضافة إلى عدد من المحامين منهم [ موسى صبار ] و[ احمد الجبوري ]، في برقيات بعثوا بها إلى الملك فيصل، ونددوا فيها بإجراءات الحكومة، وطالبوا بإنزال أشد العقوبات بالمسببين باستشهاد أبناء النجف، وجرح العديد منهم.

أحدثت مصادمات النجف إلى رد فعل عنيف في بغداد، حيث أعلن المواطنون الإضراب العام، وأغلقت كافة المحال التجارية، والمطاعم والمخابز والصيدليات، وقامت الحكومة على الأثر بإصدار بيان في 28 تشرين الثاني، هددت المواطنين بإنزال اشد العقاب بهم إذا ما استمروا في إضرابهم.
أدرك البلاط الملكي أن الأمور أخذت تسير من سيئ إلى أسوأ، واستمرت الأحوال الأمنية بالتدهور، مما كان يهدد العرش بالذات، وعليه فقد دعا عبد الإله والملك فيصل الثاني رؤساء الوزارات السابقين، بالإضافة إلى نوري السعيد، ورئيسي مجلسي النواب والأعيان، والوزراء، وبعض الساسة، للتداول في التطورات الخطيرة التي تشهدها البلاد، وُطرح خلال المداولات موضوع استقالة حكومة نوري السعيد، وفسح المجال أمام العرش لتأليف وزارة جديدة تستطيع تهدئة الأمور، وتنقذ الموقف، وقد اتهم أحد الحاضرين نوري السعيد بأنه قد شجع [ انطوني إيدن ] عند وجوده في لندن، على شن العدوان على مصر بدلاً من أن يحذره من مغبة القيام بمثل هذا العدوان.(16)
 غير أن نوري السعيد أصرّ على موقفه، وتحديه للشعب، ومشاعره الوطنية، وحذر الملك وعبد الإله من خطورة التراجع أمام تحدي الشعب، مدعياً أن هذا الموقف قد يؤدي بالعرش، وهكذا انتهى الاجتماع دون اتخاذ أي قرار حول الوضع، لكن عبد الإله أجرى مشاورات أخرى بعد الاجتماع مع عدد من السياسيين، كان من بينهم [ جميل المدفعي ] و[علي جودت الايوبي ] بغية تأليف وزارة جديدة، وقد اقترح المدفعي إبعاد نوري السعيد عن الحكومة، إشراك [حسين جميل] و[ مهدي كبه ] في الوزارة القائمة، أو تشكيل وزارة جديدة .

 ثم استدعى عبد الإله بعد ذلك كل من السيد [ كامل الجادرجي ] و[حكمت سليمان]  و[ محمد رضا الشبيبي ]، وطلب رأيهم في سبل حل الأزمة وإعادة الهدوء إلى البلاد، وقد أجمع الجميع على ضرورة إقالة حكومة نوري السعيد، وتشكيل حكومة جديدة، وحذر حكمت سليمان عبد الإله من مغبة استمرار الأوضاع على ما هي عليها .(17)

لكن نوري السعيد، وبدعم  أسياده الإمبرياليين البريطانيين، تمادى في غيه، وأصدر أمراً باعتقال قادة  الأحزاب السياسية الوطنية، وكبار الشخصيات المعارضة، فقد تم اعتقال السادة كامل الجادرجي، وحسين جميل، وصديق شنشل، وفائق السامرائي، وعبد الرحمن البزاز، وجابر عمر بالإضافة إلى العديد من رجال الدين، واحالهم إلى المجلس العرفي العسكري في 16 كانون الأول، حيث صدرت الأحكام، في 19 منه،بحقهم، وصبت الحكومة جام غضبها على الأستاذ الجادرجي، حيث حكم عليه بالسجن الشديد لمدة ثلاث سنوات بعد أن اتخذت الحكومة برقيته التي أرسلها إلى رئيسي مجلسي النواب والأعيان كدليل اتهام، وتم إيداعه السجن .
كما حكمت المحكمة على صديق شنشل،وفائق السامرائي بالمراقبة لمدة سنة، وعلى حسين جميل وسامي باش عالم بكفالة شخص ضامن بمبلغ 5000 دينار، لمدة سنة، وتم نقل شنشل إلى الإقامة الجبرية في [ قلعه دزه ]، وفائق السامرائي إلى [ حلبجة ] في السليمانية، وتم إبعاد عميد كلية الحقوق [عبد الرحمن البزاز] و [ جابر عمر ] و[محمد البصام ] و[ فيصل الوائلي ] و[ حسن الدجيلي] الأساتذة في كلية الحقوق،إلى [ بنجوين ]. كما أبعد رجال الدين إلى قرية [ شثاثة ] في كربلاء، وجرى فصل أكثر من 10 آلاف طالب من كلياتهم، ومدارسهم، والعشرات من أساتذة الكليات بقرار جماعي.(18)

وهكذا استطاع النظام قمع الانتفاضة الجماهيرية الكبرى بالحديد والنار، مستخدماً كل ما توفر لديه من الوسائل القمعية، وزج بالجيش ليقمع الانتفاضة، بعد أن هزمت قوات الشرطة القمعية أمام غضبة الجماهير، وعزمها على التصدي للنظام الخائن والعميل للإمبريالية وهذا ما أرادته بريطانيا عندما أسست الجيش العراقي، عام 1921، فقد أرادته لحماية السلطة الحاكمة المؤتمرة بأوامرها، وليس لأي هدف آخر، لكن بذور الثورة كانت تنمو في أحشاء هذا الجيش الذي هو جزء من الشعب، مهما عملت السلطة الحاكمة لإحكام سيطرتها عليه وتوجيهه نحو معاداة الشعب وقواه الوطنية.

33
من ذاكرة التاريخ

العدوان الثلاثي على مصر
وموقف حكومة نوري السعيد
حامد الحمداني                                     1/2                               19/ 10/ 2018

بعد أن تم لثورة 23 يوليو في مصر تحقيق جلاء القوات البريطانية من مصر، عام 1954، عملت القيادة المصرية جاهدة لتحرير قناة السويس من السيطرة البريطانية والفرنسية، تلك القناة التي شُقت بجهود مئات الآلاف من أبناء الشعب المصري الذي سكب أطناناً من العرق، وفقد عشرات الألوف حياتهم من أجل إتمامها .

فقد تم تسخير 60 ألف مصري شهرياً في أعمال الحفر، من دون أجور، وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1859 و 1864 مات من هؤلاء العمال ما يزيد على 100 ألف فرد، تحت الانهيارات الرملية، دون دفع أي تعويض عنهم.

بجهود أولئك المصريين تم إنجاز قناة السويس التي ربطت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وأصبحت قناة السويس الشريان الرئيسي الذي يربط قارتي أوربا وأسيا ببعضهما، واختصرت الوقت والتكاليف على السفن، بعد أن كانت تدور حول رأس الرجاء الصالح، جنوب أفريقيا .
كان الرئيس عبد الناصر ينتظر الفرصة المناسبة ليحقق هذا الأمل للشعب المصري  في تحرير القناة، وكانت في تلك الأيام من عام 1956 تدور مباحثات بين مصر وصندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا حول طلب مصر لتمويل مشروع السد العالي على نهر النيل العظيم، حيث كان هذا المشروع يتسم بأهمية كبرى للشعب المصري، كونه يوفر ثروة مائية كبيرة يمكن استخدامها في ري مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ويكون مصدر طاقة كهربائية عظيمة كانت مصر بأشد الحاجة إليها لمشاريع التنمية الصناعية، والحاجات الاستهلاكية، هذا بالإضافة إلى كون السد ينقذ الشعب المصري من طوفان هذا النهر العظيم، الذي سبب للشعب الويلات والمآسي في فصل الفيضان، بدلاً من أن يكون مصدر خير ورفاه .

حاولت الدول الإمبريالية الضغط على الحكومة المصرية لتمرير مشروع [الدفاع عن الشرق الأوسط] وربط مصر بالمخططات الإمبريالية، لكن الرئيس عبد الناصر قاوم كل تلك الضغوط، ووقف موقفاً حازماً ضد حلف بغداد، ودفع الإمبرياليون إسرائيل للتحرش بالبلدان العربية المجاورة للضغط عليها، وأغدقوا عليها شتى أنواع الأسلحة، في حين حرموا البلاد العربية من الحصول على الأسلحة التي تمكنهم من الدفاع عن أنفسهم، مما حمل الرئيس عبد الناصر إلى عقد صفقات لشراء الأسلحة من المعسكر الاشتراكي .
                                                                     
أثار توجه عبد الناصر للدول الاشتراكية لشراء الأسلحة غضب الدول الإمبريالية وجعل الولايات المتحدة وبريطانيا تسحبان عرضهما لتقديم القروض لتمويل السد العالي، في 25 تموز 1956، بعد أن كانت هاتان الدولتان قد أعلنتا في 18 كانون أول 1955 عن عزمهما على تقديم تلك القروض
أما البنك الدولي، الذي تسيطر عليه تلك الدول، فقد أخذ يضع الشروط تلو الشروط التعجيزية الهادفة للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر، ثم أعلن بعد ذلك في 24 تموز 1956 سحب موافقته لتمويل السد، بعد قيام مصر بشراء الأسلحة من الدول الاشتراكية،على أثر قيام المظليين الإسرائيليين بإنزال عسكري في قطاع غزة الخاضع للسيطرة المصرية آنذاك،وسفكوا دماء المئات من أبناء الشعب الفلسطيني.

وعلى أثر إعلان البنك الدولي، وبريطانيا والولايات المتحدة سحب عروضهم لتمويل السد العالي، وفي غمرة الاحتفالات بالذكرى الرابعة لثورة 23 يوليو، جاء رد الرئيس عبد الناصر فورياً وحازماً، فقد أعلن في 26 تموز 1956، باسم الشعب المصري [ تأميم قناة السويس ] وعودتها للسيادة المصرية  معلناً أن مصر تضمن حرية الملاحة في القناة للجميع، وإنها سوف تستخدم موارد القناة لتمويل بناء السد العالي،كما أعلن عن استعداد مصر لتعويض حملة الأسهم في القناة بموجب سعرها عند الإغلاق يوم تأميم القناة .

ومن جانب آخر أعلن الاتحاد السوفيتي عن استعداده لبناء السد، على أن تدفع مصر تكاليف بنائه بأقساط مريحة، من عائدات قناة السويس وما يوفره السد، مما أفقد الإمبريالية صوابها، وسارعت بريطانيا وفرنسا إلى تقديم احتجاج شديد اللهجة للحكومة المصرية، معتبران أن إقدام عبد الناصر على تأميم القناة ينطوي على أبعاد خطيرة النتائج على مصر.
والفعل جرى تجميد الأرصدة المصرية في بريطانيا وفرنسا، والولايات المتحدة . وسارع رئيس الوزارة البريطانية [ أنطوني إيدن ] إلى لقاء رئيس وزراء فرنسا [دي موليه] للبحث فيما يمكن اتخاذه من إجراءات ضد مصر، ودعت الدولتان إلى عقد مؤتمر في لندن يضم 24 دولة، في 16 آب 1956، لبحث موضوع التأميم، وتأسيس إدارة دولية للقناة، وكان من بين الدول المدعوة للمؤتمر، مصر والاتحاد السوفيتي، لكن مصر رفضت حضور المؤتمر، فيما أعلن الاتحاد السوفيتي رفضه لأي قرار بغياب مصر .

أما الولايات المتحدة، التي كانت تتوق لإزاحة النفوذالبريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، والحلول محلهما، فقد أعلنت عن رفضها استخدام القوة ضد مصر، وتقدمت باقتراح تضمن البنود التالية :
1 ـالاستمرار في إدارة أعمال القناة بصفة كونها طريقاً مائياً حراً مع احترام سيادة مصر.
2 ـ أن تكون خدمة القناة مستقلة عن أي عمل سياسي.
3 ـ أن يضمن لمصر دخل معقول من واردات القناة.
4 ـ أن يعطى تعويض عادل لحملة أسهم القناة.

لقي الاقتراح الأمريكي قبول 18 دولة، وانتهت محاولات بريطانيا وفرنسا لإعادة السيطرة على القناة إلى الفشل، وأنهى المؤتمر أعماله في 23 آب 1956، بعد أن قرر إرسال محاضر جلساته إلى الحكومة المصرية، مع وفد خماسي برئاسة رئيس وزراء استراليا، المستر[منزيس] لكن الوفد لم يستطع تحقيق أي شيء من زيارته لمصر، وحاولت بريطانيا، في المؤتمر الثاني الذي عقد في لندن في 19 أيلول أن تؤسس جمعية المنتفعين بالقناة والتي تضم 15 دولة، لكن مصر رفضت الاعتراف بهذه الجمعية، وانتهت هذه المحاولة إلى الفشل أيضاً .

عند ذلك قررت بريطانيا وفرنسا، بالتعاون مع إسرائيل، اللجوء إلى القوة العسكرية لإخضاع مصر، وتم على عجل وضع الخطة اللازمة لذلك، وتتلخص تلك الخطة بمبادرة إسرائيل بمهاجمة سيناء والوصول إلى القناة، ليكون ذلك ذريعة لبريطانيا وفرنسا، بحجة خطورة إغلاق قناة السويس، والطلب من الحكومتان المصرية والإسرائيلية الانسحاب إلى مسافة 16 كم عن القناة، تمهيداً لإنزال قواتهما حول القناة، وإذا ما رفضت مصر ذلك خلال 12 ساعة فإن القوات البريطانية والفرنسية سوف يتم إنزالها في بور سعيد والسويس، لكن عبد الناصر رفض الإنذار البريطاني الفرنسي، وأعلن أن مصر ستقاوم أي اعتداء يقع على أراضيها .

وهكذا بدأت إسرائيل هجومها على سيناء، وتمكنت قواتها في 31 تشرين الأول من التقدم بسرعة صوب القناة، حيث كان عبد الناصر قد سحب معظم قواته من الجبهة الإسرائيلية، معتقداً أن الهجوم سيقع على القناة من قبل القوات البريطانية والفرنسية، ولم يتوقع أن تشترك إسرائيل في الهجوم وتكون البادئة فيه، وعلى أثر ذلك بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية غاراتها الوحشية على [بور سعيد] و مدينة [السويس]، وجرى قصف باخرة مصرية كانت محملة بالأسمنت داخل القناة فغرقت فيها وبذلك أغلقت القناة أمام الملاحة الدولية .

أحدث الهجوم البريطاني الفرنسي رد فعل واسع وعنيف من قبل الشعوب العربية، وشعوب العالم اجمع، وحتى من قبل مجلس العموم البريطاني نفسه، حيث هوجمت حكومة [إيدن] على تصرفها، وطالب الكثير من النواب وقف القتال فوراً، وسحب القوات البريطانية والفرنسية، كما طالبت الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار فوراً، لكن القوات البريطانية استمرت في هجومها متجاهلة الأمم المتحدة والرأي العام العالمي، مما حدا بالاتحاد السوفيتي إلى الطلب من الولايات المتحدة القيام بإجراء مشترك لوقف الحرب.

لكن الولايات المتحدة رفضت الطلب السوفيتي، مما دفعه للعمل بصورة منفردة، حيث توجه بالإنذار التالي إلى كل من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل، في 5 تشرين الثاني 1956، على أثر الإنزال العسكري البريطاني الفرنسي في بور سعيد، وهذا نصه:

{ إن الحكومة السوفيتية ترى من الضروري لفت أنظاركم إلى الحرب التي تشنها الآن بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، هذه الحرب التي يترتب عليها أخطر النتائج على السلم العالمي  وإننا نتسائل ماذا كان سيحدث لو أن بريطانيا وجدت نفسها معرضة لهجوم دول أكثر منها قوة، دول تملك كل أنواع الأسلحة المدمرة الحديثة، هنالك الآن دول ليست بحاجة إلى إرسال أساطيل بحرية، أو قوات جوية إلى السواحل البريطانية، ولكن بمقدورها استعمال وسائل أخرى، كالصواريخ . لقد عزمنا عزماً أكيداً على سحق المعتدين، وإعادة السلام إلى الشرق الأوسط، عن طريق استعمال القوة، ونحن نأمل في هذه اللحظة العصيبة، أن تظهروا الحكمة اللازمة، وتستخلصوا منها النتائج المناسبة}.

وقع هذا الإنذار موقع الصاعقة على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، حيث أصبحت لديهم القناعة أن الاتحاد السوفيتي يعني ما يقول، ولذلك فقد رفضت الولايات المتحدة دعم العدوان، وتجاهلت كل النداءات التي صدرت من بريطانيا وفرنسا والداعية إلى وقوفها إلى جانب المعتدين.
 وفي الوقت نفسه خرجت الجماهير الغفيرة في المشرق العربي ومغربه، تعلن غضبها واستنكارها للجريمة، وتعلن وقوفها ضد العدوان، ومطالبة حكوماتها بالوقوف إلى جانب مصر في محنتها، وجرى نسف محطات ضخ النفط عبر الأنابيب من كركوك نحو بانياس وطرابلس، مما أدى إلى توقف تدفق النفط نحو الغرب، بالإضافة إلى إغلاق قناة السويس، مما أوقع الغرب في ورطة كبرى، حيث لم يعد بالإمكان نقل النفط من منطقة الخليج إلا عبر رأس الرجاء الصالح .

وهكذا باء العدوان بالفشل الذريع، واضطر المعتدون إلى إيقاف الهجوم، وسحب قواتهم من الأراضي المصرية، في 16 تشرين الثاني 1956، وبذلك انتهى العدوان، تاركاً آثاراً بارزة على حركة التحرر العربي، حيث أعطته زخماً هائلاً، وآمالاً عريضةً في مقارعة الإمبريالية، وتحرير البلدان العربية من نفوذها واستغلالها البشع، وسأتناول في حلقة قادمة موقف حكومة نوري السعيد من العدوان الثلاثي على مصر و رد الفعل العراقي الذي تمثل في وثبة عام 1956.



34
من ذاكرة التاريخ:
الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالة حكومته
والمندوب السامي يرفض
حامد الحمداني                                                      17/10/2018
أدت سياسة نوري السعيد، وأساليبه القمعية التي استخدمها لفرض معاهدة 30 حزيران 1930 إلى خلافات عميقة في مجلسي النواب  والوزراء، وأدت تلك  الخلافات إلى استقالة السيد[ جميل المدفعي] من رئاسة مجلس النواب، ومن حزب نوري السعيد[حزب العهد] احتجاجاً على تصرفات الحكومة، وبالأخص وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] إثر الهجوم العنيف الذي تعرض له في مجلس النواب من قبل نواب المعارضة، بسبب تصرفات الحكومة المخالفة للدستور، والمنتهكة للحريات، وقد بعث السيد المدفعي بكتاب إلى السعيد يعلن فيه استيائه من تصرفات وزير الداخلية غير القانونية، والتزام السعيد جانبها، وأعلن انسحابه من حزب العهد، وقد لخص المدفعي تصرفات وزير الداخلية [مزاحم الباجه جي] بالتالي:
1 ـ تصرفاته المشينة خلال الإضراب الشعبي العام،  مما كان سببا في توسيعه توسعاً خطيراً.
2 ـ تطبيقه قانون العشائر على ذوات ليسوا من العشائر، وبينهم من كبار رجال القانون.
3 ـ تضيقه على كبار رجال الأمة، وتعقيبهم بالجواسيس بصورة لم يسبق لها مثيل، ومطارداته الشبيبة الوطنية لمجرد ما يظهروه من الشعور الوطني، شأن الشباب في جميع بلاد الله.
4 ـ وضع المراقبة الشديدة على حرية المخابرة، خلافاً لما هو مضمون في القانون الأساسي الذي حلفنا اليمين على التمسك به. 
5ـ تطبيقه الذيل الخاص بالعقوبات بحق رجال عرفوا بمقدرتهم وإخلاصهم، لكي يتسنى له تعيين بعض محسوبيه، ومروجي تصرفاته في محله.                                                                                             
6 ـ تفسيره القوانين كما تشتيهه أغراضه، وهتكه شرف رجال كانوا من أشد المخلصين.
7 ـ إصدار الكتب التهديدية السرية المملوءة بالبذاءات، وهتك الحرمات، وعليه أرجو اعتباري مستقيلاً من الحزب، وسأقدم استقالتي رسمياً من رئاسة مجلس الأمة أيضاً، وتقبلوا احترامي. (1)
                                                                   جميل المدفعي
                                                            16 تشرين الأول 1931   
               
وهكذا فضح المدفعي سلوك حكومة نوري السعيد المخزي، وانتهاكها للدستور، ونكثها لليمين باحترامه، والاعتداء على حقوق وحريات المواطنين التي نص عليها الدستور، واستغلال النفوذ بهذا الشكل المكشوف، فلم يعد أمام نوري السعيد إلا أن يقدم استقالة حكومته إلى الملك  فيصل في 19 تشرين الأول 1931، وتم قبول الاستقالة.
لم يكد المندوب السامي يبلغه خبر استقالة نوري السعيد حتى سارع إلى الملك فيصل طالباً منه أن يعيد تكليف السعيد بتشكيل الحكومة من جديدة، ومارس ضغطاً على الملك لكي ينفذ طلبه، فلم يكن أمام الملك من بد إلا أن ينفذ مشيئة المندوب السامي  على مضض، حيث كانت هناك مهام خطيرة يتطلب تنفيذها من قبل شخصية قوية ومضمونة، ولقد اثبت نوري السعيد أنه هو لا غيره ذلك الرجل القوي القادر على القيام بتلك المهمات التي تنتظر الحكومة الجديدة، وهكذا رضخ الملك فيصل لمشيئة المندوب السامي، وكلف نوري السعيد من جديد بتشكيل الوزارة، وباشر السعيد على الفور باختيار أعضاء وزارته بالتشاور مع المندوب السامي، والملك فيصل في اليوم نفسه، وكان عهد هذه الوزارة مليئاً بالأحداث أصر الإنكليز أن يتولى  السعيد معالجتها وأبرزها:
1 ـ تمرد بعض قوات الليفي الآشورية.
2 ـ اندلاع الثورة البارزانية.

معالجة تمرد قوات الليفي الآشورية
قوات الليفي الآشورية أنشأها البريطانيون لمساعدة قواتهم المحتلة للعراق في حفظ الأمن والنظام، والقيام بدور الحراسة للمعسكرات والقواعد البريطانية.
كان الآشوريون يطمحون بقيام دولة لهم في  دهوك وبعض المناطق الأخرى في شمال العراق، لكن آمالهم خابت بعد صدور القرار بضم العراق إلى عصبة الأمم، وتجاهل بريطانيا تلك المطالب، مما أثار استياء قوات الليفي العاملة في خدمة القوات البريطانية، حيث استقال ما يزيد على 1300 من قوات الليفي،  وتقدمواً للمندوب السامي بالمطالب التالية:
1 ـ الاعتراف بهم كشعب ساكن في العراق، وليسوا مجرد طائفة دينية أو عنصرية.
2ـ إيجاد كيان لهم في منطقة [دهوك]، والعمل على إعادة منطقة [حكاري] الواقعة تحت السيادة التركية، وإذا ما تعذر ذلك فيجب إيجاد موطن للآشوريين في العراق مفتوح لكل الآشوريين في داخل العراق وخارجه.
3ـ الاعتراف بسلطة زعيمهم الديني المار شمعون الدينية والدنيوية.
 4ـ عدم سحب السلاح منهم .
5ـ مطالب أخرى حول فتح مدارس ومستشفى ودار أوقاف آشورية.
 ورغم طلب المندوب السامي منهم التراجع عن مواقفهم فإنهم أصروا على مطالبهم، فما كان من السلطات البريطانية إلا أن تأتي بقوة عسكرية من الإنكليز المتواجدين في مصر لتحل محلهم، حيث تم نقلهم على عجل بواسطة الطائرات.
 فلما وجدت قوات الليفي أن بريطانيا عازمة على عدم تلبية مطالبهم، تراجع قسم كبير منهم وعاد إلى الخدمة، أما القسم الآخر الذي أصر على موقفه فقد قررت السلطات البريطانية إقصاءهم نهائياً.
\
أما الحكومة العراقية فقد قررت في 2 تموز 1932، وبعد موافقة المندوب السامي، سحب السلاح من الليفي، ومنعت حمل أي سلاح إلا بإجازة رسمية، كما قررت وضع أفراد من الشرطة مع قوات الليفي في كافة المخافر.

السعيد يقمع الثورة البارزانية:
حاولت الحكومة تثبيت نفوذها في منطقة كردستان، ولمنع أية محاولة من جانب بعض الزعماء الأكراد للتمرد على سلطة الحكومة، وكان من جملة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة قرارها بإقامة مخافر في منطقة [بازيان] المحصورة بين [الزيبار] و[عقرة] و[الزاب الأعلى]، والتي تتوسطها قرية [بارزان] حيث مقر سكن الشيخ احمد البارزاني،عميد الأسرة البارزانية المعروفة، والذي يتمتع بمركز ديني ودنيوي كبير في صفوف الأكراد.

رفض الشيخ احمد إقامة تلك المخافر، واعتبرت الحكومة أن موقفه هذا يشكل تحدياً لسلطتها، واتخذت قراراً بإقامة المخافر بالقوة، حيث أرسلت قوات عسكرية إلى المنطقة لفرض إقامتها بالقوة، مما تسبب في وقوع مصادمات عنيفة بين أتباع الشيخ احمد وقوات الحكومة في 9 كانون الأول 1930، وقد قتل ما يزيد على 50 فرداً من قوات الحكومة، وأصيب الكثير منهم بجراح، واستطاع أتباع البارزاني طرد بقية القوات التي أرسلتها الحكومة إلى المنطقة.

أخذ البارزاني يوسع  نفوذه في المنطقة، وإزاء ذلك الوضع قررت الحكومة تجريد حملة عسكرية كبيرة لإخضاع الشيخ [أحمد البارزاني] في شهر نيسان 1932، مستعينة بالقوة الجوية البريطانية التي شرعت طائراتها بقصف المنطقة، ومطاردة البارزانيين في 25 أيار1931، وكان القصف الجوي من الشدة بحيث دفع المقاتلين البارزانيين إلى الالتجاء إلى الجبال حيث المخابئ الآمنة، وبدأت قوات الحكومة حملتها ضدهم في 22 حزيران 1931، مما اجبر الشيخ أحمد بعد أن تشتت قواته على الفرار إلى تركيا، حيث سلم نفسه للسلطات التركية التي قامت بنقله إلى
 مدينة [أدرنه]على الحدود البلغارية.
وفي تلك الأيام حاول الإنكليز إسكان الآشوريين في منطقة بارزان، فلما علمت الحكومة التركية بالأمر، وهي التي تكن الكره الشديد للآشوريين الذين وقفوا إلى جانب بريطانيا إبان الحرب العالمية الأولى، سارعت إلى إعادة الشيخ احمد البارزاني إلى منطقة الحدود العراقية. وعندما بلغ الخبر إلى الحكومة العراقية، تقدمت بطلب إلى الحكومة التركية لتسليم الشيخ احمد. إلا أن  الحكومة التركية رفضت الطلب، مشترطة إصدار عفو عام عنه وعن أتباعه، واضطرت الحكومة العراقية إلى إصدار العفو عنهم، وعليه فقد عاد الشيخ احمد وأتباعه إلى العراق، حيث أسكنتهم الحكومة في الموصل، ثم جرى نقلهم بعد ذلك إلى الناصرية فالحلة فالديوانية، ثم استقر بهم المطاف في مدينة السليمانية.

الملك فيصل يطلب من نوري السعيد تقديم استقالته
بعد أن أنجزت حكومة نوري السعيد المهام الموكولة لها، والمتمثلة بعقد معاهدة 30 حزيران 1930، وإدخال العراق في عصبة الأمم، ومنح العراق الاستقلال [الشكلي]، قدم نوري السعيد استقالة حكومته إلى الملك فيصل في 27 تشرين الأول 1932، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وكلف الملك فيصل السيد [ناجي شوكت] بتأليف الوزارة الجديدة في 3 تشرين الثاني 1932.

ورغم أن استقالة السعيد جاءت بناء على طلبه كما جاء في كتابه الموجه إلى الملك، إلا أن الحقيقية كانت غير ذلك، وأن الملك فيصل هو الذي طلب منه تقديمها فقد جاء في البرقية التي طيرها المندوب السامي [هيوبرت همفري] إلى وزارة الخارجية البريطانية برقم 335 بتاريخ 29 تشرين الأول 1932 ما يلي :
[ إن الملك هو الذي طلب من السعيد تقديم استقالة حكومته لأنه فقد ثقة الملك، ولما عرض على الملك استعداده لجمع نوري السعيد بالملك رفض الملك ذلك، وقرر الانفصال عن السعيد، ولم تفد توسلاتي وتوسلات المستشار [ كورنواليس] لتثني الملك عن قراره.   
كان هدف الملك من طلب الاستقالة تقليص نفوذ نوري السعيد الذي تصاعد نجمه لدى البريطانيين بعد أن افلح في توقيع معاهدة 1930، وأصبح يتمتع بمنزلة كبيرة لدى المندوب السامي البريطاني والحكومة البريطانية، ونال ثقتهما، وأصبح يرى نفسه وكأنه الشخصية الوحيدة القادرة على إدارة شؤون البلاد.
كما هدف الملك فيصل من التغير الوزاري استمالة ما يدعى بالمعارضة المعتدلة، بعد الذي سببته معاهدة 30 حزيران 1930 الجائرة، والمقيدة لاستقلال العراق من جهة. وهكذا جاءت حكومة ناجي السويدي وسطاً بين الاتجاه الموالي لبريطانيا والاتجاه المعارض لسياستها، وللمعاهدة.
أما الرأي العام العراقي فقد كان بين متفائل ومتشائم من هذه الوزارة، ورأى البعض الأخر أن هذه الوزارة لا تعدو عن كونها وزارة انتقالية ليس إلا.

أما وزارة الخارجية البريطانية فقد كان رأيها أن هذه الوزارة لن تدوم طويلاً، فبريطانيا لا ترضى إلا بوزارة تكون ألعوبة بأيديها، وهي لم تعترض على تشكيلها لكي تهدئ الأوضاع في البلاد بعد الذي سببته حكومة نوري السعيد بعقد معاهدة 30 حزيران 1930.
كان على الوزارة الجديدة أن تلجأ إلى حل البرلمان الذي يتمتع فيه نوري السعيد بالأغلبية المطلقة لتقليم أظافره من جهة، ولإرضاء الشعب بعد أن زوّر نوري السعيد الانتخابات السابقة بشكل خطير.
 وحاول نوري السعيد ثني ناجي شوكت للحيلولة دون حل البرلمان واعداً إياه بتأييد نواب حزبه للوزارة.
غير أن الملك كان قد صمم على حل البرلمان، وأصدر الإرادة الملكية بحله في 8 تشرين الثاني 1932.
حاول نوري السعيد عرقلة قرار حل البرلمان بأن أوعز إلى نواب حزبه بعدم حضور الجلسة التي تتلى فيها الإرادة الملكية بحله، لكن ذلك لم يمنع من مضي الحكومة والملك قدماً في حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة. (4)

أما نوري السعيد فقد عقد اجتماع لقيادة حزبه في 10 تشرين الأول بعد يومين من قرار الحل، وأصدرت القيادة  بياناً يندد بالحل، وقررت كذلك إرسال مذكرة إلى الملك فيصل ادعت فيها عدم شرعية الحل، وفوضت نوري السعيد بمتابعة المذكرة.
ولما بلغ الأمر للملك فيصل، قرر إبعاد نوري السعيد عن العراق بتعينه ممثلاً للعراق في عصبة الأمم في 16 تشرين الثاني 1932.
كان أمام حكومة ناجي شوكت مدة أربعة اشهر تبدأ من تاريخ حل البرلمان لإجراء انتخابات جديدة حسبما نص على ذلك القانون الأساسي بمادته الأربعين، ولذلك فقد سارعت الحكومة إلى تعين يوم 10 كانون الأول 1932 موعداً لانتخاب المنتخبين الثانويين، وجرت الانتخابات في جو من اللامبالاة من قبل الشعب الذي كان يدرك أن الحكومات المتعاقبة تجري الانتخابات حسبما تريد هي والمندوب السامي والملك، شاء الشعب أم أبى.
ومع ذلك فقد رشح أعضاء من [ حزب الإخاء الوطني ] الذي يقوده الزعيم الوطني [جعفر أبو التمن] بشكل فردي، وفاز معظم المرشحين في الانتخابات، ولكن عددهم كان قليلاً. كما رشح عدد من أعضاء [الحزب الوطني] بزعامة [يسين الهاشمي] على الرغم من حدوث انشقاق في قيادة الحزب بسبب مطالبة البعض منهم مقاطعة الانتخابات وفاز عدد من المرشحين .

أما حزب نوري السعيد [ حزب العهد ] فقد كان حزب حكومة وبرلمان فلما ذهبت الوزارة وحُل البرلمان تلاشى الحزب، لكن عدد من أعضاء الحزب رشحوا في الانتخابات بصورة فردية، وفازوا فيها.

كانت حصة الأسد كما هو جارٍ عادة في كل انتخابات للحكومة، فقد فازت كتلة الحكومة بـ  72 مقعداً في المجلس المؤلف من 88 مقعدا ودعيت كتلة رئيس الوزراء [الكتلة البرلمانية]، لكن هذه الكتلة بدأت بالتفكك عندما عقد المجلس اجتماعه في 8 آذار 1933، على أثر تواصل هجمات المعارضة على الحكومة.

حاول ناجي شوكت بعد الانتخابات أن يوسع وزارته، ويدخل فيها عناصر ما كان يدعى بالمعارضة المعتدلة مثل [يسين الهاشمي] و[حكمت سليمان] لكن الملك لم يوافق على ذلك، وأثر بقاء الوزارة على حالها، وخيره بالبقاء على رأس الوزارة أو تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة، فما كان من ناجي شوكت إلا أن قدم استقالة حكومته إلى الملك في 18 آذار 1933، وتم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد رشيد عالي الكيلاني بتأليف وزارة جديدة  في 20 آذار 1933.(5)

للإطلاع على المزيد من البحوث التاريخية والمقالات وسائر كتبي الرجوع إلى موقعي على الانترنيت التالي:
www.Hamid-Alhamdany.blogspot.com

35
من ذاكرة التاريخ
الصراع على السلطة
وتولي عبد الرحمن عارف الحكم
حامد الحمداني                                           15/10/2018
                                     
لم يكد يذاع خبر مصرع عبد السلام عارف في حادث الطائرة المروحية حتى بدأ الصراع على قمة السلطة، وكانت أطراف الصراع تتمثل أساساً في جبهتين رئيسيتين، على الرغم من محاولة الزعيم الركن [عبد العزيز العقيلي] ترشيح نفسه للرئاسة كجبهة ثالثة، وهاتان الجبهتان هما:
1 ـ الجبهة الأولى: وتتمثل بالعسكريين الممسكين بزمام القوة، حيث يمسكون بأيديهم كل المراكز الأساسية في الجيش، وقد وقفت هذه الجبهة إلى جانب اللواء عبد الرحمن عارف، شقيق عبد السلام عارف، وكيل رئيس أركان الجيش آنذاك بالإضافة إلى قيادة الفرقة العسكرية الخامسة المدرعة.
2 ـ الجبهة الثانية: وتتمثل برئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز، ومن حوله كل العناصر المدنية المرتبطة مصالحها بمصالح الغربية، بشكل أو بآخر.
وبموجب الدستور فأن انتخاب رئيس الجمهورية في حالة شغور المنصب يتمّ من قبل مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بصورة مشتركة.
وهكذا فقد بادر مجلس الوزراء، ومجلس الدفاع الأعلى بعقد اجتماع عاجل في 16 نيسان 1966 لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وقد طُرح في الاجتماع ثلاثة أسماء:
1ـ الأول:عبد الرحمن عارف، وكيل رئيس أركان الجيش، وقائد الفرقة الخامسة المدرعة.
2 ـ الثاني:عبد الرحمن البزاز، رئيس الوزراء.
3 ـ الثالث: الزعيم الركن عبد العزيز العقيلي، قائد الفرقة العسكرية الأولى.
وفي دورة الاقتراع الأولى حصل البزاز على 14صوتاً من مجموع  28صوتاً، فيما حصل عبد الرحمن عارف على 13 صوتاً، ونال عبد العزيز العقيلي على صوت واحد فقط هو صوته، وكان الضباط المصوتين لعبد الرحمن عارف 11ضابطاً من مجموع 12، باستثناء العقيلي، فيما صوت 14 من الوزراء للبزاز وعضوان لعارف، ولكون أن أحداً لم يفز بأغلبية الثلثين، كما نص الدستور فقد جرت دورة ثانية، كان فيها تأثير الضباط حاسماً، فقد أصروا على انتخاب عبد الرحمن عارف مهما كان الثمن، رافضين قبول تولي البزاز رئاسة الجمهورية، مما أضطر البزاز إلى سحب ترشيحه تحت ضغط العسكريين لصالح عبد الرحمن عارف، فقد كانت القوى المسيطرة على الجيش، وخاصة عدد من أقرباء عارف، وفي المقدمة منهم [سعيد صليبي] رجل النظام العارفي القوي، لها القول الفصل في عملية الانتخاب، كما أن عبد الناصر، والناصريين، وقفوا إلى جانب عبد الرحمن عارف ضد البزاز المعروف بولائه للغرب، هذا بالإضافة إلى أن عبد الرحمن عارف الذي يتسم بالضعف، وعدم القدرة على إدارة شؤون البلاد، وقلة طموحه، جعل البزاز ورفاقه يرضخون لانتخاب عارف، ويفضلونه على أي مرشح آخر، حيث اعتبروه أقل خطراً من غيره على مراكزهم في السلطة.
وهكذا تولى عبد الرحمن عارف رئاسة الجمهورية، فيما بقي البزاز رئيساً للوزارة وكان نظام عبد الرحمن عارف امتداداً لنظام أخيه عبد السلام، وإن كان أقل عدوانية منه، وبقي محور النظام يستند على الحرس الجمهوري، وتعاون  الجمليين الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للحرس الجمهوري.
كان عبد الرحمن يفتقر إلى الدهاء والطاقة، ولا يتمتع بسلطة قوية لاتخاذ القرارات ويفتقد للحدس السياسي، والمعرفة بالشؤون العامة، وعدم القدرة على إدارة دفة الدولة، كما كان يفتقر إلى روح المبادرة والمناورة، حتى شعر كل من كان حوله  إلى انه لم يخلق ليكون رئيس دولة، فاقداً لأي طموح، ولذلك فقد كان العوبة بيد عدد من الضباط المتخلفين والأنانيين الذين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية، معتمدين على الولاءات العشائرية والإقليمية.
 وكان [سعيد صليبي] يلعب الدور الأكبر من بين جميع الضباط في إدارة شؤون البلاد العسكرية، فيما أعتمد عارف على [خيرالدين حسيب]، ناصري من مدينة الموصل، في جميع الأمور المتعلقة بالشؤون الاقتصادية والنفطية، أما الشؤون السياسية فكانت من حصة رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز.
 لم يسد في العراق على عهد عبد الرحمن عارف أي استقرار سياسي بسبب تصارع الأجنحة، المدنية منها والعسكرية، فلم يكن العسكريون راضين على وجود البزاز رئيساً للوزارة، واضطر البزاز في آخر الأمر إلى تقديم استقالة حكومته، تحت ضغط العسكريين، في 16  آب 1966.
لقد حاول البزاز خلال فترة حكمه الممتدة من 18 نيسان 965 إلى 16 آب 1966 إعادة الاعتبار للإقطاعيين، وكبار ملاكي الأرض القدامى، كما قدم لهم خدمات، وامتيازات حرمهم منها قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعته حكومة عبد الكريم قاسم، فقد رفع معدل الفائدة المدفوعة للإقطاعيين عن ثمن الأرض المستملكة منهم بموجب القانون من 0,5% إلى 3 % سنوياً، وبذلك حمل الفلاحين المعدمين حملاً ثقيلاً ليست لهم القدرة على حمله، مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية أكثر فاكثر،كما انه قام بتحديد قيمة مياه فروع الأنهر التي تتدفق لسقي تلك الأراضي، وبذلك حقق للإقطاعيين دخلاً كبيراً أقتطعه من دخول الفلاحين الكادحين، والضعيفة أصلاً .
لقد سعى البزاز إلى تقليص دور العسكريين وامتيازاتهم، وحاول تقليص ميزانية وزارة الدفاع، مما أثار غضب العسكريين عليه، ودفعهم إلى السعي للتخلص منه، مستغلين محاولة عارف عبد الرزاق الانقلابية في 15 آب 1967 ليطلبوا منه الإستقالة، ورضخ البزاز للأمر وقدم استقالة حكومته، وطلب عبد الرحمن عارف من الزعيم الركن المتقاعد [ناجي طالب] تأليف وزارة جديدة.
ومعلوم أن ناجي طالب هو أحد أعضاء اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار الذين ساهموا في ثورة 14 تموز 1958، وهو من مواليد1917، من مدينة الناصرية شيعي، ويمثل الاتجاه القومي في تلك اللجنة، وقد تولى عدة مناصب وزارية في عهد عبد الكريم قاسم، لكنه انشق عنه، وتحول نحو التعاون مع القوميين، وحزب البعث للإطاحة بحكومته، وشغل منصباً وزارياً في الحكومة الانقلابيون في8 شباط 1963، وقد عرف ناجي طالب بتذبذبه السياسي ما بين القومي المستقل والناصرين، وحاول الجمع بين الأجنحة العسكرية المتصارعة داخل السلطة باتخاذه المواقف المعتدلة.
تألفت وزارته من 7 ضباط، و12 مدنياً، من كبار موظفي الدولة الاختصاصين، لكن تناحر الأجنحة استمر في عهد وزارته، رغم محاولته الجمع بين القوميين والناصريين والبعثيين، الذين بدأوا بالظهور من جديد على المسرح السياسي، واستمرار الصراع من جهة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد إثر نشوب الخلافات مع شركات النفط، وبسبب خلافات تلك الشركات مع سوريا حول حصتها السابقة والمتراكمة عن عائدات مرور النفط عبر أراضيها  إلى مينائي بانياس، وطرابلس، وتوقف تدفق النفط، مما سبب انخفاضاً كبيراً في عائدات النفط التي كان العراق بحاجة ماسة إليها، ونتيجة لهذه الأوضاع قدم ناجي طالب استقالة حكومته.
تصاعد صراع الاجنحة وعارف يشكل الوزارة برئاسته:
نتيجة لتلك الظروف الصعبة، وتناحر الأجنحة العسكرية، وتكالبها على السلطة، أضطر عبد الرحمن عارف إلى تشكيل الوزارة برئاسته، وبذلك اصبح ممسكاً بالمنصبين، رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزارة، واتخذ له أربعة نواب لرئاسة الوزارة، يمثلون مختلف الأجنحة. فقد عين طاهر يحيى، بعثي سابق، وعبد الغني الراوي، قومي و ذو اتجاه إسلامي، وإسماعيل مصطفى، شيعي، من جماعة عبد العزيز العقيلي، وفؤاد عارف، عن القوميين الأكراد، وقد ضمت الوزارة كل من عبد الستار عبد اللطيف للداخلية، وشاكر محمود شكري للدفاع، وفاضل محسن الحكيم للمواصلات، وعبد الكريم فرحان للإصلاح الزراعي، بالإضافة إلى 16 شخصية مدنية، من اتجاهات مختلفة ولذلك فقد بدا منذُ الوهلة الأولى أن من الصعب جداً الجمع بين هذا التكوين ذي الاتجاهات والميول المختلفة، وأصبح بقاء هذه الوزارة مسألة وقت ليس إلا، وقد تسارعت الأحداث، حينما وقعت حرب 5 حزيران العربية الإسرائيلية عام 1967، والتي استمرت لمدة خمسة أيام فقط، وانتهت بهزيمة منكرة للعرب، واحتلال إسرائيل لكامل الضفة الغربية، وهضبة الجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية.
لم يكن العراق  مستعدا لتلك الحرب، فقد كانت ثلثي قواته العسكرية مشغولة في بالحرب في كردستان، وبعيدة جداً عن ساحة المعارك التي تزيد على [1000كم]، ولم يكن لدى العراق سوى اللواء الثامن الآلي قريباً من الساحة،عند الحدود السورية الأردنية، حيث أوعز لها عبد الرحمن عارف بالتحرك إلى ساحة الحرب بأسلوب استعراضي لم يراعِ فيه جانب الأمان لقواته المتقدمة، وهو العسكري الذي كان بالأمس رئيساً لأركان الجيش، ثم اصبح قائداً عاماً للقوات المسلحة، بعد توليه مقاليد الحكم في البلاد.
لقد وقف عبد الرحمن عارف يخطب من دار الإذاعة والتلفزيون معلناً تحرك القوات العراقية إلى ساحة المعركة، وكان ذلك التصرف منه خير منبه لإسرائيل لتهاجم طائراتها القوات العراقية وهي في طريقها إلى سوريا عبر الصحراء منزلة بها الخسائر الكبيرة . ومن المحزن في تصرفات عارف وجهله، أنه وقف يخطب بعد نهاية الحرب قائلاً:
 {إن إسرائيل تعرف عنا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا}، فيا للكارثة أن يقود العرب حكام بهذا المستوى.
لقد أثبتت تلك الحرب أن البونَ كان شاسعاً بين العرب وإسرائيل، فالحكومات العربية كانت على درجة خطيرة من التخلف يسودها الصراعات بين مختلف الأجنحة المتصارعة، والعسكرية منها بوجه خاص، حيث هيمن الضباط على معظم الأنظمة العربية، وعمت الفوضى في البلاد، وساد التخلف كل جوانب الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية  في حين كان الإسرائيليون قد هيأوا أنفسهم للحرب، وحولوا كل جهودهم وقواهم لتعزيز جيشهم، وأصبحت إسرائيل مسلحة حتى الأسنان بأحدث أنواع الأسلحة والتكنولوجيا الحربية، ويقودها أناس يعرفون ما يفعلون، أفلس عاراً على الدول العربية التي تعد إمكانياتها المادية والبشرية عشرات أضعاف إسرائيل أن تستطيع إلحاق الهزيمة بالجيوش العربية خلال ستة أيام؟





36
من ذاكرة التاريخ:
هكذا فرض نوري السعيد معاهدة
1930على العراق
 
حامد الحمداني                                                       10/10/2018
على أثر انتحار رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، شكل نوري السعيد وزارته الأولى في 23 آذار 1930، بناء على تكليف الملك فيصل الأول بطلب من المندوب السامي البريطاني، وكان ذلك التكليف باكورة هيمنته على سياسة العراق، حيث تولى الحكم أربعة عشر مرة منذُ ذلك التاريخ وحتى سقوط النظام الملكي إثر قيام ثورة الرابع عشر من تموز 1958، ولعب خلال تلك الحقبة دوراً خطيراً في حياة البلاد السياسية، واشتهر بإخلاصه التام للإنكليز، وبحملات القمع التي مارسها ضد أبناء الشعب، والمراسيم الجائرة التي كان يصدرها لكي يسكت أفواه المواطنين وقوى المعارضة العراقية، مستخدماً كل الوسائل والسبل المخالفة للدستور. كما اتخذ له موقفاً معادياً من حركات التحرر العربية إرضاءً  لأسياده البريطانيين. وقد جاءت وزارته على الشكل التالي:
1 ـ نوري السعيد ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للخارجية.
2 ـ جميل المدفعي  ـ وزيراً للداخلية.
3 ـ علي جودت الأيوبي ـ وزيراً للمالية.
4 ـ جمـال بابان ـ وزيراً للعدل.
5 ـ جعفر العسكري ـ وزيراً للدفاع.
6 ـ جميل الراوي ـ وزيراً للأشغال والإسكان.
7 ـ عبد الحسين الجلبي ـ وزيراً للمعارف.
وقد أعلن نوري السعيد أن أمام وزارته مهمة التفاوض مع بريطانيا لعقد معاهدة جديدة على أساس الاستقلال، ودخول العراق إلى عصبة الأمم، لكن حقيقة الأمر أن حكومة نوري السعيد جاءت لفرض معاهدة 1930 الجائرة على العراق. (1)

إجراءات السعيد لتأمين فرض معاهدة 1930
بدأت المفاوضات العراقية البريطانية حول عقد معاهدة جديدة في 31 آذار 1930، وقد ترأس الوفد البريطاني المندوب السامي السير [هيمفريز]، وضم الوفد مساعده [الميجر يونك] و[المستر ستاجر]، فيما كان الوفد العراقي برئاسة [الملك فيصل الأول]، وعضوية [نوري السعيد] و[جعفر العسكري] و[رستم حيدر]، وقد لعب الملك دوراً بارزاً في المفاوضات، وكانت الحكومة تصدر كل يوم بياناً مقتضباً حول مجرى المفاوضات دون الدخول في التفاصيل، حتى جاء يوم 8 نيسان 1930 حين صدر بيان عن الحكومة يقول:
لقد تم الاتفاق بين المتفاوضين على ما يلي:
1ـ إن المعاهدة التي تجري المذاكرة حولها الآن ستدخل حيز التنفيذ عند دخول العراق في عصبة الأمم.
2ـ إن وضع العراق كما هو مصرح في المعاهدة سيكون وضع دولة حرة مستقلة.
3ـ عند دخول المعاهدة الجديدة حيز العمل ستنتهي حالاً جميع المعاهدات والاتفاقات الموجودة ما بين العراق وبريطانيا العظمى، والانتداب الذي قبله صاحب الجلالة البريطانية سينتهي بطبيعة الحال.
 لعب نوري السعيد دوراً أساسياً في عقد المعاهدة الجديدة بالنظر للثقة الكبيرة التي أولاها البريطانيون له، والاطمئنان إليه، وكذلك ثقة الملك فيصل.
كان الشعب العراقي يدرك أن المفاوضات لن تطول، وهذا ما كان، فقد أعلن بيان رسمي للحكومة  في 30 حزيران 1930 عن توقيع معاهدة صداقة وتحالف مع بريطانيا العظمى، وتنفذ حال قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وأن المعاهدة ستنشر في بغداد ولندن في وقت واحد يتفق عليه الطرفان.
باشر نوري السعيد المهام التي أنيطت به، وكان جُلّ همه أن ينجح في الامتحان الصعب، وينال ثقة الإنكليز، وقد فعل ذلك ونجح، وأصبح رجل بريطانيا القوي دون منازع، فكانت بريطانيا تنيط به تأليف الوزارة كلما كان لديها مهمة صعبة تنوي تنفيذها، وقد اتخذ نوري السعيد الإجراءات التالية تمهيداً لإقرار المعاهدة.
1ـ  حل المجلس النيابي
بعد أن أتمت الحكومة عقد المعاهدة مع بريطانيا أصبحت أمامها مهمة تصديقها من قبل مجلس النواب، وبالنظر لأن نوري السعيد لم يكن يستطيع ضمان الأغلبية في المجلس القائم آنذاك، فقد أقدم على تعطيل جلسات المجلس، ثم طلب من الملك إصدار الإرادة الملكية بحله، على الرغم أنه لم يمضِ على انتخابه سوى خمسة أشهر، وإجراء انتخابات جديدة يستطيع من خلالها تحقيق أغلبية في المجلس الجديد، وتم له ما أراد، وصدرت الإرادة الملكية بحله تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
أما نوري السعيد فقد غادر إلى لندن لاستكمال المحادثات حول الاتفاقيتين العسكرية والمالية، وحول تعديل اتفاقية امتياز النفط.

وفي 18 تموز سلم ملاحظ المطبوعات نص المعاهدة الموقعة بالأحرف الأولى إلى الصحفيين، وتم نشرها في اليوم التالي 19 تموز، وأحدث نشرها هيجاناً وغلياناً شعبياً عارماً، وأخذت برقيات الاحتجاج تنهال على الحكومة والصحافة منددة بنوري السعيد وبالمعاهدة وبالإمبريالية البريطانية، فقد جاءت المعاهدة دون إجراء أي تغير جوهري يمس الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق، بل لتكريس هذه الهيمنة لسنين طويلة، وتقييد العراق بقيود جديدة. (2)

 السعيد يزور الانتخابات لضمان فرض المعاهدة:
بعد أن حلت الحكومة مجلس النواب، أعلنت عن إجراء انتخابات جديدة في 10 تموز 1930، وبدأت الحملة الانتخابية، وشرعت القوى الوطنية تهيئ نفسها لخوضها من أجل إسقاط المعاهدة، ولكن الحكومة أخذت تمارس الضغوط  والتزوير والتهديدات لصالح مرشحيها، مما دفع بالقائد الوطني [جعفر أبو التمن] إلى إصدار بيان بمقاطعة الانتخابات بعد أن أدرك أن نوري السعيد سوف يأتي بالمجلس الذي يريده هو، وليس الشعب، وبالفعل فقد جرت الانتخابات في 20 تشرين الأول  1930 في جو مشحون بالإرهاب.

 فقد استلم نوري السعيد بنفسه وزارة الداخلية بالوكالة يوم 10 تشرين الأول لكي يشرف بنفسه على الانتخابات، ويمارس ضغوطه وإرهابه وأساليبه القمعية المعروفة لإرهاب المنتخبين الثانويين، وإجبارهم على انتخاب مرشحي الحكومة، كما أجرى قبل الانتخابات، تنقلات واسعة بين رؤساء وكبار الموظفين الإداريين، ولاسيما بعد أن رشح العديد من الشخصيات المعارضة للانتخابات، وأخذت تزاحم مرشحي الحكومة.

لكن نوري السعيد استطاع أن يخرج بمجلس جديد له فيه 70 مقعداً من أصل 88، وبذلك ضمن لنفسه إمكانية تصديق المعاهدة التي وقعها بالأحرف الأولى من قبل مجلس النواب، وجاءت المعاهدة على الوجه التالي. (3)

نص معاهدة 30 حزيران 1930: (17)
صاحب الجلالة ملك العراق.
وصاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار وإمبراطور الهند.
لما كانا راغبين في توثيق أواصر الصداقة، والاحتفاظ بصلات التفاهم وإدامتها ما بين بلديهما، ولما كان صاحب الجلالة ملك بريطانيا قد تعهد في معاهدة التحالف الموقع عليها في بغداد في اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية، بأن ينظر نظراً فعلياً في تمتين علاقاتنا في فترات متتالية مدة كل منها أربع سنوات، ولما كانت حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية قد أعلمت الحكومة العراقية في اليوم الرابع عشر من أيلول سنة 1929 أنها مستعدة لعضد ترشيح العراق لدخول عصبة الأمم سنة 1932 بلا قيد ولا شرط، وأعلنت لمجلس العصبة في اليوم الرابع عشر من كانون الأول 1929 أن هذه هي نيتها، ولما كانت المسؤوليات الانتدابية التي قبلها صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق ستنتهي من تلقاء نفسها،عند إدخال العراق عصبة الأمم، ولما كان صاحب الجلالة ملك العراق، وصاحب الجلالة البريطانية يريان أن الصلات التي ستقوم بينهما بصفة كونهما مستقلين، وينبغي تحديدها بعقد معاهدة تحالف وصداقة.
فقد اتفقا على عقد معاهدة جديدة لبلوغ هذه الغاية، على قواعد الحرية والمساواة التامتين، والاستقلال التام، وتصبح نافذة عند دخول العراق عصبة الأمم، وقد عيّنا عنهما مندوبين مفوضين هما:
عن جلالة ملك العراق : نوري باشا السعيد، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، حامل وسامي النهضة والاستقلال من الصنف الثاني.
وعن جلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندا والممتلكات البريطانية وراء البحار، إمبراطور الهند اللفتنانت كولونيل السر[ هنري هيمفريز]المعتمد السامي لصاحب الجلالة البريطانية في العراق اللذان بعد أن تبادلا وثائق تفويضهما فوجداها صحيحة قد اتفقا على ما يلي:
المادة الأولى: يسود سلم وصداقة دائمين بين صاحب الجلالة ملك العراق وصاحب الجلالة البريطانية، ويؤسس بين الفريقين الساميين المتعاقدين تحالف وثيق، توطيداً لصداقتهما وتفاهمهما الودي، وصلاتهما الحسنة، وتجرى بينهما مشاورة تامة وصريحة في جميع الشؤون السياسية الخارجية، مما قد يكون له مساس مصالحهما المشتركة.
ويتعهد كل من الفريقين الساميين المتعاقدين بأن لا يقف من البلاد الأجنبية موقفاً لا يتفق ومعاهدة  التحالف هذه، أو قد يخلق مصاعب للفريق الآخر
                                                                                                                                   المادة الثانية: يمثل كل من الفريقين الساميين المتعاقدين لدى بلاط الفريق السامي المتعاقد الآخر ممثل سياسي [دبلوماسي] يعتمد وفقاً للأصول المرعية.

المادة الثالثة:إذا أدى نزاع بين العراق ودولة ثالثة إلى حالة يترتب عليها خطر قطع العلاقات بتلك الدولة، يوحد عندئذٍ الفريقان الساميان المتعاقدان مساعيهما لتسوية ذلك النزاع بالوسائل السلمية، وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم، ووفقاً لأي تعهدات دولية أخرى يمكن تطبيقها على تلك الحالة.
المادة الرابعة: إذا اشتبك أحد الفريقين الساميين المتعاقدين في حرب رغم أحكام المادة الثالثة أعلاه  يبادر حينئذٍ الفريق السامي المتعاقد الآخر فوراً إلى معونته بصفة كونه حليفاً، وذلك دائماً وفق أحكام المادة التاسعة أدناه. وفي حالة خطر حرب محدق يبادر الفريقان الساميان المتعاقدان فوراُ إلى توحيد المساعي في اتخاذ تدابير الدفاع المقتضية.
إن معونة صاحب الجلالة ملك العراق في حالة حرب، أو خطر حرب محدق تنحصر في أن يقدم إلى صاحب الجلالة البريطاني في الأراضي العراقية جميع ما في وسعه أن يقدمه من التسهيلات والمساعدات، ومن ذلك استخدام السكك الحديدية والأنهر، والموانئ والمطارات، ووسائل المواصلات.
المادة الخامسة: من المفهوم بين الفريقين الساميين المتعاقدين أن مسؤولية حفظ الأمن الداخلي في العراق وأيضاً ـ بشرط مراعاة أحكام المادة الرابعة أعلاه مسؤولية الدفاع عن العراق إزاء الاعتداء الخارجي تنحصران في صاحب الجلالة ملك العراق.
مع ذلك يعترف جلالة ملك العراق بان حفظ  وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية بصورة دائمة في جميع الأحوال هما من صالح الفريقين الساميين المتعاقدين المشترك.
فمن أجل ذلك، وتسهيلاً للقيام بتعهدات صاحب الجلالة البريطانية وفقاً للمادة الرابعة أعلاه يتعهد جلالة ملك العراق بأن يمنح صاحب الجلالة البريطانية طيلة مدة التحالف موقعين لقاعدتين جويتين ينتقيهما صاحب الجلالة البريطانية في البصرة، أو في جوارها، وموقعاً واحداً لقاعدة جوية ينتقيها صاحب الجلالة البريطانية في غرب نهر الفرات.
وكذلك يأذن جلالة ملك العراق لصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الأراضي العراقية في الأماكن الأنفة الذكر وفقاً لأحكام ملحق هذه المعاهدة، على أن يكون مفهوماً أن وجود هذه القوات لن يعتبر بأي حال من الأحوال احتلالاً، ولن يمس على الإطلاق سيادة واستقلال العراق.

المادة السادسة: يعتبر ملحق هذه المعاهدة جزء لا يتجزأ منها.

المادة السابعة: تحل هذه المعاهدة محل معاهدتي التحالف الموقع عليهما في بغداد في اليوم العاشر من شهر تشرين الأول سنة 1922 ميلادية، والموافق لليوم التاسع عشر من شهر صفر سنة 1341هجرية، وفي اليوم الثالث عشر من شهر كانون الثاني سنة 1926 ميلادية، الموافق لليوم الثامن والعشرين من شهر جمادي الآخر سنة 1344 هجرية مع الاتفاقات الفرعية الملحقة بها، التي تمسي ملغاة عند دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ، وهذه المعاهدة في نسختين في كل من اللغتين العربية والإنكليزية، ويعتبر النص الأخير المعول عليه.

المادة الثامنة: يعترف الفريقان الساميان المتعاقدان بأنه عند الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة تنتهي من تلقاء نفسها وبصورة نهائية جميع المسؤوليات المترتبة على صاحب الجلالة البريطانية فيما يتعلق بالعراق وفقاً لأحكام وثيقة دولية أخرى، وينبغي أن يترتب على جلالة ملك العراق وحده، وعلى الفريقين الساميين المتعاقدين أن يبادرا فوراً إلى اتخاذ الوسائل المقتضية لتأمين نقل هذه المسؤوليات إلى جلالة ملك العراق.

المادة التاسعة: ليس في هذه المعاهدة ما يرمي بوجه من الوجوه إلى الإخلال أو يخل بالحقوق والتعهدات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الفريقين الساميين المتعاقدين وفقاً لميثاق عصبة الأمم، أو معاهدة تحريم الحرب الموقع عليها في باريس في اليوم السابع والعشرين من شهر آب سنة 1928 ميلادية.

المادة العاشرة: إذا نشأ أي خلاف فيما يتعلق بتطبيق هذه المعاهدة أو تفسيرها، ولم يوفق الفريقان الساميان المتعاقدان إلى الفصل فيه بالمفاوضة رأساً بينهما يعالج الخلاف حينئذٍ وفقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم .
المادة الحادية عشرة: تبرم هذه المعاهدة، ويتم تبادل الإبرام بأسرع ما يمكن، ثم يجري تنفيذها عند قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وتظل هذه المعاهدة نافذة لمدة خمس وعشرين سنة ابتداء من تاريخ تنفيذها، وفي أي وقت كان بعد عشرين سنة من تاريخ الشروع بتنفيذها، على الفريقين الساميين المتعاقدين أن يقوما بناء على طلب أحدهما بعقد معاهدة جديدة ينص فيها على الاستمرار على حفظ وحماية مواصلات صاحب الجلالة البريطانية الأساسية في جميع الأحوال.
وعند الخلاف في هذا الشأن يعرض الخلاف على مجلس عصبة الأمم .
وإقراراً لما تقدم قد وقع كل من المندوبين المفوضين على هذه المعاهدة وختمها بختمه.
كتب في بغداد في اليوم الثلاثين من شهر حزيران سنة 1930 ميلادي الموافق لليوم الثاني من شهر صفر سنة 1349 هجرية.
          هنري هيمفر                                    نوري السعيد
ملحق
 فقرة رقم 1
يعين صاحب الجلالة البريطانية من حين لأخر مقدار القوات التي يقيمها جلالته في العراق وفقاً لإحكام المادة الخامسة من هذه المعاهدة، وذلك بعد مشاورة صاحب الجلالة ملك العراق في الأمر، ويقيم صاحب الجلالة البريطانية قوات في [الهنيدي] لمدة خمس سنوات، بعد الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وذلك لكي يتمكن صاحب الجلالة ملك العراق من تنظيم القوات المقتضية للحلول محل تلك القوات، وعند انقضاء تلك المدة تكون قوات صاحب الجلالة البريطانية قد انسحبت من الهنيدي.

ولصاحب الجلالة البريطانية أن يقيم قوات في الموصل لمدة حدها الأعظم خمس سنوات تبتدئ من تاريخ الشروع بتنفيذ هذه المعاهدة، وبعد ذلك لصاحب الجلالة البريطانية أن يضع قواته في الأماكن المذكورة في المادة الخامسة من هذه المعاهدة، ويؤجر صاحب الجلالة ملك العراق مدة هذا التحالف لصاحب الجلالة البريطانية المواقع المقتضية لإسكان قوات صاحب الجلالة البريطانية في تلك الأماكن.
فقرة رقم 2
بشرط مراعاة أي تعديلات قد يتفق الفريقان الساميان المتعاقدان على إحداثها في المستقبل، تظل الحصانات والامتيازات في شؤون القضاء والعائدات الأميرية،  بما في ذلك الإعفاء من الضرائب التي تتمتع بها القوات البريطانية في العراق شاملة القوات المشار إليها في الفقرة الأولى أعلاه، وتشمل أيضاً قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف، وهي القوات التي يحتمل وجودها في العراق عملاً بأحكام هذه المعاهدة وملحقها، أو وفقاً لاتفاق يتم عقده بين الفريقين الساميين المتعاقدين، وأيضاً يواصل العمل بأحكام أي تشريع محلي له مساس بقوات صاحب الجلالة البريطانية المسلحة، وتتخذ الحكومة العراقية التدابير المقتضية للتثبت من كون الشروط المتبدلة لا تجعل موقف القوات البريطانية فيما يتعلق بالحصانات والامتيازات أقل ملائمة من الوجوه من الموقف الذي تتمتع به هذه القوات في تاريخ الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.
فقرة رقم 3
يوافق جلالة ملك العراق على القيام بجميع التسهيلات الممكنة لنقل القوات المذكورة في الفقرة الأولى من هذا الملحق، وتدريبها وأعالتها، وعلى منحها عين التسهيلات استعمال التلغراف واللاسلكي، التي تتمتع بها عند الشروع في تنفيذ هذه المعاهدة.
فقرة رقم 4
يتعهد صاحب الجلالة ملك العراق بأن يقدم بناء على طلب صاحب الجلالة البريطانية، وعلى نفقة صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً للشروط التي يتفق عليها الفريقان الساميان المتعاقدان، حرساً خاصاً من قوات صاحب الجلالة ملك العراق لحماية القواعد الجوية، مما قد تشغله قوات صاحب الجلالة البريطانية، وفقاً لأحكام هذه المعاهدة، وأن يؤمن سنّ القوانين التشريعية التي قد يقتضيها تنفيذ الشروط الآنفة الذكر.
فقرة رقم 5
يتعهد صاحب الجلالة البريطانية أن يقوم عند كل طلب يطلبه صاحب الجلالة ملك العراق بجميع التسهيلات في الأمور التالية، وذلك على نفقة جلالة ملك العراق، وهي:
1ـ تعليم الضباط العراقيين الفنون البحرية والعسكرية والجوية في المملكة المتحدة.
2 ـ تقديم الأسلحة والعتاد والتجهيزات والسفن والطائرات من أحدث طراز متيسر إلى قوات جلالة ملك العراق .
3 ـ تقديم ضباط بريطانيين مجربين عسكريين وجويين للخدمة بصفة استشارية في قوات جلالة ملك العراق .
فقرة رقم 6
لما كان من المرغوب فيه توحيد التدريب والأساليب في الجيشين العراقي والبريطاني يتعهد جلالة ملك العراق بأنه إذا رأى ضرورة الالتجاء إلى مدربين عسكريين أجانب فإنهم يختارون من الرعايا البريطانيين.
ويتعهد أيضاً بأن أي أشخاص من قواته، من الذين يوفدون إلى الخارج للتدريب العسكري يرسلون إلى مدارس وكليات ودور تدريب عسكرية في بلاد جلالته البريطانية، بشرط أن لا يمنع ذلك صاحب الجلالة ملك العراق من إرسال الأشخاص الذين لا يمكن قبولهم في المعاهد، ودور التدريب المذكورة في أي قطر آخر.
ويتعهد أيضاً بأن التجهيزات الأساسية لقوات جلالته، وأسلحتها، لا تختلف في نوعها عن أسلحة قوات صاحب الجلالة البريطانية، وتجهيزاتها.
يوافق جلالة ملك العراق على أن يقوم عند طلب صاحب الجلالة البريطانية ذلك بجميع التسهيلات الممكنة لمرور قوات صاحب الجلالة البريطانية من جميع الصنوف العسكرية عبر العراق لنقل وخزن جميع المؤن والتجهيزات التي قد تحتاج إليها هذه القوات في أثناء مرورها في العراق، وتتناول هذه التسهيلات استخدام طرق العراق، وسككه الحديدية، وطرقه المائية، وموانئه، ومطاراته، ويؤذن لسفن صاحب الجلالة البريطانية أذناً عاماً في زيارة شط العرب، بشرط إعلام جلالة ملك العراق، قبل القيام بتلك الزيارات للموانئ العراقية. (4)
                                                      دار الاعتماد  ن. س . ف
                                                     بغداد في 30 حزيران 1930
وقبل أن يعرض نوري السعيد معاهدته المشؤومة على مجلس النواب لجأ إلى تأليف حزب سياسي له ضم العناصر التي رشحها في الانتخابات لتكون سنداً له في تصديق المعاهدة فكان [حزب العهد]. وفي 4 تشرين الأول 1930 أتخذ مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على المعاهدة، وتم دعوة مجلس النواب إلى الاجتماع  في 16 تشرين الأول، واتخذ نوري السعيد احتياطات أمنية واسعة النطاق حول بناية المجلس الجديد في بناية جامعة[آل البيت]،التي ألغاها عند تشكيله لوزارته، والواقعة في الاعظمية، وأصدر قراراً بضمها إلى حدود أمانة العاصمة، حيث ينص الدستور على أن يكون مقر مجلس النواب في العاصمة. وفي اليوم المقرر لمناقشة المعاهدة من قبل مجلس النواب تقدم نوري السعيد إلى المجلس بالاقتراح التالي :
{لما كانت نصوص المعاهدة مع بريطانيا المنعقدة في 30 حزيران 1930 قد نشرت للرأي العام منذ مدة طويلة، وكانت انتخابات مجلس النواب قد جرت على أساس استفتاء الشعب فيها اقترح على المجلس الموقر أن يوافق على المذاكرة فيها بصورة مستعجلة}.
وقد تمت الموافقة على الاقتراح من قبل رئيس المجلس، و تم طرح المعاهدة بعد نقاش للمعارضة دام 4 ساعات للتصويت عليها، وقد صوت إلى جانب المعاهدة 69، وعارضها 13عضواً، وتغيب 5 أعضاء عن الحضور، وسط هياج وصياح المعارضة المنددة بالمعاهدة. (5)
 لم يبق أي عائق أمام نوري السعيد لتصديق المعاهدة، فالملك فيصل كان يرأس الوفد المفاوض أثناء عقد المعاهدة، ومجلس الأعيان يعيينه الملك، ويعمل بأمره.
أما المعارضة فقد أبرق أقطابها المعروفين السادة[جعفر أبو التمن] و[ناجي السويدي] و[يسين الهاشمي] إلى سكرتارية عصبة الأمم يحتجون على بنود المعاهدة التي لا تضمن للعراق استقلالاً حقيقياً، وتفسح المجال لبريطانيا باستغلال البلاد حسب ما تقتضيه أغراضها الاستعمارية.

 ماذا قال رجال الدولة البارزين عن المعاهدة؟ (6)
لم يكد نوري السعيد يحقق مهمته الأولى بالتصديق على المعاهدة حتى عمَّ استياء عام وهياج جماهير الشعب احتجاجاً على ربط العراق بعجلة الاستعمار البريطاني، ولم يستطع رجالات السياسة البارزين وأقطاب الحكم إلا أن يوجهوا النقد الشديد للحكومة، بالنظر لكونها قد قيدت العراق لسنوات طويلة، وربطته بعجلة بريطانيا خلافاً لمصالح الشعب والوطن، وأعلنوا رفضهم لها .
فقد قال [رشيد عالي الكيلاني] وهو من رؤساء الوزارات المخضرمين:
{إن أقل ما يقال عن هذه المعاهدة أنها استبدلت الانتداب الوقتي باحتلال دائم، وأضافت إلى القيود والأثقال الحالية  قيوداً وأثقالاً أشد وطأة}.
وقال [يسين الهاشمي]، وهو أيضاً من رؤساء الوزارات، والذي شكل العديد من الوزارات ما يلي:
 {لم تضف المعاهدة شيئاً إلى ما كسبه العراق بل زادت في أغلاله، وعزلته عن الأقطار العربية، وباعدت ما بينه وبين جيرانه، وصاغت لنا الاستقلال من مواد الاحتلال، ورجائي من أبناء الشعب أن لا يقبلوها}.
 
وقال [حكمت سليمان]، وهو رئيس وزراء سابق ما يلي:
{المعاهدة الجديدة تضمن الاحتلال الأبدي، ومنحت بريطانيا امتيازات دون عوض أما ذيولها المالية، فإنها تكبد العراق أضراراً جسيمة دون مبرر}.

أما السيد[محمد رضا الشبيبي] وهو وزير في وزارات عديدة فقد قال:
 {إنني أرتئي رفض المعاهدة وملحقاتها لأنها حمّلت العراق الكثير من المغارم والتبعات، ولم يكسب مقابل ذلك حقاً جديداً من الحقوق، في حين حصل الجانب الآخر على امتيازات وحقوق جديدة}.

أما السيد [عبد العزيز القصاب] وهو وزير في وزارات عدة فقد قال عن تلك المعاهدة ما يلي:
{ إن المعاهدة لا تلبِ رغبات الشعب، وجاءت هادمة لكل الجهود التي بذلت لتخفيف وطأة المعاهدات السابقة، وأنا ارفضها ويرفضها الشعب}.
 
وقال [حمدي الباجه جي] وهو رئيس وزارة سابق:
 { إن المعاهدة الجديدة تجعل كابوس الاستعمار البريطاني دائماً ومستمراً}.

وقال [يوسف غنيمة] وهو وزير سابق:
 {إن المعاهدة لا تتفق والاستقلال التام، ورغبات الشعب، وليست في مصلحة البلاد}.

وقال [كامل الجادرجي] وهو وزير سابق، وزعيم الحزب الوطني الديمقراطي، وأحد أبرز رموز المعارضة العراقية:
{إن نتيجة هذه المعاهدة وذيولها حمايةٌ بريطانية شديدة الوطأة، واحتلال دائم}. (7)
لكن المؤسف أن كل أولئك الساسة، باستثناء الأستاذ كامل الجادرجي، قد تنكروا لأقوالهم، واشتركوا في الوزارات التالية، ونفذوا بنود المعاهدة، وبلعوا تعليقاتهم حولها.

غير أن أكثر الشخصيات الوطنية عنفاً في مقاومة المعاهدة كان القائد الوطني البارز[جعفر أبو التمن] زعيم الحزب الوطني الذي بعث بمذكرة باسم الحزب إلى كل من ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإيران وتركيا وإلى عصبة الأمم في1تشرين الأول 1930 أدان فيها أسلوب تأليف حكومة نوري السعيد، والأساليب غير الدستورية التي أقدم عليها، بتأجيل جلسات المجلس النيابي، ومن ثم حله دون أن يمض عليه خمسة أشهر، وقيامه بتعطيل أكثر من 20 صحيفة سياسية، وإحالة عدد من المحررين الصحفيين إلى المحاكم، ومنع الحكومة للاجتماعات العامة، وكمّ أفواه الشعب، وعقد معاهدة جائرة يرفضها الشعب لأنها تصب في خدمة الأغراض الاستعمارية البريطانية، وإجراء انتخابات مزورة لفرض المعاهدة التي رفضها الشعب وقواه الوطنية، وإن الحزب الوطني الذي أيدت سياسته أكثرية الشعب العراقي يعتبر أن هذه المعاهدة ملغاة وباطلة}.
كما أحتج عدد من الشخصيات السياسية الكردية على المعاهدة، وأبرقوا إلى سكرتارية عصبة الأمم عدة برقيات في 20، و26 تموز تستنكر عقد المعاهدة .
وقال عدد من أعضاء اللجنة الدائمة للانتدابات من ممثلي الدول في عصبة الأمم :
{ إن قبول العراق لهذه المعاهدة سيجعله بعد تحرره من الانتداب تحت الحماية البريطانية}.
وقال[ المسيو بار] العضو الفرنسي في اللجنة المذكورة:
{أنا شخصياً لا أحب أن أرى بلادي تدخل في مثل هذا التعهد الذي قبله العراق على نفسه}.
وهكذا أثبت نوري السعيد أنه أكثر إنكليزية من الإنكليز، وانه رجل الإمبريالية البريطانية دون منازع، وهذا ما أهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958.
التوثيق
(1) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 7 .
(2) نفس المصدر ـ ص 17 .
(3) صحيفة صدى الاستقلال ـ العدد الرابع .تشرين الأول 1930
(4) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص 19 .
(5) محاضر مجلس النواب 1930 ـ ص 57 .
(6) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الثالث ـ ص50 .
    (7) في غمرة النضال ـ ص 178 ـ سلمان الفياض


37
من ذاكرة التاريخ
نظام عبد السلام عارف
والبعثيون والشيوعيون والناصريون
حامد الحمداني                                                     11/10/2018

بعد سقوط حكم حزب البعث على أثر انقلاب 18 تشرين الثاني  1963الذي قاده رئيس الجمهورية عبد السلام عارف، حدث بعض الانفراج للوضع السياسي في البلاد، وخفت حملات الاعتقالات  والملاحقات، وتوقفت أساليب التعذيب ضد المعتقلين السياسيين التي كان يمارسها حزب البعث، كما حدثت تطورات في العلاقات بين القوى السياسية في البلاد، والعلاقات بين العربية المتحدة والعراق من جهة، والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، وكان في مقدمة تلك التطورات ما يأتي:
1ـ عودة العلاقات الطبيعية بين العربية المتحدة والاتحاد السوفيتي، وحدوث انفراج سياسي داخل مصر، تمثل في إطلاق سراح السجناء الشيوعيين، وتوّجت العلاقة الجديدة بزيارة الزعيم السوفيتي [خرشوف] للقاهرة، ولقاءه مع الرئيس عبد الناصر، مما أعاد العلاقة بين البلدين بعد الهجمات التي شنها عبد الناصر على الإتحاد السوفيتي.

2ـ توقف القتال بين الأكراد وقوات الحكومة بعد تدخل الرئيس عبد الناصر، وتوسطه بين حكومة عبد السلام عارف والقيادة الكردية.     
                       
3ـ عودة نشاط فرع الحزب الشيوعي في كردستان بعد توقف القتال، وكان تنظيم الحزب في كردستان قد نجا أغلبه من ملاحقة البعثيين إبان حكمهم الأسود.

4ـ استئناف العلاقات العراقية السوفيتية، واستئناف السوفيت تجهيز العراق بالسلاح، الذي توقف على أثر انقلاب 8 شباط 1963.

5ـ الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة بدفع من العناصر الناصرية.

كل هذه العوامل دفعت قيادة الحزب الشيوعي إلى إعادة تقييم موقفه من نظام عبد السلام عارف بعد نقاش للوضع السياسي في اجتماع موسع عقدته اللجنة المركزية للحزب في أواخر آب 1964.
لقد ظهر خلال النقاش داخل اللجنة المركزية تياران متناقضان، التيار الأول دعا إلى التعاون مع حكومة عبد السلام عارف، مثمناً توجه العراق والعربية المتحدة نحو ما سمي بطريق [التطور اللا رأسمالي] وباتجاه الاشتراكية!، وذهبت العناصر اليمينية في قيادة الحزب إلى أبعد من ذلك  فدعت إلى حل الحزب، والانخراط في الاتحاد الاشتراكي، معتبرين قيام عبد السلام عارف بانقلابه ضد البعثيين، وإنهاء سلطتهم الدموية، قد أوجد شروطاً أكثر ملائمة لنضال القوى المعادية للإمبريالية، من أجل الحفاظ على استقلالنا الوطني، والعودة إلى قافلة حركة التحرر الوطني للشعوب.

غير أن التيار الثاني في قيادة الحزب كان له تقيماً آخر، وموقفاً آخر من حكومة عبد السلام عارف، ذلك أن أعداداً كبيرة من الشيوعيين كانوا لا يزالون يقبعون في سجون النظام، كما أن السلطة العارفية كانت قد فسحت المجال واسعاً أمام العناصر الرجعية والشوفيتية لخلق الطائفية وترويجها، وتواجد أعداد كبيرة من تلك العناصر في مختلف أجهزة الدولة، هذا بالإضافة إلى تدهور الأحوال الاقتصادية للشعب، وحالة عدم الاستقرار السياسي بسبب وجود التيارات المتناقضة داخل السلطة، فهناك عناصر رجعية ترتبط بشكل أو بأخر بالإمبريالية، وهناك عناصر ناصرية تسعى نحو التطور اللا رأسمالي، كما كان يجري في العربية المتحدة، ولكن  نتائج الاجتماع صبت  في خانة الإقدام على التعاون مع حكومة عبد السلام عارف.

 أدى اتجاه قيادة الحزب الشيوعي نحو التعاون مع السلطة العارفية إلى موجة من الاستياء في قواعد وكوادر الحزب الذين رفضوا هذا التوجه والتعاون مع شركاء البعثيين بالأمس في كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب والوطن، والشيوعيين بوجه خاص، و تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، وتحدت تلك الكوادر مع جانب كبير من قواعد الحزب قرارات اللجنة المركزية رافضة إياها، في الوقت الذي أصرت فيه اللجنة المركزية على السير في الطريق الذي رسمه الاجتماع الموسع  مهما كان الثمن.

غير أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فقد حدثت تطورات داخلية، عربية ودولية، أفشلت مسعى القيادة اليمينية للحزب. فقد استُؤنفت الحرب في كردستان من جديد في 5 نيسان 1965، وشنت حكومة عبد السلام عارف الشوفينية حرباً شعواء ضد الشعب الكردي.

كما أن عبد الناصر أصيب بخيبة أمل مريرة بعبد السلام عارف، وأصبح على يقين أن عارف لا يؤمن إيماناً صادقاً بالوحدة، وإنما أتخذها وسيلة للوثوب إلى السلطة، فقد تظاهر النظام الجديد لعبد السلام عارف بالسير باتجاه إقامة أقرب اتفاق ممكن مع العربية المتحدة، في كل الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية.
ففي 26 أيار 1964 أتفق عبد السلام عارف وجمال عبد الناصر على إقامة مجلس رئاسي مشترك، للتخطيط والتنسيق في المجالات المذكورة كافة باتجاه إقامة اتحاد دستوري بين البلدين فيما بعد.

وفي 16 تشرين الأول 1964 جرى توقيع اتفاقية الوحدة، وتكوين المجلس الرئاسي المشترك للقيادة السياسية الموحدة للعراق ومصر، وتعهد الطرفان بإقامة الوحدة بينهما خلال سنتين .

إلا أن تلك القيادة لم تجتمع سوى مرتين خلال هذه المدة، وجرى نسيانها فيما بعد، وانتهت إلى الزوال، فلم يكن عبد السلام عارف جاداً في إقامة الوحدة كسابقيه حكام البعث، وقد اثبتت التجارب والوقائع أن عبد السلام الذي كان أول من شق الوحدة الوطنية، وتأمر على ثورة الرابع عشر من تموز، وقائدها عبد الكريم قاسم بدعوى الوحدة الفورية مع العربية المتحدة لم يكن يهدف حقاً إقامة الوحدة، وإنما أراد استخدام مسألة الوحدة ورصيد عبد الناصر للوثوب إلى قمة السلطة، والاستئثار بها لوحده، وقد أدرك عبد الناصر أن عبد السلام عارف لا يتمتع بقاعدة واسعة في حكمه، وأن حكمه عبارة عن أقلية قليلة من الضباط لا سند شعبي لهم على الإطلاق، وأن عارف لا يختلف عن سابقيه حكام البعث بأي حال من الأحوال.

لقد كان انكشاف موقف عبد السلام عارف من الوحدة مع العربية المتحدة سبباً في حدوث شرخ كبير بينه وبين القوى الناصرية والحركية، وتطور ذلك الشرخ إلى صراع متصاعد، أدى في النهاية إلى تقديم الوزراء الناصريين والحركيين استقالتهم من الحكومة، وإلى محاولة هذه القوى قلب السلطة العارفية كما سنرى تفاصيل ذلك فيما بعد.

وهكذا اضطرت القيادة اليمينية للحزب الشيوعي العراقي إلى تغير سياستها تجاه السلطة العارفية، ودعت إلى إسقاطها، وقيام حكومة ائتلاف وطني تضم كل القوى والأحزاب السياسية الوطنية المعادية للإمبريالية.
وأشارت قيادة الحزب إلى فشل الاتحاد الاشتراكي، ونظرية الحزب الواحد، وهاجمت السياسة الاقتصادية للحكومة التي شكلها [ عبد الرحمن البراز]، وأعلن الحزب أن حكومة البزاز ترعى مصالح الإمبريالية البريطانية، وشركات النفط، وتحاول إعادة الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد، وإعادة الهيبة والسلطة لرجالات الإقطاع، والملاكين العقاريين، وكبار الرأسماليين.
 الحزب الشيوعي يطرح مسألة استلام السلطة

على أثر تلك التطورات السياسية السالفة الذكر طرح، الحزب الشيوعي في 9 تشرين الأول 1965  مسألة إسقاط حكومة عارف واستلام السلطة في الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب خلال الاجتماع مشروعان حول الموضوع:
المشروع الأول:
 قُدم من قبل [عامر عبد الله ] الذي رأى أن السلطة العارفية قد أصبحت معزولة  بعد أن خرج منها الناصريون، كما أن عودة الحرب في كردستان، وزج ثلثي الجيش العراقي فيها من جهة، واشتداد الخلافات بين عبد الناصر وعارف من جهة أخرى، جعلت الظروف في صالح الحزب لتوجيه الضربة القاضية لنظام عبد السلام عارف وإسقاطه، واستلام السلطة، معلناً أن مصير الحزب يتقرر هذه الأيام.
 المشروع الثاني:
 الذي طرحه [ بهاء الدين نوري ] فقد شكك في استطاعة الحزب لوحده القيام بالتغيير، وتخوّفَ من تشكيل جبهة واسعة ضد الحزب، وادعى أن جماهير الحزب غير مستعدة لمثل هذا العمل، كما أن الأوضاع الدولية والعربية لا تساعد على ذلك، رغم اعترافه بإمكانية نجاح التغيير!!، ولكنه رأى أن يسبق ذلك تعاون القوى السياسية المعارضة لحكم عارف، وقد أيده في موقفه [عبد السلام الناصري] فيما أيد موقف عامر عبد الله كل من [اراخاجادور] و[صالح دكلة ] وفي نهاية المناقشات خرج الحزب بستة قرارات كان أهمها القرار المتعلق بمسألة قلب السلطة العارفية والذي جاء فيه:
{ ومن الضروري التشديد على طريقة النضال التي تبناها الحزب، والتي تعتمد على الدور الحاسم إلى [هاء] ويقصد بذلك التنظيم العسكري للحزب، في الإطاحة بالسلطة الحاكمة، وسيجد [هاء] له دعماً في إجراءات ثورية أخرى سيتخذها الحزب، وفي العمل الشعبي الحيوي في ميادين مختلفة}.

لقد جرى الاتفاق في ذلك الاجتماع على الإعداد للعمل الحاسم، على أن يبذل كل جهد ممكن لقيام تعاون مع القوى الوطنية الأخرى، كالحزب الديمقراطي الكردستاني، والضباط القاسميين والعناصر القومية ذات التوجه الاشتراكي [الناصريين]، وأن لا يقوم الحزب بالحركة بمفرده إلا في حالة عدم حصول التعاون المنشود على أن يكون المكتب السياسي مقتنعاً بان الظروف ملائمة والنصر بمتناول اليد.
وفي ختام الاجتماع تقرر إرسال رسالة من قيادة الخارج إلى اللجنة المركزية للحزب في  العراق جواباً على رسالة الحزب، وكانت وجهة نظر القيادة في الخارج تمثل تياراً وسطاً بين جناحي اللجنة المركزية، ولكنها حذرت اللجنة المركزية من مغبة الإقدام على أي خطوة متسرعة مغامرة دون نضوج الشروط الموضوعية اللازمة للتغيير الثوري.

رفضت لجنة تنظيم الخارج الرأي القائل بإلغاء فكرة[العمل المستقل للحزب] ولكنها رأت أن على الحزب أن يحاول تحقيق التعاون الوطني كهدف ثابت له في جميع الأحوال والظروف، حتى ولو بدت تلك المحاولات صعبة التحقيق في ظل الظروف الراهنة، وما يعتريها من صعوبات، ورأت أن آفاق التعاون ستكون أوسع نطاقاً كلما زاد نفوذ الحزب بين صفوف الجماهير، ورأت أيضاً أن على الحزب أن يلجأ إلى خطة مستقلة إذا كانت جماهير الشعب على استعداد كامل للإطاحة بالسلطة، وتلكأت القوى الوطنية في استيعابها لهذه الإمكانية أو رفضتها، وعلى الحزب في هذه الحالة أن يسعى لتعبئة قوى واسعة من جماهير الشعب.
وفي حالة إقدام الحزب على خطة مستقلة فإن هذه الخطة يجب أن تؤكد على أن التعاون المشترك، والدعوة إليه من خلال الشعارات التي يتبناها الحزب أثناء تحركه وبعده.

 كما أيدت لجنة تنظيم الخارج مسألة الإعداد لانتفاضة جماهيرية شعبية من خلال نضال الجماهير نفسها، مع عدم الاستهانة بالعدو وأساليبه القمعية تجاه الحركات الشعبية، كما أيدت فكرة الاعتماد على الجهد الفعال لتنظيم الحزب، داخل صفوف القوات المسلحة في لحظة تطور الحركة الجماهيرية، ووصولها إلى حالة متقدمة [أي حالة الانتفاض الثوري]، أي استخدام عناصر الجيش الحزبية في الوقت المناسب تماماً لدعم الانتفاضة الجماهيرية، وإسنادها نحو تحقيق أهدافها.

 كما أن على الحزب أن يأخذ في الحسبان احتمال تطور الأوضاع إلى قيام حرب أهلية بسبب تواجد القوى الرجعية على الساحة من جهة، وكون الحزب الشيوعي يمثل الاتجاهات اليسارية التقدمية، وعليه فالواجب يقتضي الإعداد الجيد للتصدي للحرب الأهلية، ووضع الثورة الكردية بعين الاعتبار كعنصر مساعد.

كما حذرت لجنة تنظيم الخارج من التسرع بشكل مصطنع، أو محاولة القفز فوق المراحل الضرورية للتطور والنضج الطبيعي للحزب، والانتباه الدقيق لمحاولات الأعداء نصب فخ للحزب للإقدام على خطوة متسرعة لكي يوجهوا له الضربة القاضية، وفي الختام حددت الرسالة الأهداف الآنية للحزب ذات الأهمية الأكثر إلحاحاً وهي:
 1ـ السعي لتقوية مواقع الحزب داخل الجيش دون محاولة إحداث أي ضجة، والعمل على حماية التنظيم العسكري، وتطوير إمكانياته جنباً إلى جنب مع تطوير إمكانيات الجماهير الشعبية.

 2 ـ بذل الجهود المتواصلة من أجل التعاون الوطني، والسعي لتشكيل التحالفات مع القوى الوطنية التي لها الاستعداد للتعاون من أجل الإطاحة بالنظام .

3 ـ تثقيف جماهير الحزب ورفاقه بشكل هادئ وتدريجي من دون إحداث ضجة حول طرق نضال الحزب في المرحلة الراهنة، وتنشيط الحركة الجماهيرية ومنظماتها كافة، وتوحيد جهودها، وحثها على التحرك الجماهيري كالإضرابات والاحتجاجات على الحرب في كردستان، ودفع الفلاحين إلى مقاومة النظام وإعلان العصيان.
4 ـ التغلب على حالة القصور البارزة في الحزب، وأهمية إصدار صحيفة الحزب على فترات غير بعيدة ومنتظمة، والاهتمام بالكادر، وأهمية إجراءات الحماية لقيادة الحزب وكوادره، من أجل حماية أسرار الحزب الهامة.

وفي الختام وجهت قيادة الخارج انتقاداً إلى الإجراءات التي اتخذتها لجنة الحزب المركزية في الداخل حول الانتخابات، وإخراج [ناصر عبود] من عضوية اللجنة المركزية، وإدخال خمسة أعضاء جدد في اللجنة، بالإضافة إلى بقاء كافة الأعضاء السابقين، سواء الموجود منهم في الداخل أو الخارج.

 البعثيون يحاولون الإطاحة بحكم عبد السلام عارف:

لم يهدأ البعثيون، بعد أن غدر بهم شريكهم في انقلاب 8 شباط عبد السلام عارف الذي نصبوه رئيساً للجمهورية، ولجأوا إلى العمل السري لتجميع قواهم والتمهيد للقيام بانقلاب مضاد، ولاسيما بعد أن غدر عبد السلام عارف للمرة الثانية بالضباط الذين تمردوا على قيادتهم المدنية، وتعاونوا معه في انقلاب في 18 تشرين الثاني 963 1، ولاسيما وأن البعثيين كانوا يتخوفون من تجدد نشاط الحزب الشيوعي، وتنامي قدراته التنظيمية، وتوسع قاعدته، وينتابهم القلق من أمكانية قلب نظام عارف واستلام السلطة، بالإضافة إلى قلق المخابرات الأمريكية والبريطانية من اتساع نشط الحزب، وربما بتنسيق بين الطرفين بادر حزب البعث استعداداته لقلب نظام عبد السلام عارف.
فقد استطاع البعثيون تجميع قواهم وتنظيمها وإعدادها للعمل الانقلابي، وتقرر القيام بالحركة يوم 4 أيلول 1964 معتمدين في تحركهم على كتيبة الدبابات الرابعة التي استخدموها في انقلاب 8 شباط 1963، بالإضافة إلى 6 طائرات  [ميك عسكرية] يأخذ طياريها على عاتقهم قصف طائرة عبد السلام عارف يوم توجهه إلى مؤتمر القمة العربية بالإسكندرية.

غير أن جهاز استخبارات عارف كشف خيوط المؤامرة قبل تنفيذها وجرت على الفور حملة اعتقالات واسعة في كافة أنحاء العراق، وزُج بالبعثيين في السجون والمواقف، وسارع عبد الناصر إلى إرسال 600 عسكري إلى العراق لدعم نظام عارف، وعسكرت هذه القوات في مقر كتيبة الدبابات الرابعة في أبو غريب لشل حركتها، وهكذا تم لعبد السلام عارف إجهاض الحركة الانقلابية للبعثيين، وكنس كل بقايا العناصر البعثية في جهاز السلطة المدنية والعسكرية على حد سواء.

كما أجرى عبد السلام عارف تعديلاً وزارياً في 14 تشرين الأول 1964 أدخل بموجبه ثلاثة وزراء ناصريين في حكومته، وبذلك أصبح للناصريين ستة مقاعد وزارية في الحكومة، وأصبحوا في موقف أقوى تجاه العناصر القومية اليمينية داخل السلطة.
حاول الناصريون دفع سياسة السلطة نحو إجراء تغييرات أكثر عمقاً في المجالات الاقتصادية والسياسية، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الوحدة مع العربية المتحدة، مما أثار صراعاً داخل السلطة من جديد بين العناصر القومية ذات الاتجاهات المختلفة والمتناقضة، فقد حاولت كل مجموعة إزاحة المجموعة الأخرى من أمامها، وانتهى ذلك الصراع بانتصار الجناح اليميني في الحركة القومية، وإزاحة الناصريين من الحكم من جديد.

 استقالة الوزر اء الناصريين:
بدأ الناصريون يخسرون مواقعهم داخل السلطة منذُ ربيع عام 1965 ، تحت تأثير أسباب عديدة، منها ما يتعلق بالموقف من عبد الناصر، ومشروع الوحدة،  ومنها ما يتعلق بالأوضاع الداخلية، وخاصة  الاقتصادية منها، وما سببته مراسيم التأميم من تأثيرات سلبية بسبب عدم وجود الخبرة لدى أجهزة السلطة تمكنها من إدارة الشؤون الاقتصادية بعد التأميم، وزاد في الطين بله قيام أصحاب رؤوس الأموال بتهريب أموالهم إلى خارج البلاد، وتراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، حيث بلغ عدد العاطلين المسجلين رسمياً 20 287 عاملاَ، ولذلك فقد بدأت العناصر اليمينية في الحكومة تدعوا إلى إعادة النظر في تأميم المشاريع التي جرى تنفيذها، والعدول عن الاتجاه الاشتراكي، وبالفعل نجحوا في إبطاء حركة التغيير التي بدأها الناصريون.
حاول الناصريون إحكام سيطرتهم على التجارة الخارجية في نيسان 1965، للحد من تهريب رؤوس الأموال، وتلاعب كبار الرأسماليين في الاقتصاد الوطني، إلا أنهم فشلوا في إقناع عبد السلام عارف بالسير في هذا الاتجاه، مما سبب تباعد المواقف بينه وبين الناصريين شيئاً فشيئاً،  وتطور هذا التباعد، وتعمقت الخلافات، وأصاب الناصريين اليأس من القدرة على التأثير على سياسة عارف، وأخيراً أضطر الوزراء الناصريون إلى تقديم استقالاتهم من الوزارة في 4 تموز 1965، وعلى الأثر توترت العلاقات بين عبد الناصر وعبد السلام من جديد.

حاول عبد السلام عارف تجنب القطيعة مع عبد الناصر، فأقدم على تشكيل وزارة جديدة برئاسة الناصري [ عارف عبد الرزاق ] في 6 أيلول 965، واحتفظ عارف عبد الرزاق بوزارة الدفاع، إضافة إلى رئاسة الوزارة.
 كما عين عبد الرحمن البزاز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية والنفط، و عبد اللطيف الراجي، وزيراً للداخلية ليوازن بين الاتجاهين المتناقضين.

محاولة الناصريين الانقلابية:
 لم تُجدِ محاولات عبد السلام عارف نفعاً في رأب الصدع بينه وبين الناصريين، وذهبت تلك المحاولات أدراج الرياح، ولم تنجح في زحزحة مواقفهم، بل زادتهم اندفاعاً للقيام بانقلاب عسكري تزعمه [عارف عبد الرزاق] رئيس الوزراء ، ووزير الدفاع، ووكيل رئيس الجمهورية في 15 أيلول 1965، أثناء وجود عبد السلام  في الدار البيضاء لحضور مؤتمر القمة العربي. إلا أن العقيد [سعيد صليبي] آمر الانضباط العسكري، وآمر حامية بغداد، والساعد الأيمن لعبد السلام عارف، عرف بأمر تحركهم، فوجه لهم الضربة مسبقاً، وهرب الانقلابيون إلى خارج العراق.
 وهكذا وصلت العلاقة بين عبد السلام عارف  والناصريين إلى القطيعة التامة، ودخل الحكم العارفي في مرحلة جديدة من الحكم القبلي، فقد أصبح معظم رجالات الدولة وقادتها من قبيلة الجميلات، وأخذ سعيد صليبي يلعب الدور الرئيسي في إدارة دفة الحكم، وأصبح عبد الرزاق النايف ـ جميلي ـ مديراً للاستخبارات العسكرية، ولعب دورا كبيراً في الحفاظ على حكم عارف.
وفي الوقت نفسه أصبح عبد الرحمن البراز رئيساً للوزراء، ومُنح صلاحية إصدار القرارات، وتسيير شؤون البلاد.
 كما أقدم عبد السلام على حل مجلس قيادة الثورة الذي تألف من العسكريين، وانتقلت السلطة التشريعية إلى مجلس الوزراء، وأنيطت مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات بمجلس شكله حديثاً ودعاه بـ [ مجلس الدفاع الوطني ] بإشراف عبد السلام عارف نفسه.
حاول عبد الرحمن البزاز إضفاء صفة المدنية على جهاز الحكم، وإشاعة سيادة القانون، والتسريع لإقامة البرلمان، وإجراء انتخابات نيابية، وتنشيط الاقتصاد، وزيادة الإنتاج في القطاعين العام والخاص، وغيرها من الإصلاحات السطحية الأخرى، غير أن جهود البزاز لم ترَ النور، فقد كان الموت بانتظار عبد السلام عارف في 13 نيسان 1966، وإخراجه من الحكم بعد أربعة أشهر من تولي عبد الرحمن عارف شقيق عبد السلام عارف، بضغط من العناصر العسكرية التي كانت تتمتع بنفوذ كبير.
ففي الثالث عشر من نيسان  1966أعلنت محطتا الإذاعة والتلفزيون العراقية أن الرئيس عبد السلام عارف قد لقي مصرعه بحادث سقوط طائرة مروحية كان يستقلها مع بعض الوزراء، وكبار مساعديه في جنوب العراق قرب القرنة، ولم يُكشف النقاب عن حقيقة مقتل عبد السلام عارف، إذ أعلنت الحكومة أن الطائرة التي كان يستقلها عبد السلام عارف قد سقطت  بسبب هبوب عاصفة رملية، ولكن هناك الكثير من الشكوك حول حقيقة مصرعه، فهناك الصراعات الداخلية بين عارف والعناصر الناصرية من جهة، وبينه وبين البعثيين من جهة أخرى.

 كما كان هناك صراع بين الإمبريالية، والعناصر الناصرية التي أقلقها محاولاتهم المتكررة إلحاق العراق بالجمهورية العربية المتحدة، وليس ببعيد أن تكون وراء مصرعه، وربما كان هناك ما هو أبعد من ذلك، حيث حاول عبد الرحمن البزاز، المعروف بولائه للبريطانيين، الوصول إلى كرسي الرئاسة، ودخوله في منافسة مع عبد الرحمن عارف المدعوم من قبل القوى العسكرية المهيمنة على الحكم.




38
من ذاكرة التاريخ

هكذا تم إسقاط نظام البعث
18 تشرين الثاني 1963
حامد الحمداني                                                                            9/10/2018

لم يكن حزب البعث يضم عنصر التجانس بين أعضائه، فقد كان أعضاءه وقيادييه ينتمون لطبقات  مختلفة، قسم منهم من الطبقة البرجوازية، وقسم من البرجوازية الصغيرة، ونسبة قليلة من العمال والفلاحين والحرفيين ذوي الدخل المحدود، ووجود نسبة عالية من الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم  على الأغلب 20 عاماً بين صفوفهم، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً وتنظيمياً. 

وبسبب هذا التباين في التركيبة القومية والطائفية والطبقية، فقد كان من الطبيعي أن تكون هناك اختلافات في التطلعات والتوجهات والأفكار والعواطف، كما كان معظم ضباطهم الذين قادوا انقلاب 8 شباط ضد نظام عبد الكريم قاسم من الطائفة السنية، في حين كانت قيادتهم القطرية تضم خمسة من الشيعة، وثلاثة من الطائفة السنية، ويرجع معظم أعضاء البعث من المناطق الريفية المختلفة، وعدم نضوج هؤلاء فكرياً وسياسياً، وحتى قياديي الحزب كانوا من هذا الطراز، كما وصفهم مؤسس الحزب عندما قال:
 {بعد الثورة ـ أي انقلاب 8 شباط ـ بدأت اشعر بالقلق من فرديتهم، وطريقتهم الطائشة في تصريف الأمور، واكتشفت أنهم ليسوا من عيار قيادة بلد، وشعب}.

 لقد كان الحزب عبارة عن تجمع لعناصر معادية للشيوعية التي لا يجمعها أي رابط أيديولوجي، وكان جُل همهم منصباً على حربهم الشعواء ضد الشيوعية، وظهرت بينهم تكتلات أساسها المنطقة أو العشيرة أو الطائفية، وهكذا كانت التناقضات والخلافات تبرز شيئاً فشيئاً على سطح الأحداث، والتي كان من أهمها:

1 ـ الموقف من عبد السلام عارف:

ففي 11 شباط 1963، حدث بين قيادة البعث وعبد السلام عارف، الذي نصبوه رئيساً للجمهورية صِدامٌ مكشوف، مما دفع علي صالح السعدي، أمين سر القيادة القطرية للحزب، إلى أن يطرح موضوع بقاء عبد السلام عارف، أو إزاحته من منصبه، قائلاً:
{ إن عبد السلام عارف سوف يثير لنا الكثير من المتاعب، وربما يكون خطر علينا، إلا أن أغلبية القيادة لم تأخذ برأي السعدي، خلال اجتماع القيادة الذي جرى في دار حازم جواد، وقد هدد السعدي بالاستقالة إذا لم تأخذ القيادة برأيه، لكنه عدل عن ذلك بعد قليل، وبعد نهاية الاجتماع ذهب حازم جواد إلى عبد السلام عارف وأخبره بما دار في الاجتماع، وحذره من أن السعدي ينوي قتله والتخلص منه}.

2 ـ الموقف من قانون الأحوال المدنية:
الخلاف الثاني الذي حدث بين أعضاء القيادة القطرية حينما طُرح موضوع قانون الأحوال المدنية رقم 188 لسنة 1959الذي شرعه عبد الكريم قاسم، والذي اعتُبر ثورة اجتماعية أنجزتها ثورة 14 تموز فيما يخص حقوق المرأة وحريتها، وإطلاق سراح نصف المجتمع العراقي الذي تمثله المرأة من عبودية الرجل، وكان القانون قد ساوى المرأة بالرجل في الإرث، ومنع تعدد الزوجات إلا في حالات خاصة وضرورية، ومنع ما يعرف بالقتل غسلاً للعار، وغيرها من الأمور الأخرى، وقام عبد السلام عارف بإلغاء القانون في 18 آذار 1963، أثناء وجود علي صالح السعدي في القاهرة، وانقسم مجلس قيادة الثورة ذو الأغلبية البعثية وأعضاء القيادة القطرية حول مسألة الإلغاء، حيث أيده بعض الأعضاء وعارضه البعض الآخر، وفي نهاية المطاف فرض عبد السلام عارف أجراء تعديلات جوهرية على نص القانون أفرغته من محتواه فيما يخص حقوق المرأة .

3 ـ الموقف من الحركات السياسية القومية:
كان الخلاف الثالث بين أعضاء قيادة البعث ينصب حول الموقف من الحركات السياسية القومية [القوميون، والناصريون، والحركيون]، وقد أجرت قيادة الحزب نقاشات حادة حول الموقف منهم، و برز خلال النقاش فكرتان متعارضتان، الأولى تدعو إلى تحجيم القوى القومية، والأخرى تدعو للتعاون معها، لكن القيادة البعثية لم تستطع حسم الأمر، بل على العكس من  ذلك أدى الأمر إلى تعمق الخلافات والصراعات فيما بين أعضاء القيادة.

4 ـ الموقف من الحرس القومي:
في شهر حزيران 1963  ظهرت أسباب أخرى للخلافات بين أعضاء قيادة الحزب حول الحرس القومي، فقد وجهت القيادة العليا للقوات المسلحة في 4 تموز 1963 برقية إلى قيادة الحرس القومي تحذرها وتهددها بحل الحرس القومي إذا لم تتوقف هذه القوات عن الإجراءات المضرة بالأمن العام  وراحة المواطنين.
 كانت روائح الجرائم التي يقترفها الحرس القومي ضد أبناء الشعب بشكل عام والشيوعيين منهم بوجه خاص قد أزكمت الأنوف، وضجت الجماهير الواسعة من الشعب من تصرفاتهم وإجرامهم.
إلا أن القائد العام لقوات الحرس القومي [ منذر الونداوي ] لم يكد يتسلم البرقية حتى أسرع إلى الطلب من القيادة العليا للقوات المسلحة سحب وإلغاء البرقية المذكورة في موقف يبدو منه التحدي، مدعياً أن الحرس القومي قوة شعبية ذات قيادة مستقلة، وأن الحق في إصدار أوامر من هذا النوع لا يعود إلى أي شخص كان، بل إلى السلطة المعتمدة شعبياً والتي هي في ظل ظروف الثورة الراهنة هي المجلس الوطني لقيادة الثورة ولا أحد غيره، وهكذا وصل التناقض والخلاف بين البعثيين وضباط الجيش، وعلى رأسهم عبد السلام عارف، إلى مرحلة عالية من التوتر، مما جعل عبد السلام عارف يصمم على قلب سلطة البعثيين بأسرع وقت ممكن.

5- الحرب في كردستان:
جاء تجدد الحرب في كردستان التي بدأها البعثيون في 10 حزيران1963  لتزيد وضعهم صعوبة، وتعمق الخلافات بينهم حتى أصبح حزب البعث في وضع لا يحسد عليه، فقد تألبت كل القوى السياسية والعسكرية ضدهم، وسئمت أعمالهم وتصرفاتهم .
حاول عبد السلام عارف، وأحمد حسن البكر، بالتعاون مع حازم جواد وطالب شبيب التخلص من علي صالح السعدي، وإخراجه من الحكومة، ومجلس قيادة الثورة، إلا أن الظروف لم تكن مؤاتية لمثل هذا العمل في ذلك الوقت.
ففي 13 أيلول عُقد المؤتمر القطري للحزب، وجرى فيه انتخاب ثلاث أعضاء جدد من مؤيدي علي صالح السعدي، وهم كل من: هاني الفكيكي، وحمدي عبد المجيد، ومحسن الشيخ راضي، فيما أُسقط طالب شبيب في الانتخابات، وبقي حازم جواد، كما فاز أحمد حسن البكر،  وصالح مهدي عماش، وكريم شنتاف بتلك الانتخابات.

 وهكذا بدا الانقسام ظاهراً أكثر فأكثر  فجماعة السعدي تتهم جماعة حازم جواد باليمينية، بينما تتهم جماعة حازم جواد السعدي وجماعته باليسارية، ووصل الأمر بعلي صالح السعدي إلى الإدعاء بالماركسية، وحاول أن يبرئ نفسه من دماء آلاف الشيوعيين!.

وفي الفترة ما بين 5ـ23 تشرين الأول، عُقد المؤتمر القومي لحزب البعث، في دمشق، وجرى تعاون بين السعدي وحمود الشوفي، حيث ضمنا لهما أكثرية من أصوات المؤتمرين العراقيين، والسوريين، وسيطرا على المؤتمر وقراراته، وبلغ بهم الحال أن شنوا هجوماً عنيفاً على جناح مؤسس الحزب [ميشيل عفلق] وطرحوا أفكاراً راديكالية فيما يخص التخطيط الاشتراكي، وحول المزارع التعاونية للفلاحين.

ضاقت الدنيا بميشيل عفلق، حيث لم يتحمل الانقلاب الذي أحدثته كتلة [السعدي و الشوفي] داخل المؤتمر في تركيبة القيادة القومية مما افقده القدرة على التأثير في مجرى الأحداث وجعلته يصرح علناً [ هذا لم يعد حزبي].

الخلافات بين الجناحين المدني والعسكري
بعد أن قوي مركز علي صالح داخل القيادتين القطرية والقومية و بدأ هو وكتلته يطرحون أفكاراً راديكالية، وتحولا نحو اليسار، بدأ الضباط البعثيون يشعرون بعدم الرضا من اتجاهات السعدي وكتلته، و أخذت مواقفهم تتباعد شيئاً فشيئاً عن مواقفه، وانقسم تبعاً لذلك الجناح المدني للحزب، فقد وقف منذر الونداوي وحمدي عبد المجيد ومحسن الشيخ راضي، بالإضافة إلى الحرس القومي، واتحاد العمال، واتحاد الطلاب، إلى جانب السعدي، فيما وقف حازم جواد، وطالب شبيب، ورئيس أركان الجيش وطاهر يحيى، وقائد القوة الجوية حردان عبد الغفار التكريتي، ووزير المواصلات عبد الستار عبد اللطيف، وقائد كتيبة الدبابات الثالثة محمد المهداوي إلى الجانب المعارض لجناح السعدي، بينما وقف أحمد حسن البكر، وصالح مهدي عماش على الحياد، لكن السعدي أتهمهما بأنهما يدفعان الحزب نحو اليمين، و يؤيدان معارضيه في الخفاء.

ثالثاً:الصراع بين البعث والضباط القوميين والناصريين والحركيين:
كان أحد العوامل الرئيسية للصراع داخل قيادة حزب البعث هو الموقف من القوى القومية والناصرية والحركية، فقد انقسمت القيادة القطرية في مواقفها إلى كتلتين، فكتلة حازم جواد وطالب شبيب كانت تطالب بقيام جبهة واسعة تضم حزب البعث وكل الفئات القومية والناصرية والحركية، فيما كانت كتلة السعدي تعارض هذا التوجه، وقد أدى ذلك إلى تأزم الموقف، واشتداد الصراع بين الجناحين وتصاعده حتى وصل الأمر إلى الموقف من السعدي نفسه عندما حاول جناح [ جواد و شبيب] إزاحة السعدي متهمين إياه بالتهور والتطرف، وتعاون احمد حسن البكر مع عبد السلام عارف على إزاحته، فكانت البداية قد تمثلت بإجراء تعديل وزاري في 11 أيار 1963، جرى بموجبه إعفاء السعدي من منصب وزير الداخلية وتعيينه وزيراً للإرشاد، فيما جرى تعيين غريمه حازم جواد مكانه وزيراً للداخلية.
كان ذلك الإجراء أول ضربة توجه إلى قيادة السعدي، ثم تطور الأمر إلى محاولة إخراجه من الوزارة ومجلس قيادة الثورة، والسيطرة على الحرس القومي الذي يقوده منذر الونداوي، والذي يعتمد عليه السعدي اعتماداً كلياً.

عبد السلام عارف يعفي الونداوي من قيادة الحرس والونداوي يرفض

في 1 تشرين الثاني  صدر مرسوم جمهوري يقضي بإعفاء منذر الونداوي من قيادة الحرس القومي، وتعيين عبد الستار عبد اللطيف بدلاً عنه، غير أن الونداوي تحدى المرسوم، وأصرّ على البقاء في منصبه، في قيادة الحرس القومي، وقد أدى ذلك إلى تعقد الموقف، وتصاعد حمى الصراع الذي تفجر بعد عشرة أيام.
ففي11 تشرين الثاني عُقد مؤتمر قطري استثنائي لانتخاب ثمانية أعضاء جدد للقيادة القطرية لكي يصبح العدد 16 عضواً بموجب النظام الداخلي الذي تبناه المؤتمر القومي السادس [ المادة 38 المعدلة من النظام الداخلي ].
 غير أن المؤتمر لم يكد يباشر بإجراء الانتخاب حتى داهم 15 ضابطاً مسلحاً قاعة الاجتماع بقيادة العقيد [محمد المهداوي] الذي بدأ يتحدث أمام المؤتمرين قائلاً :
{لقد اخبرني الرفيق ميشيل عفلق، فيلسوف الحزب، أن عصابة استبدت بالحزب في العراق، ومثلها في سوريا، وأن العصابتين وضعتا رأسيهما معاً، وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس، ولذلك يجب القضاء عليهما}.
كما هاجم المهداوي قرارات المؤتمر القومي السادس واصفاً إياه بمؤامرة ضد الحزب، وطالب بانتخاب قيادة قطرية جديدة تحت تهديد أسلحة الضباط المرافقين له.
 تظاهر المؤتمر باختيار قيادة جديدة، واشترك الضباط بالتصويت،علماً بان بعضهم لم يكن بعثياً على الإطلاق، وجاء على رأس القيادة الجديدة [حازم جواد] بالإضافة إلى فوز أنصاره.
غير أن المهزلة لم تنتهِ إلى هذا الحد، بل أسرع الضباط إلى اعتقال [علي صالح السعدي] و[محسن الشيخ راضي] و[حمدي عبد المجيد] و[هاني الفكيكي] و[أبو طالب الهاشمي] الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للحرس القومي، وجرى تسفير الجميع على متن طائرة عسكرية إلى مدريد.

امتداد الصراع إلى الشارع

أنفجر الوضع المتأزم في ذلك اليوم، وامتد الصراع إلى الشارع، ففي صباح يوم 13 تشرين الثاني اندفعت أعداد غفيرة من مؤيدي علي صالح السعدي ومن الحرس القومي إلى شوارع بغداد،  وأقاموا الحواجز في الطرق، واحتلوا مكاتب البريد والبرق والهاتف ودار الإذاعة، وهاجموا مراكز الشرطة واستولوا على الأسلحة فيها.

 وفي الوقت نفسه أسرع منذر الونداوي إلى قاعدة الرشيد الجوية ومعه طيار آخر، وامتطيا طائرتين حربيتين، وقاما بقصف القاعدة المذكورة، ودمرا [5 طائرات] كانت جاثمة فيها.
وفي الساعة الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم أذاع [صالح مهدي عماش] وزير الدفاع بياناً من دار الإذاعة حذر فيه [أحمد حسن البكر] من أن هناك محاولة لجعل البعثيين يقتلون بعضهم بعضاً، وهذا ما لا يفيد إلا أعداء الحزب، كما وجه نداءاً للعودة إلى العلاقات الرفاقية، وإلى التفاهم  والأخوة.

وفي تلك الأثناء فرضت قوات الحرس القومي سيطرتها على أغلب مناطق بغداد، ورفض البكر وعماش إعطاء الأمر إلى الجيش بالتدخل وأصبحت قيادة فرع بغداد للحزب هي التي تقود الحزب في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ حكم البعث، وطالبت تلك القيادة بإعادة السعدي ورفاقه إلى العراق، وممارسة مهامهم الحزبية والرسمية،غير أنها لم تفلح في ذلك، واضطرت إلى الموافقة على إحالة القضية إلى القيادة القومية لتبت فيها.


عفلق وأمين الحافظ في بغداد لمحاولة حسم الصراع:
 
وفي مساء ذلك اليوم الثالث عشر من تشرين الثاني، وصل إلى بغداد مؤسس الحزب[ميشيل عفلق] والرئيس السوري [أمين الحافظ] بالإضافة إلى عدد آخر من أعضاء القيادة القومية للحزب.
غير أن عبد السلام عارف تجاهل وصولهما، ولم يجر لهما استقبالاً رسمياً  كما يقتضي البروتوكول والعرف الدبلوماسي، كما لم يحاول الالتقاء بالوفد، مما جعل الوفد يحس أن هناك جو غير طبيعي في بغداد، وأن لابد من أن يكون هناك أمراً يدبر ضد حكم البعث.

حاول ميشيل عفلق ورفاقه في الوفد التصرف بشؤون العراق، فقد أصدروا  قراراً بنفي [حازم جواد] وزير الداخلية، و[طالب شبيب] وزير الخارجية متهمين إياهما بأنهما أساس الفتنة، كما أصدر الوفد قراراً آخر بحل القيادة القطرية التي جرى انتخابها تحت تهديد الضباط الخمسة عشرة، وكذلك القيادة القطرية السابقة التي كان يقودها علي صالح السعدي، وأعلن عن تسلم القيادة القومية للمسؤولية لحين انتخاب قيادة قطرية جديدة.

هكذا إذاً كان تصرف عفلق والوفد الموافق له، تجاهلاً لعبد السلام عارف بصفته رئيساً للجمهورية، وتجاهلا لسيادة واستقلال العراق، والتدخل الفض في شؤونه الداخلية، حيث وصل الأمر إلى أن يعين عفلق أعضاء في الحكومة ويقيل أعضاءً آخرين، وقد أدى تصرفه هذا إلى استياء الضباط العراقيين الممسكين بزمام الجيش.

كما أن الرابطة التي كانت تجمع الضباط البعثيين بالقيادة المدنية قد تفككت، ودبت الخلافات العميقة بينهم، وسارع الجناح المدني في الحزب يتحدى من اسماهم أعداء الحزب، ودعا اتحاد العمال الذي يسيطر عليه الحزب إلى سحق رؤوس البرجوازيين الذين خانوا الحزب، وإعدام أصحاب رؤوس الأموال الذين هربوا أموالهم إلى الخارج.
 كما دعوا إلى تأميم كافة المشاريع الصناعية في البلاد، وكانت تلك الاندفاعات لجناح الحزب المدني كلها تصب في خانة عبد السلام عارف الذي صمم على إزاحة حزب البعث عن السلطة، وأحكام قبضته على شؤون البلاد دون منازع أو شريك.

رابعاً:انقلاب عبد السلام عارف ضد البعث
بعد أن وصلت حالة الحزب إلى أقصى درجات التمزق والتناحر، وبعد أن عمت الفوضى أرجاء البلاد، وبلغ استياء ضباط الجيش الممسكين بالمراكز القيادية في الجهاز العسكري من تصرف القيادة البعثية مداه، قرر عبد السلام عارف بالتعاون مع تلك العناصر العسكرية توجيه ضربته القاضية لحكم البعث، وإنهاء سيطرتهم على مقدرات البلاد، فقد استغل عبد السلام تلك الظروف البالغة الصعوبة التي مرّ بها حزب البعث وبالتنسيق مع عدد من أولئك الضباط  وكان من بينهم :
1-الزعيم عبد الرحمن عارف قائد الفرقة الخامسة- شقيق عبد السلام .
2 – الزعيم الركن عبد الكريم فرحان، قائد الفرقة الأولى.
3 – العقيد سعيد صليبي، آمر الانضباط العسكري.
4 – الزعيم الركن الطيار حردان التكريتي، قائد القوة الجوية [ بعثي] .
5 – اللواء الركن طاهر يحيى، رئيس أركان الجيش.
هذا بالإضافة إلى العديد من الضباط الآخرين ذوي الميول القومية.
وفي فجر يوم 18 تشرين الثاني 1963 ، قامت طائرات عسكرية بقصف مقر القيادة العامة  للحرس القومي في الأعظمية، ثم تقدمت الدبابات، والمصفحات لتستولي على كافة المرافق العامة في بغداد، ومقرات الحرس القومي.

 وحاول البعثيون مقاومة الانقلاب في بادئ الأمر، إلا أن الأمر كان قد حسم في نهاية النهار، فلم يكن باستطاعة الحرس القومي، وهو يحمل الأسلحة الخفيفة أن يقاوم الدبابات والمصفحات والصواريخ والطائرات، وسارع أفراد الحرس  إلى إلقاء سلاحهم، والتخلص منه، برميه في الحقول والمزارع والمزابل بعد أن هددهم النظام العارفي الجديد بإنزال العقاب الصارم بهم إن هم استمروا على حمل السلاح أو إخفائه، وأجرى الجيش مداهمات لدور أفراد الحرس القومي بحثاً عن السلاح.

 كما جرى إلقاء القبض على أعداد كبيرة من البعثيين لفترة محدودة من الزمن، حيث تمكن الجيش من إحكام سيطرته على البلاد، وأخذ النظام فيما بعد يطلق سراح البعثيين المعتقلين  في حين بقي السجناء والموقوفين الشيوعيين والديمقراطيين في السجون، وجرى تنفيذ أحكام بالإعدام، كانت قد أصدرتها المحاكم العرفية على عهد البعثيين، بعد تسلم عبد السلام عارف زمام الأمور في البلاد، فقد كان العداء للشيوعية هو الجامع الذي جمع البعثيين والقوميين دون استثناء، ربما شيء واحد قد تغير، هو تخفيف حملات التعذيب أثناء التحقيقات مع المعتقلين، واستمرت المحاكم العرفية تطحن بالوطنيين طيلة عهد عارف.

عبد السلام عارف يحكم سيطرته على البلاد
في مساء يوم الثامن عشر من تشرين الثاني 963 ، تلاشت مقاومة حزب البعث وحرسه القومي في أنحاء البلاد، وتم لعبد السلام عارف وقادته العسكريين السيطرة التامة على البلاد، وبدأ على الفور بترتيب البيت، مانحاً نفسه صلاحيات استثنائية واسعة لمدة سنة، تتجدد تلقائياً، إذا اقتضى الأمر ذلك، وعمد عبد السلام إلى الاعتماد على الروابط العشائرية، وخاصة عشيرة [ الجميلات ]،  فقد عين شقيقه [عبد الرحمن عارف] وكيلاً لرئيس أركان الجيش، رغم كونه ليس ضابط أركان.   كما عين صديقه، وأبن عشيرته  [سعيد صليبي ] قائداً لحامية بغداد، فيما أعلن عارف نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة.
كما جاء عارف باللواء العشرين الذي كان يقود أحد أفواجه عند قيام ثورة 14 تموز، واتخذ منه الحرس الجمهوري الخاص به، واعتمد على العناصر المؤيدة له فيه من عشيرة الجميلات وغيرها من عشائر محافظة الأنبار.

بدأ عبد السلام عارف حكمه معتمداً على ائتلاف عسكري ضم الضباط القوميين والناصريين، والضباط البعثيين الذين انقلبوا على سلطة البعث فقد عيّن [ طاهر يحيى ] رئيساً للوزراء، و[حردان التكريتي ] نائباً للقائد العام للقوات المسلحة، ووزيراً للدفاع، فيما عيّن [أحمد حسن البكر] نائباً لرئيس الجمهورية، والزعيم[ رشيد مصلح ] وزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، ويلاحظ أن هؤلاء جميعاً من تكريت، ومن العناصر البعثية، أما العناصر القومية التي شاركت في الحكم فكان على رأسها الزعيم الركن [ محمد مجيد] مدير التخطيط العسكري، والزعيم الركن[عبد الكريم فرحان] الذي عيين وزيراً للإرشاد، و[عارف عبد الرزاق] الذي عيين قائداً للقوة الجوية، والعقيد الركن [ هادي خماس] الذي عيّن مديرا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والمقدم [صبحي عبد الحميد]  الذي عيين وزيراً للخارجية .

 عبد السلام عارف يبعد العناصر البعثية عن الحكم:
رغم تعاون الضباط البعثيين مع عبد السلام عارف في انقلاب 18 تشرين الثاني 963 ضد قيادتهم المدنية، واشتراكهم في حكومته الانقلابية، إلا أن عارف لم يكن يطمأن لوجودهم في السلطة، ولم يكن إشراكهم في الحكم من قبله سوى كونه عمل تكتيكي من أجل نجاح انقلابه ضد سلطة البعث وتثبيت حكمه، لكنه كان في نفس الوقت يتحين الفرصة للتخلص منهم، وقد ساعده في ذلك الكره الشعبي الواسع النطاق للحكام البعثيين بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق الوطنيين طيلة فترة حكمهم التي دامت تسعةاشهر، وهكذا بعد أن تسنى لعارف تثبيت أركان حكمه، بدأ بتوجيه الضربات للعناصر البعثية تلك.

 ففي 4 كانون الأول 964 ،أعفى عارف المقدم[عبد الستار عبد اللطيف] من وزارة المواصلات، وفي 16 منه أزاح عارف [ حردان التكريتي ] من منصبه كقائد للقوة الجوية، وفي 4 كانون الثاني 64 ألغي عارف منصب نائب رئيس الجمهورية وتخلص من [احمد حسن البكر] الذي كان يشغل المنصب، وعينه سفيراً بديوان وزارة الخارجية. (7)

وفي 2 آذار 964، أعفى عارف [ حردان التكريتي ] من منصب وزير الدفاع وعين محله طاهر يحيى بالإضافة إلى منصبه كرئيس للوزراء، ولم يبقَ إلا رشيد مصلح التكريتي وزير الداخلية والحاكم العسكري العام الذي ربط مصيره بمصير عارف، مهاجماً أعمال البعثيين وجرائمهم، وبذلك أصبح عبد السلام عارف الحاكم المطلق في البلاد، وبرز الناصريون في مقدمة النظام، وبدأ النظام يقلد الجمهورية العربية المتحدة في أساليبها وخططها التنموية، حيث أقدمت الحكومة على تأميم المصارف،  وشركات التأمين، و 32 مؤسسة صناعية وتجارية كبيرة، وخصصت الدولة 25% من الأرباح للعمال والموظفين العاملين فيها، وقررت تمثيلهم في مجالس الإدارة.

كما أقدم النظام الجديد على تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في 14 تموز 964، على غرار الاتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة، ودُعيت القوى السياسية في البلاد إلى الانضواء تحت راية هذا الاتحاد، وقد استهوى هذا الإجراء وتلك التحولات الاقتصادية جانباً من قيادة الحزب الشيوعي، حيث برزت دعوة لحل الحزب والانضمام إلى الاتحاد المذكور، لكن هذا الاتجاه لم ينجح في جر الحزب إليه، بعد أن وقفت العناصر الحريصة على مصلحة الحزب ضد دعوة الحل والانضمام للاتحاد الاشتراكي .


39
من ذاكرة التاريخ

مجزرة كاورباغي في كركوك

حامد الحمداني                                                              8 /10/ 2018
دأبت حكومة أرشد العمري، شأنها شأن الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم  في العهد الملكي، على إتباع  سياسة العنف ضد الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية ، التي كانت تندلع بين آونة وأخرى، سواء كانت دوافعها تتعلق بمطالب اجتماعية  أو سياسية، ولم يثنها تحذير الأحزاب السياسية في مذكراتها التي كانت ترفعها للوصي عبد الإله والملك فيصل الثاني فيما بعد،  ورؤساء  الحكومات، بل  كانت تمضي تلك الحكومات في سياستها، واستخدامها لأساليب العنف ضد أبناء الشعب المطالبين بحقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الكريمة.

كان من بين تلك الأحداث التي تعاملت معها حكومة ارشد العمري بسياستها المعهودة والمتسمة بالعنف، المطالب السلمية التي تقدم بها عمال شركة نفط كركوك، والمتعلقة بتحسين احوالهم المعيشية، حيث كانوا قد تقدموا لشركة نفط كركوك بعدد من المطالب المعيشية على أمل أن تستجيب لها.

لكن الشركة تجاهلت تلك المطالب رغم كل التأكيدات والمذكرات المرفوعة لها، ولما يئس العمال من استجابة الشركة إلى مطالبهم  لجاءوا إلى الإضراب عن العمل في 3 تموز 1946 حتى تستجيب الشركة لمطالبهم التي تضمنت زيادة الأجور، وتهيئة دور سكن لعوائلهم، أو منحهم بدل إيجارالدار، وتخصيص سيارات لنقلهم إلى مقر عملهم في الشركة، ومنحهم إكرامية الحرب أسوة بعمال النفط في حيفا وعبدان، وأخيراً تطبيق قانون العمال الذي شرعته الدولة.

لكن حكومة ارشد العمري بدلاً من أن تقف إلى جانب العمال ومطالبهم المشروعة  لجأت إلى ممارسة كل وسائل الضغط والإرهاب لإجبارهم  على العودة إلى أعمالهم متجاهلة كل مطالبهم، غير أنها لم تفلح في ثنيهم عن مواقفهم، وإصرارهم على الاستمرار في إضرابهم حتى تلبي الشركة مطالبهم العادل
 وفي 7 تموز1946حضر وزير الاقتصاد السيد [بابا علي الشيخ محمود]إلى كركوك في محاولة للضغط على العمال المضربين بغية إنهاء إضرابهم، ولما فشل في إقناعهم عاد إلى استخدام أساليب التهديد والوعيد، وقد قابله العمال المضربون بتجمع جماهيري واسع في حديقة { كاور باغي }، حيث ألقيت خلال ذلك التجمع الكلمات التي عبرت عن حقوق العمال المشروعة، وإصرارهم على تحقيق مطالبهم العادلة.
لكن الحكومة كانت قد عقدت العزم على إنهاء الإضراب بالقوة، حيث أعدت لهم مذبحة شنعاء.  فقد أحاطت بهم قوات من الشرطة تتألف من فوجين، وبدأت بإطلاق النار على التجمع لتفريقه، وأدى ذلك العمل الإجرامي إلى استشهاد 16 عاملاً، فيما جرح أكثر من 30 عاملا آخر.

لقد تحدث القاضي السيد [جهاد الونداوي]عن تلك المجزرة التي ارتكبتها الحكومة بكل وحشية في تقرير له عن الجريمة قائلاً:
{لقد قتلت الشرطة 16 عاملا، أما الذين جرحوا فقد كانوا أكثر من 30 فرداً، أمتنع معظمهم عن مراجعة المستشفى خوفاً من السجن، وأن أحد مفوضي الشرطة قطع إصبع أحد العمال القتلى للاستيلاء على خاتمه!!.
 كما أن الشرطة فاجأت المضربين بإطلاق النار عليهم في وقت كانوا هم وذويهم بانتظار عودة ممثليهم الذين كانوا يفاوضون المسؤولين، وقد استمر إطلاق النار على المضربين زهاء ساعتين على الرغم من أنهم كانوا يهربون من وجه الشرطة}.
 
كما حاول رئيس المحاكم السيد [عبد القادر جميل] التدخل لتشخيص الجريمة وتحديد المسؤولية، لكن الإدارة والوزارة عارضته. ولم تكتفِ الحكومة بتلك الإجراءات الوحشية بل سارعت إلى إنزال قوات الجيش إلى شوارع كركوك بدباباتها ومدرعاتها، وأصدرت أمراً بمنع التجول في المدينة خوفاً من ردة فعل الشعب على تلك الجريمة النكراء، وهكذا لطخت حكومة أرشد العمري أيديها، مرة أخرى بدماء عمال نفط كركوك، وأضافت جريمة أخرى إلى جرائمها السابقة بحق الشعب.
لقد أشعلت [ مذبحة كاور باغي ] معركة الشعب وقواه السياسية الوطنية ضد الحكومة، واستنكرت الأحزاب تلك الجريمة المروعة، وأدانت الحكومة وحملتها مسؤولية ما حدث، وطالبت بمعاقبة المسؤولين عن المذبحة.

ونظراً للهياج الذي أحدثته تلك المذبحة لدى الشعب العراقي، ونظراً لإصرار الأحزاب الوطنية على إجراء تحقيق عن المجزرة، ومحاكمة المسؤولين عنها اضطرت الحكومة إلى الإعلان عن إجراء التحقيق، وكلفت نائب رئيس محكمة الاستئناف في بغداد السيد [احمد الطه] في 15 تموز بالسفر إلى كركوك، وإجراء التحقيقات اللازمة في وقائع المذبحة، وقد قام السيد احمد الطه بالمهمة، وقدم تقريره إلى وزارة العدل، وكان أهم ما جاء في التقرير ما يأتي:
1 ـ إن عمل المضربين كان سلبيا وليس إيجابيا، ( أي لم يبادروا بالعنف)
2 ـ لم يكن من اجتماعهم هذا ما يخشى منه على الأمن.
3 ـ إن الشرطة نفسها كانت تعلم بهم قبل الحادث وكانت تراقبهم، ولم يزيدوا في اليوم الأخير الذي وقع فيه الحادث في عملهم شيئاً.
4 ـ إن المجتمعين جميعا كانوا عزلاً من السلاح.
5 ـ إن كل ما قاموا به أن البعض منهم رجم الشرطة بالحجارة بعد أن ضربتهم
بالعصي، وأطلقت النار عليهم وفرقتهم.
6 ـ إن معظم القتلى والجرحى أصيبوا بعد أن أدبروا،( أي أصيبوا من الخلف) .
7ـ إن الشرطة تجاوزت في عملها حد المعقول في أمر تشتيت المجتمعين.
8 ـ إن الإدارة أوقفت أشخاصا ليس لهم يد في التحريض على نفس الحادث.

لقد اتهم التقرير كل من متصرف كركوك [حسن فهمي] ومدير الشرطة [عبد الرزاق فتاح] بإعطاء الأوامر، واعتُبر ضابط الشرطة [سعيد عبد الغني] المسؤول المباشر عن المجزرة.

ورغم أن الحكومة أعلنت تحت ضغط الرأي العام العراقي، والأحزاب السياسية الوطنية عن تقديم المسؤولين عن المجزرة للمحكمة، إلا أن الحكومة لم تكن جادة في ذلك، بل أرادت امتصاص غضب الشعب وثورته، وتهدئة الأوضاع.

 فلم تكن المحاكمة سوى مهزلة، حيث جرت محاكمة المتهمين الرئيسيين الثلاثة في محكمة جزاء كركوك، والتي أصدرت قرارها ببراءتهم، وأطلقت سراحهم، مما دفع بوزير الداخلية [عبد الله القصاب] إلى تقديم استقالته من الحكومة في 17 آب 1946، وقد أكد الوزير القصاب للسيد عبد الرزاق الحسني، مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، بعد قيام ثورة 14 تموز وسقوط النظام الملكي، أن السفارة البريطانية هي التي أمرت الحكومة بعدم إدانة المتهمين، بل وزادت في ذلك فطلبت عدم سحب المتهمين من وظائفهم في كركوك، أو نقلهم إلى أي مكان آخر، وطلبت كذلك عدم منح أي تعويض لذوي الشهداء والجرحى، بعد أن كانت الحكومة قد قررت ذلك من قبل ، وقد تراجعت الحكومة عن قرارها إذعاناً لطلب السفارة البريطانية.

كانت ردة الفعل على تلك المجزرة الرهيبة، وعلى سياسة حكومة أرشد العمري المعادية للشعب وحقوقه المشروعة شديدةً جداً تتناسب وتلك الجريمة النكراء، فقد أخذت الأحزاب تهاجم الحكومة بعنف عبر صحافتها فاضحة إجراءاتها المعادية لمصالح الشعب والوطن، وتدعوا الجماهير الشعبية للتظاهر ضدها، ودعت إلى إسقاطها.
وقد ردت الحكومة بتعطيل معظم الصحف، وخاصة الصحف الحزبية، وساقت مدرائها المسؤولين ومحرريها إلى المحاكم  بتهمة التحريض ضد السلطة، وكانت تعيد الكرة بعد كل محاكمة لتوجه اتهامات جديدة وتجري المحاكمات الجديدة لهم، وزجت بالعديد منهم في السجن.

وبسبب تلك الإجراءات اللادستورية دعت الأحزاب الوطنية الثلاثة، حزب الاتحاد الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، في 30 آب 1946 إلى عقد اجتماع عام حضره جمع غفير من أبناء الشعب جاوز 5000 مواطن، حيث ألقيت الخطب المنددة بالحكومة، والمعبرة عن سخط الشعب وقواه السياسية الوطنية من سياستها، والجرائم التي اقترفتها بحق الشعب، وسلبها لحقوقه الدستورية، وتجاوزها على الأحزاب وصحافتها.

وفي ختام الاجتماع تم الاتفاق على رفع مذكرة احتجاج شديدة اللهجة إلى الحكومة والى الوصي على العرش [عبد الإله]،وقد جاء في المذكرة:
{إن الجموع الغفيرة المجتمعة بدعوة من حزب الاتحاد الوطني والحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الشعب، لمناقشة الموقف السياسي الراهن هالها موقف الوزارة الحاضرة بمكافحة الأحزاب السياسية، ومحاولة شل نشاطها، وغلق صحفها، وإحالة رؤساء تحريرها إلى المحاكم، وسجن بعض أعضاء هذه الأحزاب لمجرد إبداء آرائهم في السياسة العامة، وهو حق من حقوق كل مواطن في بلد له دستور يحترم حرية الرأي، ويأخذ بنظام الحكم الديمقراطي.
غير أن الوزارة الحاضرة تجنبت الحكم الديمقراطي، واتجهت بحكم البلاد اتجاهاً استبدادياً مخالفا لأحكام القانون الأساسي، وهي تتعمد إهماله ولا تحترم ما فيه من نصوص عن حقوق الشعب وحرياته الديمقراطية، وقد وقع في عهدها من الأحداث الجسام ما روع العراقيين كافة، وما أنذرهم به من خطر جسيم يهدد كيان الشعب ومستقبله، وما أصبح معه العراقيون غير آمنين ولا مطمئنين على حقوقهم وحرياتهم  بل وحياتهم.
بالإضافة إلى ذلك لم تستطع أن تصون سيادة العراق وكيانه الدولي، ففي عهدها نزلت القوات البريطانية في البصرة، في الوقت الذي يطالب به الشعب العراقي بالجلاء، ولم تستطع الوقوف الموقف الصحيح لمعالجة مشكلة خطيرة تتعلق بكيان الشعب العربي الفلسطيني، بل بكيان ومصالح البلاد العربية كافة، وذلك بعرض القضية على مجلس الأمن الدولي، وهو مطلب الشعب العربي الفلسطيني، والشعوب العربية بصورة عامة، فهي بأعمالها التي أفصحت عن استهانتها بحقوق الشعب وحرياته، وقانونه الأساسي[ الدستور] غير جديرة بتحمل مسؤولية الحكم، ولا بالإطلاع بالمهمة التي أعلنت أنها تتولى الحكم لإتمامها، وهي مهمة انتقالية حيادية تتلخص بإجراء انتخابات حرة لمجلس جديد. فنحن نطالب بتنحي هذه الوزارة، وإقامة وزارة دستورية يرتضي الشعب سياستها}.
ونتيجة للضغوط التي تعرضت لها حكومة العمري اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها في 16 تشرين الأول 1946، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم، ودون أن تستطيع إجراء الانتخابات العامة.

               

40
من ذاكرة التاريخ
انقلاب رشيد عالي الكيلاني
 والعقداء الأربعة
الحلقة الثانية والاخيرة
حامد الحمداني                                                                4/10/2018

حركة رشيد عالي الكيلاني والعقداء الأربعة الانقلابية:
بدا الوضع السياسي بعد تشكيل حكومة الهاشمي يميل نوعاً ما إلى الهدوء بعد تلك العاصفة التي حدثت بين الكيلاني والوصي، لكن النار كانت لا تزال تحت الرماد، فقد كان عنصر الثقة بين الوصي والهاشمي شبه مفقوداً، كما كانت الثقة بين الكيلاني ومن ورائه العقداء الأربعة المسيطرين على الجيش وبين الوصي قد تلاشت، وكان الوصي ومن ورائه السفارة البريطانية يعمل في الخفاء من أجل تشتيت شمل قادة الجيش تمهيداً للتخلص منهم، ومن الكيلاني.

 ومارست السفارة البريطانية ضغوطها على رئيس الوزراء من أجل إبعاد العقداء الأربعة عن أي تأثير سياسي في البلاد، كما ضغطوا على الهاشمي لقطع العلاقات مع إيطاليا، وكان الهاشمي يخشى رد فعل الشعب إن هو فعل ذلك، ونتيجة لتلك الضغوط أقدم الهاشمي بصفته وزيراً للدفاع وكالة، بتاريخ 26 آذار 1941 على نقل العقيد[ كامل شبيب ]إلى قيادة الفرقة الرابعة في الديوانية، ليحل مكانه صديق الوصي، والذي أواه في الديوانية، اللواء الركن [ ابراهيم الراوي]، كما أصدر قراراً آخر بنقل مقر قيادة الفرقة الثالثة التي يقودها العقيد [صلاح الدين الصباغ ] من بغداد إلى جلولاء.

كانت تلك الإجراءات التي اتخذها الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقول المثل، فلم يكد يبلغ القرار لقادة الجيش حتى قرروا على الفور التصدي له ورفضه، واتخاذ التدابير السريعة  والضرورية لحل الأزمة بصورة جذرية.

ففي مساء يوم 1 نيسان 1941، أنذر العقداء الأربعة قطعات الجيش في بغداد، وتم إبلاغها بما ينوون القيام به، حتى إذا انتصف الليل نزلت القوات العسكرية لتحتل المراكز الهامة والحساسة في بغداد كدوائر البرق والبريد والهاتف، والجسور ومداخل الطرق الرئيسية، وجميع المرافق العامة في بغداد وتوجه العقيد [ فهمي سعيد]، وبرفقته وكيل رئيس أركان الجيش [ محمد أمين زكي ] إلى دار رئيس الوزراء [ طه الهاشمي ] وأجبروه على الاستقالة، واضطر الهاشمي إلى تحرير كتاب استقالة حكومته إلى الوصي، وسلمها لهما، حرصاً على عدم إراقة الدماء  .(1)

أما الوصي فقد أيقضه الخدم من النوم، وأبلغوه أن هناك أوضاع غير طبيعية في منطقة القصر، وأن الجيش متواجد في المنطقة، فما كان من الوصي إلا أن صمم على الهرب مرة أخرى، واستطاع الإفلات من قبضة الجيش، ولجأ إلى السفارة الأمريكية، بعد أن تعذر عليه الوصول إلى السفارة البريطانية، وقامت السفارة الأمريكية بنقله إلى قاعدة الحبانية، ومن هناك تم نقله على متن طائرة حربية بريطانية إلى البصرة، حيث نقل إلى الدارعة الحربية البريطانية [ كوك شبير] الراسية قرب البصرة، وكان برفقته كل من [علي جودت الأيوبي] ومرافقه العسكري[عبيد عبد الله المضايفي] ثم لحق بهم [جميل المدفعي] وحاولت السفارة البريطانية الاتصال بأعضاء وزارة طه الهاشمي في محاولة لنقلهم إلى البصرة للالتحاق بالوصي، لكن العقداء الأربعة حالوا دون خروجهم .

كما نصبت القوات البريطانية للوصي إذاعة لاسلكية حيث قام بتوجيه خطاب إلى الشعب في الرابع من نيسان، وقامت الإذاعة البريطانية في لندن بإعادة إذاعة الخطاب مرة أخرى، وقد هاجم الوصي في خطابه الكيلاني والعقداء الأربعة، واتهمهم بالاعتداء على الدستور، والخروج على النظام العام واغتصاب السلطة.
كما أخذ الوصي يحرض قائد الفرقة الرابعة في الديوانية [إبراهيم الراوي]، وقائد حامية البصرة العقيد [رشيد جودت] وعدد من شيوخ العشائر الموالين للبلاط والإنكليز  للتمرد على الكيلاني وقادة الجيش، والزحف على بغداد، لكن الراوي وجودت رفضا السير مع الوصي بهذا الطريق الذي لو تم لوقعت حرب أهلية لا أحد يعرف مداها.

تشكيل مجلس الدفاع الوطني:
بادر العقداء الأربعة بعد هروب الوصي إلى تشكيل مجلس الدفاع الوطني، وتم اختيار[ رشيد عالي الكيلاني ] رئيساً للمجلس ليقوم مقام مجلس الوزراء.
وفي أول اجتماع لمجلس الدفاع الوطني قرر المجلس إرسال مذكرة إلى الحكومة البريطانية تحذرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية، وتقديم الدعم والمساندة للوصي عبد الإله، كما قرر المجلس إرسال قوات عسكرية إلى البصرة لمنع أي تحرك ضد مجلس الدفاع الوطني، وتم اعتقال متصرف البصرة [صالح جبر] الذي قطع صلاته ببغداد تضامناً مع الوصي، وتم تسفيره إلى بغداد.

عزل عبد الإله وتعين شريف شرف وصياً على العرش:
 رداً على تحركات الوصي الرامية إلى إسقاط حكومة الدفاع الوطني، وهروبه من العاصمة، وتعاونه مع المحتلين البريطانيين في هذا السبيل، فقد وجهت حكومة الدفاع الوطني إنذاراً له بالعودة إلى بغداد فوراً وإلا فإنها ستضطر إلى عزله من الوصاية، وتعين وصي جديد على العرش بدلا منه.
 ولما لم يستجب عبد الإله إلى الإنذار قررت حكومة الدفاع الوطني  عزله من الوصاية، وتعين [الشريف شرف] وصياً على العرش بدلاً عنه، وقد صادق البرلمان على هذا الإجراء في جلسته المنعقدة في 16 نيسان 1941 .


الكيلاني يشكل حكومة مدنية جديدة:
بعد أن تم تعين [الشريف شرف] وصياً على العرش، قدم مجلس الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني استقالته إلى الوصي الجديد شريف شرففي 12 نيسان 1941 لغرض تشكيل حكومة مدنية جديدة، وقد كلف الوصي الجديد شريف شرف السيد الكيلاني بتشكيل الوزارة الجديدة في اليوم نفسه، وتم تشكيل الوزارة على الوجه التالي :
1 ـ رشيد عالي الكيلاني ـ رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية .
2ـ ناجي السويدي ـ وزيراً للمالية .
3 ـ ناجي شوكت ـ وزيراً للدفاع .
4 ـ موسى الشابندر ـ وزيراً للخارجية .
5 ـ رؤوف البحراني ـ وزيراً للشؤون الاجتماعية.
6 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية.
7ـ يونس السبعاوي ـ وزيراً للاقتصاد.
8 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للأشغال والمواصلات.
9 ـ محمد حسن سلمان ـ وزيراً للمعارف.
وفور تشكيل الوزارة أعلن الكيلاني عن عزم الحكومة على عدم توريط العراق في الحرب، مع الالتزام بمعاهدة التحالف مع بريطانيا، والتمسك بالتعهدات الدولية. وقد لاقت حكومة الكيلاني تأييداً كاسحاً من أبناء الشعب الحانقين على الاستعمار البريطاني وعملائه.

القوات البريطانية تسقط حكومة الكيلاني، وتعيد عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد:
تسارعت التطورات في البلاد بعد أحكام سيطرة رشيد علي الكيلاني والعقداء الأربعة على مقاليد الحكم، ولاسيما وأن الحركة قد لاقت تأييداً واسعاً من أبناء الشعب عامة، والذين كانوا يحدوهم الأمل في التخلص من الاستعمار البريطاني الذي أذاقهم الأمرّين، ولم يدركوا أن الأستعمار الألماني البديل أسوأ منه، وهكذا أصبحت الأمور صعبة للغاية بالنسبة لبريطانيا، وتنذر بمخاطر كبيرة، وبناء على ذلك طّير السفير البريطاني [كورنوليس] برقية إلى المستر تشرشل ـ رئيس الوزراء ـ جاء فيها :
{ إما أن ترسلوا جيشاً كافيا إلى العراق أو انتظروا لتروا البلاد في أيدي الألمان} .
فلما اطلع تشرشل البرقية أسرع بالإبراق إلى وزير الهند لإرسال قوات عسكرية، وإنزالها في البصرة على عجل
. (2)
كانت الحكومة البريطانية قد أبلغت العراق قبل وقوع الانقلاب أنها عازمة على إنزال قوات في البصرة لنقلها عبر العراق إلى حيفا في فلسطين حيث تقتضي ضرورات الحرب، وبموجب المعاهدة العراقية البريطانية يحق لبريطانيا ذلك، بعد إبلاغ ملك العراق بذلك، ولذلك فقد اتصل القنصل العام البريطاني في البصرة بوكيل المتصرف يوم 10 نيسان، وأبلغه أن فرقة من الجيش الهندي على ظهر ثلاث بواخر حربية، وبحراسة طرادين حربيين وثلاث طائرات سوف تدخل المياه الإقليمية العراقية خلال 48 ساعة، وطلب منه إبلاغ حكومته بذلك للموافقة على نزول تلك القوات في البصرة. كما قام مستشار وزارة الداخلية [ادمونس ] في بغداد بزيارة رئيس الوزراء، الكيلاني، وابلغه بنفس الأمر. (3)

وعلى الفور أجتمع مجلس الوزراء وبحث الأمر، وبعد مناقشة مستفيضة اتخذ قرارا بالسماح للقوات البريطانية بالنزول، وفق الشروط التي اتفق عليها في 21 حزيران 1940، والتي نصت على نزول القوات لواء بعد لواء، على أن يبقى اللواء مدة معقولة، وهو في طريقه إلى فلسطين، ثم يليه نزول اللواء التالي، بعد أن يكون اللواء السابق قد غادر الأراضي العراقية، وعلى الحكومة البريطانية ابلاغ
 الحكومة العراقية بعدد القوات المراد إنزالها. (4)

كما قررت الحكومة العراقية إيفاد اللواء الركن [ إبراهيم الراوي ] إلى البصرة لاستقبال  القوات البريطانية، كبادرة حسن نية من الحكومة، لكن بريطانيا كانت  قد قررت غزو العراق، وإسقاط حكومة الكيلاني بالقوة، وإعادة عبد الإله وصياً على عرش العراق، وكانت تعليمات القيادة البريطانية تقضي باحتلال [منطقة الشعيبة] في البصرة، واتخاذها رأس جسر لإنزال قواتها هناك، والانطلاق بعد ذلك إلى بغداد .
وفي يومي 17  و 18 نيسان 1941 نزلت القوات البريطانية في البصرة، وعلى الفور أبرق رئيس الوزراء البريطاني تشرشل إلى الجنرال [ايمسي] في رئاسة الأركان البريطانية، يأمره بالإسراع بإنزال 3 ألوية عسكرية في البصرة، وقد بدا واضحاً من تصرف تلك القوات أنها لن تغادر العراق، كما هو متفق عليه، بل لتبقى هناك حيث قامت بحفر الخنادق وإقامة الاستحكامات، وترتيب بقائها لمدة طويلة،
وفي 28 نيسان 1941 أبلغ مستشار السفارة البريطانية في بغداد وزارة الخارجية العراقية بنية بريطانيا إنزال  قوة أخرى قوامها 3500 جندي وضابط، في 29 نيسان، وقبل رحيل القوات التي نزلت في البصرة قبلها
.
وعند ذلك أدركت حكومة الكيلاني أن بريطانيا تضمر للعراق شراً، وأنها لا تنوي إخراج قواتها كما جرى عليه الاتفاق من قبل، بل لتستخدمها لاحتلال العراق من جديد، وعليه اتخذت قرارها بعدم السماح لنزول قوات بريطانية جديدة في البصرة قبل مغادرة القوات التي وصلت  إليها من قبل.
 كما طلبت الحكومة العراقية من السفير البريطاني تقديم أوراق اعتماد حكومته كدليل على اعتراف بريطانيا بالوضع الجديد في العراق.(5)
وفي الوقت نفسه قررت الحكومة العراقية القيام بإجراءات عسكرية احترازية لحماية العراق، وأصدرت بياناً إلى الشعب بهذا الخصوص، وقد أشار البيان إلى إخلال بريطانيا بنصوص معاهدة التحالف، وأن الحكومة قد قدمت احتجاجاً رسميا إلى الحكومة البريطانية، كما أشار البيان إلى عزم الحكومة على التمسك بحقوق العراق وسيادته واستقلاله.
لكن الحكومة البريطانية تجاهلت مواقف الحكومة العراقية واحتجاجاتها، وأنزلت قوات جديدة في البصرة  في 30 نيسان، وحاولت تلك القوات قطع الطريق على القوات العراقية المتواجدة هناك، لكن القوات العراقية استطاعت الانسحاب إلى المسيب، مقرها الدائم، وكررت الحكومة احتجاجها على تصرفات القوات البريطانية، لكن الحكومة البريطانية تجاهلت ذلك الاحتجاج، وأقدمت على ترحيل الرعايا البريطانيين من الموظفين، وأصحاب الشركات، والعاملين فيها، كما أوعزت لهم بتهريب موجودات البنوك من العملات.
وهكذا أيقنت الحكومة أن الصِدام بين الجيشين العراقي والبريطاني أمر حتمي، وقررت اتخاذ عدد من الإجراءات العسكرية لحماية بغداد. فقد أرسلت عدداً من قطعاتها العسكرية إلى المنطقة القريبة من [الحبانية] حيث توجد قاعدة جوية بريطانية كبيرة، لكن ثلاث أسراب من الطائرات البريطانية قامت على الفور بقصف تلك القوات المتمركزة في [سن الذبان] بجوار بحيرة الحبانية وذلك صباح يوم الجمعة المصادف 2 أيار 1941، وبذلك اشتعلت الحرب بين العراق وبريطانيا، وقام على الأثر السفير البريطاني بإصدار بيان موجه إلى الشعب العراقي كان قد أعده سلفاً، هاجم فيه بشدة حكومة الكيلاني، واتهمها بشتى التهم، وبذلك كشف البيان عن جوهر السياسة البريطانية وأهدافها الاستعمارية العدوانية تجاه العراق .
وفي اليوم نفسه قدم السفير البريطاني إنذاراً للحكومة العراقية بسحب قواتها من أطراف الحبانية، وهدد باتخاذ أشد الإجراءات العسكرية ضدها. وعلى اثر تلك التطورات والأحداث المتسارعة أجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قرارات هامة للدفاع عن العراق، وكان منها:
1ـ إعادة العلاقات مع ألمانيا، والطلب بإرسال ممثلها السياسي على الفور، وطلب المساعدة منها.
2 ـ إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي فوراً.
 3ـ نشر بيان صادر من رئيس الوزراء حول العدوان البريطاني على القوات العراقية.
4 ـ إرسال احتجاج إلى الحكومة البريطانية على تصرفاتها تجاه العراق .(6)

وعلى الأثر قام الوزير العراقي المفوض في تركيا بمقابلة السفير الألماني [فون بابن] وطلب منه تقديم كل مساعدة ممكنة للصمود بوجه القوات البريطانية، وقد أبلغه السفير الألماني أن تقديم المساعدة يتطلب مدة من الزمن، وسأله كم من الزمن تستطيع القوات العراقية الصمود أمام القوات البريطانية، وأخيراً تم الاتفاق على إرسال عدد من الأسراب من الطائرات الحربية الألمانية للدفاع عن مدن العراق التي أخذت تتعرض لقصف الطائرات البريطانية، ريثما يتمكن الألمان من تقديم مساعدة فعالة للحكومة العراقية .(7)
وفي الوقت نفسه غادر الدكتور [كروبا] سفير ألمانيا السابق في العراق متوجهاً إلى بغداد لفتح السفارة الألمانية، حيث وصلها في 18 أيار، وبصحبته 5 طائرات حربية، وبعثة عسكرية جوية برئاسة الفيلد مارشال [ فون بلومبرج ]. لكن المارشال الألماني أصيب قبل هبوط طائرته في مطار بغداد بصلية من الطائرات البريطانية، وقتل قبل نزوله في بغداد وذلك خلال اشتباك جوي مع الطائرات البريطانية.(8)
وفي الوقت نفسه تلقى العراق كميات من الأسلحة عن طريق سوريا ، حيث كانت ألمانيا وإيطاليا قد استولت على تلك الأسلحة بعد انهيار فرنسا.

 فقد حصل العراق على 15 ألف بندقية ، و354 مسدساً و5 ملايين خرطوشة مدافع رشاشة ، و9999 قنبلة عيار 75 ملم ، و 6000 قنبلة عيار 155 ملم و30 ألف قنبلة يدوية، و 6000 قنبلة زمنية، وغيرها من الأجهزة العسكرية والمتفجرات وأجهزة الاتصال اللاسلكية وغيرها .( 9 ) 

ورداً على سحب موجودات البنوك ، أعلن الكيلاني انسحاب العراق من منطقة الإسترليني، وحاول تغير العملة بالتعاون مع المانيا لكن الزمن لم يمهله لتنفيذ ذلك، فقد تصاعدت الأزمة بعد أن فتحت القوات البريطانية النار على القوات العراقية المتواجدة في البصرة، واستطاع الفوج العراقي الموجود هناك الانسحاب من المنطقة في 2 أيار 1941 .
أدى تصرف القوات البريطاني إلى هياج عام في صفوف الشعب العراقي، وتوالت فتاوى رجال الدين تدعو للجهاد ضد المحتلين البريطانيين، وكان على رأسهم المرجع الديني الأكبر لطائفة الشيعة [أبو الحسن الموسوي الأصفهاني]، والإمام [ محمد حسين آل كاشف الغطاء ] اللذان دعيا الشعب العراقي للجهاد ضد المحتلين البريطانيين. كما ناصرت الشعوب العربية الشعب العراقي في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني.
القوات البريطانية تحتل العشار:
بعد أن عززت القوات البريطانية وجودها في البصرة بدأت بالزحف بقواتها الآلية نحو العشار فجر يوم الأربعاء  المصادف 7 أيار  1941، وتمكنت من احتلال جميع المرافق الحساسة، والجسور بعد معارك دامية مع الأهالي سقط خلالها عدد كبير من الشهداء والجرحى في معركة غير متكافئة مع جيش كبير ومنظم، وقيل أن اليهود قدموا مساعدات كبيرة لقوات الاحتلال التي أخذت تتصرف وكأنها سلطة حكومية في منطقة [العشار]، وصار مدير جمعية التمور الميجر [ لويد ] يتصرف وكأنه حاكم عسكري، حيث أصدر أمراً بمنع حمل السلاح، ومنع الاستماع إلى الإذاعات المعادية لبريطانيا، ومنع التجول، وغيرها من القرارات. وعلى أثر ذلك أمرت الحكومة موظفيها في البصرة بالانسحاب والعودة إلى بغداد.

 كما قررت الحكومة في 9 أيار إنهاء خدمات الضباط البريطانيين في الجيش  العراقي  وفي 11 منه قررت الاستغناء عن خدمات جميع الموظفين والمستخدمين البريطانيين، كما قررت في  13 أيار تخويل رئيس الوزراء صلاحية عقد اتفاقات لشراء الأسلحة من الدول الأجنبية.

القوات البريطانية تحتل الفلوجة:
استمرت المعارك مع القوات البريطانية حول الحبانية لكنها لم تكن متكافئة على الإطلاق، ففي الوقت الذي كان الجيش العراقي يمتلك الإرادة الشجاعة للدفاع عن الوطن، كان يعوزه السلاح والعتاد، في حين كانت القوات البريطانية تمتلك كل أنواع الأسلحة والطائرات، والخبرة القتالية، فقد أخذت الطائرات البريطانية تقصف القطعات العسكرية العراقية حول [ سن الذبان ] منذ صباح يوم 2 أيار.
كما أرسلت القيادة البريطانية في فلسطين قوة عسكرية أخرى تتألف من لواء خيالة وعدة كتائب مختلفة مجهزة بالآليات والمدفعية، مع قوة أخرى من رجال الفرقة العربية التي كان يقودها  القائد البريطاني [كلوب باشا] في شرق الأردن .
وفي 19 أيار بدأ الجيش البريطاني هجوماً واسعاً تحت غطاء جوي كثيف من الطائرات الحربية ضد الجيش العراقي، وخاض الطرفان معركة غير متكافئة استطاعت خلالها القوات البريطانية دحر القوات العراقية، وأسرت 320 جندياً و23 ضابطاً، وانسحبت بقية القوات باتجاه بغداد، وبذلك استطاعت القوات البريطانية احتلال [الفلوجة]الواقعة على مقربة من بغداد في 20 أيار 1941.
وفي اليوم التالي شنت القوات العراقية هجوماً معاكساً في محاولة لاستعادة الفلوجة، وكانت تلك القوات تتألف من فوجين، ومعززة بثمانية دبابات لكنها فشلت في هجومها بعد أن استشهد  273  جنديا و11 ضابطاً، وتدمير 7 دبابات. (10)

القوات البريطانية تزحف نحو بغداد، وهروب الكيلاني وقادة جيشه:
بعد اندحار القوات العراقية في معركة الفلوجة، بدأت الحكومة تنظيم دفاعاتها حول بغداد، حيث أصبحت القوات البريطانية على بعد 60 كيلومترا من العاصمة، لكن القوات البريطانية عاجلتها بهجوم كبير على ثلاثة محاور منطلقةً من الفلوجة يوم 27 أيار، وكان المحور الأول كان عن طريق [جسر الخر ] و المحور الثاني عن طريق الشاطئ الأيسر لنهر الفرات نحو [ أبو غريب]، أما المحور الثالث فكان عن طريق [سن الذبان ـ سامراء ـ التاجي ] . (11)

مهدت القوات البريطانية هجومها بقصف مركز بالطائرات على مدينة بغداد لأحداث أكبر تأثير نفسي على قوات الجيش العراقي والحكومة وأبناء الشعب، وبدا في تلك الساعات أن الأمر قد أفلت من أيدي الكيلاني والعقداء الأربعة، حيث أصبح احتلال بغداد مسألة وقت لا غير، ولذلك فقد قرر[ الكيلاني] وقادة جيشه [العقداء الأربعة] الهروب ومغادرة بغداد، والنجاة بأرواحهم، تاركين البلاد والشعب تحت رحمة المحتلين، حيث رحل العقداء الأربعة  إلى إيران مساء يوم 29 أيار 1941، ثم تبعهم رشيد عالي الكيلاني، وأمين الحسيني، وشريف شرف، ومحمد أمين زكي، ويونس السبعاوي.

وفور مغادرة قادة حركة أيار، تشكلت في العاصمة بغداد لجنة برئاسة أمينها [ارشد العمري] دعيت  [لجنة الأمن الداخلي]، وضمت اللجنة متصرف بغداد، ومدير الشرطة العام، وممثل الجيش الزعيم الركن [ حميد نصرت ] .(12)

 بدأت اللجنة مفاوضات مع السفارة البريطانية في بغداد على شروط وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة تمهيداً لدخول القوات البريطانية إلى بغداد، وعودة الأمير عبد الإله وصياً على العرش وولياً للعهد.
وفي 30 أيار توقف القتال بصورة نهائية، وعاد الوصي إلى بغداد في 1 حزيران 1941 تحت حراب المحتلين البريطانيين، وكان برفقته كل من نوري السعيد، وعلي جودت الايوبي، وداؤد الحيدري، وهكذا تخلص البريطانيون وعبد الإله من العقداء الأربعة والكيلاني، الذين لعبوا دور كبيراً في الحياة السياسية في البلاد، وتم إحكام الهيمنة البريطانية على مقدرات العراق من جديد. (13)

لم يهدأ لبريطانيا والوصي عبد الإله بال إلا بعد أن تم اعتقال العقداء الأربعة، فقد بدأت المخابرات البريطانية تتابعهم حتى تسنى لها القبض عليهم واعتقالهم في إيران، وجرى تسفيرهم إلى جنوب أفريقيا معتقلين، كما تم اعتقال وزير الاقتصاد يونس السبعاوي، و مدير الدعاية العام صديق شنشل، وتم إحالة العقداء الأربعة إلى المجلس العرفي العسكري، والذي سبق أن حكم عليهم بالإعدام .
كما حكم المجلس العرفي العسكري على يونس السبعاوي بالإعدام أيضاً، وعلى صديق شنشل بالسجن لمدة 5 سنوات .
في نهاية الحرب العراقية البريطانية، سلمت بريطانيا العقداء الأربعة للحكومة العراقية حيث جرى إعدامهم في 6 كانون الثاني 1942، بعد إعادة محاكمتهم بصورة صورية أمام المجلس العرفي العسكري الذي أصدر قرار الحكم خلال جلسة واحدة، وبذلك تخلص الوصي من نفوذهما إلى الأبد.

أما رشيد عالي الكيلاني،  فقد تمكن من الوصول إلى تركيا، واستطاع السفير الألماني [فون بابن] أن ينقله مع أمين الحسيني إلى ألمانيا، حيث مكث فيها إلى أن أوشكت الحرب على نهايتها، وبات اندحار ألمانيا أمر حتمي، حيث هرب إلى سويسرا ومنها إلى السعودية.
حاول عبد الإله مرارا استرداده من السعودية إلا أن السعوديون رفضوا ذلك، وبقي هناك عدة سنوات أنتقل بعدها إلى مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو، وبقي هناك حتى قيام ثورة 14 تموز عام  1958، وسقوط النظام الملكي في العراق.

التوثيق :
  (1) تريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الخامس ـ ص 77 - عبد الرزاق الحسني
  (2) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 78
 (3) المصدر السابق، الحسني ـ ج5 ـ ص 76 .
  (4) نفس المصدر ـ ص 79 .
  (5) نفس المصدر ـ ص  87 .
  (6) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 87 .
  (7) يقظة العالم العربي ـ  جان وولف ـ ص 120 .
   (8) ثورة العراق ـ كارتاكوز ـ ص 32 .
  (9) حديث الدكتور صائب شوكت مع الحسني في 8 نيسان 1975
  (10) ت ن و ، ع ـ الحسني ـ ج5  ـ ص81
  (11) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 .
 (12) علي الشرقي ـ كتاب الأحلام ـ ص 170
  (13) ت ، و ، ع ـ الحسني ـ ج 5 ـ 79


41
من ذاكرة التاريخ
أسرار انقلاب بكر صدقي
عام 1936
حامد الحمداني                                                               26/9/2018

نبذة عن حياة بكر صدقي :
ولد بكر صدقي عام 1866 من أبوين كرديين، في قرية [ عسكر ] قرب كركوك، درس في الأستانة، حيث دخل المدرسة الحربية، وتخرج منها ضابطا في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية الأولى في آخر سنيها، وبعد نهاية الحرب واندحار الإمبراطورية العثمانية انضم إلى الجيش العراقي الذي أسسه البريطانيون المحتلون في 6 كانون الثاني 1921 برتبة ملازم أول.

رغم كون بكر صدقي من أبوين كرديين، فقد كانت له ميول قومية عربية، ولذلك فقد تلقفه أنصار القومية العربية من طبقة الحكام العراقيين، وتدرج في رتبته العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق ركن، في عهد الملك غازي، واشتهر بالقسوة والعنف عندما قاد الجيش العراقي ضد ثورة الآشوريين عام 1933، على عهد وزارة رشيد عالي الكيلاني، ثم ضد الحركة البارزانية، وضد ثورة العشائر في منطقة الفرات الأوسط عام 1935، وتوطدت العلاقة بينه وبين وزير الداخلية آنذاك السيد [ حكمت سليمان ] الذي أحبه كثيراً.

 الأعداد للانقلاب:
في أواخر عهد وزارة ياسين الهاشمي الثانية، اشتد الصراع بين الوزارة والمعارضة التي عملت جاهدة لإسقاط الوزارة التي سعت للتمسك بالحكم بكل الوسائل والسبل، وفي تلك الأيام كان بكر صدقي الذي شغل منصب قائد الفرقة العسكرية الثانية يتردد باستمرار على دار قطب المعارضة المعروف [حكمت سليمان]، وكان الحديث يدور حول استئثار وزارة الهاشمي بالحكم رغم افتقادها للتأييد الشعبي، وحين ذلك الحين اختمرت في فكر بكر صدقي فكرة إسقاط وزارة الهاشمي بالقوة عن طريق القيام بانقلاب عسكري. (1)

كان بكر صدقي على علاقة وثيقة بالفريق [عبد اللطيف نوري] قائد الفرقة العسكرية الأولى، وقد عرض عليه بكر صدقي فكرة الانقلاب العسكري لإسقاط وزارة الهاشمي، وقد حبذ  الفكرة وتعهد على العمل معه جنباً إلى جنب، وبدأ الاثنان يهيأن لحركتهم، واستطاعوا أن يضموا إلى صفوفهم قائد القوة الجوية
 العقيد [محمد على جواد] .
سارت الأمور بتكتم شديد، مما تعذر على الاستخبارات العسكرية كشف الحركة قبل وقوعها، وجاء موعد مناورات الخريف للجيش عام 1936، ووجد بكر صدقي ضالته المنشودة بهذه الفرصة، فقد كانت خطة المناورات تقتضي  إجراءها فوق [جبال حمرين]، بين خانقين وبغداد، وكان المفروض أن تكون الفرقة الأولى بقيادة الفريق عبد اللطيف نوري في موضع الدفاع عن بغداد.

 وفي 29 تموز 1936 سافر رئيس أركان الجيش الفريق [ ياسين الهاشمي ] شقيق رئيس الوزراء في مهمة إلى خارج العراق، وأناب عنه الفريق [عبد اللطيف نوري]، مما سهل على الانقلابيين الأمور كثيراً.

كان موعد المناورات قد حُدد يوم 3 تشرين الثاني 1936 ولغاية 10 منه، ولذلك فقد قرر بكر صدقي تنفيذ الانقلاب خلال هذه المناورات، وجرى الاتفاق على نقل الفرقة الثانية من [قرة تبة] إلى[ قرغان ] ليلة الثلاثاء 26/ 27 تشرين الأول على أن يجري تسلل وحدات الفرقة ليلة الخميس 28 / 29 منه إلى [ بعقوبة ] التي تبعد حوالي 60 كم عن بغداد .
كما جرى الاتفاق على نقل الفرقة الأولى من [ بلدروز ] في لواء ديإلى فجر يوم  الخميس 29 منه ، لتلتحق بالفرقة الأولى في بعقوبة، وجرى نقل العتاد للمدفعية من قبل بعض الضباط المؤتمنين في السليمانية، وقد جرى كل ذلك بتكتم شديد بحيث لم تستطع الاستخبارات العسكرية اكتشاف التحرك.

وفي يوم الثلاثاء المصادف 27 تشرين الأول، جرى لقاء قبل تحرك القوات الانقلابية بين بكر صدقي وعبد اللطيف نوري، واتفقا على موعد تنفيذ الانقلاب وتفاصيل الخطة، وجرى الاتفاق على تسمية حركتهم [القوة الوطنية الإصلاحية] وطلبا من السيد [ كامل الجادرجي ] إعداد مذكرة إلى الملك غازي يطلبان فيها إقالة حكومة ياسين الهاشمي، وتكليف السيد [حكمت سليمان ] بتأليف الوزارة. كما تم إعداد بيان الانقلاب، وجرى إعداد عدد من الطائرات بقيادة قائد القوة الجوية العقيد[ محمد علي جواد]، وبذلك أصبح كل شيء جاهز للانقلاب. (2)
تنفيذ الانقلاب:
في ليلة الخميس المصادف 27 تشرين الأول 1936، زحفت قوات الجيش من قرغان وبلدروز إلى بعقوبة ووصلتها صباح اليوم التالي، حيث قامت بقطع خطوط الاتصال ببغداد، واستولت على دوائر البريد والتلفون، وعدد من المواقع الاستراتيجية في المدينة، ثم واصلت القوات زحفها نحو بغداد في تمام الساعة
السابعة والنصف صباحاً، بقيادة بكر صدقي .
وفي الساعة الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، ظهرت في سماء بغداد 3 طائرات حربية يقودها العقيد محمد علي جواد، وألقت ألوف المنشورات التي احتوت على البيان الأول للانقلاب وجاء فيه: 
{ أيها الشعب العراقي الكريم:
 لقد نفذ صبر الجيش المؤلف من أبنائكم، من الحالة التي تعانونها من جراء اهتمام الحكومة الحاضرة بمصالحها وغاياتها الشخصية، دون أن تكترث لمصالحكم ورفاهكم، فطلبنا إلى صاحب الجلالة الملك غازي المعظم إقالة الوزارة القائمة، وتأليف وزارة من أبناء الشعب المخلصين، برئاسة السيد[حكمت سليمان] الذي طالما لهجت البلاد بذكره الحسن، ومواقفه المشرفة، وبما أنه ليس لنا قصد في هذا الطلب إلا تحقيق رفاهكم، وتعزيز كيان بلادكم، فلا شك في أنكم تعاضدون إخوانكم أفراد الجيش ورؤسائه في ذلك، وتؤيدونه بكل ما أوتيتم من قوة، وقوة الشعب هي القوة المعول عليها في الملمات.
وأنتم أيها الموظفون لسنا إلا إخوان وزملاء لكم  في خدمة الدولة التي نصبوا كلنا إلى جعلها دولة ساهرة على مصلحة البلاد وأهلها، عاملة على خدمة شعبكم قبل كل شيء، فلابد وأنكم ستقومون بما يفرضه عليكم الواجب الذي من أجله لجأنا إلى تقديم طلبنا إلى جلالة ملكنا المفدى لإنقاذ البلاد مما هو فيه، فتقاطعون الحكومة الجائرة وتتركون دواوينها، ريثما تؤلف الحكومة التي ستفخرون بخدمتها، إذ ربما يضطر الجيش، بكل أسف، لاتخاذ تدابير فعالة لا يمكن خلالها اجتناب الأضرار بمن لا يلبي هذه الدعوة المخلصة مادياً وأدبياً.(3)

                                                       قائد القوة الوطنية الإصلاحية
            الفريق بكر صدقي

وفي الوقت الذي كانت الطائرات تلقي بيان الانقلاب، استقل السيد حكمت سليمان سيارته وتوجه إلى قصر الزهور حاملاً إلى الملك المذكرة التي وقعها الفريقان بكر صدقي وعبد اللطيف نوري، والتي حددا فيها مهلة أمدها 3 ساعات للملك، لإقالة وزارة السيد ياسين الهاشمي حيث سلمها إلى رئيس الديوان الملكي [رستم حيدر] .(4)
وما أن بلغ نبأ الانقلاب ياسين الهاشمي حتى بادر إلى الاتصال ببكر صدقي الذي أبلغه خلال محادثته بالتلفون أن الملك غازي على علم بالانقلاب، ولم يكد ياسين الهاشمي ينهي المكالمة التلفونية مع بكر صدقي حتى سارع إلى التوجه إلى قصر الزهور لمقابلة الملك وتدارس الأمر معه.
سلم رستم حيدر المذكرة إلى الملك غازي، وكان يبدو على وجهه الذهول والاضطراب، وعلى الفور طلب الملك استدعاء كل من ياسين الهاشمي، وجعفر العسكري، وزير الدفاع، ونوري السعيد، وزير الخارجية، والسفير البريطاني، لتدارس الوضع.

 وتحدث السفير البريطاني مخاطباً الملك غازي وسأله إن كان على علم مسبق بالانقلاب فنفى الملك ذلك. وتحدث ياسين الهاشمي موجهاً سؤاله للملك فيما إذا كان لا يزال يثق بالوزارة فأن الوزارة مستعدة لمجابهة الانقلابيين وإلا فأنه سيقدم استقالة حكومته. (5)

أما نوري السعيد فقد دعا السفير البريطاني إلى التدخل العاجل لقمع الانقلاب، لكن السفير البريطاني أبلغه أن بريطانيا لا تود التدخل في الأمور الداخلية، وفي حقيقة الأمر أن بريطانيا كانت تريد التخلص من وزارة الهاشمي من جهة، وخوفها من حدوث مالا يحمد عقباه إذا ما حدث التدخل وفشل في قمع الانقلاب.

مضت الساعات الثلاث التي حددها الانقلابيون مهلة لاستقالة الوزارة، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة حكمت سليمان، ولما لم يتم ذلك بادرت الطائرات في الساعة الحادية عشرة والنصف من صباح ذلك اليوم بإلقاء القنابل على مقر مجلس الوزراء، ووزارة الداخلية، ودائرة البريد القريبة من مسكن ياسين الهاشمي ودار البرلمان، حيث قتل جراء القصف 7 أشخاص، وأصابت العديد  بجروح، واضطرت الحكومة إلى تقديم استقالتها إلى الملك في 29 تشرين الأول 1936 وتم قبول الاستقالة، وسارع الملك غازي إلى الطلب من  السيد حكمت سليمان  بتأليف الوزارة الجديدة، بناء على طلب الانقلابيين لكن حكمت سليمان طلب من الملك أن يوجه له تكليفاً خطياً لكي يشكل الوزارة. (6)

وفي الوقت الذي قدمت الحكومة استقالتها إلى الملك، فأنها عملت على إفشال الانقلاب. فقد بعث جعفر العسكري إلى عدد من قواد الجيش داعياً إياهم للتحرك لحماية بغداد إلا أن تلك الرسائل لم تستطيع أن تفعل شيئا.
وحاول جعفر العسكري وقف زحف قوات الانقلابيين نحو بغداد فاتصل ببكر صدقي وأبلغه أنه آتٍ لمقابلته، وأنه يحمل رسالة من الملك.
كانت فرصة بكر صدقي قد حلت للتخلص من جعفر العسكري ـ صهر نوري السعيد ـ والرجل القوي في الوزارة، فرتب الأمر مع عدد من ضباطه لقتله. وعندما توجه جعفر العسكري لمقابلة بكر صدقي وجد في استقباله النقيب إسماعيل عباوي مع عدد من الأفراد، وقام عباوي على الفور بتجريد جعفر العسكري من سلاحه وأجبره على ركوب السيارة منفرداً دون حمايته، ورافقه كل من النقيب [شاكر القره غلي] والرائد [ طاهر محمد ] مرافق الملك.
وعندما وصلت السيارة التي تقلهم إلى نهر الوزيرية توقفت السيارة، ونزل منها الجميع وأرسل عباوي سائقه العريف [إبراهيم خليل] ليخبر بكر صدقي بمقدم العسكري، ولم تمضِ سوى دقائق حتى وصل الضباط [جمال جميل] و[ جمال فتاح] و[محمد جواد أمين] و[ لازار برودس] حيث شهروا مسدساتهم على جعفر العسكري وأطلقوا عليه الرصاص فقتل في الحال، ولما وصل خبر مقتله إلى نوري السعيد  سارع إلى اللجوء للسفارة البريطانية التي استطاعت تهريبه إلى خارج العراق. (7)
استمرت قوات الانقلابيين بالزحف نحو بغداد  حيث وصلت أبوابها في الساعة الرابعة بعد الظهر، واحتلت سدة [ ناظم باشا] المحيطة بالعاصمة، فلم يجد الملك بُداً من توجيه خطاب التكليف إلى السيد حكمت سليمان، في 29 تشرين الأول وعند الساعة الخامسة والنصف كانت القوات قد دخلت شوارع بغداد دون أن تلقى أي مقاومة.
كان [حكمت سليمان] قد عقد قبل يومين اجتماعا في دار[السيد كامل الجادرجي ] وضم السادة [جعفر ابو التمن] و[ محمد حديد ]، لوضع قائمة بأسماء أعضاء الوزارة في حالة نجاح الانقلاب، وقد طرح في الاجتماع اقتراح حول اختيار [نوري السعيد] في منصب وزاري لتطمين الإنكليز، لكن الاقتراح لم يلقَ القبول فقد عارضه السيدان جعفر ابو التمن، وكامل الجادرجي، واقترح بدلا منه السيد [صالح جبر]، القريب من الإنكليز أيضاً. (8)

تشكيل حكومة الانقلابيين بأغلبية من الإصلاحيين:
أتم الانقلابيون تشكيل وزارتهم، وصدرت الإرادة الملكية بتشكيلها في الساعة السادسة مساءاً وجاءت على الوجه التالي:
1 ـ حكمت سليمان ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للداخلية.
2 ـ جعفر ابو التمن ـ وزيراً للمالية.
3 ـ صالح جبر ـ وزيراً للعدلية.
4 ـ ناجي الأصيل ـ وزيراً للخارجية.
5 ـ كامل الجادرجي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات.
7 ـ يوسف إبراهيم ـ وزيراً للمعارف.
7 ـ أما بكر صدقي فقد تولى منصب رئيس أركان الجيش، بدلاً من طه الهاشمي، الذي أحيل على التقاعد.
أما ياسين الهاشمي، ورشيد عالي الكيلاني، ونوري السعيد فقد غادروا العراق على الفور بمساعدة السفارة البريطانية، خوفاً من بطش بكر صدقي.

أسرع السفير البريطاني إلى لقاء الملك غازي، ورئيس الوزراء السيد حكمت سليمان ليقف على ما تنوي الوزارة عمله، وقد طمأنه حكمت سليمان بأن الوزارة تحترم تعهدات العراق، وتسعى للنهوض بالبلاد في كافة المجالات، كما لقي السفير من الملك كل ما يطمئن الحكومة البريطانية.

أراد بكر صدقي أن يرسل من يقوم بتصفية ياسين الهاشمي، ونوري السعيد ورشيد عالي الكيلاني، إلا أن حكمت سليمان رفض الفكرة، فقد كان من أولى المهام بالنسبة للوزارة الجديدة تثبيت أقدامها وسلطتها، حيث لجأت إلى إجراء تغيرات واسعة في أجهزة السلطة الإدارية، والدبلوماسية، وإبعاد كافة العناصر المؤيدة للوزارة السابقة.
وفي الوقت نفسه نظمت العناصر الوطنية المظاهرات المؤيدة للحكومة، وكان على رأس تلك المظاهرات السادة [محمد صالح القزاز] وهو من الشيوعيين المعروفين، وشاعر العرب الكبير [محمد مهدي الجواهري ]، وغيرهم من الوطنيين، وتقدمت المظاهرات بمطالب للحكومة تدعو فيها إلى إصدار العفو العام عن المسجونين السياسيين، وإطلاق حرية الصحافة، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وإزالة آثار الماضي، والعمل على رفع  مستوى معيشة الشعب  وضمان حقوقه وحرياته، وتقوية الجيش، ليكون حارساً أميناً لاستقلال البلاد، ولم تقتصر المظاهرات على بغداد فقط بل امتدت إلى سائر المدن العراقية.

حكومة الانقلابيين تحل المجلس النيابي:
بعد أن ثبتت الحكومة أقدامها، وبسطت سلطتها على كافة أنحاء البلاد، كانت أمامها الخطوة الثانية المتمثلة بحل المجلس النيابي الذي جرى انتخابه على عهد الحكومة السابقة، وهكذا استصدرت الإرادة الملكية بحل المجلس في 31 تشرين الأول 1936، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة.
وفي الوقت نفسه تقدمت الحكومة بمنهاجها الوزاري الذي أكد على تعزيز العلاقات بين العراق وجيرانه ومع بريطانيا لما فيه مصلحة الأطراف جميعا،ً وتطهير جهاز الدولة من العناصر الفاسدة والمرتشية، وتحسين أدائه، والعمل على رفع مستوى معيشة الشعب، وتحسين أحواله الصحية والثقافية، وتوسيع الخدمات العامة، وتنظيم السجون، وجعلها أداة إصلاح للمسجونين، والعمل على تحسين أوضاع البلاد الاقتصادية، وملافات العجز في الميزانية، وتطوير الزراعة والصناعة في البلاد، وإصلاح الجهاز القضائي، وإعادة النظر في القوانين والمراسيم التي أصدرتها الوزارات السابقة.
كما أكد المنهاج على تقوية الجيش، وتدريبه وتسليحه، ليكون سياجاً حقيقياً للوطن، وإصلاح جهاز التعليم، وتوسيع معاهد المعلمين، وفتح المزيد من المدارس وإلغاء أجور الدراسة المتوسطة والثانوية وجعلها مجانية، وبناء المزيد من المدارس.
 وفي واقع الأمر كان لدى الوزارة الجديدة خططاً طموحة لتغير وجه العراق، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، كما يقول المثل، ومع ذلك فقد استطاعت الحكومة القيام بالعديد من الإجراءات لتحسين الأوضاع فأطلقت سراح المسجونين الذين أدانتهم المجالس العرفية، وأعادت كافة الأموال المصادرة منهم، كما أعادت كافة الصحف التي أغلقتها الوزارات السابقة، وسمحت بدخول الكثير من الكتب التقدمية التي كانت ممنوعة في العهود السابقة، وإعادة الموظفين المفصولين لأسباب سياسية إلى وظائفهم، وأصدرت الحكومة قانون العفو العام.
بكر صدقي يتجاوز الحكومة،ويحكم من وراء الستار:
ما أن احكم بكر صدقي سيطرته على مقدرات البلاد حتى استهوته شهوة الحكم، أراد أن يحكم من وراء الستار، متجاوزاً حلفائه الإصلاحيين [حزب الإصلاح الشعبي] الذين يمثلون الأغلبية في الوزارة، وكان باكورة خطواته الطريقة التي جرى فيها انتخاب مجلس النواب.
 فقد عقد بكر صدقي مع فريقاً من ضباطه وعدد من القوميين اجتماعاً في داره لوضع الترتيبات للانتخابات، وإعداد قوائم المرشحين، مستبعداً رفاقه الإصلاحيين، وقد جاءت قوائم المرشحين في معظمها من المؤيدين لبكر صدقي شخصياً، فيما كانت حصة الإصلاحيين أقل بكثير، وقد جرت الانتخابات في 20 شباط 1937، وجاءت النتيجة كما خطط لها بكر صدقي سلفاً.(9)

كان منهاج حزب الإصلاح الشعبي يرمي إلى إجراء تغيرات شاملة في حياة الشعب العراقي حيث دعا منهاجه إلى تحقيق ما يلي:
 1 ـ إجراء إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي شامل في البلاد.
 2 ـ  إعادة توزيع الثروة بصورة عادلة.
 3ـ  وتفتيت الملكيات الزراعية الكبيرة، وتوزيع الأراضي على الفلاحين.
 4 ـ  التقليل من الفروق الطبقية بين أبناء الشعب.
 5ـ  إطلاق كافة الحريات الديمقراطية كحرية التنظيم الحزبي والنقابي، وحرية الصحافة، وضمان حقوق الشعب، وحرياته العامة. وقد لقي منهاج الحزب هذا دعما كبيراً من الحزب الشيوعي، ومن عدد كبير من صغار الضباط، ولعب الحزب الشيوعي دوراً بارزاً في تحريك الجماهير للمطالبة بحقوقهم وحرياتهم العامة.
أما بكر صدقي فقد أراد أن يجعل من نفسه[ أتاتورك العراق]، ويحكم البلاد على هواه، وقد ظهر فيما بعد أن تقرب بكر صدقي من الإصلاحيين وضمهم إلى الوزارة كان يهدف من ورائه استخدامهم وسيلة للوثوب إلى السلطة المطلقة، فلما أدرك الاصلاحيون أن الحكومة لا تحكم، وأن الحاكم الحقيقي هو بكر صدقي  لم يكن أمامهم سوى تقديم استقالتهم من الوزارة، وخصوصاً بعد أن أقدم بكر صدقي على استخدام القوة العسكرية ضد انتفاضة العشائر في السماوة  في 13 حزيران 1937، ووقوع عدد كبير من القتلى والجرحى، حيث قضت تلك الأحداث على آخر أمل للإصلاحيين من البقاء في الحكم فأقدم السادة جعفر أبو التمن، وكامل الجادرجي، ويوسف عز الدين على الاستقالة من الحكومة، وقد تضامن معهم صالح جبر وقدم استقالته من الحكومة أيضاً، فلم يبقَ في الوزارة سوى وزيرين فقط، هما نوري عبد اللطيف، وناجي الأصيل.

وفي الوقت الذي استقال الاصلاحيون من الوزارة، أخذ الاستقلاليون [القوميون] يتصلون ببكر صدقي ويحرضونه على العناصر الماركسية واليسارية التي أخذت شوكتها تشتد، أعربوا له عن استعدادهم الكامل لدعمه إذا ما وقف ضد هذا التيار الجديد، والعمل على حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، وإبعاد تلك العناصر من البرلمان الجديد، وقد وعدهم بكر صدقي بتحقيق ذلك، وتم ترقيع الوزارة بتاريخ 24 حزيران 1937، حيث دخل الوزارة كل من:
1 ـ محمد علي محمود ـ وزيراً للمالية.
2 ـ عباس مهدي ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات.
3 ـ علي محمود الشيخ علي ـ وزيراً للعدلية.
4 ـ جعفر  حمندي ـ وزيراً للمعارف.
5 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية.
مقتل بكر صدقي:
لقي الانقلاب الذي قاده بكر صدقي في 29 تشرين الأول 1936 ترحيباً حاراً، وتأييداً واسعاً من جماهير الشعب العراقي التواقة إلى إجراء إصلاحات حقيقية في البلاد تضمن الحقوق والحريات العامة للشعب، وتصون استقلال البلاد، وتعمل على حل مشاكل البلاد الاقتصادية، والتخفيف من معانات الشعب.
لكن الشعب العراقي أصيب بخيبة أمل كبيرة، بعد أن تبين له أن كل ما يهم بكر صدقي هو السلطة متناسياً ما وعد به الشعب.
وجاءت استقالة الوزراء الإصلاحيين من الوزارة لتزيد من انعزال حكومة بكر صدقي عن الشعب، وسحب الثقة بها، وبذلك فقد بكر صدقي وحكومته أهم عامل دعم وإسناد وهو الشعب.
كان الإنكليز ورجالاتهم من الساسة العراقيين يراقبون الأمور عن كثب، ويتحينون الفرصة للانقضاض على الانقلابيين، فقد كان قلق الإنكليز يزداد يوماً بعد يوم من توجهات بكر صدقي، وجاء زواج بكر صدقي من إحدى الغانيات الألمانيات ليزيد من قلق الإنكليز خوفاً من تقربه من ألمانيا، وأخيراً أخذت الأخبار تتوارد إلى السفارة البريطانية عن عزم بكر صدقي احتلال الكويت مما زاد في قلق الحكومة البريطانية، ودفعها إلى التعجيل في تحركها للخلاص منه بأسرع وقت ممكن.
 وجاءت الفرصة المناسبة عند ما قرر بكر صدقي السفر إلى تركيا لحضور المناورات العسكرية التركية المقرر القيام بها في 18 آب 1937، واتخذ الإنكليز قرارهم بتصفيته وهو في طريقه إلى تركيا .
غادر بكر صدقي بغداد  في 9 آب بالطائرة إلى الموصل، وكان برفقته العقيد محمد علي جواد قائد القوة الجوية، وكان من المقرر أن يغادر بالقطار ، لكنه أحس بوجود مؤامرة ضده وقرر السفر بالطائرة.
وصل بكر صدقي إلى الموصل، ونزل في دار الضيافة وبصحبته محمد علي جواد، وقد وجد المتآمرون فرصتهم في الإجهاز عليه في الموصل حينما انتقل بكر صدقي إلى حديقة مطعم المطار البعيد والمنعزل، وبينما كان بكر صدقي جالساً في الحديقة مع قائد القوة الجوية محمد علي جواد، والمقدم الطيار[ موسى علي ] يتجاذبان أطراف الحديث، تقدم نائب العريف [عبد الله التلعفري] نحوهم  ليقدم لهم المرطبات، وكان يخبئ مسدساً تحت ملابسه، ولما وصل قرب بكر صدقي، اخرج مسدسه وصوبه نحو جمجمته ، وأطلق النار عليه فقتل في الحال ، ثم أقدم العريف على إطلاق النار على العقيد محمد علي جواد وقتله أيضاً.

وتم إلقاء القبض على القاتل، وأوسع ضرباً، وقد أعترف بأن الذي جاء به لينفذ الجريمة هو الضابط [محمود هندي] الذي اختفى بعد مقتل بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد، وتبين فيما بعد أن المتآمرين قد هيئوا عدة مجموعات لقتل بكر صدقي ووزعوها على [كركوك] و[التون كوبري ] و [أربيل ] و [الموصل ] على احتمال أن بكر صدقي سوف يمر من إحدى هذه الطرق في طريقه إلى تركيا  وقيل أن العقيد [ فهمي سعيد ] كان لولب الحركة، وأن الضابط [محمود خورشيد] هو الدماغ المفكر لعملية تنفيذ الاغتيال، وسرت شائعة تقول أن ضابط الاستخبارات البريطاني في الموصل هو الذي دبر عملية الاغتيال.
وفي صباح يوم الخميس 12 آب تم نقل جثمان بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد إلى بغداد، حيث شيعا إلى مثواهما الأخير تشييعاً رسمياً سار في مقدمته الوزراء  وكبار الضباط والأعيان والنواب والسفراء.
حاولت الحكومة إجراء تحقيق واسع لمعرفة الذين كانوا وراء عملية الاغتيال، وقد أرسلت لجنة تحقيقية إلى الموصل برئاسة نائب المدعي العام [انطوان لوقا] حيث باشر في إجراء التحقيقات أخذت تلك التحقيقات تتوسع شيئاً فشيئاً مما أثار خوف وقلق الضباط المشاركين في المؤامرة من أن تصل التحقيقات إليهم، فأعلن أمر حامية الموصل [ أمين العمري ] العصيان على بغداد واعتقال النائب العام، وجرى تمزيق أوراق التحقيق.
كما جرى تسريح كافة الضباط الموالين لبكر صدقي وللحكومة في بغداد، وأصدر بياناً يعلن فيه انفصاله عن حكومة بغداد .
ورغم اتصال الملك غازي بأمين العمري، ودعوته له لإطاعة أوامر القيادة العسكرية، إلا أن الانقلابيين أصروا على موقفهم، وطالبوا الملك بإقالة وزارة حكمت سليمان، وتشكيل وزارة جديدة برئاسة[ جميل المدفعي ] كما رفضوا تسليم الضباط المتهمين بمؤامرة اغتيال بكر صدقي ورفيقه محمد علي جواد.

حاولت الحكومة بدفع من الضباط الموالين لبكر صدقي الزحف بالفرقة الثانية في كركوك إلى الموصل لإخضاع المتمردين على الحكومة. وفي المقابل حاول اللواء أمين العمري استمالة عدد من الوحدات العسكرية الأخرى إلى جانبه، واستطاع الحصول على دعم آمر معسكر الوشاش في بغداد [سعيد التكريتي] وساعده الأيمن المقدم [ صلاح الدين الصباغ ]، كما انضم إليهم آمر حامية الديوانية.

وهكذا بدا أن الجيش قد أنقسم على نفسه، وأن الأمور قد باتت خطيرة جداً، وتنذر بوقوع حرب أهلية يكون عمادها الجيش، ولذلك اضطرت الوزارة إلى تقديم استقالتها إلى الملك غازي في 17 آب 1937، وتم قبول الاستقالة في نفس اليوم.
إجبار حكومة حكمت سليمان على الاستقالة، وتكليف المدفعي:
سارع الملك غازي بعد استقالة حكومة حكمت سليمان إلى تكليف جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة، وكان واضحا أن التكليف جرى بضغط من السفارة البريطانية، وزمرة أمين العمري التي دبرت مؤامرة اغتيال بكر صدقي، حيث طالب أمين العمري الملك بإقالة وزارة حكمت سليمان، وتكليف المدفعي بتأليف وزارة جديدة، وقد صدرت الإرادة الملكية بتكليف المدفعي في 19 آب 1937، وجاءت على النحو التالي :
1 ـ جميل المدفعي ـ رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع.
2 ـ مصطفى العمري ـ وزيراً للداخلية.
3 ـ عباس مهدي ـ وزيراً للعدلية، ووزيراً للخارجية وكالةً.
4 ـ جلال بابان ـ وزيراً للاقتصاد والمواصلات والمالية وكالةً.
5 ـ محمد رضا الشبيبي ـ وزيراً للمعارف.
وقد تم إضافة وزيرين جديدين للوزارة هما توفيق السويدي للخارجية، وإبراهيم كمال للمالية، وذلك في 19 آب من العام نفسه.
وبمجرد تشكيل الوزارة الجديدة أعلن المتمردون في الموصل إنهاء تمردهم، وعادت الأمور إلى مجراها بعد أن تم التخلص من بكر صدقي وحكومته.

وهكذا تبين أن مقتل بكر صدقي لم يكن مجرد حادث فردي، وإنما هو انقلاب عسكري جرى تدبيره بتخطيط من الإمبرياليين البريطانيين،  وأزلامهم العسكريين والسياسيين، وكانت تلوح رائحة الانتقام من كل العناصر التي ساهمت وساندت وأيدت انقلاب بكر صدقي، وكان على رأس أولئك المتعطشين للانتقام نوري السعيد الذي وصل به الأمر إلى اتهام الملك غازي بالتواطؤ مع بكر صدقي .
لقد حاول نوري السعيد الذي عاد إلى بغداد بعد مقتل بكر صدقي، واستقالة حكومة حكمت سليمان، وتأليف الوزارة المدفعية، الضغط على جميل المدفعي، مستعيناً بثلاثة من كبار الضباط هم العقيد صلاح الدين الصباغ، والعقيد فهمي سعيد، والفريق طه الهاشمي، فما كان من المدفعي إلا أن توجه إلى السفير البريطاني يشكوه من تصرفات نوري السعيد، وطلب منه أبعاده إلى خارج العراق في الوقت الحاضر على الأقل، أو القبول بمنصب وزير العراق المفوض في لندن وبالفعل أوعز السفير البريطاني للسعيد بمغادرة البلاد، حيث بقي بعيداً عن العراق حتى تشرين الأول 1938.
كان باكورة أعمال وزارة المدفعي حل المجلس النيابي في 16 آب 1937، تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة. كما قامت الوزارة بإحالة عدد كبير من ضباط الجيش المحسوبين على بكر صدقي على التقاعد، وعينت آخرين بدلاً منهم. كما شنت الحكومة في 18 تشرين الثاني حملة شعواء ضد المشتبه بقيامهم بنشاط شيوعي  وإحالتهم إلى المحاكم، التي أصدرت أحكاما بالسجن ضد معظمهم .
وفي 18 كانون الأول باشرت الحكومة بإجراء الانتخابات بنفس الأسلوب الذي درجت عليه الوزارات السابقة، حيث تقوم الحكومة بترشيح العناصر المؤيدة لها وتفرضهم على المنتخبين الثانويين فرضاً، وبذلك استطاعت الحكومة إبعاد كل العناصر اليسارية عن المجلس الجديد كما جرى أبعاد جميع العناصرالعسكرية.
 


42
من ذاكرة التاريخ

الأسرار الخفية وراء مقتل الملك غازي
حامد الحمداني                                                               24/9/2018

في صباح يوم الخامس من نيسان 1939 فوجئ الشعب العراقي بصدور بيان رسمي صادر عن الحكومة نقلته إذاعة بغداد جاء فيه:
{ بمزيد من الحزن والألم ، ينعي مجلس الوزراء إلى الأمة العراقية، انتقال المغفور له سيد شباب البلاد جلالة الملك غازي الأول إلى جوار ربه، على اثر اصطدام السيارة التي كان يقودها بنفسه بالعمود الكهربائي الواقع في منحدر قنطرة [نهر الخر]، بالقرب من [قصر الحارثية]، في الساعة الحادية عشرة والنصف من ليلة أمس، وفي الوقت الذي يقدم فيه التعازي الخالصة إلى العائلة المالكة على هذه الكارثة العظمى التي حلت بالبلاد، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ للمملكة نجله الأوحد جلالة الملك فيصل الثاني، ويلهم الشعب العراقي الكريم الصبر الجميل  وإننا إلى الله وإننا إليه راجعون }. (1)             
                                                                     بغداد في 4 نيسان 1939

 لم يكد خبر مقتل الملك غازي يصل إلى أسماع الشعب حتى هبت الجماهير الغاضبة في مظاهرات صاخبة اتجهت نحو السفارة البريطانية، وهتافات التنديد بالإمبريالية البريطانية وعميلها نوري السعيد  تشق عنان السماء، وامتدت المظاهرات الشعبية الهادرة إلى سائر المدن العراقية من أقصاه إلى أقصاه، وظهرت المنشورات التي وزعتها الجماهير، والتي تقول أن الملك لم يصطدم بالسيارة كما تدعي حكومة نوري السعيد، وإنما قتل بعملية اغتيال دبرتها الإمبريالية البريطانية وعملائها، وعلى رأسهم نوري السعيد بالذات، وكانت الجماهير بحالة من الغضب الشديد بحيث أنها لو ظفرت بنوري السعيد في تلك اللحظات لفتكت فيه ومزقته إرباً، ولذلك فقد هرب نوري السعيد بعد إتمام مراسيم دفن الملك غازي في المقبرة الملكية في الأعظمية، حيث  استقل زورقاً بخارياً من المقبرة إلى داره في جانب الكرخ .
حاول الإنكليز إبعاد التهمة عنهم، وادعوا أن الدعاية الألمانية هي التي تروج مثل هذه الدعاية ضد بريطانيا، كما ادعوا أن موظفي السفارة الألمانية، والأساتذة الجامعيين هم الذين يحرضون جماهير الشعب ضد بريطانيا، وضد حكومة نوري السعيد .
كان رد فعل الجماهير الشعبية في الموصل شديداً جداً، حيث خرجت مظاهرة ضخمة وتوجهت نحو القنصلية البريطانية وهاجمتها، وقتلت القنصل البريطاني في الموصل المستر [ مونك ميسن ]، وكانت الجماهير تهتف بسقوط الاستعمار البريطاني، وحكومة نوري السعيد العميلة.

لكن ما يؤسف له هو مهاجمة الحي اليهودي في بغداد ووقوع عمليات النهب وحرق مساكن اليهود. وقد استغل نوري السعيد  الأحكام العرفية التي كانت قد أعلنت في البلاد قبل شهر من مقتل الملك، وقام بنشر أعداد كثيفة من قوات الشرطة لقمع المظاهرات، وجرى اعتقال الكثير من المتظاهرين .

ولتغطية جريمة الاغتيال سارعت حكومة نوري السعيد إلى إصدار بيان رسمي  يتضمن  تقريراً طبياً صادرأً عن هيئة من الأطباء عن سبب وفاة الملك غازي، وجاء في البيان ما يلي :
{ ننعي بمزيد من الأسف وفاة صاحب الجلالة الملك غازي الأول ، في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الأربعين من ليلة 3 / 4 نيسان 1939 ، متأثراً من كسر شديد للغاية في عظام الجمجمة، وتمزق واسع في المخ، وقد حصلت هذه الجروح نتيجة أصطدم سيارة صاحب الجلالة، عندما كان يسوقها بنفسه، بعمود كهرباء بالقرب من قصر الزهور، في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، وفقد الملك شعوره مباشرة بعد الاصطدام، ولم يسترجع الملك وعيه حتى اللحظة الأخيرة}. (2)                                             
                                                             3/4 نيسان 1939
د . جلال حمدي   د . صبيح وهبي  د . صائب شوكت  د .إبراهام   د .سندرسن
 
وعلى اثر إعلان وفاة الملك غازي، تولى مجلس الوزراء حقوق الملك الدستورية، وفقاً للمادة 22 من الدستور، وجرى الإعلان عن تولى الملك فيصل الثاني الملك، على أن يسمى وصياً عليه، نظراً  لصغر سنه، بعد دعوة مجلس النواب الذي سبق أن صدرت الإرادة الملكية بحله، وقرر مجلس الوزراء تعين الأمير عبد الإله وصياً على العرش، وادعى نوري السعيد أن ذلك القرار كان  بموجب وصية الملك غازي نفسه، غير أنه لم يثبت أن هناك أي وصية من هذا القبيل، وكان معروفاً آنذاك أن الملك غازي كان يكره عبد الإله كرهاً شديداً، ولذلك فلا يعقل أن يوصي بالوصاية لعبد الإله، ويأتمنه على طفله، كما أن الملك غازي كان حسبما ورد في التقرير الطبي قد فقد شعوره فوراً ولم يسترجعه حتى وفاته. والحقيقة أن وصاية عبد الإله قد رتبت من قبل السفارة البريطانية
  وحكومة نوري السعيد .(3)
كما أن أحداً لم يقتنع بما أذاعته الحكومة عن اصطدام سيارة الملك ومقتله في الحادث، وهناك شواهد عديدة على أن الملك قد قتل نتيجة تدبير مؤامرة حبكتها السفارة البريطانية، وجرى تنفيذها من قبل نوري السعيد وعبد الإله، وأهم الشواهد على ذلك ما يلي:
‍1ـ قبل مقتل الملك بتسعة أشهر، وبالتحديد في 18 حزيران 1938، وُجد خادم الملك غازي الشخصي مقتولاً داخل القصر، وجاء تقرير خبير التحريات الجنائية  البريطاني أن القتل كان نتيجة إطلاق النار بالصدفة من مسدس القتيل نفسه ‍‍‍‍‍‍‍‍!!.

سبّب قتل الخادم رعباً في نفس الملك غازي لازمه لأيام، وبدأت الشكوك تنتابه حول مؤامرة لقتله فيما بعد، وكان شكّ الملك يحوم حول عبد الإله ونوري السعيد، وزوجته الملكة عالية ـ شقيقة عبد الإله ـ المنفصل عنها بصورة غير رسمية، وكانت تضمر له الكراهية والحقد.(4)

2 ـ إن أي حادث لسيارة يؤدي إلى الوفاة، لابد أن تكون إصابة السيارة شديدة وكبيرة، إلا أن الواقع كان عكس ذلك تماماً، فقد كانت الأضرار التي لحقت بالسيارة طفيفة جداً، وهذا ما أثار الشكوك حول حقيقة مقتل الملك.

3 ـ كان بمعية الملك في السيارة، كل من خادمه، شقيق الخادم السابق القتيل، وعامل اللاسلكي، جالسين في المقعد الخلفي بالسيارة، ولكنهما اختفيا في ظروف غامضة، ولم يعرف أحد عن مصيرهما نهائياً، وقد أثارت عملية اختفائهما شكوكاً كبيرة حول مقتل الملك، وحول صدقيه حادث الاصطدام، واستمرت تلك الشكوك تحوم حول عبد الإله ونوري السعيد والسفارة البريطانية.

يقول الفريق نور الدين محمود، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش، ثم رئيساً للوزراء عام 1952، حول حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:
{أنه اصطدام غامض وعويص، لا يسع الإنسان مهما كان بسيطاً في ملاحظته إلا أن يكذّب زعم الحكومة وهو يقارنه بالأدلة التي يراها في مكان الحادث }. (5)

أما العقيد صلاح الدين الصباغ، أحد قادة الجيش، فيقول في مذكراته :
{ قضت المصالح البريطانية اغتيال الملك غازي، فتم في ليلة 3 / 4 نيسان 1939 وهو في السابعة والعشرين من عمره }. (6)

ويقول الأستاذ [ جان ولف ] في كتابه [ يقظة العالم العربي ] :
{ مات الملك غازي على أثر حادث غريب، فقد اصطدمت سيارته دون ما سبب وجيه، بينما كان يقودها بسرعة معقولة، فتعالى الهمس في بغداد متهماً بعض الجهات بتدبير الحادث }. (7)
وقال الأستاذ  [كارتاكوز ] في كتابه [ ثورة العراق ] ما يلي :
{ لعل مأثرة الملك غازي الرئيسية انه قد لاقى حتفه بشكل عنيف، في حادث سيارة  يعتقد أن البريطانيين وأعوانهم من العراقيين هم الذين فعلوه } .(8)
وجاء الدليل القاطع بعد سنوات طويلة، عندما التقى الأستاذ عبد الرزاق الحسني  مؤلف تاريخ الوزارات العراقية، في 8 نيسان ، 1975 بالدكتور [صائب شوكت] طبيب الملك غازي الخاص، وأول من  قام بفحصه قبل وفاته، وسأله عن حقيقة مقتله فأجابه بما يلي:
 { كنت أول من فحص الملك غازي  بناء على طلب السيدين [ نوري السعيد ] و  [رستم حيدر]  لمعرفة درجة الخطر الذي يحيق بحياته، وأن نوري السعيد طلب إليّ أن أقول في تقريري أن الحادث كان نتيجة اصطدام سيارة الملك بعمود الكهرباء، وأنا أعتقد أنه قد قتل نتيجة ضربة على أم رأسه بقضيب حديدي بشدة  وربما استُخدم شقيق الخادم الذي قُتل في القصر، والذي كان معه في السيارة  لتنفيذ عملية الاغتيال، فقد جيء بالخادم فور وقوع العملية إليّ وكان مصاباً بخلع في ذراعه، وقمت بإعادة الذراع  إلى وضعه الطبيعي، ثم اختفي الخادم ومعه عامل اللاسلكي منذ ذلك اليوم  وإلى الأبد، ولا أحد يعرف عن مصيرهما حتى يومنا هذا . (9)
كما التقى السيد عبد الرزاق الحسني بالسيد [ ناجي شوكت ] الذي كان وزيراً للداخلية آنذاك وسأله عن حقيقة مقتل الملك غازي ما يلي:
{ لقد احتفظت بسر دفين لسنين طويلة، وها قد جاء الآن الوقت لإفشائه، كانت آثار البشر  والمسرة طافحة على وجوه نوري السعيد، ورستم حيدر، ورشيد عالي الكيلاني، وطه الهاشمي، بعد أن تأكدوا من وفاة الملك، وكان هؤلاء الأربعة قد تضرروا من انقلاب بكر صدقي، واتهموا الملك غازي بأنه كان على علم بالانقلاب، وأنا أعتقد أن لعبد الإله ونوري السعيد مساهمة فعلية في فاجعة الملك غازي }. (10)
وهكذا أسدل الستار على مقتل الملك غازي، وتم نقل جثمانه إلى المقبرة الملكية في الاعظمية، في الساعة الثامنة من صباح يوم الخامس من نيسان على عربة مدفع، وسط موجة من الهياج اجتاحت جماهير بغداد الغاضبة، والمنددة بالاستعمار البريطاني وأعوانه القتلة. وانهمك المتآمرون بعد دفنه بترتيب الأمور لتنصيب عبد الإله وصياً على العرش .
كان مقتل الملك غازي هو الجانب الأول من مؤامرة نوري السعيد وأسياده الإنكليز، وكان الجانب الثاني يتمثل بتنصيب عبد الإله وصياً على العرش، وولياً للعهد . ومنذ الساعات الأولى لمقتل الملك غازي عمل نوري السعيد جاهداً ليقنع مجلسا النواب والأعيان  والشعب العراق بما ادعاه بوصية مزعومة للملك غازي  بتكليف عبد الإله بالوصاية على العرش فيما إذا حصل له أي مكروه له.

إلا أن[ طه الهاشمي] قال في مذكراته: {أن الوصية التي عزاها نوري السعيد إلى الملك غازي كانت مزيفة دون شك } . (11)

أما وزير الدولة  السيد [ علي الشرقي ] فيقول في كتابه [ الأحلام ] ما يلي :
{ أوعز نوري السعيد إلى الملكة عالية أن ترفع كتاباً إلى مجلس الوزراء المنعقد للنظر في إقامة وصي على العرش  تشهد فيه أن الملك غازي قد أوصاها أن يكون عبد الإله وصياً على العرش إذا ما حدث له أي مكره }. (12)

وقال السفير البريطاني [ سندرسن ] في كتابه [Both Side of Curtain]:
{ كان معروفاً أيضاً أن الإنكليز كانوا يميلون إلى عبد الإله ، أكثر من ميلهم إلى الملك غازي }.(13)
ويقول الدكتور [ صائب شوكت ] طبيب الملك غازي الخاص ما يلي :.
إنه عندما  تأكد من وفاة الملك غازي  كان عبد الإله وتحسين قدري بالقرب مني حيث دنا تحسين قدري مني، وهمس في آذني أن الأمير عبد الإله يرجوك بأن تقول بأن الملك أوصاك قبل وفاته بأن يكون عبد الإله وصياً على ولده الصغير فيصل، ولكني رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، وقائلاً له : إن الملك غازي كان قد فقد وعيه فور وقوع الحادث وحتى وفاته }.(14)

ويقول طبيب الملك البريطاني [ سندرسن ] في كتابه [Thousand and One Night] حول مقتل الملك: { في خلال 20 دقيقة من وفاة الملك غازي، طلب إليّ رستم حيدر أن أعلن أن الملك غازي، وقبل أن يموت قد عّبر عن رغبته بأن يتولى عبد الإله السلطة كوصي على العرش، غير أني رفضت أن أفعل ذلك، لأن الملك لم يستعيد وعيه لحظة واحدة، وحتى لو ارتكبت جريمة مثل هذا الإدعاء الكاذب، فلابد أن يكون هناك الكثير من المستعدين لتكذيبه}. (15)
ورغم كل ذلك فقد اجتمع مجلس الوزراء، واتخذ قراره بتولي عبد الإله الوصاية على العرش، وولاية العهد، ودعا نوري السعيد مجلسا النواب[المنحل] ومجلس الأعيان إلى عقد جلسة مشتركة في يوم الخميس المصادف 6 نيسان 1939 وكان عدد الحاضرين 122 عضواً فقط من مجموع المجلسين، وكلهم من مؤيدي نوري السعيد، حيث قاطع الجلسة عدد كبير من النواب والأعيان، لكي لا يكونوا شاهدي زور على جريمة الاغتيال، وقد عرض عليهم نوري السعيد قرار مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه بإجماع الحاضرين، وبذلك تم تنصيب عبد الإله وصياً على العرش.
المراجع :
  (1) تاريخ الوزارات العراقية - الجزء الخامس - عبد الرزاق الحسني  ـ ص 77
  (2) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 78
 (3) المصدر السابق ـ ج5 ـ ص 76 .
  (4) نفس المصدر ـ ص 79 .
  (5) نفس المصدر ـ ص  87 .
  (6) فرسان العروبة ـ صلاح الدين الصباغ ـ ص 87 .
  (7) يقظة العالم العربي ـ  جان وولف ـ ص 120 .
   (8) ثورة العراق ـ كارتاكوز ـ ص 32 .
  (9) حديث الدكتور صائب شوكت مع الحسني في 8 نيسان 1975
  (10) تاريخ الوزارات العراقية ـ الحسني ـ ج5  ـ ص81
  (11) مذكرات طه الهاشمي ـ ص 241 .
  (12) علي الشرقي ـ كتاب الأحلام ـ ص 170
  (13) تاريخ الوزارات العراقية ـ عبد الرزاق الحسني الحسني ـ ج 5 ـ 79
  (13)  نفس المصدر السابق .
  (14) نفس المصدر السابق ـ ص 90 .
  (15) نفس المصدر السابق .


43
من ذاكرة التاريخ
الحرب العراقية الإيرانية
القسم الثالث والأخير
حامد الحمداني                         4/4                        25/8/2018

أولاً: حرب الناقلات، وتأثيرها على إمدادات النفط :

عمل الطرفان المتحاربان العراق وإيران على منع كل طرف للطرف الآخر من تصدير نفطه، بالنظر إلى اعتماد كلا البلدين على واردات النفط لتمويل الحرب ولكون اقتصاد البلدين يعتمد اعتماداً كلياً على تلك الواردات، ولذلك وجدنا قوات البلدين تقوم بقصف المنشآت النفطية لكل منهما، واستمر القصف طيلة أمد الحرب.

كما قامت القوات الإيرانية بلغم رأس الخليج لمنع الناقلات من الوصول إلى ميناء البكر النفطي، مما اضطر العراق كما أسلفنا، إلى مد أنابيب لنقل النفط عبر الأراضي التركية والسعودية، فيما كانت سوريا قد أوقفت مرور النفط العراقي في الخط المار عبر أراضيها إلى ميناء بانياس، وميناء طرابلس اللبناني، منذُ نشوب الحرب.

 كما قامت الكويت ببيع النفط لحساب العراق، ونقله على ناقلاتها، مما دفع إيران إلى مهاجمة الناقلات الخليجية، حيث أصيب أكثر من 160 ناقلة منها 48 ناقلة كويتية، واضطر حكام الكويت إلى شراء الحماية لناقلاتها من الولايات المتحدة وقامت برفع العلم الأمريكي عليها لمنع إيران من مهاجمتها، كما قامت حكومة الكويت بتأجير 11 ناقلة سوفيتية لضمان عدم الاعتداء عليها، وحاولت شراء الحماية من الصين كذلك، لكن الولايات المتحدة عارضت ذلك خوفاً على مصالحها في الخليج.
 
أما حكام العراق فقد سعوا أيضاً إلى منع إيران من تصدير نفطها، وقامت طائرات من طراز [سوخوي 23]، وطائرات من طراز [ميراج] الفرنسية التي استأجرها العراق ، والمحملة بصواريخ [أكزوزسيت] والتي استطاع بواسطتها من الوصول إلى ابعد نقطة في الخليج لملاحقة الناقلات التي تنقل النفط الإيراني، وتدمير المرافئ التي تستخدمها إيران لتصدير النفط.
 وهكذا اشتعلت حرب الناقلات بين البلدين المتحاربين، وأصبحت عملية نقل النفط خطيرة وصعبة، ورفعت شركات التأمين رسومها على الناقلات إلى مستوى عالٍ جداً مما سبب في رفع أسعار النفط في الأسواق العالمية.

 وفي تلك الأيام قامت طائرة عراقية بضرب طراد أمريكي، في 18 أيار 1987، حيث اعتقد الطيار أنه طراد إيراني، وأدى قصفه إلى مقتل 28 فرداً من القوات الأمريكية، واعترفت الحكومة العراقية بقصف الطراد وقدمت اعتذاراً للحكومة الأمريكية، وتم دفع تعويضات لأسر العسكريين القتلى بمقدار 800 ألف دولار لكل قتيل، ولم يصدر أي رد فعل أمريكي ضد العراق فقد كانت العلاقات بينهما على خير ما يرام!!.

استمرت حرب الناقلات، بل وتصاعدت في السنوات الأخيرة من الحرب وأصبحت تمثل خطراً حقيقياً على تدفق النفط الذي من أجله أٌشعلت نيران الحرب وأصبح الخليج مملوء بالألغام، وأصبح استمرار الحرب يعطي نتائج عكسية، مما دفع الولايات المتحدة وحلفائها إلى التحرك لإنهائها بعد تلك السنين الطويلة من الدماء والدموع، والخراب والدمار الذي عم البلدين، وكان إنهاءها يتطلب دعماً كبيراً للعراق لأخذ المبادرة، وقلب موازين القوى لصالح العراق، وطرد القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وتوجيه الضربات الموجعة لإيران لتركيعها وإجبارها على القبول بوقف الحرب .

 وقد جرى ذلك الدعم بمختلف السبل، من تقديم المعلومات العسكرية  إلى تقديم شتى أنواع الأسلحة، وتقديم الخبرات، ومشاركة ضباط مصريين كبار، بالإضافة إلى القوات المصرية، والأردنية، واليمانية، وغيرها من السبل والوسائل، وبدأ العراق يعد العدة لشن الهجوم تلو الهجوم لطرد القوات الإيرانية من أراضيه.
 
ثانياً:المعارك التي خاضها العراق في العام الأخير للحرب:

1 ـ معركة تحرير الفاو:
في عام 1988، العام الأخير للحرب، تحول ميزان القوى مرة أخرى لصالح العراق، وبدأ النظام العراقي يعد العدة لتحرير أراضيه من الاحتلال الإيراني، وكان في مقدمة أهدافه تحرير الفاو، التي مضى على احتلالها 21 شهراً، فقد حشد النظام العراقي قوات كبيرة من الحرس الجمهوري، ومعدات لا حصر لها، كان من بينها 2000 مدفع، ومئات الدبابات والمدرعات، وبدأ الهجوم يوم 17 نيسان 988 واستطاعت القوات العراقية تحقيق انتصار ساحق على القوات الإيرانية بعد أن حولت المنطقة إلى كتلة من لهيب، ودفع العراق حياة خمسين الفاً من أبنائه ثمناً لتحرير الفاو !!.

2 ـ تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة:
 كان الهدف الثاني للنظام العراقي هو تحرير المناطق المحيطة بمدينة البصرة وإبعاد القوات الإيرانية عن المدينة التي كانت طيلة الحرب هدفاً لقصف المدفعية الإيرانية، والهجمات المتتالية عليها بغية احتلالها، ولذلك فقد ركز النظام العراقي جهد قواته إلى تلك المنطقة، وخاض مع القوات الإيرانية معارك شرسة دامت ثلاثة أسابيع، وتمكنت القوات العراقية بعدها من تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة، بعد أن قدم التضحيات الجسام.

3 ـ تحرير جزر مجنون:
بعد أن فرغت القوات العراقية من تحرير الفاو، كان أمامها الهدف الثالث، الذي لا يقل أهمية عن الهدفين الأولين، جزر مجنون، التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني.

4 ـ تحرير المناطق الحدودية الممتدة من البصرة إلى مندلي: 
انتقلت القوات العراقية بعد تحرير جزر مجنون إلى ملاحقة القوات الإيرانية التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب ومندلي  في القاطع الأوسط، واستمرت في توجيه الضربات للقوات الإيرانية التي أخذت معنوياتها تتراجع يوماً بعد يوم، واستطاعت القوات العراقية طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.

5 ـ اختراق الحدود الإيرانية من جديد:
لم تكتفِ القوات العراقية من إزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وإنما طورت هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل الحدود، واستمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني إلى مسافة 60 كم، مما جعل القوات الإيرانية في موقف صعب للغاية، وتنفس النظام الصدامي  الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية لإجبارها على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات عن إقناع حكام إيران بوقفها.

ثالثاً:النظام العراقي يهاجم مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية:
في ليلة 13 آذار 1988، بادرت القوات الإيرانية بالهجوم على مدينة حلبجة  الواقعة في القسم الشمالي الشرقي من كردستان، في سهل شهر زور، بمساعدة
قوات البيشمركة العائدة للحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان النظام الإيراني يرمي من هجومه على المدينة التعويض عن هزائمه أمام القوات العراقية في القاطعين الجنوبي والأوسط، ولرفع معنويات جنوده المنهارة بعد تلك الهزائم.

بدأت القوات المهاجمة بقصف المدينة بالمدفعية لمدة ثلاثة أيام، ثم أعقبتها بالهجوم البري الذي دام يومين، حيث استطاع الإيرانيون من احتلال المدينة في 15 آذار، وتقهقرت القوات العراقية التي كانت متواجدة هناك تاركة أسلحتها ومعداتها في ارض المعركة، وبدأ الإيرانيون يتحدثون عِبر وسائل إعلامهم عن انتصارات حققوها في منطقة حلبجة، وبدأ المصورون يصورون القوات الإيرانية وهي تحتل المدينة.

أدرك الأهالي أن الأخطار تحدق بهم، وأن النظام الصدامي سوف لن يدع القوات الإيرانية تحتل المدينة، وكان أكثر ما يقلقهم هو إمكانية تعرضهم للضرب بالأسلحة الكيماوية، ولذلك فقد حاولوا مغادرة المدينة وإخلائها، لكن الإيرانيين منعوهم من ذلك، لكن القوات الإيرانية لم تمكث في المدينة، وبدأت تنسحب منها تاركة الأهالي، وقوات البيشمركة فيها، فقد توقعوا أن يشن النظام الصدامي الهجوم عليها بالأسلحة الكيماوية.

  وفي صباح يوم 16 آذار حلقت 8 طائرات حربية عراقية فوق المدينة، وبدأت بالقصف العشوائي مركزة على منطقتي [السراي] و[كاني قولكه].
وبعد الظهر جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بكل أحيائها وكانت تستهدف كسر زجاج النوافذ للدور تمهيداً لقصفها بالسلاح الكيماوي، لكي تنفذ الغازات السامة في كل مكان، ولكي تقتل  أكبر عدد من المواطنين.
وفي الساعة الثالثة والربع من عصر ذلك اليوم جاءت موجة أخرى من الطائرات لتقصف المدينة بالسلاح الكيماوي، مركزة القصف على أحياء [بير محمد] و[جوله كان] و[كاني قولكه] [والسراي]، ثم تلتها موجة أخرى من الطائرات بعد ساعة لتقصف المدينة من جديد مركزة القصف على كل أنحاء المدينة.

وتحدث أحد الناجين من تلك المجزرة البشرية التي ذهب ضحيتها أكثر من 5000 مواطن كردي أغلبهم من النساء والأطفال والشيوخ، فقال:
{في البداية سمعنا صوت انفجارات مدوية تلاها بعد خمس دقائق انتشار ما يشبه الضباب الذي راح يقترب من الأرض شيئاً فشيئاً، وبدأت العيون تدمع وشعرنا بحرقة شديدة، وكانت الرائحة أشبه برائحة البارود، وتسرب الدخان الأبيض إلى كل المنازل، والمخابئ، وبدأ الناس يشعرون بالاختناق، وتدافعت جموعهم للخروج نحو الخارج لتشم الهواء، وكان الناس يصرخون كالمجانين، ويضعون أيديهم على عيونهم، وأنوفهم، ثم يسقطون على الأرض ويأتون بحركات متشنجة ويتقيئون، ويبصقون دماً، وأصيبت عيونهم بالعمى، وكانت أنوفهم وأفواههم تنزف دماً، وقد ازرقت بشرتهم، ثم بدأوا يفارقون الحياة، وكنت أرى الجثث في الشوارع والطرقات وفي كل مكان، وكان البعض منهم لا يزال ينازع الحياة، وقد شوهتهم الحروق، وبدت المدينة أشبه بمقبرة انتزعت الجثث فيها من قبورها، وتناثرت على الأرض، وقد استطاع البعض تصوير تلك المشاهد المرعبة التي تصف جرائم النظام الصدامي خير وصف}.

رابعاً:العراق يكثف حرب الصواريخ،ونهاية الحرب:

أخذ حكام العراق، بعد أن تسنى لهم دفع القوات الإيرانية إلى عمق أراضيهم يضغطون على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب، وذلك عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الشعب الإيراني، فقد كانت الصواريخ تنهال على طهران والمدن الإيرانية الأخرى بشكل متواصل محدثة خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، وخلقت حالة من الهلع لدى الشعب الإيراني.

وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم 579، والذي دعا إلى وقف القتال بين الطرفين وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية، ووجد حكام إيران أنهم قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، واضطر الزعيم الديني [آية الله الخميني] إلى إصدار أوامره بوقف الحرب في 18 تموز 1988، والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض، حيث أعلن الخميني أنه يشعر وهو يصدر أمره بوقف الحرب، بأنه يشرب السم.

وهكذا توقفت الحرب بين العراق وإيران، بعد مجازر رهيبة استمرت طيلة ثمان سنوات، وذهب ضحيتها أكثر من مليون إنسان، من كلا البلدين، إضافة إلى آلاف المعوقين والأرامل واليتامى، وتدمير اقتصاد البلدين، وتخريب مرافقهما الاقتصادية، والأعظم من كل ذلك هو التأثير النفسي الذي تركته تلك الحرب المجرمة على أبناء الشعبين المغلوبين على أمرهما، والتي لم يجنيا منها سوى الدماء والدموع .
خامساً:النظام الصدامي يشن حملة الأنفال على الأكراد:
لم يكد النظام الصدامي ينتهي من معاركه الخمسة مع إيران، وتضع الحرب أوزارها، حتى التفت إلى منطقة كردستان، وقد امتلأ قلب صدام حسين حقداً على الأكراد فأصدر أوامره إلى قوات الحرس الجمهوري بقيادة المجرم العريق [علي حسن المجيد] الملقب [علي كيماوي] حيث ارتبط أسمه باستخدام السلاح الكيماوي ضد أبناء الشعب الكردي.
ففي 20 آب 1988، اليوم الذي جرى فيه إيقاف الحرب بين العراق وإيران اندفعت قطعان الفاشيين نحو كردستان  مستخدمة في بداية هجومها السلاح الكيماوي في منطقة واسعة جاوزت  6000 كيلومتر مربع أصابت معظم القرى الكردية في المنطقة الممتدة من كركوك وحتى أقصى حدود كردستان.

كما قامت الطائرات صباح يوم 26 آب ب24 غارة بالأسلحة الكيماوية على مدن وقرى عديدة في كردستان، منها بابير،وكه ركو، وبليت ، وباروك، وزيوه وزيريج، وبازيان، ودهوك، والشيخان، والعمادية، وكانت الطائرات تتعقب الهاربين من جحيم الحرب، كما شاركت الطائرات المروحية في مطاردتهم، وبلغ عدد الفارين نحو الحدود التركية أكثر من 90 ألفا، وكان قسم منهم مصاباً بحروق جراء تعرضهم للأسلحة الكيماوية.

أعقب الهجوم البربري بالأسلحة الكيماوية اجتياح الحرس الجمهوري لكردستان، حيث أكتسحت القوات الفاشية المنطقة مبتدئة بالقرى المحيطة بكركوك لتمسحها من الوجود، وتتركها أكواما من الحجارة، ولتفتك بأبناء الشعب الكردي بأسلوب رهيب لم تشهد له كردستان من قبل، حيث لم يسلم من بطش القوات الغازية حتى الأطفال، ولم تنجوا الجوامع والكنائس من همجية الفاشيين البعثيين.
 لقد التُقِطتْ مكالمة هاتفية من علي حسن المجيد إلى قائد الفيلق الذي قاد الهجوم يقول له بالحرف الواحد: {لا تدع حتى الأطفال، لأنهم سيكبرون غداً ويحملون السلاح ضدنا}.

 وهكذا أباد الفاشيون ما يناهز على 180 ألف مواطن كردي دفنتهم الجرافات العسكرية في قبور جماعية مجهولة، وبأسلوب وحشي يندى له جبين الإنسانية.
كما تم نقل أعداد كبيرة من الأكراد إلى المناطق الصحراوية في جنوب العراق بسيارات الحمل، إمعاناً بإذلالهم، ونُهبت ممتلكاتهم ومواشيهم.

ورغم كل الجرائم التي أقترفها نظام صدام باستخدامه السلاح الكيماوي، ليس ضد القوات الإيرانية فحسب، بل وضد الشعب الكردي كذلك فإن تلك الجرائم لم تحرك مجلس الأمن، ولا حكومات الدول الغربية التي تتشدق بحقوق الإنسان، وشجع موقفهم حاكم بغداد على الإيغال بجرائمه ضد الإنسانية.
وبإلحاح من حكومة إيران وشكواها بأن العراق قد استخدم السلاح الكيماوي المحرم دولياً، اضطرت الأمم المتحدة إلى إرسال بعثة خبراء إلى طهران في 26 شباط 1986 للتحقيق في الشكوى، وقد مكثت البعثة مدة أسبوع في طهران، ثم رفعت تقريرها الذي أكد على أن العراق قد استخدم الغاز السام في الحرب واضطر مجلس الأمن إلى أن يصدر قراراً يدين العراق لأول مرة !!!.
لكن ذلك القرار كان قد صيغ بشكل مائع ولم يؤدِ إلى إيقاف تلك الجرائم، بل استمر النظام العراقي في استخدامها حتى نهاية الحرب.

غير أن الغرب صحا فجأة، بعد عام 1989، بعد أن انتهت الحرب مع إيران، وبدأ يتحدث عن تسلح النظام العراقي بأسلحة الدمار الشامل، الكيماوية والبيولوجية والجرثومية والنووية، فلقد تغيرت الحال بعد الحرب!، وخرج العراق منها يمتلك جيشاً جراراً، واقتصاداً منهاراً، ولديه ترسانة ضخمة من الأسلحة تجعله خطراً داهماً على مصالحهم في الخليج!، ووجد الغرب أن من الضروري نزع أسلحة العراق ذات الدمار الشامل من أجل ضمان أمن واستقرار الخليج!، ووجد إن الوقت قد حان لنزع هذه الترسانة الخطيرة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والجرثومية، والصواريخ البعيدة المدى، والقادرة على حمل تلك الأسلحة إلى مسافات شاسعة.

 كان لابد وان يجد الغرب الوسيلة والمبرر لذلك، فكان توريط صدام بغزوه الكويت لاتخاذ تلك الجريمة مبرراً لتدمير القوة العسكرية والاقتصادية للعراق، وتدمير البنية الاجتماعية للشعب العراقي، نتيجة للحصار الظالم الذي تم فرضه على الشعب العراقي، دون صدام وزمرته المجرمة، والذي تسبب في تلك الكارثة المفجعة حيث الجوع والفقر والأمراض التي أزهقت أرواح 4 ملايين من أطفال العراق، ومحت الطبقة الوسطى، وحولتها إلى ما دون خط الفقر، وتسببت في هجرة الملايين من العراقيين نحو بلدان اللجوء الغربية، وفقد العراق خيرة كوادره العلمية في مختلف المجالات، والتي تعتبر ثروة عراقية كبرى لا تعوض.

لقد كانت الحرب العراقية ضد إيران بالوكالة عن الولايات المحتدة، هي العامل المباشر لغزو صدام للكويت، وحرب الخليج الثانية عام 1991، والانتفاضة التي تلتها مباشرة، ومن ثم حرب الخليج الثالثة التي قادها بوش الأبن لإسقاط نظام صدام، واحتلال العراق، وما سببه الاحتلال من الويلات والمصائب والمآسي التي أوصلت الشعب للحرب الأهلية ما بين عامي 2006 و 2007 ، وما زال الشعب العراقي حتى يومنا هذا يعاني اشد المعانات من فقدان الأمن، والتفجيرات المستمرة التي تحصد كل يوم بالعشرات بل المئات من المواطنين الأبرياء، إضافة للفقر والبطالة والأمراض التي عمت المجتمع العراقي جراء حروب صدام الكارثية .
إن خير من وصف ما تسببه الحروب في  تدمير البنية الاجتماعية هو [ليون تلستوي] حيث يقول في كتابه المشهور [ الحرب والسلام ] :
{ إن سنة واحدة من الحروب تفسد المجتمع أكثر ما تفسده ملايين الجرائم لعشرات السنين}، ولنا بعد ذلك أن ندرك ما فعلته حروب صدام المجرمة منذ أن استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 17 تموز 1968 وحتى عام 2003 بالمجتمع العراقي الذي كان بالإمكان لو تهيأت لو حكومة رشيدة مسالمة، نظيفة اليد، وذات كفاءة عالية، ان يعيش اليوم حياة رغيدة، في ظل بلد يرقى إلى مصاف بلدان العالم المتطورة، حيث يمتلك العراق كل المقومات المادية والبشرية والكفاءات العلمية لبلوغ هذا الهدف الكبير.

 تم البحث، وللمزيد من المعلومات يمكن الإطلاع على موقعي على الانترنيت التالي : www.Hamid-Alhamdany.blogspot.com
حامد الحمداني

44
من ذاكرة التاريخ:

الحرب العراقية الإيرانية
حامد الحمداني                          الحلقة الثالثة                     28/8/2010
                                                   3/4
أولاً:إيران تستعيد قدراتها، وتشن الهجوم المعاكس:

في أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي، وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه، بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في تلك الحرب.

لقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري، مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية!، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان، وهم يتقدمون الصفوف.
وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني، والحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة، ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الجلاد صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.

 واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [ خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من القتلى، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط .
أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان  الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق، وأصروا على مواصلة الحرب، وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم.
وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان، حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين، بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام  1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [بشير الجميل] رئيساً للبلاد، تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني، لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه، مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.
 إلا أن حكام إيران، وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي، وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض حكام العراق الطلب الإيراني كذلك.

وحاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول، والمنظمات ،كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار.

كما اغتيل رئيس وزراء السويد [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أجل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب، من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، ولا يمكن تبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988، إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول.

لا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين، من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين  بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية المجرمة والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً حيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب، أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.

لقد كان أحرى بالنظام الإيراني، وبالإمام الخميني على وجه التحديد وهو رجل الدين الأول في إيران إيقاف القتال، وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى:
{ وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله }.
 وقوله في آية أخرى:
{ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين}،
كما جاء في آية ثالثة قوله:
{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فاصلحوا بينهم }.


 تلك هي آيات قرآنية، تحث على السلام، وحل المشاكل بالحسنى والعدل. وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب، ليسوا صدام حسين وزمرته، وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين  ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين، من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم ؟
 ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما؟

 لقد أعترف صدام حسين عام 1990، بعد إقدامه على غزو الكويت، في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني]، أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي :
{إن هناك قوى أجنبية كانت لها يد في الفتنة}.

لكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج، بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج .

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه البررة، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون ،ودمر اقتصاده، ولم يستفد من تلك الحرب سوى الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم ، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين أساس البلاء.

ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق كقيام ثورة [ شيعية ] تسقط نظام صدام، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وليس أدل على ذلك من إعلان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي، في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، وجاء فيه ما يلي :
{ إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج، سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}.

هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

ثانيا:استمرار الحرب، وإيران تستكمل تحرير أراضيها:

اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986، حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين، واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان، أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب، وشنت هجوماً واسعا على القوات العراقية، مسددة له ضربات متواصلة استطاعت من خلالها تحرير مدن  [قصر شيرين] و[سربيل زهاب] و[الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح، والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تُركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية.

 ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً، وغضباً على صدام ونظامه الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.

لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ  من المال، أو قطعة أرض أو شقة  أو دار، وكانت الحكومة السعودية، وحكام دول الخليج الأخرى تدفع الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية  والبالغة 25 مليار دولار سنوياً، هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 90 مليار دولار.

لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه، نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الجلاد آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، والوطن نحو الدمار والخراب.

ثالثاً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو وجزر مجنون الغنية بالنفط 

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات  البشرية المتتالية، تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام، بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

 أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي، فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة م